السنة في الشريعة الاسلامية

مؤلف: محمد تقي الحكيم
كتب متنوعة

السنة في الشريعة الاسلامية

محمد تقي الحكيم


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى





السنة

١ - السنة في اللغة، السنة عند الفقهاء والكلاميين، السنة عند الأصوليين، اتفاق واختلاف.

السنة النبوية

حجيتها من الضروريات، الادلة التي ذكروها على الحجية: الكتاب، السنة، الاجماع، العقل، ومناقشاتها اشكال ودفع.


تعريف السنة:

لكلمة (السنة) تحديدات تختلف باختلاف المصطلحين، فهي في عرف أهل اللغة «الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن اذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي طريقا».

«وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناها الأمر بالادامة من قولهم: سننت الماء اذا واليت في صبه».

«وقال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فاذا أطلقت انصرفت اليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة، كقوله: من سن سنة سيئة».

«وقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها الى يوم القيمة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيمة(١) ».

السنة عند الفقهاء والكلاميين:

وتطلق في عرف الفقهاء على ما يقابل البدعة، ويراد بها كل حكم يستند الى أصول الشريعة في مقابل البدعة فانها تطلق على «ماخالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة(٢) » وربما استعملها الكلاميون بهذا الاصطلاح، كما تطلق في اصطلاح آخر لهم على «ما يرجح جانب وجوده

____________________

(١) تراجع هذه الأقوال في ارشاد الفحول، ص٣٣.

(٢) نهاية ابن الأثير مادة (بدع).


على جانب عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض(١) » وهي بذلك ترادف كلمة المستحب، وربما كان اطلاقها على النافلة في العبادات من باب اطلاق العام على الخاص، وكذلك اطلاقها على خصوص «ماواظب على فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع ترك مابلا عذر(٢) » كما جاء في بعض التحديدات.

السنة عند الأصوليين:

وقد اختلفوا في مدلولها من حيث السعة والضيق مع اتفاقهم على صدقها على «ما صدر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من قول أو فعل أو تقرير» وقيدها الشوكاني بقوله (من غير القرآن) وهو قيد في غير موضعه لأن القرآن لم يصدر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وانما صدر عن الله وبلغه النبي، فهو لايصدق عليه أنه قوله الا بضرب من التجوز والتجديد العلمي لايتحمله؛ وهناك قيود أخر أضافها غير واحد كقولهم اذا كان في مقام التشريع وسيتضح ان هذه القيود لاموضع لها أيضا لانه ما من شيء يصدر عن الانسان بإرادته الا وله في الشريعة حكم، فجميع ما يصدر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - بعد ثبوت عصمته - لابد ان يكون صادرا عن تشريع حكم وله دلالته في مقام التشريع العام الا ما اختص بهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيأتي الحديث فيه.

وموضع الاختلاف في التحديد توسعة الشاطبي لها الى ما تشمل الصحابة حيث اعتبر ما يصدر عنهم سنة ويجري عليه أحكامها الخاصة من حيث الحجية، وربما وافقه بعضهم على ذلك، بينما وسعها الشيعة الى ما يصدر عن أئمتهمعليه‌السلام فهي عندهم كل ما يصدر عن المعصوم قولا وفعلا وتقريرا؛ وبالطبع ان الذي يهمنا هو المصطلح الثالث أعني مفهومها عند الأصوليين لأن الحديث عن حجيتها انما يتصل بهذه الناحية دون غيرها؛ وطبيعة

____________________

(١) ارشاد الفحول، ص٣٣.

(٢) ارشاد الفحول، ص٣٣.


المقارنة تستدعي استعراض آرائهم على اختلافها في هذه المسألة الهامة.

والحديث حول حجية السنة يقع في مواقع ثلاث:

١ - حجية ما صدر عن النبي من قول، أو فعل، أو تقرير.

٢ - حجية ما صدر عن الصحابة من ذلك بالاضافة الى معناها الأول، وهو الذي اختاره الشاطبي.

٣ - حجية ما صدر عن الأئمة من أهل البيت بالاضافة الى معناها الأول أيضا، وهو الذي تبناه الشيعة على اختلاف منهم في المراد من أئمة أهل البيت.


حجية السنة النبوية:

والحديث حول حجية ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير، أوضح من ان يطال فيها الحديث، اذ لولاها لما اتضحت معالم الاسلام، ولتعطل العمل بالقرآن، ولما أمكن ان يستنبط منه حكم واحد بكل ما له من شرائط وموانع، لأن أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيات مايتصل بالحكم، وانما هي واردة في بيان أصل التشريع، وربما لانجد في حكما واحدا قد استكمل جميع خصوصياته قيودا وشرائط وموانع؛ خذوا على ذلك مثلا هذه الآيات المباركة( وَ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَ آتُوا الزَّکَاةَ (١) . کُتِبَ عَلَيْکُمُ الصِّيَامُ کَمَا کُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِکُمْ (٢) ) ،( ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا (٣) ) ، ثم حاولوا التجرد عن تحديدات السنة لمفاهيمها وأجزائها وشرائطها وموانعها؛ فهل تستطيعون ان تخرجوا منها بمدلول محدد؛ وما يقال عن هذه الآيات يقال عن غيرها، فالقول بالاكتفاء بالكتاب عن الرجوع إلى السنة تعبير آخر عن التنكر لأصل الاسلام وهدم لأهم معالمه وركائزه العملية.

وقد قامت محاولات على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده للتشكيك بقيمة السنة، أمثال ما حدث به عبد الله بن عمرو، قال: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: انك تكتب كل شيء تسمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك للرسول؛

____________________

(١) البقرة/٤٣.

(٢) البقرة/١٨٣.

(٣) آل عمران/٩٧.


فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ماخرج مني إلا حق(١) »، وربما كان من ردود الفعل لموقف قريش هذا من السنة قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يحذر من مغبة تركها: «لا ألفينّ أحدكم على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به او نهيت عنه فيقول: لاندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه(٢) »، وقد حاولوا بعد ذلك ان تصبغ هذه الدعوة الهادمة بصبغة علمية على يد أتباعهم بعد حين، فاستدلوا لها بأن القرآن نزل تبيانا لكل شيء، وأمثالها من الادلة التي ذكرها الشافعي في كتابه الأم وردّ عليها بأبلغ ردّ، وخلاصة ما جاء في رده: «ان القرآن لم يأت بكل شيء من ناحية، وفيه الكثير مما يحتاج الى بيان من ناحية أخرى ، وسواء في ذلك العبادات والمعاملات، ولا يقوم بذلك الا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بحكم رسالته التي عليه ان يقوم بها، وفي هذا يقول الله تعالى :( وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم (٣) ) ، ثم يقول «لو رددنا السنة كلها لصرنا الى أمر عظيم لايمكن قبوله، وهو أن من يأتي بأقل مايسمى صلاة او زكاة، فقد أدى ما عليه، ولو صلى ركعتين في كل يوم او أيام اذ له ان يقول ما لم يكن فيه كتاب الله، فليس على أحد فيه فرض، ولكن السنة بينت لنا عدد الصلوات في اليوم وكيفياتها، والزكاة وأنواعها ومقاديرها، والأموال التي تجب فيها(٤) ».

____________________

(١) المدخل للفقه الاسلامي، ص١٨٤، نقلا عن ابن عبد البر في جامعه، وأبي داود في سنته، والحاكم، وغيرهم.

(٢) مصطفى الزرقا، في تكابه، في الحديث النبوي، ص١٦ط/٢، وبمضمونه وردت عدة أحاديث اقرأها في الموافقات، ج/٤ ص١٥.

(٣ - ٤) اقرا هذا الملخص وتتمته في كتاب (تاريخ الفقه الاسلامي) للدكتور محمد يوسف موسى ، ص٢٢٩.


والحقيقة، ان المناقشة في حجية السنة أو انكارها مناقشة في الضروريات الدينية وانكار لها، وليس لنا مع منكر الضروري من الدين حساب، لانه خارج عن طبيعة رسالتنا بحكم خروجه عن الاسلام؛ يقول الشوكاني: «والحاصل ان ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الاحكام ضرورة دينية، ولايخالف في ذلك الا من لاحظ له في دين الاسلام(١) » ويقول الخضري من المتأخرين: «وعلى الجملة فان حجية السنة من ضروريات الدين، أجمع عليها المسلمون ونطق بها القرآن(٢) » وكذلك غيرهما من الأصوليين، والحقيقة اني لا أكاد أفهم معنى للاسلام بدون السنة، ومتى كانت حجيتها بهذه الدرجة من الوضوح، فان اقامة البرهان عليها لامعنى له، لأن أقصى ما يأتي به البرهان هو العلم بالحجية، وهو حاصل فعلا بدون الرجوع اليه؛ ولكن الأعلام من الأصوليين درجوا على ذكر أدلة على ذلك من الكتاب والسنة والاجماع والعقل، ولابد لنا من مجاراتهم في هذا المجال مادمنا نريد أن نؤرخ لمبانيهم وحججها من جهة، ونقيمها بعد ذلك من الجهة الأخرى

١ - حجيتها من القرآن:

استدلوا بآيات من القرآن الكريم على اعتبار الحجية لها أمثال قوله تعالى :( أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ (٣) ) ،( وَ مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (٤) ، وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٥) ) .

ودلالة هذه الآيات في الجملة من أوضح الدلالات على حجيتها، الا أنها فيما تبدو - أضيق من المدعى لأنها لاتشمل غير القول الا بضرب من التجوز، والمراد اثباته عموم حجيتها لمطلق السنة قولا وفعلا وتقريرا.

____________________

(١) ارشاد الفحول، ص٣٣.

(٢) أصول الفقه، ص٣٣٤.

(٣) النساء/٥٨.

(٤) الحشر/٧.

(٥) النجم/٣/٤.


الاجماع:

وقد حكاه غير واحد من الباحثين، يقول خلاف: «أجمع المسلمون على ان ما صدر عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير، وكان مقصودا به التشريع والاقتداء، ونقل الينا بسند صحيح يفيد القطع أن الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين(١) » وفي سلم الوصول: «الاجماع العملي من عهد الرسول الى يومنا هذا على اعتبار السنة دليلا تستمد منه الأحكام، فان المسلمين في جميع العصور استدلوا على الأحكام الشرعية بما صح من أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يختلفوا في وجوب العمل بما ورد في السنة(٢) ».

ولا يعلم مخالف في ذلك من المسلمين على الاطلاق، الا ما يبدو من اولئك الذين رد عليهم الشافعي وهم على طوائف ثلاث، وجل أقوالهم تنصب على السنة المروية لا على أصل السنة، فراجعها في تاريخ الفقه الاسلامي لمحمد يوسف موسى(٣) .

ونقلة الاجماع على الحجية كثيرون، الا أن الاشكال في حجية أصل الاجماع لدى البعض وفي مصدر حجيته لدى البعض الآخر، فان انكرنا حجية الاجماع أو قلنا: ان مصدره من السنة نفسها لم يعد يصلح للدليلية هنا، أما مع انكار الحجية فواضح، واما مع انحصار مصدره بالسنة فللزوم الدور لوضوح ان حجية الاجماع تكون موقوفة على حجية السنة، فاذا كانت حجية السنة موقوفة على حجية الاجماع، كانت المسألة دائرة.

دلالة السنة على حجية نفسها:

وقد استدل بها غير واحد من الأصوليين؛ يقول الاستاذ سلام: كما

____________________

(١) علم أصول الفقه، ص٣٩.

(٢) سلم الوصول، ص٢٦١.

(٣) ص٢٢٧ وما بعدها.


دل على حجيتهاومنزلتها من الكتاب قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدهما أبدا: كتاب الله وسنة نبيه؛ واقراره لمعاذ بن جبل لما قال: أقضي بكتاب الله فان لم أجد فبسنة رسوله(١) » ويقول الاستاذ عمر عبد الله، وهو يعدد أدلته على حجة السنة: «ثانيا ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اعتبر السنة دليلا من الادلة الشرعية ومصدرا من مصادر التشريع، كما دل على ذلك حديث معاذ بن جبل حينما بعثه الرسول الى اليمن(٢) ».

وهذا النوع من الاستدلال لايخلو من غرابة لوضوح لزوم الدور فيه، لأن حجية هذه الادلة موقوفة على كونها من السنة، وكون السنة حجة؛ فلو توقف ثبوت حجية السنة عليها لزم الدور.

٤ - دليل العقل:

ويراد من دليل العقل هنا، خصوص ما دل على عصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وامتناع صدور الذنب والغفلة والخطأ والسهو منه، ليمكن القطع بكون ما يصدر عنه من أقوال وأفعال وتقريرات هي من قبيل التشريع، اذ مع العصمة لابد أن تكون جملة تصرفاته القولية والفعلية وما يتصل بها من اقرار موافقة للشريعة وهو معنى حجيتها.

وهذا الدليل من امتن ما يمكن أن يذكر من الادلة على حجية السنة وانكاره مساوق لانكار النبوة من وجهة عقلية، اذ مع امكان صدور المعصية منه أو الخطأ في التبليغ أو السهو أو الغفلة لايمكن الوثوق أو القطع بما يدعي تاديته عن الله عز وجل لاحتمال العصيان أو السهو أو الغفلة أو الخطأ منه، ولامدفع لهذا الاحتمال.

____________________

(١) المدخل للفقه الاسلامي ص٢٢٥.

(٢) سلم الوصول ص٢٦١.


ومع وجود هذا الاحتمال لايمكن تمامية الاحتجاج له أو عليه حتى في مجال دعواه النبوة، لما سبق أن قلنا من أن كل حجة لاتنتهي الى القطع فهي ليست بحجة، لأن العلم مقوم للحجية.

فاذا ثبتت نبوته بالأدلة العقلية، فقد ثبتت عصمته حتما للتلازم بينهما، وبخاصة اذا آمنا باستحالة اصدار المعجزة من قبل الله تعالى على يد من يمكن أن يدعي النبوة كذبا لقاعدة التحسين والتقبيح العقليين أو لغيرها على اختلاف في المبنى

اشكال ودفع:

وقد يقال بعدم التلازم عقلا بين اثبات العصمة له وتحصيل الحجة على اعتبار - ما يصدر منه من قول او فعل او تقرير - من قبيل التشريع لأن الدليل العقلي غاية مايثبت امتناع كذبه في ادعاء النبوة لاستحالة صدور المعجزة على يد مدعي النبوة كذبا لامطلق صدور الذنب منه فضلا عن الخطأ والسهو والنسيان.

ودعوى عدم حصول العلم بكون ما يصدر عنه تشريعا، لاحتمال الخطأ، أو النسيان، أو الكذب في التبليغ، أو السهو، يدفعها الرجوع الى اصالة عدم الخطأ، او السهو، او الغفلة ونظائرها، وهي من الأصول العقلائية التي يجري عليها الناس في اقعهم، ويكون حسابه حساب أئمة المذاهب، من حيث وجود هذه الاحتمالات فيهم، ومع ذلك فان الناس يثقون بأقوالهم ويدفعون الخطأ فيها او السهو او الغفلة، او تعمد الكذب بأمثال هذه الأصول.

وهذا الاشكال من أعقد مايمكن ان يذكر في هذا الباب، ولكن


دفعه انما يتم اذا تذكرنا ما سبق ان قلناه من أن كل حجة لاتنتهي الى العلم فهي ليست بحجة، لأن القطع هو الحجة الوحيدة التي لاتحتاج الى جعل، وبها ينقطع التسلسل ويرتفع الدور.

وهذه الأصول العقلائية التي يفزع اليها الناس في سلوكهم مع بعضهم، لاتحدث علما بمدلولها ولاتكشف عنه أصلا لاكشفا واقعيا ولاتعبديا.

أما نفي الكشف الواقعي عنها فواضح لعدم التلازم بين اجراء اصالة عدم الخطأ في سلوك شخص ما وبين اصابة الواقع والعلم به، ولو كان بينهما تلازم عقلي لأمكن اجراء هذا الأصل مثلا في حق أي شخص واعتبار مايصدر عنه من السنة ولا خصوصية للنبي في ذلك.

وأما نفي الكشف التعبدي عنها فلأنه مما يحتاج الى جعل من قبل الشارع، ومجرد بناء العقلاء لا يعطيه هذه الصفة مالم يتم امضاؤه من قبله.

وشأنه في ذلك شأن جميع مايصدرون عنه من عادات وتقاليد واعراف، والسر في ذلك ان القطع بصحة الاحتجاج به على الشارع لايتم الا اذا تم تبنيه من قبله وعلم ذلك منه، وكل حجة لاتنتهي الى القطع بصحة الاحتجاج بها، فهي ليست بحجة كما سبق بيان ذلك مفصلا.

هذا اذا أعطينا هذه الأصول صفة الامارية، اما اذا جردناها منها واعتبرناها وظائف عقلائية جعلوها عند الشك لينتظم سلوكهم في الحياة، فأمرها أوضح لعدم حكايتها عن أي واقع ليعتبر ما تحكى عنه من قبيل التشريع.

والاعتماد عليها كوظائف لا يتم الا اذا تم تبني الشارع لها بالامضاء أيضا لنفس السبب السابق.

وعلى هذا فحجية هذه الأصول وأمثالها موقوفة على امضاء الشارع لها بقوله أو تقريره، وكون هذا الامضاء حجة أي موقوفة على


حجية السنة، فلو كانت حجية السنة موقوفة عليها كما هو الفرض لزوم الدور.

لبداهة ان حجية الاقرار من قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثلا موقوفة على حجية اصالة عدم الخطا أو اصالة الصحة أو اصالة عدم الغفلة أو السهو، وحجية هذه الاصول موقوفة على حجية اقراره لها لو كان هناك اقرار، ومع اسقاط المتكرر ينتج ان حجية اقراره موقوفة على حجية اقراره.

والحقيقة ان القول بحجية السنة بشكلها الواسع، لايلتئم مع أنكار العصمة أو بعض شؤونها بحال.

وليس المهم بعد ذلك ان ندخل في شؤون العصمة وأدلتها فان ذلك من بحوث علم الكلام.

والكلمات بعد ذلك مختلفة ومشتتة، والتأمل فيما عرضناه يكشف فيما نعتقد وجه الحق فيها.

ومهما قيل أو يقال في العصمة على صعيد علم الكلام فانهم في الفقه مجمعون على اعتبار حجية السنة قولا وفعلا وتقريرا، وهو حسبنا في مجال المقارنة.

على ان حجيتها - كما سبق ان قلنا - ضرورة دينية لايمكن لمسلم ان ينكرها وهو باق على الاسلام، والاعتراف بها ينطوي على الاعتراف بالعصمة حتما وعدم جواز الخطأ عليه خلافا للقاضي أبي بكر(١) .

____________________

(١) راجع أقوال المسألة في ارشاد الفحول، ص٣٤.


سنة الصحابة

الادلة على حجيتها: الكتاب، السنة أخذ العلماء بأقوالهم، الروايات الآمرة بمحبتهم، مناقشات ذلك كله.





سنة الصحابة:

يقول الشاطبي: سنة الصحابةرضي‌الله‌عنه سنة يعمل عليها ويرجع اليها، والدليل على ذلك أمور(١) ».

والأمور التي ذكرها لاتنهض باثبات ما يريده نعرضها ملخصة:

أحدهما: «ثناء الله عليهم من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع اليها كقوله تعالى :( كنتم خير أمة أخرجت للناس (٢) ) ، وقوله:( وَ کَذٰلِکَ جَعَلْنَاکُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَکُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَکُونَ الرَّسُولُ عَلَيْکُمْ شَهِيداً (٣) ) ، ففي الأولى اثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم على كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة على دون المخالفة، وفي الثانية اثبات العدالة مطلقا، وذلك يدل على ما دلت عليه الاولى(٤) ».

والجواب على الآية الأولى يقع من وجوه:

أ - ان اثبات الأفضلية لهم على سائر الأمم، كما هو مفاد أفعل التفضيل في كلمة (خير أمة) لاتستلزم الاستقامة لكل فرد منهم على كل حال، بل تكفي الاستقامة النسبية لأفرادها، فيكون معناها ان هذه الأمة مثلا في مفارقات أفرادها، أقل من الأمم التي سبقتها فهي خيرهم من هذه الناحية، هذا اذا لم نقل أن الآية انما فضلتهم من جهة تشريع الأمر بالمعروف لهم والنهي عن المنكر، كما هو ظاهر تعقيبها بقوله تعالى : تأمرون

____________________

(١) ص٧٤، الموافقات ج/٤.

(٢) آل عمران/١١٠.

(٣) البقرة/١٤٢.

(٤) ص٧٤، الموافقات ج/٤.


بالمعروف وتنهون عن المنكر، فلاتكون واردة في مقام جعل الحجية لأقوالهم أصلا.

ب - ان التفضيل الوارد فيها انما هو بلحاظ المجموع - ككل - لا بلحاظ تفضيل كل فرد منها على كل فرد من غيرها لنلتزم لهم بالاستقامة على كل حال، ولذا لانرى أية منافاة بين هذه الآية وبين مايدل - لو وجد - على تفضيل حواري عيسى مثلا على بعض غير المتورعين من الصحابة.

ج - انها واردة في مقام التفضيل لامقام جعل الحجية لكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال وتقريرات اذ هي أجنبية عن هذه الناحية، ومع عدم احراز كونها واردة لبيان هذه الجهة لايمكن التمسك بها بحال.

د - ان هذا الدليل لو تم فهو أوسع من المدعى بكثير لكون الأمة أوسع من الصحابة ولايمكن الالتزام بهذا التعميم.

وقد تنبه الشاطبي لهذا الاشكال ودفعه بقوله: «ولايقال ان هذا عام في الأمة فلايختص بالصحابة دون من بعدهم».

«لأنا نقول أولا ليس كذلك بناء على انهم المخاطبون على الخصوص، ولايدخل معهم من بعدهم الا بقياس وبدليل أخر، وثانيا على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فانهم أول ما تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم المباشرون للوحي؛ وثالثا انهم أولى بالدخول من غيرهم اذا الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال الاهم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح(١) ».

ولكن هذه المناقشات لايتضح لها وجه، أما الأولى فلأن اختصاص الخطاب بهم مبني على ما سبقت الاشارة اليه من اختصاص الحجية بخصوص المشافهين لامتناع خطاب المعدوم وقد تقدم ما فيه بالاضافة الى ان هذا

____________________

(١) الموافقات، ج٤ ص٧٥.


الاشكال لو تم فهو لا ينفع المستدل لاختصاصه بخصوص الحاضرين في مجلس الخطاب لامتناع خطاب غير الحاضر؛ واذن تختص الآية بخصوص من حضروا المجلس عند نزول الآية، وليس كل الصحابة، على ان دليل المشاركة وحده كاف في التعميم.

وأما المناقشتان الثانية والثالثة، فهما واضحتا البطلان لانكار الأولية والأولوية في القضايا التي يكون مساقها مساق القضية الحقيقية لأن نسبتها الى الجميع تكون نسبة واحدة من حيث الدلالة اللفظية؛ على أن أولية الدخول أو أولويته لايستلزم صرف الخطاب اليهم وقصره عليهم، لأن مقتضاها يوجب مشاركة الغير لهم في الدخول مع تأخر في الزمان أو الرتبة، فما ذكره من الاختصاص بهم من هذه الجهات لايخلو من مؤاخذة.

ومع ثبوت التعميم لايمكن اثبات أحكام النسبة لجميع الأمة كما هو واضح.

وما يقال عن هذه الأية يقال عن الآية الثانية فهي، بالاضافة الى هذه المؤاخذات على الاستفادة منها والغض عن تسليم افادتها لعدالتهم جميعا، ان مجرد العدالة لايوجب كون كل ما يصدر عنهم من السنة والا لعممنا الحكم الى كل عادل سواء كان صحابيا أم غير صحابي، لورود الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم لايتعمدون الخطيئة، أما مطابقة مايصدر عنهم للأحكام الواقعية ليكون سنة، فهذا أجنبي عن مفهوم العدالة تماما.

«والثاني ما جاء في الحديث من الأمر باتباعهم، وان سننهم في طلب الاتباع كسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كقوله: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، وقوله:تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار الا واحدة؛ قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: /ما أنا عليه وأصحابي. وعنه أنه قال: أصحابي مثل الملح لا


يصلح الطعام الا به، وعنه أيضا: «ان الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير». ويروي في بعض الأخبار: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، الى غير ذلك مما في معناه(١) ».

