نظرات حول الإعداد الروحي

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ محمد مهدي الآصفي
كتب الأخلاق

نظرات حول الإعداد الروحي

الشيخ محمد مهدي الآصفي


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنّ أكثر ما نحرص عليه - خلال الزوبعة الفكرية - التي نجتازها هو أنْ نأخذ الفكر الإسلامي نقيّاً ومن منابعه الأصيلة وعلى يد علماء أُمناء على دين الله تعالى

ولم ينَل أعداء الإسلام مِن هذا أمراً أخطر من نقاوة وأصالة الفكر ، كما لم يُجاهد العلماء العاملون لأمرٍ أهم من المحافظة على سلامة الفكر الإسلامي من الانحراف والتشويش ، وقد دخل في فكرنا الكثير مِن الفكر الدخيل الذي لا يمتّ إلى الإسلام بصلة ، وأصبح من الصعب معه تمييز ما هو من الإسلام عمّا أدخل عليه ، وقد نبت في تربة هذا الفكر الهجين المختلط الكثير مِن المذاهب والآراء والتصوّرات المنحرفة في التأريخ الإسلامي ، سَواء في المجال العقائدي أو الفقهي أو الأخلاقي او السياسي

ولهذا السبب كانت المحافظة على نقاوة وأصالة الفكر الإسلامي وتطهيره عمّا أُدخل عليه من أهمّ الأدوار والأعمال التي قام بها أهل البيتعليهم‌السلام ومِن بعدهم العلماء الذين ساروا على هديهم.

وكانت قيمة العالم في أدوار الفكر الإسلامي المختلفة في مقدرته على مكافحة الفكر الدخيل والمنحرف والمذاهب الدخيلة والمنحرفة عن الإسلام وتثبيت الفكر الأصيل النابع من منابعه النقيّة الصافية


أقول ذلك بمناسبة التقديم للكتاب الذي بين يدي للشهيد السعيد والعالم الجليل والعبد الصالح الشيخحسين معن ،رحمه‌الله ، فقد تناول في هذا الكتاب موضوعاً شديد الحساسيّة ، كبير الأهمية في حياتنا الإسلامية ، وهو الإعداد الروحي والتربية الروحية ، والبحث في هذا الموضوع يؤدّي كثيراً بالباحثين إلى تصورات غير مكتملة ، وناقصة تنزع نحو الرهبانية ومشاركة الدنيا ، واعتزال الحياة الدنيا ، والحياة الاجتماعية وابتغاء وجه اللّه تعالى في ذلك كلّه. أي بعكس التصور الإسلامي الصحيح الوارد في الكتاب والسنّة تماماً

وقد نشأ في ظلّ هذا التصوّر المنحرف للتنمية الروحيّة والتربية النفسيّة مذاهب منحرفة قامت على أساس بُعدٍ واحد فقط مِن أبعاد الإسلام الأصيلة ، وتكون لهذا الانحراف تاريخ ، وثقافة ، ومؤسّسات ، وامتدادات ، وعلماء ، ومفكّرون

وكلّ ذلك حصل نتيجة الفهم التجزيئي غير الكامل لأُصول وآفاق هذا الدين

ومن خلال قراءتي لهذا البحث رأيت أنّ المؤلف الشهيدرحمه‌الله يتناول هذا الموضوع الخطير من خلال الرؤية الإسلامية الأصيلة والمتكاملة وينظر إلى الإعداد الروحي من زاوية الحركة ، والجهاد ، والعمل ، والدعوة إلى اللّه تعالى ويضَع هذه المسألة موضعها الطبيعي من هذا الدين ، وهو الجو الحركي والسياسي والجهادي ، ويدرسه مِن خلال هذا الجو بالذات على عكس الاتجاهات الفكريّة المنحرفة التي تحاول أنْ تعزل هذا الموضوع الحسّاس والخطير عن واقع الحياة ، والأجواء الحركية ، والسياسية ، والجهادية


فيُحاول المؤلّف قدّس اللّه سرّه أنْ يمزج بين هذين الشطرين من الفكر الإسلامي ، ويؤلّف بينهما ويجعل منهما طيفاً فكرياً واحداً يكمل بعض ألوانه بعضاً ، كما يطلبه الإسلام تماماً في منهجه التربوي والحركي لإعداد الدعاة إلى الله تعالى.

وفي قبال الاتّجاه الانحرافي الذي يعزل مسألة الإعداد الروحي عن جوّ الحركة والجهاد ، هناك سلوك وتوجّه آخر معاكس لهذا التوجّه ، في عزل العمل السياسي والحركي والجهادي عن التربية الروحية ، والزهد في التربية الروحية وتقليل قيمة التهذيب ودوره في الساحة الحركية والجهادية ، وهذا اتّجاه سلوكي خطير لا يقل خطورة عن الاتجاه الأول. وهذا ليس اتجاهاً فكرياً كما كان الأمر في الاتجاه الأول ، وإنّما هو غفلة لدى بعض الغافلين عن أهميّة البناء الروحي ، والتربية النفسيّة في ساحة العمل السياسي والجهادي ، أو غرور يصيب بعض الناس الذين يتحرّكون على الساحة السياسية الإسلامية أحياناً ، فيتصوّرون أنّ العمل السياسي والجهادي والحركي الإسلامي يُغني عن البناء الروحي والتربية النفسية ، والمداومة على ذكر اللّه تعالى والتنفّل والتهجّد ، أو ليس هذا ولا ذاك وإنّما تلهيهم مسائل العمل ومشاغل الحركة والجهاد عن الانصراف إلى البناء الداخلي ، وما يتطلّب من جهدٍ ومداومة على الرياضة النفسية والتهذيب والتزكية

ومهما تكن أسباب هذه الظاهرة ، فهي ظاهرة انحرافية لا يقل خطرها عن الانحراف الأول. فإنّ حاجة الإنسان الذي يتحرّك على ساحة العمل الإسلامي والدعوة إلى اللّه تعالى إلى البناء الداخلي والإعداد الروحي تفوق حاجة الآخرين الذين لا تتجاوز اهتماماتهم شؤون معيشتهم الخاصة مع


الالتزام بالحد الأدنى من التديّن

فإنّ الشيطان لا يتربّص بهؤلاء الدوائر ، ولا يعمد إلى إغرائهم ووسوستهم كما يعمد إلى إغراء ووسوسة أُولئك الذين يعملون في صفوف مواجهة الاستكبار وأذنابه ، ولا يتعرّض أُولئك لمزالق ومخاطر الطريق ، ولا تشبه خطورة سقوط واحد من عامّة الناس خطورة سقوط إنسان يعمل على الخط الحركي على الساحة الإعلامية والسياسية داخل الأُمة ، فإنّ الإنسان الذي يعمل في وسط الأُمة وعلى خط الدعوة والثورة والحركة السياسية إذا سقط لا يسقط وحده وإنّما يُسقط معه أُمة من الناس ، ويجر معه جمعاً من الخطوط الانحرافية والانشقاق ولأمر ما يقال :( إذا هلَك العالِم هلَك العالَم ) ( بالفتح )..

ولكلّ هذه الاعتبارات ، ولغيرها من الاعتبارات والحيثيّات ، تفوق حاجة العاملين في صفوف الحركة والثورة الإسلامية ، والعاملين في الساحة السياسية والإعلامية الإسلامية حاجة غيرهم من الناس إلى الإعداد الروحي والبناء الداخلي والتربية النفسية

لذلك نجد أنّ القرآن الكريم يؤكّد على أهمية البناء الروحي للعاملين بشكلٍ خاص ، ويربط بين هذين الجانبين من شخصيّة الداعية ربطاً وثيقاً

ونستعجل هنا تلاوة هذه الآيات من كتاب اللّه ، قبل أنْ نقرأها في العرض القرآني الرائع التي يذكرها المؤلّفرحمه‌الله ضمنه

( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ


اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (١)

تُرى كيف يتم هذا الاقتران الرائع بين القتال والجهاد في سبيل اللّه ومبايعة اللّه ورسوله ، وبين التوبة والعبادة ، والحمد ، والسياحة ، والركوع ، والسجود.

( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ ) (٢)

ترى هؤلاء القوم الذين وصفهم اللّه تعالى بأنّهم أشدّاء على الكفّار وكأنّهم زُبُر الحديد في مواجهة الكفّار صلابةً وقوّة. كيف يرتسم على وجوههم أثر السجود ، وكيف ترقّ قلوبهم محبّةً وشفقة على المؤمنين وكيف


يكون خشوعهم وتضرّعهم بين يدي اللّه تعالى.

ثمّ نقرأ الآيات التي يُخاطب اللّه تعالى بها نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله داعياً إيّاه إلى الاستقامة في الدين ، والصبر على المواجهة والأذى والصلابة في الموقف مِن الكافرين وألاّ يركنوا إلى الذين ظلموا مِن الجبابرة والمستكبرين ، ثمّ تنتقل هذه الآيات الكريمة من هذا الجوّ المشحون بالصلابة والقوّة والاستقامة إلى جوٍّ عبِقٍ بالصلاة والذكر ، طرفي النهار وزلفاً مِن الليل ، وكأنّما الآيات الكريمة تتحدّث عن وجهي حقيقة واحدة عندما تنتقل من ذلك الجوّ السياسي الجهادي المعبّأ بالعمل والتحرّك والصمود ، إلى هذا الجو العبادي الخاشع بين يدي اللّه تعالى.

( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (٣)

وإليك طرفاً مِن سيرة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّته في عباداته وإقباله على اللّه تعالى في زحمة أعماله السياسية والجهادية في مكّة والمدينة ، ونبذاً من سيرة أهل بيته ومَن اهتدى بهديِهم وسنّتهم


( كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر اللّه(٤)

وكان يتضرّع عند الدعاء حتى يكاد يسقط رداؤه )(٥)

وروى الطبرسي في الاحتجاج عن موسى بن جعفرعليه‌السلام قال : ( كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكي ، حتّى يبتل مصلاّه مِن خشية اللّه عزّ وجل.)

وفي المناقب ( كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكي حتّى يغشى عليه فقيل له : ( أليس قد غفَر اللّه لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر ) ؟ قال : ( أفلا أكون عبداً شكوراً )

وروى الديلمي في الإرشاد : ( أنّ إبراهيمعليه‌السلام كان يسمع منه في صلاته أزير كأزير المِرجل ، مِن خوف اللّه تعالى وكان رسول اللّه كذلك )

وعن الشيخ أبي الفتوح في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال : ( لما نزَل قوله تعالى : ( اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً )

اشتغل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذكر اللّه ، حتّى قال الكفّار أنّه جُن )(٦)

وفي الكافي عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : ( كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوب في كلّ يوم سبعين مرّة ).


وفي التهذيب عن معاوية بن وهب قال : سمعت أبا عبد اللّهعليه‌السلام يقول : ( كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ينام ما شاء اللّه فإذا استيقظ جلس ، ثمّ قلب بصره في السماء ، ثمّ تلا الآيات مِن آل عمران :( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )

ثمّ يستنّ ، ويتطهّر ، ثمّ يقوم إلى المسجد ، فيركع أربع ركعات على قدر قراءته. ركوعه وسجوده على قدر ركوعه

يركع حتّى يُقال متّى يرفع رأسه ؟ ويسجد حتّى يُقال متى يرفع رأسه ؟ ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء اللّه ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات مِن آل عمران ، ويُقلّب بصره في السماء ثمّ يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد فيُوتر ويصلّي الركعتين ثمّ يخرج إلى الصلاة )(٧) .

وعن عروة بن الزبير قال : ( كنا نتذاكر في مسجد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعمال أهل بدر وبيعة أهل الرضوان ، فقال أبو الدرداء : ألا أُخبركم بأقلّ القوم مالاً وأكثرهم ورَعاً واجتهاداً في العبادة ؟ قالوا : مَن ؟ قال : عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام رأيته في حائط بني النجّار يدعو ، ثمّ انغمر في الدعاء فلم أسمَع له حسّاً وحركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، أوقظه لصلاة الفجر فأتيته ، فإذا هو كالخشبة المُلقاة ، فلم يتحرّك ، فقلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون مات واللّه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام

فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم ، فقالت فاطمةعليها‌السلام : ( يا أبا الدرداء ، ما كان مِن شأنه وقصّته ) ، فأخبرتها الخبر فقالت : هي والله يا أبا الدرداء الخشية التي تأخذه من خشية اللّه ، ثمّ أتوه بماء فنضحوا على وجهه فأفاق ، ونظر


إلي وأنا ابكي ، فقال ما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فقلت : بما أراه تنزله بنفسك فقالعليه‌السلام :

( كيف بك إذا رأيتني أُدعى إلى الحساب ، وأيقَن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكةٌ غِلاظٌ شداد ، وزبانية فظاظ ، فوقفْت بين يَدَي الملِك الجبّار وأسلمتني الأحباب ، ورفضني أهل الدنيا لكنت أشدّ رحمةً بي بين يدَي مَن لا تخفى عليه خافية )(٨)

دخل ضرار بن ضمرة على معاوية بعد قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام ( فقال : صف لي عليّاً ؟ فقال : أعفني فقال : أقسمت عليك لتصفنّه

قال : أمّا إذا كان ولا بدّ فإنّه كان واللّه بعيد ، المدى شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنفلّق الحكمة من لسانه ، يستوحش مِن الدنيا وزهرتها ، ويأنَس بالليل ووحشته وكان غزير الدمعة طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب ، كان فينا كأحدِنا يُجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه ونحن واللّه مع تقريبه لنا وقُربه منّا وقربّنا منه لا نكاد نكلمه هيبةً له

يعظم أهل الدين ويُقرّب المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف مِن عدله.

وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله وغارت


نجومه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم(٩) ويبكي بكاءَ الحزين يقول :

( يا دنيا غرّي غيري ، أَبي تعرّضت أم إليّ تشوّقت ؟ هيهات هيهات ، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعةَ لي فيكِ ؛ فعُمرك قصير ، وخطرُكِ كبير وعيشُك حقير ، آهٍ مِن قلّة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق.)

فبكى معاوية وقال : رحِم اللّه أبا الحسن ، قد كان واللّه كذلك فكيف حُزنك عليه يا ضرار ؟ فقال : حزنُ مَن ذُبح ولدها في حجرها ، فهي لا يرقى دمعها ولا يخفى فجعها )(١٠)

( ودخل أبو جعفرعليه‌السلام على أبيه السجّادعليه‌السلام فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد ، فرآه ، وقد اصفرّ لونه من السهر ، ورمضت عيناه مِن البكاء ، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود ، وورمت ساقاه وقدماه مِن القيام للصلاة

قال أبو جعفر : فلم أملك نفسي حين رأيته بتلك الحال من البكاء ، فبكيت رحمةً له ، وإذا هو يفكّر فالتفت إليّ بعد هنيهة وقال :

يا بني ، أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالبعليه‌السلام فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثمّ تركها من يده وقال : مَن يقدر على عبادة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (١١)


وكان إذا توضّأ يصفرّ لونه فيقول له أهله : ما هذا الذي يغشاك فيقول : ( أتدرون لمن أتأهّب للقيام بين يديه )(١٢)

وعن جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام قال : ( كان أبي عليّ بن الحسينرضي‌الله‌عنه إذا حضرت الصلاة يقشعرّ جلده ويصفرّ لونه ، وترتعد فرائصه ، ويقف تحت السماء ودموعه على خدّيه ، وهو يقول : لو علِم العبد مَن يُناجي ما انفتل.

ولقد برَز يوماً إلى الصحراء فتبِعه مولىً له فوجده وقد سجد على حجارة مسحنة(١٣) ، قال مولاه : فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاؤه فأحصيت ألف مرّة وهو يقول :( لا اله إلاّ اللّه تعبّداً ورقّاً ، لا اله إلاّ اللّه إيماناً وصِدقاً )

ثمّ رفع رأسه مِن سجوده ، وأنّ وجهه ولحيته قد غُمِرا بالتراب ودموع عينيه منحدرة على خدّيه)(١٤)

وقال الباقرعليه‌السلام : ( إنّ أبي عليّ ابن الحسينعليه‌السلام ما ذكر نِعَم اللّه عليه إلاّ سجَد ، ولا قرأ آيةً مِن كتاب اللّه عزّ وجل فيها سجود إلاّ سجَد ، ولا دفَع عزّ وجل عنه سوءاً يخشاه أو كيد كائد إلاّ سجد ، ولا فرغ من صلاةٍ مفروضة إلاّ سجد ، ولا وفّق لإصلاحِ بين اثنين إلاّ سجد ، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده فيُسمّى السجاد لذلك )(١٥)

وعن أبي حمزة عن أبيه : ( رأيت عليّ بن الحسينعليه‌السلام في فناء


الكعبة من الليل وهو يصلّي فأطال القيام ، حتى جعل مرّة يتوكّأ على رجله اليُمنى ومرّة على رجله اليسرى ، ثمّ سمعته يقول بصوت كأنّه باك : ( يا سيدي ، تعذّبني وحبّك في قلبي ؟ أما وعزّتك لئن فعلت لتجمعنّ بيني وبين قومٍ طالما عاتبتهم فيك )(١٦)

وإنْ تعجب فعجبٌ أنْ تحرص سيّدتنا زينب بنت عليّعليهما‌السلام أنْ لا تفوتها نافلة الليل ، حتى ليلة الحادي عشَر مِن محرّم على مقربة من الأجساد الطاهرة

فقد رُوي أنّ سيدتنا زينب بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام (١٧) ما تركت تهجّدها للّه تعالى طوال دهرها حتّى ليلة الحادي عشَر مِن المحرّم

وروي عن زين العابدينعليه‌السلام قال : ( رأيتها تلك الليلة تصلّي مِن جلوس )

وعن الفاضل البيرجندي ، عن بعض المقاتل المعتبرة ، عن مولانا السجّادعليه‌السلام أنّه قال : ( إنّ عمّتي مع تلك المصائب والمِحَن النازلة بها ، في طريقنا إلى الشام ، ما تركت نوافلها الليليّة )(١٨)

وقالت فاطمة بنت الحسينعليها‌السلام : ( وأمّا عمّتي زينب فأنّها لم تزل قائمة في تلك الليلة ( أي العاشر من المحرّم ) في محرابها تستغيث إلى ربّها ، فما سكنت لنا عين ولا هدأت لنا رنّة )(١٩) .

وروى الشيخ جعفر النقديرحمه‌الله عن بعض المتتبّعين للإمام السجّادعليه‌السلام أنّه قال :


هوامش المقدمة : -

____________________

(١) - سورة التوبة / ١١٢

(٢) - سورة الفتح / ٢٨

(٣) - سورة هود / ١١٢ - ١١٥

(٤) - سنن النبي ص ٣٥٦ عن المناقب ومجمع البيان

(٥) - سنن النبي عن البحار ج ٥٣ ص ٣٣٩

(٦) - سنن النبي ص ٣٤

(٧) - سنن النبي ص ٣٤

(٨) - سنن النبي ص ٢٤٠ عن التهذيب ٢ / ٣٣٤ والكافي ٣ / ٤٤٥

(٩) - الأنوار العلوية للشيخ جعفر النقدي

(١٠) - السليم : الملدوغ

(١١) - الأنوار العلوية ٤٠٥ - ٤٠٦

(١٢) - كشف الغمّة للاردبيلي ٢ / ٢٩٧

(١٣) - حجارة يسحق عليها الطيب

(١٤) - حلية الأبرار هاشم البحراني ج ٢ ص ١٣

(١٥، ١٦) - نفس المصدر ج ص ٢٤

(١٧) - حلية الأبرار ص ٢ / ١٤

(١٨) - زينب الكبرى للشيخ جعفر النقدي

(١٩) - مثير الأحزان للشريف الجواهري ص ٥٦٠


( أنّ عمتي زينب كانت تؤدّي صلاتها مِن قيام ، الفرائض والنوافل ، وعند سير القوم بنا مِن الكوفة إلى الشام وفي بعض المنازل كانت تصلّي مِن جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت : أُصلّي من جلوس لشدّة الجوع لأنّها كانت تقسم ما يصيبها مِن الطعام على الأطفال )(٢٠)

وما زلنا نتحدّث عن عبادة سيّدتنا زينبعليه‌السلام وانقطاعها إلى اللّه في مسيرتها إلى كربلاء ثمّ إلى الشام والمدينة فلا بأس أنْ نعرض هذه الصور الرائعة التي يذكرها المؤرّخون لأصحاب الحسينعليه‌السلام ليلة العاشر من المحرّم ، يقول المؤرّخون :

( وبات أصحاب الحسينعليه‌السلام في تلك الليلة ، ولهم دوي كدوي النحل ، ما بين راكعٍ وساجدٍ وقائمٍ وقاعد )(٢١) .

سِمةُ العبيد مِن الخشوع عليهم

للّه إنْ ضمّتهم الأسحـــار

وإذا ترجّلت الضحى شهِدَت لهم

بيض القواضب إنّهم أحـــرار

وفي تاريخنا الجهادي والحركي نلتقي كثيراً بهذه المشاهد الرائعة مِن اقتران الجهاد البطولي في ساحات الوغى والدعوة إلى اللّه بالعبادة وتهذيب النفس والابتهال والتبتّل والتهجّد وقيام الليل

ومن أروع هذه المشاهد مشاهد التهجّد والتنفّل على جبهة القتال لجند الإسلام ، حيث يرابط جُند الإسلام على ثغور الدولة الإسلامية ، يستقبلون شظايا القنابل ورصاص العدوّ بصدورهم.


يقف هؤلاء الأبطال في الليالي الظلماء خلف الدبابات على خطّ النار بين يدي ربّهم عزّ وجل ، يناجونه ويتضرّعون إليه ويسجدون على تراب الجبهة ويطيلون السجود والبكاء ، حتى تبتل أرض الجبهة بدموعهم

ولئن كان هؤلاء الأبطال لا يتركون صلاة الليل على خطّ النار وفي مواجهة العدوّ ، فإنّهم يقتفون في ذلك خطى قائدهم الإمام الخميني حفظه اللّه

يقول الشيخ الأنصاري أحد المقرّبين إلى الإمام في ترجمة حياة الإمام حفظه اللّه :

( لم يترك الإمام صلاة الليل منذ خمسين سنة ) فالإمام يتهجّد في كلّ ليلة ، في المرض ، وفي الصحّة ، وفي السجن وخارج السجن ، وفي حالة الإبعاد ، وحتى على سرير مستشفى القلب في الليلة التي أمر الأطبّاء بنقل الإمام مِن قم إلى مستشفى القلب في طهران لم يترك الإمام صلاة الليل في تلك الليلة ، كانت ليلة عسيرة وكان الثلج قد نزل بكميّات كبيرة وبقي الإمام في سيّارة الإسعاف على تلك الحالة عدّة ساعات ، ومع ذلك عندما استقرّ الإمام على سرير مستشفى القلب في طهران بادر إلى صلاة الليل وفي الليلة التي انتقل فيها الإمام من باريس إلى طهران صعد إلى الطابق العلوي مِن الطائرة وصلّى هناك صلاة الليل

( لا يترك الإمام تلاوة القرآن في كلّ فرصة مناسبة ، وعادةً يقرأ القرآن بعد صلاة الصبح ، وقبل صلاة الظهر والعصر ، وقبل المغرب والعشاء ، ويتّفق كثيراً عندما ندخل نحن على الإمام نجده يقرأ القرآن )(٢٢)


وبعد فلا أريد أنْ استرسل أكثر من هذا المقدار في هذه المقولة وأحب أنْ أذكّر إخواني الدعاة إلى اللّه تعالى ، قبل أنْ أقطع هذا الحديث بضرورة الاهتمام بهذا الجانب مِن شخصيّتهم ، فإنّ شخصيّة الداعية لا تتكامل ولا تنمو النموّ اللازم لها ، ما لم يحاول الداعية أنْ ينقطع إلى اللّه تعالى في حياته ، ويشرب قلبه بحبّ اللّه وما لم يأنَس بذكر اللّه ، وإقامة الصلاة في الليالي الداجية الظلماء ، فأنّ البكاء ، والتهجّد ، وتلاوة القرآن في سكون الليل وظلماته يحيي القلوب الميّتة ، ويشرح الصدور ، ويبعث النور في حياة الإنسان

وإذا كان هذا البعد ضرورياً في حياة كلّ إنسان ففي حياة الدعاة أكثر ضرورة وأهميّة. والدعاة أولى مِن غيرهم بالاهتمام بهذا الجانب الحيوي والأساسي في شخصيّتهم

إنّ توثيق العلاقة باللّه تعالى والانقطاع إليه عزّ وجل يؤمّن سلامة المسير والسداد للداعية ، ويقيه عن المزالق والمخاطر ويربط على قلبه في الهزّات والزلازل.

إنّ ثبات الداعية على أرض المعركة والمواجهة ، واستقامته ، ومقاومته للتحديّات وصبره باتّجاه الأزمات والمتاعب ، وقدرته في تجاوز العقبات. لا يأتي فقط نتيجة الوعي والفهم ، والممارسة ، والتجربة والخبرة ، وإنّما يمدّه اللّه تعالى بها ، ويشرح صدره ، فيفرغ عليه صبراً ، ويثبت له على أرض المعركة قدماً ، وينصره على أعدائه.

وهذا المدد الإلهي أكثر ما ينزل على العبد ، ينزل عليه في ساعات


التضرّع ، والبكاء ، والانقطاع إليه تعالى

والتضرّع والبكاء ورقة القلب مِن أفضل الفرَص التي تؤهّل الإنسان لهبوط الرحمة مِن جانب اللّه تعالى

فلا ينال الإنسان رحمة اللّه تعالى ولا يكون قريباً مِن اللّه تعالى كما يكون كذلك عندما يرقّ قلبه ، وتجري عيناه بالدموع ، ويخشع قلبه ، ويقف بين يدَي ربّه قائماً ، أو يطرح نفسه على الأرض ساجداً

وهذه الحالة هي أهم مصادر التسديد والتوفيق والثبات والاستقامة في حياة الدعاة.

والشيطان يكمن للدعاة في كلّ مكمن ويتربّص بهم الدوائر في كلّ فرصة للإيقاع بهم ، وتثبيطهم وزرع اليأس في نفوسهم ، وتحريفهم عن المسير ، وتلبيس الأمر عليهم.

وليس للداعية في هذه المزالق التي يترقّب فيها الشيطان الدعاة غير اللّه تعالى ، ينقطع إليه ، ويتضرّع بين يديه ويسترحمه.

وبقدر ما ينقطع الداعية إليه عزّ وجل يمدّه منه بالرحمة والتأييد والثبات والصبر والسداد.

***

وبعد فلا يسعني في هذه المقدّمة أنْ لا اتحدّت شيئاً عن مؤلّف هذا السفر الجليل : الشهيد السعيد ، والعبد الصالح ، الشيخحسين معن رحمه


اللّه ، الذي اختطفته أيدي الإجرام البعثية من بيننا وهو بعد في غضاضة شبابه الطاهر النقي

إنّ قراءة سريعة وعابرة لهذا الكتاب يكشف عن أنّ كاتب هذا الكتاب لا يتحدث فيه عن دروس ونظريات وأفكار قرأها وسلّم بها ، وإنّما يتحدث عن معاناة ، وأنّ هذه الأشواط التي يصوّرها المؤلّف في الكتاب لتحرّك الإنسان إلى اللّه تعالى. قد قطعها المؤلّف غالباً فجاء الكتاب تعبيراً عن معاناة ومعايشة

وهذه الناحية مِن أهمّ خصائص المؤلّف الشهيدرحمه‌الله ، حيث كان بفضل اللّه تعالى يضم إلى الذهنية الخصبة والفكر الوقّاد ، والنبوغ المبكّر ، والرؤية النافذة. قلباً واعياً وبصيرة نافذة ، وصدراً شرحه اللّه تعالى ، ونوراً في القلب ، وانقطاعاً إلى اللّه ، وتبتّلاً وابتهالاً ويقيناً باللّه.

والى هذا وذاك ، كان يضمرحمه‌الله معاناة الداعية ، وخبرة وتجربة العاملين في سبيل اللّه ، ولا يملّ همّ الدعوة ، ويسعى في تحقيق أهدافها بنفسٍ صابرة مطمئنّة ، لا يعرف التعب والكلل ولا يملّ من العمل ولا يتسلّل إلى روحه الكبيرة اليأس ولا يجزع من ساحة العمل في حالة من الأحوال

كانت مدرسته محرابه ، ومحرابه ساحة عمله وجهاده ، وكان يجمع بشكلٍ يبعث على الإعجال بين هذه السوح الثلاث ، ويعمل فيها جميعاً بتوازنٍ عجيب ، فهو عالمٌ ضليع يراهق الاجتهاد رغم شبابه الغض

وكان يطرح فيه أُستاذه الكبير الشهيد الصدررحمه‌الله آمالاً كبيرة


لمستقبله في الفقاهة والعلم ، وفي نفس الوقت كان يتميّز بروحه الشفافة النقيّة والصافية ، وانقطاعه إلى اللّه تعالى ، وتهجّده ، ودعائه ، ومداومته على ذكر اللّه ، ثمّ كان إلى جنب ذلك مِن خيرة الدعاة إلى اللّه تعالى في الساحة الإسلامية في العراق ، في السرّاء والضرّاء ، لا يكلّ ولا يتعب ولا يعرف اليأس والخوف طريقاً إلى قلبه ، يتّقد نشاطاً وعملاً ، ويبعث في نفوس إخوانه الهمّة ، والنشاط ، والأمل والحركة. وقليل من الناس كذلك وذلك من فضل اللّه تعالى

وإذا علِمنا أنّ الشهيد السعيد الشيخحسين معن قد استطاع أنْ يجتاز هذه الأشواط البعيدة في العمل ويحقّق هذه المكاسب ويبلغ هذه القمم الرفيعة من العلم والعمل وهو بعد في سنّي الشباب لم يتجاوز العشرينات مِن عمره كان أدعى للإعجاب .

***

ومن الحقّ أنْ نقول في هذا الشهيد السعيد وفي الدعوة المباركة التي التزمها ، وامتزجت بدمه ، وروحه ، وعقله وأحاسيسه ، فكانت جزءاً لا يتجزّأ مِن وجوده. أنّ الدعوة الإسلامية هي التي فجّرت هذه الكفاءات والمواهب والقدرات في نفس شهيدنا السعيد ، وأنّه مدين إلى الدعوة بالكثير مِن الكفاءات والقابليّات والمنح.

إنّ الدعوة الإسلاميّة لا تبدع هذه الكفاءات ، وإنّما يبدعها اللّه تعالى بفضله ، ويودّعها حيث يشاء في نفوس عباده ، ولكنّ الدعوة الإسلامية ، وساحات العمل والجهاد تكتشفان هذه المواهب ، والكفاءات ، وتفجرانها


وهذه سنّة اللّه تعالى في حياة العاملين. فإنّ العمل والجهاد كما يأخذان مِن العاملين يعطيانه أيضاً ، وما يعطيان أكثر ممّا يأخذان منه

وقد تفتّحت مواهب هذا الشاب وقدراته في ربيع عمره في هذا الحقل المبارك فأتى ثماره طيّبة شهيّة مباركة.

ولقد هيأ اللّه تعالى لشباب العراق بشكل خاص في الدعوة الإسلامية المباركة فرصة مباركة للنمو والانطلاق والتحرّك ، بعد سنوات عجاف من الخمول والضياع والحيرة والقلق والسقوط. مرّت علىّ العراق وعلى العالم الإسلامي جميعاً

فانطلقت هذه المسيرة تكتسح من أمامها رواسب سنيّ التخلّف ، وتبعث الحركة والوعي والقوّة والعزم في نفوس الشباب.

وفي هذا الوسط الحركي المبارك نشأ جيل من الشباب يتطلّع إلى إقامة حكم اللّه على وجه الأرض ، وتعبيد الإنسان للّه ، وكسر كبرياء الطاغوت وهيبته وإعادة الإسلام إلى صلب الحياة ، وإعطاء الإسلام الدور القيادي الفعّال في حياة الإنسان.

وتحرّك هذا الجيل بهذا الاتّجاه وعمل على تطهير المجتمع الإسلامي في العراق من رواسب سنوات التخلّف ونفوذ الاستكبار ، ومقاومة الحكّام العملاء الذين كانوا يمثّلون مصالح الاستكبار في المنطقة ، ومواجهة التحديّات بصبرٍ وإيمان ، فكان جوّ الدعوة الإسلامية في العراق مزيجاً من الإيمان والفكر والجهاد


وشاء اللّه تعالى أنْ تنطلق هذه المسيرة المباركة مِن النجف الأشرف بالذات ، قاعدة الفقاهة ومدرسة أهل البيت منذ ألف سنة ، وشاء اللّه تعالى أنْ تكون بداية هذه الحركة على يدِ عددٍ من كبار الفقهاء وعلماء هذه الحوزة المباركة ، وشاء اللّه أنْ يكون الرعيل الأوّل مِن أبناء هذه المسيرة خليطاً مِن طلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف وطلبة الجامعات ، تصافحاً وتعانقاً في جوّ الدعوة ، وانطلقا في موكب هذه المسيرة

والذي يعرف ما بذلت أجهزة الاستكبار العالمي وعملاؤه مِن جهدٍ لعزل هذين القطّاعَين المؤثّرين في المجتمع الحوزة والجامعة. يعرف قيمة الدعوة الإسلامية ودورها الكبير في كسر الحواجز النفسية والاجتماعية ، والسياسية بينهما ، وتشكيل مسيرة واحدة منهما.

واستمرت هذه المسيرة المباركة ، حتى التحمت بمسيرة الثورة الإسلامية في إيران ، بقيادة الإمام الخميني حفظه اللّه. في مثل هذا الجو المزدوج العبق : الحوزة العلمية ، والدعوة الإسلامية ، نشأ الشهيد الشيخحسين معن ،رحمه‌الله ، وتفتّحت كفاءاته وإمكاناته ، وانطلق باتّجاه العمل الإسلامي ، وتحرّك ، ودعا ، وكتب ، ودرّس ، وحاضر ، وخطب في الجماهير ، وربّى ، وجاهد ، وكافح جلاوزة البعث ، وسُجن ، وعُذّب في اللّه ، ثمّ استشهد ،رحمه‌الله ، وختم اللّه حياته بمسك الشهادة وآثره بها

***

وإذا ذكرنا الشيخحسين معن رحمه‌الله ، فلا يسعنا أنْ لا نذكر الجهود التي بذلها أستاذه الكبير الفقيه والمفكّر الإسلامي الرائد السعيد السيّد


الصدررحمه‌الله في تربية وإعداد الشهيد

فقد لمّح السيد الشهيد الصدررحمه‌الله في هذا الشاب ملامح الذكاء والنبوغ المبكر والأصالة والنجابة فاحتضنه برعايته الخاصّة وأسبغ عليه عواطفه الأبوية المباركة ، وتبنى تربيته ، وكان يضع فيه ثقته وآمالاً كبيرة

وكان الشهيد الشيخحسين معن يحفظ لأُستاذه الكبير إلى آخر حياته احتراماً وحبّاً خالصاً. فرحم اللّه الأُستاذ والتلميذ ، وحقّق اللّه تعالى آمالهما بسقوط أعمدة الكفر وقيام حكم اللّه على أرض الرافدين ، وسلام عليهما يوم ولِدا ويوم استشهدا ويوم يبعثان حيَّين .

محمد مهدي الآصفي

٢١ / صفر / ١٤٠٥ ه‍ـ

الهوامش

____________________

(٢٠) - زينب الكبرى للشيخ جعفر النقدي ص ٦٣

(٢١) - مثير الأحزان ص ٥٦

(٢٢) - خصائص حياة الإمام الخميني ٢٠، ٢١، ٢٢



نبذة مختصرة عن حياة المؤلّف الشهيدرحمه‌الله

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لا تنطلق العبقرية والعظمة من أماكن معيّنة أو حيّزٍ محدود فحسب ، سواء كان هذا الحيّز عائليّاً أو دراسيّاً أو ما إلى ذلك ، بل قد تنطلق مِن كوخ متواضع في قريةٍ نائية أو من عائلةٍ مغمورة وغير مشهورة بالعلم أو الحكم أو السياسة

في قرية صغيرة من قُرى كربلاء الدم والشهادة والثورة ، كانت تسكن عائلة الحاج ناصر - أحد المتنفّذين في عشيرته (ألبوحِسن ) - وكان الشاب ( معن ) أكبر أولاده متطلّعاً منذ نعومة أظافره لطلب العلم ، ومتشوّقاً للدراسة الدينية ولكن والده يرفض ذلك بشدّة فإذا رأى هذا الشاب طلاب العلم يؤمّون كربلاء للدراسة يبقى متحسّراً لحرمانه من نعمة العلم ، فإذا عرض طلبه على والده زجره بشدّة وأخيراً اعتمد على نفسه فتعلّم القراءة والكتابة من زملائه في القرية ، وقرأ القرآن إلى أنْ صار معلّماً فيه. وعندما رزقه الله ولداً كانت الأُمنية الكبرى في نفسه : أنْ يرى ولده طالب عِلم فلمّا أكمل ولده الصف السادس الابتدائي منعه مِن مواصلة الدراسة في المدارس الرسمية. وعندما بلغ سنّ التكليف ذهب به إلى الحوزة العلمية في كربلاء. وهكذا بدأ شهيدنا حياته الدراسية ، ولم تمضِ عليه في حوزة كربلاء إلاّ عدّة شهور. وبينما كان الوالد يستقبل زوّار الإمام الحسينعليه‌السلام من المشاة في الزيارة الشعبانية ، حيث كان يفتح


بيته لزوّار الإمام الحسينعليه‌السلام في هذه المناسبة استضافه أحد طلاّب العلم(٢٣) في النجف الأشرف ، ودار الحديث حول الدراسة في الحوزة ، فاقترح عليه أنْ ينقل ولده إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، بعد أنْ رأى فيه علائم الذكاء والنبوغ ، رغم صغَر سنّه ، فما كان اليوم الثاني إلاّ وأصبح الوالد في النجف الأشرف ليدخل ولده في مدرسة العلوم الإسلامية

ومن هنا برَزت معالم النبوغ في شخصية شهيدنا ، فجلب ذكاؤه نظر المجدين من طلاب العلم فحظي باهتمامهم ورعايتهم لما يتّسم به من ذكاءٍ خارق ، وذهنٍ ثاقب ، وجدّية منقطعة النظير ، حتى كان الإمام الشهيد الصدر يُسمّيه بالطالب المجد. ومِن جدّيته أنّ الكتاب ما كان لِيُفارقه أبداً ، حتى في المجالس العامّة مع إخوانه فبينما كانوا يتفكّهون في مجالسهم تراه منشدّاً إلى كتابه ، وإذا أشكلت عليه مسألة من مسائل الفقه والأصول تجده يعيدها مرّات ومرّات ولا يتركها حتى يفهمها ، ويهضمها جيداً ، وهكذا استمر شهيدنا بجدية متناهية ، حتى قطع مرحلة السطوح في سنوات لا تتعدّى أصابع اليد ليلتحق بالدراسات العليا المعبّر عنها بـ ( البحث الخارج ) وما مضت سنوات حتى لمع نجمه في حلقات الدرس العليا.

وممّا زاد في جديته وفاعليته انتماؤه لحزب الدعوة الإسلامية عام ١٣٩٠ه ، وظل مندكّاً في هذا التيار المبارك ، رغم الهجمة الشرسة ، التي شنّتها سلطات البعث الكافر في بغداد ، على الدعوة المباركة ، سنة ١٣٩٤ه‍ ، فطورد شهيدنا الغالي على أثرها مطاردة عنيفة جداً ، ممّا حمله على تغيير زيّه ، لمواصلة عمله. وبالرغم من هذا ، لم يكن ليوقفه عن تحصيله ،


فكان يكلّف زملاءه ، بتسجيل محاضرات الإمام الشهيد الصدر والسيد الخوئي ليتابعها يوماً بيوم ، فلما ضاق به الأمر اضطر لأنْ يخرج من النجف الأشرف ليختفي في محافظات أُخرى وبالرغم من هذا الحرَج والمضايقة لم ينقطع عن العمل الرسالي ، فكان يلتقي بإخوانه في أماكن محدّدة ليتدارس معهم ظروف الدعوة فيوصلوا له الأخبار ويأخذوا منه التوجيهات والطروحات الرسالية.

أمّا الساعات التي ينفرد فيها وحده في المكتبة فقد كنت أرى منه : العجب العجاب في الجدية والتهام الكتب بمختلف أنواعها. كنت أراقبه عن كثب فإذا انبلج النهار ثنى ركبتيه وانكبّ على المطالعة إلى وقت الظهر ، وهكذا بقية الليل والنهار لا يتوقّف عن البحث والدرس وقد كنت أُحصي الساعات التي يقضيها في القراءة والبحث حتى كانت تصل إلى ( ١٦ ساعة ) في الليل والنهار وربّما بلغ في بعض الأحيان أكثر مِن ذلك وغالباً ما كنت أراه منكبّاً على الورقة والقلم حتى يطلع الفجر. حتى إذا اعترضت عليه يوماً لكثرة أتعابه قال :

( إنّ هدفنا أوسع وأكبر من أعمارنا ، ونحن يجب علينا في أوقات المطاردة واستحالة التحرّك أنْ ننقطع إلى الدرس والبحث ، وإذا فُسِح لنا المجال للعمل فيجب أنْ ننطلق بكلّ ما أوتينا من قوّة لإقامة الدولة الإسلامية.)

وبناءً على هذا الفهم الحركي نجده في فترة اختفائه وعلى وجه التحديد بعد إعدام كوكبة الدعوة الأُولى سنة ١٣٩٤ هـ - ١٣٩٥ هـ‍

أنتج عدّة بحوث


في ظرف خمسة أشهر منها :

١ - الحرية في الإسلام

٢ - بحث ضخم بعنوان ( العلاقة الفقهية في الاقتصاد الإسلامي )

٣ - شرح الأُسس المنطقية للسيد الصدر

وكُتب أُخرى لا أذكرها جيداً. ولمّا هدأت العاصفة الهوجاء وخفّ الطلب ، عاد مرّة أخرى إلى النجف الأشرف ليواصل عمله بصورةٍ أوسع ، وهنا تجلّت خصاله الرسالية وبرزت شخصيته العلمية ، واستطيع أنْ أوجزها بالنقاط التالية :

١ - الاستماتة في سبيل اللّه :

كان شعاره ( المستميت لا يموت ) وكان يقول : إنّنا نحن الدعاة يجب أنْ لا نفكّر بشيء اسمه الحياة ، حتى قيام الحكومة الإسلامية في العراق ، إنّنا وقود الثورة الإسلامية والتفكير بغير هذا غير صحيح ، فما علينا إلاّ أنْ نتحرّك بجدٍّ وفاعليّة ونشاط ونبذل كلّ شيء في سبيل هذا الهدف العظيم ، حتى تُسفك دماؤنا في سبيل اللّه تعالى.

وكم كان أصدقاؤه يحذّرونه من سطوة الظالمين لحقدهم عليه ، وحبّذوا له الخروج من العراق إلاّ أنّه رفض ذلك بشدّة وأصرّ على مواصلة عمله في العراق وإنْ أدى ذلك إلى استشهاده. وكم مّرة قال : إنّنا باقون ها هنا تُسفك دماؤنا. ولتركّز هذا العنصر في شخصيته ما كان الخوف ليعرف إلى


نفسه طريقاً أبداً ؛ ذلك لأنّه أعطى نفسه للّه. وكان يرى أنّها ملكه يتصرّف بها كيف يشاء

٢ - الجدّية والدأب على العمل :

كان دائب العمل ليل نهار على الصعيدين الفكري والاجتماعي بلا انقطاع ولا توقّف. بين دراسة وتدريس وبحث ، ودعوة إلى اللّه متواصلة لا تفتر ، ولا تلين ، وكنت أرى منه العجب فهو كلّما ازدادت الصعاب ، والمصائب يزداد عزيمة ، ومضاءً ، ومواصلة للعمل

إنّ انبعاثه للعمل بهذه الدرجة يدلّ على أنّ نفسه وصلت إلى حدِّ اليقين في إيمانها بصحّة الفكر الذي نذر نفسه له ، حتى عاد لا يرى في الوجود قوة مؤثّرة غير القوة المطلقة التي آمن بها.

كل هذا كان يُستوحى من سلوكه ، وصموده ، وإصراره على العمل ، كانت تصله أخبار سيّئة جداً فلا تعيقه عن عمله ولا تؤثّر فيه ، بل كان يعتبر ذلك أمراً طبيعياً وخلاصة القول : إنّ الرجل كان دؤوباً مجدّاً في عمله بمستوى قلّ نظيره في أوساط المجدّين.

٣ - الابتكار والتفنّن في أُسلوب العمل والبحث :

منذ سنة ( ١٣٩٤ هـ ‍) وقوى الظلم والعدوان تواصل البحث عنه في كلّ حدب ، وصوب. وما تركت مكاناً تتوقّع أنْ تجده فيه ، إلاّ اقتحمته ، وبأساليبٍ متباينة ، إلاّ أنّها لم تفلح إلاّ بعد ستّ سنوات ، ولم يكن هو المقصود وإنّما كان من باب الصدف

لقد اكتسب مهارة كبيرة في العمل السرّي ، والتملّص من الأعداء ،


والتخفّي عنهم إلى حدّ إنّه دخل السجن باسم مستعار وحكم عليه بالسجن المؤبّد ، ونقل إلى أبي غريب إلى أنْ كشفه اعتراف أحد الموقوفين سامحه اللّه.

وأمّا أُسلوبه في البحث ، والمناظرة فقد كان مبتكراً وجامعاً ومانعاً حيث أنّه كان واسع الثقافة في العلوم الحديثة على شتّى أصعدتها. إضافة إلى تخصّصه في العلوم الإسلامية. كان دقيقاً وأدبياً في المناظرة رأيته وقد ناظر الشيوعيّين ، ودعاة الاشتراكية ، ومروّجي الحضارة الغربية يستمع إليهم إلى أنْ يفرغوا ما في جُعبهم. وبعد ذلك أراه ينقضّ على أفكارهم مفنّداً ، وناسفاً وما يقومون عنه إلاّ وهم قد نبذوا ما جاءوا به.

قصده أحد دعاة الوجودية يوماً ، وبقي فترة يتحدّث له عن الفلسفة الوجودية ، ولما انتهى ، أخذ الشيخ الشهيد يشرح له عن الفلسفة الوجودية ابتداءً بتأسيسها ومروراً بأهدافها وانتهاءً بأسرارها وأبعادها فبقي ذلك الرجل متعجّباً وظنّ أنّه وجودي مثله ، وبعد أنّ شرحها له وشدّه إليه انقض على الفلسفة الوجوديّة وأخذ ينسفها لبنةً لبنة ، إلى أنْ انتزعها مِن ذهنه وقام عنه بعد مجلسٍ طويل ، وهو يقول عنه عجيب أمر هذا العالم ما أعمق ثقافته ! انّه لم يكن كلاسيكياً ، أنّه عميق الفكر

٤ - العمق الثقافي :

كان شهيدنا واسع الباع في العلوم الإسلامية عميق الغور فيها ، وخصوصاً : الفقه والأصول والمنطق والفلسفة على ما وصفه عارفوه من زملائه طلاب العلم


وقد حضرت دروسه في تدريس المنطق وكتاب فلسفتنا واقتصادنا فكان كالسيل المنحدر من جبل شاهق لا يتوقف في مسألة ولا تشكّل عليه قضية ، وكان يشرح كتب السيد الشهيد ويزيد عليها وقد أشار مرّة إلى أنّ اقتصادنا وفلسفتنا - بالرغم من إكباره لهما - بعد إنْ قطعا فترة عشرين سنة من الكفاح الفكري أصبحا الآن بحاجة إلى المزيد من التوسيع لما استجدّ من بحوث فكريّة في الرأسمالية والماركسية والاشتراكية.

كنت أراه دائماً يركّز على بحث الفلسفات الأجنبية الشرقية منها والغربية وكذلك في العلوم الاقتصادية بكلّ أشكالها. مضافاً إلى عمقه الفكري في العلوم الإسلامية. وكان ينوي القيام ببحث مقارن بين القوانين الغربية والدساتير الإسلامية.

كان دائم الاطلاع على ما يستجد من بحوث العلوم الحديثة بصورة مستمّرة قلّما يفوته كتاب يصدر في ذلك ، وعندما تتمعن في مكتبته يأخذك العجب ، وتتصوّر أنْ صاحب هذه المكتبة فيلسوف ماركسي أو يوناني.

وعلى كلّ فإنّ أبا سجاد كان عالماً ، ومفكّراً رسالياً بكلّ ما للكلمة من أبعاد وكان يؤكّد دائماً على زملائه وطلاّبه بقراءة الفكر الإسلامي أوّلاً واستيعابه ، وهضمه ، وتمثيله ، فإذا وصل إلى درجة لا يدخل الشكّ ، في نفسه مِن أي جانب من جوانب الفكر ، انتقل إلى قراءة الفكر المادي بشقّيه الشرقي والغربي. وأخذا الجوانب الايجابية ومقارنته مع الفكر الإسلامي لإبراز معالم القوة في شريعة السماء.


٥ - عمق الوعي الحركي :

اتّسم شهيدنا بروح حركية عالية لا تفتر ولا تلين أبداً في كلّ الظروف ، ولهذا لم يكن يهدأ له بال دون عمَل وخدمة متواصلة للمبدأ السامي رغم تعالي روح الحركية وسيطرتها على نفسه لم يكن ارتجالياً في أعماله ، بل كان دقيقاً في التخطيط والتنفيذ ، وقلّما سلك طريقاً أو قام بعمل قبل أنْ يحسب له ألف حساب

ولهذا واصل عمله في العراق طيلة ست سنوات من المطاردة العنيفة ، المتواصلة في كل مكان ، ولكن لم يثبت على نفسه أي أثر ولم يعطِ أيّ مستمسك يَطمع السلطة الغاشمة فيه. كان عالي الانضباط دقيق التحرّك بين بغداد ، والنجف ، وديالى ، والبصرة متنكّراً ، وحاملاً هوية مزوّرة يعبر بها نقاط التفتيش

وكان عميق الغور كتوماً إلى حدّ كبير بحيث أنّني عشت معه فترة طويلة ، ولم أستطع أنْ أقف على حقيقة انتمائه للدعوة المباركة ، إلاّ بعد أنْ عرفتها مِن بعض أصدقائه وزملائه ، ونتيجة لتفانيه وذوبانه في مبدئه الحركي كان يخرج في أيّام المحنة مِن الصباح ، ولا يرجع حتى منتصف الليل ، متنقلاً من فردٍ إلى آخر يقضي حاجة هذا ويوجّه ذاك وينقذ الثالث من ورطته

٦ - انشداده للثورة الإسلامية في إيران :

عندما انفجرت الثورة الإسلامية في إيران ملكت على شهيدنا كلّ أحاسيسه ومشاعره ووقته ؛ لذا كنّا نراه دائم التفكير فيها ، ويُتابع أحداثها ساعة بعد ساعة ، ويرفد إخوانه بالموقف السياسي ، والتحليل


العميق للأحداث ، ويؤكّد للمؤمنين بما يبعث الأمل في انتصار الإسلام ، ويقول : ( إنّ الإمام الخميني سيعود إلى إيران ، ويقود المسيرة ، ويحطّم كلّ عروش الطاغوت ، وإنّ الانتصار حتميّ إنْ شاء اللّه وعلينا أنْ نكون الامتداد الطبيعي للثورة الإسلامية المظفّرة ، وأنْ نعمل بكلّ جهودنا على إنجاح تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران أكثر مِن اهتمامنا في العراق ؛ لأنّه لا سامح اللّه لو انتكست هذه الثورة ، فلا يقوم للإسلام قائم حتى قيام صاحب الأمر. وعلينا أنْ نعمل بكلّ توجيهات الإمام حفظه اللّه.

ولذلك كان حريصاً كلّ الحرص في بيان أبعاد الثورة وأهدافها ، وعظمتها ، ولذا رأيناه يشدّ الناس إلى قيادة الإمام ، ويعمل على تحصيل صور الإمام ليوزعها في النجف الأشرف وخارجه.)

وكثيراً ما كان يجلب لنا أكثر من كتاب كان ممنوعاً في العراق يومذاك ، وكانت هذه الكتب قد تهرّأت وتلف بعض موضوعاتها من كثرة تداولها

ولا أنسى ذلك الموقف الذي كان يتتبّع فيه عناوين الكتب في مكتبتي ، وأفرز مجموعة من الكراسات منها كتب قد حصلت عليها من دار التوحيد وكان مثل هذه الكتب قليلاً ومحذوراً في العراق آنذاك ، وطلب منّي أنْ يأخذها لينتفع بها الإخوة الدعاة ، فلمّا قلّت له : أرجو المحافظة عليها وإرجاعها قال : إنّ الدعوة المباركة قد علّمتنا إنّ الداعية لا يملك شيئاً ، هذه الأشياء مثل تساهم في تغيير الأُمة وإنّ طلاّبنا بحاجة إليها فينبغي أنْ لا نبخل عليهم(٢٤)


٧ - الإيثار ونكران الذات :

في أيّام المحنة الأخيرة سنة ١٩٧٩ برزت على شهيدنا سمة نكران الذات ، وذوبان المصلحة الخاصة في مصلحة الإسلام إلى حدٍّ لا يصدق. فقد كان الدعاة المشردون من المحافظات الأُخرى يأوون إلى النجف الأشرف للتخفّي فكان أبو سجّاد يبذل كلّ جهده لتأمين اختفائهم وراحتهم ووصلهم بحلقات العمل.

ولهذا تراه يخرج من بيته ويسكن فيه عائلة ، أو عائلتين من المطاردين ويذهب هو ليفتش عن مأوى له ولأطفاله ، ولقد رأيته واللّه يشهد يدور على الطلبة ليأخذ مِن هذا صحناً ، ومن ذاك قدراً ومن ثالث فراشاً ، ليؤمن استقرار الدعاة المشردين حتى خرج من ثلاث بيوت أجرها لنفسه وبقي هو وعائلته في بيت ليس فيه غير فراش لا يكفي لشخص واحد، وتوسد هو وزوجته حجراً في ذلك البيت بعد أن أمّن مأوى أكثر مِن عشرين عائلة مِن عوائل الدعاة في النجف الأشرف ، وكنت أراه فاقد الراحة إذا عرف بأنّ أحد الإخوة الدعاة في حاجة شيء. ولا يهدأ له بال حتى يؤمّنها ، إمّا هو وعائلته فلا يهمّه إنْ وفّرها ، أو لم يوفّرها.

٨ - السمو الروحي :

كان شهيدنا عميق التديّن ، قوي الانشداد إلى اللّه تعالى ، يتجلّى ذلك بدقّة التزامه في الأحكام الشرعية. بصورة واعية تامّة. فإذا ما انفتل إلى صلاته تراه خاشعاً خاضعاً باكياً. وأمّا إذا سكن الليل واختلى بربّه تراه ناحباً متوسّلاً داعياً. وكان يتستّر على أعماله هذه بحيث يُحاول أنْ لا


يعرفها أحد. وأما تكتمه على أعماله ، وعدم ذكرها أبداً ، فقد كان بدرجة عالية جداً فما سمعته يوماً قال أنا الذي قمت بالعمل الفلاني ، أو تحدّث عن انجاز قام به ، أو عن هدف حققه ، أو خطوة خطاها. كان لا يحب أن تذكر أعماله أبداً ، ويحرّم على الشخص الذي عرفها أنْ يذكرها. وكان يبني إعداده الروحي على الحب ، والخوف والرجاء ، كما ذكر ذلك في كتابه الإعداد الروحي.

٩ - تطلعه إلى الشهادة :

أذكر يوماً كنا جالسين في النجف مع مجموعة من الأخوة من طلبة العلم وبعض الدعاة. وأخذ كل منهم يتحدّث عن اعتقاله وتعذيبه ومواقفه وكان أبو سجاد صامتاً يستمع بدقة لعرض الأُخوة فتبسم وقال : ( أظن أنّ اللّه لا يحبّني ولذا فإنّي الوحيد منكم لم يبتلني اللّه بما ابتلاكم ) فضحكنا وعلقنا بفكاهة على كلامه وكثيراً ما سمعته يقول ، وهو ساجد : اللهمّ ارزقنا الشهادة في سبيلك. وكان يؤكّد دائماً إن التطلّع للشهادة من العناصر الرئيسية التي يجب أنْ تتجلّى في شخصية الداعية ، ومن هذا المنطلق كتب في ختام وصيته :

( وأُوصي والدَيَّ إذا رزقني اللّه الشهادة أنْ يجعلا يوم شهادتي كيوم عرسي ) ، وفعلاً عندما سلّمت جثته الطاهرة وقفت والدته المثكولة به لتطلق نغمات الفرح التي أطلقتها يوم عرسه

١٠ - الهمّ الرسالي

كان الهمّ بأمر الإسلام ، وحال المسلمين ووضع الأمة وأوضاع العاملين ، هو الحالة الملازمة لأبي سجاد ، حتى كان يسأل عن كلّ الأمور


المتعلّقة بذلك ، ويُتابع الأخبار والأحداث ويهتمّ بجميع التفاصيل ، ولطالما رأيته يفكّر فيما ينبغي أنْ نعمله ، ونسعى إليه للنهوض بحالة الأمّة وتغييرها بالإسلام ، حتى رأيته يستنكر على العامل في سبيل اللّه أنْ تكون له ساعات يخلَد فيها إلى الراحة والدعة عن العمل ، ومتابعته.

كان في إحدى المرّات وفي شهر رمضان المبارك توّاقاً لزيارة الأماميين العسكريّين في سامراء ولكنّه قال : إنّ الغياب عن العمل ولو لفترة قصيرة هو تفريط وتقصير ، فلا بدّ لي أنْ لا أُسافر سفرةً كهذه ، وإنْ كان ذلك السفر طاعة تتحقّق فيها زيارة الإمامينعليهما‌السلام ، ولكن ظروف العمل لا تسمح بذلك ، ولقد كان يُتابع حالة إخوانه ، ويُتابع شؤونهم المعاشية ، وطبيعة أعمالهم الرسالية ، فهو يسأل عن طبيعة الأعمال التي قام بها إخوانه من علماء المناطق ، وعلاقة المؤمنين بهم ، ويسعى جاهداً لتسديدهم ومناصحتهم(٢٥)

١١ - التقشف والزهد(٢٦) :

لم يكن الشيخ أبو سجّاد يُرى إلاّ وهو في حالة الكادحين المستضعفين ، حتى إنّ أحد الإخوة ممّن كان يراه في بيتي قد ظنّ أنّه عامل ؛ لأنّه لم يرَ عليه ، إلاّ مظهر ضعاف الناس

ولقد صحبته مدّة تزيد على السنة وهو يرتدي نفس الثوب الذي كثيراً ما ألحَحت عليه بتركه ، وطلبت منه أنْ يتقبّل منّي هديّة لاستبداله ؛ لأنّه بالي فرفض بشدّة ، وكان يُجيب أنّه يكتفي به وهو يسدّ حاجته

وحتى الكتاب الذي هو رأس مال طالب العلم ، وقد يفرط في كلّ


شيء ، ولكنّه لا يفرّط في كتابه ، ولا يمكن أنْ يبيعه أو يهديه لأحد ، إلاّ أنّ شهيدنا السعيد الشيخحسين معَن كان يشتري مجموعة من الكتب التي هو بحاجة إليها ثمّ يسرع في قراءتها. واستخراج ما هو محتاج منها إليه ثمّ يرسلها إلى صاحب المكتبة ليبيعها ، أو يستبدلها بكتب أُخرى ينتفع بها بنفس الطريقة ، أو يحتفظ بما هو مهمٌّ منها ، ويضعه تحت تصرّف العاملين .

١٢ - صموده :

استمرّ شهيدنا في جهاده ، حتى نُصب له فخٌّ كافر وقَع فيه وأُدخل السجن باسمٍ مستعار. وضَرب في السجن أرقى آيات الصمود والثبات والمهارة في التخلّص من التهم الموجّهة إليه. إلاّ أنّ أحكام البعثيّين تصدر جزافاً ، وحسب المزاج وإلاّ كيف حُكِم عليه بالسجن المؤبّد باسمٍ مستعار غير معروف ، وحامله مجهول ، ونُقل إلى أبي غريب كسجينٍ حتى كُشِفت الشخصية الحقيقية ، وكان يوماً مشهوداً في دوائر الأمن ، حتى أُقيمت الأفراح في مديرية الأمن العامّة عندما اكتشفوا أنّ هذا الشخص هو الشيخحسين معَن ، الذي قضوا ستّ سنوات في التفتيش عنه وفي هذا الوقت اعتُقِلت عائلته ، والدَه وزوجته وطفلاه سجّاد وعارف .

