فلسفتنا
آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدرقدسسره
هذا الكتاب
طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
اسم الكتاب : فلسفتنا
المؤلّف : آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدرقدسسره
إعداد وتحقيق : لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدسسره
الناشر: مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدرقدسسره
الطبعة المحقّقة في المؤتمر : الثانية
المطبعة : شريعت ـ قم
تاريخ الطبع : ١٤٢٧ هـ ق
الكميّة : ٣٠٠٠ نسخة
رقم الشابك : ٨ ـ ٢٨ ـ ٥٨٦٠ ـ ٩٦٤ : ISBN
جميع الحقوق محفوظة للناشر
فلسفتنا
دراسة موضوعيّة في معترك الصّراع الفكريّ القائم بين مختلف التّيّارات الفلسفيّة
وخاصّة الفلسفة الإسلامية والمادّية الدّيالكتيكيّة (الماركسيّة)
تأليف :
سماحة آية الله العظمى الإمّام الشّهيد السّيّد محمّد باقر الصّدرقدسسره
المؤتمر العالميّ للأمّام الشّهيد الصّدرقدسسره
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذا الكتاب
غزا العالم الإسلامي ، منذ سقطت الدولة الإسلامية صريعةً بأيدي المستعمرين ـ سيلٌ جارفٌ من الثقافات الغربي القائمة على أُسُسهم الحضاريّة ، ومفاهيمهم عن الكون والحياة والمجتمع ، فكانت تمدّ الاستعمار إمداداً فكريّاً متواصلاً في معركته التي خاضها للإجهاز على كيان الأُمّة ، وسرّ أصالتها المتمثّل في الإسلام.
ووفدت بعد ذلك إلى أراضي الإسلام السليبة أمواج أُخرى من تيّارات الفكر الغربي ومفاهيمه الحضاريّة ؛ لتنافس المفاهيم التي سبقتها إلى الميدان ، وقام الصراع بين تلك المفاهيم الواردة ، على حساب الأُمّة ، وكيانها الفكري والسياسي الخاصّ
وكان لابدّ للإسلام أن يقول كلمته في معترك هذا الصراع المرير ، وكان لابدّ أن تكون الكلّمة قويّة عميقة ، صريحة واضحة ، كاملة شاملة ، للكون والحياة ، والإنسان والمجتمع ، والدولة والنظام ؛ ليتاح للأُمّة أن تعلن كلمة (الله) في المعترك ، وتنادي بها ، وتدعو العالم إليها كما فعلت في فجر تاريخها العظيم
وليس هذا الكتاب إلاّ جزءاً من تلك الكلّمة ، عُولجت فيه مشكلةُ الكون كما يجب أن تعالج في ضوء الإسلام ، وتتلوه الأجزاء الأُخرى التي يستكمل فيها الإسلام علاجه الرائع لمختلف مشاكل الكون والحياة
كلمة المؤتمر :
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين
منذ منتصف القرن العشرين ، وبعد ليل طويل نشر أجنحته السوداء على سماء الأُمة الإسلامية لعدّة قرون ، فلفّها في ظلام حالك من التخلّف والانحطاط والجمود ، بدأت بشائر الحياة الجديدة تلوح في أُفق الأُمّة ، وانطلق الكيان الإسلامي العملاق ـ الذي بات يرزح تحت قيود المستكبرين والظالمين مدى قرون ـ يستعيد قواه حتّى انتصب حيّاً فاعلاً قويّاً شامخاً بانتصار الثورة الإسلامية في إيران تحت قيادة الإمام الخمينيقدسسره يقضّ مضاجع المستكبرين ، ويبدّد أحلام الطامعين والمستعمرين
ولئن أضحت الأُمّة الإسلامية مدينة في حياتها الجديدة على مستوى التطبيق للأمّام الخمينيقدسسره ، فهي بدون شكّ مدينة في حياتها الجديدة على المستوى الفكري والنظري للإمّام الشهيد الصدرقدسسره ، فقد كان المنظّر الرائد بلا منازع للنهضة الجديدة ؛ إذ استطاع من خلال كتاباته وأفكاره التي تميّزت بالجدة والإبداع من جهة ، والعمق والشمول من جهة أُخرى ، أن يمهّد السبيل للأمّة ويشقّ لها الطريق نحو نهضة فكرية إسلاميّة شاملة ، وسط ركام هائل من التيّارات
الفكرية المستوردة التي تنافست في الهيمنة على مصادر القرار الفكري والثقافي في المجتمعات الإسلامية ، وتزاحمت للسيطرة على عقول مفكّريها وقلوب أبنائها المثقّفين
لقد استطاع الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدرقدسسره بكفاءةٍ عديمة النظير أن ينازل بفكره الإسلامي البديع عمالقة الحضارة المادّية الحديثة ونوابغها الفكريّين ، وأن يكشف للعقول المتحرّرة عن قيود التبعيّة الفكريّة والتقليد الأعمى ، زيف الفكر الإلحادي ، وخواء الحضارة المادّية في أُسسها العقائديّة ودعائمها النظريّة ، وأن يثبت فاعليّة الفكر الإسلامي وقدرته العديمة النظير على حلّ مشاكل المجتمع الإنساني المعاصر ، والاضطلاع بمهمّة إدارة الحياة الجديدة بما يضمن للبشريّة السعادّة والعدل والخير والرفاه
ثم إنّ الإبداع الفكري الذي حقّقته مدرسة الإمام الشهيد الصدر ، لم ينحصر في إطار معيّن ، فقد طال الفكر الإسلامي في مجاله العامّ ، وفي مجالاته الاختصاصيّة الحديثة كالاقتصاد الإسلامي والفلسفة المقارنة والمنطق الجديد ، وشمل الفكر الإسلامي الكلّاسيكي أيضاً ، كالفقه والأُصول والفلسفة والمنطق ولكلّام والتفسير والتأريخ ، فأحدث في كلّ فرع من هذه الفروع ثورةً فكريّة نقلت البحث العلمي فيه إلى مرحلة جديدة متميّزة ، سواء في المنهج أو المضمون
ورغم مضيّ عقدين على استشهاد الإمام الصدر ، ما زالت مراكز العلم ومعاهد البحث والتحقيق تستلهم فكره وعلمه ، وما زالت الساحة الفكريّة تشعر بأمسّ الحاجة إلى آثاره العلميّة وإبداعاته في مختلف مجالات البحث والتحقيق العلمي
ومن هنا كان في طليعة أعمال المؤتمر العالمي للإمّام الشهيد الصدر إحياء تراثه العلمي والفكري بشكل يتناسب مع شأن هذا التراث القيّم
وتدور هذه المهمّة الخطيرة ـ مع وجود الكمّ الكبير من التراث المطبوع للشهيد الصدر ـ في محورين :
أحدهما : ترجمته إلى ما تيسّر من اللغات الحيّة بدقّة وأمّانة عاليتين
والآخر : إعادّة تحقيقه للتوصّل إلى النصّ الأصلي للمؤلّف منزّهاً من الأخطاء التي وقعت فيه بأنواعها من التصرّف والتلاعب والسقط نتيجة كثرة الطبعات وعدم دقّة المتصدّين لها وأمّانتهم ، ثمّ طبعه من جديد بمواصفات راقية
ونظراً إلى أنّ التركة الفكرية الزاخرة للسيّد الشهيد الصدرقدسسره شملت العلوم والاختصاصات المتنوّعة للمعارف الإسلامية وبمختلف المستويات الفكريّة ، لذلك أوكلّ المؤتمر العالمي للشهيد الصدر مهمّة التحقيق فيها إلى لجنة علمية تحت إشراف علماء متخصّصين في شتّى فروع الفكر الإسلامي من تلامذته وغيرهم ، وقد وُفّقت اللجنة في عرض هذا التراث بمستوى رفيع من الإتقان والأمّانة العلميّة ، ولخّصت منهجيّة عملها بالخطوات التالية:
١- مقابلة النسخ والطبعات المختلفة
٢- تصحيح الأخطاء السارية من الطبعات الأُولى أو المستجدة في الطبعات اللاحقة ، ومعالجة موارد السقط والتصرّف
٣-ـ تقطيع النصوص وتقويمها دون أدنى تغيير في الأُسلوب والمحتوى أمّا الموارد النادرة التي تستدعي إضافة كلمة أو أكثر لاستقامة المعنى ، فيوضع المضاف بين معقوفتين
٤- تنظيم العناوين السابقة ، وإضافة عناوين أُخرى بين معقوفتين
٥- استخراج المصادر التي استند إليها السيّد الشهيد بتسجيل أقربها إلى مرامه وأكثرها مطابقة مع النصّ ؛ ذلك لأنّ المؤلّف يستخدم النقل بالمعنى ـ في عددٍ من كتبه وآثاره ـ معتمداً على ما اختزنته ذاكرته من معلومات ، أو على نوع
من التلفيق بين مطالب عديدة في مواضع متفرّقة من المصدر المنقول عنه ، وربما يكون بعض المصادر مترجماً وله عدّة ترجمات ؛ ولهذا تُعدّ هذه المرحلة من أشقّ المراحل
٦- إضافة بعض الملاحظات في الهامش للتنبيه على اختلاف النسخ أو تصحيح النصّ أو غير ذلك ، وتُختم هوامش السيّد الشهيد بعبارة : (المؤلفقدسسره ) تمييزاً لها عن هوامش التحقيق
وكقاعدة عامّة ـ لها استثناءات في بعض المؤلّفات ـ يُحاول الابتعاد عن وضع الهوامش التي تتولّى عرض مطالب إضافيّة أو شرح وبيان فكرةٍ مّا أو تقييمها ودعمها بالأدلّة أو نقدها وردّها
٧- تزويد كلّ كتاب بفهرس موضوعاته ، وإلحاق بعض المؤلفات بثبت خاص لفهرس المصادر الواردة فيها
وقد بسطت الجهود التحقيقيّة ذراعيها على كلّ ما أمكن العثور عليه من نتاجات هذا العالم الجليل ، فشملت : كتبه ، وما جاد به قلمه مقدمةً أو خاتمةً لكتب غيره ثم طُبع مستقلاًّ في مرحلة متأخرة ، ومقالاته المنشورة في مجلاّت فكريّة وثقافيّة مختلفة ، ومحاضراته ودروسه في موضوعات شتّى ، وتعليقاته على بعض الكتب الفقهيّة ، ونتاجاته المتفرّقة الأُخرى ، ثمّ نُظّمت بطريقة فنيّة وأُعيد طبعها في مجلّدات أنيقة متناسقة
ومن جملة الكتب التي شملتها الجهود التحقيقيّة المذكورة كتاب (فلسفتنا) ، وهو من جملة آثاره القيّمة التي ألّفها في أواسط العقد الثالث من عمره الشريف ، في الوقت الذي غزا العالم الإسلامي سيلٌ جارف من الثقافات الغربيّة القائمة على أُسسهم الحضاريّة ومفاهيمهم عن الكون والحياة والمجتمع ، وكان لابدّ للإسلام أن يقول كلمته في معترك هذا الصراع المرير ، ليتاح للأُمّة الإسلامية أن تعلن كلمة
(الله) في هذا المعترك ، وتنادي بها ، وتدعو العالم إليها ، كما فعلت في فجر تاريخها العظيم ؛ فكان هذا الكتاب تعبيراً واضحاً قويّاً عن تلك الكلّمة ، عولجت فيه مشكلة المعرفة والكون ضمن دراسةٍ موضوعيّة عن الصراع الفكري القائم بين مختلف التيّارات الفلسفيّة ، وخاصّة الفلسفة الإسلامية والمادّية الديالكتيكيّة الماركسيّة ، وقد أخذ مأخذه العظيم من الشهرة والنفوذ في الأوساط العلميّة والثقافيّة ، ونال قصب السبق في هذا المجال
وقد مُني هذا الكتاب بمحنة التحريف السافر بأمر النظام البعثي البائد في الطبعة التي قام بها هذا النظام في حياة المؤلّفقدسسره ورغم أنفه ، فكانت هذه ظلامة من عشرات الظلامات التي وقعت على هذا الرجل العظيم كما أنّ دُور النشر التي تصدّت لطبع هذا الكتاب في خارج العراق لم تكن على مستوى الأمّانة والدقّة الكافيتين ، ممّا سبّب وقوع أخطاء كثيرة جدّاً فيه
وعلى هذا الأساس ؛ ولأجل الأهميّة الفريدة لهذا الكتاب ، تصدّت لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدررحمهالله لتحقيق هذا الكتاب بجدّية خاصّة ، وبذلت جهدها على مستوىً رفيع جدّاً لتجريده عن الأخطاء والتحريفات ، كما أنّها قامت باستخراج المصادر التي استند إليها المؤلّف العظيمقدسسره مبلغ الإمكان ، وأضافت إليها إرجاعاتٍ عديدةً في موضوعات مختلفة إلى المصادر الفلسفيّة الحديثة والقديمة ، لكي يتسنّى للقارئ العزيز التوسّع والتعمّق في تلك المجالات
ومن أهمّ ما قامت به اللجنة المذكورة في تحقيق هذا الكتاب المقارنة الدقيقة بين النظريّات الفلسفيّة التي تبنّاها المؤلّفقدسسره في هذا الكتاب ، وبين ما انتهى إليه نظره بعد اثنتي عشرة سنة في كتابه القيّم (الأسس المنطقيّة للاستقراء) حيث إنّهقدسسره كان قد ألّف كتاب (فلسفتنا) في ضوء الأفكار الفلسفيّة السائدة عند
فلاسفة المسلمين والتي تعتمد في الغالب على منطق (أرسطو) والمذهب العقلي في نظريّة المعرفة ، ولكنّه استطاع بعد ذلك أن يتوصّل إلى نظريّات فلسفيّة جديدة سواء في بحث نظريّة المعرفة أو في بحث فلسفة الوجود ممّا أثبت جلّها في كتابه(الأُسس المنطقيّة للاستقراء) ، ووضع بذلك الجذور الأوّلية لفلسفة جديدة تختلف تماماً عن الفلسفة السائدة ولهذا رأينا من المناسب جدّاً أن يشار في كتاب(فلسفتنا) إلى جميع النقاط التي تغيّر فيها رأي المؤلّف رحمهالله في كتابه الآخر بعد ردحٍ غير قصير من الزمان وهذا ما صنعته لجنة التحقيق بقدر ما حالفها التوفيق والسداد من الله تبارك وتعالى هذا
ولا يفوتنا أن نشيد بالموقف النبيل لورثة السيّد الشهيد كافّة سيّما نجله البارّ (سماحة الحجّة السيّد جعفر الصدر حفظه الله) في دعم المؤتمر وإعطائهم الإذن الخاصّ في نشر وإحياء التراث العلمي للشهيد الصدرقدسسره
وأخيراً ، نرى لزاماً علينا أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى اللجنة المشرفة على تحقيق تراث الإمام الشهيد ، والعلماء والباحثين كافّة الذين ساهموا في إعداد هذا التراث وعرضه بالأُسلوب العلمي اللائق ، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يتقبّل جهدهم وأن يمنّ عليهم وعلينا جميعاً بالأجر والثواب ، إنّه سميع مجيب
المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدرقدسسره
أمّانة الهيئة العلميّة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
كلمة المؤلّف
فلسفتنا هو : مجموعة مفاهيمنا الأساسية عن العالم ، وطريقة التفكير فيه ؛ ولهذا كان الكتاب ـ باستثناء التمهيد ـ ينقسم إلى بحثين : أحدهما نظرية المعرفة ، والآخر المفهوم الفلسفي للعالم
ومسؤولية البحث الأوّل في الكتاب تتلخّص فيما يلي :
أوّلاً- الاستدلال على المنطق العقلي القائل بصحّة الطريقة العقلية في التفكير ، وإنّ العقل ، بما يملك من معارف ضرورية فوق التجربة ، هو المقياس الأوّل في التفكير البشري ، ولا يمكن أن توجد فكرة فلسفية أو علمية دون إخضاعها لهذا المقياس العامّ ، وحتّى التجربة التي يزعم التجريبيّون أنّها المقياس الأوّل ، ليست في الحقيقة إلاّ أداة لتطبيق المقياس العقلي ، ولا غنى للنظرية التجريبية عن الرصيد العقلي
وثانياً- درس قيمة المعرفة البشرية ، والتدليل على أنّ المعرفة إنّما يمكن التسليم لها بقيمة على أساس المنطق العقلي ، لا المنطق الديالكتيكي الذي يعجز عن إيجاد قيمة صحيحة للمعرفة(١)
____________________
(١) ولا يخفى أنّ المؤلّفقدسسره تكاملت أفكاره في بحث (نظريّة المعرفة) بعد تأليفه لهذا
وهدفنا الأساسي من هذا البحث هو : تحديد منهج الكتاب في المسألة الثانية ؛ لأنّ وضع مفهوم عامّ للعالم يتوقّف ـ قبل كلّ شيء ـ على تحديد الطريقة الرئيسية في التفكير ، والمقياس العامّ للمعرفة الصحيحة ، ومدى قيمتها ؛ ولهذا كانت المسألة الأُولى في الحقيقة بحثاً تمهيديّاً للمسألة الثانية والمسألة الثانية هي المسألة الأساسية في الكتاب التي نلفت القارئ إلى الاهتمام بها بصورة خاصّة
والبحث في المسألة الثانية يتسلسل في حلقات خمس :
ففي الحلقة الأُولى نعرض المفاهيم الفلسفية المتصارعة في الميدان وحدودها ، ونقدّم بعض الإيضاحات عنها
وفي الحلقة الثانية نتناول الديالكتيك بصفته أشهر منطق ترتكز عليه المادّية الحديثة اليوم ، فندرسه دراسة موضوعية مفصّلة بكلِّ خطوطه العريضة التي رسمها هيجل وكارل ماركس ، الفيلسوفان الديالكتيكيان
وفي الحلقة الثالثة ندرس مبدأ العلّية وقوانينها التي تسيطر على العالم ، وما تقدّمه لنا من تفسير فلسفي شامل له ، ونعالج عدّة شكوك فلسفية نشأت في ضوء التطوّرات العلمية الحديثة
وننتقل بعد ذلك إلى الحلقة الرابعة : المادّة أو الله ، وهو البحث في المرحلة النهائية من مراحل الصراع بين المادّية والإلهية ، لنصوغ مفهومنا الإلهي للعالم في
____________________
ð
الكتاب ، وانتهى إلى تأسيس اتّجاه جديد في نظريّة المعرفة يختلف عن كلّ من الاتّجاهين التقليديّين اللذين يتمثلان في (المذهب العقلي) و(المذهب التجريبي) ، وقد عرض هذا الاتّجاه الجديد في كتابه القيّم (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) ، وسمّى ذلك بـ (المذهب الذاتي للمعرفة) تمييزاً له عن المذهبين الآخرين ، وحاول فيه إعادة بناء نظريّة المعرفة على أساس جديد ، ودراسةَ نقاطها الأساسيّة في ضوءٍ يختلف اختلافاً جذريّاً عمّا قدّمه في القسم الأوّل من هذا الكتاب(لجنة التحقيق)
ضوء القوانين الفلسفية ، وفي ضوء مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية
وأمّاالحلقة الأخيرة فندرس فيها مشكلة من أهمّ المشاكل الفلسفية ، وهي : (الإدراك ) ، الذي يمثّل ميداناً مُهِمّاً من ميادين الصراع بين المادّية والميتافيزيقية وقد عولج البحثُ [ فيها ] على أساسٍ فلسفيٍّ ، وفي ضوء مختلف العلوم ذات الصلة بالموضوع : من طبيعية ، وفسيولوجية ، وسيكولوجية .
هذا هو الكتاب في مخطّط إجمالي عامّ ، تجده الآن بين يديك نتيجة جهود متضافرة طيلة عشرة أشهر ، أدّت إلى إخراجه كما ترى وكلُّ أملي أن يكون قد أدّى شيئاً من الرسالة المقدّسة بأمّان وإخلاص
وأرجو من القارئ العزيز أن يدرس بحوث الكتاب دراسة موضُوعية بكلّ إمعان وتدبُّر ، تاركاً الحكم له أو عليه إلى ما يملك من المقاييس الفلسفية والعلمية الدقيقة ، لا إلى الرغبة والعاطفة ولا أُحبّ له أن يطالع الكتاب كما يطالع كتاباً روائيّاً ، أو لوناً من ألوان الترف العقلي والأدبي ، فليس الكتاب رواية ولا أدباً أو ترفاً عقليّاً ، وإنّما هو في الصميم من مشاكل الإنسانية المفكِّرة
( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (١)
محمّد باقر الصدر
النجف الأشرف
٢٩ ربيع الثاني ١٣٧٩ هـ
____________________
(١) هود : ٨٨
تمهيد
المسألة الاجتماعيّة
الديمقراطية الرأسماليّة
الاشتراكيّة والشيوعيّة
الإسلام والمشكلة الاجتماعيّة
المسألة الاجتماعية
مشكلة العالم التي تملأ فكر الإنسانية اليوم وتمسُّ واقعها بالصميم هي :
مشكلة النظام الاجتماعي ، التي تتلخّص في محاولة إعطاء أصدق إجابة عن السؤال الآتي : ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية ، وتسعد به في حياتها الاجتماعية ؟
ومن الطبيعي أن تحتلّ هذه المشكلة مقامها الخطير ، وأن تكون في تعقيدها وتنوّع ألوان الاجتهاد في حلّها مصدراً للخطر على الإنسانية ذاتها ؛ لأنّ النظام داخل في حساب الحياة الإنسانية ، ومؤثِّر في كيانها الاجتماعي في الصميم
وهذه المشكلة عميقة الجذور في الأغوار البعيدة من تأريخ البشرية ، وقد واجهها الإنسان منذ نشأت في واقعه الحياة الاجتماعية ، وانبثقت الإنسانية الجماعية تتمثّل في عدّة أفراد تجمعهم علاقات وروابط مشتركة فإنّ هذه العلاقات التي تكوّنت تحقيقاً لمتطلّبات الفطرة والطبيعة ، في حاجة ـ بطبيعة الحال ـ إلى توجيه وتنظيم ، وعلى مدى انسجام هذا التنظيم مع الواقع الإنساني ومصالحه يتوقّف استقرّر المجتمع وسعادته
وقد دفعت هذه المشكلة بالإنسانية في ميادينها الفكرية والسياسية إلى خوض جهاد طويل ، وكفاح حافل بمختلف ألوان الصراع ، وبشتّى مذاهب العقل
البشري التي ترمي إلى إقامة البناء الاجتماعي وهندسته ، ورسم خططه ، ووضع ركائزه ، وكان جهاداً مُرهِقاً يضجُّ بالمآسي والمظالم ، ويزخر بالضحكات والدموع ، وتقترن فيه السعادة مع الشقاء ؛ كلّ ذلك لمّا كان يتمثّل في تلك الألوان الاجتماعية من مظاهر الشذوذ والانحراف عن الوضع الاجتماعي الصحيح ولولا ومضات شعَّت في لحظات من تأريخ هذا الكوكب ، لكان المجتمع الإنساني يعيش في مأساة مستمرّة ، وسبح دائم في الأمواج الزاخرة.
ولا نريد أن نستعرض الآن أشواط الجهاد الإنساني في الميدان الاجتماعي ؛ لأنّنا لا نقصد بهذه الدراسة أن نؤرّخ للإنسانية المعذَّبة ، وأجوائها التي تقلّبت فيها منذ الآماد البعيدة ، وإنّما نريد أن نواكب الإنسانية في واقعها الحاضر، وفي أشواطها التي انتهت إليها ؛ لنعرف الغاية التي يجب أن ينتهي إليها الشوط ، والساحل الطبيعي الذي لا بدّ للسفينة أن تشقّ طريقها إليه ، وترسو عنده ؛ لتصل إلى السلام والخير ، وتؤوب إلى حياة مستقرّة ، يعمرها العدل والسعادة ، بعد جهد وعناء طويلين ، وبعد تطواف عريض في شتّى النواحي ومختلف الاتّجاهات
المذاهب الاجتماعية :
إنّ أهمّ المذاهب الاجتماعية التي تسود الذهنية الإنسانية العامّة اليوم ، ويقوم بينها الصراع الفكري أو السياسي على اختلاف مدى وجودها الاجتماعي في حياة الإنسان ، هي مذاهب أربعة :
١- النظام الديمقراطي الرأسمالي
٢- النظام الاشتراكي
٣- النظام الشيوعي
٤- النظام الإسلامي
ويتقاسم العالم اليوم اثنان من هذه الأنظمة الأربعة : فالنظام الديمقراطي الرأسمالي هو أساس الحكم في بقعة كبيرة من الأرض ، والنظام الاشتراكي هو السائد في بقعة كبيرة أُخرى وكلٌّ من النظامين يملك كياناً سياسيّاً عظيماً ، يحميه في صراعه مع الآخر ، ويسلِّحه في معركته الجبّارة التي يخوضها أبطاله في سبيل الحصول على قيادة العالم ، وتوحيد النظام الاجتماعي فيه
وأمّا النظام الشيوعي والإسلامي فوجودهما بالفعل فكري خالص غير أنّ النظام الإسلامي مرّ بتجربة من أروع تجارب النُّظُم الاجتماعية وأنجحها ، ثمّ عصفت به العواصف بعد أن خلا الميدان من القادة المبدئيّين أو كاد ، وبقيت التجربة في رحمة أُناس لم ينضج الإسلام في نفوسهم ، ولم يملأ أرواحهم بروحه وجوهره ، فعجزت عن الصمود والبقاء ، فتقوَّض الكيان الإسلامي ، وبقي نظام الإسلام فكراً في ذهن الأُمّة الإسلامية ، وعقيدةً في قلوب المسلمين ، وأملاً يسعى إلى تحقيقه أبناؤه المجاهدون وأمّا النظام الشيوعي فهو فكرة غير مُجرَّبة حتّى الآن تجربة كاملة ، وإنّما تتّجه قيادة المعسكر الاشتراكي اليوم إلى تهيئة جوٍّ اجتماعي له ، بعد أن عجزت عن تطبيقه حين ملكت زمام الحكم ، فأعلنت النظام الاشتراكي ، وطبّقته كخطوة إلى الشيوعية الحقيقية
فما هو موضعنا من هذه الأنظمة ؟
وما هي قضيّتنا التي يجب أن ننذر حياتنا لها ، ونقود السفينة إلى شاطئها ؟
الديمقراطية الرأسمالية
ولنبدأ بالنظام الديمقراطي الرأسمالي ، هذا النظام الذي أطاح بلون من الظلم في الحياة الاقتصادية ، وبالحكم الدكتاتوري في الحياة السياسية ، وبجمود الكنيسة وما إليها في الحياة الفكرية ، وهيّأ مقاليد الحكم والنفوذ لفئة حاكمة جديدة حلَّت محلّ السابقين ، وقامت بنفس دورهم الاجتماعي في أسلوب جديد
وقد قامت الديمقراطية الرأسمالية على الإيمان بالفرد إيماناً لا حدّ له ، وبأنّ مصالحه الخاصّة بنفسها تكفل- بصورة طبيعية- مصلحة المجتمع في مختلف الميادين وأنّ فكرة الدولة إنّما تستهدف حماية الأفراد ومصالحهم الخاصّة ، فلا يجوز لها أن تتعدَّى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عملها
ويتلخّص النظام الديمقراطي الرأسمالي في إعلان الحرّيات الأربع : السياسية ، والاقتصادية ، والفكرية ، والشخصية
فالحرّية السياسية تجعل لكلّ فرد كلاماً مسموعاً ، ورأياً محترماً في تقرير الحياة العامّة للأُمّة : وضع خططها ، ورسم قوانينها ، وتعيين السلطات القائمة لحمايتها ؛ وذلك لأنّ النظام الاجتماعي للأمّة ، والجهاز الحاكم فيها ، مسألةٌ تتّصل اتّصالاً مباشراً بحياة كلّ فرد من أفرادها ، وتؤثّر تأثيراً حاسماً في سعادته أو شقائه ، فمن الطبيعي ، حينئذٍ ، أن يكون لكلّ فرد حقّ المشاركة في بناء النظام والحكم
وإذا كانت المسألة الاجتماعية ـ كما قلنا ـ مسألة حياة أو موت ، ومسألة سعادة أو شقاء للمواطنين الذين تسري عليهم القوانين والأنظمة العامّة
فمن الطبيعي- أيضاً- أن لا يباح الاضطلاع بمسؤوليّتها لفرد أو لمجموعة خاصّة من الأفراد ـ مهما كانت الظروف ـ ما دام لم يوجد الفرد الذي يرتفع في نزاهة قصده ورجاحة عقله على الأهواء والأخطاء
فلابدّ إذن من إعلان المساواة التامّة في الحقوق السياسية بين المواطنين كافةً ؛ لأنّهم يتساوون في تحمُّل نتائج المسألة الاجتماعية ، والخضوع لمقتضيات السلطات التشريعية والتنفيذية وعلى هذا الأساس قام حقّ التصويت ومبدأ الانتخاب العامّ الذي يضمن انبثاق الجهاز الحاكم ، بكلّ سلطاته وشُعَبه ، عن أكثرية المواطنين
والحرّية الاقتصادية ترتكز على الإيمان بالاقتصاد الحرّ ، وتقرّر فتح جميع الأبواب ، وتهيئة كلّ الميادين إمام المواطن في المجال الاقتصادي فيباح التملّك للاستهلاك وللإنتاج معاً ، وتباح هذه الملكية التي يتكوّن منها رأس المال من غير حدٍّ وتقييد ، وللجميع على حدٍّ سواء فلكلّ فرد مطلق الحرّية في انتهاج أيّ أُسلوب وسلوك أيّ طريق لكسب الثروة وتضخيمها ومضاعفتها على ضوء مصالحه ومنافعه الشخصية
وفي زعم بعض المدافعين عن هذه الحرّية الاقتصاديّة أنّ قوانين الاقتصاد السياسي ، التي تجري على أُصول عامّة بصورة طبيعية ، كفيلة بسعادة المجتمع ، وحفظ التوازن الاقتصادي فيه ، وأنّ المصلحة الشخصية التي هي الحافظ القوي والهدف الحقيقي للفرد في عمله ونشاطه ، هي خير ضمان للمصلحة الاجتماعية العامّة وأنّ التنافس الذي يقوم في السوق الحرّة ، نتيجةً لتساوي المنتجبين والمتّجرين في حقّهم من الحرّية الاقتصادية ، يكفي وحده لتحقيق روح العدل والإنصاف في شتّى الاتفاقات والمعاملات فالقوانين الطبيعية للاقتصاد تتدخّل ـ مثلاً ـ في حفظ المستوى الطبيعي للثمن ، بصورة تكاد أن تكون آلية ؛ وذلك أنّ
الثمن إذا ارتفع عن حدوده الطبيعية العادلة انخفض الطلب بحكم القانون الطبيعي الذي يحكم بأنّ ارتفاع الثمن يؤثّر في انخفاض الطلب ، وانخفاض الطلب بدوره يقوم بتخفيض الثمن ، تحقيقاً لقانون طبيعي آخر ، ولا يتركه حتّى ينخفض به إلى مستواه السابق ، ويزول الشذوذ بذلك
والمصلحة الشخصية تفرض على الفرد ـ دائماً ـ التفكير في كيفية إزادة الإنتاج وتحسينه ، مع تقليل مصارفه ونفقاته ؛ وذلك يحقّق مصلحة المجتمع ، في نفس الوقت الذي يعتبر مسألة خاصّة بالفرد أيضاً
والتنافس يقتضي ـ بصورة طبيعية ـ تحديد أثمان البضائع ، وأُجور العمال والمستخدمين بشكل عادل ، لا ظلم فيه ولا إجحاف ؛ لأنّ كلّ بائع أو منتج يخشى من رفع أثمان بضائعه ، أو تخفيض أُجور عمّاله ، بسبب منافسة الآخرين له من البائعين والمنتجبين
والحرّية الفكرية تعني : أن يعيش الناس أحراراً في عقائدهم وأفكارهم ، يفكّرون حسب ما يتراءى لهم ويحلو لعقولهم ، ويعتقدون ما يصل إليه اجتهادهم ، أو ما توحيه إليهم مشتهياتهم وأهواؤهم بدون عائق من السلطة فالدولة لا تسلب هذه الحرّية عن فرد ، ولا تمنعه عن ممارسة حقّه فيها ، والإعلان عن أفكاره ومعتقداته ، والدفاع عن وجهات نظره واجتهاده
والحرّية الشخصية تعبّر عن تحرُّر الإنسان في سلوكه الخاصّ من مختلف ألوان الضغط والتحديد ، فهو يملك إرادته وتطويرها وفقاً لرغباته الخاصّة ، مهما نجم عن استعماله لسيطرته هذه على سلوكه الخاصّ من مضاعفات ونتائج ، ما لم تصطدم بسيطرة الآخرين على سلوكهم فالحدّ النهائي الذي تقف عنده الحرّية الشخصية لكلّ فرد : حرّية الآخرين فما لم يمسّها الفرد بسوء
فلا جناح عليه أن يكيّف حياته باللون الذي يحلو له ، ويتّبع مختلف العادات والتقاليد والشعائر والطقوس التي يستذوقها ؛ لأنّ ذلك مسألة خاصّة تتّصل بكيانه وحاضره ومستقبله وما دام يملك هذا الكيان ، فهو قادر على التصرّف فيه كما يشاء
وليست الحرّية الدينية ـ في رأي الرأسمالية التي تنادي بها ـ إلاّ تعبيراً عن الحرّية الفكرية في جانبها العقائدي ، وعن الحرّية الشخصية في الجانب العملي الذي يتّصل بالشعائر والسلوك
ويُستخلَص من هذا العرض : أنّ الخطّ الفكري العريض لهذا النظام ـ كما ألمحنا إليه ـ هو : أنّ مصالح المجتمع بمصالح الأفراد ، فالفرد هو القاعدة التي يجب أن يرتكز عليها النظام الاجتماعي ، والدولة الصالحة هي الجهاز الذي يُسخَّر لخدمة الفرد وحسابه ، والأداة القوية لحفظ مصالحه وحمايتها
هذه هي الديمقراطية الرأسمالية في ركائزها الأساسية التي قامت من أجلها جملة من الثورات ، وجاهد في سبيلها كثير من الشعوب والأُمم ، في ظلّ قادة كانوا حين يعبّرون عن هذا النظام الجديد ويعِدونهم بمحاسنه ، يصفون الجنّة في نعيمها وسعادتها ، وما تحفل به من انطلاق وهناء وكرامة وثراء وقد أُجريت عليها بعد ذلك عدّة من التعديلات ، غير أنّها لم تمسّ جوهرها بالصميم ، بل بقيت محتفظةً بأهمّ ركائزها وأُسسها
الاتجاه المادّي في الرأسمالية :
ومن الواضح أنّ هذا النظام الاجتماعي نظامٌ مادّيٌّ خالص ، أُخذ فيه الإنسان منفصلاً عن مبدئه وآخرته ، محدوداً بالجانب النفعي من حياته المادّية ،
وافتُرِض على هذا الشكل ولكن هذا النظام في نفس الوقت الذي كان مشبعاً بالروح المادّية الطاغية لم يبنَ على فلسفة مادّية للحياة ، وعلى دراسة مفصّلة لها
فالحياة في الجوّ الاجتماعي لهذا النظام ، فُصِلت عن كلّ علاقة خارجة عن حدود المادّة والمنفعة ، ولكن لم يُهيَّأ لإقامة هذا النظام فهمٌ فلسفيٌّ كامل لعملية الفصل هذه ولا أعني بذلك : أنّ العالم لم يكن فيه مدارس للفلسفة المادّية وأنصار لها ، بل كان فيه إقبال على النزعة المادّية تأثُّراً بالعقلية التجريبية التي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعي(١) ، وبروح الشكّ والتبلبل الفكري الذي أحدثه انقلاب الرأي في طائفة من الأفكار كانت تُعَدُّ من أوضح الحقائق وأكثرها صحّة(٢) ، وبروح
____________________
(١) فإنّ التجربة اكتسبت أهمية كُبرى في الميدان العلمي ، ووفِّقت توفيقاً ـ لم يكن في الحسّبان ـ إلى الكشف عن حقائق كثيرة ، وإزاحة الستار عن أسرار مدهشة ، أتاحت للإنسانية أن تستثمر تلك الأسرار والحقائق في حياتها العملية وهذا التوفيق الذي حصلت عليه التجربة ، أشاد لها قدسيّةً في العقليّة العامّة ، وجعل الناس ينصرفون عن الأفكار العقليّة ، وعن كلّ الحقائق التي لا تظهر في ميدان الحسّ والتجربة ، حتّى صار الحسّ التجريبي في عقيدة كثير من التجْرِيبيين الأساس الوحيد لجميع المعارف والعلوم
وسوف نوضِّح في هذا الكتاب : أنّ التجربة بنفسها تعتمد على الفكر العقلي وأنّ الأساس الأوّل للعلوم والمعارف هو العقل الذي يدرك حقائق لا يقع عليها الحسّ ، كما يدرك الحقائق المحسوسة (المؤلّفقدسسره )
(٢) فإنّ جملة من العقائد العامّة كانت في درجة عالية من الوضوح والبداهة في النظر العامّ ، مع أنّها لم تكن قائمةً على أساس من منطق عقلي ، أو دليل فلسفي ، كالإيمان بأنّ الأرض مركز العالم فلمّا انهارت هذه العقائد في ظلّ التجارب الصحيحة ، تزعزع الإيمان العامّ ، وسيطرت موجة من الشكّ على كثير من الأذهان ، فبُعِثت السفسطة اليونانية من جديد متأثّرة بروح الشكّ ، كما تأثّرت في العهد اليوناني بروح الشكّ الذي تولَّد من تناقض المذاهب الفلسفية وشدّة الجدل بها (المؤلّف قدسسره )
التمرّدوالسخط على الدين المزعوم الذي كان يجمِّد الأفكار والعقول ، ويتملّق للظلم والجبروت ، وينتصر للفساد الاجتماعي في كلّ معركة يخوضها مع الضعفاء والمضطهدين(١)
فهذه العوامل الثلاثة ساعدت على بعث المادّية في كثير من العقليّات الغربية
كلّ هذا صحيح ، ولكنّ النظام الرأسمالي لم يركّز على فهم فلسفي مادّي للحياة ، وهذا هو التناقض والعجز ، فإنّ المسألة الاجتماعية للحياة تتّصل بواقع الحياة ، ولا تتبلور في شكل صحيح إلاّ إذا أُقيمت على قاعدة مركزية ، تشرح الحياة وواقعها وحدودها ، والنظام الرأسمالي يفقد هذه القاعدة ، فهو ينطوي على خداع وتضليل ، أو على عجلة وقلّة أناة ، حين تجمّد المسألة الواقعية للحياة ، وتُدرَس المسألة الاجتماعية منفصلة عنها ، مع أنّ قوام الميزان الفكري للنظام بتحديد نظرته منذ البداية إلى واقع الحياة ، التي تموِّن المجتمع بالمادّة الاجتماعية ـ وهي : العلاقات المتبادلة بين الناس ـ وطريقة فهمه لها ، واكتشاف أسرارها وقيمها فالإنسان في هذا الكوكب إن كان من صنع قوة مدبرة مهيمنة ، عالمة بأسراره وخفاياه ، بظواهره ودقائقه ، قائمة على تنظيمه وتوجيهه ، فمن الطبيعي أن يخضع في توجيهه وتكييف حياته لتلك القوّة الخالقة ؛ لأنّها أبصر بأمره ، وأعلم
____________________
(١) فإنّ الكنيسة لعبت دوراً هاماً في استغلال الدين استغلالاً شنيعاً ، وجعْلِ اسمه أداةَ مآربها وأغراضها ، وخنق الأنفاس العلمية والاجتماعية ، وأقامت محاكم التفتيش ، وأعطت لها الصلاحيّات الواسعة للتصرّف في المقدَّرات ، حتّى تولّد عن ذلك كلّه التبرّم بالدين والسخط عليه ؛ لأنّ الجريمة ارتكبت باسمه ، مع أنّه في واقعه المصفّى وجوهره الصحيح لا يقلّ عن أُولئك الساخطين والمتبرّمين ضيقاً بتلك الجريمة ، واستفظاعاً لدوافعها ونتائجها (المؤلّف قدسسره )
بواقعه ، وأنزه قصداً ، وأشدّ اعتدالاً منه
وأيضاً ، فإنّ هذه الحياة المحدودة إن كانت بداية الشوط لحياة خالدة تنبثق عنها ، وتتلوّن بطابعها ، وتتوقّف موازينها على مدى اعتدال الحياة الأُولى ونزاهتها ، فمن الطبيعي أن تنظّم الحياة الحاضرة بما هي بداية الشوط لحياة لا فناء فيها ، وتقام على أُسس القِيَم المعنوية والمادّية معاً.
وإذن فمسألة الإيمان بالله وانبثاق الحياة عنه ليست مسألةً فكرية خالصة لا علاقة لها بالحياة ، لتُفصل عن مجالات الحياة ويشرّع لها طرائقها ودساتيرها مع إغفال تلك المسألة وفصلها ، بل هي مسألة تتّصل بالعقل والقلب والحياة جميعاً
والدليل على مدى اتّصالها بالحياة من الديمقراطية الرأسمالية نفسها : أنّ الفكرة فيها تُقدَّم على أساس الإيمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من الأفراد بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها إلى الدرجة التي تبيح إيكال المسألة الاجتماعية إليها ، والتعويل في إقامة حياة صالحة للأُمّة عليها وهذا الأساس بنفسه لا موضعَ ولا معنىً له إلاّ إذا أُقيم على فلسفة مادّية خالصة ، لا تعترف بإمكان انبثاق النظام إلاّ عن عقل بشري محدود
فالنظام الرأسمالي مادّي بكلّ ما للّفظ من معنىً ، فهو إمّا أن يكون قد استبطن المادّية ، ولم يجرؤ على الإعلان عن ربطه بها وارتكازه عليها وإمّا أن يكون جاهلاً بمدى الربط الطبيعي بين المسألة الوقعية للحياة ومسألتها الاجتماعية وعلى هذا فهو يفقد الفلسفة التي لا بدّ لكلّ نظام اجتماعي أن يرتكز عليها وهو ـ بكلمة ـ نظام مادّي ، وإن لم يكن مقاماً على فلسفة مادّية واضحة الخطوط
موضع الأخلاق من الرأسمالية :
وكان من جرّاء هذه المادّية التي زخر النظام بروحها أن أُقصيت الأخلاق من الحسّاب ، ولم يُلحَظ لها وجودٌ في ذلك النظام ، أو بالأحرى تبدّلت مفاهيمها ومقاييسها ، وأُعلنت المصلحة الشخصية كهدف أعلى ، والحرّيات جميعاً كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة فنشأ عن ذلك أكثر ما ضجَّ به العالم الحديث من محن وكوارث ، ومآسي ومصائب.
وقد يدافع أنصار الديمقراطية الرأسمالية عن وجهة نظرها في الفرد ومصالحه الشخصية ، قائلين إنّ الهدف الشخصي بنفسه يحقّق المصلحة الاجتماعية ، وإنّ النتائج التي تحقّقها الأخلاق بقيمها الروحية تُحقَّق في المجتمع الديمقراطي الرأسمالي ، لكن لا عن طريق الأخلاق ، بل عن طريق الدوافع الخاصّة وخدمتها ؛ فإنّ الإنسان حين يقوم بخدمة اجتماعية يحقّق بذلك مصلحةً شخصية أيضاً ؛ باعتباره جزءاً للمجتمع الذي سعى في سبيله ، وحين ينقذ حياة شخص تعرَّضت للخطر فقد أفاد نفسه أيضاً ؛ لأنّ حياة الشخص سوف تقوم بخدمة للهيئة الاجتماعية ، فيعود عليه نصيب منها ، وإذن ، فالدافع الشخصي والحسّ النفعي يكفيان لتأمين المصالح الاجتماعية وضمانها ، ما دامت ترجع بالتحليل إلى مصالح خاصّة ومنافع فردية
وهذا الدفاع أقرب إلى الخيال الواسع منه إلى الاستدلال فتصوّر بنفسك أنّ المقياس العملي في الحياة لكلّ فرد في الأُمّة إذا كان هو تحقيق منافعه ومصالحه الخاصّة ، على أوسع نطاق وأبعد مدى ، وكانت الدولة تُوفِّر للفرد حرّياته وتقدِّسه بغير تحفّظ ولا تحديد ، فما هو وضع العمل الاجتماعي من قاموس هؤلاء الأفراد ؟! وكيف يمكن أن يكون اتّصال المصلحة الاجتماعية بالفرد كافياً لتوجيه
الأفراد نحو الأعمال التي تدعو إليها القيم الخُلُقية ؟! مع أنّ كثيراً من تلك الأعمال لا تعود على الفرد بشيء من النفع ، وإذا اتّفق أن كان فيها شيء من النفع باعتباره فرداً من المجتمع ، فكثيراً ما يُزاحَم هذا النفع الضئيل ـ الذي لا يُدْرِكه الإنسان إلاّ في نظرة تحليلية ـ بفوات منافع عاجلة أو مصالح فردية تجد في الحرّيات ضماناً لتحقيقها ، فيطيح الفرد في سبيلها بكلّ برنامج الخُلُق والضمير الروحي
مآسي النظام الرأسمالي :
وإذا أردنا أن نستعرض الحلقات المتسلسلة من المآسي الاجتماعية التي انبثقت عن هذا النظام المرتجل- لا على أساس فلسفيٍّ مدروس ـ فسوف يضيق بذلك المجال المحدود لهذا البحث ؛ ولذا نلمّح إليها :
فأوّل تلك الحلقات : تحكُّم الأكثرية في الأقلية ومصالحها ومسائلها الحيوية ؛ فإنّ الحرّية السياسية كانت تعني : أنّ وضع النظام والقوانين وتمشيتها من حقّ الأكثرية ولنتصوّر أنّ الفئة التي تمثِّل الأكثرية في الأُمّة ملكت زمام الحكم والتشريع ، وهي تحمل العقلية الديمقراطية الرأسمالية ، وهي عقلية مادّية خالصة في اتّجاهها ونزعاتها ، وأهدافها وأهوائها ، فماذا يكون مصير الفئة الأُخرى ؟! أو ماذا ترتقب للأقلية من حياة في ظلّ قوانين تُشرَّع لحساب الأكثرية ولحفظ مصالحها ؟! وهل يكون من الغريب حينئذٍ إذا شَرَّعت الأكثرية القوانين على ضوء مصالحها خاصّة ، وأهملت مصالح الأقلية ، واتّجهت إلى تحقيق رغباتها اتّجاهاً مجحفاً بحقوق الآخرين ؟! فمن الذين يحفظ لهذه الأقلية كيانها الحيوي ، ويذبُّ عن وجهها الظلمَ ، ما دامت المصلحة الشخصية هي مسألة كلّ فرد ، وما دامت الأكثرية لا تعرف للقيم الروحية والمعنوية مفهوماً في عقليّتها الاجتماعية ؟! وبطبيعة الحال ، أنّ التحكّم سوف يبقى في ظلّ النظام كما كان
في السابق ، وأنّ مظاهر الاستغلال والاستهتار بحقوق الآخرين ومصالحهم ستُحفَظ في الجوّ الاجتماعي لهذا النظام كحالها في الأجواء الاجتماعية القديمة
وغاية ما في الموضوع من فرق : أنّ الاستهتار بالكرامة الإنسانية كان من قِبَل أفراد بأُمّة ، وأصبح في هذا النظام من الفئات التي تمثِّل الأكثريّات بالنسبة إلى الأقلِّيات التي تشكّل بمجموعها عدداً هائلاً من البشر
وليت الأمر وقف عند هذا الحدّ ، إذاً لكانت المأساة هيّنة ، ولكان المسرح يحتفل بالضحكات أكثر ممّا يعرض من دموع ، بل إنّ الأمر تفاقم واشتدّ حين برزت المسألة الاقتصادية من هذا النظام بعد ذلك ، فقرّرت الحرّية الاقتصادية على هذا النحو الذي عرضناه سابقاً ، وأجازت مختلف أساليب الثراء وألوانه مهما كان فاحشاً ، ومهما كان شاذّاً في طريقته وأسبابه ، وضمنت تحقيق ما أعلنت عنه ، في الوقت الذي كان العالم يحتفل بانقلاب صناعي كبير ، والعلم يتمخَّض عن ولادة الآلة التي قلبت وجه الصناعة ، وكسحت الصناعات اليدوية ونحوها ، فانكشف الميدان عن ثراء فاحش من جانب الأقلية من أفراد الأُمّة ، ممّن أتاحت لهم الفرص وسائل الإنتاج الحديث ، وزوَّدتهم الحرّيات الرأسمالية غير المحدودة بضمانات كافية لاستثمارها واستغلالها إلى أبعد حدٍّ ، والقضاء بها على كثير من فئات الأُمّة التي اكتسحت الآلة البخارية صناعتها ، وزعزعت حياتها ، ولم تجد سبيلاً للصمود في وجه التيّار ، ما دام أرباب الصناعات الحديثة مسلّحين بالحرّية الاقتصادية ، وبحقوق الحرّيات المقدَّسة كلّها
وهكذا خلا الميدان إلاّ من تلك الصفوة من أرباب الصناعة والإنتاج ، وتضاءلت الفئة الوسطى ، واقتربت إلى المستوى العامّ المنخفض ، وصارت هذه الأكثرية المحطَّمة تحت رحمة تلك الصفوة التي لا تفكّر ولا تحسب إلاّ على الطريقة الديمقراطية الرأسمالية ومن الطبيعي حينئذٍ أن لا تمدُّ يد العطف
والمعونة إلى هؤلاء ، لتنتشلهم من الهوَّة ، وتشركهم في مغانمها الضخمة ولماذا تفعل ذلك ؟! ما دام المقياس الخُلُقي هو المنفعة واللذّة ، وما دامت الدولة تضمن لها مطلق الحرّية فيما تعمل ، وما دام النظام الديمقراطي الرأسمالي يضيق بالفلسفة المعنوية للحياة ومفاهيمها الخاصّة
فالمسألة ـ إذاً ـ يجب أن تُدرَس بالطريقة التي يوحي بها هذا النظام ، وهي أن يستغلَّ هؤلاء الكبراء حاجة الأكثرية إليهم ، ومقوِّماتهم المعيشية ، فيفرض على القادرين العملُ في ميادينهم ومصانعهم في مدّة لا يمكن الزيادة عليها ، وبأثمان لا تفي إلاّ بالحياة الضرورية لهم هذا هو منطق المنفعة الخالص الذي كان من الطبيعي أن يسلكوه ، وتنقسم الأُمّة بسبب ذلك إلى فئة في قمّة الثراء ، وأكثرية في المهوى السحيق
وهنا يتبلور الحقّ السياسي للأُمّة من جديد بشكل آخر فالمساواة في الحقوق السياسية بين أفراد المواطنين وإن لم تمح من سجلّ النظام ، غير أنّها لم تعد بعد هذه الزعازع إلاّ خيالاً وتفكيراً خالصاً ؛ فإنّ الحرّية الاقتصادية حين تسجِّل ما عرضناه من نتائج ، تنتهي إلى الانقسام الفظيع الذي مرّ في العرض ، وتكون هي المسيطرة على الموقف والماسكة بالزمام ، وتُقهَر الحرّية السياسية أمامها ؛ فإنّ الفئة الرأسمالية بحكم مركزها الاقتصادي من المجتمع ، وقدرتها على استعمال جميع وسائل الدعاية ، وتمكُّنِها من شراء الأنصار والأعوان ، تهيمن على مقاليد الحكم في الأُمّة ، وتتسلّم السلطة لتسخيرها في مصالحها والسهر على مآربها ، ويصبح التشريع والنظام الاجتماعي خاضعاً لسيطرة رأس المال ، بعد أن كان المفروض في المفاهيم الديمقراطية أنّه من حقّ الأُمّة جمعاء وهكذا تعود الديمقراطية الرأسمالية في نهاية المطاف حُكماً تستأثر به الأقلية ، وسلطاناً يحمي به عدّة من الأفراد كيانهم على حساب الآخرين ، بالعقلية النفعية التي يستوحونها
من الثقافة الديمقراطية الرأسمالية
ونصل هنا إلى أفظع حلقات المأساة التي يمثّلها هذا النظام ؛ فإنّ هؤلاء السادة الذين وضع النظامُ الديمقراطي الرأسمالي في أيديهم كلَّ نفوذ ، وزوَّدهم بكلّ قوّة وطاقة ، سوف يمدّون أنظارهم ـ بوحي من عقلية هذا النظام ـ إلى الآفاق ، ويشعرون بوحي من مصالحهم وأغراضهم أنّهم في حاجة إلى مناطق نفوذ جديدة ؛ وذلك لسبيين :
الأوّل : أنّ وفرة الإنتاج تتوقّف على مدى توفّر المواد الأوّلية وكثرتها ، فكلّ من يكون حظّه من تلك المواد أعظم تكون طاقاته الإنتاجية أقوى وأكثر وهذه المواد منتشرة في بلاد الله العريضة وإذا كان من الواجب الحصول عليها ، فاللازم السيطرة على البلاد التي تملك المواد ، لامتصاصها واستغلالها
الثاني : أنّ شِدَّة حركة الإنتاج وقوّتها بدافع من الحرص على كثرة الربح من ناحية ، ومن ناحية أُخرى انخفاض المستوى المعيشي لكثير من المواطنين بدافع من الشره المادّي للفئة الرأسمالية ، ومغالبتها للعامّة على حقوقها بأساليبها النفعية ، التي تجعل المواطنين عاجزين عن شراء المنتجات واستهلاكها ، كلّ ذلك يجعل كبار المنتجين في حاجة ماسّة إلى أسواق جديدة لبيع المنتجات الفائضة فيها ، وإيجاد تلك الأسواق يعني التفكير في بلاد جديدة
وهكذا تُدرَس المسألة بذهنية مادّية خالصة ومن الطبيعي لمثل هذه الذهنية التي لم يرتكز نظامها على القيم الروحية والخُلُقية ، ولم يعترف مذهبها الاجتماعي بغاية إلاّ إسعاد هذه الحياة المحدودة بمختلف المتع والشهوات ، أن ترى في هذين السببين مبرّراً ومسوّغاً منطقيّاً للاعتداء على البلاد الآمنة ، وانتهاك كرامتها ، والسيطرة على مقدّراتها ومواردها الطبيعية الكبرى ، واستغلال ثرواتها لترويج البضائع الفائضة فكلّ ذلك أمر معقول وجائز في عرف المصالح الفردية
التي يقوم على أساسها النظام الرأسمالي والاقتصاد الحرّ
وينطلق من هنا عملاق المادّة ، يغزو ويحارب ، ويقيِّد ويكبّل ، ويستعمر ويستثمر ؛ إرضاءً للشهوات وإشباعاً للرغبات فانظر ماذا قاست الإنسانية من ويلات هذا النظام ، باعتباره مادّياً في روحه وصياغته ، وأساليبه وأهدافه ، وإن لم يكن مركّزاً على فلسفة محدَّدة تتّفق مع تلك الروح والصياغة ، وتنسجم مع هذه الأساليب والأهداف كما ألمعنا إليه ؟!!
وقدِّرْ بنفسك نصيب المجتمع الذي يقوم على ركائز هذا النظام ومفاهيمه من السعادة والاستقرار ، هذا المجتمع الذي ينعدم فيه الإيثار والثقة المتبادلة ، والتراحم والتعاطف الحقيقي ، وجميع الاتّجاهات الروحية الخيِّرة ، فيعيش الفرد فيه وهو يشعر بأنّه المسئول عن نفسه وحده ، وأنّه في خطر من قبل كلّ مصلحة من مصالح الآخرين التي قد تصطدم به ، فكأنّه يحيا في صراع دائم ومغالبة مستمرّة ، لا سلاح له فيها إلاّ قواه الخاصّة ، ولا هدف له منها إلاّ مصالحه الخاصّة
الاشتراكية والشيوعية
في الاشتراكية مذاهب متعدّدة ، وأشهرها المذهب الاشتراكي القائم على النظرية الماركسية والمادّية الجدلية التي هي عبارة عن فلسفة خاصّة للحياة ، وفهم مادّي لها على طريقة ديالكتيكية وقد طبّق المادّيون الديالكتيكيون هذه المادّية الديالكتيكية على التأريخ والاجتماع والاقتصاد ، فصارت عقيدةً فلسفية في شأن العالم ، وطريقة لدرس التأريخ والاجتماع ، ومذهباً في الاقتصاد ، وخطّة في السياسة
وبعبارة أُخرى : أنّها تصوغ الإنسان كلّه في قالب خاصّ ، من حيث لون تفكيره ووجهة نظره إلى الحياة وطريقته العملية فيها ولا ريب في أنّ الفلسفة المادّية وكذلك الطريقة الديالكتيكية ليستا من بدع المذهب الماركسي وابتكاراته ، فقد كانت النزعة المادّية تعيش منذ آلاف السنين في الميدان الفلسفي ، سافرةً تارة ، ومتواريةً أُخرى وراء السفسطة والإنكار المطلق ، كما أنّ الطريقة الديالكتيكيّة في التفكير عميقة الجذور ببعض خطوطها في التفكير الإنساني ، وقد استكملت كلّ خطوطها على يد (هيجل ) الفيلسوف المثالي المعروف وإنّما جاء (كارل ماركس ) إلى هذا المنطق وتلك الفلسفة فتبنّاهما ، وحاول تطبيقها على جميع ميادين الحياة ، فقام بتحقيقين :
أحدهما : أن فسَّر التأريخ تفسيراً مادّياً خالصاً بطريقة ديالكتيكيّة
والآخر : زعم فيه أنّه اكتشف تناقضات رأس المال والقيمة الفائضة التي يسرقها صاحب المال في عقيدته من العامّل(١) وأشاد على أساس هذين
____________________
(١) شرحنا هذه النظريّات مع دراسة علمية مفصّلة في كتاب (اقتصادنا) (المؤلّف قدسسره )
التحقيقين إيمانه بضرورة فناء المجتمع الرأسمالي ، وإقامة المجتمع الشيوعي والمجتمع الاشتراكي الذي اعتبره خطوة للإنسانية إلى تطبيق الشيوعية تطبيقاً كاملاً
فالميدان الاجتماعي في هذه الفلسفة ميدان صراع بين المتناقضات ، وكلّ وضع اجتماعي يسود ذلك الميدان فهو ظاهرة مادّية خالصة ، منسجمة مع سائر الظواهر والأحوال المادّية ومتأثّرة بها ، غير أنّه في نفس الوقت يحمل نقيضه في صميمه ، وينشب ـ حينئذٍ ـ الصراع بين النقائض في محتواه ، حتّى تتجمَّع المتناقضات ، وتُحدِث تبدّلاً في ذلك الوضع وإنشاءً لوضع جديد ، وهكذا يبقى العراك قائماً حتّى تكون الإنسانية كلّها طبقةً واحدة ، وتتمثَّل مصالح كلّ فرد في مصالح تلك الطبقة الموحّدة في تلك اللحظة يسود الوئام ، ويتحقّق السلام ، وتزول نهائياً جميع الآثار السيّئة للنظام الديمقراطي الرأسمالي ؛ لأنّها إنّما كانت تتولَّد من تعدّد الطبقة في المجتمع ، وهذا التعدّد إنّما نشأ من انقسام المجتمع إلى منتج وأجير وإذاً فلابدّ من وضع حدٍّ فاصل لهذا الانقسام ، وذلك بإلغاء الملكيّة وتختلف هنا الشيوعية عن الاشتراكية في الخطوط الاقتصادية الرئيسية ؛ وذلك لأنّ الاقتصاد الشيوعي يرتكز :
أوّلاً - على إلغاء المِلْكية الخاصّة ومحوها محواً تاماً من المجتمع ، وتمليك الثروة كلّها للمجموع ، وتسليمها إلى الدولة باعتبارها الوكيل الشرعي عن المجتمع في إدارتها واستثمارها لخير المجموع واعتقاد المذهب الشيوعي بضرورة هذا التأميم المطلق إنّما كان ردّ الفعل الطبيعي لمضاعفات المِلْكية الخاصّة في النظام الديمقراطي الرأسمالي وقد بُرِّر هذا التأميم بأنّ المقصود منه إلغاء الطبقة الرأسمالية ، وتوحيد الشعب في طبقة واحدة ؛ ليُختم بذلك الصراع ، ويُسدّ على الفرد الطريق إلى استغلال شتّى الوسائل والأساليب لتضخيم ثروته ، إشباعاً
لجشعه واندفاعاً بدافع الأثرة وراء المصلحة الشخصية
ثانياً - على توزيع السلع المنتجة على حسب الحاجات الاستهلاكية للأفراد ، ويتلخّص في النصّ الآتي : (من كلٍّ حسب قدرته ، ولكلّ حسب حاجته) ؛ وذلك أنّ كلّ فرد له حاجات طبيعية لا يمكنه الحياة بدون توفيرها ، فهو يدفع للمجتمع كلّ جهده ، فيدفع له المجتمع متطلّبات حياته ، ويقوم بمعيشته
ثالثاً ـ على منهاج اقتصادي ترسمه الدولة ، وتوفِّق فيه بين حاجة المجموع والإنتاج : في كمّيته ، وتنويعه ، وتحديده ؛ لئلاً يمنى المجتمع بنفس الأدواء والأزمات التي حصلت في المجتمع الرأسمالي حينما أطلق الحرّيات بغير تحديد
الانحراف عن العملية الشيوعية :
ولكنّ أقطاب الشيوعية الذين نادوا بهذا النظام لم يستطيعوا أن يطبّقوه بخطوطه كلّها حين قبضوا على مقاليد الحكم ، واعتقدوا أنّه لابدّ لتطبيقه من تطوير الإنسانية في أفكارها ودوافعها ونزعاتها ، زاعمين أنّ الإنسان سوف يجيء عليه اليوم الذي تموت في نفسه الدوافع الشخصية والعقلية والفردية ، وتحيا فيه العقلية الجماعية والنوازع الجماعية ، فلا يفكّر إلاّ في المصلحة الاجتماعية ، ولا يندفع إلاّ في سبيلها
ولأجل ذلك كان من الضروري ، في عرف هذا المذهب الاجتماعي ، إقامة نظام اشتراكي قبل ذلك ؛ ليتخلّص فيه الإنسان من طبيعته الحاضرة ، ويكتسب الطبيعة المستعدّة للنظام الشيوعي وهذا النظام الاشتراكي أُجريت فيه تعديلات مهمّة على الجانب الاقتصادي من الشيوعية
فالخطّ الأوّل من خطوط الاقتصاد الشيوعي ، وهو : إلغاء الملكية الفردية ، قد بُدِّل إلى حلٍّ وسط ، وهو : تأميم الصناعات الثقيلة والتجارة الخارجية والتجارات الداخلية الكبيرة ، ووضعها جميعاً تحت الانحصار الحكومي وبكلمة أُخرى : إلغاء رأس المال الكبير مع إطلاق الصناعات والتجارات البسيطة وتركها للأفراد ؛ وذلك لأنّ الخطّ العريض في الاقتصاد الشيوعي اصطدم بواقع الطبيعة الإنسانية الذي أشرنا إليه ؛ حيث أخذ الأفراد يتقاعسون عن القيام بوظائفهم والنشاط في عملهم ، ويتهرَّبون من واجباتهم الاجتماعية ؛ لأنّ المفروض تأمين النظام لمعيشتهم وسدِّ حاجاتهم ، كما أنّ المفروض فيه عدم تحقيق العمل والجهد ـ مهما كان شديداً ـ لأكثر من ذلك فعلام إذن يجهد الفرد ويكدح ويجدُّ ما دامت النتيجة في حسابه هي النتيجة في حالي الخمول والنشاط ؟! ولماذا يندفع إلى توفير السعادة لغيره وشراء راحة الآخرين بعرقه ودموعه وعصارة حياته وطاقاته ، ما دام لا يؤمن بقيمة من قيم الحياة ، إلاّ القيمة المادّية الخالصة ؟!!
فاضطرّ زعماء هذا المذهب إلى تجميد التأميم المطلق ، وإلى تعديل الخطّ الثاني من خطوط الاقتصاد الشيوعي أيضاً ، وذلك بجعل فوارق بين الأُجور ؛ لدفع الأعمال إلى النشاط والتكامل في العمل ، معتذرين بأنّها فوارق مؤقّتة سوف تزول حينما يُقضى على العقلية الرأسمالية ، وينشأ الإنسان إنشاءً جديداً وهم لأجل ذلك يجرون التغييرات المستمرّة على طرائقهم الاقتصادية وأساليبهم الاشتراكية ؛ لتدارك فشل كلّ طريقة بطريقة جديدة ولم يوفَّقوا حتّى الآن للتخلّص من جميع الركائز الأساسية في الاقتصاد الرأسمالي ، فلم تلغ ـ مثلاً ـ القروض الربوية نهائياً ، مع أنّها في الواقع أساس الفساد الاجتماعي في الاقتصاد الرأسمالي
ولا يعني هذا كلّه أنّ أولئك الزعماء مقصّرون ، أو أنّهم غير جادّين في مذهبهم وغير مخلصين لعقيدتهم ، وإنّما يعني : أنّهم اصطدموا بالواقع حين أرادوا التطبيق ، فوجدوا الطريق مليئاً بالمعاكسات والمناقضات التي تضعها الطبيعة الإنسانية أمام الطريقة الانقلابية للإصلاح الاجتماعي الذي كانوا يبشّرون به ، ففرض عليه الواقع التراجعَ آملين أن تتحقّق المعجزة في وقت قريب أو بعيد
وأمّا من الناحية السياسية ، فالشيوعية تستهدف في نهاية شوطها الطويل إلى محو الدولة من المجتمع حين تتحقّق المعجزة ، وتعمّ العقلية الجماعية كلَّ البشر ، فلا يفكّر الجميع إلاّ في المصلحة المادّية للمجموع وأمّا قبل ذلك ، ما دامت المعجزة غير محقّقة ، وما دام البشر غير موحَّدين في طبقة ، والمجتمع ينقسم إلى قوى رأسمالية وعمّالية ، فاللازم أن يكون الحكم عمّالياً خالصاً ، فهو حكم ديمقراطي في حدود دائرة العمال ، ودكتاتوري بالنسبة إلى العموم وقد علَّلوا ذلك بأنّ الدكتاتورية العمّالية في الحكم ضرورية في كلّ المراحل التي تطويها الإنسانية بالعقلية الفردية ؛ وذلك حمايةً لمصالح الطبقة العامّلة ، وخنقاً لأنفاس الرأسمالية ، ومنعاً لها عن البروز إلى الميدان من جديد.
والواقع : أنّ هذا المذهب الذي تمثَّل في الاشتراكية الماركسية ، ثمّ في الشيوعية الماركسية ، يمتاز على النظام الديمقراطي الرأسمالي بأنّه يرتكز على فلسفة مادّية معيّنة ، تتبنّى فهماً خاصّاً للحياة ، لا يَعترف لها بجميع المثُل والقيم المعنوية ، ويعلِّلها تعليلاً لا موضع فيه لخالق فوق حدود الطبيعة ، ولا لجزاء مرتقب وراء حدود الحياة المادّية المحدودة وهذا على عكس الديمقراطية الرأسمالية ؛ فإنّها وإن كانت نظاماً مادّياً ولكنّها لم تبنَ على أساس فلسفيٍّ محدَّد فالربط الصحيح بين المسألة الواقعية للحياة والمسألة الاجتماعية آمنت به الشيوعية المادّية ، ولم تؤمن به الديمقراطية الرأسمالية أو لم تحوّل إيضاحه
وبهذا كان المذهب الشيوعي حقيقاً بالدرس الفلسفي وامتحانه عن طريق اختبار الفلسفة التي ركّز عليها وانبثق عنها ، فإنّ الحكم على كلّ نظام يتوقّف على مدى نجاح مفاهيمه الفلسفية في تصوير الحياة وإدراكها
ومن السهل أن ندرك في أوّل نظرة نلقيها على النظام الشيوعي المخفَّف أو الكامل ، أنّ طابعه العامّ هو إفناء الفرد في المجتمع ، وجعله آلة مسخَّرة لتحقيق الموازين العامّة التي يفترضها فهو على النقيض تماماً من النظام الرأسمالي الحرّ الذي يجعل المجتمع للفرد ويسخّره لمصالحه ، فكأنّه قد قُدِّر للشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية ـ في عرف هذين النظامين ـ أن تتصادما وتتصارعا فكانت الشخصية الفردية هي الفائزة في حدّ النظامين الذي أقام تشريعه على أساس الفرد ومنافعه الذاتية ، فمني المجتمع بالمآسي الاقتصادية التي تزعزع كيانه وتشوِّه الحياة في جميع شُعَبِها وكانت الشخصية الاجتماعية هي الفائزة في النظام الآخر الذي جاء يتدارك أخطاء النظام السابق ، فساند المجتمع ، وحكم على الشخصية الفردية بالاضمحلال والفناء ، فأُصيب الأفراد بمحن قاسية قضت على حرّيتهم ووجودهم الخاصّ ، وحقوقهم الطبيعية في الاختيار والتفكير
المؤاخذات على الشيوعية :
والواقع : أنّ النظام الشيوعي وإن عالج جملة من أدواء الرأسمالية الحرّة بمحوه للملكية الفردية ، غير أنّ هذا العلاج له مضاعفات طبيعية تجعل ثمن العلاج باهظاً ، وطريقة تنفيذه شاقّة على النفس لا يمكن سلوكها إلاّ إذا فشلت سائر الطرق والأساليب ، هذا من ناحية ومن ناحية أُخرى هو علاج ناقص لا يضمن القضاء على الفساد الاجتماعي كلّه ؛ لأنّه لم يحالفه الصواب في تشخيص الداء ، وتعيين النقطة التي انطلق منها الشرّ حتّى اكتسح العالم في ظلّ الأنظمة الرأسمالية ،
فبقيت تلك النقطة محافظة على موضعها من الحياة الاجتماعية في المذهب الشيوعي وبهذا لم تظفر الإنسانية بالحلّ الحاسم لمشكلتها الكبرى ، ولم تحصل على الدواء الذي يطبّب أدواءها ، ويستأصل أعراضها الخبيثة
أمّا مضاعفات هذا العلاج فهي جسيمة جدّاً : فإنّ من شأنه القضاء على حرّيات الأفراد لإقامة الملكية الشيوعية مقام الملكيّات الخاصّة ؛ وذلك لأنّ هذا التحويل الاجتماعي الهائل على خلاف الطبيعة الإنسانية العامّة إلى حدّ الآن على الأقلّ ـ كما يعترف بذلك زعماؤه ـ باعتبار أنّ الإنسان المادّي لا يزال يفكّر تفكيراً ذاتيّاً ، ويحسب مصالحه من منظاره الفردي المحدود ووضع تصميم جديد للمجتمع يذوب فيه الأفراد نهائيّاً ويقضي على الدوافع الذاتية قضاءً تاماً موضعَ التنفيذِ ، يتطلّب قوّة حازمة تمسك زمام المجتمع بيدٍ حديدية ، وتحبس كلّ صوتٍ يعلو فيه ، وتخنق كلّ نفس يتردّد في أوساطه ، وتحتكر جميع وسائل الدعاية والنشر ، وتضرب على الأُمّة نطاقاً لا يجوز أن تتعدّاه بحال ، وتعاقب على التهمة والظنّة ؛ لئلاّ يفلت الزمام من يدها فجأة وهذا أمر طبيعيٌّ في كلّ نظامٍ يراد فرضه على الأُمّة قبل أن تنضج فيها عقلية ذلك النظام وتعمَّ روحيّته
نعم ، لو أخذ الإنسان المادّي يفكّر تفكيراً اجتماعياً ، ويعقل مصالحه بعقليّة جماعية ، وذابت من نفسه جميع العواطف الخاصّة والأهواء الذاتية والانبعاثات النفسية ؛ لأمكن أن يقوم نظام يذوب فيه الأفراد ، ولا يبقى في الميدان إلاّ العملاق الاجتماعي الكبير ولكن تحقيق ذلك في الإنسان المادّي الذي لا يؤمن إلاّ بحياة محدودة ، ولا يعرف معنىً لها إلاّ اللذّة المادّية ، يحتاج إلى معجزة تخلق الجنّة في الدنيا ، وتنزل بها من السماء إلى الأرض والشيوعيّون يعِدوننا بهذه الجنّة ، وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه المعملُ على طبيعة الإنسان ، ويخلقه من
جديد إنساناً مثاليّاً في أفكاره وأعماله ، وإن لم يكن يؤمن بذرّة من القيم المثالية والأخلاقية ولو تحقّقت هذه المعجزة ، فلنا معهم ، حينئذٍ ، كلام
وأمّا الآن فوضع التصميم الاجتماعي الذي يرومونه يستدعي حبس الأفراد في حدود فكرة هذا التصميم ، وتأمين تنفيذه بقيام الفئة المؤمنة به على حمايته ، والاحتياط له بكبت الطبيعة الإنسانية والعواطف النفسية ، ومنعها عن الانطلاق بكلّ أُسلوب من الأساليب والفرد في ظلّ هذا النظام وإن كسب تأميناً كاملاً ، وضماناً اجتماعياً لحياته وحاجاته ؛ لأنّ الثروة الجماعية تمدُّه بكلّ ذلك في وقت الحاجة ، ولكن أليس من الأحسن بحال هذا الفرد أن يظفر بهذا التأمين دون أن يخسر استنشاق نسيم الحرّية المهذّبة ، ويضطرّ إلى إذابة شخصه في النار ، وإغراق نفسه في البحر الاجتماعيّ المتلاطم ؟!
وكيف يمكن أن يطمع بالحرّية ـ في ميدان من الميادين- إنسان حُرِمَ من الحرّية في معيشته ، ورُبِطت حياته الغذائية ربطاً كاملاً بهيئة معيّنة ، مع أنّ الحرّية الاقتصادية والمعيشية هي أساس الحرّيات جميعاً ؟
ويعتذر عن ذلك المعتذرون ، فيتساءلون : ماذا يصنع الإنسان بالحرّية والاستمتاع بحقّ النقد والإعلان عن آرائه ، وهو يرزح تحت عبءٍ اجتماعيٍّ فظيع ؟! وماذا يجديه أن يناقش ويعترض ، وهو أحوج إلى التغذية الصحيحة والحياة المكفولة منه إلى الاحتجاج والضجيج الذي تنتجه له الحرّية ؟ !
وهؤلاء المتسائلون لم يكونوا ينظرون إلاّ إلى الديمقراطية الرأسمالية ، كأنّها القضيّة الاجتماعية الوحيدة التي تنافس قضيّتهم في الميدان ، فانتقصوا من قيمة الكرامة الفردية وحقوقها ؛ لأنّهم رأوا فيها خطراً على التيّار الاجتماعيّ العامّ ، ولكن من حقّ الإنسانية أن لا تضحّي بشيء من مقوّماتها وحقوقها ما دامت غير مضطرّة إلى ذلك ، وإنّها إنّما وقفت موقف التخيير بين كرامة هي من الحقّ
المعنويّ للإنسانية ، وبين حاجة هي من الحقّ المادّي لها ، إذا أعوزها النظام الذي يجمع بين الناحيتين ، ويوفَّق إلى حلّ المشكلتين
إنّ إنساناً يعتصر الآخرون طاقاته ، ولا يطمئنُّ إلى حياة طيّبة ، وأجر عادل ، وتأمين في أوقات الحاجة ، لهو إنسان قد حُرِمَ من التمتّع بالحياة ، وحيل بينه وبين الحياة الهادئة المستقرّة كما أنّ إنساناً يعيش مهدَّداً في كلّ لحظة ، مُحاسَباً على كلّ حركة ، ومُعرَّضاً للاعتقال بدون محاكمة ، وللسجن والنفي والقتل لأدنى بادرة ، لهو إنسان مروّع مرعوب ، يسلبه الخوف حلاوة العيش ، وينغّص الرعب عليه ملاذّ الحياة
والإنسان الثالث المطمئنّ إلى معيشته ، الواثق بكرامته وسلامته ، هو حلم الإنسانية العذب فكيف يتحقّق هذا الحلم ؟ ومتى يصبح حقيقة واقعة ؟
وقد قلنا : إنّ العلاج الشيوعي للمشكلة الاجتماعية ناقصٌ ، مضافاً إلى ما أشرنا إليه من مضاعفات فهو وإن كان تتمثّل فيه عواطف ومشاعر إنسانية أثارها الطغيان الاجتماعيّ العامّ ، فأهاب بجملة من المفكّرين إلى الحلّ الجديد ، غير أنّهم لم يضعوا أيديهم على سبب الفساد ليقضوا عليه ، وإنّما قضوا على شيء آخر ، فلم يُوفَّقوا في العلاج ، ولم ينجحوا في التطبيب
إنّ مبدأ الملكية الخاصّة ليس هو الذي نشأت عنه آثام الرأسمالية المطلقة التي زعزعت سعادة العالم وهناءه ، فلا هو الذي يفرض تعطيل الملايين من الأعمال في سبيل استثمار آلة جديدة تقضي على صناعاتهم ، كما حدث في فجر الانقلاب الصناعي ، ولا هو الذي يفرض لتحكّم في أُجور الأجير وجهوده بلا حساب ، ولا هو الذي يفرض على الرأسماليّ أن يتلف كمّيات كبيرة من منتوجاته ؛ تحفّظاً على ثمن السلعة وتفضيلاً للتبذير على توفير حاجات الفقراء بها ، ولا هو الذي يدعوه إلى جعل ثروته رأس مال كاسب يضاعفه بالربا وامتصاص جهود المدينين
بلا إنتاج ولا عمل ، ولا هو الذي يدفعه إلى شراء جميع البضائع الاستهلاكية من الأسواق ؛ ليحتكرها ويرفع بذلك من أثمانها ، ولا هو الذي يفرض عليه فتح أسواق جديدة وإنْ انتُهكت بذلك حرّيات الأُمم وحقوقها ، وضاعت كرامتها وحرّيتها
كلّ هذه المآسي المروعة لم تنشأ من الملكيّة الخاصّة ، وإنّما هي وليدة المصلحة المادّية الشخصية التي جعلت مقياساً للحياة في النظام الرأسمالي ، والمبرّر المطلق لجميع التصرّفات والمعاملات فالمجتمع حين تقام أسسه على هذا المقياس الفردي والمبرِّر الذاتي ، لا يمكن أن يُنتظَر منه غير ما وقع ؛ فإنّ من طبيعة هذا المقياس تنبثق تلك اللعنات والويلات على الإنسانية كلّها ، لا من مبدأ الملكية الخاصّة ، فلو أُبدل المقياس ، ووضعت للحياة غاية جديدة مهذّبة تنسجم مع طبيعة الإنسان ، لتحقَّق بذلك العلاج الحقيقي للمشكلة الإنسانية الكبرى
[ الإسلام والمشكلة الاجتماعيّة ]
التعليل الصحيح للمشكلة :
ولأجل أن نصل إلى الحلقة الأُولى في تعليل المشكلة الاجتماعية ، علينا أن نتساءل عن تلك المصلحة المادّية الخاصّة التي أقامها النظام الرأسمالي مقياساً ومبرِّراً وهدفاً وغاية ، نتساءل : ما هي الفكرة التي صحَّحت هذا المقياس في الذهنية الديمقراطية الرأسمالية وأوحت به ؟ فإنّ تلك الفكرة هي الأساس الحقيقيّ للبلاء الاجتماعي وفشل الديمقراطية الرأسمالية في تحقيق سعادة الإنسان وتوفير كرامته وإذا استطعنا أن نقضي على تلك الفكرة فقد وضعنا حدّاً فاصلاً لكلّ المؤامرات على الرفاه الاجتماعي ، والالتواءات على حقوق المجتمع وحرّيته الصحيحة ، ووفِّقنا إلى استثمار الملكية الخاصّة لخير الإنسانية ورقيّها وتقدّمها في المجالات الصناعية وميادين الإنتاج
فما هي تلك الفكرة ؟
إنّ تلك الفكرة تتلخّص في التفسير المادّي المحدود للحياة الذي أشدّ عليه الغرب صرح الرأسمالية الجبّار ؛ فإنّ كلّ فرد في المجتمع إذا آمن بأنّ ميدانه الوحيد في هذا الوجود العظيم هو : حياته المادّية الخاصّة ، وآمن ـ أيضاً ـ بحرّيته في التصرّف بهذه الحياة واستثمارها ، وأنّه لا يمكن أن يكسب من هذه الحياة غاية إلاّ اللذّة التي توفِّرها له المادّة ، وأضاف هذه العقائد المادّية إلى حبّ الذات الذي هو من صميم طبيعته ، فسوف يسلك السبيل الذي سلكه الرأسماليّون ، وينفِّذ أساليبهم كاملة ، ما لم تحرمه قوّة قاهرة من حريّته ، وتسدّ عليه السبيل
وحبّ الذات هو الغريزة التي لا نعرف غريزة أعمّ منها وأقدم ، فكلّ الغرائز فروع هذه الغريزة وشعبها بما فيها غريزة المعيشة. فإنّ حبّ الإنسان ذاته ـ الذي يعني : حبّه للذّة والسعادة لنفسه ، وبغضه للألم والشقاء لذاته ـ هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته وتوفير حاجياته الغذائية والمادّية ولذا قد يضع حدّاً لحياته بالانتحار إذا وجد أنَّ تحمُّل ألم الموت أسهل عليه من تحمُّل الآلام التي تزخر بها حياته
فالواقع الطبيعي الحقيقي ـ إذن ـ الذي يكمن وراء الحياة الإنسانية كلّها ، ويوجّهها بأصابعه هوحبّ الذات ، الذي نعبِّر عنه بحبّ اللذّة وبغض الألم ، ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمّل مختاراً مرارة الألم دون شيء من اللذّة ، في سبيل أن يلتذّ الآخرون ويتنعّموا ، إلاّ إذا سُلبت منه إنسانيّته ، وأُعطي طبيعة جديدة لا تتعشَّق اللذّة ، ولا تكره الألم .
وحتّى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ، ونسمع بها عن تأريخه ، تخضع في الحقيقة ـ أيضاً ـ لتلك القوّة المحرِّكة الرئيسية : (غريزة حبّ الذات) فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه ، وقد يضحّي في سبيل بعض المثل والقيم ، ولكنّه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحسّ فيها بلذّة خاصّة ، ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثاره لولده وصديقه ، أو تضحيته في سبيل مثل من المثل التي يؤمن بها
وهكذا يمكننا أن نفسّر سلوك الإنسان بصورة عامّة في مجالات الأنانية والإيثار على حدٍّ سواء ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوّعة :مادّية كالالتذاذ بالطعام والشراب ، وألوان المتعة الجنسية وما إليها من اللذائذ المادّية أومعنوية كالالتذاذ الخُلُقي والعاطفي بقيم خُلُقية أو أليف روحيٍّ أو عقيدة معيّنة ، حين يجد الإنسان أنّ تلك القيم أو ذلك الأليف أو هذه العقيدة
جزءٌ من كيانه الخاصّ
وهذه الاستعدادات التي تهيّئ الإنسان للالتذاذ بتلك المتع المتنوّعة ، تختلف في درجاتها عند الأشخاص ، وتتفاوت في مدى فعليّتها باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثّر فيه فبينما نجد أنّ بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية ، كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلاً ، نجد أنّ ألواناً أُخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان ، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتّحها وغريزة حبّ الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعاً ، تحدّد سلوك الإنسان وفقاً لمدى نضج تلك الاستعدادات ، فهي تدفع إنساناً إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع ، وهي نفسها تدفع إنساناً آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه ؛ لأنّ استعداد الإنسان الأوّل للالتذاذ بالقيم الخُلُقية والعاطفية الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامناً ، ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته بينما ظفر الآخر بهذا اللون من التربية ، فأصبح يلتذّ بالقيم الخُلُقية والعاطفية ، ويضحّي بسائر لذّاته في سبيلهافمتى أردنا أن نغيّر من سلوك الإنسان شيئاً ، يجب أن نغيّر من مفهوم اللذّة والمنفعة عنده ، وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العامّ لغريزة حبّ الذات .
فإذا كانت غريزة حبّ الذات بهذه المكانة من دنيا الإنسان ، وكانت الذات في نظر الإنسان عبارة عن طاقة مادّية محدودة ، وكانت اللذّة عبارة عما تهيّئه المادّة من متع ومسرّات ، فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بأنّ مجال كسبه محدودة ، وأنّ شوطه قصير ، وأنّ غايته في هذا الشوط أن يحصل على مقدار من اللذّة المادّية ، وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الحال في عصب الحياة المادّية ، وهو : المال ، الذي يفتح أمام الإنسان السبيل إلى تحقيق كلّ أغراضه وشهواته
هذا هو التسلسل الطبيعي في المفاهيم المادّية الذي يؤدّي إلى عقلية
رأسمالية كاملة
أفَتَرى أنّ المشكلة تُحلّ حلاًّ حاسماً إذا رفضنا مبدأ الملكيّة الخاصّة ، وأبقينا تلك المفاهيم المادّية عن الحياة ، كما حاول أولئك المفكّرون ؟!
وهل يمكن أن ينجو المجتمع من مأساة تلك المفاهيم بالقضاء على الملكية الخاصّة فقط ، ويحصل على ضمان لسعادته واستقراره ؟! مع أنّ ضمان سعادته واستقراره يتوقّف إلى حدٍّ بعيد على ضمان عدم انحراف المسؤولين عن مناهجهم وأهدافهم الإصلاحية في ميدان العمل والتنفيذ ، والمفروض في هؤلاء المسؤولين أنّهم يعتنقون نفس المفاهيم المادّية الخالصة عن الحياة التي قامت عليها الرأسمالية ، وإنّما الفرق : أنّ هذه المفاهيم أفرغوها في قوالب فلسفية جديدة ، ومن الفرض المعقول الذي يتّفق في كثير من الأحايين ، أن تقف المصلحة الخاصّة في وجه مصلحة المجموع ، وأن يكون الفرد بين خسارة وألم يتحمّلها لحساب الآخرين ، وبين ربح ولذّة يتمتّع بهما على حسابهم ، فماذا تقدّر للأُمّة وحقوقها وللمذهب وأهدافه من ضمان في مثل هذه اللحظات الخطيرة التي تمرّ على الحاكمين ؟ ! والمصلحة الذاتية لا تتمثّل فقط في الملكية الفردية ، ليقضى على هذا الفرض الذي افترضناه بإلغاء مبدأ الملكية الخاصّة ، بل هي تتمثّل في أساليب ، وتتلوّن بألوان شتّى ؛ ودليل ذلك ما أخذ يكشف عنه زعماء الشيوعية اليوم من خيانات الحاكمين السابقين ، والتوائهم على ما يتبنّون من أهداف
إنّ الثروة تسيطر عليها الفئة الرأسمالية في ظلّ الاقتصاد المطلق والحرّيات الفردية ، وتتصرّف فيها بعقليّتها المادّية تُسلَّم ـ عند تأميم الدولة لجميع الثروات ، وإلغاء الملكية الخاصّة ـ إلى نفس جهاز الدولة المكوّن من جماعة تسيطر عليهم نفس المفاهيم المادّية عن الحياة ، والتي تفرض عليهم تقديم المصالح الشخصية بحكم غريزة حبّ الذات ، وهي تأبى أن يتنازل الإنسان عن لذّة ومصلحة
بلا عوض وما دامت المصلحة المادّية هي القوّة المسيطرة بحكم مفاهيم الحياة المادّية ، فسوف تستأنف من جديد ميادين للصراع والتنافس ، وسوف يُعرَّض المجتمع لأشكال من الخطر والاستغلال فالخطر على الإنسانية يكمن كلّه في تلك المفاهيم المادّية ، وما ينبثق عنها من مقاييس للأهداف والأعمال وتوحيد الثروات الرأسمالية ـ الصغيرة أو الكبيرة ـ في ثروة كبرى يُسلَّم أمرها للدولة من دون تطوير جديد للذهنية الإنسانية ، لا يدفع ذلك الخطر ، بل يجعل من الأُمّة جميعاً عمّال شركة واحدة ، ويربط حياتهم وكرامتهم بأقطاب تلك الشركة وأصحابها
نعم ، إنّ هذه الشركة تختلف عن الشركة الرأسمالية في أنّ أصحاب تلك الشركة الرأسمالية هم الذين يملكون أرباحها ، ويصرفونها في أهوائهم الخاصّة ، وأمّا أصحاب هذه الشركة ، فهم لا يملكون شيئاً من ذلك في مفروض النظام ، غير أنّ ميادين المصلحة الشخصية لا تزال مفتوحة ، والفهم المادّي للحياة ـ الذي يجعل من تلك المصلحة هدفاً ومبرِّراً ـ لا يزال قائماً
كيف تعالج المشكلة ؟
والعالم أمامه سبيلان إلى دفع الخطر وإقامة دعائم المجتمع المستقرّ :
أحدهما : أن يبدّل الإنسان غير الإنسان ، أو تخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحّي بمصالحه الخاصّة ، ومكاسب حياته المادّية المحدودة في سبيل المجتمع ومصالحه ، مع إيمانه بأنّه لا قيم إلاّ قيم تلك المصالح المادّية ، ولا مكاسب إلاّ مكاسب هذه الحياة المحدودة وهذا إنّما يتمّ إذا انتزع من صميم طبيعته حبّ الذات ، وأُبدل بحبّ الجماعة ، فيولد الإنسان وهو لا يحبّ ذاته إلاّ باعتبار كونه جزءاً من المجتمع ، ولا يلتذّ لسعادته ومصالحه إلاّ بما أنّها تمثّل جانباً من السعادة
العامّة ومصلحة المجموع ؛ فإنّ غريزة حبّ الجماعة تكون ضامنة ـ حينئذٍ ـ للسعي وراء مصالحها وتحقيق متطلّباتها بطريقة ميكانيكية وأُسلوب آلي
والسبيل الآخر الذي يمكن للعالّم سلوكه لدرء الخطر عن حاضر الإنسانية ومستقبلها هو: أن يطوّر المفهوم المادّي للإنسان عن الحياة ، وبتطويره تتطوّر طبيعياً أهدافها ومقاييسها ، وتتحقّق المعجزة ـ حينئذٍ ـ من أيسر طريق
والسبيل الأوّل هو الذي يحلم أقطاب الشيوعيين بتحقيقه للإنسانية في مستقبلها ، ويَعِدون العالم بأنّهم سوف ينشئونها إنشاءً جديداً ، يجعلها تتحرّك ميكانيكياً إلى خدمة الجماعة ومصالحها ولأجل أن يتمّ هذا العمل الجبّار يجب أن نوكل قيادة العالم إليهم ، كما يُوكل أمر المريض إلى الجرّاح ، ويُفوَّض إليه تطبيبه وقطع الأجزاء الفاسدة منه ، وتعديل المعوج منها ولا يعلم أحدٌ كم تطول هذه العملية الجراحية التي تجعل الإنسانية تحت مبضع جرّاح وإنّ استسلام الإنسانية لذلك لهو أكبر دليل على مدى الظلم الذي قاسته في النظام الديمقراطي الرأسمالي ، الذي خدعها بالحرّيات المزعومة ، وسلب منها أخيراً كرامتها ، وامتصّ دماءها ؛ ليقدّمها شراباً سائغاً للفئة المدلّلة التي يمثّلها الحاكمون
والفكرة في هذا الرأي القائل بمعالجة المشكلة عن طريق تطوير الإنسانية وإنشائها من جديد ترتكز على مفهوم الماركسية عن حبّ الذات ؛ فإنّ الماركسية تعتقد أنّ حبّ الذات ليس ميلاً طبيعياً وظاهرة غريزية في كيان الإنسان، وإنّما هو نتيجة للوضع الاجتماعي القائم على أساس الملكية الفردية ؛ فإنّ الحالة الاجتماعية للملكية الخاصّة هي التي تكوّن المحتوى الروحي والداخلي للإنسان ، وتخلق في الفرد حبّه لمصالحه الخاصّة ومنافعه الفردية فإذا حدثت ثورة في الأُسس التي يقوم عليها الكيان الاجتماعي ، وحلّت الملكية الجماعية والاشتراكية محلّ الملكية الخاصّة ، فسوف تنعكس الثورة في كلّ أرجاء المجتمع
وفي المحتوى الداخلي للإنسان ، فتنقلب مشاعره الفردية إلى مشاعر جماعية ، ويتحوّل حبّه لمصالحه ومنافعه الخاصّة إلى حبّ لمنافع الجماعة ومصالحها ، وفقاً لقانون التوافق بين حالة الملكية الأساسية ، ومجموع الظواهر الفوقية التي تتكيّف بموجبها
والواقع : أنّ هذا المفهوم الماركسي لحبّ الذات ، يقدِّر العلاقة بين الواقع الذاتي (غريزة حبّ الذات) ، وبين الأوضاع الاجتماعية بشكل مقلوب وإلاّ فكيف نستطيع أن نؤمن بأنّ الدافع الذاتي وليد الملكية الخاصّة والتناقضات الطبقية التي تنجم عنها ؟! فإنّ الإنسان لو لم يكن يملك سلفاً الدافع الذاتي ، لَمَا أوجد هذه التناقضات ، ولا فكّر في الملكية الخاصّة والاستئثار الفردي ولماذا يستأثر الإنسان بمكاسب النظام ، ويضعه بالشكل الذي يحفظ مصالحه على حساب الآخرين ما دام لا يحسّ بالدافع الذاتي في أعماق نفسه ؟!
فالحقيقة : أنّ المظاهر الاجتماعية للأنانية في الحقل الاقتصادي والسياسي لم تكن إلاّ نتيجة للدافع الذاتي لغريزة حبّ الذات فهذا الدافع أعمق منها في كيان الإنسان ، فلا يمكن أن يزول وتقتلع جذوره بإزالة تلك الآثار ؛ فإنّ عملية كهذه لا تعدو أن تكون استبدالاً لآثار بأُخرى قد تختلف في الشكل والصورة ، لكنّها تتّفق معها في الجوهر والحقيقة
أضف إلى ذلك : أنّنا لو فسّرنا الدافع الذاتي (غريزة حبّ الذات) تفسيراً موضوعياً ـ بوصفه انعكاساً لظواهر الفردية في النظام الاجتماعي ، كظاهرة الملكية الخاصّة ـ كما صنعت الماركسية ، فلا يعني هذا أنّ الدافع الذاتي سوف يفقد رصيده الموضوعي وسببه من النظام الاجتماعي بإزالة الملكية الخاصّة ؛ لأنّها وإن كانت ظاهرة ذات طابع فردي ، ولكنّها ليست هي الوحيدة من نوعها ، فهناك- مثلاً- ظاهرة الإدارة الخاصّة التي يحتفظ بها حتّى النظام الاشتراكي فإنّ النظام
الاشتراكي وإن كان يلغي الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج ، غير أنّه لا يلغي إدارتها الخاصّة من قِبل هيئات الجهاز الحاكم الذي يمارس دكتاتورية البروليتاريا ، ويحتكر الإشراف على جميع وسائل الإنتاج وإدارتها ؛ إذ ليس من المعقول أن تدار وسائل الإنتاج في لحظة تأميمها إدارة جماعية اشتراكية من قِبل أفراد المجتمع كافّة فالنظام الاشتراكي يحتفظ ـ إذن ـ بظواهر فردية بارزة ، ومن الطبيعي لهذه الظواهر الفرديّة أن تحافظ على الدافع الذاتي ، وتعكسه في المحتوى الداخلي للإنسان باستمرار ، كما كانت تصنع ظاهرة الملكية الخاصّة
وهكذا نعرف قيمة السبيل الأوّل لحلّ المشكلة (السبيل الشيوعي) الذي يعتبر إلغاء تشريع الملكية الخاصّة ومحوها من سجلّ القانون كفيلاً وحده بحلّ المشكلة وتطوير الإنسان
وأمّا السبيل الثاني- الذي مرّ بنا- فهو الذي سلكه الإسلام ؛ إيماناً منه بأنّ الحلّ الوحيد للمشكلة تطوير المفهوم المادّي للإنسان عن الحياة فلم يبتدر إلى مبدأ الملكية الخاصّة ليبطله ، وإنّما غزا المفهوم المادّي عن الحياة ، ووضع للحياة مفهوماً جديداً ، وأقام على أساس ذلك المفهوم نظاماً لم يجعل فيه الفرد آلة ميكانيكية في الجهاز الاجتماعي ، ولا المجتمع هيئة قائمة لحساب الفرد ، بل وضع لكلّ منهما حقوقه ، وكفل للفرد كرامته المعنوية والمادّية معاً فالإسلام وضع يده على نقطة الداء الحقيقية في النظام الاجتماعي للديمقراطية وما إليه من أنظمة ، فمحاها محواً ينسجم مع الطبيعة الإنسانية ؛ فإنّ نقطة الارتكاز الأساسية لما ضجّت به الحياة البشرية من أنواع الشقاء وألوان المآسي هي : النظرة المادّية إلى الحياة التي نختصرها بعبارة مقتضبة في افتراض حياة الإنسان في الدنيا هي كلّ ما في الحسّاب من شيء ، وإقامة المصلحة الشخصية مقياساً لكلّ فعّالية ونشاط
إنّ الديمقراطية الرأسمالية نظام محكوم عليه بالانهيار والفشل المحقّق في نظر الإسلام ، ولكن لا باعتبار ما يزعمه الاقتصاد الشيوعي من تناقضات رأس المال بطبيعته ، وعوامل الفناء التي تحملها الملكية الخاصّة في ذاتها ؛ لأنّ الإسلام يختلف في طريقته المنطقية واقتصاده السياسي وفلسفته الاجتماعية عن مفاهيم هذا الزعم وطريقته الجدلية ـ كما أوضحنا ذلك في كتاب (اقتصادنا )-ويضمن وضع الملكية الفردية في تصميم اجتماعي ، خالٍ من تلك التناقضات المزعومة ، بل إنّ مردّ الفشل والوضع الفاجع الذي منيت به الديمقراطية الرأسمالية في عقيدة الإسلام إلى مفاهيمها المادّية الخالصة ، التي لا يمكن أن يسعد البشر بنظام يستوحي جوهره منها ، ويستمدّ خطوطه العامّة من روحها وتوجيهها.
فلابدّ إذن من معين آخر ـ غير المفاهيم المادّية عن الكون ـ يستقي منه النظام الاجتماعي ، ولابدّ من وعي سياسي صحيح ينبثق عن مفاهيم حقيقية للحياة ، ويتبنّى القضية الإنسانية الكبرى ، ويسعى إلى تحقيقها على قاعدة تلك المفاهيم ، ويدرس مسائل العالم من هذه الزاوية وعند اكتمال هذا الوعي السياسي في العالَم ، واكتساحه لكلّ وعي سياسي آخر ، وغزوه لكلّ مفهوم للحياة لا يندمج بقاعدته الرئيسية يمكن أن يدخل العالَم في حياة جديدة مشرقة بالنور عامرة بالسعادة
إنّ هذا الوعي السياسي العميق هو رسالة السلام الحقيقي في العالم ، وإنّ هذه الرسالة المنقذة لهي رسالة الإسلام الخالدة التي استمدّت نظامها الاجتماعي ـ المختلف عن كلّ ما عرضناه من أنظمة ـ من قاعدة فكرية جديدة للحياة والكون
وقد أوجد الإسلام بتلك القاعدة الفكرية النظرة الصحيحة للإنسان إلى
حياته ، فجعله يؤمن بأنّ حياته منبثقة عن مبدأ مطلق الكمال ، وأنّها إعداد للإنسان إلى عالم لا عناء فيه ولا شقاء ، ونصب له مقياساً خُلُقياً جديداً في كلّ خطواته وأدواره ، وهو :رضا الله تعالى ف ليس كلّ ما تفرضه المصلحة الشخصية فهو جائز ، وكلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصية فهو محرّم وغير مستساغ ، بل الهدف الذي رسمه الإسلام للإنسان في حياته هو : الرضا الإلهي والمقياس الخُلُقي الذي توزن به جميع الأعمال إنّما هو : مقدار ما يحصل بها من هذا الهدف المقدّس والإنسان المستقيم هو : الإنسان الذي يحقّق هذا الهدف والشخصية الإسلامية الكاملة هي : الشخصية التي سارت في شتّى أشواطها على هدي هذا الهدف ، وضوء هذا المقياس ، وضمن إطاره العامّ .
وليس هذا التحويل في مفاهيم الإنسان الخُلُقية وموازينه وأغراضه يعني تغيير الطبيعة الإنسانية وإنشاءها إنشاءً جديداً كما كانت تعني الفكرة الشيوعية ، فحبّ الذات ـ أي : حبّ الإنسان لذاته وتحقيق مشتهياتها الخاصّة ـ طبيعي في الإنسان ، ولا نعرف استقراء في ميدان تجريبي أوضح من استقراء الإنسانيّة في تأريخها الطويل الذي يبرهن على ذاتية حبّ الذات ، بل لو لم يكن حبّ الذات طبيعياً وذاتياً للإنسان لما اندفع الإنسان الأوّل- قبل كلّ تكوينة اجتماعية- إلى تحقيق حاجاته ، ودفع الأخطار عن ذاته ، والسعي وراء مشتهياته بالأساليب البدائية التي حفظ بها حياته وأبقى وجوده ، وبالتالي خوض الحياة الاجتماعية والاندماج في علاقات مع الآخرين ؛ تحقيقاً لتلك الحاجات ودفعاً لتلك الأخطار ، ولَمَا كان حبّ الذات يحتلّ هذا الموضع من طبيعة الإنسان فأيّ علاج حاسم للمشكلة الإنسانية الكبرى يجب أن يقوم على أساس الإيمان بهذه الحقيقة ، وإذا قام على فكرة تطويرها أو التغلّب عليها ، فهو علاج مثالي لا ميدان له في واقع الحياة العملية التي يعيشها الإنسان
رسالة الدين :
ويقوم الدين هنا برسالته الكبرى التي لا يمكن أن يضطلع بأعبائها غيره ، ولا أن تحقِّق أهدافها البنّاءة وأغراضها الرشيدة إلاّ على أُسسه وقواعده ، فيربط بين المقياس الخُلُقي الذي يضعه للإنسان وحبّ الذات المتركّز في فطرته
وفي تعبير آخر : إنّ الدين يوحِّد بين المقياس الفطري للعمل والحياة وهو : حبّ الذات ، والمقياس الذي ينبغي أن يقام للعمل والحياة ؛ ليضمن السعادة والرفاه والعدالة
إنّ المقياس الفطري يتطلّب من الإنسان أن يقدّم مصالحه الذاتية على مصالح المجتمع ومقوِّمات التماسك فيه ، والمقياس الذي ينبغي أن يحكم ويسود هو : المقياس الذي تتعادل في حسابه المصالح كلّها ، وتتوازن في مفاهيمه القيم الفردية والاجتماعية
فكيف يتمّ التوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين ؛ لتعود الطبيعة الإنسانية في الفرد عاملاً من عوامل الخير والسعادة للمجموع ، بعد أن كانت مثار المأساة والنزعة التي تتفنّن في الأنانية وأشكالها ؟
إنّ التوفيق والتوحيد يحصل بعملية يضمنها الدين للبشرية التائهة ، وتتّخذ العملية أُسلوبين :
الأُسلوب الأوّل : هو تركيز التفسير الواقعي للحياة وإشاعة فهمها في لونها الصحيح كمقدّمة تمهيدية إلى حياة أُخروية ، يكسب الإنسان فيها من السعادة على مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه في سبيل تحصيل رضا الله فالمقياس الخُلُقي ـ أو رضا الله تعالى ـ يضمن المصلحة الشخصية في نفس الوقت الذي يحقّق فيه أهدافه الاجتماعية الكبرى فالدين يأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السعيد ، والمحافظة على قضايا العدالة فيه التي تحقِّق رضا الله
تعالى ؛ لأنّ ذلك يدخل في حساب ربحه الشخصي ما دام كلّ عمل ونشاط في هذا الميدان يُعوَّض عنه بأعظم العوض وأجلّه
فمسألة المجتمع هي مسألة الفرد أيضاً في مفاهيم الدين عن الحياة وتفسيرها ولا يمكن أن يحصل هذا الأُسلوب من التوفيق في ظلّ فهم مادّي للحياة ؛ فإنّ الفهم المادّي للحياة يجعل الإنسان بطبيعته لا ينظر إلاّ إلى ميدانه الحاضر وحياته المحدودة ، على عكس التفسير الواقعي للحياة الذي يقدِّمه الإسلام ؛ فإنه يوسّع من ميدان الإنسان، ويفرض عليه نظرة أعمق إلى مصالحه ومنافعه ، ويجعل من الخسارة العاجلة ربحاً حقيقياً في هذا النظرة العميقة، ومن الأرباح العاجلة خسارة حقيقية في نهاية المطاف :
( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ) (١)
( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بغَيْرِ حِسَابٍ ) (٢)
( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَه ) (٣)
( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٤)
____________________
(١) فصلّت : ٤٦
(٢) المؤمن : ٤٠
(٣) الزلزال : ٦ ـ ٨
(٤) التوبة : ١٢٠ ـ ١٢١
هذه بعض الصور الرائعة التي يقدّمها الدين مثلاً على الأُسلوب الأوّل الذي يتّبعه للتوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين ، فيربط بين الدوافع الذاتية وسبل الخير في الحياة ، ويطوِّر من مصلحة الفرد تطويراً يجعله يؤمن بأنّ مصالحه الخاصّة والمصالح الحقيقية العامّة للإنسانية- التي يحدّدها الإسلام- مترابطتان(١)
وأمّاالأُسلوب الثاني الذي يتّخذه الدين للتوفيق بين الدافع الذاتي والقيم أو المصالح الاجتماعية فهو : التعهّد بتربية أخلاقية خاصّة ، تعنى بتغذية الإنسان روحياً ، وتنمية العواطف الإنسانية والمشاعر الخُلُقية فيه فإنّ في طبيعة الإنسان ـ كما ألمعنا سابقاً ـ طاقات واستعدادات لميول متنوّعة : بعضها ميول مادّية تتفتّح شهواتها بصورة طبيعية كشهوات الطعام والشراب والجنس ، وبعضها ميول معنوية تتفتّح وتنمو بالتربية والتعاهد ؛ ولأجل ذلك كان من الطبيعي للإنسان ـ إذا تُرِك لنفسه ـ أن تسيطر عليه الميول المادّية ؛ لأنّها تتفتّح بصورة طبيعية ، وتظلّ الميول المعنوية واستعداداتها الكامنة في النفس مستترة والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسدَّدة من الله ، فهو يوكل أمر تربية الإنسانية وتنمية الميول المعنوية فيها إلى هذه القيادة وفروعها ، فتنشأ بسبب ذلك مجموعة من العواطف والمشاعر النبيلة ، ويصبح الإنسان يحبّ القيم الخُلُقية والمثل التي يربّيه الدين على احترامها ، ويستبسل في سبيلها ، ويزيح عن طريقها ما يقف أمّامها من مصالحه ومنافعه وليس معنىً ذلك أنّ حبّ الذات يُمحى من الطبيعة الإنسانية ، بل إنّ العمل في سبيل تلك القيم والمثل تنفيذ كامل لإرادة حبّ الذات ؛ فإنّ القيم بسبب التربية الدينية تصبح محبوبة للإنسان ، ويكون تحقيق المحبوب بنفسه معبِّراً عن لذّة شخصية خاصّة ، فتفرض طبيعة حبّ الذات بذاتها السعي لأجل القيم الخُلُقية
____________________
(١) انظر : اقتصادنا ، مبحث : المادية التاريخية والمشكلة
المحبوبة تحقيقاً للذّة الخاصّة بذلك
فهذان هما الطريقان اللذان ينتج عنهما ربط المسألة الخُلُقية بالمسألة الفردية ويتلخّص أحدهما في إعطاء التفسير الواقعي لحياة أبدية ، لا لأجل أن يزهد الإنسان في هذه الحياة ، ولا لأجل أن يخنع للظلم ويقرّ على غير العدل ، بل لأجل ضبط الإنسان بالمقياس الخُلُقي الصحيح الذي يمدّه ذلك التفسير بالضمان الكافي ويتلخّص الآخر في التربية الخُلُقية التي ينشأ عنها في نفس الإنسان مختلف المشاعر والعواطف التي تضمن إجراء المقياس الخُلُقي بوحي من الذات فالفهم المعنوي للحياة ، والتربية الخُلُقية للنفس في رسالة الإسلام ، هما السببان المجتمعان على معالجة السبب الأعمق للمأساة الإنسانية
ولنعبِّر- دائماً- عن فهم الحياة على أنّها تمهيد لحياة أبدية بـ : (الفهم المعنوي للحياة ) ولنعبِّر- أيضاً- عن المشاعر والأحاسيس التي تغذّيها التربية الخُلُقية بـ : (الإحساس الخُلُقي بالحياة ) .
