الاسلام يتحدى

مؤلف: وحيد الدين خان
دراسات

الاسلام يتحدى

تأليف

وحيد الدين خان

تعريب

ظفر الاسلام خان

مراجعة وتحقيق

الدكتور عبد الصبور شاهين


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.






تقديم الطبعة الاولى

بقلم الدكتور عبد الصبور شاهين

ما اكثر ما يكتب عن الاسلام و المسلمين في مطبوعات هذا العصر في العربية، وغير العربية، وما اقل غناء اكثره.

قليل جدا من الكتابات الا سلامية هو الذي يعد اسهاما في معالجة مشكلات عالمنا الاسلامي، اسهاما جادا مخلصا من اجل عودته، وتقدمه.

وكثير جدا ما نقرؤه من تلك الكتابات التقريرية، او الرثائية الوعظية، التي تخطها اقلام، ان كانت تتاجر بالدين، فلا غرابة، في عالم يقوم على المتاجرة حتى بالقيم، فاما اذا كانت معروفة بالعلم وبالذكاء، فذلك هو داعي الحسرة والاشفاق في انفسسنا على علمائنا الاذكياء.

ايمكن ان نتصور عالم الفكر الاسلامي مجرد اقاصيص تحكى للبهر، او مقالات يجتهد اصحابها في تدبيج مقدماتها وسياقاتها، لننتهي بعد قراءتها الى هز الرءوس، ولوك عبارات الثناء والاعجاب؟

هذا على حين يتشاغل كتاب الفلسفات المادية برسم تطلعات العصر، وعلاج مشكلات التطبيق على مستوى عالمي، حتى ليحس المرء بعد مطالعة بحث من هذه البحوث بحاجته الى ان ينزوي نفسيا في ركن من اركان الياس والقنوط، لانه غائب تماما عن المعركة الحاضرة.

تلك محنة الوجدان والعقل المسلم، الذي ينشد لدى كتابه ومفكريه مستوى من المبادرة والجد والاخلاص، ولونا من الكتابة المباشرة التي تعيش عصرها وافكاره وتطلعاته، فاذا هم لا يزيدون على مضغ حكايات الاولياء، واجترار بضعة خيالات محلقة في سماوات التيه، ومجابهة الواقع الصارخ الملح بما يميعه: في وعي الجماهير، ثم يسرح بها بعيدا، في احلام الماضي وتصوراته.


ومن البله ان يظن ان اخبار السلف هدف ثقافي، يقصد لذاته كمتعة عقلية، دون ان يكون من وراء ذلك مشروع انهاض، وخطة توعية من اجل صنع الحاضر، والتاثير في الاجيال القادمة، حسب هؤلاء السلف انهم كانوا امثلة مسهمة في صنع عصرهم، وتوجيه معاصريهم، ثم مضوا، عليهم من الله رضوان، ومن الناس سلام.

وجاء من بعدهم خلف، اصبح بعد حين سلفا، بعد ان مضى الى الرفيق الاعلى، مخلفا كذلك تركة من السلوك، ومن الكفاح، هي جزء من تاريخ امتنا.

وجاء جيلنا ليتوهم، او ليرادله ان يتوهم، انه مجرد وارث لاجيال سابقة، عليه ان يستغل تركتها في خلق ملذاته، فاذا ما جوبه بتحديات عصره لجا الى المباهاة بتراثه، المباهاة وحدها، المتمثلة في اكثر الكتابات المنشورة، التي لا تمل ان تحكى وتحكي، حكايات في حكايات، وتقف احيانا مستعلية من فوق منبر، لتمطر على الحضور وعظا في وعظ، دون ان تبلغ في ظن الجماهير ان تهز وجدانا، او حتى تحرك قشة.

ان اخص صفات عصرنا هي انه ينتج من الافكار بقدر ما ينتج من الاشياء، وليس من الضروري ان نتطلب من الافكار المنتجة ان تكون نافعة دائما كالاشياء، فان المجتمعات التي تصدر الينا اشياء الحضارة ترى في الافكار سلعة ينبغي ان تتغير كل يوم، كما تتغير طرز الاشياء، ولذلك يقف مثقفونا مبهورين امام موجات الفكر الواردة من الخارح، ماذا ياخذون، وماذا يدعون؟ بل قل: ماذا يقرؤن، وماذا يترجمون؟. ولاشيء اكثر من هذا. يكفيهم ان يستطيعوا ملاحقة الافكار، دون ان يكون عليهم ان يواجهوها، او ينقدوها، فهم الى ان يصوغوا نقدا معينا لاحد الاتجاهات الجديدة نسبيا يكون الوقت قد فات، وتقادم بمرور الزمن ما ينقدون، وغطت عليه افكار اخرى اشد لمعانا، واكثر جاذبية واشعاعا.

ومما لاشك فيه ان العالم الاسلامي هدف ثمين من اهداف تصدير الافكار تظرا الى موقعه، وخطورة موقفه بين الكتل المتصارعة، او بعبارة اخرى: مراكز الانتاج، والهدف من وراء التصدير واحد لدى كل هذه المراكز : ان يبقى هدا العالم مفتقرا اليها، على اختلافها، وان يحال بينه وبين افكاره الاصيلة، التي يمكن ان تغنيه عن الاستيراد، وتحقق له الاكتفاء الذاتي.

ومن المعروف في دوائر الاقتصاد ان الاحتكار اذا تحقق لمركز انتاجي في سوق معينة فان من المتوقع ان يبدا المنتج في افساد السلعة، بتقليل جودتها، اعتمادا على الاحتكار المتاح له، وطمعا في ربح اوفر.وسوق الافكار اخطر اسواق المنتجات، واكثرها تقبلا للتزييف والافساد، ومن ثم حفلت اسواقنا بما هواشد فتكا من السموم، واعظم انتشارا من الهواء، يتخلل كل خلية، وينخرفي


كل بناء. افكار ترتدي اثوابا، او تحمل شعارات، او ترفع مشاعل، ليس الثوب فيها، او الشعار، او المشعل، الا قناعا يستر الزيف والخطر.

وليس من الممكن ان نفهم موجات السيطرة الخارجية على مجتمعاتنا الا اذا لا حظنا مثلا تبعية الفتاة المسلمة في كثير من بلاد الشرق العربي لكل ما يظهر في اوربا او امريكا من ازياء، فما ان ترتدي الزي احدى (المانيكان) قصيرا بمقدار سنتيمتر واحد، حتى تبادر فتياتنا الى تقصير اثوابهن بمقدار شبر واحد!!

ليس المهم ملاحظة ان تقصر الفتاة او تطول ثوبها بحكم ( الموضة) الشائعة، فاذا لم تفعل عدت متخلفة، وانما المهم ملاحظة هذه السيطرة التي توفرت لملوك الازياء، واكثرهم صهيونيون، على فتياتنا المثقفات بخاصة، حتى كانهن جميعا اعضاء في جوقة موسيقية واحدة، وامامهن ( ما يسترو) كلما اشار باصبعه او بعصاه تحرك العازفون والعازفات في اتجاه العصا، كالقطيع. ودلالة هذه التبعية اخطر مما قد يبدو في ظاهر الامر، لان تاثيرها يشمل كل القيم التي يقدسها المجتمع في شخص المراة، قيم الحياء والانوثة الواعية، والجسد غير المتعرض لذباب الاعين، وقيم التماسك، والالتزام في تربيتها، وقيم الجيل الناشىء على يديها، وهو الذي ننشده لغد هذه الارض، ومستقبل هذا الدين، وبكلمة واحدة، وبلا مغالاة: نحن هكذا محكومون من عمق مجتمعنا لملوك الازياء، ودولة المانيكان. ومع ذلك، قد يقال: ان مسالة الزي اقل خطرا من غيرها، فهي على اية حال مسالة غلاف.اما غيرها، كقضية المعتقدات التي تزيف للاجيال الناشئة، وجوهرها تحطيم لدينها.

وقضية الروح المنهزمة امام انتصارات العلم في غير بلاد الاسلام، الروح التي تقف متضعضعة مبهورة امام منجزات الانسان الاوروبي او الامريكي.وقضية الحرية الفكرية المعدومة في فلسفة التربية، حتى اصبح كل هم المدارس انتاج نماذج مصبوبة في بوتقة التبعية و التقليد. وقضايا اخرى كثيرة، كلها اهم من قضية الميني جيب، او الميكروجيب.

وبرغم ذلك لا نكاد نلمح ادنى فاصل بين هذه القضايا جميعا، فالمصنع المنتج واحد، وهدف التصدير واحد، والمستهلك المستهلك واحد ايضا، هو الانسان المسلم.

والمشكلة بالاضافة الى هذا كله ان اكثر كتابنا اصبحوا يرون في قيام هذه الحالات شيئا مالوفا غير جدير بالمناقشة، اما زهدا في الدنيا، واما ياسا من الاصلاح، واما تعودا على المشاهدة اليومية، كما يتعود المدمن تاثير المخدر. وكانهم المعنيون بقول الشاعر:

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت ايلام


واقول: (اكثر كتابنا)، لان هنالك (قلة) نصبت اقلامها للذود عن المستقبل، والدفاع ضد التيار المخرب، متحملة في ذلك عنت الفساد وسلطانه، ومتحدية في المجتمع مراكز استيراد الافكار، وعناصر اللامبالاة، وهؤلاء القلة لا تكاد والحمد لله تخلو منهم ارض الاسلام، يكتبون بكل لغة، ويحاربون في كل معركة، ايمانا منهم بوحدة المقاتلين امام الخطر الزاحف. ومن هؤلاء القلة مؤلفنا هذا، الذي يدخل اسمه لاول مرة حقل اللغة العربية، بنشر ذلك الكتاب: (الاسلام يتحدى)، وان كان لاسمه رنين مدو في شبه القارة الهندية، باعتباره ثالث اثنين، يتولون قضية الاسلام المعاصر في وجه الزحف الفكري: ابو الاعلى المودودي، وابو الحسن الندوي، ووحيد الدين خان.

والحق ان علماء باكستان والهند المسلمين قد اتيح لهم ان يتصلوا اتصالا مباشرا بمصادر المعرفة الحديثة، حتى اصبحوا من اعلامها، وهم في هذا يضارعون اكثر علمائنا العرب اتصالا بثقافة الغرب، مع فارق جوهري، في راينا، هو ان الاولين الذين نشير اليهم لم يغرقوا انفسهم في المعرفة الاكاديمية، لتستولي من بعد على عقولهم واقلامهم، وليصبحوا مجرد ناشرين، او مفسرين، او حتى معلقين، على ما يقدمون من فكر الغرب وعلومه.

لقد وقف هؤلاء عمالقة في وجه التيار وانغمسوا في مشكلات الجماهير وحاولوا ان يقدموا لهم تصوراتهم من اجل المستقبل، ومن اجل تحريك الثورة الفكرية في كيان الانسان المسلم، فهم في الحقيقة كتاب ثوريون، ذوو اصالة ووعي وايمان.

وليس من السهل ان نقول: انهم جميعا يمثلون طريقة واحدة في الاداء، برغم ان هدفهم واحد، فان لكل منهم اداءه الخاص، وطريقته الفذة التي عرفته بها الجماهير المسلمة. وحسنا ان نقرأ هذا الكتاب الجديد لندرك انه يمثل عقلا وثقافة ومنهجا يختلف بها مؤلفه عن جميع من عرفنا من الكتاب المعاصرين ولعل من المناسب ان اورد هنا ما كتبه المؤلف في صحيفته (الجمعيت الاسبوعية) في عدد٧من فبراير١٩٦٩، موضحا الدور الذي يحاول ان يقوم به، قال:

(ان المشكلات التي يواجهها الاسلام في هذا العصر، منها ما هو علمي، يوجه اليه بلغة العلم ومصطلحاته، ولذلك كان لزاما ان نضع اجاباتنا في مواجهة هذه الحملات المسعورة بنفس المصطلحات العقلية والعلمية التي يستخدمها المعارضون للدين. ولا زال هذا الميدان، منذ امد طويل مجالا لنشاطي واهتمامي، حتى كان آخر ما كتبت: (الاسلام يتحدى).

والميدان الثاني لنشاطي هو ما نسميه بميدان بناء الامة الاسلامية وتعميرها، والعمل على نهضتها، وعلينا في هذا المجال ان نكشف العلل، ونمحص الاسباب السياسية والاجتماعية التي


ادت الى سوء احوال المسلمين، ثم وضع خريطة للمستقبل، بعد الوقوف على اسباب النكسة التي اصابتنا، وتقوية الشعور القومي لدى المسلمين (في شبه القارة الهندية)، ليربط بين مختلف انشطتهم، فيجعلها مجموعة معنوية متكاملة، وحثهم على مواصلة الجهد لتكون منهم امة قوية جامعة في العالم. وبكلمة اخرى، نحن نصبو إلى بعث الاحلام التي رآها اسلافنا خلال كفاحهم وتحقيقها، لاعلاء شان الامة المسلمة، وهي الاحلام التي لم تتحقق، لسبب او لآخر.

وهذه هي المهمة الفكرية التي تضطلع بها صحيفتنا (الجمعيت الاسبوعية)، ويمكننا ان نقول بحق: ان هذه المهمة قد اصبحت اكبر ميزة خاصة لجريدتنا في المجال الصحفي، في هذا العصر، على حين اصبحت الصحافة الاسلامية علما على الرثاء، بل ان آخر ما تستطيعه هذه الصحافة هو مجرد التعليقات السياسية على الاحداث العامة، وتقديم بعض المعلومات الطريفة التي يتشوق اليها العامة من القراء. ففي هذا المناخ الصحفي تعتبر (الجمعيت الاسبوعية) الصحيفة الوحيدة التي تعمل على احياء وتقوية الشعور القومي لدى المسلمين، باحثة عن مواطن الخطأ في كفاحهم الحضاري، ونحن لا نجد كلمات نشكر الله بها، على انه ـسبحانه اختارنا بمشيئته لسد هذا الفراغ. فالرجل كما نرى صاحب دعوة، يريد ابلاغها الى ضمير الامة المسلمة بلاغا يحركها نحو اهدافها، ويوحدها امام الاخطار، وهي دعوة ذات شقين، احدهما يستنفد العمر كله، ولكنه يعمل لتحقيق كليهما بوسائله المتاحة: ان يكتب كتبا، وان يسخر مجلة اسبوعية. والواقع ان كتابه هذا يعتبر تحقيقا لحلم طالما راود كتاب العقيدة والمدافعين عنها، فقد كانت محاولات السابقين للبرهنة على وجود الله، واثبات الرسالة، وما يتصل بهما من حقائق ميتافيزيقية قد وقفت عند جهود علماء الكلام، باستخدام الاقيسة المنطقية، التي بليت لطول مالاكتها الالسن، واصبح مجرد التحدث بها داعية الى الملل منها، بل ان لغتها لم تعد مفهومة لشباب الاسلام، الذي يعيش في هذا العصر ظروفا تتغير من يوم لآخر، وتطالعه ثقافات ذات جدلية ماهرة، ومناهج علمية تجريبية، لم يعد العقل يقنع بدونها. لقد اصبح كل شيء موضع شك. وبذلك سقطت القضايا القائمة على المسلمات المنطقية، لانه لا شيء في العقل الحديث بمسلم منطقيا، الا وله نقيض منطقي يمكن ان يحتمله العقل. اما التجربه فهي الدليل الذي لا يدفع على قضيتها، وما ينتج عن التجربة ليس مسلما منطقيا، ولكنه حقيقة نسبية موضوعية، وهذا شان العلم. ومن هنا كان لابد من تغيير المناهج الكلامية، لاشباع رغبات متجددة في اليقين، تريد ان تؤسس موقفها على ارض من المعرفة الجديدة التي اخترقت الآفاق، وقاست ابعاد النجوم، وتغلغلت في اسرار المادة، حتى حطمتها واستخرجت منها طاقات لا حدود لها.


واذا قيل: ان قضايا علم الكلام هي قضايا الغيب المطلق المحجوب الاسرار، ولا يعقل ان يكون للتجربة دور في معالجتها. تذكرنا في رد هذا الراي ما قاله عربي يعيش على فطرته، وينطق على سجيته، دون ان يكون قد الم بشيء من منطق ارسطو: (البعرة تدل على البعير، واثر السير يدل على المسير، فسماء ذات ابراج، وارض ذات فجاج، وبحار ذات امواج، الا يدل ذلك كله على الله اللطيف الخبير) ؟؟.

وكلمات هذا الاعرابي الصق بالمنهج التجريبي، القائم على الملاحظة، واقرب الى التاثير في النفس، واقدر على اقناع العقل، من اية صيغة قياسية ما في ذلك شك.

لقد اصبح سيئا للغاية ان ينطق رجل الدين امام الناس، او امام الطلاب بقضايا متقادمة، قال بها الاولون، دون ان يحاول مزج المعرفة التقليدية بالجديد، واكثر ما تتجلى هذه المعرفة التقليدية في علم التوحيد والكلام او مباحث العقيدة على اختلاف المصطلحات حيث يصر بعض الاساتذة على حكاية النزاع بين المعتزلة واهل السنة، والفرق بين الاشاعرة والماتريدية، ووجهة نظر الخوارج والشيعة، والخلاف بين الجبرية وغيرهم، وتناقض ما بين العقل والنقل او تساندهما، وكل ذلك دائرفي حلقة مفرغة، بعيدة عن مجال تفكيرالشباب المتحول، لان هذا الكلام كله قد ادى وظيفة على خير وجه، حين كان جزءا من صراع عصره حول المفاهيم والقيم، فلما مضى عصره اصبح جزءا من تاريخ الفكر، لا اساسا من اسس النقاش الحي النابع من التجربة المعاشة.

ولذلك يعجز هذا الكلام عن اقناع ملحد حديث يخطئه، لان اسباب الحاده ليست من موضوعات الكلام، فالجدل الحديث لا يتناقش حول الجوهر والعرض، ولا حول القدم والحدوث، وانما هو يتناقش حول حتمية المادة، ووجو د المادة الواقعية والمادة العقلية، والعلاقة بين المادة والحركة، حين ينتهي كل موجود مادي في حقيقته الى حركة، والاحتمالات الرياضية لتاثير الصدفة في نشاة الكون، وامتداده، وحتمية التطور.وحقيقة الوجود في ضوء الادراك الجديد لنسبية الظواهر الكونية، واهمها الزمان، ذلك البعد الرابع الذي كشفه اينشتاين، والتوقعات العلمية لوجود عوالم اخرى غير عالمنا، في سمائنا، وفي السماوات الاخرى، التي يدركها العلم، او يحدس بوجودها، ويحاول معرفة شيء عنها. الخ. فاذا لم تكن هذه القضايا الجديدة هي محور النقاش في قاعات الدرس الجامعي. الذي يصوغ عقول الشباب فمعنى ذلك ان جامعاتنا تعمل في فراغ ايديولوجي، وتخرح للمجتمع نماذج خربة، واهنة، او مشوشة، او يائسة من جدوى العقيدة في بناء المجتمع الجديد، نماذج تحس في اعماقها بالجفاف الروحي، فهي لم تظفر بارضية من الفكر الديني تقف عليها مطمئنة في مواجهة رياح التغيير العاصفة، امالانها محرومة من هذا اللون من الدراسة،


واماـ وهو الاخطر لانها غير مقتنعة بما عرض عليها من موضوعاته. وينتهي الامر بهذه النماذج الى ان تتبعثر في الفراغ، وتحس باللامبالاة تجاه مسائل العقيدة، لان اسلم الطرق الا تبالي، فالهرب اسلم المسالك. والغريب ان هذه الحال قد طفحت على سطح المجتمع منذ اوائل القرن التاسع عشر، حين بدا اللقاء والاصطدام بين ثقافتي الشرق والغرب يواجه مبعوثينا الى اوربا، على عهد محمد علي ـفي مصر، وتعرضت اعمال روائية، منذ ذلك العهد، وحتى يومنا هذا، لتصوير التمزق الفكري، الذي يعانيه هؤلاء المبعوثون، من امثال: تخليص الابريز لرفاعة الطهطاوي، وعلم الدين لعلي مبارك، وحديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي، وقنديل ام هاشم ليحي حقي، وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، ومليم الاكبر لعادل كامل فانوس، أي ان المشكلة ثائرة وملحة من قديم، دارت حولها روايات قيمة. ومع ذلك لم يبحث لها المفكرون الدينيون عن حل، ولم يعرضوا لها بمناقشة لاستكناة اسبابها، على حين اكتفت الاعمال الروائية بالتقاطها وتصويرها. والخطر بهذه السلبية الى تفاقم، والخراب الى استفحال، والضحية دائما هو الانسان المسلم. اليس غريبا ان يكون بعض عتاة الملاحدة في مجتمعاتنا ممن يمتون الى اسر ذات اتصال بالدراسة الدينية؟!! وان تنشر مجلة اسبوعية ان احدى المانيكان تمثل جامعة الازهر الشريف، ثم تأتي بصورتها فاذاهي ترتدي ما ترتديه بنات باريس(١) !! ودعك من ان تكون احداهن فتاة غلاف، تنشر لها صورة عارية، اشبه بصور السابحات الفاتنات، وهي من بنات العلماء؟(٢) انهم جميعا، واضرابهم، نتاج هذا الانفصام بين الفكر الديني وقضايا العصر، بحيث لم ياخذ هذا الفكر شكل ثقافة حية تجمع بين المعرفة والسلوك، أي ان هناك عجزا شائنا في الثقافة المستخدمة للاقناع، على حين استطاعت الثفافات الاخرى ان تحتازهم لمعسكرها، لانها صادفت فراغا فتمكنت، بصرف النظر عن جدية الاشخاص او هزليتهم وتفاهتهم، واحد اسباب هذا الانفصام ايضا ان من يتولون سدانة الفكر الديني لم ينهضوا لمواجهة تحدي العصر، ربما لانهم فعلا غير فاهمين لرسالاتهم، الا على انها استحضار لماض اثري لا علاقة له بحاضر، وربما لتوهمهم انه لا تحدي اصلا، بل كل شيء هاديء على الجبهة!! والدنيا بخير والحمد لله!! فالمشكلة من هذه الوجهة ازمة في الشعور الذي يؤدي حين يكون سويا الى الارق المنتج، والقلق الخلاق، فاما حين لا يكون هناك شعور فان الدين يتحول عند بعض رجاله الى باب سخي للوجاهة والارتزاق، وعند بعضهم الى سلبية قاتلة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

___________________

(١) انظر العدد الصادر من جريدة اخبار اليوم في ٢٩من نوفمبر١٩٦٩.

(٢) اخبار اليوم ٢٥/من اكتوبر١٩٦٩.


ولست انكر ان محاولات جادة قام بها بعض العلماء القلقين على مصير الانسان، في الشرق والغرب، من اجل البرهنة على وجود الله على اساس علمي، ولكن قضية الدين ليست هي قضية (وجود الله) فحسب. لا مراء في ان الايمان بوجود الله سبحانه اساس ومنبع، ولكنه يستتبع الايمان بقيم اخرى ومبادىء، دعا اليها الرسل. وحثت عليها الاديان، واهمها ضرورة الايمان بوجود كائنات غير الانسان، دل عليها الدين وسماها (الملائكة) الملهمين الخير، وكائنات اخرى غير الانسان والملائكة دل عليها الدين، وسماها الجن، ومنهم (الشياطين) النازغون بالشر، وضرورة الايمان بالغيب، وباليوم الآخر. وما يتصل به من جنة ونار، وحساب، وثواب وعقاب، بل ما يسبق ذلك من قيامة، هي في حقيقتها دمار للدنيا، وتحطم للكواكب والنجوم، وضرورة التزام شريعة الله، التي جاء بها الرسل، وخاتمهم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، متى صح الايمان بوجود الله، مالك الملك، ومنزل التشريع بالحلال والحرام، وفي كلمة واحدة: ضرورة اقرار ما علم من الدين بالضرورة.

وهكذا نجدنا امام كل مترابط لا يمكن انفصام اجزائه الا على طريقة بني اسرائيل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. ولقد وجد في المجتمع الاسلامي فعلا هذا الصنف من الناس، الذين يحدثونك بانهم مؤمنون بالله، وكفى، ولا داعي لمطالبتهم باكثر من هذا!! وهم يواجهون من يدعوهم الى الالتزام باوامر الله ونواهيه: بان الهدف من هذه هو تزكية النفس، وعدم ايذاء العباد، فاذا تحقق هذا الهدف بوسيلة اخرى كالثقافة مثلا كان في ذلك غنى عن الالتزام بالتكاليف، لان هذه هي روح الدين!!.وغاب عنهم، او تجاهلوا، ان العبادة في حقيقتها ثمرة الايمان بالله، وتاكيد لعبودية الانسان له، وان الله سبحانه قد اختار لعباده ان يخاطبوه ويقدسوه بكيفية معينة، لا خيار لهم فيها، بصرف النظر عن تحقيق مصلحة معينة لهم من العبادة او عدم تحققها:( وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ‌ ) (١) فمصلحة الانسان العليا في ان يرضى خالقه بانفاذ امره، والتزام طاعته. فهذا صنف من الناس يجتزىء من الدين بما لا يقتضيه تكلفة: ان يقول: آمنت بالله فحسب، وهو يستعمل مسالة تسليمه بوجود الله جل وعلا ذريعة الى التحلل والانعتاق من سائر قضايا الدين، والصدود عنها، وهو امر ينبغي ان يلحظ على انه من صميم ازمة الدين في انفس المثقفين المعاصرين، لان الثقافات الالحادية قد اتخذت لنفسها خطة لئيمة، فحواها ان دعوة المسلم الى الكفر تلقي نفورا في المجتمع الاسلامي، ويكاد يكون من المحال احراز تقدم فيه باعتناق هذه الدعوة، ولذا ينبغي ان تكون الخطة اولا تجريد شخص المسلم من الالتزام بالتكاليف، وتحطيم قيم الدين الاساسية في نفسه، بدعوى العلمية والتقدم،

___________________

(١) الذاريات/٥٦.


دون مساس بقضية الالهية مؤقتا، لانها ذات حساسية خاصة، وبمرور الزمن، ومع الف المسلم لهذا التجريد يسهل في نهاية الامر تحطيم فكرة الالهية اساسا في عقله ووجدانه واذا بقيت افتراضا، فلا ضرر منها، ولا خطر، لانها حينئذ لن تكون سوى بقايا دين، كان موجودا ذات يوم بعيد.

وهكذا يحكم اعداء الاسلام مخططاتهم، ويدبرون لتدمير الدين ومبادئه، ابتداء من ابسط السنن والواجبات، وانتهاء الى قضية القضايا: وجود الله ذاته.

فاذا افرد بعض العلماء مسالة وجود الخالق بالعلاج العلمي فقليل منهم فيما اعلم من تصدي لعلاج هذه القضايا جميعا، وبخاصة هذا الكتاب: ( الاسلام يتحدى). واحسب انه من هذه الناحية سوف يصبح متى بلغ عمق المجتمع دستور الاقناع الديني، او كما يعبر العنوان الفرعي الذي تخيرناه له: ( مدخلا علميا الى الايمان).

وقد كان المؤلف منطقيا مع عصره الى ابعد الحدود، فاذا كان اقطاب الالحاد في الفلسفة الحديثة قد وضعوا لضحاياهم مدخلا علميا الى الكفر، فلا مناص من ان يحاول هو بحسه الصادق، ووعيه بحاجة المسلمين وضع مدخل علمي الى الايمان، يعتبر اساسا لعلم كلام، او علم توحيد جديد. وهذا هو الاعتبار الذي كان من وراء الحماس المخلص، بذله مترجم الكتاب الاستاذ ظفر الاسلام خان، نجل المؤلف، واقتضاني ان اعكف شهورا تبلغ سنوات على مراجعته، وتحقيق نصوصه الدينية.

ولذلك سوف نجده يعرض ( قضية معارضي الدين ) بكل حيدة وامانة، حتى لايتهم من اول لحظة بمخالفة المنهج العلمي، ثم يبدا في مناقشتها معتمدا في الاساس على الانتاج الفكري الغربي، من باب( وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) (١) ، مرجئا مسالة استخدام الآيات القرآنية او الاحاديث النبوية في آراء الاعداء قبل الاصداء.

ولا يتبادرن الى ذهن القاريء ان المؤلف رجل دين متحمس، يبشر بدعوة الاسلام باسلوب جديد، انه مفكر مصلح يعمل بالصحافة، رئيسا لتحرير مجلة ( الجمعيت الاسبوعية ) وما عرضته هنا هو نتيجة تامل واهتمام مؤرق بمشكلات الشباب المسلم، حتى اصدر كتابه هذا عام ١٩٦٦، وما زال وفيا لقضيته، مجاهدا في سبيلها.

ولئن كنا قد المحنا قبل بضعة اسطر الى بعض ملامح منهجه، فان تنظيم هذا المنهج قد اقتضاه ان يضع قضاياه في ترتيب منطقي:

فهو قد وضع كتابه علاجا للمشكلات العقيدية التي تواجه البشر، ولما كان المتوارد

___________________

(١) يوسف/٢٦.


على مسرح الاحداث، مبدا الدين، ومبدا الالحاد، وكان هو من معسكر الدين وجب عليه ان يدلف الى هدفه من خلال دعاوى الخصوم، حتى لا يتهم بتجاهلها، فعرض فكرة معارضي الدين وبين اسسها البيولوجية والنفسية والتاريخية. ومعنى ذلك انه يعوض جوهر فلسفات ثلاثة : الدارونية والفرويدية والماركسية وهي المباديء التي قادت في مجموعها قطعانا من البشر في وادي الالحاد، وانكار وجود الله، وتاليه المادة.

فاذا بدا بمناقشة هذه المباديء سلك نفس السبيل التي سلكتها. فاستقى ادلته من الطبيعة، ومن البحوث النفسية، والتاريخية.

واذا كان اعظم قضايا الدين. بعد الايمان بالله، الايمان باليوم الآخر، حقيقة غيبية، لا مراء فيها، وكانت اهم دعاوى الالحاد قائمة على انكار هذا اللقاء مع الخالق فان اثبات امكان الآخرة، بالادلة الطبيعية، والبيولوجية والتاريخية هو ايضامن الادلة القاطعة بصحة الدين، وبوجود الله، ومن ثم نجده متالقا في تبيان الحاجة الى الآخرة نفسيا، واخلاقيا، وسلوكيا، حتى اذا استقر في وعي القاريء ضرورة الآخرة كان ذلك طريقا الى اقرار ضرورة الايمان بالله من جانب آخر. فالآخرة إذن قضية وبرهان في آن.

والمؤلف لا يكتفي في هذا الباب بدليل واحد، بل هو يقدم بحوثا قيمة في ضرورة الآخرة من الناحية الكونية، ويسوق شهادات تجريبية، وبحوثا نفسية وروحية، تؤكد هذه الضرورة، كيما يزيد القاريء ثروة في المفاهيم، ويفسح له آفاق الاقتناع.

وياتي بعد ذلك دور الرسالة، وهي الدليل التاريخي على الحقيقتين السالفتين، لان الرسل هم الذين دلوا عليهما، قبل ان يخطو الانسان هذه الخطوات الجبارة في ميدان العلم والتجربة.

ومن الضروري ان نلفت النظر هنا الى ان المؤلف لا يعني بكلمة ( الدين ) الا ما عناه الحق سبحانه بها في قوله:( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلاَمُ ) (١) ، فاذا تناول قضية الرسالة فمقصده قطعا رسالة الاسلام، وكتابها المعجز: القرآن.

ويعقد في هذا الباب عدة فصول يتحدث فيها عن اعجاز القرآن التاريخي، والعلمي، ويورد لمحات كثيرة عن تنبؤات القرآن، وما تضمنته آياته من حقائق لم يكشف عنها الا في العصر الحديث، في الفلك، وطبقات الارض وغيرهما.

فاذا انتهى من اثبات هده الصفة العلوية للقرآن، واكد به الحقيقة الاولى، وهي وجود الله،،عقد بابا خاصا بعلاقة الدين بمشكلات الحضارة، فتناول في جانب منه مشكلات

___________________

(١) آل عمران١٩.


التشريع، وعناصره الاساسية، وتحديد الدين لمفهوم الجريمة، وعلاقة القانون بالاخلاق، وبالفرد، وبالعدل.

ولا يفوته ان يتحدث عن بعض مشكلات الحضارة الحديثة، كمشكلة المراة، والتمدن، والملكية، مقارنا في كل ذلك نظام الاسلام بنظامي الحكم المعاصرين: الراسمالية والشيوعية.

وياتي اخيرا حديثه عن مستقبل هذا العالم الاسلامي، وما ينشده ابناؤه من اهداف سامية، وما ينبغي ان يكون لهم من رسالة في هذا العالم الحائر، بين مذاهب الالحاد الواهية المتهاوية، ودين الفطرة الذي جعله الله ختام الاديان، وجعل نبيه خاتم المرسلين، مبينا كيف ادى الالحاد في المجتمعات الاوربية الى التحلل، والتمزق الاسري، وتكون طبقات من المجرمين والشواذ، وانتشار اعصى الامراض النفسية والعصبية، جراء الحرمان من الايمان بالله، خالقنا ومالكنا، ويختار لختام كتابه كلمة قبسها عن الاستاذ ا. كريسي موريسون، اذ قال:

ان الاحتشام، والاحترام، والسخاء، وعظمة الاخلاق، والقيم والمشاعر السامية، وكل ما يمكن اعتباره نفحات الهية لا يمكن الحصول عليها من طريق الالحاد، فالالحاد نوع من الانانية حيث يجلس ( الانسان) على كرسي (الله).

( لسوف تقضي هذه الحضارة بدون العقيدة والدين ).

( سوف يتحول النظام الى فوضى).

(سوف ينعدم التوازن وضبط النفس والتمسك).

(سوف يتفشى الشر في كل مكان).

(انها لحاجة ملحة ان نقوي من صلتنا وعلاقتنا بالله).

فهذا هو منهج الكتاب في ايجاز شديد، وهو منهج يشدني الى ملاحظة هامة احب ان اضعها بين يدي القاريء. ذلك ان خطوات هذا المنهج، بنفس الترتيب تكاد تكون طبق الاصل من كتاب اخرجته من قبل مترجما عن الفرنسية،هو كتاب (الظاهرة القرآنية)، للمفكر الجزائري مالك بن نبي، وهي ملاحظة غريبة في المنهج، لا تنصرف الى مادة الكتابين، لان المؤلفين مختلفان في عقليتهما، وثقافتهما، وطريقة معالجتهما لهذه القضايا الدقيقة، حتى اني اكاد اقطع بان المحاولتين من حيث المصادر والمادة والاسلوب متباعدتان تماما، احداهما عن الاخرى، بعد ما بين الجزائر والهند، ولم يحدث ان التقى الرجلان في صعيد واحد، فيما اعلم. وتفسير هذا التوافق ينحصر في توارد الافكار على مشكلة واحدة.

بيد ان ذلك لا يمنعني من ان اقر ان كلا الكتابين صادر عن نفس الاحساس بضرورة


وضع منهج جديد للاقناع الديني، وكلاهما توفرت فيه المنهجيةالحديثة، وموضوعهما مشترك كذلك، والروح الكامنة في مضمونهما روح ثائرة، مؤمنة.

وحسب الشباب المسلم من هذه الملاحظة دليلا على ان روح الاسلام طاقة لا يمكن ان تخمد، وستظل تصنع المعجزات، برغم التفوق المادي الذي حققته مجتمعات الملاحدة المعاصرين.

نعم. ان هذا التوافق العجيب بين مفكرين من اكابر مفكرينا يكاد ان يكون من بدائع الروح الخالدة، روح الاسلام، واقول: الخالدة، لان الروح طاقة، والطاقة لا تفنى، وذلك وعد الله.( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‌ ) (١) .

والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.

وصلى الله على محمد خاتم النبيين.

عبد الصبور شاهين

الكويت ديسمبر١٩٦٩

___________________

(١) الحجر٩.


تمهيد

الموضوع الذي سندرسه في الصفحات التالية ليس بجديد بالنسبة الى اللغة الاردية. ولكن المؤلف يشعر بانه لا يزال ناقصا، رغم الجهود الطيبة التى بذلها بعض الكتاب.

والعصر الحديث يسمى: (عصر الالحاد)، لانكاره الدين.وهذا االالحاد ليس محض ادعاء. بل يرى اصحاب نظريته انها طريقة بحث ودراسة، اهتدى اليها الانسان، بعد التطور الحديث في ميادين العلم المختلفة، وهذه ( الدراسة التطورية) لا تهدف الى اثبات نظرية ما او انكارها، وانما هي منهج خالص في البحث، اثبت لاصحابه ان الدين باطل، ويمكن ان نفهم هذه الطريقة الجديدة في ما قاله ت. ر.مايلز:

(ان الدراسة الجديدة هي تكنيك ومنهج ونمط معين لمواجهة الاسئلة، وهي لا تستهدف وضع اجابات قطعية. وهو من هذا الوجه تغير هام طرا على الفلسفة في النصف الاخير من هذا القرن، ولسوف يبقى هذا التغير مستمرا، دون امل في توقفه على المدى(١) البعيد).

ولا بد لباحثينا اذا ما ارادوا البحث في العلوم الحديثة، دفاعا عن الدين، الا يغيب عن اذهانهم هذا التفسير، سواء اعتبرناه تفسيرا علميا محضا توصل اليه المفكرون المحدثون، او اعتبرناه مجرد ملجا جميل، ركنوا اليه، حين اخفقوا في البحث عن التفسير المادي للكون، بعد انكار الدين.

وعلى سبيل المثال: ان الاعمال التي قام بها علماؤنا لاثبات النبوة، تفترض مقدما ان العصر الحديث يدعي: ان محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( كان نبيا كاذبا )، فيبداون في جمع كميات كبيرة من المواد التي تثبت ان محمدا كان ( نبيا صادقا). ومغزى القول: ( كان محمد نبيا كاذبا)، هو ان هناك انبياء آخرين صادقين، على حين يشك الانسان الجديد في المبدأ نفسه، فهو لا يؤمن بالنبوة اصلا. فأما ( النبي الكاذب) False Prophet فهو اعتراض قديم جاء به اليهود والنصارى، الذين يؤمنون بانبيائهم، وينكرون نبي الاسلام.

واما العقل الحديث، فلا يبحث عما اذا كان محمد نبيا ( صادقا او كاذبا)، وانما يبحث عن

___________________

(١) Relihion & the Scientific Outlook, ١٩٥٤ , P ١٣.


منبع كلامه النبوي، وينتهي اعتمادا على المناهج المعروفة، الى ان مصدر هذا الكلام الغريب هو: (اللاشعور). وهو يرى ان التعبير عن كلام اللاشعور بالوحي والالهام يصلح ان يكون استعارة جميلة، ولكنه يستحيل اعتباره واقعا حقيقيا.

ولذا، فان مهمتنا لا تنتهي عند اثبات صدق نبوة رسول الاسلام، بل علينا ان نضطلع بالبحث عن الوحي والالهام، ونثبت ان الوحي ينزل على اناس معينين، من بينهم نبي الاسلام.

***

كان هذا موقف من يتصدى لنقد الفكر الحديث، دون فهم موقفه من القضية. وهناك نوع آخر من علمائنا يدركون موقف الفكر الحديث من قضية الدين. ولكنهم، لشدة تاثرهم بالفكر الحديث، يرون ان كل ما توصل اليه ائمة الغرب يعد من (المسلمات العلمية)، ومن ثم تقتصر بطولتهم على اثبات ان هذه النظريات، التي سلم بها علماء الغرب، هي نفس ما ورد في القرآن الكريم،وكتب الاحاديث الاخرى. وهذه الطريقة في التطبيق والتوفيق بين الاسلام وغيره، هي نفس الطريقة التي تتبعها شعوب الحضارات المقهورة تجاه الحضارات القاهرة. واية نظرية تقدم على هذا النحو، يمكنها ان تكون تابعة، ولكنها لا يمكن ان تكون رائدة! ولو خيل الى احدنا انه يستطيع ان يغير مجال الفكر في العالم بمثل هذه المحاولات التوفيقية، ليشرق على البشرية نور الحق، فهو هائم ولا شك في عالم خيالي، لا يمت الىالحقائق بسبب. فان تغيير الافكار والمعتقدات لا ياتي من طريق التلفيق، بل عن طريق الثورة الفكرية.

وهذه الحالة تورطنا بصورة اكبر عندما تتعلق المسالة بجانب اساسي وهام من افكار الدين، فلا باس بان يقوم احدنا بتفسير جديد لظاهرة (الشهاب الثاقب) التي وردت في القرآن، حين يجد كشفا جديدا في علم الفلك الحديث، ولكننا لو قبلنا نظرية كلية شاملة، وذات علاقة بالمشكلات الاخرى التي تثار حول الدين، فسوف يكون لذلك تاثير عميق وكلي في هيكل الفلسفة الدينية بنفسه.

واوضح مثال في هذا، هو تلك الجماعة من علمائنا الذين قبلوا ( نظرية النشوء والارتقاء)، لان علماء الغرب اعلنوا اقتناعهم الكامل بصدقها، بعد دراساتهم ومشاهداتهم. واضطروا، بناء على هذا، الى تفسير جديد للاسلام في ضوء النظرية الجديدة، وحين احتاجوا الى لباس جديد، قاموا بتفصيل ثوب الاسلام مرة اخرى، ولكنه ثوب مشوه المعالم، لا اثر فيه من روح الاسلام، التي ضاعت مع الاجزاء المقطعة في عملية التلفيق الجديدة.


ان نظرية النشوء والارتقاء تستهدف اقرار فكرة التطور بصفة مستمرة بحيث تبلغ الحياة اوجها عند النهاية. وبناء على هذا: لابد من ان تحدث الاحوال السيئة في الماضي، لا في المستقبل. ويروق لهذه النظرية حياة الخلود في الجنة، ولكنها لا تقبل الخلود في نار الجحيم. ولذا، ادعى العلماء المسلمون، الذين قبلوا هذه النظرية، ان الجحيم ليست مكانا للعذاب، وانما هي مركز للتربية والتزكية. فالحياة تواصل مسيرتها في مواجهة الصعاب والمشكلات. والذين لم يستطيعوا مواصلة مسيرتهم بسبب عوائق الذنوب، سوف يمرون باحوال الجحيم الصعبة، حتى يواصلوا رحلتهم التطورية خلال الحياة القادمة. ومن هنا ترى هذه الطائفة ان قوانين الملكية مثلا في الاسلام، ليست الا (احكاما مؤقتة)، فان هذه القوانين لا تتفق ونظرية التطور الاجتماعي

ويمكن فهم نوعية الاعمال التي قام بها بعض علمائنا من المثالين المذكورين، فهي اعمال ناقصة، رغم الجهود التي بذلت في صوغها. ولا يدعي المؤلف ان محاولته تخلو من النقائص. ولكنه يقول: ان المحرك الحقيقي لمحاولته هو شعوره بان عملا من هذا القبيل كان لابد ان يكون.

***

ان الطريقة التي يتبعها الكتاب للدفاع عن الدين ذات وجهين: فكرية وتجريبية، وبعبارة اخرى: فلسفية وعلمية، ان صح التعبير. وقد راعى المؤلف الطريقة الثانية، وهي التجريبية او العلمية. والسبب في ذلك ان مكتبتنا تزخر بمجلدات ضخمة من الكتب التي وضعت على المنهج الاول، على حين يوجد نقص شديد في الكتب من المنهج الثاني.

وانني لاشعر بان المضمار الفسيح الذي هياته الدراسات العلمية الحديثة لا ثبات الدين، هو تصديق لما جاء في القرآن، في سورة النمل: ( وقل الحمد لله، سيريكم آياته فتعرفونها). وهذا الكتاب محاولة لاستغلال الامكانات الجديدة لصالح الدين بطريقة منظمة.

وهذا الكتاب ليس دراسة موضوعية، بل هو دراسة ذاتية، بناء على التقسيم الجديد للكتب. وهذا الواقع، كما يرى العقل الحديث، هو، من تلقاء نفسه، صوت ضد الكتاب! فكيف يمكن الاعتماد على دراسة ذاتية، قدمها عقل يستهدف اتجاها معينا؟ وجوابا على هذا الاعتراض، الذي قد يثار، انقل هنا عبارة للمستشرق النمسوي المسلم محمد اسد في مقدمة احد كتبه:

(ان هذا الكتاب لا يستهدف مسحا محايدا للمسائل بل هو عرض لقضية هي قضية الاسلام في مواجهة الحضارة الغربية)(١) .

___________________

(١) Islam at the Crossroads, p. ٦.


وعلى الرغم من الاحكام التي قدمها علم النفس حول امكان ان يكون المرء محايدا في ابحاثه، او لا، فانني اسلم نظريا بانه لا بد لكل مؤلف ان يبذل قصارى جهده، لكي يكون محايدا، من اجل الوصول الى نتيجة ما، وهذا هو ما يقصده كل كاتب امين. لكن هذا الكاتب نفسه، عندما يجلس الىمكتبه في الواقع لا نجده باحثا عن الحقيقة اثناء كتابته، بل يكون قد توصل الى احكام محددة المعالم. وهناك طريقة اخرى، هو ان يسرد المؤلف قصة بحثه بجميع مراحلها، غير ان اعتبار مثل هذا الكتاب محايدا لا يعدو ان يكون قناعا مزركشا تختبيء تحته اهداف المؤلف. فليس هناك من كاتب يبدأ دراسته عندما تبدا الكتابة، وانما هو يعرض نتائج بحثه في كتابه. فالكتاب انما يكون ذاتيا او موضوعيا، بالنظر الى طريقة ترتيبه للموضوعات، ولا علاقة لهذا الترتيب بحياد البحث او موضوعيته.

***

لقد وردت كلمة ( الدين) كثيرا في هذا الكتاب، وليس لاحد ان يغالط في هذا الموضوع. فان الكتاب يدور حول موضوع عام، ولذلك كان لاستعمال الكلمة العامة اهميته. اما ذهن المؤلف، فانه لا يقصد بالكلمة شيئا وهميا، وانما يعني ( الدين) المعتمد عند الله تعالى الآن وهو دين الاسلام. وانا حين اطالب مواطنا هنديا بمراعاة القانون، فليس معنى ذلك انه تكفيه مراعاة قانون ما، او أي جزء من دستور الهند، وانما عليه مراعاة ذلك القانون الذي يعتبر دستور البلاد الرسمي. وهكذا، فالمراد بالدين العملي اليوم هو الاسلام، مع انه من الممكن اطلاقه على أي شيء عرف في التاريخ بذلك الاسم، ولكن الدين الذي يجلب رضا الله تبارك وتعالى، والذي يكفل لمعتنقيه نجاة الآخرة، هو الاسلام لا غير.

***

لقد تعرضت لسؤال بعد محاضرة، القيتها في احدى الجامعات، ذات مرة، وكنت اشرت في محاضرتي الى مقال لفرويد، فوقف استاذ في علم النفس، اثناء فترة الاسئلة، وقال: ( لقد اشرتم الى مقال لفرويد، تاييدا لنظرية دينية، على حين يعارض ( فرويد) معارضة كاملة تلك النظرية التي تمثلونها). ومن الممكن اثارة هذا السؤال، حول هذا الكتاب، على نطاق اوسع. فهناك اقتباسات كثيرة وردت فيه، ومن الجائز الا يوافق اصحابها على النتائج التي توصلت اليها.وعلى سبيل المثال: الاقتباس الذي ورد في آخر الباب الخامس (دليل الآخرة). ولكن هذا الاعتراض غير ذي موضوع، لان المؤلف لا يدعي ان هذه الشخصيات تؤيد قضاياه. وبكلمة اخرى، لم يقل المؤلف: ان هذه القضية، او تلك، صادقة لان فلانا يصدقها او


يؤيدها. وعلى العكس من ذلك، فان جميع هذه الاقتباسات قد استعملت توضيحا لدليل او قضية، فقد يعبر المؤلف عن قضية معينة بالفاظه تارة، وقد يستعير الفاظ الآخرين حتى يتبين الموضوع، تارة اخرى.

والاتجاهات التي تمثلها هذه الاقتباسات ليست بآراء ذاتية لاصحابها، وانما هي كشوف علمية، يمنحها الملحدون معاني مختلفة. اما نحن فقد جمعناها حين شعرنا انها في صالح الدين. واما الاقتباسات التي تؤيد الدين صراحة، فاكثرها لعلماء يدينون بالمسيحية، ولا عجب، فهم يشاركوننا في كثير من العقائد السماوية.

***

وواضح من عنوان الكتاب، انه يهدف الى اثبات احقية الدين امام الفكر المادي الجديد. وهذا الاثبات يتخذ لنفسه اسلوبين، اولهما: ان نستدلا بان الدين ليس ( ماديا)، بل فوق المادة، وبناء على ذلك ليس للعلوم المادية ان تعترض طريق الدين. وقد اصبح هذا الاستدلال في غاية القوة، حيث ان العلماء قد اعترفوا في هذا القرن: ( بان العلوم المادية لا تعطي الا علما جزئيا عن الحقائق). ومغزاه انه، بناء على اعتراف هذه العلوم نفسها، هناك حقائق اخرى، لا تستطيع العلوم المادية الوصول اليها، ومنها حقائق الدين. ويعتبر كتاب (ج.و.ن. سوليفان) خير محاولة في هذا الموضوع، وسوف نستعرضه في الباب السابع من هذا الكتاب.

واما الطريقة الاخرى لاثبات حقائق الدين، فهي اتباع نفس الطرق العلمية التي يتبعها العلماء الملحدون لاثبات معتقداتهم. وقد ركز المؤلف اهمية اكثر على هذا الجانب. فهو يرى انه لابد من اتباع نفس اساليب الاستدلا ل التي يستغلها الملحدون.، حتى يمكن اثبات حقية الدين.

***

وهناك ناحية اخرى لابد من توضيحها هي ان الاسلوب الذي سلكه الكتاب قد يكون غريبا على بعض الاذهان، من علماء الدين. واذا كان الامر كذلك، فاني اقول: انه لابد من مراعاة حقيقة، هي ان هذا الكتاب لا يستهدف تفسير الدين، بل هو وليد ضرورة كلامية، فالاسلوب الذي يسلك عند تفسير الدين امام اصحاب الفطر الدينية المؤمنة، غير الاسلوب الذي يستخدم عندما يكون الحاضرون ممن يزعمون ان الدين خدعة واضحوكة وتخدير للشعوب، فكلما اردنا مواجهة الاسئلة التي تثار ضد الدين، كان لا بد من تغيير لهجتنا ولغتنا، بتلك التي يستغلها الاعداء، حتى نستطيع ان نقف اما العواصف. وعلينا الا ننسى ان طريقة


الكلام واسلوبه قد تغيرا بتغير الزمن، ولذلك علينا ان ناتي بعلم كلام جديد لمواجهة تحدي العصر الحديث.

***

وقبل ان اختم هذا الحديث ارى لزاما علي ان اعترف بجميل زميلين من الرفاق مهديا اليهما هذا الكتاب وهما من الشخصيات اللامعة التي عرفت بخدمة الاسلام في الربع الاخير من هذا القرن. وهما: مولانا ابو الاعلى المودودي، ومولانا السيد ابو الحسن علي الحسني الندوي. فالفضل يرجع الى الاستاذ المودودي في انه كان المحرك الذي حثني بطريقة غير مباشرة على ان اضحي بحياتي لخدمة الاسلام منذ خمسة عشر عاما، في ادق مرحلة من مراحل حياتي. واما الاستاذ الندوي فهو الذي حملني على القيام بهذا العمل، فجزاهما الله خير جزاء.

لكناؤ

وحيد الدين خان

في ٢٦اغسطس ١٩٦٤


الباب الاول : قضية معارضي الدين

«تعتبر التطورات العلمية التي حدثت في االقرن الماضي (انفجارا معرفي) Knowledge Explosion في وجه جميع الاساطير الانسانية عن الآلهة والدين كما تفجرت الافكار القديمة عن المادة ونسفت بمجرد تفجير الذرة». هذة هي قضية العلم الحديث الموجهة إلى الدين كما يقول البروفيسور جوليان هكسلي(١) . وتعتبر الصفحات التالية ردا على هذا االتحدي، فلقد كشفت اضواء العلم الحديث عن حقائق الدين، ولم تنجح من اية ناحية في الاساءة اليه. بل ان جميع ما وصل او سيصل اليه العلم الحديث هو بمثابة تصديق لما اسماه الاسلام:«بالحقيقة الاخيرة» قبل اربعة عشر قرنا من الزمان:

«سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق»(٢) .

***

والدين، يزعم الملحدون من العلماء: شيء لا حقيقة له، وهو مظهر للغريزة الانسانية الباحثة عن حقائق الكون، والتي تحاول تفسيره.ان هذه الغريزة الانسانية في ذاتها شيء مستحسن، ولكن المعلومات والوسائل المحدودة قد انتهت باجدادنا إلى اجابات غير صحيحة، وهي التي تحتويها الآن افكارهم عن الاله والدين. اما اليوم، وبعد ما توفرت لدينا الوسائل العلمية، واصلحت المعلومات الحديثة شيئا كثيرا من معتقداتنا الاجتماعية والحضارية، فقد حان الوقت لنعيد النظر في جميع ما وصل اليه اجدادنا من افكار.

***

ويذهب الفيلسوف الفرنسي«اوجست كونت» الذي نشا في النصف الاول من القرن التاسع عشر إلى ان تاريخ تطور الفكر الانساني ينقسم إلى ثلاث مراحل :

___________________

(١) Hindustan Times, Sunday Magazine, Sept ٢٤ , ١٩٦١.

(٢) فصلت ٥٣.


الاولى: المرحلة اللاهوتية ( Theological Stage ) وهي التي فسرت الاحداث فيها باسم الاله.

والثانية: المرحلة الميتافيزيقية: وفيها فسر الانسان الاحداث باسم«عناصر خارجية»، لايعلمها، ولكنه لا يذكر اسم الاله.

والثالثة: المرحلة الوضعية ( Positive Stage )، التي اخذ الانسان يفسر فيها الاحداث باعتبارها عناصر خاضعة لقوانين عامة، يمكن ادراكها بالمطالعة، او بالمشاهدة العلمية. وفي هذة المرحلة لا تذكر «الارواح والآلهة والقوى المطلقة». ونحن، وبناء على هذا، نعيش في المرحلة الثالثة التي تسمى في الفلسفة الحديثة بالوضعية المنطقية ( Logical Positivism ). ان نظرية «الوضعية المنطقية» او التجريبية العلمية ( Scientific Empricism ) لم تعرف كحركة علمية عالمية الا خلا ل العقد الرابع من القرن الحاضر، ولكنها. كفكرة، نشات قبل ذلك بسنين طويلة. وعلى ظهر هذه الفكرة نجد اسماء كبار العلماء والفلاسفة من امثال: هيوم، وميل. إلى برتراندرسل. وقد اصبحت هذه الفكرة اليوم، بفضل العدد الكبير من المؤسسات العلمية التي تقوم بدور فعال في الدعاية لها،. من اهم الحركات العلمية الحديثة. ويقول احد الباحثين :

«كل معرفة حقة مرتبطة بالتجارب. بحيث يمكن فحصها او اثباتها. بصورة مباشرة او غير مباشرة»(١) . وبناء على هذا يدعي معارضو الدين ان التطورا لذي بلغ به الانسان اليوم اعلى مستوى من الانسانية، هو نفي للدين من تلقاء نفسه. والسر في ذلك ان الافكار المتطورة الحديثة تؤكد ان «الحقيقة» ليست الا ما يمكن فحصه وتجربته علميا. وقد قام الدين على «حقيقة»لاسبيل إلى مشاهدتها وفحصها علميا وبعبارة اخرى: ان التفسير اللاهوتي للاحداث والوقائع لا يمكن اثباته بالوسائل العلمية، فهو باطل لا حقيقة له. ويترتب على هذا القول بان : «الدين تقسير زائف لوقائع حقيقية»، ذلك ان علم الانسان القديم المحدود لم يقدم التفسير الحقيقي للاحداث.، على حين ان القانون العام للتطور اتاح لنا ان نبحث عن الحقائق بالوسائل التجريبية الصحيحة.

ويمكن ان نقول هذا الكلام باسلوب آخر : ان موقف علماء الاديان القديمة اشبه برجل يكتب «شيكا لا رصيد له في المصرف»، فهم قد صاغوا عبارات ليس وراءها حقائق علمية، وعبارة ( الحقيقة العليا غير المتغيرة) صحيحة نحوا، ولكن ليس لها أي اساس علمي(٢) .

___________________

(١) Dictionary of Philosophy, N.Y., P. ٢٨٥.

(٢) Religiin and The Scientific Outlook, p. ٢٠.


«لقد اثبت ( نيوتن) انه لا وجود لاله يحكم النجوم. واكد (لابلاس) بفكرته الشهيرة ان النظام الفلكي لا يحتاج إلى أي اسطورة لا هوتية. وقام بهذا الدور العالمان العظيمان ( دارون) و (باستور) في ميدان البيولوجيا. وقد ذهب كل من علم النفس المتطور والمعلومات التاريخية الثمينة التي حصلنا في هذا القرن بمكان الاله، الذي كان مفروضا انه هو مدير شئون الحياة الانسانية والتاريخ»(١) .

لقد قامت قضية معارضي الدين على اسس ثلاثة:

الاساس الاول: بطل هذا الانقلاب في البيولوجيا هو ( نيوتن)، الذي عرض على الدنيا فكرة تثبت ان الكو ن مرتبط بقوانين ثابتة.، تتحرك في نطاقها الاجرام السماوية ثم جاء بعده آخرون فاعطوا هذه الفكرة مجالا علميا اوسع، حتى قيل : ان كل ما يحدث في الكون من الارض إلى السماء خاضع لقانون معلوم، سموه «قانون الطبيعة». فلم يبق للعلماء ما يقولون، بعد هذا الكشف. غير ان الاله كان هو المحرك الاول لهذا الكون. وضرب (والتير) مثلا في هذا الصدد : ان الكون كالساعة يرتب صانعها آلا تها الدقيقة في هيئة خاصة ويحركها، ثم تنقطع صلته بها.، ثم جاء (هيوم) فتخلص من هذا الاله الميت، وعلى حد قوله : «لقد راينا الساعات وهي تصنع في المصانع. ولكننا لم نرالكون وهو يصنع، فكيف نسلم بان له صانعا»؟

***

لقد جلى التطور العلمي للانسان كثيرا من سلسلة الاحداث التي لم يشاهدها من قبل. فهو لم يكن على علم باسباب شروق الشمس وغروبها، حتى زعم ان هناك قوة فوق الطبيعة تجعلها تشرق وتغرب. وها قد عرفنا اليوم ان شروق الشمس وغروبها يحدث لدوران الارض حول نفسها وبذلك انتهت ضرورة القول بهذه الطاقة تلقائيا، بعدما عرفنا الاسباب المؤدية إلى هذه الحركة الكونية.«فاذا كان قوس قزح مظهرا لانكسار اشعة الشمس على المطر، فماذا يدعونا إلى القول بانها آية الله في السماء»

من اجل هذا كله، وغيره قال هكسلي:

«اذا كانت الحوادث تصدر عن قوانين طبيعية فلا ينبغي ان ننسبها إلى اسباب فوق الطبيعة»(٢) .

***

___________________

(١) Religion Without Revelation, N.Y., ١٩٥٨ , p. ٥٨.

(٢) Religion Without Revelation, N.Y., ١٩٥٨ , p. ٥٨


والاساس الثاني: وقد ازداد العلماء يقينا بعد البحوث العلمية في ميدان علم النفس، حين توصلوا إلى نتائج تثبت ان الدين نتاج اللاشعور الانساني، وليس انكشافا لواقع خارجي. ويقول عالم كبير من علماء النفس:

« God is nothing but a projdction of man on a Cosmic screen »

«ليس الاله سوى انعكاس للشخصية الانسانية على شاشة الكون». وما عقيدة الدنيا والآخرة الا صورة مثالية للاماني الانسانية، وما الوحي والالهام الا اظهار غير عادي لاساطير الاطفال المكبوتة Childhood Repression(١) .

***

ويرى علم النفسي الحديث ان العقل الانساني مركب من شيئين هما: (الشعور)، وهو مركز الافكار التي تخطر على قلوبنا في ظروف عادية، و(اللاشعور) وهو مخزن الافكار التي مرت بنا ونسيناها، ولا تظهر الا في احوال غير عادية، كالجنون والهستيريا. وهذا القسم الثاني اكبر بكثير من الاول. ويمكن ان نمثل لهما بجبل من الجليد، فلو قسمناه تسعة اجزاء لكان منها ثمانية في جوف البحر، ولظهر جزء واحد على السطح. اكتشف فرويد بعد جهد طويل ان اللاشعور قد يقبل افكارا في الطفولة، وتؤدي إلى اعمال غير عقلية، وهذا ما يحدث بالنسبة إلى العقائد الدينية: فان فكرة الجحيم والجنة ترجع الى صدى الاماني التي تنشا لدى الانسان ابان طفولفته، ولكن لم تسنح له الفرصة لتحقيقها، فتبقى دفينة في اللا شعور، ثم يفرض اللاشعور بدوره حياة اخرى يتيسر له فيها تحصيل ما كان يتمناه، شان الرجل الذي قد لا يظفر بما يحب في الواقع فيحصله في المنام. وهكذا خرجت عقدة التفرقة بين الصغير والكبير ( Father complex ) - من الجرائم الاجتماعية، فصاغوا منها نظرية على مستوى الكون والسماء. ويقول رالف لنتون: «ان عقيدة القادر المطلق الظالم في نهاية الامر، الذي لا يرضى الا بالطاعة الكاملة والوفاء، كانت اول ما انتجه نظام المجتمع السامي. لقد خلق هذا النظام جبروتا غير عادي. وكانت نتيجته ان شريعة موسى خرجت بقوائم ضخمة مفصلة عن المحرمات في كل مجال من الحياة الانسانية. وقد آمن بهذه القوائم الطويلة العوام الذين كانوا يتقبلون احكام آبائهم العمياء ويطيعونها. وما التصور الالهي (اليهودي) الا خيال مثالي لاب سامي، مع شيء من المبالغة والتجريد في الاوصاف والطاقات»(٢)

___________________

(١) Iqbal Review, April, ١٩٦٢.

(٢) Tree of Culture, Ralph Linton


والاساس الثالث: لقضية معارضي الدين هو: (التاريخ). يقولون: ان القضايا الدينية وجدت لاسباب تاريخية احاطت بالانسان، فلم يكن في استطاعته ان يفلت من السهول والاعاصير والطوفانات والزلازل والامراض، فاوجد (قوى فرضية) يستغيثها، لتنقذه من البلايا النازلة. وهكذا ظهرت الحاجة إلى شيء يجتمع الناس حوله، ولا يتفرقون، فاستغل اسم (الاله) الذي تفوق قوته قوة الانسان، ويهرع الجميع إلى رضاه).

