بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :
هذا بحث قد يكون جديداً في موضوعه ، أو أصيلاً في نتائجه ، ولا أدعي ذلك كوني صاحب هذا البحث ، أو كاتب فصوله المتواضعة ، ولكن طرافة موضوعه ، وجدة مباحثه ، ودقة تطبيقاته ساقت لمثل هذا الادعاء.
هناك جدبٌ حضاري لدى جملة من المثقفين ، وطائفة من المستشرقين ، يوحي بأصالة النظريات النقدية والفنية واللغوية في الدراسات الأوروبية ، دون ريادة لحضارة الأمة العربية التي أسست معالم الثقافة والفن والإبداع.
وقد جاء هذا البحث مؤصلاً للنظرية العربية في علم الأصوات : phonetics التي تطورت فيما بعد للتخصص في علم الصوت الوظيفي : التشكيلي phonology وكان مجال ذلك تطبيقاً وتنظيراً في أرقى نصّ عربي ؛ وهو القرآن الكريم ، لذلك فالصوت اللغوي في حياة التراث ليس جديداً ، ولكنه في القرآن ـ فيما أزعم ـ يوحي بالجدة والطرافة والحداثة.
فالقرآن كتاب الله العظيم ، ومعجزة محمد6 الخالدة ، وتطبيق البحث الصوتي قرآنياً ، فيه صعوبة ومعاناة ، وتسخير مفاهيم الصوت للقرآن ليس أمراً يسيراً ، فالقرآن وهو عربي العبارة يتسع لمئات الجزئيات في العربية ، والعربية وهي عالمية اللغة تسير مع العالم في أصواته السابحة ،
فاللغات أصوات ، ومهمة هذا البحث ضم هذه المفاهيم في وحدة فنية لا تنفصل ، فخاض غمار هذا الموضوع الشائك ، وخرج بجملة صالحة من النتائج والكشوف التي أرجو متفائلاً أن تضيف شيئاً ما للمكتبة القرآنية بخاصة ، والمكتبة العربية بعامة ، والمكتبة الصوتية في العالم مطلقاً.
إن التماس النظريات الصوتية المعقدة في رحاب القرآن العظيم مما يحتاج إلى الصبر والأناة ، واستكناه فصائل هذا الملحظ الدقيق مما يدعوا الى الترصد والتصدي والاستنتاج ، فالصوتيات علم سبق إليه علماء العربية فيما ثبت بالبحث ، وتناوله الأوروبيون بالنقد والتمحيص في ضوء أجهزة العلم المتطورة ، وكان حصيلة هذا السبق وهذا التناول المزيد من الدراسات المنهجية المتقدمة التي ما زال للبحث فيها فضل استزادة وريادة ، وللباحث فيها موطن تشبث واستقراء. بيد أن إخضاع هذه المقاييس الفنية في الأشكال ، والموازين الصوتية في القياسات لمحكم الآي المجيد لا يتأتي بيسر وسماح ، ولا يتم بتجوال مجمعي بسيط ، فليس السبيل معبدا ، ولا المعالم من الوضوح بحيث تُستوعب استيعاب المسلمات البديهية ، فقد تتخلل هذا وذاك العقبات التنظيرية ، وقد تعيقه قلة المصادر والموارد ، فيبقى الفكر متكلاً على عبقريته في الإبداع ، والبحث معتمداً على سجيته في الاستنباط ، والباحث بينهما قد يخطىء ويصيب ، والأسنّة من حوله مشرعة ، فهو بأزاء مقارنة صعبة ، وخيارات أهونها ذو عسرة وشدة متصلتين ، حتى ليضيق ـ أحياناً ـ بالحديث حذر المتاهات ، وتجاوز صلب الموضوع.
ومهما يكن من أمر ما قدمناه ، فقد ترعرع هذا البحث المستفيض في خصائص الصوت القرآني وملامحه ومميزاته فيما لم يسبق إليه صوتياً في ستة فصول انتظمت شمل هذا الكتاب ، أشير إليها هنا بالتسمية ، وأحيل معها على خاتمة البحث في استلهام النتائج ، واستقراء الحقائق التي أرجو أن أفيد منها ويفيد الجيل ما نتبصر به بين يدي كنوز القرآن ، ومكنونات التراث ، وفضل العربية على اللغات :
الفصل الأول ، وعنوانه : ( أبعاد الصوت اللغوي ).
وقد تناول بالبحث المركز المفردات الآتية :
١ـ مصطلح الصوت اللغووي.
٢ـ تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين.
٣ـ تطور الصوت اللغوي.
٤ـ نظرية الصوت الغوي.
الفصل الثاني ، وعنوانه : ( منهجية الدرس الصوتي ).
وقد تناول بالبحث المنهجي المفردات الآتية :
١ ـ الخليل بن أحمد ومدرسته الصوتية.
٢ـ الصوت في منهجة سيبويه.
٣ـ الفكر الصوتي عند ابن جني.
٤ـ القرآن والصوت اللغوي.
الفصل الثالث ، وعنوانه: ( البحث اللغوي في فواتح السور القرآنية ) .
وقد تناول بالبحث والتمحيص المفردات الآتية :
١ ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي.
٢ ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني.
٣ ـ جدولة الصوت اللّغوي في فواتح السور عند الزمخشري.
٤ ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي.
٥ ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات.
الفصل الرابع ، وعنوانه : ( الصوت اللغوي في الأداء القرآني ).
وقد كشف المفردات الآتية :
١ ـ أصول الأداء القرآني.
٢ ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني.
٣ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني.
٤ ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني.
٥ ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام.
الفصل الخامس ، وعنوانه: ( الصوت اللغوي في فواصل الآيات القرآنية ).
وقد تناول بالبحث التحليلي المفردات الآتية :
١ـ مصطلح الفاصلة في القرآن.
٢ ـ معرفة فواصل القرآن صوتياً.
٣ ـ ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات.
٤ ـ الإيقاع الصوتي في موسيقي الفواصل.
الفصل السادس ، وعنوانه : ( الدلالة الصوتية في القرآن ).
وقد تناول مظاهر الدلالة الصوتية ، ولمس أبعادها المتشعبة في المفردات الآتية :
١ ـ دلالة الفزع الهائل.
٢ـ الاغراق في مدّ الصوت واستطالته.
٣ ـ الصيغة الصوتية الواحدة.
٤ ـ دلالة الصدى الحالم.
٥ ـ دلالة النغم الصارم.
٦ ـ الصوت بين الشدة واللين.
٧ ـ اللفظ المناسب للصوت المناسب.
وكانت خاتمة البحث في إجمال النتائج التي توصل إليها. واقتضت طبيعة البحث المتنوعة أن تكون مصادره القديمة ومراجعة الحديثة ذات أصناف ثلاثة :
أ ـ كتب الأصوات قديمها وحديثها ، عربيها وأوروبيها.
ب ـ كتب علوم القرآن والتفسير والقراءات.
جـ ـ كتب اللغة والتراث والأدب والبلاغة والنقد. وبعد ، فلا أدعي لهذا البحث الكمال ، ولا لمباحثه الشمولية والاستيعاب ، ولكنه جذوة من ألف القرآن الهادي ، ونفحة من عبيره الفياض ، وضع شاخصاً في معالم الطريق ، عسى أن ينتفع به الناس وأنتفع : «يوم لا ينفع مال وولا بنون *إلا من أتى الله بقلب سليم » وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
النجف الأشرف |
الدكتور محمد حسين علي الصغير أستاذ في جامعة الكوفة |
الفصل الأول
أبعاد الصوت اللغوي
١ ـ مصطلح الصوت اللغوي
٢ ـ تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين
٣ ـ تطوّر الصوت اللغوي
٤ ـ نظرية الصوت اللغوي
مصطلح الصوت الغوي :
الصوت لغة : الجرس ، والجمع أصوات : قال ابن السكّيت : الصوت صوت الإنسان وغيره ، والصائت : الصائح ، ورجل صيّت : أي شديد الصوت(١) .
ورجل صائت : حسن الصوت شديده.
وكل ضرب من الأغنيات صوت من الأصوات(٢) .
وتعريف الصوت مرتبط بأبعاده وموارده ، ومتعين بتقييده بمراده ، وقد أعطى الراغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) خلاصة دقيقة لهذه المصادر، بعد اعتباره الصوت الهواء المنضغط عن قرع جسمين ، وهما ضربان :
صوت مجرد عن تنفس بشيء كالصوت الممتد ، وتنفس بصوت ما. والمتنفس نوعان : غير اختياري كما يكون من الجمادات والحيوانات. ونوع اختياري كما يكون من الإنسان ، وهو ضربان :
١ ـ ضرب باليد كصوت العود وما يجري مجراه.
٢ ـ ضرب بالفم في نطق وغير نطق.
فالمنطوق منه : إما مفرد من الكلام ، وإما مركب كأحد الأنواع من
__________________
(١) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : صوت.
(٢) الخليل ، كتاب العين :٧ | ١٤٦.
الكلام. وغير النطق : كصوت الناي(١) .
وقد ثبت علمياً أن الصوت اهتزازات محسوسة في موجات الهواء ، تنطلق من جهة الصوت ، وتذبذب من مصانعه المصدّرة له ، فتسبح في الفضاء حتى تتلاشى ، يستقر الجزء الأكبر منها في السمع بحسب درجة تذبذبها ، فتوحي بدلائلها ، فرحاً أو حزناً ، نهياً أو أمراً ، خبراً أو إنشاء ، صدى أو موسيقى ، أو شيئاً عادياً مما يفسره التشابك العصبي في الدماغ ، أو يترجمه الحس المتوافر في أجهزة المخ بكل دقائقها ، ولعل في تعريف ابن سينا ( ت : ٤٢٨ هـ ) إشارة إلى جزء من هذا التعريف ، من خلال ربطه الصوت بالتموج ، واندفاعه بسرعة عند الانطلاق ، فهو يقول : « الصوت تموج الهواء ودفعه بقوة وسرعة من أي سبب كان ».(٢) .
ولا كبير أمر في استعراض تمرس علماء العربية بهذا النمط من الدراسات والتحديدات ، وهذا النحو من تلمس الصوت فيزيائياً ، وقياس سرعته ومساحته أمواجياً فقد سبق إليه جملة من الباحثين.(٣) .
والصوت غنائياً : تعبير عن كل لحن يردد على نحو خاص من الترجيع في الشعر العربي له طريقة محددة ، ورسم يعرف به ، لأن الأصوات : مجموعة مختارة من أغاني العرب القديمة والمولدة في أشعارها ومقطعاتها » أمر الرشيد المغنين عنده أن يختاروا له مائة صوت منها فعيونها له. ثم أمرهم باختيار عشرة فاختاروها ، ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا. وحكي أن هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق المذكورة لا تبقي نغمة في الغناء إلا وهي فيها في ألحان موسيقية ثلاثة هي : لحن معبد ، ولحن ابن سريج ، ولحن ابن محرز ، في جملة من الشعر العربي(٤) .
وتسمية هذه الألحان بالأصوات ناظرة إلى الغناء لأنه تلحين الأشعار
__________________
(١) الراغب ، المفردات : ٢٨٨.
(٢) ابن سينا ، أسباب حدوث الحروف : ٧.
(٣) ظ : للتفصيل كلاً من : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ١٢٩ ـ ١٤٥ + خليل العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : ٦ ـ ١١ + المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العرب : بحث.
(٤) ظ : أبو الفرج ، الأغاني : ١|٧ وما بعدها.
الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة ، يوقع كل منها إيقاعاً عند قطعه فتكون نغمة ، ثم تؤلف تلك الأنغام بعضها إلى بعض على نسب متعارفة ، فيلذ سمعها لأجل ذلك التناسب ، وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات. وذلك أنه تبين في علم الموسيقي أن الأصوات تتناسب ، فيكون صوت نصف صوت ، وربع آخر ، وخمس آخر ، وجزءاً من أحد عشر من آخر ، واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب(١) .
والصوت لغوياً : « عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته ، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً ، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها »(٢) .
هذا التعريف لابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) وهو معني بملامح الصوت اللغوي دون سواه ، بدليل تحديده مقاطع الصوت التي تثنيه عن الامتداد والاستطالة ، ويسمى وقفة الانثناء مقطعاً في صيغة اصطلاحية دقيقة ، نتناولها بالبحث في موضعه ، ويسمى المقطع عند الانثناء حرفاً ، ويميز بين الجرس الصوتي لكل حرف معجمي بحسب اختلاف مقاطع الأصوات ، فتلمس لكل حرف جرساً ، ولكل جرس صوتاً.
ولما كانت اللغة أصواتاً يعبر بها كل قوم عن أغراضهم(٣) . فالصوت بوصفه لغوياً في هذه الدراسة يعني : تتبع الظواهر الصوتية لحروف المعجم العربي ، وفي القرآن العظيم بخاصة لأنه حقل البحث ، وذلك من حيث مخارج الأصوات ومدارجها ، وأقسامها وأصنافها ، وأحكامها وعللها ، ودلائلها وخصائصها في أحوال الجهر والهمس والشدة والرخاوة ، وملامح صوائتها وصوامتها في السكون وعند الحركة ، وضوابطها في الأطباق والانفتاح ، مما يتهيأ تنظيره من القرآن ، ويتوافر مثاله الفريد من الكتاب ،
__________________
(١) ظ : ابن خلدون ، المقدمة : فصل في صناعة الغناء.
(٢) ابن جني ، سر صناعة الأعراب : ١|٦.
(٣) ابن جني ، الخصائص : ١|٣٣.
ضمن موازنة محدثة ، ورؤية صوتية معاصرة ، استلهمت التراث في ثرائه ، وتنورت الجديد في إضاءته ، فسارت بين هذين مسيرة الرائد الذي لا يكذب أهله.
ومن هنا فقد توصل هذا البحث إلى أن الأوائل من علماء العربية قد مهدوا بين يدي الأوروبيين جادة البحث المنظم في استكناه الصوت اللغوي ، وأسهموا إسهاماً حقيقياً في إرساء ركائزه الأولى ، مما أتاح لهم فرصة الاستقرار المبكر لحقيقة الأصوات اللغوية ، وسهل عليهم خوض الموضوع بكل تفصيلاته المضنية ، وترويض جماح تعقيداته المتشعبة ، مما سجل للعرب في لغة القرآن أسبقية الكشف العلمي ، والتواصل إلى النتائج التي تواضعت عليها اليوم حركة الأصواتيين العالمية ، بعد المرور بتجربة المعادلات الكاشفة ، والأجهزة الفيزولوجية المتطورة التي أكدت صحة المعلومات الهائلة التي ابتكرها العرب في هذا الميدان. ومصطلح علم الأصوات مصطلح عربي أصيل ، لا شك في هذا لدنيا ، وعلة ذلك : النص على تسميته صراحة دون إغماض ، واستعمال مدلولاته في الاصطلاح الصوتي بكل دقة عند العرب القدامى ، يقول ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) : « ولكن هذا القبيل من هذا العلم ؛ أعني ( علم الأصوات ) والحروف ، له تعلق ومشاركة للموسيقي ، لما فيه من صنعة الأصوات والنغم »(١) .
فهو لا ينص عليه فحسب حتى يربطه بالإيقاع الموسيقي والنغم الصوتي ، وكلاهما منه على وجه ، ولا أحسب أن هذه التمسمية الصريحة بهذه الدلالة الاصطلاحية الناصعة قد سبق إليها ابن جنبي من ذي قبل ، فهو مبتدعها وهو مؤسس مصطلحها المسمى : ( phonemics ).
إن نظرة فاحصة في كتابه الجليل « سر صناعة الأعراب » تؤكد بكل جلاء كونه مخططاً حقيقياً لعلم الصوات متكامل العدة والأسباب ، من خلال المفردات الصوتية الفذة التي بحثها وصنف القول فيها ، متبدئاً بتعداد حروف المعجم وضبط أصولها صوتياً ، وإيغاله في وصف مخارج الحروف وصفاً دقيقاً ، وتقسيمه الأصوات إلى الأقسام التي لم يزد عليها علم
__________________
(١) ابن جني ، سرصناعة الاعراب : ١|١٠.
الصوت الحديث جزءاً ذا بال ، وخوصه لما يعرض على حروف من حذف وترخيم وإعلال وإبدال وإدغام وإشمام ، يضاف إلى هذا رهافة صوتية متأنقة ، وذهنية لغوية وقادة ، تمازج بين اللغة والصوت فتخالهما كياناً واحداً متماسكاً يشد بعضه بعضاً ، ومقارنة هذه المناحي وملاحظتها ، تجده يبتكر مصطلح ( علم الأصوات ) ويضعه موضع البحث الموضوعي الهادف ، لهذا فإن ماتواضع عليه ابن جني من مصطلح علم الأصوات ، يمكن أن يكون الأصل الاصطلاحي الأول لما استقر عليه المصطلح الأوروبي ( الفونولوجي ـ phonology ) : التشكيل الأصواتي ، وهو يعني كل العناية بأثر الصوت اللغوي في تركيب الكلام نحوياً وصرفياً في ضوء الصوت والإيقاع لدى بحثه المصطلح ، والذي تطور فيما بعد للكشف عن الأصوات الإنسانية العالمية المجهولة ، ووضع لذلك مصطلحه الحديث ( الفوناتكس ـ phonetics ).
تقسم الصوت بين العرب والأوروبيين :
لقد اتسم العرب بدقة الملاحظة ، وسلامة الحس الفطري ، في تذوق الأصوات ، فقسموا الحروف إلى طائفتين صوتيتين :
الأصوات الصائتة ، والأصوات الصامتة. فحروف العلة في المعجم العربي وهي : الياء والواو والألف من الصوائت ، وبقية حروف المعجم من الصوامت ، وقد أدركوا جميع الملامح التي ميزت بين هذه الأصوات ، فانقسمت عندهم إلى مجهورة ومهموسة تاره وإلى رخوة وشديدة تارة أخرى ، وإلى أسنانية ولثوية مرة ، والى حنكية ولهوية مرة ، ومن ثم تجد الإشارات الصوتية في كل ملحظ من ملاحظ الأصوات المترامية لدى التقسيم.
يقول الأستاذ ( كاردنر ـ W. H.T. cairdener ) : « لقد سبق العلماء العرب الأصواتيين المحدثين في تصنيف الأصوات حيث أشاروا إلى الأصوات الأسنانية والحنكية واللهوية واللثوية من الصوامت ، وقدموا ملاحظاتهم المضبوطة عن المواقع الدقيقة للّسان والحنك متمثلة بأصوات متعددة وسلموا بصحة اندراجها تحت فصيلتين هما المجهورة والمهموسة ، وللعرب معرفة كبيرة بالتقسيم الثاني الأساسي للأصوات الصحيحة ، حيث يسمّون القسم الأول حروف الشدة ، ويقصدون به
الأصوات الصحيحة المشددة أو المتوترة. أما القسم الثاني فيسمونه حروف الرخاوة ، ويقصدون به الأصوات المرتخية »(١) .
وكان من نتائج مسيرة التطور للبحث الصوتي عند الأوروبيين أن قسموا الأصوات اللغوية إلى قسمين رئيسيين :
الأول : كونسونانتس ـ consonants
الثاني : فزيلز ـ vowels
ويمكن تسمية القسم الأول بالأصوات الساكنة ، وتسمية الثاني بأصوات اللين ، أو هي : الأصوات الصامتة والأصوات الصائتة(٢) . وهذا ما أشار إليه علماء الصوت العرب منذ عهد مبكر لدى اعتبارهم الفتحة والكسرة والضمة ، وألف المدّ ، وياء المدّ ، وواو المدّ : أصوات لين ، وما سواها أصواتاً ساكنة.
ومع أن الاهتمام العربي المبكر كان منصبّا على الأصوات الساكنة وهي الصامتة ، وقد عبر عنها العلماء برموز كتابية معينة إلا أنهم أشاروا إلى الأصوات اللينة وهي الصائتة ، واعتبروها أبعاض تلك الحروف.
وقد كان ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) سبّاقاً إلى هذا الملحظ بقوله : « إعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين وهي : الألف والواو والياء ، فكما أن هذه الحروف ثلاثة فكذلك الحركات ثلاث وهي : الفتحة والكسرة والضمة.
فالفتحة بعض الألف ، والكسرة بعض الياء ، والضمة بعض الواو ، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة : الألف الصغيرة ، والكسرة : الياء الصغيرة ، والضمة : الواو الصغيرة ، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة »(٣) .
والدليل على صحة رأي ابن جني أن الحركات إذا أشبعتها أصبحت حروفاً ، فحركة الفتحة إذا أشبعتها ومددتها أصبحت ألفاً ، وحركة الكسرة
__________________
(١) cairdener | The phonetics of Arbic | p. ١٣ - ١٦ باختصار وتصرف.
(٢) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ٢٦.
(٣) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|١٩.
إذا أشبعتها ومددتها أصبحت ياءّ ، وحركة الضمة إذا أشبعتها ومددتها أصبحت واواً.
فكأن ابن جني يشير بذلك إلى التفاوت في كمية النطق ونوعيته ، فما يسمى بالألف عبارة عن فتحة ممدودة ، وما يسمى بالياء عبارة عن كسرة ممدودة ، وما يسمى بالواو عبارة عن ضمة ممدودة ، والعكس بالعكس.
وقد أفاد من هذا الملحظ الدقيق علماء التلاوة والأداء القرآني ، فنظموا قواعدهم تنظيماً اقتطعوه من علم الأصوات في هذا المجال في كل من المد والأشمام ، والإبدال والإعلال ، والترخيم والإدغام فكان « علم التجويد ».
أما الصوامت من الأصوات عند علماء العربية ، فقد وفق د. عبد الصبور شاهين إلى استقرائها بعامة ، فأعطى لكل صامت خصائصه في العربية من حيث المخرج والصفة ، وذلك من خلال متابعة جيدة للمناخ الأصواتي العالمي ، واضعاً نُصب عينيه برمجة العلماء العرب للأصوات ، فصنع جدولاً فنياً وزع فيه الصوامت العربية على مخارجها وصفاتها ، مقارناً ذلك بالقيم الأصواتية المماثلة في اللغات الأوروبية الحية ، بحيث أعطى كل صوت من الصوامت مميزاته الدقيقة بالشكل الفني المقبول ، أنموذج ذلك الأمثلة الثلاثة التالية من تخطيطه المقارن ، والتي اخترناها للتنظير على صحة ما توصل إليه العرب في صفات الأصوات من مخارج مختلفة ، قد تعطي كشفاً لملامح الأصوات.
هذه الأصوات الثلاثة هي : الباء ، اللام ، الشين ، يقول عنها :
١ ـ الباء : صامت شفوي مزدوج ـ إنفجاري ( شديد ) ـ مجهور ـ مرقق. وهو يقابل في اللغات الأوروبية رمز( B ) وليس في العربية صامت يقابل الرمز ( P ) وهو يختلف في قيمته الأصواتية عن باء العربية بالهمس فقط ، مع اتفاق الصوتين في القيم الأخرى.
