دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري
تأليف:
هاشم معروف الحسني
يعرض هذا الكتاب لمحة عن الكتابة قبل الاسلام ومراحلها بعده، وعن الحديث ومراحل تدوينه واقسامه واصنافه، وعن علمي الدراية والرجال، ويتعرض للصحابة والعدالة وآراء المحدثين والفقهاء فيهما، ويقارن بين العدالة التي اثبتها المحدثون لجميع الصحابة وبين العصمة التي اثبتها الشيعة لأئمتهم (ع) كما يتعرض لموقف كل من الشيعة والسنة من الرواة ومجاميع الحديث، وللبخاري والكليني وتاريخهما والى صحيح البخاري والكافي ومكانتهما عند الفريقين ويقدم امثلة منهما في مختلف المواضيع الى غير دلك مما يتصل بموضوع الكتاب مع الاختصار والتوضيح حسب الامكان، ويعتمد في جميع مباحثه على المصادر الموثوقة عند الفريقين.
مقدمة
بسم اللّه الرحمن الرحيم
بسم الله و الصلاة على محمد وآل بيته وصحبه الطيبين
وبعد....
لقد وجدت وانا ادرس تاريخ التشريع واصوله اسرافاً في التهم وغلواً لا مبرر له من السنة والشيعة في احكامهم على الفقهاء والمحدثين من الفريقين، ذلك الغلو الذي اتخذ طابع التعصب الطائفي الذي اطاح بالقيم واحدث فجوة بينهما فرقتهم شيعاً واحزاباً، واصبحوا ينظرون من هذه الزاوية وحدها الى آثارهم ومؤلفاتهم على اختلاف انواعها ومقاصدها، مع العلم بأن تلك المؤلفات وبخاصة ما الفه الفريقان في الحديث يمكن الاستفادة منه والاعتماد عليه الى ابعد الحدود، ما دام ينتهي في واقعه الى مصدر واحد وهو الرسول الاعظمصلىاللهعليهوآله الذي يروي عنه الفريقان السنة بوسائطهم، والشيعة بواسطة أئمتهم (ع) وغيرهم من الموثوقين، ولكنهم بدلاً من دراستها دراسة واعية شاملة بقصد الاستفادة
منها وتصفيتها انكمش كل فريق على مؤلفاته وآثاره، واتهم الآخر بالتعصب والانحراف عن الحق، وقال السنة: ان الشيعة لا يقبلون الا المرويات عن أئمتهم على شرط ان يكون الراوي لها امامياً، ويرفضون جميع المرويات ولو كانت عن الرسولصلىاللهعليهوآله اذا رواها غيرهم صحابياً كان ام غيره ولو كان في اعلى درجات الايمان والاستقامة، وقد نبهت على خطأ هؤلاء الغلاة في كتابي المبادئ العامة للفقه الجعفري بما حاصله انه اذا كان بين الشيعة من لا يعتمد على مرويات الموثوقين من السنة عن الرسولصلىاللهعليهوآله فهو لا يمثل الشيعة، ولا يعبر عن رأيهم في هذه المسألة، لان كتب الحديث والرجال التي تعد بالعشرات تنص على قبول مرويات الثقات من السنة وغيرهم، ولدينا من الارقام ما يؤكد هذه الحقيقة كما سنتعرض لذلك في الفصول الآتية من هذا الكتاب.
والى جانب هذه النسبة الى الشيعة، نجد الشيعة انفسهم ينسبون الى السنة بانهم لا يعتمدون على مرويات الشيعة ويطرحون الحديث اذا كان رواته كلهم او بعضهم من الشيعة استناداً الى كثير من المصادر السنية التي تؤكد هذه الحقيقة، تلك المصادر التي ينص بعضها على وجوب طرح الحديث لمجرد انه يتفق مع بعض معتقداتهم، او لان فيه رائحة التشيع، هذا بالاضافة الى ما ينسبه كل فريق الى الآخر من خلال بعض المرويات المدونة في مجاميع الحديث عند الطرفين بدون تدبر في مضامينها وتحقيق في اسانيدها وقبل ردها الى الاصول المقررة عند الفريقين، ونتيجة لهذا الاسراف والغلو في الاتهامات ولما تولد عن ذلك من المضاعفات اتسعت المسافة بينهما واتخذت شكلاً كريهاً بعيداً عن منطق الدين والحق، ونبذ كل منهما ما عند الآخر من ثروة فكرية يمكن الاستفادة منها الى ابعد الحدود
وكان بالامكان لو كانت النفوس طيبة، وتجرد الباحثون الى طلب
الحق الاستفادة من كتب الحديث واستغلالها لخدمة الدين سنية كانت ام شيعية لانها وان اختلفت من حيث رواتها ومصادرها الا انها تلتقي في كثير من محتوياتها ومضامينها، وتعبر عن السنة النبوية المطهرة، بالرغم من اننا لا نؤمن بكل ما جاء فيها من المرويات سواء في ذلك الصحاح الستة المعتمدة عند السنة، او الكتب الاربعة التي يعتمدها الشيعة من المصادر الموثوقة في جملتها بين كتب الحديث.
اجل اقول ذلك وبين يدي كتابان من كتب الحديث وهما الصحيح للبخاري والكافي للكليني، ولست مبالغاً اذا قلت بانهما من اوثق الكتب في موضوع الحديث عند السنة والشيعة واغناها بالآثار الاسلامية التي تناولت جميع الشؤون الاسلامية وامدت الفكر بالانتاج والابداع في مختلف المواضيع، ذلك لان ما جاء به الاسلام من القوانين والانظمة والاخلاق والآداب وغير ذلك من المناهج التربوية والاجتماعية وضع اصول هذه المناهج وقواعدها القرآن اولاً، وتعهدات السنة بتفاصيلها وتوضيح مشكلاتها ومجملاتها، وستبقى السنة الى جانب القرآن مصدراً غنياً بتلك الثروة التي تمد الاسلام بالخلود والبقاء حتى يرث الله الارض ومن عليها.
ولو وقف المسملون بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله من السنة موقفاً سليماً وعملوا على تدوينها وجمعها من صدور الحفاظ قبل أن تأكلهم الحروب والغزوات، وقبل ان تعبث بها ايدي الدساسين والمخربين، لو وقفوا منها هذا الموقف لقطعوا الطريق على هؤلاء وغيرهم من المرتزقة الذين كانوا يتقربون الى الحكام بوضع الاحاديث التي تمس اخصامهم السياسيين وتؤيد عروشهم، ولكن الحكام بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله بدلاً ان يفسحوا المجال لجمعها من الصدور قبل ان تعبث بها الايدي، منعوا من تدوينها وجمعها في الكتب بحجة المحافظة والحرص على كتاب الله كي
لا تحتل مكانته من القلوب والنفوس، كما تحدد اكثر الروايات موقف الخليفة الثاني من هذه المسألة.
ومهما كان الحال فقد عبثت الايدي في الحديث بسبب هذا الموقف السلبي من تدوينه، ولعبت السياسة والطائفية دورهما البغيض في مرويات المحدثين من السنة والشيعة كما شاء لها الهوى والغرض حتى حدثت تلك الفجوة العميقة بين الفريقين، واصبحت المجاميع الشيعية بنظر اخوانهم من السنة اداة طيعة لهدم الدين، وتشويه معالمه، لان اصحابها ورواة احاديثها وضاعون كذابون على حد زعمهم، تفوح منهم رائحة الرفض وتبدو من محتوياتها مبادئ التشيع الهدامة على حد تعبير بعضهم، والشيء الطبيعي في مثل هذه الحالات ان يكون لهذا التعصب آثاره السيئة في نفوس الشيعة التي تفرض عليهم ان ينظروا الى صحاح السنة ومجاميعهم نظرة مليئة بالريبة والحذر والتشكيك لا سيما وهم يرون البخاري بصفته من اوثق المؤلفين عند السنة وكتابه من اصح المجاميع في الحديث لا يروي عن جعفر بن محمد الصادق ولا عن الائمة من ولده الاطهار، ويروي عن الاشرار والفجار كمعاوية ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي، الذي فرض عبد الرحمن بن ملجم وامتدحه لانه قتل امام المسلمين وسيدهم علياً (ع) ويعتمد على العشرات ممن لم تتوفر فيهم الشروط التي تيسر للباحث الاطمئنان بصدور الحديث عن الرسولصلىاللهعليهوآله وغيره من اعلام الصحابة الذين اخذوا من الرسول مباشرة، لهذا ولغيره من الاسباب والملابسات كان من المفروض على الشيعة ان يقفوا من مرويات السنة موقف المتحفظ الذي يريد ان يستوحي اقواله واعماله من الواقع الذي يحسه ويطمئن اليه، واذا شذ بعضهم عن هذا المبدأ وتأثر بالاستفزازات الموجهة الى الشيعة ووقف من مرواياتهم موقفاً سلبياً متنكراً لما فيها من الغرر والدرر فهو لا يعبر عن رأي الشيعة ولا يمثلهم في مثل هذه المواضيع.
ومهما كان الحال فقد الف الشيعة في الحديث عشرات الكتب خلال القرون الثلاثة من الهجرة وكانت هذه الكتب مصدراً للكتب الاربعة التي الفها الكليني والصدوق، والطوسي في القرنين الرابع والخامس، كما الف السنة في الحديث بعد ان اتجه العلماء الى التدوين العشرات من الكتب بما في ذلك الصحاح الستة في الفترة نفسها، وظهر من خلال المدونات الشيعية، ان الشيعة قد اعتمدوا على مرويات الائمة اكثر من غيرها باعتبارهم المصدر الامين الحاكي لاقوال الرسول وافعاله، واخذوا عنهم اكثر مدوناتهم، كما اتجه السنة فيما دونوه الى غيرهم ممن يثقون به من الرواة والصحابة، واعتبروا الائمة (ع) من ولد الرسولصلىاللهعليهوآله كغيرهم من الرواة والفقهاء يخضعون للنقد والتجريح والتوثيق، فروى عنهم فريق، وتجاهلهم آخرون ولعل محمد بن اسماعيل البخاري الوحيد بين اصحاب الصحاح من حيث تجاهله لاكثر الائمة وتلامذتهم المنتشرين في جميع البلدان وبخاصة البلاد التي رحل اليها في طلب الحديث كمدن العراق والحجاز وغيرهما.
ونظراً لان الكافي من ابرز كتب الحديث عند الشيعة، والصحيح للبخاري من اصح المجاميع عندهم قد اخترتهما لهذه الدراسات التي تضمنها هذا الكتاب بروح مجردة عن التعصب والهوى، متحرياً الحق اينما كان، وابراز بعض الحقائق التي احيطت بالغموض والتشويش، نتيجة لعامل السياسة والطائفية والزمن وغير ذلك من الملابسات والاسباب كما واني قد حاولت التخفيف من حدة الموقف الذي اوجد تلك الفجوة الواسعة بين الفريقين، وعرضت لهذه الغاية بعض موارد الالتقاء بين الجامعين وما تفرد به كل منهما مما يتفق مع روح الاسلام وسماحته وما هو بعيد عنها، ولم اجد بداً من الوقوف عند بعض المرويات والتعليق عليها احياناً بدافع الحرص على كرامة السنة وتنزيهها عما الصق بها زوراً وبهتاناً.
كما واني عندما وقفت بجانب الكليني في بعض المواضيع لم يكن ذلك مني بدافع التحيز له، ويستطيع القارئ ان يتأكد من هذه الحقيقة من موقفي معه في كثير من مروياته في كتابه الحجة، وانما وقفت الى جانبه في بعض المواضيع لانه قد تعرض لاعنف الهجمات من بعض مؤلفي السنة بدون مبرر لذلك.
ومن امثلة ذلك الهجوم الذي تعرض له من ابي زهرة في كتابيه الامام الصادق (والامام زيد بن علي) لانه دون في الكافي بعض المرويات التي تشعر بتحريف القرآن، فقد اتهمه ابو زهرة وغيره بالنفاق من اجل ذلك، ورعا الى التشكيك بجميع مروياته، مع العلم بان احاديث التحريف التي تستر بها المهاجمون للكليني رواها البخاري وغيره من المحدثين في مجاميعهم بشكل اوسع واصرح في التحريف مما رواه الكليني حول هذا الموضوع، ومع ذلك لم يتعرض البخاري وغيره من المحدثين لمثل تلك الهجمات والاتهامات ولم يطالبوا بطرح مرويات تلك الصحاح بكاملها، كما طالبوا بذلك بالنسبة لمرويات الكافي، ولا اغالي اذا قلت بأن الحملات التي وجهت الى الكافي، لو وجهت الى البخاري وحده في موضوع يشترك فيه مع الكليني لوقفت الى جانبه بنفس الروح التي وقفت فيها الى جانب الكليني.
ومجمل القول هو اني قد اخذت على نفسي في الدراسات التي تضمنها هذا الكتاب ان لا اجامل احداً، ولا احابي فريقاً مهما كانت النتيجة، ولا اقول الا ما اعتقد انه الحق، لا ابتغي من وراء ذلك الا رضا الله سبحانه فان وقفت لذلك فما ابالي بغضب من سواه، وان اخطأني الحظ فارجو ان احظى برضاه فيما بقي من عمري.
وقد اعتمدت في جميع المواضيع التي اشتمل عليها هذا الكتاب على المصادر الموثوقة عند الفريقين السنة والشيعة، ومنه سبحانه استمد التوفيق لما يرضيه ويقربني اليه والاخلاص في العمل انه قريب مجيب.
الفصل الاول : لمحات عن الكتابة والحديث ومراحل تدوينه
لا يخرج الباحث في احوال العرب وتاريخهم صفر اليدين من معرفة العرب للكتابة، ذلك لان الدراسات العلمية تؤكد ان العرب ولا سيما سكان الاطراف الشمالية للجزيرة قد تعلموا الكتابة واتقنوها قبل الاسلام بزمن بعيد، نتيجة لاتصالهم الوثيق بالفرس والرمان، وتدل المصادر التاريخية ان جماعات كثيرة عن عرب الحيرة قد اتقنوا اللغة الفارسية وكتابتها، وتولى بعضهم ادارة دواوين ملوك الفرس والترجمة لهم والاشراف على الكثير من شؤونهم، ومن هؤلاء عدي بن زيد وولده اللذان كانا من الصق العرب بقصور الفرس والامارات العربية بالحيرة وغيرها.
وجاء في فجر الاسلام لاحمد امين، ان لعرب الحيرة وامرائهم وتاريخهم اثراً كبيراً في الادب العربي والحياة العقلية للعرب عامة كما تدل على ذلك احاديث جذيمة الابرش واساطير الزباء، والخورنق والسدير وما جاء حول سنمار باني الخورنق، ويوما النعمان، يوم بؤسه ويوم نعيمه وغير ذلك من القصص والاساطير التي احتلت الصدارة في شعر العرب وآدابهم قبل ظهور الاسلام، وظلت زمناً طويلاً تحتل الصدارة في المدونات التاريخية والقصصية بعد ظهور الاسلام.
وجاء في الاعلاق النفيسه (لابن رسته) ان عرب الحيرة علموا قريشاً الزندقة في الجاهلية والكتابة في صدر الاسلام، ولا يعنينا تقييم هذه النصوص من الناحية العلمية والتاريخية بل اوردناها كشاهد على ان الامية لم تكن متفشية بين العرب بالشكل الذي يتصوره بعض الكتاب والمستشرقين و بخاصة عرب الحيرة وبادية الشام لانهم عاشوا زمناً طويلاً مع جيرانهم الفرس والرمان، وبحكم الظروف التي كانت تحيط بهم والمراحل التي مروا بها مع تلك الامم المتحضرة ليس من البعيد عليهم ان يتعلموا الكتابة، وان يأخذوا عنهم العلوم والعادات التي تمس حياتهم وتسهل لهم سبل العيش والحياة الحرة الكريمة كما لا نستبعد ان يكون لعرب الحجاز ميزة على غيرهم من عرب الجزيرة من هذه النواحي ذلك لانهم جعلوا مكة المكرمة قاعدة لتجارتهم التي كانت تسيطر على الاسواق في الشام ومصر، حيث كان الحجازيون يشترون السلع من اليمنيين والاحباش، لتصديرها على حسابهم الى اسواق الشام ومصر، وعلى تجارة المكيين كان يعتمد الرومان في اكثر الحاجيات وقد بالغ بعض المستشرقين فادعى انهم اتخذوا من مكة نفسها بيوتاً استخدموها للتجارة والتجسس على العرب، وكانت قبيلة قريش من اشهر القبائل العربية التي كانت تتعاطى التجارة، وجاء في الكشاف وغيره من كتب التفسير، ان القرشيين كانوا يرحلون في الشتاء الى اليمن، وفي الصيف الى الشام، والذي سهل لهم الاستيراد والتصدير، والاستيلاء على الاسواق، ان العرب كانوا يعظمون البيت ويحترمون جيرانه وخدامه وقد امتازت بذلك قريش عن غيرها من سائر العرب لانها تحصنت بجواره من غزو العرب وقطاع الطرق(١) .
وليس بالبعيد عادة ان تزودها هذه الرحلات المتتالية بسبب اتصالها
____________________
(١)انظر فجر الاسلام لاحمد امين ص ١٣ و ١٤
المباشر بتلك الامم المتحضرة ببعض المنافع، بالاضافة الى الفوائد المادية التي كانت تدرها هذه الرحلات، ومن ايسر ما يمكن ان تجره على المكيين هذه المهنة هي تعلم الكتابة والقراءة، هذا بالاضافة الى ان يهود المدينة كانوا يحسنون الكتابة ويعلمونها الصبيان قبل هجرة الرسولصلىاللهعليهوآله اليها كما تؤكد ذلك بعض النصوص التاريخية.
ومن مجموع ذلك تبين ان الكتابة لم تكن بتلك الندرة بين المكيين كما يدعي البلاذري في (فتوح البلدان) حيث قال: «لقد ظهر الاسلام وبين القرشيين سبعة عشر رجلاً يحسنون الكتابة لا غير وفي الاوس والخزرج سكان المدينة أحد عشر رجلاً تعلموها من جيرانهم اليهود ».
واذا صح ان الذين كانوا يحسنون الكتابة لا يجاوزون هذا العدد الضئيل فلا بد وان تكون في غيرهم معدومة او اقل من ذلك، وبعد ملاحظة الظروف التي احاطت بالمكيين وبخاصة القرشيين منهم الذين كانوا على اتصال دائم بالامم المتحضرة نستبعد كل البعد ان يكون هذا الاحصاء الذي ادعاه البلاذري وغيره صحيحاً وفي نفس الوقت لا نبالغ في تقديره، ولا ندعي انتشارها بينهم كما كانت بين جيرانهم الفرس والرومان، لان العلم والكتابة ينتشران حيث توجد الحضارة ويكثر العمران، والحجازيون يفقدون جميع هذه النواحي.
ومما يؤكد ان الامية كانت تغلب على العرب قبل ظهور الاسلام الآية من سورة الجمعة،( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَکِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَ الْحِکْمَةَ وَ إِنْ کَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) .
وجاء في غيرها من الآيات ما يؤكد أن النبي نفسه كان امياً لا يحسن الكتابة ولا القراءة كما تدل على ذلك النصوص القرآنية والنبوية.
قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول الامي الذي يجدونه مكتوباً في التوراة)وجاء عنهصلىاللهعليهوآله انه قال: انا امة امية لا نكتب ولا نحسب الى غير ذلك من النصوص والحوادث التي تؤكد ان الامية كانت تغلب على العرب قبل الاسلام، ولا يتنافى ذلك مع ما ذكرناه اولاً من ان عرب الحيرة ومكة بصورة خاصة من بين عرب الجزيرة كانوا يقرؤون ويكتبون، فانا لم نقصد من ذلك ان الاغلبية منهم كانوا يحسنونها كغيرهم من الامم المتحضرة والذي اردناه انه قد كان بينهم عدد لا يستهان به يحسنون الكتابة والقرائة بحكم الظروف والملابسات التي كانت تحيط بهم ولا يتنافى ذلك مع جهل الاغلبية لها.
ومهما كان الحال فالتحديد الذي ذكره البلاذري لغير الاميين، والغلو الذي ذهب اليه بعض المستشرقين من مساواة العرب لغيرهم في هذه الناحية، هذان الرأيان لا تؤيدهما الدراسات العلمية ولا النصوص الاسلامية كما ذكرنا.
ومما لا شك فيه ان الكتابة قد بدأت تتنشر في مكة وما حولها بظهور الاسلام على نطاق اوسع مما كانت عليه اولا بسبب التحول الذي طرأ على العرب نتيجة لاعتناقهم الدين الجديد الذي يدعو الى العلم ويحث عليه.
وتؤكد المصادر التاريخية ان مساجد المدينة التسعة كانت محط انظار المسلمين، يتعلمون فيها القرآن وتعاليم الاسلام والكتابة وغير ذلك مما تدعو اليه الحاجة، والى جانب هذه المساجد انتشرت المكاتب لتعليم الصبيان ومحاربة الامية باشكالها، وعندما نلاحظ موقف النبي من الاسرى الذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة بعد نجاحه في معركة بدر الكبرى واعفاءهم من الفدية التي فرضها على كل اسير حسب امكانياته
مع العلم بانه كان هو و دولته الفتية الناشئة في امس الحاجة الى المال عندما نلاحظ ذلك ونتأكد بانه قد اعفاهم منها، وفرض على كل اسير منهم ان يعلم عشرة من الاميين في مقابلها، ندرك مدى اهتمامه في محاربة الجهل والامية حتى استطاع في خلال سنوات معدودات ان يهيّئ عدداً كبيراً يقرؤن ويكتبون، ويحسنون ادارة الاعمال وتصريف الامور، ومضت حركة التعليم تتسع بين المسلمين في انحاء الجزيرة، والرسولصلىاللهعليهوآله يغذيها بما تيسر لديه من الموارد المحدودة، ويحث عليها بمختلف الاساليب والمناسبات، وقد بلغ به الحرص على توجيه الناس نحو التعليم، ان جعل طلب العلم من الفرائض، وقال كلمته المشهورة، (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وقال ايضاً: (اطلبوا العلم ولو بالصين) والوصول الى الصين في عصره اعسر من الوصول الى القمر في عصرنا هذا، وكان من نتيجة تلك الجهود التي بذلها لمحاربة الامية ان اصبح المتعلمون من المسلمين وابنائهم يعدون بالالوف، بعد ان كانوا لا يتجاوزون العشرات كما يظهر من احصاءات المؤلفين الذين كتبوا في هذه المواضيع.
ويؤيد ذلك ما جاء عن ابي الدرداء. انه قال لبعض جلسائه اعدد من يقرأ عندي القرآن فعدهم فبلغوا الفا وستماية.
وكان لكل عشرة مقرئ، (اي معلم) وابو الدرداء يشرف على الجميع(١) .
ومن مجموع ذلك نستطيع ان نؤكد ان تأخير المسلمين عن تدوين الحديث والآثار الاسلامية لا يعود بالدرجة الاولى الى ندرة وسائل التدوين وتفشي الامية كما يدعي بعض المؤلفين من العرب والمستشرقين،
____________________
(١)انظر السنة قبل التدوين، عن النهاية في طبقات القراء، والتهذيب لابن عساكر.
ذلك لان وسائل التدوين لم تكن بتلك الندرة حتى قبل ظهور الاسلام كما ذكرنا، ولو تنازلنا عن جميع الشواهد والادلة التي ذكرناها وقلنا ان العرب قبل الاسلام على اختلاف مناطقهم لا يحسنون الكتابة، لو افترضنا ذلك بالنسبة للعرب قبل الاسلام، فلا يصح هذا الافتراض بعد ظهور الاسلام وبعد تلك الجهود التي بذلها الرسول الاعظمصلىاللهعليهوآله لمحاربة الجهل والامية، فلا بد لنا والحال هذه من تلمس الاسباب التي صرفت المسلمين عن تدوين احاديث الرسول خلال القرن الاول من الهجرة، ومن خلال المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع قديماً وحديثاً نجد ان اكثرها تعزو ذلك الى الرسول نفسه، اعتماداً على المرويات عنه، والى الخليفة الثاني الذي اشتهر بمعارضة فكرة التدوين، وتوعد الناس بالعقاب عليها، فرووا عن الرسولصلىاللهعليهوآله انه قال: لا تكتبوا عني شيئاً، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وقد اخذ الخليفة الثاني بهذا النص حينما راجت فكرة التدوين بين المسلمين كما يدعي بعض المؤلفين وعلله بان التدوين قد يؤدي الى التباس القرآن بالحديث وانصراف المسلمين عن كتاب الله الى اقواله واحاديثه كما جرى ذلك بالنسبة الى الامم السابقة.
وفي مقابل الرواية التي تنص على ان الرسول نهاهم عن تدوين اقواله وافعاله رووا عنه انه رخص لعبد الله بن عمرو بن العاص ان يكتب عنه ما يشاء فجمع من احاديثه الصحيفة المسماة بالصادقة، وانه قال لرجل من الانصار: استعن على حفظك بيمينك، وقال لانس بن مالك: قيدوا العلم بالكتابة، الى غير ذلك من المرويات ونظراً لتعارض هذه الطائفة من المرويات عنه للروايات المانعة، رجح اكثر المحدثين بانه نهى عنه اولاً مخافة ان يختلط حديثه بالقرآن الكريم ولما تركز القرآن في نفوسهم واحتل منها المكان اللائق به، واصبحوا يميزونه عن غيره اباح لهم ان يكتبوا عنه ما يشاؤون، ونتيجة هذا الجمع بين هاتين الطائفتين من المرويات
عنهصلىاللهعليهوآله فقد توفي والتدوين مباح للجميع، وامر عبد اللّه بن العاص ان يكتب عنه في حالتي الرضا والغضب، كما يدعون، انه دون صحيفته المسماة بالصادقة من اقواله وافعاله مباشرة(١) ومن البعيد ان تخفى هذه النصوص على الخليفة، واذا افترضنا بانه كان على علم بها، فلماذا منع من التدوين في حين انه لم يرد عن الخليفة الاول ما يشير الى انه نهى عن ذلك.
وجاء في بعض المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع انه منعهم عن تدوين الاحاديث حرصاً على كتاب الله، وانه احرق كتبا ً كانت لبعض الصحابة لهذه الغاية.
فقد روى عنه عروة بن الزبير، انه اراد ان يكتب السنن، فاستفتى اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاشاروا عليه ان يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهراً، ثم اصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: اني كنت اريد ان اكتب السنن، واني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني لا اشوب كتاب الله بشيء.
وجاء عنه انه لما حدث ابي بن كعب عن بيت المقدس واخباره انتهره عمر بن الخطاب، وهم بضربه، فاستشهد ابي بجماعة من الانصار ولما شهدوا بانهم سمعوا الحديث من رسول اللهصلىاللهعليهوآله تركه، فقال له ابي بن كعب: اتتهمني على حديث رسول الله، فقال يا ابا المنذر: والله ما اتهمتك، ولكني كرهت ان يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً الى غير
____________________
(١)لقد تحدثنا عن هذه الصحيفة المزعومة مفصلاً في كتابنا تاريخ الفقه الجعفري، واثبتنا بالارقام انها ليست من احاديث الرسول، بل هي من الكتب التي استولى عليها المسلمون في معركة اليرموك، وكان هو يحدث عن تلك الكتب وينسبها الى الرسولصلىاللهعليهوآله وقد جمع فيها طائفة من الاحاديث وادعى بانه اخذها من الرسول.
ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد أن الخليفة لم يعتمد على الرسول في منعه عن التدوين، وانه قد تفرد بهذا التصرف حرصاً على كتاب الله ، ولكن الرواية التي تنص على انه قد انتهر ابي بن كعب لما حدث عن بيت المقدس، وقوله فيها: اني كرهت ان يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً، هذه الرواية تدل على انه كان حريصاً على ان لا ينتشر الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مع العلم بان حديث الرسول مكمل للتشريع، ومبين لمجملات القرآن ومخصص لعموماته ومطلقاته، وقد تكفل لكثير من النواحي الاخلاقية والاجتماعية والتربوية، ولو تقصينا الاسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحة في بقاء السنة في طي الكتمان لم نجد سبباً يخوله هذا التصرف، ولا نستبعد انه كان يتخوف من اشتهار احاديث الرسول في فضل علي وابنائه (ع).
ويؤكد ذلك ما رواه عبد الرحمن بن الاسود عن ابيه، ان علقمة جاء بكتب من اليمن او مكة تحتوي على طائفة من الاحاديث في فضل اهل البيت (ع)، فاستأذنا على عبد الله بن مسعود فدخلنا عليه ودفعنا اليه الكتب، قال: فدعا الجارية ثم دعا بطشت فيه ماء، فقلنا له: يا ابا عبد الله انظر فيها فان فيها احاديث حساناً، فلم يلتفت، وجعل يمثها في الماء ويقول: نحن نقصّ عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن، القلوب اوعية فاشغلوها بالقرآن، وعبد الله بن مسعود كان منحرفاً عن علي (ع) ويساير المنحرفين عنه، كما تؤكد ذلك النصوص التاريخية.
ولو افترضنا ان الخليفة كان حسن النية في هذا الامر، وانه لم يمنع الا بدافع الحرص على كتاب الله، فقد كان من نتائجه، ان اتسع المجال للكذابين والمنحرفين عن المخطط الاسلامي، والمرتزقة ان يضعوا من الاحاديث ما توحيه اليهم الاهواء والمطامع، بالاضافة الى ما ضاع منها
بسبب الحروب والغزوات، التي فتكت بالصحابة بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ..
على ان الذين يحاولون ان يعتذروا عنه، ويقرون المرويات التي تنص على انه خاف ان يختلط الحديث بالقرآن، هؤلاء يسيئون اليه من حيث لا يقصدون، لانه لم يكن قصير النظر ولا محدود التفكير ولا جاهلاً باساليب البيان وبلاغة القول، ويعلم جيداً ان القرآن قد استولى على النفوس وتحكم بمشاعرهم واحاسيسهم، وكان له الاثر البالغ في سير الدعوة وانتشارها، هذا بالاضافة الى وجود الفوارق الكثيرة بين الاسلوبين التي لا تخفى على احد منهم.
ومع التغاضي عن جميع ذلك، فقد كان بالامكان لو كانت النوايا طيبة التفرغ الى جمع الحديث وتدوينه بعد تدوين القرآن الكريم والتثبت من احصائه في مجموعة واحدة بواسطة لجنة مختارة من الامناء المعروفين بالوثاقة والاستقامة، ولو فعلوا ذلك لقطعوا الطريق على كل افاك اثيم، وعلى المرتزقة الذين شوهوا معالم السنة وطمسوا من اضوائها النيرة والصقوا فيها من الموضوعات التي جرت على المسلمين اسوأ انواع البلاء وفرقتهم شيعاً واحزاباً.
ومهما كانت الاسباب التي فرضت على الخليفة ان يقف من السنة هذا الموقف، فالنصوص التاريخية تؤكد بانه لم يكن موفقاً فيه ولم ينجح كل النجاح في هذا التدبير، فقد ظهرت بعض المدونات الاسلامية في فترات متعاقبة من عصر الصحابة وبعده للشيعة وغيرهم، ومن ذلك الجامعة التي الفها علي (ع) وقد تناول فيها جميع ابواب الفقه، واليها كان يرجع الائمة (ع) في احكامهم واقضيتهم في كثير من المناسبات، كما دون عبد الله بن العباس في الفقه والتفسير وغير ذلك من العلوم، وجاء
في بعض المرويات انه ترك حمل بعير من مدوناته، وكان يحمل قسماً منها الى مجالسة وحلقات التدريس، وكتب سعيد بن جبير احد تلاميذه كل ما املاه عليه. ومجمل القول ان حركة التدوين بدأت تتسع في الشطر الاخير من عصر الصحابة ولكنها لم تنتشر بين المسلمين الا في اوائل القرن الثاني حينما امر عمر بن عبد العزيز ابا بكر محمد بن حزم بجمع الحديث وتدوينه، وجاء في المذكرة التي وجهها اليه. انظر ما كان من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله او سنة ماضية فاكتبه فاني خفت دروس العلم وضياعه، واكد عليه كما تنص بعض المرويات ان يدون ما روته عمرة بنت عبد الرحمن الانصارية والقاسم بن محمد بن ابي بكر(١) فهب الناس الى التدوين واحسوا بخطر الركود الذي مر عليه في القرن الاول واصبح من الضرورات الملحة بنظر الجميع، لا سيما وقد ندب اليه عمر بن عبد العزيز المعروف بالاعتدال والحرص على الآثار الاسلامية ولكن التدوين الذي كان يومذاك لم يكن مرتباً على ابواب الفقه وفصوله ولم يقتصر الكتاب على موضوع واحد، بل كان المؤلف يحشد في كتابه من جميع المواضيع والاصناف، بما في ذلك التفسير واللغة والادب ونحو ذلك من المواضيع اما التدوين المرتب على الابواب الفقهية فلم يكن قبل اواخر النصف الاول من القرن الثاني، ويدل على ذلك ما اورده الحافظ الذهبي في حوادث ص ١٤٣ قال: وفي هذا العصر شرع علماء الاسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير وغير ذلك من المواضيع، فصنف ابن جريح المتوفى ١٥٠ تصانيفه الكثيرة في مكة، وصنف ابن أبي عروبة المكنى بابي النظر العدوي، وفي خلال ذلك صنف ابو حنيفة في الفقه والرأي، كما صنف حماد بن سلمة وسفيان الثوري والاوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وغيرهم في فرات متعاقبة تتراوح بين سنة ١٥٠ و ١٧٥ عشرات الكتب
____________________
(١)انظر تاريخ الفقه الجعفري ص ١٧٦ والاضواء ص ٢٢٤
في مختلف المواضيع واذا لاحظنا ما انتجته مدرسة الامامين الباقر والصادق (ع) في هذه الفترة من القرن الثاني تقريباً من المدونات التي بلغت ستة آلاف كما احصاها اكثر المؤلفين في هذا الموضوع من الشيعة واشرنا الى مصادرها في كتابنا ( المبادئ العامة في الفقه الجعفري) اذا لاحظنا ذلك ندرك اهمية هذا الدور من ناحية اتساع حركة التأليف وتدوين الآثار الاسلامية وغيرها من آثار الفرس واليونان في مختلف المواضيع، وقد احصى المؤلفون في احوال الرجال والتراجم عدداً كبيراً لجماعة من اصحاب الائمة كصفوان بن يحيى، وشعيب بن اعين الحداد، وهشام بن الحكم، واسماعيل بن موسى بن جعفر (ع) وعبد الله بن المغيرة البجلي الكوفي، وعبد الله بن سنان مولى بني هاشم، ومحمد بن عمير ويونس بن عبد الرحمن، واحمد بن محمد بن عيسى الاشعري، والفضل بن شاذان النيسابوري الى غير ذلك ممن تترواح مؤلفاتهم بين العشرين والثلاثين كتاباً.
وجاء عن محمد بن مسعود العياشي انه انفق على تدوين العلم ثلاثمائمة الف دينار، وان داره كانت تعج بالناس، وهم بين ناسخ وقارئ ومقارن ولو كتب البقاء لمؤلفات الشيعة في القرنين الثاني والثالث، لكانت دور الكتب اغنى ما تكون بالآثار الشيعية، ولكن الظروف التي احاطت بهم، والحروب الدامية التي كانت في الغالب تستهدف دمائهم وآثارهم كل ذلك قد ساهم في تبديد تلك الثورة الغنية بالكنوز والنفائس، وليس ادل على ذلك من اقدام الحكام والغزاة، وبخاصة الايوبيين منهم على حرق المكتبات الشيعية مباشرة. كمكتبة الطوسي، والوزير (نصر سابور بن اردشير) وزير بهاء الدولة، ومكتبة الازهر التي اسسها الفاطميون في مصر وحشدوا فيها مئات الالوف من المجلدات في مختلف المواضيع وبقيت اكثر من قرنين من الزمن منهلاً كريماً لرواد العلم من
مختلف الاقطار الى ان جاء عهد الايوبيين الذي استهدف الشيعة وآثارهم اكثر من أي شيء آخر ذلك العهد الذي مثل فيه صلاح الدين وابناؤه الجريمة باقبح صورها واشكالها الى غير ذلك من دور الكتب التي كانت اكثر محتوياتها من كتب الشيعة وآثارهم.
ومهما كان الحال فلم يطرأ على التدوين تطور قبل نهاية القرن الثاني، وبنهايته شرع فريق من العلماء بتطويره فافردوا احاديث الرسول عن آراء الصحابة وأقضيتهم، ووزعوا الاحاديث على ابواب الفقه وفصوله حسب المناسبات ومضى العلماء على ذلك، فألف احمد بن حنبل جامعه، واسحاق بن راهويه وغيرهما عشرات الكتب وظلت حركة التدوين تتسع الى ان دخلت طوراً جديداً، هو طور الاختيار والتنقيح، وكان اول من اتجه الى هذه الناحية من السنة محمد بن اسماعيل البخاريرحمهالله .
قال الحافظ بن حجر في مقدمة فتح الباري على صحيح البخاري، ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت الصحيح وغيره والكثير منها يشمله التضعيف، حرك همته لجمع الحديث الصحيح، فألف كتابه المعروف بصحيح البخاري، كما الف كل من مسلم، وابو داود سليمان بن الاشعت السجستاني، والترمذي والنسائي، وابن ماجة، ومحمد بن يزيد كتبهم الستة المعروفة بين اعلام السنة بالصحاح خلال القرنين الثالث واوائل القرن الرابع، وكان لمحمد بن اسماعيل البخاري الفضل الاكبر في هذا الاتجاه من التأليف، لانه اول من حرك همته لتحري الاحاديث الصحيحة ودونها في صحيحه سنة ٢٥٠ تقريباً، وآخرهم النسائي احمد بن شعيب المتوفى سنة ٣٠٣ شهيداً في مكة كما في رواية الذهبي وغيره.
وجاء في سبب وفاته. انه خرج من مصر وافداً على دمشق فاجتمع
عليه المحدثون والقراء وغيرهم، وفي بعض مجالسه سأله بعضهم، ايهما افضل علي ام معاوية؟ فقال على الفور: اما رضي معاوية ان يخرج رأساً برأس حتى يفضل، وجاء عنه انه قال: والله لا اعرف له فضيلة الا قول النبيصلىاللهعليهوآله له: (لا اشبع الله بطنك) فداسوه بارجلهم واخرجوه من الشام مضروراً، فتوجه نحو مكة المكرمة وتوفي بها متأثراً بما اصابه، وجاء في ترجمته انه قال: دخلت الشام، والمنحرف عن علي (ع) بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت بذلك ان يهديهم الله(١) .
وفي هذا الدور الذي ظهر فيه اصحاب الصحاح ودونوا صحاحهم، نجد بين المؤلفين من الشيعة من هو اكثر انتاجاً واحسن تنظيماً من غيرهم، كما تؤكد ذلك كتب الرجال والحديث التي تعرضت لمؤلفات الشيعة في الفترة الواقعة بين عصر البخاري والنسائي، وبخاصة المؤلفات الفقهية الموزعة على ابواب الفقه وفصوله، واشتهر من بينهم القميون بتصلبهم وتشددهم على كل متهم بالانحراف عن العقيدة، كمحمد بن عيسى بن عبد الله الاشعري شيخ القميين في القرن الثالث على حد تعبير علماء الرجال ومحمد بن احمد بن ابي قولويه، ومحمد بن اسماعيل بن بشير البرمكي، ومحمد بن خالد الاشعري القمي، ومحمد بن علي بن محبوب احد الشيوخ الاجلاء في قم، وصاحب المؤلفات الكثيرة في مختلف المواضيع وقد احصى له النجاشي والمامقاني في تنقيح المقال نحواً من ثلاثين مؤلفاً وفي كتابه الجامع تعرض لجميع ابواب الفقه من الطهارة الى الديات والحدود، ومن هذه الطبقة محمد بن الحسن بن فروخ الصفار المعروف بالوثاقة وحسن السيرة وسلامة العقيدة، والمعاصر للامامين الهادي والعسكري (ع)، كما عاصر البخاري وغيره من اصحاب الصحاح، الى غير ذلك من العشرات الذين اتجهوا الى تصفية الحديث وتصنيفه على
____________________
(١)انظر شذرات الذهب لابن العماد ج ٢ ص ٢٤٠
ابواب الفقه وفصوله، وقد احصى النجاشي لبعضهم اكثر من تسعين كتاباً.
وجاء في الفهرست لابن النديم: ان الفضل بن شاذان النيسابوري ترك نحواً من ١٨٠ كتاباً من مؤلفاته في مختلف المواضيع، وبلغ الحال بالقميين وغيرهم انهم كانوا يخرجون من قم كل متهم بالغلو والانحراف عن التشيع السليم ويرفضون مروياتهم مهما كان نوعها. وبالتالي فقد اتجهوا الى التأليف في احوال الرواة، ووضعوا اصول علم الرجال والدراية حتى لا تختلط مرويات المنحرفين والمتهمين بمرويات الموثوقين من الشيعة المعتدلين في تشيعهم وعقائدهم، ومن هؤلاء علي بن الحسين بن علي بن فضال. فقد جاء في الفهرست للشيخ الطوسي. انه ممن يعتمد على قوله في الرجال، ويستند اليه في الجرح والتعديل، واكد هذه الحقيقة في منتهى المقال، واستنتج بعضهم انه من المؤلفين في الرجال.
ومنهم الفضل بن شاذان، فقد نص جماعة ان له كتباً في الرجال واحوال الرواة، ومنهم محمد بن احمد بن داود بن علي شيخ القميين في زمانه كما نص على ذلك النجاشي، والعلامة في الخلاصة.
وجاء في الفهرست، انه الف كتاباً في الممدوحين، والمذمومين في رجال الحديث.
ومنهم محمد بن الحسن ابو عبد الله المحاربي، قال النجاشي، والعلامة في الخلاصة. انه كان خبيراً باحوال الرواة والف في هذا الموضوع كتاباً عرض فيه احوالهم ومراحل حياتهم.
ومنهم نصر بن الصباح المكني بابى قاسم من اهالي بلخ فقد الف كتاباً في احوال الرواة والناقلين للحديث كما الف في العقائد وغيرها.
ومنهم محمد بن خالد البرقي ومحمد بن مسعود السمرقندي المعروف بالعياشي وغيرهم ممن نص اصحاب الفهارس على انهم قد الفوا في احوال الرجال ووضعوا اصول علم الدراية في القرن الثالث واوائل القرن الرابع، وقد اكد ذلك الشيخ الطوسي في العدة، وجاء فيها ان الطائفة ميزت الرجال الناقلين لهذه الاخبار فوثقوا الثقات منهم، وضعفوا الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد عليه، ومدحوا الممدوحين، وذموا المذمومين، وقالوا فلان متهم في حديثه، التي وصفوا وفلان كذاب، وفلان مخلط ومخالف في المذهب والاعتقاد الى غير ذلك من الطعون التي وصفوا بها الرواة والمحدثين، واضاف الى ذلك انهم صنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى ان واحداً منهم اذا انكر حديثاً نظر في اسناده وضعفه بروايته واصبحت هذه الطريقة عادة لهم لا تنخرم ولولا ان العمل بما يسلم من الطعون جائز، لا يكون فائدة لما شرعوا فيه من التضعيف والتوثيق(١) هؤلاء وغيرهم من المؤلفين في الحديث واحوال الرجال وشروط الرواية واقسامها الذين بذلوا كل ما لديهم من الامكانيات لتصفية الحديث من الموضوعات ومن المشتبهات هؤلاء وضعوا الاساس للمتأخرين، وكانوا الركيزة التي اعتمدها المحمدون الثلاثة، محمد بن يعقوب الكليني، ومحمد بن بابويه الصدوق، ومحمد بن الحسن الطوسي في اختيار مجاميعهم الاربعة(٢) تلك المؤلفات التي اعتمد مؤلفوها على كتب القميين وغيرهم من اصحاب الائمة وتلاميذهم كالاصول الاربعة التي كانت بمجموعها محلاً لثقة الرواة والمحدثين، من حيث معرفتهم بمؤلفيها ووثوقهم بصحة ما فيها من المرويات، هذا بالاضافة
____________________
(١)ص ٥٣ من العدة.
(٢)الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسي.
الى القرائن الاُخرى التي اعتمد عليها المحمدون الثلاثة بالنسبة لبعض المرويات، وان لم تكن من حيث اسانيدها مستوفية لشروط العمل بالرواية، ومن جملتها مطابقة مضمون الرواية للنص القرآني، او للسنة الصحيحة، او لما اجمعت الطائفة عليه، او لموافقته لحكم العقل، او لغير ذلك من القرائن التي تؤكد مضمون الخبر وان رواه من لا يصح الاعتماد على مروياته(١) .
ومجمل القول ان المحدثين من الشيعة نشطوا في تصفية الحديث من الموضوعات ومن مرويات المنحرفين في عقائدهم والمندسين بين صفوف الشيعة ووضعوا النواة الاولى لعلمي الرجال والدراية والفوا فيهما، قبل ان يقوم البخاري ورفاقه من اصحاب الصحاح بمهمة تصفية الحديث وتصنيفه، واصبح علم الرجال والدراية من العلوم التي يتوقف عليها استنباط الاحكام من الادلة، لان الحديث هو المصدر الثاني للاحكام بعد كتاب الله، ولولاه لم يتم التشريع ولميبلغ تلك المرتبة العالية من الاحاطة والشمول التي تناولت جميع المواضيع ووضعت الحلول لجميع مشاكل الحياة على اختلاف تطورها ومراحلها.
____________________
(١)العدة للشيخ الطوسي ص ٥٣ .الفصل الثاني : في أصناف الحديث
الفصل الثاني: في أصناف الحديث
لقد قسم الباحثون في الحديث واحوال الرواة الخبر الى قسمين متواتر وآحاد، وتحدثوا عنهما من حيث معناهما، واقسامهما وشرائط الاعتماد عليهما باسهاب في مؤلفاتهم الموضوعة لهذه الغاية، واختلفت آراؤهم في كثير من النظريات والافكار المتعلقة بهذه المواضيع كما هو الحال في جميع المباحث التي يدخلها عنصر الاجتهاد، ومما لا شك فيه ان تحديد التواتر وشروطه، واخبار الآحاد واصنافها، وما يتعلق بذلك من المواضيع التي تتصل بعلمي الرجال والدراية مباشرة، هذه المواضيع وما يتعلق بها تتسع لاختلاف الانظار وتضارب الآراء ولذلك لا يصح ان ننسب رأياً الى الشيعة او السنة في هذه المواضيع وغيرها من المواضيع الاجتهادية الا اذا اتفق الاكثر عليه، او كان معبراً عن رأي الاغلبية منهم، اما نسبته الى احد الفريقين الشيعة او السنة لمجرد وجوده في كتاب، او لمجرد كونه يعبر عن رأي بعض الافراد، او الجماعات، فهو من الاغلاط التي وقع فيها اكثر المؤلفين.
وعلى جميع الاحوال فالتواتر هو عبارة عن اخبار جماعة كثيرة يستحيل عادة اتفاقهم على الكذب، ولو انضمت بعض القرائن الى المخبرين
بحيث كان حصول العلم مستنداً الى المجموع لا يمنع ذلك من حجية التواتر.
ولو اخبر جماعة بشيء، ولكنهم لم يبلغوا الحد الموجب للعلم لا يصدق التواتر بالمعنى المصطلح عليه بينهم، كما وان العلم لو لم يستند الى الكثرة بان حصل العلم به من الخارج، او حصل العلم من اخبار ثلاثة او اربعة معروفين بالصدق والامانة، او كان خبر الكثيرين موافقاً لدليل مقطوع به ومعمول بمقتضاه كل ذلك ليس من التواتر المقابل للآحاد.
بل لا بد وان يكون العلم مستفاداً من اخبار جماعة يستحيل عليهم بحسب العادة ان يتفقوا على الكذب وكما ذكرنا لا يمنع من حصول التواتر وجود بعض القرائن المؤيدة لاخبارهم حتى ولو كان العلم الحاصل منه مستنداً الى الجميع.
وقال الشيخ الطوسي في تحديد معنى التواتر: ان الخبر اذا لم يكن من باب ما يجب وقوع العلم عند حصوله، واشتراك العقلاء، وجاز وقوع الشبهة به، هو ان يراد به جماعة قد بلغت من الكثرة حداً لا يصح معه ان يتفق الكذب منها عن المخبر الواحد، ولا بد بالاضافة الى ذلك من العلم بانه لم يجمعها على الكذب جامع كالتوطؤ وما يقوم مقامه، ولا بد ايضاً من العلم بان المخبر الاول على يقين من امره لم يخبر وهو متردد او غافل عما اخبر به، هذا اذا لم يكن بين الجماعة وبين المخبر الاول واسطة، فان كان بينهما واسطة لا بد من مراعاة هذه الشروط في جميع الوسائط حتى ينتهي الحال الى نفس المخبر الاول(١) .
____________________
(١)انظر العدة للطوسي ص ٣١
ولا بد في العلم الحاصل من التواتر من الشروط التالية.
الاول ان لا يكون السامع عالماً بمضمون الخبر، كما لو اخبر الجماعة شخصاً عما شاهده وعلم به مباشرة، وقد عللوا ذلك بان خبر الجماعة لو افاد العلم في هذه الحالة، فاما ان يكون عين العلم الحاصل له بالمشاهدة، او غيره، فان كان عينه، يكون من تحصيل الحاصل، وان كان غيره يلزم اجتماع المثلين، ولا يصح في مثل هذا ان نفترض كون الخبر مؤكداً ومقوياً للعلم الحاصل عن طريق الحس والمشاهدة لان العلم الحاصل للسامع عن هذا الطريق يكون ضرورياً، والضروري لا يقبل الترديد والتشكيك ولا الزيادة والنقصان.
الشرط الثاني ان لا يكون الخبر مسبوقاً بشبهة تخالف مضمونه في ذهن السامع، وان لا يكون السامع معتقداً خلاف مدلوله تقليداً او لسبب آخر، اذ لا يمكن حصول العلم من الخبر غالباً الا اذا كان ذهن السامع خالياً عن الشبهة والمعتقدات المخالفة له مهما بلغ رواته من الكثرة.
الشرط الثالث ان يستند المخبرون الى الحس، فلو كان اخبارهم مستنداً الى حكم عقلي او نص قرآني او غيرهما لا يكون من التواتر المقابل للأحاد.
الرابع، ان تكون جميع الوسائط عالمة بمضمون الخبر، بنحو يستند علم الطبقة الاولى الى الحس والمشاهدة، والثانية الى التواتر الحاصل باخبار الطبقة الاولى، والثالثة من اخبار الثانية، وهكذا بالنسبة الى بقية الطبقات.
اما العدد الذي يتحقق به التواتر، فالظاهر ان اكثر المؤلفين في علم الحديث لا يشترطون عدداً معيناً فيه، وكل ما في الامر لا بد فيه من
الكثرة التي يحصل من اخبارها العلم بمضمون الخبر، والعلم قد يحصل احياناً من اخبار العشرة، واحياناً لا يحصل من اخبار العشرين والثلاثين والاكثر من ذلك.
اما تحديدها باكثر من اربعة كما نسب الى القاضي الباقلاني، وباكثر من عشرة كما جاء عن (الاصطخري)، وباثني عشر مخبراً عدد نقباء بني اسرائيل، وباكثر من عشرين كما جاء عن أبي الهذيل العلاف، وبسبعين كما جاء عن بعض المحدثين وبثلاثمائة عدد اصحاب النبيصلىاللهعليهوآله في بدر كما نص على ذلك بعضهم، هذه التقديرات كلها لاهل السنة، ولا وجود لها في كتب الشيعة، والظاهر اتفاقهم على عدم تحديده بعدد معين(١) .
ومهما كان الحال فالخبر المتواتر، اما ان يكون متواتراً بلفظه ومعناه، كما لو اتفق المخبرون على نقل الحديث بلفظ واحد، واما ان يكون متواتراً من حيث المعنى، كما لو اختلفت الفاظ المخبرين مع وحدة المعنى، وحصل العلم بذلك المعنى من الفاظهم المختلفة بواسطة دلالة الخبر على المعنى بالتضمن او الالتزام، او بالمطابقة اذا كانت الالفاظ المختلفة مشتركة في معنى واحد، وهذا النوع من التواتر الذي اطلقوا عليه اسم التواتر المعنوي موجود ومطّرد بين المرويات في الفروع والاصول، اما التواتر اللفظي في جميع مراحله ووسائطه هذا النوع من التواتر ربما يكون قليلاً ونادراً بين المرويات عن الائمة والرسولصلىاللهعليهوآله كما يبدو ذلك بعد التتبع والاستقصاء، وقد بالغ بعضهم فانكر وجوده من الاساس.
قال الشيخ عبد الصمد في رسالته التي الفها في علم الدراية: المتواتر
____________________
(١)انظر مقباس الهداية للمامقاني، والعدة للطوسي وغيرهما من مؤلفات الشيعة في علم الحديث.
هو ما رواه جماعة يحصل العلم بقولهم، للقطع بعدم امكان تواطؤهم على الكذب عادة، ويشترط ذلك في كل طبقاته صحيحاً كان أوْلا، واضاف الى ذلك: وهذا لا يكاد يعرفه المحدثون في الاحاديث لقلته، وهو كالقرآن وظهور النبيصلىاللهعليهوآله والقبلة والصلات وعدد الركعات، والحج ونصب الزكوة ونحو ذلك(١) وتشبيه التواتر بهذه الامور الثابتة بالضرورة من دين الاسلام، هذا التشبيه يشعر بان التواتر في الحديث يكاد ان يكون في حكم المعدوم من حيث ندرته وعدم وجوده بين المرويات عن النبي والائمة (ع).
____________________
(١)انظر الوجيزة للشيخ عبد الصمد الحارثي ص ٧٦
التواتر عند محدثي السنة
لا يجد المتتبع في المؤلفات الشيعية والسنية حول الحديث واصنافه وحالاته فروقاً جوهرية بين الفريقين في المراد في المتواتر وشروطه واقسامه، واذا استثنينا التقديرات المختلفة التي نقلناها عن السنة تلك التقديرات التي لا يتحقق التواتر باقل منها على حد زعمهم، اذا استثنينا هذه الناحية نجد انهم يلتقون التقاء كاملاً في جميع النواحي المتعلقة به
قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه علوم الحديث: فالمتواتر هو الحديث الصحيح الذي يرويه جمع يحيل العقل والعادة تواطئهم على الكذب عن جمع مثلهم في اول السند وآخره ووسطه، واضاف الى ذلك. ان التواتر ينقسم الى لفظي ومعنوي فاللفظي هو ان يتفق المخبرون على الفاظ الحديث في جميع الوسائط، والمعنوي، يرجع الى اتفاقهم على المعنى مع الاختلاف في الالفاظ الحاكية للمعنى، ولم يستبعد الرأي الذي يرجح كثرة الاحاديث المتواترة لفظاً ومعنى، وعد منها حديث انشقاق القمر، وحديث من كذب عليّ معتمداً فليتبوأ مقعده من النار من حيث ان الذين رووا هذا الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآله بلغوا اثنين وسبعين صحابياً كما جاء عن بعض المحدثين وحديث الترغيب في بناء المساجد، والشفاعة، وانين الجذع، والمسح على الخفين، والاسراء، والمعراج، ونبع الماء بين اصابعه واطعام الجيش الكبير من الزاد القليل الذي لا يكفي عادة لاثنين
او ثلاثة، الى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي نص جماعة من محدثي السنة على تواترها لفظاً ومعنى، كما جاء ذلك عن السيوطي في تدريب الراوي، والحافظ بن حجر في شرح النخبة وغيرهما.
وفي مقابل هؤلاء المغالين في اعطاء هذه المرويات صفة التواتر، نص جماعة على ندرة التواتر اللفظي، وارجع الامثلة التي ذكرناها الى القسم الثاني من قسمي التواتر، وهو المعنوي، نظراً للاختلاف الواقع في الفاظها بين المحدثين.
ومهما كان الحال، فلم اجد فيما ذكره الفريقان ما يشير الى بعد المسافة بينهما في هذه المسألة، وفيما يتعلق بكميات الاخبار المتواترة بين المرويات المدونة في كتب الحديث عند الطرفين، فكل منهما يدعي وجود كمية كبيرة من مروياته تحمل هذا الاسم، ولكن المحدثين من الشيعة يعترفون بندرة التواتر اللفظي بين مروياتهم عن الرسول والائمة (ع) بينما بالغ جماعة من محدثي السنة في كمية هذا النوع من التواتر بين مروياتهم.
اخبار الآحاد واصنافها
لقد اصطلح المؤلفون في علم الحديث على تقسيم الخبر من حيث رواته الى متواتر وآحاد، وعدوا كل حديث لا تتوفر فيه شروط التواتر من نوع الآحاد، سواء كان الراوي له واحداً، او اكثر.
وخبر الواحد ينقسم من حيث رواته الى مستفيض ومشهور وغريب، وعزيز، كما ينقسم من حيث متنه الى اقسام كثيرة، كما سنبين ذلك في خلال هذا الفصل الذي وضعناه لبيان الحديث واقسامه واصنافه وحد المستفيض عندهم ان يرويه اكثر من ثلاثة في جميع مراحله، سواء رووه بلفظ واحد، او بالفاظ مختلفة مع وحدة المعنى، كما نص على ذلك اكثر المحدثين.
ونص بعضهم على انه لو اختلفت الفاظه يخرج عن كونه مستفيضاً، وفرق جماعة بين المشهور والمستفيض، بأن الخبر لا يوصف بالاستفاضة الا اذا رواه اكثر من ثلاثة في جميع مراحله حتى ينتهي الى الطبقة الاخيرة ويوصف بالشهرة ولو كان الراوي الاول له واحداً، على شرط ان يشتهر بين الطبقة الثانية، ويرويه جماعة عن الراوي الاول، وجماعة عن الطبقة الثانية وهكذا.
ومن امثلته الحديث المعروف المروي عن النبيصلىاللهعليهوآله (الاعمال بالنيات) فان هذا الحديث معدود من الاحاديث المشهورة، مع ان الذي
رواه عن النبيصلىاللهعليهوآله واحد، ورواه عنه غيره بالتسلسل الى ان اصبح معروفاً مشهوراً بين جميع الطبقات التي تناقلته، فيكون الاختلاف بين المشهور والمستفيض في الطبقة الاولى، حيث انه لا يكفي وحدة الراوي في اعطاء الخبر صفة الاستفاضة، ويكفي ذلك في اعطائه صفة الشهرة اذا رواه الجماعة في غيرها من الطبقات.
ويلتقي المستفيض مع المتواتر في ان كلاً منهما لا بد وان يرويه جماعة عن مثلهم في جميع المراحل، فان حصل العلم بصدور الحديث من النبيصلىاللهعليهوآله او الامام (ع) من اخبار الجماعة اعطي الحديث صفة التواتر، والا يوصف بالاستفاضة او الشهرة، ولو حصل العلم بصدق رواته من القرائن والملابسات التي تحيط به.
والمراد من الغريب في عرف المحدثين، هو الذي يشتمل على لفظ غامض بعيد عن الافهام نظراً لقلة استعماله.
والعزيز هو الذي يرويه عن مصدره اثنان فصاعداً، ولعل السر في تسميته بهذا الاسم، هو قلة وجود هذا النوع بين المرويات عن النبيصلىاللهعليهوآله والائمة (ع)، كما يجوز اعطاؤه هذا الوصف باعتبار قوته الحاصلة من روايته بطريقتين في جميع المراتب(١) .
وقد صنف المحدثون المرويات عن النبي والائمة «ع» الى الاصناف الاربعة التالية الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف، وشاع هذا التصنيف في عصر العلامة الحلبي المتوفى سنة ٧٢٦ واستاذه، احمد بن موسى بن جعفر(٢) ونسب اكثرهم هذا التصنيف الى العلامة واستاذه، ولاجل ذلك فقد تعرضا لهجوم عنيف من الاخباريين الذين قطعوا بصحة جميع ما رواه المحمدون الثلاثة في كتبهم الاربعة، والواقع ان هذه
____________________
(١) انظر مقباس الهداية للمامقاني.
(٢) المعروف بابن طاووس المتوفى سنة ٦٧٣.
المصطلحات ليست من مخترعات العلامة، ولا من مبتكرات استاذه، لان المتتبع لكتب الرجال والدراية يجد في طياتها ما يوحي باستعمال المتقدمين لهذه الاصطلاحات، فلقد قالوا: بأن فلاناً صحيح الحديث، وفلانا ضعيف في احاديثه وفلاناً ثقة فيما يحدث به الى غير ذلك مما يؤكد انهم قد استعملوا هذه الاوصاف في تقريظ الاحاديث والرجال ونقدهما، ولما جاء دور العلامة الحلي استعمل هذه المصطلحات ونسقها، ووضع كل واحد منها في المحل المناسب، ونظر الى الحديث بلحاظ ذاته مع قطع النظر عن الملابسات والقرائن التي كانت تحيط به، وطبق هذا المبدأ على جميع المرويات المدونة في الكتب الاربعة وغيرها، والنتيجة الحتمية التي ينتهي اليها الباحث عندما ينظر الى الحديث من حيث ذاته، هي وجود هذه الاصناف الاربعة في الكتب التي بنى الاخباريون على صحة جميع ما جاء فيها وغيرها، ولا يعني ذلك ان العلامة الحلي كان يتنكر للقرائن ولغيرها من الملابسات التي تؤكد صدور الحديث المنسوب الى النبي او الامام (ع) ولكنه يرى ان ذلك لا يجعله من قسم الصحيح، وان جاز الاخذ به والعمل بمقتضاه من غير ناحية السند، بينما نرى ان المتقدمين قد توسعوا في وصف الحديث بالصحة، واستعملوه في كل حديث اقترن بما يقتضي الاعتماد عليه، وان لم يكن صحيحاً بذاته، كوجوده في احد الاصول الاربعمائة، او لانه محفوف ببعض القرائن، او موافق لحكم العقل ، او للكتاب وللسنة القطعية، او لوجوده في احد الكتب التي الفها احد الجماعة الذين اجمعوا على صحة ما صدر عنهم، او لوجوده في احد الكتب التي عرضت على الائمة، ونالت استحسانهم، ككتاب عبيد الله الحلبي، المعروض على الامام الصادق (ع) وكتابي يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على الحسن العسكري (ع) او لكونه مأخوذاً من احد الكتب التي شاع في عصر الائمة الاعتماد عليها والوثوق بها ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله السجستاني،
وكتب بني سعيد، وعلي بن مهزيار، وحفص بن غياث وغيرها من الكتب والمؤلفات في الحديث، مع العلم بان بعض مؤلفي هذه الكتب ليسوا من الامامية، والبعض الآخر كان منحرفاً عن المذهب الامامي، ويرجع الى غير الامام الشرعي، الى غير ذلك من القرائن والمناسبات التي تؤكد صحة مضمون الخبر، وان لم يكن في نفسه وبلحاظ سنده مستوفياً لشرائط الصحيح التي يجب ان تتوفر في الراوي حسب الاصول المقررة في علم الدراية(١) .
ومن ذلك تبين ان الصحيح في عرف المتقدمين يتسع لكل ما يجوز الاعتماد عليه، سواء كان ذلك لناحية السند او لغيره من الاسباب التي ذكرناها فيدخل في ذلك الموثق، والحسن وحتى الضعيف المقترن ببعض القرائن، وما عدا ذلك فهو من نوع الضعيف الذي لا يجوز الاعتماد عليه بحال من الاحوال، ولعل الذي سهل للمتقدمين ان يتوسعوا في استعمال الصحيح الى هذا الحد في حين ان كثيراً من الاخبار المقبولة لم تتوفر فيها عند المتأخرين القرائن التي تؤكد صحة مضمونها، لعل الذي سهل لهم ذلك قربهم من عصر الائمة (ع) واتصالهم بالطبقة التي اهتمت بتصفية الحديث، ووضعت الحواجز والسدود في طريق المنحرفين والمهتمين بالكذب على اهل البيت (ع) بالاضافة الى ثقتهم باصحاب الاصول الاربعمائة ومؤلفاتهم واحاطتهم بالقرائن التي ترجح صدق الراوي وان لم يكن في نفسه من الممدوحين بالصدق والامانة، في حين ان اكثر هذه العوامل قد تلاشت بسبب بعد الزمان، وضياع اصول تلك المؤلفات التي دونها اصحابها واشرف على تصفيتها القيمون وغيرهم في الفترة الواقعة بعد النصف الاول من القرن الثاني الى اواسط القرن الثالث.
____________________
(١) انظر ص ٥٤ و ٥٥ من العدة للطوسي، وانظر مقباس الهداية في علم الدراية للمامقاني.
وكيف كان فقد عرف الصحيح جماعة من المؤلفين في علم الحديث كما نص على ذلك الشهيد الثاني في كتابه (البداية في علم الدراية) بانه عبارة عن الحديث المتصل سنده بالمعصوم بواسطة الامامي العدل عن مثله في جميع الوسائط الواقعة بين المعصوم والراوي الاخير، فلو كان بين رواته واحد يفقد هذه الصفات، او بعضها لا يتصف الحديث بالصحة، كما وانه لو انقطع السند مثلاً، بان رواه خمسة واحداً عن واحد وكانوا من عدول الامامية، ولكن الراوي الاول عن الامام (ع) لم يذكر في سند الرواية لا تكون الرواية من نوع الصحيح كما يستفاد من هذا التعريف ومن تصريحاتهم.
واضاف بعضهم قيداً اخر الى تعريف الصحيح، وهو ان يكون الراوي ضابطاً، أي متقناً، لان من لم يكن كذلك لا يحصل الوثوق باقواله ومروياته، ولكن اكثر المؤلفين في علم الدراية لم يتعرضوا لهذا القيد، اعتماداً على ان اشتراط العدالة في الراوي يدل عليه بالملازمة، ذلك لان العادل اذا احس من نفسه النسيان او السهو وعدم الاتقان يمتنع من تلقاء نفسه عن الرواية اذا لم يكن جازماً ومطمئناً لما يرويه عن غيره، وافتراض غفلته وعدم التفاته الى كثرة سهوه، ونسيانه هذا الافتراض وان كان ممكناً في ذاته، الا ان مصاديقه ان لم تكن معدومة فهي نادرة للغاية، واذا بلغ الحال بالراوي الى هذا الحد، لم يعد محلاً للوثوق والاطمئنان عند عامة الناس، وتصبح مروياته بنظر العقلاء كغيرها من المرويات التي يجب التثبت فيها ان لم تكن اسوأ حالاً منها. ونص جماعة على ان القسم الصحيح من الاحاديث يشمل على ثلاثة مراتب اعلاها ان تثبت عدالة الرواة بالعلم او بشهادة العدلين، ويدخل في هذه المرتبة، ما لو كانت صفة العدالة ثابتة لبعضهم بالعلم، وللبعض الآخر بشهادة العدلين.
واوسطها ان يكون اتصاف الراوي بالصفات المطلوبة بشهادة العدل
الواحد، الذي يحصل الوثوق والاطمئنان من شهادته، او يكون اتصاف بعضهم بتلك الصفات بواسطة شهادة العدلين، والبعض الآخر بشهادة العدل الواحد.
والمرتبة الثالثة، هي ان يتصف الراوي بالصفات المطلوبة بواسطة القواعد والاصول المعمول بها في موارد الشك وعدم العلم بالواقع، او من دراسة تاريخ الرواة وتتبع احوالهم.
ومع ان الجعفريين حتى بعد تصنيف الحديث الى الاصناف الاربعة يشترطون في الصحيح ان يكون جامعاً للصفات التي ذكرناها، تراهم احياناً يتوسعون في اطلاقه على بعض المرويات التي لم تتوفر فيها تلك الشروط، كمراسيل محمد بن ابي عميرة، وبعض الروايات التي يقتصر رواتها على بعض السند، ومن الجائز ان يكون وصف هذا النوع من المرويات بالصحة من حيث جواز العمل بها والاعتماد عليها بسبب القرائن المؤكدة لصدورها عن المعصوم (ع) لا لانها من الافراد الحقيقية للصحيح بمعناه المعروف بين المحدثين وعلماء الدراية.
الصنف الثاني من اصناف الحديث (الحسن) وهو الحديث الذي يرويه الامامي الممدوح في دينه مدحاً معتداً به عند العقلاء من غير ان ينص احد على وثاقته، ولا على فسقه وانحرافه عن المذهب، ولا بد وان يرويه الامامي الجامع لهذه الصفة عن امامي مثله الى ان ينتهي الى النبي او الامام (ع).
الصنف الثالث (الموثق) وهو الحديث الذي يرويه المستقيم في دينه، المتمسك بعقيدته، المعروف بحسن السيرة والسلوك والصدق والامانة على شرط ان لا يكون امامياً سواء كان من الشيعة الذين انحرفوا عن المخطط الامامي، كالواقفية والفطحية والزيدية وغيرهم، ام
كان من غير الشيعة كأهل السنة وغيرهم من المذاهب الاخرى، وسواء كان جميع رواته من المخالفين للمذهب الامامي، ام كان بعضهم امامياً: والبعض الآخر عامياً، وقد نص المؤلفون في علم الدراية ان هذا النوع من الاحاديث اقوى من النوع الثاني ويقوم عليه لو تعارضاً في مورد واحد.
الصنف الرابع (الضعيف) وهو الفاقد للشروط المعتبرة في الاصناف الثلاثة الصحيح، والحسن والموثق، ومن ذلك ما لو رواه من هو متصف بالفسق، او بعض الصفات التي تشعر بعدم تورعه عن الكذب ونحوه من المعاصي، او كان جميع رواته او بعضهم من المجهولين الذين لم يتبين حالهم من حيث استقامتهم وسلامة عقيدتهم.
ومجزد الانحراف عن العقيدة الشيعية الصحيحة لا يوجب ضعف الحديث ما لم يقترن ببعض الصفات كالفسق، وعدم التورع عن الكذب ونحو ذلك مما يوحي بعدم الاطمئنان اليه، وقد ذكرنا ان غير الامامي اذا كان مستقيماً في دينه ومعروفاً بالصدق والامانة يصح الاعتماد على مروياته، ولها الافضلية على مرويات الامامي الممدوح الذي لم تثبت عدالته فيما لو تعارضت معها في مورد واحد(١) .
وتختلف مراتب الحديث الضعيف باختلاف الاسباب الموجبة لتضعيفه، فالذي يرويه المعروف بالفسق، او الكذب من الامامية اسوأ حالاً من الذي يرويه مجهول الحال والذي يرويه مجهول الحال من غيرهم اسوأ حالاً مما يرويه المجهول منهم، وهكذا كلما كانت اسباب للضعف واضحة جليلة لا تقبل المراجعة، كان الخبر ابعد عن الاعتبار واشد ضعفاً، والحال ذلك ايضاً بالنسبة الى الاصناف الثلاثة، فالذي يرويه العدل
____________________
(١) انظر مقباس الهداية في علم الدراية.
الامامي الفقيه الورع والضابط، اصح مما يرويه العدل الامامي الفاقد لبقية هذه الصفات، والحديث الحسن المروي بطريقين او ثلاثة اقوى من المروي بطريق واحد وهكذا بالنسبة الى الموثق، وربما يكون الحسن في مرتبة الصحيح، كما لو روي بطريقين او اكثر، واقترن ببعض المرجحات، ومرد ذلك الى قوة الاطمئنان بصحة الحديث والوثوق بصدوره عن المعصوم في امثال هذه الموارد.
ثم ان هذا التصنيف المنسوب الى المتأخرين، لا يعني ان الاحاديث التي يصح العمل بها والاعتماد عليها في اثبات الاحكام وغيرها تنحصر في الاصناف الثلاثة الصحيح والحسن والموثق وغيرها يسقط عن الاعتبار مهما كان حاله، وانما هو لتمييز الاخبار الصالحة للعمل عن غيرها، مع قطع النظر عن القرائن والملابسات التي قد تجعل غير الصالح صالحاً، والصحيح غير صالح، ولذا فان الفقهاء في كثير من المناسبات يتركون الصحيح، او الموثق، ويأخذون بالضعيف المعارض لهما اعتماداً على القرائن الخارجية من الحديث، او شهرة العمل به، او لانه مروي عن طريق الجماعة الموثوقين عند المحدثين الذين لا يروون الا عن الثقات كاصحاب الاجماع وغيرهم من اصحاب الائمة(ع)(١) .
____________________
(١) اصحاب الاجماع هم الذين اجمع المحدثون والرواة على تصديقهم فيما يروونه عن الائمة (ع) وهؤلاء ستة من اصحاب الباقر، وستة من اصحاب الامام الصادق (ع) وستة من اصحاب الامام موسى بن جعفر (ع) كما نص على ذلك الشيخ ابو عمرو الكشي في رجاله، فالستة من اصحاب الباقر زرارة بن اعين، ومعروف بن خربوز وبريد العجلي، وابو بصير الاسدي والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، والستة من اصحاب الصادق (ع) جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وابان بن عثمان، والستة من اصحاب موسى، وحماد هم يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن ابي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، واحمد بن محمد بن ابي نصر.
ومن مجموع ذلك تبين ان الفرق بين الصحيح في عرف المتقدمين، والصحيح عند المتأخرين، ان الصحيح عند المتقدمين هو الذي يصح العمل به والاعتماد عليه ولو لم يكن من حيث سنده مستوفياً للشروط التي ذكرناها والصحيح في عرف المتأخرين هو الجامع لتلك الشروط، فتكون النسبة بينهما هي العموم المطلق كما نص على ذلك في مقباس الهداية نقلاً عن فوائد الوحيد البهبهاني.
وقد قسم علماء الدراية الحديث الى اقسام كثبرة بالاضافة الى الاصناف الاربعة السالفة، كالمعنعن، والمسند، والمتصل، والمعلق والمفرد والمدرج، والمشهور، والغريب، والمصحف، والمرسل، والمقطوع، وغير ذلك، ولا يعنينا استقصاء جميع النواحي المتعلقة بهذا الموضوع.
الحديث وأصنافه عند السنة
لا يختلف الحال كثيراً بين المحدثين من سنيين وشيعيين من حيث تصنيف الحديث الى اكثر من صنفين، مع الاعتراف بان التقيم الطبيعي للحديث الذي تتطوي فيه جميع الاقسام وتتفرع عنه جميع الاصناف، هو اما ان يكون مقبولاً، او مردوداً، والمقبول يرادف الصحيح كما وان المردود يرادف الضعيف، ولكنهم مع ذلك اصطلحوا على تقسيمه الى الاقسام الثلاثة التالية.
الصحيح، والحسن، والضعيف، وبقية الفروع والمصطلحات تتفرع عن هذه الاصناف الثلاثة، وقد أنهاها بعضهم الى مائة نوع، كل نوع منها علم مستقل على حد تعبيرهم(١) .
والصحيح عندهم هو الحديث المسند الذي يتصل اسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط حتى ينتهي الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله او الى مصدره من صحابي او من هو دونه على شريطة ان لا يكون شاذاً ولا معللاً.
والشاذ هو الذي يرويه ثقة مقبول الحديث بنحو يكون مخالفاً لما يرويه الثقات، كما نص على ذلك الحافظ بن حجر في شرح النخبة، والمعلل هو المشتمل على علة خفية تخدش في صحته.
____________________
(١) انظر علوم الحديث ومصطلحاته ص ١٤٣.
والتقسيم الاولي للصحيح لا يعدو هذين القسمين، الصحيح لذاته والصحيح لغيره فالصحيح لذاته هو الذي يتمتع رواته بافضل الصفات واكرمها، والصحيح لغيره هو المحكوم بصحته لامر خارج عنه كالحديث الحسن الذي يقترن بما يوجب صحته، او بما يؤكد صدوره عن النبيصلىاللهعليهوآله او غيره من الصحابة.
ونص النووي في كتابه قواعد التحديث، ان للصحيح اقساماً سبعة اعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان جامعاً لشروطهما في الصحيح، وان لم يدوناه في صحاحهما، ثم ما كان على شرط البخاري في الرواية، ويأتي من بعده ما كان على شرط مسلم، والنوع الاخير ما صححه غيرهما من المؤلفين في الحديث.
وقال ابن تيمية: ان اهل العلم قد اتفقوا على ان اصح الاحاديث ما رواه اهل المدينة ثم ما رواه اهل البصرة، ثم ما رواه اهل الشام وتجاهل اكثرهم مرويات الكوفيين، ووصفها بعضهم بكثرة الدغل وعدم السلامة من العلل، ولعل من ابرز اسباب هذا التنكر لمرويات الكوفيين هو التشيع الغالب على اهلها، والشيعة عند اكثر المحدثين من السنة مبتدعة وضاعون كذابون على حد تعبيرهم يغلب على حديثهم الدغل والخلل اما احاديث الشاميين فهي اصح من احاديثهم، لان رواتها قد تخرجوا من مدرسة معاوية وآل مروان الائمة البررة، وتلمذوا على ابي هريرة راوية الامويين وصنيعة معاوية بن ابي سفيان الحريص على مصلحة الاسلام، والمحتاط في امور الدين ومصالح المسلمين.
الحسن
الحديث الحسن، هو الذي يتصل سنده بواسطة العدول واحداً عن واحد ولم يبلغوا درجة غيرهم من حيث الضبط والاتقان، ولا بد فيه بالاضافة الى ذلك ان يسلم من الشذوذ والتعليل، وهو اما حسن لذاته، وبلا توسط امر خارج عن حقيقته، واما ان يستمد حسنه من امر خارج عنه، كما لو كان احد رواته مستوراً لم تثبت اهليته او عدمها، ولكنه لم يكن مغفلاً ولا متهماً بالكذب، وبالاضافة الى ذلك كان معتضداً برواية اخرى مماثلة له باللفظ، او مؤيدة لمعناه(١) فالحديث في مثل هذه الحالة يستمد حسنه من الرواية المماثلة له، او الرواية المؤيدة لمعناه.
والمعروف بين المحدثين ان تصنيف الحديث الى الاصناف الثلاثة لم يكن قبل الترمذي المتوفى سنة ٢٧٩، ولما الف كتابه الجامع في الحديث صنفه الى هذه الاصناف الثلاثة(٢) .
ويدعى بعض المؤلفين في الحديث، ان البخاري، وان لم يتعرض لهذا النوع من الحديث، الا انه قد اشار اليه واعتبره من افراد الصحيح الذي يصح العمل به والاعتماد عليه.
____________________
(١) وتسمى المماثلة له باللفظ (بالمتابع)، والمؤيدة لمعناه بالشاهدة.
(٢) الترمذي، هو محمد بن عيسى صاحب الجامع الكبير في الحديث.
الضعيف
هو الحديث الذي لم تتوفر فيه الشروط التي ذكرناها في قسمي الصحيح والحسن، ومنه المرسل والمنقطع وغير ذلك من الاصناف الآتية، ومع ان المرسل ليس حجة في الدين كما ينص على ذلك مسلم في مقدمة صحيحه، فاكثرهم يعتمدون على مراسيل الصحابة، ويحتجون بها، ذلك لان الصحابي على حد زعمهم اذا روى حديثاً لم يتيسر له سماعه من النبيصلىاللهعليهوآله فالراجح في حقه انه يرويه عن صحابي مثله، وسقوط الراوي الاول من سند الحديث لا يمنع من صحته ولا يجب البحث عن بقية السنة، كما لا يجب البحث عن عدالة الصحابي، لان شرف الصحبة فوق جميع الاعتبارات والامتيازات.