يقول محرر دائرة معارف العلوم الاجتماعية تحت اسم«الدين»

«وبجانب المؤثرات الاخرى التي ساعدت في خلق الدين، فان اسهام الاحوال السياسية والمدنية عظيم جدا في هذا المجال.، ان الاسماء الالهية وصفاتها خرجت من الاحوال التي كانت تسود على ظهر الارض. فعقيدة كون الاله«الملك الاكبر» صورة اخرى للملكية الانسانية، كذلك الملكية السماوية صورة طبق الاصل للملكية الارضية. وكان الملك الارضي القاضي الاكبر، فاصبح الاله يحمل هذه الصفات، ولقب«بالقاضي الاكبر الاخير»، الذي يجازي الانسان على الخير والشر من اعماله. وهذه العقيدة القضائية التي تؤمن بكون الاله محاسبا ومجازيا لا توجد في اليهودية فحسب، وانما لها مقامها الاساسي في العقائد الدينية. المسيحية والاسلامية»(١) .

***

«لقد خلق العقل الانساني الدين، وتم خلقه، في حالة جهل الانسان وعجزه عن مواجهة القوى الخارجية». ويضيف جوليان هكسلي إلى هذا قوله: «فالدين نتيجة لتعامل خاص بين الانسان وبيئته»(٢) . ويقول ايضا: «ان هذه البيئة قد فات اوانها او كاد. وقد كانت هي المسؤلة عن هذا التعامل، فاما بعد فنائها وانتهاء التعامل معها فلا داعي للدين»، ويضيف «لقد انتهت العقيدة الالهية إلى آخر نقطة تفيدنا وهي لا تستطيع ان تقبل الآن أية تطورات:«لقد اخترع الانسان قوة ما وراء الطبيعة لتحمل عبء الدين، جاء بالسحر، ثم بالعمليات الروحية.، ثم بالعقيدة الالهية، حتى اخترع فكرة (الاله الواحد). وقد وصل الدين بهذه التطورات إلى آخر مراحل حياته.، ولاشك ان هذه العقائد كانت في وقت ما جزءا مفيدا من حضارتنا، بيد ان هذه الاجزاء قد فقدت اليوم ضرورتها، ومدى افادتها للمجتمع الحاضر المتطور(٣)

***

____________________________

(١) Encyclopaedia of Social Sciences, ١٩٥٧ , Vol. ١٣ , p. ٢٣٣.

(٢) Man in the Modern World, p. ١٣٠.

(٣) Ibid. p. ١٣١.


وترى الفلسفة الشيوعية ان الدين«خدعة تاريخية»، وهي تركز الاسباب في عوامل اقتصادية، لانها تنظر إلى التاريخ في ضوء الاقتصاد. وهي ترى ان العوامل التاريخية التي خلقت الدين هي النظام البورجوازي الاستعماري القديم. وهذا النظام القديم يلقي اليوم حتفه.فلندع الدين ايضا يذهب معه.

يقول فيلسوف الشيوعية انجلنز:

«ان كل القيم الاخلاقية هي في تحليلها الخير من خلق الظروف الاقتصادية»(١)

فالتأريخ الانساني هو تاريخ حروب الطبقات التي امتص فيها البورجوازيون دماء الفقراء، وقد كانت الغاية من وضع الدين والاسس الاخلاقية حماية حقوق البورجوازيين.

ويقول البيان الشيوعي: ( Communist Menifesto ):

«ان الدستور والاخلاق والدين كلها خدعة البورجوازية، وهي تتستر وراءها من اجل مطامعها».

ويقول لينين في خطاب له القاه في المؤتمر الثالث لمنظمة الشباب الشيوعي في اكتوبر سنة ١٩٢٠:«اننا لا نؤمن بالاله، ونحن نعرف كل المعرفة ان ارباب الكنيسة والاقطاعيين والبورجوازيين لا يخاطبوننا باسم الاله الا استغلالا، ومحافظة على مصالحهم، اننا ننكر بشدة جميع هذه الاسس الاخلاقية التي صدرت عن طاقات وراء الطبيعة، غير الانسان، والتي لا تتفق مع افكارنا الطبقية، ونؤكد ان كل هذامكر وخداع، وهو ستار على عقول الفلاحين والعمال، لصالح الاستعمار والاقطاع، ونعلن ان نظامنا لا يتبع الا ثمرة النضال البروليتاري، فمبدا جميع نظمنا الاخلاقية هو الحفاظ على الجهود الطبقية البروليتارية»(٢) .

كانت هذه هي قظية معارضي الدين التي يزعم بعض العلماء الجدد بناء عليها ما يمكن تلخيصه في كلمة استاذ امريكي في طب الاعضاء:

« Scicnce has shown Religion to be history’s crueliest and whckediest hoax .»

«لقد اثبت العلم ان الدين كان اقسى واسوا خدعة في التاريخ»(٣) .

ولسوف ننظر في مدى صحة هذه القضية على اسس علمية في الباب الآتي، ان شاء الله.

***

___________________

(١) Anti Duhring, Moscow, ١٩٥٤ , p. ١٣١.

(٢) Lenin, Selected Works, Moscow, ١٩٤٧ , Vol, II, p. ٦٦٧.

(٣) Quoted by CA Coulson, Science & Christian Belief, P. ٤,


الباب الثاني : نقد قضية المعارضين

عرضنا في الباب الاول قضية المعارضين، الذين يزعمون انه لا داعي لان يبقى الدين في عصرنا الحاضر. والحقيقة ان هذه القضية لا تقوم على اساس، ولسوف نتناول قي الابواب الآتية،افكار الدين الاساسية، واحدة واحدة، لننظر في مدى حقيتها، كما كانت قبل العصر الحديث.

واليكم نقدا عاما لقضية المعارضين:

اولا: حقيقة الطبيعة:

لنتكلم اولا في الدليل الذي يعرض باسم البيولوجيا، وهو ان الحوادث تحدث طبقا (لقانون الطبيعة)، فلا حاجة لان نفترض لهذه الحوادث الها مجهولا. ان احسن ما قيل في هذا الصدد ما قاله عالم مسيحي: « Nature is A Fact, Not An Explanation »

«ان الطبيعة حقيقة ( من حقائق الكون) وليست تفسيرا (له) ». لان ما كشفتم ليس بيانا لاسباب وجود الدين، فاالدين يبين لنا الاسباب والدوافع الحقيقية التي تدور «وراء الكون»، وما كشفتموه هو الهيكل الظاهر للكون. ان العلم الحديث تفصيل لما يحدث، وليس بتفسير لهذا الامر الواقع، فكل مضمون العلم هو اجابة عن السؤال: «ما هذا؟»، وليس لديه اجابة عن السؤال : «ولكن لماذا؟». وان التفسير الذي نحن بصدده هنا يتعلق بالامر الثاني.

***

لنفهم هذا من مثال بسيط. فالكتكوت يعيش ايامه الاولى، داخل قشرة البيضة القوية، ويخرج منها بعد ما تنكسر مضغة لحم، كان الانسان القديم يؤمن بان الله اخرجه ولكنا شاهدنا اليوم بالمنظار انه في اليوم الحادي والعشرين يظهر قرن صغير على منقار الكتكوت، يستعمله في تكسير البيضة، لينطلق خارجا منها. ثم يزول هذا القرن بعد بضعة ايام من خروجه من البيضة.


هذه المشاهدة،كما يزعم المعارضون، ابطلت الفكرة القديمة القائلة: بان الاله يخرج الكتكوت من البيضة،اذ قد راينا يقينا ان قانونا لواحد وعشرين يوما يحدث هذه العمليةوالحقيقة ان المشاهدة الجديدة لا تدلنا الا على حلقات جديدة للحادث، ولا تكشف عن سببه الحقيقي، فقد تغير الوضع الآن فاصبح السؤال لا عن تكسر البيضة، بل عن (القرن) ؟.ان السبب الحقيقي سوف يتجلى لاعيننا حين نبحث عن العلة التي جاءت بهذا القرن.،، العلة التي كانت على معرفة كاملة بان الكتكوت سوف يحتاج إلى هذا القرن ليخرج من البيضة، فنحن لا نستطيع ان نعتبر الوضع الاخير (وهو مشاهدتنا بالمنظار) الا انه «مشاهدة للواقع على نطاق اوسع»، ولكنه ليس تفسيرا له.

يقول البروفسور ( سيسيل بايس هامان)، وهو استاذ امريكي في البيولوجيا:

«كانت العملية المدهشة في صيرورة الغذاء جزءا من البدن تنسب من قبل إلى الاله، فاصبحت اليوم بالمشاهدة الجديدة تفاعلا كيماويا، هل ابطل هذا وجود الاله؟فما القوة التي اخضعت العناصر الكيماوية لتصبح تفاعلا مفيدا؟. ان الغذاء بعد دخوله في الجسم الانساني يمر بمراحل كثيرة خلال نظام ذاتي، ومن المستحيل ان يتحقق وجود هذا النظام المدهش باتفاق محض. فقد صار حتما علينا بعد هذه المشاهدات ان نؤمن بان الله يعمل بقوانينه العظمى التي خلق بها الحياة!».(١)

كان الانسان القديم يعرف ان السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر، حتى نزول قطرات الماء على الار ض، وكل هذه المشاهدات صور للوقائع، وليست في ذاتها تفسيرا لها، فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟وكيف قامت بين الارض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى ان العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟والحقيقة ان ادعاء الانسان بعد كشفه لنظام الطبيعة انه قد كشف تفسير الكون ليس سوى خدعة لنفسه، فانه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الاخيرة.

ويضيف العالم الامريكي سيسيل قائلا:

« Nature does not explain, she is herself in need of explanation .»

«ان الطبيعة لا تفسر شيئا (من الكون)، وانما هي نفسها بحاجة إلى تفسير».

فلو انك سالت طبيبا : ما السبب وراء احمرار الدم؟

لاجاب : لان في الدم خلاياحمراء،حجم كل خلية منها٧٠٠/١ من البوصة!

___________________

(١) The Evidence of God in an Expounding Universe, p ٢٢١.


حسنا، ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟

في هذه الخلايا مادة تسمى ( الهيموجلوبين) وهي مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالاوكسجين في القلب.

هذا لجميل. ولكن من اين تاتي هذه الخليا التي تحمل الاهيموجلوبين؟

انها تصنع في كبدك.

عجيب! ولكن كيف ترتبط هذه الاشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها، بعضها ببعض ارتباطا كليا، وتسير نحو اداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟

هذا ما نسميه بقانون الطبيعة. ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا. ياسيدي الطبيب؟ المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية والكيماوية. ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائما إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها، حتى تطير الطيور في الهواء، ويعيش السمك في الماء، ويوجد انسان في الدنيا، بجميع ما لديه من الامكانات والكفاءات العجيبة المثيرة؟

لا تسالني عن هذا، فان علمي لا يتكلم الا عن : (ما يحدث)، وليس له ان يجيب: (لماذا يحدث؟).

يتضح من هذه الاسئلة مدى صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والاسباب وراء هذا الكون. ولا شك انه قد ابان لنا عن كثير من الاشياء التي لم نكن على معرفة بها، ولكن الدين جواب لسؤال آخر، لا يتعلق بهذه الكشوف الحديثة العلمية، فلو ان هذه الكشوف زادت مليون ضعف عنها اليوم فسوف تبقى الانسانية بحاجة إلى الدين، ان جميع هذه الكشوف «حلقا ثمينة من السلسلة»، ولكن ما يحل محل الدين لا بد ان يشرح الكون شرحا كليا وكاملا. فما الكون على حاله هذه الا كمثل ما كينة تدور تحت غطائها، لا نعلم عنها الا انها (تدور:، ولكنا لو فتحنا غطائها فسوف نشاهد كيف ترتبط هذه الماكينة بدوائر وتروس كثيرة، يدور بعضها ببعض، ونشاهد حركاتها كلها. هل معنى هذا اننا قد علمنا خالق هذه الماكنة بمجرد مشاهدتنا لما يدور داخلها؟ هل يفهم منطقيا ان مشاهدتنا هذه اثبتت ان الماكينة جاءت من تلقاء ذاتها، وتقوم بدورها ذاتيا؟ لو لم يكن هذا الاستدلال منطقيا فكيف إذن نثبت بعد مشاهدة بعض عمليات الكون انه جاء تلقائيا، ويتحرك ذاتيا؟.

لقد استغل البروفيسور هريز ( A. Harris ) هذا الاستدلال حين نقد فكرة داروين عن النشوء والارتقاء، فقال:


«ان الاستدلال بقانون الانتخاب الطبيعي يفسر عملية (بقاء الاصلح)، ولكنه لا يستطيع ان يفسر حدوث هذا الاصلح:(١) .

ثانيا: اللاشعور ودليل علم النفس:

لنعالج الآن الدليل الذي يقدمه علم النفس والقائل بان الاله والآخرة قياس للشخصية الانسانية واما نيها علىمستوى الكون. ولست بمستطيع ان ادرك نقطة الاستدلال في هذا الدليل. ولو انني ادعيت بدوري ان الشخصية الانسانية وامانيها موجودة فعلا على مستوى الكون فلست ادري ما عسى ان يبطل ادعائي هذا من منطق المعارضين؟!

نحن نعرف ان مادة (الجنين) التي لا تشاهد الا بالمنظار تنبيء في ذاتها عن انسان طوله ٧٢بوصة، وان (الذرة) التي لا تقبل المشاهدة تحتوي نظاما رياضيا كونيا يدور عليه النظام الشمسي، فلا عجب اذن ان يكون النظام الذي نشاهده على مستوى الانسان في الجنين، وعلى مستوى النظام الشمسي في الذرة موجودا ايضا، وبصورة اكمل على مستوى الكون. ان ضمير الانسان وفطرته ينشدان عالما متطورا كاملا، فلو كان هذا الامل صدى لعالم حقيقي فلست ارى في ذلك أي ضرب من ضروب الاستحالة!!

(١) لا شك في قول العلماء: ان الذهن الانساني يحتفظ بافكار قد تظهر فيما بعد في صورة غير عادية. ولكن سوف يكون قياسا مع الفارق ان نعتمد على هذه الفكرة كي نبطل الدين. فهو قياس في غير محله، وهو يعتبر استدلالا غير عادي من واقع عادي. فهو اشبه بمن يشاهد مثالا يصنع صنما فيصرخ: هذا هو الذي قام بعملية خلق الانسان.

ومن معايب الفكر الحديث انه يستنبط من حادث عادي دليلا غير عادي، فهذا الدليل لا وزن له من الناحية المنطقية، ولو افترضنا ان رجلا يسير في شارع اخذ يهذي بكلام غريب نتيجة لافكار مختزنة في ذهنه، فهل يمكن ان نستغل هذا الحادث في البحث في كلام الانبياء، وهو الكلام الذي يكشف سر هذا الكون.؟؟ سوف يكون هذا الاستدلال غير علمي، وغير منطقي، ولسوف يدل على ان صاحبه يفتقر إلى القيم حتى يستطيع التفرقة بين كلام رجل الشارع وكلام الانبياء، فلا يدعي ان هذا الهذيان هو المسؤل عما جاء به الدين.

فالقيم تتغير ذاتيا بتغير الاوضاع، ومن الخطا الظن بانها لا توجد الاعند اصحاب الفكر الحديث.

___________________

(١) Revolt against Reason, A. Lunn, p. ١٣٣.


ولنتخيل ان رهطا من سكان بعض النجوم هبط الارض.، وهم يسمعون، ولكنهم لا يقدرون على الكلام، ولنتصور انهم يذهبون فيبحثون عن الاسباب المؤدية إلى تكلم الانسان، وبينما هم في طريقهم إلى هذا البحث هبت الرياح، واحتك غصنان، احدهما مع الآخر.، فنتج صوت، وتكررت العملية غير مرة حتى توقفت الرياح، واذا بهم يعلن كبيرهم : لقد عرفنا سر كلام الانسان، وهو ان فمه يحتوي على فكين من الاسنان، فاذا احتك الفك الاعلى بالاسفل صوت!ولا شك انه اذا احتك شيء بالآخر يحدث صوتا، ولكن هذا الواقع لا يكشف عن سر الكلام الانساني، كما لا يصح تفسير اسرار النبوة بكلام غريب كهذيان رجل الشارع، في حال الجنون او الهستيريا.

(ب) واللا شعور الانساني من الوجهة العلمية فراغ في اصله، لا شيء فيه قبل مولد الانسان، وانما يستقر فيه عن طريق الشعور ما يشغله الآن، لان (اللا شعور) ليس سوى مخزن للمعلومات والمشاهدات التي شاهدها الانسان في حياته، ولو مرة، ومن المستحيل ان يختزن حقائق لم يعلمها من قبل. والذي يثير الدهشة ان الدين الذي جاء على لسان الانبياء يشتمل على حقائق ابدية لم تخطر على بال احد من الناس في أي زمان، فلو كان اللاشعور هو مخزن هذه المعلومات، فمن اين ياتي بها هؤلاء الذين يتكلمون عن اشياء لا طريق لهم إلى العلم بها؟

ان الدين الذي جاء به الانبياء يتصل من ناحية او اخرى بجميع العلوم المعاصرة الطبيعة، والفلك، وعلم الحياة، وعلم الانسان، وعلم النفس، والتاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع وغيرها من العلوم، وكل حديث في التاريخ الانساني مصدره (الشعور)، فضلا عن اللا شعور، لا يخلو من الاغلاط والاكاذيب والادلة الباطلة. اما الكلام النبوي فانه بريء ولا شك من كل هذه العيوب.، رغم اتصاله بجميع العلوم، ولقد مرت قرون اثر قرون، ابطل فيها الآخرون ما ادعاه الاولون، وما زال صدق كلام النبوة باقيا على الزمان، ولم يستطيع احد ان يدل على باطل جاء به، وكل من حاول ذلك اخفق.

واليكم مثالا من هذا القبيل اعتمد عليه فلكي كبير، حتى ادعى انه كشف غلطة علمية في القرآن الكريم.

يقول (جيمز هنري بريستد) :

«لقد راج التقويم القمري في الدنيا لكثرة تداوله في غرب آسيا، ولغلبة الاسلام سياسيا بوجه خاص ولقد مضى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالأختلاف بين التقويم القمري والشمسي إلى اقصى حد من العبث يمكن تصوره، حتى انه ابطل اضافة الشهور الكبيسة


( Intercalary months ). ان السنة القمرية المزعومة تشتمل على٣٥٤يوما،. وتقل احد عشر يوما عن السنة الشمسية. وهكذا تزيد السنة القمرية سنة واحدة كل ٣٣سنة، وثلاث سنين في كل قرن فلو حل رمضان في يونيو في هذه السنة فسوف يحل بعد ست سنين في ابريل».

لقد مضى ١٣١٣ عاما منذ(١) الهجرة، حيث ان قرننا (الميلادي) هو بمثابة مائة سنة وثلاث سنين في تقويم المسلمين، وقد سجل تقويمهم واحدا واربعين عاما زائدا في هذه المدة من قرننا. وقد الغت كنيسة اليهود الشرقية هذه السخافة واختارت طريقة اضافة الشهور ( Intercalation ) لتجعل بتقويمها مثل التقويم الشمسي. وهذا هو السبب في ان غرب آسيا يعاني حتى الآن لعنة هذه الطريقة القديمة « التقويم القمري»(٢) .

لسنا هنا بصدد مناقشة الفرق بين التقويم القمري والشمسي. ولكن لا بد من توضيح ان ما نسبه المؤلف إلى رسول الاسلام هو في الحقيقة غفلة شديدة ترجع إلى المؤلف نفسه، ولم يمنع القرآن الكريم اضافة (الشهور الكبيسة)، وانما حرم النسيء (التوبة:٣٨)، ومعناه في اللغة: (التاخير)، ومنه: (نساء الدابة) عن الحوض لكي تشرب الخرى، ومعناه في الاصطلاح: (تاخير شهر وتقديم شهر آخر عليه).

لقد كان من بين العادات الكريمة التي دعا اليها ابراهيمعليه‌السلام العرب تحريم اربعة اشهر لا قتال فيها ولا جدال، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وقد كان العرب يسافرون في هذه الاشهر بكل حرية، لكي يؤدوا فريضة الحج والعمرة. وحين دب الفساد في بعض القبائل.، اخترعوا بدعة (النسيء)، وهي ان يضعوا شهرا غير حرام محل الشهر الحرام، كأن يجعلوا صفر في مكان المحرم، وذلك لكي يحاربوا قبيلة يلزم قتالها في الشهرالحرام. وهذه هي البدعة المقيتة التي وصفها القرآن الكريم بانها: (زيادة في الكفر).

وقال العلماء: ان الشهور الكبيسة كانت رائجة في العرب، وكانوا يضيفون عدد الشهود في السنة للتقويم. وقال مفسر للقرآن الكريم في هذا الموضوع. وهو مولانا شبير احمد العثماني في تفسيره: «ان بعض القبائل تضيف الشهور الكبيسة كل ثلاثة اعوام ليستقيم التقويم القمري. ولا يدخل هذا العمل في النسيء).

ان ما قاله رسول الاسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عهد الظلام لم يكن من الجهالة، ولا يدخل

___________________

(١) كان ذلك في عام ١٩٣٥م.

(٢) Time and its Mysteries , N Y. ١٩٦٢ , p. ٥٦.


قطعا في نطاق ما اورده (جيمز هنري بريستد) طعنا عليه، ولو كان كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صادرا عن الشعور او اللاشعور لو قعت فيه اخطاء، ما من ذلك بد.

***

ثالثا: الاستدلال بالتاريخ والاجتماع: ان الذين يستدلون بالتاريخ او الاجتماع خطأهم الاساسي انهم لا يدرسون الدين من وجه صحيح، ولهذا يبدو لهم الدين شيئا غريبا، ومثال ذلك ان ترى شيئا مربعا من زاوية منحرفة فيتراءى لك مثلثا. ان الخطأ الذي يقعون فيه هو انهم يتناولون الدين على انه«مشكلة موضوعية Objective problem ». فهم يجمعون في سلة واحدة كل ما اطلق عليه اسم (الدين)، من رطب ويابس، في أي مرحلة من التاريخ، ثم يتأملون في ضوء هذا المحصول حقيقة الدين!! ان موقفهم ينحرف من اولى مراحله، فيبدولهم الدين جراء هذا الموقف الفاسد عملا اجتماعيا.، لا كشفا لحقيقة، ومن المعلوم ان لكل ما يكشف عن حقيقة من الحقائق مثلا اعلى، ولابد عند البحث عن هذه الحقائق ان ندرس مظاهرها وتاريخها في ضوء مثله الأعلى. اما الامور التي تاتي بها اعمال اجتماعية فليس لها مثل اعلى. وبقاؤها رهن بحاجة المجتمع اليها. والدين يختلف عن ذلك كل الاختلاف.،فليس من الممكن البحث عن حقائقه، كما يبحث عن تطورات فنون العمارة والنسيج والحياكة والسيارات، لان الدين علم على حقيقة يقبلها المجتمع او يرفضها، او يقبلها في شكل ناقص، ويبقى الدين في جميع هذه الاحوال حقيقة واحدة في ذاتها، وانما يختلف في اشكاله المقبولة، ولهذا لا يمكن ان نفهم حقائق (الدين) بمجرد فهرسة مماثلة لجميع الاشكال الموجودة في المجتمعات باسم الدين. ولناخذ على سبيل المثال لفظ ( الجمهورية).فهي قيمة سياسية لنظام خاص بالحكم وفي ضوء هذه القيمة نستطيع ان نحكم على بلاد بانها جمهورية، او بانها ليست كذلك،. لكنا لو ذهبنا نبحث عن معاني (الجمهورية) في النماذج السياسية التي توجد عبر القارات، ويلتصق بها لفظ (الجمهورية)، ثم زعمنا ان كل هذه البلاد قائمة (على اسس جمهورية). فسوف تصبح كلمة «الجمهورية»بلا معنى. ففي هذه الحالة ستختلف (جمهورية) الصين عن (جمهورية) الولايات المتحدة الامريكية. وستعارض (جمهورية) انجلترا (الجمهورية) العربية المتحدة. كما ان (جمهورية) باكستان ستصطدم (بالجمهورية) التي تلتزم بها الهند. فاذا تاملنا كل هذه المشاهدات في ضوء (فلسفة التطور) فان هذه الكلمة سوف تفقد معناها حتما، لان فرنسا التي انجبت النظام الجمهوري سوف تبرهن على ان (الجمهورية) بعد (نشوئها وارتقائها) تتمثل في ديكتاتورية ديجول العسكرية. وهذا النهج في التناول يؤدي إلى نتيجة غريبة، هي انه لا حاجة الى (الاله) في الاديان!!


اذ يوجد مثال لهذا في تاريخ الاديان وهو مثال البوذية. التي تخلو تماما من فكرة (الاله). ومن ثم آمنت جماعة من الناس بضرورة البحث عن دين مجرد من الاله، ولو اننا سلمنا بالفكرة القائلة بان شيئا مثل (الدين) لابد منه للانسان، لحاجته إلى الوعي الخلقي والتنظيم الاجتماعي، فلا داعي آذن للاله ان يوجد، وربما قيل: «ان الدين الذي يصح لهذا العصر يلزم ان يكون مثل البوذية فان اله العصر الحاضر هو (مجتمعه واهدافه السياسية)، ورسول هذا الاله هو (البرلمان) الذي يوجه الشعب إلى ما يرضيه، ومعابد هذا الاله العصري ليست المساجد او الكنائس القديمة، وانما هي المصانع الكبيرة والسدود العظيمة»(١) ان لهؤلاء الباحثين الاجتماعيين المزعومين قدرة كبيرة على خلق هذه الافكار الجديدة، التي تنتقل من (دين الاله) إلى فكرة (الدين بغير الاله) وذلك ناشيء عن الطريق المعوجة التي سلكها بحثهم، وهم يغمضون اعينهم عن جميع النواحي العلمية الاخرى التي تلقي ظلالا من الشكوك حول جداولهم الارتقائية. ومثاله ان علماء الاجتماع والانسان قد توصلوا بعد ابحاثهم الفنية الدقيقة إلى ان (نظرية الاله) شكل ارتقائي لفكرة تعدد الآلهة، غير ان هذا الارتقاء ضل طريقه واتجه إلى طريق غريبة، وحير العلماء كما شوش امره على نفسه، بارتقائه الباطل من فكرة تعدد الآلهة، غير ان هذا الارتقاء ضل تعدد الآلهة إلى فكرة الاله الواحد. ان فكرة تعدد الآلهة كانت تحمل قيما اجتماعية مؤداها ان يعيش مؤمنو الآلهة المختلفة في سلام باعتراف متبادل ما بينهم ولكن فكره الاله الواحد بطلت حتما هذا الأمكان بخلقها نظرية الدين الاعلى ( Higher Religion ) ونتيجتها ان بدات حروب ضارية لانهاية لها بين شعوب الدنيا وهكذا سعت فكرة الاله الواحد إلى حتفها بظلفها، بارتقائها في اتجاه مناقض. وهذا هو قانون النشوء والارتقاء»(٢) ولكننا فعلا قد تركنا الواقع الحقيقي في هذا الجدول، فالتاريخ المعلوم يثبت ان اول رسول معلوم كان سيدنا نوحاعليه‌السلام ، وكان يدعو إلى الله الواحد. كما ان تعدد الآلهة ( Polytheism ) ليس في درجة واحدة. وانما معناه: ان يشرك الانسان مع الاله الاكبر آلهة آخرين. يقربونه اليه ويشفعون له وفي وجود هذه الحقائق تتحول نظرية النشوء والارتقاء إلى ادعاء لا دليل عليه.

***

وفكرة (ماركس) هي اكثر نظريات هذه المجموعة عبثا، فهي تقول: ان الاحوال الاجتماعية هي التي تقوم ببناء الانسانية وتكميلها، ومن ثم كان العصر الذي وجد فيه الدين

___________________

(١) Religion Without Revelation, Julian Huxley

(٢) Man in the Modern World, p ١١٢.


عصر الاقطاع والراسمالية. وهو عصر الانتهازيين اللصوص، كما ان الافكار الدينية والاخلاقية التي تولدت في هذا العصر تحمل نفس الطابع الانتهازي الاستعماري. والحق ان هذه الفكرة ليست لها قيمة من الناحية العلمية. كما انها عند التحليل العلمي والتجربة العملية لا طريق إلى تصديقها.

فالفكرة الماركسية تنفي بشدة ارادة الانسان.، وهي تحيل الاحداث إلى تاثير عوامل ازمة الزمن الاقتصادية، ومعنى ذلك ان الانسان لا شخصية له، فهو يصاغ في مجتمعه، كما يصاغ الصابون في المصنع، ولا طريق امامه كي يشق افكارا وطرقا جديدة وانما هو ينطلق مفكرا على النهج الذي سمحت له به حياته الاقتصادية، فاذا كانت هذه القضية صحيحة، فكيف تمكن كارل ماركس وليد النظام الراسمالي من ان يفكر ضد العوامل الاقتصادية الرائجة في عصره، هل صعد القمر لكي يبحث في احوال الارض؟

وبعبارة اخرى: لو صح ان الدين وليد عصر مخصوص فكيف لم تكن الماركسية وليدة النظام الاقتصادي لعصرها؟؟. واذا لم نسغ هذا الوضع فيما يتعلق بالماركسية فكيف نسيغه بالنسبة إلى الدين؟. الحق ان هذه الفكرة عبث مثير لا يحمل على ظهره أي دليل علمي او عقلي.

هذا وقد اتضحت اخطاء هذه الفكرة بالتجارب العملية. وحسبنا روسيا، هنالك حيث سادت الماركسية نصف قرن من الزمان. ادعت روسيا خلاله ان احوال البلاد المادية قد تغيرت تماما وان النظام الزراعي.، والمبادلة، وتقسيم الاموال.، قد جرت على اسس غير استغلالية، ولكنا وجدنا حين مات ستالين ان قادة الروس انفسهم قد اقروا بان الظلم والفساد كانا رائجين في عهده، وانه كان يستغل الشعب كما يستغله الحكام في البلاد الاستعمارية. ولو وضعنا في اعتبارنا واقع الرقابة الشديدة على الصحف ووسائل الاعلام، وهي التي تمكن بها ستالين من ان يذيع على العالم ان عهده هو عهد العدل والانصاف، فلا ريب ان هذه الرقابة موجودة هناك اليوم ايضا، ومن هنا نستطيع ان نفهم ان الامور تجري وراء ستائر الدعاية الجميلة على ما كانت عليه في عهد ستالين. وان كان المؤتمر العشرون(١٩٥٦) للحزب الشيوعي الروسي قد افشى مظالم ستالين.، فلا غرابة ان يجيء المؤتمر الاربعون للحزب الشيوعي بأفشاء اسرار حكام روسيا اليوم(١) .

ان هذا النظام الذي استغرقت تجربته نصف قرن من الزمان ليدلنا على ان الانسان لا يتغير بتغير نظام الزراعة والمبادلة المزعوم، ولو كان العقل الانساني تابعا للنظام الاقتصادي فلماذا نجد الظلم والفساد والاستغلال في نظام روسيا الشيوعي؟

___________________

(١) وقد اكد هذا عزل خروشوف والحوادث التي تلته في روسيا في اكتوبر عام ١٩٦٤م.


ان قضية العصر الحاضر لا تعدو ان تكون «سفسطة علمية Scientific Sophism » ذلك ان علماء هذا العصر يعالجون قضاياهم في ضوء العلم الحديث، غير ان هذه المعالجة لا تجدي نفعا، لانها قائمة على العلم المحض و حسب، على حين لا بد من اعتبار اشياء اخرى، ومثال ذلك :ان نشرع في دراسة علمية لاشياء علمية ناقصة، فسوف تؤدي هذه المطالعة العلمية إلى نتائج غير علمية،، ناقصة، باطلة. لقد عقد في دلهي في يناير ١٩٦٤مؤتمر دولي للمستشرقين، اشترك فيه الف ومائتان من العلماء من جميع انحاء العالم. وقدم احدهم في هذا المؤتمر بحثا يدعي فيه مآثر كثيرة لمسلمي الهند ليست من عمل المسلمين،وانما هي من عمل الملوك الهندوس. وضرب لذلك مثلا بمنارة قطب في دلهي المنسوبة إلى الملك قطب الدين ايبك، على حين بناها الملك الهندوسي سامودرا جوبت قبل ٢٣قرنا،. وقد اخطا المؤرخون المسلمون فنسبوها إلى الملك قطب الدين. ويستدل هذا البحث بان في المنارة المذكورة بعض احجار قديمة نحتت قبل عصر الملك قطب الدين. وهذا كما يبدو استدلال علمي. اذ ان بعض احجار المنارة فعلا من الصنف الذي ذكره العالم، ولكن هل يكفي مشاهدة بعض احجار المنارة للبت في امر بانيها؟ او انه لا بد من نواح اخرى كثيرة لنشاهدها في هذا الصدد. ومن هنا فان هذا التفسير لا يصدق على منارة قطب ككل. هذا تفسير. وهناك تفسير آخر، هو ان هذه الاحجار القديمة التي يوجد بعضها في المنارة. انما جاءت من انقاض ابنية قديمة، كما هو معروف في كثير من الابنية التاريخية الحجرية. ولا مناص من ان نقبل هذا التفسير الثاني حين نشاهد منارة قطب الدين في ضوء طابعها المعماري ورسومها وتصميمها.، والمسجد الناقص بجوارها، والمنارة الثانية التي لم تكمل.،ثم ننتهي إلى ان التفسير الاول ليس الا قياسا خاطئا قائما على المغالطات.

وهذا هو امر قضية المعارضين، فانهم نظروا إلى حقائق ناقصة وجزئية، لا يتصل بعضها بالموضوع مطلقا، واعتقدوا ان الدراسة العلمية الحديثة قد ابطلت الدين، على حين اننا لو نظرنا إلى الواقع جملة وتفصيلا فسوف نصل إلى نتيجة تختلف عن الاولى كل الاختلاف. والدليل الذي يقنعني بصدق الدين هو ان عقولا مثالية منا بعد ان تركت الدين قد اخذت تهذي بكلمات لا حقائق وراءها، وتعمه في تيه الظلام، ذلك ان الانسان بعد ان يفقد اساس (الدين) لا يجد اساسا آخر لافكاره. والاسماء التي تأتي في قوائم المعارضين اكثرها من عقولنا الكبيرة، ولكنهم بعد ان تخلوا عن الدين راحوا يكتبون ضروبا من اللغو غاية في الاهمال والتمزق، حتى انني اتحير احيانا ـفلا افهم كيف صدرت هذه الكلمات عن قلم رجل من العلماء؟. وان السجل الذي انتجه هؤلاء ليشتمل على خرافات وآراء


متناقضة، واعترافات بجهل الحقيقة، كما يشتمل على ادلة اشبه بالسفسطة. فبطولة هؤلاء تكمن في انهم اغمضوا اعينهم عن الحقائق الظاهرة، وشادوا قناطر خيالية من الادعاء، كما تتمثل في استدلالهم بالشاذ من الامور.، وذلك من سمات القضايا الباطلة.، اما القضايا الصحيحة فانها تقوم على اسس علمية ثابتة، لا على الشواذ.

وتتجلى حقيقة الدين وسفسطة قضية المعارضين اكثر من ذلك حين نطالع صورة الحياة الانسانية في ضوء الدين، انها صورة جميلة لطيفة، تتوافق مع افكار الانسان السامية، كما يتوافق الكون المادي مع القوانين الرياضية، بعكس تلك الصورة التي يرسمها المعارضون، فهي صورة جدا قبيحة، وهي لا تتفق ابدامع الذهن الانساني، وانظر إلى ما يقوله برتراند رسل: «والانسان وليد عوامل ليست بذات اهداف، ان بدأه ونشوءه، وامانيه ومخاوفه، وحبه وعقائده، كلها جاءت نتيجة ترتيب رياضي اتفافي في نضام الذرة، والقبر ينهي حياة الانسان. ولا تستطيع اي قوة احياءه مرة اخرى. ان هذه المجهودات الطويلة. والتضحيات، والافكار الجميلة، والبطولات العبقرية، كلها سوف تدفن إلى الابد مع فناء النظام الشمسي. ان الكفاح الانساني كله سوف يدفن حتما مع الارض تحت انقاض الكون، ولو لم تكن هذه الافكار قطعية فانها اقرب ما تكون إلى الحقيقة، حتى ان اية فلسفة تحاول انكارها ستلقى فناءها تلقائيا»(١) .

ويكاد هذا الاقتباس ان يكون خلاصة الفكر المادي، فالكون في ضوء هذا الفكر المادي يكاد يفقد اهدافه، ولا يبقي غير الظلام الحالك، الظلام الذي تتلاشىفيه معايير الخير والشر، حتى ان ابادة الناس بالقنابل لا تعد ظلما، لانهم سوف يلقون حتفهم على انه حال يوما ما. اما الفكر الديني فهو فكر الضوء والامل. الموت والحياة مرتبطان فيه باهداف معينة، وكل القيم والافكار الانسانية السامية تجد لها مكانا فيه، وان كان بعض العلماء بمجرد تصديق القوانين الرياضية لافكاره يطمئن إلى انه قد توصل إلى الحقيقة، فان تصديق العقل الانساني الفكر الديني دليل قطعي على انه هو الحقيقة التي طالما بحثت عنها الفطرة الانسانية.، وعندئذ لا نجد اساسا واقعيا لانكار قيمة الفكر الديني، هذا وهو «؟المقياس» العلمي الذي يشير اليه الرياضي الامريكي البروفيسور ( ارل تشستر ريكس ) قائلا:

«انني استخدم في ابحاثي ذلك المقياس العلمي المسلم، الذي يستخدم في ترجيح احدى فكرتين مختلفتين او اكثر، عن حقيقة واحدة. وهو المقياس الذي نرجح بناء عليه الفكرة التي تفسر المسائل المتنازع فيها بطريقة اكثر بساطة وسهولة. لقد استخدم العلماء هذا المقياس

___________________

(١) Limitations of Science, p. ١٣٣.


لاختياراحدى نظريتي بطليموس وكوبرنيك: كانت الاولى تزعم ان الارض هي مركز النظام الشمسي. على حين اكدت الثانية ان النظام الشمسي هو مركز الارض. وكانت نظرية بطليموس غاية في التعقيد حتى رفضها العلماء»(١)

ولا باس من الاعتراف بان هذه الادلة لن تقنع بعض الناس. فان ابواب عقولهم المادية موصدة دون أي كلام مهما يكن علميا عن الاله او الدين. ومن المؤكد ان موقفهم هذا ليس لان استدلالنا ضعيف، وانما هو راجع إلى تعصبهم المقيت ضد الافكار الدينية، ولقد صدق عالم بريطانيا العظيم سير جيمس جينز الذي يعتبر ولا شك اعظم علماء العصر الحديث حيث قال في كتابه الشهير ( عالم الاسرار).

«ان في عقولنا الجديدة تعصبا يرجح التفسير المادي للحقائق»(٢)

وذكر (ويتكر شامبرز) في كتابه ( الشهادة) Witness حادثا كان من الممكن ان يصبح نقطة تحول في حياته. ذكر انه بينما كان ينظر إلى ابنته الصغيرة استلفتت اذناها نظره. فاخذ يفكر في انه من المستحيل ان يوجد شيء معقد ودقيق، كهذه الاذن، بمحض اتفاق، بل لابد انه وجد نتيجة ارادة مدبرة. لكن (ويتكر شامبرز) طرد هذه الوسوسة عن قلبه، حتى لا يضطر ان يؤمن منطقيا بالذات التي ارادت فدبرت، لان ذهنه لم يكن على استعداد لتقبل هذه الفكرة الاخيرة.

ويقول الاستاذ الدكتور ( تامس ديودباركس) بعد ان يذكر هذا الحادث:

«انني اعرف عددا كبيرا من اساتذتي في الجامعة. ومن رفقائي العلماء الذين تعرضوا مرارا لمثل هذه المشاعر. وهم يقومون بعمليات كيماوية وطبيعية في المعامل(٣)

لقد اجمع علماء هذا العصر على صدق نظرية النشوء والارتقاء. وقد بدات هذه النظرية تسود فعلا جميع فروع العلوم الحديثة. فكل مشكلة تحتاج «الاها» في تفسيرها توضع مكانه هذه النظرية بغير تردد.

هذا جانب من النظرية، واما الجانب الثاني وهو الجاني المظلم منها الذي يقرر (فكرة التطور العضوي) Organic Evolution الذي استنبطت منه فكرة الارتقاء. فقد بقي إلى يوم الناس هذا بلا براهين، وبلا ادلة علمية!حتى قال كثير من العلماء: «انهم لا يؤمنون بهذه النظرية.، الا لانه لا يوجد أي بديل لها سوى الايمان بالله مباشرة».

___________________

(١) The Evidence of God, p. ١٧٩.

(٢) Mysterious Universe, p. ١٨٩.

(٣) The Evidence of God, pp. ٧٣ - ٧٤.


وكتب سير آرثر كيث يقول:

«ان نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا. ولا سبيل إلى اثباتها بالبرهان. ونحن لا نؤمن بها الا لان الخيار الوحيد بعد ذلك هو ( الايمان بالخلق الخاص المباشر)، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه(١) »!!

انني اقر هنا بعجزي عن اقناع اولئك الذين ينطوون على التعصب الاعمى للتفسير المادي.، بحقية الدين. ولهذا التعصب جذور عميقة. كما يقول عالم امريكي: «ان كون العقيدة الالهية معقولة. وكون انكار الاله سفسطة لا يكفي ليختار الانسان جانب العقيدة الالهية. فالناس يظنون ان الايمان بالله سوف يقضي على حريتهم، بتلك الحرية العقلية التي استعبدت عقول العلماء، واستهوت قلوبهم، فاية فكرة عن تحديد هذه الحرية مثيرة للوحشة عندهم(٢) .

وبناء على هذا يدعي جوليان هكسلي ان فكرة النبوة «هي اظهار للتفوق بطريقة شاذة لا يمكن احتمالها»، اذ ان معنى الايمان بنبي ان نؤمن بكلامه على انه كلام الاله، ثم نمتثل طوعا او كرها لكل ما يامر به.

ولكن اذا كان الانسان مخلوقا وليس خالقا، عابدا وليس معبودا فكيف يستطيع ان يقضي على الحقائق بمجرد افكار نبتت في عقله؟. اننا لا نستطيع ان نغير الحقائق، وانما نستطيع ان نعترف او نؤمن بها فحسب. واذا كنا لا نحب ان تكون عاقبتنا عاقبة النعامة، فافضل خيار لنا ان نسلم بالحقيقة قبل ان تفوت الفرصة نهائيا.

ان كفرنا بالحقيقة لن يسيء إلى قضيتها، ولكن الخسران كله سوف يكون من حظنا في الآخرة.

___________________

(١) Islamic Thought, Dec. ١٩٦١.

(٢) George H. Blount, The Evidence of God, P. ١٣٠.


الباب الثالث : طريقة الاستدلال العلمي

ان قضية العصر الحاضر ضدالدين هي قضية طريقة الاستدلال، اعني الطريقة الجديدة التي كشفها العلم الحديث بعد التطورات في ميادينه العديدة، بحيث لم تعد تقف امامها دعوى الدين وعقائده هذه الطريقة الجديدة هي معرفة الحقيقة بالتجربة والمشاهدة على حين تتصل عقائد الدين بعالم ما وراء حواسنا، ولا يمكن اخضاعها للتجربة. ( فالدين كله مبني على قياس واستقراء )(١) . وهذا هو ما يجعله باطلا، لانه ليس له اساس علمي.

وقضية العصر الحاضر باطلة، لانها لا تقوم على اسس علمية، فالطريقة الجديدة لا تنفي وجود اشياء لم تجرب مباشرة، كما لا تنفي قياس اشياء لم نشاهدها على اشياء شاهدناها تجريبيا وهو ما يسمى «قياسا علميا»، ويعتبر كالتجربة المباشرة، فالتجربة لا تعد حقيقة علمية لمجرد انها شوهدت، كما ان القياس ليس باطلا لمجرد انه قياس. فامكان الصحة والبطلان موجود فيهما على سواء.

كان الناس في القديم يصنعون السفن الشراعية من الخشب. اعتقادا منهم ان الماء لا يحمل الامايكون اخف منه وزنا، وحين قال بعضهم : ان السفن الحديدية سوف تطفو على سطح الماء كالتي من الخشب. انكر الناس عليه مقالته واتخذوه هزوا، وجاء نحاس فالقى بنعل من حديد في دلو مملوء بالماء ليشهد الناس على ان هذه القطعة الحديدة بدل ان تطفو على سطح الماء استقرت في القاع. كان هذا العمل تجربة. ولكننا جميعا نعتقد اليوم انها كانت تجربة باطلة، فلو كان النحاس قد القى بطبق من حديد لشاهد بعينيه صدق ما قيل من طفو السفن الحديدية.

___________________

(١) ومثاله ان اصحاب الدين اذا ارادوا اثبات وجود الاله لا يقدرون على ذلك باستعمال التلسكوب، ولكنهم يستدلون بان نظام الكون وروحه العجيبة تدلان على انه يوجد عقل الهي وراءهما. وهذا الدليل لا يثبت وجود الاله مباشرة، وانما هو يثبت قرينة تستلزم الايمان بالله بعد الايمان بها.


في بداية القرن العشرين كنا كذلك نملك تلسكوبا ضعيفا، فلما شاهدنا السماء بهذا المنظار وجدنا اجراما كثيرة كالنور، فاستنبطنا انها سحب من البخار والغاز، تمر بمرحلة قبل ان تصير نجوما. ولكنا حين تمكنا من صناعة منظار قوي، وشاهدنا هذه الاجرام مرة ثانية علمنا ان هذه الاجرام الكثيرة المضيئة هي مجموعة من نجوم كثيرة شوهدت كالسحب.، نتيجة البعد الهائل بينها وبين الارض.

وهكذا نجد ان التجربة والمشاهدة ليستا وسيلتي العلم القطعيتين، وان العلم لا ينحصر في الامور التي شوهدت بالتجربة المباشرة. لقد اخترعنا الكثير من الآلات والوسائل الحديثة للملاحظة الواسعة النطاق. ولكن الاشياء التي نلاحظها بهذه الوسائل كثيرا ما تكون امورا سطحية، وغير مهمة نسبيا. اما النظريات التي يتوصل اليها بناء على هذه المشاهدات فهي امور لا سبيل إلى ملاحظتها. والذي يطالع العلم الحديث، يجد ان اكثر آرائه «تفسير للملاحظات»وان هذه الآراء لم تجرب مباشرة، ذلك ان بعض الملاحظات يحمل العلماء على الايمان بوجود بعض حقائق غير مشاهدة قطعية، فاي عالم من علماء عصرنا لا يستطيع ان يخطو خطوة دون الاعتماد على الفاظ مثل : (القوة) Force و(الطاقة) Energy و(الطبيعة) Nature و(قانون الطبيعة) Law of Nature ، وما إلى ذلك. ولكن هذا العالم لا يدري ما «القوة والطاقة والطبيعة وقانونها»؟ فهو قد صاغ كلمات تعبر عن وقائع معلومة، لكي يبين عن علل غير معلومة. وهذا العالم لا يقدر على تفسير هذه الالفاظ، تماما كرجل الدين، لا يستطيع تفسير صفات الاله، وكلاهما يؤمن بدوره بعلل غير معلومة.

يقول الدكتور ( الكسيس كيرل) :

«ان الكون الرياضي شبكة عجيبة من القياسات والفروض، لا تشتمل على شيء غير «معادلة الرموز»، الرموز التي تحتوي على مجردات لا سبيل إلى تفسيرها»(١)

والعلم الحديث لا يدعي، ولا يستطيع ان يدعي، ان الحقيقة محصورة فيما علمناه من التجربة المباشرة، فالحقيقة ان «الماء سائل». ونستطيع مشاهدة هذه الحقيقة باعيننا المجردة. ولكن الواقع ان كل (جزيء ) من الماء يشتمل على ذرتين من الهيدروجين، وذرة من الاوكسجين وليس من الممكن ان نلاحظ هذه الحقيقة العلمية، ولو اتينا باقوى ميكروسكوب في العالم، غير انها ثبتت لدى العلماء لايمانهم بالاستدلال المنطقي.

___________________

(١) Man The Unknown, p. ١٥.


ويقول البروفيسور ا. ي. ماندير:

«ان الحقائق التي نتعرفها مباشرة تسمى «الحقائق المحسوسة Percieved Facts بيد ان الحقائق التي توصلنا إلى معرفتها لا تنحصر في «الحقائق المحسوسة»، فهناك حقائق اخرى كثيرة لم نتعرف عليها مباشرة، ولكننا عثرنا عليها على كل حال، ووسيلتنا في هذه السبيل هي الاستنباط، فهذا النوع من الحقائق هو ما نسميه «بالحقائق المستنبطة Inferred Facts والاهم هنا ان نفهم انه لا فرق بين الحقيقتين، وانما الفرق هو في التسمية،. من حيث تعرفنا على الاولى مباشرة، وعلى الثانية بالواسطة، والحقيقة دائما هي الحقيقة، سواء عرفناها بالملاحظة او بالاستنباط»(١)

ويضيف ماندير قائلا:

«ان حقائق الكون لا تدرك الحواس منها غير القليل، فكيف يمكن ان نعرف شيئا عن الكثير الآخر ؟. هناك وسيلة وهي الاستنباط او التعليل، وكلاهما طريق فكري، نبتديء به بوساطة حقائق معلومة، حتى ننتهي بنظرية: ان الشيء الفلاني يوجد هنا ولم نشاهده مطلقا»(٢)

وهنا نتسأل: كيف يصح الاستنباط المنطقي لاشياء لم نشاهدها قط؟ وكيف يمكن ان نسمي هذا الاستنباط بناء على طلب العقل: حقيقة علمية؟ويجيب ماندير بنفسه عن هذا السؤال:

«ان المنهج التعليلي صحيح، لأن«الكون»نفسه عقلي».

فالكون كله مرتبط بعضه بالآخر، حقائقه متطابقة، ونظامه عجيب، ولهذا فان اية دراسة للكون لا تسفر عن ترابط حقائقه وتوازنها هي دراسة باطلة. ويقول ماندير في هذا الصدد:

«ان الوقائع المحسوسة هي اجزاء من حقائق الكون، غير ان هذه الحقائق التي ندركها بالحواس قد تكون جزئية وغير مرتبطة بالاخرى. فلو طالعناهما فذة مجردة عن اخواتها فقدت معناها مطلقا. فاما اذا درسناها في ضوء الحقائق الكثيرة مما علمناه مباشرة اوبلا مباشرة، فاننا سندرك حقيقتها».

ثم ياتي بمثال سليم يفسر ذلك فيقول:

«اننا نرى ان الطير عندما يموت يقع على الارض، ونعرف ان رفع الحجرعلى الظهر اصعب، ويتطلب جهدا، ونلاحظ ان القمر يدور في الفلك، ونعلم ان الصعود

___________________

(١) A. E. Mander, Clearer Thinking, London, p. ٤٦.

(٢) المرجع السابق، ص ٤٩.


في الجبل اشق من النزول منه. ونلاحظ حقائق كثيرة كل يوم لا علاقة لاحداها بالاخرى ظاهرا. ثم نتعرف على حقيقة استنباطيةـ هي «قانون الجاذبية»، وهنا ترتبط جميع هذه الحقائق، فنعرف للمرة الاولى انها كلها مرتبطة احداها بالاخرى ارتباطا كاملا داخل النظام. وكذلك الحال لو طالعنا الوقائع المحسوسة مجردة، فلن نجد بينها اي ترتيب، فهي متفرقة، وغير مترابطة، ولكن حين نربط الوقائع المحسوسة بالحقائق الاستنباطية فستخرج صورة منظمة للحقائق»(١)

***

ان قانون «الجاذبية»لا يمكن ملاحظته قطعا، وكل ما شاهده العلماء لا يمثل في ذاته قانون الجاذبية، وانما هي اشياء اخرى، اضطروا لاجلها منطقيا ان يؤمنوا بوجود هذا القانون.

واليوم يلقى هذا القانون قبولا علميا عظيما، وهو الذي كشف عنه نيوتن لاول مرة، ولكن. ما حقيقة هذا القانون من الناحية التجريبية؟. هاهو ذا نيوتن يتحدث في خطاب ارسله إلى ( بنتلي) فيقول:

«انه لامر غير مفهوم ان نجد مادة لاحياة فيها ولا احساس وهو تؤثر على مادة اخرى، مع انه لا توجد اية علاقة بينهما»(٢)

***

فنظرية معقدة غير مفهومة، ولا طريق إلى مشاهدتها، تعتبر اليوم، بلا جدال، حقيقة علمية!!! لماذا؟. لانها تفسر بعض ملاحظاتنا، فليس بلازم آذن ان تكون الحقيقة هي ما علمناه مباشرة بالتجربة، ومن ثم نمضي إلى القول بان العقيدة الغيبية التي تربط بعض ما نلاحظه، وتفسر لنا مضمونه العام تعتبر حقيقة علمية من نفس الدرجة!.

***

يقول البروفيسور ماندير: «القول باننا عرفنا الحقيقة يعني: اننا عرفنا معناها، وبعبارة اخرى : اننا بحثنا عن وجود شيء، وعن احواله ففسرناه واكثر عقائدنا تدخل في هذا النطاق فهي في الحقيقة «تفسيرات للملاحظة»

ويستطرد ماندير فيتكلم عن «الحقائق الملحوظة»:

___________________

(١) Clearer Thinking, p. ٥١.

(٢) Works of W. Bently, III, p. ٢٢١.


عندما نذكر «ملاحظة» فاننا نقصد شيئا اكثر من المشاهدة الحسية المحضة فمعناها:

الملاحظة الحسية والتعرف بما يشمل جانب التفسير»(١)

نظرية التطور العضوي: هذه هي القاعدة العلمية التي على اساسها وافق العلماء على حقيقة نظرية (التطور العضوي) كما قال ماندير : «لقد ثبت صدق هذه النظرية، حتى اننا نستطيع ان نعتبرها «اقرب شيء إلى الحقيقةو(٢) ويقول سمبسن في هذا الصدد :

«ان نظرية النشوء والارتقاء حقيقة ثابتة اخيرا وكليا، وليست بقياس، او (فرض بديل ) صيغ للبحث العلمي»(٣)

ويعتقد محرر دائرة المعارف البريطانية(١٩٥٨) : ان نظرية الارتقاء في الحيوانات «حقيقة»، وان هذه النظرية قد حظيت بموافقة عامة بين العلماء والمثقفين بعد داروين.

وقال رسلل: «ظلت نظرية الارتقاء تحصل على تاييد متزايد، يوما بعد يوم، بعد داروين حتى انه لم يبق شك لدى المفكرين والعلماء في ان هذه هي الوسيلة المنطقية الوحيدة التي تستطيع ان تفسر عملية الخلق وتشرحها»(٤)

***

هذه النظرية التي اجمع العلماء على صحتها، هل لاحظها احدهم او جربها في معمله؟.

والجواب : لا ! فذلك ضرب من المستحيل، ان مزعومة الارتقاء معقدة، وهي تتعلق بماض بعيد جدا، حتى انه لا سؤال عن تجربتها وملاحظتها. وهي على ما اكده (لل) في كلمته السابقة:«وسيلة منطقية» لتفسير مظاهر الخلق، وليست بملاحظة واقعية. وارى ان هذا هو السبب الذي دفع «السير آرثر كيث»ـ الذي يعتبر محاميا متحمسا لنظرية الارتقاء ان يسلم بان هذه النظرية ليست بملاحظة او تجربة، وانما هي مجرد عقيدة. ومن كلماته:

«ان نظرية الارتقاء «عقيدة اساسية» في المذهب العقلي»(٥)

___________________

(١) CleaThinking, p. ٥٦.

(٢) Ibid, p. ١١٣.

(٣) Meaning of Evolution, p. ١٢٧.

(٤) Orgainc Evolution, p. ١٥.

(٥) Revolt against Reason, p. ١١٢.


وعرف احد المعاجم العلمية نظرية داروين بانها «نظرية قائمة على تفسير بلا برهان»(١) .

***

فماالذي يجعل شيئا غير ملاحظ وغير قابل للتجربة «حقيقة علمية»؟يذكر (ماندير) اسباب ذلك فيقول:

١ـ هذه النظرية توافق جميع الحقائق المعلومة.

٢ـ هذه النظرية تفسير لكثير من الوقائع، لا يمكن فهمها الا من طريقها.

٣ـ ولم تظهر بعد نظرية تناسب وتوافق الحقائق بهذه الدقة(٢)

فاذا كانت هذه الادله كافيه لتصبح نظرية الارتقاء حقيقة علمية فهي كذلك موجودة في جانب الدين على وجه اتم واكمل. والقول بصدق نظرية الارتقاء وابطال الدين في نظر الذهن العلمي لا يعني مطلقا ان قضية المعارضين هي قضية الاستدلال العلمي، وانما هذه القضية تتعلق «بالنتيجة»، فلو اثبت نفس الاستدلال امرا «طبيعيا محضا» فسيقبله المعارضون، وسيرفضونه لو اثبت امرا الهيا لانه غير مرغوب فيه عندهم.

***

____________________

(١) Ibid, p. ١١١.

(٢) Clearer Thinking, p. ١١٢.


مشكلة تعيين حقائق الأمور

وبهذا لاينبغي القول بأن الدين هو «الايمان بالغيب» وبأن العلم هو الايمان «بالملاحظة العلمية». فالدين والعلم كلاهما يعتمد على الايمان بالغيب. غير أن دائرة الدين الحقيقية هي دائرة «تعيين حقائق الأمور» نهائيا وأصليا، أما العلم فيقتصر بحثه على المظاهر الأولية والخارجية، فحين يدخل العلم ميدان تعيين حقائق الأمور تعيينا حقيقيا ونهائيا - وهو ميدان الدين الحقيقي - فانه يتبع نفس طريق الايمان بالغيب. الذي يتهم به الدين. ولابد من هذا السلوك في «الميدان الثاني»، كما قال سير آرثر ادنجتن: «ان عالمنا في العصر الحاضر يعمل على منضدتين في وقت واحد: احدهما: المنضدة العامة التي يستعملها الرجل العادي، التي يمكن لمسها ورؤيتها. وأما الأخرى: فهي«المنضدة العلمية»، واكثرها في الفضاء، وتجري فيها الكترونات لاحصر لها ولاتشاهد»، ويستطرد سير آرثر أدنجتن قائلا: «وهكذا نجد لكل شيء صورة ذات وجهين، أحدهما: (ملحوظ)، والآخر: (صورة فكرية) لاسبيل إلى مشاهدتها بأي ميكروسكوب أو تلسكوب»(١)

___________________

(١) Nature of the Physical World, pp. ٧ - ٨.


أما الوجه الأول فيشاهده العلم، ويشاهده لمدى بعيد جدا، ولكنه لايستطيع أن يدعي انه يشاهد الوجه الآخر. وطريقة العلم الحديث أنه يقدم رأيا عن شيء بعد مشاهدة مظاهره. وأما «الميدان الثاني» فهو ميدان معرفة حقائق الأشياء وتعيينها و«العلم »في هذا الميدان هو البحث عن حقائق غير معلومة بوساطة حقائق معلومة.

وعندما يجتمع لدى عالم من العلماء قدر مناسب من «الحقائق الملحوظة» فانه يحس بضرورة وضع نظرية او فرض علمي. وبعبارة ادق: ضرورة فكرة اعتقادية ووجدانية، تقوم بتفسير الملاحظات. وربط بعضها ببعض فاذا نجحت هذه الفكرة الاعتقادية في تفسير الحقائق تفسيرا كاملا عدت حقيقة علمية رغم انها لم تلاحظ قط كما لو حظت الحقائق الاخرى التي نعرفها بالمشاهدة او بالملاحظة العلمية.

ومعنى ذلك ان العالم يؤمن بوجود شيء غائب بمجرد ظهور نتائجه وآثاره فكل حقيقة نؤمن بها تكون دائما (فرضا) في اول امرها إلى ان نكشف حقائق جديدة تدعم صدقها، فنزداد، يقينا بها، حتى نبلغ حق اليقين: واذا لم تؤيدها الملاحظات اللاحقة تخلينا عنها. ومن امثلة هذه «الحقائق»: حقيقة «الذرة» التي لا سبيل إلى انكارها، برغم انها لم تشاهد قط بالمعنى المعروف، ولكنها تعتبر اكبر حقيقة علمية كشفت في هذا العصر،. وهذا هو السبب الذي دفع احد العلماء ان يعرف (النظريات) العلمية بالالفاظ التالية:

« Theories are Mental Pictures, That Explain Known Laws »

«النظريات صور ذهنية تفسر القوانين المعلومة».

حقيقة النظريات العلمية

ان الحقائق التي تعرف في العلم باسم «الحقائق الملحوظة» ليست بحقائق شوهدت فعلا، وانما هي تفسيرات لبعض المشاهدات، لان المشاهدة الانسانية لا يمكن ان توصف بانها (كاملة)، ولذا فان جميع هذه التفسيرات تعد «اضافية»، ومن الممكن ان تتغير بتطور الملاحظة.

ويقول البروفيسور سوليفان بعد نقد وجهه الى النظريات العلمية

« هذا العرض للنظريات العلمية يثبت ان معنى «نظرية علمية صحيحة »انها «فروض عملية ناجحة) Successful Working Hypothesis ، ومن الممكن تماما ان يكون سائر النظريات العلمية باطلا، ذلك ان النظريات التي نعتبرها اليوم (حقيقة) ليست الا «قياسا


على وسائلنا المحدودة للملاحظة»، ولا تزال قضية الحقيقة في عالم العلم «قضية عملية نفعية Pragmatic Affair(١)

***

ولا يزال العلماء بعد هذا يعتبرون ان الفرض الذي يفسر ملا حظاتهم لا يقل في قيمته عن «الحقيقة الملحوظة »نفسها، فهم لا يستطيعون ان يقولوا : ان الحقائق الملحوظة هي وحدها «العلم»، وان ماسواها من النظريات الشارحة لا تدخل في نطاق (العلم)، لانها غير ملحوظة. والحق ان هذا هو ما نسميه «الايمان بالغيب»، وهو بالنسبة الى المؤمنين ليس سوى الايمان بحقائق غير ملحوظة، فهو ليس بعقيدة عمياء، وانما هو خير تفسير للحقائق التي يشاهدها العلماء.

***

وكما رفض العلماء نظرية الضوء التي قدمها نيوتن وتعرف باسم Corpuscular Theory of Light لانها لم تنجح في تفسير مظاهر حديثة للضوء، فاننا نرفض افكار الفلاسفة الملحدين، لانها فشلت في تفسير مظاهر الطبيعة.