٢ ـ اللام : صامت أسناني لثوي ـ مائع ( متوسط ) ـ مجهور ـ جانبي ـ مرقق دائماً ؛ إلا في لفظ الجلالة ، فإنه يفخم إذا كان الانتقال إليه من فتح أو ضم ، فأما إذا كان الانتقال من كسر فإنه يرقق على أصله.
٣ ـ الشين : صامت غاري ملثي ـ إحتكاكي ( رخو ) ـ مهموس ـ مرقق ـ يوصف بالتفشي ، ومعناه أن مخرجه يحتل مساحة كبيرة من منطقة الغار واللثة ، يتصل بها اللسان ، فيكون أثر الاحتكاك في النطق صادراً من نقاط متعددة ، متفشية في الفم(١) .
وينقسم الصوت عند الأوروبيين من خلال علاقته المتماسة بالوترين الصوتيين إلى :
أ ـ مجهور ـ voiced وهو الذي يحرك هذين الوترين.
ب ـ مهموس ـ voiceless وهو الذي لا يحركهما.
وهذا نفسه ما ذهب إليه سيبويه ( ت : ١٨٠ هـ ) في الكتاب ، وابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) في سر صناعة الإعراب كما سيأتي.
ولا أصل لما قيل إن العلماء العرب قد جهلوا شأن ذبذبة الوترين الصوتيين ، فسيبوية يشير إليهما بدلالة كلامه عليهما وإن لم يصرح بهما. فقد أورد أبو سعيد السيرافي ( ت : ٣٦٨ هـ ) في شرحه لكتاب سيبويه ، أنه قال :
« المهموس إذا أخفيته ثم كررته أمكنك ذلك ، وأما المجهور فلا يمكنك فيه. ثم كرر سيبويه التاء بلسانه وأخفى ، فقال : ألاترى كيف يمكن؟ وكرر الطاء والدال وهما من مخرج التاء فلم يمكن.
قال : وإنما الفرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبين المجهور إلا أن تدخله الصوت الذي يخرج من الصدر. فالمجهورة كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر ويجري في الحلق ، ؛ أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها والدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف ، ولا تصل إلى ذلك في المجهور »(٢) .
وهذه الإفاضة من سيبويه تتضمن في جملتها خلاصة قيّمة للتفريق بين المهموس والمجهور في مجال إخفاء الصوت. وإخفاء الصوت إنما يتحقق
__________________
(١) ظ : عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات لمالمبرج : الدراسة ١٢٢ ـ ١٢٦.
(٢) خليل إبراهيم العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : ٤٢ وما بعدها ، وأنظر مصدره.
في المهموسات فلا تتغير ، وهو لا يتحقق في المجهورات ، ويستعاض في تمييزها على ما يسميه بصوت الصدر. « ولعل هذا الصوت هو صدى الذبذبات التي تحدث في الوتريين الصوتيين بالحنجرة »(١) .
وتشبيه ابن جني لجهاز النطق بالناي في انفتاحه وانطباقه تارة ، وبوتر العود في تشكيله الأصداء المختلفة والأصوات المتنوعة « إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلاً غير محصور فالوتر في هذا التمثيل كالحلق ، والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق ، وجريان الصوت فيه غفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة »(٢) .
يمكن أن يفيد الباحث منه إشارته للوترين الصوتيين في حالة الصوت المجهور الذي يحركهما عند الانفتاح ، وحالة الصوت المهموس الذي لا يحركهما عند الانطباق ؛ هذا في تشبيه جهاز النطق بالمزمار. وفي شكيل مجموعة الأصداء المتفاوتة عند ضرب أو حصر آخر الوتر من قبل ضارب العود.
هذا وذاك مما يدلنا على معرفة علماء العربية بالوترين الصوتيين ولو على وجه الإجمال في الإدراك.
وثم تقسيم هائل للأصوات باعتبار مخارجها ، وقد امتاز بابتكاره الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : ١٧٥ هـ ) وهو في نظرنا من أدق مبتكراته ، لأنه انطلق مع الأصوات من مخارجها ، وحقق القول في مساحاتها ، ووضع كل صوت موضعه في تتبع فريد لم يستطع العلم الحديث أن يتخطاه بكل أجهزته المتخصصة والأهم من هذا أن الأدمغة المبدعة في أوروبا لم تستطيع الخروج على مسميات الخليل الصوتية ، ولم تخالفه إلا فيما يتعلق بتقعيد بعض المصطلحات دون تغيير حقائقها بما يتناسب مع اللغة التي انتظمت عليها ، ومع ذلك فهي الأصل الأول لمصطلحات أقسام الأصوات التي سبق إليها الخليل في تطبيق التسميات منطلقة من مسمياتها التي تحدث تلك الأصوات.
__________________
(١) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ١٢٣.
(٢) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ٩ـ ١٠.
يمكن القول بأن تقسيم الأصوات عند الخليل بالإضافة إلى مخارجها ؛ تشتمل على مخطط تفصيلي لعملية إخراج الأصوات وإحداثها ، في شتى تقلباتها المكانية بدءاً من الرئتين في تدفق الهواء وانتهاء بالشفتين عند الميم ، تضاف إليها المميزات الأخرى والخصائص المتعلقة بالأصوات وفضائها ، وفي المستطاع تصنيف مناطق انطلاق الأصوات كما خططه الخليل على النحو الآتي :
١ ـ الذلق : تخرج من ذلق اللسان ، وهو تحديد طرفي اللسان أو طرف غار الفم ، وهي : ( ر. ل. ن ).
٢ ـ الشفوية : تخرج من بين الشفتين خاصة ( ف. ب. م ).
٣ ـ الحلق : مبدؤها من الحلق ( ع. ح. هـ. خ. غ ).
٤ ـ أقصى الحلق : الهمزة وحدها ، ومخرجها من أقصى الحلق مهتوتة مضغوطة.
٥ ـ الجوف : مخرجها من الجوف هاوية في الهواء وهي : ( الياء والواو والألف والهمزة ).
٦ ـ حروف اللين : مخرجها من الرئتين ( ي. و. ا ).
٧ ـ اللهوية : مبدؤها من اللهاء ( ق. ك ).
٨ ـ الشجرية : مبدؤها من شجر الفم ، أي : مخرج الفم ( ج. ش. ض ).
٩ ـ الأسلية : مبدؤها من أسلة اللسان ، وهي مستدق طرف اللسان ( ص. س. ز ).
١٠ ـ النطعية : مبدؤها من نطع الغار الأعلى ( ط. ت. د ).
١١ ـ اللثوية : مبدؤها من اللثة ( ظ. ذ. ث ).
ويضيف إلى هذه الأقسام نوعين من الأصوات هما :
أ ـ الصحاح وهي خمسة وعشرون حرفاً عدا الجوف.
ب ـ الهوائية وهي الياء والواو والألف والهمزة لأنها لا يتعلق بها
شيء(١) . إن هذا النحو المستفيض لطبيعة تقسيم الأصوات ، وتبويب ذلك في مجالات متعددة ، تتلمس حقيقة الصوت مرة كما في الصوائب والصوامت ، وتنظر علاقة الصوت بوتري الصوت مرة كما في المجهور والمهموس ، وتراعي مخارج الأصوات بالنسبة لأجهزة النطق أو التصويت بعامة ، إن هو إلا أصالة صوتية لا تدانيها أصالة بالنسبة لبيئة انطلاق هذه المعلومات معتمدة على النظر والحس والتمحيص الشخصي ، دون الاستعانة بأي رعيل من الأجهزة أو المختبرات.
نتيجة هذا الجهد الشخصي لعلماء العربية ، وصفت لنا شخصية كل صوت باستقلالية تامة ، وذلك كل ما توصل إليه الأوروبيين بعد جهد وعناء ومثابرة جماعية لا فردية.
يقول إبراهيم أنيس « ولقد كان للقدماء من علماء العربية بحوث في الأصوات اللغوية شهد المحدثون الأوروبيين أنها جليلة القدر بالنسبة إلى عصورهم ، وقد أرادوا بها خدمة اللغة العربية والنطق العربية ، ولا سيما في الترتيل القرآني ، ولقرب هؤلاء العلماء من عصور النهضة العربية ، واتصالهم بفصحاء العرب كانوا مرهفي الحس ، دقيقي الملاحظة ، فوصفوا لنا الصوت العربي وصفاً أثار دهشة المستشرقين وإعجابهم »(٢) .
وكان الوصف ما رأيت في الأقسام السالفة.
تطور الصوت اللغوي :
تنتاب اللغات الحية تطورات أصواتية ، تنشأ عنها تغيرات أساسية في اللغات ، فيخيم عن ذلك تغيير ملحوظ بطبيعة الصيغ الكلامية ، ويحدث تطوير في الوحدات التركيبية ، وأهم من ذلك ما ينشأ من تغيير في الأصوات ، يمكن حصره باختصار كبير في عاملين أساسيين هما : التحوّل التأريخي والتحول التركيبي.
التحول التأريخي عبارة عن تغيير وتحوير في القواعد والأصول لنظام
__________________
(١) قارن في هذا عند الخليل ، العين : ٥١ ـ ٦٠.
(٢) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ٥.
الأصوات في اللغة ، نابع عن تحولات المجتمعات البشرية من ساذجة إلى متطورة ، أو من بدائية إلى متحضرة ، وما يرافق هذا التحول من تحول بالعلاقات الاجتماعية ، والمناخ القومي العام ، مما ينطبع أثره على الظواهر الاجتماعية وأبرزها اللغة لأنها أكبر ظواهره التفاهمية والتخاطبية ، فتتحول تدريجياً إلى لغة متطور في كثير من أبعادها المرتبطة بتطور مجتمعها ، إذ لا يمكن أن ينفصل التفكير في تحول مسار لغة ما عن التفكير في تحوّل مسار متكلمي تلك اللغة ، فاللغة في تطورها جزء لا يتجزأ من المحيط في تطوره ، وليس بالضرورة التطور إلى الأفضل بل قد تتطور اللغة إلى شيء آخر يعود بها التدهور والانحطاط ، تفقد فيه جملة من خصائصها الفنية أو الصوتية أو الجمالية ، وتنسلخ فجأة عن ملامحها الذاتية وتستبدلها بما هو أدنى قيمة لغوية.
وقد تزدهر ازدهاراً يفوق حد التصور إذا كانت بسبيل من حماية أصالتها كما هي الحال في اللغة العربية إذ يحرسها القرآن العظيم.
التحول التأريخي هذا لا يعنينا الاهتمام بأمره كثيراً في ظاهرة الصوت اللغوي ، وإنما تعنى هذه الدراسة بالشق الآخر من التحول وهو التحول التركيبي الذي ينشأ عادة نتيجة لظواهر تغيير أصوات اللغة الواحدة ، واستبدال صوت منها بصوت آنياً أو دائمياً ، فما استجاب للإبدال الصوتي الموقت يطلق عليه مصطلح المماثلة ، وما استجاب للإبدال الصوتي الدائم يطلق عليه مصطلح المخالفة. هذا ما يبدو لي في التحول التركيبي ، وهذه علة هذين المصطلحين ، وقد يوافق هذا الفهم قوماً ، وقد لا يرتضيه قوم آخرون ، ولكنه ما توصلت إليه في ظاهرتي المماثلة والمخالفة في التراث العربي واللغة منه بخاصة.
أ ـ المماثلة : Assimilation ، ظاهرة أصواتية تنجم عن مقاربة صوت لصوت ، فكلما اقترب صوت من صوت آخر ، اقتراب كيفية أو مخرج ، حدثت مماثلة ، سواء ماثل أحدهما الآخر أو لم يماثله.
والمماثلة أنواع أبرزها :
١ ـ المماثلة الرجعية ، ومعناها : أن يماثل صوت صوتاً آخر يسبقه.
٢ ـ المماثلة التقدمية ، ومعناها : أن يماثل الصوت الأول الصوت الثاني.
٣ ـ المماثلة المزدوجة ، ومعناها : أن يماثل صوت الصوتين اللذين يحوطانه(١) .
والمماثلة في أنواعها متناسقة الدلالة في اللغة العربية في حالات الجهر والهمس ، والشدة والرخاوة ، والانطباق والانفتاح ، مما يتوافر أمثاله في مجال الصوت ، وتنقل مجراه.
إن انتقال حالة الجهر في الصوت العربي إلى الهمس في المماثلة الرجعية شائع الاستعمال في أزمان موقوتة لا تتعداها أحياناً إلى صنعة الملازمة والدوام ، وإنما تتبع حالة المتكلم عند الممازجة بين الأصوات أو في حالة الإسراع ، وهناك العديد من الكلمات العربية قد أخضعت لقانون المماثلة الرجعية ، وهي أوضح فيما اختاره عبدالصبور شاهين ، فالكلمة ( أخذت ) مثلاً مما نظّر له عنها ، ( أخذت ) حينما تنطق آنياً ( أخَتُ ) فقد آثرت التاء في ( أخذت ) وهي مهموسة ، في الذال قبلها وهي مجهورة ، فأفقدتها جهرها ، وصارت مهموسة مثلها ، وتحولت إلى تاء ، ثم أدغم الصوتان.
أما عن المماثلة التقدمية ، فإن في العربية باباً تقع فيه هذه المماثلة بصورة قياسية ، في صيغة « افتعل ـ افتعالاً » حيث يؤثر الصامت الأول في الثاني ، قال تعالى :( واًدّكَرَ بَعدَ أمَّة أنَا أنَبّئُكُم بتَأويله فَأَرسلُون ) (٢) . الفعل : هو ذكر ، وصيغة ( افتعل ـ افتعالاً ) منه ( إذتكر ـ إذتكاراً ) إذ تزاد الألف في الأول ، والتاء تتوسط بين فاء الفعل وعينه ، فيكون الفعل ( إذتكر ) والذال مجهورة ، والتاء مهموسة ، فتأثرت التاء بجهر الذال ، فعادت مجهورة ، والتاء إذا جهر بها عادت دالاً ، فتكون : ( إذ دكر ) والدال تؤثر في الذال بشدتها ، فتتحول الذال من صامت رخو إلى صامت شديد ( دال ) ثم تدغم الدالان ، فتكون « إدَّكَرَ »(٣) .
__________________
(١) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : ١٤١بتصرف وأختصار.
(٢) يوسف : ٤٥.
(٣) ظ : عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : ١٤٥ بإضافة وتصرف.
ب ـ وأما المخالفة : Dissimilation فتطلق عادة على أي تغيير أصواتي يهدف إلى تأكيد الاختلاف بين وحدتين أصواتيتين ، إذا كانت الوحدات الأصواتية موضوع الخلاف متباعدة(١) أو تؤدي إلى زيادة مدى الخلاف بين الصوتين(٢) .
وقد وهم الدكتور إبراهيم أنيس; بعدّه علماء العربية القدامى لم يفطنوا لظاهرة المخالفة في الأصوات ولم يعنوا بها عناية بالغة(٣) .
بينما يدل الاستقراء المنهجي لعلم الأصوات عند العرب أن قوانين علم الصوت العربي لم تفتها ظاهرة المخالفة بل تابعتها بحدود متناثرة في كتب اللغة والنحو والتصريف ، وهو ما فعله علماء العربية في التنظير للمخالفة تارة ، وبدراستها تارة اخرى ، منذ عهد الخليل بن أحمد ( ت : ١٧٥ هـ ) حتى ابن هشام الأنصاري ( ت : ٧٦١ هـ ).
يقول الدكتور عبد الصبور شاهين « عرفت العربية ظاهرة المخالفة في كلمات مثل : تظنّن ، حيث توالت ثلاث نونات ، فلما استثقل الناطق ذلك تخلص من أحدها بقلبها صوت علة فصارت : تظنى ولها أمثلة في الفصحى مثل : نفث المخ : أنفثته نفثاً ، لغة في نقوته ، إذا استخرجته ، كأنهم أبدلوا الواو تاءّ »(٤) .
وهذا ما ذهب إليه الأستاذ فندريس في ظاهرة المخالفة صوتياً ، وكأنه يترجم تطبيق العرب بأن « يعمل المتكلم حركة نطقية مرة واحدة ، وكان من حقها أن تعمل مرتين »(٥) . فإذا تركنا هاتين الظاهرتين إلى مصطلحين صوتيين آخرين يعنيان بمسايرة تطور الصوت في المقطع أو عند المتكلم ، وهما : النبر والتنغيم ، لم نجد العرب في معزل عن تصورهما تصوراً أولياً إن لم يكن تكاملياً ، وإن لم نجد التسمية الاصطلاحية ، ولكننا قد نجد مادتها التطبيقية في شذرات ثمينة.
__________________
(١) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : ١٤٨.
(٢) ظ : تمام حسان ، مناهج البحث في اللغة : ١٣٤.
(٣) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ٢١١.
(٤) عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : ١٥٠.
(٥) فندريس ، اللغة : ٩٤.
النبر يُعنى عادة بمتابعة العلو في بعض الكلمات لأنه لا يسم وحدة أصواتية واحدة ، بل منظومة من الوحدات الأصواتية(١) .
والتنغيم ـ كما أفهمه ـ يعني عادة بمتابعتة صوت المتكلم في التغيرات الطارئة عليه أصواتياً بما يلائم توقعات النفس الإنسانية للتعبير عن الحالات الشعورية واللاشعورية.
وكان المستشرق الألماني الدكتور براجشتراس قد وقف موقف المتحير حيناً ، والمتسائل حيناً آخر ، من معرفة علماء العربية بمصطلح النبر ، فهو لم يعثر على نص يستند عليه ، ولا أثر يلتجىء إليه في إجابة العربية عن هذا الأمر(٢) .
والحق أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود كما يقال ؛ غير أن القدماء من العرب لم يدرسوا النبر في تأثيره في اللغة ، بل لأنه يعنى بضغط المتكلم على الحرف ، وبذلك ربطوه بالتنغيم أحياناً ، وبالإيقاع الذي يهز النفس ، ويستحوذ على التفكير ، وقد اختار عبد الصبور شاهين مقطعاً من خطبة تروى لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب7 أثبتها وعقب عليها ، قال الإمام علي فيما روي عنه : « من وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال : فيم؟ فقد ضمَّنه ، ومن قال : علام؟ فقد أخفى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزاولة ». وللقارىء أن يتخيل أداء هذه الجمل المتتابعة موقعة على نحو يشد إليها أسماع الناس ، ويستأثر بإعجابهم »(٣) .
الحق أن اللحاظ المشترك بين النبر والتغنيم عند العرب القدامى يجب أن يكون موضع عناية من الناحية النظرية ، مع فرض توافره تطبيقاً
__________________
(١) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : ١٨٧.
(٢) ظ : براجشتراسر ، التطور النحوي : ٤٦.
(٣) عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : ٢٠٠.
قرأنياً في سور متعددة ، وخطابياً عند النبي7 والأئمة والصحابة وفصحاء العرب في جملة من الخطب.
اتضح لزميلنا الدكتور خليل العطية أن ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) في عبارته ( التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم )(١) يمكن أن يشار عنده بها إلى مصطلحي النبر والتنغيم ، بما تتفتّق معاني ألفاظ العبارة من دلالات لغوية فقال :
« وتشير ألفاظ التطويح والتطريح والتّفخيم من خلال معانيها اللغوية إلى رفع الصوت وانخفاضه والذهاب به كل مذهب ، وهي على هذا إشارة الى النبر ، وليس النبر غير عملية عضوية يقصد فيها ارتفاع الصوت المنبور وانخفاضه ، كما أن تمطيط الكلام ، وزوي الوجه وتقطيبه ، مظهر من المظاهر التي تستند عليها ظاهرة التنغيم »(٢) .
فإذا نظرنا إلى تعريف التنغيم عند الأوروبيين بأنه « عبارة عن تتابع النغمات الموسيقية أو الإيقاعات في حدث كلامي معين »(٣) ، ثبت لدينا أن هذا التعريف الفضفاض لا يقف عند حدود في التماس ظاهرة التنغيم وضبطها ، لأن تتابع النغمات والإيقاعات بإضافتها إلى الحدث الكلامي تختلف في هبوطها وصعودها نغماً وإيقاعاً ، فهي غير مستقرة المستويات حتى صنف مداها عند الدكتور تمام حسان إلى اربعة منحنيات : « مرتفع وعال ومتوسط ومنخفض »(٤) .
ومعنى هذا أن ليس بالإمكان قياس مسافة التنغيم ليوضع له رمز معين ، أو إشارة معلمة عند العرب ، لهذا فقد كان دقيقاً ماتوصل إليه زميلنا الدكتور طارق الجنابي باعتباره التنغيم « قرينة صوتيية لا رمز لها ، أو يعسر أن تحدد لها رموز ، ومن ثم لم يكن موضع عناية اللغويين القدامى ، ولكنه وجد من المحدثين اهتماماً خاصاً بعد أن أضحت اللغات المحكية
__________________
(١) ابن جني ، الخصائص : ٢|٣٧٠.
(٢) خليل إبراهيم العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : ٦٧ وما بعدها.
(٣) ماريو باي ، أسس علم اللغة : ٩٣.
(٤) ظ : تمام حسان ، اللغة العربية معناها ومبناها : ٢٢٩.
موضع دراسة في المختبرات الصوتية »(١) .
وفقدان موضع العناية لا يدل على فقدان الموضوع ، فقد كان التنغيم مجال دراسة لجملة من فنون العربية في التراكيب والأساليب ، في تركيب الجملة لدى تعبيرها عن أكثر من حالة نفسية ، وأسلوب البيان لدى تعبيره عن المعنى الواحد بصور متعددة ، وهذا وذاك جزء مهم في علمي المعاني والبيان نحواً وبلاغة ؛ وهي معالم أشبعها العرب بحثا وتمحيصاً ، وإن لم يظهر عليها مصطلح التنغيم.
__________________
(١) طارق عبد عون الجنابي ، قضايا صوتية في النحو العربي : « بحث ».
نظرية الصوت اللغوي
وليس جديداً القول بسبق العرب إلى تأصيل نظرية الصوت اللغوي ، واضطلاعهم بأعباء المصطلح الصوتي منذ القدم ، لقد كان ما قدمناه في « منهج البحث الصوتي عند العرب » وإن كان جزئي الإنارة ، فإنه كاف ـ في الأقل ـ للتدليل على أصالة هذا المنهج ، وصحة متابعته الصوتية في أبعاد لا يختلف بها إثنان.
نضيف إلى ذلك ظاهرة صوتية متميزة في أبحاث العرب لم تبحث في مجال الصوت ، وإنما بحثت في تضاعيف التصريف ، ذلك أن صلة الأصوات وثيقة في الدرس الصّرفي عند العرب في كل جزئياته الصوتية ، فكان ما توصل إليه العرب في مضمار البحث الصرفي عبارة عن استجابة فعلية لمفاهيم الأصوات قبل أن تتبلور دلالتها المعاصرة ، فإذا أضفنا إلى ذلك المجموعة المتناثرة لعناية البحت النحوي بمسائل الصوت خرجنا بحصيلة كبيرة متطورة تؤكد النظرية الصوتية في التطبيق مما يعد تعبيراً حيّاً عن الآثار الصوتية في أمهات الممارسات العربية في مختلف الفنون.