فـ (الفهم المعنوي للحياة) و(الإحساس الخُلُقي بها) ، هما الركيزتان اللتان يقوم على أساسهما المقياس الخُلُقي الجديد الذي يضعه الإسلام للإنسانية ، وهو : رضا الله تعالى- ورضا الله- هذا الذي يقيمه الإسلام مقياساً عاماً في الحياة ـ هو الذي يقود السفينة البشرية إلى ساحل الحقّ والخير والعدالة
فالميزة الأساسية للنظام الإسلامي تتمثّل فيما يرتكز عليه من فهم معنوي للحياة ، وإحساس خُلُقي بها والخطّ العريض في هذا النظام هو : اعتبار الفرد والمجتمع معاً ، وتأمين الحياة الفردية والاجتماعية بشكل متوازن فليس الفرد هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم ، وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرِّع لحسابه
وكلّ نظام اجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والإحساس ، فهو إمّا نظام يجري مع الفرد في نزعته الذاتية ، فتتعرّض الحياة الاجتماعية لأقسى المضاعفات وأشدّ الأخطار ، وأمّا نظام يحبس في الفرد نزعته ويشلّ فيه طبيعته ؛ لوقاية المجتمع ومصالحه ، فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته ، والأفراد ونزعاتهم ، بل يتعرّض الوجود الاجتماعي للنظام ـ دائماً ـ للانتكاس على يد منشئه ما دام هؤلاء ذوي نزعات فردية أيضاً ، وما دامت هذه النزعات تجد لها ـ بكبت النزعات الفردية الأُخرى وتسلّم القيادة الحاسمة ـ مجالاً واسعاً وميداناً لا نظير له للانطلاق والاستغلال
وكلّ فهم معنوي للحياة وإحساس خُلُقي بها لا ينبثق عنهما نظام كامل للحياة يحسب فيه لكلّ جزء من المجتمع حسابه ، وتعطى لكلّ فرد حرّيته التي هذّبها ذلك الفهم والإحساس ، والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما ، أقول : إنّ كلّ عقيدة لا تلد للإنسانية هذا النظام فهي لا تخرج عن كونها تلطيفاً للجوّ وتخفيفاً من الويلات ، وليست علاجاً محدوداً وقضاءً حاسماً على أمراض المجتمع ومساوئه وإنّما يشاد البناء الاجتماعي المتماسك على فهم معنوي للحياة وإحساس خُلُقي بها ، ينبثق عنهما ، يملأ الحياة بروح هذا الإحساس وجوهر ذلك الفهم
وهذا هو الإسلام في أخصر عبارة وأروعها ، فهو : عقيدة معنوية وخُلُقية ، ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية ، يرسم لها شوطها الواضح المحدَّد ، ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الشوط ، ويعرّفها على مكاسبها منه
وأمّا أن يقضى على الفهم المعنوي للحياة ، ويجرّد الإنسان عن إحساسه الخُلُقي بها ، وتعتبر المفاهيم الخُلُقية أوهاماً خالصة خلقتها المصالح المادّية ، والعامّل الاقتصادي هو الخلاّق لكلّ القيم والمعنويات ، وترجى بعد ذلك سعادة
للإنسانية واستقرّر اجتماعي لها ، فهذا هو الرجاء الذي لا يتحقّق إلاّ إذا تبدّل البشر إلى أجهزة ميكانيكية يقدِم على تنظيمها عدّة من المهندسين الفنّيين
وليست إقامة الإنسان على قاعدة ذلك الفهم المعنوي للحياة والإحساس الخلقي بها ، عملاً شاقّاً وعسيراً ؛ فإنّ الأديان في تأريخ البشرية قد قامت بأداء رسالتها الكبيرة في هذا المضمار ، وليس لجميع ما يحفل به العالم اليوم من مفاهيم معنوية ، وأحاسيس خُلُقية ، ومشاعر وعواطف نبيلة ، تعليل أوضح وأكثر منطقية من تعليل ركائزها وأُسسها بالجهود الجبّارة التي قامت بها الأديان لتهذيب الإنسانية والدافع الطبيعي في الإنسان ، وما ينبغي له من حياة وعمل
وقد حمل الإسلام المشعل المتفجّر بالنور بعد أن بلغ البشر درجة خاصّة من الوعي ، فبشّر بالعقيدة المعنوية والخُلُقية على أوسع نطاق وأبعد مدى ، ورفع على أساسها راية إنسانية ، وأقام دولة فكرية أخذت بزمام العالم ربع قرن ، واستهدفت إلى توحيد البشر كلّه ، وجمعه على قاعدة فكرية واحدة ترسم أُسلوب الحياة ونظامها
فالدولة الإسلامية لها وظيفتان : إحداهما تربية الإنسان على القاعدة الفكرية ، وطبعه في اتّجاهه وأحاسيسه بطابعها، والأُخرى مراقبته من خارج ، وإرجاعه إلى القاعدة إذا انحرف عنها عملياً
ولذلك فليس الوعي السياسي للإسلام وعياً للناحية الشكلية من الحياة الاجتماعية فحسب ، بل هو وعي سياسي عميق ، مردّه إلى نظرة كلّية كاملة نحو الحياة والكون والاجتماع والسياسة والاقتصاد والأخلاق ، فهذه النظرة الشاملة هو الوعي الإسلامي الكامل
وكلّ وعي سياسي آخر فهو إمّا أن يكون وعياً سياسياً سطحياً لا ينظر إلى العالم من زاوية معيّنة ، ولا يقيم مفاهيمه على نقطة ارتكاز خاصّة ، أو يكون وعياً
سياسياً يدرس العالم من زاوية المادّة البحتة ، التي تموِّن البشرية بالصراع والشقاء في مختلف أشكاله وألوانه
وأخيراً :
وأخيراً ، وفي نهاية مطافنا على المذاهب الاجتماعية الأربعة ، نخرج بنتيجة ، هي : أنّ المشكلة الأساسية التي تتولّد عنها كلّ الشرور الاجتماعية وتنبعث منها مختلف ألوان الآثام ، لم تُعالَج المعالجة الصحيحة التي تحسم الداء وتستأصله من جسم المجتمع البشري في غير المذهب الاجتماعي للإسلام من مذاهب فلابدّ أن نقف عند المبدأ الإسلامي في فلسفته عن الحياة والكون ، وفي فلسفته عن الاجتماع والاقتصاد ، وفي تشريعاته ومناهجه ؛ لنحصل على المفاهيم الكاملة للوعي الإسلامي والفكر الإسلامي الشامل ، مقارنين بينه وبين المبادئ الأُخرى فيما يقرِّر من مناهج ويتبنّى من عقيدة
وبطبيعة الحال أنّ دراستنا لكلّ مبدأ تبدأ بدراسة ما يقوم عليه من عقيدة عامّة عن الحياة والكون وطريقة فهمهما ، فمفاهيم كلّ مبدأ عن الحياة والكون تشكّل البنية الأساسية لكيان ذلك المبدأ والميزان الأوّل لامتحان المبادئ هو : اختبار قواعدها الفكرية الأساسية التي يتوقّف على مدى إحكامها وصحّتها إحكام البنيات الفوقية ونجاحها
ولأجل ذلك فسوف نخصِّص هذه الحلقة الأُولى من (كتابنا) لدراسة البنية الأُولى التي هي نقطة الانطلاق للمبدأ ، وندرس البنيات الفوقية في الحلقات الأُخرى إن شاء الله تعالى
والنظام الرأسمالي الديمقراطي ليس منبثقاً من عقيدة معيّنة عن الحياة والكون ، ولا مرتكزاً على فهم كامل لقيمها التي تتّصل بالحياة الاجتماعية وتؤثّر
فيها ؛ وهو لهذا ليس مبدأً بالمعنى الدقيق للفظ المبدأ ، لأنّ المبدأ عقيدة في الحياة ينبثق عنها نظام للحياة
وأمّا الاشتراكية والشيوعية الماركسيتان فقد وُضعتا على قاعدة فكرية ، وهي : (الفلسفة المادّية الجدلية) ويختصّ الإسلام بقاعدة فكرية عن الحياة لها طريقتها الخاصّة في فهم الحياة وموازينها المعيّنة لها
فنحن ـ إذن ـ بين فلسفتين لا بدّ من دراستهما ؛ لنتبيّن القاعدة الفكرية الصحيحة للحياة التي يجب أن نشيد عليها وعينا الاجتماعي السياسي لقضية العالم كلّه ، ومقياسنا الاجتماعي والسياسي الذي نقيس به قيم الأعمال ، ونزن به أحداث الإنسانية في مشاكلها الفردية والدولية
والعقيدة التي يرتكز عليها المبدأ تحتوي على الطريقة والفكرة ، أي : على تحديد طريقة التفكير ، وتحديد المفهوم للعالم والحياة ولمّا كنّا لا نستهدف في هذا الكتاب الدراسات الفلسفية لذاتها ، وإنّما نريد دراسة القواعد الفكرية للمبادئ ، فسوف نقتصر على درس العنصرين الأساسيين لكلّ قاعدة فكرية ينبثق عنها نظام ، وهما : طريقة التفكير ، والمفهوم الفلسفي للعالم فهاتان المسألتان هما مدار البحث في هذا الكتاب ولمّا كان من الضروري تحديد الطريقة قبل تكوين المفاهيم ، فنبدأ بنظرية المعرفة التي تحتوي على تحديد معالم التفكير وطريقته وقيمته ، ويتلو بعد ذلك درس المفهوم الفلسفي العامّ عن العالم بصورة عامّة
ويحسن بالقارئ العزيز أن يعرف قبل البدء أنّ المستفاد من الإسلام بالصميم إنّما هو : الطريقة والمفهوم ، أي : الطريقة العقلية في التفكير ، والمفهوم الإلهي للعالم وأمّا أساليب الاستدلال وألوان البرهنة على هذا وذاك فلسنا نضيفها جميعاً إلى الإسلام ، وإنّما هي حصيلة دراسات فكرية لكبار المفكّرين من علماء المسلمين وفلاسفتهم
-١-
نظريّة المعرفة
١-المصدر الأساسي للمعرفة
٢- قيمة المعرفة
نظريّة المعرفة / ١
المصدر الأساسي للمعرفة
التصوّر ومصدره الأساسي
التصديق ومصدره الأساسي
تدور حول المعرفة الإنسانية مناقشات فلسفية حادّة تحتلّ مركزاً رئيسياً في الفلسفة وخاصّة الفلسفة الحديثة ، فهي نقطة الانطلاق الفلسفي لإقامة فلسفة متماسكة عن الكون والعالم ، فما لم تُحدَّد مصادر الفكر البشري ومقاييسه وقيمه لا يمكن القيام بأيّة دراسة مهما كان لونها
وإحدى تلك المناقشات الضخمة هي : المناقشة التي تتناول مصادر المعرفة ومنابعها الأساسية بالبحث والدرس ، وتحاول أن تستكشف الركائز الأوّلية للكيان الفكري الجبّار الذي تملكه البشرية فتجيب بذلك على هذا السؤال : كيف نشأت المعرفة عند الإنسان ؟ وكيف تكوّنت حياته العقلية بكلّ ما تزخر به من أفكار ومفاهيم ؟ وما هو المصدر الذي يمدّ الإنسان بذلك السيل من الفكر والإدراك ؟
إنّ الإنسان ـ كلّ إنسان ـ يعلم أشياء عديدة في حياته ، وتتعدّد في نفسه ألوان من التفكير والإدراك ، ولا شكّ في أنّ كثيراً من المعارف الإنسانية ينشأ بعضها عن بعض ، فيستعين الإنسان بمعرفة سابقة على تكوين معرفة جديدة.
والمسألة هي : أن نضع يدنا على الخيوط الأوّلية للتفكير ، على الينبوع العامّ للإدراك بصورة عامّة
ويجب أن نعرف قبل كلّ شيء أنّ الإدراك ينقسم بصورة رئيسية إلى نوعين : أحدهما التصوّر ، وهو : الإدراك الساذَج والآخر التصديق ، وهو : الإدراك المنطوي على حكم فالتصوّر ، كتصوّرنا لمعنى الحرارة أو النور أو الصوت والتصديق ، كتصديقنا بأنّ الحرارة طاقة مستورَدة من الشمس ، وأنّ الشمس أنور من القمر ، وأنّ الذرّة قابلة للانفجار(١)
ونبدأ الآن بالتصوّرات البشرية لدرس أسبابها ومصادرها ، ونتناول بعد ذلك التصديقات والمعارف
____________________
(١) ولبعض الفلاسفة الحسّيين (كجون ستوارت ميل) نظرية خاصّة في التصديق حاولوا بها تفسيره بتصوّرين متداعيين فمردّ التصديق إلى قوانين تداعي المعاني ، وليس المحتوى النفسي إلاّ تصوّر الموضوع وتصوّر المحمول
ولكنّ الحقيقة : أنّ تداعي المعاني يختلف عن طبيعة التصديق كلّ الاختلاف ، فهو قد يتحقّق في كثير من المجالات ولا يوجد تصديق ، فالرجال التاريخيون الذين تسبغ عليهم الأساطير ألواناً من البطولات يقترن تصوّرهم في ذهننا بتصوّر تلك البطولات ، وتتداعى التصوّرات ، ومع ذلك فقد لا نصدّق بشيء من تلك الأساطير فالتصديق ـ إذن ـ عنصر جديد يمتاز على التصوّر الخالص ، وعدم التمييز بين التصوّر والتصديق في عدّة من الدراسات الفلسفية الحديثة ، أدّى إلى جملة من الأخطاء ، وجعل عدّة من الفلاسفة يدرسون مسألة تعليل المعرفة والإدراك من دون أن يضعوا فارقاً بين التصوّر والتصديق وستعرف أنّ النظرية الإسلامية تفصِّل بينهما ، وتشرح المسألة في كلّ منهما بأُسلوب خاصّ (المؤلّف قدسسره )
التصوّر ومصدره الأساسي :
ونقصد بكلمة (الأساسي ) المصدر الحقيقي للتصوّرات والإدراكات البسيطة ؛ ذلك أنّ الذهن البشري ينطوي على قسمين من التصوّرات :
أحدهما المعاني التصوّرية البسيطة ، كمعاني الوجود والوحدة والحرارة والبياض وما إلى ذلك من مفردات للتصوّر البشري
والقسم الآخر المعاني المركّبة ، أي : التصوّرات الناتجة عن الجمع بين تلك التصوّرات البسيطة فقد نتصوّر (جبلاً من تراب) ونتصوّر (قطعة من الذهب) ثمّ نركّب بين هذين التصوّرين ، فيحصل بالتركيب تصوّر ثالث ، وهو : (تصوّر جبل من الذهب) فهذا التصوّر مركّب في الحقيقة من التصوّر الأوّلين ، وهكذا ترجع جميع التصوّرات المركّبة إلى مفردات تصوّرته بسيطة
والمسألة التي نعالجها هي : محاولة معرفة المصدر الحقيقي لهذه المفردات ، وسبب انبثاق هذه التصوّرات البسيطة في الإدراك الإنساني
وهذه المسألة لها تأريخ مهمّ في جميع أدوار الفلسفة اليونانية والإسلامية والأُوروبية ، وقد حصلت عبر تأريخها الفلسفي على عدّة حلول تتلخّص في النظريات الآتية :
١- نظرية الاستذكار الأفلاطونية (١) :
وهي النظرية القائلة : بأنّ الإدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة وقد ابتدع هذه النظرية أفلاطون ، وأقامها على فلسفته الخاصّة عن المُثل وقِدم النفس الإنسانية ، فكان يعتقد أنّ النفس الإنسانية موجودة بصورة مستقلّة عن البدن قبل وجوده ، ولمّا كان وجودها هذا متحرّراً من المادّة وقيودها تحرّراً كاملاً ، أُتيح لها الاتّصال بالمثل أي : بالحقائق المجرّدة عن المادّة ، وأمكنها العلم بها ، وحين اضطرّت إلى الهبوط من عالمها المجرّد للاتّصال بالبدن والارتباط به في دنيا المادّة ، فقدت بسبب ذلك كلّ ما كانت تعلمه من تلك المثل والحقائق الثابتة ، وذهلت عنها ذهولاً تاماً ، ولكنّها تبدأ باسترجاع إدراكاتها عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصّة والأشياء الجزئية ؛ لأنّ هذه المعاني والأشياء كلّها ظلال وانعكاسات لتلك المثل والحقائق الأزلية الخالدة في العالم الذي كانت تعيش النفس فيه فمتى أحسّت بمعنى خاصّ انتقلت فوراً إلى الحقيقة المثالية التي كانت تدركها قبل اتّصالها بالبدن ، وعلى هذا الأساس يكون إدراكنا للإنسان العامّ ـ أي : لمفهوم الإنسان بصورة كلّية ـ عبارة عن استذكار لحقيقة مجرّدة كنّا قد غفلنا عنها ، وإنّما استذكرناها بسبب الإحساس بهذا الإنسان الخاصّ أو ذاك من الأفراد التي تعكس في عالم المادّة تلك الحقيقة لمجرّدة
فالتصوّرات العامّة سابقة على الإحساس ، ولا يقوم الإحساس إلاّ بعملية استرجاع واستذكار لها ، والإدراكات العقلية لا تتعلّق بالأُمور الجزئية التي تدخل
____________________
(١) يراجع للتفصيل والتوضيح : صدر الدين الشيرازي ، الأسفار الأربعة : ٢ / ٤٦ ، الفصل ٩ مصطفى غالب ، أفلاطون : ٤١ محمّد عبد الرحمن مرحبا ، من الفلسفة اليونانيّة إلى الفلسفة الإسلامية : ١٢٦ ـ ١٣٠
في نطاق الحس ، وإنّما تتعلّق بتلك الحقائق الكلّية المجرّدة
وهذا النظرية ترتكز على قضيّتين فلسفيتين :
إحداهما : أنّ النفس موجودة قبل وجود البدن في عالم أسمى من المادّة
والأُخرى : أنّ الإدراك العقلي عبارة عن إدراك الحقائق المجرّدة الثابتة في ذلك العالم الأسمى ، والتي يصطلح عليها أفلاطون بكلمة (المُثل ) .
وكلتا القضيّتين خاطئتان كما أوضح ذلك ناقدو الفلسفة الأفلاطونية ، فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليست شيئاً موجوداً بصورة مجرّدة قبل وجود البدن ، بل هي نتاج حركة جوهرية في المادّة ، تبدأ النفس بها مادّية متّصفة بخصائص المادّة وخاضعة لقوانينها ، وتصبح بالحركة والتكامل وجوداً مجرّداً عن المادّة لا يتّصف بصفاتها ولا يخضع لقوانينها ، وإن كان خاضعاً لقوانين الوجود العامة ؛ فإنّ هذا المفهوم الفلسفي عن النفس هو المفهوم الوحيد الذي يستطيع أن يفسِّر المشكلة ، ويعطي إيضاحاً معقولاً عن العلاقة القائمة بين النفس والمادّة ، بين النفس والبدن وأمّا المفهوم الأفلاطوني ـ الذي يفترض للنفس وجوداً سابقاً على البدن ـ فهو أعجز ما يكون عن تفسير هذا العلاقة ، وتعليل الارتباط القائم بين البدن والنفس ، وعن إيضاح الظروف التي جعلت النفس تهبط من مستواها إلى المستوى المادّي
كما أنّ الإدراك العقلي يمكن إيضاحه مع إبعاد فكرة المُثل عن مجال البحث بما شرحه أرسطو في فلسفته : من أنّ المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامّة التي يدركها العقل بعد تجريدها عن الخصائص المميّزة للأفراد واستبقاء المعنى المشترك ، فليس الإنسان العامّ الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها في عالم أسمى ، بل هو صورة هذا الإنسان أو ذاك بعد إجراء عملية التجريد عليها ، واستخلاص المعنى العامّ منها
٢-النظريات العقلية :
وهي لعدّة من كبار فلاسفة أوروبا كـ (ديكارت (١) ) و(كانت (٢) ) وغيرهما وتتلخّص هذه النظرية في الاعتقاد بوجود منبعين للتصوّرات :
أحدهما : الإحساس ، فنحن نتصوّر الحرارة والنور والطعم والصوت ؛ لأجل إحساسنا بذلك كلّه
والآخر : الفطرة ، بمعنى : أنّ الذهن البشري يملك معانٍ وتصوّرات لم تنبثق عن الحسّ وإنّما هي ثابتة في صميم الفطرة ، فالنفس تستنبط من ذاتها وهذه التصوّرات الفطرية عند (ديكارت) هي فكرة (الله والنفس والامتداد والحركة) وما إليها من أفكار تتميّز بالوضوح الكامل في العقل البشري وأمّا عند (كانت) فالجانب الصوري للإدراكات والعلوم الإنسانية كلّه فطري بما يشتمل عليه من صورتي الزمان والمكان والمقولات الاثنتي عشر المعروفة عنه
فالحسّ على أساس هذه النظرية مصدر فهم للتصوّرات والأفكار البسيطة ، ولكنّه ليس هو السبب الوحيد ، بل هناك الفطرة التي تبعث في الذهن طائفة من التصوّرات
والذي اضطرّ العقليين إلى اتخاذ هذه النظرية في تعليل التصوّرات البشرية ، هو أنهم لم يجدوا لطائفة من المعاني والتصوّرات مبرراً لانبثاقها عن الحسّ ؛ لأنّها معانٍ غير محسوسة ، فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطاً ذاتياً من صميمها ويتّضح من هذا : أنّ الدافع الفلسفي إلى وضع النظرية العقلية يزول تماماً
____________________
(١) راجع : مدخل إلى فلسفة ديكارت : ١٠٩ ـ ١١٤
(٢) راجع : زكريا إبراهيم ، كانت أو الفلسفة النقديّة : ٤٦ ـ ٨٢
إذا استطعنا أن نفسر التصوّرات الذهنية تفسيراً متماسكاً من دون حاجة إلى افتراض أفكار فطرية.
ولأجل ذلك يمكننا تفنيد النظرية العقلية عن طريقين :
أحدهما : تحليل الإدراك تحليلاً يرجعه برمته إلى الحسّ وييسر فهم كيفية تولد التصوّرات كافة عنه فإن مثل هذا التحليل يجعل نظرية الأفكار الفطرية بلا مبرر مطلقاً ؛ لأنها كانت ترتكز على فصل بعض المعاني عن مجال الحسّ فصلاً نهائياً ، فإذا أمكن تعميم الحسّ لشتى ميادين التصوّر لم تبق ضرورة للتصوّرات الفطرية ، وهذا الطريق هو الذي اتخذه (جون لوك) للرد على (ديكارت) ونحوه من العقليين ، وسار عليه رجال المبدأ الحسّي مثل (باركلي) و (دافيد هيوم) بعد ذلك
والطريق الآخر : هو الأُسلوب الفلسفي للرد على التصوّرات الفطرية ويرتكز على قاعدة : أن الآثار الكثيرة لا يمكن أن تصدر عن البسيط باعتباره بسيطاً ، والنفس بسيطة فلا يمكن أن تكون سبباً بصورة فطرية لعدّة من التصوّرات والأفكار ، بل يجب أن يكون وجود هذا العدد الضخم من والإدراكات لدى النفس بسبب عوامل خارجية كثيرة ، وهي آلات الحسّ وما يطرأ عليها من مختلف الأحاسيس(١)
____________________
(١) وبكلمة أكثر تفصيلاً : أنّ كثرة الآثار تكشف عن أحد أُمور : إمّا كثرة الفاعل ، وإمّا كثرة القابل ، وإمّا الترتّب المنطقي بين الآثار ذواتها ، وأمّا كثرة الشرائط وفي مسألتنا لا شكّ في أنّ التصوّرات التي نبحث عن منشئها كثيرة ومتنوّعة مع أنّه لا كثرة في الفاعل والقابل ؛ لأنّ الفاعل والقابل للتصوّرات هو النفس ، والنفس بسيطة ، ولا ترتّب ـ أيضاً ـ بين التصوّرات ، فلا يبقى إلاّ أن نأخذ بالتفسير الأخير ، وهو : أن تستند التصوّرات الكثيرة إلى شرائط خارجية ، وهي : الإحساسات المختلفة المتنوّعة (المؤلّف قدسسره )
ونقد هذا البرهان بصورة كاملة يتطلّب منّا أن نشرح القاعدة التي قام على أساسها ، ونعطي إيضاحاً عن حقيقة النفس وبساطتها ، وهذا ما لا يتّسع له مجالنا الآن ، ولكن يجب أن نشير :
أوّلاً : إلى أنّ هذا البرهان ـ إذا أمكن قبوله ـ فهو لا يقضي على نظرية الأفكار الفطرية تماماً لأنه إنما يدلل على عدم وجود كثرة من الإدراكات بالفطرة ، ولا يبرهن على أنّ النفس لا تملك بفطرتها شيئاً محدوداً من التصوّرات يتّفق مع وحدتها وبساطتها ، وتتولّد عنه عدّة أُخرى من التصوّرات بصورة مستقلّة عن الحسّ
ونوضّحثانياً - أنّ النظرية العقلية إذا كانت تعني وجود أفكار فطرية بالفعل لدى النفس الإنسانية أمكن للبرهان الذي قدمناه أن يرد عليها قائلاً : إنّ النفس بسيطة بالذات ، فكيف ولّدت ذلك العدد الضخم من الأفكار الفطرية ؟! بل لو كان العقليون يجنحون إلى الإيمان بذلك حقّاً لكفى وجداننا البشري في الردّ على نظريتهم ؛ لأنّنا جميعاً نعلم أنّ الإنسان لحظة وجوده على وجه الأرض لا توجد لديه أيّة فكرة مهما كانت واضحة وعامّة في الذهنية البشرية( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ )
ولكن يوجد تفسير آخر للنظرية العقلية ، ويتلخّص في اعتبار الأفكار الفطرية موجودة في النفس بالقوّة ، وتكتسب صفة الفعلية بتطوّر النفس وتكاملها الذهني فليس التصوّر الفطري نابعاً من الحسّ ، وإنّما يحتويه وجود النفس لا شعورياً ، وبتكامل النفس يصبح إدراكاً شعورياً واضحاً ، كما هو شأن
____________________
(١) النحل : ٧٨
الإدراكات والمعلومات التي نستذكرها فنثيرها من جديد بعد أن كانت كامنة وموجودة بالقوّة
والنظرية العقلية على ضوء هذا التفسير لا يمكن أن تردّ بالبرهان الفلسفي أو الدليل العلمي السابق ذكرهما
٣- النظرية الحسّية :
وهي النظرية القائلة : إنّ الإحساس هو المموِّن الوحيد للذهن البشري بالتصوّرات والمعاني ، والقوّة الذهنية هي القوّة العاكسة للإحساسات المختلفة في الذهن فنحن حين نحسّ بالشيء نستطيع أن نتصوّره ـ أي : أن نأخذ صورة عنه في ذهننا وأمّا المعاني التي يمتدّ إليها الحسّ ، فلا يمكن للنفس ابتداعها وابتكارها ذاتياً وبصورة مستقلّة
وليس للذهن بناء على هذه النظرية إلاّ التصرّف في صور المعاني المحسوسة ، وذلك بالتركيب والتجزئة : بأن يركّب بين تلك الصور أو يجزّئ الواحدة منها ، فيتصوّر جبلاً من ذهب أو يجزّئ الشجرة التي أدركها إلى قطع وأجزاء أو بالتجريد والتعميم : بأن يفرز خصائص الصورة ويجرّدها عن صفاتها الخاصّة ؛ ليصوغ منها معنىً كلّياً ، كما إذا تصوّر زيداً وأسقط من الحسّاب كلّ ما يمتاز به عن عمرو ؛ فإنّ الذهن بعملية الطرح هذه يستبقي معنىً مجرّداً يصدق على زيد وعمرو معاً
ولعلّ المبشّر الأوّل بهذه النظرية الحسّية هو (جون لوك) الفيلسوف الإنكليزي الكبير الذي بزغ في عصر فلسفي زاخر بمفاهيم (ديكارت) عن الأفكار الفطرية ، فبدأ في تفنيد تلك المفاهيم ، ووضع لأجل ذلك دراسة مفصّلة للمعرفة الإنسانية في كتابه (مقالة في التفكير الإنساني ) ، وحاول في هذا الكتاب
إرجاع جميع التصوّرات والأفكار إلى الحسّ وقد شاعت هذه النظرية بعد ذلك بين فلاسفة أوروبا ، وقضت إلى حدّ ما على نظرية الأفكار الفطرية ، وانساق معها جملة من الفلاسفة إلى أبعد حدودها حتّى انتهت إلى فلسفات خطرة جدّاً ، كفلسفة (باركلي) و(دافيد هيوم) كما سوف نتبيّن ذلك إن شاء الله تعالى(١)
والماركسية تبنّت هذه النظرية في تعليل الإدراك البشري ، تمشّياً مع رأيها في الشعور البشري ، وأنّه انعكاس للواقع الموضوعي ؛ فكلّ إدراك يرجع إلى انعكاس لواقع معيّن ، ويحصل هذا الانعكاس عن طريق الإحساس وما يخرج عن حدود الانعكاسات الحسّية لا يمكن أن يتعلّق به الإدراك أو الفكر ، فنحن لا نتصوّر إلاّ إحساساتنا التي تشير إلى الحقائق الموضوعية القائمة في العالم الخارجي
قال جورج بوليتزير :
(ولكن ما هي نقطة البدء في الشعور أو الفكر ، إنّها الإحساس ثمّ إنّ مصدر الإحساسات التي يعالجها الإنسان بدافع من احتياجاته الطبيعية)(٢)
(الرأي الماركسي يعني- إذن- أنّ محتوى شعورنا ليس له من مصدر سوى الجزئيات الموضوعية التي تقدِّمها لنا الظروف الخارجية التي نعيش فيها ، وتعطى لنا في الإحساسات وهذا كلّ ما في الأمر)(٣)
____________________ـــ
(١) يراجع : أحمد أمين وزكي نجيب محمود ، قصّة الفلسفة الحديثة : ١ / ١٣٠ ـ ١٣٥ عبد الرحمن بدوي ، خريف الفكر اليوناني : ١٦٨ توفيق الطويل ، أُسس الفلسفة : ٣٥٥
(٢) المادّية والمثالية في الفلسفة : ٧٥
(٣) المصدر السابق : ٧١ ـ ٧٢
وقال ماو تسي تونغ موضّحاً الرأي الماركسي في المسألة :
(إنّ مصدر كلّ معرفة يكمن في إحساسات أعضاء الحسّ الجسمية في الإنسان للعالم الموضوعي الذي يحيطه)(١)
(وإذن فالخطوة الأُولى في عملية اكتساب المعرفة هي : الاتّصال الأوّلي بالمحيط الخارجي ، مرحلة الأحاسيس الخطوة الثانية هي : جمع المعلومات التي نحصل عليها من الإدراكات الحسّية ، وتنسيقها وترتيبها)(٢)
وتركِّز النظرية الحسّية على التجربة ، فقد دلّلت التجارب العلمية على أنّ الحسّ هو الإحساس الذي تنبثق عنه التصوّرات البشرية ، فمن حُرم لوناً من ألوان الحسّ فهو لا يستطيع أن يتصوّر المعاني ذات العلاقة بذلك الحسّ الخاصّ ؛ ولذلك قيل منذ القديم : من فقد حسّاً فقد علماً
وهذه التجارب ـ إذا صحّت ـ إنّما تبرهن علمياً على أنّ الحسّ هو الينبوع الأساسي للتصوّر ، فلولا الحسّ لما وجد تصوّر في الذهن البشري ، ولكنّها لا تسلب عن الذهن قدرة توليد معانٍ جديدة ـ لم تدرَك بالحسّ ـ من المعاني المحسوسة ، فليس من الضروري أن يكون قد سبق تصوّراتنا البسيطة جميعاً الإحساس بمعانيها كما تزعم النظرية الحسّية
فالحسّ على ضوء التجارب الآنفة الذكر هو البنية الأساسية التي يقوم على قاعدتها التصوّر البشري ، ولا يعني ذلك : تجريد الذهن عن الفعّالية وابتكار
___________________
(١) حول التطبيق : ١١
(٢) المصدر السابق : ١٤
تصوّرات جديدة على ضوء التصوّرات المستوردة من الحسّ
ويمكننا أن نوضِّح فشل النظرية الحسّية في محاولة إرجاع جميع مفاهيم التصوّر البشري إلى الحسّ ، على ضوء دراسة عدّة من مفاهيم الذهن البشري كالمفاهيم التالية : العلّة والمعلول ، الجوهر والعرض ، لإمكان والوجوب ، الوحدة والكثرة ، الوجود والعدم ، وما إلى ذلك من مفاهيم وتصوّرات
فنحن جميعاً نعلم أنّ الحسّ إنّما يقع على ذات العلّة وذات المعلول ، فندرك ببصرنا سقوط القلم على الأرض إذا سُحِبت من تحته المنضدة التي وضع عليها ، وندرك باللمس حرارة الماء حين يوضع على النار ، وكذلك ندرك تمدّد الفلزّات في جوّ حار ففي هذه الأمثلة نحسّ بظاهرتين متعاقبتين ، ولا نحسّ بصلة خاصّة بينهما ، هذه الصلة التي نسمّيها بالعلّية ، ونعني بها : تأثير إحدى الظاهرتين في الأُخرى ، وحاجة الظاهرة الأخرى إليها لأجل أن توجد
والمحاولات التي ترمي إلى تعميم الحسّ لنفس العلّية واعتبارها مبدأ حسّياً تقوم على تجنّب العمق والدقّة في معرفة ميدان الحسّ وما يتّسع له من معاني وحدود فمهما نادى الحسّيون بأنّ التجارب البشرية والعلوم التجريبية القائمة على الحسّ هي التي توضّح مبدأ العلّية ، وتجعلنا نحسّ بصدور ظواهر مادّية معيّنة من ظواهر أخرى مماثلة ، أقول : مهما نادوا بذلك فلن يحالفهم التوفيق ما دمنا نعلم أن التجربة العلمية لا يمكن أن تكشف بالحسّ إلاّ الظواهر المتعاقبة ، فنستطيع بوضع الماء على النار أن ندرك حرارة الماء وتضاعف هذه الحرارة ، وأخيراً نحسّ بغليان الماء وأمّا أنّ هذا الغليان منبثق عن بلوغ الحرارة درجة معيّنة ، فهذا ما لا يوضّحه الجانب الحسّي من التجربة ، وإذا كانت تجاربنا الحسّية قاصرة عن كشف مفهوم العلّية فكيف نشأ هذا المفهوم في الذهن البشري ،
وصرنا نتصوّره ونفكّر فيه ؟
وقد كان (دافيد هيوم)- أحدّ علماء رجال المبدأ الحسّي- أدقّ من غيره في تطبيق النظرية الحسّية ، فقد عرف أنّ العلّية بمعناها الدقيق لا يمكن أن تُدرك بالحسّ ، فأنكر مبدأ العلّية ، وأرجعها إلى عدّة تداعي المعاني ، قائلاً : إنّي أرى كرة البلياردو تتحرّك فتصادف كرة أخرى فتتحرك هذه ، وليس في حركة الأولى ما يظهرني على ضرورة تحرك الثانية ، والحسّ الباطني يدلني على أن حركة الأعضاء في تعقب أمر الإرادة ، ولكني لا أدرك به إدراكنا مباشراً علاقة ضرورية بين الحركة والأمر
ولكنّ الواقع : أنّ إنكار مبدأ العلّية لا يخفّف من المشكلة التي تواجه لنظرية الحسّية شيئاً ؛ فإنّ إنكار هذا المبدأ كحقيقة موضوعية يعني أننا نصدق بالعلّية كقانون من قوانين الواقع الموضوعي ، ولم نستطع أن نعرف ما إذا كانت الظواهر ترتبط بعلاقات ضرورية تجعل بعضها ينبثق عن بعض ، ولكن مبدأ العلّية كفكرة تصديقية شيء ، ومبدأ العلّية كفكرة تصوّرية شيء آخر ، فهب أنّا لم نصدّق بعلّية الأشياء المحسوسة بعضها لبعض ، ولم نكوّن عن مبدأ العلّية فكرة تصديقية ، فهل معنى ذلك : أنّنا لا نتصوّر مبدأ العلّية أيضاً ؟ وإذا كنّا لا نتصوّره فما الذي نفاه (دافيد هيوم) ؟ وهل ينفي الإنسان شيئاً لا يتصوّره ؟ !
فالحقيقة التي لا مجال لإنكارها هي : أنّنا نتصوّر مفهوم العلّية سواء أصدّقنا بها أم لا ، وليس تصوّر العلّية تصوّراً مركّباً من تصوّر الشيئين المتعاقبين ، فنحن حين نتصوّر علّيه درجة معيّنة من الحرارة للغليان لا نعني بهذه العلّية تركيباً اصطناعياً بين فكرتي الحرارة والغليان ، بل فكرة ثالثة تقوم بينهما ، فمن أين جاءت هذه الفكرة التي لم تُدرك بالحسّ إذا لم يكن للذهن خلاّقية
لمعانٍ غير محسوسة ؟ !
ونواجه نفس المشكلة في المفاهيم الأخرى التي عرضناها آنفاً ، فهي جميعاً ليست من المعاني المحسوسة ، فيجب طرح التفسير الحسّي الخالص للتصوّر البشري والأخذ بنظرية الانتزاع
٤- نظرية الانتزاع :
وهي نظرية الفلاسفة الإسلاميين بصورة عامّة وتتلخّص هذه النظرية في تقسيم التصوّرات الذهنية إلى قسمين : تصوّرات أوّلية وتصوّرات ثانوية فالتصوّرات الأوّلية هي الأساس التصوّري للذهن البشري ، وتتولّد هذه التصوّرات من الإحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة فنحن نتصوّر الحرارة لأنّنا أدركناها باللمس ، ونتصوّر اللون لأنّنا أدركناه بالبصر ، ونتصوّر الحلاوة لأننا أدركناها بالذوق ، ونتصوّر الرائحة لأننا أدركناها بالشمّ وهكذا جميع المعاني التي ندركها بحواسّنا ، فإنّ الإحساس بكلّ واحد منها هو السبب في تصوّره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري وتتشكّل من هذه المعاني القاعدة الأوّلية للتصوّر ، وينشئ الذهن بناءً على هذه القاعدة التصوّرات الثانوية ، فيبدأ بذلك دور الابتكار والإنشاء ، وهو الذي نصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (الانتزاع ) فيولّد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأوّلية ، وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحسّ وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدّمها الحسّ إلى الذهن والفكر .
وهذه النظرية تتّسق مع البرهان والتجربة ، ويمكنها أن تفسِّر جميع المفردات التصوّرية تفسيراً متماسكاً
فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت مفاهيم العلّة والمعلول ،
والجوهر والعرض ، والوجود [ والعدم ، والكثرة ] والوحدة في الذهن البشري إنّها كلّهامفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء المعاني المحسوسة ، فنحن نحسّ ـ مثلاً ـ بغليان الماء حين تبلغ درجة حرارته مئة ، وقد يتكرّر إحساسنا بهاتين الظاهرتين- ظاهرتي الغليان والحرارة- آلاف المرّات ولا نحسّ بعلّية الحرارة للغليان مطلقاً ، وإنّما الذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلّية من الظاهرتين اللتين يقدِّمهما الحسّ إلى مجال التصوّر .
ولا نستطيع في مجالنا المحدود أن نعرض لكيفية الانتزاع الذهني وألوانه وأقسامه ؛ لأنّنا لا نتناول في دراساتنا الخاطفة هذه إلاّ الإشارة إلى الخطوط العريضة(١)
____________________
(١) راجع : الإشارات والتنبيهات : ٢ / ٣٥٣ وما بعدها وشرح المنظومة : ٢ / ١٦٣
التصديق ومصدره الأساسي
ننتقل الآن من درس الإدراك الساذج (= التصوّر) إلى درس الإدراك التصديقي الذي ينطوي على الحكم ، ويحصل به الإنسان على معرفة موضوعية
فكلّ واحد منّا يدرك عدّة من القضايا ، ويصدّق بها تصديقاً ، ومن تلك القضايا ما يرتكز الحكم فيها على حقائق موضوعية جزئية ، كما في قولنا : الجوّ حارّ ، الشمس طالعة وتُسمَّى القضية لأجل ذلك جزئية ومن القضايا ما يقوم الحكم فيها بين معنيين عامّين كما في قولنا : الكلّ أعظم من الجزء ، والواحد نصف الاثنين ، والجزء الذي لا يتجزّأ مستحيل ، والحرارة تولّد الغليان ، والبرودة سبب للتجمّد ، ومحيط الدائرة أكبر من قطرها ، والكتلة حقيقة نسبية ، إلى غير ذلك من القضايا الفلسفية والطبيعية والرياضية وتُسمَّى هذه القضايا بـ : القضايا الكلّية والعامّة.
والمشكلة التي تواجهنا هي : مشكلة أصل المعرفة التصديقية والركائز الأساسية التي يقوم عليها صرح العلم الإنساني ، فما هي الخيوط الأوّلية التي نسجت منها تلك المجموعة الكبيرة من الأحكام والعلوم ؟ وما هو المبدأ الذي تنتهي إليه المعارف البشرية في التعليل ، ويعتبر مقياساً أوّلياً عاماً لتمييز الحقيقة
عن غيرها ؟
وفي هذا المسألة عدّة مذاهب فلسفية ، نتناول بالدرس منها المذهب العقلي والمذهب التجريبي ،فالأوّل هو المذهب الذي ترتكز عليه الفلسفة الإسلامية ، وطريقة التفكير الإسلامي بصورة عامّةوالثاني هو الرأي السائد في عدّة مدارس للمادّية ومنها المدرسة الماركسية (١)
____________________
(١) وقد توصّل المؤلّفقدسسره بعد تأليفه لهذا الكتاب إلى مذهب ثالث للمعرفة عرضه في كتابه القيّم (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) وسمَّاه بـ (المذهب الذاتي للمعرفة) تمييزاً له عن المذهبين الآخرين ، وهذا المذهب يتّفق مع المذهب العقلي في الإيمان بوجود قضايا ومعارف يدركها الإنسان بصورة قبليّة ومستقلّة عن الحسّ والتجربة ، وأنّ هذه القضايا تشكّل الأساس للمعرفة البشريّة ، خلافاً للمذهب التجريبي الذي يؤمن بأنّ التجربة والخبرة الحسّية هي المصدر الوحيد للمعرفة ، فلا توجد لدى الإنسان أيّ معرفة قبليّة بصورة مستقلّة عن الحسّ والتجربة ، ففي هذه النقطة يتّفق المذهب الذاتي للمعرفة مع المذهب العقلي ، ولكنّه يختلف معه اختلافاً أساسيّاً في تفسير نموّ المعرفة ، بمعنى أنّ هذه المعارف القبليّة الأوّلية كيف يمكن أن تنشأ منها معارف جديدة ؟ فالمذهب العقلي لا يعترف عادة إلاّ بطريقةٍ واحدة لنموّ المعرفة ، وهي طريقة التوالد الموضوعي التي تعتمد على التلازم بين الواقع الموضوعي للمعارف القبليّة والواقع الموضوعي للمعرفة الجديدة ، بينما يؤمن المذهب الذاتي بوجود طريقة أُخرى أيضاً لنموّ المعرفة ، وهي طريقة التوالد الذاتي التي تعني نشوء معرفةٍ من معارف أُخرى قبليّة لا على أساس التلازم بين الواقع الموضوعي لتلك المعارف القبليّة والواقع الموضوعي للمعرفة الجديدة ، بل على أساس التلازم بين ذات تلك المعارف القبليّة بوصفها اعتقادات ذهنيّة وذات المعرفة الجديدة بوصفها كذلك ، من دون ضرورة التلازم بين الموضوعات الواقعيّة لتلك المعارف في خارج الذهب والموضوع الواقعي للمعرفة الجديدة في خارج الذهن أيضاً ، ويعتقد هذا المذهب أنّ الجزء الأكبر من معارفنا يمكن تفسيره على هذا الأساس (لجنة التحقيق )
١- المذهب العقلي :
تنقسم المعارف البشرية في رأي العقليين إلى طائفتين :
إحداهما معارف ضرورية أو بديهية ونقصد بالضرورة هنا : أنّ النفس تضطرّ إلى الإذعان بقضية معيّنة من دون أن تطالب بدليل أو تُبرهن على صحّتها ، بل تجد من طبيعتها ضرورة الإيمان بها إيماناً غنياً عن كلّ بيّنة وإثبات ، كإيمانها ومعرفتها بالقضايا الآتية : (النفي والإثبات لا يصدقان معاً في شيء واحد) ، (الحادث لا يوجد من دون سبب) ، (الصفات المتضادّة لا تنسجم في موضوع واحد) ، (الكلّ أكبر من الجزء) ، (الواحد نصف الاثنين)
والطائفة الأخرى معارف ومعلومات نظرية فإنّ عدّة من القضايا لا تؤمن النفس بصحّتها إلاّ على ضوء معارف ومعلومات سابقة ، فيتوقّف صدور الحكم منها في تلك القضايا على عملية تفكير واستنباط للحقيقة من حقائق أسبق وأوضح منها ، كما في القضايا الآتية : (الأرض كروية) ، (الحركة سبب الحرارة) ، (التسلسل ممتنع) ، (الفلزات تتمدّد بالحرارة) ، (زوايا المثلّث تساوي قائمتين) ، (المادّة تتحوّل إلى طاقة) وما إلى ذلك من قضايا الفلسفة والعلوم فإنّ هذه القضايا حين تُعرَض على النفس لا تحصل على حكم في شأنها إلاّ بعد مراجعة للمعلومات الأخرى ولأجل ذلك فالمعارف النظرية مستندة إلى المعارف الأوّلية الضرورية ، فلو سُلِبت تلك المعارف الأوّلية من الذهن البشري لم يستطع التوصّل إلى معرفة نظرية مطلقاً ، كما سنوضِّح ذلك فيما بعد إن شاء الله
فالمذهب العقلي يوضح أنّ الحجر الأساسي للعلم هو :
المعلومات العقلية الأوّلية : وعلى ذلك الأساس تقوم البنيات الفوقية للفكر الإنساني التي تُسمَّى
بـ : المعلومات الثانوية
والعملية التي تستنبط بها معرفة نظرية من معارف سابقة هي العملية التي نطلق عليها اسم :
الفكر والتفكير فالتفكير : جهد يبذله العقل في سبيل اكتساب تصديق وعلم جديد من معارفه السابقة بمعنى : أنّ الإنسان حين يحاول أن يعالج قضية جديدة كقضية (حدوث المادّة)- مثلاً-ليتأكّد من أنّها حادثة أو قديمة ، يكون بين يديه أمران : أحدهما الصفة الخاصّة وهي (الحدوث) ، والآخر الشيء الذي يريد أن يتحقّق من اتّصافه بتلك الصفة وهو (المادّة) ولمّا لم تكن القضية من الأوّليات العقلية ، فالإنسان سوف يتردّد بطبيعته في إصدار الحكم والإذعان بحدوث المادّة ، ويلجأ- حينئذٍ- إلى معارفه السابقة ليجد فيها ما يمكنه أن يركّز عليه حكمه ، ويجعله واسطة للتعرّف على حدوث المادّة ، وتبدأ بذلك عملية التفكير باستعراض المعلومات السابقة
ولنفترض أنّ من جملة تلك الحقائق التي كان يعرفها المفكّر سلفاً هي (الحركة الجوهرية ) ، التي تقرّر : أنّ المادّة حركة مستمرّة وتجدّد دائم ، فإنّ الذهن سيضع يده على هذه الحقيقة حينما تمرّ أمامه في الاستعراض الفكري ، ويجعلها همزة الوصل بين المادّة والحدوث ؛ لأنّ المادّة لمّا كانت متجدّدة فهي حادثة حتماً ؛ لأنّ التغيّر المستمرّ يعني : الحدوث على طول الخطّ ، وتتولّد ـ عندئذٍ ـ معرفة جديدة للإنسان ، وهي : أنّ المادّة حادثة ، لأنّها متحرّكة ومتجدّدة ، وكلّ متجدّد حادث.
وهكذا استطاع الذهن أن يربط بين الحدوث والمادّة ، وهمزة الربط هي حركة المادّة ، فإنّ حركتها هي التي جعلتنا نعتقد بأنّها حادثة ؛ لأنّنا نعلم أنّ كلّ متحرّك هو حادث
ويؤمن المذهب العقلي لأجل ذلك بقيام علاقة السببية في المعرفة البشرية
بين بعض المعلومات وبعض ؛ فإنّ كلّ معرفة إنّما تتولّد عن معرفة سابقة ، وهكذا تلك المعرفة حتّى ينتهي التسلسل الصاعد إلى المعارف العقلية الأوّلية التي لم تنشأ عن معارف سابقة ، وتعتبر- لهذا السبب-العلل الأولى للمعرفة
وهذه العلل الأولى للمعرفة على نحوين :أحدهما ما كان شرطاً أساسياً لكلّ معرفة إنسانية بصورة عامّةوالآخر ما كان سبباً لقسم من المعلومات والأوّل هو :
مبدأ عدم التناقض ، فإنّ هذا المبدأ لازم لكلّ معرفة ، وبدونه لا يمكن التأكّد من أنّ قضية مّا ليست كاذبة مهما أقمنا من الأدلة على صدقها وصحّتها ؛ لأنّ التناقض إذا كان جائزاً فمن المحتمل أن تكون القضية كاذبة في نفس الوقت الذي نبرهن فيه على صدقها ، ومعنى ذلك : أنّ سقوط مبدأ عدم التناقض يعصف بجميع قضايا الفلسفة والعلوم على اختلاف ألوانها والنحو الثاني من المعارف الأوّلية هو :
سائر المعارف الضرورية الأخرى التي تكون كلّ واحدة منها سبباً لطائفة من المعلومات
وبناءً على المذهب العقلي يترتّب ما يأتي :
أوّلاً : أنّ المقياس الأوّل للتفكير البشري بصورة عامّة هو :
المعارف العقلية الضرورية ، فهي الركيزة الأساسية التي لا يستغنى عنها في كلّ مجال ، ويجب أن تقاس صحّة كلّ فكرة وخطأها على ضوئها ويصبح بموجب ذلك ميدان المعرفة البشرية أوسع من حدود الحسّ والتجربة ؛ لأنّه يجهِّز الفكر البشري بطاقات تتناول ما وراء المادّة من حقائق وقضايا ، ويحقّق للميتافيزيقا والفلسفة العالية إمكان المعرفة وعلى عكس ذلك المذهب التجريبي ؛ فإنّه يبعد مسائل الميتافيزيقا عن مجال البحث ، لأنّها مسائل لا تخضع للتجربة ، ولا يمتدّ إليها الحسّ العلمي ، فلا يمكن التأكّد فيها من نفي أو إثبات ما دامت التجربة هي المقياس الأساسي الوحيد ، كما يزعم المذهب التجريبي .
وثانياً : إنّ السير الفكري في رأي العقليين يتدرّج من القضايا العامّة إلى قضايا أخصّ منها ، من الكلّيات إلى الجزئيات ، وحتّى في المجال التجريبي الذي يبدو لأوّل وهلة أنّ الذهن ينتقل فيه من موضوعات تجريبية جزئية إلى قواعد وقوانين عامّة ، يكون الانتقال والسير فيه من العامّ إلى الخاصّ(١) ، كما سنوضّح ذلك عند الردّ على المذهب التجريبي
ولا بدّ أنّك تتذكّر ما ذكرنا مثلاً لعملية التفكير ، وكيف انتقلنا فيه من معرفة عامّة إلى معرفة خاصّة ، واكتسبنا العلم بأنّ (المادّة حادثة) من العلم بأنّ (كلّ متغيّر حادث) ، فقد بدأ الفكر بهذه القضية الكلّية (كلّ متغيّر حادث) وانطلق منها إلى قضية أخصّ منها ، وهي : (أنّ المادّة حادثة)
وأخيراً : يجب أن ننبّه على أن المذهب العقلي لا يتجاهل دور التجربة الجبّار في العلوم والمعارف البشرية ، وما قدّمته من خدمات ضخمة للإنسانية ، وما كشفت عنه من أسرار الكون وغوامض الطبيعة ، ولكنّه يعتقد أنّ التجربة بمفردها لم تكن تستطيع أن تقوم بهذا الدور الجبّار ؛ لأنّها تحتاج في استنتاج أيّة حقيقة علمية منها إلى تطبيق القوانين العقلية الضرورية ، أي : أن يتمّ ذلك الاستنتاج على ضوء المعارف الأوّلية ، ولا يمكن أن تكون التجربة بذاتها المصدر الأساسي والمقياس الأوّل للمعرفة ، فشأنها شأن الفحص الذي يجريه الطبيب على
____________________
(١) هذا من جملة ما اختلف فيه رأي المؤلّفقدسسره بعد تأليفه لهذا الكتاب ، حيث انتهىرحمهالله ـ في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة الذي طرحه في كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) ـ إلى أنّ المجالات الفكريّة التي ينتقل فيها الذهن من استقراء الموضوعات الجزئيّة إلى قواعد وقوانين عامّة يكون السير الفكري فيها ـ حقّاً ـ من الخاصّ إلى العامّ ، ولا حاجة فيها إلى ضمّ كبرى كليّة عقليّة مسبقة ليتحوّل السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ كما يدّعيه أصحاب المذهب العقلي للمعرفة (لجنة التحقيق )
المريض ، فإنّ هذا الفحص هو الذي يتيح له أن يكشف عن حقيقة المرض وملابساته ، ولكن هذا الفحص لم يكن ليكشف عن هذا لولا ما يملكه الطبيب قبل ذلك من معلومات ومعارف ، فلو لم تكن تلك المعلومات لديه لكان فحصه لغواً ومجرّداً عن كلّ فائدة ، وهكذا التجربة البشرية بصورة عامّة لا تشقّ الطريق إلى نتائج وحقائق إلاّ على ضوء معلومات عقلية سابقة
٢- المذهب التجريبي :
وهو المذهب القائل : بأنّ التجربة هي المصدر الأوّل لجميع المعارف البشرية ؛ ويستند في ذلك إلى أنّ الإنسان حين يكون مجرّداً عن التجارب بمختلف ألوانها لا يعرف أيّة حقيقة من الحقائق مهما كانت واضحة ؛ ولذا يولد الإنسان خالياً من كلّ معرفة فطرية ، ويبدأ وعيه وإدراكه بابتداء حياته العملية ، ويتّسع علمه كلّما اتّسعت تجاربه ، وتتنوّع معارفه كلّما تنوّعت تلك التجارب
فالتجريبيون لا يعترفون بمعارف عقلية ضرورية سابقة على التجربة ، ويعتبرون التجربة الأساس الوحيد للحكم الصحيح ، والمقياس العامّ في كلّ مجال من المجالات ، وحتّى تلك الأحكام التي ادّعى المذهب العقلي أنّها معارف ضرورية لا بدّ من إخضاعها للمقياس التجريبي ، والاعتراف بها بمقدار ما تحدِّده التجربة ؛ لأنّ الإنسان لا يملك حكماً يستغني عن التجربة في إثباته
وينشأ من ذلك :
أوّلاً : تحديد طاقة الفكر البشري بحدود الميدان التجريبي ، ويصبح من العبث كلّ بحث ميتافيزيقي أو دراسة لمسائل ما وراء الطبيعة ، على عكس المذهب العقلي تماماً
وثانياً : انطلاق السير الفكري للذهن البشري بصورة معاكسة لما يعتقده المذهب العقلي ، فبينما كان المذهب العقلي يؤمن بأنّ الفكر يسير ـ دائماً ـ من العامّ إلى الخاصّ ، يقرّر التجريبيون أنّه يسير من الخاصّ إلى العامّ ، ومن حدود التجربة الضيّقة إلى القوانين والقواعد الكلّية ، ويترقّى ـ دائماً ـ من الحقيقة الجزئية التجريبية إلى المطلق ، وليس ما يملكه الإنسان من قوانين عامّة وقواعد كلّية إلاّ حصيلة التجارب ، ونتيجة هذا ، الارتقاء من استقراء الجزئيات إلى الكشف عن حقائق موضوعية عامّة
ولأجل ذلك يعتمد المذهب التجريبي على الطريقة الاستقرائية في الاستدلال والتفكير ؛ لأنّها طريقة الصعود من الجزئي إلى الكلّي ، ويرفض مبدأ الاستدلال القياسي الذي يسير فيه الفكر من العامّ إلى الخاصّ ، كما في الشكل الآتي من القياس : (كلّ إنسان فانٍ ومحمّد إنسان) فـ (محمّد فانٍ) ويستند هذا الرفض إلى أنّ هذا الشكل من الاستدلال لا يؤدّي إلى معرفة جديدة في النتيجة ، مع أنّ حدّ شروط الاستدلال هو : أن يؤدّي إلى نتيجة جديدة ليست محتواة في المقدّمات ، وإذن فالقياس بصورته المذكورة يقع في مغالطة (المصادرة على المطلوب) ؛ لأنّنا إذا ما قبلنا المقدّمة (كلّ إنسان فانٍ) فإنّا ندخل في الموضوع (إنسان) كلّ أفراد الناس ، وبعدئذٍ إذا ما عقّبنا عليها بمقدّمة ثانية (بأنّ محمّداً إنسان) فإمّا أن نكون على وعي بأنّ محمّداً كان فرداً من أفراد الناس الذين قصدنا إليهم في المقدّمة الأولى ، وبذلك نكون على وعي كذلك بأنّه (فانٍ) قبل أن ننصّ على هذه الحقيقة في المقدّمة الثانية ، وإمّا أن لا نكون على وعي بذلك ، فنكون في المقدمة الأولى قد عمّمنا بغير حقّ ؛ لأنّا لم نكن نعلم الفناء عن كلّ أفراد الناس كما زعمنا
نقد المذهب التجريبي :
هذا عرض موجز للمذهب التجريبي الذي نجد أنفسنا مضطرّين إلى رفضه للأسباب الآتية :
الأوّل : أنّ نفس هذه القاعدة : (التجربة هي المقياس الأساسي لتمييز الحقيقة ) هل هي معرفة أوّلية حصل عليها الإنسان من دون تجربة سابقة ؟ أو أنّها بدورها ـ أيضاً ـ كسائر المعارف البشرية ليست فطرية ولا ضرورية ؟ فإذا كانت معرفة أوّلية سابقة على التجربة بطل المذهب التجريبي الذي لا يؤمن بالمعارف الأوّلية ، وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية بصورة مستقلّة عن التجربة ، وإذا كانت هذه المعرفة محتاجة إلى تجربة سابقة فمعنى ذلك : أنّا لا ندرك في بداية الأمر أنّ التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق ، فكيف يمكن البرهنة على صحّته واعتباره مقياساً بتجربة ما دامت غير مضمونة الصدق بعد ؟ !
بكلمة أخرى : أنّ القاعدة المذكورة- التي هي ركيزة المذهب التجريبي- إن كانت خطأ سقط المذهب التجريبي بانهيار قاعدته الرئيسية ، وإن كانت صواباً صحّ لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبيين يؤمنون بصواب هذه القاعدة ، فإن كانوا قد تأكّدوا من صوابها بلا تجربة فهذا يعني : أنّها قضية بديهية وأنّ الإنسان يملك حقائق وراء عالم التجربة ، وإن كانوا قد تأكّدوا من صوابها بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل ؛ لأنّ التجربة لا تؤكّد قيمة نفسها
الثاني : أنّ المفهوم الفلسفي الذي يرتكز على المذهب التجريبي يعجز عن إثبات المادّة ؛ لأنّ المادّة لا يمكن الكشف عنها بالتجربة الخالصة ، بل كلّ ما يبدو للحسّ في المجالات التجريبية إنّما هو : ظواهر المادّة وأعراضها ، وأمّا نفس المادّة بالذات- الجوهر المادّي الذي تعرضه تلك الظواهر والصفات- فهي
لا تدرك بالحسّ ، فالوردة التي نراها على الشجرة أو نلمسها بيدنا إنّما نحسّ برائحتها ولونها ونعومتها ، وحتّى إذا تذوقناها فإنّنا نحسّ بطعمها ، ولا نحسّ في جميع تلك الأحوال بالجوهر الذي تلتقي جميع هذه الظواهر عنده ، وإنّما ندرك هذا الجوهر ببرهان عقلي يرتكز على المعارف العقلية الأوّلية ـ كما سنشير إليه في البحوث المقبلة ـ ولأجل ذلك أنكر عدّة من الفلاسفة الحسّيين التجريبيين وجود المادّة(١) فالسند الوحيد لإثبات المادّة هو معطيات العقل الأوّلية ، ولولاها لما كان في طاقة الحسّ أن يثبت لنا وجود المادّة وراء الرائحة الذكية واللون الأحمر والطعم الخاصّ للوردة
وهكذا يتّضح لنا أن الحقائق الميتافيزيقية ليست هي وحدها التي يحتاج إثباتها إلى اتخاذ الطريقة العقلية في التفكير ، بل المادّة نفسها كذلك أيضاً
وهذا الاعتراض إنّما نسجله بطبيعة الحال على من يؤمن بوجود جوهر مادّي في الطبيعة على أسس المذهب التجريبي ، وأمّا من يفسِّر الطبيعة بمجرد ظواهر تحدث وتتغير دون أن يعترف لها بموضوع تلتقي عنده . فلا صلة له بهذا الاعتراض
الثالث : أنّ الفكر لو كان محبوساً في حدود التجربة ولم يكن يملك معارف مستقلّة عنها لما أُتيح له أن يحكم باستحالة شيء من الأشياء مطلقاً ؛ لأن الاستحالة ـ بمعنى عدم إمكان وجود الشيء ـ ليس مما يدخل في نطاق التجربة ولا يمكن للتجربة أن تكشف عنه ، وقصارى ما يتاح للتجربة أن تدلل عليه هو عدم وجود أشياء معيّنة ، ولكن عدم وجود شيء لا يعني استحالته ، فهناك عدّة أشياء لم تكشف التجربة عن وجودها ، بل دلت على عدمها في نطاقها الخاصّ ،
____________________ـــــ
(١) راجع : قصّة الفلسفة الحديثة : ١ / ١٥٣ ، ١٦٧
ومع ذلك فنحن لا نعتبرها مستحيلة ، ولا نسلب عنها إمكان الوجود كما نسلبه عن الأشياء المستحيلة ، فكم يبدو الفرق جلياً بين اصطدام القمر بالأرض أو وجود بشر في المريخ أو وجود إنسان يتمكن من الطيران لمرونة خاصّة في عضلاته من ناحية ، وبين وجود مثلث له أربعة أضلاع ، ووجود جزء أكبر من الكلّ ، ووجود القمر حال انعدامه من ناحية أخرى فان هذه القضايا جميعاً لم تتحقق ولم تقم عليها تجربة فلو كانت التجربة هي المصدر الرئيسي الوحيد للمعارف لما صحّ لنا أن نفرِّق بين الطائفتين لأن كلمة التجربة فيهما معاً على حدّ سواء ، وبالرغم من ذلك فنحن جميعاً نجد الفرق الواضح بين الطائفتين ، فالطائفة الأولى لم تقع ولكنّها جائزة ذاتياً ، وأمّا الطائفة الثانية فهي ليست معدومة فحسب بل لا يمكن أن توجد مطلقاً ، فالمثلث لا يمكن أن يكون له أضلاع أربعة سواء اصطدم القمر بالأرض أم لا وهذا الحكم بالاستحالة لا يمكن تفسيره إلاّ على ضوء المذهب العقلي بأن يكون من المعارف العقلية المستقلّة عن التجربة
وعلى هذا الضوء يكون التجريبيون بين سبيلين لا ثالث لهما : فإمّا أن يعترفوا باستحالة أشياء معيّنة كالأشياء التي عرضناها في الطائفة الثانية ، وإمّا أن ينكروا مفهوم الاستحالة من الأشياء جميعاً
فإن آمنوا باستحالة أشياء ـ كالتي ألمحنا إليها ـ كان هذا الإيمان مستنداً إلى معرفة عقلية مستقلّة لا إلى التجربة ؛ لأنّ عدم ظهور شيء في التجربة لا يعني استحالته
وإن أنكروا مفهوم الاستحالة ولم يقروا باستحالة شيء مهما كان غريباً لدى العقل ، فلا يبقى على أساس هذا الإنكار فرق بين الطائفتين اللتين عرضناهما وإدراكنا ضرورة التفرقة بينهما ، وإذا سقط مفهوم الاستحالة لم يكن التناقض مستحيلاً ـ أي وجود الشيء وعدمه ، وصدق القضية وكذبها في لحظة واحدة
وجواز التناقض يؤدي إلى انهيار جميع المعارف والعلوم ، وعدم تمكن التجربة من إزاحة الشكّ والتردد في أي مجال من المجالات العلمية ، لأن التجارب والأدلة مهما تضافرت على صدق قضية علمية معيّنة كقضية (الذهب عنصر بسيط) ، فلا يمكننا أن نجزم بأنها ليست كاذبة ما دام من الممكن أن تتناقض الأشياء وتصدق القضايا وتكذب في وقت معاً
الرابع : أنّ مبدأ العلّية لا يمكن إثباته عن طريق المذهب التجريبي ، فكما أن النظرية الحسّية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلية كفكرة تصوّرية ، كذلك المذهب التجريبي يعجز عن البرهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة تصديقية فإن التجربة لا يمكنها أن توضّح لنا إلاّ التعاقب بين ظواهر معيّنة ، فنعرف عن طريقها أن الماء يغلي إذا صار حارّاً بدرجة مئة ، وأنّه يتجمد حين تنخفض درجة حرارته إلى الصفر وأمّا سببية إحدى الظاهرتين للأخرى والضرورة القائمة بينهما ، فهي ممّا لا تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة ومهما كرّرنا استعمالها(١) وإذا انهار مبدأ العلّية انهارت جميع العلوم الطبيعية كما ستعرف
____________________
(١) وقد أكّد المؤلّفقدسسره في كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) أنّ مبدأ العليّة وسائر قضايا السببيّة التي تتضمّن معنىً الضرورة واستحالة الانفكاك وإن كانت لا تخضع لوسائل التجربة مهما كانت دقيقة ، ولهذا يعجز المذهب التجريبي عن إثباتها ، ولكن يمكن إثباتها بالاستقراء في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة ، وهذا لا يعني رفض المصدر العقلي القبلي لهذه القضايا ، بل يعني أنّا حتّى لو استبعدنا العلم العقلي بهذه القضايا يظلّ بالإمكان إثباتها في عالم الطبيعة عن طريق الاستقراء ، وهذا ما أشار إليه في مناقشته للاتّجاه الأوّل من اتّجاهات المذهب التجريبي في الكتاب المذكور ، كما أنّه مشمول أيضاً لما أكّد عليه ـ في القسم الرابع من نفس الكتاب ـ من إمكان الاستدلال استقرائيّاً على جميع القضايا الأوّلية والفطريّة عدا ما استثناه ، فراجع (الجنة التحقيق )
وقد اعترف بعض التجريبيين كـ (دافيد هيوم) و (جون ستيوارت ميل) بهذه الحقيقة ، ولذلك فسَّر (هيوم)(١) عنصر الضرورة في قانون العلّة والمعلول بأنّه راجع إلى طبيعة العملية العقلية التي تستخدم في الوصول إلى هذا القانون ، قائلاً : إن إحدى عمليات العقل إذا كانت تستدعي دائماً عملية أخرى تتبعها بدون تخلف ، فإنه ينمو بين العمليتين ؛ بمضي الزمن ، رابطة قوية دائمة هي التي نسمّيها : رابطة تداعي المعاني ، ويصحب هذا التداعي نوع من الإلزام العقلي بحيث يحصل في الذهن المعنى المتصل بإحدى العمليتين العقليتين كما حدث المعنى المتصل بالعملية الأخرى ، وهذا الإلزام العقلي أساس ما نسمّيه بالضرورة التي ندركها في الرابطة بين العلّة والمعلول.
وليس من شكّ في أنّ هذا التفسير للضرورة القائمة بين العلّة والمعلول ليس صحيحاً ، لما يأتي:
أوّلاً : أنّه يلزم على هذا التفسير أن لا نصل إلى قانون العلّيّة العامّ إلاّ بعد سلسلة من الحوادث والتجارب المتكررة التي تحكم الرباط بين فكرتي العلّة والمعلول في الذهن ، مع أنه ليس من الضروري ذلك ، فإن العالم الطبيعي يستطيع أن يستنتج علاقة علية وضرورة بين شيئين يقعان في حادثة واحدة ولا يزداد يقينه شيئاً عما كان عليه عند مشاهدته الحادثة للمرة الأولى ، كما لا تزداد علاقة العلّية قوة بتكرار حوادث أخرى يوجد فيها المعلول والعلّة نفسها
وثانياً : لندع الظاهرتين المتعاقبتين في الخارج ، ولنلاحظ فكرتيهما في الذهن- أي : فكرة العلّة وفكرة المعلول- فهل العلاقة القائمة بينهما علاقة ضرورية أو علاقة مقارنة كما يقترن تصوّرنا للحديد بتصوّرنا للسوق
____________________
(١) راجع : قصّة الفلسفة الحديثة : ١ / ١٥٥ ـ ١٥٨
الذي يباع فيه ؟
فإن كانت علاقة ضرورية فقد ثبت مبدأ العلّية ، واعترف ضمناً بقيام علاقة غير تجريبية بين فكرتين ، وهي : علاقة الضرورة ، فإن الضرورة سواء أكانت بين فكرتين أم بين واقعين موضوعيين لا يمكن إثباتها بالتجربة الحسّية
وإن كانت العلاقة مجرّد مقارنة ، فلم يتحقق لـ (دافيد) ما أراد من تفسير عنصر الضرورة في قانون العلّة والمعلول
وثالثاً : أنّ الضرورة التي ندركها في علاقة العلّية بين علة ومعلول ليس فيها ـ مطلقاً ـ أيُّ أثر لإلزام العقل باستدعاء إحدى الفكرتين عند حصول الفكرة الأخرى فيه ، ولذا لا تختلف هذه الضرورة التي ندركها بين العلّة والمعلول بين ما إذا كانت لدينا فكرة معيّنة عن الصلة وما إذا لم تكن ، فليست الضرورة في مبدأ العلّية ضرورة سيكولوجية ، بل هي ضرورة موضوعية
ورابعاً : أنّ العلّة والمعلول قد يكونان مقترنين تماماً ومع ذلك ندرك علِّية أحدهما للآخر ، كحركة اليد وحركة القلم حلّ الكتابة ؛ فإنّ حركة اليد وحركة القلم توجدان دائماً في وقت واحد ، فلو كان مرد الضرورة والعلّية إلى استتباع إحدى العمليتين العقليتين للأخرى بالتداعي لَمَا أمكن في هذا المثال أن تحتل حركة اليد مركز العلّة حركة القلم ، لأن العقل قد أدرك الحركتين في وقت واحد فلماذا وضع إحداهما موضع العلّة والأخرى موضع المعلول ؟ !
وبكلمة أخرى : أنّ تفسير العلّية بضرورة سيكولوجية يعني أن العلّة إنما اعتبرت علة لا لأنها في الواقع الموضوعي سابقة على المعلول ومولدة له ، بل لأن إدراكها يتعقبه دائماً إدراك المعلول بتداعي المعاني فتكون لذلك علة له ، وهذا التفسير لا يمكنه أن يشرح لنا كيف صارت حركة اليد علة لحركة القلم مع أن حركة القلم لا تجيء عقب حركة اليد في الإدراك ، وإنّما تدرك الحركتان معاً،
فلو لم يكن لحركة اليد سبق واقعي وسببية موضوعية لحركة القلم لما أمكن اعتبارها علة
وخامساً : أنّ التداعي كثيراً ما يحصل بين شيئين دون الاعتقاد بعلّية أحدهما للآخر ، فلو صحّ لـ (دافيد هيوم) أن يفسِّر العلّة والمعلول بأنهما حادثان ندرك تعاقبهما كثيراً حتّى تحصل بينهما رابطة تداعي المعاني في الذهن لكان الليل والنهار من هذا القبيل فكما أن الحرارة والغليان حادثان تعاقباً حتّى نشأت بينهما رابطة التداعي كذلك الليل والنهار وتعاقبهما وتداعيهما ، مع أن عنصر العلّية والضرورة الذي ندركه بين الحرارة والغليان ليس موجوداً بين الليل والنهار ، فليس الليل علة للنهار ولا النهار علة لليل ، فلا يمكن إذن تفسير هذا العنصر بمجرد التعاقب المتكرر والمؤدي إلى تداعي المعاني كما حاوله (هيوم)
ونخلص من ذلك إلى أن المذهب التجريبي يؤدي حتماً إلى إسقاط مبدأ العلّية ، والعجز عن إثبات علاقات ضرورية بين الأشياء ، وإذا سقط مبدأ العلّية انهارت جميع العلوم الطبيعية باعتبار ارتكازها عليه كما ستعرف
إنّ العلوم الطبيعية التي يريد التجريبيون إقامتها على أساس التجربة الخالصة هي بنفسها تحتاج إلى أصول عقلية أوّلية سابقة على التجارب ؛ ذلك أن التجربة إنما يقوم العالم بها في مختبره على جزئيات موضوعية محدودة ، فيضع نظرية لتفسير الظواهر التي كشفتها التجربة في المختبر وتعليلها بسبب واحد مشترك ، كالنظرية القائلة بأن سبب الحرارة هو الحركة استناداً إلى عدّة تجارب فسرت بذلك ، ومن حقنا على العالم الطبيعي أن نسأله عن كيفية إعطائه للنظرية بصفة قانون كلي ينطبق على جميع الظروف المماثلة لظروف التجربة ، مع أن التجربة لم تقع إلاّ على عدّة أشياء خاصّة ، أفليس هذا التعميم يستند إلى قاعدة،
وهي : أنّ الظروف المتماثلة والأشياء المتشابهة في النوع والحقيقة يجب أن تشترك في القوانين والنواميس ؟! وهنا نتساءل مرّة أخرى عن هذه القاعدة : كيف توصّل إليها العقل ؟ ولا يمكن للتجريبيين هنا أن يزعموا أنّها قاعدة تجريبية ، بل يجب أن تكون من المعارف العقلية السابقة على التجربة ؛ لأنّها لو كانت مستندة إلى تجربة فهذه التجربة التي ترتكز عليها القاعدة هي ـ أيضاً ـ لا تتناول بدورها إلاّ موارد خاصّة ، فكيف ركّزت على أساسها قاعدة عامّة ؟ ! فبناء قاعدة عامّة وقانون كلّي على ضوء تجربة واحدة أو عدّة تجارب لا يمكن أن يتمّ إلاّ بعد التسليم بمعارف عقلية سابقة
وبهذا يتّضح : أنّ جميع النظريات التجريبية في العلوم الطبيعية ترتكز على عدّة معارف عقلية لا تخضع للتجربة ، بل يؤمن العقل بها إيماناً مباشراً ، وهي :
أوّلاً : مبدأ العلّية بمعنى : امتناع الصدفة ؛ ذلك أنّ الصدفة لو كانت جائزة لمّا أمكن للعالم الطبيعي أن يصل إلى تعليل مشترك للظواهر المتعددة التي ظهرت في تجاربه
ثانياً : مبدأ الانسجام بين العلّة والمعلول الذي يقرر أن الأمور المتماثلة في الحقيقة لا بد أن تكون مستندة إلى علة مشتركة
ثالثاً : مبدأ عدم التناقض الحاكم باستحالة صدق النفي والإثبات معاً
فإذا آمن العالم بهذه المعارف السابقة على التجربة ثم أجرى تجاربه المختلفة على أنواع الحرارة وأقسامها ، استطاع أن يقرر في نهاية المطاف نظرية في تعليل الحرارة بمختلف أنواعها بعلة واحدة كالحركة- مثلاً- وهذه النظرية لا يمكن في الغالب تقريرها بشكل حاسم وصورة قطعيّة ؛ لأنّها إنّما تكون كذلك إذا أمكن التأكّد من عدم إمكان وجود تفسير آخر لتلك الظواهر ، وعدم صحة تعليلها بعلة أخرى ، وهذا ما لا تحقّقه التجربة في أغلب الأحيان ، ولهذا تكون
نتائج العلوم الطبيعية ظنّية في أكثر الأحايين ؛ لأجل نقص في التجربة ، وعدم استكمال الشرائط التي تجعل منها تجربة حاسمة
ويتّضح لنا على ضوء ما سبق : أنّ استنتاج نتيجة علمية من التجربة يتوقّف ـ دائماً ـ على الاستدلال القياسي ، الذي يسير فيه الذهن البشري من العامّ إلى الخاصّ ، ومن الكلّي إلى الجزئي كما يرى المذهب العقلي تماماً ، فإنّ العالِم تمّ له استنتاج النتيجة في المثال الذي ذكرناه بالسير من المبادئ الأوّلية الثلاثة التي عرضنا : (مبدأ العلّية) (مبدأ الانسجام) (مبدأ عدم التناقض) ، إلى تلك النتيجة الخاصّة على طريقة القياس(١)
وأمّا الاعتراض الذي يوجِّهه التجريبيون إلى الطريقة القياسية في الاستدلال : بأنّ النتيجة فيها ليست إلاّ صدى للكبرى من المقدمتين وتكريراً لها ، فهو اعتراض ساقط على أصول المذهب العقلي ؛ لأنّ الكبرى لو كنّا نريد إثباتها بالتجربة ولم يكن لنا مقياس غيرها ، لكان علينا أن نفحص جميع الأقسام والأنواع لنتأكّد من صحة الحكم ، وتكون النتيجة ـ حينئذٍ ـ قد درست في الكبرى بذاتها أيضاً وأمّا إذا كانت الكبرى من المعارف العقلية التي ندركها بلا حاجة إلى التجربة : كالأوّليات البديهية والنظريات العقلية المستنبطة منها ، فلا يحتاج المستدلّ لإثبات الكبرى إلى فحص الجزئيات حتّى يلزم من ذلك أن تتّخذ النتيجة صفة
____________________
(١) أشرنا سابقاً إلى أنّ المؤلّفقدسسره انتهى في كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) إلى إمكان معالجة مشكلة التعميم في القضايا الاستقرائيّة في ضوء ما تبنّاه من المذهب الذاتي للمعرفة ، بنحو يبقى معه السير الفكري في تلك القضايا من الخاصّ إلى العامّ ، من دون حاجة إلى ضمّ الكبريات العقليّة المسبقة التي تجعل السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ على طريقة الاستدلال القياسي(لجنة التحقيق )
التكرار والاجترار(١)
ومرّة أخرى نؤكّد على أنّنا لا ننكر على التجربة فضلها العظيم على الإنسانية ومدى خدمتها في ميادين العلم ، وإنّما نريد أن يفهم هؤلاء التجريبيون : أنّالتجربة ليست هي المقياس الأوّل والمنبع الأساسي للأفكار والمعارف الإنسانية ، بل المقياس الأوّل والمنبع الأساسي هو :
المعلومات الأوّلية العقلية التي نكتسب على ضوئها جميع المعلومات والحقائق الأخرى ، حتّى إن التجربة بذاتها محتاجة إلى ذلك المقياس العقلي ، فنحن والآخرون على حدّ سواء في ضرورة الاعتراف بذلك المقياس الذي ترتكز عليه أسس فلسفتنا الإلهية ، وإذا حاول
____________________
(١) ومن الغريب حقّاً ما حاوله الدكتور زكي نجيب محمود من تركيز الاعتراض السابق الذكر على الاستدلال القياسي كما في قولنا : (كلّ إنسان فانٍ ، ومحمّد إنسان ، فمحمّد فانٍ) ، قائلاً :
(قد تقول : ولكن حين أُعمّم في المقدّمة الأُولى لا أريد الناس فرداً فرداً ؛ لأنّ إحصاءهم على هذا النحو مستحيل ، إنّما أريد النوع بصفة عامّة ، ولكن إذا كان أمرك كذلك فكيف استطعت أن تخصّص الحكم على محمّد ؟! إنّ محمّداً ليس هو النوع بصفة عامّة ، إنّما هو فرد متعيّن متخصّص ، فحكمك عليه بما حكمت به على النوع بصفة عامّة هو في حقيقة الأمر قياس باطل) المنطق الوضعي : ٢٥٠
وهذا خلط عجيب بين المعقول الأوّل والمعقول الثاني في مصطلح المنطقيين ؛ فإنّ الحكم على النوع بصفة عامّة يعني حدّ أمرين : أوّلهما ـ أن يكون الحكم على الإنسان باعتبار صفة العموم والنوعية فيه ، ومن الواضح : أنّ هذا الحكم لا يمكن أن يُخصَّص على محمّد ؛ لأنّ محمّداً ليس فيه صفة العموم والنوعية
وثانيهما ـ أن يكون الحكم على ذات الإنسان من دون إضافة أيّ تخصيص إليه ، وهذا الحكم يمكن أن نطبّقه على محمّد ؛ لأنّ محمّداً إنسان ، فالحدّ الأوسط له معنىً واحد تكرّر في الصغرى والكبرى معاً ، فيكون القياس منتجاً (المؤلّف قدسسره )
التجريبيون بعد ذلك أن ينكروا ذلك المقياس ليبطلوا علينا فلسفتنا ، فهم ينسفون بذلك الأسس التي تقوم عليها العلوم الطبيعية ، ولا تثمر بدونها التجارب الحسّية شيئاً
وفي ضوء المذهب العقلي نستطيع أن نفسّر صفة الضرورة واليقين المطلق التي تمتاز بها الرياضيات على قضايا العلم الطبيعي ؛ فإن مرد هذا الامتياز إلى إن القوانين والحقائق الرياضية الضرورية تستند إلى مبادئ العقل الأولي ، ولا تتوقف على مستكشفات التجربة ، وعلى العكس من ذلك قضايا العلم ؛ فإن تمدُّد الحديد بالحرارة ليس من المعطيات المباشرة لتلك المبادئ ، وإنّما يرتكز على معطيات التجربة ، فالطابع العقلي الصارم هو سر الضرورة واليقين المطلق في تلك الحقائق الرياضية
وأمّا إذا درسنا الفارق بين الرياضيات والطبيعيات في ضوء المذهب التجريبي ، فسوف لن نجد مبرراً حاسماً لهذا الفرق ما دامت التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة العلمية في كلا الميدانين
وقد حاول بعض أنصار المذهب التجريبي(١) تفسير الفرق على أساسه المذهبي ، عن طريق القول : بأنّ قضايا الرياضيات تحليلية ليس من شأنها أن تأتي بجديد ، فعندما نقول : (٢ + ٢ = ٤) ، لم نتحدّث بشيء جديد لنفحص درجة يقيننا به ؛ فإن الأربعة هي نفسها تعبير آخر عن (٢ + ٢) ، فالعملية الرياضية الآنفة الذكر ـ في تعبير صريح ـ ليست إلاّ : (إن أربعة تساوي أربعة) ، وكل قضايا الرياضيات امتداد لهذا التحليل ، ولكنّه امتداد يتفاوت في درجة تعقيده وأمّا
____________________
(١) يراجع للتفصيل : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، مبحث : هل توجد معرفة عقليّة قبليّة ؟ عند بيان موقف المنطق الوضعي من الفروق المطروحة بين الرياضيّات والطبيعيّات
العلوم الطبيعية فليست كذلك ؛ لأنّ قضاياها تركيبية ، أي : أنّ المحمول فيها يضيف إلى الموضوع علماً جديداً ، أي : ينبئ بجديد على أساس التجربة ، فإذا قلت : إنّ الماء يغلي تحت ضغط كذا عندما تصبح درجة حرارته مئة مثلاً ، فإنّي أفيد علماً ؛ لأنّ كلمة (ماء) لا تتضمّن كلمة (حرارة وضغط وغليان) ، ولأجل ذلك كانت القضية العلمية عرضة للخطأ والصواب
ولكن من حقّنا أن نلاحظ على هذه المحاولة لتبرير الفرق بين الرياضيات والطبيعيات : أن اعتبار القضايا الرياضية (تحليلية) لا يفسِّر الفرق على أساس المذهب التجريبي ؛ فهب أنّ (٢ + ٢ = ٤) تعبير آخر عن قولنا : (أربعة هي أربعة) ، فإنّ هذا يعني أن هذه القضية الرياضية تتوقف على التسليم بمبدأ عدم التناقض ، وإلا فقد لا تكون الأربعة هي نفسها إذا كان التناقض ممكنّاً ، وهذا المبدأ ليس في رأي المذهب التجريبي عقلياً ضرورياً ؛ لأنه ينكر كلّ معرفة قبلية ، وإنّما هو مستمدّ من التجربة كالمبادئ التي تقوم على أساسها القضايا العلمية في الطبيعيات ، وهكذا تبقى المشكلة دون حلّ ؛ إذ ما دامت الرياضيات والعلوم الطبيعية تتوقف جميعاً على مبادئ تجريبية فلماذا تمتاز قضايا الرياضيات على غيرها باليقين الضروري المطلق ؟!
وبعد ، فلسنا نقرّ بأنّ قضايا الرياضيات كلّها (تحليلية) وامتداد لمبدأ (أن أربعة هي أربعة) ، وكيف تكون الحقيقة القائلة : إن القطر أقصر ـ دائماً ـ من المحيط قضية تحليلية ؟! فهل كان القصر أو المحيط مندمجاً في معنى القطر ؟! وهل هي تعبير آخر عن القول : بأنّ القطر هو قطر ؟!
ونخلص من هذه الدراسة إلى أنّ المذهب العقلي هو وحده المذهب الذي يستطيع أن يحل مشكلة تعليل المعرفة ويضع لها مقاييسها ومبادئها الأوّلية
ولكن بقي علينا أن ندرس من المذهب العقلي نقطة واحدة ، وهي : أن المعلومات الأوّلية إذا كانت عقلية وضرورية ، فكيف يمكن أن يفسَّر عدم وجودها مع الإنسان منذ البداية وحصوله عليها في مرحلة متأخرة عن ولادته ؟!
وبكلمة أخرى : أنّ تلك المعلومات إذا كانت ذاتية للإنسان فيجب أن توجد بوجوده ويستحيل أن يخلو منها لحظة من حياته ، وإذا لم تكن ذاتية لزم أن يوجد لها سبب خارجي لها وهو التجربة ، وهذا ما لا يوافق عليه العقليون
والواقع : أنّ العقليين حين يقرّرون أنّ تلك المبادئ ضرورية في العقل البشري يعنون بذلك أن الذهن إذا تصوّر المعاني التي تربط بينها تلك المبادئ فهو يستنبط المبدأ الأوّل دون حاجة إلى سبب خارجي
ولنأخذ مبدأ عدم التناقض مثلاً ، إنّ هذا المبدأ ـ الذي يعني الحكم التصديقي بأن وجود الشيء وعدمه لا يجتمعان ـ ليس موجوداً عند الإنسان في لحظة وجوده الأوَّلي ، لأنه يتوقّف على تصوّر الوجود ، وتصوّر العدم ، وتصوّر الاجتماع وبدون تصوّر هذه الأمور لا يمكن التصديق : أن الوجود والعدم لا يجتمعان ؛ فإن تصديق الإنسان بشيء لم يتصوّره أمر غير معقول ، وقد عرفنا عند محاولة تعليل التصوّرات الذهنية أنّها ترجع جميعاً إلى الحسّ ، وتنبثق عنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، فيجب أن يكتسب الإنسان مجموعة التصوّرات التي يتوقّف عليها مبدأ عدم التناقض عن طريق الحسّ ؛ ليتاح له أن يحكم بهذا المبدأ ويصدِّق به ، فتأخر ظهور هذا المبدأ في الذهن البشري لا يعني أنه ليس ضرورياً وليس منبثقاً عن صميم النفس الإنسانية بلا حاجة إلى سبب خارجي ، بل هو ضروري ونابع عن النفس بصورة مستقلّة عن التجربة ، ولكن التصوّرات الخاصّة شرائط وجوده وصدوره عن النفس ، وإذا شئت فقس النفس
والمبادئ الأوّلية بالنار وإحراقها فكما أنّ إحراق النار فعّالية ذاتية للنار ومع ذلك لا توجد هذه الفعَّالية إلاّ في ظل شروط ، أي : في ظرف ملاقاة النار لجسم يابس ، كذلك الأحكام الأوّلية فإنها فعّاليات ضرورية وذاتية للنفس في الظروف التي تكتمل عندها التصوّرات اللازمة
وإذا أردنا أن نتكلّم على مستوىً أرفع قلنا : إنّ المعارف الأوّلية وإن كانت تحصل للإنسان بالتدريج ، إلاّ أن هذا التدريج ليس معناه أنها حصلت بسبب التجارب الخارجية ؛ لأننا برهنا على أن التجارب الخارجية لا يمكن أن تكون المصدر الأساسي للمعرفة ، بل التدرُّج إنما هو باعتبار الحركة الجوهرية والتطوّر في النفس الإنسانية ، فهذا التطوّر والتكامل الجوهري هو الذي يجعلها تزداد كمالاً ووعياً للمعلومات الأوّلية والمبادئ الأساسية فيتفتَّح ما كمن فيها من طاقات وقوىً
وهكذا يتّضح : أنّ الاعتراض على المذهب العقلي بأنّه : لماذا لم توجد المعلومات الأوّلية مع الإنسان حين ولادته ، ينبني على عدم الاعتراف بالوجود بالقوة ، وباللاشعور الذي تدل عليه الذاكرة بكلّ وضوح ، وإذن فالنفس الإنسانية بذاتها تنطوي بالقوة على تلك المعارف الأوّلية ، وبالحركة الجوهرية يزداد وجودها شدة ، حتّى تصبح تلك المدركات بالقوة مدركات بالفعل
الماركسية والتجربة :
إنّ المذهب التجريبي الذي عرضناه سابقاً يطلق على رأيين في مسألة المعرفة
أحدهما الرأي القائل : بأنّ المعرفة كلّها تتوفّر في المرحلة الأُولى ، أي : مرحلة الإحساسات والتجارب البسيطة
والآخر الرأي القائل : بأنّ للمعرفة خطوتين : الخطوة الحسّية والخطوة العقلية ، أو التطبيق والنظرية ، أو مرحلة التجربة ومرحلة المفهوم والاستنتاج فنقطة الانطلاق للمعرفة هي : الحسّ والتجربة ، والدرجة العالية لها هي : تكوين مفهوم علمي ونظرية تعكس الواقع التجريبي بعمق ودقّة
وهذا الرأي الثاني هو الرأي الذي اتّخذته الماركسية في مسألة المعرفة ، ولكنّها لاحظت أنّ هذا الرأي سوف ينتهي بها بصورته الظاهرة إلى المذهب العقلي ؛ لأنّه يفرض ميداناً ومجالاً للمعرفة الإنسانية خارج حدود التجربة البسيطة ، فوضعته على أساس وحدة النظرية والتطبيق ، وعدم إمكان فصل أحدهما عن الآخر ، وبذلك احتفظت للتجربة بمقامها في المذهب التجريبي ، واعتبارها المقياس العام للمعارف البشرية
قال ماو تسي تونغ : (الخطوة الأولى في عملية اكتساب المعرفة هي : الاتّصال الأوّلي بالمحيط الخارجي (مرحلة الأحاسيس) ، الخطوة الثانية هي جمع المعلومات التي نحصل عليها من الإدراكات الحسّية وتنسيقها وترتيبها (مرحلة المفاهيم والأحكام والاستنتاجات) ، وبالحصول على معلومات كافية كاملة من الإدراكات الحسّية (لا جزئية أو ناقصة) ، ومطابقة هذه المعلومات للوضع الحقيقي (لا مفاهيم خاطئة) عند هذا فقد يصبح في المستطاع أن نصوغ على أساس هذه المعلومات مفهوماً ومنطقاً صحيحين)(١)
____________________
(١) حول التطبيق : ١٤
وقال أيضاً :
(إنّ استمرار التطبيق الاجتماعي يؤدّي إلى أن تتكرّر مرّات متضاعفة في تطبيق الناس أشياء يحسّونها ، وتخلق فيهم انطباعاً ، وعندها يحدث تغيّر مفاجئ (طفرة) في العقل البشري خلال عملية اكتساب المعرفة ، فينتج عند ذلك مفاهيم)(١)
وإليكم هذا النصّ الذي تؤكّد فيه الماركسية على أنّ النظرية لا يمكن أن تنفصل عن التطبيق ، أي :
وحدة النظرية والتطبيق :
(فمن المهمّ- إذن- أن نفهم معنى وحدة النظرية والتطبيق ، ومعنى ذلك : أنّ من يُهمل النظرية يقع في فلسفة الممارسة ، فيسلك كما يسلك الأعمى ويتخبّط في الظلام أمّا ذلك الذي يهمل التطبيق ، فيقع في الجمود المذهبي ، ويتحوّل إلى صاحب مذهب لا أكثر ، وصاحب تدليلات عقلية جوفاء)(٢)
وبهذا أكّدت الماركسية موقفها التجريبي ، وأنّ التجربة هي المقياس الذي يجب أن يطبّق على كلّ معرفة ونظرية ، ولا توجد معرفة بصورة منفصلة عنه ، كما صرّح بذلك ماو تسي تونغ فيما يلي : (إنّ نظرية المعرفة في المادّية الديالكتيكية تضع التطبيق في المقام الأوّل ، فهي ترى أنّ اكتساب الناس
____________________
(١) حول التطبيق : ٦
(٢) المادّية والمثالية في الفلسفة : ١١٤
للمعرفة يجب أن لا يفصل بأيّة درجة كانت عن التطبيق ، وتشنّ نضالاً ضدّ كلّ النظريات الخاطئة التي تنكر أهمية التطبيق أو تسمح بانفصال المعرفة عن التطبيق)(١)
إنّ الماركسية- كما يبدو- تعترف بوجود مرحلتين للمعرفة البشرية ، ومع ذلك فإنّها لا تريد أن تسلِّم بوجود معرفة منفصلة عن التجربة ، وهذا هو التناقض الأساسي الذي تقوم عليه نظرية المعرفة في المادية الديالكتيكية ؛ ذلك أنّ العقل لو لم يكن لديه معارف ثابتة بصورة مستقلّة عن التجربة ، لم يستطع أن يضع النظرية على ضوء الإدراكات الحسّية ، وأن يكوِّن مفهوماً للمعطيات التجريبية ؛ فإنّ استنتاج مفهوم خاصّ من الظواهر المحسوسة بالتجربة إنّما يتاح للإنسان إذا كان يعرف ـ على الأقلّ ـ أنّ ظواهر كهذه تقتضي بطبيعتها مفهوماً كذاك ، فيركّز استنتاجه لنظريّته الخاصّة على ذلك
ولأجل أن يتّضح هذا يجب أن نعرف أنّ التجربة- كما تعترف الماركسية- تعكس ظواهر الأشياء ، ولا تكشف عن جوهرها وقوانينها الداخلية التي تهيمن على تلك الظواهر وتنسِّقها ، ومهما كرّرنا التجربة وأعدنا التطبيق العملي فسوف لا نحصل- على أفضل تقدير- إلاّ على أعداد جديدة من الظواهر السطحية المنفصلة
ومن الواضح : أنّ هذه الإدراكات الحسّية التي نستحصلها بالتجربة لا تقتضي بذاتها تكوين مفهوم عقلي خاصّ عن الشيء الخارجي ؛ لأنّ هذه الإدراكات الحسّية ، التي هي الخطوة الأولى من المعرفة ، قد يشترك فيها أفراد عديدون ولا ينتهون جميعاً إلى نظرية موحَّدة ومفهوم واحد عن جوهر الشيء
____________________
(١) حول التطبيق : ٤
وقوانينه الواقعية ، فنعرف من ذلك : أنّ الخطوة الأولى من المعرفة ليست كافية بمفردها لتكوين نظرية ، أي : لنقل الإنسان بصورة طبيعية أو ديالكتيكية إلى الخطوة الثانية للمعرفة الحقيقية فما هو الشيء الذي يجعلنا ننتقل من الخطوة الأولى إلى الخطوة الثانية ؟
إنّ ذلك الشيء هو : معارفنا العقلية المستقلّة عن التجربة التي يرتكز على أساسها المذهب العقلي ؛ فإنّ تلك المعارف هي التي تتيح لنا أن نعرض عدّة من النظريات والمفاهيم ، ونلاحظ مدى انسجام الظواهر المنعكسة في تجاربنا وحواسّنا معها ، فنستبعد كلّ مفهوم لا يتّفق مع تلك الظواهر حتّى نحصل على المفهوم الذي ينسجم مع الظواهر المحسوسة والتجريبية بحكم المعارف العقلية الأوّلية ، فنضعه كنظرية تفسّر جوهر الشيء وقوانينه الحاكمة فيه
وإذا استبعدنا من أوّل الأمر المعارف العقلية المستقلّة عن التجربة ، فسوف يتعذّر علينا نهائياً أن نتخطّى دور الإحساس إلى دور النظرية والاستنتاج ، أو أن نتأكّد من صحّة النظرية والاستنتاج بالرجوع إلى التطبيق وتكرار التجربة
ونخلص من ذلك إلى أنّ التفسير الوحيد للخطوة الثانية من المعرفة ـ الحكم والاستنتاج ـ هو ما ارتكز عليه المذهب العقلي من القول : بأنّ عدّة من قوانين العالم العامّة يعرفها الإنسان معرفة مستقلّة عن التجربة ، كمبدأ عدم التناقض ، ومبدأ العلّية ، ومبدأ التناسب بين العلّة والمعلول ، وما إلى ذلك من مبادئ عامّة ، وحين تقدّم له التجربة العلمية ظواهر الطبيعة وتعكسها في إحساسه ، يطبّق عليها المبادئ العامّة ، ويحدّد مفهومه العلمي عن واقع الشيء وجوهره على ضوء تلك المبادئ ، بمعنى : أنّه يستكشف ما وراء الظواهر التجريبية ، ويتخطّى إلى حقائق أعمق بالمقدار الذي يتطلّبه تطبيق المبادئ العامّة ويكشف عنه ، وتضاف هذه الحقائق الأعمق إلى معلوماته السابقة ، ويكون بذلك أكثر ثروة حينما يحاول أن
يحلّ لغزاً جديداً للطبيعة في مجال تجريبي آخر
ولسنا نعني بهذا أنّ التطبيق والتجربة العلمية ليس لهما دور مهمّ في المعرفة البشرية للطبيعة وقوانينها ، فإنّ دورهما في ذلك لا شكّ فيه وإنّما نريد أن نؤكّد على أنّ استبعاد كلّ معرفة منفصلة عن التجربة ورفض المعارف العقلية بصورة عامّة يكون سبباً لاستحالة تخطّي المرحلة الأولى من الإدراك ، أي : مرحلة الحسّ والتجربة
التجربة والكيان الفلسفي :
ولا يقف هذا التناقض المستقطب بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي عند حدود نظرية المعرفة فحسب ، بل يمتدّ أثره الخطير إلى الكيان الفلسفي كلّه ؛ لأنّ مصير الفلسفة بوصفها كياناً أصيلاً مستقلاًّ عن العلوم الطبيعية والتجريبية مرتبط إلى حدٍّ كبير بطريقة حلّ هذا التناقض بين المذهبين العقلي والتجريبي ، فالبحث في المقياس العامّ للمعرفة البشرية والمبادئ الأولى لها هو الذي يقدّم للفلسفة مبرّرات وجودها ، أو يحكم عليها بالانسحاب والتخلّي عن وظيفتها للعلوم الطبيعية
وقد واجه الكيان الفلسفي هذه المحنة أو هذا الامتحان منذ نشأت الطريقة التجريبية وغزت الحقول العلمية بكفاءة ونشاط ، وإليكم قصّة ذلك :
كانت الفلسفة قبل أن يسود الاتجاه التجريبي وفي مطلع فجرها تستوعب تقريباً كلّ المعارف البشرية المنظّمة بشكل عام ، فالرياضيات والطبيعيات تطرح على الصعيد الفلسفي كمسائل الميتافيزيقا تماماً ، وتتحمّل الفلسفة بمعناها العامّ الشامل مسؤولية الكشف عن الحقائق العامّة في كلّ مجالات الكون والوجود ، وكانت أداة المعرفة التي تستخدمها الفلسفة في تلك الحقول جميعاً هي القياس:
(الطريقة العقلية في التفكير ، أو السير الفكري من القضايا العامّة إلى قضايا أخصّ منها) وظلّت الفلسفة تسيطر على الموقف الفكري للإنسانية حتّى بدأت التجربة تشقّ طريقها ، وتقوم بدورها في حقول كثيرة وهي تتدرّج في المعرفة من الجزئيات إلى الكلّيات : من موضوعات التجربة إلى قوانين أعمّ وأشمل ، فكان على الفلسفة أن تنكمش وتقتصر على مجالها الأصيل ، وتفسح المجال لمزاحمها الجديد (العلم) لينشط في سائر المجالات الأخرى ، وبذلك انفصلت العلوم عن الفلسفة ، وتحدّدت لكلّ منهما أداته الخاصّة ومجاله الخاصّ ، فالفلسفة تصطنع القياس أداة عقلية للتفكير ، والعلم يستخدم الطريقة التجريبية ويتدرّج من الجزئيات إلى قوانين أعلى
كما أنّ العلم ، كلّ علم ، يتناول شعبة من الوجود ونوعاً خاصّاً له يمكن إخضاعه للتجربة ، فيبحث عن ظواهره وقوانينه في ضوء التجارب التي يمارسها وأمّا الفلسفة ، فتتناول الوجود بصورة عامّة دون تحديد أو تقييد ، وتبحث عن ظواهره وأحكامه التي لا تخضع للتجربة المباشرة فبينما يبحث العالم الطبيعي عن قانون تمدّد الفلزات بالحرارة ، والعالم الرياضي عن النسبة الرياضية بين قطر الدائرة ومحيطها ، يدرس الفيلسوف ما إذا كان للوجود مبدأ أوَّل انبثق منه الكون كلّه ، وما هو جوهر العلاقة بين العلّة والمعلول ، وهل يمكن أن يكون لكلّ سبب سبب إلى غير نهاية ؟ وهل المحتوى الإنساني مادّي محض ، أو مزاج من المادّية والروحية ؟
وواضح من أوّل نظرة : أنّ محتوى الأسئلة التي يثيرها العالم يمكن إخضاعها للتجربة ، ففي إمكان التجربة أن تقدّم الدليل على أنّ الفلزات تتمدّد بالحرارة ، وأنّ القطر مضروباً في يساوي محيط الدائرة ، وعلى العكس من
ذلك المحتوى المباشر للأسئلة الفلسفية ؛ فإنّ المبدأ الأوّل وجوهر العلاقة بين العلّة والمعلول ، والتصاعد اللانهائي في الأسباب ، والعنصر الروحي في الإنسان ، أمور ميتافيزيقية لا يمتدّ إليها الحسّ التجريبي ، ولا يمكن تسليط الأضواء في المعمل عليها
وهكذا قامت الثنائية بين الفلسفة والعلم على أساس اختلافهما في أداة التفكير وموضوعه ، وقد بدت هذه الثنائية أو هذا التوزيع للأعمال الفكرية بين الفلسفة والعلم أمراً مشروعاً ومقبولاً عند كثير من العقليين الذين يؤمنون بالطريقة العقلية في التفكير ويعترفون بوجود مبادئ ضرورية أولى للمعرفة البشرية وأمّا أنصار المذهب التجريبي الذين آمنوا بالتجربة وحدها وكفروا بالطريقة العقلية في التفكير ، فقد كان من الطبيعي لهم أن يوجّهوا هجوماً عنيفاً على الفلسفة بوصفها كياناً مستقلاً عن العلم ؛ لأنّهم لا يقرّون كلّ معرفة ما لم ترتكز على التجربة ، وما دامت الموضوعات التي تعالجها الفلسفة خارجة عن حدود الخبرة والتجربة فلا أمل في الوصول إلى معرفة صحيحة فيها ، فيجب على الفلسفة في رأي المذهب التجريبي أن تتخلّى عن وظيفتها نهائياً ، وتعترف بتواضعٍ أنّ المجال الوحيد الذي يمكن للإنسانية درسه إنّما هو مجال التجربة الذي تقاسمته العلوم ، ولم تدَع للفلسفة منه شيئاً
وهكذا نعرف أنّ شرعيّة الكيان الفلسفي ترتبط بنظرية المعرفة ، وما تقرّره من الإيمان بالطريقة العقلية في التفكير أو رفضها
وعلى هذا الأساس شجبت عدّة من مدارس الفلسفة المادية المحدثة كيان الفلسفة المستقلّ القائم على أساس الطريقة العقلية في التفكير ، وسمحت بقيام فلسفة ترتكز على أساس المحصول الفكري لمجموع العلوم والتجارب الحسّية ، ولا تتميّز عن العلم في طريقها وموضوعها ، وتستخدم هذه الفلسفة العلمية
للكشف عن العلاقات والروابط بين العلوم ، ولوضع نظريات علمية عامّة تعتمد على حصيلة التجربة في مجموع الحقول العلمية ، كما أنّ لكلّ علم فلسفته التي تقرّر أساليب البحث العلمي في مجاله الخاصّ
وفي طليعة تلك المدارس : المادّية الوضعية ، والماركسية
المدرسة الوضعية والفلسفة :
أمّا المدرسة الوضعية في الفلسفة فقد اختمرت بذرتها خلال القرن التاسع عشر الذي ساد فيه الاتّجاه التجريبي فنشأت في ظلّه ، ولذلك شنّت هجوماً عنيفاً على الفلسفة ومواضيعها الميتافيزيقية ، ولم تكتف برمي الميتافيزيقا الفلسفية بالتّهم التي يوجّهها إليها أنصار المذهب التجريبي عادة ، فلم تقتصر على القول : بأنّ قضايا الفلسفة غير مجدية في الحياة العملية ولا يمكن إثباتها بالأسلوب العلمي ، بل أخذ الوضعيون يؤكّدون أنّها ليست قضايا في العرف المنطقي بالرغم من اكتسابها شكل القضية في تركيبها اللفظي ؛ لأنّها لا تحمل معنىً إطلاقاً ، وإنّما هي كلام فارغ ولغو من القول ، وما دامت كذلك فلا يمكن أن تكون موضوعاً للبحث مهما كان لونه ؛ لأنّ الكلام المفهوم هو الجدير بالبحث دون اللغو الفارغ والألفاظ الخاوية
أمّا لماذا كانت القضايا الفلسفية كلاماً فارغاً لا معنىً له ، فهذا يتوقّف على المقياس الذي وضعته المدرسة الوضعية للكلام المفهوم ، فهي تقدّر أنّ القضية لا تصبح كلاماً مفهوماً ، وبالتالي قضية مكتملة في العرف المنطقي ، إلاّ إذا كانت صورة العالَم تختلف في حال صدق القضية عنها في حال كذبها ، فإذا قلت مثلاً : (البرد يشتدّ في الشتاء) تجد أنّ العالم الواقعي له صورة معيّنة ومعطيات حسّية خاصّة في حال صدق هذا الكلام ، وصورة ومعطيات أخرى في حال كذبه ؛
ولأجل هذا كنّا نستطيع أن نصف الظروف الواقعية التي نعرف فيها صدق الكلام أو كذبه ما دام هناك فرق في العالم الواقعي بين أن تصدق القضية وبين أن تكذب
ولكن خذ إليك العبارة الفلسفية التي تقول : (إنّ لكلّ شيء جوهراً غير معطياته الحسّية ، فللتفاحة- مثلاً- جوهر هو التّفاحة في ذاتها ، فوق ما نحسّه منها بالبصر واللمس والذوق) فإنّك لن تجد فرقاً في الواقع الخارجي بين أن تصدق هذه العبارة أو تكذب ، بدليل أنّك إذا تصوّرت التّفاحة في حال وجود جوهر لها غير ما تدركه منها بحواسّك ، ثمّ تصوّرتها في حال عدم وجود هذا الجوهر لم ترَ فرقاً في الصورتين ؛ لأنّك سوف لن تجد في كلتا الصورتين إلاّ المعطيات الحسّية من اللون والرائحة والنعومة وما دمنا لم نجد في الصورة التي رسمناها لحال الصدق شيئاً يميّزها من الصورة التي رسمناها لحال الكذب ، فالعبارة الفلسفية المذكورة كلام بدون معنىً ؛ لأنّه لا يفيد خبراً عن العالم
وكذلك الأمر في كلّ القضايا الفلسفية التي تعالج موضوعات ميتافيزيقية ؛ فإنّها ليست كلاماً مفهوماً ؛ لعدم توفّر الشرط الأساسي للكلام المفهوم فيها ، وهو : إمكان وصف الظروف التي يعرف فيها صدق القضية أو كذبها ، ولذلك لا يصحّ أن توصف القضية الفلسفية بصدق أو كذب ؛ لأنّ الصدق والكذب من صفات الكلام المفهوم ، والقضية الفلسفية لا معنىً لها لكي تصدق أو تكذب
ويمكننا تلخيص النعوت التي تضفيها المدرسة الوضعية على القضايا الفلسفية كما يلي :
١- لا يمكن إثبات القضية الفلسفية ؛ لأنّها تعالج موضوعات خارجة عن حدود التجربة والخبرة الإنسانية
٢- ولا يمكن أن نصف الظروف التي إن صحّت كانت القضية صادقة وإلاّ فهي كاذبة ؛ إذ لا فرق في صورة الواقع بين أن تكذب القضية الفلسفية أو تصدق
٣- وهي لذلك قضية لا معنىً لها ؛ إذ لا تخبر عن العالم شيئاً
٤- وعلى هذا الأساس لا يصحّ أن توصف بصدق أو كذب(١)
ولنأخذ الصفة الأولى ، وهي : أنّ القضية الفلسفية لا يمكن إثباتها ، فإنّها تكرار لما يردّده أنصار المذهب التجريبي عموماً ؛ فإنّهم يؤمنون بأنّ التجربة هي المصدر الأساسي والأداة العليا للمعرفة ، وهي لا تستطيع أن تمارس عملها على المسرح الفلسفي ؛ لأنّ موضوعات الفلسفة ميتافيزيقية لا تخضع لأيّ لون علمي من ألوان التجربة
ونحن إذا رفضنا المذهب التجريبي وأثبتنا وجود معارف قبلية في صميم العقل البشري يرتكز عليها الكيان العلمي في مختلف حقول التجربة ، نستطيع أن نطمئنّ إلى إمكانات الفكر الإنساني ، وقدرته على درس القضايا الفلسفية ، وبحثها في ضوء تلك المعارف القبلية على طريقة القياس والهبوط من العامّ إلى الخاصّ(٢)
وأمّا الصفة الثانية ، وهي: أنّا لا نستطيع أن نصف الظروف التي إن صحّت كانت القضية صادقة وإلاّ فهي كاذبة ، فلا تزال بحاجة إلى شيء من التوضيح فما هي هذه الظروف الواقعية أو المعطيات الحسّية التي يرتبط صدق القضية بها ؟ وهل تعتبر الوضعية من شرط القضية أن يكون مدلولها بالذات معطىً حسّياً كما في قولنا : (البرد يشتدّ في الشتاء ، والمطر يهطل في ذلك الفصل) أو تكتفي بأن يكون
____________________
(١) راجع : الموسوعة الفلسفيّة ، وضع لجنة من العلماء والأكاديميّين السوفياتيّين : ٥٨٢ ـ ٥٨٥ موجز تاريخ الفلسفة ، تأليف جماعة من الأساتذة السوفيات : ٦٤٤ ـ ٦٥٤ الموسوعة الفلسفيّة المختصرة ، نقلها عن الإنجليزيّة : فؤاد كامل ، جلال العشري ، عبد الرشيد الصادق : ١٤٩
(٢) أو على طريقة الاستقراء والصعود من الخاصّ إلى العامّ بالنحو الذي حقّقه المؤلّفقدسسره في كتاب (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة (لجنة التحقيق )
للقضية معطيات حسّية ولو بصورة غير مباشرة ؟
فإن كانت الوضعية تلغي كلّ قضية ما لم يكن مدلولها معطىً حسّياً وظرفاً واقعياً يخضع للتجربة فهي بذلك لا تسقط القضايا الفلسفية فحسب ، بل تشجب ـ أيضاً ـ أكثر القضايا العلمية التي لا تعبّر عن معطىً حسّيٍّ ، وإنّما تعبّر عن قانون مستنتج من المعطيات الحسّية كقانون الجاذبية ، فنحن نحسّ بسقوط القلم عن الطاولة إلى الأرض ولا نحسّ بجاذبية الأرض ، فسقوط القلم معطىً حسّيٌّ مرتبط بالمضمون العلمي لقانون الجاذبية ، وليس للقانون عطاء حسّي مباشر.
وأمّا إذا اكتفت الوضعية بالمعطى الحسّي غير المباشر ، فالقضايا الفلسفية لها معطيات حسّية غير مباشرة كعِدّة من القضايا العلمية تماماً ، أي : توجد هناك معطيات حسّية وظروف واقعية ترتبط بالقضية الفلسفية ، فإن صحّت كانت القضية صادقة وإلاّ فهي كاذبة خذ إليك ـ مثلاً ـ القضية الفلسفية القائلة : بوجود علّة أولى للعالم ، فإنّ محتوى هذه القضية وإن لم يكن له عطاء حسّي مباشر ، غير أنّ الفيلسوف يمكنه أن يصل إليه عن طريق المعطيات الحسّية التي لا يمكن تفسيرها عقلياً إلاّ عن طريق العلّة الأولى ، كما سنرى في بحوث مقبلة من هذا الكتاب
وهناك شيء واحد يمكن أن تقوله الوضعية في هذا المجال ، وهو : أنّ استنتاج المضمون الفكري للقضية الفلسفية من المعطيات الحسّية لا يقوم على أساس تجريبي ، وإنّما يقوم على أسس عقلية ، بمعنى : أنّ المعارف العقلية هي التي تحتّم تفسير المعطيات الحسّية بافتراض علّة أولى ، لا أنّ التجربة تبرهن على استحالة وجود هذه المعطيات بدون العلّة الأولى ، وما لم تبرهن التجربة على ذلك لا يمكن أن تعتبر تلك المعطيات عطاءً للقضية الفلسفية ولو بصورة غير مباشرة
وهذا القول ليس إلاّ تكراراً من جديد للمذهب التجريبي ، وما دمنا قد عرفنا سابقاً أنّ استنتاج المفاهيم العلمية العامّة من المعطيات الحسّية مدين
لمعارف عقلية قبلية ، فلا جناح على القضية الفلسفية إذا ارتبطت مع معطياتها الحسّية بروابط عقلية وفي ضوء معارف قبلية
وإلى هنا لم نجد في الوضعية شيئاً جديداً غير معطيات المذهب التجريبي ومفاهيمه عن الميتافيزيقا الفلسفية ، غير أنّ الصفة الثالثة تبدو لنا شيئاً جديداً ؛ لأنّ الوضعية تقرّر فيها : أنّ القضية الفلسفية لا معنىً لها إطلاقاً ، ولا تعتبر قضية ، بل هي شبه قضية
ويمكننا القول : بأنّ هذا الاتّهام هو أشدّ ضربة وُجِّهت إلى الفلسفة من المدارس الفلسفية للمذهب التجريبي ، فلنفحص محتواه باهتمام
ولكي يتاح لنا ذلك يجب أن نعرف بالضبط ماذا تريد الوضعية بكلمة (المعنى) في قولنا : إنّ القضية الفلسفية لا معنى لها وإن أمكن تفسيرها في قواميس اللغة ؟
ويجيب على ذلك الأستاذ آير ـ إمام الوضعية المنطقية الحديثة في إنكلترا ـ بأنّ كلمة (معنىً) في رأي الوضعية تدلّ على المعنى الذي يمكن التثبّت من صوابه أو خطئه في حدود الخبرة الحسّية ، ونظراً إلى أنّ القضية الفلسفية لا يمكن فيها ذلك فهي قضية بدون معنىً(١)
وفي هذا الضوء تصبح العبارة القائلة : (القضية الفلسفية لا معنىً لها) معادلة تماماً لقولنا : (محتوى القضية الفلسفية لا يخضع للتجربة ؛ لأنّه يتّصل بما وراء الطبيعة) ، وبذلك تكون الوضعية قد قرّرت حقيقة لا شكّ فيها ولا جدال ، وهي : أنّ مواضيع الميتافيزيقا الفلسفية ليست تجريبية ، ولم تأتِ بشيء جديد إلاّ تطوير كلمة (المعنى) ودمج التجربة فيها ، وتجريد القضية الفلسفية عن المعنى في ضوء
____________________
(١) أُسس الفلسفة ، د توفيق الطويل : ٢٧٧
هذا التطوير للكلمة لا يتناقض مع التسليم بأنّها ذات معنىً في استعمال آخر للكلمة لا تدمج فيه التجربة في المعنى
ولا أدري ماذا يقول الأستاذ آير وأمثاله من الوضعيين عن القضايا التي تتّصل بعالم الطبيعة ، ولا يملك الإنسان القدرة على التثبّت من صوابها أو خطئها بالتجربة ، كما إذا قلنا : (إنّ الوجه الآخر للقمر الذي لا يقابل الأرض زاخر بالجبال والوديان) فإنّنا لا نملك وقد لا يتاح لنا في المستقبل أن نملك الإمكانات التجريبية لاستكشاف صدق هذه القضية أو كذبها بالرغم من أنّها تتحدّث عن الطبيعة ، فهل يمكن أن تعتبر هذه القضية خاوية لا معنى لها ؟ مع أنّنا نعلم جميعاً أنّ العلم كثيراً ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد البحث قبل أن يملك التجربة الحاسمة بصددها ، ويظلّ يبحث عن ضوء ليسلّطه عليها حتّى يجده في نهاية المطاف أو يعجز عن الظفر به ، فلماذا كلّ هذا الجهد العلمي لو كانت كلّ قضية لا تحمل بيدها دليل صدقها أو كذبها من التجربة خواءً ولغواً من القول ؟!