ونص السيوطي في كتابه التدريب على ان في الصحيحين من مراسيل الصحابة ما لا يحصى، وان اكثر رواياتها تنتهي اليهم، لانهما لم يرويا الا عن العدول، والصحابة فوق الشبهات والاهواء، واعلى مراتب المرسل عند المحدثين ما رواه صحابي ثبت سماعه، ويأتي من بعده ما رواه صحابي رأى النبيصلىاللهعليهوآله ولم يثبت سماعه منه، ثم المخضرم وهو من عاصر النبيصلىاللهعليهوآله ولم يتمكن من لقائه والاجتماع به، ثم المتقن كسعيد بن المسيب وامثاله، ويلي ذلك من كان يتحرى الافضل من الشيوخ، كالشعبي ومجاهد، ودون ذلك مراسيل من كان يأخذ عن كل احد كالحسن البصري وامثاله، ومن اصناف الضعيف (المنقطع)، وهو
من سقط من سنده واحد او اكثر، او كان بين رواته احد المبهمين(١) وهو اسوأ حالاً من المرسل.
ومن انواع الضعيف المعضل، وهو الحديث الذي سقط من سنده راويان فاكثر على سبيل التوالي ولذلك سمي بالمعضل.
ومن انواعه المدلس، وهو الذي يرويه شخص عمن عاصره ولقيه، مع انه لم يسمع منه، وقد اشتهر جماعة من كبار الرواة بهذا الوصف، وتوقف جماعة في مروياتهم، كهشيم بن بشير بن ابي حازم المتوفى سنة ١٨٣، وجاء عن الذهبي انه قال: لا نزاع في انه كان من الحفاظ ولكنه كان كثير التدليس، ومنهم سفيان بن عيينة المتوفي سنة ١٩٨، روى عن جماعة من التابعين كالزهري، وزيد بن اسلم، وعمر بن دينار وغيرهم، ومع انه كان معدوداً في طليعة المدلسين، كما يبدو من نصوصهم في علم الحديث فقد احتجوا بحديثه، واعتمدوا عليه في امور الدين.
ومنهم سليمان بن مهران المعروف بالاعمش، المتوفى سنة ١٤٨، وقتادة بن دعامة بن عزيز السدوسي البصري المتوفى سنة ١١٧، وهو من المعروفين بين المحدثين بالتدليس، لانه روى عن جماعة لم يسمع منهم.
ومنهم الحسن البصري احد مشاهير التابعين، المتوفى سنة ١١٠، ونص الذهبي في ميزان الاعتدال على انه كان من قضاة الامويين، ومن المدلسين في الحديث.
ومنهم عبد الرزاق الصنعاني المتوفى سنة ٢١١، والوليد بن مسلم الدمشقي وجاء عنه انه كان يدلس عن الكاذبين والموثوقين، توفي سنة ١٩٥ ومنهم سفيان الثوري كما نص على ذلك المؤلفون في احوال المحدثين.
____________________
(١) المبهم هو الذي لم يعرف اصله ونسبه ولم تثبت عدالته.
وجاء في توضيح الافكار المجلد الاول ص ٣٥٣و ٣٥٤، ان جميع هؤلاء الائمة المشاهير من رواة الصحيحين، ولذلك فقد اعتذر المحدثون عنهم بان تدليسهم يرجع الى ابهام الراوي، ومثل ذلك لا يوجب تجريحهم بالكذب والاغراء ونحو ذلك مما يخل بوثاقتهم، وحاول بعضهم اخراج مرويات هؤلاء من التدليس، وادخالها في المرسل، وحجتهم في ذلك ان التدليس يختص بمن روى عمن لاقاه ولم يسمع منه، فان روى شخص عمن عاصره ولم يلتق به، فالرواية من المرسل(١) .
وقال الخطيب البغدادي في الكفاية، في معرض التفرقة بين المدلس والمرسل ان الراوي لو بين انه لم يسمع الحديث من الراوي الذي دلسه منه وكشف ذلك يصبح الحديث مرسلاً غير مدلس فيه، لان الارسال لا يرافقه الابهام من طرف المرسل بانه قد سمع الحديث ممن لم يسمع منه، وانه قد التقى به، والتدليس الذي نقلناه عن هؤلاء يتضمن الارسال لا محالة، من حيث ان المدلسين قد امسكوا عن ذكر من دلسوا عنه، ويفترق هذا النوع عن المرسل من ناحية انهم ابهموا السماع ممن لم يسمعوا منه لا غير، ولم يظهر منهم ايهام السامع بانهم قد التقوا بالراوي وسمعوا منه، والذي يوهن الحديث المدلس فيه، ملازمة التدليس لايهام السامع انه قد سمع ممن لم يسمع منه، ولاجل ذلك ذم العلماء من دلس في الحديث، ولم يذموا من ارسله(٢) .
لقد حاول المؤلفون في علم الحديث بهذا اللف والدوران تنقية اخبار الصحيحين من الضعف، ودفع جميع الشبه والشكوك التي تحوم حولهما ولو بالمغالطات والتمحلات، حتى كأنهما من كتب الله المنزلة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، مع العلم بان مؤلفيها من
____________________
(١) انظر علوم الحديث ص ١٨٣.
(٢) الكفاية في علم الحديث الخطيب البغدادي ص ٣٥٧
البشر الذين يخطئون ويصيبون كغيرهم من جميع بني الانسان الا من عصمه الله.
ومن الجائز ان يكون منشأ اعتمادهما على مرويات هؤلاء المدلسين كما وصفهم بذلك علماء الحديث هو وثوقهما بها ولو من القرائن والملابسات الخارجة عن نطاق الحديث، والاعتذار عنهما بهذا الاسلوب ليس بعيداً عن المنطق، وفي الوقت ذاته بعيد عن الغلو والاسراف في تقديسهما، هذا بالاضافة الى ان اعطاء تلك المرويات صفة الارسال لا ينفي عنها صفة الضعف لان المرسل من افراد الضعيف كما نص على ذلك المؤلفون في دراية الحديث.
ومن اقسام الضعيف الحديث المعلل، وهو الذي ينطوي على علة تمنع من صحته، وان بدا سالماً من العلل، واكثر ما يكون التعليل في الاسناد الجامع شروط الصحة ظاهراً وحينئذ قد تدرك العلة بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم الى ذلك تنبه الناقد على وهم وقع من الراوي بان يرسل حديثاً موصولاً، او يكون الحديث من نوع الموقوف، وهو في واقعة مما يسمى في عرف المحدثين بالمرفوع، او يكون مصدر العيب فيه دخول حديث في حديث، بنحو يغلب على ظن الراوي ان الحديث غير صحيح او يتردد في صحته، ويستحسن من الراوي اذا روى حديثاً معللاً ان يذكر علته(١) .
ومن اقسامه المضطرب، وهو الذي يتعدد رواياته بنحو تتساوى وتتعادل ولا يمكن ترجيح احدهما على الآخر بشيء من طرق الترجيح، ومنشأ الضعف في هذا النوع ما يقع فيه من الاختلاف من ناحية حفظ رواته وضبطهم ومن امثلة ما جاء عن ابي بكر انه قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآله :
____________________
(١) والمراد بالمعلل هو المشتمل على علة أي عيب يمنع من صحته، وان كان بظاهره يبدو سالماً من العيوب.
أراك شبت يا رسول الله، قال: شيبتني هود وأخواتها رواه ابو اسحاق وحده، واختلفوا فيه على وجوه، فمنهم من رواه مرسلاً، ورواه بعضهم موصولاً، ورواه جماعة مسنداً الى ابي بكر، وآخرون اسندوه الى عائشة، واسنده فريق الى سعد، وكل هؤلاء من الثقات الذين لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض وترك الباقي، والاضطراب في السند امارة على ضعف الحديث، لان تساوي الروايات في الدرجة وعدم تعارضها يمنع من الحكم بالاصح منها، وقد يحصل الاضطراب في متن الحديث كما لو اختلفت الروايات في متنه سواء اتفقت في سنده او اختلفت فيه.
ومن اقسامه المقلوب. وهو الذي يقدم الراوي فيه المتأخر، او يؤخر فيه المتقدم، او يضع شيئاً مكان شيء وقد ضعفوا هذا النوع من الاحاديث نظراً الى ان التقديم والتأخير يكشفان في الغالب عن عدم ضبط الراوي، وذلك قد يؤدي الى عدم تفهم المراد من الحديث.
ومن اقسامه الشاذ، والمنكر، والمتروك، والمراد من الشاذ هو ما يرويه الثقة بنحو يختلف عن رواية غيره من الثقات، او لرواية غيره له ممن هو اولى منه بالقبول، والمراد من المنكر هو ما يرويه الضعيف بنحو يتعارض مع رواية الثقة الضابط، والمتروك هو الذي يرويه المتهم بالكذب او من هو ظاهر الفسق، او من غلبت عليه الغفلة والاوهام الباطلة الى غير ذلك من انواع الضعيف واصنافه.
وقد تبين من هذا العرض الموجز لاقسام الحديث ومراتبه، ان تقسيم الحديث وتصنيفه الى هذه الاقسام والاصناف يلتقي فيها الطرفان السنة والشيعة في الغالب، وموارد الخلاف بينهما لا تزيد عن الخلافات الواقعة بين علماء المذهب الواحد في هذا الموضوع وغيره من المواضيع.
والذي تجدر الاشارة اليه ان هذه العناية البالغة في الحديث واصنافه
وحالاته كان من الممكن الاستفادة منها الى ابعد الحدود، لو تجرد الذين اهتموا بهذه المواضيع عن نزعاتهم واخذوا بالواقع الذي تفرضه الدراسة العلمية الواعية، وعرضوا الاحاديث سنداً ومتناً على علمي الدراية والرجال عرضاً عملياً بقصد تصفيته مما يسيء الى السنة، بل وحتى الى الاسلام نفسه، واهتموا باحاديث الاحكام وغيرها مما هو مدون في مجامع الحديث على علاته ومصائبه، ولكنهم لم يوفقوا لذلك، فقد رافقتهم النزعات الموروثة في جميع المراحل التي مروا بها واهتموا بالاسانيد اكثر من اهتمامهم بالمتون، مع العلم بان الاخطار الناتجة عن متونها لا تقل عن اخطار الاسانيد، واحتضنوا احاديث الاحكام تاركين غيرها من المرويات في مختلف المواضيع كأنها لا تعنيهم، مع انها ان لم تكن اولى بالدراسة والتصفية من احاديث الاحكام، فليست تلك بأولى منها ولا اكثر شمولاً واعم نفعاً، ذلك لان الدساسين والمرتزقة قد وجدوا متسعاً لهم عن طريقها للوصول الى ما يهدفون اليه وقع بلغ الحال بالوضاعين انهم كانوا اذا استحسنوا أمراً صيروه حديثاً، كما نص على ذلك بعضهم، وحجتهم في ذلك انهم يضعون له لا عليه على حد تعبيرهم.
هذا بالاضافة الى ان الخلافات المذهبية قد استحوذت عليهم في الدراسات المتعلقة بهذه المواضيع منذ تدوين الحديث الى آخر مرحلة من المراحل التي مروا بها، فقد ظهر كل فريق بمظهر المدافع عن مروياته ومجاميعه لا بمظهر الناقد النزيه الذي يهمه ان ينتقي الجوهر من الحصى، وان يدفع عن الحق شبه المبطلين والمنحرفين ولو كان الحق بجانب اخصامه ومنافسيه.
العدالة
لما كانت العدالة من الشروط الاولية للحديث الصحيح عند الفريقين السنة والشيعة، ولما كانت عدالة الصحابة من الامور المتفق عليها بين محدثي السنة، كان من المفروض ان نتعرض لهذين الموضوعين في هذه الدراسات حول الصحيح للبخاري، والكافي للكليني، ذلك لانهما لم يدونا في هذين الكتابين الا ما صح عندهما من المرويات في مختلف المواضيع، ولان البخاري اكثر ما يعتمد في صحيحه على مرويات الصحابة مهما كان حالهم، ولا يتردد في مروياتهم ولو كانت لا تنسجم مع اصول الاسلام ومبادئه، او كانت عن طريق ابي سفيان، والحكم بن ابي العاص وامثالهما من اعداء الاسلام.
والمراد من العدالة كما يظهر من موارد استعمالها عندهم، استقامة الراوي في امور الدين، وسلامته من الفسق، ومنافيات المروءة في جميع الحالات ونص الخطيب البغدادي في (الكفاية) على ان العدل من عرف بأداء الفرائض، ولزوم ما أمر به، وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحرى الحق والواجب في افعاله ومعاملاته، والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة، واضاف الى ذلك: ان من كانت هذه حاله فهو الموصوف بانه عدل في دينه، واستدل على ذلك بقول النبيصلىاللهعليهوآله :
من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم
يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت اخوته، وحرمت غيبته. واكثرهم يفرق بين تعديل الراوي وتزكية الشاهد، فيكتفون في تعديله بشاهد واحد، ويشترطون التعدد في التزكية، لانها نوع من الشهادة التي لا بد فيها من التعدد.
ويبدو من هذا النص وغيره من النصوص ان العدالة من الصفات القائمة بالنفس التي تعرف بآثارها كأداء الفرائض وتجنب المحرمات ومنافيات المروءة وغير ذلك مما يكشف غالباً عن وجود تلك القوة الدافعة على العمل بالواجبات وترك المحرمات، وتحري الحق والواجب في جميع الافعال والمعاملات، فلا بد والحالة هذه من تتبع احوال الراوي في اكثر حالاته ليصح الحكم عليه بالعدالة او عدمها.
وقال الدكتور صبحي الصالح: ولا ريب ان العدالة شيء زائد على مجرد التظاهر بالدين والورع، لا تعرف الا بتتبع الافعال واختبار التصرفات لتكون صورة صادقة عن الراوي(١) .
ونص في المجلد الثاني من توضيح الافكار على انه لا فرق بين تزكية الراوي وتزكية الشاهد من حيث الاكتفاء بشاهد واحد، وايد ذلك القاضي ابو بكر الباقلاني، واحتج لذلك، بان التعدد انما يجب في الشهادة، وتزكية الشاهد ليست شهادة(٢) .
ونص الشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي احد اعلام الامامية في كتابه الوجيزة في دراية الحديث، ان عدالة الراوي وجرحه يثبتان
____________________
(١) انظر ص ١٣٣ من علوم الحديث.
(٢) الباقلاني احد الشيوخ الذين انتهت اليهم زعامة المذهب الاشعري في النصف الثاني من القرن الرابع، توفي سنة ٤٠٣.
بشهادة عدل واحد عند الاكثر، ولو اجتمع الجارح والمعدل فالمشهور تقديم الجارح.
كما وان اكثر النصوص الشيعية تؤكد ان العدالة صفة قائمة في النفس، وان الطريق الى معرفتها هو فعل الواجبات وترك المحرمات، كما نص على ذلك العلامة الحلي واكثر من تأخر عنه، واضاف بعضهم الى ذلك ترك ما يتنافى مع المرءة وان لم يكن بذاته من المحرمات، وفي مقابل ذلك نص جماعة على انها ليست شيئاً آخر وراء فعل الواجبات وترك الحرام فمن فعل الواجب وترك الحرام كان عادلاً، وان لم يكن ذلك ناتجاً عن وجود صفة في النفس تدفعه الى فعل الواجب وترك الحرام، وتشدد فريق ثالث في تحديها، فقالوا: بأنها الاستقامة في امور الدين الناتجة عن الملكة القائمة في النفس، وفرعوا على ذلك بان من فعل الواجبات وترك جميع الكبائر اذا لم يكن ذلك منه بتأثير تلك القوة الدافعة على العمل والاطاعة لا يكون عادلاً، واحتجوا لذلك ببعض المرويات عن الائمة (ع) وقد جاء فيها:
ان العادل هو المعروف بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان، واجتناب الكبائر التي توعد الله عليها سبحانه بالنار: وهذه الصفات لا تجتمع في شخص ما لم يكن الخوف من الله مسيطراً عليه ومتأصلاً في نفسه، وليست الملكة في واقعها غير الخوف والرجاء الدافعين على الطاعة والاستقامة في امور الدين.
ومهما كان الحال فالظاهر ان الجميع متفقون على ان العدالة التي هي شرط في الشاهد وامام الجماعة والراوي وغير ذلك تترتب آثارها اذا كان الانسان معروفاً بالستر والعفاف وترك المعاصي، وفعل الواجبات سواء كانت من الامور القائمة بالنفس وهذه الامور كواشف عنها، ام
كانت هي العدالة الشرعية التي اعتبرها الشارع موضوعاً للآثار المختلفة حسب المقامات، وتفسيرها بهذا المعنى ليس بعيداً عن ظاهر النصوص التي تعرضت لحالها، وقد جاء في بعضها، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم هو ممن حرمت غيبته، وكملت مروءته وظهرت عدالته، وفي بعضها اذا كان ظاهر الانسان مأموناً جازت شهادته، وليس عليك ان تسأل عن باطنه الى غير ذلك من النصوص التي تشير الى ان العدالة ليست شيئاً آخر وراء فعل الواجبات وترك المحرمات.
وقد تعرض الفقهاء بمناسبة حديثهم عن العدالة ومنافياتها الى تصنيف المعاصي الى صغائر وكبائر ونص اكثرهم على ان الاصرار على الصغائر وعدم التوبة عنها من نوع الكبائر، لان الاصرار عليها يلازم الاستخفاف باوامر الله والامن من العقوبة، وجاء عن الامام محمد الباقر (ع) ان الاصرار على الذنب امن من مكر الله ولا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون، و نص اكثرهم على ان الكبيرة هي ما توعد الله عليه بالعذاب في كتابه وعلى لسان نبيهصلىاللهعليهوآله واعتمدوا في ذلك على رواية عبد العظيم ابن عبد الله الحسني عن ابي جعفر الجواد (ع) وجاء فيها ان عمرو بن عبيد دخل على الامام الباقر (ع) وبعد ان استقر به المجلس تلا قوله تعالى: ان تجتنبوا كبائر الاثم والفواحش، ثم قال: احب ان اعرف الكبائر من كتاب الله، قال ابو جعفر (ع): يا عمرو اكبر الكبائر الاشراك بالله، قال سبحانه: ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، وبعده اليأس من روح الله، لان الله يقول: لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون، ومضى الامام (ع) يعدد الكبائر التي نص عليها القرآن حتى عد اثنين وعشرين نوعاً منها.
وجاء عن الامام الرضا (ع) انها خمس وثلاثون نوعاً، وعد منها
قتل النفس، والزنا والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين. والفرار من الزحف. واكل مال اليتيم. ومعونة الظالمين والركون اليهم. والربا. وقذف المحصنات وغير ذلك من المحرمات المنصوص عليها في الكتاب والسنة، وتقسيم المعاصي الى الصغائر والكبائر. هذا التقسيم يمكن ان يكون نسبياً بمعنى ان كل معصية بالنسبة لما فوقها صغيرة، وبالنسبة لما هو دونها كبيرة فلو قلنا بذلك تصبح كل معصية من المعاصي صالحة للوصفين، ويكون الفاعل مستحقاً للعقاب باعتبار كونه عاصياً مع قطع النظر عن نوع المعصية ووصفها، ويدل على ذلك قوله تعالى:
ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم، حيث ان الآية بظاهرها تنص على ان مطلق المعصية سبب لهذا الجزاء.
ومما لا شك فيه ان عدالة الراوي تثبت بشاهدين عدلين بمقتضى الادلة الدالة على حجية البينة وقيامها مقام العلم في جميع موارد العمل بها، اما الشاهد الواحد، فقد نص اكثر الفقهاء على الاكتفاء به في تعديل الراوي، كما نص على ذلك الشيخ عبد الصمد في الوجيزة، والمامقاني في مقباس الهداية وغيرهما، وفي مقابل ذلك لم يكتف بعض الفقهاء بالشاهد الواحد لان عدالة الراوي كغيرها من الموضوعات التي لا بد من احرازها بطريق العلم او ما يقوم مقامه، وليس ذلك الا البينة التي تتألف من شاهدين.
ورجح الشيخ الانصاري الاكتفاء بكل ما يفيد الوثوق والاطمئنان بعدالته بما في ذلك العدل الواحد اذا حصل من شهادته الاطمئنان بها اعتماداً على بعض النصوص التي لم تشترط اكثر من الوثوق والاطمئنان كقوله (ع) لا تصلِّ الا خلف من تثق بدينه وورعه، وقوله: اذا كان مأموناً جازت شهادته، ونحو ذلك مما يشير الى ان المعول على الاطمئنان بالشاهد وامام الجماعة والراوي، سواء حصل ذلك من استقصاء حاله
مباشرة، او من شهادة العدلين، او العدل الواحد(١) واضاف الى ذلك بعضهم ان الاقتصار على البينة في هذه المسألة يؤدي الى الغاء كثير من المرويات، لعدم تيسر البينة على عدالة الراوي، لا سيما مع بعد المسافة بينه وبين الشاهد، على ان التعديل والتجريح الموجودين في كتب الرجال مبنيان على الحدس الذي لا يفيد الا الظن، والاكتفاء به يرجع الى الاعتماد على الاطمئنان من أي طريق كان، وشهادة العدل الواحد لا تقصر احياناً عن افادة هذه المرتبة.
____________________
(١) انظر رسالة الشيخ مرتضى في العدالة.
الفصل الثالث : في الصحابة
الصحابي في اللغة مشتق من الصحبة، ويوصف بها كل من صحب غيره طالت المدة او قصرت.
وعند المحدثين، هو كل مسلم رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال البخاري في صحيحه: من صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله او رآه من المسلمين فهو من اصحابه.
وجاء عن احمد بن حنبل انه قال: افضل الناس بعد صحابة الرسول من البدريين كل من صحبه سنة او شهراً، او يوماً، او رآه، وله من الصحبة على قدر ما صحبه(١) .
ونص بعضهم على ان اصحاب الحديث يعطون وصف الصحبة لكل من روى عن النبي حديثاً او كلمة او رآه، وممن صرح بذلك ابن حجر في المجلد الاول من الاصابة: واضاف الى ذلك مؤمناً به، ثم قال: ويدخل في قولنا مؤمناً به، كل مكلف من الجن والانس، ونص غيره على دخول الجن الذين امنوا به في الصحابة ايضاً(٢) ، وفي مقابل ذلك يشترط بعضهم
____________________
(١) انظر الكفاية ص ٥١، وتلقيح فهوم أهل الآثار ص ٢٧.
(٢) انظر المجلد الاول من الاصابة ص ١٠ و ١١.
في اعطاء المسلم وصف الصحبة، ان يقيم معه سنة او سنتين، ويغزو معه غزوة او غزوتين، كما جاء عن سعيد بن المسيب.
ونص القاضي ابو بكر الباقلاني، على ان الصحبة لا يوصف بها الا من كثرت صحبته، واتصل لقاؤه، ولا يجري هذا الوصف على من لقي النبي ساعة ومشى معه خطا، او سمع منه حديثاً(١) والرأي الشائع الذي يؤيده اكثرهم هو اعطاء هذا الوصف لكل من رأى النبيصلىاللهعليهوآله او ولد في حياته، وعدوا محمد بن ابي بكر من الصحابة، مع انه ولد في حجة الوداع آخر ذي القعده، قبل وصول النبيصلىاللهعليهوآله الى مكة في السنة العاشرة من الهجرة وقبل وفاته بثلاثة اشهر، وتتفاوت درجات الصحابة عندهم فقد نص بعضهم انهم اثنتا عشر طبقة اعلاها السابقون الى الاسلام من الطبقة الاولى، وادناها الذين ادركوه في حجة الوداع لا غير.
وقد اجمعوا على ان افضلهم ابو بكر وعمر، ويأتي من بعدهما عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب (ع) ومن بعدهما الباقون من العشرة المبشرين بالجنة، ثم تتسلسل درجاتهم وطبقاتهم حسب تقدم اسلامهم، ومواقفهم من الجهاد والخدمات التي قدموها الى الاسلام والرسولصلىاللهعليهوآله وتثبت الصحبة بالامور التالية:
التواتر، والشهرة، والشياع الذي لم يبلغ حد التواتر، وبخبر الصحابي الواحد وخبر التابعي، ولو كان واحداً بناء على الرأي الراجح من كفاية الواحد في التزكية(٢) .
ومهما كان الحال في تحديد المقصود من الصحابي حسب اصطلاحهم فلقد توسع المؤلفون
____________________
(١) الكفاية ص ٥١.
(٢) السنة قبل التدوين ص ٣٩٤ والاصابة ج/١ ص ١٣و ١٤.
في علمي الحديث و الرجال في البحث عن الحديث و اقسامه و الرواة و احوالهم ، درسوا احوال الرجال جيلا بعد جيل، حتى اذا تحققوا من احوال الراوي، وانه كان نقي السيرة صادق الايمان ضابطاً متقناً أميناً وصفوه بالوثاقة، ووصفوا مروياته بالصحة، واذا وجدوا فيه ما يشعر بعدم الامانة في الحديث، او عدم الاستقامة في الدين، وصفوه بما يتناسب مع حاله، وتركوا جميع مروياته، الا اذا اقترنت ببعض القرائن التي تؤكد صدورها عن النبيصلىاللهعليهوآله او عن صحابته، ولو وجدوا له قادحاً ومادحاً وجارحاً ومعدلاً اخذوا بالجارح وتركوا المادح والمعدل، وبهذه المناسبة يقول ابن الصلاح:
اذا اجتمع في شخص جرح وتعديل، فالجرح مقدم لانه يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل، فاذا كان عدد المعدلين اكثر من عدد الجارحين، قبل تعين الاخذ بالتعديل، والصحيح الذي عليه الجمهور ان الجرح اولى بالرعاية والاعتبار، ومع انهم احتاطوا في الاخذ بالحديث الى هذا الحد، ووضعوا الاصول والقواعد للتاكد من احوال الراوي وسلامة الحديث مما يوجب عدم الاطمئنان بصحته، وطبقوا اصول علمي الدراية والرجال على جميع الرواة مهما بلغوا من العظمة والعلم والدين، مع انهم وضعوا الجميع على اختلاف طبقاتهم ومكانتهم في قفص الاتهام، وبحثوا عن احوالهم بتحفظ ودقة، وقفوا من الصحابة مكتوفي الايدي واعتبروهم من العدول الذين لا يجوز عليهم نقد او تجريح وقالوا: (ان بساطهم قد طوي) على اختلاف طبقاتهم واعمارهم، واضافوا الى ذلك ان جميع ما صدر عنهم من الغلط والانحراف والشذوذ لا يسلبهم صفة العدالة لان صحبتهم للنبيصلىاللهعليهوآله تكفر عنهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، مهما بلغ شأنها وتعاظم خطرها على حد تعبير الجمهور الاعظم من محدثي السنة ومؤلفيهم في هذه المواضيع، والذين خرجوا على هذا الرأي ولم يفرقوا بين الصحابة
وغيرهم لا يمثلون رأي السنة في هذه المسألة، بل تعرضوا لاعنف الهجمات وأسوأ الاتهامات المعادية من الجمهور الاعظم، الذين يقدسون كل من رأى النبي، او سمع حديثه ولو كان طفلا صغيراً، ولعلنا بهذه الوقفة القصيرة مع الجمهور القائلين بأن الصحابة لا يخضعون للنقد والتجريح وان جميع الشروط التي ينص عليها علم الدراية يجب ان تطبق على الراوي والرواية ما لم يكن الراوي لها صحابياً.
لعلنا بهذه الوقفة معهم نستطيع ان نكشف عما يكمن وراء هذا الافراط في الغلو بجميع من اسموهم بالصحابة من الاخطار التي تسيء الى السنة النبوية والى الاسلام نفسه الذي ألغى جميع الامتيازات والاعتبارات التي لا تعكس جهات الخير والكرامة في الانسان واعتبر العمل الصالح هو المائز بين الطيب والخبيث والصالح والفاسد مع العلم بأن الكثير منهم قد اسرفوا في ارتكاب المعاصي والمنكرات وخالفوا الضرورات من دين الاسلام.
عدالة الصحابة
يدعي الجمهور من السنة، ان للصحبة شرفاً عظيماً يمنح المتصف بها امتيازاً يجعله فوق مستوى الناس اجمعين، ولو باشر المنكرات، واسرف في المعاصي واتباع الشهوات، وينطلقون من هذا الغلو الى انهم عدول مجتهدون في جميع ما صدر منهم، فمن اصاب في آرائه واعماله الواقع فله ثواب من أدرك الحق وعمل به، ومن أخطأ فله أجر المجتهدين العارفين فعدالتهم ثابتة بتعديل الله لهم وثنائه عليهم على حد تعبير الغزالي في المستصفى، وعندما تنتهي الرواية اليهم يجب الوقوف عندها، وليس لاحد ان يطبق عليها اصول علم الدراية وقواعده، ولو كان الراوي لها مروان بن الحكم او ابو سفيان او غيرهما ممن وصفهم القرآن بالنفاق والرسول الكريم بالارتداد.
قال ابن حجر في المجلد الاول من الاصابة: اتفق أهل السنة على ان الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذاذ من المبتدعة، واضاف الى ذلك ان عدالتهم ثابتة بتعديل الله لهم، ونقل عن ابن حزم. بأنهم جميعاً عدول ومن أهل الجنة قطعاً على حد تعبيره، ومن قال بأنهم كغيرهم من الناس يتفاوتون بمقدار اعمالهم وخدماتهم وجهادهم فقد تعرض لاعنف الهجمات من جمهور أهل السنة.
وقال الغزالي في المستصفى: والذي عليه السلف وجماهير الخلف ان عدالتهم معلومة بتعديل الله عز وجل اياهم وثنائه عليهم في كتابه وهو
معتقدنا فيهم، الا ان يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لم يثبت، فلا حاجة لهم الى التعديل، قال تعالى: كنتم خير امة اخرجت للناس ومضى يسرد الادلة على عدالتهم من الكتاب والسنة، واضاف اليها انه لو لم ترد النصوص القرآنية والنبوية بعدالتهم لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والاموال وقتل الآباء والاهل في موالاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونصرته، لو لم ترد النصوص لكانت هذه النواحي كافية في عدالتهم، وبعد ان تعرض لبعض الآراء التي تحملهم مسؤولية اعمالهم وتصرفاتهم المنسوبة الى بعض اعيان المعتزلة وغيرهم، بعد ان عرضها قال: وكل هذه الاقوال جرأة على السلف، ومخالفة للسنة، واخيراً رجح الرأي الشائع بين فقهاء السنة ومحدثيهم فيما يتعلق بتصرفات الصحابة المنافية لاصول الاسلام وفروعه، الذي ينص على انهم مجتهدون في كل ما وقع منهم، فالمصيب منهم مأجور، والمخطئ معذور(١) .
ويؤكد البعض من السنة ان الصحابة كغيرهم من الرواة من حيث وجوب الفحص عن عدالتهم والتوثق منها(٢) ، وانصار هذا القول بين من يرى انهم كغيرهم من الناس، وان الصحبة لا ترفع من شأن احد طالت ام قصرت، وبين من يدعي ان عدالتهم استمرت الى ان وقع الخلاف بينهم، وباشروا الفتن وأراقوا الدماء، وتنافسوا على أمور الدنيا، ومنذ ذلك الحين اصبحوا كغيرهم معرضين للنقد والتجريح والتفسيق ولغير ذلك مما يجوز على جميع الناس، و أسرف بعض المعتزلة اسرافاً لا مبرر له في حكمه على تلك الفئات المتخاصمة ، فذهب واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد الى وجوب طرح الرواية اذا انتهت اليهم ولو كان الراوي لها علياً (ع)، لاحتمال ان يكون هو المبطل في خصومته لعائشة ورفيقيها،
____________________
(١) انظر المستصفى ص ٢٠٤، ٢٠٥.
(٢) القائلون بذلك لا يمثلون رأي الجمهور كما ذكرنا سابقاً.
ولمعاوية وانصاره، كما يرى ذلك واصل بن عطاء، بينما يؤكد عمرو بن عبيد، الزعيم الثاني للمعتزلة بعد واصل انهم جميعاً قد خرجوا عن العدالة ولا تصح شهادتهم على باقة بقل، على حد تعبيره.
وجاء في الفرق بين الفرق للبغدادي. ان ابا الهذيل العلاف، والجاحظ، واكثر القدرية على رأي واصل بن عطاء في علي (ع) وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم ممن اشترك في الحروب والخصومات في تلك الفترة من تاريخ الاسلام.
ومهما كان الحال فالمحدثون والفقهاء من المنتسبين الى المذاهب الاربعة الا ما شذ منهم متفقون على عدالة الصحابة وعدم التوقف في مروياتهم عن الرسولصلىاللهعليهوآله ورجحان الاقتداء بهم في امور الدين وغيرها، ولم يعرف الخلاف في ذلك الا من بعض المتأخرين، كالشيخ صالح مهدي المقبلي، المتوفى في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، والشيخ محمد عبدو، والشيخ رشيد رضا، وغيرهم، ولكن هؤلاء وان كانوا من اعلام السنة، ولكنهم لا يمثلون الا انفسهم في هذه المسألة.
قال الاستاذ محمود ابو ريه: واذا كان الجمهور على ان الصحابة كلهم عدول، ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة، واعتبروهم جميعاً معصومين عن الخطأ والسهو والنسيان، فان هناك كثيراً من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة المطلقة لجميع الصحابة، وانما قالوا: كما قال العلامة المقبلي: انها أغلبية لا عامة، وانه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو والهوى، ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة ان هم الا بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم، مما يرجع الى الطبيعة البشرية، ويعززون حكمهم بما وقع في عهده من المنافقين والكذابين وبما وقع بعده من الحروب والفتن والخصومات التي لا تزال آثارها الى اليوم، وستبقى الى ما بعد هذا اليوم(١) .
____________________
(١) انظر الاضواء ص ٣٢٢ و ٣٢٣، والمستصفى ص ١٠٥.
واستدلَّ القائلون بعدالة الصحابة ببعض الآيات والاحاديث المروية عن النبيصلىاللهعليهوآله التي تثبت هذه الصفة لجميع الصحابة على حد زعمهم. فمن ذلك قوله تعالى في الآية من سورة الفتح:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذٰلِکَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ کَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْکُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً ) .
وقال تعالى في سورة التوبة:( وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذٰلِکَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
وقال في سورة الانفال:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولٰئِکَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ کَرِيمٌ ) .
وقال في سورة الحشر:( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوَاناً وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِکَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَ الْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ کَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَ لاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّکَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .
وقال في سورة الفتح:( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّکِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) .
بهذه الآيات وغيرها مما اشتمل على مدحهم بالايمان والصدق
وعلى وعدهم بالمغفرة والجنان، التي اعدها الله للمؤمنين العاملين، قد استدل الجمهور من السنة على عدالة الصحابة وانهم فوق الشبهات والاهواء (وان بساطهم قد طوي) وليس لاحد ان يتردد في شيء من تصرفاتهم واعمالهم على حد تعبير بعض المحدثين من السنة والذي لا يمكن التنكر له، هو ان هذه الآيات ونظائرها تدل دلالة واضحة لا تقبل الجدل والتشكيك على ان لبعضهم من القداسة وعلو المنزلة ما ليس لاحد من الناس وبخاصة من اشترك معه في حروبه وغزواته، وضحى في سبيل تلك الدعوة بالمال والنفس والاولاد، واخلص له في السر والعلانية، هؤلاء لا يجحد فضلهم الا كل معاند لا يؤمن بيوم الحساب، اما ثبوت العدالة والقداسة لكل من رآه او سمع حديثه، او ادرك عصره ولو طفلاً صغيراً مهما صنع بعد ذلك من المنكرات واقترف من الذنوب والآثام كما جرى ذلك لكثير منهم، فهو نوع من التهويش والتضليل الذي لا يقره المنطق بل ولا العقل، ولا تؤيده تلك النصوص ولو من بعيد، ذلك لان من وصفهم الله بتلك الآيات بالشدة على الكفار والركوع والسجود والهجرة والجهاد وغير ذلك من الاوصاف لا ينكر احد فضلهم، ولا يتردد في عدالتهم، ومن المعلوم ان الذين عاصروا الرسول ورووا حديثه، بل وحتى الذين ناصروا دعوته لم تتوفر في اكثرهم تلك الصفات التي اشتملت عليها الآيات الكريمة، بل من بينهم المنافق والفاسق والمتخاذل والمتستر بالاسلام خوفاً او طمعاً، ومن ينتظر الفرص ويراقب الظروف ويهيئ المناسبات ليقوم بدوره في وجه تلك الدعوة المباركة، ولو بالفتك بالرسول اذا اقتضى الامر، كما اشار القرآن نفسه الى ذلك في بعض آياته، هذا بالاضافة الى ان المتتبع لسير الحوادث، وتاريخ الصحابة في حياة الرسول وبعد وفاته لا يرتاب في ان الذين عاصروا الرسول بل وحتى الذين كانوا ألصق به من جميع الناس لم يلتزموا سيرته وسنته وساقتهم الاهواء الى ممارسة ما استطاعوا من الملذات
والشهوات، لقد احبوا وكرهوا وخاصموا وانتقموا واستحل بعضهم دماء الآخرين في سبيل الجاه والسلطان. ان هؤلاء الذين ألبسوا جميع الصحابة ثياب القديسين واعطوهم صفات الانبياء والمرسلين، قد ناقضوا انفسهم فصدقوا التاريخ فيما رواه من اعمالهم الطيبة ومواقفهم الخالدة، وكذبوه في غير ذلك من المرويات التي تصور لنا جشعهم وانهماكهم في المعاصي والمنكرات، مع العلم بأن التاريخ الذي روى لنا محاسن اخبارهم، روى لنا سيئات اعمالهم بشكل اوثق واقرب الى منطق الاحداث التي توالت خلال تلك الفترة من تاريخهم المشحون بالاحداث والمتناقضات، والتنافس على المال الحرام والجاه والسلطان.
ومجمل القول، ان الآيات التي استدل بها الجمهور على عدالة الصحابة لا يستفاد منها اكثر من التنويه بفضل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه ابتغاء مرضاة الله وطمعاً في ثوابه، كما يبدو ذلك بعد الرجوع اليها وملاحظة اسباب نزولها وملابساتها فالآية الاولى بمنطوقها تنص على ان جماعة من انصار النبيصلىاللهعليهوآله كانوا اشداء على الكفار رحماء بينهم، قد انصرفوا الى العبادة حتى ظهرت آثار ذلك في جباههم ووجوههم، وهذه الصفات لم تتوفر الا في عدد محدود من الصحابة فضلاً عن جميعهم.
والآية الثانية لم تتعرض الا للسابقين في فعل الخيرات والطاعات وتفضيلهم على غيرهم من الكسالى والمقصرين، فهي من حيث مؤداها اشبه بقول الرسولصلىاللهعليهوآله من سن سنه حسنة كان له اجر من عمل بها: ومن سن سنة سيئة كان عليه وزر من عمل بها.
وجاء عن جماعة من المفسرين، ان الآية تشير الى من صلى مع النبي القبلتين، وقال آخرون: انها نزلت فيمن بايع بيعة الرضوان،
وقال بعضهم انها فيمن اسلم قبل الهجرة، وعلى جميع التقادير فهي لا تفيد الجمهور، ولا تؤيد ادعائهم من قريب او بعيد(١) .
والآية الثالثة، نزلت فيمن هاجر من مكة الى المدينة، بعد ان هاجر الرسول اليها، كما جاء في مجمع البيان للطبرسي، وقد مدحهم الله سبحانه، لانهم هاجروا من ديارهم و اوطانهم في مكة ولحقوا بالرسولصلىاللهعليهوآله الى المدينة، كما مدح من آواهم ونصر الرسول، ووصفهم بأنهم المؤمنون حقاً، ولا يعارض احد من المسلمين في أن اولئك بهجرتهم، وهؤلاء بنصرتهم وتضحياتهم وايثارهم على انفسهم من المرضيين عند الله سبحانه بالنسبة الى هذا الموقف الذي وقفوه مع النبيصلىاللهعليهوآله وهذا لا يمنع من صدور المخالفات الكثيرة من بعضهم التي توجب وصفهم بالنفاق او الارتداد كما نصت على ذلك بعض المرويات، على ان الصفات التي اشتملت عليها الآية لم تتوفر في جميع الصحابة، كي تثبت لهم العدالة التي يدعيها الجمهور، وهكذا الحال بالنسبة الى الآية من سورة الحشر، فان ثبوت الفضل للفقراء والمهاجرين، والذين تلقوهم ونصروهم وآثروهم على انفسهم، ولمن بايعه بيعة الرضوان، في مقابل هذه التضحيات، لا يلزم منه ثبوته لكل من رأى النبي او روى عنه ولو حديثاً، او سمع منه كلمة(٢) . وقد استدل القائلون بعدالة الصحابة بالاضافة الى تلك الآيات ببعض المرويات عن الرسولصلىاللهعليهوآله
فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ابي سعيد الخدري ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لا تسبوا احداً من اصحابي، فان احدكم لو انفق مثل احدهم ذهباً ما ادرك مد احد ولا نصيفه.
وروى الترمذي عنه في صحيحه انه قال: الله الله في اصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن احبهم فبحبي احبهم، ومن ابغضهم فببغضي
____________________
(١) انظر احكام القرآن للجصاص: ج ٣ ص ١٨٠ ومجمع البيان: ج ٣ تفسير سورة التوبة.
(٢) انظر مجمع البيان وغيره من كتب التفسير ج ٥
ابغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك ان يأخذه.
وجاء عن ابي موسى الاشعري ان رسول الله قال النجوم آمنة للسماء، فاذا ذهبت النجوم أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي آمنة لأمتي فاذا ذهب اصحابي أتى أُمتي ما يوعدون.
وجاء عنهصلىاللهعليهوآله انه قال: خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم ثم يفشو الكذب.
وقد أورد هذه المرويات الاستاذ محمد عجاج الخطيب في كتابه السنة قبل التدوين، كما استدل بها كل من نكلم عن الصحابة واحوالهم، وانتهى الاستاذ الخطيب من هذه المرويات الى النتيجة التالية.
فقال: وقد اجمعت الامة على عدالتهم جميعاً الا افراداً معدودين اختلف في عدالتهم لا يتجاوزون عدد اصابع اليد الواحدة، فلا يجوز لاحد ان يتعداهم خشية ان يخالف الكتاب والسنة اللذين نصا على عدالتهم، وبعد تعديل رسول اللهصلىاللهعليهوآله لهم لا يحتاج احد منهم الى تعديل احد، واضاف الى ذلك. على انه لو لم يرد من الله تعالى و رسوله الكريم شيء في تعديلهم لوجب تعديلهم، لما كانوا عليه من دعم الدين والدفاع عنه، ومناصرتهم للرسول والهجرة اليه والجهاد بين يديه، وبذل المهج والاموال واخيراً انتحل صفة الاجتهاد لهم، حيث لم يجد ما يعتذر به عن بعض تصرفاتهم وللمجتهد ان يصنع ما يشاء، ما دام يفعل بوحي من اجتهاده، حتى ولو خالف الضرورات، واستحل جميع المنكرات كما وقع لكثير منهم. ومما ذكرنا تبين ان الجمهور القائلين بعدالة جميع من رأى النبي، او سمع حديثه، لا يملكون الادلة الكافية، التي تغنيهم عن التعسف واللف والدوران لاثبات العدالة المزعومة، ذلك لان ما جاء
عن النبيصلىاللهعليهوآله من المرويات التي تدل على تمجيدهم، وعدم ايذائهم، وانهم امان لأهل الارض، هذه المرويات لو صحت لا تدل على انهم قد بلغوا من الدين مبلغاً يعصمهم عن اتباع اهوائهم وشهواتهم، ويدفعهم الى الامتثال واجتناب المحرمات، ومن الجائز ان يكون الثناء عليهم باعتبار ان صحبتهم للنبي والتفافهم حوله يشكل مجموعة متماسكة لحماية الاسلام من اخطار الغزو المرتقب في كل لحظة من داخل البلاد وخارجها، هذا التكتل باعتباره من مظاهر القوة التي تمكن سير الدعوة كان محبوباً للّه سبحانه. مع قطع النظر من خصوصيات الافراد التي تخص كل واحد من حيث تصرفاته وأعماله. هذا بالاضافة الى ان حديث لا تسبوا اصحابي، واصحابي كالنجوم(١) . هذا الحديث من حيث اشتماله على صيغة الجمع، لا يتعين للشمول والاستيعاب، بل يصح منه ولو بالنسبة الى المخلصين في ولائهم العاملين بأوامر الله المتمسكين بسنته وسيرته، ولا ينكر احد وجود مجموعة كبيرة من اتباعه، قد تفانوا في خدمة الاسلام، واخلصوا في اعمالهم وجهادهم طمعاً في مرضاة الله وثوابه، والحديث ونظائره على تقدير صدوره من النبي لا بد وان يكون ناظراً الى تلك الفئة من بين اتباعه، ومن غير المعقول ان يقصدهم النبيصلىاللهعليهوآله على جهة العموم، وهو المخاطب بتلك الآيات التي وصفت فريقاً منهم بالنفاق والبغي وفريقاً بالتآمر على حياته واحباط جميع مساعيه وجهوده التي بذلها في سبيل الدين وتبثيت دعائمه، من غير المعقول ان يقصدهم جميعاً من تلك النصوص، ويقف موقف المدافع عنهم المجامل لهم والآيات الكثيرة تنادي بنفاقهم، وتكشفهم على واقعهم كي لا يغتر بهم احد من اصحابه الطيبين، وحتى لا تكون الصحبة ستاراً لأصحاب الشهوات والمطامع يستغلونها لاغراضهم ولكي لا تكون
____________________
(١) لقد ذكر هذا الحديث ابن القيم في الجزء الثاني من اعلام الموقعين، ونص على انه من الاحاديث الموضوعةصلىاللهعليهوآله ٢٢٣.
للصحابي تلك الحصانة التي تمنع من نقده وتجريحه.
وقلما تخلو سورة من سور القرآن من التشهير بهم والتحذير من دسائسهم، وسميت سورة التوبة بالفاضحة، كما جاء عن عبد الله بن العباس لانها فضحتهم وكشفت عن واقعهم.
وجاء عنه انه قال: ما زال القرآن ينزل بالمنافقين حتى خشينا ان لا يبقى احد امين من الصحابة.
وسميت المبعثرة لانها تبعثر اسرار المنافقين وتبحث عنها، كما سميت البحوث، والمدمومة والحافرة والمثيرة الى غير ذلك من الاسماء التي تتناسب مع مضامين تلك السورة بكاملها(١) .
قال تعالى، في معرض التهديد والتوبيخ للمنافقين «لو كان عرضا قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون انفسهم والله يعلم انهم لكاذون، عفا الله عنك لمك أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين».
وهذه الآية قد كشفت عن سوء نواياهم، واشارت الى المخطط الذي تبنوه ضد الدعوة كما تشعر بعتاب الله للنبيصلىاللهعليهوآله حيث اذن لهم بالتخلف عنه في بعض غزواته كما تؤكد الآية التي بعدها.
قال تعالى:( لاَ يَسْتَأْذِنُکَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُکَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ، وَ لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لٰکِنْ کَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) .
_____________________________
(١) انظر مجمع البيان طبع صيدا / ج / ٣ وغيره من كتب التفسير.
ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة من قبل، وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر امر الله وهم كارهون».
فالآية المذكورة تنص بصراحة الى ان بين صفوف الصحابة في المدينة وغيرها جماعة كانوا يسرون الغدر والنفاق، ويتربصون الظروف والمناسبات للفتّك بالمسلمين وايقاع الفتنة بهم، وتضيف الآية الى ذلك، ان هؤلاء حتى لو خرجوا معك للجهاد، لا تستفيدون من خروجهم شيئاً يعود عليكم بالخير، لانهم يبيتون الفتنة والشر لكم وتنص الآية بالاضافة الى ما ذكرنا، على ان لهم انصاراً بين الذين خرجوا معك يتجسسون عليكم وينقلون اليهم اسراركم «وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين»، ويستفاد من مجموع ذلك ان النفاق كان متفشياً بين الصحابة، والتنظيم السري كان يشمل مجموعة ممن تظاهروا بالاسلام واشتركوا في غزوات الرسول ضد المشركين، وان الغاية منه كانت تستهدف القضاء على الاسلام والرجوع الى تأليه الاصنام والاوثان، ولولا ان الله سبحانه قد أحاط تلك الدعوة المباركة بعنايته، وحفظها من مكرهم ودسائسهم واظهرهم على واقعهم، لولا ذلك كان من الميسور عليهم القضاء عليها بين عشية وضحاها. ولا احسب ان المتتبع لنصوص القرآن يتردد في هذه الحقيقة.
قال تعالى:( وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْکَافِرِينَ إِنْ تُصِبْکَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْکَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَ يَتَوَلَّوْا وَ هُمْ فَرِحُونَ ) .
وجاء في تفسير قوله الا في الفتنة سقطوا. انهم وقعوا في العصيان والكفر بمخالفتهم لك، وتخلفهم عن الجهاد معك.
وقال مخاطباً لهم: «قل انفقوا طوعاً او كرهاً لن يقبل منكم انكم
كنتم قوماً فاسقين، وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى، ولا ينفقون الا وهم كارهون، ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون، لو يجدون ملجأ او مغارات او مدخلاً لولوا اليه وهم يجمحون». ثم عرض القرآن جانباً آخر من جوانب نفاقهم فقال سبحانه.
( وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُکَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ، وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ) .
وجاء عن ابي عبد الله الصادق (ع) ان المعنيين بهذه الآية اكثر من ثلثي الناس ممن كانوا في عصر الرسول، واشارت بعض الآيات الى فريق آخر من المنافقين، كانوا يتعمدون ايذاء النبيصلىاللهعليهوآله بما ألصقوا فيه من التهم الباطلة فقال:( وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَکُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
وجاء في اسباب نزولها ان جماعة من المسلمين قالوا في الرسول ما لا ينبغي، فقال رجل منهم: لا تفعلوا فانا نخاف ان يبلغ محمداً ما تقولون فيوقع بكم، فقال الجلاس بن سويد: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول: فان محمداً اذن سامعة فانزل الله هذه الآية.
وقال سبحانه في الآية ٦٢ وما بعدها:( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا کُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آيَاتِهِ وَ رَسُولِهِ کُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ. لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ کَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِکُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْکُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ کَانُوا مُجْرِمِينَ ) .
وجاء في مجمع البيان وغيره من كتب التفسير في اسباب نزولها: ان اثني عشر رجلاً من المسلمين وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول اللهصلىاللهعليهوآله عند رجوعه من تبوك، فاخبر الله رسوله بذلك وامره ان يرسل اليهم ويضرب وجوه رواحلهم، وكان عمار بن ياسر يقود دابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وحذيفة بن اليمان يسوقها فقال الرسولصلىاللهعليهوآله لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاهم، فلما نزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال لم اعرف منهم احداً، فعدهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله باسمائهم واحداً واحداً، فقال له حذيفة: ألا تبعث اليهم فتقتلهم، فقال: اكره أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه قتلهم(١) .
وقال سبحانه: (يعتذرون اليكم اذا رجعتم اليهم، قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا اللّه من اخباركم، وسيرى الله عملكم ورسوله، ثم تردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون، سيحلفون باللّه لكم اذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم، فاعرضوا عنهم انهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون).
هذه الآيات نزلت في ثمانين رجلاً من الصحابة قد تخلفوا عن الخروج مع النبيصلىاللهعليهوآله الى تبوك، فلما رجع منها فاتحاً جاءوه يعتذرون عن تخلفهم عنه، فاخبره الله سبحانه بما انطوت عليه ضمائرهم، ونهاه ان يقبل معذرتهم لعلمه سبحانه بأنهم يسرون غير ما يظهرون، الى غير ذلك من الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة وغيرها كالحشر والمنافقين والانفال والاحزاب وغير ذلك من السور التي قلما تخلو من ذكرهم والتحذير من غدرهم ودسائسهم في داخل المدينة وخارجها.
ومما يلفت النظر ان المتآمرين قد انتشروا داخل المدينة وخارجها،
____________________
(١) انظر مجمع البيان ج / ٣ ص ٤٦ وقيل انها نزلت فيمن كان يسخر منه ويهزأ من اخباره وتصرفاته.
وان نشاطهم قد تعدى حدود المدينة كما تدل على ذلك بعض الآيات الكريمة.
قال سبحانه:( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ کُفْراً وَ نِفَاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَکِيمٌ ) .
( وَ مِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِکُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
ويبدو من مجموع ما ورد في القرآن بشأنهم ان الخطر منهم على الدعوة الاسلامية لم يكن باقل من المشركين الذين لم يخضعوا لسلطان الاسلام، ومن الجائز القريب ان يكون خطر المنافقين اشد وابلغ اثراً من اخطار غيرهم لانهم كانوا معهم وبين صفوفهم يراقبون جميع تصرفاتهم ويحصون عليهم انفاسهم: وقد اطمئن اليهم اكثر المسلمين، بل وحتى النبيصلىاللهعليهوآله لم يكن يعرف واقعهم، لولا الوحي الذي كان يكشفهم له بين حين وآخر، ولولا انهم كانوا يشكلون خطراً عظيماً على الدعوة الاسلامية وعلى الرسول نفسه لما الح القرآن الكريم على التحذير منهم بتلك الاساليب المختلفة. ويؤيد ذلك ما جاء عن الامام الصادق الصدوق في تفسير الآية ٥٩ من سورة التوبة، ان المعنيين بها اكثر من ثلثي الناس، ولو كانوا قليلي العدد وليسوا من ذوي الشأن، ولا يملكون من الوسائل التي تمكنهم من تنفيذ مخططاتهم واهدافهم، اذا كانوا كذلك فهل يستحقون هذا الاهتمام البالغ الذي ظهر في كثير من الآيات والسور وهل يحسن التحذير والتخويف ممن لا خطر منه ولا شأن له؟، ولماذا لم بتجاهل القرآن تلك الفئات الظالمة كما تجاهل اكثر العصاة ولم يتعرض الى خطرهم على الدعوة؟ ان القرآن الكريم لم يقف هذا الموقف من الصحابة،
و لم يحدث عنهم بتلك القسوة بشتى الاساليب الا بعد ان تكتل فريق منهم بقصد الفتك بالرسول، واحباط مساعيه، تضامناً مع مشركي قريش وغيرهم من العرب، وما كان وقوف الاثني عشر رجلاً الذين اشارت اليهم الآية ٦٤ من سورة برائة، في طريق الرسول للفتك به وهو راجع من غزوة تبوك الا احدى المحاولات التي تعاقد المتآمرون على تنفيذها، ومما لا شك فيه ان وراء هؤلاء الاثني عشر عدداً كبيراً، كان ينتظر نجاح المؤامرة ليقوم كل بدوره المعدّ له، وقد بلغ الحال بالمنافقين انهم كانوا يسهلون للمشركين واليهود احتلال المدينة ليناصروهم على محمدصلىاللهعليهوآله كما تشير الى ذلك الآية ١٤ من سورة الأحزاب.
قال تعالى:( لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَ مَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً ) .
وجاء في تفسيرها: لو دخل المشركون المدينة وطلبوا من المنافقين قتال المسلمين لاجابوهم الى ذلك.
وعن قتادة ان المقصود بالآية لو دخل المشركون الى المدينة، وطلبوا من المنافقين الدخول معهم في الشرك لاسرعوا الى اجابتهم.
ومجمل القول ان هذه الآيات على كثرتها توحي بوجود مجموعة من المنافقين قد تستروا بالاسلام لها اثرها وفعاليتها كانت تعمل بالخفاء للقضاء على الدعوة الاسلامية ولو بالفتك بالرسول، او باعلان العصيان والتمرد عليه داخل المدينة وخارجها، بعد ان عجزوا عن مقاومته مع صفوف المشركين في المعارك التي دارت بينهم وبينه ووترهم بآبائهم وابنائهم وعشائرهم ومعتقداتهم واضطرهم الى الاستسلام واطاح بامجادهم والغى جميع الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها، ويتحكمون
بالضعفاء والفقراء بسببها هؤلاء بلا شك لم يخالط الايمان قلوبهم، بل اظهروا الاسلام خوفاً وطمعاً، وقد وصف الله قصة اسلامهم بقوله:
( لا تقولوا آمنا بل قولوا أسلمنا، ولما يدخل الايمان في قلوبكم ) .
ليس بغريب على من اسموهم بالصحابة ان لا يدخل الايمان في قلوب الكثيرين منهم وان يكون فيهم المنافق والصالح، والمطيع والعاصي والطيب والخبيث لانهم حديثو عهد بالدين الحديد، الذي اقر الكثيرون به خوفاً وطمعاً ، وارغمهم على الاستسلام حين لم يجدوا سبيلاً للمقاومة، وفرض عليهم مبادئه واصوله في حين انهم ورثوا عن آبائهم واسلافهم ما لا يتفق مع تلك المبادئ واصول ذلك الدين الجديد، ليس بغريب ان يكونوا كما وصفهم القرآن، وكما نقل عنهم المحدثون والمؤرخون، لان النظر الى النبي، او سماع حديثه لا يغيران طبيعة الانسان، ولا يقتلعان منها نوازع الشر، انما الغريب ان يحكم جمهور السنة على كل من رآه او سمع حديثه بالعدالة والاستقامة، مع وجود هذه الآيات على كثرتها التي وصفت مجموعة منهم بالنفاق، وعدم الايمان بالله وبمبادئ الاسلام واصوله وحذرت النبي من غدرهم ونفاقهم وكشفت عن واقعهم.
ونحن لا نريد ان نطعن في جميع الصحابة، ولا ان نجحد فضل المجاهدين منهم والعاملين معه وبعده باخلاص لنشر الاسلام وتطبيق مبادئه واصوله، الذين آثروه على اعز ما لديهم، واغلى ما يمكلون وتسابقوا الى الشهادة والموت في سبيله، انا لا نريد ذلك ولا نقر من يهاجم جميع الصحابة ويجحد فضلهم، ونعتبر ذلك اساءة للرسول نفسه وجحدواً لنصوص القرآن الكريم الذي اشاد بفضل المجاهدين منهم في سبيل الله والعاملين باصوله وفروعه ووعدهم اجراً عظيماً وجزاءً كريماً، وانما الذي نريده، انهم كغيرهم من المسلمين في مختلف العصور فيهم الصالح والطالح، والشقي والسعيد، والمؤمن والمنافق وهم في ايمانهم ونفاقهم
يتفاوتون، فمنهم من بلغ القمة في ايمانه واخلاصه وتضحياته، ومنهم من انحط الى اسفل درك بسبب اسرافه في المنكرات والمعاصي، وبالرغم من ان التاريخ فد حاباهم فلقد سجل عليهم ما لا تقره الاديان والشرائع والاعراف في مختلف النواحي والمراحل التي مروا بها ولو اردنا ان نحصي تصرفاتهم التي لا يمكن ان تقرها الاديان بحال من الاحوال بل وحتى شريعة الغاب ولا يمكن افتراضها من نتائج الاجتهاد الذي يعذر فيه المجتهدون كما يحاول بعض الاعلام من السنة، لو اردنا ان نحصي عليهم تلك المخالفات الصريحة لنصوص القرآن لبلغت كتاباً مستقلاً، وقبل الحديث عن بعض تصرفاتهم لا بد من الاشارة الى بعض النصوص التي تؤيد انحراف الكثير منهم في حياة الرسول وبعده عن المخطط الاسلامي الذي وضعه القرآن والرسولصلىاللهعليهوآله ، كما جاء في مجاميع الحديث الموثوقة عند السنة.
فقد جاء في البخاري عن عبد الله بن العباس، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: انكم تحشرون حفاة عراة، وان اناساً من اصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فاقول اصحابي اصحابي، فيقول: انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم، فاقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم.
وجاء فيه ايضاً عن أبي هريرة، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: بينا انا قائم فاذا زمرة حتى اذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: قلت الى اين، قال الى النار واللّه، قلت وما شأنهم؟ قال: ارتدوا على ادبارهم القهقهري، ثم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل وقال هلم، قلت الى اين؟ قال الى النار والله، قلت وما شأنهم قال: انهم ارتدوا على ادبارهم القهقهرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم(١) . وجاء فيه ان
____________________
(١) وهمل النعم هي الابل الهاملة التي تتخلف عن السير مع القافلة، والمراد من ذلك انه لا يخلص من النار الا القليل .
النبيصلىاللهعليهوآله قال يرد علي يوم القيامة رهط من اصحابي فيحلأون عن الحوض فاقول يا رب اصحابي. فيقول: انك لا علم لك بما احدثوا بعدك. انهم ارتدوا على ادبارهم القهقهرى.
وجاء في الصحيح للبخاري عن سهل بن سعد ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: ليوردونّ علي اقوام اعرافهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فاقول انهم مني، فيقال: انك لا تدري ما احدثوا بعدك، فاقول سحقاً سحقاً لمن غير وبدل.
وجاء فيه عن عبد الله ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: انا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول يا ربي اصحابي! فيقال: انك لا تدري ما احدثوا بعدك.
وروي عن اسماء بنت ابي بكر، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال اني على الحوض حتى انظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فاقول يا ربي مني ومن امتي فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على اعقابهم، الى غير ذلك من المرويات في مجاميع الحديث عند السنة.
والجدير بالذكر ان هذه المرويات لم تتعرض للمنافقين والمتآمرين في عهد الرسولصلىاللهعليهوآله على سلامة الدعوة الاسلامية وعلى الرسول نفسه بصفته الحامل للوائها كما نصت على ذلك سورة التوبة وغيرها بل تعرضت لاصحابه من بعده وما سينتهي اليه امرهم من حيث خروجهم عن الجادة والمخطط الذي وضعه لهم، وهي تصرح بأنهم سيرتدون من بعده ويرجعون على اعقابهم الى الوراء، أي الى ما يشبه حالتهم قبل الاسلام، وبذلك تكون قد اضافت مجموعة منهم الى المجموعة التي تعرضت لها سورة التوبة وغيرها من سور القرآن وآياته، وبضميمة الذين وصفهم
بالارتداد الى الفئة الاولى ينتج ان اكثر الصحابة قد خالفوا الرسول ولم يتبعوا سنته وسيرته، ومع ذلك فالجمهور من السنة يقفون منهم موقف المغالي، ويصفونهم بالعدالة والاستقامة والرسول يصفهم بالارتداد، ويقول (لا ينجو منهم الا مثل همل النعم)، وهم يقولون: بأنهم ناجون ولو خالفوا الضرورات واستحلوا المنكرات لانهم مجتهدون، والمجتهد مأجور على كل حال وان تخطى الحق وتعمد الباطل وخالف الضرورات من دين الاسلام كما فعل العشرات منهم.
وكيف يصح وصفهم بالعدالة، وفيهم من عاب على النبيصلىاللهعليهوآله تصرفه في الصدقات كما جاء في الآية من سورة المائدة، وفيهم من آذاه كما تنص على ذلك الآية من سورة البقرة، وفيهم من اتخذ مسجداً ضراراً وكفراً تفريقاً بين المؤمنين كما تنص على ذلك الآية من سورة التوبة وفيهم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وكانوا اكثر من ثمانين رجلاً، وحلفوا له الايمان الكاذبة، كما نصت على ذلك الآية (يحلفون لكم لترضوا عنهم، فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) وفيهم أربعة عشر رجلاً تعاقدوا على اغتيال الرسول في ظلمات الليل، وفيهم من اذا اصابت الرسول حسنة تسؤهم، وان اصابته مصيبة سرتهم وفرحوا بها، الى غير ذلك من الاصناف التي نص عليها القرآن، وفيهم من ارتدوا بعد موته وغيروا وبدلوا، ولم ينفذوا وصيته في علي واهل بيته (ع) وآذوا ابنته حتى ماتت وهي غضبى عليهم كما نص على ذلك البخاري في صحيحه، مع انهم سمعوه اكثر من مرة يقول: فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني، وفيهم من أراقوا دماء المسلمين وخاضوا جميع الفتن، ومارسوا انواع الشهوات، وغرروا بزوجة النبيصلىاللهعليهوآله السيدة عائشة حتى قادت جيشاً مع اهل الاهواء والاطماع لحرب امام المسلمين
وسيدهم علي (ع) فأراقوا الدماء ونهبوا الاموال وروعوا الآمنين واستباحوا الاعراض.
وفيهم من قال، عندما تولى الخلافة قريبة عثمان: تلقفوها يا بني امية تلقف الكرة فوالذي يحلف به ابو سفيان ما من جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب، وهو بعينه القائل لعلي (ع) حينما استولى ابو بكر على الخلافة: غلبكم على هذا الامر ارذل بيت في قريش، اما والله لأملأنها عليه، خيلاً ورجالاً، فقال له علي (ع) ما زلت عدواً للاسلام وأهله، فما ضر ذلك الاسلام وأهله شيئاً(١) .
وفيهم من قتل مالك بن نويرة وعشيرته ودخل بزوجته ساعة قتله، لانه امتنع من تسليم الزكوة لغير الحاكم الشرعي، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله الحدود تدرء بالشبهات، وقال الله تعالى: ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مسلماً.
وفيهم طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآله مروان بن الحكم وابوه واسرته الذين لم يؤمنوا بالله ورسله طرفة عين ابداً وقد لعنهم الرسول وحذر المسلمين من مكرهم ودسائسهم، وهم الذين استغلوا خلافة عثمان بن عفان، واستهتروا بجميع الحقوق والمقدسات حتى ضج المسلمون في مختلف الاقطار من تصرفاتهم، ولما رفض اقصاءهم عن الحكم، لم يجد المسلمون بدا من التخلص منه عن طريق القوة ! والتي اودت بحياته، ولما
____________________
(١) انظر ص ٢٤٥ من الاستيعاب لابن عبد البر المطبوع على هامش الاصابة لابن حجر ج ٢
اتفق المسلمون في داخل المدينة وخارجها على الخليفة علي (ع) وضاق عدله بفريق ممن اسموهم بالصحابة، تكتلوا بقيادة الشيخين طلحة والزبير للثورة ضد الحكم القائم، واغروا زوجة النبي على ان تتزعم حركة الثورة ليضللوا بخروجها البسطاء والمغفلين، فعرضوها للهتك والخطر، وصانوا نساءهم بالرغم من تأكيد القرآن على صيانة نساء النبي، وحرص الرسول على ان يحفظه المسلمون في اهله ونسائه، وكان من نتيجة ذلك ان مروان بن الحكم نفسه تولى قتل طلحة بيده، لانه كان من المحرضين على قتل عثمان بن عفان، وجاء في بعض المرويات عنه انه قال لابان بن عثمان: قد كفيناك بعض قتلة ابيك(١) .
وروى البخاري في صحيحه ان ابن عمر جمع اهله وولده في وقعة الحرة، وامرهم ان لا يخلعوا بيعة يزيد بن معاوية، وروى لهم عن رسول الله انه قال: واني لا اعلم غدراً اعظم من ان يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال(٢) واي غدر اعظم من الفتنة التي اثارتها عائشة وزميلاها طلحة والزبير، تلك الفتنة التي قتل فيها اكثر من ثلاثين الف مسلم كما تؤكد النصوص التاريخية الموثوق بها بعد ان بايعا علياً (ع) طائعين غير مكرهين، ومع ذلك فالصحابة كلهم عدول حتى مروان بن الحكم والاسرة الاموية لانهم عاصروا الرسول وسمعوا احاديثه، ويجب ان تتضاعف عدالة معاوية لانه من كتاب الوحي على حد زعم الاخباريين من السنة، وكتاب الوحي كانوا ألصق بالرسول من غيرهم وأطول صحبة له من جميع الناس.
وبينهم امثال كعب الاحبار ووهب بن منبه وغيرهما ممن كانوا يزودون بعض الصحابة بمفترياتهم التي تسيء الى الاسلام والسنة الكريمة
____________________
(١) انظر الاستيعاب على هامش الاصابة لابن حجر ص ٢١٤.
(٢) انظر ج ١٦ من فتح الباري على صحيح البخاري ص ١٧٣.
وكان هؤلاء مصدراً ضخماً لابي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وامثالهما.
وجاء في المجلد السابع والعشرين من المنار للسيد رشيد رضا. ان كعب الاحبار كان من زنادقة اليهود الذين اظهروا الاسلام والعبادة لتقبل اقوالهم في الدين، وقد راجت دسائسه وانخدع به بعض الصحابة ورووا عنه وتناقلوا أقواله بدون اسناد اليه، واضاف الى ذلك. وان شر رواة هذه الاسرائيليات، واشدهم تلبيساً وخداعاً للمسلمين وهب بن منبه وكعب الاحبار، فلاتجد خرافة دخلت كتب التفسير والتاريخ الاسلامي في امور الخلق والتكوين والانبياء واقوالهم والفتن والساعة والآخرة الا وهي منهما(١) .
هذان الرجلان وان لم يكونا من الصحابة لانهما دخلا في الاسلام بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله ولكن الصحابة قد اعتمدوا عليهما فيما يتعلق بالمواضيع المذكورة، بل وحتى فيما يتعلق بتقريظ بعض الاشخاص والبلدان ونسبوها الى الرسول مباشرة، كما يبدو ذلك من مرويات ابي هريرة حينما التحق بمعاوية ووفر له اسباب الرفاهية والنعيم.
وقد جاء عن كعب الاحبار انه التقى برجل، فسأله من اين هو؟ فقال له: من اهل الشام، قال: لعلك من الجند الذي يدخل الجنة منه سبعون الفاً بغير حساب ولا عذاب، قال له ومن هم؟ قال: أهل دمشق قال: لست منهم، قال: فلعلك من الجند الذين ينظر الله اليهم كل يوم مرتين، قال ومن هم؟ قال: اهل فلسطين.
وروى عنه السيوطي في الجامع الصغير. انه قال: الشام صفوة الله
____________________
(١) ص ٥٤١ الى ٧٨٣ من المجلد المذكور.
من بلاده، اليها يجتبي صفوته من عباده فمن خرج من الشام الى غيرها فبسخطه ومن دخلها فبرحمته.
هذه المرويات وغيرها في فضل الشام وجندها واصحابها تؤكد عدالة معاوية ومن تبعه كعمرو بن العاص وولده عبد الله وابي هريرة ومروان وزمرته وغيرهم ممن انضم الى معاوية من الصحابة وابنائهم، لان هؤلاء قد دخلوا الشام وسكنوها، ومن دخل الشام فقد دخل رحمة الله كما يدعي كعب الاحبار وتلامذته.
ومنهم ابو هريرة الذي روى عن الرسولصلىاللهعليهوآله انه ما من مولود يولد الا و يمسه الشيطان، فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها فان الله جعل دون الطعنة حجاباً، فاصاب الحجاب ولم يصبها(١) ، ولازم ذلك ان الانبياء جميعهم لم يسلموا من طعنة الشيطان حتى محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله فقد اصيب بتلك الطعنة وتأثر بها كغيره من الناس كما يقتضيه الاستثناء الذي اقتصر على مريم وابنها وكان ابو هريرة من صنائع معاوية، والمقربين اليه، وقد ولاه على المدينة وروى له ما يشاء في علي (ع) واتباعه، وجاء في شرح النهج. انه لما دخل العراق عام الجماعة دخل ابو هريرة مسجد الكوفة، فلما اجتمع حوله الناس جثا على ركبتيه وضرب صلعته بيده مراراً، وقال يا اهل العراق تزعمون اني اكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله واحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول الله يقول: ان لكل نبي حرماً، وان المدينة حرمي فمن احدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، ثم قال: واشهد بالله ان علياً احدث فيها(٢) .
وهو الذي وصف مسيرة الجيش الذي بعثه النبيصلىاللهعليهوآله الى
____________________
(١) انظر البخاري ص ج ل.
(٢) انظر شرح النهج ج ١ ص ٣٥٩.
البحرين بقيادة العلاء بن الحضرمي، وكان مؤلفاً من اربعة آلاف مقاتل، وفي ذلك يقول ابو هريرة. لقد ساروا حتى اتوا على خليج من البحر ما خاضه احد قبلهم، ولا يخوضه احد بعدهم، فاخذ العلاء بعنان فرسه وسار على وجه الماء فسار الجيش وراءه، فوالله ما ابتل لنا قدم ولا حافر، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة(١) .
وهو الذي روى كما جاء في الصحيحين للبخاري ومسلم، ان ملك الموت جاء الى موسى، فقال له اجب ربك! فلطمه موسى على عينه ففقأها، فرجع ملك الموت الى الله تعالى فقال له: ارسلتني الى عبد لا يريد الموت ففقأ عيني، فرد الله عليه عينه، وقال له ارجع الى عبدي، وقل له: ان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما توارت بيدك من شعرة فانك تعيش بها سنة.
وهو الذي روى ان بني اسرائيل كانوا يتهمون موسى بعيب في جسمه، فنزل ذات يوم الى الماء ليغتسل، ووضع ثوبه على حجر قريب منه، فأخذ الحجر الثوب وفر به، فخرج موسى من الماء في طلبه عارياً، والحجر يسير ومعه الثوب حتى وصل الى اسواق المدينة، وموسى يجد في طلبه، ويقول: ثوبي حجر ثوبي حجر الى غير ذلك من مروياته التي سنعرض قسماً منها في الفصول الآتية، تلك المرويات التي لا يقرها العقل، ولا تتلائم مع واقع الاسلام البعيد عن الخرافات والاساطير والاوهام ولقد عرفه الصحابة الاولون، وادركوا خطره على السنة الكريمة من خلال مروياته التي كان يتلقاها من كعب الاحبار وغيره ويسندها الى الرسولصلىاللهعليهوآله ، وقال له عمر بن الخطاب، كما جاء في رواية ابن سعد في طبقاته:
____________________
(١) انظر الاصابة لابن حجر، والاستيعاب لابن عبد البر المطبوع على هامش الاصابة.
انك عدو الله والاسلام يا ابا هريرة، وقال فيه علي بن ابي طالب (ع): اكذب الناس على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ابو هريرة الدوسي(١) .
وجاء في تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة. ان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن ابي طالب (ع) كذبوا ابا هريرة في مروياته عن الرسولصلىاللهعليهوآله وفي كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر عن طاووس انه قال: كنت جالساً عند ابن عمر، فأتاه رجل فقال: ان الوتر ليس بحتم فخذوا منه ودعوا، فقال ابن عمر كذب ابو هريرة.
وقد كذبه كل من الزبير بن العوام وابن مسعود وعائشة وغيرهم، ولذلك كان مقلاً من الحديث في تلك الفترة من تاريخ الصحابة ولكنه وجد منفساً له ومجالاً واسعاً بعد اتصاله بالامويين وبخاصة بعد ان استتب الامر لمعاوية واصبح من المقربين اليه، ومعاوية يهمه اكثر من أي شيء ان يجد الى جانبه من يكيل له ولاسرته المدح والثناء، ويضع المطاعن في علي واسرته وينسبها الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وللحديث النبوي اثره البالغ في تأييد الحكام وتبرير تصرفاتهم لانهم يحكمون ويتصرفون باسم الدين، ولان الخلافة امتداد لسلطة الرسول وحكومته.
وقد بلغ من ولائه لمعاوية ان ولده ابا بردة قال: ان معاوية لم يغلق دوني باباً، ولم اقصده في حاجة الا قضيب لي بالغة ما بلغت(٢) ومنهم بسر بن أرطاة(٣) احد القواد البارزين في جيش معاوية، الذي كان مولعاً في تقتيل المسلمين واستباحة اعراضهم وقد ارسله معاوية، بعد تحكيم
____________________
(١) انظر ص ٣٦٠ من ج ١ شرح النهج لابن ابي الحديد.
(٢) انظر شيخ المضيرة ابو هريرة الدوسي لمحمود ابي رية ص ٤٣.
(٣) عده في الاصابة من الصحابة، لانه ولد قبل وفاة الرسول بسنتين، كما جاء في رواية الواقدي ووصفه الدارقطني بالصحبة، ونص ابن يونس على انه صحابي وأخذ من الرسول حديثين. انظر المجلد الاول من الاصابة ص ١٥٢.
الحكمين بقيادة جيش من اهل الشام الى مكة والمدينة واليمن وامره ان يقتل كل من يوالي علياً (ع) ولا يدين بولاء آل ابي سفيان، فقتل في طريقه كل متهم بالتشيع والولاء لاهل البيت، وخافه الناس، وقبل ان يدخل المدينة خرج منها ابو ايوب الانصاري، الوالي عليها من قبل علي (ع)، فدخلها بسر بن ارطاة بدون اية مقاومة، فصعد منبر الرسول في المسجد، وتوعد من كان فيها من المهاجرين والانصار وابنائهم بالقتل ان لم ييايعوا معاوية بن ابي سفيان، ثم قال: اما والله لولا ما عهد الي معاوية ما تركت في المدينة محتلماً الا قتلته، وامر الناس بالبيعة لمعاوية، ومن تمنع عن ذلك امر بقتله، وارسل الى بني سلمة، وقال لهم: والله ما لكم عندي امان ولا اقبل منكم بيعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله الانصاري، فذهب جابر الى ام سلمة زوجة النبيصلىاللهعليهوآله واستشارها بالامر وكان مما قاله لها: ان هذه البيعة التي يريدها لمعاوية بيعة ضلال، واخاف ان اقتل، فاشارت عليه ان يبايع كما اشارت على ولدها بذلك، ثم مضى يتتبع المهاجرين والانصار فمن لم يجده منهم هدم داره، ومضى الى مكة ففعل فيها مثل ذلك، وفي طريقه الى اليمن قتل جماعة من الابرياء، ولما انتهى اليها فر منها عبيد الله بن العباس وكان والياً لعلي فيها فقتل طفلين لعبيد الله وامهما تنظر اليهما وكان من نتيجة ذلك ان فقدت عقلها ورثتهما بالابيات التالية فرق لها القريب والبعيد:
ها من احسن بابني اللذين هما |
كالدرتين تشظى عنهما الصدف |
|
ها من احس بابني اللذين هما |
سمعي وعقلي فعقلي اليوم مختطف |
|
حدثت بسراً وما صدقت ما زعموا |
من قتلهم ومن الاثم الذي اقترفوا |
|
انحى على ودجي ابني مرهفة |
مشحوذة وكذاك الاثم يقترف |
واغرى معاوية بسرا في يوم من صفين بمبارزة علي (ع)، وكان من ابطاله المبرزين، فلم يجد بسر بن ارطاة سبيلاً للهرب، ولما دنا من
علي (ع) وحرك يده بالسيف، رمى بنفسه عن ظهر فرسه الى ارض وكشف عورته كما صنع زميله ابن العاص من قبل، فصرف علي (ع) وجهه عنه ضاحكاً، وبهذه المناسبة يقول بعض الشعراء لاهل الشام:
افي كل يوم فارس تندبونه |
له عورة وسط العجاجة بادية |
|
يكف لها عنه علي سنانه |
ويضحك منها في الخلاء معاوية |
|
فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا |
سبيلكما لا تلقيا الليث ثانية(١) |
ومنهم عمرو بن العاص المستشار الأول لمعاوية الذي ساهم في جميع الفتن والحروب الدامية التي اثارها ابن هند ضد علي (ع) لقاء مصر وخراجها ما دام حياً، وتم له الاستيلاء على مصر بعد فشل مؤتمر التحكيم الذي انتجته معركة صفين، والتي لعب فيها ابن العاص دوراً بارزاً الى جانب معاوية بن ابي سفيان، وكان يردد في مرضه الذي مات فيه لقد اصلحت من دنياي قليلاً وافسدت من ديني كثيراً، فلو كان الذي اصلحت هو الذي افسدت، والذي افسدت هو الذي اصلحت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو ينجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمختنق بين السماء والارض لا أرقى بيدين، وأهبط برجلين(٢) .