« ولقد كان للقدماء من علماء العربية بحوث في الأصوات اللغوية شهد المحدثون الأوروبيين أنها جليلة القدر بالنسبة إلى عصورهم ، وقد أرادوا بها خدمة اللغة العربية والنطق العربي ، ولا سيما في الترتيل القرآني ، ولقرب هؤلاء العلماء من عصور النهضة العربية ، وإيصالهم بفصحاء العرب كانوا مرهفي الحسّ ، دقيقي الملاحظة ، فوصفوا لنا الصوت العربي وصفاً أثار دهشة المستشرقين وإعجابهم »(١) .
__________________
(١) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ٥.
وهذه البحوث الصوتية التي سبق إليها علماء العربية فأثارت دهشة المستشرقين ، وأفاد منها الأوروبيين في صوتياتهم الدقيقة التي اعتمدت أجهزة التشريح ، وقياس الأصوات في ضوء المكتشفات ، قد أثبتت جملة من الحقائق الصوتية ، كان قد توصل إليها الأوائل عفوياً ، في حسّ صوتي تجربته الذائقة الفطرية ، وبعد أن تأصلت لديهم إلى درجة النضج ، قدّمت منهجاً رصيناً رسّخ فيه المحدثون حيثيثات البحث الصوتي الجديد في المفردات والعرض والأسلوب والنتائج على قواعد علمية سليمة.
لقد قدم العرب والمسلمين مفصّلاً صوتياً مركباً من مظاهر البحث الصوتي يمثل غاية في الدقة والتعقيد ، لم يستند إلى أجهزة متطورة ، بل ابتكرته عقول علمية نيرة ، وأذهان صافية ، تجردت للحقيقة ، وتمحضت للبحث العلمي ، مخلصة فيه النية ، وكانت الخطوط العريضة لهذا العطاء على وجه الإجمال عبارة عن مفردات هائلة ، ونظريات متراصة ، يصلح أن يشكل كل عنوان منها فصلاً من باب ، أو باباً في كتاب ، يستقرىء به الباحث ما قدمه علماء العربية من جهد صوتي متميز واكبه الغربيون بعد ان عبّد طريقه العرب والمسلمون ، هذه المفردات في عنوانات ريادية تمثل الموضوعات الآتية في نظرية الصوت :
١ ـ ظاهرة حدوث الصوت.
٢ ـ معالم الجهاز الصوتي عند الإنسان.
٣ ـ أنواع الأصوات العالمية.
٤ ـ درجات الأصوات في الاهتزازات.
٥ ـ بدايات الأصوات عند المخلوقات.
٦ ـ علاقة الأصوات باللغات الحيّة.
٧ ـ أعضاء النطق وعلاقتها بالأصوات.
٨ ـ الأصوات الصادرة دون أعضاء نطق.
٩ ـ علاقة السمع بالأصوات.
١٠ ـ مقاييس الأصوات امتداداً أو قصراً.
١١ ـ تسميات الأصوات وأصنافها.
١٢ ـ الأصوات الزائدة على حروف المعاجيم.
١٣ـ الزمان والصوت ( مسافت الصوت ).
١٤ـ المكان والصوت ( مساحة الصوت ).
١٥ ـ المقاطع الصوتية بالإضافة إلى مخارج الأصوات.
١٦ ـ النقاء الصوتي.
١٧ ـ الموسيقي والصوت.
١٨ ـ العروض والصوت.
١٩ ـ النبر والصوت.
٢٠ ـ التنغيم والصوت.
٢١ ـ التقريب بين الأصوات.
٢٢ ـ الرموز الكتابية والأصوات.
٢٣ ـ إئتلاف الحروف وعلاقته بالأصوات.
هذه أهم مفردات المصطلح الصوتي في نظرية الصوت اللغوي عند العرب توصلنا إليها من خلال عروض القوم في كتبهم ، وطروحهم في بحوثهم ، وأن لم يشتمل عليها كتاب بعينه ، وإنما جاءت استطراداً في عشرات التصانيف ، ونحن لا نريد حصرها بقدر ما نريد من التنبيه ، أن هذه الموضوعات التي سبق إليها العرب ، هي التي توصل إليها الأوروبيين اليوم ، ومنها استقوا معلوماتهم الأولية ، ولكنهم أضافوا وجددوا وأبدعوا ، وتمرست عندهم المدارس الصوتية الجديدة ، تدعمها أجهزة العلم ، والأموال الطائلة ، والخبرات الناشئة ، مع الصبر على البحث ، والأناة في النتائج.
لقد كان ما قاله المرحوم الأستاذ مصطفى السقا وجماعته في
مقدمتهم لسر صناعة الإعراب ملحظاً جديراً بالاهتمام « والحق أن الدراسة الصوتية قد اكتملت وسائلها وموضوعاتها ومناهجها عند الأوروبيين ، ونحن جديرون أن نقفو آثارهم وننتفع بتجاربهم ، كما انتفعوا هم بتجارب الخليل وسيبويه وابن جني وابن سينا في بدء دراساتهم للأصوات اللغوية »(١) . فالأوروبيون أفادوا من خبراتنا الأصيلة. فهل نحن منتفعون؟
لقد توصل العرب حقاً إلى نتائج صوتية مذهلة أيدها الصوت الغوي الحديث في مستويات هائلة نتيجة لعمق المفردات الصوتية التي خاض غمارها الروّاد القدامى ، وقد أيد هذا التوصل إثنان من كبار العلماء الأوروبيين هما : المستشرق الألماني الكبير الدكتور براجشتراسر ، والعالم الانكليزي اللغوي المعروف الأستاذ فيرث.
أ ـ يقول الدكتور براجشتراسر في معرض حديثه عن علم الأصوات :
« لم يسبق الأوروبيين في هذا العلم إلا قومان : العرب والهنود »(٢) .
ب ـ ويقول الأستاذ فيرث :
« إن علم الأصوات قد نما وشب في خدمة لغتين مقدستين هما : السنسكريتية والعربية »(٣) .
والعرب مقدمون على الهنود في النص الأول لأنهم أسبق ، والسنسكريتية في النص الثاني لغة بائدة آثارية ، والعربية خالدة.
وـ أقف عند رأيين في نظرية الصوت اللغوي :
الأول : توصل الدكتور العطية « أن بعض مباحث العرب في البحث الصوتي داخلة في ( علم الصوت : phonetics ) لاشتماله على دراسة التكوين التشريحي لجهاز النطق والصوت ومكوناته وعناصره وصفاته العامة والخاصة على مستوى المجموعة البشرية. كما أن بعض جوانب ( علم الصوت
__________________
(١) مصطفى السقا وآخرون ، سر صناعة الاعراب ، مقدمة التحقيق : ١٩.
(٢) براجشتراسر ، التطور النحوي : ٥٧.
(٣) ظ : أحمد مختار عمر ، البحث اللغوي عند العرب : ١٠١ وانظر مصدره.
الوظيفي phonolgy ) تبدو جلية في دراسة قوانين التأثر والتأثير ، واستكناه النبر والتنغيم ، وطول الصوت وقصره ، سواء أكان طوله صفة دائمة أم آنية عارضة »(١) .
الثاني : إن الصوت قد فرض نفسه عند العرب في دراسات قد لا تبدو علاقتها واضحة بالصوت ، وقد وقف الدكتور الجنابي عند جملة « من مسائل النحو عرض لها النحويون وتأولوها ، واعتلوا لها بعلل لا تقنع باحثاً ، ولا ترضي متعلماً ، ولكن التفسير الصوتي هو الذي يحل الإشكال ويزيل اللبس بمعزل عن القرائن أو العلاقات المعنوية بين المفردات ، فلا صلة للتغيير الحركي بالفاعلية والمفعولية مثلاً ، ولا رابطة له بالأساليب. وإنما هو لون من الانسجام مع التغيير التلقائي الذي أشرت إليه »(٢) .
هذان الرأيان نلمح بهما تمكن الدرس الصوتي عند العرب ، فجملة مباحثهم صوتياً داخلة في علوم الصوت ، وما لم يجدوا له تعليلاً فيحل إشكاله التفسير الصوتي ، وهذان ملحظان جديران بالتأمل.
أما خلاصة تجارب الأروبيين في المصطلح الصوتي فقد كانت نتيجة حرفية لمداليل النظرية الصوتية عند العرب في نتائج ما توصل إليه علماؤهم الأعلام.
هذه النظرية الصوتية عند العرب عبارة عما توصل إليه العرب من خلال تمرسهم وتجاربهم بنظريات نحوية وصرفية وبيانية وصوتية وإيقاعية وتشريحية شكلت بمجموعها « نظرية الصوت » وهي في تصور تخطيطي تشمل المنظور الآتي :
أ ـ النظرية العربية في الأبجدية الصوتية على أساس المخارج والمدارج والمقاطع كما عند الخليل وسيبويه والفرّاء.
ب ـ النظرية العربية في أجهزة النطق وأعضائه ، وتشبيهه بالناي تارة ، وبالعود في جسّ أوتاره تارة أخرى كما عند ابن جني.
__________________
(١) خليل إبراهيم العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : ١٠٨.
(٢) طارق عبد عون الجنابي ، قضايا صوتية في النحو العربي « بحث ».
ج ـ النظرية العربية في التمييز بين الأصوات عن طريق إخفاء الصوت.
د ـ النظرية العربية في ربط الإعلال والإبدال ، والترخيم والتنغيم ، والمدّ والأشمام بعميلة حدوث الأصوات وإحداثها.
هـ ـ النظرية العربية في التلاؤم بين الحروف وأثره في سلامة الأصوات ، والتنافر فيها وأثره في تنافر الأصوات.
وـ النظرية العربية في أصول الأداء القرآني ، وعروض الشعر والإيقاع الموسيقي ، وعلاقة ذلك بالأصوات.
زـ النظرية العربية في التوصل إلى معالجة التعقيدات النحوية ، والمسوغات الصرفية في ضوء علم الأصوات.
هذا العرض الإشاري لنظرية الصوت اللغوي ، يكفي عادة للتدليل على أصالة النظرية عند العرب ، دون حاجة إلى استجداء المصطلحات الأجنبية ، أو استحسان الجنوح إلى الموارد الأوروبية ، فبحوث العرب في هذا المجال متوافرة ، وقد يقال إن التنظيم يعوزها ، وأنها تفتقر إلى الترتيب الحديث ، للاجابة عن هذه المغالظة نضع بين أيدي الباحثين المنصفين : الفصل الثاني من هذا الكتاب بين يدي الموضوع ، والذي أطمح أن يكون مقنعاً بأمانة وإخلاص في إثبات تنظيم البحث الصوتي ، وسلامة مسيرة الصوت اللغوي ، وموضوعية العرض دون تزيد أو ابتسار في علم الأصوات وعالمها.
والله ولي التوفيق.
الفصل الثاني
منهجية البحث الصوتي
١ـ الخليل بن أحمد ومدرسته الصوتية
٢ـ الصوت في منهجية سيبويه
٣ـ الفكر الصوتي عند ابن جني
٤ ـ القرآن والصوت اللغوي
الخليل ومدرسته الصوتية
ذهب استاذنا الدكتور المخزومي : « أن الخليل أول من التفت إلى صلة الدرس الصوتي بالدراسات اللغوية الصرفية ، الصرفية والنحوية ، ولذلك كان للدراسة الصوتية من عنايته نصيب كبير ، فقد أعاد النظر في ترتيب الأصوات القديمية ، الذي لم يكن مبنياً على أساس منطقي ، ولا على أساس لغوي ، فرتبها بحسب المخارج في الفم ، وكان ذلك فتحاً جديداً ، لأنه كان منطلقاً إلى معرفة خصائص الحروف وصفاتها »(١) .
لم تكن هذه الأولية اعتباطية ، ولا الحكم بها مفاجئاً ، فهما يصدران عن رأي رصين لأن الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : ١٧٥ هـ ) هو أول من وضع الصوت اللغوي موضع تطبيق فني في دراسته اللغوية التي انتظمها كتابه الفريد ( العين ) بل هو أول من جعل الصوت اللغوي أساس اللغة المعجمي ، فكان بذلك الرائد والمؤسس.
لا أريد التحدث عن أهمية كتاب العين في حياة الدرس اللغوي ولكن أود الإشارة أن كتاب العين ذو شقين : الأول المقدمة ، والثاني الكتاب بمادته اللغوية وتصريفاته الإحصائية المبتكرة التي اشتملت على المهمل والمستعمل في لغة العرب.
والذي يعنينا في مدرسة الخليل الصوتية مواكبة هذه المقدمة في منهجيتها لتبويب الكتاب ، وبيان طريقته في الاستقراء ، وإبداعه في
__________________
(١) المخزومي ، في النحو العربي ، قواعد وتطبيق : ٤.
الاحصاء ، ورأيه في الاستنباط ومسلكية التصنيف الجديد ، والأهم الذي نصبو إليه « إن مقدمة العين على إيجازها ؛ أول مادة في علم الأصوات دلت على أصالة علم الخليل ، وأنه صاحب هذا العلم ورائده الأول »(١) .
يبدأ الخليل المقدمة بالصوت اللغوي عند السطر الأول بقوله : « هذا ما ألفه الخيل بن أحمد البصري من حروف :
أ. ب. ت. ث »(٢) .
وأضاف أنه لم يمكنه « أن يبتدىء التأليف من أول : أ ، ب ، ت ، ث ، وهو الألف ، لأن الألف حرف معتل ، فلما فاته الحرف الأول كره أن يبتدىء بالثاني ـ وهو الباء ـ إلا بعد حجة واستقصاء النظر ، فدبّر ونظر إلى الحروف كلها ، وذاقها فوجد مخرج الكلام كله من الحلق ، فصيّر أولاها بالابتداء أدخل حرف في الحلق »(٣) .
ومعنى هذا أن الخليل قد أحاط بالترتيب ( الألفبائي ) من عهد مبكر ، ولم يشأ أن يبتديء به مع اهتدائه إليه ، لأن أول حرف في هذا النظام حرف معتل ، ولا معنى أن يبتدىء بما يليه وهو الباء لأنه ترجيح بلا مرجح ، وتقديم دون أساس ، فذاق الحروف تجريبياً ، فرأى أولاها بالابتداء حروف الحلق ، وذاقها مرة أخرى ، فرأى ( العين ) أدخل حرف منها في الحلق ، بل في أقصى الحلق.
قال ابن كيسان : ( ت :٢٩٩ هـ ) سمعت من يذكر عن الخليل أنه قال : « لم أبدأ بالهمزة لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف ، ولا بالألف لأنها لا تكون في ابتداء كلمة لا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة ، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفية لا صوت لها ، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء ، فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به ليكون أحسن في التأليف »(٤) .
__________________
(١) مقدمة التحقيق لكتاب العين :١|١٠.
(٢) الخليل : كتاب العين : ١|٤٧.
(٣) نفس المصدر :١|٤٧.
(٤) السيوطي : المزهر : ١|٩٠.
وإذا صح ما نقله ابن كيسان ، وستجد في البحث ما يتعارض معه نوعاً ما ـ فالخليل يعتبر الهمزة والألف في الحيز الأول لأصوات حروف المعجم ، ولكنه ينتقل إلى الحيز الثاني فيختار الصوت الأنصع بتذوقه للحرف من مخرجه الصوتي ، وهو يوضح طريقته المبدعة بذاك ، فيجرد من نفسه معنياً يتكلم عنه ، فيقول : « وإنما كان ذواقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ، ثم يظهر الحرف نحو : إب ، إت ، إع ، إغ ، فوجد العين أدخل الحروف في الحلق فجعلها أول الكتاب ، ثم ما قرب منها الأرفع فالأرفع حتى أتى آخرها وهو الميم »(١) .
ومعنى هذا أنه سار مع الحروف مسيرة مختبرية استقرائية ، ابتداء من أقصى الحلق ، فالحلق ، ومروراً بفضائه ، فالأسنان ، وانتهاء بالشفة فالميم عندها ، لأن الميم أرفع حروف الشفة.
وهذا يدل على ذائقة حسية فريدة ، وصبر عنيف على الاستنتاج ، حتى توصل إلى ما توصل إليه ابتداعاً وابتكاراً ، دون الاستعانة بأي جهاز علمي ، إذ لا جهاز آنذاك ، وهو مالم يثبت العلم التشريحي الحديث بكل أجهزته الدقيقة ، ومختبراته الضخمة خلافاً له فيما يبدو إلا يسيراً(٢) .
إن الخليل في ذائقته الصوتية هذه ، قد قلب حروف العربية ، فوضعها في منازل معينة ضمن مخارج صوتية معينة بحسب مدارج مقدرة من أقصى الحلق حتى إطباق الشفة في الميم.
واتضح أن الخليل رحمه الله تعالى قد صنف هذه المخارج إلى عشرة أصناف كالآتي :
١ ـ ع ، ح ، هـ ، خ ، غ.
٢ـ ق ، ك.
٣ ـ ج ، ش ، ض.
__________________
(١) الخليل ، كتاب العين : ١|٤٧.
(٢) ظ : المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العربي : نقد وتحليل : « بحث ».
٤ ـ ص ، س ، ز.
٥ ـ ط ، د ، ت.
٦ ـ ظ ، ث ، ذ.
٧ ـ ز ، ل ، ن.
٨ ـ ف ، ب ، م.
٩ ـ و ، ا ، ي.
١٠ ـ همزة(١) .
ولم يكتف الخليل بهذا التقسيم الفيزولوجي الدقيق بحسب تذوقه الخاص ، بل نصّ على تسمية كل قسم من هذه الأقسام ، وأفاد اللغات العالمية جمعاء ، بأصل من الأصول الأولى في الاصطلاحات الصوتية دون أن يسبقه إلى ذلك سابق ، بل عوّل عليه فيه كل لا حق.
لقد حدد الخليل كل صنف من اصناف الحروف المعجمية على بنية صوتية متميزة ، تحسها كياناً مستقلاً ، وتتذوقها قاعدة صلبة ، وعلل ذلك على أساس صوتي متكامل ، ووعي بأبعاد هذا الأساس ، فكوّن بذلك نظاماً فريداً غير قابل للرد إذ جاء فيه بضرس قاطع لا يختلف به إثنان ، وسيّر ذلك مسيرة نابضة بالحياة لا يلحقها الهرم ، ولا تعوزها النضارة ، فهي غضة طرية في كل حين ، قال الخليل :
« فالعين والحاء والغين والخاء حلقية ، لأن مبدأها من الحلق.
والقاف والكاف لهويتان ، لأن مبدأها من اللهاة.
والجيم والشين والضاد شجرية ، لأن مبدأها من شجر الفم.
والصاد والسين والزاء أسلية ، لأن مبدأها من أسلة اللسان.
والطاء والتاء والدال نطعية ، لأن مبدأها من نطح الغار الأعلى.
__________________
(١) الخليل ، كتاب العين : ١|٤٨.
والظاء والذال والثاء لثوية ، لأن مبدأها من اللثة.
والراء واللام والنون ذلقية ، لأن مبدأها من ذلق اللسان.
والفاء والباء والميم شفوية ، لأن مبدأها من الشفة.
والياء والواو والألف والهمزة هوائية في حيز واحد ، لأنها لا يتعلق بها شيء(١) .
إن هذه التسميات التشخيصية قد نهضت بكيان كل صوت وعادت به إلى نقطة انطلاقه ، واهتداء الخليل إليها بذهنه المتوهج فطنة وذكاءً ، دون مثال يحتذيه عند من سبقه من علماء العربية كنصر بن عاصم الليثي وأبي عمرو بن العلاء لدليل ناصع على موسوعية فذة ، وعبقرية لا تقاس بالأشباه ، كيف لا وبداية إفاضاته الصوتية مبكرة ومبتكرة.
ختم الخليل هذه المقدمة بما بدأه من ملحظ صوتي ليس غير : « بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين ، وهو أقصى الحروف ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب ، وبدأنا الأبنية بالمضاعف لأنه أخف على اللسان ، وأقرب مأخذاً للمتفهم »(٢) . ولمّا كانت هذه المقدمة مشتملة على الإفاضة الصوتية الأولى عند العرب ، فإننا نشير إلى بعض ملامحها بإيجاز وتحديد :
١ ـ لقد أدرك الخليل بفطرته الصافية ، وحسه المتوقد ، أهمية الصوت اللغوي في الدراسات اللغوية المتخصصة ، فأشار إلى أبعادها من ينابيعها الأولى ، فوضع يده على الأصول في انطلاق الأصوات من مخارجها الدقيقة ، وأفرغ جهده الدؤوب في التماس التسميات للمسميّات فطبق بها المفصل ، وتمكن من استنباط طائفة صالحة من الأسرار الصوتية من هذا الخلال ، لذلك فقد كان صحيحاً ما توصل إليه محققا العين أن في المقدمة منه « بواكير معلومات صوتية لم يدركها العلم فيما خلا العربية من اللغات إلا بعد قرون عدة من عصر الخليل »(٣) .
__________________
(١) الخليل ، كتاب العين : ١|٥٨.
(٢) المصدر نفسه : ١|٦٠.
(٣) ظ : مقدمة التحقيق لكتاب العين : ١|١٠.
فقد استعمل الخليل كلمة ( حرف ) للدلالة على إرادة ( صوت ) منها ، فكانت الأصوات عنده هي : الحروف الذلق | الحروف الشفوية | حروف الحلق | حروف أقصى الحلق | الحروف الصحاح | الحروف الصم | حروف الجوف | حروف اللين | حروف مابين عكدة اللسان | الحروف اللهوية | الحروف الشجرية | الحروف الأسلية | الحروف النّطعية | الحروف اللثوية إلخ(١) .
وهو يريد بذلك ، أصوات الذلاقة ، وأصوات الشفة ، وأصوات الحلق ، وأصوات أسلة اللسان الخ.
ولا يكتفي بهذا حتى يسمي هذه الأصوات بالإضافة إلى مخارجها ومدارجها ، ناظراً إلى هيئة المخرج من المدرج ، وما يصطدم بها من أجهزة النطق أو يتجاوزها باندفاع الهواء ، فيصفها في مثل النحو الآتي :
فمنها ما يخرج من الجوف وليس لها حيّز تنسب إليه سواه ، ومنها ما يقع في مدرجة من مدارج اللسان ، وما يقع في مدرجة من مدارج الحلق ، وما يقع من مدرج اللهاة ، وما هي هوائية ، أي أنها في الهواء كالألف اللينة والواو والياء(٢) .
٢ ـ يبتدع الخليل في هذه المقدمة أمراً ذا أهمية قصوى في حياة الأصوات ، فيصنع ـ وبدقة متناهية ـ مخططاً شاملاً لمخرج كل صوت ، ويقارن بين بعض الأصوات ، فيضعها في حيّز متميز عن حيّز الأصوات ألأخرى ، ويعطي بعض الخصائص المفرقة لصوت عن صوت ، ويعالج إلحاق بعض الأصوات ببعض المخارج دون سواها ، فتقف عند العلة والسبب ، وتستظهر العلة التي تخفى ولا تكاد تبين ، يقول الخليل في هذا التخطيط :
« فاقصى الحروف كلها العين ثم الحاء ، ولولا بحة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين.