يروي لنا أحد الموقوفين معه أنّه حين صدر عليه حُكم الإعدام عقدوا له مجلساً مع أساتذة عمل النفس والسياسة والاجتماع ، بإشراف مدير الأمن المجرم سعدون شاكر ، وأخذوا يوجّهون له أسئلة حول حزب البعث وحزب الدعوة ، فانطلق يُبيّن لهم مبادئ الدعوة الإسلامية وأصالتها ، وفساد حزب البعث ، وعمالته فقال له فاضل الزركاني :


- يا شيخ حسين ، لو بقيت معهم ساعتين لجعلتهم دعاة

فردّ عليه شهيدنا البطل قائلاً :

- أعطني نصف ساعة أُخرى لأجعلهم دعاة

***

وهكذا مضى أبو سجّاد إلى ربّه ، مضرّجاً بدمه الثائر مسطّراً أحرفاً من نور ، لتبقى تضيء الدرب للأجيال السائرة في طريق ذات الشوكة اللاحب

فسلامٌ عليك يا أبا سجّاد !

يوم ولدت

ويوم جاهدت

ويوم وقفت تتحدّى الظالمين ، وأنت تحمل نور السماء

والسلام عليك :

يوم تقف بين يدي اللّه تعالى

مخاصماً أعداء الإسلام

***

يا أبا سجاد. وعارف !


إنّ حزني عليك لا ينقضي.

ولا يمكن أنْ أنساك.

فاذكرنا عند ربّك.

فإنّنا إخوتك

وعلى الدرب سائرون.

الحاج أبو حسين الربيعي

١ ربيع الأول ١٤٠٥ ه‍

____________________

(٢٣) - احد الطلاب المهاجرين في الجمهورية الإسلامية

(٢٤) ، (٢٥) ، (٢٦) - تفضل بكتابة هذه النقاط الشيخ أبو محمد الرفاعي


نظرات عامة حول الإعداد الروحي

للشهيد الشيخ حسين معن


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ) (١ - ٨ / سورة المزمّل )

( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (١١١ - ١١٢ / سورة التوبة )


الفصل الأول المقصود من الجانب الروحي


لا نقصد بالجانب الروحي في شخصية الإنسان المسلم كثرة الصلاة والصيام والتعبّد. وإنْ كان لكثرة التعبّد والتنفّل صلةٌ وثيقة بالجانب الروحي في الشخصية.

ولا نقصد بالجانب الروحي كذلك حُسن التعامل مع الناس والأخلاق الحسنة : كالشجاعة ، والعفّة ، والكرم ، والحكمة ، والإحسان ، وما شاكل ذلك وأنْ كان للأخلاق صلةٌ وثيقة بالجانب الروحي

وإنّما نقصد بالجانب الروحي في شخصية المسلم - والذي يعتبر جوهرها ومضمونها - الصلة الداخلية للمؤمن باللّه تعالى ، وانشداده النفسي والعاطفي به تعالى من حيث الإيمان والحب والإخلاص ، وما يُرافق هذه المعاني الثلاثة الرئيسية من خوف ، ورجاء ، وتواضع.. الخ

إنّ المضمون الداخلي المرتبط باللّه تعالى هو الجانب الروحي وهو الذي يشكّل الأساس الذي يُقوّم صَرح الشخصية الإسلامية بالكامل وتصدر عنه عناصرها الأخرى ، وسماتها ، وخصائصها المميّزة عن الناس وعلاقة الإيمان باللّه ، وخوفه ، ورجائه ، والتواضع له والإخلاص. بالعبادة الخارجية من صلاة وصيام وأذكار علاقة تأثير متبادل يؤثّر المضمون الداخلي للمؤمن فينتج عبادة وتنفّلاً وصياماً وقياماً ، وتؤثّر العبادة الخارجية فتزيد في الإيمان والحب ، والإخلاص ، والخوف ، والرجاء ، وكذلك الحال في الأخلاق ، والتربية الروحية هي بالنتيجة بناء هذه العلاقة الداخلية للمؤمن باللّه ، وتنميتها ،


وتحصينها ، والحفاظ عليها

وإذا تحدّدت الآن بصورة مجملة هوية الجانب الروحي والتربية الروحية فبإمكاننا أنْ نطرح السؤال التالي حولها :

ما هي درجة الاهتمام التي يلزم أنْ نعطيها للجانب الروحي ، والتربية الروحية ؟ وهل تستحق التربية الروحية لأنفسنا، وللآخرين جهداً معيّناً ، وما هي درجة هذا الجهد ؟.

وبكلمة أُخرى : ما هو موقع التربية الروحية من العمل الإسلامي ومكانتها فيه ؟

توجد في الجواب على هذا السؤال اتجاهات ثلاثة يسجلها التاريخ الإسلامي وهي :

(١) الاتجاه الصوفي

(٢) الاتجاه السياسي والفكري

(٣) الاتجاه الإسلامي المتكامل.

منهج التقييم

وقبل أنْ نستعرض هذه الاتجاهات بشيء من التفصيل من أجل تقييمها والتعليق عليها ، علينا أنْ نُلمح إلى المنهج الذي يحكم ويجب أنْ نحتكم إليه في تقييم الأفكار التي تنتسب إلى الإسلام وتحسب عليه.


في كل خلاف فكري أو مهمّة فكرية عامة علينا أنْ نرجع إلى المقاييس التي وضعها الإسلام ، ونحتكم إليها ، ونستلهم منها. كتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله وأهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وسيرتهم العطرة الطاهرة ، فعن عليّعليه‌السلام :

( أما أني سمِعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ستكون فِتَن ، قلتُ : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب اللّه ، كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم ، وخبَر ما بعدكم ، وحُكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي مَن تركه مِن جبّار قصمه اللّه ومَن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللّه. هو الذي مَن قال به صدَق ، ومَن حكَم به عدَل ، ومَن عمِل به أُجر ، ومَن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم )(١)

وقال تعالى :

( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (٢)

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( إنّي تركت فيكم مَن إنْ تمسّكتم بهما لنْ تضلّوا مِن بعدي : كتاب اللّه حبلٌ ممدود


مِن السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفونني فيهما ؟)

والرجوع إلى المقاييس التي وضعها الإسلام في معرفة مفاهيمه وعقائده وتشريعاته أمر طبيعي ؛ لأنّنا لا يمكن أنْ نتعرّف على أفكار أيّ شخصٍ أو جهة إلاّ مِن خلال ما يعدّ من أساليب وطُرق في تحديد أفكاره ومواقفه ومِن خلال ما يضعه مِن مقاييس في معرفتها.

والتصوّر الفكري والثقافي عن القرآن الكريم والسنّة المطهرة - قولاً وفعلاً وتقريراً - والاحتكام إليهما في الخلافات لا يتمّ إلاّ بشرطين :

(١) الجهد الفكري بالتتبّع والاستقراء لكلّ ما يتّصل بالمسألة مِن آية ، أو حديث ، أو رواية ، أو موقف ، وعدم تسجيل المواقف ، واتخاذ القرارات الفكرية إلاّ بعد الدراسة الجادّة ، والتتبّع المناسب لهذين المصدرين الأساسيّين

(٢) الانفتاح النفسي على الكتاب والسنّة وأن تكون لدى الباحث فيهما ( روح التلقي ) منها ، وعدم التجاسر ، والتأويل والتدخّل من خلال فرض الأهواء والمسبقات

فإنّ ( المؤمن أخذ دينه عن ربّه ولم يأخذه عن رأيه ) كما ورد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام وعن الإمام الباقرعليه‌السلام في خبر صحيح : ( واللّه ، إنّ أحبّ أصحابي إليَّ أورَعهم وأفقَههم وأكتمهم لحديثنا ، وإنّ أسوأهم عندي حالاً.

وأمقتهم الذي إذا سمِع الحديث يُنسب إلينا ويُروى عنّا فلَم يقبله ، اشمأزّ منه وجحَده وكفَّر مَن دان به وهو لا يدري


لعلّ الحديث مِن عندنا خرَج ، وإلينا أُسند ، فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا )(٣)

وعلينا أنْ نتذكر بصدد تطبيق هذا المنهج ، أنّ اللّه سبحانه خلقنا في هذه الحياة للمحنة ، والابتلاء ، وليس الابتلاء ، الذي خلقنا مِن أجله هو ابتلاء أخلاقيّتنا وعبوديّتنا للّه سبحانه في إطار الطاعة ، والاستقامة على الخطّ الذي يشترعه للناس فقط ، وإنّما أيضاً في مجال ( تلقي ) هذا الخطّ

وتفهّمه ووعيه ، ومِن هنا فإنّه سُبحانه عندما أنزل الرسالة بيّنها للناس. وهداهم إلى خطّها وبصّرهم بمفاهيمها وتشريعها ، ولكن لم يكن هذا البيان من قبله حاسماً حدّياً بل كان قابلاً للأخذ والرد ، والتملّص والركون ، والنفي والإثبات. لم يجعل اللّه تعالى البيان حاسماً ، حتى تكون فتنة واستجابات مختلفة من الناس ووضع المقاييس لكي يقيم الحجّة على الفهم السليم ولكي يحيى مَن حيّ عن بيّنة.

ومن هنا كانت الفكرة مسؤولة وكان الإنسان مسؤولاً عن سمعه وبصره وفؤاده كما هو مسؤول عن عمله

( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ) (٤)

وكان هناك الناجح في فتنة التلقي

( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ


فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (٥)

والفاشل فيها

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ) (٦)

والآن نعود إلى البحث في الاتجاهات العملية الثلاثة في مسألة التربية الروحية ، وندرسها بشيء من التفصيل

____________________

(١) - البيان في تفسير القرآن ص ٢٦ - ٢٧

(٢) - سورة الحشر / ٨

(٣) - الوسائل أبواب القاضي ب ٨ ص ٣٩

(٤) - الإسراء / ٣٦

(٥) - الزمر / ١٩

(٦) - الأنعام / ٣٦

(١) الاتجاه الصوفي

تلقى الاتجاهات الصوفية الآن اهتماماً بالغاً مِن قِبل المستشرقين ، والكتّاب المسلمين التابعين لهم أو المستقلّين عنهم في التفكير ، وتدرس في العادة من التصوّف موضوعات عديدة. منها : لفظته ، واشتقاقها ، ونشأته وعواملها ، وتطوره عبر القرون ، ومفاهيمه التربوية والفلسفية والأدب المتأثّر أو المعبّر عنه. الخ

وتتوّزع المواقف التقييمية - كالعادة - بين رافض للتصوّف غاضب عليه ، وبين مدافع عنه ومؤيّد له ولا يقتصر المؤيّدون للتصوّف والاتجاهات الصوفية على بعض الباحثين الأكاديميّين أو المستشرقين المُعجبين ، بل نجد مَن له شأن يذكر في مجال العمل الإسلامي ، وخدمة الإسلام من يدافع عن الاتجاهات الصوفية ، ويعتبر الروحية الخاصّة أساساً للعمل الجهادي ، ويربط تاريخياً بين المنظمات الصوفية ، وبين الدعوة الإسلامية ، ومن هؤلاء أبو الحسن الندوي في كتابه ( ربانية لا رهبانية ) الذي نشره كما يقول : ( قياماً بالواجب ، واعترافاً بالجميل ،


ودفاعاً عن جماعة تدين لها بعض الأجيال ، وبعض الأقطار بالدخول في الإسلام ، أو البقاء عليه ) ، وأكّد فيه أنّ الجناية على التصوّف جاءت من قبل المصطلح وكثيراً ما يجنى على الأفكار والمفاهيم بسبب المصطلحات

والواقع أنّه إذا كان يقصد مِن الصوفية التأكيد على الجانب الروحي والمضمون الداخلي الباطن ، وكثرة العبادة ، والزهد في الدنيا ، ومجاهدة النفس ، وذكر اللّه كثيراً ، لذلك تكون المنظمات الروحية القائمة على هذا الأساس داخل الإطار الإسلامي شريعة وأخلاقاً ، فكل هذا من الإسلام حثّ عليه الإسلام وربّى أجيالا عليه ، وأمّا إذا كان يُقصد مِن الاتجاه الصوفي هذا الاتجاه الذي نعرفه في التاريخ الإسلامي والذي نضَج في القرنين الثالث والرابع الهجريّين فهو اتجاه ينطوي على بعض نقاط الضعف من الناحية الإسلامية وانتهت به - عند بعض الصوفيين - إلى انحرافات واضحة ، لسنا ننكر من هذا الاتجاه كثرة العبادة ، وعملية التحرير الداخلي للنفس من أسر الشهوة ، والرضى والتوكّل ، فقد قلنا أنّ هذا كلّه من الإسلام إنّما ننكر منه كاتجاه تربوي أمرين

الأول : أنّه يركّز على التربية الروحية والعلاقة باللّه ، منعزلاً عن التأكيد على الجوانب الأخرى الضرورية في الشخصية الإسلامية ، والعمل التربوي الإسلامي يجب أن يهتم ببناء الشخصية الإسلامية مضموناً ، من حيث العلاقة باللّه وحبه وخوفه ورجائه. الخ ، وإطاراً ، من حيث الخلق والانفتاح الاجتماعي والعطاء والجهاد في سبيل اللّه، ومعرفة أحكام الشريعة ، ومفاهيمها. ولا يركز على جانب دون آخر. وبالخصوص فأنّ التأكيد على التربية الروحية عبر الرياضات ، والأفكار ، والمجاهدات - باعتبار أنّ التعامل مع الغيب


يصعب على الإنسان أنْ يكون مستقيماً فيه من دون نهجٍ إلهي يسير عليه ، في ذلك ، بمعزل عن الجوانب الإسلامية الأُخرى من السهل أنْ ينتهي إلى الانحراف والخروج عن خطّ الإسلام السلوكي والفكري في الحياة ، كما سوف نلاحظ ذلك في النتائج التي انتهت إليها الصوفية. ( الثاني ) إنّ ( هدف ) التصوّف لم يكن بناء الإنسان العابد المطيع للّه تعالى ، الملتزم بشريعته المنزّلة منه إلى عباده هدىً ، ونوراً ، ونهجاً ، وحياة ، وإنّما كان هدفه الوصول إلى ( مذاقات الاتصال بالوجود المطلق ) و( الفناء ) في الحقيقة المطلقة ( اللّه) ، أو إدراك الحقائق إدراكاً بالعيان ، والقلب ، و( الكشف ) ، و( العرفان ) ، وغير ذلك من المعاني التي إنّ صحّت من الناحية العلمية ، ولم تكن أوهاماً ضائعة ، فهي لا تصحّ هدفاً لعمل تربوي واسع ينطلق من الإسلام وللإسلام

ونتيجة لنقطتي الضعف هاتين في الاتجاه الصوفي ، برزت انحرافات عديدة عند الكثير من أهل التصوّف على امتداد تأريخه الطويل ، وهذه الانحرافات يتنكّر بعض المتصوّفة لبعضها ، ويتنكر بعض آخر منهم لبعض آخر منها ولكننا نعتبرها نتيجة طبيعيّة لروح ومضمون الاتجاه الصوفي. ومن هنا لم يخل من بعض هذه الانحرافات حتّى التصوّف السني الذي يمثله الغزالي. وفي ( كتابه أحياء علوم الدين ) والذي يعتبر أقربها إلى الشريعة

وترجع الانحرافات التي ابتلي بها الاتجاه الصوفي إلى انحرافات في الممارسات ، وانحرافات في النتائج والأفكار ، ومن هذه الانحرافات العزلة ، وتطليق الحياة الاجتماعية وممارسة السماع والرقص ، والحزن ، وتعطيل


أحكام الشريعة باعتباره الوصول إلى درجة ترتفع معها التكاليف والهجوم المتكرّر على العلوم الشرعية القائمة على أساس السماع لا الكشف ، والإشراق ، وإشكال الانحراف العقائدي من حلول ، وفناء ، واتحاد ، واللغة الخارجة عن حدود الأدب الشرعي مع الله تعالى ، والطابع المستعلي على الرسالة الإسلامية الذي لا يفرّق بينها ، وبين غيرها من الشرائع. إلى آخر ما هنالك مِن انحرافات سجلّها التأريخ على الاتجاه الصوفي.

ولا أظن أنّنا بحاجة إلى تفصيل الكلام في هذه الأخطاء والانحرافات والرجوع إلى تأريخ التصوّف فيها.

شجب الرسالة لإرهاصات التصوّف :

إنّ حركة التصوّف تعتمد على ميل نفسي في كيان الإنسان يؤدّي عند تنميته ، وتغذيته إلى الانحراف. وقد أدّت تراكمات كثيرة إلى ظهور حركة التصوّف في التأريخ الإسلامي ( الانحلال ) الأخلاقي في العالم الإسلامي دخول الكثيرين من غير المسلمين في الإسلام مع احتفاظهم بترسّباتهم الفكرية ، والروحية ، والفلسفة اليونانية والاتجاهات الغنوصية فيها الخ.

إلاّ أنّ كلّ ذلك لم يكن ليعطي أثره لولا أمران :

(١) - الانحراف بالميل الإنساني الفطري إلى التعامل مع الغيب واكتشاف المجهول

(٢) - سوء فهم تأكيد الإسلام على الصلة بالله والمعاني الروحية ،


والأخلاقية الأخرى. فكان من الإنسان أنْ ( اندفع ) من خلال ميله الفطري إلى العزلة والتصوّف ، و( برز ) ذلك باسم القرآن الكريم ، والسنّة المعاصرة مع ( صياغات ) و( تأثّرات ) بالتيارات الفكريّة والدينيّة ، التي تلاقحت عندما تزاوجت الحضارات الإنسانيّة في الإسلام

وبسبب الميل الفطري ، والتأثّر غير المتوازن بتعليمات القرآن الكريم ، والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ظهرت هنا ، وهناك بوادر الاعتزال ، وتطليق الحياة الاجتماعية من أجل العبادة ، ولكن أئمّة الهدى كانوا يقفون أمام هذه الحالات ، ويحوّلون بينها ، وبين التطوّر إلى ما لا ينسجم مع خط الإسلام في الحياة

(١) - قال المفسّرون : ( جلَس رسول الله يوماً فذكّر الناس ووصف القيامة فرقّ الناس ، وبكوا ، واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي ، واتفقوا على أنْ يصوموا النهار ، ويقوموا الليل ، ولا يناموا على الفراش ، ولا يأكلوا اللحم ، ولا الودك ، ولا يقربوا النساء ، والطيب ، ويلبسوا المسوح ، ويرفضوا الدنيا ، ويسيحوا في الأرض ، وهمّ بعضهم أنْ يجب مذاكيره ، فبلغ ذلك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله

فقال لهم :ألم أنبّئكم أنّكم انقطعتم على كذا وكذا ؟ قالوا بلى يا رسول الله ،صلى‌الله‌عليه‌وآله وما أردنا إلاّ الخير فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّي لم آمر بذلك ) ، ثمّ قال : ( إنّ لأنفسكم عليكم حقّاً فصوموا ، وافطروا وقوموا وناموا فإنّي أقوم وأنام وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم ، والدسم ، وآتي النساء ، ومَن رغِب عن سنّتي فليس منّي )

ثمّ جمع الناس ( وهذا أمر له دلالة ) وخطبهم وقال :


( ما بال أقوام حُرموا النساء ، والطعام ، والطيب ، والنوم وشهوات الدنيا ، أما إنّي لست آمركم أنْ تكونوا قسّيسين ورهباناً ، فإنّه ليس في ديني ترك اللحم ، ولا النساء ، ولا اتخاذ الصوامع ، وأنّ سياحة أمّتي الصوم ، ورهبانيّتهم الجهاد )

( اعبدوا الله ، ولا تشركوا به شيئاً ، وحجّوا واعتمروا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصوموا رمضان ، واستقيموا ليستقم لكم ، فإنّما هلَك مَن كان قبلكم بالتشديد ، شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ، فأنزل الله تعالى الآية :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (٧)

(٢) - ونذكر حالة فرديّة في زمان الإمام عليعليه‌السلام وهي :

دخل أمير المؤمنينعليه‌السلام على العلاء بن زياد الحارثي في البصرة - وهو من أصحابه - يعوده ، فلمّا رأى سعة داره قالعليه‌السلام :

( ما كنت تصنع بسعة هذا الدار في


الدنيا ، وأنت إليها في الآخرة أحوج ؟ وبلى إنْ شئت بلغت بها الآخرة ، تقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة )

فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين ، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد ، قالعليه‌السلام : ( وما له ؟)

قال : لبس العبادة وتخلّى عن الدنيا ، قال عليعليه‌السلام : ( عليَّ به ) ، فلمّا جاء قالعليه‌السلام :

( يا عدي نفسه ، لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ، أترى اللّه قد أحلّ لك الطيّبات ، وهو يكره أنْ تأخذها ؟ أنت أهوَن على الله من ذلك )

قال : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة مأكلك ، قال : ( ويحك ، إنّي لست كأنت إنّ الله فرَض على أئمّة العدل أنْ يقدروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره )(٨)

وفي زمن الإمام الصادقعليه‌السلام أصبح ( الزهد ) تيّاراً لشيء من الانحراف ، وحاربه الإمامعليه‌السلام أيضا يقول أحد أصحابه كما في الرواية : ( لأقعدنّ في بيتي ، ولأصلينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربّي ، فأمّا رزقي فسيأتيني

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( هذا أحد الثلاثة الذين لا يُستجاب لهم )


وسأل عن رجلٍ فقير أصابته الحاجة قال : ( فما يصنع اليوم ؟) قيل في البيت يعبد ربّه ، قال : فمن أين قوته ؟

فقيل : من عند بعض إخوانه ، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( والله ، للذي يقوته أشدّ عبادة منه )

____________________

(٧) - مجمع البيان ج ٧ ص ٢٣٥ - ٢٣٦

(٨) - نهج البلاغة نص ٢٠٩

٢ - الاتجاه الفكري والسياسي

قد لاحظنا أنّ التصوّف يركّز بطريقته الخاصّة على التربية الروحية ، ولكن المنعزلة عن ذاتها. والمتوقّع لها أنْ تخرج باستمرار أفواجاً مِن المنحرفين عن الخطّ الإسلامي في الحياة سلوكاً ، وأفكاراً. وقد ساعد على ظهور هذا الاتّجاه كما سبق أنْ أشرنا إليه. التحلّل الأخلاقي ، وتلاقح الفلسفات ، والديانات مضافاً إلى الميل الفطري ، والنزوع الذاتي للتعامل مع الغيب وحث الإسلام على التربية الروحية ، وتطهير النفس وتحريرها

وفي المقابل أدّى التحدّي الثقافي الغربي ، وهجمة التيارات الفكرية والاجتماعية المادية على العالم الإسلامي ، وفقدان السيادة الإسلامية ، والاستعمار العسكري والاقتصادي للبلاد الإسلامية أدّى ذلك كلّه إلى ( ردّ ) فعلٍ إسلامي يؤكّد على الجوانب الفكرية ، والاجتماعية ، والاقتصادية في الإسلام ، وتنبيه المسلمين إلى صلاحية الإسلام للتطبيق والانتهاج ، وقدرته على إسعاد البشرية ، وبناء المجتمع القائد من جديد. كما فعل في الأمس. ويؤكّد أيضاً على محاربة الاستعمار ، والفكر الاستعماري ، والأدوات الاستعمارية في البلاد المسلمة

ولأنّ هذه الأهداف بالمنظور الحسّي أنّما تتحقّق ، بالتوعية الفكرية ، والعلمية على الإسلام ، وتحسيس المسلم بأوضاع المسلمين ، وتخلف العالم


الإسلامي في كلّ الميادين

ولأنّ الغرب تحدّانا فكرياً وفي المنهج الاجتماعي وثقافتنا المعاصرة للكثير من المسلمين هي ( ردّ فعلٍ ) للتحدّي الغربي أقول : لهذا ، أكّد بعض الناس في عملهم التربوي على جانب التوعية الفكرية ، والعلمية وأهملوا التربية الروحية ، وبناء العلاقة بالله في نفوس المؤمنين بالإسلام ، والعاملين في سبيل الله والمستضعفين في الأرض.

وهذا يؤدّي عملياً إلى التورّم الفكري ، والعلمي ، وعدم التوازن في شخصية الإنسان المسلم ، وتغليب الإطار على المضمون ، والفكر على الروح.

والإنسان المسلم - كما هو الحال في المجتمع المسلم - قد يمرّ بحالات يكون فيها نشاطه العلمي ، ونشاطه العقلي ردّ فعلٍ لتيارات معادية. ولكنّه على العموم ينطلق من شخصية أصيلة ، وثقافة أصيلة ، وتاريخ أصيل. وسرعان ما يعيد النظر في أوضاعه ، ويبنيها لا على أساس ( الرد ) ، وإنّما على أساس ( الفعل ) الأصيل الذي يمليه الانتساب إلى السماء ، والارتباط المطلق بالله ، والرسالة الخالدة ذات الشخصية المتميزة بين الرسالات.

ومِن هنا كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً. وينشطون هوناً لا يُستثارون ، ولا يستفزون ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. كيف ؟

لأنّهم لا تبعثهم المخاطبة الجاهلية إلى الردّ. وإنّما هم ( سلام ) إلى حين تقرّر رسالتهم فيه الحرب. وهم ( سلام ) لا يثأرون لأنفسهم ولا ينتقمون لأنفسهم ، وشخصيتهم. ولا يردون على التحديات رداً تستلب فيه ذاتهم


الرسالية ، وشخصيتهم المستقلّة.(٩)

ولمّا كان كلّ عمل. وكل تفكير. إنّما هو من إملاء الرسالة لا إملاء سواها. فعلينا باستمرار أنْ نرجع إليها ، وننطلق منها لنؤكّد بذلك نسبنا الأصيل ، وشخصيتنا الإسلامية.. وعبوديّتنا الكاملة لله تعالى. ونحن في مراجعة الرسالة كتاباً ، وسنّة ، وتاريخاً. نجد للتربية الروحيّة موقعاً أكبر. وأُركّز في طريقة العمل الإسلامي وأهدافه. ولكن في ضمن الإطار الإسلامي. والأهداف الاجتماعية للإسلام.

٣ - الاتجاه التربوي المتكامل

ويعطي هذا الاتجاه التربوي الروحي - بناء العلاقة الداخلية بالله من حيث الحب ، والإيمان ، والأخلاق ، والخوف ، والرجاء ، والزهد ، وما شاكل ذلك ، وبالوسائل المعهودة من الإسلام من الصلاة ، والصوم ، والتنفل بالعبادات ، والذكر ومخالفة الأهواء إلخ..

يعطي هذا الاتجاه التربية الروحية أهمية بالغة ؛ لأنّ الرسالة أكّدت عليها تأكيداً بالغاً ، وأعلت من شأنها وركّزت عليها ، ولكن التأكيد البالغ على التربية الروحية والإعداد الروحي لم يكن تأكيداً مستقلاًّ بهما دون الجوانب الأُخرى ، وإنّما هو ضمن الاهتمام العام بتربية وبناء الشخصية الإسلامية من جميع جهاتها. حتى يكون الإنسان المسلم مجسداً للإسلام في الفكر والروح والسلوك الشخصي والتعامل مع الناس أي متعلقاً بالله تعالى ، ومتعاملاً معه بالطريقة التي يحددها الإسلام لهذا التعامل

وبناء الشخصية الإسلامية. هو الآخر جزء من الاهتمام بالمجتمع ،


والناس ، وعملية الإصلاح ، والتغير الاجتماعي. لأنّ الإسلام كما ينظر في أخلاقه ، وتربيته ، وأحكامه للإفراد كذلك ينظر إلى المجتمع ، والوحدات الاجتماعية التي يتألّف منها الكيان الاجتماعي

وهكذا فإنّ الذي يقوله الاتجاه الإسلامي التربوي المتكامل هو :

(١) - التأكيد البالغ على الجانب الروحي ، وتربية المضمون الداخلي المرتبط بالله تعالى. ولكن باعتبار ذلك ( جزء من كل ) هو بناء الشخصية الإسلامية بمختلف جوانبها الفكرية ، العقائدية ، الروحية ، والأخلاقية ، والاجتماعية

(٢) - أنّ بناء الشخصية الإسلامية الذي تشكّل التربية الروحية جزءاً منه هو الآخر ليس سوى (جزءٌ من كل). وهذا الكل الذي يعتبر الشخصية الإسلامية جزءاً منه هو الإصلاح الاجتماعي ، وتغير أوضاع الناس لتلتئم مع الإسلام، وتصدر عنه.

مناشئ الاهتمام بالتربية الروحية

وللاهتمام بالجانب الروحي ضمن العمل التربوي الإسلامي منشآن أساسيّان :

( الأول ) : إن الإصلاح الاجتماعي لا يتم من وجهه النظر الإسلامية السليمة ، إلاّ من خلال الإصلاح الفردي ، ولن يصلح حال الجماعة إلاّ بصلاح حال الفرد. قال الله تعالى :


( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )

وهكذا فأنّ بناء المجتمع الإسلامي عملية لا تحدث إلاّ مِن خلال نمو كمي وكيفي. في الأفراد المؤمنين العابدين لله أي في الشخصية الإسلامية فان الشخصية الإسلامية من خلال تكاثرها وحدوث بعض المتغيرات الاجتماعيّة ، تتجسّد بشكل مجتمع إسلامي

ولكن ما هي هذه الشخصية الإسلاميّة التي يبشر بروزها كظاهرة اجتماعية بالمجتمع الإسلامي ؟

هل هي الشخصية التي ( تفهم ) الإسلام وتتحسّس بآلام المسلمين ؟ ! أم هي الشخصيّة المنعزلة التي تتعبّد في زوايا المساجد معزولة عن الناس ؟ أم هي الشخصية العالمة المتفقّهة والمستوعبة للتاريخ ؟ أم هي الشخصية الخلوقة ، التي يشير لها الناس بالخُلق الحسن ، وطيب المعاملة ، ولين العريكة ؟ !

الشخصية الإسلاميّة كلّ هذا. وليست شيئاً من هذا. الشخصية الإسلامية هي التي تفهم الإسلام وتعيه وتتحسّس آلام المسلمين هذا صحيح لأنّ ( مَن لم يتفقّه في دين اللّه لم يَنظر الله إليه يوم القيامة ولم يزكِّ له عملاً )(١٠)

ولأنّ


( مَن أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم ) (١١)

الشخصية الإسلامية كثيرة العبادة كثيرة التهجّد تعتزل الناس أياما لأداء حق الله. ثمّ. تعود هذا صحيح أيضاً. وصحيح أيضاً أنّه حسن الخلق مِن أهمّ سمات المؤمن لأنّ ( أكمل الناس أيماناً أحسنهم خُلقاً )

كما ورد عن أبي جعفرعليه‌السلام (١٢)

صحيح هذا كلّه وصحيح أنّ الإنسان المسلم إنسانٌ محسنٌ معطاء ، أنفع الناس للناس وأنفع الناس للرسالة. إلا أنّ كل هذا مِن العلم ، والخلق والعطاء ، والعبادة الخارجية إنّما هو (إطار) الشخصية الإسلامية. وللشخصية الإسلامية ( مضمون ) كما لها إطار و( محتوى ) كما لها شكل.

ومضمون الشخصية الإسلامية. هي العلاقة بالله ، والتعلّق القلبي به إيماناً، وحباً ، ورجاءً ، وركوناً ، وإخلاصاً. هو التحرّر الداخلي من أسر الشهوات ، والعبودية الكاملة لله تعالى. وهذه العبودية الكاملة لله تعالى والعلاقة النفسية ، والقلبية أول ما تشتمل عليه ، أو تقتضيه هو السير وفق ما أمر الله تعالى :( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي )

وتنفيذ إرادته التشريعية لله وهو الذي يحثّ على حسن الخلق ، ويحثّ


على الجهاد ، والعطاء ، والتفقه ، والعلم ، والعبادة ، والذكر ، كانت هذه الأمور شروطاً ضروريّة في الشخصية الإسلامية ، و( إطاراً ) لها نابعاً عن المضمون المذكور

بالإطار والمضمون تتكامل الشخصية الإسلامية ، فالمضمون بلا إطار لا يشكّل شخصية إسلامية ، وكذلك الإطار بلا مضمون لا يشكل شخصيّة إسلامية. وكلّ هذا واضح من قراءة النصوص في ميادين العلاقة بالله تعالى ، وميادين التعامل الاجتماعي ، إذ كما تؤكّد هذه النصوص على حسن الخلق والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والجهاد ، كذلك تؤكّد على اليقين والزهد ، والذكر ، والعبادة ، والتوكّل ، وقيام الليل الخ. وكما تؤكد على هذه تؤكد على تلك.

لا يقبل الإسلام علاقة بالله. إلاّ مِن خلال الالتزام بالشريعة فعن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام عن آبائه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا قول إلاّ بعمل ، ولا قول ولا عمل إلاّ بنيّة ، ولا قول وعمل ونيّة إلاّ بإصابة السنّة)(١٣)

وأدانت النصوص أولئك المتعبّدين الذين لم يقوموا بواجباتهم تجاه الرسالة.

وكذلك لا يقبل الإسلام جهاداً ، أو عملاً ، وغير ذلك إلاّ بالإخلاص


وعلاقة بالله.

( إنّما الأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى ، فمَن غزا ابتغاء مرضاة الله فقد وقَع أجره على الله ومَن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلاّ ما نوى )(١٤)

( ومَن طلب العلم ، ليباهي به العلماء ، أو يُماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه ، فليتبوّأ مقعده من النار ، إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لأهلها )(١٥)

والمضمون ، والإطار يرتبطان بشكلٍ وثيق ، ويتفاعلان فيما بينهما فإنّ المضمون - العلاقة الروحية بالله - يخلق الإطار ، والإطار يخلق المضمون ، ويكمل أحدهما الآخر ليؤلّفا الصورة السليمة للشخصيّة الإسلامية التي أرادها الله.

وقد يحدث أحياناً أنْ يكون أحدهما أضعف مستوى مَن الآخر دون أنّ يمس ذلك الصورة الكلية الشخصية. ولكن التفاوت قد يبلغ حداً معيناً يعينه الإسلام يخرج بموجبه الإنسان عن كونه شخصية إسلامية

وعلى أي حال : فإنّ الجانب الروحي ، والمضمون الروحي للإنسان المسلم هو جوهر ، ومضمون شخصيته الإسلامية فإذا ما أُريد أنْ يبدأ بالإصلاح الاجتماعي من بناء الشخصية الإسلامية ، فمعنى هذا ابتداء


الإصلاح الاجتماعي من تربية الجانب الروحي ، وبناء الصلة بالله تعالى. كجزء من كل ، هو بناء الشخصية الإسلامية والتوعية الفكرية على الإسلام لها دور خاص - يضاف إلى دور التربية الروحية في بناء الشخصية الإسلامية ؛ لأنّ الجهل ، وعدم وعي الإسلام ، روحاً وإحكاماً ، وأفكاراً ، كثيراً ما يفصل مضمون الشخصية الإسلامية عن إطارها ؛ لأنّ ( العامل على غير بصيرة ، كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلاّ بعداً )(١٦)

( ولا يقبل الله عملاً إلاّ بمعرفة ، ولا معرفة إلاّ بعمل ، فمَن عرف دلّته المعرفة على العمل ، ومَن لم يعمل فلا معرفة له ، إلاّ أنّ الإيمان بعضه من بعض )(١٧)

ومن هنا ورد أيضا أنّ ( لا عمل إلاّ بنية ولا عبادة إلاّ بتفقّه )(١٨)

إنّ الشيء الذي لا زال أكثر الناس يجهلونه هو أنّ ( الإيمان بعضه من بعض ) أو التوازن في شخصية الإنسان المسلم ، وإعطاء كلّ شيء من الإسلام حقّه ، الروح والعقل والقلب والإرادة فنرى بعض الناس يؤكّدون على الفكر والثقافة الإسلامية المعاصرة. ويدعون العبادة والتنفّل وبناء القلب ، والروح. ونرى بعضهم على العكس يؤكّد على التعبّد. والتنفّل وبناء الصلة الداخلية بالله ولكنّهم يهملون إطار الشخصيّة الإسلامية ،


ويتركون التفقه والتفقيه والعمل لله تعالى. وكل هذا فيما أظن منبعه عدم وعي الإسلام ، وعدم التلقّي مِن كتاب الله. الذي يعرض في لوحات خالدة هذا التلاحم ، والتكامل ، والترابط الوثيق بين جوانب شخصية المسلم ، ويعضد كتاب الله تعالى ، ويصدر منه كما في باقي مجالات الحديث الوارد عن أهل البيتعليهم‌السلام .

ولنقتصر الآن على ذكر بعض الآيات الشريفة على أمل أنْ نعمل في وقتٍ آخر إنْ شاء الله تعالى على جمع النصوص الحديثية الواردة في خصال المؤمن ، وملامح شخصيته. لكي نعي جيّداً هذا الشمول والتوازن ، والتكامل في شخصية الإنسان المؤمن.

(١)( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (التوبة / ١١١ - ١١٢)

تبيّين الآيتان الترابط بين الجانب الجهادي ، والجانب العبادي ، والعلمي


( الأمر بالمعروف ) في شخصية المسلم(١٩) .

(٢)( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )

(التوبة / ١٢٢)

تُبيّن الآية نحواً من الترابط بين الجانب الجهادي ، والجانب العلمي ، وإنْ كان بالنسبة إلى المجتمع ، لا بالنسبة إلى كلّ فرد.

(٣)( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (٦٤)وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ


وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً * وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَاناً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (الفرقان / ٦٣ - ٧٣)

(٤)( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) (الفتح / ٢٩)

الإعداد الروحي لتحمّل القول الثقيل :

(المنشأ الثاني ) : للاهتمام الإسلامي بالتربية الروحية وبناء العلاقة بالله تعالى هو ، أن التربية الروحية إعداد لتحمّل القول الثقيل ، وأعباء طريق ذات الشوكة بما فيه من تعرّض للإغراءات ، والضوابط ، والمثبّطات ،


والفِتَن. وهذا هو الذي قدّره الله تعالى لرسوله الكريم ، قدّر أنّه سيتعرّضصلى‌الله‌عليه‌وآله لألوان من الضغوط الخارجية ، والداخلية والاجتماعية والنفسية. لتعذيب المشركين واستهزائهم وإغرائهم ، وطول مدّة العمل معهم ، وتصلبهم على الباطل. الخ وسيتعرّضصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى تفكّك في الصف ، وتزلزل المؤمنين إلى آخر ما هنالك من مكاره ، وفتن. قدّر هذا سُبحانه كلّه بالنسبة إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فأعده أولاً.. وفتح له دورة تربوية روحية شاقّة ، ولكنّها ضرورية ، وحاسمة. فما هي هذه الدورة التربوية الروحية ؟ هذا ما تشرحه الآيات الأولى من سورة المزمّل :

( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ) (المزمل ١ - ٨)

وقد مر رسول اللّه بثلاث مراحل من الإعداد والتوجيه والتربية الروحية لتحمّل القول الثقيل :

المرحلة الأولى : مرحلة ما قبل الوحي. من اجل تلقي الكلمة والرسالة إذ كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يَتَحنَّث في غار حراء - قبل البعثة بثلاث سنوات - أي يتطهّر ويتعبّد - وكان تحنّثه ( عليه الصلاة والسلام ) شهراً من كلّ سنة ، هو شهر رمضان يذهب فيه إلى غار حراء على بُعد ميلين


من مكّة ، ومعه أهله قريباً منه فيُقيم فيه هذا الشهر ويطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة ، والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قُدرةٍ مبدعة. وكان اختيارهصلى‌الله‌عليه‌وآله لهذه العُزلة طرفاً من تدبير الله له ، ليعدّه لما ينتظره من الأمر العظيم.

ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه ، ويخلص من زحمة الحياة ، وشواغلها الصغيرة ، ويفرغ لموجبات ، ودلائل الإبداع ، وتسبح روحه مع روح الوجود ، وتتعانق مع هذا الجمال ، وهذا الكمال ، وتتعامل مع الحقيقة الكبرى ، وتتمرّن على التعامل معها في إدراك وفهم

( ولا بدّ لأي روح يُراد بها أنْ تؤثّر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى

لا بدّ لهذه الروح مِن خلوة ، وعزلة بعض الوقت وانقطاع عن شواغل الأرض وضجّة الحياة ، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة لا بدّ من فترة للتأمّل والتدبّر ، والتعاون مع الكون الكبير ، وحقائقه الطليقة ، فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له فلا تحاول تغييره أمّا الانخلاع منه فترة ، والانعزال عنه ، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير ، ومِن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهّل الروح الكبيرة لرؤية ما هو أكبر ، ويدرّبه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع.

( وهكذا دبر الله لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يعدّه لحمل الأمانة الكبرى ، وتغيير وجه الأرض ، وتعديل مسار التاريخ ، دبر له هذه العزلة له قبل تكليفه


بالرسالة بثلاث سنوات ، ينطلق في هذه العزلة شهراً من الزمان ، مع روح الوجود الطليقة ، ويتدبّر ما وراء الوجود من غيب مكنون ، حتى يحين موعد هذا التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله)(٢٠)

هذه هي فترة الإعداد الأولى في حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد كان هدفها أنْ يصل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى مستوى تنزل الوحي عليه وإنْ كانصلى‌الله‌عليه‌وآله من جهة عامة أهلاً لذلك في كلّ حين. لم تكن هذه الفترة من الإعداد بتوجيه مباشر ( وحي ) من الله. لأنّها إعداد الوحي. وإنْ كانت بهداية منه تعالى لرسوله الكريم.

وأمّا الإعداد الثاني للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من الزاوية الروحية فهو الإعداد الروحي بعد الوحي من أجل الدعوة والتبليغ ، وتنمية القدرة على المواجهة ، والصبر ، والتحمّل ، والاستقامة في معامع الطريق. وهو الذي أمر اللّه تعالى رسوله به في أوائل سورتي المزمّل والمدثّر. وإنْ كانت في السورة الأولى أوضح وأجلى. وقد مرّت آياتها بنا عن قريب

ومن الواضح من خلال هذه الآية أنّ الله تعالى إنّما يأمر رسوله الكريم بقيام الليل ، نصفه أو ثلثه ، أو ثلثيه بسبب إنّه سيلقي عليه القول الثقيل. وإنْ قيام الليل بهذا المقدار هو أكثر من غيره قدرةً على بناء الروح وربطها بالله تعالى لتتحمّل القول الثقيل. ومن الواضح أيضاً أنّ القول الثقيل هنا ليس المراد به الوحي ؛ لأنّ الآيات النازلة هي وحي ، ومسبوقة بالوحي. إنما المراد به - والله تعالى أعلم - الأمر بالتبليغ والدعوة والمجاهرة. وهو أمر ثقيل ، بما يلزم عنه من ألوان الاضطهاد الجسمي والنفسي على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والمؤمنين معه ( وأنّ الاستقامة على هذا الأمر بلا تردّد ولا ارتياب ، ولا تلفّت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب ، والمعوّقات ، لَثَقيلٌ ، يحتاج إلى


استعداد طويل - وأنّ قيام الليل والناس نيام ، والانقطاع عن غبَش الحياة اليومية وسفاسفها والاتصال باللّه ، وتلقّي فيضه ونوره ، والأُنس بالوحدة معه ، والخلوة إليه ، وترتيل القرآن والكون ساكن ، وكأنّما يتنزّل مِن الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لغَط بشري ولا عبارة ، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي .إنّ هذا كلّه هو الزاد لاحتمال القول الثقيل ، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر مَن يدعو بهذه الدعوة في كلّ جيل ويُنير القلب في الطريق الشاق والطويل ، ويعصمه مِن وسوسة الشيطان ، ومِن التيه في الظلمات الحافّة بهذا الطريق المنير(٢١) .وتذكر بعض الروايات أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه قاموا - بعد أنْ نزلت أوائل سورة المزمّل - الليل سنة كاملة. وقيل عشر سنين حتى تورمت أقدامهم ، فأنزل الله تعالى عليهم التخفيف الذي في آخر السورة .ونعني بالإعداد الثالث للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تغذيته الروحية أو التوجيهات الروحية المتكرّرة من الله سبحانه. باستمرار مسيرة دعوته المباركة. وهي آيات مبثوثة في القرآن الكريم ، ولعلّ في جمعها ودراستها هي وآيات الإعداد الثاني خيراً كثيراً للمؤمنين. وهي على العموم كانت تتنزّل من أجل تزويد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالطاقة الروحية اللازمة لمواجهة المكذّبين والساخرين ، والجو المتحجّر الذي لا تنمو فيه دعوة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ قليلاً. وبالطبع فإنّ هذه التوجيهات لا تقتصر فقط على الأمر بالعبادة - بالمعنى الخاص - وإنّما تشمل مضافاً إلى ذلك على التذكير. والتصبير والأمر بالتوكّل ، إلى غير ذلك من المعاني الروحية الأُخرى

____________________

(٩) - أمر عظيم له دلالته ما وقع على المستوى الفردي من الإمام أمير المؤمنين ، عندما أهانه عمرو بن عبد ود في معركة الأحزاب وكانعليه‌السلام متمكّناً منه ، إلاّ أنّه أعرض عن قتله ، حتى هدأ غضبه وكان منه ذلكعليه‌السلام حرصاً على أصالة الفعل والإخلاص فيه لله تعالى

(١٠) - أصول الكافي ج ١ ص ٣١

(١١) - أصول الكافي ج ٢ ص ١٦٣

(١٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٩٩

(١٣) - الوسائل أبواب مقدمات العبادات ب ٥ ص ٣٣

(١٤) - نفس المصدر السابق ص ٣٩

(١٥) - أصول الكافي ج ١ ص ٣٣

(١٦)، (١٧) - أصول الكافي ج ١ ص ٤٤

(١٨) - الوسائل أبواب مقدمات العبادات ب ٥ ص ٣٣

(١٩) - في الرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : ( لقي عباد البصري عليّ ابن الحسينعليه‌السلام في طريق مكّة فقال له : يا عليّ تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه إنّ الله عزّ وجل يقول :( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية فقال عليّ ابن الحسينعليه‌السلام : ( أتمّ الآية ) ، فقال :( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ) الآية ، فقال عليّ بن الحسينعليه‌السلام : إذا رأينا هؤلاء هذه صِفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج ) ( الوسائل - أبواب جهاد العدو - ب ١٢) ص ٣٣

(٢٠) - في ظلال القرآن ج ٨ ص ٣٤١

(٢١) - في ظلال القرآن ج ٨ ص ٣٤١


لماذا الإعداد الروحي ؟

عرفنا الآن كيف أنّ اللّه تعالى قدّر لرسوله أنْ يمرّ بفترة إعدادٍ روحي من أجل تحمّل القول الثقيل.

وأنّ ذلك هو زاد المترسّمين خطاه في كلّ جيل. ولكن لماذا ؟ وما هي علاقة حبّ الله تعالى ، والإخلاص له في خوفه ورجائه ، وربط القلب به بتحمّل المكاره وأعباء طريق ذات الشوكة ، وأثقال المسيرة ؟

والجواب على ذلك : أنّ للتربية الروحية علاقة صميمة وارتباطاً وثيقاً بـ( استقامة المسيرة ) على خطّ الإسلام فكرياً وعملياً و( بتجاوز فتنة الاضطهاد ) ، والتعذيب الجسمي والنفسي التي يتعرّض لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه بـ( فعالية ) علمهم و( تماسك ) صفهم. ولنعرض ذلك بشيء من التفصيل فيما يلي :

(١ ) - التربية الروحية واستقامة المسيرة :

ليس من الهيّن أنْ تستقيم مسيرة المؤمنين العاملين في سبيل الله على الخطّ الذي يرتضيه الله تعالى ، ويشترعه الإسلام من الناحية الفكرية المفاهيمية ، والناحية العملية والسلوكية

(١) - لأنّ الحضارة الجاهلية والمفاهيم الاجتماعية المادّية التي كان يعيش في وسطها أصحاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تدعوهم إلى الانحراف. بسبب أنّهم أبناء هذه البيئة التي تعيش هذه المفاهيم الحضارية المادّية ، فمن المعقول أنْ تؤثّر فيهم عن طريق ( الوراثة ) الفكرية و( الإيحاء ) الثقافي


والميل النفسي عند كل إنسان إلى التوافق الاجتماعي واتخاذ الإخلاء ، ولو عن طريق التنازل الفكري والسلوكي

(٢) - ولأنّ استعجال النصر. والنزق واستباق المراحل تدعو هؤلاء المؤمنين إلى التنازل عن بعض أفكارهم ، وتليين مواقفهم من أجل أنْ تجد دعوتهم طريقها إلى قلوب الناس ، وتتقدّم في الجو الاجتماعي ، ولو على حساب بعض جوانبها الرسالية

(٣) - ولأنّ الأهواء الشخصية هنا ، وهناك قد تتجمّع وتظهر في صيغ ثقافية لتعمل على حَرف المسيرة ، وتمييع الشخصية الإسلامية الأصيلة ، والارتباط بالله سبحانه وبرسالته

هذه العوامل وغيرها دواع للانحراف ملازمة لكلّ عملٍ اجتماعي في عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أو بعده. والتربية الروحية شرط ضروري للتعالي على هذه العوامل ، والانفلات من تأثيرها ؛ لأنّ التربية الروحية تقيم المؤمن في علاقة محكمة مع الله. يعبده ولا يعبد سواه ويرجوه ، ويعمل له لا لغيره. يتأثّر بوحيه ، ورسالته ، ويقطع صلته ( التأثر ) بالناس ، ويقيم معهم بدل ذلك صلة ( التأثير ) والتوجيه

لأنّ الانفصال عن الناس وحضارتهم. وعن أهواء النفس وشهواتها لا يتمّ إلاّ من خلال عملٍ تربوي جاد يبني الإنسان فيه نفسه مع الله ويقطعها به عمّا سواه ( يعبده ولا يعبد غيره ، ويرجوه ولا يرجو غيره ، ويخافه ولا يخاف غيره ). وبكلمة يقطع قلبه وشعوره وكيانه عن كلّ شيء عدا الله وما أمر الله به ( أنْ يوصل ) بهذا وحده يمكن أنْ تستقيم وتثبت على


خطّ الإسلام

ونكرّر. ليست الاستقامة المطلوبة هيّنة أو يسيره ونزيد هنا. حتى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه. ومن هنا ينقل عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان يقول : ( شيّبتني هود ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة هود :( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ )

وفي رواية عن ابن عبّاس : ( ما نزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آية كانت أشدّ عليه ، ولا أشقّ مِن هذه الآية ، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له : أسرع إليك الشيب يا رسول الله ، قال : ( شيبتني هود والواقعة )(٢٢)

ولنقرأ هنا مجموعتين مِن الآيات الكريمة نزلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أجل تحصينه - وهو المعصوم - من الحيف ، أو الانحراف عن خطّ الإسلام. وهما مجموعتان عجيبتان تدعوان للتفكير ، والدرس ، والتأمّل الكثير. بشكل واضح بين الاستقامة على الخط. والتربية الروحية

(١)-( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * وَإِنَّ كُلاّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *


فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (٢٣)

(٢) -( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً *. وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً * أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ) (الإسراء ٧٣ - ٨٠)

والآيات التالية لها تعلّق أيضاً بما سبقتها


(٢) - التربية الروحية وتماسك الصف :

تماسك الصف يعتمد على وحدة الأهداف ، والمنطلقات ووحدة المشاعر ، والتعاطف القلبي. ويتعرّض تماسك الصف إلى عوامل التفتيت ، والتجزئة باستمرار. ( اختلاف الآراء ، والمصالح الشخصية التي تغلب على المصلحة العامّة عند بعض الناس ، واختلاف المذاقات والمشاعر الخ ).

والتربية الروحية. وبناء العلاقة بالله تعالى - وتنميتها هي دائماً في صالح التماسك. فإنّ التربية الروحية تعمل على ما يلي :

أ - توحيد المنطلق النفسي للمؤمنين في العمل. ( الدافع والهدف ). حبّ الرسالة ، والرغبة في نشرها وتطبيقها مقابل الرغبات الشخصية ، والأهداف الذاتية التي تختلف عادة من شخص إلى آخر

ب - الحب في الله تعالى ، حبّ المؤمنين ، والأنس بهم والإخوة فيما بينهم والمشاركة الوجدانية(٢٤)

ج - التقيد بالخلق الإسلامي في التعامل بين المؤمنين

د - الحرص على المصلحة الدينيّة والخوف على الرسالة

هذه المعاني الأربعة وما يتفرّع عنها هي أساس التماسك والحصانة من التزلزل والتصدع. وهي معان لا يبنيها سوى الإيمان باللّه ، والإخلاص


له تعالى ، وحبّه الذي ينبسط على المؤمنين ، وكذلك طاعته ، والصبر عليها في مواجهة الأهواء الشخصية ومشاعر الأنا والاستقلال. وهذه الأمور هي جوهر البناء الداخلي الروحي للمؤمن.

( وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (٢٥)

( إنّ سرعة ائتلاف الأبرار إذا التقوا ، وإنْ لم يظهروا التودّد كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الأنهار ، وإنّ بُعد ائتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا وإنْ اظهروا التودّد بألسنتهم كبُعد البهائم مِن التعاطف وإنْ طال اعتلافها على مذود واحد )

(٣) - التربية الروحية ، والثبات على الدين :

وأوضح ممّا سبق صلة التربية الروحية ، والثبات على الدين في الأيام الصعبة ، وامتصاص المحن ، والحرب النفسية والاضطهاد الجسمي ، والنفسي الذي تواجه به الجاهليةُ أصحابَ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومَن بَعدهم ، ومَن قَبلهم أتباع الرسل والأنبياء. إنّ الصمود في المحن والبلاء. وفتنة العذاب والمواجهة هو سمة المؤمنين في القرآن الكريم :

( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ


الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (٢٦)

( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (٢٧)

( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (٢٨)


إلى آخر ما هنالك من آيات الصمود الإيماني في مواجهة قوى الضغط والعذاب

كيف أتيح لهذه الأفواج المؤمنة أنْ تصمد في وجه التحدّيات ، وتواجه الآلام ، والإغراءات ، والاضطهاد بالصبر والثبات؟ وما هو غذاء أصحاب موسى ، وأصحاب الأخدود الربيّين ، وأصحاب محمد في رحلة المكاره ، والمصاعب ؟ وبأي وقود استطاعوا الثبات ، والتحدي ، حتى وهم تحت سياط الجلادين ، وقبضة الطغاة ؟

كان غذاؤهم ، وعزاؤهم ، ووقودهم في كل هذه المرحلة الزهد

( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ )

وذكر الله ، والتوكّل عليه ، واحتسابه

( وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )

( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )

( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )

والتطلّع إلى ثواب الله تعالى في اليوم الآخر ، واسترخاص هذه الحياة الزائلة إلى حيث تلك الحياة الخالدة. والأُفق الواسع في تصور الحياة ، ووعي حركتها ، وقلة متاع الظالمين. وهكذا خوف الله واستشعار


مراقبته. وهذا هو أيضاً جوهر التربية الروحية

وأمثلة الصابرين بالله تعالى في المحنة ، والبلاء بسبب عمق صلتهم بالله تعالى ، وشديد تعلقهم به كثيرة جداً نعرف الكثير منها ، ونجهل الكثير.

سجل القرآن الكريم بعضها وسجل التأريخ بعضها الآخر ، وأسدل ستار الزمن على الكثير مِن صبر الصابرين في الله. ونحن هنا نستشهد بالمثالين التاليين ، في كلّ تلك الحوادث :

١ - عن الفضل بن شاذان أنّه ( سعي بمحمد بن أبي عمير إلى السلطان : انّه يعرف أسامي عامة الشيعة بالعراق ، فأمَره السلطان أنْ يسميهم فامتنع ، فجر ، وعلق بين ( العقارين ) نخلتين ، وضرب مِئة سوط قال الفضل فسمعت ابن أبي عمير يقول : لما ضربت فبلغ الضرب مِئة سوط أبلغ الضرب الألم إليّ ، فكدت أنْ أُسمّي فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبد الرحمان يقول : يا محمد بن أبي عمير ، اذكر موقفك بين يدي الله تعالى ، فتقوّيت بقوله فصبرت ، ولم أُخبر ، والحمد لله )(٢٩)

٢ - ومِن أروع ما يرويه الأصفهاني عن مجموعة الحسنيين التي سُجنت من قِبل المنصور ، لعدم معرفته بمكان محمد بن عبد اللّه ( ذو النفس الزكية ) الذي كان قد بُويع بالخلافة سرّاً منذ العهد الأموي ، ما رواه عن عليّ بن الحسين العابد الذي كان ضمن هذه المجموعة الصابرة

(أ) - عن أحد السجناء منهم : حبسنا في المطبق ، فما كنا نعرف


أوقات الصلاة إلا بأجزاء القرآن يقرأها علي بن الحسن

(ب) - وفي رواية : لمّا حمل بنو الحسن إلى أبي جعفر أتى بأقياد يُقيّدونه بها ، وكان عليّ بن الحسن قائماً يُصلّي وكان في الأقياد قيدٌ ثقيل ، فجعل كلّما قرُب إلى رَجلٍ تفادى منه واستعفى ، فانفتل عليّ من صلاته فقال: (لشدّ ما جزعتم شرعه هذا ). ثمّ مدّ رجليه فقُيّد به .

(ج) وعن أحد السجناء : لمّا حُبسنا كان معنا عليّ بن الحسن وكانت حلَق أقيادنا قد اتّسعت ، فكنّا إذا أردنا صلاة أو نوماً جعلناها عنّا ، فإذا خفنا دخول الحرّاس أعدناها ، وكان عليّ بن الحسن لا يفعل فقال له عمّه : يا بني ، ما يمنعك أنْ تفعل ؟ قال : (لا واللّه لا أخلعه أبداً حتى أجتمع أنا ، وأبو جعفر عند اللّه تعالى فيسأله لم قيّدني به ؟)

(د) - وعن أحدهم : لمّا دخلنا السجن قال عليّ بن الحسن : (اللهم إنْ كان هذا من سخط منك علينا ، فأشدد حتى ترضى )

(ه‍) - وعن الحسن بن نصر قال : حبَسهم أبو جعفر في محبس ستّين ليلة ما يدرون بالليل ، ولا بالنهار ، ولا يعرفون وقت الصلاة ألاّ بتسبيح عليّ بن الحسن ، قال فضجر عبد الله ( أبو محمد ) ضجرة فقال : يا علي ، ألا ترى ما نحن فيه من البلاء ؟ ألا تطلب إلى ربّك عزّ وجل أنْ يخرجنا من هذا الضيق والبلاء ؟ قال : فسكت عنه طويلاً ، ثمّ قال : (يا عم : إنّ لنا في الجنّة درجة لم نكن لنلقيها إلاّ بهذه البليّة ، أو بما هو أعظم منها ، وإنّ لأبي جعفر المنصور


في النار موضعاً ، لم يكن ليبلغه حتى يبلغ منّا مثل هذه البلية ، أو أعظم منها ، فإنْ تشأ تصبر فما أُوشك فيما أحسبنا أنْ نموت ، فنستريح من هذا الغم ، كأنْ لم يكن منه شيء. وإنْ لم تشأ أنْ ندعو ربّنا أنْ يخرجك من هذا الغم ، ويقصد بأبي جعفر غايته التي له في النار فعلنا ، قال : لا ، بل أصبر. فما مكثوا إلاّ ثلاثاً حتى قبضهم الله إليه(٣٠)

(ط) - ومن روايات أبي الفرج أيضاً ، وعن أبي عبد اللّه ابن موسى قال : سألت عبد الرحمان بن أبي الموالي وكان معه بنو الحسن بن الحسن في المطبق : كيف كان صبرهم على ما هم فيه ؟ قال : كانوا صبراء ، وكان فيهم رجل مثل سبيكة كلّما أوقدت عليه النار ازدادت خلاصاً وهو إسماعيل بن إبراهيم ، كان كلّما اشتدّ عليه البلاء ازداد صبراً(٣١)

هذه بعض الآثار العملية الهامّة للجانب الروحي. وهناك آثار أخرى : فالمؤمن العامل يصدر عن خلفية إيمانية ، ورصيد روحي كبير ، وعلاقة وثيقة باللّه تعالى هو الأكثر اندفاعاً ، وإنتاجاً ، والأكثر ثباتاً ، واستقراراً في ظلّ المتغيرات الحياتية ، من رفاه ، ورخاء إلى محنة وابتلاء ومن انفتاح الناس ، وتقبلهم إلى جفائهم ، وتكذيبهم ، ومن بساطة العمل للّه إلى التعقد ، والتشابك ، إنّ الإيمان وحده بما له من آثار في النفس ، والشعور هو وحده القادر على الجمع بين الاندفاع في العمل ، والهدوء في المشاعر والتسامي في الوجدان ، وهي معانٍ من أصعب المعاني في مجال التربية

كيف لا ينطلق المؤمن من الإثارة الخارجية ؟ وكيف لا تهزّه العواطف والمتغيّرات ؟ وكيف لا ينشغل بجزئيّات الحياة عن الاهتمامات الرسالية


الكبرى ؟ وكيف لا يضيق صدره من مواجهات التكذيب والسخرية ويحتفظ بطمأنينة ورباطة جأشه في أحرج اللحظات ؟ وكيف يحتفظ بدرجة اندفاعه ، وينمو عنده هذا الاندفاع في مختلف الظروف والأحوال ؟ !