قال ذلك ابن النابغة وهو على فراش الموت حيث لا يجديه الندم، ولا تنفعه التوبة، وكيف يجديه ذلك وقد اراق الدماء واشعل الفتن، وافتعل لمعاوية المكائد والحيل، واغرى آلاف الناس بتلك الفتن العمياء التي تزعمها هو وسيده ابن ابي سفيان، وعانى المسلمون من آثارها المصائب والويلات زمناً طويلاً، وقبل ذلك شاغب على عثمان واغرى الناس
____________________
(١) انظر الاستيعاب هامش الاصابة ج ١ ص ١٦٢ و ١٦٣ وما بعدها وقد عده من الصحابة ومن الرواة عن الرسولصلىاللهعليهوآله جماعة منهم أبو الحسن الدارقطني وغيره.
(٢) الاستيعاب ص ٥٠٥ و ٥٠٦ المطبوع مع الاصابة ج ٣
بقتله، كما جاء في الاستيعاب وشرح النهج لابن ابي الحديد، والتحق بمعاوية بعد ان وجد ان علياً لا يشتري من بضاعته شيئاً ولا يعتمد على امثاله من المنافقين، ولا يتخذ المضلين عضداً.
تسعون عاماً قضاها ابن النابغة بين الكفر والاسلام المزيف لم يخالط الايمان قلبه، ولم ينحرف عن الباطل طرفة عين ابداً ومع ذلك فهو من عدول الصحابة ومروياته الكثيرة تحتل الصدارة في صحيح شيخ المحدثين محمد بن اسماعيل البخاري، وروى عنه البخاري في جملة ما رواه عنه انه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: آل ابي طالب ليسوا لي باولياء.
ومنهم معاوية بن ابي سفيان المشهور باخلاصه وخدماته للاسلام والمسلمين والقائل لاهل العراق حينما دخل الكوفة ظافراً بعد ان تركها الخليفة الشرعي الحسن بن علي «ع»: والله ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجو وتزكوا، واني لاعلم انكم تفعلون ذلك ولكني قاتلكتم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، والذي قال فيه الحسن البصري: لو لم يكن لمعاوية الا واحدة من ثلاثة لكفى، تأمره على الامة بغير مشورة منها ولا اختيار والحاقة زياداً بأبيه، وقد قال رسول الله: الولد للفراش وللعاهر الحجر واكراه الناس على مبايعة ولده يزيد المستهتر في دين الله، وقتله لحجر بن عدي واصحابه البررة ظلماً وعدواناً، فالويل له من حجر واصحابه. وقال فيه الفقيه الجليل سعيد ابن المسيب: قاتل الله معاوية كان اول من غير قضاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر(١) .
هذا بالاضافة الى تاريخه الحافل بالمنكرات والتنكر للقيم، ولجميع المبادئ التي جاء بها القرآن والرسولصلىاللهعليهوآله واي جريمة بقيت في نفس
____________________
(١) انظر شرح النهج وحلية الاولياء لابي نعيم ج ٣ ص ١٦٧.
معاوية، ولم يشبع منها نهمه وشرهه، لقد امضى شطراً من حياته مع ابيه يجاهدان ويعملان بكل ما لديهما من قوة لاطفاء نور الله، والقضاء على الدعوة الاسلامية التي جاء بها محمد بن عبد الله، ولم يدخلا في الاسلام الا بعد ان وجدا ان لا مفر لهما من سيوف المسلمين، فنطقا بالشهادتين مرغمين، وتستراً بالاسلام، وهما يكيدان له ويعملان في جو من السرية والتكتم مع المنافقين لتقويض دعائمه بمختلف الوسائل وكان الله لهما ولغيرهما بالمرصاد يخبر رسوله بما يسرون وما يعلنون وظن ابو سفيان ان الفرصة قد سنحت له بوفاة الرسولصلىاللهعليهوآله ، وكان غائباً عن المدينة حينذاك كما جاء في رواية ابي هريرة، ولما رجع وبلغه ان ابا بكر قام بالامر، قال ابو الفضيل يعني بذلك ابا بكر: اني لأرى فتقاً لا يرأبه الا الدم(١) فجاء ليغري علياً بالحشود التي تؤيده ضد الحكم القائم على حد زعمه متخذاً من ذلك وسيلة للقضاء على رسالة محمدصلىاللهعليهوآله التي حاربها هو وزوجته واولاده من قبل، ولكن علياً الذي لا يفكر الا في مصلحة الاسلام، والذي وهب حياته وكل ما لديه في هذا السبيل، يدرك جيداً ما تنطوي عليه تلك العروض المغرية من رجل كابي سفيان ويرى من واجبه ان يكون الدعامة الاصيلة للاسلام، أيا كان الحاكم فرد عليه معلناً له رأيه فيه وفي امثاله الذين يبيتون الغدر والمكر والنفاق، فقال: انك يا ابا سفيان ما زلت تكيد للاسلام وتعاديه، وانك تنوي من وراء ذلك الشر والغدر، فانطوى على نفسه هو وولده ومن على شاكلتهما من المنافقين يحز الالم نفوسهم، ويأكل الحقد قلوبهم، لا سيما والاسلام قد تغلب على حركة المرتدين واكتسح الامبراطوريتين الفارسية والرومانية في بضع سنوات معدودات، ففقد ابو سفيان واسرته الامل في مقاومة الاسلام عن طريق الثورات الداخلية التي وضعها في حسابه، واتجه الى العمل باسلوب جديد، فتملق الى الخليفة الحاكم ليحتفظ لولده بمركز
____________________
(١) نفس المصدر السابق.
من مراكز الدولة لعلهم ينفذون منه ولو في المستقبل الى تحقيق شيء من اهدافهم المعادية للاسلام، وظل هو وولده يتملقون الى الخليفة الثاني حتى ولاهما الشام وجهاتها على التعاقب، ولكنه استطاع بحكمته وحنكته ان يحدد تصرفاتهما وان يفرض عليهما هيبته طيلة حياته، ومع ذلك فقد بعثت هذه الولاية التي استمرت عشرين عاماً الامل في نفس معاوية والاسرة الاموية في ان يصبح الحاكم المطلق في مستقبل حياته الذي يصدر الاوامر من على منبر الشام لجميع الاقطار وبالفعل بدأ هذا الامل يشع ويتسع في نفس معاوية ويسري في دمه وعروقه وبخاصة عندما انتهت الخلافة الاسلامية الى قريبه عثمان فغمرت معاوية واباه نشوة الفرح، واستعاد الشيخ العجوز نشاطه، فخرج من وكره يدب على عصاه متجهاً الى قبر حمزة بن عبد المطلب يرفسه برجله، وهو يقول: قم يا ابا عمارة ان الذي تقاتلنا عليه اصبح بيد صبياننا، ومن ثم انطلق به قائده نحو المسجد ليقول كلمته التي تنبع من اعماق قلبه، والتي كتمها طيلة هذه المدة خوفاً من سطوة الاسلام، تلقفوها يا بني امية تلقف الكرة فوالذي يحلف به ابو سفيان ما من جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب، قال ذلك وهو يظن ان المسجد خال من كل انسان، الا من اسرته، ولولا ان علياً (ع) قد فاجأه بقوله:
اعمى الله بصيرتك كما اعمى بصرك، لأظهر اكثر من ذلك مما تنطوي عليه نفسه الحاقدة المشركة ولكن صوت الحق الذي اخرس اسلافه في بدر والاحزاب زعزع كيانه، فلاذ بالفرار الى وكره معتصماً فيه حتى مضى الى ربه، وفي اعماق نفسه لا جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب، وبقي الولد الطموح اميراً على الشام يجد في تحقيق آماله وامانيه وتوالت الاحداث لمصلحته واستفاد من نقمة المسلمين على قريبه عثمان اكثر من أي انسان، فتقاعد عن نصرته، مع انه يملك من العدة والعدد ما يسهل عليه الخروج من تلك الازمة (لو انه) اسرع الى نجدته منذ ان استغاث
به واستنصره ولكنه تجاهله وكأن الامر لا يعنيه وجاء بعد ذلك يطالب بدمه متخذاً من قميص لوثه بدماء حيوان وسيلة لتضليل أهل الشام واستجداء عطفهم ونجدتهم للمطالبة بدمه واغراهم بولايته الشرعية التي تخوله وحده ان يثأر للخليفة المقتول ظلماً وعدواناً على حد زعمه وزعم الذين قادوا الثورة للبصرة في حين انهم كانوا يزودون الثائرين على عثمان بكل ما يضمن لهم النجاح والقضاء عليه.
وتم له الاستيلاء على الحكم بالخداع والمكر واراقة الدماء وتبذير الاموال لشراء الخونة من اهل العراق وغيرهم، وظل نحواً من عشرين عاماً يحكم باسم الدين ويداه تقطران من دماء الابرياء والصلحاء ومضى الى ربه وهو يحث الجماهير ويشتري الضمائر بالاموال لينتقموا له من علي والطيبين من ذرية الرسولصلىاللهعليهوآله بدلاً من الاستغفار والندم والتوبة وان كانت لا تجديه شيئاً.
ومن تتبع تاريخه واحصى تصرفاته لا يرتاب في انه كان يعمل بكل ما لديه من قوة للقضاء على الاسلام والرجوع الى الجاهلية الاولى بكل مظاهرها واشكالها.
وهو مع كل ذلك من عدول المسلمين ومجتهديهم المعذورين فيما صدر منهم، والمأجورين على جميع جرائمهم حتى في اغراء جعدة بنت الاشعث على قتل الحسن ريحانة الرسولصلىاللهعليهوآله ، وقتله الصحابي الجليل حجر بن عدي واصحابه البررة والحاقه زياداً بأبيه وغير ذلك من جرائمه التي لا تحصى.
وقد مضى الامويون طيلة حكمهم في محاربة الاسلام باحياء مظاهر الجاهلية بجميع اشكالها وحاول عبد الملك وولده هشام بن عبد الملك
التوهين من مقام النبي محمدصلىاللهعليهوآله عن طريق دعاتهما المنتشرين في انحاء البلاد، ويؤكد ذلك ما جاء في تاريخ التمدن الاسلامي لجرجي زيدان.
قال: كان الحجاج بن يوسف عامل عبد الملك يفضل الخلافة على النبوة، ويقول: ما قامت السموات والارض الا بالخلافة، وان الخليفة عند الله افضل من الملائكة المقربين والانبياء والمرسلين، واذا حاجه احد في ذلك قال: أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله اليهم، وكان عبد الملك اذا سمع ذلك اعجب به، واقتدى بالحجاج من جاء بعده من العمال الاشداء كخالد القسري عامل هشام بن عبد الملك فقد كان يقول بمقالته، وخطب الناس في مكة، فقال: أيها الناس أيهما أعظم أخليفة الرجل على اهله ام رسوله اليهم؟ يعرض برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد بلغ الحال ببعض المتملقين اليهم ان احدهم وقف مرة ليخطب الناس فاخطأ في آية من القرآن، فوقف بعض المتملقين، وقال: لا يهولنك ايها الامير ما رأيت عاقلاً قط حفظ القرآن انما يحفظه الحمقى من الرجال(١) .
ومهما كان الحال فمعاوية بصفته صحابياً مأجوراً على جميع اعماله، قال ابن كثير في كتابه «الباعث الحثيث»: واما ما شجر منهم بعد الرسولصلىاللهعليهوآله فمنه ما وقع من غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وان اخطأ، ومأجور ايضاً، واما المصيب فله اجران اثنان واضاف الى ذلك. ان ما ذهبت اليه المعتزلة من ان الصحابة كلهم عدول الا من قاتل علياً قول مردود ومرذول(٢) .
ومنهم سمرة بن جندب الصحابي صاحب النخلة التي ساومه النبي
____________________
(١) انظر ص ٢ ج ٢ تاريخ التمدن الاسلامي عن العقد الفريد والمسعودي وابن الاثير والاغاني.
(٢) انظر ص ١٨٢ من الباعث الحثيث.
عليها بالجنة، فأبى ان يقبل شيئاً من تلك العروض المغرية، واصر على الدخول على الانصاري وايذائه، والنبيصلىاللهعليهوآله يستعطفه حرصاً على حقه وصوناً لكرامة الانصاري، ولما رأى النبي تعنته واصراره على ايذاء الانصاري، قال له: اذهب فاقلعها وارم بها وجهه، لا ضرر ولا ضرار في الاسلام.
وكان سمرة من انصار المنحرفين عن علي (ع)، وخاض الفتن معهم، واشترك في جميع المخازي والمنكرات التي اظهرها معاوية، وجاء عن أبي هريرة انه قال لرجل من أهل البصرة: ما فعل سمرة بن جندب، قال انه حي يرزق قال ابو هريرة: ما احد احب الي طول حياة منه، لان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لي وله ولحذيفة اليمان: آخركم موتاً في النار.
وكان يتلذذ بقتل الابرياء، وجاء عنه انه قتل في البصرة ثمانية آلاف ممن لا يحل قتلهم في دين الله، ولما ضج أهلها من قسوته واستهتاره بالدماء قال لهم: واي بأس على المقتول، فمن كان من اهل الجنة عجلناه اليها، ومن كان من اهل النار مضى الى مقره، وقتل من بني سوار العدوي سبعة واربعين رجلاً من حفاظ القرآن في يوم واحد، وحرض التابعين على الخروج لحرب الحسين بن علي (ع) وقتاله، واعطاه معاوية خمسمئة الف درهم مقابل ان ينسب الى الرسولصلىاللهعليهوآله ان الآية «ومن الناس من يشري نسه ابتغاء مرضاة الله»، تعني ابن ملجم لانه قتل علياً (ع)، وان الآية «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه، واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد» نزلت في علي بن ابي طالب (ع)(١) الى غير ذلك من المنكرات التي ارتكبها ويكفيه ذماً قول النبيصلىاللهعليهوآله : انك رجل مضار ووقوفه الى جانب معاوية وتحريضه على قتل الحسين (ع)، ومع ذلك
____________________
(١) انظر لشرح النهج ج ١ ص ٣٦١ و ٣٦٣.
فهو من عدول المسلمين، ومن المجتهدين المأجورين على جميع اعمالهم.
ومنهم المئات ممن كانوا يكيدون للاسلام، ويتعاطون جميع المعاصي والمنكرات على اختلاف انواعها، ومن اراد ان يتتبع اخبارهم ويحصي عليهم تصرفاتهم لا يكفيه مجلد خاص في هذا الموضوع.
ونحن لا نريد من وراء ذلك انتقاص الصحابة، وانكار فضلهم، فان للصحبة شرفها وللعمل الصالح اجره، وللجهاد فضله، وانما الذي أردناه ان الصحبة ليست من اسباب العصمة عن الذنوب، وان الاسلام قد نظر الى الانسان من خلال اعماله وتصرفاته، لا من خلال امجاده والقابه واوصافه ولم يجعل لقرابة الدم والعرق ميزة فضلاً عن الالقاب والصفات، نريد ان نقول لمن يشترطون عدالة الراوي، وتزكيته بشاهدين عدلين، ان جلال السنة ومكانتها من التشريع، واثرها في حفظ الثروة الاسلامية، كل ذلك يفرض علينا ان نتأكد من صحة الحديث اياً كان الراوي له، ولا يكفينا ان نتثبت من احوال الرواة، حتى اذا انتهينا الى الصحابي الراوي للحديث، نقف امامه خاشعين واجمين كانه قرآن منزل من غير ان تتأكد صحته ومن غير ان ننظر الى متن الرواية نظرة فاحصة واعية ونعرضها على العقل والقرآن واصول الاسلام.
ان هذا الغلو في تقديس مرويات الصحابة، قد ادخل على السنة النبوية مجموعة من الخرافات والاحاديث المكذوبة، لا يزال المسلمون ينظرون اليها نظرة تقديس واحترام لان رواتها من الصحابة، وهي في واقعها وصمة على السنة وسلاح بيد اعداء الاسلام للهدم والتخريب، والتشنيع على المسلمين ومعتقداتهم ومن الغريب المؤسف أن يغالي السنة في الصحبة الى حد القول: بأن يوماً واحداً حضره معاوية بن هند مع رسول الله، خير من عمر بن عبد العزيز واهل بيته، مع العلم بان عمر بن عبد العزيز كان من خيرة الحكام في سيرته وسياسته وعدله وزهده.
لقد قال الشيعة بعصمة الائمة الاثني عشر فاقاموا الدنيا واقعدوها وقالوا هم بعصمة الالوف من البشر من حيث لا يشعرون، واذا انكر عليهم الشيعة عدالة مروان وابيه الذي كان يحكي النبي في مشيته ساخراً ويدلع له لسانه ويغمز عليه عينه. وعدالة معاوية وامثاله، وصفوهم بالرفض والغلو وغيرها من الاوصاف.
وليست العصمة في حساب الشيعة الا ترك المعاصي على اختلاف اصنافها وفعل الواجبات، وليس ذلك بنظر العقل من المحالات، وتاريخ الائمة (ع) يؤكد ما يدعيه الشيعة فقد بذل اخصامهم السياسيون والمذهبيون اقصى ما لديهم من جهد في سبيل انتقاصهم فلم يستطيعوا ان يلصقوا بهم عيباً، او تساهلاً في واجب وانحرافاً عن الحق.
لقد انكر السنة عصمة علي (ع)، وقالوا بعدالة معاوية ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص وبسر بن ارطاة وغيرهم من العشرات الذين وصفهم القرآن بالنفاق معلناً بذلك في كثير من آياته وسوره، ووصفهم الرسول بالارتداد عن الدين والرجوع الى جاهلتيهم الاولى، واذا جازت العدالة التي تشد الانسان الى الله، وتحول بينه وبين انتهاك حرماته، اذا جازت على معاوية وابيه، ومروان وأمثاله، فكيف يستسيغ اصحاب هذه الفرية ان يهاجموا من يذهب الى عصمة علي (ع) القائل: والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت، والقائل ان امرتكم لا تساوي نعلاً بالية اذا لم تكن وسيلة لاحقاق الحق وازهاق الباطل، والى عصمة ابنائه الائمة الهداة الذين نهجوا نهجه، واتبعوا سيرة جدهم الاعظم، وحاربوا الظلم والظالمين، والطغاة والمتجبرين، واستهانوا في حياتهم في سبيل الله وخير الانسانية.
وهل العصمة الا الرجوع الى الله سبحانه في جميع الامور صغيرها
وكبيرها وترك ما نهى الله عنه بنحو تكون هذه المرتبة من الايمان وكأنها طبيعة له تلازمه ملازمة الضوء للشمس والظل لذي الظل.
وجاء عن الامام زين العابدين (ع) انه قال: لا يكون الامام منا الا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف، قيل له فما معنى المعصوم قال: المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان الى يوم القيامة، فالامام يهدي الى القرآن، والقرآن يهدي الى الامام(١) .
واذا كان مرد العصمة التي يدعيها الامامية لعلي والائمة من ذرية الرسولصلىاللهعليهوآله الى هذا المعنى، فهل هي بنظر العقل والعادة من المحالات حتى تتعرض لتلك الهجمات العنيفة من جانب اهل السنة، مع العلم بانهم اثبتوها مصغرة لآلاف المسلمين بما فيهم الذين ساروا باتجاه معاكس لمبادئ الاسلام والقرآن طيلة حياتهم، ولولا ان الاسلام قد تساهل في اطلاق لفظ المسلم واعطاءه لكل من نطق بالشهادتين ولو بلسانه، لكان من الواجب اخراجهم من صفوف المسلمين حتى في التسمية.
واعود لاكرر ان الشيعة لا يستخفون بالصحابة جميعهم كما يدعي المهوشون والمضللون، ولا يخالفون قول ربهم وسنة نبيهم بالنسبة اليهم فيتبعون الصالحين الصادقين في ايمانهم، ويستخفون بمن عناهم الله سبحانه بقوله: ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين، ثم يردون الى عذاب عظيم، وبمن عناهم الرسول بقوله: «ارتدوا على ادبارهم القهقهرى، ولا يخلص منهم الا مثل همل النعم» ولا يتخطون رأي أئمتهم في الصحابة وغيرهم من الناس على اختلاف اصنافهم واديانهم الذين نظروا الى الناس من خلال اعمالهم وآثارهم لا من خلال القابهم وامجادهم.
____________________
(١) انظر مجمع البحرين مادة عصم.
وقد جاء في دعاء الامام زين العادين الذي كان بدعوته للانبياء واتباعهم، ما يؤكد ان الائمة لم يترددوا في تعظيم الطيبين من الصحابة وتقديسهم.
قال (ع) اللهم وصلِّ على أصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، وابلوا البلاء الحسن في نصره، واسرعوا الى وفادته، وسابقوا الى دعوته، واستجابوا له حيث اسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الازواج والاولاد في اظهار كلمته، وقاتلوا الابناء والآباء في تثبيت دعوته وانتصروا به، وحتى كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر اذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات اذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنسَ لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش الى ضيقه يا ارحم الرحمين.
هؤلاء الذين عناهم الامام بتلك الدعوات المباركات من بين من أسموهم بالصحابة ينظر الشيعة اليهم بكل تقديس وتقدير ولا يرتاب احد في عدالتهم واستقامتهم وولائهم للرسول ودعوته المباركة طيلة حياتهم وجهادهم المخلص لاحيائها وارساء قواعدها الى ان فارقوا الدنيا بقلوب عامرة بالايمان ونفوس مطمئنة بما وعد الله به العاملين والمجاهدين.
الفصل الرابع : البخاري وصحيحه بنظر المحدثين
هو محمد بن اسماعيل بن ابراهيم البخاري صاحب الصحيح المعروف (بصحيح البخاري).
وجاء في ترجمته انه ولد في شوال سنة ١٩٤ هجري، وتوفي في قرية تسمى (خرتنك) من بلاد سمرقند سنة ٢٥٦ هجري في اليوم الاول من شوال، وهو من اصل فارسي يعتنق المجوسية، واول من اسلم منهم جدابية المغيرة بواسطة اليمان الجعفي والي بخارى، وكان ولاؤه وولاء اولاده اليه، ولذلك فقد انتسب اليه فقال في نسبه: محمد بن اسماعيل ابو عبد الله الجعفي، فتكون نسبته اليه بالولاء لا بالنسب، وكان أبوه محدثاً مات وهو صغير السن، وترك له مالا جليلاً فنشأ محمد بن اسماعيل في حجر امه، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ الحديث فحفظ كتب ابن المبارك ووكيع وهما من مشاهير المحدثين في القرن الثاني، قبل ان يتجاوز السادسة عشر من العمر ونشط في طلب الحديث وحفظه الى ان نبغ في هذه الناحية وأصبح بنظر محدثي السنة من أوثق المحدثين واعرفهم فيه، وقضى شطراً من حياته يطلب الحديث حيث كان من بلد الى بلد حتى جمع ستمائة الف حديث انتخب منها كتابه المعروف بصحيح البخاري كما جاء في اكثر كتب التراجم التي تعرضت لتاريخه.
ونقل عنه بعض المحدثين انه قال: ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً الا اغتسلت وصليت ركعتين، وبقي ستة عشرة سنة يتتبع الاحاديث ويستقصيها حتى أتمه، وبلغ من ثقة المحدثين به ان أبا الحسن المقدسي كان يقول: كل من روى عنه البخاري في صحيحه فقد جاز القنطرة، أي لا بد ان تكون شروط الراوي بكاملها متوفرة.
وقال الخطيب البغدادي في ترجمة الامير ابي الهيثم، خالد بن احمد بن احمد المتوفى سنة ٢٧٠ هجري انه تولى امارة بخارى وسكنها وترك فيها آثاراً محمودة واخذ الحديث عن ابن راهويه وغيره، وانفق في طلب العلم اكثر من الف الف درهم، ولما استوطن بخارى وفد عليه حفاظ الحديث، فبسط يده بالاحسان اليهم، وطلب من محمد بن اسماعيل البخاري ان يلازم مجلسه، فامتنع عن ذلك واظهر الاستخفاف به، فاخرجه من بخارى الى سمرقند فلم يزل بها حتى وافته المنية.
وقال ابن العماد الحنبلي: ان البخاري قد نقل عن الف من العلماء، ولم ينقل الا عمن كان يقول: الايمان قول وعمل.
وجاء عنه انه قال: الذي دفعني الى تأليف الصحيح، هو اني رأيت النبيصلىاللهعليهوآله وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة اذب عنه، فسألت بعض الذين يتعاطون تفسير الاحلام عن تأويل ذلك، فقال: انك تذب عنه الكذب، فاتجهت الى اختيار الصحاح من المرويات عنهصلىاللهعليهوآله
وجاء عن الفريري. انه سمع محمد بن ابي حاتم البخاري الوراق يقول: رأيت محمد بن اسماعيل البخاري في المنام يمشي خلف النبيصلىاللهعليهوآله فكلما رفع النبيصلىاللهعليهوآله قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع.
واثنى عليه من ناحية احاطته بعلم الحديث واستخراج الصحيح منه جماعة من المحدثين ثناء بالغاً، فقد روى حمدون الاعمشي. انه رأى محمد
ابن اسماعيل البخاري في جنازة ابي عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى يسأله عن الاسامي والكنى والعلل، فيمر عليها محمد بن اسماعيل كالسهم كأنه يقرأ قل هو الله أحد.
وقال فيه احمد بن حنبل ما اخرجت خراسان مثل محمد بن اسماعيل البخاري.
وجاء عن محمد بن يوسف الفريري انه قال: لقد سمع كتاب الصحيح من محمد بن اسماعيل تسعون الف رجل، وما بقي احد يروي عنه غيري.
وقال محمود بن عمر العقيلي: لما ألف البخاري كتابه الصحيح عرضه على احمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المدني وغيرهم فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة الا في اربعة احاديث قال العقيلي والقول فيها قول البخاري.
وجاء في هدى الساري للعسقلاني: ان الاسماعيلي في المدخل قال: بعد ان اثنى على صحيح البخاري وبالغ في الثناء عليه، ونحا نحوه في التصنيف جماعة منهم الحسن بن علي الحلواني، ومنهم ابو داود السجستاني وكان معاصراً له، ومنهم مسلم بن الحجاج، فرام مرامه واخذ عنه وعن كتبه، الا انه لم يضايق نفسه مضايقة ابي عبد الله البخاري، وروى عن جماعة لم يتعرض لهم البخاري.
وقال الحاكم ابو احمد النيسابوري: رحم الله محمد بن اسماعيل فانه ألف اصول الاحكام من الاحاديث، وبين للناس، وكل من جاء بعده فقد اخذ من كتابه كمسلم بن الحجاج وغيره.
وقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم وما جاء، واضاف
الى ذلك، واي شيء صنع مسلم انما اخذ كتاب البخاري فعمل عليه وزاد فيه بعض الزيادات.
ونص على ذلك القرطبي في كتابه المفهم في شرح صحيح مسلم، وبعد ان استعرض ابن حجر في مقدمة فتح الباري آراء المحدثين والعلماء في صحيح البخاري، وسرد الجهات المؤدية الى تفضيله على صحيح مسلم وجميع كتب الحديث، اخذ في بيان الخصائص والكرامات التي امتاز بها صحيح البخاري، ونقل عن ابي احمد بن ابي حمزة انه قال: قال لي بعض السادات المقر لهم بالفضل: ان صحيح البخاري ما قرئ في شدة الا فرجت، ولا ركب به في مركب فغرق.
وجاء في المقدمة. ان البخاري قد فقد بصره في حداثة سنه وذهبت عيناه، فرأت والدته ابراهيم الخليل في المنام فقال لها: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره، فاصبح وقد رد الله عليه بصره، وكان بعد ذلك يكتب في الليالي المقمرة واورد من فضائله وكراماته حياً وميتاً ما لم يثبت مثله للانبياء والمقربين(١) . ومن امثلة ذلك، ان النبيصلىاللهعليهوآله قد امر الناس بتدريس كتاب البخاري. وروي عن ابي زيد المروزي ان النبيصلىاللهعليهوآله جاءه وهو نائم بين الركن والمقام، فقال له: الى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ قلت: يا رسول الله وما كتابك؟ قال جامع محمد بن اسماعيل. وجاء في المقدمة ايضاً ان الروائح العطرة الطيبة كانت تفوح من قبره بعد ان وضع فيه واستمرت زمناً طويلاً بعد دفنه، مما ادى الى ازدحام الناس حول قبره ليأخذوا من ترابه العطر الفواح، ولم يمتنعوا عنه الا بعد ان احيط بحاجز يحول بين الناس وبينه، وعد من كراماته انه كان يحفظ ستمئة الف حديث، وانه كان يحفظ كل ما يسمع وما يتلى عليه لاول مرة، ويمر بالكتاب مرة واحدة من اوله لآخره فيحفظه بالغاً
____________________
(١) انظر مقدمة فتح الباري الجزء الاول والثاني.
ما بلغ، وانه وفد على البصرة، وهو غلام ليسمع الحديث، فذهب مع جماعة الى مشايخ البصرة ومحدثيها، وكلهم يكتب ما يتلى عليه، الا هو فانه كان يستمع ولا يكتب، وفي خلال خمسة عشر يوماً دون اصحابه خمسة عشر الف حديث، ولما لاموه على عدم الكتابة، اعاد عليهم كل ما سمعه وسمعوه، مما اضطرهم ان يعرضوا ما دونوه على محفوظاته(١) .
ومن تتبع ما قيل فيه، وما نسب اليه، يجد ان اتباعه قد غالوا في تقديسه وتعظيمه حتى خرجوا بذلك عن الحد المألوف ووضعوه في مستوى الاساطير، وكلمة المقدسي وحدها، «كل من روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة» التي تعبر عن رأي الجمهور فيه، هذه الكلمة وحدها تكفي للتعبير عن غلوهم المتطرف فيه، ولو نزهوه عن هذه المبالغات والمقالات، وتركوه لآثاره ومؤلفاته، التي توفيه حقه كاملاً غير منقوص لو فعلوا ذلك لابعدوا عنه وعن صحيحه الطعون المسددة التي وجهها ويوجهها لهما كل باحث منصف ينشد الحقيقة مجرداً عن جميع العوامل والمؤثرات، ولكنهم لما أبوا الا ان يجعلوه ثاني القرآن، أبى الباحثون المنصفون الا ان ينظروا الى البخاري كمحدث اجتهد في جمع الحديث وتدوينه يخطئ ويصيب، والى كتابه كغيره من مجاميع الحديث التي جمعت الغث والسمين، والصحيح والفاسد.
____________________
(١) انظر ص ٢٥١ وما بعدها من الجزء الثاني مقدمة فتح الباري وانظر شذرات الذهب ج ٢ ص ١٣٤ و ١٣٥.
الصحيح بنظر العلماء والمحدثين
الظاهر ان المحدثين من السنة متفقون على ان محمد بن اسماعيل البخاري اول من تطوع لتمييز الصحيح عن غيره، بعد ان كانت الطبقة الاولى التي دونت الحديث لا يعنيها من امره الا جمع حديث الرسول وأقوال الصحابة واقضيتهم من غير ترتيب وتبويب، وجائت الطبقة الثانية فوزعته على الابواب الفقهية ووضعت كل حديث في المحل المناسب له، فكان البخاري مجدداً في الطريقة التي سلكها، ومهد لمن الف من بعده كمسلم بن الحجاج، وابن ماجة المتوفى ٢٧٣ هجري، وابي داود المتوفى ٢٧٥ هجري، والترمذي المتوفى ٢٧٩ هجري، والنسائي المتوفى ٣٠٣ هجري.
وقال ابن كثير في الباعث الحثيث: اول من اعتنى بجمع الحديث الصحيح محمد بن اسماعيل، وتلاه تلميذه وصاحبه مسلم بن الحجاج النيسابوري فهما اصح كتب الحديث، والبخاري ارجح منه، لانه اشترط في كتابه هذا ان يكون قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، واكتفى مسلم بالمعاصرة ولو لم يسمع منه(١) .
____________________
(١) انظر الباعث الحثيث ص ٢٥ وجاء ص ٣٠ من المجلد الاول من هدى الساري عن ابي المعمر المبارك بن احمد ان شرط الصحيح عند البخاري ان يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته الى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الاثبات ويكون اسناده متصلاً غير مقطوع وان كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، وان لم يكن الا راو واحد وصح الطريق اليه كفى، واضاف الى ذلك أبو بكر الحازمي أن يكون راويه مسلماً صادقاً غير مدلس ولا مختلط متصفاً بصفات العدالة ضابطاً سليم الذهن والاعتقاد.
وجاء عنه انه استخرج كتابه الصحيح من ستمئة الف حديث، وانه كان يحفظ مائة الف حديث من الصحاح، ومائني الف من غيرها.
وقال جماعة: ان اصح الاحاديث ما في الصحيحين، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ويأتي بعد ذلك المرويات على شرطهما في صحة الحديث، وهي التي تكون جامعة للشروط المعتبرة عندهما ويأتي في المرتبة الاخيرة ما كان من المرويات على شرط احدهما.
ولما ألف الحافظ ابو الفرج الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هجري كتابه الموضوعات لم ينتقد البخاري الا في حديث واحد، فجاء العلماء من بعده فاقروا اكثر ما اورده في كتابه الا ما يتعلق بانتقاده البخاري ومسلماً(١) .
وقال السيد رشيد رضا: ان احاديث الجامع الصحيح للبخاري في جملتها اصح في صناعة الحديث وتحري الصحيح من كل ما جمع في الدفاتر من كتب الحديث، ويليه في ذلك صحيح مسلم، واضاف الى ذلك ويوجد في غيرهما من دواوين السنة احاديث اصح من بعض ما فيها، وما روي من رفض البخاري لمئات الالوف من الاحاديث التي كانت تروى يؤيد ذلك، فنفوا ما نفوا لينتقوا الصحاح الثابتة(٢) .
وجاء في التعليقة على الباعث الحثيث: الحق الذي لا مرية فيه عند اهل العلم بالحديث من المحققين ومن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الامر، ان احاديث الصحيحين كلها صحيحه ليس في واحد منها مطعن، او ضعف، وانما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الاحاديث على معنى ان ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد
____________________
(١) انظر ص ١٤٠ من السنة للدكتور السباعي.
(٢) الاضواء على السنة ص ٢٥٢.
منهم في كتابه، واما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف فيها احد، فلا يهولنك ارجاف المرجفين، وزعم الزاعمين ان في الصحيحين احاديث غير صحيحة(١) .
ويبدو من تتبع آراء المحدثين والفقهاء في الصحيح للبخاري ان اكثرهم يرجحه على صحيح مسلم، وانهما معاً اصح المؤلفات في الحديث والذين يفضلونه على جميع الصحاح، بين من بلغ بهم الغلو الى تصحيح جميع مروياته، وبين من ضعف قسماً من احاديثه تفرد هو ببعضها، واشترك معه مسلم في اثنين وثلاثين حديثاً، كما نص على ذلك في مقدمة فتح الباري ص ٨١ وبالاضافة الى ذلك فقد تناول جماعة من المحدثين رجال البخاري، واتهموا عدداً كبيراً منهم بما يوحي بضعفهم وعدم جواز الاعتماد على مروياتهم، ومع ذلك فلم تتزعزع ثقة الجمهور فيه، وبالغوا في تقديسه والدفاع عنه حتى خرجوا عن المألوف والمعقول، وقد حدد المقدسي موقفهم منه بقوله: «كل من روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة» أي يصبح فوق الشبهات والاحتمالات.
والواقع الذي لا يجوز التنكر له هو ان البخاري في اختياره لتلك المرويات التي دونها في صحيحه، والتي نظر اليها الجمهور وكأنها من وحي السماء يمكن ان تتلمس له المعذرة بالنسبة لمن لم يكن أمره واضحاً من حيث دينه وسيرته، فلا بد له والحال هذه من البحث عن حال الراوي والرجوع الى المصادر التي تبحث عن أحوال الرجال وتاريخهم حتى اذا تبين له انه مستوف للشروط من حيث العدالة والاستقامة وجب الرجوع الى متن الحديث من حيث موافقته للكتاب ومخالفته له واشتماله على العلل والقرائن وغير ذلك مما يؤكد صحته، او يمنع من الاعتماد عليه، وقد اختلفت آراء المحدثين في ذلك اشد الاختلاف، فالمعروف عن مالك
____________________
(١) الباعث الحثيث ص ٣٥.
ابن انس، انه كان يعتمد على أحاديث أهل المدينة اكثر من غيرها، كما اعتمد ابن جريح على احاديث المكيين، والكثير من المحدثين لم يعتمدوا على مرويات العراقيين بحجة انها لا تخلو من التعليل في الغالب، هذا بالاضافة الى ان الانظار تختلف في تحديد العدالة باعتبارها من الشروط الاساسية في الراوي، فرب شخص يوثق رجلاً، ولا يراه غيره ثقة، لانه اطلع منه على ما يخل بالعدالة او على ما لم يطلع عليه غيره لا سيما وقد وجد البخاري وغيره في عصر تشعبت فيه الآراء والمعتقدات، وتفرق المسملون فيه شيعاً واحزاباً وتراشقوا بالتكفير والتفسيق، واستحل بعضهم دماء البعض الآخر وكان من ابرز ما حدث النزاع الذي استحكم بين المحدثين من جهة والمعتزلة من جهة اخرى. ففي مثل ذلك يمكن ان تتلمس للبخاري ولغيره العذر في اعتمادهم على هذا النوع من الرواة أجل قد يعذر البخاري في اعتماده على بعض الرواة ما دام بالامكان ان نجد له ولو ما يشبه العذر.
اما اذا كانت حالة الراوي واضحة ومخالفاته تأبى عن التأويل الذي ومهما كان الحال. فقد نص ابن حجر في هدى الساري، على مروياتهم مهما حاول المتعصبون لهم اعطائهم صفة البرائة وسلامة القصد، وسنتعرض في الفصول الآتية لبعض الطعون الموجهة لبعضهم كما جاء في كتب التراجم واحوال الرواة، بالاضافة الى من اشرنا اليهم من رواة احاديثه.
ومهما كان الحال. فقد نص ابن حجر في هدى الساري، على ابي اسحاق ابراهيم بن احمد المستعلي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفريري، فرأيت فيه اشياء لم تتم، واشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيء، ومنها احاديث لم يترجم لها، فاضفنا بعض ذلك الى بعض، قال ابو الوليد: ومما يدل على
صحة هذا القول، ان رواية ابي اسحاق المستعلي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية ابي الهيثم الكشمهيني، ورواية ابي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير، مع انهم انتسخوا من اصل واحد، وانما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة او رقعة مضافة انه من موضع ما فاضافه اليه.
ويبين ذلك انك تجد ترجمتين واكثر من ذلك متصلة ليس بينهما احاديث(١) وقد انتقد المحدثون والحفاظ البخاري بانه لم يتقيد بالنص الحرفي للرواية، واحياناً ينقل الرواية بالمعنى، وان رواياته تشتمل على المكرر والمعلق والموقوف، والمقطوع(٢) وغير ذلك من عيوب الرواية.
ومن الجائز القريب ان يكون البخاريرحمهالله قد وضع في حسابه ان لا يضع الصيغة النهائية لكتابه الا بعد جمعه اولاً ثم تميحص اسانيده، ومحاكمة متونه، ولكن الاجل قد وافاه بعد الفراغ من الجولة الاولى، التي تم له فيها ان يجمع تلك الكمية من الاحاديث بعد أن أنفق شطراً كبيراً من عمره متجولاً في المدن الاسلامية الكبرى التي تحولت مساجدها ونواديها، وبيوت علمائها الى معاهد لتدريس الحديث وتدوينه ولغير ذلك من العلوم والفنون، وفي هذه المرحلة كان يدون الاحاديث احياناً كما تنقل اليه واحياناً يعتمد على ذاكراته التي كانت اشبه بآلة للتسجيل تلتقط جميع ما يصل الى فضائها من الاصوات كما يستنتج ذلك من كتب التراجم التي وضعته في مستوى الاساطير، ولم يمهله الاجل لتمحيص اسانيده
____________________
(١) انظر الاضواء ص ٣٤٨ عن مقدمة فتح الباري.
(٢) المراد من المعلق هو الحديث الذي لم يذكر فيه السند من اوله، كأن يرويه ابتداء عن ابن عمر عن النبيصلىاللهعليهوآله والموقوف هو الذي ينتهي سنده الى الصحابي من غير ان يتعرض للنبي في قول او فعل والمقطوع هو الذي ينتهي سنده الى التابعي ولا يتعداه.
ومحاكمة متونه وحذف ما يجب حذفه بعد دراسة متونه وعرض أسانيده على اصول علم الدراية، فقام تلاميذه من بعده بنقله من مسوداته وتدوينه على عيوبه وعلاته، كما تؤيد ذلك رواية ابراهيم بن أحمد المستعلي المتقدمة ورواية ابي محمد السرخسي وغيرها من المرويات التي تؤكد ان البخاريرحمهالله قد وافاه اجله قبل تصفيته وتمحيص اسانيده ومتونه. ولذا يرى المتتبع الحديث الواحد مكرراً بنصه الحرفي في مختلف الابواب بدون مناسبة واختلاف في السند غالباً.
ومن امثلة التكرار وان كان لا يخلو باب من ابوابه من حديث مكرر حديث ام حرام بنت ملحان زوجة عبادة بن الصامت.
وجاء في الحديث عنها، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله دخل عليها فاطعمته وجعلت تفلي رأسه، فنام وهي تفليه ثم استيقظ وهو يضحك، قالت ما يضحكك يا رسول الله قال: اناس من امتي عرضوا على غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الاسرة، قالت ادع الله ان يجعلني منهم فدعا لها فركبت البحر هي وزوجها في بعض الغزوات التي غزاها معاوية، ولما رجعت صرعتها دابة قدمت اليها لتركبها وماتت نتيجة لذلك، وروى هذه الرواية انس بن مالك ودونها البخاري في صحيحه وكررها بلا زيادة في مختلف الابواب، وتكررت في المجلد الثاني من الصحيح اربع مرات في ص ١٣٤ و ١٣٧ و ١٤٩ و ١٥٣ هذا بالاضافة الى بقية المجلدات التي لا يخلو منها هذا الحديث ومن الامثلة ايضاً الحديث الذي ينص على صعود النبي الى السماء واجتماعه بالنبيين، ومن بينهم موسى (ع) الذي نصح محمداً (ع) في ان يراجع الله سبحانه في التخفيف عن امته، وكان قد فرض عليها خمسين صلاة في اليوم على حد زعم الراوي، فرجع اليه، وطلب منه التخفيف عملاً بنصيحة موسى (ع) فجعلها اربعين،
ولما اخبر موسى بذلك اشار عليه ان يرجع ويطلب تحفيفها، فاستجاب لطلبه وجعلها ثلاثين ثم رجع النبي الى ربه ثالثة ورابعة بايعاز من النبي موسى الى ان استقرت على ما هي عليه الآن، وفي المرة الخامسة لم يستجب محمدصلىاللهعليهوآله لنصيحة موسى ورضي بالصلاة الخمس كما تنص على ذلك الرواية التي رواها البخاري في صحيحه. ويجدها القارئ في جميع مجلدته وبخاصة الثاني منها مكررة في ص ٢١١ و ٣٢٨ بصيغة واحدة. الا في عدد المراجعات التي راجع فيها النبيصلىاللهعليهوآله ربه باشارة من موسى بن عمران.
ومن الامثلة ايضاً حديث الثلاثة الذين اطبقت عليهم الصخرة، وسدت عليهم منافذ الحياة فاستعرضوا حسناتهم، ودعا كل واحد منهم بعمل من اعماله الصالحات، فارتفعت عنهم الصخرة وخرجوا من تحتها مشياً على اقدامهم، وهي في ص ٢٥ و ٣٥ و ٤٧ من الثاني ايضاً كما يجدها القارئ في بقية المجلدات الى غير ذلك من الامثلة التي يتعسر احصاؤها، ويستطيع المتتبع ان يؤكد ان المرويات التي لم تتكرر في صحيح البخاري لا تتجاوز الفين وبضع مئات من مجموع مروياته، هذا بالاضافة الى بقية العيوب التي احصى بعضها جماعة من المؤرخين والمحدثين.
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه عنه انه قال يوماً: رب حديث سمعته في البصرة، وكتبته في الشام، ورب حديث سمعته في الشام، وكتبته بمصر، فقيل له: يا ابا عبد الله بكماله فكست.
وجاء في مقدمة فتح الباري عن احيدر والي بخارى ان البخاري قال له: رب حديث سمعته في البصرة وكتبته في الشام، ورب حديث سمعته بها وكتبته بمصر، فقلت له يا ابا عبد الله بتمامه فسكت.
وقال ابن حجر العسقلاني: انه كان يروي الحديث الواحد تاماً
باسناد واحد بلفظين، وانه كان لا يكتب الاحاديث التي يسمعها، فاذا رجع الى بخارى كتبها عن حفظه. وسأل بعضهم ابن عقدة ايهما احفظ البخاري او مسلم؟ فقال كان محمد عالماً، وكان مسلم عالماً، فاعدت عليه مراراً فقال: يقع لمحمد الغلط في اهل الشام، وذلك لانه اخذ كتبهم ونظر فيها فربما ذكر الرجل بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين واما مسلم فقلما يقع له الغلط في العلل، لانه كتب كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل.
وقد احصيت أحاديث البخاري، كما جاء في (هدى الساري) فبلغت ٧٣٩٧ حديثاً، بما في ذلك الاحاديث المكررة، فاذا اضيف اليها ما فيه من المعلقات، والمتابعات تبلغ ٩٠٧٢(١) ، واذا حذفنا المكررات منها واقتصرنا على الاحاديث التي يتصل سندها بمصدرها تبلغ ٢٧٦٢ حديثاً.
قال في هدى الساري: فجميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير الفا حديث وستماية وحديثان، ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع المذكور مائة وتسعة وخمسون حديثاً، فجميع ذلك الفا حديث وسبعمائة وواحد وستون حديثاً.
روى عنهم، وعد منهم مروان بن الحكم، وابا سفيان، ومعاوية، وعمرو ابن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والنعمان بن بشير الانصاري، الذي لازم معاوية وولده يزيد الى اللحظة الاخيرة من حياته، واشترك معهما في جميع الجرائم والفتن، ولم يذكر الحسن
____________________
(١) المتابعات هي الاحاديث التي يرويها اثنان او اكثر عن الصحابي الذي روى الحديث عن النبيصلىاللهعليهوآله
والحسين (ع) في جملة من روى من الصحابة، مع العلم بانهما صحابيان حسب تحديدهما للصحبة كما ذكرنا.
واكثر من روى عنه ابو هريرة وعائشة، وعمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقد روى عن ابي هريرة اربعمائة وستة واربعين حديثاً، وعن عبد اللّه بن عمر مائتين وسبعين حديثاً، وعن عائشة مائتين واثنين واربعين حديثاً ولم يرو عن فاطمة الزاهراء سيدة النساء الا حديثاً واحداً، وروى عن علي بن ابي طالب (ع) تسعة وعشرين حديثاً، وروى عن أبي موسى الاشعري سبعة وخمسين حديثاً وروى عن معاوية ثمانية احاديث وعن المغيرة بن شعبة الذي استحق حد الزنا لولا عطف عمر بن الخطاب عليه كما تنص كتب التاريخ روى عنه احد عشر حديثاً وعن النعمان بن بشير ستة احاديث، ولم يرو عن المقداد بن الاسود الا حديثاً واحداً ولا عن عمار بن ياسر الا اربعة احاديث ولا عن سلمان الفارسي الا اربعة احاديث وروى عن عبد اللّه بن العباس نحواً من مأتين وسبعة عشر حديثاً وقد صحت عنده احاديث عبد اللّه لان اكثرها جاء عن طريق عكرمة المتهم باعتناق فكرة الخوارج كما سنتعرض لتاريخه في الفصل الآتي(١) .
____________________
(١) ضحى الاسلام ج ٢ ص ١١١ و ١١٢ ، والباعث الحثيث، ص ٢٥ ومقدمة فتح الباري ج ٣ ص ٢٤٨ و ٢٤٩.
الكليني
محمد بن يعقوب الكليني الرازي صاحب المؤلفات الغنية بالفوائد في مختلف المواضيع، ومن ابرز مؤلفاته كتابه المعروف بالكافي جمع فيه احاديث اهل البيت في الاصول والفروع والاخلاق وغيرها من المواضيع وجاء في كتب التراجم. انه لقب بالكليني نسبة الى قرية من بلاد ايران في منطقة الري (تسمى كلين)، وفيها دفن والده يعقوب بن اسحاق الكليني الرازي، ويعرف ايضاً بالسلسلي(١) وكان من ابرز شيوخ الشيعة في الراي واوجههم، ثم انتقل الى بغداد وسكن بها الى ان توفي بها سنة ٣٢٨ هجرية، وقيل سنة ٣٢٩ هجري، وليس في كتب التراجم التي تعرضت لتاريخه ما يشير الى تاريخ ولادته، لذلك لم يكن من السهل تحديد عمره على التحقيق، ومن الجائز ان يكون قد ادرك في صباه الامام الحادي عشر الحسن العسكري (ع) الذي توفي سنة مأتين وستين هجرية، ومما لا شك فيه ان حياته كلها كانت في عهد السفراء الاربعة وكلاء الامام الثاني عشر محمد بن الحسن (ع) لان عهدهم استمر سبعين عاماً تقريباً، أي الى حدود سنة ٣٣٠ هجرية والكليني لم يتخط هذا الرقم عند الجميع.
والذي يؤيد انه ادرك الامام العسكري (ع) كما يرجح ذلك العلامة الطباطبائي في رجاله هو انه قد اخذ الحديث عن جماعة عاصروا
____________________
(١) لعل الوجه في هذه النسبة انه سكن اخيراً في بغداد في محله تدعى درب السلسلة بباب الكوفة.
الائمة الثلاثة الرضا والجواد والهادي (ع) ورووا عنهم، منهم احمد بن محمد بن عيسى الاشعري شيخ القميين ووجههم، ولم يذكر المؤلفون في الرجال تاريخ وفاته، ولكنهم نصوا على انه لم يلتق بالامام العسكري، وهذا التعبير يشعر بوفاته قبل انتقال الامامة اليه. ومهما كان الحال فلم اجد فيما لدي من كتب التراجم ما يشير الى تاريخ ولادة الكليني، والمقطوع به انه عاش في النصف الثاني من القرن الثالث وفي اوائل القرن الرابع.
وقد اتفق الطرفان السنة والشيعة على تعظيمه واجلاله، وانه كان من اظهر علماء عصره واوثقهم في دينه وحديثه، وجميع من تعرض له من مؤلفي السنة وصفه بذلك.
وجاء عن (البغوي) احد المحدثين من السنة في تفسير الحديث المشهور عن النبيصلىاللهعليهوآله ان الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها، ان المبعوث على رأس المائة الاولى من أولي الامر عمر بن عبد العزيز، ومن الفقهاء محمد الباقر (ع) والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرهم من تلك الطبقة، وعلى رأس المائة الثانية من الحكام المأمون العباسي، ومن الفقهاء الشافعي، واللؤلؤي من الاحناف، واشهب من المالكية، والامام علي بن موسى الرضا من الامامية ومن المحدثين يحيى بن معين، وعلى رأس المائة الثالثة من الحكام المقتدر العباسي، ومن الفقهاء ابو جعفر الطحاوي الحنفي، وابن جلال الحنبلي وابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، وعد السيد المرتضى ممن بعث من الامامية على رأس المائة الرابعة بالاضافة الى جماعة من فقهاء المذاهب الاربعة.
وجاء عن التبصير لابن حجر وغيره من المؤلفين في الرجال والتراجم ما يؤكد انه كان من ابرز الفقهاء والمحدثين في عصره، ومن المساهمين
بجد ونشاط واخلاص في تدعيم الدين ونشر الثقافة الاسلامية من جميع نواحيها.
ونظر اليه الشيعة بعين الاحترام والتقدير في جميع الادوار التي مروا بها واشتهر من بين مؤلفاته الغنية بالفوائد كتابه الجليل الكافي، ذلك الكتاب الذي تحرى فيه اقصى ما لديه من جهد لتصفية الاحاديث الصحيحة عن غيرها كما نص على ذلك في مقدمة كتابه، حتى تم له تأليفه بعد جهاد ورحلات استمرا نحواً من عشرين عاماً يجوب فيها البلدان من بلدة الى بلدة في البحث عن الحديث ومذاكرة المحدثين في الحديث واصنافه ومصادره، والتنقيب عن الاصول الاربعمائة التي الفها تلامذة الائمة في الحديث، وعن مؤلفات القميين وغيرهم التي جمعوها في اواخر القرن الثاني من مرويات اصحاب الامامين جعفر بن محمد وابيه الباقر (ع) وقد ذكرنا في الفصل السابق ان القميين والاشعريين والبعض من الكوفيين قد تطوعوا لجمع الاحاديث وتصفيتها، والفوا في علمي الرجال والدراية ووضعوا اصول هذين العلمين خلال النصف الاول من القرن الثالث هجري ومهدوا الطريق للطبقة الثالثة التي برز فيها الكليني والف كتابه الجامع ونال اعجاب العلماء والمحدثين على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم.
ورجح جماعة من المؤلفين الاعلام انه كان على اتصال بسفراء الامام محمد بن الحسن الذين كانوا يتصلون به. كما نص على ذلك المحدث النيسابوري في كتابه منية المراد والسيد علي بن طاووس وغيرهما، وانطلق هؤلاء من هذه المرحلة الى ان الكافي قد عرضه سفراء الامام عليه واقر العمل به، وتمسكوا بما جاء عنه (ع) انه قال: (الكافي كاف لشيعتنا)، واضافوا الى ذلك ان بعض الشيعة من البلدان النائية كلف الكليني بتأليف كتاب في الحديث يجمع مختلف المواضيع، لكونه على اتصال دائم بالسفراء الذين كانوا يتصلون الامام، ويروون عنه، فألفه اجابة لطلبهم في عشرين عاماً، ولا بد وان يكون قد راجعهم فيما اشتبه عليه امره.
ولكن المؤلفات التي تعرضت للكليني وكتابه ليس فيها ما يؤيد هذا الادعاء ونص جماعة من المحدثين وغيرهم على عدم صحة الحديث المروي عن الامام (ع) حول هذا الموضوع، نظراً لان الرواة له لم تتوفر فيهم شروط الاعتماد على هذه الرواية هذا بالاضافة الى ان الامام (ع) في الغيبة الصغرى لم يكن الاتصال به ممكناً الا في الضرورات وليس منها تمحيص مرويات الكافي لامكان التوصل الى معرفة الصحيح من غيره بالرجوع الى اصول علم الدراية واحوال الرجال، على ان بعض مرويات الكافي لو عرضت على الامام محمد بن الحسن (ع) لا يمكن ان يقره عليها كما سنتعرض لبعضها في الفصول الآتية ولو افترضنا ان الامام (ع) قال في تقريظه (الكافي كاف لشيعتنا) كما تنص على ذلك الرواية، لو افترضنا ذلك فلا يستفاد من هذه الجملة انه صحيح بكل محتوياته، لجواز كونه كافياً لشيعتهم من حيث اشتماله على كمية من الاحاديث في الفروع والاصول صادرة عن الائمة (ع) ومما لا ريب فيه ان المرويات الصحيحة والمقترنة ببعض القرائن المؤكدة لصدورها بين مرويات الكافي سواء في ذلك ما ورد منها لبيان الاحكام وما ورد في الاخلاق والآداب والسنن وغير ذلك هذه الاصناف لو طبقها الشيعة لكانت كفيلة بان تجعلهم في القمة بين اصناف الناس ومهما كان الحال فليست الرواية نصاً في ان جميع مروياته صادرة عنهم (ع).
وقد عد المؤلفون في علم الدراية الكليني من الطبقة الرابعة بين المحدثين. فالطبقة الاولى حسب اصطلاحهم يمثلها الطوسي والنجاشي والثانية يتزعمها الشيخ المفيد، وابن الغضائري، والثالثة هي طبقة الصدوق، واحمد بن محمد بن يحيى وامثالهما، والرابعة طبقة الكليني وهكذا الى الطبقة السادسة عشر التي تنتهي بالمعاصرين للحسين وابيه امير المؤمنين (ع) بينما ابتدأ السنة في تسلسل الطبقات من الصحابة، ثم
كبارالتابعين، وهكذا الى الطبقة الثانية عشر التي تنتهي بالترمذي، والنسائي وبعض شيوخه.
وللكليني عدد من المؤلفات في مختلف المواضيع، منها كتابه في تاريخ القرامطة والرد عليهم، ومنها في تعبير الرؤيا، وفي رسائل الائمة (ع) وما قيل فيهم من الشعر، وفي الرجال وغير ذلك من المواضيع المختلفة بالاضافة الى الكافي الذي عرف به الكليني اكثر من جميع مؤلفاته.
وقد بلغت احاديثه بعد الاحصاء ستة عشر الف حديث ومائة وتسعين حديثاً موزعة على جميع ابوابه ومواضيعه(١) .
____________________
(١) انظر روضات الجنات للخونساري ج ٤ ص ٥٥٢ و ٥٥٣.
الكافي بنظر الشيعة
لقد وقف علماء الشيعة من الكافي موقفاً يمكن ان يكون بالقياس الى موقف السنة من صحيح البخاري سليماً وبعيداً عن المغالاة والاسراف فلم يتنكروا لحسناته ولم يتجاهلوا ما فيه من السيئات والنقص الذي لا يخلو منه كتاب مهما اتخذ المؤلف الحيطة لاخراجه كما يريد ويحب. ومع انهم لم يغالوا فيه غلو محدثي السنة وفقهائهم في صحيح البخاري، فلقد وضعه فريق من المحدثين القدامى فوق مستواه واحاطه الاخباريون بهالة من التقديس والاكبار، و لكن من جاء بعدهم من اعلام الطائفة قضى على تلك الهائلة والفتوا الانظار الى ما فيه من نقص وعيوب. ومع كل ذلك فلقد عده الكثير من العلماء والمحدثين مجدداً بالنسبة الى من تقدمه من المؤلفين في الحديث، بالرغم من ان الذين تقدموه من المحدثين والمؤلفين قد تحروا جهدهم لتصفية الاحاديث من المكذوب والمشبوه، وتشدد القيمون في احاديث المتهمين بالغلو والوقف وغيرهما من المنحرفين عن المذهب الاثني عشري، ولكنهم كما اعتقد لم يوفقوا الى اخراج جامع للمواضيع المختلفة التي اشتمل عليها الكافي، ولا اظن انهم صنفوا الاحاديث حسب المواضيع ووزعوها على الابواب، وفي المحل الذي يناسبها كما صنع الكليني، ولم يجمع احد قبله الاصول والمرويات التي يترجح لديه صدورها عن المعصوم، ولو من جهة القرائن التي تحيط بها، حتى ولو كان الراوي لها يعتنق الغلو والوقف، او أي مذهب آخر، كما جمعها هو في كتابه ووضعها في المحل المناسب، فان الذين باشروا عملية
التصفية من قبله، كانوا ينظرون الى الراوي قبل أي شيء، فاذا وجدوا فيه مغمزاً او انحرافاً تركوا مروياته مهما كان حالها ولو احيطت بعشرات القرائن، بينما درس الكليني الرواية من ناحية السند والمتن والملابسات التي تحيط بها، واعتبر الوثوق بالصدور مهما كان مصدره شرطاً اساسياً للاعتماد على الرواية، ولذلك احتاج الى عشرين عاماً لانهاء هذه الدراسة التي اعطت هذه النتائج الغنية بالفوائد في مختلف المواضيع.
وقال فيه الشيخ المفيد الذي ادرك شطراً من حياته: ان كتاب الكافي من اجل كتب الشيعة واكثرها فائدة.
وقفال المرزا حسين النوري في مستدرك الوسائل بعد ان اورد كلمة الشيخ المفيد: انما كان اكثر فائدة من غيره من حيث انه جامع للاصول والاخلاق والفروع والمواعظ والآداب، وغير ذلك من المواضيع، وهو اجل من غيره من حيث الاعتبار والاعتماد، لانه جمع الاصول الاربعمائة، التي كانت بتمامها موجودة في عصره، كما يظهر في ترجمة ابي محمد هرون بن موسى التلعكبري المتوفى سنة ٣٨٥، وقد جاء في ترجمته انه روى جميع الاصول والمصنفات، والف منها ومن غيرها كتابه المسمى (بالجوامع في علوم الدين)(١) .
ويؤيد ذلك ما جاء في اسباب تأليف الكافي، من انه ألفه اجابة لمن طلب منه كتاباً يجمع من جميع فنون الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع اليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين (ع)، والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يؤدي فرض الله عز وجل وسنة نبيهصلىاللهعليهوآله فاستجاب لطلبهم، والفه في تلك المدة
____________________
(١) انظر الكنى والالقاب للشيخ عباس القمي، ورجال المرزا محمد ص ٣٥٨.
الطويلة التي حددها كل من ترجمه وتعرض لتاريخه بعشرين عاماً، فجاء جامعاً لما يحتاج اليه المحدث والفقيه والمتكلم والواعظ، والمجادل، والمتعلم، والكتاب الذي يحتوي على هذه المواضيع، لا بد وان يلفت الانظار، ويصادف تقدير الباحثين من العلماء، لانه يوفر عليهم عناء البحث عن الروايات ويسد حاجة الفقيه، والمحدث والمتكلم وغيرهم في آن واحد.
هذا بالاضافة الى ما كان يتمتع به مؤلفه من ثقة غالية، وشهرة واسعة، ومكانة في العلم والدين تؤهله لان يحتل المكانة التي تليق به في النفوس. ولان يكون احد المعنيين بالحديث الشريف، (سيبعث الله لامتي على رأس كل مائة من يجدد لها دينها(١) كما يرى ذلك جماعة من الفريقين السنة والشيعة، ومع انه نال اعجاب الجميع وتقديرهم، لم يغال به احد غلو محدثي السنة في البخاري، ولم يدع احد بأنه صحيح بجميع مروياته لا يقبل المراجعة والمناقشة سوى جماعة من المتقدمين تعرضوا للنقد اللاذع من بعض من تأخر عنهم من الفقهاء والمحدثين، ولم يقل احد: بأن من روى عنه الكليني فقد جاز القنطرة كما قال الكثيرون من محدثي السنة في البخاري، بل وقف منه بعضهم موقف الناقد لمروياته من ناحية ضعف رجالها، وارسال بعضها، وتقطيعها، وغير ذلك من الطعون، التي تخفف من حدة الحماس له، والتعصب لمروياته، وحتى ان الذين لم يقروا تلك الاتهامات الموجهة اليه، ووصفوه بانه افيد كتب الحديث واجلها، وقالوا: بانه لم يصنف مثله، واخذوا بجميع مروياته، هؤلاء لم يدعوا بأن جميع ما فيه مروي بواسطة العدول في جميع مراتب السند، والذي يستفاد من نصوصهم انه جامع للمرويات التي تثق النفس بصدورها عن المعصوم من حيث ان مؤلفه بقي زمناً طويلاً يبحث وينقب ويقطع المسافات البعيدة من بلد الى بلد حتى جمعه من الصدور والمجاميع بعد الوثوق بصدور مروياته
____________________
(١) أي يظهره على واقعه، ويزيح الشبه عن مقاصده واهدافه.
عن الائمة (ع) ولو بواسطة القرائن والامارات الخارجة عن متونها، ولو لم يكن الراوي مستوفياً للشروط المطلوبة في الرواة.
ويتأكد ذلك عندما نلاحظ ان الصحيح في عرف المتقدمين يختلف اشد الاختلاف عن عرف المتأخرين: ذلك لان الصحة لا تتوقف على عدالة الراوي، بل يصح وصف الحديث بالصحة لمجرد الوثوق بصدوره، ولو من حيث وجوده في احد الاصول الاربعمائة، او في احد الكتب المعروضة على الامام ككتاب عبيد الله الحلبي الذي عرضه على الامام الصادق (ع) واثنى عليه وكتابي يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على الامام العسكري (ع)، او لكونه مطابقاً لدليل آخر مقطوع به ونحو ذلك من القرائن المفيدة للاطمئنان بالصدور. ولو لم يكن الرواة كلهم من حيث ذاتهم ممن يصح الاعتماد عليهم.
والمتحصل من ذلك ان اكثر الذين اعتمدوا على الكافي واعتبروا جميع مروياته حجة عليهم فيما بينهم وبين الله سبحانه، هؤلاء لم يعتمدوا عليها الا من حيث الوثوق والاطمئنان بالكليني الذي اعتمد عليها بعد جهاد طويل استمر عشرين عاماً، بالاضافة الى ان احتمال تقريظ الامام الثاني عشر (ع) كتلك المرويات كان يراود أذهان الكثيرين ممن تأخروا عنه كما ذكرنا من قبل وان كنا لم نجد مصدراً مقبولاً بهذا الاحتمال ولا نستبعد ان يكون الحديث المروي حول هذا الموضوع من موضوعات مقلدة الاخباريين الذين تضاعف حماسهم له بعد تصنيف العلامة الحلي للحديث الى الاصناف الاربعة، وكما ذكرنا فان وثوق الكليني بها لم يكن مصدره بالنسبة الى جميعها عدالة الرواة بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها نظراً لقرب عهده بالائمة (ع)، ووجود الاصول المختارة في عصره هذا بالاضافة الى عنصر الاجتهاد الذي يرافق هذه البحوث في الغالب. ويؤيد ذلك ان الكليني نفسه لم يدع ان مرويات
كتابه كلها من الصحيح المتصل سنده بالمعصوم بواسطة العدول، فانه قال في جواب من سأله، تأليف جامع يصح العمل به والاعتمال عليه قال: وقد يسر لي الله تأليف ما سئلت وارجو ان يكون بحيث توخيت. وهذا الكلام منه كالصريح في انه قد بذل جهده في جمعه واتقانه معتمداً على اجتهاده وثقته بتلك المجاميع والاصول الاربعمائة، التي كانت مرجعاً لاكثر المتقدمين عليه ومصدراً لاكثر مرويات كتابه.
ومهما كان الحال فالكافي مع انه كان من اوثق المجاميع في الحديث منذ تأليفه الى عصر العلامة الحلي واستاذه احمد بن طاووس اكثر من ثلاثة قرون من الزمن مع انه كان بهذه المنرلة عند المتقدمين، فان جماعة منهم كالمفيد وابن ادريس، وابن زهرة، والصدوق لم يثقوا بكل مروياته ووصفوا بعضها بالضعف كغيرها من المرويات التي لم تتوفر فيها شروط الاعتماد على الرواية.
ومن ذلك تبين ان المتقدمين لم يجمعوا على الاعتماد على جميع مروياته جملة وتفصيلاً، فان شهادتهم له بأنه من اوثق كتب الحديث وافيدها واعتباره مرجعاً لهم، لا تعني ان كل ما فيه حجة شرعية يجوز الاعتماد عليه في الفروع والاصول كما يدعي اكثر الاخباريين.
ويمكن تحديد موقف العلماء والمحدثين من مرويات الكافي بالبيان التالي، وهو ان تصحيح الكليني لمروياته واعتباره لها حجة فيما بينه وبين ربه، هل هو شهادة منه بتزكية رواة تلك الاحاديث، وبوجود قسم منها في الكتب المعتبرة التي عرضت على الائمة (ع) وأقروا العمل بها من اعتبر تصحيحه لها واعتماده عليها من باب الشهادة لا بد وان يعتمد عليها لجواز الاكتفاء بالشاهد الواحد في مقام التزكية وفي الموضوعات كما لو شهد الثقة بأن هذا الكتاب لزيد مثلاً وهذا الحديث موجود في الكتاب الفلاني، او في المحل الفلاني مثلاً.
ويؤيد ذلك ما جاء في مستدرك الوسائل حيث قال: ان شهادة الكليني على صحة خبر ترجع الى ان الخبر موجود في الاصول والكتب المعمول بها، المعلومة الانتساب الى اربابها، والمتصلة طرقه واسانيده اليها وقد اخرجه منها او تلقاه من الثقات الذين لا تتوقف معرفتهم على الامور النظرية: لكونهم من مشايخه او مشايخ مشايخه، وقرب عصره منهم، وعدم اشتباههم بغيرهم، وكلها شهادة حسية مقبولة عند الفقهاء، فلو شهد عادل بأن هذا الكتاب لفلان، وهذا الكلام موجود في كتاب فلان او شهد بأن فلاناً ثقة، فهل رأيت أحداً يستشكل في ذلك، بل عليه مدار الفقه في نقل الآراء والفتاوى والاقوال، والتزكية والجرح(١) ، فمن اعتبر تصحيح الكليني لمرويات الكافي شهادة منه بتزكية رواتها وبوجود قسم منها في الكتب المعتبرة. بنى على صحتها وجاز له العمل بها في الاحكام وغيرها، ومن بنى على ان تصحيحه لها كان من نتيجة فحصه واجتهاده ودراسته لاسناد الحديث ومتونه خلال تلك المدة الطويلة، من بنى على ذلك لم يفرق بين مرويات الكافي وغيرها من حيث كونها خاضعة للنقد والجرح والتعديل، لان اجتهاد شخص لا يكون حجة على غيره، ولا بد في مثل ذلك من عرض ذلك الموضوع على الاصول والقواعد الموضوعية لتمييز الصحيح منغيره، وبالتالي قد ينتهي الي عين النتيجة، وقد ينتهي لخلافها، وفي الحالين يتعين عليه ان يعمل بما أدى اليه اجتهاده. ومن الجائز القريب ان يكون المضعف لبعض مرويات الكافي متجهاً الى هذه الملاحظة.
قال السيد في المفاتيح: ان اخبار الكليني بصحة ما دونه في الكافي كما يمكن ان يكون باعتبار علمه بها، وقطعه بصدورها عن الائمة (ع) فيجوز الاعتماد عليها والحال هذه كسائر اخبار العدول، كذلك يمكن
____________________
(١) الفائدة الرابعة ص ٥٣٨.
ان يكون باعتبار اجتهاده وظهورها عنده ولو بالدليل الظني، فلا يجوز اذن الاعتماد عليه، فان ظن المجتهد لا يكون حجة على مثله، كما هو الظاهر من الاصحاب، بل ومن العقلاء، وحيث لا ترجيح للاحتمال الاول وجب التوقف.
ومهما كان الحال، فالكتب الاربعة وعلى رأسها الكافي كانت بنظر المتقدمين من الفقهاء والمحدثين الى اواخر القرن السابع الهجري الذي ظهر فيه العلامة الحلي، واستاذه احمد بن طاووس، كانت من اوثق المصادر في الحديث، ولم يتردد في قبول مروياتها سوى من اشرنا اليهم على ان بعض المحدثين قد فسر كلام المفيد والصدوق، الذي يدل بظاهره على التشكيك ببعض مرويات الكافي، قد فسر كلامهما بما يرجع الى انهما يترددان في بعض مروياته اذا تعارضت مع غيرها وكان المعارض لها اقوى سنداً واظهر دلالة، وذلك لا يعني انها من نوع الضعيف، لان تعارض الصحيح مع الاصح لا يمنع من وصفه بالصحة، كما لا يمنع من جواز العمل به والاعتماد عليه في غير مورد التعارض مع الاصح منه والشيء الطبيعي ان تتضاءل تلك الثقة التي كانت للكافي على مرور الزمن بسبب بعد المسافة بين الائمة (ع) وبين الطبقات التي توالت مع الزمن، وبمجيء دور العلامة الحلي انفتح باب التشكيك في تلك المرويات على مصراعيه بعد ان صنف الحديث الى الاصناف الاربعة، فتحرر العلماء من تقليد المتقدمين فيما يعود الى الحديث، وعرضوا مرويات الكافي وغيره على اصول علم الدراية وقواعده، فما كان منها مستوفياً للشروط المقررة اقروا العمل به والاعتماد عليه، وردوا ما لم تتوفر فيه الشروط المطلوبة. وعلى هذال الاساس توزعت احاديث الكافي التي بلغت ستة عشر الف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً على النحو التالي:
الصحيح منها خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً، والحسن مائة
واربعة واربعون حديثاً، والموثق الف ومائة وثمانية وعشرون حديثاً، والقوي ثلاثمائة وحديثان(١) ، والضعيف تسعة آلاف واربعمائة وخمسة وثمانون حديثاً(٢) .
ومما تجدر الاشارة اليه ان اتصال هذا المقدار من مرويات الكافي بالضعف لا يعني سقوطها بكاملها عن درجة الاعتبار، وعدم جواز الاعتماد عليها في امور الدين، ذلك لان وصف الرواية بالضعف من حيث سندها وبلحاظ ذاتها لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في احد الاصول الاربعمائة، او في بعض الكتب المعتبرة، وقد نص اكثر الفقهاء ان الرواية الضعيفة اذا اشتهر العمل بها والاعتماد عليها، تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة، وربما تترجح عليها في مقام التعارض.
وجاء في مقباس الهداية للمامقاني. ان الذي الجأ المتأخرين الى العدول عن طريقة القدماء، واضطرهم الى تصنيف الحديث الى الاصناف الاربعة، هو تطاول الازمنة بينهم وبين الطبقة الاولى، وضياع بعض الاصول المعتمدة التي دونها اصحاب الائمة (ع) والتباس المأخوذ منها بغيرها، وخفاء القرائن التي اعتمد عليها المتقدمون الى غير ذلك من الاسباب التي اضطرتهم الى هذا التصنيف لتمييز الصحيح عن غيره(٣) .
وسبب آخر اشرنا اليه من قبل، ولعله اقرب الى الواقع من غيره،
____________________
(١) القوي ما كان سنده كله او بعضه من غير الاماميين وليس فيه ضعف.
(٢) انظر روضات الجنات الى محمد باقر الخونساري (حرف الجيم ص ٥٥٣، والمستدرك الفائدة الرابعة).
(٣) انظر مقباس الهداية الملحق بالمجلد الثالث من تنقيح المقال في علم الرجال.
وهو ان اصحاب الكتب الاربعة قد اعتمدوا على اجتهاداتهم ووثوقهم بتلك المرويات التي دونوها في مجاميعهم كما يبدو ذلك من بعض كلماتهم التي تشير الى هذا المعنى، فان قول الكليني: وقد يسر لي الله تأليف ما سألت، وارجو ان يكون بحيث توخيت، ظاهر في انه اعتمد على اجتهاداته ودراسته في انتقاء الاحاديث التي دونها في الكافي، وقد تلقى العلماء تلك المجاميع بالقبول والتقدير نظراً لثقتهم بأصحابها في دينهم وعلمهم، فحسن الظن بالكليني وغيره من مؤلفي الكتب الاربعة. يسر لهذه الكتب ان تحتل تلك المكانة الرفيعة في نفوس العلماء والمحدثين نحواً من ثلاثة قرون تقريباً، وبلغ الحال ببعض الاخباريين الذين لا يتخطون حرفية النصوص، ولا يفسحون حتى للعقل ان يتدخل في شيء من امور الدين، بلغ الحال بهم ان اعتبروها من نوع المقطوع بصدوره عن المعصوم، واستمروا على تعصبهم لها الى العصور المتأخرة، ووجهوا الى العلامة الحلي واستاذه التهم والشتائم، واعتبروا تصنيفه للحديث الى الاصناف الاربعة من نوع البدعة والخروج على طريقة السلف الصالح وسيرتهم، ولا تزال فلولهم الى اليوم تتمسك بمرويات الكافي وكأنها من وحي السماء، مع العلم بأن العلامة قد خدم السنة والمذهب، وفضح اساليب الدساسين والمنحرفين الذين ألصقوا بالمرويات الصحيحة آلاف الروايات التي اتخذها اخصام الشيعة سلاحاً للهدم والتخريب، والتشويش على الشيعة وأئمتهم (ع).
هذه الثقة العظيمة بالمحمدين الثلاثة - محمد بن يعقوب الكليني ومحمد بن الحسن الطوسي ومحمد بن بابويه - وبخاصة الكليني هي التي جعلت للكافي تلك الحصانة عند المتقين من فقهاء الامامية ومحدثيهم، ولما جاء دور العلامة الحلي واستاذه ووجدا بين مرويات الكافي وغيره من كتب الحديث ما لا يجوز الاعتماد عليه والركون اليه وقفا منها موقف المتحرر من التقليد والتبعية العمياء، وتابعهما على ذلك
كل من جاء بعدهما من العلماء والمحدثين.
فكان موقفهما من مرويات الكليني اشبه ما يكون بموقف محمد بن احمد بن ادريس الحلي من فتاوى الشيخ الطوسي وآرائه في الفقه، تلك الآراء التي ظلت اكثر من قرن من الزمن وكأنها من وحي السماء. ولا مصدر لذلك الا انه استطاع ان يفرض نفسه على تلاميذه وعلماء عصره، بالاضافة الى شخصيته العلمية وشهرته الواسعة، ولما ظهر ابن ادريس المتوفى سنة ٥٩٨ هجرية ووقف من آرائه موقف الناقد المتحرر خالفه في كثير من آرائه ككل باحث متحرر لا يهمه الا احقاق الحق من مصادره، فأعاد الثقة الى النفوس، وبدأ هو وغيره من العلماء المعاصرين والمتأخرين عنه في تقييم آراء الطوسي ومؤلفاته وارجاعها الى الاصول والقواعد، بعد ان سيطرت على عقول العلماء والمفكرين وكادت ان تنسيهم فتح باب الاجتهاد الذي امتاز به فقهاء الشيعة على غيرهم من فقهاء المذاهب الاربعة، ولذلك شواهد وأمثلة اخرى في تاريخ العلماء والمفكرين يدركها الباحث المتتبع في تاريخهم ومؤلفاتهم تؤكدان شخصية العالم وثقته في النفوس تسيطران احياناً على اتباعه وتلاميذه وتستبد في عقولهم وتفكيرهم، حتى يخيل اليهم ان جميع آرائه ونظرياته فوق الشبهات والاوهام.