وتحاول الوضعية في هذا المجال أن تستدرك ، فهي تقول : إنّ المهمّ هو الإمكان المنطقي لا الإمكان الفعلي ، فكلّ قضية كان ممكناً من الوجهة النظرية الحصول على تجربة هادية بشأنها ، فهي ذات معنىً وجديرة بالبحث وإن لم نملك هذه التجربة فعلاً
ونحن نرى في هذه المحاولة أنّ الوضعية قد استعارت مفهوماً ميتافيزيقياً لتكميل بنائها المذهبي الذي شادته لنسف الميتافيزيقا ، وذلك المفهوم هو : الإمكان المنطقي الذي ميّزته عن الإمكان الفعلي ، وإلاّ فما هو المعطى الحسّي للإمكان المنطقي ؟! نقول للوضعية : إنّ التجربة ما دامت غير ممكنة في الواقع ، فماذا يبقى للإمكان النظري من معنىً غير مفهومه الميتافيزيقي الذي لا أثر له على
صورة الواقع الخارجي ولا تختلف المعطيات الحسّية تبعاً له ، أفلم يصبح مقياس الوضعية للكلام المفهوم ميتافيزيقياً في نهاية الشوط ، وبالتالي كلاماً غير مفهوم في رأيها ؟!
ولنترك الأستاذ آير ، ولنأخذ كلمة (المعنى) بمدلولها المتعارف دون أن ندمج فيه التجربة ، فهل نستطيع أن نحكم على القضية الفلسفية بأنّها غير ذات معنىً ؟! كلاّ طبعاً ؛ فإنّ المعنى هو ما يعكسه اللفظ في الذهن من صور ، والقضية الفلسفية تعكس في أذهان أنصارها وخصومها على السواء صوراً من هذا القبيل ، وما دامت هناك صورة تقذفها القضية الفلسفية إلى أفكارها فهناك مجال للصدق والكذب ، وبالتالي هناك قضية كاملة جديرة بهذا الاسم في العرف المنطقي ؛ فإنّ الصورة التي تقذفها القضية الفلسفية إلى ذهننا إن كانت تطابق شيئاً موضوعياً خارج حدود الذهن واللفظ فالقضية صادقة ، وإلاّ فهي كاذبة
فالصدق والكذب ـ وبالتالي الطابع المنطقي للقضية ـ ليسا من معطيات التجربة لنقول عن القضية التي لا تخضع للتجربة : إنّها لا توصف بصدق أو كذب ، وإنّما هما تعبيران بشكل إيجابي أو سلبي عن التطابق بين صورة القضية في الذهن ، وبين أيّ شيء موضوعي ثابت خارج حدود الذهن واللفظ
الماركسية والفلسفة :
وموقف الماركسية من الفلسفة يشبه بصورة جوهرية الموقف الوضعي ، فهي ترفض كلّ الرفض فلسفة عليا تفرض على العلوم ولا تنبثق منها ؛ لأنّ الماركسية تجريبية في منطقها وأداة تفكيرها ، فمن الطبيعي أن لا تجد للميتافيزيقا مجالاً في بحوثها ، ولهذا نادت بفلسفة علمية وهي : المادّية الديالكتيكية ، وزعمت
أنّ فلسفتها هذه ترتكز على العلوم الطبيعية ، وتستمدّ رصيدها من التطوّر العلمي في مختلف الحقول
قال لينين :
(فالمادية الديالكتيكية لم تعد بحاجة إلى فلسفة توضع فوق العلوم الأخرى ، وإنّ ما يبقى من الفلسفة القديمة هو نظرية الفكر وقوانينه : المنطقُ الشكلي والديالكتيك)(١)
وقال روجيه غارودي :
(سوف تكون مهمّة النظرية المادّية للمعرفة على وجه التحديد أن لا تقطع أبداً الفكر الفلسفي عن الفكر العلمي ولا عن النشاط العملي التاريخي)(٢)
وبالرغم من إصرار الماركسية على الطابع العلمي لفلسفتها ورفض أيّ لون من التفكير الميتافيزيقي ، نجد أنّ الماركسية لا تتقيّد في فلسفتها بالحدود العلمية للبحث ؛ ذلك أنّ الفلسفة التي تنبع من الخبرة العلمية يجب أن تمارس مهمّتها في الحقل العلمي ولا تتجاوزه إلى غيره ، فالمجال المشروع لفلسفة علمية كفلسفة الماركسية في زعمها وإن كان أوسع من المجال المنفرد لكلّ علم ، لأنّها تستهدي بمختلف العلوم ، ولكن لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون أوسع من المجالات العلمية مجتمعة ، أي : المجال العلمي العام ، وهو الطبيعة التي يمكن إخضاعها للتجربة أو الملاحظة الحسّية المنظّمة
فليس من صلاحية الفلسفة العلمية أن تتناول في البحث مسائل ما وراء
____________________
(١) ماركس ، أنجلس والماركسية : ٢٤
(٢) ما هي المادّية ؟ : ٤٦
الطبيعة ، وتحكم فيها بشيء إيجابي أو سلبي ؛ لأنّ رصيدها العلمي لا يمدّها في تلك المسائل بشيء ، فالقضية الفلسفية القائلة : (للعالم مبدأ أوّل وراء الطبيعة) ليس من حقّ الفلسفة العلمية أن تتناولها بنفي أو إثبات ؛ لأنّ محتواها خارج عن مجال التجربة
وبالرغم من ذلك نرى أنّ الماركسية تتدخّل في هذا اللون من القضايا وتجيب عليها بالنفي ، الأمر الذي يجعلها تتمرّد على حدود الفلسفة العلمية ، وتنساق إلى بحث ميتافيزيقي ؛ لأنّ النفي فيما يتّصل بما وراء عالم الطبيعة كالإثبات ، وكلاهما من الفلسفة الميتافيزيقية وبذلك يبدو التناقض بين الحدود التي يجب أن تقف عندها الماركسية في بحثها الفلسفي بوصفها صاحبة فلسفة علمية ، وبين انطلاقها في البحث إلى أوسع من ذلك
وبعد أن ربطت الماركسية فلسفتها بالعلم ، وآمنت بضرورة تطوّر المحصول الفلسفي وفقاً للعلوم الطبيعية ، ومشاركة الفلسفة للعلم في نموّه وتكامله تبعاً لارتفاع مستوى الخبرة التجريبية وتعميقها على مرّ الزمن ، كان من الطبيعي لها أن ترفض كلّ مطلق فلسفي فوق العلم
وقد نشأ هذا من خطأ الماركسية في نظرية المعرفة وإيمانها بالتجربة وحدها وأمّا في ضوء المذهب العقلي والإيمان بمعارف قبلية ، فالفلسفة ترتكز على قواعد أساسية ثابتة ، وهي : تلك المعارف العقلية القبلية الثابتة بصورة مطلقة ومستقلّة عن التجربة ، ولأجل ذلك لا يكون من الحتم أن يتغيّر المحتوى الفلسفي باستمرار تبعاً للاكتشافات التجريبية
ونحن لا نعني بذلك انقطاع الصلة بين الفلسفة والعلم ، فإنّ الترابط بينهما وثيق ؛ لأنّ العلم يقدّم في بعض الأحايين الحقائق الخاصّة إلى الفلسفة لتطبّق عليها
مبادئها المطلقة ، فتخرج بنتائج فلسفية جديدة(١) ، كما أنّ الفلسفة تنجد الأسلوب التجريبي في العلوم بمبادئ وقواعد عقلية يستخدمها العالم في سبيل الارتقاء من التجارب المباشرة إلى قانون علمي عامّ(٢) فالعلاقة بين الفلسفة والعلم قويّة(٣) ،
____________________
(١) ومثال ذلك : أنّ العلوم الطبيعية تبرهن على إمكان تحويل العناصر البسيطة بعضها إلى بعض فهذه حقيقة علمية تتناولها الفلسفة كمادّة لبحثها ، وتطبّق عليها القانون العقلي القائل : بأنّ الوصف الذاتي لا يتخلّف عن الشيء ، فنستنتج : أنّ صورة العنصر البسيط كالصورة الذهبية ليست ذاتية لمادّة الذهب ، وإلاّ لمّا زالت عنها ، وإنّما هي صفة عارضة ثمّ تمضي الفلسفة أكثر من ذلك ، فتطبّق القانون القائل : إنّ لكلّ صفة عارضة علّة خارجية ، فتصل إلى هذه النتيجة : إنّ المادّة لكي تكون ذهباً أو نحاساً أو شيئاً آخر بحاجة إلى سبب خارجي فهذه نتيجة فلسفية مستندة إلى ما أدّت إليه الطريقة العقلية من قواعد عامّة لدى تطبيقها على المادّة الخام التي قدّمتها العلوم للفلسفة (المؤلّف قدسسره )
(٢) كما ضربنا الأمثلة على ذلك آنفاً ، فقد رأينا كيف أنّ النظرية العلمية القائلة : (إنّ الحركة هي سبب الحرارة أو جوهرها) تطلّبت عدّة من المبادئ العقلية القبلية (المؤلّف قدسسره )
(٣) حتّى يمكن القول في ضوء ما قرّرناه ـ خلافاً للاتّجاه العامّ الذي واكبناه في الكتاب ـ بعدم وجود حدود فاصلة بين قوانين الفلسفة وقوانين العلم كالحدّ الفاصل القائل : إنّ كلّ قانون قائم على أساس عقلي فهو فلسفي ، وكلّ قانون قائم على أساس تجربي فهو علمي ؛ لأنّنا عرفنا بوضوح أنّ الأساس العقلي والتجربة مزدوجان في عدّةٍ من القضايا الفلسفية والعلمية ، فلا القانون العلمي وليد التجربة بمفردها ، وإنّما هو نتيجة تطبيق الأُسس العقلية على مضمون التجربة العلمية ولا القانون الفلسفي في غنىً عن التجربة دائماً ، بل قد تكون الترجبة العلمية مادّة للبحث الفلسفي أو صغرى في القياس على حدّ تعبير المنطق الأرسطي ، وإنّما الفارق بين الفلسفة والعلم : أنّ الفلسفة قد لا تحتاج إلى صغرى تجريبية ، ولا تفتقر إلى مادّة خام تستعيرها من التجربة ، كما سنيشير إليه بعد لحظة وأمّا العلم ، فهو في كلّ قوانينه بحاجة إلى الخبرة الحسّية المنظَّمة (المؤلّف قدسسره )
غير أنّ الفلسفة بالرغم من ذلك قد لا تحتاج في بعض الأحيان إلى تجربة إطلاقاً ، بل تستخلص النظرية الفلسفية من المعارف العقلية القبلية(١) ؛ ولأجل هذا قلنا : ليس من الحتم أن يتغيّر المحتوى الفلسفي باستمرار تبعاً للتجربة ، ولا من الضروري أن يواكب [ الركب(٢) ] الفلسفي قطار العلم في سيره المتدرّج
____________________
(١) ومثال ذلك : قانون النهاية القائل : إنّ الأسباب لا تتصاعد إلى غير نهاية فإنّ الفلسفة حين تقرّر هذا القانون لا تجد نفسها بحاجة إلى أيّ تجربة علمية ، وإنّما تستخلصه من مبادئ عقلية أوّلية ولو بصورة غير مباشرة(المؤلّف قدسسره )
(٢) في الأصل : (الكلّ) ولعلّ الأنسب ما أثبتناه (لجنة التحقيق )
نظريّة المعرفة / ٢
قيمة المعرفة
أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
نظريّة المعرفة في فلسفتنا
النسبيّة التطوّرية
كنّا ندرس في المسألة السابقة المصادر الأساسية للمعرفة أو للإدراك البشري بصورة عامّة ، والآن نتناول المعرفة من ناحية أخرى ؛ لنحدِّد قيمتها الموضوعية ومدى إمكان كشفها عن الحقيقة ، فإنّ الطريق الوحيد الذي تملكه الإنسانية لاستكناه الحقائق والكشف عن أسرار العالم هو : مجموعة العلوم والمعارف التي لديها ، فيجب أن نتساءل قبل كلّ شيء عمّا إذا كان هذا الطريق موصلاً حقّاً إلى الهدف ، وعمّا إذا كانت الإنسانية قادرة على الوصول إلى واقع موضوعي بما تملك من معارف وطاقات فكرية
والفلسفة الماركسية تؤمن في هذه المسألة بإمكان معرفة العالم ، وبطاقة الفكر البشري على الكشف عن الحقائق الموضوعية ، وترفض الشكّ والسفسطة :
(خلافاً للمثالية التي تنكر إمكان معرفة العالم وقوانينه ، ولا تؤمن بقيمة معارفنا ، ولا تعترف بالحقيقة الموضوعية ، وتعتبر أنّ العالم مملوء بأشياء قائمة بذاتها ، ولن يتوصَّل العلم أبداً إلى معرفتها ، تقومُ المادّية الفلسفية الماركسية على المبدأ القائل : إنّه من الممكن تماماً معرفة العالم وقوانينه ، وإنّ معرفتنا لقوانين الطبيعة ـ تلك المعرفة
التي يحقّقها العمل والتجربة ـ هي معرفة ذات قيمة ولها معنى حقيقة موضوعية ، وأن ليس في العالم أشياء لا يمكن معرفتها ، وإنّما فيه أشياء لا تزال مجهولة بعد ، وهي ستكشف وتصبح معروفة بوسائل العلم والعمل)(١)
(إنّ أقوى تفنيد لهذا الوهم الفلسفي ـ أي : وهم (كانت) و (هيوم) وغيره من المثاليين ـ ولكلّ وهم فلسفي آخر ، هو العمل والتجربة والصناعة بوجه خاصّ ، فإذا استطعنا أن نبرهن على صحّة فهمنا لظاهرة طبيعية مّا ، بخلقنا هذه الظاهرة بأنفسنا وبإحداثنا لها بواسطة توفّر شروطها نفسها ، وفوق ذلك إذا استطعنا استخدامها في تحقيق أغراضنا ، كان في ذلك القضاء المبرم على مفهوم الشيء في ذاته العصيّ على الإدراك الذي أتى به (كانت))(٢)
هذه التصريحات تقرّر بوضوح : أنّ الفلسفة الماركسية لم ترضَ بالوقوف إلى صفّ السفسطة ومدارس الإنكار أو الشكّ التي أعلنت إفلاسها في المضمار الفلسفي ؛ لأنّ الصرح الذي تحاول بناءه يجب أن يرتفع على ركائز فلسفية قاطعة وقواعد فكرية جازمة ، وما لم تكن الركائز يقينية لا يمكن أن يتماسك ويتركّز البناء الفكري القائم عليها
ونحاول ـ الآن ـ أن نعرف ما إذا كان من حقّ هذه الفلسفة أن تزعم لنفسها اليقين الفلسفي وتدّعي إمكان المعرفة الجازمة ، بمعنى : أنّ الفلسفة الماركسية التي
____________________
(١) المادية الديالكتيكية والماديّة التاريخية : ٣١
(٢) لودفيج فيورباخ : ٥٤
تفكّر على طريقة ديالكتيكية هل تستطيع أن تؤمن بمعرفة حقيقة للعالم وقوانينه ، وتتخلّص من قبضة الشكّ أو السفسطة ؟
وفي تعبير آخر : هل المعرفة التي يصحّ للفيلسوف الماركسي أن يتبجّح بها هي أعلى قيمة وأرفع شأناً من المعرفة في فلسفة (كانت) ؟ أو لدى المثاليين أو المادّيين النسبيين من فلاسفة مدارس الشكّ الذين نقدتهم الماركسية وهاجمتهم ؟
ولأجل أن نعرف المشكلة ونتبيّن مدى إمكان حلّها على أساس الفلسفة الماركسية ووجهة نظر الفلسفة الإسلامية فيها ، يجب أن نشير بصورة سريعة إلى أهمّ المذاهب الفلسفية التي عالجت هذه المشكلة ؛ حتّى يتحدّد بجلاء موقف الماركسية منها ، وماذا يجب أن تتّخذ من رأي في مسألة المعرفة على ضوء أصولها الرئيسية ؟ وما هو حقّ المشكلة من التحليل والتحقيق ؟
[ أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة ]
١- آراء اليونان :
اجتاحت التفكير اليوناني موجة من السفسطة في القرن الخامس قبل الميلاد ، في عصر راجت فيه طريقة الجدل في ميادين الخطابة والمحاماة ، وتضاربت فيه الآراء الفلسفية والفرضيات غير التجريبية تضارباً شديداً ، ولم يكن الفكر الفلسفي قد تبلور ، ولم يبلغ درجة عالية من الرشد العقلي ، فكان هذا الصراع والتضارب بين المتناقضات الفلسفية سبباً لبلبلة فكرية وارتياب جَذري.
وكانت مَلَكَة الجدل تغذّي ذلك بما تُلهم أبطالها الجدليين من شبهات وأقيسة خاطئة ، أنكروا على أساسها العالم برفض جميع الركائز الفكرية للإنسان وإنكار المحسوسات والبديهيات
وقد وضع (غورغياس) ـ أحد أبطال هذه المدرسة ـ كتاباً في (اللاوجود) وحاول أن يبرهن فيه على عدّة قضايا ، الأولى : لا يوجد شيء ، الثانية : إذا كان يوجد شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه ، الثالثة : إذا فرضنا أنّ إنساناً أدركه فلن يستطيع أن يبلِّغه لغيره(١)
وقد عاشت السفسطة ردحاً من الزمن تتفنّن في عبثها بالفلسفة والعلم حتّى بزغ سقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو ، فكانت لهم مواقف جبّارة ضدّها
ووضع أرسطو للكشف عن مغالطات السفسطة وتنظيم الفكر الإنساني منطقه المعروف ، وخلاصة مذهبه في نظرية المعرفة : أنّ المعلومات الحسّية
____________________
(١) راجع المرجع في الفكر الفلسفي : ٥٧ ، د نوال الصرّاف الصائغ
والمعلومات العقلية الأوّلية أو الثانوية التي تكتسب بمراعاة الأصول المنطقية ، هي حقائق ذات قيمة قاطعة ولذا أجاز في البرهان- الدليل القاطع في مصطلحه المنطقي- استعمال المحسوسات والمعقولات معاً
وقامت بعد ذلك محاولة للتوفيق بين الاتّجاهين المتعارضين : بين الاتّجاه الذي يجنح إلى الإنكار القاطع وهو السفسطة ، والاتّجاه الذي يؤكّد على الإثبات وهو اتّجاه المنطق الأرسطي وكانت هذه المحاولة تتمثّل في مذهب الشكّ الذي يعتبر (بيرون) من المبشّرين الأساسين به
وتُعرَف عن (بيرون) حججه العشر على ضرورة الشكّ المطلق ، فكلّ قضية في نظره تحتمل قولين ، ويمكن إيجابها وسلبها بقوّة متعادلة(١)
ولكن مذهب اليقين سيطر أخيراً على الموقف الفلسفي ، وتربّع العقل على عرشه الذي أقعده عليه (أرسطو) يحكم ويقرّر مقيّداً بمقاييس المنطق ، وخمدت جذوة الشكّ طيلة قرون حتّى حوالي القرن السادس عشر ؛ إذ نشطت العلوم الطبيعية ، واكتشفت حقائق لم تكن بالحسبان وخاصّة في الهيئة ونظام الكون العامّ وكانت هذه التطوّرات العلمية بمثابة قوّة الجدل في العصر اليوناني ، فبعثت مذاهب الشكّ والإنكار من جديد ، واستأنفت نشاطها بأساليب متعدّدة ، وقام الصراع بين اليقينيين أنفسهم في حدود اليقين الذي يجب أن يعتمد عليه الإنسان
وفي هذا الجوّ المشبع بروح الشكّ والتمرّد على سلطان العقل نبغ (ديكارت) ، وطلع على العالم بفلسفة يقينية كان لها تأثير كبير في إرجاع التيّار الفلسفي حدّاً ما إلى اليقين
____________________
(١) راجع : يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة اليونانيّة : ٢٣٥
٢- ديكارت(١) :
وهو من أقطاب الفلاسفة العقليين ومؤسّسي النهضة الفلسفية في أوروبا بدأ فلسفته بالشكّ ، الشكّ الجارف العاصف ؛ لأنّ الأفكار متضاربة ، فهي- إذن- في معرض الخطأ ، والإحساسات خدّاعة في كثير من الأحايين ، فهي ـ أيضاً ـ ساقطة من الحساب ، وبهذا وذاك تثور عاصفة الشكّ فتقتلع العالم المادّي والمعنوي معاً ما دام الطريق إليهما هو الفكر والإحساس
ويؤكّد (ديكارت) على ضرورة هذا الشكّ المطلق ، ويدلّل على منطقيّته بأنّ من الجائز أن يكون الإنسان واقعاً في رحمة قوّة تهيمن على وجوده وعقله وتحاول خداعه وتضليله ، فتوحي إليه بأفكار مقلوبة عن الواقع وإدراكات خاطئة ومهما كانت هذه الأفكار والإدراكات واضحة فلا نستطيع استبعاد هذا الفرض الذي يضطرّنا إلى اتّخاذ الشكّ مذهباً مطّرداً
ولكن (ديكارت) يستثني حقيقة واحدة تصمد في وجه العاصفة ولا تقوى على زعزعتها تيّارات الشكّ ، وهي : (فكره) ؛ فإنّه حقيقة واقعة لا شكّ فيها ، ولا يزيدها الشكّ إلاّ ثباتاً ووضوحاً ؛ لأنّ الشكّ ليس إلاّ لوناً من ألوان الفكر ، وحتّى تلك القوّة الخدّاعة لو كان لها وجود فهي لا تستطيع أن تخدعنا في إيماننا بهذا الفكر ؛ لأنّها إنّما تخدعنا عن طريق الإيحاء بالتفكير الخاطئ إلينا ، ومعنى ذلك : أنّ التفكير حقيقة ثابتة على كلّ حال ، سواءٌ أكانت مسألة الفكر الإنساني مسألة خداع وتضليل أم مسألة فهم وتحقيق
____________________
(١) يراجع للتفصيل : تاريخ الفلسفة الحديثة : ٦٥ ـ ٨٥ نجيب بلدي ، ديكارت : ٨٧ ـ ١٣٢ راوية عبد المنعم ، ديكارت والفلسفة العقليّة : ١٣١ ـ ١٧٦
وتكوّن هذه الحقيقة في فلسفة (ديكارت) حجر الزاوية ونقطة الانطلاق لليقين الفلسفي ، الذي حاول أن يخرج به من التصوّر إلى الوجود ، ومن الذاتية إلى الموضوعية ، بل حاول أن يثبت عن طريق تلك الحقيقة الذات والموضوع معاً ، فبدأ بذاته واستدلّ على وجودها بتلك الحقيقة ، قائلاً : (أنا أُفكّر ، فأنا ـ إذن ـ موجود)
وقد يلاحظ على ديكارت في هذا الاستدلال : أنّه يحتوي ـ لا شعورياً ـ على الإيمان بحقائق لا زالت حتّى الآن في موضع الشكّ عنده ؛ فإنّ هذا الاستدلال تعبير غير فنّي عن الشكل الأوّل من القياس في المنطق الأرسطي ، ويرجع ـ فنّياً ـ إلى الصيغة الآتية : (أنا أُفكّر ، وكلّ مفكّر موجود ، فأنا موجود)
ولأجل أن يصحّ هذا الاستدلال عند ديكارت يجب أن يؤمن بالمنطق ، ويعتقد بأنّ الشكل الأوّل من القياس منتج وصحيح في إنتاجه ، مع أنّه لا يزال في بداية الشوط الأوّل ، ولا يزال الشكّ مهيمناً في عقله على جميع المعارف والحقائق ومنها المنطق وقوانينه
ولكنّ الواقع الذي يجب أن ننبّه عليه هو : أنّ ديكارت لم يكن يحسّ بحاجة إلى الإيمان بالأشكال القياسية في المنطق حين بدأ المرحلة الاستدلالية من تفكيره بـ (أنا أُفكّر ، فأنا ـ إذن ـ موجود) ، بل كان يرى أنّ معرفة وجوده عن طريق فكره ، أمر بديهي لا يحتاج إلى تشكيل قياس والتصديق بصغراه وكبراه
ولمّا كانت هذه القضية صادقة ؛ لأنّها بديهية بشكل لا يقبل الشكّ ، فكلّ ما هو على درجتها في البداهة صادق أيضاً ، وبهذا عطف قضية أخرى على البديهية الأولى ، وسلّم بأنّها حقيقة ، وهي : أنّ الشيء لا يخرج من لا شيء
وبعد أن آمن بالناحية الذاتية أخذ في إثبات الواقع الموضوعي ، فرتّب الأفكار الإنسانية في ثلاث طوائف :
الأولى : أفكار غريزية أو فطرية ، وهي : الأفكار الطبيعية في الإنسان التي تبدو في غاية الوضوح والجلاء كفكرة : الله ، والحركة ، والامتداد ، والنفس
الثانية : أفكار غامضة تحدث في الفكر بمناسبة حركات واردة على الحواسّ من الخارج ، وليست لها أصالة في الفكر الإنساني
الثالثة : أفكار مختلفة ، وهي : الأفكار التي يصطنعها الإنسان ويركّبها من أفكاره الأخرى ، كصورة إنسان له رأسان
وأخذ- أوّل ما أخذ ـ فكرة (الله) من الطائفة الأولى ، فقرّر أنّها فكرة ذات حقيقة موضوعية ؛ إذ هي في حقيقتها الموضوعية تفوق الإنسان المفكِّر وكلّ ما فيه من أفكار ؛ لأنّه ناقص محدود ، وفكرة (الله) هي فكرة الكامل المطلق الذي لا نهاية له ولمّا كان قد آمن سلفاً بأنّ الشيء لا يخرج من لا شيء ، فهو يعرف أنّ لهذه الصورة الفطرية في فكره سبباً ، ولا يمكن أن يكون هو السبب لها ؛ لأنّها أكبر منه وأكمل ، والشيء لا يجيء أكبر من سببه ، وإلاّ لكانت الزيادة في المسبَّب قد نشأت من لا شيء فيجب أن تكون الفكرة منبثقة عن الكائن اللانهائي الذي يوازيها كمالاً وعظمة ، وذلك الكائن هو أوّل حقيقة موضوعية خارجية تعترف بها فلسفة (ديكارت) وهي : (الله)
وعن طريق هذا الكائن الكامل المطلق أثبت أنّ كلّ فكر فطريّ في الطبيعة الإنسانية ، فهو فكر صادق يحتوي على حقيقة موضوعية ؛ لأنّ الأفكار العقلية- الطائفة الأولى- صادرة عن الله ، فإذا لم تكن صادقة كان تزويد الله للإنسان بها خدعة وكذباً ، وهو مستحيل على الكامل المطلق
ولأجل ذلك آمن ديكارت بالمعرفة الفطرية (العقلية) للإنسان ، وأنّها
معرفة صحيحة وصادقة ، ولم يؤمن بغير تلك الأفكار الفطرية من الأفكار التي تنشأ بأسباب خارجية ، وكان من نتيجة هذا أن قسّم الأفكار عن المادّيات إلى قسمين :
أحدهما : الأفكار الفطرية ، كفكرة الامتداد
والآخر : أفكار طارئة تعبّر عن انفعالات خاصّة للنفس بالمؤثّرات الخارجية كفكرة : الصوت ، والرائحة ، والضوء ، والطعم ، والحرارة ، واللون
فتلك كيفيات أوّلية حقيقية ، وهذه كيفيات ثانوية لا تعبّر عن حقائق موضوعية ، وإنّما تتمثّل في انفعالات ذاتية ، فهي صور ذهنية تتعاقب وتثور في دنيا الذهن بتأثير الأجسام الخارجية ، ولا يشابهها شيء من تلك الأجسام
هذا عرض خاطف جدّاً لنظرية المعرفة عند ديكارت
ويجب أن نعرف قبل كلّ شيء أنّ القاعدة الأساسية التي أقام عليها مذهبه ويقينه الفلسفي ، وهي : (أنا أفكّر فأنا ـ إذن ـ موجود) ، قد نُقِضت في الفلسفة الإسلامية قبل ديكارت بعدّة قرون ، حين عرضها الشيخ الرئيس ابن سينا ونقدها : بأنّها لا يمكن أن تُعتَبر أسلوباً من الاستدلال العلمي على وجود الإنسان المفكِّر ذاته ، فليس للإنسان أن يبرهن على وجوده عن طريق فكره ؛ لأنّه حين يقول : (أنا أفكّر ، فأنا موجود) ، إن كان يريد أن يبرهن على وجوده بـ (فكره الخاصّ) فقط ، فقد أثبت وجوده الخاصّ من أوّل الأمر واعترف بوجوده في نفس الجملة الأولى وإن كان يريد أن يجعل (الفكر المطلق) دليلاً على وجوده ، فهو خطأ ؛ لأنّ الفكر المطلق يحكم بوجود مفكِّر مطلق لا مفكِّر خاص ، وإذن فالوجود الخاصّ لكلّ مفكِّر يجب أن يكون معلوماً له علماً أوّلياً بصرف النظر عن جميع الاعتبارات بما فيها شكّه وفكره
وبعد ذلك نرى ديكارت يقيم صرح الوجود كلّه على نقطة واحدة ، وهي : أنّ الأفكار التي خلقها الله في الإنسان تدلّ على حقائق موضوعية ، فلو لم تكن مصيبة في ذلك لكان الله خادعاً ، والخداع مستحيل عليه
وبسهولة يمكن أن نتبيّن الخلط بين المعرفة التأمّلية والمعرفة العملية في برهانه ؛ فإنّ قضية (الخداع مستحيل) هي الترجمة غير الأمينة لقضية (الخداع القبيح) ، وهذه القضية ليست قضية فلسفية ، وإنّما هي فكرة عملية ، فكيف شكّ (ديكارت) في كلّ شيء ولم يشكّ في هذه المعرفة العملية التي جعلها أساساً للمعرفة التأمّلية الفلسفية ؟!!
أضف إلى ذلك أنّ تسلسل المعرفة في مذهب ديكارت ينطوي على دور واضح ؛ فإنّه حين آمن بالمسألة الإلهية أقام إيمانه هذا على قضية يفترض صدقها سلفاً ، وهي : أنّ الشيء لا يخرج من لا شيء ، وهذه القضية تحتاج بدورها إلى إثبات المسألة الإلهية ؛ لتكون مضمونة الصدق ، فما لم يثبت أنّ الإنسان محكوم لقوّة حكيمة غير مخادعة ، لا يجوز لديكارت أن يثق بهذه القضية ، ويقضي على شكّه في سيطرة قوّة خدّاعة للفكر الإنساني
وأخيراً فلسنا بحاجة لتوضيح خلط آخر صدر منه بين (فكرة الله) و (الحقيقة الموضوعية التي تدلّ عليها) حين آمن باستحالة انبثاق هذه الفكرة عن الإنسان ؛ لأنّها أكبر منه والحال أنّها لا تزيد على فكره ، وإنّما يستحيل على الإنسان أن يخلق لهذه الفكرة حقيقتها الموضوعية
وليس هدفنا بالفعل التوسّع في مناقشة (ديكارت) ، وإنّما نعني عرض وجهة نظره في قيمة المعرفة الإنسانية التي تتلخّص في الإيمان بالقيمة القاطعة للمعارف العقلية الفطرية خاصّة
٣- جون لوك(١) :
وهو الممثّل الأساسي للنظرية الحسّية والتجريبية كما عرفنا سابقاً ورأيه في نظرية المعرفة أنّ المعارف تنقسم كما يأتي :
أ- المعرفة الوجدانية ، وهي : المعرفة التي لا يحتاج الفكر في سبيل الحصول عليها إلى ملاحظة شيء آخر ، كمعرفتنا بأنّ الواحد نصف الاثنين
ب- المعرفة التأمّلية ، وهي لا تحصل من دون استعانة بمعلومات سابقة ، كمعرفتنا بأنّ مجموع زوايا المثلّث يساوي قائمتين
ج- المعرفة الناشئة من وقوع الحسّ على المعنى المعلوم
ويعتقد (لوك) أنّ المعرفة الوجدانية معرفة حقيقية ذات قيمة كاملة من الناحية الفلسفية ، وكذلك المعرفة التأمّلية التي يمكن توضيحها باستدلال صحيح وأمّا المعرفة الحسّية ، فلا قيمة لها فلسفياً وإن كانت معتبرة في مقاييس الحياة العملية ونظراً لذلك لم يؤمن موضوعياً بجميع خواصّ المادّة المدرَكة بالحسّ ، بل اعتبر بعضها خواصّاً حقيقية موضوعية ، كالشكل والامتداد ، والحركة ، واعتبر بعضها الآخر انفعالاً ذاتياً ، كاللون ، والطعم ، والرائحة ، وما إليها من صفات
ونظرية (لوك) هذه في المعرفة ووزنها الفلسفي لا يتّفق مع رأيه الخاصّ في تحليل المعرفة ؛ ذلك أنّ الإدراك في زعم (لوك) يرجع كلّه إلى الحسّ والتجربة ، وحتّى المعارف البديهية ـ كمبدأ عدم التناقض ونحوه من المبادئ الأساسية في الفكر البشري ـ لم توجد لدى الإنسان إلاّ عن هذا الطريق وهذا الحسّ الذي هو
____________________
(١) يراجع : قصّة الفلسفة الحديثة : ١ / ١٣٥ ـ ١٣٨ عبد الرحمن بدوي ، موسوعة الفلسفة : ٢ / ٣٧٣ (لوك)
المصدر الأساسي لتلك الإدراكات ليس ذا قيمة فلسفية قاطعة في نظرية المعرفة عند (لوك) ، والنتيجة الطبيعية لذلك هي : الشكّ المطلق في قيمة كلّ معرفة إنسانية ؛ لأنّها ليست في حقيقتها ونواتها الأساسية إلاّ إدراكاً حسّياً اكتسب بالتجربة الظاهرية أو الباطنية
وهكذا يبدو أنّ تنويعه للمعرفة إلى أقسام ثلاثة ، والتفريق بينها من ناحية الاعتبار الفلسفي ، يتناقض مع الأسس التي أقامها
كما أنّ تقسيمه لخواصّ الأجسام المحسوسة إلى طائفتين ـ كما فعل ديكارت ـ ليس منطقياً على أسسه ، وإن كان منطقياً إلى حدّ ما على أساس (ديكارت) ؛ ذلك أنّ (ديكارت) كان يقسّم المعرفة : إلى عقلية وحسّية ، ويؤمن باعتبار الأولى من ناحية فلسفية دون الثانية ، وقد زعم أنّ فكرة الإنسان عن بعض خواصّ الجسم من الأفكار العقلية الفطرية ، وفكرته عن بعضها الآخر حسّية ، فصحّ له بسبب ذلك أن ينوّع تلك الخواصّ إلى أوّلية وثانوية ، ويؤمن بأنّ الخواصّ الأوّلية حقيقية وموضوعية دون الخواصّ الثانوية وأمّا (جون لوك) ، فقد بدأ بناءه الفلسفي بإبعاد الأفكار الفطرية ، والإيمان بسيادة الحسّ على الإدراك كلّه ، فخواصّ الأجسام لا سبيل إلى إدراكها إلاّ الحسّ ، فما هو الفارق الفلسفي بين بعضها والبعض الآخر ؟ !
٤- المثاليون :
والمذهب المثالي عميق الجذور في تأريخ الفكر الإنساني ومتعدّد الأساليب ، ولفظ المثالية هو ـ أيضاً ـ من الألفاظ التي لعبت أدواراً مهمّة عبر التأريخ الفلسفي ، وتبلور في عدّة مفاهيم فلسفية تبادلت عليه ، وأكسبته بسبب ذلك لوناً من الغموض والالتباس
وقد ابتدأت المثالية دورها الأوّل في المصطلح الفلسفي على يد أفلاطون حين قال بنظرية خاصّة في العقل والعلم الإنساني ، وأُسميت تلك النظرية بنظرية : (المثل الأفلاطونية ) ، فقد كان أفلاطون فيلسوفاً مثالياً ، ولكنّ مثاليته لم تكن تعني إنكار الحقائق المحسوسة ، وتجريد الإدراكات الحسّية عن الحقائق الموضوعية المستقلّة عن مجال التصوّر والإدراك ، بل كان يعتقد بموضوعية الإحساس ، غير أنّه ذهب إلى أكثر من ذلك ، فاعتقد بموضوعية الإدراكات العقلية التي هي أعلى درجة من الإدراكات الحسّية ، مقرّراً أنّ الإدراك العقلي ـ وهو إدراك الأنواع العامّة كإدراك معاني الإنسان والماء والنور ـ ذو حقيقة موضوعية مستقلّة عن التعقّل ، كما سبق إيضاحه في الجزء الأوّل من هذه المسألة(١)
وهكذا نعرف أنّ المثالية القديمة كانت لوناً من ألوان الإسراف في الإيمان بالواقع الموضوعي ؛ لأنّها آمنت بالواقع الموضوعي للإحساس (إدراك المعاني الخاصّة بالحسّ) وللتعقّل (إدراك المعاني بصورة عامّة) ولم تكن إنكاراً للواقع أو شكّاً فيه
واتّخذت المثالية في التأريخ الحديث مفهوماً آخر يختلف كلّ الاختلاف عن المفهوم السابق ، فبينما كانت المثالية الأفلاطونية تؤكّد على وجود الحقيقة الموضوعية للإدراكات العقلية والحسّية معاً ، جاءت المثالية في لونها الحديث لتزعزع أساس الواقع الموضوعي ، وتعلن عن مذهب جديد في نظرية المعرفة الإنسانية تلغي به قيمتها الفلسفية والمفهوم المثالي الجديد هو الذي يعنينا درسه ومعالجته في بحثنا هذا
وقد اختلفت على هذا المفهوم ألوان متعدّدة وصياغات كثيرة ، وتوسّع
____________________
(١) تحت عنوان : نظريّة الاستذكار الأفلاطونيّة ، في مبحث : (التصوّر ومصدره الأساسي)
بعض كتّاب الفلسفات فيه حتّى اعتبروا المثالية وصفاً لكلّ فلسفة ترتكز على الشكّ ، أو تنطوي على محاولة لإبعاد جانب من الأشياء الموضوعية عن نطاق المعرفة الإنسانية ، أو تؤمن بمبدأ غيبي للعالم فالروحانية ، واللاّأدرية ، والتجريبية ، والعقلائية ، والنقدية ، والظاهراتية الوجودية ، كلّها فلسفات مثالية في زعمهم(١)
[ الاتجاهات المهمّة للمثالية الحديثة ]
ولأجل أن يتّضح دور المثالية في نظرية المعرفة الإنسانية نتناول بالدرس الاتجاهات المهمّة للمثالية الحديثة ، وهي : الاتّجاه الفلسفي ، والاتّجاه الفيزيائي ، والاتّجاه الفسيولوجي
أ- المثالية الفلسفية :
والممثّل الأساسي لها (باركلي)(٢) الذي يُعدّ إمام المثالية الحديثة ، وتعتبر فلسفته نقطة الانطلاق للاتّجاه المثالي أو النزعة التصوّرية في قرون الفلسفة الأخيرة
وجوهر المثالية في مذهب (باركلي) يتلخّص في عبارته المشهورة : (أن يوجد ، هو : أن يُدرِك أو أن يدرَك) ، فلا يمكن أن يُقَرّ بالوجود لشيء ما لم يكن ذلك الشيء مدرَكاً أو مدرِكاً ، والشيء المدرِك هو : النفس ، والأشياء المدرَكة هي : التصوّرات والمعاني القائمة في مجال الحسّ والإدراك فمن الضروري أن نؤمن بوجود النفس ووجود هذه المعاني وأمّا الأشياء المستقلّة عن حيّز الإدراك
____________________
(١) ما هي المادّية ؟ : ٥
(٢) يراجع : موسوعة الفلسفة : ١ / ٢٨٧ (باركلي) قصّة الفلسفة الحديثة : ١ / ١٤٦ ـ ١٥٢ تاريخ الفلسفة الحديثة : ١٦٨
، الأشياء الموضوعية ، فليست موجودة ؛ لأنّها ليست مدرَكة
ويتناول (باركلي) في بحثه بعد ذلك الأجسام التي يسمّيها الفلاسفة بـ (الجواهر المادّية) ليخفيها عن مسرح الوجود ، قائلاً : إنّنا لا ندرِك من المادّة التي يفترضونها إلاّ مجموعة من التصوّرات الذهنية والظواهر الحسّية : كاللون والطعم ، والشكل ، والرائحة ، وما إليها من صفات
ويعقب (باركلي) على مفهومه المثالي عن العالم مؤكِّداً أنّه ليس سوفسطائياً ولا شاكّاً في وجود العالم وما فيه من حقائق وكائنات ، بل هو يعترف بوجود ذلك كلّه من ناحية فلسفية ، ولا يختلف من هذه الناحية عن سائر الفلاسفة ، وإنّما يتفاوت عنهم في تحديد مفهوم الوجود فالوجود عند (باركلي) ليس بمعناه عند الآخرين ، فما هو موجود في رأيهم يؤمن (باركلي) بوجوده أيضاً ، ولكن على طريقته الخاصّة في تفسير الوجود ، التي تعني : أنّ وجود الشيء عبارة عن وجوده في إدراكنا ، أي : إدراكنا له
ويعترض بعد ذلك سؤال بين يدي (باركلي) هو : إذا كانت المادّة غير موجودة فمن أين يمكن ـ إذن ـ أن نأتي بالإحساسات التي تنبثق في داخلنا كلّ لحظة ، من دون أن يكون لإرادتنا الذاتية تأثير في انبثاقها وتتابعها ؟
والجواب عند (باركلي) جاهز ، وهو : أنّ الله نفسه يبعث تلك الإحساسات فينا
وهكذا انتهى (باركلي) من مطافه الفلسفي وقد احتفظ لنفسه بحقيقتين إلى جانب الإدراك :
إحداهما : العقل (الذات المدرِكة) ،والأخرى : هي الله (الحقيقة الخلاّقة لإحساساتنا) .
وهذه النظرية تلغي مسألة المعرفة الإنسانية ودراسة قيمتها من ناحية موضوعية إلغاءً تاماً ؛ لأنّها لا تعترف بموضوعية الفكر والإدراك ، ووجود شيء
خارج حدودهما
وينتاب المفهوم المثالي عند (باركلي) شيء من الغموض قد يجعل من الممكن أن يُقدَّم له عدّة تفسيرات ، تتفاوت مفاهيمها في درجة مثاليتها وتعمّقها في النزعة التصوّرية ونحن نأخذ أعمق تلك المفاهيم في المثالية ، وهو : المفهوم المثالي البحت الذي لا يعترف بشيء عدا وجود النفس المدرِكة والإحساسات والإدراكات التي تتابع في داخلها ، وهذا المفهوم هو الذي يشعّ من أكثر بياناته الفلسفية ، وينسجم مع الأدلّة التي حاول إثبات مفهومه المثالي بها ، وتتلخّص الأدلّة على هذا المفهوم فيما يأتي :
الدليل الأوّل : أنّ جميع الإدراكات البشرية ترتكز على الحسّ وترجع إليه ، فالحسّ هو القاعدة الرئيسية لها ، وإذا حاولنا اختبار هذه القاعدة وجدناها مشحونة بالتناقضات والأخطاء : فحاسّة البصر تتناقض دائماً في رؤيتها للأجسام عند قربها وبعدها ، فهي تدرِكها صغيرة الحجم إذا كانت بعيدة عنها ، وتدركها بحجم أكبر إذا كانت قريبة منها وحاسّة اللمس هي أيضاً تتناقض ، فقد ندرك بها شيئاً واحداً إدراكين مختلفين ويوضّح (باركلي) بعد ذلك فيقول : اغمس يديك في ماء دافئ ، بعد أن تغمس إحداهما في ماء ساخن والأخرى في ماء بارد ، أفلا يبدو الماء بارداً لليد الساخنة وساخناً لليد الباردة ؟ فهل يجب- إذن- أن نقول عن الماء : إنّه ساخن وبارد في نفس الوقت ؟! أوَ ليس هذا هو الكلام الفارغ بعينه ؟! وإذن فلتستنتج معي : أنّ الماء في ذاته لا يوجد كمادّة مستقلاً عن وجودنا ، فهو ليس سوى اسم نطلقه نحن على إحساسنا ، فالماء يوجد فينا نحن وفي كلمة واحدة : المادّة هي الفكرة التي نضعها عن المادّة وإذا كانت الإحساسات فارغة عن كلّ حقيقة موضوعية للتناقضات الملحوظة فيها ، لم تبقَ للمعرفة البشرية قيمة موضوعية مطلقاً ؛ لأنّها ترتكز بصورة عامّة على الحسّ ، وإذا انهارت القاعدة
انهار الهرم كلّه
وهذا الدليل لا قيمة له للأسباب الآتية :
أوّلاً : أنّ المعارف البشرية لا ترتكز كلّها على الحسّ والتجربة ؛ لأنّ المذهب العقلي الذي درسناه في الجزء السابق من المسألة (المصدر الأساسي للمعرفة) يقرّر وجود معارف أوّلية ضرورية للعقل البشري ، وهذه المعارف الضرورية لم تنشأ من الحسّ ، ولا يبدو فيها شيء من التناقضات مطلقاً ، فلا يمكن اقتلاع هذه المعارف بالعاصفة التي تثار على الحسّ والإدراكات الحسّية ، وما دمنا نملك معارف في منجاة عن العاصفة فمن الميسور أن نقيم على أساسها معرفة موضوعية صحيحة
ثانياً : أنّ هذا الدليل يتناقض مع القاعدة الفلسفية لمثالية (باركلي) ، أي : مع النظرية الحسّية والمذهب التجريبي ؛ ذلك أنّ (باركلي) فيه يعتبر مبدأ عدم التناقض حقيقة ثابتة ، ويستبعد من بداية الأمر إمكان التناقض في الواقع الموضوعي وترتيباً على ذلك يستنتج من تناقض الإدراكات والتجارب الحسّية خلوّها من الواقع الموضوعي ، وغاب عنه أنّ مبدأ عدم التناقض ليس في المذهب التجريبي إلاّ مبدأ تجريبياً يدلّل عليه بالتجربة الحسّية ، فإذا كانت الإدراكات والتجارب متناقضة كيف صحّ لباركلي أن يؤمن بمبدأ عدم التناقض ، ويبرهن عن هذا الطريق على عدم وجود واقع موضوعي ؟! ولماذا لا يصحّ عنده وجود واقع موضوعي تتناقض فيه الظواهر والأشياء ؟! والحقيقة : أنّ (باركلي) استند ـ لا شعورياً ـ إلى فطرته الحاكمة بمبدأ عدم التناقض بصورة مستقلّة عن الحسّ والتجربة
ثالثاً : من الضروري أن نميّز بين مسألتين :إحداهما مسألة وجود واقع موضوعي للإدراكات والإحساسات ،والأخرى مسألة مطابقة هذا الواقع لما يبدو
لنا في إدراكنا وحواسّنا وإذا ميّزنا بينهما استطعنا أن نعرف أنّ تناقض الإحساسات لا يمكن أن يتّخذ برهاناً على عدم وجود واقع موضوعي ـ كما حاول باركلي ـ وإنّما يدلّ على عدم التكافؤ بين المعنى المدرَك بالحسّ ، والواقع الموضوعي في الخارج ، أي : أنّ الإحساس لا يجب أن يكون مطابقاً كلّ المطابقة للأشياء الخارجية وهذا شيء غير ما حاوله (باركلي) من إنكار موضوعية الإحساس ، فنحن حين نغمس يدينا بالماء فتحسّ إحداهما بالحرارة وتحسّ الأخرى بالبرودة ، لا نضطرّ ـ لأجل استبعاد التناقض ـ أن ننكر موضوعية الإحساس بصورة مطلقة ، بل يمكننا أن نفسِّر التناقض على وجه آخر ، وهو : أنّ إحساساتنا عبارة عن انفعالات نفسية بالأشياء الخارجية ، فلا بدّ من شيء خارجي حينما نحسّ وننفعل ، ولكن ليس من الضروري تكافؤ الإحساس مع الواقع الموضوعي ؛ لأنّ الإحساس لمّا كان انفعالاً ذاتياً فهو لا يتجرّد عن الناحية الذاتية ويمكننا على هذا الأساس أن نحكم فوراً في شأن الماء الذي افترضه (باركلي) بأنّه ماء دافئ ليس ساخناً ولا بارداً ، وأنّ هذا الدفء هو الواقع الموضوعي الذي أثار فينا الإحساسين المتناقضين ، وقد تناقض الإحساسان بسبب الناحية الذاتية التي نضيفها على الأشياء حين ندركها وننفعل بها
الدليل الثاني : أنّ الاعتقاد بوجود الأشياء خارج روحنا وتصوّرنا إنّما يقوم على أساس أنّنا نراها ونلمسها ، أي : أنّنا نعتقد بوجودها ؛ لأنّها تعطينا إحساسات ما ، إلاّ أنّ إحساساتنا ليست سوى أفكار تحتويها أرواحنا ، وإذن فالأشياء التي تدركها حواسّنا ليست سوى أفكار ، والأفكار لا يمكن أن توجد خارج روحنا
و (باركلي) في هذا الدليل يحاول أن يجعل مسألة الإيمان بالواقع الموضوعي للأشياء متوقّفة على الاتّصال بذلك الواقع بصورة مباشرة ، وما دام
لا يتاح لنا في حال من الأحوال أن نتّصل اتّصالاً مباشراً بالأشياء خارج روحنا ، وما دمنا مضطرّين إلى إدراكها في تصوّراتنا وأفكارنا خاصّة... فلا وجود في الحقيقة إلاّ لهذه التصوّرات والأفكار ، ولو أطحنا بها لم يبقَ شيء نستطيع أن ندركه ، أو أن نعترف بوجوده
ويجب أن نلاحظ قبل كلّ شيء أنّ هذه الحجّة التي حاول (باركلي) أن يبرهن بها على مفهومه المثالي ليست صحيحة حتّى عند (باركلي) نفسه ؛ فإنّه يتّفق معنا ـ بصورة غير شعورية ـ على دحضها وعدم كفايتها لتبرير المفهوم المثالي ؛ ذلك أنّها تؤدّي إلى مثالية ذاتية تنكر وجود الأشخاص الآخرين كما تنكر وجود الطبيعة على السواء ؛ فإنّ الحقيقة إذا كانت مقتصرة على نفس الإدراك والشعور باعتبار أنّنا لا نتّصل بشيء وراء حدود الذهن ومحتوياته الشعورية ، فهذا الإدراك والشعور هو إدراكي وشعوري أنا ، وأنا لا أتّصل بإدراك الآخرين وشعورهم كما لا أتّصل بالطبيعية ذاتها ، وهذا يفرض عليّ عزلة عن كلّ شيء عدا وجودي وذهني ، فليس لي الحقّ بالتسليم بوجود الناس الآخرين ؛ لأنّهم ليسوا إلاّ تصوّرات ذهني وفكري الذاتي
وهكذا تنتهي المسألة إلى مثالية فردانية فظيعة ، فهل كان يمكن لـ (باركلي) أن يندفع مع حجّته إلى أقصى مداها ويخرج منها بمثالية كهذه ؟! وإذا كان قد حاول شيئاً من هذا فسوف يتناقض مع نفسه قبل غيره ، وإلاّ فمع من كان يتحدّث ؟! ولمن كان يكتب ويؤلّف ؟! ولحساب من كان يلقي محاضراته ودروسه ؟! أليس ذلك تأكيداً قاطعاً من (باركلي) على الواقع الموضوعي للأشخاص الآخرين ؟!
وهكذا يتّضح أنّ (باركلي) نفسه يشاركنّا في عدم قبول الحجّة التي تبنّاها والتصديق ـ ولو لا شعورياً ـ ببطلانها
ويبقى علينا بعد هذا أن نوضّح سرّ المغالطة في هذا الدليل ، لنفهم السبب في عدم حصول القناعة الواقعية به حتّى لـ (باركلي) نفسه
وفي هذا الصدد يلزمنا أن نستذكر ما عرفناه في الجزء الأوّل من المسألة (المصدر الأساسي للمعرفة) : من انقسام الإدراك البشري إلى قسمين رئيسيين ، وهما : التصديق والتصوّر ، وأن نعرف للتصديق ميزته الأساسية على التصوّر ، هذه الميزة التي تجعل من المعرفة التصديقية همزة الوصل بيننا وبين العالم الخارجي
وإيضاح ذلك : أنّ التصوّر عبارة عن وجود صورة لمعنىً من المعاني في مداركنا الخاصّة ، فقد توجد الصورة في حواسّنا فيكون وجودها كذلك مكوّناً للإحساس بها ، وقد توجد الصورة في مخيلتنا فيحصل بذلك التخيّل ، وقد توجد الصورة بمعناها التجريدي العامّ في الذهن ويسمّى وجودها هذا تعقّلاً فالإحساس والتخيّل والتعقّل ألوان من التصوّر وأنحاء لوجود صور الأشياء في المدارك البشرية : فنحن نتصوّر التّفاحة على الشجرة بالإحساس بها عن طريق الرؤية ، ومعنى إحساسنا بها : وجود صورتها في حواسّنا ، ونحتفظ بعد ذلك بهذه الصورة بعد انصرافنا عن الشجرة في ذهننا ، وهذا الوجود هو التخيّل ، ويمكننا بعد ذلك أن نسقط من الصورة الخصائص التي تمتاز بها عن التفاحات الأخرى ونستبقي المعنى العامّ منها ، أي : معنى التّفاحة بصفة كلّية ، وهذه الصورة الكلّية هي : التعقّل.
فهذه مراحل ثلاثة من التصوّر يجتازها الإدراك البشري ، وهو لا يعبّر في كلّ مرحلة إلاّ عن وجود صورة في بعض مداركنا ، فالتصوّر بصفة عامّة لا يعدو أن يكون وجوداً لصورة شيء ما في مداركنا ، سواءٌ أكان تصوّراً واضحاً جليّاً كالإحساس ، أم باهتاً وضئيلاً كالتخيّل والتعقّل ، وهو لذلك لا يمكن أن يشقّ لنا
الطريق إلى ما وراء هذه الصورة التي نتصوّرها في مداركنا ، ولا يكفي للانتقال من المجال الذاتي إلى المجال الموضوعي ؛ لأنّ وجود صورة للمعنى في مداركنا شيء ، ووجود ذلك المعنى بصورة موضوعية ومستقلّة عنّا في الخارج شيء آخر ، ولذا قد يجعلنا الإحساس نتصوّر أموراً عديدة لا نؤمن بأنّ لها واقعاً موضوعياً مستقلاً ، فنحن نتصوّر العصا المغموسة في الماء وهي مكسورة ، ولكنّنا نعلم أنّ العصا لم تنكسر في الماء حقّاً ، وإنّما نحسّها كذلك بسبب انكسار الأشعة الضوئية في الماء ونتصوّر الماء الدافئ حارّاً جدّاً حين نضع يدنا فيه وهي شديدة البرودة ، مع يقيننا بأنّ الحرارة التي أحسسنا بها ليس لها واقع موضوعي
وأمّا التصديق ـ أي : القسم الآخر من الإدراك البشري ـ فهو الذي يصحّ أن يكون نقطة الانطلاق لنا من التصوّرية إلى الموضوعية ، فلنلاحظ كيف يتمّ ذلك ؟
إنّ المعرفة التصديقية عبارة عن حكم النفس بوجود حقيقة من الحقائق وراء التصوّر ، كما في قولنا : إنّ الخطّ المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين فإنّ معنى هذا الحكم هو: جزمنا بحقيقة وراء تصوّراتنا للخطوط المستقيمة والنقاط والمسافات ، ولذلك يختلف كلّ الاختلاف عن ألوان التصوّر الساذج ، فهو :
أوّلاً : ليس صورة لمعنى معيّن من المعاني التي يمكن أن نحسّها ونتصوّرها ، بل فعلاً نفسياً يربط بين الصور ، ولهذا لا يمكن أن يكون وارداً إلى الذهن عن طريق الإحساس ، وإنّما هو من الفعاليات الباطنية للنفس المدرِكة
ثانياً : يملك خاصّة ذاتية لم تكن موجودة في شيء من ألوان التصوّر وأقسامه ، وهي : خاصّة الكشف عن واقع وراء حدود الإدراك ، ولذلك كان من الممكن أن تتصوّر شيئاً وأن تحسّ به ولا تؤمن بوجوده في واقع وراء الإدراك والشعور ، ولكن ليس من المعقول أن تكون لديك معرفة تصديقية ـ أي : أن تصدّق بأنّ الخطّ المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين ـ وتشكّ مع ذلك في
وجود حقيقية موضوعية يحكي عنها إدراكك وشعورك
وهكذا يتّضح : أنّ المعرفة التصديقية هي وحدها التي يمكن أن تردّ على حجّة (باركلي) القائلة إنّا لا نتّصل بالواقع مباشرة ، وإنّما نتّصل بأفكارنا ، فلا وجود إلاّ لأفكارنا فالنفس وإن كانت لا تتّصل مباشرة إلاّ بإدراكاتها ، إلاّ أنّ هناك لوناً من الإدراك يكشف بطبيعته كشفاً ذاتياً عن شيء خارج حدود الإدراك ، وهو : الحكم ، أي : المعرفة التصديقية فحجّة (باركلي) كانت تقوم على الخلط بين التصوّر والتصديق ، وعدم إدراك الفوارق الأساسية بينهما
وعلى هذا الضوء نتبيّن أنّ المذهب التجريبي والنظرية الحسّية يؤدّيان إلى النزعة المثالية ، فهما مضطرّان إلى قبول الحجّة التي قدّمها (باركلي) ؛ لأنّ النفس البشرية بمقتضى هذين المبدأين لا تملك إدراكاً ضرورياً أو فطرياً مطلقاً ، وإنّما تنشأ إدراكاتها جميعاً من الحسّ وترتكز معارفها عليه ، والحسّ ليس إلاّ لوناً من ألوان التصوّر ، فمهما كثر وتنوّع لا يعدو حدوده التصوّرية ، ولا يمكن أن يخطو به الإنسان إلى الموضوعية خطوة واحدة
الدليل الثالث : أنّ الإدراكات والمعارف البشرية إذا كانت لها خاصّة الكشف الذاتي عن مجال وراء حدودها ، وجب أن تكون جميع العلوم والمعارف صحيحة ؛ لأنّها كاشفة بحكم طبيعتها وذاتها ، والشيء لا يتخلّى عن وصفه الذاتي ، مع أنّ جميع مفكّري البشرية يعترفون بأنّ كثيراً من المعلومات والأحكام التي لدى الناس هي إدراكات خاطئة ولا تكشف شيئاً من الواقع ، بل قد يجمع العلماء على الاعتقاد بنظرية ما ويتجلّى بعد ذلك بكلّ وضوح أنّها ليست صحيحة ، فكيف يُفهَم هذا على ضوء ما تزعمه الفلسفة الواقعية : من أنّ العلم يتمتّع بالكشف الذاتي ؟! وهل لهذه الفلسفة من مهرب إلاّ التنازل عن منح العلم هذه الصفة ؟! وإذا تنازلت عن ذلك كانت المثالية أمراً محتماً ؛ لأنّا لا نستطيع أن نصل- حينئذٍ-
إلى الواقع الموضوعي عن طريق أفكارنا ما دمنا قد اعترفنا بأنّها لا تملك كشفاً ذاتياً عن ذلك الواقع.
ولأجل أن نجيب على هذا الدليل يلزمنا أن نعرف ما هو معنى الكشف الذاتي للعلم ؟ إنّ الكشف الذاتي للعلم معناه : أن يرينا متعلّقه ثابتاً في الواقع الخارج عن حدود إدراكنا وشعورنا : فعلمنا بأنّ الشمس طالعة وأنّ المثلّث غير المربّع يجعلنا نرى طلوع الشمس ومغايرة المثلّث للمربّع ثابتين في واقع مستقلّ عنّا ، فهو يقوم بدور المرآة ، وإراءته لنا ذلك هي كشفه الذاتي ، وليس معنى هذه الإراءة : أنّ طلوع الشمس موجود في الخارج حقّاً ، وأنّ مغايرة المثلّث للمربّع ثابتة في الواقع ؛ فإنّ كون الشيء ثابتاً في الواقع غير كونه مرئياً كذلك ، وبذلك نعرف أنّ الكشف الذاتي للعلم لا يتخلّف عنه حتّى في موارد الخطأ والاشتباه ، فإنّ علم القدماء بأنّ الشمس تدور حول الأرض كان له من الكشف الذاتي بمقدار ما لعلمنا بدوران الأرض حول الشمس من كشف ، بمعنى : أنّهم كانوا يرون دوران الشمس حول الأرض أمراً ثابتاً في الواقع بصورة مستقلّة عنهم ، فوجود هذا الدوران بصورة موضوعية كان مرئياً لهم ، أي : أنّهم كانوا يصدِّقون بذلك وإن لم يكن ثابتاً في الواقع(١)
فالإنسان بطبيعته- إذن- يخرج من التصوّرية إلى الموضوعية بالعلم
____________________
(١) وبالتعبير الفلسفي المصطلح : أنّ التضايف القائم بين الكاشف وهو العلم ، والمنكشف بالعرض وهو الشيء الخارج عن حدود العلم ، ليس ثابتاً بين وجود الكاشف ووجود المنكشف بالعرض ، ليمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر ، وإنّما هو بين الكاشفية الذاتية للعلم والمنكشفية بالعرض للشيء الخارج عن حدود العلم ، ومن الواضح : أنّ الأمرين متلازمان ولا يمكن انفكاكهما مطلقاً (المؤلّف قدسسره )
التصديقي ، لمكان كشفه الذاتي ، سواء أكان العلم مصيباً في الواقع أم مخطئاً ، فإنّه علم وكشف على كلّ تقدير
الدليل الرابع : أنّ المعارف التصديقية إذا كانت قد تخطئ ، ولم يكن كشفها الذاتي يصونها عن ذلك ، فلماذا لا يجوز أن تكون جميع معارفنا التصديقية خطأً ؟! وكيف يمكننا أن نعتمد على الكشف الذاتي للعلم ما دام هذا الكشف صفة لازمة للعلم في موارد الخطأ والصواب على حدّ سواء ؟!
وهذه المحاولة تختلف في هدفها عن المحاولة السابقة : ففي تلك المحاولة كانت تستهدف المثالية إلى اعتبار المعارف البشرية أشياء ذاتية لا تشقّ لنا الطريق إلى الواقع الموضوعي ، وقد أحبطنا تلك المحاولة بإيضاح ما للمعارف التصديقية من كشف ذاتي تمتاز به على التصوّر الخالص وأمّا هذه المحاولة فهي تقصد إزالة المعارف التصديقية نهائياً من التفكير البشري ؛ لأنّها ما دامت قد تخطئ ، أو ما دام كشفها الذاتي لا يعني صحّتها دائماً ، فلماذا لا نشكّ فيها ونتخلّى عنها جميعاً ؟! ولا يوجد لدينا بعد ذلك ما يضمن وجود العالم الموضوعي
وبطبيعة الحال ، أنّ التفكير البشري لو لم يكن يملك عدّة معارف مضمونة الصحّة بصورة ضرورية ، لكان هذا الشكّ لازماً ولا مهرب عنه ، ولما أمكننا أن نعلم بحقيقةٍ مهما كانت ما دام هذا العلم لا يستند إلى ضمان ضروري ، وكان الخطأ محتملاً في كلّ مجال ولكنّ الذي يقضي على هذا الشكّ هو المذهب العقلي- الذي درسناه في الجزء الأوّل من نظرية المعرفة (المصدر الأساسي للمعرفة)- فهو يقرّر وجود معارف ضرورية مضمونة الصحّة لا يقع فيها الخطأ مطلقاً ، وإنّما يقع أحياناً في طريقة الاستنتاج منها وعلى هذا تنقسم المعارف البشرية ـ كما سبق في تلك الدراسة- إلى معارف ضرورية مضمونة تتشكّل منها القاعدة الرئيسية للتفكير ، ومعارف ثانوية تستنتج من تلك القاعدة ، وهي التي
قد يقع فيها الخطأ
فنحن- إذن- مهما شككنا ، لا نستطيع أن نشكّ في تلك القاعدة ؛ لأنّها مضمونة الصدق بصورة ضرورية
ونريد أن نتبيّن الآن ما إذا كان في وسع الفيلسوف المثالي (باركلي) أن ينكر تلك القاعدة المضمونة ، ولا يقرّ بوجود معارف ضرورية فوق الخطأ والاشتباه أو لا ؟
ولا شكّ في أنّ الجواب هو النفي ؛ فإنّه مضطرّ إلى الاعتراف بوجود معارف مضمونة الصدق ما دام قد حاول الاستدلال على مثاليّته بالأدلّة السابقة ؛ فإنّ الإنسان لا يمكنه أن يستدلّ على شيء ما لم يركّز استدلاله على أصول وقواعد مضمونة الصدق عنده ، ونحن إذا لاحظنا أدلّة (باركلي) وجدناه مضطرّاً إلى الاعتراف :
أوّلاً-ـ بمبدأ عدم التناقض الذي ارتكز عليه الدليل الأوّل ؛ فإنّ التناقض إذا كان ممكناً فلا يصحّ أن يستنتج من تناقض الإحساسات عدم موضوعيتها
وثانياً- بمبدأ العلّية والضرورة ، فهو لو لم يكن يعترف بهذا المبدأ لكان استدلاله عبثاً ؛ لأنّ الإنسان إنّما يقيم دليلاً على رأيه لإيمانه بأنّ الدليل علّة ضرورية للعلم بصحّة ذلك الرأي فإذا لم يكن يعتقد بمبدأ العلّية والضرورة جاز أن يكون الدليل صحيحاً ، ومع ذلك لا يثبت به الرأي المطلوب
وإذا ثبت وجود معارف مضمونة الصدق في التفكير البشري ، فلا شكّ في أنّ من تلك المعارف معرفتنا بوجود العالم الموضوعي المستقلّ عنّا ؛ فإنّ العقل يجد نفسه مضطرّاً إلى التصديق بوجود عالم خارجي على سبيل الإجمال ورفض كلّ شكّ في ذلك ، مهما وقعت من مفارقات بين حسّه والواقع ، أو بين فكره والحقيقة ، بل يُعدّ التشكيك في وجود العالم المستقلّ ضرباً من الجنون ونخلص
من مناقشاتنا للمثالية الفلسفية إلى أنّ الواقعية ترتكز على أساسين :
الأوّل : الإيمان بوجود كشف ذاتي للمعارف التصديقية
الثاني : الاعتقاد بقاعدة أساسية للمعرفة البشرية مضمونة الصدق بصورة ضرورية
وكلا هذين الأساسين قد وجدنا (باركلي) مضطرّاً إلى الاعتراف بهما ؛ فإنّه لولا الكشف الذاتي للمعرفة التصديقية ، لما عرف الأشخاص الآخرين ، ولما كيّف حياته على أساس وجودهم ، ولولا وجود معارف مضمونة الصدق في التفكير البشري ، لما أمكنه أن يستدلّ على مزاعمه المثالية.
ب- المثالية الفيزيائية :
كانت الفيزياء قبل قرن من الزمان تُفسِّر الطبيعة تفسيراً واقعياً مادّياً تحكمه قوانين الميكانيك العامّة فالطبيعة واقعية عند الفيزيائيين ، بمعنى : أنّها موجودة بصورة مستقلّة عن الذهن والشعور ، وهي مادّية أيضاً ؛ لأنّ مردّ الطبيعة في تحليلهم العلمي إلى جزئيات صلبة صغيرة لا تقبل التغيّر ولا الانقسام ، وهي الجواهر المفردة التي نادى بها ديموقريطس في الفلسفة اليونانية وهذه الجزئيات أو الكتل الأوّلية للطبيعة في حركة مستمرّة ، فالمادّة هي مجموع تلك الجزئيات ، والظاهرات الطبيعية فيها ناتجة عن انتقال تلك الكتل وحركتها في المكان
ولمّا كانت هذه الحركة بحاجة إلى تفسير من العلم ، فقد فسّرتها الفيزياء تفسيراً آليّاً كما تفسِّر الحركة في رقّاص الساعة أو الأمواج الصوتية ، وافتُرض وجود قوىً في الكتل أو علاقات خاصّة بين تلك الكتل ؛ لمحاولة تكميل التفسير الآلي لظواهر الطبيعة وهذه القوى والعلاقات بدورها يجب أن تخضع للتفسير الآلي أيضاً ، فنشأ من ذلك في الفيزياء المفهوم الفرضي لـ (الأثير) ، وأسندت إليه
عدّة مهام كانتشار الضوء الذي افترض الأثير حاملاً له عند انتقاله من بعض الأجسام إلى بعض ، كما يحمل ـ أيضاً ـ الحرارة والكهرباء ونحوها من قوى الطبيعة
ويتلخّص هذا العرض في أنّ الطبيعة واقع موضوعي مادّي يحكمه نظام آلي كامل
ولم يستطع هذا المفهوم الفيزيائي أن يصمد للكشوف الحديثة التي فرضت على العلماء أن يقلبوا نظرياتهم عن الطبيعة رأساً على عقب ، وبرهنت لهم على أنّ العقل العلمي لا يزال في البداية ، وكان من أهمّ تلك الكشوف العلمية اكتشاف الكهارب الذي دلّ على وجود بنية مركّبة للذرّة واكتشاف انحلالها الإشعاعي فبينما كانت الذرّة هي الوحدة المادّية الأساسية التي تأتلف منها الطبيعة ، عادت بدورها مركّبة ، ولم تقف القصّة عند هذا الحدّ ، بل أصبح من الممكن أن تتبخّر كهرباء وبينما كانت الحركة محدودة في حدود الحركات الميكانيكية التي تتّسق مع التفسير الآلي للطبيعة ، اكتشفت ألوان أخرى من الحركة وبينما كان الرأي السائد يزعم أنّ كتلة المادّة ـ وهي التعبير الرياضي عن الجوهر المادّي ـ دائمة وغير قابلة للتغيير ، ثبت في البرهان العلمي أنّها ليست ثابتة ، بل هي نسبية ولا تعبّر في مفهومها الواقعي إلاّ عن طاقة مكتنزة ، ولذا تختلف كتلة الجسم باختلاف حركته
وهكذا بدا للفيزيائيين واضحاً أنّ المادّية قد ماتت ، وأنّ المفهوم المادّي للعالم أصبح يتعارض مع العلم والبراهين التجريبية ؛ ولأجل ذلك استطاع العلماء أن يكوّنوا عن العالم مفهوماً جوهرياً أعمق من المفهوم المادّي ، وليست المادّية إلاّ وجهاً من وجوه هذا المفهوم الجديد ، بل ذهب بعض الفيزيائيين إلى أكثر من ذلك ، فزعم أنّ مردّ العالم إلى حركة خالصة محاولاً الاستغناء عن إضافة أيّ حقيقة جوهرية إليها
فقد قال (أوزوالد) :
(إنّ العصا التي تضرب (سكابان) لا تنهض على وجود العالم الخارجي ، هذه العصا ليست موجودة ، وليس موجوداً إلاّ طاقتها الحركية)(١)
وقال (كارل بيرسون) :
(المادّة هي اللامادّي الذي هو في حركة)(٢)
وفي غمرة هذه الكشوف الجديدة ـ التي زعزعت الكيان المادّي وأظهرت أنّ المادّة هي الوهم البشري العامّ عن العالم ، لا المفهوم العلمي المطابق للعالم ـ ظهر الاتّجاه المثالي في الفيزياء ، واستهوى كثيراً من الفيزيائيين ، فقالوا : ما دام العلم يُقدّم في كلّ يوم براهين جديدة ضدّ القيمة الموضوعية للمعرفة البشرية ، وضدّ الصفة المادّية للعالم ، فليست الذرّات أو البنيات الأساسية للمادّة ـ بعد أن تبخّرت على ضوء العلم ـ إلاّ طُرُقاً مناسبة للتعبير عن الفكر ، واستعارات وإشارات لا تتضمّن من الحقيقة الواقعية شيئاً
قال أدينغتون :
(ليس ثَمَّة في منظومة قوانين علم الطبيعة كلّها شيء واحد لا يمكن استنتاجه بوضوح من اعتبارات نظرية المعرفة الشاملة المطلقة وتأمّلاتها ، والدماغ الذي يكون غير عالم بكوننا ولكنّه يعرف نظام التفكير الذي يفسّر بوساطته العقل البشري تجربته الحسّية ، يكون بمقدوره أن يبلغ جميع معارف علم الطبيعة المحصّلة من طريق التجربة ، وفي النهاية أقول : إنّ ما أدركه عن الكون هو ـ تماماً وبصورة صحيحة
____________________
(١) و (٢) لم نعثر عليه
دقيقة- الشيء نفسه الذي نضيفه إلى الكون ليصبح مفهوماً)
وأعرب بعد ذلك عن أمله في :
(أن يعرف في السنوات القريبة القادمة ما كان خبيثاً في النواة الذرّية رغم ما ينشأ في أذهاننا من ظنّ بأنّ هذا قد خبئ من قبلنا)(١)
والواقع : أنّ الاتّجاه المثالي عند هؤلاء الفيزيائيين ناتج عن خطأ في التفكير الفلسفي لا عن برهان فيزيائي في المجال العلمي ؛ ذلك أنّ المسألة الأساسية في الفلسفة التي انقسم الفلاسفة في الجواب عنها إلى مثاليين وواقعيين بدت لهم مغلوطة
فالمسألة الأساسية هي : مسألة ما إذا كان للعالم واقع موضوعي مستقلّ عن ذهننا وشعورنا ، وقد فهمها أولئك الفيزيائيون على أنّها لا تقبل سوى إجابتين على الوجه الآتي فقط :
إمّا أنّ مردّ العالم إلى الذهن والشعور ، فلا وجود له بصورة موضوعية ، وإمّا أنّ العالم واقع مادّي موجود خارج الذهن والشعور
فإذا استبعدنا الإجابة الثانية بالبراهين والتجارب العلمية التي دلّت على أنّ المادّية ليست إلاّ قناعاً للحقيقة التي ينطوي عليها العالم ، لزمنا الأخذ بالإجابة الأُولى والاعتقاد بالمفهوم المثالي البحت للعالم
ولكنّ الحقيقة : أنّ الإجابتين لم توضعا وضعاً صحيحاً فيما سبق ؛ ذلك أنّ تقديم إجابة تناقض الإجابة المثالية لا تحتّم علينا الإيمان بلزوم الصفة المادّية للواقع الموضوعي ؛ فإنّ الواقعية التي تخالف المثالية بصورة متقابلة لا تعني أكثر من الاعتراف بوجود واقع موضوعي مستقلّ عن الذهن والشعور ، وأمّا أنّ هذا
____________________
(١) لم نعثر عليه
الواقع الموضوعي المستقلّ هل هو المادّة أو القوّة أو الحركة أو الموج الكهربائي فذلك سؤال آخر يجب على الواقعية التي آمنت بالعالم الموضوعي أن تجيب عنه على ضوء العلم والاكتشافات التجريبية
ومتى فرّقنا بين المسألتين تفريقاً تاماً استطعنا أن نردّ الاتّجاه المثالي السابق الذكر إلى الخطأ الذي يرتكز عليه
فقد عرفنا أنّ السؤال الأوّل هو : هل للعالم واقع مستقلّ عن الذهن البشري ؟ والإجابتان عن هذا السؤال هما للمثالية والواقعية فالمثالية تجيب بالنفي والواقعية تجيب بالإثبات وكلتا الإجابتين يجب ارتكازهما على أساس فلسفي بحت ، ولا كلمة للعلم والتجربة في هذا الموضوع
والسؤال الآخر : ما هو الواقع الموضوعي المستقلّ ؟ وهل تلزمه خصائص المادّة وصفاتها أو لا ؟ وهذا السؤال إنّما يتّجه إلى الواقعية ، ولا مجال له على أساس المفهوم المثالي ويجيب بعض الواقعيين عن هذا السؤال بإعطاء المفهوم المادّي للواقع الموضوعي المستقلّ ، ويجيب الآخرون بإعطاء مفاهيم أخرى ، وللعلم في هذه الإجابات كلمته ، فالتجارب والكشوف العلمية هي التي تكوِّن المفهوم العلمي للواقعيين عن العالم الموضوعي
فإذا أبطل العلم المفهوم المادّي للعالم ، فهو لا يعني أنّ العلم رفض الواقعية وصار مثالياً ؛ لأنّ الكشف العلمي لم يبرهن على عدم وجود الواقع الموضوعي المستقلّ ، وإنّما دلّل على عدم لزوم الصفة المادّية له فليكن مردّ العالم إلى القوّة أو إلى الحركة أو إلى أيّ شيء آخر غير المادّة ؛ فإنّ ذلك لا يضرّ بالواقعية ، ولا يبرهن على المثالية ما دام لذلك الشيء واقع موضوعي موجود بصورة مستقلّة عن الذهن والشعور ، فالمادّة إذا تبخّرت كهرباء على ضوء العلم ، والكتلة إذا تحوّلت إلى طاقة ، والطاقة إذا تحوّلت إلى كتلة ، والطبيعة إذا كانت تعبّر عن حركة
خالية من المادّة ، إذا صحّ ذلك كلّه فلن يغيّر ذلك من موقفنا تجاه السؤال الأوّل شيئاً ؛ لأنّنا نؤمن على كلّ تقدير بأنّ الحقيقة ليست نتائج الشعور فحسب ، بل هي وليدة الواقع المستقلّ
وإنّما يكون لهذه النظريات العلمية تأثير إذا فرغنا عن الإجابة على السؤال الأوّل ، وتناولنا السؤال الثاني لنعرف كيف هو العالم
وبهذا نعرف أنّ كشوف العلم الحديث لا تردّ على الواقعية بشيء ، وإنّما تردّ على المادّية التي تزعم أنّ المادّية هي الوصف اللازم لذلك الواقع بصورة عامّة
ومن الغريب محاولة بعض المادّيين الاحتفاظ للمادّية بمقامها ، والردّ على البراهين العلمية والتجريبية بأنّها لا تبرهن على سلب الصفة المادّية عن العالم ، وإنّما تكون سبباً في تعمّق فهمنا للمادّة وخصائصها
قال لينين :
(إنّ تلاشي المادّة يعني أنّ الحدّ الذي وصلت إليه معرفتنا بالمادّة يتلاشى ، وإنّ وعينا يتعمّق ، فثمّة خصائص للمادّة ـ كعدم قابليتها للاختراق وعدم الحركة والكتلة ـ كانت تبدو لنا من قبل مطلقة ثابتة أوّلية وهي تتلاشى الآن ، وقد عرفت بأنّها نسبية ملازمة فقط لبعض حالات المادّة ؛ ذلك أنّ الخاصّة الوحيدة للمادّة التي يحدّد التسليم بها المادّية الفلسفية إنّما هي : كونها ـ أي المادّة ـ حقيقة موضوعية ، وأنّها موجودة خارج وعينا)(١)
(إنّ دعائم المفهوم المادّي عن العالم لا يمكن أن
____________________
(١) ما هي المادّية : ٢٠ ـ ٢١
يزعزعها أيّ تغيّر للمفهوم العلمي لخصائص المادّة ، وليس ذلك لأنّ المدرك الفلسفي عن المادّة يكون دون علاقة المدرك علمي مزعوم ، وإنّما لأنّ المادّة لا يمكن أن تفقد هذه الخاصّة الأساسية من خصائصها ، وهي : كونها ـ أي المادّة ـ حقيقة واقعية موضوعية)(١)
بهذا أراد لينين أن يزيّف المثالية الفيزيائية ، ويدعم مفهومه المادّي ويبدو واضحاً من كلامه تجاهله لكلّ فلسفة واقعية عدا الواقعية القائمة على أساس مادّي ، ولأجل أن يحلّ التناقض بين المفهوم المادّي وحقائق العلم والفيزياء شرح مفهوم المادّة شرحاً غريباً ، وأعطاه من السعة والشمول ما جعله يعبّر عن الواقع الموضوعي المستقلّ بالمادّة ، محاولاً بذلك أن يقدّم المادّية كحلّ فلسفي وحيد لمسألة وجود العالم في مقابل المثالية ومن الواضح : أنّ المادّة إذا كانت تعبيراً مساوياً للواقع الموضوعي المستقلّ ، وكانت خصيصتها الوحيدة اللازمة لها هي موضوعيّتها ووجودها بصور مستقلّة عن وعينا ، فالفلسفة الميتافيزيقية الإلهية تكون فلسفة مادّية تماماً باعتبار هذا المفهوم الجديد للمادّة ، ويرتفع التعارض نهائياً بين الفلسفة الميتافيزيقية والفلسفة المادّية ومفهومها عن العالم
فالفيلسوف الإلهي الذي يؤمن بما وراء الطبيعة يقول نفس الكلمة تماماً عن العالم فالعالم عنده واقع موضوعي مستقلّ عن وعينا ، وليس المبدأ الإلهي الذي تعتقد به الفلسفة الميتافيزيقية إلاّ واقعاً موضوعياً مستقلاً عن وعينا
والحقيقة : أنّ التلاعب بالألفاظ لا يجدي شيئاً ، فتوسعة المفهوم المادّي
____________________
(١) المصدر نفسه : ٢٣
إلى حدّ يجعله ينطبق على المفهوم المعارض له وينسجم معه لا يعني إلاّ تخلّيه عن واقعه الفلسفي الخاصّ ، وعجزه عن الردّ على ما يعارضه من مفاهيم
أضف إلى ذلك أنّ المادّية الجدلية لا تسمح للينين أن يعترف بحقيقة مطلقة ؛ لأنّ ذلك يتنافى مع الجدل القائل بتطوّر جميع الحقائق طبقاً للتناقضات المحتواة فيها ، فهل الخاصّة الأساسية للمادّة في مفهومها اللينيني الجديد خاصّة مطلقة لا تتطوّر ولا تخضع لقانون الجدل وتناقضاته ؟ فإن كانت كذلك فقد وجدت ـ إذن ـ الحقيقة المطلقة التي يرفضها الديالكتيك ولا تقرّها أصول الجدل الماركسي وإن كانت هذه الخاصّة خاصّة جدلية ومحتوية على التناقضات الدافعة لها إلى التطوّر والتغيّر كسائر حقائق العالم ، فمعنى ذلك : أنّ المادّية تشكو هي- أيضاً- من التناقض ، وتضطرّ لأجل ذلك إلى التغيّر والتبدّل ونزع الصفة الأساسية للمادّة عنها
والنتيجة التي نخرج بها هي : أنّ النزعة المثالية عند الفيزيائيين نشأت عن عدم التمييز بين المسألتين الفلسفيتين اللتين شرحناهما ، وليست وليدة الأدلّة العلمية بصورة مباشرة
ومع هذا فيجب أن نشير إلى عامر آخر لعب دوراً مهمّاً في زعزعة يقين العلماء بالواقع الموضوعي ، وهو : انهيار المسلّمات العلمية في الميدان العلمي الحديث ، فبينما كانت تعتبر تلك المسلّمات حقائق قاطعة لا تقبل الشكّ ، استطاع العلم أن يزيّفها ويبرهن على خطأها ، فذابت في لحظة ذرّات (جون دالتون) وتزعزع قانون عدم فناء المادّة ، ودلّلت التجارب على أنّ المادّة وَهم عاش فيه البشر آلاف السنين ، فكان ردّ الفعل لذلك أن ثار الشكّ من جديد وطغى على أفكار عدّة من العلماء ، فإذا كانت مسلّمات العلم بالأمس أخطاء اليوم فلماذا
لا يجوز لنا أن نرتاب في كلّ حقيقة مهما بدت لنا واضحة ؟ ولماذا نفترض المسألة الأساسية : مسألة وجود الواقع الموضوعي للعالم ، فوق الريب والشكّ ؟!
وهكذا انبثقت النزعة المثالية أو اللاّأدرية ، لا باعتبار برهنة العلم على صحّتها وصوابها ، بل باعتبار تزعزع عقيدة العلماء بالعلم وزوال إيمانهم بمسلّماته القاطعة ، ولكنّ هذا العامل لا يعدو أن يكون باعثاً نفسياً أو أزمة نفسية أوحت بالتمايل نحو المثالية ، وتزول هذه الأزمة النفسية بأدنى ملاحظة حين تُدرَس المسألة دراسة فلسفية ؛ ذلك أنّ الاعتقاد بوجود الواقع الموضوعي للعالم ليس ناشئاً من براهين التجربة والعلم ، فقد عرفنا سابقاً أنّ التجارب لا يمكن أن تبعث على هذا الاعتقاد ، وتخرج الإنسان من التصوّرية إلى الموضوعية ، بل هو اعتقاد فطري ضروري في الطبيعة الإنسانية ، ولأجل ذلك فهو عام يشترك فيه الجميع حتّى المثاليون المتمرّدون عليه بلسانهم ، فإنّهم ـ أيضاً ـ يعتقدون هذا الاعتقاد تماماً كما تدلّ عليه حياتهم العملية وأمّا المسلّمات التي ظهر خطؤها فهي تدور كلّها حول بنية العالم الموضوعي وتحديد واقعه وعناصره الأساسية ، ومن الواضح : أنّ مسلّمات كهذه إنّما تثبت بالتجربة العلمية ، فانهيارها ووضوح خطئها- بسبب نقصان التجارب التي ارتكزت عليها وعدم دقّتها ، أو عدم صحّة الاستنتاج العقلي للنظرية من التجربة- لا يعني بحال من الأحوال : أن يجوز الخطأ على المسلّمات العقلية الضرورية
ج- المثالية الفيزيولوجية :
وهذا لون آخر من المثالية يبدو عند بعض علماء الفيزيولوجيا ، ويعتمد في زعمهم على الحقائق الفيزيولوجية التي يكشفها العلم وينطلق هذا الاتّجاه
المثالي من نقطة لا نقاش فيها ، وهي : أنّ الشكل الذاتي للإحساس البشري يتوقّف تحديده على تركيب حواسّنا وعلى الجهاز العضوي بصورة عامّة فليست طبيعة الإحساس الآتي من العالم الخارجي هي التي تحدد بمفردها شكل الشيء في إحساسنا ، بل هو رهين بطبيعة الجهاز العصبي قبل كلّ شيء ، وقد زعموا بناءً على ذلك أنّ الحاسّة لا تعطينا أنباء عن العالم الخارجي ، وإنّما هي تنبئنا عن جهازنا العضوي الخاصّ ، وليس معنى ذلك : أنّ الإحساس لا صلة له بالشيء الخارجي ، بل الأشياء الخارجية هي الأسباب الأوّلية لإثارة العمليات الحسّية في أعضائنا ، ولكن طبيعة الجهاز الخاصّ هي التي تبلور عملية الإحساس في الكيفية التي يعبّر بها عن نفسه ، ولأجل هذا فالإحساس يمكن أن يعتبر بمثابة رمز وليس بمثابة صورة ؛ ذلك لأنّ الصورة يتطلّب منها بعض الشبه مع الشيء الذي تمثّله ، وأمّا الرمز فلا يلزم أن يكون له أيّ شبه مع الشيء الذي يعنيه
وهذا الاتّجاه المثالي من المضاعفات اللازمة للمفهوم المادّي للإدراك الذي نرفضه كلّ الرفض ، فإنّ الإدراك إذا كان عبارة عن عملية فيزيولوجية خالصة ، وتفاعل مادّي خاص بين الجهاز العصبي والأشياء الموضوعية في الخارج ، فيجب أن تكون كيفية هذا العمل الفيزيولوجي هنا مرتبطة بطبيعة الجهاز العصبي ، أو بطبيعة الجهاز وطبيعة الشيء الموضوعي معاً وهذا ، وإن لم يكن مؤدّياً إلى مثالية صريحة ونفي لواقع العالم الموضوعي ما دمنا قد احتفظنا للأشياء الخارجية بصفة السببية لعمليات الجهاز العصبي ، إلاّ أنّه قد يسمح بالتشكيك في مدى مطابقة الإحساس للواقع الموضوعي ، والريب في أن لا يكون الإدراك مجرّد انفعال خاصّ يدلّ على سببه بصورة رمزية من دون تشابه في الحقيقة والمحتوى وسوف نعود إلى هذا المفهوم المثالي الفيزيولوجي عن قريب
٥- أنصار الشكّ الحديث :
ومردّ هذا الشكّ الحديث في الحقيقة إلى مذهب الشكّ القديم الذي اتّخذته المدرسة الشكّية الإغريقية ، وبشّر له (بيرون) زاعماً عجز الإنسان عن إعطاء أيّ حكم على الأشياء وقد نشأت الشكّية الحديثة في ظروف مشابهة للظروف التي اكتنفت تلك المدرسة القديمة وساعدت على إنشائها ، فالشكّية الإغريقية جاءت كحلّ وسط للصراع الذي قام على أشدّه بين السفسطة والفلسفة فقد كانت السفسطة قد ولدت قبل الشكّية بقرون ، وتمرّدت على جميع الحقائق ، وأنكرت القضايا العلمية والحسّية كافّة ، وقام الفلاسفة في وجهها يظهرون تناقضاتها ، ويكشفون عن انهيارها بين يدي النقد حتّى تضاءلت موجة الإنكار ، فانبثقت عند ذلك فكرة الشكّ التي أعلنت عن (لاأدريّة) مطلقة ، وحاولت تبرير ذلك بإظهار تناقضات الحواسّ وتضارب الأفكار الذي يسلب عنها صفة الوثوق العلمي ، فكانت تخفيفاً للسفسطة ، وكذلك الأمر في الشكّية الحديثة ؛ فإنّ أصحابها حاولوا تقديمها كحلّ للتناقض القائم بين المثالية والواقعية ، إن صحّ أن يعتبر الاستسلام إلى الشكّ حلاً لهذا التناقض ، وكانت بسبب ذلك صورة مخفّفة عن المثالية
ولم تعتمد الشكّية الحديثة على إظهار تناقضات الإحساس والإدراك فحسب ، بل على تحليل المعرفة الذي يؤدّي إلى الشكّ في زعمها ، فقد كان (دافيد هيوم) الذي بشّر بفلسفة الشكّ على أثر فلسفة (باركلي) يرى أنّ التأكّد من القيم الموضوعية للمعرفة البشرية أمر غير ميسور ؛ لأنّ أداة المعرفة البشرية هي الذهن أو الفكر ، ولا يمكن أن يحضر في الذهن سوى إدراكات ، ومن الممتنع أن نتصوّر
أو نكوِّن معنى شيء يختلف عن التصوّرات والانفعالات ، فلنوجّه انتباهنا إلى الخارج ما استطعنا ولتثب مخيلتنا إلى السماوات أو إلى أقاصي الكون ، فلن نخطو أبداً خطوة إلى ما بعد أنفسنا ، ولهذا فلا يمكن أن نجيب على المسألة الأساسية في الفلسفة التي يتصارع عندها المثاليون والواقعيون ، فالمثالية تزعم أنّ الواقع قائم في الشعور والإدراك ، والواقعية تؤكّد على أنّه موجود بصورة موضوعية مستقلّة ، والشكّية ترفض أن تجيب على المسألة ؛ لأنّ الردّ عليها مستحيل ، فلترجأ المسألة إلى الأبد
والواقع : أنّ (دافيد هيوم) لم يزد على حجج (باركلي) شيئاً ، وإن زاد عليه في الشكّ والعبث بالحقائق ، فلم يقف في شكّيته عند المادّة الخارجية ، بل أطاح بالحقيقتين اللتين احتفظ بهما (باركلي) في فلسفته ـ وهما النفس والله ـ تمشّياً مع المبدأ الحسّي إلى النهاية ، فقد اتّخذ لذلك نفس أسلوب (باركلي) وطريقته ، فكما أنّ الجوهر المادّي لم يكن في رأي (باركلي) إلاّ مجموعة من الظواهر المركّبة تركيباً صناعياً في الذهن ، كذلك النفس ما هي إلاّ جملة من الظواهر الباطنية وعلاقاتها ، ولا يمكن إثبات (الأنا) ـ النفس ـ بالشعور ؛ لأنّني حين أنفذ إلى صميم ما أُسمّيه (أنا) أقع دائماً على ظاهرة جزئية ، فلو ذابت الإدراكات جميعاً لم يبقَ شيء أستطيع أن أُسمّيه (أنا)
وفكرة (الله) تقوم على مبدأ العلّية ، ولكنّ هذا المبدأ لا يمكن التسليم بصحته بزعم (دافيد) ؛ لأنّ الحسّ لا يطلعنا على ضرورة بين الظواهر والحوادث ، وإنّما ترجع فكرة العلّية إلى مجرّد عادة ، أو إلى لون من ألوان تداعي المعاني
وهكذا بلغ (دافيد) بالنظرية الحسّية والمذهب التجريبي إلى ذروتهما التي يؤدّيان إليها طبيعياً ، وبدلاً من أن يبرهن عن هذا الطريق على رفض المبدأ
الحسّي والتجريبي في الفكر انساق معه حتّى انطلق به إلى النهاية المحتومة
ولا نريد أن نناقش (دافيد هيوم) من جديد ما دامت حججه اجتراراً من أدّلة (باركلي) وآرائه ، وإنّما نتناول نقطة واحدة ، وهي : العادة التي أرجع إليها مبدأ العلّية وكثيراً من العلاقات القائمة بين الأشياء في الفكر ، لنتساءل : ما هي العادة ؟ فإن كانت عبارة عن ضرورة قائمة بين فكرة العلّة والمعلول ، فهي تعبير آخر عن مبدأ العلّية ، وإن كانت شيئاً آخر فهي لا تختلف عن العلّية في كونها معنىً غيبياً ليس لدينا إحساس أو انفعال يقابله ، فكان يجب عليه رفضه كما رفض جميع الحقائق التي لا يمتدّ إليها الحسّ ، وقد سبق في نقد المذهب التجريبي الردّ على هذا التفسير الفاشل للعلّية الذي حاوله (هيوم) ، فليلاحظ
٦- النسبيّون :
تعتبر النسبية من المذاهب الفلسفية القائلة بوجود الحقيقة وإمكان المعرفة البشرية ، ولكنّ هذه المعرفة أو الحقيقة التي يمكن للفكر الإنساني أن يظفر بها ، هي معرفة أو حقيقة نسبية ، بمعنى : أنّها ليست حقيقة خالصة من الشوائب الذاتية ومطلقة ، بل هي مزيج من الناحية الموضوعية للشيء ، والناحية الذاتية للفكر المدرِك ، فلا يمكن أن تفصل الحقيقة الموضوعية في التفكير عن الناحية الذاتية وتبدو عارية عن كلّ إضافة أجنبية
وفي النسبية اتّجاهان رئيسيان يختلفان في معنىً النسبية وحدودها في العلوم البشرية :أحدهما الاتّجاه النسبي في فلسفة (عمانوئيل كانت) ،والآخر الاتّجاه النسبي الذاتي لعدّة من الفلاسفة المادّيين المحدثين الذي مهّد للنسبية التطوّرية التي نادت بها المادّية الديالكتيكية .
أ- نسبية (كانت) :
يجب أن تعرف قبل كلّ شيء أنّ الحكم العقلي عند (كانت) على قسمين(١) :
أحدهما : الحكم التحليلي ، وهو : الحكم الذي يستعمله العقل لأجل التوضيح فحسب ، كما في قولنا : الجسم ممتدّ ، والمثلّث ذو أضلاع ثلاثة فإنّ مردّ الحكم هنا إلى تحليل مفهوم الموضوع (الجسم أو المثلّث) ، واستخراج العناصر المتضمّنة فيه ـ كالامتداد المتضمّن في مفهوم الجسم ، والأضلاع الثلاثة المتضمّنة في مفهوم المثلّث ـ وردّها إلى الموضوع والأحكام التحليلية لا تتحفنا بمعرفة جديدة للموضوع ، ولا تقوم إلاّ بدور التفسير والتوضيح
والآخر : الحكم التركيبي ، وهو : الذي يزيد محموله شيئاً جديداً على الموضوع ، كما في قولنا الجسم ثقيل ، والحرارة تمدِّد الفلزات ، فإنّ الصفة التي نسبغها على الموضوع في هذه القضايا ليست مستخرجة منه بالتحليل ، وإنّما تضاف فتنشأ بسبب ذلك معرفة جديدة لم تكن قبل ذلك فالأحكام التركيبية : تارة تكون أحكاماً أوّلية ، وأخرى تكون أحكاماً ثانوية فالأحكام الأوّلية هي الأحكام الثابتة لدى العقل قبل التجربة ، كالأحكام الرياضية نظير قولنا : الخطّ المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين وسوف يأتي ما هو السبب في كونها كذلك والأحكام التركيبية الثانوية هي : الأحكام الثابتة في العقل بعد التجربة ، نظير الحكم بأنّ ضوء الشمس يسخن الحجر وأنّ كلّ جسم له وزن
وتتلخّص نظرية (كانت) عن المعرفة في تقسيم المعارف أو الأحكام
____________________
(١) راجع : زكريا إبراهيم ، كانت أو الفلسفة النقديّة : ٦٦ ـ ٧٠ محمود زيدان ، كَنْط وفلسفته النظريّة : ٦١ ـ ٦٢ موسوعة الفلسفة : ٢ / ٢٧٣
العقلية إلى ثلاث طوائف(١) :
الأولى : الرياضيات والأحكام العقلية فيها كلّها أحكام تركيبية أوّلية سابقة على التجربة ؛ لأنّها تعالج موضوعات فطرية في النفس البشرية : فالهندسة تختصّ بالمكان ، والحساب موضوعه هو العدد ، والعدد عبارة عن تكرار الوحدة ، والتكرار معناه التعاقب والتتابع ، وهذا هو الزمن في مفهومه الفلسفي عند (كانت) وإذن فالقطبان الرئيسيان اللذان تدور حولهما المبادئ الرياضية هما : المكان ، والزمان والمكان والزمان في رأي (كانت) صورتان فطريتان في الحسّاسية الصورية للإنسان ، أي : أنّ صورتيهما موجودتان في الحسّ الصوري بصورة
____________________
(١) ينبغي للقارئ أن يعرف شيئاً عن تحليل المعرفة في رأي (كانت) ، لتتّضح له نظريته في قيمة المعرفة وإمكانها ، فهو يرى أنّ الحسّ التجريبي يستورد الموضوعات التجريبية بصورة مشوّشة ، فتنشأ بذلك إحساسات متفرّقة : فالطعم الذي جاء على اللسان ، لا يرتبط بالرائحة التي سلكت عن طريق الأنف ، ولا باللمعة الخاطفة من الضوء التي أثّرت على شبكية العين ، ولا بالصوت الذي طرق الإذن وهذه الأشتات الحسّية تتوحّد في قالبين موجودين في الحسّ بالفطرة ، وهما : قالبا الزمان ، والمكان ، فينتج عن ذلك إدراك حسّي أو معرفة حسّية لشيء معيّن ، فهذه المعرفة في مادّتها مستوردة من التجربة ، وفي صورتها فطرية ترجع إلى الزمان والمكان والإدراكات الحسّية بدورها هي موادّ خامّ تقدّم بين يدي العقل ؛ لتتكوّن منها معرفة عقلية والعقل يملك عدّة قوالب فطرية نظير القوالب التي يملكها الحسّ ، فيصبّ تلك المواد الخامّ في هذه القوالب ، ويبلورها في تلك الإطارات ، فتحصل المعرفة العقلية
وهكذا تكون الأشياء المحسوسة مركّبة من مادّة أُدركت بالحسّ ، وصورة زمانية ومكانية أنشأتها الحسّاسية الصورية ، أي : الحسّاسية التي تخلق الصورة الموحّدة للإحساسات المختلفة وتأتلف الأشياء المعقولة ـ أيضاً ـ من مادّة ، وهي : الظواهر التي تصوغها الحسّاسية الصورية في إطار الزمان والمكان ، وصورة ، وهي : القوالب التي ينشأها الفهم الصوري ويوحّد بها تلك الظواهر (المؤلّف قدسسره )
مستقلّة عن التجربة ، وينتج من ذلك : أنّ كلّ ما نعزوه للأشياء من أحكام متعلّقة بمكانها أو زمانها فهو مستمدّ من فطرتنا ، ولم نعتمد فيه على ما أتانا من الخارج بواسطة الحسّ وعلى ذلك فكلّ القضايا الرياضية مشتقّة من طبائع عقولنا ، بمعنى : أنّنا نحن خلقناها بأنفسنا ولم نستوردها من الخارج ؛ إذ هي تدور حول الزمان والمكان الفطريين
وبهذا تصبح الرياضة والمبادئ الرياضية ممكنة المعرفة ، وتصبح الحقائق الرياضية حقائق يقينية مطلقة ، فلا تتّسع في الميدان الرياضي للخطأ أو التناقض ، ما دام الميدان الرياضي هو الميدان الفطري للنفس ، وما دامت قضاياه منشأة من قبلنا وليست مقتبسة من واقع موضوعي منفصل عنّا ، لنشكّ في مدى إمكان معرفته واستكناه سرّه
والثانية : الطبيعيات ، أي : المعارف البشرية عن العالم الموضوعي الذي يدخل في نطاق التجربة
ويبدأ (كانت) هنا باستبعاد المادّة عن هذا النطاق ؛ لأنّ الذهن لا يدرك من الطبيعة إلاّ ظواهرها فهو يتّفق مع (باركلي) على أنّ المادّة ليست موضوعاً للإدراك والتجربة ، ولكنّه يختلف عنه من ناحية أخرى ، فهو لا يعتبر ذلك دليلاً على عدم وجود المادّة ومبرّراً لنفيها فلسفياً كما زعم (باركلي)
وإذا أسقطت المادّة من الحساب فلا يبقى للعلوم الطبيعية إلاّ الظواهر التي تدخل في حدود التجربة ، فهذه الظواهر هي موضوع هذه العلوم ولذلك كانت الأحكام فيها تركيبية ثانوية ؛ لأنّها ترتكز على درس الظواهر الموضوعية للطبيعة ، وهذه الظواهر إنّما تدرك بالتجربة
وإذا أردنا أن نحلّل هذه الأحكام التركيبية الثانوية من قبل العقل ، وجدناها مركّبة في الحقيقة من عنصرين : أحدهما تجريبي ، والآخر عقلي أمّا الجانب
التجريبي من تلك الأحكام العقلية ، فهو الإحساسات المستوردة بالتجربة من الخارج ، بعد صبّ الحسّ الصوري لها في قالبي الزمان والمكان وأمّا الجانب العقلي فهو الرابطة الفطرية التي يسبغها العقل على المدرَكات الحسّية ؛ ليتكوّن من ذلك علم ومعرفة عقلية فالمعرفة ـ إذن ـ مزيج من الذاتية والموضوعية ، فهي ذاتية في صورتها ، وموضوعية في مادّتها ؛ لأنّها نتيجة التوحيد بين المادّة التجريبية المستوردة من الخارج ، وإحدى الصور العقلية الجاهزة فطرياً في العقل
فنحن نعرف ـ مثلاً ـ أنّ الفلزات تتمدّد بالحرارة ، وإذا أخذنا هذه المعرفة بشيء من التحليل نتبيّن أنّ موادّها الخام ، وهي : ظاهرة التمدّد في الفلزات وظاهرة الحرارة ، جاءت عن طريق التجربة ، ولولاها لما استطعنا أن ندرك هذه الظواهر وأمّا الناحية الصورية في المعرفة أي : سببية إحدى الظاهرتين للأخرى فليست تجريبية ، بل مردّها إلى مقولة العلّية التي هي من مقولات العقل الفطرية ، فلو لم نكن نملك هذه الصورة القبلية لما تكوّنت معرفة كما أنّا لو لم نحصل على الموادّ بالتجربة لما تحقّقت لنا معرفة أيضاً
فالمعرفة توجد بتكييف العقل للموضوعات التجريبية بإطاراته وقوالبه الخاصّة ، أي : مقولاته الفطرية ، لا أنّ العقل هو الذي يتكيّف وأنّ إطاراته وقوالبه هي التي تتبلور تبعاً للموضوعات المدرَكة فالعقل في ذلك نظير شخص يحاول أن يضع كمية من الماء في إناء ضيّق لا يسعها ، فيعمد إلى الماء فيقلّل من كمّيته ؛ ليمكن وضعه فيه بدلاً عن أن يوسع الإناء ليستوعب الماء كلّه.