والجواب عن هذه الأحاديث ونظائرها - بعد التغافل عن أسانيدها وحساب ما جاء في بعضها من الطعون أمثال ما ذكره ابن حزم عن حديث أصحابي كالنجوم من أنه «حديث موضوع مكذوب باطل، وقال أحمد: حديث لايصح، وقال البزار: لايصح هذا الكلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) » - ان هذه الروايات لايمكن الأخذ بظاهر بعضها، ولادلالة للبعض الآخر على المدعى.

وأول ما يرد على الرواية الأولى ونظائرها من الروايات الآمرة بالاقتداء بهم استحالة صدور مضمونها من المعصوم لاستحالة ان يعبدنا الشارع بالمتناقضين، وتناقض سيرة الخلفاء في نفسها من أوضح الأمور لمن قرأ تأريخهم واستقرأ ما صدر عنهم من أحداث.

وحسبك ان سيرة الشيخين مما عرضت على الامام عليعليه‌السلام يوم الشورى ، فأبى التقيد بها ولم يقبل الخلافة لذلك، وقبلها عثمان وخرج عليها باجماع المؤرخين، وفي أيام خلافة الامام، نقض كل ما أبرمه الخليفة عثمان، وخرج على سيرته سواء في توزيع الأموال أو المناصب أم اسلوب الحكم، والشيخان نفسهما مختلفا السيرة، فأبو بكر ساوى في توزيع الأموال الخراجية وعمر فاوت فيها، وابو بكر كان يرى طلاق الثلاث

____________________

(١) الموافقات، ج/٤ ص٧٦.

(٢) اقرأ ما كتبه الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على هذا الحديث في نفس المصدر، وما جاء فيه من تضعيف وتصحيح.


واحدا، وعمر شرعه ثلاثا، وعمر منع عن المتعتين، ولم يمنع عنهما الخليفة الأول ونظائرها ذلك اكثر من أن تحصى

وعلى هذا، فأية هذه السير هي السنة؟ وهل يمكن ان تكون كلها سنة حاكية عن الواقع، وهل يتقبل الواقع الواحد حكمين متناقضين؟! وما أحسن ما ناقش الغزالي أمثال هذه الروايات بقوله: «فان من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف، وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة(١) ».

على أن بعض هذه الروايات أضيق من المدعى لاختصاصها بالخلفاء الراشدين كالرواية الأولى ، فتعميمها الى مختلف الصحابة لايتضح له وجه، والروايات الباقية أجنبية عن افادة اثبات جعل الحجية لما يصدر عنهم وغاية ما تدل عليه - لو صحت أسانيدها - مدحهم والثناء عليهم، والمدح والثناء لايرتبطان بعالم جعل الحجية للممدوحين.

على ان هذه الروايات - على تقدير تمامية دلالتها - مخصصة بما دل على ارتداد اكثرهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «بينا أنا قائم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم؛ فقلت: أين؟ قال الى النار والله؛ قلت: وما

____________________

(١) المستصفى ، ج١ ص١٣٥.


شأنهم؟ قال: انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقهرى ؛ ثم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم؛ فقال: هلم؛ فقلت: أين؟ قال: الى النار والله؛ قلت: ما شأنهم؟ قال: انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم(١) » وفي روايته الأخرى عن سهل بن سعد قال: «قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : اني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم؛ قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم؛ فقال: اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فأقول: انهم مني، فيقال انك لاتدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي(٢) ».

وفي روايته الثالثة عن انس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي، فيقول: لاتدري ما أحدثوا بعدك(٣) ».

آلي غير هذه الروايات مما عرضها البخاري في باب الحوض وغيره، كما عرضها غيره من اصحاب الصحاح وسائر السنن(٤) ، ولايهم عرضها، وطبيعة الجمع بين الأدلة تقتضي تقييد تلكم الأدلة بغير المرتدين فمع الشك في ارتداد أحد الصحابة لايمكن التمسك بتلكم العمومات لعدم احراز موضوعها وهو الصحابي غير المرتد، ويكون التمسك بها من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، والتحقيق انه لايسوغ لأن القضية لا

____________________

(١) البخاري، ج٨ ص١٢١.

(٢) البخاري، ج٨ ص١٢٠.

(٣) البخاري، ج٨ ص١٢٠.

(٤) أجوبة مسائل جار الله للامام شرف الدين، ص١٤.


تثبت موضوعها بل تحتاج الى اثباته من خارج نطاق الدليل.

وقال يقال ان المراد بالمرتدين هم اصحاب الردة الذين قاتلهم الخليفة أبو بكر،وهم معلومون فلا تصل النبوة الى الشك والتوقف عن التمسك بتلكم العمومات، ولكن هذا الاحتمال بعيد جدا لمنافاته بصراحة لرواية ابي هريرة السابقة التي صرحت بقولها: «فلا أراه يخلص الا مثل همل النعم» وهي أبلغ كناية عن القلة، ومعنى ذلك أنها حكمت على أكثرهم بالارتداد، ومعلوم ان هؤلاء المرتدين الذين حاربهم الخليفة لايشكلون الا أقل القليل.

ولولا أننا في مقام التماس الأدلة الى أحكام الله عز وجل، وهو يقتضينا ان لانترك ما نحتمل مدخليته في مقام الحجية رفعا او وضعا لكنا في غنى عن عرض هذه الأخبار والأحاديث والتحدث فيها.

وما يقال عن هذه الأحاديث، يقال عن آية( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات او قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا (١) ) وكأن هذه الأحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية، ومؤكدة لتحقق مضمونها بعد وفاته.

الثالث «ان جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الاقاويل، فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلا، وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلا، وبعضهم يعد قول الصحابة على الاطلاق حجة ودليلا؛ ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة؛ وهذه الآراء وان ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف الى امر كلي هو المعتمد في المسألة، وذلك ان السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين؛ فتجدهم اذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من

____________________

(١) آل عمران/١٤٤.


ذهب اليها من الصحابة، وما ذاك الا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة، وانهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلا عن النظر معهم فيما نظروا فيه، وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل ان يجتهد لايمنع من تقليد الصحابة ويمنع من غيره وهو المنقول عنه في الصحابي كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته، ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم(١) ».

والجواب على هذا النوع من الاستدلال أنه أجنبي عن اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، وغاية ما يدل عليه - لو صح - ان جمهور العلماء كانوا يرونهم في مجالات الرواية أو الرأي أوثق أو أوصل من غيرهم، والصدق والوثاقة واصالة الرأي شيء وكون ما ينتهون اليه من السنة شيء آخر، وقول الشافعي الذي نقله نفسه يبعدهم عن هذا المجال اذ كيف يمكن له ان يحج من كان قوله سنة، وهل يستطيع ان يقول مثل هذا الكلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟.

على ان هذا النوع من الترجيح لأقوالهم لايعتمد أصلا من أصول التشريع، والعلماء لم يتفقوا عليه ليشكل اتفاقهم اجماعا يركن اليه.

الرابع: «ماجاء في الأحاديث من ايجاب محبتهم، وذم من أبغضهم، وان من أحبهم فقد أحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه فقط اذ لا مزية في ذلك، وانما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق ان يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة(٢) ».

____________________

(١) الموافقات، ج٤ ص٧٧ ومابعدها.

(٢) الموافقات ج٤ ص٧٩ ومابعدها.


والجواب عن هذا الاستدلال أوضح من سابقه لأن ما ذكره من التعليل لايكفي لاعطائهم صفة المشرعين أو الحاق منزلتهم بمنزلة النبوة، وغاية ما يصورهم أنهم أناس لهم مقامهم في خدمة الاسلام والالتزام بتعاليمه، ولكنه لاينفي عنهم الخطأ أو السهو أو الغفلة؛ على ان لارباب الجرح والتعديل حسابا مع الكثير من روايات هذا الباب لايهم عرضها الآن.

هذا كله من حيث اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، أما جعل الحجية لأقوالهم من حيث كونهم رواة ومجتهدين فلذلك حساب آخر يأتي موضعه في مبحث (مذهب الصحابي).

سنة اهل البيت

تمهيد ما يصلح للدليلية، أدلتهم من الكتاب: آية التطهير ودلالتها على العصمة، شبهات حول الآية ودفعها، آية أولي الأمر، استدلال الرازي بها على العصمة، شبهات حول تعيين أولي الأمر ودفعها، ادلتهم من السنة، حديث الثقلين، سند الحديث، دلالته على العصمة، مناقشات أبي زهرة للحديث، حديث حول المناقشات، من هم أهل البيت، الأدلة العقلية ومدى دلالتها على ذلك.

تمهيد

وقد استدل الشيعة على حجية سنة أهل البيت بادلة كثيرة، يصعب استعراضها جميعا واستيفاء الحديث فيها، وحسبنا ان نعرض منها الآن نماذج لاتحتاج دلالتها الى مقدمات مطوية ليسهل استيعاب الحديث فيها.

وأهم ما ذكروه من أدلتهم - على اختلافها - ثلاثة:

الكتاب، السنة النبوية، العقل.

والذي يهمنا من هذه الأدلة التي عرضوها لاثبات مرادهم هو كل ما دل أو رجع الى لزوم التمسك بهم، والرجوع اليهم، واعتبار قولهم حجة يستند اليها في مقام اثبات الواقع.

ومجرد مدحهم والثناء عليهم من قبل الله عز وجل أو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يكفي في اعتبار الحجية لما يصدر عنهم وان قربت دلالته في كتب الشيعة الكلامية بعد ذكر مقدمات مطوية قد لايخلو بعضها من مناقشة، وقد سبق ان تحدثنا فيما يشبه الموضوع مع الشاطبي عندما استدل على اعتبار سنة الصحابة بأخبار المدح والثناء عليهم، وما قلناه هناك نقوله هنا، وان كان نوع المديح يختلف لسانه، وربما كان في لسان بعضه هنا ما يشعر بالحجية، ولايهم اطالة الحديث فيه.


ثم ان الأحاديث التي وردت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله واستدلوا بها على الحجية، تختلف في أسانيدها، فبعضها يرجع الى أهل البيت أنفسهم، وينفرد أو يكاد بروايته شيعة أهل البيت، وبعضها الآخر مما يتفق على روايته الشيعة وأهل السنة على السواء.

والذي يحسن ان نذكره في أحاديثنا هذه منها هو خصوص ما اتفق





عليه الطرفان، ووثقوا رواته، اختصارا لمسافة الحديث وابعادا لشبهة من لايطمئن الى غير أحاديث أرباب مذهبه لاحتمال تحكم بعض العوامل الشعورية أو اللاشعورية في صياغتها، وتخلصا من شبهة الدور التي أثارها فضيلة الاستاذ الشيخ سليم البشري في مراجعاته القيمة مع الامام شرف الدين، فقد جاء في احدى مراجعاته له:

١ - هاتها بينة من كلام الله ورسوله تشهد لكم بوجوب اتباع الأئمة من أهل البيت دون غيرهم، ودعنا في هذا المقام من كلام غير الله ورسوله.

٢ - فان كلام أئمتكم لايصلح لئن يكون حجة على خصومهم والاحتجاج به في هذه المسألة دوري كما - تعلمون(١) ».

وربما قرب الدور بدعوى ان حجية أقوال أهل البيت موقوفة على اثبات كونها من السنة، واثبات كونها من السنة موقوف على حجية أقوالهم، ومع اسقاط المتكرر ينتج ان اثبات كونها من السنة موقوف على اثبات كونها من السنة، ونظير هذا الدور ما سبق أن أوردناه على من استدل بالسنة النبوية على حجية السنة.

ولكن الجواب عن هذا الدور هنا اوضح اذا تصورنا أن حجية أقوال اهل البيت هذه لاتتوقف على كونها من السنة، وانما يكفي في اثبات الحجية لها كونها مروية من طريقهم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وصدورها عنهم باعتبارهم من الرواة الموثوقين، واذن يختلف الموقوف عن الموقوف عليه فيرتفع الدور، ويكون اثبات كون ما يصدر عنهم من السنة موقوفا على روايتهم الخاصة لا على أقوالهم كمشرعين. نعم لو أريد من أقوال الأئمةأئمةأيفهثهثهيأئمة غير الرواية عن النبي، بل باعتبارها نفسها سنة، وأريد اثبات

____________________

(١) المراجعات لشرف الدين، ص١٩ المراجعة ١٣، ويحسن لكل مسلم ان يطلع على هذه المراجعات فان فيها من أدب المناظرة وعمق البحث ما يقل نظيره في هذا المجال.


كونها سنة بنفس الأقوال لتحكمت شبهة الدور ولا مدفع لها.

وعلى أي حال فان الذي يحسن بنا - متى أردنا لأنفسنا الموضوعية في بحوثنا هذه - ان نتجنب هذا النوع من الأحاديث ونقتصر على خصوص ما اتفق الطرفان على روايته، ووجد في كتبهم المعتمدة لهم.

أدلتهم من الكتاب:

استدلوا من الكتاب بآيات عدة نكتفي منها بما اعتبروه دالا على عصمتهم لأنه هو الذي يتصل بطبيعة بحوثنا هذه، وأهمها آيتان:

الاولى آية التطهير وهي:( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهير ) .

وتقريب الاستدلال بها على عصمة اهل البيت ما ورد فيها من حصر ارادة اذهاب الرجس - أي الذنوب - عنهم بكلمة (انما)، وهي من أقوى أدوات الحصر واستحالة تخلف المراد عن الارادة بالنسبة له تعالى من البديهيات لمن آمن بالله عز وجل، وقرأ في كتابه العزيز:( انما أمره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ) ، وتخريجها على أساس فلسفي من البديهيات أيضا لمن يدرك أن ارادته هي العلة التامة او آخر أجزائها بالنسبة لجميع مخلوقاته، واستحالة تخلف المعلول عن العلة من القضايا الأولية، ولا أقل من كونها من القضايا المسلمة لدى الطرفين كما سبقت الاشارة الى ذلك، وليس معنى العصمة الا استحالة صدور الذنب عن صاحبها عادة.

شبهات حول الآية:

١ - وقد يقال ان الارادة - كما يقسمها علماء الأصول - ارادتان:


تكوينية وتشريعية، وهي وان كانت من حيث استحالة تخلف المراد عنها واحدة - الا انها تختلف بالنسبة الى المتعلق، فان كان متعلقها خصوص الأمور الواقعية من أفعال المكلفين وغيرها سميت تكوينية، وان كان متعلقها الأمور المجعولة على أفعال المكلفين من قبل المشرع سميت ارادة تشريعية.

والارادة هنا لاترتبط بالارادة التكوينية لأن متعلقها الأحكام الواردة على أفعالها فكأن الآية تقول:( انما شرعنا لكم الأحكام يا أهل البيت لنذهب بها الرجس عنكم ولنطهركم بها تطهير ) .

ولكن تفسير الارادة هنا بالارادة التشريعية يتنافى مع نص الآية بالحصر المستفاد من كلمة (انما) اذ لاخصوصية لأهل البيت في تشريع الأحكام لهم، وليست لهم أحكام مستقلة عن أحكام بقية المكلفين، والغاية من تشريعه للأحكام اذهاب الرجس عن الجميع، لا عن خصوص أهل البيت على أن حملها على الارادة التشريعية يتنافى مع اهتمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأهل البيت وتطبيق الآية عليهم بالخصوص، كما يأتي ذلك فيما بعد.

٢ - وقد يقال أيضا ان حملها على الارادة التكوينية وان دل على معنى العصمة فيهم لاستحالة تخلف المراد عن ارادته تعالى ، الا ان ذلك يجرنا الى الالتزام بالجبر وسلبهم الارادة فيما يصدر عنهم من أفعال مادامت الارادة التكوينية هي المتحكمة في جميع تصرفاتهم، ونتيجة ذلك حتما حرمانهم من الثواب لانه وليد ارادة العبد، كما تقتضيه نظرية التحسين والتقبيح العقليين، وهذا ما لايمكن ان يلتزم به مدعو الأمامة لأهل البيت.

والجواب على هذه الشبهة يجرنا الى الحديث حول نظرية الجبر والاختيار عند الشيعة.


وملخص ما ذهبوا اليه أن جميع أفعال العبيد وان كانت مخلوقة لله عز وجل، ومرادة له بالارادة التكوينية لامتناع جعل الشريك له في الخلق، الا أن خلقه لأفعالهم انما هو بتوسط ارادتهم الخاصة غالبا وفي طولها، وبذلك صححوا نسبة الأفعال للعبيد ونسبتها لله فهي مخلوقة لله عز وجل حقيقة، وهي صادرة عن ارادة العبيد حقيقة أيضا، وبذلك صححوا الثواب والعقاب، وذهبوا الى الحل الوسط الذي أخذوه من أقوال أئمتهمعليه‌السلام لاجبر ولاتفويض، وانما هو أمر بين أمرين.

وبهذا سلموا من مخالفة الوجدان في نفي الارادة وسلبها عنهم، كما هو مفاد مذهب القائلين بالجبر، كما سلموا من شبهة المفوضة في عزل الله عن خلقه وتفويض الخلق لعبيده، كما هو مذهب المفوضة.

وبناء على هذه النظرية يكون مفاد الآية ان الله عز وجل لما علم أن ارادتهم تجري دائما على وفق ما شرعه لهم من أحكام، بحكم ما زودوا به من امكانات ذاتية، ومواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم على وفق مبادى ء الاسلام تربية حولتهم في سلوكهم الى اسلام متجسد، ثم بحكم ما كانت لديهم من القدرات على أعمال ارادتهم وفق أحكامه التي استوعبوها علما وخبرة، فقد صح له الاخبار عن ذاته المقدسة بأنه لايريد لهم بارادته التكوينية الا اذهاب الرجس عنهم، لأنه لايفيض الوجود الا على هذا النوع من أفعالهم ماداموا هم لايريدون لأنفسهم الا اذهاب الرجس والتطهير عنهم.

وبهذا يتضح معنى الاصطفاء والاختيار من قبله لبعض عبيده في ان يحملوا ثقل النهوض برسالته المقدسة كما هو الشأن في الأنبياء وأوصيائهمعليهم‌السلام .

على أن الشبهة لو تمت فهي جارية في الأنبياء جميعا، وثبوت العصمة


لهم - ولو نسبيا - موضع اتفاق الجميع، فما يجاب به هناك يجاب به هنا من دون فرق، والشبهة لا يمكن ان تحل الا على مذهب اهل البيت في نظرية الامر بين الأمرين على جميع التقادير.

٣ - وشبهة ثالثة، أثاروها حول المراد من أهل البيت، فالذي عليه عكرمة ومقاتل - وهما من أقدم من تبنى ابعادها عن أهل البيت في عرف الشيعة - نزولها في نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة.

وكان من مظاهر اصرار عكرمة وتبنيه لهذا الرأي: انه كان ينادي به في السوق(١) ، وكان يقول: «من شاء باهلته انها نزلت في أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) » والذي يبدو ان الراي السائد على عهده كان على خلاف رأيه كما يشعر فحوى رده على غيره «ليس بالذي تذهبون اليه انما هو نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) » وقد نسب هذا الرأي الى ابن عباس، ويبدو أنه المصدر الوحيد في النسبة اليه وان كان في أسباب النزول للواحدي رواية عن ابن عباس يرويها سعيد بن جبير دون توسط عكرمة هذا(٤) ، الا ان رواية ابن مردويه لها عن سعيد بن جبير عنه(٥) - أي عن عكرمة - عن ابن عباس يقرب ان يكون في رواية الواحدي تدليس وهما راوية واحدة؛ وقد استدل هو أو استدلوا له بوحدة السياق، لأن الآية انما وردت ضمن آيات نزلت كلها في نساء النبي، ووحدة السياق كافية لتعيين المراد من أهل البيت.

والحديث حول هذه الشبهة يدعونا الى تقييم آراء كل من عكرمة ومقاتل، ومعرفة البواعث النفسية التي بعثت بعكرمة على كل هذا الاصرار

____________________

(١) الواحدي في أسباب النزول، ص٢٦٨.

(٢) الدر المنثور، ج٥ ص١٩٨.

(٣) الدر المنثور، ج٥ ص١٩٨.

(٤) أسباب النزول، ص٢٦٧.

(٥) الدر المنثور، ج٥ص١٩٨.


والموقف غير المحايد، حتى اضطره الموقف الى الدعوة الى المباهلة والنداء في الأسواق، وهو موقف غير طبيعي منه، ولا الف في غير هذا الموقف المعين.

والظاهر ان لذلك كله ارتباطا بعقيدته التي تبناها يوم اعتنق مذهب الخوارج(١) وبخاصة رأي نجدة الحروري(٢) .

وللخوارج موقف من الامام علي معروف، فلو التزم بنزول الآية في أهل البيت بما فيهم علي، لكان عليه القول بعصمته ولاهار على نفسه أسس عقيدته التي سوغت لهم الخروج عليه ومقاتلته، وبررت لهم - أعني الخوارج - قتله.

وقد استغل علائقه بابن عباس وسيلة للكذب عليه، وكان ممن يستسيغون الكذب في سبيل العقيدة - فيما يبدو - ومن أولى من ابن عباس في الكذب عليه فيما يتصل بهذا الموضوع الحساس - وقد اشتهرت قصة كذبه على ابن عباس بين خاصته حتى كان يضرب المثال فيه، فعن ابن المسيب «أنه قال لمولى له اسمه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وعن ابن عمر أنه قال ذلك أيضا لمولاه نافع(٣) ».

وقد حاول علي بن عبد الله بن عباس صده وردعه عن ذلك، ومن وسائله التي اتخذها معه أنه كان يوثقه على الكنيف ليرتدع عن الكذب على أبيه، يقول عبد الله بن ابي الحرث: «دخلت على ابن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: ان هذا يكذب على أبي(٤) »، وحقده فيما يبدو لم يختص بأهل

____________________

(١) وفيات الأعيان، ج١ ص٣٢٠، ترجمة عكرمة.

(٢ - ٣) راجع الكلمة الغراء لشرف الدين، ص٢١٥ وما بعدها، نقلا عن ميزان الاعتدال وغيره، ففيه بالاضافة الى ذلك آراء مختلف النقاد الرجاليين فيه.

(٤) وفيات الأعيان، ج١ ص٣٢٠.


البيت وانما تجاوزهم الى جميع المسلمين عدا الخوارج، فعن خالد بن عمران قال: «كنا في المغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددت أن بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يمينا وشمالا؛ وعن يعقوب الحضرمي عن جده، قال: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: مافيه الا كافر(١) ».

وأما مقاتل فحسابه من حيث العداء لأمير المؤمنين حساب عكرمة، ونسبة الكذب اليه لاتقل عن نسبتها الى زميله عكرمة، حتى عده النسائي في جملة الكذابين المعروفين بوضع الحديث(٢) . وقال الجوزجاني، كما في ترجمة مقاتل من ميزان الذهبي: كان مقاتل كذابا جسورا(٣) » «وكان يقول لأبي جعفر المنصور: أنظر ما تحب ان أحدثه فيك حتى أحدثه؛ وقال للمهدي: ان شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: لاحاجة لي فيها(٤) »؛ واذا كان كل من مقاتل وعكرمة بهذا المتسوى لدى أرباب الجرح والتعديل، فأمر روايتهما ورأيهما لايحتاج الى اطالة حديث وبخاصة في مثل هذه المسألة التي تمس مواقع العقيدة او العاطفة من نفسيهما.

ولكن هذه البواعث فيما يبدو، خفيت على بعض الأعلام، فأقاموا لرأيهما وروايتهما وزنا، ولذلك نرى ان نعود الى التحدث عن ذلك بعيدا عن شخصيتهما لنرى قيمة هذه الرواية أو هذا الرأي.

١ - والذي لاحظته من قسم من الروايات: أن لفظة الأهل لم تكن تطلق في ألسنة العرب على الأزواج الا بضرب من التجوز، ففي

____________________

(١) الكلمة الغراء، ص٢١٥ طبعة النجف، وهي ملحقة بكتابه الفصول المهمة.

(٢) دلائل الصدق، ج٢ ص٩٥.

(٣) الكلمة الغراء، ص٢١٧.

(٤) اقرأ مصادرها في الغدير، ج٥ ص٢٦٦.


صحيح مسلم: ان زيد بن أرقم سئل عن المراد بأهل البيت هل هم النساء؟ «قال: لا وايم الله، ان المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع الى أبيها وقومها(١) ».