الكليني يختصر السند أحياناً
السنة حسب اصطلاح المحدثين هو الرواة الذين ينقلون الحديث بالتسلسل عن مصدره الاول نبياً كان او اماماً، او صحابياً او غير هؤلاء حتى ينتهي الى الراوي الاخير والكليني يحرص في الكافي كما يبدو، بعد التتبع على ذكر السند بكامله. وقد يحذف بعضه، او اوله اعتماداً على بعض القرائن الدالة عليه. قال المامقاني في خاتمة المجلد الاول من رجاله: وقد يحذف نادراً صدر السند، ولعله لنقله عن الاصل الذي يروي عنه من غير واسطة، او لحوالته على ما ذكره قريباً، كما لو ذكر رواية بسندها الكامل، وبنفس السند روى رواية غيرها، فيحذف من السند حينئذ اعتماداً على ما ذكره اولاً، وقد يختصر السند احياناً، ويقول عن عدة من اصحابنا عن فلان، ويعني بالعدة جماعة من مشاهير الرواة نبه عليهم بأسمائهم كي لا يحصل الالتباس.
قال العلامة في خاتمة الخلاصة من كتابه في الرجال: نقلاً عن الكليني نفسه، وكلما ذكرته في كتابي عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن خالد البرقي، فهم علي بن ابراهيم، وعلي بن محمد بن عبد الله بن اذينة، واحمد بن عبد الله عن ابيه، وعلي بن الحسين السعدبادي، وكلما ذكرته في كتابي عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد فهم علي بن محمد بن علان، ومحمد بن ابي عبد الله، ومحمد بن الحسن، ومحمد بن عقيل، واضاف الى ذلك العلامة وغيره، ان الكليني اذا قال: عدة
من اصحابنا عن احمد بن محمد بن عيسى، فهم محمد بن يحيى، وعلي بن موسى الكمنداني، وداود بن كورة، واحمد بن ادريس، وعلي بن ابراهيم(١) .
وفي بعض ابواب الكافي يصرح هو بالمراد من العدة، فقد جاء في الباب التاسع من العتق. عدة من اصحابنا، علي بن ابراهيم ومحمد بن جعفر، ومحمد بن يحيى، وعلي بن محمد بن عبد الله القمي، واحمد بن عبد الله، وعلي بن الحسين جميعاً عن احمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى.
والروايات المصدرة بلفظ العدة في الكافي اكثرها عن احمد بن محمد بن عيسى، وعن سهل بن زياد، وعن احمد بن محمد بن خالد البرقي، وقد نص الكليني نفسه على ان الذي تعنيه كلمة العدة هؤلاء الثلاثة باستثناء ثلاثة عشر رواية مصدرة بلفظ العدة كما أحصاها جماعة من المحدثين قد أهمل المعنيين فيها ولم ينص على اسمائهم.
قال في المستدرك: واما القسم الثاني وهم العدة الذين لم يتعرض لهم هو وغيره، فلا بد من الفحص عنهم والنظر في احوالهم، فاذا تبين للباحث حسن حالهم اخذ بمروياتهم، والا يتعين التوقف بشأنها.
ومجمل القول انه قد يبدو لغير المتتبع ان الكليني يختصر السند احياناً اعتماداً على ثقته وعلمه بحال بعض الرواة كما هو الشأن بالروايات التي يصدرها بلفظ العدة ونحوه، ولكنه في الواقع قد اعتمد لفظ العدة بدلاً من التنصيص عليهم بأسمائهم في كل رواية من باب الاختصار وتهرباً من التطويل وبين بعد ذلك المعنيين من هذا اللفظ بأسمائهم واشخاصهم دفعاً للالتباس عدا ثلاثة عشر مورداً كما احصاها في الفائدة
____________________
(١) انظر الخلاصة في الرجال للعلامة ص ١٣٣.
الرابعة من مستدرك الوسائل لم ينبه هو وغيره عن المعنيين من لفظ العدة فيها، واكد ذلك المامقاني في خاتمة كتابه تنقيح المقال. على ان اكثر المتقدمين لم يفرقوا بين العدة التي نبه على الاشخاص المعنيين منها، وبين التي أهمل المراد منها بل وحتى بين مروياته التي اختصر السند في أولها، وبين التي ذكر فيها السند بكامله، لانه لا يروي الا عن الثقة على حد تعبيرهم، ونص بعضهم على ان الكليني لا يروي عن مجهول، واضاف الى ذلك. وناهيك بحسن حال اولئك الرواة رواية الكليني عنهم، وما اشبه هذا النص بالنص الذي نقلناه عن بعض محدثي السنة بشأن من روى عنهم البخاري «كل من روى عنه في الصحيح فقد جاز القنطرة» الا ان هذه الكلمة تعكس رأي الجمهور واظهر في المغالاة والمبالغة من الكلمة الاولى التي لا تعكس الا رأي قائلها بعض المقلدة من الاخباريين.
وكما يصدر السند احياناً بلفظ العدة، يصدره ايضاً بلفظ الجماعة، وقد اكثر منه في كتاب الصلاة عن احمد بن محمد، وفي بعضها بزيادة ابن عيسى، ورجح جماعة من المؤلفين في علمي الرجال والدراية ان الذي يعنيه من الجماعة هو عين ما يعنيه من العدة، وعلى ذلك فاذا ورد بعد لفظ الجماعة احد الثلاثة الذين ذكرهم بعد لفظ العدة، تكون الرواية كغيرها من الروايات التي صدرها بلفظ العدة عن احد الثلاثة، وان لم يرد بعد لفظ الجماعة احد الثلاثة، فلا بد من الفحص عن الجماعة وعن احوالهم، ونص بعض المؤلفين في الرجال على قبول الرواية المصدرة بلفظ الجماعة على كل حال. قال المامقاني في الفائدة الثانية من ملحقات رجاله: لكن لا يبعد قبول الرواية ان لم يكن فيها عيب من وجه آخر، لوضوح بعد اتفاق الجماعة المذكورين على الكذب، سيما بعد كونهم ممن يروي عنهم ثقة الاسلام(١) .
____________________
(١) انظر الفائدة الثانية من ملحقات كتابه في الرجال ص ٨٤.
الكليني يروي عن الاماميين وغيرهم
لقد ذكرنا فيما تقدم ان الحديث الذي يوصف بالصحة عند المتقدمين لا يختص بما يرويه الامامي العادل عن مثله حتى ينتهي الى النبي والامام (ع) بل يتسع وصف الصحة له ولغيره مما كان محاطاً ببعض القرائن المرجحة لصدوره عن المعصوم (ع) ولما هو موجود في الكتب التي عرضت على الامام فأقرها، او في الاصول الاربعمائة، او في الكتب التي شاع بين الطبقة الاولى العمل بها والاعتماد عليها ككتاب الصلوة لحريز بن عبد الله السجستاني، وكتاب حفص بن غياث القاضي، وكتب بني سعيد، وعلي بن مهزيار وغيرها من الكتب التي اعتمد عليها محدثو الشيعة ودنوا مروياتها في مجاميعهم كالكافي وغيره، وعدوها من صحاح الاحاديث مع العلم بأن مؤلفي تلك الكتب، ورواة احاديثها يختلفون في مذاهبهم اشد الاختلاف، فهم بين من هو عامي المذهب كحفص بن غياث القاضي الذي تولى القضاء للرشيد، كما جاء في خلاصة اخبار الرجال للعلامة الحلي وبين من هو من الفطحية كبني فضال، الذين قال الامام (ع) فيهم: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا، او من الواقفية وغير ذلك من المذاهب المختلفة، وذكرنا سابقاً ان التصنيف الذي احدثه العلامة واستاذه للحديث قد تخطى الحدود التي اصطلح عليها المتقدمون، واصبح الموثق المقابل للصحيح والحسن، الذي يرويه غير الامامي الموثوق به من الاصناف المعتبرة المعمول بها بين الفقهاء، ويقدم على الحسن، مع ان رواته من الاماميين، سواء كان الرواة للحديث
المعروف في عرف المحدثين بالموثق ممن يدينون بالتشيع كالفطحية والواقفية، او من السنيين الموثوق بهم، هذا الصنف من الحديث يأتي بعد الصحيح مباشرة، وذكرنا ان بين احاديث الكافي من هذا الصنف الفي حديث ومائة وثمانية عشر حديثاً، وفي ذلك دلالة على ان الشيعة لم يبلغ بهم التعصب الى عدم جواز الاخذ بكل ما يرويه المخالفون لهم في العقيدة، كما يدعي السنة، حتى ولو كان الراوي عن المعصوم معروفاً بالاستقامة في دينه، والضبط لاسانيد الروايات ومتونها.
ويؤكد ذلك ان الكليني نفسه روى عن جماعة من العامة كحفص بن غياث القاضي الذي تولى القضاء للرشيد، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، وطلحة بن زيد، وعباد بن يعقوب الرواجني، والنوفلي والسكوني، وعن الزهري ووهب بن وهب ابي البختري، وجاء في بعض كتب الرجال انه كان من قضاة العباسيين، وعن عبد الله بن محمد بن ابي الدنيا، وغيرهم ممن ورد ذكرهم في اسانيد الكافي. واذا كان الاكثر من الشيعة يتشددون في رواية غير الامامي او يعتبرون كون الراوي امامياً، فذلك لا يعني انه من ضرورات مذهبهم في الحديث، وانما هو من الاجتهاد الذي تختلف فيه الانظار والآراء، وكما ذكرنا ان اعتمادهم على مرويات الفطحية وغيرهم، وتدوينها في مجاميعهم، مع العلم بأنهم كانوا يسمونهم (بالكلاب الممطووة) مما يؤكد ان جماعة منهم يكتفون بعدالة الراوي في مذهبه، وان الاختلاف في العقيدة لا يمنع من الاعتماد على ما يرويه، اذا كان صادقاً ومأموناً في النقل، والذي يؤيد هذا المبدأ ويؤكده قول الامام العسكري (ع) في جواب من سأله عن مرويات بني فضال باعتبارهم من المنحرفين عن المخطط الاثني عشري: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا هذا الحديث يرشد الى ان فساد العقيدة لا يسري الى فساد القول، فاذا قال المخالف لك حقاً وصدقاً فخذ بقوله واعتمد عليه اذا كنت تثق بصدقه واستقامته، واترك رأيه ما دمت تعتقد بفساده.
موقف السنة من مرويات المخالفين لهم
ثم ان القائلين من الشيعة بعدم جواز الاعتماد على رواية غير الامامي، هؤلاء على قلتهم لا يفرقون بين اصناف المخالفين لهم، ولا يفضلون مخالفاً على غيره، كما فعل السنة مع المخالفين لهم، فانهم عدوا الشيعة من المبتدعة المخالفين كالخوارج وغيرهم من الفرق، ولكنهم فضلوا عليهم الخوارج واخذوا بمروياتهم بحجة انهم لا يستحلون الكذب، والشيعة يستحلونه على حد زعمهم.
قال السباعي في كتابه السنة ومكانتها من التشريع الاسلامي: والذين يظهر لي انهم يرفضون رواية المبتدع اذا روى ما يوافق بدعته كالشيعة او كان من طائفة عرفت باباحة الكذب، ووضع الحديث في سبيل اهوائها، ولهذا رفضوا رواية الرافضة، وقبلوا رواية بعض الشيعة الذين عرفوا بالصدق والامانة، كما قبلوا رواية المبتدع، اذا كان هو وجماعته لا يستحلون الكذب كعمران بن حطان وبعض الخوارج.
وجاء في منهاج السنة: نكتب عن كل صاحب بدعة اذا لم يكن داعية الا الرافضة فانهم يكذبون(١) .
ويقصد السباعي ببعض الشيعة الذين عرفوا بالصدق والامانة الزيدية كما يدل على ذلك قوله في ص ١٤٩ وهؤلاء، أي الزيدية يعدون
____________________
(١) انظر السنة ومكانتها من التشريع الاسلامي للسباعي ص ١١٠ ومنهاج السنة ج / ١ ص ١٣.
اكثر طوائف الشيعة اعتدالاً، وفقههم قريب من فقه أهل السنة، اما الرافضة ويعني بهم من يفضلون علياً ويقولون بأنه هو صاحب الحق بعد رسول الله فهؤلاء لا يشفع لهم شيء عند السباعي وامثاله.
وجاء في الكتاب المذكور في خلال حديثه عن الفرق السياسية: ان الرافضة اكثر الفرق كذباً، وان مالكاً سئل عنهم فقال: لا تكلمهم ولا تروي عنهم فانهم يكذبون، وان شريك بن عبد الله القاضي وغيره قالوا عنهم: احمل عن كل من لقيت الا الرافضة فانهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً، وانهم وضعوا الحديث في ذم معاوية وابن العاص، كما وضعوا في فضائل علي واهل بيته ثلاثمائة الف حديث، وقد اطال السباعي الحديث عمن اسماهم بالرافضة، وحشد مجموعة من الاراجيف والاباطيل حولهم، وحاول ان يصورهم بألد اعداء الاسلام الذين لم يكن يهمهم الا تحطيمه وتقويض دعائمه، كما نص على ذلك في ص ٩٥ من كتابه.
ونحن لا نريد ان نخوض معه ومع امثاله ممن استخوذ عليهم النصب والتعصب، واعمى قلوبهم الحقد على اهل البيت وشيعتهم، فقد سبقه الى هذه الافتراءات سلفه الصالح من اتباع الامويين وعملائهم الذين كان معاوية والامويون من بعده يشترون ضمائرهم بالاموال لكي يضعوا الاحاديث في فضله وفضل اتباعه، وفي التشنيع على الشيعة والتوهين لأمرهم وانتقاص علي وابنائه (ع)، ورد عليهم الشيعة قديماً وحديثاً وفندوا جميع مفترياتهم، ودسائسهم، ومع كل ذلك فالسباعي والجبهاني والسفياني وغيرهم، من المأجورين والمفرقين لا يعنيهم الا تفريق الصفوف وتمزيق وحدة المسلمين، وبث الاحقاد في النفوس لقاء أجر معلوم من أسيادهم أعداء الاسلام، هؤلاء وغيرهم يجترون أقوال المتقدمين حنقاً وحقداً على الشيعة، وعداوة لأهل البيت الذين أذهب
الله عنهم الرجس وطهرهم من البدع على رغم انف الحاقدين والمفترين، كالسباعي والجبهاني وابن تيمية وامثالهم المأجورين.
لقد رفض السنة رواية الشيعي لأنه مبتدع كذاب، وقبلوا رواية الخوارج لانهم وان كانوا من أهل البدع كالشيعة على حد تعبيرهم، الا انهم صادقون متدينون لا يستحلون الكذب ولا الفسق، وكانوا من التقوى على جانب عظيم كما جاء في كتابه ص ٩٦.
ويعود في ص ٩٧ ليؤكد هذه الحقيقة فيقول: لقد حاولت ان اعثر على دليل علمي يؤيد نسبة الوضع الى الخوارج، فرأيت الادلة العلمية على العكس، تنفي عنهم هذه التهمة، فقد كانوا يكفرون مرتكب الكبيرة من الذنوب او مرتكب الذنوب مطلقاً والكذب من الكبائر، فكيف اذا كان على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومضى في حديثه ينتحل لهم اسباب الزهد والصدق والعبادة الخالصة، ويصف الرافضة (اي الشيعة) بالكذب ووضع الاحاديث، محتجاً لتزكية الخوارج بقول أي داود: ليس في أهل الاهواء أصح حديثاً من الخوارج، ويقول ابن تيمية، ليس في أهل الاهواء أصح حديثاً واصدق واعدل من الخوارج، الى غير ذلك من الهراء الذي لا يرتكز على العلم والمنطق والدين.
وكنت أتمنى لنفسي ان لا تضطرني مطالعاتي حول الموضوع الذي يبدي الى الخوض مع هؤلاء الدساسين المأجورين في مثل هذه المواضيع وكان بالامكان ان اتغاضى واتجاهل بعض التهم والاراجيف التي يلصقها الحاقدون بالشيعة، لولا (ان الساكت عن اظهار الحق شيطان اخرس) ولولا ان الحقيقة تفرض نفسها على الباحث المجرد، وتأبى عليه ان يمر بمثل هذه الآراء من غير ان يكشفها على واقعها لتكون سلاحاً بيد الباحث البريء الذي لا يعنيه الا الحق من أي مصدر كان.
لقد اتفق اكثر السنة على ان مرويات الشيعة لا يجوز الاعتماد عليها لانهم في طليعة المبتدعة المتسترين بالاسلام ومن الدعاة الى بدعتهم، لانهم يدعون بأن الرسول نص على علي (ع) بالخلافة في غدير خم وغيره من المواقف، ووضعوا على حد تعبيرهم آلاف الاحاديث في فضله وفضل السيدة فاطمة وولديها الحسن والحسين (ع)، لذلك فهم من المبتدعة الكذابين، والخوارج من المبتدعة الصادقين. ونحن لا نريد ان نناقش ونجادل في المرويات حول استخلاف علي وفضائل اهل البيت، لا نريد ذلك، لان الحديث حول هذه المواضيع يتصل بتاريخ الاسلام، وقد تكلم فيه الشيعة والسنة في عشرات المناسبات وكتبوا حوله عشرات الكتب، ولكن الذي اريد ان اقوله لمن يحتج في رفض مروياتهم، بأنهم من المبتدعة الداعين الى بدعتهم، كيف سوغ هؤلاء لانفسهم قبول مرويات مروان ومعاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، وطلحة والزبير والنعمان بن بشير الانصاري، وامثال هؤلاء ممن أراقوا الدماء واستباحوا الحرمات، واعلنوها حرباً شعواء لا هوادة فيها على الامام الشرعي الذي اختاره المهاجرون والانصار، والمسلمون من جميع البلدان والاقطار.
أليس خروج عائشة ام المؤمنين وزوجة النبيصلىاللهعليهوآله تقود جيشاً الى حرب علي (ع) يقتل الابرياء وينهب الاموال ويروع الآمنين، والقرآن يناديها ويؤكد عليها وعلى غيرها من امهات المؤمنين، بأن يقرن في بيوتهن ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الاولى، أليس ذلك فساداً في الارض، وبدعة في دين الله لا تقل أخطاره عن أخطار فكرة الخوارج وغيرهم من المبتدعة وهل البدعة الا ادخال ما ليس من الدين في الدين، وارتكاب ما يتنافى مع اصول الاسلام وقواعده، وهل تتفق سيرة معاوية واتباعه ممن قبل المحدثون احاديثهم، هل تتفق سيرتهم مع اصول الاسلام وفروعه وقواعده ونحن لا نريد ان نجادلهم فيما ينسبونه الى الشيعة من الوضع
والكذب، ونفترض ذلك امراً واقعاً، ولكن هل يستطيع باحث مجرد ان ينزه اخصام علي كمعاوية واتباعه ومن يحمل روحه ومبادئه عن الوضع والكذب وبذل الاموال لهذه الغاية. مع ان التاريخ مشحون بالشواهد على انه قد اصدر امراً وزعه على جميع عماله في مختلف العواصم وامرهم بوضع الاحاديث في فضل الخلفاء وبخاصة قريبه عثمان، ووضع الاحاديث التي تسيء الى علي وبنيه.
أصحيح ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من اراد ان ينظر الى رجلين من اهل النار فلينظر الى هذين، فنظرت السيدة عائشة واذا بعلي والعباس قد اقبلا نحو رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما روى ذلك جماعة من المحدثين عنها، أصحيح ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ان علياً يموت على غير ديني، كما روى عروة بن الزبير عن خالته عائشة اوليست بعض المرويات المدونة في الصحاح عن جماعة من الصحابة كأبي هريرة وامثاله اضر على الاسلام واكبر خطراً مما يسميه السباعي واسلافه بالبدع كما سنشير اليها خلال الفصول الآتية، اوليس معاوية اول من ادخل البدع في دين الله ودعا اليها وعاقب على تركها وفرض مسبة علي وبنيه على الخطباء وائمة المساجد، واستمر الامر على ذلك قرناً كاملاً من الزمن وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة ومن سن سنة حسنة كان له اجرها واجر من عمل بها.
اولم يقل رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعمار: يا عمار تقتلك الفئة الباغية وهل ينكر احد من المحدثين، قتل معاوية واتباعه لعمار بن ياسر ومن على شاكلته من صحابة النبي الميامين.
افلا يكفي معاوية ان يكون في عداد المبتدعة تسليط ولده الفاجر المستهتر في دين الله على المسلمين، مع العلم بانه قد خالف بذلك سيرة
الشيخين الجليلين ابي بكر وعمر اللذين لم يجعلا لأولادهما نصيباً فيها. وفي ولدهما من هو أبر واصلح واتقى من معاوية واولاده بعشرات المرات ولو اردنا ان نستقصي البدع والمنكرات التي احدثها جماعة من الصحابة وماتوا وهم مصرون عليها لخرجنا من ذلك بمجلد أضخم من كتاب السباعي (السنة ومكانتها من التشريع) وكنت اتمنى ان لا ادخل في هذا الموضوع، ولكني كما ذكرت اولاً قد رأيت نفسي مضطراً لتقديم هذه الامثلة التي تؤكد ان الذين يرفضون مرويات الشيعة يتسترون بتلك الاسباب التي يدعونها، والواقع ان السبب الاول والاخير الذي لا يمكن التكفير عنه، ولا يدخله عنصر الاجتهاد الذي دخل على تصرفات معاوية واتباعه وعلى من وصفهم القرآن بالمنافقين، السبب الاول والاخير هو موالاة الشيعة لعلي واهل بيته (ع) والرجوع اليهم في امور الدين والتكفير عن هذه البدع لا يمكن ان يكون الا بالرجوع عن موالاتهم والتمرغ على اعتاب بعض الصحابة بما فيهم معاوية واتباعه، وما داموا مصرين على ذلك فهم مبتدعة كذابون، والخوارج قوم صلحاء لا يجاملون ولا يستعملون التقية كما يصنع الشيعة، ولم يكن وسطهم بالوسط الذي يقبل الدسائس والزندقة والشعوبيين، كما هو الحال بالنسبة الى الرافضة على حد تعبير السباعي وغيره(١) .
ونحن إذ نبارك له ولاسلافه من العلماء والمحدثين، فكرة الرجوع الى الخوارج واخذ الدين عنهم، نريد ان نلفت نظر القراء الى ان اهل السنة يشترطون العدالة في الراوي بالاضافة الى الاسلام، ويفسرون العدالة بفعل الواجبات واجتناب المحرمات، مع العلم بان الخوارج يكفرون جميع المسلمين، لانهم لم يشتركوا معهم في جهاد الامويين، ويكفرون علياً واتباعه، وعثمان وحزبه، ويستحلون دماء واموال جميع
____________________
(١) انظر ص ٩٥ من الكتاب المذكور.
من لم يساندهم ويدين بآرائهم، هذا بالاضافة الى تشريعاتهم المنافية لاصول الاسلام ومبادئه، لان فيهم من جوز نكاح بنات الاولاد وبنات اولاد الاخوة(١) .
وادعى يزيد بن انيسه احد قادتهم ان الله سيبعث نبياً من العجم بكتاب ينسخ شريعة محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله
وفيهم من ادعى بان سورة يوسف ليست من القرآن، الى غير ذلك من الآراء المنافية لضرورات الاسلام والتي تجعلهم في عداد الكفار والملحدين(٢) ، ومع ذلك فالخوارج صادقون لا يستحلون الكذب، والشيعة مبتدعة كذابون.
وجاء عن بعض المحدثين من السنة انه سمع شيخاً منهم بعد ما تاب يقول: ان هذه الاحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فانا كنا اذا هوينا امراً صيرناه حديثاً.
وبهذه المناسبة يقول الحافظ ابن حجر: هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، اذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الاسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء اذا استحسنوا امراً جعلوه حديثاً واشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به فيحمله منه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به مع كون اصله ما ذكرنا(٣) .
على ان السباعي يرسل اقواله جزافاً وينسبها الى اهل السنة ليؤيد بها ادعاءه ويركز على اساسها حملاته المسعورة على الشيعة.
____________________
(١) وهم العجاردة اتباع ميمون العجردي احد أمرائهم.
(٢) انظر مقالات الاسلاميين للاشعري، والتبصير في الدين للاسفرائيني، وكتابنا الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة ص٥٦ وما قبلها.
(٣) انظر ص ٩٨ من شيخ المضيرة عن توجيه النظر ص ٢٤٥.
والواقع ان الباحث المتتبع يمكن ان ينتزع من آرائهم ونصوصهم حول هذه المواضيع ان الاكثرية الغالبة ترفض رواية الشيعي بقول مطلق بنحو يصح نسبه الى جمهور اهل السنة واحسب ان هذا هو اول ما يهتدي اليه الباحث بعد استقصاء آرائهم وتمحيصها لانهم متفقون على انهم من اهل البدع والاهواء وبدعتهم ليست كغيرها من البدع التي يمكن ان يجد لها الانسان تفسيراً مقبولاً على حد زعمهم، ومع ذلك فلا يصح نسبته الى الجميع.
وجاء في الباعث الحثيث للشيخ احمد محمد شاكر ما يؤيد ذلك، حيث قال: اهل البدع والاهواء اذ كانت بدعتهم مما يحكم بكفر القائلين بها لا تقبل روايتهم بالاتفاق كما نص على ذلك النووي، واضاف الى ذلك ان السيوطي انكر الاتفاق الذي يدعيه النووي، لوجود القائل بقبول روايتهم مطلقاً، ووجود من يقول بقبولها اذا اعتقد الراوي حرمة الكذب.
واما من كانت بدعته لا توجب الكفر، فان بعضهم لهم يقبل روايته مطلقاً، وبعضهم قبلها اذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، وروى ذلك عن الشافعي، حيث قال: ما رأيت في اهل الاهواء والبدع اشهد بالزور من الرافضة.
وقال بعضهم: تقبل رواية المبتدع اذا لم يكن داعية الى بدعته ولا تقبل اذا كان داعية اليها، وفي رأي النووي ان الاكثر يذهبون الى ذلك(١) .
ومن مجموع ذلك تبين انهم لم يتفقوا على رأي واحد في هذه المسألة، وان بينهم من يرجح قبول رواية المبتدع في الاحوال كلها، وان
____________________
(١) انظر الباعث الحثيث ص ١٠٠.
كان الاكثر يشترط ان لا يكون داعية اليها كما نص على ذلك النووي وقال الحافظ الذهبي في المجلد الاول من الميزان في ترجمة ابان بن تغلب: ان الشيعي اذا لم يكفر الشيخين أبا بكر وعمر ولم يتبرأ منهما تقبل روايته، ثم قال في وصف ابان: انه شيعي جلد، لكنه صدوق فلنا صدقه وعليه بدعته، واضاف الى ذلك. فلقائل ان يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع؟ وحد الثقة العدالة والاتقان، فكيف يكون عدلاً وهو صاحب بدعة، وجوابه ان البدعة على ضربين صغرى كالتشيع بلا غلو، وغلو التشيع، وهذه كثيرة في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل، والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر، والدعاء الى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، ولا استحضر من هذا النوع رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله، حاشا وكلا فالغالي في زمان السلف وعرفهم، هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب علياً (ع) وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين ايضاً، فهذا ضال مفتر كذاب ونقل عن الحافظ ابن حجر ما هو قريب من هذا النص(١) .
وهذا النص من الذهبي يكاد ان يكون صريحاً في ان صدق الراوي ووثاقته لا بد من مراعاتهما في الراوي اياً كانت صفته، والشيعي مع انه على جميع حالاته مبتدع، ولكن اذا لم يبلغ الحال به الى تكفير من حارب علياً (ع) والبراءة من الشيخين لا ترد روايته اذا كان صدوقاً وضابطاً للحديث، وهو وان لم يعبر عن رأي الجمهور في هذه المسألة، الا ان الكثير منهم على ذلك، كما يبدو من نصوصهم وتصريحاتهم.
____________________
(١) المصدر السابق ص ١٠١.
قال ابن حجر في هدى الساري في تحديد المبتدع الذي لا تقبل مروياته: ان الموصوف بالبدعة، اما ان يكون ممن يكفر بها او يفسق فالمكفر بها لا بد وان يكون التكفير متفقاً عليه من قواعد جميع الائمة، كما في غلاة الرافضة المدعين حلول الالوهية في علي (ع) وغيره، والايمان برجوعه الى الدنيا قبل يوم القيمة او غير ذلك، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء.
والبدعة الموجبة للفسق كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغالون ذلك اللغو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لاصول السنة خلافاً ظاهراً والمستندين في خلافهم الى تأويل ظاهر سائغ، فقد اختلف اهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله، اذا كان معروفاً بالتحرز من الكذب مشهوراً بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفاً بالديانة والعبادة، فقيل يقبل حديثه مطلقاً، وقيل يرد مطلقاً، وفصل آخرون بين ان يكون داعية لبدعته، او غير داعية لها فقبلوا حديث غير الداعية، وردوا حديث الداعية لها. واضاف الى ذلك. ان هذا المذهب هو الاعدل وصارت اليه طوائف من الائمة، وادعى ابن حيان اجماع اهل النقل عليه. وفصل بعضهم في رواية المبتدع الذي لا يدعو لبدعته، بما حاصله ان غير الداعي الى بدعته اذا اشتملت روايته ولو من بعيد على ما يؤيد بدعته، او يحسنها في ظاهر الحال فلا يصح التعويل على حديثه، وان لم يشتمل حديثه على شيء من ذلك يصح الاعتماد عليه الى غير ذلك من الاقوال الكثيرة التي اوردها العسقلاني في مقدمة فتح الباري(١) . وكما ذكرنا لا يستطيع الباحث ان ينتزع مبدأ عاماً صريحاً في عدم قبول مرويات الشيعة بقول مطلق يعبر عن رأي الجميع ويصح اعتباره مذهباً لهم والذي يمكن نسبته الى الاكثرية ان الشيعي اذا لم يعلن البرائة ممن تقدم على علي (ع) في الخلافة ولم
____________________
(١) انظر ص ١٤٤ و ١٤٥ من المجلد الثاني من هدى الساري.
يكن داعياً الى تشيعه ولا متحمساً له يصح الاعتماد على حديثه اذا كان معروفاً بالصدق ومتحرراً من منافيات الوثاقة والمروءة على حد تعبير بعضهم، اما اذا كان ممن يتبرأ من اخصام علي (ع) ويدعو الى بدعته التي هي التشيع في اصطلاحهم، او يروي ما يؤيدها فلا يكون مقبول الحديث، ومن هنا يصح ان يقال ان الشيعي الاثني عشري لا يصح الاعتماد على مروياته عند الاكثرية الغالبة، لعدم توفر الشروط التي يشترطونها لقبول روايته مع التشيع بهذا المعنى.
ويجد الباحث هنا وهناك في خلال احاديثهم من يرجح الاخذ برواية الشيعي اذا لم يكن مغالياً، وهؤلاء على قلتهم قد فصل بعضهم بين ما اذا وردت رواية الشيعي من طريق السنة ايضاً، وبين ما اذا تفرد بها الشيعي، ففي الاول ترد روايته اطفاء لناره واخماداً لبدعته على حد تعبيرهم وفي الحالة الثانية يصح الاخذ بها والاعتماد عليها اذا كان معروفاً بالصدق ولم يكن لروايته صلة ببدعته، تقديماً لمصلحة انتشار الحديث على مصلحة اهانة المبتدع، لان من مصلحة الحديث نشره واظهاره. وفي مقابل هذه المصلحة رد حديث المبتدع المستلزم لاهانته والتشهير بكذبه حتى لا تتسرب دسائسه الى النفوس، ولكن مصلحة انتشار الحديث المترتبة على الاخذ برواية المبتدع الصادق اولى بالمراعاة من تلك المصلحة(١) .
وقد وقف الغزالي من هذه المسألة موقفاً معتدلاً بالنسبة الى غيره من شيوخ السنة، يرجع حاصله الى ان اشتراط العدالة في الراوي اذا كان من جهة تحصيل الاطمئنان والوثوق بحديثه والعادل يتجنب الكذب
____________________
(١) المصدر السابق، وهذا التفصيل يصور لنا مدى الحقد والتعصب ضد الشيعة الذي امتزج بدماء هؤلاء وتحكم في تفكيرهم ومداركهم واعماهم عن ادراك ابسط الحقائق واقربها الى النفوس البريئة التي لا ترى للحق بديلاً.
ويتحرز الاخذ من غير الموثوقين، فالمبتدع بناء على ذلك مهما كانت بدعته اذا كان صدوقاً يتجنب الكذب ويتحرى الصواب، ويبتعد عن غير الموثوقين، ينبغي ان تؤخذ روايته بعين الاعتبار، واذا كان اشتراط العدالة راجعاً الى ان الفسق بذاته يمنع من قبول الشهادة والرواية، من حيث كونه نقصاً يسلب المتصف به اهلية الاعتماد عليه كالكفر مثلاً، فالمبتدع من حيث كونه فاسقاً يفقد اهلية تحمل الشهادة والرواية.
وقد رجح مانعية الفسق من الاعتماد على الرواية لا من حيث ذاته بل من حيث ان الفاسق متهم في حديثه، ولا يكون محلاً للوثوق والاطمئنان في الغالب، وانتهى من هذه المقدمة الى ان المبتدع مهما كانت بدعته، اذا كان ورعاً صدوقاً متمسكاً في دينه لا يستحل الكذب، يصح الاخذ بمروياته والاعتماد عليه في الحديث وغيره، واذا لم يكن بهذه الصفات لا يعتمد عليه في شيء من امور الدين(١) .
وهذا التفصيل من الغزالي اقرب الى المنطق والصق بالواقع من جميع ما قيل حول المبتدع ومروياته وتؤيده الآية الكريمة:
(ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) حيث ان الظاهر من الآية الكريمة ان الفاسق انما وجب التبين في حديثه والفحص عن صحته والوقوف عنده حتى ينكشف الحال من حيث احتمال كذبه، وعدم صدقه فيما اخبر به لا من حيث مانعية الفسق بذاتها. ولعل البخاري لا ينظر الى المبتدعة من الزاوية التي نظر منها الغزالي فلم يرو عمن ثبت تشيعه الا عن عدد لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة ولم يرد ذكر لاحد منهم في اكثر من رواية او روايتين، ولعل ذلك من حيث ان الروايات التي وردت عن طريقهم رواها غيرهم من السنة
____________________
(١) انظر المستصفى ص ١٠٢ من الجزء الاول.
كما اعتذر بعض المحدثين عنه بالنسبة لروايته عن حمران بن اعين، وروى عن بعض المتهمين بالتشيع، وعلى قلة تلك المرويات فقد ضعفها جماعة من محدثي السنة لمجرد هذه التهمة، كما روى عن عدد كبير من الخوارج، والنواصب، والقدرية والمرجئة وغيرهم ممن وصفهم علماء السنة ومحدثوهم بالمبتدعة ولكن بدعتهم لا تمنع من صدقهم على حد تعبيرهم.
وقد فرق العسقلاني في مقدمة فتح الباري بين التشيع والرفض، والغلو في الرفض بما حاصله ان التشيع هو محبة علي (ع) وتفضيله على الصحابة فمن قدمه على ابي بكر وعمر فهو رافضي غال في التشيع، ومن لم يقدمه عليهما فهو شيعي، فاذا ذكر الشيعي سبب التقدم على الشيخين، او صرح ببغضهما فهو غال في الرفض، ومن كان يعتقد بالرجعة فاشد غلواً(١) .
وبنتيجة هذه الفروق التي ذكرها ابن حجر لمراتب التشيع، يتبين ان الذين روى عنهم من الشيعة ممن يقدمون علياً (ع) على الخليفتين ابي بكر وعمر لا يتجاوزون اصابع اليد الواحدة، كما تؤيد ذلك الاحصاءات التي اجراها النقاد لاحاديث البخاري، وجميع المتهمين بالتشيع بين رجاله كما يظهر من كتب اهل السنة المؤلفة في التراجم واحوال الرواة لا يتجاوزون خمسة عشر تقريباً، ويتسع التشيع عندهم لكل من يجب علياً او ينتقد اخصامه. فاذا وجدوا شخصاً معتدلاً في تقديره للحوادث ومنصفاً في عرضها، او وجدوه ينتقد سيرة بعض الخلفاء والحكام الامويين، اتهموه بالتشيع، ووقفوا موقف المتحفظ من مروياته، وقد يتهم الراوي بالتشيع لمجرد أنه يروي فضيلة لعلي او حديثاً حسناً فيه. ويؤيد ذلك ما جاء في المجلد الثالث من الميزان للذهبي في اثناء حديثه عن محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٢١٠، فقد قال في وصفه:
____________________
(١) انظر هدى الساري ص ٣٣٣.
انه ثقة صادق فيه تشيع يسير وموالاة لا تضر ولازم ذلك ان الموالاة التي تبلغ اعطاء علي صفة الافضلية على غيره تمنع من قبول مروياته.
وقال فيه احمد بن علي السليماني الحافظ: انه كان يضع للروافض(١) وقد ضعف المؤلفون في الحديث واحوال الرواة اسماعيل بن سليمان بن المغيرة الازرق التميمي الكوفي لانه ممن روى حديث الطائر المشوي.
وقال فيه ابو حاتم سمعت ابن نمير يقول: كان اسماعيل بن الازرق من غلاة الشيعة، ولا مصدر لمن اعطاه هذه الصفة الا روايته للحديث المذكور، وليس في كتب الرجال مما يشير الى تشيعه فضلاً عن غلوه في التشيع. ومما يؤيد انهم كانوا لا يتحملون من الراوي ما يرويه في فضائل علي (ع) ان الحافظ عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي المتوفى سنة ٣٧٣ احد الاعلام في عصره، كان يدرس عدداً من تلاميذه، فاتفق له انه املى عليهم حديث الطائر المشوي، فلم يتحملوا منه ذلك، بل وثبوا عليه فاقاموه من مكانه وغسلوا موضعه، فلزم بيته ولم يحدث احداً بعد ذلك، ولذا قل حديثه عند الواسطيين كما نص على ذلك في تذكرة الحفاظ(٢) ومن الشواهد على ذلك ان عباد بن يعقوب ابا سعيد الكوفي المتوفى سنة ٢٥٠ ممن روى عنه البخاري حديثاً واحداً، ورواه غيره من محدثي السنة، وورد لعباد بن يعقوب ذكر في بعض اسانيد البخاري وتعرض للنقد والطعن عليه، لروايته عنه، بحجة انه كان داعية الى الرفض، مع اعترافهم بانه كان صدوقاً في حديثه. كما يؤيد ذلك ابن العماد الحنبلي، والحافظ الذهبي، وكان ابن خزيمة اذا حدث عنه يقول حدثنا الثقة في روايته المتهم في رأيه، ولا مصدر لهم في تشيعه وغلوه في
____________________
(١) انظر ص ٥٩٩ من المجلد ٣ من ميزان الاعتدال.
(٢) انظر الامام الصادق والمذاهب الاربعة ج ٦ ص ٣١٠.
الرفض الا انه كان يقول: ان الله اعدل من ان يدخل الجنة طلحة والزبير، لانهما بايعا علياً ثم نكثا بيعته وقاتلاه.
وروى عن جماعة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: اذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه، والف كتاباً في احوال الصحابة لم يتحيز فيه وروى ما يتعلق بفضل علي (ع) مع العلم بأن كتب التراجم الشيعية لا تنص على تشيعه، بل ينص اكثرها انه كان عامي المذهب، وممن نص على ذلك المرزا محمد في اتقان المقال، والطوسي في كتابه الفهرست(١) ومهما كان الحال فالباحث بعد التمحيص لاحوالهم وآرائهم حول هذا الموضوع يطمئن الى ان الرأي الشائع عندهم الذي يصح نسبته اليهم هو عدم قبول مرويات الشيعة الامامية الذين يفضلون علياً على غيره من الخلفاء ويرونه وابناءه (ع) احق بالخلافة بعد الرسول ممن تولاها على التعاقب ومن الجائز القريب ان يكون هذا الموقف السلبي من مرويات الشيعة في مختلف العصور هو من نتائج الحظر الشامل الذي وضعه معاوية وولاته على مرويات الشيعة وحتى على شهاداتهم، ولقد اكد هذا الحظر في وثيقته التاريخية التي وزعها في مختلف الاقطار الاسلامية واقتدى به غيره من الامويين طيلة حكمهم الذي استمر نحواً من ثمانين عاماً فكان من نتيجة ذلك ان اصبح من المرتكزات في اذهانهم يرثها الخلف عن سلفه في مختلف العصور / انظر ج / ٣ النهج.
____________________
(١) انظر شذرات الذهب ج ٣ ص ١٢١ وتهذيب التهذيب ص ١٠٩ و ١٠٠ وهدى الساري ٤١١ ومنهج المقال في علم الرجال للمزرا محمد.
الفصل الخامس : من رجال البخاري
بالرغم من تلك الهالة التي للبخاري وجامعه في نفوس آلاف العلماء والمحدثين من السنة، التي بلغت حدود الغلو المفرط، والتقديس لكل مروياته، بالرغم من ذلك فقد تعرض للنقد والطعن كغيره من كتب الحديث، من ناحية الاسناد والمتن. وعرض بعض النقاد عيوب جماعة من رواته ونص على عدم توفر الشروط المطلوبة فيهم، ولكن اكثر المؤلفين في الرجال قد تطوعوا للدفاع عنهم، وحاولوا تغطية عيوبهم بمختلف الاساليب، واسرف بعضهم في دفاعه بعدما عجز عن اثبات براءتهم مما الصق بهم، فقال: لا يجوز الطعن في أي كان من رجال البخاري ما لم يكن امره واضحاً لا يقبل التأويل والتوجيه، وما دام التأويل والتوجيه ممكناً، فكلهم فوق الشبهات والاهواء، واستشهد هؤلاء بقول المقدسي وغيره من المحدثين: قال في هدى الساري في الموضوع نفسه، وقد كان الشيخ ابو الحسن المقدسي يقول:
كل من روي عنه من الصحيح فقد جاز القنطرة، كما نص على ذلك القشيري، الشيخ ابو الفتح في مختصره، واضاف الى ذلك: انه لا يجوز الخروج عن هذا الاصل الا بحجة ظاهرة، وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين.
واقر هذا المبدأ ابن حجر في مقدمة فتح الباري، ودافع دفاعاً قوياً عن الرجال الذين تعرضوا للنقد والتجريح من رجال البخاري بعد ان
عرض ما قيل فيهم من قدح ومدح، ولم يستطع ان يستر تحيزه لهذا المبدأ، ولا غلوه في تعظيم الصحيح وتقديس رجاله، كما يبدو ذلك من الفصل الذي عرض فيه الاسماء التي تعرضت للنقد في كتب الرجال(١) .
الفصل الذي عرض فيه الاسماء التي تعرضت للنقد في كتب الرجال(١) . اليهم وتضعيفها، ونؤكد ما ذكرنا اولاً من انا لا نستبعد على البخاري ان يكون قد اعتمد على ما يعتقد بسلامته من العيوب متناً وسنداً. ككل باحث يتحرى الصحيح حسب اجتهاده، ولكل انسان ان يجتهد كما اجتهد هو وغيره، ولكن لا يلزم انسان باجتهاد غيره مهما بلغت مرتبته من العلم والتدقيق والاحاطة. وسنعرض في هذا الفصل جماعة من رجال الصحيح للبخاري والكافي للكليني معتمدين فيما قيل فيهم على المؤلفات التي تبحث في هذه المواضيع عند السنة والشيعة.
وقد تعرضنا في الفصول السابقة لجماعة من الصحابة الذين اعتمد عليهم البخاري في صحيحه وروى عنهم المئات من الاحاديث، مع العلم بأن الذين كتبوا في الجرح والتعديل لم يتعرضوا لمن اسموهم بالصحابة الا بما يوحي بالقداسة والفضل العظيم، لان شرف الصحبة جعلهم فوق مستوى الناس اجمعين، لذا فان الذين تعرضوا للنقد والتجريح من رجال البخاري كلهم من الطبقة الثانية وما بعدها.
ولا نريد في هذا الفصل ان نستقصي جميع المشبوهين والمتهمين بالبدع والانحرافات الخلقية والعقائدية، لان استيعاب هذه الناحية بكاملها لا يتسع لها كتاب واحد، لا سيما وان هذه الدراسات التي تناولت كتابين من ابرز كتب الحديث واجلها عند السنة والشيعة لم تكن لهذه الغاية.
____________________
(١) انظر ص ١٤٤ جزء ٢ من المقدمة.
ومهما كان الحال فالكتابان قد تعرضا للنقد والهجوم وبخاصة فيما يتعلق برجالهما. لا سيما بين المتأخرين من اعلام الفريقين وان كانت الهجمات التي تعرض لها البخاري وصحيحه من بعض اعلام السنة قد تطوع لردها العشرات من العلماء والمحدثين لان من روى عنه فقد جاز القنطرة وصحيحه اصح كتاب بعد كتاب الله كما يؤكد ذلك اكثرهم.
ونقدم اولاً بعض النماذج من المعتمدين عند البخاري قال ابن الصلاح: لقد احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الطعن بهم كعكرمة مولى ابن عباس، واسماعيل بن اويس، وعاصم بن علي وعمر بن مرزوق وغيرهم وغيرهم.
وقال العراقي في شرح الفيته في مقام الرد على من قال ان من شرط البخاري انه لا يخرج الا عن الثقة حتى ينتهي الى الصحابي: قال: هذا القول ليس بجيد، لان النسائي ضعف جماعة اخرج لهم الشيخان، وقال البدر العيني: في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدمين. وجاء في العلم الشامخ: في رجال الصحيحين من صرح كثير من الائمة بجرحهم، وتكلم فيهم من تكلم بالكلام الشديد.
وقال الشيخ احمد شاكر في شرحه لالفية السيوطي: وقد وقع في الصحيحين كثير من رواية بعض المدلسين، والتدليس في الرواية من الاسباب الموجبة لضعف الراوي، وعدم وثاقته، لان التدليس في واقعه يرجع الى الكذب والاغراء.
وقال شعبة بن الحجاج امام الجرح والتعديل على حد تعبير بعض المؤلفين في احوال الرواة: لان ازني احب الي من ان ادلس، واضاف الى ذلك، ان التدليس اضر من الكذب.
ونص جماعة من الفقهاء والمحدثين منهم الشافعي على عدم قبول
روايته مطلقاً(١) وقال جماعة: من اشتهر بالتدليس اصبح من المجروحين الذين لا تقبل مروياتهم مطلقاً، وان صرح بالسماع بعد ذلك.
ومن اشتهر بالتدليس ابو هريرة الذي اعتمد عليه البخاري اكثر من جميع الصحابة. قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: كان ابو هريرة يقول: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كذا وانما سمعه من غيره، ونص الذهبي في سير اعلام النبلاء. على ان يزيد بن ابراهيم سمع شعبة بن الحجاج يقول: كان ابو هريرة مدلساً. وجاء في البداية والنهاية. ان يزيد بن هرون سمع شعبة يقول فيه ذلك. ويروي ما سمعه من كعب الاحبار ومن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولا يميز بين هذا وهذا، وعندما يتصدى له احد بالسؤال ويحقق معه في الحديث الذي ينسبه لرسول اللهصلىاللهعليهوآله يتراجع احياناً ويقول اخبرني به مخبر، ولم اسمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبلغ عائشة انه يروي عن الرسول انه سمعه يقول: من اصبح جنباً فلا صوم له، فانكرت عليه وقالت له: متى سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول ذلك فقال لها كما جاء في رواية البخاري، وابن سعد، وابن كثير وغيرهم:
لقد شغلك عن حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله المرآة والمكحلة والخضاب فاصرت على انكارها عليه والتشهير به وروت عن الرسول بانه كان يدركه الفجر وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل ويصوم، فتراجع بعد ذلك، وقال انها اعلم مني: اني لم اسمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وانما سمعته من الفضل بن العباس.
____________________
(١) التدليس في الرواية ان يروي عمن عاصره ولم يسمع منه بقصد ايهام الغير انه قد سمع منه. كما لو روى بلفظ سمعت فلاناً او قال لي فلان من غير ان يسمع منه او يراه.
قال ابن قتيبة: لقد استشهد ابو هريرة بالفضل بن العباس بعد موته، ونسب الحديث اليه ليوهم الناس بانه قد سمعه منه(١) .
وقال الحافظ الذهبي: التدليس من الصحابة كثير الا انه لا يضر، ولا عيب فيه، هذا مع العلم بان التدليس من العيوب التي لا تقل خطراً عن الكذب، ان لم يكن افظع منه، وقد عده علماء الجرح والتعديل سبباً كافياً لتضعيف الرواية وسقوطها عن درجة الاعتبار، ولكنه اذا صدر من صحابي فلا حكم له، لان الله سبحانه قد رفع عنهم ما وضعه على غيرهم، ولانهم مجتهدون في كل ما يفعلون وعدالتهم اثبت من الجبال الرواسي لا تتصدع بجميع المنكرات والمعاصي. ولذا فان النقاد وعلماء الجرح والتعديل قد وضعوا عدداً كبيراً من رجال البخاري في قفص الاتهام والصقوا بكل واحد عيوبه، ولم يذكروا في عدادهم من الصحابة الا مروان بن الحكم لانه قتل طلحة في اعقاب واقعة الجمل، وشهر السيف طلباً للخلافة على حد تعبير بعضهم، واعتذر عنه جماعة منهم ابن حجر في مقدمة فتح الباري، بانه كان متأولاً فيه(٢) .
ويقصدون بذلك انه خاف ان ينسحب من المعركة كما انسحب منها القائد الثاني الزبير، وتلك جريمة لا مبرر لها، لانهم يقاتلون قوماً اشركوا بالله واستحلوا حرماته بنظر مروان وعصابته، ونص بعضهم انه كان متأولاً من حيث انه كان مقتنعاً بان طلحة ممن حرض على عثمان واعان على قتله.
ومهما كان الحال فقد روى البخاري عن جماعة من الخوارج والنواصب والقدرية والمرجئة وغيرهم ممن وصفهم المحدثون والفقهاء
____________________
(١) انظر شيخ المضيرة عن سير اعلام النبلاء وموطأ مالك.
(٢) انظر هدى الساري ص ٦٧٨.
بالمبتدعة، ومن بين هؤلاء نحو من خمسة عشر راوياً طعن فيهم المحدثون بتهمة التشيع، وسنعرض في هذا الفصل جماعة ممن تعرضوا للنقد واتهموا بالانحراف من رجال البخاري، فمن هؤلاء عكرمة مولى عبد اللّه بن العباس، وقد تعرض لاعنف الهجمات واسوأ الاتهامات من المتقدمين على البخاري والمتأخرين عنه ومرد الطعون الموجهة اليه الى الامور التالية الاول انه كان يكذب في الحديث وينسب لعبد الله بن العباس وجاء عن ابن سيرين وسعيد بن المسيب، وعطاء ويحيى بن سعيد الانصاري، ومالك بن انس، والقاسم بن محمد وغيرهم انه كان من الكذابين المعروفين وحبسه علي بن عبد الله في بيت الخلاء لانه اسرف في الكذب على ابيه، وقال سعيد بن المسيب لغلامه: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على عبد الله، إلى غير ذلك من النصوص التي تصفه بالكذب والوضع.
الثاني من الطعون الموجهة اليه انه كان يعتنق فكرة الخوارج، ويدعو اليها في افريقيا وغيرها وانتشرت في تلك البلاد بسببه، فقد روى الحاكم في تاريخ نيسابور قال: كنت قاعداً عند عكرمة، فاقبل مقاتل بن حيان وأخوه، فقال له مقاتل: يا ابا عبد الله ما تقول في نبيذ الجر فقال عكرمة: هو حرام، قال ما تقول فيمن شربه: قال اقول انه كافر.
وقال ابو سعيد بن يونس في تاريخ الغرباء: وبالمغرب الى وقتنا هذا قوم على مذهب الاباضية يعرفون بالصفرية يزعمون انهم اخذوا عن عكرمة. وقال ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ٢٢٧: كان عكرمة عبداً لعبد الله بن العباس، فباعه علي بن عبد الله لخالد بن يزيد بن معاوية باربعة آلاف دينار، ثم رجع عكرمة الى علي وقال له: اتبيع علم ابيك باربعة آلاف دينار، فاستقاله فاقاله واعتقه، واضف الى ذلك ان عبد الله بن الحرث قال: دخلت على علي بن عبد الله وعكرمة موثق على باب كنيف فقلت له: اتفعلون هذا بمولاكم، قال ان هذا يكذب على ابي، واستطرد
في حديثه عنه ووصفه بانه كان خارجياً يرى رأي الخوارج ويدعو اليه ومات وله من العمر ثمانون عاماً(١) .
واكد هذه الحقيقة كل من يحيى بن بكير، وخالد بن ابي عمران الحصري، ومعصب الزبيري، واحمد بن حنبل وغيرهم، ودافع عنه جماعة من المحدثين، وكان من اشدهم حماساً له ابن حجر في مقدمة فتح الباري، وما ذاك الا لان البخاري يعتمد عليه في جامعه ويكثر من الرواية عنه(٢) .
الثالث من الطعون، انه كان يساير الامراء ويقف على ابوابهم طمعاً في جوائزهم، ومن كانت هذه حالته يضطر الى مجاراتهم وتقريظ اعمالهم.
وقد اسهب في مقدمة فتح الباري في سرد ما قيل فيه من مدح وذم، ودفع جميع الطعون الموجهة اليه اعتماداً على نصوص بعض المحدثين الذين اثنوا على دينه وعلمه، مع العلم بان الرأي الشائع المعمول به عند جمهور المحدثين فيما لو تعارض الجارح والمعدل، هو تقديم الجارح، لان المعدل يخبر عما ظهر من حاله والجارح يخبر عن باطن خفي على غيره، واذا كان عدد المعدلين اكثر، فقد قيل بتقديم التعديل، والصحيح الذي عليه الجمهور كما نص ابن الصلاح ان الجرح مقدم على كل حال(٣) .
ومن الغريب ان يطعن الحفاظ والمحدثون فيمن كان يساير الحكام ويطمع في جوائزهم ولا يطعنون فيمن كان يشترك معهم مباشرة في الحكم والظلم والبغي وقتل الابرياء كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان
____________________
(١) انظر المعارف لابن قتيبة ص ٢٠١.
(٢) انظر المقدمة ص ١٩٢، ١٩٣ و ١٩٤.
(٣) انظر الاضواء ص ٢٨١.
ابن الحكم وبسر بن ارطاة وامثال هؤلاء من العشرات الذين روى عنهم البخاري في صحيحه عشرات الروايات، ولم يجرأ احد من النقاد ان يتعرض لهم بنقد او تجريح.
ومنهم اسماعيل بن اويس، وقد ضعفه النسائي، وقال فيه سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته على حد تعبير ابن حجر في مقدمة فتح الباري، كما ضعفه ابن معين والدارقطني وغيرهما، ولم يستطع ابن حجر ان يثبت امام الطعون الموجهة اليه، ولكنه اعتذر عنه، بانه قد اجتمع بمحمد بن اسماعيل البخاري، واخرج له احاديثه لينتقي منها وطلب منه ان يرشده الى الصحيح من غيره ليحدث به، واستنتج من ذلك ان البخاري لم يدون في صحيحه الا الصحيح منها(١) .
ومنهم عروة بن الزبير، احد الحاقدين على علي (ع) الذين كانوا يروون فيه الاكاذيب ارضاء لسيدهم معاوية بن ابي سفيان، وروى عنه الزهري بانه سمع عائشة تقول: كنت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله اذ اقبل علي والعباس، فقال النبيصلىاللهعليهوآله يا عائشة ان هذين يموتان على غير ديني. وروى عنها انها قالت: كنت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال النبيصلىاللهعليهوآله يا عائشة: ان سرك ان تنظري الى رجلين من اهل النار فانظري الى هذين، فنظرت واذا بعلي والعباس قد اقبلا علينا.
وجاء في شرح النهج لابن ابي الحديد عن جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال: شهدت مسجد المدينة فاذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران علياً (ع) فنالا منه، فبلغ علي بن الحسين (ع) فجاء حتى وقف عليهما، فقال اما انت يا عروة فان أبي حاكم اباك الى الله فحكم لابي على ابيك، واما انت يا زهري، فلو كنت بمكة لأريتك بيت ابيك، واضاف الى ذلك. ان عاصم بن ابي عامر البجلي حدث عن يحيى بن عروة انه قال: كان ابي اذا ذكر علياً (ع) نال منه الى غير ذلك مما
____________________
(١) المقدمة ص ١٥١، ج ٢
يؤكد انه كان ناصبياً كارهاً لعلي (ع)، وقد اكثر البخاري من الرواية عنه وعن ولده هشام بن عروة، الذي روى عن ابيه وورث عنه النصب والعداء الشديد لعلي واهل بيته (ع)(١) .
ومنهم حريز بن عثمان احد المتعصبين والمبغضين لعلي وبنيه (ع) وجاء في المجلد الاول من شرح النهج، ان حريز بن عثمان كان ينتقصه ويبغضه ويروي عنه اخباراً مكذوبة، وقد قيل ليحيى بن صالح الوضاحي: لقد رويت عن مشايخ من نظراء حريز بن عثمان، فما بالك لم تحمل عنه، قال لقد اتيته، فناولني كتاباً، فاذا فيه حدثني فلان عن فلان ان النبيصلىاللهعليهوآله لما حضرته الوفاة اوصى ان تقطع يد علي بن أبي طالب (ع) فرددت الكتاب ولم استحل ان اروي عنه شيئاً.
وجاء في تاريخه انه كان اذا دخل المسجد ليصلي فيه لا يخرج منه حتى يلعن علياً سبعين مرة، وجاء عن اسماعيل بن عياش انه قال: رافقت حريزاً من مصر الى مكة فجعل يسب علياً ويلعنه، ثم قال لي: هذا الذي يرويه الناس ان النبيصلىاللهعليهوآله قال لعلي انت مني بمنزلة هرون من موسى حق، ولكن اخطأ السامع، قلت: فما هو؟ قال: انما هو انت مني بمكان قارون من موسى(٢) .
وجاء عنه انه قال: يا اهل العراق انتم تحبون علياً ونحن نبغضه ولما سألوه عن سبب ذلك اجاب بانه قتل اجداده(٣) .
ومنهم ابو بردة بن ابي موسى الاشعري احد النواصب المغالين في بغضهم لعلي(ع) قال في المجلد الاول من شرح النهج: ومن المبغضين
____________________
(١) انظر المجلد الاول من شرح النهج ٣٥٨ - ٣٧٠.
(٢) المصدر السابق ص ٣٦٣.
(٣) نفس المدصر ص ٣٧٠.
القالين له ابو بردة بن ابي موسى الاشعري، ورث البعض له لا عن كلالة وجاء عن عبد الرحمن بن جندب ان ابا بردة قال لزياد بن ابيه: اشهد ان حجر بن عدي قد كفر بالله كفرة اصلع، عنى بذلك انه اخذ الكفر عن علي (ع).
وروى عبد الرحمن المسعودي عن ابن عياش المنتوف انه قال: سمعت ابا بردة يقول لابي العادية الجهني قاتل عمار بن ياسر، انت قتلت عماراً قال نعم: فتناول يده وقبلها، ثم قال له: لا تمسك النار ابداً(١) .
ومن الغريب ان ابن حجر في مقدمته عد اكثر من اربعمائة من رجال البخاري، ممن طعن فيهم جماعة من المحدثين بما يوجب ضعفهم وعدم الوثوق بهم وعد منهم ستة من النواصب المعروفين بعدائهم لعلي (ع) ولم يذكر احداً من النواصب الذين ذكرناهم، مع انهم قد اشتهروا بهذه الصفة اكثر من غيرهم، ولعله من حيث انه لا يجد سبيلاً للدفاع عنهم.
ومهما كان الحال، فاذا اضفنا هؤلاء الى الستة الذين ذكرهم ابن حجر في مقدمته واضفنا الجميع الى النواصب من الصحابة، يبلغ عدد النواصب بين رجال البخاري نحواً من ستين ناصبياً على وجه التقريب. كما يبلغ عدد الخوارج الذين روى عنهم في صحيحه اكثر من ثلاثة عشر خارجياً حسب التهم الموجهة اليهم في كتب التراجم واحوال الرجال.
واذا اردنا ان نتلمس له ولامثاله من المحدثين العذر بالنسبة الى نواصب الصحابة من حيث انهم قد اجتهدوا في كل ما صدر عنهم كما يزعم اهل السنة فهل يجد لهم الباحث عذراً مقبولاً يبرر اعتمادهم على مرويات هذا النوع من التابعين، ويسوغ لهم رد مرويات الشيعي الداعي الى
____________________
(١) المجلد الاول من شرح النهج: ص ٣٧٠.
تشيعه كما رجح ذلك اكثرهم، ولماذا كان المفضل لعلي (ع) على غيره والقائل بانه هو الخليفة الشرعي بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله اسوأ حالاً ممن كان يقول في حجر بن عدي الكندي الصحابي الجليل، لقد كفر بالله كفرة اصلع، كأبي بردة بن ابي موسى الاشعري وعروة بن الزبير وامثالهما من السبابين الفحاشين الذين قد اكثر البخاري من الرواية عنهم، وهم اسوأ حالاً من الخوارج الذين كانوا يكفرون جميع المسلمين ويستحلون دماءهم واموالهم لمجرد انهم لم يقفوا الى جانبهم في المعارك التي دارت بينهم وين الامويين، ولم يقروا آراءهم التي لا ترتكز على اساس صحيح من العلم والدين والمنطق، مع العلم بانه قد عاصر الامامين الهادي والعسكري (ع) ولا بد وان يكون قد ادرك الامام الجواد ولم يرو عنهم شيئاً كما وانه لم يرو عن الائمة الصادق والكاظم والحسن الزكي، ولا عن غيرهم من السادة العلويين والرواة لاحاديث اهل البيت الذين عاصرهم وعرف عن نشاطهم في جمع الحديث وتدوينه وتصفيته في الفترة التي مر بها في معالجة هذه المواضيع.
ومجمل القول ان الشيخ محمد بن اسماعيل البخاري، مع انه وجد في عصر كانت مدارس الفقه والحديث في منتهى نشاطها عند جميع الفرق والمذاهب الاسلامية ونشاط الشيعة كان بارزاً ملموساً في اوائل القرن الثالث الذي ظهر فيه البخاري في مختلف العواصم والمناطق الاسلامية، لا سيما الكوفة وبغداد وقم وغيرها من المدن الكبرى التي كانت تجمع العشرات ممن تفرغوا لدراسة الحديث وتدوينه، ومع ذلك فلم يرو عن احد منهم، ولا عن الائمة الثلاثة الذين عاصرهم، ولا عن الامام الصادق (ع) مؤسس مدرسة الفقه والحديث وولده الامام موسى بن جعفر، ولا عن احد من العلويين كزيد بن علي وغيره، مع العلم بان زيد بن علي قد ترك اثراً في الفقه والحديث، من ابرز مؤلفات ذلك العصر، وترك تلاميذ
الائمة (ع) آلاف المؤلفات كما تدل على ذلك الفهارس المخصصة لاحصاء مؤلفات الشيعة(١) .
هذه المؤلفات على سعتها اكثرها من مرويات الامامين الصادق وابيه محمد الباقر، وهي لا تتعدى احاديث الرسول وأقضية علي وفتاويه خلال ثلاثين عاماً قضاها بعد وفاة الرسول في نشر العلم والآثار الاسلامية ومع ذلك فالبخاري لم يرو عنه في صحيحه سوى تسعة عشر حديثاً، بينما روى عن أبي هريرة اكثر من اربعمائة وخسمين حديثاً، وعن انس بن مالك المعروف بعدائه لعلي (ع) اكثر من مائتي حديث، وقد تجاهل الحسن بن علي (ع) الذي نشأ في احضان الرسول وتخرج من مدرسة علي امير المؤمنين (ع) وبقي بعد جده وابيه منهلاً لرواد العلم ومصدراً كريماً لكل مسترشد يروي لهم احاديث جده، ويعلمهم احكام الاسلام كما نزلت من عند الله، ومع ذلك فلم يرو عنه البخاري شيئاً وروى عن عبد الله بن الزبير، وعده صحابياً فوق الشبهات والاهواء مع انه هو والحسن بن علي (ع) في سن واحدة تقريباً، وهو الذي ترك الصلاة على النبي اربعين يوماً عداوة لعلي وآل علي (ع).
هذه المواقف من البخاري مع الشيعة وائمة الشيعة من الصعب ان يجد لها الباحث تفسيراً مقبولاً لا سيما وهو يروي عن الخوارج والنواصب وامثالهما من المنحرفين والمسرفين في الشهوات والمنكرات وجميع الآثام.
واذا قلنا ان البخاري لا يروي عن الشيعة ولا عن ائمتهم، فلا نقصد من ذلك ان صحيحه خال من الشيعة، وانما الذي نعنيه ان الشيعة في عصره وقبله ان لم يكونوا ابرز من غيرهم في جميع الميادين والمواضيع العلمية، فلا اقل من انهم كانوا كغيرهم من علماء السنة ومحدثيهم وقد
____________________
(١) انظر الفهرست في اسماء المؤلفين من الشيعة والنجاشي وغيرهما.
انصرفوا الى تصفية الحديث وتصنيفه قبل ان يقوم البخاري بمهمته التي تعد تحولاً جديداً في تاريخ الحديث عند السنة، ومع ذلك لم يرو عن هذه الطبقات التي عاصرته ولا عن التي قبلها وتجاهل الائمة الكرام الذين حدثوا عن جدهم الرسول وابيهم علي (ع) وعن كرام الصحابة، لا نقصد ان ندعي انه خال من الرواة المعتنقين لفكرة التشيع، لان الباحث يجده في بعض الاسانيد يعتمد احياناً على بعض الشيعة كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وعبد الملك بن اعين في حديث واحد رواه عنه سفيان بن عيينة في كتاب التوحيد من صحيحه، والثلاثة الاول وان احيط تشيعهم باكثر من شبهة عند السنيين والشيعيين، ولكنهم في واقعهم اقرب الى التشيع من التسنن، لا سيما سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج بن يوسف لانه لم يعلن براءته من علي وبنيه (ع) كما نص على ذلك اكثر المؤرخين، هذا بالاضافة الى ان كتب التراجم السنية لا تعد سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد من رجال الشيعة.
وهب ان هؤلاء واكثر منهم ممن اتهم بالتشيع بين رجال البخاري من الشيعة البارزين والداعين الى التشيع، فهل يرفع ذلك عن البخاري الذي جاء لتصفية الحديث، وجمع صحيحه من ستماية الف حديث مسؤولية اهماله لآلاف الرواة والمحدثين من الشيعة الذين شاركوه في رحلاتهم الطويلة لدراسة الحديث، واهماله الثلاثة من الائمة الذين عاصروه(١) وتجاهله للامام الصادق وولده الكاظم وحفيده الامام علي بن موسى (ع) وللحسن السبط، مع اكثاره من مرويات ابي هريرة المدلس(٢) وابن هند واتباعه، وعكرمة الخارجي، وعروة الناصبي، وروايته عن عمران بن حطان ورفاقه من الخوارج، لذا فان الباحث لم
____________________
(١) الجواد والهادي والعسكري (ع).
(٢) بشهادة ابن قتيبة. وشعبة بن الحجاج امام اهل الجرح والتعديل وغيرهما.
يجد بداً من التسائل، بل وحتى من اتهامه بالتعصب ضد الشيعة كما ذكرنا.
ولو افترضنا ان له عذراً بالنسبة لاهماله لرواة الشيعة ومحدثيهم فهل يستطيع احد ان يجد له عذراً مقبولاً يجعله في حل من تجاهله للامام الصادق والائمة الهداة من ذرية الرسول (ع) الذين كانوا يروون عنه وعن جدهم علي (ع) وكانوا على صلة بآراء جميع الفقهاء والمحدثين على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم.
ومنهم محمد بن شهاب الزهري احد علماء التابعين، المتوفى سنة ١٢٢، وكانت صلاته بقصور الامويين من اوثق الصلاة، وتولى لهم القضاء فأفاضوا عليه من عطائهم وهباتهم، كما تؤكد ذلك المصادر التاريخية.
ومن المعلوم ان الحكام وبخاصة الامويين منهم كانوا ابعد عن الدين واهله من غيرهم، ولم يقربوا من العلماء الا من كان يؤيد تصرفاتهم، ويمنحهم صفات الخلفاء الشرعيين لرسول اللهصلىاللهعليهوآله
وجاء في تاريخ اليعقوبي، ان عبد الملك بن مروان لما منع الناس من الحج الى مكة يوم كان ابن الزبير مسيطراً على الحجاز، ضج الناس من منعهم عن اداء فريضة الحج، فاستنجد عبد الملك بالزهري لكي يجعل له مخرجاً من تلك الازمة، فوضع له حديثاً عن الرسولصلىاللهعليهوآله ينص على انه قال: لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، وان الصخرة التي وضع رسول الله قدمه عليها تقوم مقام الكعبة فبنى عبد الملك على الصخرة قبة وعلق عليها ستور الديباج، واقام لها سدنة وأمر الناس ان يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة نكاية باخصامه السياسيين(١) .
____________________
(١) انظر ص ٨ من المجلد الثاني من تاريخ اليعقوبي.
وقد وصفه الذهبي في المجلد الرابع من ميزان الاعتدال بالتدليس(١) .
٦ - احمد بن بشير الكوفي روى عنه البخاري في صحيحه، وعده النسائي، وعثمان الدارمي من الضعفاء، واكد عثمان الدارمي بأنه من المتروكين الذين لا يعتمد على مروياتهم توفي سنة ١٩٧.
٧ - احمد بن صالح المصري ابو جعفر الحافظ، قال النسائي فيه: ليس بثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى، ووصفه ابن معين بالكذب وقال معاوية بن صالح: سألت يحيى بن معين عن احمد بن صالح، فقال كذاب يتفلسف وقد دافع عنه ابن حجر في مقدمة فتح الباري على عادته مع المتهمين من رجال البخاري.
٨ - احمد بن ابي الطيب المروزي، وصف احاديثه ابو حاتم الرازي بالضعف، وجاء في ميزان الاعتدال. انه كان يروي المناكير، وتولى شرطة بخارى من قبل حكامها.
٩ - ابراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، ضعفه احمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد، وترك حديثه الدارقطني، ورجح تركه النسائي، ومع ذلك فقد روى عنه البخاري حديثين، واعتمد عليه في بعض الاسانيد.
١٠ - احمد بن عيسى المصري، قال في التهذيب: لقد حلف ابن معين بانه كذاب وقال سعيد بن عمرو اليربوعي: لقد انكر ابو زرعة على مسلم روايته عنه واضاف الى ذلك، ان ابا زرعة قال: ما رأيت اهل مصر يشكون في انه واشار الى لسانه، أي انه كذاب.
____________________
(١) انظر ص ٤٠، ج ٤، من الميزان.
١١ - اسحاق بن سويد بن هبيرة العدوي، كان ناصبياً يهاجم الامام علي بن ابي طالب (ع) ضعفه جماعة من المحدثين، ومع ذلك فقد روى عنه البخاري، ومسلم وابو داود والنسائي.
١٢ - اسحاق بن محمد بن اسماعيل، ضعفه ابو داود والنسائي، وقال الدارقطني والحاكم في المستدرك، لقد تعرض البخاري للنقد من جهة روايته عنه.
١٣ - اسماعيل بن ابان الوراق احد شيوخ البخاري ضعفه جماعة من المحدثين، ووصفه بعضهم بالانحراف عن الحق، يعنون بذلك انه كان يميل الى التشيع(١) .
١٤ - اسيد بن زيد الجمال، ضعفه كل من النسائي وابن معين والدارقطني ورجح ضعفه كل من ابن عدي وابن حيان، واضاف ابن حيان انه كان يروي المناكير ويسرق الحديث، ويظهر منهم انه كان متهماً بالتشيع، فقد جاء في كلام البزار عنه، احتمل حديثه مع شيعية شديدة عنه(٢) .
١٥ - ثور بن يزيد الحمصي، كان من القائلين بالقدر، وقد نهى الاوزاعي وابن المبارك عن كتابة حديثه والاعتماد عليه.
١٦ - حصين بن نمير الواسطي ضعفه ابن معين، وابو احمد الحاكم في الكنى، وقال فيه جماعة: انه كان ناصبياً يشتم علياً (ع).
____________________
(١) وقد ورد في كتب الرجال عند الشيعة، ولم يظهر منها ما يشعر بتشيعه او وثاقته ولم يذكروا له مدحاً ولا ذماً إلا عن طريق التقريب لابن حجر.
(٢) ليس في كتب الرجال ما يشير الى تشيعه. ولا هو من الشيعة. والظاهر انه كان معتدلاً في تسننه.
١٧ - الحسن بن عمارة الكوفي كان كذاباً، وقد اطبقوا على تركه، كما جاء في مقدمة فتح الباري.
١٨ - خالد بن مخلد القطراني الكوفي من كبار شيوخ البخاري، طعن في أحاديثه جماعة منهم احمد بن حنبل، وتوقف في امره آخرون لانه كان غالياً في التشيع على حد زعمهم، وقال فيه ابن سعد: انه منكر الحديث مفرط في التشيّع، وعدَّ له ابن عدي عشرة أحاديث من المنكرات.
وروى عنه البخاري بسنده الى ابي هريرة ان رسول الله (ع) قال: ان الله عز وجل قال: من عادى لي ولياً فقد آذنني بالحرب وما تقرب الي عبدي بشيء أحب الي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه، فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، فلئن سألني عبدي لاعطينه، ولئن استعاذ بي لاعيذنه، وما ترددت في شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته، ولا بد له منه(١) .
وقد عد المحدثون هذا الحديث من الغرائب، ولكن هيبة الجامع الصحيح الذي دون فيه هذا الحديث تمنعهم من طرحه، وعدوه من منكرات خالد بن مخلد على حد تعبير الذهبي في المجلد الاول من الميزان.
وقال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب: كان خالد بن مخلد
____________________
(١) والواقع ان الحديث يشتمل على بعض الفقرات المنكرة والتي لا يمكن الالتزام بها بالنسبة الى الله تعالى «مثل قوله وما ترددت في شيء انا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن» فان نسبة التردد الى الله لا تنفك عن الجهل بالمصالح والنتائج المرتقبة. ولعل هذه الزيادة في الحديث من موضوعات ابي هريرة.
احد الحفاظ بالكوفة، رحل واخذ الحديث عن مالك وطبقته، وتوفي سنة ٢١٣.
وليس في كتب الرجال الشيعية له ذكر، ولو كان من الشيعة او من المفرطين في التشيع كما يدعي ابن سعد وغيره لورد ذكره حتماً بين رجال الشيعة، لانهم لم يهملوا احداً، بل تعرضوا حتى لمن كان تشيعه محاطاً بشيء من الغموض، وخالد بن مخلد لو كان من رجال الشيعة كما تنص على ذلك بعض المؤلفات السنية لا يمكن اهماله لا سيما وهو من كبار شيوخ البخاري.
١٩ - داود بن الحصين المدني، قال فيه الذهبي: قد تفرد بأشياء منها ولاؤه لعثمان وآله ومنها انه كان خارجياً يرى رأي الخوارج، ويروي الاحاديث المنكرة، وكان يتقي حديثه سفيان بن عيينة، وتوقف فيه ابو حاتم، وكان علي بن المديني يقول: مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب احب الي من مسند داود عن عكرمة عن ابن عباس(١) .
٢٠ - رفيع ابو العالية الرياحي: قال فيه الشافعي: ان احاديث ابي العالية الرياحي رياح لا يعتد بها(٢) .
٢١ - زكريا بن يحيى بن عمر بن حصين من شيوخ البخاري، طعن فيه الدارقطني، واضاف: بأنه متروك الحديث، ووصفه الحاكم، بأنه يخطئ في احاديثه.
٢٢ - زياد بن عبد الله بن الطفيل ضعفه علي بن المديني وابن سعد وقال ابن حيان: لا يجوز الاحتجاج بخبره اذا انفرد به، كما ضعفه النسائي وجماعة آخرون، ومن غرائب احاديثه ما رواه عن عطاء بن السائب بسنده
____________________
(١) انظر ميزان الاعتدال ص ٥ ج ٢.
(٢) نفس المصدر ص ٥٤.
الى ابن عباس، ان رجلاً قال: يا رسول الله، ايصبغ ربك؟ قال نعم صبغاً لا ينقض احمر واصفر وابيض(١) .
٢٣ - سالم بن عجلان الافطس مولى بني امية، كان من دعاة المرجئة، وينفرد برواية المعضلات من الاحاديث، ويقلب الاخبار كما يريد، وجميع من ترجمه ذكر انه قد اتهم بامر سوء، فقتل لهذه الغاية، ونص في الميزان على ان الذي تولى قتله عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس.
٢٤ - سلمة بن رجاء التميمي ضعفه النسائي وقال فيه ابن معين: ان حديثه ليس بشيء، وقال ابن عدي: انه حدث بأحاديث لا يتابع عليها.
٢٥ - سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي كان يروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكان على حد تعبيرهم، لو ان رجلاً وضح له حديثاً لم يفهم ولم يميز، واضاف الى ذلك الدارقطني. انه كان يروي المناكير، يأخذها عن الضعفاء ويحدث بها، وقد ذكره العقيل في كتاب الضعفاء.
٢٦ - عاصم بن علي بن عاصم، قال فيه يحيى بن معين: كل عاصم في الدنيا ضعيف، وضعفه كل من ابن معين والنسائي، وأورد له ابن عدي بعض الاحاديث المنكرة عن شعبة(٢) .
٢٧ - عباد بن راشد التميمي، ضعفه يحيى القطان، والنسائي وابو داود، وجاء في ميزان الاعتدال ان البخاري ذكره في كتابه الضعفاء.
٢٨ - عبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث بن سعد كذبه جماعة في الحديث واتهمه آخرون، ونفى عنه النسائي الوثاقة، وذمه احمد بن
____________________
(١) نفس المصدر، ص ٩٣.
(٢) مقدمة فتح الباري، ج ٢ ص ١٧٦.
حنبل، ووصفه بعضهم بالتدليس في بعض أحاديثه، وقال احمد بن حنبل لقد روى عبد الله بن صالح عن الليث عن أبي ذؤيب، وما سمع الليث بن سعد من أبي ذؤيب شيئاً. ووثقه جماعة من المحدثين، كما دافع عنه ابن حجر في مقدمته، وجاء في هدى الساري: ان خالد بن نجيح كان مصاحباً له، ويضع الحديث في كتبه بخط يشبه خطه وربما كتب الحديث ورماه في داره فيظن عبد الله انه من خطه فيأخذه ويحدث به الى غير ذلك مما قيل فيه من الطعون(١) .
٢٩ - عبد الله بن عبيدة الزيدي اخو موسى بن عبيدة، كما جاء عن ابن معين، ولم يرو عنه غير اخيه موسى، وحديثهما من نوع الضعيف عند المحدثين.
٣٠ - عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن انس، طعن فيه كل من النسائي وزكريا الساجي، والعقيلي، ونص زكريا الساجي انه كان ضعيفاً يروي المناكير.