وهكذا يتّضح الانقلاب الفكري الذي أحدثه (كانت) في مسألة الفكر الإنساني ؛ إذ جعل الأشياء تدور حول الفكر وتتبلور طبقاً لإطاراته الخاصّة ، بدلاً عمّا كان يعتقده الناس : من أنّ الفكر يدور حول الأشياء ويتكيّف تبعاً لها
وعلى هذا الضوء وضع (كانت) حدّاً فاصلاً بين (الشيء في ذاته) و (الشيء لذاتنا) : فالشيء في ذاته هو : الواقع الخارجي دون أيّ إضافة من ذاتنا إليه وهذا الواقع المجرّد عن الإضافة الذاتية لا يقبل المعرفة ؛ لأنّ المعرفة ذاتية وعقلية في صورتها والشيء لذاتنا هو : المزيج المركّب من الموضوع التجريبي ، والصورة الفطرية القبلية التي تتّحد معه في الذهن ولهذا تكون النسبية مفروضة على كلّ حقيقة تمثّل في إدراكاتنا للأشياء الخارجية ، بمعنى : أنّ إدراكنا يدلّنا على حقيقة الشيء لذاتنا ، لا على حقيقة الشيء في ذاته
وبذلك تختلف العلوم الطبيعية عن العلوم الرياضية ؛ فإنّ العلوم الرياضية لمّا كان موضوعها موجوداً في النفس بصورة فطرية ، لم تقم فيها اثنينية بين الشيء في ذاته والشيء لذاتنا ، وعلى عكس ذلك العلوم الطبيعية ؛ فإنّها تتناول الظواهر الخارجية التي تقع عليها التجربة ، وهي ظواهر موجودة بصورة مستقلّة عنّا ، ونحن نعلمها في قوالبنا الفطرية ، فلا غرو أن يفصل بين الشيء في ذاته والشيء لنا
الثالثة : الميتافيزيقا ويرى (كانت) استحالة التوصّل فيها إلى معرفة عن طريق العقل النظري ، وأنّ أي محاولة لإقامة معرفة ميتافيزيقية على أساس فلسفي هي محاولة فاشلة ليست لها قيمة ؛ وذلك أنّه لا يصحّ في القضايا الميتافيزيقية شيء من الأحكام التركيبية الأوّلية والأحكام التركيبية الثانوية :
أمّا الأحكام التركيبية الأوّلية ، فهي لمّا كانت أحكاماً مستقلّة عن التجربة ، فلا تصحّ إلاّ على موضوعات مخلوقة للنفس بصورة فطرية وجاهزة في الذهن بلا تجربة ، كموضوعي العلوم الرياضية من الزمان والمكان ، وليست الأشياء التي تتناولها الميتافيزيقا ـ وهي الله ، والنفس ، والعالم ـ كذلك ؛ فإنّ الميتافيزيقا لا تعالج أموراً ذهنية ، وإنّما تحوّل البحث عن أشياء موضوعية قائمة في نفسها
وأمّا الأحكام التركيبية الثانوية ، فهي الأحكام التي تعالج موضوعات تجريبية ، كموضوعات العلوم الطبيعية التي تدخل في الميدان التجريبي ، ولذلك صارت ثانوية باعتبار احتياجها إلى التجربة ، ومن الواضح : أنّ مواضيع الميتافيزيقا ليست تجريبية ، فلا يمكن أن يتكوّن فيها حكم تركيبي ثانوي ، ولا يبقى للميتافيزيقا بعد ذلك متّسع إلاّ للأحكام التحليلية ، أي : الشروح والتفاسير للمفاهيم الميتافيزيقية ، وهذه الأحكام ليست من المعرفة الحقيقية بشيء ، كما عرفنا سابقاً
والنتيجة التي يخلص إليها (كانت) من ذلك :
أوّلاً - أنّ أحكام العلوم الرياضية أحكام تركيبية أوّلية وهي ذات قيمة مطلقة
ثانياً - أنّ الأحكام التي تقوم على أساس التجربة في العلوم الطبيعية ، أحكام تركيبية ثانوية ، والحقيقة فيها لا يمكن أن تكون أكثر من حقيقة نسبية
ثالثاً - أنّ موضوعات الميتافيزيقا لا يمكن أن توجد فيها معرفة عقلية صحيحة ، لا على أساس الأحكام التركيبية الأوّلية ولا على أساس الأحكام التركيبية الثانوية
والنقطة الرئيسية في نظرية (كانت) هي : أنّ الإدراكات العقلية الأوّلية ليست علوماً قائمة بنفسها ذات وجود مستقلّ عن التجربة ، بل هي روابط تساعد على تنظيم الأشياء ووصلها بعضها ببعض فدورها الوحيد هو : أنّها تجعلنا ندرك الأشياء التجريبية في إطاراتها الخاصّة
ويترتّب على ذلك طبيعياً إلغاء الميتافيزيقا ؛ لأنّ تلك الإدراكات الأوّلية ليست علوماً بل هي روابط ، ولأجل أن تكون علماً تحتاج إلى موضوع ينشئه الذهن أو يدركه بالتجربة ، والموضوعات الميتافيزيقية ليست من منشآت الذهن
ولا من مدركات التجربة
كما يترتّب عليه- أيضاً- أنّ الحقيقة في العلوم الطبيعية نسبية دائماً ؛ لأنّ تلك الروابط داخلة في صميم معارفنا عن الظواهر الخارجية ، وهي روابط ذاتية ، فيختلف الشيء في ذاته عن الشيء لنا
وتنطوي نظرية (كانت) هذه على خطأين أساسيين :
الأوّل - أنّها تعتبر العلوم الرياضية منشئة للحقائق الرياضية ومبادئها ، وبهذا الاعتبار ارتفع (كانت) بمبادئ الرياضة وحقائقها عن إمكان الخطأ والتناقض ما دامت مخلوقة للنفس ومستنبطة منها ، وليست مستوردة من الخارج ليشكّ في خطأها أو تناقضها
ولكنّ الحقيقة التي يجب أن تقوم عليها كلّ فلسفة واقعية هي : أنّ العلم ليس خلاّقاً ومنشأً ، وإنّما هو كاشف عمّا هو خارج حدوده الذهنية الخاصّة ، ولولا هذا الكشف الذاتي لما أمكن الردّ على المفهوم المثالي مطلقاً ، كما سبق فعلمنا بأنّ ٢ + ٢ = ٤ هو علم بحقيقة رياضية معيّنة ، وليس معنى علمنا بها أنّنا ننشِئُها ونخلقها في داخل نفوسنا كما تحاول المثالية أن تفسّر العلم بذلك ، بل العلم في طبيعته كالمرآة ، فكما أنّ المرآة تدلّل على وجود واقع للصورة المنعكسة فيها خارج حدودها ، كذلك العلم يكشف عن حقيقة مستقلّة ، ولأجل ذلك كان ٢ + ٢ = ٤ ، سواءٌ أكان يوجد مفكّر رياضي على وجه الأرض أم لا ، وسواءٌ أدرك هذه الحقيقة إنسان أم لا ومعنى ذلك : أنّ المبادئ والحقائق الرياضية لها واقع موضوعي ، فهي قوانين تعمل وتجري ، وليست العلوم الرياضية إلاّ انعكاسات لها في الذهن البشري وعلى هذا تكون كالمبادئ والقوانين الطبيعية تماماً من حيث كونها واقعاً مستقلاً ينعكس في العقل ، فنواجه السؤال عن إنعاكسها الذهني ومدى صحّته ودقّته ، كما نواجه ذلك السؤال في سائر العلوم وليس لهذا السؤال إلاّ
جواب واحد ، وهو الجواب الذي يقدّمه المذهب العقلي القائل : بأنّ تلك الانعكاسات للمبادئ الرياضية في الذهن البشري لمّا كانت فطرية وضرورية فهي مضمونة الصحّة بصورة ذاتية ، فالحقائق الرياضية ممكنة المعرفة لا لأنّنا نحن نخلقها ، بل لأنّنا نعكسها في علوم فطرية ضرورية
الثاني - أنّ (كانت) يعتبر القوانين المتأصّلة في العقل البشري قوانين للفكر ، وليست انعكاسات علمية للقوانين الموضوعية التي تتحكّم في العالم وتسيطر عليه بصورة عامّة ، بل لا تعدو أن تكون مجرّد روابط موجودة في العقل بالفطرة ينظّم بها إدراكاته الحسّية وقد سبق أنّ هذا الخطأ هو الذي نتج عنه القول بنسبية الحقائق المدرَكة عن عالم الطبيعة ، والقول بتعذّر درس الميتافيزيقا دراسة عقلية ، وعدم إمكان إقامتها على أساس تلك الإدراكات العقلية الفطرية ؛ لأنّها مجرّد روابط ينظّم العقل بها إدراكاته الحسّية ، وليست لدينا إدراكات فيما يخصّ موضوعات الميتافيزيقا لتنظم بتلك الروابط
والانسياق مع المذهب النقدي هذا يؤدّي إلى المثالية حتماً ؛ لأنّ الإدراكات الأوّلية في العقل إذا كانت عبارة عن روابط معلّقة تنتظر موضوعاً لتظهر فيه ، فكيف يتاح لنا أن نخرج من التصوّرية إلى الموضوعية ؟! وكيف نستطيع أن نثبت الواقع الموضوعي لأحاسيسنا المختلفة ، أي : ظواهر الطبيعة التي يعترف بموضوعيّتها (كانت) ؟! فنحن نعلم أنّ طريق إثبات الواقع الموضوعي للإحساس هو : مبدأ العلّية الذي يحكم بأنّ كلّ انفعال حسّي لا بدّ أن ينبثق عن سبب أثار ذلك الانفعال الخاصّ ، فإذا رجعت العلّية في مفهوم (كانت) إلى رابطة بين الظواهر المحسوسة ، فهي عاجزة بطبيعة الحال عن القيام بأيّ وظيفة أكثر من الربط بين إحساساتنا وما يبدو فيها من ظاهرات ، ومن حقّنا ـ حينئذٍ ـ أن نسأل (كانت) عن المبرّرات الفلسفية في نظره للاعتقاد بواقع موضوعي للعالم
المحسوس ، ما دمنا لا نملك معرفة فطرية كاملة كمبدأ العلّية لنبرهن بها على ذلك الواقع ، وإنّما نملك عدّة روابط وقوانين لتنظيم الفكر والإدراك
وعلى هذا ، فالواقعية لابدّ لها أن تعترف بأنّ الإدراكات الفطرية في العقل عبارة عن انعكاسات علمية لقوانين موضوعية مستقلّة ، وتزول بذلك نسبية (كانت) التي زعمها في معارفنا عن الطبيعة ؛ ذلك أنّ كلّ معرفة في العلوم الطبيعية وإن كانت بحاجة إلى إدراك فطري يقوم على أساسه الاستنتاج العلمي من التجربة ، ولكن هذا الإدراك الفطري ليس ذاتياً خالصاً ، بل هو انعكاس فطري لقانون موضوعي مستقلّ عن حدود الشعور والإدراك
فمعرفتنا بأنّ الحرارة سبب لتمدّد الفلزات تستند إلى إدراك حسّي تجريبي للحرارة والتمدّد ، وإدراك عقلي ضروري لمبدأ العلّية ، وكلّ من الإدراكين يعكس واقعاً موضوعياً ، وقد نتجت معرفتنا بتمديد الحرارة للفلزات عن معرفتنا بالواقعين الموضوعين لذينك الإدراكين ، فليس ما يطلق عليه (كانت) اسم (الصورة) ، صورة عقلية خالصة للعلم ، بل هو علم يتمتّع بخصائص العلم ، من الكشف الذاتي ، وانعكاس واقع مستقلّ فيه
وإذا عرفنا أنّ العقل يملك بصورة فطرية علوماً ضرورية بعدّة قوانين وحقائق موضوعية ، صار باستطاعتنا أن نبني قضايا الميتافيزيقا على أساس فلسفي بدراستها على ضوء تلك العلوم الضرورية ؛ لأنّها ليست مجرّد روابط خالصة بل هي معارف أوّلية ، وفي إمكانها أن تنتج للفكر البشري علوماً جديدة
ب- النسبية الذاتية :
يجيء بعد (كانت) دور النسبيين الذاتيين ، وهم الذين يؤكّدون على الطابع النسبي في جميع الحقائق التي تبدو للإنسان ؛ باعتبار الدور الذي يلعبه عقل كلّ
فرد في عملية اكتسابه لتلك الحقائق فليست الحقيقة ـ في هذا المفهوم الجديد ـ إلاّ الأمر الذي تقتضيه ظروف الإدراك وشرائطه ولمّا كانت هذه الظروف والشرائط تختلف في الأفراد والحالات المتنوّعة ، كانت الحقيقة في كلّ مجال حقيقة بالنسبة إلى ذلك المجال الخاصّ بما ينطوي عليه من ظروف وشرائط وليست الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع لتكون مطلقة بالنسبة إلى جميع الأحوال والأشخاص
وهذه النسبية وإن كانت تحمل شعار الحقيقة ، ولكنّه شعار مزيّف ، فليست هي ـ كما يبدو بكلّ وضوح ـ إلاّ مذهباً من مذاهب الشكّ والريب في كلّ واقع موضوعي
ويساند النسبية الذاتية هذه الاتّجاه الفيزيولوجي للمثالية القائل : إنّ الإحساس لا يعدو أن يكون رمزاً ، وإنّ الذي يحدّد كيفيّته ونوعيّته ليس هو الشيء الخارجي بل طبيعة الجهاز العصبي
والواقع : أنّ السبب الأصيل الذي أتاح الظهور لهذه النسبية الذاتية هو التفسير المادّي للإدراك ، واعتباره محتوى عملية مادّية يتفاعل فيها الجهاز العصبي المدرِك والشيء الموضوعي ، كالهضم الذي تحقّقه عملية تفاعل خاصّ بين الجهاز الهاضم والموادّ الغذائية ، فكما أنّ الغذاء لا يتفاعل ولا يهضم إلاّ بإجراء عدّة تصرّفات وتطويرات عليه ، كذلك الشيء الذي ندركه لا يتاح لنا إدراكه إلاّ بالتصرّف فيه والتفاعل معه
وتختلف هذه النسبية عن نسبية (كانت) في نقطتين :
الأولى ـ أنّها تُخضِع جميع الحقائق للطابع النسبي الذاتي من دون استثناء ، خلافاً لـ (كانت) ؛ إذ كان يعتبر المبادئ والمعارف الرياضية حقائق مطلقة : فـ ٢ + ٢ = ٤ حقيقة مطلقة لا تقبل الشكّ في رأي (كانت) وأمّا في رأي النسبيين
الذاتيين فيه حقيقة نسبية ، بمعنى : أنّها الشيء الذي تقتضيه طبيعة إدراكنا وجهازنا الخاصّ فحسب
الثانية- أنّ الحقيقة النسبية في رأي النسبيين الذاتيين تختلف في الأفراد ، وليس من الضروري أن يشترك جميع الناس في حقائق معيّنة ؛ لأنّ لكلّ فرد دوراً ونشاطاً خاصّاً ، فلا يمكن الحكم بأنّ ما يدركه فرد هو نفس ما يدركه الفرد الآخر ما دام من الممكن اختلافهما في وسائل الإدراك أو طبيعته وأمّا (كانت) فالقوالب الصورية عنده قوالب فطرية تشترك فيها العقول البشرية جميعاً ، ولهذا كانت الحقائق النسبية مشتركة بين الجميع وسوف يأتي في مستقبل دراساتنا الحديث عن التفسير المادّي للإدراك الذي ارتكزت عليه النسبية الذاتية وتفنيده
[ ٧- ] الشكّ العلمي :
رأينا قبل ساعة أنّ الشكّ الذي تسرّب إلى صفوف العلماء الطبيعيين حين قاموا بفتوحاتهم الكبرى في حقل الفيزياء لم يكن شكّاً علمياً ولا مرتكزاً على برهان علمي ، وإنّما هو شكّ قائم على خطأ فلسفي أو أزمة نفسية
ولكنّنا نجد في حقول أخرى نظريات علمية تؤدّي حتماً إلى الشكّ والقول بإنكار قيمة المعرفة البشرية ، بالرغم من أنّ بعض أصحابها لم يفكّروا في الوصول إلى هذه النتيجة ، بل ظلّوا مؤمنين بقيمة المعرفة وموضوعيّتها ، ولأجل ذلك أطلقنا اسم (الشكّ العلمي ) على الشكّ الناتج عن تلك النظريات ؛ لأنّها علمية أو ذات مظهر علمي على أقلّ تقدير .
ومن أهمّ تلك النظريات :
١- السلوكية التي تفسِّر علم النفس على أساس علم الفسلجة
٢- مذهب التحليل النفسي عند فرويد
٣- المادّية التاريخية التي تحدّد آراء الماركسية في علم التاريخ
أمّاالسلوكية ، فهي إحدى المدارس الشهيرة في علم النفس التي تعبّر عن الاتّجاه المادّي فيه ، وأطلق عليها اسم (السلوكية) لأنّها اتّخذت من سلوك الكائن الحيّ وحركاته الجسمية ، التي يمكن إخضاعها للحسّ العلمي والتجربة ، موضوعاً لعلم النفس ، ورفضت الاعتراف بما وراء ذلك من موضوعات غير تجريبية كالعقل والشعور ، وحاولت أن تفسّر سيكولوجية الإنسان وحياته النفسية والشعورية كلّها بدون أن تفترض له عقلاً وما إليه من المعاني الغيبية ؛ لأنّ الباحث النفسي لا يجد ولا يحسّ علمياً حين إجراء تجاربه على الآخرين بعقولهم ، وإنّما يحسّ بسلوكهم وحركاتهم ونشاطهم الفيزيولوجي ، فيجب ؛ لكي يكون البحث علمياً ، أن تُفسَّر كلّ الظواهر السيكولوجية ضمن النطاق المحسوس ، وذلك بالنظر إلى الإنسان بوصفه آلة يمكن تفسير كلّ ظواهرها وحركاتها على الطريقة الميكانيكية وفي ضوء مبدأ العلّية بالمنبّهات الخارجية التي ترد على الآلة فتؤثّر فيها .
فلا يوجد لدينا ، ونحن ندرس الظواهر النفسية من وجهة رأي السلوكية ، عقلٌ أو شعورٌ أو إدراك ، وإنّما نحن أمام حركات ونشاطات مادّية فيزيولوجية توجد بأسباب مادّية باطنية أو خارجية فحين نقول- مثلاً- : إنّ أستاذ التاريخ يفكّر في إعداد محاضرة عن تاريخ الملكية الفردية عند الرومان ، نكون قد عبّرنا في الحقيقة عن نشاطات وحركات مادّية في جهازه العصبي نشأت ميكانيكياً عن أسباب خارجية أو باطنية : كحرارة الموقد الذي جلس أمامه أستاذ التاريخ أو عمليات الهضم التي أعقبت تناوله وجبة الغذاء
وقد وجدت السلوكية في المنبّهات الشرطية القائمة على تجارب (بافلوف) سنداً كبيراً يتيح لها التأكيد على كثرة المنبّهات التي يتلقّاها الإنسان (بسبب نموّها وزيادتها عن طريق الإشراط) حتّى أصبح بالإمكان القول : بأنّ
مجموع المنبّهات (الطبيعية والشرطية) يتكافأ مع مجموع الأفكار في حياة الإنسان(١)
وأمّا كيف استفادت السلوكية من تجارب (بافلوف) ، وما هي المنبّهات الشرطية التي كشفت عنها هذه التجارب فضاعفت من عدد المنبّهات التي تفسِّر السلوكية في ضوئها أفكار الإنسان ، وإلى أيّ مدى يمكن لتجارب (بافلوف) أن تبرهن على وجهة النظر السلوكية ، فهذا ما سنجيب عنه في البحث المخصّص للإدراك من بحوث هذا الكتاب ، وهو الجزء الخامس من القسم الثاني في هذا الكتاب ، وإنّما يهمّنا الآن إبراز وجهة النظر السلوكية التي تُخضِع الحياة الفكرية عند الإنسان للتفسير الميكانيكي ، وتفهم الفكر والشعور بوصفه نشاطاً فيزيولوجياً تثيره أسباب مادّية متنوّعة
ومن الواضح : أنّ أيّ محاولة لوضع نظرية للمعرفة في ضوء السلوكية هذه ، يؤدّي حتماً إلى موقف سلبي تجاه قيمة المعرفة وإلى عدم الاعتراف بقيمتها الموضوعية ، وبالتالي يصبح كلّ بحث عن صحة هذه الفكرة العلمية أو هذا المذهب الفلسفي أو ذلك الرأي الاجتماعي عبثاً لا مبرّر له ؛ لأنّ كلّ فكرة (مهما كان طابعها أو مجالها العلمي أو الفلسفي أو الاجتماعي) لا تعبّر عن شيء سوى حالات خاصّة تحدث في أجسام أصحاب الفكرة أنفسهم
فلا نستطيع أن نتساءل على الصعيد الفلسفي أيّ الفلسفتين على صواب : مادّية أبيقور ، أو إلهية أرسطو ؟ ولا أن نتساءل على الصعيد العلمي أيّهما على صواب : نيوتن في فكرته القائلة بتفسير الكون على أساس الجاذبية ، أو آنشتين في نسبيّته العامّة ؟ ماركس في تفكيره الاقتصادي ، أو ريكاردو مثلاً ؟ وهكذا في كلّ المجالات ؛ لأنّ تساؤلنا هذا يبدو في ضوء السلوكية شبيهاً تماماً بالتساؤل عن
____________________
(١) راجع : علي زيعور ، مذاهب علم النفس المعاصر : ١٨٦ ـ ٢٠٣
عمليات الهضم عند الباحثين المختلفين وأيّهما هو الصحيح ، فكما لا يصحّ أن نتساءل أيّهما هو الحقيقة : عمليات الهضم عند أبيقور ونيوتن وماركس أو عند أرسطو وآنشتين وريكاردو ، كذلك لا يصحّ أن نتساءل أيّ مذاهبهم وأفكارهم هو الحقيقة ؛ لأنّ أفكار هؤلاء المفكّرين كعمليات الهضم المختلفة في مِعَدِهم ، ليست إلاّ وظائف جسمية ونشاطات عضوية ، فمتى أمكن لنشاط المعدة في عمليات الهضم أن يكشف لنا عن نوعية الغذاء ويصف لنا طبيعته ، يتاح للنشاط العصبي في الدماغ أن يعكس شيئاً من الحقائق الخارجية ، وما دام لا يجوز لنا أن نتساءل عن نشاط المعدة أهو صادق أو كاذب ، فكذلك بالنسبة إلى النشاط الفكري
ونجد- أيضاً- بوضوح أنّ الفكرة في رأي المدرسة السلوكية مرتبطة بمنبّهاتها لا بدليلها ، وبذلك تفقد الثقة بكلّ معرفة بشرية ؛ لأنّ من الجائز أن تتبدّل وتعقبها فكرة مناقضة إذا اختلفت المنبّهات والشروط الخارجية ، ويعود من عبث القول مناقشة المفكّر في فكرته وأدلّتها ، وإنّما يجب الفحص عن المنبّهات المادّية لتلك الفكرة وإزالتها فإذا كانت الفكرة قد نشأت ـ مثلاً ـ من حرارة الموقد في الغرفة التي يفكّر فيها وعملية الهضم ، كان السبيل الوحيد للقضاء على الفكرة تغيير جوّ الغرفة وإيقاف عمليات الهضم مثلاً ، وهكذا تصبح المعرفة البشرية خواءً وخلواً من القيمة الموضوعية
ومذهبالتحليل النفسي عند فرويد يسجّل نفس النتائج التي انتهت إليها السلوكية فيما يتّصل بنظرية المعرفة ، فهو وإن كان لا ينكر العقل ولكنّه يقسِّمه إلى فئتين : إحداهما العناصر الشعورية ، وهي : مجموعة الأفكار والعواطف والرغبات التي نحسّ بها في نفوسنا والآخر العناصر اللاّشعورية في العقل ، أي : شهواتنا وغرائزنا المختزلة وراء شعورنا ، وهي قوىً عقلية عميقة الغور في أعماقنا ،
ولا يمكن لنا السيطرة على نشاطها أو التحكّم في تكوينها وتطوّرها ، وكلّ العناصر الشعورية تعتمد على هذه العناصر الخفيّة التي لا نشعر بها ، وليست أعمال الشخص الشعورية إلاّ انعكاساً محرّفاً لتلك الشهوات والدوافع المختزلة في اللاّشعور ، فالشعور ـ إذن ـ أتى عن طريق اللاّشعور ، حتّى يمكن القول لدى أصحاب التحليل النفسي : بأنّ اللاّشعور هو الذي يحدّد محتويات الشعور ، وبالتالي يتحكّم في كلّ أفكار الإنسان وسلوكه وعلى هذا الأساس تصبح شهواتنا الغريزية هي الأساس الحقيقي لما نعتقد بصحّته ، وليست عمليات الاستدلال التي تهدينا إلى النتائج المفروضة علينا سلفاً من قِبل شهواتنا وغرائزنا إلاّ إعلاءً لتلك الغرائز وتسامياً بها إلى منطقة الشعور التي تشكّل القسم الأعلى من العقل ، بينما تشكّل العناصر اللاّشعورية والغرائز والشهوات المختزنة الطابق الأرضي أو القسم الأسفل الأساسي(١)
وبسهولة نستطيع أن ندرك أثر هذا المذهب التحليلي على نظرية المعرفة ؛ فإنّ الفكر في ضوئه ليس أداة لتصوير الواقع والحدس بالحقيقة ، وإنّما وظيفته التعبير عن متطلّبات اللاّشعور ، والانتهاء حتماً إلى النتائج التي تفرضها شهواتنا وغرائزنا المختزنة في أعماقنا وما دام العقل آلة طيّعة في خدمة غرائزنا والتعبير عنها ، لا عن الحقيقة والواقع ، فليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّه يعكس الحقيقة ؛ لأنّ من الجائز أن تكون الحقيقة على خلاف رغباتنا اللاّشعورية التي تتحكّم في عقلنا ، ومن المستحيل أن نفكّر في تقديم أيّ ضمان للتوافق بين قوانا
____________________
(١) راجع : اوسبورن ، الماركسيّة والتحليل النفسي ، ترجمة سعاد الشرقاوي ، ص ٤٢ ـ ٥٠ ركس نابت ومرجريت نايت ، المدخل إلى علم النفس الحديث ، ترجمة : عبد علي الجسماني ، ص ٣٤٩ و ٣٦٠ مذاهب علم النفس المعاصر : ٢٢٢ ـ ٢٤٩
العقلية اللاّشعورية وبين الحقيقة ؛ لأنّ هذا التفكير ذاته ينبثق ـ أيضاً ـ عن رغباتنا اللاّشعورية ، ويعبّر عنها لا عن الواقع والحقيقة
ويجيء بعد هذا دور المادّية التاريخية لتنتهي إلى نفس النتيجة التي أسفرت عنها مذاهب السلوكية والتحليل النفسي بالرغم من أنّ أصحابها يرفضون كلّ لون للشكّ ، ويؤمنون على الصعيد الفلسفي بقيمة المعرفة وقدرتها على كشف الحقيقة
والمادّية التاريخية تعبّر عن المفهوم الكامل للماركسية عن التاريخ والمجتمع وقوانين تركّبه وتطوّره ، وهي لذلك تعالج الأفكار والمعارف الإنسانية عامّة بوصفها جزءاً من تركيب المجتمع الإنساني ، فتعطي رأيها في كيفية نشوء سائر الأوضاع السياسية والاجتماعية
والفكرة الأساسية في المادّية التاريخية هي : أنّ الوضع الاقتصادي الذي تحدّده وسائل الإنتاج هو الأساس الواقعي للمجتمع بكلّ نواحيه ، فجميع الظواهر الاجتماعية تنشأ عن الوضع الاقتصادي ، وتتطوّر تبعاً لتطوّره ففي بريطانيا ـ مثلاً ـ حينما تحوّل وضعها الاقتصادي من الإقطاع إلى الرأسمالية ، وحلّت الطاحونة البخارية محلّ الطاحونة الهوائية ، تبدّلت جميع أوضاعها الاجتماعية ، وتكيّفت وفقاً للحالة الاقتصادية الجديدة
ومن الطبيعي للمادّية التاريخية بعد أن آمنت بهذا ، أن تربط المعرفة الإنسانية عموماً بالوضع الاقتصادي- أيضاً- بوصفها جزءاً من الكيان الاجتماعي الذي يرتكز كلّه على العامّل الاقتصادي ؛ ولذلك نجد أنّها تؤكّد على أنّ المعرفة الإنسانية ليست وليدة النشاط الوظيفي للدماغ فحسب ، وإنّما يكمن سببها الأصيل في الوضع الاقتصادي ؛ ففكر الإنسان انعكاس عقلي للأوضاع الاقتصادية وما ينشأ عنها من علاقات ، وهو ينمو ويتطوّر طبقاً لتلك
الأوضاع والعلاقات(١)
ومن اليسير أن نلاحظ هنا : أنّ القوى الاقتصادية احتلّت في المادّية التأريخية موضع العناصر اللاّشعورية من الغرائز والشهوات في نظرية فرويد ، فبينما كان الفكر عند فرويد تعبيراً حتمياً عن متطلّبات الغرائز والشهوات المكتنزة ، يصبح في رأي المادّية التأريخية تعبيراً حتمياً عن متطلّبات القوى الاقتصادية والوضع الاقتصادي العامّ والنتيجة واحدة في الحالين ، وهي : انعدام الثقة بالمعرفة وفقدانها لقيمتها ؛ لأنّها أداة لتنفيذ متطلّبات قوّة صارمة مسيطرة على التفكير ، هي: قوّة اللاّشعور أو قوّة الوضع الاقتصادي ، ولا يمكننا أن نعرف ما إذا كان الوضع الاقتصادي يملي في عقولنا الحقيقة أو ضدّها ، وحتّى إذا وجدت هذه المعرفة فهي بدورها ـ أيضاً ـ تعبير جديد عن متطلّبات الوضع الاقتصادي التي لم نعرف بعد كيف نثق بتطابقها مع الواقع
وبهذا نعرف أنّ مذهب الماركسية في التاريخ كان يفرض عليها الشكّ ، غير أنّها لم تخضع للشكّ ، وأعلنت في فلسفتها عن إيمانها بالمعرفة وقيمتها وسوف نعرض فيما بعد لنظرية المعرفة عند الماركسية على الصعيد الفلسفي ، وإنّما نريد أن نشير هنا إلى أنّ النتائج المحتومة للمذهب الماركسي في التاريخ ـ أي المادّية التاريخية ـ تناقض نظرية الماركسية الفلسفية عن المعرفة ؛ لأنّ الربط المحتوم بين الفكر والعامل الاقتصادي في المذهب التاريخي للماركسية يزيل الثقة بكلّ معرفة بشرية ، خلافاً لنظرية المعرفة الماركسية التي تؤكّد على هذه الثقة كما سنرى
وسوف لن ندخل في نقاش الآن مع هذه النظريات الثلاث : (السلوكية ،
____________________
(١) راجع النظريّة مفصّلاً في : فهمي السجيني ، حقيقة العقل وحركة التاريخ : ١٣٣ ـ ٢٠٠
واللاّشعورية ، والمادّية التاريخية) ؛ فإنّنا ناقشنا السلوكية ورصيدها العلمي المزعوم من تجارب (بافلوف) في دراستنا للإدراك ـ الجزء الخامس من القسم الثاني لهذا الكتاب ـ واستطعنا أن نبرهن على أنّ السلوكية لا تكفي تفسيراً مقبولاً للفكر ، كما تناولنا في كتاب (اقتصادنا) المادّية التاريخية بالدرس والنقد الموسّع بوصفها الأساس العلمي للاقتصاد الماركسي ، وانتهينا إلى نتائج تدين المادّية التاريخية في أرصدتها الفلسفية والعلمية ، وتبرز ألوان التناقض بينها وبين اتّجاه الحركة التاريخية في واقع الحياة وأمّا نظرية فرويد في التحليل النفسي ، فلها موضعها من البحث في كتاب (مجتمعنا ) .
فنحن هنا- إذن- لسنا بصدد نقاش تلك النظريات في مجالاتها الخاصّة ، وإنّما سوف نقتصر على الحديث عنها بالقدر الذي يتّصل بنظرية المعرفة
ففي حدود العلاقة بين تلك النظريات ونظرية المعرفة نستطيع القول بأنّ البرهنة ضدّ المعرفة البشرية وقيمتها الموضوعية بنظرية علمية ، تنطوي على تناقض وبالتالي على استحالة فاضحة ؛ لأنّ النظرية العلمية التي تُقدَّم ضدّ المعرفة البشرية ولإزالة الثقة بها ، سوف تَحكم على ذاتها أيضاً ، وتنسف أساسها ، وتسقط عن الاعتبار ؛ لأنّها ليست إلاّ إحدى تلك المعارف التي تحاربها وتشكّ أو تنكر قيمتها ، ولذلك كان من المستحيل أن تتّخذ النظرية العلمية دليلاً على الشكّ الفلسفي ومبرِّراً لتجريد المعرفة من قيمتها
فالنظرية السلوكية تصوّر الفكر باعتباره حالة مادّية تحدث في جسم المفكّر بأسباب مادّية كما تحدث حالة ضغط الدم فيه ، ولأجل ذلك تنتهي بتجريده من قيمته الموضوعية ، غير أنّ هذه النظرية ليست هي من وجهة نظر السلوكية نفسها إلاّ حالة خاصّة حدثت في أجسام أصحاب النظرية أنفسهم ، ولا تعبِّر عن شيء سوى ذلك
كما أنّ نظرية فرويد جزء من حياته العقلية الشعورية ، فإذا صحّ أنّ الشعور تعبير محرّف عن القوى اللاّشعورية ونتيجة محتومة لتحكّم تلك القوى في سيكولوجية الإنسان ، فسوف تفقد نظرية فرويد قيمتها ؛ لأنّها في هذا الضوء ليست أداة للتعبير عن الحقيقة ، وإنّما هي تعبير عن شهواته وغرائزه المخبوءة في اللاّشعور
وقل الشيء نفسه عن المادّية التاريخية التي تربط الفكر بالوضع الاقتصادي ، وبالتالي تجعل من نفسها نتيجة لوضع اقتصادي معيّن عاشه ماركس ، وانعكس في ذهنه معبّراً عن متطلّباته في مفاهيم المادّية التاريخية ، ويصبح من المحتوم على المادّية التاريخية أن تتغيّر وفقاً لتغيّر الوضع الاقتصادي
نظرية المعرفة في فلسفتنا
والآن نستطيع أن نستخلص ـ من دراسة المذاهب السابقة ونقدها ـ الخطوط العريضة لمذهبنا في الموضوع ، وتتلخّص فيما يأتي :
الخطّ الأوّل : أنّ الإدراك البشري على قسمين : أحدهما التصوّر ، والآخر التصديق وليس للتصوّر بمختلف ألوانه قيمة موضوعية ؛ لأنّه عبارة عن وجود الشيء في مداركنا ، وهو لا يبرهن ـ إذا جرّد عن كلّ إضافة ـ على وجود الشيء موضوعياً خارج الإدراك ، وإنّما الذي يملك خاصّة الكشف الذاتي عن الواقع الموضوعي هو التصديق أو المعرفة التصديقية فالتصديق هو الذي يكشف عن وجود واقع موضوعي للتصوّر
الخطّ الثاني : أنّ مردّ المعارف التصديقية جميعاً إلى معارف أساسية ضرورية ، لا يمكن إثبات ضرورتها بدليل أو البرهنة على صحّتها ، وإنّما يشعر العقل بضرورة التسليم والاعتقاد بصحّتها ، كمبدأ عدم التناقض ومبدأ العلّية والمبادئ الرياضية الأوّلية(١) ، فهي الأضواء العقلية الأولى ، وعلى هدي تلك
____________________
(١) أشرنا سابقاً إلى أنّهرحمهالله قد انتهى في كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) إلى إمكان الاستدلال على القضايا الأوّليّة والفطريّة بالدليل الاستقرائي في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة ، واستثنى من ذلك مبدأ عدم التناقض ومصادرات الدليل الاستقرائي ، وفي نفس الوقت أكّد أنّ هذا لا يعني رفض المصدر العقلي القبلي لهذه القضايا ، بل إنّما يعني أنّنا حتّى لو استبعدنا العلم العقلي بها يظلّ بالإمكان إثباتها عن طريق الاستقراء راجع : القسم الرابع من كتاب (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) تحت عنوان (تفسير القضيّة الأوّليّة والقضيّة الفطريّة) (لجنة التحقيق )
الأضواء يجب أن تقام سائر المعارف والتصديقات ، وكلّما كان الفكر أدقّ في تطبيق تلك الأضواء وتسليطها ، كان أبعد عن الخطأ فقيمة المعرفة تتبع مقدار ارتكازها على تلك الأسس ومدى استنباطها منها ، ولذلك كان من الممكن استحصال معارف صحيحة في كلّ من الميتافيزيقا والرياضيات والطبيعيات على ضوء تلك الأسس ، وإن اختلفت الطبيعيات في شيء ، وهو : أنّ الحصول على معارف طبيعية بتطبيق الأسس الأوّلية يتوقّف على التجربة التي تهيّئ للإنسان شروط التطبيق ، وأمّا الميتافيزيقا والرياضيات فالتطبيق فيها قد لا يحتاج إلى تجربة خارجية
وهذا هو السبب في أنّ نتائج الميتافيزيقا والرياضيات نتائج قطعية في الغالب ، دون النتائج العلمية في الطبيعيات ؛ فإنّ تطبيق الأسس الأوّلية في الطبيعيات لمّا كان محتاجاً إلى تجربة تهيّئ شروط التطبيق ، وكانت التجربة في الغالب ناقصة وقاصرة عن كشف جميع الشروط ، فلا تكون النتيجة القائمة على أساسها قطعية
ولنأخذ لذلك مثالاً من الحرارة : فلو أردنا أن نستكشف السبب الطبيعي للحرارة ، وقمنا بدراسة عدّة تجارب علمية ، ووضعنا في نهاية المطاف النظرية القائلة : (إنّ الحركة سبب الحرارة) ، فهذه النظرية الطبيعية في الحقيقة نتيجة تطبيق لعدّة مبادئ ومعارف ضرورية على التجارب التي جمعناها ودرسناها ، ولذا فهي صحيحة ومضمونة الصحّة بمقدار ما ترتكز على تلك المبادئ الضرورية فالعالم الطبيعي يجمع أوّل الأمر كلّ مظاهر الحرارة التي هي موضوع البحث ، كدم بعض الحيوانات والحديد المحمى والأجسام المحترقة وغير ذلك من آلاف الأشياء الحارّة ، ويبدأ بتطبيق مبدأ عقلي ضروري عليها وهو مبدأ العلّية القائل : (إنّ لكلّ حادثة سبباً) ، فيعرف بذلك أنّ لهذه المظاهر من الحرارة سبباً معيّناً ، ولكن هذا
السبب لحدّ الآن مجهول ومردّد بين طائفة من الأشياء ، فكيف يتاح تعيينه من بينها ؟
ويستعين العالم الطبيعي في هذه المرحلة بمبدأ من المبادئ الضرورية العقلية ، وهو المبدأ القائل : (باستحالة انفصال الشيء عن سببه) ، ويدرس على ضوء هذا المبدأ تلك الطائفة من الأشياء التي يوجد بينها السبب الحقيقي للحرارة ، فيستبعد عدّة من الأشياء ويسقطها من الحساب ، كدم الحيوان مثلاً ، فهو لا يمكن أن يكون سبباً للحرارة ؛ لأنّ هناك من الحيوانات ما دماؤها باردة ، فلو كان هو السبب للحرارة لما أمكن أن تنفصل عنه ويكون بارداً في بعض الحيوانات
ومن الواضح : أنّ استبعاد دم الحيوان عن السببية لم يكن إلاّ تطبيقاً للمبدأ الآنف الذكر الحاكم بأنّ الشيء لا ينفصل عن سببه ، وهكذا يدرس كل شيء ممّا كان يظنّه من أسباب الحرارة ، فيبرهن على عدم كونه سبباً بحكم مبدأ عقلي ضروري فإن أمكنه أن يستوعب بتجاربه العلمية جميع ما يحتمل أن يكون سبباً للحرارة ، ويدلّل على عدم كونه سبباً- كما فعل في دم الحيوان- ، فسوف يصل في نهاية التحليل العلمي إلى السبب الحقيقي ـ حتماً ـ بعد إسقاط الأشياء الأخرى من الحساب ، وتصبح النتيجة العلمية ـ حينئذٍ ـ حقيقة قاطعة ؛ لارتكازها بصورة كاملة على المبادئ العقلية الضرورية وأمّا إذا بقي في نهاية الحساب شيئان أو أكثر ولم يستطع أن يعيّن السبب على ضوء المبادئ الضرورية ، فسوف تكون النظرية العلمية في هذا المجال ظنّية(١)
____________________
(١) حاصل هذا الكلام أنّ التجربة التي ينتقل فيها الذهن من استقراء الموضوعات الجزئيّة إلى قواعد وقوانين عامّة لا يمكن أن تورث القطع بالنتيجة المطلوبة إلاّ إذا ضّمّت إليها
وعلى هذا نعرف :
أوّلاً - أنّ المبادئ العقلية الضرورية هي الأساس العامّ لجميع الحقائق العلمية ، كما سبق في الجزء الأوّل من المسألة
ثانياً - أنّ قيمة النظريات والنتائج العلمية في المجالات التجريبية ، موقوفة على مدى دقّتها في تطبيق تلك المبادئ الضرورية على مجموعة التجارب التي أمكن الحصول عليها ولذا فلا يمكن إعطاء نظرية علمية بشكل قاطع إلاّ إذا استوعبت التجربة كلّ إمكانيات المسألة ، وبلغت إلى درجة من السعة والدقّة بحيث أمكن تطبيق المبادئ الضرورية عليها ، وإقامة استنتاج علمي موحّد على أساس ذلك التطبيق
ثالثاً - في المجالات غير التجريبية ـ كما في مسائل الميتافيزيقا ـ ترتكز النظرية الفلسفية على تطبيق المبادئ الضرورية على تلك المجالات ، ولكن هذا التطبيق قد يتمّ فيها بصورة مستقلّة عن التجربة : ففي مسألة إثبات العلّة الأُولى للعالم مثلاً يجب على العقل أن يقوم بمحاولة تطبيق مبادئه الضرورية على هذه المسألة ؛ حتّى يضع بموجبها نظريّته الإيجابية أو السلبية وما دامت المسألة ليست تجريبية ، فالتطبيق يحصل بعملية تفكير واستنباط عقلي بحت بصورة مستقلّة عن التجربة
____________________
ð
كبريات عقليّة قبليّة ممّا يحوّل السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ بدلاً عن السير الفكري من الخاصّ إلى العامّ وإلاّ كانت النتيجة ظنية ، وهذا ما تغيّر فيه رأي السيّد المؤلّفقدسسره كما أشرنا سابقاً ، حيث انتهى في كتابه (الأسس المنطقيّة للاستقراء) إلى إمكان حصول القطع بالنتيجة المطلوبة في القضيّة التجريبيّة في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة من دون حاجة إلى ضمّ الكبريات العقليّة القبليّة التي تحوّل السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ (لجنة التحقيق )
وبهذا تختلف مسائل الميتافيزيقا عن العلم الطبيعي في كثير من مجالاتها ونقول (في كثير من مجالاتها) ؛ لأنّ استنتاج النظرية الفلسفية أو الميتافيزيقية من المبادئ الضرورية في بعض الأحايين يتوقّف على التجربة أيضاً(١) ، فيكون للنظرية الفلسفية ـ حينئذٍ ـ نفس ما للنظريات العلمية من قيمة ودرجة
الخطّ الثالث : عرفنا أنّ المعرفة التصديقية هي التي تكشف لنا عن موضوعية التصوّر ، ووجود واقع موضوعي للصورة التي توجد في ذهننا وعرفنا ـ أيضاً ـ أنّ هذه المعرفة التصديقية مضمونة بمقدار ارتكازها على المبادئ الضرورية والمسألة الجديدة هي مدى التطابق بين الصورة الذهنية ـ فيما إذا كانت دقيقة وصحيحة ـ والواقع الموضوعي الذي صدّقنا بوجوده من ورائها
والجواب على هذه المسألة هو : أنّ الصورة الذهنية التي نكوّنها عن واقع موضوعي معين فيها ناحيتان : فهي من ناحية صورة الشيء ووجوده الخاصّ في ذهننا ، ولا بدّ لأجل ذلك أن يكون الشيء متمثِّلاً فيها ، وإلاّ لم تكن صورة له ، ولكنّها من ناحية أخرى تختلف عن الواقع الموضوعي اختلافاً أساسياً ؛ لأنّها لا تملك الخصائص التي يتمتّع بها الواقع الموضوعي لذلك الشيء ، ولا تتوفّر فيها ما يوجد في ذلك الواقع من ألوان الفعّالية والنشاط فالصورة الذهنية التي نكوِّنها عن المادّة أو الشمس أو الحرارة مهما كانت دقيقة ومفصّلة لا يمكن أن تقوم بنفس
____________________
(١) الظاهر أنّ هذا الكلام يعبّر عن الجذور الأوّليّة التي نمت وترعرعت في ذهن السيّد المؤلّفرحمهالله بعد تأليفه لهذا الكتاب حتّى انتهت إلى القول بإمكان تفسير الجزء الأكبر من معارفنا ـ بما فيها القضايا الميتافيزيقيّة ـ بالطريقة الاستقرائيّة المتّبعة في القضايا الطبيعيّة ، وهي طريقة التوالد الذاتي التي يؤمن بها المذهب الذاتي للمعرفة وقد وضّح ذلك بالتفصيل في القسم الرابع من كتابه (الأسس المنطقيّة للاستقراء) (لجنة التحقيق )
الأدوار الفعّالة التي يقوم بها الواقع الموضوعي لتلك الصور الذهنية في الخارج
وبذلك نستطيع أن نحدِّد الناحية الموضوعية للفكرة ، والناحية الذاتية ، أي : الناحية المأخوذة عن الواقع الموضوعي ، والناحية التي ترجع إلى التبلور الذهني الخاصّ فالفكرة موضوعية باعتبار تَمثُّل الشيء فيها لدى الذهن ، ولكنّ الشيء الذي يُمثَّل لدى الذهن في تلك الصورة يفقد كلّ فعّالية ونشاط ممّا كان يتمتّع به في المجال الخارجي ؛ بسبب التصرّف الذاتي وهذا الفارق بين الفكرة والواقع هو ـ في اللغة الفلسفية ـ الفارق بين الماهية والوجود ، كما سندرس ذلك في المسألة الثانية من هذا الكتاب(١)
____________________
(١) وهذه الناحية الذاتية التي تنطوي عليها الصور الذهنية في رأينا ، تختلف عن الناحية الذاتية التي يقول بها (كانت) ، والتي ينادي بها النسبيون الذاتيون فليست الذاتية في رأينا باعتبار الجانب الصوري من العلم كما يزعم (كانت) ، ولا باعتبار كون الإدراك حصيلة تفاعل مادّي ، والتفاعل يستدعي التصرّف من الجانبين ، بل هي على أساس التفرقة بين لوني الوجود : الذهني والخارجي فالشيء الموجود في الصورة الذهنية هو الشيء الموجود في الخارج خلافاً للنسبيين ، ولكن لون وجوده في الصورة يختلف عن لون وجوده الخارجي (المؤلّف قدسسره )
النسبية التطوّرية
والآن ، وقد طفنا على شتّى المذاهب الفلسفية في نظرية المعرفة ، نصل إلى دور الديالكتيك فيها فقد حاول المادّيون الديالكتيكيون إبعاد فلسفتهم عن الشكّ والسفسطة ، فرفضوا المثالية والنسبية الذاتية ، وما انتهت إليه عدّة مذاهب من ألوان الشكّ والارتياب ، وأكّدوا على إمكان المعرفة الحقيقية للعالم وبذلك ظهرت نظرية المعرفة على أيديهم في إطار من اليقين الفلسفي المرتكز على أسس النظرية الحسّية والمذهب التجريبي
فماذا رصدوا لهذا المشروع الجبّار والتصميم الفلسفي الضخم ؟
كان رصيدهم هو التجربة لتفنيد المثالية
وكان رصيدهم هو الحركة لرفض النسبية
التجربة والمثالية :
قال أنجلز عن المثالية :
(إنّ أقوى تفنيد لهذا الوهم الفلسفي ولكلّ وهم فلسفي آخر هو : العمل والتجربة والصناعة بوجه خاصّ فإذا استطعنا أن نبرهن على صحّة فهمنا لظاهرة طبيعية ما ، بخلقنا هذه الظاهرة بأنفسنا ، وإحداثنا لها بواسطة توفّر شروطها نفسها ، وفوق ذلك إذا استطعنا استخدامها في تحقيق أغراضنا كان في ذلك القضاء المبرم على مفهوم الشيء في
ذاته العصيّ على الإدراك الذي أتى به (كانت))(١)
وقال ماركس :
(إنّ مسألة معرفة ما إذا كان بوسع الفكر الإنساني أن ينتهي إلى حقيقة موضوعية ، ليس بمسألة نظرية ، بل إنّها مسألة عملية ؛ ذلك أنّه ينبغي للإنسان أن يقيم الدليل في مجال الممارسة على حقيقة فكره)(٢)
وواضح من هذه النصوص : أنّ الماركسية تحاول أن تبرهن على الواقع الموضوعي بالتجربة ، وتحلّ المشكلة الأساسية الكبرى في الفلسفة ـ مشكلة المثالية والواقعية ـ بالأساليب العلمية
وهذا مظهر واحد من مظاهر عديدة وقع فيها الخلط بين الفلسفة والعلوم ؛ فإنّ كثيراً من القضايا الفلسفية حاول بعضٌ دراستها بالأساليب العلمية ، كما إنّ عدّة من قضايا العلم درسها بعض المفكّرين دراسة فلسفية ، فوقع الخطأ في هذه وتلك
والمشكلة التي يتصارع حولها المثاليون والواقعيون هي من تلك المشاكل التي لا يمكن اعتبار التجربة المرجع الأعلى فيها ، ولا إعطاؤها الصفة العلمية ؛ لأنّ المسألة التي يرتكز عليها البحث فيها هي مسألة وجود واقع موضوعي للحسّ التجريبي فالمثالي يزعم أنّ الأشياء لا توجد إلاّ في حسّنا وإدراكاتنا التجريبية ، والواقعي يعتقد بوجود واقع خارجي مستقلّ للحسّ والتجربة
____________________
(١) لودفيغ فيورباخ : ٥٤
(٢) المصدر نفسه : ١١٢
ومن البديهي : أنّ هذه المسألة تضع الحسّ التجريبي بالذات موضع الامتحان والاختبار ، فلا يمكن أن يبرهن على موضوعية التجربة والحسّ بالتجربة والحسّ نفسهما ، ولا الردّ على المثالية بها ، مع أنّها هي موضع النقاش والبحث بين الفريقين (المثاليين والواقعيين)
فكلّ مشكلة موضوعية إنّما يمكن اعتبارها علمية ، وحلّها بأساليب العلم التجريبية ، فيما إذا كان من المعترَف به سلفاً صدق التجربة العلمية وموضوعيّتها فمشكلة حجم القمر ، أو بُعد الشمس عن الأرض ، أو بنية الذرّة ، أو تركيب النبات ، أو عدد العناصر البسيطة ، يمكن انتهاج الطرق العلمية في دراستها وحلّها وأمّا إذا طُرِحت نفس التجربة على بساط البحث ، وثار النقاش حول قيمتها الموضوعية ، فلا موضع للاستدلال العلمي في هذا المجال على صدق التجربة وقيمتها الموضوعية بالتجربة نفسها
فواقعية الحسّ والتجربة- إذن- هي الأساس الذي يتوقّف عليه كيان العلوم جميعاً ، ولا تتمّ دراسة أو معالجة علمية إلاّ بناءً عليه ، فيجب أن يعالج هذا الأساس معالجة فلسفية خالصة قبل الأخذ بأيّ حقيقة علمية
وإذا درسنا المسألة دراسة فلسفية نجد أنّ الإحساس التجريبي لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان التصوّر ، فمجموعة التجارب مهما تنوّعت إنّما تموّن الإنسان بإدراكات حسّية متنوّعة وقد مرّ بنا التحدّث عن الإحساسات في دراستنا للمثالية ، وقلنا : إنّها ما دامت مجرّد تصوّرات فلا تبرهن على الواقع الموضوعي ودحض المفهوم المثالي
وإنّما يجب علينا أن ننطلق من المذهب العقلي ، لنشيد على أساسه المفهوم الواقعي للحسّ والتجربة ، فنؤمن بوجود مبادئ تصديقية ضرورية في العقل ،
وعلى ضوء تلك المبادئ نثبت موضوعية أحاسيسنا وتجاربنا
ولنأخذ لذلك مثالاً : مبدأ العلّية ، الذي هو من تلك المبادئ الضرورية فإنّ هذا المبدأ يحكم بأنّ لكلّ حادثة سبباً خارجاً عنه ، وعلى أساسه نتأكّد من وجود واقع موضوعي للإحساسات والمشاعر التي تحدث في نفوسنا ؛ لأنّها بحاجة إلى سبب تنبثق عنه ، وهذا السبب هو الواقع الموضوعي
وهكذا نستطيع أن نبرهن على موضوعية الحسّ والتجربة بمبدأ العلّية
فهل يمكن للماركسية أن تتّخذ هذا الأسلوب ؟ طبعاً لا ؛ وذلك :
أوّلاً : لأنّها لا تؤمن بمبادئ ضرورية عقلية ، فليس مبدأ العلّية في عرفها إلاّ مبدأً تجريبياً تدلّ عليه التجربة ، فلا يصحّ أن يعتبر أساساً لصدق التجربة وموضوعيتها
وثانياً : أنّ الديالكتيك يفسِّر تطوّرات المادّة وحوادثها بالتناقضات المحتواة في داخلها وليست الحوادث الطبيعية في تفسيره محتاجة إلى سبب خارجي ، كما سندرس ذلك بكلّ تفصيل في المسألة الثانية فإذا كان هذا التفسير الديالكتيكي كافياً لتبرير وجود الحوادث الطبيعية ، فلماذا نذهب بعيداً ؟! ولماذا نضطرّ إلى افتراض سبب خارجي وواقع موضوعي لكلّ ما يثور في نفوسنا من إدراك ؟! بل يصبح من الجائز أن تقول المثالية في ظواهر الإدراك والحسّ ما قاله الديالكتيك عن الطبيعة تماماً ، وتزعم أنّ هذه الظواهر في حدوثها وتعاقبها محكومة لقانون نقض النقض الذي يضع رصيد التغيّر والتطوّر في المحتوى الداخلي
وبهذا نعرف أنّ الديالكتيك لا يحجبنا عن سبب خارج الطبيعة فحسب ، بل يحجبنا بالتالي عن هذه الطبيعة بالذات ، وعن كلّ شيء خارج دنيا الشعور
والإدراك(١)
ولنعرض شيئاً من النصوص الماركسية التي حاولت معالجة المشكلة بما لا يتّفق مع طبيعتها وطابعها الفلسفي :
أ- قال (روجيه غارودي) :
(تُعلّمنا العلوم أنّ الإنسان ظهر على وجه الأرض في زمن متأخّر جدّاً ، وكذلك الفكر معه ولكي نؤكّد أنّ الفكر كان موجوداً متقدّماً على الأرض (على المادّة) ، يجب ـ إذن ـ التأكيد بأنّ هذا الفكر لم يكن فكر الإنسان إنّ المثالية في جميع أشكالها لا تستطيع أن تنجو من اللاهوت)(٢)
____________________
(١) وقد جاء في كلام (أنجلز) السابق التأكيد على ناحية القيمة الموضوعية لخلق ظاهرة وإنشائها ، وأنّ في ذلك الردّ الحاسم على النزعات المثالية ولا أظنّ هذا التأكيد حين يصدر من المدرسة الماركسية ينطوي على معنىً فلسفي خاصّ ، وإن أمكن للباحث الفلسفي أن يصوغ من ذلك دليلاً خاصّاً على إثبات الواقع الموضوعي يرتكز على العلم الحضوري ، نظراً إلى أنّ الفاعل يعلم بآثاره وما يخلق علماً حضورياً ، والعلم الحضوري بشيء هو نفس وجوده الموضوعي فالإنسان - إذن- يتّصل بالواقع الموضوعي لما يعلمه علماً حضورياً فالمثالية إذا أسقطت من حساب المعرفة الموضوعية العلم الحصولي الذي لا نتّصل فيه إلاّ بأفكارنا ، كفى للواقعية العلم الحضوري
ولكنّ هذا الدليل يقوم على فهم مغلوط للعلم الحضوري ؛ فإنّ أساس معرفتنا للأشياء إنّما هو العلم الحصولي وأمّا العلم الحضوري فهو لا يعني أكثر من حضور المعلوم الواقعي لدى العالم ، ولذلك كان كلّ إنسان يعلم بنفسه علماً حضورياً ، مع أنّ كثيراً من الناس أنكر وجود النفس ولا تتّسع حدودنا الخاصّة في هذه الدراسة للإفاضة في هذه الناحية (المؤلّف قدسسره )
(٢) ما هي المادّية ؟ : ٣٢
(لقد وجدت الأرض حتّى قبل كلّ كائن ذي حساسية ، قبل كلّ كائن حيّ وما كان لأيّة مادّة عضوية أن توجد على الكرة الأرضية في أوّل مراحل وجودها فالمادّة غير العضوية سبقت الحياة إذن ، وكان على الحياة أن تنمو وتتطوّر خلال آلاف آلاف السنين قبل أن يظهر الإنسان ومعه المعرفة العلوم تقودنا ـ إذن ـ إلى التأكيد بأنّ العالم قد وجد في حالات لم يكن فيها أيّ شكل من أشكال الحياة أو الحسّاسية ممكناً)(١)
هكذا يعتبر (روجيه) الحقيقة العلمية- القائلة بضرورة تقدّم نشأة المادّة غير العضوية على المادّة العضوية- دليلاً على وجود العالم الموضوعي ؛ لأنّ المادّة العضوية ما دامت نتاجاً لتطوّر طويل ومرحلة متأخّرة من مراحل نموّ المادّة ، فلا يمكن أن تكون المادّة مخلوقة للوعي البشري ، الذي هو متأخّر بدوره عن وجود كائنات عضوية حيّة ذات جهاز عصبي ممركز ، فكأنّه افترض مقدّماً أنّ المثالية تسلّم بوجود المادّة العضوية ، فشاد على ذلك استدلاله ، ولكنّ هذا الافتراض لا مبرّر له ؛ لأنّ المادّة بمختلف ألوانها وأقسامها ـ من العضوية وغيرها ـ ليست في المفهوم المثالي إلاّ صوراً ذهنية ، نخلقها في إدراكاتنا وتصوّراتنا فالاستدلال الذي يقدّمه لنا (روجيه) ينطوي على مصادرة ، وينطلق من نقطة لا تعترف بها المثالية
ب- قال لينين :
(إذا أردنا طرح المسألة من وجهة النظر التي هي
____________________
(١) ما هي المادّية ؟ : ٤
وحدها صحيحة ـ يعني من وجهة النظر الديالكتيكية المادّية ـ ينبغي أن نتساءل : هل الكهارب والأثير موجودة خارج الذهن البشري ، وهل لها حقيقة موضوعية أم لا ؟ عن هذا السؤال ينبغي أن يجيب علماء التاريخ الطبيعي وهم يجيبون دائماً ودون تردّد بالإيجاب ؛ نظراً لأنّهم لا يتردّدون بالتسليم بوجود الطبيعة وجوداً أسبق من وجود الإنسان ، وجود المادّة العضوية)(١)
ونلاحظ في هذا النص نفس المصادر التي استعملها (روجيه) ، مع التشدّق بالعلم واعتباره الفاصل النهائي في المسألة فما دام علم التاريخ الطبيعي قد أثبت وجود العالم قبل ظهور الشعور والإدراك ، فما على المثاليين إلاّ أن يركعوا أمام الحقائق العلمية ويأخذوا بها ولكنّ علم التاريخ الطبيعي ما هو إلاّ لون من ألوان الإدراك البشري والمثالية تنفي الواقع الموضوعي لكلّ إدراك مهما كان لونه ، فليس العلم في مفهومها إلاّ فكراً ذاتياً خالصاً ، أفليس العلم حصيلة التجارب المتنوّعة ؟ ! أوَ ليست هذه التجارب والإحساسات التجريبية هي موضع النقاش الدائر حول ما إذا كانت تملك واقعاً موضوعياً أو لا ؟ ! فكيف يكون للعلم كلمته الفاصلة في الموضوع ؟ !
ج- قال جورج بوليتزير :
(ليس هناك مَن يشكّ في أنّ الحياة المادّية للمجتمع توجد مستقلّة عن وعي الناس ؛ إذ ليس ثمّة من يتمنّى الأزمة الاقتصادية ، سواءٌ كان رأسمالياً أو بروليتارياً ، رغم أنّ هذه
____________________
(١) ما هي المادّية ؟ : ٢١
الأزمة تحدث حتماً)(١)
وهذا لون جديد يتّخذه الماركسيون للردّ على المثالية ، فـ (جورج) لا يستند في هذا النصّ إلى حقائق علمية ، وإنّما يركّز استدلاله على حقائق وجدانية ، نظراً إلى أنّ كلّ واحد منّا يشعر بوجدانه أنّه لا يتمنّى كثيراً من الحوادث التي تحدث ، ولا يرغب في وجودها ، ومع ذلك هي تحدث وتوجد خلافاً لرغبته ، فلا بدّ- إذن- أن يكون للحوادث وتسلسلها المطّرد واقع موضوعي مستقلّ وليست هذه المحاولة الجديدة بأدنى إلى التوفيق من المحاولات السابقة ؛ لأنّ المفهوم المثالي ـ الذي ترجع فيه الأشياء جميعاً إلى مشاعر وإدراكات ـ لا يزعم أنّ هذه المشاعر والإدراكات تنبثق عن اختيار الناس وإرادتهم المطلقة ، ولا تتحكّم فيها قوانين ومبادئ عامّة ، بل المثالية والواقعية متّفقتان على أنّ العالم يسير طبقاً لقوانين ومبادئ تجري عليه وتتحكّم فيه ، وإنّما يختلفان في تفسير هذا العالم واعتباره ذاتياً موضوعياً
والنتيجة التي تؤكّد عليها مرّة أخرى هي : أنّ من غير الممكن إعطاء مفهوم صحيح للفلسفة الواقعية ، والاعتقاد بواقعية الحسّ والتجربة إلاّ على أساس المذهب العقلي القائل بوجود مبادئ عقلية ضرورية مستقلّة عن التجربة وأمّا إذا بدأنا البحث في مسألة المثالية والواقعية من التجربة أو الحسّ ـ اللذين هما مورد النزاع الفلسفي بين المثاليين والواقعيين ـ ، فسوف ندور في حلقة مفرغة ، ولا يمكن أن نخرج منها بنتيجة في صالح الواقعية الفلسفية(٢)
____________________ـــ
(١) المادّية والمثالية في الفلسفة : ٦٨
(٢) أشرنا في ما سبق أنّ السيّد المؤلّفقدسسره بعد أن توصّل إلى( المذهب الذاتي للمعرفة) في
التجربة والشيء في ذاته :
تحارب الماركسية فكرة الشيء لذاته التي عرضها (كانت) في بعض أشكالها ، كما تحارب الأفكار التصوّرية المثالية ، فلننظر إلى أسلوبها في ذلك
قال جورج بوليتزير :
(والواقع : أنّ الجدل ـ وحتّى الجدل المثالي عند هيجل ـ يقول : إنّ التمييز بين صفات الشيء والشيء في ذاته تمييز أجوف ، فإذا عرفنا كلّ صفات شيء ما عرفنا الشيء ذاته ، ثمّ يبقى أن تكون هذه الصفات مستقلّة عنّا ، وفي هذا بالذات يتحدّد معنى مادّية العالم ولكن ما دمنا نعرف صفات
____________________
ð
مقابل (المذهب العقلي) و(المذهب التجريبي) وآمن بأنّ التعميمات الاستقرائيّة لا يمكن تفسيرها إلاّ في ضوء هذا المذهب ، توجّه إلى الاعتقاد بأنّ الجزء الأكبر من معارفنا يمكن تفسيره على هذا الأساس ومن جملة المعارف التي فسّرها على الأساس المذكور الإيمان بموضوعيّة القضايا المحسوسة ، فقال : (والحقيقة أنّ افتراض موضوعيّة الحادثة ليس افتراضاً دون مبرّر كما تقوله المثاليّة ، وليس أيضاً افتراضاً أوّليّاً ومعرفةً أوّليّة كما يقول المنطق الأرسطي ، بل هو افتراض مستدلّ ومستنتج حسب مناهج الدليل الاستقرائي ، كالقضايا التجريبيّة ، والحدسيّة ، والمتواترة تماماً) وفي ضوء ذلك أيضاً اعتبر الاعتقاد بوجود الواقع الموضوعي للعالم معبّراً عن معرفةٍ استقرائيّةٍ ناتجةٍ من تجميع القيم الاحتماليّة المتعدّدة بالواقع الموضوعي للقضايا المحسوسة ، ولهذا كان التصديق بأصل وجود واقع موضوعي للعالم على الإجمال أكبر درجةً من التصديق بموضوعيّة أيّ قضيّةٍ محسوسةٍ بمفردها وقد وضّح ذلك بالتفصيل في القسم الرابع من كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) تحت عنوان : (تفسير القضيّة المحسوسة)(لجنة التحقيق)
هذا الواقع الموضوعي ، فلا يمكن أن يقال عنه : إنّه غير قابل للمعرفة ، فمن السخف أن تقول- مثلاً- شخصيّتك شيء وصفاتك وعيوبك شيء آخر ، وأنا أعرف صفاتك وعيوبك ولكنّني لا أعرف شخصيّتك ؛ ذلك لأنّ الشخصية هي بالضبط مجموع العيوب والصفات ، وكذلك فنّ التصوير هو جماع أعمال الصور ، فمن السخف أن نقول : هناك اللوحات والرسّامون والألوان والأساليب والمدارس ، ثمّ هناك (تصوير) في ذاته معلّقاً فوق الواقع وغير قابل للمعرفة فليس هناك قسمان للواقع ، بل الواقع كلّ واحد نكشف بالتطبيق وجوهه المختلفة على التوالي وقد علّمنا الجدل أنّ الصفات المختفية للأشياء تكشف عن نفسها بواسطة الصراع الباطن للأضداد ، وهو الذي يصنع التغيير ، فحالة السيولة في ذاتها هي بالضبط حالة الاتّزان النسبي الذي ينكشف تناقضه الباطن في لحظة التجمّد أو الغليان ومن هنا قال لينين : (لا يوجد ولا يمكن أن يوجد أيّ فارق مبدئي بين الظاهرة والشيء في ذاته ، وليس ثمّة فرق إلاّ بين ما هو معروف وبين ما يعرف بعد) فكلّما ازداد عمق معرفتنا للواقع ، أصبح الشيء في ذاته تدريجياً شيئاً لذاتنا)(١)
ولأجل أن ندرس الماركسية في هذا النصّ ، يجب أن نميّز بين معنيين لفكرة فصل الشيء في ذاته عن الشيء لذاتنا :
____________________
(١) المادّية والمثالية في الفلسفة : ١٠٨ ـ ١٠٩
الأوّل : أنّ العلم البشري لمّا كان يرتكز ـ في نظر المبدأ الحسّي التجريبي ـ على الحسّ ، والحسّ لا يتناول إلاّ ظواهر الطبيعة ، ولا ينفذ إلى الصميم والجوهر ، فهو مقصور على هذه الظواهر التي يمتد إليها الحسّ التجريبي ، وتقوم بذلك هوّة فاصلة بين الظواهر والجوهر فالظواهر هي الأشياء لذاتنا ؛ لأنّها الجانب السطحي القابل للإدراك من الطبيعة ، والجوهر هو الشيء في ذاته ، ولا تنفذ إليه المعرفة البشرية
ويحاول (جورج بوليتزير) القضاء على هذه الثنائية بحذف المادّة أو الجوهر من الواقع الموضوعي ، فهو يؤكّد على أنّ الجدل لا يميّز بين صفات الشيء والشيء في ذاته ، بل يعتبر الشيء عبارة عن مجموعة الصفات والظواهر
ومن الواضح : أنّ هذا لون من ألوان المثالية التي نادى بها (باركلي) حين احتجّ على اعتقاد الفلاسفة بوجود مادّة وجوهر وراء الصفات والظواهر التي تبدو لنا في تجاربنا ، وهو لون من المثالية يحتمه المبدأ الحسّي والتجريبي فما دام الحسّ هو القاعدة الأساسية للمعرفة ، وهو لا يدرك سوى الظواهر ، فلا بدّ من إسقاط الجوهر من الحساب ، وإذا سقط فلا يبقى في الميدان إلاّ الظواهر والصفات القابلة للإدراك
الثاني : أنّ الظواهر ـ التي يمكن إدراكها ومعرفتها ـ ليست هي في مداركنا وحواسّنا كما هي في واقعها الموضوعي فالثنائية ليست هنا بين الظاهرة والجوهر ، بل بين الظاهرة كما تبدو لنا ، والظاهرة كما هي موجودة بصورة موضوعية مستقلّة
فهل تستطيع الماركسية أن تقضي على هذه الثنائية ، وتبرهن على أنّ الواقع الموضوعي يبدو لنا في أفكارنا وحواسنا كما هو في مجاله الخارجي المستقلّ ؟
ونجيب بالنفي ما دام الإدراك في المفهوم المادّي عملاً فيزيولوجياً خالصاً
ويلزمنا في هذا الصدد أن نعرف لون العلاقة القائمة بين (الإدراك) أو (الفكرة) أو (الإحساس) و(الشيء الموضوعي) في المفهوم المادّي ، على أساس المادّية الآلية ، وعلى أساس المادّية الديالكتيكية معاً
أمّا على أساس المادّية الآلية ، فالصورة أو الإدراك الحسّي انعكاس للواقع الموضوعي في الجهاز العصبي انعكاساً آلياً ، كما تنعكس الصورة في المرآة أو العدسة ؛ فإنّ المادّية الآلية لا تعترف للمادّة بحركة ونشاط ذاتي ، وتفسّر جميع الظواهر تفسيراً آلياً ، ولذلك لا يمكنها أن تفهم علاقات المادّة الخارجية بالنشاط الذهني للجهاز العصبي ، إلاّ في ذلك الشكل الجامد من الانعكاس
وتواجه ـ حينئذٍ ـ السؤالين التاليين :
هل يوجد في الإحساس شيء موضوعي ، أي : شيء ليس متعلّقاً بالإنسان ، وإنّما انتقل إلى الحسّ من الواقع الخارجي للمادّة ؟
وإذا كان يوجد شيء من هذا القبيل في الإحساس ، فكيف انتقل هذا الشيء من الواقع الموضوعي إلى الإحساس ؟
والمادّية الآلية لا تستطيع أن تجيب على السؤال الأوّل بالإثبات ؛ لأنّها إذا أثبتت وجود شيء موضوعي في الإحساس لزمها أن تبرّر كيفية انتقال الواقع الموضوعي إلى الإحساس الذاتي ، أي : أن تجيب على السؤال الثاني وتفسّر عملية الانتقال ، وهذا ما تعجز عنه ، ولذا فهي مضطرّة إلى أن تضع (نظرية الانعكاس) ، وتفسّر العلاقة بين الفكرة والشيء الموضوعي ، كما تفسّر العلاقة بين صورة المرآة أو العدسة ، والواقع الموضوعي الذي ينعكس فيهما
وأمّا المادّية الديالكتيكية ـ التي لا تجيز الفصل بين المادّة والحركة ، وتعتبر كيفية وجود المادّة هي الحركة ـ فقد حاولت أن تعطي تفسيراً جديداً لعلاقة الفكرة
بالواقع الموضوعي على هذا الأساس ، فزعمت أنّ الفكرة ليست صورة آلية محضاً لذلك الواقع ، بل الواقع يتحوّل إلى فكرة ؛ لأنّ كلاًّ منهما شكل خاصّ من أشكال الحركة ، والفرق الكيفي بين أشكال الحركة وألوانها لا يمنع من تحليل الانتقال من شكل إلى آخر فالمادّة الموضوعية لمّا كانت في كيفية وجودها شكلاً خاصّاً من الحركة ، فتتحوّل هذه الحركة الفيزيائية للشيء إلى حركة نفسية فيزيولوجية في حوّاسنا ، وتتحوّل الحركة الفيزيولوجية إلى حركة نفسيةللفكرة (١) ، فليس موقف الفكر موقفاً سلبياً ، وليس الانعكاس انعكاساً آلياً كما هو مفهوم الفكر لدى المادّية الآلية .
وهذه المحاولة من المادّية الديالكتيكية لا يمكن أن تنجح في كشف علاقة بين الشيء والفكرة ، عدا علاقة سبب بنتيجة ، وعلاقة واقع بصورة منعكسة عنه ؛ نظراً إلى أنّ تحوّل الحركة الفيزيائية للشيء إلى حركة فيزيولوجية ـ وبالتالي إلى حركة نفسية ـ ليس هو المفهوم الصحيح أو التفسير المعقول للحسّ أو الفكر ؛ فإنّ التحوّل يعني فناء الشكل الأوّل من الحركة والانتقال إلى شكل جديد ، كما نقول في حركة المطرقة على السندان : إنّها تتحوّل إلى حرارة والحرارة والحركة الآلية شكلان من أشكال الحركة فالقوّة التي كانت تعبّر عن وجودها في شكل خاصّ من الحركة ـ وهو الحركة الآلية ـ تحوّلت من ذلك الشكل إلى تعبير جديد لها في شكل جديد ، وهو الحرارة فالحرارة تحتفظ بنفس مقدار القوّة التي كانت تعبّر عن وجودها بالحركة الآلية هذا هو التحوّل بمعناه الدقيق للحركة من لون إلى آخر ولنفترض أنّه أمر معقول ، ولكن ليس من المعقول تفسير الحسّ أو الفكر بعملية تحوّل كهذه ؛ وذلك لأنّ الحركة الفيزيائية للواقع الموضوعي المحسوس
لا تتحوّل بالإحساس إلى حركة نفسية ، لأنّ التحوّل يعني تبدّل الحركة من شكل إلى شكل ، ومن الواضح أنّ الحركة الطبيعية أو الفيزيائية للمادّة المحسوسة لا تتبدّل هكذا إلى حركة فيزيولوجية أو فكرية ؛ إذ إن معنى تبدّلها كذلك زوال الشكل الأوّل من الحركة ، وبالتالي زوال المادّة التي تعبّر عن وجودها في ذلك الشكل الخاصّ
فليست الحركة الموضوعية للشيء المحسوس كحركة المطرقة ، وليس الإحساس تحويلاً لتلك الحركة الموضوعية ـ التي هي كيفية وجود المادّة ـ إلى حركة نفسية ، كما تتحوّل حركة المطرقة إلى حرارة ، وإلاّ لكان الإحساس عملية تبديل للمادّة إلى فكرة كما تتبدّل الحركة الآلية إلى حرارة
وعلى هذا فليست مسألة الإدراك مسألة تحوّل الحركة الفيزيائية إلى حركة نفسية ، الذي هو بعينه عبارة عن تحوّل الواقع الموضوعي إلى فكرة ، بل يوجد للشيء المحسوس والمدرَك واقع موضوعي ، وللإحساس وجود آخر في نفوسنا ، ما دام هناك وجودان : وجود ذاتي للإحساس أو الفكر ، ووجود موضوعي للشيء المحسوس ، فلا نستطيع أن نفهم الصلة بين هذين الوجودين إلاّ كما نفهم الصلة بين سبب ونتيجة ، وكما نفهم العلاقة بين واقع وصورة منعكسة عنه
ونواجه عند هذا بكلّ وضوح المسألة الأساسية التي نحن بصددها ، وهي : أنّ الفكرة ما دامت نتيجة للشيء الموضوعي ، وما دامت العلاقة المفهومة بينهما هي علاقة السببية ، فلماذا يجب أن نفترض أنّ هذه النتيجة وسببها يختلفان عن سائر النتائج وأسبابها ، ويمتازان عليها بخاصّة ، وهي : أنّ النتيجة تصوِّر لها سببها وتعكسه انعكاساً تامّاً ؟! فهناك كثير من الوظائف الفيزيولوجية هي نتائج أسباب خارجية معيّنة ، ولم نجد في واحدة من النتائج القدرة على تصوير سببها ، وإنّما تدلّ دلالة غامضة
على وجود أسباب لها خارج نطاقها ، فكيف نستطيع أن نعترف للفكرة بأكثر من هذه الدلالة الغامضة ؟! وهب أنّ الماركسية نجحت في تفسير الفكر والإدراك بعملية تحوّل للحركة الفيزيائية إلى حركة نفسية ، فهل يعني هذا : أنّ الفكرة تستطيع أن تطابق الواقع الموضوعي بصورة كاملة ؟! إنّ هذا التفسير يجعلنا ننظر إلى الفكرة وواقعها الخارجي كما ننظر إلى الحرارة والحركة الآلية التي تتحوّل إليها
ومن الواضح : أنّ الاختلاف الكيفي بين شكلي الحركة فيهما يجعلهما غير متطابقين ، فكيف نفترض التطابق بين الفكرة وواقعها الموضوعي ؟!
ويبدو على المدرسة الماركسية لون من الاضطراب والتشويش عند مواجهتها هذه المشكلة ويمكننا أن نستخلص دليلين لها على هذه النقطة من عدّة نصوص متفرّقة ومشوّشة : أحدهما دليل فلسفي ، والآخر دليل بيولوجي علمي
أمّا الدليل الفلسفي فيلخّصه النصّ التالي :
(إنّ الفكر يستطيع أن يعرف الطبيعة معرفة تامّة ؛ ذلك لأنّه يؤلّف جزءاً منها ؛ ذلك لأنّه نتاجها والتعبير الأعلى عنها إنّ الفكر هو الطبيعة تعي ذاتها في ضمير الإنسان يقول لينين : (إنّ الكون هو حركة للمادّة تخضع لقوانين ، ولمّا لم تكن معرفتنا إلاّ نتاجاً أعلى للطبيعة ، لا يسعها إلاّ أن تعكس هذه القوانين)
ولقد كان (أنجلز) يبيّن في كتابه (آنتي دوهرنغ) : (أنّ المادّية الفلسفية هي وحدها التي تستطيع تأسيس قيمة المعرفة على دعائم متينة حين يؤخذ الوعي والفكر على أنّهما شيئان معطيان ،
كانا في زمان يتعارضان مع الطبيعة ومع الكائن ، عندئذٍ يؤدّي ذلك بنا حتماً إلى أن نجد- رائعاً جدّاً- كون وعينا للطبيعة وتفكير الكائن وقوانين الفكر متطابقة إلى أبعد حد ولكن إذا تساءلنا : ما هو الفكر ؟ وما هو الوعي ؟ ومن أين يأتيان ؟ وجدنا أنّ الإنسان هو نفسه نتاج للطبيعة ، نما في بيئة ومع نموّ هذه البيئة ، وعندئذٍ يصبح في غنىً عن البيان : كيف أنّ منتوجات الذهن البشري التي هي- أيضاً- عند آخر تحليل منتوجات الطبيعة ليست في تناقض ، وإنّما في توافق مع سائر الطبيعة المترابطة)(١)
إنّ الفكر في المفهوم الماركسي جزء من الطبيعة أو نتاج أعلى لها ولنفترض أنّ هذا صحيح ـ وليس هو بصحيح ـ فهل يكفي ذلك لأجل أن نبرهن على إمكان معرفة الطيبعة بصورة كاملة ؟! صحيح أنّ الفكر إذا كان جزءاً من الطبيعة ونتاجاً لها فهو يمثّل بطبيعة الحال قوانينها ، ولكن ليس معنى هذا : أنّ الفكر بهذا الاعتبار يصبح معرفة صحيحة للطبيعة وقوانينها أوَ ليس الفكر الميتافيزيقي أو المثالي فكراً ؛ وبالتالي جزءاً من الطبيعة ونتاجاً لها في الزعم المادّي ؟! أوَ ليست جميع محتويات العمليات الفيزيولوجية ظواهر طبيعية ونتاجاً للطبيعة ؟!
فقوانين الطبيعة- إذن- تتمثّل في تفكير المادّي الجدلي وتجري عليه ، وفي التفكير المثالي والميتافيزيقي على السواء ، كما تتمثّل في جميع العمليات
____________________
(١) ما هي المادّية ؟ : ٤٦ ـ ٤٧
والظواهر الطبيعية ، فلماذا يكون الفكر الماركسي معرفة صحيحة للطبيعة دون غيره من هذه الأمور مع أنّها جميعاً نتاجات طبيعية تعكس قوانين الطبيعة ؟!
وبهذا نعرف أنّ مجرّد اعتبار الفكر ظاهرة للطبيعة ونتاجاً منها ، لا يكفي لأن يكون معرفة حقيقية للطبيعة ، بل لا يضع بين الفكرة وموضوعها إلاّ علاقة السببية الثابتة بين كلّ نتيجة وسببها الطبيعي وإنّما تكون الفكرة معرفة حقيقية إذا آمنا فيها بخاصّة الكشف والتصوير ، التي تمتاز بها على كلّ شيء آخر
وأمّا الدليل البيولوجي على مطابقة الإدراك أو الإحساس للواقع الموضوعي ، فهو ما يعرضه لنا النصّ التالي :
(لا تستطيع المعرفة أن تكون وهي في مستوى الإحساس نافعة بيولوجياً في حفظ الحياة ، إلاّ إذا كانت تعكس الواقع الموضوعي)(١)
(فإذا كان صحيحاً أنّ الإحساس ليس إلاّ رمزاً دون أيّما شبه بالشيء ، وإذا كان يمكن بالتالي تطابق أشياء عديدة متغايرة ، أو أشياء وهمية ومثلها تماماً أشياء واقعية ، عندئذٍ يكون التعوّد البيولوجي على البيئة مستحيلاً ؛ إذا افترضنا أنّ الحواسّ لا تتيح لنا تعيين اتّجاهنا بيقين وسط الأشياء ، والردّ عليها بفعّالية ، بَيْد أنّ كلّ النشاط العملي البيولوجي للإنسان والحيوان يدلّنا على درجات اكتمال هذا التعوّد)(٢)
____________________
(١) ما هي المادّية ؟ : ٦٢
(٢) نفس المصدر : ٣٥ ـ ٣٦
وواضح أنّ النسبة في الحسّ لا تعني أنّ أشياءَ عديدة ومتغايرة تشترك في رمز حسّي واحد ، ليسقط هذا الرمز عن القيمة نهائياً ، ويعجز عن تعيين الاتّجاه الذي يحفظ لنا حياتنا ويحدّد موقفنا من الأشياء الخارجية ، بل النظرية النسبية الفيزيولوجية تقوم على أساس أنّ كلّ لون من الإحساس فهو رمز يختصّ بواقع موضوعي معيّن ، لا يمكن أن يرمز إليه بلون آخر من ألوان الحسّ ، ويتاح ـ حينئذٍ ـ لنا أن نحدّد موقفنا من الأشياء على ضوء تلك الرموز ، ونردّ عليها بالفعّالية التي تنسجم مع الرمز وتتطلّبها طبيعة الحياة تجاهه
الحركة الديالكتيكية في الفكر :
وتناولت الماركسية بعد ذلك المذهب النسبي في الحقيقة ، فاعتبرته نوعاً من السفسطة ؛ لأنّ النسبية فيه تعني : تغيّر الحقائق من ناحية ذاتية ، وقرّرت النسبية بشكل جديد ، أوضحت فيه تغيّر الحقائق طبقاً لقوانين لتطوّر والتغيّر في المادّة الخارجية
فليست في الفكر الإنساني حقائق مطلقة ، وإنّما الحقائق التي ندركها نسبية دائماً ، وما يكون حقيقة في وقت يكون بنفسه خطأ في وقت آخر ، وهذا ما تتّفق عليه النسبية والماركسية معاً وتزيد الماركسية بالقول : إنّ هذه النسبية وهذه التغيّرات والتطوّرات في الحقيقة ليست إلاّ انعكاساً لتغيّرات الواقع ، وتطوّرات المادّة التي نتمثّلها في حقائقنا الفكرية فالنسبية في الحقيقة بنفسها نسبية موضوعية ، وليست نسبية ذاتية ناشئة من جانب الذات المفكّرة ، ولذلك فهي لا تعني عدم وجود معرفة حقيقة للإنسان ، بل الحقيقة النسبية المتطوّرة التي تعكس الطبيعة في تطوّرها ، هي المعرفة الحقيقية في المنطق الديالكتي
قال لينين :
(إنّ المرونة التامّة الشاملة للمفاهيم ، وهي : المرونة التي تذهب إلى حدّ تماثل الأضداد ، ذلك جوهر القضية إنّ هذه المرونة إذا استخدمت على نحو ذاتي تفضي إلى الانتقائية والسفسطة والمرونة المستخدمة موضوعياً ، يعني بكونها تعكس جميع جوانب حركة التطوّر المادّية ووحدتها ، إنّما هي الديالكتيك ، وهي الانعكاس الصحيح للتطوّر الأبدي للعالم(١)
وقال أيضاً :
(نستطيع بانطلاقنا من المذهب النسبي البحت تبرير كلّ نوع من أنواع السفسطة)(٢)
وقال كيدروف :
(ولكن قد توجد ثمّة نزعة ذاتية ، ليس فقط حينما نعمل على أساس المنطق الشكلي بمقولاته الساكنة الجامدة ، وإنّما ـ أيضاً ـ حينما نعمل بواسطة مقولات مرنة متحوّلة ففي الحالة الأولى نصل إلى الغيبية ، وفي الثانية نصل إلى المذهب النسبي والسفسطائية والانتقائية)(٣)
وقال أيضاً :
(يقتضي المنطق الديالكتي الماركسي أن يطابق
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ٥٠ ـ ٥١ نقلاً عن : الدفاتر الفلسفيّة : ٨٤
(٢) المرجع ذاته : ٥١ نقلاً عن الدفاتر الفلسفيّة : ٣٢٨
(٣) المرجع ذاته : ٥٠
انعكاس العالم الموضوعي في ضمير الإنسان الشيء المنعكس ، وأن لا يتضمّن شيئاً غريباً عنه شيئاً جيء به على نحو ذاتي إنّ التفسير الذاتي وفقاً لوجهة النظر النسبية ولمرونة المفاهيم ، هو إضافة غريبة تماماً ، كمبالغة الغيبية الذاتية في تجريدات المنطق الشكلي)(١)
هذه النصوص تدلّ على المحاولة التي اتّخذتها الماركسية لترفع على أساسها يقينها الفلسفي ، وهي محاولة تطبيق قانون الديالكتيك على الحقيقة فالإنسان وإن لم تكن لديه حقيقة مطلقة في مجموع أفكاره ، غير أنّ سلبية إمكان الحقيقة المطلقة عن أفكاره ليس لأجل أنّها كومة من أخطاء مطلقة تجعل المعرفة الصحيحة مستحيلة على الإنسان نهائياً ، بل لأنّ الحقائق التي يملكها الفكر الإنساني حقائق تطوّرية ، تنمو وتتكامل على طبق قوانين الديالكتيك ، فهي لذلك حقائق نسبية وفي حركة مستمرّة
قال لينين :
(يجب أن لا يتصوّر الفكر (يعني الإنسان) الحقيقة في شكل مجرّد مشهد (صورة شاحبة باهتة) بدون حركة إنّ المعرفة هي الاقتراب اللامتناهي الأبدي للفكر نحو الشيء يجب فهم انعكاس الطبيعة في فكر الإنسان ليس كشيء جامد مجرّد ، بدون حركة ، بدون تناقضات ، وإنّما كعملية تطوّر أبدية للحركة لولادة التناقضات وحلّ هذه التناقضات)(٢)
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ٥١
(٢) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ١٠ نقلاً عن الدفاتر الفلسفيّة : ١٦٧ ـ ١٦٨
وقال أيضاً :
(من المهمّ في نظرية المعرفة ـ كما في جميع حقول العلم الأخرى ـ أن يكون التفكير دائماً ديالكتيكياً ، أي : أن لا يفرض- مطلقاً- كون وعينا ثابتاً لا يتطوّر)(١)
وقال كيدروف :
(أمّا المنطق الديالكتي ، فهو لا يواجه هذا الحكم كأنّه شيء مكتمل ، بل بوصفه تعبيراً عن فكرة قادرة على أن تنمو وأن تتحرّك وأيّاً ما كانت بساطة حكمٍ ما ، ومهما بدا عادياً هذا الحكم ، فهو يحتوي على بذور أو عناصر تناقضات ديالكتيكية ، تتحرّك وتنمو داخل نطاقها المعرفة البشرية كلّها)(٢)
وأشار كيدروف إلى كلمة يحدّد فيها لينين أسلوب المنطق الديالكتي في التفكير ؛ إذ يقول :
(يقتضي المنطق الديالكتي أن يؤخذ الشيء في تطوّره ، في نمائه ، في تغيّره)
وعقّب على ذلك بقوله :
(وخلافاً للمنطق الديالكتي ، يعمد المنطق الشكلي إلى حلّ مسألة الحقيقة حلاً أوّلياً إلى أبعد حدّ بواسطة صيغة (نعم- لا) إنّه يعلم الإجابة بكلمة واحدة وبصورة قاطعة على
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ١١
(٢) المصدر السابق : ٢٠ ـ ٢١
السؤال : الظاهرة تلك موجودة أم لا ؟ والإجابة- مثلاً- بـ (نعم) على السؤال : هل الشمس موجودة ؟ وبـ (لا) على السؤال : هل الدائرة المربّعة موجودة ؟ في المنطق الشكلي يقف الإنسان عند حدّ إجابات بسيطة جدّاً ، نعم أو لا ، أي : عند حدّ تمييز نهائي بين الحقيقة والخطأ لهذا السبب تواجه الحقيقة باعتبارها شيئاً معطىً ساكناً ثابتاً نهائياً ، ومتعارضاً تعارضاً مطلقاً مع الخطأ)(١)
تخلص معنا من هذه النصوص الماركسية آراء ثلاثة ، يرتبط بعضها ببعض كلّ الارتباط :
الأوّل : أنّ الحقيقة في نموّ وتطوّر ، يعكس نموّ الواقع وتطوّره
الثاني : أنّ الحقيقة والخطأ يمكن أن يجتمعا ، فتكون الفكرة الواحدة خطأ وحقيقة ، وليس هناك تعارض مطلق بين الخطأ والحقيقة ، كما يؤمن به المنطق الشكلي ، على حدّ تعبير (كيدروف)
الثالث : أنّ أيّ حكم مهما بدت الحقيقية فيه واضحة فهو يحتوي على تناقض خاصّ ، وبالتالي على جانب من الخطأ وهذا التناقض هو الذي يجعل المعرفة والحقيقة تنمو وتتكامل
[ نقد الحركة الديالكتيكية في الفكر : ]
فهل الحقيقة القائمة في فكر الإنسان تتطوّر وتتكامل حقيقة ؟ وهل يمكن للحقيقة أن تجتمع مع الخطأ ؟
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ١٣ ـ ١٤
وهل تحتوي كلّ حقيقة على نقيضها وتنمو بهذا التناقض الداخلي ؟
هذا ما نريد أن نتبيّنه فعلاً
أ- تطوّر الحقيقة وحركتها :
يجب قبل كلّ شيء أن نعرف ماذا يراد بالحقيقة القائمة في الفكر الإنساني التي آمنت الماركسية بنموّها وتكاملها ؟
إنّ الفلسفة الواقعية تؤمن بواقع خارج حدود الشعور والذهن ، وتعتبر التفكير ـ أيّ تفكير كان ـ محاولة لعكس ذلك الواقع وإدراكه وعلى هذا ، فالحقيقة هي الفكرة المطابقة لذلك الواقع والمماثلة له والخطأ يتمثّل في الفكرة أو الرأي أو العقيدة التي لا تطابق الواقع ولا تماثله فالمقياس الفاصل بين الحقّ والباطل ، بين الحقيقة والخطأ هو : مطابقة الفكرة للواقع
والحقيقة بهذا المفهوم الواقعي هي موضوع العراك الفلسفي العنيف بين الواقعيين من ناحية ، والتصوّريين والسفسطائيين من ناحية أخرى فالواقعيون يؤكّدون على إمكانها ، والتصوّريون أو السفسطائيون ينفونها أو يتردّدون في القدرة البشرية على الظفر بها
غير أنّ لفظ (الحقيقة) قد استخدمت له عدّة معانٍ أخرى ، تختلف كلّ الاختلاف عن مفهومها الواقعي الآنف الذكر ، وابتعد بذلك عن الميدان الأساسي للصراع بين فلسفة اليقين ، وفلسفات الشكّ والإنكار
فمن تلك التطويرات الحديثة التي طرأت على الحقيقة ، تطوير النسبية الذاتية الذي شاء أن يضع للفظ (الحقيقة) مفهوماً جديداً فاعتبر (الحقيقة) عبارة عن الإدراك الذي يتّفق مع طبيعة الجهاز العصبي وشروط الإدراك فيه وقد مرّ حديثنا عن النسبيّة الذاتية ، وقلنا : إنّ إعطاء (الحقيقة) هذا المفهوم يعني أنّها
ليست أكثر من تعبير عن شيء ذاتي ، فلا تصبح (الحقيقة) حقيقة إلاّ من ناحية اسمية فقط وبذلك تفقد (الحقيقة) في المفهوم النسبي الذاتي صفتها كموضوع للنزاع والصراع الفلسفي بين اتّجاهات اليقين والشكّ والإنكار في الفلسفة فالنسبية الذاتية مذهب من مذاهب الشكّ يتبرقع بستار من الحقيقة
وهناك تفسير فلسفي آخر (للحقيقة) ، وهو الذي يقدّمه لنا (وليم جيمس) في مذهبه الجديد في المعرفة الإنسانية : (البراجماتزم) أو (مذهب الذرائع) وليس هذا التفسير بأدنى إلى الواقعية أو أبعد عن فلسفات الشكّ والإنكار من التفسير السابق الذي حاولته النسبية الذاتية
ويتلخّص مذهب (البراجماتزم) في تقديم مقياس جديد لوزن الأفكار والفصل فيها بين الحقّ والباطل ، وهو : مقدرة الفكرة المعيّنة على إنجاز أغراض الإنسان في حياته العملية فإن تضاربت الآراء وتعارضت ، كان أحقّها وأصدقها هو أنفعها وأجداها ، أي : ذلك الذي تنهض التجربة العملية دليلاً على فائدته والأفكار التي لا تحقّق قيمة عملية ولا يوجد لها آثار نافعة فيما تصادف من تجارب الحياة ، فليست من الحقيقة بشيء ، بل يجب اعتبارها ألفاظاً جوفاء لا تحمل من المعنى شيئاً
فمردّ الحقائق جميعاً في هذا المذهب إلى حقيقة عليا في الوجود ، وهي الاحتفاظ بالبقاء أوّلاً ، ثمّ الارتفاع بالحياة نحو الكمال ثانياً فكلّ فكرة يمكن استعمالها كأداة للوصول إلى تلك الحقيقة العليا فهي حقّ صريح وحقيقة يجب تصديقها ، وكلّ فكرة لا تصنع شيئاً في هذا المضمار فلا يصحّ الأخذ بها
وعلى هذا الأساس عرّف (برغسون) الحقيقة : بأنّها اختراع شيء جديد ، وليست اكتشافاً لشيء سبق وجوده وعرّفها (شلر) بأنّها ما تخدم الإنسان وحده وحدّد (ديوي) وظيفة الفكرة قائلاً : إنّ الفكرة أداة لترقية الحياة ، وليست
وسيلة إلى معرفة الأشياء في ذاتها(١)
وفي هذا المذهب خلط واضح بين (الحقيقة) نفسها ، والهدف الأساسي من محاولة الظفر بها فقد ينبغي أن يكون الغرض من اكتساب الحقائق ، هو استثمارها في المجال العملي والاستنارة بها في تجارب الحياة ، ولكن ليس هذا هو معنى (الحقيقة) بالذات ونلخّص الردّ عليه فيما يأتي :
أوّلاً : أنّ إعطاء المعنى العملي البحت للحقيقة ، وتجريدها من خاصّة الكشف عمّا هو موجود وسابق ، استسلام مطلق للشكّ الفلسفي الذي تحارب التصوّرية والسفسطة لأجله ، وليس مجرّد الاحتفاظ بلفظة (الحقيقة) في مفهوم آخر كافياً للردّ عليه أو التخلّص منه
ثانياً : أنّ من حقّنا التساؤل عن هذه المنفعة العملية التي اعتُبرت مقياساً للحقّ والباطل في (البراجماتزم) : أهي منفعة الفرد الخاصّ الذي يفكر ؟! أو منفعة الجماعة ؟ ومن هي هذه الجماعة ؟ وما هي حدودها ؟ وهل يقصد بها النوع الإنساني بصورة عامّة أو جزء خاصّ منه ؟ وكلّ من هذه الافتراضات لا تعطي تفسيراً معقولاً لهذا المذهب الجديد
فالمنفعة الشخصية إذا كانت هي المعيار الصحيح للحقيقة ، وجب أن تختلف الحقائق باختلاف مصالح الأفراد ، فتحدث بسبب ذلك فوضى اجتماعية مريعة حين يختار كلّ فرد حقائقه الخاصّة ، دون أيّ اعتناء بحقائق الآخرين المنبثقة عن مصالحهم ، وفي هذه الفوضى ضرر خطير عليهم جميعاً
وأمّا إذا كانت المنفعة الإنسانية العامّة هي المقياس ، فسوف يبقى هذا المقياس معلّقاً في عدّة من البحوث والمجالات ؛ لتضارب المصالح البشرية
____________________
(١) راجع : توفيق الطويل ، أسس الفلسفة : ٦٦ و ٤٠٥
واختلافها في كثير من الأحايين ، بل لا يمكن البت ـ حينئذٍ ـ بحقيقة مهما كانت ، ما لم تمرّ بتجربة اجتماعية طويلة الأمد ومعنى ذلك : أنّ (جيمس) نفسه لا يمكنه أن يعتبر مذهبه (البراجماتزم) صحيحاً ما لم يمرّ بهذه التجربة ، ويثبت جدارته في الحياة العملية وهكذا يوقف المذهب نفسه
ثالثاً : أنّ وجود مصلحة للإنسان في صدق فكرة ما ، لا يكفي لإمكان التصديق بها فالملحد لا يمكنه أن يصدّق بالدين ولو آمن بدوره الفعّال في تسلية الإنسان ، وإنعاش آماله ومواساته في حياته العملية ، فهذا (جورج سنتيانا) يصف الإيمان بأنّه (غلطة جميلة ، أكثر ملاءمة لنوازع النفس من الحياة نفسها)(١)
فليس التصديق بفكرة نظير الألوان الأخرى من النشاط العملي التي يمكن للإنسان أن يقوم بها إذا تحقّق من فائدتها وهكذا يقوم (البراجماتزم) على عدم التفرقة بين التصديق (النشاط الذهني الخاصّ) ومختلف النشاطات العملية التي يباشرها الإنسان على ضوء مصالحه وفوائده
ونخلص من هذه الدراسة إلى أنّ المفهوم الوحيد (للحقيقة) الذي يمكن للفلسفة الواقعية اتّخاذه ، هو : (الفكرة المطابقة للواقع)
والماركسية التي تنادي بإمكان المعرفة الحقيقية ، وترفض لأجل ذلك النزعات التصوّرية والشكّية والسفسطائية ، إن كانت تعني بـ (الحقيقة) مفهوماً آخر غير مفهومها الواقعي ، فهي لا تتعارض مع تلك المذاهب مطلقاً ؛ لأنّ مذاهب الشكّ والسفسطة إنّما ترفض (الحقيقة) بمعنى الفكرة المطابقة للواقع ، ولا ترفض لفظ (الحقيقة) بأيّ مفهوم كان فلا يمكن للماركسية أن تبرأ من نزعات الشكّ والسفسطة لمجرّد اتّخاذ لفظ (الحقيقة) وبلورته في مفهوم جديد
____________________
(١) قصّة الفلسفة الحديثة ٢ : ٤٠٢
فيجب إذن ؛ لأجل رفض تلك النزعات حقّاً ، أن تأخذ الماركسية (الحقيقة) بمفهومها الواقعي الذي ترتكز عليه الفلسفة الواقعية ؛ حتّى يمكن اعتبارها فلسفة واقعية مؤمنة بالقيم الموضوعية للفكر حقّاً
وإذا عرفنا المفهوم الواقعي الصحيح (للحقيقة) ، حان لنا أن نتبيّن ما إذا كان من الممكن (للحقيقة) بهذا المفهوم الذي تقوم على أساسه الواقعية أن تتطوّر وتتغيّر بحركة صاعدة كما تعتقد الماركسية أو لا ؟ إنّ (الحقيقة) لا يمكن أن تتطوّر وتنمو ، وأن تكون محدودة في كلّ مرحلة من مراحل تطوّرها بحدود تلك المرحلة الخاصّة ، بل لا تخرج الفكرة ـ كلّ فكرة ـ عن أحد أمرين : فهي إمّا حقيقة مطلقة وإمّا خطأ
وأنا أعلم أنّ هذه الكلّمات تثير اشمئزاز الماركسيين ، وتجعلهم يقذفون الفكر الميتافيزيقي بما تعوّدوا إلصاقه به من تهم ، فيقولون : إنّ الفكر الميتافيزيقي يجمّد الطبيعة ويعتبرها حالة ثبات وسكون ؛ لأنّه يعتقد بالحقائق المطلقة ، ويأبى عن قبول مبدأ التطوّر والحركة فيها ، وقد انهار مبدأ الحقائق المطلقة تماماً باستكشاف تطوّر الطبيعة وحركتها
ولكنّ الواقع الذي يجب أن يفهمه قارئنا العزيز : أنّ الإيمان بالحقائق المطلقة ورفض التغيّر والحركة فيها لا يعني مطلقاً تجميد الطبيعة ، ولا ينفي تطوّر الواقع الموضوعي وتغيّره ونحن في مفاهيمنا الفلسفية نعتقد بأنّ التطوّر قانون عام في عالم الطبيعة ، وأنّ كينونته الخارجية في صيرورة مستمرّة ، ونرفض في نفس الوقت كلّ توقيت للحقيقة وكلّ تغيّر فيها
ولنفرض- لإيضاح ذلك- أنّ سبباً معيّناً جعل الحرارة تشتدّ في ماء خاص ، فحرارة هذا الماء بالفعل في حركة مستمرّة ، وتطوّر تدريجي ومعنى ذلك : أنّ كلّ درجة من الحرارة يبلغها الماء فهي درجة مؤقّتة ، وسوف يعبرها الماء
بصعود حرارته إلى درجة أكبر فليس للماء في هذا الحال درجة حرارة مطلقة هذا هو حال الواقع الموضوعي القائم في الخارج ، فإذا قسنا حرارته في لحظة معيّنة ، فكانت الحرارة فيه حال تأثّر المقياس بها قد بلغت (٩٠) مثلاً ، فقد حصلنا على حقيقة عن طريق التجربة ، وهذه الحقيقة هي أنّ درجة حرارة الماء في تلك اللحظة المعيّنة كانت (٩٠) وإنّما نقول عنها : إنّها حقيقة ؛ لأنّها فكرة تأكّدنا من مطابقتها للواقع ، أي : لواقع الحرارة في لحظة خاصّة ومن الطبيعي أنّ حرارة الماء سوف لا تقف عند هذه الدرجة ، بل إنّها سوف تتصاعد حتّى تبلغ درجة الغليان
ولكنّ الحقيقة التي اكتسبناها هي : (الحقيقة) لم تتغيّر ، بمعنى : أنّا متى لاحظنا تلك اللحظة الخاصّة التي قسنا حرارة الماء فيها ، نحكم ـ بكلّ تأكيد ـ بأنّ حرارة الماء كانت بدرجة (٩٠) فدرجة (٩٠) من الحرارة التي بلغها الماء وإن كانت درجة مؤقّتة بلحظة خاصّة من الزمان وسرعان ما اجتازتها الحرارة إلى درجة أكبر منها ، إلاّ أنّ الفكرة التي حصلت لنا بالتجربة (وهي : أنّ الحرارة في لحظة معيّنة كانت في درجة (٩٠)) فكرة صحيحة وحقيقة مطلقة ، ولذا نستطيع أن نؤكّد صدقها دائماً ولا نعني بالتأكيد على صدقها بصورة دائمة : أنّ درجة (٩٠) كانت هي الدرجة الثابتة لحرارة الماء على طول الخطّ ؛ فإنّ الحقيقة التي اكتسبناها بالتجربة لا تتناول حرارة الماء إلاّ في لحظة معيّنة ، فحين نصفها بأنّها حقيقة مطلقة وليست مؤقتة ، نريد بذلك : أنّ الحرارة في تلك اللحظة المعيّنة قد تعيّنت في درجة (٩٠) بشكل نهائي ، فالماء وإن جاز أن تبلغ حرارته درجة (١٠٠) مثلاً عقيب تلك اللحظة ، ولكن من غير الجائز أن يعود ما عرفناه من درجة الحرارة عن تلك اللحظة الخاصّة خطأ بعد أن كان حقيقة
وإذا عرفنا أنّ (الحقيقة) هي : الفكرة المطابقة للواقع ، وتبينّا أنّ الفكرة إذا
كانت مطابقة للواقع في ظرف معيّن ، فلا يمكن أن تعود بعد ذلك فتخالف الواقع في ذلك الظرف بالذات ، أقول : إذا علمنا ذلك كلّه يتجلّى بوضوح الخطأ في تطبيق قانون الحركة على الحقيقة ؛ لأنّ الحركة تثبت التغيّر في الحقيقة ، وتجعلها ـ دائماً ـ حقيقة نسبية ومؤقتة بمرحلتها الخاصّة من التطوّر ، وقد عرفنا أنّه لا تغيّر ولا توقيت في الحقائق ، كما أنّ التطوّر والتكامل في الحقيقة يعني : أنّ الفكرة تصبح بالحركة حقيقية بشكل أقوى ، كما أنّ الحرارة ترتقي بالحركة إلى درجة أكبر ، مع أنّ الحقيقة تختلف عن الحرارة فالحرارة يمكن أن تشتدّ وتقوى ، وأمّا الحقيقة فهي ـ كما عرفنا ـ تعبّر عن الفكرة المطابقة للواقع ، ولا يمكن أن تقوى مطابقة الفكرة للواقع وتشتدّ كما هو شأن الحرارة ، وإنّما يجوز أن ينكشف للفكر الإنساني جانب جديد من ذلك الواقع لم يكن يعلم به قبل ذلك ، غير أنّ هذا ليس تطوّراً للحقيقة المعلومة سلفاً ، وإنّما هو حقيقة جديدة يضيفها العقل إلى الحقيقة السابقة
فإذا كنّا نعرف ـ مثلاً ـ أنّ ماركس تأثّر بمنطق هيجل ، فهذه المعرفة هي الحقيقة الأُولى التي عرفناها عن علاقة ماركس بفكر هيجل وحين نطالع بعد ذلك تاريخه وفلسفته نعرف أنّه كان على النقيض من مثالية هيجل ، كما نعرف أنّه اتّخذ جدله فطبّقه تطبيقاً مادّياً على التاريخ والاجتماع ، إلى غير ذلك من العلاقات الفكرية بين الشخصين فكلّ هذه معارف جديدة تكشف عن جوانب مختلفة من الواقع ، وليست نموّاً وتطوّراً للحقيقة الأُولى التي حصلنا عليها منذ البدء
وليس تحمّس المدرسة الماركسية لإخضاع (الحقيقة) لقانون الحركة والتطوّر ، إلاّ لأجل القضاء على الحقائق المطلقة التي تؤمن بها الفلسفة الميتافيزيقية
وقد فاتها أنّها تقضي على مذهبها بالحماس لهذا القانون ؛ لأنّ الحركة إذا كانت قانوناً عاماً للحقائق فسوف يتعذّر إثبات أيّة حقيقة مطلقة ، وبالتالي يسقط قانون الحركة بالذات عن كونه حقيقة مطلقة
فمن الطريف أنّ الماركسية تؤكّد على حركة (الحقيقة) وتغيّرها طبقاً لقانون الديالكتيك ، وتعتبر أنّ هذا الكشف هو النقطة المركزية لنظريتهم في المعرفة ، وتتغافل عن أنّ هذا الكشف بنفسه حقيقة من تلك الحقائق التي آمنوا بحركتها وتغيّرها ، فإذا كانت هذه (الحقيقة) تتحرّك وتتغيّر كما تتحرّك سائر الحقائق بالطريقة الديالكتيكية ، فهي تحتوي على تناقض سوف ينحلّ بتطوّرها وتغيّرها كما يحتّم ذلك الديالكتيك ، وإذا كانت هذه (الحقيقة) مطلقة لا تتحرّك ولا تتغيّر ، كفى ذلك ردّاً على تعميم قوانين الديالكتيك والحركة للحقائق والمعارف ، وبرهاناً على أنّ (الحقيقة) لا تخضع لأصول الحركة الديالكتية فالديالكتيك الذي يراد إجراؤه على الحقائق والمعارف البشرية ، ينطوي على تناقض فاضح وحكم صريح بإعدام نفسه على كلا الحالين فهو إذا اعتبر حقيقة مطلقة انتقضت قواعده ، وتجلّى أنّ الحركة الديالكتيكية لا تسيطر على دنيا الحقائق ؛ لأنّها لو كانت تسيطر عليها لما وجدت حقيقة مطلقة ولو كانت هذه الحقيقة هي الديالكتيك نفسه وإذا اعتبر حقيقة نسبية خاضعة للتطوّر والحركة بمقتضى تناقضاتها الداخلية ، فسوف تتغيّر هذه الحقيقة ويزول المنطق الديالكتيكي ، ويصبح نقيضه حقيقة قائمة
[ب- ] اجتماع الحقيقة والخطأ :
سبق فيما عرضنا من نصوص الماركسية أنّها تعيب على المنطق الشكلي ـ على حدّ تعبيرها ـ إيمانه بالتعارض المطلق بين الخطأ والحقيقة ، مع أنّهما
يجتمعان ما دام الخطأ والحقيقة أمرين نسبيين ، وما دمنا لا نملك حقيقة مطلقة
والفكرة الماركسية القائلة باجتماع الحقيقة والخطأ ترتكز على فكرتين :
إحداهما : الفكرة الماركسية عن تطوّر الحقيقة وحركتها ، القائلة : إنّ كلّ حقيقة تتحرّك وتتغيّر بصورة مستمرّة
والأخرى : الفكرة الماركسية على تناقضات الحركة ، القائلة : إنّ الحركة عبارة عن سلسلة من التناقضات ، فالشيء المتحرّك في كلّ لحظة هو في نقطة معيّنة وليس هو في تلك النقطة ، ولذلك تعتبر الماركسية الحركة نقضاً لمبدأ الهويّة
فكان من نتيجة هاتين الفكرتين : أنّ الحقيقة والخطأ يجتمعان وليس بينهما تعارض مطلق ؛ ذلك أنّ الحقيقة لمّا كانت في حركة ، وكانت الحركة تعني التناقض المستمرّ ، فالحقيقة ـ إذن ـ حقيقة ، وليست بحقيقة بحكم تناقضاتها الحركية
وقد تبينّا فيما قدّمناه مدى خطأ الفكرة الأُولى عن حركة الحقيقة وتطوّرها ، وسوف نعرض بكلّ تفصيل للفكرة الثانية عند تناول الديالكتيك بالدرس المستوعب في المسألة الثانية (المفهوم الفلسفي للعالم) ، وسوف يزداد وضوحاً عند ذاك الخطأ والاشتباه في قوانين الديالكتيك بصورة عامّة ، وفي تطبيقه على الفكرة بصورة خاصّة
ومن الواضح : أنّ تطبيق قوانين الديالكتيك من التناقض والتطوّر على الأفكار والحقائق بالشكل المزعوم ، يؤدّي إلى انهيار القيمة المؤكّدة لجميع المعارف والأحكام العقلية مهما كانت واضحة وبدهية وحتّى الأحكام المنطقية أو الرياضية البسيطة تفقد قيمتها ؛ لأنّها تخضع ـ بموجب التناقضات المحتواة فيها على الرأي الديالكتيكي ـ لقوانين التطوّر والتغيّر المستمرّ ، فلا يؤمن على ما ندركه الآن من الحقائق ـ نظير ٢ + ٢ = ٤ والجزء أصغر من الكلّ ـ أن يتغيّر
بحكم التناقضات الديالكتيكية ، فندركه على شكل آخر(١)
____________________
(١) ومن الطريف حقّاً تلك المحاولات التي تتّخذ باسم العلم لتفنيد البدهيات العقلية ، من رياضية ومنطقية ، مع أنّ العلم لا يمكن أن يقوم إلاّ على أساسها وفيما يلي أمثلة من تلك المحاولات للدكتور نوري جعفر ، ذكرها في كتابه (فلسفة التربية) (ص ٦٦) :
(وفي ضوء ما ذكرناه نستطيع أن نقول : إنّ جميع القوانين العلمية قوانين نسبية ، تعمل في مجالات معيّنة لا تتعدّاها ، ويصدق ما ذكرناه على قوانين الرياضيات وبعض مظاهرها التي تبدو لأوّل وهلة كأنّها من الأمور البديهية التي لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان ، فحاصل جمع (٢ + ٢) مثلاً ، لا يساوي (٤) دائماً من ذلك ـ مثلاً ـ أنّنا إذا جمعنا حجمين من الكحول مع حجمين من الماء ، فالنتيجة تكون أقلّ من ٤ حجوم ممزوجة ، وسبب ذلك راجع إلى أنّ السائلين تختلف جزئيات أحدهما في شدّة تماسكها عن الآخر ، فتنفذ عند المزج جزئيات السائل الأكثر تماسكاً (الماء) من بين الفراغات النسبية الموجودة بين جزئيات الكحول ، وتكون النتيجة مشابهة لخلط مقدار من البرتقال مع مقدار من الرقّي حيث ينفذ قسم من البرتقال من بين الفراغات الموجودة في الرقّي وحاصل جمع كالون من الماء مع كالون من حامض الكبريتيك انفجار مرعب ، على أنّ ذلك الجمع إذا تمّ بدقّة علمية وبشكل يتفادى حدوث الانفجار ، فإنّ النتيجة مع هذا تكون أقلّ من كالونين من المزيج ويكون حاصل جمع (٢ + ٢ = ٢) أحياناً أُخرى ، فإذا خلطنا غازين درجة حرارة كلّ منهما درجتان مئويتان ، فإنّ درجة حرارة الخليط تبقى درجتين)
وهذا النصّ يعرض لنا ثلاث عمليات رياضية :
(أ) أنّ حجمين من الكحول إذا جمعناهما مع حجمين من الماء فالنتيجة تكون أقلّ من (٤) حجوم وهذه العملية تنطوي على مغالطة ، وهي : أنّنا في الحقيقة لم نجمع بين حجمين وحجمين ، وإنّما خسرنا شيئاً في الجمع فظهرت الخسارة في النتيجة ؛ ذلك أنّ حجم الغاز لم
(*)
.............................................
____________________
(*)
يكن متقوِّماً بالجزئيات فحسب ، وإنّما يتقوّم بالجزئيات والفراغ النسبي القائم بينها ، فإذا أحضرنا حجمين من الكحول كان هذان الحجمان يعبّران عن جزئيّات وفراغ بينها لا عن الجزئيات فحسب ، وحين نلقي على الكحول حجمين من الماء وتتسلّل جزئيّات الماء إلى الفراغ النسبي القائم بين جزئيات الكحول فتشغله ، نكون قد فقدنا هذا الفراغ النسبي الذي كان له نصيب من حجم الكحول فلم نجمع ـ إذن ـ بين حجمين من الكحول وحجمين من الماء ، وإنّما جمعنا بين حجمين من الماء وجزئيات حجمين من الكحول ، وأمّا الفراغ النسبي فيها فقد سقط من الحساب وهكذا يتّضح أنّا إذا أردنا أن ندقّق في صوغ العملية الرياضية نقول : إنّ جمع حجمين كاملين من الماء مع حجمين من الكحول باستثناء الفراغ المتخلّل بين جزئياته ، يساوي أربعة حجوم باستثناء ذلك الفراغ نفسه وليست قصّة هذه الحجوم إلاّ كآلاف النظائر والأمثلة الطبيعية التي يشاهدها كلّ الناس في حياتهم الاعتيادية
فماذا نقول في جسم قطني ارتفاعه متر ، وقطعة من حديد ارتفاعها متر أيضاً لو وضعنا أحد الجسمين على الآخر ، فهل ينتج عن ذلك ارتفاع مترين ؟! وفي تراب ارتفاعه متر ، وماء ارتفاعه متر ، ثمّ ألقينا الماء على التراب ، فهل نجني من ذلك ارتفاعاً مضاعفاً ؟! طبعاً لا ، فهل من الجائز أن نعتبر ذلك دليلاً على تفنيد البدهيات الرياضية ؟!