وفي رواية أم سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في بيتي «: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين(ض)؛ وانا على باب البتي، قلت: ألست من أهل البيت؟ قال: انك الى خير انك من أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) » فدفعها عن صدق هذا العنوان عليها، واثبات الزوجية لها: يدل على أن مفهوم الأهل لايشمل الزوجة، كما ان تعليل زيد بن أرقم يدل على المفروغية عن ذلك ولايبعد دعوى التبادر من كلمة أهل خصوص من كانت له بالشخص وشائج قربى ثابتة غير قابلة للزوال، والزوجة وان كانت قريبة من الزوج الا ان وشائجها القريبة قابلة للزوال بالطلاق وشبهه، كما ذكر زيد.

٢ - ومع الغض عن هذه الناحية، فدعوى نزولها في نساء النبي شرف لم تدعه لنفسها واحدة من النساء، بل صرحت غير واحدة منهن بنزولها في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين.

«أخرج الترمذي، وصححه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم، وصححه وابن مردويه والبيهقي في سنن من طرق عن أم سلمة(ض) قالت: في بيتي نزلت:( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) ، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين؛ فجللهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فاذهب عنهم

____________________

(١) صحيح مسلم، باب فضائل علي.

(٢) الدر المنثور ج٥ ص١٩٨.


الرجس وطهرهم تطهيرا(١) ».

وفي رواية أم سلمة الأخرى ، وهي صحيحة على شرط البخاري «في بيتي نزلت:( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) ، فأرسل رسول الله الى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي(٢) ».

وحديث الكساء، الذي كاد أن يتواتر مضمونه لتعدد رواته لدى الشيعة والسنة في جميع الطبقات، حافل بتطبيقها عليهم بالخصوص، تقول عائشة: «خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي، فأدخله؛ ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها؛ ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (٣) ) .

والذي يبدو ان الغرض من حصرهم تحت الكساء، وتطبيق الآية عليهم، ومنع حتى أم سلمة من الدخول معهم، كما ورد في روايات كثيرة، هو التأكيد على اختصاصهم بالآية، وقطع الطريق عل كل ادعاء بشمولهم لغيرهم.

وهناك روايات آحاد توسع بعضها في الجالسين تحت الكساء الى ما يشمل جميع أقاربه وبناته وأزواجه، وبعضهم تخصهم بالعباس وولده حيث اشتمل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله «على العباس وبنيه بملاءة، ثم قال: يارب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري اياهم فامنت أسكفة الباب وحوائط البيت، فقالت امين وهي ثلاثا(٤) ».

____________________

(١) الدر المنثور، ج٥ ص١٩٨.

(٢) الحاكم في المستدرك، ج٣ص١٤٦.

(٣) صحيح مسلم، ج٧ ص١٣٠.

(٤) دلائل الصدق، ج٢ ص٧٢ نقلا عن الصواعق المحرقة.


وهي لعدم طبيعتها وضعف أسانيدها، ومجافاتها لواقع الكثير منهم لا تستحق أن يطال فيها الحديث، ومن رغب في الاطلاع عليها فليقرأها مع محاكماتها في كتاب دلائل الصدق(١) ؛ وحسبها وهنا أن لايستدل بها أو يستند اليها أحد من اولئك أو أحد اتباعهم مع ما فيها من الشرف العظيم لأمثالهم.

وكأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد خشي ان يستغل بعضهم قربه منه فيزعم شمول الآية له؛ فحاول قطع السبيل عليهم بالتأكيد على تطبيقها على هؤلاء بالخصوص، وتكرار هذا التطبيق حتى تألفه الأسماع، وتطمئن اليه القلوب؛ يقول ابو الحمراء: «حفظت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرة يخرج الى صلاة الغداة الا أتى الى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة الصلاة، انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا(٢) ». وفي رواية ابن عباس، قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالبعليه‌السلام عند وقت كل صلاة، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اهل البيت،( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا (٣) ) .

ومع ذلك كله، فهل تبقى لدعوى عكرمة وروايته مجال لمعارضة هذه الصحاح وعشرات من أمثالها(٤) حفلت بها كتب الحديث والكثير من صحاحها؟.

٣ - أما ما يتصل بدعوى وحدة السياق، فهي لو تمت لما كانت أكثر من كونها اجتهادا في مقابلة النص، والنصوص السابقة كافية لرفع

____________________

(١) ج٢ ص٧٢ ومابعدها.

(٢،٣) الدر المنثور، ج٥ ص١٩٩.

(٤) يحسن لمن يرغب استيعاب رواية الباب ان يرجع الى دلائل الصدق، ج٢ آية التطهير والكلمة الغراء.


اليد عن كل اجتهاد جاء على خلافها، على أنها في نفسها غير تامة، لأن من شرائط التمسك بوحدة السياق ان يعلم وحدة الكلام ليكون بعضه قرينة على المراد من البعض الآخر، ومع احتمال التعدد في الكلام لامجال للتمسك بها بحال.

ووقوع هذه الآية أو هذا القسم منها ضمن مانزل في زوجات النبي، لايدل على وحدة الكلام لما نعرف من أن نظم القرآن لم يجر على اساس من التسلسل الزمني، فرب آية مكية وضعت بين آيات مدنية وبالعكس فضلا عن اثبات ان الآيات المتسلسلة كان نزولها دفعة واحدة.

ومع تولد هذا الاحتمال لايبقى مجال للتمسك بوحدة السياق، وأي سياق يصلح للقرينية مع احتمال التعدد في أطرافه وتباعد ما بينها في النزول.

على ان تذكير الضمير في آية التطهير وتأنيث بقية الضمائر في الآيات السابقة عليها واللاحقة لها يقرب ما قلناه، اذ ان وحدة السياق تقتضي اتحادا في نوع الضمائر، ومقتضى التسلسل الطبيعي ان تكون الآية هكذا، انما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت لاعنكم.

والظاهر من روايات أم سلمة، وهي التي نزلت في بيتها هذه الآية أنها نزلت منفردة كما توحي به مختلف الأجواء التي رسمتها رواياتها لما أحاط بها من جمع أهل البيت وادخالهم في الكساء ومنعها من مشاركتهم في الدخول الى ما هنالك.

والحق الذي يتراءى لنا من مجموع ما رويناه من نزول الآية وحرص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على عدم مشاركة الغير لهم فيها واتخاذه الاحتياطات بادخالهم تحت الكساء، ليقطع بها الطريق على كل مدع ومتقول، ثم تأكيده هذا المعنى خلال تسعة أشهر في كل يوم خمس مرات يقف فيها على باب علي وفاطمة، كل ذلك ما يوجب القطع بأن الآية شأنا يتجاوز المناحي


العاطفية، وهو ما يتنزه عنه مقام النبوة لأمر يتصل بصميم التشريع من اثبات العصمة لهم، وما يلازم ذلك من لزوم الرجوع اليهم والتأثر والتأسي بهم في أخذ الأحكام، على ان الآية لايتضح لها معنى غير ذلك كما أوضحناه في بداية الحديث.

الآية الثانية قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْکُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ کُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذٰلِکَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً (١) ) . وقد قرب الفخر الرازي دلالتها على عصمة أولي الأمر في تفسيره لهذه الآية بقوله: «ان الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوما عن الخطأ اذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير اقدامه على الخطأ، يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي الى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت ان الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت ان كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب ان يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أو أولي الأمر المذكور في هذه الآية لابد وان يكون معصوما(٢) ».

ولكن الفخر الرازي خالف الشيعة في دعواهم في ارادة خصوص أئمتهم من هذه الآية وقرب ان يكون المراد منها أهل الاجماع بالخصوص، واستدل على ذلك بقوله: «ثم نقول: ذلك المعصوم».

____________________

(١) النساء/٥٩.

(٢) التفسير الكبير، ج١٠ ص١٤٤. ويؤيد هذا التقريب مساواتهم لله والرسول في وجوب طاعتهم ما يدل على ان جعل الاطاعة لهم ليس من نوع جعلها للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بل هي من نوع اطاعة الله والرسول التي تجب على كل حال.


وأما مجموع الأمة او بعض الأمة لا جائز ان يكون بعض الأمة لأنا بينا ان الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا، واجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول اليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم، عاجزون عن الوصول اليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، واذا كان الأمر كذلك، علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة ولاطائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا، وجب ان يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: وأولي الأمر أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن اجماع الأمة حجة(١) ».

ثم استعرض بعد ذلك الأقوال الأخر في الآية وناقشها جميعا مناقشات ذات أصالة وجهد حتى انتهى الى رأي من أسماهم بالروافض، فقال:

«وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه: أحدها ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول اليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم اذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبم وأولي الأمر منكم يقتضي الاطلاق، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الله وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة وهو قوله: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، واللفظة الواحدة لايجوز ان تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت

____________________

(١) التفسير الكبير، ج١٠ ص١٤٤.


هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب ان تكون مطلقة في حق أولي الأمر.

الثاني أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر وأولو الأمر جمع، وعندهم لايكون في الزمان الا امام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.

وثالثها أنه قال: «فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول، ولو كان المراد بأولي الأمر الامام المعصوم لوجب ان يقال: فان تنازعتم في شيء فردوه الى الامام، فثبت ان الحق تفسير الآية بما ذكرناه(١) ».

والذي يرد - على الفخر الرازي في استفادته وجوب اطاعة أهل الاجماع وانهم هم المراد من كلمة أولي الأمر لا الأئمة - بناؤه هذه الاستفادة على اعتبار معرفة متعلق الحكم من شروط نفس التكليف، وبانتفاء هذا الشرط لتعذر معرفة الأئمة والوصول اليهم ينتفي المشروط.

وهذا النوع من الاستفادة غريب في بابه، اذ لازمه ان تتحول جميع القضايا المطلقة الى قضايا، مشروطة لأنه ما من قضية الا ويتوقف امتثالها على معرفة متعلقها، فلو اعتبرت معرفة المتعلق شرطا فيها لزمت ان تكون مشروطة.

والظاهر ان الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدمة الوجوب وما كان من سنخ مقدمة الواجب، فلزوم معرفة المتعلق انما هو من النوع الثاني أي من نوع ما يتوقف عليه امتثال التكليف لا أصله، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي، بينما لم يلتزم أحد فيما نعلم بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه، اذ الوجوب قبل حصولها غير موجود ليتولد منه وجوب لمقدماته وبعد وجودها لا معنى لتولد الوجوب منه بالنسبة اليها

____________________

(١) التفسير الكبير، ج١٠ ص١٤٦.


مروم تحصيل الحاصل.

وعلى هذا فوجوب معرفة المتعلق للتكليف، لايمكن أخذه شرطا فيها بما هو متعلق لها لتأخره رتبة عنها، ويستحيل أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور.

على ان هذا الاشكال وارد عليه نقضا، لأن اجماع أهل الحل والعقد هو نفسه مما يحتاج الى معرفة، وربما كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد لاحتياجها الى استيعاب جميع المجتهدين وليس من، السهل استقراؤهم جميعا والاطلاع على آرائهم، وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الاطاعة بمعرفتهم، ويعسر تحصيل هذا الشرط والاشكال نفس الاشكال.

والغريب في دعواه بعد ذلك ادعاء العجز عن الوصول الى الأئمة ومعرفة آرائهم!! مع توفر أدلة معرفتهم وامكان الوصول الى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم الموثوقين.

ثم ان استفادة الاجماع من كلمة (أولي الأمر) مبنية على ارادة العموم المجموعي منها وحملها على ذلك خلاف الظاهر، لأن الظاهر من هذا النوع من العمومات هو العموم الاستغراقي المنحل في واقعه الى أحكام متعددة بتعدد أفراده، ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية، يجدها مستوعبة لأكثر أحكامه وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبيا، فلو قال الشارع: اعطوا زكواتكم لأولي الفقر والمسكنة - مثلا - فهل معنى ذلك لزوم اعطائها لهم مجتمعين واعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا؟ وعلى هذا فحمل (أولو الأمر) في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة وما ذكره من القرينة لاتصلح لذلك مادام أهل الاجماع أنفسهم مما يحتاجون الى المعرفة كالائمة،


ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من معرفة مجموع المجتهدين - كما قلنا - وبخاصة بعد توفر وسائل معرفتهم وأخذ الأحكام عنهم.

وقد اتضحت الاجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من اشكالات.

أما الاشكال الأول فهو بالاضافة الى وروده نقضا عليه لأن اطاعة الله والرسول وأهل الحل والعقد كلها مما تتوقف على المعرفة؛ ان المعرفة لا يمكن أخذها قيدا في أصل التكليف لما سبق بيانه، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على اطاعة الله والرسول كلها مقيدة بها فلا يزلم التفرقة في التكليف الواحد كما يقول.

والاشكال الثاني يتضح جوابه مما ذكرناه في اعتبار هذا النوع من الجموع من العمومات الاستغراقية التي ينال فيها كل فرد حكمه فاذا قال المشرع الحديث - مثلا -: حكم الحكام نافذ في المحاكم المدنية، فان معناه ان حكم كل واحد منهم، نافذ لاحكمهم مجتمعين؛ نعم يظهر من اتيانه بلسان الجمع ان أولي الأمر أكثر من فرد واحد وهذا ما تقول به الشيعة، ولا يلزمه ان يكونوا مجتمعين في زمان واحد لأن صدق الجمع على الافراد الموزعين على الأزمنة لاينافي ظاهره.

يبقى الاشكال الثالث وهو عدم ذكره لأولي الأمر في وجوب الرد اليهم عند التنازع بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول؛ وهذا الاشكال أمره سهل لجواز الحذف اعتمادا على قرينة ذكره سابقا؛ وقد سبق في صدر الآية ان ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في الآية الثانية( ولو ردوه الى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم ) .

والاشكال الذي يرد على الشيعة - بعد تسليم دلالتها على عصمة أولي الأمر كما قال الفخر - ان القضية لا تثبت موضوعها فهي لاتعين المراد


من أولي الأمر وهل هم الأئمة من اهل البيت او غيرهم، فلابد من اثبات ذلك الى التماس أدلة أخرى من غير الآية، وسيأتي الحديث حول ذلك في جواب سؤال من هم اهل البيت.

والآيات الباقية التي استدلوا بها على العصمة حساب مايدل منها عليها حساب هذه الآية من حيث عدم تعيينها للامام المعصوم، فالمهم ان يساق الحديث الى أدلتم من السنة النبوية.

أدلتهم من السنة

وأول أدلتهم من السنة وأهمها:

حديث الثقلين:

وهذا الحديث يكاد يكون متواترا بل هو متواتر فعلا، اذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسنة وفي مختلف الطبقات، واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى وموضع الألتقاء بين الرواة متواتر قطعا.

ومن حسنات دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في مصر، أنها أصدرت رسالة ضافية ألفها بعض أعضائها في هذا الحديث أسمتها: (حديث الثقلين)، وقد استوفى فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة لدى اهل السنة.

وحسب الحديث لئن يكون موضع الاعتماد الباحثين ان كيون من رواته كل من صحيح مسلم، وسنن الدارمي، وخصائص النسائي، وسنن أبي داود، وابن ماجة، ومسند احمد، ومستدرك الحاكم، وذخائر الطبري، وحلية الأولياء، وكنز العمال، وغيرهم؛ وان تعني بروايته كتب


المفسرين أمثال الرازي، والثعلبي، والنيسابوري، والخازن، وابن كثير، وغيرهم؛ بالاضافة الى الكثير من كتب التأريخ، واللغة، والسير، والتراجم. وقد استقصت رسالة دار التقريب عشرات المؤلفين من هؤلاء وغيرهم(١) ؛ وقد كنت أود نقلها بنصها لقيمة ما ورد فيها من رأي ونقل لولا انتشارها وتداولها؛ وما أظن أن حديثا يملك من الشهرة مايملكه هذا الحديث، وقد أوصله ابن حجر في الصواعق المحرقة الى نيف وعشرين صحابيا، يقول في كتابه: «ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا(٢) »، وفي غاية المرام وصلت أحاديثه من طرق السنةالى (٣٩) حديثا، ومن طرقالشيعة الى (٨٢) حديثا (٣) .

والظاهر أن سر شهرته تكرار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله له في أكثر من موضع، يقول ابن حجر: «ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه؛ وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قال بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال ذلك لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف». وقال: «ولاتنافي اذ لامانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة(٤) ».

ولسان الحديث كما في رواية زيد بن أرقم: «اني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض،

____________________

(١) راجع ذلك في هذه الرسالة، ص٥ ومابعدها، مطبعة مخيمر مصر.

(٢) الصواعق المحرقة، ص١٤٨.

(٣) أصول الاستنباط، ص٢٤.

(٤) الصواعق المحرقة.


وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض؛ فانظروا كيف تخلفونني فيهما(١) ». وفي رواية زيد بن ثابت: «اني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والارض، أو ما بين السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(٢) ».

ورواية أبي سعيد الخدري: «اني أوشك ان أدعى فأجيب، وأني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل، وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، وان اللطيف أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما(٣) ».

وقد استفيد من هذا الحديث عدة أمور نعرضها بايجاز:

١ - دلالته على عصمة أهل البيت:

أ - لأقترانهم بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتصريحه بعدم افتراقهم عنه، ومن البديهي أن صدور أية مخالفة للشريعة سواء كانت عن عمد أم سهو أم غفلة، تعتبر افتراقا عن القرآن في هذا الحال وان لم يتحقق انطباق عنوان المعصية عليها أحيانا كما في الغافل والساهي، والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته لعدم التقيد بأحكامه وان كان معذورا في ذلك، فيقال فلان - مثلا افترق عن الكتاب وكان معذورا في افتراقه عنه؛ والحديث صريح في عدم افتراقهما حتى يردا الحوض.

ب - ولأنه اعتبر التمسك بهم عاصما عن الضلالة دائما وأبدا، كما هو مقتضى ما تفيده كلمة لن التأييدية، وفاقد الشيء لايعطيه.

ج - على أن تجويز الافتراق عليهم بمخالفة الكتاب وصدور الذنب

____________________

(١،٢،٣) اقرأ أسانيدها مفصلة في كتاب المراجعات، ص٢٠، ٢١؛ وبقية ألسنتها متقاربة واكثرها صحيحة الاسناد.


منهم تجويز للكذب على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي أخبر عن الله عز وجل بعدم وقوع افتراقهما، وتجويز الكذب عليه متعمدا في مقام التبليغ والاخبار عن الله في الأحكام وما يرجع اليها من موضوعاتها وعللها، مناف لافتراض العصمة في التبليغ، وهي مما أجمعت عليها كلمة المسلمين على الاطلاق حتى نفاة العصمة عنه بقول مطلق؛ يقول الشوكاني بعد استعراضه لمختلف مبانيهم في عصمة الانبياء: «وهكذا وقع الاجماع على عصمتهم بعد النبوة من تعمد الكذب في الأحكام الشرعية لدلالة المعجزة على صدقهم؛ وأما الكذب غلطا فمنعه الجمهور، وجوزه القاضي أبو بكر(١) ». ولااشكال أن الغلط لايتأتى في هذا الحديث لاصرار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على تبليغه في أكثر من موضع والزام الناس بمؤداه؛ والغلط لايتكرر عادة. على ان الأدلة العقلية على عصمة النبي، والتي سبقت الاشارة اليها، من استحالة الخطأ عليه في مقام التبليغ - وكلما يصدر عنه تبليغ - كما يأتي، تكفي في دفع شبهة القاضي أبي بكر، وتمنع من احتمال الخطأ في دعواه عدم الافتراق.

٢ - لزوم التمسك بهما معا لابواحد منهما منعا من الضلالة، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فيه ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا، ولقوله: فانظروا كيف تخلفونني فيهما؛ وأوضح من ذلك دلالة ما ورد في رواية الطبراني في تتمتها: «فلا تقدموهما فتهلكوا، ولاتقصروا عنهما فتهلكوا، ولاتعلموهم فانهم أعلم منكم(٢) ».

وبالطبع ان معنى التمسك بالقرآن، هو الأخذ بتعاليمه والسير على وفقها، وهو نفسه معنى التمسك بأهل البيت عدل القرآن.

ومن هذا الحديث يتضح أن التمسك بأحدهما لايغني عن الآخر (ما

____________________

(١) ارشاد الفحول ص٣٤.

(٢) الصواعق المحرقة، ص١٤٨.


ان تمسكتم بهما)، (ولاتقدموهما فتهلكوا، ولاتقصروا عنهما فتهلكوا). ولم يقل ما ان تمسكتم بأحدهما، أو تقدمتم أحدهما؛ وسيأتي السر في ذلك من أنهما معا يشكلان وحدة يتمثل بها الاسلام على واقعه وبكامل أحكامه ووظائفه.

٣ - بقاء العترة الى جانب الكتاب الى يوم القيامة، أي لايخلو منهما زمان من الأزمنة ما داما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهي كناية عن بقائهما الى يوم القيمة. يقول ابن حجر: «وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت اشارة على عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به الى يوم القيمة، كما ان الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق: في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي(١) ».

٤ - دلالته على تميزهم بالعلم بكل ما يتصل بالشريعة وغيره، كما يدل على ذلك اقترانهم بالكتاب الذي لايغادر صغيرة ولاكبيرة؛ ولقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ولاتعلموهم فانهم أعلم منكم. يقول ابن حجر : وهو من خير من كتبوا في هذا الحديث فهما وموضوعية «تنبيه سمى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله القرآن وعترته، وهي بالمثناة الفوقية، الأهل والنسل والرهط الأدنون الثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك اذ كل منهما معدن العلوم اللدنية، والأسرار والحكم العلية، والأحكام الشرعية».

«ولذا حثصلى‌الله‌عليه‌وآله على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت».

«وقيل: سميا ثقلين، لثقل وجوب رعاية حقوقهما».

« ثم ان الذين وقع الحث عليهم منهم انما هم العارفون بكتاب الله

____________________

(١) الصواعق المحرقة ص١٤٩.


وسنة رسوله، اذ هم الذين لايفارقون الكتاب الى الحوض؛ ويؤيده الخبر السابق: ولاتعلموهم فانهم أعلم منكم، وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد مر بعضها(١) ».

مناقشة الحديث:

وقد ناقش الاستاذ محمد أبو زهرة هذا الحديث بمناقشات مطولة بعد ان استعرض استدلال الشيعة به على وجوب الرجوع اليهم، نذكر كل ما يتصل بحديثنا منه، ثم نعقب عليه بما يتراءى لنا من أوجه المفارقة فيه.

يقول: «ولكنا نقول: ان كتب السنة التي ذكرته بلفظ سنتي أوثق من الكتب التي روته بلفظ عترتي؛ وبعد التسليم بصحة اللفظ نقول: بانه لايقطع بل لايعين من ذكروهم من الأئمة الستة المتفق عليهم عند الامامية الفاطميين، وهو لايعين أولاد الحسين دون أولاد الحسن، كما لايعين واحدا من هؤلاء بهذا الترتيب، وكما لايدل على ان الامامة تكون بالتوارث، بل لايدل على امامة السياسة، وانه أدل على امامة الفقه والعلم(٢) ».

ومواقع النظر حول نصه هذا، تقع في ثلاث:

١ - مناشته في الحديث من حيث سنده لتقديم ما ورد فيه من لفظ سنتي على ما ورد من لفظ عترتي، لكون رواته من كتب السنة بهذا اللفظ أوثق.

____________________

(١) هذا النص بطوله مستل من الصواعق المحرقة، ص١٤٩؛ مطبعة دار الطباعة المحمدية بمصر.

(٢) الامام الصادق، ص١٩٩.


٢ - كونه لايعين المراد من الأهل، كما لايعين الأئمة المتفق عليهم لدى الشيعة أو غيرهم، وكانه يريد ان يقول: ان القضية لاتثبت موضوعها، فكيف جاز الاستدلال به على امامة خصوص الأئمة؟!.