ان مأخذ حقائق الدين هو نفس المأخذ الذي يستقي منه العلم الحديث ملاحظاته، لكي يثبت نظرية علمية. ولقد انتهينا بعد دراسة الحقائق الملحوظة إلى ان تفسير الدين للطبيعة هو عين الحق حتى ان هذا التفسير لم يتغير ولن يتغير على مر الدهور، على حين ان كل نظرية صاغها الانسان منذ قرن او اكثر اواقل قد رفضت او اصبحت موضع شك الآن،

وان صدق الدين ليتجلى بعد كل خطوة نخطوها في الملاحظة حتى ليصبح كل كشف علمي جديد تصديقا لحقائق الدين!

ولسوف نطالع افكار الدين من هذه الناحية في الابواب التالية.

***

___________________

(١) J. W.N. Sullivan, Limitations of Science, p. ١٥٨.


الباب الرابع : الطبيعة تشهد بوجود الإله

اصدرت الكنيسة المسيحية في كيرالا جنوبي الهند كتيبا بعنوان:

« Nature and Science Speak. about God »

«الطبيعة والعلم يتحدثان عن الله». واعتقد ان هذه الكلمات هي افضل عنوان لهذا الباب.

ان اكبر دليل على وجود الاله هو مخلوقه، هذا الذي نجده امامنا، واوثق ما علمنا من حقائق الطبيعة يدعونا إلى الايمان بانه لا ريب ان لهذه الدنيا الها واحدا. ونحن لا نستطيع ان نفهم انفسنا وان نفسرها، بله الكون كله مجردين من الايمان بوجود الاله.

ان وجود الكون، والنظام العجيب الذي اشتمل عليه، واسراره الدقيقة.، لا يمكن تفسير ذلك كله الا بانه قد خلقته (قوة)، وان هذه القوة (عقل) لا حدود له، وانها ليست بقوة عمياء.

اولا نظرية التشكيك في الوجود:

هناك جماعة من المفكرين هزيلة العدد جدا «تشك»في مجرد وجود مثل هذه القوة وتعتقد هذه الجماعة انه لا وجود للانسان، ولا للكون، وان الوجود عبارة عن عدم محض ولا شيء غير ذلك.

فلو سلمنا بهذه الفكرة لا لتبس علينا امر الاله دون شك. ولكننا حين نؤمن بان الكون موجود نضطر تلقائيا ان نؤمن بالاله، او بالقوة الخالقة كما نسميها، فليس بمعقول ان نؤمن بالوجود من العدم المحض ذلك قياس باطل !!

فهذا التشكيك في وجود الكون، والذي يتخذ احيانا شكل نظرية ال«لا ادرية»(١) يمكن ان يعد نكتة فلسفية لا علاقة لها بالحقيقة. فنحن حين نفكر يكون فكرنا هذا دليلا

___________________

(١) هذا مصطلح مستعمل في اللغة الاردية ماخوذ من عبارة «لا ادري »، يشير إلى الاتجاه الذي ينكر معرفة شيء عن الكون، لان الكون لا وجود له على الحقيقة المراجع.


قاطعا في ذاته على ان لنا وجودا(١) . وحين نصطدم في الطريق بحجارة ثم نتالم فهذا الواقع دليل في ذاته على ان هناك عالما موجودا وجودا ذاتيا خارج وجودنا. وهكذا تدرك حواسنا في كل وقت اشياء كثيرة، من الفرح والالم والتذوق.، فهذا الاحساس والشعور دليل لكل شخص على انه موجود في كون، وعلى انه يملك وجوده الذاتي، وحينئذ فلو قام احد يشكك نفسه في وجوده الذاتي ووجود الكون فسوف نعتبر ذلك حالة استثنائية مفردة، لا ترتبط بتجربة الملايين من جماهير الناس. وسوف نقول عن هذا الرجل الفذ: انه قد غاب في عالمه الذهني، حتى نسي نفسه.

بل اننا لوسلمناـ جدلاـ بانه ليس للكون في ذاته وجود خارج ذاتنا، فلست اعتبر هذا دليلا ملزما بانه لا وجود للاله.

وعلى كل حال فهذه هي الفكرة الوحيدة التي ترى وجود الاله مشكوكا فيه، بكل ما تتضمن من السفسطة والجهالة وانعدام الواقعية.، وهي فكرة لا معنى لها في ذاتها، وليست مفهومة لدى جمهور الناس، كما انها لم تحظ بقبول في دنيا العلم.

***

___________________

(١) يستخدم المؤلف هنا تلك العبارة الفلسفية الشائعة. «انا افكر، اذن فانا موجود»


الوجود والخلق

ان الانسان العادي، والعالم العادي يؤمن على كل حال بان«له»وجودا، وبان للكون ايضا وجودا، وعلى هذا الاساس من العلم والايمان تقوم جميع الوان النشاط العلمي والحيوي. فاذا آمنا بوجود الكون فلا بد ان نؤمن باله هذا الكون منطقيا اذ لا معنى لأن نؤمن بالمخلوق ونرفض وجود خالقه ونحن لا نعلم شيئا جاء إلى الوجود من العدم دون ان يخلق، فكل شيء مهما بلغ حجمه عظم اوصغر، جل اودق، وراءه علة، فكيف بنا نؤمن بان كونا عظيما مثل كوننا جاء إلى الوجود ذاتيا، دون خالق؟؟

ذكر (جون ستيوارت ميل) في سيرة حياته: ان اباه قد علمه ان سؤال «من الذي خلقني ؟» لايكفي لاثبات وجود الاله، اذ ينجم تلقائيا سؤال: «فمن ذا الذي خلق الاله؟»، وقد اعتد (برتراند رسل) هذا الاعتراض الثاني كافيا لرفض مدلول السؤال الاول(١) .

ونحن نعرف ان هذا الاستدلال قديم جدا لدى الملحدين، ومقتضاه. اننا لو افترضنا خالقا للكون فسوف نضطر ان نتصوره ازليا!!

___________________

(١) Morton White , The Age of Analysis, pp. ٢١ - ٢٢.


الازلي. الخالق ام المادة؟

اذا كان لا مناص من افتراض ازلية هذا الخالق، فلماذا لا نؤمن بازلية هذا الكون؟ وهذا الكلام لا معنى له، لاننا لم نعثر على صفات للكون، اية كانت، تثبت انه خالق نفسه،

ولقد كان لهذا الاستدلال حسنه ورواؤه حتى القرن التاسع عشر، ولكنا اليوم، وبعد كشف «القانون الثاني للحرارة الديناميكية) Second Law of Thermo Dynamics نجد ان هذا الأستدلال فقد كل اساس كان يقوم عليه وهذا القانون الذي نسميه «قانون الطاقة المتاحة» او «ضابط التغير) Law of Entropy يثبت انه لا يمكن ان يكون وجود الكون ازليا، فهو يصف لنا ان الحرارة تنتقل دائما من (وجود حراري ) الى (عدم حراري)، والعكس غير ممكن، وهو ان تنتقل هذه الحرارة من (وجود حراري قليل) او (وجود حراري عدم) إلى (وجود حراري اكثر). فان ضابط التغير هو التناسب بين «الطاقة المتاحة »و«الطاقة غير المتاحة».

وبناء على هذا الكشف العلمي الهام فان «عدم كفاءة عمل الكون» يزداد يوما بعد يوم، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينذاك لا تبقى اية طاقة مفيدة (للحياة والعمل)، وسيترتب على ذلك ان تنتهي العمليات الكيماوية والطبيعية، وتنتهي تلقائياـ مع هذه النتيجة «الحياة».

***

وانطلاقا من هذه الحقيقة القائلة بان العمليات الكيماوية والطبيعية جارية، وان الحياة قائمة، يثبت لدينا قطعا ان الكون ليس بازلي، اذ لو كان الكون ازليا لكان من اللازم ان يفقد طاقته منذ زمن بعيد، بناء على هذا القانون، ولما بقي في الكون بصيص من الحياة. يذكر هذا التحقيق العلمي الحديث عالم امريكي في علم الحيوان، هو الاستاذ (ادوارد لوثر كسيل) فيقول:

«وهكذا اثبتت البحوث العلمية دون قصد ان لهذا الكون «بداية» فاثبتت تلقائيا وجود الاله، لان كل شيء ذي بداية لا يمكن ان يبتديء بذاته، ولا بد ان يحتاج إلى المحرك الاول الخالق الاله»(١) .

وقد قال نفس الكلام السير جيمس: «تؤمن العلوم الحديثة بان (عملية تغير الحرارة) Entropy سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها، لانه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الارض، حتى نفكر

___________________

(١) The Evidence of God, p. ٥١.


فيها. ان هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن.، ومن ثم لابد لها من بداية، ولا بد انه قد حدثت عملية في الكون، يمكن ان نسميها«خلقا في وقت ما حيث لا يمكن ان يكون هذا الكون ازليا»(١) .

وهناك شواهد طبيعية كثيرة تثبت ان الكون لم يكن موجودا منذ الازل، وان له عمرا محدودا، وعلى سبيل المثال، تجد «علم الفلك »يقرر ان الكون يتسع بالتسلسل الدائم، وان كل مجاميع النجوم والاجرام والاجسام الفلكية تتباعد بسرعة مدهشة، بعضها عن بعض، ويمكن ان نفسر هذه الحالة تفسيرا جيدا اذا نحن سلمنا بوقت للبدء، كانت فيه كل الاجزاء التركيبية مركزة ومجتمعة بعضها مع بعض، ثم بدات الحركة والحرارة. ويقدر العلماءان هذا الكون قد وجد نتيجة«لانفجار» فوق العادة، وقع منذ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠،٥ سنة.

فالايمان بهذا الكشف العلمي.، وهو ان للكون عمرا محدودا يتعارض مع انكار موجده، ومثل من يؤمن بحدوث الكون مع انكاره لوجود خالقه، كمثل من يزعم ان «تاج محل»قام بنفسه من غير بنائين ومهندسين، مع تسليمه بانه بنى في القرن السابع عشر الميلادي، ولم يكن موجودا منذ الازل.

ثانيا الكشوف الفلكية

يدلنا علم الفلك على ان عدد نجوم السماء مثل عدد ذرات الرمال الموجودة على سواحل البحار في الدنيا كلها، منها ماهو اكبر بقليل من الارض، ولكن اكثرها كبير جدا، حتى يمكن ان نضع في واحد منها ملايين النجوم، في مثل حجم الارض التي نعيش عليها، ولسوف يبقى فيه مع ذلك مكان خال!!.

ان كوننا هذا فسيح جدا. ولكي نفهمه نتصور طائرة خيالية تسير بسرعة (٠٠٠،١٨٦) ميلا في الثانية الواحدة، وان هذه الطائرة الخيالية تطوف بنا حول الكون الموجود الآن. ان هذه الرحلة الخيالية سوف تستغرق (٠٠٠٠٠٠٠٠٠،١) سنة.، يضاف إلى ذلك ان هذا الكون ليس بمتجمد، وانما هو يتسع كل لحظة، حتى انه بعد (٠٠٠٠٠٠،٣٠٠،١) سنة تصير هذه المسافات الكونية ضعفين!!وهكذا لن تستطيع هذه الطائرة الخارقة في سرعتها الخياليةان تكمل دورانها حول هذا الكون ابدا، وانما سوف تظل تواصل رحلتها في نطاق هذا التوسع الدائم في الكون(٢) .

___________________

(١) The Mysterious Universe, p. ١٣٣.

(٢) هذه هي نظرية اينشتين عن الكون. ولكنها ليست الا «قياسا رياضيا»، والحقيقة ان الانسان لم يستطع حتى الآن ان يفهم سعة هذا الكون!!


عندما تكون السماء صافية نستطيع ان نرى بالعين المجردة خمسة آلاف من النجوم.، ولكن هذا العدد يتضاعف إلى اكثر من (٠٠٠٠٠٠،٢) من النجوم حين نستعمل تلسكوبا عاديا. واقوى تلسكوب في العالم هو الذي يوجد في مرصد (ماؤنت بالومار) في الولايات المتحدة الامريكية، ويستطيع ان يشاهد بلايين من النجوم.

ان الفضاء الكوني فسيح جدا، تتحرك فيه كواكب لاحصرلها، بسرعة خارقة، بعضها يواصل رحلته وحده، ومنها ازواج تسير مثنى مثنى، ومنها ما يتحرك في شكل مجموعات.، ولو انك لاحظت ضوء الشمس الذي يدخل غرفتك من الشباك. فسترى ان هناك ذرات كثيرة من الغبار تتحرك وتسير في الهواء، فلو استطعت ان تتخيل هذا في شكل اعظم لامكنك ان تحظى من الفهم بشيء عن السيارات والكواكب في الكون، مع الفرق الهائل المتمثل في ان ذرات الغبار تتحرك، ويتصادم بعضها مع بعض. ولكن الكواكب مع كثرتها يواصل كل واحد منها سفره على بعد عظيم يفصله عن الكواكب الاخرى. ومثلها مثل بواخر عديدة تمشي في اعالي البحار متباعدة، حتى ان احداها لا تعرف شيئا عن الاخرى. ان هذا الكون يتالف من مجموعات كثيرة من الكواكب والنجوم، تسمى «مجاميع النجوم »وكلها تتحرك دائما.

واقرب حركة منا هي حركة القمر التي تبعد عنا (٠٠٠٠‌٤‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌٢) ميلا. وهو يدور حول الارض، ويكمل دورته في مدة تسعة وعشرين يوما ونصغف يوم. وكذلك تبعد ارضنا هذه عن الشمس (٠٠٠٠٠٠،٩٣) ميلا، وهي تدور في محورها بسرعة الف ميل في الساعة، في دائرة (٠٠٠٠٠٠،١٩٠) ميلا، وتستكمل هذه الدائرة مرة واحدة في سنة كاملة. وكذلك توجد تسعة كواكب مع الارض.، وكلها تدور حول الشمس بسرعة فائقة. وابعد هذه الكواكب السيار «بلوتو»الذي يدور في دائرة (٠٠٠٠٠٠،٥٠٠،٧) ميلا حول الشمس. وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمرا اخرى، وتوجد غير هذه الكواكب حلقة من ثلاثين الفا من «النجيمات»، وآلاف من النجوم ذوات الاذناب، وشهب لا حصرلها، وكلها تدور، وفي وسطها ذلك السيار العملاق الذي نسميه«الشمس»، وقطرها (٠٠٠،٨٦٥) ميلا وهي اكبر من الارض (٠٠٠،٢٠٠،١) مرة!!ثم ان هذه الشمس ليست بثابتة، او واقفة في مكان ما، وانما هي بدورها، مع كل هذه السيارات والنجيمات، تدور في هذا النظام الرائع، بسرعة (٠٠٠،٦٠٠) ميلا في الساعة. وهناك آلاف من الانظمة، غير هذا النظام الشمسي، يتكون منها ذلكم النظام الذي نسميه «مجاميع النجوم».، او المجرات، وكأنها جميعا طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب


منفردة ومجتمعة، كما يدور الخذروف الذي يلعب به الاطفال. ومجرات النجوم هذه تتحرك بدورها ايضا.، والمجرة التي يقع فيها نظامنا الشمسي تدور على محورها بحيث تكمل (دورة واحدة) في (٠٠٠٠٠٠،٢٠٠) «سنة ضوئية».

ويقدر علماء الفلك ان هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون من مجاميع النجوم، مضروبا هذا العدد في (٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠،٥٠٠)، من الملايين،. وفي كل مجموعة منها يوجد (مائة مليار) من النجوم، او اكثر او اقل، يقدرون ان اقرب مجموعة من النجوم، وهي التي نراها في الليل كخيوط بيضاء دقيقة تضم حيزا مداه مائة الف سنة ضوئية. ونحن سكان الارض نبعد عن مركز هذه المجموعة بمقدار ثلاثين الف سنة ضوئية، وهذه المجموعة جزء من مجموعة كبيرة تتالف من سبع عشرة مجموعة، وقطر هذه المجموعة الكبيرة (ذات السبع عشرة) مليونان من السنين الضوئية.

ومع هذا الدوران تجري حركة اخرى، وهي ان هذا الكون يتسع من كل جوانبه، كالبالون المتخذ من المطاط. حين ينفخ فيه الاطفال، وشمسنا هذه وهي تدور حول نفسها تدور بنا ايضا على الحاشية الخارجية للمجرة، وهي تتباعد عن هذه الحاشية الخارجية بمقدار اثني عشر ميلا، كل ثانية، كما تتبعها في هذه العملية جميع النجوم الداخلة في النظام الشمسي. وهكذا جميع السيارات تسير إلى جانب او آخر، مع دورانها الخاص طبقا لنظامها، فمنها ما يسير بسرعة ثمانية اميال في الثانية، ومنها مايسير بسرعة ثلاثة وثلاثين ميلا في الثانية، ومنها ما يسير بسرعة اربعة وثمانين ميلا في الثانية. وجميع النجوم، على هذا النحو، تبتعد في كل ثانية، بسرعة فائقة عن مكانها. هذه الحركة المدهشة تحدث طبقا لنظام وقواعد محكمة، بحيث لا يصطدم بعضها ببعض، ولا يحدث اختلاف في سرعتها.

ان حركة الارض حول الشمس منضبطة تمام الانضباط.، بحيث لا يمكن ان يحدث ادنى تغير في سرعة دورانها، حتى بعدمرور قرن من الزمان وهذا القمر الذي يتبع في حركته الأرض يدور في فلك مقرر ومنضبط، مع تفارت يسير جدا، يتكرر بعد كل ثمانية عشر عاما ونصف عام، بدقة فائقة، وتلك هي حال جميع الاجرام السماوية. ويرى علماء الفلك ان مجرات النجوم يتداخل بعضها في بعض، فتدخل مجرة تشتمل على بلايين من السيارات المتحركة، في مجرة اخرى مثلها ( وتتحرك سياراتها هي الاخرى )، ثم تخرج منها بسياراتها جميعا، دون ان يحدث أي تصادم بين سيارات المجرتين.

وان العقل، حين ينظر إلى هذا النظام العجيب، والتنظيم الدقيق الغريب، لا يلبث


ان يحكم باستحالة ان يكون هداكله قائما بنفسه، بل ان هنالك طاقة غير عادية هي التي تقيم هذا النظام العظيم، وتهيمن عليه.

***

الانظمة المعقدة

ان هذا النظام الذي يوجد في العوالم الكبرى، نجده - في صورته الكاملة - في أصغر عالم عرفناه، فنحن نعرف - طبقا لاحدث معلوماتنا - ان الذرة أصغر عالم - وانها قد تناهت في صغرها حتى لايمكن ان نشاهدها بالمنظار الذي يكبر الاشياء ملايين المرات، فهي - بناء على هذا - ليست شيئا، بل انها «لاشيء» بالنسبة إلى أدنى ما يستطيع البصر الانساني أن يراه، ولكن هذه الذرة - مع ماوصفناها به - تحتوي بصورة رائعة على نظام الدوران العجيب، الموجود في النظام الشمسي؛ فالذرة اسم لمجموعة من الالكترونات، وهذه الالكترونات لايتصل بعضها ببعض، وانما يوجد بينها فراغ كبير الحجم (نسبيا). ولنأخذ مثلا قطعة من الحديد التي توجد فيها الذرات، متصلا بعضها ببعض اتصالا شديدا. وسنجد أن هذه الالكترونات لاتشغل اكثر من ٠٠٠٠٠٠٠٠٠،١١ من مساحة الذرة، وبقية المجال يكون خاليا. ولو أننا أخذنا صورة مكبرة لجزيئين من الالكترون والبروتون فسوف يكون الفاصل بينهما مايقرب من ثلاثمائة وخمسين ياردة. ولقد نتصور الذرة، من حيث هي في الغبار، غير مرئية، ومع هذا فان حجم دوران الالكترون داخلها يبلغ حجم كرة قدم قطرها ثماينة أقدام.

والالكترون - الذي هو الجزيء السلبي في الذرة - يدور حول البروتون - الذي هو الجزيء الايجابي فيها - وهذه الجزيئات التي لاحقيقة لها أكثر من نقط وهمية سابحة في الشعاع، تدور حول مركزها، بنفس النظام الذي تتبعه الأرض في مدارها حول الشمس، بحيث لايمكن تصور وجود الالكترون في مكان محدود لسرعة دورانه، وانما هو يتخيل فقط موجودا على طول مداره في وقت واحد. وذلك لانه يدور حول مداره بلايين المرات في الثانية الواحدة!!.

هذا النظام الذري يستحيل قيامه بنفسه، ولاطريق إلى مشاهدته، ولايمكن تفسير عمله داخل الذرة بغير العلم، اما وقد تبناه العلم فعلا، فلماذا لانأخذ منه دليلا على وجود منظم قائم على هذا التنظيم؟ انه يستحيل قيام هذا التنظيم في الذرة دون منظم قائم عليه.

***

اننا نتحير اذا رأينا النظام المعقد لأسلاك التليفون، ونتحير اذا وجدنا ان مكالمة من


لندن إلى ملبورن باستراليا تتم في بضع ثوان، فاذا كان تعقيد نظام أسلاك التليفون يوقعنا في هذه الحيرة، فما بالنا بنظامنا العصبي، وهو أوسع من هذا النظام وأشد تعقيدا؟! ان ملايين الأخبار تجري على أسلاك نظامنا العصبي - الذي أوجدته الطبيعة - من جانب إلى آخر، ليل نهار. وهذه الأخبار هي التي توجه القلب في تدفقها، وفي حركتها، وتتحكم في حركات الأعضاء المختلفة، وتتحكم في الحركات الرئوية. ولو لم يكن هذا النظام موجودا في أجسامنا لصارت الأجسام تلفيقا لاشياء مبعثرة تسلك كل منها مسلكها الخاص.ومركز هذا النظام للمواصلات مخ الانسان، وفي هذا المخ يوجد ألف مليون خلية عصبية، ومع كل هذه الخلايا تخرج أسلاك تنتشر في سائر الجسم، وتسمى هذه الأسلاك «الأنسجة العصبية»، وفي هذه الأنسجة يجري نظام استقبال وارسال للأخبار، بسرعة سبعين ميلا في الساعة. وبوساطة هذه الأنسجة نتذوق، ونسمع، ونرى، ونباشر سائر أعمالنا؛ بل ان هنالك ثلاثة آلاف من الشعيرات المتذوقة وتسمى Taste Buds ولكل منها سلك عصبي خاص متصل بالمخ. وبوساطة هذه الشعيرات يحس بالمذاقات المختلفة. وتوجد في الأذن عشرة آلاف خلية سمعية. ومن خلال نظام معقد، يسري من هذه الخلايا، يسمع مخنا. وفي كل عين مائة وثلاثون مليونا من الخلايا الملتقطة للضوء Light Roceptors ، وتقوم بمهمة ارسال المجموعة التصويرية إلى المخ، وهناك شبكة من الأنسجة الحسية على امتداد جلدنا، فاذا قربنا إلى الجلد شيئا حارا، فان ثلاثين ألفا من الخلايا الملتقطة للحرارة تحس بهذه العملية وترسلها فورا إلى المخ. واذا قربنا إلى الجلد شيئا باردا، فان ربع مليون من الخلايا، التي تلتقط الأشياء الباردة، تحس به، وعندئذ يمتلىء المخ باثرها، ويرتعد الجسم، وتتسع الشرايين الجلدين، فيسرع مزيد من الدم اليها ويزودها بالحرارة، ويرتعد الجسم، ويزودها بالحرارة. واذا أحست هذه الخلايا بحرارة شديدة، فان مخابرات الحرارة توصلها إلى الدماغ، وحينئذ تفرز ثلاثة ملايين من الغدد العرقية - تلقائيا - عرقا باردا الى خارج الجسم. والنظام العصبي يشتمل على عدة فروع. منها (الفرع المتحرك ذاتي) Autonomic Branch ويقوم بأعمال تحدث ذاتيا في الجسم، كعملية الهضم والتنفس وحركات القلب. ويندرج تحت هذا الفرع نظامان: أحدهما (النظام الخالق للحركة) Sympathetic System والآخر: هو المانع لها Payasympathetic وهذا الأخير يقوم بعملية المقاومة والدفاع. ولو ترك الأمر للنظام الاول لازدادت حركة القلب زيادة يترتب عليها موت صاحبه، ولو سيطر النظام الثاني لتوقفت حركة القلب توقفا تاما. وأقسام هذين النظامين تباشر أعمالها في دقة فائقة، وفي توازن عام، ولكن هنالك حالات يزداد فيها نشاط أحد النظامين، فالنظام الأول يتغلب عند الضغط واحتياج القلب إلى قوة مسعفة، وعندئذ تزيد سرعة عمليات القلب والرئة، والنظام الثاني يتغلب عند النوم. فيسود السكون جميع الحركات الجسمية.


تقليد الطبيعة

ان أحسن الآلات من صناعة الانسان لايمكن أن تقف أمام النظام العجيب الذي يوجد في الكون. ولهذا فان تقليد نظام الطبيعة قد أصبح اليوم مصنوعا خاصا في العلم، يولي أهمية خاصة للسير بالآلات الميكانيكية وفق ذلك النظام. وأصبحنا نرى علما جديدا يسمى (بيونيكس) Bionics لهذه الدراسة. وكانت مقتصرة من قبل على اكتشاف القوى الكامنة في الطبيعة واستغلالها.

واليوم يسلك النظام البيولوجي سبلا كثيرة للحصول على معلومات تساعد على حل مسائل الهندسة. ومن أمثلة استغلال نظام الطبيعة في الصناعة آلة التصوير، وهي في الواقع تقليد ميكانيكي لعين الانسان، فعدسة الكاميرا Lens هي كالشبكة الخارجية للعين، والحجاب الحاجز Diaphragm هو قزحية العين Tyis والفيلم الذي يتأثر بالضوء. انما هو شاشة العين التي توجد فيها خطوط وأشكال مخروطية ترى الأشياء معكوسة(١) . لقد ابتكرت جامعة موسكو آلة نموذجية لالتقاط وقياس (الذبذبات تحت الصوتية) Infra - Sonic Vibrations وهذه الآلة تستقبل وتلتقط أخبار الفيضانات والزلازل وما أشبهها من الكوارث قبل حدوثها بمدة تتراوح بين اثنتي عشرة ساعة، وخمس عشرة ساعة. وهي أقوى من الآلات المستعملة خمس مرات. فمن أين جاء هذا التفكير إلى العلماء؟ لقد استنبطوه من سمكة قنديل البحر، التي تسمى (هلامي) Jelly Fish فقلد المهندسون أعضاءها، وهي شديدة الحساسية، حتى لتحس بالذبذبات تحت الصوتية(٢) !.

وهناك أمثلة كثيرة جدا غير هذه يمكن عرضها، وهي تؤكد أن علماء الطبيعة والتكنولوجيا يقلدون - في تفكيرهم الحديث - النماذج الحية في الطبيعة.

وقد شغلت بال العلماء مسائل كثيرة من أزمان مضت، على حين حلتها الطبيعة منذ زمن بعيد. وان كانت اجهزة التصوير وتلقي الأخبار «التليبرنتر» لايمكن وجودها بغير عقل انساني، فمن المستحيل ان نتصور ان نظام الكون - الذي هو أكثر تعقيدا من أي نظام - قد قام بنفسه بغير عقل وراءه؛ بل لابد أن له مهندسا منظما - هو الاله، ولايمكن أن يتصور العقل نظاما دون منظم، فليس من اللامعقول أن نعتقد بوجود منظم للكون، بل ان من اللامعقول أن ننكر خالق هذا النظام، فالحقيقة أن العقل الانساني لايملك أساسا عقليا لانكار الاله.

___________________

(١) لن يجرؤ صاحب علم منا أن يدعي أن آلة التصوير جاءت عن نفسها، دون اختراع انساني. ولكن الكثيرين من علمائنا يعتقدون أن «العين» جاءت عن صدفة واتفاق محض!!.

(٢) Soviet Land, Delhi, Dec, ١٩٦٣.


ثالثا - روح الكون الغريبة:

ليس الكون كسلة المهملات، وانما هو منطو على روح غريبة. وهذه الروح لايمكن أن تصدر الا عن عقل قام بخلق الكون، ويقوم بتدبيره. وليس من الممكن أن يوجد نظام وروح في عملية مادية عمياء، حدثت اتفاقا؛ فالكون متوازن، ومتناسب إلى حد لايمكن تصوره. لقد قال «شادفاش Chadvalsh : «ان من الممكن أن نسأل أي رجل - مؤمنا بالله كان او منكر له - نسأله ان يثبت كيف يمكن ان يكون هذا التوازن في صالحه، اذا كان الكون قد وجد بمحض الصدفة؟»(١) .

لابد للحياة فوق الأرض من أحوال كثيرة، يستحيل اجتماعها بنسبها الخاصة رياضيا. ولكننا نجد أن هذه الحالات المستحيل اجتماعها رياضيا موجودة على سطح الأرض فعلا. وذلك يحتم علينا أن نؤمن بأن هنالك طاقة عظيمة عاقلة وراء الكون؛ هي المتسببة في وجود هذه الحالات.

التوازن المدهش في الأرض

الأرض أهم عالم عرفناه، اذ توجد فيها أحوال لاتوجد في شيء من هذا الكون الواسع، وهي في ضخامتها (كما تبدو لنا) لاتساوي ذرة من هذا الكون العظيم، ولو ان حجمها كان أقل أو أكثر، مما هي عليه الآن لاستحالت الحياة فوقها، فلو أنها كانت في حجم القمر مثلا؛ بأن كان قطرها ربع قطرها الموجود فعلا. لكانت جاذبيتها سدس جاذبيتها الحالية، ونتيجة لذلك لايمكن أن تمسك الماء والهواء من حولها، كما هي الحال في القمر، الذي لايوجد فيه ماء ولايحوطه غلاف هوائي، لضعف قوة الجاذبية فيه. وانخفاض الجاذبية في الأرض إلى مستوى جاذبية القمر سيترتب عليها اشتداد البرودة ليلا حتى يتجمد كل مافيها، واشتداد الحرارة نهارا حتى يحترق كل ماعليها. وكذلك يترتب على نقص حجم الارض إلى مستوى حجم القمر أنها لن تمسك مقدارا كبيرا من الماء. وكثرة الماء أمر ضروري لاستمرار الاعتدال الموسمي على الأرض، ومن ثم أطلق أحد العلماء على هذه العملية لقب «عجلة التوازن العظيمة) Great Balance Wheel(٢) وكذلك سيرتفع الغلاف الهوائي للأرض في الفضاء ثم يتلاشى. ويتبع ذلك أن تبلغ درجة حرارة الأرض أقصى معدلها، ثم تنخفض إلى ادنى درجاتها، على ما سبق ذكره.

وعلى العكس من ذلك، اذا كان قطر الارض ضعف قطرها الحالي لتضاعفت جاذبيتها

___________________

(١) The Evidence of God, p. ٨٨.

(٢) The Evidence of God, p. ٨٨.


الحالية؛ وحينئذ ينكمش غلافها الجوي - الذي هو على بعد خمسمائة ميل - إلى ما دون ذلك. وسيترتب على هذا أن يزيد تحمل كل بوصة مربعة من خمسة عشر رطلا إلى ثلاثين من الضغط الجوي، وهو ضغط يؤثر أسوأ الأثر في الحياة.

ولو أن الأرض تضاعف حجمها، فصارت مثل حجم الشمس مثلا، لبلغت قوة الجاذبية فيها مثل جاذبيتها الحالية مائة وخمسين مرة، ولاقترب غلافها الهوائي، حتى يصير منها على بعد أربعة أميال فقط، بدلا من خمسمائة ميل، ولارتفع الضغط الجوي إلى معدل طن واحد على كل بوصة مربعة. وذلك يؤدي إلى استحالة نشأة الأجسام الحية. وهو من الناحية النظرية يعني أن يصير وزن الحيوان الذي يزيد رطلا واحدا - تحت الكثافة الهوائية - الحالية - خمسمائة رطل. كما يهبط حجم الانسان حتى يصير في حجم فار كبير، ولاستحال وجود العقل في الانسان، لأنه لابد للعقل الانساني من أنسجة عصبية كثيرة في الجسم، ولايوجد هذا النظام الا اذا كان حجم الجسم بقدر معين.

***

نحن قائمون على الأرض ظاهرا، ولكن الأصح ان نقول: نحن ملقون على رؤوسنا، ولتوضيح ذلك نقول: ان الأرض مثل كرة معلقة يسكنها الانسان، فوضع الناس بعضهم بالنسبة إلى بعض على هذه الكرة، ان سكان أمريكا سيكونون تحت سكان اهالي الهند، وسكان الهند سيكونون تحت أقدام سكان أمريكا.

فأرضنا هذه ليست بثابتة، وانما هي تدور بسرعة مقدارها ألف ميل في الساعة، وذلك يجعل وضعنا فوقها أشبه بحصاة وضعت على محيط عجلة تدور بسرعة، يوشك أن تقذف بها في الفضاء، ولكن الأرض لاتقذفنا؛ بل نحن مستقرون عليها، فكيف تمسكنا وهي تدور بهذه السرعة؟!!.

ان في الأرض جاذبية غير عادية، وهي بهذه الجاذبية تشد كل شيء اليها، فجاذبية الأرض وضغط الهواء المستمر يمسكانا فوقها بنسبة معلومة، وهكذا صرنا مشدودين بهاتين العمليتين إلى كرة الأرض من كل ناحية.

وضغط الهواء الذي يكون على كل بوصة مربعة مايقرب من ١٥ رطلا معناه: أن كل انسان يتحمل ما يقرب من ٤٠ر٢٢٨ رطلا من الضغط الجوي على جسمه، ولكن الانسان لايحس بهذا الوزن، لأن الهواء يضغطه من كل ناحية، كما يحدث عندما نسبح في الماء. ثم ان الهواء - وهو علم على مركب معين من الغازات - ذو فوائد كثيرة، لايمكن حصرها في كتاب.

***


لقد توصل نيوتن، من خلال مشاهداته ومطالعاته، إلى أن الأجسام يجر بعضها بعضا، ولكنه لم يستطع تعليل هذا، ولذا سلم بأنه لاتفسير لديه لهذه العملية. وقد ذكر هذه المسألة (وهايت هيد) قائلا:

«لقد كشف نيوتن - حين سلم بهذا - عن حقيقة فلسفية عظيمة؛ هي أن الطبيعة لو كانت بغير روح فلن تفسر نفسها، كما أن الشخص الميت لايستطيع أن يحكي لنا واقعا. ان جميع التفسيرات الطبيعية والمنطقية لم تزد أخيرا على أن تكون اظهارا لهدف، لأن الميت لايمكن أن يكون حامل(١) أهداف».

وسوف أدفع حديث (وهايت هيد) إلى الأمام، قائلا² انه اذا لم يكن هذا الكون تحت سلطان «وجود ذي ادراك» فلماذا توجد فيه هذه الروح المدهشة؟.

***

ان الأرض تتم دورة واحدة حول محورها، في كل أربع وعشرين ساعة. ومعنى ذلك أنها تسير حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة، فاذا فرضنا أن هذه السرعة انخفضت إلى مائتي ميل في الساعة، لطالت أوقات ليلنا ونهارنا عشر مرات، بالنسبة إلى ما هي عليه الآن، ويترتب على ذلك أن تحرق الشمس - بشدة حرارتها - كل شيء فوق الارض، ومابقي بعد ذلك ستقضي عليه البرودة الشديدة في اليل.

وهذه الشمس، التي نعدها اليوم وسيلة حياتنا، تبلغ حرارة سطحها اثني عشر ألف درجة فهرنهيت؛ والمسافة بينها وبين الأرض تبلغ مايقرب من ٠٠٠٠٠٠،٩٣ ميلا.

وهذا البون الهائل دائم، لايتغير أبدا بزيادة أو نقص، وفي ذلك عبرة عظيمة لنا؛ لانه لو نقص، واقتربت الشمس من الأرض. بمقدار النصف، مثلا، من الفاصل الحالي، فسوف يحترق الورق على الفور من حرارتها، ولو بعد هذا الفاصل، فصار ضعف ما هو عليه الآن فان البرودة الشديدة التي تنجم عن هذا البعد، سوف تقضي على الحياة في الأرض، ولو أنه حل محل الشمس سيار آخر غير عادي، يحمل حرارة تزيد على حرارة الشمس عشرة آلاف مرة، فسوف يجعل من الارض تنورا رهيبا.

ثم ان هذه الارض دائرة في الفضاء، وهي تؤدي عملها بزاوية ٥٣٣ درجة، الأمر الذي تنشأ عنه المواسم، ويترتب عليه صلاحية اكثر مناطق الأرض للزراعة والسكنى، فلو لم تكن الأرض على هذه الزاوية لغمر الظلام القطبين طول السنة، ولسار بخار البحار شمالا

___________________

(١) The Age of Analysis, p. ٨٥.


وجنوبا؛ ولما بقى على الأرض غير جبال الثلج، وفيافي الصحراوات؛ وهكذا تنجم مؤثرات كثيرة تجعل الحياة على ظهر الأرض مستحيلة.

***

فلو كان قياس العلماء صحيحا، وهو: أن المادة قد نظمت ذاتها على هذه الهيئة المناسبة المتوازنة، فما أعجب هذا القياس، وما أكثر اثارته للدهشة!!. يقولون: ان الأرض انشقت من الشمس، ومعنى هذا: أن درة حرارتها كانت في مبدأ أمرها، نفس حرارة الشمس، وهي اثنا عشر ألف درجة فهر نهيت، ثم بدأت الارض تبرد؛ اذ لايمكن اتصال الأوكسجين بالهيدروجين الا بعد أن تنخفض الحرارة إلى أربعة آلاف فهرنهيت - وفي هذه المرحلة وجد الماء، وهكذا استمرت عمليات التقلب على سطح الارض ملايين السنين، حتى جاءت الأرض في صورتها الحالية، منذ أكثر من بليون سنة مضت، وذهبت الغازات من فضاء الارض إلى فضاء الكون، وتحولت بقايا الغازات بعد ذلك إلى المركب المائي، أو انجذبت إلى الاشياء الأرضية، أو بقيت في صورة الهواء؛ وأكثرها في صورة الأوكسجين او النتروجين. وهذا الهواء، في كثافته، يعد جزءا واحدا من ٠٠٠٠٠٠،٢ من أجزاء الأرض. ولم تنجذب كل الغازات إلى الأرض، كما انها كلها لم تتحول إلى (هواء). ولو انه حدث، لاستحالت حياة الانسان، فلو أننا فرضنا المستحيل، ووجدت الحياة في ظروف كهذه - تتحمل فيها البوصة المربعة آلاف في الارطال من الضغط الجوي - لكان من المستحيل أن توجد الحياة في صورة الانسان الحالية.

ولو كانت قشرة الأرض اكثر سمكا، بمقدار عشرة اقدام من سمكها الحالي، لما وجد الأوكسيجين،(١) وبدونه تستحيل الحياة الحيوانية.

وكذلك لو كانت البحار اعمق بضعة أقدام، أكثر من القاع الحالي، لانجذب (ثاني أكسيد الكربون)، والأوكسجين(٢) ، ولاستحال وجود النباتات على الأرض؛ فضلا عن الحياة.

ولو كان الغلاف الهوائي للارض ألطف مما هو عليه الآن، لاخترقت النيازك كل يوم غلاف الارض الخارجي، ولرايناها مضيئة في الليل، ولسقطت على كل بقعة من الأرض وأحرقتها، فهذه النيازك تواصل رحلتها بسرعة أربعين ميلا في الثانية، ونتيجة لهذه السرعة العظيمة، فانها ستحرق كل شيء يمكن احتراقه على الأرض، حتى تصبح الأرض غربالا في وقت ليس ببعيد.

___________________

(١) اذ أن القشرة الأرضية ستمتص حينئذ الأوكسجين.

(٢) حتى يمتصهما الماء.


فلو لا ان غلاف الارض الهوائي يقينا من هذه الشهب لاحترقنا. فان سرعتها اكثر من سرعة طلقة البندقية تسعين مرة كما ان حرارتها الشديدة كافية لاهلاك كل شيء، بما فيه الانسان. فنحن أذن في حماية هذا الغلاف الكثيف الموزون، الذي لا تخترقه «الاشعة الشمسية ذات الاهمية الكيماوية) Actinic Rays الا بالقدر الذي يكفي لحياة النبات، وايجاد الفيتامينات، والقضاء على الجراثيم الضارة، وما إلى ذلك. ان هذاالتوازن للكميات، المحتاج اليها، عجيب جدا.، فالغلاف الذي فوق الارض مكون من ستة غازات، منها ٧٨في المائة من النتروجين، و٢١في المائة من الاوكسيجين، والغازات الاخرى توجد بنسب قليلة، هذا الغلاف يضغط الارض بنسبة١٥رطلا في البوصة المربعة، ونسبة الاوكسيجين في هذا الضغط ٣ارطال في البوصة المربعة، والمقادير الاخرى للاوكسيجين الموجود اليوم قد انجذبت إلى الارض، وهي تمثل ٨و٠من الماء الموجود على سطح الارض، والاوكسيجين هو الوسيلة الوحيدة لتنفس سائر حيوانات الارض، ولا طريق إلى ذلك من غير الفضاء.

قانون الضغط والتوازن

وهنا يظهر سؤال هام، وهو. كيف تجمعت هذه الغازات الشديدة الحركة، مع احتفاظها بمقاديرها المتناسبة، التي لابد منه للحياة، في الفضاء؟ والجواب: انه لوكانت نسبة الأوكسيجين ٥٠%،اواكثر، بدلا من ٢١%، لزادت قابلية الاحتراق، بما يساوي ارتفاع هذه النسبة. فاذا احترقت شجرة واحدة في غابة، حينما تكون نسبة الاوكسجين ٢١%فان الانفجار الخاطف، الناجم عن ارتفاع هذه النسبة إلى ٥٠%يجعل احتراق الغابة كلها امرا حتميا في لحظات!

ولو ان هذه النسبة انخفضت فاصبحت١٠% لكان من الممكن، على مدى الكون ان تعتاد الحيوانات الحياة مع انخفاض نسبة الاوكسيجين إلى هذا الحد ولكنه يكون من المستحيل ان تزدهر الحضارة الانسانية، كما هي عليه في الظروف الحاليه(١) .

ولو ان الاوكسيجين الموجود على سطح الارض انجذب مع الاوكسيجين الذي انجذب قبل ذلك في الارض، لكان من المستحيل (الوجود الحيواني الحسي).

ان الاوكسيجين والهيدروجين وثاني اوكسيد الكربون، وغازات الكاربون الاخرى، على اختلاف اشكالها، تتركب معا فتصبح عناصر عظيمة الأهمية للحياة الحيوانية، وللاسس

___________________

(١) اذ ان اعضاء الجسم الانساني على فرض وجودها في هذه الحالة لن تتمكن في تلك الظروف من مواصلة عملها كعادتها اليوم في الظروف المتاحة فعلا، وذلك لاستحالة وجود الانسجة والخلايا البدنية والعقلية الدقيقة في ظل تلك الظروف، لانه كلما قل الاوكسجين قل النشاط الجسماني والعقلي.


التي تقوم عليها الحياة الانسانية، وبناء عليه لا يوجد احتمال ٠٠٠٠٠٠،١٠١ ان تجتمع، هذه الغازات في تناسبها المطلوب، وبجميع خصائصها اللازمة للحياة، علىكوكب معين، بطريق الصدفة.

ولذلك يقول احد كبار علماء الطبيعة:

« Science has no ecplanation to offer for the facts, and to say it is ‘accidental’ is to defy mathematics »

«ان العلم لا يملك أي تفسير للحقائق والقول بانه حدثت «اتفاقا» انما يعتبر تحديا وتصادما مع الرياضيات». ان هناك وقائع كثيرة جدا، لا طريق لنا إلى فهمها او تفسيرها، الا اذا سلمنا بان للعقل يدا عليا في احداثها.

فمن الخصائص المهمة التي توجد في الماء: ان كثافة الثلج Density تقل بنسبة كبيرة عن كثافة الماء، فألماء أذن مادة معلومة، تقل كثافتها بعد التجمد ولهذا الامر قيمة عظيمة بالنسبة إلى الحياة، اذ يترتب على هذه الخاصة ان الثلج يطفو على سطح الماء، ولا ينزل إلى قاع البحار والانهار، ولولا ذلك، لكان الماء كله قد تجمد في البحار، والانهار، والخزانات المائية، ان الثلج يقوم بدور الحاجب للماء الذي تحته، كيما تبقى حرارته دون درجة التجمد، فتبقى الاسماك والحيوانات المائية على قيد الحياة.، فاذا ما جاء موسم الربيع ذاب الثلج، ولولا خاصة الثلج هذه لعانى سكان الاقطار الباردة الكثير من المتاعب والمصائب، الناجمة عن عدم ذوبان الثلج.

***

لقد اصاب مرض الاندوثيا Endothia في اوائل القرن العشرين اشجار (شاه بلوط) الثمينة في غابات امريكا، وانتشر بسرعة فائقة فقال بعض من راى تلك المواضع الخربةالكبيرة في «مظلة الغابات»: انها لن تمتليء ابدا!!

ولم يكن أي نوع من الاشجارـ حتى ذلك الحين قد انتزع هذا الامتياز الذي كان خاصا بهذا النوع من اشجارالبلوط، ذات الاخشاب الثمينة الغالية حتى كان يلقب:. «ملك اشجار الغابات الامريكية »قبل وصول وباء الأندوثيا من آسيا سنة ١٩٠٠م تقريبا.

اما الآن، فلا توجد هناك اية اثار لشاه بلوط، ذلك الشجر العظيم، في الغابات الامريكية. ولكن سرعان ما امتلات تلك المواضع في غابات امريكا بنوع آخر من الاشجار، يسمى: «التيوليب»، كانت لا تحتل من الغابات الا حيزا صغيرا، ولم تكن مزدهرة.


لقد انتهزت اشجار «التيوليب»هذه الفرصة، فازدهرت وحلت محل شاه بلوط. اليوم لا يتذكر أي تاجر اخشاب امريكي وجود اشجار شاه بلوط، فقد حلت محلها اشجار «التيوليب»، التي تتضخم كل سنة بنسبة بوصة واحدة في الجذع. وترتفع ست بوصات في الفروع والاغصان، كما تعطي خشبا ممتازا يستعمل في جميع الصناعات الدقيقة.

***

ومن الاحداث العلمية الهامة التي وقعت في هذا القرن ما حدث في استراليا. لقد زرعوا نوعا خاصا من «الصبار» في مزارعها لكي يحميها.ولم يكن في استراليا أي نوع من الدودة يعادي ويأكل هذا النبات ذا الشوك، فاخذ ينتشر انتشارا رهيبا ومروعا، حتى استولى على منطقة توازي مساحة جزر بريطانيا كلها، لقد هاجم الصبار القرى والمدن، وخرب المزارع والحقول، حتى استحالت الزراعة، ولم يتمكنوا من استئصاله باية طريقة لقد اصبح جيشا جبارا، يزحف لكي يسيطر على استراليا كلها، وهي لا تجد ما تقاوم به، واستمرت هذه الحال، حتى خرج علماء الحشرات، يبحثون عن دودة تأكل الصبار. فاكتشفوا دودة لا تعيش الا عليه، ولا غذاء لها سواه، وقد كان نسلها يزيد بسرعة، ولا عدولها في حشرات استراليا، وسرعان ما تغلبت هذه الدودة الصغيرة على جيش الصبار العظيم، وانتهت مصائب استراليا!!

ايمكن ان يكون هذا القانون«قانون الضبط والتوازن Checks and Balances قد حدث دون تخطيط واع، هكذا صدفة واتفاقا؟!

السنن الرياضية المحكمة

وفي الكون سنن رياضية محكمة، بصورة تدعو إلى الدهشة والاكبار، وحتى المادة الجامدة، التي لا تملك شعورا لا يمكن ان تجري على غير نظام، وانما هي تتبع قوانين صارمة معلومة، ولفظ الماء، اينما كان الماء على هذه الارض الواسعة، لن يكون معناه سوى مادة سائلة تحتوي على١،١١%من الهيدروجين، و٩،٨٨% من الاوكسيجين. ولذلك يستطيع أي عالم يجري عملية تسخين الماء في معمله ان يقول بكل قطعية: ان درجة حرارة غليان الماء هي (١٠٠) سنتي جراد، دون ان يرى مقياس الحرارة، ما دام ضغط الهواء ٧٦٠م.م. فاذا كان ضغط الهواء اقل، فسوف نحتاج طاقة اقل لتوفير الحرارة التي تدفع جزئيات الماء. وتعطيها صورة البخار، وحينئذ سوف تنخفض درجة غليان الماء، وعلى العكس، لو كان ضغط الهواء اكثر من ٧٦٠م.م. فستزداد درجة غليان، بمقدار زيادة ضغط الهواء. لقد جربوا هذه العملية مرارا، إلى ان تمكنوا من البت في امر الغليان، حتى قبل تسخين الماء، والتنبؤ بدرجة غليانه دون استعمال المقياس. ولو لم يكن هذا النظام والضبط


في المادة وعمليات الطاقة، لما وجد الانسان اسسا يقيم عليها كشوفه ومنجزاته العلمية. ولولا النظام والضبط لحكمت عالمنا الاتفاقات والصدف المحضة!ولكان من المستحيل على علماء الطبيعة ان يقولوا. انه بمباشرة عمل ما في حالة معينة تحصل نتيجة كذا.

نظام العناصر والدورية

ان أول شيء يشاهده الطالب في معمل الكيمياء هو نظام العناصر ودوريتها، وقد وضع العالم الروسي «ماندليف» خريطة للعناصر الكيماوية، بمقاديرها الجوهرية، وسميت بـ«الخريطة الدورية) Periodic Chart ، وفي ذلك الوقت لم تكن كل العناصر قد تم كشفها، حتى تملأ كل الخانات الموجودة في الخريطة، فتركها «ماندليف» خالية؛ إلى أن ملأها العلماء فيما بعد، كما تخيلها العالم الروسي من قبل كشفها بسنين طويلة، وهذه الخريطة تحوي جميع العناصر الجوهرية بأرقام وقوائم مختلفة. ومعنى الأرقام الجوهرية هو العدد الخاص الذي يوجد في مركز الذرة، من الشحنات الكهربية الايجابية «البروتون»، وهذا العدد هو الفارق بين ذرة عنصر وذرة عنصر آخر؛ فالهيدروجين، الذي نعتبره أبسط عنصر يوجد في مركز ذرته شحنة واحدة من الكهربية الايجابية، وكذلك توجد في العنصر المسمى «هيليم» شحنتان، وفي «ليثيم» ثلاث شحنات. وما كان لنا ان نتمكن من وضع خرائط العناصر المختلفة الا بناء على قوانينها الرياضية العجيبة. وهل هناك مثال للضبط أفضل من أننا عثرنا على العنصر رقم (١٠١) بمجرد معرفة شحناته الكهربية الخمسة عشر؟!!.

ليس من الممكن أن يطلق العلماء على هذا النظام الرائع في الطبيعة عبارة: (الصدفة الدورية) Periodic Chance ، وانما هو (القانون الدوري) Periodic Law وليس من الممكن أو نتنكر لماتطلبه هذه الضوابط والنظم من وجود اله ومهندس. فان عدم ايمان العلم الحديث بالاله انكار في الواقع لكشوفه كنتيجة حتمية!.

«سوف يحدث كسوف للشمس يوم ١١ أغسطس سنة ١٩٩٩م، ويمكن رؤيته كاملا في كورنفال(١) »، ليس هذا مجرد تنبؤ قياسي، ولكن علماء الفلك يؤمنون بأنه لابد من هذا الكسوف، بناء على نظام دوران الشمس الموجود حاليا.

ولكم نتحير عندما نرفع أعيننا إلى السماء، ونشاهد الكواكب والنجوم التي لاحصر لها؛ ان هذ الكرات السماوية، التي لاتزال معلقة في الفضاء، منذ قرون لانعرف عدتها، نور في الفضاء الفسيح السحيق على نظام معين معلوم بحيث يمكننا معرفة جميع الوقائع

___________________

(١) بلدة في جنوب غربي انجلترا - المراجع.


المستقبلة قبل وقوعها بقرون. انه نظام لامثيل له، من الذرة إلى قطرة الماء، إلى الكواكب السحيقة في أجواء الفضاء. نظام تستنبط على أساسه قوانين علمية!.

ان نظرية «نيوتن» تفسر دوران الكرات الفلكية، وبناء على هذه النظرية استطاع العالمان: آدمز ولافرييز أن يتنبآ بوجود كوكب، لم يكن معروفا وجوده في وقتهما، وبناء على قولهما وجه مرصد برلين في ليلة من ليالي سبتمبر سنة ١٨٤٦ تلسكوبا إلى الجهة التي أشارا اليها، وسرعان ما وجد رجال المرصد الكوكب الذي نسميه اليوم (السيار نبتون)، في أسرة الشمس!!.

***

خصائص حكمية

ان أبعد الأمور عن القياس، وأعظمها استحالة، هو أن نؤمن بأن الكون وقطعيته. الرياضية، قد جاءا نتيجة «صدفة»!.

فمن الخصائص الحكيمة في هذا الكون كونه صالحا لتصرفات الانسان عند الضرورة، ولنأخذ النتروجين على سبيل المثال. فان ٧٨% من النتروجين توجد في كل هبة من الرياح، وكذلك توجد في أجزاء كيماوية أخرى، ونسميها حينئذ «النتروجين المركب»، وهذه كلها يستغلها النبات لكي يهىء لنا الجزء النتروجيني في غذائنا؛ فلولا هذه العملية، لهلك الحيوان والانسان، وكل ما يعتمد على النبات في أكله جوعا وفاقة؛ فان أي نبات غذائي لاينمو بدون هذا التحليل الكيماوي.

ان هناك طريقتين لاثالثة لهما، لتحليل النتروجين في الأرض، والطريقة الأولى: هي «العملية الجرثومية»، وتقوم بأدائها الجراثيم التي تعيش في جذور الشجرة تحت الأرض، وهذه الجراثيم تأخذ النتروجين من الهواء، وتصنع من «النتروجين المركب»، ويبقى هذا النتروجين تحت الأرض، بعد الحصاد، مع الجذور. وأما العملية الثانية التي تصنع النتروجين المركب فهي (الرعد). فكلما احتك الرعد في الفضاء، مزج شيئا من الأوكسجين في النتروجين، ويصل هذا النتروجين المركب إلى الحقول عن طريق الأمطار التي تلي العملية، والكمية التي تحصلها الحقول من هذا المركب بسهولة، كل سنة، هي ما يقرب من خمسة أرطال لكل «ايكر»(١) من الأرض، وهي تساوي ثلاثمائة رطل من نترات الصوديوم(٢) .

___________________

(١) مقياس انجليزي لسلطح الأرض، وهو أقل من (فدان) المراجع.

(٢) The Nature and properties of Soils. Lyon, Buckman and Brady ,


ولكن هذه الكمية من النتروجين المركب لا تكفي، لأن الحقول التي تزرع لمدة طويلة، ينفذ مافيها منه. ولذلك نرى الزراع يحولون المواسم الزراعية من حقل لآخر، بعد وقت معلوم. وأعجب ما حدث في هذا القرن - عندما ضاقت الأرض بما رحبت على سكانها، وقل النتروجين لكثرة الزراعة، وخافت الانسانية من القحط والفاقة - اكتشافنا في هذه المرحلة الخطيرة «طريقا ثالثة» لاستمداد النتروجين من الهواء، وكانت الجهود الأولى، التي بذلت في هذا الصدد، أنهم جربوا عملية خلق رعد صنعي في الفضاء باستعمال آلات قوتها ٠٠٠٠٠٠،٣ حصان؛ غير أنهم لم ينجحوا الا في صناعة كمية ضئيلة من النتروجين المركب. وتقدم الانسان بهذه التجارب، حتى كشف الطريق الثالثة² وهي استخدام الهواء في صناعة النتروجين المركب، في صورة (السماد). وهكذا استطاع أن يهيىء لغذائه جزءه الضروري، الذي لولاه لهلك جوعا. وهذا حدث عجيب في تاريخ الارض؛ فان الانسان كشف للمرة الأولى في تاريخه حلا لأزمة الغذاء، وابتعدت أشباح الكارثة عن سكان الأرض، حين كان من المستحيل أن يتجنبوها!!.

***

ان هناك أمورا كثيرة تؤكد وجود الحكمة والروح في الكون، وكل مالدينا من علم يؤكد لنا أن ما قد كشف أقل بكثير مما لم نستطع حتى الآن الكشف عنه! وبرغم ذلك فان ماكشفه الانسان كثير جدا، حتى اننا لو أردنا فهرسة عناوين هذه العلوم، فسنحتاج إلى سفر ضخم جدا، بالنسبة إلى هذا الكتاب الذي بين يدي القارىء، وسوف يبقى بعد ذلك ايضا الكثير منها دون فهرسة.

ان كل ما يمكن للسان الانساني أن يلفظه عن آلاء الله وآياته سوف يكون غاية في النقص، فمهما فصلناها وأسهبنا في تفسيرها، فسنخرج آخر الأمر مقتنعين بأننا لم نحط بها، وانما تناولنا منها «بعض الشيء».

والحق انه لو قدر أن تنكشف للانسان جميع العلوم الكونية، ثم يجلس سكان المعمورة، وقد هيئت لكل فرد منهم جميع الوسائل، في أكمل صورها، فان هؤلاء جميعا لن يستطيعوا تدوينها ابدا. أليس هذا هو مصداق قوله تعالى:

( وَ لَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ کَلِمَاتُ اللَّهِ ) : وقوله تعالى:( قُلْ لَوْ کَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِکَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ کَلِمَاتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) (١) !!.

___________________

(١) لقمان/٢٧.

(٢) والكهف١٠٩.


ان كل ما أتيحت له الفرصة كي يطالع صفحة من هذا الكون، سيعترف مصدقا أنه لامبالغة في هذه الكلمات الالهية، وانما هي تعبير بسيط عن الحقائق الموجودة فعلا.

***

صدفة أم عمليات حكيمة؟

ان معارضي الدين يسلمون بكل ما طرحناه في الصفحات الماضية من الأنظمة العجيبة، والحكمة غير العادية، والروح التي تسري في الكون، ولكنهم يفسرونها بطريقة أخرى؛ انهم عاجزون عن أن يجدوا فيها رمزا أو اشارة لمنظم ومدبر. فاذا بهم يرون أن كل هذا جاء نتيجة «صدفة محضة».

واستمع إلى قول «هكسلي»:

«لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين، فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير! فكذلك كان الكون، الموجود الآن، نتيجة لعمليات عمياء، ظلت تدور في «المادة»، لبلايين السنين(١) ».

ان أي كلام من هذا القبيل «لغو مثير»، بكل ما تحويه هذه الكلمة من معان؛ فان جميع علومنا تجهل - إلى يوم الناس هذا - آية صدفةأنتجت واقعا عظيما ذا روح عجيبة، في روعة الكون، فنحن نعرف بعض الصدف، وما ينشأ عنها من آثار، فعندما تهب الرياح تصل «حبوب اللقاح» من وردة حمراء إلى وردة بيضاء، فتأتي بوردة صفراء. هذه صدفة لاتفسر قضيتنا الا تفسيرا جزئيا استثنائيا. فان وجود الوردة في الأرض بهذا التسلسل، ثم ارتباطها المدهش مع نظام الكون، لايمكن تفسيره بهبة رياح صدفة. انها تأتي بوردة صفراء ولكنها لاتأتي بالوردة نفسها! ان الحقيقة الجزئية الاستثنائية التي توجد في مصطلح «قانون الصدفة» باطلة كل البطلان، اذا ما أردنا تفسير الكون بها.

يقول البروفيسور ايدوين كونكلين:

«ان القول بأن الحياة وجدت نتيجة «حادث اتفاقي» شبيه في مغزاه بأن نتوقع اعداد معجم ضخم، نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة(٢) ».

وقد قيل: ان تفسير الكون بوساطة (قانون الصدفة) ليس «بكلام فارغ». بل هو

___________________

(١) The Mysterious Universe, pp. ٣ - ٤.

(٢) The Evidence of God , p. ١٧٤.


كما يعتقد السير جيمس جينز ينطبق على «قوانين الصدفة الرياضية المحضة»

Purely Mathematical Laws of Chance(١)

ويقول احد العلماء الاميركيين:

«ان نظرية الصدفة ليست افتراضا، وانما هي نظرية رياضية عليا، وهي تطلق على الأمور التي لاتتوفر في بحثها معلومات قطعية، وهي تضمن قوانين صارمة للتمييز بين الباطل والحق، وللتدقيق في امكان وقوع حادث من نوع معين، وللوصول إلى نتيجة، هي معرفة مدى امكان ووقوع ذلك الحادث عن طريق الصدفة(٢) ».

***

ولو افترضنا أن المادة وجدت بنفسها في الكون، وافترضنا أيضا أن تجمعها وتفاعلها كان من تلقاء نفسها (ولست أجد أساسا لأقيم عليه هذه الافتراضات) ففي تلك الحال أيضا لن نظفر بتفسير الكون، فان «صدفة» أخرى تحول دون طريقنا. فلسوء حظنا: أن الرياضيات التي تعطينا نكتة «الصدفة» الثمينة، هي نفسها التي تنفي أي امكان رياضي في وجود الكون الحالي، بفعل قانون الصدفة.

لقد استطاع العلم الكشف عن عمر الكون وضخامة حجمه، والعمر والحجم اللذان كشف عنهما العلم الحديث غير كافيين في أي حال من الأحوال، لتسويغ ايجاد هذا الكون عن قانون الصدفة الرياضي.

ويمكننا أن نفهم شيئا عن قانون الصدفة من المثال التالي:

«لو تناولت عشرة دراهم، وكتبت عليها الأعداد، من ١ إلى ١٠، ثم رميتها في جيبك، وخلطتها جيدا، ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي، بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى. فامكان أن نتناول الدرهم المكتوب عليه(٣) في المحاولة الأولى هو واحد على عشرة؛ وامكان أن تتناول الدرهمين(١،٢) بالترتيب، واحد في المائة، وامكان أن تخرج الدراهم(١،٢،٣،٤) بالترتيب هو واحد في العشرة آلاف. حتى ان الامكان في أن تنجح في تناول الدرهم ١ إلى ١٠ بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات!!».

لقد ضرب هذا المثال العالم الأميركي الشهير «كريسي موريسن»، ثم استطرد قائلا:

___________________

(١) Mysrerious Universe, p. ٣.

(٢) The Evidence of God, p. ٢٣.

(٣) Man Doesnot Stand Alone p. ١٧.