ثم الهاء ، ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من
____________
(١) (٢) ظ : الخليل ، كتاب العين :١|٥٣ ـ ٥٧.
الحاء ، فهذه ثلاثة أحرف في حيّز واحد بعضها أرفع من بعض ، ثم الخاء والغين في حيّز واحد كلها حلقية.
ثم القاف والكاف لهويتان ، والكاف أرفع.
ثم الجيم والشين والضاد في حيّز واحد.
ثم الصاد والسين والزاء في حيّز واحد.
ثم الطاء والدال والتاء في حيّز احد.
ثم الظاء والذال والثاء في حيّز واحد.
ثم الراء واللام والنون في حيّز واحد.
ثم الفاء والباء والميم في حيّز واحد.
ثم الألف والواو والياء في حيّز واحد.
والهمزة في الهواء لم يكن لها حيّز تنسب إليه(١) . وأقف عند الهمزة ، فهي مختلف فيها ، ففي الوقت الذي لا يوجد لها حيّز عند الخليل ، إلا فيما نسبه إليه ابن كيسان فيما سبق ، نجد سيبويه يبتدىء بها ، ويعتبرها من حروف أقصى الحلق(٢) . في حين يعتبرها ابن جني أول الحروف مخرجاً ، ويبتدىء بها(٣) . بينما يعدّها الخليل هوائية منبعثة من الرئتين ، وقد يوافقه ابن الجزري لأنه يعتبرها صوتاً مرققاً ، سلس النطق ، لا مبالغة في تحقيقه(٤) .
والحق أن الهمزة صوت مهموس غير مجهور ، وقد ذهب دانيال جونز D. Joenes فيما بين ذلك إلى أنه صوت ليس بالمجهور ، ولا هو بالمهموس ، وإنما هو حالة بين حالتين.
وذهب هفنر R.M.Heffner إلى أنه صوت مهموس دائماً ، ويبدو أن لا تعارض بين الرأيين ، فكلاهما قد نفى عن الهمزة صفة الجهر ، ولكن كلاً
__________________
(١) ظ : كتاب العين : ١|٥٧ ـ ٥٨.
(٢) ظ : سيبويه ، الكتاب : ٢|٤٠٥.
(٣) ظ : ابن جني ، سر صناعة الإعراب : ١|٥٠.
(٤) ظ : ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر : ١|٢١٦.
منهما أصدر حكمه بناء على نظرة إلى الحنجرة تختلف عن نظر الآخر ، فجونز قد اعتبر أن للحنجرة ثلاثة أوضاع : الاحتباس ، الانفتاح دون ذبذبة ، الانفتاح مع الذبذبة ، وبذلك تكون الهمزة صوتاً لا هو بالمجهور ولا بالمهموس.
أما هفنر فقد اعتبر أن للحنجرة وظيفتين هما : ذبذبة الأوتار الصوتية ؛ وهي صفة الجهر ، وعدم ذبذبتها وهي صفة الهمس ، ويدخل في حالة عدم الذبذبة احتباس في الحنجرة أو انطلاق فيها في بقية المهموسات ،على أن من المسلم به لدى كل منهما : ان الهمزة عبارة عن احتباس في الحنجرة(١) .
إن هذا العرض إنما تم لجونز وهفنر بعد تقدم العلم الفيزولوجي الذي أعانهما على فهم جهاز الحنجرة بتفصيلات ذبذبته وعدمها ، ومع هذا فقد اختلفا من وجه في الهمزة ، أما الخليل فقد عينها حسياً بذاته دون الاستعانة بخبرة تشريحية معقدة ، وانبعاثها من الرئتين دون حيز تنسب إليه لا يضير معرفته الدقيقة بجهة انطلاقها واصطدامها وخرووجها من فضاء الفم ، إذا كان العلم الحديث يميل إلى رأي سيبويه في الموضوع على فرض أن الخليل لم يعتبرها أول الأصوات ، فسيبويه في الموضوع تلميذ الخليل وابنه حملة علمه ، فالعائدية على الخليل في كلتا الحالتين ، وهذا ما يقرب ما نسبه ابن كيسان إلى الخليل في شأن الهمزة ، فيبدو لنا أنه لم يبدأ بها لأن العين أنصح منها ليس غير.
٣ ـ في هذه المقدمة : إشارات صوتية ، وإشاررات لغوية ، وقد يدخل الملحظ الصوتي ضمن الملحظ اللغوي كما فعل الخليل هذا لدى حديثه عن ألف الخماسي باعتبارها ليست أصلية فقال :
« أدخلت هذه الألفات في الأفعال وأمثالها من الكلام لتكون الألف عماداً سلماً للّسان إلى حرف البناء لأن اللسان لا ينطلق بالساكن من الحروف فيحتاج إلى ألف الوصل »(٢) .
__________________
(١) ظ : عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات : ١٦٧ وما بعدها.
(٢) الخليل ، العين : ١|٤٩.
لقد كان بامكان الخليل التصريح بأن هذه الألف من حروف الزيادة ، ولكنه لم يفعل ، بل أراد وهو معيب بهذه الإرادة ، أنها وسيلة لإخراج الصوت ، فكأن أي صوت لا يمكن للمعرب أن ينطقه ، ولا أن يأخذ الصوت مادته وصفته إلا بعد اعتماده على صوت الألف الأولى قبله ، ومن أجل ذلك دعاها عماداً أو سلّماً ، كما أشار إلى أن إخراج الصوت ، وهو ساكن بصفته : محتاج إلى وسيلة إخراجه ، لأن اللسان لا ينطلق بالساكن من الحروف ، وكانت هذه الوسيلة هي ألف الوصل(١) .
والخليل يراعي هذا التمازج الصوتي في اللغة فيحكم أن الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف. حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به الكلمة ، وحرف يوقف عليه ، فهذه ثلاثة أحرف ، فإن صيرت الثنائي مثل : قد ، هل ، لو ، أسماً أدخلت عليه التشديد فقلت : هذه لوّ مكتوبة ، وهذه قد حسنة الكتبة ، زدت واواً على واو ، ودالاً على دال ، ثم أدغمت وشدّدت. فالتشديد علامة الإدغام ، والحرف الثالث(٢) .
إن هذا الاهتمام السليم في ربط اللغة بالصوت ، واعتبار الصوت امتداداً للبنية التركيبة ، وأصلاً للأفكار المنطورة في اللغة ، هو الذي توصل إليه بعد قرون عدة الأستاذ اللغوي فرديناند دي سوسور في أن اللغة فكرة منظمة مقرونة بالصوت من خلال تأمل عنصرين يشتركان في تأدية اللغة لوظيفتها ، وهما : الأفكار والأصوات من خلال الربط بينهما كما صنع الخليل.
يقول دي سوسور : « إن المادة الصوتية ليست أكثر ثبوتاً ، ولا أشد تحديداً من الفكر : وهي ليست قالباً يصب فيه الفكر بالضرورة ، بل هي مادة مرنة تنقسم في كل حالة إلى أجزاء متميزة لتوفر الدوال significes التي يحتاج إليها الفكر. وبذلك يمكن أن نتصور الحقيقة اللغوية في مجملها على أنها سلسلة من التقسيمات المتجاورة التي حددت على مستويين : المستوى غير المحدد للأفكار المكدسة ، ومستوى الأصوات.
__________________
(١) ظ : مقدمة التحقيق لكتاب العين : ١|١١.
(٢) ظ : الخليل ، العين : ١|٤٩ ـ ٥٠.
إن الدور المميز للغة بالنسبة للفكر ليس وسيلة صوتية مادية للتعبير عن الأفكار ، بل القيام بوظيفة حلقة الوصل بين الفكر والصوت ، في ظروف تؤدي بالضرورة إلى التمييز المتبادل لوحدات الفكر والصوت »(١) .
إن هذا المنحنى من التخطيط الصوتي هو الذي يرمي إليه الخليل في مقدمة العين ليخلص إلى صلة التفاعل الحقيقي بين الأفكار والأصوات ، بل أنه يحصر ما في كتاب العين من لغة وتصريف واشتقاق بمنطق تذوقه لأصوات حروف المعجم « فإذا سئلت عن كلمة وأردت أن تعرف موضعها ، فانظر إلى حروف الكلمة ، فمهما وجدت منها واحداً في الكتاب المقدم ( يعني مقدمة العين ) فهو ذلك الكتاب » ( يعني كتاب العين )(٢) .
فهو يرى في اللغة امتداداً طبيعاً للأصوات أولاً فيربطها بها ارتباط الأصل بالفرع ، ونعني بذلك ربط الأصوات أصلاً ، باللغة باعتبارها متفرعة عن الأصوات.
٤ ـ ولعل أهم ما توصل إليه الخليل في علم الأصوات حصره للمعجم العربي بأبعاد صوتية فضلاً عن وصف الأصوات منفردة ومجتمعة منضمّة إلى سواها. وإني ليمتلكني العجب حينما أجده يضع حداً جديداً ، ومعياراً فنياً متوازناً ، للكلمات العربية باشتمالها على الحروف الذلق والشفوية ؛ وللكلمات الأعجمية التي لا تتشمل على واحد من حروف الذلاقة والشفة.
هذا المقياس الفني الصوتي لدى الخليل لم يخطىء ولا مرة واحدة حتى في كلمة احدة ، فيما له من مقياس ما أكلمه.
يقول الخليل : « فإن وردت عليك كلمة رباعية أو خماسية معرّاة من حروف الذلق أو الشفوية ، ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد أو اثنان أو فوق ذلك ، فاعلم أن تلك الكلمة محدثة مبتدعة ، ليست من كلام العرب ، لأنك لست واجداً من يسمع من كلام العرب
__________________
(١) دي سوسور : علم اللّغة العام : ١٣١ وما بعدها.
(٢) ظ : الخليل ، كتاب العين : ١|٤٧.
بكلمة واحدة رباعية أو خماسية إلاّ وفيها من حروف الذلق أو الشفوية واحد أو اثنان أو أكثر »(١) .
فهو هنا وبحس صوتي جامع مانع : يدرأ الدخيل والمعرّب والمولّد والمحدث والمبتدع عن لغة العرب ، وتلك ميزة ما بعدها ميزة في هذا الخضم المتلاطم من الكلمات واللغى.
قال الليث : قلت : فكيف تكون الكلمة المولدة المبتدعة غير مشوبة بشيء من هذه الحروف؟ فقال نحو :
(الكشعثج والخضعثج والكشعطج وأشباههن ) فهذه مولدات لا تجوز في كلام العرب ، لأنه ليس فيهن شيء من حروف الذلق والشفوية فلا تقبلن منها شيئاً ، وإن أشبه لفظهم وتأليفهم ، فإن النحارير منهم ربما أدخلوا على الناس ما ليس في كلام العرب إرادة اللبس والتعنيت »(٢) .
وليس جديداً بعد العروض السابقة القول بأن الخليل كان ضليعاً بكل تفصيلات الجهاز الصوتي عند الإنسان ، ولا يضيره ـ إن صح ما يقال ـ أن لا يذكر الوترين الصوتيين ، لأنه ليس عالماً بالتشريح ، ولا متخصصاً بجراحة الحنجرة ، وما اضطلع بمهمة طبية قط ، وما ذكره من أجزاء هذا الجهاز فيه الكفاية لعصره إن لم نقل للعصور كافة ، لأنه قد تضمن بكثير من الأبعاد الإشارة لهذه المباحث التي تفرغ لها الأوروبييون.
قال جملة من الأساتيذ :
« ومن أحسن ما عرض له العرب في دراسة الأصوات ما نجده عند الخليل من وصف الجهاز الصوتي ، وهو الحلق والفم إلى الشفتين ، وتقسيمه إياه إلى مناطق ومدارج يختص كل منها بحرف أو مجموعة حروف ، وما أشار إليه من ذوق الحروف لبيان حقيقة المخرج ، فقد هدي بذكائه المتفوق في ذلك إلى مقاييس صحيحة أقرّ كثيراً منها علماء الأصوات المحدثون »(٣) .
__________________
(١) الخليل ، كتاب العين : ١|٥٢.
(٢) المصدر نفسه : ١|٥٢ وما بعدها.
(٣) مصطفى السقا وآخرون ، مقدمة تحقيق سر صناعة الاعراب : ١|١٣.
لقد أهتم علماء الأصوات المحدثون بوصف الجهاز الصوتي ، وبيان وظيفته في تفصيل دقيق استعانوا على تحقيقه بعلم الصوت الفسملجي ، فأعطوا ثمرات جيدة ومفيدة ، ولكنها لا تختلف إلا قليلاً عن معطيات قدماء العرب ، ولقد اقتصر العالم اللغوي دي سوسور ( ١٨٥٧ ـ ١٩١٣ م ) أبرز لغوي أوروبي في العصر الحديث ، اقتصر في وصفه لجهاز الصوت على تجويف الأنف ، وتجويف الفم ، والحنجرة بما في ذلك فتحة لسان المزمار الواقعة بين الوترين الصوتيين ، وكانت المفردات التي أخضعها للدراسة عبارة عن الشفتين ، واللسان ، والأسنان العليا ، والحنك ، واللهاة.
يقول دي سوسور : « إن فتحة لسان المزمار تتألف من عضلتين موازيتين ، أو حبلين صوتيين ، تفتح كلما ابتعدت العضلتان ، بعضهما عن بعض ، وتغلق عندما تقتربان ، وعندما تتسع الفتحة تسمح بدخول الهواء بحرية كاملة فلا يحدث أي تذبذب في الوترين الصوتيين. في حين يحدث مثل هذا التذبذب ( الصوت ) عندما تكون الفتحة ضيّقة. وليس لهذه العملية في إخراج الأصوات بديل عادة.
إن التجويف الأنفي عضو غير متحرك ، ولا يمكن إيقاف تدفق الهواء فيه إلا برفع اللهاة. فهو عبارة عن باب مفتوح أحياناً.
أما تجويف الفم ، فالاحتمالات التي يوفرها أكثر : إذ يمكن استخدام الشفتين لزيادة طول القناة ( تجويف الفم ) كما يمكن دفع الفكين إلى الخارج أو تقليصهما نحو الداخل. وللشفتين واللسان حركات كثيرة مختلفة يمكن استخدامها ، ويتناسب دور هذه الأعضاء في إخراج الأصوات تناسباً طردياً مع مرونة حركتها ، فالحنجرة والتجويف الأنفي ثابتان ، لهما وظيفة ثابتة ويستطيع المرء أن يخرج صوتاً حنجرياً بشد الوترين الصوتيين ، ولكن الحنجرة لا تستطيع أن تخرج أصواتاً متنوعة أما القناة الأنفية فليس لها من وظيفة في النطق سوى إحداث رنين للذبذبات الصوتية وعلى العكس من ذلك يسهم تجويف الفم في إخراج الأصوات وإحداث الرنين.
وموجز القول : إن العناصر التي تسهم في إخراج الأصوات هي :
الهواء إلى الخارج ، والنطق في الفم ، وتذبذب في منطقة الحنجرة ، والرنين الأنفي(١) .
إذن : إندفاع الهواء من الرئتين + النطق في الفم + التّصويت في الحنجرة + الرنين في الأنف = إحداث الأصوات.
بهذا أعطى دي سوسور تفصيلاً مكثفاً لإحداث الأصوات وتوليدها من أجهزتها ، ولكن هذا التفصيل لم يكن ليتأتى له لولا تطور الدراسات الصوتية فسلجياً وفيزيائياً وتشريحياً ، أما الخليل فقد اهتدى لذلك فطرياً على وجه العموم ، واكتشف ولأول مرة كل التفصيلات الصحيحة لجهاز النطق وإحداث الصوت بذهنيته الوقادة دون الاستعانة بأي علم يتسع لمثل إبداعاته الصوتية في بيئته البدوية.
ولم يكن فهم الخليل لأبعاد إحداث الأصوات بمنأى عن الفهم عند دي سوسور ، بل لقد زاد عليه ـ كما عرفت سابقاً ـ في كثير من الخصوصيات الانطلاقية لهذه الأجزاء ـ التي قد تعتبر أولية في مدرسته الصوتية ـ تنم عن إدراك متكامل للموضوع ، وتمرس عميق في قضايا صوتية معقدة.
* * *
__________________
(١) دي سوسور ، علم اللغة العام : ٦٠.
الصوت في منهجية سيبويه
ولو تركنا الخليل ذاته إلى من تأثر بمدرسته لوجدنا جهوداً صوتية متناثرة ، تستند في أغلبها إلى مبتكرات الخليل ، توافقه حيناً ، وتخالفه حيناً آخر. فأعضاء النطق مثلاً عند الخليل وعند سيبويه ( ت : ١٨٠ هـ ) واحدة ، والحروف في مدارجها ، ويعني بها الأصوات تبعاً للخليل ، تبدأ بأقصى الحلق ، وتنتهي بالشفتين ، فهي عند سيبويه كما هي عند الخليل(١) .
ولكن ترتيب الحروف في كتاب سيبويه تخالف ترتيب الخليل ، فحينما وضع الخليل الأبجدية الصوتية للمعجم العربي مبتكراً لها ، خالفه سيبويه في ترتيب تلك الأصوات ، إذ بدأ بالهمزة والألف والهاء ، وقدّم الغين على الخاء ، وأخر القاف عن الكاف وهكذا
يتضح هذا من ترتيبه للحروف على هذا النحو :
همزة. ا. هـ.
ع. ح. غ. خ.
ك. ق.
ض. ج. ش.
ي. ل. ر.
ن. ط. د.
ت. ص.
__________________
(١) ظ : سيبويه ، الكتاب : ٢|٤٠٥.
ز. س. ظ.
ذ. ث. ف.
ب. م. و(١) .
وهذا وإن كان خلافاً جوهرياً في ترتيب مخارج الأصوات ، إلا أنه لا يعني أكثر من العملية الاجتهادية في الموضوع دون الخروج عن الأصل عند الخليل. « كذلك نلاحظ اختلافاً واحداً في ترتيب المجموعات الصوتية بالنظر إلى تقدمها وتأخرها ، فقد جاءت حروف الصغير في كتاب العين بعد الضاد ، وهو حرف حافة اللسان ، والذي عند سيبويه بعد الضاد : حروف الذلاقة. ونتيجة لتقديم حروف الصفير ، فقد وضع مكانها حروف الذلاقة ، ومعنى ذلك أنه في العين حدث تبادل بين حروف الصفير وحروف الزلاقة »(٢) .
إن الاختلاف من هذا القبيل لا يعدو وجهة النظر الصوتية المختلفة ، ولكنه لا يمانع أن تكون آراء سيبويه في الكتاب امتداداً طبيعياً لمدرسة الخليل ، نعم لا ينكر أن لسيبويه ابتكارته المقررة ، فنحن لا نبخس حقه ، ولا نجحد أهميته في منهجة البحث الصوتي ، فقد كان له فضل بذلك لا ينكر ، فتصنيفه لصفات الأصوات في الجهر والهمس والشدة والرخاوة والتوسط ، وكشفه لملامح الإطباق واللين ، وتمييزه لمظاهر الاستطالة والمد والتفشي ، كل أولئك مما يتوّج صوتيته بالأصالة.
ولسيبويه قدم سبق مشهود له في قضايا الإدغام ، وهي معالم صوتية في الصميم ، فقد قدم لها بدراسة علم الأصوات ، كما قدم الخليل معجمه بعلم الأصوات ، فالخليل قد ربط بين اللغة والصوت ، وسيبويه قد ربط بين قضايا الصوت نفسها ، لأن الإدغام قضية صوتية « ونحن نقرر هنا مطمئنين أن سيبويه قد وضع قواعد هذا البحث وأحكامه لا لفترة معينة من الزمن ،
__________________
(١) المصدر السابق والصفحة.
(٢) حسام النعيمي ، الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جنّي : ٢٢٩.
بل يكاد يكون ذلك نهائياً ، وكان تصرفه فيها تصرفاً رائعاً ، صادراً عن عبقرية سبقت الزمن ، فلم يكن ممن جاء بعده من العلماء والباحثين إلا أن اتبعوا نهجه ، واكتفوا بما قال ، ولم يزيدوا بعد سيبويه على ما قال حرفاً ، بل أخدوا يرددون عباراته مع كتبهم ، ويصرحون بأنهم إنما يتبعون مذهبه ، سواء في ذلك علماء النحو وعلماء القراءة »(١) .
وقد يكون في هذا الحكم مبالغة ، ولكنه مقارب للحقيقة في كثير من أبعاده ، إذ كان سبّاقاً إلى الموضوع بحق.
ومما يجلب الانتباة حقاً عند سيبويه في صفات الحروف ومخارجها ، هو تمييزه الدقيق بين صفة الجهر وصفة الهمس فيما أشرنا له في الفصل السابق فمصدر الصوت المجهور يشترك فيه الصدر والفم ، ومصدر الصوت المهموس من الفم وحده ، وبمعنى آخر أن للرئتين عملاً ما في صفة الجهر ، بينما ينفرد الفم بصفة الهمس(٢) .
فتعريف المجهور عنده : « حرف أشبع الاعتماد في موضعه ، ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ، ويجري الصوت. بينما المهموس : حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه »(٣) .
وهو يعبر بالموضع هنا عن المخرج فيما يبدو ، ويجري الصوت عن الشيء الإضافي في حالة الجهر عن حالة الهمس التي يجري النفس معها لا الصوت. « وقد ظلت محاولة سيبويه تفسير المجهور والمهموس من الأصوات قانوناً سار عليه جميع من جاء بعده من النحاة والقراء. إلى أن جاءت بحوث المحدثين فصدقت كثيراً مما قاله في هذا الباب »(٤) .
ومن المفيد الرجوع إلى ما فسره في هذا المجال أستاذنا المرحوم الدكتور ابراهيم أنيس فقد أشبعها بحثاً وتنويراً(٥) .
__________________
(١) عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : ١٩٨.
(٢) سيبويه ، الكتاب : ٢|٢٨٤.
(٣) المصدر نفسه : ٢|٤٠٥.
(٤) عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : ٢٠٥.
(٥) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ٩٢ وما بعدها.
ولا يمكن في منظورنا أن تفصل سيبويه عن مدرسة الخليل في اللغة والأصوات ، فهو الممثل الحقيقي لها فيما نقل لنا من علم الخليل في الكتاب ، وتبقى مدرسة الخليل الصوتية مناراً يستضاء به في كثير من الأبعاد لمن جاء بعده. فابن دريد ( ت : ٣٢١ هـ ) مثلاً ، يذكر في مقدمة الجمهرة إفاضات الخليل بعامة ، ويضيف إليها بعض الإشارات في ائتلاف الحروف والأصوات ، ولكن هذا بالطبع لا يخرجه عن إطار هذه المدرسة في كل الأحوال ، فلديه على سبيل المثال جملة كبيرة من التسميات المتوافقة مع الخليل كالأصوات الرخوة ، والأصوات المطبقة ، والأصوات الشديدة. كما أن له بعض الاجتهادات الصوتية في أكثر الحروف وروداً في الاستعمال ، فأكثرها الواو والياء والهاء ، واقلها الظاء ثم الذال ثم الثاء ثم الشين ثم القاف ثم الخاء ثم النون ثم اللام ثم الراء ثم الباء ثم الميم(١) .