وأخيراً. كيف يحافظ على استقامته الشرعية في معمعة العمل الاجتماعي ، وضوضاء الحياة ؟

والجواب : إنّ كل هذا ليس له سوى منبع واحد. هو الإيمان حينما يثبت في الجوارح كلّها في القلب والمشاعر ، والإرادة ، والوجدان

التربية الروحية وعمل الأئمّة :

ومن الواضح تاريخياً ، أنّ الأئمة كانوا عموماً يعملون به لأجل بناء ، وتكوين الشخصية الإسلامية المتكاملة كنقطة مشتركة ضمن النقاط المشتركة في عملهمعليهم‌السلام . وكانت الشخصية الإسلامية في وعيهم بوصفهم المعبّرين الحقيقيين عن الإسلام هي هذا التلاحم ، والتكامل بين الإطار الأخلاقي الشامل للعطاء الاجتماعي ، والعمل الرسالي ، وبين المضمون والمحتوى الروحي الذي يتمثل في العلاقة بالله تعالى

كانواعليهم‌السلام يواجهون عملية التحلل الأخلاقي ، والانصراف للدنيا والبعد عن الله. والتنصل عن عبادة الله تعالى ، وكانوا يواجهون الانحرافات العملية في الجماعة ، التي أفرزها عملهم ، عندما حولت بعض قطاعاتهم الولاءات إلى أداة للتنصّل عن الالتزام الشرعي ، ولتبرير الوضع المتحلّل بدلاً من أنْ تفهمه على حقيقته ، بوصفه عاملاً من عوامل الاستقامة،


والالتزام بالشريعة ، وكانوا أولاً وأخيراً. ينطلقون من دورهم الإيماني في الحياة الذي يتمثل - فيما يتمثل فيه - بتكوين أجيال مؤمنة تحمل الرسالة إلى العالم باستمرار. فيعملون على ذلك بمختلف الأساليب

وقد سجّلت المجاميع الحديثية النصوص الواردة عنهم حول الإيمان والأخلاق والتربية الروحية ، حول الشخصية الإسلامية وبنائها فبلغ ذلك من الكثرة مبلغاً عظيماً.

ونحن هنا نسجل شيئاً من تلك النصوص التي تربط بين الولاء ، والتشيع لخطّ أهل البيتعليه‌السلام ، وبين العلاقة الروحية بالله تعالى :

(١) - عن أبي جعفرعليه‌السلام : ( لا تذهب بكم المذاهب ، فواللّه ما شيعتنا إلاّ من أطاع الله عزّ وجل )(٣٢)

(٢) - عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال لي : ( يا جابر ، أيكتفي مَن ينتحل التشيّع أنْ يقول بحبّنا أهل البيت فواللّه ما شيعتنا ، إلاّ من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون يا جابر إلاّ بالتواضع ، والتخشّع ، والأمانة ، وكثرة ذكر اللّه والصوم والصلاة )(٣٣)

(٣) - عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام في حديث :

( ما أقلّ والله مَن يتّبع جعفراً منكم ، إنّما أصحابي مَن اشتدّ ورعه ، وعمل لخالقه ،


ورجا ثوابه ، فهؤلاء أصحابي )(٣٤)

(٤) - وعنهعليه‌السلام : ( ليس منا - ولا كرامة - مَن كان في مصر فيه مِئة ألف ، أو يزيدون ، وكان في ذلك المصر احد أورع منه)(٣٥)

(٥) - وعنهعليه‌السلام : ( شيعتنا الشاحبون الذابلون الناحلون ، الذين إذا جنّهم الليل استقبلوه بحزن )(٣٦)

(٦) - وعنهعليه‌السلام : ( إنْ شيعة عليّ كانوا خمص البطون ذُبل الشفاه ، أهل رأفة وعلم وحلم ، يُعرفون بالرهبانية ، فأعينوا على ما أنتم بالورع والاجتهاد )

وعن أبي جعفرعليه‌السلام : ( إنّما شيعة علي الحُلماء العلماء ، الذُبل الشفاه ، تعرف الرهبانية على وجوههم )(٣٧)


ومن المناسب أن نذكر هنا أنّ الجيل الأول للمسلمين قد خرّج مجموعة من أهل العبادة ، والورع والتقوى ، كانوا بسببها موضع مدح أهل البيتعليه‌السلام إذ يُروى عن أبي جعفرعليه‌السلام في خبر صحيح قال :( صلّى أمير المؤمنينعليه‌السلام بالناس الصبح بالعراق ، فلمّا انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله ، ثمّ قال : أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّهم ليصبحون ويمسون شُعثاً غُبراً خُمصاً ، بين أعينهم كرَكب المعزى ، يبيتون لربّهم سجداً وقياماً يراوحون بين أقدامهم وجباههم يناجون ربّهم ، ويسألونه فكاك رقابهم من النار ، والله لقد رأيتهم مع هذا ، وهم خائفون ، مشفقون ) .هذه بعض النصوص الشاهدة على أنّ الأئمةعليهم‌السلام كانوا يهدفون إلى بناء الشخصية الإسلامية بما تتضمّنه من عبادة ، وإيمان وحب وإخلاص ، وكل عناصر الروحية الإسلامية الأخرى .ومن هنا فهمعليهم‌السلام يربطون بين الولاء ، وبين التربية الروحية. وأمّا دراسة هذا الهدف ضمن الأهداف العامّة للائمّةعليهم‌السلام من الزاوية التاريخية فلها موضع آخر.

____________________

(٢٢) - الميزان م ١١ ص ٦٦ عن مجمع البيان

(٢٣) - سورة هود / ١٠٩ - ١١٥

(٢٤) - نعني بالمشاركة الوجدانية الشعور الجماعي بدلاً عن الشعور الفردي. أي الشعور بـ( نحن ) بدلاً عن الشعور بـ( أنا ) ، وينتج ذلك تداعي المؤمن للمؤمن في آلامه وأفراحه وأحزانه. عن الصادقعليه‌السلام : ( المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إنْ اشتكى شيءٌ منه وجَد ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة ، وأن روح المؤمن لأشدّ اتصالاً بروح الله مِن اتصال شعاع الشمس بها )(الأصول ج ٢ - ص ١٦٦) وهذا يعني إنّ الصلة العاطفية بين المؤمنين نابعة من صلتهم العاطفية بالله تعالى

(٢٥) - هود / ٢٩ - ٣٠

(٢٦) - آل عمران / ١٤٥ - ١٤٨

(٢٧) - آل عمران / ١٧٣

(٢٨) - طه ٧١ - ٧٣

(٢٩) - أخبار معرفة الرجال ص ٥٩١

(٣٠) - مقاتل الطالبيّين ص ١٣٩

(٣١) - نفس المصدر ١٣٥

(٣٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٧٣

(٣٣) - نفس المصدر ص ٧٤

(٣٤) - نفس المصدر ص ٧٧

(٣٥) - نفس المصدر ج ٧ ص ٧٨

(٣٦) - نفس المصدر ج ٢ ص ٢٣٣

(٣٧) - نفس المصدر ج ٢ ص ٢٣٥

الجانب الروحي والممارسات العبادية

توجد بصدد تحديد نوعية العلاقة بين الجانب الروحي والممارسات العبادية فكرتان خاطئتان هما :

(١) - الفكرة التي تؤكد على أنّ الممارسات العبادية هي كل شيء. وأنّ الجانب الروحي إنّما هو الممارسات العبادية من أذكار ، ونوافل ، وتبتّلات


(٢) - الفكرة التي تقطع الصلة بين الجانب الروحي والممارسات العبادية، وتفترض أنّ بإمكان الإنسان المؤمن أنْ تكون لديه الملَكة الروحية ، وأنْ ينمّي علاقته الداخلية بالرسالة من دون حاجة إلى المستحبّات والأذكار وغيرها من الأمور العبادية الخاصة

والصحيح أنّ الممارسات العبادية شيء ، والجانب الروحي شيءٌ آخر ، وأنّ بينهما صلةٌ وثيقة ؛ وذلك لأنّ الجانب الروحي إنّما هو الارتباط النفسي ، والروحي بالله تعالى هذا الارتباط والانشداد الداخلي ، الذي يؤدي إلى الورع عن الإسلام

وهذا المعنى هو الذي يُعتبر عنصراً من عناصر الشخصية الإسلامية ، أو محتواها الحقيقي ، وأمّا العبادة الخارجية فهي ليست المحتوى الحقيقي للشخصية الإسلامية وإنّما لها دورٌ آخر سنشير إليه. والإسلام - كتاباً وسنّة - عندما يولي العبادة الخارجية من أذكار ، وصلوات وأدعية. اهتماماً ، وتأكيداً ، فإنّما هو من أجل زيادة الإيمان بالله ، وحبّه ، والإخلاص له ، وتمثّل ما رسمه للإنسان في الحياة

( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (٣٨)

وتؤكد النصوص هذه الحقيقة. وهي أنّ المهم إنّما هو البناء الداخلي والانشداد النفسي ، والعاطفي ، والسلوكي بالله تعالى ، بل وتحذر من الوقوع في خطأ الخلط بين البناء الذاتي والممارسات العبادية. لما لهذا الخلط من آثار عملية وفكرية سيّئة ومن أوضحها التركيز على العبادة ، والممارسات العبادية ، وإهمال المضمون الداخلي والتربوي للإنسان


(١) - عن مفضل بن عمرو قال : ( كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام فذكرنا الأعمال فقلت أنا : ما أضعف عملي ، فقال :

( مه ، استغفر الله ) ، ثمّ قال : ( إنّ قليل العمل مع التقوى خير من كثير العمل بلا تقوى )(٣٩)

(٢) - عن أبي بصير قال : قال رجل لأبي جعفرعليه‌السلام : إنّي ضعيف العمل قليل الصيام ، ولكنّي أرجو أنْ لا آكل إلاّ حلالاً فقال له : ( أي الاجتهاد أفضل مِن عفّة بطن وفرج ؟)(٤٠)

وفي نص صحيح عن أبي جعفرعليه‌السلام : ( ما عُبد اللّه بشيء أفضل من عفّة بطنٍ وفرج )(٤١)

(١) - عن عيسى بن عبد الله أنّه قال لأبي عبد اللهعليه‌السلام :

جعلت فداك : ما العبادة ؟ قال : حسن النية بالطاعة من الوجوه التي يطاع الله منها(٤٢)

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالّة على هذا المعنى

إذن فالأساس في الجانب الروحي ، والمهم في نظر الإسلام تربوياً هو ، الصلة الداخلية باللّه ، والانشداد النفسي والعمل. لا كثرة العبادة.

هذا من جهة. ولكن من الجهة الأخرى فإنّ الممارسات العبادية ، وكثرة الأذكار ، والتنفّلات هي جزء مهم من الإسلام وليست إضافة


غريبة عليه ، وقد ورد الحث الشديد عليها في القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، وسجل لنا التأريخ حرص الأئمة البالغ على أدائها ، والقيام بها(٤٣)

ومن الواضح أنّ الإسلام إذ يؤكد على هذه الممارسات العبادية ، فلا يؤكد عليها بما هي أصوات ، وحركات ، وطقوس ، وإنّما ينبع تأكيده عليها ، لصلته الوثيقة بالارتباط النفسي والروحي باللّه سبحانه. أي بوصفها عاملاً تربوياً وسبباً من أسباب تصعيد الإيمان في المشاعر ، والعواطف والإرادة. فهذا الحث الأخلاقي والتشريعي يكشف عن ( صلة واقعية ) بين الممارسات العبادية والمحتوى الداخلي للشخصية الإسلامية ، وهي صلة لا يمكن عمليّاً - بموجبها - أنْ نتصوّر مستوى روحيّاً جيّداً ، من دون ممارسة عبادية جادة ، تتمثل في مجموعة من الحركات العبادية والأذكار ، والصلوات - المستحبّة بالطبع - وهكذا تلاوة القرآن الكريم ، ومتابعة الأدعية ، وما شاكل ذلك

إنّ من حسنات الإسلام الكثيرة علينا - ومن نعم اللّه سبحانه - أنّه كما أوضح لنا الأهداف التربوية كذلك حدّد لنا عموماً وسائلها ، ولم يترك هذا الإنسان يتخبّط في تحديد الوسائل ، والأساليب التي تربطه نفسياً ، وشعوراً بالغيب ، شخص اللّه سبحانه في تشريعه المنزّل : الصلاة والأذكار ، والصيام ، وتلاوة القرآن الكريم ، والدعاء كوسائل لتنمية الروح. وبناء الذات الرسالية وليس بإمكاننا أن نقفز من على الأساليب الربانية لنصل إلى هدفنا التربوي الخطير ، إنّما نصل إليه بواسطة تمثل هذه الأساليب ، وتبنيها عملياً. وكما إن الممارسات العبادية ( عامل )


تربية للبناء الروحي كذلك هي ( نتائج ) ؛ لأنّ العلاقة الداخلية باللّه تظهر على السلوك ، لا بشكل طاعة ، والتزام فقط ، وإنّما عبادة ، وخشوع ، وتضرّع ، وأذكار أيضاً. نلخص من كل هذا

(أولاً) : إنّ الممارسات العبادية ليست هي الجانب الروحي في الشخصية الإسلامية. ولا هي المهم المباشر في نظر الإسلام ، وإنّما هي جزء مهم من الإسلام

(ثانياً) : أنّ هناك علاقة وثيقة بين الانشداد النفسي العاطفي ، والشعوري ، والعملي باللّه ، الجانب الروحي ، وبين الممارسات العبادية ؛ لأنّ تكوين الجانب الروحي وتنميته لا يتم من الناحية العملية ، ومن زاوية النظرية الإسلامية التربوية إلاّ من خلال الممارسات العبادية وأمثالها ، ونقصد من الممارسات العبادية في كل ما سبق الممارسات العبادية ، التي تمثّل العبادات الواجبة المؤدّاة بصورتها الصحيحة ، والفضلى ، والعبادات المستحبّة.

جنايات على التربية الروحية

نلاحظ : أنّ الإنسان المسلم - وحتى بعض من كتب في هذه المجالات - يُعاني من الضعف الروحي. وضعف الانشداد النفسي بالله تعالى. من عوامل ذلك صعوبة التعامل النفسي مع الغيب ؛ لأنّ الإنسان بحكم تكوينه المرتبط بالمادة ، وانغماسه في الحس ذهنياً ، ونفسيّاً لا يجد من السهل أنْ يتعالى على ذلك ، ويعلق شعوره ، وقلبه بالله سبحانه ويقطع نفسه من الدنيا ، ومعانيها الخداعة. طبيعة المذهب البشري الميال إلى


التفكير الحسي(٤٤) وغرائز الإنسان ، وشهواته التي تتطلب السرعة ، والعجلة في التنفيذ(٤٥) عاملان داخليان لإضعاف التوجه الروحي في المشاعر والوجدان ، والإرادة

ويضاف إلى ذلك ، عوامل أُخرى تساعد على ضعف البناء الروحي للإنسان المسلم :

(١) - الصورة المشوّهة التي كوّنتها الاتجاهات الروحية المنحرفة ، إذ يقترن الآن في ذهن الإنسان المسلم - أو بعض المؤمنين - التربية الروحية العبادية الكثيرة ، التي تهدف إلى خلق الروح الإسلامي المشدود إلى الله يقترن هذا باعتزال الناس ، والقطيعة الاجتماعية ، والتنصّل عن المهام الرسالية في الحياة ، والنماذج المتديّنة ، والاتجاهات المنحرفة في التربية الروحية

إنّ الإفراط - لو صحّ هذا التعبير - في التربية الروحية واختلال التوازن السلوكي على حساب العمل الاجتماعي أدّى إلى تفريط هذه التربية ، وردود فعل نفسيّة سلبية تجاهها

وأنْ توضّح المفهوم الإسلامي الصحيح حول الإعداد والتربية الروحية ، والعمل على إلقاء الأضواء على حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة الصالحين الذين عانوا في العمل الاجتماعي ، في جانبها العبادي المشرق ، واقتران الدعوة إلى التربية الروحية بشجب التيارات المنحرفة فيها من الأمور الضرورية ، في مواجهة هذا التعامل التاريخي السلبي

(٢) - الجو الحضاري ، والاجتماعي الذي يقوم على أُسس أخلاقية ،


وفلسفية تختلف عن قِيم الإسلام ، وأخلاقه وتصوّراته عن الحياة

إنّ هذه الحضارات المادية التي يشيع تأثيرها في كل مكان لَقادرة على أنْ تستوعب تيارات اجتماعية ، وفكرية مختلفة ، وهي لا تمانع مع انتشار هذه التيارات ، شريطة أن لا يكون لهذه التيارات مضمون حياتي ، وأخلاقي ، أو حضاري جديد يختلف عنها بإمكان هذا الإنسان المسلم أن يعمل للإسلام ويوضّح أفكاره كمبدأ اقتصادي واجتماعي. دون أن يشعره بت( ازدراء ) اجتماعي وحضاري ، خاصة إذا فرغ الإسلام من مضمونه الأخلاقي

إمّا أن يدعو هذا الإنسان المسلم إلى صياغة إنسان جديد. يقوم على أساس الانشداد النفسي والشعوري ، بالله والزهد في الدنيا ، أو هو يبني نفسه على أساس من ذلك ، فهذا ( نشاز ) في وعي الإنسان المعاصر الذي يزدري بسهولة هذه المفاهيم وهذا عامل مهم من عوامل ضعف البناء الروحي ؛ لأنّ للإيحاء الحضاري والاجتماعي أثراً كبيراً في شخصية الفرد

(٣) - التحدي الثقافي الغربي للإنسان المسلم يفترض على هذا الإنسان أن يقوم بعملية رد على التحدي ، والذي يحدث - عادة - في مثل هذه الحالات ، هو أن يفقد الإنسان المسلم أصالته ، وصدوره عن منبع ثقافي ، وروحي أصيل. وتكون ثقافته ، ومواقفه مجرّد ثقافة ومواقف ( دفاعية ) وهذه مسألة مهمّة تدعو إلى التفكير ، والتأمّل

____________________

(٣٨) - سورة البقرة ١٨٣

(٣٩) - أصول الكافي ج ٢ ص ٧٦

(٤٠) - نفس المصدر ج ٢ ص ٧٩

(٤١) - أصول الكافي ج ٢ ص ٧٩

(٤٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٨٣

(٤٣) - ولعلّ الإمامين العليّين : أمير المؤمنين ، وعليّ ابن الحسينعليهما‌السلام كانا أكثر مبالغة وجهداً من باقي الأئمةعليهم‌السلام في ذلك

ففي خبر صحيح عن أبي عبد الله : ( كان عليّ بن الحسينعليه‌السلام إذا أخذ كتاب عليّعليه‌السلام فنظر إليه قال : مَن يطيق ذا ؟ من يطيق ذا ، قال : ثمّ يعمل به وكان إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه حتى يُعرف ذلك مِن وجهه وما أطاق عمل عليّعليه‌السلام من ولده مِن بعده إلاّ عليّ بن الحسينعليه‌السلام ) ، ويؤكّد هذا المعنى أخبار أُخرى ( الوسائل - مقدمات العبادات - باب ٢٠ ص ٣ ) .وفي بعضها أنّه دخل أبو جعفرعليه‌السلام على أبيه عليّ بن الحسين فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد ، فرآه قد اصفر لونه من السهر ورمضت عيناه من البكاء ودبرت جبهته وانحرف انفه من السجود ، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة .وقال أبو جعفر : ( فلم أملك - حين رأيته بتلك الحال - البكاء فبكيت رحمة له فإذا هو يفكر فالتفت إلي بعد هنيئة من دخولي ، فقال : يا بني ، أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثمّ تركها من يده تضجّراً ، وقال : من يقوى على عبادة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ) ؟ باب ٢٠ ص ٦٨ الوسائل

(٤٤) - الإنسان وإنْ كان يميل طبيعياً إلى التفكير الحسّي ، إلاّ أنّه قادر على تجاوز المعرفة الحسّية. فهذا وغيره من ( القوانين الاقتضائية ) ، وليس من ( القوانين الحتمية )

(٤٥) -( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) ( آل عمران )

عناصر الجانب الروحي

تشتمل الروحية الإسلامية على ثلاثة عناصر رئيسية :

(الأول) : الوعي الإيماني وتعني - هنا - المدركات الذهنية التي


تتمتع بالاستحضار المستمر ، والمعايشة الدائمة من قبل الإنسان المؤمن ، كالإيمان بالله تعالى ، واليوم الآخر والشعور بالحركة التاريخية ، ووحدة المسيرة. الخ

(الثاني) : الوجدان الإسلامي ويشمل العواطف كحب الله تعالى ، وحب المؤمنين ، والانفعالات ، كالخوف ، والرجاء من الله ، والغضب له

(الثالث) : الإرادة ، والإخلاص ، أو الدافع الديني في شخصية الإنسان المسلم ، الذي ينظم حركة هذه الشخصية وتصرفاتها ، ويعتبر الجهاز الحاكم فيها

وسندرس هذه العناصر إن شاء الله تعالى. تباعاً ثمّ نسجّل بعد ذلك إن شاء الله الوسائل التي وضعها الإسلام لبناء الجانب الروحي وتنميته

ومنه تعالى نستمدّ التوفيق والسداد





(١)( وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً ) ( الإسراء )


الفصل الثاني : الإيمان ( الوعي الكوني والرؤى الفكرية )

دور الفكر في الشخصية الإسلامية

الفكر. هو الصورة الذهنية التي يحملها الإنسان عن الواقع الخارجي عن الكون ، أصله ، ونشأته وتطوّره ونهايته ، والحياة ومعناها والمجتمع وقوانينه ودور الإنسان في هذه الدنيا. ومسؤوليته فيها وصلة الله تعالى بالعالم. إلى آخر ما هنالك من موضوعات يتعلّق بها الفكر الإنساني ، والفكر هو أحد أجهزة الشخصية الإنسانية ، التي تتفاعل فيما بينها ، وتتبادل التأثير وهي ( الفكرة ، العاطفة ، الإرادة ) ، ففكر الإنسان ليس منفصلاً عن عاطفته وأُسلوب حياته النفسية وإنّما هو متّصل بها أوثق اتصال ، يؤثّر فها ويتأثّر بها. ومن هنا كان النمو الفكري للطفل البشري ، والمجتمع البشري يؤثّر باستمرار في طريقة حياته ، وفي قِيمه الأخلاقية والحضارية ، ودرجة انفتاحه النفسي ، ونضجه الانفعالي

ومن هنا أيضاً كانت أجدر الرسالات في التأثير بالناس ، وقيادتهم ، الرسالة التي تقدّم لهم منهجاً كاملاً شاملاً للفكر ، والأخلاق ، والسلوك. لأنّ الإنسان في ظلّ هذه الرسالة لا يشعر بالانفصال بين فكره ، وسلوكه ، وبين مفاهيمه بالحياة ، وقيمه الأخلاقية ، ولأنّ كلّ جزء من هذه الرسالة يعزّز الجزء الآخر ويكمله

ومن هنا ندرك عظمة هذا الدين الذي تنزل من أجل بناء الإنسان ، حينما بدأ مشروعه التغييري الجبّار من التحرير الفكري للإنسان مِن أوهام


الجاهلية ، والإبداع وإعادة بنائه العقلي على أساس من وعي كوني جديد ، يقوم على أساس الإيمان بالله ، الواحد الأحد ، المتفرّد بالأسماء الحسنى ، ذي الطول والنعم باعث الأنبياء والرسل لهداية الناس. والإيمان بمرحلية هذه الحياة ، وعود الناس إلى الحياة من جديد، ليروا أعمالهم

( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )

وما أسهل أنْ ندرك قيمة هذا الوعي الكوني في شخصية الإنسان المسلم وأثره العميق في الحياة النفسية لهذا الإنسان هذا الوعي الذي يبعث وينمي الإحساس الأخلاقي بالحياة ، ويعمل على خلق المشاعر المتعالية على جزئيات الحياة ، وصغائر الأمور. هذا الوعي الذي يقاوم التقييم النفسي للظواهر ، والأشخاص ، ويوسع الآفاق. ويخلق طمأنينة النفس ، وهدوء المشاعر ، والانفعالات ، هذا الوعي الذي ينمي روح التفاؤل بالحياة ، والانفتاح عليها ، ويترك لأهل الضلال السأم ، والتطيّر ، والقلق ، والغثيان. ولا يقتصر الوعي الذي يشيعه الإسلام بين المؤمنين على الوعي الديني الخاص ، الذي يتمثّل بالإيمان بالله ، واليوم الآخر بل يتعدّى ذلك إلى مجالات أُخرى سنأتي عليها إنْ شاء الله بعد قليل

الوعي الفكري والفهم

إنّ الفكر الذي يعتبر عنصراً من عناصر شخصية الإنسان المسلم ليس هو ( الفهم ) والتصديق الساذج بقضايا الإيمان ، وتقريرها تقريراً منطقياً ، أو عملياً ، إنّما هو الوعي والفكر المستحضر المعاش في الذهن ، والمتذكّر


باستمرار فهؤلاء الذين يؤمنون بالله تعالى كما يؤمنون بكرويّة الأرض ، ودورانها حول الشمس ، ولا يتعاملون شعوريّاً مع هذه الفكرة الخطيرة. لا يتمثّلون في ذلك الوعي الديني والكوني ، وإنّما هم فقط ( يفهمونه ) ويبقى الوعي لهذا الإنسان الذي يفكّر في الأشياء ، ويحسّها من خلال ارتباطها بالله ويتذكّر الله باستمرار

وما يُشترط بالإنسان المسلم غير ما يُشترط في الشخصية الإسلامية ، إنّ ما يشترط في الإنسان المسلم من أجل أنْ ينتمي رسمياً إلى الإسلام ، هو أنْ يؤمن بالله ورسوله إيمانَ فهم ، ويعلّق هذا الإيمان بكلمة الشهادة مثلاً لأكثر فهم ولكن ما يشترط في الشخصية الإسلامية ، ويعتبر العنصر الأول من عناصرها شيء آخر هو ، الوعي الإيماني ، أو الإيمان بوعي ، بمعايشة ذهنية. بالنظر إلى الأشياء ، والعالم من خلال الارتباط بالله تعالى

وبهذه يصبح الفكر الإسلامي شيئاً آخر ، أو بالأحرى ينتقل إلى مرحلة أخرى هي مرحلة ( الرؤية الفكرية ) أو ( البصيرة ) شيء تحسّه ، وتراه. وتؤمن به كما تؤمن بالأشياء التي تواجهها ، وتقوم في حسّك وعقلك(١) فمثلما ترى نفسك وأنت تشاهد الأشياء ، وتبصرها. وينشدّ ذهنك إليها. كذلك ترى نفسك وأنت تؤمن بالله وتؤمن باليوم الآخر ومرحليّة هذه الحياة

مراحل الاعتقاد

في هذا العالم ناس ملحدون ، تمردوا على خالقهم ، فأنكروا وجوده ، أو عاشوا في هذه الحياة معيشة ضنكاً ، وفيه أيضا مشككون ، قد أتعبتهم


الحيرة ، واستحكم فيهم القلق ، والتردّد. إلى جانب هؤلاء ، هناك مؤمنون بالله تعالى عند حدود ( الفهم ) ويقرّرون وجود الله تعالى كما يقرّرون وجود الحياة على كوكب المرّيخ ، أو كما يشرحون لك تحوّل السدم إلى مجرات. فهم يؤمنون بالله من الناحية الفعلية ، والمنطقية ، ولكنهم لا يؤمنون به شعورياً، ولا يحسون وجوده المقدس. وهنالك المؤمنون الذين تجاوزوا مرحلة ( الفهم ) إلى مرحلة ( الوعي )

وإيمان الوعي هو أنْ تبصر الله في خلقه وعند نعمه ، ولا تنساه نسيان شعور بل تعيش وجوده وتستشعر به تعالى ، وهناك من يتجاوز مرحلة ( الوعي ) إلى مرحلة ( الإحساس ) واليقين ، ( فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون ، وهم والنار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون )

وهكذا فمراحل الاعتقاد ثلاثة كما ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام : ( إنّ الإيمان أفضل من الإسلام ، وإنّ اليقين أفضل من الإيمان ، وما مِن شيء أعزّ من اليقين )(٢)

المرحلة الأولى : مرحلة الإسلام ، وهي أنْ تؤمن إيمان ( فهم ) بشهادة ( لا إله إلا اللّه ، محمد رسول الله ) ، ولا تقتضي هذه المرحلة سوى التصديق بالله تعالى ، وكماله وتوحيده ، ونبوة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتؤمن إجمالا بما جاء به ، كما تصدّق بالنظريات العلمية مثلاً من دون معايشة ومشاركة ، ومن هنا جاء في خبر سُماعة عن الصادقعليه‌السلام :


( الإسلام شهادة أنْ لا اللّه إلاّ اللّه ، والتصديق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح ، والمواريث ، وعلى ظاهره جماعة الناس)(٣)

المرحلة الثانية : مرحلة الإيمان ، وهي إنْ تؤمن بالحقائق الدينية الكبرى إيمان ( وعي ) لا إيمان فهم. وبالإيمان تخرج من مستوى الفهم ، والتقدير العقلي لقضية الوجود الإلهي ، واليوم الآخر ، وارتباط الخلق ببارئه إلى مستوى الوعي ودخول القضية إلى القلب ، والمعايشة الروحية ، واستشعار الهداية والطمأنينة

( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ )

وفي خبر سُماعة عن الصادقعليه‌السلام :

( . والإيمان : الهدى ، وما ثبت في القلوب من صفة الإسلام ، وما ظهر من العمل به ، والإيمان أرفع من الإسلام درجة ) (٤)

وعن الفضيل بن يَسار عن الصادقعليه‌السلام : ( إنّ الإيمان ما وقر في القلوب )(٥)


يبقى هنا : إنّ العمل بالشريعة إنّما هو نتيجة للإيمان ؛ لأنّه من عناصره ، ومظهر له لا مخبر. وبهذا نجمع بين ما دل على دخالة العمل في الإيمان ، وما دل على خروجه عنه من النصوص

ويبقى أيضاً : إنّ من الممكن في مرحلة الإيمان أنْ يقع شيء من الوسوسة ، ولا يضر ذلك في إيمان المؤمن ، فإنّ الإيمان اطمئنان القلب ، وعقدة الهداية التي تسري في النفس ، وهذا لا يلغيه وقوع خاطرة شيطانية في الذهن

ففي حديث صحيح عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ( جاء رجلٌ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا رسول الله ، هلكت. فقال له : أتاك الخبيث ، فقال لك : مَن خلقك ؟ فقلت : الله ، فقال لك : الله من خلقه ؟ قال : إي ، والذي بعثك بالحق نبيّاً لكان كذا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ذاك والله محض الإيمان )(٦) إلى غير ذلك من النصوص الواردة في عدم منافاة الوسوسة للإيمان

المرحلة الثالثة : مرحلة اليقين ، وهي أعلى المراحل وأسماها ، وأعزّها، وهي مرحلة الإحساس ، وانكشاف الغطاء

( لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً )

وتحوّل الغيب إلى شهادة

وليس هنا وسوسة ، أو فراغ ، وإنّما هو تواجد مستمر للقضية في الإحساس ، والشعور

وأنت تستطيع أنْ تجد الكثير من المؤمنين الذين عاشوا قضية الإيمان ، ودخَل الإيمان قلوبهم ، وشاع الهدى في نفوسهم ، ولكنّ اليقين أمرٌ عزيز لا


يأتي إلاّ للفرد النادر من الناس. فعن الرضاعليه‌السلام :

( الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة ولم يقسم بين الناس شيء أقل من اليقين )(٧)

ومن نماذج أهل اليقين ما جاء في نص معتبر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شاب ، وهو يخفق ، ويهوي برأسه ( تأخذه سنة من النعاس فيميل رأسه ) مصفرّاً لونه ، قد نحف جسمه ، وغارت عيناه في رأسه فقال رسول الله : كيف أصبحت يا فلان ؟ قال : أصبحت يا رسول الله موقناً. فعجب رسول الله من قوله ، وقال : ( إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال : إنّ يقيني يا رسول الله ، هو الذي أحزنني ، وأسهر ليلي ، وأظمأ هواجري ، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتى كأنّي أنظر إلى عرض ربّي وقد نصب للحساب ، وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون ، وعلى الأرائك متّكئون وكأنّي أنظر إلى أهل النار ، وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأنّي الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه : هذا عبدٌ نور اللّه قلبه بالإيمان ثمّ ، قال : الزم ما أنت عليه. فقال الشاب : ادع الله لي يا رسول الله ، أنْ أرزق الشهادة معك. فدعا له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يلبث أنْ خرج في بعض غزوات النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فاستشهد بعد تسعة نفر فكان هو العاشر )(٨)


ذكر الله

إن مرحلة الإيمان التي تمثل الحد الأدنى في الشخصية الإسلامية ، ويعيش معها الكثير من المؤمنين. تتضمن عنصرين : -

الأول : عدم الارتياب ، والشك في وجود الله تعالى وأيّة حقيقة دينية أخرى ، لقد بحث المتكلّمون في أنّ الظن وهو الاحتمال الراجح الذي يُعاكسه احتمال آخر مرجوح ، هل يكفي في تحقق الإسلام ، وانتماء الإنسان إلى الإسلام ؟ وهذا على مستوى البحث الكلامي بحث وجيه

وأمّا على المستوى التربوي. فإنّ من الواضح أنّ أي احتمال معاكس وأيّ ارتياب في أي حقيقة دينية ، فهو يتكافأ مع الحد الأدنى المطلوب في الشخصية الإسلامية

يقول تعالى :

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (٩)

الثاني : ذكر الله. وذكر الشيء ، حفظه في النفس والشعور به ، وذكر الله تعالى : هو أن يكون وجدانك ، وشعورك ممتلئ به منشدّاً إليه

أي أن تعيش خشية الله تعالى في مشاعرك وتفكيرك ، ومن نتائج هذا الحضور الشعوري لله تعالى في ذهن المؤمن ذكره على اللسان ، وتسبيحه وحمده


فذهن المؤمن وشعوره ( ميّال ) بطبعه إلى ذكر الله تعالى ، والارتباط المستمر به. و( تداعيات ) ذهنه تكون عادةً إليه تعالى ؛ لأنّ الله تعالى هو ( وجهة ) حياته ومحور تفكيره ، وشعوره وتوجّهه النفسي ، فهو إذا تجدّدت عليه نعمة ذكر الله ، وإذا نزلت به نازلة ذكر الله واسترجع ، وإذا أقدم على فعلٍ ذكر الله ، وإذا أذنب ذكَر الله واستغفر إليه ، وإذا نظر إلى إبداع الخلق ، وشيء من ملكوت السماوات والأرض ذكَر الله ، هكذا

وهكذا فإنّ أغلب أحاسيسه وأفكاره ( تدعوه ) إلى ذِكر الله تعالى ، وهذا هو العيش الشعوري ، والحياة الذهنية المؤمنة مع خالق الكون العظيم المتعال. أمّا أنْ يكون الإيمان بالله تعالى مجرّد كلمة تتردّد على الأفواه ، وفهم لا يخرج عن دائرة الجزم والتصديق الساذج دون أنْ يشيع في العقل والشعور والتفكير. فليس هذا من الإيمان في شيء. وغاية الأمر أنّه خطوة نحو الإيمان. وأرضيّة من الممكن أنْ يبنى عليه الإيمان ، والذكر.

كان متمّم بن نويرة يبكي أخاه مالكاً. يذكره ويبكيه عندما يرى ناراً ؛ لأنه بذاك يذكر نار أخيه الموقدة إلى الصباح تنتظر الضيوف ، ويبكيه ويذكره كلّما رأى قبراً ، لقبرٍ ثوى بين اللوى فالدكائك ، ولامه صاحبه على ذلك على هذه التوسعة في معايشة ذكرى مالك على هذا البكاء عند كلّ قبر

وكان جواب متمّم أبياتاً من الشعر يقف إلى الآن عندها الأديب ، وعالِم النفس ، والمؤمن الذي يبحث عن تجارب شعورية تشبه تجربة المؤمنين مع الله :

لقد لامني عند القبور على البكا

رفيقي لتذارف الدموع السوافكي

فقال أتبكي كلّ قبرٍ رأيته

لقبرٍ ثوى بيــن اللوى والدكائك


فقلت له :

إنّ الشجا يبعث الشجا

فدعني فهذا كلّه قبر مالك

إنّ شدّة مقتل مالك في نفس متمّم وسعت من نقاط التفاعل الشعوري بين الأخ وأخيه ، وأظهرت الترابطات الخفية بين ما يشاهده ويحسّه من قبر ، ونار ، وغير ذلك ، وبين الأخ القتيل

والمؤمن كذلك مع الله وان شدة تعلقه بالله تعالى وانشداده إليه يجعله دائم الذكر له سريع الإدراك

للترابطات الموجودة بين الأمور المحسوسة من حوادث وأشياء ، وظواهر ، وبين الخالق العظيم

إنّ تجربة ذِكر الله تعالى ، ومعايشته الشعورية والذهنية تقوم على أساس توسعة المثيرات الباعثة للذكر شعورياً. فبينما لا يتذكّر الإنسان العادي الله إلاّ عند حوادث استثنائية فإنّ الإنسان المؤمن ، يذكره عند عدد كبير جداً من الحوادث ، والظواهر ، والأشياء ، والأفعال. من خلال إدراكه للترابطات الخفية والظاهرة بين هذه الأمور وبين الله - ويفترق هنا الإنسان المؤمن مهما بلغ من الانشداد إلى الله تعالى عن الإنسان المتصوّف المغالي في العمليات التصوفية

إذ يحتفظ الإنسان المؤمن بقدرته العقلية على التمييز بين ( ما يذكره ) بالله تعالى ، وبينه سبحانه دون أنْ يوحّد بين المذكِّر والمذكَّر به. أمّا الإنسان الصوفي الذي يُغالي في التصوّف فهو يفقد قدرته العقلية على التمييز ويؤكّد - في شَطَحاته - وحدة المخلوقات مع الخالق

هذا وبما أنّ حالة التواجد الشعوري المستمر لفكرة الإيمان بالله تعالى في


النفس أمر غير ممكن - عملياً - فلذا كان ما يربّي عليه القرآن الكريم هو ، أن نذكر الله ذكراً كثيراً مع إتاحة الفرصة للذكر المستمر. الدائم لله :

وقد تنوّع الحث القرآني على ذكر اللّه تعالى :

(١) - ذكر الله كثيراً :

( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً )

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ) (١٠)

(٢) - ذكره تعالى عند الذنب :

( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاّ اللَّهُ ) (١١)

(٣) - ذكر الله في مواطن العبادة وأوقاتها :

( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) (١٢)

( وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ )

( وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً )

(٤) ذكره تعالى في الشدّة والبلاء :


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ) (١٣)

( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (١٤)

(٥) - ذكره تعالى عند التذكير :

( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَاناً ) (١٥)

( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً ) (١٦)

(٦) - ذكر الله تعالى بصورة مطلقة

( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ) (١٧) الى آخر ما ورد من الحث على ذكر الله ، واستحضاره في مختلف مجالات حياة الإنسان .وهذه الآيات الكريمة إمّا أن تحث على الذكر الذهني لله تعالى بشكلٍ مباشر ، أو أنّها تحث على الذكر اللفظي ، ليكون ذلك سبباً للذكر الذهني وعلى أي حال فهي لا تهدف إلى اللفظ وتكرار الأصوات ، وإنّما إلى الذكر الحقيقي ، والمعايشة الذهنية.

هوامش

____________________

(١) - قد يكون معنى البصيرة في مثل قوله تعالى :( بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) و( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) هو الفكرة التي تشتمل على عنصري

(١) - الطابع العملي. أو بالأحرى أنها فكرة ذات عطاءات عملية

(٢) - إنها فكرة معايشة ومستحضرة فالبصيرة ترادف الوعي ، أو الرؤى الفكرية

(٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٥١

(٣) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢٠

(٤) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢٥

(٥) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢٦

(٦) - أصول الكافي ج ٢ ص ٤٢٠

(٧) - أصول الكافي ج ٢ ص ٥١

(٨) - أصول الكافي ج ٢ ص ٥٣

(٩) - الحجرات / ١٥

(١٠) - الأحزاب / ٤١

(١١) - آل عمران ١٣٥

(١٢) - البقرة / ١٩٨

(١٣) - الأنفال / ٤٥

(١٤) - البقرة / ٤٦

(١٥) - الفرقان / ٧٣

(١٦) - السجدة / ١٥

(١٧) - الأعراف / ٢٠٥


من عطاء الذكْر

قلنا : إن ذِكر الله هو المعايشة الشعورية له ، والإحساس بوجوده المقدّس باستمرار

وللذكر هذا آثار عظيمة في شخصية الإنسان المؤمن. نذكرها فيما يلي :

١ - إنّ ذكر الله تعالى شعور بمراقبته ، ورصده لأفعال العبد وتصرّفاته وفي هذا قوّة عظيمة ( دافعة ) على الالتزام والتقيّد بالحدود ، والقيود الإسلامية ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( مِن أشدّ ما فرض اللّه على خلقه ذكر الله كثيراً. ثمّ قال : لا أعني سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلاّ الله والله اكبر ، وإنْ كان منه ، ولكن ذكر الله عندما حلّ وحرّم ، فإنّ كان طاعة عمل بها ، وإنْ كان معصية تركها )(١٨)

وفي هذا الخبر دلالة واضحة على أنّ المفهوم السليم للذكر هو ذكر الله في النفس خيفة ، وتضرّعاً وإن كان للذكر اللفظي دور ، وأهمية تربوية كما مر

٢ - إنّ تجاوز الأشياء الحاضرة المتناهية ، والعيش الشعوري مع الله تعالى ، يخلق حالة التعالي ، والتسامي في شخصية الإنسان المسلم ، هذه الحالة التي تُعد من أكبر مميزاته الشخصية ، وسماته الذاتية. فإنّ مَن يعيش


حلاوة الذكر ويتنعم باستشعار اللّه تعالى يقترن ذلك لديه الشعور بالتعالي ، والتسامي على صغائر الأمور وجزئيات الحياة ، التي تشغل همّ الناس وتقع مورداً لتنافسهم ، وتصارعهم

٣ - وهذا ( التجاوز ) الشعوري ، والتعالي ، والتسامي في المشاعر ، والمدركات هو الذي يخلق في شخصية الإنسان المسلم حالة أُخرى هي( الاطمئنان ) ، والاستقرار النفسي و( السكينة ) ، و( الوقار ) - في مفهومه الأخلاقي الأصيل - قال الله تعالى :

( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (١٩)

والسبب في الاطمئنان بذكر الله تعالى. هو أنّ الاستقرار النفسي ، إنّما يتحقّق للشخصية فيما إذا ارتبطت شعورياً بمنطلقات غير متغيّرة

أمّا إذا انشدّت إلى أشياء متحرّكة ، مضطربة ، فإنّ هذا الاضطراب سينعكس على النفس بصورة قلق على شيءٍ يخشى زواله ، أو شيءٍ يخشى وقوعه ، وبصورة خوف ، وهم ، وحزن. وجزع

والمؤمن إذ يعزف عن الدنيا ، ويكفر بقيمها الفانية ، ويعيش شعورياً مع الله. ويرتبط نفسياً به ، فإنّ الاستقرار عندئذ هو النتيجة الطبيعية المترتّبة على ثبات الله تعالى الذي تتعلّق به النفس ، والشعور

( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (٢٠)


( إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاّ الْمُصَلِّينَ ) (٢١)

٤ - ويتعرّض الإنسان في مسيرته إلى ألوان من المكاره والمضايقات ، والوحدة ، والغربة ، إذ يتفرّق الناس عنه ويسخرون منه ، ويكذّبونه ، ويعيشون في عالم غير ما يعيش فيه

وهنا قد ينتهي إلى ( ضيق ) نفسي يمنع عقله من الحركة ونفسه من الانطلاق ، وإرادته من الثبات والصمود ، وقد ينتهي به هذا الضيق إلى ( اليأس )، و( التشاؤم ) ، والشعور بالضعف ، والانكسار ، والذي يعالج هذه الحالة ويبعث في النفس الانفتاح، والتفاؤل ، ويجدد لها حيويّتها ، ونشاطها واندفاعها في حقول العمل ل له.

والجهاد في سبيله هو ذكر الله. واستشعاره ، والإحساس به كما يوجّه إلى ذلك ويدل عليه الإعداد القرآني للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في لحظات المعاناة من التكذيب ، والسخرية فاقرأ هذه الآيات المباركة ، ولاحظ كيف تعالج حالة ( الضيق ) النفسي بذكر الله تعالى. واستشعاره والإحساس به

( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ) (٢٢)

( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ


لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ) (٢٣)

( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) (٢٤)

المكانة الشعورية للحياة في نفس المؤمن

إنّ أشياء الحياة ، وظواهرها ، تدرك في شعور المؤمن في سياق مركب شامل يضم أطراف الوجود كلّه من حيث المبدأ والغاية ، والسنن الجارية فيه وفي هذا المركب الشامل الذي يضع المؤمن فيه أشياء الحياة ، وظواهرها سوف يعطي كلّ شيء منها ، قيمته الحقيقية فلا ( يحقر ) ولا ( يصمّ )

وقد نشأ في أطوار الحضارة المادية ، وحتى في الحضارة المادية المعاصرة اتجاهان مختلفان ، يمثّلان الانعكاس الطبيعي للنظرة المادية إلى العالم

(الأول ) : الاتجاه القائم على تصنيم ظواهر الحياة وبالخصوص ما يتعلّق منها بالهوى ، والشهوة ومن هنا أصبحت عبادة الدنيا البديل الطبيعي عن عبادة الله ، والتواجد الشعوري للدنيا في نفس الإنسان بديلاً عن التواجد الشعوري لله ، وحقائق الوجود الكبرى .


(الثاني ) : الاتجاه القائم على تحقير الحياة ، وتفريغها من أيّ معنى ، وهنا يشعر الإنسان بالغربة في هذا الوجود والعبث ، والغثَيان ، والقلق ، الخ .

نتيجة لعدم الإيمان بارتباط هذا الكون بمبدأ وغاية وجودية ، والإنسان المؤمن في ارتباطه بالله عزّ وجل وتعامله مع العالم مِن خلال التصوّر الإسلامي له يضع الأشياء ، والحياة في مواضعها الطبيعية ويمنحها القِيم التي تستحقّها

فلأنّه يدرك أنّ كل هذه الظواهر الكونية أعراض وجودية - لو صحّ التعبير - وأنّ الحقيقة الوجودية الكاملة التامّة هي الله ، والله وحده وأنّ كل ما في الكون يأتي ويروح وكل شيء فان ، وأنّ أشياء هذه الحياة من أموال وبنين ، ونساء ليس لها قيمة إلاّ من خلال كونها ( نعماً ) إلهية ، ووسيلة خير فهو - لهذا - لا يمكن أنْ يصنّم هذه الأشياء ، والظواهر ولا يمكن أنْ تحتلّ في شعوره وتفكيره ما يحتله الله تعالى

ولأنّه يدرك أنّ هذا الكون هو فعل الله تعالى وأنّ الحياة نعمة من نعمه ، هي وما فيها من أشياء ، وأنّها يمكن أنْ تكون طريقاً ، ووسيلة تنتهي به إلى خير دائم. وسعادة أبدية يغطّيها رضوان الله تعالى ، فهو لا يمكن بحال أنْ ( يحقّر ) الحياة أو يتعامل معها - والعياذ بالله - كعبث لا معنى له

ولأنّه يدرك ، ويعلم بأنّ هذه الحياة مرحلة من الحياة كلّفه اللّه تعالى فيها ، واختبره واستخلفه للقيام بدور معيّن ونمط معيّن من السلوك والاعتقاد ، فهي ليست لديه تحلّلاً من القيم ، وانهماكاً في اللذات ، وركضاً وراء الشهوة ، والأهواء


وهكذا فإنّ لدى المؤمن ثلاثة إحساسات تجاه الحياة :

١ - الإحساس بهذه الحياة ك‍ ( نعمة إلهية ) وخير الهي يتفضّل به الله على هذا الكائن الفقير

وهو إحساس لا ينتهي إلى ( الشكر ) فقط ، وإنّما إلى الانفتاح النفسي على الحياة ، والتجاوب الشعوري معها أيضاً وبعض الناس ينظرون إلى النعم الإلهية من مال وبنين ونساء. بنظر شؤم ، وتطير ؛ لأنّها في اعتقاده هي مصائد الشيطان ، وحبائل مكره ، وخِدَعه وهذا خطأ. فإنّ أشياء هذه الحياة نعم الله. وخيره ، وبركاته ، وتفضّلاته على الناس. وحبائل الشيطان ، وخدعه ليست هذه الأشياء بذاتها. وإنّما هي أهواء النفس المرتبطة والمتعلّقة بها

٢ - الإحساس بهذه الحياة كمرحلة عابرة في مسيرة الحياة تمهّد إلى حياة دائمة خالدة ، والإحساس بقصر مدّتها وحركة أحداثها ، وعدَم استقرارها لأحد. وهي بهذا تسمّى ( دنيا ) لأنها أدنى من أنْ تمتلك قلب المؤمن أو تكون محطّاً لعبادته ، وهواه

وتربية هذا الإحساس من أهم ما حاوله القرآن الكريم والهداة المعصومونعليهم‌السلام باعتباره من قمم الإحساسات والمشاعر الإيمانية التي يتميز بها الإنسان المؤمن

( أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ) (٢٥)


( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (٢٦)

( وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) (٢٧)

( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً *الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) (٢٨)

( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (٢٩)

وهناك آيات كثيرة تؤكّد هذا المعنى ، وهناك عدد هائل من النصوص


الواردة في تصوير عرضيّة الحياة الدنيا وزوالها. وكونها منطقة عبور ، وممر للآخرة ، ومرحلة تمهيدية لها

والغرض من هذا ليس ( تفهيم ) المسلمين هذه القضية الواضحة لديهم ، وإنّما ( تحسيسهم ) بذلك وتوعيتهم عليه ، حتى تكون لديهم ( بصيرة ) من بصائرهم ، ورؤية فكرية واضحة لديهم تهديهم الطريق ، وتدفعهم إلى العمل

إنّ وعي الحياة الدنيا على حقيقتها ، والإحساس بنهايتها ومرحليتها هو الطريق الطبيعي لإنهاء حالة الركون إلى الدنيا ، ومعانيها ، والركض وراءها والهم لها. يضيّع الإنسان المؤمن أحياناً في هذه الدنيا. فتراه يبني له أحلاماً واسعة ، يستهدف بها الجاه ، والمركز. والمجد والذكر الحسن عند الناس ، وينهمك في هذه الحياة. فيتصارع مع إخوته على معانٍ زائفة فيها. لماذا ؟ لأنّه يفتقد في هذه اللحظات أحاسيس المؤمنين ، ومشاعرهم ولا يملك فعلاً وعياً كونياً عامّاً يهديه الطريق ويحدّد له القيم الكبيرة لمعاني الإيمان ، والقِيَم الصغيرة لتوافه الحياة الدنيا ، ومعانيها المبتذلة

إنّ مشكلة الإنسان المسلم وكل إنسان ، أنْ يفهم أكثر بكثير ممّا يعي ، ويعيش في مداركه ، ومشاعره ، ويعي أكثر ممّا يطبّق ، وينسجم نفسياً مع ما يعيه ، ويشعر به

إن هذا الوعي بعرضية الحياة الدنيا ، ومرحليّتها لا يعطي قيمته في مقام العمل الاعتيادي. وإنّما أيضاً في مجال المواجهة ، والتصدّي لاضطهاد الجاهلية وسخرية الناس واستهزائهم ، ومن هنا أكّد عليه القرآن الكريم في عملية إعداد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في موارد متعدّدة


( وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ) (٣٠)

( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (٣١)

( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) (٣٢)

إنّ تنمية الوعي الكوني ، وتوسيع أُفق المؤمن ، وإطار تفكيره من أهم ما يعتني به القرآن الكريم. وذلك أنّ شخصية الإنسان تنمو بمقدار توسّع آفاقه ، ونمو وعيه الكوني الكلّي الشامل ، فأنت إذ تتحسّس الحياة بشمولها وتعي هذه الحياة مرحلة عابرة ، وتعيش هذا الوعي فسوف ترى كم يكون الطغيان تافهاً ، وكم يكون الطغاة صغاراً في الحساب التأريخي ، وحساب الحياة في شمولها وسعتها. وحساب الكون ، وخالق الكون. وسوف تبصر بعينيك القيمة الصغيرة لكلّ جاهلية ، وللجاهلية كلّها في حساب الحياة

٣ - الإحساس بالحياة الدنيا على أنّها دار فتنة واختبار ، على أنّها مرحلة لاختبار الفعالية البشرية ، وأخلاقية هذا الإنسان في مقام عبوديته ،


وتعامله مع الله ، ودوره في هذه الحياة

( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) (٣٣)

( وأنّ اليوم عملٌ ولا حساب ، وغداً حسابٌ ، ولا عمل )

هوامش

____________________

(١٨) - أصول الكافي ج ٢ ص ٨

(١٩) - الرعد / ٢٨

(٢٠) - الفجر / ٢٩

(٢١) - المعارج / ٢٠ - ٢٢

(٢٢) - طه / ١٣

(٢٣) - غافر / ٥٥

(٢٤) - ق / ٣٩ - ٤٠

(٢٥) - التوبة / ٣٨

(٢٦) - يونس / ٢٤

(٢٧) - الرعد / ٣٦

(٢٨) - الكهف / ٤٥ - ٤٦

(٢٩) - العنكبوت / ٤٦

(٣٠) - المزمل ١٠ - ١٣

(٣١) - آل عمران ١٩٦ - ١٩٧

(٣٢) - المعارج ٥ - ١٠

(٣٣) - سورة الملك ٢

ولا تنفصل عملية الإحساس بمرحلية الحياة الدنيا وعرضيّتها عن الإحساس بالموت ، واليوم الآخر. ويمكن أنْ نعد كل هذه الأحاسيس إحساساً واحداً. بنظرة إلى الحياة نظرة شاملة وبعيشها بشمولها هذا الذي يستوعب الحياة الدنيا ، ومرحلة الانتقال ، والمرحلة الأخيرة الأبدية

وقد حفل نهج البلاغة بالوعظ ، والتذكير بحقيقة الدنيا والموت ، والآخرة ؛ لأنّ عصر الإمامعليه‌السلام كان يعيش طغيان الروح الدنيوية والركون إلى الحياة الدنيا ، وكانت المهمّات التي أناطهاعليه‌السلام بالأمّة آنذاك مع ظروفها النفسية ، وحدّيته في تطبيق الإسلام بصورته الأصيلة تستدعي الكثير من الوعظ والتذكير. هذا كلّه مضافاً إلى أنّهعليه‌السلام كان بصدد بناء


الشخصية الإسلامية الذاكرة والمذكّرة في الخضم المتلاطم من المسلمين الذين لم يحسن تربيتهم أحد :

كانعليه‌السلام يقول : -

( وأوصيكم بذكر الموت ، وإقلال الغفلة عنه ، وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم ؟ وطمعكم فيمن ليس يمهلكم ، فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم حُملوا إلى قُبورهم غير راكبين وأُنزلوا فيها غير نازلين ، فسابقوا - رحمكم الله - إلى منازلكم التي أُمرتم أنْ تعمروها ، والتي رغبتم فيها ودعيتم إليها ، واستتمّوا نِعَم الله عليكم بالصبر على طاعته ، والمجانبة لمعصيته ، فإنّ غداً من اليوم قريب ، ما أسرع الساعات في اليوم ، وما أسرع الأيّام في الشهر ، وما أسرع الشهور في السنة ، وأسرع السنين في العمر )(٣٤)

( وأُحذّركم الدنيا فإنّها منزل قُلعة ، وليست بدار نُجعة قد تزيّنت بغرورها ، وغرّت بزينتها دارٌ هانت على ربّها ، فخلط حلالها بحرامها ، وخيرها بشرّها ، وحياتها بموتها ، وحلوها بمرّها ، لم يصفها الله تعالى لأوليائه ، ولم يضنّ بها على أعدائه ،


خيرها زهيد ، وشرّها عتيد. واسمعوا دعوة الموت وآذانكم قبل أنْ يدعى بكم ، إنّ الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم ، وأن ضحكوا ، ويشتدّ حزنهم ، وإنْ فرحوا ويكثر مقتهم أنفسهم وإنْ اغتبطوا بما رزقوا قد غاب عن قلوبهم ذكر الآجال ، وحضرتكم كواذب الآمال ، فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة ، والعاجلة اذهب بكم من الآجلة )(٣٥)

وفي كلام طويل عن وصف المتّقين ، يقولعليه‌السلام :

( أمّا الليل فصافون إقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلاً. فإذا مرّوا بآيةٍ فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم ، وشهيقها في أصول آذانهم )(٣٦)

الوعي الكوني

إلى الآن تحدّثنا عن الوعي الكوني في شخصية الإنسان المسلم ، ويتمثّل في الأساس بوجود الله تعالى ، وارتباط الأحداث ، والأشياء به وتذكره ، ومعايشته الشعورية ، وفي الإدراك - بوعي - لمرحلية هذه الحياة ،


والإحساس بالموت :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) وبالحياة الأُخرى

ونستدرك هنا ونضيف الإحساس بحكمة الحياة والتقدير الشامل في الوجود ، والإحساس بهذين الأمرين ( التقدير ، الحكمة ) دور حياتي مهم قد تأتي الإشارة إليه فيما بعد عند الحديث عن الرضا بالقضاء والقدر

وقد قلنا سابقاً : إنّ كل إنسان مسلم يؤمن بهذه الأمور ، ويفهمها ، ومهمّة الإعداد الروحي الذي يهدف إلى بناء الشخصية الإسلامية التي لا يكفي فيها أن تفهم وتؤمن بهذه الأشياء ، وإنما هو ( تحسيس ) المسلم بهذه الأشياء وتوعيته الوجودية. التي يوسّع من خلالها أُفقه ، ويرتبط بالله تعالى ، وينمي من شخصيته باتجاه النصح ، وامتلاك النفس أمام صغائر الأمور ، وتفاهات الحياة الدنيا ، وخلق حالة الطمأنينة النفسية ، والاستقرار الانفعالي ، وغير ذلك من الأمور ، والمعاني النفسية ، التي لا يُمكن بناؤها ، وتربيتها إلاّ من خلال التوعية الوجودية ، والتحسيس بالحقائق الوجودية الكبرى ، التي تدرك الشخصية الإسلامية من خلال إدراكها والتحسّس بهذه الأشياء في اطار شامل ، ونظرة كلّية وتعيها في سياقها الوجودي ، وارتباطاته الكونية الثابتة

و( التوعية ) الوجودية في المنطق التربوي الإسلامي هي منطلق التغيير ومبتدأه الأساسي ، الذي يقوم عليه التغيّر الإسلامي ، والتربية الإسلامية. والتربية التي تنطلق من التوعية على الله ، وتقديره ، وحكمته والتحسيس بالحياة نعمها ، وفتنها ، والمسؤولية فيها ، وبالآخرة نعيمها ، وعذابها وغير ذلك من عناصر الوعي الكوني الإسلامي ، هي التربية السليمة الأمنيّة


التي لا يخشى من نتائجها وآثارها لا من الناحية الدينية ، ولا من الناحية النفسية ، ولا من الناحية الجهادية

ونشير أخيراً إلى أنّ التربيات المعاصرة الممثلة للحضارة الغربية ، وقيمها يتوزعهما اتجاهان كل منهما يتناقض مع التربية الإسلامية ذلك أنّ أحدهما يقوم على أساس إهمال التوعية الوجودية ، أو التحسيس الكوني الشامل مدعوماً باتجاه فلسفي ، وضعي ، يميل إلى التعرّف على المعاني الكلية الشاملة ، ويقصر دور الإنسان المعرفي والإدراك البشري في حدود الجزئي ، والواقع إنّ هذا الاتجاه الفلسفي ( اتجاه الوضعية والوضعية المنطقية ) اتجاهٌ مرفوض من الزاوية المنطقية ، وفهماً اجتماعياً باعتباره اتجاهاً فكرياً ، يقصد من ورائه تثبيت الواقع الغربي الراهن ، وتجميد قوّة الرفض ، والثورة التي لا يُمكن أن تقوم إلاّ على أساس فكرة شاملة تخرج عن الإطار الضيّق للجزئيّات ، والوقائع الحياتية الحاضرة بحيث تحدّد الممكن والضروري والسليم من وجهة نظر السياق العام للتاريخ ، والطبيعة ، والمنطق الأخلاقي ، وهي معاني مستحيلة من وجهة النظر الوضعية

والاتجاه الآخر يقوم على أساس التوعية الإلحادية. في :

١ - إنكار وجود الإله الحكيم

٢ - وقصر حياة الكائن الإنساني في حدود هذه التجربة الضيقة من الحياة. وهي توعية لا تُفرّق - من حيث الآثار السلبية - عن التوعية الأُولى القائمة على أساس تحديد الأُفق البشري داخل الإطار الحسّي ، والجزئي ، إنْ لم تزد عليها في السلبيات


ونحن هنا لا نريد أن ندرس الاتجاهات التربوية المعاصرة ، بل ولا حتى الاتجاه التربوي الإسلامي من الزاوية العلمية. لأنّ أُسلوب هذا البحث وهدفه ينحصران داخل الإطار العملي ولا يتّصلان بحال بالأبحاث العلمية والجوانب النظرية. وإنّما يهم هنا أن نشير إلى طابع ( التجاوز ) تجاوز الأُطر الحسّية ، والجزئية ، الذي يتمثّل بالتوعية الإسلامية الوجودية حيث يستعلي الإنسان المسلم على هذه الأُطر ، ويتعامل مع الكائن الوجودي المحض الذي يميزه عن عرض المادة ، وهيمنة الحس البشري

وهو يحقّق بذلك مرحلة جديدة للإنسان تترك وراءه كلّ المراحل ضيقة الأفق ، محدودة الشعور. وفي طابع ( التجاوز ) على الأُطر الحسّية ، و( الشمول ) ، وإدراك الأشياء في سياق كلّي ، ونظرة شاملة و( المعنى ) الذي يضيفهُ الإسلام على الحياة ، والترابطات التي تحكم الإحياء، والأشياء ، تلخّص سمات الوعي الإسلامي للكون والحياة ، وهي سمات ذات أثر خطير على الحياة النفسية للإنسان المسلم

وقد يمكن تلخيصه في الانفتاح على الحياة ، وفي عدم تصنيمها وعبادة ما فيها من أشياء ، وفي الاستقرار النفسي ، وروح الالتزام الأخلاقي التي يبعثها التعامل الشعوري مع الله ذي الأسماء الحسنى وكلّ سمات الخير ، والجمال

الوعي التاريخي

وإلى جانب التحسيس الوجودي ، والتوعية الكونية ، يقوم القرآن الكريم ، والسنة المطهرة بعملية توعية تاريخية تحسس الإنسان المسلم بمجموعة من القضايا التاريخية التي تتصل بالنشاط الإنساني التاريخي ، والصراع بين الحق والباطل ، والهدى والضلال في التاريخ البشري


ونستعرض هذه القضايا بشيء من الشرح ، والتفصيل فيما يلي من نقاط :

أ - الشعور بحركة الأحداث :

قد يمرّ الإنسان بمرحلة تاريخية تنغلق فيها أبواب العمل وتتجمّد فيها حركة الدعوة ، يغلب فيها الباطل في جولة خاطفة مع الحق ، ويجد الجاهلية في حالة من القوّة والسيادة والتمكن في الأرض ، ويجد أهل الجاهليّة يتقلّبون في الأرض ويعثَون فيها الفساد بلا رادع ولا معارض ، والمؤمنون إلى جانب هذا مستضعفون محاربون من كلّ حدب وصوب ومضيق عليهم في كل جوانب حياتهم الإيمانية

قد يمر الإنسان المؤمن بهذه المرحلة ، ويجمد عقليّاً بهذه الفترة القصيرة من عُمر الزمن ، وعُمر الحياة. ويفكّر بهذا الوضع على أنّه أمر واقع ، لا مفرّ منه ، ولا دافع له ويخلده ويصنّمه ، وهو في هذه اللحظة يجمد التاريخ ويثبت ظواهره الفانية الزائلة

والقرآن الكريم يُعالج هذه الحالة فيما يعالجها عن طريق التحسيس بحركة التاريخ ، وحركة الإحداث ، والظواهر التاريخية. وعن طريق توسيع أفق الإنسان المسلم وتكوين العقلية التاريخية لديه ، وتعليمه على أنْ يفكر في هذه اللحظات ، بما هو جزء من مسلسل الحدث التاريخي المتغيّر باستمرار ، والمتحرّك على الدوام

ومن أجل هذا الهدف التربوي الكبير نفسر مجيء الكثير من القصص التاريخية في القرآن الكريم


( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (٣٧)

( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (٣٨)

( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) (٣٩)

( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ


إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) (٤٠)

( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) (٤١)

هذا وتحفل النصوص الواردة عن أهل البيتعليهم‌السلام في تركيز تربوي ، يُعمّق للإحساس بحركة الأحداث وهي الآيات القرآنية تهدف إلى ذلك بالنسبة إلى جهتين : جهة أصحاب السلطان ، والغنى ، وأهل النعمة ، والثراء

والجهة الأخرى ، هي الجهة المؤمنة المجاهدة التي تتعرّض لألوان الاضطهاد ، والتكذيب

تقول النصوص لأصحاب السلطان ، والغنى ، وأهل النعمة واليسار أن لا تطغوا. واعتبِروا بمَن كان قبلكم قبل أنْ يعتبر بكم من يأتي بعدكم ، واعلموا أنّ الدنيا في حركة مستمرّة تطحن كلّ المستغلّين المتكبّرين في


الأرض والراكضين وراء المراكز والمكانات. والظالمين للناس

وتقول للمؤمنين لا تنظروا إلى أوضاع الجاهلية كأمرٍ واقع لا مردّ له ولا دافع. وسّعوا من أُفقكم التاريخي. وانظروا الأشياء، والأوضاع في حركة مستمرّة ، والى حياة الطغاة كمتاعٍ قليل. لا تيأسوا ولا تقنطوا فإنّ الفراعنة إلى انتهاء وإنّ أوضاع الكفر إلى زوال

إنّ ضيق الأُفق التاريخي ، وتصنيم المرحلة العابرة ، والنظر إلى أوضاع الانحراف ، كأمرٍ واقع مستقر ينتهي إلى نتائج سلبية عديدة

ينتهي أولاً : إلى حالة الضيق ، وفقدان الأمل. واليأس ممّا يضعف ، أو يعدم الاندفاع الرسالي ، والحركة ، والفعالية المؤمنة.