«ان الهدف من اثارة مسألة بسيطة كهذه، ليس الا أن نوضح كيف تتعقد «الوقائع» بنسبة كبيرة جدا في مقابل «الصدفة»(١) .

ولنتأمل الآن في أمر هذا الكون، فلو كان كل هذا بالصدفة والاتفاق، فكم من الزمان استغرق تكوينه بناء على قانون الصدفة الرياضي؟.

ان الأجسام الحية تتركب من «خلايا حية»، وهذه (الخلية) مركب صغير جدا، ومعقد غاية التعقيد، وهي تدرس تحت علم خاص يسمى (علم الخلاي) Cytology ومن الأجزاء التي تحتوي عليها هذه الخلايا: البروتين، وهو مركب كيماوي من خمسة عناصر، هي: الكربون، والهيدروجين، والنتروجين، والأوكسجين، والكبريت. ويشمل الجزىء البروتيني الواحد أربعين ألفا من ذرات هذه العناصر!!.

وفي الكون أكثر من مائة عنصر كيماوي، كلها منتشرة في أرجائه، فأية نسبة في تركيب هذه العناصر يمكن أن تكون في صالح قانون الصدفة»؟ أيمكن أن تتركب خمسة عناصر - من هذا العدد الكبير - لايجاد «الجزيء البروتيني» بصدفة واتفاق محض؟! اننا نستطيع أن نستخرج من قانون الصدفة الرياضي ذلك القدر الهائل من (المادة) الذي سنحتاجه، لنحدث فيه الحركة اللازمة على الدوام؛ كما نستطيع أن نتصور شيئا عن المادة السحيقة التي سوف تستغرقها هذه العملية.

لقد حاول رياضي سويسري شهير، هو الأستاذ (تشارلز يوجين جواي) أن يستخرج هذه المدة عن طريق الرياضة. فانتهى في أبحاثه إلى أن (الامكان المحض) في وقوع الحادث الاتفاقي - الذي من شأنه أن يؤدي إلى خلق كون،اذا ما توفرت المادة - هو واحد على ١٠/٦٠(أي: ١٠×١٠ مائة وستين مرة). وبعبارة أخرى: نضيف مائة وستين صفرا إلى جانب عشرة!! وهو عدد هائل لايمكن وصفه في اللغة.

ان امكان حدوث الجزيء البروتيني عن (صدفة) يتطلب مادة يزيد مقدارها بليون مرة عن المادة الموجودة الآن في سائر الكون، حتى يمكن تحريكها وضخها، وأما المدة التي يمكن فيها ظهور نتيجة ناجحة لهذه العملية، فهي أكثر من ١٠/٢٤٣ سنة(٢) !.

ان جزيء البروتين يتكون من «سلاسل» طويلة من الأحماض الأمينية Amino - Acids وأخطر مافي هذه العملية هو الطريقة التي تختلط بها هذه السلاسل بعضها مع بعض، فانها لو اجتمعت في صورة غير صحيحة لأصبحت سما قاتلا، بدل أن تصبح موجدة للحياة.

___________________

(١) Man Does not Stand Alone, p. ١٧.

(٢) أي: مائتان وثلاثة وأربعون صفرا أمام عشر سنين - المترجم.


لقد توصل البروفيسور ج.ب. ليتز G. B. Leathes إلى أنه يمكن تجميع هذه السلاسل فيما يقرب من ١٠/٤٨ صورة وطريقة. وهو يقول: انه من المستحيل تماما أن تجتمع هذه السلاسل - بمحض الصدفة - في صورة مخصوصة من هذه الصور التي لاحصر لها، حتى يوجد الجزيء البروتيني الذي يحتوي أربعين ألفا من أجزاء العناصر الخمسة التي سبق ذكرها.

ولابد أن يكون واضحا للقارىء أن القول بالامكان في قانون الصدفة الرياضي لايعني أنه لابد من وقوع الحادث الذي ننتظره، بعد تمام العمليات السابق ذكرها، في تلك المدة السحيقة؛ وانما معناه أن حدوثه في أثناء تلك المدة محتمل، لا بالضرورة، فمن المكن على الجانب الآخر من المسألة ألا يحدث شيء مابعد تسلسل العملية إلى الأبد!.

***

هذا الجزيء البورتيني ذو وجود «كيماوي»، لايتمتع بالحياة الا عندما يصبح جزءا من الخلية، فهنا تبدأ الحياة، وهذا الواقع يطرح أهم سؤال في بحثنا: من أين تأتي الحرارة، عندما يندمج الجزيء بالخلية؟. ولاجواب عن هذا السؤال في أسفار المعارضين الملحدين.

ان من الواضح الجلي أن التفسير الذي يزعمه هؤلاء المعارضون، متسترين وراء قانون الصدفة الرياضي، لاينطبق على الخلية نفسها، وانما على جزء صغير منها، هو الجزيء البروتيني وهو ذرة لايمكن مشاهدتها بأقوى منظار بينما نعيش، وفي جسد كل فرد منا، مايربو على أكثر من مئات البلايين من هذه الخلايا!!. لقد أعد العالم الفرنسي (الكونت دي نواى) Cotme de Nouy بحثا وافيا حول هذا الوضوع، وخلاصة البحث: أن مقادير (الوقت، وكمية المادة، والفضاء اللانهائي) التي يتطلبها حدوث مثل هذا الامكان هي أكثر بكثير من المادة والفضاء الموجودين الآن، وأكثر من الوقت الذي استغرقه نمو الحياة على ظهر الأرض، وهو يرى: أن حجم هذه المقادير التي سنحتاج اليه في عمليتنا لايمكن تخيله أو تخطيطه في حدود العقل الذي يتمتع به الانسان المعاصر، فلأجل وقوع حادث - على وجه الصدفة - من النوع الذي ندعيه، سوف نحتاج كونا يسير الضوء في دائرته ١٠/٨٢ سنة ضوئية (أي: ٨٢ صفرا إلى جانب عشرة سنين ضوئية!!) وهذا الحجم أكبر بكثير جدا من حجم الضوء الموجود فعلا في كوننا الحالي؛ فان ضوء أبعد مجموعة للنجوم في الكون يصل الينا في بضعة (ملايين) من السنين الضوئية فقط. وبناءا على هذا، فان فكرة أينشتين عن اتساع هذا الكون لاتكفي أبدا لهذه العملية المفترضة. أما فيما يتعلق بهذه العملية المفترضة نفسها، فاننا سوف نحرك المادة المفترضة في الكون المفترض، بسرعة خسمائة (تريليون) حركة، في الثانية الواحدة، لمدة ١٠/٢٤٣ بليون سنة


(٢٤٣ صفرا أمام عشرة بلايين)، حتى يتسنى لنا حدوث امكان في ايجاد جزيء بروتيني يمنح الحياة.

ويقول «دي نواي» في هذا الصدد: لابد ألا ننسى أن الأرض لم توجد الا منذ بليونين من السنين، وأن الحياة - في أي صورة من الصور - لم توجد الا قبل بليون سنة، عندما بردت الأرض(١) ».

هذا، وقد حاول العلماء معرفة عمر الكون نفسه، وأثبتت الدراسة في هذا الموضوع أن كوننا موجود منذ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠،٥ سنة. وهي مدة قصيرة جدا، ولاتكفي على أي حال من الأحوال لخلق امكان، يوجد فيه الجزيء البروتيني، بناء على قانون الصدفة الرياضي.

وأما مايتعلق بأرضنا التي ظهرت عليها الحياة، فقد عرفنا عمرها بصورة قاطعة، فهذه الأرض كما يعتقد العلماء، جزء من الشمس، انفصل عنها نتيجة لصدام عنيف وقع بين الشمس وسيار عملاق آخر، ومنذ ذلك الزمان أخذ هذا الجزء يدور في الفضاء، شعلة من نار رهيبة، ولم يكون من الممكن ظهور الحياة على ظهوره حينئذ لشدة الحرارة، وبعد مرور زمن طويل أخذت الأرض تبرد، ثم تجمدت وتماسكت، حتى ظهر امكان بدء الحياة على سطحها.

ونستطيع معرفة عمر الكون بشتى الطرق، وأحسن طريقة عرفناها لهذه الدراسة، هي التي توصلنا اليها بعد كشف (العناصر المشعة) Radio - Active Elements ، فان الذرات الكهربية تخرج من هذه العناصر بنسبة معلومة بصفة دائمة؛ وهذا (التحلل) Disintegration يقلل الذرات الكهربية في هذه العناصر، لتصبح تلقائيا عناصر غير مشعة عبر الزمان، واليورانيوم أحد هذه العناصر المشعة، وهو يتحول إلى معدن (الرصاص) بنسبة معينة نتيجة لتحلل الذرات الكهربية، وهذه النسبة في الانتشار لاتتغير تحت أي ظرف، من أدنى أو أقصى درجات الحرارة أو الضغط، ولهذا سنكون على صواب لو اعتبرنا أن سرعة تحول اليورانيوم إلى (الرصاص) محددة وثابتة لاتتغير.

ان قطع اليورانيوم توجد في كثير من الهضبات والجبال، ومما لاشك فيه أن هذا اليورانيوم هو جزء من ذلك الجبل، منذ أن تجمد في شكله الأخير، عند تجميد الارض. وعلى جانب هذا اليورانيوم نجد قطعا من الرصاص، ولانستطيع أن ندعي أن كل هذا الرصاص نتج عن تحلل اليورانيوم. والسبب في هذا أن الرصاص الذي يتكون من تحلل اليورانيوم يكون أقل وزنا من الرصاص العادي، وبناء على هذه القاعدة الثابتة يمكننا أن نجزم بما اذا

___________________

(١) Human Destiny, pp. ٣٠ - ٣٦.


كانت أية قطعة من الرصاص من اليورانيوم، أو أنها قطعة رصاص عادي، ونحن هنا نستطيع أن نحتسب المدة التي استغرقتها عملية تحلل اليورانيوم بدقة، فهو يوجد في الجبل من أول يوم تجمد فيه، ونستطيع بذلك معرفة مدة تجمد الجبل نفسه!.

لقد أثبتت التجاب ا،ه قد مر الف وأربعمائة مليون سنة على تجمد تلك الجبال، التي تعتبر - علميا - اقدم جبال الأرض، وقد يظن البعض منا أن عمر الأرض يزيد ضعفا أو ضعفين عن عمر هذه الجبال، ولكن التجارب العلمية تنفي بشدة هذه الظنون الشادة، ويذهب البروفيسور (سوليفان) إلى أن «المعدل المعقول» لعمر الأرض هو ألفا مليون سنة(١) !.

***

ولنتأمل الآن، بعدما تبين لنا أن المادة العادية غير ذات الروح، تحتاج إلى بلايين البلايين من السنين، حتى يتسنى مجرد امكان لحدوث (جزيء بروتيني) فيها بالصدفة! فكيف آذن جاءت في هذه المدة القصيرة في شكل مليون من أنواع الحيوانات، وأكثر من ٠٠٠،٢٠٠ ألف نوع من النبات؟ وكيف انتشرت هذه الكمية الهائلة على سطح الأرض، في كل مكان؟ ثم كيف جاء من خلال هذه الأنواع الحيوانية ذلك المخلوق الأعلى الذي نسميه «الانسان»؟ ولاأدري كيف نجرؤ على مثل هذه الاعتقادات، في حين أننا نعرف جيدا أن نظرية النشوء والارتقاء تقوم على أساس «تغييرات صدفية محضة»؟! وأما هذه التغيرات، فقد حسبها الرياضي «باتو) Patau ، وانتهى إلى أن اكتمال «تغير جديد» في جنس ما، قد يستغرق مليونا من الأجيال(٢) :

فلنفكر في أمر (الكلب) الذي يزعمون أنه جد (الحصان) الأعلى، كم من المدة، على قول الرياضي باتو سوف يستغرقها الكلب، حتى يصبح حصانا؟!.

وما أصح ماقاله عالم الأعضاء الاميركي مارلين ب. كريدر:

«ان الأمكان الرياضي في توفر العلل اللازمة للخلق - عن طريق الصدفة - في نسبها الصحيحة، هو ما يقرب من «لاشيء»(٣) .

لقد أطلت في هذا البحث حتى نتبين مدى سخافة فكرة الخلق بالصدفة، وبطلانها، ولست - في الحق - أشك في أنه يستحيل وجود الجزيء البروتيني والذرة عن الصدفة، كما لايمكن ان يكون عقلك هذا - الذي يتأمل في أسرار الكون وخفاياه - من ثمار الخلق

___________________

(١) JWN Sullivan Limitations of Science, p. ٧٨.

(٢) The Evidence of God , p. ١١٧.

(٣) Ibid, p. ٦٧.


الصدفي، مهما بالغنا في افتراضاتنا عن المدة الطويلة التي استغرقتها عملية المادة في الكون. ونظرية الخلق هذه ليست مستحيلة في ضوء قانون الصدفة الرياضي فحسب، وانما هي لاتتمتع بأي وزن منطقي في نفس الوقت.

وأي كلام من هذا القبيل سخيف وملىء بالصلافة. ومثاله كمن يزعم أن سقوط كوب مملوء بالماء أو بالقهوة سوف يرسم خريطة العالم على الأرض!! لامانع من أن أسأل هذا الرجل: من أين جاء بهذا الفرش الأرضي، والجاذبية، والماء، والكوب، حتى يقع هذا الاتفاق الغريب؟!.

***

ولقد ولغ عالم البيولوجيا «هيكل) Haeckel في زعمه حين قال:

ايتوني بالهواء، وبالماء وبالأجزاء الكيماوية، وبالوقت، وسأخلق الانسان». ولكن «هيكل» نسى أو تجاهل في هذه القالة: أنه بتقريره احتياجه إلى المادة والأحوال المادية، ينفي زعمه من تلقاء نفسه!.

يقول الأستاذ «كريسي موريسن»(١) في هذا الصدد:

«ان هيكل يتجاهل في دعواه: الجينات الوراثية، ومسالة الحياة نفسها، فان أول شيء سيحتاج اليه عند خلق الانسان، هو الذرات التي لاسبيل إلى مشاهدتها، ثم سيخلق (الجينات)، أو حملة الاستعدادات الوراثية، بعد ترتيب هذه الذرات، حتى يعطيها ثوب الحياة. ولكن امكان الخلق في هذه المحاولةبعد كل هذا، لايعدو واحدا على عدة بلايين، ولو افترضنا أن «هيكل» نجح في محاولته، فانه لن يسميها «صدفة»، بل سوف يقررها، ويعدها نتيجة لعبقريته»(٢) .

***

ولنختم هذا البحث بقول عالم الطبيعة الأميركي «جورج ايرل ديفيس»:

(لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه، فان معنى ذلك أن يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الاله. وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الاله)، ولكن الهنا هذا سوف يكون عجيبا: الها غيبيا وماديا في آن واحد!! انني أفضل أن أؤمن بذلك الاله الذي خلق العالم المادي، وهو ليس بجزء من هذا الكون، بل هو حاكمه ومديره ومدبره، بدلا من أن أتبنى مثل هذ الخزعبلات(٣) ».

___________________

(١) رئيس أكاديمية العلوم الأميركية بنيويورك (سابقا) - المترجم.

(٢) Man Does not Stand Alone, p. ٨٧.

(٣) The Evidence of God , p. ٧١.


الباب الخامس : دليل الآخرة

من أهم الحقائق التي يدعونا الدين إلى الايمان بها: فكرة الآخرة. والمراد بها: أن هناك عالما آخر غير عالمنا الحاضر؛ وسوف نعيش في ذلك العالم خالدين؛ وأن عالمنا هذا هو مكان للاختبار والابتلاء، وجد فيه الانسان لأجل معلوم؛ وأن الله سوف ينهي هذا العالم حين يحين أجله، لبناء العالم الآخر، على طراز جديد وأن الناس سوف يبعثون مرة أخرى؛ وسوف تعرض أعمالهم - خيرا أو شرا - على محكمة الله، الذي يجزي كل انسان بما عمل في الحياة الدنيا.

أهذه النظرية صحيحة؟ أم باطلة؟ وهل هناك امكان لهذه الآخرة؟ سوف نعرض هنا بعض جوانب القضية.

***

أولا: امكان الآخرة

ليكن الجانب الأول من هذا العرض، هو البحث عن «امكان» وقوع الآخرة. فهل هنالك وقائع واشارات تصدق هذه الدعوى؟.

ان فكرة (الآخرة) تقتضي - أول ما تقتضي - ألا يكون الانسان والكون، في شكلهما الحالي أبديين، وقد علمنا في الصفحات الماضية - بما لايدع مجالا للشك - أن ابدية الكون والانسان مستحيلة، وأيقنا، يقينا لايتزعزع، بأن الانسان يموت، وأن الكون سينتهي طبقا لقانون «الطاقة المتاحة». ولست أدري اذا ما كان هنا طريق للنجاة من هذه النهاية المروعة.

***

أ - مسألة الموت:

ان الذين لايؤمنون بالعالم الثاني - الآخرة - يحاولون بدافع الغريزة أن يجعلوا من هذا الكون عالما أبديا لأفراحهم، ولذلك بحثوا كثيرا عن أسباب «الموت»، حتى يتمكنوا من الحيلولة دون وقوع هذه الاسباب، من أجل تخليد الحياة، ولكنهم أخفقوا اخفاقا


ذريعا، وكلما بحثوا في هذا الموضوع، رجع اليهم بحثهم برسالة جديدة عن حتمية الموت، وأنه لامناص منه.

«لماذا الموت؟». هناك مايقرب من مائتي اجابة عن هذا السؤال الخطير، الذي كثيرا ما يطرح في المجالس العلمية، منها:

(فقدان الجسم لفاعليته)، (انتهاء عملية الأجزاء التركيبية)، (تجمد الأنسجة العصبية)، (حلول المواد الزلالية القليلة الحركة، محل الكثيرة الحركة منها)، (ضعف الأنسجة الرابطة)، (انتشار سموم «بكتريا» الأمعاء في الجسم). وما إلى ذلك من الاجابات التي تتردد كثيرا حول ظاهرة الموت.

ان القول بفقدان الجسم لفاعليته جذاب للعقل. فان الآلات الحديدية والأحذية والأقمشة كلها تفقد فاعليتها بعد أجل محدود، فأجسامنا ايضا تبلى وتفقد فاعليتها كالجلود التي نلبسها في موسم الشتاء. ولكن العلم الحديث لايؤيدنا، لأن المشاهدة العلمية للجسم الانساني تؤكد: أنه ليس كالجلود الحيوانية، والآلات الحديدية، وليس كالجبال. وأن أقرب شيء يمكن تشبيهه به هو ذلك (النهر) الذي لايزال يجري منذ آلاف السنين على ظهر الأرض فمن ذا الذي يستطيع القول بأن النهر الجاري يبلى ويهن ويعجز؟! بناء على هذا الاساس يعتقد الدكتور «لنس بالنج(١) » أن الانسان أبدى، إلى حد كبير، نظريا؛ فان خلايا جسمه آلات تقوم باصلاح مافيه من الأمراض ومعالجتها تلقائيا! وبرغم ذلك فان الانسان يعجز ويموت؛ ولاتزال علل هذه الظاهرة اسرارا تحير العلماء.

ان جسمنا هذا في تجدد دائم، وان المواد الازلية، التي توجد في خلايا دمائنا، تتلف كذلك ثم تتجدد؛ ومثلها جميع خلايا الجسم، تموت وتحل مكانها خلايا جديدة؛ اللهم الا الخلايا العصبية. وتفيد البحوث العلمية أن دم الانسان يتجدد تجددا كليا خلال ما يقرب من أربع سنين، كما تتغير جميع ذرات الجسم الانساني في بضع سنين. ونخرج من هذا بأن الجسم الانساني ليس كهيكل، وأنما هو كالنهر الجاري؛ أي أنه «عمل مستمر».

ومن ثم تبطل جميع النظريات القائلة بأن علة الموت هي وهن الجسم وفقده لقوته، فان الاشياء التي فسدت أو تسممت من الجسم أيام الطفولة او الشباب قد خرجت من الجسم منذ زمن طويل، ولامعنى لأن نجعلها سبب الموت، فسبب الموت موجود في مكان آخر، وليس في الأمعاء والأنسجة البدنية والقلب.

___________________

(١) وهو حائز على جائزة نوبل للعلوم.


ويدعي بعض العلماء أن الأنسجة العصبية هي سبب الموت، لانها تبقى في الجسم إلى آخر الحياة ولاتتجدد. ولو صح هذا التفسير القائل بأن النظام العصبي هو نقطة الضعف في الجسم الانساني، فمن الممكن أن نزعم ان أي جسم خال من (النظام العصبي) لابد أن يحيا عمرا أطول من الأجسام ذات النظام العصبي، ولكن المشاهدة العلمية لاتؤيدنا، فان هذا النظام لايوجد مثلا في الأشجار، وبعضها يعيش لأطول مدة، ولكن شجرة القمح التي لايوجد بها هذا النظام العصبي لاتعيش أكثر من سنة، وليس في كائن «الأميبا» جهاز عصبي، وهي مع ذلك لاتبقى على قيد الحياة أكثر من نصف ساعة، ومقتضى هذا التفسير أيضا أن تلك الحيوانات التي تعد من (نسل أعلى)، والتي تتمتع بنظام عصبي أكمل وأجود، لابد أن تعيش مدة أطول من تلك التي هي أحقر نسلا وأضعف نظاما. ولكن الحقائق لاتؤيدنا في هذا أيضا؛ فان السلحفاة والتمساح وسمكة «باتيك» أطول عمرا من أي حيوان آخر، وكلها من النوع الثاني - حقير النسل، وضعيف النظام.

***

لقد أخفقت تماما تلك البحوث التي استهدفت أن تجعل من الموت أمرا غير يقيني، يمكن ألا يقع، فبقي الاحتمال، الذي أكدته الأزمان، وهو أن يموت الانسان في أي عمر، وفي أي زمن، ولم نستطع العثور على أي امكان يمنع الموت، رغم جميع الجهود. لقد بحث الدكتور «الكسيس كيرل» هذه المشكلة في مقال طويل بعنوان «الزمن الداخلي»، فذكر الجهود المخفقة التي بذلت في هذا الصدد، ثم قال: «ان الانسان لن يسأم أبدا من البحث (عن الخلود) والسعي وراءه، مع أنه لن يظفر به إلى الأبد، فتركيبه الجسماني يخضع لقوانين معينة، انه يستطيع أن يوقف الزمن (الفسيولوجي) لأعضاء الجسد، حتى يؤخر الموت لفترة قصيرة، ولكنه لن يتغلب على الموت أبدا(١) ».

(ب) ظواهر وأمثلة طبيعية:

في ضوء هذه الوقائع لم تعد مسالة نهاية العالم غير مفهومة، فنحن على علم بالقيامات الصغرى التي تقع على سطح الأرض، وهي التي ستحدث مرة أخرى على نطاق أوسع، حتى تشمل الأرض المأهولة كلها.

ان الظاهرة الأولى التي تنذرنا بامكان القيامة هي الزلازل. فبطن الأرض يحتوي على مادة شديدة الحرارة، نشاهدها عندما ينفجر البركان، وهذه المادة تؤثر على الارض، بشتى الطرق، فمنها ما تصدر عنه أصوات مروعة رهيبة، ومانحس به من الهزات الأرضية، التي

___________________

(١) Man the Unknown, p. ١٧٥.


نسميها «الزلازل» انها لاتزال كلمة رهيبة في حياة الانسان المعاصر، رغم تقدم العلوم والتكنولوجيا، كما كانت رهيبة في حياة الانسان القديم. هذه الزلازل هي حملة الطبيعة ضد الأنسان، الذي لايملك ازاءها شيئا، فالخيار كله في يد الفريق الأول. ان الانسان لايملك شيئا يقاوم به الزلازل، فهي نذير يذكره دائما بأنه يعيش فوق مادة حمراء ملتهبة جهنمية، لايفصله عنها سوى قشرة جبلية رقيقة، لايزيد سمكها عن خمسين كيلو مترا، وهذه القشرة ليست، بالنسبة إلى الكرة الأرضية، الا بمثابة القشرة من ثمرة التفاح.

يقول عالم الجغرافيا (جورج جاموف): «ان هناك جهنم طبيعية تلتهب تحت بحارنا الزرقاء، ومدننا الحضارية المكتظة بالسكان، وبكلمة أخرى: نحن واقفون على ظهر لغم «ديناميت» عظيم، ومن الممكن ان ينفجر في أي وقت، ليدمر النظام الأرضي بأكمله(١) ».

وهذه الزلازل تجتاح جميع نواحي الأرض، ولاتخلو الجرائد أي صباح من أخبارها، ولكن يكثر وقوعها في الأماكن التي توجد بها البراكين لاعتبارات جغرافية. واقدم زلزال رهيب سجله التاريخ هو زلزال اقليم (شنسي) الصيني، الذي وقع عام ١٥٥٦م. ولقي اكثر من ٠٠٠٠٠٠،٨ نسمة مصرعهم في هذه الكارثة. وقد وقع زلزال في «لشبونة» عاصمة البرتغال عام ١٧٥٥م، فدمر المدينة كلها، واباد ثلاثين ألفا من الناس في ست دقائق. وقد قيل: ان هذا الزلزال هز ربع أوروبا. ومن هذا النوع من الزلازل ماوقع في ولاية (آسام) الهندية عام ١٨٩٧م، وهو يعد من الزلازل الخمسة الكبرى في التاريخ، فقد احدث دمارا وخرابا عظيمين في منطقة كبيرة من شمالي الهند، كما غير اتجاه النهر العملاق (برهام بوترا)، وطفرت هضبة (ايفرست) بجبال الهملايا، فارتفعت مائة قدم!.

ان هذه الزلازل (قيامة) على نطاق واسع. فعندما تنفجر الارض بصوتها المخيف، ودويها الرهيب، وعندما تتساقط الجدران، وسقف الأبنية المسلحة الفخمة، حتى كأنها أوراق «الكوتشينة»، وعندما يصبح أعلى الأرض أسفلها، وأسفلها أعلاها، وعندما تحل الخرائب الموحشة محل المدن العامرة الكبرى في ثوان معدودة، وعندما تسير طوابين النعوش، وتتراكم على ساحات المدن وطرقها تراكم الأسماك على ساحل البحر - فتلكم هي قيامة الزلزال.

وفي تلك اللحظة يشعر الانسان بعجزه أمام قوى الطبيعة، فان الزلازل لاتقرع أبواب المدن الا بغتة، دون سابق آذن أو انذار، والبلية كل البلية في أن الانسان لايستطيع أن يتنبأ بمكان الزلازل، ولابموعد وقوعها، وهي في نفسها تنبئ عن قيامة كبرى، سوف تفجؤنا غداة يوم على غرة منا، ان هذه الزلازل دليل ناطق بأن خالق الأرض قادر على تدميرها، كما يشاء.

___________________

(١) Biography of the Earth, p. ٦٢.


وهذه هي حال الفضاء الخارجي؛ فالكون لاحدود له، تدور فيه نيران هائلة لاحصر لها، هي (السيارات والنجوم)، ومثالها كملايين الخذاريف(١) التي تدور على سطح معين بأقصى سرعة يمكن تخيلها. وهذا الدوران يمكن أن يتحول في أي يوم إلى صدام عظيم لايمكن تصوره. وفي تلك اللحظة الرهيبة يكون ما في الكون أشبه بآلاف من القاذفات النفاثة المليئة بالقنابل النووية، وهي تواصل رحلتها في الجو، ثم تصطدم كلها مرة واحدة!! ان اصطدام الأجرام السماوية ليس بغريب مطلقا، بل الغريب حقا هو عدم وقوع هذا الاصطدام؛ فدراسة علم الفلك تؤكد امكان اصطدام الأجرام السماوية، والحديث عن وجود النظام الشمسي يدور حول وقوع صدام كبير بين بعض الأجرام السماوية قديما؛ فاذا استطعنا أن نتصور هذا التصادم على نطاق أوسع لاستطعنا أن نفهم جيدا ذلك (الامكان) الذي نحن بصدده. فهذا الواقع هو بعينه ما نسميه.«القيامة».

ان فكرة (الآخرة) التي تقرر أن نظام الكون الموجود حاليا سوف يدمر يوما، لاتعني سوى أن واقع الكون، الذي نشاهده في صورة صغيرة أولية، سوف يتجلى يوما في صورة نهائية كبرى. فالقيامة حقيقة معلومة في أعماقنا، ونحن اليوم نعرفها في حد (الامكان)، ولسوف نلقاها غدا في صورة الواقع.

***

(ج) الحياة بعد الموت:

المسألة الثانية في هذا البحث هي مسألة الحياة بعد الموت.

«هل هناك حياة بعد الموت؟؟» هذا سؤال يتردد دائما في العقل الحديث، ثم يستطرد قائلا:«لا. لاحياة بعد الموت، لأن الحياة التي أعرفها لاتوجد الا في ظروف معينة من تركيب العناصر المادية. وهذا التركيب الكيماوي لايوجد بعد الموت، اذن: فلاحياة بعد الموت».

ويعتقد «ت ر.مايلز» بأن: «البعث بعد الموت حقيقة تمثيلية، وليس بحقيقة لفظية».

ثم يضيف قائلا:

«انها قضية قوية عندي أن الانسان يبقى حيا بعد الموت، وهذه القضية من الممكن - لفظيا - أن تكون حقيقة، وهي قابلة لاختبار صحتها أو بطلانها بالتجربة، ولكن المسالة الرئيسية في طريقنا هي أننا لانملك وسيلة لمعرفة الاجابة القطعية عن هذا السؤال الا بعد الموت، ولذلك يمكننا أن نقيس».

___________________

(١) جمع خذروف، وهي لعبة من الخشب، مخروطية الشكل، يسميها الاطفال (النحلة) (المراجع).


وحيث ان قياسه لايصدق هذه القضية، فهي ليست بحقيقة لفظية. وقياسه كمايلي:

«بناء على علم الاعصاب ( Neurology ) لايمكن معرفة العالم الخارجي، والاتصال به، الا عندما يعمل الذهن الانساني في حالته العادية، وأما بعد الموت، فهذا الادراك مستحيل، نظرا إلى بعثرة تركيب النظام الذهني(١) ».

ولكن هناك قياسات أخرى أقوى من هذا القياس؛ وهي تؤكد أن بعثرة الذرات المادية في الجسم الانساني لاتقتضي على الحياة؛ فان «الحياة» شيء آخر، وهي مستقلة بذاتها، باقية بعد فناء الذرات المادية وتغيرها.

ومن المعلوم أن الجسم الانساني يتألف من أجزاء (ذرات)، تسمى «الخلايا»، ومفردها: خلية ( cell ). وهي ذرات صغيرةجدا ومعقدة، يزيد عددها في الجسم الانساني العادي ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠،٢٦٠ خلية. ويبدو أن هذه الخلايا مثل الطوب الصغير، ينبني منه هيكل أجسامنا. ولكن الفرق بين طوب أجسامنا والطوب الطيني شاسع جدا. فطوب الطين الذي يستخدم في العمارات يبقى كما هو - نفس الطوب الذي صنع في المصنع، واستخدم في البناء للمرة الأولى. بينما يتغير طوب هياكلنا في كل دقيقة، بل في كل ثانية، ان خلايا أجسامنا تنقص بسرعة، كالآلات التي تتآكل باحتكاكها واستهلاكها، ولكن هذا النقص يعوضه الغذاء، فهو يهيء للجسم قوالب الطوب التي يحتاج اليها بعد نقص خلاياه واستهلاكها(٢) . فالجسم الانساني يغير نفسه بنفسه بصفة مستمرة، وهو كالنهر الجاري المملوء دائما بالمياه، لايمكن أن نجد به نفس الماء الذي كان يجري فيه منذ برهة، لأنه لايستقر، فالنهر يغير نفسه بنفسه دائما، ومع ذلك فهو نفس النهر الذي وجد منذ زمن طويل، ولكن الماء لايبقى، بل يتغير.

و جسمنا مثل النهر الجاري، يخضع لعملية مستمرة، حتى انه يأتي وقت لاتبقى فيه آية خلية قديمة في الجسم، لأن الخلايا الجديدة أخذت مكانها. وهذه العملية تتكرر في هذه الطفولة والشباب بسرعة ثم تستمر بهدوء ملحوظ في الكهولة ولو حسبنا معدل التجدد في هذه العملية فسوف نخرج بأنها تحدث مرة كل عشرة سنين. ان عملية فناء الجسم المادي الظاهري تستمر، ولكن الانسان في الداخل لايتغير، بل يبقى كما كان: علمه، وعاداته، وحافظته، وأمانيه، وأفكاره، تبقى كلها كما كانت. انه يشعر في جميع مراحل حياته بأنه هو «الانسان

___________________

(١) Religion and Scientific Outlook, p. ٢٠٦.

(٢) لم نشبه الخلية بالطوب الا لشبه ظاهري، والحقيقة أن «الخلية» عملية معقدة للغاية، وهي في ذاتها جسم كامل، ويبحث عنها في علم الخلايا Cytoiogy


السابق»، الذي وجد منذ عشرات السنين، ولكنه لايحس بأن شيئا من أعضائه قد تغير، ابتداء من أظافر رجليه حتى شعر رأسه. ولو كان الانسان يفنى بفناء الجسم، لكان لازما أن يتاثر على الأقل بفناء الخلايا وتغيرها الكامل، ولكننا نعرف جيدا أن هذا لايحدث؛ وهذا الواقع يؤكد أن «الانسان» أو «الحياة الانسانية» شيء آخر غير الجسم، وهي باقية رغم تغير الجسم وفنائه، وهو كنهر مستمر فيه سفر الخلايا بصفة دائمة! وهذا هو الأمر الذي دعا عالما أن يصف الانسان: بشيء مستقل بذاته، وباق غير متغير، رغم التغيرات المتسلسلة. فهو يعتقد: «أن الشخصية هي عدم التغير في عالم التغيرات» - « Personality is Changelessness in Change »

ولو كان الموت فناء «للانسان»، فمن الممكن ان نقول - بعد كل مرحلة من مراحل حدوث هذا التغير الكيماوي الذي يجري في الجسم - ان الانسان قد مات، وانه يعيش حياة أخرى جديدة بعد موته! ومعناه أن الرجل الذي أراه في الخمسين من عمره، وهو يمشي في الشارع على رجليه، قد مات خمس مرات في هذه الحياة القصيرة؛ فاذا لم يمت هذا الانسان بعد فناء أجزاء جسمه المادية خمس مرات، فكيف أستطيع أن أعتقد بأنه مات في المرة السادسة على وجه اليقين؟ ولاسبيل له الآن إلى الحياة؟.ان بعض الناس لن يسلموا بهذا الاستدلال، وسيقولون: ان العقل، أو الوجود الداخلي الذي نسميه «انسانا»، ليس بشيء آخر، ولم يوجد الا نتيجة علاقة الجسم بالعالم الخارجي، وان الافكار والأماني لاتوجد خلال العمل المادي الا كالحرارة التي توجد نتيجة احتكاك قطعتين من حديد!.

ان الفلسفة الحديثة تنكر (الروح) بشدة، ويعتقد السير جيمز: ان «الشعور» لايوجد كوحدة Entity ، وانما هو وظيفة Function ، وتفاعل وتنسيق Process وقد أصر الكثيرون من فلاسفتنا المحدثين على أن (الشعور) في ذاته ليس الا التفاعل والرد العصبي لمايحدث من حركة ونشاط في العالم الخارجي. وبناء على هذه النظرية لامجال للتساؤل عن امكان الحياة بعد الموت، نظرا لتحلل النظام الجسماني، ولأن المركز العصبي في الجسم لم يعد له وجود، وهو الذي كان يتفاعل وينسق مع العالم الخارجي؛ وهم يعتقدون بناءا على هذا أن نظرية الحياة بعد الموت أصبحت غير ذات أساس عقلي أو واقعي.

سوف أقول: انه لو كانت هذه هي حقيقة الانسان، فلنجرب أن نخلق انسانا حيا ذا شعور، ونحن - اليوم - نعرف بكل وضوح جميع العناصر التي يتألف منها جسم الانسان، وهذه العناصر توجد في الأرض وفي الفضاء الخارجي، بحيث يمكننا الحصول عليها، وقد علمنا دقائق بناء النظام الجسماني، وعرفنا هيكله وأنسجته، ولدينا فنانون


مهرة يستطيعون ان يصنعوا أجساما كجسم الأنسان، بكل مواصفاتها، فلنجرب - لو كان معارضوا الروح يصرون على حقيقة مبدئهم - ولنصنع مئات من أمثال هذه الأجسام، ولنضعها في شتى الميادين، في بقعة الأرض الفسيحة، ثم لننتظر ذلك الوقت الذي تمشى فيه هذه الأجسام وتتكلم وتأكل «بناء على تأثيرات العالم الخارجي»!؟.

***

فهذا عن اماكن بقاء الحياة بعد الموت.

ثانيا: ضرورة الآخرة

لنفكر الآن في الأسباب التي أقام الدين عليها دعوته إلى الايمان بهذه النظرية: ان الحياة، كما نتصور، ليست «غدوا ورواحا»، كما يراها الفيلسوف الألماني (نيتشه)، والتي تمتلىء وتخلو كالساعة، ولاهدف لها أكثر من ذلك. ان الحياة «الآخرة» ذات هدف عظيم، هو المجازاة على أعمال الدنيا، خيرا كانت أو شرا. وهذا الجزء من نظرية الآخرة يكاد يتضح جليا حين نعلم أن اعمال كل انسان تحفظ وتسجل بصفة دائمة، وبغير توقف. وللانسان ثلاثة أبعاد، يعرف من خلالها، هي: نيته، وقوله، وعمله. وهذه الأبعاد الثلاثة تسجل بأكملها. فكل حرف يخرج عن لساننا، وكل عمل يصدر عن عضو من أعضائنا - يسجل في الأثير (الفضاء)؛ ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات بكل تفاصيله، لنعرف - اذا شئنا - كل ما قاله، أو فعله أي انسان في هذه الحياة الدنيا، من خير أو شر.

ان الأفكار تخطر على بالنا، وسرعان ما ننساها، ويبدو لنا أنها انتهت، فلم يعد لها وجود، ولكنا، بعد فترة طويلة، نراها رؤى خلال النوم، أو نذهب نتكلم عنها في حالات الهستريا أو الجنون، دون أن ندري شيئا مما نقول. وهذه الوقائع تثبت قطعيا أن العقل أو الحافظة ليست تلك التي نشعر ونحس بها فحسب، وانما هناك أطراف أخرى من هذه الحافظة لانشعر بها، وهي ذات وجود مستقل، وذات كيان قائم بنفسه.

ولقد أثبتت التجارب العلمية أن جميع أفكارنا تحفظ في شكلها الكامل، ولسنا قادرين على محوها أبدا، وأثبتت هذه التجارب أيضا أن الشخصية الانسانية لاتنحصر فيما نسميه «الشعور»، بل هناك أجزاء أخرى من الشخصية الانسانية تبقى وراء الشعور، يسميها فرويد: «ماتحت الشعور»، أو «اللاشعور». وهذه الاجزاء تشكل جانبا كبيرا من شخصيتنا بل هي الجانب الأكبر منها فمثلها لمثل جبل من الجليد في اعالي البحار أجزاؤه الثمانية مستكنة تحت الماء، على حين لايطفو منه الا الجزء التاسع. وتلك هي مانسميه: (تحت الشعور)، الذي يسجل ويحفظ كل مانفكر فيه، أو ننتويه.


يقول (فرويد) في محاضرته الحادية والثلاثين:

«ان قوانين المنطق، بل أصول الأضداد أيضا، لاتحول دون عمل (اللاشعور) ID وان الأماني المتناقضة موجودة فيه جنبا الىجنب، دون أن تقضى واحدة منها على الأخرى، ولاشيء في اللاشعور يشبه أن يكون «رفضا» لشيء من هذه المتناقضات. اننا نتحير لما نشاهده من ان أللاشعور يبطل راي فلاسفتنا القائلين بأن جميع أفعالنا العقلية الشعورية تتم في زمن محدد، ولكن لاشيء في اللاشعور يطابق الفكر الزمني، ولايوجد فيه أي رمز لمضي الوقت وسريانه، وهي حقيقة محيرة. ولم يحاول الفلاسفة أن يتأملوا حقيقة، هي أن مضى الزمن لايحدث أي تغيير في العمل الذهني؛ ان الدوافع الحبيسة ( Conative impulses ) التي لم تخرج قط عن اللاشعور، وحتى التأملات الخيالية التي دفنت في اللاشعور - تكون أزلية في الحقيقة والواقع، وتبقى محفوظة لعشرات السنين، وكأنها لم تحدث الا بالأمس(١) ».

وقد سلم علماء النفس بهذه النظرية بصفة عامة اليوم، ومعناها أن كل ما يخطر على بال الانسان من الخير والشر، ينقش في صفحة اللاشعور، فلايزول إلى الأبد، ولايؤثر فيه تغير الزمان، وتقلب الحدثان، ويحدث هذا على رغم الارادة الانسانية - طوعا أو كرها.

ولم يستطع (فرويد) ان يدرك مايكمن خلف هذه العملية من أسباب وعلل، وأية خدمة تؤديها في مصنع الكون؟ ولهذا نراه يدعو الفلاسفة إلى التفكير والتأمل. ولكنا لو قارنا هذا الواقع مقرونا إلى نظرية الآخرة لاستطعنا أن نصل إلى حقيقتها بسرعة، ان هذا الواقع يؤكد بكل صراحة امكان وجود سجل كامل لأعمال الانسان في حيازته، عندما يبدأ حياته الأخرى، فان وجود نفسه سوف يشهد على الأعمال والنيات التي عاشها:

«ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب اليه من حبل الوريد(٢) ».

(١) مسألة القول:

ولنتناول هنا مسألة «القول»: ان نظرية الآخرة تقول بأن الانسان مسئول عن (أقواله)، فجميع ما نلفظه من كلام، حسنا كان أو قبيحا، حمدا أو سخطا؛ وسواء استعملنا اللسان في ابلاغ رسالة الحق، أو استعملناه في ابلاغ رسالة الشيطان، كل ذلك يحفظ في سجل كامل: «مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد(٣) ». وهذا السجل سوف يعرض أمام محكمة الآخرة ليتم حساب الانسان.

___________________

(١) New Introductory Lectures on Psycho - Analysis, London ١٩٤٩ , p. ٩٩.

(٢) ق: ١٦.

(٣) ق : ١٨.


وامكان وقوع هذا لاينافي العلم الحديث، فنحن نعرف قطعا أن أحدا عندما يحرك لسانه ليتكلم، يحرك بالتالي موجات في الهواء، كالتي توجد في الماء الساكن عندما نرمي فيه بقطعة من الحجر. انك لو وضعت جرسا كهربائيا في زجاج محكم الاغلاق من كل جانب، ثم تضغط عليه، فلن تسمع صوته، برغم أن الجرس على مرأى منك. لأنه لايرسل الموجات إلى الخارج، فهو مكتوم داخل الزجاج، وهذه الموجات في الظروف العادية تصطدم بطبلة الأذن، التي تقوم آليا بارسال هذه الموجات إلى العقل، فما نفهمه من المعنى، يسمى «سماعا!».

ولقد ثبت قطعيا أن هذه الموجات تبقى كما هي في «الأثير»، إلى الأبد، بعد حدوثها للمرة الأولى، ومن الممكن سماعها مرة أخرى. ولكن علمنا الحديث عاجز حتى الآن عن اعادة هذه الأصوات، أو بعبارة أصح: عن أن يضبط هذه الموجات مرة أخرى، مع أنها لاتزال تتحرك في الفضاء من زمن بعيد. ولم يبدي العلماء اهتماما خاصا بهذا المجال حتى الآن، بعد أن سلموا - نظريا - بامكان ايجاد آلة لالتقاط أصوات الزمن الغابر كما يلتقط المذياع الأصوات التي تذيعها محطات الارسال. على أن المسألة الكبرى التي نواجهها في هذا الصدد، ليست هي التقاط الأصوات القديمة، وانما التمييز بين الأصوات الكثيرة - الهائلة الكثرة - حتى نتمكن من سماع كل صوت على حدة. وهذه هي مسالة الاذاعة التي وصلنا فيها الى حل؛ فان آلاف المحطات الاذاعية في العالم تذيع برامج كثيرة ليل نهار، وتمر موجات هذه البرامج في الفضاء، بسرعة ٠٠٠،١٨٦ ميلا في الثانية. وكان من المعقول جدا عندما نفتح المذياع أن نسمع خليطا هائلا من الأصوات لانفهم منه شيئا، ولكن هذا لايحدث، لأن جميع محطات الاذاعة ترسل برامجها على موجات يختلف طولها، فمنها مايرسل برامجه على موجات طويلة؛ ومنها مايرسل على موجات قصيرة، ومتوسطة. وهكذا تمر هذه البرامج في الفضاء بموجات مختلفة طولا، فتستطيع أن تسمع آية موجة من المذياع، بمجرد أن تدير عقربه إلى المكان المطلوب.

ان علماءنا لم ينجحوا في اختراع آلة تفرق بين أصوات الزمن القديم، ولولا ذلك لكنا قد سمعنا تاريخ كل عصر وزمان بأصواته. وبناء على هذا يثبت امكان سماع الأصوات القديمة في المستقبل، فيما لو نجحنا في اختراع الآلة المطلوبة؛ ومن ثم لاتبقى نظرية الآخرة بعيدة عن القياس، وهي القائلة بأن كل ما ينطق به الانسان يسجل، وهو محاسب عليه يوم الحساب.

وربما كان قياسا مع الفارق الكبير أن نذكر هنا ماحدث عندما كان الدكتور مصدق رئيس وزراء ايران الأسبق مسجونا اثناء محاكمته عام ١٩٥٣، فقد ركبت في غرفته


آلة للتسجيل تتحرك آليا، وسجلت هذه الآلة كل ما نطق به الدكتور مصدق في غرفته، وقد عرضوا أشرطة التسجيل أمام المحكمة، شهادة عليه. وهو نموذج لما يمكن أن يحدث في الآخرة.

ان مناقشتنا لجوانب المسألة لاتنفي وجود ملائكة الله - أو بلفظ آخر - وجود «مسجلين» غير مرئيين، ينقشون على صفحة الفضاء كل ما ننطق به من كلام، وهو مايصدق قول الله سبحانه: (مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد).

***

( ب) مسألة العمل:

ولننظر الآن في مسألة (العمل): ومعلوماتنا في هذا الصدد تصدق بصورة مدهشة امكان حدوث الآخرة.

فالعلم الحديث يؤكد ايمانه بأن جميع أعمالنا - سواء أباشرناها في الضوء، أم في الظلام، فرادى، أم مع الناس - كل هذه الأعمال موجودة في الفضاء في حالة الصور، ومن الممكن في أية لحظة تجميع هذه الصور، حتى نعرف كل ماجاء به انسان مامن أعمال الخير والشر طيلة حياته؛ فقد أثبتت البحوث العلمية أن كل شيء - حدث في الظلام او في النور، جامدا كان أو متحركا - تصدر عنه «حرارة» بصفة دائمة، في كل مكان، وفي كل حال، وهذه الحرارة تعكس الأشكال وأبعادها تماما، كالأصوات التي تكون عكسا كاملا للموجات التي يحركها اللسان. وقد تم اختراع آلات دقيقة لتصوير الموجات الحرارية التي تخرج عن أي كائن، وبالتالي تعطي هذه الآلة صورة فوتوغرافية كاملة للكائن حينما خرجت منه الموجات الحرارية ( Heat Waves ). ومثاله أنني أكتب الآن في مكتبتي، وسوف أغادرها بعد ساعة، ولكن الموجات الحرارية التي خرجت من جسدي أثناء وجودي ههنا، ستبقى دائما، ويمكن الحصول على تسجيل كامل لجلستي في المكتبة في أي وقت بوساطة تلك الآلة، غير ان الآلات التي تم اختراعها إلى الآن، لاتستطيع تصوير الموجات الحرارية الا خلال ساعات قليلة من وقوع الحادث. أما الموجات القديمة، فلا تستطيع هذه الآلة تصويرها، لضعفها.

وتستعمل في هذه الآلة (اشعة انفرارد) التي تصور في الظلام والضوء، على حد سواء. ولقد بدأ العلماء في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية استغلال هذه الآلة في تحقيقاتهم، وذات ليلة حلقت طائرة مجهولة في سماء نيويورك، فصوروا الموجات الحراية لفضاء نيويورك بهذه الآلة، وأدى ذلك إلى معرفة طراز الطائرة ونوعها(١) . ولقد أطلق على هذه

___________________

(١) Reader’s Digest, November, ١٩٦٠.


الآلة اسم: (آلة تصوير الحرارة) Evaporagraph ونشرت جريدة هندوستان تايمس الهندية تعليقا بمناسبة هذا الاختراع، تقول: «اننا بفضل هذه الآلة سوف نستطيع أن نشاهد تاريخنا على شاشة السينما في المستقبل، ومن الممكن أن تنتهي هذه العملية إلى كشوف عجيبة، تغير أفكارنا عن التاريخ من جذورها.».

وانني أعتبر هذا الأختراع عجيبا كل العجب، فمعناه أن حياة كل منا تصور على مستوى عالمي، كما تسجل آلات التصوير الأوتوماتيكية السريعة جميع تحركات الممثلين السينمائيين. انك لو صفعت فقيرا، أو حملت عبئا عن أحد الغرباء، أو شغل بالك أمر من الخير أو الشر. فان جميع تحركاتك تسجل على شاشة الكون، حيث لايسعك منعها أو الهرب منها، سواء أكنت في الظلام أم في النور. فحياتك كالقصة التي تصور في الاستديو، ثم تشاهدها على شاشة السينما بعد حقب طويلة من الزمن، على بعد كبير من مكان التسجيل، ولكنك تشعر كأنك موجود في مكان الأحداث، وهكذا شأن كل ما يقترفه الانسان، وشأن الاحداث التي يعيشها، فان فيلما كاملا لتلك الأحداث سوف يوضع بين يدي كل فرد يوم القيامة، حتى يصرخ الناس قائلين:

( يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهٰذَا الْکِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَ لاَ کَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ) (١) ؟!.

***

والتفاصيل العلمية التي أوردنا بعضها في الصفحات الماضية يتضح منها جليا أن أجهزة الكون تقوم بتسجيل كامل لكل أعمال الانسان؛ فكل مايدور في أذهاننا يحفظ إلى الأبد، وكل ماننطق به من الكلمات يسجل بدقة فائقة، فنحن نعيش أمام كاميرات تشتغل دائما، ولاتفرق بين الليل والنهار. وجميع أعمالنا، القلبية منها واللسانية والعضوية، كلها تسجل بدقة تامة. ولايسعنا - ونحن نشرح هذه الظاهرة العلمية الخطيرة - الا أن نسلم بأن قضية كل منا سوف تقدم أمام محكمة الهية. وبأن هذه المحكمة هي التي قامت باعداد هذا النظام العظيم لتحضير الشهادات التي لايمكن تزويرها.

ولايستطيع أي عالم أن يدلي بتفسير أدق عن هذه الظاهرة سوى ما قلناه. فلو لم تستطع هذه الوقائع الصريحة الساخنة أن تجعل البشر يحسون بمسؤوليتهم ازاء المحكمة الجبارة التي ستقام يوم الحساب؛ فلا أدري ما الواقع الذي قد يجعل هؤلاء يفتحون أعينهم؟!.

___________________

(١) الكهف: ٤٩.


ثالثا: الحاجة إلى الآخرة

لقد بحثنا في الصفحات الماضية فيما اذا كان حدوث شيء من مثل الآخرة، التي يدعيها الدين، «ممكنا»؟ ولقد ثبت ماعلمنا أن الآخرة ممكنة الحدوث. والمسألة التي نقف أمامها الآن هي: البحث فيما اذا كن هذا العالم في حاجة - فعلا - إلى شيء من قبيل الآخرة؟ وهل يقتضي الكون - في هيكله الحالي - وقوعها؟؟.

(١) الجانب النفسي:

لنتناول أولا (الجانب النفسي) من المسألة.

يقول البروفيسور (كنجهام) في كتابه: Plato's Apalogy : «ان عقيدة الحياة بعد الموت «لا أدرية مفرحة Cheerful Agnosticism »، ومن الممكن اعتبار هذا القول خلاصة أفكار فلاسفتنا الملحدين المعاصرين؛ فهم يرون أن عقيدة الآخرة اخترعتها عقلية الانسان الباحثة عن عالم حر، مستقل عن حدود هذا العالم، ومشكلاته، مليء بالأفراح. وانما يدفعه إلى الايمان بهذه العقيدة أمله في الحصول على حياته المفضلة، التي لاجهد فيها ولاكدح. وأن هذه العقيدة تنتهي بالانسان إلى عالم مثالي وخيالي، حيث يحلم بأنه سوف يظفر به بعد الموت. ولكن الحقيقة - كما يراها الفلاسفة - أن لاوجود لشيء كهذا العالم الثاني في الأمر الاقع!.

وفي رأيي: أن هذا المطلب الانساني - في حد ذاته - «دليل نفسي» قوي على وجود عالم آخر، كالظمأ، فهو يدل على الماء، وعلى علاقة خاصة باطنة بين الماء وبين الانسان. وهكذا فان تطلع الانسان - نفسيا - إلى عالم آخر دليل في ذاته على أن شيئا مثل ذلك موجود في الحقيقة، أو أنه - على الاقل - خليق أن يوجد. وهذا المطلب النفسي يؤكد علاقة مصيرنا بهذه الحقيقة، ويدلنا التاريخ على وجود هذه الغريزة الانسانية منذ أقدم العصور علىمستوى انساني، وهو أمر لاأستطيع فهمه: كيف يمكن أن يؤثر أمر باطل على البشر في هذا الشكل الأبدي، وعلى مستوى انساني؟ وهذا الواقع نفسه يدلنا على قرينة قوية بامكان وجود العالم الآخر. وانكار هذه الحاجة النفسية، بدون أدلة، يعتبر جهلا وتعصبا.

ان الذين ينكرون حاجة نفسية عظيمة مثل هذه زاعمين أنها باطلة، هم من أعجز الناس حقا عن تفهم أي «واقع» على سطح الأرض بعد هذا. ولو كانوا يزعمون الفهم في الواقع فلاأدري بأي دليل؟. وعن أي برهان؟.

ولو كانت هذه الأفكار نتاج المجتمع، كما يزعمون، فكيف لاتزال تطابق التفكير الانساني، بهذه الصورة المدهشة، من اقدم العصور؟ هل تجدون مثالا لأية أفكار انسانية


أخرى ظلت باقية إلى العصر الحاضر، وبهذا التسلسل الرائع منذ ألوف السنين؟ هل يستطيع أذكى اذكيائهم أن يخترع فكرا واهيا، ثم يدخله إلى النفس الانسانية، وكأنه موجود بها منذ الأزل؟.

ان لكل انسان أماني كثيرة لاتكلل بالنجاح في حياته، انه يتمنى حياة أبدية، ولكن الحياة التي أعطيت له تخضع لقانون الموت. والعجيب أن الانسان عندما يكون على أبواب حياة ناجحة عظيمة، بعدما كسب من العلم والمعرفة، والخبرة والتجارب الثمنية، حينئذ تداهمه دعوة الموت. ولقد أكدت احصائية عن تجار لندن الناجحين أن أمرهم يستقر فيما بين ٤٥ - ٦٥ سنة من أعمارهم، ثم يبدأون يربحون مابين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف جنيه في السنة، وفي ذلك الوقت الثمين - فجأة - تتوقف حركات قلوبهم ذات مساء، أو ذات صباح، فيرحلون الىعالم مجهول، تاركين تجارتهم الممتدة إلى ماوراء البحار.

يقول الأستاذ وينوود ريد ( Winwood Reade ):

«انه لأمر هام يدعونا إلى التفكير فيما اذا كانت لنا علاقة شخصية مع الاله؟ هل هناك عالم غير عالمنا هذا؟ وهل سوف نلقى جزاء أعمالنا في ذلك العالم؟ ان هذا السؤال ليس بعقدة فلسفية عظيمة فحسب، وانما هو في نفس الوقت أعظم أسئلتنا العملية ايضا. انه سؤال تتعلق به مصالحنا الكثيرة؛ فحياتنا الراهنة قصيرة جدا، أفراحها عادية موقوتة، أذ اننا عندما نظفر بما نحلم به، يفاجئنا الموت، ولو استطعنا الاهتداء إلى طريق خاصة تجعل أفراحنا دائمة وأبدية، فلن يرفض العمل به أحد غير البله والمجانين منا(١) ».

ولكن الكاتب نفسه يستطرد فينكر ذلك المطلب النفسي الكبير من أجل أمور لاوزن لها ولاقيمة؛ فهو يقول: «ان هذه العقيدة كانت معقولة جدا حين كنا لانبحث جوانبها بعمق وجد. ولكن بعد هذا البحث اتضح لنا أنها أمر سخيف، ويمكن اثبات سخافته بسهولة، فالفلاح المحروم العقل الجاهل لايتحمل مسؤولية خطاياه، وسيدخل الجنة، ولكن العباقرة مثل (جوته)، و(روسو)، سوف يحترقون في نار الجحيم؛ فلأن يخلق الانسان محروم العقل خير له من أن يكون من أمثال جوته وروسو!! ان هذا الكلام تافه وسخيف(٢) ».

وما أشبه هذا الموقفف بالذي اتخذه (اللورد كلوين) تجاه التحقيق العلمي الذي قام به (ماكسويول)؛ فقد زعم اللورد أنه لايستطيع أن يفهم نظرية ماالا بعد وضع نموذجها الميكانيكي، وبناء على هذا الفرض أنكر نظرية ماكسويل عن البرق والمغناطيس، لأنها

___________________

(١) Martyrdom of Man, p. ٤١٤.

(٢) Ibid, p. ٤١٥.


لم تحل في احد نماذج اللورد المادية! ان مثل هذه المواقف والادعاءات الخرافية أصحبت غريبة في عالم الطبيعة الحديثة.ويتساءل العالم الكبير (سوليفان):

«كيف يروق لاحد أن يدعي أن الطبيعة لابد أن تكون كما يضعها مهندس القرن التاسع عشر في معمله(١) ؟».

وسوف أوجه هذا الكلام إلى الأستاذ (وينوود):

«كيف يجوز لفيلسوف القرن العشرين أن يرى: أن يكون الكون الخارجي، في حقيقة الأمر مطابقا لما يزعمه هو؟».

ان كاتبنا لم يستطع أن يفهم أمرا في غاية البساطة: هو أن الحقيقة لاتحتاج إلى الواقع الخارجي، وانما الواقع الخارجي هو الذي يكون في حاجة إلى «الحقيقة». فالحقيقة أن لهذا الكون الها، وسوف نمثل أمامه يوم الحساب. فلابد لكل منا - سواء أكان روسو أم كان مواطنا عاديا - أن يكون وفيا ومطيعا لالهه؛ فنجاتنا لن يحققها جحودنا، بل هي تكمن في ايماننا وطاعتنا. والغريب أن كاتبنا لم يرق له أن يطالب (جوته) و(روسو) أن يسلكا مسلك الحق، وانما طالب الحق بالتغير! ولما لم يطع الحق راح ينكره!! وهذا اشبه بمن ينكر قانون حفظ الأسرار العكسرية، الذي يكرم أحيانا جنديا بسيطا، ويعدم عالما ممتازا، مثل «روزنبيرج وعقيلته الحسناء» بالكرسي الكهربائي!!.

***

انه لايوجد علىسطح الأرض من يفكر في (الغد) غير الانسان. فهو يتميز عن سائر الحيوانات بدوام تفكيره في المستقبل، وجهاده المتواصل، وسعيه الدائب في سبيل تحسين احواله. ولاشك اننا قد نجد بعض الحيوانات تعمل لمستقبلها؛ كالنمل الذي يدخر غذاءه للشتاء القادم؛ والطيور التي تصنع أعشاشا يسكنها أولادها بعد فقسهم، ولكن هذا العمل لدى الحيوانات يعتبر «غرزيا»، فهو صادر عن غير شعور بالمسؤولية؛ انها لاتقوم بهذه الأعمال لقلقها من مشكلات الغد، وانما تأتي بها طبيعيا، ومن ثم تنتفع بها في المستقبل فالتفكير في المستقبل يتطلب فكرا مدركا واعيا، وهو من ميزات الانسان فحسب، ولايتمتع به شيء من الحيوانات غيره.

هذا الفرق الكبير بين الانسان والحيوان يؤكد أنه لابد أن تكون للانسان مواقع أكثر بالنسبة إلى أي نوع آخر للانتفاع بها، فحياة الحيوانات هي ما تسمى «حياة اليوم»، ففكرة الغد لاتوجد عندها، ولكن مطالعة حياة الانسان تقتضي «غدا»، ولو أنكرنا هذه الحاجة لخالفنا الطبيعة.

___________________

(١) JWN Sulivan The Limitations of Science, p. ٩.


ويعتقد بعض العلماء والفلاسفة أن خيبة آمال الانسان في حياته الراهنة هي التي تجعله يفكر في حياة أفضل، وهم يرون أن هذا الفكر سوف يتلاشى لو أتيح للانسان مجتمع رفاهي كامل. فقد اعتنق عدد كبير من اسرى الروم المسيحية لأنها وعدتهم بأفراح السماء. ولذا تتوقع هذه الطائفة من العلماء والفلاسفة أن سعادة الانسان ورفاهية المجتمع سوف تزداد أكثر فأكثر، إلى أن تقضي نهائيا على نظرية «العالم الآخر».

ولكن تاريخ الأربعمائة سنة الأخيرة - التي ازدهرت فيها العلوم والتكنولوجيا - يكذب هذا التوقع؛ فان أول ما هيأ التقدم التكنولوجي للانسان أنه أتاح له وسائل عديدة، احتكرتها أيد محدودة، قامت بدورها باستغلالها، وقضت على صغار العمال والحرفيين، وحولت تيار الثروات إلى كنوزها، وخزائنها، وجعلت من الشعب عمالا فقراء معوزين، ويمكن مطالعة هذه المناظر القبيحة التي جاءت نتيجة للتقدم التكنولوجي، في كتاب كارل ماركس «رأس المال»، الذي يعتبر ضجيجا للطبقة العمالية التي عاشت القرنين الثامن والتاسع بعد الألف، ثم بدأت ردود فعل هذا الضجيج، وتبعه كفاح طويل، قامت به المنظمات العمالية، حتى تحسنت الأحوال إلى حد ما. ولكنني أرى أن التغيير الذي طرأ على أحوال العمال ليس الا ظاهريا؛ فعامل اليوم يتقاضى أكثر مما كان يتقاضاه بالأمس، أما السعادة الحقة، فانه أكثر افتقادا لها من سلفه. ذلك ان النظام التكنولوجي لم يعط الانسان أكثر من مظاهر مادية، فهو لايملك القيم الروحية، حتى يمنح لأتباعه السعادة والطمأنينة القلبية، وما أصدق ماقاله الشاعر ( Blak ) عن انسان الحضارة الحديثة:

A mark in every face I meet

Marks of weakness, marks of woe

لكل وجه ترى عليه سمات

فيه ضعف، وفيه ذل وحقد

لقد اعترف «برتراند راسل» قائلا: «ان حيوانات عالمنا يغمرها السرور والفرح، على حين كان الناس أجدر من الحيوان بهذه السعادة، ولكنهم محرومون من نعمتها في عالمنا الحديث(١) ». واليوم، كما يقول راسل، أصبح من المستحيل الحصول على هذه النعمة: السعادة(٢) !!.