٣ - دلالته على امامة الفقه لا السياسة:

أما المناقشة الأولى فهي غير واضحة لدينا، لأن رواية وسنتي - لو صحت - فهي لاتعارض رواية العترة، واعتبار الصادر شيئا واحدا أما هذه أو تلك لاملجى ء له، وأظن ان الشيخ أبا زهرة تخيل التعارض بينهما، استنادا الى مفهوم العدد، ولكنه نسي أن هذا النوع من مفاهيم المخالفة ليس بحجة - كما هو التحقيق لدى متأخري الأصوليين - على ان التعارض لايلجأ اليه الا مع تحكم المعارضة، ومع امكان الجمع بينهما لامعارضة أصلا، وقد جمع ابن حجر بينهما في صواعقه، فقال: «وفي رواية كتاب الله وسنتي وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب لان السنة مبنية له، فأغنى ذكره عن ذكرها، والحاصل ان الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت؛ ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الامور الثلاثة الى قيام الساعة(١) » وان شئت ان تقول: ان ذكر أهل البيت معناه ذكر للسنة لانهم لايأتون الا بها، فكل ما عندهم مأخوذ بواسطة النبي، أي بواسطة السنة، وقد طفحت بذلك أحاديثهم، ويؤيده ما ورد في كنز العمال من جواب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عندما سأله: ما أرث منك يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما ورث الانبياء من قبل: كتاب ربهم وسنة نبيهم(٢) ».

واذن يكون ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر، وكلتا الراويتين

____________________

(١) الصواعق المحرقة ص١٤٨.

(٢) السقيفة للمظفر، ص٤٩ عن كنز العمال (٤١:٥).


يمكن ان تكونا صحيحتين ولا حاجة الى تكذيب احدهما وتعيين الصادرة منهما بالرجوع الى المرجحات.

ومع الغض عن ذلك وافتراض تمامية المعارضة، وان الصادر منهصلى‌الله‌عليه‌وآله لايمكن أن يكون الا واحدة منهما فتقديمه لكلمة وسنتي، لا أعرف له وجها.

لان حديث التمسك بالثقلين متواتر في جميع طبقاته، والكتب التي حفلت به أكثر من أن تحصى ، وطرقه الى الصحابة كثيرة، ورواته منهم - أي الصحابة - كثيرون جدا، وفي رواياته عدة روايات كانت في أعلى درجات الصحة، كما شهد بذلك الحاكم وغيره.

بينما نرى الحديث الآخر لايتجاوز في اعتباره عن كونه من أحاديث الآحاد، ولقد كنت أحب للسيد أبي زهرة ان يتفضل بذكر الكتب السنية التي روت حديث وسنتي، لنرى مدى ادعائه الأوثقية لها، وأي كتب أوثق من الصحاح والسنن والمسانيد ومستدركاتها التي سبق ذكرها وذكر روايتها للحديث لتقدم عند المعارضة؟!.

وفي حدود تتبعي لكتب الحديث، واستعانتي ببعض الفهارس، لم أجد رواية وسنتي الا في عدد من الكتب لاتتجاوز عدد الأصابع لليد الواحدة، وهي مشتركة في رواية الحديثين معا، اللهم الا ما يبدو من مالك حيث اقتصر في الموطأ على ذكرها فحسب، ولم يذكر الحديث الآخر - ان صدق تتبعي لما في الكتاب - يقول راوي الموطأ: «وحدثني عن مالك: انه بلغه ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه(١) »، ويكفي في توهين الرواية أنها مرفوعة ولم يذكر الكتاب رواتها، مما يدل

____________________

(١) الموطأ، ج٢ ص٢٠٨، طبعة مصطفى البابي الحلبي.


على عدم اطمئنان صاحبها اليها ولسانها «عن مالك انه بلغه ان رسول الله»، ولعل الموطأ هو أقدم مصادرها في كتب الحديث، كما أن ابن هشام هو أقدم رواتها في كتب السير(١) فيما يبدو.

وما عدا هذين الكتابين، فقد ذكرها ابن حجر في صواعقه مرسلة، وذكرها الطبراني فيما حكي عنه(٢) .

ومثل هذه الرواية - وهي بهذه الدرجة من الضعف لأنها لاتزيد على كونها مرفوعة او مرسلة، ولو قدر صحتها فهي لاتزيد على كونها من أخبار الاحاد - هل يمكن ان تقف بوجه حديث الثقلين مع وفرة رواته في كتب السنة وتصحيح الكثير من رواياته، كما سبق بيانه؟.

هذا كله من حيث سند الحديثين.

أما من حيث المضمون، فانا - شخصيا - لا أكاد أفهم كيف يمكن أن تكون السنة مرجعا يطلب الى المسلمين في جميع عصورهم أن يتمسكوا بها الى جنب الكتاب، وهي غير مجموعة على عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفيها الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد.

ولقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة واصحابه كما يقول ابن حزم: «مشاغيل في المعاش، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز، وانه كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط، وأنه انما قامت الحجة على سائر من لم يحضرهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنقل من حضره، وهم واحد او اثنان(٣) ».

واذا صح هذا وهو صحيح جدا لأن التاريخ لم يحدثنا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه كان يجمع الصحابة جميعا، ويبلغهم بكل ما يجد من أحكام، ولو

____________________

(١ و٢) حديث الثقلين، ص١٨، دار التقريب.

(٣) تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية، ص١٢٣ نقلا عنه.


تصورناه في أقواله فلا نتصوره في أفعاله وتقريراته وهما من السنة، فماذا يصنع من يريد التمسك بسنته من بعده ولنفترضه من غير الصحابة؟ أيظل يبحث عن جميع الصحابة وفيهم الولاة والحكام، وفيهم القواد والجنود في الثغور ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام، أم يكتفي بالرجوع الى الموجودين وهو لايجزيه لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص أمام واحد أو اثنين ممن لم يكونوا بالمدينة؟ والحجية - كمايقول ابن حزم: لاتتقوم الا بهم.

والعمل بالعام أو المطلق لايجوز قبل الفحص عن مخصصه او مقيده ما دمنا نعلم أن من طريقة النبي في التبليغ هو الاعتماد على القرائن المنفصلة، فالارجاع الى شيء مشتت وغير مدون تعجيز للأمة وتضييع للكثير من أحكامها الواقعية.

واذا كانت هذه المشكلة قائمة بالنسبة الى من أدرك الصحابة وهم القلة نسبيا، فما رأيكم بالمشكلة بعد تكثر الفتوح، وانتشار الاسلام، ومحاولة التعرف على أحكامه من قبل غير الصحابة من رواتهم، وبخاصة بعد انتشار الكذب والوضع في الحديث للأغراض السياسية أو الدينية أو النفسية؟.

ومثل هذه المشكلة هل يمكن ان لايكون أمامهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو المسؤول عن وضع الضمانات لبقاء شريعته مادامت خاتمة الشرائع، وقد شاهد قسما من التنكر لسنته على عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما مرت الاشارة الى ذلك في سابق من الأحاديث.

ان الشيء الطبيعي أن لايفرض أي مصدر تشريعي على الأمامة ما لم يكن مدونا ومحدد المفاهيم، أو يكون هناك مسؤول عنه يكون هو المرجع فيه.

وما دمنا نعلم أن السنة لم تدون على عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وان


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منزه عن التفريط برسالته، فلابد أن نفترض جعل مرجع تحدد لديه السنة بكل خصائصها، وبهذا تتضح أهمية حديث الثقلين وقيمة ارجاع الأمة الى أهل البيت فيه لأخذ الأحكام عنهم، كما تتضح أسرار تأكيده على الاقتداء بهم(١) ، وجعلهم سفن النجاة تارة(٢) ، وأمانا للأمة أخرى(٣) ، وباب حطة ثالثة(٤) وهكذا... وبخاصة اذا أدركنا مقام النبوة وما يقتضيه من تنزيه عن جميع المجالات العاطفية غير المنطقية، والا فما الذي يفرق اهل بيته عن غيرهم من الأمة ليضفي عليهم كل هذا التقديس، ويلزمها بهذه الأوامر المؤكدة بالرجوع اليهم، والاقتداء بهم، والتمسك بحبلهم؟.

أما ما يتصل بعدم تعيينه المراد من اهل البيت، فهذا من أوجه ما أورده ابو زهرة من اشكالات على هذا الحديث.

وكون القضية لاتشخص موضوعها بديهية، لذلك نرى ان نتعرف على المراد من اهل البيت من خارج نطاق هذا الحديث.

____________________

(١ - ٢ - ٣ - ٤) مضامين الأحاديث، اقرأها واسانيدها من كتب النسة في كتاب المراجعات للامام شرف الدين، ص٢٣ ومابعدها.


من أهل البيت؟

وأول ما يلفت النظر سكوت الأمة عن استيضاح أمرهم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبخاصة وقد سمعوه منه في نوب متفرقة وأماكن مختلفة، أما كان فيهم من يقول له: أنك عصمتنا من الضلالة بالرجوع الى اهل بيتك، وجعلتهم قرناء القرآن؛ فمن هم اهل هذا البيت لنعتصم بهم؟ أترى ان عصمتهم من الضلالة من الأمور العادية التي لاتهم معرفتها والاستفسار عنها، أم ترى أنهم كانوا معروفين لديهم فما احتاجوا الى استفسار وحديث؟.

والذي يبدو ان الصحابة ما كانوا في حاجة الى استفسار وهم يشاهدون


نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله في كل يوم يقف على باب علي وفاطمة، وهو يقرأ: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا؛ وتسعة أشهر وهي المدة التي حدث عنها ابن عباس، كافية لئن تعرف الأمة من هم اهل البيت، ثم يشاهدونه وقد خرج الى المباهلة وليس معه غير علي وفاطمة وحسن وحسين، وهو يقول: (اللهم هؤلاء أهلي(١) )، وهم من أعرف الناس بخصائص هذا الكلام، وأكثرهم ادراكا لما ينطوي عليه من قصر واختصاص.

وأحاديث الكساء التي سبقت الاشارة اليها فيما سبق، بما في بعضها من اقصاء حتى لزوجته أم سلمة، ما يغني عن إطالة الحديث معه في التعرف على المراد من اهل البيت على عهده، وأحاديثه على اختلافها يفسر بعضها بعضا، ويعين بعضها المراد من البعض.

على أنا لانحتاج في بدء النظر الى أكثر من تشخيص واحد منهم يكون المرجع للقيام بمهمته من بعده، وهو بدوره يعين الخلف الذي يأتي بعده وهكذا... وليس من الضروري ان يتولى ذلك النبي بنفسه ان لم نقل أنه غير طبيعي لولا ان تقتضيه بعض الاعتبارات.

ومن هنا احتجنا الى النص على من يقوم بوظيفة الامامة، لان استيعاب السنة والاحكام الشرعية وطبيعة الصيانة لحفظها التي تستدعي العصمة لصاحبها والعاصمية للآخرين، ليست من الصفات البارزة التي يدركها جميع الناس ليتركها مسرحا لاختيارهم وتمييزهم، ولو أمكن تركها لهم في مجال التشخيص فليس من الضروري أن يتفق الناس على اختيار صاحبها بالذات

____________________

(١) يقول مسلم في صحيحه، ج٧ ص١٢١: «لما نزلت هذه الآية( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ) دعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: (اللهم هؤلاء أهلي) وقد رواها بالاضافة الى صحيح مسلم كل من: الترمذي، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم؛ انظر دلائل الصدق، ج٢ ص٨٦.


مع تباين عواطفهم وميولهم.

وطبيعة الصيانة والحفظ ومراعاة استمرارها منهجا وتطبيقا في الحياة، تستدعي اتخاذ مختلف الاحتياطات اللازمة لذلك.

ولقد أغناهاصلى‌الله‌عليه‌وآله حين عين عليا في نفس حديث الثقلين وسماه من بين أهل بيته لينهض بوظائفه من بعده؛ ومما جاء في خطابه التاريخي في يوم غدير خم، وهو ينعى نفسه لعشرات الالوف من المسلمين الذين كانوا معه: «كأني قد دعيت فأجبت، اني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما اكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفونني فيهما؛ فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: «ان الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي، فقال: من كنت مولاه فهذا وليه؛ اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه(١) ».

ثم قال في مرض موته بعد ذلك مؤكدا: «أيها الناس يوشك ان أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت اليكم القول معذرة اليكم، الا اني مخلف فيكم كتاب ربي عز وجل، وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فأسألهما ما خلفت فيهما(٢) ».

على أن الأحاديث الدالة على عصمته كافية في تعيينه، أمثال قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار(٣) » وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعمار: «ياعمار، ان رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس، انه لن يدلك على ردى ولن يخرج من هدى(٤) ». وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللهم أدر الحق

____________________

(١) مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي، ج٣ ص١٠٩، وقد صحح الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله.

(٢) ابن حجر في الصواعق، ص٢٤.

(٣ - ٤) دلائل الصدق، ج٢ ص٣٠٣، وفيه عشرات من أمثالها اقرأ مصادرها من كتب أهل السنة في الجزء نفسه.


مع علي، حيث دار(١) » الى غيرها من الأحاديث.

ومن هنا قال أبو القاسم البجلي وتلامذته من المعتزلة: «لو نازع علي عقيب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنه مالك الأمر وصاحب الخلافة، اذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، واذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال: «علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار»، وقال له غير مرة: «حربك حربي، وسلمك سلمي(٢) ».

واذا كانت هذه الأحاديث التي مرت تعين عليا وولديه، فما الذي يعين بقية الأئمة من أهل البيت؟.

هناك روايات مأثورة لدى الشيعة وأخرى لدى السنة، يذكرها صاحب الينابيع وغيره، تصرح بأسمائهم جميعا(٣) .

ولكن الروايات التي حفلت بها الصحاح والمسانيد لاتذكرهم بغير عددهم.

ففي رواية البخاري عن «جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: يكون اثنا عشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: انه قال: كلهم من قريش(٤) »، وفي صحيح مسلم بسنده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لايزال الدين قائما حتى تقوم الساعة او يكون عليكم

____________________

(١) المستصفى ، ج١ ص١٣٦.

(٢) ابن ابي الحديد في شرحه للنهج، ج١ ص٢١٢.

(٣) ينابيع المودة، ج٣ ص٩٩.

(٤) البخاري، ج٩ ص٨١.


اثنا عشر خليفة كلهم من قريش(١) ».

وفي رواية احمد عن مسروق، قال: «كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله، اثني عشر كعدة نقباء بني اسرائيل(٢) ».

وفي نظير هذه الأحاديث مع اختلاف في بعض المضامين، حدث كل من أبي داود، والبزار، والطبراني(٣) ، وغيرهم، وطرقها في هذه الكتب كثيرة وبخاصة في صحيح مسلم ومسند احمد.

والذي يستفاد من هذه الروايات:

١ - ان عدد الأمراء او الخلفاء لايتجاوز الاثني عشر، وكلهم من قريش.

٢ - وان هؤلاء الأمراء معينون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني اسرائيل لقوله تعالى :( ولقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيب ) .

٣ - ان هذه الروايات افترضت لهم البقاء مابقي الدين الاسلامي، او حتى تقوم الساعة، كما هو مقتضى رواية مسلم السابقة، وأصرح من ذلك روايته الاخرى في نفس الباب: «لايزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان(٤) ».

____________________

(١) صحيح مسلم، ج٦ ص٤؛ وفي ص ٣ - ٤ روايات أخرى بمضمون رواية البخاري.

(٢) دلائل الصدق، ج٢ ص٣١٦ نقلا عن مسند احمد وغيره.

(٣) أضواء على السنة المحمدية، ص٢١٠ وما بعدها.

(٤) صحيح مسلم، ج٦ ص٣.


واذا صحت هذه الاستفادة فهي لاتلتئم الا مع مبنى الامامية في عدد الأئمة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي منسجمة جدا مع حديث الثقلين وبقائهما حتى يردا عليه الحوض.

وصحة هذه الاستفادة موقوفة على ان يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الامامة والخلافة - بالاستحقاق - لا السلطة الظاهرية.

لأن الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من الله، وهي في حدود السلطنة التشريعية لا التكوينية، لان هذا النوع من السلطنة هو الذي تقتضيه وظيفته كمشرع، ولاينافي ذلك ذهاب السلطنة منهم في واقعها الخارجي لتسلط الآخرين عليهم.

على ان الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلينا عن حملها على هذا المعنى لبداهة ان السلطنة الظاهرية قد تولاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلا عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم - أمويين وعباسيين - باتفاق المسلمين.

ومن الجدير بالذكر ان هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل ان يكتمل عدد الائمة، فلايحتمل ان تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور على ان جميع رواتها من أهل السنة ومن الموثوقين لديهم.

ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الاحاديث وملاءمتها للواقع التأريخي، كان منشؤها عدم تمكنها من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الاقوال في توجيهها وبيان المراد منها.

والسيوطي «بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاحاديث المشكلة خرج برأي غريب نورده هنا تفكهة للقراء، وهو «وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن


عبد العزيز وهؤلاء ثمانية، ويحتمل ان يضم اليهم المهدي من العباسيين لانه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل وبقي الاثنان المنتظران أحدهما: المهدي لانه من أهل بيت محمد، ولم يبين المنتظر الثاني، و رحم الله من قال في السيوطي: انه حاطب ليل(١) ».

وما يقال عن السيوطي، يقال عن ابن روزبهان في رده على العلامة الحلي وهو يحاول توجيه هذه الاحاديث(٢) .

والحقيقة ان هذه الاحاديث لاتقبل توجيها الا على مذهب الامامية في أئمتهم.

واعتبارها من دلائل النبوة في صدقها عن الاخبار بالمغيبات، أولى من محاولة اثارة الشكوك حولها كما صنعه بعض الباحثين المحدثين متخطيا في ذلك جميع الاعتبارات العلمية وبخاصة بعد ان ثبت صدقها بانطباقها على الائمة الاثني عشرعليهم‌السلام .

على أنا في غنى عن هذه الروايات وغيرها بحديث الثقلين نفسه، فهو الذي ترك بأيدينا مقياسا لتشخيص العصمة في أصحابها، وقديما قيل: (اعرف الحق تعرف أهله).

والمقياس في العصمة هو عدم الافتراق عن القرآن، فلنمسك بأيدينا هذا المقياس، ونسبر به الواقع السلوكي لجميع من تسموا بالائمة لدى فرق الشيعة، ونختار أجدرهم بالانطباق عليه لنتمسك بامامته.

وأظن ان الانسب والابعد عن الادعاء ان نهمل كتب الشيعة على اختلافها، وننزع الى كتب اخواننا من أهل السنة ونجعلها الحكم في تطبيق هذا المقياس عليهم، فانها أقرب الى الموضوعية عادة من كتب

____________________

(١) أضواء على السنة المحمدية، ص٢١٢.

(٢) دلائل الصدق، ج٢ ص٣١٥.


قد يقال في حق أصحابها أن كل طائفة تريد التزيد لأئمتها بالخصوص.

ولنا من ابن طولون مؤرخ دمشق في كتابه «الائمة الاثنا عشر»، وابن حجر في صواعقه، والشيخ سليمان البلخي وغيرهم رادة لامثال هذه البحوث.

ولنترك قراءة تراجمهم جميعا للأخ أبي زهرة ليرى أيهم أكثر انسجاما في واقعه مع المقياس الذي استفدناه من حديث الثقلين، يقول أحمد وهو يعلق على حديث الامام الرضا عن آبائه حين مر بنيسابور: «لو قرأت هذا الاسناد على مجنون لبرى ء من جنته(١) ».

والذي نرجوه ونأمل أن لا ننساه ونحن نستعرض تراجمهم، ان هؤلاء الائمة الاثني عشر قد ادعوا لانفسهم الامامة في عرض السلطة الزمنية، واتخذوا من أنفسهم كما اتخذهم الملايين من أتباعهم قادة للمعارضة السلمية للحكم القائم في زمنهم، وكانوا عرضة للسجون والمراقبة، وكثير منهم قتل بالسم، وفيهم من استشهد في ميدان الجهاد على يد القائمين بالحكم.

وفي هؤلاء الائمة من تولى الامامة وهو ابن عشرين سنة كالحسن العسكري، بل فيهم من تولى منصبها وهو ابن ثمان كالامامين الجواد والهادي.

ومن المعروف عن الشيعة ادعاؤهم العصمة لأئمتهم الملازمة لدعوى الاحاطة في شؤون الشريعة جميعها، بل ادعوا الأعلمية لهم في جميع الشؤون، وهم أنفسهم صرحوا بذلك.

ومن كلمات أئمتهم في ذلك كله ماورد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام في نهجه الخالد «نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم وينابيع الحكمة»، وقولهعليه‌السلام : «أين الذين زعموا أنهم

____________________

(١) الصواعق المحرقة، ص٢٠٣.


الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، ان رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى ، ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لاتصلح على سواهم ولاتصلح الولاة من غيرهم».

وقول علي بن الحسين السجاد: «وذهب آخرون الى التقصير في أمرنا واحتجوا بمتشابه القرآن فتأولوا بآرائهم واتهموا مأثور الخبر فينا»، الى ان يقول: «فالى من يفزع خلف هذه الامة، وقد درست أعلام هذه الامة، ودانت الامة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضا، والله تعالى يقول:( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، فمن الموثوق به على ابلاغ الحجة، وتأويل الحكم الا أعدال الكتاب وأبناء أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة، هل تعرفونهم او تجدونهم الا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (١) ) ؟.

ومع هذه الأقوال ونظيرها صادر عن اكثر الأئمة، وهم مصحرون بمبادئهم، أما كان بوسع السلطة وهي تملك ما تملك من وسائل القمع أن تقضي على هذه الجبهة من المعارضة ذات الدعاوى العريضة من أيسر طرقها، وذلك بتعرض أئمتها لشيء من الامتحان العسير في بعض ما يملكه العصر من معارف وبخاصة ما يتصل منها بغوامض الفقه والتشريع ليسقط دعواها في الأعلمية من الأساس، أو يعرضهم الى شيء من الامتحان في الاخلاق والسلوك ليسقط ادعاءهم العصمة.

____________________

(١) اقرأ هذه الأقوال وغيرها في المراجعات لشرف الدين مأثورة عن النهج والصواعق ص١٨.


واذا كان في الكبار منهم عصمة وعلم، نتيجة دربة ومعاناة فما هو الشأن في ابن عشرين عاما أو ابن ثمان، فهل تملك الوسائل الطبيعية تعليلا لتمثلهم لذلك كله.

ولو كان هؤلاء الأئمة في زوايا او تكايا، وكانوا محجوبين عن الرأي العام، كما هو الشأن في أئمة الاسماعيلية أو بعض الفرق الباطنية لكان لاضفاء الغموض والمناقبية على سلوكهم من الاتباع مجال، ولكن ما نصنع هم مصحرون بأفكارهم وسلوكهم وواقعهم، تجاه السلطة وغيرها من خصومهم في الفكر، والتأريخ حافل بمواقف السلطة منهم ومحاربتها لأفكارهم وتعريضهم لمختلف وسائل الاغراء والاختبار ومع ذلك فقد حفل التأريخ بنتائج اختباراتهم المشرفة وسجلها باكبار.

ولقد حدث المؤرخون عن كثير من هذه المواقف المحرجة وبخاصة مع الامام الجواد، مستغلين صغر سنه عند تولي الامامة(١) .

وحتى لو افترضنا سكوت التأريخ عن هذه الظاهرة، فان من غير الطبيعي ان لاتحدث أكثر من مرة تبعا لتكرر الحاجة اليها وبخاصة وان المعارضة كانت على أشدها في العصور العباسية.

وطريقة اعلان فضيحتهم باحراج أئمتهم فيما يدعونه من علم او استقامة سلوك، وابراز سخفهم لاحتضانهم أئمة بهذا السن وهذا المستوى لو أمكن ذلك أيسر بكثير من تعريض الأمة الى حروب قد يكون الخليفة نفسه من ضحاياها، او تعريض هؤلاء الأئمة الى السجون والمراقبة او المجاملة أحيانا.

واذا كان بوسع الاخ أبي زهرة ان يعلل هذه الظاهرة بتعليل منطقي

____________________

(١) اقرأ موقفه من امتحان الخليفة له على يد يحيى بن اكثم في الصواعق المحرقة، ص٢٠٤.


يخضع لما نعرف من عوامل طبيعية - أعني ظاهرة تفوقهم في مجالات الاختبار والتمحيص - بالنسبة الى الكبار من الائمة بارجاعها الى الجهد والدراسة والتجربة السلوكية سرا، فهل بوسع فضيلته ان يعللها في ابن عشرين سنة او في ابن ثمان، كما هو الشأن في الأئمة الثلاثة: الجواد، والهادي، والعسكري.