وينتهي ثانياً : إلى التنازلات العملية من أجل الانصهار في التيار ، والتواجد في المجتمع الذي لا يُؤمل في تغييره ، والقاعدة في هذا المجال تقول : إنّ الإنسان الذي يفقد الأمل في عملية التغيير الاجتماعي ، يبدأ في تغيير ذاته ومواقفه من أجل الانصهار في المجتمع ، والذوبان فيه

وينتهي ثالثاً : إلى التنازل الفكري ، أو مراجعة الذات والتشكيك في الموقف المبدئي الذي يعتنقه الإنسان الذي يصنّم المرحلة

هذا إلى غير ذلك من الآثار والنتائج المترتّبة - بحكم قوانين نفسية - على النظرة المصنِّمة للمرحلة

ومن هنا نعرف قيمة التدخل الربّاني ، والتوجيه القرآني الكريم


للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله عندما تجمّدت دعوته في مكّة وتجمّد عمله - بعد وفاة أبي طالب - إذ مِن الممكن في هذه الحالة أن يُصاب الصف المؤمن بهذه المعاني السلبية من جراء هيمنة الجاهلية ، وحيلولتها دون تقدّم العمل الإسلامي آنذاك

فنزل - فيما يقال - قوله تعالى :

( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ )

والمرية هي الأثر الفكري السلبي لعمليّة التصنيم

( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٤٢)

والركون إلى الذين ظلموا هو الأثر العملي السلبي الذي يحذّر منه الله تبارك وتعالى رسوله ومن تاب معه

ب - الشعور بوحدة المسيرة :

إنّ وراء التعدّد الهائل والكثرة الهائلة للأنبياء والمرسلين والأئمّة ، والصالحين ، ووراء هذا التعدّد في رسالتهم وشرائعهم ، ووراء التعدّد في أساليبهم ، ومراحلهم. وراء كّل ذلك وحدة. وحدة. في النموذج الرسالي ، وشخصية الدعاة ( الرسل ، الأنبياء ، الأئمة ) ، ووحدة الرسالة


التي يحملونها رغم الاختلاف ، الذي يبدو في بعض التشريعات ووحدة في الدعوة ، والعمل ، وترابط في المراحل والمهمّات

أمّا كيف يكون هذا الترابط ؟ وكيف تكون الوحدة فهذا موضوع آخر للبحث ، والتفكير. غير أنّ المهم هنا الإشارة إلى ضرورة التحسيس بهذا المعنى. وضرورة استشعاره للمؤمن ،. فإنّ هذا الشعور ينتهي من الناحية النفسية إلى أرقى المعاني التي تكون زاد المؤمنين العاملين ، ووقودهم في الجهاد ، التوحّد مع الأنبياء والصالحين ، ومحاولة الانصهار في نهجهم الربّاني ، وعبادتهم ، وعبوديّتهم لله تعالى ، والاعتزاز بالنسب التاريخي العريق. والثقة بالنفس والتعزّي عند البلاء والمواجهة بمواجهات الموكب الكريم والرهط الكريم ، والاستفادة من تجاربهم في العمل والجهاد

( والمؤمن ذو نسبٍ عريق ضارب في شِعاب الزمان ، إنّه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خُطاه ذلك الرهط الكريم : نوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد (عليهم الصلاة والسلام))

( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ )

هذا الموكب الكريم الممتد في شِعاب الزمان من قديم ، يُواجه - كما يتجلّى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة ، وأزمات متشابهة وتجارب متشابهة على تطاول العصور ، وكرّ الدهور ، وتغيير المكان ، وتعدّد الأقوام ، يُواجه : الضلال ، والعمى ، والطغيان ، والهوى ، والاضطهاد ، والبغي ،


والتهديد ، والتشريد ، ولكنه يمضي في طريق ثابت الخطو ، مطمئن الضمير ، واثقاً من نصر الله ، متعلّقاً بالرجاء فيه ، متوقّعاً في كلّ لحظة وعد الله الصادق والأكيد

( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) (٤٣)

( موقف واحد ، وتجربة واحدة ، وتهديد واحد ويقين واحد ، ووعد واحد للموكب الكريم. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف وهم يتلقّون الاضطهاد ، والتهديد ، والوعيد )

ولعلّ في اعتبار القرآن الكريم الإيمان بما أنزل من قبل الرسول الإيمان بالرسُل السابقين وصفاً للمتّقين

( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) (٤٤)

وأمره بذلك

( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى


إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (٤٥)

لعلّ في ذلك ، وغيره تربية للمؤمنين على هذا الشعور ، والإحساس بوحدة المسيرة

ولعلّ في قوله تعالى :

( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (٤٦)

دلالة على تحسيس الله تعالى رسله بوحدة خطّهم ، ووحدة ملّتهم ، ودعوتهم ، وإشعارهم بأنّ خطّهم مترابط الحلقات ، مترابط المراحل. حتى جاء أتباع الرسل فقطعوا أمرهم ، وحولوا الوحدة إلى تعدّد في الخطوط والاتجاهات ، وصنّمت كل طبقة منهم المرحلة التي فيها حتى أصبحوا أحزاباً ، وشيعاً كل حزبٍ بما لديهم فرحون

فمن الواضح أنّنا عندما نقول : بأنّ خطّ الرسل واحد ومسيرتهم واحدة ، فلا يعني هذا أنّه لا يوجد تنوّع ضمن هذه الوحدة

إذ من الواضح أنّ الله سُبحانه قد جعل لكلّ شرعة ومنهاجاً ، ومن هنا

هوامش

____________________

(٣٤) - نهج البلاغة نص رقم / ١١٨

(٣٥) - نفس المصدر نص رقم / ١١٥

(٣٦) - نفس المصدر نص رقم / ١٩٣

(٣٧) - آل عمران ١٩٦ - ١٩٧

(٣٨) - الحج / ٤٢ - ٤٦

(٣٩) - الحج / ٤٨

(٤٠) - القصص ٣٨ - ٤٠

(٤١) - القصص ٧٦ - ٧٨

(٤٢) - هود / ١١٣

(٤٣) - إبراهيم ١٣ - ٢٤

(٤٤) - البقرة ٢ - ٤

(٤٥) - البقرة / ١٣٦

(٤٦) - المؤمنون ٥١ - ٥٣


تنوّعاً في تفصيلات الرسالة ومراحل العمل ، غير أنّ هذا التنوّع يخدم الوحدة. والهدف الواحد للمسيرة كلّها. والإنسان الذي يتلّقى مِن الله سبحانه هذه الرسالة الواحدة يعمل على توزيعها إلى اتجاهات متناحرة مستغلاًّ الفوارق المرحليّة في خطوط العمل لهذه الرسالة الواحدة

ج - الإحساس بحتمية الانتصار النهائي :

وإلى جانب الشعورين الأوّلين : الشعور بحركة الأحداث ، والشعور بوحدة المسيرة المؤمنة ، يوجد لدى المؤمن شعور تاريخي ثالث هو ، الشعور بحتمية الانتصار. انتصار قضية الرسالة الربّانية وأنّ كلّ هذا الصراع ، وكلّ هذه المعاناة والجولات بين الحق والباطل ، إنّما هي تمهيدات ضرورية للتغير الاجتماعي الإسلامي العالمي بالصيغة التي يريدها الله تعالى ، وأنّ كل يوم يمر هو إسراع زمني بالنصر ، وتقدّم نحو اليوم الموعود

أرأيت وعد الله :

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (٤٧)


( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٤٨)

فمهما طال النصر على أجيال الرسالة ، وضاقت الأرض بهم فإنّ النتيجة الحاسمة. في المنطق الربّاني الذي لا يكذّب ولا يخطأ. هي للذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، وللإيمان والعمل الصالح. ذلك أنّ الله سُبحانه قد خلق هذا الإنسان ، وكل ما سخر له ، وأنزل كلّ الكتب ، وأرسل كلّ الأنبياء الذين نعرفهم ، والذين لا نعرفهم من أجل هذه الغاية

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ )

وما تجارب الصراع. بين الهدى ، والضلال إلاّ من أجل الوصول إلى هذه الغاية

وقد تسأل هنا : إذن لماذا هذه المدّة الطويلة والزمن المديد ، ولم تتحقّق النبوءة الإسلامية ، ولم يتحقّق النصر الكامل للإيمان على وجه الأرض ؟

إنّ الله سبحانه -- خلق هذا الكون للفتنة والاختبار ، لفتنة الإنسان واختبار فعاليّته الذاتية ، ووجدانه الأخلاقي ولم يشأ سُبحانه أن يفرض عليه قضية الإيمان - لو شاء ذلك لهدى الناس جميعاً ؛ لأنّ في فرض هذه القضية نقضاً للغرض الكوني الأصيل وهو ( أن يُحقّق الإنسان إنسانيته وأخلاقيته باختياره ومن خلال الهدي الإلهي والهدي الإلهي فقط ) ، فيقتصر دور الله سُبحانه في عمليةّ التغيير الشامل على الهداية العامّة. والهدي النازل على الأنبياء ، وبعض التدخّلات الأخرى. أمّا الفعل التغييري ،


فللإنسان ، ومن الواضح أنّ التغيير الإسلامي الشامل إذ يُوكل إلى الإنسان ويعتبر مسؤوليته له سيكون عملية بطيئة طويلة الأمد تحتاج إلى قرون عديدة ، وتأريخ مديد

وحتمية انتصار الحق ، واختتام المسيرة بالنصر الشامل ليست حتمية جبرٍ وإلجاء ، كالحتميات المادية المزعومة ، وحتمية الجبر الديني المزعوم ، وإنّما هي حتمية وقوع. في علم الله تعالى أن سيختار للبشر الهداية ، والإسلام. وعلم الله لا يُخطئ ولا يزل ، وعلم الله تعالى لا يقلب الواقع وإنّما يعكسه ويكشفه ويحكيه وما دام سبحانه قد علم بأنّ الإنسان سيقوم بعملية التغيير الشامل باختياره - من خلال تدخل إلهي لا يصل إلى حد الجبر والإلجاء ، فسوف تقع عملية التغيير الإسلامي الشامل باختيار هذا الإنسان وإرادته من دون جبر ، ولا إلجاء

لقد فشلت كل الحتميات المزعومة في الجمع بين ( إنسانية ) التاريخ ، وحتمية الحل المقترح لمشاكل الإنسان. وبقيت فقط الحتمية الإلهية قائمة من دون جبر ولا إلجاء ( ولتفصيل البحث في ذلك مجال آخر )

وفي القرآن. شكلان من الوعد بالنصر

١ - الوعد المشروط ، وهو ما كان من قبيل :

( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )

( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (٤٩)


وهو وعد يعبّر عن قانون اجتماعي يتدخّل بموجبه الله تعالى إلى جانب الفئة المؤمنة في صراعها مع الباطل ، إذا أحسنت اختيار خطتها وصدقتها في عزمها، ونيتها.

٢ - الوعد المطلق. وهو الوعد الإلهي الذي ينص على أنّ التغيير الإسلامي الواقع باختيار الإنسان واقع لا محالة في مستقبل التاريخ

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ ) (٥٠)

( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٥١)

وكل من الوعدين يجب معايشتهما ، والإحساس بهما من أجل المزيد من الدفع ، والأمل ، ومزيد من الانفتاح ، والتفاعل مع الحياة الإسلامية ، والعمل في سبيل اللّه

د - الشعور بالائتمام :

لقد ادخر الله سبحانه لعملية التغيير الشامل القائم على أساس الإسلام القائد المعصوم الإمام الثاني عشر من أهل البيتعليه‌السلام وكان من فضله تعالى أنْ أبقى الإمام حيّاً مدخراً إلى اليوم الموعود ، حياً يعيش بيننا ، ويتعرّف على أخبارنا ، ويستطلع تجاربنا ، فشلنا ، ونجاحنا ، ونحن نخوض ونواجه عملية التمحيص والاختبار ، من أجل أن يستمر الشعور بوجود القدوة في وعي الناس. ومن أجل أن يستشعر الإنسان المسلم هيمنة الإمام ، وقيادته


ليزداد دفعاً ، وحرصاً وإقداماً ، وشعوراً بالاتزان والسكينة : بعد أن كانت الأعمال تعرض عليه في شبه تقارير أُسبوعية يتعرّف بهاعليه‌السلام على نمو هذا وسقوط ذاك ، وتوقّف الثالث عند نقطة محدودة لا يحيد عنها

وانتظار الإمامعليه‌السلام له قيمة عملية كبيرة ، سواء في كونها قوّة دفع كبرى أم في كونها تأكيداً لتعامل الإنسان المسلم مع الغيب والإيمان به. ومن هنا ألحّت النصوص الواردة عنهمعليه‌السلام في ذلك وأكّدت على ثواب الانتظار وكونه مِن صفات المؤمنين هناك. كما أكّدت على المعنى الايجابي للانتظار نذكر منها :

عن الرضاعليه‌السلام عن آبائهعليه‌السلام قال :

قال رسول الله :

( أفضل أعمال أُمّتي انتظار فرج الله تعالى )

وعن السجّادعليه‌السلام قال : ( تمتدّ الغَيبة بوليّ الله الثاني عشَر مِن أوصياء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأئمّة من بعده ، وأنّ أهل زمان غَيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضلُ أهل كلّ زمان ؛ لأنّ الله تَعالى ذِكْره أعطاهم مِن العقول ، والأفهام والمعرفة ، ما صارت به


الغَيبة عندهم بمنزلة المُشاهدة ، وجعَلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدَي رسول الله بالسيف أُولئك المخلصون حقّاً ، وشيعتنا صدقاً ، والدعاة إلى دين الله سرّاً ، وجهراً )

وقالعليه‌السلام : ( انتظار الفرج من أعظم الفرج )

( من ثبت على ولايتنا في غَيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد ، مثل شهداء بدر ، وأُحد )(٥٢)

وفي سبيل تربية الشعور بوجود الإمام ، والإحساس بذلك وتربية الشعور بهيمنته ، وقيادته ، وخلق روح الانتظار له والتطلّع ليومه المبارك توجد مجموعة من الأدعية ، والزيارات والشعائر ينبغي للمسلم ممارستها ، لذلك وقد ورد الكثير منها عن أهل البيتعليهم‌السلام

ويتّصل بمسألة الشعور بالائتمام والإحساس بوجود الإمام مسألة التواصل الشعوري مع الأنبياء ، والأئمةعليهم‌السلام ، ونصبهم شعورياً رموزاً ونماذج للاقتداء والاحتذاء ، والتأسّي بهم في المجالات كافّة ، وهذا معنى أكّد عليه القرآن الكريم في عملية توجيه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وإعداده

ومِن هنا وردت الكثير من الآيات لحثّهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الصبر كما صبر أُولو العزم ، وعلى


ذكرهم ، وتمثلهم الذهني

من أجل الاقتداء بهم عملياً من قبيل قوله تعالى :

( اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (٥٣)

( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) (٥٤)

( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) (٥٥)

الوعي الذاتي

وللإنسان المسلم رؤى فكرية تتصّل بالذات كماله ذلك في مجال الوجود والحياة ، والتاريخ. ووعي الذات والتحسّس بالمعاني المرتبطة بها. هو الطريق الطبيعي أو الخطوة الطبيعية والتي يجب أن تضاف إلى خطوة الوعي الرسالي. و. في سبيل التنمية ، والبناء

وللوعي الذاتي. أشكال ، وعناصر :


١ - الإحساس الأخلاقي ، والشعور بالمسؤولية

وكما يختلف الإنسان المؤمن عن الإنسان الجاهلي في طريقة الشعور بالحياة ، وقيمتها ومعناها ، كذلك يختلف عنه في الإحساس الأخلاقي ، ونحن نعرف : أنّ للعقل البشري مدركاته العملية التي بها ما ينبغي وما لا ينبغي فعله ، إلاّ أنّ الإنسان الجاهلي - بسبب اتجاهه إلى الدنيا من الناحية العملية - يُجمّد هذا الشعور الإنساني الرائع فلا يعيش أيّ مسؤولية أخلاقية في الحياة ، أمّا الإنسان المؤمن ، فإنّ طريقته في التعامل مع الكون ومع الله تعالى ، ومع الذات تُنشّط عنده كافّة المشاعر الأخلاقية ، والإحساس الأخلاقي بالإلزام والمسؤولية ، والمقاييس الثابتة للسلوك التي تفوق معاني اللذّة والشهوة

إنّ افتقاد الشعور بالمسؤولية والإلزام، والقيمة الأخلاقية للأفعال من أوضح معالم الشعور الجاهلي ، شعور الإنسان الضائع الذي ينغمس في لذّته ما أمكنه الانغماس ، والتردّي والقلق الذي جعله يتذبذب بين العوالم المشتّتة للنفس ، والسلوك

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ )

بينما يعيه الإنسان المؤمن : ( فما خُلقت لِيَشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علَفها ، أو المُرسلة شغلها تقممها ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى ، وأُهمل عابثاً )(٥٦) .

والإنسان المؤمن لا يحسّ إحساساً أخلاقيّاً بالحياة وينمّي مدركاته العملية من خلال تنميته للإحساس بالعبوديّة لله تعالى فقط ، وإنّما يشعر


بالمسؤولية أمام ظواهر معيّنة في الحياة ، وبأهداف معيّنة محدّدة

فالإنسان المؤمن يشعر بالمسؤولية تجاه ذاته. ومن أجل تغييرها ، وتوجيهها نحو الله تعالى ، مسؤولية التوبة والعودة إلى الله والاستغفار من الذنوب ، والإقلاع عن السيّئات مسؤولية تنمية العلاقات مع الله تعالى ، ومسؤولية التنمية الثقافية ، وتلافي نقاط الضعف الروحي والنفسي ، والعملي ، التي لا ينفكّ عنها إنسان وكذلك يشعر بالمسؤولية تجاه الناس والانحراف الذي يعيشون فيه ويشعر بأنّه راعٍ ، ومسؤول عن رعيّته و ( إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةٌ عظيمة بها تُقام الفرائض

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ، ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب وتُردّ المظالم ، وتُعمّر الأرض ، وينتصف من الأعداء ، ويستقيم الأمر )(٥٧) .

وقد تدرس نصوص الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر وتشكّل انطباعاً بأنّ الإسلام يعتبر كلّ فرد مسلم مسؤولاً عن تصرّفات الآخرين إلاّ بعذر. هو مسؤول عن ( دفع ) الفساد كما هو مسؤول عن ( رفعه ) ، وأنّ الإنسان الذي يسكت عن المنكرات ، والمحارم مشاركٌ فيها. معاقب عليها

إنّ الشعور بالمسؤولية تجاه الانحراف الاجتماعي هو بداية افتراق الإنسان المسلم العامل عن غيره من المسلمين ، ومن المؤكّد عندئذ أنّ الشعور بالمسؤولية ليس ( فضلاً ) للإنسان العامل على غيره من الناس عند الله تعالى وقد يكون الإنسان الذي لا يحسّ بمسؤولية تجاه الناس نتيجة لعدم إحساسه بالانحراف ، أو نتيجة لاتجاهه إلى أعمال إسلامية أُخرى ، أو نتيجة لإيمانه


بمعذوريته من الناحية الشرعية ، قد يكون هذا الإنسان أفضل مكاناً عند الله تعالى. إنّ منازل الناس عند الله تعالى لا يحدّدها الوعي والشعور بالمسؤولية ، وإنّما تحدّدها درجة ( الانقياد ) إلى الله تعالى والقرب منه ، والعبودية له ، وأنّ هذا لا يعني بالطبع الغض من قيمة الشعور بالمسؤولية ، والإحساس بالانحراف أمران ضروريّان. ويجب التوصّل إليهما بمختلف الوسائل ، والأساليب لأنّهما بداية انطلاق العمل الجهادي في سبيل الله ، ودفع المنكرات التي تسخط الله

وغاية ما نريد أنّ القيمة الدينية والأخلاقية ليست للشعور بالمسؤولية ، والإحساس بالانحراف. وإنّما للانقياد إلى الله ، وتنفيذ المسؤوليّات المستشعرة وأنت تستطيع أنْ تقول أنّ الإنسان المؤمن الذي يعي انحراف الناس ، ويشعر بمسؤوليته عن تغيير معالم الانحراف ( أنفع ) للإسلام عملياً ، وأكثر عطاء وفائدة للمسلمين ، ولكنّك لا تستطيع أن تقول بأيّ حال من الأحوال أنّه أقرب إلى الله من هذا الإنسان المتعبّد الذي لم تتح له الظروف أنْ يعي مسؤوليته الشرعية ، فقد يكون هذا الإنسان لجهله معذوراً أمام الله ، بينه وبين الله سرّ نجهله أو ولاية لا نعرفها. وقد أخفى الله سبحانه - كما في الرواية - أولياءه في عباده

الاعتزاز باللّه

٢ - الشعور بالعزّة والاستعلاء :

قال الله تعالى :( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٥٨)

( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (٥٩)

والمقصود بالاعتزاز الذي يشكّل شعوراً لامعاً من المشاعر المؤمنة ، هو


الاعتزاز بالإيمان ، والانتساب إلى الإسلام ، والعمل في سبيل الله

فليس يرضى الله للمؤمن بالانكسار والشعور بالخيبة ، حتى في أحرَج اللحظات التي يطغى فيها الكُفر ويُقتل فيها المؤمنون ، وتضيق الأرض الواسعة بهم حتى في هذه اللحظات الحرجة ، والأوقات العصبية لا يشعر المؤمن بالضعف ، والانكسار، والوهن، والضعة. وكيف يشعر بالضعة والوهن ، والذلّ ، والانكسار من إلى صفه الجبّار العزيز المهيمن ، والقادر المتعال ؟ فالمؤمن - كما في الرواية - عزيز في دينه وقد فوّض الله أموره إليه ، ولكنّه لم يفوّض إليه أنْ يذلّ نفسه

إنّ لحظة استشعار الذل ، أو الانكسار هي لحظة كافرة ولا يكون المؤمن في حالة هذا الشعور ؛ لأنّه شعور قائم أمّا على أساس نسيان الله ، والانتساب إلى السماء أو على أساس الاستهانة بالعلاقة مع الله تعالى - والعياذ بالله -

وليس الشعور بالاعتزاز ، والقوّة في نفس المؤمن ناشئاً عن الشعور بالمكانة الاجتماعية ، أو القدرات العلمية ، أو غير ذلك من معاني الدنيا ، وإنما ينشأ هذا الشعور من الإحساس بالصلة بالله تعالى ، والإحساس بعزّته ، وعظمته ، وعزّة المؤمنين به ، والكادحين إليه. فهو في حقيقته اعتزاز بالمعنى الإيماني الذي يشعره في نفسه ، وإحساس بقيمة الصلة بالله

وكما يريد الله تعالى من المؤمن أن يكون عزيزاً في نفسه عزيزاً في مشاعره ، كذلك يريد منه أن يكون عزيزاً في مواقفه عملاقاً شامخاً مستعلياً على الطغاة ، وأتباع الطواغيت حتى في أحرج اللحظات ، عندما يقسو الزمن


وتخون دنيا الناس ويتحكّم في مصائر الأُمة شياطينها وطُغاتها

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( إنّ اللّه فوّض إلى المؤمن أموره كلّها ، ولم يُفوّض إليه أنْ يكون ذليلاً ، أما تسمع أنّ الله عزّ وجل يقول :

فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً ، ثمّ قال : إنّ المؤمن أعزّ من الجبل ، إنّ الجبل يستقلّ منه بالمعاول ، والمؤمن لا يستقل من دينه شيء )(٦٠)

( فالمؤمن ينبغي أنْ يكون عزيزاً ، ولا يكون ذليلاً يعزّه الله بالإيمان والإسلام )

( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ )

إنّ استرحام الكافر واستعطافه ، والتذلّل للطغاة بداية التنازل والانحراف ، فعلى المؤمن أنْ يكون صلباً حازماً لا يستجدي العطف ، وإنْ كان يستعمل المرونة ، والمداراة ولا يطلب الرحمة من الجبابرة وإنْ كان يدخل معهم في فنون التعامل الحكيم ، والمناقشات المبدئية

الشعور الجماعي والشعور بالإخاء

٣ -والشعور الجماعي : هو أنْ يعيش المؤمن ذاته كعضو في جماعة. وكفرد في أمة مؤمنة من الناس. وهذا الشعور إذا لاحظناه بالنسبة إلى الامتداد الزماني سمّيناه - كما سمّيناه - بالشعور بوحدة المسيرة.. وإذا


لاحظنا ، بالنسبة إلى الامتداد المكاني ، والمؤمنين المعاصرين سمّيناه بالشعور الجماعي. وفي الشعور الجماعي. كما يشعر المؤمن بذاته كفرد له خصوصيّاته الفردية أي يشعر بأناه الخاصة ، كذلك يشعر بأناه الإسلامية العامة. أناه كمؤمن ، أو بكلمة أخرى يشعر بأنّه ، جزء من جبهة الإيمان وتكتّل المؤمنين لله تعالى. يشعر بذات عامة تجمع المؤمنين جميعاً. وبالخصوص المؤمنين الذين يسيرون في طريق العمل ، والجهاد في سبيل الله تعالى وليس في هذا التخصيص مانع أو حزازة ، وقد سجّله القرآن الكريم

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ) (٦١)

والشعور بالإخاء قريب من الشعور الجماعي. والشعور الجماعي هو الشعور بالتكامل الإيماني كجسد واحد فيه أعضاء وأجزاء والشعور بالإخاء ، هو الشعور بوحدة النسب نسب الإيمان ، والعقيدة. نسب السماء لا نسب الأرض ومعاني الأرض من العنصرية ، والإقليمية وغيرها

وينتهي هذان الشعوران إلى ما نسمّيه اليوم بـ ( المشاركة الوجدانية ) ، أي شعور المؤمن بما يشعر به إخوانه من آلام ، وأفراح ، وعواطف

يألم إذا تألّموا ، ويفرح إذا فرحوا


عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : ( إنّما المؤمنون إخوة بنو أبٍ وأُم ، وإذا ضرب على رجل منهم عِرق سهر لها الآخرون )(٦٢)

وعنهعليه‌السلام :

( المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إنْ اشتكى شيء منه ، وجد ألم ذلك في سائر جسده ، وأرواحهما من روحٍ واحدة ، وأنّ روح المؤمن لأشدّ اتصالاً بروح اللّه من اتّصال شعاع الشمس بها )(٦٣)

٤ -التواضع :

أ :التواضع للّه .

ويُقصد به الاستشعار المستمر لنقاط الضعف الروحي ، والنفسي ، والتقصير أمام اللّه سبحانه وتعالى ، وهو بهذا المعنى يتقابل مع الإعجاب بالذات والتكبّر أمام الله تعالى. والعياذ باللّه. والمن عليه بالإسلام ، والعمل

وفي الرواية أنّه سئل الرضاعليه‌السلام عن حدّ التواضع الذي إذا فعله العبد كان متواضعاً ؟ فقال :

( التواضع أنْ يعرف المرء قدر نفسه ، فينزّلها منزلتها بقلبٍ سليم )

والتواضع - عندئذ - يكتسب قيمته من أمرين


(١) : إنّ التواضع هو الاستشعار الكامل للعبودية لله تعالى ، ولا يمكن لهذا الكائن الصغير أن يؤدّي حق اللّه كاملاً ، وكيف يؤدّي حقّ من أداء حقه إليه يُثبت له حقّاً جديداً ، وشكره يحتاج إلى شكر ؟. وأيضا فإنّ التواضع إدراك لقضية واقعية هي وجود الضعف الأخلاقي ، والنفسي والروحي في الإنسان وأيّ إنسان يخلو من الضعف ، والقصور ، والتقصير ؟ قد يطغى الإنسان ويتصوّر نفسه خالصاً مخلَصاً من العيب والضعف والذنوب ، ولكن لا يوجد إنسان في العالم يصدق مع نفسه إذا اعتقد بذلك

(٢) - إنّ التواضع خلافاً للعُجب بالنفس ، والتواضع له قيمة عملية كُبرى باعتباره أنّه لا يُجمّد وضع الإنسان المسلم عند حدّ معيّن ، ونقطة معينة من النمو ، والتطوّر ، بخلاف العجب الذي يتصوّر فيه الإنسان أنّه وصل إلى نقطة الكمال الأخلاقي والروحي ، فيعتقد الإنسان عندئذ حرارة المعاناة التي تحرّك ، وتدفع إلى أمام. والإنسان الذي يفقد نار المعاناة ما أسهل ما يستحوذ عليه الشيطان

ففي نصٍّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( إنّ موسى سأل إبليس عن الذنب الذي إذا أذنبَه ابن آدم استحوذْتَ عليه ؟ قال - أي إبليس - إذا أعجبته نفسه ، واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبه )(٦٤)

ويظهر من النصوص الواردة عن أهل البيتعليه‌السلام أنّ المؤمن في حالة المعاناة ، وحرارة الاندفاع ، - والحرقة في التوجّه أفضل - حتى مع الذنب -


منه وهو في حالة الاستقامة والعجب بذاته

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في خبرٍ صحيح :

( أنّ الرجل ليذنب الذنب ، فيندم عليه ، ويعمل العمل ، فيسرّه ذلك فيتراخى عن حاله تلك ، فلئن يكون على حاله تلك ، خيرٌ له ممّا دخل فيه )

وعنه : ( إنّ الله علم أنّ الذنب خيرٌ للمؤمن من العجُب ، ولولا ذلك ما ابتلي المؤمن بذنب أبداً )

وعن أحدهماعليه‌السلام : ( دخل رجلان المسجد أحدهما عابد ، والآخر فاسق فخرجا من المسجد ، والفاسق صدّيق والعابد فاسق ؛ وذلك أنّه يدخل العابد المسجد مدلاًّ بعبادته ، يدل بها فتكون فكرته في ذلك وتكون فكرة الفاسق في الندم على فسقه ، ويستغفر الله عزّ وجل ممّا صنع من الذنوب )(٦٥)

وفي نصٍّ آخر : ( إنّ الله تعالى مِن حنانه على عبده المؤمن أنّه يلقي ممّا عليه في بعض الليالي نعاساً ، فتفوته صلاة الليل ، حتى لا يدل ، ويعجب بنفسه وهو يداوم عليها )

والسبب أنّ التواضع لله تعالى مِن أخصّ خواص الشخصية الإسلامية


كانت لغة الأنبياء ، والأئمةعليهم‌السلام مع الله تعالى في منتهى الأدب ، والتذلّل ، والخضوع لله فيها اعتراف بالتقصير ، والذنوب ، وإلحاح في طلب المغفرة والتوبة والقبول ، والشعور الدائم بحق الله تعالى عليهم ، وبعدم أدائهم لحق الله

( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (٦٦)

وأمّا موسى فقد( قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي )

( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ) (٦٧)

ومن أروع معاني التواضع لله تعالى والأدب معه سُبحانه ، ما سجّلته الصحيفة السجّادية من ألوان الاعتراف بالتقصير ونقد الذات ، والاستغفار واستشعار الضعف والقصور ، فاقرأ إنْ شئت من مناجاة الشاكين

( الهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمّارة ، والى الخطيئة مبادرة ، وبمعاصيك مولعة ، ولسخَطك متعرّضة ، تسلك بي مسالك


المهالك ، وتجعلني عندك أهوَن هالك ، كثيرةُ العِلل ، طويلة الأمل ، إنْ مسّها الخير تمنع ، وإنْ مسّها الشر تجزع ، ميالة إلى اللعب واللهو ، مملوءة بالغفلة والسهو )

ومن مناجاة التائبين :

( إلهي ألبَسَتْني الخطايا ثوب مذلّتي ، وجلّلني التباعد منك لباس مسكنتي ، وأمات قلبي عظيمُ جنايتي فأحيه بتوبةٍ منك يا أَملي وبُغيتي )

واقرأ في الصحيفة تجد الكثير من هذا الأدب الرفيع. حتى لتكاد تشعر بأنّ قلب زين العابدينعليه‌السلام يتقطّع مِن خشية الله وشدّة التألّم من التقصير والمخالفات ، ولأنّنا لا نعيش معنى للأدب لله ، ونتناسى أنّ كل إمام مهما كان ، وكل نبي له مخالفات وتقصيرات داخل إطار العصمة ، فإنّنا نحاول أنْ نصنع المشاكل ونثير الأبحاث الطويلة ، ونحاول أنْ نجمع الإجابات المختلفة عن السؤال القديم : كيف يمكن لزين العابدين وهو الإمام المعصوم أنْ يعترف بالذنوب والتقصيرات والمخالفات أمام الله ؟ وننسى أنّ زين العابدين لو آمن بأنّه لا تقصير له ، ولا مخالفة عنده ، لما كان معصوماً بحالٍ من الأحوال

ب :التواضع للمؤمنين .

ومن ألوان الوعي الذاتي التواضع للمؤمنين وليس المقصود منه التأدب معهم واحترامهم وحسن الخلق والمداراة وغير


ذلك من التعاملات الخارجية الحسنة ، فإنّ هذا نتيجة للتواضع لا التواضع نفسه أمّا التواضع فهو ألاّ تشعر بكونك أعلى منزلة ودرجة مِن أيّ مؤمن تلقاه. أو هو أنْ تشعر بأنّك أقل المؤمنين حظاً ، وأخفضهم منزلة. وهو شعور ضروري ومهم بالقدر الذي هو طبيعي من الإنسان المؤمن ؛ وذلك لأنّ مقياس المسلم في الضعة والرفعة إنّما هو درجة القرب من الله تعالى ومدى قبوله سُبحانه للإنسان وقد تعلم أنّك أكثر من أخيك المؤمن في العلم والثقافة ، كما قد تعلم انّك أكثر خدمة منه للدين والمسلمين ، بل قد تعلم أنّك تصلّي أكثر مما يصلي ، وتعبد أكثر ممّا يعبد ولكنك لا يمكن أنْ تطمئن إلى أنّ مقامك عند الله تعالى أرفع من مقامه ، ومنزلتك أعلى من منزلته

ومن الممكن أنْ يكون هذا الإنسان الذي تحتقره عيناك ممن ترجو شفاعته غداً ؛ لأنّ له سرّاً مع الله لا تعلمه أنت ولا غيرك ، ومن هنا يحكي القرآن الكريم عن بعض أهل النار قولهم

( وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ ) (٦٨)

وعن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام عن آبائه عن عليّعليه‌السلام قال :

( إنّ الله أخفى أربعة في أربعة. إلى أنْ قال : وأخفى وليّه في عباده ، فلا تستصغرنّ عبداً مِن عبيد الله ، فربّما يكون وليه ، وأنت لا تعلم )(٦٩)


والإنسان الذي قد يسقط في أعيننا لذنبٍ ارتكبه أو خطأ وقع فيه ، قد يتوب في مستقبله ، ويكون في مراتب القرب من الله تعالى ، ونبقى نحن في أوضاعنا الفعلية

ونتيجة لشعور المؤمن بالتواضع للمؤمنين ، واحترامهم الذاتي يتّسم سلوكه معهم بالتقدير والاحترام والخدمة والأُنس ، يصافح الغني والفقير ، والصغير والكبير ، ويُسلّم مبتدئاً على كلّ مؤمن ، ولو كان عبداً من أهل الصلاة هيّن المؤنة ، ليّن الخلق ، كريم الطبيعة جميل المعاشرة. كما ورد في صفة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

هوامش

__________________

(٤٧) - النور / ٥٥

(٤٨) - الأنبياء / ١٠٥

(٤٩) - الروم / ٤٧

(٥٠) - النور / ٥٥

(٥١) - الأنبياء / ١٠٥

(٥٢) - حق اليقين - سيد عبد الله شبر ج ١ ص ٢٢٧ - ٢٢٨

(٥٣) - سورة ص / ١٧

(٥٤) - سورة ص / ٤١

(٥٥) - سورة ص / ٤٥ - ٤٩

(٥٦) - نهج البلاغة نص ٤٥

(٥٧) - الوسائل كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر م ٦ ص ٣٩٥

(٥٨) - آل عمران / ١٣٩

(٥٩) - المنافقون / ٨

(٦٠) - الوسائل كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(٦١) - الأنفال / ٧٢

(٦٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ١٦٥ - ١٦٦

(٦٣) - نفس المصدر

(٦٤)، (٦٥) - أصول الكافي ج ٢ ص ٣١٣ - ٣١٤

(٦٦) - البقرة / ١٢٧

(٦٧) - سورة ص / ٢٤

(٦٨) - سورة ص / ٦٣

(٦٩) - الوسائل مقدمات العبادات ص ٧٩


الفصل الثالث :

الوجدان ( العاطفة المبدئية والانفعال الرسالي )


في الفصل السابق تناولنا الوعي الديني ، والوعي التاريخي والوعي الذاتي. وهي مجموعات تؤلّف جانب البصيرة والرؤية الفكرية للشخصية الإسلامية. وهذا هو الجانب الأول في الشخصية الإسلامية. والمرتكز الأساس الذي تقوم عليه ، أمّا الجانب الآخر - والأساس هو الآخر. فهو الوجدان الإسلامي بالمعنى الواسع الذي يشمل العاطفة كالحب والبغض ، والانفعال كالخوف ، والرجاء ، والغضب ، والفرح

دور الوجدان في الحياة الإنسانية

وللوجدان بالمعنى المذكور دور كبير في حياة الفرد البشري ، فليس الإنسان مركباً آلياً يتحرّك بسبب الثارات أو بالأحرى الحركات الخارجية ، كما هو شأن كل جسم مادي لا يملك الحيوية الذاتية ، والاندفاع الذاتي ، وليس الإنسان كذلك كائناً عقلياً صرفاً يعقل ، فيتحرّك بسبب رؤيته العقلية فقط ، ويتصرّف بإرادة محضة لا يشاركها حب ، ولا بغض ، ولا غضب ، ولا سرور.

ليس الإنسان كذلك ولا يمكن أن يكون كذلك ، وإنْ أصرّت مجموعة من الفلاسفة على أنْ يكون الإنسان إرادة محضة ، وعقلاً محضاً ، وأنْ ينطلق من أفعاله ، وتصرّفاته من الإحساس بالواجب الأخلاقي والشعور بالإلزام فقط

وبسبب هذا الأمر

وبسبب أنّ للوجدان - عاطفة وانفعالاً - أثراً كبيراً في الفك ر، وفي السلوك ، إذ يدفع نحو بعض المواقف ويمنع من بعض ، ويقرّر بعض الأفكار ، ويحول دون بعضها الآخر ، بسبب هذين الأمرين ( عدم انفكاك الإنسان


عن العاطفة والانفعال ، وأثرهما الكبير في الفكر ، والسلوك ) أكّد الإسلام في مفاهيمه الأخلاقية ومناهجه التربوية على كل من الميول النفسية ( العواطف ) ، وعلى الاستجابات النفسية الثائرة من غضبٍ ، وفرحٍ ، ومن خوفٍ ورجاء

مبدآن إسلاميان للحياة الوجدانية

وكان التأكيد الإسلامي ، والعمل الذي تقوم به التربية الإسلامية ، باتجاه الحياة الوجدانية للإنسان ، مرتكزاً على أساسين أو مبدأين :

المبدأ الأول :

تكوين وجدان إسلامي خاص بالإنسان المسلم. وقد أعدّ الإسلام بهذا الصدد قائمة طويلة للمعاني التي يجب أنْ يبتني عليها الإنسان المسلم ، وتقوم على أساسه الشخصية الإسلامية والتي تتألّف من عناصر عديدة كحب اللّه تعالى والأُنس به ، والاشتياق إليه والخوف منه ، ورجاؤه والرضا بقضائه وقدره وحب المؤمنين وحب الرسالة ، وبغض الكافرين والمنحرفين والشرّيرين ، والسرور بالحسنة والتضايق من المعصية والانفتاح النفسي على الحياة والابتهاج بها ، إلى غير ذلك من المعاني الإسلامية الكثيرة في هذا المجال. وتوجد إلى جانب ذلك عناصر سلبية في الوجدان المسلم. كالزهد الذي يعني تفريغ الإنسان المسلم لوجدانه من حب الدنيا. والخوف عليها ورجائها

لماذا يصر الإسلام على تكوين وجدان خاص بالإنسان المسلم ، ولا يكتفي منه بالعمل ؟ إنّ السبب في هذا الإصرار من قبل الإسلام يعود


إلى أمرين :

١ - إن هدف الإسلام ليس مجموعة من التصرّفات والمواقف ، والحركات يؤدّيها الإنسان المسلم ، وإنّما هو بناء الإنسان الصالح بكل ما يعنيه الإنسان من الفكر ، والروح ، والوجدان والسلوك

إنّ الإسلام يهدف إلى إيجاد صيغة جديدة للإنسان تختلف عن كل الصيغ المعروفة للإنسان في مختلف الحضارات ، صيغة كاملة شاملة. وليست محصورة ضمن نطاق الفعل ، والسلوك الاجتماعي وبهذا يختلف الإسلام عن مجموعة من أنظمة الأرض التي لا تريد سوى أن تؤكّد سلطتها وسيطرتها السياسية ، والاجتماعية على الناس

٢ - ينظر الإسلام إلى الشخصية الإنسانية وحدة متكاملة يؤثّر كل جانب منها ، وكلّ جزء في الجانب الآخر ، والأجزاء الأخرى ، ومن هنا فهو يرى أنّ من غير الممكن أن نؤمّن جانباً من الشخصية الإنسانية دون تأمين كافّة الجوانب الأخرى ، ليس من الممكن للإسلام أنْ يحكم السلوك الاجتماعي ، والسياسي للناس دون أنْ يغيّر من مضمونهم العاطفي ، والانفعالي ، والوجداني ، ودون أن يغيّر من مفاهيمهم الحياتية ورُؤاهم الفكرية حول الكون ، والحياة كما لا يمكنه أنْ يؤكّد على جوانب الفكر ، والوجدان في شخصيّة الإنسان المسلم ، دون أنْ يؤكّد على جانب السلوك ، والنظام الاجتماعي ، والسلطة الزمنية

المبدأ الثاني :

تحكيم العقل والدين على العاطفة والانفعال ، فمهما كانت


العواطف ، والانفعالات رسالية ، وإنسانية عامّة أو منحرفة فهي - محكومة - في شخصية الإنسان المسلم - لإرادة اللّه تعالى التي يعرفها العقل

وعلى هذا فالعاطفة والانفعال - ولو كانا مبدأين - يعتبرهما الإسلام ( طاقة نفسية ) لا بدّ منها ، أمّا الجهاز الحاكم في الشخصية فليس هو العاطفة ، ولا الانفعال وإنّما العقل والإرادة ، أوّلهما : يوضّح الصحيح مِن الخطأ والحلال من الحرام في ضوء المنطق الشرعي ، وثانيهما ينفذ ويقرّر عملياً ويرتكز ذلك على ما يلي :

١ - إنّ ارتباط الغريزة والعاطفة ، والانفعال الذي تقتضيه هذه الدوافع ليس ارتباطاً حتمياً ، وإنّما هو ارتباط اقتضائي ؛ إذ يمكن للإنسان أن يحول بين العاطفة والانفعال وبين نتائجهما العملية

٢ - إنّ مقتضى العبودية للّه تعالى هو ، أن ينسجم الإنسان سلوكياً مع إرادته تعالى ، سواء كانت مثبتة تشريعياً على شكل إلزام ، أم على شكل ترجيح ، أم كانت إرادته تعالى هي ترجيح أحد الأطراف المتزاحمة من وجهة نظر المصالح ، والمفاسد

٣ - إنّ العواطف ولو كانت دينية - لا تقتضي دائماً الفعل الذي ينسجم مع إرادة اللّه تعالى ، بل قد تختلف مقتضياتها مع مقتضيات الإرادة الإلهية فقد يَسبُّ المؤمن - لعاطفته الدينية - الذين كفروا فيسبوّا اللّه تعالى ، وقد ينفعل - غاضباً للّه تعالى فيتعجّل بموقفٍ يعود بالضرر على الدين وعلى هذا أناط الإسلام ( الفعل ) بالتدبّر بالعاقبة والتعقّل كما جاء في حديث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :


( إذا هممت بأمرٍ فتدبّر عاقبته ، فإنْ يك رُشداً فامضه ، وإنْ يكن غيّاً فدعه )

الضغط على العواطف الرسالية في حياة القادة

والأمثلة على الضغط على العواطف الرسالية ، في سبيل المصلحة العُليا للرسالة كثيرة في حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأئمةعليهم‌السلام

أذكر من سيرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله موقفه في صُلح الحديبية ، في شكل الكتاب بينه ، وبين موفد المشركين إذ رفَض المشرك ( سهيل بن عَمْر ) أنْ يفتتح الكتاب بـ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ، وأن يُسمي فيه محمّداً برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأقرّه الرسول بذلك ، وأنْ يردّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعض المسلمين المهاجرين إليه من العذاب الجاهلي ، فيردّهم إلى المشركين لموقع العهد بينهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبينهم وهو موقف في قمّة الضغط على العاطفة الرسالية لمجرّد الوفاء بشرط اشترطهصلى‌الله‌عليه‌وآله للمشركين(١) .

واذكر من سيرة الإمام عليعليه‌السلام موقفه عندما غلَب الانحراف على الخط الإسلامي الأصيل بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي ذلك يقولعليه‌السلام كما في الخطبة الشقشقية : ( وطفِقت أرتئي بين أنْ أَصول بيدٍ جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يشيب فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، ويكدح فيها مؤمن ، حتى يلقى ربّه فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهباً )(٢)

ومن سيرة الإمام الحسنعليه‌السلام عملية الصلح مع معاوية التي لم تتحمّلها


حتى القلوب المؤمنة. فتفجرت على شكل ملاحظات ، وكلمات نابية قُوبل بها الإمامعليه‌السلام من قبل خيرة أصحابه. ولكن المرحلة ، ومصلحة الإسلام العليا التي هي المقياس في صحّة الموقف ، والانفعالات كانت تقتضي منهعليه‌السلام أنْ يقبل بالصلح ضمن شروط معيّنة

وأمّا الآن فإلى مجموعة من العواطف الإسلامية والانفعالات المؤمنة.

حب اللّه

أولى عناصر العاطفة الإيمانية ، حبّ اللّه تعالى قال سبحانه :

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) (٣) .

( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (٤)

وعاطفة الحب أوسع العواطف الإيمانية ، وأشملها ، وتتمثّل في الميل النفسي إلى اللّه تعالى والاستعداد الدائم للأنس والالتذاذ بلقائه وينبسط


هذا الحب ، ويتفرّع إلى معاني أُخرى بسبب ارتباطها باللّه ، بنحوٍ من أنحاء الارتباط

ويرتكز حب اللّه في نفس المؤمن على أوسع المرتكزات النفسية ، وأوثقها وهي اثنتان :

١ - حب الذات. وحب الذات أمرٌ فطري في الإنسان بمعنى أنّ الإنسان مجبول على حبّ ذاته وهو حُبٌّ يمتدّ وينبسط على خالق الذات ، والمنعم عليها ، ومن يمدّها بالنعم صباحاً ومساء. ومن هنا جاء في الحديث عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( أحبوا اللّه لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني لحب اللّه )

٢ - حب الكمال والجمال ، وهو حبٌ آخر جبل عليه الإنسان ، غير حب الذات. واللّه سبحانه منتهى الجمال ، والكمال ، والصفات الحسنى كلّها له

من عطاء الحب الإلهي

ولحب اللّه تعالى آثار كبيرة على شخصية الإنسان المؤمن :

١ -الأثر العملي : وهو الطاعة والاستقامة على خط اللّه تعالى في الحياة.

( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ


اللَّهُ ) ( آل عمران/٣١ )

وفي المعاني للصّدوق عن الصادقعليه‌السلام قال : ( ما أحبّ اللّه مَن عصاه )

ثمّ تمثّل بقوله :

تعصي الإله وأنت تظهر حبّه

هذا لعمري في الفِعال بَديع

لو كــان حُبّك صادقاً لأطعته

إنّ المُحبّ لمن أحبّ مطيعُ

وفي مناجاة المحبّين للسجّادعليه‌السلام : ( إلهي مَن ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منه بدلاً ، ومَن ذا الذي انس بقربك فابتغى عنك حولاً ) ، وفيها أيضاً : ( يا منى قلوب المشتاقين ، ويا غاية آمال المحبّين ، أسألك حبّك وحبّ من يحبك ، وحب كلّ عمل يوصلني إلى قربك ، وأنْ يجعلك أحبّ إليّ ممّا سواك ، وأنْ يجعل حبّي إيّاك قائداً إلى رضوانك ، وشوقي إليك ذائداً عن عصيانك )

وفي قصة مصعب بن عمير ، وهو أحد المؤمنين الذين تربّوا على يد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان فتى مترفاً في بيت مرفه ، يصفه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله - كما في الرواية - ما رأيت بمكّة أحسن لمّة ، ولا أرقّ حلقة ، ولا أنعم من مصعب بن عمير ، في هذه القصّة : إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رآه بعد ذلك وعليه جِلد كبش من أثر الحرمان في اللّه ، ومِن أجل اللّه تعالى ، فقال : ( انظروا إلى هذا الذي نوّر اللّه قلبه ، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيَب الطعام ، والشراب ، ولقد رأيت عليه حلّة ( ثوباً ) شراها بمِئتي درهم فدعاه حب اللّه ، ورسوله إلى ما ترون )


٢ - الأُنس باللّه ورسوله في الوحدة. والأُنس بعبادة اللّه تعالى في الأيّام المعتادة وأيام الوحدة ، والغربة من أهمّ آثار أو أُسس حبّ اللّه تعالى وقد كانت عبادة اللّه تعالى قرّة عين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمةعليهم‌السلام من بعده

وقد كانواعليهم‌السلام عندما تحدّد ممارساتهم الاجتماعية ، وصلاتهم بالناس يأنسون بالصلاة ، وتلاوة القرآن الكريم ويملأون كل أوقاتهم بالعبادة ، والصلاة ، أُنسا بربهم ، وحبّاً ، وعبودية

بل نلاحظهم أنّهمعليهم‌السلام وإنْ كانوا يؤدّون واجبهم في العمل الاجتماعي ، ويعملون تخطيطاً وجهوداً من أجل قضية الإسلام ، يتمنّون لو أتاحت لهم الظروف أنْ يتفرّغوا للعبادة والالتقاء المباشر باللّه تعالى ، وليس في هذا غض وإقلال من قيمة وشأن العمل الاجتماعي ، والجهاد في سبيل اللّه ولكن المؤمن يأنَس باللّه تعالى ، وعبادته المباشرة من سجود وركوع ، وذكره أكثر ممّا يأنس بالممارسات الاجتماعية والاختلاط مع الناس

وفي الرواية : أنّ موسى بن جعفرعليه‌السلام كان كثيراً ما يُسمع في دعائه - عندما كان في السجن - يقول :

( اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أنْ تُفرّغني لعبادتك ، اللهمّ وقد فعلت فلك الحمد )(٥)

وكانعليه‌السلام مشغولاً يُحيي الليل كلّه صلاةً ، وقراءةً للقرآن ، ودعاء ، واجتهاداً ، ويصوم النهار في أكثر الأيّام ، ولا يصرف وجهه عن المحراب(٦) .

ويرد الكلام نفسه ، وإنْ كان بصيغةٍ أخرى عن الحسن العسكريعليه‌السلام ففي الخبر : (دخل العبّاسيون على صالح بن وصيف ، عندما حبس أبو محمد عليه‌السلام فقالوا له : ضيّق عليه ولا توسّع فقال لهم صالح : ما أصنع به


وقد وكّلت به رجُلين شرّ مَن قدرت عليه ، فقد صارا من العبادة ، والصلاة والصّيام إلى أمرٍ عظيم ثمّ أمر بإحضار الموكلين به

فقال لهما : ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل فقالا : ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كلّه لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة ، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملك من أنفسنا )(٧)

وهذا علي بن الحسينعليه‌السلام الذي كانت ظروفه لا تسمح له بالعمل الاجتماعي المكشوف بحال من الأحوال ، فأتاحت له شيئاً مِن الوحدة والتفرّغ ، سجّل لنا تاريخه أروع درجات الأُنس والتوجّه والشوق إلى اللّه تعالى. فكان من أدعيته ما تقرأه في الصحيفة قطعاً من قلبه الخاشع ، وروحه المتحفّزة وأُنسه باللّه تعالى العلي العظيم

وكان من عبادته ما حكاه أبو عبد اللّهعليه‌السلام من دخول الباقرعليه‌السلام :

( فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد ، فرآه قد اصفر لونه من السهر ، ورمضت عيناه من البكاء ، ودبرت جبهته وانحرف أنفه من السجود ، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصّلاة. وقال أبو جعفرعليه‌السلام فلم أملك - حين رأيته بتلك الحال - البكاء - فبكيت رحمة له )

هكذا روي عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام في الوسائل - أبواب مقدّمات العبادات ب ٢٠ -)

٣ - حب الرسالة والعمل من أجلها ، فمن شؤون حبّ اللّه تعالى حبّ دينه الذي شرعه للناس لينهجوه في هذه الحياة ، وحبّ تقدّم الناس نحو هذه الرسالة ، وتطبيقهم لها وحبّ الإسلام والرسالة الإسلامية يكون على نحوين :


أ -حب الرسالة والعمل من أجلها باعتبار أنّها تحقّق للإنسان سعادته ، وتتمثل فيها كافّة المصالح الإنسانية أو أحبّها باعتبار اقتناع الإنسان بها ، وكونها جزءاً من شخصيته وكيانه ، أو باعتبارها من دين الآباء ، وما شاكل ذلك من الشؤون والاعتبارات التي لا يكون فيها أيّ نحو من الارتباط باللّه تعالى ، وليس لهذا الحبّ والعمل قيمة من وجهة نظر الأخلاقية الإسلامية ، ولا يُعتبر من المعاني التي يتشكّل منها وجدان الإنسان المسلم ، وإنما هو من قبيل حبّ أيّ إنسان لعقيدته ، وقومه أو وطنه ، وأمثالها من المعاني التي يضحّي بعض الناس بمصالحهم الشخصية في سبيلها ، وتعتبر توسّعاً لدائرة الذات ، والمصلحة الشخصية .

ب -حب الإسلام ، لأنّه دين اللّه تعالى وإرادته التي يجب أنْ تطبق في الأرض. وهذا هو الحب الذي ينبع عن حب اللّه تعالى ويتفرّع عنه ، ويعتبر أثراً من آثاره في الحياة النفسية ، والعملية للإنسان المسلم ، ويقابل هذا الحب بغض الانحراف وإنكار المنكر في القلب. كما سوف يأتي إنْ شاء اللّه تعالى .

ومن آثار حب اللّه تعالى ، الزهد في الدنيا ، ومن آثاره أيضاً حب المؤمنين.