(ب) أنّ جمع كالون من الماء مع كالون من حامض الكبريتيك لا ينتج كالونين ، وإنّما يحصل من ذلك انفجار مرعب
وهذا ـ أيضاً ـ لا يتعارض مع البدهية الرياضية في جمع الأعداد ؛ ذلك أنّ (١ + ١) إنّما يساوي اثنين إذا لم يعدم أحدهما أو كلاهما حال الجمع والمزج ، وإلاّ لم يحصل جمع بين واحد وواحد بمعناه الحقيقي ففي هذا المثال لم تكن الوحدتان ـ الكالونان ـ موجودتين حين إتمام عملية الجمع لينتج اثنين
التعديلات العلمية والحقائق المطلقة :
وقد كتب (أنجلز) ينقد مبدأ الحقيقة المطلقة القائل بسلبية إمكان اجتماعها مع الخطأ ، عن طريق التعديل الذي يطرأ على النظريات والقوانين العلمية ، فقال :
(ولنستشهد على ذلك بقانون (بويل) الشهير ، الذي ينصّ على أنّ حجوم الغازات تتناسب عكسياً مع الضغط الواقع عليها إذا بقيت درجة حرارتها ثابتة وجد (رنيو) بأنّ هذا القانون لا يصحّ في حالات معيّنة ، ولو كان (رنيو) أحد فلاسفة الواقعية لانتهى من ذلك إلى الاستخلاص التالي : بما أنّ قانون (بويل) قابل للتغيّر فهو ليس بحقيقة محضة ، أي : أنّه ليس بحقيقة البتة ، فهو ـ إذن ـ قانون باطل
____________________
(*)
(ج) أنّ جمع غازين درجة حرارة كلّ منهما درجتان مئويتان ، ينتج حرارة الخليط بنفس تلك الدرجة أيضاً من دون مضاعفة
وهذا لون آخر من التمويه ؛ لأنّ العمليّة إنّما جمعت بين غازين وخلطت بينهما ، لا أنّها جمعت بين درجتي الحرارة وإنّما يجمع بين الدرجتين لو ضوعفت الدرجة في موضوعها ، فنحن لم نضف حرارة على حرارة لنترقّب حدوث درجة أضخم للحرارة ، وإنّما أضفنا حارّاً إلى حارّ وخلطنا بينهما
وهكذا يتّضح : أنّ كلّ تشكيك أو نقض يدور حول البدهيات العقلية الضرورية ، مردّه في الحقيقة إلى لون من المغالطة أو عدم إجادة فهم تلك البدهيات وسوف يبدو هذا بكلّ وضوح عند عرضنا لنقوض الماركسية التي حاولت أن تردّ على مبدأ عدم التناقض (المؤلّف قدسسره )
ولو نهج (رنيو) هذا النهج لارتكب خطأً أفظع ممّا تضمنه قانون (بويل) ، ولتاهت ذرّة الحقيقة المنطوي عليها نقده لهذا القانون ، واندفنت بين رمال صحراء الباطل ، ولأفضى به الأمر أخيراً إلى تشويه النتيجة الصائبة التي أدركها ، وإلى إحالتها إلى نتيجة واضحة الأخطاء إذا ما قورنت مع النتيجة التي أدركها قانون (بويل) ، الذي يبدو صحيحاً رغم ما هو عالق به من أخطاء جزئية)(١) ويتلخّص هذا النقد في أنّ الفكر الميتافيزيقي لو كان على صواب فيما يؤمن به للحقائق من إطلاق وتعارض مطلق مع الخطأ ، لوجب رفض كلّ قانون علمي لمجرّد وضوح عدم صحّته جزئياً ، وفي حالات معيّنة فقانون (بويل) بحكم الطريقة الميتافيزيقية في التفكير إمّا أن يكون حقيقة مطلقة ، وإمّا أن يكون خطأً محضاً ، فإذا تبيّن في الميدان التجريبي عدم صحّته أحياناً ، فيجب أن يكون لأجل ذلك خطأً مطلقاً ، وأن لا يكون فيه شيء من الحقيقة ؛ لأنّ الحقيقة لا تجتمع مع الخطأ ، ويخسر العلم بذلك جانب الحقيقة من ذلك القانون
وأمّا في الطريقة الديالكتيكية ، فلا يعتبر ذلك الخطأ النسبي دليلاً على سقوط القانون سقوطاً مطلقاً ، بل هو حقيقة نسبية في نفس الوقت ؛ فإنّ الحقيقة تجتمع مع الخطأ
ولو كان (أنجلز) قد عرف النظرية الميتافيزيقية في المعرفة معرفة دقيقة ، وفهم ما تعني من الحقيقة المطلقة ، لما حاول أن يوجّه مثل هذا النقد إليها إنّ الصحّة والخطأ لم يجتمعا في حقيقة واحدة ، لا في قانون (بويل) ولا في
____________________
(١) ضد دوهرنك : ١٥٣
غيره من القوانين العلمية فالحقيقة من ذلك القانون هي حقيقة مطلقة لا خطأ فيها ، وما هو خطأ منه فهو خطأ محض ، والتجارب العلمية التي قام بها (رنيو) ، والتي أوضحت له مثلاً : أنّ قانون (بويل) لا يصحّ فيما إذا بلغ الضغط الحدّ الذي تتحوّل فيه الغازات إلى سوائل ، لم تقلب الحقيقة إلى الخطأ ، وإنّما شطرت القانون إلى شطرين ، وأوضحت أنّ أحد هذين الشطرين خطأ محض ، فاجتماع الخطأ والحقيقة اجتماع اسمي وليس اجتماعاً بمعناه الصحيح
وفي تعبير واضح : أنّ كلّ قانون علمي صحيح فهو يحتوي على حقائق بعدد الحالات التي يتناولها وينطبق عليها ، فإذا أظهرت التجربة خطأه في بعض تلك الحالات ، وصوابه في البعض الآخر ، فليس معنى ذلك : أنّ الحقيقة نسبية ، وأنّها اجتمعت مع الخطأ ، بل معنى ذلك : أنّ محتوى القانون يطابق الواقع في بعض الحالات دون بعض فالخطأ له موضع وهو في ذلك الموضع خطأ محض ، والحقيقة لها موضع آخر وهي في ذلك الموضع حقيقة مطلقة
والفكر الميتافيزيقي لا يحتّم على العالِم الطبيعي أن يرفض القانون نهائياً إذا ما تبيّن عدم نجاحه في بعض الحالات ؛ لأنّه يعتبر كلّ حالة تمثّل قضية خاصّة بها ، ولا يجب أن تكون القضية الخاصّة بحالة ما خطأ إذا ما كانت القضية الخاصّة بالحالة الأخرى كذلك
وكان يجب على (أنجلز) ـ عوضاً عن تلك المحاولات الصبيانية لتبرير الحقيقة النسبية واجتماعها مع الخطأ ـ أن يتعلّم الفرق بين القضايا البسيطة والقضايا المركّبة ، ويعرف أنّ القضية البسيطة هي التي لا يمكن أن تنقسم إلى قضيّتين ، كما في قولنا : مات أفلاطون قبل أرسطو وأنّ القضية المركّبة هي القضية التي تتألّف من قضايا متعدّدة ، نظير قولنا : الفلزات تتمدّد بالحرارة ؛ فإنّ هذا القول مجموعة من قضايا ، ويمكننا أن نعبّر عنه في قضايا متعدّدة فنقول : الحديد يتمدّد
بالحرارة ، والذهب يتمدّد بالحرارة ، والرصاص يتمدّد بالحرارة
والقضية البسيطة- باعتبارها قضية مفردة- لا يمكن أن تكون حقيقة من ناحية وخطأ من ناحية أخرى ، فموت أفلاطون قبل أرسطو إمّا أن يكون حقيقة وإمّا أن يكون خطأ
وأمّا القضية المركّبة ، فلمّا كانت في الحقيقة ملتقى قضايا متعدّدة ، فمن الجائز أن توجد الحقيقة في جانب منها والخطأ في جانب آخر ، كما إذا افترضنا أنّ الحديد يتمدّد بالحرارة دون الذهب ، فإنّ القانون الطبيعي العام وهو : الفلزات تتمدّد بالحرارة ، يعتبر صحيحاً على ناحية وخطأ من ناحية أخرى ، ولكن ليس معنى ذلك : أنّ الحقيقة والخطأ اجتمعا فكانت القضية الواحدة خطأ وحقيقة ، بل الخطأ إنّما يوجد في قضية : الذهب يتمدّد بالحرارة مثلاً ، والحقيقة إنّما توجد في قضية : الحديد يتمدّد بالحرارة مثلاً ، فلم يكن الخطأ حقيقة ولا الحقيقة خطأ
وفي عودتنا على الحركة التطوّرية في الحقيقة والمعرفة بصفتها جزءاً من الديالكتيك- الذي خصّصنا لدراسته الجزء الثاني من المسألة الآتية (المفهوم الفلسفي للعالم )- سنستعرض مدارك الماركسية وألوان استدلالها على تطوّر الحقيقة والمعرفة ، ومدى ضعفها ومغالطاتها ، وعلى الأخصّ ما حاولته الماركسية من اعتبار العلوم الطبيعية ، في تطوّرها الرائع على مرّ الزمن ونشاطها المتضاعف وقفزاتها الجبّارة ، مصداقاً للحركة التطوّرية في الحقائق والمعارف ، مع أنّ تطوّر العلوم في تاريخها الطويل لا صلة له بتطوّر الحقيقة والمعرفة بمعناها الفلسفي الذي تحاوله الماركسية فالعلوم تتطوّر لا بمعنى أنّ حقائقها تنمو وتتكامل ، بل بمعنى : أنّ حقائقها تزداد وتتكاثر ، وأخطاءها تقلّ وتتقلّص ، ونوكل إيضاح ذلك إلى البحث المقبل في المسألة الثانية .
ويخلص معنا من هذه الدراسة :
أوّلاً : أنّ الحقيقة مطلقة وغير متطوّرة ، وإن كان الواقع الموضوعي للطبيعة متطوّراً ومتحرّكاً على الدوام
ثانياً : أنّ الحقيقة تتعارض تعارضاً مطلقاً مع الخطأ ، فالقضية البسيطة الواحدة لا يمكن أن تكون حقيقة وخطأ
ثالثاً : أنّ إجراء الديالكتيك على الحقيقة والمعرفة يحتّم علينا الشكّ المطلق في كلّ حقيقة ما دامت في تغيّر وتحرّك مستمرّ ، بل يحكم على نفسه بالإعدام والتغيّر أيضاً ؛ لأنّه بذاته من تلك الحقائق التي يجب أن تتغيّر بحكم منطقه التطوّري الخاصّ
انتكاس الماركسية في الذاتية :
وفي النهاية يجب أن نشير إلى أنّ الماركسية بالرغم من إصرارها على رفض النسبية الذاتية بترفّع ، وتأكيدها على الطابع الموضوعي لنسبيّتها ، وأنّها نسبية تواكب الواقع المتطوّر وتعكس نسبيّته ، بالرغم من ذلك كلّه ارتدّت الماركسية مرّة أخرى ، فانتكست في أحضان النسبية الذاتية حين ربطت المعرفة بالعامل الطبقي ، وقرّرت : أنّ من المستحيل للفلسفة ـ مثلاً ـ أن تتخلّص من الطابع الطبقي والحزبي حتّى قال موريس كونفورت : (كانت الفلسفة دوماً تعبّر ولا تستطيع إلاّ أن تعبّر عن وجهة نظر طبقية)(١)
وقال تشاغين : (لقد ناضل لينين بثبات وإصرار ضدّ النزعة الموضوعية في النظرية)(٢)
____________________
(١) المادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخيّة : ٣٢
(٢) الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم : ٧٠
وواضح : أنّ هذا الاتّجاه الماركسي يطبع كلّ معرفة بالعنصر الذاتي ، ولكنّها ذاتية طبقية لا ذاتية فردية كما كان يقرّر النسبيون الذاتيون ، وبالتالي تصبح (الحقيقة) هي : مطابقة الفكرة للمصالح الطبقية للمفكّر ؛ لأنّ كلّ مفكّر لا يستطيع أن يدرك الواقع إلاّ في حدود هذه المصالح ، ولا يمكن لأحد في هذا الضوء أن يضمن وجود الحقيقة في أيّ فكرة فلسفية أو علمية بمعنى مطابقتها للواقع الموضوعي ، وحتّى الماركسية نفسها لا تستطيع ـ ما دامت تؤمن بحتمية الطابع الطبقي ـ أن تقدّم لنا مفهومها عن الكون والمجتمع بوصفه تعبيراً مطابقاً للواقع ، وإنّما كلّ ما تستطيع أن تقرّره هو : أنّه يعكس ما يتّفق مع مصالح الطبقة العاملة من جوانب الواقع(١)
____________________
(١) لأجل التوضيح راجع كتاب (اقتصادنا) للمؤلف ، مبحث : نظرية المادية التاريخية ، تحت عنوان : (ب ـ الفلسفة)
-٢-
المفهوم الفلسفي للعالم
١- تمهيد
٢- الديالكتيك أو الجدل
٣- مبدأ العلّيّة
٤- المادّة أو الله
٥- الإدراك
المفهوم الفلسفي للعالم / ١
تمهيد
مفاهيم ثلاثة للعالم
تصحيح أخطاء
إيضاح عدّة نقاط عن المفهومين
الاتّجاه الديالكتيكي للمفهوم المادّي
[ مفاهيم ثلاثة للعالم : ]
إنّ لمسألة تكوين مفهوم فلسفي عام عن العالم ، مركزاً رئيسياً في العقل البشري ، منذ حاولت الإنسانية تحديد علاقاتها بالعالم الموضوعي وارتباطها به ولسنا نحاول في دراستنا هذه أن نؤرّخ للمسألة في سيرها الفلسفي والديني والعلمي ، وتطوّرها على مرّ الزمن منذ آمادها البعيدة ، وإنّما نستهدف أن نعرض المفاهيم الأساسية في الحقل الفلسفي الحديث ؛ لنحدّد موقفنا منها ، وما هو المفهوم الذي يجب أن تتبلور نظرتنا العامّة على ضوئه ويرتكز مبدأنا في الحياة على أساسه
ومردّ مسألتنا هذه إلى مسألتين :
إحداهما : مسألة المثالية والواقعية
والأخرى : مسألة المادّية والإلهية
ففي المسألة الأولى يُعرَض السؤال على الوجه التالي : أنّ هذه الكائنات التي يتشكّل منها العالم ، هل هي حقائق موجودة بصورة مستقلّة عن الشعور والإدراك ؟ أو أنّها ليست إلاّ ألواناً من تفكيرنا وتصوّرنا ؟ بمعنى : أنّ الفكر أو الإدراك هو الحقيقة ، وكلّ شيء يرجع في نهاية المطاف إلى التصوّرات الذهنية ، فإذا أسقطنا الشعور أو الـ (أنا) فإنّ الواقع كلّه يزول فهذان تقديران للمسألة
والإجابة بالتقدير الأوّل تلخّص الفلسفة الواقعية أو المفهوم الواقعي للعالم ، والإجابة بالتقدير الثاني هي التي تقدّم المفهوم المثالي للعالم
وفي المسألة الثانية يوضع السؤال على ضوء الفلسفة الواقعية هكذا : إذا كنّا نؤمن بواقع موضوعي للعالم ، فهل نقف في الواقعية على حدود المادّة المحسوسة ، فتكون هي السبب العامّ لجميع ظواهر الوجود والكون بما فيها من ظواهر الشعور والإدراك ؟ أو نتخطّاها إلى سبب أعمق ، إلى سبب أبدي ولانهائي بصفة المبدأ الأساسي لما ندركه من العالم بكلا مجاليه : الروحي والمادّي معاً ؟
وبذلك يوجد في الحقل الفلسفي للواقعية مفهومان : يعتبر أحدهما أنّ المادّة هي القاعدة الأساسية للوجود ، وهو : المفهوم الواقعي المادّي ويتخطّى الآخر المادّة إلى سبب فوق الروح والطبيعة معاً ، وهو : المفهوم الواقعي الإلهي
فبين يدينا- إذن- مفاهيم ثلاثة للعالم : المفهوم المثالي ، والمفهوم الواقعي المادّي ، والمفهوم الواقعي الإلهي وقد يعبّر عن المثالية بالروحية نظراً إلى اعتبار الروح ، أو الأنا ، أو الشعور ، الأساس الأوّل للوجود
تصحيح أخطاء :
وعلى هذا الضوء يجب أن نصحّح عدّة أخطاء وقع فيها بعض الكتّاب المحدَثين :
الأوّل : محاولة اعتبار الصراع بين الإلهية والمادّية مظهراً من مظاهر التعارض بين المثالية والواقعية ، فلم يفصلوا بين المسألتين اللتين قدّمناهما ، وزعموا أنّ المفهوم الفلسفي للعالم أحد أمرين : إمّا المفهوم المثالي ، وإمّا المفهوم المادّي فتفسير العالم لا يمكن أن يقبل سوى وجهين اثنين ، فإذا فسّرت العالم تفسيراً تصوّرياً خالصاً ، وآمنت بأنّ التصوّر أو الأنا هو الينبوع الأساسي ، فأنت
مثالي ، وإذا أردت أن ترفض المثالية والذاتية ، وتؤمن بواقع موضوعي مستقلّ عن الـ (أنا) ، فليس عليك إلاّ أن تأخذ بالمفهوم المادّي للعالم ، وتعتقد أنّ المادّة هي المبدأ الأوّل ، وأنّ الفكر والشعور ليس إلاّ انعكاساً لها ودرجة خاصّة من تطوّرها
وهذا لا يتّفق مع الواقع مطلقاً كما عرفنا ؛ فإنّ الواقعية ليست وقفاً على المفهوم المادّي ، كما أنّ المثالية أو الذاتية ليست هي الشيء الوحيد الذي يعارض المفهوم المادّي ، ويقف أمامه على الصعيد الفلسفي ، بل يوجد مفهوم آخر للواقعية ، هو: المفهوم الواقعي الإلهي الذي يعتقد بواقع خارجي للعالم والطبيعة ، ويرجع الروح والمادّة معاً إلى سبب أعمق فوقهما جميعاً
الثاني : ما اتّهم به بعض الكتّاب المفهوم الإلهي : من أنّه يجمّد مبدأ العلِّية في دنيا الطبيعة ، ويلغي قوانينها ونواميسها التي يكتشفها العلم وتزداد وضوحاً يوماً بعد يوم ، فهو في زعمهم يربط كلّ ظاهرة وكلّ وجود بالمبدأ الإلهي
ولقد لعب هذا الاتّهام دوراً فعّالاً في الفلسفة المادّية ، حيث اعتبرت فكرة الله هي فكرة وضع سبب المعقول لما يشاهده من ظواهر الطبيعة وحوادثها ، ومحاولة لتبرير وجودها ، فتزول الحاجة إليها تماماً حين نستطيع أن نستكشف بالعلم والتجارب العلمية حقيقة الأسباب والقوانين الكونية التي تتحكّم في العالم ، وتتولّد باعتبارها الظواهر والحوادث وساعد على تركيز هذا الاتّهام ما كانت تلعبه الكنيسة في بداية النهضة العلمية في أوروبا ، من أدوار خبيثة في محاربة التطوّر العلمي ، ومعارضة ما يكشفه العلم من أسرار الطبيعة ونواميسها
والحقيقة : أنّ المفهوم الإلهي للعالم لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية ، أو التمرّد على شيء من حقائق العلم الصحيح ، وإنّما هو المفهوم الذي يعتبر الله سبباً أعمق ، ويحتّم على تسلسل العلل والأسباب أن يتصاعد إلى قوّة فوق الطبيعة والمادّة وبهذا يزول التعارض بينه وبين كلّ حقيقة علمية تماماً ؛ لأنّه
يطلق للعلم أوسع مجال لاستكشاف أسرار الطبيعة ونظامها ، ويحتفظ لنفسه بالتفسير الإلهي في نهاية المطاف ، وهو وضع السبب الأعمق في مبدأ أعلى من الطبيعة والمادّة
فليست المسألة الإلهية ـ كما يشاء أن يصوّرها خصومها ـ مسألة أصابع تمتدّ من وراء الغيب ، فتقطر الماء في الفضاء تقطيراً ، أو تحجب الشمس عنّا ، أو تحول بيننا وبين القمر ، فيوجد بذلك المطر والكسوف والخسوف ، فإذا كشف العلم عن أسباب المطر وعوامل التبخير فيه ، وإذا كشف عن سبب الكسوف وعرفنا أنّ الأجرام السماوية ليست متساوية الأبعاد عن الأرض ، وأنّ القمر أقرب إليها من الشمس ، فيتّفق أن يمرّ القمر بين الأرض والشمس فيحجب نورها عنّا ، وإذا كشف العلم عن سبب الخسوف ، وهو وقوع القمر في ظلّ الأرض ، الذي يمتدّ وراءها إلى مسافة (٩٠٠) ألف ميل تقريباً ، أقول : إذا كملت هذه المعلومات لدى الإنسان ، يخيّل لأولئك المادّيين أنّ المسألة الإلهية لم يبقَ لها موضوع ، وأنّ الأصابع الغيبية التي تحجب الشمس أو القمر عنّا ، عوَّض عنها العلم بالتعليلات الطبيعية ، وليس هذا إلاّ لسوء فهم للمسألة الإلهية ، وعدم تمييز لموضع السبب الإلهي من سلسلة الأسباب
الثالث : أنّ الطابع الروحي غلب على المثالية والإلهية معاً ، حتّى أخذ يبدو أنّ الروحية في المفهوم الإلهي هي بمعناها في المفهوم المثالي ، ونشأت عن ذلك عدّة اشتباهات ؛ ذلك أنّ الروحية قد تعتبر وصفاً لكلّ من المفهومين ولكنّنا لا نجيز مطلقاً أن يهمل التمييز بين الروحيتين ، بل يجب أن نعرف أنّ الروحية في العرف المثالي يقصد بها: المجال المقابل للمجال المادّي المحسوس ، أي : مجال الشعور والإدراك والأنا فالمفهوم المثالي روحي على أساس أنّه يفسّر كلّ كائن وكلّ موجود في نطاق هذا المجال ، ويرجع كلّ حقيقة وكلّ واقع إليه فالمجال
المادّي مردّه في الزعم المثالي إلى مجال روحي
وأمّا الروحية في المفهوم الإلهي أو العقيدة الإلهية ، فهي طريقة للنظر إلى الواقع بصورة عامّة ، لا مجالاً خاصّاً مقابلاً للمجال المادّي فالإلهية التي تؤمن بالسبب المجرّد الأعمق ، تعتقد بصلة كلّ ما هو موجود في المجال العامّ ـ سواءٌ أكان روحياً أم مادّياً ـ بذلك السبب الأعمق ، وترى أنّ هذه الصلة هي التي يجب أن يحدّد على ضوئها الموقف العملي والاجتماعي للإنسان تجاه الأشياء جميعاً فالروحية في العرف الإلهي أسلوب في فهم الواقع ، ينطبق على المجال المادّي والمجال الروحي ـ بمعناه المثالي ـ على السواء
ويتلخّص من العرض السابق : أنّ المفاهيم الفلسفية عن العالم ثلاثة وقد درسنا في نظرية المعرفة المفهوم المثالي باعتباره مرتبطاً بها كلّ الارتباط ، واستعرضنا أخطاءه ، فلنتناول في هذه المسألة دراسة المفهومين الآخرين : المادّي والإلهي
وفي المفهوم المادّي اتّجاهان : الاتّجاه الآلي أو الميكانيكي ، والاتّجاه الديالكتيكي والتناقض ، أو المادّية الديناميكية
إيضاح عدّة نقاط عن المفهومين :
وقبل أن نعرض للمفهوم المادّي بكلا اتّجاهيه يجب أن نستوضح عدّة نقاط حول المفهوم الإلهي والمادّي ، وذلك في الأسئلة الآتية :
السؤال الأوّل : ما هي الميزة الأساسية لكلّ من الاتّجاه المادّي (المدرسة المادّية للفلسفة) والاتّجاه الإلهي (المدرسة الإلهية) على الآخر ؟ وما هو الفارق الرئيسي الذي جعل منهما اتّجاهين متعارضين ، ومدرستين متقابلتين ؟
ونظرة واحدة نلقيها على المدرستين تحدّد لنا جواباً واضحاً على هذا
السؤال ، وهو : أنّ المائز الأساسي للمدرسة المادّية في الفلسفة هو : النفي أو الناحية السلبية ، لما يتراءى أنّه فوق طاقة العلوم التجريبية فلا يوجد في الحقل العلمي إذن- أي : في النواحي الإيجابية للعلم التي تبرهن عليها التجربة ـ إلهي ومادّي فالفيلسوف سواءٌ أكان إلهياً أم مادّياً ، يؤمن بالجانب الإيجابي من العلم ، فهما من الناحية العلمية يسلّمان ـ مثلاً ـ بأنّ (الراديوم) يولِّد طاقة من الإشعاع نتيجة لانقسام داخلي ، وبأنّ الماء يأتلف من أوكسجين وهيدروجين ، وبأنّ عنصر الهيدروجين هو أخفّ العناصر في وزنه الذرّي ويؤمنان معاً بسائر الحقائق الإيجابية التي تظهر على الصعيد العلمي فليس في المسألة العلمية فيلسوف إلهي وآخر مادّي ، وإنّما توجد هاتان الفلسفتان وتتعارض المادّية مع الإلهية حينما تعرض مسألة الوجود فيما وراء الطبيعة فالإلهي يعتقد بلون من الوجود مجرّد عن المادّة ، أي : موجود خارج الحقل التجريبي ، وظواهره وقواه والمادّي ينكر ذلك ويقصر الوجود على ذلك الحقل الخاصّ ، ويعتبر الأسباب الطبيعية التي كشفت عنها التجربة وامتدّت إليها يد العلم ، هي الأسباب الأوّلية للوجود ، وأنّ الطبيعة هي المظهر الوحيد له
فبينما يقرّر الاتّجاه الإلهي : أنّ الروح الإنسانية أو الـ (أنا) ، ذات مجرّدة عن المادّة ، وأنّ الإدراك والفكر ظواهر مستقلّة عن الطبيعة والمادّة ، ينكر المادّي ذلك زاعماً أنّه حلّل جسم الإنسان ، وراقب عمليات الجهاز العصبي ، فلم يجد شيئاً خارج الحدود الطبيعية والمادّية ، كما يدّعي الإلهيون
وكذلك يؤمن الاتّجاه الإلهي بأنّ التطوّرات والحركات التي يكشف عنها العلم ـ سواءٌ كانت حركات ميكانيكية تخضع لسبب مادّي خارجي ، أم حركات طبيعية غير ناشئة من مؤثّرات مادّية معيّنة بالتجربة ـ ترجع في النهاية إلى سبب خارجي وراء سياج الطبيعة والمادّة ويعارض في ذلك المادّي زاعماً أنّ الحركة
الميكانيكية والحركة الطبيعية لا تتّصلان بسبب مجرّد ، وأنّ الحركة الطبيعية ديناميكية ، فهي تكتفي بنفسها ؛ لأنّ الحقل التجريبي لم يبدُ فيه ما اعتقده الإلهيون من سبب مجرّد
وهكذا يتّضح بكلّ جلاء أنّ التعارض بين الإلهية والمادّية ليس في الحقائق العلمية ؛ فإنّ الإلهي كالمادّي يعترف بجميع الحقائق العلمية التي توضّحها التجارب الصحيحة عن جسم الإنسان وفزلجة أعضائه ، وعن التطوّر والحركة في الطبيعة ، وإنّما يزيد بوضع حقائق أخرى والاعتراف بها فهو يبرهن على وجود جانب روحي مجرّد للإنسان غير ما ظهر منه في الميدان التجريبي ، وعلى سبب مجرّد أعلى للحركات الطبيعية والميكانيكية فوق المجال المحسوس
وما دمنا قد عرفنا أنّ الميدان العلمي ليس فيه إلهي ومادّي ، نعرف أنّ الكيان الفلسفي للمادّية- باعتبارها مدرسة مقابلة للإلهية- إنّما يرتكز على نفي الحقائق المجرّدة ، وإنكار الوجود خارج حدود الطبيعة والمادّة ، لا على حقائق علمية إيجابية
السؤال الثاني : إذا كان التعارض بين الإلهية والمادّية هو تعارض الإثبات والنفي ، فأيّ المدرستين يقع على مسؤوليتها الاستدلال والبرهنة على اتّجاهها الخاصّ الإيجابي أو السلبي ؟
وقد يحلو لبعض المادّيين في هذا المجال أن يتخلّص من مسؤولية الاستدلال ، ويعتبر الإلهي هو المسؤول عن التدليل على مدّعاه ؛ لأنّ الإلهي هو صاحب الموقف الإيجابي ، أي : مدّعي الثبوت ، فيجب عليه أن يبرّر موقفه ويبرهن على وجود ما يدّعيه
ولكنّ الواقع : أنّ كلاً منهما مكلّف بتقديم الأدلّة والمدارك لاتّجاهه الخاصّ ، فكما أنّ الإلهي يجب عليه أن يبرهن على الإثبات ، كذلك المادّي هو
مسؤول- أيضاً- عن الدليل على النفي ؛ لأنّه لم يجعل القضية الميتافيزيقية موضع الشكّ ، وإنّما نفاها نفياً قاطعاً ، والنفي القاطع كالإثبات القاطع يفتقر إلى الدليل فالمادّي حين زعم أنّ السبب المجرّد لا وجود له ، ادّعى في هذا الزعم ضمناً أنّه أحاط بالوجود كلّه ، ولم يجد فيه موضعاً للسبب المجرّد ، فلابدّ أن يقدّم دليلاً على هذه الإحاطة العامّة ، وتبريراً للنفي المطلق
ونتساءل هنا من جديد : ما هي طبيعة الدليل الذي يمكن للإلهي أو للمادّي أن يقدّمه في هذا المجال ؟
ونجيب أنّ دليل الإثبات أو النفي يجب أن يكون هو العقل ، لا التجربة المباشرة ، خلافاً للمادّية التي درجت على اعتبار التجربة دليلاً على مفهومها الخاصّ ، زاعمة أنّ المفهوم الإلهي أو القضايا الميتافيزيقية بصورة عامّة لا يمكن إثباتها بالتجربة ، وأنّ التجربة هي التي تردّ على تلك المزاعم ؛ لأنّها تحلّل الإنسان والطبيعة ، وتدلّل على عدم وجود أشياء مجرّدة فيهما ؛ ذلك أنّ التجارب والحقائق العلمية إذا صحّ للمادّية ما تزعمه : من أنّها لا تقوم دليلاً على الاتّجاه الإلهي ، فهي- أيضاً- لا تصلح دليلاً للنفي المطلق الذي يحدّد الاتّجاه المادّي ، فقد عرفنا أنّ الحقائق العلمية على اختلاف ألوانها ليست موضعاً للنقاش بين الإلهية والمادّية ، وإنّما النقاش في التفسير الفلسفي لتلك الحقائق ، أي : في وجود سبب أعلى وراء حدود التجربة
ومن الواضح : أنّ التجربة لا يمكن أن تعتبر برهاناً على نفي حقيقة خارج حدودها فالعالِم الطبيعي إذا لم يجد السبب المجرّد في مختبره ، لم يكن هذا دليلاً إلاّ على عدم وجوده في ميدان التجربة ، وأمّا نفي وجوده في مجال فوق مجالات التجربة ، فلا يمكن أن يستنتج من التجربة ذاتها.
ونؤكّد بهذا البيان على أمرين :
أحدهما : أنّ المادّية بحاجة إلى دليل على الجانب السلبي الذي يميّزها عن الإلهية ، كحاجة الميتافيزيقا إلى برهان على الإيجاب والإثبات
والآخر : أنّ المادّية اتّجاهٌ فلسفي كالإلهية ، ولا توجد لدينا مادّية علمية ، أي : تجريبية ؛ لأنّ العلم ـ كما عرفنا ـ لا يُثبت المفهوم المادّي للعالم لتكون المادّية علمية ، بل كلّ ما يكشف عنه العلم من حقائق وأسرار في عالم الطبيعة ، يترك مجالاً لافتراض سبب أعلى فوق المادّة فالتجربة العلمية- مثلاً- لا يمكن أن تدلّ على أنّ المادّة ليست مخلوقة لسبب مجرّد ، أو على أنّ أشكال الحركة وألوان التطوّر التي استكشفها العلم في شتّى جوانب الطبيعة ، هي حركات وتطوّرات مكتفية ذاتياً ، وليست منبثقة عن سبب فوق حدود التجربة ومجالاتها وهكذا كلّ حقيقة علمية فالدليل على المادّية ـ إذن ـ لا يمكن أن يرتكز على الحقائق العلمية ، أو التجارب بصورة مباشرة ، وإنّما يصاغ في تفسير فلسفي لتلك الحقائق والتجارب ، كالدليل على الإلهية تماماً
ولنأخذ التطوّر لذلك مثلاً ، فالعلم يُثبت وجود التطوّر الطبيعي في عدّة من المجالات ، ويمكن أن يوضَع لهذا التطوّر تفسيران فلسفيان :
أحدهما : أنّه منبثق عن صميم الشيء ، وناتج عن صراع يفترض فيه بين المتناقضات ، وهذا هو تفسير المادّية الديالكتيكية
والآخر : أنّه ناتج عن سبب أعلى مجرّد ، فالطبيعة المتطوّرة لا تحوي في ذاتها المتناقضات ، وإنّما تنطوي على إمكان التطوّر ، وذلك السبب هو الذي يحقّق للإمكان الوجود الفعلي ، وهذا هو تفسير الفلسفة الإلهية فنحن نلاحظ بوضوح : أنّ المفهوم العلمي إنّما هو وجود التطوّر الطبيعي ، وأمّا هذان المفهومان عن الحركة فهما مفهومان فلسفيان ، ولا يمكن أن يتأكّد من صحّة أحدهما ، وخطأ الآخر بالتجربة المباشرة
السؤال الثالث : إذا لم تكفِ التجربة العلمية بذاتها للبرهنة على المفهوم الإلهي والمادّي على السواء ، فهل يمكن للفكر البشري أن يستدلّ على أحد المفهومين ما داما معاً خارجين عن النطاق التجريبي ؟ أو إنّه يصبح مضطراً إلى الاستسلام للشكّ ، وتجميد مسألة الإلهية والمادّية ، والانصراف إلى المجال العلمي المثمر ؟
والجواب : أنّ القدرة الفكرية للبشر كافية لدرس هذه المسألة ، والانطلاق فيها من التجربة ذاتها ، ولكن لا على أن تكون التجربة هي الدليل المباشر على المفهوم الذي نكوّنه عن العالم ، بل تكون التجربة نقطة الابتداء ، ويوضع المفهوم الفلسفي الصحيح للعالم ـ وهو المفهوم الإلهي ـ على ضوء تفسير التجربة والظواهر التجريبية ، بالمعلومات العقلية المستقلّة
ولا بدّ أنّ القارئ يتذكّر دراستنا- في نظرية المعرفة (المسألة الأولى)- للمذهب العقلي ، وكيف أوضحنا بالبرهان وجود معارف عقلية مستقلّة ، على شكل تبيّن أنّ إضافة معارف عقلية إلى التجربة أمر ضروري لا في مسألتنا الفلسفية فحسب ، بل في جميع المسائل العلمية فما من نظرية علمية ترتكز على أساس تجريبي بحت ، وإنّما تقوم على أساس التجربة ، وعلى ضوء المعلومات العقلية المستقلة فلا تختلف قضيّتنا الفلسفية التي تتناول البحث عمّا وراء عالم الطبيعة ، عن كلّ قضية علمية تبحث عن أحد قوانين الطبيعة ، أو تكشف شيئاً من قواها وأسرارها فالتجربة في جميع ذلك نقطة الانطلاق ، وهي مع ذلك بحاجة إلى تفسير عقلي لتستنتج منها الحقيقة الفلسفية أو العلمية(١)
____________________
(١) وقد أشرنا في بحث (نظريّة المعرفة) إلى أنّ السيّد المؤلّفقدسسره توصّل بعد تأليفه لهذا الكتاب إلى مذهب جديد للمعرفة في مقابل المذهب العقلي والتجريبي ، وهو المذهب
ونخرج من هذه النقاط بالنتائج التالية :
أوّلاً : أنّ المدرسة المادّية تفترق عن المدرسة الإلهية في ناحية سلبية ، أي : الإنكار لما هو خارج الحقل التجريبي
ثانياً : أنّ المادّية مسئولة عن الاستدلال على النفي ، كما يجب على الإلهية الاستدلال على الإثبات
ثالثاً : أنّ التجربة لا يمكن أن تُعتَبر برهاناً على النفي ؛ لأنّ عدم وجدان السبب الأعلى في ميدان التجربة ، لا يبرهن على عدم وجوده في مجال أعلى لا تمتدّ إليه يد التجربة المباشرة
رابعاً : أنّ الأسلوب الذي تتّخذه المدرسة الإلهية للاستدلال على مفهومها الإلهي ، هو نفس الأسلوب الذي نثبت به علمياً جميع الحقائق والقوانين العلمية
الاتّجاه الديالكتيكي للمفهوم المادّي :
قلنا : إنّ للمادّية اتّجاهين : أحدهما اتّجاه الآلية الميكانيكية ، والآخر اتّجاه المادّية الديالكتيكية.
وقد استعرضنا الاتّجاه الأوّل استعراضاً سريعاً في الجزء الثاني من نظرية المعرفة ، حين تناولنا بالدرس والتمحيص المثالية الفيزيائية التي قامت على
____________________
(*)
الذاتي للمعرفة ، وفي ضوء هذا المذهب وإن كنّا بحاجة إلى ضمّ بعض المعارف العقليّة التي لا مناص عنها إلى التجربة ، كالمعرفة العقليّة القائلة باستحالة اجتماع النقيضين ، ولكن يمكن أن ينتقل الذهن ـ في ضوء المذهب المذكور ـ من استقراء الموضوعات الجزئيّة الخاضعة للتجربة إلى قواعد وقوانين عامّة ، بحيث يكون السير الفكري فيها من الخاصّ إلى العامّ ، ولا حاجة فيها إلى ضمّ المعارف العقليّة القبليّة التي تحوّل السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ ، كما يدّعيه أصحاب المذهب العقلي للمعرفة(لجنة التحقيق)
حطام المادّية الميكانيكية
وأمّا الاتّجاه المادّي الآخر الذي يفسّر العالم تفسيراً مادّياً بقوانين الديالكتيك ، فهو الاتّجاه الذي اتّخذته المدرس الماركسية ، فوضعت مفهومها المادّي عن العالم على أساس هذا الاتّجاه
قال ستالين :
(تسير مادّية ماركس الفلسفيّة من المبدأ القائل : إنّ العالم بطبيعته مادّي ، وإنّ حوادث العالم المتعدّدة هي مظاهر مختلفة للمادّة المتحرّكة ، وإنّ العلاقات المتبادلة بين الحوادث وتكييف بعضها بعضاً بصورة متبادلة كما تقرّرها الطريقة الديالكتيكية ، هي قوانين ضرورية لتطوّر المادّة المتحرّكة ، وإنّ العالم يتطوّر تبعاً لقوانين حركة المادّة ، وهو ليس بحاجة لأيّ عقل كلّي)(١)
ويُعتبر المفهوم المادّي (المادّة = الوجود) هو النقطة المركزية في الفلسفة الماركسية ؛ لأنّها التي تحدّد نظرة الماركسية إلى الحياة ، وتنشئ لها فهماً خاصّاً للواقع وقيمه ، ومن دونها لا يمكن أن تقام الأسس المادّية الخالصة للمجتمع والحياة
وقد فرضت هذه النقطة على المذهب الماركسي تسلسلاً فكرياً خاصّاً ، واقتضت منه أن يقيم شتّى جوانبه الفلسفية لصالحها فلأجل أن تملك الماركسية الحقّ في تقرير النقطة المركزية تقريراً نهائياً ، اختارت أن تكون يقينية ، كما عرفنا في نظرية المعرفة ، وأعلنت أنّ لدى الإنسان من الطاقات العلمية ما يتيح له الجزم بفلسفة معيّنة عن الحياة ، واستكناه أسرار
____________________
(١) المادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخية : ٢٨
الوجود والعالم ، ورفضت مذهب الشكّ المطلق ، وحتّى النسبية الجامدة ، وحاولت بذلك أن تعطي صفة قطعية للمحور الرئيسي ، أي : المفهوم المادّي
ووضعت بعد ذلك المقياس العامّ للمعرفة والحقيقة في التجربة ، واستبعدت المعارف العقلية الضرورية ، وأنكرت وجود منطق عقلي مستقلّ عن التجربة ؛ كلّ ذلك حذراً من إمكان محو النقطة المركزية بالمنطق العقلي ، وحدّاً للطاقة البشرية بالميدان التجريبي خاصّة
وواجهت الماركسية في هذه المرحلة مشكلة جديدة ، وهي : أنّ الميزان الفكري للإنسان إذا كان هو الحسّ والتجربة ، فلا بدّ أن تكون المعلومات التي يكوّنها عن طريق الحسّ والتجربة صحيحة دائماً ، ليمكن اعتبارها ميزاناً أوّلياً توزن به الأفكار والمعارف ، فهل نتائج الحسّ العلمي كذلك حقّاً ؟ وهل النظريات القائمة على التجربة مضمونة الصدق أبداً ؟
وهكذا وقعت الماركسية بين خطرين :
فإن اعترفت بأنّ المعلومات القائمة على أساس التجربة ليست معصومة من الخطأ ، فقد سقطت التجربة عن كونها ميزاناً أوّلياً للحقائق والمعارف
وإن ادّعى الماركسيون أنّ النظرية المستمدّة من التجربة والتطبيق فوق الخطأ والاشتباه ، اصطدموا بالواقع الذي لا يسع لأحد إنكاره ، وهو : أنّ كثيراً من النظريات العلمية ، بل القوانين التي توصّل إليها الإنسان عن طريق درس الظواهر المحسوسة ، قد ظهر خطؤها وعدم مطابقتها للواقع ، فسقطت عن عرشها العلمي بعد أن تربّعت عليه مئات السنين
وإذا كانت المفاهيم العلمية التجريبية قد تخطئ ، وكان المنطق العقلي ساقطاً من الحساب ، فكيف يُعلَن عن فلسفة يقينية ؟! أو تشاد مدرسة ذات صفة جزمية في أفكارها ؟!
وقد أصرّت الماركسية على وضع التجربة مقياساً أعلى ، وتخلّصت من هذا المأزق بوضع قانون الحركة والتطوّر في العلوم والأفكار ؛ نظراً إلى أنّ الفكر جزء من الطبيعة ، وهو بهذا الاعتبار يحقّق قوانين الطبيعة كاملة ، فيتطوّر وينمو كما تتطوّر الطبيعة وليس التطوّر العلمي يعني سقوط المفهوم العلمي السابق ، وإنّما يعبّر عن حركة تكاملية في الحقيقة والمعرفة فالحقيقة والمعرفة هي الحقيقة والمعرفة ، غير أنّها تنمو وتتحرّك وتتصاعد بصورة مستمرّة
وهكذا قضى بذلك على جميع البدهيات والحقائق ؛ لأنّ كلّ فكر سائر في صراط التطوّر والتغيّر ، فليست توجد حقيقة ثابتة في دنيا الفكر مطلقاً ، ولا يؤمن على ما ندركه الآن من البديهيات ـ نظير إدراكنا : أنّ الكلّ أكبر من الجزء ، وأنّ ٢ + ٢ = ٤ ـ أن يكتسب شكلاً آخر في حركته التطوّرية ، فندرك الحقيقة عند ذاك على وجه آخر
ولمّا كانت الحركة التي وضعتها الماركسية كقانون للفكر وللطبيعة بصورة عامّة لا تنبثق إلاّ عن قوّة وسبب ، ولم تكن في العالم حقيقة إلاّ المادّة في زعمها ، فقد قالت : إنّ الحركة حصيلة تناقضات في المحتوى الداخلي للمادّة ، وإنّ هذه المتناقضات تتصارع فتدفع بالمادّة وتطوّرها ؛ ولهذا ألغت الماركسية مبدأ عدم التناقض ، واتّخذت من الديالكتيك طريقة لفهم العالم ، ووضعت مفهومها المادّي في إطاره وهكذا يتّضح : أنّ جميع الجوانب الفلسفية للمادّية الديالكتيكية ، مرتبطة بالنقطة المركزية (المفهوم المادّي) ، وقد صيغت لأجل تركيزها والحفاظ عليها وليس إسقاط البديهيات وجعلها عرضةً للتغيّر ، أو الإيمان بالتناقض واعتباره قانوناً عاماً للطبيعة ، وما إليها من النتائج الغريبة التي انتهت إليها الماركسية ، إلاّ تسلسلاً حتمياً للانطلاق الذي بدأ من المفهوم المادّي الماركسي ، وتبريراً له في المجال الفلسفي
المفهوم الفلسفي للعالم / ٢
الديالكتيك أو الجدل
١- حركة التطوّر
٢- تناقضات التطوّر
٣- قفزات التطوّر
٤- الارتباط العامّ
إنّ الجدل كان يعني في المنطق الكلاسيكي طريقة خاصّة في البحث ، وأسلوباً من أساليب المناظرة التي تطرح فيها المتناقضات الفكرية ووجهات النظر المتعارضة بقصد أن تحاول كلّ واحدة منها أن تظهر ما في نقيضها من نقاط الضعف ومواطن الخطأ على ضوء المعارف المسلّمة والقضايا المعترف بها سلفاً وهكذا يقوم الصراع بين النفي والإثبات في ميدان البحث والجدل حتّى ينتهي إلى نتيجة تتقرّر فيها إحدى وجهات النظر المتصارعة ، أو تنبثق عن الصراع الفكري بين المتناقضات وجهة رأي جديدة توفّق بين الوجهات كلّها ، بعد إسقاط تناقضاتها ، وإفراز نقاط الضعف من كلّ واحدة منها
ولكنّ الجدل في الديالكتيك الجديد ، أو الجدل الجديد ، لم يعد منهجاً في البحث وأسلوباً لتبادل الآراء ، بل أصبح طريقة لتفسير الواقع ، وقانوناً كونياً عاماً ينطبق على مختلف الحقائق وألوان الوجود فالتناقض ليس بين الآراء ووجهات النظر فحسب ، بل هو ثابت في صميم كلّ واقع وحقيقة ، فما من قضية إلاّ وهي تنطوي في ذاتها على نقيضها ونفيها
وكان (هيجل) أوّل من أشاد منطقاً كاملاً على هذا الأساس ، فكان التناقض الديالكتيكي هو النقطة المركزية في ذلك المنطق ، والقاعدة الأساسية التي يقوم
عليها فهم جديد للعالم ، وتنشأ [ بها ](١) نظرية جديدة نحوه ، تختلف كلّ الاختلاف عن النظرة الكلاسيكية التي اعتادها البشر منذ قُدّر له أن يدرِك ويفكّر
وليس (هيجل) هو الذي ابتدع أصول الديالكتيك ابتداعاً ، فإنّ لتلك الأصول جذوراً وأعماقاً في عدّة من الأفكار التي كانت تظهر بين حين وآخر على مسرح العقل البشري ، غير أنّها لم تتبلور على أسلوب منطق كامل واضح في تفسيره ونظرته ، محدّد في خططه وقواعده ، إلاّ على يد (هيجل) فقد أنشأ (هيجل) فلسفته المثالية كلّها على أساس هذا الديالكتيك ، وجعله تفسيراً كافياً للمجتمع والتاريخ والدولة وكلّ مظاهر الحياة ، وتبنّاه بعده (ماركس) فوضع فلسفته المادّية في تصميم ديالكتيكي خالص
فالجدل الجديد في زعم الديالكتيكيين قانون للفكر والواقع على السواء ؛ ولذلك فهو طريقة للتفكير ، ومبدأ يرتكز عليه الواقع في وجوده وتطوّره
قال لينين :
(فإذا كان ثمة تناقضات في أفكار الناس ؛ فذلك لأنّ الواقع الذي يعكسه فكرنا يحوي تناقضات فجدل الأشياء ينتج جدل الأفكار ، وليس العكس)(٢)
وقال ماركس :
(ليست حركة الفكر إلاّ انعكاساً لحركة الواقع ، منقولة ومحوّلة في مخ الإنسان)(٣)
والمنطق (الهيجلي) بما قام عليه من أساس الديالكتيك والتناقض ، يعتبر في النقطة المقابلة للمنطق الكلاسيكي ، أو المنطق البشري العامّ تماماً ؛ ذلك أنّ
____________________
(١) في الطبعة الأُولى : به ، والظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه(لجنة التحقيق)
(٢) و (٣) المادّية والمثالية في الفلسفة : ٨٣
المنطق العام يؤمن بمبدأ عدم التناقض ، ويعتبره المبدأ الأوّل الذي يجب أن تقوم كلّ معرفة على أساسه ، والمبدأ الضروري الذي لا يشذّ عنه شيء في دنيا الوجود ، ولا يمكن أن يبرهن على حقيقة مهما كانت لولاه
ويرفض المنطق (الهيجلي) هذا المبدأ كلّ الرفض ، ولا يكتفي بالتأكيد على إمكان التناقض ، بل يجعل التناقض ـ بدلاً عن سلبه ـ المبدأ الأوّل لكلّ معرفة صحيحة عن العالم ، والقانون العامّ الذي يفسّر الكون كلّه بمجموعة من التناقضات فكلّ قضية في الكون تعتبر إثباتاً ، وتثير نفيها في نفس الوقت ، ويأتلف الإثبات والنفي في إثبات جديد فالنهج المتناقض للديالكتيك أو الجدل الذي يحكم العالم ، يتضمّن ثلاث مراحل تُدعى : الأطروحة ، والطباق ، والتركيب وفي تعبير آخر : الإثبات ، والنفي ، ونفي النفي(١) وبحكم هذا النهج الجدلي يكون كلّ شيء مجتمعاً مع نقيضه ، فهو ثابت ومنفي ، وموجود ومعدوم في وقت واحد
وقد ادّعى المنطق (الهيجلي) أنّه قضى ـ بما زعمه للوجود من جدل ـ على الخطوط الرئيسية للمنطق الكلاسيكي ، وهي ـ في زعمه ـ كما يأتي :
أوّلاً- مبدأ عدم التناقض وهو يعني : أنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يتّصف بصفة وبنقيض تلك الصفة في وقت واحد
ثانياً- مبدأ الهوية وهو المبدأ القائل : إنّ كلّ ماهية فهي ما هي بالضرورة ، ولا يمكن سلب الشيء عن ذاته
ثالثاً- مبدأ السكون والجمود في الطبيعة الذي يرى سلبية الطبيعة وثباتها ، وينفي الديناميكية عن دنيا المادّة
____________________
(١) Thesis ـ Antihesis ـ Synthesis
فالمبدأ الأوّل لا موضع له في المنطق الجديد ما دام كلّ شيء قائماً في حقيقته على التناقض وإذا ساد التناقض كقانون عام ، فمن الطبيعي أن يسقط المبدأ الثاني للمنطق الكلاسيكي أيضاً ؛ فإنّ كلّ شيء تسلب عنه هويته في لحظة الإثبات بالذات ؛ لأنّه في صيرورة مستمرّة ، وما دام التناقض هو الجذر الأساسي لكلّ حقيقة ، فلا غرو فيما إذا كانت الحقيقة تعني شيئين متناقضين على طول الخطّ ولمّا كان هذا التناقض المركز في صميم كلّ حقيقة مثيراً لصراع دائم في جميع الأشياء ، والصراع يعني : الحركة والاندفاع ، فالطبيعة في نشاط وتطوّر دائم ، وفي اندفاعة وصيرورة مستمرّة
هذه هي الضربات التي زعم المنطق الديالكتيكي أنّه سدّدها إلى المنطق الإنساني العام ، والمفهوم المألوف للعالم الذي ارتكزت عليه الميتافيزيقية آلاف السنين
وتتلخّص الطريقة الجدلية لفهم الوجود في افتراض قضية أُولى ، وجعلها أصلاً ، ثمّ ينقلب هذا الأصل إلى نقيضه بحكم الصراع في المحتوى الداخلي بين المتناقضات ، ثمّ يأتلف النقيضان في وحدة ، وتصبح هذه الوحدة بدورها أصلاً ونقطة انطلاق جديد ، وهكذا يتكرّر هذا التطوّر الثلاثي تطوّراً لا نهاية له ولا حدّ ، يتسلسل مع الوجود ، ويمتدّ ما امتدّت ظواهره وحوادثه
وقد بدأ (هيجل) بالمفاهيم والمقولات العامّة ، فطبّق عليها الديالكتيك ، واستنبطها بطريقة جدلية قائمة على التناقض المتمثّل في الأطروحة ، والطباق ، والتركيب وأشهر ثواليثه في هذا المجال وأوّلها هو : الثالوث الذي يبدأ من أبسط تلك المفاهيم وأعمّها ، وهو : مفهوم الوجود فالوجود موجود ، وهذا هو الإثبات أو الأطروحة ، بيد أنّه ليس شيئاً ؛ لأنّه قابل لأن يكون كلّ شيء فالدائرة وجود ، والمربّع ، والأبيض ، والأسود ، والنبات ، والحجر ، كلّ هذا هو موجود فليس
- إذن- شيئاً محدّداً ، وهو بالتالي ليس موجوداً ، وهذا هو الطباق الذي أثارته الأطروحة ، وهكذا حصل التناقض في مفهوم الوجود ، ويحلّ هذا التناقض في التركيب بين الوجود واللاوجود الذي ينتج موجوداً لا يوجد على التمام ، أي : صيرورة وحركة ، وهكذا ينتج أنّ الوجود الحقّ هو الصيرورة
هذا مثال سقناه لنوضّح كيف يتسلسل أبو الجدل الحديث في استنباط المفاهيم العامّة من الأعمّ إلى الأخصّ ، ومن الأكثر خواءً وضعفاً ، إلى الأكثر ثراءً والأقرب إلى الواقع الخارجي
وليس هذا الجدل في استنباط المفاهيم عنده إلاّ انعاكساً لجدل الأشياء بذاتها في الواقع ، فإذا استثارت فكرة من الأفكار فكرة مقابلة لها ، فلأنّ الواقع الذي تمثّله هذه الفكرة يتطلّب الواقع المضادّ(١)
ونظرة بسيطة على الأطروحة ، والطباق والتركيب ، في قضية الوجود التي هي أشهر ثواليثه ، تدلّنا بوضوح على أنّ (هيجل) لم يفهم مبدأ عدم التناقض حق الفهم حين ألغاه ، ووضع موضعه مبدأ التناقض ولا أدري كيف يستطيع (هيجل) أن يشرح لنا التناقض ، أو النفي والإثبات المجتمعين في مفهوم الوجود ؟ إنّ مفهوم الوجود مفهوم عام دون شكّ ، وهو لذلك قابل لأن يكون كلّ شيء ، قابل لأن يكون نباتاً أو جماداً ، أبيض أو أسود ، دائرة أو مربّعاً ولكن هل معنى هذا : أنّ هذه الأضداد والأشياء المتقابلة مجتمعة كلّها في هذا المفهوم ، ليكون ملتقىً للنقائض والأضداد ؟ طبعاً لا ؛ فإنّ اجتماع الأمور المتقابلة في موضوع واحد شيء ، وإمكان صدق مفهوم واحد عليها شيء آخر فالوجود مفهوم ليس فيه من نقائض
____________________
(١) انظر للتفصيل : زكريا إبراهيم ، هيجل ، أو المثاليّة المطلقة : ١٣٨ ـ ١٧٢ إمام عبد الفتّاح إمام : هيجل / ج ١ (= المنهج الجدلي عند هيجل)
السواد والبياض ، أو النبات والجماد شيء ، وإنّما يصحّ أن يكون هذا أو ذاك ، لا أنّه هو هذا وذاك معاً في وقت واحد(١)
ولندع مقولات هيجل ، لندرس الجدل الماركسي في خطوطه العريضة التي وضع تصميمها الأساسي هيجل نفسه
والخطوط الأساسية أربعة ، وهي : حركة التطوّر ، وتناقضات التطوّر ، وقفزات التطوّر ، والإقرار بالارتباط العام
____________________
(١) أضف إلى ذلك : أنّ هذا التناقض المزعوم في ثالوث الوجود ، يرتكز على خلط آخر بين فكرة الشيء ، والواقع الموضوعي لذلك الشيء ؛ فإنّ مفهوم الوجود ليس إلاّ عبارة عن فكرة الوجود في أذهاننا ، وهي غير الواقع الموضوعي للوجود وإذا ميّزنا بين فكرة الوجود وواقع الوجود زال التناقض ؛ فإنّ واقع الوجود معيّن ومحدود لا يمكن سلب صفة الوجود عنه مطلقاً ، وأمّا فكرتنا عن الوجود فهي ليست وجوداً واقعياً ، وإنّما هي المفهوم الذهني المأخوذ عنه (المؤلّف قدسسره )
١- حركة التطوّر
قال ستالين :
(إنّ الديالكتيك ـ خلافاً للميتافيزية ـ لا يعتبر الطبيعة حالة سكون وجمود ، حالة ركود واستقرار ، بل يعتبرها حالة حركة وتغيّر دائمين ، حالة تجدّد وتطوّر لا ينقطعان ، ففيها دائماً شيء يولد ويتطوّر وشيء ينحلّ ويضمحلّ ولهذا تريد الطريقة الديالكتيكية أن لا يكتفى بالنظر إلى الحوادث من حيث علاقات بعضها ببعض ، ومن حيث تكييف بعضها لبعض بصورة متقابلة ، بل أن ينظر إليها ـ أيضاً ـ من حيث حركتها ، من حيث تغيّرها وتطوّرها ، من حيث ظهورها واختفائها)(١)
وقال أنجلز :
(ينبغي لنا ألاّ ننظر إلى العالم وكأنّه مركّب من أشياء ناجزة ، بل ينبغي أن ننظر إليه وكأنّه مركّب في أدمغتنا إنّ هذا المرور ينمّ عن تغيّر لا ينقطع من الصيرورة والانحلال ، حيث يشرق نهار النمو المتقدّم في النهاية رغم جميع الصدف الظاهرة والعودات إلى الوراء)(٢)
____________________
(١) المادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخية : ١٦
(٢) هذه هي الديالكتيكية : ٩٧ ـ ٩٨
فكلّ شيء خاضع لقوانين التطوّر والصيرورة ، وليس لهذا التطوّر أو الصيرورة حدّ يتوقّف عنده ؛ لأنّ الحركة هي المسألة اللامتناهية للوجود كلّه
ويزعم الديالكتيكيون أنّهم وحدهم الذين يعتبرون الطبيعة حالة حركة وتغيّر دائمين وينعون على المنطق الميتافيزيقي والأسلوب التقليدي للتفكير طريقة دراسته للأشياء وفهمها ؛ إذ يفترض الطبيعة في حالة سكون وجمود مطلقين ، فهو لا يعكس الطبيعة على واقعها المتطوّر المتحرّك فالفرق بين المنطق الجدلي الذي يعتقد في الطبيعة حركة دائمة وصاعدة أبداً ، والمنطق الشكلي ـ في زعمهم ـ كالفرق بين شخصين أرادا أن يسبرا أغوار كائن حيّ في شتّى أدواره ، فأجرى كلّ منهما تجاربه عليه ، ثمّ وقف أحدهما يراقب تطوّره وحركته المستمرّة ، ويدرسه على ضوء تطوّراته كلّها ، واكتفى الآخر بالتجربة الأُولى معتقداً أنّ ذلك الكائن جامد في كيانه ، ثابت في هويّته وواقعه فالطبيعة برمّتها شأنها شأن هذا الكائن الحيّ ، من النبات أو الحيوان في تطوّره ونموّه ، فلا يواكبها الفكر إلاّ إذا جاراها في حركتها وتطوّرها
والواقع : أنّ قانون التطوّر الديالكتيكي الذي يعتبره الجدل الحديث من مميّزاته الأساسية ليس شيئاً جديداً في الفكر الإنساني ، وإنّما الجديد طابعه الديالكتيكي الذي يجب نزعه عنه ، كما سنعرف فهو في حدوده الصحيحة ينسجم مع المنطق العامّ ، ولا صلة له بالديالكتيك ، ولا فضل للديالكتيك في اكتشافه ، فليس علينا لأجل أن نقبل هذا القانون ، ونعرف سبق الميتافيزيقا إليه ، إلاّ أن نجرّده عن قالب التناقض ، وأساس الجدل القائم عليه في عرف الديالكتيك
إنّ الميتافيزيقي في زعم الديالكتيكي يعقتد أنّ الطبيعة جامدة يخيّم عليها السكون ، وأنّ كلّ شيء فيها ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل ، كأنّ الميتافيزيقي المسكين قد حُرِم من كلّ ألوان الإدراك ، وسُلِب منه الشعور والحسّ معاً ، فأصبح لا يحسّ
ولا يشعر بما يشعر به جميع الناس وحتّى الأطفال من ضروب التغيّر والتبدّل في دنيا الطبيعة
ومن الواضح لدى كلّ أحد : أنّ الإيمان بوجود التغيّر في عالم الطبيعة مسألة لا تحتاج إلى دراسات علمية سابقة ، وليست موضعاً لخلاف أو نقاش ، وإنّما الجدير بالدرس هو ماهية هذا التغيّر ، ومدى عمقه وعمومه ؛ فإنّ التغيّر نحوان : أحدهما التعاقب البحت ، والآخر الحركة والتاريخ الفلسفي يروي صراعاً حادّاً لا في مسألة التغيّر بصورة عامّة ، بل في كنهه وتفسيره الفلسفي الدقيق ويدور الصراع حول الجواب عن الأسئلة التالية :
هل التغيّر الذي يطرأ على الجسم حين يطوي مسافةً ما ، عبارة عن وقفات متعدّدة في أماكن متعدّدة تعاقبت بسرعة ، فتكوّنت في الذهن فكرة الحركة ؟ أو أنّ مردّ هذا التغيّر إلى سير واحد متدرّج لا وقوف فيه ولا سكون ؟ وهل التغيّر الذي يطرأ على الماء حين تتضاعف حرارته وتشتدّ ، يعني مجموعة من الحرارات المتعاقبة ، يتلو بعضها بعضاً ؟ أو أنّه يعبّر عن حرارة واحدة تتكامل وتتحرّك وتترقّى درجتها ؟
وهكذا نواجه هذا السؤال في كلّ لون من ألوان التغيّر التي تحتاج إلى شرح فلسفي بأحد الوجهين الذين يقدّمهما السؤال
والتاريخ الإغريقي يحدّث عن بعض المدارس الفلسفية : أنّها أنكرت الحركة ، وأخذت بالتفسير الآخر للتغيّر الذي يردّ التغيّر إلى تعاقب أمور ساكنة ومن رجالات تلك المدرسة (زينون) الذي أكّد على أنّ حركة المسافر من أقصى الأرض إلى أقصاها ليست إلاّ سلسلة من سكنّات متعاقبة فهو لا يتصوّر التدرج في الوجود والتكامل فيه ، بل يرى كلّ ظاهرة ثابتة ، وأنّ التغيّر يحصل بتعاقب الأمور الثابتة ، لا بتطوّر الأمر الواحد وتدرّجه وعلى هذا تكون حركة الإنسان
في مسافة ما عبارة عن وقوفه في المنطقة الأولى من تلك المسافة ، فوقوفه في النقطة الثانية ، ففي الثالثة ، وهكذا فإذا رأينا شخصين أحدهما واقف في نقطة معيّنة ، والآخر يمشي نحو اتّجاه خاصّ ، فكلاهما في رأي (زينون) واقف ساكن ، غير أنّ الأوّل ساكن في نقطة معيّنة على طول الخطّ ، وأمّا الآخر فله سكنات متعدّدة ؛ لتعدّد النقاط التي يطويها ، وله في كلّ لحظة مكانيّة خاصّة ، وهو في كلّ تلك اللحظات لا يختلف مطلقاً عن الشخص الأوّل الواقف في نقطة معيّنة ، فهما معاً ساكنان ، وإن كان سكون الأوّل مستمرّاً ، وسكون الثاني يتبدّل بسرعة إلى سكون آخر في نقطة أخرى من المسافة فالاختلاف بينهما هو الاختلاف بين سكون قصير الأمد وسكون طويل الأمد
هذا ما كان يحاوله (زينون) وبعض فلاسفة الإغريق وقد برهن على وجهه نظره بالأدلّة الأربعة المشهورة عنه التي لم يقدّر لها النجاح والتوفيق في الميدان الفلسفي ؛ لأنّ مدرسة أرسطو ـ وهي المدرسة الفلسفية الكبرى في العهد الإغريقي ـ آمنت بالحركة ، وردّت على تلك الأدلّة وزيّفتها ، وبرهنت على وجود الحركة والتطوّر في ظواهر الطبيعة وصفاتها ، بمعنى : أنّ الظاهرة الطبيعية قد لا توجد على التمام في لحظة ، بل توجد على التدريج وتستنفذ إمكاناتها شيئاً فشيئاً ، وبذلك يحصل التطوّر ويوجد التكامل فالماء حين تتضاعف حرارته لا يعني ذلك : أنّه في كلّ لحظة يستقبل حرارة بدرجة معيّنة ، توجد على التمام ثمّ تُفنى وتُخلق من جديد حرارة أخرى بدرجة جديدة ، بل محتوى تلك المضاعفة : أنّ حرارة واحدة وجدت في الماء ، ولكنّها لم توجد على التمام ، بمعنى : أنّها لم تستنفذ في لحظتها الأُولى كلّ طاقاتها وإمكاناتها ، ولذلك أخذت تستنفذ إمكاناتها بالتدريج ، وتترقّى بعد ذلك وتتطوّر وبالتعبير الفلسفي : أنّها حركة مستمرّة متصاعدة.
ومن الواضح : أنّ التكامل ـ أو الحركة التطوّرية ـ لا يمكن أن يُفهم إلاّ على هذا الأساس ، وأمّا تتابع ظواهر متعدّدة يوجد كلّ واحدة منها بعد الظاهرة السابقة ، وتفسح المجال بفنائها لظاهرة جديدة ، فليس هذا نموّاً وتكاملاً ، وبالتالي ليس حركة ، وإنّما هو لون من التغيّر العامّ
فالحركة سير تدريجي للوجود ، وتطوّر للشيء في الدرجات التي تتّسع لها إمكاناته ؛ ولذلك حدّد المفهوم الفلسفي للحركة بأنّها خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجياً(١)
ويتركز هذا التحديد على الفكرة التي قدّمناها عن الحركة ، فإنّ الحركة ـ كما عرفنا ـ ليست عبارة عن فناء الشيء فناءً مطلقاً ووجود شيء آخر جديد ، وإنّما هي تطوّر الشيء في درجات الوجود فيجب ـ إذن ـ أن تحتوي كلّ حركة على وجود واحد مستمرّ منذ تنطلق إلى أن تتوقّف ، وهذا الوجود هو الذي يتحرّك ، بمعنى : أنّه يتدرّج ويثرى بصورة مستمرّة ، وكلّ درجة تعبّر عن مرحلة من مراحل ذلك الوجود الواحد ، وهذه المراحل إنّما توجد بالحركة ، فالشيء المتحرّك أو الوجود المتطوّر لا يملكها قبل الحركة وإلاّ لما وجدت حركة ، بل هو في لحظة الانطلاق يتمثّل لنا في قوىً وإمكانات ، وبالحركة تستنفذ تلك الإمكانات ، ويُستبدَل في كلّ درجة من درجات الحركة الإمكانُ بالواقع والقوّةُ بالفعليّة
فالماء قبل وضعه على النار لا يملك من الحرارة المحسوسة إلاّ إمكانها ، وهذا الإمكان الذي يملكه ليس إمكاناً لدرجة معيّنة من الحرارة ، بل هي بجميع درجاتها ـ التي تؤدّي إلى الحالة الغازية في النهاية ـ ممكنة للماء ، وحين يبدأ
____________________
(١) القوّة : عبارة عن إمكان الشيء ، والفعل : عبارة عن وجوده حقيقة (المؤلّف قدسسره )
الماء بالانفعال والتأثّر بحرارة النار تبدأ حرارته بالحركة والتطوّر ، بمعنى : أنّ القوى والإمكانات التي كانت تملكها تتبدّل إلى حقيقة ، والماء في كلّ مرحلة من مراحل الحركة يخرج من إمكان إلى فعلية ، ولذلك تكون القوّة والفعلية متشابكتين في جميع أدوار الحركة ، وفي اللحظة التي تستنفذ جميع الإمكانات تقف الحركة
فالحركة ـ إذن ـ في كلّ مرحلة ذات لونين : فهي من ناحية فعلية وواقعية ؛ لأنّ الدرجة التي تسجّلها المرحلة موجودة بصورة واقعية وفعلية ومن ناحية أخرى هي إمكان وقوّة للدرجات الأخرى الصاعدة التي ينتظر من الحركة أن تسجّلها في مراحلها الجديدة فالماء في مثالنا إذا لاحظناه في لحظة معيّنة من الحركة ، نجد أنّه ساخن بالفعل بدرجة ثمانين مثلاً ، ولكنّه في نفس الوقت ينطوي على إمكان تخطّي هذه الدرجة ، وقوّة تطوّر للحرارة إلى أعلى ففعلية كلّ درجة في مرحلتها الخاصّة مقارنة لقوّة فنائها
ولنأخذ مثالاً أعمق للحركة ، وهو الكائن الحيّ الذي يتطوّر بحركة تدريجية ، فهو بويضة ، فنطفة ، فجنين ، فطفل ، فمراهق ، فراشد إنّ هذا الكائن في مرحلة محدودة من حركته هو نطفة بالفعل ، ولكنّه في نفس الوقت شيء آخر مقابل للنطفة وأرقى منها ، فهو جنين بالقوّة ، ومعنى هذا : أنّ الحركة في هذا الكائن قد ازدوجت فيها الفعلية والقوّة معاً فلو لم يكن في الكائن الحيّ قوّة درجة جديدة وإمكاناتها لما وجدت حركة ، ولو لم يكن شيئاً من الأشياء بالفعل لكان عدماً محضاً ، فلا توجد حركة أيضاً فالتطوّر يأتلف دائماً من شيء بالفعل وشيء بالقوّة وهكذا تستمرّ الحركة ما دام الشيء يحتوي على الفعلية والقوّة معاً ، على الوجود والإمكان معاً ، فإذا نفذ الإمكان ، ولم تبقَ في الشيء طاقة على درجة جديدة ، انتهى عمر الحركة
هذا هو معنى خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجاً ، أو تشابك القوّة
والفعل أو اتّحادهما في الحركة
وهذا هو المفهوم الفلسفي الدقيق الذي تعطيه الفلسفة الميتافيزيقية للحركة ، وقد أخذته المادّية الديالكتيكية فلم تفهمه ولم تتبيّنه على وجهه الصحيح ، فزعمت أنّ الحركة لا تتمّ إلاّ بالتناقض ، التناقض المستمرّ في صميم الأشياء ، كما سوف نعرف عن قريب
وجاء بعد ذلك دور الفلسفة الإسلامية على يد الفيلسوف الإسلامي الكبير (صدر الدين الشيرازي) ، فوضع نظرية الحركة العامّة ، وبرهن فلسفياً على أنّ الحركة بمفهومها الدقيق الذي عرضناه ، لا تمسّ ظواهر الطبيعة وسطحها العرضي فحسب ، بل الحركة في تلك الظواهر ليست إلاّ جانباً من التطوّر يكشف عن جانب أعمق ، وهو التطوّر في صميم الطبيعة وحركتها الجوهرية ؛ ذلك أنّ الحركة السطحية في الظواهر لمّا كان معناها التجدّد والانقضاء ، فيجب لهذا أن تكون علّتها المباشرة أمراً متجدّداً غير ثابت الذات أيضاً ؛ لأنّ علّة الثابت ثابتة ، وعلّة المتغيّر المتجدّد متغيّرة متجدّدة ، فلا يمكن أن يكون السبب المباشر للحركة أمراً ثابتاً ، وإلاّ لم تنعدم أجزاء الحركة ، بل تصبح قراراً وسكوناً(١)
____________________
(١) ويتلخّص الاستدلال الرئيسي على الحركة الجوهرية بالأمرين التاليين :
الأوّل : أنّ العلّة المباشر للحركات العرضية والسطحية في الأجسام ـ من الميكانيكية والطبيعية ـ قوّة خاصّة قائمة بالجسم ، وهذا المعنى صادق حتّى على الحركات الآلية التي يبدو لأوّل وهلة أنّها منبثقة عن قوّة منفصلة ، كما إذا دفعت بجسم في خطّ أُفقي أو عمودي ، فإنّ المفهوم البدائي من هذه الحركة أنّها معلولة للدفعة الخارجية والعامل المنفصل ، ولكنّ الواقع غير هذا ؛ فإنّ العامل الخارجي لم يكن إلاّ شرطاً من شروط الحركة وأمّا المحرّك الحقيقي فهو : القوّة القائمة بالجسم ، ولأجل ذلك كانت الحركة تستمرّ بعد انفصال الجسم
(*)
.............................................
____________________
(*)
المتحرّك عن الدفعة الخارجية والعامل المنفصل ، وكان الجهاز الميكانيكي المتحرّك يسير مقداراً ما بعد بطلان العامل الآلي المحرّك ، وعلى هذا الأساس وضع الميكانيك الحديث قانون القصور الذاتي القائل : إنّ الجسم إذا حُرِّك استمرّ في حركته ما لم يمنعه شيء خارجي عن مواصلة نشاطه الحركي غير أنّ هذا القانون أسيء استخدامه ؛ إذ اعتبر دليلاً على أنّ الحركة حين تنطلق لا تحتاج بعد ذلك إلى سبب خاصّ وعلّة معيّنة ، واتّخذ أداة للردّ على مبدأ العلّية وقوانينها
ولكنّ الصحيح : أنّ التجارب العلمية في الميكانيك الحديث ، إنّما تدلّ على أنّ العامل الخارجي المنفصل ليس هو العلّة الحقيقية للحركة ، وإلاّ لما استمرّت حركة الجسم بعد انفصال الجسم المتحرّك عن العامل الخارجي المستقلّ ويجب لهذا أن تكون العلّة المباشرة للحركة قوّة قائمة بالجسم ، وأن تكون العوامل الخارجية شرائط ومثيرات لتلك القوّة
الثاني : أنّ المعلول يجب أن يكون مناسباً للعلّة في الثبات والتجدّد ، فإذا كانت العلّة ثابتة كان المعلول ثابتاً ، وإذا كان المعلول متجدّداً ومتطوّراً كانت العلّة متجدّدة ومتطوّرة ومن الضروري على هذا الضوء أن تكون علّة الحركة متحرّكة ومتجدّدة ، طبقاً لتجدّد الحركة وتطوّرها نفسها ؛ إذ لو كانت علّة الحركة ثابتة ومستقرّة ، لكان كلّ ما يصدر منها ثابتاً ومستقرّاً ، فتعود الحركة سكوناً واستقراراً ، وهو يناقض معنى الحركة والتطوّر
وعلى أساس هذين الأمرين نستنتج :
أوّلاً : أنّ القوّة القائمة بالجسم والمحرّكة له ، قوّة متحرّكة ومتطوّرة ، فهذه القوّة بسبب تطوّرها تكون علّة للحركات العرضية والسطحية جميعاً ، وهي قوّة جوهرية ؛ إذ لا بدّ أن تنتهي إلى قوّة جوهرية ؛ لأنّ العرض يتقوّم بالجوهر وهكذا ثبتت الحركة الجوهرية في الطبيعة
ثانياً : أنّ الجسم يأتلف دائماً من مادّة تعرضها الحركات ، وقوّة جوهرية متطوّرة ،
ولم يبرهن الفيلسوف (الشيرازي) على الحركة الجوهرية فحسب ، بل أوضح أنّ مبدأ الحركة في الطبيعة من الضرورات الفلسفية للميتافيزيقية وفسّر على ضوئه صلة الحادث بالقديم(١) وعدّة من المشاكل الفلسفية الأخرى : كمشكلة الزمان(٢) ، ومسألة تجرّد المادّة وعلاقة النفس والجسم(٣)
فهل يصحّ بعد هذا كلّه اتّهام الإلهية أو الميتافيزيقا بأنّها تؤمن بجمود الطبيعة وسكونها ؟!
والحقيقة : أنّ هذا الاتّهام لا مبرّر له إلاّ سوء فهم المادّية الديالكتيكية
____________________
(*)
وبسببها تحصل الحركة السطحية في ظواهر الجسم وأعراضه
وليس في المستطاع الآن أن نعرض الحركة الجوهرية وبراهينها بأكثر من هذه اللمحة (المؤلّف قدسسره )
يراجع : الأسفار الأربعة : ج ٣ / ص ٦١ (الفصل : ١٩) ، و : ص ٤٦ (الفصل : ٢٠) و : ج ٤ / ص ٢٧٣ (بحث و تدقيق)
(١) والمشكلة في صلة الحادث بالقديم هي : أنّ العلّة باعتبارها قديمة وأزلية يجب أن تكون علّة لما يناسبها ، ويتّفق معها في القدم والأزلية وعلى هذا الأساس خُيِّل لعدّة من الميتافيزيقيين : أنّ الإيمان بالخالق الأزلي يحتّم من ناحية فلسفية الاعتقاد بقدم العالم وأزليّته ؛ لئلاً ينفصل المعلول عن علّته وقد حلّ الشيرازي هذه المشكلة على ضوء الحركة الجوهرية القائلة : إنّ عالم المادّة في تطوّر وتجدّد مستمرّ ، فإنّ حدوث العالم على هذا الأساس كان نتيجة حتمية لطبيعته التجدّدية ، ولم يكن لأجل حدوث العلّة وتجدّد الخالق الأوّل (المؤلّف قدسسره )
يراجع : الأسفار الأربعة : ج ٣ / ص ١٢٨ (الفصل : ٣٣) ، و : ص ٦٨ (الفصل : ٢١)
(٢) فقد قدّم (الشيرازي) تفسيراً جديداً للزمان ، يردّه فيه إلى الحركة الجوهرية للطبيعة ، وبهذا أصبح الزمان في مفهومه الفلسفي هذا مقوِّماً للجسم ، ولم يعد شيئاً مجرّداً مستقلاً عنه (المؤلّف قدسسره )
يلاحظ : الأسفار الأربعة : ج ٣ / ص ١١٥ ـ ١١٨ (الفصل : ٣٠)
(٣) سوف نعرض لتجرّد المادّة ، وعلاقة النفس بالجسم ، في الجزء الأخير من هذه المسألة (المؤلّف قدسسره )
يراجع : الأسفار الأربعة : ج ٨ / ص ٣٤٣ (الفصل ٣)
للحركة بمعناها الفلسفي الصحيح
فما هو الفارق بين الحركة وقانونها العامّ في (فلسفتنا) ، ونظرية الحركة الديالكتيكية في المادّية الجدلية ؟
إنّ الاختلاف بين الحركتين يتلخّص في نقطتين أساسيّتين :
النقطة الأولى : أنّ الحركة في مفهومها الديالكتيكي تقوم على أساس التناقض والصراع بين المتناقضات ، فهذا التناقض والصراع هو القوّة الداخلية الدافعة للحركة والخالقة للتطوّر وعلى عكس ذلك في مفهومنا الفلسفي عن الحركة فإنّه يعتبر الحركة سيراً من درجة إلى درجة مقابلة ، من دون أن تجتمع تلك الدرجات المتقابلة في مرحلة واحدة من مراحل الحركة
ولأجل أن يتّضح ذلك يجب أن نميّز بين القوّة والفعل ، ونحلّل المغالطة الماركسية التي ترتكز على اعتبار القوّة والفعل وحدة متناقضة :
إنّ الحركة مركّبة من قوّة وفعل فالقوّة والفعل متشابكان في جميع أدوار الحركة ، ولا يمكن أن توجد ماهية الحركة دون أحد هذين العنصرين ، فالوجود في كلّ دور من أدوار سيره التكاملي ، يحتوي على درجة معيّنة بالفعل ، وعلى درجة أرقى منها بالقوّة ، فهو في اللحظة التي يتكيّف فيها بتلك الدرجة يسير في اتّجاه متصاعد ويتخطّى درجته الحاضرة وقد خُيّل للماركسية أنّ هذا لون من التناقض ، وأنّ الوجود المتطوّر يحتوي على الشيء ونقيضه ، وأنّ هذا الصراع بين النقيضين هو الذي يولّد الحركة
قال أنجلز :
(إنّ الوضع يختلف كلّ الاختلاف ؛ إذ ننظر إلى الكائنات وهي في حالة حركتها ، في حالة تغيّرها ، في حالة تأثيراتها المتبادلة على بعضها البعض ، حيث نجد أنفسنا بدء
هذه النظرة بأنّنا مغمورون في التناقضات ، فالحركة نفسها هي تناقض إنّ أبسط تغيّر ميكانيكي في المكان لا يمكن أن يحدث إلاّ بواسطة كينونة جسم ما ، في مكان ما ، في لحظة ما ، وفي نفس تلك اللحظة كذلك ، في غير ذلك المكان ، أي : كينونته وعدم كينونته معاً في مكان واحد ، في نفس اللحظة الواحدة ، فتتابع هذا التناقض تتابعاً مستمرّاً ، وحلّ هذا التناقض حلاً متواقتاً مع هذا التتابع ، هو ما يسمّى بالحركة)(١)
انظروا ما أسخف مفهوم الحركة في المادّية الجدلية ، هذا المفهوم الذي يشرحه (أنجلز) على أساس (التناقض) ، وهو لا يعلم أنّ درجتين من الحركة لو كانتا موجودتين بالفعل في مرحلة معيّنة منها ، لما أمكن التطوّر ، وبالتالي لجمدت الحركة ؛ لأنّ الحركة انتقال للموجود من درجة إلى درجة ، ومن حدّ إلى حدّ ، فلو كانت الحدود والنقاط كلّها مجتمعة بالفعل ، لما وجدت حركة ، فمن الضروري أن لا تُفسَّر الحركة إلاّ على ضوء مبدأ (عدم التناقض) ، وإلاّ ـ لو جاز التناقض ـ فمن حقّنا أن نتساءل : هل إنّ الحركة تنطوي على التغيّر في درجات الشيء المتطوّر ، والتبدّل في حدوده ونوعيّته أو لا ؟ فإن لم يكن فيها شيء من التغيّر والتجدّد ، فليست هي حركة ، بل هي جمود وثبات وإن اعترفت الماركسية بالتجدّد والتغيّر في الحركة فلماذا هذا التجدّد إذا كانت المتناقضات كلّها موجودة بالفعل ولم يكن بينها تعارض ؟
إنّ أبسط تحليل للحركة يطلعنا على أنّها مظهر من مظاهر التمانع ، وعدم
____________________
(١) ضد دوهرنك : ٢٠٢
إمكان الاجتماع بين النقائض والمتقابلات ، الذي يفرض على الموجود المتطوّر التغيّر المستمرّ لدرجته وحدّه وليس التناقض أو الديالكتيك المزعوم في الحركة إلاّ باعتبار الخلط بين القوّة والفعل
فالحركة في كلّ مرحلة لا تحتوي على درجتين ، أو فعليتين متناقضتين ، وإنّما تحتوي على درجة خاصّة بالفعل ، وعلى درجة أخرى بالقوّة ؛ ولذلك كانت الحركة خروجاً تدريجياً من القوّة إلى الفعل ، ولكنّ عدم الوعي الفلسفي الكامل هو الذي صار سبباً في تزوير مفهوم الحركة
وهكذا يتّضح : أنّ قانون (نقض النقض) ، وتفسير الحركة به ، وكلّ ما أحيط به ذلك من ضوضاء وضجيج وصخب وسخرية بالأفكار الميتافيزيقية التي تؤمن بمبدأ (عدم التناقض) ، إنّ كلّ ذلك مردّه إلى المفهوم الفلسفي الذي عرضناه للحركة ، والذي أساءت الماركسية فهمه ، فاعتبرت تشابك القوّة والفعل أو اتّحادهما في جميع مراحل الحركة ، عبارة عن اجتماع فعليات متقابلة ، وتناقض مستمرّ ، وصراع بين المتناقضات ، فرفضت لأجل ذلك مبدأ (عدم التناقض) ، وأطاحت بالمنطق العام كلّه
وليست هذه المحاولة الماركسية هي الأُولى في بابها ؛ فإنّ بعض المفكّرين الميتافيزيقيين حاولوا شيئاً من ذلك في التاريخ الفلسفي القديم مع فارق واحد ، وهو : أنّ الماركسية أرادت أن تبرّر التناقض بهذه المحاولة ، وأمّا أولئك فحاولوا أن يبرهنوا على سلبية إمكان الحركة ، باعتبار انطوائها على التناقض وللفخر الرازي محاولة من هذا القبيل أيضاً ، ذكر فيها : أنّ الحركة عبارة عن التدرّج ، أي : وجود الشيء على سبيل التدريج ، وزعم أنّ التدرّج في الوجود
غير معقول ؛ لأنّه يؤدّي إلى لون من التناقض(١) وقد أوضح المحقّقون من الفلاسفة أنّها نشأت من عدم الوعي الصحيح لمعنى التدرّج والوجود التدريجي(٢)
ولمّا كنّا نعرف الآن ، بكلّ وضوح ، أنّ الحركة ليست صراعاً بين فعليات متناقضة دائماً ، بل هي تشابك بين القوّة والفعل ، وخروج تدريجي للشيء من أحدهما إلى الآخر ، نستطيع أن ندرك أنّ الحركة لا يمكن أن تكتفي ذاتياً عن السبب ، وأنّ الوجود المتطوّر لا يخرج من القوّة إلى الفعل إلاّ لسبب خارجي ، وليس صراع بين التناقضات هو العلّة الداخلية لذلك ؛ إذ ليست في الحركة وحدة للتناقضات والأضداد لتنجم الحركة عن الصراع بينها فما دام الوجود المتطوّر في لحظة انطلاق الحركة خالياً من الدرجات أو النوعيات التي سوف يحصل عليها في مراحل الحركة ، ولم يكن في محتواه الداخلي إلاّ إمكان تلك الدرجات ، والاستعداد لها ، فيجب أن يوجد سبب لإخراجه من القوّة إلى الفعل ، لتبديل الإمكان الثابت في محتواه الداخلي إلى حقيقة
وبهذا نعرف أنّ قانون الحركة العامّة في الطبيعة يبرهن بنفسه على ضرورة وجود مبدأ خارج حدودها المادّية ؛ ذلك أنّ الحركة بموجب هذا القانون هي : كيفية وجود الطبيعة فوجود الطبيعة عبارة أخرى عن حركتها وتدرّجها ، وخروجها المستمرّ من الإمكان إلى الفعلية وقد انهارت لدينا نظرية الاستغناء الذاتي للحركة بتناقضاتها الداخلية التي تنبثق الحركة عن الصراع بينها في زعم الماركسيين ؛ إذ لا تناقض ولا صراع ، فيجب أن يوجد التعليل ، وأن يكون التعليل بشيء خارج حدود الطبيعة ؛ لأنّ أيّ شيء موجود في الطبيعة فوجوده حركة
____________________
(١) فخر الدين الرازي ، المباحث المشرقيّة : ١ / ٥٤ ـ ٤٥٠
(٢) الأسفار الأربعة : ٣ / ٢٦
وتدرّج ؛ إذ لا ثبات في عالم الطبيعة بموجب قانون الحركة العامّة ، فلا يمكن أن نقف التعليل عند شيء طبيعي
النقطة الثانية : أنّ الحركة في الرأي الماركسي لا تقف عند حدود الواقع الموضوعي للطبيعة ، بل تعمّ الحقائق والأفكار البشرية أيضاً فكما يتطوّر الواقع الخارجي للمادّة وينمو ، كذلك تخضع الحقيقة والإدراكات الذهنية لنفس قوانين التطور والنمو التي تجري على دنيا الطبيعة ، وعلى هذا الأساس لا توجد في المفهوم الماركسي للفكرة حقائق مطلقة
قال لينين :
(فالديالكتيك هو إذن ـ في نظر ماركس ـ علم القوانين العامّة للحركة ، سواءٌ في العالم الخارجي أم الفكر البشري)(١)
وعلى العكس من ذلك قانون الحركة العامّة في رأينا ؛ فإنّه قانون طبيعي يسود عالم المادّة ، ولا يشمل دنيا الفكر والمعرفة فالحقيقة أو المعرفة لا يوجد فيها ولا يمكن أن يوجد فيها تطوّر بمعناه الفلسفي الدقيق ، كما أوضحنا ذلك بكلّ جلاء في المسألة الأُولى (نظرية المعرفة ) .
[ محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر : ]
وما نرمي إليه الآن من درس الحركة الديالكتيكية المزعومة في المعرفة أو الحقيقة ، هو : استعراض المحاولات الرئيسية التي اتّخذتها الماركسية للاستدلال على ديالكتيك الفكر وحركته وتتلخّص في ثلاث محاولات :
____________________
(١) ماركس ، أنجلس والماركسية : ٢٤
المحاولة الأُولى : أنّ الفكر أو الإدراك انعكاس للواقع الموضوعي ، ولأجل أن يكون مطابقاً له يجب أن يعكس قوانينه وتطوّره وحركته فالطبيعة تتطوّر وتتغيّر باستمرار طبقاً لقانون الحركة ، ولا يمكن للحقيقة أن تصوِّرها في الذهن البشري إذا كانت مجمّدة ساكنة ، وإنّما توجد الحقيقة في أفكارنا إذا أُخذت هذه الأفكار على اعتبار أنّها تنمو وتتطوّر ديالكتيكياً ؛ لتكون مفاهيمنا عن الأشياء مواكبة للأشياء ذاتها
ويحسن أن نلاحظ في هذا المجال النصوص الآتية :
(إنّ الواقع ينمو ، والمعرفة التي تنشأ من هذا الواقع تعكسه وتنمو مثله ، وتصبح عنصراً فعّالاً من عناصر نموّه إنّ الفكر لا يُحدِث موضوعه ، وإنّما الفكر يعكس الواقع الموضوعي ويطوِّره باكتشاف قوانين نموّه)(١)
(إنّ الفرق بين المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي ، ينحصر في واقع : أنّهما يواجهان بصورة مختلفة المسألة الأساسية للمنطق ، وهي : مسألة (الحقيقة) فمن وجهة نظر المنطق الديالكتي ليست (الحقيقة) شيئاً معطى مرّة واحدة لا غير ، ليست شيئاً مكتملاً محدّداً مجمّداً ساكناً ، بل الأمر خلاف ذلك ، فـ (الحقيقة) هي : عملية نموّ معرفة الإنسان للعالم الموضوعي)(٢)
(يتناول المنطق الديالكتي الماركسي الشيء الذي
____________________
(١) ما هي المادّية ؟ : ٥٦
(٢) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ٩
يدرسه من وجهة نظر تاريخية ، من حيث هو عملية نموّ تطوّرية ، إنّه يطابق التاريخ العامّ للمعرفة ، يطابق تاريخ العلوم)(١)
ولا ريب أنّ الفكر والإدراك يصوّر الواقع الموضوعي لوناً من ألوان التصوير ، ولكن هذا لا يعني أن تنعكس فيه حركة الواقع الموضوعي ، فينمو ويتحرّك تبعاً له ؛ وذلك :
أوّلاً : أنّ عالم الطبيعة ـ عالم التغيّر والتجدّد والحركة ـ يحتوي حتماً على قوانين عامّة ثابتة ، وهذا ما لا يمكن لأيّ منطق إنكاره ، إلاّ إذا أنكر نفسه ؛ لأنّ المنطق لا يمكن أن يكون منطقاً إلاّ إذا أقام طريقته في التفكير وفهم العالم على قوانين معيّنة ثابتة ، وحتّى الديالكتيك يعتبر عدّة قوانين تسيطر على الطبيعة وتتحكّم فيها بصورة دائمة ، ومنها قانون الحركة فعالم الطبيعة ـ إذن ـ سواءٌ صحٌ عليه المنطق البشري العامّ ، أم منطق الديالكتيك والجدل ، توجد فيه قوانين ثابتة تعكس حقائق ثابتة في دنيا الفكر وحقل المعرفة البشرية
والديالكتيكيون إزاء هذا الاعتراض بين أمرين : إمّا أن يعتبروا قانون الحركة ثابتاً ودائماً ، فقد وجدت الحقيقة الدائمة إذن وإمّا أن يكون نفس هذا القانون متغيّراً ، فمعنى هذا : أنّ الحركة ليست دائمة ، وأنّها قد تتبدّل إلى ثبات ، وتعود الحقائق ثابتة بعد أن كانت متحرّكة وعلى كلا الحالين يكون الديالكتيك مرغماً على الاعتراف بوجود حقيقة ثابتة
ثانياً : أنّ الفكر أو الإدراك أو الحقيقة لا تعكس الخصائص الواقعية للطبيعة ، فقد سبق أن أوضحنا في (نظرية المعرفة) أنّ الذهن البشري يدرِك من
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ١٢
الأشياء الموضوعية مفاهيمها وماهياتها ، والمفهوم الذي ينعكس فيه عن تلك الأشياء يختلف عن الواقع الخارجي في الوجود والخصائص
فالعالِم يمكنه أن يكوّن فكرة علمية دقيقة عن الميكروب وتركيبه ، ونشاطه الخاصّ وتفاعلاته مع جسم الإنسان ، ولكنّ الفكرة مهما كانت دقيقة ومفصّلة ، لا توجد فيها خواصّ الميكروب الخارجي ، ولا يمكنها أن تؤدّي نفس الدور الذي يؤدّيه واقعها الموضوعي والفيزيائي قد يكتسب مفهوماً علمياً دقيقاً عن ذرّة الراديوم ، ويحدّد وزنها الذرّي ، وعدد ما تحويه من كهارب ، وشحنات سالبة وموجبة ، وكمّية الإشعاع الذي ينبثق عنها ، ونسبته العلمية الدقيقة إلى الإشعاع الذي ترسله ذرّات الأُورانيوم ، إلى غير ذلك من المعلومات والتفاصيل غير أنّ هذا المفهوم مهما تعمّقنا فيه ، أو تعمّق في الكشف عن أسرار عنصر الراديوم ، لن يكتسب خواصّ الواقع الموضوعي ، أي : خواصّ الراديوم ، ولن يشعَّ الإشعاع الذي تولده ذرّات هذا العنصر ، وبالتالي لن يتطوّر مفهومنا عن الذرّة إلى إشعاع ، كما تتطوّر بعض الذرّات في المجال الخارجي
وهكذا يتّضح : أنّ قوانين الواقع الموضوعي وخواصّه ، لا توجد في الفكرة ذاتها ومن تلك القوانين والخواصّ : الحركة ، فهي وإن كانت من الخواصّ العامّة للمادّة ، ومن قوانينها الثابتة ، ولكنّ الحقيقة في ذهننا ، أو الفكرة التي تعكس الطبيعة ، لا توجد فيها تلك الخاصّية ، فلا يجب في الفكرة الصحيحة أن تعكس الواقع الموضوعي بخصائصه وألوان نشاطه المختلفة ، وإلاّ لم نكن نملك فكرة حقيقية في جميع أفكارنا
فالميتافيزيقية ، مع إيمانها بأنّ الطبيعة هي عالم الحركة والتطوّر الدائم ، تختلف عن الديالكتيك ، وترفض عموم قانون الحركة للمفاهيم الذهنية ؛ لأنّها لا يمكن أن تتوفّر فيها جميع خصائص الواقع الموضوعي وليس معنى هذا : أنّ
الميتافيزيقيين إذا كوّنوا مفهوماً عن الطبيعة في مرحلة من مراحلها جمّدوا أفكارهم ، وأوقفوا بحوثهم ، واعتبروا ذلك المفهوم كافياً لاستكناه أسرار الطبيعة في شتّى مراحلها ، فإنّا لا نعرف عاقلاً يكتفي ـ مثلاً ـ بالمفهوم العلمي الذي يكوّنه عن البويض ، فلا يتابع سير الكائن الحيّ في المرحلة الثانية ، ويكتفي بما كوّنه من المفهوم العلمي عنه في تلك المرحلة المعيّنة
فنحن ـ إذن ـ نؤمن بتطوّر الطبيعة ، ونرى من الضروري دراستها في كلّ دور من أدوار نموّها وحركتها ، وتكوين مفهوم عنه ، وليس هذا من مختصّات الديالكتيك وإنّما الذي يرفضه التفكير الميتافيزيقي هو : وجود حركة ديناميكية طبيعية في كلّ مفهوم ذهني فالميتافيزيقية تطالب بالتمييز بين البويض ، ومفهومنا العلمي عنه : فالبويض يتطوّر وينمو طبيعياً ، فيغدو نطفة ثمّ جنيناً وأمّا مفهومنا الذهني عنه ، فهو مفهوم ثابت لا يمكن أن ينمو ويصير نطفة في حال من الأحوال ، وإنّما يجب لأجل معرفة (ما هي النطفة ؟) أن نكوّن مفهوماً آخر على ضوء مراقبة البويض في مرحلة جديدة فمثل التفكير في ذلك كمثل الشريط السينمائي الذي يلتقط عدداً من الصور المتلاحقة ، فليست الصورة الأُولى في الشريط هي التي تتطوّر وتتحرّك ، وإنّما التتابع بين الصور هو الذي يشكّل الشريط السينمائي
وعلى هذا فالإدراك البشري لا يعكس الواقع ، إلاّ كما يعكس الشريط ألوان الحركة والنشاط التي يحفل بها الفيلم السينمائي فالإدراك لا يتطوّر ولا ينمو ديالكتيكياً تبعاً للواقع المنعكس ، وإنّما يجب تكون إدراك ثابت في كلّ مرحلة من مراحل الواقع
ولنأخذ مثالاً آخر من عنصر (اليورانيوم) الذي يشعّ بأشعّة (ألفا) و (بيتا) و (جاما) ، ويتحوّل بالتدريج إلى عنصر آخر أخفّ منه في وزنه الذرّي ، وهو : عنصر (الراديوم) الذي يتحوّل بدوره وبالتدريج إلى عنصر أخفّ منه ، ويمرّ في
أدوار حتّى ينتهي إلى (الرصاص) فهذا واقع موضوعي يشرحه العلم ، ونكوّن على ضوئه مفهومنا الخاصّ عنه ، فماذا تعني الماركسية بتطوّر المفهوم الذهني أو (الحقيقة) ديالكتيكياً طبقاً لتطوّر الواقع ؟ فإن كانت تعني بذلك : أنّ نفس مفهومنا العلمي عن (اليورانيوم) يتطوّر تطوّراً ديالكتيكياً وطبيعياً تبعاً لتطوّر اليورانيوم نفسه ، فيشعّ أشعّته الخاصّة ، ويتحوّل في نهاية المطاف إلى رصاص ، فهذا أقرب إلى حديث الظرف والفكاهة منه إلى الحديث الفلسفي المعقول
وإن أرادت الماركسية : أنّ الإنسان يجب أن لا ينظر إلى اليورانيوم كعنصر جامد لا يتحرّك ، بل يتابع سيره وحركته ، ويكوّن مفهوماً عنه في كلّ مرحلة من مراحله ، فليس في ذلك موضع للنقاش ، ولا يعني حركة ديالكتيكية في الحقائق والمفاهيم ؛ فإنّ كلّ مفهوم نكوّنه عن مرحلة معيّنة من مراحل تطوّر اليورانيوم ، ثابت ولا يتطوّر ديالكتيكياً إلى مفهوم آخر ، وإنّما يضاف إليه مفهوم جديد وفي نهاية المطاف نملك عدّة من المفاهيم والحقائق الثابتة ، يصوّر كلّ منها درجة خاصّة من الواقع الموضوعي ، فأين الجدل والديالكتيك في الفكر ؟! وأين ذلك المفهوم الذي يتطوّر طبيعياً تبعاً لتطوّر الواقع الخارجي ؟!
هذا كلّ ما يتّصل بالمحاولة الماركسية الأُولى وتفنيدها
المحاولة الثانية : التي اتّخذتها الماركسية للتدليل على ديالكتيك الفكر وتطوّره هي : أنّ الفكر أو الإدراك ظاهرة من ظواهر الطبيعة ، ونتاج عالٍ للمادّة ، وبالتالي جزء من الطبيعة ، فتحكمه نفس القوانين التي تسيطر على الطبيعة ، ويتحرّك وينمو ديالكتيكياً ، كما تتحرّك وتنمو جميع ظواهر الطبيعة
ويلزمنا أن ننبّه على أنّ هذا الدليل يختلف عن الدليل السابق : ففي المحاولة السابقة كانت الماركسية تبرهن على وجود الحركة في الفكر عن طريق كونه انعكاساً للواقع المتحرّك ، والانعكاس لا يحصل بصورة تامّة إذا لم ينعكس
الواقع المتحرّك في الفكر على حركته ونموّه وأمّا في هذه المحاولة فتستدلّ الماركسية على الحركة الديالكتيكية في الفكر باعتباره جزءاً من الطبيعة ، فقوانين الديالكتيك تجري على المادّة والإدراك معاً ، وتشمل الواقع والفكر على السواء ؛ لأنّ كلاً منهما جانب من الطبيعة فالفكرة أو الحقيقة متطوّرة ونامية ، لا لأنّها تعكس واقعاً متطوّراً ونامياً فحسب ، بل لأنّها هي بذاتها جزء من العالم المتطوّر طبقاً لقوانين الديالكتيك فالديالكتيك كما ينصّ على وجود الحركة الديناميكية القائمة على أساس التناقض الداخلي في محتوى كلّ ظاهرة موضوعية من ظواهر الطبيعة ، كذلك ينصّ عليها في ظواهر الفكر والإدراك جميعاً
ولنقرأ فيما يتّصل بالموضوع هذا النصّ :
(إنّ الكون هو حركة للمادّة ، تخضع لقوانين ولمّا لم تكن معرفتنا إلاّ نتاجاً أعلى للطبيعة ، لا يسعها إلاّ أن تعكس هذه القوانين)(١)
(إذا تساءلنا : ما هو الفكر ؟ وما هو الوعي ؟ ومن أين يأتيان ؟ ، وجدنا أنّ الإنسان هو نفسه نتاج للطبيعة ، نما في بيئة ومع نموّ هذه البيئة وعندئذٍ يصبح في غنىً عن البيان كيف : أنّ منتوجات الذهن البشري ، التي هي ـ أيضاً ـ عند آخر تحليل منتوجات للطبيعة ، ليست في تناقض ، وإنّما في توافق مع سائر الطبيعة المترابطة ؟)(٢)
والنقطة الأساسية التي يرتكز عليها هذا الاستدلال ، هي : الأخذ بالتفسير
____________________
(١) و (٢) ما هي المادّية ؟ : ٤٦ ـ ٤٧
المادّي البحت للإدراك الذي يفرض اشتراكه مع الطبيعة في جميع قوانينها ونواميسها بما فيها قانون الحركة وسوف نقوم بتحليل تلك النقطة الأساسية في جزء مستقلّ من هذه المسألة ولكنّا نحاول أن نتساءل هنا من الماركسيين : هل التفسير المادّي للفكر أو الإدراك يختصّ بأفكار الديالكتيكيين خاصّة ؟ أو يعمّ أفكار غيرهم ممّن لا يؤمن بالديالكتيك أيضاً ؟ فإن كان يعمّ الأفكار كافة ـ كما تحتّمه الفلسفة المادّية ـ وجب أن تخضع جميعاً لقوانين التطوّر العام في المادّة ويبدو لأجل ذلك من التناقض الطريف أن تتّهم الماركسية الأفكار الأخرى بالجمود والقرار ، وتعتبر فكرها وحده هو الفكر المتطوّر النامي ؛ باعتباره جزءاً من الطبيعة المتطوّرة مع أنّ الأفكار البشرية جميعاً في المفهوم المادّي ليست إلاّ نتاجاً طبيعياً
وقصارى ما في الموضوع : أنّ أصحاب المنطق العامّ أو الشكلي ـ كما يزعمون ـ لا يؤمنون بتطوّر الأفكار ديالكتيكياً كما يؤمن الماركسيون ولكن متى كان الإيمان بقانون من قوانين الطبيعة ، شرطاً من شرائط وجوده ؟! أليس جسم (باستور) المكتشف للميكروب ، وجسم (ابن سينا) الذي لم يكن يعرف عنه شيئاً ، يشتركان معاً في التفاعل مع تلك الجراثيم طبقاً لقوانينها الطبيعة الخاصّة ؟! وهكذا الشأن في كلّ قانون طبيعي فإذا كان الديالكتيك قانوناً طبيعياً يعمّ الفكر والمادّة معاً ، فهو يسري على الأفكار البشرية على السواء ، وإن كان في اكتشافه شيء ، فهو الإسراع بحركة التطوّر فحسب
المحاولة الثالثة : استغلال التطوّر والتكامل العلمي في شتّى الميادين ، واعتباره دليلاً تجريبياً على ديالكتيكية الفكر وتطوّره فتاريخ العلوم- في الزعم الماركسي- هو بنفسه تاريخ الحركة الديالكتيكية في التفكير البشري المتكامل على مرّ الزمن
قال كيدروف :
(والحقيقة المطلقة الناتجة من حقائق نسبية ، هي حركة تطوّر تاريخية ، هي حركة المعرفة ولهذا السبب بالضبط يتناول المنطق الديالكتي الماركسي الشيء الذي يدرسه من وجهة نظر تاريخية ، من حيث هو عملية نموّ تطوّرية إنّه يطابق التاريخ العامّ للمعرفة ، يطابق تاريخ العلوم ولينين إذ يبيّن في الوقت نفسه ـ باستخدامه مثل العلوم الطبيعية والاقتصاد السياسي والتاريخ ـ أنّ الديالكتيك يستمدّ استنتاجاته العامّة من تاريخ الفكر ، يؤكّد أنّ على تاريخ الفكر في المنطق أن يطابق جزئياً وكلّياً قوانين الفكر)(١)
أمّا أنّ تاريخ المعارف والعلوم الإنسانية زاخر بتقدّم العلم وتكامله في شتّى الميادين ومختلف أبواب الحياة والتجربة ، فهذا ما لا يختلف فيه اثنان ، ونظرة واحدة نلقيها على العلم في يومه وأمسه ، تجعلنا نؤمن كلّ الإيمان بمدى التطوّر السريع والتكامل الرائع الذي حصل عليه في أشواطه الأخيرة ولكن هذا التطوّر العلمي ليس من ألوان الحركة بمفهومها الفلسفي الذي تحاوله الماركسية ، بل لا يعدو أن يكون تقلّصاً كمّياً في الأخطاء ، وزيادة كمّية في الحقائق فالعلم يتطوّر لا بمعنى أنّ الحقيقة العلمية تنمو وتتكامل ، بل بمعنى : أنّ حقائقه تزيد وتتكاثر ، وأخطاءه تقلّ وتتناقص تبعاً لتوسّع النطاق التجريبي ، والتعمّق في التجربة وتدقيق وسائلها
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ١٢ ـ ١٣
ومن الضروري لإيضاح ذلك أن نعطي فكرة عن سير التطوّر العلمي ، وأسلوب التدرّج والتكامل في النظريات والحقائق العلمية ؛ لنتبيّن مدى الفرق بين ديالكتيك الفكر المزعوم من ناحية ، والتطوّر التاريخي للعلوم البشرية من ناحية أخرى
إنّ الحقيقة العلمية تبدأ بأسلوب نظري ، كافتراض بحت ، يخطر على ذهن العالم الطبيعي بسبب عدّة من المعلومات السابقة ، والمشاهدات العلمية أو البسيطة فالفرضية هي المرحلة الأُولى التي تمرّ بها النظرية العلمية في سيرها التطوّري ، ثمّ يشرع العالم في بحث علمي ، ودراسة تجريبية لتلك الفرضية ، فيقوم بمختلف ألوان الفحص عن طريق المشاهدات العلمية الدقيقة والتجارب المتنوّعة في الحقل الذي يخصّ الفرضية ، فإذا جاءت نتائج المشاهدات أو التجربة مؤيِّدة للفرضية ، ومنسجمة مع طبيعتها وطبيعة آثارها ، اكتسبت الفرضية طابعاً جديداً ، وهو طابع القانون العلمي ، وتدخل النظرية بذلك المرحلة الثانية من سيرها العلمي
ولكن هذا التطوّر الذي ينقل النظرية من درجة الفرضية إلى درجة القانون ، ليس معناه : أنّ الحقيقة العلمية أخذت بالنموّ والحركة ، وإنّما معناه : أنّ فكرة معيّنة كان مشكوكاً فيها ، فبلغت درجة الوثوق أو اليقين العلمي فنظرية (باستور) عن الكائنات الحيّة الميكروبية التي وضعها على أساس حدسي ، ثمّ أيّدتها المشاهدات الدقيقة بالوسائل العلمية الحديثة ، ونظرية الجاذبية العامّة التي أثار افتراضها في ذهن (نيوتن) مشهد بسيط ، مشهد سقوط تفّاحة على الأرض ، جعله يتساءل : لماذا لا تكون القوّة التي جعلت التفّاحة تسقط على الأرض ، هي بعينها التي تحفظ للقمر توازنه ، وترسم له حركته ؟ ثمّ أيّدت التجارب أو المشاهدات العلمية بعد ذلك تعميم الجاذبية للأجرام السماوية ، واعتبارها قانوناً عاماً قائماً
على نسبة معيّنة والنظرية القائلة : بأنّ مردّ اختلاف الأجسام في سرعة سقوطها إلى مقاومة الهواء ، لا إلى اختلاف كتلتها ، التي ولدت كحدس علمي ، ثمّ استطاع العلم أن يوضّح صدقها بالتجارب التي أجريت على الأجسام المتنوّعة في مكان خالٍ من الهواء ، فدلّت على أنّها تشترك جميعاً في درجة معيّنة من السرعة أقول : إنّ هذه النظريات وآلاف النظريات الأخرى التي مرّت كلّها بالمرحلة التي أشرنا إليها من التطوّر ، باجتيازها درجة الفرضية إلى درجة القانون ، لا تعبّر في اجتيازها وتطوّرها هذا عن نموّ في نفس الحقيقة ، بل عن الاختلاف في درجة التصديق العلمي بها فالفكرة هي الفكرة ، غير أنّها نجحت في الامتحان العلمي ، وانكشف لذلك أنّها حقيقة ، بعد أن كان مشكوكاً فيها
ثمّ إنّ هذه النظرية بعد أن تحتلّ موضعها من القوانين العلمية ، تأخذ مجالها في التطبيق ، وتكسب صفتها كمرجع علمي لتفسير ظواهر الطبيعة التي تبدو لدى المشاهدة أو التجربة ، واستكشاف حقائق وأسرار جديدة ومهما استطاعت أن تستكشف مزيداً من الحقائق المجهولة ، ثم تؤكّد التجربة بعد ذلك صحّة استكشافها ، ازدادت رسوخاً ووضوحاً في الذهنية العلمية ولذلك عُدّ من الانتصارات الكبرى لقانون الجاذبية العامّة ، أن استكشف العلماء كوكب (نبتون) على ضوء قانون الجاذبية ومعادلاته الرياضية ، ثمّ أيّدت وجوده المشاهدات العلمية بعدئذٍ وهذا ـ أيضاً ـ ليس إلاّ لوناً من ألوان شدّة الوثوق العلمي بصحّة النظرية وصوابها
ثمّ إن حالف التوفيق النظرية في المجال العلمي على طول الخطّ ، ثبتت نهائياً وأمّا إذا بدأت تضيق عن الانطباق على الواقع المدروس علمياً ، بعد تدقيق الأجهزة والوسائل ، وتعميق الملاحظة والفحص ، فتبدأ النظرية عند ذاك مرحلة التعديل والتجديد ، وفي هذه المرحلة قد تضطرّ المشاهدات والتجارب الجديدة
إلى تكميل النظرية العلمية السابقة بمفاهيم جديدة ، تضاف إلى النظرية السالفة ؛ ليتمّ بذلك تفسير موحّد للواقع التجريبي كلّه وقد تكشف الدلائل العلمية عن خطأ النظرية السابقة ، فتنهار ويعوّض عنها بنظرية أخرى على ضوء التجارب والمشاهدات
وفي كلّ ذلك لا يمكن أن نفهم التطوّر العلمي فهماً ديالكتيكياً ، أو أن نتصوّر الحقيقة كما يفترضها الجدل ، تنمو وتتحرّك بموجب التناقضات المحتواة في داخلها ، فتتّخذ في كلّ دور شكلاً جديداً ، وهي في تلك الأشكال جميعاً حقيقة علمية متكاملة ؛ فإنّ هذا بعيد كلّ البعد عن الواقع العلمي للتفكير البشري ، بل الشيء الذي يحدث في مجال التعديل العلمي ، هو الظفر بحقائق جديدة تضاف إلى الحقيقة العلمية الثابتة ، أو انكشاف خطأ النظرية السابقة ، وصحّة فكرة أخرى لتفسير الواقع
فمن قبيل الأوّل (الظفر بحقائق جديدة تضاف إلى الحقيقة العلمية الثابتة) ما وقع للنظرية الذرّية (نظرية أتميسم) ، فإنّها كانت فرضية ، ثمّ صارت قانوناً علمياً بموجب التجارب ، وبعد ذلك استطاعت الفيزياء أن تتوصّل ـ على ضوء التجارب ـ إلى أنّ الذرّة ليست هي الوحدة الأوّلية في المادّة ، بل هي تأتلف ـ أيضاً ـ من أجزاء وهكذا كملت النظرية الذرّية بمفهوم علمي جديد عن النواة والكهارب التي تتركّب منها الذرّة ، فلم تنمُ الحقيقة ، وإنّما زادت الحقائق العلمية ، والزيادة الكمّية غير النموّ الديالكتيكي والحركة الفلسفية في الحقيقة
ومن قبيل الثاني (انكشاف خطأ النظرية السابقة وصحّة فكرة أخرى) ما حصل في قانون الجاذبية العامّة ، أي : التفسير الميكانيكي الخاصّ للعالم في نظريات (نيوتن) ، فإنّ هذا التفسير قد لوحظ عدم اتّفاقه مع عدّة من الظواهر الكهربائية والمغناطيسية ، وعدم صلاحيّته لتفسير كيفية صدور النور وانتشاره ،
إلى غير ذلك ممّا قام دليلاً عند جملة من الفيزيائيين المتأخرين على خطأ المفهوم (النيوتني) للعالم وعلى هذا الأساس وضع (آينشتين) نظريته النسبية التي صبّها في تفسير رياضي للعالم ، يختلف كلّ الاختلاف عن تفسير (نيوتن) ، فهل يمكننا أن نقول : إنّ نظرية (نيوتن) ونظرية (آينشتين) في تفسير العالم ، نظريتان حقيقيتان معاً ، وإنّ الحقيقة تطوّرت ونمت ، فأصبحت في قالب النظرية النسبية ، بعد أن كانت في قالب الجاذبية العامّة ؟! وهل الزمان والمكان والثقل ، هذا الثالوث الثابت المطلق في تفسير (نيوتن) ، هو الحقيقة العلمية التي نمت وتحرّكت طبقاً لقانون التطوّر الديالكتيكي ، فتبدّلت إلى نسبية في الزمان والمكان والثقل ؟! أو هل القوّة الجاذبية في نظرية (نيوتن) تطوّرت إلى انحناء في الفضاء ، فأصبحت القوّة الميكانيكية بالحركة خاصّة هندسة للعالم ، تفسّر بها حركة الأرض حول الشمس ، وسائر الحركات الاُخرى ، كما يفسّر بها انحراف الأشعّة النوريّة ؟!