وما لنا نبعد والاخ ابو زهرة، وهو من الاساتذة الذين عانوا مشاكل التدريس في الجامعات، هل يستطيع ان يعطي الضمانة لنجاح أي استاذ - لو عرض لامتحان عسير - في خصوص ما ألفه من كتب من دون سابق تحضير، فكيف اذا وسعنا الامتحان الى مختلف مجالات المعرفة - وهي المدعاة لأئمة أهل البيت في مذهب الشيعة الامامية - ودون سابق تحضير؟.

واذا كان للصدفة - وهي مستحيلة - مجالها في امتحان ما بالنسبة الى شخص ما فليس لها موقع بالنسبة الى جميع الائمة صغارهم وكبارهم كما يحدث في ذلك التأريخ.

وأظن ان في هذه الاعتبارات التي ذكرناها مجمعة ما يغني عن استيعاب كل ما ذكر في تشخيص المراد من أهل البيت.

أما الدعوى الثالثة وهي دلالته على امامة الفقه لا السياسة، فهي ما لا أعرف لها وجها يمكن الركون اليه لافتراضها فصل السلطتين الدينية والزمنية عن بعضهما مع ان الامام لايعترف بذلك لما فيه من تجاهل لوظائف الامامة وهي امتداد لوظائف النبي الا فيما يتصل بعالم الاتصال بالسماء، وبخاصة فيما يتصل في الشؤون التطبيقية.

لان الفكرة - أية فكرة - لايكفي في تحقيق نفسها ان تشرع وتعيش على صعيد من الورق، بل لابد ان تضمن لها تطبيقا تتلاءم فيه الوسائل والاهداف، والا لما صح نسبة النجاح لتجربتها بحال من الاحوال؛


ولقد كتبت فصلا مطولا في البحث الذي يتصل بانبثاق فكرة الامامة والضرورات الداعية اليها في محاضراتي عن تأريخ التشريع الاسلامي في كلية الفقه، مما جاء فيه مما يتصل بحديثنا هذا: «والذي اخاله ان من أوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق ان يكون القائم على تطبيقها شخصا تتجسد فيه مبادى ء فكرته تجسدا مستوعبا لمختلف المجالات التي تكفلت الفكرة تقويمها من نفسه.

ولا نريد من التجسد أكثر من أن يكون صاحبها خليا عن الافكار المعاكسة لها من جهة، وتغلغلها في نفسه كمبدأ يستحق من صاحبه التضحية والفناء فيه من جهة أخرى ، ومتى كان الانسان بهذا المستوى استحال في حقه من وجهة نفسية ان يخرج على تعاليمها بحال.

واذا لم يكن القائم بالحكم بهذا المستوى من الايمان بها وكانت لديه رواسب على خلافها لم يكن بالطبع أمينا على تطبيقها مائة بالمائة لاحتمال انبعاث احدى تلكم الرواسب في غفلة من غفلات الضمير واستئثارها في توجيهه الوجهة المعاكسة التي تأتي على الفكرة في بعض مناحيها وتعطلها عن التأثير ككل، وربما استجاب الرأي العام له تخفيفا لحدة الصراع في أعماقه بين ما جد من تعاليم هذه الفكرة وما كان معاشا له ومتجاوبا مع نفسه من الرواسب.

على ان الناس - كل الناس - لايكادون يختلفون الا نادرا في قدرتهم على التفكيك بين الفكرة وشخصية القائم عليها، فالتشريع الذي يحرم الرشوة أو الربا أو الاستئثار لايمكن ان يأخذ مفعوله من نفوس الناس متى عرف الارتشاء أو المراباة أو الاستئثار في شخص المسؤول عن تطبيقه ولو في آن ما، أو احتمل فيه ذلك».

وبما ان الاسلام يعالج الانسان علاجا مستوعبا لمختلف جهاته داخلية


وخارجية، احتجنا لضمان تبليغه وتطبيقه الى العصمة في الرسول ثم العصمة في الذي يتولى وظيفته من بعده، وعلى هذا يتضح سر اصرار النبي على تعيين أهل بيته الذين أعدهم الله لهذه المهمة اعدادا خاصا بالاضافة الى مواهبهم الارادية للقيام بشؤونها.

وما لنا نبعد بالاستاذ أبي زهرة وطبيعة النص الذي تحدث حوله تقتضيه، وهل وراء التعبير بلفظ مخلف ولفظ خليفتين مايؤدي هذا المعنى

على ان الأخ أبا زهرة حاول ان يقتطع النص من اجوائه التي تسلط الاضواء على تحديد مفاهيمه، ويدرسه بعيدا عنها فوقع فيما وقع فيه.

وهل نسي حضرته مجيئه في معرض التمهيد لحديث النص في يوم الغدير ومما جاء فيه: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وصفة الأولوية لا تكون الا لمن له الولاية العامة على الأمة ليستطيع التصرف بما تقتضيه مصلحتها ثم تعقيبها باعطاء الولاية له بقوله: «من كنت وليه فهذا علي وليه» ولحوقها بالدعاء الذي لايناسب الا الولاية العامة «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره».

ثم ورودها بعد ذلك في معرض تأكيد النص قبيل وفاته كما سبق التحدث في ذلك مما يوجب القطع بشمولها للجانب السياسي اذا لوحظت بمجموع ما لابسها من قرائن وأجواء.

على شمولها للجانب السياسي وعدم شمولها لم يعد موضحا لحاجتنا اليوم لنطيل التحدث فيه.

لأن البحث في هذا الجانب لايثمر ثمرة فقهية ومجاله التأريخ.

واثباته هناك لايتوقف على دلالة هذه الرواية فحسب لتظافر أدلة النص وتكثرها في التأريخ.

وانما الذي يتصل بصميم رسالتنا - كمقارنين - اثبات لزوم الرجوع


اليهم في الفقه وأصوله، والحديث واف في الدلالة عليه كما ذكر أبو زهرة وغيرهم.

وأظن ان تحدثنا عن هذا الحديث وما انطوى عليه من عرض كثير من الأحاديث المعتبرة ذات الدلالة على حجية رأيهم يغني عن استعراض بقية الأحاديث ودراستها فليرجعاليها في مظانها من الكتب المطولة.

الأدلة العقلية:

ودليل العقل على اعتبار العصمة لهم لايختلف عما استدل به على اعتبارها في النبي لوحدة الملاك فيهما، وبخاصة اذا تذكرنا ما قلناه من ان الامامة امتداد للنبوة من حيث وظائفها العامة عدا ما يتصل بالوحي فانه من مختصات النبوة، وهذا الجانب لايستدعي العصمة بالذات الا من حيث الصدق في التبليغ، وهو متوفر في الامام.

ولعل في شرحنا السابق لوظائف الامامة مايغني عن معاودة الحديث فيها.

وقد صور هذا الدليل على ألسنتهم بصور ننقلها عن دلائل الصدق بنصها الأولى : «ان الامام حافظ للشرع كالنبي لأن حفظه من أظهر فوائد امامته، فتجب عصمته لذلك، لأن المراد حفظه علما وعملا، وبالضرورة لايقدر على حفظه بتمامه الا معصوم، اذ لاأقل من خطأ غيره، ولو اكتفينا بحفظ بعضه لكان البعض الآخر ملغى بنظر الشارع وهو خلاف الضرورة، فان النبي قد جاء لتعليم الأحكام كلها وعمل الناس بها على مرور الايام(١) ».

والثانية: «ان الحاجة الى الامام في تلك الفوائد (يشير الى ما ذكره

____________________

(١) للدليل تتمة مطولة فيها دفع شبه أوردها المصنف على نفسه وأجاب عليها، لا أرى حاجة لعرضها.


العلامة من فوائد الامامة كاقامة الحدود وحفظ الفرائض وغيرها) يوجب عصمته والا لافتقر الى امام آخر وتسلسل».

والثالثة: «ان الامام لو عصى لوجب الانكار عليه والايذاء له من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مفوت للغرض من نصبه ومضاد لوجوب طاعته وتعظيمه على الاطلاق المستفاد من قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم».

الرابعة: «لو صدرت المعصية منه لسقط محله من القلوب فلا تنقاد لطاعته، فتنتفي فائدة النصب».

الخامسة: «انه لو عصى لكان أدون حالا من أقل آحاد الامة، لأن أصغر الصغائر من أعلى الامة وأولاها بمعرفة مناقب الطاعات ومثالب المعاصي أقبح وأعظم من أكبر الكبائر من أدنى الامة(١) ».

هذه الادلة لو تمت جميعا فهي غاية ما تثبته عصمة الائمة ولازمها اعتبار كل ما يصدر عنهم موافقا للشريعة وهو معنى حجيته، الا أنها لاتعين الائمة ولاتشخصهم فتحتاج الى ضميمة الادلة السابقة من كتاب وسنة لتشخيصهم جميعا.

والدخول في عرض ما أورد أو يورد عليها وما أجيب عنها من الشبه يخرج البحث من أيدينا الى بحث كلامي لانرى ضرورة الخوض فيه هنا، وهو معروض في جل كتب الشيعة الامامية.

والخلاصة ان دلالة الكتاب والسنة على عصمة أهل البيت وأعلميتهم وافية جدا.

وان ما ورد من انسجام واقعهم التأريخي مع طبيعة ما فرضته أدلة حجيتهم من العصمة والاعلمية وبخاصة في الائمة الذين لايمكن اخضاعهم

____________________

(١) دلائل الصدق، ج٢ ص١٠ ومابعدها.


للعوامل الطبيعية التي نعرفها كالائمة الثلاثة الجواد والهادي والعسكري خير ما يصلح للتأييد.

فتعميم السنة آذن لهم في موضعه.

وما أروع ما نسب الى الخليل بن أحمد الفراهيدي من الاستدلال على امامة الامام علي بقوله: «استغناؤه عن الكل واحتياج الكل اليه دليل امامته(١) »، وهو دليل يصلح للاستدلال به على امامة جميع الائمة اذ لم يحدث التأريخ في رواية صحيحة عن احتياج أحد منهم الى الاستفسار عن أي مسألة أو أخذها أو دراستها من الغير مهما كان شأنه عدا المعصوم الذي سبقه، ولو وجدت لحفلت بذكره أحاديث المؤرخين كما هو الشأن في نظائره من الاهمية، وبخاصة وان الشيعة يفترضون لهم ذلك.

وتمام ما انتهينا اليه من بداية الحديث عن السنة الى هذا الموضع، ان حجية السنة في الجملة من ضروريات الاسلام، بل لا معنى للاسلام بدونها، فاطالة الحديث في التماس الحجج لها من التطويل غير المستساغ لوسط اسلامي، وان كنا محتاجين في الجملة لاطالة التحدث حول بعض ما ورد من التعميمات فيها الى الصحابة، أو الائمة من أهل البيت.

____________________

(١) لم يسعني التأكد من صحة النسبة فعلا لعدم عثوري عليها في المصادر التي أمتلكها.


الطرق القطعية الى السنة

تمهيد، الخبر، المتواتر، الخبر المحفوف بقرائن قطعية، الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم، بناء العقلاء، سيرة المتشرعة، ارتكاز المتشرعة.


تمهيد

والسنة بما هي سنة، وان كانت حجيتها - كما قلنا - من الضروريات، الا أن مجالات الاستفادة منها لبحوثنا الفقهية موقوفة على ركائز أخر بالنسبة الينا.

وقد نكون في غنى عن هذه الركائز لو كنا على عهد المعصومين، ولدينا من المؤهلات البيانية ما يرفعنا الى فهم كلماتهم والاستفادة منها.

ولكن بعدنا عن زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته ولّد لنا بحوثا لابد من اعتمادها ركيزة من ركائز الاستنباط الأساسية بعد دراستها والخروج منها بالثمرة المتوخاة.

وهذه البحوث ذات أقسام:

يقع بعضها في الطرق والوسائل المثبتة للسنة والموصلة اليها؛ وتقع الأخرى في كيفية الاستفادة منها، ثم معرفة مدى نسبتها للكتاب.

ولعلنا نرى بعد حين أن اكثر ما أثير من الشبه حول حجية السنة على ألسنة بعض القدامى ، فانما هو منصب على الطرق الموصلة اليها، أو على كيفيات الاستفادة منها، وان ضاق ببعضهم حججهم ومناقشاتها.

وعلى هذا، فالبحوث (حول السنة) انما تقع في مواقع:

(١) الطرق المثبتة لها بطريق القطع.

(٢) الطرق المثبتة لها بغير القطع.

(٣) كيفيات الاستفادة منها.





(٤) موقع السنة من الكتاب. ولكل منها أقسام وفيها بحوث.

تقسيم الطرق الى السنة:

والذي ينبغي أن يقال جريا على ما أصلناه في مباحث الحجة أن الطرق التي لها أهلية الايصال اليها ذات قسمين:

١ - قطعية.

٢ - وغير قطعية.

ولكل منها أقسام لابد من استقراء المهم منها والتماس أدلته، وحججه، وفحصها وتقييمها على أساس مقارن.

الطرق القطعية:

وقد ذكروا لها أقساما أهمها ستة.

١ - الخبر المتواتر.

٢ - الخبر المحفوف بقرائن توجب القطع بصدوره.

٣ - الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم.

٤ - بناء العقلاء الكاشف عن رأي المعصوم فيه.

٥ - سيرة المتشرعة الكاشفة عن رأي المعصوم فيها.

٦ - ارتكاز المتشرعة

(١) الخبر المتواتر:

ويراد به اخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب وصدورهم جميعا عن خطأ أو اشتباه أو خداع حواس، على ان يجري هذا المستوى في الاخبار


في جميع طبقات الرواة، حتى الطبقة التي تنقل عن المعصوم مباشرة.

فلو تأخر التعدد في طبقة ما، أو فقد أحد تلكم الشروط، خرج عن كونه متواترا الى أخبار الآحاد، لأن النتائج - كما يقول علماء الميزان -: تتبع دائما أخس المقدمات.

ومثل هذا الخبر - أعني المتواتر - مما يوجب علما بصدور مضمونه؛ والعلم - كما سبق بيانه-: حجة ذاتية لاتقبل الوضع والرفع.

شروطه:

وقد جعلوا له شروطا اختلفوا في تعددها، ويمكن انتزاعها جميعا من نفس التعريف: يقول المقدسي: «وللتواتر ثلاثة شروط»:

«الأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند الى محسوس، اذ لو أخبرنا الجم الغفير عن حدوث العالم وعن صدق الأنبياء، لم يحصل لنا العلم بخبرهم».

«الثاني: أن يستوي طرف الخبر وسطه في هذه الصفة وفي كمال العدد، لأن كل عصر يستقل بنفسه فلابد من وجود الشروط فيه، ولأجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن موسىعليه‌السلام تكذيب كل ناسخ لشريعته».

«الشرط الثالث: في العدد الذي يحصل به التواتر واختلف الناس فيه، فمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة، وقال قوم: بخمسة، وقال قوم: بعشرين، وقال آخرون: بسبعين، وقيل: غير ذلك».

«والصحيح أنه ليس له عدد محصور(١) ».

ويقول زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني في درايته وهو يعرفه

____________________

(١) روضة الناظر، ص٥٠.


ويشير الى شروطه:«هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، ولا ينحصر ذلك بعدد خاص(١) ».

ومثلهما غيرهما من أعلام الشيعة والسنة على غموض في أداء بعضهم ربما أو هم خلاف ذلك.

على أن هذه التحديدات، ليست بذات ثمرة الا في حدود تشخيص المصطلح للخبر المتواتر وتحديد مفهومه، وكل ما كتب في هذا الشأن، فانما هو لتشخيص صغريات ما يقع به العلم عادة، وهذه الشرائط وأشباهها من موجبات ما يحصل بها التشخيص، والا فان المدار على العلم فان حصل منها فهو الحجة، وان لم يحصل احتجنا الى التماس دليل على الحجية، وليس في هذه الشرائط ما يشير اليه.

وأمثلة المتواتر كثيرة، وقد عدوا منها كل ما يتصل بضروريات الدين، كالفرائض اليومية وأعدادها وأعداد ركعاتها، وصوم شهر رمضان، وكالذي مر في حديث الثقلين، والغدير، وأشباههما.

واعتبروا منها قولهعليه‌السلام : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار(٢) ».

(٢) الخبر المحفوف بالقرائن القطعية:

ويراد به الخبر غير المتواتر، سواء كان مشهورا أم غير مشهور،

____________________

(١) الدراية، ص١٢، مطبعة النعمان، النجف.

(٢) سلم الوصول، ص٢٥٥.


على ان يحتف بقرائن توجب القطع بصدوره عن المعصوم.

والمدار في حجية هذا النوع من الاخبار هو حصول العلم منه كالخبر المتواتر، والعلم بنفسه - كما سبق بيانه - حجة ذاتية، فلانحتاج بعده الى التماس أدلة على الحجية.

(٣) الاجماع:

والبحث في الاجماع له استقلاله، وليس موضعه هنا نظرا لاعتباره لدى الأكثر مصدرا مستقلا من مصادر التشريع في مقابل الكتاب والسنة.

نعم في بعض المباني وبخاصة لدى الأكثر من علماء الشيعة هو كشفه عن رأي المعصوم على نحو القطع، فيكون من حقه على هذا المبنى ان يبحث عنه في هذا الموضع، ولايعتبر من الأدلة المستقلة.

وقد آثرنا تأخير البحث عنه الى موضعه جريا على ماسلكه الأكثر في عده من مصادر التشريع.

(٤) بناء العقلاء :

ويراد به صدور العقلاء عن سلوك معين تجاه واقعة ما صدورا تلقائيا، ويتساوون في صدورهم عن هذا السلوك على اختلاف في أزمنتهم وأمكنتهم، وتفاوت في ثقافتهم ومعرفتهم، وتعدد في نحلهم وأديانهم.


وأمثلته كثيرة منها: صدور العقلاء جميعا عن الأخذ بظواهر الكلام، وعدم التقيد بالنصوص القطعية منه، على نحو يحمل بعضهم بعضا لوازم ظاهر كلامه، ويحتج به عليه: ومنها: صدور العقلاء جميعا عن الرجوع الى أهل الخبرة - فيما يجهلونه من شؤونهم الحياتية وغيرها - فالمريض يرجع الى الطبيب؛ والجاهل يرجع الى العالم، وهكذا...

وحجية مثل هذا البناء انما تتم اذا تم كشفه عن مشاركة المعصوم لهم في هذا الصدور فيما تمكن فيه المشاركة، أو اقراره لهم على ذلك فيما لم تمكن فيه.

وسر احتياجنا الى الكشف عن مشاركة المعصوم، أو اقراره ولو من طريق عدم الردع فيما يمكنه الردع عنه مع اطلاعه عليه، أن هذا البناء ليس من الحجج القطعية في مقام كشفه عن الواقع، لجواز تخطئة الشارع لهم في هذا السلوك.

والفرق بينه وبين حكم العقل، أن حكم العقل فيما يمكنه الحكم فيه وليد اطلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعية، كما يأتي بيانه، وهذا البناء لايشترط فيه ذلك لكونهم يصدرون عنه، - كما قلنا - صدورا تلقائيا غير معلل، فهو لايكشف عن واقع متعلقه من حيث الصلاح والفساد، ولعل قسما كبيرا من الظواهر الاجتماعية منشؤه هذا النوع من البناء.

ومع عدم كشفه عن الواقع فهو لايصلح للاحتجاج به على المولى لكونه غير ملزم له، ومع اقراره أو عدم ردعه أو صدوره هو عنه يقطع الانسان بصحة الاحتجاج به عليه.

وسيأتي مزيد حديث عنه بما أسموه (بالعرف) واعتبروه من الأدلة المستقلة مع رجوع قسم كبير منه الى حجية هذا البناء.


(٥) سيرة المتشرعة:

وهي صدور فئة من الناس ينتظمها دين معين أو مذهب معين عن عمل ما أو تركه، فهي من نوع بناء العقلاء مع تضييق في نوع من يصدر عنهم ذلك البناء، وحجية مثل هذه السيرة انما تكون بعد اثبات امتدادها تأريخيا الى زمن المعصوم واثبات مشاركته لهم في السلوك فيما يمكن صدوره منه أو اقرارها من قبله، ولو من قبيل عدم ردعه عنها مع امكان الردع والاطلاع عليها فيما لم يمكن صدورها منه.

ومع عدم اثبات ذلك لامجال للتمسك بها بحال، وما أكثر السير المنقطعة من وجهة تأريخية لكونها حادثة، أو لايمكن اثبات امتدادها لذلك الزمن.

والمقياس في حجيتها كشفها عن فعل المعصوم أو اقراره كشفا قطعيا ليصح الاحتجاج بها.

وبهذا ندرك قيمة ما يحتج به أحيانا من ادعاءقيام السيرة القطعية على فعل شيء أو تركه مع عدم امكان اثبات امتدادها تأريخيا الى زمن المعصوم، وقد يكون منشؤها فتوى سائدة يمر عليها جيل أو جيلان، تتخذ طابع السيرة لدى الناس.

وكثير من الأعراف والعادات التي تشيع في بلد ما، أو بيئة معينة حسابها نفس هذا الحساب، وان أصبح لها في نفوس العوام طابع الشعار المقدس.

وسيأتي في مبحث العرف ان قسما من الفتاوى التي سادت في بعض المذاهب لا منشأ لها الا هذا العرف المستحدث، وهو مالايصلح ان يكون حجة.


وربما عرضنا في مبحث العرف جملة من أقوال العلماى بما يكشف عن التقاء في وجهات النظر في مناشئ اعتبار الحجية لها وعدمها.

وعلى أي حال فما كشف عن السنة منها قولا او فعلا او اقرارا، كان حجية، والا فلا دليل على حجيته قطعا لما سبق ان قلنا في التمهيد الثاني من أن كل حجة لاتنهي الى القطع فهي ليست بحجة، وان الشك في حجية شيء ما كاف للقطع بعدمها.

(٦) ارتكاز المتشرعة:

وقد شاع استعمال هذا الاصطلاح على السنة عند بعض أساتذتنا المتأخرين، والظاهر انهم يريدون به بالاضافة الى توفر السيرة على الفعل او الترك، بالنسبة الى شيء ما، شعور معمق بنوع الحكم الذي يصدر عن فعله او تركه المتشرعون لايعلم مصدره على التحقيق.

الفارق بينه وبين سيرة العقلاء او المتشرعة:

ان سيرة العقلاء او المتشرعة بحكم كونها فعلا او تركا لا لسان لها، فهي مجملة من حيث تعيين نوع الحكم، وان دلت على جوازه بالمعنى العام عند الفعل او عدم وجوبه عند الترك، لكن ارتكاز المتشرعة يعين نوعه من وجوب او حرمة او غيرهما.


حجيته:

وحجية مثل هذا الارتكاز لاتتم الا اذا علمنا بوجوده في زمن المعصومين واقرارهم لأصحابه عليه، ومثل هذا العلم يندر حصوله جدا، وتكوين الارتكز في نفوس الرأي العام لايحتاج من وجهة نفسية الى أكثر من امرار فتوى ما في جيلين او ثلاث على الحرمة مثلا، ليصبح ارتكازا في نفوس العاملين عليها.

الطرق غير القطعيّة

خبر الواحد

تحديده، أدلة حجيته: الكتاب، السنة، الاجماع، العقل، أدلة المانعين ومناقشتها، شرائط العمل به، تقسيمات.

الشهرة

تحديدها، أقسامها: الشهرة في الرواية، الشهرة في الاستناد، الشهرة في الفتوى ، أدلة حجيتها: الكتاب، السنة، القياس، ومناقشتها.

مطلق الظن في السنة

تحديده، أدلة حجيته ومناقشتها.





الطرق غير القطعية:

ونريد بها خصوص ما كان له قابلية الكشف عن السنة كشفا ناقصا، وهي على قسمين:

١ - ما قام على اعتباره دليلا قطعيا.

٢ - ما لم يقم على اعتباره دليلا.

ويكاد ينحصر الأول منهما باخبار الآحاد على تفصيل فيها.

(١) خبر الواحد:

وقد عرفوه بتعريفات متعددة ترجع في جوهرها الى ما يقابل الخبر المتواتر والخبر المحفوف بقرائن توجب القطع واحدا كان أو أكثر.

الاختلاف في حجيته:

وقد اختلفوا في حجيته على أقوال لاتكاد تلتقي، فمنهم من منع العمل به مطلقا، ومنهم من أجازه(١) .