هوامش

___________________

(١) - أعلام الورى للطبرسي ص ٩٧ - ٩٨

(٢) - نهج البلاغة نص رقم / ٤٨ تعليق صبحي الصالح

(٣) - البقرة / ٤٨

(٤) - سورة التوبة / ٢٤

(٥ و٦) - الإرشاد للشيخ المفيد ص ٣٣٧ - ٣٣٨

(٧) - الإرشاد للشيخ المفيد ص ٣٣٨ - ٣٨٩

حب المؤمنين أو الحب في اللّه

عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( وُدّ المؤمن للمؤمن في اللّه مِن أعظم شعب


الإيمان ، إلا ومَن أحَب في اللّه ، وأبغض في اللّه ، وأعطى في اللّه ، ومنع في اللّه ، فهو مِن أصفياء اللّه )

وعن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال :

( إذا جمع اللّه عزّ وجل الأولين والآخرين قام منادٍ فنادى ليَسمع الناس فيقول : أين المتحابّون في اللّه ؟ قال : فيقوم عنقٌ من الناس فيقال لهم : اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب )

وعن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : ( كلّ مَن لم يُحبّ على الدين ولم يبغض على الدين فلا دين له )(٨)

إنّ حب المؤمنين نتيجة طبيعية لحب اللّه تعالى ؛ لأنّهم مرتبطون باللّه بأسمى معاني الارتباط ، وحب الشيء ينبسط وينسحب على ارتباطاته ، ومتعلّقاته

أمرّ على الدّيار ديار سلمى

أُقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حُبّ الدّيار شغفن قلبي

ولكن حبّ من سكن الديّارا

وينتج حبّ المؤمنين من جهة أخرى من التجانس في العلاقة باللّه


تعالى ، والعقيدة والحياة في عالم يغترب فيه المؤمنون الحقيقيون ، والإنسان يألف مُجانسه ، ومُماثله

ويفرز تحابّ المؤمنين فيما بينهم وينمّيه الخُلق الإسلامي من الأدب ، والاحترام ، والتزاور ، والتكافل. وغير ذلك من التعامل الذي يهدف الإسلام من التشجيع عليه توثيق الصلة بين المؤمنين ، وتركيز علاقتهم العاطفية

إنّ حياة المؤمنين فيما بينهم هي حياة الحب ، والأُنس ، والانفتاح ، والاحترام ، والتواضع. فلا حِقد ، ولا بَغضاء ولا كراهية ، ولا انقباض. هي حياة ملؤها الرحمة ، والحنان ، والعطف لا تشوبها شائبة من غلظةٍ ، وجفاءٍ ، وقطيعة

وقد نلاحظ في حياتنا اليومية بعض المؤمنين الذي يتنافرون ، بسبب اختلافهم في الرأي حول قضية إسلامية ، فتشيع بينهم العداوة والتحاقد ، والعياذ باللّه ، إنّ هؤلاء لم يعرفوا حدود الأخوة الإيمانية ، ومستلزماتها. ولم يعوا بعد ، أنّ اختلاف الرأي لا يفسد للحب قضية ، وأنّ لكلّ مجتهد أجرين ، إنْ أصاب أجر وإن أخطأ أجر ، وأنّ حياة الإيمان ، والوحدة الروحية بين المؤمنين أهمّ بكثير من الموقف الفلاني الذي يؤمن به أحدهما ، ويكفر به الآخر ، حتى ولو كان هذا الموقف صحيحاً

وقد نلاحظ في حياتنا اليومية أيضاً بعض المسلمين الذين يتنافرون بسبب مصالح شخصية - قد تظهر بمظهر ديني - فيحقد أحدهما على الآخر بسبب أنّه أخطأ في حقّه ، أو نقده أو نصحه بأسلوبٍ حاد ، أو زاحمه على


مركزه ، أو لم يتابعه في رأيه ، وغير ذلك من الأسباب السخيفة

إنّ المؤمن يتجاوز الخطيئة ، ويكظم الغيظ ، ويغفر زلاّت إخوانه ، ويتغاضى عن سيّئائهم. أوَليس أخلاق المؤمن من أخلاق اللّه ؟ ومَن راجع النصوص الواردة عن أهل البيتعليه‌السلام في إخوة المؤمنين ، وحقوق الإخوة ، وجَد فيها ما يقصم الظهر. وسنأتي على ذكر الكثير منها إنْ شاء اللّه تعالى في القسم الثالث من هذا الكتاب ويكفينا هنا أنْ نذكر بعض هذه النصوص :

عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : ( قال اللّه عزّ وجل : ليأذن بحربٍ مني مَن آذى عبدي المؤمن )

وعنهعليه‌السلام عن أبيه : ( أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أنْ يواخي الرجل على الدين ، فيحصي عليه عثراته ، وزلاّته ليُعنّفه بها يوماً ما )

وعنهعليه‌السلام : ( مَن روى على أخيه المؤمن رواية يُريد بها شينه ، وهدم مروّءته ليسقط من أعين الناس ، أخرجه اللّه تعالى من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان )

( وإذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء )

وعن أبي جعفرعليه‌السلام : ( أيما مسلم أتى مسلماً زائراً أو طالب حاجة ، وهو في منزله ، فاستأذن له ولم يخرج إليه لم يزل في لعنة اللّه حتى يلتقيا )

وأخيراً عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : ( إذا غاب المؤمن فأحفظه في غيبته ، وإذا شهد فزره ، وأجلّه وأكرمه ، فإنّه منك ، وأنت منه ، فإنْ كان عليك عاتباً ، فلا تفارقه حتى تسأل سميحته ، وإنْ أصابه خير فاحمد اللّه ، وإنْ ابتلي فاعضده ، وإنْ تمَحَّل له فاعنه ، وإذا قال


الرجل لأخيه : أف ، انقطع ما بينهما من الولاية ، وإذا قال : أنت عدوّي كفَر احدهما ، فإذا اتهمه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء)(٩)

المشاركة الوجدانية

والمشاركة الوجدانية هي ، أنْ يكون المؤمنون في حالة من التعاطف والانسجام الوجداني ، وكأنّهم مشتركون في وجدانٍ واحد ، ومِن هنا إذا تألّم واحد منهم تألّم الآخرون ، وإذا فرِح فرح له الآخرون ، وهكذا في الحزن والهمّ والسرور

وفي المشاركة الوجدانية لا يفقد الفرد المؤمن شخصيته الفردية ضمن المجموع المركّب من المؤمنين ، وإنّما يوسّع من دائرة روحه الاجتماعية. وارتباطه النفسي بإخوته في اللّه تعالى

وقد قرأنا فيما سبَق بصدد المشاركة الوجدانية روايتين :

١ - عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام ( إنّما المؤمنون بنو أبٍ وأم ، وإذا ضرب على رجلٍ منهم عِرق سهَرَ له الآخرون )

٢ - وعنهعليه‌السلام ( المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد ، إذا اشتكى شيئاً منه وجَد ألم ذلك في سائر جسده ، وأرواحهما من روحٍ واحدة ، وأنّ روح المؤمن لأشدّ اتصالاً بروح اللّه من اتصال شعاع الشمس بها )( راجع الروايتين في الأصول - ج ٢ ص ١٦٥ - ١٦٦ ).


خوف اللّه ورجاؤه وتعلق القلب به

قد تجد الكثير من الناس الذين يتّسمون بالإيمان ، يتلهّون عن اللّه تعالى ، ويشدّون قلوبهم إلى غيره ، يخافون مِن الأرض ولا يخافونه ، ويرجون الدنيا وزخارف الحياة ، ولا يرجون رزقه أو نعيمه ، ولا يستشعرون عندما يذكرون الله تعالى لا خوفاً ولا رجاء ولا خشية ولا خشوعاً ، وإنّما هي كلمةٌ تجري على اللسان ، وفكرة تمرّ على الخاطر ثمّ ينزاحا ليحلّ محلّهما الثرثرة وأحلام وهموم الدنيا ، قد تتلمّس قلبك أحياناً فلا تجد فيه عند ذكر اللّه إيماناً ، ولا كفراً ولا خوفاً ولا رجاء

غير أنّ المؤمن يعرض لنا في كتاب اللّه تعالى ، وكلمات المعصومين من خلفه في صورة أُخرى

١ - يعرض لنا قلب المؤمن رقيقاً حسّاساً مرهفاً. يتأثّر ويتحرّك وينفعل ، ويخشى ويخاف ويتطلّع

وليس كومة لحم هامدة غليظة قاسية.( لمّتان : لمّةٌ مِن الشيطان ، ولمّة من المَلَك فلمّة الملك : الرقّة ، والفهم ، ولمّة الشيطان : السهو ، والقسوة )

( يا موسى ، لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك ، والقاسي القلب منّي بعيد )

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )(١٠)


٢ - هذه الرقة في القلب هذه الحساسية. والانفعال بكلّ معانيه وأشكاله مرتبطة في قلب المؤمن باللّه تعالى وليس بالمنصب الشخصي ، ولا بالمركز الاجتماعي والمال. ولا من القوم والعشيرة وغير ذلك من المعاني الدنيوية. الكثيرة التي تتعلّق قلوب الناس بها ، فتنفعل بحركتها وتنعكس عليها تقلّبات هذه المعاني وأضرابها ، ولنأخذ الآن أشكال تعلّق قلب المؤمن باللّه تعالى

١ - رجاء اللّه تعالى في النوائب. عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام أنّه قرأ في بعض الكتب أنّ الله تبارك وتعالى يقول : ( وعزّتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي ، لأقطعنّ أمل كلّ مؤمّل من النّاس غيري باليأس ، ولأكسونّه ثوب المذلّة عند النّاس ، ولأنحينّه مِن قُربي ، ولأبعدنّه من فضلي. أيؤمّل غيري في الشدائد والشدائد بيدي ؟ ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب ، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني ؟

فمَن ذا الذي أمّلني لنائبة فقطعته دونها ؟ ومَن الذي رجاني لعظيمةٍ فقطعت رجاءه منّي ؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة ، فلم يرضوا يحفظني وملأت سماواتي ممّن لا يمل من تسبيحي ، وأمرتهم أنْ لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي ، فلم يثقوا بقولي ألم يعلم من طرقَته نائبة من نوائبي ، أنّه لا يملك أحد كشفها غيري إلاّ من بعد إذني ، فما لي أراه لاهياً عنّي ؟ أعطيته بجودي ما لم يسألني ثمّ انتزعته منه فلم يسألني ردّه وسأل غيري ، أبخيلٌ أنا فيبخّلني عبدي ؟ أوَليس الجود والكرّم لي ؟ أوَليس العفو والرحمة بيدي ؟ أوَليس أنا محلّ الآمال فمن يقطعها دوني ؟ أفلا يخشى المؤمّلون أنْ يؤمّلوا غيري ؟ فيا بؤساً مِن القانطين مِن رحمتي ويا بؤساً لِمن


عصاني ولم يراقبني )(١١)

عن الصادقعليه‌السلام كان فيما أوصى به لقمان لابنه أنْ قال : ( يا بني ، خف اللّه خوفاً ، لو جئته ببرّ الثقلين خفت أنْ يعذّبك اللّه وارج اللّه رجاء ، لو جئته بذنوب الثقلين رجوت أنْ يغفر اللّه لك )

وعنهعليه‌السلام : ( كان أبي يقول : ليس من عبدٍ مؤمن إلاّ وفي قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ، لو وزن هذا لم يزد هذا على هذا ، ولو وزن هذا لم يزد على هذا )

وعنهعليه‌السلام : ( ارج اللّه رجاء لا يجرئك على معصيته ، وخف اللّه خوفاً لا ييئسك من رحمته )(١٢)

إنّ كلاً من الرجاء والخوف لو أُخذا منفصلين أحدهما عن الآخر ، لأثر هذا على سلوك الإنسان المسلم تأثيراً سلبياً - كما يبدو ذلك من هذا النص وغيره ؛ لأنّ الرجاء بلا خوف يجرى على المعصية ، والخوف بلا رجاء يُيئس من رحمة اللّه تعالى ، وسلوك اليائسين سلوك منحرف والإنسان يعمل لآماله العريضة ، ورجائه باللّه تعالى أنْ يثيبه وينجيه من عذاب اليم.

٢ - خشية اللّه تعالى. والخشية هي الانفعال المأخوذ بعظمة اللّه تعالى وهيبته

( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ )


( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )

٤ - الأنس باللّه تعالى ، والرضا بقضائه ، وعدم الجزع والضيق والسخط من قضاء اللّه تعالى وقدره.

هوامش

___________________

(٨) - أُصول الكافي ج ٢ ص ١٢٥ - ١٢٧

(٩) - اصول الكافي ج ٢ موارد متفرقة

(١٠) - سورة الحديد / ١٦

(١١) - الوسائل جهاد النفس باب ١٢ ص ١٦٧ - ١٦٨

(١٢) - الوسائل جهاد النفس باب ١٣


( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )

٤ - الأنس باللّه تعالى ، والرضا بقضائه ، وعدم الجزع والضيق والسخط من قضاء اللّه تعالى وقدره

من آثار تعلّق القلب باللّه تعالى

من آثار تعلّق وربط القلب باللّه تعالى في خوفه وتطلّعه وخشوعه وحركته الوجدانية. الانقطاع عن معاني الدنيا ، والتسامي على قيمها وأشياءها. والقلب الذي لم ينشد إلى اللّه في انفعالاته وحبّه ، من الطبيعي أنْ ينشد إلى معاني الجاه والمال ، ويرجو الناس ويخافهم ، ويكون قلبه كريشة في مهب الريح ، تتذبذب وتتقلّب ، وتتحرّك ، متأثّرة بأبسط التغيّرات التي تحدث في عالم المعاني الدنيويّة فإذا أصابه الخير كان منوعاً ، وإذا أصابه الشرّ كان جزوعاً همه لا ينقطع ، وقلقه لا ينتهي بحال

ومن هنا جاء عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : ( إنّ القلب إذا صفا ضاقت به الأرض ، حتى يسمو ) و ( مَن عرف اللّه خاف اللّه ، ومَن خاف اللّه سمت نفسه عن الدنيا ) ، ( وإنّ حب الشر ، والذكر لا يكون في قلب الخائف الراهب ) ، وفي الآثار من حديث قدسي : ( لأقطعنّ أمل كلّ مؤمّل من الناس غيري باليأس ، ولأكسونّه ثوب المذلّة عند الناس )

الرضا بقضاء اللّه وقدره

هذه الحياة بما فيها من أشياء ، وحوادث هي محل رضا الإنسان المؤمن ؛ لأنّ الإنسان إذ يرتبط بعلاقة الحب مع اللّه تعالى ، فإنّه يرضى بكل


ما يصدر عنه تعالى من مخلوقات وحوداث. وقد عدّ الرضا بالقضاء والقدر من أهم صفات الإنسان المؤمن وعناصر إيمانه ، وأكّد عليه في النصوص تأكيداً بالغاً. وهو بلا شكّ ذو أهميّة عظيمة في الحياة ، ويشكل ميزة للإنسان المؤمن على الإنسان الكافر أو الإنسان الذي لا يعيش قضية الإيمان

فالأشياء والحياة ، وحوادث الطبيعة كما هي محط خلاف بين الإنسان المسلم ، والإنسان الجاهلي المادي من الناحية الفكرية والعقائدية. كذلك هي محطّ خلاف بينهما من الناحية النفسية. كيف نتعامل مع الحياة وحوادث الحياة ؟ هل نعيشها برضا ، وقناعة وابتسام ، وانفتاح ، أو نعيشها ضيقاً وضنكاً ، وجزعاً ، وسخطاً ؟

إنّ المؤمن يعيش هذه الحياة الدنيا بالرضا والقناعة والابتسام والانفتاح ، ويتعامل مع حوادث الطبيعة كانسان متعاطف منسجم قانع. وينطلق المؤمن في ذلك من أمرين يرجعان إلى أنّ كل ما في هذا الكون من أشياء وظواهر ، وأحداث فهو مِن صنع اللّه(١) علاقة الحبّ باللّه تعالى. التي تقتضي من الإنسان المسلم الذي يحب اللّه تعالى أنْ يرضى بأفعاله ، ومخلوقاته ، وكل ألوان التدخّل منه تعالى في هذا العالم الفسيح(٢) إيمان المسلم بأنّ كل ما في هذا الكون من أشياء ، وكلّما يقع فيه من حوادث خاضع للتقدير ، هادف للحكمة ويوجد وراءه هدف مرسوم ، وغرض ، وقصد في صالح الكون والحياة

هوامش

__________________

(١) - الدنيا بمعنى الحياة المحدودة للإنسان على وجه الأرض ، وينظر الإسلام إليها على أنّها مرحلة من مراحل الحياة. ومخلوقة من أجل الفتنة ، وتأكيد فعالية الإنسان في الأرض ونعمة من نعم الله

(٢) - الدنيا بمعنى الأشياء التي تقع محطّاً لأغراض الناس كالمال والبنين والنساء والقناطير المقنطرة وكذلك الأوضاع كالأمن ، والراحة ، وما شاكل ذلك وهذه معان يؤمّنها التشريع الإسلامي للإنسان ويشجّعه على تناولها والسعي لها ، وإنْ كان يقوم بعملية تنظيم تشريعية من أجل تحديد هذا السعي وتنظيمه


عن الصادقعليه‌السلام :

( إنّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزّ وجل )

وعنهعليه‌السلام :

( عجِبت للمرء المسلم لا يقضي الله عزّ وجل له قضاءً إلاّ كان خيراً له ، وإنْ قُرّض بالمقاريض كان خيراً له ، وإنْ ملَك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له)(١٣)

وعن أبي جعفرعليه‌السلام :

( أحق خلق الله أنْ يسلّم لما قضى الله عزّ وجل ، مَن عرف الله عزّ وجل ، ومَن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظم الله أجره ومَن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره )

( ثمّ إنّ صاحب الرضى أبداً في روحٍ وراحةٍ وسرورٍ وبهجة ؛ لأنّه يشاهد كلّ شيء بعين الرضى وينظر في كلّ شيء إلى نور الرحمة الإلهية ، وسر الحكمة الأزلية ، فكأنّ كل ما حصل وفق مراده وهواه ، وفائدة الرضا عاجلاً فراغ القلب للعبادة


والراحة من الهموم ، وآجلاً رضوان الله ، والنجاة من غضب الله )(١٤)

وليس من الرضا بالقضاء والقدر ، الرضا بالمنكر والانحراف ، حتى ولو أصرّ على ذلك المتصوّفة والمنحرفون ؛ لأنّ الانحراف والمنكر سببه ، وفاعله الإنسان ، ولا يرضى الله به وإنّما يرضى المؤمن لرضى اللّه ، ويغضب لغضبه ، ومن هنا جاء عن الرضاعليه‌السلام :

( ومن يرضى شيئاً كمن أتاه ، ولو أنّ رجلاً قُتل بالمشرق فرضي بقتله لرجل بالمغرب لكان الراضي عند الله عزّ وجل شريكُ القاتل )(١٥)

وعن عليعليه‌السلام :

( العامل بالظلم ، والراضي به ، والمعين عليه شركاء ثلاثة )

وعلى العكس من ذلك أكّدت النصوص على ضرورة الإنكار القلبي والسخط على المنكرات ، والانحرافات ، وأكّدت على المؤمن أنْ يعمق من إنكاره ، وسخطه وأنْ يقاوم الأُلفة النفسية للمنكرات ، بسبب الفتها خارجاً وذلك :


أولاً : إنّ الإنكار القلبي للمنكر والانحراف حصانة من الانجراف إلى المعصية ، والتأثر بالبيئة ، وحاجز نفسي يمنع المؤمن من الانحراف مع التيار المنحرف

ثانياً : إنّ الإنكار القلبي للمنكر هو الأساس النفسي واحد الأسس النفسيّة للاندفاع نحو التغير ، والحركة في سبيل التغيير الرسالي

ثالثاً : إنّ إنكار المنكر قلبياً ينتهي إلى بعض المعاملات السلبية مع العاصين ، والمنحرفين ، وقد أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كما في الرواية عن الإمام عليعليه‌السلام أنْ يواجه العاصين بوجوه مكفهرّة ومن هنا اعتبر الإنكار القلبي من مراتب الإنكار في كتب الفقهاء

الزهد

يتقوّم الزهد الإسلامي بتحرير الوجدان مِن حبّ الدنيا ، والانعتاق الداخلي من قيود الشهوة والأهواء

ولحب الدنيا آثار سلبية خطيرة في سلوك الإنسان وحياته النفسية ، ذكرتها النصوص الإسلامية وحذّرت منها(١٦)

نذكرها فيما يلي ثم نرجع إلى الزهد ومفهومه الإسلامي الأصيل

١ - المخالفة. فأول هذه الآثار السلبية، مخالفة الشريعة. وكلّ حبّ وكلّ عاطفة، يتجه اتجاهاً عملياً، ويتطلب مواقف خاصة. ولا يهم الحب هذا ، والعاطفة هذه ، ما إذا كانت هذه المواقف تتوافق مع الشرع ، أو


العرف أو عاطفة أخرى ، أو لا تتوافق معها. فأنت إذ تحب الجاه والمركز - والعياذ باللّه - فمن الطبيعي أن تسعى لها وقد يتوقّف حصولك على المركز الاجتماعي على فعل محرّم ، كالرواية على أخ مؤمن من أجل شينه ، والحط من قيمته أمام الناس ، فترتكب هذا المحرّم في لحظة ضعف أو غفلة أو تمرّد ، فيقطع الله سبحانه ولايته منك ويخرجك منها إلى ولاية الشيطان ، ولا يقبل الشيطان ولايتك

والإنسان مثلاً إذ يحب الدنيا ، حياتها وأمنها وراحتها ، ويرتبط بها ارتباطاً وثيقاً ويطمئن إليها فمن المعقول جدّاً أنْ يرفض الجهاد في سبيل الله ، ويتنكّر لطريق ذات الشوكة ؛ لأنّه طريق عناء وتضحيات

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ ) (التوبة / ٣٨)

ومن هنا وبسبب أنّ المخالفة هي النتيجة الطبيعية - لحب الدنيا - الإمام كما في الرواية :

( حب الدنيا رأس كلّ خطيئة )

( ما ذئبان ضاريان في غنَم قد غاب عنها رعاؤها ، أحدهما في أوّلها ، والآخر في آخرها ، بأفسد فيها من حبّ المال والشرف


في دين المسلم )(١٧)

٢ - همّ لا ينقطع. وحب الدنيا ينتهي إلى انشغال نفسي وعملي يتنافى مع ما يتطلّبه وضع الإنسان المؤمن ، من تكريس كلّ طاقاته النفسية وجهوده في عبادة الله تعالى ، وتعبيد الناس له ، وما يكون عليه من تعالٍ وتسام في الوضع والسلوك

عندما تحب الدنيا والمال والجاه وغيرهما تكون بذلك قد ربطت قلبك بشيء متغيّر ، كثير التغيّر والتبدّل ممّا يؤدّي إلى أنْ تضطرب حالاتك النفسية وتتغيّر من فرحٍ غامر إلى حزنٍ كئيب ، ومن حبٍ إلى كُره ، ومن غضب إلى رضاء ، وقلقٍ وهمٍ فان

( من تعلّق قلبه بالدنيا تعلّق قلبه بثلاثِ خصال : همّ لا يفنى ، وأملٍ لا يُدرك ، ورجاء لا يُنال )(١٨)

( من لم يتعزّ بعزاء الله تقطّعت نفسه حسرات على الدنيا ، ومَن اتبع بصَره ما في أيدي الناس كثر همّه ، ولم يشف غيظه ولم يرَ الله عزّ وجل على نعمه إلاّ في مطعمٍ أو مشربٍ وملبس فقد قصُر عمله ودنا عذابه )(١٩)

٣ - حب الدنيا وحلاوة الإيمان : عن جعفر بن غياث عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول :


( جُعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا )

ثمّ قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا يجد الرجل حلاوة الإيمان حتّى لا يبالي مِن أكل الدنيا )

ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( حرامٌ على قلوبكم أنْ تعرف حلاوة الإيمان ، حتى تزهد في الدنيا )

وعن عبد الله بن القاسم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( إلا من صبّار كريم فإنّما هي أيّام قلائل ، إلاّ أنّه حرام على قلوبكم أنْ تجد طعم الإيمان حتى تزهد في الدنيا )

وسمعته أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول :

( إذا تخلّى المؤمن من الدنيا سما ، ووجد حلاوة حب الله ، فلم يشتغل بغيره )

قال وسمعته يقول : ( إنّ القلب إذا صفا ضاقت به الأرض


حتى يسمو )(٢٠)

إنّ التحلية لا تكون إلاّ بالتخلية - كما يقولون - وحب الله ، ومعايشة هموم الرسالة ، والتفاعل النفسي والشعوري مع حقائق الكون والمبدأ والدعوة ، إنّما يكون عن طريق إضعاف ، أو إلغاء حب الدنيا في قلب المؤمن الرسالي وقطع القلب عمّا في أيدي الناس

( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) (٢١)

إنّ المؤمن نوعٌ جديد ودمٌ جديد وصياغة جديدة للإنسان ، ليس لها سابقة في حضارة المال وحضارة الدنيا ، ليس فقط في مفاهيمه وبصائره ، ورُؤاه الفكرية وإنّما أيضاً - وابتداء - في أحاسيسه وعواطفه وتعلّقاته القلبية ، وهمومه وانفعالاته. وبينما لا يتحرّك قلب ابن حضارة الدنيا ، والمال لسوى بريق الذهب والتمركز في دنيا الناس ، فإنّ قلب المؤمن يصفو فتضيق به الدنيا حتى يسمو ويذوق طعم الإيمان ، ولا يتناغم مع غير معاني القدس والطهر ، ولا يرقَ لسوى خوف الله ورجائه والتطلّع إليه

٤ - الدنيا والحكمة. من الممكن أنْ يكون الإنسان عالماً بالدين ومحباً للدنيا ، وراكضاً وراءها في ذات الوقت ، ولكنّك لن تجد حكيماً واحداً من أهل البصائر في دين الله وهو يحب الدنيا ويسعى لها أكثر من سعيها ، لأنّ حب الدنيا غطاء القلب ، وحجاب عليها يمنع من الحكمة والتبصّر. وروح دين الله وقِيَم هذا الدين لا يعطيها ولا يتحمّلها إلاّ مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، وطهره من حب الدنيا


( ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وانطق بها لسانه ، وبصره عيوب الدنيا ، داءها ودواءها )

والشهوة ، والهوى ، حجاب عن إدراك لطائف الحقائق الدينية ، وقِيم الإسلام الأخلاقية ، ولكم أدّى الركون إلى الدنيا ، والاطمئنان إليها إلى تحريف آيات الله المباركات في الكدح والجهاد ؟ ولكم أدّى الركون إلى الدعة والراحة ، وحب الثرثرة ، والألفاظ البرّاقة إلى الإعراض عن نصوص العبادة ، وآيات التربية ، والإعداد الروحي ، بل وتحريفها لكي تكرّس حياة الانقطاع عن الله بدل أنْ تكون أداة للانقطاع إليه ؟

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( تجد الرجل لا يُخطئ بلامٍ ولا واو ، خطيباً مصقعاً ، ولَقَلبه أشّد ظلمة من الليل المظلم ، وتجد الرجل لا يستطيع أنْ يُعبّر عمّا في قلبه بلسانه ، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح )

وعن أبي جعفرعليه‌السلام :

( القلوب ثلاثة : قلبٌ منكوس لا يعي شيئاً من الخير وهو قلبُ الكافر ، وقلبٌ فيه نكتة سوداء فالخير والشرّ فيه يعتلجان ،


فأيّهما كانت منه غلب عليه. وقلبٌ مفتوح فيه مصابيحٌ تزهر ، ولا يُطفأ نوره إلى يوم القيامة وهو قلب المؤمن )(٢٢)

٥ - الدنيا تفرّق ولا تجمّع ، الدنيا : هوى الذات ، ولكلّ شخص هواه ، فإذا وجدت عشرة من أهل الدنيا فاعلم أنّ هناك عشرة غايات مختلفة متناقضة كلّ واحد من هؤلاء يُريد مثلاً المركز والجاه أي يهدف إلى أنْ يكون الشيخ المُجل والحاكم المطلق دون سواه ؛ لأنّ مشيَخته لا تتم إلاّ بعبودية الآخرين

أمّا المؤمنون فهواهم الله والانسجام مع دين الله تعالى. والله سبحانه وتعالى واحد ، وطاعته واحدة ، وهذا هو السبب في أنّ سرعة ائتلاف الأبرار إذا التقوا ، وإنْ لم يظهروا التودّد بألسنتهم كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الأنهار ، وإنّ بُعد ائتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا ، وإنْ اظهروا التودّد بألسنتهم كبُعد البهائم عن التعاطف ، وإنْ طال اعتلافها على مذود واحد(٢٣) .

الزهد تحرّر وانعتاق

لا يستنكر الخلق الإسلامي امتلاك المؤمن الدنيا من مالٍ ، وجاهٍ وبنين ، ولكنه يستنكر امتلاك الدنيا ومعانيها للمؤمن وأنْ تكون معبودة له من دون الله ، أو مع الله

الشهوات العاجلة كالشره في الأكل ، والجنس ، والمال ، والرفاه ، والزينة ، والأمن ، والاستقرار ، والاطمئنان إلى الدنيا. والراحة والجاه. هذه كلها معاني الدنيا وأشياؤها التي يزهد المؤمن وينبغي أنْ يزهد فيها. لأنّ المؤمن ذو أفقٍ واسع ، ومنظار


عريض ، يضع الأشياء موضعها ، ولا يعطيها سوى قيمها الحقيقية ، وأنت عندما تنظر المال والجاه. في المنظار الإسلامي للحياة والآخرة ولله. فلن ترى لهما - أخلاقياً - سوى رقم ضئيل ليس له في الحساب شيء وليس له في القلب مكان

فالزهد عندما يدعو له الإسلام ، ويربّي الإنسان المسلم عليه مسألة طبيعية لا تزيد على معايشة النصوص الإسلامية للحياة ، والتفاعل النفسي مع حقائق الوجود يتحوّل من خلاله الإنسان المسلم من إنسان يرتبط بهذه المعاني الزائلة ، ويصنّمها ، ويعبدها في القلب والوجدان ، إلى إنسان يتعالى عليها ، ويتسامى عنها ، ولا يعطيها سوى قيمها الحقيقية التي تستحقها

وقلب المؤمن كلّما نما حبّه لله تعالى ولدينه وللمؤمنين ، وازدادت همومه الرسالية ، وتوجّهاته النفسية للعمل والجهاد ، كلّما ضعف حبّ الدنيا في قلبه ، وزهد في معانيها الزائلة ، مالاً ، وجاهاً ، وزخرفاً ، وشهوات

فالزهد إذن هو التحرّر الداخلي من قيد الشهوة والهوى ، والانعتاق النفسي الحقيقي من الدنيا ، ومعانيها وهو بذلك سبب ، ونتيجة في آنٍ واحد للانقطاع إلى الله تعالى والارتباط بالسماء. أو بالأحرى العبودية الكاملة لله في المشاعر والعواطف والسلوك

لقد طبّلوا للحرّية الغربية ، والحرية في المجتمعات الديمقراطية ، حرّية في مجال السياسة ، وحرّية في مجال السلوك الشخصي ، وحرية في الاقتصاد ، وحرية في المجالات كافّة. ولكن الإنسان المؤمن وحده هو الذي يعرف


إنّ الحرّية الحقيقية ليس في هذا ، ولا في ذاك ، ولكنّها في الزهد والتحرّر الذاتي ، وأنّ الحرّية تجاوز القيود التي تكبل الإرادة الإنسانية وتمنع الإنسان من الإبداع ، والفعالية في مجال النمو والتكامل وتحقيق إنسانيّته ، وعبوديته لله

وهذه القيود هي (ثانياً) القيود الخارجية والاجتماعية ولكنّها (أوّلاً) القيود الذاتية. قيود التخلّف العقلي ، وضيف الأُفق ، ومادية الإحساس ، وقيود العاطفة المكبّلة بالمال ، والطين ، والجاه ، والشهرة والجنس ، والقناطير المقنطرة

وليس الزهد في المفهوم الإسلامي الواعي سوى التحرّر الذاتي من هذه القيود ، وتحويل هذه المعاني التي يركض وراءها الناس ويطمئنون إليها ، إلى معان زهيدة تافهة إلى جنب ال له، ومعاني الخير ، والقِيم الإسلامية الرائدة

وهذا التحرّر الذاتي المتمثّل بالزهد - على خلاف من حبّ الدنيا والركون إليها - هو وحده الذي يمكن الإنسان المؤمن مِن تذوّق حلاوة الإيمان والأنس بالله والتعالي على صغائر الحياة

( حرام على قلوبكم أنْ تعرف حلاوة الإيمان ، حتى تزهد في الدنيا )

وهو وحده - أو مع التقوى - الذي يمكن الإنسان المسلم من أنْ يدرك الحق ويتحسس روح هذا الدين وقيم هذه الرسالة ( إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهداً في الدنيا ومنطقاً فاقتربوا منه فإنّه يلقن الحكمة ) وقال تعالى :


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ) (٢٤)

هذا ولكنّنا لسنا مع الانحراف الصوفي الذي يعتبر طريقة العلم بالله ، والمعارف الدينية هو ، طريقة الرياضة والزهد. والمراحل العملية الأخرى للصوفي والعارف ، فقد أنزل الله تعالى كتابه بصائر وهدى للناس ، وبعث نبيّه ورسوله يتلو عليهم آياته ، ويعلّمهم الكتاب ، والحكمة ويزكيهم

وطريق المعرفة هو هذا الطريق ، أنْ تتعرّف على أفكار الإسلام ، وتشريعاته من خلال المقاييس التي وضعها الإسلام ، والبيانات التي جعلها للناس. ولكن علم الإنسان المسلم أنْ يعدّ نفسه من أجل أنْ يكون ( متلقّياً ) من الله متفاعلاً مع النص منفتحاً عليه مطهّراً من الحُجب والغشاوات التي يصرف الله بها كثيراً من الناس عن آياته

وبالزهد في الدنيا. يطمئن الإنسان المسلم ، ويخرج عن قانون الهلَع والجزَع

( إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاّ الْمُصَلِّينَ )

ويخرج عن دائرة الاضطراب النفسي

( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ )


وبالزهد في الدنيا. في الجاه والمركز والتحكّمات والظهور بين الناس يجتمع شمل المؤمنين ، ويتماسك صفّهم ويتوحّدون في كدحهم إلى الله تعالى

هوامش

____________________

(١٣) - أُصول الكافي ج ٢ ص ٦٢

(١٤) - جامع السعادات ج ٣

(١٥) - الوسائل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب ١٣

(١٦) - من المناسب هنا أنْ نشير أوّلاً إلى موقف الإسلام من الحياة الدنيا. فإنّ للإسلام ثلاثة مواقف من الدنيا : موقف نظري ، وموقف تشريعي ، وموقف أخلاقي

ويتمثّل الموقف النظري في اعتبار الحياة الدنيا مرحلة من مراحل الحياة ، وليست كل الحياة( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) وفي كونها داراً للفتنة والمسؤولية يؤكّد فيها الإنسان ذاته واختباره بين الخير والشر( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) وفي معانيها من مالٍ ، وبنين ، ونساء. نِعماً إلهيّة تستحقّ الشكر والحمد والانفتاح النفسي ، وفي كون العامل الدنيوي عاملاً رئيسّياً محرّكاً في التاريخ. الخ .وأمّا الموقف التشريعي : فيتمثّل في السماح ، ويحثّ على استغلال الخيرات والنِّعم الإلهيّة انطلاقاً من مفهوم الخلافة عن الله ، وفي تنظيم عملية استغلال النعمة بالشكل الذي ينسجم مع مصالح الإنسان العامّة ، ودور الإنسان كعابدٍ لله تعالى .ويتمثّل الموقف الأخلاقي في محاولة الإسلام تحرير الإنسان المسلم من الأهواء والشهوات وحبّ الدنيا .وبتقريرٍ آخر لموقف الإسلام من الدنيا : إنّ للدنيا معاني ثلاثة ، وللإسلام من كل معنى موقف

(١٧) - الوسائل جهاد النفس باب ٦٥ ص ٣١٩

(١٨) - أصول الكافي ج ٢ ص ٣٢٠

(١٩) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢١٥

(٢٠) - الوسائل جهاد النفس باب ٦٢ ص ٣١٣

(٢١) - سورة الحديد / ٢٣

(٢٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٤٢٢ - ٤٢٣

(٢٣) - تحف العقول ص ٢٧٥

(٢٤) - سورة الحديد / ٢٨

الزهد معنى نفسي

من خلال ما مر نعرف أنّ الزهد معنى نفسي ، يرجع إلى طبيعة القيم النفسية ، والميول الذاتية ، والعاطفية للإنسان ، وهو وإنْ كان له آثار عملية غير أنّه ليس معنى سلوكياً .فليس الزهد إذاً بتضييع المال وتحريم الحلال ، وتطليق الحياة ، والتظاهر بالفقر مع مجموعة هائلة مِن الأوساخ والقذارات تشهد على هذه النصوص التالية : ( ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ، ولا تحريم الحلال ، بل الزهد في الدنيا أنْ لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله عزّ وجل )(٢٥)

في حديث معتبر : أنّ رجلاً قال لأبي عبد اللهعليه‌السلام :والله إنا لنطلب الدنيا ونحبّ أنْ نؤتاها ، فقال : ( تحب أنْ تصنع بها ماذا ؟)قال : أعود بها على نفسي وعيالي ، وأصل بها ، وأتصدّق منها ، وأحجّ واعتمر .

فقال أبو


عبد الله عليه‌السلام : ( ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة )(٢٦)

وعن علي بن الحسينعليه‌السلام : ( ألا وأنّ الزهد في آية من كتاب اللّه عزّ وجل )

( لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) (٢٧)

وغير ذلك من النصوص الدالّة على كون الزهد المطلوب هو معنى نفسي ووجداني

ولكن يجب علينا هنا أنْ نستدرك ، ونتذكّر بأنّ هذا المعنى النفسي الأخلاقي - ككل المعاني النفسية - له صلة وثيقة بالسلوك ، والمواقف الخارجية ، فالزاهد المسلم يختلف من الناحية السلوكية عن غيره. فهو لا يلحّ في الطلب - طلب المال - ولا يكثر من تناول الملذات. ولا يركض ، ولا يسعى للجاه ، والمركز. لأنّ همومه الرسالية تستوعب كيانه النفسي والسلوكي

ومن هنا جاء في الرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيّع ن ودون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئن إليها ، ولكن انزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف ( النصف خ ل ) المتعفّف ، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف


وتكسب ما لا بدّ للمؤمن منه. إن الذين أعطوا المال ثمّ لم يشكروا لا مال لهم )(٢٨)

إنّ وقت المؤمن وهمومه ودوره الذي ينتظره في الحياة الإسلامية لا يتّسع للطلب الزائد ، والملاذ الكثيرة ، والمساعي الشخصية إلاّ بالقدر الذي يهيئ له ضرورة العيش، وضرورة الحياة ، وكل ما عدا ذلك أحابيل الشيطان ، وشباكه التي يصطاد بها الكثير من المؤمنين ويخرجهم بها من دائرة العمل في سبيل الله والجهاد للرسالة إلى دائرة الحياة الشخصية التافهة الصغيرة.

الزهد تحرّر والصبر إرادة

الزهد - كما عرفنا - قطع علاقة القلب بالدنيا. وربطه بالله

( وأنْ لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله )

ويختلف الصبر عن الزهد في أنّ الصبر يتمثل في ضبط النفس ، ومخالفة الهوى ، فهو إرادة حازمة أمام القيم الذاتية ، وشهوات النفس وأهوائها ، أمّا الزهد فهو إلغاء الأهواء وقطع القلب من كلّ ما عدا الله وهو بذلك أعلى منزلة من الصبر ، وإنْ كان مرحلة في الطريق إليه

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( الناس ثلاثة : زاهد ، وصابر ، وراغب ،


فأمّا الزاهد : فقد خرجَت الأحزان والأفراح من قلبه ، فلا يفرح بشيء من الدنيا ولا يأسى على شيء منها فاته ن فهو مستريح

وأمّا الصابر : فإنّه يتمنّاها بقلبه فإذا نال منها الجم نفسه عنها بسوء عاقبتها ، وشنآنها ، ولو اطلعت على قلبه لعجبت من عفّته ، وتواضعه ، وحزمه

وأمّا الراغب : فلا يبالي من أين جاءته الدنيا من حلال أو حرام ولا يبالي ما دنس فيها عرضه ، وأهلك نفسه ، وأذهب مروءته فهم في غمرة يعمهون ، ويضطربون ).

طمأنينة الوجدان الإسلامي

وجدان الإنسان الجاهلي في اضطراب دائم ن وقلق مستمر وانفعال قتال ، ذلك أنّ وجدانه يرتبط بالدنيا ومفاهيمها ، والدنيا ، ومعانيها في تغير من حال إلى حال لا استقرار فيها ، ولا ركون. وهذا الاضطراب ، والحركة ، والتغير الذي يقع في الأوضاع الدنيوية للإنسان ينعكس على وجدانه فيمزّقه ، ويتركه في لجّة من الاضطرابات والانفعالات السريعة القوية. أمّا الإنسان المؤمن فقلبه مطمئن ، ووجدانه هادئ

( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ )

( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى


رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (٢٩)

وهذه إحدى سمات الوجدان الإيماني. الطمأنينة بذكر الله. وتنعكس على سلوكه ، وتعامله مع الناس ، ومشيه على الأرض بين الناس

( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ) (٣٠)

وتنبع عن قطع القلب بالمعنى المتغيّر المتذبذب ، والرائح الجائي الذي ينعكس اضطرابه وتذبذبه على كلّ قلب تعلّق به ، وانشد إليه ، من جاه وبنين ومال ، ورفاه. وغير ذلك من دنيا الناس وهمومهم

إنّ أولى محاولات الإسلام التربوية ، وقد تكون من أهمّها على الإطلاق ، هي بناء شخصية الإنسان المسلم على أنْ تكون ( مستقلة ) عن الإحداث مستعلية على صغار الدنيا ، ومتجاوزة لمعانيها ، وبالتالي قطع ( الصلة التأثيرية ) للمؤمن بحركة معاني الحياة وتذبذبها. واستبدال ذلك بشدّها إلى الله ، وإيجاد نحوٍ من الصلة الجديدة بالأحداث ، وهي صلة التأثير والقيادة والتغيّر ، وقد يعتبر الإنسان المؤمن من حركة الإحداث ، واضطراب أمور الحياة ، ويعرج من خلال ذلك إلى الله. المطلق المتعال. ولكنّه - في صياغة الإسلام - أسمى من أنْ تمزّقه هموم الحياة ، أو تكون قائدة له عاملة فيه


من الممكن أنْ نختصر الأمور أو الانفعالات التي تأكل قلوب الناس ، وتمزّق وحدتهم الشخصية ، وتفقدهم الإرادة ، والتماسك في ثلاثة :

١ - الخوف والقلق

٢ - الجزع والضيق

٣ - الغضب، والأحقاد الشخصية

(١) - قلق الإنسان ، وخوفه على ماله من الضياع ، وتجارته من الخسران ، والكساد ، وخوفه ، وقلقه على أوضاعه الهادئة من أنْ تصاب بأذى ومتاعب ، وقلقه ، وخوفه على حياته من أنْ تتعرّض للمخاطر. ومركزه ، وجاهه أنْ يُصاب بسوءِ هذه وغيرها ، هي المخاوف التي اعتادها الناس ، ووعي المؤمن للحياة بصورة أُخرى غير الصورة المادية ، واتجاهه النفسي المتمثل بالزهد بالمعاني الدنيوية

هما الأمران الكفيلان في مواجهة عقد المخاوف ، والقلق

إنّ زهد المؤمن بالمال وزهده بالراحة ، والرخاء ، والأمن إذا ما قيسا إلى الراحة الأبدية والرخاء الأبدي ، وزهده بالحياة الدنيا بالقياس إلى الحياة الأبدية ، السعادة الدائمة ، أنّ هذا الزهد لكفيل بالحدّ من درجة المخاوف ، أو إزالته مِن صفحة النفس نهائياً ؛ لأنّ الخوف ، والقلق لا يكون إلاّ بالنسبة إلى المعاني التي تملك النفس وتملأ الوجدان ، والزهد في منطق الإسلام هو التحرّر الوجداني من هذه الأشياء ، والمعاني

وإذا كانت قمّة مخاوف الناس ، وقلقهم ، وخوفهم على أنفسهم من


المكاره ، والأذى ، وخوفهم على حياتهم من الخطر ، والهلاك فإنّ المؤمن المشبع بروح الرسالة. المربّى على هدْي كتاب الله يأنَس بالموت في سبيل الله كما يأنَس الطفل بثدي أُمه

( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاً كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (٣١)

وإذا كان الناس يفرون من الموت فإنّ المؤمن بدلاً عن ذلك يستعدّ له ، وينتظره بفارغ الصبر ويتطلّع إلى اليوم الذي يستشهد فيه في سبيل الله ولو على يد شرّ خلق الله ، وذلك لأنّ مؤمن الرسالة لا ينظر إلى الموت في سبيل الله على أنّه إعدام الحياة

بل على أنّه بداية الحياة الحقيقية التي يجهلها الناس ، ولا يلّقاها إلاّ ذو حظ عظيم

( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) (٣٢)

(٢) - ومن مظاهر اضطراب الشخصية الإنسانية الجزع والضيق عند المصيبة ، والفشل

( إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ) (٣٣)


وللشر الدنيوي أشكال كثيرة خسارة في مال ، فقدان ولد ، أو حبيب. سقوط الهيبة والمكانة في أعين الناس ، فشل مشروع عملي. الخ. والاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هم المصلّون المؤمنون الذين يعيشون صلاتهم مع ربّهم أحاسيس وتوجّهات ، والواقع أنّ مصائب الناس هذه ليست مصائب عند المؤمن حتى يجزع عليها ، أو تضيق نفسه بها. ولو صدقت عليها أنّها مصائب بالنسبة له ، فإنّما تقع عليه ، وهو يعاملها ضمن تصوّر شامل للوجود والحياة ، ومفاهيم واقعية يتعزّى بها المؤمن ، ويستلهم منها الثبات ، ويستمدّ منها الطاقة

المؤمن أساساً. لا يصل انفعاله عند المصيبة الشخصية إلى حدّ الضيق فضلاً عن الجزع ؛ لأنّ مستوى ( الزهد ) الذي عنده ، ودرجة ارتباط قلبه بالله تعالى يخفّفان من درجة ( الإصابة ) والتأثّر بالحدَث ، ولا يمنع هذا من أنْ تدمع عينه على فلذّة كبده مثلاً ، وهو يموت بين يديه ، ويحزن قلبه حزناً ضعيفاً هادئاً. ولكن لا يتضايق ولا يقول ما لا يرضي الرب ، ولا يستقل منه شيء

إنّ المؤمن يحافظ على درجة كبيرة من الانفتاح النفسي على الحياة ، والابتسام لها مهما تداكّت عليه المصائب ونزلت به النوائب الشخصية وحلّت به الخطوب ، والانتكاسات. والذين يبكون من كلّ شيء ، ويضيقون من كلّ حدَث ويسودون وجه الحياة البسّام ، فإنّهم يعوزهم الكثير الكثير من معاني الإيمان ودرجات التعالي الروحي ، والزهد الواعي الأصيل


(٣) - والغضب ، والأحقاد الشخصية. هي الأخرى ممّا يأكل في قلوب الناس ، ويمزّق تماسكهم الشخصي. الغضب للذات عندما تهان ، أو تتعرّض لبعض الألوان البسيطة أو الشديدة من الاعتداءات ، والأخطاء في حقّها

والحقد على الإنسان الذي يرتكب بعض الأعمال المشينة عن غفلة أو تعمّد ، أو على الإنسان الذي يهبه الله بعض القابليّات ، والقدرات التي يتقدّم بها علينا ، ويبرزها في مراكزنا. هذا جزء آخر. ووجه آخر لاضطراب الوجدان البشري. ولكن الوجدان الذي لم يُربّ في ظلّ هداية الله تعالى. فإنّ الغضب حسب ما توحي به هذه الهداية يُفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل

( إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم وأنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، ودخل الشيطان فيه )(٣٤)

إنّ هذا الغضب من الشيطان ؛ لأنّه ينبع من قِيم شخصية ذاتية ومن ( أنا ) فاسد لا نُضج فيه ، وأنّ الغضب يُفسد الإيمان ؛ لأنّ الغاضب في غضبه يخرج عن حدود المنطق الديني ، والمنطق الأخلاقي

وكذلك الحال في الحقد ، والعداوات الشخصية. التي تصدر مِن وجهة نفسية عن قِيم أنانية وخبث في الذات ، والمؤمن لا يكون مؤمناً وهو حاقد على أخيه ، أو كاره له حتى يرجع إلى حبّه ، فإنّ المؤمن يأنَس إلى أخيه المؤمن


كما يأنَس الظمآن إلى الماء. أو كما يأنَس الطير إلى وكره وأين هذا من حقد متأصّل ، وعداوة متمكّنة من القلب مفسدة له ، إنّ المؤمن ليتسامى فلا يرد على الإساءة. بل وهو في أكثر الأحيان لا ينظر إليها على أنّها إساءة ، أو يحسب لها في نفسه أي حساب. في خبر معتبر عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في خطبته : ( إلا أُخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة ؟ العفو عمّن ظلمك ، وتصل من قطعك ، والإحسان إلى من أساء إليك ، وإعطاء من حرمك ) الأُصول ج ٢ ص ١٠٧

وأنّ المؤمن ذو قلبٍ رحيم ، عطوف حنون يسامح ويكظم الغيظ ، ويعفو عن الناس وإنْ أساءوا ، ويصلهم وإن قطعوا ، ويحترمهم وإنْ أهانوا ، والمؤمن أسمى من أنْ يصدر عن غيظ ، وينطلق عن غضب أو حقد ، وكيف يعرف قلبه الأحقاد وقد تمكّنت فيه هداية الله وحب المؤمنين ؟

العلاقة الوجدانية بالرسالة ونجاح الدعوة

المؤمن في الأساس ينطلق في عمله الرسالي الدعوتي ؛ لأنّ الله تعالى يطلب منه ذلك ، ولأنّه يثيبه عليه. ولكن الإنسان المسلم لا يتعامل مع عمله على أساس أنّه ( مسؤولية ) يريد التنصّل منها ، وإبراء ذمّته ، وعهدته مِن عبء الأمر ، والطلب الإلهي. بل ، ولا يتعامل معه على أنّه ( طريقٌ للثواب ) الأخروي فقط. وإنّما تنشأ عنده قبل العمل لله ، وإثناءه علاقات وجدانية تتمثّل في حبّ هداية الناس ، والتطلّع إلى تغييرهم ،


وإصلاح دينهم وآخرتهم ، وينشط لديه الحسّ الأخلاقي فيهمّه أمر الناس ، والإحسان إليهم وطاعتهم لله

ففي الرواية عن عمّار الساباطي قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أيّما أفضل العبادة في السر مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل ، أو العبادة في ظهور الحق ودولته ، مع الإمام منكم الظاهر ؟

فقال : ( يا عمّار ، الصدقة في السرّ والله أفضل من الصدقة في العلانية ، وكذلك والله عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوّفكم من عدوكم في دولة الباطل ، وحال الهدنة أفضل ممّن يعبد الله عزّ وجل ذكره في ظهور دولة الحق مع إمام حقٍ ظاهر في دولة الحق )

ثمّ قال عمّار : قلت : جُعلت فداك فما ترى إذاً أنْ نكون من أصحاب القائم ، ويظهر الحق ، ونحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالاً من أصحاب دولة الحق والعدل ؟

قالعليه‌السلام :

( سُبحان الله ، أما تحبّون أنْ يُظهر الله تبارك وتعالى الحق والعدل في البلاد ، ويجمع الله الكلمة ويؤلّف الله بين قلوبٍ مختلفة ، ولا يعصون الله عزّ وجل في أرضه ، وتقام حدوده في خلقه ، ويرد الله الحق إلى أهله ، فيظهر حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحدٍ من الخلق )(٣٥)

وهكذا لا يريد الإمام أنْ يجعل من قضية تطبيق حدود الله أو إقامة


دعائم ومعالم رسالته في الأرض مجرّد قضيّة مسؤولية باردة. يتهرّب عنها الإنسان في أيّ لحظة يتوهّم فيها أنّ عملاً آخر أكثر ثواباً وأجراً. ويتعامل معها تعاملاً فردياً جافّاً ، وإنّما هي قضية رسالة ربّانية. وإرادة الله تعالى في الأرض يُكتّل لها الإمام ، والإسلام القِيم الدينية النفسية المتعلّقة بالثواب ، والقِيم العاطفية الراجعة إلى حب الله ، وحب رسالته ، والغضب لمحارمه ، إذا انتهكت ، والقيم الإنسانية الأخلاقية المتعلّقة بالعدل ، والإحسان والتأليف بين القلوب ، وأمثالها من المعاني ، التي لا يريد الإسلام أنْ يميتها ، ويذيبها في الحسّ الديني بمعناه الضيق المحدود ، وإنّما يشركها في عملية البناء والتربية

ونتيجة للتعامل العاطفي مع قضية الدعوة. والعلائق الوجدانية بها ، فمن المعقول إنْ يألم المؤمن في اللحظات التي ينحرف فيها الناس ، ولا تحقّق الدعوة نجاحاً حسّياً ملموساً ويحسّ بحزن هادئ رزين ، وتصيبه حالات من التحسّر على الناس وشيء من الأسى المخفّف ومن الطبيعي أنْ يسر ، ويفرح عندما يتحقّق نحو من التقدّم للدعوة والعمل عند الناس

وليس في هذا ما ينقص من دينه وارتباطه بالناس. وهذه سيرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمةعليه‌السلام حاشدة بالأمثلة على هذه الأواصر القلبية ، والتعلّق الوجداني ( العاطفي ، والانفعالي ) بينهم وبين الدعوة ومع الناس. وأسبق الأمثلة إلى الأذهان ، ما يبدو من خلال القرآن الكريم من أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو قمّة ما أمكن للهدى الإلهي أنْ ينشئه ويربّيه - كان يتحسّر على قومه ويصيبه نحو من أنحاء الألم النفسي على أنّهم لا يؤمنون

وكل ما حاوله كتاب الله تعالى هو أنْ عزّاه وسلاّه ، وألفت نظره إلى وسائل


التثبيت ، والتسلية ، والعزاء من خلال معايشة التصوّر الربّاني للحياة. واللجوء إلى الله.

الحد من العلاقة الوجدانية بالدعوة

هذا وجه المسألة ، والوجه الآخر لها. هو أنّ التربية الإسلامية ، إذ تحاول تنمية العلاقة الوجدانية بالدعوة والرسالة ، وتوطيد العواطف الدعوتية ، والإسلامية التغيرية من حب الناس وحب هدايتهم ، والسرور بذلك ، وما يترتّب على ذلك - بحسب قوانين النفس - من آلام نفسية معيّنة عند تكذيب الناس وسخريّتهم بالرسالة ، وإعراضهم عنها

إنّ التربية الإسلامية إذ تحاول ذلك تحذر من نقطتين تعبران عن الإفراط في هذا الجانب

١ - أنْ تنمو العلاقة العاطفية بالدعوة إلى الله والى رسالته. على حساب العلاقة العاطفية بالله تعالى نفسه. بحيث يكون حب الدعوة أكبر من حب الله. وتتقدّم بالتالي قضية الدعوة من الناحية العملية على قضية الالتزام الشرعي والتعبّد بحدود الشريعة ، وخط الإسلام يذكّرنا هذا بالمحاولات التي كانت تبذل من قبل بعض أصحاب الإمامعليه‌السلام من أجل حملهعليه‌السلام ، لانتهاج بعض الوسائل والأساليب ليبقى الناس إلى صفّه ، ويتحرّكوا للجهاد. وكان جوابهعليه‌السلام : ( إنّني أعرف ما يصلحهم ، ولكن لا أُريد إصلاحهم بفساد نفسي )

إن الهدف النهائي في الدعوة. وكلّ ما يتّصل بها من تخطيط ، وجهود هو رضا الله سُبحانه. وإنّ المنبع النفسي الذي نشأت عنه العلاقة


- العاطفية والوجدانية بقضية الإسلام هو العاطفة الربانيّة والوجدان الديني. فلا يمكن بحال أنْ تكون العاطفة الدعوتية في شخصية الإنسان المسلم - أركز ، وأقوى من العاطفة الدينية. أو العاطفة الإلهية بحيث تحكمها وتتمكّن منها عند التزاحم والتعارض

وقد نلاحظ في واقعنا التربوي بعض النماذج التي تعكس الأمور ، وتجعل قضية الدعوة ( هدفاً ) وقضيّة الله ( وسيلة ) لا بمعنى النفاق ، والعياذ بالله. ولكن بمعنى أنّ الأصالة النفسية للدعوة والرجحان لها في كثير من موارد التزاحم والتعارض

وقد تكون الاستقامة السلوكية. وسيلة للتأثير في الناس ، وقد يفسّر في هذا الاتجاه وهو ، أنْ لا يملك الهدف الاجتماعي سوى قيمة نفسية أضعف من القيمة النفسية لله تعالى ، وفي طولها لا في عرضها - قوله تعالى :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٣٦)

فليس في الآية دلالة على النهي عن هداية الناس ، وأمرهم بالرشاد ؛ لأنّ الأمر بالمعروف ، والعمل في سبيل هداية الناس من شؤون هداية النفس ، فالإنسان لا يهتدي ، إلاّ إذا امتثل أوامر الله بما فيها الأمر المتعلّق بهداية الناس ، والاهتمام بشؤون المسلمين


وإنّما تهدف الآية - في ضوء بعض التقادير - إلى النهي عن أنْ ترتبط قلوب العاملين الإسلاميّين بالناس ، وهدايتهم بحيث تكون هداية الناس هي الأول والأخير ، والشغل الشاغل ، والمعبود من دون الله. إنّما المؤمن الرسالي حقاً هو ذلك الذي يعبد الله ولا يعبد سواه ، ويهدف بالدرجة الأولى إلى هداية نفسه ، وعبادة ال له ، وإذا كانت هداية النفس ، وعبادة الله تنتهي إلى الاهتمام بأُمور المسلمين ، والعودة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس هذا سوى ( شأن ) من شؤون هداية النفس ، وليس له شخصية مستقلة ، أو كيان خاص

٢ - والنقطة الثانية : هي أنْ لا تخرج العلاقة الوجدانية بالدعوة ، والعمل إلى مستوى يضر العمل ، ولا يخدمه. فإنّ العواطف الدعوتية قد تدعو الإنسان إلى تجاوز مصالح العمل والدعوة والإضرار بها ؛ لأنّ من طبيعة العاطفة أنْ تكون عمياء. وإنّما تكتسب رؤيتها من العقل والانتباه

والأمر كذلك بالنسبة إلى الانفعالات. فقد يؤدّي تجمد الدعوة ، وتكذيب الناس، وسخريّتهم ، وإعراضهم عن الرسالة إلى حدوث شيء من الحزن الهادئ، والألم النفسي البطيء

وهذا أمر طبيعي نتج عن الحد الأدنى المعروض من العواطف الرسالية. ولكن قد يؤدّي ذلك إلى ( الضيق ) النفسي والهلاك والإحساس بالفشل وهذا معنى مرفوض من وجهة نظر الإسلام التربوية ؛ لأنّ مثل الانفعالات التي لا يحتفظ الإنسان المسلم معها بالحد الأدنى من الانفتاح النفسي الذي تستلزمه الدعوة ، ويستلزمه الاستمرار فيها وزيادة


فعاليتها وتنشيطها ، مثل هذه الانفعالات لا تكون في مصلحة العمل ، وإنّما على حسابه وعلى حساب الدعوة والرسالة خاصّة إذا أدّى مثل هذا الضيق إلى شيء من الحيف ، والانحراف والخروج عن الجادة الإسلامية من الزاوية النفسية ، والفكرية

وهذا هو الذي كان الهدي الإلهي يحول بينه ، وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في اللحظات الحرجة والأيام الصعبة. أيام التكذيب ، والسخرية ، والإعراض. أيام الغربة والجفاء والضيق ، والاضطهاد. فليس المهم أنْ لا يألم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا يحزن على الناس. ولكن المهم أن لا تتطوّر هذه الحالة إلى معنى لا ينسجم مع النموذج الأمثل للشخصية الإسلامية

كان الهدي الإلهي يحول بين هذا المعنى وبين رسول الله وذاك من خلال تذكيره بالله تعالى وتحسيسه بالتصوّر الربّاني للكون ، والحياة ، وحثّه على الممارسات العبادية. وإقامة الصلاة

( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (٣٧)

( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (٣٨)

( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ) (٣٩)


والحال في انفعال الفرح والسرور عند النصر. كالحال في انفعال الحسرة والألم النفسي والضيق. عند التكذيب والسخرية والإعراض

فالسرور عند النصر أمرٌ طبيعي ومرغوب ولكن المفروض أنْ لا يتحوّل إلى فرحة نفسية غامرة تفقد الإنسان المسلم توازنه وتنسيه اللّه ، وتوهمه إمكانية الاعتماد على الذات أو تنسيه نفسه وعيوبها

( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً )

٠١٠٠ إذ تفيد هذه الآيات أنّ لحظة النصر. يحتاج الإنسان فيها إلى ذكر اللّه ، واستغفاره والتوجه إلى عيوب النفس حتى لا يطغى أو ينسى. بل حتى لا تتضررّ قضية الدعوة نتيجة لتمكن النشوة والفرح من قلوب الدعاة

الغضب الرسالي

إنّ الغضب الشخصي مرفوض في الخلق الإسلامي. أما الغضب الرسالي ، الغضب لمحارم اللّه إذا انتهكت ، ولدين اللّه إذ حُرّف ، فأمرٌ يُربّي ( عليه الإسلام )(٤٠) وهو نتيجة طبيعية للقِيم الرسالية في الشخصية الإسلامية. وإذا ما وجدْنا أنفسنا أحياناً لا نشعر بالإنكار القلبي للمنكر والغضب عليه فهذا ما يعني أنّ علينا أنْ نشحذ قوانا الانفعاليّة وننشئها على الإسلام من جديد

غير أنّ هذا الغضب. الرسالي يجب أنْ لا يخرج عملياً عن حدود الرسالة


نفسها. وكثيراً ما لا يكون التصرّف الغاضب منسجماً مع مقاييس الرسالة وموافقاً لأحكامها. والجهاز الحاكم في الشخصية هو العقل الذي يحدّد الموقف الذي يستلزمه المنطق الديني ، وليس العواطف والانفعالات

والمؤمن في ميدان العمل يحتاج أكثر من غيره إلى إرادة حازمة وشخصية مستقلّة عن الأحداث والإثارات ، فيجب أنْ لا يرد إذا جُهل عليه ، ولا يثور إذا استثير وإنّما يكون حكيماً. متعقّلاً باستمرار ، وفي كل مجال

قال أبو جعفرعليه‌السلام :

( في حكمة آلِ داود : ينبغي للمسلم أنْ يكون مالكاً لنفسه ، مُقبلاً على شأنه ، عارفاً بأهل زمانه ، فاتّقوا اللّه ولا تذيعوا حديثنا )(٤١)

٠١٠٠ وعن أبي عبد اللّهعليه‌السلام :

( كظم الغيظ عن العدو في دولاتهم تقيّة حزم ( الحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة ) لِمَن أخَذ به ، وتحرّر من التعرّض للبلاء في الدنيا ، ومعاندة الأعداء في دولاتهم ومحاظتهم في غير تقيّة ترك أمر اللّه ، فجاملوا الناس يُسمن لكم عندهم ، ولا تعادوهم فتحملوهم على رقابكم


فتذلوا )(٤٢)

٠١٠٠ وليس كظم الغيظ والغضب عن العدو أمامه فقط وإنّما في كلّ أمر تقتضي فيه مصلحة الرسالة الكفّ ويقتضي فيه الغضب الحركة والاستجابة للإثارات

هذا وقد سجّل اللّه تعالى لنبيّه الكريم في القرآن قصّة ذي النون ، يونسعليه‌السلام وأمر بذكرها

( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (٤٣)

٠١٠٠ وخلاصة القصّة وما عليها من تعليق كما في ( ظلال القرآن لسيّد قطب ) :

( أنّه أُرسل إلى قريةٍ فدعا أهلها إلى اللّه فاستعصوا عليه فضاق بهم صدراً ، وغادرهم مغاضباً ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم ظانّاً أنّ اللّه لنْ يُضيّق عليه الأرض ، فهي فسيحة والقُرى كثيرة والأقوام متعدّدون ، وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة فسيوجّهه اللّه إلى قوم آخرين

ذلك معنى( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) ، وقاده غضبه الجامح وضيقه الخانق إلى شاطئ البحر ، فوجد سفينة مشحونة فركب فيها إذا كانت في اللّجة ثقلت وقال ربّانها : إنّه لا بدّ


من إلقاء أحد ركّابها في البحر لينجو سائر مَن فيها من الغرق ، فساهموا فجاء السهم على يونس فالقوه أو ألقى هو نفسه فالتقمه الحوت مضيّقاً عليه أشدّ التضيق

( إنّ يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة فضاق صدراً بالقوم وألقى عبء الدعوة ، وذهَب مغاضباً ضيق الصدر حرج النفس فأوقعه اللّه في الضيق الذي تهون إلى جانبه مضايقات المكذّبين. وأصحاب الدعوات لا بدّ أنْ يتحمّلوا تكاليفها ، وأنْ يصبروا على التكذيب بها والإيذاء من أجلها ، وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس ، مرير على النفس حقّاً ، ولكنّه بعض تكاليف الرسالة ، فلا بدّ لمن يكلّفون عمل الدعوات أنْ يصبروا ويحتملوا ، ولا بدّ أنْ يُثابروا ويثبتوا ولا بدّ أنْ يكرّروا الدعوة ويبدوا فيها ويعيدوا

( إنّ مِن السهل على صاحب الدعوة أنْ يغضب ؛ لأنّ الناس لا يستحبّون لدعوته فيهجر الناس. إنّه عملٌ مريح قد يُفتِّر الغضب ويهدّئ الأعصاب ، ولكن أين هي الدعوة ؟ وما الذي عاد عليها من هجران المكذبين المعارضين ؟

إنّ الدعوة هي الأصل لا شخص الداعية ! فليضق صدره. ولكن ليكظم الغيظ ويمضِ ، وخيرٌ له أنْ يصبر فلا يضيق صدره بما يقولون

( إن الداعية أداةٌ في يد القدرة ، واللّه أرعى لدعوته وأحفظ فليؤدِ هو واجبه في كل ظرف وفي كل جو ، والبقية على اللّه والهدى هدى اللّه

( وإنّ في قضية ذي النون لدرساً لأصحاب الدعوات ينبغي أنْ يتأمّلوه ،


وإنّ في رجعة ذي النون إلى ربّه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغي أنْ يتدبّروها ، وإنّ في رحمة اللّه لذي النون واستجابة دعائه المنيب في الظلمات بشرى للمؤمنين( كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) .