انك عندما تزور نيويورك، تشاهد أبنيتها الضخمة مثل عمارة «امباير ستيت»، التي تتكون من ١٠٢ طابقا، وهي عالية جدا، حتى ان درجة الحرارة في أدوارها العليا تكون منخفضة جدا بالنسبة إلى أدوارها السفلى، وعندما تخرج منها وتراها من الشارع.

___________________

(١) Conquest of Happiness, p. ١١.

(٢) Ibid, p. ٩٣.


فلن تصدق أنك كنت فوق هذا العملاق الذي يرتفع ١٢٥٠ قدما فوق سطح الأرض، ولايستغرق المصعد الكهربائي للصعود من أسفلها إلى أعلاها أكثر من ثلاث دقائق!! وبعد مشاهدة هذه العمارات والمظاهر تذهب إلى النوادي وتشاهد الرجال والنساء يرقصون ملتصقين. وتفكر «ما أسعد هؤلاء الناس!»، ثم تأوي إلى مقاعد تشاهد الرقص المثير، ولن تقضي وقتا طويلا حتى تأتيك حسناء من هؤلاء القوم، وتجلس على المقعد المواجه لمقعدك، انها تبدو كئيبة، فتسألك دون مقدمات:

- أيها السائح، هل أنا قبيحة المنظر؟.

- انني لا أرى ذلك.

- ولكنني أفهم أنني فقدت «روعة الجمال»، أليس كذلك؟.

-. لا في رأيي أنك تملكين الكثير من الفتنة وروعة الجمال.

-شكرا أيها السائح الكريم! ولكن الشبان لايبالون بي، ولايواعدونني. لقد أصبحت الحياة بالنسبة إلى مملة موحشة.

ان ما رأيته في نيويورك لم يكن الا منظرا مقتضبا من مسرحية الانسان في العصر الحديث.

لقد أقامت العلوم والتكنولوجيا أبنية شامخة، ولكنها نزعت السعادة من قلوب ساكنيها، انها أقامت مصانع تتحرك بالآت هائلة، ولكنها حرمت عمالها الراحة التي يطمحون اليها، وهذه هي نتيجة التاريخ العلمي والتكنولوجي. فكيف بنا آذن نطمح ونتوقع عالما يسوده السلام والسعادة، من «صنع التكنولوجيا»؟!».

***

(ب) الضرورة الأخلاقية:

وعندما ندرس المسألة من الوجهة الأخلاقية نرى أنه لابد من «الآخرة»، فان التاريخ الانساني لن يكون له أي معنى بدونها.

ان فطرة الانسان تميز بين الخير والشر، والصالح والطالح، والظلم والعدل، وهذه الفطرة هي التي تميز الانسان عما سواه، ولكن ها هو ذا الانسان الذي كرمه ربه، يهدر فطرة الله أكثر ممن لايتمتعون بها؛ انه يظلم بني جنسه؛ يقتلهم ويشردهم، ويوجه اليهم كل شر مستطاع.

ان الحيوانات لاتظلم فصائلها، فالأسد ليس في الأسود أسدا، والنمر ليس في العرين نمرا. ولكن الانسان أصبح يفترس اخوانه، حتى الأقربين منهم، مما لايوجد له مثيل في قانون الغابة.


ولامرية أننا وجدنا أضواء الحق والعدالة في التاريخ الانساني، وأننا نقدرها حق قدرها، ولكن الجزء الأكبر من التاريخ يفيض بقصص الظلم والفساد والعدوان. ان المؤرخ ليصاب بيأس بالغ عندما يرى أن أحداث التاريخ تتعارض تماما مع الضمير الانساني.

ولنقتبس هنا بعض الأقوال:

«فولتير: «ان التاريخ الانساني ليس الا صورة للجرائم والمصائب(١) ». هربرت سبنسر: «ان التاريخ تهريج، وكلام فارغ لاجدوى منه». نابليون: «ان التاريخ بأكلمه عنوان لقصة لاتعني شيئا».

ادوارد جين: «ان تاريخ الانسان لايعدو أن يكون سجلا للجرائم، والحماقة، وخيبة الأمل».

هيكل:« ان الدرس الوحيد الذي تعلمته الحكومة والشعب من مطالعة التاريخ هو أنهم لم يتعلموا من التاريخ شيئا(٢) ».

هل قامت مسرحية العالم كلها لتنتهي إلى كارثة أليمة؟ ان فطرتنا تقول: لا. فدواعي العدالة والانصاف في الضمير الانساني تقتضي عدم حدوث هذا الامكان، لابد من يوم يميز بين الحق والباطل، ولابد للظالم والمظلوم أن يجنيا ثمارهما، وهذا مطلب لايمكن اقصاؤه من مقومات التاريخ، كمالايمكن ابعاده عن فطرة الانسان.

ان هذا الفراغ الشاسع الذي يفصل مابين الواقع والفطرة يقتضي ما يشغله، فان المسافة الهائلة بين (مايحدث) و(ماينبغي أن يحدث) تدل على أن مسرحا آخر قد أعد للحياة، وأنه لابد من ظهوره. فهذا الفراغ العظيم يدعو إلى تكميل الحياة. واني لأتخير عندما يؤمن الناس بفلسفة الروائي الانجليزي «هاردي» القائلة: بأن العالم مكان للظلم والوحشية، ولكنني أصاب بحيرة أكبر عندما أرى أن هذه الحالة البالغة السوء لاتقودهم إلى الايمان بأن: ماليس بموجود اليوم ويقتضيه العقل، لابد من حدوثه غدا.

«اذا لم تكن هنالك قيامة فمن ذا الذي سوف يكسر رؤوس الطواغيت الطغاة؟» - كلمة كثيرا ما تخرج من شفتي مصحوبة بأنين مرير، عندما أطالع الجرائد، فجرائدنا صورة مصغرة لمايحدث كل يوم على الأرض، والصورة التي تحملها الجرائد الينا رهيبة. انها تتكلم عن الاغتيالات، والخطف، والنهب، والاتهامات الكاذبة، والتجارة السياسية، والدعايات الباطلة التي تتلعب بالألفاظ. ان هذه الجرائد تخبرنا كيف نكل الحاكم الفلاني بمعارضيه الضعفاء، باسم مصالح الأمة، ودواعي الامن القومي؟! وكيف سيطر ذلك الشعب

___________________

(١) Story of Philosophy, Will Durant, p. ٢٢٠.

(٢) Western Civilisation, E. Menall Burns, p. ٨٧١.


على أرض لم يملكها طيلة التاريخ بقوة السلاح!! وليست هذه الجرائد الا حكايات لمأساة الضعيف والقوى، والسلطان والرعاع!!.

ان الأحداث التي وقعت في بلادي أخيرا، وبخاصة تلك الاغتيالات الجماعية، وعمليات النهب والحرق المخططة التي جرت في مناطق جبل بور، وجمشيد بور، وراؤركيلا، وكلكتا - يبدو بعدها أن المرء لاينبغي أن يستبعد وقوع أية جريمة على هذه الأرض، سواء أمكنه تصورها أم لا!! فان قوما يرفعون شعارات (العلمانية) و(الجمهورية) و(اللاعنف) يستطيعون - في نفس الوقت - أن يرتكبوا أبشع أنواع الطائفية، وأشنع ألوان الدكتاتورية، وأسوأ صور العنف، كما لم يشاهده التاريخ. وكل هذه الجرائم البشعة - التي تأسي لحدوثها السباع المفترسة، والذئاب الكاسرة، والخنازير الوحشية - قد جرت في عهد زعيم اطلق عليه لقب: «معالم الانسانية ورسول الاسلام(١) »!! وليت المأساة توقفت عند هذا الحد، فلقد ارتكبت في هذا العصر الذي ازدهر فيه النشر والاذاعة، جرائم شنيعة، وأحداث مروعة، من نهب، وقتل، واحراق أقوام بأسرهم؛ ودامت المأساة أشهرا طويلا، بل سنين عديدة، في بلاد شاسعة جدا من الهند، والصحافة العالمية لاتنشر عنها شيئا ما، وقد امحيت تماما هذه الجرائم من صفحات التاريخ، كأن لم تكن ماساة الأمس القريب!!. هل خلق هذا العالم ليكون مسرحا للمآسي، والشيطنة، والهمجية والقرصنة، ثم لايلقى الظالم والمظلوم جزاءهما؟! ان عالما - من هذا القبيل - اعلان في حد ذاته عن أنه ناقص، وهذا النقص في ذاته يقتضي مايكمله.

(ج) مشكلة السلوك:

ولندرس هذا من ناحية أخرى. لقد شغلت مسألة هامة الذهن الانساني من أقدم العصور، وهي كيفية اجبار الناس على سلوك طريق الحق، فاذا افترضنا أن بعض أفراد المجتمع قد منحوا سلطة سياسية من أجل تحقيق هذا الهدف، فمن الممكن أن يمتنع الرعايا خوفا من العذاب. ولكن ما الذي يدفع أولئك الذين يتمتعون بالسلطة السياسية إلى تحقيق العدل والانصاف؟ ولو أننا استنجدنا القانون، واستصرخنا المحكمة، فكيف آذن يمكن أن نبلغ بهما تلك الأماكن والجوانب التي لاتخضع للشرطة والقانون؟ ولو أننا خضنا معارك الدعاية، وناشدنا أهل الشر أن يكفوا عن الجرائم، فمن ذا الذي ينصت الينا؟ ويتخلى عن فائدة يجنيها دون كلفة؟ ان رهبة عقاب الدنيا لن تنجح في قمع انحرافات الانسان؛ فنحن جميعا

___________________

(١) الاشارة إلى جوهر لال نهرو، وقد جرت الأحداث البشعة التي أشار اليها المؤلف خلال الأعوام ١٩٦١، ٦٢، ٦٤، ولم ينشر عنها شيء بفعل التآمر العالمي (المراجع).


نعرف أن الكذب، والرشوة، والمحسوبية، واستغلال النفوذ، وما إلى ذلك من الوسائل المعروفة، سوف تحول دون أي امكان للعقاب.

انه لن يفلح شيء في قمع الجرائم غير الدافع المنبعث من داخل قلب الانسان - الضمير، الضمير الذي لو دخل ارادة الانسان فلن يسقطه عامل خارجي أيا كان، وهذه الميزة غير متاحة الا في عقيدة الآخرة. فان دافعا قويا يكمن في هذه العقيدة، ويجعل من اتقاء الجرائم مصلحة ذاتية لكل انسان. انها مصلحة يهتم بها الجميع، فالكل رئيسا كان أم مرءوسا، في الظلام كان أو في الضوء - ينطلق يفكر في أنه لابد من يوم للقاء الله، والكل يشعر بأن الله يراه، وسوف يحاسبه حسابا عسيرا. وهذه الأهمية الكبرى في عقيدة الآخرة هي التي جعلت القاضي ماتيوهالوس ( Matherwhalos )، وهو من كبار قضاة القرن السابع عشر يقول:

«ان القول بان الدين خدعة، هو بمثابة ابطال لجميع المسؤليات التي تقع على عاتقنا لاستقرار النظام الاجتماعي(١) ».

الا ما أهم هذا الجانب من نظرية الآخرة!!.

وانا لنستطيع أن ندرك أبعاد هذه النظرية لوتأملنا أن كثيرا من علمائنا الملحدين، الذين لايعتقدون أن الآخرة أمر واقع، وقد اضطروا - بناء على تجارب التاريخ - إلى القول بأنه لايوجد شيء غير «الآخرة» لمراقبة الانسان، واخضاعه لسلوك طريق الحق والعدل في جميع الظروف.

لقد أنكر الفيلسوف الألماني «كانت» فكرة (الاله)، قائلا: (انه لايجد أدلة شافية على وجوده). فهو ينكر «الصواب النظري» في الدين، ولكنه، في نفس الوقت، يضطر إلى أن يسلم «بالصواب العملي» في الدين، من الناحية الأخلاقية(٢) .

و«فولتير» أيضا لايؤمن بحقائق ماوراء الطبيعة، ولكنه يرى:

«أن أهمية الاله والحياة الآخرة عظيمة جدا، حيث انهما أساسان لاقامة «المبادىء الاخلاقية». وهو (فولتير) يرى أن هذه العقيدة وحدها كفيلة بايجاد اطار أخلاقي افضل للمجتمع. ولو أن هذه العقيدة زالت فلن نجد دافعا للعمل الطيب، وسيترتب على ذلك انهيار النظام الاجتماعي(٣) ».

___________________

(١) Religion without Revelation, p. ١١٥.

(٢) Story of Philosophy, N. Y., ١٩٥٤ , p. ٢٧٩.

(٣) Windelbamd, History of Philosophy , p. ٤٩٦.


ان الذين يرون أن «الآخرة» فكرة خيالية ينبغي أن يفكروا: كيف أصبحت فكرة خياليةذات أهمية قصوى بالنسبة إلى واقع حياتنا؟.

لماذا لانستطيع بدونها اقامة نظام اجتماعي سليم؟.

هل يمكن أن تحتل فكرة خيالية هذه الأهمية الكبرى في الحياة؟.

هل وجدتم مثالا مافي الكون لفكرة خيالية غير كائنة، أصبحت تتمتع بهذه الأهمية الحقيقية في الحياة، رغم انها لاعلاقة لها بواقعنا؟!.

ان حاجتنا الملحة إلى الآخرة لتنظيم الحياة، واقامتها على أسس عادلة حقيقية، هي - في حد ذاتها - تاكيد بأن الآخرة من كبريات حقائق الكون، ولست أبالغ اذا قلت: ان هذا الجانب المنطقي من الاستدلال يثبت حقية هذه النظرية، على مستوى التحقيق المعملي العملي.

***

(د) الضرورة الكونية:

ولننظر إلى هذه القضية من جهة ثالثة، تلك التي أسميها: «الضرورة الكونية». لقد تكلمت في الصحفات الماضية عن وجود الاله في الكون؛ وقد ثبت جليا أن الدراسة العلمية والفكرية هي التي تدعونا إلى القول بوجود اله لهذا الكون. وبقى أن نسأل: لو كانت هناك علاقة بين الاله والانسان لما كان بد من ظهورها، فمتى ستظهر هذه العلاقة جليا؟.

أما بالنسبة إلى عالم اليوم، فمن الممكن الجزم بأن هذه العلاقة لم تظهربعد؛ فالرجل الذي لايؤمن بالله، يصيح قائلا: «انني لاأخاف من الله»، ثم هو لايصاب بأذى، بل قد يحصل على الزعامة، ويتسلم مقاليد الحكم!!.

أما الذين يبلغون رسالات الله، فان السلطات توقف نشاطهم بحجة أنه «غير شرعي». وهنالك أيضا مكاتب ومؤسسات تشغلها - ليل نهار - الدعاية لأولئك الذين يقولون: «لقد ذهب صاروخنا إلى القمر ولم يتشرف بلقاء الهكم!»، وجميع أجهزة الدعاية الرسمية تدعم هذه المؤسسات، فاذا مانهض أصحاب الدعوات برسالتهم ردهم علماء العصر قائلين: انكم رجعيون تتخبطون في الظلمات!.

يولد الأطفال، ثم يشبون، ويموتون.

تصل الشعوب إلى أوج مجدها، ثم تنقرض.

تقع الثورات، ثم تزول.


تشرق الشمس وتغرب، ولكن لاتظهر آيات وجود الله.

وفي هذه الحالة تطالبنا عقولنا بالايمان بوجود الله، أو انكار هذا الوجود. فلو آثرنا الايمان بالله، فلامناص لنا من الايمان بالآخرة. فليست هناك طريق أخرى لتبيين علاقة الانسان بالاله.

لقد سلم (داروين) بأن لهذا الكون «خالقا» ولكن «تفسير الحياة» الذي قدمه لايتضمن أدنى ربط بين الخالق ومخلوقه، كما أنه لايحس بالحاجة إلى «نهاية» لهذا الكون، حاجة تدفعه إلى تقرير هذا الربط، ولست أدري كيف سيملأ (داروين) هذا الفراغ الكبير في نظريته البيولوجية؟ ان عقلي يستنكر الها لاعلاقة له بأمور الكون، ولايشهده عباده في مظهر الخالق أبدا. وما أعجب «خالق داروين» - هذا الذي يأتي بكون عملاق هكذا، ثم ينهيه، دون ابداء الأسباب التي دفعته إلى هذا الخلق، ودون تعريف مخلوقيه بصفاته العديدة!!.

اننا لو أعطينا هذه المسالة الخطيرة شيئا من تفكيرنا، فسوف نجد قلوبنا تصرخ:( أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا ) (١) .

بل اننا لو تأملنا فسنراها مسرعة الينا، سوف نراها ثقيلة، وشيكة الانفجار، كأنها الوليد في بطن الحامل. وما أقرب ماتفتك بنا - فجأة - ات عشية أو ضحاها:

( يَسْأَلُونَکَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لاَ تَأْتِيکُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ) (٢) .

___________________

(١) غافر/٥٩.

(٢) الأعراف/١٨٧.


رابعا - الشهادة التجريبية

نواصل الآن بحثنا في الجانب الآخر من هذا الموضوع:

(الآخرة)، وهو: هل هناك شهادة تجريبية تثبت الحياة بعد الموت؟.

ان أول دليل على الحياة الثانية هو حياتنا الأولى في حد ذاتها؛ فان الذين ينكرون الحياة الثانية يقرون،بداهة، الحياة الأولى. والحياة، تلك التي ظهرت مرة واحدة، كيف تعجز عن اعادة نفس العملية مرة اخرى؟ هذه التجربة التي نعيشها نحن اليوم، كيف يستحيل حدوثها ثانية؟؟ انه لاشيء أكثر عداء للمنطق والعقل الانساني من أن نسلم بوقوع حادث في «الحال»، وننكره في «المستقبل»!!.

ياله من تناقض عجيب. ان الانسان يدعي أن «الآلهة» التي اخترعها هو بمقدراته


الخارقة لتفسير الكون تستطيع اعادة وقائع الكون مرة أخرى، ولكنه يرفض بعناد تلك النظرية المماثلة التي يتقدم بها الدين، ويعبر «السير جيمس جينز» عن نظرية هؤلاء القوم قائلا:

«لاغرابة اذا كانت أرضنا قد جاءت صدفة نتيجة بعض الحوادث. واذا بقي كوننا على حاله الراهنة لمدة طويلة مماثلة (لمدة حدوثه صدفة)، فلا نستبعد حدوث أي شيء يمكننا قياسه على الأرض(١) ».

وترى نظرية النشوء والتطور أن جميع أنواع الحيوانات تنحدر من نوع بدائي واحد، وأنها ارتقت الى ماهي عليه الآن خلال مراحل تطورية متطاولة. وبناء على هذا التفسير الذي قام بوضعه «داروين» - صاحب هذه الفكرة - فان «الزراف»، الموجود حاليا، كان في بدء الأمر من عشيرة الحيوانات الصغيرة ذوات الظلف، ولكن هذا الحيوان، من خلال العمليات الطويلة التي أعقبت التوالد والتناسل، والتغيرات والفوارق الصغيرة التي طرأت علىالجنس الحيواني، استطاع أن يحصل على هذا الهيكل العظيم غير العادي، الذي نشهده اليوم.

يقول «داروين» موضحا نظريته في الباب التاسع من كتابه:

«ومن الأمور الحتمية عندي أنه - اذا ما أجريت العملية المطلوبة خلال زمن طويل، فمن الممكن أن نجعل من حيوان ذي ظلف عادي حيوانا مثل الزراف(٢) ».

وهكذا اضطر جميع العلماء، الذين حاولوا شرح الكون والحياة، بطريق طبيعية، الى أن يسلموا بأنه لو هيئت نفس الأحوال - التي ساعدت في خلق الحياة الأولى - فمن الممكن حدوث الحياة ولوازمها مرة أخرى. ان امكان حدوث الحياة الأخرى أقوى - نظرية - من امكان الحياة الأولى، الذي قد وقع فعلا، وأي شيء نسلم به أنه خلق الحياة - مهما كان هذا الخالق - فلابد لنا من الاقرار بصفة بدهية بأن ذلك الخالق يستطيع بالتأكيد اعادة نفس الحوادث التي أنشأها للمرة الأولى، ولابد لنا من هذا الاعتراف، اللهم الا اذا أنكرنا الحياة الأولى (الموجودة الآن). فنحن نفقد جميع الأسس التي قد نبني عليها دعائم انكارنا للحياة الأخرى، عندما نسلم بوجود الحياة الأولى!.

***

___________________

(١) Modern Scientific Thought, p. ٣.

(٢) Origin of Species, p. ١٦٩.


خامسا - البحث النفسي

لقد أثبت البحث النفسي، الذي ذكرناه آنفا، أن جميع أفكار الانسان - أو بعبارة أخرى: جميع خلايا مخه - تبقى بصفة دائمة. وهذا الواقع يثبت بصراحة أن عقل الانسان ليس بجزء من جسمه، فان جميع خلايا وأنسجة الجسم تتغير تغيرا كاملا في بضعة أعوام، ولكن سجل اللاشعور لايقبل أي تغير أو مغالطة أو شبهة على رغم مرور مئات السنين. ولو كان هذا السجل الحافظ كائنا في الجسم فلا أدري أين مكانه منه؟ وفي أي جزء يكمن على وجه الخصوص؟ ولو كان في أحد أجزاء هذا الجسم، فلماذا لايزول عندما تزول هذه الأجزاء بعد سنوات عديدة؟ ما أعجب هذا السجل الذي تتحطم جميع لوحاته تلقائيا، ولكنه لايفنى ولايزول!؟.

ان هذه البحوث الجديدة في علم النفس تؤكد، بصفة قاطعة، أن الوجود الانساني لاتنحصر حقيقته في ذلك الجسم المادي الذي يخضع دوما لعمليات التحطم والاحتكاك والفناء، بل هو شيء آخر، غير هذا كله، وهو لايفنى، بل يبقى مستقلا، ولايزول.

ويعلم من هذا أيضا أن الحواجز وقوانين الزمن لاوظيفة لها الا في عالمنا هذا، ولو كان هناك عالم آخر، يبدأ عند فناء جسمنا المادي، فهو يخلو تماما من هذه الحواجز والقوانين. ان كل مانباشره من الأعمال والأفعال الشعورية يخرج في نطاق هذه القوانين والحواجز. ولو كانت هناك «حياة عقلية أخرى» - كما يعتقد فرويد - فمعناه أن هذه الحياة الجارية لن تفنى أبدا، بل ستستأنف مسيرتها بعد الموت، وسوف نكون على قيد الحياة، فان هذا الموت لم يكن الا نتيجة من نتائج هذه الحواجز والقوانين الزمنية. أما وجودنا الحقيقي - وهو اللاشعور، كما يقول فرويد - فهو حر مستقل عن هذه الحواجز والقوانين، ولايطرأ عليه الموت، بل يأتي (الموت) على الجسد العنصري المادي، ويبقى اللاشعور - وهو الانسان الحقيقي - كما هو. ومثاله أن حادثا وقع قبل ربع قرن، أو فكرا خطر ببالي قبل عشرين سنة، وقد نسيت كليهما قاطبة، ومع ذلك فاني أراهما في أحلامي اليوم. وتفسير ذلك عند علماء النفس هو أنهما كانا محفوظين في «اللاشعور» بأكمل صورهما وجزئياتهما، كأنهما حدثا بالأمس!!.

وقد نتساءل هنا: وأين هذا اللاشعور؟ فلو كان منقوشا على الخلايا - كالصوت مسجلا علىالاسطوانات - فان تلك الخلايا، التي سجلت ذلك الحادث قبل ربع قرن، أو هذه الفكرة قبل عشرين سنة، قد تحطمت وزالت منذ سنين طويلة، ولاعلاقة لها، في أي صورة، بجسدي الموجود الآن. فأين هذا الفكر من جسدي؟ تلك شهادة تثبت - قطعيا -


أن هناك عالما آخر خارج أجسامنا المادية، مستقلا بذاته، ولايفنى بفناء الجسم، أو جزء من أجزائه.

***

سادسا - البحوث الروحية

أثبتت (البحوث الروحية) Psychical Researches الحياة بعد الموت، على المستوى التجريبي والعملي. ان الأمر الذي يدفعنا الى ابداء مزيد من الاعجاب بهذه البحوث هو أنها لاتثبت «بقاءا محضا» لروح ما، بل انها تثبت أيضا بقاء الشخصيات التي كنا نعرفها بذاتها، قبل أن تموت!!.

ان هناك خصائص كثيرة يتمتع بها الانسان من قديم الأزمان؛ ولكنا لم نلق الضوء عليها الا حديثا. ومن هذه الخصائص: «الرؤيا»، التي تعد من أقدم مميزات الجنس البشري. والحقائق المثيرة التي تعد من أقدم مميزات الجنس البشري. والحقائق التي كشفها علماء النفس عن هذه الميزة لم يكن قدماؤنا على علم بها.

وهناك مظاهر أخرى درسناها أخيرا، وأجرينا بحوثا واحصاءات في مختلف انحاء العالم حولها، وجاءت البحوث بنتائج غاية في الاهمية.

ومن هذه البحوث مانسميه «بالبحوث الروحية». وهي فرع من علم النفس الحديث، وهدفها محاولةالكشف عن الميزات الانسانية غير العادية، وقد أقيم أول معهد لاجراء هذا النمط من البحوث عام ١٨٨٢م في انجلترا. وبدأ علماء المعهد عملهم سنة ١٨٨٩م، بعد أن قاموا بمسح واسع النطاق على ١٧ ألفا من المواطنين، ولايزال هذا المعهد موجودا باسم «جمعية البحوث الروحية». وقد انشترت الآن معاهد كثيرة في مختلف بلدان العالم. وأثبتت هذه المعاهد، بعد بحوثها وتجاربها الواسعة النطاق، أن الشخصية الانسانية تواصل بقاءها بعد فناء الجسد المادي، في صورة غريبة.

كان وكيل متنقل لشركة أمريكية يسجل طلبات عملائه. جالسا في حجرته في فندق سانت جوزيف، بولاية ميسوري، فاذا به يشعر أن أحدا يجلس عن يمينه. ويقول الرجل:

فحولت وجهي بسرعة فوجدت أنها أختي!».

وكانت أخته هذه قد ماتت منذ تسع سنين. وبعد برهة اختفى وجه أخته. وكان الوكيل قد أفزعه هذا الحادث، لدرجة انه بدلا من أن يستأنف جولته، قرر مغادرة (ميسوري) الى بيته في بلدة (سانت لويس) وفي البيت ذهب يقص على أقربائه الحادث بالتفصيل كما رآه، وعندما وصل اثناء كلامه الى هذه الجملة: «وشاهدت على خدها الأيمن جرحا واضحا أحمر اللون». فاذا بأمه تصرخ وتقوم مرتعدة، وهي تقول: «انني أنا السبب في ذلك


الجرح الذي رأيته، وقد حدث ذلك عن غير قصد مني، وقد ندمت لذلك الحادث وآلمني المنظر، فأزلت كل آثار الجرح، ووضعت في مكانه شيئا من البودرة!» واضافت الأم قائلة:

«ومنذ ذلك اليوم لم أفض بهذا السر الى أحد أبدا»(١) .

ان هذه الوقائع وأمثالها لاتختص بأمريكا وأوروبا، وانما تحدث بكثرة في كل منطقة من العالم. ولكن حيث ان أكثر البحوث العلمية الحديثة قد أجريت في تلك المنطقة من العالم، فلابد لنا أن نأتي بالشهادات التجريبية من تلك المناطق أيضا. ولو كان عند بعض علمائنا شيء من الطموح والثقة بالنفس، وبدءوا هذا العمل في مناطقهم، فمن الممكن أن نجمع شهادات لاحصر لها في بلادنا الآسيوية والافريقية. وأنا شخصيا على علم بكثير من وقائع مماثلة تدعم هذه النظرية بصفة مدهشة، ولكنا بكل أسف تعوزنا الهمم للقيام بمثل هذه البحوث العلمية، ومايلزمها من قدرة على الانفاق، وبذل الوقت المطلوب.

ان هناك وقائع لاتحصى من هذا القبيل، وهي توكد وجود «شخصيات معروفة» بعد موتها. ولا سبيل أمامنا لاعتبار هذه الوقائع والحقائق: «أوهاما وخيالات»، كما اعتاد بعض الناس القول ببساطة في مثل هذه المسائل، فان سر الجرح على خد الفتاة الأيمن - وقد ماتت منذ حقبة من الزمن - لم يكن أحد يعرفه غير الفتاة وأمها.

وهناك وقائع أخرى تؤكد بقاء الحياة بعد الموت، وهي وقائع تتعلق باولئك الذين نسميهم: (بالمتحركين الي) Automatists(٢) . ويطلق هذا الاسم على الذين تصدر عنهم أفعال رغم اراداتهم الذاتية، وهذه الوقائع تدل على أن أرواحا - لأشخاص قد ماتوا - تسكن في أجسام هؤلاء الأحياء. ويكشف هؤلاء الناس أثناء أعمالهم عن جزئيات لايعرفها الا الموتىء، أصحاب الأرواح. ثم يظهر بعد شهور وسنين أن تلك الجزئيات كانت حقائق واقعية.

وهناك أيضا رجال يتكلمون ويكتبون في آن واحد، ولايكون للمكتوب أية علاقة بالقول، كما أن الكاتب لا يعلم بنفسه ماذا كتب، الا بعد الاطلاع على ماكتبه، «وهذا الواقع يثبت أن روحا - غير روحه الشخصية - تسكن في جسده، وهي التي تجعله يكتب(٣)

___________________

(١) Human Personality and its Survival of Bodily Death, FWH Myers, N. Y., ١٩٠٣ , Vol, II, PP. ٢٧ - ٣٠.

(٢) ربما كان من بين هؤلاء من نصفهم بلغتنا الدارجة بانهم: (ركبهم الجن)، فهم مسلوبو الارادة، يتكلمون بلسان غيرهم من العفاريات (المراجع).

(٣) A philosophical Scrutiny Religion, pp. ٤٠٧ - ١٠.


ان كثيرين من علمائنا المحدثين يرتابون في قبول هذا الاستدلال، كما يقول «براد».

«ان أي فرع من فروع العلوم الحديثة لايؤكد امكان الحياة بعد الموت، اللهم الا ذلك الاستثناء المشتبه فيه من البحوث الروحية»(١) .

بيد أن الاستدلال يشبه عندي أن أقول: ان «التفكير» استثناء مشتبه في أمره، لأن أحدا من ملايين الحيوانات على سطح الأرض لم يصدق هذه الظاهرة غير الانسان!!».

***

ان بقاء الحياة وفناءها يتعلق بعلم النفس، لكونه مسألة نفسية بحتة. فلاتصلح دراسته الا في علم النفس، أما أن نبحث عنه في أقسام أخرى من العلوم. فهو بمثابة أن نطالب علمي (النبات) و(الفلزات) باثبات ظاهرة التفكير. ولانستطيع - أيضا - أن نجعل دراستنا داخل الجسم الانساني حكما في هذه المسالة الخطيرة، وسببه أن الجزء الذي ندعي بقاءه واستمراره في الحياة - وهو الروح - لايوجد في هذا الجزء المادي، بل في جسم آخر سواه.

وهذا هو الأمر الذي دفع الكثيرين من علمنائنا الى الاعتراف بأن «الحياة بعد الموت» واقع حقيقي، بعد أن قاموا بأبحاث علمية طويلة غير منحازة. وقد ألقى («البروفسور دوكاس»، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة براون، ضوءا على الجوانب النفسية والفلسفية من مسألة الحياة بعد الموت، في الباب السابع عشر من كتابه. والدكتور دوكاس لايؤمن بالحياة بعد الموت كعقيدة دينية، وانما وجد - أثناء بحوثه - شواهد كثيرة، اضطر - على أثرها - أن يؤمن بالحياة الآخرة، مجردة عن قضايا الدين. وهو يكتب في آخر الباب السابع عشرة من كتابه قائلا:

«لقد قام رهط من أذكى علمائنا وأكثرهم خبرة بمطالعة الشهادات المتعلقة بالمسألة، وفحصوها بنظرة نقد ثاقبة، وقد توصلوا آخر الأمر الى أن هناك شواهد كثيرة تجعل فكرة «بقاء الروح» نظرية معقولة، وممكنة الحدوث. وهم يرون أنه لايمكن تفسير تلك الشواهد الا على هذا النحو. ومن هؤلاء الكبار الذين قاموا بهذه البحوث نستطيع أن نذكر: الأساتذة ألفريد راسل واليس، والسير وليام كروكس، وف. و. هـ مايرز، وسيزار لومبرازو، وكيل فلاماريون، والسير أوليفر لوج، والدكتور ريتشارد هوجسن، والمستر هنري سيدويك، والبروفيسور هيسلوب».

ويستطرد الدتور دوكاس قائلا:

«ويتضح من هذا أن عقيدة بقاء الحياة بعد الموت - التي يؤمن بها الكثيرون منا كعقيدة

___________________

(١) Religion Philosophy & Physical Researches, London, ١٩٥٣ , p. ٢٣٥.


دينية - ليس من الممكن أن تكون واقعا فحسب، وانما لعلها هي الوحيدة، من عقائد الدين الكثيرة، التي يمكن اثباتها بالدليل التجريبي. ولو صح هذا فمن الممكن أيضا أن نجد معلومات قطعية في هذا الموضوع، بغض النظر عن الأفكار التي افتراها رجال الدين عن نوعية الحياة بعد الموت، ولن نحتاج حينئذ الى الايمان بالوجهة الدينية من هذه النظرية(١) .

ويكاد الدكتور دوكاس - بعد الوصول الى هذا الحد من وضوح قضية الحياة بعد الموت، ثم الجحود بوجهتها الدينية - أن يكون مثله مثل الفلاح الذي يصر على أنه لاسبيل الى الحديث بينه وبين أحد أقربائه، الذي يسكن في بلدة نائية. فاذا وصلت خط التليفون مع قريبه هذا في البلدة النائية، وأعطيته السماعة. اذا به يقول لك، بعد فراغه من الكلام: «ليس من الضروري أنه كان صوت قريبي، فمن الممكن أنه كان يخرج من احدى الماكينات!».

___________________

(١) A Philosophical Scrutiny of Religion, P. ٤١٢.


الباب السادس : اثبات الرسالة

من العقائد الهامة في الدين، بعد الايمان بالله، عقيدة الايمان بالرسالة، أو الوحي والالهام ومعناها: أن الله تعالى ينزل كلامه على انسان يختاره من بين الناس، ليخبر الناس بما يرضى الله تعالى.

وحين عجزنا عن رؤية أي خط اتصال ساخن، بين الله سبحانه وبين الرسول، أنكرناه. لكنا اليوم نستطيع ان نفهم هذه المسألة بسهولة تامة بفضل الحقائق المعلومة.

ان هناك وقائع كثيرة جدا تجري من حولنا في كل لحظة، ونحن نعجز عن ادراكها أو سماعها، أو الاحساس بها بوساطة أجهزتنا العصبية، وقد استطاع العلم الحديث أن ييسر لنا ادراكها بفضل الأجهزة العلمية التي اخترعناها. وهذه الأجهزة تستطيع أن تدل على صوت ذباب طائر على بعد بضعة أميال، وكأنه يطير عند أذنك!.

ومن الأجهزة العلمية ما وصل التقدم فيه الى حد انها تسجل صدام الأشعة الكونية في الفضاء!!.

لقد اخترعنا آلات كثيرة أثبتت أنها تستطيع ادراك كثير جدا من الأحداث التي لايمكننا سماعها بالطرق السمعية التقليدية.

وهذ الطاقة غير العادية للسماع لاتخص الآلات العلمية الحديثة، وانما وهبها الله لبعض الحيوانات أيضا. ومما لاشك فيه أن جهاز سماع الانسان محدود جدا، ولكن أجهزة بعض الحيوانات تختلف كل الاختلاف؛ فالكلب، مثلا، يستطيع أن يشم ريح الحيوان الذي مر من الطريق، ومن ثم استغلت الكلاب في البحث عن الجرائم والمجرمين. فالقفل الذي كسره اللص يشمه الكلب المدرب، ثم ينطلق مقتفيا أثر الرائحة المعنية التي وجدها عند القفل المكسور، وفجأة تراه يمسك باللص من بين الألوف.


وهناك حيوانات كثيرة تسمع أصواتا تخرج عن نطاق أسماعنا، ولقد أثبتت البحوث في هذا الميدان أن بعض الحيوانات يتمتع بقوة «الاشراق) Teleathy فلو أنك وضعت حشرة مما يطلق عليه ( Moth )، أو (العثة)، وهي حشرة مجنحة - على نافذة مفتوحة - فستحدث صوتا يسمع زوجها على مسافة بعيدة جدا، ولسوف يجيبها هذا الزوج أيضا بطريقته.

وهناك نوع خاص من هذه الحشرات يدعى «الجندب»، يحك رجليه وجناحيه ويصوت بطريق غير عادية، ويسمع على مبعدة نصف ميل، وهو يحرك في هذه العملية ستمائة طن من الهواء، ليدعو زوجه، وهذه الزوج ترسل أيضا وهي ساكنة بلا حراك جوابا لانعرفه، وانما يعرفه الجندب الذكر، ثم يلحق بها أينما كانت.

وقد أثبتت البحوث أيضا أن «ابو النطيط» العادي Grasshoper لديه قدرة خارقة على السماع، حتى انه يستطيع أن يسمع ويحس الحركة التي تحدث في نصف قطر من ذرة الهيدورجين!.

وهناك أمثلة أخرى كثيرة، تؤكد امكان وجود رسائل غير مرئية لدى ذوي الحواس الخاصة.

واذا كان الأمر كذلك، فما وجه الغرابة في ادعاء انسان أنه يسمع صوتا من لدن ربه، لايدركه عامة الناس (؟) مادام من الممكن أن توجد في هذا العالم حركات وأصوات لاتسمعها آذان الانسان، ولكن تسجلها الآلات؟ ومادامت هناك رسائل تدركها حيوانات دون آخرى؟ ما هو جانب التعجب والاستبعاد؟.

ان الله تعالى - لحكمة يعلمها - يرسل رسائل بوسائل خافتة خفية الى الانسان المختار للرسالة، بعد أن يودع فيه صلاحية التقاطها وفهمها. فليس هناك من تصادم في الحقيقة، بين مشاهداتنا وتجاربنا العلمية، فهو واقع من الوقائع الكثيرة التي نشاهدها ونجربها في أمكنة وطرق مختلفة، فالوحي امكان، وجدناه في شكل الواقع بعد التجربة.

***

وقد تبين أن تجارب الاشراق أو الانكشاف ومعرفة الغيب لاتخص الحيوانات، وانما توجد في الانسان «بالقوة»، يقول الدكتور اليكسيس كيريل(١) : «ان حدود الفرد في اطار الزمان والمكان هي مجرد افتراض(٢) ». فيستطيع عامل الاشراق أن يجعلك تنام، وتضحك، أو تبكي، كما يستطيع أن ينقل اليك كلمات أو خواطر، لست على علم بها انها عملية لاتستعمل فيها أية وسائل ولايشعر بها غير عامل الاشراق وصاحبه.

___________________

(١) Man the Unknown, p. ٢٤٤.

(٢) أي لانهاية لهذه الحدود من حيث الامكان. (المعرب).


كيف يستحيل وقوع هذه العملية نفسها بين العبد وربه؟ اننا بعد الايمان بالله، والأطلاع على هذه التجارب الكثيرة بما في ذلك الاشراق، لانجد أساسا لأنكار الوحي والالهام.

***

وقد حدث سنة ١٩٥٠ أن المسئولين في (بافاريا) رفعوا قضية ضد أحد النمسويين، واسمه (فرنتر ستروبيل)، بتهمة التدخل في برامج الاذاعة عن طريق الاشراق.

وكان فرنتر ستروبيل يستعرض أعماله في فندق ريجنا، بميونخ، عندما ناول أوراق لعب الكوتشينه الى أحد المتفرجين، وطلب اليه اختيار ورقة ما. وادعى أنه سوف ينقل اسم تلك الورقة واسم الفندق مع ترتيبهما، كما هما في ذهن المتفرج، الى المذيع الذي كان يقرأ الأخبار من اذاعة ميونيخ المحلية، ذلك دون أن يعرف المذيع نفسه شيئا من هذا!!.

بعد ثوان سمع الناس صوت مذيع مرتعش، هو يقول: «فندق ريجنا - بنت البستوني» وكان الترتيب واسم الورقة صحيحين، كما أراد المتفرج.

وكان الارتعاش والرهبة واضحين في صوت المذيع، ولكنه واصل قراءة الأخبار. استغرب الكثيرون من المستمعين من سكان ميونيخ، واتصل مئات منهم تليفونيا بالاذاعة يستفسرون عن السر الغامض. فكان من الصعب عليهم ادراك علاقة الأخبار «بفندق ريجنا - بنت البستوني»: وحضر طبيب الاذاعة للكشف على المذيع، فوجده في حالة اضطراب خطيرة، وادلى المذيع ببيانه قائلا:. «انني شعرت بصداع شديد في رأسي، ولاأعرف ماذا حدث بعد ذلك!».

***

وقد عرض العلماء نظريات عديدة لشرح هذه الصور من عملية الاشراق، ومنها أن أمواجها تصدر من المخ وتنتشر في العالم أجمع بسرعة فائقة، ولذلك سموها بنظرية الموجة المخية Brain Wave Theory(١) .

ونحن نقول: انه لما كان الانسان يستطيع تحويل الأفكار بأكملها الى انسان آخر، على بعد غير عادي، وبدون استعمال أي واسطة مادية ظاهرية، فلماذ تستحيل نفس العملية بين الاله وعباده؟ ان هذا المظهر من كفاءة قوى الانسان - وأمثلته كثيرة لاتحصى - ليس الا قرينة تجريبية تجعلنا نفهم علاقة الألفاظ والمعاني التي تربط العبد بالاله عندما يرسل رسالاته.

___________________

(١) Religion, Philosophy an dPhysical Research, C.D. Broad, pp. ٤٧ - ٤٨ ; Man the Undnown, pp. ٢٤٤ - ٤٩.


ان الاشراق أمر معروف لدى الناس، وهو يدلنا على فهم ذلك النظام الاشراقي العظيم بين الاله والعباد، والذي يكون في أكمل صوره حين يبلغ درجة «الوحي»، وهذا الوحي لايعدو أن يكون «اشراقا كونيا»، من نوع الاشراقات التي عهدناها في حياتنا على مستويات محدودة.

***

أولا - ضرورة الرسالة

وينبغي - بعد وضوح امكان الوحي والالهام - أن نبحث عما اذا كان «ضروريا» أن يخاطب الله انسانا، ليبلغ كلامه الى الناس؟.

ان أكبر دليل على هذه الضرورة هو أن الأمر الذي يخبر عنه الرسول من أهم الأمور التي تتعلق بحياة الانسان ومصيرة، والانسان لايستطيع أن يصل الى تلك الحقائق بجهوده الشخصية، انه يبحث منذ آلاف السنين عن حقيقة الكون كي يفهم أسرار بدء الحياة ونهايتها، وحقائق الشر والخير، وكيفية صوغ الانسان من أجل الانسانية، وتنظيم أجهزة الحياة حتى تستطيع الانسانية أن تسير قدما في طريق الخير والرفاهية. ولم تكلل هذه الجهود بالنجاح الى يوم الناس هذا. فقد كشفنا عن اسرار الحديد والبترول، وتعرفنا على حقائق الطبيعة بعد جهد قصير، ولكننا عاجزون عن كشف «علم الانسان»، رغم أن جهود أعظم عقولنا العقبرية تواصل البحث عن هذا العلم، ولم تستطع، حتى الآن، تحديد مبادئه وأسسه. ان هذا هو أكبر دليل على أن الانسان يحتاج الى هدى الله من أجل أن يعرف نفسه!.

***

ومن المسلم عند الانسان الجديد انه لم يفلح بعد في كشف لغز الحياة، ولكنه على كل حال يأمل في أن يساعده القدر يوما لرفع القناع عن هذا السر المعقد، ولاريب أن عجز مجتمع العلم والصنعة عن اشباع الحاجات النفسية للانسان يؤكد الفكرة التي تقول: «اننا أعطينا أهمية غير عادية للعلوم المادية، على حين تركنا العلوم الانسانية في مراحلها البدائية»، أما الذين دفع بهم طموحهم الجارف الى العمل في هذا المجال، مجال (العلوم الانسانية) فهم كذلك لم يستطيعوا كشف شيء ما، بل لجوا في ضلالهم يعمهون، يقول الدكتور الكسيس كيريل (الحائز على جائزة نوبل للعلوم):

«ان مبادىء الثورة الفرنسية، وأفكار ماركس، ولينين، لاتنطبق الا على الانسان العقلي المثالى. ومن الواجب أن نشعر بصراحة تامة بأن قوانين العلاقات الانسانية لم تكشف بعد.


أما الاجتماع والاقتصاد وما أشبههما، فهي علوم افتراضية محضة، بدون أدلة يمكن اثباتها بها(١) ».

ولاشك أن علومنا الجديدة قد فتحت مجالات أمام الانسان، ولكنها في نفس الوقت جعلت المسألة أكثر تعقيدا، ولم تساعد في حل الأزمة في أية مرحلة.

ويقول الأستاذجون سوليفان:

«ان الكون الذي كشفه العلم الحديث هو أكثر غموضا وابهاما من التاريخ الفكري بأكمله، ولاشك في أن علمنا عن الطبيعة أكثر غزارة من أي عصر مضى، ولكن هذه المعلومات كلها غير مقنعة، فنحن نواجه اليوم الابهام والمتناقضات في كل ناحية(٢) ».

هذه الكارثة المؤسفة التي نقف أمامها، بعد بحث طويل في العلوم المادية عن سر الحياة، تدلنا على أن ادراك سر الحياة لن يتاح للانسان(٣) .

ان أحوالنا تحتم علينا معرفة سر الحياة، اذ أننا لانستطيع مواصلة الحياة في أكمل صورها دون معرفة؛ ولذلك كان خير مانتمنى بقبولنا أن ندركه، ولايرضى أسمى جزء من شخصيتنا، وهو العقل، أن يطمئن بدونه. فحياتنا مبعثرة لفقداننا هذه الحقيقة.

سر الحياة هو ضرورتنا الكبرى، هذا من ناحية: ولكننا، من ناحية أخرى، لانستطيع أن نظفر به بجهودنا وحدها.

هذه الحالة وحدها تكفي لنتبين حاجتنا الشديدة الى «الوحي»، فأهمية سر الحياة. ثم خروج هذا السر عن دائرة قوى الانسان، يدل على أنه لابد أن تأتي المعرفة من الخارج أيضا، كالضوء والحرارة اللذين تتوقف عليهما حياة الانسان، ولكنهما هيئا من الخارج(٤) .

***

ان مهمتنا، بعد التسليم بامكان الوحي وضرورته، هي أن نبحث عن الانسان الذي يدعي أنه نبي. هل هو صاحب الوحي في الحقيقة؟. لقد نصت العقيدة الدينية على مجيء عدد كبير من الأنبياء، ولكننا سوف نبحث في هذا الباب عن نبوة رسول الاسلام: سيدنا محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فان نبوة سائر الأنبياء من قبله تثبت تلقائيا لو ثبتت

___________________

(١) Man the Undnown, pp. ٣٧.

(٢) Limitations of Science, p. ١.

(٣) أنظر للتفصيل كتاب الدتور كيريل، ص١٦ - ١٩.

(٤) سوف نبحث عن هذه المسالة بتوضيح أكثر في الفصول القادمة.


نبوته، لكونه أخر الأنبياء، ولأنه يصدقهم ولاينكرهم، ولأن نجاة البشرية، أو هلاكها في معركة الحياة رهن بايمانها بهذا النبي، أو تكذيبها اياه.

***

لقد ولد الطفل بمكة صبيحة يوم٢٩ أغسطس من عام ٥٧٠م، وعندما بلغ الأربعين من عمره، أعلن أن الله تعالى أرسله خاتما للنبيين، وكلفه بابلاغ رسالته الى جيمع فئات الجنس البشري، وأن من اتبعه نجا في الحياة الآخرة، ومن كذبه فهو في خسران مبين.

ان أصداء هذا الصوت تمر فوق رؤوسنا اليوم باشد قوتها، وهو ليس بصوت عادي تتجاهله الآذان. فهو أكبر نداء في تاريخنا يدعونا الى تفكير دقيق، وعلينا أن ندرسه بدقة، فاما قبلناه وهو صادق، واما رفضناه لو وجدناه كاذبا. وهيهات.

***

ثانيا - مقياس الرسالة

كل فكر يمر بثلاث مراحل، حتى يصبح حقيقة علمية:

المرحلة الأولى: الفرض Hypothesis

المرحلة الثانية: الملاحظة Observation

المرحلة الثالثة: التحقق Verification

والمرحلة الأولى من الحقائق هي أن نفترضها، ثم نشاهدها وندرسها، لنتبين صدقها أو كذبها، فان وجدناها صحيحة في ضوء الدراسة، قبلناها؛ لتصبح حقيقة علمية، وقد ينقلب هذا الوضع، فاننا في بعض الأحيان نشاهد أشياء نتوصل بها الى نظرية، ثم نبدأ البحث في ضوئها.

وبناء على هذا الأساس فان دعوى النبوة (فرض). وعلينا أن نفتش عما اذا كانت (الملاحظات) تؤيد هذا الفرض؟ فاذا أيدته المشاهدات أصبح (حقيقة) مصدقة، يلزمنا قبولها.

ولكن ما الملاحظات التي نحتاج اليها لاختبار هذا الفرض؟.

وما المظاهر الخارجية التي تؤيد كون محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيا حقا؟.

وما الخصائص والميزات التي اجتمعت في الرسول، ولانجد لها تفسيرا الا اذا قلنا: انه كان نبيا!.

في رأيي أنه لابد من مقياسين لاختبار الأنبياء:

أولا: أن يكون رجلا مثاليا بصورة غير عادية، فان الذي يصطفى ليكون كليم الله،


وليكشف للانسان برنامج الحياة وسرها، لابد أن يكون أسمى شخصية في النوع الانساني، كما لابد أن يكون حاملا مثل الحياة العليا. فاذا كانت حياته الذاتية متصفة بهذه الصفات فهي أكبر دليل على ما يقول؛ اذ لو كانت دعواه باطلة لما كان ممكنا أن تتجلى هذه الحقيقة الكبرى في حياته الذاتية، حتى تسمو به فوق سائر الانسانية، خلقا وشمائل.

ثانيا: أن يكون كلامه ورسالته مملوئين بجوانب يستحيل حصولها للانسان العادي، ولا تؤمل الا ممن ظفر بمعرفة رب الكون، بحيث لايمكن للعامة محاكاة ماجاء به النبي من وحي الله.

اننا سوف نبحث عن الرسول في ضوء هذي المقياسين.

***

لقد شهد التاريخ بكل قطعية أن محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتمتع بسيرة غير عادية، ومن الممكن للمتعصبين انكار اية حقيقة، مهما كانت واضحة، كما أن من الممكن للمنكرين ادعاء أي شيء في سبيل الاستغلال، اذا كانوا غير راضين بالنتيجة، مهما كانت صادقة وبدهية! وحسبنا أن نذكر على ذلك موقفا من حياتنا الحديثة! فقد شاهدنا منذ سنين قليلة مثالا ساخرا لهذا المبدأ، عندما هاجمت الصين الشعبية حدود الهند الدولية، وأخذت الصين ازاء احتجاج الهند تتهم الهند نفسها بالعدوان!!.

وفي الخطاب الذي أرسله رئيس وزراء الصين الى الهند، والذي أذيع نصه بدلهي في يناير عام ١٩٦٠، ادعت الصين أن لها حقا في أرض هندية تبلغ مساحتها ٠٠٠،٢٢٠ كم مربعا!! ويقول رئيس وزراء الصين: ان القوات الصينية لم تتقدم الا لتدفع بالقوات الهندية المحتلة الى الوراء!!.

أليس هذا منطق التعصب والاستغلال!!.

أما الذي لايشكو من داءالتعصب، ويهيء عقله لمطالعة الحقائق بقلب مفتوح واع، فانه سيسلم بعد دراسته بأن حياة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت أرقى، وأحلى حياة شهدها البشر.

***

لقد أخبر محمد بن عبد الله بالنبوة، وهو في الأربعين من عمره، وكان قد اشتهر قبل هذا بدور أخلاقي ممتاز، حتى لقبه الناس «بالصادق الأمين»، وكانت قريش قد أجمعت على أنه يستحيل أن يكذب، أو يخون الأمانة.

ومن الأحداث التي جرت قبل اعلانه النبوة بخمس سنين أن أهل مكة أرادوا بناء الكعبة من جديد، وكانت قريش هي صاحبة الأمر، فاختلفت فيمن سيضع الحجر الأسود في


مكانه، واستمر الخلاف أربعة أيام أو خمسة، وأوشكت السيوف أن تبرز، وكاد القوم أن يتناحروا، ثم اتفقوا على أن يكون الفيصل في هذه القضية أول من يدخل البيت الحرام صباح غد، واليوم التالي شاهدوا أن الانسان الأول الذي دخل البيت كان محمدا، فنادوه قائلين: «هذا الأمين، رضينا(١) ».

اننا لانعرف شخصية في التاريخ الانساني تمتعت بهذا الاجلال والتكريم والتقدير، وبهذه السيرة غير العادية، ثم أصبحت موضع نزاع بعد مضي أربعين سنة من عمرها.

***

وعندما نزل عليه الوحي لأول مرة، وهو في غار حراء، اعتبره حادثا غريبا لم يعهده من قبل، فرجع الىبيته يرجف فؤاده، وقص كل ما حدث على زوجه: خديجة التي كانت أكبر منه سنا، فقالت: «يا أبا القاسم والله لايخزيك الله أبدا، انك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر».

وكان أبو طالب عم النبي، قد أبى أن يؤمن، ولكنه حين علم أن ابنه «عليا» أسلم، قال له: أي بني: ماهذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت، آمنت بالله، وبرسول الله، صليت معه واتبعته، فقال أبو طالب: أما انه لم يدعك الا الى خير فالزمه(٢) ».

وعندما جمع الناس لاول مرة بعد النبوة في رحاب «جبل الصفا»، سألهم: «يابطون قريش! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، اكنتم مصدقي؟» فعلت الأصوات من كل الحناجر، وهي تقول: «نعم، ماجربنا عليك كذبا!».

ان هذا السجل التاريخي الممتاز لحياة الرسول قبل اعلان النبوة، ليس له مثيل في العالم، ولم يسبق ان أحرزه مثله أي شاعر، أو فيلسوف، أو مفكر، أو كاتب!!.

***

وعندما أعلن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النبوة، لم يكن صدقه موضع شك، أو بحث مطلقا لدى أهل مكة؛ فانهم كانوا على علم تام بحياته الكاملة، ولذلك لم يرمه أحد بتهمة الكذب أو الاحتيال، بل ذهبوا يدعون أنه فقد وعيه، أو أنه شاعر أو ساحر، أو أن الجن استولت على أعصابه، وما الى ذلك من الدعاوى التي تحفل بذكرها الكتب التاريخية؛ ولكن

___________________

(١) صحيح البخاري، باب ما ذكر في الحجر الأسود.

(٢) Ideal Prophet, p. ٥٨.، وانظر سيرة ابن هشام١/٢٦٥.


هذه الكتب لاتشير الى أية محاولة جرؤ صاحبها على النيل من أمانته وصدقه. بل يسجل التاريخ انه: ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه الا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته(١) ».

وفي السنة الثالثة عشرة من النبوة، صمم بعض شبان قريش على قتله، وحاصروا بيته لاغتياله؛ وفي تلك الساعة الخطرة الحرجة قررالهجرة الى يثرب، ولكنه أوصى ابن عمه (عليا) أن يرد جميع الأمانات الى أصحابها في الصباح!.

وهذا النضر بن الحارث، وقد كان من أكبر المعارضين للنبي، وكان يعد من الخبراء المحنكين بمكة - وقف يوما، فألقى خطبة في جمع من قريش، وقال:

«يامعشر قريش، انه، والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى اذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله، ما هو بساحر؛ لقد راينا السحرة ونفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن، لا والله، ما هو بكاهن؛ قد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر، لا والله، ما هو بشاعر؛ قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه. وقلتم: مجنون، لا والله، ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولاوسوسته، ولاتخليطه. يامعشر قريش؛ فانظروا في شأنكم، فانه، والله، لقد نزل بكم أمر عظيم».

«وكان هذا النضر من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وينصب له العداوة(٢) ».

وكان أبو لهب عم النبي من ألد أعدائه، وقال له ذات مرة: «يا محمد، انني لاأقول: انك كاذب.، ولكن الأمر الذي تقوم بتبليغه باطل(٣) ».

***

ان نبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كانت عامة لسائر أهل الأرض، غير مقصورة على الجزيرة العربية، ولذلك ارسل كتابات الى ملوك البلاد القريبة، وقد تلقى امبراطور الروم «هرقل» كتابا من الرسول، يدعوه الى اعتناق الدين الجديد، فأمر رجاله باحضار رجل من قوم الرسول في ديوانه(٤) . وكان بعض التجار من قريش يقومون برحلة تجارية في بلاد.

___________________

(١) سيرة ابن هشام ج٢، ص٩٨.

(٢) المرجع السابق ١/٣١٩.

(٣) الترمذي.

(٤) كان قيصر الروم هرقل حينئذ في بيت المقدس يشكر الله لغلبته على الفرس، وقد تلقى هذا الكتاب هناك.


الشام، فجيء بهم الى ديوان القيصر، وسألهم هرقل عمن كان أقربهم نسبا بالرسول، فأجاب أبو سفيان: «أنا أقربهم نسبا». ثم جرى حديث تاريخي هام بين هرقل وابى سفيان، نقتبس هنا منه شيئا:

«هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ماقال؟.

أبو سفيان: لا.

هرقل: هل يغدر؟.

أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدة لاندري ما هو فاعل فيها.

فقال هرقل: قد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله.

وعندما دار هذا الحديث لم يكن ابو سفيان قد آمن بالرسول بعد، بل كان من خصومه، الذين ألبوا عليه العرب، وشنوا ضده الحروب، وقال، وهو يروي هذا الحديث: «والله لولا الحياء من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه(١) ».

ان التاريخ على طوله لم يشهد رجلا أدلى خصومه بآراء مثالية عن سيرته وحياته مثلما أدلى به خصوم رسول الاسلام.

ان هذا الواقع هو الآخر دليل في حد ذاته على حقيقة دعوة النبي العربي. وسوف أنقل هنا ماقاله الدكتور ليتز عن الرسول:

«انني لأجرؤ بكل أدب أن أقول: ان الله الذي هو مصدر ينابيع الخير والبركات كلها، لو كان يوحي الى عباده فدين محمد هو دين الوحي، ولو كانت آيات الايثار، والأمانة، والاعتقاد الراسخ القوي، ووسائل التمييز بين الخير والشر، ودفع الباطل هي الشاهدة على الالهام، فرسالة محمد هي هذا الالهام(٢) ».

***

لقد عانى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من صنوف الأذى، وضروب العنت والاضطهاد عندما بدأ دعوته؛ وحاربه قومه اشد الحرب وأقسامه، فوضعوا في طريق مروره الاشواك، وصبوا على جسمه الطاهر أكواما من النجاسة. بل ووجدناه ذات مرة بينما كان يؤدي صلاته، واذا (عقبة بن أبي معيط) يلببه بردائه بشدة حتى وقع النبي على الأرض.

ولكن هذه الاستفزازات لم تؤثر في مهمة النبي، فاتبعوا معه أسلوبا آخر، وذلك حين قاطعوه هو وعشيرته من بني هاشم، وأجبروهم على أن يعتزلوا الناس، فلجأوا الى شعب بني

___________________

(١) صحيح البخاري : كيف كان بدء الوحي.

(٢) Life of Mohammad by Abul Fadl


هاشم، ومنعوا عنهم الطعام، وحرموا التعامل معهم، ومضى على هذه المقاطعة والحصار التاريخي ثلاث سنين، وهم يأكلون أوراق شجر (الطلح) الجبلية المرة، لسد حاجة البطن الى الطعام، ويروي أحد الصحابة في هذا الحصار أنه حصل مرة على قطعة جافة من الجلد،فغسله بالماء ووضعه على النار، ثم بلله بالماء ثانية وأكله.

وبعد الخروج من هذا الحصار ذهب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الى أهل الطائف، وكانت تبعد أربعين ميلا عن مكة، وكان يقطنها الأعيان والأثرياء من ثقيف، واستخدم هؤلاء لغة بالغة السوء مع الرسول. وذهب أحدهم يقول متحديا: «وهو يمرط (يمزق) ثياب الكعبة، ان كان الله أرسلك»، وقال الآخر: «أما وجد الله أحدا يرسله غيرك». وقال الثالث: «والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله، كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أراد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك».

ولم يكتف هؤلاء بهذا الاستهزاء، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس يرمونه بالأحجار، الى أن سقط على صخرة مثخنا بالجراح، وحين جلس ليستريح من الجراح والعنت، رموه حتى نهض مبتعدا عنهم، وهم يتابعونه بالسب والايذاء والتصفيق. ولم يزل هذا المشهد حتى أقبل المساء، وأوى الرسول الى حائط لعتبة بن ربيعة، فجلس في ظل كرمة، وهو جريح ملطخ بالدماء. وهذا هو الواقع الذي كان الرسول يذكره للسيدة عائشة في قوله:

«لقد لقيت من قوكم مالقيت؛ وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة(١) ».