والمانعون يختلفون في سبب المنع فمنهم من يعزوه الى حكم العقل، وينسب ذلك الى ابن علية والأصم، ومنهم من ينسبه الى الشرع كالقاشاني من أهل الظاهر(٢) .

والمجوزون مختلفون بدورهم أيضا فمنهم من يستند في حجيته الى حكم العقل، وينسب ذلك الى أحمد بن حنبل وابن شريح وأبو الحسن البصري والصيرفي من الشافعية(٣) ؛ وزاد احمد بن حنبل: «ان خبر الواحد يفيد

____________________

(١ - ٢ - ٣) ارشاد الفحول، ص٤٩.


بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في كتاب الأحكام عن داود الظاهري والحسين ابن علي الكرابيسي والحارثي المحاسبي، قال: وبه نقول؛ وحكاه ابن خواز منداد عن مالك بن انس، واختاره وأطال في تقريره(١) ».

وأكثر علماء الاسلام على حجيته على اختلاف بينهم في شروط الحجية ومناشئها.

ويعرف الوجه في حجيته وعدمها من عرض أدلتها اثباتا ونفيا، فلا حاجة الى الدخول في تفصيل الأقوال فيها ومناقشتها بجميع ما لها من خصوصيات.

أدلة المثبتين:

وقد استدل المثبتون - على اختلاف أدلتهم - بعد ضم بعضها الى بعض بالأدلة الأربعة: الكتاب، السنة، الاجماع، حكم العقل.

وأهم أدلتهم من الكتاب آيتان:

أولاهما قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (٢) ) .

والظاهر من الآية بقرينة مورد نزولها أنها واردة مورد الردع عن بناء عقلائي قائم اذ ذاك، وهو الاعتماد على خبر الواحد وان كان غير مؤتمن على النقل.

وقد صبت الآية ردعها على خصوص الفاسق - بما أنه غير مؤتمن على طبيعة ما ينقله بقرينة تعليقها اتلتبيين على نبئه بالخصوص.

وتخصيص التبين بخبر الفاسق، يكشف بمفهوم الشرط عن اقرارهم على الأخذ بخبر غيره.

____________________

(١) ارشاد الفحول ، ص٤٨.

(٢) الحجرات/٦.


وليست القضية هنا واردة لبيان الموضوع - ما قد يتخيل ذلك - لكون الجزاء معلقا على المجيء، وانتفاء التبيين لانتفائه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع وهي لاتدل على المفهوم.

وذلك لأن الموضوع في القضية الشرطيةاذا كان مؤلفا من جزءين «أحدهما مما يتوقف عليه الجزاء عقلا دون الآخر، كما اذا قيل: ان ركب الأمير، وكان ركوبه يوم الجمعة، فخذ بركابه، فان توقف الجزاء على أصل الركوب عقلي، وعلى كونه في يوم الجمعة شرعي مولوي، ففي ذلك يثبت لها المفهوم بالاضافة الى خصوص الجزء الذي لايتوقف عليه تحقق الجزاء عقلا ولا يكون لها مفهوم بالاضافة الى الجزء الآخر(١) ».

والموضوع الذي ركز عليه التبين هنا، كان مركبا من النبأ ومجيء الفاسق به، فاذا انتفى مجيء الفاسق به، انتفى لزوم التبين عنه؛ فكأنه قال النبأ الذي لايجيء به الفاسق لايجب التبين عنه، وهو معنى حجية النبأ الذي يجيء به غير الفاسق؛ والظاهر ان انطواء الآية على تخصيص الردع بقسم من الأخبار التي قام بناؤها على الأخذ بها مطلقا واقرار الباقي مما لاينبغي ان يكون موضعا لكلام، وظهورها في ذلك لاتزعزعه كثرة ما أورد عليها من اشكالات قد يخضع أكثرها لفلسفة لغوية، ولكنه لايقوى مهما كانت قيمته على زلزلة ما لها من ظهور عرفي وهو الاساس في الحجية، وبخاصة اذا لاحظنا اسلوب عرضها للفكرة وألقينا عليها الأضواء من أسباب النزول.

ولكن الآية في ظاهرها واردة لاقرار بناء عقلائي قام ورادعة عن قسم منه، وهو الأخذ بأخبار الفاسق - بما أنه غير مؤتمن على خبره كما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع، ويقتضيه التعليل - هي من مكملات

____________________

(١) دراسات الاستاذ المحقق الخوئي، ص٩٧.


الدليل القادم، أعني بناء العقلاء.

الآية الثانية وهي قوله تعالى :( وَ مَا کَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا کَافَّةً فَلَوْ لاَ نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١) ) .

والذي يبدو لي من صدر الآية أن شبهة عرضت لبعض من هم خارج المدينة من المسلمين في أن لزوم التفقه المباشر من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انما هو من قبيل الواجبات العينية التي لايسقطها قيام البعض بها عنهم، ففكروا بالنفر جميعا الى المدينة ليأخذوا الأحكام عنه مباشرة، فنزلت هذه الآية لتفهمهم بأن هذا النوع من النفر الجماعي لاضرورة له، وليس هو مما ينبغي ان يكون لما ينطوي عليه من شل لحركتهم الاجتماعية وتعطيل لأعمالهم، فاكتفى الشارع بمجيء طائفة من كل فرقة منهم للتفقه في الدين والقيام بهمة تعليمهم اذا رجعوا اليهم.

والظاهر من أمثال هذه الآيات التي يقع فيها تقابل الجمع بالجمع انها واردة على نحو الجموع الانحلالية لا المجموعية، بمعنى أن كل واحد من هذه الطائفة مسؤول عن تعليم بعض المكلفين لا ان المجموع مسؤولون عن تعليم المجموع، ونظيره في تعبيراتنا المتعارفة ما لو أصدرت وزارة التعليم مثلا بيانا الى المعلمين في الدولة في ان يكافحوا الأمية بتعليم المواطنين الأميين؛ فليس معنى ذلك ان يجتمع المعلمون جميعا ليعلموا دفعة واحدة مجموع الأميين، بل معناه أن على كل واحد ان يجند نفسه لتعليم غيره فردا كان او أكثر.

والعمومات المجموعية نادرة فلايصار اليها الا بدليل.

والذي أتصوره أن الطريقة السائدة في عصورنا من الهجرة الى مراكز

____________________

(١) التوبة/١٢٢.


التفقه كالنجف الاشرف، وقم، والقاهرة من بعض من يسكنون بعيدا عنها، ثم العودة الى بلادهم ليعلموا اخوانهم أحكام دينهم هي نفس الطريقة التي دأبوا عليها في عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودعت اليها الآية.

وليس في هذه الطريقة اجتماع المبلغين والمرشدين في مقام الأداء ليكوّنوا لمستمعيهم مقدار ما يتحقق به التواتر، بل يكتفون بالواحد الموثوق به منهم، فالآية على هذا واردة في مقام جعل الحجة لأخبار آحاد الطائفة، وان شئت ان تقول انها واردة لامضاء بناء عقلائي في ذلك كسابقتها.

واذا صحت هذه الاستفادة لم تبق حاجة بعد الى استعراض ما يراد من كلمة (لعل) في الآية، أو كلمة (الحذر) فيها، لعدم توقف دلالة الآية عليها، ويكفي في الالزام بالرجوع اليهم لأخذ الأحكام تشريع ذلك، وان كان بلسان الترخيص ومن لوازم الترخيص في مثله جعل الحجية لما يحدثون به فلايسوغ تجاهلها مع قيامها بداهة.

واحتمال ان يراد بالطائفة ما يبلغ به حد التواتر على أن يجتمع الكل لتبليغ كل واحد منهم احتمال يأباه ظاهر الآية، وكيفية الاستفادة من نظائرها كما يأباه الواقع العملي لما درج عليه المبلغون في جميع العهود بما فيها عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على أن لفظ طائفة أوسع منه فتضييقها الى ما يخصه بالخصوص لا ملجأ له ولاشاهد عليه.

وبهذا يتضح واقع ما أثاره الآمدي وغيره من التشكيكات حول دلالة الآية على حجية خبر الواحد(١) ، فلاحاجة الى الدخول في تفصيلاته.

____________________

(١) اقرأ ما كتبه الآمدي، ج١ ص١٧١ من الأحكام وما ورد في الكفاية وشروحها ورسائل الشيخ حول هذه التشكيكات.


أدلتهم من السنة:

وقد استغرقت أدلتهم من السنة جوانبها الثلاث قولا وفعلا وتقريرا.

السنة القولية:

أما السنة القولية فهناك طاوئف من الراويات عن أهل البيت اذا لوحظت مجتمعة فهي متواترة المضمون.

أولاها : ما ورد عنهمعليه‌السلام من ارجاعهم بعض أصحابهم الى البعض كارجاعهعليه‌السلام الى زرارة بقوله: «اذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس وأشار الى زرارة» وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله «العمري ثقة، فما أدى اليك، فعني يؤدي» وكثير من أمثالها.

ثانيها : ما دل على وجوب الرجوع الى الرواة كخبر الاحتجاج: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم».

ثالثها : ما ورد عنهمعليه‌السلام من الحث على كتابة الحديث وابلاغه كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من حفظ على أمتي أربعين حديثا، بعثه الله فقيها عالما يوم القيامة» وقولهعليه‌السلام لأحد الرواة: «واكتب وبثّ علمك في بني عمك، فانه يأتي زمان هرج لايأنسون الا بكتبهم».

رابعها : ما دل على ذم الكذب عليهم والتحذير من الكذابين، مثل الحديث المتواتر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» مما يدل على المفروغية عن حجية خبر الآحاد، اذ لو كانوا مقتصرين في مجال الحجية على خصوص الخبر المتواتر لما كان مجال للكذب عليهم، ولما كان أثر لأولئك الكذابين يخشى منه.

خامسها : الأخبار الواردة في باب التعارض من الأخذ بالمرجحات


كالأعدلية، والأصدقية، والشهرة، والقول بالتخيير عند التساوي؛ ومع فرض عدم حجية خبر الآحاد لايتصور فرض التعارض في أخبار المعصومين.

سادسها : الأخبار الواردة في تسويغ الرجوع الى كتب الشلمغاني وبني فضال والأخذ بروايتها وترك آرائهم(١) .

ومن استعراض جميع هذه الطوائف نرى أن الحجية مجعولة فيها لخبر الثقة بما أنه ثقة، وليس لنحلته او مذهبه أثر في الأخذ بحديثه او تركه كما هو الشأن في كتب بني فضال والشلمغاني، وهم من غير الشيعة الامامية، ومناسبة الحكم والموضوع تقتضيه لذلك فلاخصوصية للعدالة أو غيرها من الشروط.

السنة العملية:

وحسبنا منها «ماتواتر من انفاذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمراءه وقضاته ورسله وسعاته الى الاطراف، وهم آحاد، ولايرسلهم الا لقبض الصدقات، وحل العهود وتقريرها وتبليغ أحكام الشرع(٢) ». وشواهده أكثر من ان تحصى ، فلو كان خبر الثقة ليس بحجة لما كان معنى لهذاالارسال الملازم لتكليف المسلمين بالأخذ عنهم والزامهم بذلك، وبدعوى أن أحاديث أمثال هؤلاء مما يكتنفها من القرائن ما يوجب القطع بمطابقتها للواقع، لاتعمتد على دليل، لأن رسله ليسوا كلهم هذا المستوى ، ولا الأحاديث التي يحدثون بها كذلك.

____________________

(١) تلاحظ هذه الأحاديث - بمختلف طوائفها - ولعلها تبلغ العشرات في الوسائل - كتاب القضاء - وفي رسائل الشيخ في مبحث حجية خبر الواحد.

(٢) المستصفى ، ج١ ص٩٦.


السنة التقريرية:

وهي قائمة باقراره لبناء العقلاء على الأخذ بأخبار الآحاد اذا كانوا ثقات في النقل؛ يقول شيخنا النائيني: «وأما طريقة العقلاء فهي عمدة أدلة الباب بحيث لو فرض أنه كان سبيل الى المناقشة في بقية الأدلة فلا سبيل الى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد بخبر الثقة، والاتكال عليهم في محاوراتهم، بل على ذلك يدور رحى نظامهم، ويمكن ان يكون ماورد من الأخبار المكتفة لبيان جواز العمل بخبر الثقة من الطوائف المتقدمة كلها امضاء لما عليه بناء العقلاء وليست في مقام تأسيس جواز العمل به لما تقدم من أنه ليس للشارع في تبليغ أوامره طريق خاص بل طريق تبليغها هو الطريق الجاري(١) » لدى الناس جميعا، وهم يعتمدون أخبار الآحاد، ويرتبون عليها جميع آثار العلم وان لم تكن علما في واقعها.

وامتداد هذا البناء الى زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من الواضحات؛ وقد حكى الغزالي في المسلك الاول «ماتواتر واشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد في وقائع شتى لاتنحصر(٢) »، وقد ضرب لها بعشرات الأمثلة، وبالطبع انه لو كانت للنبي طريقة خاصة في تبليغ الأحكام لاتعتمد أخبار الأحاد لبينها ولردع صحابته عن العمل بغيرها، وهذا ما لم يتحدث فيه التأريخ، ومثله ما يشتهر عادة ويطول الحديث فيه.

الاجماع:

وقد حكام في ارشاد الفحول عن الصحابة والتابعين(٣) ، وحكاه الشيخ الطوسي عن الامامية وغيرهما.

____________________

(١) فوائد الأصول، ج٣ ص٦٨.

(٢) المستصفى للغزالي، ج١ ص٩٥.

(٣) ارشاد الفحول، ص٤٩.


ولكن الاستدلال بالاجماع لايتضح له وجه لعدم الطريق اليه بالنسبة الينا غير أخبار الآحاد لبداهة عدم امكان تحصيله من قبلنا، ولعدم امكان استيعاب الصحابة والتابعين كما هو الشأن في الدعوى الأولى ، وعدم امكان التعرف على آراء الامامية جميعا بالنسبة للدعوى الثانية، والاجماع المنقول متوقفة حجيته على حجية خبر الناقل له، فلو كانت حجية خبر الناقل له موقوفة عليه لزم الدور؛ وهناك مناقشات أخرى له لاداعي للاطالة في عرضها فلتراجع في المطولات(١) .

العقل:

وقد صور بصور عدة، نذكر بعضها، ونحيل البعض الآخر على الكتب المطولة لعدم الجدوى بعرضها ومناقشتها جميعا.

أولاها: ما ذكره الغزالي من أن «المفتي اذا لم يجد دليلا قاطعا من كتاب أو اجماع أو سنة متواترة، ووجد خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الأحكام، ولأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اذا كان مبعوثا الى اهل عصر يحتاج الى انفاذ الرسل اذ لايقدر على مشافهة الجميع، ولا اشاعة جميع أحكامه على التواتر الى كل أحد، اذ لو أنفذ عدد التواتر الى كل قطر لم يف بذلك اهل مدينته(٢) ».

وقد أجاب الغزالي على الشق الأول بأن «المفتي اذا فقد الأدلة القاطعة، يرجع الى البراءة الأصلية والاستصحاب، كما لو فقد خبر الواحد أيضا(٣) »؛ ولكن هذا الجواب غير واضح لأن الرجوع الى البراءة الأصلية في غير ما يقطع فيه محقق للرسالة من أساسها، لبداهة أن

____________________

(١) اقرأ حقائق الأصول، ج٢ ص١٣٦، وغيره.

(٢) المستصفى ، ج١ ص٩٤.

(٣) المستصفى ، ج١ ص٩٤.


الأحكام القطعية محدودة جدا ان لم تكن معدومة.

والأحكام المعروفة بضروريات الدين كالصوم، والصلاة، والحج، وأمثالها، وان ثبتت لها الضرورة القطعية، الا أن ثبوتها لها انما هو ثبوت في الجملة لا في جميع الخصوصيات، ولو جردت من الخصوصيات الثابتة بالامارات المعتبرة لتحولت الى واقع لاتقره جميع المذاهب الاسلامية، فضلا عن انكار كونه من الضروريات ، على أن الاسلام ليس هو هذه الضروريات فحسب كما هو ثابت بالبداهة.

والرجوع الى الاستصحاب وهو في رتبة سابقة على البراءة كما سبق بيانه، ويأتي مناقش صغرى وكبرى ؛ أما الصغرى فلاحتياجه الى حالة سابقة معلومة وشك طارى ء عليها، وهو نادر ما يقع في الأحكام الكلية الثابتة بالضرورة، وفي غيرها لاعلم بحالة سابقة، كما هو الفرض؛ وأما الكبرى فللشك في حجية مثل هذا الاستصحاب لرجوعه الى ما يدور أمره بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع، لأن الحكم المجعول ان كان واسع المنطقة الى هذا الزمان، فهو مقطوع البقاء، وان كان ضيق المنطقة فهو مقطوع الارتقاع، فما هو الحكم المعلوم اذن ليستصحب بقاؤه؟ وأصالة عدم النسخ ان رجعت الى الاستصحاب فحسابها نفس هذا الحساب؛ وسيأتي فيها الكلام مفصلا.

اللهم الا ان يدعي أن مراده هنا من الاستصحاب استصحاب عدم الجعل قبل البعثة، او استصحاب عدم الحكم المجعول في حقه حال الصغر؛ ولكن الاشكال في جريان هذين الاستصحاب جار أيضا أما لعدم الموضع فعلا لعدم مشاهدتنا للحالتين: حالة ما قبل البعثة، وحالة ما بعدها، لنجري في حقنا استصحاب الحالة السابقة، لو اريد استصحاب العدم بالنسبة لحكمنا الخاص، أما لو أريد استصحاب عدم


الجعل الكلي فهو مثبت بالنسبة الينا، واستصحاب عدم الجعل حال الصغر يشكل جريانه للشك في تبدل الموضوع، فنحن حال الصغر غيرنا عندما نقع تحت التكاليف، وللاعلام في هذه الأنواع من الاستصحابات حديث يأتي في موضوعه ولعل لنا في بعضها رأيا.

على أن استصحاب عدم الجعل هنا، لايجري في جميع المشكوكات للعلم الاجمالي بجعل الكثير منها لبداهة أن الاسلام لم يأت بهذه المقطوعات او الضروريات فحسب، ومع قيام العلم الاجمالي لايمكن جريان الاستصحاب ولا البراءة الأصلية في أطرافه، اما لعدم امكان جريانها أصلا، أو انها تجري وتتساقط للمعارضة؛ وسيأتي ايضاح ذلك في مبحث الاحتياط العقلي.

والأنسب ان يجاب عنه بأن هذا الدليل لو تم فهو لايعين العمل بأخبار الآحاد الا بضميمة مقدمات أجنبية عن حكم العقل لجواز ان تكون هناك طرق مجعولة من قبله تؤمن هذا الغرض الخاص او الايكال الى الاحتياط فيها مثلا.

وأجاب عن الشق الثاني بقوله: «أما الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فليقتصر على من يقدر على تبليغه، فمن الناس في الجزائر من لم يبلغه الشرع فلايكلف به، فليس تكليف الجميع واجبا(١) ».

وهذا الجواب غريب في بابه أيضا لمنافاته للشمولية التي جاءت بها رسالة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعمومها لجميع البشر( وَ مَا أَرْسَلْنَاکَ إِلاَّ کَافَّةً لِلنَّاسِ (٢) ) ولأن فرض الاقتصار على البعض يوجب اختصاص الرسالة بهم وحرمان غيرهم مع فرض احتياجهم الى مثلها، وأين قاعدة اللطف منها اذن؟

____________________

(١) المستصفى ، ج١ ص٩٤.

(٢) سبأ/٢٨.


ولماذا لايبعث لكل أمة نبيا يفي بحاجتها اذا تعذر قيام نبي واحد بهذه المهمة؟.

فلابد إذن أن يفرض - بعد ثبوت الجانب الشمولي فيها - أن طرق التبليغ المعتمدة لدى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كافية بايصال صوته اليها بالوسائل المتعارفة، وبذلك يتم ما قال المستدل.

ثم عقب - أعني الغزالي - بعد ذلك بقوله: «نعم لو تعبد نبي بان يكلف جميع الخلق، ولايخلي واقعة عن حكم الله تعالى ، ولاشخصا عن التكليف، فربما يكون خبر الواحد ضرورة في حقه(١) ».

وهذا الاستدراك عين ما أراده المستدل لتحدثه عن نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله بالخصوص ورسالته، لأنها موضع حاجتنا الفعلية.

ومن البديهي ان شريعتنا عامة لجميع البشر، وما من واقعة الا ولها فيها حكم، الا أن قوله: «فربما يكون الاكتفاء بخبر الواحد ضرورة» لايتم الا بضميمة مقدمات أخرى تحصر الطريق فيه، وهو ما لم يذكر في الدليل، كما لم يذكره في استدراكه عليه.

الصورة الثانية: ما ذكره صاحب الوافية «وحاصله انا نعلم تفصيلا ببقاء التكليف بالصلاة والصوم ونحوهما من الضروريات، وليس لنا علم تفصيلي بأجزائها وشرائطها، فاذا تركنا العمل بمؤديات الامارات، واقتصرنا على خصوص ما علمناه من الاجزاء والشرائط، خرجت هذه الأمور عن حقائقها، لأن الضرورية من الأجزاء والشرائط ليست الا أمورا معدودة بحيث نقطع بعدم صدق العناوين المزبورة على ما هو المتفق دخله فيها. فلا مناص من الرجوع الى الأخبار المودعة في الكتب المعتبرة(٢) ».

____________________

(١) المستصفى ، ج١ ص٩٤.

(٢) دراسات الاستاذ المحقق الخوئي، ص١٢٥.


ولكن هذا الدليل أضيق من المدعى لعدم اقتضائه اثبات الحجية لمطلق الاخبار بل لخصوص ما اثبت منها الأجزاء والشرائط للتكاليف المعلومة.

أما الاخبار النافية التي ورد على خلافها عموم مثبت للتكليف أو اطلاق أو اصل عملي فلا تتعرض لها باثبات، ومقتضاه عدم الحجية فيها؛ والتحقيق ان العقل لايلزم باخبار الآحاد، وحسبنا في ذلك ما مر من الأدلة السمعية «فما ذهبت اليه الجماهير من سلف الأمة من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين، انه لايستحيل التعبد بخبر الواحد عقلا، ولايجب التعبد به عقلا، وان التعبد واقع به سمعا(١) » وهو الحق في المسألة، وهو الذي اختاره جل علماء الشيعة ما يظهر مما أورده في كتبهم المطولة.

ادلة المانعين:

أما المانعون فقد استدلوا على المنع بالأدلة السمعية، كالآيات الناهية عن العمل بالظن أو بغير العلم، باعتبار أن أخبار الآحاد لاتفيد علما بمدلولها.

والجواب على ذلك ان هذه الآيات مخصصة بما دل على جواز العمل باخبار الآحاد لأنها أخص منها ان لم تكن هذه الادلة حاكمة عليها.

وقد اعتبروا هذه الآيات أيضا رادعة عن بناء العقلاء بعد التغافل عن تخصيصها بما دل على الجواز.

وأجيب عن ذلك أيضا بحكومة بناء العقلاء عليها لاعتبار العقلاء هذا النوع من أخبار الآحاد علما من حيث ترتيب جميع آثار العلم عليه، ومع اعتباره علما، فهو خارج عن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم

____________________

(١) المستصفى ، ج١ ص٩٥.


موضوعا، فلايكون مشمولا لها بحال.

واستدلوا أيضا بالاجماع على المنع من العمل بها، وهو مناقش صغرى وكبرى ؛ أما الصغرى فلعدم حصوله لما سمعت من أن جل العلماءيذهبون الى جواز العمل بها، فأين موقع الاجماع منها؟ وأما الكبرى فلمعارضته بمثله، وهو ما سبق حكايته عن الشيخ الطوسي؛ على ان هذا النوع من الاجماع يستحيل ان يكون حجة لأنه يلزم من اثبات حجيته عدمها بداهة أن معنى قيامه على عدم العمل بأخبار الآحاد أن لايكون هو بنفسه حجة لأنه منقول بأخبار الآحاد، وما يلزم من وجوده عدمه لايصلح للدليلية أصلا.

أما ادلتهم من العقل، فأركزها ما سبق ان عرضناه من دعوى استحالة جعل الأحكام الظاهرية من قبل الشارع للزوم تناقضها أو تماثلها مع الأحكام الواقعية، وقد عرفت في البحوث التمهيدية مناقشتها فلانعيد.