هوامش

___________________

(٢٥) - الوسائل مقدمات التجارة باب ٨

(٢٦) - الوسائل مقدمات التجارة باب ٧

(٢٧) - أصول الكافي ج ٢ ص ١٣٨

(٢٨) - الوسائل مقدمات التجارة باب ١٣

(٢٩) - سورة الفجر ٢٧ - ٣٠

(٣٠) - الفرقان / ٦٣

(٣١) - سورة التوبة / ١٢٠

(٣٢) - سورة البقرة / ١٥٤

(٣٣) - المعارج ١٩ - ٢١

(٣٤) - أصول الكافي ج ٢ ص ٣٠٤ - ٣٠٥

(٣٥) - أصول الكافي ج ١ ص ٣٣٣ - ٣٣٤

(٣٦) - سورة المائدة / ١٠٥

(٣٧) - سورة الحجر / ٩٧

(٣٨) - سورة النحل ١٢٧ - ١٢٨

(٣٩) - سورة الشعراء / ٣

(٤٠) - في الخبر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : ( إنّ الله بعث ملَكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها ، فلمّا انتهيا إلى المدينة ، وجدا فيها رجلاً يدعو ، ويتضرّع

إلى أنْ قال : ( فعاد أحدهما إلى الله فقال : يا ربّ إنّي انتهيت إلى المدينة ، فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ، ويتضرّع إليك ، فقال امض كما أمرتك به فإنْ ذا رجل لم يتمعّر - أي يبدي - وجهه غيظاً لي قط ) ( الوسائل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب ٦ )

وعن أبي جعفرعليه‌السلام : ( أوحى الله إلى شعيب النبيعليه‌السلام : ( إنّي معذّب مِن قومك مئة ألف : أربعين ألفاً من شرارهم وستّين ألفاً مِن خيارهم ، فقال : يا ربّ ، هؤلاء الأشرار ، فما بال الأخيار ؟ فأوحى الله عزّ وجل إليه : داهنوا أهل المعاصي ، ولم يغضبوا لغضبي ) ( الوسائل كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب ٨ )

وعن علي بن الحسينعليه‌السلام : ( قال : قال موسى بن عمران : يا ربّ ، مَن أُولئك الذين تظلّهم في ظلّ عرشك يوم لا ظلّ إلاّ ظلّك ؟ فأوحى الله إليه ، الطاهرة قلوبهم والبريّة أيديهم الذين يذكرون جلالي ذكر آبائهم إلى أنْ قال : ( والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلّت مثل النمر إذا جرح ) ( الوسائل كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب ٨ )

(٤١) - الوسائل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٣٤

(٤٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ١١٩

(٤٣) - الأنبياء


هوامش الفصل الثالث

(١) - أعلام الورى للطبرسي ص ٩٧ - ٩٨

(٢) - نهج البلاغة نص رقم / ٤٨ تعليق صبحي الصالح

(٣) - البقرة / ٤٨

(٤) - سورة التوبة / ٢٤

(٥ و٦) - الإرشاد للشيخ المفيد ص ٣٣٧ - ٣٣٨

(٧) - الإرشاد للشيخ المفيد ص ٣٣٨ - ٣٨٩

(٨) - أُصول الكافي ج ٢ ص ١٢٥ - ١٢٧

(٩) - اصول الكافي ج ٢ موارد متفرقة

(١٠) - سورة الحديد / ١٦

(١١) - الوسائل جهاد النفس باب ١٢ ص ١٦٧ - ١٦٨

(١٢) - الوسائل جهاد النفس باب ١٣

(١٣) - أُصول الكافي ج ٢ ص ٦٢

(١٤) - جامع السعادات ج ٣

(١٥) - الوسائل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب ١٣

(١٦) - من المناسب هنا أنْ نشير أوّلاً إلى موقف الإسلام من الحياة الدنيا. فإنّ للإسلام ثلاثة مواقف من الدنيا : موقف نظري ، وموقف تشريعي ، وموقف أخلاقي

ويتمثّل الموقف النظري في اعتبار الحياة الدنيا مرحلة من مراحل الحياة ، وليست كل الحياة( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) وفي كونها داراً للفتنة والمسؤولية يؤكّد فيها الإنسان ذاته واختباره بين الخير والشر( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) وفي معانيها من مالٍ ، وبنين ، ونساء. نِعماً إلهيّة تستحقّ الشكر والحمد والانفتاح النفسي ، وفي كون العامل الدنيوي عاملاً رئيسّياً محرّكاً في

التاريخ. الخ

وأمّا الموقف التشريعي : فيتمثّل في السماح ، ويحثّ على استغلال الخيرات والنِّعم الإلهيّة انطلاقاً من مفهوم الخلافة عن الله ، وفي تنظيم عملية استغلال النعمة بالشكل الذي ينسجم مع مصالح الإنسان العامّة ، ودور الإنسان كعابدٍ لله تعالى

ويتمثّل الموقف الأخلاقي في محاولة الإسلام تحرير الإنسان المسلم من الأهواء والشهوات وحبّ الدنيا

وبتقريرٍ آخر لموقف الإسلام من الدنيا : إنّ للدنيا معاني ثلاثة ، وللإسلام من كل معنى موقف

(١) - الدنيا بمعنى الحياة المحدودة للإنسان على وجه الأرض ، وينظر الإسلام إليها على أنّها مرحلة من مراحل الحياة. ومخلوقة من أجل الفتنة ، وتأكيد فعالية الإنسان في الأرض ونعمة من نعم الله

(٢) - الدنيا بمعنى الأشياء التي تقع محطّاً لأغراض الناس كالمال والبنين والنساء والقناطير المقنطرة وكذلك الأوضاع كالأمن ، والراحة ، وما شاكل ذلك وهذه معان يؤمّنها التشريع الإسلامي للإنسان ويشجّعه على تناولها والسعي لها ، وإنْ كان يقوم بعملية تنظيم تشريعية من أجل تحديد هذا السعي وتنظيمه

(٣) - الدنيا بمعنى الأهواء الباطلة ، وكل هوى غير رسالي وهذه الدنيا التي تحاول ( الأخلاق ) الإسلامية تطهير وجدان المسلم وتأمره بالإعراض عنها

(١٧) - الوسائل جهاد النفس باب ٦٥ ص ٣١٩

(١٨) - أصول الكافي ج ٢ ص ٣٢٠

(١٩) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢١٥

(٢٠) - الوسائل جهاد النفس باب ٦٢ ص ٣١٣

(٢١) - سورة الحديد / ٢٣


(٢٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٤٢٢ - ٤٢٣

(٢٣) - تحف العقول ص ٢٧٥

(٢٤) - سورة الحديد / ٢٨

(٢٥) - الوسائل مقدمات التجارة باب ٨

(٢٦) - الوسائل مقدمات التجارة باب ٧

(٢٧) - أصول الكافي ج ٢ ص ١٣٨

(٢٨) - الوسائل مقدمات التجارة باب ١٣

(٢٩) - سورة الفجر ٢٧ - ٣٠

(٣٠) - الفرقان / ٦٣

(٣١) - سورة التوبة / ١٢٠

(٣٢) - سورة البقرة / ١٥٤

(٣٣) - المعارج ١٩ - ٢١

(٣٤) - أصول الكافي ج ٢ ص ٣٠٤ - ٣٠٥

(٣٥) - أصول الكافي ج ١ ص ٣٣٣ - ٣٣٤

(٣٦) - سورة المائدة / ١٠٥

(٣٧) - سورة الحجر / ٩٧

(٣٨) - سورة النحل ١٢٧ - ١٢٨

(٣٩) - سورة الشعراء / ٣

(٤٠) - في الخبر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : ( إنّ الله بعث ملَكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها ، فلمّا انتهيا إلى المدينة ، وجدا فيها رجلاً يدعو ، ويتضرّع .إلى أنْ قال : ( فعاد أحدهما إلى الله فقال : يا ربّ إنّي انتهيت إلى المدينة ، فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ، ويتضرّع إليك ، فقال امض كما أمرتك به فإنْ ذا رجل لم يتمعّر - أي يبدي - وجهه غيظاً لي قط ) ( الوسائل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب ٦ ) .وعن أبي جعفرعليه‌السلام : ( أوحى الله إلى شعيب النبيعليه‌السلام : ( إنّي معذّب مِن قومك مئة ألف : أربعين ألفاً من شرارهم وستّين ألفاً مِن خيارهم ، فقال : يا ربّ ، هؤلاء الأشرار ، فما بال الأخيار ؟ فأوحى الله عزّ وجل إليه : داهنوا أهل المعاصي ، ولم يغضبوا لغضبي ) ( الوسائل كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب ٨ ) .وعن علي بن الحسينعليه‌السلام : ( قال : قال موسى بن عمران : يا ربّ ، مَن أُولئك الذين تظلّهم في ظلّ عرشك يوم لا ظلّ إلاّ ظلّك ؟ فأوحى الله إليه ، الطاهرة قلوبهم والبريّة أيديهم الذين يذكرون جلالي ذكر آبائهم إلى أنْ قال : ( والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلّت مثل النمر إذا جرح ) ( الوسائل كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب ٨ )

(٤١) - الوسائل أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٣٤

(٤٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ١١٩

(٤٣) - الأنبياء

الفصل الرابع :

العبودية

( الإرادة الحازمة والعمل الخالص )


الإرادة الربّانية محور مركزي في الشخصية الإسلامية :

قد نطلق كلمة ( الإرادة ) ونقصد بها الاختيار ، وإعمال القدرة في ترجيح جانب الفعل أو جانب الترك ، فنقول : إنّ فلاناً أراد كذا ، ولم يرد كذا. وقد نطلق كلمة ( الإرادة ) ونريد بها الشوق إلى الفعل ، أو بعضه بالنسبة إلى تركه فيقول الأصولي ، أنّ منا مبادئ الحكم. الملاك والإرادة. وقد نطلقها ونريد بها الجهاز الحاكم في الشخصية الذي يسيطر على رغبات النفس، فيمنع من بعض الأفعال ، ويلزم بالبعض الآخر. ومن هنا يُقال : أنّ إرادة فلان ضعيفة بمعنى ، أنّه منساق مع رغباته وليس لديه القدرة على التحكّم فيها ، وإرادة فلان قويّة بمعنى أنّ لديه قدرة كافية على التحكّم في الأهواء ، والرغبات الشائعة الآنية. وهذا هو المقصود

ويتلخّص هذا الجانب في شخصية الإنسان المسلم في ( حلول الإرادة الربانية محلّ الإرادة الشخصية ) بحيث تكون إرادة المسلم ، وجهازه الحاكم في شخصيته ممتثّلاً لإرادة الله تعالى ، الإرادة التشريعية بالطبع(١) ومنسجماً معها ولهذه الإرادة التي تشكّل العنصر الثالث البارز في الشخصية الإسلامية - مضافاً إلى عنصري الإيمان ، والحب - حيثيات ، وجهات ثلاث :

١ - القدرة على التحكم في الأهواء ، والشهوات ، والسيطرة عليها ، ومخالفتها ، والإرادة من هذه الجهة تسمّى بـ ( الصبر )


( الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان )

٢ - انسجام هذه الإرادة ، وتوافقها مع الإرادة الربانية التشريعية. وتسمى الإرادة بهذا اللحاظ بـ ( الطاعة ) أو ( الالتزام)

( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (النساء / ١٤)

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ )

٣ - انبعاث الإرادة الشخصية عن الإرادة الإلهية أو عن دافع ديني عام وهذا هو ( الإخلاص )

( وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )

وسندرس هذه الجوانب الثلاثة إن شاء الله. وندرس معها أيضاً. قضية ( التعقّل ) في السلوك بوصفه بُعداً آخر للإرادة المُسلمة. وقضية


( التوكّل ) بصفة عملية تعزيز لإرادة المواجهة والإقدام في شخصية المسلم

والشخصية الإسلامية. باعتبار تمكّن الإرادة الربّانية فيها. تخرج في سلوكها ، ومواقفها من دائرة السلوك الفطري الشهوي إلى دائرة السلوك الهادف ، والملتزم. ومن دائرة السلوك الفوضوي المزدوج إلى النظام ، والوحدة والتماسك. ومن دائرة السلوك الأناني الذاتي. إلى دائرة السلوك الغيري ، الأخلاقي

وبهذا يتجلّى الفرق من هذه الناحية بين الشخصية العادية ، وتصرّفاتها الجاهلية التي لم يتمكّن فيها الإيمان الجاهلي

ولم يدخل الإيمان في وجدانها وقلبها ، وبين الشخصية الإسلامية

(*) الشخصية الجاهلية تعيش على شهواتها ، وغرائزها الفطرية المصاغة بصيغة اجتماعية مادية. وبهذا تكون لديها الغرائز ( طاقة ) و( دافعاً ) و( غاية ) أمّا في الشخصية الإسلامية فالغرائز لا تكون في العموم سوى طاقة نفسية ، ولكنّها طاقة تُستخدم في غايات أسمى ، ولخدمة هدف أخلاقي معيّن ، وانسجاماً مع خطٍ رسالي خاص ، وهذا معنى خروج الشخصية الإسلامية من دائرة الفطرية والشهوة إلى دائرة الالتزام والهدفية

(*) والإنسان له شهوات متعدّدة ، وغرائز مختلفة وميول متباينة - نابعة من الغرائز ، والشهوات الفطرية والشخصية الجاهلية لا تملك ( المحور المركزي والقيادة المركزية التي تُنسّق بين هذه الشهوات والغرائز والميول ، وبذلك فهي تُعاني من الفوضى والتعدّد ، والازدواج والاضطراب


النفسي. أمّا الشخصية الإسلامية فهي على العكس ، تمتلك هذا المحور المركزي ، متمثّلاً في الإرادة الربّانية ، والحس الأخلاقي المتعلّق بالله تعالى ، وهي بذلك تحقّق ( وحدة ) الشخصية ، وانسجام طاقاتها ، وتلاحمها لخدمة هدف معيّن. وهذا معنى خروج الشخصية الإسلامية من دائرة السلوك الفوضوي المزدوج إلى النظام ، والوحدة والتماسك الذاتي

(*) - والشخصية الجاهلية - التي تنتمي إلى الحضارة الجاهلية في أي وقت ، وأي مكان - شخصية أنانية لا تعمل لسوى ذاتها ، ولا تخدم غير أغراضها الشخصية والشخصية الإسلامية شخصية أخلاقية تسعى إلى مثل أخلاقي أعلى يحقّق للمجتمع مصلحته في الوقت الذي يحقّق فيه للفرد مصالحه الشخصية

الشخصية الإسلامية والشخصية المزدوجة

إذن فالشخصية الإسلامية هي التي تشكل الإرادة الربانية فيها المحور المركزي ، والجهاز الحاكم الذي ينظم لها عملياتها السلوكية ، ومواقفها في الحياة. وتصرفاته الخاصة في الأسرة والمجتمع

ولا توجد إرادة أخرى تفوق ، أو تساوي ، أو تقارب هذه الإرادة الربانية فيها. وفي مقابل ذلك نجد في واقعنا. ما يمكن تسميته بـ ( الشخصية المزدوجة ) من الناحية الدينية. والازدواج في الشخصية من الناحية الدينية هو تشتّت قواها ، واتجاه الدوافع المتقاربة في القوّة إلى


العمل في اتجاهات متعاكسة ، أو هو بكلمة ، عدم تمكّن ( الإرادة الربانية ) من السيطرة الكاملة على الشخصية

والتحكّم الكامل في قواها ، ودوافعها. ونلاحظ عند بعض الناس المسلمين أنّهم يعملون الخيرات ويخلصون للّه تعالى. وأحياناً كثيرة مساوية أو مقاربة يعملون لذواتهم ومراكزهم وجاههم ، حتى لو خالفوا بذلك إرادة الله عزّ وجل

والازدواج على قسمين :

(١) - الازدواج الفكري. وهو الصدور فكرياً عن منابع ثقافية مختلفة ورؤى مذهبية متناقضة ، فتراه مرة يفكر بطريقة الإسلام في التفكير ، ويتحدّث بلغته ، ويتبنّى مفاهيمه وأخرى يفكّر بطريقة التفكير الغربي ، ويتبنّى الكثير من مفاهيم الحضارة الغربية ، وقيمها مع تغليفها بالغلاف الإسلامي وهو لا يشعر بذلك. وسنتناول هذا النحو من الازدواج في الجزء الثاني أنْ شاء اللّه تعالى

(٢) - الازدواج النفسي والسلوكي. وهو وجود عوامل ، ودوافع نفسية متناقضة الاتجاه متقاربة المستوى والدرجة ، بحيث لم يتضاءل أحدها مقابل الآخر ، فهو صاحب مركز يفكر ، ويسعى إلى تكوين مركز اجتماعي ، أو ثقافي مرموق ويحبّ الظهور في هذا المجال ، وذاك. وصاحب دين يخشى الله، ويعمل له. وهذا الازدواج ما يمكن أنْ نسميه بالشرك في العبادة ؛ لأنّ هذا الإنسان له معبودان. أحدهما الله والآخر هو الهوى. ومن الممكن إنْ نسمّي الازدواج الأول بـ ( الشرك الثقافي ) ونعمّم هذين الشركين إلى الشرك في الذات ( الإيمان بتعدّد الآلهة ) والشرك في الصفات


( الإيمان بمفارقة الصفات الإلهية للذات المقدّسة )

الازدواج والنفاق

والفرق على هذا الأساس بين الازدواج ، والنفاق واضح ؛ وذلك لأنّ المنافق ليس مزدوج الشخصية بين الكفر والإسلام، لا مِن جهة عقائدية ، ولا من جهة ثقافية ، ولا من جهة نفسية سلوكية. وإنّما هو كافر خالص يعلن إيمانه زوراً ومنافاة

( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (٢)

( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ) (٣)

وأمّا الإنسان المزدوج فهذا الذي تعيش في نفسه قوى متصارعة ليس لأحدها الغلبة على الأُخرى. هو هذا الإنسان الذي ساعة لربّه وأخرى لقلبه ، ويُمارس في الساعة التي لقلبه ألواناً من الفجور ، والمحارم والشبهات. هو هذا الإنسان ذو العاطفة الدينية التي تستنفر في لحظات خاصّة

الازدواج الصريح والازدواج الخفي

وفي حياتنا الدينية نجد ازدواجاً صريحاً كالذي ذكرناه يعترف فيه


الإنسان ، بأنّ هذا شيء يختلف عن ذاك ، وإنّه مرّة يعمل لدينه ، وأخرى يعمل لشياطينه. ويمكن للإنسان من الخارج أنْ يكتشفه ويحكم عليه. وإلى جانب هذا هناك ازدواج آخر. ازدواج خفي. يظهر فيه الإنسان متديّناً في كلّ شيء. وهو في حقيقة أمره منشطر الذات إلى شخصيتين شخصية متديّنة ، وأخرى منحرفة. ويتم هذا عن طريق إرضاء كل من الجانب الشخصي الذاتي والجانب الديني ، والتوفيق الشكلي المظهري فيما بينهما.

لنأخذ على ذلك مثلاً

ناس متقاعسون كالذين ذكروا في الرواية عن أبي جعفرعليه‌السلام : ( يكون في آخر الزمان قومٌ ينبع فيهم قوم مراؤون. ولو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها ، كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) همّ هؤلاء أنْ يحافظوا على دينهم في الإطار الذي يحفظ أموالهم وأنفسهم ، وإذا خرج الأمر عن هذه الحدود لم يلزموا أنفسهم بعد بالدين. ولكن كيف ترى يترك هؤلاء واجب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ؟! هل يتركونه مع إعلانهم بأنّ هذه ساعة من ساعات القلب وللرب ساعات أخرى ؟! أبداً. إنّما يقومون بعملية تبرير. أمّا عن طريق تحريف أحكام الله ، وتشويه نظرية الإسلام في ميدان من أهمّ ميادينه ، وأشرف فرائضه

أو عن طريق تحريف الواقع وتقديم ( الأعذار )

( وسائل - أبواب الأمر والنهى - ب ١٠ )

ومثال آخر


هذا الذي يظهر بمظهر ديني. ويخفي في ذاته ما الله مبديه من حبّ المال ، والمركز والجاه. ماذا تراه يصنع عندما ( يجمع ) مِن أموال الله تعالى ، وحقوق الأمّة من أجل أنْ يبني المسكن الواسع ، ويقتني الدابة الفارهة ، أو عندما يسعى لتأكيد ذاته ، والظهور من أجل الظهور ؟! إنّ ما يقدّمه في هذا الميدان ، هو أنْ المسكن ضروري للخدمة والدابة الفارهة تحفظ حرمته ومكانته ، لا باعتباره الشخصي وإنّما ( باعتباره النوعي ) وتأكيد شخصيته إنّما هو من أجل تأكيد أفكاره الدينية. إلى آخر ما يلقي الشيطان في روعه من التبريرات والتزييفات أعاذنا الله تعالى من كلّ ذلك

فعن طريق الخداع ، خداع الذات والتبرير يستطيع أنْ يقضي هذا الإنسان على الصراع النفسي بين قوّتين نفسيتين ، ودافعين متقاربين في درجة التأصّل في النفس إذ تتحايل إحدى القوتين ، وهي هنا القوّة الشهوية على القوة الأخرى ، وتحقّق له راحة التوافق ، والانسجام الداخلي وتجنبه آلام الصراع والتناحر الذاتي

كيف تتحقّق الحاكمية العامّة للإرادة الربّانية ؟

تكوّن الجهاز المركزي الحاكم في الشخصية الإسلامية وهو الجهاز المؤلّف من الصبر والطاعة ، والإخلاص. أي من الإرادة الربّانية ، يتم عندما يتحقّق الشرطان التاليان :

(١) - قوة الدافع الديني في الشخصية. وكونه أقوى الدوافع وأصلها في النفس ، والدافع الديني هو العواطف ، والأحاسيس الدينية في النفس كحب الله ، وخوفه ورجائه والتطلع إلى ثوابه الجزيل. والمحاسبة


الأخلاقية الحاكمة بوجوب طاعة الله في النفس. وهكذا

(٢) - الوعي الذاتي ، ومعرفة حيَل النفس ، وأساليبها في الدفاع ، والخداع. وليس يكفي لحكومة الدين على شخصية الإنسان أنْ يكون أقوى الدوافع ، وأثبتها في النفس ؛ لأنّ من الممكن مع هذا أنْ يؤثّر دافع دنيوي شهوي تأثيراً بالغاً في النفس حتّى على حساب الدين ، ولكن من خلال خداع الضمير الديني. وخداع النفس.

الالتزام العملي بخط الإسلام في الحياة ( الطاعة )

نأخذ الإرادة الربانية في شخصية الإنسان المسلم من المظهر الخارجي. وهو الاستقامة السلوكية على خط الإسلام في الحياة. وموافقة الشريعة. وعدم مخالفتها في واجب ، أو حرام كحدٍّ أدنى. ثمّ البناء على أداء المستحبّات ، واجتناب المكروهات كحدٍّ أعلى للسلوك ، ويسمّى هذا بـ ( الطاعة ) و( الالتزام ) أو ( الاستقامة )

(١) - والطاعة لله تعالى في أحكامه الإلزامية. واجبة بحكم العقول التي تقرّر أنّ الله تعالى بحكم كونه خالقاً للإنسان مُوجِداً له منعماً عليه ، له حقّ الطاعة على عباده. وحق الانسجام مع شريعته أوامر ، ونواه. وتحكيمها في السلوك

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) (٤)

فالطاعة لله تعالى - بالاستقامة على خط رسالته ودينه. ومتابعة أوامره


ونواهيه - عمل أخلاقي يقوم على أساس هذا الحق ، الذي يدركه العقل ببداهته ، وسجيته

(٢) - وطاعة الله تعالى هي الأساس السلوكي الذي يرجو به الإنسان غداً - في اليوم الآخر - التخلّص من العقاب ، وتحصيل الأجر الإلهي بخلاف المعصية التي هي تعدٍ لحدود اللّه وطريق لدخول اللّه

( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (٥)

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) (٦)

( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (٧)

(٣) - والطاعة. أو الالتزام بالخط العملي للإسلام في الحياة يعتبر جزءاً ضرورياً متمّماً للشخصية الإسلامية ، فلا يمكن أنْ تكون الشخصية الإسلامية كاملة من دون الطاعة ، والالتزام الجدي بخط الله. بل لا يمكن أنْ تكمل العناصر الأخرى من دون الطاعة ؛ وذلك لأنّ للمعاصي آثاراً


سلبية كبيرة في النفس والقلب ، حتى لتكاد تمسخه مسخاً. إنّ الإنسان وحدة متكاملة يؤثّر بعضها على بعض ، وجهاز موحّد تتناول أجزاؤه التأثير ، والعمل

يقول الله تعالى :( بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (٨)

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( كان أبي يقول : ما مِن شيء أفسد للقلب من خطيئة. إنّ القلب ليواقع الخطيئة ، فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله )

( وسائل جهاد النفس ب ٤ )

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام في خبر معتبر :

( إذا أذنب الرجل خرجت في قلبه نقطة سوداء ، فإنْ تاب انمحت ، وإنْ زاد ، زادت حتى تغلب على قلبه ، فلا يفلح بعدها أبداً ) ( الموضع نفسه )

وعنهعليه‌السلام :

( إنّ الرجل يذنب الذنب فيُحرم مِن


صلاة الليل ، وإنّ العمل السيّئ أسرع في صاحبه من السكين في اللحم )

والنصوص التي تدل على أنّ الشخصية الإسلامية متكاملة الأجزاء والأطراف ، لا يكفي فيها الفكر وحده ، والأخلاق وحدها ولا الطاعة. وإنّما يشترط فيها الطاعة إلى جانب الفكر والجهاد ، والأخلاق. كثيرة

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام :

( إنّ الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار ، والإقرار هو العمل ، والعمل هو الأداء. )

وعن الصادقعليه‌السلام بعد أنْ سئل عن ، أنّ العمل من الإيمان ، قال :

( نعم ، الإيمان لا يكون إلاّ بعمل ، والعمل منه ، ولا يثبت الإيمان إلاّ بعمل )

وعنهعليه‌السلام في خبر :

( فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي ، أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزّ وجل عنها كان خارجاً من الإيمان ، ساقطاً عن اسم الإيمان )

( راجع أصول الكافي الأبواب الأولى من كتاب الإيمان والكفر )


(٤) - والاستقامة على خط الإسلام ، شرط أساسي لمجموعة من الممارسات المتقدّمة في الحياة الإسلامية سوى العدول أي المستقيمين سلوكياً على خط الإسلام بنحو تكون الاستقامة طبعاً لهم ، وملكة متمكّنة في نفوسهم

فلا يجوز تقليد غير العادل ، فإنّ المرجعية الدينية مشروطة بالاستقامة ، كما نقل عليه إجماع الفقهاء. وعن الإمام العسكريعليه‌السلام :

( وكذلك عوامنا إذا عرفوا مِن علمائهم الفسق الظاهر ، - والعصبية الشديدة ، والتكالب على الدنيا ، وحرامها فمَن قلّد هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفَسَقة علمائهم ، فأمّا مَن كان من الفقهاء ، صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أنْ يقلّدوه )

( الوسائل - صفات القاضي - ب ١٠ )

وكذلك قال بعضهم : أنّه لا يجوز للعاصي الإفتاء أو التصدّي لهذا المقام الخطير ، وكذلك تجب العدالة والاستقامة في القاضي ، وإمام الجماعة ، والشهادة ، وموارد أُخرى

وليست هذه الاحتياطات من الإسلام من أجل الاحتياط على هذه الوظائف الخطيرة في الحياة الاجتماعية ، وإنّما هي من جهة أُخرى تركيزاً لقيمة الاستقامة ، والتقوى في الحياة الإسلامية


(٥) - وقد أكّد الإسلام تأكيداً بالغاً على مَن نصب نفسه للناس هادياً ، وإماماً أنْ يلتزم بما يقول ، ويعلم نفسه قبل تعليم غيره ( بنحو شمول المسؤولية ، لا تقييدها بالمطيعين والملتزمين فقط )

وعن الإمام عليعليه‌السلام :

( مَن نصب نفسه للناس أماماً فعليه أنْ يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه )

( الوسائل - الأمر والنهي ب ١٠ )

وعن أبي ذر عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ّ في وصيته له :

( يا أبا ذر يطلع قوم من أهل الجنّة إلى قوم من أهل النار ، فيقولون : ما أدخلكم النار وإنّما دخلنا الجنّة بفضل تعليمكم، وتأديبكم فيقولون : إنّا كنّا نأمركم بالخير ولا نفعله )

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع ، والاجتهاد ، والصلاة ، والخير ، فإنّ ذلك داعية )


(٦) - هذا ويعتبر إعداد الشخصية الإسلامية المتورّعة الملتزمة بالخط الإسلامي في الحياة أحد أهداف عمل الأئمةعليهم‌السلام ،

عن أبي عبد اللهعليهم‌السلام :

( ليس منا ولا كرامة من كان في مصر فيه مِئة ألف ، أو يزيدون ، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه )

وعنه أيضاً :

(إنّا لا نعد الرجل مؤمناً حتى يكون بجميع أمرنا متبعاً مريداً ، ألا وأنّ من أتباع أمرنا وإرادته الورع فتزيّنوا به يرحمكم الله ، وكيدوا أعدائنا ينعشكم الله )

هوامش

___________________

(١) - لله سبحانه إرادتان : إرادة تتعلّق بذات الفعل والحدث ، وهذه هي الإرادة التكوينية ، ومن هنا ، إذا أراد الله شيئاً قال له كن فيكون ، وإرادة تتعلّق بفعل الإنسان ، على أنْ يصدر باختياره وحرّيته ، وهي الإرادة التشريعية ، كإرادة الصلاة والصوم ، وترك شرب الخمر

(٢) - سورة البقرة / ١٤

(٣) - سورة المنافقون / ١

(٤) - سورة البقرة / ٢١

(٥) - سورة النساء : ١٣ - ١٤

(٦) - سورة الأحزاب / ٣٦

(٧) - سورة التوبة / ٥٢

(٨) - سورة المطففين / ١٤

الاستقامة والفكر التبريري

عرفنا أنّ الاستقامة من صلب الإيمان ، وإنّها شرط أساسي في الشخصية الإسلامية. وهذا أمر واضح من خلال الكتاب الكريم والسنّة المطهرة. وطبيعة الرسالات السماوية لم تتنزل لتصحيح الاعتقادات فقط ، وإنّما لبناء الإنسان وتغيير السلوك ، واختطاط نهج خاص للسلوك الفردي والاجتماعي في حياة الإنسان ، والتركيز على مجموعة من القيم الأخلاقية

ويعبّر ذلك عن مشروع ربّاني لصياغة إنسان جديد ، إنسان ربّاني في فكره وروحه وقيمه النفسية وفي سلوكه الشخصي ، وتعامله مع الناس. والصعود بالإنسان إلى مستوى بنائي متميّز ، وشخصية فريدة تمشي بين


الناس بنور الهدى الإلهي. وعلى السبيل الذي حدده الله لهذا الإنسان

ومن الواضح أن هذا المشروع التغييري الذي تبنّته رسالات السماء لم يُفرَض على الإنسان فرض إلجاء ، وإلاّ لاهتدى الناس جميعاً. وإنّما أُريد له أنْ يتم من خلال الإنسان ، وفعاليته وإرادته. وإنْ كان برعاية الله وهداية الله. ومِن الواضح إلى جانب ذلك أنّ للإنسان أهواءه ، وشهواته ، وميوله النفسية التي تتعارض مع الصيغة الربانية المقترحة. وأنّه ليس من السهل للإنسان أنْ ينسجم مع هذه الصيغة إلاّ من خلال الصبر ، والمعاناة ، والمجاهدة النفسية ، وترويض النفس

وكان الناس أمام هذا المشروع التغييري الجبّار القائم في الأساس على عبودية الله ، وتحرير النفس من الأهواء والالتزام بالعدل ، والمصالح النوعية للناس على ثلاثة أصناف : صنف رفض الإيمان ، والالتزام المبدئي بالرسالات السماوية وركن إلى مجاميع متعدّدة من تسويلات الشيطان ، وخدَعه. وصنفٌ ثان رحّب بالصيغة الربانية وآمن بها ، وتعاطف معها والتزم بها التزاماً جدّياً ، وتصاعد بها إلى المستوى الإنساني المطلوب ، والشكل الرباني المقترح للإنسان. وأكثر الناس آمنوا بالأنبياء ورسالاتهم ، وعاشوهم في جزءٍ ، وآخر من شخصياتهم. إلاّ أنّهم لم يرتفعوا بها ولم يتصاعدوا من خلالها ، ولم يلتزموا بها الالتزام الضروري المطلوب ؛ لأنّ الإنسان بشكل عام ، ليس مستعدّاً أنْ يجاهد الجهاد الأكبر ويعاني باستمرار في سبيل الطاعة ، والالتزام ويتوافق ، ولو على حساب ميوله وأهوائه ، مع إرادة الله

والناس هؤلاء يعيش الإيمان في ذواتهم ، وينبض ضميرهم الديني


بالحركة ، ويدعوهم باستمرار إلى العمل والانسجام مع الدين ومن هنا ينشأ صراع داخلي بين القوى الدينية في النفس ، القوى الخيّرة التي تدعو إلى التعالي الأخلاقي والالتزام الديني ، وبين القوى الشهوية والأهواء ، والميول الشخصية من جنس وعدوان ، وأمن الخ

وهو صراع - ككلّ صراعٍ نفسي - بغيض للنفس البشرية تحاول بشتّى الأساليب أنْ تتخلّص منه ، وأنْ تجد له ( حلاًّ ). تتوافق به القوى النفسية ، وتنسجم في عملها واتجاهاتها

والفكر التبريري هو أبسط الأساليب ، واشملها في حل الصراعات الداخلية بين القوى الأخلاقية ، والقوى الغريزية الشهوية ، والميول والأهواء. ومن هنا يحاول الإنسان دائماً أنْ يخدع ضميره الأخلاقي ، ليمارس شهواته وأهواءه براحة بال

والمعنى السائد في الفكر التبريري ، الذي يحاول التغطية على الانحراف ، والتوفيق بين الأوضاع المنحرفة المائعة ، وبين الدين هو ( تغيير الرسالة ) ، وتحريفها لتنسجم مع واقع الانحراف ، والانحلال. ومن خلال الفكر التبريري هذا يغيّر الإنسان الرسالة السماوية ، ويحرّفها ، بدلاً عن أنْ يتغيّر بها. ويشوّهها. وينزل بها إلى واقعه ، بدلاً عن أنْ يصعد بها ويتنمّى

ونستعرض هنا ألواناً من الفكر التبريري لتغطية الانحراف. والخروج عن الاستقامة الشرعية ، وطاعة الله سبحانه. مستخلصة مِن واقع الحياة الدينية للمسلم المعاصر


(أ) - تحوّل الولاء إلى أداة تبرير :

كان التشيّع. في أيامه الأولى رسالة تغييرية ، وإصلاحية كبرى في جسم العالم الإسلامي تستهدف الالتزام المر بقيَم هذا الدين ، والقضاء على كل التميّعات ، والانحرافات التي تولّدت في المجتمع الإسلامي نتيجة لاختلاط الحضارات ، وفقدان القادة المبدئيّين ، وكان التشيّع حركةُ وعيٍ ملتزمة. متمحورة حول قيادات إسلامية نقية تشع على أتباعها التعبّد ، والزهد ، والقيم ، والالتزام

( وما كانوا ( الشيعة ) يعرفون يا جابر ، إلاّ بالتواضع ، والتخشّع ، والأمانة ، وكثرة ذكر الله ، والصوم ، والصلاة ، والبر بالوالدين ، والتعاهد للجيران من الفقراء ، وأهل المسكنة ، والغارمين ، وصدق الحديث ، وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلاّ من خير ، وكانوا أُمناء عشائرهم في الأشياء )(٩)

( إنّ شيعة علي كانوا خمص البطون ، ذبل الشفاه ، أهل رأفة ، وعلم ، وحلم ، يعرفون بالرهبانية )(١٠)

والذي يبدو أنّه حدث تغيّر اجتماعي في هذا الاتجاه زمن الإمام الباقرعليه‌السلام . أو بدأ واضحاً في ذلك الوقت. إذ تكوّنت في الذهنية الشيعية مفاهيم ، وأفكار تبريرية تغطّي على الانحراف ، وتستوعبه. كمفهوم الشفاعة في صيغته المحرّفة ، ومفهوم أنّه لا معصية مع حبّ أهل البيتعليه‌السلام

وقد يكون ذلك نتيجة للانعطاف الجماهيري على التشيّع بعد مقتل الحسينعليه‌السلام . ونتيجة لظهور التيارات الغالية في الصف الشيعي


وسوء فهم كلمات أهل البيت الواردة في تأثير منزلتهم. ولا زالت هذه الأفكار تعيش في ذهن الإنسان المسلم إلى اليوم تكرّس من بعده عن الشريعة وتحلّله من الالتزامات الدينية

وقد واجه الأئمةعليه‌السلام هذا التيار الذي يحاول تحريف التشيّع ، وتحويله من نقائه ، وصفائه ، وأصالته الإسلامية والتزاماته الحدية ، إلى فكر يقدّم التنازلات تلو التنازلات لواقع الانحراف ، وسلوك التحلّل والتميّع. ما أمامي من نصوص عنهمعليهم‌السلام في شجب هذه الظاهرة أكثرها عن الإمام الباقرعليه‌السلام وهو أمر قد تكون له دلالته التاريخية ، عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال :

( لا تذهب بكم المذاهب فو اللّه ما شيعتنا إلاّ مَن أطاع اللّه عزّ وجل )

وعن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لي :

( يا جابر ، أيكتفي مَن ينتحل التشيّع ، أنْ يقول بحبّنا أهل البيت ، فو الله ما شيعتنا إلاّ مَن اتقى الله وأطاعه. يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب حسب الرجل أنْ يقول : أحبّ علياً ، وأتولاّه ثمّ لا يكونّن مع ذلك فعّالاً ، فلو قال : إنّي أحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرسول الله خيرٌ من عليعليه‌السلام ، ثمّ لا يتبع سيرته ، ولا يعمل بسنته


ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً فاتقوا الله ، واعلموا لما عن الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة ، أحب العباد إلى الله عزّ وجل ( وأكرمهم عليه ) اتقاهم ، وأعملهم بطاعته. ومَن كان لله مطيعاً فهو لنا ولي ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو ، وما ننال ولايتنا إلاّ بالعمل ، والورع )

وهكذا فإنّ ( الحب ) لأهل البيتعليه‌السلام وتوليهم ليس تعويضاً ، أو بديلاً عن الطاعة ، والالتزام - كما تفهمه الأجيال المتخلّفة - وإنّما هو طريق إليها ، وتأكيد عليها من خلال تجسيد القدوة الحية. والقيادة المعصومة ، والإيمان بها ومتابعتها ، والاقتداء بها

( ألا وأنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وأنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومِن طعمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع ، واجتهاد ، وعفّة وسداد )

(ب) - الفهم الاجتماعي والسياسي للدين :

والإسلام كما نعرف رسالة شاملة. فيها التعاليم الاجتماعية إلى جانب النظام السياسي والنظام الاقتصادي والتربوي. الخ. ولكن في


جوهره ، وروحه استسلام لله تعالى ، وعبودية كاملة له

( إنّ الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين )

والإنسان المسلم هو الإنسان الذي يلتزم بأحكام الله ويتورّع عن محارمه. مهما بدت ، وفي أي مجال شرعت من مجالات الحياة. غير أنّ الكثيرين ممّن يعيشون في هذا العصر - ومن أجل التوفيق بين انتمائهم التقليدي للدين من جهة ، وبين التسيّب السلوكي عندهم وتأثّرهم بالمضمون الحضاري الغربي - يفهمون جوهر الإسلام في مجموعة من التعاليم الاجتماعية ، والأخلاقية ، وفي الالتزام السياسي بقضيته ، وأمّا الجوانب الفردية فهي موضع إهمال وتجاوز ؛ لأنّها لا تتناسب مع السياق العام ، الذي يبدو لهم الإسلام فيه. وهؤلاء - في واقع الأمر - يأخذون من الإسلام ولا يأخذون بالإسلام منهجاً كاملاً للحياة

إنّ الإسلام في جوهره فتنة لهذا الإنسان ، واختبار لحس العبودية لله عنده ، ووسيلة لإظهار المضمون الأخلاقي الديني في شخصيته. وهو لهذا شامل التشريع ، واسع المجالات ، فيه التعليم الاجتماعي إلى جانب النهج السياسي ، والنهج التربوي الروحي ، والنظام الأخلاقي ، والأحكام التي لا نعرف لها سراً ، ولا حكمة. والأحكام التي أريد بها اختبارنا ، وفتنتنا. ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيي عن بينة ، ونحن ملزمون في كل ذلك محاسبون عليه مسؤولون عنه

فليس الإسلام ، إذن جمعية سياسية لا تجد فيها سوى الفكر


الاجتماعي السياسي ، والالتزامات السياسية والتنظيمية ، وإنّما هو أولاً ( دين ) وعبودية خالصة لله. وهو بعد ذلك كل شيء : سياسة ، واقتصاد ، واجتماع ، وتربية. و. والمنطق الأساسي للتربية ، والبناء هو الالتزام بكل شيء في هذا الدين عرفنا حكمته ، أو جهلناها ، وسبحان الله. قال الإنسان للإنسان : نفّذ ثمّ ناقش ، وقبِل منه ذلك عن طواعية ، واختيار. وقال الله للإنسان : لا تأكل من هذه الشجرة وقدّم له حيثيات الأمر ، والحكم ولكنّه ناقش ، وتفلسف ، وعصى. فخرج من الجنّة ، يعيش الهموم ، والآلام. وهذه عبرة من عِبَر قصّة آدمعليه‌السلام

(ج) - الجبر والإرجاء :

مذهب الجبر ، هو المذهب القائل بأنّ الفعل الإنساني في مجال الطاعة والمعصية وغيرهما هو - في حقيقته - فعل الله تعالى الواقع بمشيئة الأزلية. وأمّا العبد فلا اختيار له. أو إذا كان له اختيار ، وقدرة فليس الفعل صادراً عنه. وللجبر صورة علمية. وأنصار باحثون. وله صورة شعبية أيضاً نجد إنّها تعيش في واقعنا المعاصر ، كما عاشت في العصر الجاهلي

( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (١١)

( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) (١٢)


والإرجاء : هو المذهب الذي مات أمام ضغوطات الفكر الحق. ولكنّه لا يزال يعيش في الوسط الشعبي. ويؤكّد على أنّ القيمة الحقيقية للإيمان ، وتقوى القلوب ، وأنّ الأعمال الظاهرية لا يحاسب الله عليها ، وليس لها قيمة من وجهة النظر الدينية

هذان الاتّجاهان التبريريان - الجبر ، والإرجاء - يرجعان من الناحية التاريخية - حسب بعض التقديرات - إلى الحاكم الأموي ( معاوية ) ، الذي حاول أنْ يكرّس الانحراف ويبرّر الفسق والفجور ، والخروج عن حدود الشرع ، ودائرة الدين من خلال وضع الأحاديث من جهة. والترويج للأفكار التبريريّة كالفكرتين السابقتين

(د) - التشكيك بالحكم الشرعي واستصغار الذنب :

وبعض الناس يرتكبون الذنوب ، ويقترفون السيئات والمعاصي. ويبرّرون ذلك عن طريق إنكار الحكم الشرعي الذي خالفوه ؛ لأنّهم لا يجدونه في القرآن الكريم ، ومسموعاتهم عن السنّة. ومن الواضح أنّ الإنسان الاعتيادي لا يُتاح له أنْ يبتّ بإنكار هذا الحكم وذاك ، وإثبات هذا ، وذاك ؛ لأنّ مثل هذا الإثبات وذاك النفي يحتاجان إلى خبرةٍ طويلة ، ومعايشة مستمرّة للقرآن الكريم ـ والسنّة المطهرة ، وتاريخ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمةعليهم‌السلام ـ وتدبّر مستغرق فيها ، وتخصّص وتفرّغ. وليس من حقّ الإنسان أنْ يتسرّع في إثبات الحكم ، ونفيه ؛ فإنّه بذلك يضيف ذنباً إلى ذنبه وخطيئة إلى خطيئته

( وان أسوأهم ( أصحابي ) عندي حالاً


وأمقتهم الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويُروى عنّا فلَم يقبله اشمأز منه ، وجحده ، وكفّر مَن دان به ، وهو لا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج ، وإلينا أُسند ، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا )

هكذا قال الإمام الصادقعليه‌السلام

والإنسان الذي لا خبرة له في مجال البحث الأُصولي والفقهي والرجالي وسائر المجالات ، التي تتصّل بالتفقّه بالدين ، والتعرّف على الشريعة ، يجب عليه أنْ يرجع إلى أهل الخبرة - والرجوع إلى أهل الخبرة مبدأ عقلاني أقرّه الإسلام في كثير من المجالات -

( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )

( ومَن كان مِن الفقهاء حافظاً لدينه ، صائناً لنفسه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أنْ يقلّدوه )

واحتقار الذنوب ، واستصغارها من الترضيات النفسية للمخالفة ، ولكنّه هو الآخر ممّا يزيد الذنب ذنباً ، والخطيئةَ خطيئةً ، فعن سُماعة عن أبي الحسنعليه‌السلام يقول :

( لا تستكثروا كثير الخير ، ولا تستقلّوا قليل


الذنوب فإنّ قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيراً ، وخافوا الله في السرّ تعطوا مِن أنفسكم النصف )

( أشدّ الذنوب ، ما استهان به صاحبه )(١٣)

هوامش

_____________________

(٩) - أصول الكافي ج ٢ ص ٧٤

(١٠) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢٣٢

(١١) - سورة الأنعام / ٤٨

(١٢) - سورة النحل / ٣٥

(١٣) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢٨٧

الصبر

الوجه الآخر للإرادة الربانية في شخصية المسلم هو الصبر ، فأنت عندما تقيس الإرادة الربانية من حيث نتائجها العملية إلى الشريعة. تكون بذلك طاعة والتزاماً ، وعندما تنظر إليها باعتبار مواجهتها للأهواء النفسية ، ودوافع الانحراف ، والتثبيط تكون صبراً. وعندما تنظر إليها باعتبار دافعها الرباني وهدف التقرّب إلى الله تكون ( إخلاصاً ) حسبما مرّ معنا سابقاً

وقصّة الصبر معنا هي قصّة المفاهيم الإسلامية الممسوخة والمشوهة في الذهنية العامة للمسلمين. تلك المفاهيم الدافعة. والمحرّكة. المفاهيم التي كانت يوماً وقود الثورة الإسلامية الذي لا يستهلك ، وأداة تجاوز الإنسان لصغاره. وأهوائه قليلة الشأن. ورياضة روحية تُنشّط الإرادة ، وتبني استقلال شخصية الإنسان المسلم

فأصبح الصبر - وهو واحد من هذه المفاهيم - أداة تخديرية. أصبح ( صبراً على الانحراف بعد أنْ كان صبراً على مواجهة الانحراف ، والمنحرفين

وبعد أنْ كان صبراً على الثبات على طريق ذات الشوكة ، وتحمّل الأمانة ، والالتزام بدين الله في أحرج اللحظات وأقسى الظروف ،


أصبح صبراً على ( التنصّل ) عن الالتزامات المبدئية في هذا الدين ، وعلى مواجهة الضمير الديني الحي الذي ينبض بشيء من الحياة

وليس التوكّل. بعيداً عنا. التوكّل الذي كان عوناً للمقاتل في الساحة ، وللمجاهد في مراحل الصراع ، وأداة للاستهانة بقدرات العدو الكافر ، والثقة بالنفس. أصبح هذا المفهوم الرائد. والبعد الأصيل في شخصية المسلم. اتّكالاً مريضاً ، وتفويضاً ، وتكاسلاً من تحمّل أعباء المسيرة ، والزهد الذي يمثّل قمة التحرّر والانعتاق ، وتجاوز الأهواء والشهوات والتحرّر الداخلي الحقيقي للإنسان ، أصبح كلمةً ذليلةً حتى في أسماع بعض المسلمين المؤمنين ، نتيجةً لما قُرِنت به من الممارسات الشاذّة ، وألوان القطيعة الاجتماعية ، والهروب عن الحياة

وهكذا دائماً يُغيّر الإنسان المفاهيم التي جاءت لتغييره وينزل بها إلى الحضيض ، بدلاً من أنْ يرقى معها إلى الكمال. فليس من الهيّن ، والسهل أنْ يرقى الإنسان ، وإنّما التصاعد معاناة ، وزهد ، ومرارة. ومن أجل أنْ يبقى في حالته المريحة هذه فعليه ـ حتى يُريح ذاته مِن الشعور بالانفصام بين الفكر، والسلوك ـ أنْ يُحرّف مفاهيمه الثورية وأنْ يسحبها إلى وراء ، بدلاً من أنْ يتقدّم معها إلى أمام. هذه هي خلاصة التحريف الاجتماعي للمفاهيم ، والرسالات ، وعلينا باستمرار أنْ نرجع إلى النبع الأصيل ؛ لتوضيح مفاهيمنا لا إلى عقليّة الانحراف والتخلّف والتحلّل

والصبر في مفهومه الإسلامي الأصيل تمرّد الإرادة المسلمة على أهواء النفس ، وشهواتها. التي تهدف إلى إخلاد الإنسان إلى الأرض. وهو


امتلاك النفس ، وحبسها على الخطّ المستقيم ، في مواجهةٍ حازمة للضغوط الخارجية والداخلية على السواء

إنّه الصبر على الالتزام المر بقِيَم هذا الدين. في مواجهة قوى الضغط في الداخل والخارج ، وليس هو الصبر على الخلود إلى الطين. في مواجهة الضمير الديني ، وقوى الخير النابضة للحياة في النفس البشرية. وهو الصبر على تحمّل مشاق الطريق ، وأعباء المسيرة واجتناب الآلام ، والغربة والعذاب في سبيل الله ، تحقيقاً للإرادة الربانية ، وتمثّلها في النفس ، والسلوك. وليس الصبر على الانحراف والمنكرات والمحارم تحقيقاً لقِيَم الكسل والرخاء والأمن والراحة. في دنيا مليئة بالمتاعب ، والمكاره وأشكال الآلام والهموم

وعلى هذا الأساس أصبح الصبر ركناً ركيناً مِن الإيمان

( الصبر رأس الإيمان )

( الصبر من الإيمان ، بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان )

(ولا إيمان لمن لا صبر له )

( الجنّة محفوفةٌ بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره والدنيا دخل الجنّة )

الصبر عند البلاء

النوازل والمكاره ، وشظف العيش ، وفقدان الأعزّة ، والأحبّة ، والغربة


بين الناس. هذه وأمثالها ، يتعرّض لها المؤمنون في كلّ مكان. وخصوصاً المجاهدون في الله منهم كضريبة لصراعهم مع الكفر ، ومواجهتهم للجاهلية في كلّ زمان ومكان وعلى كلّ المستويات. وكتدخّل إلهي أُريد به تمييز الصادق من الكاذب ، وتمحيص الفئة المجاهدة ، وإعدادها وتعميقها. لتكون حلقة ربانيّة ضمن حلقات مسلسل الهدى الإلهي ، الذي سوف ينتهي لا محالة إلى بسط الحق والعدل وانتشار القسط والخير ، بعد أنْ مُلئت الأرض ظلماً وجوراً ، وعانت البشريّة من آلام الصراع بين الهدى ، والضلال. وقد جعل الله سبحانه البلاء والآلام ، والمكاره في صلب تخطيطه للحياة ، وفي صلب تخطيطه للدعوة ، والدعاة. كما يوضّح ذلك كلّ عرض مدرسي مبسّط لنظرية الفتنة في القرآن الكريم

هذه المصائب والآلام المتعدّدة في الحياة فتنة للإنسان المسلم يسعد فيها من سعد ، ويشقى فيها من يشقى ، ويبتعد عن الله. ويعكس لنا ( النص الإسلامي ) هاتين الاستجابتين المختلفتين للإصابة بالبلاء

(١) -( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ) (١٤)

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (١٥)

( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ


مَعَهُ ) (١٦)

( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) (١٧)

( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ ) (١٨)

وهكذا فإنّ ( التزلزل ) و( الارتداد ) و( التطير ) و( القنوط ) و( كفران نعمة الله ) هي النتائج السلبية التي يصل إليها بعض الناس من خلال فتنة البلاء ، والمصيبة

(٢) - وأمّا المؤمنون فلهم شأنٌ آخر من البلاء. إذ تشخذ فيهم النوازل الشعور بالحاجة إلى الله ، والتوجه إليه وتزيدهم ثباتاً وصلابة ، وعناداً في الحق ، ويجددون الصبر والشكر لله ، ويعيدون تقييم ذواتهم ، واختبارها

( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (١٩)

( لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ ) (٢٠)

( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ) (٢١)


( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ ) (٢٢)

( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) (٢٣)

( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ) (٢٤)

( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا ) (٢٥)

( فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) (٢٦)

وهكذا فالمؤمن عند المصيبة ، والبلاء يراجع تصوّراته الكونية ووعيه الكوني للحياة ، ولا يحزن ، ولا يهن ، ولا يضعف ، ولا يستكين ، بل على العكس يصبر وينتصر ويرضى بقضاء الله وقدره ، ويتضرّع إلى الله ويلتجئ إلى الله. ويزداد إيماناً وثباتاً.

( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (٢٧)

بعد هذا ننتقل إلى السنّة ، وهي تتحدث عن حتمية البلاء ، والنوازل


بالنسبة إلى المؤمن ، وموقفه تجاه النازلة ودرجات المبتلين

( إنّ أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ، ثمّ الذين يلونهم ، ثمّ الأمثل فالأمثل )

( إنّ للّه عزّ وجلَّ في الأرض من خالص عباده ، ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلاّ حرفها عنهم إلى غيرهم ، ولا بلية إلاّ حرفها إليهم )

( إنّ المؤمن يُبتلى بكل بلية ، ويموت بكل ميتة ، إلاّ أنّه لا يقتل نفسه )

( إنّ المؤمن من اللّه عزَّ وجلَّ لبأفضل مكان - يكرّر الإمام ذلك ثلاثاً - إنّه ليبتليه بالبلاء ، ثمّ ينزع نفسه عضواً عضواً من جسده ، وهو يحمد اللّه على ذلك )

( ولو يعلم المؤمن ما له من الأجر على المصائب ن لتمنّى أنّه قُرّض بالمقاريض )(٢٨)

( إنّ الحُرَ حُرٌّ على جميع أحواله : إنْ نابته نائبة صبَر لها ، وإنْ تداكّت عليه المصائب لم تكسره ، وإنْ أُسر وقُهِر ، واستبدل بالصبر عسراً )


ومن خلال القرآن الكريم ، والسنّة المطهرة يتبيّن ، إنّ المؤمن في أيّام المحنة والبلاء ووقت المكاره والمصائب. يتمثّل موقفه. في ( الثبات ) والاستقامة على الخطّ الربّاني عقيدة. وروحاً. وسلوكاً ، فلا يتنازل ولا يستقل منه شيء

( المؤمن أعزّ من الجبل ، الجبل يستقلّ منه بالمعاول. والمؤمن لا يستقل منه شيء )

ولا يتنازل عن جهاده ، وعمله في سبيل الله ؛ لأنّ

( المؤمن مجاهد. يجاهد في دولة الحقّ بالسيف ، ويجاهد في دولة الباطل بالتقيّة )

ولا يُعاني من الضعف والتردّد والتلكؤ

( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ) (٢٩)

ولا تصدر منه كلمة جزع ، أو سخط ، ولا يتشكك ، ولا يتزلزل

هذا ما يتمثّل موقفه فيه أولاً. ويتمثّل موقفه ثانياً في ( الاستزادة ) والنمو من خلال المحنة ، والبلاء

( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا )


وهذه زيادة في الإيمان. وهناك زيادة في اللجوء إلى الله تعالى ، والانشداد له

( فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ )

وهناك استبصار للذات واكتشاف لها. لاحظ قوله تعالى :

( فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَناً وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا )

إلى آخر مجالات الاستزادة على المستوى الفردي والجماعي

والملاحظ - على مستوى النصوص ، وعلى المستوى التحليلي - أنّ كلاً من الثبات ، والاستقامة ، والاستزادة من الفتنة والبلاء لا يتمّ إلاّ من خلال الصبر والتحكّم في الأهواء التي تنزع بالإنسان المؤمن إلى الانحراف ، وتطليق الشريعة ، والحيود عن الجادّة. لكي يتوافق مع مجتمعه ويبعد عنه شبح الغربة ، ويتخلّص من الآلام والمتاعب والمكاره وأشواك الطريق.

الصبر عند الأهواء

والأهواء لدى الإنسان كثيرة. منها الأصيل في النفس ومنها


المتشكّل ، والمتفرّع عن معان أصيلة. وهو يعاني منها في أكثر من مجال. أو في كل مجال من مجالات العمل في سبيل الله. مع النفس. ومع الناس. والصبر هو التحكم في هذه الاهواء والسيطرة عليها. وعلى الانفعالات، وعن الإمامعليه‌السلام :

( من ملك نفسه إذا رغب ، وإذا رهب وإذا اشتهى ، وإذا غضب ، وإذا رضي ، حرّم اللّه جسده على النار )

ومن أجل تسهيل البحث ، وتوضيح المطلب نصنّف الصبر - من زاوية ممّا يصبر عليه - إلى الصبر في المجال الروحي. أو العبادة. والصبر في المجال الأخلاقي بالمعنى الخاص. والصبر في ميدان العمل لله. وهداية النفس. ( العمل الاجتماعي).

(أ) - الصبر على العبادة :

قال تعالى :( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) (٣٠)

التقرّب إلى الله تعالى جوهر هذا الدين وأساسه المتين الذي بنيت عليه أنظمته في المجالات كافّة. ويتمّ التقرّب إلى الله تعالى في أوضح صورة عن طريق العبادة الخاصّة من الصلاة والذكر ، والدعاء ، والقرآن الكريم. وللإنسان من المعوّقات عن العبادة - أداءً ، واستفادة - أهواءً كثيرة تضغط عليه ، وتحول بينه وبين أنْ يؤدّي العبادة أو يستفيد ، من


قبيل الميل الجنسي في الذهن البشري ، والانشداد الخيالي إلى المعاني المادية ، وصعوبة التعامل مع الغيب ن والتعب البدني ، والإرهاق الناتج عن السعي في سبيل الحياة المادية ، والأُلفة ، والعادة التي تمنع من عيش الصلاة عيشاً جديداً منتجاً ، والاستثارة الروحية بالأذكار ، والدعوات. والمشاغل النفسية ، وهموم الحياة التي تشغل بال الإنسان وهو يؤدّي الصلاة لله

وبسبب هذا كلّه وغيره ، احتاج المؤمن في أداء العبادة والإكثار منها وعيشها ، والاستفادة منها ، ومداومتها إلى تحكّم في أهوائه ، ودوافعه النفسية المثبّطة له عن القيام بحق الله في العبادة ، والذكر ، والشكر ، والى مراجعة مستمرّة لمفاهيمه عن الكون ، والحياة وتصوراته الأصيلة عن هذا الدين ، حتى يعيشها أحاسيس منشّطة ، ومحركة ، ودافعة لعيش الصلاة وعيش العبادة. دروساً روحية ، ودورات تربوية ، تتم بعين الله ، ورعايته ، وإمامه تساعد المؤمن على تطهير الذات وتحريرها ، والعروج بها في مدارج الرقيّ الروحي والكمال والنفسي

(ب) - الصبر الأخلاقي :

(١) - الصبر عند الغضب ، والغيظ

( وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ )

( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ )

وفي السنّة :


( مَن كفّ غضبه ستر اللّه عورته )

( فيما ناجى الله عزّ وجل به موسى : يا موسى ، أمسك غضبك عمّن ملّكتك عليه ، اكف عنك غضبي )

( مَن لم يملك غضبه لم يملك عقله )

( مَن كف غضبه عن الناس ، كف اللّه تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة )

( ما أحب أنّ لي بذل نفسي حمر النعم ، وما تجرعت جرعة أحب إليّ من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها )

( ما مِن عبدٍ كظم غيظاً إلاّ زاده اللّه عزّ وجل عزّاً في الدنيا والآخرة )

(٢) - الصبر أمام شهوة البطن ، والفرج

( ما عُبِد اللّه بشيءٍ أفضل من عفّة بطنٍ ، وفرج )

(٣) - الصبر في مواجهة هوى الثرثرة ، الكلام الزائد والمحرّم في الخبر ( جاء رجل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال يا رسول الله ، أوصني

قال : ( احفظ لسانك ). قال : يا رسول الله ، أوصني

قال : ( احفظ لسانك ). قال : يا رسول الله

هوامش

____________________

(١٤) - سورة آل عمران / ١٦٥

(١٥) - سورة الحج / ١١

(١٦) - سورة الأعراف / ١٣١

(١٧) - سورة الروم / ٣٦

(١٨) - سورة الشورى / ٤٨

(١٩) - سورة البقرة / ١٥٦(٢٠) - سورة آل عمران / ١٥٣

(٢١) - سورة آل عمران / ١٤٦

(٢٢) - سورة الحج / ٣٥

(٢٣) - سورة الشورى / ٢٦

(٢٤) - سورة البقرة / ١٧٧

(٢٥) - سورة التوبة / ٥١

(٢٦) - سورة الأنعام / ٤٢

(٢٧) - سورة آل عمران / ١٧٣

(٢٨) - أصول الكافي ج ٢ باب ابتلاء المؤمنين

(٢٩) - سورة آل عمران / ١٤٦

(٣٠) - سورة طه / ١٣٢


أوصني. قال : ( احفظ لسانك ، ويحك ، وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم )

وفي الخبر عن الرضاعليه‌السلام :

( من علامات الفقه : الحلم ، والعلم ، والصمت ، إنّ الصمت باب من أبواب الحكمة ، إنّ الصمت يكسب المحبّة ، إنّه دليل على كل خير )

(ج) - الصبر على الكتمان :

يحب الإنسان التظاهر ، والثرثرة ، والتجريح بالآخرين وكشف عيوبهم ، وأسرارهم ، ويحب أنْ يكشف حاله ومشاريعه للناس ، وبيان كلّ ما في ذهنه من حقائق وأفكار. إن اللسان. والتحدّث في ما لا ينبغي التحدّث به محطّ أهواء كثيرة. هوى الظهور والبروز أمام الناس بمظهر العارف بهذه الأمور. وهوى الحط من كرامة الآخرين ، وتجريحهم. وهوى الأُلفة مع الآخرين من خلال طرح كل ما في نفسه. وضغوط الأصدقاء ، والعلاقات بهم ومن هنا ، فإنّ الكتمان عنصر يحتاج إلى الصبر ، والمعاناة. ليكون بعد ذلك سجية ، وسليقة ككل الموارد التي يصبر عليها الإنسان ابتداء ، ثمّ يألفها ويعتادها ولا يشعر معها بالكلفة والعناء

الكتمان ضرورة


( استعينوا على أموركم بالكتمان )

( وددت أنّي افتديت خصلتين في الشيعة ببعض لحم ساعدي : النزق ، وقلّة الكتمان )

كما ورد عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام : الكتمان ضرورة ، وواجب في كثير من الأحيان من الزاوية الشرعية لحفظ كرامة الآخرين

وضرورة للحفاظ على النفس. وضرورة للحفاظ على الآخرين. وضرورة لنجاح الكثير من المشاريع ، التي يجب أنْ لا تسلّط عليها الأضواء ، والملاحقات من قبل الآخرين ، وتدخّلاتهم السلبيّة ، وفضول الكثير من الناس. وفي جلّ الناس شيء من الفضول

(١) - كتمان عيوب الناس ، وسترها. ممّا ينبغي ، ويجب الصبر عليه ؛ لأنّ

( الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه )(٣١)

ولأنّ

( مَن روى على مؤمنٍ روايةً يريد بها شينه ، وهدم مروءته ، ليسقط مِن أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان ، فلا يقبله الشيطان )(٣٢)


وللأنّ الله تعالى يقول :( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) (٣٣)

وللغيبة موارد ذكَر الفقهاء جوازها فيها ، ولكنّها موارد مستثناة ، والأصل في الغيبة الحرمة. فينبغي التوّرع من ذكر عيوب الناس ، وكشف ما ستره الله تعالى من أمراضهم وذنوبهم. وكثيراً ما ينتهي بأحدنا الغيظ والحقد والتنافس إلى ذكر مساوئ إخوانه في الله. وفضحهم بما فيهم وما ليس فيهم ، ممّا يقطع بين المؤمنين من ولاية. فإنّ

( مَن قال لأخيه المؤمن أُف ، انقطع ما بينهما من ولاية ، ومَن قال له : أنت عدوّي كفر أحدهما ، ومَن اتّهمه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء )

وهكذا الحال في الظنون السيئة والاحتمالات التي لا ينبغي للمؤمن أنْ يتحقّق فيها ، ويشيعها إلاّ عند الضرورة الشرعية لذلك. وأين هذا من واقع التجريح والتشهير ، والغيبة ، والبهتان ، وغير ذلك من المعاني التي يعاني منها واقعنا الاجتماعي؟!

(٢) - كتمان أسرار الآخرين التي يخافون كشفها ويتوقّع الضرر الاجتماعي عليه منها ، وعدم الإذاعة والثرثرة في هذا الميدان ، ممّا يحتاج ، ويجب فيه هو الآخر الصبر والصمت. فقد وردت النصوص الكثيرة في


تحريم الإذاعة ، وكشف السر

فعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : ( ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ، ولكن قتلنا قتل عمد )

( مَن أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان )

وعن أبي جعفرعليه‌السلام : ( يُحشر العبد ، يوم القيامة ، وما ندى دماً ، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك ، فيقال له : هذا سهمك من دم فلان ، فيقول : يا رب ، إنّك لتعلم إنّك قبضتني ، وما سفكت دماً فيقول : بلى سمعت من فلان رواية كذا ، وكذا فرويتها عليه ، فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبّار فقتله )

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : تلا هذه الآية :

( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (٣٤)


قال : ( والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم ، ولكنّهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها ، فقتلوا فصار قتلاً ، واعتداءً ، ومعصية )

وعنهعليه‌السلام :

( من استفتح نهاره بإذاعة سرّنا ، سلّط الله عليه حرّ الحديد وضيق المحابس )

(د) - الصبر على الاستقامة الفكرية :

وعدم المساومة في الأفكار وتقديم التنازلات ، والتميّعات الفكرية أمام ضغوط القيم الاجتماعية والحضارية ، والأشكال الأخرى من ضواغط الحياة

قال الله تعالى :

( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) (٣٥)

تتحدث هذه الآيات. عن محاولة جاهلية لفتن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله عمّا


أوحي إليه من الله تعالى. أو بعض ما أوحي إليه. ويتلخّص هذا العرض في أنْ يقدّم الرسول بعض التنازلات الفكرية للمشركين في مكّة ، لينضمّوا إلى صفوف الدعوة

( لقد حاولوا هذه المحاولة في صورٍ شتّى. منها : مساومتهم له أنْ يعبدوا إلهه ، في مقابل أنْ يترك التنديد بآلهتهم ، وما كان عليه آباؤهم. ومنها مساومة بعضهم له ، أنْ يجعل أرضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرّمه الله ومنها طلب بعض الكبراء ، أنْ يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء )

( هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله ، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً محاولة إغرائهم ، لينحرفوا - ولو قليلاً - عن استقامة الدعوة وصلابتها ، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة

ومَن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته ؛ لأنّه يرى الأمر هيّناً ، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أنْ يترك دعوته كلية ، إنّما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق ، وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة ، فيتصوّر أنّ خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ، ولو بالتنازل عن جانب منها ولكن الانحراف الطفيف في أوّل الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق ، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ، ولو يسير ، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل ، لا يملك أنْ يقف عندما سلّم به أوّل مرّة ؛ لأنّ استعداده للتسليم يتزايد كلّما رجع خطوة إلى الوراء )


( والتسليم في جانب ، ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفّها : هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة ، والله وحده الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم ، ومتى دبّت الهزيمة في أعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصراً )

( لذلك امتنّ الله على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ ثبّته على ما أوحى الله ، وعصمه من فتنة المشركين له ، ووقاه الركون إليهم ، ولو قليلاً ، ورحمه من عاقبة هذا الركون ، وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً ، وفقدان المعين ، والنصير )(٣٦)

وتنشأ المساومة الفكرية والتنازلات الفكرية من مناشئ مختلفة أهمّها اثنان :

(١) - التعجيل بتقدم الدعوة ، ونمو العمل في الوسط الاجتماعي. وهنا يتمّ التنازل عن بعض أفكار الرسالة الأصيلة لعدم تقبّل الناس لهذه الأفكار ، ورفضهم لها ، حتى تتقدّم الدعوة بشكل عام ، وإنْ كان على حساب التفاصيل وبعض الأجزاء منها. ومن هذا القبيل التنازلات الفكرية الكبيرة التي قدمتها الأحزاب الشيوعية الأوروبية بعد أنْ وقف نموها ، وتجمّدت فعاليتها في المجتمعات الغربية ذات التقاليد الفكرية الخاصة

(٢) - تأثّر أصحاب الدعوة بالقيم الحضارية والفكرية للمجتمع الذي ينوون تغييره. وذلك لأنّهم أبناء هذا المجتمع يؤثّر فيهم من حيث


يشعرون ، أو لا يشعرون عن طريق الايحاء الاجتماعي، والبنية الفكرية، ويغلب هنا الارتباط الحضاري، والاجتماعي عند هؤلاء على الارتباط المبدئي، والرسالي فيطمسون بعض معالم رسالتهم بسبب انتمائهم الجزئي الى حضارة مختلفة.

ومن هنا احتاج المؤمنون الرساليون الى (ملكة صبر) عالية يواجهون بها الضغوط السياسية، والاجتماعية، وضغوط التعجل والترف في داخلهم. التي تعمل على تمييع شخصيتهم الفكرية، واحتوائهم فكرياً، والى انشداد خاص بالله تعالى. ينمي فيهم الاستقلال عن الجو المنحرف ويصعد من درجة تحكمهم بعواطفهم، وانفعالاتهم الآنية، ومن هنا امر الله تعالى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله - بعد ان ذكر العرض الجاهلي - بالصلاة.

( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) (٣٧)

(ه‍) - الصبر على الاستمرار والفعالية العملية :

إنّ ( خوف ) الإنسان من مخاطر الطريق ، و( شعوره بالغربة ) في مجتمع يتناقض مع أفكاره ومبادئه ، و( ملله ) من العمل و( الفته ) له ، وكذلك ( انشغاله ) النفسي بالدنيا من جاهٍ ، ومالٍ ، وملذّات ، و( تزلزل ) ثقته بالصف ، و( وساوسه ) الشيطانية في الداخل و( ازدراء ) أعين الناس له ، ولمن يقوم معه ، و( روح الفردية ) وحبّه الاستقلال ، هذه كلّها وغيرها عوامل


تحول. أو تثبّط أو تُضعف من الروح العملية من الاستمرار على خط العمل لله تعالى ، والفعالية والنشاط عن المواصلة. ومن هنا احتاج المؤمن كذلك ليحفظ استقامته على خط العمل ، وفعاليته فيه إلى ملَكة صبر يواجه بها أهواء الانفصال ، والبرود في العطاء

(و) - الصبر على الاستقامة في خضم العمل الاجتماعي

تعتمد الروح العملية والنشاط الاجتماعي في الأساس على سرعة المبادرة ، وسرعة الحركة ، والأداء. على السرعة في تقييم الناس. وتقديم الأفكار وتصحيحها ، والسرعة في إعطاء الصلاحيات. الخ

والإنسان عندئذ في هذه الحركة السريعة قد لا يحفظ انضباطه الشرعي ، ويتقيّد بحدود الإسلام فيكون أمره عليه غمّة. ويدخل في الانحراف من حيث هو يعمل للقضاء عليه

الإنسان العامل في الحقل الاجتماعي معرّض أكثر من غيره. إلى الوقوع في خطيئة ( التضليل ) وتربية الناس على الأفكار المنحرفة التي دخلت حوزته نتيجة للتعجّل في تقديم الأفكار ، وتربية الآخرين. وهو معرّض أكثر من غيره للوقوع في خطيئة ( ظلم ) الناس ، واتهامهم ، وتجريحهم وذكر ما ليس فيهم من العيوب ، وهدر كرامتهم. وهو معرض أكثر من غيره إلى إعطاء الصلاحيات لغير أهلها ، ووضع الشيء في غير موضعه

ولعلّ من أصعب الأشياء في ميدان العمل الاجتماعي هو الموازنة بين الانضباط الشرعي من جهة ، وبين الروح العملية ، والفعالية الاجتماعية


من جهة أخرى. ولهذا ينبغي للإنسان المؤمن أنْ يُعاني في هذا الميدان ، ويكتوي بنار هذه المعاناة. ويجاهد في الله. نفسه حتى يهديه الله تعالى سبله ، ويجعل الاستقامة والفعالية سليقة وطبعاً له لا يجد حرجاً ، ولا صعوبة فيه. والله تعالى مع المحسنين

هوامش

____________________

(٣١ - ٣٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٣٥٧ - ٣٥٨

(٣٣) - سورة الحجرات / ١٢

(٣٤) - سورة البقرة / ٦١

(٣٥) - سورة الإسراء ٧٣، ٧٤، ٧٥

(٣٦) - في ظلال القرآن الشهيد سيّد قطب م ٥ ص ٣٥١ وما بعدها

(٣٧) - سورة الإسراء / ٧٩

الإخلاص

الوجه الثالث للإرادة الربانية الحاكمة في الشخصية الإسلامية ، هو الإخلاص. والناس غير المؤمنين على قسمين :

(١) - الناس الذين لا يملكون أنفسهم أمام شهواتهم الرخيصة الآنية ورغباتهم العاجلة كالجنس ، والمال ، والأكل. ولا يتمتعون بأفقٍ واسع ، ونظر بعيد

(٢) - الذين يملكون أنفسهم أمام شهواتهم الرخيصة ورغباته العاجلة ، وذلك بأمل تحقّق مكاسب شخصية أكبر في الأصل. وهؤلاء يمثّلون نحواً من التجاوز بالنسبة للآخرين من حيث ( نوعية ) الهوى الذي يعملون له ، والزمن الذي يحقّقون فيه هدفهم الشخصي

فالإنسان من النوع الأول ينطلق من هوى الطمع في المال وشهوة البطن ، والفرج ، وليس هذا النوع على استعداد لأنْ يضحي بهذه الأمور. في أي حقل كان ؛ لأنّ هذه الأشياء في وعيه يضحّي من أجلها ولا يضحّي بها من أجل شيءٍ آخر. أمّا الإنسان من النوع الثاني فهو ينطلق من أهواء أخرى. لنسمّها بالأهواء المعنوية. مقابل الأهواء المادية. من


قبيل هوى ( العظمة ، والمجد ، والخلود ) وهوى ( التحكّم ، والسيطرة ، والتسلط ) وهوى ( تحقيق الذات من خلال تحقيق المبادئ ، والأفكار التي يؤمن بها ) وهوى ( الانتصار للعرق ، والقومية ، والوطن ). وغير ذلك من المعاني التي تمثّل توسّعاً في دائرة ونطاق الذات الفردية

والإنسان من النوع الأول إنسانٌ عجول ، وليس مثقّفاً في إبداء رغباته ، وإظهار شهواته ، فلا هو يصبر على تأجيلها ولا هو بالذي يتفنّن في العمل من أجلها ، وهذا بخلاف الإنسان من النوع الثاني. الذي يملك النفس الطويل في تحقيق أهدافه ، والسعي وراءها

والشخصية الإسلامية قسم ثالث ، يختلف نوعياً عن القسمين السابقين ، وليست هذه الشخصية بأحد النمطين السابقين إذا أضفنا له الإيمان. والالتزام السلوكي والمظهر الديني. فإنّ الإسلام كما يحاول تغيير المضمون العقائدي. والسلوك الاجتماعي ، كذلك يهدف إلى تغيير المضمون النفسي والوجداني ، ودوافع السلوك ، وبواعث الأعمال ؛ لأنّ الإسلام يبني صياغة جديدة للإنسان ، ويحاول أنْ ينشئ خلقاً آخر من الناس يتميّز عن كلّ ما عرفه التاريخ البشري وتعرفه الحضارة المادية اليوم بأشكالها ، ومظاهرها المختلفة من ناس

والإسلام إذ يحاول إنشاء إنسان جديد. فهو يهمّه في هذا الإنشاء المضمون أكثر من الشكل. وتهمّه النية بقدر ما يهمّه العمل ؛ لأنّ خلق الإنسان العابد ـ الذي يحكم الله تعالى في كل جوانب حياته. وهذا هو هدف الإسلام التربوي ـ لا يتم إلاّ بتطهير النية ، وربطها بالله تعالى. وهذا هو الإخلاص. فالإخلاص ، هو أنْ يكون الدافع على العمل ، والباعث له ( التقرّب ) إلى الله ، والحصول على مرضاته


ومن الممكن أنْ يتم هذا عن طريق أحد الدوافع التالية التي تشترك جميعاً في كونها دوافع دينية هدفها الله تعالى :

(١) - الدافع الأخلاقي : وهو أنْ تمتثل. وتؤدّي أعمالك بسبب أنّ الله تعالى يأمر بها. وأنّه تعالى أهل للعبادة وواجب الطاعة بحسب رؤية العقل العملي للإنسان

( الهي ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنّتك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك )

(٢) - الدافع الوجداني العاطفي النابع من حب الله تعالى والأُنس به ، والتشوق إليه

(٣) - الدافع ( الرباني / الذاتي ) وهو أنْ تتقرّب إلى الله تعالى ، وتطلب رضاه من أجل تأمين سعادتك الأٌخروية ، أو الحصول على نتائج عمليّة في الحياة الدنيا بنحوٍ تعي أنّ هذا الهدف الذاتي ، لا يحصل من دون توسيط الله من خلال التقرّب إليه ، وليس نتيجة طبيعية لفعلك الذي تقوم به

إنّ الدافع هو الأساس النفسي للفعل. والمقياس للقيمة النفسية التي يصدر عنها الفعل ، كالإحساس بالواجب الأخلاقي ، وحب الله ، وحب رضاه وجنّته ، أو الخوف من عقابه. ويختلف ( الدافع ) عن ( الهدف ) في أنّ هدف الفعل هو النتيجة التي تقصد إليها في أدائك للفعل. فالحصول على


الجنّة هدف ، والوقاية من النار هدف أمّا حبّ الجنّة والخوف من النار فدافعان للعمل

وهناك أهداف اجتماعية للعمل فالهدف من الوعظ هو هداية الإنسان ، والهدف من هداية الفرد تكثير عدد المؤمنين. وتكثيرهم وسيلة لهدف آخر. والعمل من أجل تحقيق هذه الأهداف لا يتنافى مع الإخلاص. لأنّنا في هذه الحالة نسأل لماذا يسعى الإنسان إلى هذا الهدف ويخطّط له ؟ وما هو الدافع النفسي له في ذلك ؟ فإذا لم يكن الدافع شخصياً أنانياً ، وكان خالصاً لله. كان هذا العمل في طريق الإخلاص ، وعملاً مخلصاً من دون شك ، وبكلمة أخرى : إنّ هذه الأهداف هي نفسها محبوبة عند الله تعالى أو مأمور بها من قبله ، وهي لهذا من الممكن أنْ تقع أهدافاً في عمل خالص لوجه الله الكريم ، ولا يتنافى قصد التوصّل إليها بالعمل الخاص مع قربيّة هذا العمل.

الإخلاص هو المقياس للقيمة الحقيقية للعمل

ينظر ابن الحضارة الغربية - سواء كان يعيش في الغرب ، أم الشرق أم في أوساطنا - إلى العمل البشري ويقيمه على أساس من عطائه ، ونتائجه ، ودوره في الحياة الفردية ، أو الاجتماعية ، ولا يلتفت إلى النوايا ، والدوافع لهذا العمل

أمّا الإسلام ، من هذه الوجهة يلزم بمجموعة كبيرة من الأعمال ، من دون أنْ يشترط فيها شكلاً خاصاً للباعث ، والدافع النفسي وراءها ، وذلك من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل ، ونفقة الزوجة ،


وتوفير الطب والأطباء. فهذه الأعمال وغيرها يلزم بها التشريع الإسلامي من دون أنْ يشترط صدورها عن قصد التقرّب إلى الله تعالى ؛ لأنّ لهذه النشاطات مصالح ملزمة في أنفسها تتحقّق من دون قصد القربة. وهناك الواجبات ، أو المستحبّات العبادية ، وهي النشاطات التي يطلبها الإسلام من أتباعه مشروطة بنية التقرّب ، وقصد القربة إلى الله تعالى

وعلى هذا. فمن الممكن في القسم الأوّل أنْ يقوم الإنسان المسلم بهذه النشاطات المذكورة. ويسقط بها الوجوب الشرعي، ويبرئ ذمّته من عهدة التكليف ، وعبء المسؤولية حتى لو لم يقصد التقرّب ، وإنّما قصد السمعة والرياء أو دفع اللوم والنقد وما شاكل ذلك

وأمّا في القسم الثاني - العبادات - فهي لا تصح إلاّ بقصد القربة ، ونيّة التقرّب إلى الله تعالى. بل يحرم أنْ يؤتى بها رياء، وسمعة

ولكن هذا كلّه من الزاوية التشريعية

وأمّا من الزاوية الأخلاقية الإسلامية ، فإنّ كل عمل ليس له قيمة إلاّ إذا كان صادراً عن إخلاص لله تعالى ؛ لأنّ قيمة العمل ( قبوله )

ولا يتم ( قبول ) العمل من الله تعالى إلاّ بالإخلاص ، وإنْ أمكن أنْ يكون صحيحاً مسقطاً للتكليف مبرئاً للذمّة من دون إخلاص

وبهذا جاءت النصوص عنهمعليه‌السلام : ( لا عمل إلاّ بنية )

( إنّما الأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما


نوى ، فمَن غزى ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله عزّ وجل ، ومَن غزى يريد عرض الدنيا ، أو نوى عقالاً لم يكن له إلاّ ما نوى )

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( اخشوا الله خشية ليست بتقدير ، واعملوا لله في غير رياء ، ولا سمعة فإنّ من عمل لغير الله ، وكله الله إلى عمله يوم القيامة )

عن عليّعليه‌السلام :

( إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به ، فإذا صعد بحسناته يقول الله عزّ وجل ، اجعلوها في سجّين ، إنّه ليس إيّاي أراد به )

عن الصادق عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( اجعلوا أمركم هذا لله ، ولا تجعلوه للناس ، فإنّ ما كان لله فهو لله ، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله )

(عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

ولا شك أنّ كثيراً مِن الانجازات العظمى التي يهلّل لها في تاريخ


الإسلام، والمسلمين ( إدخال بلاد في سيادة الإسلام - كتاب شامخ من الكتب الإسلامية .) قد لا يحصل أصحابها من ورائها غداً على شيء ؛ لأنّهم أرادوا بها حطام الدنيا ، وغفلوا فيها عن الله ويعرض القرآن الكريم صورة حيّة لنبيّين كريمين ، وهما يقومان بإرساء قواعد إنجاز من أعظم الانجازات في التاريخ الديني للإنسان النبيان الكريمان هما إبراهيم وإسماعيل ، والصورة :

( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) (٣٨)

إنّهما وهما النبيّان الكريمان على الله. وانجازهما من أعظم الانجازات يتضرّعان إلى الله. ويمدّان بطرفهما إلى السماء. ويخشعان. ويدمعان. ربّنا تقبل منا. يقولان ذلك في وعي عميق في أنّ كل إنجاز لا قيمة له في ذاته ما لم يتقبّله الله. ولا يتقبّله سبحانه إلاّ مِن المتّقين المخلصين

ولا تتمثّل قيمة الإخلاص في ( قبول ) العمل ، والإنابة عليه فقط ، وإنْ كانت هذه قيمة كبيرة محسوبة من جانب الإنسان المسلم ، وإنّما تتمثّل قيمته مضافاً إلى ذلك في مستوى الشخصية الذي بلغته. في التجرّد عن الأهواء ، ودواعي السمعة والرياء ، والتظاهر أمام الناس ، أو السعي وراء طموحات شخصية. إنّ الشخصية التي تعمل فيها ( دوافع ) أُخرى غير دينية لا يأمن منها الانحراف ، والخروج عن حدود الشريعة وتقديم الحسابات


الشخصية على الحسابات الرسالية في لحظات الترجيح والتزاحم الحاسمة ، وهي مهما بلغت من مستوى الأداء ، والانجاز ، وحجم الخدمات غير مضمونة الاستقامة والاستمرار على خط الله تعالى. بما يحصل فيه من أشواك ومكاره ، وما يحفّه من شهوات ، وأهواء عصمنا الله تعالى من الزلل والرياء

( اللهم احملنا في سفن نجاتك ، ومتعنا بلذيذ مناجاتك وأوردنا حياض حبّك ، وأذقنا حلاوة ودك ، وقربك ، واجعل جهادنا فيك ، وهمنا في طاعتك ، وأخلص نيّاتنا في معاملتك فإنّا بك ولك ، ولا وسيلة لنا إليك إلاّ أنت )

هوامش

____________________

(٣٨) - سورة البقرة / ١٢٧

صعوبة الإخلاص لله تعالى

يوجد الكثير من المؤمنين من يشغله الجهاد ، والعمل في سبيل خدمة قضية الإسلام عن التأكيد من مضمون عمله وطبيعة نيته ، ودافعه. وقد لا يستسيغ المؤمن أنْ يراجع ذاته ، وينفق الوقت في ذلك ليتحقّق من درجة إخلاصه ومستوى نموّه الروحي. إلاّ أنّ الواقع إنّ مواصلة الجهاد والعمل في سبيل الله تعالى ، والاهتمام بشؤون الناس وهدايتهم ، وإنْ كان أمراً ضرورياً ، وواجباً شرعياً إلاّ أنّ التركيز ، وتحصين الذات من الانحراف والتنمية الروحية أيضاً من الأمور المهمة ، والضرورية التي لا ينبغي إغفالها. هذا مع أنّ مراجعة الذات ، والتربية الروحية لا تتنافى مع العمل في سبيل الله ، ولا هذا بالذي يشغل عن ذاك ، والاعتكاف أروع صيغة


للعزلة الواعية التي يؤمن بها الإسلام ويدعو لها ويحث عليها. وهي كما تساعد على والانشداد إلى الله تعالى تساعد كذلك على مراجعة الذات وتقييمها والتعرّف على مواطن الضعف والقوّة فيها بعيداً عن ضوضاء العمل الاجتماعي ، والانشغال بالناس ومعهم

ويوجد من جهة أخرى من يحسب أنّه في قمّة الإخلاص. لأنّه لا يطلب من وراء عمله مالاً ، ولا منصباً حكوميّاً. وأنّه لو أراد ذلك فطريقه معروف ، ولم يكن من الضروري أو اللازم أنْ يسلك طريق الجهاد والعمل الدؤوب. ولكن الإنسان أعقد من ذلك ، ودوافعه الذاتية لا تنحصر في المال ، والمنصب الحكومي

ولكل إنسان مخاطبوه والبيئة التي يتعامل معها وللإنسان أهواء معنوية كما له أهواء مادية. فهناك من يحب أنْ يظهر. وهناك من يسعى نحو الجاه ، والمركز في قلوب الناس. والرياء - كما في الحديث - أخفى من دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ؛ لأنّ حب الدنيا متمكّن من قلوب الناس. وتساميهم عليها ، وتوجههم إلى الله من الأمور الصعبة. ورغم كلّ ذلك فالإخلاص ليس مستحيلاً ولا بعيد المنال ، يوفق الله تعالى له من يبذل الجهد ويصدق النية في محاولة التنمية الروحية ، والتربية الدينية والتصاعد إلى الله ، فلا ينبغي أنْ تكون صعوبة الإخلاص حاجزاً دون السعي إليه. والتنصّل منها

وللمؤمن مجالات عديدة لشحذ إخلاصه، وتنمية دوافعه الدينية. عاشر الناس. وعش انحرافهم. وتحسّس به ، وانطلق في عملك غاضباً لله. علّم نفسك على عبادة السر صلاة السر. وتسبيح السر. وصدقة السر ولا تحدّث بذلك الناس. فإنّ ذلك تثبيت للصلة بالله تعالى


وتنمية ، وقطعاً لعلاقة القلب بالناس. عش مفاهيمك في الحياة من خلال تلاوة القرآن ، الدعاء الإسلامي ، قراءة الكتب الأخلاقية ففي كلّ ذلك وأمثالها شحذ للهمم ودوافع الخير ، والحياة النفسية مع الله.

شمول العبادة وسعة الإخلاص

إذا انحصرت العبادات بالمعنى الخاص - المطلوبات التي يشترط فيها قصد القربة - في دائرة محدودة هي الصلاة ، والصوم، والحج ، والاعتكاف. الخ ، فإنّ هناك مجالاً كبيراً لتوسيع الفعل العبادي بحيث يشمل الكثير من الأفعال ، والمطلوبات الشرعية التوصيلية. بل ، وكل مطلوب كذلك ؛ لأنّ هذه المطلوبات وإنْ كان لا يشترط الله سبحانه أنْ يأتي بها عن طريق قصد القربة ، ولا يلزمنا بذلك إلاّ من الممكن أنْ نجعلها عبادة ، ونقصد بها وجه الله الكريم. خذ مثلاً الأكل ، والشرب ، التوسعة على الأهل ، اللقاء مع الأصدقاء. وغير ذلك ممّا هو مطلوب شرعاً بنحو من إنجاز المطلب الشرعي ، فإنّ بالإمكان أنْ ننوي بكلّ ذلك التقرّب إلى الله تعالى. ونرجو من خلاله الأجر ، والثواب

وفي الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في وصية لأبي ذر :

( يا أبا ذر ليكن لك في كلّ شيء نية ، حتى في النوم والأكل )

التوكّل تعزيز لإرادة المسلم

في القرآن الكريم اهتمام كبير بالتوكّل والحث عليه


فالتوكّل في القرآن الكريم ظاهرة عامّة في سلوك الأنبياء :

( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (٣٩)

وهو ضرورة من ضرورات الإيمان ، ولازمة من لوازمه. كما يبدو ذلك في القرآن الكريم :

( إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) (٤٠)

( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٤١)

وهو معنى من المعاني التي ينشئ القرآن الكريم عليها النبي ويربيه

( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (٤٢)

( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (٤٣)


ويحث عليه المؤمنين :

( وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (٤٤)

( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ) (٤٥)

التوكّل تعزيز لإرادة المسلم

في القرآن الكريم اهتمام كبير بالتوكّل والحث عليه


فالتوكّل في القرآن الكريم ظاهرة عامّة في سلوك الأنبياء :

( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (٣٩)

وهو ضرورة من ضرورات الإيمان ، ولازمة من لوازمه. كما يبدو ذلك في القرآن الكريم :

( إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) (٤٠)

( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٤١)

وهو معنى من المعاني التي ينشئ القرآن الكريم عليها النبي ويربيه

( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (٤٢)

( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (٤٣)


ويحث عليه المؤمنين :

( وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (٤٤)

( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ) (٤٥)

فإذا عزمت فتوكّل

وجل موارد التوكّل تأتي لشيء آخر هو تعزيز إرادة الصمود في وجه تحدّيات الكفر والضلال. وتعزيز إرادة الأقوام في اللحظات الحرجة. وهو لهذا داعية للعمل ، وباعث عليه وليس مثبطاً عنه ، أو تفويضاً عنه ، وبديلاً

(أ) - تعزيز إرادة الصمود في وجه التحديات :

(*) -( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ


فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) (٤٨)

(*) -( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (٤٩)

(*) -( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (٥٠)

(*) -( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (٥١)


في هذه الآيات المباركات تبدو واضحة قيمة التوكّل في تعزيز إرادة الصمود ، والصبر في المحنة ، والبلاء. والثبات على الاستقامة فنوحعليه‌السلام يستهين بملة الكفر على ضخامة الحجم ، وشراسة المواجهة ؛ لأنّه توكّل على الله. والمؤمنون عندما يقول لهم الناس : إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم. لا يخشونهم وإنّما يزدادون إيماناً. ويحتسبون الأمر عند الله وعليه يتوكّلون. وموسىعليه‌السلام يغذي قومه في الأيام الصعبة بالتوكّل ، لان التوكل زاد الصامدين الصابرين ، وهكذا الرسل يصبرون على الأذى ، والتكذيب بمعونة التوكّل والاحتساب

من أين جاءت هذه القيمة العملية الكبرى للتوكّل. وكيف يتاح للتوكل أنْ يعزز فينا إرادة الصمود، والقدرة على المواجهة؟!

هذه القيمة العملية للتوكّل تنبع في حقيقة الأمر من تفويض العنصر غير الاختياري إلى الله ، فأنت تقوم بدورك ، وتنتهي مهمتك وما تبقّى على الله تفوضه إلى الله وحده. بعد أنْ تحذر من الوقوع في الخطأ ، والتهور، وتجاهد قدر ما تستطيع. بعد هذا لن تبقى قلقاً على ما تبقّى. فأنت لا يهمّك ما تبقى لا يهمك إنْ قتلت أو مت أو عُذبت. لأنّك قد جعلت هذا بعين الله ، ووكلت الأمر إليه. يقرّر ما يشاء ويفعل ما يشاء ، وليس لك سوى الرضا ، والقناعة

(ب) - تعزيز إرادة الإقدام :

( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ


يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )(٥٢)

( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْما جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٥٣)

بينما كان التوكّل في الآيات السابقة تعزيزاً لإرادة الصمود للصبر ، للثبات والاستقامة، رغم الضغوط والتحدّيات ، فإنّه في هاتين الآيتين يقوم بدور المعزّز لإرادة الإقدام. والفعل. للإرادة المؤمنة الهجومية ، التي تفتح على الجبّارين معاقلهم ، وتلقنهم الدروس في عقر ديارهم والحصون التي يحتمون بها من إرادة الله.!

وفي كلّ مشروع في الحياة العملية يستهدف بعض النتائج توجد أسباب اختيارية ، وأسباب خارج دائرة هذا الفرد أو ذاك، والإنسان كثيراً ما يتردّد ، أو يضعف وتضعف ثقته بنفسه وأدائه ، لتوقّعه دخول عناصر ليست بالحسبان تنتهي إلى فشل المشروع المذكور

والتوكّل يعالج هذه النقطة فأنت عليك أنْ تؤدّي ما باختيارك وأوكل


ما ليس بالاختيار إلى الله تعالى. واستمدّ العون منه. وادعه أنْ يتمّم عملك ، يكمله لك.

الاتكالية الاعتماد على الذات. التوكّل

الاتكالية هي أنْ تنفض يدك وتسحب نفسك من معركة العيش ، ومعركة الإصلاح والتغيير ؛ لأنّك تفوض الله في هذه العملية وتستنيبه في التصرّف تماماً كما يفعل الموكّل مع الوكيل في عقد الوكالة. والاتكالية انحراف في الفكر والسلوك ؛ لأنّ قاعدة ( أعقل وتوكّل ) أي قم بما عليك ، وأوكل الباقي إلى الله. هي القاعدة السلوكية المعمول بها عند المسلم ، وليست قاعدة

( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا )

والاعتماد على الذات ، هو أن يقوم الإنسان وحده ، من دون أنْ يتوكّل على الله تعالى ، ويتطّلع إلى نصره ، ومساندته. وهو شعبة من شعب القطيعة مع الله. يرهق بها الإنسان نفسه بعبء المسيرة ، ومسؤولية الحياة. ثمّ لا يجد له ولياً ولا نصيراً. والإنسان الذي يقطع صلته النفسية بالله. ويتمرّد على ربّه جلّ وعلا بين اثنتين : بين صيغة الإنسان الضائع المشتت القلق المرهق. وصيغة الإنسان الذي يطغى. ويفاجئ الناس بأنّه ( ربّهم الأعلى ) وحتى هذا الإنسان ينطلق في ذلك من عقد الحقارة والنقص ، والشعور بالحاجة الذي يحاول أنْ يتغلّب عليه من خلال الخلع الكاذب المزعوم لصفات الإله على الذات.


والتوكّل صورة بين اثنتين بين الاتكالية ، والاعتماد على الذات تتجاوز سلبيات كل منهما. وتحقّق في معنى إبداعي جديد صيغة الحياة الرائدة. المطمئنة في الحياة.

التوكّل والتخطيط

(١) - عرفنا أنْ التوكّل لا يعني نفض اليد من الالتزامات وأنّ أداءها ، ويبني الثقة بالذات ، والقدرة على الصمود والإقدام. وهو على هذا ( استعانة ) بالله ، وليس استنابة له في التصرّف. والاستعانة بالله تفترض أنّ الفعل فعل الإنسان ودور الله تعالى دور المساند والمعزّز والمعين

(٢) - والسؤال الآن : هل يتنافى التخطيط مع التوكّل ؟

أبداً. لأنّ التوكّل كما عرفنا استعانة بالله تعالى وليس اتكالية كسولة. والتخطيط في حقيقة أمره. اختيار الخطوات المناسبة التي من شأنها أنْ توصل إلى هدف معيّن

والبحث عن الخطوة المناسبة إلى هدف معيّن مثله ، مثل الخطوة ذاتها لا يتنافى مع التوكّل

الدخول إلى الأرض المقدّسة كان هدفاً فكيف حاول التوصّل إليه الرجلان اللذان يخافان أنعم الله عليهما ؟! كان ذلك عن طريق ( التخطيط + التوكّل )

( ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ )


وهذا عين التخطيط ، وقمّة التخطيط ، وعلى الله فتوكّلوا إنْ كنتم مؤمنين

وفي المثال الساذج المعروف ، كيف يستطيع الإعرابي أنْ يحفظ بعيره ، قد يفهم الإعرابي التوكّل فهماً خاطئاً فيتصوّر أنْ حفظ البعير بالتوكّل وحده ، وبإيكال حفظه إلى الله ، غير أنّ الذي فهمه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله له ، هو ( اعقل وتوكّل ) وعقل البعير صورة بسيطة لعملية تخطيطية واضحة.

التعقّل بُعد آخر للإرادة المسلمة

عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ( إنّ رجلاً أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له : يا رسول الله ، أوصني

فقال له : ( فهل أنت مُستوصِ إنْ أنا أوصيتك ؟ ) ، حتى قال له ذلك ثلاثاً ، وفي كلّها يقول الرجل : نعم يا رسول الله

فقال له رسول الله :

( فإنّي أوصيك إذا هممتَ بأمرٍ فتدبّر عاقبته ، فإنْ يك رُشداً فامضه ، وإنْ يك غيّاً فانته عنه )

للإرادة الربانية بُعدان آخران :

(١) - التعقّل. وهو التفكير المسبق في كل فعل قبل وقوعه ، ودراسة ما ، إذا كان من الصحيح فعله أولاً

وهذا هو الذي يوصي به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديث المذكور. فيقوم التعقل على أساس :

( إذا همَمت بأمرٍ فتدبر عاقبته فإن يك


رشداً فامضه ، وإنْ يك غياً فانته عنه )

ويعني ذلك بالتالي عدم الاعتماد على العواطف ، والانفعالات والحماس الآني وعدم التسرّع في الموقف ، والإجراءات

(٢) - التخطيط ، والتنظيم. ويقوم على أساس تحديد الخطوات وتعيين المراحل ، والإجراءات اللازمة للوصول إلى النتيجة الفعلية ، أو الهدف المعين الذي يقوم عليها ، والعمل وفق ذلك بالدقة التامّة. وهذا شأن من شؤون الحكمة التي أمر الله تعالى بها رسوله ، والمؤمنين

( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ )

تعقّل بلا إرادة وإرادة بلا تعقّل

نلاحظ - كما في كثير من المجالات - وجود إفراط وتفريط بصدد قضية التعقّل والتخطيط. فهناك من يبني مواقفه عملياً على أساس الحماس والعزم ، والتصميم من دون أنْ يتأمّل فيها ، ويتدبّر ومن دون أن يدرس الخطوات الضرورية اللازمة للوصول إلى الأهداف الاجتماعية التي يحاول تحقيقها

وهناك في المقابل من يكثر من التأمّل والتفكير

ولكن لا ينتهي إلى يقين ، وإنّما إلى وسوسة وشك وتلكّؤ ، أو إلى تجميد وتعطيل ، فيُصاب هؤلاء في العادة بمرضين :


(١) - مرض الوسوسة والتردّد ، و( الجربزة ) لأنّهم بتفكيرهم الزائد وتأمّلهم العميقً يخرجون عن إطار الرؤية الفكرية للإسلام ، والعمل الإسلامي ، والبصائر ، والهدايات العامّة التي ينبغي ويجب على الإنسان أنْ يتمسّك بها في ميادين العمل والجهاد

(٢) - مرض التلكّؤ العملي ، والجمود والضمور الذاتي والانطواء على الذات

إنّ الله سبحانه يريد منّا أنْ نوازن في أمورنا جميعاً. والمطلوب هنا أنْ نوازن بين القلب والعقل ، والروح والفكر والعزم والتعقّل. وأنْ نعطي لعقولنا حقّها من التفكير ولإرادتنا حقّها من العمل. لا عمل من دون علم وتدبّر؛ لأنّ

( العامل على غير بصيرة ، كالسائر على غير الطريق ، لا يزيده سرعة السير إلاّ بُعداً )

ولأنّ ( مَن عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح )

كما عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن جهة أخرى : ( لا علم بلا عمل ؛ لأنّ بين العمل والعلم تكاملاً )


ذكره الإمامعليه‌السلام كما في الرواية التالية : ( لا يقبل الله عملاً بلا معرفة ، ولا معرفة إلاّ بعمل ، فمن عرَف دلته المعرفة على العمل ، ومن لم يعمل فلا معرفة له ، إلاّ أنّ الإيمان بعضه من بعض )

وأمّا المتشكّكون المتلكّؤون فيقول لهم الأمام عليعليه‌السلام كما في نهج البلاغة :

( لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكّاً ، إذا علمتم فاعلموا ، وإذا تيقّنتم فأقدموا )

هوامش

____________________

(٣٩) - سورة إبراهيم / ١٢

(٤٠) - سورة يونس / ٨٤

(٤١) - سورة المائدة / ٢٣

(٤٢) - سورة النساء / ٨١

(٤٣) - سورة الأحزاب / ٤١

(٤٤) - سورة آل عمران / ١٦٠

(٤٥) - سورة يونس / ٨٤

(٤٦) - سورة المائدة ٢١ - ٢٢

(٤٧) - سورة المائدة / ٢٤

(٤٨) - سورة يونس / ٧١

(٤٩) - سورة آل عمران / ١٣٣

(٥٠) - سورة يونس ٨٣ - ٨٦

(٥١) - سورة إبراهيم ١١ - ١٢

(٥٢) - سورة آل عمران / ١٥٩

هوامش الفصل الرابع

(١) - لله سبحانه إرادتان : إرادة تتعلّق بذات الفعل والحدث ، وهذه هي الإرادة التكوينية ، ومن هنا ، إذا أراد الله شيئاً قال له كن فيكون ، وإرادة تتعلّق بفعل الإنسان ، على أنْ يصدر باختياره وحرّيته ، وهي الإرادة التشريعية ، كإرادة الصلاة والصوم ، وترك شرب الخمر

(٢) - سورة البقرة / ١٤

(٣) - سورة المنافقون / ١

(٤) - سورة البقرة / ٢١

(٥) - سورة النساء : ١٣ - ١٤

(٦) - سورة الأحزاب / ٣٦

(٧) - سورة التوبة / ٥٢

(٨) - سورة المطففين / ١٤

(٩) - أصول الكافي ج ٢ ص ٧٤


(١٠) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢٣٢

(١١) - سورة الأنعام / ٤٨

(١٢) - سورة النحل / ٣٥

(١٣) - أصول الكافي ج ٢ ص ٢٨٧

(١٤) - سورة آل عمران / ١٦٥

(١٥) - سورة الحج / ١١

(١٦) - سورة الأعراف / ١٣١

(١٧) - سورة الروم / ٣٦

(١٨) - سورة الشورى / ٤٨

(١٩) - سورة البقرة / ١٥٦

(٢٠) - سورة آل عمران / ١٥٣

(٢١) - سورة آل عمران / ١٤٦

(٢٢) - سورة الحج / ٣٥

(٢٣) - سورة الشورى / ٢٦

(٢٤) - سورة البقرة / ١٧٧

(٢٥) - سورة التوبة / ٥١

(٢٦) - سورة الأنعام / ٤٢

(٢٧) - سورة آل عمران / ١٧٣

(٢٨) - أصول الكافي ج ٢ باب ابتلاء المؤمنين

(٢٩) - سورة آل عمران / ١٤٦

(٣٠) - سورة طه / ١٣٢

(٣١ - ٣٢) - أصول الكافي ج ٢ ص ٣٥٧ - ٣٥٨

(٣٣) - سورة الحجرات / ١٢

(٣٤) - سورة البقرة / ٦١

(٣٥) - سورة الإسراء ٧٣، ٧٤، ٧٥

(٣٦) - في ظلال القرآن الشهيد سيّد قطب م ٥ ص ٣٥١ وما بعدها

(٣٧) - سورة الإسراء / ٧٩

(٣٨) - سورة البقرة / ١٢٧

(٣٩) - سورة إبراهيم / ١٢


(٤٠) - سورة يونس / ٨٤

(٤١) - سورة المائدة / ٢٣

(٤٢) - سورة النساء / ٨١

(٤٣) - سورة الأحزاب / ٤١

(٤٤) - سورة آل عمران / ١٦٠

(٤٥) - سورة يونس / ٨٤

(٤٦) - سورة المائدة ٢١ - ٢٢

(٤٧) - سورة المائدة / ٢٤

(٤٨) - سورة يونس / ٧١

(٤٩) - سورة آل عمران / ١٣٣

(٥٠) - سورة يونس ٨٣ - ٨٦

(٥١) - سورة إبراهيم ١١ - ١٢

(٥٢) - سورة آل عمران / ١٥٩


الفصل الخامس:

وسائل التربية الروحية


تربية الجانب الروحي :

عرفنا في ما مضى أنّ الجانب الروحي في شخصية الإنسان المسلم يتمثّل في مجموعة من العناصر النفسية الداخلية المنشدّة إلى الله تعالى. والمرتبطة به ، بصائر وعواطف وإرادة

فإيمانك بالله تعالى واطمئنانك له وخوفك ورجاؤك منه ، وحبه وحب المؤمنين والإخلاص والصبر والزهد ، وأمثال ذلك من المعاني التي يتشكّل منها الجانب الروحي

وأمّا الصلاة وتلاوة القرآن الكريم ، وذكر الله ، وما شاكل ذلك فهي وسائل التربية الروحية والإعداد الروحي. وليست هي في ذاتها عناصر روحية

ومن روائع دين الله ، أنّه لم يحث على ربط القلب والإرادة بالله تعالى ، ولم يلزم به فقط وإنّما بيّن طريق ذلك وأُُسلوبه الصحيح ، وتسهيلاً للناس وتوضيحاً للسبيل المستقيم في مسألة قابلة الانقسام في التربية الروحية تقوم على أساس من القوانين النفسية ، ونظم الترابط بين الذهن والقلب والإرادة ، والسلوك ، وليس المقصود من أنّ الإسلام بيّن الطريق إلى التربية الروحية وتنمية الصلة النفسية بالله تعالى ، أنّه قد تحمّل مسؤولية للتربية ، والبناء على الإنسان المسلم. وإنّما كل ما فعله هو ، أنْ وضّح المعالم ، ورسم الطريق ، وعلى المسلم أنْ يبادر ، ويعاني في سلوك هذا الطريق حتى ينتهي


أخيراً إلى الدرجة اللائقة من الصلة بالله والعلاقة الروحية به

وهكذا فإنّ بناء الجانب الروحي ، والتربية الروحية لا تتمّ بالشكل الصحيح إلاّ بشروط ثلاثة :

(١) -الشرط التكويني : وهو وجود قوانين نفسية تحكم العلاقة بين الجانب الروحي والصلة النفسية بالله، وبين مجموعة من المواقف والأعمال يمكن من خلال أداء هذه الأعمال .

وعلى أساس الترابط الموجود بين الفعل والجانب الروحي ، تنمية هذا الجانب ، وتكوين الصلة الداخلية بالله تعالى

وقد تكفّل الله سبحانه بهذا الشرط في النظام التكويني للأشياء ويكشف القرآن في آيات متعدّدة عن الكثير من هذه القوانين النفسية ، والترابطات الموجودة بين أجهزة الشخصية الإنسانية. ويقيم على أساس من ذلك نظامه التربوي

(٢) -الشرط التشريعي : وهو وضوح الوسائل والمواقف التي تؤدّي إلى تلك النتائج النفسية بحكم القانون النفسي المغروس فطرياً. والمودع في جهاز التكوين البشري. وقد قام الإسلام بذلك ، فحدّد مجموعة كبيرة من وسائل التنمية الروحية ، وتكوين الانشداد الداخلي بالله. وسنأتي على ذكر هذه الوسائل إنْ شاء الله تعالى .

(٣) - المبادرة الفردية ، والمعاناة في أتباع هذا الخط وتبنّي هذه الوسائل ، وانتهاجها. وإذا كان الشرط الأول من مهمات الجانب التكويني في خلق الإنسان ، وكان الشرط التالي من مهمات الإسلام التشريعية فهذا الشرط كما هو واضح من مهمات الفرد ، الإنسان المسلم نفسه. وليس من


مهمات الإنسان المسلم أنْ يستحدث وسائل عبادية منه ، وأساليب للتربية الروحية ، بل قد لا ينبغي من ذلك بعد أنْ وضح الإسلام الطريق ، ورسم المعالم في هذا الميدان ، وقد يؤدّي استحداث هذه الوسائل ، والأساليب إلى شكل من أشكال الابتداع في الدين ، وبالتالي الانحراف عن الأهداف الإسلامية للتربية الروحية. كما وقعت في ذلك اتجاهات التصوّف.

المعاناة في سبيل التربية الروحية

دور الإنسان المسلم إذن هو تبنّي التربية الروحية التي حدّدها الإسلام من صلاة ، وذكر ، وصيام ، و. ولكن تبنيها ليس دائماً أمراً سهلاً ، صحيح أنّ الإسلام عندما يوضح أساليب التنمية الروحية يكون بذلك قد سهل هذه العملية ، ولكن لتسهيل أمر نسبي. فعلى الإنسان أنْ يعاني في سبيل البناء الروحي ، ويجاهد نفسه، وأهواءه من أجل سلوك الطريق إلى الله الذي يبدأ صعباً وينتهي سهلاً وسجية للسالكين

أنْ الضواغط على التربية الروحية كثيرة ولكن إرادة الإنسان المؤمن يجب أنْ تكون أكبر من الضواغط ، وأكبر من الحواجز الطبيعية والاجتماعية والنفسية ، بيئة المؤمن الاجتماعية وبيئته الثقافية ، وزاده الفكري الذي يتلقاه ، ويتفاعل معه ، ومشاغله الحياتية ، وتربيته الأولى ، وطبيعته كانسان له أهواؤه وحسّه كل ذلك لا يشجع على الصلة بالله. ولكن في هذا أيضاً قيمة الاتصال بالله ، وتعميق العلاقة به. وفي تجاوز المصاعب ، والتمرد على القوانين الاجتماعية، والنفسية. تتبدى ( تتجلّى ) إنسانية الإنسان ، وجوهره الروحي الخلاق

وفي هذا أيضاً ميزة الإنسان المسلم الذي يتبنّى الإسلام عقيدة ، وخلقاً ، وسلوكاً ، على الإنسان المادّي


فهذا يبقى خالداً إلى الطين محكوماً بقوانين الشهوة ، الحس ، وعالم الشهادة ، وذاك يرتفع ويتصاعد إلى السماء ، ويتجاوز قوانين الشهوة ، والحس ، والتعامل مع عالم الغيب. لمجرداته ، ومغيباته

الإنسان المادي يشكّل حقاً حقارة معنوية لعالم الحيوان. ضيق الأفق ، ومحدودية الطموح ، والمحسوبية للشهوات

( إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ )

والإنسان المسلم يمثّل التجاوز الحقيقي للوضع الحيواني بحدودهما الضيقة وآفاقهما المحدودة. وبالكدح والمعاناة ، وبهداية الله تنمو روحية الإنسان وتلتقي بالله

( يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ )

( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )

وسنذكر فيما يلي وسائل التربية الروحية ، وهي في الإسلام كثيرة ولكننا سنقتصر هنا على ما يلي منها :

(١) - قيام الليل

(٢) - ذكر الله كثيراً

(٣) - تلاوة القرآن الكريم


(٤) - الأجواء الإيمانية

(٥) - الثقافة الإيمانية

(٦) - مخالفة الأهواء - الصوم

(٧) - المحاسبة ، والنقد الذاتي

(٨) - الاعتكاف

أولاً : قيام الليل

ورد الحث الشديد - كتاباً وسنّة - على صلاة الليل

(١) -( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) ( المزمل /١-٤)

(٢) -( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) ( الإسراء / ٧٩)

(٣) -( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا


يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (١)

(٤) -( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ) (٢)

(٥) - عنهمعليه‌السلام : ( شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزّ المؤمن كفّه عن إعراض الناس )

(٦) - عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ( عليكم بصلاة الليل ؛ فإنّها سنّة نبيّكم ، ودأب الصالحين قبلكم ، ومَطردة الداء عن أجسادكم )

(٧) - وعنهمعليه‌السلام في مجموعة أحاديث :

( إنّ صلاة الليل تذهب ذنب النهار وتطرد الداء من الأجساد ، وتبيض الوجه ، وتطيب الريح ، وتجلب الرزق ، وتذهب بالهم ، وتجلو البصر ، وتحسن الخلق ، وتقضي الدين ، وهي مصحة للبدن ، ورضا للرب ، وتمسك بأخلاق النبيينعليه‌السلام )

(٨) - عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :


( ليس من عبد إلاّ ويوقظ في كلّ ليلة مرّة ، أو مرّتين ، أو مراراً ، فإنْ قام كان ذلك وإلاّ فجج الشيطان ، فبال بإذنه أوَلا يرى أحدكم إذا قام ، ولم يكن ذلك منه قام وهو متحير ( متخثّر ) ثقيل كسلان )

٩) - وعنه (ع) :

(يا سليمان لا تدع قيام الليل فان المغبون من حرم قيام الليل )

وعنه (ع) :

(ليس منا من لم يصل صلاة الليل )

١٠) - وفي الحديث.