***

وعلى الرغم من هذا الأذى الشديد، فقد ظل الرسول يدعو الى الحق. حتى اجتمعت قريش على أنه لاسبيل الى التخلص منه الا بالقتل. وبناء على مؤامرة دبروها، أحاط عدد من رؤسائهم وشبيبتهم ببيت الرسول، وفي أيديهم سيوفهم المسلولة، استعدادا لاغتيال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . عندما يخرج من بيته لتادية صلاة الصبح، ولكنه باذن من الله، خرج من البيت دون ان يصاب بأذى، وهاجر الى المدينة المنورة. ثم أعلنت قريش قتالا منظما ضد النبي وأعوانه، وجروه الى الحرب، وورطوه في

___________________

(١) نص هذا الحديث: قالت عائشة: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد مالقيت منهم يوم العقبة، اذا عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني الى ما اردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق الا بقرن الثعالب. فرفعت رأسي فاذا انا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فاذا فيها جبريل، فناداني فقال: ان الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وماردوا عليك، وقد بعث اليك ملك الجبال. الخ - المراجع.


هذه الحروب زهاء عشر سنين، وقد سقطت في معاركها أسنانه الكريمة، وكسرت رباعيته، كما استشهد عدد كبير من صحابته، وعانى مع اصحابه كل ماتعانيه الشعوب الضعيفة بعد اعلان الحرب عليها.

وهكذا دارت رحى التاريخ خلال ثلاثة وعشرين عاما من الكفاح، وقبيل نهاية رسالته بعامين فتحت مكة، ويومها وقف أمامه ألد خصومه، لايجدون نصيرا ولامعينا. فهم يعرفون كيف يعامل المنتصر المغلوبين، ولكن الذي لقبه ربه بأنه «رحمة للعالمين» سألهم:

- «يامعشر قريش، ماتظنون أني فاعل بكم؟».

- فقالوا: «خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم».

- فأعلنها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

«اذهبوا فأنتم الطلقاء!».

ذلك، ولاشك، أعظم مثل للرحمة والعفو، وهو معجزة من معجزات التاريخ الانساني. ولو كان هذا الحدث من أحداث ما قبل التاريخ، أو لم يكن مسلما به تاريخيا، لكذبه المكذبون الذين في قلوبهم زيغ، وقالوا: أنها أسطورة من أساطير التاريخ، فلم يخلق انسان بهذه الشيم!.

وما أصدق ماقاله البروفيسور بورسورث سميث:

«عندما ألقى نظرة اجمالية أستعرض فيها صفاته وبطولاته ما كان منها في بدء نبوئه، وماحدث منها فيما بعد، وعندما أرى أصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياة، وكم من البطولات المعجزة أحدثوا - أجده أقدس الناس، وأعلاهم مرتبة، حتى أن الانسانية لم تعرف له مثيلا(١) .

ان المثل الأعلى الذي ضربه النبي في حياته الكاملة، من الأخلاق العالية، والزهد في الأموال والملذات، شيء لامثيل له في التاريخ.

لقد كان تاجرا ناجحا في مكة، وكانت زوجه السيدة خديجة من أثرى نساء العرب، ولكن كل تجارته، وثراء زوجته، ذهبا في سبيل الدعوة، ثم ابتلى ببلاء شديد، حتى انه قال مرة:

«لقد أخفت في الله، ومايخاف أحد (أي مثل ما أخفت)، ولقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، ولقد أتت على ثلاثون من بين ليلة ويوم، ومالى ولبلال طعام يأكله ذو كبد، الا شيء يواريه ابط بلال»(٢) .

___________________

(١) Mohammad & Mohammanism, p. ٣٤٠.

(٢) الترمذي عن أنسرضي‌الله‌عنه .


وما عانى النبي كل هذا الا لأجل دعوته، لقد كان من الممكن أن يعيش حياة أخرى، تختلف كل الاختلاف عن الحياة البائسة التي عاشها في سبيل رسالته، ولقد عرضت عليه، حين كان بمكة، عروض مغرية تكفل له العيش الرخي، والمجد السني، فأوفد اليه رؤساء قريش «عتبة بن ربيعة»، الذي جاء ليقول له:

«يا ابن أخي، انك منا، حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وانك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم؛ فاسمع مني، أعرض عليك أمورا، تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. فقال له: قل يا ابا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي: ان كنت انما تريد، بما جئت به من هذا الامر، مالا، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالا؛ وان كنت تريد به شرفا، سودناك علينا، حتى لانقطع أمر دونك، وان كنت تريد به ملكا، ملكناك علينا: وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لاتستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فانه ربما غلب التابع على الرجل حتىيداوى منه». حتى اذا فرغ عتبة، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستمع منه قال: أقد فرغت يا ابا الوليد؟، قال نعم، قال:

«فاستمع مني، فقال: أفعل. فقرأ عليه الآيات الاولى من سورة (فصلت)، فلما وصل الى قوله تعالى: (مثل صاعقة عاد وثمود)أمسك عتبة على فيه، وانشده الرحم ان يكف(١) ».

***

وفي المدينة المنورة، كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رئيسا لدولة المسلمين، وكان يتمتع بمساعدين مثاليين، يبذلون حياتهم لأجله، ولم يعرف لهم نظراء على مدى التاريخ، ولكن الوقائع التاريخية اثبتت أنه - حتى في أخر أيام حياته، حين أظلت رايته الجزيرة العربية كلها - بقي رجلا عاديا، غير ملتفت الى شهوات الدنيا ومغرياتها، حتى لحق بالرفيق الأعلى.

وقد روى سيدنا عمر بن الخطاب أنه دخل حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فاذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمل بجنبه، متكئا على وسادة حشوها ليف. قلت: يا رسول الله أدع الله، فليوسع على أمتك، فان فارس والروم قد وسع عليهم، وهم لايعبدون الله. فقال: أو في هذا أنت، يا ابن الخطاب؟ أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، وفي رواية؛ أما ترضى عن أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة(٢) ».

___________________

(١) سيرة ابن هشام١/ ٣١٣ - ٣١٤.

(٢) متفق عليه.


ومما تحكى السيدة عائشة «انه كان يمر الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما توقد في أبيات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نار؛ فسألها عروة بن الزبير: فما كانت معيشتكم، ياخالة؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. وقالت: وكان لنا جيران من الأنصار لهم ربائب يسقوننا من لبنها، جزاهم الله خيرا.». وقد جاء في حديث آخر: أنها ذكرت «أن آل محمد لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية من طعام بر، حتى مضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لسبيله(١) ».

***

لقد عاش النبي هذه الحياة القاسية، رغم كونه قادرا، كل القدرة، على أن يعيش حياة النعيم والترف. وعندما انتقل الىرحمه‌الله لم يورث أهله شيئا، لادراهم ولا دنانير، ولاغنما ولا ابلا، تى انه لم يكتب أية وصية. بل ان النبي العظيم، الذي كان على معرفة تامة بأن حدود دولته الاسلامية سوف تمتد عابرة افريقية وآسيا، حتى تصل الى قلب أوروبا - قال: «نحن معاشر الأنبياء، لانورث؛ ماتركنا صدقة».

***

ان هذه الوقائع التي اوردناها، من الايثار، والاخلاص، وسمو الأخلاق، ليست حوادث استثنائية في حياة الرسول، وانما هي حياته بأكملها، بل هي بالأحرى، صورة مصغرة وموجزة عن الوقائع التي كانت تحدث في حياته المثالية، لقد ارتفع بالانسانية الى اسمى قمة تحلم بها، حتى انه لو لم يوجد، لاضطر المؤرخون الى القول: بأنه لم يوجد انسان من هذا الطراز، ولن يوجد في التاريخ.

***

فليس غريبا، مطلقا، أن يقال: انه كان نبي الله، ولكن الغريب أن ينكره أحد منا عنادا وغرورا.

ونحن عندما نسلم بدعواه يمكننا أن نفسر حياته المعجزة.

أما اذا أنكرنا نبوته، فسنفقد أي أساس لتفسير منبع أوصافه العجيبة، التي لم نجد لها مثيلا في التاريخ. وقد اعترف البروفيسور «بوسورث سميث» بهذه الحقائق، حتى انه ليدعو البشرية كلها الى الايمان برسالة النبي:

«لقد ادعى محمد لنفسه في آخر حياته نفس ما ادعاه في بداية رسالته. واني لأجدني مدفوعا.

___________________

(١) الطبقات الكبرى لابن سعد١/٤٠٠ ومابعدها.


الى الاعتقاد بأن كلا من الفلسفة العليا والمسيحية الصادقة سوف تضطران، يوما ما، الى التسليم بأنه كان نبيا. نبيا صادقا من عند الله(١) .

***

أما الناحية الأخرى في قضية اثبات الرسالة المحمدية، فهي ذلك الكتاب الذي جاء به صاحب الرسالة، مدعيا أنه منزل من عند الله تعالى.

وهذا الكتاب يفيض بخصائص ومزايا تدل صراحة على أنه كلام غير انساني، وأنه من عند الله. ولما كان البحث في هذه الناحية ذا طبيعة خطيرة - نظرا لأهميته - فقد قدرنا أن ندرسه في باب مستقل.

___________________

(١) Mohammad & Mohammanism, p. ٣٤٤


الباب السابع : القرآن صوت الله

عن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «ما من الأنبياء نبي الا اعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وانما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله الى، فارجوا اني أكثرهم تابعا يوم القيامة(١) ».

ان هذا الحديث النبوي يعين جوانب بحثنا الصحيحة، فهو يقول: ان أهم وسائلنا لمعرفة النبي هو الكتاب الذي جاء به، مدعيا أنه من عند الله، والقرآن هو، رسالة الرسول بين ظهرانينا، كما أنه يبرهن على صدقه.

فما الخصائص التي تبرهن على أن القرآن من عند الله؟.

انها متعددة الجوانب كثيرة، نستطيع أن نلخصها في الفصول التالية:

أولا - اعجاز القرآن

أول خاصة يتنبه اليها الباحث في العلوم القرآنية هي ذلك التحدي الصريح الذي وجهه القرآن الى الناس كافة، منذ أربعة عشر قرنا، وبخاصة أولئك الذين ينكرون رسالة القرآن، ولم يستطع أحد من عباقرة البشر أن يرد التحدي الى الآن. لقد أعلن القرآن، بصوت عال، لاابهام فيه ولا غموض:

( وَ إِنْ کُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدَاءَکُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (٢) .

انه أغرب تحد في التاريخ، وأكثره اثارة للدهشة، فلم يجرؤ أحد من الكتاب في التاريخ الانساني - وهو بكامل عقله ووعيه - أن يقدم تحديا مماثلا، فان مؤلفا مالا يمكن أن يضع

___________________

(١) صحيح البخاري: الاعتصام.

(٢) سورة البقرة: ٢٣.


كتابا، يستحيل على الآخرين أن يكتبوا مثله، أو خيرا منه. فمن الممكن اصدار مثيل من أي عمل انسان في أي مجال، ولكن حين يدعى أن هناك كلاما ليس في امكان البشر الاتيان بمثله، ثم تخفق البشرى على مدى التاريخ في مواجهة هذا التحدي، حينئذ يثبت تلقائيا أنه كلام غير انساني، وانها كلمات صدرت عن صميم المنبع الالهي Divineorigin ، وكل مايخرج من المنبع الالهي لايمكن مواجهة تحدياته.

***

وفي صفحات التاريخ بعض الوقائع، غر أصحابها الغرور، فانطلقوا يواجهون هذا التحدي.

وأولى هذه الوقائع ما حدث من الشاعر العربي لبيد بن ربيعة، الشهير ببلاغة منطقه، وفصاحة لسانه، ورصانة شعره. فعندما سمع أن محمد يتحدى الناس بكلامه قال بعض الابيات ردا على ماسمع، وعلقها على باب الكعبة، وكان التعليق على باب الكعبة امتيازا لم تدركه الا فئة قليلة من كبار شعراء العرب، وحين رأى أحد المسلمين هذا أخذته العزة، فكتب بعض آيات الكتاب الكريم، وعلقها الى جوار أبيات لبيد، ومر لبيد بباب الكعبة في اليوم التالي، ولم يكن قد أسلم بعد، فأذهلته الآيات القرآنية، حتى انه صرخ من فوره قائلا: (والله ما هذا بقول بشر، وأنا من المسلمين)(١) .

___________________

(١) هذا الخبر عن لبيد أورده المؤرخ ج. ساروار في كتابه Mohammad The Holy Prophet ص٤٨٨ - كراتشي، وهو على هذا النحو غير مسلم، لأن لبيدا لم يسلم الا في السنة التاسعة للهجرة، حين وفد على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضمن وفد كلاب (أنظر: الطبقات الكبرى ٦/٣٣، وأيضا ١/٣٠٠، - ط بيروت، والشعر والشعراء لابن قتيبة ١/٢٧٥ - تحقيق الشيخ أحمد شاكر). وانما كان الذي حدث قريبا من هذا الذي ذكره المؤلف مع استبعاد رواية اسلامه، فقد ذكر الحافظ أبو نعيم في الحلية١/١٠٣ أن عثمان بن مظعون رضى الله عنه كان في أول الاسلام يعيش في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى ما يحدث لاخوانه من أذى المشركين عز عليه أن يعذبوا دونه، فرد جوار الوليد، ثم مضى الى الكعبة فوجد لبيد بن ربيعة في المجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد وهو ينشدهم:

(ألا كل شيء ما خلا الله باطل).

فقال عثمان: صدقت. فقال:

(وكل نعيم لامحالة زائل)

فقال عثمان: كذبت، نعيم أهل الجنة لايزول، فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث فيكم هذا؟ الى آخر الخبر، ومفهوم هذا أن لبيدا قد بقي على جاهليته حتى أسلم سنة تسع، ويذكر ابن قتيبة أنه لم يقل في اسلامه غير بيت واحد هو:

الحمد لله اذ لم يأتني أجل

حتى كساني من الاسلام سربالا

وقيل هو قوله:

ماعاتب المرء الكريم كنفسه

والمرء يصلحه الجليس الصالح (المراجع)


وكان من نتيجة تأثر هذا الشاعر العربي العملاق ببلاغة القرآن أنه هجر الشعر، وقد قال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يوما: يا ابا عقيل: أنشدني شيئا من شعرك، فقرأ سورة البقرة، وقال:. ماكنت لأقول شعرا بعد اذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران(١) .

وأما الحادث الثاني فهو أغرب من الأول، وهو عن ابن المقفع، أورده المستشرق (ولاستن) في كتابه، وعلق عليه قائلا:

« ان اعتداد محمد بالاعجاز الأدبي للقرآن لم يكن على غير أساس، بل يؤيده حادث وقع بعد قرن من قيام دعوة الاسلام(٢) ».

والحادث كما جاء عن لسان المستشرق، هو أن جماعة من الملاحدة والزنادقة أزعجهم تأثير القرآن الكريم في عامة الناس، فقرروا مواجهة تحدي القرآن، واتصلوا لاتمام، خطتهم بعبد الله بن المقفع(٧٢٧م)، وكان أديبا كبيرا، وكاتبا ذكيا. يعتد بكفاءته فقبل الدعوة للقيام بهذه المهمة. وأخبرهم ان هذا العمل سوف يستغرق سنة كاملة، واشترط عليهم أن يتكفلوا بكل ما يحتاج اليه خلال هذه المدة.

ولما مضى على الاتفاق نصف عام، عادوا اليه، وبهم تطلع الى معرفة ما حققه أديبهم لمواجهة تحدي رسول الاسلام؛ وحين دخلوا غرفة الأديب الفارسي الأصل، وجدوه جالسا والقلم في يده، وهو مستغرق في تفكير عميق، وأوراق الكتابة متناثرة أمامه على الأرض، بينما امتلأت غرفته بأوراق كثيرة، كتبها ثم مزقها.

لقد حاول هذا الكاتب العبقري أن يبذل كل مجهود، عساه أن يبلغ هدفه، وهو الرد على تحدي القرآن المجيد. ولكنه أصيب باخفاق شديد في محاولته هذه، حتى اعترف أمام أصحابه، والخجل والضيق يملكان عليه نفسه، أنه، على الرغم من مضي ستة أشهر، حاول خلالها أن يجيب على التحدي، فانه لم يفلح في أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن! وعنئذ تخلى ابن المقفع عن مهمته، مغلوبامستخزيا.(٣) .

***

___________________

(١) أنظر في هذا الخبر: الشعر والشعراء لابن قتيبة السابق.

(٢) Mohammad : His life & Doctrine, p. ١٤٣.

(٣) وردت في التاريخ أمثلة أخرى حاول أصحابها مواجهة هذا التحدي، غير أنهم أخفقوا اخفاقا ذريعا، ومن هؤلاء: مسيلمة بن حبيب الكذاب، وطليحة بن خويلد الأسدي، والنضر بن الحارث، وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الرواندي، وأبو الطيب المتنبي، وأبو العلاء المعري، صاحب كتاب «الفصول والغايات في مجاراة السور والآيات»، أنظر للتفصيل كتاب الرافعي: اعجاز القرآن - المترجم.


وهكذا لايزال تحدي القرآن الكريم قائما ومستمرا على مر القرون والأجيال، وهي خاصة عظيمة ورائعة في صالح القرآن، تثبت، دون مرية، انه كلام من هو فوق الطبيعة. وأن انسان يتمتع بكفاءة التفكير والامعان، في حقيقة الأمر، يكفيه ذلك ليؤمن بهذا الكتاب.

ومما لاشك فيه أن العرب - وهم الذين لم يعرف لهم مثيل في التاريخ: في البلاغة والبيان، حتى أطلقوا على غيرهم اسم «العجم» لشدة اعتزازهم ببيانهم - قد اضطروا أن يركعوا أمام القرآن، معترفين بعجزهم عن الاتيان بمثله، فلزمتهم بذلك الحجة.

ومما جاء في كتب الحديث عن ابن عباس أن (ضمادا) قدم مكة. وكان من ازد شنوءة، وكان يرقى(١) من هذه الريح (الجنون ومس الجن). فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: ان محمدا مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يدي. قال: فلقيه؛ فقال: يا محمد! اني أرقى من هذه الريح، وان الله يشفى على يدي من شاء، فهل لك؟فقال رسول الله: «ان الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلاهادي له، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لاشريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد.» قال: فقال: أعد على كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاث مرات، قال: فقال: «لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فماسمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر (قعره الأقصى(٢) .

ان هناك عددا لايحصى من الاعترافات التي ادلى بها أرباب الشعر والأدب والفكر، في شأن القرآن الكريم، سطرت في صفحات التاريخ القديم، كما أنها توجد بكثرة في تاريخ العصر الحاضر.

___________________

(١) من الرقية، وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة.

(٢) صحيح مسلم٢/٥٩٣ - حديث رقم ٨٦٨ طبعة محمد فؤاد عبد الباقي. وبقية الحديث كما في الصحيح: قال: فقال: هات يدك أبايعك على الاسلام، قال: فبايعه، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «وعلى قومك»، قال: وعلى قومي. قال: فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة، فقال: ردوها فان هؤلاء قوم ضماد.

وتفسير (ناعوس البحر) بأنه: قعره الأقصى - منقول عن صحيح مسلم، من اضافة شارحه، وهي كلمة غير معروفة من كلام العرب، قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث٥/٨١) عن أبي موسى: «هكذا وقع في صحيح مسلم، وفي سائر الروايات: (قاموس البحر) أي: وسطه ولجته». أقول: ولعلها لهجة ضماد. (المراجع)


ثانيا - نبوءات القرآن

الجانب الثاني من عظمة القرآن الكريم يتجلى في تنبؤاته المختلفة، التي ثبتت صحتها فيما بعد بطرق عجيبة. ان عددا كبيرا من اذكياء الناس. ومن العباقرة. قد جرؤوا على أن يتنبأوا عن أنفسهم أو غيرهم. ولكننا نعرف أن الزمان لم يصدق هذه النبؤات مطلقا، بل جاء يكذبها بكل قسوة، ولقد تحفز الفرص المواتية، والأحوال المساعدة. والكفاءات العالية، وكثرة الأعوان والأنصار، والنجاح الخارق في البداية الكثيرين - وهم يرون أنهم يسيرون تجاه نتائج مرضية - أن يتنبأوا بنتيجة معينة بكل يقين، ولكن الزمن يبطل هذه الدعاوي ويكذبها دائما. والزمن نفسه هو الذي اثبت صحة ماجاء في القرآن من التنبؤات في حين أنها جميعا جاءت في أحوال غير مواتية، ان هذه التنبؤات - وقد وقعت فعلا على مايحدثنا التاريخ - تجعل علومنا المادية حائرة عند تفسيرها. ومادمنا ندرسها في ضوء علومنا المادية. فلن نستطيع ادراك حقائقها، الا أن ننسبها الى مصدر غير بشري.

***

كان نابليون بونابرت من أعظم قواد الجيوش في عصره، وقد دلت لفتوحاته الأولى على أنه سوف يكون ندا لقيصر، والاسكندر المقدوني. وترتب على ذلك أن وجد الغرور منفذه الى راس نابليون، فأصبح يتوهم أنه هو مالك القدر. وازداد هذا الشعور لديه. حتى انه ترك مستشاريه، وادعى أنه لم يكتب في قدره غير الغلبة الكاملة على من في الأرض. ولكنا جميعا نعرف النهاية التي كتبت له في لوح القدر.

سار نابليون من باريس يوم ١٢ من يونيه، سنة ١٨١٥، مع جحفله العظيم، ليقضي على أعدائه وهم في الطريق. ولم تمض غير ستة أيام حتى ألحق «دوق ولنجتون» شر هزيمة بجيش نابليون الجبار، في «ووترلو» بأراضي بلجيكا. وكان (الدوق) يقود جنود انجلترا وألمانيا وهولندا. ولما يئس نابليون، وأيقن من مصيره المحتوم، فر هاربا من القيادة الفرنسية متوجها الى أمريكا ولم يكد يصل الى الشاطىء، حتى ألقت شرطة السواحل القبض عليه، وأرغمته على ركوب سفينة تابعة للبحرية البريطانية، وانتهى به القدر الى أن أرسل الى جزيرة غير معمورة بجنوب الأطلنطي، هي جزيرة «سانت هيلينا»، ومات القائد العسكري في هذه الجزيرة بعد سنوات طويلة من البؤس والشقاء والوحدة، في ٥ مايو ١٨٢١.

والبيان الشيوعي المعروف، الذي صدر سنة ١٨٤٨، تنبأ بأن أول البلاد التي ستقود الثورة الشيوعية هي (ألمانيا)، ولكن ألمانيا، على الرغم من مضي مائة وعشرين عاما من هذه النبوءة، لاتزال صفحات تاريخها خالية من مثل هذه الثورة.


ولقد كتب كارل ماركس في مايو سنة ١٨٤٩ قائلا: «ان الجمهورية الحمراء تبزغ في سماء باريس!» ورغم أنه قد مر على هذه النبوءة أكثر من قرن، فان شمس الجمهورية الحمراء البازغة لم تشرق على أهالي باريس!.

***

وقد قال أدولف هتلر في خطابه الشهير الذي ألقاه بميونيخ في ١٤ من مارس سنة١٩٣١:

«انني سائر في طريقي، واثقا تمام الثقة بأن الغلبة والنصر قد كتبا لي(١) ». والعالم بأجمعه يعرف اليوم أن الذي كتب في قدر الجنرال الألماني العظيم كان هو الهزيمة والانتحار.

***

وقد شاهدنا وقائع عديدة من هذه النبوءات المضحكة في «الهند». فقد أعلن زعيم الشيوعيين: س. ب. جوشي، في المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الهندي، الذي انعقد في (مدوراي) بجنوب الهند، في سنة ١٩٥٤، بأن الحزب الشيوعي سوف يحكم، مستقلا بنفسه، في الانتخابات العامة القادمة، في ولايات: ترارنكو - كوتشين (كيرالا)، ومدراس، وآندهرا، والبنغال الغربية، وآسام. وقد أجريت ثلاثة انتخابات عامة (وانتخابات تكميلية أخرى) في هذه المدة الطويلة، ولم يستطع الحزب الشيوعي تأليف وزارة مستقلة في أية ولاية من ولايات الهند(٢) .

***

وسط هذه الجحافل من المتبنئين والنبوءات، لانجد غير «القرآن» الذي تحققت نبوءاته حرفا حرفا. وهذا الواقع يكفي في ذاته لاثبات أن هذا الكلام صادر من عقل وراء الطبيعة يمسك بزمام الأحوال والحوادث، وهو على معرفة بكل ما سيحدث منذ الأزل الى الأبد،

وسوف نورد هنا خبرين من التنبؤات الكثيرة التي أدلى بها الاسلام، وتحققت بكاملها. والشهادتان اللتان سنذكرهما، تتعلق احداهما بغلبة الاسلام نفسه، على حين تعلق بغلبة الروم مرة أخرى.

***

(أ) عندما بدأ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعوته وقفت الجزيرة العربية كلها ضده، وكان على النبي مواجهة ثلاث جبهات في وقت واحد:

___________________

(١) A Study of History (Abridgment) p. ٤٤٧

(٢) تمكن الحزب الشيوعي من تأليف وزارة ائتلافية في كيرالا في الانتخابات العامة لسنة ١٩٦٧، كما تمكنت «الجبهة المتحدة» في البنغال الغربية من تأليف وزارة ائتلافية في الانتخابات التكميلية التي أجريت في الولاية في ١٩٦٩، وكان الشيوعيون يتمتعون بالأغلبية في الجهة المتحدة. (المترجم)


أولاها: القبائل المشركة، بعد أن أصبحوا أعداء حياته.

وثانيتها: الرأسمالية اليهودية.

وثالثتها: أولئك المنافقون الذين تسربوا داخل المسلمين للقضاء على حركتهم، من داخل معاقلهم.

وكان الرسول يجاهد في سبيل رسالته السامية على كل هذه الجبهات: قوة المشركين، والرأسمالية اليهودية، والطابور الخامس. وقد وقف أمام هذا الطوفان الطاغي وقفات رائعة لامثيل لها، ولم يسانده في مواقفه غير حفنة من المهاجرين والأنصار، وجماعة أسلمت من العبيد. ومما لاشك فيه أنه قد انضم اليه بعض كبار قريش، ولكن سرعان ما انقطعوا عن أهلهم وذويهم، وعادتهم قريش كمعاداتها للنبي.

وقد سارت هذه الحركة بمكة قدما، تكافح وتناضل، حتى أصبحت الأمور غاية في السوء، واضطر النبي وأصحابه أن يهاجروا إلى جهات مختلفة، حتى اجتمع شملهم في المدينة المنورة، وهم في أشد حالات العوز والفقر، بعدما تركوا ثرواتهم في مكة - موطنهم الأصلي. ويمكن قياس بؤس هؤلاء المهاجرين بتلك الجماعة التي عاشت في المسجد النبوي، حيث لم تكن لديهم بيوت، وكانوا ينامون على «صفة» في فناء المسجد النبوي، فأطلق عليهم: «أهل الصفة». ومما روي في كتب التأريخ أن تعداد هؤلاء الصحابة الكرام، الذين عاشوا على «الصفة»، بلغ في بعض الأحيان أربعمائة صحابي.

فعن أبي هريرةرضي‌الله‌عنه ، قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من هو أسفل من ذلك؛ فاذا ركع أحدهم قبض عليه، مخافة أن تبدو عورته.

وعنه (أبي هريرة)رضي‌الله‌عنه أنه قال: «لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، فيقول الناس: انه مجنون، وما بي جنون، ما بي الا الجوع!».

***

وفي هذه الحالة البائسة، حيث كان المسلمون في أسوأ أحوالهم؛ مكشوفين في عراء المدينة المنورة، خائفين؛ يترقبون الأعداء من كل جانب، مخافة أن يتخطفوهم في أي وقت؛ في هذه الحالة نجد القرآن يبشرهم مرة بعد أخرى:

( کَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي ) (١) .

___________________

(١) المجادلة/٢١.


وقال أيضا:

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ کَرِهَ الْکَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ کُلِّهِ وَ لَوْ کَرِهَ الْمُشْرِکُونَ ) (١) .

ولم تمض على هذه البشرى أيام طويلة، حتى وجد المسلمون الجزيرة العربية كلها تحت أقدامهم؛ فقد انتصرت أقلية ضئيلة لاتملك الخيول ولا الأسلحة، على أعداء يملكون الجيوش الكبيرة، والعدة، والعتاد.

وليس بوسعنا تفسير هذه التنبؤات في ضوء المصطلحات المادية، الا أن نسلم بأن صاحب هذا الاخبار بالغيب لم يأت به من عند نفسه، وانما كان خليفة عن الله؛ فلو أنه كان انسانا عاديا لاستحال كل الأستحالة أن تصنع كلماته أقدار التاريخ. وكما قال البروفيسور (ستوبارت) «انه لايوجد مثال واحد في التاريخ الانساني بأكمله يقارب شخصية محمد.».

وهو يضيف قائلا:

«ألا. ما أقل ما امتلكه من الوسائل المادية، وما أعظم ما جاء به من البطولات النادرة، ولو أننا درسنا التاريخ من هذه الناحية، فلن نجد فيه اسما منيرا هذا النور، وواضحا هذا الوضوح، غير اسم النبي العربي(٢) ».

ان هذا الأمر هو أعظم دليل على كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرسلا من لدن الحق تبارك وتعالى. وقد اعترف السير وليام ميور، ذلك العدو اللدود للاسلام، بهذا الأمر بطريقة غير مباشرة، حين قال:

«لقد دفن محمد مؤامرات أعدائه في التراث، وكان يثق بانتصاره ليل نهار، مع حفنة من الأنصار والاعوان، رغم أنه كان مكشوفا عسكريا من كل ناحية، وبعبارة أخرى: كان يعيش في عرين الأسد، ولكنه أظهر عزيمة جبارة، لا نجد لها نظيرا غير ماذكر في الأنجيل، من أن نبيا قال لله تعالى: «لم يبق من قومي الا أنا(٣) !».

***

(ب) أما النبوءة الثانية التي وردت في القرآن، فهي الاخبار بغلبة الروم على الفرس. وقد جاء في أول سورة الروم قوله تعالى:

___________________

(١) الصف/٨و٩.

(٢) Islam & Its Founder, p. ٢٢٨.

(٣) Life of Mohammad, p. ٢٢٨ وربما يذكرنا هذا الاقتباس بقول القرآن حكاية على لسان موسىعليه‌السلام :( قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِکُ إِلاَّ نَفْسِي وَ أَخِي ) - المائدة/٢٥ (المراجع).


( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ‌ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ )

كانت الأمبراطورية الفارسية تقع شرقي الجزيرة العربية، على الساحل الآخر للخليج العربي، على حين كانت الامبراطورية الرومانية تمتد من غربي الجزيرة على ساحل البحر الأحمر الى ما فوق البحر الأسود. وقد سميت الأولى - أيضا - بالأمبراطورية الساسانية، والأخرى بالبيزنطية. وكانت حدود الامبراطوريتين تصل الى الفرات ودجلة، في شمال الجزيرة العربية. فكانتا أقوى حكومتين شهدهما ذلك العصر.

ويبدأ تاريخ الامبراطورية الرومانية - كما يرى المؤرخ «جبن» - في القرن الثاني بعد الميلاد، وكانت تتمتع حينئذ بمكانتها كأرقى دولة حضارية في العالم.

وقد شغل المؤرخين تاريخ زوال الروم، كما لم يشغلهم زوال أية حضارة أخرى(١) . وليس يغني كتاب من الكتب التي ألفت حول هذا الموضوع عن الكتب الأخرى، ولكن يمكن اعتبار كتاب المؤرخ «ادوارد جبن»: «تاريخ سقوط واندحار الامبراطورية الرومانية»(٢) أكثرها تفصيلا وثقة، وقد ذكر المؤرخ في الجزء الخامس من كتابه الوقائع المتعلقة ببحثنا هنا.

***

اعتنق الملك «قسطنطين» الدين المسيحي عام٣٢٥م، وجعله ديانة البلاد الرسمية، فآمنت بها أكثرية رعايا الروم. وعلى الجانب الآخر، رفض الفرس - عباد الشمس - هذه الدعوة.

وكان الملك الذي تولى زمام الامبراطورية الرومانية في أواخر القرن السابع الميلادي هو «موريس»، وكان ملكا غافلا عن شؤون البلاد والسياسة، ولذلك قاد جيشه ثورة ضده، بقيادة «فوكاس Phocas وأصبح فوكاس ملك الروم، بعد نجاح الثورة، والقضاء على العائلة الملكية بطريقة وحشية؛ وأرسل سفيرا له الى امبراطور ايران «كسرى أبرويز الثاني»، وهو ابن «أنو شيروان» العادل.

وكان «كسرى» هذا مخلصا للملك «موريس»، اذ كان قد لجأ اليه عام ٥٩٠ - ٥٩١م، بسبب مؤامرة داخلية في الامبراطورية الفارسية، وقد عاونه «موريس» بجنوده لاستعادة العرش. ومما يروى أيضا أن «كسرى» تزوج بنت «موريس»، أثناء اقامته ببلاد الروم، ولذلك كان يدعوه «بالأب».

___________________

(١) Western Civilization, p. ٢١٠.

(٢) The History of The Decline and Fall of the Roman Empire, By Edward Gibbon


ولما عرف بأخبار انقلاب الروم، غضب غضبا شديدا، وأمر بسجن السفير الرومي، وأعلن عدم اعترافه بشرعية حكومة الروم الجديدة.

وأغار «كسرى أبرويز» على بلاد الروم، وزحفت جحافله عابرة نهر الفرات الى الشام. ولم يتمكن «فوكاس» من مقاومة جيوش الفرس التي استولت على مدينتي «أنطاكية والقدس»، فاشعت حدود الامبراطورية الفارسية فجأة الى وادي النيل. وكانت بعض الفرق المسيحية - كالنسطورية واليعقوبية - حاقدة على النظام الجديد في روما، فناصرت الفاتحين الجدد، وتبعها اليهود، مما سهل غلبة الفرس.

***

وأرسل بعض أعيان الروم رسالة سرية الى الحاكم الرومي في المستعمرات الافريقية، يناشدونه انقاذ الأمبراطورية، فأرسل الحاكم جيشا كبيرا بقيادة ابنه الشاب «هرقل»، فسار بجيشه في الطريق البحرية، بسرية تامة. حتى أن «فوكاس» لم يدر بمجيئهم الا عندما شاهد الأساطيل، وهي تقترب من السواحل الرومانية، واستطاع هرقل - دون مقاومة تذكر - أن يستولي على الامبراطورية، وقتل «فوكاس» الخائن. بيد أن هرقل لم يتمكن - رغم استيلائه على الامبراطورية، وقتله «فوكاس» - من ايقاف طوفان الفرس. فضاع من الروم كل ما ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة وجنوبها، لم يعد العلم الصليبي يرفرف على العراق والشام وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى، بل علتها راية الفرس: «درفش كاوياني»!! وتقلصت الأمبراطورية الرومانية في عاصمتها، وسدت جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس؛ وعم القحط؛ وفشت الأمراض الوبائية؛ ولم يبق من الامبراطورية غير جذور شجرها العملاق. وكان الشعب في العاصمة خائفا يترقب ضرب الفرس للعاصمة، ودخولهم فيها؛ وترتب على ذلك أن أغلقت جميع الأسواق، وكسدت التجارة، وتحولت معاهد العلم والثقافة الى مقابر موحشة مهجورة. وبدأ عباد النار يستبدون بالرعايا الروم للقضاء على المسيحية. فبدءوا يسخرون علانية من الشعائر الدينية المقدسة، ودمروا الكنائس، وأراقوا دماء مايقرب من ٠٠٠،١٠٠ من المسيحيين المسالمين، وأقاموا بيوت عبادة النار في كل مكان، وأرغموا الناس على عبادة الشمس والنار، واغتصبوا الصليب المقدس وأرسلوه الى «المدائن».

ويقول المؤرخ «جبن» في المجلد الخامس من كتابه:

«ولو كانت نوايا «كسرى» طيبة في حقيقة الأمر، لكان اصطلح مع الروم، بعد قتلهم «فوكاس»، ولاستقبل «هرقل» كخير صديق أخذ بثأر حليفه وصاحب نعمته «موريس»، بأحسن طريقة؛ ولكن أبان عن نواياه الحقيقة عندما قرر مواصلة الحرب.»(١) .

___________________

(١) كتاب جبن/مجلد/ ٥ ص٧٤.


ويمكن قياس الهوة الكبرى التي حدثت بين الروم والفرس من خطاب وجهه «كسرى» الى «هرقل»، من بيت المقدس، قائلا:

«من لدن الاله كسرى، الذي هو أكبرالآلهة، وملك الأرض كلها، الى عبده اللئيم الغافل: هرقل: انك تقول:انك تثق في الهك! فلماذا لاينقذ الهك القدس من يدي؟!».

واستبد اليأس والقنوط بهرقل من هذه الأحوال السيئة، وقرر العودة الى قصره الواقع في «قرطاجنة» على الساحل الافريقي. فلم يعديهمه أن يدافع عن الامبراطورية، بل كان شغله الشاغل انقاذ نفسه. وأرسلت السفن الملكية الى البحر، وخرج «هرقل» في طريقه ليستقل احدى هذه السفن الى منفاه الاختياري.

وفي هذه الساعة الحرجة تحايل كبير أساقفة الروم باسم الدين والمسيح، ونجح في اقناع «هرقل» بالبقاء، وذهب «هرقل» مع الاسقف الى قربان «سانت صوفيا» يعاهد الله تعالى على أنه لن يعيش أو يموت الا مع الشعب الذي اختاره الله له. وباشارة من الجنرال الايراني سين ( Sain ) أرسل «هرقل» سفيرا الى «كسرى» طالبا منه الصلح؛ ولكن لم يكد القاصد الرومي يصل الى القصر، حتى صاح «كسرى» في غضب شديد: «لا أريد هذا القاصد! وانما أريد «هرقل» مكبلا بالأغلال تحت عرشي؛ ولن أصالح «الرومي» حتى يهجر الهه، الصليبي، ويعبد الشمس الهتنا!»(١) .

***

وبعد مضي ستة أعوام على الحرب، رضى الامبراطور الايراني أن يصالح «هرقل»، على شروط معينة، هي أن يدفع ملك الروم:

«ألف تالنت(٢) من الذهب، وألف تالنت من الفضة، وألف ثوب(٣) من الحرير، وألف جواد، والف فتاة عذراء». ويصف «جبن» هذه الشروط بأنها «مخزية» دون شك، وكان من الممكن أن يقبلها «هرقل»، لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفعها من المملكة المنهوبة، والمحدودة الأرجاء، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثروة كمحاولة أخيرة، ضد أعدائه.

***

___________________

(١) (ص - ٧٦ - ج٥).

(٢) Talent ، ميزان يوناني قديم، حوالي ستة وعشرين كيلو جراما، لدى الأثينيين، وقد يطلق على كمية النقود الذهبية أو الفضية التي تزنه - المراجع.

(٣) الثوب: ثلاثون مترا من القماش تقريبا - المراجع.


وبينما سيطرت على العاصمتين الفارسية والرومية هذه الأحداث، فقد سيطرت على شعب العاصمة المركزية في شبه الجزيرة العربية - وهي «مكة» المكرمة - مشكلة مماثلة: كان الفرس مجوسا من عباد الشمس والنار، وكان الروم من المؤمنين بالمسيح، وبالوحي، وبالرسالة، وبالله تعالى. وكان المسلمون مع الروم - نفسيا - يرجون غلبهم على الكفار والمشركين، كما كان كفار مكة مع الفرس، لكونهم من عباد المظاهر المادية. وأصبح الصراع بين الفرس والروم رمزا خارجيا للصراع الذي كان يدور بين أهل الاسلام وأهل الشرك في «مكة». وبطريقة نفسية كانت كل من الجماعتين تشعر بأن نتيجة هذا الصراع الخارجي هي نفس مآل صراعهما الخارجي. فلما انتصر الفرس على الروم عام٦١٦م. واستولوا على جميع المناطق الشرقية من دولة الروم، انتهزها المشركون فرصة للسخرية من المسلمين، قائلين: لقد غلب اخواننا على اخوانكم، وكذلك سوف نقضي عليكم، اذا لم تصطلحوا معنا تاركين دينكم الجديد!! وكان المسلمون بمكة في أضعف وأسوأ أحوالهم المادية، وفي تلك الحالة البائسة، صدرت كلمات من لسان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ‌ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ‌. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‌. وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لٰکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) .-الروم: ١ - ٦.

وتعليقا على هذه النبوءة يكتب «جبن»:

«في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة، لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعا، لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكومة «هرقل» كانت تؤذن بانتهاء الامبراطورية الرومانية(١) ».

ولكن من المعلوم أن هذه النبوءة جاءت من لدن من هو مهيمن على كل الوسائل والأحوال، ومن بيده قلوب الناس وأقدارهم، ولم يكد جبريل يبشر النبي بهذه البشرى، حتى أخذ انقلاب يظهر على شاشة الامبراطورية الرومانية!!.

ويرويه «جبن» على النحو التالي:

«انها من أبرز البطولات التاريخية، تلك التي نراها في «هرقل». فقد ظهر هذا الامبراطور غاية في الكسل والتمتع بالملذات وعبادة الأوهام في السنين الأولى والأخيرة من حكومته، كان يبدو كما لو كان متفرجا أبله، استسلم لمصائب شعبه، ولكن الضباب

___________________

(١) ص - ٧٤، المجلد٥.


الذي يسود السماء ساعتي الصباح والمساء، يغيب حينا من الوقت لشدة شمس الظهيرة، وهذا هو ما حدث بالنسبة الى هرقل، فقد تحول «أرقاديوس(١) القصور» الى «قيصر ميدان الحرب(٢) » فجأة، واستطاع أن يستعيد مجد الروم خلال ست حروب شجاعة شنها ضد الفرس. وكان من واجب المؤرخين الروم أن يزيحوا الستار عن الحقيقة، تبيانا لأسرار هذه اليقظة والنوم، وبعد هذه القرون التي مضت يمكننا الحكم بأنه لم تكن هناك دوافع سياسية وراء هذه البطولة، بل كانت نتيجة غريزة هرقل الذاتية، فقد انقطع عن كافة الملذات، حتى انه هجر ابنة أخته «مارتينا» - التي تزوجها لشدة هيامه بها، رغم أنها كانت محرمة عليه(٣) ».

***

هرقل - ذلك الملك الغافل الفاقد العزيمة - وضع خطة عظيمة لقهر الفرس، وبدأ في تجهيز العدة والعتاد، ولكن رغم ذلك كله، عندما خرج هرقل مع جنوده، بدا لكثيرين من سكان «القسطنطينية» أنهم يرون آخر جيش في تاريخ الامبراطورية البيزنطية.

وكان هرقل يعرف أن قوة الفرس البحرية ضعيفة، ولذلك أعد بحريته للغارة على الفرس من الخلف. وسار بجيوشه عن طريق البحر الأسود الى «أرمينيا»، وشن على الفرس هجوما مفاجئا في نفس الميدان الذي هزم فيه الاسكندر جيوش الفرس، لما زحف على أراضي مصر والشام. ولم يستطع الفرس مقاومة هذه الغارة المفاجئة، فلاذوا بالفرار.

وكان الفرس يملكون جيشا كبيرا في «آسيا الصغرى»، ولكن «هرقل» فاجأهم بأساطيله مرة أخرى، وأنزل بهم هزيمة فادحة، وبعد احراز هذا النصر الكبير عاد «هرقل» الى عاصمته «القسطنطينية» عن طريق البحر، وعقد معاهدة مع الأفاريين ( Avars )، واستطاع بنصرتهم أن يسد سيل الفرس عن عاصمتهم.

وبعد الحربين اللتين مر ذكرهما شن هرقل ثلاثة حروب أخرى ضد الفرس في سنوات ٦٢٣، ٦٢٤، ٦٢٥م. واستطاع أن ينفذ الى أراضي العراق القديم (ميسو بوتانيا) عن طريق البحر الأسود، واضطر الفرس الى الانسحاب من جميع الأراضي الرومية، نتيجة هذه الحروب، وأصبح «هرقل» في مركز يسمح له بالتوغل في قلب الامبراطورية

___________________

(١) أرقاديوس (٣٧٧ - ٤٠٨م)، أحد أباطرة الرومان، وهو الابن الاكبر لتيودوس الأول، تولى العرش سنة ٣٩٥م. واشته بالجبن - المراجع.

(٢) قيصر أو «سيزار»(١٤٤ - ١٠١ ق. م.) قائد وسيايس رومي عظيم.

(٣) ص - ٧٦ - ٧٧، المجلد الخامس.


الفارسية، وكانت آخر هذه الحروب المصيرية- تلك الحرب التي خاضها الفريقان في «نينوا» على ضفاف «دجلة» في ديسمبر عام ٦٢٧م.

***

ولما لم يستطع «كسرى أبرويز» مقاومة سيل الروم، حاول الفرار من قصره الحبيب «دستكرد»، ولكن ثورة داخلية نشبت في الامبراطورية، واعتقله ابنه «شيرويه»، وزج به في سجن داخل القصر الملكي، حيث لقي حتفه، لسوء الأحوال في اليوم الخامس من اعتقاله، وقد قتل ابنه «شيرويه» ثماني عشرة من أبناء أبيه (كسرى) أمام عينيه.

ولكن «شيرويه» هو الآخر لم يستطع أن يجلس على العرش أكثر من ثمانية أشهر، حيث قتله أحد أشقائه، وهكذا بدأ القتال داخل البيت الملكي، وتولى تسعة ملوك زمام الحكم في غضون أربعة أعوام. ولم يكن من الممكن، أو المعقول في هذه الأحوال السيئة، أن يواصل الفرس حربهم ضد الروم. فأرسل «قباد الثاني» ابن كسرى أبرويز الثاني يرجو الصلح، وأعلن تنازله عن الأراضي الرومية، كما أعاد الصليب المقدس، حيث كان يجر مركبته أربعة أفيال، واستقبله آلاف مؤلفة من الجماهير، خارج العاصمة، وفي أيديهم المشاعل وأغصان الزيتون(١) !!.

***

وهكذا صدق ما تنبأ به القرآن الكريم عن غلبة الروم في مدته المقررة، أي في أقل من عشر سنين، كما هو المراد في لغة العرب من كلمة: «بضع»!.

وقد أبدى «جبن» حيرته واعجابه بهذه النبوءة، ولكنه كي يقلل من أهميتها ربطها برسالة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الى «كسرى».

يقول جين:

وعندما أتم الامبراطور الفارسي نصره على الروم وصلته رسالة من مواطن خامل الذكر، من «مكة» دعاه الى الايمان بمحمد، رسول الله، ولكنه رفض هذه الدعوة ومزق الرسالة، وعندما بلغ هذا الخبر رسول العرب، قال: سوف يمزق الله دولته تمزيقا، وسوف يقضي على قوته.

و«محمد، الذي جلس في الشرق على حاشية الامبراطوريتين العظيمتين، طار فرحا، مما سمع عن تصارع الامبراطوريتين وقتالهما، وجرؤ في ابان الفتوحات الفارسية وبلوغها القمة

___________________

(١) جين: ص - ٦٤، ج - ٥.


أن يتنبأ بأن الغلبة تكون لراية اليوم بعد بضع سنين. وفي ذلك الوقت، حين ساق الرجل هذه النبوءة، لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعا، لأن الأعوام الاثني عشر الأولى من حكومة هرقل كانت تشي بنهاية الامبراطورية الرومانية(١) .».

بيد أن جميع مؤرخي الاسلام يعرفون معرفة تامة أن هذه النبوءة لاعلاقة لها بالرسالة التي وجهها النبي الى «كسرى أبرويز»، لأن تلك الرسالة انما أرسلت في العام السابع من الهجرة، بعد صلح الحديبية، أي عام ٦٢٨م، في حين أن آية النبوءة المذكورة نزلت بمكة عام ٦١٦، أي قبل الهجرة بوقت طويل، فبين الحدثين فاصل يبلغ اثني عشر عاما(٢) .

***

___________________

(١) المرجع السابق، ص٧٣ - ٧٤.

(٢) أنظر: Encyclopaedia of Religion and Ethics- ١٠/٥٤٠ - ٥٤٥.


ثالثا: القرآن والكشوف الحديثة

والميزة الثالثة التي سوف أدرسها في هذا الباب للابانة عن صدق القرآن وحقيته، هي أنه رغم نزول القرآن قبل قرون كثيرة من عصر العلوم الحديثة، لم يتمكن أحد من اثبات أية أخطاء علمية فيه، ولو أنه كان كلاما بشريا لكان هذا ضربا من المستحيل.

***

كانت بعثة لطلبة الصين تدرس بجامعة كاليفورنيا منذ بضع سنين، وقد ذهب اثنا عشر من هؤلاء الطلبة الى كاهن «كنيسة بركلي» طالبين منه أن ينظم لهم دراسة حول الدين المسيحي في أيام الأحد، وقالوا له بكل صراحة: اننا غير راغبين في اعتناق المسيحية، ولكننا نريد أن نعرف مدى تأثير هذا الدين على الحضارة الأمريكية، واختار القسيس عالما في الرياضة والفلك، هو البروفيسور «بيتر و. ستونر»، للتدريس لهؤلاء الشبان. وبعد أربعة أشهر من هذا الواقع اعتنقوا الدين المسيحي!!.

أما الدوافع وراء هذا العمل المدهش، فلنسمعها من الأستاذ نفسه:

«لقد كان السؤال الأول أمامي: ماذا أقول لهم عن الدين؟ انهم لايؤمنون بالانجيل اطلاقا، وتدريس الانجيل على الطريقة التقليدية لن يأتي بفائدة ما، وفي ذلك الوقت تذكرت أني أثناء دراستي كنت ألاحظ علاقة كبيرة بين العلوم الحديثة وسفر التكوين في الانجيل، ولذلك رأيت أن أعرض هذا الكلام امام هذه الجماعة من الشبان.

«وكنا - أنا والطلبة - نعرف بطبيعة الحال أن ماجاء في هذا الكتاب عن بدء الكون قد كتب قبل آلاف السنين من كشوف العلوم الحديثة عن الأرض والسماء، وكنا نشعر


كذلك أن أفكار الناس في زمن موسى ستبدو لغوا باطلا، لو درسناها في ضوء معلومات العصر الحاضر.

«وقد أمضينا فترة الشتاء كلها ندرس في سفر التكوين، وكان الطلبة يكتبون الاسئلة حول ما جاء في هذا السفر، ثم يبحثون عن أجوبتها بكل جهد في مكتبة الجامعة. وعند انتهاء الشتاء أخبرني القسيس أن الطلبة حضروا اليه ليخبروه أنهم يريدون اعتناق المسيحية، وقد أقروا أنه ثبت لهم أن الانجيل كتاب موحى من عند الله(١) .».

***

وعلى سبيل المثال يقول سفر التكوين عن حالة الأرض في بداية الأمر:

«لقد غشى على الأغوار ظلام»(٢)

وهذا هو أحسن تصوير للحالة التي وجدت في الأرض في ذلك الوقت، كما عرفناها من العلوم الحديثة، فكان سطح الأرض حارا جدا، وتبخرت المياه بسبب هذه الحرارة، ولم يصل النور الى سطح الأرض، لأن مياه بحارنا كانت معلقة في صورة سحب كثيفة، في الفضاء، وكان ظلم حالك يسود الأرض.

***

اننا نؤمن بأن الانجيل والتوراة من الكتب الالهية، مثل القرآن الكريم، ولذلك توجد فيهما قبسات من العلم الالهي، ولكن النصوص الأصلية قد ضاعت، وطرأ فارق كبير بين الانجيل الحقيقي وانجيل هذا العصر، بعد مضي ألفي عام حافلة بعمليات الترجمة من لغة الى أخرى، ثم بأعمال التحريف البشري Human Interpolation الذي أصاب النسخة الالهية أكثر ماأصاب، على حد تعبير العالم الأميركي «كريسي موريسون(٣) ».

ولما كانت هذه الصحائف قد فقدت قيمتها، نتيجة لما حدث، فقد أرسل الله تعالى «طبعة جديدة» من كتابه الى البشر، وهذا الكتاب هو «القرآن الكريم» وهو يحمل، من أجل صحته وكماله، كل الميزات والخصائص التي لاتوجد منها سوى لمحات في الكتب القديمة.

___________________

(١) The Evidence of God, PP. ١٣٧ - ٣٨.

(٢) تقول الترجمة العربية للتوراة (المنقولة عن اليونانية): «وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة.» الاصحاح: ١ - (المراجع).

(٣) Man Does not Stand Alone, p. ١٢٠.، ومن الثابت أن الأناجيل لم تكتب في حياة المسيح، ولاحتى بعد وفاته بنصف قرن كما أن التوراة آخر ما كتب من عصر السبي البابلي (٥٨٦ - ٥٣٨) ق. م. (المراجع)


وسوف أستعرض هنا هذه الخاصة دليلا ثالثا من أدلتي على صدق القرآن الكريم، ولقد أنزل القرآن قبل عصر النهضة، ولكن أحدا من الناس لم يستطع ابطال شيء مما جاء به، ولو كان هذا القرآن من كلام البشر، لعد ذلك ضربا من ضروب الاحالة.

***

نزل القرآن في عصر لم يكن الانسان يعرف فيه عن الطبيعة الا القليل النادر، وكانوا يرون أن الأمطار تنزل من السماء، وأن الأرض مستوية، كالفراش، وأن السماء سقف الأرض، وكانوا يرون أن النجوم مسامير لامعة من الفضة مركبة في قبة السماء، أو أنها قناديل معلقة في الفضاء! وكان أهل الهند الأقدمون يؤمنون بأن الأرض محمولة على أحد قرني «البقرة الأم»، وهي حين تقوم بنقل الأرض من قرن الى آخر يحدث زلزال على البسيطة(١) . وكان العلماء يرون أن الشمس ساكنة بلا حراك، وأن الأرض تدور حولها، الى أن جاء (كوبرنيك) (١٤٧٣/١٥٤٣م)، وعرض فكرته الشهيرة عن حركة الشمس.

***

وهكذا تقدم العلم رويدا رويدا، الى أن زادت قوة المشاهدة والدراسة لدى الانسان، فكشف عن أسرار كثيرة. والآن لانجد جزءا ما من معلوماتنا عن أجزاء الجسم، وشعب العلم المختلفة، الا وقد تغيرت نظرتنا اليه كلية، وثبت بطلان عقائد العصر القديم.

ويدل هذا بكل صراحة على أنه لاوجود لكلام انساني تدوم صحته كليا. لأن الانسان يتكلم عما هو معروف من المعتقدات والعلوم في عصره، انه سوف يسرد ما وجده في زمنه، سواء وقع كلامه في دائرة الشعور أو اللاشعور. ولذلك لانجد كتابا مضى عليه حين من الدهر الا وهو مملوء بالأغلاط والأخطاء من سائر نواحيه، نظرا الى الكشوف الجديدة في كل الميادين.

ولكن مسالة القرآن الكريم تختلف تمام الختلاف عن هذه الكلية! فهو حق وصادق في كل ما قال، كما كان في القرون الغابرة. ولم يطرأ على مقاله أي تغير رغم مضي قرون وعصور طويلة. وهذا في نفسه دليل على أن منبعه عقل جبار يحيط بالأزل وبالأبد علما، وهو يعلم سائر الحقائق في صورها النهائية والحقيقية، ولايخضع علمه ومعرفته لحواجز الزمان والمكان والأحوال. ولو كان هذا الكلام صادرا عن بشر محدودي النظر والعلم لكان الزمان قد أبطله منذ عصور عديدة، كما يحدث لكل كلام انساني في مستقبله.

___________________

(١) شاعت هذه العقيدة الخرافية كذلك في أوساط العوام وأشباه المتعلمين في شرقنا العربي، وان كان تيار المعرفة العامة الآن يقضي على مثل هذه الخرافات - (المراجع).


ان المحور الحقيقي لرسالة القرآن هو السعادة الأخروية، فهو بذلك لايدخل في دائرة أي من علومنا وفنوننا الحديثة. ولكن حيث انه يخاطب «الانسان» في حقيقة الأمر، فهو يمس كل ما هو متعلق بالانسان، وهي مسألة دقيقة، وموقف جد خطير. لأن المرء حين يكون جاهلا، أو ناقص المعلومات حول مشكلة ما، ثم يتجرأ ليتكلم عن تلك المشكلة - ولو اجمالا - فلابد أن يكبو في حديثه، وذلك حين يستخدم كلمات أو عبارات لاعلاقة لها بالواقع والحقائق!.

وعلى سبيل المثال: قال أرسطو استدلالا على أسبقية الرجل على المرأة: ان فم المرأة يحوي أسنانا أقل عددا من أسنان الرجل!! ومن المعروف أن هذا الكلام لاعلاقة له بعلم الأجسام، بل هو يدل على أن صاحبه جاهل بهذا العلم، فان عدد الأسنان سواء لدى الرجل والمرأة. ولكن من المدهش حقا أن القرآن - حتى فيما يمس أكثر العلوم الحديثة من ناحية أو أخرى - لايحتوي كلمة ما أثبت العلم فيما بعد، أنها من صنع رجل جاهل بذلك الموضوع، وهذا يوضح صراحة أنه كلام موجود فوق الطبيعة؛ وهو على معرفة تامة بكل شيء على حين لم يكن أحد يعلم شيئا، وهو يعلم أيضا كل ما يجهله البشر في هذا العصر؛ مع تقدم العلوم.

وسوف أورد هنا بعض الأمثلة التي تدل صراحة على أن القرآن الكريم يحيط بالحقائق التي لم تعرف الا في عصرنا هذا، وان كانت احاطته هذه ضمن اشارات غير مقصودة لذاتها.

ويجب ان أقول، تمهيدا لهذا البحث: ان مطابقة كلمات «القرآن» وألفاظه للكشوف الحديثة مبنية على أن العلم الحديث قد استطاع الكشف عن أسرار الواقعة موضوع البحث، فتوفرت لدينا مواد نافعة لتفسير الاشارات القرآنية في ذلك الموضوع. ولو أن دراسة المستقبل في موضوع ما تبطل واقعة من وقائع العلم الحديث كليا أو جزئيا فليس هذا بضائر مطلقا صدق القرآن، بل معناه أن المفسر أخطأ في محاولته لتفسير اشارة مجملة في القرآن، وانني لعلى يقين راسخ بان الكشوف المقبلة سوف تكون أكثر ايضاحا لاشارات القرآن، وأكثر بيانا لمعانيه الكامنة.

***

تقسيم لآيات القرآن

ونستطيع أن نقسم الآيات القرآنية المتعلقة بهذا الجانب الى نوعين:

الأول: ما عرف عنه الانسان - حتى ذلك العصر - أمورا جانبية وسطحية.

والثاني: ما لم يعرف عنه ذلك الانسان شيئا، مطلقا.


ان هناك أشياء كثيرة كان الأقدمون يعرفون عنها بعض المعارف الجزئية، وكانت معرفتهم هذه ناقصة جدا بالنسبة الى المعرفة التي أتيحت للانسان اليوم، بفضل الاختراعات الحديثة. وقد واجه القرآن في هذا الصدد مشكلة كبرى، فهو لم يكن كتابا في العلوم والهندسة، ولذلك لو أنه كان بدأ يكشف عن أسرار الطبيعة لاختلف الناس فيما بينهم حول ما جاء في القرآن، ولاستحال عندئذ بلوغ الهدف الحقيقي من نزول القرآن، وهو اصلاح العقل الانساني وتزكيته. فمن اعجاز القرآن أنه تكلم في لغة العلم، قبل كشفه، كما أنه استعمل كلمات وتعبيرات لم يستوحشها أذواق الأقدمين ولامعارفهم، على حين أحاطت بكشوف العصر الحديث!.

***

النوع الأول

(١) ذكر القرآن الكريم قانونا خاصا بالماء في صورتين: هما الفرقان والرحمن. وجاء في السورة الاولى:

( وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَ هٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً ) (١) .

وأما الآية التي وردت في السورة الأخرى فهي تقول:

( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ ) (٢) .

ان الظاهرة الطبيعية التي يذكرها القرآن في هذه الآيات معروفة عند الانسان منذ أقدم العصور؛ وهي أنه اذا ما التقى نهران في ممر مائي واحد فماء أحدهما لايدخل (أي لايذوب) في الآخر. وهناك، على سبيل المثال، نهران يسيران في «تشاتغام» بباكستان الشرقية الى مدينة «أركان»، في «بورما»، ويمكن مشاهدة النهرين، مستقلا أحدهما عن الآخر، ويبدو أن خيطا يمر بينهما، حدا فاصلا؛ والماء عذب في جانب، وملح في جانب آخر. وهذا هو شأن الأنهار القريبة من السواحل، فماء البحر يدخل ماء النهر عند حدوث «المد البحري»، ولكنهما لايختلطان، ويبقى الماء عذبا تحت الماء الأجاج. وهكذا شاهدت عند ملتقى نهري الكنج والجامونا، في مدينة «الله آباد»، فهما رغم التقائهما لم تختلط مياههما، ويبدو أن خيطا فاصلا يميز أحدهما من الآخر(٣) .

ان هذه الظاهرة، كما قلت، كانت معروفة لدى الانسان القديم. ولكنا لم نكشف

___________________

(١) الفرقان/٥٣.

(٢) الرحمن/٢٠ - ٢١.

(٣) وهو ما كان يشاهد عند التقاء النيل بالبحر الأبيض، قبل بناء السد العالي - (المراجع).


قانونها الا منذ بضع عشرات من السنين. فقد أكدت المشاهدات والتجارب أن هناك قانونا ضابطا للأشياء السائلة، يسمى (قانون المط السطحي) Surface Tension ، وهو يفصل بين السائلين؛ لأن «تجاذب» الجزئيات يختلف من سائل لآخر، ولذا يحتفظ كل سائل باستقلاله في مجاله. وقد استفاد العلم الحديث كثيرا من هذا القانون، الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله سبحانه:( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ ) . وملاحظة هذا البرزخ لم تخف عن اعين القدماء، كما لم تتعارض مع المشاهدة الحديثة، ونستطيع، بكل ثقة، أن نقول: ان المراد من «البرزخ» انما هو «المط أو التمدد السطحي»، الذي يوجد في الماءين، والذي يفصل أحدهما عن الآخر.

ويمكن فهم هذا المط السطحي بمثال بسيط، وهو: أنك لو ملأت كوبا بالماء، فانه لن يفيض الا اذا ارتفع عن سطح الكوب قدرا معينا. والسبب في ذلك أن «جزئيات» السوائل عندما لاتجد شيئا تتصل به فوق سطح الكوب، تتحول الى ما هو تحتها، وعندئذ توجد (غشاوة مرنة) Elastic Film على سطح الماء؛ وهذه الغشاوة هي التي تمنع الماء من الخروج عن الكوب لمسافة معينة، وهي غشاوة قوية لدرجة أنك لو وضعت عليها ابرة من حديد فانها لن تغوص! وهذه الظاهرة هي مايسمى بالمط السطحي، الذي يحول دون اختلاط الماء والزيت، والذي يفصل بين الماء العذب والملح.