٣١ - عبد الحميد بن عبد الرحمن، وصفه ابن معين بضعف العقل، وضعفه في الحديث ابن سعد والعجلي، ونسب اليه ابو داود، انه كان داعية للارجاء.
٣٢ - عبد الكريم بن ابي المخارق ابو امية البصري متروك عند أئمة الحديث وقد نص النسائي على ضعفه، روى عنه البخاري في كتاب التهجد من صحيحه.
٣٣ - عبيد الله بن موسى بن ابي المختار العبسي أحد الشيوخ
____________________
(١) انظر مقدمة فتح الباري، ص ١٧٨، ج ٢ و ج ٢ من الميزان ص ٤٤١.
للبخاري اتهمه المحدثون بالتشيع، وانه كان يروي فيه بعض الاحاديث المنكرة وقد ضعفوه لهذه الغاية ونص ابن معين: على انه كان يستضعف فيما يرويه عن جامع سفيان الثوري(١) .
٣٤ - عدي بن ثابت الانصاري التابعي المشهور على حد تعبير ابن حجر في مقدمة فتح الباري، تردد في مروياته جماعة من المحدثين، لانه كان يغلو في التشيع بزعمهم.
وقال عنه ابو حاتم: انه كان امام مسجد الشيعة وقاضيهم، ونص ابن حجر، ان البخاري لم يرو عنه شيئاً يقوي بدعته.
وقال الذهبي في الميزان: لو كانت الشيعة مثله لقل شرهم، وقال عنه ابن معين: انه شيعي مفرط، واضاف الى ذلك الدارقطني، انه رافضي غال(٢) .
٣٥ - عمر بن ابي سلمة التنيسي الدمشقي صاحب الاوزاعي، ضعفه يحيى بن معين، وزكريا الساجي، وقال ابو حاتم، لا يحتج بحديثه، واضاف الى ذلك احمد بن حنبل، انه روى احاديث باطلة عن زهير بن محمد.
٣٦ - عمر بن هاني العبسي كان داعية الى القول بالقدر بمعنى التفويض ومن انصار الامويين ومن الدعاة المتحمسين لبيعة يزيد بن
____________________
(١) لم يرد له ذكر في رجال الشيعة. وكما ذكرنا من قبل ان الراوي يتهم بالتشيع او الغلو فيه لانه يروي فضيلة لعلي (ع) او ينتقد اخصامه كطلحة والزبير ومعاوية.
(٢) والظاهر ان التشيع المنسوب لعدي بن ثابت من نوع التشيع المنسوب لغيره ولذا فان المؤلفين في الرجال لم يذكروه في عداد الشيعة ويبدو انه لم يكن يتشدد في مواقفه على اخصام علي (ع).
عبد الملك، وقد قتله مروان الحمار آخر حكام الدولة الاموية، روى عنه البخاري في صحيحه ثلاثة احاديث.
قال العباس بن الوليد بن صبيح: قلت لمروان بن محمد لا أرى سعيد بن عبد العزيز روى عن عمير بن هاني العبسي، فقال: كان عمير ابغض الى سعيد من النار، قلت ولما قال: أوَليس هو القائل على المنبر حين بويع ليزيد بن عبد الملك، سارعوا الى هذه البيعة،انما هما هجرتان هجرة الى الله ورسوله، وهجرة الى يزيد، ولاه الحجاج أمر الكوفة وعزله عنها، لانه لم ينفذ له جميع اوامره على حد زعمه(١) .
٣٧ - فليح بن سليمان الخزاعي، ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، وابو داود، وقال الدارقطني: انه مختلف في امره، وقال ابن عدي ان احاديثه بين صالح وغريب.
٣٨ - محمد بن طلحة بن مصرف الكوفي، قال ابن معين: ثلاثة يتقى حديثهم، محمد بن طلحة، وفليح بن سليمان، وايوب بن عتبة، ونص ابن سعد على انه له احاديث منكرة، وقال عثمان: ان الناس كانوا يكذبونه، وتردد في امره يحيى بن معين، ولم يرجح وثاقته، كما خطأه ابو داود وغيره.
٣٩ - محمد بن زياد الالهاني، ابو سفيان الحمصي، كان هو وحريز بن عثمان معروفين بالنصب والعداء لعلي (ع) ومع ذلك فقد وثقه جماعة من المحدثين وروى عنه البخاري وغيره(٢) .
٤٠ - محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وثقه جماعة، وتوقف
____________________
(١) انظر دلائل الصدق للمظفري، ج ١، ص ٥٣.
(٣) المصدر السابق ص ٦.
في امره آخرون لتشيعه، كما يدعي ابن حجر في مقدمة فتح الباري واضاف الى ذلك.
ان ابا هاشم حدث عنه انه كان يقول: رحم الله عثمان، ولا رحم من لا يترحم عليه: وانه رأى عليه آثار أهل السنة والجماعة(١) .
٤١ - مطرح بن يزيد ابو المهلب، مجمع على ضعفه كما نص على ذلك الذهبي في المجلد الرابع في الميزان، واضاف الى ذلك، لقد ضعفه ابو حاتم، والنسائي، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال ابن حيان: مطروح لا يروي الا عن ابن زهر، وعلي بن يزيد، وهما ضعيفان.
وهو الذي روى عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن ابي امامة، انه قال: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله من عند عمه حين قبض وهو يقول: ما زلت بعمي حتى تركته في ضحضاح من نار(٢) .
٤٢ - معلى بن منصور ابو ليلى كذبه احمد بن حنبل، ونقل عبد الحق عن احمد بن حنبل، انه رماه بالكذب، ونص ابن سعد على ان جماعة من اصحاب الحديث لا يروون عنه.
٤٣ - المغيرة بن مقسم، ابو هشام احد فقهاء الكوفة، كان يدلس في حديثه كما نص على ذلك ابن فضيل، وضعف حديثه احمد بن حنبل عن ابراهيم النخعي، وادعى ان ما رواه عن ابراهيم انما سمعه عن حماد، ويزيد بن الوليد.
____________________
(١) ولعلهم لذلك لم يقفوا منه موقف المتصلب وقد عده المرزا محمد والشيخ محمد طه من رجال الشيعة الموثوقين.
(٢) الميزان، ص ١٢٣ ، ج ٤.
وقال العجلي: انه كان عثمانياً(١) . وأكد ابن حيان واسماعيل القاضي، بأنه كان مدلساً.
٤٤ - محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله ابن اخي الزهري، حدث ثلاثة احاديث عن النبي لا أصل لها كما جاء في مقدمة فتح الباري، وقد ضعفه يحيى بن معين، ونص ابو حاتم على ان حديثه ليس بقوي.
٤٥ - المنهال بن عمر الاسدي، ضعفه جماعة من المحدثين، وقال فيه يزيد بن أبي زياد: ان شهادته على درهمين لا تقبل، وكان المغيرة بن مقسم، ينهى الاعمش عن الرواية عنه، ونص ابن الجوزجاني، على انه سيئ المذهب(٢) .
٤٦ - عبد الله بن سالم الاشعري الحمصي كان ناصبياً يشتم علياً (ع) وقد ضعفه جماعة، ومع ذلك فقد روى عنه البخاري.
٤٧ - قيس بن ابي حازم البجلي، هاجر الى النبيصلىاللهعليهوآله فلم يتوفق لرؤيته مع انه ادرك الجاهلية، ولانه لم يلق النبيصلىاللهعليهوآله لم يكن في عداد الصحابة، وقد ضعفه جماعة من المحدثين، وبالغ آخرون في تزكيته وكان ناصبياً يهاجم علياً (ع) ويروي احاديث منكرة.
٤٨ - فليح بن سليمان الخزاعي ابو يحيى المدني، ضعفه يحيى بن معين، والنسائي، وابو داود، وتردد فيه الدارقطني، وغمزه الساجي ونص ابن عدي على ان له احاديث من نوع الغرائب، وقد اعتمد عليه البخاري واخرج عنه في المناقب وغيرها من مواضيع كتابه.
____________________
(١) وكلمة عثمانياً. تعني النصب والكراهية لعلي (ع).
(٢) ليس في كتب الرجال ما يؤكد تشيعه. والظاهر انه كان معتدلاً في تسننه ينكر على معاوية واتباعه تصرفاتهم. ولا يتعرض لعلي وآله بسوء.
٤٩ - قطر بن خليفة المخزومي، قد ضعفه جماعة من المحدثين، وجاء عن أبي بكر بن العياش انه ترك حديثه لسوء مذهبه، أي لان فيه تشيعاً قليلاً على حد تعبير ابن عدي، ونص الجوزجاني على عدم وثاقته.
وقال احمد بن يونس: كنا نمر به وهو مطروح ولا نكتب عنه شيئاً.
٥٠ - ثور بن زيد الديلمي، شيخ الامام مالك، كان يرى رأي الخوارج ويقول بالقدر.
٥١ - خيثم بن عراك بن مالك، قال ابن حازم: لا تجوز الرواية عنه، وقال سعيد بن زيز، ومصعب الزبيري: استفتى امير المدينة مالكاً عن شيء فلم يفته، فأرسل إليه ما منعك من ذلك، قال لانك وليت خيثماً على المسلمين، فلما بلغه ذلك عزله.
٥٢ - نعيم بن حماد الخزاعي، ضعفه النسائي، ونسبه بعض المحدثين الى الوضع في الحديث، ونص ابن معين على انه يتوهم الشيء فيخطئ فيه.
وقد روى بسنده الى النبيصلىاللهعليهوآله انه كان يقول: رأيت ربي في أحسن صورة، شاباً موقراً رجلاه في خضرة عليه نصلان من ذهب(١) .
٥٣ - هشام بن حجير المكي، ضعفه يحيى بن معين، ويحيى القطان وعده من الضعفاء ابو جعفر العقيلي، وقال سفيان بن عيينة: لم نأخذ عنه الا ما لم نجده عند غيره.
____________________
(١) الميزان ج ٤ ص ٨٦٩.
٥٤ - هشام بن عروة الزبيري، كان يحدث احاديث فينكرها عليه أهل بلده، وجاء عن مالك انه كان لا يرتضى حديثه، وجاء عنه انه نسي في آخر عمره فكان يحدث ولا يعرف ماذا يحدث به، كما نص على ذلك ابن القطان وغيره، والظاهر ان الامام مالكاً كان سيئ الرأي فيه من غير ناحية الحديث كما يظهر من هدى الساري لابن حجر(١) .
٥٥ - هشام بن عمار الدمشقي احد الشيوخ للبخاري، قال فيه ابو داود حدث باربعمائة حديث لا اصل لها، وجاء عن عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني انه قال: كان هشام يلقن كل شيء ما كان من حديثه ويقول: قد اخرجت هذه الاحاديث صحاحاً.
وقال صالح جزرة، وعبد الله بن محمد بن سيار: انه كان يأخذ أُجرة على الرواية، على كل رواية ورقتين درهماً(٢) .
٥٦ - وهب بن منبه الصنعاني ضعفه جماعة لانه من القائلين بالقدر، وروى عنه حماد بن سلمة انه قال: كنت أقول بالقدر حتى قرآت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الانبياء،تنص على ان من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر فتركت قولي.
وروى سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار انه قال: دخلت على وهب بن منبه داره بصنعاء، فأطعمني من جوزة في داره، فقلت وددت انك لم تكن كتبت في القدر كتاباً: قال: وانا والله لوددت ذلك.
ونص جماعة من المؤلفين في احوال الرجال. ان وهب بن منبه كان وضاعاً يحدث عن الكتب التي وجدها في اليمن وجهاتها وينسبها الى
____________________
(١) ص ١١٨ من المجلد الثاني.
(٢) انظر الميزان ص / ٣٠٣ / ج / ٤
رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو واخوه همام اخذا عن أبي هريرة واخذ عنهما الاسرائيليات التي حدث بها. وكان لهما ولابي هريرة وكعب الاحبار دور بارز في ادخال الموضوعات على الحديث وتشويه معالمه. ومن هؤلاء اخذ عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته التي ادعى ان الرسول اذن له بتدوينها من اقواله وافعاله في حالتي الرضا والغضب على حد تعبيره. وقد اكثر من الطعن عليه الحافظ ابن كثير في المجلد الاول من تاريخه البداية والنهاية(١) .
٥٧ - يحيى بن أبي زكريا الغساني، ضعفه ابو داود، ووصفه بالجهالة ابن معين، ونص ابن حيان على انه لا تجوز الرواية عنه.
٥٨ - يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، ضعفه النسائي وغيره، ونفى عنه الوثاقة يحيى بن معين، ونص ابو داود ان في مسنده احاديث منكرة، واضاف الى ذلك. انا قد طالبناه بالاصول فدافعنا، ثم اخرجها بعد ذلك، فاذا تلك الاحاديث بخط طري، زاد فيها واسندها.
٥٩ - يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، ضعفه النسائي، وجاء عن ابن معين انه قال: حديثه ليس بشيء، ونص البخاري في تاريخه الصغير، ان ما رواه يحيى بن عبد الله عن أهل الحجاز في التاريخ فاني اتقيه.
٦٠ - هشيم بن بشير السلمي، قال الثوري لا تكتبوا عنه، وقد اشتهر في التدليس والكذب، واتفق له ان جماعة من اصحابه قد اجمعوا على ان لا يأخذوا عنه شيئاً مما يحدث به، ففطن لذلك، فجعل يقول في كل حديث يذكره، حدثنا حصين ومغيرة عن ابراهيم، فلما فرغ قال
____________________
(١) انظر الاضواء وفجر الاسلام لاحمد امين، وتاريخ الفقه الجعفري والمبادئ العامة للمؤلف.
لهم: هل دلست اليوم؟ قالوا لا، فقال والله لم اسمع من مغيرة مما ذكرته حرفاً واحداً.
٦١ - الوليد بن مسلم مولى بني امية، روى عن مالك عشرة أحاديث لا أصل لها كما جاء في ميزان الاعتدال وهدى الساري.
وقال عنه ابو مسهر: كان يأخذ من أبي السفر حديث الاوزاعي، وابو السفر كان كذاباً، ونص اكثرهم على انه كان يدلس في الحديث، واحياناً يدلس عن الكذابين.
٦٢ - الوليد بن كثير بن يحيى المدني، كان خارجياً يرى رأي الاباضية، وقد ضعفه ابن سعد، وتردد في امره الساجي، واعتذر عنه ابن حجر بأنه لم يكن داعية الى الخوارج، وان كان منهم ويرى رأيهم.
٦٣ - عمران بن حطان السدوسي، قال الدارقطني: انه متروك الحديث وخبيث في مذهبه، وقال المبرد في الكامل، كان من رؤساء الصفرية وفقهائهم، والدعاة الى مذهبهم، وهو الذي امتدح ابن ملجم لانه قتل سيد المسلمين وامامهم علي بن ابي طالب بالابيات المشهورة التي يقول فيها:
اني لأذكره يوماً فأحسبه |
أوفى البرية عند الله ميزاناً |
الى غير ذلك من الرواة الذين اعتمد عليهم البخاري في صحيحه، وقد ذكر في مقدمة فتح الباري اكثر من اربعمائة من رواة الصحيح تضاربت فيهم آراء المحدثين، من حيث وثاقتهم وجواز الاعتماد على مروياتهم ونص جماعة من أئمة الجرح والتعديل على عدم وثاقتهم وتضعيف مروياتهم. على ان علماء الجرح والتعديل أنفسهم، كابن معين،
وابن المديني، ومحمد بن حيان، ويحيى بن سعيد القطان، والذهبي محمد بن احمد بن عثمان، مؤلف الميزان، وابن حزم علي بن احمد بن سعيد وغيرهم، قد طعن بعضهم في بعض، ونسب كل منهم الى الآخر الانحراف والعيوب التي توهن أمره، وتوحي بعدم الوثوق في مروياته واقواله(١) .
واكتفي بهذه الامثلة من المشبوهين والمتهمين في دينهم وروايتهم بين رجال الصحيح الذين يعدون بالمئات تهرباً من التطويل والملل، مع العلم بأن هذه الامثلة اليسيرة تكفي القارئ البريء لان ينظر الى البخاري كغيره من المؤلفين الذين يعتمدون على اجتهادهم حيناً، وعلى غيرهم ممن يحسنون به الظن حينا آخر فيخطئون ويصيبون ككل انسان لم يعصمه الله من الخطأ والزلل، وتكفي ايضاً لان يكون صحيحه بنظر القراء كغيره من مجاميع الحديث التي جمعت الغث والسمين والصحيح والفاسد مع الاعتراف له بالفضل والعمل الطيب، والجهد المثمر.
____________________
(١) انظر دلائل الصدق من ص ٩ ح الى ١٢ وقد اعتمدنا في هذه اللمحة عن هؤلاء الاشخاص على ميزان الاعتدال، وهدى الساري، واقتصرنا على هذا المقدار من المهتمين بالانحراف والمضعفين من رجال الصحيح تهرباً من التطويل والملل.
من رجال الكافي
لم يستطع المغالون في تقديس مرويات الكافي من المتقدمين والمتأخرين على حماسهم له ان يدفعوا الطعون القاسية التي لصقها علماء الرجال والحديث بكثير من مروياته ولا ان يثبتوا صحة ما جاء فيه بشكل عام في حين ان وصف الصحة كاد ان يكون من ابرز صفاته عند فئة من الاخباريين هم أشبه بحشوية العامة لم يستطيعوا أن يثبتوا صحة مروياته لانه قد اعتمد على اجتهاداته في توثيق الرواة واختيار المرويات، والانسان مهما بلغ شأنه ومهما بالغ في البحث والتنقيب لا يخرج عن كونه انساناً يخطئ ويصيب، ولكن الكليني مع اخطائه الكثيرة لم يشذ شذوذ البخاري، فلم يرو عن صنائع الحكام وخدام القصور ولا عن احد من الصحابة ما لم تسمُ به الصحبة وترتفع به عن الدنايا والاجرام الى حيث الكرامة والاعتزاز بالفضيلة والاقتداء بالرسولصلىاللهعليهوآله بالقول والفعل.
ولكنه في الوقت ذاته قد روى عن الغلاة وبعض المنحرفين عن الطريق القويم كما يبدو للمتتبع في كتب التراجم واحوال الرواة، ولعله كان يكتفي بوجود بعض الموثوقين في سند الرواية، وهو مع ذلك لم يوفق لدراسة متون بعض الاحاديث دراسة علمية بقصد التمحيص ومقارنة مضمونها مع منطق أهل البيت واسلوبهم الذي يتفق مع العلم والعقل ومنطق الحياة، ولو فعل ذلك لوجد لزاماً عليه ان يتجنب بعض تلك المرويات التي لا تعكس مبدأ الائمة ولا تنسجم مع واقعهم الرفيع الذي يمثل اسلوب جدهم الاعظم وكتاب الله الكريم، مع العلم بأنه قد
دون في الكافي الى جانب تلك المرويات اقوالهم المتكررة وتوصياتهم بأن يعرضوا احاديثهم على كتاب الله وانهم لا يحدثون الا بما تقبله العقول ويتفق مع الكتاب، وان ما لا يتفق مع الكتاب يجب طرحه.
ومهما كان الحال فسنتعرض في هذا الفصل لجماعة من المتهمين بالانحراف والمطعون بهم من رجال الكافي معتمدين على الكتب الشيعية التي تعرضت لاحوال الرجال وتاريخهم مع الاختصار حسب الامكان تهرباً من التطويل والملل الذي يحسه الكثير من القراء.
١ - احمد ابن ابي زاهر ابو جعفر الاشعري، كان يروي عن الضعفاء والمجاهيل، ولم يكن قوياً في نفسه، ومن اجل ذلك لم يسلم حديثه من العيوب كما جاء في الخلاصة للعلامة الحلي.
٢ - احمد بن مهران، ضعفه ابن الغضايري والعلامة في الخلاصة، ولم يشر احد من المؤلفين في الرجال الى توثيقه.
٣ - يونس بن ظبيان، نص المؤلفون في الرجال على انه ضعيف لا يلتفت الى حديثه واتفقوا على انه من الغلاة الوضاعين.
وجاء عنه انه قال: كنت في بعض الليالي في الطواف فاذا بنداء من فوق رأسي اني انا الله لا اله الا انا فاعبدني واقم الصلاة لذكري فرفعت رأسي فاذا أبو الحسن الرضا (ع) ولما بلغ حديثه هذا ابا الحسن الرضا (ع) غضب غضباً لم يملك معه نفسه ثم قال للرجل لعنك الله ولعن من حدثك. ولعن يونس بن ظبيان الف لعنة يتبعها الف لعنة. اما ان يونس مع ابي الخطاب في اشد العذاب.
وجاء عنه ان بنتاً لابي الخطاب ماتت. فوقف يونس على قبرها وقال: السلام عليك يا بنت رسول الله(١) .
٤ - علي بن حسان. كان من الغلاة المعروفين في عصره بالكذب. وتأويل الآيات والاحاديث حسب معتقداته. وقد الف كتاباً في تفسير القرآن اسماه تفسير الباطن. روى اكثره عن عمه عبد الرحمن بن كثير. وروى عنه الكلينيرحمهالله في تفسير بعض الآيات ما يؤكد غلوه وفساد عقيدته. وسنتعرض لبعض مروياته في الفصول الآتية.
٥ - علي بن اسباط. المعروف بأبي الحسن المقري كان من القائلين بامامة عبد الله الملقب بالافطح ابن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) عده المؤلفون في الرجال من الضعفاء لذلك ولغيره من اسباب التضعيف. ونص بعضهم انه رجع عن رأيه بعد جدال جرى بينه وبين علي بن مهزيار، فالف ابن مهزيار رسالة في الرد عليه بقصد ارجاعه الى الامام الشرعي.
٦ - عبد الرحمن بن كثير من موالي العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس. كان من الوضاعين كما جاء في كتب الرجال. واخذ عنه ابن اخيه علي بن حسان. واعتمد عليه في كتابه تفسير الباطن كما ذكرنا. وقد اكثر عنه وعن علي بن حسان الكليني في كتاب الحجة من الكافي. وقل ان تجد رواية من مروياتهما سالمة عن الشذوذ والعيوب والغلو المفرط الذي حاربه الائمة انفسهم في مختلف المناسبات ووضعوا المروجين لهذه الافكار في مستوى الجاحدين الذين لعنهم الله واعد لهم العذاب الاليم.
____________________
(١) انظر الاتقان للشيخ محمد طه ص ٣٩٤ ورجال المرزا محمد حرف الياء.
٧ - محمد بن الحسين بن سعيد الصايغ. جاء في النجاشي والخلاصة للعلامة الحلي. انه ضعيف جداً ومتهم بالغلو المنافي لاصول الاسلام.
٨ - علي بن العباس الجرازيني. قال في الاتقان: انه ضعيف جداً. ونص في الخلاصة ان له تصنيفاً في الممدوحين والمذمومين يدل على خبثه وفساد مذهبه لا يلتفت اليه. ولا يعبأ بما رواه.
٩ - علي بن حمزة البطائني، كان ممن وقف على امامة موسى بن جعفر (ع) وادعى بانه غاب وسيرجع.
وجاء في الخلاصة للحلي. انه اصل الوقف، واشد الخلق عداوة للولي بعد ابي ابراهيم موسى بن جعفر (ع) ونص الكشي في رجاله، ان علي بن الحسن بن فضال قال: علي بن ابي حمزة كذاب متهم ملعون، رويت عنه احاديث كثيرة، وكتبت عنه تفسير القرآن من اوله الى آخره، الا اني لا استحل ان اروي عنه حديثاً واحداً.
وروى اللاهجي في رجال الفقيه عن يونس بن عبد الرحمن انه قال: مات ابو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وليس احد من قوامه الا وعنده له المال الكثير، وكان ذلك سبب وقوفهم عليه وانكارهم لموته، وله عند علي بن ابي حمزة ثلاثون الف ديناراً، وقيل فيه اكثر من ذلك(١) .
١٠ - عمر بن شمر بن يزيد الجعفي، ضعفه المؤلفون في الرجال، ونسبوا اليه انه دس احاديث في كتب جابر الجعفي ونسبها اليه، واضاف الى ذلك في الخلاصة. اني لا اعتمد على شيء مما يرويه.
____________________
(١) انظر اتقان المقال ص ٣٢٢ و ٣٢٣.
١١ - صالح بن ابي حماد ابو الخير الرازي، ضعفه اكثر المؤلفين في الرجال وتوقف في امره العلامة في الخلاصة.
١٢ - صالح بن يحيى المزني ضعفه جماعة من المحدثين، ونسبوا اليه ما يشعر بعدم جواز الاعتماد عليه، واتفقوا على انه كان زيدي المذهب.
١٣ - صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان، جاء في نقد الرجال للتفريشي انه كان من الغلاة الكذابين، لا يلتفت الى احاديثه، واكد ذلك في الخلاصة، ولم يرد عن احد من المؤلفين في الرجال ما يشير الى جواز الاعتماد على مروياته، او وثاقته.
١٤ - محمد بن جمهور العمي البصري، جاء في النجاشي عنه. انه ضعيف في الحديث فاسد المذهب، واضاف الى ذلك، انه قد قيل فيه اشياء الله اعلم بها من عظمها، واكد ذلك عنه اكثر المؤلفين في الرجال ونصوا على ان له شعراً يحلل فيه محرمات الله(١) .
١٥ - محمد بن سليمان بن عبد الله الديلمي، نص في اتقان المقال على انه ضعيف جداً لا يعول عليه في شيء، ومع ذلك فهو متهم بالغلو والانحراف في عقيدته، كما نص على ذلك ايضاً المؤلفون في احوال الرواة.
١٦ - محمد بن سنان الزاهري، جاء في رجال النجاشي عنه انه ضعيف جداً لا يعول عليه، ولا يلتفت الى ما تفرد به.
وجاء عن الفضل بن شاذان انه قال: لا احل لكم ان ترووا احاديث
____________________
(١) انظر ص ٣٤٢ من الاتقان ورجال المرزا محمد وغيره.
محمد بن سنان، وعده مع الكذابين المعروفين، كأبي الخطاب ويونس بن ظبيان، ويزيد الصائغ وغيرهم.
ورووا عنه انه قال: لا ترووا عني ما حدثت به شيئاً، فانما هي كتب اشتريتها من السوق، واطال المؤلفون في الرجال الحديث عنه، وذكروا كل ما قيل فيه من مدح وذم، ولم ينتهوا الى ما يوجب الاطمئنان لمروياته.
١٧ - سليم بن قيس بن سمعان، وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وادعى جماعة من المحدثين، ان الكتاب المعروف بكتاب سليم بن قيس من الموضوعات، واطالوا الحديث حوله وحول كتابه، وجاء فيه ان الائمة ثلاثة عشر اماماً، وان محمد بن ابي بكر وعظ اباه عند الموت مع انه كان في حدود السنتين.
١٨ - المفضل بن صالح ابو جميلة الاسدي، جاء فيه انه ضعيف كذاب يضع الاحاديث ويرويها عن الائمة (ع).
١٩ - المفضل بن عمر الجعفي، نص النجاشي في رجاله عنه، بانه كان فاسد المذهب، مضطرب الرواية لا يعبأ به، وروى حماد بن عثمان ان الامام الصادق عليه السلام قال له: يا كافر يا مشرك ما لك ولابني اسماعيل. وجاء عن ابن مسكان ان حجر بن زائدة وعامر بن جداعة الازدي دخلا على الامام الصادق (ع) فقالا له جعلنا الله فداك: ان المفضل بن عمر يقول: انكم تقدرون ارزاق العباد، فقال: والله ما يقدر ارزاق العباد وارزاقنا الا الله، ولقد احتجت الى طعام لعيالي فضاق صدري وابلغت الى الفكر في ذلك، حتى احرزت قوتهم فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبرئ منه، قالا افنلعنه ونبرأ منه قال نعم وجاء في
بعض المرويات ما يشعر بوثاقته والاطمئنان اليه الا ان مجرد ذلك لم يكن كافياً لبرائته مما نسب اليه.
٢٠ - المنخل بن جميل الكوفي، نص المؤلفون في الرجال على انه ضعيف فاسد الرواية، واضافوا الى ذلك انه من الغلاة المعروفين.
٢١ - القاسم بن محمد الجوهري، كان واقفي المذهب روى عن ابي الحسن موسى بن جعفر (ع)، وقد ضعفه جماعة من المحدثين، ولعل سبب تضعيفهم له انحرافه عن مخطط التشيع.
٢٢ - صالح بن محمد بن سهل الهمداني، من الغلاة الكذابين كما نص على ذلك المؤلفون في الرجال، وجاء عنه انه قال: كنت اقول في الصادق بالربوبية: فدخلت عليه فلما نظر الي قال: يا صالح انا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده وان لم نعبده عذبنا.
ورجح بعضهم ان الغالي الكذاب هو محمد بن سهل الهمداني من اصحاب الامام الجواد (ع)، وهو الذي اشار اليه الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة، ونص على انه من المذمومين والمتهمين في عقيدتهم(١) .
٢٣ - عبد الله بن عبد الرحمن، جاء في الاتقان وغيره عنه انه غال ضعيف ليس بشيء، ونص التفريشي وغيره على انه كان من كذابة اهل البصرة، وله كتاب الزيارات يدل على خبث عظيم على حد تعبيرهم.
٢٤ - عبد الله بن القاسم الخضرمي المعروف بالبطل، وصفه المؤلفون في الرجال، بانه كذاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يعتد برواياته.
٢٥ - عبد الله بن القاسم الحارثي، كان من اصحاب معاوية بن
____________________
(١) انظر رجال المرزا محمد ورجال الشيخ محمد طه ص ٣٠١.
عمار ثم فارقه وقال بالغلو، وجاء عنه في الخلاصة وغيرها. انه غال كذاب ضعيف متروك الحديث، معدول عن ذكره.
٢٦ - محمد بن الحسن بن شمون، جاء عنه انه كان واقفياً، ثم غلا، ضعيف فاسد المذهب، ونص في نقد الرجال، انه ضعيف متهافت لا يلتفت اليه ولا الى مروياته، واضاف الى ذلك انه عاش مائة واربعة عشر عاماً.
٢٧ - سلمة بن الخطاب، وصفه المؤلفون في الرجال بالضعف في حديثه، ورجح بعضهم قوته ووثاقته نظراً لاعتماد جماعة منهم احمد بن ادريس، ومحمد بن الحسن الصفار ومحمد بن بابويه الصدوق على مروياته.
٢٨ - محمد بن الوليد الصيرفي شباب، ممن اتفقوا على ضعفه بلسان واحد، ولم يشر احد الى التردد في امره.
٢٩ - محمد بن علي ابو جعفر القرشي، قال في اتقان المقال: ضعيف جداً فاسد الاعتقاد، لا يعتمد عليه في شيء، واضاف الى ذلك انه ورد قم بعد ان اشتهر بالكذب في الكوفة، فنزل على احمد بن محمد بن عيسى، ولما اشتهر امره بالغلو تخفى، واخيراً اخرجه منها احمد بن محمد قهراً(١) .
٣٠ - محمد بن علي بن بلال، من المذمومين عند المحدثين، ونص الطبرسي في الاحتجاج على وجود بعض المرويات في ذمه والتشهير به، واضافوا الى ذلك انه كان لديه بعض الاموال الى الامام (ع) فانكرها وتمنع من صرفها في مواضعها الى غير ذلك من الطعون المواجهة اليه.
____________________
(١) انظر الاتقان ومنهج المقال وغيرهما من كتب الرجال.
٣١ - احمد بن هلال، جاء في الخلاصة عنه انه ملعون على لسان الحجة محمد بن الحسن (ع) كما ينص على ذلك التوقيع الوارد على يد ابي القاسم بن روح، وجاء في فهرست اسماء المؤلفين للطوسي. انه كان غالياً متهماً في دينه، توفي سنة ٢٦٧.
٣٢ - امية بن علي، ضعفه المؤلفون في الرجال، وجاء في الخلاصة ونقد الرجال انه ضعيف الرواية ، في مذهبه ارتفاع، أي غلو مفرط.
٣٣ - الحسين بن مياح، من غلاة الشيعة ومن الضعفاء في الحديث كما نص على ذلك في الاتقان والخلاصة، ومنتهى المقال، ولم يتردد في امره احد ممن تعرضوا لحاله.
٣٤ - محمد بن ارومة، جاء في الاتقان وغيره عنه انه من المتهمين بالغلو، وبلغ من تشدد القميين على المتهمين بالغلو انهم قد دسوا من يقتله في جوف الليل، فجاءه الموكل بهذا الامر فوجده يصلي نوافل الليل فتركه ورجع عنه، وينسب اليه انه الف كتاباً في تفسير الباطن، وكان ذلك من اسباب النقمة عليه(١) .
٣٥ - عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي، جاء عنه انه واقفي خبيث، ونص في الخلاصة على ان الواقفية تدعيه. والغلاة تروي عنه كثيراً.
٣٦ - محمد بن عيسى اليقطيني، ضعفه جماعة من المحدثين، وجاء عنه انه كان يذهب مذهب الغلاة، ووثقه جماعة منهم، واعتمدوا على مروياته، وقد اطال المؤلفون في الرجال الحديث عنه وذكروا كل ما قيل فيه من مدح وذم ولم ينتهوا الى نتيجة حاسمة في امره(٢) .
____________________
(١) انظر الاتقان ص ٣٣٩.
(٢) نفس المصدر ص ٣٥٦.
٣٧ - عبد الله بن بحر، وصفه المؤلفون في الرجال بانه ضعيف مرتفع القول. أي انه من الغلاة المبالغين في غلوهم، ولم يتولَّ الدفاع عنه احد منهم.
٣٨ - عمر بن عبد العزيز، يروي المناكير ويخلط في احاديثه كما نص على ذلك اكثر المحدثين، ولم يتحمس للدفاع عنه احد، ولا وصفه احد بالوثاقة.
٣٩ - مسعدة بن صدقة، كان بتري المذهب، كما نص على ذلك الكشي في رجاله، ولم يتعرض احد الى توثيقه.
٤٠ - وهب بن وهب، ابو البختري، قال عنه النجاشي: انه كان كذاباً، وقال غيره: انه كان من اكذب البرية، وله عن الصادق (ع) احاديث كلها لا يوثق بها.
٤١ - الحسن بن العباس بن الحريش، نص في اتقان المقال على انه ضعيف جداً له كتاب انا انزلناه في ليلة القدر، رديء الحديث مضطرب الالفاظ وجاء في الخلاصة ونقد الرجال ان كتابه فاسد الالفاظ موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت اليه ولا يكتب حديثه، وقد روى عنه الكليني في الكافي، باب انا انزلناه في ليلة القدر.
واحسب ان هذا العدد اليسير من المتهمين بالانحراف عن المخطط الاسلامي الصحيح يكفي لدحض مزاعم القائلين بان الشيعة يصححون جميع مرويات الكافي، ولا يرتابون في شيء منها، ذلك لان الصحيح كما ذكرنا في الفصول السابقة هو الذي يرويه العادل المستقيم في دينه عن مثله الى ان يتصل بالنبي او الامام (ع) ووجود منحرف واحد في سند الرواية يكفي لعدم الاعتداد بها ما لم تقترن ببعض القرائن التي تؤكد صدورها.
الواجب في صحيح البخاري
بالامكان ان ينتزع الباحث صفات الواجب عند البخاري من مروياته عن النبيصلىاللهعليهوآله حول هذا الموضوع المنتشرة في صحيحه هنا وهناك، وبالطبع انه لم يدون فيه الا الاحاديث الصحيحة عنده، لانه اختاره من ستمائة الف حديث على حد زعم المؤلفين في التراجم كما ذكرنا، مع العلم بان البخاري في صحيحه لم يوفق الى توزيع الاحاديث على المواضيع التي تعرض لها توزيعاً كاملاً، ذلك لانه يعنون الموضوع احياناً ويروي فيه بعض الاحاديث التي تناسبه واحياناً يروي فيه ما لا يتناسب معه، لذلك فان الباحث اذا اراد ان ينتهي الى رأيه الاخير في موضوع من المواضيع التي دونها في كتابه لا بد وان يستقصي بقية الابواب ويتتبع المرويات فيها اذا كانت هذه المدونات تعبر عن رأيه في تلك المواضيع.
ولعل السر في ذلك ان البخاري لم يمهله الاجل الى انجاز كتابه ونقله من المسودات التي جمعه فيها، فوافاه الاجل قبل تبييضه وتوزيع احاديثه في الاماكن التي تناسبها، وحذف المكررات منه، كما ذكرنا سابقاً ولما جاء دور تلاميذه من بعده دونوه على علاته، ولو امهله الاجل لجاء كتابه مصنفاً ومرتباً على الابواب والمواضيع ووافياً بالغرض الذي اراده من تأليفه، وسليماً من اكثر العيوب التي لا يستطيع الباحث تجاهلها.
كما وانه لم يتعرض للواجب بعنوان خاص، بل تعرض لصفاته تعالى وبعض الخصائص التي تشير الى حقيقته في مختلف المناسبات
والابواب ففي الباب الذي عقده لتفسير قوله تعالى: «ولتصنع على عيني» قارن بين عين الدجال، وعين الله في اكثر من رواية، وكلها تنص على ان الدجال اعور العين اليمنى، وان الله ليس باعور. وبهذه المناسبة روى عن موسى بن اسماعيل عن جويرية عن نافع عن عبد الله انه قال: ذكر الدجال عند النبيصلىاللهعليهوآله فقال: ان الله لا يخفى عليكم انه ليس باعور واشار بيده الى عينه، وان الدجال اعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية.
وروى عن انس ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: ما بعث الله من نبي الا انذر قومه الاعور الكذاب، انه اعور وان ربكم ليس باعور مكتوب بين عينيه كافر، هو الخالق المصور البارئ.
وقد اكثر من الروايات التي تنص على خروج الدجال وان عينه اليمنى عوراء وعين الله سليمة من العور، وفي خلال مروياته التي اوردها في هذا الباب روى عن عبيدة عن عبد الله انه قال، جاء حبر من الاحبار الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: يا محمد انا نجد ان الله جعل السموات على اصبع، والارضين على اصبع، والشجر على اصبع، والماء والثرى على اصبع، وسائر الخلائق على اصبع، ثم يقول انا الملك، فضحك النبيصلىاللهعليهوآله حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ورواها مرة ثانية واضاف اليها انه ضحك تعجباً وتصديقاً(١) .
وفيما يتعلق برؤية الله سبحانه وتعالى عما يصفه الجاهلون علواً كبيراً روى في شرح قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة» عن جرير انه قال: كنا جلوساً عند النبيصلىاللهعليهوآله اذ نظر الى القمر ليلة البدر فقال: انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته.
____________________
(١) انظر ص ٢٧٨ و ٢٨٠ و ٣٠٠ المجلد الرابع من الصحيح للبخاري.
وروى عن جرير بن عبد الله انه قال: قال النبيصلىاللهعليهوآله انكم سترون ربكم عياناً.
وروى عنه ايضاً انه قال: خرج علينا رسول الله ليلة البدر فقال انكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته وروى عن أبي هريرة مجموعة من الاحاديث بهذا المضمون، وزاد فيها انه قال: فهل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها حجاب؟ قالوا لا يا رسول الله، قال انكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الامة فيها شافعوها ومنافقوها، فيأتيهم الله فيقول انا ربكم فيقولون له: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فاذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون.
وجاء فيما رواه عن انس ان المؤمنين يحبسون يوم القيامة فيتشفعون بالانبياء، فكل نبي يأتونه يذكر خطيئته فيعتذر عن مقابلة الرب، فيأتون محمداًصلىاللهعليهوآله فيستأذن على ربه في داره فيأذن له، وعندما يراه في داره يخر له ساجداً ويبقى زمناً طويلاً، ثم يقول له: ارفع رأسك فيرفع رأسه ويستشفع بمن يريد فيخرج من الدار التي فيها ربه ويدخلهم الجنة، ويخرج جماعة من النار ويدخلهم الجنة ايضاً، ثم يعود فيدخل على ربه في داره، فيؤذن له ثانياً فيسجد لله، ثم يرفع رأسه ويشفع فيمن يشفع له، فيخرج منها ويدخلهم الجنة، ثم يدخل الدار التي فيها الله ثالثاً، وهكذا يصنع ذلك مراراً حتى لا يبقى في النار الا من يستحق الخلود فيها(١) .
____________________
(١) نفس المصدر ص: ٢٨٣ و ٢٨٧.
ويحدث البخاري عن الله سبحانه في بعض مروياته عن الرسولصلىاللهعليهوآله انه ينزل عن عرشه الجالس عليه في السماء السابعة الى سماء الدنيا في ثلث الليل الاخير، فقد روى عن اسماعيل عن مالك عن ابن شهاب عن أبي عبد الله الاغر عن ابي هريرة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخير فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فاعطيه، من يستغفرني فاغفر له، وروى هذه الرواية بالفاظها من غير زيادة في ص ١٠٠ عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، وتكرر منه هذا المضمون بهذا السند وغيره.
وفي مناسبة ثانية يصور انس بن مالك وابو هريرة الله سبحانه بصورة رجل له رجلان يضع احدهما في جهنم فيملأها، بينما جميع العصاة والكفار لا يملئون الا جانباً منها.
فقد روى عن انس انه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: يلقى العصاة في النار فتقول هل من مزيد فيضع قدمه فيها فتقول قط قط.
وروى عن أبي هريرة ان الرسولصلىاللهعليهوآله قال: يقال لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد فيضع قدمه فيها فتقول قط قط.
وروى عن ابي هريرة ايضاً ان النبيصلىاللهعليهوآله قال تحاجت الجنة والنار فقالت النار اوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة ما لي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم، فقال الله سبحانه للجنة: انت رحمتي ارحم بك من اشاء من عبادي، وقال للنار: انما انت عذابي اعذب بك من اشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فاما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها، فتقول قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها
إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه احداً، واما الجنة فينشئ الله لها خلقاً تمتلئ بهم.
وروى عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءاً وسمعة فيذهب ليسجد فيعود وظهره طبقاً واحداً(١) وجاء في المجلد الرابع من صحيح البخاري، ان رجلاً سأل الله سبحانه ان يخرجه من النار، فاشترط عليه ان لا يسأله غير ذلك، فلما اخرجه منها سأله ان يقربه من باب الجنة، فأخذ عليه العهود والمواثيق ان لا يسأله غير ذلك، فلما قربه منها سأله ان يدخله الجنة والح في سؤاله حتى ضحك منه الله واذن له بالدخول الى الجنة(٢) .
وروى في صفحة ٣١٢ من المجلد الثاني ان رجلاً اتى للنبيصلىاللهعليهوآله فقال النبيصلىاللهعليهوآله للمسلمين من يضيف هذا فاخذه احدهم وآثره على نفسه وعياله فلما اصبح جاء الى النبيصلىاللهعليهوآله فقال له: لقد ضحك الله الليلة من فعالكما.
ويروي البخاري ايضاً عن صفوان بن محرز ان رجلاً سأل ابن عمر كيف سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول في النجوى قال يدنو احدكم من ربه حتى يضع كتفه عليه، فيقول: اعملت كذا فيقول نعم، ثم يقول له اعملت كذا وكذا، وهكذا واخيراً يقول له: اني سترت عليك في الدنيا، وانا اغفرها لك اليوم، الى غير ذلك من المرويات التي اوردها البخاري في صحيحه حول رؤية الله وصفاته.
ولو انه درس هذه المرويات دراسة موضوعية وحاكم بينها وبين كتاب الله وعرضها على العقل، لو فعل ذلك لا بد وان ينتهي الى طرحها
____________________
(١) انظر ص ١٩١ و ١٩٢ المجلد الثالث من الصحيح للبخاري.
(٢) المجلد الرابع للبخاري.
لانها لا تنفك عن التجسيم الذي لا يقره العقل ولا الكتاب الكريم الذي ينص على انه «لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علماً» وكيف تتفق هذه الآية مع رواية ابي هريرة التي تنص على ان الله يضع رجله في جهنم ليفي لها بوعده، فتمتلئ عند ذلك ويسكن غضبها، وكيف يرى كما يرى القمر ليلة تمامه والشمس ساعة تنجلي عنها السحب والغيوم، والله يقول: «لا تدركه الابصار». وهل ينفك القول بان له ساقاً عن انه جسم كبقية الاجسام المركبة من الساق والرجل واليد والعين وغير ذلك.
وكيف يضحك على من يرجوه طمعاً في كرمه وجوده واين تكون الدار التي يسكنها رب أبي هريرة، أفي السموات ام في الارض، واذا كان يسكن في دار، ويحويه مكان معين، فقد خلت منه بقية الدور والامكنة والجهات، واصبح كسائر الممكنات التي لا توجد الا باسبابها، تعالى عن ذلك علواً كبيراً. ومن الغريب ان البخاري قد دون هذه الاحاديث في صحيحه واختارها من ستمائة الف حديث كما يزعم كل من ترجمه وكتب عن صحيحه ودون الى جانبها بعض المرويات التي تنص على ان الحديث الذي يصح الاعتماد عليه هو الذي يوافق كتاب الله ولا ينكره العقل، مع العلم بان الكتاب والعقل لا يقران شيئاً من تلك المرويات ولا تنفق معها الا بعد تأويلها والتأويل وان كان ممكناً، وواقعاً بالنسبة الى بعض المرويات، ولكنه لا يتعين الا اذا كانت شروط الاعتماد على الرواية متناً وسنداً متوفرة فيها، ولم يتوفر في هذه المرويات شيء من ذلك.
على انه قد دون في ص ٢٧٤ من المجلد الرابع ان السيدة عائشة قالت: من حدثكم ان محمداً رأى ربه فقد كذب، لان الله لا تدركه الابصار، ومن حدثكم انه يعلم الغيب فقد كذب، لانه لا يعلم الغيب الا الله، وجاء في رواية ثانية عنها انها قالت لعامر بن مسروق وقد سألها عن
الله هل يرى: ولقد وقف شعري مما قلت، من حدثك ان محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: «لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، وهو اللطيف الخبير» «وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحياً او من وراء حجاب» ومن حدثك انه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: «ما تدري نفس ماذا تكسب غداً» ومن حدثك بانه قد كتم شيئاً مما اوحي اليه فقد كذب(١) .
هذه الرواية تتنافى مع المرويات التي تنص على انه يرى كما يرى القمر ليلة تمامه والشمس ساعة تنجلي عنها السحب والغيوم، ولا بد من تكذيب احدى الطائفتين، ولا شك ان رواية السيدة عائشة تتفق مع الكتاب ويؤيدها العقل فهي اولى بالقبول والاعتبار، ومروياتها اقرب الى الواقع من مرويات ابي هريرة، ولو قال قائل ان تلك المرويات مستوحاة من كتاب الله تعالى حيث جاء في بعض آياته ما يشير الى ان له وجهاً ويداً ورجلاً، وانه يجلس على عرشه وغير ذلك، قلنا في جوابه ان القرآن يفسر بعضه بعضاً ولا بد من ملاحظة سياق الآية واسباب نزولها، وضم اولها الى آخرها وبالاضافة الى ذلك لا بد من تحكيم العقل عندما يصطدم به الظاهر منها، لا سيما بعد ان كان القرآن يتحمل اكثر من معنى واحد، وكل واحد من المعاني اذا كان مقبولاً تتحمله الآيات بمجموعها ومفرداتها، ومما لا شك فيه ان تفسير اليد بالقوة، والوجه بالقدرة، والاستواء بالاستيلاء، ومجيء الرب بمجيء اوامره ونواهيه هو المتعين من تلك الآيات، ويتناسب مع الاسلوب القرآني وبلاغته، وفي نفس الوقت يندفع محذور التجسيم والتشبيه الذي يلازم الاخذ بظواهر تلك المفردات.
ولعل الذي دعا المحدث الجليل محمد بن اسماعيل الى تدوين هذه المرويات في جامعه، ان رواتها من الصحابة والصحابة لا ينطقون عن الهوى لانهم فوق الشبهات والاهواء كما زعم الجمهور من اهل السنة.
____________________
(١) انظر ص ٢٧٤ / ج / ٤ و ص ١٩٣ / ج / ٣
الواجب في الكافي
لقد تعرض الكليني في كتابه الكافي للواجب وصفاته، ودون فيه بعض المرويات التي تتعرض لحدوث العالم واثبات الصانع وصفاته الثبوتية والسلبية وغير ذلك مما يليق بذاته، فروى عن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الامام علي بن موسى الرضا (ع) انه قال:
دخل رجل من الزنادقة على ابي الحسن الرضا (ع) وعنده جماعة من اصحابه فقال له الامام (ع): ايها الرجل ارأيت ان كان القول قولكم وليس هو كما تقولون السنا واياكم شرعاً سواء لا يضرنا ما صمنا وصلينا وزكينا واقررنا، فسكت الرجل، ثم قال ابو الحسن الرضا (ع) وان كان القول قولنا وهو الحق الستم قد هلكتم ونجونا فقال رحمك الله: اوجدني كيف هو واين هو، فقال الامام (ع) ويلك ان الذي ذهبت اليه غلط، هو اين الاين بلا اين، وكيف الكيف بلا كيف، فلا يعرف بالكيفية ولا بالاينية، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء، فقال الرجل: اذن انه لا شيء اذا لم يدرك بحاسة من الحواس، فقال ابو الحسن: ويلك لما عجزت حواسك عن ادراكه انكرت ربوبيته، ونحن اذا عجزت حواسنا عن ادراكه ايقنا انه ربنا لا يشبه شيئاً من الاشياء. فقال له الرجل: فاخبرني متى كان، فقال ابو الحسن: فاخبرني متى لم يكن فاخبرك متى كان.
قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال ابو الحسن عليه السلام: اني لما نظرت الى جسدي ولم يكن فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول
ودفع المكاره عنه وجر المنفعة اليه، علمت ان لهذا البنيان بانياً فاقررت به، مع ما ارى من دوران الفلك بقدرته، وانشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المبينات علمت ان لهذا مقدراً ومنشئاً(١) .
وروى عن هشام بن الحكم ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال في جواب بعض الملحدين: لا يخلو قولكم انهما اثنان من ان يكونا قديمين قويين، او يكونا ضعيفين، او يكون احدهما قوياً والآخر ضعيفاً، فان كانا قويين فلم لا يدفع احدهما صاحبه ويتفرد بالتدبير، وان زعمت ان احدهما قوي والآخر ضعيف ثبت انه واحد للعجز الظاهر في الثاني.
فان قلت انهما اثنان لم يخل من ان يكونا متفقين من كل جهة او مفترقين من كل جهة، فلما رأينا ان الخلق منتظم، والفلك جار، والتدبير واحد والشمس والليل والقمر والنهار دل صحة الامر والتدبير وائتلاف الامر على ان المدبر واحد، ثم ان ادعيت انهما اثنان يلزمك فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما، فيلزمك ثلاثة، فان ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتى يكون بينهما فرجة فيكونوا خمسة، ثم يتناهى العدد الى ما لا نهاية له في الكثرة. فقال الزنديق: فما الدليل عليه؟ قال ابو عبد الله الصادق (ع) وجود الافاعيل دلت على ان صانعاً صنعها، الا ترى انك اذا نظرت الى بناء مشيد مبني علمت ان له بانياً وان كنت لم تر الباني ولم تشاهده.
قال فما هو؟ قال الامام (ع): شيء لا كالاشياء غير انه لا جسم ولا
____________________
(١) هذا الاسلوب في مقام الاستدلال على وجود الصانع قد تكرر في أحاديث اهل البيت (ع) وقد اورد في الكافي مجموعة من الاحاديث بهذا المضمون وتكرر في القرآن ايضاً هذا النوع من الاستدلال بالمعلول على وجود العلة.
صورة ولا يحس ولا يجس، ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الاوهام، ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الازمان(١) .
وقد اورد الكليني عشرات الاحاديث عن الائمة (ع) حول التوحيد والصفات، واكثرها تنص على انه واحد لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا يدرك بالحواس، ولا تحيط به الاوهام، ولا تحويه الامكنة والازمان.
وجاء في بعضها عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: اياكم والتفكر في الله، ولكن اذا اردتم ان تنظروا الى عظمته، فانظروا الى عظيم خلقه.
____________________
(١) وملخص هذا الدليل الذي استدل به الامام على وجود الصانع، هو ان المبدأ الاول لو كان اثنين، فلا يخلو من ان يكونا قديمين قويين او ضعيفين، او يكون احدهما قوياً والآخر ضعيفاً، والمراد بالقوي ان يكون قادراً على فعل الكل وفاعلاً له بالارادة والمراد بالضعيف هو الذي لا يقوى على فعل الكل ولا يستبد به ولا يصلح لمقاومة القوي، فان كانا قويين فيلزم ان يدفع كل منهما صاحبه ويتفرد به. ولازم ذلك عدم وقوع الفعل في مثل هذه الحالة. وان كان احدهما ضعيفاً. فيلزم من ضعف وجود احتياجه الى العلة الموجدة. فيكون ممكناً وان كانا ضعيفين. فلا يخلو من ان يكونا متفقين في الحقيقة من كل جهة بحيث لا يكون لكل منهما جهة تشخيص يتعين بها عن صاحبه ولازم ذلك وحدتهما وهو خلاف المفروض. وان كانا مفترقين من كل جهة. فانتظام الخلق وائتلاف الامر يدل على وحدة المدبر. ثم ان فرض الاثنينية ولو من جهة يلزمه ان يكون بينهما مميز فاصل وقد عبر عنه الامام (ع) بالفرجة. وهذا المميز لا بد وان يكون قديماً موجوداً بذاته ولازم ذلك تعدد القديم كما ذكر الامام (ع).
وتعرض في كتاب التوحيد لمسألة الرؤية التي اثبتها اهل السنة واورد مجموعة من الاحاديث تنص على انه لا يرى في الدنيا والآخرة.
فمن ذلك ما رواه ابو الحسن الموصلي عن أبي عبد الله الصادق (ع) انه قال: جاء حبر الى امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) فقال يا امير المؤمنين هل رأيت ربك؟ قال (ع) ويلك ما كنت لاعبد رباً لم اره.
قال: وكيف رأيته؟ قال ويلك: لا تدركه العيون بمشاهدة الابصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان.
وروى عن ابي هاشم الجعفري انه قال: سألت ابا الحسن الرضا (ع) عن الله هل يوصف فقال: اما تقرأ القران قلت بلى، قال: اما قرأت قوله تعالى: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار قلت بلى. قال: ان اوهام القلوب اكبر من ابصار العيون، فهو لا تدركه الاوهام وهو يدرك الاوهام.
واضاف الى ذلك ابو هاشم الجعفري في رواية اخرى ان ابا الحسن قال: يا ابا هاشم ان اوهام القلوب ادق من ابصار العيون، انت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك، واوهام القلوب لا تدركه فكيف تدركه ابصار العيون.
وروى عن صفوان بن يحيى انه قال: سألني ابو قرة المحدث ان ادخه على ابي الحسن الرضا (ع) فاستأذنته في ذلك، فاذن له ودخل عليه، فسأله عن الحلال والحرام والاحكام حتى انتهى الى التوحيد، فقال ابو قرة انا روينا ان الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين، فجعل لموسى الكلام ولمحمد الرؤية فقال ابو الحسن الرضا (ع) فمن المبلغ عن الله الى الثقلين من الانس والجن لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علماً،
وليس كمثله شيء، اليس محمدصلىاللهعليهوآله ؟ قال بلى، قال كيف يجيء رجل الى الخلق جميعاً فيخبرهم انه جاء من عند الله وانه يدعوهم الى الله بأمر الله، فيقول: لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، ثم يقول: انا رأيته بعيني واحطت به علماً، وهو على صورة البشر اما تستحون، ما قدرت الزنادقة ان ترميه بهذا ان يكون يأتي من عند الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.
قال ابو قرة، فانه يقول: ولقد رآه نزلة اخرى، فقال ابو الحسن: ان بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: ما كذب الفؤاد ما رأى يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ثم اخبر بما رأى فقال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى، وآيات الله غير الله، وقال: ولا يحيطون به علماً، واذا رأته الابصار فقد احاطت به علماً ووقعت المعرفة.
فقال ابو قرة فنكذب الروايات(١) فقال ابو الحسن (ع) اذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وقد اجمع المسلمون على انه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الابصار، وليس كمثله شيء، الى غير ذلك من الروايات التي اوردها في الكافي حول امتناع الرؤية في الدنيا والآخرة(٢) .
وجاء في الكافي المجلد الاول في باب النهي عن وصفه بغير ما وصف به نفسه، ان عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن اعين الى ابي عبد الله الصادق (ع) ان قوماً بالعراق يصفون الله بالصورة والتخطيط، فان رأيت جعلني الله فداك ان تكتب الي بالمذهب الصحيح
____________________
(١) المراد من الروايات التي أشار اليها ابو قرة ما اوردناه عن البخاري حول هذا الموضوع من مرويات ابي هريرة وانس بن مالك وغيرهما مما هو موجود في صحاح اهل السنة.
(٢) انظر ص ٩٦ من المجلد الاول اصول الكافي.
من التوحيد، فكتب الي: سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب اليه من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصر وتعالى عما يصفه الواصفون المشبهون الله بخلقه المفترون على الله فاعلم رحمك الله، ان المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عز وجل، فانف عن الله البطلان والتشبيه، فلا نفي ولا تشبيه(١) هو الله الثابت الموجود تعالى الله عما يصفه الواصفون ولا تعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان(٢) .
وقد اورد في الكافي اثنتي عشرة رواية في هذا الباب وكلها تؤكد مضمون هذه الرواية. وروى في باب النهي عن التجسيم والتصوير عن علي بن حمزة انه قال: قلت لابي عبد الله الصادق (ع) سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم ان الله جسم صمدي نوري معرفته ضرورة يمن الله بها على من يشاء من خلقه، فقال (ع) سبحان من لا يعلم احد كيف هو الا هو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يحد ولا يحس، ولا تدركه الابصار ولا الحواس، ولا يحيط به شيء، ولا جسم، ولا صورة، ولا تخطيط ولا تحديد.
وروي عن محمد بن زيد انه قال: جئت الى الرضا (ع) اسأله عن التوحيد، فاملى عليه. الحمد لله فاطر الاشياء انشاء ومبتدعها ابتداعاً بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الاختراع، ولا لعلة فلا يصح الابتداع خلق ما شاء كيف شاء متوحداً بذلك لاظهار حكمته وحقيقة ربوبيته لا
____________________
(١) المراد من نفي البطلان هو النهي عن تجريده عن الصفات لان تجريده عن جميع الصفات يلزم منه التعطيل والمراد من نفي التشبيه أي عدم وصفه بصفات مخلوقاته بنحو يلزم منه تشبيهه بهم والمقصود بقوله (ع): فلا نفي ولا تشبيه عدم جواز نفي الصفات عنه نفياً باتاً وعدم جواز تشبيهه بمخلوقاته كما يصنع الاشاعرة.
(٢) ص ١٠٠ ج ١.
تضبطه العقول ولا تبلغه الاوهام، ولا تدركه الابصار، ولا يحيط به مقدار عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الابصار، وضلت فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاب، واستتر بغير ستر، وعرف بغير رؤية، ووصف بغير صورة، ونعت بغير جسم، لا اله الا الله الكبير المتعال.
واكثر المرويات التي ذكرها الكليني حول نفي التجسيم تشير الى ان هشام بن الحكم، وهشام بن سالم كانا يذهبان الى القول به، ولعل نسبة التجسيم التي الصقت بهما ظلماً وعدواناً، كانت من جملة الدوافع لسؤال الائمة عن هذه الناحية، بالاضافة الى شيوع هذه المقالة بين محدثي السنة وفقهائهم.
ولكن المتتبع لتاريخ هشام بن الحكم بصورة خاصة يطمئن الى برائته من هذه التهمة(١) وقد ذكرنا في الفصول السابقة ان مرويات الكافي ليست كلها جامعة لشروط الصحة، وان القسم الاكبر منها يدخل في نوع الضعيف نتيجة للتصنيف الذي احدثه الحلي واستاذه.
ويؤيد ذلك ان بين هذه المرويات التي تنسب التجسيم لهشام بن الحكم رواية علي بن أبي حمزة التي يدعي فيها ان هشاماً يقول: ان الله جسم صمدي نوري، وعلي بن ابي حمزة من ضعفاء الرواة، ومتهم بالكذب، ووضع الاحاديث، وبالاضافة الى ذلك، فقد كان من وكلاء الامام موسى بن جعفر، وتحت يده من امواله ثلاثون الف دينار، انكرها بعد وفاته، وانحرف عن المخطط الاثني عشري، وقد أطال المؤلفون في الرجال الحديث عنه، وجاء في بعض نصوصهم انه كان من المجدين في اطفاء نور الله.
____________________
(١) لقد تعرضنا لهذا الموضوع مفصلاً في كتابنا الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة في خلال حديثنا عن التجسيم وما يترتب عليه من اللوازم الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها بحال من الاحوال.
وقد روى عنه الكليني في مختلف المواضيع، ولعل ذلك من حيث اعتماد محمد بن عمير، وصفوان بن يحيى على بعض مروياته، وهما لا يرويان الا عن ثقة، كما يدعي ذلك بعض المؤلفين في الرجال(١) .
وممن نسب التجسيم لهشام بن الحكم يونس بن ظبيان، فقد روى عنه في الكافي انه قال دخلت على ابي عبد الله الصادق (ع)، فقلت له: ان هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماً ويزعم: ان الله جسم ويونس بن ظبيان من الغلاة الوضاعين للحديث، وقد لعنه الامام علي بن موسى (ع) ومنهم علي بن العباس الذي يروي عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني، فقد روى عن الحسن بن عبد الرحمن انه قال: قلت لابي عبد الله: ان هشام بن الحكم زعم ان الله جسم ليس كمثله شيء، عالم قادر سميع بصير متكلم ناطق، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحداً، ليس شيء منها مخلوقاً، فقال قاتله الله، اما علم ان الجسم محدود والكلام غير المتكلم، معاذ الله وابرأ الى الله من هذا القول.
وعلي بن العباس من المذمومين، والمتهمين بالغلو كما نص على ذلك المؤلفون في الرجال(٣) .
ومهما كان الحال فالروايات التي تنسب التجسيم لهشام بن الحكم وغيره من اصحاب الائمة، والتي تعطي للائمة خصائص الخالق، وغير ذلك من الروايات المنافية لكتاب الله وسنة نبيه، هذا النوع من بين مرويات الكافي، لم تتوفر فيها شروط الرواية التي يصح الاعتماد عليها في الاصول والفروع كما ذكرنا.
____________________
(١) انظر اتقان المقال ص ٢٢٢ و ٢٢٣.
(٢) نفس افمصدر ص ٣٩٤ و ٣٩٥.
(٣) المصدر السابق ص ٣٢٧.
وروى في الكافي في باب صفات الذات عن محمد بن مسلم ان ابا جعفر الباقر (ع) قال في تحديد صفاته: انه واحد احدي المعنى، ليس بمعان كثيرة مختلفة، قال قلت: جعلت فداك يزعم قوم من اهل العراق انه يسمع بغير الذي يبصر، ويبصر بغير الذي يسمع، فقال: كذبوا والحدوا وشبهوه، تعالى عن ذلك، انه سميع بصير يسمع بما يبصر، ويبصر بما يسمع، قال قلت: يزعمون انه بصير على ما يعقلونه(١) فقال (ع) كذبوا انما يعقل ما كان بصفة المخلوق، وليس الله كذلك.
وروى عن هشام بن الحكم ان الامام الصادق (ع) قال في جواب الزنديق الذي سأله عن الله سبحانه: هو سميع بصير يسمع بغير جارحة ويبصر بغير آلة، سميع بنفسه، ويبصر بنفسه، وليس قولي انه سميع بنفسه انه شيء والنفس شيء آخر، ولكني اردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولاً وافهاماً لك اذ كنت سائلاً، فاقول سميع بكله لا ان كله له بعض، لان الكل لنا له بعض، ولكني اردت افهامك، وليس مرجعي في ذلك كله الا انه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى(٢) .
وفي بيان المراد من الآية: «الرحمن على العرش استوى» من كتاب
____________________
(١) أي من الابصار بآلة البصر اما لانه جسم مركب من مجموعة اجزاء ومنها آلة البصر. او لان صفاته غير ذاته كما يدعي الاشاعرة وملخص الجواب. انهم يثبتون لله تعالى ما يعقلونه من صفاتهم. والله منزه عن مشابهتهم.
(٢) والذي اراده الامام (ع) من ذلك ان الله ليس له نفس وبعض كما هو الحال بالنسبة لمن يسمع ويبصر من مخلوقاته بل جرى في كلامه مع السائل على المألوف في مقام التخاطب بقصد افهام السائل ويعني بذلك انه لا يسمع ويبصر بآلة ترسم الصور في عقله وذهنه. ولو كان كذلك لزمك تعدد القديم.
التوحيد اورد بعض المرويات التي تفسر المراد من العرش والاستواء عليه، والحركة والانتقال فقد روى عن عيسى بن يونس ان ابن ابي العوجاء قال لابي عبد الله الصادق (ع) في بعض محاوراته معه: ذكرت الله فاحلت على غائب، فقال ابو عبد الله: ويلك كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهدهم واليهم اقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم، ويرى اشخاصهم، ويعلم اسرارهم.
فقال ابن ابي العوجاء اهو في كل مكان، اليس اذا كان في السماء كيف يكون في الارض، واذا كان في الارض كيف يكون في السماء فقال ابو عبد الله: انما وصفت المخلوق الذي اذا انتقل من مكان اشتغل به مكان وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار اليه ما يحدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم، فلا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون الى مكان اقرب منه الى مكان.
وروى عن عبد الرحمن بن الحجاج انه قال: سألت ابا عبد الله الصادق (ع) عن قول الله تعالى «الرحمن على العرش استوى» فقال: استوى في كل شيء، فليس شيء اقرب اليه من شيء، لم يبعد عنه بعيد، ولم يقرب منه قريب استوى في كل شيء(١) .
وقد اطال في الكافي في عرض المرويات عن الائمة (ع) حول التوحيد، وما يتفرع عنه، وتضمنت تلك المرويات دفع جميع الشبه والآراء التي راجت في ذلك العصر بين فرق المسلمين، وتنزيهه عن الجسمية والشبه
____________________
(١) ومن هذه الرواية وغيرها مما جاء حول تفسير هذه الآية ان المراد من العرش هو جميع مخلوقاته. والاستواء عليه كناية عن الاستيلاء والاشراف فيكون المعنى المتحصل من هذه الآية انه قد استولى واشرف على جميع مخلوقاته وتساوت نسبته الى جميعها من حيث علمه وقدرته عليها واحاطته بها.
بمخلوقاته، وعن كل ما لا يليق بذاته تعالى من الصفات والنعوت وغير ذلك مما اثبته له الملاحدة والمشبهة والاشاعرة، واقتصرنا على هذه النماذج من المرويات تهرباً من التطويل. على ان بقية الروايات لا تختلف عن هذه النماذج الا بالاسلوب وعرض الفكرة، واحياناً قد يختصر الامام او يطيل في عرض الفكرة وتقريبها حسب المناسبات ويختلف ذلك باختلاف حال السائل(١) .
____________________
(١) انظر ص ٧٨ و ٨١ و ٩٦ و ١٠٠ و ١١٧ و ١٢٨ وما بعدها المجلد الاول.
البداء في الكافي
لقد روى الكليني في باب البداء ست عشرة رواية، وجاء في بعضها ان الاقرار والاعتراف لله بالبداء من الايمان، وفي بعضها الآخر ان الايمان لا يتم بدونه، وانه من افضل العبادات.
وجاء في رواية زرارة عن ابي عبد الله (ع) انه قال: ما عبد الله بشيء مثل البداء، وفي رواية هشام بن سالم، ما عظم الله بمثل البداء.
وفي رواية محمد بن مسلم ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: ما بعث الله نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال، الاقرار له بالعبودية، وخلع الانداد، وان الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء.
وروى الفضيل بن يسار عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: العلم علمان، فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه احداً من خلقه، وعلم علمه ملائكته ورسله فما علمه ملائكته ورسله، فانه سيكون، لا يكذب نفسه، ولا ملائكته ورسله، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء، ويثبت ما يشاء.
وجاء في رواية ابي بصير ان هذا النوع من العلم منه يكون البداء، الى غير ذلك من المرويات التي أوردها الكليني وغيره حول البداء ومن هذه المرويات تكونت فكرة البداء عند الامامية، ولكن المشوشين على
الشيعة قد اسرفوا في التشنيع عليهم من غير ان يتفهموا المراد منه، مع العلم بأن البداء بالمعنى الذي نذهب اليه لا يتنافى مع اصول الاسلام، ولا يلزمه شيء من المحاذير، وغالى اكثرهم في التشنيع على الشيعة فادعوا بأن فكرة البداء من مخترعات المختار بن عبيدة الثقفي ومنه انتقلت الى الشيعة واصبحت عقيدة لهم على حد تعبيرهم، وذلك حينما بلغ الصراع اشده بينه وبين مصعب بن الزبير، وارسل جيشاً لحرب مصعب بقيادة احد اتباعه (احمد بن شميط) وقال لهم: ان الوحي قد أخبره بأن الظفر سيكون لكم، وشاءت الصدف ان ينهزم اتباعه في جميع المعارك التي دارت بينهم وبين الزبيريين، فقال لهم، لقد وعدني ربي بالنصر، ثم بدا له، وتلى عليهم قوله تعالى:
«يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب» واضافوا الى ذلك انه كان احياناً يخبر اصحابه بامور ينسبها الى الله تعالى بقصد تضليل البسطاء والمغفلين من اتباعه، فاذا ظهر لهم خلافها، قال بدا لربكم، وانطلقوا من هذه الاساطير الى ان هذه المقالة راجت بين الشيعة، واصبحت جزء من عقائدهم، فأضافوا الى اقوال الائمة على حد تعبيرهم، وفسروا البداء بأن الله سبحانه يتعلق علمه بشيء، ثم يبدو له تركه لوجود مفسدة فيه كانت خافية عليه اولاً، او لرجحان تركه على فعله، ولازم ذلك تبدل ارادته وتجدد علمه، وذلك لا يكون الا لمن يجهل العواقب وتخفى عليه جهات الصلاح والفساد، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
بهذا التسلسل لتاريخ البداء، وبهذا المعنى الذي لا يتناسب مع عظمة الخالق انطلق الكتاب والمؤلفون وغيرهم للهجوم على الشيعة قديماً وحديثاً، مع العلم بأن الشيعة وبخاصة الاثنا عشرية منهم ينزهون الله سبحانه ويعظمونه اكثر من جميع الفرق، ويرون ان البداء بهذا المعنى
كفر وجحود يستحق قائله الخزي والعذاب الاليم، وقد لعن الامام اصحاب هذه المقالة كا جاء في بعض مرويات الكافي حول هذا الموضوع.
فقد روى عن منصور بن حازم انه قال: سألت ابا عبد الله (ع) هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ فقال: لا من قال هذا اخزاه الله، قلت أرأيت ما كان، أرأيت ما هو كائن الى يوم القيامة أليس في علم الله؟ قال: بلى قبل ان يخلق الله الخلق.
ومهما كان الحال فلفظ البداء يتحمل المعنيين التاليين، الاول الظهور والابانة، ومنه قوله تعالى: «وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون». وقوله: «وبدا لهم سيئات ما كسبوا».
الثاني تغير الارادة وتبدل العزيمة، تبعاً لتغير العلم وتجدده، وهو بهذا المعنى لا يجوز بالنسبة اليه تعالى، ولا يقول به احد من الامامية كما ذكرنا.
والمعنى الاول هو الذي يقصده الشيعة من البداء الذي نصت عليه بعض المرويات عن الائمة (ع).
قال الشيخ المفيد في رسالته التي شرح فيها رسالة الصدوق في الاعتقادات: والاصل في البداء هو الظهور، قال تعالى في سورة الزمر:
«وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» أي ظهر لهم من افعال الله ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وقال في السورة المذكورة:
«وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم» أي ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم، واضاف الى ذلك. ان العرب تقول: قد بدا لفلان عمل
حسن، وكلام فصيح، كما يقولون بدا من فلان، فتكون اللام بمعنى من وقائمة مقامها، والمعنى في قول الامامية بدا لله كذا أي ظهر له فيه، وبتقدير ان اللام بمعنى من، يكون المراد من هذه الكلمة، ظهر منه.
والمتحصل من ذلك ان البداء الذي نقول به هو بمعنى الظهور والابانة، ونسبته الى الله فيما لو قلنا بدا لله كذا أي ظهر من الله ما كان خافياً على جميع مخلوقاته ولم يكن في حسابهم.
وقد اكد هذا المعنى الشيخ الكراجكي في كنز الفوائد حيث قال: ان المراد من البداء ان يظهر للناس خلاف ما توهموه، وينكشف لهم غير ما كانوا يعتقدون من دوام الامر واستمراره، وسمي هذا النوع بالبداء لمشابهته لمن يأمر بالشيء او يخبر به ثم ينهى عنه في وقته.
وتفسير البداء بهذا المعنى ليس بعيداً عن مفاد بعض الروايات التي جاء فيها انه من علم الله المكنون الذي لم يظهر لاحد، حتى للانبياء والمرسلين، وانه من افضل ما عبد به الله الى غير ذلك من المرويات التي ربطت بين الايمان به والايمان الاكيد بالله، ذلك بأن هذا التفسير للبداء مفاده ان ما ظهر للناس هو من علمه المكنون الذي لم يطلع عليه احداً من عباده ولم يكن محتسباً ظهوره او مظنوناً وقوعه، وافتراض البداء من هذا العلم لا بد وان يقترن بالاقرار والاعتراف لله سبحانه بالاحاطة بكل شيء والقدرة المطلقة التي لا تحيط بها الظنون ولا تحدها الاوهام، واذا بلغ الانسان من الايمان بالله الى هذه المرتبة يصبح في أعلى درجات الايمان وفي مصاف الاولياء والصديقين الذين يراقبون الله في جميع حالاتهم وتصرفاتهم.
ومما يؤكد ارادة هذا المعنى من البداء، ما جاء في اوائل المقالات للمفيدرحمهالله . حيث قال: وانما يوصف من افعاله بالبداء ما لم
يكن محتسباً ظهوره او مظنوناً وقوعه، اماماً علم كونه، او غلب في الظن حصوله فلا يستعمل فيه لفظ البداء.
هذا مع العلم بأن نسبة البداء الى الله والحالة هذه لا تخلو من التجوز كما نص على ذلك الكراجكي في كنز الفوائد.
ولو تغاضينا عن كل ذلك، وقلنا ان البداء المنسوب اليه من صفاته تعالى، فلا بد وان يكون المراد منه حين ينسب اليه انه قادر على ان يرفع ويضع ويمحو ويثبت، واثبات القدرة له بهذا النحو لا يعني تجدداً في علمه ولا تغييراً في ارادته، ذلك لان علمه وارادته يتعلقان بالاشياء بما هي مقدرة له وتحت تصرفه وسلطانه.
البداء في صحيح البخاري
على ان البداء الوارد في مرويات الشيعة وارد بهذا اللفظ في مرويات السنة وفي صحاحهم.
فقد روى البخاري عن ابي عمرة ان ابا هريرة حدثه انه سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ان ثلاثة من بني اسرائيل ابرص واعمى واقرع بدا لله ان يبتليهم، فبعث اليهم ملكاً فأتى الابرص، فقال: أي شيء احب اليك، فقال لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه، فأُعطي لونا حسناً وجلداً حسناً، ثم قال له: أي المال أحب اليك، فقال: الابل، فأُعطي ناقة عشراء، وأتى الاقرع فقال: أي شيء احب اليك، قال شعر حسن، ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب عنه واعطي شعراً حسناً، ثم قال له: فأي المال أحب اليك، فقال: البقر، فأعطاه بقرة حاملاً، وأتى الاعمى فقال: أي شيء احب اليك، قال: يرد الله الي بصري، فمسحه فرد الله اليه بصره، قال: فأي المال أحب اليك، قال: الغنم، فأعطاه شاة ولوداً، وجاء في الحديث ان الابل والبقر والغنم تكاثرت عند هؤلاء حتى اصبح لكل واحد منهم قطيع من هذه الاصناف، ثم ان الملك أتى الابرص والاقرع والاعمى كلاً على صورته، وطلب من كل واحد منهم ان يعطيه مما عنده، فرده الاقرع والابرص، فأرجعهما الله الى ما كان عليه، وأعطاه الاعمى فزاده الله وأبقاه مبصراً(١) .
فهذه الرواية صريحة في نسبة البداء الى الله تعالى وربما كانت أظهر في المعنى المنسوب الى الشيعة من الرواية التي ورد فيها هذا اللفظ بين مروياتهم كما يبدو ذلك من صيغة الرواية التي ورد فيها لفظ البداء.
____________________
(١) انظر المجلد الثاني من الصحيح للبخاري ص ٢٥٩.
هذا بالاضافة الى بعض المرويات التي تؤدي معنى البداء المنسوب الى الشيعة وان لم يرد فيها لفظه صريحاً، فقد جاء في رواية البخاري التي وصف فيها النبيصلىاللهعليهوآله رحلته الى السماء ليلة المعراج، انه مر على موسى (ع) فقال له بما أمرك ربك؟ فقال: أمرني بخمسين صلاة كل يوم، فقال له: أُمتك لا تستطيع ذلك، واني والله لقد جربت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل اشد المعالجة، فارجع الى ربك واسأله التخفيف، قالصلىاللهعليهوآله : فرجعت اليه فوضع منها عشراً، فأخبرت موسى بذلك فأمرني أن أرجع اليه مرة أُخرى، فرجعت اليه مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة بأمر من موسى وفي كل مرة يخفف منها عشراً حتى استقرت على الخمس صلوات في اليوم الواحد، وجاء في الرواية ان موسى اشار عليه أن يرجع ويطلب منه تخفيفها فامتنع محمدصلىاللهعليهوآله حياء من ربه(١) .
ونحن لا ننسب لاخواننا أهل السنة من خلال هذه المرويات ما لا يتفق مع اصول الاسلام وفروعه ولا نستغل وجودها بين مروياتهم للتشنيع والتشويه لآثارهم ومعتقداتهم ولو كنا نحمل مثل هذه الروح الشريرة لكان من أيسر الامور علينا ونرغب اليهم ان ينظروا الى المقامين بعين واحدة وان يرجعوا الى كتب علماء الشيعة التي تعبر عن رأيهم في مثل هذه المواضيع، وان لا يستبدوا بتفسير بعض المرويات حسب أهوائهم ونزعاتهم لانا اقدر منهم على رد الصاع صاعين.
____________________
(١) ص ٣٣٨ و ص ٢١١ ج ٢ وتكررت في المجلد الرابع وغيره. والجمود على ظاهر الرواية يلزمه احد امرين اما تكليف العباد بما لا يطيقون حيث انه كلفهم بما لا يقدرون عليه كما جاء فيها عن لسان موسى واما ان الله سبحانه حينما فرض الصلاة على المسلمين لم يكن يعلم قدرتهم على اداء هذا المقدار، كما وان محمداًصلىاللهعليهوآله لم يكن يعلم ذلك حتى جاء موسى وكشف لله ولرسوله عن واقع حالهم تعالى الله عما يرويه ابو هريرة وكعب الاحبار وحشوية العامية علواً كبيراً.