إنّ الشيء الوحيد المعقول هو : أنّ دقّة التجارب أو تضافرها أدّى إلى ظهور خطأ النظرية السابقة ، وعدم تمثّل الحقيقة فيها ، والتدليل على تمثّل الحقيقة في تفسير آخر جديد(١)
وهكذا يتّضح في النهاية ما أكّدنا عليه : من أنّ التطوّر العلمي لا يعني أنّ الحقيقة تنمو وتتدرّج ، وإنّما معناه تكامل العلم ، باعتباره كلاً ، أي : باعتباره
____________________
(١) قارن ما ذكرناه بالتفسير الماركسي للتحوّل في علم الميكانيك ، الذي قدّمه الدكتور (تقي آراني) في كتابه (ماترياليسم ديالكتيك) - ٣٧ ؛ إذ أقامه على أساس وجود الحقيقة في ميكانيك (نيوتن) والميكانيك النسبي معاً ، وتطوّرها فيهما طبقاً للديالكتيك (المؤلّف قدسسره )
مجموعة نظريات وقوانين ، ومعنى تكامله كذلك زيادة حقائقه وقلّة أخطائه كمياً
وأخيراً نريد أن نعرف ماذا تستهدف الماركسية من تطوّر الحقيقة ؟ إنّ الماركسية ترمي من وراء القول بتطوّر الحقيقة ، وتطبيق الديالكتيك عليها إلى أمرين :
أوّلاً : نفي الحقيقة المطلقة ؛ لأنّ الحقيقة إذا كانت في حركة ونموّ دائمين ، فلا توجد حقائق ثابتة بأشكال مطلقة ، وبالتالي تتهدّم الحقائق الثابتة الميتافيزيقية التي تدين بها الإلهية
ثانياً : نفي الخطأ المطلق في سير التطوّر العلمي فالتطوّر العلمي في عرف الديالكتيك لا يعني أنّ النظرية السابقة خطأ بصورة مطلقة ، بل هي حقيقة نسبية ، أي : أنّها حقيقة في مرحلة خاصّة من التطوّر والنموّ وبهذا وضعت الماركسية ضمانات الحقيقة في مختلف أدوار التكامل العلمي
وينهار كلا هذين الأمرين على ضوء التفسير الصحيح المعقول للتطوّر العلمي بالمعنى الذي شرحناه فهو بموجب هذا التفسير ليس نموّاً لحقيقة معيّنة ، بل انكشافات جديدة لحقائق لم تكن معلومة ، وتصحيحات لأخطاء سابقة ، وكلّ خطأ يصحّح هو خطأ مطلق ، وكلّ حقيقة تستكشف هي حقيقة مطلقة
أضف إلى ذلك : أنّ الماركسية وقعت في خلط أساسي بين الحقيقة بمعنى الفكرة ، والحقيقة بمعنى الواقع الموضوعي المستقلّ فالميتافيزيقا تعتقد بوجود حقيقة مطلقة بالمعنى الثاني ، فهي تؤمن بواقع موضوعي ثابت وراء حدود الطبيعة ، ولا يتنافى هذا مع عدم ثبات الحقيقة بالمعنى الأوّل وتطوّرها المستمرّ ، فهب أنّ الحقيقة في ذهن الإنسان متطوّرة ومتحرّكة أبداً ودائماً ، فأيّ ضرر يلحق من ذلك بالواقع الميتافيزيقي المطلق الذي تعتقد به الإلهية ، ما دمنا نقبل إمكان وجود واقع موضوعي مستقلّ عن الشعور والإدراك ؟! وإنّما يتمّ للماركسية
ما تريد إذا أخذنا بالفلسفة المثالية ، وقلنا : إنّ الواقع هو الحقيقة الموجودة في ذهننا فحسب ، فإذا كانت الحقيقة في فكرنا متطوّرة ومتغيّرة ، فلا متّسع للإيمان بواقع مطلق وأمّا إذا فرّقنا بين الفكرة والواقع ، وآمنّا بإمكان وجود واقع بصورة مستقلّة عن الوعي والتفكير ، فلا ضير في أن يوجد واقع مطلق خارج حدود الإدراك وإن لم توجد حقيقة مطلقة في أفكارنا
٢- تناقضات التطوّر
قال ستالين :
(إنّ نقطة الابتداء في الديالكتيك ـ خلافاً للميتافيزية ـ هي وجهة النظر القائمة على أنّ كلّ أشياء الطبيعة وحوادثها تحوي تناقضات داخلية ؛ لأنّ لها جميعها جانباً سلبياً وجانباً إيجابياً ، ماضياً وحاضراً ، وفيها جميعاً عناصر تضمحلّ أو تتطوّر فنضال هذه المتضادّات... هو المحتوي الداخلي لحركة التطوّر ، هو المحتوى الداخلي لتحوّل التغيّرات الكمية إلى تغيّرات كيفية)(١)
وقال ماو تسي تونغ :
(إنّ قانون التناقض في الأشياء ، أي : قانون وحدة الأضداد ، وهو القانون الأساسي الأهمّ في الديالكتيك المادّي . قال لينين : الديالكتيك بمعناه الدقيق هو : دراسة التناقض في صميم جوهر الأشياء... وكثيراً ما كان لينين يدعو هذا القانون بجوهر الديالكتيك ، كما كان يدعوه بلبّ الديالكتيك)(٢)
____________________
(١) المادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخية : ٢٢
(٢) حول التناقض : ٤
هذا هو القانون الأساسي الذي يزعمه الديالكتيك صالحاً لتفسير الطبيعة والعالم ، وتبرير الحركة الصاعدة وما تزخر به من تطوّرات وقفزات فهو حين أقصى من فلسفته مفهوم المبدأ الأوّل ، واستبعد بصورة نهائية افتراض السبب الخارجي الأعمق ، وجد نفسه مضطرّاً إلى إعطاء تبرير وتفسير للجريان المستمرّ والتغيّر الدائم في عالم المادّة ؛ ليشرح كيف تتطوّر المادّة وتختلف عليها الألوان ، أي : ليحدّد رصيد الحركة والسبب الأعمق لظواهر الوجود ، فافترض أنّ هذا الرصيد يوجد في المحتوى الداخلي للمادّة ، فالمادّة تنطوي على التموين المستمرّ للحركة ولكن كيف تملك المادّة هذا التموين ؟ وهذا هو السؤال الرئيسي في المشكلة التي تجيب عنه المادّية الديالكتيكية ، بأنّ المادّة وحدة أضداد ومجتمع نقائض وإذا كانت الأضداد والنقائض كلّها تنصهر في وحدة معيّنة ، فمن الطبيعي أن يقوم بينها الصراع لكسب المعركة ، وينبثق التطوّر والتغيّر عن هذا الصراع ، وبالتالي تحقق الطبيعة مراحل تكاملها عن هذا الطريق
وعلى هذا الأساس تخلّت الماركسية عن مبدأ عدم التناقض ، واعتبرته من خصائص التفكير الميتافيزيقي ومن أسس المنطق الشكلي ، المتداعية بمعول الجدل القوي ، كما يقرّر كيدروف قائلاً :
(نفهم بكلمة المنطق الشكلي المنطق الذي يرتكز فقط على قوانين الفكر الأربعة : الهوية ، والتناقض ، والعكس ، والبرهان والذي يقف عند هذا الحدّ أمّا المنطق الديالكتي ، فنحن نعتبر أنّه علم الفكر ، الذي يرتكز على الطريقة الماركسية المميّزة بهذه الخطوط الأساسية الأربعة : الإقرار
بالترابط العامّ ، وبحركة التطوّر ، وبقفزات التطوّر ، وبتناقضات التطوّر)(١)
هكذا نرى أنّ الديالكتيك أقصى عن ميدانه أكثر الأفكار البشرية بدهية ، فأنكر مبدأ عدم التناقض ، وافترض التناقض ـ عوضاً عنه ـ قانوناً عاماً للطبيعة والوجود وهو في هذا الإنكار والافتراض يطبّق مبدأ عدم التناقض بصورة لا شعورية ؛ فإنّ الجدلي حين يؤمن بالتناقضات الجدلية وبالتفسير الديالكتي للطبيعة ، يجد نفسه مضطرّاً إلى رفض مبدأ عدم التناقض والتفسير الميتافيزيقي لها
ومن الواضح : أنّ هذا ليس إلاّ لأجل أنّ الطبيعة البشرية لا يمكن أن توفّق بين السلب والإيجاب معاً ، بل تشعر ذاتياً بالتعارض المطلق بينهما ، وإلاّ فلماذا رفضت الماركسية مبدأ عدم التناقض واعتقدت ببطلانه ؟! أليس ذلك لأنّها آمنت بالتناقض ، ولا يسعها أن تؤمن بعدمه ما دامت آمنت بوجوده ؟!
وهكذا نعرف أنّ مبدأ عدم التناقض هو المبدأ الأساسي العامّ الذي لم يتجرّد عنه التفكير البشري حتّى في لحظة التحمّس للجدل والديالكتيك
وقد كان من نتاج التناقض الديالكتيكي أن أسقط مبدأ الهوية (أ هي أ) من قاموس الجدل أيضاً ، وأُجيز أن يكون الشيء غير نفسه ، بل التناقض الديالكتيكي العامّ يحتّم ذلك ؛ لأنّ كلّ شيء متضمّن لنقيضه ، ومعبّر عن نفيه في لحظة إثباته ، فليست (أ هي أ) بصورة مطلقة ، بل كلّ كائن هو نقيض ذاته ونفيها ، كما يكون إثباتاً لها ؛ لأنّ كيانه متناقض بالصميم ، ويحتوي على النفي والإثبات المتصارعين دائماً ، والمفجّرين للحركة بهذا الصراع
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ٩
ولم يحاول الماركسيون أن يبرهنوا على تناقضات الأشياء ، أي : على قانون الديالكتيك وأساسه الجدلي ، إلاّ بحشد من الأمثلة والظواهر التي حاولوا أن يبرزوا بها تناقضات الطبيعة وجدلها فالتناقض إنّما كان من قوانين المنطق الديالكتيكي ؛ لأنّ الطبيعة بنفسها متناقضة وديالكتيكية ، بدليل ما يقدّم لنا الحسّ ، أو يكشف عنه العلم من ضروب التناقض التي تطيح بمبدأ عدم التناقض ، وتجعله غير منسجم مع واقع الطبيعة وقوانينها الحاكمة في مختلف ميادينها ومجالاتها
وقد ألمعنا سابقاً إلى أنّ الماركسية لم تجد سبيلاً لديناميكية الطبيعة ، وجعل القوى الفعّالة للحركة محتوىً داخلياً لنفس المادّة المتطوّرة ، إلاّ بأن تنطلق من التناقض ، وتؤمن باجتماع النقائض في وحدة متطوّرة تبعاً لنضال تلك النقائض وصراعها
فالمسألة في نظر الماركسية ذات حدّين لا ثالث لهما : فإمّا أن نصوغ فكرتنا عن العالم على المبدأ القائل بعدم التناقض ، فلا يوجد النفي والإثبات في صميم الأشياء ، ولا يقوم فيها صراع المتناقضات ، وبالتالي يتعيّن أن نفحص عن رصيد الحركة والتطوّر في سبب أعلى من الطبيعة وتطوّراتها
وإمّا أن نشيد منطقنا على الاعتقاد بنفوذ التناقض إلى صميم الأشياء ، وتوحّد الأضداد أو النفي والإثبات(١) في كلّ كائن ، فنكون بذلك قد وجدنا سرّ
____________________
(١) يلاحظ في جميع النصوص الماركسية : أنّها تسيء استعمال كلمتي : (التناقض) و(التضادّ) فتعتبرهما بمعنى واحد ، مع أنّ الكلمتين ليستا مرتادفتين في المصطلحات الفلسفية ؛ فإنّ التناقض هي حالة النفي والإثبات والتضادّ يعني : إثباتين متعاكسين فاستقامة الخطّ وعدم استقامته نقيضان ؛ لأنّهما من النفي والإثبات وأمّا استقامة الخطّ وانحناؤه فهما ضدّان ، ولا يصدق عليهما التناقض بمفهومه الفلسفي ؛ لأنّ كلاً من الاستقامة
(*)
التطوّر في التناقض الداخلي
ولمّا كانت طبيعة في زعم الماركسية تقدّم الشواهد والدلائل في كلّ مجال وميدان على ثبوت التناقض واجتماع النقائض والأضداد ، فيجب الأخذ بوجهة النظر الثانية
والواقع : أنّ مبدأ عدم التناقض هو أعمّ القوانين وأكثرها شمولاً لجميع مجالات التطبيق ، ولا تشذّ عنه ظاهرة من ظواهر الوجود والكون مطلقاً وكلّ محاولة ديالكتيكية تستهدف الردّ عليه ، أو إظهار الطبيعة بمظهر تناقض ، فهي محاولة بدائية ، قائمة على سوء فهم لمبدأ عدم التناقض ، أو على شيء من التضليل
فلنشرح قبل كلّ شيء مبدأ عدم التناقض بمفهومه الضروري الذي اعتبره المنطق العامّ قاعدة رئيسية للفكر البشري ، ونتناول بعد ذلك مظاهر التناقض المزعوم في الطبيعة والوجود ، التي تستند إليها الماركسية في تركيز منطقها الديالكتي والإطاحة بمبدأي عدم التناقض والهوية ، فنوضّح انسجام تلك الظواهر معهما ، وخلوّها عن التناقضات الديالكتيكية ، وبذلك يفقد الديالكتيك سنده من الطبيعة ودليله المادّي ، وبالتالي نقرّر مدى عجزه عن تفسير العالم وتبرير وجوده
____________________
(*)
والانحناء ليس نفياً للآخر ، وإنّما هو إثبات يقابل إثبات الآخر وكذلك أساءت الماركسية فهم (التضادّ) ، أو استعمال كلمة : (التضادّ) ، فاعتبرت الشيء المختلف عن الآخر ضدّاً له فالفرخ ضدّ البيضة ، والدجاجة ضدّ الفرخ مع أنّ (التضادّ) في المصطلحات الفلسفية ليس مجرّد اختلاف بين الأشياء فحسب ، بل الضدّ هو الوصف الذي لا يمكن أن يجتمع مع الوصف الآخر في شيء واحد ونحن نجري في الكتاب طبقاً للاستعمالات الماركسية ؛ لأجل التسهيل والتوضيح (المؤلّف قدسسره )
أ- ما هو مبدأ عدم التناقض ؟
إنّ مبدأ عدم التناقض هو المبدأ القائل : بأنّ التناقض مستحيل ، فلا يمكن أن يتّفق النفي والإثبات في حال من الأحوال ، وهذا واضح ولكن ما هو هذا التناقض الذي يرفضه هذا المبدأ ، ولا يمكن للعقل قوله ؟ فهل هو كلّ نفي وإثبات ؟ كلاّ ؛ فإنّ كلّ نفي لا يناقض أيّ إثبات ، وكلّ إثبات لا يتعارض مع كلّ نفي ، وإنّما يتناقض الإثبات مع نفيه بالذات لا مع نفي إثبات آخر ، ووجود الشيء يتعارض بصورة أساسية مع عدم ذلك الشيء ، لا مع عدم شيء آخر ومعنى تعارضهما : أنّهما لا يمكن أن يتوحّدا أو يجتمعا فالمربّع ذو أربعة أضلاع ، وهذه حقيقة هندسية ثابتة ، والمثلّث ليس له أربعة أضلاع ، وهذا نفي صحيح ثابت أيضاً ، ولا تناقض مطلقاً بين هذا لنفي وذاك الإثبات ؛ لأنّ كلاًّ منهما يتناول موضوعاً خاصّاً ، يختلف عن الموضوع الذي يتناوله الآخر فالأضلاع الأربعة ثابتة في المربّع ، ومنفية في المثلث ، فلم تنفِ ما أثبتنا أو نثبت ما نفينا وإنّما يوجد التناقض إذا كنّا نثبت للمربّع أضلاعاً أربعة ، وننفيها عنه أيضاً ، أو نثبتها للمثلّث وننفيها عنه في نفس الوقت
وبهذا الاعتبار نصّ المنطق الميتافيزيقي على أنّ التناقض إنّما يكون بين النفي والإثبات الموحّدين في ظروفهما فإذا اختلفت ظروف النفي مع ظروف الإثبات ، لم يكن الإثبات والنفي متناقضين ولنأخذ عدّة أمثلة للنفي والإثبات المختلفين في ظروفهما :
أ- الأربعة زوج الثلاثة ليست زوجاً فالنفي والإثبات في هاتين القضيّتين لا تناقض بينهما ؛ لاختلاف كلّ منهما عن الآخر بالموضوع الذي يعالجه فالإثبات تعلّق بالأربعة ، والنفي تعلّق بالثلاثة
ب- الإنسان سريع التصديق حال الطفولة الإنسان ليس سريع التصديق في دور الشباب والنضح فقد تعلّق النفي والإثبات في هاتين القضيّتين بالإنسان ، ولكن كلاًّ منهما له زمانه الخاصّ الذي يختلف عن زمان الآخر ، فلا يوجد تناقض بين النفي والإثبات
ج ـ الطفل ليس عالماً بالفعل الطفل عالم بالقوّة ، أي : يمكن أن يكون عالماً وهنا ـ أيضاً ـ نواجه نفياً وإثباتاً غير متناقضين ؛ لأنّنا في القضية الأُولى لم ننفِ نفس الإثبات الذي تحتويه القضية الثانية فالقضية الأُولى تنفي وجود صفة العلم لدى الطفل ، والقضية الأخرى لا تثبت وجود الصفة ، وإنّما تثبت إمكانها ، أي : قابلية الطفل واستعداده الخاصّ لاكتسابها فقوّة العلم هي التي تثبتها هذه القضية للطفل ، لا وجود العلم له فعلاً
وهكذا نعرف أنّ التناقض بين النفي والإثبات ، إنّما يتحقّق فيما إذا اشتركا في الموضوع الذي يتناولانه ، واتّفقا في الشروط والظروف المكانية والزمانية وغيرها وأمّا إذا لم يتّحد النفي والإثبات في كلّ هذه الشروط والظروف ، فليس بينهما تناقض ، ولا يوجد الشخص أو المنطق الذي يحكم باستحالة صدقهما في هذا الحال
ب- كيف فهمت الماركسية التناقض ؟
بعد أن درسنا مفهوم التناقض ، ومحتوى المبدأ الأساسي للمنطق العامّ (مبدأ عدم التناقض) ، يجب أن نلقي ضوءاً على فهم الماركسية لهذا المبدأ ، والمبرّرات التي استندت إليها في الردّ عليه
وليس من الصعب أن يدرك الإنسان أنّ الماركسية لم تستطع ، أو لم تشأ أن تعي هذا المبدأ بمفهومه الصحيح ، فأنكرته تحقيقاً لمادّيتها ، وحشدتْ عدداً من
الأمثلة التي لا تنسجم معه ، في زعمها ، وبالتالي وضعت التناقض والصراع بين النقائض والأضداد قاعدة لمنطقها الجديد ، وملأت الدنيا ضجيجاً بهذه القاعدة وتبجّحاً على المنطق البشري العامّ بابتكارها أو اكتشافها
ولأجل أن نتبيّن مدى الخطأ الذي وقعت فيه الماركسية ، والذي دفعها إلى رفض مبدأ عدم التناقض ، وما يقوم عليه من مبادئ عامة للمنطق الميتافيزيقي ، يجب أن نفرّق بوضوح بين أمرين أحدهما الصراع بين أضداد ونقائض خارجية ، والآخر الصراع بين أضداد ونقائض مجتمعة في وحدة معيّنة فالثاني هو الذي يتنافى مع مبدأ عدم التناقض وأمّا الأوّل فلا علاقة له بالتناقض مطلقاً لأنّه لا يعني اجتماع النقيضين أو الضدّين ، بل مردّه إلى وجود كلّ منهما بصورة مستقلّة وقيام كفاح بينهما يؤدّي إلى نتيجة معيّنة فشكل الشاطئ ـ مثلاً ـ نتج عن فعل متبادل بين أمواج الماء وتيّاراته التي تصطدم بالأرض فتقرض الضفة من ناحية وصمود الأرض في وجه التيار ، ودفعها لتلك الأمواج إلى درجة معيّنة من ناحية أخرى وشكل الإناء من الخزف نتج عن عملية قامت بين كتلة من الطين ، ويد الخزّاف
فإن كانت المادّية الديالكتيكية تعني هذا اللون من الصراع بين الأضداد الخارجية ، فهذا لا يتعارض مطلقاً مع مبدأ عدم التناقض ، ولا يدعو إلى الإيمان بالتناقض الذي قام الفكر البشري منذ نشأ على رفضه ؛ لأنّ الأضداد لم تجتمع في وحدة ، وإنّما وجد كلّ منهما بوجود مستقلّ في مجاله الخاصّ ، واشتركا في عمل متبادل ، حصلا به على نتيجة معيّنة ، وأيضاً فهو لا يبرّر الاكتفاء الذاتي ، والاستغناء عن سبب خارجي فشكل الشاطئ أو شكل الإناء لم يتحدّد ولم يوجد بتطوّر قائم على أساس التناقضات الداخلية ، وإنّما حصل بعملية خارجية ، حقّقها ضدّان مستقلاّن
وهذا النحو من الصراع بين الأضداد الخارجية وعملياتها المشتركة ، ليس من مستكشفات المادّية أو الديالكتيك ، بل هو أمر واضح يقرّه كلّ منطق وكلّ فيلسوف ـ سواءٌ كان مادّياً أم كان إلهياً ـ منذ أبعد عصور الفلسفة المادّية والإلهية وإلى اليوم ولنأخذ مثلاً على ذلك أرسطو إمام المدرسة الميتافيزيقية في فلسفة اليونان ، وإنّما نأخذه بالخصوص لا لأنّه فيلسوف إلهي فحسب ، بل لأنه واضع قواعد المنطق العامّ ـ الذي يسمّيه الماركسيون بالمنطق الشكلي ـ ومبادئه وأسسه فهو يؤمن بالصراع بين الأضداد الخارجية ، مع إقامته للمنطق على مبدأ عدم التناقض ، ولم يخطر على فكره أنّ شخصاً سينبغ بعد مئات السنين فيعتبر ذلك الصراع دليلاً على سقوط هذا المبدأ الضروري وفيما يلي شيء من نصوص أرسطو في شأن الصراع بين الأضداد الخارجية :
(وعلى جملة من القول : إنّ شيئاً مجانساً يمكن أن يقبل فعلاً من قبل الشيء المجانس ؛ والسبب فيه أنّ جميع الأضداد هي في جنس واحد ، وأنّ الأضداد تفعل بعضها في بعض ، وتقبل بعضها من قبل البعض الآخر)(١)
(فبحسب الصورة قد انضمّ شيء ما لكلّ جزء كيف ما اتّفق ، ولكن لا بحسب المادّة ، ومع ذلك فإنّ الكلّ صار أعظم ؛ لأنّ شيئاً جاء وانضمّ إليه وهذا الشيء يُسمّى الغذاء ، ويُسمّى ـ أيضاً ـ الضدّ ، ولكن هذا الشيء لا يزيد من أن يتغيّر في النوع بعينه ، كمثل ما يأتي الرطب ينضمّ إلى اليابس ، وبانضمامه إليه يتغيّر ، بأن يصير هو نفسه يابساً ، وفي الواقع
____________________
(١) الكون والفساد : ١٦٨ ـ ١٦٩
يمكن معاً أنّ الشبيه ينمو بالشبيه ، وبجهة أخرى أن يكون ذلك باللاشبيه)(١)
وهكذا يتّضح : أنّ العمليات المشتركة للأضداد الخارجية ، ليست كشفاً للديالكتيك ، ولا نقضاً للمنطق الميتافيزيقي ، ولا شيئاً جديداً في الميدان الفلسفي ، وإنّما هي حقيقة مقرّرة بكلّ وضوح في مختلف الفلسفات منذ فجر التاريخ الفلسفي ، وليس فيها ما يحقّق أغراض الماركسية الفلسفية التي تستهدف تحقيقها على ضوء الديالكتيك
وأمّا إذا كانت الماركسية تعني بالتناقض مفهومه الحقيقي الذي يجعل للحركة رصيداً داخلياً ، ويرفضه المبدأ الأساسي في منطقنا ، فهذا ما لا يمكن لفكر سليم قبوله ، ولا تملك الماركسية شاهداً عليه من الطبيعة وظواهر الوجود مطلقاً وكلّ ما تعرض لنا الماركسية من تناقضات الطبيعة المزعومة ، فهو لا يمتّ إلى الديالكتيك بصلة
ولنعرض عدّة من تلك الشواهد التي حاولت أن تبرهن بها على منطقها الديالكتيكي ؛ لنتبيّن مدى عجز الماركسية وفشلها في الاستدلال على منطقها الخاصّ :
١-تناقضات الحركة
قال هنري لوفافر :
(حين لا يجري شيء فليست ثَمَّة مناقضة ومن ناحية مقابلة ، حين لا يكون ثَمَّة مناقضة لا يحدث شيء ، ولا يوجَد أي شيء ، ولا يلاحظ ظهور أيّ نشاط ، ولا يظهر شيء جديد وسواءٌ أكان الأمر يتعلّق بحال من الركود ، أم التوازن
____________________
(١) الكون والفساد : ١٥٤
الموقّت ، أم بلحظة من الازدهار ، فإنّ الكائن أو الشيء غير المتناقض في ذاته ، يكون في مرحلة ساكنة موقتاً)(١)
وقال ماو تسي تونغ :
(لقضية عمومية التناقض ، أو الوجود المطلق للتناقض ، معنىً مزدوج : الأوّل هو : أنّ التناقض قائم في عملية تطوّر كافة الأشياء والثاني هو : أنّه في عملية تطوّر كلّ شيء ، تقوم حركة أضداد من البداية حتّى النهاية يقول أنجلز : إنّّ الحركة نفسها تناقض)(٢)
وهذه النصوص توضّح : أنّ الماركسية تؤمن بوجود تعارض بين قانون التطوّر والتكامل ، وقانون عدم التناقض وتعتقد أنّ التطوّر والتكامل لا يتحقّق إلاّ على أساس تناقض مستمرّ وما دام التطوّر أو الحركة محقّقين في دنيا الطبيعة ، فيجب طرح فكرة عدم التناقض ، والأخذ بالديالكتيك ؛ ليفسّر لنا الحركة بمختلف أشكالها وألوانها
وقد ألمعنا سابقاً ـ عند درس حركة التطوّر ـ إلى أنّ التطوّر والتكامل لا يتنافى مع مبدأ عدم التناقض ، وأنّ الفكرة القائلة بوجود التنافي بينهما ، تقوم على أساس الخلط بين القوّة والفعل فالحركة هي في كلّ درجة إثبات بالفعل ونفي بالقوّة فالكائن الحيّ حينما تتطوّر جرثومته في البيض حتّى تصبح فرخاً ، ويصبح الفرخ دجاجة ، لا يعني هذا التطوّر أنّ البيضة لم تكن في دورها الأوّل بيضة بالفعل ، بل هي بيضة في الواقع ، ودجاجة بالقوّة ، أي : يمكن أن تصبح
____________________
(١) كارل ماركس : ٥٨
(٢) حول التناقض : ١٣
دجاجة فقد اجتمع في صميم البيضة إمكان الدجاجة وصفة البيضة ، لا صفة البيضة وصفة الدجاجة معاً بل قد عرفنا أكثر من ذلك ، عرفنا أنّ الحركة التطوّرية لا يمكن فهمها إلاّ على ضوء مبدأ عدم التناقض ؛ فإنّ المتناقضات لو كان من الممكن أن تجتمع حقّاً في صميم الشيء ، لما حصل تغيّر ، ولما تبدّل الشيء من حالة إلى حالة ، ولما وجد بالتالي تغيّر وتطوّر
وإذا كانت الماركسية تريد أن تدلّنا على تناقض في عملية الحركة ، يتنافى مع مبدأ عدم التناقض حقّاً ، فلتقدّم مثالاً للتطوّر توجد فيه حركة ولا توجد ، أي : يصحّ فيه النفي والإثبات على التطوّر معاً فهل يجوز في مفهومها بعد أن أسقطت مبدأ عدم التناقض ، أن يتطوّر الشيء ولا يتطوّر في وقت معاً ؟ ! فإن كان هذا جائزاً فلتدلّنا على شاهد له في الطبيعة والوجود ، وإن لم يجز فليس ذلك إلاّ اعترافاً بمبدأ عدم التناقض وقواعد المنطق الميتافيزيقي
٢- تناقضات الحياة ، أو الجسم الحي
قال هنري لوفافر :
(ورغم ذلك ، أفليس من الواضح : أنّ الحياة هي الولادة والنموّ والتطوّر ؟ غير أنّ الكائن الحيّ لا يمكن أن ينمو دون أن يتغيّر ويتطوّر ، يعني : دون أن يكفّ عن كونه ما كان وكي يصير رجلاً عليه أن يترك الصبا ويفقده ، وكلّ شيء يلازم السكون ينحطّ ويتأخّر . إلى أن يقول : فكلّ كائن حيّ- إذن- يناضل الموت ؛ لأنّه يحمل موته في طوية ذاته)(١)
____________________
(١) كارل ماركس : ٦٠
وقال أنجلز :
(رأينا فيما سبق بأنّ قوام الحياة هو : أنّ الجسم الحيّ في كلّ لحظة هو هو نفسه ، وفي عين تلك اللحظة هو ليس إيّاه ، هو شيء آخر سواه فالحياة ـ إذن ـ هي تناقض مستحكم ، في الكائنات والعمليات ذاتها)(١)
لا شكّ في أنّ الكائن الحيّ يحتوي على عمليتين ـ حياة وموت ـ متجدّدتين ، وما دامت هاتان العمليتان تعملان عملهما ، فالحياة قائمة ولكن ليس في ذلك شيء من التناقض ؛ لأنّنا إذا حلّلنا هاتين العمليتين اللتين نضيفهما بادئ الأمر إلى كائن حيّ واحد ، نعرف أنّ عملية الموت وعملية الحياة لا تتّفقان في موضوع واحد فالكائن الحيّ يستقبل في كلّ دور خلايا جديدة ، ويودّع خلايا بالية فالموت والحياة يتقاسمان الخلايا ، والخلية التي تفنى في لحظة ، غير الخلية التي توجد وتحيا في تلك اللحظة وهكذا يبقى الكائن الحيّ الكبير متماسكاً ؛ لأنّ عملية الحياة تعوّضه عن الخلايا التي ينسفها الموت بخلايا جديدة ، فتستمرّ الحياة حتّى تنتهي إمكاناته ، وتنطفئ شعلة الحياة منه وإنّما يوجد التناقض لو أنّ الموت والحياة استوعبا في لحظة خاصّة جميع خلايا الكائن الحيّ وهذا ما لا نعرفه من طبيعة الحياة والأحياء ؛ فإنّ الكائن الحيّ لا يحمل في طيّاته إلاّ إمكان الموت ، وإمكان الموت لا يناقض الحياة ، وإنّما يناقضها الموت بالفعل
٣- التناقض في مقدرة الإنسان على المعرفة
قال أنجلز يعرض مبدأ التناقض في الديالكتيك :
(كما رأينا بأنّ التناقض ـ مثلاً ـ بين مقدرة الإنسان
____________________
(١) ضد دوهرنك : ٢٠٣
على المعرفة مقدرة متّصلة ولا محدودة ، وبين تحقيق هذه المقدرة تحقّقاً فعلياً في البشر الذين هم مقيّدون بظروفهم الخارجية وبقابلياتهم الذهنية ، يجد حلوله في تعاقب الأجيال تعاقباً لا محدوداً في التقدّم اللامتناهي ، بالنسبة لنا على الأقلّ ، وبحسب وجهة النظر العملية)(١)
نجد في هذا مثالاً جديداً لا على مبدأ التناقض ، بل على عدم إجادة الماركسية فهم مبدأ عدم التناقض فإنّه إذا كان من الصحيح : أنّ البشرية قادرة على المعرفة الكاملة ، وأن كلّ بشر غير قادر على اكتساب تلك المعرفة بمفرده ، فليس هذا مصداقاً للديالكتيك ، ولا ظاهرة شاذّة عن المنطق الميتافيزيقي ومبدئه الأساسي ، بل هو نظير تأكيدنا على أنّ الجيش قادر على الدفاع عن البلد ، وأنّ كلّ فرد منهم لا يملك هذه القدرة ، فهل هذا هو التناقض ؟! وهل هذا هو الذي ارتكز المنطق الميتافيزيقي على رفضه ؟! كلاّ فإنّ التناقض إنّما يقوم بين النفي والإثبات ، فيما إذا تناولا موضوعاً واحداً وأمّا إذا تناول الإثبات البشرية بمجموعها ، وتناول النفي كلّ فرد بصورة مستقلّة ـ كما في المثال الذي عرضه أنجلز ـ فلا يوجد ، عندئذٍ ، تعارض بين النفي والإثبات
٤- التناقض في الفيزياء ، بين الكهربائية الموجبة والسالبة(٢)
وهذا التناقض المزعوم ينطوي على خطأين :
الأوّل : اعتبار الشحنة الموجبة والسالبة من قبيل النفي والإثبات ، والسلب والإيجاب ، نظراً إلى التعبير العلمي عن إحداهما بالموجبة ، وعن الأخرى
____________________
(١) ضد دوهرنك : ٢٠٣ ـ ٢٠٤
(٢) حول التناقض : ١٤
بالسالبة ، مع أنّا جميعاً نعلم أنّ هذا التعبير مجرّد اصطلاح فيزيائي ، ولا يعني أنّهما نقيضان حقيقة ، كما يتناقض النفي والإثبات ، أو السلب والإيجاب فالكهربائية الموجبة هي المماثلة للكهربائية المتولّدة في القضيب الزجاجي المدلوك بقطعة من الحرير والكهربائية السالبة هي المماثلة للكهربائية المتولّدة على الآيونين المدلوك بجلد الهّر فكلّ من الكهربائيتين نوع خاصّ من الشحنات الكهربائية ، وليست إحداهما وجود الشيء ، والأخرى عدماً لذلك الشيء
الثاني : اعتبار التجاذب لوناً من الاجتماع وعلى هذا الأساس فسّرت علاقة التجاذب القائمة بين الشحنة الموجبة ، والشحنة السالبة بالتناقض ، واعتبر هذا التناقض مظهراً من مظاهر الديالكتيك ، مع أنّ الواقع : أنّ السلبية والإيجابية الكهربائيتين لم تجتمعا في شحنة واحدة ، وإنّما هما شحنتان مستقلّتان تتجاذبان ، كما يتجاذب القطبان المغناطيسيان المختلفان ، من دون أن يعني ذلك وجود شحنة واحدة موجبة وسالبة في وقت واحد ، أو وجود قطب مغناطيسي شمالي وجنوبي معاً فالتجاذب بين الشحنات المتخالفة لون من ألوان التفاعل بين الأضداد الخارجية المستقلّ بعضها في الوجود عن بعض وقد عرفنا فيما سبق أنّ التفاعل بين الأضداد الخارجية ليس من الديالكتيك بشيء ، ولا يمتّ إلى التناقض الذي يرفضه المنطق الميتافيزيقي بصلة ، فالمسألة مسألة قوّتين ، تؤثّر إحداهما في الأخرى ، لا مسألة قوّة تتناقض في محتواها الداخلي ، كما يزعم الديالكتيك
٥- تناقض الفعل وردّ الفعل في الميكانيك(١)
فالقانون الميكانيكي القائل : (إنّ لكلّ فعل ردّ فعل ، يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتّجاه) مظهر من مظاهر التناقض الديالكتي في زعم الماركسية ومرّة أخرى نجد أنفسنا
____________________
(١) حول التناقض : ١٤ ـ ١٥
مضطرّين إلى التأكيد على أنّ قانون (نيوتن) هذا لا يبرّر التناقضات الديالكتيكية بلون من الألوان ؛ لأنّ الفعل وردّ الفعل قوّتان قائمتان بجسمين ، لا نقيضان مجتمعان في جسم واحد فعجلتا السيّارة الخلفيّتان تدفعان الأرض بقوّة ، وهذا هو الفعل والأرض تدفع عجلتي السيّارة بقوّة أخرى مساوية في المقدار ومعاكسة في الاتّجاه للأُولى ، وهذا هو ردّ الفعل ، وبسببه تتحرّك السيارة فلم يحتوِ الجسم الواحد على دفعين متناقضين ، ولم يقم في محتواه الداخلي صراع بين النفي والإثبات ، بين النقيض والنقيض ، بل السيارة تدفع الأرض من ناحية ، والأرض تدفع السيارة من ناحية أخرى ، والديالكتيك إنّما يحاول أن يشرح كيفية نموّ الأشياء وحركتها باحتوائها داخلياً على قوّتين متدافعتين ، ونقيضين متخاصمين ، يصارع كلّ منهما الآخر لينتصر عليه ، ويبلور الشيء تبعاً له ، وأين هذا من قوّتين خارجيتين يتولّد من إحداهما فعل خاصّ ، ومن الأخرى ردّ الفعل ؟ ونحن نعرف جميعاً أنّ الزخمين المتعاكسين اللذين يولّدهما الفعل وردّ الفعل ، يقومان في جسمين ، ولا يمكن أن يكونا في جسم واحد ؛ لأنّهما متعاكسان ومتنافيان ، وليس هذا إلاّ لأجل مبدأ عدم التناقض
٦-تناقضات الحرب التي يعرضها (ماو تسي تونغ) في قوله :
(والواقع : أنّ الهجوم والدفاع في الحرب ، والتقدّم والتراجع ، والنصر والهزيمة ، كلّها ظواهر متناقضة ، ولا وجود للواحدة من دون الثانية وهذان الطرفان يتصارعان ، كما أنّهما يتّحدان ببعضهما فيؤلّفان مجموع الحرب ، ويفرضان تطوّرها ، ويحلاّن مشكلاتها)(١)
____________________
(١) حول التناقض : ١٤ ـ ١٥
وفي الواقع : أنّ هذا النصّ أكثر النصوص السابقة غرابة ؛ إذ يعتبر فيها (ماو تسي تونغ) الحرب كائناً حقيقياً ينطوي على النقيضين ، على النصر والهزيمة ، مع أنّ هذا المفهوم عن الحرب لا يصحّ إلاّ في ذهنية بدائية ، تعوّدت على أخذ الأشياء في إطارها العام فالحرب في التحليل الفلسفي عبارة عن كثرة من الحوادث ، لم تتوحّد إلاّ في أسلوب التعبير فالنصر غير الهزيمة ، والجيش المنتصر غير الجيش المنهزم ، والوسائل أو نقاط القوّة التي مهّدت للانتصار ، غير الوسائل أو نقاط الضعف التي أدّت إلى الهزيمة والنتائج الحاسمة التي أدّت إليها الحرب ، لم تكن بسبب صراع ديالكتيكي وتناقضات موحّدة ، بل بسبب الصراع بين قوّتين خارجيّتين ، وغلبة إحداهما على الأخرى
٧-تناقضات الحكم ، كما يحدّث عنها (كيدروف) قائلاً :
(أيّاً ما كانت بساطة حكم مّا ، ومهما بدا عادياً هذا الحكم ، فهو يحتوي على بذور أو عناصر تناقضات ديالكتية ، تتحرّك وتنمو داخل نطاق المعرفة البشرية كلّها)(١)
ويؤكّد على ذلك (لينين) في قوله :
(البدء بأيّة قضية كانت ، بأبسط القضايا ، وأكثرها عادية وشيوعاً أوراق الشجر خضراء ، إيفان هو رجل ، (جوتشكا) هي كلبة فحتّى هنا ـ أيضاً ـ ديالكتيك فالخاصّ هو عامّ يعني : أنّ الأضداد ـ والخاصّ هو ضدّ العامّ ـ هي متماثلة ، وحتّى هنا أيضاً ثمََّة مبادئ أوّلية ، ثَمَّة مفاهيم ضرورة ، ثَمَّة صلة موضوعية للطبيعة فالعرضي
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ٢٠ ـ ٢١
والضروري ، والظاهر والجوهر ، موجودة هنا فأنا إذ أقول : إيفان هو رجل ، وجوتشكا هي كلبة ، وهذه ورقة شجر إنّما أنبذ سلسلة من الرواميز ، باعتبارها عرضية ، وأفصل الجوهري عن السطحي ، وأُثبت التعارض بينهما وهكذا في كلّ قضية ـ كما في كلّ خلية ـ نستطيع أن نكشف بذور جميع عناصر الديالكتيك)(١)
ولكن من حقّنا أن نسأل لينين عن صفة العموم التي أسبغها على مدلول كلمة (رجل) ، فهل هي صفة للفكرة التي نكوّنها في ذهننا عن كلمة (رجل) ، أو للواقع الموضوعي لهذه الكلمة ؟ ولا يحتاج هذا السؤال إلى مزيد من التأمّل ليحصل على الإجابة الصحيحة ، وهي : أنّ العموم صفة الفكر لا صفة الواقع ففكرتنا عن كلمة (رجل) تكوّن مفهوماً عاماً يعبّر عن مسمّيات جزئية كثيرة ، فإيفان رجل ، وكيدروف رجل ، ولينين رجل ، بمعنى : أنّ الفكرة التي نملكها عن لفظ (الرجل) ، هي الحصيلة الذهنية المشتركة لتلك الأفراد وأمّا الواقع الموضوعي للرجل ، فهو شيء معيّن محدود دائماً وإذا أخذنا هذه الملاحظة بعين الاعتبار ، استطعنا أن نعرف أنّ التناقض في قولنا : إيفان رجل ، إنّما يوجد إذا أردنا أن نحكم على فكرتنا الخاصّة عن إيفان بأنّها نفس الفكرة العامة التي نملكها عن الرجل ، فإنّ هذا تناقض واضح ، وهو لا يصحّ مطلقاً ؛ لأنّ الفكرة الخاصّة عن إيفان لا يمكن أن تكون هي نفس الفكرة العامّة عن الرجل ، وإلاّ لكان العامّ والخاصّ شيئاً واحداً ، كما حاوله لينين
فنحن- إذن- إذا أخذنا إيفان كفكرة خاصّة ، ورجل كفكرة عامّة ، فسوف
____________________
(١) المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ٢١
نجد أنفسنا في تناقض حين نحاول أن نوحّد بين الفكرتين ، ولكن قولنا : إيفان رجل ، لا يعني في الواقع التوحيد بين الفكرتين ، بل التوحيد بين الواقع الموضوعي لكلمة (إيفان) ، والواقع الموضوعي لكلمة (رجل) ، بمعنى : أنّ للّفظين واقعاً موضوعياً واحداً ، ومن الواضح : أنّ واقع رجل لا يناقض الواقع الخارجي لإيفان ، بل هو نفسه بالذات ، فلا ينطوي التوحيد بينهما على تناقض ، وهكذا يتّضح : أنّ التناقض الذي زعمته الماركسية في قضية : (إيفان رجل) ، يقوم على أساس تفسير خاطئ للقضية ، يعتبرها توحيداًَ بين فكرتين إحداهما عامّة والأخرى خاصّة ، لا بين واقعين موضوعيين
ومرّة أخرى نسأل عن هذا التناقض المزعوم في قضية : (إيفان رجل) ، ما هي حصيلته ؟ وما هو الصراع الذي ينتج عن هذا التناقض ؟ وما هو التطوّر المنبثق عنه ؟ فإنّ التناقضات الداخلية تشعل ـ في رأي الماركسية ـ الصراع ، وتعتبر وقوداً للتطوّر ، فكيف تستطيع الماركسية أن تشرح لنا كيف تتطوّر قضية : (إيفان رجل) ، وهل تعود بسبب تناقضاتها على شكل آخر ؟!
ونخلص من دراستنا للتناقضات الديالكتيكية المزعومة إلى نتيجة ، وهي : أنّ كلّ ما عرضته الماركسية من تناقضات في الحقل الفلسفي أو العلمي ، أو المجالات الاعتيادية العامّة ، ليست من التناقض الذي يرفضه المبدأ الأساسي للمنطق الميتافيزيقي ولا يمكن أن تعتبر دليلاً على تفنيد هذا المبدأ ، بل لا تعدو أن تكون كمعارضات (أوبوليدس) الملطي قبل ألفي سنة لمبدأ عدم التناقض فقد كان يردّ على هذا المبدأ قائلاً : إذا تقدّم أبوك إليك ، وكان مقنّعاً فإنّك لا تعرفه ، إذن أنت تعرف أباك ، ولا تعرفه في آن واحد(١) ومن البدهي أنّ هذه الألوان من
____________________
(١) يراجع تاريخ الفلسفة اليونانيّة ، يوسف كرم : ٢١١
المعارضة الساذجة لا يمكن أن تحطّم الضروري العام في التفكر البشري : (مبدأ عدم التناقض).
والحقيقة التي تبيّناها في عدّة من أمثلة التناقض الديالكتي هي : الصراع والتفاعل بين الأضداد الخارجية ، وقد عرفنا فيما سبق أنّ هذا اللون من التفاعل بين الأضداد ليس من مميّزات الديالكتيك ، بل هو من مقرّرات الميتافيزيقية ، كما عرفناها في نصوص أرسطو
ولو أردنا أن نقطع النظر عن أخطاء الماركسية في فهم التناقض ، وفشلها في محاولات الاستدلال على قانون الديالكتيك ، فسوف نجد مع ذلك أنّ التناقض الديالكتي لا يقدّم لنا تفسيراً مقبولاً للعالم ، ولا يمكن فيه التعليل الصحيح ، كما سوف نتبيّن ذلك في الجزء الرابع من هذه المسألة (المادّة أو الله)
ومن الطريف أن نشير إلى مثل للتناقض قدّمه أحد الكتّاب المحدَثين(١) لتزييف مبدأ عدم التناقض قائلاً :
(إنّ مبدأ عدم التناقض يقرّر أنّ كلّ كمّية إمّا أن تكون متناهية أو غير متناهية ، ولا يمكن أن تكون متناهية وغير متناهية في وقت واحد ؛ لاستحالة التناقض ، فإذا كان الأمر كذلك فإنّ نصف كمّية متناهية يجب أن تكون متناهية دائماً ، إنّها لا يمكن أن تكون لا متناهية ، وإلاّ كان مجموع كمّيتين لا متناهيتين متناهياً ، وهذا خلف ، ففي السلسلة المحتوية على الكميات :
____________________
(١) هو الدكتور محمّد عبد الرحمن مرحباً في كتابه : المسألة الفلسفية
التي لكلّ واحدة منها نصف الكمّية السابقة يجب أن يكون كلّ جزء منها متناهياً مهما امتدّت السلسلة ، فإذا استمرّت إلى غير نهاية كان لدينا تتابع لا متناهٍ من كمّيات كلّ واحدة منها متناهية ، فمجموع أجزاء السلسلة هو الآن مجموع عدد لا متناهٍ لكمّيات متناهية ، وهكذا فلا بدّ أن يكون لا متناهياً ، ولكن قليلاً من علم الحساب يظهر لنا أنّه متناهٍ ؛ إذ هو (٢) )(١)
وهكذا يريد الكاتب أن يستنتج أنّ التناقض بين المتناهي وغير المتناهي سمح للقطبين المتناقضين أن يجتمعا في كمّية واحدة ، ولكن فاته أنّ الكمّية التي ليست متناهية في مثاله هي غير الكمّية المتناهية ، فلا تناقض ، لا أنّ كمّية واحدة هي متناهية وغير متناهية بالرغم من مبدأ عدم التناقض ، كما يحاول أن يستنتج
وذلك أنّ هذه الكمّيات التي افترضها في السلسلة وكان لكلّ واحدة منها نصف الكمّية السابقة ، يمكننا أن نأخذها بما هي وحدات لنعدّها كما نعدّ وحدات الجوز أو كما نعدّ حلقات سلسلة حديدية طويلة وفي هذه الحالة سوف نواجه عدداً لا يتناهى من الوحدات ، فالعدد الصحيح (١) هو الوحدة الأُولى ، والكسر هو الوحدة الثانية ، والكسر هو الوحدة الثالثة وهكذا يزيد المجموع واحداً بعد واحد إلى غير نهاية ، فليس أمامنا ـ ونحن نجمع تلك الأعداد كوحدات ـ (٢) ، وإنّما نواجه عدداً هائلاً لا ينتهي ، وأمّا إذا أردنا أن نجمع الكمّيات التي ترمز إليها تلك الأعداد ، فسوف نحصل على (٢) فقط ؛ لأنّ المجموع الرياضي لتلك الكمّيات المتناقصة هو ذلك ، فغير المتناهي ـ إذن ـ هو كمّية نفس الأعداد المتعاطفة بما هي وحدات نجمع بعضها إلى بعض كما نجمع قلماً إلى قلم أو جوزة
____________________
(١) المسألة الفلسفيّة : ١٠٣ مع تصرّف يسير
إلى جوزة ، والمتناهي ليس هو كمّية الأعداد المتعاطفة بوصفها وحدات وأشياء يمكن جمعها ، بل الكمّيات التي ترمز إليها تلك الإعداد
وبكلمة أخرى : هناك كمّيتان إحداهما كمّية نفس الأعداد بما هي وحدات ، والأخرى كمّية مدلولاتها الرياضية باعتبار أنّ كلّ عدد في السلسلة يرمز إلى كمّية معيّنة ، والأُولى غير متناهية ومن المستحيل أن تتناهى ، والثانية متناهية ومن المستحيل أن تكون غير متناهية
الهدف السياسي من الحركة التناقضية :
الحركة والتناقض ـ وهما الخطّان الجدليّان اللذان نقدناهما بكلّ تفصيل ـ يشكّلان معاً قانون الحركة الديالكتيكية ، أو قانون التناقض الحركي المتطوّر على أُسس الديالكتيك أبداً ودائماً وقد تبنّت الماركسية هذا القانون بصفته الناموس الأبدي للعالم واستهدفت من ورائه أن تستثمره في الحقل السياسي لصالحها الخاصّ فكان العمل السياسي هو الهدف الأوّل الذي فرض على الماركسية أن تصبّه في قالب فلسفي ، يساعدها على إنشاء سياسي جديد للعالم كلّه وقد قالها (ماركس) في شيء من التلطيف : (إنّ الفلاسفة لم يفعلوا شيئاً ، غير تأويل العالم بطرق مختلفة ، بيد أنّ الأمر هو أمر تطويره)(١)
فالمسألة ـ إذن ـ هي مسألة التطوير السياسي المقترح الذي لا بدّ أن يجد منطقاً مبرّراً له ، وفلسفة يرتكز على قوائمها ولذلك كانت الماركسية تضع القانون الذي يتّفق مع مخطّطاتها السياسية ، ثمّ تفتّش في الميادين العلمية عن دليله ،
____________________
(١) كارل ماركس : ٢١ ، وهذه هي الديالكتيكية : ٧٨
مؤمنة سلفاً- وقبل كلّ دليل- بضرورة تبنّي ذلك القانون ما دام يلقي شيئاً من الضوء على طريق العمل والكفاح ويحسن بنا أن نستمع بهذه المناسبة لـ (أنجلز) ، وهو يحدِّث عن بحوثه التي قام بها في كتابه ضد دوهرنك :
(وغني عن البيان بأنّني كنت قد عمدت إلى سرد المواضيع في الرياضيات والعلوم الطبيعية (سرداً عاجلاً) وملخّصاً ؛ بغية أن أطمئنّ تفصيلاً ـ إلى ما لم أكن في شكّ منه بصورة عامّة ـ إلى أنّ نفس القوانين الديالكتيكية للحركة التي تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث في التاريخ ، تشقّ طريقها في الطبيعة)(١)
في هذا النصّ تلخّص الماركسية لنا أسلوبها في محاولاتها الفلسفية ، وكيف وثقت كلّ الوثوق باستكشاف قوانين العالم ، وآمنت بصحّتها قبل أن تتبيّن مدى واقعيتها في المجالات العلمية والرياضية ، ثمّ حرصت بعد ذلك على أن تطبّقها على تلك المجالات ، وتخضع الطبيعة للديالكتيك في (سرد عاجل) ـ على حدّ تعبير أنجلز ـ مهما كلّفها الأمر ، ولو أثار ذلك احتجاج علماء الرياضيات أو الطبيعيات أنفسهم ، كما يعترف بذلك (أنجلز) في عبارة قريبة من النصّ الذي نقلناه
ولمّا كان الغرض الأساسي من إنشاء هذا المنطق الجديد ، إيجاد سلاح فكري للماركسية في معركتها السياسية ، فمن الطبيعي ـ إذن ـ أن تبدأ : أوّلاً وقبل كلّ شيء : بتطبيق القانون الديالكتيكي على الحقل السياسي والاجتماعي فقد فسّرت المجتمع بكلّ أجزائه طبقاً لقانون الحركة التناقضية ، أو التناقض الحركي ،
____________________
(١) ضد دوهرنك : الاقتصاد السياسي : ١٩٣
وأخضعته للديالكتيك الذي هو ـ في زعمها ـ قانون الفكر والعالم الخارجي معاً ، فافترضت أنّ المجتمع يتطوّر ويتحرّك طبقاً للتناقضات الطبقية المحتواة في داخله ، ويتّخذ في كلّ دور من أدوار التطوّر شكلاً اجتماعياً جديداً ، ينسجم مع الوجود الطبقي الغالب في المجتمع ، ويبدأ الصراع بعد ذلك من جديد على أساس التناقضات المحتواة في ذلك الشكل
وترتيباً على ذلك استنتجت الماركسية أنّ المحتوى التحليلي للمجتمع الرأسمالي هو : الصراع بين التناقضات التي ينطوي عليها بين الطبقة العاملة من ناحية ، والطبقة الرأسمالية من ناحية أخرى وإنّ هذا الصراع يمدّ المجتمع بالحركة التطوّرية التي سوف تحلّ التناقض الرأسمالي حين تسلّم القيادة إلى الطبقة العاملة المتمثّلة في الحزب القائم على أساس المادّية الديالكتيكية ، والذي يستطيع أن يتبنّى مصالحها بأسلوب علمي رصين
ونحن لا نريد- الآن- أن نناقش الماركسية في تفسيرها الديالكتي للمجتمع وتطوّراته ، هذا التفسير الذي ينهار طبيعياً بنقد الديالكتيك كمنطق عام وتزييفه ، كما حقّقناه في دراستنا هذه ؛ فإنّ المادّية التاريخية سوف نخصّها بدراسة نقدية مفصّلة في كتابمجتمعنا أو اقتصادنا (١) وإنّما نرمي- الآن- إلى توضيح نقطة مهمّة في هذا التطبيق الاجتماعي للديالكتيك ، يمسّ المنطق الديالكتي نفسه بصورة عامة ، وهذه النقطة هي : أنّ التطبيق الاجتماعي والسياسي للديالكتيك على النحو الذي تقوم به الماركسية ، يؤدّي إلى نقض الديالكتيك رأساً ؛ فإنّ الحركة التطوّرية للمجتمع إذا كانت تستمدّ وقودها الضروري من الصراع الطبقي
____________________
(١) وقد صدر كتاب (اقتصادنا) وهو يستوعب أوسع دراسة للمادّية التاريخية في ضوء الأسس الفلسفية وفي ضوء المجرى العام لتاريخ الإنسانية في واقع الحياة(المؤلّف قدسسره )
بين المتناقضات التي يضمّها الهيكل الاجتماعي العام ، وإذا كان هذا التعليل التناقضي للحركة هو التفسير الوحيد للتاريخ والمجتمع ، فسوف تسكن الحركة في نهاية المطاف حتماً ، وتصبح فوارق التناقضات وحياتها الحركية سكوناً وجموداً ؛ ذلك أنّ الماركسية تعتبر المرحلة التي تتوفّر على إنشائها ، وتحاول إيصال الركب البشري إليها ، هي : المرحلة التي تنعدم فيها الطبقية ، ويعود المجتمع فيها مجتمع الطبقة الواحدة
وإذا قضي على التنوّع الطبقي في المجتمع الاشتراكي المقترح ، انطفأت شعلة الصراع ، وتلاشت الحركات التناقضية نهائياً ، وجمد المجتمع على شكل ثابت لا يحيد عنه ؛ لأنّ الوقود الوحيد للتطوّر الاجتماعي في رأي الماركسية هو أسطورة التناقض الطبقي التي اخترعتها ، فإذا زال هذا التناقض كان معنى ذلك : تحرّر المجتمع من أسر الديالكتيك ، فيتنحّى الجدل عن مقام السيطرة والتحكّم في العالم
وهكذا نعرف أنّ تفسير الماركسية للتطوّر الاجتماعي على أساس التناقض الطبقي ، والأصول الديالكتيكية ، يؤدّي إلى فرض حدّ نهائي لهذا التطوّر وعلى العكس من ذلك ما إذا وضعنا جذوة التطوّر ، أو وقود الحركة في الوعي أو الفكر ، أو أي شيء غير التناقض الطبقي الذي تتّخذه الماركسية رصيداً عاماً لجميع التطوّرات والحركات أفليس من الجدير بعد هذا أن ننعت التفسير الديالكتي للتاريخ والمجتمع ، بأنّه هو وحده التفسير الذي يحتم على البشرية الجمود والثبات ، دون التفسير الذي يضع رصيد التطوّر في معين لا ينضب ، وهو : الوعي بمختلف ألوانه ؟!
ودع عنك بعد هذا ما مُني به التطوّر الديالكتي للفكر البشري- الذي تتشدّق به الماركسية- من تجميد على يد الماركسية نفسها حين اتّخذ الديالكتيك حقيقة
مطلقة ولا نهائية للعالم ، وتبنّته الدولة مذهباً رسمياً فوق كلّ بحث وجدال ، ومرجعاً أعلى يجب إخضاع كلّ علم ومعرفة له ، وتحجير كلّ فكر أو جهد ذهني لا ينسجم معه ولا ينطلق من عنده ، فعادت الأفكار البشرية في مختلف مجالات الحياة أسيرة منطق خاصّ ، وأصبحت المواهب والإمكانات الفكرية مضغوطة كلّها في الدائرة التي رسمها للبشرية فلاسفة الدولة الرسميون
أمّا كيف ندحض أسطورة التناقض الطبقي ؟ وكيف نكشف الستار عن مغالطات الجدل الماركسي في تعيين تناقضات الملكية ؟ وكيف نقدّم التفسير الصحيح للمجتمع والتاريخ ؟ فهذا ما نقوم به في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى(١)
____________________
(١) لاحظ كتاب (اقتصادنا) للمؤلف (المؤلّف قدسسره )
٣- قفزات التطوّر
قال ستالين :
(إنّ الديالكتيك ـ خلافاً للميتافيزيقية ـ لا يعتبر حركة التطوّر حركة نموّ بسيطة ، لا تؤدّي التغيّرات الكمّية فيها إلى تغيّرات كيفية ، بل يعتبرها تطوّراً ينتقل من تغيّرات كمّية ضئيلة وخفيّة إلى تغيّرات ظاهرة وأساسية ، أي : إلى تغيّرات كيفية وهذه التغيّرات الكيفية ليست تدريجية ، بل هي سريعة فجائية ، وتحدث بقفزات من حالة إلى أخرى وليست هذه التغيّرات جائزة الوقوع ، بل هي ضرورية ، وهي نتيجة تراكم تغيّرات كمّية غير محسوسة ، وتدريجية ولذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية أنّ من الواجب فهم حركة التطوّر لا من حيث هي حركة دائرية ، أو تكرار بسيط للطريق نفسه ، بل من حيث هي حركة تقدّمية صاعدة ، وانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى حالة كيفية جديدة)(١)
يقرّر الديالكتيك في هذا الخطّ : أنّ التطوّر الديالكتي للمادّة لونان :أحدهما تغيّر كمّي تدريجي ، يحصل ببطء ،والآخر تغيّر نوعي فجائي ، يحصل بصورة دفعية ، نتيجةً للتغيّرات الكمّية المتدرّجة ، بمعنى : أنّ التغيّرات الكمّية ـ حين تبلغ نقطة الانتقال ـ تتحوّل من كمّية إلى كيفية جديدة .
____________________
(١) المادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخية : ١٨
وليس هذا التطوّر الديالكتي حركة دائرية للمادّة ، ترجع فيها إلى نفس مبدئها ، بل هي حركة تكاملية صاعدة أبداً ودائماً
وحين يُعترض على الماركسية هنا : بأنّ الطبيعة قد تتحرّك حركات دائرية ، كما في الثمرة التي تتطوّر إلى شجرة ، ثمّ تعود بالتالي إلى ثمرة كما كانت
تجيب : بأنّ هذه الحركة هي ـ أيضاً ـ تكاملية ، وليست دائرية كالحركات التي يرسمها الفرجال ، غير أنّ مردّ التكامل فيها إلى الناحية الكمّية لا الكيفية ، فالثمرة وإن عادت في نهاية شوطها الصاعد ثمرة أيضاً ، غير أنّها تكاملت تكاملاً كمّياً ؛ لأنّ الشجرة ـ التي انبثقت عن ثمرة واحدة ـ أفرعت عن مئات الثمرات ، فلم يتحقّق رجوع للحركة أبداً
وقبل كلّ شيء يجب أن نلاحظ الهدف الكامن وراء هذا الخطّ الديالكتي الجديد فقد عرفنا أنّ الماركسية تضع الخطّة العملية ، للتطوير السياسي المطلوب ، ثم تفتّش عن المبرّرات المنطقية والفلسفية لتلك الخطّة ، فما هو التصميم الذي اُنشئ هذا القانون الديالكتي لحسابه ؟
ومن الميسور جداً الجواب على هذا السؤال ، فإنّ الماركسية رأت أنّ الشيء الوحيد الذي يشقّ الطريق إلى سيطرتها السياسية ، أو إلى السيطرة السياسية للمصالح التي تتبنّاها ، هو : الانقلاب فذهبت تفحص عن مستمسك فلسفي لهذا الانقلاب ، فلم تجده في قانونيْ الحركة والتناقض ؛ لأنّ هذين القانونين إنّما يحتّمان على المجتمع أن يتطوّر تبعاً للتناقضات المتوحّدة فيه وأمّا طريقة التطوّر ودفعيّته فلا يكفي مبدأ الحركة التناقضية لإيضاحها ولذلك صار من الضروري أن يوضع قانون آخر ترتكز عليه فكرة الانقلاب وكان هذا القانون هو : قانون قفزات التطوّر القائل بتحوّلات دفعية للكمّية إلى كيفية وعلى أساس هذا القانون لم يعدِ الانقلاب جائزاً فحسب ، بل يكون ضرورياً وحتمياً بموجب
القوانين الكونية العامّة فالتغيّرات الكمّية التدريجية في المجتمع تتحوّل بصورة انقلابية في منعطفات تاريخية كبرى إلى تغيّر نوعي ، فيتهدّم الشكل الكيفي القديم للهيكل الاجتماعي العامّ ، ويتحوّل إلى شكل جديد
هكذا يصبح من الضروري ـ لا من المستحسن فقط ـ أن تنفجر تناقضات البناء الاجتماعي العام عن مبدأ انقلابي جارف ، تُقصى فيه الطبقة المسيطرة سابقاً التي أصبحت ثانوية في عملية التناقض ، ويحكم بإبادتها ؛ ليفسح مجال السيطرة للنقيض الجديد الذي رشّحته التناقضات الداخلية ؛ ليكون الطرف الرئيسي في عملية التناقض
قال (ماركس وأنجلز) :
(ولا يتدنّى الشيوعيون إلى إخفاء آرائهم ومقاصدهم ومشاريعهم ، يعلنون صراحة : أنّ أهدافهم لا يمكن بلوغها وتحقيقها إلاّ بهدم كلّ النظام الاجتماعي التقليدي بالعنف والقوّة)(١)
وقال (لينين) :
(إنّ الثورة البروليتارية غير ممكنة بدون تحطيم جهاز الدولة البورجوازي بالعنف)(٢)
وما على الماركسية بعد أن وضعت قانون القفزات التطوّرية إلاّ أن تفحص عن عدّة أمثلة- فتسردها (سرداً عاجلاً) على حدّ تعبير أنجلز- للتدليل بها على القانون المزعوم بعمومه وشموله وهذا ما قامت به الماركسية تماماً ، فقدّمت لنا
____________________
(١) البيان الشيوعي : ٨
(٢) أسس اللينينية : ٦٦
عدداً من الأمثلة ، وأقامت على أساسها قانونها العام
ومن هاتيك الأمثلة التي ضربتها عليه هو مثال الماء حين يوضع على النار ، فترتفع درجة حرارته بالتدريج ، وتحدث بسبب هذا الارتفاع التدريجي تغيّرات كمّية بطيئة ، ولا يكون لهذه التغيّرات في بادئ الأمر تأثير في حالة الماء من حيث هو سائل ، ولكن إذا زيدت حرارته إلى درجة (١٠٠) ، فسوف ينقلب في تلك اللحظة ، عن حالة السيلان إلى الغازية ، وتتحوّل الكمية إلى كيفية ، وهكذا الأمر إذا هبطت درجة حرارة الماء إلى الصفر ، فإنّ الماء سوف يتحوّل في آن واحد ويصبح جليداً(١)
ويستعرض (أنجلز) أمثلة أخرى على قفزات الديالكتيك من الحوامض العضوية في الكيمياء التي تختصّ كلّ واحدة منها بدرجة معيّنة لانصهارها أو غليانها ، وبمجرّد بلوغ السائل تلك الدرجة يقفز إلى حالة كيفية جديدة فحامض النمليك ـ مثلاً ـ درجة غليانه (١٠٠) ، ودرجة انصهاره (١٥) وحامض الخليك نقطة غليانه (١١٨) ، ونقطة انصهاره (١٧) وهكذا(٢) فالمركّبات (الهيدروكاربونية) تجري طبقاً لقانون القفزات والتحوّلات الدفعية في غليانها وانصهارها
ونحن لا نشكّ في أنّ التطوّر الكيفي في جملة من الظواهر الطبيعية ، يتمّ بقفزات ودفعات آنية ، كتطوّر الماء في المثال المدرسي السابق الذكر ، وتطوّر الحوامض العضوية (الكربونية) في حالتي الغليان والانصهار ، وكما في جميع المركّبات التي تكون طبيعتها وخواصّها متعلّقة بالنسبة التي يتألّف بحسبها كلّ
____________________
(١) ضد دوهرنك : ٢١١ ـ ٢١٢ ، والمادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخية : ١٩ ـ ٢٠
(٢) ضد دوهرنك : ٢١٤
منها ولكن ليس معنى ذلك : أنّ من الضروري ـ دائماً وفي جميع المجالات ـ أن يقفز التطوّر في مراحل معيّنة ؛ ليكون تطوّراً كيفياً ولا تكفي عدّة أمثلة للتدليل العلمي أو الفلسفي على حتمية هذه القفزات في تاريخ التطوّر ، وخصوصاً حين تنتقيها الماركسية انتقاءً ، وتهمل الأمثلة التي كانت تستعملها لإيضاح قانون آخر من قوانين الديالكتيك ، لا لشيء إلاّ لأنّها لا تتّفق مع هذا القانون الجديد فقد كانت الماركسية تمثّل لتناقضات التطوّر بالجرثومة الحيّة في داخل البيضة التي تجنح إلى أن تكون فرخاً(١) ، وبالبذرة التي تنطوي على نقيضها ، فتتطوّر بسبب الصراع في محتواها الداخلي ، فتكون شجرة
أفليس من حقّنا أن نطالب الماركسية بإعادة النظر في هذه الأمثلة ؛ لكي نعرف كيف تستطيع أن تشرح لنا قفزات التطوّر فيها فهل صيرورة البذرة شجرة ، أو الجرثومة فرخاً (تطوّر تز إلى آنتي تز) ، أو صيرورة الفرخ دجاجة (تطوّر آنتي تز إلى سنتز) ، تتأتّى بقفزة من قفزات التطوّر الديالكتيكية ، فتتحوّل الجرثومة في آن واحد إلى فرخ ، والفرخ إلى دجاجة ، والبذرة إلى شجرة ، وأنّ هذه الصيرورات تحصل بحركة تدريجية متصاعدة ؟ وحتّى في الموادّ الكيماوية القابلة للانصهار نجد اللونين من التطوّر معاً ، فكما يحصل فيها التطوّر بقفزة ، كذلك قد يحصل بصورة تدريجية فنحن نعلم ـ مثلاً ـ أنّ المواد المتبلورة تتحوّل من حالة الصلابة إلى حالة السيولة بصورة فجائية ، كالجليد الذي تساوي حرارة انصهاره (٨٠) سعرة ، فتتحوّل عند ذاك دفعة واحدة إلى سائل وعلى عكس ذلك المواد غير المتبلورة ، كالزجاج وشمع العسل ؛ فإنّها لا تنصهر ولا تتحوّل كيفياً بصورة دفعية ، وإنّما يتمّ انصهارها تدريجياً فالشمع ـ مثلاً ـ ترتفع حرارته أثناء
____________________
(١) هذه هي الديالكتيكية : مبادئ الفلسفة الأوّلية ؛ لجورج بوليتزر : ١٠
عملية الانصهار ، حتّى حتّى إذا بلغت درجة معيّنة خفت فيه صلابة الشمع ، وبدأ يلين ويسترخي بصورة تدريجية ، فلا هو بالصُّلب ولا هو بالسائل، ويتدرّج في حالة الليونة حتّى يستحيل مادّة سائلة
ولنأخذ مثلاً آخر من الظواهر الاجتماعية ، وهو اللغة بوصفها ظاهرة تتطوّر وتتحوّل ولا تخضع لقانون الديالكتيك ، فإنّ تاريخ اللغة لا يحدّثنا عن تحوّلات كيفية آنيّة في سيرها التاريخي ، وإنّما يعبّر عن تحوّلات تدريجية في اللغة من الناحية الكمّية والكيفية ، فلو كانت اللغة خاضعة لقانون القفزات وتحوّل التغيّرات الكمّية التدريجية إلى تغيّر دفعي حاسم ، لكنّا نستطيع أن نضع أصابعنا على نقاط فاصلة في حياة اللغة ، تتحوّل فيها من شكل إلى شكل نتيجةً للتغيّرات الكمّية البطيئة ، وهذا ما لا نجده في كلّ اللغات التي عاشها الإنسان واستخدمها في حياته الاجتماعية
فنستطيع أن نعرف إذن ـ على ضوء مجموعة ظواهر الطبيعة ـ أنّ القفزة والدفعية ليستا ضروريتين للتطوّر الكيفي ، وأنّ التطوّر كما يكون دفعياً ، يكون تدريجياً أيضاً
ولنأخذ بعد ذلك المثال المدرسي السابق ، مثال الماء في انجماده وغليانه ، فنلاحظ عليه :
أوّلاً : أنّ الحركة التطوّرية التي يحتويها المثال ، ليست حركة ديالكتيكية ؛ لأنّ التجربة لا تبرهن على انبثاقها عن تناقضات المحتوى الداخلي للماء ، كما تفرضه تناقضات التطوّر في الديالكتيك فنحن جميعاً نعلم أنّ الماء لولا الحرارة الخارجية لبقي ماءً ، ولما تطوّر إلى غاز ، فلم يتم التطوّر الانقلابي للماء ـ إذن ـ بصورة ديالكتيكية فإذا أردنا أن نعتبر القانون الذي يتحكّم في الانقلابات الاجتماعية هو نفس القانون الذي تمّ بموجبه الانقلاب الدفعي في الماء ، أو في
سائر المركّبات الكيماوية ـ كما تحاول الماركسية ـ لأدّى ذلك إلى نتيجة مغايرة لما رمت إليه ؛ إذ تصبح القفزات التطوّرية في النظام الاجتماعي ، انقلابات منبثقة عن عوامل خارجية ، لا عن مجرّد التناقضات المحتواة في نفس النظام ، وتزول صفة الحتمية عن تلك القفزات ، وتكون غير ضرورية إذا لم تكتمل العوامل الخارجية
ومن الواضح : أنّنا كما يمكننا أن نتحفّظ على حالة السيلان للماء ، ونبعده عن العوامل التي تجعله يقفز إلى حالة الغازية ، كذلك يصبح بالإمكان الحفاظ على النظام الاجتماعي ، والابتعاد به عن الأسباب الخارجية التي تكتب عليه الفناء
وهكذا يتّضح : أنّ تطبيق قانون ديالكتي واحد على التطوّرات الدفعية للماء في غليانه وتجمّده ، وعلى المجتمع في انقلاباته ، يسجّل نتائج معكوسة لما يترقّب الديالكتيك
ثانياً : أنّ الحركة التطوّرية في الماء ليست حركة صاعدة ، بل هي حركة دائرية يتطوّر فيها الماء إلى بخار ، ويعود البخار كما كان ، دون أن ينتج عن ذلك تكامل كمّي أو كيفي فإذا اعتبرت هذه الحركة ديالكتيكية ، كان معناه : أنّه ليس من الضروري أن تكون الحركة صاعدة وتقدّمية دائماً ، ولا من المحتوم أن يكون التطوّر الديالكتي في ميادين الطبيعة أو الاجتماع تكاملياً وارتقائياً.
ثالثاً : أنّ نفس القفزة التطوّرية للماء إلى غاز التي حقّقها بلوغ الحرارة درجة معيّنة ، لا يجب أن تستوعِب الماء كلّه في وقت واحد ؛ فإنّ كلّ إنسان يعلم أنّ البحار والمحيطات تتبخّر كمّيات مختلفة من مياهها تبخّراً تدريجياً ، ولا تقفز بمجموعها مرّة واحدة إلى الحالة الغازية وهذا ينتج أنّ التطوّر الكيفي ـ في المجالات التي يكون فيها دفعياً ـ لا يتحتّم أن يتناول الكائن المتطوّر ككلّ ، بل قد يبدأ بأجزائه فيقفز بها إلى حالة الغازية ، وتتعاقب القفزات وتتكرّر الدفعات حتّى
يتحوّل المجموع وقد لا يستطيع التحوّل الكيفي أن يشمل المجموع ، فيبقى مقصوراً على الأجزاء التي توفّرت فيها الشروط الخارجية للانقلاب وإذا كان هذا هو كلّ ما يعنيه القانون الديالكتي بالنسبة إلى الطبيعة ، فلماذا يجب أن تفرض القفزة في الميدان الاجتماعي على النظام ككلّ ؟! ولماذا يلزم في الناموس الطبيعي للمجتمعات أن يهدم الكيان الاجتماعي في كلّ مرحلة بانقلاب دفعي شامل ؟! ولماذا لا يمكن أن تتّخذ القفزة الديالكتيكية المزعومة في الحقل الاجتماعي نفس أسلوبها في الحقل الطبيعي ، فلا تمسّ إلاّ الجوانب التي توفّرت فيها شروط الانقلاب ، ثمّ تندرّج حتّى يتحقّق التحوّل العامّ في نهاية الأمر ؟!
وأخيراً ، فإنّ تحوّل الكمّية إلى كيفية لا يمكن أن نطبّقه بأمانة على مثال الماء الذي يتحوّل إلى غاز أو جليد وفقاً لصعود درجة الحرارة فيه وهبوطها كما صنعت الماركسية ؛ لأنّ الماركسية اعتبرت الحرارة كمّية والغاز أو الجليد كيفية ، فقرّرت أنّ الكمّية في المثال تحوّلت إلى كيفية ، وهذا المفهوم الماركسي للحرارة أو للغاز والجليد لا يقوم على أساس ؛ لأنّ التعبير الكمّي عن الحرارة الذي يستعمله العلم حين يقول : أنّ درجة حرارة الماء مئة أو خمسة ، ليس هو جوهر الحرارة ، وإنّما هو مظهر للأسلوب العلمي في ردّ الظواهر الطبيعية إلى كمّيات ؛ ليسهل ضبطها وتحديدها
فعلى أساس الطريقة العلمية في التعبير عن الأشياء ، يمكن أن تعتبر الحرارة كمّية ، غير أنّ الطريقة العلمية لا تعتبر الحرارة ظاهرة كمّية فحسب ، بل إنّ تحوّل الماء إلى بخار ـ مثلاً ـ يتّخذ تعبيراً كمّياً أيضاً ، فهو ظاهرة كمّية في اللغة العلمية كالحرارة تماماً ، لأنّ العلم يحدّد الانتقال من الحالة السائلة إلى الغازية بضغط يمكن قياسه كمّياً ، أو بعلاقات وفواصل بين الذرّات تقاس كمّياً كما تقاس الحرارة ، ففي المنظار العلمي ـ إذن ـ لا توجد في المثال إلاّ كمّيات تتحوّل بعضها
إلى بعض وأمّا في المنظار الحسّي ، أي : في مفهومنا الذي يوحي به إحساسنا بالحرارة حين نغمس يدنا في الماء ، أو إحساسنا بالغاز حين نرى الماء يتحوّل بخاراً ، فالحرارة كالغاز حالة كيفية ، وهي الحالة التي تبعث في نفوسنا شيئاً من الانزعاج حين تكون الحرارة شديدة فالكيفية تتحوّل إلى كيفية
وهكذا نجد : أنّ الماء في حرارته وتبخّره لا يمكن أن يعطي مثالاً لتحوّل الكمّية إلى كيفية ، إلاّ إذا تناقضنا فنظرنا إلى الحرارة بالمنظار العلمي وإلى الحالة الغازية بمنظار حسّي
ويحسن بنا- أخيراً- أن نختم الحديث عن قفزات التطوّر بما أتحفنا به ماركس ـ مثالاً له ـ في كتابه : (رأس المال ) فقد ذكر أنّه ليس كلّ مقدار من النقود قابلاً للتحويل إلى رأسمال اعتباطاً ، بل لا بدّ لحدوث هذا التحويل من أن يكون المالك الفردي للنقد حائزاً قبل ذلك على حدّ أدنى من النقود ، يفسح له معيشة مضاعفة عن مستوى معيشة العامل الاعتيادي ويتوقّف ذلك على أن يكون في إمكانه تسخير ثمانية عمّال وأخذ في توضيح ذلك على أساس مفاهيمه الاقتصادية الرئيسية من القيمة الفائضة ، والرأسمال المتحوّل ، والرأسمال الثابت فاستشهد بقضية العامل الذي يشتغل ثماني ساعات لنفسه ، أي في إنتاج قيمة أجوره ، ويشتغل الساعات الأربع التالية للرأسمالي في إنتاج القيمة الزائدة التي يربحها صاحب المال ومن المحتّم على الرأسمالي في هذه الحالة أن يكون تحت تصرّفه مقدار من القيم ، يكفي لتمكينه من تزويد عاملين بالموادّ الخام ، وأدوات العمل ، والأجور ، بغية أن يمتلك يومياً قيمة زائدة تكفي لتمكينه من أن يقتات بها ، كما يقتات أحد عامليه ولكن بما أنّ هدف الرأسمالي ليس هو مجرّد الاقتيات ، بل زيادة الثروة ، فإنّ منْتِجُنا هذا سيظلّ بعامليه هذين ليس برأسمالي ولكيما يتسنّى له أن يعيش عيشة تكون في مستواها ضعف عيشة العامل
الاعتيادي ، مع تحويل نصف القيمة الزائدة المنتجة إلى رأسمال ، يتحتّم عليه أن يكون متمكّناً من تشغيل ثمانية عمّال
وأخيراً علّق ماركس على ذلك قائلاً : وفي هذا ، كما في العلم الطبيعي ، تتأيّد صحّة القانون الذي اكتشفه هيجل : قانون تحوّل التغيّرات الكمّية ـ إذ تبلغ حدّاً معيّناً ـ إلى تغيّرات نوعية(١)
وهذا المثال الماركسي يدلّنا بوضوح على مدى التسامح الذي تبديه الماركسية في (سرد الأمثلة سرداً عاجلاً) على قوانينها المزعومة ولئن كان التسامح في كلّ مجال خيراً وفضيلة ، فهو في المجال العلمي- وخاصّة عندما يراد استكشاف أسرار الكون ؛ لإنشاء عالم جديد على ضوء تلك الأسرار والقوانين ـ تقصير لا يغتفر
ولا نريد الآن بطبيعة الحال أن نتناول- فعلاً- المسائل الاقتصادية التي يرتكز عليها المثال ، ممّا يتّصل بالقيمة الزائدة ، ومفهوم الربح الرأسمالي لدى ماركس ، وإنّما يهمّنا التطبيق الفلسفي لقانون (القفزة) على رأس المال فلنقطع النظر عن سائر النواحي ، ونتّجة إلى درس هذه الناحية فإنّ ماركس يذهب إلى أنّ النقد يمرّ بتغيّرات كمّية بسيطة ، تحصل بالتدريج ، حتّى إذا بلغ ربحه حدّاً معيّناً ، حصل الانقلاب النوعي والتحوّل الكيفي بصورة دفعية ، وأصبح النقد رأسمالاً وهذا الحدّ هو : ضعف معيشة العامل الاعتيادي ، بعد تحويل النصف إلى رأسمال من جديد وما لم يبلغ هذه الدرجة ، لا يوجد فيه التغيّر الكيفي الأساسي ، ولا يكون رأسمالاً
فرأس المال ـ إذن ـ لفظ يطلقه ماركس على مقدار معيّن من النقود ولكلّ
____________________
(١) ضد دوهرنك : ٢١٠
إنسان مطلق الحرّية في إطلاقاته ومصطلحاته ، فلتكن هذه التسمية صحيحة ، ولكن ليس من الصحيح ولا من المفهوم فلسفياً أن يعتبر بلوغ النقد هذا الحدّ الخاصّ تحوّلاً كيفياً له ، وقفزة من نوع إلى نوع ؛ فإنّ بلوغ النقد إلى هذا الحدّ ، لا يعني إلاّ زيادة كمّية ، ولا ينتج عنها تحوّل كيفي في النقد غير ما كان ينتج عن الزيادات الكمّية التدريجية على طول الخطّ
وإذا شئنا فلنرجع إلى المراحل السابقة من تطوّر النقد ؛ لعناصره في تغيّراته الكمّية المتتالية فلو أنّ المالك الفردي كان يملك النقد الذي يتيح له أن يجهّز سبعة عمّال بأدواتهم وأجورهم ، فماذا كان يربح على زعم ماركس ؟ إنّه كان يربح قيمة فائضة ، تعادل أجور ثلاثة عمّال ونصف ، أي ما يعادل (٢٨) ساعة من العمل في الحسابات الماركسية ، ولأجل هذا فهو ليس رأسمالياً ؛ لأنّ القيمة الفائضة إذا حوّل نصفها إلى رأس مال ، لا يبقى منها ما يضمن له معيشة عامل مضاعفة فلو افترضنا زيادة كمّية بسيطة في النقد الذي يملكه ، بحيث أصبح في إمكان المالك أن يشتري ـ مضافاً إلى ما كان يملك ـ جهود نصف يوم لعامل ، أخذ يعمل له ستّ ساعات ، ولغيره ستّ ساعات أخرى ، فهو سوف يربح من هذا العامل نصف ما يربحه من عمل كلّ واحد من العمّال السبعة الآخرين ، ومعنى هذا : أنّ ربحه سوف يعادل (٣٠) ساعة من العمل ، وأنّه سيمكّنه من معيشة أفضل ممّا سبق
وهنا نكرّر الافتراض ، فإنّ في إمكاننا أن نتصوّر المالك وهو يستطيع على إثر زيادة كمّية جديدة في نقده ، أن يشتري من العامل الثامن ثلاثة أرباع ، ولا يبقى للعامل صلة بمحلّ آخر ، إلاّ بمقدار ثلاث ساعات ، فهل نواجه عند هذا غير ما واجهناه عند حدوث التغيّر الكمّي السابق ، من زيادة كمّية في الربح ، وفي مستوى معيشة المالك ؟! فهب أنّ المالك استطاع تضخيم نقده بزيادة كمّية
جديدة ، أتاحت له أن يشتري من العامّل الثامن كلّ جهده اليومي ، فماذا سوف يحدث غير ما كان يحدث على إثر الزيادات الكمّية السابقة ، من زيادة في القيمة الفائضة ، وفي مستوى المعيشة ؟! نعم يحدث للنقد شيء واحد لم يكن قد حدث في المرّات السابقة ، شيء يتّصل بالناحية اللفظية فقط ، وهو : أنّ هذا النقد لم يكن يتفضّل عليه ماركس بإطلاق لفظ : (رأس المال) ، وأمّا الآن فيصحّ أن يُسمّى بهذا اللفظ أفهذا هو التغيّر النوعي والتحوّل الكيفي الذي يطرأ على النقد ؟! وهل كلّ امتياز هذه المرحلة من النقد عن المراحل السابقة ناحية لفظية خالصة بحيث لو كنّا نطلق لفظ : (رأس المال) على مرحلة سابقة لحدث التغيّر الكيفي في زمان أسبق ؟!
٤- الارتباط العامّ
قال ستالين :
(إنّ الديالكتيك ـ خلافاً للميتافيزية ـ لا يعتبر الطبيعة تراكماً عرضياً للأشياء ، أو حوادث بعضها منفصل عن بعض ، أو أحدهما منعزل مستقلّ عن الآخر ، بل يعتبر الطبيعة كلاً واحداً متماسكاً ، تربط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها ارتباطاً عضوياً ، ويتعلّق أحدهما بالآخر ، ويكون بعضها شرطاً لبعض بصورة متقابلة)(١)
فالطبيعة بأجزائها المتنوّعة لا يمكن أن تُدرَس على الطريقة الديالكتيكية حال فصل بعضها عن الآخر ، وتجريده عن ظروفه وشروطه ، وعمّا يرتبط بواقعه من ماضٍ وحاضر ، كما هو شأن الميتافيزيقية التي لا تنظر إلى الطبيعة باعتبارها شبكة ارتباط واتّصال ، بل نظرة تجريدية خالصة فكلّ حادثة لا يكون لها معنىً في المفهوم الديالكتي ، إذا عُزِلت عن الحوادث الأخرى المحيطة بها ، ودُرِست بصورة ميتافيزيقية تجريدية
والواقع : أنّه لو كان يكفي لإسقاط فلسفة ما إلصاق التهم بها دون مبرّر ، لكانت الاتّهامات التي تكيلها الماركسية ـ في خطّها الجديد هذا ـ للميتافيزيقية ، كافية لدحضها ، وتفنيد نظرتها الانعزالية إلى الطبيعة ، المناقضة لروح الارتباط المكين بين أجزاء الكون ولكن لتقل لنا الماركسية : مَن كان يشكّ في هذا الارتباط ؟! وأيّ ميتافيزيقية هذه التي لا تقرّه ، إذا أُفرزت منه نقاط الضعف التي
____________________
(١) المادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخية : ١٥ ـ ١٦
تمثّل الطابع الديالكتي له ، وأُقيم على أساس فلسفي متين من مبدأ العلّية وقوانينها (التي خصّصنا الجزء الثالث من هذه المسألة لدراستها) ؟!
فإنّ الحوادث في النظرة العامة للكون ، لا تعدو أحد أشكال ثلاثة :
فإمّا أن تكون مجموعة من الصدف المتراكمة ، بمعنى : أنّ كلّ حادثة توجد باتّفاق بحت دون أن تكون هناك أيّ ضرورة تدعو إلى وجودها وهذه هي النظرة الأُولى
وإمّا أن تكون أجزاء الطبيعة ضرورية ، ضرورة ذاتية ، فكلّ واحد منها يوجد بسبب من ضرورته الذاتية دون احتياج إلى شيء خارجي ، أو تأثّر به وهذه هي النظرة الثانية
وكلتا هاتين النظرتين لا تنسجمان مع مبدأ العلّية القائل : إنّ كلّ حادثة ترتبط في وجودها بأسبابها ، وشروطها الخاصّة ؛ لأنّ هذا المبدأ يرفض الصدفة والاتّفاق ، كما يرفض الضرورة الذاتية للحوادث وبالتالي يعيّن نظرة أخرى نحو العالم ، وهي النظرة التي يعتبر فيها العالم مرتبطاً ارتباطاً كاملاً طبقاً لمبدأ العلّية وقوانينها ، ويحتلّ كلّ جزء منه موضعه الخاصّ من الكون الذي تحتّمه شرائط وجوده وقافلة أسبابه وهذه هي النظرة الثالثة التي تقيم الميتافيزيقية على أساسها فهمها للعالم ولأجل ذلك كان سؤال : لماذا وجد ؟ أحد الأسئلة الأربعة(١) التي
____________________
(١) والأسئلة الأربعة هي كما يلي : ما هو ؟ وهل هو موجود ؟ وكيف هو ؟ ولماذا وجد ؟ ولأجل الإيضاح نطبّق هذه الأسئلة على إحدى الظواهر الطبيعية فلنأخذ الحرارة لمواجهة هذه الأسئلة فيها : ما هي الحرارة ؟ ونعني بهذا السؤال : محاولة شرح مفهومها الخاصّ فنجيب على ذلك ـ مثلاً ـ : أنّ الحرارة نوع من أنواع الطاقة
وهل الحرارة موجودة في الطبيعة ؟ ونجيب بالإيجاب طبعاً
يعتبر المنطق الميتافيزيقي الإحاطة العلمية بشيء ، مرهونة بمدى الجواب عليها
فهذا يعني بكلّ وضوح : أنّ الميتافيزيقية لا تقرّ مطلقاً إمكان عزل الحادثة عن محيطها وشروطها ، وتجميد السؤال عن علاقاتها بالحوادث الأخرى
فليس الاعتقاد بالارتباط العام- إذن- وقفاً على الديالكتيك ، بل هو ممّا تؤدّي إليه حتماً الأسس الفلسفية التي شيّدتها الميتافيزية في بحوث العلّية وقوانينها
وأمّا مخطّطات هذا الارتباط ، القائم بين أجزاء الطبيعة ، والكشف عن تفاصيله وأسراره ، فذلك ما توكله الميتافيزية إلى العلوم على اختلاف ألوانها ؛ فإنّ المنطق الفلسفي العام للعالم إنّما يضع الخطّ العريض ، ويقيم نظريته الارتباطية على ضوء العلّية وقوانينها الفلسفية ويبقى على العلم بعد ذلك : أن يشرح التفاصيل في الميادين التي تتّسع لها الوسائل العلمية ، ويوضّح الألوان الواقعية للارتباط ، وأسرارها ، ويضع فيها النقاط على الحروف
وإذا أردنا أن ننصف الديالكتيك والميتافيزية حقّهما معاً ، كان علينا أن
____________________
وكيف هي ، أي : ما هي ظواهرها وخواصّها ؟ وهذا ما تجيب عنه الفيزياء ، فيقال ـ مثلاً ـ بأنّ من خواصّها التسخين ، والتمديد ، والتقليص ، وتغيير بعض الصفات الطبيعية للمادّة
وأخيراً : فلماذا وجدت الحرارة ؟ ومردّ هذا السؤال إلى الاستفهام عن عوامل الحرارة وعللها ، والشروط الخارجية التي ترتبط بها ، فيجاب عنه مثلاً : أنّ الطاقة الحرارية تستوردها الأرض من الشمس ، وتنبثق عنها
وبهذا نعرف : أنّ المنطق الميتافيزي وضع مسألة ارتباط الشيء بأسبابه وظروفه في مصاف المسائل الرئيسية الأخرى التي تتناول حقيقته ووجوده وخواصّه (المؤلّف قدسسره )
يراجع : شرح المنظومة : ١ / ١٨٣ ، و ٢ / ٣٣١
نسجّل : أنّ الشيء الجديد الذي جاء به الديالكتيك الماركسي ، ليس هو نفس قانون الارتباط العام الذي سبقت إليه الميتافيزية بطريقتها الخاصّة ، والذي هو في نفس الوقت واضح لدى الجميع ، وليس موضع النقاش ، وإنّما سبقت الماركسية إلى الأغراض السياسية ، أو بالأحرى إلى التطبيقات السياسية الخاصّة لذلك القانون ، التي توفّر لها إمكان تنفيذ خططها وخرائطها فنقطة الابتكار تتّصل بالتطبيق ، لا بالقانون من حيث وجهته المنطقية والفلسفية
ولنقرأ بهذه المناسبة ما سجّله الكاتب الماركسي (أميل برنز) عن الارتباط في المفهوم الماركسي ؛ إذ كتب يقول :
(إنّ الطبيعة أو العالم ، وبضمنه المجتمع الإنساني ، لم تتكوّن من أشياء متمايزة مستقلّة تمام الاستقلال عن بعضها البعض وكلّ عالم يعرف ذلك ، ويجد صعوبة قصوى في تحديد التقديرات حتّى لأهمّ العوامل التي قد تؤثّر في الأشياء الخاصّة التي يدرسها إنّ الماء ماء ، ولكن إذا زيدت حرارته إلى درجة معيّنة ، تحوّل إلى بخار ، وإذا انخفضت حرارته ، استحال ثلجاً كما أنّ هناك عوامل أخرى تؤثّر عليه ويدرك كلّ شخص عامي أيضاً ـ إذا ما خبر الأشياء ـ أنّه لا يوجد شيء مستقلّ بذاته كلّ الاستقلال ، وأنّ كلّ شيء يتأثّر بالأشياء الأخرى)
(وقد يبدو هذا الترابط بين الأشياء بديهياً إلى درجة يظهر معها أيّ سبب لإلفات النظر إليه ، ولكنّ الحقيقة هي : أنّ الناس لا يدركون الترابط بين الأشياء دائماً ، ولا يدركون أنّ ما هو حقيقي في ظروف معيّنة ، قد لا يكون حقيقياً في ظروف أخرى ، وهم ـ دائماً ـ يطبّقون أفكاراً تكوّنت في
ظروف خاصّة على ظروف أخرى ، تختلف عنها تمام الاختلاف وخير مثل يمكن أن يضرب في هذا الصدد ، هو وجهة النظر حول حرّية الكلام إنّ حرّية الكلام بصورة عامة تخدم الديمقراطية ، وتفيد إرادة الشعب في الإعراب عن نفسها ، ولذلك فهي مفيدة لتطوّر المجتمع ، ولكن حرية الكلام للفاشية (المبدأ الأوّل الذي يحاول قمع الديموقراطية) ، أمر يختلف كلّ الاختلاف ؛ إذ إنّه يوقف تطوّر المجتمع ومهما تكرّر النداء بحرّية الكلام ، فإنّ ما يصحّ عنه في الظروف الاعتيادية بالنسبة للأحزاب التي تهدف إلى الديموقراطية ، لا يصحّ بالنسبة للأحزاب الفاشية)(١)
هذا النصّ الماركسي يعترف بأنّ الارتباط العام مفهوم لكلّ عالم ، بل كلّ عامي خبر الأشياء ـ على حدّ تعبير (أميل برنز) ـ وليس شيئاً جديداً في الفهم البشري العام وإنّما الجديد الذي استهدفته الماركسية بذلك ؛ نظراً إلى مدى الارتباط الوثيق بين مسألة حرّية الكلام والمسائل الأخرى التي تدخل في حسابها ، ونظير ذلك عدّة تطبيقات أخرى من هذا القبيل ، يمكننا أن نجدها في جملة من النصوص الماركسية الأخرى ، فأين الكشف المنطقي الجبّار للديالكتيك ؟!
نقطتان حول الارتباط العامّ :
ومن الضروري أن نشير في سياق الحديث عن نظرية الارتباط العام في الميتافيزية إلى نقطتين مهمّتين :
____________________
(١) ما هي الماركسية ؟ : ٧٥ ـ ٧٦
النقطة الأُولى : أنّ ارتباط كلّ جزء من أجزاء الطبيعة والكون بما يتّصل به من أسباب وشرائط وظروف ـ في المفهوم الميتافيزيقي ـ لا يعني عدم إمكان ملاحظته بصورة مستقلّة ، ووضع تعريف خاصّ به ، ولذلك كان التعريف أحد المواضيع التي يبحثها المنطق الميتافيزيقي وأكبر الظنّ أنّ ذلك هو الذي بعث الماركسية إلى اتّهام الميتافيزيقيا بأنّها لا تؤمن بالارتباط العام ، ولا تدرس الكون على ذلك الأساس ؛ إذ وجدت الميتافيزيقي يأخذ الشيء الواحد ، فيحاول تحديده وتعريفه بصورة مستقلّة عن سائر الأشياء الأخرى ، فخيّل لها بسبب ذلك أنّه لا يقرّ بوجود الارتباط بين الأشياء ، ولا يتناولها بالدرس إلاّ في حالّ عزل بعضها عن الآخر فكأنّه حين عرّف الإنسانية بأنّها : حياة وفكر ، وعرّف الحيوانية ، بأنّها : حياة وإرادة ، قد عزل الإنسانية أو الحيوانية عن ظروفهما وملابستهما ، ونظر إليهما نظرة مستقلّة
ولكن الواقع : أنّ التعريفات التي درج المنطق الميتافيزي على إعطائها لكلّ شيء بصورة خاصّة ، لا تتنافى مطلقاً مع المبدأ القائل بالارتباط العام بين الأشياء ، ولا يقصد منه التفكيك بين الأشياء ، والاكتفاء من دراستها بإعطاء تلك التعريفات الخاصّة لها فنحن حين نعرّف الإنسانية بأنّها : حياة وفكر ، لا نرمي من وراء ذلك إلى إنكار ارتباط الإنسانية بالعوامل والأسباب الخارجية ، وإنّما نقصد بالتعريف : أن نعطي فكرة للشيء الذي يرتبط بتلك العوامل والأسباب ؛ ليتاح لنا أن نبحث عمّا يتّصل به من عوامل وأسباب وحتّى الماركسية نفسها تتّخذ التعريف أسلوباً لتحقيق هذا الهدف نفسه ، فهي تعرّف الديالكتيك ، وتعرّف المادّة فقد عرّف لينين الديالكتيك بأنّه :
(علم القوانين العامّة للحركة)(١)
____________________
(١) ماركس ، أنجلز والماركسية : ٢٤
وعرّف المادّة بأنّها :
(هي الواقع الموضوعي المعطى لنا في الإحساس)(١)
أفيكون من مفهوم هذه التعاريف أنّ لينين فصل الديالكتيك عن سائر أجزاء المعرفة البشرية من العلوم ، ولم يعتقد باتّصالها به ؟! وأنّه نظر إلى المادّة بصورة تجريدية ، ودرسها متغاضياً عمّا فيها من ارتباطات وتفاعلات ؟! كلاّ ؛ فإنّ التعريف لا يعني في كثير أو قليل ، تخطّي الارتباط القائم بين الأشياء وإهماله ، وإنّما يحدّد لنا المفهوم الذي نحاول الكشف عن روابطه وعلاقاته المتنوّعة ؛ ليسهل علينا التحدّث عن تلك الروابط والعلاقات ودرسها
النقطة الثانية : أنّ الارتباط بين أجزاء الطبيعة لا يمكن أن يكون دورياً ونقصد بذلك : أنّ الحادثتين المرتبطتين ـ كالسخونة والحرارة ـ لا يمكن أن تكون كلّ منهما شرطاً لوجود الحادثة الأخرى فالحرارة لمّا كانت شرطاً لوجود الغليان ، فلا يمكن أن يكون الغليان شرطاً لوجود الحرارة أيضاً(٢)
فلكلّ جزء من الطبيعة ـ في سجلّ الارتباط العامّ ـ درجته الخاصّة التي تحدّد له ما يتّصل به من شرائط تؤثّر في وجوده ، ومن ظواهر يؤثّر هو في
____________________
(١) ما هي المادّية ؟ : ٣٩
(٢) ولا يمكن أن يؤخذ التفاعل بين الأضداد الخارجية دليلاً على إمكان ذلك ؛ لأنّ التفاعل بين الأضداد الخارجية لا يعني أنّ كلّ واحد منها شرط لوجود الآخر وسبب له ، بل مردّه في الحقيقة إلى اكتساب كلّ ضد صفة من الآخر لم تكن موجودة عنده ، فالشحنة السالبة والموجبة تتفاعلان ، لا بمعنى أنّ كلاًّ من الشحنتين وجدت بسبب الشحنة الأُخرى ، بل بمعنى : أنّ الشحنة السالبة ولّدت حالة انجذاب خاصّ في الشحنة الموجبة ، وكذلك العكس (المؤلّف قدسسره )
وجودها وأمّا أن يكون كلّ من الجزءين أو الحادثين سبباً لوجود الآخر ، ومديناً له بوجوده في نفس الوقت ، فذلك يجعل الارتباط السببي دائرياً يرجع من حيث بدأ وهو غير معقول
وأخيراً ، فلنقف لحظة عند (أنجلز) وهو يتحدّث عن الارتباط العامّ ، وتضافر البراهين العلمية عليه قائلاً :
(على أنّ ثمّة اكتشافات ثلاثة بوجه خاصّ قد تقدّمت بخطوات العمالقة بمعرفتنا ، لترابط العمليات التطوّرية الطبيعية
أوّلاً : اكتشاف الخلية ، بصفتها الوحدة التي تنمو منها العضوية النباتية والحيوانية كلّها بطريق التكاثر والتمايز ، بحيث لم نعرف بأنّ تطوّر سائر العضويات العليا ونحوها ، يتتابعان وفق قانون عام فحسب ، بل إنّ قدرة الخلية كذلك على التحوّل ، تبيّن الطريق الذي تستطيع العضويات بمقتضاه أن تغيّر أنواعها ، فتجتاز بذلك تطوّراً أكثر من أن يكون فردياً
ثانياً : اكتشاف تحوّل الطاقة الذي يبيّن أنّ سائر القوى المؤثّرة ـ أوّلاً ـ في الطبيعة غير العضوية يبيّن لنا أنّ هذه القوى بمجموعها هي ظواهر مختلفة للحركة الكلّية ، تمرّ كلّ منها إلى الأخرى بنسب كمّية معيّنة
وأخيراً : البرهان الشامل الذي كان (داروين) أوّل من جاء به ، والذي ينصّ على أنّ جملة ما يحيط بنا في الوقت الحاضر من منتجات الطبيعة ـ بما في ذلك البشر ـ إن هي إلاّ
نتائج عملية طويلة من التطوّر)(١)
والواقع : أنّ الاكتشاف الأوّل هو من الكشوف العلمية التي انتصرت فيها الميتافيزيقا ؛ لأنّه برهن على أنّ مبدأ الحياة هو الخلية الحيّة (البروتوبلاسم) ، فأزاح بذلك الوهم القائل بإمكان قيام الحياة في أيّ مادّة عضوية تتوفّر فيها عوامل مادّية خاصة ، ووضع حدّاً فاصلاً بين الكائنات الحيّة وغيرها ؛ نظراً إلى أنّ جرثومة الحياة الخاصّة ، وهي وحدها التي تحمل سرّها العظيم فاكتشاف الخلية الحية في نفس الوقت الذي دلّنا على أصل واحد للأجسام الحيّة ، دلّنا ـ أيضاً ـ على مدى البون بين الكائن الحيّ وغيره
وأمّا الاكتشاف الثاني فهو الآخر ـ أيضاً ـ يُعدّ ظفراً عظيماً للميتافيزيقا ؛ لأنّه يثبت بطريقة علمية : أنّ جميع الأشكال التي تتّخذها الطاقة ـ بما فيها الصفة المادّية ـ هي صفات وخصائص عرضية ، فتكون بحاجة إلى سبب خارجي ، كما سنوضّح ذلك في الجزء الرابع من هذه المسألة أضف إلى ذلك : أنّ الاكتشاف المذكور يتعارض مع قوانين الديالكتيك ؛ لأنّه يفترض للطاقة كمّية محدودة ثابتة لا تخضع للحركة الديالكتيكية ، التي يزعم الجدل الماركسي صدقها على جميع جوانب الطبيعة وظواهرها ، وإذا أثبت العلم استثناء جانب في الطبيعة من قوانين الديالكتيك ، فقد زالت ضرورته وصفته القطعية
وأمّا نظرية (داروين) عن تطوّر الأنواع وخروج بعضها من بعض ، فهي لا تتّفق ـ أيضاً ـ مع قوانين الديالكتيك ، ولا يمكن أن تُتّخذ سنداً علمياً للطريقة الديالكتيكية في تفسير الأحداث ؛ فإنّ داروين وبعض المساهمين معه في بناء النظرية وتعديلها ، يفسّرون تطوّر نوع إلى نوع آخر على أساس ما يظفر به بعض
____________________
(١) لودفيج فيورباخ : ٨٨
أفراد النوع القديم من ميزات وخصائص عن طريق صدفة ميكانيكية أو أسباب خارجية محدّدة ، كالبيئة والمحيط ، وكلّ ميزة يحصل عليها الفرد تظلّ ثابتة فيه ، وتنتقل بالوراثة إلى أبنائه ، وبذلك ينشأ جيل قوي بفضل هذه الميزات المكتسبة وفي خضمّ الصراع في سبيل القوت والبقاء بين الأقوياء من هذا الجيل ، وبين الضعاف من أفراد النوع الذين لم يظفروا بمثل تلك الميزات ، يعمل قانون تنازع البقاء عمله ، فيفنى الضعيف ويبقى الأفراد الأقوياء ، وتتجمّع المزايا عن طريق توريث كلّ جيل مزاياه التي حصل عليها بسبب ظروفه وبيئته التي عاشها للجيل الذي يتلوه ، وهكذا حتّى ينشأ نوع جديد يتمتّع بمجموع المزايا التي اكتسبها أسلافه على مرّ الزمن
ونحن نستطيع أن ندرك بوضوح مدى التناقض بين نظرية داروين هذه ، وبين الطريقة الديالكتيكية العامة
فهناك الطابع الميكانيكي للنظرية يبدو بوضوح من خلال تفسير داروين لتطوّر الحيوان بأسباب خارجية ، فالميزات والفروق الفردية التي يحصل عليها الجيل القوي من أفراد النوع ليست نتيجة لعملية تطوّرية ولا ثمرة لتناقض داخلي ، وإنّما هي وليدة مصادفة ميكانيكية أو عوامل خارجية من البيئة والمحيط ، فالظروف الموضوعية التي عاشها الأفراد الأقوياء هي التي أمّدتهم بعناصر قوّتهم وميّزتهم عن الآخرين لا الصراع الداخلي في الأعماق كما يفترض الديالكتيك
كما أنّ الميزة التي يحصل عليها الفرد بطريقة ميكانيكية-أي : بأسباب خارجية من الظروف التي يعيشها- لا تتطوّر بحركة ديناميكية وتنمو بتناقض داخلي حتّى تُحوّل الحيوان إلى نوع جديد ، وإنّما تظلّ ثابتة ، وتنتقل بالوراثة دون أن تتطوّر ، وتبقى بشكل تغيّر بسيط ساكن ، ثمّ تضاف إلى الميزة السابقة ميزة أخرى تتولّد هي الأخرى ـ أيضاً ـ ميكانيكياً بسبب الظروف الموضوعية ،
فيحصل تغيّر بسيط آخر ، وهكذا تتولّد الميزات بطريقة ميكانيكية ، وتواصل وجودها في الأبناء عن طريق الوراثة وهي ساكنة ثابتة ، وحين تتجمّع يتكوّن منها أخيراً الشكل الأرقى للنوع الجديد.