***

(ب) وجاءت في القرآن بيانات مماثلة، وعلى سبيل المثال:

( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) (١)

وهذه الآية مطابقة لما كان يراه الرجل القديم؛ فانه كان يشاهد عالما كبيرا قائما بذاته في الفضاء، مكونا من الشمس والقمر والنجوم، ولكنه لم ير لها أية ساريات أو أعمدة، والرجل الجديد يجد في هذه الآية تفسيرا لمشاهدته، التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمد في الفضاء اللانهائي، بيد أن هنالك «عمدا غير مرئية»، تتمثل في قانون «الجاذبية) Gravitation Pull ، وهي التي تساعد كل هذه الأجرام على البقاء في أمكنتها المحددة.

(ج) وقد قال القرآن عن الشمس والنجوم:

( وَ کُلٌّ فِي فَلَکٍ يَسْبَحُونَ ) (٢)

وكان الانسان في العصر الغابر يشاهد أن النجوم تتحرك تبتعد عن أمكنتها بعد وقت

___________________

(١) الرعد/٢.

(٢) يس/٤٠.


معين. ولذلك لم يكن هذا التعبير القرآني موضع دهشتهم واستغرابهم، ولكن البحوث الحديثة قد خلعت على هذه التعبيرات ثوبا جديدا؛ فليس هنالك تعبير أروع ولا أدق من «السباحة» لدوران الأجرام السماوية في الفضاء البسيط اللطيف!.

***

(د) وقال القرآن الكريم عن الليل والنهار:

( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) (١)

ان هذه الآية الكريمة تشرح للانسان القديم سر مجىء الليل بعد النهار. ولكنها تحوي اشارة رائعة الى دوران الأرض محوريا، وهو الدوران الذي يعتبر سبب مجيء الليل والنهار، طبقا لمعلوماتنا الحديثة.

وسوف أذكر القراء - هنا - بأن من بين المشاهدات التي أدلى بها رجل الفضاء الروسي «جاجارين»، بعد دورانه في الفضاء حول الأرض: أنه شاهد (تعاقبا سريع) Rapid Succession للظلام والنور على سطح الأرض بسبب دورانها المحوري حول الشمس.

وهناك بيانات كثيرة جدا من هذا القبيل في القرآن الكريم.

***

النوع الثاني من الآيات

وأما النوع الثاني من الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع، فلم يعرف عنها الرجل القديم شيئا ما على الاطلاق.

وقد تناول القرآن تلك الموضوعات، كاشفا الغطاء عن أسرار بالغة الأهمية، ثبت صدقها بعد الدراسات الحديثة، وسوف أعرض في الصفحات التالية بعض الأمثلة من مختلف فروع العلوم الحديثة.

***

أولا: علم الفلك:

يطرح القرآن الكريم فكرة معينة ومحدودة المعالم حول بداية الكون المادي ونهايته، وكانت هذه الفكرة غير معروفة لدى الانسان الجديد قبل قرن من الزمان. أما الانسان القديم فلا مجال للقول بأنه كان من الممكن أن يتطرق عقله الصغير الى هذه الفكرة أو أجزائها، وجاء العلم الجديد ليشهد على ماجاء على في القرآن الكريم.

___________________

(١) الأعراف/٥٤.


يعبر القرآن عن بداية الكون على النحو التالي:

( أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ کَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ کَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) (١) .

أما عن نهاية الكون، فهو يقول:

( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) (٢) .

فالكون، بناء على تفسير هذه الآيات كان منضما ومتماسكا (الرتق: منضم الأجزاء)، ثم بدأ يتمدد في الفضاء، ويمكن رغم هذا التمدد تجميعه مرة أخرى في حيز صغير.

وهذه هي الفكرة العلمية الجديدة عن الكون؛ فقد توصل العلماء، خلال أبحاثهم ومشاهداتهم لمظاهر الكون، الى أن «المادة» كانت جامدة وساكنة في أول الأمر؛ وكانت في صورة غاز ساخن، كثيف، متماسك. وقد حدث انفجار شديد في هذه المادة قبل ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠،٥ سنة على الأقل، فبدأت المادة تتمدد وتتباعد أطرافها. ونتيجة لهذا اصبح تحرك المادة أمرا حتميا، لابد من استمراره، طبقا لقوانين الطبيعة، التي تقول: ان قوة «الجاذبية» في هذه الأجزاء من المادة تقل تدريجيا بسبب تباعدها (ومن ثم تتسع المسافة بينها بصورة ملحوظة).

ويعتقد العلماء أن دائرة المادة كانت ٠٠٠،١ مليون سنة ضوئية، في أول الأمر. وقد أصبحت هذه الدائرة الآن، كما يقول البروفيسور «ايدنجتون»: عشرة أمثال بالنسبة الى الدائرة الحقيقية. وهذه العملية من التوسع والامتداد مستمرة دون ما توقف. وكما يقول البروفيسور «ايدنجتون»:

«ان مثال النجوم والمجرات: كنقوش مطبوعة على سطح بالون من المطاط، وهو ينتفخ باستمرار؛ وهكذا تتباعد جميع الكرات الفضائية عن أخواتها بحركاتها الذاتية، في عملية التوسع الكوني(٣) ».

وأما الأمر الآخر، فقد ثبت لنا صدقه، كما ورد في القرآن. فكان الانسان القديم يرى أن النجوم يبتعد بعضها عن بعض رأي العين؛ ولكننا نراها متقاربة لبعدها الهائل عن الأرض وهي في حقيقة الأمر متباعدة بمسافات قياسية.

ولم يقف الأمر بنا عند هذا الحد، بل عرفنا أيضا أن تلك الأجسام والأجرام التي كنا نشاهدها في قديم الزمن، وكنا نحسبها كاملة وسالمة، أكثرها يحتوي على فضاء خال.

___________________

(١) الأنبياء/٣٠.

(٢) السابقة/١٠٤.

(٣) The Limitations of Science, p. ٢٠.


وقد عرفنا أن كل جسم مادي يدور حول نظام له، مثل النظام الشمسي الذي تدور حوله نجوم وسيارات كثيرة. ومن أمثلته نظام «الذرة». فنحن نشاهد الفضاء الخالى في «النظام الشمسي»، ولكننا نعجز عن مشاهدة فضاء «النظام النوري» لصغر حجمه المتناهي. حتى انه يستحيل مجرد مشاهدة هذا النظام(١) . ومعنى ذلك أن كل شيء لو بدا متماسكا - يحوي حيزا من الفضاء في داخله. ومثاله: أننا لو جردنا الفضاء أو المكان Space من الذرات المادية في الجسم الانساني، ذات الستة الأمتار، فلن نجد الا كمية قليلة جدا من المادة، تكاد تكون متناهية الوجود.

وهكذا يرى علماء الطبيعة الفلكية ( Astro - Physicists ) أننا لو طوينا كل شيء في الكون بدون أن نترك للفضاء مكانا، فسيكون حجم الكون كله ثلاثين ضعفا من حجم الشمس!! ويمكن قياس سعة الكون من أن أبعد مجرة استطاع الانسان الكشف عنها تبعد بضعة ملايين من السنين الضوئية عن النظام الشمسي.

***

٣ - لقد توصل العلماء، خلال أبحاثهم، الى أنه لابد في المستقبل القريب - وطبقا لقانون دوران الأجرام السماوية - أن يقترب القمر من الأرض، حتى ينشق من شدة الجاذبية، وتتناثر أجزاؤه في الفضاء(٢) . وسوف تحدث عملية انشقاق القمر هذه بناء على نفس القانون الذي يحكم المد والجزر في البحار. فالقمر هو أقرب جيراننا في الفضاء، ولايبعد عن الأرض غير٠٠٠،٢٤٠ ميلا، وهذا القرب يؤثر على البحار مرتين يوميا، حيث ترتفع فيها أحيانا أمواج يبلغ طولها ستين مترا، وأما تأثير هذه الجاذبية على سطح الأرض فيبلغ عدة بوصات!!.

ان المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر مناسبة تماما لصالح أهل الارض. ولو نقص هذا الفاصل الى خمسين ألفا من الأميال - على سبيل المثال - فسوف يحدث طوفان شديد في البحار، وسوف تغطي أمواجها أكثر مناطق الأرض المأهولة، وسوف يغرق كل شيء، حتىلتتحطم الجبال من شدة تموج البحار، وسوف تحدث شقوق مروعة على سطح الأرض من وطأة الجاذبية!!.

ويرى علماء الفلك أيضا أن الارض قد مرت بكل هذه الأدوار أثناء عملية التكوين، حتى وصلت الى بعدها الحالي من القمر، بناء على قانون الفلك، وهذا القانون هو نفسه سوف يأتي بالقمر قريبا من الأرض مرة أخرى. ويرون أن من المتوقع حدوث هذا قبل

___________________

(١) أنظر التفصيلات من «الذرة» في الباب الرابع من هذا الكتاب.

(‌٢) Man Does not Stand Alone, p. ٢٤.


بليون سنة(١) . وعندئذ سوف ينشق القمر، وسوف يتناثر حول فضاء الأرض في صورة حلقة.

أليست هذه النظرية من أعظم موافقات العلم لتلك النبوءة الواردة في القرآن الكريم، حول انشقاق القمر، حين تقترب القيامة(٢) ؟.

أقرأوا قوله تعالى:

( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ ، وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) (٣) .

***

ثانيا - علم طبقات الأرض:

١ - جاء في القرآن الكريم، غير مرة، أن الجبال أرسيت في الأرض حفاظا على توازنها، ومن ذلك قوله تعالى:

( وَ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِکُمْ ) (٤) .

ولقد ظل العلم جاهلا بهذه الحقيقة طوال القرون الثلاثة عشر الماضية، ولكن دارسي الجغرافيا الحديثة يعرفونها جيدا تحت اسم «قانون التوازن) Isostasy ولايزال العلم الحديث في مراحله البدائية بالنسبة الى أسرار هذا القانون، ويقول الأستاذ انجلن:

___________________

(١) هذا مجرد تعبير عن الامكان العلمي، وحدوده الزمنية. وليس ببعيد أن تقع هذه الظاهرة في وقت أقل مما حدده الفلكيون، وكلامهم لاينفي هذا.

(٢) رويت معجزة «انشقاق القمر» في الصحيحين وكتب الحديث الأخرى، بروايات صحيحة الاسناد، ومنها ما رواه عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه ، وهو من الشهود العيان لذلك الحادث الخارق، وبرغم ذلك لاتزال مسألة «انشقاق القمر» موضع خلاف شديد بين المفسرين والعلماء. فيرى الجمهور أنه قد حدث فعلا، «. وقال بعض المفسرين: سينشق» كما يرى صاحب التفسير «الكبير»، ومن القائلين به الامام الحسن البصري، وقد نقل عنه أبو حيان الأندلسي القول التالي: «ان المعنى اذا جاءت الساعة انشق القمر بعد النفخة الثانية». البحر المحيط، ج - ٨، ص - ١٧٣ وهاك فئة ثالثة من العلماء تؤثر «التوفيق» بين الرأيين، فهم يرون أن معجزة شق القمر، التي جاء ذكرها في الأحاديث وقعت أمام جمع من المسلمين والمشركين «بمنى» في مكة، المكرمة. ويرى الامام الغزالي والشاه ولي الله الدهلوي أنها وقعت «بتصرف البصر». وان الممكن أن تكون قد حدثت فعلا نتيجة انشقاق فلكي. وهكذا ستكون الواقعة الأولى آية أولية للأحداث التي سوف يجرى وقوعها قرب القيامة. وفيها يقول المفسر الهندي الكبير العلامة شبير احمد العثماني في تفسير للقرآن:

«لقد كانت معجزة شق القمر مثالا على أن كل شيء سينشق هكذا عند اقتراب القيامة».

(٣) القمر/١و٢.

(٤) لقمان/١٠.


«من المفهوم الآن أن المادة - الاقل وزنا - ارتفعت على سطح الأرض، على حين أصبحت أمكنة المادة الثقيلة خنادق هاوية، هي التي نراها الآن في شكل البحار. وهكذا استطاع الارتفاع والانخفاض أن يحافظا على توازن الأرض(١) ».:

ويرى عالم آخر من باحثي الجغرافيا:

«وفي البحار، أيضا، توجد وديان مثل وديان البر. ولكن وديان البحر أكثر غورا وأبعد عمقا من تلك التي توجد في البر؛ كما أنها بعيدة عن المجال التجريبي للانسان. ويبدو أنه قد حدثت مغارات عميقة في البحار. (ويبلغ عمق بعض هذه الوديان ٣٥ ألف قدم عن سطح البحر؛ وهذا العمق أعلى من أعظم جبال العالم ارتفاعا. ويبلغ من عمق هذه الوديان البحرية أحيانا أنه لو وضعت فيها قمة «ايفرست»، من سلسلة جبال «الهملايا»، والتي يبلغ طولها ٠٠٢،٢٩، فسيكون سطح البحر فوقها بمسافة ميل كامل)!.

«ومن الظواهر المحيرة أن هذه الخنادق البحرية توجد قرب السواحل البرية بدل أن توجد في أعالي البحار. ومن ذا يستطيع أن يعلم قدر ذلكم الضغط الهائل، الذي أحدث هذه المغارات السحيقة في قاع البحار. ولكن قرب هذه الوديان من الجزر والبراكين يدل على أن هناك علاقة بين طول الجبال والخنادق البحرية. وهو أن الأرض يقوم توازنها على أساس الارتفاع والعمق (في أجزائها المختلفة). ويرى بعض كبار علماء الجغرافيا أنه من الممكن أن تكون الأغوار البحرية علامات على جزر قد تظهر في المستقبل. وسببه أن الرواسب والمخلفات لكل من البر والبحر تترسب في هذه الوديان، وقد سويت مناطق كبيرة من هذه الوديان بعد أن ملأتها هذه الرواسب. ولهذا من الممكن - بناء على عدم التوازن الذي يحدث عن هذه العملية - أن تبرز جبال جديدة في أي وقت، أو تظهر سلسلة جديدة من الجزر، ومما يؤكد ذلك أنه قد وجدت آثار الرواسب البحرية في بعض الجبال الساحلية.

وعلى كل حال، لاتوجد نظرية - في ضوء المعلومات الحالية للانسان - لتقوم بتفسير الوديان البحرية، وهذه المغارات الدائمة البرودة، والتي توجد في ظلام حالك، وتحت ضغط قدره سبعة أطنان على كل بوصة، لازال ذلك كله لغزا أمام الانسان، كألغاز البحر الأخرى(٢) !!».

٢ - وقد جاء في القرآن الكريم أنه قد مض على الأرض زمن طويل سواها الله خلاله؛ قال تعالى:

___________________

(١) C. R Von Anglen , Geomovpholgy, pp. ٢٦ - ٢٧ , (N.Y., ١٩٤٨)

(٢) The World We Live In, N. Y., ١٩٥٥.


( وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِکَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَ مَرْعَاهَا ) (١) .

وهذه الآية الكريمة تطابق مطابقة عجيبة أحدث الكشوف العملية؛ وهو: «نظرية تباعد القارات» أو انتشارها ( Theory of Drifting Continents ). مغزى هذه النظرية: أن جميع القارات كانت في وقت من الأوقات أجزاء متصلة، ثم انشقت وبدأت «تنقذف»، أو تنتشر من تلقاء نفسها، وهكذا وجدت قارات تحول دونها بحار واسعة.

وقد طرحت هذه النظرية في العالم عام ١٩١٥، لأول مرة، حين أعلن خبير طبقات الأرض الألماني الأستاذ «الفريد واجنر» أنه لو قربت القارات جميعا، فسوف تتماسك ببعضها، كما يحدث في ألعاب الالغاز التي تسمى Jigsaw Puzzle ويمكن مشاهدتها في الأشكال الثلاثة، التي تبين هذه النظرية «انظر ص١٥٠».

وهناك شبه كبير يوجد على سواحل البحار المختلفة، كأن نجد جبالا متماثلة عمرها الأرضي (واحد)؛ وكأن نجد فيها دواب وأسماكا ونبات متماثلة أيضا! وهذا هو مادفع عالم النباتات البروفيسور رونالد جود ( Rand Good ) في كتابه: جغرافيا نباتات الزهور ( Geography of Flwoering Plants ) - الى أن نقول:

«لقد اتفق علماء النباتات على النظرية القائلة بأنه لايمكن تفسير ظاهرة وجود نباتات متماثلة في مختلف قارات العالم الا اذا سلمنا بأن أجزاء الأرض هذه كانت متصلا بعضها ببعض في وقت من الأوقات».

وقد أصبحت هذه النظرية علمية تماما بعد تصديق «الجاذبية الحجرية» لها ( Fossil Magnetism )، فان العلماء اليوم - بعد دراسة اتجاهات ذرات الحجارة - يستطيعون تحديد موقع أي بلد وجدت به هضبة تلك الحجارة في الزمن القديم. وقد أكدت هذه الدراسة في «الجاذبية الأرضية» أن أجزاء الأرض لم تكن موجودة في القديم بالأمكنة التي توجد بها اليوم، وانما كانت في ذلك المكان الذي تحدده «نظرية تباعد القارات، وفي هذا الأمر يقول البروفيسور بلاكيت(٢) :

«ان دراسة أحجار الهند تبين أنها كانت توجد في جنوب خط الاستواء قبل سبعين مليون سنة؛ وهكذا تثبت دراسة جبال جنوب افريقيا أن القارة الافريقية انشقت عن القطب الجنوبي قبل ثلاثمائة مليون سنة(٣) ».

___________________

(١) النازعات/٣٠ - ٣١.

(٢) P.M.S.Blacket ، أستاذ (الطبيعة) في الكلية الملكية بلندن - المعرب.

(٣) أنظر التفصيل: ريدز دايجست، عدد يونيه (حزيران) من عام ١٩٦١.


لقد ورد في الآية المذكورة آنفا لفظة «الدحو»، ومعناه تسوية الشيء ونثره، كما يقال «دحا المطر الحصى عن وجه الأرض»، وهذا هو نفس مفهوم الكلمة الانجليزية: « Drift » التي استخدمت في التعبير عن النظرية الجغرافية الحديثة. لسنا نملك أمام هذا التوافق المدهش بين ماورد في الماضي البعيد، وما اكتشف بالأمس القريب - الا أن نؤمن بأن هذا الكلام صادر عن موجود يحيط علمه بالماضي، والحال، والمستقبل، على السواء.

ثالثا - علم الأغذية: ان قائمة الأغذية التي يقررها لنا القرآن الكريم تحرم (الدم)، وكان الانسان غافلا عن أهمية هذا التحريم، ولكن التحليلات التي أجريت للدم قد أكدت أن هذا القانون كان مبنيا على أهمية خاصة بالنسبة الى الصحة. فالتحليل يثبت أن (الدم) يحتوي كمية كبيرة من «حمض البوليك) Uric Acid ، وهو مادة سامة تضر بالصحة لو استعملت غذاء. وهذا هو السر في الطريقة الخاصة التي أمر بها القرآن في ذبح الحيوانات. والمراد من «الذبح» في المصطلح الاسلامي هو الذبح بطريقة معينة حتى يخرج سائر الدم من جسم الحيوان، وهي أن نقطع الوريد الرئيسي. الذي يوجد في العنق، فقط. وأن نمتنع عن قطع الأوردة الأخرى، حتى يمكن استمرار علاقة المخ بالقلب الى ان يموت الحيوان، لكيلا يكون سبب الموت الصدمة العنيفة التي وجهت الى أحد أعضاء الحيوان الرئيسية، كالدماغ، أو القلب، أو الكبد، والمقصود من هذا هو أن الدماء تتجمد في العروق، وتسري الى أجزاء الجسم، لو مات الحيوان في الحال - على اثر صدمة عنيفة - وهكذا يتسمم اللحم كله، نتيجة سريان «حمض البوليك» في أنحائه. ولقد حرم القرآن لحم (الخنزير)، ولم يعرف الانسان في الماضي شيئا عن أسرار هذا التحريم، ولكنه يعرف اليوم أن لحم الخنزير يسبب أمراضا كثيرة، لأنه يحتوي أكبر كمية من «حمض البوليك» بين سائر الحيوانات على ظهر الأرض، أما الحيوانات الأخرى، غير الخنزير، فهي تفرز هذه المادة بصفة مستمرة عن طريق البول. وجسم الانسان يفرز٩٠% من هذه لمادة بمساعدة (الكليتين). ولكن الخنزير لايتمكن من اخراج «حمض البوليك» الا بنسبة اثنتين في المائة(٢%)، والكمية الباقية تصبح جزءا من لحمه ولذلك يشكو الخنزير من آلام المفاصل، والذين يأكلون لحمه، هم الآخرون، يشكون من آلام المفاصل، والروماتيزم(١) ،

___________________

(١) ليكن مفهوما هنا أنه عند وصف تاثير أي غذاء، لايمكن الا بيان تأثيره الذاتي من المنافع والمضار، وليس معناه أن تأثير ذلك الغذاء سوف يكون واحدا لدى كل انسان يأكله. والسبب في ذلك أن الانسان لايأكل شيئا بمفرده، وانما يبتلعه مع مأكولات من أنواع عديدة، ولذلك قد ينقص تأثير ذلك الغذاء، أو يزول في بعض الأحايين، نتيجة ردود الفعل والأغذية المضادة لتأثير ذلك الغذاء، وعلى رغم ذلك كله فلايمكننا وصف تأثير أي شيء الا بما عرف عنه بصفته الفردية.


وما الى ذلك من الأمراض المماثلة(١) .

***

ان الباحث في القرآن الكريم يجد أمثلة لاحصر لها من هذا القبيل الذي أشرنا الى بعضه في الصفحات الماضية، وهي دليل قطعي على أن القرآن صادر عن عقل غير انساني. وتؤكد البحوث التي اضطلع بها العلماء في العصر الحاضر بطريقة مدهشة صدق تكلم النبوءة، التي وردت في القرآن الكريم:

( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (٢) )

***

وسوف أختم هذا الباب بواقعة رواها العالم الهندي المغفور له الدكتور عناية الله المشرقي، وهو يقول:

«كان ذلك يوم أحد، من أيام سنة١٩٠٩، وكانت السماء تمطر بغزارة، وخرجت من بيتي لقضاء حاجة ما، فاذا بي أرى الفلكي المشهور السير جيمس جينز الاستاذ بجامعة كمبردج، ذاهبا الى الكنيسة، والانجيل والشمسية تحت ابطه، فدنوت منه، وسلمت عليه، فلم يرد علي، فسلمت عليه مرة أخرى، فسألني: «ماذا تريد مني؟» فقلت له: «أمرين، ياسيدي! الأول هو: أن شمسيتك تحت ابطك رغم شدة المطر!» فابتسم السير جيمس وفتح شمسيته على الفور. فقلت له: «وأما الأمر الآخر فهو: ما الذي يدفع رجلا ذائع الصيت في العالم - مثلك - أن يتوجه الى الكنيسة؟» وأمام هذا السؤال توقف السير جيمس لحظة، ثم قال: «عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي». وعندما وصلت الى داره في المساء، خرجت «ليدي جيمس» في تمام الساعة الرابعة، بالضبط، وأخبرتني أن السير جيمس ينتظرني. وعندما دخلت عليه في غرفته، وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوعة عليها ادوات الشاي. وكان البروفيسور منهمكا في أفكاره. وعندما شعر بوجودي، سألني: «ماذا كان سؤالك؟»، ودون أن ينتظر ردي، بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية، ونظامها المدهش، وأبعادها وفواصلها اللامتناهية، وطرقها، ومداراتها وجاذبيتها، وطوفان أنوارها المذهلة، حتى انني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله. وأما (السير جيمس)

___________________

(١) لعل العلة الأخرى في تحريم الخنزير أساسا انه حيوان قذر، يأكل النجاسات، فالى جانب التحريم القطعي النصي له، يمكن أن نلحظ فيه علة تحريم(الجلالة) التي تأكل النجاسة، فقد نهى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أكلها أو شرب ألبانها. أنظر: بداية المجتهد لابن رشد - ٢/٤١٨ (المراجع).

(٢) فصلت/ ٥٣.


فوجدت شعر رأسه قائما، والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعدان من خشية الله، وتوقف فجأة. ثم بدأ يقول: «يا عناية الله! عندما ألقى نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الالهي، وعندما أركع أمام الله واقول له: «انك لعظيم!» أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين. وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة، أفهمت، ياعناية الله خان، لماذا أذهب الى الكنيسة؟».ويضيف العلامة عناية الله قائلا: لقد أحدثت هذه الحاضرة طوفانا في عقلي، وقلت له: «ياسيدي لقد تأثرت جدا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي، وتذكرت بهذه المناسبة آية من آي كتابي المقدس، فلو سمحتم لي، لقرأتها عليكم»، فهز رأسه قائلا: «بكل سرور»، فقرأت عليه الآية التالية:

( ومن الجبال جدد بيض وحمر، مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك. انما يخشى الله من عباده العلماء ) .(١) .

فصرخ السير جيمس قائلا:

ماذا قلت؟ - انما يخشى الله من عباده العلماء؟! مدهش! وغريب، وعجيب جدا!! ان الأمر الذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة، من أنبا محمدا به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟ لو كان الأمر كذلك، فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحى من عند الله. ويستطرد السير جيمس جينز قائلا: لقد كان محمدا أميا، ولايمكنه أن يكشف عن هذا السر بنفسه، ولكن «الله» هو الذي أخبره بهذا السر. مدهش! وغريب، وعجيب جدا(٢) !!».

___________________

(١) فاطر٥٣.

(٢) مجلة «نقوش» الباكستانية، العدد الخاص بالشخصيات العالمية، شخصية (المرحوم - العلامة عناية الله المشرقي ص - ١٢٠٨ - ٩).

- والعلامة «المشرقي» هذا من أعظم علماء الهند في الطبيعة والرياضيات، ويتمتع بشهرة كبيرة في الغرب لاكتشافاته العديدة وأفكاره الجديدة، وهو أول من عرض فكرة القنبلة الذرية، غير أنه ترك الميدان العلمي، فخاض غمار السياسة نظرا لسوء حالة المسلمين في الهند (كان ذلك قبل الاستقلال) فأسس «حزب الخدام الالهيين) Khaaksar Party ، وكان رجاله (المتطرفون) يؤمنون بوجوب اقامة الفرائض الدينية بالقوة، واتخذوا من «المعول» شعارا لحركتهم. ومن أهم مؤلفات العلامة: «التكملة» (لرسالة الاسلام)!، وقد طلبت منه «لجنة جائزة نوبل» أن يترجم هذا الكتاب الى اللغة الانجليزية لاعطائه جائزة العلم، ولكن العلامة رفض الفكرة بشدة قائلا:

«لست في حاجة الى جائزة لاتعترفلجنتها باللغة الأردية العظيمة!» - المعرب.


الباب الثامن الدين ومشكلات الحضارة التشريع

السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه عند البحث في المشكلات الحضارية يكون دائما عن التشريع أو الدستور. فهذه المشكلات تنشأ عن علاقة الفرد بغيره، والتشريع هو الذي يحدد هذه العلاقة على أساس من العدل والانصاف. ولكن من المذهل أن أقول: ان الانسان لم يفلح الى الآن في الكشف عن دستور حياته! صحيح أن جميع الدول في العالم قائمة على أسس الدستور؛ ولكن هذه الدساتير مخفقة تماما في الوصول الى أهدافها، بل لايوجد هناك مايسوغ وجود هذه الدساتير سوى أنها تنفذ بالقوة والاجبار.

ومن الحقائق المعروفة لرجال القانون أن جميع الدساتير الرائجة في هذا العصر تفقد أية أسس علمية أو نظرية تجيز بقاءها. ويرى الأستاذ (فولر) L.L.Fuller أن «القانون لم يكشف عن نفسه بعد!». وفولر هذا هو الذي وضع كتابا أسماه: «القانون يبحث عن نفسه The Law in Quest of Itself ».

***

وقد وضعت كتب لاحصر لها حول هذا الموضوع بالذات؛ وبذلت عقول جبارة من علمائنا أوقاتها في سبيل البحث عن مقومات القانون. وكما يرى محرر «موسوعة تشامبرز» «لقد أعطى القانون أهمية علم هام، حتى رفع من شانه الى أقصى الحدود». ولكن كل هذه الجهود لم توفق في الحصول على صورة متفق عليها من القانون. وقد تشعبت بهم السبل، حتى قال خبير في التشريع: «لو طلبت من عشرة خبراء أن يعرفوا القانون، فعليك أن تستعد لسماع أحد عشر جوابا!!».

وقد انقسم خبراء التشريع الى مدارس فكرية كثيرة؛ ولكننا - رغم تعدد هذه المدارس - قد لانجد لبعض كبار علماء القانون فيها مكانا! يقول البروفيسور



(باتون) G. W. Paton عن «جون آستين»: «انه لايصلح لأي من الأقسام العريضة Broad Divisions(١) »:

وأما السبب وراء هذا الاختلاف بين خبراء التشريع، فهو عدم توصلهم الى أساس صحيح يمكن اقامة صريح التشريع عليه. انهم يجدون أن القيم التي يحاولون جمعها في هيكل الدستور يستحيل وضعها في ميزان واحد. ومثل رجل القانون في محاولته هذه كمثل الرجل الذي يزن مجموعة من الضفادع بمجموعة أخرى مماثلة؛ فكلما وضع مجموعة في كفة وجد أن ضفادع الكفة الثانية قد وثبت الى الماء مرة أخرى!!.

ومن ثم باءت كل الجهود - التي استهدفت الحصول على الدستور المثالي - بالفشل الذريع.

ويعبر الأستاذ «و. فريدمان» عن هذه المشكلة قائلا:

«. وانها لحقيقة: أن الحضارة الغربية لم تجد حلا لهذه المشكلة غير أن تنزلق من وقت لآخر، من نهاية الى أخرى(٢) !».

***

وقد لاحظ «جون آستين» أن الدستور - أي دستور - لايصبح نافذ المفعول الا اذا كانت تسنده قوة من ورائه، فعرف «القانون» في كتابه، الذي نشر لأول مرة عام ١٨٦١، على النحو التالي:

«القانون هو الحكم الذي أصدره «رجل رفيع المنزلة سياسيا لمن هو أدنى منه في المرتبة السياسية(٣) ».

وقد أصبح التشريع بناء على هذا التعريف «مرسوما لصاحب السيادة(٤) »! ولذلك شن المحدثون من العلماء حملة شديدة على هذه الفكرة، وقالوا: أنه لايمكن منع انحرافات الحكام الا اذا كان «رضا الشعب العام» دعامة أساسية في التشريع. وأنكروا أي قانون أو دستور لايحرز رضا الجماهير؛ وترتب على ذلك أن ضوابط كثيرة، يجمع على صحتها وافادتها جميع أهل العلم ومعلمي الأخلاق - لايمكن تنفيذها، لأن الشعب لايوافق عليها. وعلى سبيل المثال لم يتمكن الأمريكيون من ادخال مشروع قرار يحرم الخمر، لأن الشعب لم يرض عنه. كما اضطر البريطانيون الى ادخال تعديلات هامة في قانون عقوبة القتل،

___________________

(١) A. Text Book of Jurisprudence, ١٩٠٥ , p. ٥.

(٢) W. Friedman, Legal Theory, p. ١٨.

(٣) A. Text Book of Jurisprudence , p. ٥٦.

(٤) المرجع السابق ض - ٤.


واضطروا الى اباحة أنواع محرمة من العلاقات الجنسية، على الرغم من ضجيج المثقفين، واحتجاج علماء القانون!.

***

وهناك مسالة أخرى اختلف حولها علماء القانون: هل القانون قابل للتغير أو لا؟.

لقد لقيت نظرة «القانون الطبيعي» رواجا كبيرا في القرون الوسطى، وفي العصور التي تلتها، ومؤادها أن الطبيعة البشرية هي المصدر الحقيقي للتشريع:

«فالطبيعة تطالب أن يكون حق السيطرة والحكومة لمطالبها الطبيعية ودعائمها الرائدة. وقد أعطت الطبيعة هذه الدعائم للانسان في صورة «العقل»، ولذلك لابد من اقامة حكومة بقوة العقل(١) »:

وقد أعطت هذه النظرية أساسا كونيا للمشرعين، فقيل: انه لابد من دستور موحد صالح لكل العصور. وهذه هي نظرية علماء القرنين السابع والثامن عشر حول القانون. ثم جاءت مدرسة أخرى ادعت استحالة معرفة الأسس الكونية للدستور. ويقول (كوهلير) في هذا:

«ليس هناك دستور أبدي، وأي تشريع يصلح لعصر ما ليس - بالضرورة - صالحا لعصر آخر. وليس لنا الا أن نجهد أنفسنا في البحث عن دستور يلائم كل حضارة، على حدة. فقد يكون دستور ما خيرا لطائفة من الناس، ثم يسبب هلاك طائفة أخرى(٢) ».

وقد قضت أفكار هذه المدرسة الأخيرة على تحكم القانون واستقراره، فهي تدعو الانسان الى فكرة التغيير العمياء، والنسبية Relativism ؛ وهي لن تنتهي الى حد ما، حيث أنها تفتقر الى الاساس. وقد قلبت هذه الفكرة جميع القيم الانسانية راسا على عقب.

***

وهناك مدرسة أخرى تدعو الى احراز أكبر قدر من مقومات العدل في التشريع. ويكتب «اللورد رايت) Lord Wright معلقا على فكرة دين راسكو باوند»:

«ان راسكو باوند يدعو الى فكرة - اطمأننت الى صدقها بعد جميع تجاربي ودراستي في القانون - وهي أن الهدف الأساسي والابتدائي للتشريع هو «البحث عن العدل(٣) ».

___________________

(١) Boden Liener, Jurisprudence, p. ١٦٤.

(٢) Philosophy of Law, p. ٥.

(٣) Interpretation of Modern Legal Philosophies, N.Y. ١٩٤٧ , p. ٧٩٤.


فاذا سلمنا بهذه النظرية واجهنا سؤالا هاما هو: «ماالعدل؟»؛ «وكيف يمكن تعيينه؟»، وهكذا مرة أخرى، نرجع الى «جون آستين»!.

ومرة أخرى نقف أمام ظاهرة أن الانسان لن يستطيع الكشف عن أساس واقعي للتشريع، رغم الجهود الجبارة التي بذلت في هذا الحقل منذ مئات السنين، ويزداد يوما بعد يوم شعور بالمرارة وخيبة الأمل بين رجال التشريع، لأن الفلسفة الحديثة قد فشلت في بحثها عن أهداف الدستور.

ويتساءل البروفيسور جورج وهيتكروس باتون قائلا:

«ما (المصالح) التي لابد للدستور المثالي أن يحافظ عليها؟ انه سؤال يتعلق «بالقيم»، ويدخل في دائرة فلسفة التشريع. وما أكثر ما نرجو من الفلسفة أن تساعدنا؛ ولكن ما أقل ماهي مستعدة لبذله في هذه السبيل. فقد فشلنا في الكشف عن «ميزان للقيم»» يمكن قبوله لدى جميع الأطراف.

والحقيقة أنه ليس هناك من أساس لشيء من النظم الا للدين؛ ولكن الحقائق الدينية تصلح كعقيدة ووجدان، ولايمكن قبولها على أساس الاستدلال المنطقي(١) ».

وقد نقل البروفيسور «باتون» رأيا لبعض علماء التشريع - يقول: ان جميع محاولات الدراسة الفلسفية للبحث عن «الأهداف» في فلسفة التشريع قد انتهت الى غير ما نتيجة(٢) . ويتساءل «باتون»: أهناك حقا«قيم مثالية» تحدد الأسس عند تطوير التشريعات؟ لم يتمكن المشرعون من التوصل الى هذه القيم حتى الآن، غير أنها لابد منها». ويستطرد قائلا:

«لقد استخرج أصحاب نظرية (القانون الطبيعي) القديمة أسسهم من الحقائق الالهامية في الدين. ولكن اذا ما أردنا نحن أن نأتي بتشريع علماني، فاين سنجد أساس القيم المتفق عليها(٣) ؟».

وهذه التجربة المريرة تدعو الانسان للعودة الىالجهة التي انحرف عنها منذ قرون. فقد كان الدين يسهم اسهاما فعالا في وضع دساتير في الزمن القديم. ويرى خبير القانون المعروف السير هنري مين: أنه «لايوجد مثال واحد في القوانين، التي تم تسجيلها كتابة، من قانون الصين الى بيرو، الا وكان ذا علاقة بالطقوس الدينية والعبادات منذ بداية أمره(٤) ».

___________________

(١) A Text Book of Jurisprudence, p. ١٠٤.

(٢) المصدر السابق: ص١٠٦،

(٣) المصدر السابق - ١٠٩.

(٤) Sir Henry Maine, Early Law & Custom, P. ٥.


لقد آن الأوان أن نعترف بالحقيقة القائلة: بأن البشر لايستطيعون وضع دستور لهم بدون هدى الله. وبدلا من المضي في الجهود التي لاتأتي بنتائج مثمرة، علينا أن نعترف بالواقع الذي يدعونا اليه «الدكتور فرويدمان»، حين يقول:

«يتضح بعد دراسة هذه الجهود المختلفة أنه لابد من هداية الدين لتقييم المعيار الحقيقي للعدل. والأساس الذي يحمله الدين لاعطاء العدل صورة عملية ينفرد هو به في حقيته وبساطته(١) ».

اننا نجد في الدين جميع الأسس اللازمة التي يبحث عنها المشرعون لصياغة دستور مثالي، ولكي يتضح صدق ما نقوله، نأتي بالدراسة الوجيزة التالية في أهم مشكلات التشريع الانساني:

أولا - مصدر التشريع

وأول الأسئلة وأهمها بالنسبة لأي تشريع هو البحث عن مصدر هذا التشريع: من الذي يضعه! ومن ذا يعتمده حتى يصبح نافذ المفعول؟.

لم يصل خبراء التشريع الىاجابة عن هذا السؤال حتى الآن. ولو أننا خولنا هذا الامتياز للحاكم، لمجرد كونه حاكما، فليس هناك أساس نظري وعلمي يجيز تمتعه - هو أو شركاؤه في الحكم - بذلك الامتياز، ثم ان هذا التحويل من ناحية أخرى لايجدي نفعا؛ فان اطلاق أيدي الحكام ليصدروا أي شيء لتنفيذه بوسيلة القوة - أمر لاتطيقه ولاتحتمله الجماهير.

ولو أننا خولنا سلطة التشريع لرجال المجتمع، فهم أكثر جهالة وحمقا، لأن المجتمع - أي مجتمع - اذا نظرنا اليه ككل، لايتمتع بالعلم والعقل والتجربة، وهي أمور لابد منها عند التشريع. فهذا العمل يتطلب مهارة فائقة وعلما وخبرة، وهو مالاتستطيع العامة من الجماهير الحصول عليه؛ كما أنها، وان أرادت، لن تجد الوقت الكافي لدراسة المشكلات القانونية وفهمها.

وللخروج من هذه المشكلة توصل رجال القانون الى حل وسط، وهو أن يقوم (البالغون) من أفراد المجتمع بانتخاب ممثلين لهم، وهؤلاء بدورهم يصدرون التشريعات باسم الشعب.

ومن الممكن أن ندرك حماقة هذا الحل الوسط، حين نجد أن حزبا سياسيا لايتمتع الا بأغلبية٥١% من مقاعد البرلمان يحكم على حزب الأقلية، الذي يمثل ٤٩% من أفراد المجتمع البالغين. والأمر لايقف عند هذا الحد، بلان هذا الحل يحتوي على فراغ كبير جدا تنفذ

___________________

(١) Legal Theory, p. ٤٥٠.


منه «أقلية» لتحكم علىأغلبية السكان. وعلى سبيل المثال، فان الحكومة التي تحكم الهند الآن، قد وصلت الى مقاليد الحكم عن طريق الانتخابات العامة الخمسية الثالثة، التي أجريت في البلاد عام ١٩٦٢. وقد فاز حزب «المؤتمر القومي» بنسبة ٧٠% من مقاعد البرلمان، في حين أن نواب هذا الحزب لم يحصلوا الا على ٤٠% من أصوات الشعب، في الانتخابات. وهذا هو ما حدث في الانتخابات الخمسية الأولى والثانية، التي أجريت قبل سنة١٩٦٢(١) ، وحصل حزب المؤتمر في كلتيهما على أقل من ٥٠% من مجموع الأصوات! ولكنه رغم ذلك كان له الحق في تشكيل الحكومة، لأن أصوات الناخبين الأخرى كانت موزعة بين نواب الأحزاب (المعارضة). ولم تكن بطولة حزب المؤتمر الا في أنه أحرز أصواتا اكثر من أي حزب آخر «على حدة»!.

ولا أستثني من هذه الاقعدة الا الانتخابات الموزعة، التي تجري في الدول الشيوعية، فيفوز زعماؤها بأرقام خيالية للأصوات!.

وهكذا نقف مرة أخرى أمام ظاهرة البحث عن أساس القانون ومصدره.

والدين يستجيب لهذا التحدي الخطير، الذي قد يدمر سعادة البشرية كلها. انه يقول: ان مصدر «التشريع» هو «الله» وحده، خالق الأرض والكون؛ فالذي أحكم قوانين

___________________

(١) أجريت الانتخابات العامة الأولى والثانية في عامي ١٩٥١ - ٥٢، وعام ١٩٥٧، كما أن الانتخابات العامة الرابعة أجريت في عام ١٩٦٧، أي بعد صدور هذا الكتاب، وفي هذه الأنتخابات «فقد المؤتمر، لأول مرة في تاريخه ثماني ولايات: غلبت فيها أحزاب أو مجموعة نيابية ائتلافية. وقد سبق في انتخابات سنة ١٩٦٢ (و١٩٥٧) أن ألف الشيوعيون حكومة ائتلافية بالاستعانة ببعض الأحزاب السيايسة في ولاية (كيرالا) أما في انتخابات ١٩٦٧ فقد انهزم حزب المؤتمر هزيمة فادحة في ولايات: كيرالا، ومدراس، وأوريسة، وبيهار، كما لم يتمكن من احراز أكثرية مطلقة (تمكنه من تأليف الوزارة) في ولايات: البنغال الغربية، وأوتار براديش، وراجستان وبنجاب.».

ومعناه: أن حزب المؤتمر فقد الحكم على نصف الولايات (البالغ عددها ست عشرة ولاية)، ورغم ذلك تمكن هذا الحزب من تشكيل الحكومة الاتحادية (المركزية)، لأن نوابه «الذين أحرزوا هذه المرة أقل من نصف مقاعد البرلمان!» ويمثلون الأغلبية بالنسبة الى عشرات من الأحزاب الأخرى المتنازعة فيما بينها على المصالح والمناقشات العقيمة! ولو اتفقت هذه الأحزاب فيما بينها فكونت جبهة نيابية ائتلافية (كما فعلت بعض الأحزاب في الولايات الاقليمية) لاحتلت مقاعد الحكم ولاضطر نواب حزب المؤتمر الى الجلوس في مقاعد «المعارضة»!.

ويتضح من هذا جليا: «كيف تنفذ اقلية في الفراغ الدستوري الموجود في تشريعاتنا فتحكم على الأغلبية!» - المعرب.


الطبيعة هو وحده الذي يليق أن يضع دستور حضارة الانسان ومعيشته. وليس هناك من أحد غيره سبحانه، يمكن تحويله هذا الحق.

ان هذا الجواب معقول وبسيط لدرجة أنه يصرخ قائلا، لو استطعنا أن نسمع نداءه: هل هناك أحد غير الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يسوي هذه المشكلة المصيرية؟.

لقد وصلت بنا هذه الأجابة الى مكانها الحقيقي من التشريعي والمشرع؛ بعد أن استحال علينا المضي خطوة مافي ظلام الضلالة عن الهدى الحقيقي.

انه لايمكن قبول انسان حاكما ومشرعا للانسان؛ ولايستمتع بهذا الحق الا خالق الانسان، وحاكمه الطبيعي: الله.

ثانيا - العناصر الاساسية للتشريع

ومن أهم الأسئلة لدى علماء القانون تحديد عناصر التشريع. هل هي كلها اضافية، أو ان هناك عنصرا أو عناصر أساسية لايمكن الاستغناء عنها في أي دستور عند تعديله، أو تجديده، أو تغييره؟.

لم يستطع خبراءالتشريع الوصول الى اتفاق في هذا الصدد، رغم البحوث الطويلة التي أجريت في هذا الباب. وهم يسلمون، نظريا، بأنه لابد من عنصر في التشريع يتمتع بالدوام والأبدية، مع عناصر أخرى تتصف بالمرونة، فيمكن الاستغناء عنها عند الضرورة.

ويرون أيضا أن افتقار الدستور الى أحد العنصرين: «الأبدي والاضافي» سوف يكون مصدر شقاء دائم للبشرية. وقد عبر عن هذه الحالة أحد قضاة الولايات المتحدة الأميريكية، وهو القاضي كاردوزو Cardozo على النحو التالي:

«من أهم مايحتاج اليه التشريع اليوم: أن نصوغ له فلسفة للتوفيق بين الرغبات المتحاربة حول ثبات عنصر، وتغير عنصر آخر(١) ».

ويقول خبير آخر في شؤون القانون، وهو البروفيسور «راسكو باوند»:

«لابد من عنصر التحكم في التشريع، ولكن هذا لايعني أن يصبح التشريع جامدا. ولذلك بذل الفلاسفة قصارى جهودهم للتوفيق بين مقومات التحكم والتغيير في هذا المجال(٢) ».

والحق أنه لايمكن التوصل الى أساس يميز بين عناصر القانون الذي وضعه الانسان، بعضها وبعض، فكل عنصر يدعي أنه صالح للدوام يلزمه أن يقدم دليلا على ذلك؛ وهو

___________________

(١) The Growth of Law

(٢) Interpretations of Legal History, p. ١.


عاجز تماما عن الاتيان بذلك الدليل؛ فقد نرى اليوم عنصرا من الدستور صالحا للدوام، ثم يأتي رجال الغد يعلنون الاستغناء عن ذلك العنصر من دستورهم، مادام الدستور يصاغ بناء على رغبات الشعب، فقد لايعجبهم ذلك، أو يرونه قدفقد صلاحيته بمضي الزمن.

***

أما الحل الوحيد لمشكلتنا فهو «الشرع الالهي» الذي يمنحنا جميع العناصرالأساسية الضرورية، فهذا الشرع يضع جوانب أساسية جذرية، ثم يترك الباقي مفتوحا للاجتهادات المختلفة، بحسب الزمان والمكان. انه يحدد العناصر الأساسية وغير الأساسية بالنسبة الى دستور ما. ثم هو الى جانب ذلك يتصف ويتمتع بدليل الترجيح والتفضيل لصالحه، حيث انه من عند الله سبحانه وتعالى ومن ثم لابد لنا أن نعتبره حقا، وأن نعتده الكلام الأخير في الموضوع، الذي لاكلام بعده. وتلك ميزة هامة في التشريع الالهي، لايستطيع الانسان أن يأتي ببديل عنها.

***

ثالثا - تحديد مفهوم الجريمة

ومما لابد أن يتوفر لأي دستور أن يكون لديه دليل معقول يستند اليه، لاعتبار عمل ما «جريمة». ويقول الدستور الذي وضعه الانسان: ان الجريمة هي: «كل عمل يضر بالأمن العام، أو نظام الحكم القائم»، والتشريع الانساني لايجد أساسا غير هذا لاعتبار عمل ما جريمة. وقد دفع هذا الأساس القانون الجديد الى اقرار أن جريمة «الزنا» ليست بجريمة، الا اذا تمت جبرا أو اكراها لاحد الطرفين. فالقانون الجديد لايعتبر «الزنا» جريمة، وانما الجريمة الحقيقية عنده هي الجبر والاكراه الذي سبق «الزنا».

ان الاستيلاء على أموال أحد المواطنين حرام؛ وكذلك اهدارعصمتهم والنيل من عفتهم. ولكن أموال انسان من الناس تصبح مباحة لرجل آخر، اذا تم ذلك برضاء (الطرف الأول) - صاحب المال! وكذلك يرى القانون أن عصمة أحد الطرفين تباح للثاني مادام راضيا، فعند رضا الجانبين يصبح القانون حاميا لهما، ومدافعا عنهما؛ ولو حاول «طرف ثالث» التدخل في الأمر، فهو الذي سوف يعد مجرما، وليس الطرفان الأولان!. ان جريمة «الزنا» تفشي فسادا كبيرا في المجتمع، فهي تخلق مشكلات أطفال الحرام (غيرالشرعيين)، وتضعف روابط الزواج، وهي كذلك تصدر عن عقلية تفضل اللذات السطحية في الحياة، وتربي عقلا خائنا، وتخلق السرقة واللصوص، وتروج الاغتيالات والانتحار والخطف؛ ومن ثم تفسد المجتمع كله، ولكن القانون - رغم ذلك - لايستطيع تحريمها، فهو لايجد أساسا لتحريم «الزنا» الذي تم بالرضا المتبادل!!.

***


ولم يستطع القانون الجديد أن يحرم «الخمر»، لأنه يؤمن بأن الأكل والشرب حق من الحقوق الطبيعية للانسان، وهو حر في اقتناء كل ما يريد أن يأكله ويشربه؛ وليس للقانون أن يتدخل في حقوق الطبيعية، ومن ثم لم يكن شرب الخمر والسكر الذي يتبعه جريمة في الواقع، الا اذا اعتدى شارب الخمر على أحد المواطنين في هذه الحالة من السكر؛ أو خرج الى الشارع وهو سكران؛ فالجريمة ليست هي حالة السكر، بل الاعتداء على الآخرين في تلك الحالة!.

والخمر تضر بالصحة، وتبدد أموال الناس، وتؤدي بمدمنيها الى كوارث اقتصادية محققة، وتضعف الشعور الأخلاقي، حتى ان الانسان يتحول الى حيوان رويدا رويدا. والخمر خير مساعد للمجرمين، فهي تشل الاحساسات اللطيفة، حتى يستطيع الانسان اقتراف أية جريمة من السرقة والقتل، وهدر العصمة. ولكن القانون الانساني رغم هذه المعايب الشنيعة - لن يتمكن من تحريم الخمر، لأنه لايجد جوابا يسوغ تدخله في حق من حقوق الانسان الطبيعية!!.

ولن نجد حلا لهذه المشكلة الا في قانون الله، ان قانونه يبين رضا حاكم الكون؛ فان كون أي قانون قانون الله يحمل معه أولوية تنفيذه، ولايحتاج بعد ذلك دليلا آخر. وهكذا يسد القانون الالهي فجوة عميقة، نتمكن بعدها من احالة أي عمل الى دائرة القانون.

***

رابعا - القانون الاخلاق

لايستطيع القانون أن يستقل بذاته في أي وقت من الأوقات، بل لابد له أن يقترن بالأخلاق. ولتوضيح هذه النقطة نقول:

١ - لو طرحت قضية أمام القانون - علىسبيل المثال - وتعمد الفريقان وشهودهما الكذب فلم يتبين الصدق أمام القاضي، فسوف يقضي على العدل، ولن يتمكن القاضي من الحصول عليه مهما حاول. ولذلك كان لابد من قانون آخر «وراء القانون»، يحرك الناس، ويحملهم على الادلاء بالبيانات الصادقة للوصول الى العدل. وقد اعترفت جميع محاكم العالم بهذا المبدأ، حتى انها تلزم كل شاهد (أن يقسم بالله أن يقول الحق) قبل الادلاء بشهاداته. وهو دليل واضح يؤكد أهمية العقائد الدينية لصون حرمة القانون. بيد أن المجتمع الجديد قد قضى على أهمية المعتقدات الدينية، حتى أصبحت أيمان المحاكم أضحوكة، وتقليدا لايأتي بنفع، أي نفع!.

٢ - ومما لابد منه أن يكون أي «عمل» يعاقب عليه القانون (جريمة) في نظر المجتمع أيضا، وأي بند من قانون مكتوب لايمكنه أن يخلق نفسية في المجتمع، ترى في عمل ماجريمة،


كما يراه؛ اذ لابد من أن يشعر مرتكب الجريمة بأنه «مذنب» ويعتبره المجتمع مذنبا. ويقبض عليه رجال الشرطة بكل اقتناع، ثم يصدر قاضي المحكمة - وهو في غاية الاطمئنان - حكما ضد ذلك الرجل. ولذلك كان لابد أن تكون كل جريمة «ذنبا» أيضا. وهذا هو ما يراه أصحاب المدرسة التاريخية من رجال القانون: «ان أي تشريع لن يصيب هدفه الا اذا كان مطابقا للاعتقادات السائدة عند المجتمع الذي وضع له ذلك القانون، ولو لم يطابق التشريع اعتقادات المجتمع، فلابد من فشله(١) ». هذا الراي الذي عبرت عنه «المدرسة التأريخية» لرجال القانون غير صائب في مغزاه الحقيقي الذي يرمي اليه اطلاقا، ولكنه ذو صدق خارجي.

***

٣ - ان خوف الشرطة والمحكمة لايكفي لدرء الجرائم، وانما لابد أن يكون هناك وازع في المجتمع يمنع الناس من ارتكاب الجرائم، لأن الرشاوي، والمحسوبيات، وخدمات المحامين البارعين، وشهود الزور - كل هذه العوامل تكفي لحماية المجرم من أية شرطة أو محكمة انسانية، والمجرم لايرهب عقابا، أي عقاب، لو استطاع أن يفلت من أيدي القانون. ان الشرع الالهي يستوفي كل هذه الأمور، فعقيدة «الآخرة»، التي يحملها الشرع الالهي، هي خير وازع عن ارتكاب الجرائم، وهي تكفي لتبقى احساسا بالجريمة واللوم يعتمل في قرارة ضمير الانسان، لو أدلى بشهادة كاذبة أمام القاضي.

لقد أقيم في فناء محكمة «ويستون سركيت» نصب من حجر، يذكر الناس، بشاهد أدلى بشاهدة زور في فناء الدار، ثم قال: «وان كنت كاذبا، فليمتني الله، هنا، في الحال! ولم تكد هذه العبارة تخرج من فم الشاهد حتى سقط على ساحة الأرض، ومات في الحال(٢) !! وهناك وقائع أخرى من هذا النوع حدثت لشدة احساس أصحابها باللوم والذنب.

***

ان قرارات البرلمانات لن تخلق في الجماهير شعورا بشناعة فعل ما، الا اذا كانت معتمدة من القانون الالهي، وراسخة في معتقدات المجتمع.

والوازع الذي يمنع من ارتكاب الجرائم ليس هو الدين في حد ذاته، فانه لايقدم لنا تشريعا فحسب، وانما يخبرنا أن صاحب هذا التشريع يشاهد كل أعمالنا من خير وشر. فنياتنا وأقوالنا وحركاتنا بأكملها تسجل بواسطة أجهزة هذا المشرع، ولسوف نقف بعد الممات أمامه، ولن نستطيع ان نفرض ستارا على أدنى أعمالنا.

___________________

(١) A Text Book of Jurisprudence , p. ١٦.

(٢) Sir Alfred Denning, The Changing Law, p. ١٠٣ , ( ١٩٥٣).


ولو أننا استطعنا الهروب من عقاب محكمة الدنيا، فلن نتمكن بالتأكيد - من أن نفلت من عقاب صاحب التشريع السماوي. ولو أننا حاولنا تفادي عقاب الدنيا. فسوف نذوق عذابا مضاعفا يوم القيامة، يفوق عقاب الأرض ملايين المرات، قسوة وعنفا.

خامسا - القانون والفرد : ورد في التاريخ الانجليزي أن الملك «جيمس الاول» أصدر مرسوما يقول بأنه (الملك) يستطيع أن يحكم البلاد مطلق العنان، كما أن من حقه اصدار أحكام دون أن تخضع للمرافعة أو الاستئناف في المحاكم. وكان رئيس القضاة حينئذ هو القاضي الشهير (اللورد كوك) Coke وكان شديد التمسك بالدين حتى اعتاد أن يقضي ربع يومه في الكنيسة وذهب اللورد كوك ليقول للملك «ليس من حقك أن تحكم في أي شيء ولابد لجميع القضايا أن تذهب الى المحكمة للنظر فيها.». فقال له الملك: «انني أرى - وهو ما سمعته - أن القوانين قد وضعت على أساس العقل، فهل أنا أقل من قضاتك عقلا؟. فأجابه رئيس القضاة: «انه مما لاشك فيه أنكم تتمتعون بعلم وكفاءة مثاليين، ولكن القانون يتطلب تجربة طويلة ودراسة عميقة. وفوق ذلك هو الميزان الذهبي الذي يزن حقوق الرعية؛ وهو الذي يصون شخصيتكم.». فغضب الملك بشدة وقال: «هل أنا أيضا أخضع للقانون؟ ان هذا المقال بمثابة تمرد وخيانة!». وكان جواب «اللورد كوك» أن ذكر الملك برأي (براكتون) Bracton ، الذي قال: «ان الملك لايخضع لأحد من الناس؛ ولكنه خاضع لله وللقانون(١) ». وهنا - لو جردنا القانون من «الله»، فلن نجد أساسا معقولا للقول بأن: «الملك خاضع للقانون» - لأن الذين صاغوا القانون، وأصدروه باراداتهم، يستطيعون - في الوقت نفسه - تعديله وتغييره اذا ما أرادوا ذلك، فكيف - آذن - سيخضعون لذلك القانون(٢) ؟.

___________________

(١) المرجع السابق: ص -١١٧ - ١٨.

(٢) ومن أمثلته ما حدث في الهند عقب الأنتخابات العامة لسنة ١٩٦٧، بعد أن أفلحت مجموعات نيابية ائتلافية في الحصول على مقاليد الحكم في كثير من الولايات الاقليمية، فحينئذ أجرت الحكومة المركزية (التي يحكمها حزب المؤتمر) تعديلات هامة في كثير من المجالات، لتقييد حركة الحكومات (المعارضة)، ومنها - على سبيل الذكر - منع تقديم الهبات والمعونات المالية الى الأحزاب السياسية وكانت هذه المعونات المقدمة الى الأحزاب السياسية معفاة من الضرائب، فضلا عن أن أصحابها كانوا يتمتعون بتسهيلات عديدة عند دفع الضرائب. وكان حزب المؤتمر، كحزب حاكم يحصل على هذه الهبات بأكثر من ثمانين في المائة، بينما كانت الأحزاب الأخرى لاتتمتع الا بنسب ضئيلة جدا من هذه المعونات، ولكن بعد نجاح الأحزاب الأخرى في الوصول الى مقاعد الحكم في كثير من الولايات تحولت مصالح الرأسماليين الى الحكام الجدد فأغدقوا على أحزابهم المعونات، مما آل بأضرار بالغة بالنسبة لحزب المؤتمر، فمنعت الحكومة المركزية التسهيلات التي كانت تقدم الى أصحاب الهبات، وبالتالي حرمت الأحزاب الأخرى من جني فوائد كبرى! لقد أصبح نفس الشيء الذي كان مباحا في الماضي - محضورا في الحال، لأن مصالح واضعي الدستور (الذين يتمتعون بأغلبية ضئيلة تمكنهم من فرض آرائهم على الأقلية الكبيرة) لم يعد لها وجود، بسبب تصاريف الزمن!. ومنها كذلك أن «الجمعية التشريعية» في ولاية (أوريسه) الهندية أصدرت قانونا يحرم على المواطنين تغيير الديانة، وهذا - كما هو واضح بكل جلاء - لمنع الهندوس، وخصوصا المنبوذين، من قبول الاسلام!! وهذا البند المستحدث يتعارض تعارضا كليا، بل يصادم الدستور الهندي الذي يعطي للمواطنين الحرية الكاملة في الشئون المماثلة. ولكن هذا التشريع الجديد جاء ليرضي الرجعيين الهنادك. وهؤلاء يشجعون، علانية، مثل هذه الحركات الشنيعة، لمنع الأهالي من قبول الدعوة الاسلامية.، وهؤلاء الرجعيون هم المسئولون عن الاضطرابات الطائفية التي يذهب ضحيتها الكثيرون من المسلمين المسالمين، ثم لايقدم مثيرو الشغب والفساد الى المحاكمة - اطلاقا - لتمتعهم بعطف ووصاية الرجعيين (المعرب).


ان الانسان اذا كان هو المشرع، فهل يحل محل القانون والاله معا، وحينئذ يستحيل احتواؤه داخل دائرة القانون، بأي صورة من الصور.

وقد أدى هذا العيب في القوانين الحديثة الى أنه - على الرغم من أن كل الجمهوريات تقر مبدأ المساواة المدنية - فان هذه المساواة لاتنفذ فعلا في أية دولة، فلو أنك كنت تريد أن تحاكم رئيس جمهورية الهند، أو أحد حكام الولايات، فلن تستطيع ذلك، كما تستطيع أن تحاكم المدنيين العاديين، اذ كان لابد لك من الحصول على موافقة الدولة. قبل الذهاب الى المحكمة، فقد أضفى الدستور الهندي (في المادة٣٦١) على رئيس الجمهورية ونائبه وحكام الولايات هالة وامتيازا، بحيث لايمكن محاكمتهم الا بعد موافقة البرلمان المركزي. وكذلك لابد من الحصول على موافقة الحكومة، لمحاكمة الوزراء!.

والأمر لايقف بنا عند هذا الحد، بل تنص المادة ١٩٧، من (لوائح العقوبات الهندية) على: (أن قاضيا، أو وكيلا للنيابة العامة، أو أحد الموظفين الحكوميين (من الذين لايجوز فصلهم من الخدمة الا بعد موافقة الحكومة المركزية) لو اتهم أحدهم بارتكاب جريمة ما، فليس من شأن المحاكم النظر في قضية أحدهم، الا بعد الحصول على موافقة الحكومة المركزية أو المحلية. التي تتعلق بها وظيفة المتهم المطلوب محاكمته»!!.


وبكلمة أخرى: لو أردت أن تحاكم سياسيا كبيرا، أو أحد أعضاء السلطة التنفيذية العليا - فعليك أن تسأل هؤلاء أنفسهم: «هل تبيحون لنا محاكمتكم؟»!.

وليس هذا عيب الدستور الهندي بالمرة، بل هو عيب القانون البشري بعامة، وهو عيب موجود. حيث يوجد هذا النوع من الدساتير الوضعية.

ليس من الممكن أن يتحقق العدل الكامل الا في ظل القانون الالهي، حيث يكون كل انسان مساويا للآخرين أمام الدستور. وحيث تمكن مقاضاة أية سلطة سياسية وتنفيذية، كما يحاكم ابن الشعب، لأن الحاكم في هذا القانون هو «الله» سبحانه وحده، والمحكومون هم سائر أفراد المجتمع دون أدنى تمييز(١) .