القدر في صحيح البخاري والكافي
فقد روى عن زيد بن وهب عن عبد الله ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ان احدكم يجمع في بطن امه اربعين يوماً، ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع برزقه وأجله أشقي او سعيد، فوالله ان الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع او ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع او ذراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
وروي عن انس بن مالك ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: وكل الله بالرحم ملكاً فيقول: أي ربي نطفة، أي ربي علقة، أي ربي مضغة، فاذا أراد الله ان يقضي خلقها، قال: أي ربي ذكر أم انثى، أشقي أم سعيد، فما الرزق، فما الاجل فيكتب كذلك في بطن أُمه.
وروى عن عمران بن حصين ان رجلاً قال يا رسول الله: ايعرف أهل الجنة من أهل النار قال نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له.
وروى عن ابي هريرة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم انت ابونا خيبتنا واخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده اتلومني على أمر
قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فقال النبيصلىاللهعليهوآله فحج آدم موسى وكررها ثلاثاً. الى غير ذلك من المرويات التي أوردها البخاري في صحيحه حول القدر المتفقة في مضامينها(١) .
وجاء في الكافي حول هذا الموضوع عن منصور بن حازم ان أبا عبد الله الصادق (ع) قال: ان الله خلق السعادة والشقاء قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقه الله سعيداً لم يبغضه أبداً، وان عمل شراً أبغض عمله ولم يبغضه، لما يصير اليه، فاذا أحب الله شيئاً لم يبغضه ابداً، واذا أبغض شيئاً لم يحبه ابداً(٢) .
وروى عن احمد بن محمد بن خالد بسنده الى علي بن حنظلة ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: يسلك بالسعيد طريق الاشقياء حتى يقول الناس: ما اشبهه بهم، بل انه منهم، ثم تتداركه السعادة، وقد يسلك بالشقي طريق السعادة حتى يقول الناس: ما اشبهه بهم بل انه منهم، ثم تتداركه السعادة، وقد يسلك بالشقي طريق السعادة حتى
____________________
(١) انظر ص ١٤٣ وما بعدها من المجلد الرابع.
(٢) والمراد من قوله ان الله خلق السعادة والشقاء قبل ان يخلق خلقه انه تعالى علم ما سيكون من امر الانسان من حيث اختياره لسلوك طريق السعادة او الشقاء فقدرعليه ما يختاره وكتبه مع السعداء او الاشقياء فأحب السعيد وابغض الشقي. ومع ذلك فلو صدر من الشقي عمل صالح احب منه ذلك العمل. ولو صدر من السعيد عمل قبيح ابغضه وان كان هو في ذاته محبوباً له سبحانه. فهذه الرواية وما ورد بهذا المضمون لا تدل على ان الانسان مسير في اعماله لما قدر عليه ولا يختار من امره شيئاً كما يدعي القائلون بهذه المقالة ولعل المرويات التي اوردها البخاري وغيره من محدثي السنة من جملة الدوافع على انتشار هذه المقالة بين محدثي السنة وفقهائهم وجميع اصنافهم مع انها لو صحت عن النبيصلىاللهعليهوآله لا بد من تأويلها بما ذكرنا.
يقول الناس، ما اشبهه بهم بل هو منهم، ثم يتداركه الشقاء، ان من كتبه الله سعيداً وان لم يبق من الدنيا فواق ناقة ختم له بالسعادة(١) .
وروى عن ابي بصير انه قال: كنت بين يدي ابي عبد الله الصادق (ع) جالساً وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يابن رسول الله من اين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم الله عليهم في علمه بالعذاب على عملهم، فقال: ايها السائل حكم الله عز وجل لا يقوم له احد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ومنعهم اطاقة القبول فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالاً تنجيهم من عذابه، لان علمه أولى بحقيقة التصديق(٢) .
وروى في الكافي في باب الجبر والقدر ما يرفع الالتباس ويفسر المراد من القدر، عن سهل بن زياد واسحاق بن محمد، قالا: كان أمير المؤمنين جالساً في الكوفة بعد منصرفه من صفين، اذ أقبل شيخ فجثا بين يديه، وقال له: يا امير المؤمنين اخبرنا عن مسيرنا الى أهل الشام ابقضاء من الله وقدر؟ فقال (ع) أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد الا بقضاء من الله وقدر، فقال له الشيخ: عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين، فقال له مه يا شيخ، والله لقد عظم الله لكم الاجر في مسيركم وانتم سائرون، وفي مقامكم وانتم مقيمون، وفي منصرفكم وانتم
____________________
(١) هذا الحديث يتفق مع الحديث الذي رواه البخاري عن النبي اتفاقاً كلياً.
(٢) فحكم الله عليهم نشأ من علمه باختيارهم طرق الشقاء والسعادة وحيث علم منهم ذلك وعلمه لا يمكن ان يخلف حكم عليهم وامدهم بالقوة والقدرة فهم قادرون على الشر والخير وجوداً وعدماً. اذ لا تصدق القدرة الا اذا تساوت بالنسبة للوجود والعدم وبذلك يصح الثواب والعقاب والمدح والذم.
منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا اليه مضطرين.
فقال له الشيخ، كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا اليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟ فقال له اتظن انه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً، انه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والامر والنهي والزجر من الله، وسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولكان المذنب اولى بالاحسان من المحسن، والمحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة عبدة الاوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الامة ومجوسها.
ان اللّه كلف تخييراً، ونهى تحذيراً، واعطى على القليل كثيراً ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً ولم يملِّك مفوضاً، ولم يخلق السموات والارض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار(١) .
____________________
(١) ان النزاع في القضاء والقدر ونسبتهما الى الافعال يرجع تاريخه الى القرن الاول الذي انتشرت فيه الدعوة الاسلامية خارج البلاد العربية واتصل المسلمون العرب بغيرهم من الامم ذات الديانات المختلفة، وقد تشعبت فيهما الآراء، فقال فريق بأن تعلق الارادة بالاشياء يوجب سلب الاختيار، ولازم ذلك ان يكون الانسان مجبوراً في افعاله، وقال فريق آخر وهم المفوضة بأن الانسان مختار في افعاله، وقال فريق آخر وهم المفوضة بأن الانسان مختار في افعاله، والارادة الالهية لم تتعلق بشيء من افعال الانسان وقد نفى الامام (ع) في جوابه للسائل كلا الامرين فقال: لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب أي لو كان قضاء حتماً وقدراً لازماً بنحو لا يكون للعبد ارادة واختيار في افعاله يكون العقاب من الله على القبيح ظلماً لانه هو الفاعل ولا يستحق الانسان على الخير شيئاً لانه مدفوع الى فعله قهراً وبدون ارادة واختيار وقد دفع شبهة التفويض بقوله (ع): ولم يعص مغلوباً. أي ان الانسان لو كان خالقاً لفعله من غير ان يكون لله رأي في ذلك. كانت مخالفته لما كلفه الله به من الافعال غلبة منه على الله سبحانه. كما وان قوله (ع) ولم يطع مكرهاً تعريض بالمجبرة الذين ذهبوا الى ان الانسان مسير للقضاء الحتمي والقدر اللازم ولا يملك الاختيار في شيء من حالاته.
وقد اورد في الكافي مجموعة من المرويات عن الائمة (ع) تفسر المراد من القدر والقضاء الذي يجب الايمان بهما وتنص على ان القدر والقضاء لا يسلبان ارادة العبد وقدرته على افعاله، مع العلم بأنه هو الذي أمد الانسان شقياً كان في علم الله، ام سعيداً بالقدرة والقوة على مزاولة اعماله والاتيان بها.
فقد جاء في رواية يونس بن عبد الرحمن عن حفص بن قرط عن ابي عبد الصادق (ع) ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من زعم ان الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم ان الخير والشر بغير مشيئة الله فقد اخرج الله عن سلطانه، ومن زعم ان المعاصي بغير قوة الانسان فقد كذب على الله، ومن كذب على الله ادخله الله النار(١) .
وروى عن علي بن الحكم عن صالح النيلي انه قال: سألت ابا عبد الله (ع) هل للعباد من الاستطاعة شيء فقال: اذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها الله فيهم، قلت وما هي؟ قال الآلة، مثل الزاني اذا زنى كان مستطيعاً للزنى حين زنى ولو انه ترك الزنى ولم يزن كان مستطيعاً لتركه اذا ترك، ثم قال: ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً، قلت فعلى ماذا يعذبه! قال بالحجة البالغة، والآلة التي ركبها فيهم، ان الله لم يجبر احداً على معصيته، ولا أراد ارادة حتم الكفر من احد، ولكن حين
____________________
(١) فقد ابطل بهذه الرواية مزاعم الفريقين المجبرة والمفوضة لان من زعم ان الله يأمر بالسوء والفحشاء يدعي بأن ارادة الله هي التي تسير الانسان بنحو لا يملك من امره شيئاً ومن زعم بأن الخير والشر بغير مشئية تعالى فقد عزل الله من سلطانه فلا بد من الواسطة بين القولين وذلك بأن نقول: مع ان الله قضى وقدر فقد اعطى الانسان والقدرة على افعاله والقوة عليها فهو يفعل بالقدرة التي وهبها له على الفعل والترك، فاذا فعل او ترك يصح نسبة الفعل او الترك اليه من حيث تساوي قدرته بالنسبة اليهما.
كفر كان في ارادة الله ان يكفر، وهم في ارادته وفي علمه ان لا يصيروا الى شيء من الخير، قلت: أراد منهم أن يكفروا قال ليس هذا أقول ولكني اقول علم انهم سيكفرون فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي ارادة حتم وانما هي ارادة اختيار(١) .
____________________
(١) والفقرة الاخيرة من هذه الرواية تؤيد ما علقناه على الرواية السابقة كما يبدو ذلك من قوله: علم انهم سيكفرون فأراد الكفر لعلمه فيهم، أي انه لما علم بأنهم سيختارون الكفر بالقدرة التي خلقها الله فيهم بنحو يكون الوجود والعدم في مقدورهم. لما علم فيهم ذلك ارادة فيهم اراده اختيار أي ارادة تتعلق به من حيث اختيارهم له وقدرتهم على ايجاده وليست الارادة في المقام الا علمه باختيارهم الكفر والعصيان.
من كتاب العلم في صحيح البخاري
لقد اشتمل كتاب العلم من الصحيح للبخاري على مجموعة من الابواب المختلفة، وحشد فيها طائفة من المرويات عن الرسولصلىاللهعليهوآله نذكر منها نماذج بنصها الحرفي، ونترك للقارئ الحكم على هذه المرويات ومناسباتها، فقد جاء في باب فضل العلم عن عطاء بن يسار عن ابي هريرة انه قال: بينما النبيصلىاللهعليهوآله في مجلس يحدث القوم جاءه اعرابي فقال له: متى الساعة يا رسول الله؟ فمضى النبي في حديثه، فقال بعض القوم: لقد سمع رسول الله وكره قوله. وقال آخرون، انه لم يسمع حتى اذا أنهى حديثه، قال أين أراد السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: اذا ضيعت الامانة فانتظر الساعة، قال: كيف اضاعتها قال: اذا اسند الامر الى غير اهله(١) .
وفي باب ما جاء في العلم روى عن انس بن مالك انه قال: بينما نحن جلوس مع النبيصلىاللهعليهوآله في المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم علقه، وقال لهم: أيكم محمدصلىاللهعليهوآله ، والنبي متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا هذا الرجل الابيض المتكئ، فقال الرجل للنبيصلىاللهعليهوآله اني سائلك ومشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، فقال
____________________
(١) واسناد الامر الى غير اهله انما يكون اذا غلب الجهل على العلم وعمت الفوضى وانتشر الفساد والمنكر بين الناس. واصبح اولياء الامور من دعاة الشر والفساد. فعندها ينبغي للانسان ان يعتصم بدينه ويترقب ساعة الخلاص والفرج.
النبيصلىاللهعليهوآله سل عما بدا لك، فقال أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسلك الى الناس كلهم، فقال اللهم نعم، قال انشدك بالله الله أمرك ان نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة، قال اللهم نعم، قال انشدك بالله الله امرك ان تأخذ هذه الصدقة من اغنيائنا وتقسمها على فقرائنا، قال اللهم نعم، قال الرجل: آمنت بما جئت به وانا رسولك لمن ورائي من قومي(١) .
وفي باب فضل من علم وعلم، روى عن ابي بردة عن ابي موسى ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلاء والعشب الكثير، وكانت منها اجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، واصاب منها طائفة اخرى انما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به.
وفي باب رفع العلم وظهور الجهل روى عن انس بن مالك انه قال: لأُحدثكم حديثاً لا يحدثكم به احد بعدي، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: من اشراط الساعة ان يقل العلم، ويظهر الجهل والزنا، وتكثر
____________________
(١) لم يكن الذين آمنوا بمحمد على وتيرة واحدة فمنهم المعاند الذي كان يتحكم ويقترح على النبي المعجزات والخوارق التي يعجز عن ايجادها الانسان كانشقاق القمر وتكليم الشجر وتسبيح الحصى ونحو ذلك ومعلوم ان هذا النوع من الآيات اذا وجد النبي ضرورة ملحة اليها دعا الله لايجادها ومنهم من آمن به حينما سمع آيات القرآن التي يعجز البشر عن الاتيان بمثله ومنهم من آمن به لانه يعلم من حاله بأنه لا يعرف الكذب ولا يقول الا الحق كالذي ردد عليه هذه الاسئلة ومنهم من اسلم دجلاً او خوفاً وطمعاً.
النساء وتقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد(١) .
ومن الممكن ان يكون المراد من قلة العلم وكثرة النساء وغيرهما من الفقرات التي تشتمل عليها، هو انه اخبار سينتهي اليه الانسان وقد انتهى الى اكثره وهو عدم استعمال العلماء علمهم فيما يعود على البشرية بالخير ويخفف عنها آلام الفقر والبؤس والمرض، وقد استعملوه بدلاً عن ذلك للسيطرة على الشعوب واستغلال ثرواتها وخيراتها وضع آلات الدمار والخراب التي تستنزف القسم الاكبر من امكانيات الشعوب وخيرات الارض، كما تضع الدول الكبرى في عصرنا الحاضر التي تنفق آلاف المليارات على وسائل الدمار وعشرات الملايين يموتون جوعاً هنا وهناك.
فالعلم الذي يعطي هذه النتائج السيئة لا يعد علماً ما دام مسخراً لشهوات الانسان واهوائه بل هو في واقعه أسوأ من الجهل، واضرار الجهل اذا قيست بأضراره لا تكون شيئاً مذكوراً، ولو قدر لتلك الدول الكبرى التي تملك آلات الدمار ان تصطدم تتعرض البشرية لكارثة لا يحصي نتائجها الا الله ويصبح لكل خمسين إمرأة رجل واحد، كما وان اكثر المتقمصين لثوب رجل الدين ويتاجرون به يتسببون لتنكر الناس منه وحتى للخروج منه احياناً.
وفي باب فضل العلم روى عن ابن عمر انه قال: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول: بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت حتى اني لأرى الري
____________________
(١) انظر ج ١ من صحيح البخاري ص ٢١ و ٢٣ و ٢٦ والظاهر ان هذه الامور ليست من العلامات الحتمية لقيام الساعة وليست من اسبابها وانما هي من المقارنات بمعنى انه عند حدوث الساعة لا بد وان يكون العالم في مثل هذه الحالات من الفوضى وانتشار الفساد والمنكرات وانصراف الناس عن الاديان واهلها.
يخرح من اظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا فما اولته يا رسول الله قال: بالعلم!
وفي باب الحرص على الحديث روى عن أبي هريرة انه قال: قيل يا رسول الله: من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة فقال لقد ظننت يا ابا هريرة ان لا يسألني عن هذا الحديث احد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث، اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله الا الله خالصاً من قلبه ونفسه.
ولقد روى هذا الحديث ابو هريرة ليثبت ان الرسول قد شهد له بالحرص على رعاية الحديث في مقابل الشبهات التي أُثيرت حوله حينما اكثر من الرواية عنه وتعرض للتكذيب والضرب احياناً واعرض الناس عن حديثه.
وفي باب كتابة العلم روى عن عبد الله بن العباس انه قال: لما اشتد برسول الله الوجع قال: آتوني بدواة وكتف اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقال عمر بن الخطاب: ان النبي قد غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط، فقال النبيصلىاللهعليهوآله قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس وهو يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه(١) .
واكثر المحدثين رووا عنه انه قال ان النبي ليهجر أي انه يتكلم بدون وعي وتصور من شدة الوجع والالم.
وروى في باب حفظ العلم عن أبي هريرة انه قال: ان الناس يقولون اكثر ابو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت احداً، ثم
____________________
(١) انظر ج ١ ص ٢٧ و ٣٠ و ٣٢ من الصحيح للبخاري.
قال: ان اخواننا المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق، وان اخواننا الانصار كان يشغلهم العمل في اموالهم، وان ابا هريرة كان يلزم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.
وروى عنه انه قال قلت لرسول الله: اني اسمع منك حديثاً كثيراً انساه، قال ابسط ردائك فبسطته فغرف بيده، ثم قال ضمه فضممته فما نسيت شيئاً بعده وقال: حفظت من رسول الله وعائين، اما احدهما فبثثته، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم(١) .
____________________
(١) وبالطبع ان الوعاء الثاني الذي لم يحدث به ابو هريرة هو الاسرار الالهية التي لا تتحملها عقول البشر، ولم يحط بها علماً سوى النبيصلىاللهعليهوآله وابو هريرة، ولذا لو حدث بها لقطع المسلمون بلعومه لان العقول لا تتحملها في عصر الصحابة الاولين، ولما جاء دور معاوية والامويين وجد مجالاً لبثه فحدث منه عن فضل الامويين والشام وسكانها وفضائل عثمان ومعاوية وغيرهما ممن اعلن العداء لعلي (ع) وآله الكرام. انظر ص ٢٤ و ٣٧
من كتاب العلم في الكافي
روى الكليني في باب فرض العلم ووجوب طلبه عن ابي عبد الله الصادق (ع) ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم، الا ان الله يحب بغاة العلم.
وروى عن الفضل بن عمر انه قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: عليكم بالتفقه في الدين، لا تكونوا اعراباً، فان من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله اليه يوم القيامه، ولم يزك له عملاً.
وروى عن جميل بن دراج ان ابان بن تغلب قال: سمعت الامام الصادق يقول: لوددت ان اصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا في دينهم. وروى عن أبي حمزة الثمالي ان أبا جعفر الباقر كان يقول: عالم ينتفع بعلمه افضل من سبعين عابداً(١) .
وروى عن السكوني انه قال: روى الامام الصادق عن آبائه ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لا خير في العيش الا لرجلين عالم مطاع او مستمع داع.
____________________
(١) ومن هذه الرواية يظهر ان العلم مهما كان نوعه اذا افاد الناس في معاشهم او معادهم يكون محبوباً لله سبحانه. والعالم الذي يتجه بعلمه لخير الانسان اذا كان مؤمناً بالله ورسوله افضل من العابد بسبعين مرة لان العابد لا ينفع الا نفسه، والعالم الذي يستعمل علمه في الخير ينفع الملايين من البشر لانه يسهل لهم سبيل الحياة الحرة الكريمة، ويقربهم الى الله سبحانه.
وروى عن حماد بن عيسى عن القداح عن ابي عبد الله الصادق (ع) ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ان فضل العالم على العابد كفضل القمر على النجوم ليلة البدر. وان العلماء ورثة الانبياء، وانهم لم يورثوا غير العلم فمن أخذ منه اخذ بحظ وافر.
وروى عن ابي بصير ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: من علم خيراً فله مثل أجر من عمل به، قلت فان علمه غيره يجري ذلك له؟ قال: ان علمه الناس كلهم جرى له، قلت فان مات، قال: وان مات.
وفي باب صفة العلماء، روى معاوية بن وهب ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، ولمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم.
وروى عن الحارث بن المغيرة، ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: في تفسير قوله تعالى: «انما يخشى اللّه من عباده العلماء» ان الآية تعني بالعلماء من صدق فعله قوله ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم».
وروى عن الحلبي عن ابي عبد الله الصادق (ع) ان امير المؤمنين (ع) كان يقول: الا اخبركم بالفقيه؟ الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ومن لم يؤمنهم من عقاب الله، ولم يرخص لهم في معصية الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه الى غيره، الا لا خير في علم ليس فيه تفهم، الا لا خير في عبادة ليس فيها تدبر، الا لا خير في عبادة لا فقه فيها، الا لا خير في نسك لا ورع فيه.
وروى عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (ع) ان امير المؤمنين (ع) كان يقول: يا طالب العلم ان للعلم ثلاث علامات. العلم
والحلم والصمت، وللمتكلف ثلاث علامات، ينازع من فوقه بالمعصية، ويظلم من دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة(١) .
وروى عن ابي جعفر الباقر: ان علي بن الحسين (ع) كان يقول: يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله عز وجل: «أولم يروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها» وهو ذهاب العلماء(٢) .
وروى عن سفيان بن عيينة، ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: لمجلس اجلسه الى من اثق به اوثق في نفسي من عمل سنة.
وروى في باب النهي عن القول بغير علم روي عن ابي عبيدة الحذاء ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: من افتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه.
وروى عن داود بن فرقد ان عبد الله بن شبرمة احد القضاة لابي جعفر المنصور قال: ما ذكرت حديثاً سمعته من جعفر بن محمد، الا كاد قلبي ان يتصدع. قال: حدثني ابي عن جدي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال ابن شبرمة واقسم بالله ما كذب ابوه على جده ولا جده على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من عمل بالمقاييس فقد هلك واهلك، ومن افتى الناس بغير علم وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك واهلك.
وفي باب استعمال العلم روى عن امير المؤمنين (ع) انه سمع
____________________
(١) أي يكون لهم عوناً ونصيراً على ظلمهم.
(٢) والمقصود من الرواية ان الآية الكريمة تجعل نفسه سخية في حب الموت او القتل. انظر ص ٢٠ و ٣١ و ٣٢ و ٣٥ و ٣٦ و ٣٨ من المجلد الاول اصول الكافي.
النبيصلىاللهعليهوآله يقول: العلماء رجلان، رجل عالم اخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وان اهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وان اشد اهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً الى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الجنة، وادخل الداعي النار لتركه عمله واتباعه الهوى وطول الامل، واضاف الى ذلك، ان اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الامل ينسي الآخرة.
وروى في باب المستأكل بعلمه، والمباهي به عن حفص بن غياث القاضي عن ابي عبد الله (ع) انه قال: اذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم، فان كل محب لشيء يحوط ما احب ، واضاف الى ذلك ان الله أوصى الى داود، لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، فان اولئك قطاع طريق وان ادنى ما انا صانع بهم ان انزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم.
وروى النوفلي عن السكوني ان ابا عبد الله الصادق (ع) روى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله انه قال: الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا قال: اتباع السلطان فاذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم(١) .
وروى عن ابي بصير ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: ان المقصود بقوله تعالى: «فكبكبوا فيها هم والغاوون» هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه الى غيره(٢) .
____________________
(١) لقد روى الكليني في هذه الابواب عن ابن عيينة، وابن شبرمة والسكوني والنوفلي وحفص بن غياث. وكلهم من محدثي العامة وفقهائهم. ومن ذلك يتبين افتراء من يدعي ان الشيعة لا يروون عن غيرهم. ولا يقبلون مرويات السنة عن الرسول حتى ولو كان رواتها من المعروفين بالصدق والاستقامة.
(٢) انظر ص ٤٥ و ٤٦ و ٤٧ نفس المصدر.
وقد روى الكليني في كتاب العلم مجموعة من الاحاديث حول العلم وأثره في توجيه الانسان توجيهاً صحيحاً يرفع من شأنه ويسهل له العيش الكريم والحياة الحرة الآمنة، ولا يهمنا ان نستقصي جميع ما رواه حول هذه المواضيع، والذي يعنينا عرض بعض الامثلة من الكتابين الكافي والصحيح للبخاري للمقارنة بينهما في مختلف المواضيع، مع العلم بأنهما يلتقيان في كثير من المرويات في الجوهر والغاية ان اختلفا في الاسلوب والاسناد.
وفي باب البدع والرأي والمقاييس روى عن يونس بن عبد الرحمن ان ابا الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: يا يونس لا تكونن مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر.
وروى عن يونس عن قتيبة ان رجلاً سأل ابا عبد الله (ع) عن مسألة فأجابه عليها فقال الرجل: أرأيت ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها قال له الامام (ع) مه ما اجبتك عن شيء فهو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لسنا من أرأيت في شيء(١) .
وجاء في باب اختلاف الحديث عن سليم بن قيس الهلالي ان امير المؤمنين علياً (ع) قال في جواب من سأله عن الاحاديث المختلفة حول تفسير القرآن واحاديث الرسول: ان الناس كانوا يكذبون على رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حياته، فقام خطيباً في اصحابه، وكان مما قال: ايها الناس لقد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوء مقعده من النار،
____________________
(١) هذه الرواية تنص على انهم (ع) لا يقولون شيئاً عن طريق الظن والاجتهاد وكل ما يقولونه في امور الدين فهو مما ورثوه عن جدهم الرسولصلىاللهعليهوآله وروى في الكافي بهذا المضمون اكثر من رواية لتأكيد هذا المعنى.
واضاف الى ذلك علي (ع): ان الناس قد كذبوا عليه بعد وفاته، وقد اتاكم الحديث من اربعة لا خامس لهم، رجل منافق يظهر الايمان متصنع بالاسلام ولا يتأثم ولا يتحرج ان يكذب على رسول الله متعمداً فلو علم منه الناس انه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ورآه وسمع منه، فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد اخبر الله سبحانه عن المنافقين بقوله واذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم، وبقي هؤلاء بعده فتقربوا الى أئمة الضلال والدعاة الى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الاعمال وحملوهم على رقاب الناس.
ورجل سمع من رسول الله ص شيئاً لم يحمله على وجهه ووهم فيه لم يتعمد كذباً، فهو في يده يقول به ويعمل فيه ويرويه فيقول انا سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولو علم المسلمون انه وهم لم يقبلوه.
ورجل ثالث سمع من رسول اللهصلىاللهعليهوآله شيئاً امر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، او سمعه ينهى عن شيء، ثم امر به وهو لا يعلم فحفظ منسوخة ولم يحفظ الناسخ، ولو علم انه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون بحاله لرفضوه.
ورجل رابع لم يكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، وعلم الناسخ من المنسوخ، فان امر النبي مثل امر القرآن ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول الله الكلام له وجهان، مثل القرآن، وقد قال الله في كتابه: ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فيشتبه الحال على من لم يعرف وما يدري ما عنى اللّه به ورسوله، وليس كل اصحاب رسول الله كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى انهم كانوا يحبون ان يجيء الاعرابي والطاري فيسأل الرسول حتى
يسمعوا، وكنت ادخل على رسول الله كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة فيخليني فيها ادور معه حيث دار، وقد علم اصحاب رسول الله انه لم يفعل ذلك مع احد من الناس غيري، فكنت ان سألته اجابني، وان سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني فما نزلت عليه آية الا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها وعامها وخاصها، ودعا الله ان يعطيني فهماً وحفظاً فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا.
وروى عن ابن عائشة البصري ان امير المؤمنين (ع) قال: ايها الناس اعلموا انه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء الجهال عليه، الناس ابناء ما يحسنون، وقدر كل امرئ ما يحسن، فتكلموا في العلم تبن اقداركم.
وروى في باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب، عن السكوني ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال ان رسول الله كان يقول: ان على كل حق حقيقة، وعلى كل جواب نوراً، فما وافق كتاب اله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه.
وروى عن ابن ابي يعفور، ان الامام الصادق (ع) قال: اذا ورد عليكم حديث ووجدتم له شاهداً من كتاب الله او من قول رسول الله، والا فالذي جاءكم به اولى به، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف، ومردود على من جاء به، الى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد ان آرائهم في اصول الدين وفروعه لا تتخطى كتاب الله وسنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وان ما عندهم من العلم قد ورثوه عن جدهم الاعظمصلىاللهعليهوآله لا يبتني على الاجتهاد والحدس، ولا على القياس والاستحسان، وقد صح عن الامام الصادق (ع) انه قال: حديثي حديث ابي وحديث ابي حديث جدي، وحديث جدي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله، لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى.
من كتاب الايمان في صحيح البخاري
لقد تحدث البخاري في صحيحه، والكليني في الكافي عن الايمان بعنوان كتاب الايمان، وعرض كل منهما تحت هذا العنوان، المرويات التي لديه في مختلف الابواب حسب المناسبات وسنقدم من الكتابين نماذج من تلك المرويات بنصها الحرفي مع التعليق على بعضها اذا دعت الحاجة لذلك.
فقد جاء في الصحيح للبخاري عن ابي هريرة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: بني الاسلام على خمس، شهادة ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله، واقام الصلاة وايتاء الزكوة والحج وصوم شهر رمضان.
وروى عن ابن عمر ان الرسول قال: المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه.
وفي باب اطعام الطعام، روى عن ابي موسى الاشعري ان رجلاً سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله أي الاسلام خير؟ قال تطعم الطعام، وتقرأ السلام علي من عرفت ومن لم تعرف(١) .
____________________
(١) ان صح الحديث لا بد وان يكون السؤال للنبيصلىاللهعليهوآله في ظروف الحاجة الملحة والفقر البالغ. فيكون الاطعام في هذه الحالات من افضل ما يقدمه الانسان لاخيه. وقراءته السلام على من عرف ومن لم يعرف كوسيلة الى التقرب الى الناس والتحبب اليهم ولو بهذا النوع من التودد الذي يعبر عن صفاء القلوب وبرائتها من الغل والحقد في الغالب.
وروى عن انس بن مالك، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه.
وروى عن ابي سعيد الخدري ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: بينما انا نائم، رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: فما اولت ذلك يا رسول الله قال الدين(١) .
وروى في كتاب الايمان عن ابن عباس، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: أُريت في النار فاذا اكثر اهلها النساء قيل ايكفرن بالله يا رسول الله؟ قال يكفرن العشير، ويكفرن الاحسان، لو احسنت الى احداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط(٢) .
وروى عن عبادة بن الصامت، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج من بيته ليخبر الناس بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فرفعت، وعسى ان يكون خيراً لكم التمسوها في السبع والتسع والخمس.
وجاء في فتح الباري في تفسير الحديث انه تخاصم رجلان ومعهما الشيطان، فنسيها النبيصلىاللهعليهوآله
وروى في الباب الذي خصصه لليلة القدر مجموعة من المرويات
____________________
(١) لقد اكثر البخاري في صحيحه من المرويات بهذا المضمون. وهي كالصريحة في ان الناس كلهم لم يبلغ منهم احد ما بلغه أبو حفص في الدين فقد ملئ من قرنه الى قدمه وزيادة والناس لم يأخذوا منه الا القليل أي بنسبة ما يستر ربع اجسادهم ولعله يكني بذلك عن معاصيهم.
(٢) لقد روى البخاري عن النبيصلىاللهعليهوآله في المرأة اكثر من عشرة احاديث وقد وصفها في دينها وعقلها بمثل ما وصفها به امير المؤمنين علي (ع) مما يؤكد ان رأي علي فيها مستمد من رأي النبيصلىاللهعليهوآله .
عن النبيصلىاللهعليهوآله واكثرها تنص على انها في العشر الاواخر من رمضان، وجاء في بعضها: اني أُريت ليلة القدر، ثم أُنسيتها، او نسيتها فالتمسوها في العشر الاواخر من رمضان في الوتر(١) .
ولا تختلف مرويات البخاري بمجموعها من حيث تحديد زمانها عن المرويات الشيعية واكثرها تنص على انها في العشر الاواخر من رمضان اما المختصات بتلك الليلة بالاضافة الى الذي اشارت اليه السورة التي تعرضت لها، فالروايات عن النبيصلىاللهعليهوآله والائمة (ع) قد اشتملت على الكثير من آثارها وخصائصها وحثت على العمل والتقرب الى الله فيها.
وروى في باب صلة الرحم عن قيس بن حازم عن عمرو بن العاص انه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: ان آل ابي ليسوا لي بأولياء، انما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحماً ابلها ببلالها(٢) ، والمقصود آل ابي طالب كما فهم منها جميع المحدثين، وقد ترك البخاري ذكر طالب لان محمد بن جعفر احد الرواة لها ترك بياضاً محل طالب كما نص على ذلك البخاري في صحيحه.
ومن الغريب ان مؤلف فتح الباري بعد ان اكد ان الحديث الذي رواه ابن العاص عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو ان آل ابي طالب، بعد ان اكد ذلك قال ما محصله: ان الحديث لا يعني علياً وجعفراً (ع).
ومن غير البعيد ان يكون المعني به ابو طالب وحده، واضاف الى ذلك ان جماعة رجحوا، بان الذي يعنيه النبيصلىاللهعليهوآله بقوله وصالح المؤمنين
____________________
(١) انظر ص ٣٤٥ وما بعدها. واذا جاز عليه ان ينسى ليلة القدر بعد ان رآها ووعاها فمن الجائز عليه ان ينسى غيرها من الاحكام قبل تبليغها. وهذا لا يتلائم مع مقام النبوة واهدافها.
(٢) أي اصلها بصلتها.
هم ابو بكر وعمر وعثمان(١) مع العلم بأن كلمة آل فلان لا تشمل فلاناً نفسه بل تختص بآله الذين ينتسبون اليه، فالرواية اذن لا تشمل ابا طالب بل تختص بآله وآله في عصر الرسولصلىاللهعليهوآله هم اولاده الثلاثة علي وجعفر وعقيل وابنته ام هاني، ولو استثنينا جعفراً وعلياً لم يبق لهذا الحديث من مورد، ولم يتعرض احد لسنده الا من ناحية الراوي له عن ابن العاص، وهو قيس بن ابي حازم فقد احتمل جماعة بأن الحديث من موضوعاته لانه كان ناصبياً منحرفاً عن علي (ع)، كما نص على ذلك في فتح الباري.
ومما لا شك فيه ان هذا الحديث من موضوعات ابن النابغة ارضاء لسيده معاوية بن هند، ويستحيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ان يتنكر لجهاد ابي طالب وآله ومكانتهم من الاسلام واخلاصهم لدعوته منذ انبثاق فجرها، وهل يجوز على من علم الناس الوفاء ودعا اليه ان يتنكر للطالبيين، وهم الذين حضنوه صغيراً وجاهدوا بين يديه كبيراً جهاداً لم يعرف التاريخ له نظيراً، ولولا هم لقضي على الاسلام وهو في مهده.
واذا لم يكن ابو طالب واولاده اولياء لرسول الله فمن هم الاولياء المحبون لرسول الله وليس ببعيد على الذين وضعوا هذا الحديث ان يكونوا بصدد ايهام الناس بأن أولياءه هم، ابن النابغة، وابن الزرقا، وابن هند وامثالهم ممن غمرهم الاسلام بخيراته وتنكروا لقيمه ومبادئه وكانوا حرباً على اولياء الله ورسوله، ان الذين دونوا هذا الحديث بين المرويات عن الرسول في مجاميعهم يعلمون بان ابن النابغة يقصد علياً من بين آل ابي طالب ليرضي سيده معاوية، وكان عليهم ان لا يناقضوا انفسهم ويدونوا في نفس تلك المجاميع الروايات التي تؤكد ان علياً (ع) وجعفراً
____________________
(١) انظر ص ٢٥ من المجلد الثالث عشر من فتح الباري.
كانا من اقرب المقربين الى الرسولصلىاللهعليهوآله ومن تلك المرويات حديث الراية في غزوة خيبر التي قال فيها النبيصلىاللهعليهوآله :
لاعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله كما جاء في المجلد الثالث وغيره من مجلدات البخاري، هذا بالاضافة الى ما جاء عنهصلىاللهعليهوآله في فضل جعفر بن ابي طالب وتقديره لاخلاصه وبطولاته كما نص على ذلك البخاري وغيره(١) .
وروى في باب لبس القميص عن نافع عن عبد الله، انه لما توفي عبد الله بن ابي، جاء ابنه الى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال يا رسول الله اعطني قميصك ألفه فيه وصلِّ عليه واستغفر له، فأعطاه رسول الله قميصه وقال له اذا فرغت فآذنا، فلما فرغ آذنه، فجاء ليصلي عليه فجذبه عمر بن الخطاب وقال له:
اليس قد نهاك ربك ان تصلي على المنافقين، وقال لك: استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، فنزلت بهذه المناسبة الآية: «ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً»، فعند ذلك ترك النبيصلىاللهعليهوآله الصلاة عليهم(٢) .
____________________
(١) انظر المجلد الثالث من الصحيح.
(٢) انظر ص ٢٥ من المجلد الرابع. ان الذين وضعوا هذه الرواية حسبوا ان هذا الاسلوب الجاف الارعن فضيلة لعمر بن الخطاب. والواقع ان الحديث لو صح يكون من سيئات عمر بن الخطاب ومن الشواهد على عدم انقياده للرسول واقتدائه به وفي الوقت ذاته يدل الحديث على تجاهل النبيصلىاللهعليهوآله للقرآن او غفلته عن احكامه لانه لم يتنبه لرأي القران فيهم الا بعد ان نبهه الخليفة وقرأ عليه الآية وفي تلك اللحظة جاء الوحي مؤيداً لعمر في موقفه من المنافقين على حد زعمهم. وبالتالي ان الذين وضعوا هذه المرويات ليسوا باسوأ حالاً من الذين دونوها في صحاحهم للاجيال على مر الدهور واختاروها من ستماية الف حديث. هذا بالاضافة الى ان راوي الحديث عبد الله بن صالح بن محمد المصري متهم بالكذب كما جاء في التهذيب والميزان وغيرهما.
وروى في باب ما يجوز من الهجران عن عائشة انها قالت ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لها: اني لاعرف غضبك من رضاك، قالت: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: انك اذا كنت راضية قلت بلى ورب محمد: واذا كنت ساخطة قلت لا ورب ابراهيم، قالت: أجل لست أهجر الا اسمك.
وفي باب التبسم والضحك روى عن محمد بن سعد عن ابيه ان عمر بن الخطاب استأذن على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه عالية اصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر تبادرن الحجاب فأذن له النبيصلىاللهعليهوآله فدخل والنبي يضحك فقال: اضحك الله سنك يا رسول الله بابي انت وامي، فقال: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب، فقال أنت أحق أن يهبن يا رسول اللّه ثم أقبل عليهن وقال: يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله فقلن انك أفظ وأغلظ من رسول الله، فقال رسول اللّه: ايه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجا الا سلكاً فجاً غير فجك(١) .
وروى في باب الانبساط الى الناس عن هشام بن عروة ان عائشة قالت: كنت العب بالبنات عند النبيصلىاللهعليهوآله وكان لي حواجب يلعبن معي فكان رسول الله اذا دخل يتقمعن منه فيسربهن الي فيلعبن معي.
وفي باب من دعا صاحبه ونقص من اسمه حرفاً روى عن ابي سلمة بن عبد الرحمن ان عائشة زوجة النبيصلىاللهعليهوآله قالت: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) انظر ص ٦٤ من المجلد الرابع ومقتضى الحديث ان الشيطان يهاب عمر بن الخطاب اكثر من رسول الله لان الرسول على حد زعم الراوي وصف ابا حفص بهذه الصفة لان النساء هبنه وخفن سطوته حين ان الحديث ينص على انهن لم يهبن الرسول ولم يتسترن منه كما فعلن مع عمر بن الخطاب.
يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام قلت وعليه السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته واضافت الى ذلك انه يرى ما لا ترى.
وفي باب كنية المشرك روى عن عبد الله بن نوفل عن العباس بن عبد المطلب انه قال لرسول الله: هل نفعت ابا طالب بشيء فانه كان يحوطك ويغضب لك قال نعم: هو في ضحضاح من نار ولولا انا لكان في الدرك الاسفل من النار(١) .
واذا كان آل ابي طالب ليسوا للنبي باولياء كما يزعم ابن العاص فليس بغريب اذا كان سيدهم وزعيمهم ابو طالب في ضحضاح من نار او في الدرك الاسفل من النار كما تنص على ذلك تلك المرويات التي صنعها معاوية بن هند وعملاؤه ليبرز من خلالها فضل ابيه المتضع بالاسلام، على ابي طالب المؤمن برسالة ابن اخيه ايماناً صادقاً قوياً منذ بعثه الله رسولاً لعباده حتى النفس الاخير من حياته.
ولولا انه والد الامام علي بن ابي طالب لكان عند جمهور السنة من اصدق المسلمين ايماناً واخلصهم عملاً وفي اعلى درجات النعيم.
وما ادري كيف سوغ هؤلاء لانفسهم ان يلصقوا الكفر بابي طالب بعد تلك المواقف الخالدة التي وقفها في سبيل الدعوة المباركة بماله وجاهه وجميع امكانياته، ولم يكفهم قوله من جملة ابيات كما جاء في تاريخ ابن كثير ص ٨٧.
ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً |
نبياً كموسى خط في اول الكتب |
وقوله في الكتاب المذكور ص ٥٧:
وأيده رب العباد بنصره |
وأظهر ديناً حقه غير زائل |
|
لقد علموا أن ابننا لا مكذَّب |
لدينا ولا يعنى بقول الاباطل |
وقوله في ص ٤٢ من التاريخ المذكور:
____________________
(١) ص ٦٩ نفس المصدر.
وعرضت ديناً قد عرفت بأنه |
من خير أديان البرية دينا |
الى غير ذلك من أقواله ومواقفه التي لا يرتاب فيها الا كل أفاك أثيم.
وقوله في ص ٤٢ من التاريخ المذكور وعرضت ديناً قد عرفت بانه من خير اديان البرية دينا، الى غير ذلك من اقواله ومواقفه التي لا يرتاب فيها الا كل آخاك اثيم.
وروى في باب نكث العود في الماء والطين عن ابي موسى الاشعري، انه كان مع النبيصلىاللهعليهوآله في حائط من حيطان المدينة وفي يده عود يضرب به بين الماء والطين فجاء رجل يستفتح، فقال النبيصلىاللهعليهوآله افتح وبشره بالجنة فذهبت فاذا هو ابو بكر ففتحت له وبشرته بالجنة، ثم استفتح رجل آخر، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : افتح له وبشره بالجنة، فاذا هو عمر بن الخطاب، ففتحت له وبشرته بالجنة، ثم استفتح رجل آخر وكان متكئاً فجلس وقال: افتح وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فاذا هو عثمان(١) .
وفي باب الحجاب روى عن عائشة انها قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول اللهصلىاللهعليهوآله احجب نساءك فلم يستجب لطلبه، وكان ازواج النبي يخرجن ليلاً الى ليل قبل المناصع فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال عرفتك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله عند ذلك آية الحجاب، تنفيذاً لرغبة عمر بن الخطاب في ذلك(٢) .
____________________
(١) انظر ص ٨٣ / ج / ٤.
(٢) والذين وضعوا هذا الحديث ارادوا ان يثيروا الشكوك حول التشريع واسبابه وان يخلقوا فضيلة لعمر ولو على حساب الطعن في جوهر الاسلام لان الله كما يزعم الراوي قد احترم رأي عمر وشرع بناء لرغبته وتلك فضيلة لا يعادلها شيء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وكل من رجع الى كتب التفسير واسباب النزول يخرج وهو على يقين بان تشريع الحجاب كغيره من التشريعات التي كان سبحانه يراعي فيها مصلحة العباد لا رغبة محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله ولا غيره من الناس.
وروى في باب المناجاة عن عامر بن مسروق ان عائشة قالت: كنا ازواج النبي عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فاقبلت فاطمة (ع) تمشي لا والله ما تخفي مشيتها عن مشية رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً يا بنتي، ثم اجلسها عن يمينه وسارها فبكت بكاءً شديداً، فلما رأى حزنها سارها الثانية اذا هي تضحك، فقلت لها أنا من بين نسائه، خصك رسول الله بالسر من بيننا ثم انت تبكين، فلما قام رسول اللهصلىاللهعليهوآله سألتها عما سارك، قالت ما كنت لافشي لرسول الله سراً، فلما توفي قلت لها عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما اخبرتني قالت اما الآن فنعم، اما حين سارني اولاً فانه اخبرني ان جبرائيل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة وانه عارضه به العام مرتين ولا ارى الاجل الا قد اقترب فاتقي الله واصبري فاني نعم السلف لك، فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأي جزعي سارني الثانية وقال لي يا فاطمة الا ترضين ان تكوني سيدة نساء المؤمنين او سيدة نساء هذه الامة(١) .
وروى في باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله عن عبد الرحمن بن ابي ليلى انه قال: لقيب كعب بن عجرة، فقال: خرج علينا النبيصلىاللهعليهوآله فقلنا يا رسول الله كيف نصلي عليك، قال قولوا: اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد.
وجاء في رواية ثانية رواها البخاري عن ابي سعيد الخدري، وعبد الله بن خباب ان ابا سعيد قال: يا رسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا: اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك كما صليت على ابراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم وروى
____________________
(١) انظر ص ٨٤ و ٨٨ و ٩٦ ، ج ٤
غير هاتين الروايتين بهذا المضمون(١) .
وروى في باب تكرير الدعاء عن هشام بن عروة عن عائشة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله طب، أي سحر حتى ليخيل اليه انه صنع الشيء وما صنعه، وانه دعا ربه، ثم قال: اشعرت ان الله قد افتاني فيما استفتيته فيه، قالت عائشة: فما ذاك يا رسول الله قال: جائني رجلان فجلس احدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال احدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال مطبوب، قال من طبه؟ قال لبيد بن الاعصم، قال فيما قال: في مشط ومشاطه، وجف طلعة، قال فأين هو: قال: في ذروان، وذروان في بني زريق، قالت فاتاها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثم رجع الى عائشة، فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين، قالت فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله واخبرها عن البئر، فقلت يا رسول الله فهلا اخرجته، قال اما انا فقد شفاني الله وكرهت ان اثير على الناس شراً وقد روى البخاري حديث سحر النبي في موضع آخر من صحيحه بهذا المضمون(٢) .
____________________
(١) ومع ان الروايات في صحيح البخاري وغيره تنص على ان الصلاة عليه لا تتم الا بذكر آله، حيث ان السائل سأله عن كيفية الصلاة عليه، وكان جوابه قولوا اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، ومع ذلك فاهل السنة يقتصرون عليه وحده ويخالفون النصوص المروية في صحاحهم بدون مدرك بل وحتى البخاري نفسه الراوي لتلك المرويات اذا ذكره يصلي عليه وحده ويتجاهل آله الذين لا تتم الصلاة عليه بدونهم. انظر ص ١٠٦ و ١٠٧ ج / ٤.
(٢) والمراد من المشط الذي سحر به النبيصلىاللهعليهوآله على حد زعم الراوي هو العظم العريض الموجود في الكتف، وقيل غيره وجف الطلعة هو القشر الملاحق للطلع الذي يلقح فيه النخل وقيل غير ذلك وبئر ذروان يقع خارج المدينة وقد ارسل النبيصلىاللهعليهوآله علياً وعماراً فنزلا البئر واستخرجا آلة السحر التي سحر بها. وقيل كما في فتح الباري: ان الذي نزل رجل آخر وقد وجد فيه تمثالاً من شمع لرسول الله وفيه ابر مغزوزة واذا وتر فيه احد عشر عقدة فنزل جبريل بالمعوذتين وكلما قرأ آية انحلت عقدة وكلما نزع ابرة وجد لها الماً. انظر فتح الباري ج ١٢ ص ٣٤ وما بعدها وانظر في ص ١١٢ ج ٤
وقد تكرر هذا الحديث في الصحيح بهذا المضمون ورواه في المجلد الثاني ص ٢٠٤ عن هشام بن عروة عن ابيه عن السيدة عائشة وجاء فيه، ان النبيصلىاللهعليهوآله سحر حتى كان يخيل اليه انه صنع شيئاً وما صنعه، والاحاديث المروية حول هذا الموضوع كلها تنص على ان النبي قد اثر به السحر الى حد اصبح يخيل اليه انه قد صنع الشيء وما صنعه، ولازم ذلك ان يكون قد فقد رشده، ومن الجائز عليه في تلك الحالة ان يتخيل انه قد صلى ولم يصل، وان يتخيل شيئاً يتنافى مع نبوته، بل مع انسانيته، فيفعله، وبالرغم من اني قد اخذت على نفسي ان لا اهاجم احداً في هذا الكتاب، ولكني اراني مضطراً للهجوم في هذا المورد وارى لزاماً علي ان اقول: ان الذين رووا هذا الحديث ودونوه هم المسحورون لانهم لا يفكرون بما يكتبون، ويروون ولا يتثبتون، وكيف يصح على نبي لا ينطق عن الهوى كما وصفه ربه، ان يكون فريسة للمشعوذين، فيفقد شعوره ويغيب عن رشده، ومع ذلك يصفه القرآن بانه لا ينطق الا بما يوحى اليه، ويفرض على الناس اجمعين ان يقتدوا باقواله وافعاله، والمسحور قد يقول غير الحق ويفعل ما لا يجوز فعله على سائر الناس وقد يخرج عن شعوره وادراكه.
وكما روى البخاري حديث السحر، روى احاديث كثيرة تنص على ان النبي كان ينسى في صلاته فيزيد فيها احياناً وينقص حيناً آخر.
فروى عن علقة عن عبد الله ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة يا رسول الله فقال وما ذاك؟ قيل له: صليت خمساً فرجع وسجد سجدتين واكتفى بصلاته(١) .
____________________
(١) مع العلم بان زيادة الركعة مبطلة للصلاة سواء كانت من عمد او سهو وقد كذب الجصاص في المجلد الثاني من احكام القران حديث سحر النبيصلىاللهعليهوآله ونزهه عن هذه الاباطيل التي لا تتفق مع الغاية التي ارسل الله الرسل من اجلها ولا اظن احداً من اعلام السنة يعرف مقام النبوة ويقر امثال هذه المرويات.
وروى عن ابي هريرة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله صلى صلاة العصر ركعتين ثم سلم وقام الى خشبة في المسجد ووضع يده عليها، وفي المسجد ابو بكر وعمر، فهابا ان يكلماه وخرج الناس وقالوا قصرت الصلاة، فسأله رجل منهم يدعى ذو اليدين، فقال: انسيت ام قصرت الصلاة يا رسول الله، فقال النبيصلىاللهعليهوآله لم أنس ولم تقصر، قال: بلى لقد نسيت، فرجع النبي وصلى بهم ركعتين وسلم ثم سجد سجدتين وروى غير هاتين الروايتين عن سهو النبي ونسيانه في باب السهو في الصلاة(١) .
وفي احاديث قيام الساعة روى عن ابي هريرة، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فاذا طلعت ورآها الناس أجمعون فذلك حين لا ينفع نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل، او كسبت في ايمانها خيراً، ولتقومنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولايطويانه ولتقومنَّ الساعة وقد رفع الرجل أكلته الى فمه فلا يطعمها.
وروى في باب كيفية الحشر عن عبد الله بن عباس، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقف خطيباً في الناس فقال: انكم محشورون حفاة عراة كما بدأنا اول خلق نعيده، وان اول الخلائق يكسى يوم القيامة ابراهيم،
____________________
(١) انظر ص ٢١٢ و ٢١٣ من الصحيح، ونسبة السهو والنسيان الى النبيصلىاللهعليهوآله من المنكرات عند الامامية ولم يرد في الكافي ما يشير الى ذلك ومال الى جواز السهو عليه محمد بن بايويه المعروف بالصدوق احد محدثي الامامية ولكنه تعرض لاعنف الهجمات من الامامية في جميع العصور واذا جاز عليه السهو والنسيان في صلاته جاز في غيرها حتى في حال تبليغ الاحكام والوحي وغيرهما واذا كان بهذه الحالة فهل يحصل للناس الجزم والوثوق بما يأتي به بعد ان كان معرضاً للسهو وللنسيان ولان يدخل عليه السحر وينفعل به كغيره من سائر الناس.
وانه سيجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال، فاقول يا رب اصحابي! فيقول: انك لا تدري ما احدثوا بعدك، فاقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم القهقرى وقد روى عن ابي هريرة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال يرد علي يوم القيامة رهط من اصحابي فيحلؤن عن الحوض، فاقول يا رب اصحابي، فيقول: انك لا علم لك بما احدثوا بعدك، انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى.
وروى بهذا المضمون اكثر من عشر روايات، وجاء في بعضها انه لا يخلص منهم الا مثل همل النعم(١) .
وبلا شك ان المراد من اصحابه في هذه الروايات على كثرتها هم الصحابة الذين عاصروه واستمعوا لاحاديثه واقواله واشتركوا في غزواته هؤلاء بلا شك هم المعنيون بهذه الاحاديث، والذي يلفت النظر ويدعو الى التسائل، هو وصفهم بالارتداد والتغيير والتبديل، مع انهم حاربوا المرتدين وكانوا يحرصون على نشر الاسلام وتطبيق اصوله وفروعه، ومن البعيد ان يصفهم الله والرسول بهذه الصفات لمجرد مخالفتهم لبعض الاحكام وارتكابهم لبعض المعاصي، لان المعصية لا تسوغ وصفهم بالارتداد ولا بالخروج من الدين ولا توجب هلاكهم فلا بد وان يكون السبب في ذلك ابعد من المخالفات والمعاصي التي لا يسلم فيها الا من عصمه الله، واذا رجعنا الى الاحداث التي تلت وفاة الرسول والتطورات التي حدثت من بعده لا نجد سبباً معقولاً سوى الموقف السلبي الذي وقفوه من الخليفة الشرعي ذلك الموقف الذي انتج تلك المضاعفات والتناقضات الخطيرة وهيأ للامويين ان يحكموا باسم الدين والاسلام ويمارسوا
____________________
(١) انظر ص ١٢٠ و ١٣٢ و ١٣٣ و ١٤١ و ١٤٣ و ص ١٥٨
جميع انواع الفساد والمنكرات واحياء جميع مظاهر الجاهلية، بعدما حاربها النبي وكاد ان يجتث جذورها، ولم يكتفوا بكل ذلك وحاولوا بواسطة انصارهم وعمالهم المنتشرين هنا وهناك ان يضعوا الخليفة فوق مستوى الرسول كما اشرنا الى ذلك في الفصل الثالث من فصول هذا الكتاب.
وروى البخاري عن جنادة بن ابي امية انه قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا له اصلحك الله! حدثنا بحديث ينفعنا الله به سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: دعانا النبي فبايعناه فكان فيما أخذ علينا ان بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وان لا تنازعوا الامر اهله ان تروا كفراً بواحا عندكم من الله فيه برهان(١) .
وروى في باب اذا حرم الانسان طعامه، ان عبيد الله بن عمر كان يقول: سمعت عائشة تزعم ان النبيصلىاللهعليهوآله كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت انا وحفصة، ان ايتنا دخل عليها النبيصلىاللهعليهوآله فلتقل اني اجد منك ريح مغافير اكلت مغافير فدخل على احداهما فقالت ذلك له، قال: لا بل شربت عسلاً عند زينب ولن اعود
____________________
(١) ص ٢١٢ المصدر السابق وتشير هذه الرواية الى ان النبيصلىاللهعليهوآله كان يحثهم ويؤكد عليهم ان يستسلموا للحاكمين ممن يتولون الامور من بعده حتى ولو ظلموا وافسدوا ومارسوا المنكرات والمحرمات ولا يعارضوهم في شيء من ذلك مع العلم بان الثورة على الظلم والطغيان والاستبداد من ابرز المبادئ التي جاء بها الاسلام واكد النبيصلىاللهعليهوآله في عشرات المناسبات مواصلة الكفاح ضد الظلم والطغيان والتمرد على احكام الله وسننه مهما كانت النتائج فلا بد وان تكون هذه الرواية وامثالها من صنع الذين دونوا الحديث في قصور الخلفاء ليصرفوا الناس عن واقع اولئك الحكام الملوث بكل انواع الجرائم والمنكرات وظلم العباد.
فنزلت الآية: «يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك».
وفي باب الرؤيا روى عن ابن عمر انه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: بيتا انا نائم اتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى اني لارى الري يخرج من اظفاري، ثم اعطيت فضلي لعمر بن الخطاب، قالوا فما اولته يا رسول الله قال: العلم.
وروى عن ابي هريرة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: بينما انا نائم رأيتني على قليب وعليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم اخذها ابو بكر فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غرباً فاخذها عمر بن الخطاب فلم ار عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن.
وروى عن أبي هريرة ايضاً ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: بينما انا نائم رأيتني في الجنة فاذا امرأة تتوضا الى جانب قصر، قلت لمن هذا القصر قالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته ووليت مدبراً، وقد تكرر هذا النوع من المرويات في صحيح البخاري عن طريق أبي هريرة، وفي بعضها انه رأى قصراً من ذهب لعمر بن الخطاب في الجنة، وقد امتنع النبي من دخوله تهيباً من غيرته.
وروى في فضائل عثمان ان امرأة رأت عيناً جارية لعثمان، فسألت النبيصلىاللهعليهوآله عنها فقال:، هي علمه(١) .
وروى عن أبي رجاء عن ابن عباس ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: من كره من اميره شيئاً فليصبر، فان من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية،
____________________
(١) ص ٢١٣ و ٢١٤ و ٢١٦
وقد تكرر هذا المضمون بين مرويات البخاري، فروى عن عطاء عن ابي رجاء العطاري ان عبد الله بن عباس سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: من رأى من اميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فان من فارق الجماعة شبراً ومات، مات ميتة جاهلية(١) .
وروى في باب هلاك امتي على ايدي اغيلمة، من عمر بن يحيى عن سعيد عن جده انه قال: كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد النبيصلىاللهعليهوآله بالمدينة ومعنا مروان بن الحكم، فقال ابو هريرة: سمعت الصادق الصدوق يقول: هلكت امتي على يدي غلمة من قريش، فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال ابو هريرة: لو شئت ان اقول بني فلان وبني فلان لفعلت، واضاف الى ذلك الراوي كنت اخرج مع جدي الى بني مروان حين ملكوا في الشام، فاذا رآهم غلماناً احداثاً قال لنا: عسى هؤلاء ان يكونوا منهم، قلنا انت اعلم.
وروى ايضاً عن الزهري عن اسامة بن زيد انه قال: اشرف النبيصلىاللهعليهوآله على اطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما ارى، قالوا
____________________
(١) انظر ص ٢٢٢ / ج ٤ هذا النوع من المرويات من صنع الامويين واتباعهم الذين كانوا يحاذرون من يقظية المسلمين ومراقبة تصرفاتهم واعلان الثورة على تلك الانظمة الفاسدة التي احدثوها منذ ان تيسر لهم الاستيلاء على الحكم بالسلاح والمال والخداع والمراوغة، ولو صحت هذه المرويات عن الرسولصلىاللهعليهوآله فلا بد وان يكون المقصود منها الخروج عن طاعة الامام الذي يحكم بالحق والعدل لا غيره ممن غير وبدل واراق الدماء وانتهك الحرمات ليتآمر على المسلمين ويتحكم في رقابهم حسب شهواته واهوائه.
لا قال فاني لارى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر(١) .
وروى عن حذيفة اليمان، ان الناس كانوا يسألون رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الخير وكنت اسأله عن الشر مخافة ان يدركني، فقلت يا رسول الله انا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال نعم، وفيه دخن، قلت وما دخنه؟ قال قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وتنكر(٢) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر، قال نعم. دعاة على ابواب جهنم من اجابهم اليها قذفوه فيها، قلت صفهم لنا: قال هم من جلدتنا ويتكلمون بالسنتنا، قلت فما تأمرني ان ادركني ذلك، قال تلزم جماعة المسلمين وامامهم، قلت فان لم يكن لهم جماعة ولا امام، قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو ان تعض باصل شجرة حتى يدركك الموت.
وروى عن نافع انه قال: لما خلع اهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر ولده وحشمه وقال: اني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: بنصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وانا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، واني لا اعلم غدراً اعظم من ان يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال واني والله لا اعلم احداً منكم خلعه وبايع غيره الا كانت الفيصل بيني وبينه.
وروى عنه ايضاً انه لما انتهت الخلافة الى عبد الملك بن مروان كتب له ببيعته وبيعة ولده وذويه واكد له وفاءه بها علياً (ع) تمنع عن بيعته هو وولده ووقف منها موقف المحتاط لدينه على حد زعمه، وهو مع ذلك يحتضن نبأ استخلاف عبد الملك ويستبق الناس
____________________
(١) انظر ص ٢٢٢ نفس المصدر هذه الرواية والتي قبلها تشير الى الامويين وابو هريرة يعرفهم باسمائهم وانهم بنو سفيان وبنو مروان ولكنه وفاء منه لاسياده الامويين لم يشأ ان يصرح بهم في حديثه مع مروان وهم اول من مشى في خط عريض يتنافى مع الانظمة الاسلامية وسيرة الرسولصلىاللهعليهوآله وخلفائه الطيبين.
(٢) يريد بذلك انهم اخذوا بشيء من الحق وشيء من الباطل.
للاقرار له بالطاعة ويعده العمل باخلاص ونصيحة، ويتواعد اهله واصحابه ان هم خلعوا يزيد بن معاوية وبايعوا غيره.
وروى في باب اشراط الساعة، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: يوشك الفرات ان يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره لا يؤخذ منه شيئاً، وفي رواية اخرى، انه يحسر عن جبل من ذهب.
وروى ايضاً ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم انه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وحتى يكثر المال ويتطاول الناس في البنيان وحتى تطلع الشمس من مغربها(١) .
وروى في باب خير الامرأة عن الشعبي انه قال: قاعدت ابن عمر قريباً من سنتين فلم اسمعه يحدث عن النبيصلىاللهعليهوآله غير هذا قال: كان ناس من اصحاب رسول الله فيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم فنادتهم امرأة من بعض ازواج النبيصلىاللهعليهوآله انه لحم ضب فأمسكوا فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : كلوا فانه حلال لا بأس به ولكنه ليس من طعامي وقد تكرر
____________________
(١) ص ٢٣١ لقد اخبر النبيصلىاللهعليهوآله عن هذه الحوادث قبل وقوعها بمئات السنين ووقع الكثير مما اخبر به، فلقد انحسر الفرات عن كنوز من الذهب وانهر من البترول والذهب الاسود، وكثر الدجالون الكذابون الذين يتظاهرون بالدين ويزعمون انهم يحملون رسالة الله لعباده وهم يحملون رسالة اسيادهم اعداء الاسلام ولا يريدون ان يتكلم غيرهم باسم الدين كما يزعم بعض الادعياء. وتقارب الزمان بسبب الوسائل الحديثة التي ربطت العالم بعضه ببعض، وتطاول الناس بالبنيان حتى اصبحت البناية الواحدة تتسع للألاف من البشر.
هذا الحديث في كتاب الاطعمة والاشربة من الصحيح(١) .
وروى عن جابر بن سمرة انه قال: سمعت النبي يقول يكون بعدي اثنا عشر اميراً وقال كلمة لم اسمعها فقال ابي انه قال: كلهم من قريش.
ومن المعلوم ان النبيصلىاللهعليهوآله لم يقصد بالخلفاء الاثني عشر امراء الامويين لأنهم اكثر من ذلك ولا العباسيين ايضاً لان حكام الامويين من بعده اربعة عشر حاكماً واذا اضفنا اليهم من يسمونهم بالراشدين بلغوا ثمانية عشر خليفة، والعباسيين اكثر من عشرين حاكماً، فلا ينطبق هذا العدد الا على الائمة الاثني عشر (ع) من ذريته وجاء في بعض المرويات الشيعية وبعض المرويات السنية عن النبي ما يؤكد انهم هم المعنيون من هذا العدد لا غيرهم.
وقد اكثر الحافظ ابن كثير في ص ١٥٣ من المجلد الاول من تاريخه البداية والنهاية من اللف والدوران في تأول الحديث بما يتفق مع عقيدته ليسد الطريق على الرافضة على حد تعبيره بعد ان رأى ان الحديث لا ينطبق على الاثني عشر من ذرية الرسول وانطلق من الحديث المذكور الى اسطورة السرداب في سامرا وانكار الامام الثاني عشر، فقال بأن ما يعتقده الشيعة هوس في الرؤوس وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا اثر ولم يستطع ان يكتم حقده ونصبه على أهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهر نفوسهم مما تحمله نفس الحافظ ابن كثير وامثاله من الحقد والكذب.
فقال: ان ما يسمونهم بالائمة كانوا عاديين كغيرهم من الرعايا وليس فيهم الا علياً لانه من الراشدين والحسن حيث سلم الامر لمعاوية
____________________
(١) والضب حيوان اشبه بالحرذون في تفصيله قبيح الشكل والمنظر يكثر وجوده في البوادي ويتخذ جحراً في الرمال يقتات على حشرات البر، وكان الطعام المفضل لعرب الصحراء، وهو من المحرمات عند الشيعة لانه من نوع الحشرات.
على حد تعبيره، ويبدو من كلامه ان الحسن انما كان مرضياً عنده حيث سلم الامر لمعاوية لا لفضائله التي لا تحصى ولا لان الرسول اشاد بفضله. ولم يشأ ان يمر بالحديث كمؤرخ يعرض الحوادث ولا يحقق فيها كغيره من المؤرخين القدامى، لم يشأ ان يمر به بدون ان يعبث في تأويله، فقال ان المراد بالاثني عشر الذين اخبر الله بهم اسماعيل النبي حينما بشره بمحمدصلىاللهعليهوآله واخبر عنهم النبي الكريم كما جاء في رواية البخاري فقال ان المراد بهم الراشدون الاربعة وعمر بن عبد العزيز والباقون من خلفاء بني العباس من غير ان يعين احداً منهم باسمه ووصفه وقد أورد هذا الحديث بالاضافة الى البخاري كل من مسلم في صحيحه وابي داود في جامعه واحمد بن حنبل في مسنده واخرجه الطبراني واضاف اليه لا تضرهم عداوة من عاداهم كما رواه اكثر المحدثين في مجاميعهم وصحاحهم بصيغ قد يختلف بعضها عن البعض الآخر مع الاتفاق على العدد الذي ذكرناه وفي بعضها ما يشير الى انهم من ذريته بنحو لا ينطبق الا على الائمة الاثني عشر (ع).
وفي باب ما يكره من التنازع روى عن عروة عن خالته عائشة انها قالت: ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال في مرضه: مروا ابا بكر يصلي بالناس قالت عائشة قلت: ان ابا بكر اذا قام في مقامك لم يسمع من البكاء فمر عمر يصلي، فقال: مروا ابا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة قلت لحفصة: قولي ان ابا بكر اذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر ليصلي بهم، ففعلت حفصة، فقال رسول الله: انكن لأنتن صواحب يوسف مروا ابا بكر، قالت حفصة: ما كنت لاصيب منك خيراً، وتكرر هذا الحديث بهذا النص، وبما هو قريب منه في المجلدات الاربعة من الصحيح للبخاري(١) .
____________________
(١) انظر ص ٢٦١ / ج ٤
وفي باب دعاء امته الى التوحيد، روى البخاري عن عمرة بن عبد الرحمن، ان عائشة قالت: ان النبي بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لاصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله احد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيصلىاللهعليهوآله فقال سلوه لاي شيء كان يصنع ذلك فسألوه فقال لانها صفة الرحمن وانا احب ان أقرأ بها، فقال النبيصلىاللهعليهوآله اخبروه ان الله يحبه(١) .
وفي باب قول الله انما قولنا لشيء: روى عن معاوية بن ابي سفيان انه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: لا يزال من امتي امة قائمة بأمر الله ما يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، واضاف الى ذلك ان مالك بن يخامر سمع معاذاً يقول وهم بالشام فقال معاوية: هذا مالك يزعم انه سمع معاذاً يقول، وهم بالشام(٢) .
وفي باب الصلاة على الفراش روى عن ابي سلمة بن عبد الرحمن، ان عائشة قالت: كنت انام بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ورجلاي في قبلته، فاذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فاذا قام بسطتها والبيوت ليس فيها مصباح، وهذه الرواية من المكررات في البخاري، فقد رواها عن السيدة عائشة بمناسبة ذكره للرواية التي تنص على ان مرور الكلب والحمار بين يدي المصلي يقطع الصلاة(٣) .
____________________
(١) الرجل الذي اخبرت عنه السيدة عائشة هو علي بن ابي طالب (ع) وعائشة تعرف ذلك جيداً، ولكنها لما سمعت النبي يقول: ان الله يحبه منعها حقدها عليه ان تصرح باسمه.
(٢) لقد خص النبي الشام بهذه الفضيلة لانها عاصمة معاوية الحريص على احكام الله وشريعته واهلها كانوا من اتباعه المناصرين له، وفيها ولده يزيد، وهشام بن عبد الملك، والوليد صاحب «حبابه» وغيرهم من هذه الشجرة المباركة.
(٣) انظر ص ٨٠ ج ١
وفي باب مباشرة الحائض روى عن عائشة انها قالت: كنت اغتسل انا والنبي من اناء واحد وكلانا جنب، وكان يأمرني وانا حائض فأئتزر فيباشرني وانا حائض، وروى عنها انها قالت: كانت احدانا اذا حاضت فأراد رسول الله ان يباشرها امرها ان تأتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها، واضافت الى ذلك وايكم يملك اربه.
وروى هذا المضمون عن ميمونة ايضاً(١) .
وروى عن انس ان عمر بن الخطاب قال: وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى، فنزلت، واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وقلت له يا رسول الله: لو أمرت نسائك ان يحتجبن، فانه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، وقلت لهن عسى ربه ان طلقكن ان يبدله ازواجاً خير منكن فنزلت هذه الآية(٢) .
____________________
(١) نفس المصدر ص ٦٤ ، وكلمة المباشرة تعني ان النبي ص كان يستعملهن في حال الحيض كما يستعمل الرجل المرأة ما عدا الوطء كما نص على ذلك ابن حجر في المجلد الاول من فتح الباري بقصد بيان الحكم الشرعي على حد تعبيره، وهذه الرواية من المكذوبات على الرسولصلىاللهعليهوآله وهو ارفع شأناً من ان تغلبه شهوته وتضطره الى مباشرتهن في حال الحيض مع العلم بانه لو احتاج الى النساء يمكنه استعمال غير الحائض من نسائه الكثيرات، وبالامكان ان يبين الحكم الشرعي بغير هذا الاسلوب الذي يتنافى مع مكانته. ويضعه في المستوى الذي يترفع عنه الكثير من الناس.
(٢) انظر ص ٨٣ / ج / ١ ويبدو من هذه الرواية ان الآية الاخيرة هي من كلام عمر بن الخطاب بمادتها وهيئتها، وان الله انزلها كما نطق بها ابو حفص رحمه الله. بدون تغيير او تحريف، وفي ذلك ما يؤكد ان الرواية المذكورة وضعت لاثارة الشبه حول القرآن وان بعضه من صنع الصحابة كما يرى الحاقدون من اعداء الاسلام وليس بغريب على الامويين وانصارهم ان يوفروا الاجواء للتشكيك برسالة محمدصلىاللهعليهوآله لانهم لم يؤمنوا بها طرفة عين ابداً كما يدل على ذلك تاريخهم الطويل.
وروى عن عكرمة، ان عبد الله بن عباس قال: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه بخرقة، فقعد على المنبر فحمد ربه واثنى عليه، ثم قال: انه ليس من الناس احد امن علي في نفسه وماله من ابي بكر بن أي قحافة، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت ابا بكر خليلاً، ولكن خلة الاسلام افضل، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة ابي بكر(١) .
وفي باب صلاة المريض روى عن عائشة انها قالت: لما مرض رسول الله مرضه الذي مات فيه، قال: مروا ابا بكر يصلي بالناس، فقيل له ان ابا بكر رجل اسيف اذا قام مقامك لم يستطع الصلاة، فأعادها عليهم ثلاثاً فخرج ابو بكر وبعد ان شرع في الصلاة وجد النبيصلىاللهعليهوآله في نفسه خفة فخرج يتهادى بين رجلين كأني انظر الى رجليه تخطان من الوجع، فأراد ابو بكر ان يتأخر، فأومأ اليه النبي ان مكانك وجلس الى جانبه، وقال الاعمش: ان ابا بكر كان يصلي بصلاة النبي والناس يأتمون بأبي بكر(٢) .
وفي باب الحراب والورق يوم العيد، روى عن عروة عن خالته عائشة انها قالت دخل علي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعندي جاريتان تغنيان بغناء بغاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل ابو بكر فانتهرني،
____________________
(١) ١٩٩ نفس المصدر.
(٢) نفس المصدر ص ١٢٢ وهل يتفق هذا الالحاح الاكيد من الرسول على ان يتولى الصلاة مكانه ابو بكر كما تدل على ذلك المرويات الكثيرة عن السيدة عائشة التي رواها البخاري عنها باشكال مختلفة متباينة، هل يتفق هذا الالحاح على ابي بكر للصلاة بالناس مع خروج النبي متوكئاً على علي والعباس وهو في حالة المرض الشديد كما تنص على ذلك هذه الرواية بمجرد ان دخل الرجل في الصلاة، الا ان يكون خروجه وهو بهذه الحالة ليختم حياته مؤتماً بأبي بكر ويقبل على الله قريرالعين بهذه الصلاة التي وفق لها في آخر لحظة من حياته.
وقال مزمارة الشيطان عند النبيصلىاللهعليهوآله ، فأقبل عليه رسول الله وقال: دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد، يلعب فيه السودان بالورق والحراب، فقال النبيصلىاللهعليهوآله تشتهين تنظرين فقلت نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني ارفدة حتى اذا مللت قال حسبك قلت نعم.
وروى ايضاً عن هشام عن ابيه عروة ان عائشة قالت: دخل ابو بكر وعندي جاريتان تغنيان مما تقاولت الانصار يوم بغاث، فقال ابو بكر مزامير الشيطان في بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا ابا بكر ان لكل قوم عيداً وهذا عيدنا(١) .
وفي باب اذا قال المشرك عند الموت لا إله الا الله، روى عن ابن شهاب ان سعيد بن المسيب اخبره، انه لما حضرت ابا طالب الوفاة جاءه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوجد عنده ابا جهل، وعبد الله بن ابي امية بن المغيرة، فقال له رسول الله: يا عم قل لا إله الا الله اشهد لك بها عند الله، فقال ابو جهل وعبد الله: يا ابا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله يعرضها عليه، وهما يعودان بتلك المقالة حتى قال ابو طالب آخر ما كلمهم به انه على ملة ابراهيم وابى ان يقول: لا إله الا الله، فقال رسول الله: اما والله لاستغفرن لك ما لم انه عن ذلك، فأنزل الله تعالى فيه:
____________________
(١) ص ١٥٩ من المصدر السابق، وكان من المفروض على البخاري كمحدث قد اختار جامعه من آلاف الاحاديث المروية عن النبيصلىاللهعليهوآله ان يتجنب تدوين هذا النوع من المرويات الذي يصور النبي العظيم وكأنه آلة بيد امرأة يحاول ارضاءها ولو بحضور مجالس الغناء والرقص، والوقوف الى جانبها على الشرفات لترى المغنيات الراقصات يلعبن في مواسم الاعياد، ان الرسول لاعظم من ان ينحط الى هذه المستويات التي ترفع عنها ابو بكر وعمر، كما نصت على ذلك تلك المرويات.
( ما كان للنبي والذين آمنوا معه ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا ذوي قربى ) (١) .
لقد اسند الزهري هذه الرواية الى سعيد بن المسيب وهي من جملة موضوعاته التي كان يتقرب بها للامويين لانه كان من اتباعهم وقضاتهم، وغير بعيد عليه ان يضع لهم هذا الحديث، بعد ان نسب الى الرسول انه قال: لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجد المدينة والمسجد الاقصى، وان الصخرة التي وضع رسول الله قدمه عليها تقوم مقام الكعبة(٢) .
ويهمهم اكثر من أي شيء ترويج المرويات التي تضع ابا طالب في صفوف المشركين وتمنح ابا سفيان زعيم الاسرة الاموية صفات الصديقين المؤمنين مع العلم بأن الذين وصفوا ابا طالب بالشرك لم يستطيعوا ان يتنكروا لجهوده التي بذلها في سبيل الرسول ودعوته، والذين وصفوا ابا سفيان بالاسلام لم يفلحوا في كتم مكائده ودسائسه التي بذلها لتقويض دعائم الاسلام حتى بعد اسلامه المزعوم.
وفي باب بدء الوحي روى عن عائشة انها قالت: أول ما بدأ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب اليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل ان ينزع الى أهله ويتزود لذلك، ثم
____________________
(١) المصدر السابق ص ٢٣٥.
(٢) انظر تاريخ اليعقوبي ص ٨ ج ٢ ، لقد وضع الزهري هذا الحديث استجابة لطلب عبد الملك حينما منع الناس من الحج الى مكة في عهد ابن الزبير، وبعد ان اذاع حديث الزهري بين الناس بنى على الصخرة قبة وأمر الناس ان يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة في موسم الحج.
يرجع الي خديجة فيتزود لمثلها حتى جاء الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال اقرأ فقال ما انا بقارئ، قال فاخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ، قلت ما انا بقارئ، فاخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم ارسلني، فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم، فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني وكررها ثلاثاً حتى ذهب عنه الروع فأخبر زوجته خديجة بالخبر، وقال لها: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله ابداً. انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسي المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر، ثم انطلقت به الى عمها ورقة بن نوفل بن عبد العزى، وكان قد تنصر، وكتب الانجيل بالعبرانية وبلغت به الشيخوخة حدها الاقصى، وبعد ان قص عليه النبيصلىاللهعليهوآله ما اصابه، اجابه ان هذا الذي ترى هو الناموس الذي انزل على موسى ليتني فيها جذعاً ليتني اكون حياً اذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: او مخرجي هم؟ قال نعم: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الاعودي، وان يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً(١) .
وروى في باب من احب الدفن في الارض المقدسة عن أبي هريرة انه قال: ارسل ملك الموت الى موسى فلما جاءه صك ملك الموت وجهه،
____________________
(١) انظر ج ١ ، ص ٦ و ٧ وقد نص هذا الحديث بصراحة ان النبيصلىاللهعليهوآله مع تلك الآيات من القرآن الكريم، كان شاكاً في امره، وخائفاً من مصيره، ولم يطمئن على نفسه الا بعد ان بشره ورقة بن نوفل بالنبوة التي انتهت اليه، ومن ناحية السند فان راوي هذا الحديث يحيى بن بكير وهو ليس من الموثوق بهم عند المؤلفين في الرجال، كما نص على ذلك الذهبي في الميزان، وابن حجر في تهذيب التهذيب.