ولا تعلم صحة هذا الاجتهاد إلا بالإحصاء. وليس كثيراً على ابن دريد الإحصاء والاستقصاء.
وبعد مدرسة الخليل نجد ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) مؤصل هذا الفن ومبرمجه ، وأول مضيف له إضافات مهمة ذات قيمة منهجية في الدراسات الصوتية ، بما تواضعنا على تسميته بـ ( الفكر الصوتي عند ابن جني ) أو أن جهود ابن جني في الأصوات ارتفعت إلى مستوى الفكر المخطط والممنهج ، فأفردناه ببحث خاص ، إذ انتهل من هذا الفكر رواد هذا الفن كما سنرى.
__________________
(١) ظ : ابن دريد ، جمهرة اللغة : ١|٣٠٦.
الفكر الصوتي عند ابن جني
نهض ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) بأعباء الصوت اللغوي بما يصح أن نطلق عليه اسم الفكر الصوتي ، إذ تجاوز مرحلة البناء والتأسيس إلى مرحلة التأصيل والنظرية ، فقد تمحض لقضية الأصوات في كتابه ( سر صناعة الإعراب ) مما جعله في عداد المبدعين ، وخطط لموضوعات الصوت مما اعتبر فيه من المؤصلين ، ونحن الآن بأزاء بيان المبادىء العامة لفكره الصوتي دون الدخول في جزئيات الموضوع.
ويجدر بنا في بداية ذلك أن ننتبه لملحظين مهمين ونحن نستعرض هذا الفكر في سر صناعة الاعراب :(١)
أ ـ إن ابن جني كان أول من استعمل مصطلحاً لغوياً للدلالة على هذا العلم ما زلنا نستعمله حتى الآن وهو « علم الأصوات ».
ب ـ إن ابن جني يعدّ الرائد في هذه المدرسة ، وكان على حق في قوله في كتابه : « وما علمت أن أحدا من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض ، ولا أشبعه هذا الإشباع(٢)
وبدءاً من المقدمة يعطيك ابن جني منهجه الصوتي ، لتقرأ فيه فكره ، وتتلمس فلسفته ، وتتثبت من وجهته ، فيذكر أحوال الأصوات في حروف المعجم العربي ( من مخارجها ومدارجها ، وانقسام أصنافها ، وأحكام مجهورها ومهموسها ، وشديدها ورخوها ، وصحيها ومعتلها ، ومطبقها
__________________
(١) ظ : أحمد مختار عمر ، البحث اللغوي عند العرب : ٩٩.
(٢) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|٦٣.
ومنفتحها ، وساكنها ومتحركها ، ومضغوطها ومهتوتها ، ومنحرفها ومشرّبها ، ومستويها ومكررها ، ومستعليها ومنخفضها ، إلى غير ذلك من أجناسها »(١) .
وابن جني في هذا الاسترسال السلس يعطينا مهمة الفكر الصوتي في تحقيق المصطلحات بعامة عن طريق تشخيص المسميات التي أسماها ، وإن سبق إلى بعضها عند الخليل وسيبويه وهو لا يكتفي بهذا القدر حتى يبحث الفروق ، ويعين المميزات ويذكر الخصائص لكل حرف من هذه الأصناف ، ويفرق بينها وبين الحركات ، مع لوازم البحث ومقتضياته ، إلماماً بجميع الجوانب ، وتنقيباً عن كل النوادر المتعلقة بهذه الأبواب فيقول:
« وأذكر فوق مابين الحرف والحركة ، وأين محل الحركة من الحرف : هل هي قبله أو معه أو بعده؟ وأذكر أيضاً الحروف التي هي فروع مستحسنة ، والحروف التي هي فروع مستقبحة ، والحركات التي هي فروع متولدة عن الحركات ، كتفرع الحروف من الحروف. وأذكر أيضاً ما كان من الحروف في حال سكونه له مخرج ما ، فإذا حرك أقلقته الحركة ، وأزالته عن محله في حال سكونه ، وأذكر أيضاً أحوال هذه الحروف في أشكالها ، والغرض في وضع واضعها ، وكيف ألفاظها ما دامت أصواتاً مقطعة ، ثم كيف ألفاظها إذا صارت أسماء معرفة ، ما الذي يتوالى فيه إعلالان بعد نقله ، مما يبقى بعد ذلك من الصحة على قديم حاله ، وما يمكن تركبه ومجاورته من هذه الحروف وما لا يمكن ذلك فيه ، وما يحسن وما يقبح فيه مما ذكرنا ، ثم أفرد ـ فيما بعد ـ لكل حرف منها باباً أغترف فيه ذكر أحواله وتصرفه في الكلام من أصليته وزيادته ، وصحته وعلته ، وقلبه إلى غيره ، وقلب غيره إليه »(٢) .
إن هذا المنهج يكشف عن عمق الفكر الصوتي عند ابن جني إذ يعرض فيه عصارة تجاربه الصوتية دقيقة منظّمة ، ويتفرغ لبحث أصعب المشكلات الصوتية بترتيب حصيف يتنقل فيه من الأدنى إلى الأعلى ، ومن البسيط إلى المركب حتى إذا تكاملت الصورة لديه ، بدأ بالبحث المركز ،
__________________
(١) ابن جني ، سرصناعة الإعراب : ١|٣ ـ ٤.
(٢) المصدر نفسه والصفحة.
فلا ترى حشوة ولا نبوة ، ولا تشاهد تكرارا أو اجتراراً ، فأنت بين يدي مناخ جديد مبوب بأفضل ما يراد من التصنيف والتأليف ، فلا تكاد تستظهر علما مما أفاض حتى يلاحقك علم مثله كالسيل اندفاعاً ، ولعل أبرز ما تعقبه في سر صناعة الاعراب لصوقا بجوهر الصوت الخالص البحوث الآتية :
١ ـ فرق ما بين الصوت والحرف.
٢ ـ ذوق أصوات الحروف.
٣ ـ تشبيه الحلق بآلات الموسيقى ( المزمار ، العود ).
٤ ـ اشتقاق الصوت والحرف.
٥ ـ الحركات أبعاض حروف المد.
٦ ـ العلل وعلاقتها بالأصوات.
٧ ـ مصطلحات الأصوات العشرة التي ذكرها آنفاً مع ما يقابلها.
٨ ـ حروف الذلاقة والأصمات.
٩ ـ حسن تأليف الكلمة من الحروف فيما يتعلق بالفصاحة في اللفظ المفرد ، وتأصيل ذلك على أساس المخارج المتباعدة.
١٠ ـ خصائص كل صوت من حروف المعجم ، وحيثياته ، وجزئياته كافة ، بمباحث متخصصة لم يسبق إليها في أغلبها ، فهي طراز خاص في المنهج والعرض والتبويت.
ولو أضفنا إلى مباحث ( سر صناعة الإعراب ) جملة من مباحثه في جهوده الأخرى لا سيما في كتاب ( الخصائص ) لتوصلنا من ضم بعضها لبعض إلى مجموعة مفضلة من مباحث الصوت اللغوي يمكن رصدها وتصنيفها على النحو الآتي :
١ ـ الصوامت من الحروف والصوائت.
٢ ـ علاقة اللهجات بالأصوات.
٣ ـ علاقة الإعراب بالأصوات.
٤ ـ التقديم والتأخير في حروف الكلمات وتأثيرهما على الصوت.
٥ ـ علاقة الأفعال بالأصوات.
٦ ـ الإعلال والإبدال والإدغام وأثرها في الأصوات.
٧ ـ الأصوات وعلاقتها بالمعاني.
٨ ـ زيادة المبنى الصوتي وأثره في المعنى.
ويبدو لي أن هذه هي أهم الأصول العامة لمباحث الصوت اللغوي عند ابن جني في كتابيه ، والتوسع في كل أصل يقتضي بحثاً متكاملاً في كل مقوماته ، وبذلك يتوصل إلى فكره الصوتي ، في العرض والأسلوب والنتائج ، والسبيل ميسرة أمام الباحثين ، ولا بد لنا من الإشارة لملامح هذا الفكر في نقاط ، لأننا لسنا بأزاء تتبعه ، بل بأزاء القربة إليه لرصد مميزاته ومنهجه في المعالجة والإفاضة والتصنيف.
أولاً : لقد تتبع ابن جني الحروف في المخارج ، ورتبها ونظمها على مقاطع مستفيداً بما ابتكره الخليل ، إلا أنه كان مخالفاً له في الترتيب ، وموافقاً لسيبويه في الأغلب إلا في مقام تقديم الهاء على الألف ، وتسلسل حروف الصفير(١) .
ويرجح الدكتور حسام النعيمي أن تقدم الهاء على الألف في كتاب سيبويه من عمل النسّاخ ، لأن ابن جني ـ وهو أقرب إلى عصر سيبويه من النسّاخ المتأخرين ـ قد نصّ على أن الألف مقدمة على الهاء عند سيبويه ، وإن حروف الصفير وهي ( الزاي ، السنين ، الصاد ) من مخرج واحد فلا يتقدم أحدها على الآخر ، فلم يبال بالتقديم والتأخير بينها لذلك(٢) .
وهكذا كان ترتيب الحروف عند ابن جني على ترتيب المخارج : الهمزة ، الألف ، الهاء ، العين ، الحاء ، الغين ، الخاء ، القاف ، الكاف ، الجيم ، الشين ، الياء ، الضاد ، اللام ، الراء ، النون ، الطاء ، الدال ، التاء ،
__________________
(١) قارن بين : سيبويه ، الكتاب : ٢|٤٠٥ + ابن جني ، سر الصناعة : ١|٥٢ ـ ٥٣.
(٢) ظ : حسام النعيمي ، الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني : ٣٠١.
الصاد ، الزاي ، السين ، الظاء ، الذال ، الثاء ، الفاء ، الباء ، الميم ، والواو ـ(١) .
وهذا الترتيب مخالف للخليل ، وفيه بعض المخالفة لسيبويه في ترتيبه كما يظهر هذا لدى المقارنة في جدولة الترتيبين كما سبق.
وابن جني لا يخفي هذا الخلاف بل ينص عليه ، ويذهب إلى صحة رأيه دونهما فيقول :
« فهذا ترتيب الحروف على مذاقها وتصعدها ، وهو الصحيح ، فأما ترتيبها في كتاب العين ففيه خطل واضطراب ، ومخالفة لما قدمناه آنفاً محاربته سيبويه ، وتلاه أصحابه عليه ، وهو الصواب الذي يشهد التأمل له بصحته »(٢) .
ثانياً : ويضيف ابن جني إتماماً لنظريته في الأصوات : ستة أحرف مستحسنة على حروف المعجم العربي ، وثمانية أحرف فرعية مستقبحة ، ولا يصح ذلك عنده إلا بالسمع والمشافهة ، حتى تكون حروف المعجم مع الحروف الفرعية المستحسنة خمسة وثلاثين حرفاً ، وهما مع الحروف الفرعية المستقبحة ثلاثة وأربعون حرفاً.
ولا معنى لهذه الإضافات من قبله لو لم يكن معنياً بالصوت ، فحروف العربية تسعة وعشرون حرفاً ، لا شك في هذا ، ولكن الحروف المستقبحة والمستحسنة التي أضافها ، وإن لم يكن لها وجود في المعجم العربي ، إلا أن لها أصواتاً في الخارج عند السامعين ، وهو إنما يبحث في الأصوات فأثبتها ، فعادت الأصوات في العربية عنده ثلاثة وأربعين صوتاً ، وهو إحصاء دقيق ، وكشف جديد ، وتثبيت بارع.
وقد ذهب ابن جني في هذه الحروف مذهباً فنياً تدل عليه قرائن الأحوال ، فهو يعطي استعمالها في مواطنه ، وتشخيصها في مواضعه ، فالحروف المستحسنة عنده ، يؤخذ بها في القرآن وفصيح الكلام ، وهي :
__________________
(١) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|٥٠.
(٢) المصدر نفسه : ١|٥٠ ـ ٥١.
« النون الخفيفة ، والهمزة المخففة ، وألف التفخيم ، وألف الإمالة ، والشين التي كالجيم ، والصاد التي كالزاي والحروف الفرعية المستقبحة ، هي فروع غير مستحسنة ، لا يؤخذ بها في القرآن ولا في الشعر ، ولا تكاد توجد إلا في لغة ضعيفة مرذولة ، غير متقبلة. وهي : الكاف التي بين الجيم والكاف ، والجيم التي كالكاف ، والجيم التي كالشين ، والضاد الضعيفة ، والصاد التي كالسين ، والطاء التي كالتاء ، والظاء التي كالثاء ، والباء التي كالميم » (١).
ثالثاً : ويحصر ابن جني مخارج الحروف في ستة عشر مخرجاً ، ناظراً إلى موقعها في أجهزة النطق ، ومنطلقاً معها في صوتيتها ، ويسير ذلك بكل ضبط ودقة وأناقة ، فيقول :
« واعلم أن مخارج هذه الحروف ستة عشر ، ثلاثة منها في الحلق :
١ ـ فأولها من اسفله وأقصاه ، مخرج الهمزة والألف والهاء.
٢ ـ ومن وسط الحلق : مخرج العين والحاء.
٣ ـ ومما فوق ذلك من أول الفم : مخرج الغين والخاء.
٤ ـ ومما فوق ذلك من أقصى اللسان : مخرج القاف.
٥ ـ ومن أسفل من ذلك وأدنى إلى مقدم الفم : مخرج الكاف.
٦ ـ ومن وسط اللسان ، بينه وبين وسط الحنك الأعلى : مخرج الجيم والشين والياء.
٧ ـ ومن أول حافة اللسان وما يليها : مخرج الضاد.
٨ ـ ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ، من بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى ، مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية : مخرج اللام.
٩ ـ ومن طرف اللسان بينه وبين مافويق الثنايا : مخرج النون.
____________
(١) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|٥١.
١٠ ـ ومن مخرج النون ، غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلاً لانحرافه إلى اللام : مخرج الراء.
١١ ـ ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا : مخرج الطاء والدال والتاء.
١٢ ـ ومما بين الثنايا وطرف اللسان : مخرج الصاد والزاي والسين.
١٣ ـ مما بين اللسان وأطراف الثنايا : مخرج الظاء والذال والثاء.
١٤ ـ ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى : مخرج الفاء.
١٥ ـ وما بين الشفتين ، مخرج الباء والميم والواو.
١٦ ـ ومن الخياشيم ، مخرج النون الخفيفة ، ويقال الخفيفة أي : الساكنة ، فذالك ستة عشر مخرجاً »(١) .
وحينما يتابع ابن جني مسيرته الصوتية في مخارج هذه الحروف ، نجده متمحضاً لها في دقة متناهية بما نعتبره أساساً لما تواضع عليه الأوروبييون باسم الفونولوجي phonology أي « التشكيل الأصواتي » أو هو النظام الصوتي في تسمية دي سوسور له وهو ما نميل إليه(٢) .
ومن خلال هذا النظام نضع أيدينا على عدة ظواهر صوتية متميزة في المنهج الصوتي عند ابن جني كشفنا عنها بصورة أولية في عمل أصواتي مستقل سبقت تغطيته(٣) .
وهنا نحاول فلسفتها بصورة متكاملة مقارنة بظروفها المماثلة في الفكر الصوتي الإنساني ، فيما حقق من نظام أصواتي حديث لا يختلف كثيراً عما أبداه ابن جني في الظواهر الآتية :
١ ـ مصدر الصوت ومصطلح المقطع :
يتحدث ابن جني عن مصدر الصوت ، وكيفية حدوثه ، وطريق
__________________
(١) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|٥٢ ـ ٥٣.
(٢) ظ : دي سوسور ، علم اللغة العام : ٥١.
(٣) ظ : المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العرب : بحث.
خروجه ، وعوامل تقاطعه ، واختلاف جرسه بحسب اختلاف مقاطعه ، وبذلك يعطينا الفروق المميزة بين الأصوات والحروف فيقول :
« إعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً ، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته ، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً ، وتختلف أجراس الحروف بحسب مقاطعها ، وإذا تفطنت لذلك وجدته على ما ذكرته لك ، ألا ترى أنك تبتدىء الصوت من أقصى حلقك ، ثم تبلغ به أي المقاطع شئت ، فتجد له جرساً ما ، فإن انتقلت عنه راجعاً منه أو متجاوزاً له ثم قطعت ، أحسست عند ذلك صدى غير الصدى الأول ، وذلك نحو الكاف ، فإنك إذا قطعت بها سمعت هنا صدى ما ، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره ، وإن جزت إلى الجيم سمعت غير ذينك الأولين(١)
هذا العرض في إحداث الصوت كشف لنا عن مصطلح حديث عند الأوروبيين هو المقطع ، وأقف عنده لما استقطبه هذا الاصطلاح الذي سيره « ابن جني » من مناقشات وممارسات أصواتية متميزة ، كان هو الأساس فيها في الدلالة الدقيقة على المعنى المراد دون غيره عند الأصواتيين العالميين.
الأصوات عادة تتجمع في وحدات ، تكون تلك الوحدات أكبر من الأصوات بالضرورة ، لأنها أطول مسافة صوتية ، فتشكل في أكثر من صوت وحدة صوتية معينة ، وأهم هذه الوحدات هو المقطع الذي تذوقه ابن جني ، فرأى فيه ما يثني الكلام عن استطالته وامتداده تارة ، وما تحس به صدى عند تغير الحرف غير الصدى الأول تارة أخرى.
والتعريف البسيط للمقطع هو « تأليف أصواتي بسيط ، تتكون منه واحداً أو أكثر كلمات اللغة ، متفق مع إيقاع التنفس الطبيعي ، ومع نظام اللغة في صوغ مفرداتها »(٢) .
وقد جرى تأليف المقطع العربي على البدء بحرف صامت ، ويثنى
__________________
(١) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|٦.
(٢) عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات ـ الدراسة : ١٦٤.
بحركة ، ولا يبدأ بحركة إطلاقاً خلافاً للغات الأوروبية.
ومن المبادىء الأساسية أن اللغة العربية تبدأ كلماتها بمتحرك واحد ، وتختمها إما بحركة ، فهو المقطع المفتوح. وإما بصامت ، فهو المقطع المقفل. ومن غير الممكن في العربية أن تبدأ الكلمة بمجموعة من الصوامت ، أو أن يتخلل الكلمة أكثر من صامتين متجاورين ، أو أن تختم الكلمة بمجموعة من الأصوات الصامتة(١) .
إذن : حرف صامت + حركة = مقطع ، وهذا هو المقطع القصير ، وقد يضاف إلى هذا حرف صامت ، أو حركة أخرى ، فيكون المقطع طويلاً ، لأنه تجاوزالحد الأدنى من التكوين ، وهو الحرف والحركة ، وتخطاهما إلى ثالث ، حركة كان هذا الثالث أم حرفاً.
والعربية عادة تتكون الغالبية العظمى من كلماتها من ثلاثة مقاطع في المادة دون اشتقاقها ، ففي الثلاثي خذ كلمة : « ذَهَب » في ثلاثة مقاطع هي : ذَ | هَـ | بَ ، وكل مقطع هنا مكوّن من حرف وحركة كما ترى.
قال ابن جني ، مستفيداً بما قدمه الخليل(٢) : « إن الأصول ثلاثة : ثلاثي رباعي وخماسي ، فأكثرها استعمالاً ، وأعدلها تركيباً الثلاثي ، وذلك لأنه : حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به ، وحرف يوقف عليه. وليس اعتدال الثلاثي لقلة حروفه حسب ، لو كان كذلك لكان الثنائي أكثر منه لأنه أقل حروفا فتمكن الثلاثي إنما هو لقلة حروفه لعمري ، ولشيء آخر هو حجز الحشو الذي هو عينه بين فائه ولامه ، وذلك لتعادي حاليهما. ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلا متحركاً وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكناً ، فلما تنافرت حالاهما وسطوا العين حاجزاً بينهما لئلا يفجأوا والحسّ بضد ما كان آخذاً فيه »(٣) .
لقد أدرك الأصواتيون العرب هذا التخطيط المقطعي من ذي قبل
__________________
(١) ظ : عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : ٤٠٩.
(٢) ظ : عبارة الخليل في العين : ١|٤٩.
(٣) ابن جني ، الخصائص : ١|٥٥ ـ ٥٦.
فأكدوا عليه حتى في تقطيع الوزن العروضي للشعر عند الخليل في حدود ، وهو ما أثبته ابن جني في برمجيته للمقاطع في تفصيله.
ولقد أفاد الأوروبيون من هذا الملحظ إفادة تامة ، فقد كان المقطع ـ تبعاً للتفكير التقليدي عند الغربيين ـ يتكون من حركة تعتبر دعامة أو نواة ، يحوطها بعض الصوامت consonnes وعليه بني اسم consonne أي الذي يصوّت مع شيء آخر ، وهو الذي لا يصوت وحده ، وأطلق على الحركات اسم مصوتات sonnetes لأنها قادرة على التصويت دون الاعتماد على شيء آخر ، ومن هنا كان المفهوم الوظيفي للمقطع ، كما جاءت أفكار الحركات والصوامت(١) .
وهو نفسه ما تحدث عنه ابن جني ، وهو الواقع في الفكر الصوتي عند العرب فالحرف لا ينطق وحده فيشكل صوتاً ، إلا بانضمام الحركة إليه ، فيتكون بذالك المقطع الصالح للتصويت.
ويرى أتوجسبرسن otto Jespersen : أن الوحدات الأصواتية تتجمع حول الوحدة الأكثر إسماعاً ، بحسب درجة الوضوح السمعي ، والمقطع طبقاً لرأيه هو المسافة بين حدين أدنيين من الوضوح السمعي.
إن نظرية جسبرسن من بين ما ارتضاه عالم الأصوات الانجليزي دانيال جونز ، فهي وصف جيد للمقطع المثالي ، ولكنها لا تقول شيئاً لنا عما هو جوهري في المقطع ، ولا تقول لنا : أين الحد بين المقاطع ، وهو ما يطلق عليه الحد المقطعي(٢) .
حقاً لقد كان البنيوي السويسري فرديناند دي سوسور أقرب إلى الفكر العربي في تصوره لحدود المقطع الصوتي على أساس درجة الانفتاح في الأصوات ، إذ تتجمع الصوامت حول الحركات تبعاً لدرجة الانفتاح ، فالحد المقطعي يوجد ويتوافر حين يكون التنقل من صوت أكثر انغلاقاً إلى صوت أكثر انفتاحاً(٣) .
__________________
(١) ظ : برتيل مالمبرج ، علم الأصوات : ١٥٥.