وهناك- أيضاً- فرق كبير بين قانون تنازع البقاء في نظرية داروين ، وفكرة الصراع بين الأضداد في الديالكتيك ؛ فإنّ فكرة الصراع بين الأضداد عند الديالكتيكيين تعبّر عن صراع بين ضدّين يسفر في النهاية عن توحّدهما في مركّب أعلى وفقاً لثالوث الاُطروحة والطباق والتركيب ففي صراع الطبقات ـ مثلاً ـ تشبّ المعركة بين الضدّين في المحتوى الداخلي للمجتمع ، وهما الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة ، وينتهي الصراع بامتصاص الطبقة العاملة للطبقة الرأسمالية ، وتوحّد الطبقتين معاً في مجتمع لا طبقي ، كلّ أفراده يملكون ويعملون
وأمّا تنازع البقاء والصراع بين القوي والضعيف في نظرية داروين ، فهو ليس صراعاً ديالكتيكياً ؛ لأنّه لا يسفر عن توحّد الأضداد في مركّب أرقى ، وإنّما يؤدّي إلى إفناء أحد الضدّين والاحتفاظ بالآخر ، فهو يزيل الضعاف من أفراد النوع إزالة نهائية ويبقى الأقوياء ، ولا ينتج مركّباً جديداً يتوحّد فيه الضعفاء والأقوياء ، الضدّان المتصارعان كما يفترض الديالكتيك في ثالوث الأُطروحة والطباق والتركيب
وإذا طرحنا فكرة تنازع البقاء أو قانون الانتخاب الطبيعي بوصفها تفسيراً لتطوّر الأنواع ، واستبدلناها بفكرة الصراع بين الحيوان والبيئة الذي يكيّف الجهاز العضوي وفقاً لشروط البيئة ، وقلنا : إنّ الصراع بين الحيوان والبيئة ـ بدلاً عن الصراع بين القوي والضعيف ـ هو رصيد التطوّر كما قرّره (روجيه غارودي)(١) ، أقول : إذا طوّرنا النظرية وفسَّرنا تطوّر الأنواع في ضوء الصراع بين البيئة
____________________
(١) الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم : ٤٣
والحيوان ، فسوف لن نصل إلى نتيجة ديالكتيكية أيضاً ؛ لأنّ الصراع بين البيئة والجهاز العضوي لا يسفر عن التحامهما وتوحّدهما في مركّب أرقى ، وإنّما تظلّ الأُطروحة والطباق دون تركيب فالضدّان المتصارعان هنا ـ البيئة والحيوان ـ وإن كانا موجودين معاً في نهاية المعركة ، ولا يضمحلّ أحدهما خلال الصراع ، ولكنّهما لا يتوحّدان في مركّب جديد كما تتوحّد الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في مركّب اجتماعي جديد
وأخيراً ، فأين الدفعية ؟ وأين التكامل في التطوّر البيولوجي عند داروين ؟ فإنّ الديالكتيك يؤمن بأنّ التحوّلات الكيفية تحصل بصورة دفعية خلافاً للتغيّرات الكمّية التي تنمو ببطء ، كما أنّه يؤمن أنّ الحركة في اتّجاه متكامل وصاعد دائماً ، ونظرية داروين أو فكرة التطوّر البيولوجي تبرهن على إمكان العكس تماماً ، فقد بيّن علماء البيولوجيا : بأنّ في الطبيعة الحيّة حالات انتقال تدريجية ، كما أنّ فيها حالات انتقال بشكل قفزات مفاجئة(١) كما أنّ التفاعل الذي يحدّده داروين بين الكائن الحيّ والطبيعة ليس من الضروري فيه أن يضمن تكامل الكائن المتطوّر ، بل قد يفقد بسبب ذلك شيئاً ممّا كان قد حصل عليه من الكمال طبقاً للقوانين التي يحدّدها في نظريّته للتفاعل بين الحياة والطبيعة ، كالحيوانات التي اضطرّت منذ أبعد الآماد إلى العيش في الكهوف وترك حياة النور ، ففقدت بصرها في رأي داروين بسبب تفاعلها بمحيطها الخاصّ ، وعدم استعمالها لعضو الإبصار في مجالاتها المعيشية ، وبذلك أدّى التطوّر في التركيب العضوي إلى الانحطاط ، خلافاً للماركسية التي تعتقد أنّ العمليات التطوّرية المترابطة في الطبيعة المنبثقة عن تناقضات داخلية تستهدف التكامل دائماً ؛ لأنّها عمليات تقدّمية صاعدة
____________________
(١) الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم : ٤٤
المفهوم الفلسفي للعالم / ٣
مبدأ العلّيّة
القضايا المبتنية على مبدأ العلّيّة
لماذا تحتاج الأشياء إلى علّة ؟
التعاصر بين العلّة والمعلول
إنّ من أوّليات ما يدركه البشر في حياته الاعتيادية ، (مبدأ العلّية) القائل : إنّ لكلّ شيء سبباً وهو من المبادئ العقلية الضرورية(١) ؛ لأنّ الإنسان يجد في صميم طبيعته الباعث الذي يبعثه إلى محاولة تعليل ما يجد من أشياء ، وتبرير وجودها باستكشاف أسبابها وهذا الباعث موجود بصورة فطرية في الطبيعة الإنسانية ، بل قد يوجد عند عدّة أنواع من الحيوان أيضاً ، فهو يلتفت إلى مصدر الحركة غريزياً ؛ ليعرف سببها ، ويفحص عن منشأ الصوت ؛ ليدرك علّته وهكذا يواجه الإنسان ـ دائماً ـ سؤال : لماذا ؟ مقابل كلّ وجود وظاهرة يحسّ بهما ، حتّى إنّه إذا لم يجد سبباً معيّناً ، اعتقد بوجود سبب مجهول انبثق عنه الحادث
____________________
(١) أشرنا سابقاً إلى أنّ السيّد المؤلّفقدسسره توصّل في كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) إلى إمكان الاستدلال على قوانين العلّيّة بالطريقة الاستقرائيّة في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة ، حتّى لو استبعدنا العلم العقلي القبلي بها راجع مناقشتهرحمهالله للاتّجاه الأوّل من اتّجاهات المذهب التجريبي في الكتاب المذكور (لجنة التحقيق )
[ القضايا المبتنية على مبدأ العلّيّة ]
وعلى أساس مبدأ العلّية يتوقّف :
أوّلاً : إثبات الواقع الموضوعي للإحساس
ثانياً : كلّ النظريات ، أو القوانين العلمية المستندة إلى التجربة
ثالثاً : جواز الاستدلال وإنتاجه في أيّ ميدان من الميادين الفلسفية أو العلمية
فلولا مبدأ العلّية وقوانينها ، لما أمكن إثبات موضوعية الإحساس ، ولا شيء من نظريات العلم وقوانينه ، ولما صحّ الاستدلال بأيّ دليل كان في مختلف مجالات المعرفة البشرية(١) وفيما يلي توضيح ذلك :
[ ١- ] العلّية وموضوعية الإحساس :
سبق أن أوضحنا في نظرية المعرفة : أنّ الحسّ لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان التصوّر فهو وجود لصورة الشيء المحسوس في مدارك الحسّ ، ولا يملك صفة الكشف التصديقي عن واقع خارجي ، ولذلك قد يحسّ الإنسان بأشياء في حالات مرضية ولا يصدّق بوجودها فالإحساس ـ إذن ـ ليس سبباً كافياً للتصديق أو الحكم ، أو العلم بالواقع الموضوعي
____________________ــ
(١) قلنا سابقاً : إنّهرحمهالله انتهى إلى إمكان تفسير الجزء الأكبر من المعارف البشريّة على أساس الدليل الاستقرائي في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة ، وقد جاء تفصيل ذلك في القسم الرابع من كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) فراجع(لجنة التحقيق)
ولكن المسألة التي تواجهنا حينئذٍ ، هي : أنّ الإحساس إذا لم يكن بذاته دليلاً على وجود المحسوس خارج حدود الشعور والإدراك ، فكيف نصدّق ـ إذن ـ بالواقع الموضوعي ؟
والجواب جاهز على ضوء دراستنا لنظرية المعرفة ، وهو : أنّ التصديق بوجود واقع موضوعي للعالم تصديق ضروري أوّلي ، فهو لأجل ذلك لا يحتاج إلى دليل ، ولكن هذا التصديق الضروري إنّما يعني وجود واقع خارجي للعالم على سبيل الإجمال وأمّا الواقع الموضوعي لكلّ إحساس ، فهو ليس معلوماً علماً ضرورياً وإذن فنحتاج إلى دليل لإثبات موضوعية كلّ إحساس بصورة خاصّة ، وهذا الدليل هو : مبدأ العلّية وقوانينها ؛ ذلك أنّ حدوث صورة لشيء معيّن في ظروف وشروط معيّنة ، يكشف عن وجود علّة خارجية له ، تطبيقاً لذلك المبدأ فلولا هذا المبدأ لما كشف الإحساس ، أو وجود الشيء في الحسّ عن وجوده في مجال آخر ولأجل هذا السبب قد يحسّ الإنسان بأشياء ، أو يُخيّل له أنّه يبصرها في حالات مرضية خاصّة ، ولا يستكشف من ذلك واقعاً موضوعياً لتلك الأشياء ؛ حيث إنّ تطبيق مبدأ العلّية لا يدلّل على وجود هذا الواقع ما دام يمكن تعليل الإحساس بالحالة المرضية الخاصّة ، وإنّما يثبت الواقع الموضوعي للحسّ فيما إذا لم يكن له تفسير على ضوء مبدأ العلّية ، إلاّ بواقع موضوعي ينشأ الإحساس منه
ويستنتج من ذلك القضايا الثلاث الآتية :
الأُولى : أنّ الإحساس وحده لا يكشف عن وجود واقع موضوعي ؛ لأنّه تصوّر ، وليس من وظائف التصوّر ـ بمختلف ألوانه ـ الكشف التصديقي
الثانية : أنّ العلم بوجود واقع للعالم على سبيل الإجمال ، حكم ضروري
أوّلي لا يحتاج إلى دليل ، أي : إلى علم سابق وهو النقطة الفاصلة بين المثالية والواقعية
الثالثة : أنّ العلم بوجود واقع موضوعي لهذا الحسّ أو ذاك ، إنّما يكتسب على ضوء مبدأ العلّية
[ ٢- ] العلّية والنظريات العلمية :
إنّ النظريات العلمية في مختلف ميادين التجربة والمشاهدة ، تتوقّف بصورة عامّة على مبدأ العلّية وقوانينها توقّفاً أساسياً وإذا سقطت العلّية ونظامها الخاصّ من حساب الكون ، يصبح من المتعذّر تماماً تكوين نظرية علمية في أيّ حقل من الحقول وليتّضح هذا نجد من الضروري أن نشير إلى عدّة قوانين من المجموعة الفلسفية للعلّية التي يرتكز عليها العلم ، وهي كما يلي :
أ ـ مبدأ العلّية القائل : إنّ لكلّ حادثة سبباً
ب ـ قانون الحتمية القائل : إنّ كلّ سبب يولّد النتيجة الطبيعية له بصورة ضرورية ، ولا يمكن للنتائج أن تنفصل عن أسبابها
ج ـ قانون التناسب بين الأسباب والنتائج ، القائل : إنّ كلّ مجموعة متّفقة في حقيقتها من مجاميع الطبيعة ، يلزم أن تتّفق ـ أيضاً ـ في الأسباب والنتائج
فعلى ضوء مبدأ العلّية نعرف ـ مثلاً ـ أنّ الإشعاع الذي ينبثق عن ذرّة الراديوم له سبب ، وهو : الانقسام الداخلي في محتوى الذرّة وعلى ضوء قانون الحتمية ، نستكشف أنّ هذا الانقسام عند استكمال الشروط اللازمة ، يولّد الإشعاع الخاصّ بصورة حتمية ، وليس من الممكن الفصل بينهما وعلى أساس قانون التناسب نستطيع أن نعمّم ظاهرة الإشعاع ، وتفسيرها الخاصّ لجميع ذرّات
الراديوم ، فنقول : ما دامت جميع ذرّات هذا العنصر متّفقة في الحقيقة ، فيجب أن تتّفق في أسبابها ونتائجها ، فإذا كشفت التجربة العلمية عن إشعاع في بعض ذرّات الراديوم ، أمكن القول باعتباره ظاهرة عامة لسائر الذرّات المماثلة في الظروف المشخّصة الواحدة
ومن الواضح : أنّ القانونين الأخيرين : الحتمية والتناسب ، منبثقان عن مبدأ العلّية ، فلو لم تكن في الكون علّية بين بعض الأشياء وبعض ، وكانت الأشياء تحدث صدفة واتّفاقاً ، لم يكن من الحتمي أن يوجد الإشعاع بدرجة معيّنة حين تكون هناك ذرّة راديوم ، ولم يكن من الضروري ـ أيضاً ـ أن تشترك جميع ذرّات العنصر في ظواهر إشعاعية معيّنة ، بل يصبح من الجائز أن يكون الإشعاع في ذرّة دون أخرى ، لا لشيء إلاّ للصدفة والاتّفاق ، ما دام مبدأ العلّية خارجاً عن حساب الكون فمردّ الحتمية والتناسب معاً إلى مبدأ العلّية
ولنعد الآن ـ بعد أن عرفنا الفقرات الرئيسية الثلاث : العلّية ، والحتمية ، والتناسب ـ إلى العلوم والنظريات العلمية ، فإنّنا سوف نجد بكلّ وضوح : أنّ جميع النظريات والقوانين التي تزخر بها العلوم ، مرتكزة في الحقيقة على أساس تلك الفقرات الرئيسية ، وقائمة على مبدأ العلّية وقوانينها فلو لم يؤخذ هذا المبدأ كحقيقة فلسفية ثابتة ، لما أمكن أن تقام نظرية ، ويشاد قانون علمي له صفة العموم والشمول ؛ ذلك أنّ التجربة التي يقوم بها العالم الطبيعي في مختبره ، لا يمكن أن تستوعب جميع جزئيات الطبيعة ، وإنّما تتناول عدّة جزئيات محدودة متّفقة في حقيقتها ، فتكشف عن اشتراكها في ظاهرة معيّنة ، وحيث يتأكّد العالم من صحّة التجربة ودقّتها وموضوعيتها ، يضع فوراً نظريته أو قانونه العام الشامل لجميع ما يماثل موضوع تجربته من أجزاء الطبيعة وهذا التعميم الذي هو شرط أساسي
لإقامة علم طبيعي ، لا مبرّر له إلاّ قوانين العلّية بصورة عامّة ، وقانون التناسب منها بصورة خاصّة ، القائل : إنّ كلّ مجموعة متّفقة في حقيقتها ، يجب أن تتّفق ـ أيضاً ـ في العلل والآثار ، فلو لم تكن في الكون علل وآثار ، وكانت الأشياء تجري على حسب الاتّفاق البحت ، لما أمكن للعالم الطبيعي القول : إنّ ما صحّ في مختبره الخاصّ ، يصحّ على كلّ جزء من الطبيعة على الإطلاق
ولنأخذ لذلك مثالاً بسيطاً ، مثال العالم الطبيعي الذي أثبت بالتجربة أنّ الأجسام تتمدّد حال حرارتها ، فإنّه لم يحط بتجاربه جميع الأجسام التي يحتويها الكون طبعاً ، وإنّما أجرى تجاربه على عدّة أجسام متنوّعة ، كعجلات العربة الخشبية التي توضع عليها إطارات حديدية أصغر منها ، حال سخونتها ، فتنكمش الإطارات إذا بردت وتشتدّ على الخشب ، ولنفرض أنّه كرّر التجربة عدّة مرّات على أجسام أخرى ، فلن ينجو في نهاية المطاف التجريبي عن مواجهة هذا السؤال : ما دمتَ لم تستقصِ جميع الجزئيات ، فكيف يمكنك أن تؤمن بأنّ إطارات جديدة أخرى غير التي جرّبتها ، تتمدّد هي الأخرى ـ أيضاً ـ بالحرارة
والجواب الوحيد على هذا السؤال هو : مبدأ العلّية وقوانينها فالعقل حيث إنّه لا يقبل الصدفة والاتّفاق ، وإنّما يفسّر الكون بالعلّية وقوانينها من الحتمية والتناسب ، يجد في التجارب المحدودة الكفاية للإيمان بالنظرية العامة القائلة بتمدّد الأجسام بالحرارة ؛ لأنّ هذا التمدّد الذي كشفت عنه التجربة لم يكن صدفة ، وإنّما كان حصيلة الحرارة ومعلولاً لها ، وحيث إنّ قانون التناسب في العلّية ينصّ على أنّ المجموعة الواحدة من الطبيعة تتّفق في أسبابها ونتائجها وعللها وآثارها ، فلا غرو أن تحصل كلّ المبرّرات ـ حينئذٍ ـ للتأكيد على شمول ظاهرة التمدّد لسائر الأجسام
وهكذا نعرف أنّ وضع النظرية العامّة لم يكن ميسوراً دون الانطلاق من
مبدأ العلّية فمبدأ العلّية هو الأساس الأوّل لجميع العلوم والنظريات التجريبية(١)
وبتلخيص : أنّ النظريات التجريبية لا تكتسب صفة علمية ما لم تعمّم لمجالات أوسع من حدود التجربة الخاصّة ، وتقدّم كحقيقة عامّة ولا يمكن تقديمها كذلك إلاّ على ضوء مبدأ العلّية وقوانينها ، فلابدّ للعلوم عامّة أن تعتبر مبدأ العلّية وما إليها من قانوني الحتمية والتناسب ، مسلّمات أساسية ، وتسلم بها بصورة سابقة على جميع نظريّاتها وقوانينها التجريبية
[ ٣- ] العلّية والاستدلال :
مبدأ العلّية هو الركيزة التي تتوقّف عليها جميع محاولات الاستدلال في كلّ مجالات التفكير الإنساني ؛ لأنّ الاستدلال بدليل على شيء من الأشياء ، يعني : أنّ الدليل إذا كان صحيحاً ، فهو سبب للعلم بالشيء المستدلّ عليه فحين نبرهن على حقيقة من الحقائق بتجربة علمية ، أو بقانون فلسفي ، أو بإحساس بسيط ، إنّما نحاول بذلك أن يكون البرهان علّة للعلم بتلك الحقيقة فلولا مبدأ العلّية والحتمية ، لما أُتيح لنا ذلك ؛ لأنّنا إذا طرحنا قوانين العلّية من الحساب ، ولم نؤمن بضرورة وجود أسباب معيّنة لكلّ حادث ، لم تبقَ صلة بعد ذلك بين الدليل الذي نستند إليه ، والحقيقة التي نحاول اكتسابها بسببه ، بل يصبح من الجائز أن يكون الدليل
____________________
(١) ولكنّهرحمهالله جدّد النظر حول مشكلة التعميمات الاستقرائيّة في كتابه (الأسس المنطقيّة للاستقراء) وأثبت عجز المذهب العقلي للمعرفة ـ بما فيه من مبدأ العلّيّة وقوانينها ـ عن حلّ تلك المشكلة ، كما أنّ المذهب التجريبي للمعرفة عاجز عن ذلك أيضاً ، وانتهى إلى أنّ الحلّ الوحيد لمشكلة التعميمات الاستقرائيّة يتمّ في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة ، من دون حاجة إلى الإيمان المسبق بمبدأ العلّيّة وقوانينها(لجنة التحقيق)
صحيحاً ولا ينتج النتيجة المطلوبة ما دامت قد انفصمت علاقة العلّية بين الأدلة والنتائج ، بين الأسباب والآثار
وهكذا يتّضح : أنّ كلّ محاولة للاستدلال تتوقّف على الإيمان بمبدأ العلّية ، وإلاّ كانت عبثاً غير مثمر(١) وحتّى الاستدلال على ردّ مبدأ العلّية الذي يحاوله
____________________
(١) حاصل الكلام : أنّ من يحاول الاستدلال على قضيّة من القضايا لا بدّ له أن يكون على قناعة مسبقة بأنّه لو تمّ له الدليل لحصل له العلم بالنتيجة ، وإلاّ لما أقحم نفسه في متاعب الاستدلال ، وهذه القناعة إنّما تحصل على أساس الإيمان بسببيّة العلم بالدليل للعلم بالنتيجة ، كي يتسنّى له الانتقال من العلم بالدليل إلى العلم بالنتيجة ولمّا كانت هذه السببيّة مشتملةً على كبرى وصغرى كان عليه أن يؤمن مسبقاً بكبرى سببيّة كلّ علمٍ بالدليل للعلم بالنتيجة ، ثمّ يستلهم الصغرى من خلال الاستدلال في كلّ قضيّةٍ من القضايا وهذا واضح في ضوء المذهب العقلي للمعرفة الذي يرى أنّ الطريقة الوحيدة لنموّ المعارف البشريّة عبارة عن طريقة التوالد الموضوعي التي تكون النتيجة فيها مستبطنةً في المقدّمات ، كما هو كذلك في الأدلّة التي يكون السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ
وأمّا في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة الذي يؤمن بوجود طريقة أخرى لنموّ المعارف البشريّة ، وهي طريقة التوالد الذاتي التي تعني نشوء معرفة جديدة من معارف أخرى قبليّة من دون ضرورة كون النتيجة مستبطنةً في المقدّمات ، كما هو كذلك ـ حسب رأي هذا المذهب ـ في الأدلّة الاستقرائيّة التي يكون السير الفكري فيها من الخاصّ إلى العامّ ، فليس من الضروري أن نؤمن مسبقاً بكبرى سببيّة العلم بالدليل للعلم بالنتيجة ، إذ يمكن التوصّل ـ في رأي هذا المذهب ـ إلى عموم سببيّة العلم بالدليل للعلم بالنتيجة من خلال استقراء عددٍ من الأدلّة الخاصّة التي نشعر فيها وجداناً بالعلم بالنتيجة ، فبدلاً عن الإيمان المسبق بعموم سببيّة العلم بالدليل للعلم بالنتيجة ، ثمّ الانتقال منه إلى الأدلّة الخاصّة بوصفها مصاديق وصغريات لذلك العامّ ، يمكن ـ في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة ـ أن
بعض الفلاسفة أو العلماء ، يرتكز على مبدأ العلّية أيضاً ؛ لأنّ هؤلاء الذين يحاولون إنكار هذا المبدأ ، والاستناد في ذلك إلى دليل ، لم يكونوا يقومون بهذه المحاولة لو لم يؤمنوا بأنّ الدليل الذي يستندون إليه ، سبب كافٍ للعلم ببطلان مبدأ العلّية وهذا بنفسه تطبيق حرفي لهذا المبدأ
الميكانيكية والديناميكية :
يترتّب على ما سبق النتائج التالية :
أ- أنّ مبدأ العلّية لا يمكن إثباته والتدليل عليه بالحسّ ؛ لأنّ الحسّ لا يكتسب صفة موضوعية إلاّ على ضوء هذا المبدأ فنحن نثبت الواقع الموضوعي لأحاسيسنا استناداً إلى مبدأ العلّية ، فليس من المعقول أن يكون هذا المبدأ مديناً للحسّ في ثبوته ، ومرتكزاً عليه ، بل هو مبدأ عقلي يصدق به الإنسان ، بصورة مستغنية عن الحسّ الخارجي
ب- أنّ مبدأ العلّية ليس نظرية علمية تجريبية ، وإنّما هو : قانون فلسفي عقلي فوق التجربة ؛ لأنّ جميع النظريات العلمية تتوقّف عليه ويبدو هذا واضحاً كلّ الوضوح بعد أن عرفنا أنّ كلّ استنتاج علمي قائم على التجربة يواجه مشكلة العموم والشمول ، وهي : أنّ التجربة التي يرتكز عليها الاستنتاج محدودة ، فكيف تكون بمجرّدها دليلاً على نظرية عامّة ؟! وعرفنا ـ أيضاً ـ أنّ الحلّ الوحيد لهذه
____________________
نعكس الأمر ، فنعمد إلى استقراء عدد من المصاديق الخاصّة للدليل التي نشعر فيها وجداناً بالعلم بالنتيجة لننتقل منها إلى الإيمان بعموم سببيّة العلم بالدليل للعلم بالنتيجة وهذا يعني عدم الحاجة إلى الإيمان المسبق بهذه الكبرى في مجال الاستدلال(لجنة التحقيق)
المشكلة ، إنّما هو : مبدأ العلّية(١) ، باعتباره دليلاً على تعميم الاستنتاج وشموله فلو افترضنا أنّ مبدأ العلّية نفسه مرتكز على التجربة ، فمن الضروري أن نواجه مشكلة العموم والشمول مرّة أخرى ؛ نظراً إلى أنّ التجربة ليست مستوعِبة للكون ، فكيف تعتبر دليلاً على نظرية عامّة ؟! وقد كنّا نحلّ هذه المشكلة ـ حين نواجهها في مختلف النظريات العلمية ـ بالاستناد إلى مبدأ العلّية ، بصفته الدليل الكافي على عموم النتيجة وشمولها ، وأمّا إذا اعتبر نفس هذا المبدأ تجريبياً ، وواجهنا المسألة فيه ، فسوف نعجز نهائياً عن الجواب عليه فلابدّ- إذن- أن يكون مبدأ العلّية فوق التجربة ، وقاعدة أساسية للاستنتاجات التجريبية عامّة
ج- أنّ مبدأ العلّية لا يمكن الاستدلال على ردّه بأيّ لون من ألوان الاستدلال ؛ لأنّ كلّ محاولة من هذا القبيل تنطوي ضمناً على الاعتراف به ، فهو ـ إذن ـ ثابت بصورة متقدّمة على جميع الاستدلالات التي يقوم بها الإنسان
وخلاصة هذه النتائج : أنّ مبدأ العلّية ليس مبدأً تجريبياً ، وإنّما هو مبدأ عقلي ضروري
وعلى هذا الضوء يمكننا أن نضع الحدّ الفاصل بين الميكانيكية والديناميكية ، وبين مبدأ العلّية ومبدأ الحرّية ؛ فإنّ التفسير الميكانيكي للعلّية كان يقوم على أساس اعتبارها مبدأً تجريبياً ، فهي ليست في رأي الميكانيكية المادّية إلاّ رابطة مادّية ، تقوم بين ظواهر مادّية في الحقل التجريبي ، وتستكشف بالوسائل العلمية ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن تنهار العلّية
____________________
(١) بل الحلّ الوحيد لها ـ حسب ما انتهى إليه السيّد المؤلّفرحمهالله في كتابه (الأُسس المنطقيّة للاستقراء) ـ هو الإيمان بطريقة التوالد الذاتي للمعرفة ، كما أشرنا إليه سابقاً(لجنة التحقيق)
الميكانيكية إذا عجزت التجربة في بعض المجالات العلمية عن الكشف عمّا وراء الظاهرة من علل وأسباب ؛ لأنّها لم تتمّ إلاّ على أساس تجريبي ، فإذا خانتها التجربة ، ولم يبرهن عليها التطبيق العملي سقطت عن درجة الوثوق العلمي والاعتبار
وأمّا على رأينا في العلّية القائل : إنّها مبدأ عقلي فوق التجربة ، فالموقف يختلف كلّ الاختلاف من جوانب عديدة :
أوّلاً : أنّ العلّية لا تقتصر على الظواهر الطبيعية التي تبدو في التجربة ، بل هي قانون عام للوجود في مجاله الأوسع الذي يضمّ الظواهر الطبيعية ونفس المادّة وما وراء المادّة من ألوان الوجود.
ثانياً : أنّ السبب الذي يحكم بوجوده مبدأ العلّية ، ليس من الضروري أن يخضع للتجربة ، أو أن يكون شيئاً مادّياً
ثالثاً : أنّ عدم كشف التجربة عن وجود سبب معيّن لصيرورة ما أو لظاهرة ما ، لا يعني فشل مبدأ العلّية ؛ إذ إنّ هذا المبدأ لم يرتكز على التجربة ليتزعزع بسبب عدم توفّرها فبالرغم من عجز التجربة عن استكشاف السبب ، يبقى الوثوق الفلسفي بوجوده ـ طبقاً لمبدأ العلّية ـ قوياً ، ويرجع فشل التجربة في الكشف عن السبب إلى أمرين : إمّا قصورها وعدم إحاطتها بالواقع المادّي والملابسات الخاصّة للحادثة ، وإمّا أنّ السبب المجهول خارج عن الحقل التجريبي ، وموجود فوق عالم الطبيعة والمادّة
وبما سبق يمكننا أن نميّز الفوارق الأساسية بين فكرتنا عن مبدأ العلّية ، والفكرة الميكانيكية عنه ونتبيّن أنّ الشكّ الذي أُثير حول مبدأ العلّية ، لم يكن إلاّ نتيجة لتفسيره على أساس المفهوم الميكانيكي الناقص
مبدأ العلّية والميكروفيزياء :
نستطيع على ضوء النتائج التي انتهينا إليها في مبدأ العلّية ، أن ندحض تلك الحملات الشديدة التي شُنّت في الميكروفيزياء ضدّ قانون الحتمية ، وبالتالي ضدّ مبدأ العلّية بالذات فقد وجد في الفيزياء الذرّية الاتّجاه القائل : إنّ الضبط الحتمي الذي تؤكّد عليه العلّية وقوانينها ، لا يصحّ في مستوى الميكروفيزياء فقد يكون من الصحيح أنّ الأسباب ذاتها تولّد النتائج نفسها في مستوى الفيزياء المدرسية ، أو فيزياء العين المجرّدة ، وأنّ تأثير الأسباب الفاعلة في ظروف شخصية واحدة ، لابدّ له من أن ينتهي إلى محصّلة واحدة حتماً ، بحيث نستطيع أن نتأكّد من طبيعة النتائج وحتميّتها بسبب دراسة الأسباب والشرائط الطبيعية ولكن كلّ شيء يبدو على غير هذا اللون إذا حاولنا أن نطبق مبادئ العلّية على العالم الذرّي ولذلك أعلن (هايزنبرغ) العالم الفيزيائي أنّ من المستحيل علينا أن نقيس بصورة دقيقة كمّية الحركة التي يقوم بها جُسيم بسيط ، وأن نحدّد ـ في الوقت عينه ـ موضعه في الموجة المرتبطة به ، بحسب الميكانيكا الموجبة التي نادى بها (لويس دوبروغي) فكلّما كان مقياس موضعه دقيقاً ، كان هذا المقياس عاملاً في تعديل كمّية الحركة ، ومن ثمّة في تعليل سرعة الجُسيم بصورة لا يمكن التنبّؤ بها وكلّما كان مقياس كمّية الحركة دقيقاً ، أصبح موضع الجُسيم غير محدّد(١) فالوقائع الفيزيائية في المجال الذرّي ، لا يستطاع قياسها بدون أن يدخل فيها اضطراباً غير قابل للقياس ومهما تعمّقنا في تدقيق المقاييس العلمية ، ابتعدنا أكثر عن الواقع الموضوعي لتلك الوقائع
____________________
(١) هذه هي الديالكتيكية : ١٣٢
ومعنى ذلك : أنّه لا يمكن فصل الشيء الملاحظ في الميكروفيزياء عن الأداة العلمية التي يستعملها العالم لدرسه ، كما لا يمكن فصله عن الملاحظ نفسه ؛ إذ إنّ ملاحظين مختلفين يعملون بأداة واحدة على موضع واحد ، سوف يصلون إلى مقاييس مختلفة ومن هنا نشأت فكرة اللاحتمية التي تناقض بصفة مطلقة مبدأ العلّية ، والقواعد الأساسية التي سارت عليها الفيزياء قبل ذلك وجرت محاولات لاستبدال العلّية الحتمية بما يُسمّى (علاقات الارتياب) ، أو (قوانين الاحتمال) التي نادى بها (هايزنبرغ) ، مصرّاً على أنّ العلوم الطبيعية ـ كالعلوم الإنسانية ـ لا تستطيع أن تتنبّأ تنبّؤاً يقينياً حينما تنظر إلى العنصر البسيط ، بل أنّ كلّ ما تستطيعه هو أن تصوغ احتمالاً من الاحتمالات
والواقع : أنّ جميع هذه الشكوك والارتيابات العلمية التي أثارها العلماء في الميكروفيزياء ، ترتكز على فهم خاصّ لمبدأ العلّية وقوانينها ، لا يتّفق مع فهمنا وتحليلنا الفلسفي له فنحن لا نريد أن نناقش هؤلاء العلماء في تجاربهم ، أو ندعوهم إلى التغاضي عن مستكشفاتها والتخلّي عنها ، ولا نرمي إلى التقليل من شأنها وخطرها ، وإنّما نختلف عنهم في مفهومنا العام عن مبدأ العلّية ، وعلى أساس هذا الاختلاف ، تصبح كلّ المحاولات السابقة لدحض مبدأ العلّية وقوانينها ، غير ذات معنى
ومفصّل الحديث حول ذلك : أنّ (مبدأ العلّية) لو كان مبدأً علمياً قائماً على أساس التجارب والمشاهدات في حقل الفيزياء الاعتيادية ، لكان رهن التجربة في ثبوته وعمومه ، فإذا لم نظفر له بتطبيقات واضحة في ميادين الفيزياء الذرّية ، ولم نستطع أن نستكشف لها نظاماً حتمياً قائماً على مبدأ العلّية وقوانينها ، كان من حقّنا أن نشكّ في قيمة المبدأ بالذات ، ومدى صحّته أو عمومه غير أنّا أوضحنا فيما سبق : أنّ تطبيق مبدأ العلّية على المجالات الاعتيادية للفيزياء ، والاعتقاد
بالعلّية كنظام عام للكون فيها ، لم يكن بدليل تجريبي بحت ، وأنّ مبدأ العلّية مبدأ ضروري فوق التجربة ، وإلاّ لم يستقم علم طبيعي على الإطلاق وإذا تبيّنا هذا ، ووضعنا مبدأ العلّية في موضعه الطبيعي من تسلسل الفكر الإنساني ، فسوف لا يزعزع به عدم تمكّننا من تطبيقه تجريبياً في بعض ميادين الطبيعة ، والعجز عن استكشاف النظام الحتمي الكامل فيها بالأساليب العلمية ؛ فإنّ كلّ ما جمعه العلماء من ملاحظات على ضوء تجاربهم الميكروفيزيائية ، لا يعني أنّ الدليل العلمي قد برهن على خطأ مبدأ العلّية وقوانينها في هذا المجال الدقيق من مجالات الطبيعة المتنوّعة.
ومن الواضح : أنّ عدم توفّرٍ الإمكانيات العلمية والتجريبية لا يمسّ مبدأ العلّية في كثير أو قليل ما دام مبدأً ضرورياً فوق التجربة ويوجد- عندئذٍ- لفشل التجارب العلمية في محاولة الظفر بأسرار النظام الحتمي للذرّة تفسيران :
الأوّل : نقصان الوسائل العلمية وعدم توفّر الأدوات التجريبية التي تتيح للعالم الاطّلاع على جميع الشروط والظروف المادّية فقد يعمل العالم بأداة واحدة على موضوع واحد عدّة مرّات ، فيصل إلى نتائج مختلفة ، لا لأنّ الموضوع الذي عمل عليه متحرّر من كلّ نظام حتمي ، بل لأنّ الوسائل التجريبية الميسورة لم تكن كاملة إلى حدّ تكشف له عن الشروط المادّية الدقيقة التي اختلفت النتائج بسبب اختلافها ومن الطبيعي : أن تكون وسائل التجربة في المجالات الذرّية ووقائعها ، أبعد عن الكمال من الوسائل التجريبية التي تتخذ في مجالات فيزيائية أخرى أقلّ خفاء وأكثر وضوحاً
الثاني : تأثّر الموضوع ـ نظراً إلى دقّته وضآلته ـ بالمقاييس والأدوات العلمية تأثّراً دقيقاً لا يقبل القياس والدرس العلمي فقد تبلغ الوسائل العلمية الذروة في الدقّة والكمال والعمق ، ولكن العالم ـ مع ذلك ـ يواجه المشكلة نفسها ؛
لأنّه يجد نفسه إزاء وقائع فيزيائية لا يستطيع قياسها بدون أن يدخل فيها اضطراباً غير قابل للقياس وبذلك يختلف موقفه تجاه هذه الوقائع عن موقفه في تجارب فيزياء العين المجرّدة ؛ لأنّه في تلك التجارب يستطيع أن يقوم بقياساته دون إجراء أيّ تعديل في الشيء المقاس ، وحتّى حينما يعدل فيه يكون هذا التعديل نفسه قابلاً للقياس وأمّا في الميكروفيزياء ، فقد تكون دقّة الأداة وقوّتها بنفسها سبباً في فشلها ؛ إذ تُحدِث تغييراً في الموضوع الملاحظ ، فلا يمكن أن يُدرَس بصورة موضوعية مستقلّة ولذلك يقول (جان لويس ديتوش) ـ فيما يتعلّق بجُسيم من الجُسيمات ـ : فبدلاً أن تكون شدّة النور هي ذات الأهمية ؛ إذ يصبح طول الموجة هو المهمّ فكلّما أضأنا الجُسيم بموجة قصيرة ـ أي : بموجة ذات تواتر كبير ـ أصبحت حركته عرضة للاضطراب
ومردّ السببين معاً إلى قصور وسائل التجربة والمشاهدة العلميّتين : إمّا عن ضبط الموضوع الملاحظ بجميع شروطه وظروفه المادّية ، وإمّا عن قياس التأثير الذي توجده التجربة نفسها فيه قياساً دقيقاً وكلّ هذا إنّما يقرّر عدم إمكان الاطّلاع على النظام الحتمي الذي يتحكّم في الجُسيمات وحركاتها مثلاً ، وعدم إمكان التنبّؤ بمسلك هذه الجُسيمات تنبّؤاً مضبوطاً ولا يبرهن ذلك على حرّيتها ، ولا يبرّر إدخال اللاحتمية إلى مجال المادّة ، وإسقاط قوانين العلّية من حساب الكون
لماذا تحتاج الأشياء إلى علّة ؟
نتناول الآن ناحية جديدة من مبدأ العلّية ، وهي الإجابة عن السؤال التالي : لماذا تحتاج الأشياء إلى أسباب وعلل فلا توجد بدونها ؟ وما هو السبب الحقيقي الذي يجعلها متوقّفة على تلك الأسباب والعلل ؟ وهذا سؤال نواجهه بطبيعة الحال بعد أن آمنّا بمبدأ العلّية ؛ فإنّ الأشياء التي نعاصرها في هذا الكون ما دامت خاضعة بصورة عامة لمبدأ العلّية ، وموجودة طبقاً لقوانينها ، فيجب أن نتساءل عن سرّ خضوعها لهذا المبدأ ، فهل مردّ هذا الخضوع إلى ناحية ذاتية في تلك الأشياء ، لا يمكنها أن تتحرّر عنها مطلقاً ؟ أو إلى سبب خارجي جعلها بحاجة إلى علل وأسباب ؟ وسواءٌ أصحّ هذا أم ذاك ، فما هي حدود هذا السرّ الذي يرتكز عليه مبدأ العلّية ؟ وهل يعمّ ألوان الوجود جميعاً أو لا ؟
وقد حصلت هذه الأسئلة على أربع نظريات لمحاولة الإجابة عنها :
أ- نظرية الوجود :
وهي النظرية القائلة : إنّ الموجود يحتاج إلى علّة ؛ لأجل وجوده وهذه الحاجة ذاتية للوجود ، فلا يمكن أن نتصوّر وجوداً متحرّراً من هذه الحاجة ؛ لأنّ سبب الافتقار إلى العلّة سرّ كامن في صميمه ويترتّب على ذلك : أنّ كلّ وجود معلول
وقد أخذ بهذه النظرية بعض فلاسفة الماركسية ، مستندين في تبريرها علمياً إلى التجارب التي دلّت ـ في مختلف ميادين الكون ـ على أنّ الوجود بشتّى ألوانه
وأشكاله- التي كشفت عنها التجربة- لا يتجرّد عن سببه ولا يستغني عن العلّة فالعلّية ناموس عام للوجود ، بحكم التجارب العلمية وافتراض وجود ليس له علّة ، مناقض لهذا الناموس ، ولأجل ذلك كان ضرباً من الاعتقاد بالصدفة التي لا متّسع لها في نظام الكون العام(١)
وقد حاولوا عن هذا الطريق أن يتّهموا الفلسفة الإلهية بأنّها تؤمن بالصدفة ؛ نظراً إلى اعتقادها بوجود مبدأ أوّل لم ينشأ من سبب ولم تتقدّمه علّة فهذا الوجود المزعوم للإلهية ، لمّا كان شاذّاً عن مبدأ العلّية ، فهو صدفة ، وقد أثبت العلم أن لا صدقة في الوجود ، فلا يمكن التسليم بوجود المبدأ الإلهي الذي تزعمه الفلسفة الميتافيزيقية
وهكذا أخطأ هؤلاء مرّة أخرى حين أرادوا استكشاف سرّ الحاجة إلى العلّة ، ومعرفة حدود العلّية ، ومدى اتّساعها عن طريق التجارب العلمية ، كما أخطأوا سابقاً في محاولة استنباط مبدأ العلّية بالذات وبصورة رئيسية من التجربة والاستقراء العلمي للكون ؛ فإنّ التجارب العلمية لا تعمل إلاّ في حقلها الخاصّ ، وهو نطاق مادّي محدود ، وقصارى ما تكشف عنه هو خضوع الأشياء في ذلك النطاق لمبدأ العلّية ، فالانفجار ، أو الغليان ، أو الاحتراق ، أو الحرارة ، أو الحركة ، وما إلى ذلك من ظواهر الطبيعة ، لا توجد دون أسباب ، وليس في الإمكانات العلمية للتجربة ، التدليل على أنّ سرّ الحاجة إلى العلّة كامن في الوجود بصورة عامّة ، فمن الجائز أن يكون السرّ ثابتاً في ألوان خاصّة من الوجود ، وأن تكون الأشياء التي ظهرت في المجال التجريبي ، من تلك الألوان الخاصّة
فاعتبار التجربة دليلاً على أنّ الوجود بصورة عامة خاضع للعلل
____________________
(١) جبر واختيار ، تقي آراني : ٥
والأسباب ، ليس صحيحاً ـ إذن ـ ما دامت التجربة لا تباشر إلاّ الحقل المادّي من الوجود ، وما دام نشاطها في هذا الحقل الذي تباشره لا يتخطّى إيضاح الأسباب والآثار المنبثقة عنها إلى الكشف عن السبب الذي جعل هذه الآثار بحاجة إلى تلك الأسباب وإذا كانت التجربة ووسائلها المحدودة ، قاصرة عن تكوين إجابة واضحة في هذه المسألة ، فيجب درسها على الأسس العقلية ، وبصورة فلسفية مستقلّة فكما أنّ مبدأ العلّية نفسه من المبادئ الفلسفية الخالصة ـ كما عرفت سابقاً ـ كذلك ـ أيضاً ـ البحوث المتّصلة به ، والنظريات التي تعالج حدوده
ويجب أن نشير إلى أنّ اتّهام فكرة المبدأ الأوّل ، بأنّها لون من الإيمان بالصدفة ، ينطوي على سوء فهم لهذه الفكرة ، وما ترتكز عليه من مفاهيم ؛ ذلك أنّ الصدفة عبارة عن الوجود من دون سبب ، لشيء يستوي بالنسبة إليه الوجود والعدم ، فكلّ شيء ينطوي على إمكان الوجود ، وإمكان العدم بصورة متعادلة ، ثمّ يوجد من دون علّة ، فهو الصدفة وفكرة المبدأ الأوّل تنطلق من القول : بأنّ المبدأ الأوّل لا يتعادل فيه الوجود والعدم ، فهو ليس ممكن الوجود والعدم معاً ، بل ضروريّ الوجود ، وممتنع العدم ومن البدهي : أنّ الاعتقاد بموجودٍ هذه صفته ، لا ينطوي على التصديق بالصدفة مطلقاً
ب- نظرية الحدوث :
وهي النظرية التي تعتبر حاجة الأشياء إلى أسبابها مستندة إلى حدوثها(١) فالانفجار ، أو الحركة ، أو الحرارة ، إنّما تتطلّب لها أسباباً ؛ لأنّها أمور حدثت بعد العدم فالحدوث هو الذي يفتقر إلى علّة ، وهو الباعث الرئيسي الذي يثير فينا
____________________
(١) راجع شرح المقاصد لسعد الدين التفتازاني ٢ : ١٣
سؤال : لماذا وجد ؟ أمام كلّ حقيقة من الحقائق التي نعاصرها في هذا الكون وعلى ضوء هذه النظرية يصبح مبدأ العلّية مقتصراً على الحوادث خاصّة فإذا كان الشيء موجوداً بصورة مستمرّة ودائمة ، ولم يكن حادثاً بعد العدم ، فلا توجد فيه حاجة إلى السبب ، ولا يدخل في النطاق الخاصّ لمبدأ العلّية
وهذه النظرية أسرفت في تحديد العلّية ، كما أسرفت النظرية السابقة في تعميمها ، وليس لها ما يبرّرها من ناحية فلسفية فمردّ الحدوث في الحقيقة إلى وجود الشيء بعد العدم ، كوجود السخونة في ماء لم يكن ساخناً ، ولا يفترق لدى العقل أن توجد هذه السخونة بعد العدم ، وأن تكون موجودة بصورة دائمة ؛ فإنّه يتطلّب على كلّ حال سبباً خاصّاً لها فالصعود بعمر الشيء وتأريخه إلى أبعد الآماد ، لا يبرّر وجوده ، ولا يجعله مستغنياً عن العلّة
وبكلمة أخرى : أنّ وجود السخونة الحادثة ، لمّا كان بحاجة إلى سبب ، فلا يكفي لتحريره من هذه الحاجة أن نمدّده ؛ لأنّ تمديده سوف يجعلنا نصعد بالسؤال عن العلّة مهما اتّسعت عملية التمديد
ج ، د- نظرية الإمكان الذاتي ، والإمكان الوجودي :
وهاتان النظريتان تؤمنان بأنّ الباعث على حاجة الأشياء إلى أسبابها ، هو الإمكان غير أنّ لكلّ من النظريتين مفهومها الخاصّ عن الإمكان ، الذي تختلف به عن الأخرى ، وهذا الاختلاف بينهما مظهر لاختلاف فلسفي أعمق حول الماهية والوجود ، وحيث إنّ حدود هذا الكتاب لا تسمح بالتحدّث عن ذلك الاختلاف وتمحيصه ، فسوف نقتصر على نظرية الإمكان الوجودي في مسألتنا ؛ نظراً إلى ارتكازها على الرأي القائل بأصالة الوجود (أي : الرأي الصحيح في
الاختلاف الفلسفي الأعمق الذي أشرنا إليه)(١)
ونظرية الإمكان الوجودي هي للفيلسوف الإسلامي الكبير (صدر الدين الشيرازي) وقد انطلق فيها من تحليل مبدأ العلّية نفسه ، وخرج من تحليله ظافراً بالسرّ ، فلم يكلّفه الظفر بالسبب الحقيقي لحاجة الأشياء إلى عللها ، أكثر من فهم مبدأ العلّية فهماً فلسفياً عميقاً
والآن نبدأ كما بدأ ، فنتناول العلّية بالدرس والتمحيص
لا شكّ في أنّ العلّية علاقة قائمة بين وجودين : العلّة ، والمعلول فهي لون من ألوان الارتباط بين شيئين وللارتباط ألوان وضروب شتّى ، فالرسّام مرتبط باللوحة التي يرسم عليها ، والكاتب مرتبط بالقلم الذي يكتب به ، والمطالع مرتبط بالكتاب الذي يقرأ فيه ، والأسد مرتبط بسلسلة الحديد التي تطوّق عنقه ، وهكذا سائر العلاقات والارتباطات بين الأشياء ولكن شيئاً واضحاً يبدو بجلاء في كلّ ما قدّمناه من الأمثلة للارتباط ، وهو : أنّ لكلّ من الشيئين المرتبطين وجوداً خاصّاً ، سابقاً على ارتباطه بالآخر فاللوحة والرسّام كلاهما موجودان قبل أن توجد عملية الرسم ، والكاتب والقلم موجودان قبل أن يرتبط أحدهما بالآخر ، والمطالع والكتاب كذلك وجدا بصورة مستقلّة ، ثمّ عرض لهما الارتباط فالارتباط في جميع هذه الأمثلة علاقة تعرض للشيئين بصورة متأخّرة عن وجودهما ، ولذلك فهو شيء ووجودهما شيء آخر فليست اللوحة في حقيقتها
____________________
(١) المنقول عن السيّد المؤلّفرحمهالله أنّه انتهى في تطوّر فكره الفلسفي إلى الاعتقاد بأنّ الاختلاف المطروح بين القائلين بأصالة الماهيّة والقائلين بأصالة الوجود لا يعدو أن يكون اختلافاً لفظيّاً تورّط فيه كلّ من الطرفين على أثر سوء فهم مراد الطرف الآخر(لجنة التحقيق)
ارتباطاً بالرسّام ، ولا الرسّام في حقيقته مجرّد ارتباط باللوحة ، بل الارتباط صفة توجد لهما بعد وجود كلّ منهما بصورة مستقلّة
وهذه المفارقة بين حقيقة الارتباط ، والكيان المستقلّ لكلّ من الشيئين المرتبطين ، تتجلّى في كلّ أنواع الارتباط ، باستثناء نوع واحد ، وهو : ارتباط شيئين برباط العلّية فلو أنّ (ب) ارتبط بـ (أ) ارتباطاً سببياً ، وكان معلولاً له ومسبّباً عنه ، لوجد لدينا شيئان : أحدهما معلول وهو (ب) ، والآخر علّة وهو (أ) وأمّا العلّية التي تقوم بينهما ، فهي لون ارتباط أحدهما بالآخر والمسألة هي : أنّ (ب) هل يملك وجوداً بصورة مستقلّة عن ارتباطه بـ (أ) ، ثمّ يعرض له الارتباط ، كما هو شأن اللوحة بالإضافة إلى الرسّام ؟ ولا نحتاج إلى كثير من الدرس لنجيب بالنفي ؛ فإنّ (ب) لو كان يملك وجوداً حقيقياً وراء ارتباطه بسببه ، لم يكن معلولاً لـ (أ) ؛ لأنّه ما دام موجوداً بصورة مستقلّة عن ارتباطه به ، فلا يمكن أن يكون منبثقاً عنه وناشئاً منه فالعلّية بطبيعتها تقتضي أن لا يكون للمعلول حقيقة وراء ارتباطه بعلّته ، وإلاّ لم يكن معلولاً
ويتّضح بذلك : أنّ الوجود المعلول ليس له حقيقة إلاّ نفس الارتباط بالعلّة والتعلّق بها وهذا هو الفارق الرئيسي بين ارتباط المعلول بعلّته ، وارتباط اللوحة بالرسّام ، أو القلم بالكاتب ، أو الكتاب بالمطالع ؛ فإنّ اللوحة والقلم والكتاب أشياء تتّصف بالارتباط مع الرسّام والكاتب والمطالع وأمّا (ب) فهو ليس شيئاً له ارتباط وتعلّق بالعلّة ؛ لأنّ افتراضه كذلك يستدعي أن يكون له وجود مستقلّ يعرضه الارتباط ، كما يعرض للّوحة الموجودة بين يدي الرسّام ، ويخرج بذلك عن كونه معلولاً ، بل هو نفس الارتباط ، بمعنى : أنّ كيانه ووجوده كيان ارتباطي ووجود تعلّقي ، ولذلك كان قطع ارتباطه بالعلّة إفناءٍ له ، وإعداماً لكيانه ؛ لأنّ كيانه
يتمثّل في ذلك الارتباط على عكس اللوحة ؛ فإنّها لو لم ترتبط بالرسّام في عملية رسم معيّنة ، لما فقدت كيانها ووجودها الخاصّ
وإذا استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة المهمّة من تحليل مبدأ العلّية ، أمكننا أن نضع فوراً الجواب على مسألتنا الأساسية ، ونعرف السرّ في احتياج الأشياء إلى أسبابها ، فإنّ السرّ في ذلك على ضوء ما سبق هو : أنّ الحقائق الخارجية التي يجري عليها مبدأ العلّية ، ليست في الواقع إلاّ تعلّقات وارتباطات فالتعلّق والارتباط مقوّم لكيانها ووجودها
ومن الواضح : أنّ الحقيقة إذا كانت حقيقة تعلّقية ، أي كانت عين التعلّق والارتباط ، فلا يمكن أن تنفكّ عن شيء تتعلّق به ، وترتبط به ذاتياً فذلك الشيء هو سببها وعلّتها ؛ لأنّها لا يمكن أن توجد مستقلّة عنه
وهكذا نعرف أنّ السرّ في احتياج هذه الحقائق الخارجية التي نعاصرها إلى سبب ، ليس هو حدوثها ، ولا إمكان ماهياتها ، بل السرّ كامن في كنهها الوجودي وصميم كيانها ؛ فإنّ حقيقتها الخارجية عين التعلّق والارتباط ، والتعلقّ أو الارتباط لا يمكن أن يستغني عن شيء يتعلّق به ويرتبط ونعرف في نفس الوقت ـ أيضاً ـ أنّ الحقيقة الخارجية إذا لم تكن حقيقة ارتباطية وتعلّقية ، فلا يشملها مبدأ العلّية فليس الوجود الخارجي بصورة عامة محكوماً بمبدأ العلّية ، بل إنّما يحكم مبدأ العلّية على الوجودات التعلّقية التي تعبّر في حقيقتها عن الارتباط والتعلّق(١)
____________________
(١) يراجع للتوضيح : الأسفار الأربعة : ١ / ٢١٧ (تبصرة تذكّريّة) شرح المنظومة : ٢ / ٢٥٥ (غررٌ في أبحاث متعلّقة بالإمكان)
التأرجح بين التناقض والعلّية:
بالرغم من أنّ الماركسية اتّخذت من تناقضات الديالكتيك شعاراً لها في بحوثها التحليلية لكلّ مناحي الكون والحياة والتاريخ ، لم تنج بصورة نهائية من التذبذب بين تناقضات الديالكتيك ومبدأ العلّية ، فهي بوصفها ديالكتيكية تؤكّد أنّ النموّ والتطوّر ينشأ عن التناقضات الداخلية كما مرّ مشروحاً في البحوث السابقة ، فالتناقض الداخلي هو الكفيل بأن يفسّر كلّ ظاهرة من الكون دون حاجة إلى سبب أعلى ومن ناحية أخرى تعترف بعلاقة العلّة والمعلول ، وتفسّر هذه الظاهرة أو تلك بأسباب خارجية ، وليس بالتناقضات المخزونة في أعماقها
ولنأخذ مثالاً لهذا التذبذب من تحليلها التاريخي ، فهي بينما تصرّ على وجود تناقضات داخلية في صميم الظواهر الاجتماعية كفيلة بتطويرها ضمن حركة ديناميكية ، تقرّر من ناحية أخرى أنّ الصرح الاجتماعي الهائل يقوم كلّه على قاعدة واحدة ، وهي : قوى الإنتاج ، وأنّ الأوضاع الفكرية والسياسية وما إليها ليست إلاّ بنىً فوقية في ذلك الصرح ، وانعكاسات بشكل وآخر لطريقة الإنتاج التي قام البناء عليها ، ومعنى هذا : أنّ العلاقة بين هذه البنى الفوقية وبين قوى الإنتاج هي علاقة معلول بعلّة ، فليس هناك تناقض داخلي وإنّما توجد علّية(١)
وكأنّ الماركسية أدركت موقفها هذا المتأرجح بين التناقضات الداخلية ومبدأ العلّية ، وحاولت أن توفّق بين الأمرين ، فأعطت العلّة والمعلول مفهوماً ديالكتيكياً ، ورفضت مفهومها الميكانيكي ، وسمحت لنفسها على هذا الأساس أن
____________________
(١) لأجل التوضيح يراجع بحث المادّية التاريخية من كتاب (اقتصادنا) للمؤلّف(المؤلّف قدسسره )
تستعمل في تحليلها طريقة العلّة والمعلول في إطارها الديالكتيكي الخاصّ ، فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خطّ مستقيم ، والتي تظلّ فيها العلّة خارجية بالنسبة إلى معلولها ، والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علّته ؛ لأنّ هذه السببية تتعارض مع الديالكتيك ، مع عملية النموّ والتكامل الذاتي في الطبيعة ؛ إذ إنّ المعلول طبقاً لهذه السببية لا يمكن أن يجيء ـ حينئذ ـ أثرى من علّته وأكثر نموّاً ؛ لأنّ هذه الزيادة في الثراء والنموّ تبقى دون تعليل وأمّا المعلول الذي يولد من نقيضه فيتطوّر وينمو بحركة داخلية ، طبقاً لما يحتوي من تناقضات ، ليعود إلى النقيض الذي أولده فيتفاعل معه ، ويحقّق عن طريقة الاندماج به مركّباً جديداً أكثر اغتناءً وثراءً من العلّة والمعلول منفردين ، فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلّة والمعلول ؛ لأنّه يتّفق مع الديالكتيك ويعبّر عن الثالوث الديالكتيكي : (الأطروحة ، والطباق ، والتركيب) فالعلّة هي الأطروحة ، والمعلول هو الطباق ، والمجموع المترابط منهما هو التركيب ، والعلّية هنا عملية نموّ وتكامل عن طريق ولادة المعلول من العلّة ، أي : الطباق من الأطروحة ، والمعلول في هذه العملية لا يولد سلبياً ، بل يولد مزوّداً بتناقضاته الداخلية التي تنمّيه وتجعله يحتضن علّته إليه في مركّب أرقى وأكمل
وقد سبق في حديثنا عن الديالكتيك رأينا في هذه التناقضات الداخلية التي ينمو الكائن وفقاً لتوحّدها وصراعها في أعماقه ، ونستطيع أن نعرف الآن- في ضوء مفهومها الأعمق عن العلاقة بين العلّة والمعلول- خطأ الماركسية في مفهومها عن العلّية ، وما تؤدّي إليه من نموّ المعلول وتكامل العلّة بالاندماج مع معلولها ؛ فإنّ المعلول حيث كان لوناً من ألوان التعلّق والارتباط بعلّته ، ولا يمكن للعلّة أن تتكامل به في مركّب أرقى وقد استعرضنا في كتاب (اقتصادنا) بعض تطبيقات ماركس لمفهومه الديالكتي عن العلّية على الصعيد التاريخي حيث
حاول أن يبرهن على أنّ العلّة تكاملت بمعلولها وتوحّدت معه في مركّب أثرى ، واستطعنا أن نوضّح في دراستنا تلك أنّ هذه التطبيقات نشأت من عدم الضبط الفلسفي والدقّة في تحديد العلّة والمعلول ، فقد توجد علّتان ومعلولان وكلّ من المعلولين يكمّل علّة الآخر ، فحين لا ندقّق في التمييز بين العلّتين يبدو كأنّ المعلول يكمّل علّته ، كما قد يصبح المعلول سبباً في تكامل أحد شروط وجوده ، غير أنّ شروط الوجود غير العلّة التي ينبثق منها ذلك الوجود وللتوضيح أكثر من ذلك يراجع البحث في كتاب (اقتصادنا )(١)
____________________
(١) يراجع : اقتصادنا ، نظريّة المادّية التاريخيّة ؛ في ضوء قوانين الديالتيك
التعاصر بين العلّة والمعلول
لمّا كنّا نعرف الآن أنّ وجود المعلول مرتبط ارتباطاً ذاتياً بوجود العلّة ، فنستطيع أن نفهم مدى ضرورة العلّة للمعلول ، وأنّ المعلول يجب أن يكون معاصراً للعلّة ، ليرتبط بها كيانه ووجوده ، فلا يمكن له أن يوجد بعد زوال العلّة ، أو أن يبقى بعد ارتفاعها وهذا هو ما شئنا أن نعبّر عنه بقانون : (التعاصر بين العلّة والمعلول)
[ مناقشتان حول هذا القانون : ]
وقد أثيرت حول هذا القانون مناقشتان راميتان إلى إثبات أنّ من الممكن بقاء المعلول بعد زوال علته إحداهما للمتكلّمين ، والأخرى لبعض علماء الميكانيك الحديث
[ أ ] المناقشة لكلامية :
وهي تستند إلى أمرين :
الأوّل : أنّ الحدوث هو سبب حاجة الأشياء إلى أسبابها فالشيء إنّما يحتاج إلى سبب ؛ لأجل أن يحدث ، فإذا حدث ، لم يكن وجوده بعد ذلك مفتقراً إلى علّة وهذا يرتكز على نظرية الحدوث التي تبينّا خطأها فيما سبق ، وعرفنا أنّ حاجة الشيء إلى العلّة ليست لأجل الحدوث ، بل لأنّ وجوده مرتبط بسببه الخاصّ ارتباطاً ذاتياً
الثاني : أنّ قانون التعاصر بين العلّة والمعلول ، لا يتّفق مع طائفة من ظواهر الكون التي تكشف بوضوح عن استمرار وجود المعلول بعد زوال العلّة فالعمارة الشاهقة التي شادها البنّاءون ، واشترك في بنائها آلاف العمّال ، تبقى قائمة بعد
انتهاء عملية البناء والتعمير وإن تركها العمّال ، ولم يبقَ منهم بعد ذلك شخص على قيد الحياة والسيّارة التي أنتجها مصنع خاصّ بفضل عمّاله الفنّيين ، تمارس نشاطها ، وقد تبقى محتفظة بجهازها الميكانيكي ، وإن تهدّم ذلك المصنع ، ومات أولئك العمّال والمذكّرات التي سجّلها شخص بخطّه ، تبقى بعده مئات السنين ، تكشف للناس عن حياة ذلك الشخص وتأريخه فهذه الظواهر تبرهن على أنّ المعلول يملك حرّيته بعد حدوثه ، وتزول حاجته إلى علّته
والواقع : أنّ عرض هذه الظواهر كأمثلة لتحرّر المعلول بعد حدوثه من علّته ، نشأ من عدم التمييز بين العلّة وغيرها فنحن إذا إدراكنا العلّة الحقيقية لتلك الأمور- من بناء الدار ، وجهاز السيّارة ، وكتابة المذكّرات- نتبيّن أنّ تلك الأمور لم تستغنِ عن العلّة في لحظة من لحظات وجودها ، وأنّ كلّ أثر طبيعي يعدم في الآن الذي يفقد فيه سببه فما هو المعلول للعمّال المشتغلين ببناء العمارة ، إنّما هو نفس عملية البناء ، وهي عبارة عن عدّة من الحركات والتحريكات ، يقوم بها العامل بقصد جمع موادّ البناء الخام من الآجر والحديد والخشب وما إليها وهذه الحركات لا يمكن أن تستغني عن العمّال في وجودها ، بل تنقطع حتماً في الوقت الذي يكفّ فيه العمّال عن العمل وأمّا الوضع الذي حصل لموادّ البناء على أثر عملية التعمير ، فهو في وجوده واستمراره معلول لخصائص تلك الموادّ ، والقوى الطبيعية العامة التي تفرض على المادّة المحافظة على وضعها وموضعها وكذلك الأمر في سائر الأمثلة الأخرى وهكذا يتبخّر الوهم الآنف الذكر إذا أضفنا كلّ معلول إلى علّته ، ولم نخطئ في نسبة الآثار إلى أسبابها
[ ب ] المعارضة الميكانيكية :
وهي المعارضة التي أثارها الميكانيك الحديث على ضوء القوانين التي
وضعها (غاليليو) و (نيوتن) للحركة الميكانيكية ، مدّعياً ـ على أساس تلك القوانين ـ أنّ الحركة إذا حدثت بسبب فهي تبقى حتماً ، ولا يحتاج استمرارها إلى علّة ، خلافاً للقانون الفلسفي الذي ذكرناه
ونحن إذا تعمّقنا في درس هذه المعارضة ، وجدنا أنّها تؤدّي في الحقيقة إلى إلغاء مبدأ العلّية رأساً ؛ لأنّ حقيقة الحركة ـ كما سبق في الدراسات السابقة ـ عبارة عن التغيّر والتبدّل ، فهي حدوث مستمرّ ، أي : حدوث متّصل بحدوث ، وكلّ مرحلة من مراحلها حدوث جديد ، وتغيّر عقيب تغيّر فإذا أمكن للحركة أن تستمرّ دون علّة ، كان في الإمكان أن تحدث الحركة دون علّة ، وأنْ توجد الأشياء ابتداءً بلا سبب ؛ لأنّ استمرار الحركة يحتوي على حدوث جديد دائماً ، فتحرّره من العلّة يعني تحرّر الحدوث من العلّة أيضاً
ولأجل أن يتّضح عدم وجود مبرّر لهذه المعارضة ، من ناحية علمية ، يجب أن نحدِّث القارئ عن قانون (القصور الذاتي) في الميكانيك الحديث الذي ارتكزت عليه المعارضة
إنّ التفكير السائد عن الحركة قبل (غاليليو) ، هو : أنّها تتبع القوّة المحرّكة في مدى استمرارها وبقائها فهي تستمرّ ما دامت القوّة المحرّكة موجودة ، فإذا زالت سكن الجسم ولكنّ الميكانيك الحديث وضع قانوناً جديداً للحركة وفحوى هذا القانون : أنّ الأجسام الساكنة والمتحرّكة ، تبقى كذلك (ساكنة أو متحرّكة) إلى أن تتعرّض لتأثير قوّة أخرى كبرى بالنسبة لها ، تضطرّها إلى تبديل حالتها
والسند العلمي لهذا القانون هو : التجربة التي توضّح أن جهازاً ميكانيكياً متحرّكاً بقوّة خاصّة في شارع مستقيم ، إذا انفصلت عنه القوّة المتحرّكة ، فهو يتحرّك بمقدار مّا بعد ذلك ، قبل أن يسكن نهائياً ومن الممكن في هذه الحركة التي
حصلت بعد انفصال الجهاز عن القوّة الخارجية المحرّكة ، أن يزاد في أمدها ، بتدهين آلات الجهاز ، وتسوية الطريق ، وتخفيف الضغط الخارجي غير أنّ هذه الأمور لا شأن لها ، إلاّ تخفيف الموانع عن الحركة من الاصطكاك ونحوه ، فإذا استطعنا أن نضاعف من هذه المخفّفات ، نضمن مضاعفة الحركة ، وإذا افترضنا ارتفاع جميع الموانع ، وزوال الضغط الخارجي نهائياً ، كان معنىً ذلك استمرار الحركة إلى غير حدّ بسرعة معيّنة ، فيعرف من ذلك : أنّ الحركة إذا أثيرت في جسم ، ولم تعترضها قوّة خارجية مصادمة ، تبقى بسرعة معيّنة ، وإن بطلت القوّة فالقوى الخارجية إنّما تؤثّر في تغيير السرعة عن حدّها الطبيعي ، تنزل أو ترتفع بها ولذلك كان مدى السرعة ـ من حيث الشدّة والضعف والبطء ـ يتوقّف على الضغط الخارجي الموافق أو المعاكس وأمّا نفس الحركة واستمرارها بسرعتها الطبيعية ، فلا يتوقّف ذلك على عوامل خارجية
ومن الواضح : أنّ هذه التجربة حين تكون صحيحة ، لا تعني أنّ المعلول بقي من دون علّة ، ولا تعاكس القانون الفلسفي الذي ذكرناه ؛ لأنّ التجربة لم توضّح ما هي العلّة الحقيقية للحركة ؛ لنعرف ما إذا كانت تلك العلّة قد زالت مع استمرار الحركة وكأنّ هؤلاء الذين حاولوا أن يدلّلوا بها على بطلان القانون الفلسفي ، زعموا أنّ العلّة الحقيقية للحركة هي القوّة الخارجية المحرّكة ، ولمّا كانت هذه القوّة قد انقطعت صلتها بالحركة ، واستمرّت الحركة بالرغم من ذلك ، فيكشف ذلك عن استمرار الحركة بعد زوال علّتها
ولكنّ الواقع : أنّ التجربة لا تدلّ على أنّ القوّة الدافعة من خارج هي العلّة الحقيقية ؛ ليستقيم لهم هذا الاستنتاج ، بل من الجائز أن يكون السبب الحقيقي للحركة شيئاً موجوداً على طول الخطّ والفلاسفة الإسلاميون يعتقدون : أنّ الحركات العرضية ـ بما فيها الحركة الميكانيكية للجسم ـ تتولّد جميعاً عن قوّة
قائمة بنفس الجسم فهذه القوّة هي المحرّكة الحقيقية ، والأسباب الخارجية إنّما تعمل لإثارة هذه القوّة وإعدادها للتأثير وعلى هذا الأساس قام مبدأ (الحركة الجوهرية ) ، كما أوضحناه في الجزء السابق من هذه المسألة(١) ولسنا نستهدف الآن الإفاضة في هذا الحديث ، وإنّما نرمي من ورائه إلى توضيح : أنّ التجربة العلمية التي قام على أساسها قانون (القصور الذاتي) ، لا تتعارض مع قوانين العلّية ، ولا تبرهن على ما يعاكسها مطلقاً
النتيجة :
ولم يبقَ علينا لأجل أن نصل إلى النتيجة إلاّ أن نعطف على ما سبق (قانون النهاية) ، وهو القانون القائل : إنّ العلل المتصاعدة في الحساب الفلسفي التي ينبثق بعضها عن بعض يجب أن يكون لها بداية ، أي : علّة اُولى لم تنبثق عن علّة سابقة ولا يمكن أن يتصاعد تسلسل العلل تصاعداً لا نهائياً ؛ لأنّ كلّ معلول ـ كما سبق ـ ليس إلاّ ضرباً من التعلّق والارتباط بعلّته ، فالموجودات المعلولة جميعاً ارتباطات وتعلّقات ، والارتباطات تحتاج إلى حقيقة مستقلّة تنتهي إليها فلو لم توجد لسلسلة العلل بداية ، لكانت الحلقات جميعاً معلولة ، وإذا كانت معلولة فهي مرتبطة بغيرها ، ويتوجّه السؤال ـ حينئذٍ ـ عن الشيء الذي ترتبط به هذه الحلقات جميعاً
وفي عرض آخر : أنّ سلسلة الأسباب إذا كان يوجد فيها سبب غير خاضع لمبدأ العلّية ، ولا يحتاج إلى علّة ، فهذا هو السبب الأوّل الذي يضع للسلسلة بدايتها ما دام غير منبثق عن سبب آخر يسبقه ، وإذا كان كلّ موجود في السلسلة محتاجاً
____________________
(١) تحت عنوان : (١- حركة التطوّر)
إلى علّة- طبقاً لمبدأ العلّية- دون استثناء ، فالموجودات جميعاً تصبح بحاجة إلى علّة
ويبقى سؤال : (لماذا ؟)- هذا السؤال الضروري- منصّباً على الوجود بصورة عامة ، ولا يمكن أن نتخلّص من هذا السؤال إلاّ بافتراض سبب أوّل متحرّر من مبدأ العلّية ؛ فإنّنا ـ حينئذٍ ـ ننتهي في تعليل الأشياء إليه ، ولا نواجه فيه سؤال : لماذا وجد ؟ لأنّ هذا السؤال إنّما نواجهه في الأشياء الخاضعة لمبدأ العلّية خاصّة
فلنأخذ الغليان مثلاً ، فهو ظاهرة طبيعية محتاجة إلى سبب ، طبقاً لمبدأ العلّية ، ونعتبر سخونة الماء سبباً لها ، وهذه السخونة هي كالغليان في افتقارها إلى علّة سابقة وإذا أخذنا الغليان والسخونة كحلقتين في سلسلة الوجود ، أو في تسلسل العلل والأسباب ، وجدنا من الضروري أن نضع للسلسلة حلقة أخرى ؛ لأنّ كلاً من الحلقتين بحاجة إلى سبب ، فلا يمكنهما الاستغناء عن حلقة ثالثة ، والحلقات الثلاث تواجه بمجموعها نفس المسألة ، وتفتقر إلى مبرّر لوجودها ما دامت كلّ واحدة منها خاضعة لمبدأ العلّية وهذا هو شأن السلسلة دائماً وأبداً ولو احتوت على حلقات غير متناهية فما دامت حلقاتها جميعاً محتاجة إلى علّة ، فالسلسلة بمجموعها مفتقرة إلى سبب ، وسؤال (لماذا وجد ؟) يمتدّ ما امتدّت حلقاتها ، ولا يمكن تقديم الجواب الحاسم عليه ما لم ينته التسلسل فيها إلى حلقة غنية بذاتها غير محتاجة إلى علّة ، فتقطع التسلسل ، وتضع للسلسلة بدايتها الأزليّة الأُولى(١)
وإلى هنا نكون قد جمعنا ما يكفي للبرهنة على انبثاق هذا العالم عن واجب
____________________
(١) وبالتعبير الفلسفي الدقيق : أنّ الشيء لا يوجد إلاّ إذا امتنع عليه جميع أنحاء العدم ، ومن جملة أنحاء العدم ، عدمه بعدم جميع أسبابه ، وهذا لا يمتنع إلاّ إذا كان يوجد في جملة أسبابه واجب بالذات (المؤلّف قدسسره )
بالذات ، غني بنفسه ، وغير محتاج إلى سبب ؛ لأنّ هذا هو ما يحتّمه تطبيق مبدأ العلّية على العالم بموجب قوانينها السالفة الذكر ؛ فإنّ العلّية بعد أن كانت مبدأً ضرورياً للكون ، وكان تسلسلها اللانهائي مستحيلاً ، فيجب أن تطبّق على الكون تطبيقاً شاملاً متصاعداً حتّى يقف عند علّة أولى واجبة
ولا بأس أن نشير في ختام هذا البحث إلى لون من التفكير المادّي في هذا المجال ، تقدّم به بعض الكتّاب المعاصرين للردّ على فكرة السبب الأوّل أو العلّة الأُولى ، فهو يقول : إنّ السؤال عن العلّة الأُولى لا معنى له ، فالتفسير العلّي أو السببي يستلزم ، دائماً ، حدّين اثنين مرتبطاً أحدهما بالآخر ، هما العلّة والمعلول ، أو السبب والمسبّب ، فعبارة (علّة أُولى) فيها تناقض في الحدود ؛ إذ إنّ كلمة : (علّة) تستلزم حدّين كما رأينا ، لكن كلمة : (أُولى) تستلزم حدّاً واحداً ، فالعلّة لا يمكن أن تكون (أُولى) وتكون (علّة) في نفس الوقت ، فإمّا أن تكون أُولى دون أن تكون علّة ، أو بالعكس(١)
ولا أدري من قال له : إنّ كلمة : (علّة) تستلزم علّة قبلها صحيح : أنّ التفسير السببي يستلزم ـ دائماً ـ حدّين هما : العلّة والمعلول ، وصحيح : أنّ من التناقض أن نتصوّر علّة بدون معلول ناتج عنها ؛ لأنّها ليست ـ عندئذٍ ـ علّة ، وإنّما هي شيء عقيم ، وكذلك من الخطأ أن نتصوّر معلولاً لا علّة له ، فكلّ منها يتطلّب الآخر إلى جانبه ، ولكن العلّة بوصفها علّة ، لا تتطلّب علّة قبلها ، وإنّما تتطلّب معلولاً ، فالحدّان متوفّران معاً في فرضية (العلّة الأُولى) ؛ لأنّ العلّة الأُولى لها معلولها الذي ينشأ منها ، وللمعلول علّته الأُولى ؛ لا يتطلّب المعلول دائماً معلولاً ينشأ منه ؛ إذ قد تتولّد ظاهرة من سبب ولا يتولّد عن الظاهرة شيء جديد ، كذلك العلّة لا تتطلّب علّة فوقها ، وإنّما تتطلّب معلولاً لها
____________________
(١) المسألة الفلسفيّة ، الدكتور محمّد عبد الرحمن مرحبا : ٨٠
المفهوم الفلسفي للعالم / ٤
المادّة أو الله ؟
المادّة على ضوء الفيزياء
المادّة والفلسفة
المادّة والحركة
المادّة والوجدان
انتهينا من الجزء السابق إلى نتيجة ، هي : أنّ المردّ الأساسي الأعمق للكون والعالم- بصورة عامة - هو العلّة الواجبة بالذات التي ينتهي إليها تسلسل الأسباب والمسألة الجديدة هي : أنّ هذه العلّة الواجبة الذات التي تعتبر الينبوع الأوّل للوجود ، هل هي المادّة نفسها ، أو شيء آخر فوق حدودها ؟ وبالصيغة الفلسفية للسؤال نقول : إنّ العلّة الفاعلية للعالم ، هل هي نفس العلّة المادّية أو لا ؟
ولأجل التوضيح نأخذ مثالاً ، وليكن هو الكرسي فالكرسي عبارة عن صفة أو هيئة خاصّة ، تحصل من تنظيم عدّة أجزاء مادّية تنظيماً خاصّاً ، ولذلك فهو لا يمكن أن يوجد دون مادّة من خشب أو حديد نحوهما وبهذا الاعتبار يُسمّى الخشب علّة مادّية للكرسي الخشبي ؛ فإنه لم يكن من الممكن أن يوجد الكرسي الخشبي من دون الخشب لكن من الواضح جدّاً : إنّ هذه العلّة المادّية ليست هي العلّة الحقيقية التي صنعت الكرسي ؛ فإنّ الفاعل الحقيقي للكرسي شيء غير مادّته ، وهو النجّار ولذا تطلق الفلسفة على النجّار اسم : العلّة الفاعلية فالعلّية الفاعلية للكرسي ليست هي نفس علّته المادّية من الخشب أو الحديد فإذا سُئلنا عن مادّة الكرسي ، أجبنا أنّ مادّته هي الخشب ، وإذا سئلنا عن الصانع له (= العلّة الفاعلية) ، لم نجب بأنّه الخشب ، وإنّما نقول : إنّ النجّار صنعه بآلاته ووسائله
الخاصّة فالمفارقة بين المادّة والفاعل في الكرسي (أو في التعبير الفلسفي : بين العلّة المادّية والعلّة الفاعلية) واضحة كلّ الوضوح
وهدفنا الرئيسي من المسألة : أن نتبيّن نفس المفارقة في نفس العالم ، بين مادته الأساسية (العلّة المادّية) والفاعل الحقيقي (العلّة الفاعلية) فهل فاعل هذا العالم وصانعه شيء آخر خارج عن حدود المادّة ومغاير لها ، كما أنّ صانع الكرسي مغاير لمادّته الخشبية ؟ أو إنّه نفس المادّة التي تتركّب منها كائنات العالم ؟
وهذه هي المسألة التي تُقرّر المرحلة الأخيرة من مراحل النزاع الفلسفي بين الإلهية والمادّية وليس الديالكتيك إلاّ إحدى المحاولات الفاشلة التي قامت بها المادّية للتوحيد بين العلّة الفاعلية والعلّة المادّية للعالم ، طبقاً لقوانين التناقض الديالكتيكية
والتزاماً بطريقة الكتاب سوف نبحث المسألة بدراسة المادّة دراسة فلسفية على ضوء المقرّرات العلمية والقواعد الفلسفية ، متحاشين العمق الفلسفي في البحث ، والتفصيل في العرض
المادّة على ضوء الفيزياء
في المادّة فكرتان علميتان ، تناولهما العلماء بالبحث والدرس منذ آلاف السنين :
إحداهما : أنّ جميع الموادّ المعروفة في دنيا الطبيعة إنّما تتركّب من عدّة موادّ بسيطة محدودة ، تُسمّى بالعناصروالأخرى : أنّ المادّة تتكوّن من دقائق صغيرة جدّاً ، تُسمّى الذرّات .
أمّا الفكرة الأُولى فقد أخذ بها الإغريق بصورة عامّة ، وكان الرأي السائد هو اعتبار الماء والهواء والتراب والنار ، عناصر بسيطة ، وإرجاع جميع المركّبات إليها ، بصفتها الموادّ الأوّلية في الطبيعة وحاول بعض علماء العرب(١) بعد ذلك أن يضيفوا إلى هذه العناصر الأربعة ثلاثة عناصر أخرى ، هي : الكبريت ، والزئبق ، والملح وقد كانت خصائص العناصر البسيطة ـ في رأي الأقدمين(٢) ـ حدوداً فاصلة بينها ، فلا يمكن أن يتحوّل عنصر بسيط إلى عنصر بسيط آخر
وأمّا الفكرة الثانية (فكرة ائتلاف الأجسام من ذرّات صغيرة) فكانت موضوع صراع بين نظريتين : النظرية الانفصالية ، والنظرية الاتّصالية ، فالنظرية الانفصالية هي النظرية الذرّية للفيلسوف الإغريقي (ديمقريطس)(٣) ، القائلة : إنّ
____________________
(١) عمر فرّوخ ، تاريخ العلوم عند العرب : ٢١٦
(٢) المصدر السابق : ٧٠
(٣) اُنظر تفصيل النظريّة في : قصّة الفلسفة اليونانيّة : ٤٨ ـ ٥٣ (الفصل السادس : المذهب الذرّي) تاريخ العلوم عند العرب : ٧١ و ١٠١
الجسم مركّب من أجزاء صغيرة ، يتخلّل بينها فراغ ، وأطلق على تلك الأجزاء اسم الذرّة ، أو الجزء الذي لا يتجزّأ والنظرية الاتّصالية هي النظرية الغالبة التي أخذ بها أرسطو ورجال مدرسته والجسم في زعم هذه النظرية ليس محتوياً على ذرّات ، ومركّباً من وحدات صغيرة ، بل هو شيء واحد متماسك يمكننا أن نقسّمه فنخلق منه أجزاء منفصلة بالتقسيم ، لا أنّه يشتمل سلفاً على أجزاء كهذه(١)
وقد جاء بعد ذلك دور الفيزياء الحديثة ، فدرست الفكرتين درساً علمياً على ضوء اكتشافاتها في عالم الذرّة فأقرّت الفكرتين بصورة أساسية : فكرة العناصر البسيطة ، وفكرة الذرّات ، وكشفت في مجال كلّ منهما عن حقائق جديدة لم يكن من الممكن التوصّل إليها سابقاً
ففيما يخصّ الفكرة الأُولى استكشفت الفيزياء ما يقارب مئة من العناصر البسيطة التي تتكوّن منها المادّة الأساسية للكون والطبيعة بصورة عامّة فالعالم وإن بدا لأوّل مرّة مجموعة هائلة من الحقائق والأنواع المختلفة ، ولكن هذا الحشد الهائل المتنوّع يرجع في التحليل العلمي إلى تلك العناصر المحدودة
والأجسام ـ بناءً على هذا ـ قسمان : أحدهما جسم بسيط ، وهو الذي يتكوّن من أحد تلك العناصر ، كالذهب ، والنحاس ، والحديد ، والرصاص ، والزئبق والآخر هو الجسم المركّب من عنصرين أو عدّة عناصر بسيطة ، كالماء المركّب من ذرّة أوكسجين وذرّتين من الهيدروجين ، أو الخشب المركّب في الغالب من الأوكسجين والكربون والهيدروجين
وفيما يخصّ الفكرة الثانية برهنت الفيزياء الحديثة علمياً على النظرية الانفصالية ، وأنّ العناصر البسيطة مؤلّفة من ذرّات صغيرة ودقيقة إلى حدّ أنّ
____________________
(١) تاريخ العلوم عند العرب : ٧٣
المليمتر الواحد من المادّة يحتوي على ملايين من تلك الذرّات والذرّة عبارة عن الجزء الدقيق من العنصر الذي تزول بانقسامه خصائص ذلك العنصر البسيط
والذرّات تحتوي على نواة مركزية لها ، وعلى كهارب تدور حول النواة بسرعة هائلة ، وهذه الكهارب هي الإلكترونات والإلكترون هو وحدة الشحنة السالبة كما أنّ النواة تحتوي على بروتونات ونيوترونات فالبروتونات هي الدقائق الصغيرة وكلّ وحدة من وحداتها تحمل شحنة موجبة ، تساوي شحنة الإلكترون السالبة والنيوترونات دقائق أخرى تحتويها النواة ، وليس عليها أيّ شحنة كهربائية
وقد لوحظ على ضوء الاختلاف الواضح بين طول موجات الأشعّة التي تنتج عن قذف العناصر الكيماوية بقذائف من الإلكترونات ، أنّ هذا الاختلاف بين العناصر إنّما حصل بسبب اختلافها في عدد الإلكترونات التي تحتويها ذرّات هذه العناصر واختلافها في عدد الإلكترونات يقتضي تفاوتها في مقدار الشحنة الموجبة في النواة أيضاً ؛ لأنّ الذرّة متعادلة في شحناتها كهربائياً ، فالشحنة الموجبة فيها بمقدار السالبة ولمّا كانت زيادة عدد الإلكترونات في بعض العناصر على بعض يعني زيادة وحدات الشحنة السالبة فيها ، فيجب أن تكون نواتها محتوية على شحنة موجبة معادلة
وعلى هذا الأساس أُعطيت الأرقام المتصاعدة للعناصر فالهيدروجين = (١) بحسب رقمه الذرّي فهو يحتوي في نواته على شحنة واحدة موجبة ، يحملها بروتون واحد ، ويحيط بها إلكترون واحد ذو شحنة سالبة والهليوم أرقى منه في الجدول الذرّي للعناصر ؛ لأنّه = (٢) ، باعتباره يحتوي في نواته على ضعف الشحنة الموجبة المرتكزة في نواة الهيدروجين ، أي : على بروتونين ويحيط بنواتها إلكترونان ويأخذ الليثيوم الرقم الثالث وهكذا تتصاعد الأرقام
الذرّية إلى اليورانيوم ـ وهو أثقل العناصر المستكشفة لحدّ الآن ـ فرقمه الذرّي = (٩٢) ، بمعنى : أنّ نواته المركزية تشتمل على (٩٢) وحدة من وحدات الشحنة الموجبة ، ويحيط بها ما يماثل هذا العدد من الإلكترونات ، أي : من وحدات الشحنة السالبة
وفي هذا التسلسل للأرقام الذرّية لا يبدو للنيوترونات الكامنة في النواة أدنى تأثير ؛ لأنّها لا تحمل شحنة مطلقاً ، وإنّما تؤثّر في الوزن الذرّي للعناصر ؛ لأنّها في وزنها مساوية للبروتونات ولأجل ذلك كان الوزن الذرّي للهيلوم ـ مثلاً ـ يعادل وزن أربع ذرّات من الهيدروجين ، باعتبار اشتمال نواته على نيوترونين وبروتونين ، في حال أنّ النواة الهيدورجينية ، لا تحتوي إلاّ على بروتون واحد
ومن الحقائق التي أُتيح للعلم إثباتها هو : إمكان تبدّل العناصر بعضها ببعض ، وعمليات التبدّل هذه بعضها يتمّ بصورة طبيعية ، وبعضها يحصل بالوسائل العلمية فقد لوحظ أنّ عنصر اليورانيوم يولّد أنواعاً ثلاثة من الأشعّة ، هي : أشعّة ألفا ، وبيتا ، وجاما وقد وجد (رذرفورد) حين فحص هذه الأنواع أنّ أشعّة (ألفا) مكوّنة من دقائق صغيرة ، عليها شحنات كهربائية سالبة ، وقد ظهر نتيجة للفحص العلمي أنّ دقائق (الألفا) هي عبارة عن ذرّات هليوم ، بمعنى : أنّ ذرّات هليوم تخرج من ذرّات الراديوم ، أو بتعبير آخر : أنّ عنصر هليوم يتولّد من عنصر الراديوم
كما أنّ عنصر اليورانيوم بعد أن شعّ ألفا ، وبيتا ، وجاما ، يتحوّل تدريجياً إلى عنصر آخر ، وهو عنصر الراديوم والراديوم أخفّ في وزنه الذرّي من اليورانيوم ، وهو بدوره يمرّ بعدّة تحوّلات عنصرية حتّى ينتهي إلى عنصر الرصاص
وقام (رذرفورد) بعد ذلك بأوّل محاولة لتحويل عنصر إلى عنصر آخر ؛ وذلك أنّه جعل نوى ذرّات الهليوم (دقائق الألفا) تصطدم بنوى ذرّات الآزوت ، فتولّدت البروتونات ، أي : نتجت ذرّة هيدروجين من ذرّة الآزوت ، وتحوّلت ذرّة الآزوت إلى اُوكسجين وأكثر من هذا ، فقد ثبت أنّ من الممكن أن تتحوّل بعض أجزاء الذرّة إلى جزء آخر ، فيمكن لبروتون ـ أثناء عملية انقسام الذرّة ـ أن يتحوّل إلى نيوترون ، وكذلك العكس
وهكذا أصبح تبديل العناصر من العمليات الأساسية في العلم
ولم يقف العلم عند هذا الحدّ ، بل بدأ بمحاولة تبديل المادّة إلى طاقة خالصة ، أي : نزع الصفة المادّية للعنصر بصورة نهائية ، وذلك على ضوء جانب من النظرية النسبية لـ (آينشتين) ؛ إذ قرّر أنّ كتلة الجسم نسبية ، وليست ثابتة ، فهي تزيد بزيادة السرعة ، كما تؤكّد التجارب التي أجراها علماء الفيزياء الذرّية على الإلكترونات التي تتحرّك في مجال كهربائي قوي ، ودقائق (بيتا) المنطلقة من نوايا الأجسام المشعّة ولمّا كانت كتلة الجسم المتحرّك تزداد بزيادة حركته ، وليست الحركة إلاّ مظهراً من مظاهر الطاقة ، فالكتلة المتزايدة في الجسم هي ـ إذن ـ طاقته المتزايدة ، فلم يعد في الكون عنصران متمايزان : أحدهما المادّة التي يمكن مسّها وتتمثّل لنا في كتلة والآخر الطاقة التي لا يمكن أن تُرى ، وليس لها كتلة ، كما كان يعتقد العلماء سابقاً ، بل أصبح العلم يعرّف أنّ الكتلة ليست إلاّ طاقة مركّزة
ويقول (آينشتين) في معادلته : إنّ الطاقة = كتلة المادّة × مربّع سرعة الضوء (وسرعة الضوء تساوي (٠٠٠ / ١٨٦) ميلاً في الثانية) كما أنّ الكتلة = الطاقة ÷ مربّع سرعة الضوء وبذلك ثبت أنّ الذرّة بما فيها من بروتونات وإلكترونات ليست في الحقيقة
إلاّ طاقة متكاثفة ، يمكن تحليلها وإرجاعها إلى حالتها الأُولى فهذه الطاقة هي الأصل العلمي للعالم في التحليل الحديث ، وهي التي تظهر في أشكال مختلفة ، وصور متعدّدة ، صوتية ، ومغناطيسية ، وكهربائية ، وكيمياوية ، وميكانيكية
وعلى هذا الضوء لم يعد الازدواج بين المادّة والإشعاع ، بين الجُسيمات والموجات ، أو بين ظهور الكهرب على صورة مادّة أحياناً ، وظهوره على صورة كهرباء أحياناً أخرى ، أقول : لم يعد هذا غريباً ، بل أصبح مفهوماً بمقدار ما دامت كلّ هذه المظاهر صوراً لحقيقة واحدة ، وهي الطاقة.
وقد أثبتت التجارب عملياً صحّة هذه النظريات ؛ إذ أمكن للعلماء أن يحوّلوا المادّة إلى طاقة ، والطاقة إلى مادّة فالمادّة تحوّلت إلى طاقة عن طريق التوحيد بين نواة ذرّة الهيدروجين ونواة ذرّة ليثيوم ، فقد نتج عن ذلك نواتان من ذرّات الهليوم ، وطاقة هي في الحقيقة الفارق بين الوزن الذرّي لنواتين من الهليوم ، والوزن الذرّي لنواة هيدروجين ونواة ليثيوم
والطاقة تحوّلت إلى المادّة عن طريق تحويل أشعّة (جاما) ـ وهي أشعّة لها طاقة وليس لها وزن ـ إلى دقائق مادّية من الإلكترونات السالبة ، والإلكترونات الموجبة التي تتحوّل بدورها إلى طاقة إذا اصطدم الموجب منها بالسالب
ويعتبر أعظم تفجير للمادّة توصّل إليه العلم هو : التفجير الذي يمكن للقنبلة الذرّية والهيدروجينية أن تحققه ؛ إذ يتحوّل بسببهما جزء من المادّة إلى طاقة هائلة وتقوم الفكرة في القنبلة الذرّية على إمكان تحطيم نواة ذرّة ثقيلة ، بحيث تنقسم إلى نواتين أو أكثر من عناصر أخفّ وقد تحقّق ذلك بتحطيم النواة في بعض أقسام عنصر اليورانيوم الذي يطلق عليه اسم اليورانيوم ٢٣٥ ، نتيجة لاصطدام النيوترون بها
وتقوم الفكرة في القنبلة الهيدروجينية على ضمّ نوى ذرّات خفيفة إلى بعضها ؛ لتكون بعد اتّحادها نوى ذرّات أثقل منها ، بحيث تكون كتلة النواة الجديدة أقلّ من كتلة المكوّنات الأصليّة وهذا الفرق في الكتلة هو الذي يظهر في صورة طاقة ومن أساليب ذلك دمج أربع ذرّات هيدروجين بتأثير الضغط والحرارة الشديدين ، وإنتاج ذرّة من عنصر الهليوم مع طاقة ، هي الفارق الوزني بين الذرّة الناتجة ، والذرّات المندمجة ، وهو كسر ضئيل جداً في حساب الوزن الذرّي
نتائج الفيزياء الحديثة :
ويستنتج من الحقائق العلمية التي عرضناها عدّة أمور :
أ- أنّ المادّة الأصلية للعالم حقيقة واحدة مشتركة بين جميع كائناته وظواهره ، وهذه الحقيقة المشتركة هي التي تظهر بمختلف الأشكال ، وتتنوّع بشتّى التنوّعات
ب- أنّ خواصّ المركّبات المادّية كلّها عرضية بالإضافة إلى المادّة الأصلية فالماء بما يملك من خاصّة السيلان ليس شيئاً ذاتياً للمادّة التي يتكوّن منها ، وإنّما هو صفة عرضية ؛ وذلك بدليل أنّه مركّب ـ كما عرفنا سابقاً ـ من عنصرين بسيطين ، وفي الإمكان إفراز هذين العنصرين عن الآخر ، فيرجعان إلى حالتهما الغازية ، وتزول صفة الماء تماماً ومن الواضح : أنّ الصفات التي يمكن أن تزول عن الشيء لا يمكن أن تكون ذاتية له
ج- أنّ خواص العناصر البسيطة نفسها ليست ذاتية للمادّة أيضاً ، فضلاً عن خصائص المركّبات والبرهان العلمي على ذلك ما مرّ بنا : من إمكان تحوّل بعض العناصر إلى بعض ، وبعض ذرّاتها إلى ذرّات أخرى ، طبيعياً أو اصطناعياً ، فإنّ هذا أمر يدلّ على أنّ خصائص العناصر إنّما هي صفات عرضية للمادّة المشتركة بين
جميع العناصر البسيطة فليست صفات الراديوم ، والرصاص ، والآزوت ، والأُوكسجين ، ذاتية للموادّ التي تتمثّل في تلك العناصر ما دام في الإمكان تبديلها البعض بالبعض
د- وأخيراً ، فنفس صفة المادّية أصبحت ـ على ضوء الحقائق السابقة ـ صفة عرضية أيضاً ، فهي لا تعدو أن تكون لوناً من ألوان الطاقة وشكلاً من أشكالها ، وليس هذا الشكل ذاتياً لها ؛ لما سبق من أنّها قد تستبدل هذا الشكل بشكل آخر ، فتتحوّل المادّة إلى طاقة ، ويتحوّل الكهرب إلى كهرباء
النتيجة الفلسفية من ذلك :
وإذا أخذنا تلك النتائج العلمية بعين الاعتبار ، وجب أن ندرسها درساً فلسفياً ؛ لنعرف ما إذا كان في الإمكان أن نفترض المادّة هي السبب الأعلى (العلّة الفاعلية) للعالم أو لا ولا تردّد في أنّ الجواب الفلسفي على هذا السؤال هو : النفي بصورة قاطعة ؛ ذلك لأنّ المادّة الأصلية للعالم حقيقة واحدة عامّة في جميع مظاهره وكائناته ، ولا يمكن للحقيقة الواحدة أن تختلف آثارها ، وتتباين أفعالها
فالتحليل العلمي للماء ، والخشب ، والتراب ، وللحديد والآزوت ، والرصاص ، والراديوم ، أدّى في نهاية المطاف إلى مادّة واحدة ، نجدها في كلّ هذه العناصر وتلك المركّبات فلا تختلف مادّة كلّ واحد من هذه الأشياء عن مادّة غيره ، ولذلك يمكن تحويل مادّة شيء إلى شيء آخر
فكيف يمكن أن نسند إلى تلك المادّة الأساسية التي نجدها في الأشياء جميعاً ، تنوّع تلك الأشياء وحركاتها المختلفة ؟! ولو أمكن هذا لكان معناه : أنّ الحقيقة الواحدة قد تتناقض ظواهرها ، وتختلف أحكامها وفي ذلك القضاء الحاسم على جميع العلوم الطبيعية بصورة عامّة ؛ لأنّ هذه العلوم قائمة جميعاً على
أساس : أنّ الحقيقة الواحدة لها ظواهر ونواميس معيّنة لا تختلف ، كما درسنا ذلك بكلّ تفصيل في الجزء السابق من هذه المسألة فقد قلنا : إنّ تجارب العالم الطبيعي لا تقع إلاّ على موارد معيّنة ، ومع ذلك فهو يشيد قانونه العلمي العامّ الذي يتناول كلّ ما تتّفق حقيقته مع موضوع تجربته وليس ذلك إلاّ لأنّ الموادّ التي عمّم عليها القانون يتمثّل فيها نفس الواقع الذي درسه في تجاربه الخاصّة ومعنى هذا : أنّ الواقع الواحد المشترك لا يمكن أن تتناقض ظواهره ، وأن تختلف آثاره ، وإلاّ لو أمكن شيء من ذلك ، لما أمكن للعالم أن يضع قانونه العامّ
وعلى هذا الأساس نعرف أنّ الواقع المادّي المشترك للعالم الذي دلّل عليه العلم ، لا يمكن أن يكون هو السبب والعلّة الفاعلية له ؛ لأنّ العالم مليء بالظواهر المختلفة ، والتطوّرات المتنوّعة
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ، قد علمنا على ضوء النتائج العلمية السابقة أنّ الخصائص والصفات التي تبدو بها المادّة في مختلف مجالات وجودها ، خصائص عرضية للمادّة الأصلية ، أو للواقع المادّي المشترك فخصائص المركّبات صفات عرضية للعناصر البسيطة ، وخصائص العناصر البسيطة صفات عرضية للمادّة الذرّية وصفة المادّية نفسها هي ـ أيضاً ـ عرضية كما سبق ، بدليل إمكان سلب كلّ واحدة من هذه الصفات ، وتجريد الواقع المشترك منها ، فلا يمكن أن تكون المادّة ديناميكية وسبباً ذاتياً لاكتساب تلك الخصائص والصفات
مع التجريبيين :
ولنقف قليلاً عند أولئك الذين يقدّسون التجربة والحسّ العلمي ، ويعلنون بكلّ صلف أنّنا لا نؤمن بأيّ فكرة ما لم تثبت بالتجربة ، ولم يبرهن عليها عن
طريق الحسّ وما دامت المسألة الإلهية مسألة غيبية وراء حدود الحسّ والتجربة ، فيجب أن نطرحها جانباً ، وننصرف إلى ما يمكن الظفر به في الميدان التجريبي من حقائق ومعارف نقف عندهم لنسألهم : ماذا تريدون بالتجربة ؟ وماذا تعنون برفض كلّ عقيدة لا برهان عليها من الحسّ؟
فإن كان فحوى هذا الكلام أنّهم لا يؤمنون بوجود شيء ما لم يحسّوا بوجوده إحساساً مباشراً ، ويرفضون كلّ فكرة ما لم يدركوا واقعها الموضوعي بأحد حواسّهم ، فقد نسفوا بذلك الكيان العلمي كلّه ، وأبطلوا جميع الحقائق الكبرى المبرهن عليها بالتجربة التي يقدّسونها ؛ فإنّ إثبات حقيقة علمية بالتجربة ليس معناه الإحساس المباشر بتلك الحقيقة في الميدان التجريبي فـ (نيوتن) ـ مثلاً ـ حين وضع قانون الجاذبية العامة على ضوء التجربة ، لم يكن قد أحسّ بتلك القوّة الجاذبية بشيء من حواسه الخمس ، وإنّما استكشفها عن طريق ظاهرة أخرى محسوسة ، لم يجد لها تفسيراً إلاّ بافتراض وجود القوّة الجاذبة فقد رأى أنّ السيارات لا تسير في خطّ مستقيم ، بل تدور دوراناً ، وهذه الظاهرة لا يمكن أن تتمّ ـ في نظر نيوتن ـ لو لم تكن هناك قوّة جاذبة ؛ لأنّ مبدأ (القصور الذاتي) يقضي بسير الجسم المتحرّك في اتّجاه مستقيم ما لم يفرض عليه أسلوب آخر من قوّة خارجية فانتهى من ذلك إلى قانون الجاذبية الذي يقرّر أنّ السيّارات تخضع لقوّة مركزية ، هي الجاذبية
وإن كان يعني هؤلاء ـ الذين ينادون بالتجربة ويقدّسونها ـ نفس الأسلوب الذي تمّ به علمياً استكشاف قوى الكون وأسراره ، وهو : درس ظاهرة محسوسة ثابتة بالتجربة ، واستنتاج شيء آخر منها استنتاجاً عقلياً ، باعتبار التفسير الوحيد لوجودها ، فهذا هو أسلوب الاستدلال على المسألة الإلهية تماماً ؛ فإنّ التجارب الحسّية والعلمية قد أثبت أنّ جميع خصائص المادّة الأصلية ، وتطوّراتها
وتنوّعاتها ، ليس ذاتية ، وإنّما هي عرضية ، كحركة السيّارات الشمسية حول المركز فكما أنّ دورانها حوله ليس ذاتياً لها ، بل هي تقتضي بطبيعتها الاتّجاه المستقيم في الحركة طبقاً لمبدأ القصور الذاتي ، كذلك خصائص العناصر والمركّبات وكما أنّ ذلك الدوران لمّا لم يكن ذاتياً أتاح لنا أن نبرهن على وجود قوّة خارجية جاذبة ، كذلك هذا التنوّع والاختلافات في خصائص المادّة المشتركة يكشف ـ أيضاً ـ عن سبب وراء المادّة ونتيجة ذلك هي : أنّ (العلّة الفاعلية) للعالم غير علّته المادّية ، أي : أنّ سببه غير المادّة الخام التي تشترك فيها الأشياء جميعاً
مع الديالكتيك :
قد مرّ بنا الحديث عن الديالكتيك في الجزء الثاني من هذه المسألة ، وكشفنا عن الأخطاء الرئيسية التي ارتكز عليها ، كإلغاء مبدأ عدم التناقض ونحوه ونريد الآن أن نبرهن على عجزه من جديد عن حلّ مشكلة العالم ، وتكوين فهم صحيح له ، بقطع النظر عمّا في ركائزه وأسسه من أخطاء وتهافت
يزعم الديالكتيك أنّ الأشياء تنتج عن حركة في المادّة ، وأنّ حركة المادّة ناشئة ذاتياً عن المادّة نفسها ، باعتبار احتوائها على النقائض ، وقيام الصراع الداخلي بين تلك النقائض
فلنمتحن هذا التفسير الديالكتيكي بتطبيقه على الحقائق العلمية التي سبق أن عرفناها عن العالم ؛ لنرى ماذا تكون النتيجة ؟
إنّ العناصر البسيطة عدّة أنواع ، ولكلّ عنصر بسيط رقم ذرّي خاصّ به ، وكلّما كان العنصر أرقى كان رقمه أكثر ، حتّى ينتهي التسلسل إلى اليورانيوم ، أرقى العناصر وأعلاها درجة وقد أوضح العلم ـ أيضاً ـ أنّ مادّة هذه العناصر البسيطة
واحدة ومشتركة في الجميع ، ولذا يمكن تبديلها البعض بالبعض ، فكيف وجدت أنواع العناصر العديدة في تلك المادّة المشتركة ؟
والجواب على أسس التغيّر الديالكتيكي يتلخّص في أنّ المادّة قد تطوّرت من مرحلة إلى مرحلة أرقى ، حتّى بلغت درجة اليورانيوم وعلى هذا الضوء يجب أن يكون عنصر الهيدروجين نقطة الابتداء في هذا التطوّر ، باعتباره أخفّ العناصر البسيطة فالهيدروجين يتطوّر ديالكتيكياً بسبب التناقض المحتوى في داخله ، فيصبح بالتطوّر الديالكتيكي عنصراً أرقى ، أي : عنصر الهليوم ، وهذا العنصر بدوره ينطوي على نقيضه ، فيشتعل الصراع من جديد بين النفي والإثبات ، بين الوجه السالب والوجه الموجب ، حتّى تدخل المادّة في مرحلة جديدة ، ويوجد العنصر الثالث ، وهكذا تتصاعد المادّة طبقاً للجدول الذرّي
هذا هو التفسير الوحيد الذي يمكن للديالكتيك أن يقدّمه في هذا المجال ، تبريراً لديناميكية المادّة ولكن من السهل جدّاً أن نتبيّن عدم إمكان الأخذ بهذا التفسير من ناحية علمية ؛ لأنّ الهيدروجين لو كان مشتملاً بصورة ذاتية على نقيضه ، ومتطوّراً بسبب ذلك طبقاً لقوانين الديالكتيك المزعوم ، فلماذا لم تتكامل جميع ذرّات الهيدروجين ؟! وكيف اختصّ هذا التكامل الذاتي ببعض دون بعض ؟! فإنّ التكامل الذاتي لا يعرف التخصيص ، فلو كانت العوامل الخلاّقة للتطوّر والترقّي موجودة في صميم المادّة الأزلية ، لما اختلفت آثار تلك العوامل ، ولما اختصّت بمجموعة معيّنة من الهيدروجين ، تحوّلها إلى هليوم وتترك الباقي فنواة الهيدروجين (البروتون) إذا كانت تحمل في ذاتها نفيها ، وتتطوّر تبعاً لذلك حتّى تصبح بروتونين ، بدلاً من بروتون واحد ، لنتج عن ذلك زوال الماء عن وجه الأرض تماماً ؛ لأنّ الطبيعة إذا فقدت نوى ذرّات الهيدروجين ، وتحوّلت جميعاً إلى نوى ذرّات الهليوم ، لم يكن من الممكن أن يوجد بعد ذلك ماء
فما هو سبب الذي جعل تطوّر الهيدروجين إلى هليوم مقتصراً على كمّية معيّنة ، وأطلق الباقي من أسر هذا التطوّر الجبري ؟!
وليس التفسير الديالكتي للمركّبات أدنى إلى التوفيق من تفسير الديالكتيك للعناصر البسيطة فالماء إذا كان قد وجد طبقاً لقوانين الديالكتيك ، فمعنى ذلك : أنّ الهيدروجين يعتبر إثباتاً ، وأنّ هذا الإثبات يثير نفي نفسه بتوليده للأُوكسجين ، ثمّ يتّحد النفي والإثبات معاً في وحدة هي الماء ، أو أن نعكس الاعتبار ، فنفرض الأوكسجين إثباتاً ، والهيدروجين نفياً ، والماء هو الوحدة التي انطوت على النفي والإثبات معاً ، وحصلت نتيجة تكاملية للصراع الديالكتي بينهما ، فهل يمكن للديالكتيك أن يوضح لنا : أنّ هذا التكامل الديالكتيكي لو كان يتمّ بصورة ذاتية وديناميكية ، فلماذا اختصّ بكمّية معيّنة من العنصرين ، ولم يحصل في كلّ هيدروجين وأوكسجين ؟
ولا نريد بهذا أن نقول : إنّ اليد الغيبية هي التي تباشر كلّ عمليات الطبيعة وتنوّعاتها ، وأنّ الأسباب الطبيعية لا موضع لها من الحساب ، وإنّما نعتقد أنّ تلك التنوّعات والتطوّرات ناشئة من عوامل طبيعية خارج المحتوى الذاتي للمادّة ، وهذه العوامل تتسلسل حتّى تصل في نهاية التحليل الفلسفي إلى مبدأ وراء الطبيعة ، لا إلى المادّة ذاتها
والنتيجة هي : أنّ وحدة المادّة الأصلية للعالم التي برهن عليها العلم من ناحية ، وتنوّعاتها واتّجاهاتها المختلفة التي دلّ العلم على أنّها عرضية وليست ذاتية من ناحية أخرى ، تكشف عن السرّ في المسألة الفلسفية ، وتوضح : أنّ السبب الأعلى لكلّ هذه التنوّعات والاتّجاهات ، لا يكمن في المادّة ذاتها ، بل في سبب فوق حدود الطبيعة ، ترجع إليه العوامل الطبيعية الخارجية التي تعمل على تنويع المادّة وتحديد اتّجاهاتها
المادّة والفلسفة
كنّا ننطلق في برهاننا على المسألة الإلهية من المادّة بمفهومها العلمي ، التي برهن العلم على اشتراكها ، وعرضية الخصائص بالإضافة إليها والآن نريد أن ندرس المسألة الإلهية على ضوء المفهوم الفلسفي للمادّة
ولأجل ذلك يجب أن نعرف ما هي المادّة ؟ وما هو مفهومها العلمي والفلسفي ؟
نعني بمادّة الشيء : الأصل الذي يتكوّن منه الشيء فمادّة السرير هي الخشب ، ومادّة الثوب هي الصوف ، ومادّة الورق هي القطن ، بمعنى : أنّ الخشب والصوف والقطن هي الأشياء التي يتكوّن منها السرير والثوب والورق ونحن كثيراً ما نعيّن مادّة للشيء ، ثمّ نرجع إلى تلك المادّة لنحاول معرفة مادّتها ، أي : الأصل الذي تتكوّن منه ، ثمّ نأخذ هذا الأصل ، فنتكلّم عن مادّته وأصله أيضاً فالقرية إذا سُئِلنا ممّ تتكوّن ؟ أجبنا بأنّها تتكوّن من عدّة عمارات ودور فالعمارات والدور هي مادّة القرية ، ويتكرّر السؤال عن هذه العمارات والدور ، ما هي مادّتها ؟ ويجاب عن السؤال بأنّها تتركّب من الخشب والآجر والحديد وهكذا نضع لكلّ شيء مادّة ، ثمّ نضع للمادّة بدورها أصلاً تتكوّن منه ، ويجب أن ننتهي في هذا التسلسل إلى مادّة أساسية ، وهي المادّة التي لا يمكن أن يوضع لها مادّة بدورها
ومن جرّاء ذلك انبثق في المجال الفلسفي والعلمي السؤال عن المادّة الأساسية والأصلية للعالم ، التي ينتهي إليها تحليل الأشياء في أصولها وموادّها
وهذا السؤال يعتبر من أهمّ الأسئلة الرئيسية في التفكير البشري ، العلمي والفلسفي ويقصد بالمادّة العلمية أعمق ما تكشفه التجربة من موادّ للعالم ، فهي الأصل الأوّل في التحليلات العلمية ويقصد بالمادّة الفلسفية أعمق مادّة للعالم ، سواءٌ أكان من الممكن ظهورها في المجال التجريبي أم لا
وقد مرّ بنا التحدّث عن المادّة العلمية ، وعرفنا أنّ أعمق مادّة توصّل إليها العلم هي الذرّة بأجزائها من النوى والكهارب ، التي هي تكاثف خاصّ للطاقة ففي العرف العلمي مادّة الكرسي هي الخشب ، ومادّة الخشب هي العناصر البسيطة التي يأتلف منها ، وهي : الأوكسجين ، والكربون ، والهيدروجين ومادّة هذه العناصر هي الذرّات ، ومادّة الذرّة هي أجزاؤها الخاصّة من البروتونات والإلكترونات وغيرهما وهذه المجموعة الذرّية ، أو الشحنات الكهربائية المتكاثفة ، هي المادّة العلمية العميقة التي أثبتها العلم بالوسائل التجريبية
وهنا يجيء دور المادّة الفلسفية ؛ لنعرف ما إذا كانت الذرّة في الحقيقة هي أعمق وأبسط مادّة للعالم ، أو إنّها بدورها مركّبة ـ أيضاً ـ من مادّة وصورة ، فالكرسي كما عرفنا مركّب من مادّة وهي الخشب ، وصورة هي هيئته الخاصّة والماء مركّب من مادّة وهي ذرّات الأوكسجين والهيدروجين ، وصورة وهي خاصية السيلان ، التي تحصل عند التركيب الكيماوي بين الغازين فهل الذرّات الدقيقة هي المادّة العلمية للعالم كذلك أيضاً ؟
والرأي الفلسفي السائد هو : أنّ المادّة الفلسفية أعمق من المادّة العلمية ، بمعنى : أنّ المادّة الأُولى في التجارب العلمية ليست هي المادّة الأساسية في النظر الفلسفي ، بل هي مركّبة من مادّة -أبسط منها- وصورة ، وتلك المادّة الأبسط لا يمكن إثباتها بالتجربة ، وإنّما يبرهن على وجودها بطريقة فلسفية
تصحيح الأخطاء :
وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نعرف أنّ النظرية الذرّية لـ (ديمقريطس) ـ القائلة بأنّ أصل العالم عبارة عن ذرّات أصلية لا تتجزّأ ـ لها جانبان : أحدهما علمي ، والآخر فلسفي
فالجانب العلمي هو : أنّ بنية الأجسام مركّبة من ذرّات صغيرة ، يتخلّل بينها الفراغ ، وليس الجسم كتلة متّصلة ، وإن بدا لحواسنا كذلك ، وتلك الوحدات الصغيرة هي مادّة الأجسام جميعاً.