***

سادسا - القانون والعدل:

ان أهم وأكبر اساس في هيكل القانون هو «العدل»، الذي يبحث عنه خبراء القانون من قرون طويلة، وهو موجود في القانون الالهي في أتم الصور وأكملها. والقول بأن: عدم اهتداء الانسان الى أساس العدل يرجع الى أن بحوثنا لازالت ناقصة، وتتطلب المزيد من البحث - قول باطل. فهذا الكلام يثبت أنه ليس في مستطاع الانسان أن يحصل على هذا الأساس أبدا.

لقد قطعنا شوطا كبيرا في مضمار البحوث الطبيعية بنتائج باهرة في كل مجال، ولكنا، رغم جهودنا المضاعفة في البحث عن القوانين المدنية، لم نحرز نجاحا، ولو بنسبة واحد في المائة من الدرجة المطلوبة. وهذه الخيبة تؤكد أن اخفاقان لايرجع الى نقص الجهود، وانما سببه الحقيقي أن هذا الأمر خارج - على الاطلاق - عن نطاق بحث الانسان.

***

لقد صور الانسان أول صورة فوتوغرافية في عام ١٨٢٦م. وقد بذل العالم الفرنسي، الذي اخترع الجهاز، ثماني ساعات متواصلة لتصوير شرفة المنزل. والآن تستطيع آلات

___________________

(١) لذلك أمثلة رائعة في العصور الأولى لخلافتنا الاسلامية، حين كان العاديون من افراد الشعب يحتكمون الى القضاة ضد الخلفاء وعمال الأقاليم وكبار رجال الدولة. بل وهاك أمثلة في العهود القريبة جدا، ومنها، على سبيل المثال وليس الحصر، أن افراد الشعب العاديين احتكموا الى المحاكم - عدة مرات ضد الامبراطور المسلم المغولي «جهانكير» - ابن الامبراطور «أكبر» - الذي حكم الهند في القرن السابع عشر. - (المعرب).

أقول: أليس هذا أثرا من آثار المباديء المحمدية السامية، وانعكاسا لقولة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدوية في سمع الزمان: «أتشفعون في حد من حدود الله؟ والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها».؟. - (المراجع).


تسجيل الأفلام أن تصور أكثر من ألفي صورة في الثانية الواحدة، ومعنى ذلك أننا نستطيع اليوم أن نصور أكثر من ستين مليون صورة، في نفس الوقت الذي استغرقته عملية التصوير الأولى، أي أن سرعتنا قد زادت ستين مليون مرة، في ١٤٠ سنة فقط!!.

وعند بدء هذا القرن العشرين لم يكن يوجد في شوارع الولايات المتحدة غير أربع سيارات، على حين تمرق الآن على شوارعها الفسيحة عشرة ملايين سيارة.

ويمضي الاعجاز العلمي بالانساني الى أن يقسم الزمان الى ٠٠٠٠٠٠، ١/١ جزء من أجزاء الثانية! وتستطيع المراصد العلمية أن تكشف عن أدنى فارق في حركة دوران الأرض - حتى ولو بلغ في مدته٠٠٠٠٠٠،١/١!.

لقد اخترعنا آلات حساسة يمكنها الكشف عن فارق الوزن الذي يطرأ على كتابة (حرفين) بالحبر، على ورقة من أوراق موسوعة من ثلاثين مجلدا!.

هذه هي حال الانسان في حقل البحث العلمي، على حين لم يتمكن من احراز أي تقدم - ولو بمقدار (بوصة) - في مجال القوانين المدنية.

وسوف أورد هنا بعض الأمثلة من مختلف مجالات الحياة، لنتبين مدى صدق القول: بأن الدستور الالهي هو وحده الأساس الحقيقي، الذي يصلح لأن يكون مصدرا لقوانين الحياة الانسانية.

***

المرأة والمجتمع

ان الاسلام لاينظر الى المرأة والرجل نظرة واحدة، فهو يحرم العلاقات الحرة بينهما. وقد أخذ العلماء عند بدء العصر العلمي يسخرون من هذه القوانين، وأطلقوا عليها: «مخلفات العصر الجاهلي».

وقالوا بشدة: ان الرجل والمرأة متساويان، ويرثان النسل الانساني بطريقة متساوية، ولسوف تكون جريمة كبرى لو اقمنا العقبات في طريق علاقاتهما الحرة.

وقد أنتجت هذه الفكرة مجتمعا جديدا في الغرب. بيد أن التجارب الطويلة المريرة التي مرت بها الانسانية بعد هذه الاباحة الجنسية هي أقصى ما عاناه البشر؛ فقد ثبت بعد هذه التجارب أن المرأة والرجل لايتساويان فطريا، ولاطبعيا، وأي مجتمع يقوم على أساس مساواتهما سوف يسبب خرابا ودمارا عظيمين للحضارة البشرية.

***


(١) ان أول حقيقة في هذا الأمر هي أن الرجل والمرأة يختلفان كل الاختلاف في نوعية كفاءاتهما الطبيعية، واعتبارهما متساويين انما هو مخالفة كبرى لقوانين الطبيعة في حد ذاتها.

كتب الدكتور «الكسيس كيريل»، الحائز على جائزة نوبل للعلم - وهو يبين الفارق العضوي بين الرجل والمرأة - يقول:

«ان الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة لاتتحدد في الأشكال الخاصة بأعضائهما الجنسية والرحم والحمل، وهي لاتتحد أيضا في اختلاف طرق تعليمهما؛ بل ان هذه الفوارق هي ذات طبيعة أساسية؛ من اختلاف نوع الأنسجة في جسم كليهما؛ كما أن (المرأة) تختلف عن (المرء) كليا، في المادة الكيماوية التي تفرز من بيض الرحم داخل جسمهما. والذين ينادون بمساواة الجنس اللطيف بالرجل يجهلون هذه الفوارق الاساسية، فيدعون أنه لابد أن يكون لهما نوع واحد من التعليم والمسئوليات والوظائف. ولكن المرأة في الواقع تختلف عن الرجل كل الاختلاف؛ فكل خلية من جسمهما تحمل طابعا أنثويا، وهكذا تكون أعضاؤها المختلفة بل واكثر من ذلك هذه هي حال نظامها العصبي.

ان قوانين وظائف الأعضاء محدودة ومنضبطة كقوانين الفلك، حيث لايملك احداث أدنى تغيير فيهما بمجرد الأمنيات البشرية، وعلينا أن نسلم بها، كما هي، دون أن نسعى الى ما هو غير طبيعي، وعلى النساء أن يقمن بتنمية مواهبهن بناء على طبيعتهن الفطرية، وأن يبتعدن عن تقليد الرجال»(١) .

ولقد صدقت التجارب العملية نتائج هذه الفوارق الطبيعية، فقد فشلت المرأة أن تحرز أية مساواة مع الرجل في أي ميدان. حتى ان الرجل يتقدم المرأة في الميادين التي كانت تعتبر حكرا على المرأة في الماضي. ومن ذلك ان المرأة فشلت في المساواة مع الرجل في حقل السينما. وليس الرجل هو الذي يدير كل ما هو متعلق بالسينما، ومع ذلك فهو يتقاضى أجرا أكثر من المرأة. فممثل كبير يتقاضى اليوم ستة ملايين روبيه(٢) ، في السنة، على حين لايزيد دخل أعظم ممثلة هندية على أربعة ملايين روبيه!!.

***

___________________

(١) Man the Unknown, p. ٩٣.

(٢) عملة هندية كانت تساوي عشرة منها جنيها مصريا (عند صدور هذا الكتاب)، وأما الآن فستة عشر (١٦) منها تساوي الجنيه المصري الواحد، بعد تخفيض قيمة العملة الهندية عام ١٩٦٦، وبالتالي قفزت دخول الممثلين الهنود الى أرقام خيالية، فجاء في أحدى الاحصائيات الحديثة أن اكبر ممثل هندي (دليب كومار، واسمه الحقيقي يوسف خان) يتقاضى ٠٠٠٠٠٦،١٠ روبية للاشتراك في فيلم واحد، بينما أكبر ممثلة لاتتقاضى الا أقل من نصف هذا الأجر! - المعرب.


وليس هذا هو كل ما في الأمر. فاننا لو أنكرنا القوانين الطبيعية، والضوابط الفلكية، وبدأنا نعمل على عكسها فسوف نكسر رؤوسنا بأيدينا. وهكذا جلب النظام الذي صاغه الانسان - متجاهلا الحيثيات الفارقة بين الجنسين - صنوفا من الأمراض والجرائم الى داخل المجتمع. ان شباب هذا المجتمع الجديد يشكو أنواعا من الأمراض الجنسية والخلقية والنفسية، فضلا عن العصمة التي أهدرها المجتمع، نتيجة هذا الاختلاط المروع.

ومن الظواهر التي تتكرر مرارا أمام أطباء هذا المجتمع أن تدخل فتاة غرفة الطبيب، وهي تشكو من الصداع وقلة النوم، وتمضي بعض الوقت تتحدث عن هذه الآلام. ثم لاتلبث أن تتكلم عن شاب التقت به صدفة منذ مدة. وحينئذ يشعر الطبيب أنها تتعثر وتتلعثم في كلامها، فيقول لها:

“ Well, then he asked you to his flat, what did you say ?”

حسنا! ثم دعاك الى شقته، فماذ قلت له؟».

وتقول الفتاة في دهشة:

«كيف عرفت ذلك، لقد كنت أريد أن أقول لك ذلك حالا!».

ومن الممكن قياس كل ماستقول الفتاة للطبيب بعد هذا الحديث. وهذا هو الذي دفع علماء الغرب الى الشعور بخيبة الأمل، فانتهوا الى أن الحفاظ على العفة والعصمة «كلام فارغ» في ظل مجتمع العلاقات الحرة. وقد قال طبيب غربي:

«من الممكن أن يصل الرجل والمرأة الى نقطة، يستحيل عندها التحكم في الأعصاب، والاحساس بالعواقب».

وقد بدأت حملة شديدة ضد هذه الظواهر في صورة المقالات والكتب. وبدأ بعض علماء الغرب يشعرون بالكارثة التي تهدد حضارتهم. ولكنهم، رغم ذلك كله، غير قادرين على فهم جذور الموقف.

ولقد نشرت الطبيبة المعروفة «ماريرن هيليارد» مقالا عنيفا ضد الاختلاط الحر، فقالت: «انني لاأستطيع أن أسلم، كطبيبة، بأن العلاقات الطاهرة ممكنة بين رجل وامرأة، ينفردان برضاهما وقتا طويلا».

ولكن الدكتورة «هيليارد» تستطرد قائلة:

«ولست على هذه الدرجة من الغباء، حتى أنصح الشبان والفتيات أن يمتنعوا عن التقبيل. ولكن أكثرية الأمهات لاتخبرن أولادهن أن القبلة لاتبرد العواطف، وانما تلهبها»(١) .

___________________

(١) مجلة «ريدرز دايجست»، عدد ديسمبر عام ١٩٥٧.


وتسلم الدكتورة «هيليارد»، بهذا القول، بالقانون الالهي الذي يحرم هذه الظواهر، حتى لايصل الانسان الى حافة الجرائم الجنسية القبيحة؛ ولكن الطبيبة لاتعرف: كيف تحرم هذه الظاهرة التي تنتهي الى الأعمال الشيطانية لامحالة؟!.

***

(ب) لقد أباح مشرع الاسلام «تعدد الزوجات»؛ وأثيرت ضجة كبرى ضد هذا التشريع، وأطلق عليه - هو الآخر - أنه «تذكار العصر الجاهلي». ولكن جاءت التجارب العملية لتثبت أنه كان تشريعا مناسبا للطبيعة الانسانية، لأن سد باب تعدد الزوجات انما هو فتح لعشرات الأبواب الفاجرة، غير الشرعية.

وسوف أشير هنا الى النشرة الاحصائية التي نشرتها هيئة الأمم المتحدة في عام ١٩٥٩. لقد أثبت هذه النشرة بالأرقام والاحصائيات: أن العالم يواجه الآن مشكلة «الحرام أكثر من الحلال) more out than in في شأن الوليد! وجاء في هذه الاحصائية أن نسبة الأطفال غير الشرعيين قد ارتفعت الى ستين في المائة. وأما في بعض البلاد، وعلى سبيل المثال «بناما» فقد جاوزت هذه النسبة الخمسة والسبعين في المائة، أي أن ثلاثة عن طريق الحرام من كل أربعة مواليد! وأرفع نسبة لهؤلاء الأطفال غير الشرعيين موجودة في أمريكا اللاتينية.

وتثبت هذه النشرة أيضا أن نسبة الأطفال غير الشرعيين تصل الى «العدم» في البلدان الاسلامية. وتقول النشرة: ان نسبة هؤلاء الأطفال أقل من واحدة في المائة في جمهورية مصر العربية، مع أنها أكثر البلاد الاسلامية تأثرا بالحضارة الغربية.

فما الأسباب التي تحمي الدول الاسلامية من هذه البلية؟.

يقول محررو هذه النشرة الاحصائية: ان البلدان الاسلامية محفوظة من هذا الوباء لانها تتبع نظام «تعدد الزوجات»(١) .

لقد استطاع هذا القانون الالهي الحكيم أن يحمي بلادنا الاسلامية من كارثة محققة في هذا العصر.

فقد أكدت تجارب الانسانية أن القانون الالهي القديم هو الذي كان مبنيا على الحق، والرحمة بالانسانية(٢) .

___________________

(١) جريدة Hindustan Times ، عدد١٢ سبتمبر سنة ١٩٦٠.

(٢) لم يستطع محررو النشرة الاحصائية أن يشيدوا بالدين السلامي وروحه (وذلك راجع الى تعصبهم أو جهالتهم بالحقائق، أو الى الاثنين معا)، فمن مزايا الاسلام أنه يحرم «الزنا»، وتحريمه هذا هو الذي يحمي المسلمين، سواء أكانوا من متعددي الزوجات أم من غيرهم، وذلك لأن ظاهرة تعدد الزوجات آخذة في الاختفاء من المجتمع الاسلامي، بسبب الحملات السخيفة التي تعرضت لها من جانب علماء الغرب، والمتفرنجين من أبناء الشرق المبهورين بالحضارة الغربية (والذين يطلق عليهم مؤلف هذا الكتاب كلمة «الانجليز السود» المتحمسون للحضارة الغربية أكثر من أصحابها). وترتبت على هذا الوضع مشكلات خطيرة - من عائلية واجتماعية الى حضارية، بسبب عدم اكتفاء الكثيرين من الأزواج بزوجة واحدة، وكثرة الفتيات والأرامل الطالبات للزواج، وقلة الشبان، وهذه مشكلات يعاني منها مسلمو الهند وباكستان بشدة أكثر من اخوانهم العرب - المعرب


التمدن

شرع الاسلام القصاص ممن قتل عمدا، الا أن يرضي ورثة القتيل بالدية. ولقد تعرض هذا القانون لنقد شديد من جانب رجال القانون في العصر الحاضر، وأهم ما يستدلون به: أن معنى هذا التشريع أن تضيع نفس أخرى، بعد أن ضاعت الأولى بالفعل؛ ودفعهم هذا الى الغاء نظام (الأعدام شنقا) في كثير من البلاد.

ان القانون الذي يقرره الاسلام له فائدتان هامتان:

أولاهما: أن تستأصل جذور هذه الجريمة، لأن أحدا من الآخرين لن يندفع الى ارتكابها مرة أخرى نظرا للعاقبة الوخيمة التي لقيها أحد أفراد المجتمع(١) .

وأما الثانية: فهي «الدية»، وقد راعى المشرع النتائج مراعاة تامة، فلو قتل الابن الوحيد لشيخ، فعلى القاتل أن يدفع لوالد المقتول مبلغا من المال يرضيه، فيعفوا عن الجريمة لقاء المبلغ الذي تقاضاه. وقد جعل التشريع الاسلامي حقا للدولة أن تأمر برفع مبلغ الدية، اخمادا لنار «الثأر».

ان هذا التشريع حكيم لدرجة عظيمة، وتجربته تؤكد أن غريزة القتل قد قضى عليها في أي بلاد طبقته، كما أكدت التجارب أيضا أن أي بلاد ألغت هذا التشريع قفزت فيها جرائم القتل الى نسب خيالية، حتى ان نسبة الاغتيالات قد ارتفعت في بعض هذه الدول الى اثنتي عشرة في المائة.

وهناك أمثلة أخرى عديدة: بلاد ألغت عقوبة القصاص، ولكنها عادت فأقرته مرة أخرى، نظرا للعواقب. فقد أصدر البرلمان السيلاني قانونا سنة ١٩٥٦ يحرم القصاص في حدود سيلان.

___________________

(١) الدولة الوحيدة التي تطبق النظام الاسلامي في هذا المجال هي المملكة العربية السعودية، ومن المعروف لكل المهتمين بالشئون السعودية أن نسبة القتل بها أقل نسبة في العالم كله، فالمعدل السنوي لحوادث القتل بالمملكة السعودية لايزداد عن «بضع» حوادث، وذلك راجع الى العقوبة التي يلقاها المجرمون، وكذلك تنعدم حوادث السرقة بهذه المملكة، للسبب نفسه - المعرب.


فارتفعت نسبه جرائم القتل ارتفاعا مخيفا بعد صدور القانون، ولم يستيقظ السيلانيون من سباتهم الا يوم ٢٦ سبتمب ١٩٥٩، عندما تسلل رجل مسلح داخل منزل رئيس الوزراء السيد بندرانيكه، وقتله بكل جرأة في غرفته، وكان أول ما فعله أعضاء البرلمان السيلاني بعد دفن جثمان رئيس الوزراء المأسوف له، أن عقدوا جلسة طارئة استغرقت أربع ساعات، وأعلنوا عند ختامها أن سيلان قررت الغاء القانون، واصدار قانون جديد بتشريع القصاص.

***

المعيشة

ان النظام الذي يقره الاسلام في المعيشة يسلم بالملكية الفردية لوسائل الانتاج الزراعي، وهيكل المعيشة في الاسلام يقوم على أساس الملكية الفردية. وقد راج هذا النظام عصورا طويلة في العالم(١) . ثم تعرض بعد الثورة الصناعية لنقد قاس؛ حتى ان المثقفين رضوا بالغائه.

وقد راج في أوربا، فيما بين النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، شعور بأن الملكية الفردية أحد القوانين المجرمة التي تفشت في عصر الجاهلية المظلم. وأنهم قد استطاعوا الآن أن يكشفوا عن نظام «الملكية الجماعية» - التي هي أقوى أساس لتنظيم المعيشة.

ثم بدأت أول تجربة للنظرية الجديدة - الملكية الجماعية؛ ونفذت على رقعة واسعة من الأرض، وبدأت دعاية كبيرة في شأنها؛ وعقدت عليها آمال كبار، ولكن التجربة الطويلة أثبتت أن هذا النظام، رغم الجهود الضخمة التي بذلت في سبيله، لم يأت الا بانتاج أقل من الانتاج الذي يأتي به نظام الملكية الفردية.

هذا، فضلا عن نقائصه الكثيرة التي تتلخص في كونها غير طبيعية، الى استخدام العنف لتفيذها؛ وأنها تمنع التقدم الانساني، وأنها أكثر من الأنظمة الرأسماية تركيزا، واستغلالا، ودكتاتورية.

***

وسوف أضرب هنا مثالا لروسيا؛ لقد نفذت الحكومة الروسية نظام (الملكية الجماعية) في جميع أنحاء البلاد؛ والدولة تملك جميع الأراضي الزراعية، فهي تقوم بزراعة أراضيها في صورة «المزارع الجماعية». وقد منح القانون الزراعي الذي أصدرته الدولة عام ١٩٣٥ الفلاح حقا بملكية الثلث أو نصف الفدان؛ أو فدانين في بعض الأحوال الاستثنائية، وسمح له أن يربي بعض الأنواع من الحيوانات، مثل الأبقار والأغنام والدجاج.

___________________

(١) نظام الملكية الفردية الذي راج في العالم هو أثر من آثار الدين. ولذلك خالف «ماركس» وأتباعه الأديان بشدة، حتى يتمكنوا من طرد فكرة الملكية الفردية من أذهان الأفراد.


وتثبت الاحصائية الرسمية آلتي نشرت عام ١٩٦١ أن الأراضي الزراعية في روسيا في ذلك الوقت كانت ٢٠٤ مليون هكتار، منها أراض قدرها ستة ملايين هيكتار في حوزة الملكية الفردية؛ أي ثلاثة في المائة من مجموع مساحة الأراضي الزراعية، ولكن نسبة المحصول الزراعي للبطاطس عام ١٩٦١ كانت كما يلي:

نسبة الاراضي المزروعة (بالفدان)

نسبة المحصول (بالطن)

المزارع الجماعية

٤.٣٥٢.٠٠٠

٣٠.٨٠٠.٠٠٠

الاراضي الفردية

٤.٥٢٦.٠٠٠

٥٣.٥٠٠.٠٠٠

وتؤكد هذه الاحصائية أن المحصول الزراعي كان أحد عشر طنا من البطاطس في الأراضي الفردية، مقابل سبعة أطنان في الأراضي الحكومية. وهذه النسبة توجد كذلك في المحاصيل الأخرى، على حين أن الاراضي الفردية لا تتمتع بتسهيلات الآلات الزراعية، والسماد، والكفاءات التي تتمتع بها المزارع الجماعية الحكومية.

وأما الماشية فهي أسوأ حالا في المؤسسات الحيوانية الحكومية، فهي تموت بكثرة بسبب نقص الكلأ، والاستهتار في الرعاية؛ وقد مات٠٠٠،١٧٠ من الرءوس في اقليم واحد، في مدة أحد عشر شهرا عام ١٩٦٢.

وأما حيوانات الملكية الفردية فهي آخذة في الازدياد والنمو يوما بعد يوم، رغم العقبات العديدة، وهي كذلك أكثر انتاجا من غيرها. فالمؤسسات الحكومية التي تملك سبعين في المائة من الحيوانات والدجاج لم تقدم للسوق من اللحوم الا ما يزيد على عشرة في المائة بالنسبة الى أصحاب الملكية الفردية، الذين لايملكون أكثر من ثلاثين في المائة من الحيوانات والدجاج، ويقدمون انتاجهم للحكومة، وهو مايبقى لديهم بعد استهلاكهم الذاتي. وقد تخلفت المؤسسات الزراعية الحكومية كثيرا في انتاج البيض. ويمكن استنتاج هذه الفوارق من احصائية رسمية لعام ١٩٦١:

المحصول

النسبة الحكومية (بالطن)

النسبة الفردية (بالطن)

اللحم

٤.٨٠٠.٠٠٠

٣.٩٠٠.٠٠٠

اللبن

٣.٤٠٠.٠٠٠

٢٨.٥٠٠.٠٠٠

الصوف

٣٨٧.٠٠٠

٧٩.٠٠٠

البيض

٦.٣٠٠ (مليون بيضة)

٧٩.٠٠٠ (مليون بيضة)

انه لمن الطريف أن يقوم الأفراد بسد حاجات حكومة تملك، بل تحتكر كل وسائل الانتاج! ان الاحصائية تدلنا على أن احدى الجمهوريات السوفيتية حصلت من الافراد على ستة وعشرين في المائة من البطاطس، وأربعة وثلاثين


في المائة من البيض، لسد احتياجاتهم المحلية، وهكذا اضطرت الى شراء أشياء أخرى من الأفراد، لاستهلاكها محليا(١) .

ومن العواقب الوخيمة لهذه الملكية الجماعية أن روسيا - التي كانت من بين الدول الكبرى المصدرة لانتاجها

الزراعي في عهد القيصرية اضطرت الى شراء خمسة عشر مليونا من أطنان القمح، من كل من: استراليا، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الحال مستمرة في التدهور، فقد اشترت روسيا٠٠٠،٢٥٠،١ طنا من القمح من الولايات المتحدة، فيما بين ١٩٤١ - ٥٦. وهذا هو الذي يجري في الصين الشيوعية(٢) .

***

وتؤكد هذه التجارب القاسية التي خاضتها البشرية أن العقل الالهي - الذي هو منبع القانون الحقيقي - هو أعرف بالطبيعة الانسانية، وأكثر فهما لمسائلها ومشكلاتها.

ان في الدين جوابا محددا لكل الأسئلة التي تؤرقنا في كفاحنا الحضاري. انه يوجهنا الى المشرع الحقيقي الطبيعي؛ وهو يضع لنا الأساس النظري للقانون. فهو يمنحنا اساسا صائبا لكل مسألة في الحياة البشرية حتى يمكن لها الوصول الى أعلى درجات الازدهار والرقي؛ وهو الصورة الوحيدة للمساواة الكاملة بين الحاكم والرعية. وهو يهيء الأساس النفسي، الذي يصبح القانون بدونه مشلولا بلا حراك، وهو يخلق لنا ذلك المناخ المناسب الذي لابد منه لتطور أي مجتمع تطورا حيويا وفعالا.

وهكذا يعطينا الدين كل ما نحتاج اليه لبناء الحضارة؛ في حين لايتيح لنا الالحاد والكفر شيئا ما، سوى الضياع والفاقة، فهو عقيم لايجدي نفعا.

***

___________________

(١) Buletin (Germany), Nov. ١٩٦٣

(٢) Ibid, Oct. ١٩٦٣.


الباب التاسع : الحياة التي ننشدها

كتب «فريدرك أنجلز»:

«لابد للانسان أن يجد لباسا يستر به جسده، وخبزا يشبع به بطنه، حتى يستطيع الخوض في الفلسفة والسياسة».

والواقع أن الأسئلة الأولى التي يسعى الانسان الى معرفة جواب عنها في حياته هي:

من أنا؟.

وما هذا الكون؟.

وكيف بدأت حياتي؟.

والى أين ستنتهي؟.

انها أسئلة الفطرة الأساسية. فالانسان يفتح عينيه في عالم يحوي كل شيء، غير جواب هذه الأسئلة؛ فالشمس توصل اليه الحرارة اللازمة، ولكن الانسان غافل عن حقيقتها، وعن أسباب قيامها بهذه العملية لخدمته، والهواء يعطي الحياة للانسان، ولكن الانسان غير قادر أن يؤثر فيه ليجيب عن السؤال: من أنت؟ ولماذا تقوم بهذا العمل؟.

انه يمعن في وجوده، ولكنه لايفهم من هو؟ ولماذا جاء الى هذه الدنيا؟.

والذهن الانساني غير قادر على وضع اجابات هذه الأسئلة الأساسية في حياة البشر، ولكنه لن يتخلى عن بحث، ولن يمل هذا البحث عن جواب.

هذه الأسئلة، وان وردت ألفاظا على ألسنة الجماهير، فانها تؤلم روحها، وهي ترد أحيانا بطريقة يصاحبها الانفعال، حتى يصبح الانسان مجنونا.

***

لقد عرفنا «أنجلز» مفكرا ملحدا، ولكن الحاده أتى عن طريق المجتمع المصاب بالبلبلة وعدم الاستقرار. لقد كان شغوفا بالدين، وكان يقضي وقتا طويلا في الكنيسة؛ ولكنه بعد



ما كبر وتوسع نظره في الدراسة أعرض عن الدين التقليدي. وهو يكتب أحوال هذه الفترة في خطاب له الى أحد أصدقائه، قال:

«انني أدعو كل يوم، واقضي اليوم كله داعيا أن تنكشف لي الحقيقة. لقد أصبح الدعاء هوايتي، منذ وجدت الشكوك طريقها الى قلبي؛ انني لاأستطيع أن أقبل عقائدكم. ان قلبي يفيض بالدموع الغزار وأنا أكتب هذه السطور، قلبي يبكي، عيني تبكي، ولكنني أشعرأنني لست بطريد منرحمه‌الله ، بل آمل أن أصل الى هذا الذي أتمنى رؤيته بكل قلبي وروحي. وأقسم بحياتي أن عشقي وبحثي هذا لمحة من روح القدس. ولن أقلع عن تفكيري هذا، ولو كذبه الانجيل المقدس عشرة آلاف مرة!!».

لقد أقلقت غريزة البحث عن الحق روح «أنجلز» الشاب، ولكن الدين المسيحي التقليدي لم يمنحه السكينة التي كان ينشدها، فانقلب متمردا عليه، وانغمس في الفلسفات السياسية، والمادية الالحادية.

***

وجذور هذه الغريزة الانسانية هي احساس البشر بحاجتهم الى الرب الخالق؛ ففكرة: «الله خالقي وأنا عبده» منقوشة في اللاشعور الانساني؛ وهي ميثاق سري مأخوذ على الانسان منذ يومه الأول، وهو يسري في كل خلية من خلايا جسمه؛ وعندما يفتقد انسان ما هذا الشعور يحس بفراغ عظيم، وتطالبه روحه من أعماقه أن يبحث عن الهه الذي لم يره قط، والذي لو وجده لخر راكعا على ركبتيه، ثم ينسى كل شيء.

وليس الاهتداء الى معرفة الله غير الوصول الى المنبع الحقيقي لهذه الفطرة الانسانية، والذين لايهتدون الى المعرفة يقبلون على أشياء أخرى. فان كل قلب يبحث عمن يهدي اليه خير أمانيه.

***

وعندما رفرف العلم الوطني لأول مرة على الأبنية الحكومية في الهند بدلا من العلم البريطاني: «اليونيان جاك»، في صباح يوم ١٥ أغسطس عام ١٩٤٧ - اغرورقت عيون كثيرة بالدموع، وهي ترى الصورة التي طالما حلمت بها. وكانت هذه الدموع مظهرا لعلاقة أصحابها «بالمعبودة: الحرية»، التي ضحوا من أجل الحصول عليها بخير أيام حياتهم.

وهكذا عندما يذهب زعيم وطني الى ضريح «أبي الوطن» ويضع عليه اكليل الزهور، ثم يقف أمامه لحظة مطأطئا رأسه، فهو حينئذ يباشر نفس العمل الذي يقوم به المؤمن أمام معبوده، حين يركع ويسجد.

وحين يمر شيوعي أمام تمثال «لينين» ويرفع قبعته عن رأسه، ويبطىء في سيره، يكون


هو الآخر، مثل رجل الدين، يقدم أحسن تمنياته الى الهه. فكل انسان مجبور على أن يتخذ شيئا ما الها له، ويقدم له قرابين أمانيه الصادقة.

ولكن الانسان اذا قدم هذه القرابين لغير الله، فهو يشرك بمن يستحق وحده العبادة. و( إِنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‌ ) (١) ، والظلم أن تضع الشيء في غير موضعه، فلو كنت تريد أن تتخذ من غطاء الوعاء قبعة فهو «ظلم»، والانسان عندما يميل الى غير الله لملء فراغه النفسي ويتخذ من غير الله ملجأ له، فهو ينحاز عن مكانه الصحيح، ويتخذ من غريزته أسوأ أسباب الضلال.

وكما كانت هذه الغريزة فطرية، فانها تظهر دائما في صورتها الطبيعية متجهة الى الله، ولكن المجتمع، وأحوال البيئة، يعطيان هذه الغريزة اتجاها مغايرا، فتبدأ الشكوك تساور الانسان في أول الأمر، ولكنه سرعان مايتخلص من هذه الشكوك، عمدا أو عفوا، لأنه يتمتع بحرية أكثر في الحياة الجديدة، فيرضى بها ولو ظاهريا.

***

فقد كان «برتراند رسل» شديد العلاقة بالدين في أول حياته، وكان يواظب على حضور صلوات الكنيسة باهتمام، وفي يوم من الأيام سأله جده: ما تكون دعواتك المفضلة يا «برني»؟.

فأسرع الشاب برتراند رسل يقول: «لقد سئمت الحياة، وأنا مدفون تحت وطأة ذنوبي - يا الهي!» وعندما جاوز برتراند الثالثة عشرة من عمره بدأت خواطر التمرد تراود ذهنه، بفعل البيئة التي أحاطت به، الى أن تحول ذلك الطفل المواظب على صلوات الكنيسة فأصبح من بعد برتراند رسل الفيلسوف الملحد، الذي لايؤمن بالحقائق السماوية. وقد أجرت الاذاعة البريطانية حديثا معه عام ١٩٥٩، وعندما سأله «فريمان» - المعلق السياسي بالاذاعة -:«هل وجدت أن هواية الاشتغال بالرياضيات والفلسفة يمكن أن تحل محل المشاعر الدينية عند الانسان؟، أجاب «رسل» قائلا: «نعم، لقد وصلت في سن الأربعين الى الطمأنينة التي قال عنها «أفلاطون»: انه يمكن الحصول عليها من طريق الرياضيات. انها عالم أبدي، حر، لايقاس بزمان. ولقد حظيت في هذا العالم بسكينة تشبه تلك التي يحصلون عليها في الدين».

لقد أنكر هذا المفكر البريطاني حقيقة المعبود السماوي، ولكنه لم يستطع الاستغناء عن ضرورتها القصوى، بسبب الغريزة الفطرية التي ولد بها الانسان، فجاء بالرياضيات والفلسفة، وأجلسهما في المقعد المخصص لله وحده. بل اضطر أيضا أن يخلع على الرياضيات والفلسفة

___________________

(١) لقمان:١٣.


نفس الصفات التي ينفرد بها الله سبحانه، وهي: الابدية، والتحرر من أبعاد الزمن، والسر في ذلك أن لايمكن الحصول بدونهما على الطمأنينة التي يبحث عنها الانسان.

***

«جواهر لال نهرو في حالة الركوع!» لو كانت الصحف قد نشرت هذا الخبر في يوم من الأيام لما صدقها الناس! ولكن الصورة التي تحملها الصفحة الأخيرة من جريدة «هندوستان تيمس»، الصادرة في دلهي يوم ٣ أكتوبر من عام ١٩٦٣، تصدق هذا الخبر. وقد ظهر في تلك الصورة رئيس وزراء الهند الأسبق في حالة ركوع، واقفا أمام ضريح المهاتما غاندي في ذكرى ميلاده، وهو يقدم تمنياته الى «أبي القومية الهندية»!.

ان مثل هذه الأحداث تقع كل يوم في كل مكان من العالم، وآلاف من الناس الذين ينكرون وجود الله يركعون أما معبوداتهم، تسكينا لغريزتهم التعبدية، وذلك لأن «الاله» ضرورة فطرية للانسان. وهذه المظاهر كافية لتأييد هذه الغريزة على أنها طبيعية، لأن الانسان يضطر الى الركوع أمام آخرين كثيرين، اذا ماامتنع عن السجود أمام «الله الواحد»؛ أي أن فطرته لن تتمكن من ملء الفراغ الذي يخلو عنه انكار وجود الله، والالحاد.

***

وليست الحقيقة أن يتخذ الانسان آلهة آخرين عند الكفر بالله، فيسكن غريزته، بل سوف أقول: ان الذين يتخذون من غير الله الها محرومون من الاستقرار والطمأنينة الحقيقيين، كالطفل اليتيم الذي يحاول أن يتخذ من مصنوعات البلاستيك «أما» له.

وكل ملحد، مهما بدا له، أو للآخرين، أنه ناجح، يتعرض في حياته لمواجهة لمحات، يضطر ازاءها أن يفكر فيما اذ كانت الحقيقة التي قبلها - مصطنعة وزائفة؟.

***

وعندما ختم «جواهر لال نهرو» سيرته الذاتية سنة١٩٣٥، أي قبل اثني عشر عاما من استقلال الهند، كتب في خاتمتها قائلا:

«انني لأشعر أن فصلا من حياتي قد انتهى، وأن فصلا آخر على وشك البدء، ترى ماذا سيحوي هذا الفصل؟ لايستطيع أحد أن يتنبأ به؛ فان أوراق الحياة القادمة مختومة».

وعندما ظهرت الأوراق الأخرى من حياة نهرو، وجد نفسه رئيسا لوزراء ثالث كبريات دول العالم، يحكم سدس المعمورة بدون شريك. ولكن «نهرو» لم يقتنع بهذا، بل مازال يشعر، وهو في أوج بروزه السياسي، أن هناك فصولا أخرى من كتاب حياته لما تفتح


لقد كان يعتمل في قرارة ذهنه نفس السؤال الذي يولد معه الانسان، وقد قال نهرو، وهو يخاطب مؤتمر المستشرقين الذي انعقد في دلهي في يناير من عام ١٩٦٤ والذي اشترك فيه ألف ومائتان من الممثلين من جميع أرجاء العالم، قال:

«انني سياسي، ولا أجد وقتا كثيرا للامعان والتفكير. ولكنني أضطر في بعض الأحيان أن أفكر: ماحقيقة هذه الدنيا؟ ومن نحن؟ وماذا نقوم به؟ انني على يقين كامل أن هناك قوى تصوغ أقدارنا»(١) .

وهذا هو الشعور بعدم الطمأنينة الذي يسيطر على أرواح الذين يكفرون بالله معبودا لهم، ويخيل اليهم في غمرة الملذات المؤقتة والأعمال الدنيوية الشاغلة - أنهم قد ظفروا بالاستقرار. ولكنهم لايلبثون أن يحسوا مرة أخرى بأنهم محرومون من الطمانينة والسعادة والاستقرار.

وهذه الحالة التي تنعدم فيها الطمأنينة والاستقرار لدى القلوب المحرومة منرحمه‌الله ليست مسألة أيام هذه الحياة المؤقتة وسنيها. وانما هي أهم من ذلك بكثير.

انها مسألة أزلية وأبدية، تتمثل فيها آثار الحياة المعتمة الحالكة، التي يقف على حافتها هؤلاء الأصحاب.

انها البادرة الأولى لحياة الخنق الأبدية، التي سوف يواجهونها بعد موتهم دون شك.

انها أجراس التنبيه الأولى في حياتهم، تنذرهم بالأحوال الرهيبة، والظروف المروعة التي سوف تمر بها أرواحهم.

وهي دخان من الجحيم الذي لابد لهم أن يخلدوا فيه.

ولو أن النيران شبت في منزل أحدهم، فقد ينبهه الدخان الذي سيدخل في أنفه الى الخطر الوشيك، وهو يستطيع أن ينقذ نفسه لو استيقظ في الوقت المناسب، ولكن حين تمسك السنة النيران بسريره فسيكون الأوان قد فات. ولات حين مناص، بل هو الهلاك الذي يحيط به من كل جانب، فقد قدر له أن يحترق في النيران، لبلادة حسه، وجهالته من أمره.

ترى، هل يستيقظ الناس في ابان النجاة؟ فان اليقظة النافعة هي التي تكون قبل فوات الأوان، واليقظة عند الهلاك والدمار لاتمنح صاحبها غير القرار في قاع البوار.

***

كتب البروفيسور «مايكل بريتشر» ترجمة لحياة جواهر لال نهرو - وقد سأل المؤلف نهرو في لقاء له معه بنيودلهي في ١٣ يونيه من عام ١٩٥٦:

___________________

(١) جريدة National Herald عدد ٤ يناير عام ١٩٦٤.


«ما المقومات اللازمة لبيئة صالحة - طبقا لفلسفتكم الأساسية في الحياة؟».

وأجاب رئيس الوزراء الأسبق قائلا:

«انني أؤمن ببعض المعايير، قل: انها (المعايير الأخلاقية)، ولابد لكل فرد وبيئة من التمسك بها، وعند القضاء على هذه المعايير لايمكنك الوصول الى نتائج مفيدة، رغم احراز التقدم المادي الهائل، وأما (سبل) اقامة هذه المعايير والاحتفاظ بها في المجتمع، فانني لاأعرفها، وهناك نظرة دينية لاقامة هذه المعايير، ولكنها تبدو الي ضيقة جدا مع كل طقوسها وطرقها، فأنا أهتم اهتماما كبيرا بالقيم الأخلاقية الروحية، بعيدا عن الدين، ولكنني لاأعرف كيف يمكن الحفاظ على هذه القيم في الحياة الجديدة. انها لمشكلة(١) ».

وهذا السؤال وجوابه يبيّنان بوضوح الفراغ الذي يواجهه الانسان بشدة في حياته، فان اقامة القيم والمعايير الأخلاقية من أهم ضرورات كل مجتمع، حتى يتاح له جو الاستقرار لمواصلة مسيرة الحضارة. ولكن الانسان، بعد أن خذل الاله، أخذ يخبط خبط عشواء بحثا عن هذه المعايير، وسبل اقامتها في حياة أفراد المجتمع. ولايزال الانسان، رغم مئات السنين التي مضت، في أولى مراحل بحثه عن هذه المعايير المجردة عن الدين.

انهم يحتفلون، مثلا، بأسبوع الكرم Courtes week لأذابة الحواجز بين الشعب والحكام، ولكن العقلية البيروقراطية لاتذوب عند المسؤولين، رغم كل الجهود التي تبذل في هذه المناسبات باسم «الاخلاق».

ويعلقون على المحطات وداخل عربات القطارات لافتات كبيرة تقول: «ان السفر بدون تذكرة جريمة اجتماعية» - ولكن نسبة السفر بدون التذاكر لاتقل، بل تزداد يوما بعد يوم. وذلك يثبت أن عبارة «جريمة اجتماعية» غير كافية لتحريك ضمير الفرد، والحفاظ على النظام(٢) .

انهم يبذلون جهودا ضخمة للتنفير من الجرائم، عن طريق الصحافة، قائلين مثلا: (الجريمة لاتفيد) Crime does not pay ولكن النسبة المرتفعة للجرائم، يوما بعد آخر، دليل على أن «عواقب الجريمة» في الدنيا ليست رادعة، حتى تمنع المجرمين من القيام بجرائمهم.

___________________

(١) Nehru - A Political Biography, pp. ٦٠٧ ٨

(٢) كل ما يقدمه المؤلف من أمثلة للتدليل على افلاس الفلسفات المادية الالحاية، غربية وشرقية، موجود بوفرة في بلاد شرقنا العربي، وتوحي شواهد الواقع أن الأمور تزداد كل يوم سوءا، نتيجة سيطرة المنحلين والملاحدة على أجهزة التوجيه من جانب، وقعود رجال الدين عن أداء رسالتهم من جانب آخر، ولاحل للمشكلة الا بعودة الأمة الى الله مرة أخرى - (المراجع).


وكثيرا ما طبعوا على جدران المكاتب عبارات تقول: «ان تقديم الرشوة، وقبولها ذنب»، ولكن المرء، عندما يشاهد أن جرائم الرشوة تمضي في طريقها على قدم وساق، بمشهد من هذه العبارات، نفسها، يضطر الى أن يعترف بأن الدعاية الحكومية لن تستطيع أن تمنع هذه الجريمة الاجتماعية القبيحة.

انهم يكتبون في كل عربة من عربات القطار: «ان القطارات ملك للشعب، والحاق أي ضرر بها جريمة ضد الشعب.»، ولكن المسافرين في نفس هذه العربات يسرقون لمباتها الكهربائية الرخيصة، ويحطمون زجاجها، وربما يثورون فيشعلون فيها النيران. وهو دليل على: أن فائدة الشعب ليست بأقوى من فائدة الفرد!!.

ان كبار الزعماء والسياسيين يعلنون في خطبهم: أن استغلال الوسائل الحكومية لصالح الأغراض الفردية خيانة في حق الشعب والدولة». ولكن المشروعات الكبرى تفشل في تحقيق أهدافها، لأن النسبة الكبرى من الميزانية المقررة تأخذ طريقها الى جيوب المسئولين القائمين بأمر هذه المشروعات، بدلا من انفاقها في مكانها الصحيح. وهكذا اختفت المعايير والقيم من الحياة القومية، رغم كل الجهود التي بذلت من جانبي المصلحين والزعماء، وباءت كل الوسائل التي استخدموها بالفشل الذريع(١) .

هذه الظواهر هي في الاوقع دلائل على أن الحضارة الالحادية قد انتهت بركب البشرية الى الوحل، وقد ضللتها عن طريقها، التي لم يكن منها بد لمواصلة المسيرة، ولاحل لهذه الأزمة الا بالرجوع الى الله، والتسليم بأهمية الدين للحياة، فهو الأساس الوحيد الذي يساعد على النهوض بالحياة البشرية على خير وجه، وليست هناك من أسس أخرى.

***

كتب البروفيسور تشستر باولز(٢) ، السفير الأمريكي الأسبق لدى الهند، يقول:

___________________

(١) ان الأمثلة التي ذكرها المؤلف هنا - من أسبوع الكرم الى التلاعب في أموال الدولة - أمور عادية جدا في الهند، وهي تحدث على مسمع ومشهد من الجمهور والمسئولين، وترتب على ذلك أن الحالة الأخلاقية للشعب الهندي آخذة في التدهور بشكل يخيف السياسيين من عواقبها على المدى البعيد، وهؤلاء (الوثنيون منهم أو الملحدون) لايعرفون كيف يسدون هذا السيل الخطر، فغالبيتهم العظمى تجري وراء مصالحها الذاتية، ولذلك قد تفشى الفساد وعمت الرشوة وسادت اعتبارات المحسوبية في كل وسط، من أدناه الى أرقاه وهي حال تدمي قلوب الساسة الوطنيين المخلصين، ولكنهم مغلوبون على أمرهم.

(٢) Chester Bowles هو من أشهر الخبراء الاقتصاديين في الولايات المتحدة الأمريكية المعرب.


«ان الدول النامية تواجه مشكلات من نوعين، في طريق نهضتها الصناعية. والنوعان معقدان غاية التعقيد. فأما أولهما: فهو مشكلات الحصول على رأس المال، والمواد الخام، والخبرة الفنية، وطرق أستخدامها أفضل استخدام. وأما النوع الثاني من هذه المشكلات فيتعلق بالشعب والادارة الحكومية. فعلينا قبل المضي في ثورتنا الصناعية أن نتيقن من أن هذه الصناعة لن تخلق مشكلات أكثر مما تقضى عليه (من المشكلات) فعلا. ومن كلمات المهاتما غاندي: ان المعلومات العلمية والكشوف سوف تزيد من شراهة الانسان، على حين أن الانسان هو الشيء الأهم من كل الأشياء(١) ».

فالشعب مجتمع يخضع للبرامج التقدمية، ولكن عنر التقدم، وهي راس المال والخبرة الفنية، لاتجدي نفعا في مجتمع يسوده الفراغ السياسي والحضاري(٢) .

ماالطريق الى سد هذا الفراغ لبناء مجتمع يضطلع فيه الشعب والحكام. كل بواجبه، لرفع شأن البلاد؟.

انه سؤال بدون جواب لدى المفكرين المحدثين، والحق أن الانسان لن يستطيع الوصول الى جوابه في ظل المجتمع الالحادي. فكل مشروع تقدمي يصاب بتناقض مثير، يتجلى في أن العقائد الشخصية لدى أفراده تخالف العقيدة الاجتماعية. فبرنامج التقدم الاجتماعي مثلا يهدف الى اقامة مجتمع رفاهي يتمتع بالأمن والسلام، ثم يقول المفكرون: «ان هدف الانسان الأساسي هو الحصول على السعادة المادية!» فهم بذلك ينكرون المبدأ الأول لبرنامجهم، لأنهم يحرضون الأفراد على عمل هو عكس مايحتاج اليه المجتمع.

ويرجع هذا التناقض الى أن برنامجا من هذا النوع لم يحقق أهدافه الى يوم الناس هذا، وفشلت جميع الفلسفات المادية للنهوض بالحياة الاجتماعية.

ان معنى الحصول على السعادة المادية هو أن يسعى الانسان بكل قواه الى تحقيق كل ماتصبو اليه أمانيه، ولكن تحقيق الأهداف الشخصية، في هذا ا العالم المحدود، لا طريق اليه دون التأثير على الآخرين. ولذلك، فعندما يسعى الفرد الى تحقيق مطالبه يتحول الى رزء بالنسبة للآخرين. فأمنية الفرد تدمر أماني المجتمع. وحين يجد فرد، يتقاضىمرتبا بسيطا، أن موارده لاتكفي لتحقيق سعادته الشخصية فانه يسعى الى تحقيق ذلك بكل الصور الممكنة، حتى ليقدم على السرقات. الرشاوى، والغش، والتزوير، والاستيلاء على حقوق الغير بالقوة. وعندئذ يبدأ المجتمع في أن يعاني نفس المشكلات التي كان يعاني منها أحد أفراده.

***

___________________

(١) The Makings of a Just Society, Delhi ١٩٦٣ , pp. ٦٨ - ٦٩.

(٢) المرجع السابق: ص - ٣١.


ان العالم الحديث يعاني من مشكلة، لم يجربها الانسان طوال تاريخه هي مشكلة «جرائم الأطفال»، التي أصبحت جزءا من المجتمع الحديث! من أين يأتي هؤلاء المجرمون الصغار؟ انهم ضحايا «السعادة المادية». فكثير من الفتيان والفتيات يسأمون حياة الزواج بعد وقت قليل، وحينئذ يبدأون في البحث عن وجوه وأجساد جديدة، ويحصلون على الطلاق، بيد أن المجتمع هو الذي يدفع ثمن الطلاق، حين يلملم في رحابه «أطفالا يتامى في حياة آبائهم وأمهاتهم»، ومادام المجتمع المنحل هو الآخر لايستطيع أن يهيء لهؤلاء الأطفال الطعام واللباس والمأوى، فهم أحرار من كل قيد، وهم ثائرون على المجتمع الذي أنجبهم. وتبدأ هذه الحال بالصعلكة، ثم تنتهي الى الجرائم القذرة التي كانوا ثمرتها.

ولقد صدق السير الفريد ديننج في مقاله: «ان أكثرية المجرمين الأطفال غير البالغين تخرج من أنقاض «أسر محطمة(١) ».

وهذا التناقض بين الفلسفة الاجتماعية وأهداف الأفراد هو أصل كل المشكلات الاجتماعية. فجميع الحوادث التي نسميها في قواميسنا «جريمة وذنبا» هي محاولة قوم للحصول على أمانيهم الذاتية في الحياة، بعد أن أخفقوا في تحقيقها لسبب أو آخر. وهذه الحواث تظهر في أغلب الأحيان في صور: الاغتيال، والخطف، والتدليس، والتزوير، والقرصنة، والحروب، والزنا، وما الى ذلك من الجرائم التي تعاني منها الانسانية:

وهذا التناقض يبين بجلاء أن هدف الحياة الأساسي هو الحصول على رضا الله في الآخرة، لاغير. انه هو الهدف الوحيد الذي يمكنه انقاذ المجتمع والفرد من التناقض الكبير، والسير بهما في طريق الرخاء والسعادة المتبادلة، لأن الفرد في هذا الهدف لايصادم أماني المجتمع، بل يشترك في كفاحه بطريقة ايجابية فعالة.

فميزة نظرية (الآخرة) تأكيدها على أنها هي الأساس الوحيد لنجاح المشروعات الاجتماعية في حين تبين في نفس الوقت، أنها هي الهدف الوحيد للانسان الفرد أيضا، لأن أي شيء لاعلاقة له بالواقع لايمكنه أن يصبح بهذا القدر العجيب من الأهمية، والموافقة لأهداف البشرية.

***

لقد تقدم الطب الحديث والجراحة الى أقصى حدودهما في هذا القرن، وبدأ الأطباء يقولون: «ان العالم يستطيع القضاء على كل مرض، غير الموت والشيخوخة»!! ولكن الأمراض تكثر وتتشعب، وتنتشر بسرعة مذهلة، ومنها «الأمراض العصبية» التي هي نتائج أعراض التناقض الشديد الذي يمر به الفرد والمجتمع.

لقد حاول العلم الحديث أن يغذي كل الجوانب المادية في الجسم الانساني، ولكنه

___________________

(١) The Changing, p. ١١١.


فشل في تغذية الشعور، والأماني، والارادة، وكانت حصيلة ذلك جسما طويل القامة ممتلىء النواحي، ولكن الجانب الآخر من الجسم، وهو أصل الانسان، أصبح يعاني من أزمات لاحد لها.

لقد أكدت احصائية: أن ثمانين في المائة من مرضى المدن الأمريكية الكبرى يعانون أمراضا ناتجة عن الأعصاب، من ناحية أو أخرى. ويقول علماءالنفس الحديث: ان من أهم جذور هذه الأمراض النفسية: الكراهية، والحقد، والجريمة، والخوف، والارهاق، واليأس، والترقب، والشك، والأثرة، والانزعاج من البيئة. وكل هذه الأعراض تعلق مباشرة بالحياة المحرومة من الايمان بالله.

ان هذا الايمان بالله يمنح الانسان يقينا جبارا، حتى يستطيع مواجهة أعتى المشكلات والصعاب، فهو يجاهد في سبيل هدف سام أعلى، ويغض بصره عن الأهداف الدنيئة القذرة.

ان الايمان بالله يعطي الانسان محركام هو أساس سائر الأخلاق الطيبة، ومصدر قوة العقيدة، العقيدة التي عبر عنها (السير وليام أوسلر) William Osler بقوله: «انها قوة محركة عظيمة، لاتوزن بأي ميزان، ولايمكن تجربتها في المعامل».

ان العقيدة هي سر مخزن الصحة النفسية الموفورة، التي يتمتع بها أصحابها، وأية نفسية محرومة من هذه العقيدة لن تنتهي الا بالأمراض، أقساها وأعتاها.

ومن شقوة الانسان أن علماء النفس يبذلون كل ما يمكنهم من الجهود في الكشف عن أمراض نفسية وعصبية جديدة، ولكنهم في نفس الوقت يهملون بذل الجهود للوصول الى علاج هذه الأمراض. وهذه الظاهرة تثير شعورا كئيبا بأن هؤلاء العلماء قد أخفقوا في الميدان الأخير، ولذلك أكبوا على الميدان الثاني، يسترون خيبتهم، ويظهرون بطولتهم أمام العالم!.

والى ذلك أشار أحد العلماء المسيحيين قائلا: «ان علماء الطب النفسي يبذلون كل جهودهم في كشف أسرار القفل الدقيقة الذي سوف يغلق علينا كل أبواب الصحة!».

فالمجتمع الجديد يسير في اتجاهين في وقت واحد فهو يحاول من جهة الحصول على جميع الكماليات المادية على حين يتسبب - لتركه الدين - في خلق أحوال تجعل من الحياة جحيما، انه يعطيك دواء الشفاء من الفم. ويحقنك السم في العضل!.

وسوف أنقل هنا شهادة لهذه الظاهرة رواها الدكتور بول أرنست أدولف - يقول:

«تعرفت أثناء دراستي بالكلية الطبية على التغييرات التي تطرأ على أنسجة الجسم بعد الاصابة بالجراح، وشاهدت أثناء التجارب بالمنظار المكبر أن أعراضا محددة تطرأ على هذه الأنسجة، مما يؤدي الى اندمال الجروح وشفائها، وعندما أصبحت طبيبا بعد اتمام دراستي


كنت جدا مقتنع بكفاءتي وأنني أستطيع أن أحقق نتيجة موفقة بالتأكيد، باستعمال الوسائل الطبية اللازمة، ولكن سرعان ما أصبت بصدمة كبيرة، حيث فرضت علي الظروف أن أشعر أنني اعرضت عن أهم عنصر في علم الطب، ألا وهو: الله».

«كانت بين المرضى الذين كنت مشرفا علىعلاجهم في المستشفى، عجوز في السبعين من عمرها، أصيب أعلى فخذها بصدام، وأكدت صور الأشعة أن أنسجة جسمها تلتئم بسرعة، فقدمت لها تهنئاتي بسرعة شفائها، وأشار لي كبير الجراحين: أن أطلب منها العدوة الىبيتها بعد أربع وعشرين ساعة، لأنها استطاعت أن تمشي دون أن تستند الى شيء».

«وكان ذلك يوم أحد، حين جاءت ابنتها تزورها على عادتها الأسبوعية، فقلت لها: ان والدتك تتمتع بصحة جيدة الآن، وعليك أن تحضري غدا لترافقيها الى البيت. ولم تلفظ الفتاة بشيء أمامي، بل توجهت الى أمها، وقالت لها: انه تقرر بعد مشورة زوجها أنهما لن يستطيعا تدبير عودتها (الأم) الى بيتهما، وخير لها الآن أن تنظم لها سكنى باحدى «دور العجزة».

وبعد بضع ساعات مررت بسرير العجوز، فشاهدت أن انهيارا سريعا يطرأ على جسمها، ولم يمض أربع وعشرون ساعة حتى ماتت العجوز، لابسبب فخذ مكسور، بل جراء قلب كسير».

«وقد حاولت أن أقوم بجميع الاسعافات اللازمة لانقاذها، ولكن حالتها لم تتحسن. كانت عظام فخذها المكسورة، قد تحسنت كثيرا، ولكنني لم أجد علاجا لقلبها الكسير. أعطيتها كل ماعندي من الفيتامينات، والمعادن، ووسائل التئام العظم المكسور، ولكن العجوز لم تستطع أن تنهض مرة أخرى، لقد انجبرت عظامها دون شك، وكانت تملك فخذا قوية. ولكنها لم تقو على الحياة، لأن الزام عنصر لحياتها لم يكن الفيتاميات، والمعادن، ولا انجبار العظم، وانما كان (الأمل)، الأمل في أن تعيش على نحو معين، فمتى ذهب الأمل في الحياة، ذهبت معه الصحة».

«وكان لهذا الحادث تـأثير عميق في نفسي: لاحساسي بأن هذا الحادث كان من المستحيل وقوعه، لو كانت هذه العجوز تعرف «اله الأمل»، الذي أؤمن به لكوني مسيحيا(١) ».

هذا المثال يعطينا صورة من التناقض الذي يعاني منه العالم في كل جانب من جوانب حياته، فالعالم يحاول اليوم بكل قوة أن تمحي الأحاسيس والمشاعر الدينية من قلوب الناس، وهو في هذه المحاولة يسعى الى نهضة الانسان، متجاهلا (الروح)، عنصره الأصلي.

ومن نتائج هذه المحاولة أن الطب يستطيع أن يجبر عظام فخذ مكسورة. ولكن حرمان الانسان من العقيدة الالهية يفضي به الى الموت، رغم كون جسمه في صحة جيدة.

___________________

(١) The Evidence of God, pp. ٢١٢ - ١٤.


لقد دمر هذا التناقض الانسانية تدميرا، فالأجسام تحت الأثواب البراقة أحوج ما تكون الى الهدوء والسعادة الحقيقيين؛ والأبنية الفخمة تسكنها قلوب محطمة؛ والمدن المتلألئة ببريق الحضارة هي بؤر الجرائم، ومصانع المصائب، والحكومات الجبارة مصابة بالدسائس الداخلية وعدم الثقة؛ والمشروعات الفخمة تبوء بالفشل نتيجة لخيانة القائمين بها. لقد أصبحت الحياة غير مرغوب فيها رغم التقدم المادي الهائل، وكل هذا وذاك يرجع الى حرمان الانسان من نعمة الايمان بالله، لقد حرمنا أنفسنا من المنبع والأساس الذي هيأه لنا خالقنا ومالكنا.

ان سبب الأمراض النفسية، التي أشرت اليها، حقيقة واضحة جلية اعترف بها علماء النفس، وقد لخص عالم النفس الشهير البروفيسور يانج Jung C.G فان تجاربه عنها في الكلمات التالية:

«طلب مني أناس كثيرون، من جميع الدول المتحضرة، مشورة لأمراضهم النفسية، في السنوات الثلاثين الأخيرة. ولم تكن مشكلة أحد من هؤلاء المرضى - الذين جاوزوا النصف الأول من حياتهم، وهو ما بعد ٣٥ سنة - الا الحرمان من العقيدة الدينية. ويمكن أن يقال: ان مرضهم لم يكن الا أنهم فقدوا الشيء الذي تعطيه الأديان الحاضرة للمؤمنين بها في كل عصر، ولم يشف أحد من هؤلاء المرضى الا عندما استرجع فكرته الدينية(١) .

وانها لكلمات جلية: «لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد(٢) ».

ولو أردنا المزيد من الايضاح، فلسوف أقتبس من الأستاذ (ا كريسي موريسون) رئيس أكاديمية نيويورك (سابقا)، قوله:

«ان الاحتشام، والاحترام، والسخاء، وعظمة الأخلاق، والقيم والمشاعر السامية، وكل ما يمكن اعتباره «نفحات الهية» - لايمكن الحصول عليها من طريق الالحاد.

«فالالحاد نوع من الأنانية، حيث يجلس الانسان على كرسي الله.

«لسوف تقضي هذه الحضارة بدون العقيدة والدين.

«سوف يتحول النظام الى فوضى.

«سوف ينعدم التوازن، وضبط النفس، والتمسك.

«سوف يتفشى البشر في كل مكان.

«أنها لحاجة ملحة أن نقوي من صلتنا وعلاقتنا بالله(٣) ».

(انتهى)

___________________

(١) Quoted by C.A. Coalson, Science & Christian Belief p. ١١٠

(٢) ق: ٣٧.

(٣) Man Does not Stand Alone, P. ١٢٣.


الفهرس

الاسلام يتحدى تأليف وحيد الدين خان تعريب ظفر الاسلام خان مراجعة وتحقيق الدكتور عبد الصبور شاهين ١

تقديم الطبعة الاولى ٧

تمهيد ١٩

الباب الاول : قضية معارضي الدين ٢٥

الباب الثالث : طريقة الاستدلال العلمي ٤٤

مشكلة تعيين حقائق الأمور ٥٠

حقيقة النظريات العلمية ٥١

الباب الرابع : الطبيعة تشهد بوجود الإله ٥٣

الوجود والخلق ٥٥

الانظمة المعقدة ٦٠

تقليد الطبيعة ٦٢

التوازن المدهش في الأرض ٦٣

قانون الضغط والتوازن ٦٧

السنن الرياضية المحكمة ٦٩

نظام العناصر والدورية ٧٠

خصائص حكمية ٧١

صدفة أم عمليات حكيمة؟ ٧٣

الباب الخامس : دليل الآخرة أولا: امكان الآخرة ٨٠

ثانيا: ضرورة الآخرة ٨٧

ثالثا: الحاجة إلى الآخرة ٩٢

رابعا - الشهادة التجريبية ١٠٢


خامسا - البحث النفسي ١٠٤

سادسا - البحوث الروحية ١٠٥

الباب السادس : اثبات الرسالة ١٠٩

أولا - ضرورة الرسالة ١١٢

ثانيا - مقياس الرسالة ١١٤

الباب السابع : القرآن صوت الله أولا - اعجاز القرآن ١٢٤

ثانيا - نبوءات القرآن ١٢٨

ثالثا: القرآن والكشوف الحديثة ١٣٩

تقسيم لآيات القرآن ١٤٢

النوع الثاني من الآيات ١٤٥

الباب الثامن الدين ومشكلات الحضارة التشريع ١٥٤

المرأة والمجتمع ١٦٨

التمدن ١٧٢

المعيشة ١٧٣

الباب التاسع : الحياة التي ننشدها ١٧٦

الفهرس ١٨٩


الاسلام يتحدى

الاسلام يتحدى

مؤلف: وحيد الدين خان
تصنيف: دراسات
الصفحات: 190