(٢) ظ : المرجع نفسه بتصرف : ١٥٧.
(٣) ظ : دي سوسور ، علم اللغة العام : ٧٧ وما بعدها.
إن هذا التوصل إلى حدود المقطع وتعريفاته عند الأوروبيين هو الذي ذهب إليه ابن جني ، وأضاف إليه ذائقة كل مقطع ، قال : « وسبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحروف أن تأتي به ساكناً لا متحركاً ، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره ، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي بعضه ، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله ، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به ، فتقول : اك. اق. اج ؛ وكذلك سائر الحروف ، إلا أن بعض الحروف أشد حصراً للصوت من بعضها »(١) .
وهذا ما نتعتبره ابتكاراً لم يسبق إليه ، إلا فيما عند الخليل في ذواقة للأصوات اب | ات | اع | اغ(٢) .
فإنها مقاطع طويلة مقفلة تكونت من ثلاثة عناصر في كل منها هي الألف والكسرة والحرف : ب | ت | ع | غ.
والمدهش حقاً عند ابن جني أن يهتدي الى سر المقطع من خلال تصريفه لشؤون الحركات ، فهو يعتبر الحركة صوتياً تتبع الحرف ، فتجد بهما الصوت يتبع الحرف « وإنما هذا الصويت التابع لهذه الحروف ونحوها ما وقف عليها ، لأنك لا تنوي الأخذ في حرف غيرها ، فيتمكن الصويت فيظهر ؛ فأنما إذاوصلت هذه الحروف ونحوها فإنك لا تحس معها شيئاً من الصوت كما تجده معها إذا وقف عليها »(٣) .
٢ ـ جهاز الصوت المتنقل :
يتحدث ابن جني عن جهاز الصوت الممتنقل ، أو مجموعة الأجهزة الصوتية في الحلق والفم ، وسماعنا تلك الأصوات المختلفة ، وذلك عند ذائقته للحرف العربي ، ووجدانه الاختلاف في أجراسه ، والتباين في أصدائه فشبه الحلق بالمزمار ، ووصف مخارج الحروف ومدارجها بفتحات هذا المزمار ، وتتوجه عنايه بمجرى الهواء في الفم عند إحداث الأصوات ،
__________________
(١) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|٧.
(٢) ظ : الخليل ، العين : ١|٤٧.
(٣) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : ١|٧.
ويشبهه بمراوحة الزامر أنامله على خروق الناي لسماع الأصوات المتنوعة والتشعبة بحسب تغييره لوضع أنامله لدى فتحتات المزمار ، « فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المسنوقة ، وراوح بين أنامله ، اختلفت الأصوات ، وسمع لكل منها صوت لايشبه صاحبه ، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم ، باعتماد على جهات مختلفة ، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة »(١) .
وكذلك تعقيبه على هذا التمثيل في إحداث الصوت بالنسبة لأوضاع أجهزة الصوت ، بتشبيهه ذلك بوتر العود ، وكيفيية ضربه ببعض أصباع اليسرى أو جسة في اليمنى مما يحدث أصواتاً مختلفة عند تلقي الأذن لذلك فتتذوق من خلال ذلك جوهر الصوت ، كما تتذوقه في أصوات الحروف تبعاً للرقة والصلابة في الوتر ، وكذلك الحال بالنسبة للوترين الصوتيين في جهاز النطق الصوتي عند الإنسان ، يقول :
« ونظير ذلك أيضاً وتر العود ، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل سمعت له صوتاً ، فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه ، أدى صوتاً آخر ، فإن أدناها قليلاً ، سمعت غير الإثنين ، ثم كذلك كلما أذنى إصبعه من أول الوتر غفلاً غير محصور ، تجده بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور ، أملس مهتزاً ، ويختلف ذلك بقدر قوة الوتر صلابته ، وضعفه ورخاوته ، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق ، والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت في أقصى الحلق ، جريان الصوت فيه غفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة ، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع ، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا »(٢) .
إن ما أبداه ابن جني من تفصيل تمثيلي دقيق لجهاز النطق عند الإنسان وأثر انطلاق الهواء مضغوطاً وغير مضغوط في إحداث الأصوات مختلفة بحسب إرادة الناطق أو الموصوّت : هو ما تبناه علم الأصوات
__________________
(١) ابن جني ، سر صناعة الإعراب : ١|٩.
(٢) المصدر نفسه : ١|٩ ـ ١٠.
الفيزيولوجي ( physiology ـ phonnetics ) في الحديث عن الجهاز التنفسي الذي يقدم الهواء المناسب لتكييف حدوث الأصوات ، وعن الحنجرة باعتبارها مفجرة الطاقة الصوتية ، وعن التجاويف فوق المزمارية التي تلعب دور عزف الرنين في إنتاج غالبية الضوضاء المستخدمة في الكلام ، وعن دور التنفس في مرحلتي الشهيق والزفير في اتساع القفص الصدري لدى الشهيق ، فيدعو الهواء الخارجي بسبب هبوط الحجاب الحاجز ، وارتفاع الأضلاع إلى الدخول من فتحتي الأنف أو الفم عبر القصبة الهوائية إلى الرئتين ، فتنتج أصواتاً استثنائية مسموعة عند الأطفال ، أو في حالتي النشيج والضحك.
أما الزفير فيتشمل على ارتفاع الحجاب الحاجز ، وهبوط الأضلاع ، ونتيجة لهذا يندفع الهواء بكمية كبيرة من الرئتين ، هذا الهواء المندفع بالزفير هو الذي يستخدم في التصويت(١) .
إن هذا التحليل الحديث في حدوث الأصوات من وجهة نظر علمية أو تشريحية هو الذي أراده ابن جني في عنايته بمجرى الهواء في عملية إحداث الأصوات ، ولكن بأسلوب يتجاوز مناخ بيئته إلى البيئات المعاصرة ، وتشبيهه لهذا الجهاز بمراوحة الزامر أنامله في خرو الناي لسماع الأصوات لم يعد اليوم تشبيهاً بل عاد تسمية اصطلاحية في علم الأصوات الفيزيولوجي بالنسبة للتصويت ، إذ تطلق كلمة المزمار على الفراغ المثلث المحاط بالحبلين الصوتيين « فالمزمار يكون مفتوحاً في التنفس العادي ، كما يكون مفتوحاً خلال النطق ببعض الصوامت المهموسة ، أما خلال التصويت فإن المزمار يجب أن ينغلق ، على طول الخط الوسيط ، فإذا بقي الجزء الموجود بين الغضروفين الهرميين مفتوحاً ، بحيث يسمح للهواء بالمرور سمعنا صوتاً مستسراً هو صوت الوشوشة ، وإذا كان الإئتلاف كاملاً كان المزمار في وضع الاستعداد للتذبذب ومن الممكن أيضاً أن نقصر التذبذب على جزء من الحبل الصوتي ، وبذلك نختصر طول الجسم المتذبذب ، وهو ما يعطينا نغمة أكثر حدة. هذه المعطيات الفيزيولوجية تتفق اتفاقاً كاملاً مع القوانين الفيزيقية التي تحكم التردد
__________________
(١) ظ : برثيل مالمبرج ، علم الأصوات : ٤٣ بتصرف.
الخاص باسم التذبذب »(١) .
أستطيع القول من خلال النص المتقدم دون مبالغة أو تردد : إن هذا النص يكاد أن يكون ترجمة عصرية لرأي ابن جني في تشبيهه جهاز الصوت لدى التذبذب في إخراج الأصوات بالمزمار ، الذي أصبح اليوم نقطة انطلاق الأصوات باعتباره فراغاً يحاط بالوترين الصوتين ، إذ لم يكن هناك بد عند ابن جني من تلمس جهاز ملموس للاستدلال من خلاله على قضية يصعب الاستدلال عليها في عصره دون النظر إلى ذلك الجهاز ، أما التشبيه الذي عاد اليوم مظنة لمساحة نطقية قرب الحنجرة ، فإنه قد لوّن بصبغة خاضعة لعلم التشريح ، وليس عصر ابن جني عصر تشريح ، ولا هو بمتخصص فيه مع فرض وجود أوليات الموضوع. لذلك جاءت هذه الترجمة معبرة عن رأيه ، أو كاشفة عن تخطيطه تلقائياً ، وحاكية لتشبيهه تمثيلياً ، والأمر المنتزع من الحس ، إذ أقيم عليه الدليل الفعلي ، كان مقارباً للأفهام ، ومسايراً لحركة التفكير.
لقد كان ابن جني موضوعياً في صفة الجهاز المتنقل في الأصوات مما جعله في عداد المؤسسين.
٣ ـ أثر المسموعات في تكوين الأصوات :
ويتمرس ابن جني بعض الحقائق الصوتية ، ولكنه يعرضها بحذر ويقظة ، وقد ينسبها إلى بعض الناس ، وما يدرينا فلعلها له لأنه من بعضهم ، إلا أن له وجهة نظر قد تمنعه من التصريح بها لأسباب عقيدية ، قد لا يسيغها المناخ الاجتماعي في نظره وإن كانت واقعاً.
فهو يتحدث عن صدى الصوت في بداية تكوين اللغة ، وأثر المسموعات الصوتية في نشوء الأصوات الإنسانية ، وهو ينقل ذلك عن بعضهم ، ولكنه يذهب إليه باعتباره مذهباً متقبلاً ، ووجهاً صالحاً للتعليل ، دعماً لنظريته الصوتية التي يربط بها الأشباه والنظائر ، ويحشد لها الدلائل والبراهين ، فيقول :
__________________
(١) المرجع السابق : ٤٧ وما بعدها باختصار.
« وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات إنما هو من الأصوات المسموعات ، كدوي الريح ، وحنين الرعد ، وخرير الماء ، وشحيج الحمار ، ونعيق الغراب ، وصهيل الفرس ، ونزيب الظبي ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك.
وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل »(١) .
فهو يربط بين الأصوات الإنسانية ، وبين أصداء الطبيعة حيناً ، وأصوات الكائنات الحيوانية حيناً آخر ، مما هو من ظوهر الموجودات في الكون ، وبين تكوين اللغات التي نشأت من هذه الأصوات في بداياتها الأولى.
« وقد ذهب إلى هذا الرأي معظم المحدثين من علماء اللغة وعلى رأسهم العلامة وتني Whitney »(٢) .
وهذا ما يوقفنا على رأي الأوروبيين ، وتعليلهم الصوتي في أصل نشوء اللغات ؛ وأهمها في نظرنا ما يوافق ابن جني المنقول آنفاً ، والقائل بامتداد الصوت عند الأنسان عن الصوت الطبيعي للأشياء ، او الصوت الحيواني غير العاقل ، وأن جملة اللغات الإنسانية قد انحدرت من تلك الأصوات.
وهذا لا يمانع أن يكون الله سبحانه وتعالى هو ملهم الأصوات ، ومنشىء اللغات ، ومعلم الكائنات ، فهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي لا تشوبه شائبة ، فالكلام عن هذا شيء والبحث عن أصل اللغات في انطلاق الأصوات شيء آخر.
على أن هناك رأياً آخر يذهب إلى أن أستعمال الإنسان لجهازه الصوتي كان عن طريق التأوهات والشهقات التي صدرت عنه بصورة لا إرادية ، وذلك حينما عبر عن آلامه حيناً ، وآماله حيناً آخر(٣) .
__________________
(١) ابن جني ، الخصائص : ١|٤٦ ـ ٤٧.
(٢) علي عبد الواحد وافي ، علم اللغة : ٩٥.
(٣) ظ : في تفصيل هذه النظريات ، أبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : ٢٠ ـ ٣٥.
٤ ـ محاكاة الأصوات :
وقد ذهب ابن جني مذهباً صوتياً فريداً يربط بين الصوت والفعل تارة ، وبين الصوت والاسم تارة أخرى ، ويبحث علاقة كل منهما بالأخر علاقة حسية ومادية متجسدة ، فجرس الألفاظ ووقعها فيما يحدثه من أصوات وأصداء سمعية قد يكون متجانساً ومقارباً لنوعية عنده فيقول :
« فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهياً بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها ، ألا تراهم قالوا : قضم في اليابس ، وخضم في الرطب. وذلك لقوة القاف وضعف الخاء ، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى ، والصوت الأضعف للفعل الأضعف »(١) .
وتجده يلائم بين الصوت اللغوي وعلاقته بصوت الطائر في الاستطالة والقطع ، فالراء مرددة مكررة مستطيلة ، وصوت الجندب مثلاً مستطيل ، فجعلت له « صرّ » مشددة ، وصوت البازي مثلاً متقطع ، فقطعت الراء فكانت « صرصر » وذلك ما رآه :
« وكذلك قالوا «صر الجندب » فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته ، وقالوا « صرصر البازي » لما هناك من تقطيع صوته »(٢) .
وفي هذا المجال فإن ابن جني لا يقف عند هذا الحد من النظرية والتطبيق ، بل يربط أحياناً بين الأصوات وبين ما سمي به الشيء ، نظراً لمشابهته لذلك الصوت المنطلق من التسمية ، كالبط لصوته ، والواق للصرد لصوته ، وغاق للغراب لصوته(٣) .
وهو بهذا يذهب مذهب من يجد مناسبة ما بين الصوت والمعنى ، لا سيما عند البلاغيين في التماس علاقة اللفظ بالمعنى ، أو في الدلالة الحسية للفظ بالمعنى ، وهو من باب تسمية الشيء باسم صوته ، وتلك مقولة صحيحة في جملة من الأبعاد ، وحقيقة في كثير من المسميات والتسميات.
__________________
(١) ابن جني ، الخصائص : ١|٦٥.
(٢) المصدر نفسه : ١|١٦٥.
(٣) المصدر نفسه ٢|١٦٥.
وابن جني يؤكّد هذه الحقيقة في المفردات اللغوية ، ليعطيها صفة صوتية متمازجة ، فالعرب « قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها ، وتقديم ما يضاهي أول الحديث ، وتأخير ما يضاهي آخره ، وتوسيط ما يضاهي أوسطه ، سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب ، وذلك كقولهم : بحث ، فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض ، والحاء لصلحها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض ، والثاء للنفث والبث للتراب «(١) .
ولا غرابة بعد هذا أن نجد صيغتين من صيغ العربية تدلان على الحدث الصوتي من جانبين :
أ ـ فعال ، وتستعمل في جزء كبير منها للدلالة على الأصوات والضوضاء مثل : صراخ.
ب ـ فعللة ، فإنها تستعمل في العربية في جزء كبير منها للدلالة على حكايات الأصوات مثل : « الغرغرة » فإن صوتها من جنس تشكيل حروفها لفظياً ، وإن معناها صدى من أصداء صوتها.
هذا نفسه هو ما ينجم عن التوليد الصوتي للألفاظ عند الأوروبيين ، كما في الكلمة ( قهقه ) والأصوات فيها دليل من دلائل المعنى ، وإذا أضفنا إلى ( قهقه ) ( تمايل ) فإننا سنجد في الكلمة الأولى حدث تقليد صوت لصوت آخر ، وفي الثانية ترجمت الحركة ترجمة بيانية بوسائل صوتية.
والمصطلح الذي يغلب إطلاقه في حالة الكلمات التي من هذا النوع هو ( محاكاة الأصوات Onomatopeid )(٢) .
هذه جولة قد تكون نافعة فيما أوجده لنا ابن جني من تأصيل صوتي لكثير من الملامح والخصائص والمكتشفات.
__________________
(١) ابن جنيّ ، الخصائص : | ١٦٢ ـ ١٦٣.
(٢) ظ : ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللّغة : ٧٣ ـ ٧٤ بتصرف.
القرآن والصوت اللغوي
اتخذت المباحث الصوتية عند العرب القرآن أساساً لتطلعاتها ، وآياته مضماراُ لاستلهام نتائجها ، وهي حينما تمازج بين الأصوات واللغة ، وتقارب بين اللغة والفكر ، فإنما تتجه بطبيعتها التفكيرية لرصد تلك الأبعاد مسخرة لخدمة القرآن الكريم ، فالقرآن كتاب هداية وتشريع لا شك في هذا ، ولكنه من جانب لغوي كتاب العربية الخالد ، يحرس لسانها ، ويقوّم أود بيانها ، فهي محفوظة به ، وهو محفوظ بالله تعالى :( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون ) (١) . لهذا بقيت العربية في ذروة عطائها الذي لا ينضب ، وظلت إضاءتها في قمة ألقها الذي لا يخبو ، فكم من لغة قد تدهورت وتعرضت لعوامل الانحطاط ، وانحسرت أصالتها برطانة الدخيل المتحكم من اللغى الأخرى ، فذابت وخمد شعاعها الهادي ؛ إلا العربية فلها مدد من القرآن ، ورافد من بحره المتدفق بالحياة ، تحسه وكأنك تلمسه ، وتعقله وكأنك تبصره ، فهو حقيقة مستطيلة لا تجحد ، مسك القرآن باللسان العربي عن الانزلاق ، وأفعم التزود اللغوي عن الارتياد في لغات متماثلة ، حتى عاد اللسان متمرساً على الإبداع ، والتزود سبيلاً للثقافات الفياضة ، لا يحتاج إلى لغة ما ، بل تحتاجه كل لغة.
ورصد أية ظاهرة لغوية يعني العناية باللغة ذاتها ، ويتوجه إلى ترصين دعائمها من الأصل ، لأن الأصوات بانضمام بعضها إلى بعض تشكل مفردات تلك اللغة ، والمفردات وحدها تمثل معجمها ، وبتأليفها تمثل الكلام في تلك اللغة ، والقدرة على تناسق هذا الكلام وتآلفه ، من مهمة
__________________
(١) الحجر : ٩.
الأصوات في تناسقها وتآلفها ، وتنافر الكلمات وتهافتها قد يعود على الأصوات في قرب مخارجها أو تباعدها ، أو في طبيعة تركيبها وتماسها ، أو من تداخل مقاطعها وتضامهّا ، ذلك أن اللغة أصوات. « ومصدر الصوت الإنساني في معظم الأحيان هو الحنجرة ، أوبعبارة أدق : الوتران الصوتيان فيها ، فاهتزازات هذين التوترين هي التي تنطلق من الفم أو الأنف ثم تنتقل خلال الهواء الخارجي »(١) .
ولغتنا العربية كبقية لغات العالم ؛ عبارة عن أصوات متآلفة تنطلق من الوترين الصوتيين لتأخذ طريقها إلى الخارج.
بيد أن العربية سميت باسم صوت متميز بين الأصوات فعاد معلماً لها ، ومؤشراً عليها ، فقيل : لغة الضاد.
ومع أن ابن فارس ( ت : ٣٩٥ هـ ) يقول :
« ومما اختصت به لغة العرب الحاء والظاء »(٢) . إلا أن الضاد يبقى صوتاً صارخاً في العربية لا مشابه له في اللغات العالمية ، بل وحتى في اللغات السامية القريبة الأصر من اللغة العربية ، وكان لهذا الصوت نصيبه من الالتباس بصوت « الظاء » فكانت الإشارة منا في عمل مستقل إلى الاختلاف فيما بين الضاد والضاء حتى عند العرب انفسهم ، وأن الالتباس بالضاد كان ناجماً عن مقاربتها للضاء في الآداء ، وعدم تمييز هذين الصوتين حتى لدى العرب المتأخرين عن عصر القرآن(٣) .
ومن عجائب القرآن الأدائية ، وضعه هذين الصوتين في سياق واحد ، وبعرض مختلف ، في مواضع عديدة من القرآن ، ذلك من أجل الدربة الدقيقة على التلفظ بهما ، والمران على استعمالهما منفصلين ، بتفخيم الضاد وترقيق الضاء ، قال تعالى :( ولئن رجعت إلى ربى إنّ لي عنده للحسنى فلننبئنّ الّذين كفروا بما عملوا ولنذيقنّهم من عذاب غليظ *وإذا أنعمنا على
__________________
(١) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ٨.
(٢) ابن فارس ، الصاحبي في فقه اللغة : ١٠٠.
(٣) المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العرب : بحث.
الإنسان اعرض ونئا بجانبه وإذا مسّه الشّرّ ) (١) . فالظاء في ( غليظ ) والضاد في ( أعرض ) وفي ( عريض ) مما تواضع الأوئل على قراءته بكل دقة وتمحيص ، وميزوا بذائقتهم الفطرية فيما بين الصوتين.
والحاء بالعربية تنطق « هاء » في بعض اللغات السامية ، وكذلك صوتها في اللغات الأوروبية ، فهما من مخرج واحد « ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء »(٢) .
ولعمق التوجه الصوتي في القرآن لدى التمييز بين المقاربات نجده يضعهما في سياق واحد في كثير من الآيات ، من أجل السليقة العربية الخالصة ، قال تعالى :
( فسيحوا في الأرض اربعة أشهر واعلموا انكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكفرين *وأذن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ) (٣) .
فالحاء من « فسيحوا » والهاء من «أشهر » في الآية الأولى إلى جنب الهاء من « الله ورسوله » والحاء من «الحج » في الآية الثانية ، جاءت جميعها بسياق قرآني متناسق في هدف مشترك للتمييز بين الصوتين حيناً ، وللحفاظ على خصائص العربية حيناً آخر ، ولبيان اختلاطهما عند غير العربي المحض ، فلا يستطيع أداء « الحاء » تأديته « الهاء » إذ قد يلتبسان عليه ، وهو جانب فني حرص القرآن على كشفه بعيداً عن الغرض الديني إلا في وجوب أداء القرآن قراءة كما نزل عربياً مبيناً.
لهذا نرى أن القرآن هو القاعدة الصلبة للنطق العربي الصحيح لجملة أصوات اللغة ، ولا سيما الضاد والظاء أوالحاء والهاء ، في التمرس عليهما والتفريق الدقيق بينهما.
ولقد كان سليماً جداً ما توصل إليه صديقنا المفضل الدكتور أحمد مطلوب عضو المجمع العلمي العراقي بقوله :
__________________
(١) حم السجدة ( فصلت ) : ٥٠ ـ ٥١.
(٢) الخليل ، كتاب العين : ١|٥٧.
(٣) التوبة : ٢ـ ٣.
« إن من أهم خصائص العربية ثبات أصوات الحروف فيها ، لأن جوهر الصوت العربي بقي واضحاً ، وهو ما يتمثل في قراءة القرآن الكريم وإخراج الحروف الصامتة إخراجاً يكاد يكون واحداً »(١) . لأن اللغة العربية تستمد أصولها من القرآن ، بل تبقى أصولها ثابتة في القرآن ، وأولويات هذه الأصول هي الأصوات لأن الأصوات أصل اللغات.