ففقأ عينه فرجع الى ربه، فقال له ارسلتني الى عبد لا يريد الموت فرد الله عليه عينه، وقال ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة، قال موسى: أي رب ثم ماذا، قال ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله ان يدنيه من الارض المقدسة رمية حجر، قال رسول الله: فلو كنت ثم لاريتك قبره الى جاب الطريق عند الكثيب الاحمر(١) .
وروى في باب استعمال البقر للحراثة عن ابي هريرة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: بينما رجل راكب على بقرة التفتت اليه وقالت له: اني لم اخلق لهذا بل خلقت للحراثة، قال النبي: آمنت به انا و ابو بكر وعمر، واخذ الذئب شاة فتبعها الراعي، فقال الذئب: من لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري، فقال النبي: آمنت انا وابو بكر وعمر، قال ابو سلمة راوي الحديث عن ابي هريرة، وما هما يومئذ في القوم، أي حينما حدث الرسول بهذا الحديث لم يكونا معه(٢) .
وفي باب مسخ الغبار روى عن عكرمة ان ابن عباس قال له ولعلي بن عبد الله آئتيا ابا سعيد فاسمعا من حديثه، فأتياه وهو وأخوه في
____________________
(١) ص ٢٣٢، وان المتتبع في مرويات ابي هريرة يجده فناناً في مروياته التي ينسبها الى الرسولصلىاللهعليهوآله ، وكثير منها لا يجد الباحث مفراً من التشكيك به، وان دلت هذه الرواية على شيء، فانها تدل على ان موسى قد بلغ به الحمق الى حد افقده وعيه فبطش بملك الموت ولطمه لطمة افقدته عينه، واضطر ان يراجع ربه شاكياً من هذا النبي الذي يرفض تنفيذ أوامره ويبطش برسله.
(٢) ص ٤٥ من ج ٢، واكثر روايات ابي هريرة في صحيح البخاري من النوع الذي ليس له شبه في السنة ولا في الكتاب، ولا يؤيده العقل، ولعل هذا النوع من المرويات من الوعاء الذي لم يحدث به في عصر الصحابة ولو حدثهم بهذه الاحاديث في ذلك العصر لقطعوا بلعومه على حد تعبيره.
حائط لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس، فقال كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين، فمر به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومسح عن رأسه الغبار، وقال ويح عمار: تقتله الفئة الباغية عمار يدعوهم الى الله ويدعونه الى النار(١) .
وروى في باب طلب الولد للجهاد عن ابي هريرة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن يأتي بفارس، فلم تحمل منهن الا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال ان شاء الله: لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون(٢) .
ان سليمان بن داود كان من انبياء الله الصالحين، وقد وهبه الله ملكاً ليس لأحد مثله، فسخر له الجن والانس، وعلمه منطق الطير وجميع الحيوانات، وليس على الله بمحال ان يعطيه قوة عشرات الرجال ويمدد له في ليلته، ليستطيع ان يقوم بعملية الجنس مع مائة امرأة في ليلة واحدة، ليس ذلك بمحال عقلاً ولكن مقام النبوة اسمى وأعلى من أن ينحدر بصاحبه الى هذا المستوى الذي لا يليق حتى بالحيوانات وهل بلغ بهذا النبي الكريم الغرور الى حد انه اصبح يرى نفسه مستطيعاً لان يحقق هذه الاعجوبة بغير مشيئة الله سبحانه، فينشئ جيشاً مؤلفاً من مائة فارس في ليلة واحدة، مع العلم بأن هذا الزمان لايتسع للاتصال بمائة امرأة، ومهما كان الحال فالله يغفر لمحمد بن اسماعيل البخاري، لو انه ترك هذا الحديث مع الستماية الف التي اختار منها صحيحه، لكان من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.
____________________
(١) ومن المعلوم ان الذين كانوا يدعونه الى النار هم الذين حاربوه في البصرة وقتلوه في صفين لانه دعاهم الى الجنة والرجوع عن ضلالهم وعلى رأسهم معاوية وابن العاص وزمرتهما، الذين روى عنهم البخاري في صحيحه عشرات الروايات.
(٢) ص ١٣٩ و ١٤١ ، ج ٢
وروى في باب قتال اليهود عن عبد الله بن عمر ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: تقاتلون اليهود حتى يختبئ احدهم وراء الحجر، فيقول الحجر يا عبد الله: هذا يهودي ورائي فاقتله.
وروى عن أبي هريرة ان النبي قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، وحتى يقول الحجر وراءه اليهودي، يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله.
ولا بد ان يجيء هذا اليوم الذي وعد به الرسولصلىاللهعليهوآله الذي لا ينطق عن الهوى، وقد ظهرت تباشيره بعدوانهم الاخير الذي هيأه لهم المستعمر الغادر، ومكنهم من تشريد شعب بأسره.
وروى في باب لواء النبيصلىاللهعليهوآله عن سلمة بن الاكوع ان علياً (ع) كان قد تخلف عن النبيصلىاللهعليهوآله في غزوة خيبر لرمد اصاب عينه فقال: انا اتخلف عن رسول الله، ثم خرج ولحق به، فلما كان مساء الليلة التي فتحت في صباحها خيبر قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ورواها في المجلد الثالث بزيادة ويحبه الله ورسوله، فبات الناس يدكون ليلتهم ايهم يعطاها، فلما اصبح الناس غدوا على رسول الله، وكلهم يرجوها، فأعطاها رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعلي (ع) ورواها عن طريق سهل بن سعد، مع الزيادة التالية:
ان علياً كان أرمد العين، فبصق النبيصلىاللهعليهوآله في عينه فبرأ من ساعته، ثم اخذ الراية وتم الفتح على يده(١) .
وروى عن أبي سعيد الخدري ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: كان في بني اسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين انساناً، ثم خرج فأتى راهباً، فسأله هل
____________________
(١) انظر ص ١٥٧ و ١٦١ و ١٦٦ ج ٢
من توبة؟ قال لا: فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل ائت قرية كذا، وكذا، فادركه الموت فمال بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله الى هذه ان تقربي، وأوحى الى هذه ان تباعدي، وقال قيسوا ما بينهما فوجد الى هذه اقرب بشبر فغفر له(١) .
وروى عن ابي هريرة ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ان موسى كان رجلاً حيياً يتستر كي لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني اسرائيل، فقالوا ما استتر هذا الا من عيب بجلده، اما برص، واما ادره، واما آفة، وان الله اراد ان يبرئه مما قالوا فيه، فخلا يوماً وحده ووضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ اقبل الى ثيابه ليأخذها، وان الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر وجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، ثم انتهى الى ملأ من بني اسرائيل فرأوه عرياناً احسن مما خلق الله وابرأه مما يقولون، وقام الى الحجر فاخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، والله ان بالحجر لندباً من اثر ضربه ثلاثاً او أربعاً او خمساً، كما جاء في الرواية، واضاف الى ذلك ان الآية:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَکُونُوا کَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَ کَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ) نزلت بهذه المناسبة(٢) .
وروى في باب صفة ابليس عن ابي هريرة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: اذا مر بين يدي احدكم شئ وهو يصلي فليمنعه، فان ابى فليقاتله، فانما هو شيطان.
وروى ايضاً عن ابي هريرة ان الرسول قال: اذا نودي بالصلاة ادبر
____________________
(١) ص ٢٦١ ولا شك في ان هذه الرواية وامثالها من صنع المرتزقة الذين كانوا يتقربون للحكام السفاكين بمثل هذه المرويات التي تصور لهم ان التوبة تدفع عنهم مسؤولية جرائمهم مهما كان نوعها.
(٢) ص ٢٤٧.
الشيطان وله ضراط، وفي رواية ثانية عنه ان النبي قال: اذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فانه رأى شيطاناً وان الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب او صورة(١) .
وروى عن ابي موسى ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء الا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وان فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذا الحديث من المكررات في صحيح البخاري.
وروى عن علي (ع) انه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد(٢) .
وروى في باب من انتسب الى آبائه في الجاهلية والاسلام عن ابي هريرة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: يا بني عبد مناف اشتروا انفسكم من الله يا بني عبد المطلب اشتروا انفسكم من الله، يا ام الزبير بن العوام عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد اشتريا انفسكما اشتريا انفسكما من اللّه، فاني لا املك لكم من الله شيئاً، سلاني من مالي شيئاً.
هذه الرواية تتفق مع روح الاسلام، ومع القرآن الكريم، فالقرابة والصحبة لا يغنيان من الله شيئاً اذا لم يعمل الانسان بما امر الله ولم ينته عما نهى عنه الله، وقد اكدت هذا المعنى طائفة من المرويات عن الائمة (ع) دونها الكليني في مختلف المناسبات.
____________________
(١) ص ٢٢٢ و ٢٢٥ و ٢٢٧ و ٢٢٨ ، ج ٢
(٢) ص ٢٤٨ و ٢٥٣ ، لقد روى البخاري الحديث المتعلق بتفضيل النساء في مختلف المناسبات. وكأن النبيصلىاللهعليهوآله ارضاء لعائشة ذكرها في معرض حديثه عن آسيه ومريم، ولم يفضلها على احد من النساء الا بمقدار ما للثريد من فضل على بقية المآكل، ولو كانت افضل من غيرها لما عدل عن اسلوبه الاول.
وفي باب فضائل ابي بكر، روى عن عمرو بن العاص ان النبيصلىاللهعليهوآله بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسأله أي الناس احب اليك، فقال من النساء عائشة، ومن الرجال ابوها، قال ابن العاص: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب وعد رجالاً.
وروى عن ابن عباس، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت ابا بكر، ولكنه اخي وصاحبي.
وروى عن محمد بن جبير بن مطعم عن ابيه، ان امرأة اتت النبيصلىاللهعليهوآله فامرها ان ترجع اليه قالت ارأيت ان جئت ولم اجدك، كأنها تعني الموت كما جاء في الرواية، قال: فأتي ابا بكر.
وروى عن أبي هريرة ايضاً ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ان للجنة ابواباً فمن كان من اهل الصلاة دخل من باب الصلاة، ومن كان من اهل الصيام دخل من بابه، ومن كان من المتصدقين دخل من باب الصدقات، ومن كان من المجاهدين دخل من باب الجهاد، اما ابو بكر فانه يدعى لدخول الجنة من جميع ابوابها، وان آية التيمم كان الفضل الاول في نزولها لابي بكر، وبهذه المناسبة، قال له اسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل ابي بكر، الى غير ذلك من المرويات التي اوردها البخاري في فضله(١) .
وفي باب فضائل عمر روى عن محمد بن المكندر عن جابر بن عبد الله قال: قال النبيصلىاللهعليهوآله رأيتني ادخل الجنة فاذا انا بارميصاء امرأة ابي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا فقال هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت لمن هذا فقال لعمر، فاردت ان ادخله لانظر اليه
____________________
(١) انظر ص ٢٨٧ و ٢٨٨ و ٢٩٨ و ٢٩٠.
فذكرت غيرتك، فقال عمر: بأبي انت وامي يا رسول الله اعليك اغار.
وروى عن انس بن مالك، ان النبي صعد على جبل احد ومعه ابو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه النبي برجله، وقال له: اثبت احد، فما عليك الا نبي وصديق وشهيدان.
وروى عن أبي هريرة ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: لقد كان فيمن كان قبلكم قوم يكلمون وليسوا بانبياء فان يكن من امتي منهم احد فعمر بن الخطاب(١) .
وروى في باب فضائل عثمان عن ابي موسى الاشعري، ان النبيصلىاللهعليهوآله دخل حائطاً وامره ان يكون على باب الحائط فدخل ابو بكر وعمر وعثمان فاذن لهم وبشرهم بالجنة، وقال عبد الله بن عمر: كنا في زمن رسول الله، لا نعدل بابي بكر احداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم تترك اصحاب رسول الله لا نفاضل بينهم.
وروى ان رجلاً من اهل مصر حج البيت فرأى قوماً جلوساً، فقال من هؤلاء؟ قالوا هؤلاء من قريش، قال فمن الشيخ فيهم؟ قالوا عبد الله ابن عمر قال يا بن عمر: اني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم ان عثمان فر يوم احد؟ قال: نعم قال هل تعلم انه تغيب عن بدر؟ ولم يشهدها قال نعم قال: هل تعلم انه تغيب عن بيعة الرضوان؟ قال: نعم قال: الله اكبر قال ابن عمر: تعال ابين لك، اما فراره يوم احد، فاشهد ان الله عفا عنه وغفر له، واما تغيبه عن بدر، فانه كان تحته بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكانت مريضة، فقال له رسول الله: ان لك اجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه، واما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان احد اعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان
____________________
(١) نفس المصدر، ج ٢، ص ٢٩٢ و ٢٩٤ و ٢٩٥.
الى مكة، فقال رسول الله بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده وقال، هذه لعثمان(١) .
وجاء في باب النكاح من صحيح البخاري، ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: البنت الباكر لا تنكح حتى تستأذن، والثيب حتى تستأمر واضاف الى ذلك البخاري، ان البكر إذا لم تستأذن ولم تتزوج من احد وادعى رجل بانه تزوجها زوراً، واقام شاهدي زور عند القاضي فحكم له تصبح زوجة شرعية له ويصح وطؤها، ومضى يقول: اذا احتال انسان بشاهدي زور على تزويج امرأة فاثبت القاضي نكاحها والزوج يعلم بانه لم يتزوجها ولم يتعرف عليها، فانه يسعه هذا النكاح ويحل له وطؤها والمقام معها ولو علم ببطلان ذلك(٢) .
وروى في باب الفتن ان النبيصلىاللهعليهوآله قام الى جنب المنبر وقال: الفتنة ههنا الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، ورواها عن نافع عن ابن عمر، ان النبيصلىاللهعليهوآله وقف هو مستقبل المشرق، وقال ان الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان.
وروى عن جويرية عن نافع عن عبد الله انه قال: قام النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) انظر ص ٢٩٦ و ٢٩٧، ج ٢، لقد اقتصد البخاري في سرد فضائل عثمان ولم يتحمس له كما تحمس لغيره، مع العلم بأنه قد ظهر له من الفضائل في عهد معاوية والامويين ما لا يحصى عدداً عن طريق ابي هريرة وابن العاص والمغيرة بن شعبة وامثالهم من الابدال، فكيف تجاهلها شيخنا الجليل محمد بن اسماعيل رحمه الله مع انهم من الموثوقين عنده، وقد روى عنهم في صحيحه في مختلف المواضيع.
(٢) انظر ص ٢٠٥ ، ج٤ ، والحكم بصحة النكاح في مثل ذلك مبنى على ان الواقع تابع لحكم المجتهد وليس وراء حكمه شيء آخر وهو من اسوأ انواع التصويب الذي يقول به اهل السنة ومن ابعد الاحكام عن منطق الكتاب وسنة الرسول.
خطيباً فاشار نحو مسكن عائشة وقال: هنا الفتنة وكررها ثلاثاً من حيث يطلع قرن الشيطان كما جاء في ص ١٨٩ من المجلد الثاني.
وروى ايضاً عن ابن عمر ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا وفي نجدنا، فقال في شامنا ويمننا، قالوا وفي نجدنا يا رسول الله، قال هناك الفتن وبها يطلع قرن الشيطان(١) .
وفي باب مناقب قرابة الرسولصلىاللهعليهوآله روى عن النبيصلىاللهعليهوآله انه قال: ابنتي فاطمة سيدة نساء اهل الجنة، وانه قال: فاطمة بضعة مني فمن اغضبها اغضبني(٢) .
وروى عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة ان فاطمة (ع) ارسلت الى ابي بكر تسأله ميراثها من ابيها مما افاء الله عليه في المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال لها: ان رسول الله قال: لا نورث ما تركنا صدقة، انما يأكل آل محمد من هذا المال واني والله لا اغير شيئاً من صدقة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فابى ابو بكر ان يدفع اليها شيئاً فوجدت فاطمة على ابي بكر وهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي
____________________
(١) ص ٢٢٧ نفس المصدر، ولعل النبيصلىاللهعليهوآله يشير بقوله الفتنة ههنا وهو بجانب المنبر الى اقرب البيوت اليه لان ههنا يشار بها للقريب كما تؤكد ذلك الرواية الثانية، ويدل على ذلك ايضاًانه ذكر ولم يستعمل هنا او ههنا بل استعمل كلمة هناك التي لا يشار بها الا للبعيد، وقد صدقصلىاللهعليهوآله فيما وصف به نجداً فان تاريخها مليء بالفتن والمجازر ومشحون بالبدع والمنكرات في الماضي والحاضر، وجاء في فتح الباري ج ١٦ ان الفتن والبدع نشأت من تلك الجهة، ولا تزال مصدراً للفتن والبدع وركيزه من ركائز الاستعمار لضرب البلاد العربية التي تنشد الحياة الحرة الكريمة والتخلص من المستعمرين واذنابهم الصهاينة اعداء البشر والانسانية.
(٢) انظر ص ٢٠١ ج ٢ وما بعدها.
ستة اشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي (ع) ليلاً ولم يؤذن بها ابو بكر(١) .
وروى في باب غزوة تبوك عن مصعب بن سعد عن أبيه، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج إلى غزوة تبوك واستخلف علياً على المدينة فقال علي (ع) تخلفني في الصبيان والنساء قال: الا ترضى ان تكون مني بمنزلة هرون من موسى الا انه ليس نبي بعدي.
وروى عن ابي بكرة انه قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ايام الجمل بعد ما كدت ان الحق باصحاب الجمل واقاتل معهم، قال لما بلغ رسول الله ان اهل فارس قد ملكوا عليهم ابنة كسرى، قال: لا افلح قوم ولوا امرهم امرأة.
وروى عن عبيد بن حنين انه قال: سمعت ابن عباس يقول: اردت ان اسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فما اتممت كلامي حتى قال: هما عائشة وحفصة.
وروى تحت عنوان المدثر ان يحيى سأل ابا سلمة أي القرآن نزل اولاً، فقال يا ايها المدثر، فقلت انبئت انه اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقال ابو سلمة: سألت جابر بن عبد الله، أي القرآن انزل اولاً، فقال: يا ايها المدثر، فقلت انبئت انه اقرأ باسم ربك، فقال لا اخبرك الا بما قال رسول الله قالصلىاللهعليهوآله : جاورت في حراء، فلما قضيت جواري هبطت
____________________
(١) ص ٥٥ ج ٣ ، واذا نسبنا هذه الرواية الى الرواية التي قبلها ينتج منهما ان ابا بكر قد اغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآله لان فاطمة ماتت وهي غضبى عليه كما تنص هذه الرواية ولم يحضر جنازتها بوصية منها ومن اغضب رسول الله فقد اغضب اللّه سبحانه كما تؤكد ذلك النصوص الكثيرة ومن اغضب الله كان معرضاً لنقمته وعذابه.
فاستبطتت الوادي، فنوديت فنظرت امامي وخلفي وعن يميني وشمالي فاذا هو جالس على عرش بين السماء والارض، فاتيت خديجة وقلت دثروني: وصبوا على ماء بارداً، فانزل علي يا ايها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر(١) .
وروى في باب التمتع عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الاكوع انهما قالا: كنا في جيش، فاتانا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: انه قد اذن لكم ان تستمتعوا في النساء، فاستمتعوا، واضاف الى ذلك، ان سلمة بن الاكوع حدث عن ابيه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ايما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليالي، فان احبا ان يتزايدا، ويتتاركا، فما ادري اشيء كان لنا خاصة، ام للناس عامة.
وروى عن عمران بن حصين انه قال: انزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات، فقال رجل برأيه ما شاء الله(٢) .
وروى بعض المرويات عن ابن عباس وغيره ان النبي شرعها في ظروف خاصة ونهى عنها بعد ذلك.
____________________
(١) ص ٢٠٧ و ٢٠٩ ، ج ٣ ، وهذا الحديث يناقض الحديث السابق الذي ينص على ان اول سورة نزل بها الوحي، اقرأ باسم ربك الذي خلق، كما ذكرنا سابقاً من رواية البخاري عن بداية نزول الوحي وكل من الروايتين تناقض الاخرى.
(٢) والرجل الذي قال فيها برأيه ما شاء هو عمر بن الخطاب حيث نهى عنها وتوعد بالعقاب على فعلها، وقد اخذ الشيعة برأي رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي شرعها لأنه لا ينطق عن الهوى، وتركوا رأي الخليفة رحمه الله الذي قال فيها برأيه واجتهاده ما شاء ان يقول.
وفي باب نزول عيسى بن مريم (ع) روى عن النبيصلىاللهعليهوآله خبر نزوله الى الارض ليساهم في نشر العدل واحقاق الحق ومحاربة المبطلين.
وجاء في رواية ابي هريرة حول هذا الموضوع، ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: كيف انتم اذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم(١) .
وهذه الرواية ليست بعيدة عما يرويه الشيعة من ان السيد المسيح ينزل من السماء عند خروج الامام الثاني عشر فيصلي خلفه، ويشترك معه في مقاومة المبطلين لاحقاق الحق، ذلك لان الشيعة وحدهم يدعون وجود الامام محمد بن الحسن العسكري(ع) وظهوره في آخر الزمان، وان المسيح ينزل من السماء لنصرته على الدجال وغيره من فرق الضلال.
____________________
(١) انظر ص ٢٢٦ ، ج ٢.
الدجال
لقد تكرر الحديث عن الدجال الاعور في اكثر مجلدات البخاري، ورواه عن جماعة من الصحابة في مختلف ابواب الصحيح، وجاء في بعض المرويات. انه ما بعث الله نبياً الا واخبره عن الدجال، وانه اعور العين اليمنى، وتضيف اكثر المرويات الى ذلك، ان ربكم ليس باعور، ورواه غير البخاري من السنة والشيعة، ولكن المرويات الشيعية لم تتعرض للفقرة الاخيرة منها، وجاء في بعضها انه يتظاهر بالدين ويلبس ثياب القديسين لتضليل الناس واغرائهم، فيتبعه اكثر الناس، وهو من الاحاديث المشهورة عند السنة والشيعة.
ومحل السؤال على تقدير صحتها، هو ان هذه المرويات على كثرتها هل تعني دجالاً معيناً يظهر على الناس في زمن لا يعلمه الا الله، او انها تعني كل منافق يتستر بالدين، ويظهر بمظهر المتدينين لينفذ من ذلك الى اغراضه واهدافه، كما نشاهد هذا النوع من الدجالين المتسترين بثياب القديسين في زماننا وفي كل زمان، وقد شاهدنا وقرأنا عمن استطاع ان يستغل المناسبات الدينية وغيرها ليلفت الانظار اليه ويحشد حوله الجماهير باسم الدين، وهو من الد خصوم الدين وانكد اعدائه، واضر عليه من الابالسة والشياطين.
وبلا شك ان هؤلاء اضر على الدين من المتجاهرين في مقاومته وعدائه، لان اساليبهم قد تخفى على الكثير من المغفلين وعوام الناس
فيستطيعون باساليبهم الخاصة ان ينفذوا الى اغراضهم وخدمة اسيادهم كما يريدون كما ابتليت الطائفة الشيعية في يومنا هذا باناس من هذا النوع لا عهد لنا بامثالهم، وعلى ذلك يكون قول النبيصلىاللهعليهوآله انه اعور العين اليمنى كناية عن تعاميه من الحق وانحرافه عنه، وقد عبر القرآن عن اهل الحق باصحاب اليمين، وعن اهل الباطل باصحاب الشمال كما جاء في الآية ٤٠ من سورة الواقعة والآية ٩٠، هذا المعنى ليس ببعيد كل البعد عن ظاهر احاديث الدجال، وان كان المعنى الاول الصق بظواهرها واقرب الى سياقها.
من الكافي
لقد اوردنا هذه النماذج من مرويات الصحيح للبخاري من غير ان نتعرض لاسانيدها واحوال رواتها، بالرغم من توفر الطعون في كثير منها حسب الاصول المقررة عند السنة لمعرفة احوال الرواة، مع العلم بان تلك الاصول لا يطبق منها شيء على رجال البخاري ومروياته في الغالب، لان كل من روى عنه فقد جاز القنطرة على حد تعبير المقدسي.
واكتفينا ببعض التعليقات والملاحظات على بعض تلك المرويات نظراً لبعدها عن منطق الاسلام القويم، الذي يتحدى الاوهام والخرافات، ويحكم العقل والكتاب والسنة المطهرة في كل ما ينسب اليه من اقوال وآراء وتشريعات.
ونتمنى ان لا تضيق صدور اخواننا السنة من تلك الملاحظات، فانا لم نقصد بها الا احقاق الحق وتنزيه السنة الكريمة من تلك المرويات التي تسيء اليها وتطمس من أنوارها ومعالمها.
على انا سنقف من مرويات الكافي نفس الموقف الذي وقفناه من مرويات البخاري عندما نجد ما يوجب الوقوف وابداء الملاحظات اللازمة.
وسنتعرض لبعض النماذج من مرويات الكافي حول الاصول والاخلاق والمعرفة ونحو ذلك بالاضافة الى ما ذكرناه سابقاً من كتاب التوحيد والعلم والقدر.
فقد روى في كتاب العقل والجهل من المجلد الاول عن النوفلي ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: قال رسول الله: اذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله، فانما يجازى الانسان بعقله.
وروى عن هشام بن الحكم، ان ابا الحسن موسى (ع) قال له: يا هشام ان الله اكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة، فقال: «وإلهكم إله واحد لا إله الا هو الرحمن الرحيم، ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما انزل الله من السماء من ماء فاحيا به الارض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون» واضاف الى ذلك ان العقل مع العلم، قال تعالى: (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون).
ومن هذه الآيات والمرويات يتبين ان الاسلام قد اعتمد على العقل والعلم في اصوله وفروعه واعتبر الايمان الحاصل بالوراثة والتقليد ناقصاً اذا لم يتأكد بالدليل والبرهان.
وقد ندد بالذين لا يعقلون بقوله: «واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله، قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا، اولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون».
وقال : «ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون».
وجاء في الحديث عن هشام، ان الامام (ع) قال له: يا هشام ان لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة وحجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل
والانبياء والائمة (ع)، واما الباطنة فالعقول، يا هشام كان امير المؤمنين (ع) يقول: ما عبد الله بشيء افضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى تكون فيه خصال شتى، الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير مأمولان، فضل قوله مكفوف ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل احب اليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع احب اليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيراً منه، وانه شرهم في نفسه، في حديث طويل عرض فيه الامام (ع) الحالات التي تكشف عن عظمة العقل وخصائصه، وما ينتج عنه من الفوائد التي تسمو بالانسان وترفع من شأنه، وتساهم في بناء المجتمع السليم الذي تسوده العدالة ويوفر السعادة والرفاهية لجميع بني الانسان(١) .
وروى في باب الاضطرار الى الحجة عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله الصادق (ع) ان رجلاً سأله، من اين اثبت الانبياء والرسل؟ قال (ع): انا لما اثبتنا ان لنا صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز ان يشاهده خلقه، ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه، ثبت ان له سفراء في خلقه يعبرون عنه الى خلقه وعباده ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والمعبرون عنه جل وعز، وهم الانبياء صفوته من خلقه غير مشاركين للناس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما اتت به الرسل والانبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو ارض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته(٢) .
____________________
(١) انظر ص ١٢ الى ص ٢٢، ج ١ ، من الكافي.
(٢) نفس المصدر، ص ١٦٨.
وفي باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث روى عن الحسن بن العباس انه كتب الى الامام الرضا (ع) يسأله عن الفرق بين الرسول والنبي والامام (ع) فكتب في جوابه، ان الرسول هو الذي ينزل عليه جبرائيل فيراه ويسمع كلامه، وينزل عليه الوحي، وربما رأى في منامه نحو رؤيا ابراهيم (ع)، والنبي ربما سمع الكلام، وربما رأى الشخص ولم يسمع كلامه، والامام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص(١) .
وروى عن ثعلبة بن ميمون ان زراة قال سألت ابا جعفر (ع) عن قول الله سبحانه، وكان رسولاً نبياً؟ قال (ع): ان النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول هو الذي يسمع ويرى في المنام ويعاين الملك، قلت والامام ما منئلته: قال يسمع الصوت ولا يعاين الملك، ثم تلا هذه الآية، وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.
والآية الموجودة في القرآن الكريم، لم ترد فيها كلمة محدث والالتزام بصحة الرواية يلزمه القول بنقص القرآن، والامامية سوى من
____________________
(١) ص ١٧٦، ومقتضى هذه الرواية ان الامام يشارك الرسول والنبي في سماع الكلام ولكنه لا يرى جبرائيل كما يراه النبي والرسول، وقد وصف المجلسي في مرآة العقول هذه الرواية بالجهالة، وعلى تقدير صحة الرواية فسماع الائمة للكلام ليس بالجهالة، وعلى تقدير صحة الرواية فسماع الائمة للكلام ليس عن طريق الوحي. ونص الشيخ المفيد في اوائل المقالات: على ان العقل لا يحيل ذلك، ولكن الاجماع قد تم على ان من زعم ان احداً بعد نبيناصلىاللهعليهوآله يوحى اليه فقد اخطأ وكفر لحصول العلم بذلك من دين النبي، فيكون المراد من السماع الذي يصح بالنسبة اليهم، ان الله سبحانه قد يلقي في اذهانهم اموراً تتعلق بما سيكون فيخبرون عنها، او تبقى مخزونة عندهم وجاء في البخاري عن ابي سلمة وابي هريرة، ان النبي قال: لقد كان فيمن كان قبلكم قوم يكلمون وليسوا انبياء، فان يكن من امتي منهم احد فذاك عمر بن الخطاب.
شذ منهم لا يلتزمون بذلك، ومن الجائز ان يكون الحاق الامام لكلمة ولا محدث بالآية من حيث مرادفتها لهما ولاحدهما، لا من حيث انها من القرآن.
هذا بالاضافة الى ان الراوي لها احمد بن محمد، والظاهر انه ابن خالد البرقي، وهو وان كان ثقة في نفسه كما يرى ذلك بعض المؤلفين في الرجال، الا انه يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، وقد اخرجه من قم محمد بن احمد بن عيسى، ونسب اليه الغلو في الائمة (ع) واكثر المؤلفين في الرجال متفقون على تضعيف مروياته(١) .
والذي يدعو الى الشك في هذه الرواية اكثر من أي شيء آخر هو اضافة هذه الزيادة الى الآية، اما اعطاء الامام صفة المحدث الذي يسمع ولا يرى، فقد ورد نظيره في صحيح البخاري عن الامم السابقة وان عمر بن الخطاب من هذه الامة اهل لأن يكون محدثاً كما تؤكد ذلك رواية ابي سلمة وابي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله (٢) .
واذا جاز ذلك على عمر بن الخطاب وغيره ممن كانوا يجالسون النبيصلىاللهعليهوآله ونالوا بذلك شرف الصحبة، فيجوز ذلك على الائمة (ع) ابناء الرسول الذين ورثوا علمه وصفاته، بل وحتى على صلحاء المؤمنين الذين عملوا بأمره، واتبعوا سيرته وسنته بقلوب عامرة بالايمان مطمئنة بما اعده الله للعاملين المتقين وللعصاة والمتجبرين.
وروى في باب معرفة الامام (ع) عن محمد بن الفضيل عن ابي حمزة، ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: انما يعبد الله من يعرف الله، فاما من لا يعرفه، فانما يعبده هكذا ضلالاً(٣) .
____________________
(١) انظر اتقان المقال للشيخ محمد طه ص ١٦.
(٢) انظر ٢٩٥، ج ٢، من الصحيح للبخاري.
(٣) أي كعبادة جماهير الناس الذين يساقون في أكثر اعمالهم وعباداتهم تقليداً للآباء والامهات.
قلت جعلت فداك فما معرفة الله، قال: تصديق الله ورسوله وموالاة علي (ع) والائتمام به وبائمة الهدى (ع) والبراءة الى الله من عدوهم، هكذا يعرف الله عز وجل.
ان موالاة علي وابنائه الهداة التي تعنيها هذه الرواية لا يراد منها الا الرجوع اليهم والسير على طريقهم، والتمسك بسيرتهم التي تعكس وجه الاسلام الصحيح وتجسد روح القرآن ومبادئ النبي الكريم ذلك لان علياً لم ينحرف لحظة واحدة منذ صباه عن نهج محمد وسيرته، ولم يغال به النبيصلىاللهعليهوآله كما يزعم حاسدوه حينما قال له في خيبر، لاعطين الراية غداً رجلاً يجب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وحينما قال له: لا يبغضك الا منافق، ولا يحبك الا مؤمن، وانت مع الحق تدور معه كيفما دار، وحينما قال فيه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره الى غير ذلك من المدائح التي كانت تحز الماً في قلوب حاسديه حنقاً وغيضاً، ولما جاء دور ابنائه اعادوه حياً وجسدوه في اعمالهم وسيرتهم، وجميع المراحل التي مروابها، لم ينحرفوا لحظة واحدة عن مخططه ومبادئه، فموالاتهم ومتابعتهم متابعة للاسلام وللرسول وللقرآن، وأعداؤهم اعداء لله ولرسوله ولكتابه.
وروى عن ابي حمزة ان ابا جعفر الباقر (ع) قال لجماعة من المسلمين يخرج احدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً، وانتم بطرق السماء اجهل منكم بطرق الارض فاطلبوا لانفسكم دليلاً(١) .
وروى عن محمد بن زيد الطبراني انه قال: كنت قائماً على رأس
____________________
(١) ص ١٨٢، والمقصود من ذلك ان الخلق لا بد لهم من دليل على الله ورسوله، والائمة هم الادلاء على الله كما نصت على ذلك طائفة من المرويات في هذا الباب.
الامام الرضا (ع) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم اسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال اسحاق: بلغني انك تقول: ان الناس عبيد لنا، فقال (ع) لا وقرابتي من رسول الله ما قلت هذا قط، ولا سمعته من آبائي، ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله. ولكني اقول: ان الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب(١) .
وروى في باب الائمة نور الله في الارض عن صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب عن ابي خالد الكابلي، انه قال: سألت ابا جعفر الباقر (ع) عن قول الله: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزلنا) فقال يا ابا خالد النور والله نور الائمة (ع) من آل محمد الى يوم القيامة وهم والله نور الله في السموات والارض، والله يا ابا خالد لنور الامام في قلوب المؤمنين انور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم والله ينورون قلوب المؤمنين ويحجب الله نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم، والله يا ابا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا، فاذا كان سلماً لنا سلمه الله من شديد الحساب، وآمنه
____________________
(١) ص ١٨٧ نفس المصدر، والذي اراده الامام (ع) ان على الناس ان يرجعوا اليهم في امور الدين، ويعملوا بما يأمرون به وينهون عنه، لانهم اعرف بالله واحكامه وبالقرآن ومحتوياته من سائر الناس، فعليهم ان يقولوا وعلى الناس ان يسمعوا ويطيعوا، لانهم ينطقون بلسان جدهم، ويحدثون بأحاديثه، وبذلك يمكن تفسير ما جاء في الكافي حول هذا الموضوع، مثل قولهم من عرفنا كان مؤمناً، ومن انكرنا كان كافراً او ضالاً أي ان من اتبع اوامرهم وانتهى عما نهوا عنه، كان مؤمناً لان اوامرهم لا تعدو اوامر الله ورسوله ومن انكرهم وتجاهلهم، فقد انكر كتاب الله، لانهما لن يفترقا حتى يردا على رسول الله.
من فزع يوم القيامة(١) .
وقد روى الكليني حول هذا الموضوع بعض الروايات التي لا يمكن الاطمئنان اليها والتغاضي عنها سنداً ومتناً، فمن ذلك ما رواه عن صالح بن سهل الهمداني ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال في تفسير قوله تعالى: (الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري) قال: ان المشكوة هي فاطمة (ع)، والمصباح هو الحسن بن علي (ع) (والمصباح في زجاجة) الحسين بن علي (الزجاجة كأنها كوكب دري)، فاطمة كوكب دري بين نساء اهل الدنيا، والشجرة المباركة هي ابراهيم، (زيتونة لا شرقية ولا غربية) أي لا يهودية ولا نصرانية، (يكاد زيتها يضيء) أي يكاد العلم يتفجر منها، «ولو لم تمسسه نار نور على نور» أي امام بعد امام، «يهدي الله لنوره من يشاء» أي الى الائمة (ع) «وكظلمات في بحر لجي» الخليفة الاول والثاني، «يغشاه موج» الخليفة الثالث، «ظلمات بعضها فوق بعض» معاوية بن ابي سفيان وبني امية، «ومن لم يجعل الله له نوراً» أي اماماً من ولد فاطمة (ع) «فما له من نور» أي ما له امام يوم القيامة.
____________________
(١) ص ١٩٤، لقد عد المجلسي في شرح اصول الكافي هذه الرواية من الروايات الضعيفة، لان في سندها ابا خالد الكابلي، ولو تغاضينا عن هذه الناحية، فالمراد من النور الوارد فيها هو المعرفة التي ترشد الى الخير والحق وتدلهم على الله سبحانه، وقد وصف الائمة بأنهم نور السموات في الارض من حيث ان متابعتهم والاقتداء بهم من افضل الطرق الموصلة لمعرفة الله وامتثال اوامره واقربها وهم ينورون قلوب المؤمنين بارشاداتهم ونصائحهم وتعاليمهم، فمن اتبعهم فقد اهتدى الى الطريق الموصل الى الله، ومن حاد عنهم فقد اظلم قلبه وضل سواء السبيل.
قد يضطر الباحث الى التأويل او التفسير احياناً لتوضيح المراد من الرواية على شرط ان لا يكون التأويل بعيداً وان لا يخرج عن حدود المنطق والعقل، كما هو الحال في الروايات السابقة وامثالها، اما هذه الرواية ونظائرها فلا تقبل التأويل ولا يجوز للباحث المجرد ان يتجاهل عيوبها، ذلك لان التفسير الذي نسبه الراوي الى الامام الصادق (ع) بعيد كل البعد عن ظاهر الآية الكريمة، ولا يؤيده الاسلوب القرآني، هذا بالاضافة الى ان الامام الصادق ارفع شأناً واجل قدراً وابعد تفكيراً من ان يهاجم الخلفاء الثلاثة بهذا الاسلوب البعيد عن منطقة ومنطق آبائه الكرام، وينتحل لنفسه ولجدته فاطمة وللائمة (ع) العظمة عن طريق هذه التأويلات التي لا يؤيدها النقل، ولا يقرها العقل.
على ان هذه الرواية قد رواها سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون.
ورواها ابن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن الاصم، ورواها عبد الله هذا عن عبد الله بن القاسم، ورواها عبد الله بن القاسم عن صالح بن سهل الهمداني، وهؤلاء كلهم من المتهمين بالكذب ودس الاحاديث بين روايات اهل البيت (ع) كما نص على ذلك المؤلفون في الرجال.
فقد جاء في اتقان المقال. ان محمد بن الحسن بن شمون بصري من الغلاة، وقال عنه النجاشي انه كان واقفياً، ثم غلا في التشيع، وهو ضعيف جداً وفاسد المذهب على حد تعبير النجاشي.
وقال عنه التفريشي في كتابه نقد الرجال: انه كان من الغلاة ضعيف متهافت لا يلتفت إليه ولا الى مصنفاته، وسائر ما ينسب اليه(١) .
____________________
(١) انظر ص ٣٤٢ من الاتقان للشيخ محمد طه وغيره من كتب الرجال.
وجاء في الاتقان ان عبد الله بن عبد الرحمن الاصم من الغلاة ضعيف لا يلتفت اليه، وقال فيه التفريشي في نقد الرجال: ان كتابه الزيارات يدل على خبث عظيم، ومذهبه متهافت، وكان من كذابة اهل البصرة.
ونص على ان عبد الله بن البطل الحارثي كذاب غال ضعيف متروك الحديث معدول عن ذكره، واكد ذلك العلامة في كتابه الخلاصة.
واضاف الى ذلك في اتقان المقال. ان عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل كذاب من الغلاة، يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يعتد بمروياته.
وجاء في كتب الرجال عن صالح بن سهل الهمداني الذي روى عن ابي عبد الله مباشرة، جاء عنه انه قال: كنت اقول في الصادق بالربوبية، فدخلت عليه فلما نظر الي قال يا صالح: انا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده وان لم نعبده عذبنا.
وقال التفريشي في نقد الرجال، ان صالح بن سهل من المذمومين والغلاة الكذابين وضاع للحديث لا خير فيه ولا في سائر مروياته(١) .
ويجد الباحث في مرويات الكافي التي من هذا النوع مجالاً واسعاً لرفضها وعدم الاعتداد بها، لا من حيث اشتمالها على ما يخالف ظاهر الكتاب فحسب بل من حيث ان رواة هذا النوع من الاحاديث لم يثبتوا في وجه الطعون والانحرافات التي وجهها اليهم الذين احصوا تاريخ الرجال واحوالهم، كما تبين ذلك من الامثلة السابقة وهذا لا يعني ان كل ما يرويه احد من هؤلاء المتهمين والمشبوهين يتعين طرحه، لجواز ان يروي
____________________
(١) انظر الاتقان للشيخ محمد طه ص ٣٠٦ و ٣١٦ ورجال المرزا محمد وغيره من كتب الرجال.
بعض الضعفاء والمذمومين عن اصل معتبر عند الطبقة الاولى من الرواة، او يأخذ الرواية ممن يصح الاعتماد عليه والركون اليه، او تكون الرواية مدعومة بالقرائن والشواهد، ونحو ذلك مما يوجب الوثوق بصدورها وان لم يكن الراوي لها من حيث ذاته موثوقاً ومعتمداً عند المؤلفين في احوال الرواة.
ومن امثلة ذلك ما جاء عن احمد بن هلال، فقد قال عنه العلامة في الخلاصة ان الشيخ ابا علي بن همام قال، انه ملعون على لسان الحجة محمد بن الحسن (ع).
وجاء في الفهرست للشيخ الطوسي، انه كان غالياً متهماً في دينه.
وجاء في الكشي: انه متصنع فاجر، وقيل عنه ايضاً انه كان متشيعاً ورجع عن التشيع الى النصب.
واكثر المؤلفون في الرجال من الطعن عليه، ومع ذلك، فقد اعتمد جماعة على مروياته فيما يرويه عن ابن محبوب من كتاب المشيخة، وعن محمد ابن ابي عمير من نوادره، من حيث ان الكتابين المذكورين من الكتب المعروفة عند اكثر محدثي الشيعة، او لانه روى عنهما في حال استقامته وقبل خروجه عن التشيع الصحيح(١) .
ومن الامثلة ايضاً ما رواه الكليني بعنوان ان الائمة اركان الارض عن احمد بن مهران، عن محمد بن علي، ومحمد بن يحيى، واحمد بن محمد عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: ما جاء به علي (ع) آخذ به، وما نهى عنه انتهي عنه، جرى له الفضل مثلما جرى لمحمدصلىاللهعليهوآله ، ولمحمد الفضل على جميع من خلق الله
____________________
(١) انظر اتقان المقال ص ٢٥٨ و ٢٥٩.
عز وجل، المتعقب عليه في شيء من احكامه كالمتعقب على الله ورسوله والراد عليه في صغيرة او كبيرة على حد الشرك بالله كان امير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتي الا منه، وسبيله الذي من سلك غيره هلك، واضاف الى ذلك: انه كان يقول: انا قسيم الله بين الجنة والنار، وانا الفاروق الاكبر، وانا صاحب العصا والميسم(١) ولقد اقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما اقروا به لمحمدصلىاللهعليهوآله الى غير ذلك من الصفات التي اشتملت عليها هذه الرواية ومع انه يمكن تفسيرها تفسيراً مقبولاً يتفق مع مقام علي (ع) ومكانته، وينسجم مع بعض الروايات الصحيحة التي جعلته فوق مستوى الناس اجمعين ما عدا النبيين والمرسلين، مع ذلك فالرواة لها، من المتهمن بالانحراف عن مخطط التشيع الصحيح. فاحمد بن مهران الراوي الاول لها، قد وصفه العلامة الحلي في خلاصته بالضعف، واكد ذلك غيره من المؤلفين في احوال الرواة.
ومحمد بن علي الراوي الثاني لها، فسواء كان ابن ابراهيم ابا جعفر القرشي، او كان ابن ابراهيم الهمداني، او ابن بلال ابا طاهر، او
____________________
(١) المتعقب هو المعترض عليه او المتردد في شيء منها، لانه لا يحكم الا بحكم الله ورسوله، فمن رد حكمه فقد رفض حكم الله، ومن طعن عليه فقد طعن على رسوله: وهو باب الله من حيث انه الدليل والمرشد الى الله سبحانه، وقد جعله الله قسيماً بين الجنة والنار بمعنى ان حبه ومتابعته في اقواله وافعاله يوجب لاتباعه ومحبيه الجنة والذي لا يتابعه ولا يتولاه ويتنقصه خارج عن حدود ما امر الله، ومن كان كذلك كان مصيره الى النار، وقد قال له الرسول: يا علي لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق، فكونه القسيم للجنة والنار من حيث ان اهل الجنة يعرفون بحبهم له، واهل النار يعرفون ببغضهم له، والعصا التي وردت في الرواية كناية عن قوته وصلابته في الحق، والميسم، هو حبه وبغضه اللذان يعرف بهما اهل الجنة من اهل النار فعلامة اهل الجنة حبه، وعلامة اهل النار بغضه.
محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن ابي العزافري، هؤلاء كلهم من المذمومين المتهمين بالكذب والمعروفين بانحرافهم عن التشيع الصحيح، ومحمد بن سنان احد رواتها المعروف بأبي جعفر الزاهري، لقد اطالوا الحديث عنه ووصفوه بالكذب.
وقال عنه الفضل بن شاذان: انه من الكذابين المشهورين، وبالتالي فان اكثرهم قد اتفقوا على تكذيبه وعدم جواز الاعتماد على مروياته.
اما المفضل بن عمر الراوي للحديث عن الامام الصادق (ع) فقد روى عنه وعن ولده الامام موسى بن جعفر (ع) وهو من المتهمين بالغلو والكذب واعتناق فكرة الخطابية.
وجاء عن حماد بن عثمان. انه قال: سمعت ابا عبد الله الصادق (ع) يقول للمفضل بن عمر: يا كافر يا مشرك ما لك ولابني اسماعيل، وكان من المتصلين به هو وجماعة من الخطابية، ولعلهم كانوا يحاولون اغراءه ببعض المقالات الفاسدة.
وقال عبد الله بن مسكان: ان حجر بن زائدة وعامر بن جداعة دخلا على أبي عبد الله الصادق (ع) فقالا له: جعلنا الله فداك، ان المفضل بن عمر يقول: انكم تقدرون ارزاق العباد، فقال: والله ما يقدر ارزاقنا الا الله، ولقد احتجت الى طعام لعيالي فضاق صدري وابلغت الى الفكرة في ذلك حتى احرزت قوتهم، فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبرئ منه، قالا افنلعنه ونبرأ منه؟ نعم الى غير ذلك مما نسب اليه من المقالات التي لا يقرها الاسلام فضلاً عن التشيع(١) .
على ان هذا النوع من التفسير المعروف عند محدثي الشيعة بتفسير
____________________
(١) انظر ص ٢٥٨ و ٢٥٤ و ٣٤٦ و ٣٤٧ من الاتقان.
الباطن موجود بين احاديث السنة عن الرسولصلىاللهعليهوآله في مجاميع الحديث وغيرها، ومن الامثلة على ذلك ما جاء عن انس انه قال: لما نزلت سورة التين على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فرح فرحاً شديداً حتى بان لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس بعد ذلك عن تفسيرها، فقال: اما قول الله والتين فبلاد الشام، والزيتون بلاد فلسطين، وطور سينين طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى، وهذا البلد الامين، مكة المكرمة، ولقد خلقنا الانسان في احسن تقويم، محمدصلىاللهعليهوآله ، ثم رددناه اسفل سافلين عباد اللات والعزى، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ابو بكر وعمر، فلهم اجر غير ممنون، عثمان بن عفان، فما يكذبك بعد بالدين، علي بن ابي طالب، اليس الله باحكم الحاكمين، بعثك فيهم وجمعكم على التقوى يا محمد(١) .
ويجد المتتبع الكثير من امثال هذه التفاسير في مجاميع الحديث السنية واحوال الرواة.
ومجمل القول ان هذه المرويات وامثالها لو نظرنا اليها من ناحية اسانيدها يتعين طرحها الا اذا تأيدت من حيث مضامينها ببعض الشواهد والمرويات الصحيحة كما ذكرنا.
وروى في باب من اصطفاه الله على عباده، عن حماد بن عيسى عن عبد المؤمن عن سالم انه قال: سألت ابا جعفر (ع) عن قول الله عز وجل:
«ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات باذن الله» فقال السابق بالخيرات هو
____________________
(١) انظر الغدير، ج ٥ ، ص ٣٢٠ ، عن الخطيب في تاريخه، والذهبي في الميزان.
الامام، والمقتصد العارف للامام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الامام.
وفي باب ان الائمة امامان، امام يدعو الى الله، وامام يدعو الى النار، روى عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن غالب عن جابر ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: لما نزلت «يوم ندعو كل اناس بامامهم» قال المسلمون يا رسول الله: الست امام الناس اجمعين فقال: انا رسول الله الى الناس اجمعين، ولكن سيكون من بعدي ائمة على الناس من اهل بيتي يقومون في الناس فيكذبون، ويظلمهم ائمة الكفر والضلال واشباههم، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، الا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وانا منه بريء.
وروى عن محمد بن يحيى بن طلحة عن ابي عبد الله (ع) انه قال: ان الائمة في كتاب الله عز وجل امامان، قال تعالى:
«وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا» لا بأمر الناس، يقدمون امر الله قبل امرهم وحكم الله قبل حكمهم، ثم اشار الى الفريق الثاني بقوله: «وجعلناهم أئمة يهدون الى النار» يقدمون امرهم قبل امر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون باهوائهم خلاف ما في كتاب الله(١) .
وقد حدد الامام الصادق (ع) وظيفة الامام كما جاء في رواية الحسين بن ابي العلاء بقوله: انما الوقوف علينا في الحلال والحرام، فاما النبوة فلا(٢) .
____________________
(١) ص ١١٤ و ٢١٦، ج ١
(٢) هذا التحديد في مقابل من ينسب اليهم النبوة او خصائصها، ومقتضى الرواية انهم قد ورثوا من رسول الله العلم، فعلى الناس أن يرجعوا اليهم فيما يعود الى امور دينهم، اما النبوة وخصائصها فهي للانبياء وحدهم.
وروى حول الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (ع) عن احمد بن عمر الحلبي، عن ابي بصير انه قال: دخلت على أبي عبد الله الصادق (ع) فقال: يا ابا محمد لقد علم رسول الله علياً (ع) الف باب من العلم يفتح له من كل باب الف باب، قلت هذا والله العلم، فنكث ساعة الارض ثم قال: انه لعلم وما هو بذاك، يا ابا محمد ان عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة، فقلت جعلت فداك: وما الجامعة، قال صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول اللهصلىاللهعليهوآله واملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج اليه حتى ارش الخدش، ثم ضرب بيده الي وقال تأخذني يا ابا محمد وغمزني بيده وقال حتى ارش هذا، ثم سكت ساعة وقال: ان عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر، قال قلت: وما الجفر، قال وعاء من ادم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني اسرائيل، ثم سكت ساعة وقال: وان عندنا مصحف فاطمة (ع) وما يدريهم ما مصحف فاطمة، قلت وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد.
وروى عن علي بن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء انه قال: سمعت ابا عبد الله الصادق (ع) يقول: ان عندي الجفر الابيض قلت: فأي شيء فيه قال: زبور داود وتوراة موسى وانجيل عيسى وصحف ابراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة ما ازعم ان فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس الينا ولا نحتاج الى احد حتى ان فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وارش الخدش، وعندي الجفر الاحمر، قلت واي شيء فيه قال: السلاح، وذلك انما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، فقال له عبد الله بن يعفور، اصلحك الله ايعرف ذلك بنو الحسن، فقال: أي والله كما يعرفون الليل انه ليل والنهار انه نهار، ولكن يحملهم الحسد وطلب
الدنيا على الجحود والانكار، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيراً لهم(١) .
ومن هذه المرويات وغيرها مما جاء في مجاميع كتب الحديث حول الجامعة ومصحف فاطمة والجفر والصحيفة تبين ان هذه المسميات بهذه الاسماء هي عبارة عن مجاميع في الحلال والحرام والاحكام وبعض الحوادث الكونية ونحو ذلك من العلوم التي ورثها اهل البيت عن جدهم الرسولصلىاللهعليهوآله ، هذه المجاميع بخط علي (ع) واملاء رسول الله كما نصت على ذلك مروية ابي بصير، وقد اخبر علي (ع) عن بعض الحوادث قبل وقوعها بعشرات السنين، ووقعت كما اخبر عنها.
اما الجفر الابيض والاحمر فاحدهما وعاء من جلد فيه التوراة والانجيل وزبور داود وصحف ابراهيم كما نزلت من عند الله، والثاني وهو الاحمر وعاء فيه سلاح رسول الله، كما نصت على ذلك رواية الحسين بن ابي العلاء.
واما مصحف فاطمة، فقد جمعت فيه اكثر الاحكام واصول ما يحتاج اليه الناس كما وصلت اليها من ابيها وابن عمها امير المؤمنين (ع) وليس هو من القرآن كما يدعيه فريق من الناس.
ويدل على ذلك قول الامام الصادق (ع)، كما جاء في رواية لحسين بن ابي العلاء، ما ازعم ان فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج اليه الناس ولا نحتاج الى احد، حتى ان فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة، وارش الخدش.
وقوله في رواية ابي بصير، والله ان مصحف فاطمة مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد.
____________________
(١) انظر ص ٢٣٩ و ٢٤٢، ج ١
وقوله (ع) في رواية فضيل بن سكرة: كنت انظر في كتاب فاطمة، ليس من يملك الارض الا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً.
ومع ان الروايات التي تعرضت للصحيفة والجامعة والجفر ومصحف فاطمة (ع) قد نصت على انها كتب تشتمل على الاحكام والحوادث واخبار الامم والملوك في مستقبل الزمان وحاضره، وان الجفر، هو وعاء فيه كتب الانبياء السابقين وآثارهم وسلاح رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع ان الروايات التي تعرضت لمحتويات تلك الكتب، فقد وجد بعض المحدثين والمؤلفين من السنة منفذاً للتشويش والطعن على الشيعة، فقالوا: بان مصحف فاطمة (ع) هو قرآن غير القرآن الذي بين ايدي الناس، وان الجفر والجامعة كتابان لعلي (ع) ذكر فيهما الحوادث الكونية الى انقراض العالم، وبناهما على حروف ورموز، وانتقلا منه الى اولاده فاخبروا عن الغيب اعتماداً عليهما، واستطاعوا اغراء فئة من الناس آمنت بانهم يعلمون ما لا يعلمه احد من خلق الله.
وممن وضع هذين الكتابين في هذا المستوى، ونسب الى الائمة الاطهار انهم كانوا يخبرون عن بعض الحوادث معتمدين على ما فيهما من الرموز والحروف، الايجي في المواقف والجرجاني في شرحه، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة وغيرهم.
وجاء الشيخ ابو زهرة في كتابه الامام الصادق فنسج على منوال غيره، وادعى بان الائمة يستخرجون علم الغيب من هذين الكتابين، مع ان النصوص التي تعرضت لهذه الكتب صريحة في ان محتوياتها لا تتعدى الحلال والحرام وبعض الحوادث الكونية التي وقع بعضها بعد زمانهم بعشرات السنين، ولا بد وان يتكشف المستقبل عن الباقي قبل ان يرث الله الارض ومن عليها.
اما المرويات التي تعرضت لمصحف فاطمة فقد نصت على انه كتاب فيه الحلال والحرام، ومع ذلك فقد الصقوا بالشيعة قرآناً غير القرآن المتداول بين الناس، واحتجوا لذلك بمصحف فاطمة، مع العلم بان مروياتهم تنص على ان لعائشة مصحفاً يزيد عن القرآن المنزل، ومع ذلك فقد تجاهلوها وتعلقوا بمصحف فاطمة تاركين المرويات التي تعرضت لمحتوياته.
فقد جاء في الاتقان المجلد الثاني ان حميدة بنت ابي يونس قالت قرأ ابي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: «ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، وعلى الذين يصلون الصفوف الاولى» هذا بالاضافة الى بعض المرويات التي سنتعرض لها في حديثنا عن مرويات الكافي حول هذا الموضوع(١) فالرواية صريحة بان القرآن المنسوب لعائشة يزيد عن القرآن المتداول، والرواية التي تعرضت لمصحف فاطمة تنص على انه ليس من نوع القرآن.
وروى عن سدير انه قال: قلت لابي عبد الله الصادق (ع): ان قوماً يزعمون انكم آلهة يتلون بذلك قرآناً، وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله فقال: يا سدير سمعي وبصري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء، وبرئ الله منهم، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله واياهم يوم القيامة الا وهو ساخط عليهم، قال قلت: وعندنا قوم يزعمون انكم رسل يقرءون علينا بذلك قرآناً: «يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم».
قال: يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من
____________________
(١) ان هذه الزيادة في مصحف السيدة عائشة تشير الى المنزلة العالية التي كان يتمتع بها المصلون في الصف الاول مع النبيصلىاللهعليهوآله ولا شك بأن أباها كان في طليعتهم.
هؤلاء براء ما هؤلاء على ديني ودين آبائي، قال قلت: فما انتم، قال نحن خزان علم الله ونحن تراجمة امر الله، نحن قوم معصومون امر الله تعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة من دون السماء وفوق الارض.
وروى عن ابن اذينة عن يزيد بن معاوية انه سأل ابا جعفر وولده الامام الصادق (ع) فقال لهما: ما منزلتكما ومن تشبهون ممن مضى؟ قالا: صاحب موسى وذا القرنين، كانا عالمين، ولم يكونا نبيين(١) .
وروى عن عمر بن خالد، ان ابا جعفر الباقر (ع) قال يا معشر الشيعة: كونوا النمرقة الوسطى، يرجع اليكم الغالي، ويلحق بكم التالي، فقال له رجل من الانصار يقال له سعد: جعلت فداك ما الغالي، وما التالي؟، قال: الغلاة قوم يقولون فينا ما لم نقله في انفسنا، فليس اولئك منا ولسنا منهم، والتالي هو من يريد الخير ويسعى في طلبه ليعمل به طمعاً في مرضاة الله ورجاء في ثوابه(٢) .
واضاف الراوي الى ذلك. ان الامام (ع) اقبل علينا وقال، والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجة،
____________________
(١) انظر ص ٢٦٩، ج ١ ، بهاتين الراوايتين وغيرهما من عشرات الروايات دفع الامام (ع) ادعاء المغالين الذين وضعوهم فوق مستوى المخلوقات، والبسوهم ثوب الآلهة او المرسلين، جهلاً وضلالاً، واكد الامام في مختلف المناسبات بأنهم عبيد الله لا يملكون لانفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يدفعون عنها موتاً ولا حياة، ولم يبلغوا ما بلغوه الا بطاعتهم لله سبحانه.
(٢) والذي يعنيه الامام (ع) بقوله كونوا النمرقة الوسطى، أي نمطا بارزاً ومثلاً في الاستقامة والسير على المخطط الاسلامي ليرجع اليكم الخارج عن مخطط التشيع، ويلحق بكم التالي، أي ليكون المستقيم في اعماله تبعاً لكم.
ولا نتقرب الى الله الا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغتروا، ويحكم لا تغتروا.
وروى ابو الصباح الكناني انه قال لابي عبد الله (ع) ما نلقي من الناس فيكم، فقال له ابو عبد الله (ع) وما الذي تلقى من الناس فينا؟ فقال: لا يزال يكون بيننا وبين الرجل الكلام، فيقول جعفري خبيث فقال الامام (ع) يعيركم الناس بي، فقال له ابو الصباح نعم يا ابن رسول الله، فقال: ما اقل من يتبع جعفراً منكم، انما اصحابي من اشتد ورعه، وعمل لخالقه ورجا ثوابه هؤلاء اصحابي(١) .
ومن خلال دعواته وابتهالاته الى الله سبحانه عندما يناجي ربه، او تعترضه الحوادث وتهزه النكبات، من خلال تلك الدعوات يبدو الامام على عظمته ويقينه واتساع علمه «وكأنه من اضعف خلق الله يخاطب ربه خطاب عبد ذليل قد انقطع امله من كل شيء لا يستطيع ان يدفع عن نفسه ضراً ولا يجلب لها خيراً»
فقد روى في الكافي، ان الامام الصادق (ع) كان يقول في دعائه: اللهم آمن خوفي وعافني فيما بقي من عمري، وثبت حجتي، واغفر خطاياي، واعصمني في ديني، وسهل مطلبي، ووسع علي في رزقي فاني ضعيف، وهب لي يا إلهي لحظة من لحظاتك تكشف بها عني جميع ما به ابتليتني، فقد ضعفت قوتي وقلت حيلتي، وانقطع من خلقك رجائي، ولم يبق الا رجاؤك وتوكلي عليك، وقدرتك علي يا ربي ان ترحمني كقدرتك علي ان تعذبني وتبتليني، إلهي لم أخل من نعمك منذ خلقتني وانت ربي ومفزعي وملجئي، والحافظ لي والذاب عني، فليكن يا سيدي ومولاي فيما قضيت وقدرت وحتمت تعجيل خلاصي مما انا فيه
____________________
(١) انظر ص ٧٠ و ٧٣، ج ٢ ، من اصول الكافي.
جميعه، فاني لا اجد لدفع ذلك كله احداً غيرك، ولا اعتمد فيه الا عليك(١) .
هذه الدعوات والابتهالات التي تنبض بالايمان المطلق والعبودية الخالصة، والحاجة اليه في صغير الامور وكبيرها، بالاضافة الى بعض المرويات التي حدد فيها الامام (ع) موقفه من الغلاة والمرجفين والدساسين، كل هذه وغيرها من مواقفهم (ع) لسد الطريق على كل من يحاول ان يجعل للامام خصائص الخالق وميزة الانبياء المرسلين، وتحتم علينا تأويل بعض المرويات التي تنسب له علم الغيب والقدرة على كل شيء ونحو ذلك مما يعجز عنه الانسان بالغاً ما بلغ.
ولا بد من تأويل تلك المرويات حيث يكون التأويل ممكناً، او طرحها لا سيما وان اكثر رواتها لم تتوفر فيهم الشروط المطلوبة في الراوي كما ذكرنا.
وقد روى الكليني في باب ان الائمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون الا باختيارهم، عن سلمة بن الخطاب عن سليمان بن سماعة وعبد الله بن محمد عن عبد الله بن القاسم البطل عن ابي بصير، ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: أي امام لا يعلم ما يصيبه، والى ما يصير اليه، فليس ذلك بحجة لله على خلقه.
ومع ان هذه الرواية ليس فيها ما يدعو الى الاستغراب والاستهجان لان علم الامام الذي يتسع لهذه الحالات مستمد من النبيصلىاللهعليهوآله ومن العلم الذي ورثوه عنه ومع ذلك فان رواتها من المتهمين بالانحراف كما نص على ذلك المؤلفون في احوال الرجال، وقد ذكرنا لمحة عنهم في الفصل الذي تعرضنا فيه لبعض رجال الكافي(٢) .
____________________
(١) نفس المصدر، ص ٥٥٨.
(٢) انظر ص ٢٥٨، ج ١، من الكافي، ورجال المرزا محمد، ص ١٩٢ و ٣١٦.
وفي باب جهات علم الائمة (ع) روى عن علي بن ابراهيم عمن حدثه عن المفضل بن عمر انه قال قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر: جاءنا عن ابي عبد الله (ع) انه قال: ان علمنا غابر ومزبور ونكث في القلوب ونقر في الأسماع، فقال (ع) اما الغابر فما تقدم من علمنا، واما المزبور فما يأتينا واما النكث في القلوب فالهام، وامام النقر في الأسماع فأمر الملك(١) .
والأمر في هذه الرواية سهل من حيث مضمونها، فان الالهام بمعنى الادراك الصحيح لواقع الاشياء، يحصل من صفاء النفس وحدة الذهن، ويحصل بالهداية من الله سبحانه الى الواقع، والنقر في الاسماع مرجعه الى الله سبحانه يرشد الامام (ع) الى احكام الحوادث وبعض ما يجري في مستقبل الزمان، والايحاء بهذا المعنى ليس من مختصات الانبياء فقد ورد في القرآن في مختلف المناسبات ومن ذلك قوله سبحانه: «واوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون» وهل معنى ذلك ان الامين جبرائيل كان ينزل على النحل ليوحي اليها بذلك، لا اظن ان احداً يلتزم بهذا الامر.
اما من حيث سندها فهي من قسم الضعيف، لانها جاءت عن طريق المفضل بن عمر، المعروف بالغلو والكذب، وقد وصفه الامام الصادق بالكفر والشرك، ونهى عن الاخذ بمروياته.
وروى في باب التفويض الى رسول الله والى الائمة في امر الدين، عن احمد بن ابي زاهر بسنده الى أبي اسحاق النحوي انه قال: دخلت على ابي عبد الله (ع) فسمعته يقول: ان الله عز وجل ادب نبيه على محبته فقال: وانك لعلى خلق عظيم، ثم فوض اليه فقال عز وجل:
____________________
(١) ص ٢٦٤، ج ١.
«وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» وقال: «ومن يطع الرسول فقد اطاع الله» وان نبي الله فوض الى علي (ع) والائمة فسلمتم وجحد الناس فوالله لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا وان تصمتوا اذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عز وجل، وما جعل الله لاحد خيراً في خلاف امرنا.
وقد اورد عشر روايات تحت عنوان التفويض الى رسول الله والى الائمة، وكلها تلتقي تقريباً مع هذه الرواية من حيث المضمون.
والذي تعنيه هذه المرويات، ان النبيصلىاللهعليهوآله كان المسؤول عن تبليغ الاحكام وبيان الحلال والحرام وبعد وفاته اصبح المسوول عن ذلك الامام (ع) الذي اختاره النبي بأمر من الله سبحانه، بعد ان زوده بكل ما تحتاج اليه الامة من امور دينها، فيكون المراد من التفويض، هو القيام بمهمات النبي من غير فرق بينهما من هذه الناحية، الا ان النبيصلىاللهعليهوآله يخبر عن الله بواسطة الوحي، والامام يخبر عن النبي والكتاب المنزل عليه.
وليس في هذه المرويات وغيرها ما يشير الى ان الله قد فوض الى النبي كل شيء حتى امور الخلق والتدبير والنبي قد فوضها الى الامام كما ينسب جماعة الى الشيعة.
ومن الجائز ان يكون المصدر في الصاق هذه الانحرافات بالشيعة بعض الفرق التي انحرفت عن التشيع الصحيح كالسبعية والخطابية وغيرهما، ولكن وجود فرق من هذا النوع تنتمي الى التشيع لا يبرر تلك الهجمات الصاعقة على الشيعة الامامية لمجرد ان بعض الذين كانوا مندسين في صفوفهم خرجوا عن مخطط التشيع، او الحدوا في آرائهم ومعتقداتهم وقالوا في النبي والائمة ما يتنافى مع اصول الاسلام ومبادئه.
وجاء في بعض النصوص الصحيحة عن الائمة، ان من زعم ان الله فوض الينا امر الخلق والرزق والاحياء فقد اشرك بالله وضل سواء السبيل.
وجاء في باب ذكر الارواح التي في الائمة (ع) عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر انه سأل ابا عبد الله الصادق (ع) عن علم الائمة بما في اقطار الارض وهو في بيته مرخى عليه ستره فقال: يا مفضل ان الله تبارك وتعالى جعل في النبي خمسة ارواح، روح الحياة فيه دب ودرج وروح القوة فيه نهض وجاهد، وروح الشهوة فيه اكل وشرب واتى النساء من الحلال، وروح الايمان فيه آمن وعدل، وروح القدس فيه حمل النبوة، فاذا قبض الله النبيصلىاللهعليهوآله انتقل روح القدس فصار الى الامام (ع) وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والاربعة ارواح تنام وتغفل وتزهو وتلعب، وروح القدس كان يرى به.
وروى ثلاث روايات تحت بهذا العنوان هذا المضمون(١) .
وروى في باب ان الامام (ع) يأخذ علم الامام الذي كان قبله في
____________________
(١) انظر ص ٢٧١ و ٢٧٢ ، والمراد من الارواح هي القوى الكامنة في النبيصلىاللهعليهوآله وفي كل انسان ما عدا روح القدس، وبواسطة تلك القوى يتحرك ويجاهد ويأكل ويشرب ويحكم بالعدل، اما روح القدس فهي التي استحق بها النبوة بما لها من الخواص والآثار، وانتقالها الى الامام لا يعني انتقال النبوة اليه كما يوهمه ظاهر الرواية على ان هذه الرواية رواها محمد بن سنان عن المفضل، وهما ضعيفان لا يعتد بمروياتهما والثانية رواها منخل بن جميل عن جابر الجعفي، وهما متهمان عند اكثر المؤلفين في احوال الرجال، والثالثة رواها ابراهيم بن عمر اليماني عن جابر، وجاء في الخلاصة ان جل من يروي عن جابر ضعيف هذا بالاضافة الى ان جابراً نفسه، كان هدفاً لهجوم عنيف من اكثر المؤلفين في الرجال فليس لروايته تلك الحصانة التي لرواية غيره من الموثوقين.
آخر دقيقة من حياته، روى عن جماعة منهم علي بن اسباط، والحكم بن مسكين، ان بعض الاصحاب اخبره بانه قال لابي عبد الله (ع) متى يعرف الاخير ما عند الاول؟ قال: في آخر دقيقة تبقى من روحه.
وبهذا النص رواها عن علي بن اسباط، والحكم بن مسكين عن عبيد بن زرارة، وروها ايضاً عن جماعة عن علي بن اسباط.
والظاهر ان المقصود بالمعرفة التي تنتقل الى الثاني في آخر دقيقة من حياته، هي الامامة، وليس في متنها ما يدعو الى التردد والتشكيك وبخاصة بعد هذا التفسير.
اما من ناحية سندها، فاحد رواتها علي بن اسباط، وهو فطحي المذهب متعصب لعقيدته، وقد الف علي بن مهزيار رسالة في الرد عليه فلم يتراجع عن مذهبه، ولعله لذلك رجح جماعة من المؤلفين في احوال الرجال ضعف مروياته.
وورد في سند الرواية الثالثة، محمد بن الحسين بن سعيد الصباغ، وكان منحرف العقيدة ضعيف جداً على حد تعبير النجاشي(١) .
واكثر الروايات التي اوردها الكلينيرحمهالله في هذه الابواب من كتاب الحجة لو عرضناها على الاصول والقواعد المقررة في علم الدراية لا تتوفر فيها الشروط المطلوبة، ولازم ذلك دخول هذا النوع من المرويات في قسم الضعيف حسب التصنيف الذي احدثه العلامة الحلي واستاذه، وذكرنا سابقاً ان ضعف الرواية من ناحية سندها لا يوجب طرحها، لجواز كونها محاطة ببعض القرائن التي تؤكد صدورها عن الامام (ع) او لوجودها في الكتب المعتبرة عند الطبقة الاولى من الرواة او لان مضمونها
____________________
(١) انظر ص ٢٧٥ من الكافي ج ١ ، و ص ٣٢٤ من اتقان المقال.
متواتر ولو بالمعنى، او لموافقتها لظاهر الكتاب والسنة، او لغير ذلك من القرائن التي توجب الاطمئنان بصدورها، ولاجل ذلك فقد اعتبر المتقدمون هذا النوع من المرويات من الصحيح الذي يصح الاعتماد عليه والركون اليه ولو كان الراوي له من المنحرفين في عقيدته وعمله.
وروى في باب النص على الائمة (ع) واحداً بعد واحد عن محمد بن عيسى بسنده الى ابي بصير انه قال: سألت ابا عبد الله الصادق (ع) عن قوله تعالى: «اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم».
فقال: نزلت في علي والحسن والحسين (ع) فقلت له: ان الناس يقولون: فما له لم يسم علياً واهل بيته في كتاب الله عز وجل، فقال: قولوا لهم، ان رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله للناس ثلاثاً ولا اربعاً حتى كان رسول الله هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم في كل اربعين درهماً درهم واحد، ونزل الحج ولم يقل لهم طوفوا سبعاً. فكان رسول الله هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم، فبين الرسول المراد منها، وقال في علي (ع): من كنت مولاه فعلي مولاه. وقال: اوصيكم بكتاب الله واهل بيتي، فاني سألت الله عز وجل ان لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض فاعطاني ذلك.
وقال لا تعلموهم فانهم اعلم منكم، لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله ولم يبين من هم اهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان، ولكن الله انزله في كتابه تصديقاً لنبيه، فقال: «انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً» فكان علي والحسن والحسين وفاطمة، فادخلهم رسول الله تحت الكساء في بيت ام سلمة، ثم قال: اللهم ان لكل نبي اهلاً وثقلاً، وهؤلاء اهلي اهل بيتي وثقلي.
فقالت ام سلمة ألست من اهلك يا رسول الله فقال انك الى خير ولكن هؤلاء اهلي وثقلي، فلما قبض رسول الله، كان علي (ع) اولى الناس بالناس لكثرة ما بلغ فيه رسول الله، فلما مضى علي كان الحسن اولى بها من بقية اولاد علي، ولما مضى الحسن كان الحسين اولى بها وهكذا.
وروى الكليني بهذا المضمون اكثر من سبع روايات، وفيها يؤكد الامام (ع) ان المراد باولي الامر في الآية من سورة النساء الائمة من اهل البيت (ع)(١) .
وروى في باب ان الجن يأتونهم ليأخذوا عنهم معالم دينهم، عن جماعة منهم سعد الاسكاف انه قال: اتيت ابا جعفر (ع) اريد الاذن عليه فاذا رحال ابل مصفوفة على الباب، والاحداج قد ارتفعت ثم خرج قوم معتمون بالعمائم يشبهون الزط، فدخلت على ابي جعفر (ع) فقلت له جعلت فداك: أبطأ إذنك علي اليوم، ورأيت قوماً خرجوا علي معتمين بالعمائم فانكرتهم، فقال اوَتدري من اولئك يا سعد؟ قلت لا، قال اولئك اخوانكم من الجن يأتون فيسألون عن حلالهم وحرامهم ومعالم دينهم.
وروى سبع روايات بهذا المضمون، وقد وصف المجلسي في مرآة العقول هذه الروايات كلها بالضعف، ولم يستثن منها الا الرواية الرابعة التي رواها سدير الصيرفي عن ابي جعفر الباقر (ع) وجاء فيها ان الائمة يسخرون الجن لقضاء حوائجهم اذا اقتضى الامر السرعة في انجازها، وعدها من نوع الحسن بين اصناف الحديث(٢) .
____________________
(١) ص ٢٨٧ الى ص ٢٩٢.
(٢) ص ٣٩٥ و ٣٩٦ و ٣٩٨، ومعلوم ان النوع الحسن من الروايات في مقابل الصحيح، ويأتي في المرتبة الثالثة حسب التصنيف الرباعي للحديث، واعتبارها من هذا النوع لا يعني انها من الروايات المقبولة، ذلك لان الحديث اذا لم يتفق مع كتاب الله وسنة نبيه يتعين طرحه ولو بلغ اعلى مراتب الصحة من حيث سنده.
وروى في باب ان مستقى العلم في بيت آل محمد، عن يحيى بن عبد الله عن ابي الحسن انه قال: سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول وعنده ناس من اهل الكوفة، عجباً للناس، انهم اخذوا علمهم كله عن رسول الله فعملوا له واهتدوا، ويرون ان اهل بيته لم يأخذوا علمه، ونحن اهل بيته وذريته في منازلنا نزل الوحي، ومن عندنا خرج العلم اليهم، فيرون انهم علموا واهتدوا وجهلنا نحن وضللنا ان هذا لمحال.
وفي باب ان حديثهم صعب مستصعب، روى عن عمار بن مروان عن جابر ان ابا جعفر (ع) قال: ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ان حديث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به الا ملك مقرب او نبي مرسل، او عبد امتحن الله قلبه للايمان فما ورد عليكم من حديث آل محمد (ع) فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزت منه قلوبكم فانكرتموه فردوه الى الله ورسوله والى العالم من آل محمد، وانما الهالك ان يحدث احدكم بشيء منه لا يتحمله، فيقول: والله ما كان هذا(١) .
وروى في باب الولاية عن علي بن حمزة عن ابي بصير، ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: ان الآية: «ومن يطع الله ورسوله» نزلت على النحو التالي:
ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي وولاية الائمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً.
____________________
(١) انما كان حديثهم صعباً مستصعباً، لانهم قد يخبرون احياناً عن امور ستحدث في مستقبل الزمان كما وصل اليهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والاخبار عما سيحدث قبل حدوثه لا يؤمن له الا من بلغ أعلى درجات الايمان وعرفهم على واقعهم، ولذا فان الامام (ع) قد نهاهم عن تكذيب ما تنفر منه قلوبهم وطبائعهم وامرهم برد هذا النوع الى مصدره، ويحتمل ان يكون صعباً مستصعباً من حيث ان الذين كانوا يحملون احاديثهم ويحدثون بها كانوا يتعرضون لانواع الظلم من الحكام واعداء اهل البيت (ع).
وهذه الرواية ضعيفة السند، كما نص على ذلك المجلسي في مرآة العقول وقد رواها علي بن اسباط عن علي بن ابي حمزة، وعلي بن اسباط كان فطحياً، وابن ابي حمزة كان واقفاً، ومتهماً بالكذب ووضع الاحاديث.
وجاء عن علي بن الحسن بن فضال انه كتب تفسير القرآن، وانه لا يستحل ان يروي عنه حديثاً واحداً.
ونسب له المؤلفون في احوال الرجال، انه استولى على الاموال التي كانت في حيازته للامام موسى بن جعفر (ع) وانكرها بعد وفاته(١) .
وعلى تقدير صحة الرواية فلا بد وان يكون المراد من قوله (ع) هكذا نزلت انها نزلت بهذا المعنى لا بهذه الالفاظ، وان المعنى المراد منها هو ولاية علي والائمة من بعده ومع الاعراض عن ذلك فليس ببعيد ان تكون هذه الزيادة في الآية من موضوعات علي بن حمزة، او انه قد اخذها من الكتب التي الفت في تفسير الباطن، ككتابي علي بن حسان، وعبد الرحمن بن كثير وغيرهما من الغلاة الاسماعيلية السبعية.
وقد اورد في الكافي نحواً من اثنتين وتسعين رواية تتضمن تفسير اكثر من مئة آية بعلي والائمة من ولده (ع) واكثرها بعيدة عن مداليل الالفاظ واسلوب القرآن.