والجانب الفلسفي هو : أنّ ديمقريطس زعم أنّ تلك الوحدات والذرّات ليس مركّبة من مادّة وصورة ؛ إذ ليست لها مادّة أعمق وأبسط منها ، فهي المادّة الفلسفية ، أي : أعمق وأبسط مادّة للعالم
وقد اختلط هذان الجانبان من النظرية على كثير من المفكّرين ، فبدا لهم أنّ عالم الذرّة الذي كشفه العلم الحديث بالأساليب التجريبية ، يبرهن على صحّة النظرية الذرّية فلم يعد من الممكن تخطئة (ديمقريطس) في تفسيره للأجسام ـ كما خطّأه الفلاسفة السابقون ـ بعد أن تجلّى للعلم عالم الذرّة الجديد ، وإن اختلف التفكير العلمي الحديث عن تفكير ديمقريطس في تقدير حجم الذرّة وتصوير بنيتها
ولكن الواقع : أنّ التجارب العلمية الحديثة عن الذرّة إنّما تثبت صحّة الجانب العلمي من نظرية ديمقريطس ، فهي تدلّ على أنّ الجسم مركّب من وحدات ذرّية ، ويشتمل على فراغ يتخلّل بين تلك الذرّات ، وليس متّصلاً كما يصوّره الحسّ لنا وهذه هي الناحية العلمية من النظرية التي يمكن للتجربة أن تكشف عنها وليس للفلسفة كلمة في هذا الموضوع ؛ لأنّ الجسم من ناحية فلسفية
كما يمكن أن يكون متّصلاً ، كذلك يمكن أن يكون محتوياً على فراغ تتخلّله أجزاء دقيقة
وأمّا الجانب الفلسفي في نظرية ديمقريطس ، فلا تمسّه الكشوف العلمية بشيء ، ولا تبرهن على صحّته ، بل تبقى مسألة وجود مادّة أبسط من المادّة العلمية في ذمّة الفلسفة ، بمعنى : أنّ الفلسفة يمكنها أن تأخذ أعمق مادّة توصّل إليها العلم في الميدان التجريبي ، وهي الذرّة ومجموعتها الخاصّة ، فتبرهن على أنّها مركّبة من مادّة أبسط وصورة ولا يتناقض ذلك مع الحقائق العلمية ؛ لأنّ هذا التحليل والتركيب الفلسفي ليس ممّا يمكن أن يظهر في الحقل التجريبي
وكما أخطأ هؤلاء في زعمهم أنّ التجارب العلمية تدلّل على صحّة النظرية بكاملها ، مع أنّها متّصلة بجانبها العلمي فقط ، كذلك أخطأ عدّة من الفلاسفة الأقدمين الذين رفضوا الجانب الفلسفي من النظرية ، فعمّموا الرفض للناحية العلمية أيضاً ، وادّعوا ـ من دون سند علمي أو فلسفي ـ أنّ الأجسام متّصلة ، وأنكروا الذرّة والفراغ في محتواها الداخلي
والموقف الذي يجب أن نقفه في المسألة هو : أن نقبل الجانب العلمي من النظرية ، الذي يؤكّد أنّ الأجسام ليست متّصلة ، وأنّها مركّبة من ذرّات دقيقة إلى الغاية ؛ فإنّ هذا الجانب قد كشفت عنه الفيزياء الذرّية بصورة لا تدع مجالاً للشكّ
وأمّا الجانب الفلسفي من النظرية القائل ببساطة تلك الوحدات التي تكشف عنها الفيزياء الذرّية ، فنرفضه ؛ لأنّ الفلسفة تبرهن على أنّ الوحدة التي تكشف عنها الفيزياء ـ مهما كانت دقيقة ـ مركّبة من صورة ومادّة ونطلق على هذه المادّة اسم المادّة الفلسفية ؛ لأنّها المادّة الأبسط التي يثبت وجودها بطريقة فلسفية لا علمية وقد حان لنا الآن أن ندرس هذه الطريقة الفلسفية
المفهوم الفلسفي للمادّة :
لمّا كانت المسألة التي نتناولها فلسفية ودقيقة إلى حدّ ما ، يجب أن نمشي بتُؤَدَة وهدوء ؛ ليتمكّن القارئ من متابعة السير ولذا فلنبدأ ـ أوّلاً ـ بالماء والكرسي ونظائرهما ؛ لنعرف كيف صدّقت الفلسفة بأنّها مركّبة من مادّة وصورة ؟
إنّ الماء يتمثّل في مادّة سائلة ، وهو في نفس الوقت قابل لأن يكون غازاً ، ومركز هذه القابلية ليس هو السيلان ؛ لأنّ صفة السيلان لا يمكن أن تكون غازاً ، بل مركزه المادّة المحتواة في الماء السائل فهو ـ إذن ـ مركّب من حالة السيلان ، ومادّة تتّصف بتلك الحالة ، وهي قابلة للغازية أيضاً والكرسي يتمثّل في خشب مصنوع على هيئة خاصّة ، وهو يقبل أن يكون منضدة ، وليست هيئة الكرسي هي التي تقبل أن تكون منضدة ، بل المادّة فعرفنا من ذلك : أنّ الكرسي مركّب من هيئة معيّنة ، ومادّة خشبية تصلح لأن تكون منضدة ، كما صلحت لأن تكون كرسياً وهكذا في كلّ مجال إذا لوحظ أنّ الكائن الخاصّ قابل للاتّصاف بنقيض صفته الخاصّة ، فإنّ الفلسفة تبرهن بذلك على أنّ له مادّة ، وهي التي تقبل للاتّصاف بنقيض تلك الصفة الخاصّة
ولنأخذ مسألتنا على هذا الضوء فقد عرفنا أنّ العلم يوضّح أنّ الجسم ليس شيئاً واحداً ، بل هو مركّب من وحدات أساسية تسبح في فراغ وهذه الوحدات باعتبارها الوحدات الأخيرة في التحليل العلمي ، فهي بدورها ليست مركّبة من ذرّات أصغر منها ، وإلاّ لم تكن الوحدات النهائية للمادّة وهذا صحيح ، فالفلسفة تعطي للعلم حرّيته الكاملة في تعيين الوحدات النهائية التي لا يتخلّلها فراغ ولا تحتوي على أجزاء وحينما يعيّن العلم تلك الوحدات ، يجيء دور الفلسفة ،
فتبرهن على أنّها مركّبة من صورة ومادّة أبسط فنحن لا نتصوّر وحدة مادّية من دون اتّصال ؛ لأنّها لو لم تكن متّصلة اتصالاً حقيقياً ، لكانت محتوية على فراغ تتخلّله أجزاء ، كالجسم فمعنى الوحدة هي أن تكون متّصلة ، فلا تكون وحدة حقيقية بلا اتّصال ، ولكنّها في نفس الوقت قابلة للتجزئة والانفصال أيضاً
ومن الواضح : أنّ ما يقبل التجزئة والانفصال ليس هو نفس الاتّصالية المقوّمة للوحدة المادّية ؛ لأنّ الاتّصال لا يمكن أن يتّصف بالانفصال ، كما أنّ السيولة لم يكن من الممكن أن تتّصف بالغازية فيجب أن تكون للوحدة مادّة بسيطة ، وهي التي تقبل التجزئة والانفصال ويؤدّي ذلك إلى اعتبارها مركّبة من مادّة ، وصورة فالمادّة هي القابلة للتجزئة والانفصال الهادم للوحدة ، كما أنّها هي القابلة للاتّصال أيضاً ، الذي يحقّق الوحدة ، وأمّا الصورة فهي نفس هذه الاتّصالية التي لا يمكن أن نتصوّر وحدة مادّية من دونها
ولكن المسألة التي تواجهنا في هذه المرحلة هي : أنّ الفلسفة كيف يمكنها معرفة أنّ الوحدات الأساسية في المادّة قابلة للتجزئة والانفصال ؟ وهل يوجد سبيل إلى ذلك إلاّ بالتجربة العلمية ؟ والتجربة العلمية لم تثبت قابلية الوحدات الأساسية في المادّة للتجزئة والانقسام
ومرّة أخرى نؤكّد على ضرورة عدم الخلط بين المادّة العلمية والمادّة الفلسفية ؛ ذلك أنّ الفلسفة لا تدّعي أنّ تجزئة الوحدة أمر ميسور بالأجهزة والوسائل العلمية التي يملكها الإنسان ؛ فإنّ هذه الدعوى من حقّ العلم وحده ، وإنّما تبرهن على أنّ كلّ وحدة فهي قابلة للانقسام والتجزئة وإن لم يمكن تحقيق الانقسام خارجاً بالوسائل العلمية ، ولا يمكن أن يتصوّر وحدة من دون قابلية الانقسام ، أي : لا يمكن أن يتصوّر جزء لا يتجزّأ
الجزء والفيزياء والكيمياء :
فمسألة الجزء الذي لا يتجزّأ ليست مسألة علمية ، وإنّما هي فلسفية خالصة وبذلك نعرف أنّ الطرق أو الحقائق العلمية التي اتّخذت للإجابة عن هذه المسألة ، والتدليل على وجود الجزء الذي لا يتجزّأ ، أو على نفيه ، ليست صحيحة مطلقاً ، ونشير إلى شيء منها :
أ- قانون النسب الذي وضعه (والتن) في الكيمياء لإيضاح أنّ الاتّحاد الكيمياوي بين العناصر يجري طبقاً لنسب معيّنة ، وركّزه على أساس أنّ المادّة تتألّف من دقائق صغيرة لا تقبل التجزئة
ومن الواضح : أنّ هذا القانون إنّما يعمل في مجاله الخاصّ كقانون كيميائي ، ولا يمكن أن تحلّ به مشكلة فلسفية ؛ لأنّ قصارى ما يوضّحه هو : أنّ التفاعلات والتركيبات الكيمياوية لا يمكن أن تتمّ إلاّ بين مقادير معيّنة من العناصر في ظروف وشروط خاصّة وإذا لم تحصل المقادير والنسب المعيّنة ، فلا يوجد تفاعل وتركيب ولكنّه لا يوضّح ما إذا كانت تلك المقادير قابلة للانقسام بحدّ ذاتها أو لا ؟ فيجب علينا ـ إذن ـ أن نفرّق بين الناحية الكيميائية من القانون ، والناحية الفلسفية فهو من الناحية الكيميائية يثبت أنّ خاصّية التفاعل الكيمياوي توجد في مقادير معيّنة ، ولا يمكن أن تتحقّق في أقلّ من تلك المقادير ، وأمّا من الناحية الفلسفية ، فلا يثبت أنّ تلك المقادير هل هي أجزاء لا تتجزأ أو لا ؟ ولا صلة لذلك بالجانب الكيميائي من القانون مطلقاً
ب- المرحلة الأُولى من الفيزياء الذرّية التي حصل فيها اكتشاف الذرّة ، فقد بدا آنذاك لبعض : أنّ الفيزياء في هذه المرحلة قد وضعت حدّاً فاصلاً للنزاع في مسألة الجزء الذي لا يتجزّأ ؛ لأنّها كشفت عن هذا الجزء بالأساليب العلمية
ولكن من الواضح ـ على ضوء ما سبق ـ أنّ هذا الاكتشاف لا يثبت الجزء الذي لا يتجزّأ بمعناه الفلسفي ؛ لأنّ وصول التحليل العلمي إلى ذرّة لا يستطيع أن يُجزّئَها ، لا يعني أنّها غير قابلة للتجزئة بحدّ ذاتها
ج ـ المرحلة الثانية من الفيزياء الذرّية التي اعتبرت ـ على العكس من المرحلة الأُولى ـ دليلاً قاطعاً على نفي الجزء الذي لا يتجزّأ ؛ لأنّ العلم استطاع في هذه المرحلة أن يجزّئ الذرّة ويفجّرها ، وتبخّرت بذلك فكرة الجزء الذي لا يتجزّأ
وليست هذه المرحلة إلاّ كمرحلة السابقة في عدم صلتها بمسألة الجزء الذي لا يتجزّأ من ناحيتها الفلسفية ؛ ذلك أنّ انقسام الذرّة أو تحطيم نواتها إنّما يغيّر فكرتنا عن الجزء ، ولا يقضي بصورة نهائية على نظرية الجزء الذي لا يتجزّأ فالذرّة التي لا تنقسم بمعناها الذي كان لا يتصوّره (ديمقريطس) ، أو بمعناها الذي وضع (والتن) على أساسه قانون النسب في الكيمياء قد تلاشى بتفجير الذرّة ، ولكن هذا لا يعني أنّ المشكلة قد انتهت ؛ فإنّ الوحدات الأساسية في عالم المادّة ـ وهي الشحنات الكهربائية ، سواءٌ أكانت على شكل ذرّات وأجرام مادّية ، أم على شكل أمواج ـ تواجه السؤال الفلسفي عمّا إذا كانت قابلة للتجزئة أو لا ؟
الجزء والفلسفة :
وهكذا اتّضح في دراستنا أنّ مشكلة الجزء يجب أن تحلّ بطريقة فلسفية
وللفلسفة طرق كثيرة للبرهنة فلسفياً على أنّ كلّ وحدة تقبل الانقسام ولا يوجد جزء لا يتجزّأ ومن أوضح تلك الطرق أن نرسم دائرتين كالرحى ، إحداهما في داخل الأخرى ، ونقطة الوسط في الرحى هي مركز كلتا الدائرتين ، ونضع نقطة على موضع معيّن من محيط الدائرة الكبيرة ، ونقطة موازية لها
على محيط الدائرة الصغيرة ومن الواضح : أنّنا إذا حرّكنا الرحى تحرّكت كلتا الدائرتين فلنحرّك الرحى ، ونجعل النقطة التي وضعناها على الدائرة الكبيرة تتحرّك طبقاً لحركتها ، ولكن لا نسمح لها بالحركة إلاّ بمقدار إحدى الوحدات المادّية ، ثمّ نلاحظ في تلك اللحظة النقطة الموازية لها في الدائرة الصغيرة ؛ لنتساءل : هل طوت من المسافة نفس المقدار الذي طوته النقطة المقابلة لها من الدائرة الكبيرة وهو وحدة كاملة ، أو لم تطوِ إلاّ بعضه ؟ أمّا أنّها طوت نفس المقدار ، فهو يعني : أنّ النقطتين سارتا مسافة واحدة ، وهذا مستحيل ؛ لأنّنا نعلم أنّ النقطة مهما كانت أبعد عن المركز الرئيسي للدائرة ، تكون حركتها أسرع ، ولذا تطوي في كلّ دورة مسافة أطول ممّا تطويه النقطة القريبة في تلك الدورة ، فلا يمكن أن تتساوى النقطتان فيما طوتهما من المسافة وأمّا أنّ النقطة القريبة طوت جزءاً من المسافة التي طوتها النقطة البعيدة ، فهذا يعني : أنّ الوحدة التي اجتازتها النقطة البعيدة يمكن تجزئتها وتقسيمها ، وليست وحدة لا تتجزّأ
وهكذا يتّضح : أنّ أصحاب الفكرة القائلة بالوحدة التي لا تتجزّأ يواجهون موقفاً حرجاً ؛ لأنّهم لا يمكنهم أن يعتبروا النقطة البعيدة والقريبة متساويتين في مقدار الحركة ، ولا مختلفتين ولم يبقَ لهم إلاّ أن يزعموا لنا أنّ النقطة الموازية في الدائرة الصغيرة كانت ساكنة ولم تتحرّك ، وكلّنا نعلم أنّ الدائرة القريبة من المركز لو كانت ساكنة في اللحظة التي تحرّكت فيها الدائرة الكبيرة ، لترتّب على ذلك تفكّك أجزاء الرحى وتصدّعها(١)
وهذا البرهان يوضّح لنا : أنّ أيّ وحدة مادّية نفترضها فهي قابلة للتجزئة ؛ لأنّها حينما تطويها النقطة البعيدة عن المركز في حركتها ، تكون النقطة القريبة قد
____________________
(١) يراجع للتفصيل : ابن سينا ، الشفاء ، الطبيعيّات (١) : ١٩٤ النجاة : ١٩٧
قطعت جزءاً منها
وإذا كانت الوحدة المادّية قابلة للتجزئة والانفصال ، فهي مؤتلفة ـ إذن ـ من مادّة بسيطة تركّز فيها قابلية التجزئة ، واتّصالية مقوّمة لوحدتها وهكذا يتّضح : أنّ وحدات العالم المادّي مركّبة من مادّة وصورة
النتيجة الفلسفية من ذلك :
وحين يتبلور المفهوم الفلسفي للمادّة القاضي بائتلافها من مادّة وصورة ، نعرف أنّ المادّة العلمية لا يمكن أن تكون هي المبدأ الأوّل للعالم ؛ لأنّها بنفسها تنطوي على تركيب بين المادّة والصورة ولا يمكن لكلّ من الصورة والمادّة أن يوجد مستقلاً عن الآخر ، فيجب أن يوجد فاعل أسبق لعملية التركيب ، تلك التي تحقّق للوحدات المادّية وجودها
وبكلمة أخرى : أنّ المبدأ الأوّل هو الحلقة الأُولى من سلسلة الوجود ، وتسلسل الوجود يبدأ حتماً بالواجب بالذات ، كما عرفنا في الجزء السابق في هذه المسألة فالمبدأ الأوّل هو الواجب بالذات ، وباعتباره كذلك يجب أن يكون غنياً في كيانه ووجوده عن شيء آخر والوحدات الأساسية في المادّة ليست غنية في كيانها المادّي عن فاعل خارجي ؛ لأنّ كيانها مؤتلف من مادّة وصورة ، فهي بحاجة إليهما معاً ، وكلّ من المادّة والصورة بحاجة إلى الآخر في وجوده ، فينتج من ذلك كلّه أن نعرف أنّ المبدأ الأوّل خارج عن حدود المادّة ، وأنّ المادّة الفلسفية للعالم ـ القابلة للاتّصال والانفصال ـ بحاجة إلى سبب خارجي يحدّد وجودها الاتّصالي أو الانفصالي
المادّة والحركة
المادّة في حركة مستمرّة وتطوّر دائم ، وهذه حقيقة متّفق عليها بيننا جميعاً ، والحركة تحتاج إلى سبب محرّك لها ، وهذه حقيقة أخرى مسلّمة بلا جدال والمسألة الأساسية في فلسفة الحركة هي : أنّ المادّة المتحرّكة هل يمكن أن تكون هي علّة للحركة وسبباً لها ؟ وفي صيغة أخرى : أنّ المتحرّك موضوع الحركة ، والمحرّك سبب الحركة ، فهل يمكن أن يكون الشيء الواحد من الناحية الواحدة موضوعاً للحركة وسببا لها في وقت واحد ؟
والفلسفة الميتافيزيقية تجيب على ذلك مؤكّدة أنّ من الضروري تعدّد المتحرّك والمحرّك ؛ لأنّ الحركة تطوّر وتكامل تدريجي للشيء الناقص ، ولا يمكن للشيء الناقص أن يطوّر نفسه ويكمّل وجوده تدريجياً بصورة ذاتية ؛ فإنّ الناقص لا يكون سبباً في الكمال وعلى هذا الأساس وُضِعَت في المفهوم الفلسفي للحركة قاعدة ثنائية بين المحرّك والمتحرّك ، وفي ضوء هذه القاعدة نستطيع أن نعرف أنّ سبب الحركة التطوّرية للمادّة في صميمها وجوهرها ليس هو المادّة ذاتها ، بل مبدأ وراء المادّة ، يمدّها بالتطوّر الدائم ، ويفيض عليها الحركة الصاعدة والتكامل المتدرّج
وعلى العكس من ذلك المادّية الديالكتيكية ؛ فإنّها لا تعترف بالثنائية بين المادّة المتحرّكة وسبب الحركة ، بل تعتبر المادّة نفسها سبباً لحركتها وتطوّرها
فللحركة- إذن- تفسيران :
أمّا التفسير الديالكتيكي الذي يعتبر المادّة نفسها سبباً للحركة ، فالمادّة فيه هي الرصيد الأعمق للتطوّر المتكامل وقد فرض هذا على الديالكتيك القول بأنّ المادّة منطوية ذاتياً على الأطوار والكمالات التي تحقّقها الحركة في سيرها
المتجدّد والسرّ في اضطرار الديالكتيك إلى هذا القول هو : تبرير التفسير المادّي للحركة ؛ لأنّ سبب الحركة ورصيدها لا بدّ أن يكون محتوياً ذاتياً على ما يموّن الحركة ويمدّها به من أطوار وتكاملات ، وحيث إنّ المادّة عند الديالكتيك هي السبب المموّن لحركتها ، والدافع بها في مجال التطوّر ، كان لزاماً على الديالكتيك أن يعترف للمادّة بخصائص الأسباب والعلل ، ويعتبرها محتوية ذاتياً على جميع النقائض التي تتدرّج الحركة في تحقيقها ؛ لتصلح أن تكون منبثقاً للتكامل ومموّناً أساسياً للحركة وهكذا اعترف بالتناقض كنتيجة حتمية لتسلسله الفلسفي ، فنبذ مبدأ عدم التناقض ، وزعم أنّ المتناقضات مجتمعة دائماً في محتوى المادّة الداخلي ، وأنّ المادّة بهذه الثروة المحتواة تكون سبباً للحركة والتكامل
وأمّا التفسير الإلهي للحركة ، فيبدأ مستفهماً عن تلك المتناقضات التي يزعم الديالكتيك احتواء المادّة عليها ، فهل هي موجودة في المادّة جميعاً بالفعل ، أو إنّها موجودة بالقوة ؟ ثمّ يستبعد الجواب الأوّل نهائياً ؛ لأنّ المتناقضات لا يمكن لها ـ بحكم مبدأ عدم التناقض ـ أن تجتمع بالفعل ، ولو اجتمعت بالفعل لجمدت المادّة وسكنت ويبقى بعد ذلك الجواب الثاني ، وهو : أنّ تلك النقائض موجودة بالقوّة ، ومعنى وجودها بالقوّة : أنّ المادّة فيها استعداد لتقبّل التطوّرات المتدرّجة ، وإمكانية للتكامل الصاعد بالحركة وهذا يعني : أنّها فارغة في محتواها الداخلي عن كلّ شيء ، سوى القابلية والاستعداد والحركة في هذا الضوء خروج تدريجي من القابلية إلى الفعلية في مجال التطوّر المستمرّ ، وليست المادّة هي العلّة الدافعة لها ؛ لأنّها خالية من درجات التكامل التي تحقّقها أشواط التطوّر والحركة ، ولا تحمل إلاّ إمكانها واستعدادها فلا بدّ ـ إذن ـ من التفتيش عن سبب الحركة الجوهرية للمادّة ، ومموّنها الأساسي خارج حدودها ، ولا بدّ أن يكون هذا السبب هو الله ـ تعالى ـ الحاوي ذاتياً على جميع مراتب الكمال
المادّة والوجدان
إنّ موقفنا من الطبيعة ، وهي زاخرة بدلائل القصد والغاية والتدبير ، كموقف عامل يكتشف في حفرياته أجهزة دقيقة مكتنزة في الأرض ، فإنّ هذا العامّل سوف لا يشكّ في أنّ هناك يداً فنّانة ركّبت تلك الأجهزة بكلّ دقّة وعناية ، تحقيقاً لأغراض معيّنة منها ، وكلّما عرف العامل حقائق جديدة عن دقّة الصنع في تلك الأجهزة ، وآيات الفن والإبداع فيها ، ازداد إكباراً للفنّان الذي أنشا تلك الأجهزة وتقديراً لنبوغه وعقله فكذلك نقف ـ أيضاً ـ نفس هذا الموقف الذي توحي به طبيعة الإنسان ووجدانه من الطبيعة بصورة عامّة ، مستوحين من أسرارها وآياتها عظمة المبدع الحكيم الذي أبدعها ، وجلال العقل الذي انبثقت عنه
فالطبيعة ـ إذن ـ صورة فنية رائعة ، والعلوم الطبيعية هي الأدوات البشرية التي تكشف عن ألوان الإبداع في هذه الصورة ، وترفع الستار عن أسرارها الفنّية وتموّن الوجدان البشري العام بالدليل تلو الدليل على وجود الخالق المدبّر الحكيم وعظمته وكماله وهي كلّما ظفرت في شتّى ميادينها بنصر ، أو كشفت عن سرّ ، أمدّت الميتافيزيقية بقوّة جديدة ، وأتحفت الإنسانية بدليل جديد على العظمة الخلاّقة المبدعة التي أبدعت تلك الصورة الخالدة ونظمتها بما يدعو إلى الدهشة والإعجاب والتقديس وهكذا لا تدع الحقائق التي أعلنها العلم الحديث مجالاً للريب في مسألة الإله القادر الحكيم فإذا كانت البراهين الفلسفية تملأ العقل يقيناً واعتقاداً ، فإنّ المكتشفات العلمية الحديثة تملأ النفس ثقة وإيماناً بالعناية الإلهية ، والتفسير الغيبي للأصول الأُولى للوجود
المادّة والفيزيولوجيا :
خذ إليك فيزيولوجياً الإنسان ، في حقائقها المدهشة ، واقرأ فيها عظمة الخالق ودقّته في كلّ ما تشرحه من تفاصيل ، وتوضّحه من أسرار فهذا جهاز الهضم أعظم معمل كيميائي في العالم بما يتفنّن به من أساليب تحليل الأغذية المختلفة تحليلاً كيميائياً مدهشاً ، وتوزيع الموادّ الغذائية الصالحة توزيعاً عادلاً على بلايين الخلايا الحيّة التي يأتلف منها جسم الإنسان ؛ إذ تتلقّى كلّ خلية مقدار حاجتها ، فيتحوّل إلى عظام ، وشعر ، وأسنان ، وأظافر ، وأعصاب ، طبق خطّة مرسومة للوظائف المفروضة عليها في نظام لم تعرف الإنسانية أدقّ منه وأروع
ونظرة واحدة إلى تلك الخلايا الحيّة التي تنطوي على سرّ الحياة ، تملأ النفس دهشة وإعجاباً بالخلية حين تتكيّف بمقتضيات موضعها وظروفها فكأنّ كلّ خلية تعرف هندسة العضو الذي تتوفّر على إيجاده مع سائر الخلايا المشتركة معها في ذلك العضو ، وتدرك وظيفته ، وكيف يجب أن يكون
وجهاز الحسّ البصري الصغير المتواضع في حجمه لا يقلّ عن كلّ ذلك روعة وإتقاناً ، ودلالة على الإرادة الواعية ، والعقل الخالق فقد ركّب تركيباً دقيقاً كاملاً ، لم يكن يتمّ الإبصار بدون شيء من أجزائه فالشبكية التي تعكس العدسة عليها النور تتكوّن من تسع طبقات منفصلة ، مع أنّها لا تزيد في سمكها على ورقة رفيعة ، والطبقة الأخيرة منها تتكوّن من ثلاثين مليوناً من الأعواد ، وثلاثة ملايين من المخروطات ، وقد نظّمت هذه الأعواد والمخروطات تنظيماً محكماً رائعاً ، غير أنّ الأشعّة الضوئية ترتسم عليها بصورة معكوسة ، ولذا شاءت العناية الخالقة أن يزوّد جهاز الإبصار- وراء تلك الشبكة- بملايين من خريطات الأعصاب ، وعندها تحدث بعض التغييرات الكيميائية ، ويحصل أخيراً إدراك
الصورة بوضعها الصحيح
فهل يكون هذا التصميم الجبّار الذي يضمن عملية الإبصار على أفضل وجه من فعل المادّة على غير هدى وقصد ، مع أنّ مجرّد كشفه يحتاج إلى جهود فكرية جبّارة ؟!
المادّة والبيولوجيا :
وخذ إليك بعد ذلك البيولوجيا ، وعلم الحياة ، فإنّك سوف تجد سرّاً آخر من الأسرار الإلهية الكبرى ، سرّ الحياة الغامض الذي يملأ الوجدان البشري اطمئناناً بالمفهوم الإلهي ، ورسوخاً فيه فقد انهارت في ضوء علم الحياة نظرية التولّد الذاتي التي كانت تسود الذهنية المادّية ، ويعتقد بها السطحيّون والعوام بصورة عامّة ، ويسوقون للاستشهاد عليها أمثلة عديدة من الحشرات التي تبدو ـ في زعمهم ـ وكأنّها تولّدت ذاتياً تحت عوامل طبيعية معيّنة ، دون أن تتسلّل من أحياء أخرى ، كالديدان التي تتكوّن في الأمعاء ، أو في قطعة من اللحم إذا عرّضت للهواء مدّة من الزمان ، ونحو ذلك من الأمثلة التي كانت توحي بها سذاجة التفكير المادّي ولكن التجارب العلمية القاطعة برهنت على بطلان نظرية التولّد الذاتي ، وأنّ الديدان لم تكن لتتولّد إلاّ بسبب جراثيم الحياة التي كانت تشتمل عليها قطعة اللحم
وقد استأنفت المادّية حملتها من جديد ؛ لتركيز نظرية التولّد الذاتي حين صنع أوّل مجهر مركّب على يد (أنطون فان لوينهوك) ، فاكتشف به عالماً جديداً من العضويات الصغيرة ، واستطاع هذا المجهر أن يبرهن على أنّ قطرة الماء من المطر لا توجد فيها جراثيم ، وإنّما تتولّد هذه الجراثيم بعد نزولها إلى الأرض فرفع المادّيون أصواتهم وهلّلوا للنصر الجديد في ميدان الحيوانات الميكروبية
بعد أن عجزوا عن إقصاء النطفة ، وتركيز نظرية التوالد الذاتي في الحيوانات المرئية بالعين المجرّدة وهكذا تراجعوا إلى الميدان ، ولكن على مستوىً أخفض ، واستمرّ الجدال حول تكوّن الحياة بين المادّيين وغيرهم إلى القرن التاسع عشر ، حيث وضع (لويس باستور) حدّاً لذلك الصراع ، وأثبت بتجاربه العلمية أنّ الجراثيم والميكروبات التي تعيش في الماء ، كائنات عضوية مستقلّة ، ترد إلى الماء من الخارج ثمّ تتوالد فيه
ومرّة أخرى حاول المادّيون أن يتعلّقوا بخيط من الأمل الموهوم ، فتركوا ميادين فشلهم إلى ميدان جديد ، هو : ميدان التخمير ؛ حيث حاول بعضهم أن يطبّق نظرية التوالد الذاتي على الكائنات العضوية المجهرية التي ينشأ بسببها الاختمار ولكن سرعان ما باءت هذه المحاولة بالفشل ، كالمحاولات السابقة ، وذلك على يد (باستور) أيضاً ، حين أظهر أنّ التخمير لا يحصل في المادّة لو حفظت بمفردها ، وقطعت علاقتها بالخارج ، وإنّما يوجد بسبب انتقال كائنات عضوية معيّنة إليها ، وتوالدها فيها
وهكذا ثبت في نهاية المطاف على شتّى أقسام الحيوان ـ وحتّى الحيوانات الدقيقة التي اكتشفت حديثاً ولم يكن من الممكن رؤيتها بالمجهر العادي ـ أنّ الحياة لا تنشأ إلاّ من الحياة ، وأنّ النطفة ـ لا التولّد الذاتي ـ هي القانون العام السائد في دنيا الأحياء
ويقف المادّيون عند هذه النتيجة الحاسمة موقفاً حرجاً ؛ لأنّ نظرية التوالد الذاتي إذا كانت قد سقطت من الحساب في ضوء البحوث العلمية ، فكيف يمكنهم أن يعلّلوا نشوء الحياة على وجه الأرض ؟! وهل يبقى للوجدان البشري مستساغ ـ بعد ذلك ـ لإغماض عينيه في النور ، وغضّ بصره عن الحقيقة الإلهية الناصعة التي أودعت سرّ الحياة في الخلية ، أو الخلايا الأُولى ؟! وإلاّ فلماذا كفّت الطبيعة
عن عملية التوالد الذاتي إلى الأبد ، بمعنى : أنّ التفسير المادّي لخلية الحياة الأُولى بالتوالد الذاتي لو كان صحيحاً فكيف يمكن للمادّية أن تعلّل عدم حدوث التوالد الذاتي مرّة أخرى في الطبيعة على مرّ الزمن منذ الآماد البعيدة ؟!
والواقع : أنّه سؤال محيّر للمادّية ، ومن الطريف أن يجيب عليه العالم السوفياتي (أوبارين) قائلاً إذا كان بعث الحياة عن طريق التفاعل المادّي الطويل الأمد لا يزال ممكناً في كوكب أخرى غير كوكبنا ـ يعني الأرض- ففي هذا الكوكب لم يعد له مكان ، ما دام هذا البعث أصبح يحدث عن طريق أسرع وأقرب ، وهو طريق التوالد البشري الزواجي ؛ ذلك لأنّ التفاعل الجديد حلّ محلّ التفاعل البدائي البيولوجي والكيمي ، وجعله غير ذي لزوم(١)
هذا هو كلّ جواب (أوبارين) على المشكلة ، وهو جواب غريب حقّاً فانظر إليه كيف يجعل استغناء الطبيعة عن عملية التوليد الذاتي بسبب أنّها عملية لا لزوم لها ، بعد أن وجدت الطريق الأسرع والأقرب إلى إنتاج الحياة ، كأنّه يتكلّم عن قوّة عاقلة واعية تترك عملية شاقّة بعد أن تهيّأ لها الوصول إلى الهدف من طريق أيسر فمتى كانت الطبيعة تترك نواميسها وقوانينها لأجل ذلك ؟! وإذا كان التولّد الذاتي قد جرى أوّل الأمر طبقاً لقوانين ونواميس معيّنة ، كما يتولّد الماء من التركيب الكيميائي الخاصّ بين الأوكسجين والهيدروجين ، فمن الضروري أن يتكرّر طبقاً لتلك القوانين والنواميس ، كما يتكرّر وجود الماء متى وجدت العوامل الكيميائية الخاصّة ، سواءٌ كان للماء لزوم أم لا ؛ إذ ليس اللزوم في عرف الطبيعة إلاّ الضرورة المنبثقة عن قوانينها ونواميسها ، فبأيّ سبب اختلفت تلك القوانين والنواميس ؟!
____________________
(١) قصّة الإنسان : ١٠
المادّة وعلم الوراثة :
ولندع ذلك إلى علم الوراثة الذي يأخذ بمجامع الفكر البشري ويطأطئ له الإنسان إعظاماً وإكباراً فكم ندهش إذا عرفنا أنّ الميراث العضوي للفرد تضمّه كلّه المادّة النووية الحيّة لخلايا التناسل التي تُسمّى (الجرمبلازم) ، وأنّ مردّ جميع الصفات الوراثية إلى أجزاء مجهرية بالغة الدقّة ، وهي : الجينات التي تحتويها تلك المادّة الحية في دقّة وانتظام وقد أوضح العلم أنّ هذه المادّة لم تشتقّ من خلايا جسمية ، بل من (جرمبلازم) الوالدين ، فالأجداد ، وهكذا
وفي ضوء ذلك انهار الوهم الدارويني الذي أقام (داروين) على أساسه نظرية التطوّر والارتقاء ، القائلة : بأنّ التغيّرات والصفات التي يحصل عليها الحيوان أثناء الحياة بنتيجة الخبرة والممارسة ، أو بالتفاعل مع المحيط ، أو نوع من الغذاء ، يمكن أن تنتقل بالوراثة إلى ذرّيته ؛ إذ ثبت على أساس التمييز بين الخلايا الجسمية ، والخلايا التناسلية ، أنّ الصفات المكتسبة لا تورث
وهكذا اضطرّ المناصرون لنظرية التطوّر والارتقاء إلى أن ينفضوا يدهم من جميع الأسس والتفصيلات الداروينية تقريباً ، ويضعوا فرضية جديدة في ميدان التطوّر العضوي ، وهي : فرضية نشوء الأنواع بواسطة الطفرات ولا يملك العلماء اليوم رصيداً علمياً لهذه النظرية ، إلاّ ملاحظة بعض مظاهر التغيّر الفجائي في عدّة من الحالات التي دعت إلى افتراض أنّ تنوّع الحيوان نشأ عن طفرات من هذا القبيل ، بالرغم من أنّ الطفرات المشاهدة في الحيوانات لم تبلغ إلى حدّ تكوين التغيّرات الأساسية المنوّعة ، وأنّ بعض التغيّرات الدفعية لم تورث
ولسنا بصدد مناقشة نظرية من هذا القبيل ، وإنّما نستهدف التلميح إلى نظام الوراثة الدقيق ، والقوّة المدهشة في الجينات الدقيقة التي توجّه بها جميع خلايا
الجسم ، وتنشئ للحيوان شخصيّته وصفاته فهل يمكن في الوجدان البشري أن يحدث كلّ ذلك صدفة واتّفاقاً ؟!
المادّة وعلم النفس :
وأخيراً ، فلنقف لحظة عند علم النفس ؛ لنطلّ على ميدان جديد من ميادين الإبداع الإلهي ، ولنلاحظ من قضايا النفس بصورة خاصّة قضية الغرائز التي تنير للحيوانات طريقها وتسدّدها في خطواتها ، فإنّها من آيات الوجدان البيّنات على أنّ تزويد الحيوان بتلك الغرائز صنع مدبّر حكيم ، وليس صدفة عابرة ، وإلاّ فمن علَّم النحل بناء الخلايا المسدّسة الأشكال ؟ وعلَّم كلب البحر بناء السدود على الأنهار ؟ وعلَّم النمل المدهشات في إقامة مساكنه ؟ بل من علَّم ثعبان البحر أن لا يضع بيضه إلاّ في بقعة من قاع البحر ، تقرب نسبة الملح فيها ٣٥ % ، وتبعد عن سطح البحر بما لا يقلّ عن (١٢٠٠) قدماً ؟ ففي هذه البقعة يحرص الثعبان على رمي بيضه ، حيث لا ينضح إلاّ مع توافر هذين الشرطين
ومن الطريف ما يحكى من أنّ عالماً صنع جهازاً خاصّاً ، وزوّده بالحرارة المناسبة ، وببخار الماء وسائر الشروط التي تتوفّر في عملية طبيعية لتوليد كتاكيت من البيض ، ووضع فيه بيضاً ليحصل منه على دجاج ، فلم يحصل على النتيجة المطلوبة ، فعرف من ذلك أنّ دراسته لشرائط التوليد الطبيعي ليست كاملة ، فأجرى تجارب أخرى على الدجاجة حال احتضانها البيض ، وبعد دقّة قائمة في الملاحظة والفحص اكتشف أنّ الدجاجة تقوم في ساعات معيّنة بتبديل وضع البيضة وتقليبها من جانب إلى جانب ، فأجرى التجربة في جهازه الخاصّ مرّة أخرى ، مع إجراء تلك العملية التي تعلّمها من الدجاجة ، فنجحت نجاحاً باهراً
فقل لي بوجدانك : مَن علّم الدجاجة هذا السرّ الذي خفي على ذلك العالم
الكبير ؟ أو مَنْ ألهمها هذه العملية الحكيمة التي لا يتمّ التوليد إلاّ بها ؟ !
وإذا أردنا أن ندرس الغرائز بصورة أعمق ، كان علينا أن نعرض أهمّ النظريات في تعليلها وتفسيرها ، وهي عديدة :
النظرية الأُولى : أنّ الحيوان اهتدى إلى الأفعال الغريزية بعد محاولات وتجارب كثيرة ، فأدمن عليها وصارت بسبب ذلك عادة موروثة ، يتوارثها الأبناء عن الآباء ، دون أن يكون في تعلّمها موضع للعناية الغيبية
وتحتوي هذه النظرية على جزأين : أحدهما أنّ الحيوان توصّل أوّل الأمر إلى العمل الغريزي عن طريق المحاولة والتجربة
والآخر أنّه انتقل إلى الأجيال المتعاقبة ، طبقاً لقانون الوراثة ولا يمكن الأخذ بكلا الجزأين
أمّا الجزء الأوّل من النظرية ، فهو غير صحيح ؛ لأنّ استبعاد الحيوان للمحاولة الخاطئة ، والتزامه بالمحاولة الناجحة وحرصه عليها ، يعني : أنّه أدرك نجاحها وخطأ غيرها من المحاولات ، وهذا ما لا يمكن الاعتراف به للحيوان ، وخاصّة فيما إذا كان نجاح المحاولة لا يظهر إلاّ بعد موت الحيوان ، كما في الفراش حين يصل إلى الطور الثالث من حياته ؛ إذ يضع بيضه على هيئة دوائر على الأوراق الخضراء ، فلا يفقس إلاّ في الفصل التالي ، فيخرج على هيئة ديدان صغيرة ، في الوقت الذي تكون فيه الأُمّ قد ماتت ، فكيف أُتيح للفراش أن يعرف نجاحه فيما قام به من عمل ، ويدرك أنّه هيّأ بذلك للصغار رصيداً ضخماً من الغذاء ، مع أنّه لم يشهد ذلك ؟! أضف إلى ذلك : أنّ الغريزة لو صحّ أنّها وليدة التجربة ، لأوجب ذلك تطوّر الغريزة وتكاملها في الحيوانات على مرّ الزمن ، وتعزيزها على ضوء محاولات وممارسات أخرى ، مع أنّ شيئاً من هذا
لم يحدث
وأمّا الجزء الثاني من النظرية ، فهو يرتكز على الفكرة القائلة بانتقال الصفات المكتسبة بالوراثة وقد انهارت هذه الفكرة على ضوء النظريات الجديدة في علم الوراثة ، كما ألمعنا إليه سابقاً
وهب أنّ قانون الوراثة يشمل العادات المكتسبة ، فكيف تكون الأعمال الغريزية عادات موروثة مع أن بعض الأعمال الغريزية قد لا يؤدّيها الحيوان إلاّ مرّة أو مرّات معدودة في حياته !
النظرية الثانية : تبدأ من حيث بدأت النظرية الأُولى ، فتفترض أنّ الحيوان اهتدى إلى العمل الغريزي عن طريق المحاولات المتكرّرة ، وانتقل إلى الأجيال المتعاقبة ، لا عن طريق الوراثة ، بل بلون من ألوان التفهيم والتعليم الميسورة للحيوانات
وتشترك هذه النظرية مع النظرية السابقة في الاعتراض الذي وجّهناه إلى الجزء الأوّل منها وتختصّ بالاعتراض على ما زعمته : من تناقل العمل الغريزي عن طريق التعليم والتفهيم ؛ فإنّ هذا الزعم لا ينسجم مع الواقع المحسوس ، حتّى لو اعترفنا للحيوان بالقدرة على التفاهم ؛ لأنّ عدّة من الغرائز تظهر في الحيوان منذ أوّل تكوّنه ، قبل أن توجد أيّ فرصة لتعليمه ، بل قد تولد صغار الحيوان بعد موت أُمّهاتها ، ومع ذلك توجد فيها نفس غرائز نوعها فهذه ثعابين الماء تهاجر من مختلف البرك والأنهار إلى الأعماق السحيقة ؛ لتضع بيضها ، وقد تقطع في هجرتها آلاف الأميال ؛ لانتخاب البقعة المناسبة ، ثمّ تضع البيض وتموت ، وتنشأ الصغار ، فتعود بعد ذلك إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمّهاتها ، وكأنّها قد أشبعت خريطة العالم تحقيقاً وتدقيقاً فعلى يد من تلقّت صغار الثعابين دروس الجغرافيا ؟!
النظرية الثالثة : أعلنتها المدرسة السلوكية في علم النفس ؛ إذ حاولت أن
تحلّل السلوك الحيوي بصورة عامة إلى وحدات من الفعل المنعكس وفسّرت الغرائز بأنّها تركيبات معقّدة من تلك الوحدات ، أي : سلسلة من أفعال منعكسة بسيطة ، فلا تعدو الغريزة أن تكون كحركة جذب اليد عند وخزها بالدبوس ، وانكماشة العين عند تسليط ضوء شديد عليها ، غير أنّ هذين الفعلين منعكسان بسيطان ، والغريزة منعكس مركَّب
وهذا التفسير الآلي للغريزة لا يمكن الأخذ به ؛ لدلائل متعدّدة يضيق المجال من الإفاضة فيها فمنها أنّ الحركة المنعكسة آلياً إنّما تثار بسبب خارجي ، كما في انكماشة العين التي تثيرها شدّة الضوء ، مع أنّ بعض الأعمال الغريزية ليس لها مثير خارجي فأيّ مثير يجعل الحيوان منذ يوجد يفتّش عن غذائه ، ويجهد في سبيل الحصول عليه ؟! أضف إلى ذلك : أنّ الأعمال المنعكسة آلياً ليس فيها موضع لإدراك وشعور ، مع أنّ مراقبة الأعمال الغريزية تزوّدنا بالشواهد القاطعة على مدى الإدراك والشعور فيها فمن تلك الشواهد تجربة أجريت على سلوك زنبار ، يبني عشّه من عدد من الخلايا ، إذ كان ينتظر القائم بالتجربة أن يتمّ الزنبار عمله في خلية ما ، فيخدشها بدبوس ، فإذا أتى الزنبار لعمل الخلية الثانية ووجد أنّ الإنسان قد أفسد عليه عمله ، عاد إليه فأصلحه ، ثمّ سار في عمل الخلية التالية ، وكرّر المجرّب تجربته هذه عدداً من المرّات ، أيقن بعدها أنّ تتابع إجراء السلوك الغريزي ليس تتابعاً آلياً ، ولاحظ المجرّب أنّ الزنبار عندما يعود ويرى أنّ الخلية التي تمّت قد أصابها التلف ، يقوم بحركات ، ويخرج أصواتاً تدلّ على ما يشعر به من غضب وضيق
وبعد سقوط هذه النظرية المادّية يبقى تفسيران للغريزة :
أحدهما : أنّ العمل الغريزي يصدر عن قصد وشعور ، غير أنّ غرض الحيوان ليس ما ينتج عنه من فوائد دقيقة ، بل الالتذاذ المباشر به ، بمعنى : أنّ
الحيوان ركّب تركيباً يجعله يلتذّ من القيام بتلك الأعمال الغريزية ، في نفس الوقت الذي تؤدّي له أعظم الفوائد والمنافع
والتفسير الآخر : أنّ الغريزة إلهام غيبي إلهي بطريقة غامضة ، زُوّد به الحيوان ؛ ليعوّض عمّا فقده من ذكاء وعقل وسواءٌ أصحّ هذا أم ذاك فدلائل القصد والتدبير واضحة وبدهية في الوجدان البشري ، وإلاّ فكيف حصل هذا التطابق الكامل بين الأعمال الغريزية وأدقّ المصالح وأخفاها على الحيوان ؟!
إلى هنا نقف ، لا لأنّ دلائل العلم على المسألة الإلهية قد استنفدت ـ وهي لا تستنفد في مجلّدات ضخام ـ بل حفاظاً على طريقتنا في الكتاب
ولنلتفت ـ بعد كلّ ما سقناه من دلائل الوجدان على وجود القوّة الحكيمة الخلاّفة ـ إلى الفرضية المادّية ؛ لنعرف في ضوء ذلك مدى سخفها وتفاهتها ؛ فإنّ هذه الفرضية حين تزعم أنّ الكون بما زخر به من أسرار النظام ، وبدائع الخلقة والتكوين ، وقد أوجدته علّة لا تملك ذرّة من الحكمة والقصد ، تفوق في سخفها وغرابتها آلاف المرّات من يجد ديواناً ضخماً من أروع الشعر وأرقاه ، أو كتاباً علمياً زاخراً بالأسرار والاكتشافات ، فيزعم أنّ طفلاً كان يلعب بالقلم على الورق ، فاتّفق أن ترتّبت الحروف ، فتكوّن منها ديوان شعر ، أو كتاب علم
( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (١)
____________________
(١) فصّلت : ٥٣
المفهوم الفلسفي للعالم / ٥
الإدراك
الجوانب العلميّة في دراسة الإدراك
الإدراك في مفهومه الفلسفي
الجانب الروحي من الإنسان
المنعكس الشرطي والإدراك
[ الجوانب العلميّة في دراسة الإدراك ]
المسألة الفلسفية الكبرى في الإدراك هي محاولة صياغته في مفهوم فلسفي يكشف عن حقيقته وكنهه ، ويوضّح ما إذا كان الإدراك ظاهرة مادّية ، توجد في المادّة حين بلوغها مرحلة خاصّة من التطوّر والتكامل ، كما تزعم المادّية ، أو ظاهرة مجرّدة عن المادّة ، ولوناً من الوجود وراءها ووراء ظواهرها ، كما هو معنى الإدراك في مفهومه الفلسفي لدى الميتافيزية
والماركسية بصفتها مدرسة مادّية تؤكّد بطبيعة الحال على المفهوم المادّي للفكر والإدراك ، كما يتّضح من النصوص التالية :
قال ماركس :
(لا يمكن فصل الفكر عن المادّة المفكّرة ؛ فإنّ هذه المادّة هي جوهر كلّ التغيّرات)(١)
وقال أنجلز :
(إنّ شعورنا وفكرنا- مهما ظهرا لنا متعاليين- ليسا سوى نتاج عضوي مادّي جسدي ، هو : الدماغ)(٢)
____________________ـــ
(١) المادّية الديالكتيكية والمادّية التاريخية : ٣٠
(٢) لودفيج فيورباخ : ٥٧
(إنّ كلّ ما يدفع الناس إلى الحركة يمرّ في أدمغتهم بالضرورة ، حتّى الطعام والشراب ، اللذان يبدأان بإحساس الجوع أو العطش ، وهو إحساس يشعر به المخّ أيضاً إنّ ردود فعل العالم الخارجي على الإنسان تعبّر عن نفسها في مخّه ، وتنعكس فيه على صور إحساسات ، وأفكار ، ودوافع ، وإرادات)(١)
وقال جورج بوليتزير :
(تُبيّن العلوم الطبيعية أنّ نقص تطوّر مخّ أحد الأفراد هو أكبر عائق أمام تطوّر شعوره وفكره ، وهذه هي حالة البله فالفكر نتاج تاريخي لتطوّر الطبيعة في درجة عالية من الكمال ، تتمثّل لدى الأنواع الحية في أعضاء الحسّ والجهاز العصبي ، وعلى الخصوص في الجزء الأرقى المركزي الذي يحكم الكائن العضوي كلّه ، ألا وهو المخ)(٢)
وقال روجيه غارودي :
(إنّ التكوّن المادّي للفكر يعرض علينا ـ كما سوف نرى ـ حججاً هي أجدر بالتصديق والاقتناع بها)(٣)
وليس المفهوم الفلسفي هو المفهوم الوحيد للإدراك الذي يمكن تقديمه على صعيد البحث والدرس ؛ لأنّ الإدراك ملتقىً لكثير من البحوث والدراسات
____________________
(١) لودفيج فيورباخ : ٦٤
(٢) المادّية والمثالية في الفلسفة : ٧٤ ـ ٧٥
(٣) ما هي المادّية ؟ : ٣٢
ولكلّ دراسة من تلك الدراسات العلمية مفهومها الخاصّ الذي يعالج إحدى مشاكل الإدراك المتنوّعة ، وجانباً من أسرار الحياة العقلية المثيرة بغموضها وتعقيدها ووراء تلك المفاهيم العلمية جميعاً المفهوم الفلسفي الذي يقوم فيه الصراع بين المادّية والميتافيزية ، كما سبق فموضوعنا ـ إذن ـ مثار لألوان شتّى من البحوث الفلسفية والعلمية
وقد وقع كثير من الكتّاب والباحثين في الخطأ ، وعدم التمييز بين النواحي التي ينبغي للدراسات العلمية أن تتوافر على تمحيصها وتحليلها ، وبين الناحية التي من حقّ البحث الفلسفي أن يعطى كلمة فيها وعلى أساس هذا الخطأ قام الزعم المادّي القائل بأنّ الإدراك في مفهومه الفلسفي لدى الميتافيزية يتعارض مع الإدراك في مفاهيمه العلمية فقد رأينا كيف يحاول (جورج بوليتزير) أن يبرهن على مادّية الإدراك من ناحية فلسفية بدلائل العلوم الطبيعية ، وقد قام غيره بنفس محاولته أيضاً
ولذلك نجد لزاماً علينا أن نحدّد الموقف الفلسفي في المسألة ؛ لنقضي على المحاولات الرامية إلى الخلط بين المجال الفلسفي والمجال العلمي ، وإلى اتّهام التفسير الميتافيزي للإدراك بمجافاة العلم ومنافاته لحقائقه ومقرّراته
وعلى هذا سنقوم بتصفية للموقف العام تجاه الإدراك ، ونلقي على ألوان البحث العلمي شيئاً من الضوء ، يحدّد لنا نقاط اختلافنا مع المادّية عامة ، ومع الماركسية على وجه الخصوص ، كما يحدّد لنا النواحي التي يمكن للدراسات العلمية أن تمسّها وتبحثها ؛ حتّى يصبح من الواضح أنّ هذه الدراسات لا يمكن اعتبارها مستمسكاً للمادّية في معتركها الفكري الذي تخوضه مع الميتافيزية في سبيل وضع المفهوم الفلسفي الأكمل للإدراك
وقد ألمعنا فيما سبق إلى تعدّد تلك النواحي التي مسّتها تلك البحوث العلمية
أو عالجتها من الإدراك ؛ لتعدّد ما يتّصل بجوانبه المختلفة من علوم ، بل لتعدّد المدارس العلمية من العلم الواحد ، التي عالجت كلّ واحدة منها الإدراك بمنظارها الخاصّ فهناك بحوث الفيزياء والكيمياء تدرس جانباً من جوانب الإدراك ، وهناك الفيزيولوجيا تأخذ بحظّها من الدراسة ، وهناك ـ أيضاً ـ السيكولوجيا بمختلف مدارسها : من المدرسة الاستبطانية ، والسلوكية ، والوظيفية ، وغيرها من مدارس علم النفس ، تتوفّر جميعاً على درس جوانب عديدة من الإدراك ويجيء بعد ذلك كلّه دور علم النفس الفلسفي ؛ ليتناول الإدراك من ناحيته الخاصّة ، ويبحث عمّا إذا كان الإدراك في حقيقته حالة مادّية قائمة بالجهاز العصبي ، أو حالة روحية مجرّدة ؟
وفيما يلي نضع النقاط على الحروف في تلك النواحي المتشعّبة بالمقدار الذي ينير لنا طريقنا في البحث ، ويوضّح موقفنا من المادّية والماركسية
الإدراك في مستوى الفيزياء والكيمياء :
تعالج بحوث الفيزياء والكيمياء في مستواها الخاصّ الأحداث الفيزيائية الكيميائية التي تواكب عمليات الإدراك في كثير من الأحايين ، كانعكاس الأشعّة الضوئية من المرئيات ، وتأثّر العين السليمة بتلك الاهتزازات الكهربائية المغناطيسية ، والتغيّرات الكيميائية التي تحدث بسبب ذلك ، وانعكاس الموجات الصوتية من المسموعات ، والذرّات الكيميائية الصادرة عن الأشياء ذات الرائحة ، والأشياء ذات الطعم ، وما إلى ذلك من منبّهات فيزيائية ، وتغيّرات كيميائية فكلّ هذه الأحداث تقع في حدود اختصاص الفيزياء والكيمياء وفي مستوى نشاطهما العلمي
الإدراك في مستوى الفيزيولوجيا :
في ضوء التجارب الفيزيولوجية استكشف عدّة أحداث وعمليات تقع في أعضاء الحسّ ، وفي الجهاز العصبي بما فيه الدماغ ، وهي وإن كانت ذات طبيعة فيزيائية كيميائية ، كالعمليات السابقة ، ولكنّها في نفس الوقت تمتاز على تلك العمليات بكونها أحداثاً تجري في جسم حيّ ، فهي ذات صلة بطبيعة الأجسام الحيّة
وقد استطاعت الفيزيولوجيا بكشوفها تلك أن تحدّد الوظائف الحيوية للجهاز العصبي ، وما لأجزائه المختلفة من خطوط في عمليات الإدراك فالمخّ ـ مثلاً ـ ينقسم بموجبها إلى أربعة فصوص ، هي : الفصّ الجبهي ، والفصّ الجداري ، والفصّ الصدغي ، والفصّ المؤخّري ، ولكلّ فصّ وظائفه الفيزيولوجية فالمراكز الحركية تقع في الفصّ الجبهي ، والمراكز الحسّية التي تتلقّى الرسائل من الجسم تقع في الفصّ الجداري وكذلك حواسّ اللمس والضغط أمّا مراكز الذوق ، والشمّ ، والسمع الخاصّة ، فتقوم في الفصّ الصدغي ، في حين تقوم المراكز البصرية في الفصّ المؤخّري ، إلى غير ذلك من التفاصيل
ويستعمل عادة للتوصّل إلى الحقائق الفيزيولوجية في الجهاز العصبي أحدُ المنهجين الرئيسيين في الفيزيولوجيا : الاستئصال ، والتنبيه ففي المنهج الأوّل تستأصل أجزاء مختلفة من الجهاز العصبي ، ثمّ تُدرس تغييرات السلوك الناجمة عن ذلك وفي المنهج الثاني تُنبّه مراكز محدودة في لحاء المخّ بوسائل كهربائية ، ثمّ تسجّل التغيّرات الحسّية أو الحركية التي تنجم عن ذلك
ومن الواضح جدّاً : أنّ الفيزياء والكيمياء والفيزيولوجيا لا تستطيع بوسائلها العلمية ، وأساليبها التجريبية إلاّ أن تكشف عن أحداث الجهاز العصبي ،
ومحتواه من عمليات وتغيّرات وأمّا تفسير الإدراك في حقيقته وكنهه فلسفياً ، فليس من حقّ تلك العلوم ؛ إذ لا يمكن لها أن تثبت أنّ تلك الأحداث المعيّنة هي نفسها الإدراكات التي نحسّها من تجاربنا الخاصّة وإنّما الحقيقة التي لا يرقى إليها شكّ ولا جدال هي : أنّ هذه الأحداث والعمليات الفيزيائية ، والكيميائية ، والفيزيولوجية ، ذات صلة بالإدراك ، وبالحياة السيكولوجية للإنسان ، فهي تلعب دوراً فعّالاً في هذا المضمار ، إلاّ أنّ هذا لا يعني صحّة الزعم المادّي القائل بمادّية الإدراك ؛ فإنّ فرقاً واضحاً يبدو بين كون الإدراك شيئاً تسبقه أو تقارنه عمليات تمهيدية في مستويات مادّية ، وبين كون الإدراك بالذات ظاهرة مادّية ، ونتاجاً للمادّة في درجة خاصّة من النموّ والتطوّر ، كما تزعم الفلسفة المادّية
فالعلوم الطبيعية- إذن- لا تمتدّ في دراستها إلى المجال الفلسفي ، مجال بحث الإدراك في حقيقته وكنهه ، بل هي سلبية من هذه الناحية ، بالرغم من قيام المدرسة السلوكية في علم النفس بمحاولة تفسير حقيقة الإدراك والفكر في ضوء الكشوف الفيزيولوجية ، وخاصّة الفعل المنعكس الشرطي الذي يؤدّي تطبيقه على الحياة السيكولوجية إلى نظرة آلية خالصة تجاه الإنسان ، وسيأتي الحديث عن ذلك
الإدراك في البحوث النفسية :
تنقسم البحوث السيكولوجية التي تعالج مشاكل النفس وقضاياها إلى قسمين :
أحدهما : البحوث العلمية التي يتكوّن منها علم النفس التجريبي
والآخر : البحوث الفلسفية التي يتحمّل مسؤوليتها علم النفس الفلسفي ، أو فلسفة علم النفس ولكلّ من علم النفس وفلسفته طرائفه وأساليبه الخاصّة في
الدرس والبحث
أمّا علم النفس ، فهو يبدأ من النقطة التي تنتهي عندها الفيزيولوجيا ، فيتناول الحياة العقلية وما تزخر به من عمليات نفسية بالدرس والتمحيص وله في دراساته العملية منهجان رئيسيان :
أحدهما : الاستبطان الذي يستعمله كثير من السيكولوجيين ، ويميّز بصورة خاصّة المدرسة الاستبطانية في علم النفس ؛ إذ اتّخذت التجربة الذاتية أداة لبحثها العلمي ، ونادت بالشعور موضوعاً لعلم النفس
والمنهج الآخر : التجربة الموضوعية ، وهو المنهج الذي احتلّ أخيراً المركز الرئيسي في علم النفس التجريبي ، وأكّدت على أهمّيته ـ بصورة خاصّة ـ السلوكية التي اعتبرت التجربة الموضوعية مقوّماً أساسياً للعلم ، وزعمت لأجل ذلك : أنّ موضوع علم النفس هو السلوك الخارجي ؛ لأنّه وحده الذي يمكن أن تقع عليه التجربة الخارجية ، والملاحظة الموضوعية والحقائق التي يتناولها علم النفس هي الحقائق التي يتاح الكشف عنها بالاستبطان ، أو التجربة الخارجية
وأمّا ما يقع خارج الحدود التجريبية من الحقائق ، فليس في إمكانات السيكولوجيا التجريبية أن تصدر حكمها في شيء من ذلك ، أي : إنّها تمتدّ ما امتدّ الحقل التجريبي ، وتنتهي بنهايته وتبدأ ـ حينئذٍ ـ فلسفة علم النفس من النقطة التي انتهى إليها العلم التجريبي ، كما بدأت السيكولوجيا شوطها العلمي من حيث انتهت الفيزيولوجيا والوظيفة الأساسية للفلسفة النفسية هي محاولة الكشف عن تلك الحقائق التي تقع خارج الحقل العلمي والتجريبي ؛ وذلك بأن تأخذ الفلسفة المسلّمات السيكولوجية التي يموّنها بها العلم التجريبي ، وتدرسها في ضوء القوانين الفلسفية العامة ، وعلى هدي تلك القوانين تُعطى للنتائج العلمية مفهومها الفلسفي ، ويُوضع للحياة العقلية تفسيرها الأعمق
فالصلة بين علم النفس وفلسفته كالصلة بين العلوم الطبيعية التجريبية وفلسفتها ؛ إذ تدرس علوم الطبيعة ظواهر الكهرباء المتنوّعة ، من تيارات ومجالات ، وجهد وحثّ كهربائيين ، وما إلى ذلك من قوانين الكهرباء الفيزيائية وتدرس على هذا النحو ـ أيضاً ـ مختلف ظواهر المادّة والطاقة وأمّا حقيقة الكهرباء ، وحقيقة المادّة أو الطاقة ، فهي من حقّ البحث الفلسفي وكذلك الأمر في الحياة العقلية ؛ فإنّ البحث العلمي يتناول الظواهر النفسية التي تدخل في نطاق التجربة الذاتية أو الموضوعية ، ويوكل الحديث عن طبيعة الإدراك ، وحقيقة المحتوى الداخلي للعمليات العقلية ، إلى فلسفة النفس ، أو علم النفس الفلسفي
وفي ضوء هذا نستطيع أن نميّز ـ دائماً ـ بين الجانب العلمي من المسألة ، والجانب الفلسفي وفيما يلي مثلاًن لذلك من مواضيع البحث السيكولوجي :
الأوّل : الملكات العقلية ، التي يلتقي فيها الجانبان معاً فالجانب الفلسفي يتمثّل في نظرية الملكات القائلة بتقسيم العقل الإنساني إلى قوى وملكات عديدة لألوان من النشاط ، كالانتباه ، والخيال ، والذاكرة ، والتفكير ، والإرادة ، وما إليها من سمات فهذه الفكرة تدخل في النطاق الفلسفي لعلم النفس ، وليست فكرة علمية بالمعنى التجريبي للعلم ؛ لأنّ التجربة ـ سواء كانت ذاتية كالاستبطان ، أم موضوعية كالملاحظة العلمية لسلوك الغير الخارجي ـ ليس في إمكاناتها علمياً أن تكشف عن تعدّد الملكات أو وحدتها ؛ فإنّ كثرة القوى العقلية أو وحدتها لا تقعان في ضوء التجربة مهما كان لونها
وأمّا الجانب العلمي من مسألة الملكات ، فيعني نظرية التدريب الشكلي في التربية ، التي تنصّ على أنّ الملكات العقلية يمكن تنميتها ـ ككلّ وبلا استثناء ـ بالتدريب في مادّة واحدة ، وفي نوع واحد من الحقائق وقد أقرّ هذه النظرية عدّة من علماء النفس التربوي ، المؤمنين بنظرية الملكات التي كانت تسيطر على
التفكير السيكولوجي إلى القرن التاسع عشر ، افتراضاً منهم أنّ الملكة إذا كانت قوية أو ضعيفة عند شخص ، كانت قويّة أو ضعيفة في كلّ شيء
ومن الواضح : أنّ هذه النظرية داخلة في النطاق التجريبي لعلم النفس ، فهي نظرية علمية ؛ لأنّها تخضع للمقاييس العلمية ، فيمكن أن يجرّب مدى تأثّر الذاكرة بصورة عامّة بالتدريب على استذكار مادّة معيّنة ، ويتاح للعلم ـ حينئذٍ ـ أن يعطي كلمته في ضوء تجارب من هذا القبيل ، وتقدّم- حينذاك- النتيجة العلمية للتجربة إلى فلسفة العلم السيكولوجي ؛ ليدرس مدلولها الفلسفي ، وما تعنيه من تعدّد الملكات أو وحداتها في ضوء القوانين الفلسفية
والمثال الثاني : نأخذه من صلب الموضوع الذي نعالجه ، وهو عملية الإدارك البصري ؛ فإنّها من مواضيع البحث الرئيسية في الحقل العلمي والفلسفي على السواء
ففي البحث العلمي يثور نقاش حادّ حول تفسير عملية الإدراك بين الارتباطين من ناحية ، وأنصار مدرسة الشكل والصيغة (الجشطالت) من ناحية أخرى والارتباطيون هم الذين يعتبرون التجربة الحسّية هي الأصل الوحيد للمعرفة فكما يحلّل علماء الكيمياء المركّبات الكيميائية إلى عناصرها البدائية ، يحلّل هؤلاء مختلف الخبرات العقلية إلى إحساسات أوّلية ، ترتبط وتتركّب بعمليات آلية ميكانيكية ، طبقاً لقوانين التداعي وفي هذه النظرية الارتباطية ناحيتان :
الأُولى : أنّ مردّ التركيب في الخبرات العقلية إلى إحساسات أوّلية (معانٍ بسيطة اُدرِكت بالحسّ)
والثانية : أنّ هذا التركيب يوجد بطريقة آلية ، وطبقاً لقوانين التداعي
أمّا الناحية الأُولى ، فقد درسناها في نظرية المعرفة عند الحديث عن
المصدر الأساسي للتصوّر البشري ، والنظرية الحسّية لجون لوك الذي يعتبر المؤسس الأوّل للمدرسة الارتباطية ، وانتهينا من دراستنا إلى أن بعض مفردات التصوّر والمعاني العقلية لا ترجع إلى الحسّ ، بل هي من النشاط الفعال الإيجابي للنفس
وأمّا الناحية الثانية ، فهي التي قامت بمعالجتها مدرسة (الجشطالت) فرفضت الدراسة التحليلية للحالات الشعورية ، وردّت على التفسير الارتباطي الآلي لعمليات الإدراك ، مؤكّدة على ضرورة دراسة كلّ واحدة من الخبرات ككلّ ، وأنّ الكلّية ليست مجرّد صهر الخبرات الحسّية والتركيب بينها ، بل لها طبيعة التنظيم العقلي الدينامي السائر طبق قوانين معيّنة
ولنرَ الآن بعد إيضاح الاتّجاهين السابقين تفسيرهما العلمي لعمليات الإدراك البصري :
ففي ضوء الاتّجاه الارتباطي يقال : إنّ الصورة التي تنشأ على شبكية العين تنتقل جزءاً جزءاً إلى الدماغ ؛ حيث توجد في جزء محدّد منه صورة مماثلة للصورة الحادثة على شبكية العين وينشط العقل ، فيضفي على هذه الصورة في الدماغ من خبرته السابقة المعاني التي ترتبط في أذهاننا بالبيت ، طبقاً لقوانين التداعي الآلية ، وينتج عن ذلك الإدراك العقلي لصورة البيت
وأمّا في ضوء الاتّجاه الشكلي أو الكلّي ، فالإدراك يتعلّق بالأشياء بجملتها وهيئاتها العامّة منذ الوهلة الأُولى ؛ لأنّ هناك صيغاً وأشكالاً أوّلية في العالم الخارجي ، تناسب صيغ العقل وأشكاله ، فيمكننا أن نفسّر تنظيم الحياة العقلية بتنظيم قوانين العالم الخارجي نفسها ، لا بالتركيب والتداعي فالجزء في الصيغة أو الكلّ إنّما يدرك تبعاً للكلّ ، ويتغيّر تبعاً لتغيّر الصيغة
وإنّما نطلق على تفسير الإدراك البصري بهذا : اسم التفسير العلمي ؛ لأنّه يدخل في المجال التجريبي ، أو الملاحظة المنظّمة ؛ فإنّ إدراك الصيغة ، وتغيّر الجزء تبعاً لتغيّرها تجريبي ، ولذلك برهنت مدرسة (الجشطالت) على نظريتها بالتجربة التي توضّح أنّ الإنسان لا يدرك الأجزاء فحسب ، بل يدرك شيئاً آخر كالشكل أو النغم ، ولذلك قد تجتمع الأجزاء جميعاً ، ومع ذلك لا يدرك ذلك الشكل أو النغم فهناك ـ إذن ـ الصيغة التي تكشف الأجزاء جميعاً
ولا نريد الآن أن نتوسّع في شرح التفسيرات العلمية لعملية الإدراك البصري ودراستها ، وإنّما نرمي ـ من وراء ما قدّمناه ـ إلى تحديد موضع التفسير الفلسفي الذي نحاوله منها فنقول بهذا الصدد :
إنّ الإدراك العقلي للصورة المبصرة يثير ـ بعد تلك الدراسات العلمية كلّها ـ سؤالاً ، يواجهه الشكليون والارتباطيون على السواء ، وهو : السؤال عن هذه الصورة التي أدركها العقل ، وتكوّنت طبقاً لقوانين التداعي الآلي ، أو طبقاً لقوانين الصيغة والشكل ، فما هو كنهها ؟ وهل هي صورة مادّية أو صورة مجرّدة عن المادّة ؟ وهذا السؤال الأساسي هو الذي يصوغ المشكلة الفلسفية التي يجب على علم النفس الفلسفي دراستها ومعالجتها ، وهو الذي تردّ عليه المادّية والميتافيزيقية بجوابين متناقضين
ويبدو الآن من الواضح جدّاً : أنّ السيكولوجيا العلمية ـ أي : علم النفس التجريبي ـ لا تستطيع في هذا المجال أن تؤكّد على التفسير المادّي للإدراك ، وتنفي وجود شيء في الحياة العقلية خارج المادّة ، كما تزعم الفلسفة المادّية ؛ لأنّ التجارب السيكولوجية ، سواءٌ منها الذاتية والموضوعية ، لا تمتدّ إلى ذلك المجال
الإدراك في مفهومه الفلسفي
لنبدأ الآن بدراستنا الفلسفية للإدراك ـ بعد أن أوضحنا مغزاها وصلاتها بمختلف الدراسات العملية ـ طبقاً للمنهج الفلسفي في الدراسات النفسية ، والذي يتلخّص ـ كما ألمعنا إليه سابقاً ـ في أخذ الحقائق العلمية والمسلّمات التجريبية ، وبحثها على ضوء القوانين والأصول المقرّرة في الفلسفة ؛ لاستنتاج حقيقة جديدة وراء ما كشفت عنه التجارب من حقائق
ولنأخذ الإدراك العقلي للصورة المبصرة ، نموذجاً حياً للحياة العقلية العامة التي تتصارع حول تفسيرها الفلسفتان : الميتافيزية ، والمادّية ، فمفهومنا الفلسفي للإدراك يرتكز :
أوّلاً- على الخصائص الهندسية للصورة المدرَكة
ثانياً- على ظاهرة الثبات في عمليات الإدراك البصري
أمّا الأوّل ، فنبدأ فيه من حقيقة بدهية نأخذها من حياتنا اليومية ومختلف تجاربنا الاعتيادية ، وهي : أنّ الصورة التي تتحفنا بها العملية العقلية للإدراك البصري تحتوي على الخصائص الهندسية : من الطول ، والعرض ، والعمق ، وتبدو بمختلف الأشكال والحجوم فلنفرض أنّنا زرنا حديقة تمتدّ آلاف الأمتار ، وألقينا عليها نظرة واحدة ، استطعنا فيها أن ندرك الحديقة كلاً متماسكاً ، تبدو فيه النخيل ، والأشجار ، وبركة الماء الكبيرة ، وألوان الحياة المتدفّقة في الأزهار والأوراد ، والكراسي الموضوعة بانتظام حول بركة الماء ، والبلابل ، والطيور التي تشدو على الأغصان والسؤال الذي يعترضنا حول هذه الصورة الرائعة التي أدركناها بنظرة مستوعبة هو : ما هي هذه الصورة التي ندركها ؟ وهل هي نفس الحديقة وواقعها
الموضوعي بالذات ، أو صورة مادّية تقوم بعضو مادّي خاصّ في جهازنا العصبي ، أو لا هذا ولا ذاك ، بل صورة مجرّدة عن المادّة ، تماثل الواقع الموضوعي وتحكي عنه ؟
أمّا أنّ الحديقة بواقعها الخارجي هي الصورة المتمثّلة في إدراكنا العقلي ، فقد كانت تنادي بذلك نظرية قديمة في الرؤية ، تفترض أنّ الإنسان يدرك الواقع الموضوعي للأشياء نفسه ، بسبب خروج شعاع خاص من العين ، ووقوعه على المرئي ، ولكن هذه النظرية سقطت ـ أوّلاً ـ من الحساب الفلسفي ؛ لأنّ خداع الحواسّ الذي يجعلنا ندرك صوراً معيّنة على أشكال خاصّة لا واقع لها ، يبرهن على أنّ الصورة المدرَكة ليست هي الواقع الموضوعي ، وإلاّ فما هو الواقع الموضوعي المدرَك في الإدراكات الحسّية الخادعة ؟! وسقطت ـ ثانياً ـ من الحساب العلمي ؛ إذ أثبت العلم أنّ الأشعّة الضوئية تنعكس من المرئيات على العين لا من العين عليها ، وأنّا لا نملك من الأشياء المرئية إلاّ الأشعّة المنعكسة منها على الشبكية حتّى لقد أثبت العلم أنّ رؤيتنا للشيء قد تحدث بعد انعدام ذلك الشيء بسنين فنحن لا نرى الشعرى في السماء ـ مثلاً ـ إلاّ حين تصل الموجات الضوئية الصادرة عن الشعرى(١) إلى الأرض بعد عدّة سنين من انطلاقها عن مصدرها ، فتقع على شبكية العين ، فنقول : نحن نرى الشعرى ، غير أنّ هذه الموجات الضوئية التي تؤدّي بنا إلى رؤية الشعرى إنّما تنبئنا عنها كما كانت قبل عدّة سنين ومن الجائز أن تكون الشعرى قد انعدمت من السماء قبل رؤيتنا لها بأمد طويل ، وهذا يبرهن علمياً على أنّ الصورة التي نحسّ بها الآن ليست هي
____________________
(١) الشِعرَى : الكوكب الذي يطلع في الجوزاء ، وطلوعه في شدّة الحرّ (المنجد في اللغة)(لجنة التحقيق)
الشعرى المحلّقة في السماء ، أي : الواقع الموضوعي للنجم
ويبقى في حسابنا بعد ذلك الافتراضان الأخيران : فالافتراض الثاني- القائل : إنّ الصورة المدرَكة نتاج مادّي قائم بعضو الإدراك في الجهاز العصبي- هو الذي يحدّد المذهب الفلسفي للمادّية والافتراض الثالث ـ القائل : إنّ الصورة المدرَكة أو المحتوى العقلي لعملية الإدراك لا توجد في المادّة ، وإنّما هي لون من الوجود الميتافيزيقي ، خارج العالم المادّي ـ هو الذي يمثّل المذهب الفلسفي للميتافيزيقية
وفي هذه المرحلة من البحث يمكننا أن نستبعد الافتراض المادّي استبعاداً نهائياً ؛ وذلك لأنّ الصورة المدرَكة بحجمها وخصائصها الهندسية ، وامتدادها طولاً وعرضاً ، لا يمكن أن توجد في عضوٍ مادّي صغير في الجهاز العصبي فنحن وإن كنّا نعتقد أنّ الأشعّة الضوئية تنعكس على الشبكية ، وتتصوّر في صورة خاصّة ، ثمّ تنتقل في أعصاب الحسّ إلى الدماغ ، فتنشأ في موضع محدّد منه صورة مماثلة للصورة التي حدثت على الشبكية ولكن هذه الصورة المادّية غير الصورة المدرَكة في عقلنا ؛ لأنّها لا تملك ما تملكه الصورة المدرَكة من خصائص هندسية فكما أنّ الحديقة التي أدركناها في نظرة واحدة لا يمكن أن نأخذ عنها صورة فوتوغرافية موازية لها في السعة والشكل والامتداد على ورقة مسطّحة صغيرة ، كذلك لا يمكن أن نأخذ عنها صورة عقلية أو إدراكية ـ تحاكيها في سعتها ، وشكلها ، وخصائصها الهندسية ـ على جزء ضئيل من المخّ ؛ لأنّ انطباع الكبير في الصغير مستحيل
وإذن فيصبح من الضروري أن نأخذ بالافتراض الثالث ، وهو : أنّ الصورة المدرَكة ـ التي هي المحتوى الحقيقي للعملية العقلية ـ صورة ميتافيزيقية ، موجودة وجوداً مجرّداً عن المادّة ، وهذا هو كلّ ما يعنيه المفهوم الفلسفي
الميتافيزيقي للإدراك
وقد يخطر هنا على بعض الأذهان أنّ مسألة إدراك الصورة في أشكالها ، وحجومها ، وأبعادها ومسافاتها ، قد أجاب عليها العلم ، وعالجتها البحوث السيكولوجية ؛ إذ أوضحت أنّ هناك عدّة عوامل بصرية وعضلية تساعدنا على إدراك تلك الخصائص الهندسية
فحاسّة البصر لا تدرك سوى الضوء واللون ، وأمّا إدراك الخصائص الهندسية للأشياء ، فهو يتوقّف على ارتباط اللمس بحركات وأحاسيس خاصّة فلو جرّدنا الإحساس البصري عن كلّ إحساس آخر ، لبدت لنا نقاط من الضوء واللون فحسب ، ولما أُتيح لنا إدراك الأشكال والحجوم ، حتّى إنّا كنّا نعجز عن التمييز بين كرة ومكعّب ؛ وذلك لأنّ الكيفيات الأوّلية والأشكال من مدركات اللمس ، وبتكرار التجربة اللمسية ينشأ تقارن بين مدركات اللمس من تلك الكيفيات ، وبين عدّة من الإحساسات البصرية كاختلاف خاصّة في الأضواء والألوان المبصرة ، وعدّة من الحركات العضلية كحركة تكييف العين لرؤية الأشياء القريبة والبعيدة ، وحركة التلاقي في حالة الإبصار بالعينين وبعد أن ينشأ هذا التقارن يمكننا أن نستغني في إدراك الحجوم والأشكال عن الإحساسات اللمسية بما اقترن بها من إحساسات وحركات عضلية فإذا أبصرنا كرة بعد هذا ، استطعنا أن نحدّد شكلها وحجمها دون أن نلمسها ، اعتماداً على الإحساسات والحركات العضلية التي اقترنت بمدركات اللمس
وهكذا ندرك أخيراً الأشياء بخصائصها الهندسية ، لا بالإحساس البصري فحسب ، بل بالإبصار مع ألوان أخرى من حركات حسّية ، أصبحت ذات مدلول هندسي بسبب اقترانها بمدركات اللمس ، غير أنّ العادة لا تجعلنا نشعر بذلك
ونحن لا نريد أن ندرس نظرية العوامل العضلية والبصرية من ناحية علمية ؛
لأنّ ذلك لا يهمّ البحث الفلسفي ، فلنأخذ بها كمسلّمة علمية ، ولنفترض أنّها صحيحة ؛ فإنّ هذا الافتراض لا يغيّر من موقفنا الفلسفي شيئاً ، كما يظهر ذلك في ضوء ما قدّمناه من تحديدات للدراسة الفلسفية في بحوث النفس ؛ إذ إنّ مؤدّى النظرية هو : أنّ الصورة العقلية المدرَكة بخصائصها الهندسية ، وطولها وعرضها وعمقها ، لم توجد بسبب الإحساس البصري البسيط فحسب ، بل بالتعاون مع إحساسات بصرية ، وحركات عضلية أخرى ، اكتسبت مدلولاً هندسياً بارتباطها باللمس واقترانها معه في التجارب المتكرّرة ، وسوف نواجه بعد التسليم بهذا نفس السؤال الفلسفي الأوّل ، وهو السؤال عن هذه الصورة العقلية التي كوّنها الإحساس البصري بالاشتراك مع أحاسيس وحركات أخرى ، أين توجد ؟ وهل هي صورة مادّية قائمة في عضوٍ مادّي ، أو صورة ميتافيزيقية مجرّدة عن المادّة ؟ ومرّة أخرى نجد أنفسنا مضطرّين إلى الأخذ بوجهة النظر الميتافيزيقي ؛ لأنّ هذه الصورة بخصائصها وامتدادها آلاف الأمتار لا يمكن أن توجد في عضوٍ مادّي صغير ، كما لا يمكن أن توجد على ورقة صغيرة ، فيجب ـ إذن ـ أن تكون صورة مجرّدة عن المادّة
هذا ما يتّصل بظاهرة الخصائص الهندسية للصورة العقلية المدرَكة
وأمّا الظاهرة الثانية التي يتاح لمفهومنا الفلسفي أن يرتكز عليها ، فهي ظاهرة الثبات ، ونعني بها : إنّ الصورة العقلية المدرَكة تميل إلى الثبات ، ولا تتغيّر طبقاً لتغيّرات الصورة المنعكسة على الجهاز العصبي فهذا قلم إذا وضعناه على بعد متر واحد منّا ، انعكست عنه صورة ضوئية خاصّة ، وإذا ضاعفنا المسافة التي تفصلنا عنه ، ونظرنا إليه على بعد مترين ، فإنّ الصورة التي يعكسها سوف تقلّ إلى نصف ما كانت عليه في حالتها الأُولى ، مع أنّ إدراكنا لحجم القلم لن يتغيّر تغيّراً يذكر ، أي : أنّ الصورة العقلية للقلم التي نبصرها تبقى ثابتة بالرغم من تغيّر
الصورة المادّية المنعكسة وهذا يبرهن بوضوح على أنّ العقل والإدراك ليس مادّياً ، وأنّ الصورة المدرَكة ميتافيزيقية
ومن الواضح : أنّ هذا التفسير الفلسفي لظاهرة الثبات لا يتعارض مع أيّ تفسير علمي لها يمكن أن يقدّم في هذا المضمار فيمكنك أن تفسّر الظاهرة بأنّ ثبات الموضوعات المدرَكة ـ في مظاهرها المختلفة ـ يرجع إلى الخبرة والتعلّم ، كما يمكنك إن شئت أن تقول ـ في ضوء التجارب العلمية ـ إنّ هناك علاقات محدّدة بين الثبات في مختلف مظاهره ، والتنظيم المكاني للموضوعات الخارجية التي ندركها ؛ فإنّ هذا لا يعني حلّ المشكلة من ناحية فلسفية ؛ إذ أنّ الصورة المبصرة ـ التي لم تتغيّر طبقاً للصورة المادّية ، بل ظلّت ثابتة بفضل خبرة سابقة ، أو بحكم تنظيمات مكانية خاصّة ـ لا يمكن أن تكون هي الصورة المنعكسة عن الواقع الموضوعي على مادّة الجهاز العصبي ؛ لأنّ هذه الصورة المنعكسة تتغيّر تبعاً لزيادة البعد بين العين والواقع ، وتلك الصورة المبصرة ثابتة
والنتيجة الفلسفية التي نخرج بها من هذا البحث هي : أنّ الإدراك ليس مادّياً ، كما تزعم الفلسفة المادّية ؛ لأنّ مادّية الشيء تعني أحد أمرين : إمّا إنّه بالذات مادّة ، وإمّا إنّه ظاهرة قائمة بالمادّة والإدراك ليس بذاته مادّة ، ولا هو ظاهرة قائمة بعضوٍ مادّي كالدماغ ، أو منعكسة عليه ؛ لأنّه يختلف في القوانين التي تسيطر عليه عن الصورة المادّية المنعكسة على العضو المادّي ، فهو يملك من الخصائص الهندسية أوّلاً ، ومن الثبات ثانياً ، ما لا تملكه أيّ صورة مادّية منعكسة على الدماغ وعلى هذا الأساس تؤمن الميتافيزيقية بأنّ الحياة العقلية ـ بما تزخر به من إدراكات وصور ـ أثرى ألوان الحياة وأرقاها ؛ لأنّها حياة ترتفع عن مستوى المادّة وخصائصها
ولكن المسألة الفلسفية الأخرى التي تنبثق ممّا سبق ، هي : أنّ الإدراكات والصور التي تتشكّل منها حياتنا العقلية إذا لم تكن صوراً قائمة بعضوٍ مادّي ، فأين هي قائمة إذن ؟ وهذا السؤال هو الذي دعا إلى استكشاف حقيقة فلسفية جديدة ، وهي : أنّ تلك الصور والإدراكات تجتمع أو تتابع كلّها على صعيد واحد ، هو : صعيد الإنسانية المفكّرة ، وليست هذه الإنسانية المفكّرة شيئاً من المادّة ، كالدماغ أو المخّ ، بل هي درجة من الوجود مجرّدة عن المادّة ، يصلها الكائن الحيّ في تطوّره وتكامله فالمدرِك والمفكّر هو هذه الإنسانية اللامادّية
ولكي يتّضح الدليل على ذلك بكلّ جلاء يجب أن نعلم أنّا بين ثلاثة فروض :
إحداها : أنّ إدراكنا لهذه الحديقة أو لذلك النجم صورة مادّية قائمة بجهازنا العصبي ، وهذا ما نبذناه ، ودلّلنا على رفضه
وثانيها : أنّ إدراكاتنا ليست صوراً مادّية ، بل هي صور مجرّدة عن المادّة ، وموجودة بصورة مستقلّة عن وجودنا وهذا افتراض غير معقول أيضاً ؛ لأنّها إذا كانت موجودة بصورة مستقلّة عنّا ، فما هي صلتنا بها ؟! وكيف أصبحت إدراكات لنا ؟!
وإذا نفضنا يدينا من هذا وذاك ، ولم يبقَ لدينا إلاّ التفسير الثالث للموقف ، وهو : أنّ تلك الإدراكات والصور العقلية ليست مستقلّة في وجودها عن الإنسان ، كما أنّها ليست حالة أو منعكسة في عضو مادّي ، وإنّما هي ظواهر مجرّدة عن المادّة ، تقوم بالجانب اللامادّي من الإنسان فهذه الإنسانية اللامادّية (الروحية) هي التي تدرك وتفكّر ، لا العضو المادّي ، وإن كان العضو المادّي يهيّئ لها شروط الإدراك ؛ للصلة الوثيقة بين الجانب الروحي والجانب المادّي من الإنسان
الجانب الروحي من الإنسان
ونصل هنا إلى نتيجة خطيرة ، وهي : أنّ للإنسان جانبين : أحدهما مادّي يتمثّل في تركيبه العضوي ، والآخر روحي لا مادّي ، وهو مسرح النشاط الفكري والعقلي ، فليس الإنسان مجرّد مادّة معقّدة ، وإنّما هو مزدوج الشخصية من عنصر مادّي ، وآخر لا مادّي
وهذا الازدواج يجعلنا نجابه موقفاً عسيراً في سبيل استكشاف نوعية العلاقة والصلة بين الجانبين المادّي والروحي من الإنسان ، ونحن نعلم قبل كلّ شيء : أنّ العلاقة بينهما وثيقة حتّى إنّ أحدهما يؤثّر في الآخر باستمرار : فإذا خُيّل إلى شخص أنّه يرى شبحاً في الظلام ، اعترته قشعريرة ، وإذا كتب على شخص أن يخطب في حفل عام ، أخذ العرق يتصبّب منه ، وإذا بدأ أحدنا يفكّر ، حدث نشاط خاصّ في جهازه العصبي ، فهذا أثر العقل أو الروح في الجسم ، كما أنّ للجسم أثره في العقل ، فإذ دبّت الشيخوخة في الجسد ، وهن النشاط العقلي ، وإذا أفرط شارب الخمر في السكر قد يرى الشيء شيئين
فكيف يتاح للجسم والعقل أن يؤثّر أحدهما في الآخر إذا كنّا مختلفين لا يشتركان في صفة من الصفات ؟ فالجسم قطعة من المادّة له خصائصها من ثقل وكتلة وشكل وحجم ، وهو يخضع لقوانين الفيزياء وأمّا العقل ـ أو الروح ـ فهو موجود غير مادّي ينتسب إلى عالم وراء عالم المادّة ، ومع هذه الهوّة الفاصلة يصعب تفسير التأثير المتبادل بينهما فقطعة من الحجارة يمكن أن تسحق نبتة في الأرض ؛ لأنّهما معاً مادّيان ، وقطعتان من الحجر يمكن أن تصطكّا وتتفاعلا وأمّا أن يحدث الاصطكاك والتفاعل بين موجودين من عالمين فهذا ما يحتاج إلى
شيء من التفسير وهو الذي عاق التفكير الأوروبي الحديث ـ على الأغلب ـ عن الأخذ بفكرة الازدواج بعد أن رفض التفسير الأفلاطوني القديم للعلاقة بين الروح والجسم بوصفها علاقة بين قائد وعربة يسوقها ، فقد كان أفلاطون يتصوّر أنّ الروح جوهر قديم مجرّد عن المادّة يعيش في عالم وراء دنيا المادّة ، ثمّ يهبط إلى البدن ليدبّره كما يهبط السائق من منزله ويدخل العربة ليسوقها ويدبّر أمرها(١)
وواضح : أنّ هذه الثنائية الصريحة والهوّة الفاصلة بين الروح والجسم في تفسير أفلاطون لا تصلح لتفسير العلاقة الوثيقة بينهما التي تجعل كلّ إنسان يشعر بأنّه كيان موحّد ، وليس شيئين من عالَمين مستقلّين التقيا على ميعاد
وقد ظلّ التفسير الأفلاطوني قاصراً عن حلّ المشكلة بالرغم من التعديلات التي أُجريت على التفسير الأفلاطوني من قِبل أرسطو بإدخال فكرة الصورة والمادّة ، ومن قِبل ديكارت الذي جاء بنظرية الموازنة بين العقل والجسم القائلة : بأنّ العقل والجسم ـ الروح والجسد ـ يسيران على خطّين متوازيين ، وكلّ حادث يقع في أحدهما يصاحبه حادث يقابله يقع في الآخر ، وهذا التلازم بين الأحداث العقلية والجسمية لا يعني أنّ أحدهما سبب للآخر ؛ إذ لا معنى للتأثير المتبادل بين شيء مادّي وآخر غير مادّي ، بل إنّ هذا التلازم بين النوعين من الأحداث مردّه إلى العناية الإلهية التي شاءت أن يصاحب الإحساس بالجوع ـ دائماً ـ حركة اليد لتناول الطعام دون أن يكون الإحساس سبباً للحركة(٢)
ومن الواضح : أنّ نظرية الموازنة هذه تعبير جديد عن ثنائية أفلاطون ،
____________________
(١) يراجع : فالتزر ، أفلاطون ، تعريب : لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلاميّة : ٥٥
(٢) راجع : قصّة الفلسفة الحديثة : ١ / ٨١ ـ ٨٣ موسوعة الفلسفة : ١ / ٤٩٧ الموسوعة الفلسفيّة المختصرة : ١٩٢ ـ ١٩٣
وهوّته الفاصلة بين العقل والجسم
وقد أدّت المشاكل التي تنجم عن تفسير الإنسان على أساس الروح والجسد معاً إلى بلورة اتّجاه حديث في التفكير الأوروبي إلى تفسير الإنسان بعنصر واحد ، فنشأت المادّية في علم النفس الفلسفي القائلة : إنّ الإنسان مجرّد مادّة وليس غير ، كما تولّدت النزعة المثالية التي تجنح إلى تفسير الإنسان كلّه تفسيراً روحياً
وأخيراً ، وَجَدَ تفسير الإنسان على أساس العنصرين الروحي والمادّي تصميمه الأفضل على يد الفيلسوف الإسلامي (صدر المتألّهين الشيرازي) ، فقد استكشف هذا الفيلسوف الكبير حركة جوهرية في صميم الطبيعة ، هي الرصيد الأعمق لكلّ الحركات الطارئة المحسوسة التي تزخر بها الطبيعة ، وهذه الحركة الجوهرية هي الجسر الذي كشفه الشيرازي بين المادّة والروح ؛ فإنّ المادّة في حركتها الجوهرية تتكامل في وجودها ، وتستمرّ في تكاملها حتّى تتجرّد عن مادّيتها ضمن شروط معيّنة ، وتصبح كائناً غير مادّي ، أي : كائناً روحياً ، فليس بين المادّي والروحي حدود فاصلة ، بل هما درجتان من درجات الوجود والروح بالرغم من أنّها ليست مادّية ذات نسب مادّي ؛ لأنّها المرحلة العليا لتكامل المادّة في حركتها الجوهرية(١)
وفي هذا الضوء نستطيع أن نفهم العلاقة بين الروح والجسم ، ويبدو من المألوف أن يتبادل العقل والجسم ـ الروح والمادّة ـ تأثيراتهما ؛ لأنّ العقل ليس شيئاً مفصولاً عن المادّة بهوّة سحيقة كما كان يُخيّل لديكارت حين اضطرّ إلى إنكار التأثير المتبادل والقول بمجرّد الموازنة ، بل إنّ العقل نفسه ليس إلاّ صورة
____________________
(١) يراجع : صدر الدين الشيرازي ، شرح الهداية الأثيريّة : ٢١٤ ـ ٢١٨
مادّية عند تصعيدها إلى أعلى من خلال الحركة الجوهرية ، والفرق بين المادّية والروحية فرق درجة فقط ، كالفرق بين الحرارة الشديدة والحرارة الأقلّ منها درجة
ولكن هذا لا يعني أنّ الروح نتاج للمادّة وأثر من آثارها ، بل هي نتاج للحركة الجوهرية ، والحركة الجوهرية لا تتبع من نفس المادّة ؛ لأنّ الحركة ـ كلّ حركة ـ خروج للشيء من القوّة إلى الفعل تدريجياً ـ كما عرفنا في مناقشتنا للتطوّر عند الديالكتيك ـ والقوّة لا تصنع الفعل ، والإمكان لا يصنع الوجود ، فللحركة الجوهرية سببها خارج نطاق المادّة المتحرّكة والروح التي هي الجانب غير المادّي من الإنسان نتيجة لهذه الحركة والحركة نفسها هي الجسر بين المادّية والروحية
المنعكس الشرطي والإدراك
ليس اختلافنا مع الماركسية في حدود مفهومها المادّي للإدراك فحسب ؛ لأنّ المفهوم الفلسفي للحياة العقلية وإن كان هو النقطة الرئيسية في معتركنا الفكري معها ، ولكنّنا نختلف ـ أيضاً ـ في مدى علاقة الإدراك والشعور بالظروف الاجتماعية ، والأحوال المادّية الخارجية فالماركسية تؤمن بأنّ الحياة الاجتماعية للإنسان هي التي تحدّد له مشاعره ، وأنّ هذه المشاعر أو الأفكار تتطوّر تبعاً لتطوّر الظروف الاجتماعية والمادّية ، ولمّا كانت هذه الظروف تتطوّر تبعاً للعامل الاقتصادي ، فالعامل الاقتصادي ـ إذن ـ هو العامل الرئيسي في التطوّر الفكري
وقد حاول (جورج بوليتزير) أن يشيّد هذه النظرية الماركسية على قاعدة
علمية ، فأقامها على أساس الفعل المنعكس الشرطي ولكي نفهم ذلك جيّداً يجب أن نقول كلمة عن الفعل المنعكس الشرطي الذي اكتشفه (بافلوف) إذ حاول مرّة أن يجمع لعاب الكلب من إحدى الغدد اللعابية ، فأعدّ جهازاً لذلك ، وأعطى الحيوان طعاماً لإثارة مجرى اللعاب ، فلاحظ أنّ اللعاب بدأ يسيل من كلب متمرّن قبل أن يوضع الطعام في فمه بالفعل ؛ لمجرّد رؤية الطبق الذي فيه الطعام ، أو الإحساس باقتراب الخادم الذي تعوّد إحضاره
ومن الواضح : أنّ رؤية الشخص أو خطواته لا يمكن اعتبارها منبّهاً طبيعياً لهذه الاستجابة ، كما ينبّهها وضع الطعام في الفم ، بل لا بدّ أن تكون هذه الأشياء قد ارتبطت بالاستجابة الطبيعية في مجرى التجربة الطويل حتّى استخدمت كعلامة مبدئية على المنبّه الفعلي
وعلى هذا يكون إفراز اللعاب ، عند وضع الطعام في الفم فعلاً منعكساً طبيعياً ، يثيره منبّه طبيعي وأمّا إفراز اللعاب عند اقتراب الخادم أو رؤيته ، فهو فعل منعكس شرطي ، اُثير بسبب منبّه مشروط ، يستعمل كعلامة على المنبّه الطبيعي ، ولولا إشراطه بالمنبّه الطبيعي ، لما وجدت استجابة بسببه
وبسبب عمليات إشراط كهذا وجد أوّل نظام إشاري لدى الكائن الحي ، تلعب فيه المنبّهات المشروطة دوراً في الإشارة إلى المنبّه الطبيعي ، واستثارة الاستجابة التي يستحقّها وبعد ذلك وجد النظام الإشاري الثاني الذي عوّض فيه عن المنبّهات الشرطية في النظام الأوّل ، بإشارات ثانوية إلى تلك المنبّهات الشرطية التي أشرطت هذه الإشارات الثانوية بها في تجارب متكرّرة ، وأصبح من الممكن الحصول على الاستجابة ، أو الفعل المنعكس بالإشارة الثانوية بسبب إشراطها بالإشارة الأوّلية ، كما أتاح النظام الإشاري الأوّل الحصول عليها بالإشارة الأوّلية بسبب إشراطها بالمنبّه الطبيعي ، وتعتبر اللغة هي الإشارات
الثانوية في النظام الإشاري الثاني
هذه هي نظرية العالم الفيزيولوجي (بافلوف) وقد استغلّته السلوكية ، فزعمت أنّ الحياة العقلية لا تعدو أن تكون عبارة عن أفعال منعكسة فالتفكير يتركّب من استجابات كلامية باطنة ، يثيرها منبّه خارجي وهكذا فسّرت الفكر كما تفسّر عملية إفراز لكلّب لعابه ، عند سماعه خطوات الخادم ، فكما أنّ الإفراز ردّ الفعل الفيزيولوجي لمنبّه شرطي ، وهو خطى الخادم ، كذلك الفكر هو ردّ الفعل الفيزيولوجي لمنبّه شرطي ، كاللغة التي أشرطت بالمنبّه الطبيعي مثلاً
ولكن من الواضح : أنّ التجارب الفيزيولوجية على الفعل المنعكس الشرطي لا يمكنها أن تبرهن على أنّ الفعل المنعكس هو حقيقة الإدراك ، والمحتوى الحقيقي للعمليات ، ما دام من الجائز أن يكون للإدراك حقيقة وراء حدود التجربة
أضف إلى ذلك أنّ السلوكية في رأيها هذا ـ القائل بأنّ الأفكار استجابات شرطية ـ تقضي على نفسها وتنزع القدرة على الكشف عن الواقع والقيمة الموضوعية ، لا من سائر الأفكار فحسب ، بل من السلوكية ذاتها ـ أيضاً ـ بوصفها فكرة تخضع للتفسير السلوكي ؛ لأنّ تفسير السلوكية للفكر الإنساني له أثره الخطير في نظرية المعرفة ، وتقدير قيمتها ، ومدى قدرتها على استكشاف الواقع فالمعرفة ـ كلّ معرفة ـ لا تعدو وفقاً للتفسير السلوكي أن تكون استجابة حتمية لمنبّه شرطي كسيلان اللعاب من فم الكلب في تجارب بافلوف ، وليست نتيجة للاستدلال والبرهان ، وبالتالي تصبح كلّ معرفة تعبيراً عن وجود منبّه شرطي لها لا عن وجود مضمونها في الواقع الخارجي ، والفكرة السلوكية نفسها لا تشذّ عن هذه القاعدة العامّة ، ولا تختلف عن كلّ الأفكار الأخرى في تأثّرها بالتفسير السلوكي ، وسقوط قيمتها ، وعدم إمكان دراستها بأيّ لون من الألوان
والواقع : هو عكس ما رامته السلوكية تماماً ، فليس الإدراك والفكر فعلاً فيزيولوجياً ينعكس عن منبّه شرطي نظير إفراز اللعاب ، كما يزعم السلوكيون ، بل نفس إفراز اللعاب هذا يعني شيئاً غير مجرّد ردّ الفعل المنعكس ، يعني إدراكاً ، وهذا الإدراك هو السبب في إثارة المنبّه الشرطي للاستجابة المنعكسة فالإدراك هو الحقيقة التي نتبيّنها وراء ردود فعل المنبّه الشرطي ، وليس لونا من ألوان تلك الردود ، ونعني بهذا : أنّ إفراز الكلب لعابه عند حدوث المنبّه الشرطي لم يكن مجرّد فعل آلي بحت ، كما تعتقد السلوكية ، بل كان نتيجة إدراك الكلب مدلول المنبّه الشرطي فخطوات الخادم باقترانها مع مجيء الطعام في تجارب متكرّرة أصبحت تدلّ على مجيئه ، وأصبح الكلب يدرك مجيء الطعام عند سماعها ، فيفرز لعابه استعداداً للموقف الذي يبشّر به المنبّه الشرطي وكذلك الطفل إذ يبدو عليه شيء من الارتياح عند تهيّؤ مرضعته لإرضاعه ، بل عند إخباره بمجيئها إذا كان يملك فهماً لغوياً ؛ فإنّ هذا الارتياح ليس مجرّد فعل فيزيولوجي منعكس عن شيء خارجي ارتبط بالمثير الطبيعي ، بل هو منبثق عن إدراك الطفل مدلول المنبّه الشرطي ، إذ يستعدّ ـ حينئذٍ ـ للارتضاع ، ويشعر بارتياح ، ولذا نجد فرقاً في درجات الارتياح بين الارتياح الذي يثيره المنبّه الطبيعي ، وبين الارتياح الذي تثيره المنبّهات الشرطية ؛ لأجل أنّ ذاك ارتياح أصيل ، وهذا ارتياح الأمل والترقّب
ويمكننا أن نبرهن علمياً على عدم كفاية التفسير السلوكي للتفكير عن طريق التجارب التي قام على أساسها مذهب (الجشطالت) في علم النفس ؛ إذ برهنت هذه التجارب على أنّ من المستحيل أن نفسّر حقائق الإدراك على أساس سلوكي بحت ، وبوصفها مجرّد استجابات للمنبّهات المادّية التي يتلقّى الدماغ رسائلها في صورة عدد من الدوافع العصبية المتفرّقة ، بل يجب ـ لكي نفسّر حقائق
الإدراك تفسيراً كاملاً ـ أن نؤمن بالعقل ودوره الإيجابي الفعّال وراء الانفعالات والاستجابات العصبية التي تثيرها المنبّهات
ولنأخذ الإدراك الحسّي مثلاً ، فقد أثبتت تجارب الجشطالت أنّ رؤيتنا لألوان الأشياء وخصائصها تعتمد إلى حدّ بعيد على الموقف العام الذي نجابهه في إبصارنا ، وعلى الأرضية التي تحيط بتلك الأشياء ، فقد نرى الخطّين متوازيين أو متساويين ضمن مجموعة من الخطوط ، نواجهها كموقف وكلّ مترابط الأجزاء ، ثمّ نراهما ضمن مجموعة أخرى غير متوازيين أو متساويين ؛ لأنّ الموقف العامّ الذي يواجهه إدراكنا البصري اختلف عن الموقف السابق ، وهذا يوضح : أنّ إدراكنا ينصبّ أوّلاً على الكلّ ، وندرك الأجزاء بأبصارنا ضمن إدراكنا للكلّ ، ولذا يختلف إدراكنا الحسّي للجزء باختلاف الكلّ أو المجموع الذي يندرج فيه
فهناك- إذن- نظام للعلاقات بين الأشياء يفرزها إلى مجاميع ، ويحدّد لكلّ شيء موضعه من مجموعته الخاصّة ، ويطوّر نظرتنا إليه تبعاً للمجموعة التي ينتمي إليها ، وإدراكنا للأشياء ضمن هذا النظام لا يقبل التفسير السلوكي ، ولا يمكن القول : بأنّه استجابة مادّية وحالة جسمية ناشئة من منبّه خاصّ ؛ إذ لو كان حالة جسمية وظاهرة مادّية منبثقة عن الدماغ ، لما أُتيح لنا أن ندرك الأشياء بأبصارنا ككلّ منظّم ترتبط أجزاؤه ارتباطاً خاصّاً ـ حتّى إنّ إدراكنا لها يختلف إذا أبصرناها ضمن علاقات أخرى ـ لأنّ جميع ما يصل إلى الدماغ في الإدراك يتألّف من مجموعة من الرسائل ترد إلى المخّ من مختلف أعضاء الجسم مجزّأة ضمن عدد من الدوافع العصبية المتفرّقة ، فكيف أُتيح لنا أن ندرك نظام العلاقات بين الأشياء ؟ وكيف أُتيح للإدراك أن ينصبّ أوّلاً على الكلّ ، فلا ندرك الأشياء إلاّ ضمن كلّ مترابط بدلاً عن إدراك الأشياء متفرّقة كما تنتقل إلى الدماغ ؟ كيف أمكن ذلك كلّه لو لم يكن هناك دور إيجابي فعّال للعقل وراء الانفعالات
والحالات الجسمية المجزّأة ؟
وبكلمة أخرى : أنّ الأشياء الخارجية قد تقذف إلى الدماغ برسائل متفرّقة ، وهي : استجاباتنا للمنبّهات الخارجية في عرف السلوكية ، وقد يحلو للسلوكية أن تقول : إنّ هذه الاستجابات والرسائل المادّية التي تمرّ في الأعصاب إلى المخّ هي وحدها المحتوى الحقيقي لإدراكنا ، ولكن ماذا تقول عن إدراكنا لنظام من العلاقات بين الأشياء يجعلنا نحسّ أوّلاً بالكلّ الموحّد وفقاً لتلك العلاقات ؟ مع أنّ نظام العلاقات هذا ليس شيئاً مادّياً ليثير انفعالاً مادّياً في جسم المفكّر واستجابة أو حالة جسمية معيّنة ، فلا يمكننا أن نفسّر إدراكنا لهذا النظام ، وبالتالي إدراكنا للأشياء ضمنه على أساس سلوكي بحت
وأمّا الماركسية فقد أخذت بنظريات (بافلوف) ورتّبت عليه :
أوّلاً : أنّ الشعور البشري يتطوّر طبقاً للظروف الخارجية ؛ وذلك لأنّه حصيلة الأعمال المنعكسة الشرطية التي تثيرها المنبّهات الخارجية
قال جورج بوليتزير :
(وبهذا الطريقة أثبت (بافلوف) أنّ ما يُحدّد أساساً شعور الإنسان ليس جهازه العضوي بل يحدّده على عكس ذلك المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان ، والمعرفة التي يحصل عليها منه فالظروف الاجتماعية للحياة هي المنظّم الحقيقي للحياة العضوية الذهنية)(١)
ثانياً : أنّ ولادة اللغة كانت هي الحدث الأساسي الذي نقل البشر إلى مرحلة الفكر ؛ لأنّ فكرة الشيء في الذهن إنّما تنجم عن منبّه خارجي شرطي ،
____________________
(١) المادّية والمثالية في الفلسفة : ٧٨ ـ ٧٩
فلم يكن من الممكن أن توجد للإنسان فكرة عن شيء ما لم تقم أداة كاللغة بدور المنبّه الشرطي
قال ستالين :
(يقال : إنّ الأفكار تأتي في روح الإنسان قبل أن تعبّر عن نفسها في الحديث ، وإنّها تولد دون أدوات اللغة إلاّ أنّ هذا خطأ تماماً ، فمهما كانت الأفكار التي تأتي في روح الإنسان ، فلا يمكن أن تولد أو توجّه إلاّ على أساس أدوات اللغة فاللغة هي الواقع المباشر للفكر)(١)
ونحن نختلف عن الماركسية في كلا الرأيين ، ولا نقرّ الآلية في الإدراك البشري ، فليست الأفكار والإدراكات مجرّد ردود فعل منعكسة عن المحيط الخارجي ، كما تدّعي السلوكية ، وليست ـ أيضاً ـ حصيلة تلك الردود المحدّدة من قبلها ، والمتطوّرة بتبعها ، كما تعتقد الماركسية
ولنوضّح المسألة في المثال التالي : يلتقي زيد وعمرو يوم السبت ، فيأخذان بالحديث مدّة ، ثمّ يحاولان الافتراق ، فيقول زيد لعمرو : انتظرني في صباح الجمعة الآتية في بيتك ويفترقان بعد ذلك وينصرف كلّ منهما إلى حياته الاعتيادية ، وتمرّ الأيام حتّى يحين الموعد المحدّد للزيارة ، فيستذكر كلّ من الشخصين موعده ، ويدرك موقفه بصورة مختلفة عن إدراك الآخر ، فيبقى عمرو في بيته ينتظر ، ويخرج زيد من بيته متوجّهاً إلى زيارته فما هو المنبّه الشرطي الخارجي الذي أثار فيهما الإدراكين المختلفين بعد مرور عدّة أيام على الميعاد السابق ، وفي هذه الساعة بالذات ؟! وإذا كان الكلام السابق كافياً للتنبيه الآن ،
____________________
(١) المادّية والمثالية في الفلسفة : ٧٧
فلماذا لا يتذكّران الآن جميع أحاديثهما التي تبادلاها ؟! ولماذا لا تقوم تلك الأحاديث بدور التنبيه والاستثارة ؟!
ومثال آخر : تخرج من البيت وقد وضعت رسالة في حقيبتك ، عازماً على وضعها في صندوق البريد ، وأنت تتّجه نحو المدرسة ، فتصادف في طريقك صندوقاً للبريد ، فتدرك فوراً أنّ الكتاب لا بدّ من وضعه فيه ، فتضعه فيه ثمّ قد تمرّ بعد ذلك على عدّة صناديق للبريد فلا تسترعي انتباهك مطلقاً ، فما هو المنبّه المثير لإدراكك عند رؤية أوّل صندوق للبريد ؟! وقد تقول : إنّ المثير هو رؤية الصندوق نفسه ، باعتبار أنّك أشرطته بالمنبّه الطبيعي ، فهو منبّه شرطي ولكن كيف نفسّر غفلتنا عن الصناديق الأخرى ؟! ولماذا زال الإشراط فوراً بمجرّد قضاء حاجتنا ؟!
ففي ضوء الأمثلة تعرف أنّ الفكر نشاط إيجابي فعّال للنفس ، وليس رهن ردود الفعل الفيزيولوجية ، كما أنّه ليس هو الواقع المباشر للّغة ، كما زعمت الماركسية ، بل اللغة أداة لتبادل الأفكار ، وليست هي المكوّنة لتلك الأفكار ، ولذا قد نفكّر في شيء ، ونفتّش طويلاً عن اللفظ المناسب له ؛ للتعبير به عنه ، وقد نفكّر في موضوع ، في نفس الوقت الذي نتكلّم فيه عن موضوع آخر(١)
فالحياة الاجتماعية والظروف المادّية ـ إذن ـ لا تحدّد أفكار الناس
____________________
(١) وقد قمنا في دراستنا الموسّعة للمادّية التاريخية في كتاب (اقتصادنا) بنقد مستوعب لنظريات الماركسية عن الإدراك البشري من ناحية علاقته بالظروف الاجتماعية والمادّية وتفسيره على أساس الظروف الاقتصادية ، كما تناولنا بتفصيل الرأي الماركسي القائل : بانبثاق الفكر من اللغة وارتباطه بها ولأجل هذا نكتفي هنا بما جاء في الطبعة الأُولى من هذا الكتاب استغناءً بدراستنا الموسّعة في الحلقة الثانية (اقتصادنا)(المؤلّف قدسسره )
ومشاعرهم- بصورة آلية- عن طريق المنبّهات الخارجية
نعم ، إنّ الإنسان قد يكيّف أفكاره تكييفاً اختيارياً بالبيئة والمحيط ، كما نادت بذلك المدرسة الوظيفية في علم النفس تأثّراً بنظرية التطوّر عند (لامارك) في البيولوجيا ، فكما أنّ الكائن الحيّ يتكيّف عضوياً تبعاً لمحيطه ، كذلك الأمر في حياته الفكرية
ولكنّا يجب أن نعلم :
أوّلاً : أنّ هذا التكيّف يوجد في الأفكار العملية التي وظيفتها تنظيم الحياة الخارجية ، ولا يمكن أن يوجد في الأفكار التأمّلية التي وظيفتها الكشف عن الواقع فالمبادئ المنطقية ، أو الرياضية ، وغيرهما من الأفكار التأمّلية ، تنبع من العقل ، ولا تتكيّف بمقتضيات البيئة الاجتماعية ، وإلاّ لكان مصير ذلك إلى الشكّ الفلسفي المطلق في كلّ حقيقة ؛ إذ لو كانت الأفكار التأمّلية جميعاً تتكيّف بعوامل المحيط ، وتتغيّر تبعاً لها ، لم يؤمن على أيّ فكرة أو حقيقة من التغيّر والتبدّل
ثانياً : أنّ تكيّف الأفكار العملية بمقتضيات البيئة وظروفها ليس آلياً ، بل هو تكيّف اختياري ، ينشأ من دوافع إرادية في الإنسان ، تسوقه إلى جعل النظام المنسجم مع محيطه وبيئته ، وبذلك يزول التعارض ـ تماماً ـ بين المدرسة الوظيفية ، والمدرسة الغرضية في علم النفس
وسوف ندرس في (مجتمعنا ) طبيعة هذا التكيّف وحدوده في ضوء مفاهيم الإسلام عن المجتمع والدولة ؛ لأنّه من القضايا الرئيسية في دراسة المجتمع وتحليله وفي تلك الدراسة سنستوفي بتفصيل كلّ النواحي التي اختصرنا الحديث عنها في بحث الإدراك هذا .
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين
الفهرس
فلسفتنا آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدسسره ١
فلسفتنا ٤
هذا الكتاب ٦
كلمة المؤتمر : ٧
كلمة المؤلّف ١٣
تمهيد ١٧
المسألة الاجتماعية ١٩
الديمقراطية الرأسمالية ٢٢
الاشتراكية والشيوعية ٣٥
[ الإسلام والمشكلة الاجتماعيّة ] ٤٥
وأخيراً : ٦١
نظريّة المعرفة ٦٣
المصدر الأساسي للمعرفة ٦٥
قيمة المعرفة ١٢٣
المفهوم الفلسفي للعالم ٢٢٧
تمهيد ٢٢٩
المفهوم الفلسفي للعالم / ٢ ٢٤٥
الديالكتيك أو الجدل ٢٤٥
المفهوم الفلسفي للعالم / ٣ ٣٣١
مبدأ العلّيّة ٣٣١
المفهوم الفلسفي للعالم / ٤ ٣٦٥
المادّة أو الله ؟ ٣٦٥
المفهوم الفلسفي للعالم / ٥ ٤٠٥
الإدراك ٤٠٥
الفهرس ٤٣٧