ولا غرابة بعد هذا أن يكون استقراء ملامح الظاهرة الصوتية في التراث العربي الإسلامي يوصلنا إلى أن القرآن الكريم هو المنطلق الأساس فيها ، وأنه قد نبه بتأكيد بالغ على مهمة الصوت اللغوي في إثارة الإحساس الوجداني عند العرب ، وإيقاظ الضمائر الإنسانية للتوجه نحوه لدى استعماله الحروف الهجائية المقطعة في جمهرة من فواتح السور القرآنية ، وفي أسرار فواصل الآيات ، وفي قيم الأداء القرآني ، وفي الدلالة الصوتية للألفاظ في القرآن ، وهو ما خصصت له هذه الرسالة فصولاً مستقلة ، شكلت المادة الأولية للبنات الموضوع ، ونهضت بمفصّل حيثيات الصوت اللغوي في القرآن.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن البداية في اعتماد الصوت اللغوي في القرآن ضمن الدراسات العربية قد جاء ضمن مجموعتين دراستين هما : الدراسات القرآنية والدراسات البلاغية ، ولا بد من الإشارة قبل ذلك إلى تردد جهود بعض الفلاسفة الموسوعيين لمجمل حياة الأصوات تمهيداً لخوضها في القرآن.
فهذا ابن سينا ( ت : ٤٢٨ هـ ) يضع رسالة متخصصة نادرة في الأصوات أسماها ( أسباب حدوث الحروف )(٢) . وقد كان متمرساً فيها للإشارات الصوتية وتمييزها في الأسماع ، وتحدث عن مخارج الأصوات وغضاريف الحنجرة ، وعرض للفم واللسان تشريحياً وطبياً وتركيبياً ، وعني عناية خاصة بترتيب مخارج الصوت العربي مقارناً باللغات الأخرى بحسب تركيب أجهزة الصوت الإنساني ، وبحث مميزات الحرف العربي صوتياً ،
__________________
(١) أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : ٢٧.
(٢) طبعت في القاهرة ، ١٣٣٢ هـ + ١٣٥٢ هـ.
وحكم جهازه السمعي في معرفة الأصوات وأثر تذبذبها. وأما الدراسات القرآنية ، فقد انطلقت إلى دراسة الأصوات من خلال الفصول القادمة في الرسالة ضمن موضوعاتها الدقيقة المتخصصة ، وكانت على نوعين كتب إعجاز القرآن وكتب القراءات. أما كتب إعجاز القرآن ، فقد كان المجلي فيها بالنسبة للصوت اللغوي علي بن عيسى الرماني ( ت : ٣٨٦ هـ ) فهو أبرز الدارسين صوتياً ، وأقدمهم سبقاً إلى الموضوع ، وأولهم تمرساً فيه ، إلا أنه بالضرورة قد مزج بين دراسة الأصوات وعلم المعاني مطبقاً تجاربه في باب التلاؤم تارة ، ومتخصصاً لدراسة فواصل الآيات بلاغياً كما سيأتي في موضعه.
أما التلاؤم الصوتي عند الرماني فهو نقيض التنافر ، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، لأن تأليف الكلام على ثلاثة أوجه : متنافر ، ومتلائم في الطبقة الوسطى ، ومتلائم في الطبقة العليا(١) .
ويعود الرماني بالتلاؤم إلى تجانس الأصوات ، ولما كانت أصوات القرآن متجانسة تماماً ، فإن القرآن كله متلائم في الطبقة العليا ، وذلك بيّن لمن تأمله ، والفرق بين القرآن وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى ، وبعض الناس أشد إحساساً بذلك وفطنة له من بعض(٢) .
ويبحث الرماني التلاؤم في أصوات القرآن من وجوه :
١ ـ السبب في التلاؤم ويعود به إلى تعديل الحروف في التأليف ، فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤماً.
٢ ـ والفائدة في التلاؤم ، يعود بها إلى حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة.
٣ ـ وظاهرة التلاؤم ، ويعود بها إلى مخارج الحروف في اختلافها ،
____________
(١) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : ٩٤.
(٢) المصدر نفسه : ٩٥.
فمنها ما هو من أقصى الحلق ، ومنها ما هو من أدنى الفم ، ومنها ما هو في الوسط بين ذلك.
« والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد أو قرب شديد. وذلك يظهر بسهولته على اللسان ، وحسنه في الأسماع ، وتقبله في الطباع ، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ؛ ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام »(١) .
وأما كتب القراءات ، فقد انتهى كثير منها بإعطاء مصطلحات صوتية اقترنت بالنحو تارة وباللغة تارة أخرى ، وتمحضت للصوت القرآني بينهما ، وكان ذلك في بحوث متميزة برز منها : الإدغام ، الإبدال ، الإعلال ، الإخفاء ، الإظهار ، الإشمام ، الإمالة ، الإشباع ، المدّ ، التفخيم ، الترقيق مما اصطنعه علماء الآداء الصوتي للقرآن كما سيأتي بحثه في حينه.
الحق أن الصوت اللغوي في القرآن قد بحث متناثراً هنا وهناك في مفردات حية ، تتابع عليها جملة من الأعلام المبرزين الذين اتسمت جهودهم بالموضوعية والتجرد وبيان الحقيقة ، كان منهم : علي بن عيسى الرماني ( ت : ٣٨٦ هـ ) وأبو بكر الباملاني ( ت : ٤٠٣ هـ ) وأبو عمر الداني ( ت : ٤٤٤ هـ ) ومحمد بن الحسن الطوسي ( ت : ٤٦٠ هـ ) وجار الله الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) وأبو علي الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ ) وعبدالله بن محمد النكزاوي ( ت : ٦٨٣ هـ ) وإبراهيم بن عمر الجعبري ( ت : ٧٣٢ هـ ) وبدر الدين الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) وجلال الدين السيوطي ( ت : ٩١١ هـ ).
وأما الدراسات البلاغية التي اشتملت على خصائص الأصوات فقد بحثت على أيدي علماء متمرسين كالشريف الرضي ( ت : ٤٠٦ هـ ) وعبد القاهر الجرجاني ( ت : ٤٧١ هـ ) وابن سنان الخفاجي ( ت : ٤٦٦ هـ ) وابي يعقوب السكاكي ( ت : ٦٢٦ هـ ) وأضرابهم :
وكانت مباحثهم طبقاً لتوجه علم المعاني ، وتزاحم الأصوات في قبول ذائقتها النطقية أو السّمعية ورفضها ، من خلال : تنافر الحروف ، تلاؤم الأصوات ، التعقيد اللفظي ، التعقيد المعنوي ، فصاحة اللفظ المفرد ؛ مما
__________________
(١) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : ٩٦.
هو معلوم في مثل هذه المباحث مما يتعلق بالصوت منها ، وخلصت إلى القول بخلو القرآن العظيم من التنافر في الكلمات ، أو التشادق في الألفاظ ، أو العسر في النطق ، أو المجانبة للأسماع ، وكونه في الطبقة العليا من الكلام في تناسقه وتركيبه وتلاؤمه.
أما ما يتعلق بالأصوات من مخارجها في موضوع التنافر فلهم بذلك رأيان :
الأول : أن التنافر يحصل بين البعد الشديد أو القرب الشديد وقد نسب الرماني هذا الرأي إلى الخليل « وذلك أنه إذا بَعٌد الشديد كان بمنزلة الطفر ، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد ، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه ، وكلاهما صعب على اللسان ، والسهولة من ذلك في الاعتدال ، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال »(١) .
الثاني : أن التنافر يحصل في قرب المخارج فقط وهو ما يذهب إليه ابن سنان الخفاجي ( ت : ٤٦٦ هـ ) بقوله : « ولا أرى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في القرب. ويدل على صحة ذلك الاعتبار ، فإن هذه الكلمة « ألم » غير متنافرة ، وهي مع ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج ـ لأن الهمزة من أقصى الحلق ، والميم من الشفتين ، واللام متوسطة بينهما. فأما الإدغام والإبدال فشاهدان على أن التنافر في قرب الحروف دون بعدها ، لأنهما لا يكادان يردان في الكلام إلا فراراً من تقارب الحروف ، وهذا الذي يجب عندي اعتماده لأن التتبع والتأمل قاضيان بصحته »(٢) .
وقد يتبعه بالرد على هذا الرأي ابن الأثير ( ت : ٦٣٧ هـ ) فقال : « أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه ولهذا أسقط الواضع حروفاً كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالاً واستكراهاً ، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين ، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ، ولا بين اللام والراء ، ولا بين الزاي والسين ، وكل هذا دليل على عنايته
__________________
(١) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : ٩٦.
(٢) ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة : ٩١.
بتأليف المتباعد المخارج ، دون المتقارب »(١) .
وبعيداً عن هذا وذاك ، فان الطبيعة التركيبة في اللغة العربية قد تمرست في تعادل الأصوات وتوازنها ، مما جعل لغة القرآن في الذروة من طلاوة الكلمة ، والرقة في تجانس الأصوات ، لذلك فقد استبعد العرب جملة من الألفاظ لا تنسجم صوتياً في تداخل حروفها ، وتنافر مخارجها ، سواء أكانت قريبة أم بعيدة « فإن الجيم لا تقارن الفاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير.
والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا تأخير »(٢) .
وفي هذا دلالة على « أمتياز اللغة العربية في مجموع أصوات حروفها بسعة مدرجها الصوتي سعة تقابل أصوات الطبيعة في تنوعها وسعتها ، وتمتاز من جهة أخرى بتوزعها في هذا المدرج توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات »(٣) .
وكان التنافر في أصوات الكلمة موضع عناية عند السكاكي ( ت : ٦٢٦ هـ ) ومن بعده القزويني ( ت : ٧٣٩ هـ ) عند مباحث فصاحة المفرد ، وهي خلوصه من تنافر الحروف والغرابة ، ومخالفة القياس اللغوي ، وعند فصاحة الكلام ، وهي خلوصه من ضعف التأليف ، وتنافر الكلمات ، والتعقيد بشقيه اللفظي والمعنوي ، وهي موضوعات جرى على إدراجها في الموضوع علماء المعاني والبيان بعد السكاكي والقزويني إدراجاً تقليدياً للقول بسلامة القرآن من التنافر(٤) .
ولا حاجة بنا إلى تأكيد هذا القول فهو أمر مفروغ عنه في القرآن ، وبقيت مفردات الصوت اللغوي فيه موضوع عناية البحث.
__________________
(١) ابن الأثير ، المثل السائر : ١٥٢.
(٢) الجاحظ ، البيان والتبيين : ١| ٦٩.
(٣) أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : ٢٨.
(٤) ظ : القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة : ٧٢ ـ ٧٩.
الفصل الثالث
الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية
١ ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي
٢ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني.
٣ـ جدولة الصوت اللغوي في فواتح السور عند الزمخشري.
٤ ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي
٥ ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات
يبدو أن القرآن الكريم قد وجه اهتمام العرب ـ منذ عهد مبكرـ ولفت نظرهم إلى ضرورة الإفادة من الزخم الصوتي في اللغة العربية وهو يستهل بعض السور القرآنية بجملة محددة من الحروف الهجائية التي تنطق بأصواتها أسماء ، لا بأدواتها حروفاً ، للإفادة من صوتيتها لدى الاستعمال دون حرفيتها.
وكان القرآن العظيم قد افتتح عامة سوره بعشرة أنواع بيانية من فن القول شملت طائفة متميزة من معاني النحو وأساليب البلاغة حتى حصر أرباب علوم القرآن بذلك دون تزيّد عليها أو نقصان منها ، فلا يخرج شيء من فواتح السور عنها ، وقد يتداخل بعضها ببعض تارة(١) .
ولعل من المفيد حقاً الإشارة على سبيل النموذج بأصل قرآني واحد لكل نوع تمهيداً بين يدي النوع المراد بحثه صوتياً ، وسنكتفي بإيراد هذا النموذج الواحد للدلالة عليه في النماذج الثرة المتوافر وجودها في أضراب أخرى لكل أصل.
١ ـ الاستفتاح بالثناء على الله تعالى ، كما في أول الفاتحة ، وذلك قوله تعالى :( الحمد لله رب العالمين ) ،
__________________
(١) ظ : للتفصيل ، الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|١٦٤.
٢ ـ الاستفتاح بالنداء ، كما في أول المدثر ، وذلك قوله تعالى :( يا أيها المدثر ) .
٣ ـ الاستفتاح بالقسم ، كما في أول سورة الفجر ، وذلك قوله تعالى :( والفجر ) .
٤ ـ الاستفتاح بالجملة الخيرية ، كما في أول سورة « المؤمنون » وذلك قوله تعالى :( قد أفلح المؤمنون ) .
٥ ـ الاستفتاح بصيغة الأمر ، كما في أول سورة العلق ، وذلك قوله تعالى :( اقرأ باسم ربّك الذى خَلَقَ ) .
٦ ـ الاستفتاح بصيغة الشرط ، كما في أول سورة النصر ، وذلك قوله تعالى :( إذا جاء نصر الله والفتح ) .
٧ ـ الاستفتاح بصيغة الاستفهام ، كما في أول سورة النبأ ، وذلك قوله تعالى :( عمَّ يتساءلون *عن النباء العظيم ) .
٨ ـ الاستفتاح بالدعاء ، كما في أول سورة المطففين ، وذلك قوله تعالى :( ويل للمطفّفين ) .
٩ ـ الاستفتاح بالتعليل ، وقد ورد مرة واحدة في القرآن ، في أول سورة الإيلاف ، وذلك قوله تعالى :( لإيلاف قريش ) .
١٠ ـ الاستفتاح بحروف التهجي ، وهي موضوع هذا البحث في الصوت اللغوي ، إذ تم استفتاح تسع وعشرين سورة في المصحف الشريف بحروف هجائية مقطعة يمكن حصرها بالضبط في النحو الآتي :
أ ـ ثلاثة حروف موحدة هي : ص. ق. ن.
ب ـ عشرة حروف مثناة هي : طه ، طس ، يس ، وحم استعملت في افتتاح سبع سور، فهذه عشرة.
ج ـ إثنا عشر مثلثة الحروف هي : آلم ، آلر ، طسم.
وقد تكرر الأولان عدة مرات في المصحف دون طسم.
د ـ إثنان حروفهما أربعة : آلمر. آلمص.
هـ ـ إثنان حروفها خمسة : كهيعص. حمعسق.
وقد اهتم علماء الإعجاز القرآني بالتصنيف الصوتي لهذه الحروف في فواتح هذه السور ، وبيان أسرارها التركيبية ، ودلائلها الصوتية ، وكان أبو بكر الباقلاني ( ت : ٤٠٣ هـ ) في طليعة هؤلاء الاعلام ، فقال :
« إن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً ، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون(١) سورة ، وجملة ما ذكر من هذه [ الحروف ] في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة ، وهو أربعة عشر حرفاً ليدل بالمذكور على غيره ، والذي تنقسم إليه هذه الحروف أقساماً : فمن ذلك قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة ، فالمهموسة منها عشرة وهي : الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين.
وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة ، وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور ، وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولانقصان »(٢) .
فالباقلاني يعدد حروف المعجم ، ويقارن ذلك بأعداد حروف السور المفتتحة بها ، ويضيف هذه الحروف ، وهي إما مجهورة ، وإما مهموسة ونصف هذه الحروف بتقسيمها مقسوم على السواء بين حروف هذه الفواتح القرآنية ، فنصف المهموسة مذكور في جملة هذه الحروف ، ونصف المجهورة مذكور أيضاً دون تزيّد عليها أو نقصان منها.
وقد أيّد أهل اللغة المذهب الأول للباقلاني بما أورده الشيخ الطوسي ( ت : ٤٦٠ هـ ) عنهم « فقال بعضهم : هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفاً كما يستغنى بذكر : أ. ب. ت. ث. عن ذكر الباقي »(٣) .
__________________
(١) تقدم أنها تسع وعشرون سورة.
(٢) الباقلاني ، إعجاز القرآن : ٦٦.
(٣) الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : ١|٤٨.
ثم يعرض الباقلاني إلى تفصيل آخر : أن نصف حروف الحلق ( العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين ) مذكور في جملة هذه الحروف ، وأن النصف المذكور هو : العين والحاء والهاء. وكذلك نصف عدة الحروف التي ليست من حروف الحلق مذكور في جملة هذه الحروف. وأن نصف الحروف الشديدة : ( الهمزة والقاف والكاف والجيم والتاء والدال والطاء والباء ) مذكور في جملة هذه الحروف ، والمذكور : الطاء والقاف والكاف والهمزة. وأن نصف الحروف المطبقة وهي ( الطاء والضاد والصاد والضاء ) مذكور في جملة هذه الحروف ، والمذكور هو الصاد والطاء(١) .
والذي يخلص لنا من هذا الاهتمام المتكامل اشتمال فواتح السور القرآنية المبدوءة بالحروف الهجائية على نصف تقسيمات أصناف الحروف ، بل على أنصاف كل الأصناف على هذا النحو :
١ ـ نصف الحروف المجهورة.
٢ ـ نصف الحروف المهموسة.
٣ ـ نصف حروف الحلق.
٤ ـ نصف حروف غير الحلق.
٥ ـ نصف الحروف الشديدة.
٦ ـ نصف الحروف المطبقة.
وجميع هذه الحروف المثبتة في جدولة الباقلاني لها تمثل نصف حروف المعجم العربي ، وهذا التصنيف بعامة يمثل بعداً استقرائياً في حصر اوائل السور ذات الحروف الهجائية المقطّعة على أساس مخارج الصوت اللغوي.
ولا يكتفي الباقلاني بهذه البرمجة حتى يضيف إليها تصوراً صوتياً منظّماً ، ويعلل ظاهرة استعمال بعض الحروف دون سواها للتأكيد على المناخ الصوتي المتميز في وضع الحروف بموقعها المناسب بحسب
__________________
(١) ظ : للتفصيل ، الباقلاني ، إعجاز القرآن : ٦٧ ـ ٦٨.
تسلسلها في النطق مترددة بجهاز النطق من مبتداه إلى منتهاه ، وذلك حينما يبدأ القرآن الكريم بـ ( ألم ) في أول سورة قرآنية ضمن الترتيب المصحفي وهي سورة البقرة التي استعملت هذه الأصوات متقاطرة ، فيعطي التعليل الصوتي الآتي : « لأن الألف المبدوءة بها هي أقصاها مطلقاً ، واللام متوسطة ، والميم متطرفة ، لأنها تأخذ في الشفة ، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف ، وبيّن أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تردد بين هذين الطرفين »(١) .
وسيأتي فيما بعد إفادة الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) من هذا المنحنى لهذه الأصوات وتوسعه فيه وفي سواه على أس صوتي مكثف.
وقد أفاض جار الله الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) في تعقب هذه الوجوه ، وذكر هذه الملاحظ ، وأفاد مما أبداه الباقلاني وزاد عليه متوسعاً ، وفصل ما ذكره مجملاً بما نحاول برمجته باختصار على النحو التالي :
أولاً : قال الزمخشري : « اعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء ، وهي : الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم ، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف »(٢) .
والملاحظ من هذا النص أن الزمخشري قد جعل أسامي حروف المعجم ثمانية وعشرين ، بينما ينص على أن عدد حروف المعجم تسعة وعشرون حرفاً ، مما قد يتصور معه التناقض وعدم الدقة ، وليس الأمر كذلك ، لأن الألف اسم يتناول عندهم جزئين من الحروف هما رسماً (ا) و (ء) أي المدة والهمزة ، لهذا قالوا الألف إما ساكنة أو متحركة ، والألف الساكنة هي المدة ، والألف المتحركة هي الهمزة ، ومن ثم بدأ التفريق الدقيق بينهما ، فأطلقت (ا) على الألف اللينة ، وأطلقت (ء) على الهمزة ،
__________________
(١) الباقلاني ، إعجاز القرآن : ٦٨ ـ ٦٩.
(٢) الزمخشري ، الكشاف : ١|١٠١.
فنبه بقوله الألف على هذين الملحظين ، وتذرع بقوله :
« الهمزة والألف حرف واحد عند الفقهاء وحرفان في عرف العامة »(١) . وسواء أكانا حرفاً أم حرفين فإنهما صوتان لا شك في هذا.
ثانياً : أوضح الزمخشري تبعاً للباقلاني أن في هذه الحروف من المهموسة نصفها وعدّدها ، ومن المجهورة نصفها وعدّدها ، ومن الشديدة نصفها وعدّدها ، ومن الرخوة نصفها وعدّدها ، ومن المطبقة نصفها وعددها ، ومن المنفتحة نصفها وعدّدها ، ومن المستعلية نصفها وعدّدها ، ومن المنخفضة نصفها وعدّدها ، ومن حروف القلقلة نصفها ، ويمكن جدولة هذه الحروف في منهج الزمخشري على النحو التالي :(٢)
١ـ الحروف المهموسة : الصاد ، الكاف ، الهاء ، السين ، الحاء.
٢ ـ الحروف المجهورة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، العين ، الطاء ، القاف ، الباء ، النون.
٣ ـ الحروف الشديدة : الأف ، الكاف ، الطاء ، القاف.
٤ ـ الحروف الرخوة : اللام ، الميم ، الراء ، الصاد ، الهاء ، العين ، السين ، الحاء ، الياء ، النون.
٥ ـ الحروف المطبقة : الصاد ، الطاء.
٦ ـ الحروف المنفتحة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، الكاف ، الهاء ، العين ، السين ، الحاء ، القاف ، الياء ، النون.
٧ ـ الحروف المستعلية : القاف ، الصاد ، الطاء.
٨ ـ الحروف المنخفضة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، الكاف ، الهاء ، الياء ، العين ، السين ، الحاء ، النون.
٩ ـ حروف القلقلة : القاف ، الطاء.
__________________
(١) الزمخشري ، الكشاف : ١|١٠١.
(٢) ظ : المصدر نفسه : ١|١٠٢ وما بعدها.
ويلاحظ أن الزمخشري قد استدرك على الباقلاني في جدولته لأنصاف الحروف الواردة في فواتح السورة استدرك عليه : الحروف الرخوة ، والمنفتحة ، والمستعلية ، والمنخفضة ، وحروف القلقلة ، ولكنها داخلة عند الباقلاني في جملة حروف الحلق وغير الحلق ، إلا أن الزمخشري قد وسعها تفصيلاً ، وترك الاجمال ، وأورد المسميات.
ثالثاً : وبعد هذا التقسيم الدقيق تعقب الزمخشري حكمة هذا التركيب ، وغاية هذا الذكر ، وفلسفة هذه الأصوات ، فقال : « ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها ، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكور منها ، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته ، فكأن الله عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم ، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم ، وإلزام الحجة إياهم »(١) .
رابعاً : ورصد الزمخشري مواطن استعمال هذه الأصوات وكثرتها ، بحسب الجاري على ألسنة العرب في تكاثر بعض الحروف دون بعض ، وعرض لفائدة التكرار في جملة منها ، وتناول مسألة تفريقها على السور دون جمعها في أول القرآن ، وكأنه يشير إلى الحكمة المتوخاة من كل جانب فقال : « ومما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعاً في تراكيب الكلم : أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين ، وهي : فواتح سورة البقرة ، وآل عمران ، والروم ، والعنكبوت ، ولقمان ، والسجدة ، والأعراف ، والرعد ، ويونس ، وإبراهيم ، وهود ، ويوسف ، والحجر. فإن قلت : فهلا عدّدت بأجمعها في أول القرآن ، وما لها جاءت مفرقة على السور؟ قلت : لأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف منها لا غير ، وتجديده في غير موضع واحد ، أوصل إلى الغرض ، وأقوله في الأسماع والقلوب ، من أن يفرد ذكره مرة ، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس
__________________
(١) الزمخشري ، الكشاف : ١|١٠٣.