وكأن بعض المانعين لهذه الأسباب أو ما يشبهها أوهمت كلماتهم نفي الحجية عن نفس السنة، وهم لايريدون ذلك قطعا، وكان ذلك من نتائج الضيق في الأداء كما يوحي به تفصيل كلماتهم وضم بعضها الى بعض(١) .

شرائط العمل به:

وقد اختلفوا في الشرائط المعتبرة للعمل بأخبار الآحاد، وفي مقدار اعتبارها، على أقوال قد لايكون في عرضها وتعدادها والاستدلال عليها أي جدوى ما دمنا قد انتهينا في استدلالنا السابق الى أن المدار في الحجية وعدمها هي وثاقة الراوي والاطمئنان بعدم كذبه، كما هو مقتضى مايدل عليه بناء العقلاء، وبعض الادلة اللفظية التي تسأل عن

____________________

(١) راجع تاريخ الفقه الاسلامي، لمحمد يوسف موسى ، ص٢٢٧ ومابعدها.


وثاقة الراوي، ومناسبات الحكم والموضوع، وما سبق من ارجاع الأئمة الى كتب بني فضال.

فالظاهر أن الحديث في هذه الشرائط كالحديث عن اعتبار العدالة او البلوغ أو الذكورية او غيرها، انما هو من قبيل اتخاذ الاحتياطات من قبل بعض الأصوليين للحد من الفوضى والتسامح في قبول جميع الأخبار، أو هي من قبل بعضهم اعتقاد بعدم امكان تشخيص الصغريات لما هو حجة من الأخبار الا من هذه الطريق.

وعلى هذا فافتقاد بعض شرائط العدالة في الراوي وعلى الأخص فيما تختلف المذاهب في اعتباره منها، لايضر باعتماد الخبر اذا كان راويه من الثقات.

واختلاف المذاهب في الرواة اذا عرف من حالهم عدم التأثر والانفعال بمسبقات مذهبهم في مجال النقل، لايمنع من اعتماد خبرهم والأخذ به ما لم تكن هناك قرائن أخر توجب التوقف عن العمل به.

ومن هنا اعتبر الشيعة الامامية - خلافا لما نقل عنهم من قبل بعض المتأخرين من الكتاب غير المتورعين - أخبار مخالفيهم في العقيدة حجة اذا ثبت أنهم من الثقات، وأسموا أخبارهم بالموثقات، وهي في الحجية كسائر الأخبار وقد طفحت بذلك جل كتب الدراية لديهم، فلتراجع في مظانها المختلفة.

وما يقال عن اعتبار هذه الشرائط ونظائرها، يقال عن تقسيماتهم للخبر غير المتواتر.

تقسيمات

فقد قسموه الى مشهور، أو مستفيض، وغير مشهور؛ وقسموا غير


المشهور الى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف؛ ثم قسموه الى مرسل، ومقطوع، ومرفوع، ومسند.

وجل هذه التقسيمات منصب على تشخيص صغريات ما يحصل به الاطمئنان بالصدور.

وقسم منها لايجدي الا في مجال الترجيح عند تعارض الأخبار، ولايهم فعلا الدخول في تفصيلاتها ما دمنا نملك المقياس في الحجية، وهو التوثق والاطمئنان بصدور الخبر من قبل المعصوم.

وحتى اعتباهرم هجر الأصحاب للخبر الصحيح من قبيل الموهنات له، وعمل الأصحاب بالخبر الضعيف جابرا له انما هو من قبيل تشخيص الصغرى لما يوجب الثقة بالصدور لا للتعبد المحض بذلك.

وعلى هذا فالدخول هنا في الأقسام وتحديدها لايهم الآن بحثه، وهو من شؤون علماء الحديث، وموضعا في كتب الدراية، فلتراجع في مظانها الخاصة.

(٢) أما ما لم يقم عليه دليل قطعي فأهمه أمران، أولهما:

الشهرة:

وربما عللت حجيتها بما لها من كشف عن رأي المعصوم مما اقتضى ان تعرض ضمن الأدلة الكاشفة عن رأيه.

ويراد من الشهرة انتشار الخبر، أو الاستناد، أو الفتوى ، انتشارا مستوعبا لجل الفقهاء أو المحدثين، فهي دون مرتبة الاجماع من حيث


الانتشار، وقد قسموها الى ثلاثة أقسام قد تختلف من حيث الحجية وعدمها.

اولاها : الشهرة في الرواية.

ومؤداها انتشار رواية ما، وتداولها بين الرواة على نحو مستوعب في الجملة ومقابلها الندرة والشذوذ.

وقد اعتبروها من مرجحات باب التعارض بين الروايات، وأدلتها من السنة كثيرة، بالاضافة الى ان كثرة النقل عن حس مما يوجب الوثوق بالصدور بخلاف الندرة والشذوذ، فالقول بحجيتها وصلوحها للترجيح مما لاينبغي ان يكون موضعا لكلام.

ثانيها : ان الشهرة في الاستناد.

ويراد بها انتشار الاستناد في مقام استنباط الحكم الى رواية ما من قبل أكثر المجتهدين.

وهذه الرواية قد لاتكون مستوفية لشرائط القبول، الا ان استناد الفقهاء اليها يكون جابرا لضعفها، كما ان اعراضهم عن رواية ما، وان كانت صحيحة، يكون من موجبات تركها وعدم العمل بها.

وهذا النوع من الاستناد أو الاعراض لادليل على اعتباره من المرجحات، اللهم الا ان يولد وثوقا للانسان بصدور ما استندوا اليه وعدم صدور ما هجروه أو صدروه لا لغاية بيان الحكم الواقعي باعتبار أن اصرار أكثرية الفقهاء على الأخذ برواية مع ضعفها، أو هجر رواية وهي بأيديهم مع صحتها، لايكون بلا مستند جابر أو موهن عادة.

وعلى أي فالمدار - كما سبقت الاشارة اليه - في ذلك كله على حصول الوثوق بالصدور وعدمه، ولاخصوصية للاستناد أو الهجران، ولايبعد ان يكون الوثوق بالصدور حاصلا في أكثر ما استندوا اليه وبعدم صدوره فيما هجروه من الروايات وهو العمدة في مقام الحجية للاخبار وعدمها.


ثالثها : الشهرة في الفتوى

ومضمونها انتشار فتوى ما بين الفقهاء انتشارا يكاد يكون مستوعبا دون ان يعلم لها أي مستند.

وقد استدلوا على حجيتها بأدلة ثلاثة: الكتاب، والسنة، والقياس.

أدلتهم من الكتاب:

وأهمها التعليل الوارد في آية النبأ السابقة( ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتهم نادمين ) حيث ركزت الآية في وجوب التبين على التعليل باصابة قوم بجهالة، ومقتضى ذلك دوران هذا الحكم مدارها وجودا وعدما، وبما أن الاستناد الى الشهرة الفتوائية لايعد من الجهالة والسفه، فلايجب التبين معه في هذا الحال وهو معنى حجيته

والجواب على ذلك: أن دوران حكم مع علة ماوجودا وعدما، لايكون الا مع فرض انحصار العلة، ولا دليل على انحصارها في أمثال هذا التعابير؛ فاذا قال الشارع - مثلا -: حرمت الخمرة لاسكارها؛ فغاية ما يدل عليه هذا التعبير تعميم العلة في الحرمة الى غير الخمر من المسكرات لا ارتفاع الحرمة عن شيء عند ارتفاع الاسكار لجواز ثبوتها له لعلة أخرى كالنجاسة، او الغصبية، او غيرهما من موجبات التحريم؛ وانما التزمنا بدوران التبين مدار خبر الفاسق وجودا وعدما في صدر الآية، لدلالة مفهوم الشرط عليها لا أخذا بهذا التعليل، فارتفاع السفاهة هنا لايدل على ارتفاع التبين لجواز ثبوته بعلة أخرى غيرها.


أدلتهم من السنة:

وهي كثيرة، وقد وردت رواياتها في باب تعارض الخبرين كمرفوعة زرارة، قال: «قلت: جعلت فداك! يأتي عنكما الخبران، والحديثان المتعارضان، فبأيهما نعمل؟ قالعليه‌السلام : خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر».

وقد قربوا الاستدلال بها أن الموصول في قوله «ما اشتهر» مبهم، وصلته معرفة له، وبما أن الشهرة التي اعتبرت في الصلة مطلقة ،فهي شاملة للشهرة في الفتوى بمقتضى ذلك الاطلاق.

وقد أجيب عليها بأن المراد من الشهرة هنا، الشهرة بمدلولها اللغوي، وهي الوضوح والابانة، أخذا من شهر السيف اذا جرده من غمده وأبانه، وهي مختصة بهذا المعنى بما علم صدوره من الشارع، لا من ظن او شك فيه، فكأنه قالعليه‌السلام : خذ بما وضح وبان انتسابه الينا لدى أصحابك؛ على أن طبيعة السؤال والجواب تقتضي أن يكون الجواب على قدر السؤال ولايتجاوزه الى غيره، والمسؤول عنه هنا هو خصوص الخبرين المتعارضين، فلامعنى للاجابة بما يعمهما ويعم الشهرة الفتوائية، لأنها غير داخلة في السؤال، ومن شرائط الاطلاق أن يعلم أن الشارع كان في مقام البيان من هذه الجهة ولم يقم قرينة على الخلاف ليصح التمسك به، فكونه في مقام البيان من حيث التعميم لها، تأباه طبيعة التطابق بين السؤال والجواب الذي يقتضي السنخية بينهما حتى مع فرض التعميم لغير المورد.

ولو تنزلنا فلا محرز له ان لم نقل ان التطابق يصلح للقرينية على الخلاف.


ثالثها - القياس:

وقد قربوه بما ادعى استفادته في خبر الواحد من كون العلة في حجيته هو حصول الظن بمدلوله، وهي متوفرة في الشهرة الفتوائية، بل هي فيها أقوى منها في خبر الآحاد.

وهذا الاستدلال من أمتنها لو كان المنشأ في حجية أخبار الآحاد هو الظن الحاصل منه.

ولكن سبق لنا ان استعرضنا جل ادلة أخبار الآحاد، فلم نجد فيها ما يشير الى هذه العلة، وهي اعتبار الظن، لذلك عممنا حجيته الى ما لم يفد الظن منه، ولم نجعل الظن مقياسا لنلجأ اليه، فأركان القياس آذن لم تتوفر في هذا الموضع ليصح الأخذ به.

وعلى هذا، فالشهرة الفتوائية لامستند لها ليؤخذ بها، فهي ليست بحجة كما ذهب الى ذلك الكثير من الفقهاء.

(٣) حجية مطلق الظن بالسنة:

ويراد به العمل بكل ظن يتولد للانسان من أي سبب كان، اذا كان متعلقا بحكم شرعي يظن انه ثبت بالسنة.

وقد استدل له بادلة كلها عقلية، وليس فيها ما ينهض بالدليلية؛ وجل أدلته مما ترجع الى ما يسمى بدليل (الانسداد الكبير) وقد عرضناه وناقشناه في مبحث القياس لاستدلال بعضهم به على حجيته باعتباره من مصاديق ما يحصل به الظن؛ والذي يرتبط من أدلته ببحوثنا هذه


ما ذكره صاحب الحاشية من عده في جملة ما تثبت به السنة بمقتضى فحوى دليله، وحاصل ما استدل به: «انا نعلم علما قطعيا بلزوم الرجوع الى السنة بحديث الثقلين وغيره مما دل على ذلك، فيجب علينا العمل بما صدر عن المعصومين، فان أحرز ذلك بالقطع فهو، والا فلا بد من الرجوع الى الظن في تعيينه، ونتيجة ذلك وجوب الأخذ بما يظن بصدوره(١) »؛ ومن الواضح ان الظن هنا لم يقيد بكونه حاصلا من الأخبار ليكون دليلا على حجية مايفيد الظن منها كما أفيد، بل أطلق لما يشمل كل ظن بالسنة ومن أي سبب كان، لذلك آثرنا عده من أدلة مطلق الظن بالسنة.

والجواب على هذا أن دعوى القطع بالعمل بمطلق الظن بالسنة مع عدم احرازها بالقطع - كما هو مقتضى مفاد دليله - لاتخلو من مصادرة، لأن الظن بما هو ظن ليس من الحجج الذاتية التي لاتحتاج الى جعل أو امضاء، وهذا الدليل لا يثبت جعلا ولاامضاء شرعيا له بل لا تعرض فيه لهذه الجهة أصلا.

ووجوب العمل بالسنة - وان كان ضروريا - الا أنه لايتنجز على المكلف الا بعد احرازها بمحرز ذاتي أو مجعول، وهذا الترديد الذي ورد في الدليل لايتم الا اذا ثبت من الخارج أن الظن محرز للسنة في عرض القطع أو في طوله على الأقل، واثبات محرزيته بهذا الدليل دوري كما هو واضح.

وحسبنا من الادلة الرادعة عن العمل بالظن حجة في الردع عن مثله مادام لم يثبت لنا بهذا الدليل مايخصصها او يحكم عليها لعدم تماميته وصلوحه لاثبات ما أريد له.

____________________

(١) الدراسات، ص١٢٥.


السنة وكيفية الاستفادة منها

السنة كلها تشريع، كيفيات الاستفادة منها: دلالة القول: حجية أقوال أهل الفن، الأصول اللفظية، دلالة الفعل، دلالة الترك، دلالة التقرير.





(١) السنة كلها تشريع:

والحديث حول كيفيات الاستفادة منها يدعونا ان نمهد له بالحديث عن تشخيص نفس السنة التي تقع موقع التشريع، فهي وان اتفقوا على تعريفها بقول المعصوم وفعله وتقريره الا أنهم قيدوا حجيتها بما أحزر أنها واردة مورد التشريع، ولذا قسموها الى أقسام؛ يقول في سلم الوصول - وهو كلام جار نظيره على السنة الكثير -: «ليس كل ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام، من أقواله وأفعاله وتقريراته تشريعا يطالب به المكلفون، لأن الرسول بشر كسائر الناس اصطفاه الله رسولا لهداية الناس وارشادهم؛ قال تعالى :( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُکُمْ يُوحَى إِلَيَّ (١) ) فما صدر منه ينتظم الأقسام الآتية:

(١) ما صدر منه بحسب طبيعته البشرية كالأكل، والشرب، والنوم، وما الى ذلك من الأمور التي مرجعها طبيعة الانسان وحاجته.

(٢) ما صدر منه بحسب خبرته وتجاربه في الحياة وفي الأمور الدنيوية، وبحسب تقديره الشخصي للظروف والأحوال الخاصة، وذلك مثل شؤون التجارة والزراعة والمسائل المتعلقة بالتدبيرات الحربية، وما الى ذلك من الأمور التي يعتمد فيها على مقتضيات الأحوال ومراعاة الظروف.

وهذان القسمان ليسا تشريعا، لأن مرجع القسم الأول الطبيعة والحاجة البشرية، ومرد القسم الثاني الخبرة والتجارب في الحياة والتقدير الشخصي

____________________

(١) الكهف/١١٠.


للظروف الخاصة من غير ان يكون هناك دخل للوحي الالهي ولا للنبوة والرسالة.

(٣) ما صدر منه على وجه التبليغ عن الله تعالى ، بصفته رسولا يجب الاقتداء به والعمل بما سنه من الأحكام مثل تحليل شيء او تحريمه، والأمر بفعل او النهي عنه، وكبيان العبادات، وتنظيم المعاملات، والحكم بين الناس.

فهذا القسم الأخير تشريع عام يجب على كل مكلف العمل به. والأحاديث الواردة في هذا القسم تسمى بأحاديث الأحكام.

وبالجملة فان أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته انما تكون دليلا من الأدلة، ومصدرا من المصادر التشريعية التي تستمد منها الأحكام الشرعية ذا صدرت منه بمقتضى رسالته لسن القوانين وتشريع الأحكام او بيانها(١) ».

ولكن هذه التفرقة بين أقسام ما يصدر عنه من قول او فعل او تقرير، لاتخلو من غرابة اذا علمنا أنه ما من واقعة الا ولها حكم في الشريعة الاسلامية كما هو مقتضى شموليتها، ولايفرق في ذلك بين ما تقتضيه طبيعته البشرية كالأكل والشرب وغيره، اذا كان صادرا منه عن ارادة، وبين غيره من تجارب.

واذا تم ما سبق أن عرضناه من أدلة العصمة له، فان كل ما يصدر عنه بطبيعة الحال يكون موافقا لأحكام الشريعة ومعبرا عنها، ومادام الأكل والنوم والشرب من أفعاله الارادية، فهي محكومة حتما بأحد الأحكام، فأصل الأكل محكوم بالجواز بالمعنى العام، وأكله لنوع معين يدل على جوازه، كما أن تركه لأنواع أخرى يدل على جواز الترك لها،

____________________

(١) سلم الوصول، ص٢٦٢ ومابعدها.


فالقول بأن ما كان من شؤون طبيعته البشرية لايعبر عن حكم، لايتضح له وجه.

كما أن ما يتصل بالقسم الثاني من شؤون خبرته وتجاربه هو الآخر معبر عن حكمه، وحكمه هنا جواز التعبير عنه - وان أخطأ الواقع لو صح جواز خطئه في الموضوعات، ولنا التأسي به في الاخبار عن تجاربنا وخبراتنا في حدود ما نعلم منها، وحتى قوله - لو صح عنه -: أنتم أعلم بشؤون دنياكم، فهو امضاء لهم على جواز اعمال تجاربهم وخبراتهم الخاصة ، فهو لايخرج عن الدلالة على التشريع.

نعم ما كان من مختصات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كالزواج بأكثر من أربع، أو ما كان من أفعاله الطبيعية غير الارادية، فهو لايعبر عن حكم عام.

والخلاصة ان تقييد السنة بما صدر عنه على وجه التشريع كما صنع غير واحد في غير موضعه، لأن كل ما يصدر عنه من أفعاله الارادية فهو تشريع عام عدا مختصاته الخاصة، اللهم الا ان يريدوا به الايضاح لا الاحتراز وهو بعيد عن مساق كلامهم.

اقصاه ان بعض افعاله تختلف عن البعض الآخر من حيث دلالتها على الحكم بعنوانه الأولي او العنوان الثانوي، ودلالتها أحيانا على جواز العمل بالحكم الظاهري، وهكذا...

(٢) كيفيات الاستفادة منها:

وما دمنا قد علمنا أن السنة هي القول والفعل والتقرير، فلابد من التحدث عن مدى دلالة كل منها.


دلالة القول:

واستفادة ما له من دلالة انما تكون بحسب ما تدل عليه الألفاظ بمفاهيمها اللغوية - او الاصطلاحية فيما ثبتت فيه الحقيقة الشرعية من قبله - لما سبق ان أكدناه من أن الشارع لم يخترع لنفسه ولأتباعه طريقة جديدة خاصة للتفاهم، وانما جرى على وفق ما عند العرب منها.

وهذه الألفاظ ان كانت نصا في مدلولها أو ظاهرة فيه أخذ بها، والا فلابد من الاستعانة - في غوامض اللغة وغرائبها - بالرجوع الى اهل الفن في ذلك كاللغويين في المفردات اللغوية، والنحويين، والصرفيين، والبلاغيين في الهيئات وتراكيب اللغة وخصائص الأساليب، واستشارتهم في هذه الجوانب والصدور عما يقولون.

حجية أقوال أهل الفن:

والظاهر ان المنشأ في حجية أقوالهم، هو البناء العقلائي في رجوع الجاهل الى العالم الممضي من قبل الشارع قطعا، وربما اعتبره بعضهم من الأحكام العقلية التي تطابق عليها العقلاء بما فيهم الشارع المقدس.

نعم يعتبر في هؤلاء ان يكونوا خبراء في فنهم، وأن يكونوا موثوقين في اداء ما ينتهون اليه، لأنه هو المتيقن من ذلك البناء أو الحكم العقلي.

فالتشكيك آذن في حجية أقوال اللغويين أو غيرهم من أهل الفن في غير موضعه.

الأصول اللفظية:

وهناك أصول لفظية يرجع اليها عند الشك في المراد بسبب بعض الطوارى ء التي تولد احتمالا على خلاف الظاهر كاصالة عدم التخصيص عند


الشك في طرو مخصص على العام، وأصالة عدم التقييد عند الشك في طرو المقيد على المطلق، وأصالة عدم القرينة عند الشك في اقامتها على خلاف الحقيقة وتجمعها اصالة الظهور؛ وهذه الأصول ونظائرها، انما تجري لدى أهل العرف - وهم منشأ حجيتها مع العلم باقرار الشارع لهم عليها، لما قلناه من عدم اختراعه طريقة للتفاهم خاصة به - عند الشك في تعيين المراد، ولاتجري فيما اذا علم المراد وشك في كيفية الارادة، فاصالة عدم القرينة - مثلا - لا تجري فيما اذا علم باستعمال لفظة ما في أحد المعاني، وشك في كون الاستعمال كان على نحو الحقيقة أو المجاز لتثبت أنه على نحو الحقيقة باعتبار أن المجاز مما يحتاج الى قرينة، وأصالة عدم القرينة تدفعها بل تجري اذا احتملنا ارادة أحد معنيين حقيقي ومجازي ولم نستطع تعيينه بالذات؛ فاصالة عدم القرينةتعين المعنى الحقيقي منهما.

دلالة الفعل:

وقد اختلفوا في مقدار ما يستفاد من افعاله، فالذي عليه أبو اليسر هو التفصيل بين أن يكون الفعل معاملة، فالاباحة اجماعا، وبين ان يكون قربة فهو محل الخلاف، والذي نقل عن مالك: «للوجوب عليه وعلينا، وقال الكرخي: مباح في حقه لتيقنها بالفعل، وليس للأمة اتباعه الا بدليل، وقال جمع من الحنفية: الاباحة في حقه، ولنا اتباعه الا بدليل(١) ».

و«هذان المذهبان، يعكران على نقل أبي اليسر الاجماع على الاباحة في المعاملات، فانهما لم يفرقا بين قربة ومعاملة، وقال المحققون: ان الخلاف انما هو بالنسبة الى الأمة، فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالندب، ومن قائل بالاباحة، ومن قائل بالوقف(٢) ».

____________________

(١ - ٢) أصول الفقه للخضري، ص٢٣٢ ومابعدها.


والذي عليه من نعرف من محققي الشيعة عدم دلالته على أكثر من الاباحة بالمعنى العام لا الاباحة في مقابل الوجوب والحرمة باستثناء ما كان قريبا منه، لأن التقرب يصلح للقرينية على رجحان ما أتى به، ولايعين نوعه من وجوب او استحباب اذ لامعنى للتقرب بالمكروه أو المباح.

وعمدة مايصلح للدليلية لهم هو كون الفعل مجملا بنفسه لا لسان له ليتعبد بمقتضى ما يدل عليه لسانه؛ وغاية ما تدل عليه أدلة العصمة أن المعصوم لايرتكب الذنب، فمجرد صدور الفعل منه، يدل على أن ما أتى به ليس بمحرم عليه وانما هو مباح بالمعنى الأعم للاباحة، وأوامر الاقتداء به تدل على مشاركتنا له في جميع الأحكام الا ما كان من مختصاته، فهو اذن مباح لنا ايضا، ودعوى أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لايصدر منه الا ما كان راجحا، فلايعمل المكروه ولا المباحات مع توفر العناوين الثانوية التي يمكن أن تحول ما كان مباحا بالأصل الى مستحب بالعنوان الثانوي - وان كان مما يقتضيها مقام النبوة - الا أن أدلة العصمة لاتلزم بها أصلا.

واستدلال بعضهم على الوجوب علينا بأوامر الاقتداء - الدالة على لزوم متابعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في كل ما يفعله حتى المباحثات حيث تتحول مباحاته الى واجبات في حقنا بحكم لوم المتابعة - لايخلو من غرابة لأن أوامر الاقتداء لاتقتضي أكثر من الاتيان بالأفعال على الوجه الذي اتى به، فاذا افترضناها مباحة أو مستحبة، فتحويلها الى الوجوب في حقنا ينافي طبيعة الاقتداء والالتزام بما التزم به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لأن معنى اقتدائنا به في المباحات، هو كوننا مخيرين بين الفعل والترك كما هو مخير بينهما، فاضفاء صفة الوجوب عليها، ينهي بنا الى الخلف طبعا.