ومن امثلة هذا النوع من المرويات، ما رواه عن علي بن محمد عن احمد بن محمد بن عبد الله في تفسير قوله تعالى:
«لا اقسم بهذا البلد وانت حل بهذا البلد، ووالد وما ولد» انه قال: الوالد وما ولد، علي وما ولد من الائمة (ع).
____________________
(١) انظر رجال الشيخ محمد طه، ص ٣٢٢ و ٣٢٣
ومنه ما رواه عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، ان ابا عبد الله الصائق (ع) قال في تفسير قوله تعالى:
«هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ ام الكتاب وأُخر متشابهات» ان الآيات المحكمات، علي والائمة من ولده والمتشابهات فلان، وفلان وفلان. والذين في قلوبهم زيغ، هم اصحابهم واهل ولايتهم.
وروى عن محمد بن جمهور، عن صفوان وابن مسكان، ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال في تفسير قوله تعالى: «وان جنحوا للسلم فاجنح لها» ان المراد من السلم الدخول في ولاية الائمة (ع).
وروى عن محمد بن سليمان عن عبد الله بن سنان ان ابا عبد الله الصادق قال: ان الآية، ولقد عهدنا الى آدم كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، والائمة من ذريتهم فنسي، واضاف الامام على حد قول الراوي، ان الآية هكذا والله نزلت على محمدصلىاللهعليهوآله (١) .
وروى عن محمد بن جمهور عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر انه قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن قوله تعالى: «ائت بقرآن غير هذا او بدله» قال قولوا: او بدل علياً، والرواة الثلاثة لهذه الرواية لا يعتد بمروياتهم كما ذكرنا سابقاً، وقد وصف المجلسي هذه المرويات كلها بالضعف، ومما لا شك فيه ان اكثرها من صنع الغلاة والمنحرفين عن عقيدة التشيع.
____________________
(١) وهذه الرواية تنص بصراحة انه سقط من الآية اكثر من نصفها، والامر في ذلك سهل بعد ان كان احد رواتها محمد بن سليمان وجاء في كتب الرجال عنه انه ضعيف لا يعول عليه في شيء كما نص على ذلك في اتقان المقال والمرزا محمد في رجاله.
ومما يؤيد ذلك ان المتتبع في اسانيدها لا يجد رواية يخلو سندها عن احد الغلاة او المتهمين بالانحراف والكذب، وعلي وابناؤه الائمة الهداة الذين اختارهم الله ائمة لعباده يدعون الى الحق وبه يعملون في غنى عن هذه التأويلات التي لا تساعد عليها ظواهر تلك الآيات ولا تؤيدها نصوص القرآن الكريم.
ان اكثر هذه المرويات لا تنسجم مع سيرة اهل البيت (ع) الذين قالوا: انا اذا حدثنا لا نحدث الا بما وافق كتاب الله، وان ما خالف كتاب الله فليس منا، وهل ينسجم قولهم هذا: مع تفسير قوله تعالى، الذي نسبه الغلاة اليهم، ائت بقرآن غير هذا او بدله، أي بدل علياً (ع) كما جاء في رواية محمد بن جمهور عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر، ومع تفسير قوله تعالى: «ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين» أي لم نك من اتباع الائمة (ع) الذين قال الله فيهم: «والسابقون السابقون، اولئك المقربون».
ان ابا عبد الله الصادق الصدوق اجل شأناً وارفع قدراً من ان يتصرف في كتاب الله بما يذهب بهاءه وروعته ويطمس من اضوائه النيرة الساطعة التي هزمت فصحاء العرب وبلغاءهم وارتدوا على اعقابهم خاسرين مدحورين.
«قل لو اجتمعت الانس والجن على ان يأتوا بآية من مثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً».
وروى عن علي بن اسباط وعلي بن ابي حمزة عن ابي بصير ان ابا عبد الله الصائق (ع) قرأ فستعلمون يا معشر المكذبين حيث انبأكم رسالة ربي في ولاية علي والائمة من بعده من هو في ضلال مبين.
وانه قال: ان الآية «ان تلووا وتعرضوا اصلها ان تلووا الامر وتعرضوا
عما امرتم به فان الله كان بما تعملون خبيراً، فلنذيقن الذين كفروا بتركهم ولاية امير المؤمنين عذاباً شديداً في الدنيا، ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون»(١) .
وروى عن محمد بن ارومة عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال في تفسير قوله تعالى: «وهدوا الى الطيب من القول وهدوا الى صراط الحميد» ان الذين هدوا الى الطيب من القول والى صراط الحميد، هم الذين هدوا الى امير المؤمنين (ع)، وان المراد من قوله تعالى: «حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم» انه حبب اليكم امير المؤمنين، وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان، الاول والثاني والثالث(٢) الى غير ذلك من المرويات التي دونها في المجلد الاول من الكافي في هذا الباب من كتاب الحجة.
وبعد التتبع والدراسة الواعية يطمئن الباحث الى ان اكثر تلك الاحاديث لا ينسجم مع واقع اهل البيت (ع) بالاضافة الى انها غير جامعة لشروط الاعتماد على الرواية، لان رواة هذا النوع اكثرهم من الغلاة المعروفين بالكذب والانحراف كما اثبتنا ذلك في الفصل الذي عرضنا فيه تلك النماذج من رجال الجامعين.
____________________
(١) وقد ذكرنا لمحة عن تاريخ العليين علي بن اسباط، وعلي بن ابي حمزة لذا فان هذه الرواية وامثالها لا يقرها علماء الشيعة، ولا تعبر عن رأيهم في مختلف العصور.
(٢) ان ابطال هذه الرواية، محمد بن ارومة، وعلى بن حسان، وعبد الرحمن بن كثير ثلاثهم من الغلاة المشهورين، وهذا النوع من التفسير من كتابي تفسير الباطن لعلي بن حسان ومحمد بن ارومة، انظر ص ٤١٣ و ٤١٤ وما بعدهما، ج ١.
الايمان والاسلام في الكافي
ان عظمة اهل البيت (ع) تتجلى في جميع المراحل التي مروا بها، وفي جميع مروياتهم واعمالهم وكتاب الكافي بمجموعه يعكس عظمتهم، ويقدم للباحث عشرات الادلة على سعة علمهم وحرصهم على توجيه الانسان الى ما فيه صلاحه في دينه ودنياه، ذلك لأن علمهم مستمد من علم الرسول ومن كتاب الله الكريم، لا من الاجتهادات والاقيسة والظنون والاستحسان التي تخطئ وتصيب.
فقد روى في الكافي عن عمر بن حريث ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال له: اتق الله وكف لسانك الا من خير، ولا تقل اني هديت نفسي، بل الله هداك، فادّ شكر ما انعم الله عز وجل به عليك، ولا تكن ممن اذا اقبل طعن في عينه، واذا ادبر طعن في قفاه ولا تحمل الناس على كاهلك فانك اوشك ان حملت الناس على كاهلك ان يصدعوا شعب كاهلك(١) .
وروى في باب ان الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك
____________________
(١) أي لا تكن من الاشرار الذين يتعرضون للذم والطعن في حضورهم وغيابهم ولا تحملهم على كاهلك بالمداهنة والمداراة لهم، فانك ان فعلت ذلك يطعموا فيك ويحملوك على خلاف الحق، وعلى ما لا يحل لك فان هذه الكلمات من الجوامع التي تحمل في طياتها ابلغ العظات واصدقها واقربها من منطق القرآن وروح الاسلام وسماحته.
الايمان، عن جميل بن صالح عن سماعة انه قال: قلت لجعفر بن محمد الصادق (ع) اخبرني عن الايمان والاسلام، اهما مختلفان؟ فقال: ان الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان. فقلت صفهما لي، فقال: الاسلام شهادة ان لا إله الا اللّه والتصديق برسول اللهصلىاللهعليهوآله به حقنت الدماء، وعلهي جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والايمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الاسلام، وما ظهر من العمل به.
وروى عن عبد الرحيم القصير انه قال: كتبت مع عبد الملك بن اعين الى ابي عبد الله اسأله عن الايمان ما هو؟ فكتب لي مع عبد الملك، سألت رحمك الله عن الايمان، فالايمان هو اقرار في اللسان وعقد في القلب وعمل بالاركان، واضاف الى ذلك. قد يكون العبد مسلماً قبل ان يكون مؤمناً، ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً فالاسلام قبل الايمان ويشارك الايمان، فاذا أتى العبد كبيرة من المعاصي او صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عنها كان خارجاً من الايمان ساقطاً عنه اسم الايمان وثابتاً عليه اسم الاسلام، فان تاب واستغفر عاد الى الايمان، ولا يخرجه الى الكفر الا الجحود والاستحلال ان يقول للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال ، ويدين بذلك فعندها يكون خارجاً من الاسلام والايمان(١) .
وروى عن محمد بن حماد الخزاز عن عبد العزيز القراطيسي انه قال: قال لي ابو عبد الله الصادق (ع) يا عبد العزيز، ان الايمان عشر درجات
____________________
(١) وهاتان الروايتان تؤيدان الرأي القائل ان الايمان اقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالاركان، وفي مقابل ذلك الرأي المشهور بين الامامية، وهو ان الايمان هو الاقرار باصول الاسلام وامامة الاثني عشر والمعاصي لا تخرج الانسان عن صفة الايمان (انظر كتابنا الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة، الفصل الذي تعرضنا فيه للفرق بين الاسلام والايمان).
بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى ينتهي الى العاشرة، ولا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك، واذا رأيت من هو اسفل منك بدرجة فارفعه اليك برفق ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره، فان من كسر مؤمناً فعليه جبره(١) .
وقد اورد مجموعة من الروايات حول درجات الايمان وتفاوته بمختلف الاساليب، والذي يعنيه هذا النص وغيره، ان الانسان لا يجوز ان ينظر الى غيره من زاويته، لان الناس يتفاوتون في تفكيرهم وعقولهم وجميع مواهبهم، والنتيجة الحتمية لهذا التفاوت ان تكون بينهم الفوارق والمسافات الواسعة في ايمانهم واخلاقهم ومواهبهم، فالانسان الذي يملك مرتبة من الفضل والايمان، ليس لمن فوقه ان ينظر اليه من زاويته ويجرده عن ايمانه لان ذلك يؤدي الى التنكر للفضيلة، وجحودها من الاساس، ولانه اذا جرد من هو دونه جرده من هو فوقه ومراتب العلم والدين والاخلاق لا تحدها الحدود، والكمال المطلق لله وحده، وحتى ان الانبياء انفسهم يشعرون بانهم لم يصلوا الى منتهى حدود المعرفة ويتفاوتون في فضلهم ومعرفتهم، ولذا فان الامام (ع) يقول: لا يقولون صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء، ويضيف إلى ذلك لا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك، واذا رأيت من هو اسفل منك بدرجة لا تنظر اليه من زاويتك، بل يجب ان تقدر له فضله، وترفع من شأنه، وتحاول
____________________
(١) وهذه الرواية صريحة في ان الايمان يزيد وينقص، ولا يحصل دفعة واحدة، بل تدريجاً، ولازم ذلك ان الايمان هو الاقرار والعمل، ولا بد للقائلين بأنه تصديق واعتقاد، ان يلتزموا بأنه لا يزيد ولا ينقص ، إذ لا يصح وصفه بالزيادة والنقصان الا اذا كان نتيجة لفعل الانسان واعماله والمفروض ان العمل الخارجي ليس من مقوماته كما يدعي اكثر الامامية، كما وان المعاصي لا تسلب العبد صفة الايمان اذا كان مصدقاً ومعتقداً بالله ورسوله، وبما جاء به.
ان ترفعه الى مرتبتك برفق واخلاص، ولا تحمله ما لا يطيق فيخرج من حيث اردت اصلاحه.
ولم يكتف الإِمام (ع) بهذه المناهج والقواعد التي تتكون منها الفضيلة والخلق الرفيع في نفس الانسان، بل ضرب امثلة على ذلك، كما جاء في رواية يعقوب بن الضحاك، ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال لاصحابه وهو يحدثهم عن الفضيلة ومراتبها وكيف ينبغي لكل واحد ان ينظر الى الآخر ويتعاون معه ليرفع مستواه، قال لهم: ان رجلاً كان له جار نصراني فدعاه الى الاسلام وزينه له فاجابه اليه، وجاءه في اليوم الثاني عند السحر فقرع عليه بابه، ثم قال له: توضأ والبس ثوبيك لنخرج الى الصلاة، فتوضأ وخرج معه فصليا ما شاء الله، ثم صليا الفجر ومكثاً حتى اصبحا، فقام النصراني يريد منزله، فقال له الرجل اين تذهب؟ ان النهار قصير، والذي بيننا وبين الظهر قليل، فجلس معه الى ان صلى الظهر، ثم قال له لم يبق الى العصر الا القليل، واحتبسه الى ان صلى العصر، ولما اراد ان ينصرف الى منزله قال له: ان هذا آخر النهار، واحتبسه حتى صلى المغرب، ثم قال له: لقد بقيت صلاة واحدة فسكت الرجل وانتظر الى ان صلى العشاء، وتفرقا، فلما كان وقت السحر طرق عليه الباب، وقال له: قم فتوضأ واخرج لنصلي، فقال النصراني: اذهب واطلب لهذا الدين من هو افرغ مني فانا انسان مسكين ولي عيال فلا اطيق ان اتحمل دينكم، قال ابو عبد الله الصادق (ع) ادخله في شيء واخرجه منه(١) .
وروى في باب الطاعة والتقوى، عن عمر بن شمر عن جابر الجعفي ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: يا جابر ايكتفي من ينتحل التشيع ان يقول:
____________________
(١) والذي عناه الامام بذلك، ان المسلم أراد ان يفرض عليه أيمانه. فلم يتحمل فخرج من الاسلام ولم يعد اليه، ولو انه تركه وحاول تقوية ايمانه بالطرق المألوفة تدريجاً، لكان باستطاعته ان يرفعه الى حيث يريد.
يحبنا اهل البيت، فوالله ما شيعتنا الا من اتقى الله واطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر الا بالتواضع والتخشع وصدق الامانة وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء واهل المسكنة، والغارمين والايتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الالسن عن الناس الا من خير، وكانوا امناء عشائرهم في الاشياء.
قال جابر: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم احداً بهذه الصفة، فقال يا جابر: لا تذهبن بك المذاهب، حسب الرجل ان يقول: احب علياً واتولاه، ثم لا يكون مع ذلك فعالاً، فلو قال: اني احب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ورسول الله خير من علي، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه اياه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين اللّه وبين احد قرابة، احب العباد الى الله عز وجل، واكرمهم عليه اتقاهم واعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب الى الله الا بالطاعة وما معنا براءة من النار، ولا على الله لاحد من حجة، من كان مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان عاصياً فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا الا بالعمل والورع.
وروى عن محمد بن حمزة العلوي عن عبيد الله بن علي ان ابا الحسن الأول (ع) قال: كثيراً ما كنت أسمع أبي يقول: ليس من شيعتنا من لا تتحدث المخدرات بورعه، وليس من اوليائنا من هو في قرية فيها اثنا عشر الف رجل وفيهم من خلق الله من هو اورع منه(١) .
____________________
(١) انظر ص ٧٤و ٧٥ و ٧٨، وقد تكرر مضمون هاتين الروايتين في الكافي حسب المناسبات وذكرنا بعضها في المواضيع السابقة، وهذه الروايات تضع الحد الفاصل بين التشيع الصحيح والمزيف وتنفي عنه غلو المنحرفين، واباطيل المرجفين، ودسائس الحاقدين الذين الصقوا به الاتهامات والبدع والخرافات، وارادوا له ان يموت في مهده، فلم يحقق الله لهم امنية ولم يمدهم بالقدرة على ذلك، ورد الله الذين كفروا بكيدهم لم ينالوا شيئاً. وبرز التشيع قوياً يقتحم =
وروى في باب الحب في الله عن عمرو بن حورك ان النبيصلىاللهعليهوآله قال: اوثق عرى الايمان الحب في الله، والبغض في الله، وتولي اولياء الله، والتبري من اعداء الله.
وقال الامام ابو جعفر الباقر (ع): اذا اردت ان تعلم ان فيك خيراً فانظر الى قلبك، فان كان يحب اهل طاعة الله ويبغض اهل معصية الله ففيك خير والله يحبك، وان كان يبغض اهل طاعة الله، ويحب اهل معصية الله فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من احب.
وروى عن الامام الصادق (ع) انه قال: ثلاثة اقرب الخلق الى الله عز وجل يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه الى ان يحيف على من تحت يده، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع احدهما على الآخر بشعيرة، ورجل قال بالحق فيما له وعليه.
وروى عن عثمان بن جبلة ان ابا جعفر الباقر (ع) كان يقول ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ثلاث خصال من كن فيه او واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل الا ظله، رجل اعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم، ورجل لم يقدم رجلاً ولم يؤخر رجلاً حتى يعلم ان ذلك لله رضاً، ورجل لم يعب اخاه المسلم في عيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه، فانه لا ينفي عنها عيباً الا بدا له عيب، وكفى بالمرء شغلاً بنفسه عن عيوب الناس(١) .
وروى في باب البر بالوالدين عن زكريا بن ابراهيم انه قال: كنت
____________________
= الصعاب ويطوي الاجيال ويشق بمبادئه النيرة الساطعة للانسان طريق الفوز برضوان الله والسعادة الدائمة ويقدم عشرات الادلة على ان دعاة الحق ورسل الخير والمحبة احياء في نفوس المؤمنين والناس اجمعين الى قيام الساعة.
(١) ص ١٤٤ و ١٤٥ و ١٤٧، ج ٢
نصرانياً فاسلمت وحججت، فدخلت على الامام الصادق (ع) وقلت له: اني كنت نصرانياً واسلمت، فقال واي شيء رأيت في الاسلام؟ قلت قول الله عز وجل: «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء» فقال: لقد هداك الله، ثم قال: سل عما شئت، قلت ان ابي وامي على النصرانية وامي مكفوفة البصر فاكون معهم وآكل من آنيتهم، فقال: يأكلون لحم الخنزير، فقلت لا ولا يمسونه، فقال لا بأس، انظر امك فبرها، واذا ماتت فلا تكلها الى غيرك، وكن انت الذي تتولى امرها وتقوم بشأنها، ولا تخبرن احداً انك اتيتني حتى تأتيني بمنى ان شاء الله.
قال فأتيته بمنى والناس حوله كأنه معلم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله، فلما قدمت الكوفة كنت اطعمها بيدي واخدمها بنفسي واتولى جميع شؤونها كما امرني الامام جعفر بن محمد (ع) فقالت: يا بني ما كنت تصنع بي هذا وانت على ديني، فقلت لقد امرني بهذا رجل من ولد نبينا يدعى جعفر بن محمد، فقالت والله ان هذه وصايا الانبياء، اعرض علي دينك يا بني، فعرضته عليها، فاسلمت، وادت ما عليها من فروض الاسلام، ثم توفيت(١) .
____________________
(١) لقد اشتمل سند هذه الرواية على احمد بن محمد البرقي، وعلي بن الحكم ومعاوية بن وهب وهؤلاء الثلاثة من الممدوحين في كتب الرجال، اما الراوي الاخير لها الذي رواها عن الامام (ع) فلم اجد من تعرض له بمدح، او ذم، ويظهر منها ان النهي عن مباشرة اهل الكتاب من حيث انهم يباشرون النجاسات كالخنزير ونحوه، لذا فان الامام (ع) قد رخصه بمباشرة ابويه، بعد ان تبين له انهما لا يأكلان الخنزير، ولا يباشرونه، ومن الممكن ان تكون هذه الطائفة من المرويات المفصلة مفسرة لبقية المرويات التي تعرضت لطهارتهم ونجاستهم بقول مطلق، بأن يراد من الاخبار الناهية عن مباشرتهم من حيث انهم لا يتجنبون النجاسات والاخبار التي رخصت بمباشرتهم من حيث ذاتهم.
وروى في الكافي مئات الاحاديث عن النبي والائمة (ع) حول التعاون والتسامح والتآخي وحقوق الاخوان وصلة الارحام والثورة على الظلم ونبذ الاحقاد. وغير ذلك من المرويات التي تدعو الى تهذيب النفس وتطهيرها من الدنايا والامراض وبخاصة التي تسيء الى الغير ويلتقي الكافي مع الصحيح للبخاري في اكثر هذه المواضيع من حيث الجوهر والمؤدى ولا يضرنا الاختلاف في السند والاسلوب ما دامت تنتهي الى نتيجة واحدة تتفق مع روح الاسلام وسماحته.
التقية في الكافي
لقد روى الكليني في باب التقية ٢٣ حديثاً، وكلها تنص بصراحة تأبى عن التأويل ان للانسان ان يتهرب من الضرر الموجه عليه ممن هو اقوى منه، ولو ادى ذلك الى موافقته فيما هو مخالف للحق او للاعتقاد من قول او فعل.
ومن امثلة ذلك ما رواه عن هشام بن سالم، عن ابراهيم الاعجمي ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: يا ابا عمر ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفين.
وهذه الرواية كما وضعت مبدأ التقية عند الخوف من ضرر الغير، يستفاد منها مشروعيتها في الفروع والاصول وفي كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفين(١) .
وروى عن جابر المكفوف، عن عبد الله بن ابي يعفور ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: اتقوا على دينكم بالتقية، فانه لا ايمان لمن لا تقية له، انما انتم في الناس كالنحل في الطير، لو ان الطير تعلم ما في اجواف
____________________
(١) ولعل عدم مشروعيتها في النبيذ والمسح على الخفين من حيث انهما من غير المتفق على جواز استعمالهما عند جميع ائمة المذاهب الاربعة، او من حيث ان عدم جواز استعمالهما معروف من مذهب الامامية.
النحل ما بقي منها شيء الا اكلته، ولو ان الناس علموا ما في اجوفكم من حبنا اهل البيت لاكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية، رحم الله عبداً منكم مات على ولايتنا.
وروى عن هرون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة انه قال: قيل لابي عبد الله (ع) ان الناس يروون ان علياً (ع) قال على منبر الكوفة: ايها الناس انكم ستدعون الى سبي فسبوني، ثم تدعون الى البراءة مني فلا تتبرءوا مني، فقال (ع) ما أكثر ما يكذب الناس على علي (ع) ان علياً قال: انكم ستدعون الى سبي فسبوني، ثم ستدعون الى البراءة مني، واني لعلى دين محمد (ع) ولم يقل لا تتبرءوا مني، فقال له السائل: ارأيت ان اختار القتل دون البراءة، فقال: والله ما ذلك عليه، وما له الا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث اكرهه اهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان، فانزل الله، الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان.
فقال له النبيصلىاللهعليهوآله يا عمار ان عادوا فعد فقد انزل اللّه عذرك وامرك ان تعود ان عادوا اليك.
وروى عن عبد الله بن اسد عن عبد الله بن عطاء انه قال: قلت لابي جعفر الباقر (ع) رجلان من اهل الكوفة اخذا فقيل لهما ابرءا من علي، فبرئ احدهما وابي الآخر فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر، فقال (ع) اما الذي برئ فرجل فقيه في دينه، واما الذي لم يبرأ فرجل تعجل الى الجنة(١) .
____________________
(١) انظر ص ٢١٧ و ٢١٨ و ٢٢٠ و ٢٢١، فالذي برئ فقيه في دينه لانه استطاع ان يتخلص من القتل باظهار كلمة البراءة من علي وقلبه عامر بحبه وولائه فهو كغيره من المسلمين الاولين الذين اكرههم المشركون على البراءة من محمدصلىاللهعليهوآله ورسالته فأنزل فيهم «الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان» والثاني تعجل الى الجنة لانه لم يشأ ان يتنازل ولو بلسانه عن ولائه لعلي وآله الطيبين واعطى لغيره مثلاً رائعاً في البطولة والفداء من اجل الحق والعقيدة.
الى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد مشروعيتها وتفرض على المكلفين استعمالها في شيء يضطر اليه الانسان من غير فرق بين الاصول والفروع، الا اذا توقف التخلص من ضرر الغير على قتل انسان مثلاً، فلا تقية في مثل ذلك، لانها شرعت للتخلص من الضرر، فاذا لزم من استعمالها ضرر مماثل او اقوى من الضرر الذي توعد به الظالم فلا تحصل الغاية المطلوبة منها.
وقد جاء في رواية شعيب الحداد عن محمد بن مسلم ان ابا جعفر الباقر (ع) قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فاذا بلغ الدم فلا تقية حينئذ.
وقد تحدث الفقهاء عن التقية في مختلف المواضيع من الفقه حسب المناسبات والفوا فيها الرسائل المستقلة التي تحدد موضوعها ومواردها، حسب الزمان والمكان والاشخاص.
ومع انها من الضرورات التي يفرضها العقل، بالاضافة الى الشرع الذي حث عليها كتاباً وسنة، مع انها كذلك فقد تعرض الشيعة منذ العصور الاولى لاعنف الهجمات واسوأ الاتهامات لانهم يستعملونها حفظاً لدمائهم وصوناً لاعراضهم كما يلتجئ غيرهم لذلك عندما تلاجئه الضرورات لمجارات الغير تهرباً من ضرره من حيث لا يشعرون.
ان فكرة التقية ليست من مختصات الشيعة، ولا من مخترعاتهم، فالانسان بطبعه مفطور على التهرب من الضرر بما يملك من الوسائل التي تهيئ له السلامة، وعندما يرى نفسه عاجزاً عن دفعه بالقوة وبغيرها ممن وسائل الدفاع، يضطر الى مجاراة من يخاف ضرره والتسليم له في العقل والقول، وقد اقر الاسلام هذا الاسلوب من اساليب الدفاع عن النفس منذ ان بزغ فجره يوم كان المسلمون الاولون يتعرضون للاذى والتعذيب
من القرشيين وغيرهم، وكان من امر عمار بن ياسر احد المعذبين، ان اظهر لهم التراجع عن الاسلام بلسانه بعد ان رأى ان صموده وتصلبه يؤديان به الى الهلاك، فاقره النبي على مجاراتهم، وانزل الله فيه بهذه المناسبة قوله الا من اكره وقلبه مطمئن للاسلام، وقال له النبيصلىاللهعليهوآله : ان عادوا فعد، فقد انزل الله فيك قرآناً، وامرك ان تعود ان عادوا اليك.
وقال تعالى في معرض النهي عن متابعة الكافرين ومجاراتهم في افعالهم واقوالهم: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة».
واذا جازت التقية في اظهار الكفر والشرك تهرباً من الضرر تجوز في غيرهما من الاصول والفروع بالاولوية.
ومهما كان الحال فالتقية تتصف بالوجوب والاستحباب والحرمة، فتجب في موارد الضرر المترتب على المخالفة، كما لو علم المصلي مثلاً بانه اذا لم يصل متكتفاً يتعرض للاهانة والايذاء، او القتل ونحو ذلك من الاضرار.
وتكون مستحبة عند توهم الضرر، او عند العلم بحصول الضرر اليسير الذي لا يضر بالحال.
والمحرم منها هو مجاراة الغير على ترك واجب، او فعل حرام مع العلم بعدم الضرر على فعل الواجب وترك الحرام، او مجاراته على قتل الغير والتعدي على الناس بما يضر بحالهم كما لو قتل انساناً او قطع يده مثلاً خوفاً من ضرر الحاكم، وجاء في رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) انه قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فاذا بلغ الدم فلا تقية.
وقد نص الشيخ الانصاري في رسالته التي الفها في التقية، على ان المدرك في وجوب التقية في موارد وجوبها، هو ادلة نفي الضرر، وحديث الرفع الذي اشتمل على رفع ما يضطر اليه الانسان، بالاضافة الى ادلة التقية التي تنص على انها واسعة وليس شيء منها الا وصاحبها مأجور عليه.
وهذه الادلة من حيث معذورية المكلف بمجموعها تحكم على ادلة الواجبات والمحرمات، ولا تتعارض مع شيء منها، ذلك لان ادلة التقية تقيد موضوع تلك الادلة بغير مواد الاضطرار والخوف من الضرر، كما هو الشأن في جميع الادلة الحاكمة التي ترجع في واقعها الى التصرف في الادلة المحكومة سعة وضيقاً(١) .
ومعنى ذلك ان ادلة الواجبات والمحرمات اذا ضممنا اليها ادلة التقية التي ترخص في ترك بعض الواجبات او ادخال ما لا يجوز ادخاله في موضوع التكليف، هذه الادلة تصبح مختصة بصورة عدم الضرر على فعل الواجب، او ترك الحرام، اما من ناحية صحة العمل الواقع على وجه التقية، فان ادلة تشريعها بلحاظ ذاتها بما في ذلك قوله (ع): التقية في كل شيء، وليس شيء اوسع منها لا يستفاد منها اكثر من الترخيص في الاتيان بالعمل الناقص او الزائد تهرباً من الضرر المترقب ممن يخاف من ضرره، ولا تدل على صحته او فساده، كما هو الحال في حديثي الضرر والرفع وامثالهما من ادلة العسر والحرج الواردة في معرض التسهيل والتيسير على المكلفين، والتي ترفع المؤاخذة او الحكم حسب اختلاف المقامات فمن اضطر الى الصلاة متكتفاً، او مع من لا تصح معه الصلاة ونحو ذلك، فأدلة وجوب التقية تفرض عليه ان يصلي متكتفاً ومؤتماً بمن لا يصح الائتمام به ولا نظر فيها الى كفاية هذا العمل عن الواقع وعدمها،
____________________
(١) انظر رسالة الشيخ مرتضى الانصاري في التقية.
ولا بد في مثل ذلك من الرجوع الى ادلة الاحكام التي اعتبرت الشيء جزءاً او شرطاً، او مانعاً، فان كانت بحسب اطلاقها تشمل حالتي الاضطرار والخوف من ضرر الغير، فلازم ذلك فساد العمل الواقع لجهة التقية لانه يفقد بعض الاجزاء او لانه يقترن ببعض الموانع، وان لم يتسع اطلاقها لحالتي الاضطرار والخوف من ضرر الغير يكون العمل الواقع لجهة التقية صحيحاً لا يجب اعادته في الوقت ولا قضاؤه في خارجه، ولو ارتفع العذر المسوغ للتقية قبل خروج الوقت في الواجبات المؤقتة وكان المكلف قد اوجد المأمور به تقية، كما لو اذن المشرع بالصلاة متكتفاً، او امره بالاتيان بالصلاة، او بغيرها من العبادات حسبما يراه المخالفون، ثم ارتفع العذر المسوغ للتقية قبل مضي الوقت فقد نص الشيخ الانصاري، بانه لا ينبغي الاشكال في كفاية العمل الواقع من المكلف على جهة التقية، واحتج لذلك بان الامر بالكلي كما يسقط بفرده الاختياري كذلك يسقط بفرده الاضطراري لو كانت ادلة الموانع ظاهرة في المانعية في حال الاختيار، فيكون المقام شبيهاً بالطهارة الترابية فيما لو صلى المكلف متيمماً، ثم ارتفع العذر قبل خروج الوقت حيث ان المستفاد من تشريع التيمم عند الخوف من استعمال الماء، او عدم وجوده: المستفاد من ذلك جعل فردين طوليين للطهارة هما الماء والتراب، فاذا تحقق موضوع الثاني، وصلى المكلف متيمماً بعد الاذن الشرعي بالصلاة يتعين سقوط الامر المتعلق بالعمل المأتي به في هذه الحالة، وهكذا الحال فيما لو كانت ادلة الاجزاء والشروط والموانع باطلاقها تشمل حالة الخوف من ضرر الغير، وادلة التقيد التي تفرض على المكلف الاتيان بالعمل الناقص، او المقترن بالمانع نتيجتها تقييد اطلاق تلك الادلة بغير موارد الخوف والاضطرار.
ثم انه لو كان زوال العذر محتملاً قبل خروج الوقت، فجواز المبادرة الى الاتيان بالعمل على وجه التقية مبني على ان ذوي الاعذار، هل لهم ان يبادروا الى الامتثال في الاجزاء الاولى من الوقت مع احتمال
بقاء الوقت الذي يتسع للواجب بجميع اجزائه وشرائطه بعد زوال العذر، ام يجب عليهم الانتظار في مثل هذه الحالة ليتاح لهم اداء الواجب على الوجه الشرعي، والمعول في مثل ذلك على الادلة الخاصة التي تعرضت لحال التقية موضوعاً وحكماً.
والذي عليه اكثر الفقهاء جواز المبادرة الى الاتيان بالعمل تقية على الوجه المرغوب فيه عند المخالفين، ولو كان المكلف يحتمل اتساع الوقت لادائه على وجهه الشرعي بعد زوال الخوف الموجب للتقية، وليس ذلك ببعيد عن بعض نصوصها.
مثل قوله في رواية ابراهيم الاعجمي ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفين.
وقول ابي جعفر الباقر (ع): التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد احله الله.
فان الظاهر من هذه المرويات جواز المبادرة الى الفعل عند حصول السبب المسوغ له، ولو احتمل زواله قبل خروج الوقت.
هذا بالاضافة الى الموارد التي اذن فيها الشارع بمتابعتهم من غير تقييد بحالة دون اخرى، كغسل الرجلين بدلاً عن مسحهما، والتكتف في الصلاة والائتمام بهم ونحو ذلك.
ويبدو من النصوص الفقهية ان الفقهاء بين من يرى جواز المبادرة الى العمل على وجه التقية وان كان له فسحة من الاتيان به على وجهه الشرعي في محل آخر او زمان آخر، ومن هؤلاء الشهيدان والمحقق الثاني في كتبه الثلاثة، الروض والبيان وجامع المقاصد.
وبين من لا يكتفي بالعمل على وجه التقية الا اذا لم يتمكن من الاتيان به كاملاً في محل آخر او زمان آخر، ومن هؤلاء السيد محمد صاحب المدارك.
وبين من فصل بين الموارد المأذون بها بالخصوص، وبين غيرها مما لم يرد فيها نص بخصوصه، كالصلاة الى غير القبلة، والوضوء بالنبيذ، والاخلال بالموالاة في الوضوء ونحو ذلك من الموارد التي لم يتعلق بها اذن خاص.
والذي تؤيده بعض المرويات عن الائمة (ع) انه لا بد وان يكون المكلف غير متمكن من الاتيان بالواجب على وجهه في ذلك الجزء من الوقت بخصوصه.
فقد جاء في رواية احمد بن محمد بن ابي نصر، ان ابراهيم بن شيبة قال: كتبت الى ابي جعفر الثاني (ع) عن الصلاة خلف من يتولى علياً وهو يرى المسح على الخفين، وخلف من يحرم المسح على الخف وهو يمسح، فكتب (ع) ان جامعك واياهم موضع لا تجد بداً من الصلاة معهم فاذن لنفسك واقم فان سبقك الى القراءة فسبح.
وجاء في رواية ثانية عنه، لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامية(١) الا ان تخافوا على انفسكم ان تشهروا او يشار اليكم فصلوا في بيوتكم ثم صلوا معهم واجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً.
هذا بالاضافة الى المرويات التي تنص على ان التقية في كل شيء
____________________
(١) الكرامية هم اتباع محمد بن كرام، وكان من القائلين بالتجسيم والتشبيه، وجاء في كتابه (عذاب القبر) ان معبوده مماس للعرش والعرش مكان له، وكان من اهل البدع والضلال، كما نص على ذلك الاسفرايني، في التبصير، والشهرستاني في الملل والنحل.
يضطر اليه الانسان، اذ بمقتضى تلك النصوص انه لا بد من الاضطرار حتى يسوغ للمكلف الاتيان بالعمل على جهة التقية.
ولو افترضنا ان المكلف يتمكن من تخليص نفسه ولو بالذهاب الى بيته لاداء فريضته، او بطريق آخر لا عسر فيه ولا حرج عليه في سلوكه لا يصدق الاضطرار المسوغ للامتثال على وجه التقية.
قال الشيخ مرتضى الانصاري: فمراعاة عدم المندوحة في الجزء الاول من الزمان الذي يوقع فيه الفعل اقوى مع انه احوط، نعم تأخير الفعل عن أول وقته لتحقق الامن والسلامة وارتفاع الخوف مما لا دليل عليه، بل الاخبار بين ظاهر وصريح بخلافه(١) .
وقد تبين من جميع ما ذكرناه ان موارد التقية لا بد فيها من الخوف على النفس او المال من الغير القادر على الاضرار، سواء كان مسلماً او غيره، بل وحتى لو كان من المنتسبين الى التشيع، واذا كان المكلف متمكناً من التهرب من الضرر في الزمان الاول لا يصدق الاضطرار المسوغ للاتيان بالعمل الناقص او المخالف لمذهبه، وتؤكد اكثر النصوص انها أي التقية واسعة لا تختص بأمر دون آخر، فكل شيء يضطر اليه الانسان يتعين عليه مجاراة الغير فيه من غير فرق بين الاصول والفروع، وليس شيء ادل على ذلك من موقف المسلمين الاولين مع مشركي مكة الذين كانوا يعذبون على الاسلام ويظهرون الشرك بألسنتهم وقلوبهم عامرة بالايمان بالله ونبوة محمدصلىاللهعليهوآله
ويؤكد ذلك ما جاء عن امير المؤمنين (ع) في بعض وصاياه لاصحابه، قال: وأمرك ان تستعمل التقية في دينك، فان الله سبحانه قال:
____________________
(١) رسالة التقيد للشيخ مرتضى الانصاري.
لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الا ان تتقوا منهم تقاة.
واضاف الى ذلك، وقد اذنت لكم بتفضيل اعدائنا ان الجأكم الخوف اليه، وفي اظهار البراءة، وفي ترك الصلاة المكتوبة ان خشيتم على حشاشتكم الآفات والعاهات، وتفضيلكم لاعدائنا عند الخوف لا ينفعهم ولا يضرنا، وان اظهار البراءة تقية لا يقدح فينا، ولا تبرأ منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتتقي على نفسك وجهها الذي به قوامها ومالها الذي به قيامها، وجاهها الذي به تمكنها، وتصون بذلك من عرف من اوليائنا واخواننا، فان ذلك افضل من ان تتعرض للهلاك وتنقطع به من عمل في الدين، وصلاح اخوانك المؤمنين، واياك اياك ان تترك التقية التي امرتك بها، فانك شاحط بدمك ودم اخوانك، معرض لنفسك ونفوسهم الزوال، مذل لهم في ايدي اعداء الدين، وقد امرك الله باعزازهم، وانك ان خالفت وصيتي كان ضررك على نفسك واخوانك اشد من ضرر الناصب لنا والكافر بنا.
وهذه الرواية تتعارض مع الرواية المروية عنه (ع)، والتي جاء فيها. انكم ستعرضون على سبي، فسبوني، ومن عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه، فان برئ مني فلا دنيا له ولا آخرة.
ولكن الذي يوهن هذه الرواية، انها عرضت على الامام الصادق (ع) فانكرها وقال: ما اكثر ما يكذب الناس على علي (ع).
ونحن اذا لاحظنا الحوادث وملابساتها منذ فجر الخلافة الاسلامية، وتتبعنا تاريخ الشيعة وائمتهم والظروف القاسية التي مرت عليهم وما لاقوه من التعذيب والظلم والجور في جميع الادوار والمراحل التي مروا بها، لا نستطيع ان نفاضل بين عصر وعصر، ولا بين حاكم وحاكم، ففي
الشطر الاول من العهد الاموي، لم يكن يعني معاوية واتباعه شيء غير مطاردة الشيعة والتنكيل بهم في مختلف انحاء البلاد واكراههم على سب علي والبراءة منه ومن ابنائه، فلم يسلم منهم الا من تستر بعقيدته واظهر مجاراتهم في القول والفعل، ونسج على منواله جميع الامويين وعمالهم نحوا من قرن من الزمن تقريباً، ولما جاء دور العباسيين، وهم الاقربون لعلي وآله (ع) ترقب الشيعة انها ساعة الخلاص من ذلك العهد الجائر وقبل ان تمتلئ رئتاهم من النفس المريح، واذا بالحكام الجدد الذين تستروا اولاً بمكافحة الظلم، وتباكوا على القتلى من بني عمومتهم، يمارسون اسلوب اسلافهم باقبح الصور، وبشكل لهم يهتد اليه سلفهم «الصالح من قبل» حتى قال القائل:
يا ليت جور بني مروان دام لنا |
وليت عدل بني العباس في النار |
وهكذا توالت عليهم النكبات من السلاجقة الى الايوبيين، الى الاتراك، ولم يتنفسوا من ظلم الحاكم الذي حكم باسم الدين والاسلام نحواً من ثلاثة عشر قرناً، الا بعد ان تقلص عهد الاتراك البغيض المملوء بالمخازي والمفاسد، وجاء عهد الانتداب، ومن ثم عهد الاستقلال، العهد الذي تبدل فيه نوع الحكم، فاحس الشيعة في جميع الاقطار وبخاصة في لبنان بوجودهم وتفتحت لهم نوافذ الحرية، ولكن رواسب تلك العهود البغيضة ظلت تسيطر على الملايين من المسلمين، وبقي الكتاب من خلالها ينظرون الى الشيعة نظرة الحاقد الحسود الذي لا يبصر الا من زاوية نفسه المعقدة المظلمة فكتبوا عنهم واتهموهم بشتى الاتهامات والصقوا بهم البدع جزافاً وبلا حساب، ولا سبب لذلك الا ان التشيع لا يقر الحكومة التي لا تقوم على اساس العدل واحقاق الحق، ولا يعترف باي سلطة لا تضمن حرية الفرد والجماعة، وتحمي الشعوب من الاستغلال والجشع ونشر الفوضى، وتحرص على كرامة الانسان وتهيئ له الحياة الحرة الكريمة مهما كان لونه ونوعه.
صحيح ان ما قيل عن الشيعة، وما كتب عنهم ولا يزال المتقولون والكتاب يجترونه في كل عصر وزمان، هو من صنع تلك العصور المظلمة الجائرة، ولكن قد جاء الوقت المناسب لتجاهل تلك المزامير التي تغنى بها اسلافهم قروناً واجيالاً، ولان يملوها كما ملوا من كل قديم لا تفرضه الحياة في مختلف نواحيها، وان يدرسوا التاريخ ويحاكموه بوعي وانصاف وتجرد، ونحن على ثقة بانهم لو فعلوا ذلك سيتراجعون عن اكثر مدونات التاريخ واراجيف الحكام وشيوخ السوء. وسيعلمون ان الثقة التي اعتبروها من عيوب التشيع، يفرضها الواقع، ويحكم بها العقل في مثل تلك الظروف التي احاطت بالشيعة دون سواهم، وقد ساعدت على بقاء الاديان وانتشارها اولاً واخيراً، في حين هي ابعد ما تكون عن الباطنية والسرية والرياء، كما يزعم بعض المؤلفين من السنيين وغيرهم.
فالباطنية مذهب له اصوله وقواعده عند مبتدعيه وواضعيه يتنافى مع اصول الاسلام وقواعده، وقد كفر ائمة الشيعة المعتنقين لهذه الفكرة والمرائين، وعدوا الرياء نوعاً من الشرك كما جاء في مروية يزيد بن خليفة عن الامام الصادق(ع)(١) .
ان التقية دعوة الى الخلود والسكينة، وليست شيئاً آخر وراء مجاراة الغير تهرباً من شره وضرره حتى يتهيأ الوقت المناسب للوقوف في وجه الطغيان والفساد مع العلم بان جميع الاديان والطوائف تقر مبدأ التقية، وتدفع المهم بالاهم وتقدم الفاسد على الافسد، وتأخذ بقاعدة دفع المفاسد اولى من جلب المصالح.
والسنة انفسهم يقرونها ويعملون بها لدفع الاضرار والمفاسد وجلب المصالح والمنافع، فقد جاء في الجزء الثالث من احياء العلوم للغزالي، (باب ما رخص فيه الكذب).
____________________
(١) انظر ص ٢٩٣، ج ٢، من الكافي.
جاء فيه، ان عصمة دم المسلم واجبة، فاذا كان القصد سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم، فالكذب فيه واجب.
وقال الرازي: وهو يفسر قوله تعالى: ( الا ان تتقوا منهم تقاة) قال: روي عن الحسن انه قال: التقية جائزة للمؤمنين الى يوم القيامة، واضاف الى ذلك. ان هذا القول هو الاولى، لان دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان وانكر الشاطبي في الموافقات على الخوارج القائلين بان سورة يوسف ليست من القرآن، وان التقية لا تجوز في قول او فعل، واكد مشروعيتها في موارد الحاجة اليها.
وقال جلال الدين السيوطي في الاشباه والنظائر: يجوز أكل الميتة في المخمصة، واساغة اللقمة في الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر، ولو عم الحرام قطراً، بحيث لا يوجد فيه حلال الا نادراً فانه يجوز استعمال ما يحتاج اليه.
وقال ابو بكر الجصاص: في تفسير قوله تعالى: «الا ان تتقوا منهم تقاة» أي ان تخافوا تلف النفس، او بعض الاعضاء، فتتقوهم باظهار الموالاة من غير اعتقاد لها، وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة، وعلى ذلك الجمهور من اهل العلم، واضاف الى ذلك ان عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في تفسير قوله تعالى: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون الله» قال: لا يحل لمؤمن ان يتخذ كافراً ولياً في دينه، وقوله تعالى: «الا ان تتقوا منهم تقاة» هذه الآية تدل على جواز اظهار الكفر عند التقية.
وجاء في الجزء الرابع من السيرة الحلبية. ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله لما فتح خيبر، قال له حجاج بن علاط: يا رسول الله ان لي بمكة مالا وان لي اهلاً، وانا اريد ان آتيهم، فانا في حل ان انا نلت منك، وقلت شيئاً، فأذن له رسول الله ان يقول ما شاء.
الى غير ذلك من النصوص الفقهية والتاريخية الكثيرة الواردة في كتب مشاهير اهل السنة، والتي يستفاد من خلالها بان التقية من الضرورت التي لا يمكن الاستغناء عنها والتنكر لها بحال(١) .
والشيء الغريب ان بعض السنة مع وجود هذه النصوص والتصريحات في كتبهم يعدونها من عيوب الشيعة، وينعتونها بالرياء تارة والدجل والباطنية اخرى ونحو ذلك من النعوت التي ان دلت على شيء فانها تدل على انهم يحاولون ولو بالتمويه والتضليل والافتراء التشنيع على الشيعة واظهارهم على غير واقعهم ولو بهذه الاساليب المفضوحة.
____________________
(١) انظر الشيعة والتشيع، ص ٥١، للشيخ محمد جواد مغنية، والموافقات للشاطبي، ص ١٨٠، ج ٤، والاشباه والنظائر ص ٧٦، والجزء الثاني من احكام القرآن للجصاص ص ١٠، والجزء الثالث من السيرة الحلبية ص ٦١.
من هنا وهناك
وروى الكليني في باب الكفر، عن مسعدة بن صدقة انه قال، سئل الامام الصادق (ع) ما بال الزاني لا تسميه كافراً وتارك الصلاة قد سميته كافراً وما الحجة في ذلك؟ فقال: لان الزاني وما اشبهه انما يفعل ذلك لمكان الشهوة لانها تغلبه، وتارك الصلاة لا يتركها الا استخفافاً بها، وذلك لانك لا تجد الزاني يأتي المرأة الا وهو متلذذ لاتيانها قاصد اليها، وكل من ترك الصلاة قاصداً لذلك، فلا يكون قصده لتركها مستنداً الى اللذة، واذا انتفت اللذة وقع الاستخفاف، واذا وقع الاستخفاف وقع الكفر(١) .
وروى عن ابي مسروق انه قال: سألني ابو عبد الله الصادق (ع) عن اهل البصرة، فقال لي ما هم؟ قلت مرجئة وقدرية وحرورية، فقال:
____________________
(١) من المعلوم ان الامام (ع) لم يقصد بذلك ان ترك الصلاة يلازمه الاستخفاف بالله دائماً بل قصد من ذلك ان دواعي الترك في الغالب هي الاستخفاف وعدم المبالاة بأوامره ونواهيه سبحانه، اذ لا داعي الى تركها سوى ذلك في الغالب، وهذا بخلاف الزنا ونحوه من المعاصي، فان الشهوة في الغالب تستحوذ عليه وتتغلب على ارادته الخيرة فتدفعه الى المخالفة والعصيان.
لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء(١) .
وروى في باب الضلال عن عبد الرحمن بن الحجاج عن هاشم صاحب البريد انه قال: تنازعنا انا ومحمد بن مسلم وابو الخطاب فيمن لا يعرف هذا الامر (اي الامام)، فلما حججت دخلت على ابي عبد الله (ع) واخبرته بما جرى. فقال: انك قد حضرت وغاباً، ولكن موعدكم الليلة فلما اجتمعنا عنده تناول وسادة ووضعها في صدره، ثم قال لنا ما تقولون في خدمكم ونسائكم واهليكم أليس يشهدون ان محمداً رسول اللهصلىاللهعليهوآله قلت: بلى قال أليس يصلون ويصومون ويحجون قلت: بلى، فيعرفون ما انتم عليه قلت لا، قال فما هم عندكم؟ قلت من لم يعرف هذا الامر فهو كافر، قال سبحان الله، اما رأيت اهل الطريق، واهل المياه قلت: بلى قال أليس يصومون ويصلون ويحجون، أليس يشهدون ان لا إلا الا الله وان محمداً رسول الله قلت بلى، قال فيعرفون ما انتم عليه قلت لا، قال فما هم عندكم؟ قلت من لم يعرف هذا الامر فهو كافر، وهكذا مضى الامام (ع) يعدد له اصناف الناس على اختلاف حالاتهم ممن يؤمن بالله ورسوله في معرض الانكار على من يسلب عن المسلمين صفة الاسلام لمجرد انهم لا يقولون بما يقوله الشيعة في الولاية، واخيراً وبعد ان لمس منهم الاصرار والتصلب في ادعائهم، قال: سبحان الله هذا قول الخوارج،
____________________
(١) المرجئة هم القائلون بأنه لا يضر مع الايمان بالله معصية، والقدرية هم المفوضة القائلون بأن الافعال من صنع العبد وليس لله رأي بها ولا مشيئة، والحرورية هم الخوارج، وقد اعطاهم المؤرخون هذا الاسم، لانهم في اول امرهم قد اجتمعوا في قرية تدعى حروراء في جوار الكوفة، وذلك بعد فشل مؤتمر التحكيم الذي دعا اليه معاوية بعد ان احس بالهزيمة وتبناه القسم الاكبر من الجيش الذي كان يحارب في صفين مع علي (ع) ومن بين هؤلاء قادة الحرورية الذين اغروا الناس بالخروج على علي (ع) وزينوا لهم التمرد والعصيان.
واضاف الى ذلك: انه لشر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا(١) .
وروى في باب صنوف اهل الخلاف من المرجئة والقدرية، والخوارج عن مروك بن عبيد، ان ابا عبد الله الصادق (ع) قال: لعن الله القدرية والخوارج والمرجئة، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة.
فقال له الراوي: لعنت الخوارج والقدرية مرة ولعنت المرجئة مرتين قال (ع): ان المرجئة يقولون: بأن قتلتنا مؤمنون، ودماؤنا متلطخة بثيابهم الى يوم القيامة، ان الله حكى عن قوم في كتابه انهم قالوا: «لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات، فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين» وكان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام، فالزمهم الله القتل برضاهم بما فعلوا.
والقدرية والمرجئة فرقتان ظهرت طلائعهما في العهد الاموي، ويرجح المؤلفون في الفرق والمعتقدات ان اول من تكلم بالقدرية رجل من اهل العراق كان نصرانياً دخل في الاسلام ورجع عنه، ومنه اخذ معبد الجهني وغيلان الدمشقي، فتولى معبد نشر فكرة القدر بمعنى ان الانسان مختار اختياراً مطلقاً في افعاله يصنعها كما يرد من غير ان يكون لله مشيئة في ذلك، هذا المعنى من القدر تولى نشره معبد الجهني في العراق، واتجه غيلان الدمشقي الى نشره والتبشير به في جهات الشام، وانضم معبد الجهني اخيراً الى عبد الرحمن بن الاشعث في ثورته ضد الامويين، فوقع
____________________
(١) انظر ص ٤٠١ و ٤٠٢ من المجلد الثاني، والذي عناه الامام (ع) بقوله: هذا قول الخوارج، ان انكار الولاية، او الجهل بها لا يوجب الكفر، ما دام المسلمون يقرون للّه بالواحدانية، ولمحمد بالنبوة، ويؤدون الفرائض، ولا يشترط في الاسلام اكثر من الاقرار بالشهادتين، وعدم الانكار لشيء من الضروريات، وتكفير المسلمين لمجرد انهم لا يقرون بامامة الائمة يشبه رأي الخوارج حيث كفروا جميع المسلمين لانهم لم يوافقوهم في آرائهم ومعتقداتهم.
اسيراً بيد الحجاج بن يوسف، بعد ان انهزم ابن الاشعث في المعارك التي دارت بينه وبينهم، فارسله الى عبد الملك بن مروان فقتله صلباً.
واما غيلان الدمشقي، فقد جرت بينه وبين عمر بن عبد العزيز مناظرات حول القدر فاقنعه بفساد هذه المقالة، واظهر التراجع عنها، فولاه عمر بن عبد العزيز بيع خزائن ملوك اسلافه الامويين، وكان يكثر من سبهم والتشهير بمخازيهم وبالمنكرات التي ارتكبوها، فاضمرها له هشام بن عبد الملك ولما تمكن منه في ايام خلافته قطع يديه ورجليه(١) .
ومن الثابت ان الحكام كانوا يطاردون انصار هذه الفكرة لانها تحملهم مسؤولية اعمالهم ومنكراتهم، ويتضح ذلك عندما نقارن بين قسوتهم مع هؤلاء وبين اكرامهم للقائلين، بان القدر هو القضاء المحتوم على العباد والانسان لا يملك من امره شيئاً. كما يدعي الجعد بن درهم، احد الدعاة للقدر بهذا المعنى، الملازم للامويين، والمعلم لاولادهم، ومنه اخذ هذه المقالة الجهم بن صفوان الداعية الثاني لها، مع العلم بان القدر بالمعنى الاول ليس باسوأ من المعنى الثاني(٢) ومع ذلكم فقد بالغوا في اكرامه والاحسان اليه.
ومهما كان الحال، فالامام (ع) قد لعن المفوضة ووصفهم بالشرك في بعض المرويات، لان التفويض يلزمه التعطيل وعدم الحاجة الى بعث الرسل.
وفي العصر الذي ظهر فيه القدرية شاعت فكرة الارجاء، وتطوع لحمايتها الحكام لانها تعطيهم صفة المؤمنين الابرار في وقت يجدون انفسهم
____________________
(١) الانتصار لابن الخياط، ص ١٣٩.
(٢) لان القدر بمعنى التفويض يلزمه تعطيل ارادة الله سبحانه وعزله عن سلطانه، والقدر بالمعنى الثاني يلزمه عدم استحقاق الانسان للثواب والعقاب على الطاعات والمعاصي لانه لا يملك من امره شيئاً.
في امس الحاجة اليها لانها تحمي ايمانهم من هجمات الخوارج المكفرين لكل من خالفهم ولم يشترك معهم في الثورة على الامويين، ومن هجمات المعتزلة التي تنفي عن العصاة صفتي الايمان والكفر، ومن حملات المحدثين والفقهاء الذين كانوا يصفونهم بالفسق والنفاق.
في هذا الجو المشحون بالصراع العقائدي ظهرت فكرة الارجاء التي تنص الى ان الايمان لا يعتبر فيه اكثر من الاقرار باللسان، ولا تضر معه المعاصي والمنكرات مهما بلغت وكان نوعها، بل حتى ولو عبد الاوثان، ولازم اليهودية والنصرانية، كما نسب ذلك لبعضهم، والارجاء الذي يمنح العصاة صفة القديسين، ويفتح الباب امامهم لجميع المعاصي والمنكرات، هذا النوع من الارجاء لانه يطمع الفساق والمستهترين في عفو الله ويشجعهم على المعاصي، لعن الامام (ع) انصاره وشدد على معتنقيه والقائلين به.
ان المرجئة الذين يمنحون يزيد بن معاوية واباه صفة العاملين بكتاب الله والمتبعين لسنة رسول الله وسيرة اوليائه، ويكذبون الكتاب والسنة اللذين وصفا العصاة بالفسق والنفاق، وتوعدا االعاصي بالعقاب الشديد والعذاب الاليم، هؤلاء هم الشركاء لجميع العصاة في عصيانهم ومخازيهم، واكثر ضرراً من الخوارج والقدرية واحق باللعن والخزي منهم.
واما الخوارج فالشذوذ الجامع بين جميع فرقهم، هو تكفير جميع المسلمين حيث انهم لم يشتركوا معهم في ثورتهم ضد الحكام، ولم يقروا جميع آرائهم وتصرفاتهم(١) .
____________________
(١) لقد عقدنا فصلاً خاصاً في كتابنا (الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة) عن الخوارج، وعرضنا فيه الجوانب المهمة من تاريخهم وفرقهم وتشريعاتهم، والاسباب التي ادت الى فشلهم مع ايمانهم بمبادئهم وتصلبهم في تنفيذها مهما كان الثمن غالياً.
من مرويات الكافي حول القرآن
لقد خصص الكليني فصلاً كبيراً من المجلد الثاني للمرويات التي تشيد بفضل القرآن ومكانته وتلاوته واقتنائه وحفظه، والاعتصام به، مما يؤكد حرص الائمة (ع) على تعظيمه وتقديسه والعمل به والاستفادة من حكمه وآدابه وتعاليمه، وليس بوسعنا ان نستقصي جميع ذلك، ولا جميع مرويات الكافي التي احاطت بجميع نواحي الخير والفضيلة والاخلاق، وعالجت جميع المشاكل ووضعت لها الحلول التي تتناسب مع جميع العصور.
وقد رأيت ان اختم كتابي هذا ببعض المرويات التي تشعر بتحريف القرآن، وعليها قد اعتمدت من نسب القول بالتحريف الى الشيعة وائمتهم واسقاط بعض الآيات منه.
فمن ذلك ما رواه في باب النوادر عن الاصبغ بن نباتة ان امير المؤمنين (ع) كان يقول: نزل القرآن اثلاثاً، ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وامثال، وثلث فرائض واحكام.
وقد استنتج من نسب القول بالتحريف الى الشيعة من هذه الرواية ان الثلث الذي هو في اهل البيت واعدائهم، قد اسقط من القرآن، بنظر الشيعة لان الموجود بين ايدي المسلمين لم يشتمل على هذا النوع من الثلث صراحة وقد فاتهم ان الذي يعنيه الامام (ع) بهذه الرواية من الثلث
الاول على صحتها هم ومن كان من سنخهم من المؤمنين والطيبين الذين طبقوا مبادئهم وعملوا بما جاء به الانبياء والمرسلون، ويعني بعدوهم كل منحرف عن الحق لا يؤمن بيوم الحساب، ولا يعمل بما امر الله ورسوله، فالآيات التي تعرضت للطيبين والمسارعين الى الخيرات والاعمال الصالحات نزلت فيهم، لان من كان بهذه الصفات فهو منهم بعمله وروحه وايمانه بمبادئهم التي دعا اليها الاسلام وجميع الاديان ونص عليها القرآن لا فرق في ذلك بين الابيض والاسود والعربي وغيره، ولذلك وحده كان سلمان من اهل البيت وتأكيداً لهذا المبدأ قال الرسولصلىاللهعليهوآله : سلمان من اهل البيت.
والآيات التي تعرضت للاشرار والفجار والمنافقين في أي عصر كانوا هي في عدوهم، ولو سبقهم بعشرات القرون، لانهم لا يعادون الا في الله، ولا يحبون الا في الله.
ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: يا محمد اذا سمعت اللّه ذكر احداً من هذه الامة بخير فنحن هم، واذا سمعت الله ذكر قوماً بسوء ممن مضى فهو عدونا.
وجاء عنه (ع) انه قال: نزل القرآن اثلاثاً ثلث فينا وفي محبينا، وثلث في اعدائنا واعداء من كان قبلنا، وثلث سنن وامثال، ولو ان الآية اذا نزلت في قوم ثم مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ولكن القرآن يجري اوله على آخره ما دامت السموات والارض، ولكل قوم آية يتلونها هم منها في خير او شر(١) .
____________________
(١) والمراد من ذلك ان الآية قد يكون موردها خاصاً احياناً، ولكن حكمها يسري على من كان سنخ موردها ولو بعد نزولها بعشرات السنين.
هذا بالاضافة الى ان الرواية من حيث سندها ليست مستوفية للشروط المطلوبة، لان الراوي لهذه الرواية عن الاصبغ بن نباتة كان من المعاصرين للامام الصادق (ع) كما يظهر من كتب الرجال وبينه وبين الاصبغ اكثر من سبعين عاماً، وقد رواه عنه بدون واسطة، وهذا من نوع التدليس في الرواية الموجب لضعفها، وفوق ذلك فهو من المتهمين بالوضع عند المؤلفين في الرجال.
وقد روى داود بن فرقد عن ابي عبد اللّه الصادق (ع) بسند اقرب الى الصحة من الحديث السابق، ان القرآن نزل اربعة ارباع، ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن واحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم، وفصل ما بينكم.
وهذه تنافي الرواية السابقة التي قسمته اثلاثاً، ونصت على ان الثلث الاول نزل في اهل البيت واعدائهم.
واذا كان الثلث الاول فيهم وفي اعدائهم باسمائهم واشخاصهم كما يقتضيه الجمود على ظاهر الرواية، فلماذا لم يحتج عليهم امير المومنين (ع) في الايام الاولى بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله بذلك الثلث، مع انه وقف معهم موقف الخصم المطالب بحقه، واحتج عليهم بمختلف الاساليب، ولم يحدث التاريخ عنه او عن اصحابه وبنيه انهم احتجوا بذلك، ولو صحت الرواية وكان المراد منها المعنى الظاهر لكانت تلك الآيات من اقوى الحجج الدامغة لهم ولكل افاك اثيم.
ومهما كان الحال فالرواية على تقدير صدورها عن الامام (ع) تشير الى ما ذكرناه اولاً.
وروى عن احمد بن محمد بن ابي نصر انه قال: دفع الي
ابو الحسن (ع) مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه، لم يكن الذين كفروا ووجدت فيها سبعين رجلاً من قريش باسمائهم واسماء آبائهم، فبعث الي ابو الحسن (ع) ابعث الي بالمصحف.
وروى عن عبد الرحمن بن ابي هاشم عن سالم بن ابي سلمة انه قال: قرأ رجل على ابي عبد الله (ع) وانا استمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال ابو عبد الله: كف عن هذه القراءة، واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فاذا قام قرأ كتاب الله عز وجل على حدة، واخرج المصحف الذي كتبه علي (ع)، واضاف الى ذلك. ان علياً اخرجه الى الناس حين فرغ من كتابته، فقال لهم، هذا كتاب الله عز وجل كما انزله الله على محمدصلىاللهعليهوآله وقد جمعته من اللوحين، فقالوا هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة فيه، فقال: اما والله ما ترونه بعد يومكم هذا ابداً، انما علي ان اخبركم حين جمعته لتقرءوه(١) .
وروى في كتاب الحجة من المجلد الاول بعض المرويات التي تشير الى تحريفه، وقد عرضنا قسماً منها في الصفحات السابقة وابدينا حولها بعض الملاحظات التي لا مفر منها ونبهنا على ان رواتها من الغلاة والمنحرفين عن مخطط التشيع الصحيح لاهل البيت (ع).
ومن هذه المرويات التي اوردها الكليني وغيره من المحدثين في مجامعيهم تعرض الشيعة وبخاصة الكليني لاعنف الهجمات من السنة وبالغوا في التشنيع عليهم الى حد الغلو والافراط الذي لا مبرر له، وزعموا ان للشيعة قرآناً غير القرآن الموجود بين ايدي المسلمين، ووصف الشيخ ابو زهرة الكليني بالنفاق والخروج عن الدين، ودعا الى التشكيك بجميع مرويات الكافي، لانه دون فيه هذا النوع من الاحاديث، مع العلم بان محدثي السنة دونوا في صحاحهم وغيرها احاديث من هذا النوع لا
____________________
(١) انظر ص ٦٢٧ و ٦٢٨ و ٦٣١ و ٦٢٣.
تقبل التأويل والتوجيه كما يبدو من المرويات التالية التي دونها البخاري في صحيحه.
فقد جاء في المجلد الثاني منه عن ابراهيم بن علقمة انه قال: دخلت في نفر من اصحاب عبد الله الشام فسمع بنا ابو الدراداء فأتانا وقال: افيكم من يقرأ القرآن فقلنا نعم: فقال فأيكم اقرأ فاشاروا الي، فقرأت والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى والذكر والانثى، قال: انت سمعتها من في صاحبك قلت نعم، قال وانا سمعتها من في النبيصلىاللهعليهوآله وهؤلاء يأبون علينا. وما خلق الذكر والانثى.
وفي رواية ثانية ان ابا الدرداء قال لعلقمة كيف سمعته يقرأ والليل اذا يغشى، قال علقمة: والذكر والانثى، قال ابو الدرداء: اشهد اني سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني على ان اقرأ وما خلق الذكر والانثى، والله لا اتابعكم على ذلك.
وروى في المجلد الثاني رواية بهذا المضمون ايضاً(١) .
وروى في المجلد الرابع عن عبد الله بن عباس انه قال: قدمنا المدينة عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلنا الرواح حين زاغت الشمس فوجدت سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل جالساً الى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبتيه، فلم انشب ان خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فانكر علي وقال ما عسيت ان يقول ما لم يقله قبله، فجلس عمر بن الخطاب على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام فاثنى على الله بما هو اهله ثم قال: اما بعد فاني قائل مقالة قد قدر لي ان اقولها لا ادري لعلها بين يدي اجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي ان لا
____________________
(١) انظر ص ٢١٥ ، ج ٣، و ٣٠٧، ج ٢
يعقلها فلا احل لاحد ان يكذب علي، ان الله بعث محمداً بالحق وانزل عليه الكتاب فكان ما انزل عليه آية الرجم فعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ورجمنا بعده، واخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فضيلة انزلها الله.
والرجم في كتاب الله حق على من زنى اذا احصن من الرجال والنساء اذا قامت البينة، او كان الحبل، او الاعتراف، وكنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله، ان لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم ان ترغبوا عن آبائكم.
وروى ايضاً عن عكرمة، ان عمر بن الخطاب قال: لولا اني اخشى ان يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي(١) .
وجاء في النصوص التي تعرضت لها. ان زيد بن ثابت لم يدون آية الرجم في كتاب الله حينما اوكل اليه امر جمع القرآن، لانه كان لا يدون آية الا بشهادة عدلين، ولم يكتف بشهادة عمر وحده، في حين ان آخر سورة براءة لم توجد الا مع خزيمة بن ثابت، فقال ابو بكر اكتبوها: فقد جعل رسول الله شهادته بشهادة رجلين.
وروى في المجلد الثاني عن انس بن مالك ان النبيصلىاللهعليهوآله دعا على الذين قتلوا اصحاب بئر معونة ثلاثين غداة، على رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، واضاف الى ذلك انس، ان الله انزل في الذين قتلوا بئر معونة قرآناً قرأناه، ثم نسخ بعد (بلغوا قومنا ان قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه)(٢) .
____________________
(١) انظر ص ١٧٩ و ٢٦٥، ج ٤.
(٢) ص ١٤٠ ، ج ٢ ولا بد من التنبيه على ان النسخ انما يكون بالنسبة الى الاحكام واما الالفاظ والصيغ فلا نسخ فيها ولذا فان الآيات التي نسخ حكمها في القرآن لم تسقط من اصل القرآن ولم تخرج عن كونها قرآناً منزلاً من الله سبحانه.
وقد ذكرنا سابقاً عن مصحف عائشة كما جاء في الاتقان، وانها تدعي بان الله انزل في القرآن، ان الله وملائكته يصلون على النبي، وعلى الذين يصلون الصفوف الاولى.
وجاء في بداية المجتهد لابن رشد وغيرها، ان القرآن نزل بعشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن، كما جاء في رواية السيدة عائشة.
مع العلم بانه ليس في القرآن ما يشير الي ذلك من قريب او بعيد.
وجاء في الاتقان للسيوطي، عن المسور بن مخزمة ان عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف: لم نجد فيما انزل علينا، ان جاهدوا كما جاهدتم اول مرة، فانا لا نجدها، قال: اسقطت فيما اسقط من القرآن.
وجاء في صحيح مسلم. ان ابا موسى الاشعري بعث الى قراء اهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال انتم خيار اهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وانا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأُنسيتها غير اني قد حفظت منها، لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى غيرهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب وكنا نقرأ سورة نشبهها باحدى المسبحات فانسيتها غير اني حفظت منها، يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في اعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة(١) .
الى غير ذلك من المرويات عند السنة في صحاحهم وغيرها، ومع ذلك فقد تجاهلوا جميع هذه المرويات ونسبوا القول بالتحريف الى
____________________
(١) البيان في التفسير للسيد الخوئي عن مسلم، ج ٣، ص ١٠٠
الشيعة وخدهم، مع العلم بان علماء الشيعة تمشياً مع المخطط الذي وضعه ائمتهم لا يزالون منذ اقدم العصور الاسلامية ينكرون هذه النسبة في كتبهم ومناظراتهم، ويجادلون اصحاب هذه المقالة بالحجج والبراهين، ويثبتون بالادلة التي لا تقبل الريب ان القرآن الموجود بين المسلمين هو المنزل على محمدصلىاللهعليهوآله من غير زيادة او نقصان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا ينكرون وجود بعض المرويات في الكافي وغيره حول هذا الموضوع، ولكنهم يرون ان اكثر تلك المرويات مكذوبة على الائمة (ع) لان رواتها من الغلاة والباطنية كما اشرنا الى ذلك في المباحث السابقة والصحيح منها ليس صريحاً في التحريف بمعنى النقصان لامكان ان يكون المراد منه تحريف المعاني مع الاحتفاظ بالصيغة والالفاظ.
ويؤيد هذا المعنى ما جاء في رواية سعد الخير التي رواها في الكافي عنه، ان ابا جعفر الباقر كتب الى سعد الخير كتاباً اوصاه فيه بتقوى الله، وجاء فيه، وكان من نبذهم الكتاب ان اقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه.
وهذا الرواية تفسر التحريف الوارد في بعض مرويات الكافي وغيره من كتب الحديث والتفسير.
ومن خصوص الزيادة الموجودة في مصحف علي (ع) كما جاء في بعض المرويات، لو تغاضينا عن العيوب الموجودة في اسانيدها والتزمنا بصحتها من ناحية السند، فلا بد وان تكون الزيادات المزعومة من قبيل التفسير والتوضيح للمراد من تلك الآيات عن طريق الوحي او النبيصلىاللهعليهوآله كما نص على ذلك جماعة من علماء الامامية.
ويدل على ذلك ما جاء في الكافي عن ابي بصير انه قال: سألت
أبا عبد الله الصادق (ع) عن قوله تعالى: «اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم». فقال: نزلت في علي والحسن والحسين (ع) قلت له: ان الناس يقولون: فما له لم يسم علياً والحسن والحسين في كتاب الله؟ قال: قولوا لهم: ان رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسم لهم ثلاثاً ولا اربعاً حتى كان رسول الله هو الذي فسر ذلك لهم.
هذا بالاضافة الى ان علياً والمتخلفين معه عن بيعة ابي بكر لم يحتجوا على احد بورود هذه الاسماء في القرآن الكريم ولو كان له ولابنائه ذكر صريح في كتاب الله، لكان احتجاجهم بذلك اجدى وانفع من جميع الحجج التي استدلوا بها على استخلافه بعد النبيصلىاللهعليهوآله كما ذكرنا سابقاً.
ومهما كان الحال فروايات التحريف رواها بعض محدثي الشيعة كالكليني وغيره، ورواها اهل السنة في صحاحهم كالبخاري ومسلم وغيرهما وهي عند السنة اكثر منها عند الشيعة وبشكل ابشع واسوأ اثراً مما رواه محدثوا الشيعة، والذين آمنوا بها من السنة لا يقلون عمن آمن بها من الشيعة، وان كانوا لا يمثلون رأي الجمهور في ذلك، لان اكثرهم من المنكرين لها، كما هو الحال بالنسبة الى الشيعة ايضاً.
ولو ان الذين كتبوا من السنة وقفوا عند عرض وجهة نظر الفريقين واقتصروا على تفنيد هذا الرأي اياً كان قائله، لكان ذلك اقرب الى منطق الدين والعقل، وابعد عن التحيز والتعصب الذي يثير الشحناء والبغضاء ولا يخدم الا العدو الذي يستغل هذه المهاترات لاغراضه ومصالحه.
ولكنهم بدلاً من ذلك، ومع وجود تلك المرويات في صحاحهم ومجاميعهم وقفوا موقف المهاجم العنيد والخصم الحاقد على الشيعة ليقذفوا بمفترياتهم تلك الحصون المنيعة التي بنيت بتعاليم علي واهل بيته الطيبين المستوحاة من الرسول الاعظم والكتاب الكريم ونسي هؤلاء ان
حصونهم وبيوتهم من الزجاح الذي لا يصمد لهبات النسيم فضلاً عن العواصف والاحجار.
لقد تعرض لمسألة التحريف من المتأخرين الشيخ ابو زهرة في كتابيه (الامام الصادق، والامام زيد بن علي) ووصف فيهما الكليني بالنفاق والخروج عن مخطط الاسلام، ودعا الى التشكيك بجميع مروياته في الكافي وفي نفس الوقت تعرض للسيوطي في الاتقان وغيره ممن روى هذه المرويات وانتهى الى النتيجة التالية.
ان ما نقله السيوطي واشباهه لا يجعل مساغاً للتشكيك في دينهم، وان كنا لا نوافق على سرد الاقوال ذلك السرد الذي سلكه السيوطي في كتابه من غير تمحيص لها(١) .
واذا كان السيوطي مع انه دون هذه الاحاديث في كتابه من غير تمحيص لها لا يصح التشكيك في دينه كما يدعي ابو زهرة، فبماذا يعتذر حضرته عن البخاري الذي اختار جامعه من ستماية الف حديث ولا بد وان يكون قد محصها تمحيصاً دقيقاً حتى انتهى الى العدد المختار في صحيحه الذي بلغ نحواً من سبعة آلاف وستماية حديث تقريباً، ومع هذا التمحيص فقد روى احاديث النقص وما يشبهها غرابة واستهجاناً كحديث سحر النبي، ووضع الرب رجله في جهنم، وحديث موسى مع الحجر ونحو ذلك من الاحاديث التي عرضنا قسماً منها، وكتابه اصح كتب الحديث بل اصح كتاب بعد كتاب الله على حد تعبيرهم، واذا اخذنا بمقاييس ابي زهرة يجب التشكيك بدينه والنقد الواعي لجميع مروياته او طرحها، ولكنه لم يطبق هذا المبدأ الا على الكليني وحده.
فقد قال عندما تحدث عن البخاري محاولاً تبرير موقفه من وجود مرويات غير مرضية في صحيحه، قال: والبخاري ذاته هو اصح الكتب
____________________
(١) انظر ص ٣٢٦ من «كتابه الامام الصادق».
اسناداً قد اخذت عليه احاديث، وما كان ذلك مسوغاً لتكذيب البخاري ولا كان ذلك مسوغاً لنقض الصحيح الذي رواه.
ونحن لا ننكر عليه ان وجود بعض المرويات المكذوبة في أي كتاب كان لا يوجب الطعن والتفسيق لصاحب الكتاب، ولا سقوط جميع مروياته، والذي انكرناه انه كان من المفروض عليه وهو يدعي التجرد والاخلاص للحق ان لا يفرق بين الكليني والبخاري، وان يحكم عليهما بحكم واحد، لان كلاً منهما قد روى احاديث النقص والتحريف. واخذت عليه احاديث لا يمكن الالتزام بها والاطمئنان اليها، فلماذا وهو الباحث المجرد على حد زعمه، كانت تلك المرويات المكذوبة في الكافي موجبة للطعن في دينه والتشكيك بجميع مروياته والمرويات المكذوبة في البخاري لا توجب شيئاً من ذلك.
وانني اعود فاكرر ما ذكرته سابقاً من اني لم اتحيز في هذه الدراسات الى فريق معين، ولكنها الحقيقة تفرض نفسها احياناً على الكاتب، فيضطر الى ابرازها مهما كلفه ذلك من ثمن، وانا واثق باني سأتعرض بسبب هذه الدراسات الى النقد والهجوم من مقلدة الشيعة وحشوية العامة الذين احتضنوا كتب الحديث وغالوا في تقديسها على ما فيها من العلل والعيوب، من غير تفكير بالاخطار الناجمة عن وجود تلك المرويات المنتشرة هنا وهناك بين السنة المحمدية والتي تمكن اعداء الاسلام واعداء اهل البيت (ع) من التشنيع عليها وتشويه معالمها النيرة الساطعة.
وارجو ان تكون هذه الدراسات المختصرة تمهيداً لدراسات واسعة تشمل جميع كتب الحديث وتصفيتها من الموضوعات التي تسيء الى السنة الكريمة ومنه سبحانه نستمد العون، والاخلاص في العمل والتوفيق لخدمة الدين والمذهب انه قريب مجيب.
الفهرس
دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري تأليف: هاشم معروف الحسني ١
مقدمة بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم الله و الصلاة على محمد وآل بيته وصحبه الطيبين ٧
الفصل الاول : لمحات عن الكتابة والحديث ومراحل تدوينه ١٣
الفصل الثاني: في أصناف الحديث ٣٣
التواتر عند محدثي السنة ٣٨
اخبار الآحاد واصنافها ٤٠
الحديث وأصنافه عند السنة ٤٨
الحسن ٥١
الضعيف ٥٢
العدالة ٥٨
الفصل الثالث : في الصحابة ٦٣
عدالة الصحابة ٧١
الفصل الرابع : البخاري وصحيحه بنظر المحدثين ١٠٧
الصحيح بنظر العلماء والمحدثين ١١٦
الكليني ١٢٥
الكافي بنظر الشيعة ١٣٠
الكليني يختصر السند أحياناً ١٤٠
الكليني يروي عن الاماميين وغيرهم ١٤٣
موقف السنة من مرويات المخالفين لهم ١٤٥
الفصل الخامس : من رجال البخاري ١٥٩
من رجال الكافي ١٩٢
الواجب في صحيح البخاري ٢٠٢
الواجب في الكافي ٢٠٩
البداء في الكافي ٢٢٠
البداء في صحيح البخاري ٢٢٥
القدر في صحيح البخاري والكافي ٢٢٧
من كتاب العلم في صحيح البخاري ٢٣٣
من كتاب العلم في الكافي ٢٣٨
من كتاب الايمان في صحيح البخاري ٢٤٥
الدجال ٢٨٣
من الكافي ٢٨٤
الايمان والاسلام في الكافي ٣١٨
التقية في الكافي ٣٢٥
من هنا وهناك ٣٤٠
من مرويات الكافي حول القرآن ٣٤٥
الفهرس ٣٥٦