(جاء رجل الى امير المؤمنين (ع) فقال : اني حرمت الصلاة بالليل، فقال أمير المؤمنين (ع) : انت رجل قد قيدتك ذنوبك )(٣)

الأثر التربوي لصلاة الليل

إنّ هذا التأكيد الشديد على صلاة الليل إنّما هو باعتبار أثرها التربوي الخطير في حياة الإنسان الروحية. فهي وراء كونها عبادة وصلاة ، لها ما


للصلاة وللعبادة من آثار. تحتوي على اثرين مهمين، سجلتهما الآية المباركة :

( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً )

فقيام الليل بما فيه من مجاهدة للنفس ، وتحكّم في الهوى ، ومعاناة في سبيل الوقوف بين يدي الله. باعتبار مواجهة أتعاب النهار وسلطان النوم ، والشعور بالوحدة في جوف الليل. وباعتبار ذلك يكون قيام الليل أشدّ وطئاً ، وأكبر أثراً على بناء الإرادة ، والصبر ، وبناء الجهاز الحاكم في الشخصية الإسلامية. وما أحوج الإنسان المؤمن في الدرب الطويل. والمسيرة الصعبة وعناء الدعوة. إلى بناء الإرادة ، وتكوين ملكة الصبر. الصبر الذي يكون لله وعلى عبادة الله

وما أحوج الإنسان القائد الذي ينتظر منه تحرير الأمة من أسر الشهوة والانحراف ، والخضوع للدنيا والركون للطواغيت أنْ يتحرّر من داخله. وأنْ يخرج عن أسر الكسَل إلى دائرة النشاط. وقيود الشهوة إلى دائرة القدرة ، والإرادة ، والتجاوز. وبالتالي ما أحوجه إلى هذه اللحظات القصيرة - من عمر الزمن - في جوف الليل. ويؤكّد فيها استعلاءه على كلّ شيء. على كل شيء غير الله الكبير المتعال

هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لما كانت عبادة الليل. بعيدة عن مشتتات الانتباه ، وتتّخذ الطابع السرّي بعيداً عن أعين الناس فهي لهذا ( أقوم قيلا ) وأكثر تثبيتاً على الكلمة الربانية ، كل التعاملات الشرعية


التي يراها الناس منك قابلة لأنْ تكون موقفاً اجتماعياً ، وتوافقاً مع البيئة التي ننفتح لها ، وتتخاطب معها. فاكتب ما شئت أنْ تكتب للإسلام ، وتحدث ما شئت أنْ تتحدّث عن دين الله. واسع لإخوتك. كل هذا واجب وكلّه مطلوب. وكلّه فيه نحو من التثبت ، والإبقاء على خط الله. ولكن ليس هذا مثل عبادة البشر. مثل العيش وحيداً بعيداً عن أعين الناس وحيداً إلاّ من الله. وغريباً إلاّ مع الله. تلتقي به ، تتلقّى منه وتتضرّع إليه. هناك فقط ، وأكثر من غيره يتجلّى لك ( الصدور ) عن الله. والجهاد في الله هي لحظات تحاسب موقفك بين يدي الله. وتصفّي حساباتك في اليوم السابق وتؤكّد له ، ولنفسك انّك فيه وبه وليس لك من قصد إلاّ هو. وهذا هو التثبيت والتمحيص ، وبناء الإخلاص ، والصدور عن الله

صراحة. لا افهم من عبادات الإسلام شيئين إلاّ للدعاة الاعتكاف وقيام الليل. أفهم الحج عبادة عامة يجتمع فيها المسلمون ويؤدّون شعائر الحج ، ويستفيدون في الفكر والروح ، وفي هذا يشترك الدعاة مع غيرهم من المسلمين وافهم الصلاة اليومية للمسلمين عموماً ، كما أفهم الصوم. وغيره في هذا الإطار ، ولكن كلّما تلح على الذهن صلاة الليل. والاعتكاف يقترن ذلك بذكر الدعاة. وتشكّل في نفسي انطباعاً أنّهما شرعا في الإسلام لهم ، ولهم فقط وإنْ كان لهما صورة تشريعية عامة تشملهم وتشمل غيرهم

الوحدة مع الله. العزلة المؤقتة ، مراجعة الذات مع الله. أحوج ما يحتاج إليها الداعية. ليكون داعية لله. ولله ومن الله. ليحكي لربّه


شيئاً من أتعابه في سبيله. ليحاسب نفسه أمامه عن أخطائه ليستزيده ويستهديه ليخلص له نيّته من كل ما يشوب نيّات العاملين في العبادة ويداخلها من حب الظهور ، والرغبة في التوافق مع الأجواء الخاصة ، ليقول له يا رب ، هذا جهدي ومستطاعي ، ومنك العون وبك الاعتصام من كل المغريات ، والضغوط والمكاره ، والأتعاب.

إعداد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه مِن خلال قيام الليل

يحفل القرآن الكريم بالآيات النازلة من أجل إعداد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتوجيهه لتحمّل أعباء المسيرة ، وطريق ذات الشوكة. وقد عرفنا - فيما مر - أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّ بثلاث فترات للإعداد

(١) - الإعداد ما قبل النبوّة من أجل تلقّي الكلمة. والوصول إلى مستوى تلقّي الوحي

(٢) - الإعداد ما بعد الوحي. من أجل تحمّل العبء الثقيل والقول الثقيل في الدعوة ، والتبليغ ، والمواجهة

(٣) - إعدادهصلى‌الله‌عليه‌وآله على استمرار خطه الجهادي. إلى أنْ توفّاه الله تعالى. ورفعه إليه ، ولكلّ مرحلة من هذه المراحل طابعها ، وأسبابها

المهم الآن. إنّ المرحلة الثانية من الإعداد الروحي كانت الأعداد لتحمل القول الثقيل ، وتحمل أعباء مسيرة الدعوة. وهي التي تنزل من أجلها قوله تعالى :


( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً )

( وكان الزاد فيها ومادّة العمل قيام الليل وتلاوة القرآن بالليل .)

إنّ قيام الليل والناس نيام والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها ، والاتصال بالله وتلقّي فيضه ونوره ، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه ، وترتيل القرآن ، والكون ساكن كأنّما يتنزّل من الملأ الأعلى ، وتتجاوب معه أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة ، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته ، وإيقاعاته في الليل الساجي. إنّ هذا كلّه هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهض ، والجهد المرير الذي ينتظر الرسول ، وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل ، وينير القلب في الطريق الشاق الطويل. ويعصمه من وسوسة الشيطان ، ومن التيه في الظلمات الحافّة بهذا الطريق المنير(٤)

وما كان من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وصحبه إلاّ أنْ امتثلوا فقاموا الليل كما أمرهم الله ، نصفه أو ثلثه أو ثلثيه ، إلى سنة كاملة أو أكثر ، حتى تورّمت إقدامهم ، وانتفخت ثمّ خفّف الله عنهم بعد انتهاء فترة الإعداد. كما تقول بعض الروايات.

ثانياَ : ذكر اللّه كثيراً

لذكر الله معنيان :


(١) -الذكر الذهني : وهو المعايشة الشعورية ، والذهنية لعقيدة الإيمان بالله تعالى ، وهذا هو الأصل في الذكر. وقد عرفنا فيما سبق ، أنّ الذكر عنصر ضروري من عناصر الجانب الروحي من شخصية الإنسان المسلم .

(٢) -الذكر اللفظي : وهو ذكر الله تعالى باللسان كتسبيحه ، وتحميده ، واستغفاره ، وتهليله ، وتكبيره ، وما شاكل ذلك. وقد ورد الحث الشديد عليه ، باعتباره وسيلة من وسائل التربية والمعايشة الشعورية ، والذكر اللفظي لله هو ما حوى أصواتاً دالّة على التعظيم ، والتقديس له. وإنّما يستمدّ قيمته من كونه ( وسيلة ) لغاية ذات قيمة في نفسها ، وهي ذكر الله ذكراً ذهنياً إمّا مثل الصلاة والصوم ، كحركات ، وأمساك مجرّدة لا قيمة لها ، إلاّ أنّ الالتزام بها إنّما هو باعتبار دورها التربوي ، أي باعتباره انتهاء عن الفحشاء والمنكر ، وعروجاً إلى الله ، وخلق حالة التقوى ، والصوم من تلك المحارم .

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( شيعتنا الذين إذا خلوا ذكروا الله كثيرا )(٥)

وعنهعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( من أكثر مِن ذِكر الله عزّ وجل أحبّه الله ، ومَن ذكر الله كثيراً كُتبت له براءتان ، براءة من النار ، وبراءة من النفاق )(٦)


وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام :

( من ذكر الله عزّ وجل في السر فقد ذكر الله كثيراً ، إنّ المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ، ولا يذكرونه في السر )

فقال الله عزّ وجل :

( يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاّ قَلِيلاً ) (٧)

وفي حديث عن الصادقعليه‌السلام :

( الذاكر للّه عزّ وجل في الغافلين ، كالمقاتل في المحاربين )(٨)

ويلاحظ في هذه النصوص ، التأكيد على الطابع السري للذكر ، وذلك للتخلّص من شوائب الرياء ، ودواعي السمعة والذكر الحسن بين الناس ، وتثبيتاً للعلاقة بالله تعالى.

صورتان تربويتان

(١) - عن الصادقعليه‌السلام :

( وكان أبي كثير الذكر ، لقد كنت أمشي معه وإنّه لَيذكر الله ، وآكل معه الطعام ،


وإنّه لَيذكر الله ، ولقد كان يحدّث القوم ، وما يشغله ذلك عن ذكر الله ، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول : ( لا اله إلاّ اللّه ) وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس ، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا ، ومَن كان لا يقرأ منا أمره بالذكر)(٩)

(٢) - عن أبي أسامة قال : زاملت أبا عبد اللهعليه‌السلام قال : قال لي : اقرأ فافتتحت سورة من القرآن فقرأتها ، فرقّ وبكى. ثمّ قال :

( يا أبا أسامة ، أوعوا قلوبكم ذكر الله عزّ وجل واحذروا النكت ، فإنّه يأتي على القلب تارات ، أو ساعات الشك من صباحٍ ليس فيه إيمان ولا كفر ، شبه الخرقة البالية ، أو العظم النخر ، يا أبا أسامة ، ألست وما تفقدت قلبك ، فلا تذكر به خيراً ولا شراً ولا تدري أين هو ؟)

قال : قلت له : بلى إنه ليصيبني واراه يصيب الناس

قال : ( أجل ، ليس يغري منه أحد ، قال : فإذا كان ذلك فاذكروا الله عزّ وجل واحذروا النكت فإنّه إذا أراد بعبدٍ خيراً نكت إيماناً وإذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك )(١٠)

هوامش

___________________

(١) - سورة الذاريات / ١٥ - ١٨

(٢) - سورة الإنسان / ٢٥

(٣) - الوسائل بقية الصلوات المندوبة باب ٣٩ و٤٠

(٤) - في ظلال القرآن سيد قطب م ٨ ص ٣٤٧

(٥) - أصول الكافي ج ٢ ص ٤٩٩

(٦) - الوسائل أبواب الذكر من كتاب الصلاة باب ١٤

(٧) - نفس المصدر ص ٥٠١

(٨) - نفس المصدر ص ٥٠٢

(٩) - أصول الكافي ج ٢ ص ٤٩٩

القرآن الأساس الفكري والروحي

والقرآن الكريم هو المنبع الثقافي والروحي للإنسان المسلم. منه يأخذ تصوره عن الله تعالى ، وعن الوجود ، والحياة ، والمجتمع ، والناس. ومنه يأخذ معالم التشريع الإلهي لهذا الإنسان على هذه الأرض. ومنه يتعرف على أهداف الله في الخلق ، وأغراضه من هذا الخلق والحياة .والقرآن الكريم سند روحي أيضاً ، يتصاعد الإنسان في تلاوته لأنّه يلتقي بالله تعالى، وهو يتحدث إليه ، ويتحبب إليه ، ويحنو عليه ، - وفيه يشعر هذا الكائن الضعيف بالحنان الإلهي ودفء التكريم لهذا الكائن الفقير ، ويعايش الحقائق الوجودية الكبرى ، ويذكر الله. ويتحسّس الحياة معنى ومسؤولية ، وابتلاء. فيسمو ، ويسمو حتى لكأنّه في عالم آخر من عوالم التكوين


ويبدأ الانحراف في مسيرة الإنسان المسلم عندما يبحث عن زاد آخر غير القرآن ، وغير ما ثبته القرآن الكريم من مقاييس ، ويتلقى الثقافة ، والفكر ، والتربية من تحت منبر آخر غير منبر القرآن الكريم ، وقد سجّلت رواية الحارث الهمداني بداية الانحراف الحضاري في المسيرة الإسلامية عندما بدأ الناس في عهد عليعليه‌السلام يخوضون في المسجد بالأحاديث ، لا أعرف الآن هذه الأحاديث بالضبط. ولكنّها تؤشر بداية مرحلة العقل ، وتوديع مرحلة الروح ، ومرحلة القرآن الكريم

وهكذا ( فعلوها ) واستمر المسلمون في الانحراف. وتصدّى أهل البيتعليه‌السلام لهذا الانحراف عن طريق بناء أجيال قرآنية ( تعي ) قيمة هذا القرآن. كما ( تفهمها ) وتبني سلوكها ، وفكرها في ضوء هذا الوعي والشعور

و( التلقي ) من القرآن الكريم. هو المعنى الأساس الذي انحرفت به الثقافة الغربية في الماضي ، وفي الحاضر ، فسواء في الماضي ، أو في الحاضر بدأنا نتلقى من مصادر أخرى غير القرآن. وبدأنا إذا التقينا بالقرآن الكريم نحكم عليه ونؤوله ، ونجره إلى ما نريد من أهواء جراً ، ومع أنّه كان في التقدير الإلهي ولا يزال ( حاكماً ) و( مهيمناً ) وسلطاناً على كل المقاييس الفكرية والثقافية

ونحن على الدوام ظلمنا أنفسنا. ولا أقول القرآن. عندما ودعناه وعندما حكمنا عليه مرة ( الروايات )(١٣) باعتباره أنّه كتاب ألغاز ، وأحاجي لا يفهمه إلاّ من خوطب به ، ومرّة ( الثقافات ) لأنّها أحكام العقول ، وأحكام العقول مقدّمة على ظواهر النصوص والتي هي قواعد الصرف ، والنحو الجامدة وغيرها. كل ذلك ، والقرآن لا زال ربيعاً لقلوب


المؤمنين تسامى به الدهر ، منار هدى ، وسبيل نجاة ، وبصائر للناس وذكرى للعالمين

وأداء حق القرآن علينا لا يتم إلاّ من خلال :

(١) - إحلاله الموقع النفسي والشعوري الذي يتناسب معه بوصفه الكتاب الرباني الوحيد في الناس.

(٢) - تحكيمه في كل شؤوننا الثقافية ، والفكرية ، والصدور عنه ، والتلقي منه بلا تدخل أو تأويل.

(٣) - معايشته المستمرة في التأمل ، والتدبر والتلاوة والحفظ.

تلاوة القرآن الكريم

(١) - عن الصادقعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( إنّ أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين ، ما خلا النبيّين ، والمرسلين فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم ، فإنّ لهم من الله العزيز الجبّار مكانةً عُليا )

(٢) - وعنهعليه‌السلام :

( من قرأ القرآن ، وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ، ودمه ، وجعله الله عزّ وجل


مع السفرة الكرام البررة. وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة )

(٣) وعنهعليه‌السلام قال :

( القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم إنّ ينظر في عهده ، وان يقرأ منه في كل يوم خمسين آية )

(٤) وعنهعليه‌السلام :

( يدعى ابن آدم المؤمن للحساب فيتقدم القرآن أمامه في أحسن صورة ، فيقول : يا رب ، أنا القرآن ، وهذا عبدك المؤمن ، قد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي ، وتفيض عيناه إذا تهجّد ، فارضه كما أرضاني. قال : فيقول العزيز الجبّار : عبدي ابسط يمينك فأملأها من رضوان الله ، وأملأ شمالك من رحمة الله ، ثمّ يقول : هذه الجنة مباحة لك ، فاقرأ ، واصعد ، فإذا قد قرأ آية صعد درجة )

إلى آخر النصوص الكثيرة الواردة في الحث على النظر إلى عهد الله وقد وردت أيضاً نصوص أخرى في أدب التلاوة. أهمّها التفكّر ، والتدبّر ، والخشوع ، والاستفادة ، والترتيل والحزن


وأمّا مقدار القراءة فليس له في النصوص تحديد حدّي معيّن. وكذلك لم يكن في سلوكهم ما يشير إلى حد مقدار قراءتهم. وإنّما قراءة القرآن أمر مستحب في ذاته. والإكثار منه مستحب مهما بلغ من الكثرة. ولكن بشرطين :

(١) - إن لا تزاحم تلاوة القرآن الكريم أمراً أهم

(٢) - إن لا تكون كثرة القراءة على حساب التأمل والتدبر.

ولعل من أهم أشكال أداء حق القرآن الكريم ، ومعايشته والارتباط به هو أنْ يحاول الإنسان المسلم البحث في القرآن الكريم. من تفسير بعض السور ، والكتابة في بعض الموضوعات القرآنية التي يستقصي فيها جميع ما ورد من آيات في ذلك الموضوع ، أو الكتابة عن تاريخه ، وعلومه. الخ فان هذا يزيدنا بصيرة أكثر في الطريق إلى فهم القرآن الكريم ، ومعايشته ومن خلال القراءة والبحث ، وحفظ الكثير من آيات القرآن. يكون - وما أروع أنْ يكون - القرآن سليقة للمؤمن ، وذوقاً له.

رابعاً : الأجواء الإيمانية

وللأجواء تأثير كبير في التربية الروحية - وكل تربية - فعلى الإنسان المسلم أنْ يقصد الأجواء الإيمانية لكي يتأثر بها ، ويستزيد

إنّ المسجد من أهم الأجواء الإيمانية. وكذلك المشاهد المشرّفة

ومن الطبيعي أنّ الإنسان عندما يدخل مكاناً مخصّصاً أو زماناً مخصّصاً


لشيء يكون أكثر تهيؤاً من الناحية النفسية لأداء ذلك النشاط. والمكتبة مثلاً - لما كانت مكاناً للمطالعة - يكون الإنسان فيها أكثر توجهاً واستعداداً للمطالعة والدرس. والمسجد. وهو المكان المخصص للعبادة. يكون الإنسان فيه أكثر تهيؤاً للعبادة واستعداداً للتعامل مع الله تعالى. بما يملكه من إيحاء وتأثير في النفس ، وقدرة على التأثر من خلال المجتمع للصلاة. وبسبب هذا وغيره حثت النصوص الإسلامية على ارتياد المساجد ، والصلاة فيها ، وعمارتها بالصلاة ، والعبادة

ومن هنا جاء عن الإمام عليعليه‌السلام :

( من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان : أخاً مستفاداً في الله ، أو علماً مستطرقاً ، أو آية محكمة ، أو يسمع كلمة تدل على هدى ، أو رحمة منتظرة ، أو كلمة تردّه عن ردى ، أو يترك ذنباً خشية أو رجاء )(١٤)

ومثل المساجد ، والمشاهد المشرّفة التي يتذكّر فيها الإنسان المؤمن الرجال الصالحين الذين زرعوا ربيع الهدى في النفوس ، وفجّروا الأرض ينابيع من دم. وعلماً غزيراً وتربية معصومة. غيّرت الأجيال اللاحقة بزاد الإيمان والهدى ، والصلاح

كانت الزيارات يوماً في عهد الأئمةعليه‌السلام مواصلة للثورة التي قام بها الإمام الحسينعليه‌السلام ، أو القضية التي حملها أبناؤه وآباؤه الطاهرون


وإصراراً على الاستمرار على النهج ، وعلى الولاء للحق. كانت ( الزيارات ) بيعاً وشراء للأنفس ، والأموال في سبيل الله تعالى. وكانت تظاهرة وتعظيماً لشعائر الله في الأرض. واستهداء بمصابيح الهدى الزاهرة في ليل الانحراف الداجي. والأيام الصعبة السوداء. فليس - على هذا - من عجب أنْ رأينا زيارة سيد الشهداءعليه‌السلام تفضل في النصوص على الكثير من الإعمال والمستحبات الخطيرة

هذا مضافاً إلى ما ورد عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام :

( إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته ، وإنّ من تمام الوفاء بالتعهد زيارة قبورهم ، فمَن زارهم رغبةً في زيارتهم ، وتصديقاً بما رغبوا فيه كانوا أئمّتهم شفعاءهم يوم القيامة )

(١) - عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( إنّ زيارة قبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وزيارة قبور الشهداء ، وزيارة قبر الحسين صلوات الله عليه ، تعدل حجّة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )

(٢) - ( عن عمران بن عبد الله بن طلحة الهندي ، عن أبيه قال : دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام

قال : ( يا عبد الله بن طلحة ، ما تزور قبر أبي الحسين ). قلت : بلى إنّا لنأتيه

قال : ( أتأتونه في كل جمعة ؟) قلت لا ، قال : ( أفتأتونه في كل شهر ؟ ) قلت : لا، فقال : ( ما أجفاكم ، إنّ زيارته تعدل حجّة وعمرة )


(٣) - وعن أبي الحسن موسىعليه‌السلام :

( أدنى ما يثاب به زائر أبي عبد اللهعليه‌السلام بشط الفرات إذا عرف حقّه ، وحرمته وولايته ، أنْ يُغفر له ما تقدّم من ذنبه ، وما تأخّر )

(٤) - من وصايا أبي جعفرعليه‌السلام لأصحابه - كما عن محمد بن مسلم :

( مروا شيعتنا بزيارة الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّ إتيانه يزيد في الرزق ، ويمدّ في العمر ، ويدفع مدافع السوء ، وإتيانه مفترض على كلّ مؤمن يقرّ به بالإمامة من الله )

(٥) - علي بن ميمون الصائغ قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام :

( يا علي ، بلغني أنّ أناساً من شيعتنا تمرّ بهم السنة والسنتان ، وأكثر من ذلك لا يزورون الحسين بن علي ) ، قلت : إنّي لأعرف أناساً كثيراً بهذه الصفة. فقال : ( أما والله لحظّهم أخطأوا ، وعن ثواب الله زاغوا ، وعن جوار محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنّة تباعدوا )(١٥)

ونلاحظ من خلال بعض هذه النصوص : أنّ من أهداف الأئمةعليهم‌السلام


أنْ يخلقوا تيّاراً اجتماعياً لزيارة الإمام الحسينعليه‌السلام . وكان هذا مرتبطاً بأهداف الثورة ونجاحها

ونلاحظ أيضاً أنّ زيارة المشاهد ليست فقط محاولة لخلق جو إيماني. وإنما هي أيضاً استشعار لوجود القدوة. وتمثّل معانيها الخيرة في الفكر ، والروح ، والسلوك ، وفي العطاء والجهاد ؟ تأكيداً للشعور بالائتمام والاقتداء.

الأخ الصالح في الله

وممّا ينبغي على المؤمن - في مجال التربية الروحية - اتخاذ الأخ الصالح في الله. والإخوة الصلحاء. فإنّ للإخوة والقرناء التأثير البالغ على شخصية الإنسان ؛ لأنّهم أكثر ما في البيئة الاجتماعية تأثيراً عليه ، وأثراً في شخصيته. وقد سجّل القرآن الكريم أنّ بعض الناس دخلوا إلى النار بسبب قرناء السوء. وبعضٌ كادوا أنْ يدخلوها. وعن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( المرء على دين خليله وقرينه )(١٦)

والتعاشر بين المؤمنين ، ولقاؤهم ، وعلاقتهم الشخصية له دور كبير في استمرار الروح الإيمانية عندهم ، وتنميتها وتحصينهم من الانحراف ، والتحلل ، والتميع وتركيز القيم الإيمانية في نفوسهم فهي - بأي مستوى كانت من الجدية والهدفية - مثمرة ومنتجة ، وأفضل بكثير من العزلة والانطواء على الذات. إنّ الانطواء ، والعزلة عند أكثر الناس سبب لانحرافهم تماماً مثل معاشرة الأشرار.


وهكذا ينبغي على المؤمن :

(١) - التخلّص من العلاقة بقرناء السوء إذ :

( لا ينبغي للمسلم أنْ يواخي الفاجر ؛ فإنّه يزيّن له فعله ، ويحب أنْ يكون مثله ، ولا يعينه على أمر دنياه ولا أمر معاده. ومدخله إليه ومخرجه من عنده شين عليه ) كما ورد عن أمير المؤمنين(١٧)

ولكن إذا كان يضمن عدم التأثّر به ويحتمل التأثير عليه فلا بأس بمصاحبته من أجل هدايته ، وإصلاحه ، وفي ذلك ثواب عظيم

( يا علي ، لأنْ يهدينّ الله بك رجلاً خيرٌ لك ممّا طلعت عليه الشمس وما غربت )

(٢) - عدم العزلة والانقباض عن الناس خصوصاً عن المؤمنين لما للعزلة من أخطار كثيرة ، وكبيرة على شخصية الإنسان. وإنْ كانت العزلة الموقتة الدورية أمراً ضرورياً في حياة المؤمن كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى

ولذا ورد عنهمعليهم‌السلام : الحث على التزاور والتعاطف

( اتقوا الله كثيراً ، وكونوا إخوة بررة ، متحابين في الله ، متواصلين متراحمين ، تزاوروا ، وتلاقوا ، وتذاكروا أمرنا ، وأحيوه )


( تواصوا ، وتباروا ، وتراحموا ، وكونوا إخوة بررة ، كما أمركم الله عزّ وجل )

وعن خثيمة قال : دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام أودّعه فقال :

( يا خثيمة ، أبلغ من ترى من موالينا السلام ، وأوصهم بتقوى الله العظيم ، وأنْ يعود غنيّهم على فقيرهم ، وقويّهم على ضعيفهم. وأنْ يشهد حيّهم جنازة ميّتهم ، وأنْ يتلاقوا في بيوتهم ، فإنْ لقيا بعضهم بعضاً حياة لأمرنا ، رحم الله عبداً أحيى أمرنا ، يا خثيمة ، أبلغ موالينا أنّا لا نغني عنهم شيئاً إلاّ بعمل ، وأنّهم لن ينالوا ولايتنا إلاّ بالورع ، وأنّ أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثمّ خالفه إلى غيره )

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام :

( لقاء الإخوان مغنم جسيم وإنْ قلّوا )

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( تزاوروا فإنّ في زيارتكم إحياء لقلوبكم ، وذكراً لأحاديثنا ، وأحاديثنا تعطف


بعضكم على بعض )

وعن ميسر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال لي :

( أتخلون ، وتتحدثون ، وتقولون ما شئتم ؟ فقلت : إي والله ، إنّا لنخلو ونتحدث ، ونقول ما شئنا. فقال : أما والله لوددّت أنّي معكم في تلك المواطن ، أما والله إنّي لأحب ريحكم وأرواحكم ، وأنّكم على دين الله ، ودين ملائكته ، فأعينوا بورعٍ واجتهاد )(١٨)

(٣) - وليس يكفي قطع العلاقة مع الأشرار ، وقرناء السوء وتكوين العلاقات الوثيقة بالمؤمنين. وإنّما يلزم كل مؤمن - من أجل تكوين الجو الإيماني - أنْ ينمّي من جدية العلاقة لا بمعنى إخلائها من كل مضمون عاطفي ، وصلات شخصية ، بل بمعنى إثرائها ، والاستفادة الرسالية منها. لأنّ هذا هدف رئيس من أهداف تمتين العلاقة ، وتوثيقها بالمؤمنين.

الأزمنة الخاصّة للعبادة والتربية

وكما أمر الإسلام باتخاذ ( أمكنة ) خاصة للتربية والعبادة كذلك ركّز في الشعور الديني عند المسلمين ( أزمنة معيّنة ) خصّصها للتربية ، والعبادة من قبيل الشهر العظيمر ، شهر رمضان المبارك ، شهر الله الذي يستضيف فيه المؤمنين ويستمطرون بركاته ، وهداه ، وغفرانه ، ورحمته.

هوامش

__________________

(١٠) - الوسائل أبواب الذكر

(١١) - البيان من تفسير القرآن للسيد الخوئي ص ٢٦ - ٢٧

(١٢) - المرجع السابق ص ٢٩ - ٣٠

(١٣) - هذا مع أنّهم ( الأئمة ) يفعلون العكس ويقولون : ( ما خالف كتاب الله فهو زخرف لم نقله ) و( ما جائكم عنّي يُخالف كتاب الله فلم أقله ) ، و( كل شيء لا يوافق كتاب الله فهو زخرف ) و( وما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه )

(١٤) - الوسائل أحكام المساجد باب ٣

(١٥) - الوسائل أبواب المزار من كتاب الحج باب ٢ و٢٥ و٣٧ و٣٨

(١٦) - أصول الكافي ج ٢ ص ٦٤٢

(١٧) - أصول الكافي ج ٢ ص ٦٤

(١٨) - أصول الكافي ج ٢ ص ١٧٥ - ١٧٩ وص ١٨٦ - ١٨٧


هذا الشهر الحافل بالعطاء ، والممارسات العبادية التي يعزّ على الإنسان المؤمن أنْ تفوته حتى لو كان يمارس أعمالاً أخرى أهم وألزم

هذا الشهر الذي فيه كثرة ، وتركيزاً في الصلاة ، وكثرة وتركيزاً في الدعاء ، والتوجّه إلى الله تعالى. واحتفالاً عامّاً في مشاعر الناس ، وشعاراتهم. الشهر المليء بالخيرات ، والمليء بالمناسبات الدينية العظيمة

لقد شاء الله تعالى في تربيته لعباده. أنْ يوجد إلى جانب الخط الدائم في التربية. خط الصلاة اليومية والذكر المستمر خطاً آخر دورياً يتمثّل في أوقات معينة يستعد فيها المؤمنون إلى نشاطات عبادية أكبر

دورة أسبوعية تمثّله في يوم الجمعة المباركة من حيث ما فيه من أدعية ، وزيارات ، وتوجيهات ، ودورة سنوية متمثّلة في شهر رمضان المبارك ، الذي يتم الإعداد الروحي له في شهر رجب ، وشعبان ، والشهرين العظيمين في الشهور. ودورة حياتية متمثلة في الحج قابلة للاستزادة في كل حين. ودورة في أيام معدودات متمثلة في الاعتكاف الذي يمكن أداؤه في أي وقت تقريباً وفي هذه الدورات ينتفي مضعف الألفة الذي نجده في الصلاة اليومية ، ويعيش المؤمن العبادة غضّة طريّة في أيامٍ قليلة من العمر.

خامساً : الثقافة الإيمانية

الثقافة هي - في واحد من مداليلها المتعددة ، نقصده هنا بالذات - هي الرؤى الفكرية التي تؤثّر في عواطف الإنسان وسلوكه ، وقيمه ،


وطريقته في الحياة

والثقافة الإيمانية ، هي بصائر ، وهدى ، وأفكار تقرب من الله وتسهل الطريق على من يريد أنْ يتكامل في هذا الطريق

ليست الأفكار مقطوعة الصلة بالحياة العاطفية والسلوكية للإنسان ، بل لها أكبر الأثر فيها ، وتؤثّر ، وتتأثّر بها ، ويتكاملان ، كما يقتضي ذلك منطق القرآن الكريم

( كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) (١٩)

( لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) (٢٠)

وعلى أساس هذا المنطق القرآني ففي الثقافات ما يقرب إلى الله ومنها ما يبعد عنه : الدافع إلى الله الذي يفتح للإنسان عينه ، ويبصره نقاط ضعفه ، وسبيل نموه ، وأساسيات حياته الدينية ، ومنها الحاجز الذي يحول بين الروح الإنسانية ، وبين الانطلاق في طريق التحرّر الذاتي والتكامل الوجداني وعبادة الله

والثقافة الإيمانية التي تقرب إلى الله تعالى. تتألّف من عنصرين :

(١) - المنهج الإسلامي في التفكير الذي ينظر إلى الأشياء بالطريقة القرآنية ، أو المنطق الإسلامي الخاص ، الصدور عن القرآن الكريم ،


التلقّي من الله تعالى ، والانفتاح على كلماته التعامل الفكري مع الغيب ، لا الغيبية الميتة ، بل التعقّل الذي يأخذ فيه الدين موقعاً مركزياً ، سَواء في الشعور أم في الالتزام. والمعايشة الفكرية الكثيرة ، للفكر الغربي والاتجاهات المادية ، وعدم الاهتمام الثقافي بالقرآن الكريم والسنّة ، والتاريخ الخاص يؤثّر بشكل واضح على طريقة المؤمن في التفكير ، وكيفية تناوله للأمور ، ويبدو له الدين من خلال ذلك اتجاهاً بين الاتجاهات. وطريقة من الطرق يدافع عنها ولكن منهكاً مرهقاً

(٢) - الأفكار والمعلومات الإيمانية في مجال العبادة والأخلاق ، والسيرة والقرآن الكريم ، والنفس البشرية والعلاقات مع الناس ، وغير ذلك ممّا تتشكل المعرفة فيه إعداداً فكري ، للتربية الروحية ، وتكوين الأحاسيس ، والمشاعر الإيمانية ، وبناء السلوك الديني المستقيم ، وقد تعيش مع الكثير من المؤمنين ، يستهينون بالإعمال العبادية ، فلا يرونها مهمة إنّما المهم عندهم الفكر ، والعمل الفكري ، والاهتمام بأمور الناس ، وهؤلاء لا يفتقرون إلى قلبٍ سليم ، أو نيّة حسنة أو روح دينية ، وإنّما يفتقرون إلى رؤية سليمة فقط من الممكن أنْ تتوضّح لهم بسهولة. فيفتح لهم ذلك الطريق إلى الله. والنمو الروحي والوجداني

إنّ الأفكار والثقافة التي تتصل بالقرآن الكريم ، وكلمات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته وسيرته تصحّح الكثير من الأفكار الخاطئة عن التربية الروحية ، وعن الإسلام بشكلٍ عام ، وتصدر بالإنسان المسلم من منبع ثقافي أصيل ، وتخلق له إطاراً ذهني ، وشعوراً يتعامل معه. وداخله ، وهو إطار يفترض المبادئ الدينية ، ويجعل من المؤمن يتعامل مع الأفكار


من خلاله ، وليس على حسابها. وهي أيضاً معايشة ، ولقاء مستمر مع الله تعالى ، ومع القادة الميامين الأطهارعليه‌السلام

ومن الممكن هنا أنْ نسجّل بعض الكتب في المجال الأخلاقي والتربوي نرى من الضروري للإنسان المؤمن أنْ يتدارسه ، ويتعامل معها باستمرار :

(١) - أصول الكافي لثقة الإسلام الكليني المتوفى في النصف الأول من القرن الرابع الهجري ، والجزء الثاني منه بالخصوص وهو يشتمل على كتاب الإيمان ، والكفر ، كتاب الدعاء ، كتاب فضل القرآن ، كتاب العشرة

(٢) - وسائل الشيعة للحر العاملي ، فإنّ فيه مجموعة كبيرة مفيدة من هذه الناحية. منها : - كتاب جهاد النفس. المذكور في كتاب الجهاد ، وكتاب أبواب العشرة. في كتاب الحج ، كتاب جامع السعادات للنراقي ، وهو كتاب أخلاقي إسلامي. وهو على العموم كتاب نافع جليل ، ومؤثّر أريد به أنْ يكون ردّاً على الانحراف الصوفي والتحلل الديني في آن واحد ، ولا يضر في الاستفادة من هذا الكتاب عدم ضبط رواياته ، أو تأثره بالفلسفة الإغريقية وروحه الفردية أحياناً ؛ لأنّه كما قلنا نافع على العموم. ومأمون الجانب في هذا المجال

ومن الكتب النافعة وفي هذا المجال. مجال الفكر الإيماني كتاب فلسفة الصلاة ،ومكّة في ضمير المسلم للشيخ علي الكوراني ، وتذكرة الدعاء للبهي الخولي ، والكتاب المسيحي ، دائرة المعارف السيكولوجية المترجم في


جزئين من قبل عبد اللطيف شرارة ، وبعض آخر فإنّه كتاب نفسي عملي ومفيد.

سادساً : مخالفة الأهواء - الصوم :

إنّ كل مؤمن له أهواؤه - قلّت أو كثرت وهي قد تتعلّق بالمال ، الأكل والشرب ، الجاه والمركز ، التحكّم والسيطرة على الآخرين ، الخ

والهدف النهائي الذي يطمح إليه المؤمن هو إلغاء هذه الأهواء من نفسه ، وتطهير مشاعره ، ووجدانه ودوافعه منها تطهيراً كاملاً

أمّا المهمّة الآنية والملحة ، فهي إضعاف تأثير هذه الأهواء على السلوك ، والتحكم فيها ، وعدم السماح لها بالسيطرة على النفس ، بل عدم السماح لها بالنفوذ بأي شكل من الإشكال

وبكلمة أخرى : إنّ المهمّة الآنية للإنسان المؤمن هي تأمين سيطرة الإرادة الربانية على النشاط ، والسلوك بحيث تكون مقدمة على الأهواء ، والميول الذاتية في النفس

والتحكّم في الأهواء ، وإلغاؤها نهائياً من صفحة النفس والشعور ينتج من مجموعة عوامل أهمّها أو من أهمّها. مخالفة الهوى

( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )

وذلك لان كل عاطفة ، أو انفعال أو هوى ، يضعف إذا لم تنفذ مطالبه ، ولم يلبّ ما تقتضيه من تصرفات


وبكلمة أخرى : توجد لدينا حقيقتان ثابتتان :

(١) - إنّ لكل عاطفة أو هوى ، أو انفعال تصرّفاً يقتضيه وينتهي إليه ، فحب المال ينتهي إلى الحفاظ عليه ، وعدم التصدّق به وحبّ المركز يقتضي من الإنسان أنْ يحاول الظهور أمام الناس في المجالات الفكرية ، أو الخطابية أو الدينية

(٢) - إنّ الفصل بين الهوى ، وبين نتيجته العملية ، وعدم تلبية مطالبه إضعاف له ، وزعزعة لسيطرته على النفس ، وتحكمه في السلوك ، وتقوية للإرادة الربانية ( الجهاز الحاكم في الشخصية الإسلامية ). والفصل بين الهوى ، ونتيجته العملية أمر ممكن لان العلاقة بينهما علاقة ( الاقتضاء ) لا علاقة ( اللزوم )

إنّ مخالفة الأهواء بالنسبة إلى الإنسان المؤمن العامل في سبيل الله هي من أهم مهامه الآنية ؛ لأنّه أحوج من غيره إلى الإرادة الحازمة ، والقدرة على التحكم في الأهواء ومخالفة النفس. إنّ خوف مقام الله تعالى ، ومخالفة النفس ، والصبر ، واليقين هي دعائم الشخصية الرسالية القيادية ، أو من دعائمها المهمة ، وقد بين الله تعالى ، إنّه قد جعل من بني إسرائيل أئمّة لمّا صبروا ، وكانوا بآياته يوقنون والصبر ، هو الإرادة الحازمة ضد ميول النفس ، واتجاهاتها الذاتية ، ولا يتم تكوين هذه الإرادة إلاّ من خلال مخالفة النفس

وللإسلام طريقته الخاصة في مخالفة الأهواء. إنّ الصوفي لا يهمه أنْ يخالف هواه عن طريق إلقاء ماله في البحر. أو عن طريق سرقة أموال


الناس ليكتشفوه بعد ذلك فيهينوه ، وتسقط هيبته من أعينهم فيعاف الظهور ، والمركز ، أو عن طريق الوقوف على رأسه إلى الصباح كما ينقل الغزالي ذلك في ( إحياء علوم الدين )

إنّ هذه الوسائل محرّمة في نظر الإسلام ، ولم ينزل الله بها من سلطان ، قلنا فيما سبق إنّ من روائع الإسلام ، ومن نعم الله تعالى علينا أنّه كما حدّد لنا الأهداف التربوية كذلك حدّد لنا الوسائل ولم يتركنا للتخبط الصوفي ، وترهات الغزالي ، وأمثاله ، أو إلى طريقة التأمل البوذي. أو غير ذلك من محاولات هذا الكائن الجاهل الضعيف

أمر الإسلام بالتحكّم في النفس. وأكد على ضرورة سيطرة الإرادة الربّانية ومخالفة الأهواء. وحدّد لنا الطريق

لا ترمِ مالك في البحر ، ولا تبسط يدك كل البسط فتقعد ملوماً مدحوراً ، ولا تسرف لأنْ الله لا يحب المسرفين ، ولكن أنفق العفو ، وأدّ الصدقات المستحبّة والواجبة. والإسلام يعي أنّ الهدف من الزكاة ، والصدقة ليس هو إعانة الفقراء فقط ولكن تطهير الوجدان البشري من حب المال ، وتمكّنه من القلب

( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )

ومن هنا فإنّ الإسلام في باب الصدقة أوجب الزكاة. ولكن من جهة أخرى حث على الصدقة. وكان هذا الحث بدرجة الاستحباب.


وهذا يعني أنّ الإسلام يريد من ذلك أنْ يكون طواعية ، واختياراً ليكون أثر قدرة على التطهير والتزكية. وحثّ إلى جانب ذلك أنْ تكون الصدقة سرّاً ؛ لأنّ صدقة السر أفضل من صدقة العلانية. وأكثر قدرة على تنمية الروح المخلصة والروح المرتبطة بالله. ومن هنا كان على المؤمن أنْ ينفق عفو ماله وفضله ، أنْ يتحسس حاجات إخوانه ، وأنْ يحافظ على الطابع السرّي للإنفاق قدر الإمكان

ولم يرد الإسلام أنْ يعيش على مزابل الكلاب ليواجه بذلك أهواءه كما يقول الصوفي

(لا يكون الصوفي صوفياً حتى يجعل من زوجته أرملة ، ومن أولاده أيتاماً ، ويعيش على مزابل الكلاب )

وإنّما أمره إلى جانب الصدقة ، والإنفاق السري أنْ يصون لسانه من الكذب ، والغيبة ، ومن محاولات الظهور والثرثرة ، وأنْ تكون قاعدته الصمت إلاّ في موارد الحاجة والضرورة ، وأنْ يتعلّم الصوم المستحب. الذي يكف به عن الشهوة ساعات.

شهوة الجنس ، وشهوة الطعام والشراب. والصوم المستحب من أروع العبادات الإسلامية التي تربط الإنسان بالله تعالى ، وتنمّي الإرادة ، وتصعد من ملكة الصبر. ومن أهم مجالات الصوم المستحب ، صوم ثلاثة أيام في الشهر. ( أول خميس من الشهر ، وآخر خميس ، والأربعاء الوسطى ) وقد ورد الحث الشديد على ذلك في النصوص. وهو من القدرات الروحية التي إنْ كانت مستحبّة على


الإنسان المسلم من زاوية شرعية ، فهي إلزامية على الداعية من ناحية المنطق الأخلاقي ، والروحية الإسلامية ؛ لأنّ الداعية يلزمه أنْ يعد نفسه لتحمّل القول الثقيل ، والسير في طريق ذات الشوكة ، وأنْ يعاني مرارة الاستقامة في خضم العمل الاجتماعي ، وكل هذا لا يتم إلا من خلال التربية ، والإعداد الروحي القائم على هذا ، وأمثاله. ومن عناصر الداعية المسلم في هذا الميدان هو أنْ يتأمّل ذاته ، ويحسب نشاطاته ، ويدرسها. سيجد أنّ بعض التصرّفات تقوم على أساس دواعي الهوى ولم يقصد الله فيها ، ولم يذكره أصلاً. هنا يجب عليه ، أو ينبغي له أنْ يتوقف مؤقتاً ، وأنْ يتأمّل قبل الأداء ، فإنْ كان تصرّفه ، وموقفه ضرورياً من الناحية الشرعية أقدم عليه ، وأداه مثاباً مأجوراً ، وأنْ لم يكن موقفه ضرورياً من الناحية الشرعية ، والدعوتية تركه ، وأهمله. خاصة في موارد التقييمات ، والكلام على الناس ، ومواجهتهم

سابعاً المحاسبة والنقد الذاتي

(١) عن أبي الحسن الماضيعليه‌السلام قال :

( ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإنْ عمل حسناً استزاد الله ، وإنْ عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه )

(٢) - عن أبي ذر ( ره ) في وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال :

( يا أبا ذر حاسب نفسك ، قبل أن تحاسب ،


فإنّه أهون لحسابك غداً ، وزن نفسك ، قبل أنْ توزن. وتجهز للعرض الأكبر يوم تعرض ، لا تخفى على الله خافية. يا أبا ذر ، لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه اشد من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ، ومن أين ملبسه ، امن حلال أو من حرام ، يا أبا ذر ، من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النار )

(٣) عن عليعليه‌السلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

( أكيس الكيّسين مَن حاسب نفسه ، وعمل لما بعد الموت ) ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين ، كيف يحاسب نفسه ؟

قال : ( إذا أصبح ثمّ أمسى رجع إلى نفسه وقال : يا نفسي ، إنّ هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبداً. والله يسألك عنه بما أفنيته ، فما الذي عملت فيه أذكرت الله أم حمدته ، أقضيت حوائج مؤمن فيه ، أنفّست عنه كربه ، أحفظته بعد الموت في مخلفيه ، أكففت عن غيبة أخ مؤمن ، أعنت مسلماً ، ما الذي صنعت فيه ؟ فيذكر ما كان منه ،


فإنْ ذكر أنّه جرى منه خير حمد الله ، وكبره على توفيقه وإنْ ذكر معصية ، أو تقصيراً استغفر الله ، وعزم على ترك معاودته)

(٤) علي بن طاوس روينا في الحديث النبوي المشهور :

( حاسبوا أنفسكم قبل أنْ تحاسَبوا ، وزِنوها قبل أنْ توزَنوا ، وتجهّزوا للعرض الأكبر )(٢١)

إنّ البناء الروحي. وهو تمكين الإيمان والإرادة الربانية من النفس في فكرها ، ووجدانها ، ونشاطها. لا يتم إلاّ من خلال تقوية الإيمان ، والوجدان الإسلامية ، والإرادة الربانية من جهة. والوعي الذاتي ، ومعرفة حيَل النفس ، وأساليبها في الدفاع ، ونقاط ضعفها من جهة أُخرى ؛ وذلك لأنّ من الممكن أنْ تعمل الدوافع الذاتية في النفس من دون أنْ يشعر بها الإنسان

والوعي الذاتي الشامل ، ومعرفة النفس يتم من خلال ما يلي :

(١) - دراسة النفس دراسة شاملة. حيث يقوم المؤمن هنا بملاحظة ذاته من خلال تجربتها السابقة ، وخبرته الطويلة بها ، ويدرسها دراسة كاملة. ويحدّد ما فيها من نقاط ضعف ، ونقاط قوة. ويركّز ذلك في ذهنه ، أو يسجله في مذكّراته ، وتشمل هذه الدراسة الحالات كافّة ، الجانب الثقافي ، والجانب الروحي والجانب العلمي. الخ

(٢) - يراقب الإنسان المؤمن ذاته ، ويركّز نظره عليها في نشاطها


اليومي

(٣) - يحاسب ذاته محاسبة دورية يومية ، أو أسبوعية ، ويدرس في ذلك نشاطاته السابقة ما قدمه ، وما خالف فيه ، وما قصر عنه ويحدّد ذلك. فيحمد الله ، إنْ هو أطاع الله وذكره وتورّع عن محارمه ، ويتوب عما خالف. ويعزم على الترك ، ويبني نهجاً جديداً ، وهكذا في كل دورة

وليحذر المؤمن إثناء كل ذلك من خداع النفس ، ومن غرورها ، وعجبها فإنّها أمّارة بالسوء إلاّ ما رحم الله. مهلكة لصاحبها إلاّ ما وفّق

ثامناً : الاعتكاف

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :

( كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا كان العشر الأواخر ( من رمضان ) اعتكف في المسجد وضُربت له قبّة من شعر ، وشمّر المئزر وطوى فراشه )

وعنهعليه‌السلام عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( اعتكاف عشرة في شهر رمضان تعدل حجّتين ، وعمرتين )(٢٢)

في الاعتكاف عناصر متعدّدة ، وجهات كثيرة تمثّل طابعه التربوي المتميز وفيه :


(١) - التفرّغ للعبادة وذكر الله. فالمؤمن في أيّامه العادية يحكم ضرورات الحياة ، وضرورات العمل لا يمكن أنْ يؤدّي الكثير من المستحبّات العبادية ، ولهذا فهو يقتصر على مقدار قليل معيّن من العبادات أمّا الاعتكاف ، فهو المكث في المساجد للعبادة. فيه يتفرّغ الإنسان المؤمن ، ويتنصّل مؤقّتاً عن الأشغال في الحياة الخاصة ، والأعمال الاجتماعية ليؤدّي لربّه حقه. ولنفسه حقّها. وهو عليه دورة تربوية ضرورية للإنسان المسلم ، يستزيد فيها من ذكر الله ، ومعايشة تصوراته عن الكون ، والحياة ، والوجود ، ويتذكّر فيها أيّام الله الخالية فتعيش روحه ، وقلبه ، بالنشاط العبادي المكثّف الجديد على النفس ، الذي لم يتضرّر بالألفة ، وروتين العادة ، واقتطاع هذه الأيام المعدودة ضرورة تربوية من أجل الإعداد ، والتركيز الروحي. وهو نظام اختطّه الله تعالى في منهجه التربوي لهذا الإنسان

(٢) - مخالفة الأهواء. متمثّلة في الصوم إذ ( لا اعتكاف إلا بصوم ) الذي يمثّل مخالفة هوى النفس في الأكل والشرب والجماع. وفي الامتناع عن المراء ، والجدال

(٣) - العزلة المؤقّتة عن الناس ، وإتاحة الفرصة لمراجعة النفس ، ومحاسبتها واختبارها. فأنت في خضمّ العمل الاجتماعي مملوك لمهمّاتك الاجتماعية. وهذا ما يضعف من أصالة الفعل ، وإيداع النشاط ، ومن مراجعة الذات ، وتقييمها وبالتنصّل مؤقّتاً من العمل الاجتماعي ، وسفاسف الحياة الصغيرة ، وحتى عن العمل الفكري يتيح للإنسان أنْ يراجع ذاته ، وينظر في عيوبها ، ويقيمها تقييماً شاملاً ، ولينطلق بعد ذلك


في مواقفه عن طواعية ، واختيار ، وتلقائية ، وإخلاص وليزيد من تثبّته الديني ، وتركيز علاقته بالله تعالى وانقطاع رجائه ، وانشداه إلى الناس ، والأشياء ، والأهداف المرحلية اليومية

ومن هنا كان الاعتكاف. إحدى الضرورات الدورية المهمّة للداعية يتخلّى فيها عن رداءة التصرّف ، ويمحّص ذاته من شوائب الرياء والسمعة والانشداد إلى الناس ويتجلّى فيها الإخلاص ، والتثبّت ، والتركيز ، الديني. تركيز العلاقة بالله تعالى. ونشير أخيراً. إلى أنّ الإسلام لا يشجع العزلة التامّة المستمرّة عن الناس فإنّ في هذا أخطاراً كبيرة على النفس ، وتتنافى مع ما يعدّه الإسلام للإنسان المسلم من أدوار اجتماعية ، وعطاء اجتماعي متميّز. ولهذا يؤكّد الإسلام في نصوص كثيرة على أنْ لا يكون الاعتكاف إلاّ في مسجد جامع تقام فيه الصلاة جماعة.

تاسعاً : نظرة عامّة في الأساليب التربوية(٢٣)

نلاحظ أنّ أساليب الإسلام في التربية أكثر مما ذكرنا. ونحن هنا لخصّناها بإيجاز

عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام :

( لا خير في العيش إلاّ لرجلين : رجلٌ يزداد في كل يوم خيراً ، ورجل يتدارك منيته ( سيئته ) بالتوبة )

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام :


( من استوى يوماه فهو مغبون. ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط ، ومَن كان آخر يوميه شره فهو ملعون ، ومَن لم يرَ الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان. ومن كان إلى النقصان ، فالموت خيرٌ له من الحياة )

هوامش

_____________________

(١٩) - سورة آل عمران / ٧٩

(٢٠) - سورة الحشر / ١٣

(٢١) - الوسائل جهاد النفس ج ٦ ص ٣٧٩ - ٣٨٠

(٢٢) - الوسائل باب من كتاب الاعتكاف

(٢٣) - ممّا يؤسف له أنّ هذا الموضوع قد سقط من الكتاب من خلال نقله من العراق إلى الكويت إلى إيران

الختام

إنّ موضوع ( الإعداد الروحي ) من أهمّ الموضوعات الإسلامية العاجلة ؛ لأنّه الأساس الذي تقوم عليه التربية الإسلامية للإنسان المسلم في كل جيل. وإذ أُنهي هذا البحث بحمد الله فإنّي أشعر بنواقصه التي أرجو أنْ تُتدارك في المستقبل إنْ شاء الله. إنّ التجربة الروحية شرطٌ أساسي لنجاح مثل هذا البحث ، وكذلك الأداء التربوي البليغ والمعاصرة الطويلة. وكل هذه الشروط ممّا ينقص هذا البحث. ولكن أتمنّى أنْ يَتناول هذا الموضوع رجالٌ عرفناهم بتجربتهم الروحية السليمة ، وقلمهم الإسلامي المعبّر ، وهمومهم الإسلامية وثقافتهم الواسعة

واسأل الله تعالى في الختام أنْ يعصمنا من الزلل ، وأنْ لا يمقتنا لقولٍ نطقنا به ، ولم نفعله ، وأنْ لا يجعل أعمارنا مرتعاً للشيطان ، وأنْ يجعلنا من المعانين ، والمجاهدين فيه ، والمهتدين إلى سبيله. إنّه سميعٌ مجيب.

ليلة القدر المباركة ٢٣ / رمضان المبارك / ١٣٩٨ ه‍ـ


الفهرس

نظرات حول الإعداد الروحي الشيخ محمد مهدي الآصفي ١

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٤

نبذة مختصرة عن حياة المؤلّف الشهيد رحمه‌الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٢٧

١ - الاستماتة في سبيل اللّه : ٣٠

٢ - الجدّية والدأب على العمل : ٣ - الابتكار والتفنّن في أُسلوب العمل والبحث : ٣١

٤ - العمق الثقافي : ٣٢

٥ - عمق الوعي الحركي : ٦ - انشداده للثورة الإسلامية في إيران : ٣٤

٨ - السمو الروحي : ٣٦

٩ - تطلعه إلى الشهادة : ١٠ - الهمّ الرسالي ٣٧

١١ - التقشف والزهد(٢٦) : ٣٨

١٢ - صموده : ٣٩

نظرات عامة حول الإعداد الروحي للشهيد الشيخ حسين معن ٤٢

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٤٣

الفصل الأول المقصود من الجانب الروحي ٤٤

منهج التقييم ٤٦

(١) الاتجاه الصوفي ٥٠

شجب الرسالة لإرهاصات التصوّف : ٥٣

٢ - الاتجاه الفكري والسياسي ٥٧

٣ - الاتجاه التربوي المتكامل ٥٩

مناشئ الاهتمام بالتربية الروحية ٦٠

( الأمر بالمعروف ) في شخصية المسلم(١٩) ٦٧

الإعداد الروحي لتحمّل القول الثقيل : ٦٨

لماذا الإعداد الروحي ؟ (١ ) - التربية الروحية واستقامة المسيرة : ٧٣


(٢) - التربية الروحية وتماسك الصف : ٧٧

(٣) - التربية الروحية ، والثبات على الدين : ٧٨

التربية الروحية وعمل الأئمّة : ٨٤

الجانب الروحي والممارسات العبادية ٨٧

جنايات على التربية الروحية ٩١

عناصر الجانب الروحي ٩٣

الفصل الثاني : الإيمان ( الوعي الكوني والرؤى الفكرية ) دور الفكر في الشخصية الإسلامية ٩٩

الوعي الفكري والفهم ١٠٠

مراحل الاعتقاد ١٠١

ذكر الله ١٠٦

(١) - ذكر الله كثيراً : (٢) - ذكره تعالى عند الذنب : (٣) - ذكر الله في مواطن العبادة وأوقاتها : (٤) ذكره تعالى في الشدّة والبلاء : ١٠٩

(٥) - ذكره تعالى عند التذكير : (٦) - ذكر الله تعالى بصورة مطلقة ١١٠

من عطاء الذكْر ١١١

المكانة الشعورية للحياة في نفس المؤمن ١١٤

الوعي الكوني ١٢٢

الوعي التاريخي ١٢٥

أ - الشعور بحركة الأحداث : ١٢٦

ب - الشعور بوحدة المسيرة : ١٣٠

ج - الإحساس بحتمية الانتصار النهائي : ١٣٤

د - الشعور بالائتمام : ١٣٧

الوعي الذاتي ١٤٠

الاعتزاز باللّه ١٤٣

الشعور الجماعي والشعور بالإخاء ١٤٥

الفصل الثالث : الوجدان ( العاطفة المبدئية والانفعال الرسالي ) ١٥٤

دور الوجدان في الحياة الإنسانية ١٥٥


مبدآن إسلاميان للحياة الوجدانية المبدأ الأول : ١٥٦

المبدأ الثاني : ١٥٧

الضغط على العواطف الرسالية في حياة القادة ١٥٩

حب اللّه ١٦٠

من عطاء الحب الإلهي ١٦١

حب المؤمنين أو الحب في اللّه ١٦٥

المشاركة الوجدانية ١٦٩

خوف اللّه ورجاؤه وتعلق القلب به ١٧٠

من آثار تعلّق القلب باللّه تعالى الرضا بقضاء اللّه وقدره ١٧٤

الزهد ١٧٨

الزهد تحرّر وانعتاق ١٨٤

الزهد معنى نفسي ١٨٨

الزهد تحرّر والصبر إرادة ١٩٠

طمأنينة الوجدان الإسلامي ١٩١

العلاقة الوجدانية بالرسالة ونجاح الدعوة ١٩٧

الحد من العلاقة الوجدانية بالدعوة ٢٠٠

الغضب الرسالي ٢٠٤

هوامش الفصل الثالث ٢٠٨

الفصل الرابع : العبودية ( الإرادة الحازمة والعمل الخالص ) ٢١٠

الإرادة الربّانية محور مركزي في الشخصية الإسلامية : ٢١١

الشخصية الإسلامية والشخصية المزدوجة ٢١٤

الازدواج والنفاق الازدواج الصريح والازدواج الخفي ٢١٦

كيف تتحقّق الحاكمية العامّة للإرادة الربّانية ؟ ٢١٨

الالتزام العملي بخط الإسلام في الحياة ( الطاعة ) ٢١٩

الاستقامة والفكر التبريري ٢٢٥

(أ) - تحوّل الولاء إلى أداة تبرير : ٢٢٨

(ب) - الفهم الاجتماعي والسياسي للدين : ٢٣٠


(ج) - الجبر والإرجاء : ٢٣٢

(د) - التشكيك بالحكم الشرعي واستصغار الذنب : ٢٣٣

الصبر ٢٣٥

الصبر عند البلاء ٢٣٧

الصبر عند الأهواء ٢٤٣

(أ) - الصبر على العبادة : ٢٤٤

(ب) - الصبر الأخلاقي : ٢٤٥

(ج) - الصبر على الكتمان : ٢٤٧

(د) - الصبر على الاستقامة الفكرية : ٢٥١

(ه‍) - الصبر على الاستمرار والفعالية العملية : ٢٥٤

(و) - الصبر على الاستقامة في خضم العمل الاجتماعي ٢٥٥

الإخلاص ٢٥٦

الإخلاص هو المقياس للقيمة الحقيقية للعمل ٢٥٩

صعوبة الإخلاص لله تعالى ٢٦٣

شمول العبادة وسعة الإخلاص التوكّل تعزيز لإرادة المسلم ٢٦٥

التوكّل تعزيز لإرادة المسلم ٢٦٧

فإذا عزمت فتوكّل (أ) - تعزيز إرادة الصمود في وجه التحديات : ٢٦٩

(ب) - تعزيز إرادة الإقدام : ٢٧١

الاتكالية الاعتماد على الذات. التوكّل ٢٧٣

التوكّل والتخطيط ٢٧٤

التعقّل بُعد آخر للإرادة المسلمة للإرادة الربانية بُعدان آخران : ٢٧٥

تعقّل بلا إرادة وإرادة بلا تعقّل ٢٧٦

هوامش الفصل الرابع ٢٧٨

الفصل الخامس: وسائل التربية الروحية ٢٨١

تربية الجانب الروحي : ٢٨٢

المعاناة في سبيل التربية الروحية ٢٨٤

أولاً : قيام الليل ٢٨٦


الأثر التربوي لصلاة الليل ٢٨٨

إعداد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه مِن خلال قيام الليل ٢٩١

ثانياَ : ذكر اللّه كثيراً ٢٩٢

صورتان تربويتان ٢٩٤

القرآن الأساس الفكري والروحي ٢٩٥

تلاوة القرآن الكريم ٢٩٧

رابعاً : الأجواء الإيمانية ٢٩٩

الأخ الصالح في الله ٣٠٣

الأزمنة الخاصّة للعبادة والتربية ٣٠٦

خامساً : الثقافة الإيمانية ٣٠٧

سادساً : مخالفة الأهواء - الصوم : ٣١١

سابعاً المحاسبة والنقد الذاتي ٣١٥

ثامناً : الاعتكاف ٣١٨

تاسعاً : نظرة عامّة في الأساليب التربوية(٢٣) ٣٢٠

الختام ٣٢١

الفهرس ٣٢٢


نظرات حول الإعداد الروحي

نظرات حول الإعداد الروحي

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ محمد مهدي الآصفي
تصنيف: كتب الأخلاق
الصفحات: 326