والظاهر ان الآمدي، وابن الحاجب، والخضري من المتأخرين، ممن تبنوا هذا الرأي الذي انتهى اليه المحققون من الشيعة؛ يقول الخضري: «ومختار الآمدي وابن الحاجب ما ذكرنا أولا وهو الظاهر، لأن المتيقن من صدور الفعل منه اباحته فلا يثبت الزائد على ذلك الا بدليل».

«وظهور قصد القربة دليل على أن الفعل مطلوب، والمتيقن من الطلب الندب، فلايثبت ما زاد عنه».

«أما ادعاء ان الفعل يثبت بنفسه مع جهل صفته حكما شرعيا فوق الاباحة، فهو قول بلا دليل، وكل ما ذكروه من أدلتهم انما يتجه اذا علمت صفة الفعل، وفرض المسألة انها مجهولة(١) ».

الا أن الذي يؤخذ على الخضري عدم تقييده الاباحة بكونها بالمعنى العام مما يوهم ارادة الاباحة الاصطلاحية، أي تساوي الطرفين، وهي لامعين لها أيضا، كما ان تعبيره بعد ذلك ان المتيقن من الطلب الندب، لايخلو من من مسامحة أيضا، لأن الندب نوع من أنواع الطلب في مقابلالوجوب وله فصله الخاص، فتعيينه بالذات يحتاج الى معين لأن نسبة الطلب اليهما نسبة واحدة ما دام معتبرا من قبيل الجنس لهما.

نعم لو كان هو مرتبة من الوجوب لأمكن ان يقال بالقدر المتيقن بالنسبة له، ولكنه ليس كذلك بداهة، بل هو نوع في مقابله له حدوده الخاصة فلامعنى لاعتباره قدرا متيقنا له.

دلالة الترك:

ولايستفاد منها أكثر من عدم الوجوب، أما تعيين الحرمة او

____________________

(١) أصول الفقه، ص٢٣٣.


الاستحباب او الكراهة او الاباحة، فلا معين لها لأن القدر المتيقن من أدلة العصمة انه لا يرتكب الذنب، فتركه للشيء إذن لا يكون تركا لواجب كما هو مقتضى ما تدل عليه وتلزم به، وان كان في ما يقتضيه مقام النبوة ان لايواظب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على ترك مستحب، كما سبقت الاشارة اليه.

دلالة التقرير:

والظاهر أن ما يفيده الاقرار على الشيء لايدل على أكثر من الجواز بالمعنى العام سواء كان متعلقه فعلا عابرا، أن عادة متحكمة، أم عرفا خاصا، أم بناء عقلائيا؛ اللهم الا ان يكون البناء أو العرف قائما على حجة ملزمة فاقراره يستلزم ثبوت حجيتها عند الشارع المساوق للالزام بها في مواقع الالزام كما هو الشأن في الأخذ بأخبار الثقات وبالبناء العقلائي على الأخذ بالظواهر والعمل بالاستصحاب وأمثالها.

هذا اذا لم تكن هناك قرينة تبين نوع الحكم المقر كما لو كانت بعض العادات مثلا قد اتخذت طابع الحكم الالزامي عندهم، فاقرارهم عليه يدل على الالزام به، أما الاقرار على عدم الفعل فهو لايدل على أكثر من عدم وجوبه.

والقول بأن التقرير يدل (على الاباحة(١) ) اذا أريد من الاباحة تساوي الطرفين مشكل اذ لامعين لها من بين أنواع الجواز والتقرير كالفعل لا لسان له فهو مجمل، والقدر المتيقن منه الاباحة بالمعنى العام فتعيين فصلها يحتاج الى معين.

____________________

(١) أصول الفقه، ص٢٣٣.


وقد اشترط غير واحد اعتبار القدرة على الانكار في حجية التقرير وهو شرط سار في جميع أنواع السنة، لأن القدرة على التبليغ شرط فيها جميعا.

نعم يستفاد من السكوت مع عدم القدرة على الانكار أن ذلك - أعني السكوت - مشروع للتقية، بل هو من أدلة مشروعية التقية التي لامدفع لها.

السنة والكتاب

النسة وعلائقها بالكتاب، نوعية أحكامها، تخصيص الكتاب بها وعدمه، نسخ الكتاب بالسنة، رتبة السنة من الكتاب.





السنة وعلائقها بالكتاب:

واذا عرفنا مفهوم السنة وتعرفنا على حجيتها، واستطعنا التوصل اليها من طرقها الذاتية أو المجعولة، وعرفنا مضامينها حسب الكيفيات المجعولة لذلك كان علينا بعدها ان نبحث علائقها بالكتاب العزيز والحديث حول ذلك يقع في مواقع أهمها أربعة:

١ - نوعية ما ترد به من أحكام ونسبته الى الكتاب العزيز.

٢ - امكان تخصيص الكتاب بها وعدمه.

٣ - امكان نسخ الكتاب بها وعدمه.

٤ - رتبتها من الكتاب عند الاستدلال والمعارضة.

١ - نوعية أحكامها:

أما نوعية أحكامها فهي حسبما يدل عليه استقراؤها في مصادرها لاتخرج عن احد ثلاثة:

أ - تأكيد ما ورد في الكتاب من أحكام عامة كالأحاديث الآمرة بأصل الصلاة والصيام والزكاة والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكالأحاديث الناهية عن الخمر والميسر والانصاب والازلام وما أهلّ به لغير الله، وحسابها حساب الآيات المتعددة الدالة على حكم واحد.

ب - شرح ما ورد من آيات عامة في القرآن، وبيان أساليب ادائها وامتثالها والتعرض لكل ما يتصل بها من أجزاء وشرائط وموانع، كالأحاديث المحددة للمراد من الصلاة والصيام والحج، والمبينة لأجزائها


وشرائطها وموانعها وكل ما يرتبط بها من شؤون الاداء.

ج - تأسيس أحكام جديدة لم يتعرض لها الكتاب فيما نعرف من آيات أحكامه مثل حرمان القاتل من الميراث اذا قتل موروثه، وتحريم الجمع بين نكاح العمة وابنة أخيها أو الخالة وابنة اختها الا باذنهما، وكتحريم لبس الحرير للرجال وأمثالها، يقول ابن القيم: «والسنة مع القرآن ثلاثة أوجه: احدها ان تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها، والثاني ان تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، والثالث ان تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن ايجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه(١) ».

٢ - تخصيص الكتاب بها وعدمه:

ومن اعتبار صفة الشرح والبيان لها يتضح أنه ليس هناك ما يمنع من تخصيص الكتاب بها مادام المخصص بمنزلة القرينة الكاشفة عن المراد من العام، والظاهر أنه بهذا المقدار موضع اتفاق المسلمين، ولذلك أرسلوا - ارسال المسلمات - امكان تخصيص الكتاب بما تواتر من السنة، ولكن موضع الخلاف في السنة التي تثبت باخبار الآحاد، فالذي عليه الجمهور ان «خبر الواحد يخص عام الكتاب كما يخصه المتواتر(٢) » وفصل الحنفية بين ان يكون العام الكتابي قد خصص من قبل بقطعي حتى صار بذلك التخصيص ظنيا، وبين ما لم يخصص فجوزوه في الأول ومنعوه في الثاني(٣) ، وذهب البعض الى المنع مطلقا.

وعمدة ما استدلوا به دليلان: أولهما دعوى ان الخبر الواحد لا

____________________

(١) سلم الوصول، ص٢٥٩ نقلا عن أعلام الموقعين، ج٢ ص٢٣٢.

(٢ - ٣) أصول الفقه للخضري، ص١٨٤.


يقوى على معارضة الكتاب، لأن الكتاب قطعي وخبر الواحد ظني.

وثانيهما موقف عمر بن الخطاب من حديث فاطمة بنت قيس: «حينما روت انه عليه الصلاة والسلام لم يجعل لها نفقة، ولاسكنى وهي بائن فقال عمر: لانترك كتاب ربنا، ولاسنة نبينا لقول امرأة لاندري أصابت أم أخطأت(١) ».

وكلاهما لايصلحان للدلالة على المقصود، أما الأول منهما فلأن نسبة الخاص الى العام نسبة القرينة الى ذي القرينة، وليس بينهما تعارض كما هو فحوى الدليل، وحيث يمكن الجمع بين الدليلين لامجال لطرح أحدهما والغائه ولو فرض التعارض، وعدم امكان الجمع بينهما عرفا لما أمكن رفع اليد عن الكتاب بالتخصيص حتى في السنة المتواترة بينما لم يلتزم أحد منهم بذلك، بل لما أمكن ورود الخاص من الشارع أصلا لاستحالة تناقضه على نفسه كما هو الشأن في المتباينين او العامين من وجه عندما يلتقي الحكمان في موضع التقائهما حيث حكموا بالتساقط في الأخبار الحاكية لذلك فيهما.

وبعد افتراض حجية الخاص في نفسه وان كان مرويا بأخبار الآحاد، فأي مانع من اعطائه صفة الشرح لما أريد من العام الكتابي؟ ومع التنزل فان التعارض في الحقيقة ليس بين سنديهما ليقدم القطعي على الظني، وانما هو بين ظنية الطريق في خبر الآحاد، وظنية الدلالة في العام الكتابي، فالكتاب وان كان قطعي الصدور الا أنه ظني الدلالة بحكم ما له من ظهور في العموم، ولاموجب لاسقاط أحدهما بالآخر.

نعم لو كان العموم الكتابي مما لايقبل التخصيص لكونه نصا في مدلوله لايحتمل الخلاف، ولايتقبل قرينة عليه، لتعين القول باسقاط

____________________

(١) أصول الفقه للخضري، ص١٨٤.


الخبر وتكذيبه لاستحالة صدور التناقض من الشارع، وحيث ان الكتاب مقطوع الصدور ومقطوع الدلالة، فلابد ان يكون الكذب منسوبا الى الخبر ويتعين لذلك طرحه.

وبهذا العرض يتضح معنى الأخبار الواردة عن المعصومين في اعتبار ما خالف كتاب الله زخرفا، او يرمى به عرض الجدار، وجعل الكتاب مقياسا لصحة الخبر عند المعارضة في الأحكام التي تعرّض لها الكتاب.

واتهام الزنادقة بوضع هذه الأخبار - ما ورد على لسان بعض الأصوليين - منشؤه عدم ادراك معنى الحديث.

نعم قد يقال ان النسخ يقتضي أحيانا مصادمة الحديث الناسخ للكتاب، فكيف يجعل الكتاب مقياسا لصحته، وهذا الاشكال صحيح لو كانت هذه الأحاديث واردة في غير أبواب التعادل المستدعي لتعارض الأخبار، والتعارض لايكون الا في أخبار الآحاد، وسيأتي ان النسخ لايكون بخبر الواحد اجماعا على أن النسخ - لولا الاجماع على عدم وقوعه بخبر الآحاد - لأمكن القول به هنا أيضا، لحكومة الدليل الناسخ على الدليل المنسوخ، ولاتصادم بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم فلاتصدق المخالفة مع عدم التصادم، وسيأتي ايضاح ذلك عما قليل.

أما الدليل الثاني - أعني رأي الخليفة عمر - فان أريد من الاستدلال به أنه سنة واجبة الاتباع أخذا بما ذهب اليه الشاطبي، فقد عرفت ما فيه في مبحث سنة الصحابة، وان أريد الاستدلال به بما أنه (مذهب الصحابي) واجتهاده، فسيأتي ما فيه، وأنه لايصلح ان يكون حجة الا عليه وعلى مقلديه لا على المجتهدين، كما هو التحقيق، على أن الذي يبدو من الرواية المذكورة تشكيك الخليفة في قيمة راويتها وهو أجنبي


عن جواز التخصيص بخبر الثقة وعدمه، فلاتصلح للاستدلال بها أصلا، والذي يظهر من اقرار الخليفة عمر للخليفة الأول في تخصيصه لآية المواريث بخبره الذي انفرد بنقله: (نحن معاشر الأنبياء لانورث)، وعدم الانكار عليه أنه من القائلين بجواز التخصيص بخبر الآحاد.

ودعوى الخضري(١) أن هذا الحديث ونظائره قد يكون مستفيضا الى درجة توجب القطع غريبة لأنها تصادم كلما تصح نقله في هذا الباب من انفراد الخليفة بنقله(٢) .

وما يقال عن التخصيص يقال عن التقييد باخبار الآحاد لمطلقات الكتاب، والحديث فيهما واحد.

واذا صح هذا لم نعد بحاجة الى استعراض - ما طرأ - على آية( وأحلّ لكم ما وراء ذلكم ) ، ونظائرها من الآيات - من التخصيصات المأثورة بأخبار الآحاد، والمقرة من قبل الصحابة، ما أنا لم نعد بحاجة الى مناقشة الحنفية في تفصيلهم الذي لايعرف له مأخذ يمكن الركون اليه.

٣ - نسخ الكتاب بالسنة:

ويراد من النسخ على ما هو التحقيق في مفهومه - رفع الحكم في مقام الاثبات عن الأزمنة اللاحقة مع ارتفاعه في مقام الثبوت لارتفاع ملاكه، وهو لايتأتى الا في الأحكام التي تؤدي بصيغ العموم، أو كل ما يدل عليه - ولو بمعونة القرائن - من حيث التعميم لجميع الأزمنة.

وارتفاع الأحكام التي تقيد بوقت معين لانتهاء وقتها لايسمى نسخا اصطلاحا، وقد أحاله فريق لأدلة عقلية لاتنهض بذلك وسرها الجهل

____________________

(١) أصول الفقه للخضري، ص١٨٤.

(٢) راجع مصادره في النص والاجتهاد في قصة فدك وغيره.


بحقيقته بتخيل ان الرفع واقع في مقام الثبوت بعد وضع الحكم على الأزمان اللاحقة للعلم الحادث بتبدل المصلحة مما يوجب نسبة الجهل الى الله تعالى وتقدس عما يتخيلون، بينما هو في واقعه لايتجاوز مقام الاثبات لمصلحة التدرج في التبليغ، والحكم ابتداء لم يجعل الا على قدر توفر الملاك فيه، والمصلحة والمفسدة اللذان هما ملاكا الأحكام مما يتأثران بعوامل الزمان والمكان قطعا، وسيأتي أيضاح أنهما ليسا من قبيل الحسن والقبح الذاتيين دائما ليلزم الخلف والحكم في الأزمنة اللاحقة لم يثبت في مقام الجعل ليقال كيف يرتفع الحكم الثابت مع مايلزم من فرض اثبات صفة الثبوت له.

والحقيقة ان النسخ لايتجاوز الاخبار عن عدم تحقق الملاك في الأزمنة اللاحقة، الملازم لارتفاع الحكم ثبوتا وان أدي بصيغ الرفع في مقام التبليغ.

ولقد أشار القرآن الكريم الى امكانه وأجمع المسلمون على وقوعه، ولم ينقل الخلاف الا عن أبي مسلم الاصفهاني «ولم يحقق الناقلون مذهبه(١) » وقد استظهر الخضري «ان خلاف أبي مسلم انما هو في نسخ نصوص القرآن، فهو يرى ان القرآن كله محكم لاتبديل لكلمات الله(٢) » وما أدري ما قيمةهذا الكلام بعد تصريح القرآن بامكان النسخ في أياته( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (٣) ) على ان النسخ المدعى هنا ليس هو تبديلا لكلمات الله وانما هو شرح للمراد منها وتقييد أو تخصيص لظهوراتها، ثم ليس فيها مصادمة لنص لايحتمل الخلاف، وحاشا لله ان يكذب نفسه أو وليا من أوليائه المبلغين عنه(٤) ، وما قلناه أو قالوه عن التخصيص يقال عن النسخ.

____________________

(١) أصول الفقه للخضري، ص٢٤٦.

(٢) أصول الفقه، ص٢٤٦.

(٣) البقرة/١٠٥،

(٤) ومن هنا صرحوا ان أمثال هذه الآيات لاتقبل نسخا (ولاتقبلوا لهم شهادة أبدا) كما صرحوا ان الآيات المخبرة عن أمور تقع لاتقبل النسخ لانتهائها الى التكذيب، راجع سلم الوصول، ص٣٣٧.


وهذا من الأمور التي تكاد تكون بديهية بين المسلمين فلاتحتاج الى اطالة حديث، والظاهر ان النسخ واقع في الكتاب من الكتاب ومن السنة على خلاف في قلة وكثرة الأحكام التي يدعى لها النسخ، وقد استعرض استاذنا الخوئي في كتابه (البيان) كل ما قيل عن الآيات المنسوخة وحاكمه بجهد ولم يجد فيها ما يصلح ما يكون منسوخا الا أقل القليل.

أو الخلاف الذيوقع انما هو في امكان نسخ الأحكام - المقطوعة أسانيدها كالأحكام الكتابية والمتواترة من السنة - بأخبار الآحاد، وأكثرية المسلمين على المنع وربما ادعي عليه الاجماع، وأهم ما لديهم من الشبه هي شبهة ان الظني لايقاوم القطعي فيبطله، وهي شبهة عرفت قيمتها في الحديث عن التخصيص لعدم المعارضة بينهما، لأن الدليل الناسخ لايزيد على كونه شارحا للمراد من الدليل المنسوخ، وقرينة على عدم ارادة الظهور وحاله حال التخصيص، على ان الخبر وان كان ظنيا في طريقه، الا أنه مقطوع الحجية للادلة السابقة ومع الغض وافتراض المعارضة فانها في الحقيقة قائمة بين ظنين لا بين قطعي وظني، أي بين ظنية الدلالة في مقطوع السند وظنية الطريق.

ولعل منشأ الاجماع المدعى او اتفاق الأكثرية، انما هو في وضع حد لما يمكن ان يقع من التسامح في دعوى النسخ وابطال الأحكام لمجرد ورود خبر ما، وهو عمل في موضعه وربما استدعته صيانة الشريعة عن عبث المتلاعبين بأحكام الله والوقوف دون تصرفاتهم، وعلى الأخص وان في الدخلاء على الاسلام من تمثل بصورة القديسين ليتسنى له هدم الاسلام وتقويض قواعده.


٤ - رتبة السنة من الكتاب:

من الكلمات المألوفة على السنة كثير من الاصوليين ان رتبة السنة متأخرة عن رتبة الكتاب في الاعتبار.

وهو كلام لا أعرف له مدلولا يمكن الاطمئنان اليه لاضطراب في تحديد معنى الرتبة هنا، فالذي يظهر من بعض أقوالهم ان مرادهم بها ان تقدم الكتاب على السنة من قبيل تقدم الحاكم على المحكوم، أي مع وجود دليل من الكتاب لاينظر الى السنة ولاتلتمس كدليل، وهي أشبه بما ذكرنا من التقدم الرتبي لأدلة الامارات على الأصول ولكن بعضها الآخر يبدو منه ان المراد منها هو السبق الرتبي من حيث الشرف والأهمية، ووجودها أقرب الى الوجود الظلي بالنسبة للكتاب، وفي ثالث من الأقوال ان الكتاب يقدم عليها عند التعارض فسبقه الرتبي من حيث أرجحيته في هذا الباب.

ومن أدلتهم على هذا السبق الرتبي تتضح وجهات النظر، وان كان قد جمع بعض المتأخرين بين هذه الأدلة وكأنها مساقة لمبنى واحد، في تفسيرها لا لمباني متعددة.

وأول هذه الأدلة قولهم: «ان الكتاب مقطوع والسنة مظنونة، والقطع فيها انما يصح على الجملة لا على التفصيل بخلاف الكتاب، فانه مقطوع به على الجملة والتفصيل والمقطوع به مقدم على المظنون، ولعله لا يوجد من متواترها القولي شيء(١) ».

وهذا الدليل يصلح للقول الثالث أي تقديم الكتاب على السنة عند المعارضة لا مطلقا، اذ لامعنى لرفع اليد عن المظنون بالمقطوع مع عدم

____________________

(١) أصول الفقه، ص٢٣٧ للخضري.


المعارضة، وكلاهما حجة كما هو الفرض.

والمعارضة لاتتعقل بين الكتاب والسنة بما هي قول أو فعل أو تقرير، لاستحالة تناقض الشارع على نفسه، وانما تمكن في الأخبار الحاكية لها، وعليها يقتضي أن تحرر المسألة في تقدم الكتاب على أخبار الآحاد لا على السنة.

وقد سبق ان أيدنا دعوى من يذهب الى طرح الأخبار، اذا خالفت الكتاب ولم يمكن الجمع بينها وبينه لنفس هذا الدليل وللأخبار الآمرة بطرح ما يخالف الكتاب.

ثانيها: قولهم: «ان السنة، اما بيان للكتاب أو زياد على ذلك، فان كانت بيانا فالبيان تال للمبين في الاعتبار، اذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان لاالعكس، وما شأنه هذا فهو أولى بالتقدم وان لم يكن بيانا فلايعتبر الا بعد ألاّ يوجد في الكتاب، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب(١) »، وهذا الدليل يصلح للاستدلال به على التقديم من حيث الشرف والأولوية، لا من حيث الاقتصار على الكتاب، مع وجوده لعدم امكان الاستغناء عن البيان بحال، وما دامت السنة بيانا للكتاب فهي متممة للاستدلال به، بل كلاهما يكونان دليلا واحدا لبداهة أن ما يحتاج الى البيان لاينهض بالدليلية الا به، ولكن اعتبار التقدم في الرتبة على أساس التفاضل في المكانة، لا معنى لادراجه في مباحث الأصول والتماس الادلة له لعدم اعطائه أية ثمرة عملية في مجالات الاستنباط.

ثالثها: «ما دل على ذلك من الأخبار كحديث معاذ وأثر عمر، اللذين تقدم ذكرهما، ومثله عن ابن مسعود: «من عرض له منكم قضاء

____________________

(١) أصول الفقه للخضري، ص٢٣٧.


فليقض بما في كتاب الله، فان جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومثل ذلك عن ابن عباس وهو كثير في كلام السلف والعلماء وهو الوجه في تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب(١) » وهذا الدليل صالح للدلالة على المبنى الأول في التقدم الرتبي، أي مع قيامه لاينظر الى السنة، ولاتعتبر دليلا.

وهذا المذهب من أغرب المذاهب اذ كيف يعقل الاستغناء بالكتاب عن السنة ومنها بيانه وشروحه وشروط أحكامه وأدلتها، فهل يكتفي ابن مسعود او عمر او ابن عباس، لوصح عنهم ذلك، بالرجوع الى الكتاب والاكتفاء به في حكم واحد من الأحكام فضلا عن جميع ما ورد فيه منها، وهم يعلمون من طريقة الكتاب في البيان هي الاتكال على القرائن المنفصلة، والسنة هي الكفيلة ببيانها، وكيف يسوغ لهم العمل بظواهره مع هذا الاحتمال؟.

على أن هذه الأقوال لاتصلح للاستدلال بها لأنها لاتمثل أكثر من رأي أصحابها لو أرادوا ظواهرها، وهو بعيد، وهم ليسوا بمعصومين ليجب علينا التعبد بها.

نعم في اقرار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمعاذ ما يصلح للاستدلال، باعتبار ان الاقرار من السنة، فالاستدلال بها استدلال بالسنة، الا أن الكلام في صحة رواية معاذ، وسيأتي في مبحث القياس اثبات أنها من الموضوعات.

فالحق ان السنة في مجالات الاستدلال صنو للكتاب وفي رتبته، بل هما واحد من حيث انتسابهما الى المشرع الأول وهو الله عز وجل، ولا

____________________

(١) أصول الفقه للخضري، ص٢٣٧.


يمكن الاستغناء به عنها، وما أروع ما قاله الأوزاعي: «الكتاب أحوج الى السنة من السنة الى الكتاب، وذلك لأنها تبين المراد منه(١) ».

وقال رجل لمطرف بن عبد الله: لاتحدثونا الا بالقرآن، فقال: «والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا(٢) ».

ومن هذا العرض ندرك أن هذه الأدلة لاتصلح ان تكون لمبنى واحد.

____________________

(١ - ٢) أصول الفقه للخضري، ص٢٣٤.


الفهرس

السنة في الشريعة الاسلامية محمد تقي الحكيم١

السنة٦

سنة الصحابة١٨

سنة اهل البيت ٣٠

تمهيد ٣٠

أدلتهم من السنة٥١

من أهل البيت؟٦٢

الطرق القطعية الى السنة٧٨

تمهيد ٧٩

الطرق غير القطعيّة٩٠

السنة وكيفية الاستفادة منها١١٥

السنة والكتاب ١٢٧

الفهرس ١٤٢