وتقريره. فإن قلت : فهلا جاءت على وتيرة واحدة ، ولم اختلفت أعداد حروفها؟ قلت : هذا على عادة افتنانهم في أساليب الكلام وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب متنوعة ، وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك ، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك(١) .
ووقف بدر الدين الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) عند الصدى الصوتي للحروف المقطعة في فواتح هذه السور من عدة وجوه صوتية ، يمكن رصد أبعادها بالخطوط الآتية :
أولاً : عرض الزركشي لأعداد هذه الأصوات في فواتح السور ، ووقف عندما أبتدىء به بثلاثة حروف ، واعتبر لذلك سراً صوتياً بارزاً علّله بقوله عن « ألم » في تركيبها : « وذلك أن الألف إذا بدىء بها أولاً كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر ، واللام من وسط مخارج الحروف ، وهي أشد الحروف اعتماداً على اللسان ، والميم آخر الحروف ، ومخرجها من الفم. وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين ، وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط ، إلى النهاية. فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة ، التي يتفرع منها ستة عشر مخرجاً ، ليصير منها تسعة وعشرون حرفاً ، عليها مدار الحلق أجمعين ، مع تضمنها سراً عجيباً ، وهو أن الألف للبداية ، واللام للتوسط ، والميم للنهاية ، فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما »(٢) .
وهذه الإنارة في استعمال مصطلحات الصوت في المخارج إلى الحلق واللسان والشفتين يضطلع فيها الزركشي بحسّ صوتي رفيع قد سبق إليه الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : ١٧٥ هـ ) وسيبويه ( ت : ١٨٠ هـ ) وأبو الفتح عثمان بن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) يؤكده الخط الثاني في تذوقه الحروف ، وتأكيده على مسافتها ومكانها وزمانها.
ثانياً : والزركشي بطلق لفظ الحروف ويريد بذلك الأصوات كما هو
__________________
(١) الزمخشري ، الكشاف : ١|١٠٤ وما بعدها.
(٢) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|١٦٨.
شأن الخليل في بدايات العين. وكأن قدماء العرب كانوا ينظرون الحرف والصوت بمنظار واحد ، فيطلقون اسم أحدهما على الآخر، لا سيما في إطلاق الحرف وإرادة الصوت ، وهذا ما نهجه الزركشي لدى بحثه أسرار صوت الهمزة ، واللام ، والميم من وجه آخر غير الوجه الصوتي الأول فقال :
« وأيضاً من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة ، فهي أعمق الحروف ، واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم ، فصوتها يملأ ما وراءها من هواء الفم ، والميم مطبقة ، لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا ، ويرمز بهن إلى باقي الحروف »(١) .
ثالثاً : وتعقب الزركشي ملائمه صوت الطاء للسين في ( طس ) ومجانسته للهاء في ( طه ) ، وهو يعمم هذه الملائمة وتلك المجانسة صوتياً على القرآن فيقول :
« وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي : الجهر ، والشدة ، والاستعلاء ، والإطباق ، والإصمات ، والسين : مهموس ، رخو ، مستفل ، صفير ، منفتح ، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها ، كالسين والهاء ، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف »(٢) .
وهذا التعقب خالص الصوتية في الاستقراء والاستنتاج معاً ، فإن ما ذكره اهتمام صوتي ليس غير ، وإن ما عدده من المصطلحات : الجهر ، الشدة ، الاستعلاء ، الإطباق ، الأصمات ، المهموس ، الرخو ، المستفل ، الصفير ، المنفتح ، مصطلحات صوتية في الصميم ، وهو وإن سبق إلى التسمية وسبق إلى الضبط ، إلا أنه طبقها تنظيراً صوتياُ على فواتح السور.
رابعاً : وتنبه الزركشي أيضاً إلى اشتمال سورة ( ق ) على ذات الحرف ، لما في صوت القاف من القلقلة والشدة من جهة ، ولاشتماله على
__________________
(١) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|١٦٨.
(٢) المصدر نفسه : ١|١٦٩.
الجهر والانفتاح من جهة أخرى. « وتأمل السورة التي اجتمعت على الحروف المفردة : كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف ، ممن ذلك( ق والقرآن المجيد ) (١) فإن السورة مبنية على الكلمات القافية : من ذكر القرآن ، ومن ذكر الخلق ، وتكرار القول ومراجعته مراراً ؛ والقرب من ابن آدم ، وتلقي الملكين ، وقول العتيد ، وذكر الرقيب ، وذكر السابق ، والقرين ، والإلقاء في جهنم ، والتقدم بالوعد ، وذكر المتقين ، وذكر القلب ، والقرآن ، والتنقيب في البلاد ، وذكر القتل مرتين ، وتشقق الأرض ، وإلقاء الرواسى فيها ، وبسوق النخل ، والرزق ، وذكر القوم ، وخوف الوعيد ، وغير ذلك »(٢) .
والحق أنني تتبعت سورة (ق) فوجدت ذكر هذا الحرف قد تكرر بعده أربعاً وخمسين مرة في خمس وأربعين آية زيادة على الحرف الاستفتاحي. فما هذا السر الصوتي لهذا الحرف؟ وما علاقة تسمية السورة به من خلال هذا البناء عليه؟ وما هو موقع القلقلة في القاف ، والشدة في صوتها ، والجهر بأدائها ، والانفتاح عند نطقها بهذا التكرار في شتى الكلمات ، مما ذكره الزركشي ومما لم يذكره. الجواب عن هذا وذاك بعد إدراك العناية الصوتية : الله أعلم.
خامساً : وأشار الزركشي إلى خصوصية للدلالة الصوتية في سورة (ص) للإبانة بهذا الحرف وصوتيته على أصداء الخصومات النازلة ، والمحاكمات الشديدة الوقع ، بما يتناسب واصطكاك الصاد في الحلحلة ، وصداها الواقع على الأذن ، واشتمالها على ما حدث من مجريات أحاديث السورة نفسها محاكاة في الأصوات الشديدة لما نشب من الأحداث الجسيمة ، فقال مؤكداً وجهة نظره الصوتية ، في تذوق الشدة والوقعة والخصومة من خلال صوت الصاد ، ومصاقبته لما ورد في السورة ذاتها من إشارات موحية بذلك :
« وإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما أشتملت عليه سورة (ص) من
__________________
(١) سورة ق : ١.
(٢) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|١٦٩.
الخصومات المتعددة ، فأولها خصومة الكفار مع النبي6 وقولهم :( أجعل الآلهة إلاهاً واحدًا ) (١) إلى آخر كلامهم. ثم أختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم ، وهو الدرجات والكفارات ، ثم تخاصم ابليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود ، ثم اختصامه ثانياً في شأن بنيه ، وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم »(٢) .
وهكذا نجد الزركشي في تنبيهاته الصوتية ـ سواء أكان ناقلاً لها ، أم مجمعاً لشتاتها ، أم مبرمجاً لخططها ، أم مبتدعاً لبعضها ـ ، يؤكد العمق الصوتي لدى علماء العربية في إبراز حقيقة الصوت اللغوي فيما اتسمت به فواتح السور القرآنية ذات الحروف الهجائية المقطّعة.
والحق أن استقرار المراد من هذه الحروف المقطعة ـ وإن لم تدرك أسراره ـ لا يخرجها عن حقيقة واقعها الصوتي في الأسماع ، ولا جوهرها الأنصاتي لدى الإطلاق ، فهي من جنس أصوات العرب في لغتهم ، ومن سنخ حروف معجمهم ، ومن روح أصداء لغة القرآن العظيم ، ولا يمانع هذا الاستقراء على اختلاف وجهات النظر فيه من شموخ الصوت اللغوي في أضوائها ، وبروز الملحظ الصوتي في تأويلاتها ـ توصل إلى الواقع أو لم يتوصل ـ على أن السلف الصالح مختلف في المراد من هذه الحروف المقطعة ، أو الأصوات المنطوقة على قولين :
الأول : ان هذه الحروف في دلالتها وإرادتها من العلم المستور والسر المحجوب الذي استأثر به الله تعالى.
وادعى الشعبي : أنها من المتشابه ، نؤمن بظوواهرها ، ونكل العلم فيها إلى الله عزّ وجل(٣) .
وقد روى الشيخ الطوسي ( ت : ٤٦٠ هـ ) أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ، واختاره الحسين بن علي المغربي(٤) .
__________________
(١) سورة ص : ٥.
(٢) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|١٧٠.
(٣) (٤) ظ : الطوسي ، التيبان في تفسير القرآن : ١|٤٨.
والقول أنها من المتشابهات التي استأثر الله تعالى بعلمها ، ولا يعلم تأويلها إلا هو ، هو المروي عن أئمة أهل البيت: في رواية أهل السنة(١) .
وقد أنكر المتكلمون هذا القول ، وردوا هذا الزعم ، فقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق لأن الله أمر بتدبره ، والاستنباط منه ، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه(٢) .
بينما أيدّه من المتأخرين كل من مالك بن نبي فقال :
« ولسنا نعتقد بإمكان تأويلها إلا إذا ذهبنا إلى أنها مجرد إشارات متفق عليها ، أو رموز سريّة لموضوع محدد تام التحديد ، أدركته سراً ذات واعية(٣) .
والسيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري فقال :
« والحق أنها بحسب المعنى من المتشابهات التي استأثر الله تعالى العلم بها لنفسه ، فلا يلزم الصاد الفحص عن حقيقتها ، وبذل الجهد في إدراكها وفهمها بل لا بد من إيكال الأمر إليه تعالى »(٤) .
الثاني : أن المراد منها معلوم ، ولكنهم اختلفوا فيه بعدة آراء تتفاوت قيمة ودلالة وموضوعية ، وقد تداعت كلمات الأعلام في هذه الآراء حتى نقل الخلف عن السلف ، واستند اللاحق إلى السابق بنسبة إليه وبدون نسبة.
ونحاول فيما يلي أن نعطي كشفاً منظّماً بأبرز هذه الآراء ، ونعقبها بما نأنس به ، ونطمئن إلى مؤاده باعتباره جزءاً من كليّ فرائدها ، دون القطع بأنه مراد الله منها ، أو القول به(٥) .
____________
(١) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان في تفسير القرآن : ١|٣٢.
(٢) ظ : الزركشي : البرهان في علوم القرآن : ١|١٧٣.
(٣) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : ٣١٢.
(٤) السبزواري ، مواهب الرحمان في تفسير القرآن : ١|٦٢.
(٥) ظ : للتوفيق بين هذه الآراء وتفاصيلها كلاً من : الطبري ، جامع البيان : ١|٥٠ + الطوسي ، التبيان : ١|٤٧ + الطبرسي ، مجمع البيان : ١|٣٣ + الزمخشري ، الكشاف : ١|٧٦ + الرازي ، مفاتيح الغيب + ابن الزمالكاني ، البرهان : ١|١٧٣ + الزركشي ، البرهان + السيوطي ، الاتقان : ٣|٢١.
١ ـ اختار ابن عباس : أن كل حرف منها مأخوذ من أسماء الله تعالى ، ويقاربه ما روى عن السّدي والشعبي أنها : اسم الله الأعظم(١) .
ولا تعليق لنا على هذا الزعم من ناحيتين :
الأولى : أن أسماء الله تتداخل بضمنها جميع الحروف في المعجم العربي وقد تستقطبها ، فلا ميزة ـ والحالة هذه ـ لحرف على حرف.
الثانية : أننا نجهل اسم الله الأعظم لاختلاف الآثار والمرويات فيه ، إن صحّ صدور تلك الآثار والمرويات.
٢ ـ إن الله تعالى أقسم بهذه الحروف على وجهين :
وجه اختاره ابن عباس وعكرمة : إن هذا القسم بأسمائه لأنها أسماؤه.
ووجه : أن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد6 : هو الكتاب المنزل لا شك فيه ، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف ، إذا كانت مادة البيان. وقد أقسم الله : بـ ( الفجر) و ( الطور ) وغيرهما ، فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها(٢) .
وهما احتمالان جائزان يشكل علينا الخوض فيهما.
٣ ـ إن هذه الحروف أسماء لسور القرآن الكريم ؛ وروي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن البصري(٣) .
وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز فـ ( ألم ) اسم هذه السورة ، و ( حم ) اسم لتلك ، و ( كهيعص ) اسم لغيرهما وهكذا. وقد وضعت هذه الحروف أسماء لتلك السور لتمييزها عن سواها.
وقد نص على ذلك سيبويه ( ت : ١٨٠ هـ )(٤) .
__________________
(١) (٢) ظ : الطوسي ، التبيان : ١|٤٧.
(٣) المصدر نفسه : ١|٤٧.
(٤) ظ : سيبويه ، الكتاب : ٢|٣٠.
ونقله الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) عن الأكثرين(١) وقال فخر الدين الرازي ( ت : ٦٠٦ هـ ) بأنه قول أكثر المتكلمين(٢) .
وهذا الوجه يؤيده مدرك السيرة الاستقرائية ، ففي متعارف أقوال الناس تسمية هذه السور بهذه الأسماء بحدود معينة ، وإذا أطلقت دلت على مسمياتها إجمالاً.
وقد اختار ذلك الشيخ الطوسي ( ت : ٤٦٠ هـ ) فقال : « وأحسن الوجوه التي قيلت قول من قال أنها أسماء للسور »(٣) .
وأيدّه بهذا الاتجاه أبو على الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ )(٤) . وإذا كانت هذه الحروف أسماء لسورها ، فلا كبير أمر من بحث وجوه تسميتها ، فهي قضايا توقيفية ، ان صح الفرض ، ثم الا تلتبس هذه السور في مسمساتها بعضها ببعض لا سيما في المكرر منها ، كما هي الحال في : (حم ) و (آلر) و (ألم ) وهكذا ، والله العالم.
٤ ـ إنها فواتح يفتتح بها القرآن ، وقد روي ذلك عن مجاهد بن جبر المكي ، ومقاتل بن سليمان البلخي(٥) .
وفائدة هذا الاستفتاح على وجهين :
الأول : أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها.
الثاني : أنها تنبيهات ، كما هي الحال في أدوات التنبيه والنداء.
وقد اختار الوجه الثاني شمس الدين الخوبي ( ت : ٦٣٨ هـ ) فرأى بأن القول بانها تنبيهات جيد ، لأن القرآن كلام عزيز ، وفوائده عزيزة ، فينبغي أن يرد على سمع متنبه وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم ، والقرآن
__________________
(١) ظ : الزمخشري ، الكشاف : ١|٨٣.
(٢) ظ : الرازي ، مفاتيح الغيب نقلاً عن الزركشي ، البرهان : ١|١٧٤.
(٣) ظ : الطوسي ، التبيان في التفسير القرآن : ١|٤٧.
(٤) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان في تفسير القرآن : ١|٣٣.
(٥) ظ : الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : ١|٤٧.
كلام لا يشبه الكلام ، فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد ، لتكون أبلغ في قرع سمعه(١) .
والتنبيه إنما يكون بأصوات تقبل عليها الناس ، ويصغي لما بعدها السامعون ، إذا المراد صوتية التنبيه ليس غير.
ويميل إلى هذا الرأي كثير من المعاصرين ، ويقطع بعضهم بأن المراد من هذه الحروف ـ دون شك ـ هو الافتتاح بها ، كما استفتحت العرب بألا الاستفتاحية وأضرابها(٢) .
ويجب الالتفات إلا أن ابن عطية قد عدّ القول بأنها تنبيهات مغايراً للقول بأنها فواتح ، والظاهر عند السيوطي أنه بمعناه.(٣) .
ويعضد القول بأنها فواتح روايتان أوردهما السيد هاشم البحراني في تفسير ، أسند أحدهما الى الإمام علي7 ، والأخرى الى الإمام جعفر الصادق7 (٤) .
وأذا ثبتت هاتان الروايتان فالأخذ بمضمونهما هو أولى الوجوه في استكناه الفوائد المترتبة عليها ، أو المعاني المترددة فيها.
٥ ـ إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه ، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ، ويكون تعجبهم سبباً لاستماعهم ، واستماعهم سبباً لاستماع ما بعده ، فترق القلوب وتلين الأفئدة(٥) .
وهذا القول كان مظنّة لإقبال المستمعين على القرآن كما تدل على ذلك وقائع الأحداث عند تلاوة الرسول الأعظم6 لهذه الفواتح على قريش ، وقد ضعّفه ابن كثير القرشي ( ت : ٧٧٤ هـ )(٦) .
__________________
(١) السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ٣|٢٧.
(٢) عبد الجبار حمد شرارة ، الحروف المقطعة في القرآن الكريم : ٥٨ ـ ٦٨.
(٣) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ٣|٢٧.
(٤) ظ : هاشم البحراني ، البرهان في تفسيرالقرآن : ١|٣٤.
(٥) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|١٧٥.
(٦) ظ : ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم : ١|٣٦.
وقد انتصر له من المحدثين الأستاذ محمد جمال الهاشمي وترجمه بمنظور عصري ، وأضاف إليه البعد الرمزي فقال :
« إن القرآن في أسلوبه البياني الفذ أراد أن يجذب الأنظار والأفكار ، فافتتح بعض سوره المباركة بهذه الحروف المقطعة فهي أشبه ما تكون بإشارات المحطات العالمية في الراديو حيث تتخذ كل دولة رمزاً خاصاً لها يدل على محطة إذاعتها ، ويميز بينها وبين غيرها من المحطات ، وهكذا القرآن كان يتخذ من هذه الحروف رمزاً مخصوصاً لوحيه يستلفت به الأذهان لتستمع إلى آياته المنزلة بوعي وانتباه ، ولا زالت هذه الهزّة الوجدانية تعتري النابهين من المؤمنين كلما طرقت أسماعهم هذه الحروف الساحرة في تقاطيعها المطربة ، وإنما كان يستعمل هذه الإشارة الحروفية في الحالات الخاصة التي تستدعي الاهتمام ، كما أنه ربما يباري الإنسانية بموضوعه من دون تقدمة وتمهيد حتى بما التزم به من الاستهلال كجملة : بسم الله الرحمن الرحيم ، لأن الموضوع نفسه يستدعي المبادأة والمفاجأة كسورة ( براءة ) ، فالقرآن إنما يجري في مفاتيح سوره مع الظروف المحيطة بتلك السور المباركة ، وإن للحروف المقطعة من التأثير ما لا يخفى على السامع والواعي »(١) .
٦ ـ إن هذه الحروف تدعو العرب وتناديهم إشارة إلى إعجاز القرآن ، فهذا القرآن الذي يتلوه عليكم محمد6 ومن جنس كلامكم وسنخ حروفكم ، ومما يتكون منه معجمكم( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) (٢) قال أبو مسلم ، محمد بن بحر ( ت : ٣٧٠ هـ ) :
إن المراد بذلك بأن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته ، ولم تقدروا على الإتيان بمثله ، هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم ، فحيث لم تقدروا عليه ، فاعلموا أنه من فضل الله »(٣) .
__________________
(١) محمد جمال الهاشمي ، من تفسير القرآن الكريم « بحث ».
(٢) البقرة : ٢٣.
(٣) ظ : الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : ١|٤٨.
ومما يؤيده ما حكي عن الأخفش ( ت : ٢١٥ هـ ) :
« إن الحروف مباني كتب الله المنزلة بالألسنة المختلفة ، وأصول كلام الأمم »(١) .
فهي أصل الكلام العربي في هذا الكتاب العربي المبين الذي أعجز الأولين والآخرين من العرب وغير العرب ، على أنه مركب من جنس حروف العرب ، وهذا أدلّ على الإعجاز باعتباره مشاكلاً لكلامهم ، وعلى سنن تراكيبهم ، فعلم بالضرورة أنه كلام الله تعالى ، ولا يعني الاعتداد بهذا الملحظ من القول في جملة الفوائد المترتبة عليه ، أن ندع مضامين الأقوال السابقة ، وقيمتها الفنية ، فهي جزء لا يتجزأ من غرر الإفادات القيمة في الموضوع ، على أن القول بالمتشابه هو اسلم الوجوه فيما يخيل إليّ ، ولكن هذا لا يعني عدم الكشف عن الأسرار الهامشية ، والنكت الجانبية التي لا تتعلق بالمتشابه من القول ، بل ترجع إليه بالعائدية ، فيبقى المتشابه متشابها ، والمحكم من القرآن محكما ، ولا يمنع هذا وذاك من بيان حكم المتشابه ، وفضل مزاياه ، فيبدو في ظلاله ألق نستنير به ، أو شعاع نهتدي بأضوائه ، فنلمس البعد الصوتي متوافراً في هذه الحروف ، والرصد الإعجازي قائماُ في هيكلها العام وإن بقي السر ماثلاً ، والمعنى الحقيقي محجبوباً ، والمراد منها في علم الغيب ، ولكن الحكمة قد تلتمس ، والثمرة قد تقتطف ، وقد أورد ابن كثير ( ت : ٧٧٤ هـ ) حاكياً : « إنما ذكرت هذه الحروف في أوئل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجازالقرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها ، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين ، وحكى القرطبي عن الفرّاء وقطرب نحو هذا ، وقرّره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر ، وإليه ذهب ابن تيمية وأبو العجاج المزي »(٢) .
والذي يظهر مما تقدم أن القول بأن هذه الحروف ـ في بعض حكمها ـ إشارات إعجازية ليس من ابتكارنا ، ولا هو أمر نحن ابتدعناه ، وإنما سبق
__________________
(١) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان في تفسير القرآن : ١|٣٣.
(٢) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم : ١|٣٦.
إليه جمع من الأعلام كما رأيت حتى لقد أورده ابن الزملكاني ( ت : ٦٥١ هـ ) واعتبر هذه الحروف كالمهيجة لمن يسمعها من الفصحاء ، والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء(١) .
ويعضد هذا الرأي أمران :
الأول : أن هذه الحروف الهجائية في فواتح السور القرآنية طالما ورد بعدها ذكر القرآن أو الكتاب معظماً مفخماً ، يتلوه الدليل على إعجازه ، والحديث عن الانتصار له ، والإشارة إلى تحديه العالم والأمم والشعوب والقبائل ، مما يؤيد حكمة هذه الأصوات لبيان إعجازه وكماله ، وحسن نظمه وتأليفه ، وسر بقائه وخلوده ، كونه نازلاً من الله ، مستقراً في هذا المصحف الشريف ، دون تصحيف أو تحريف ، أو زيادة أو نقصان ، ريادة في دوامه ، وتعهداً بحفظه وسلامته ، بما أكده الله تعالى :( إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (٢) .
الثاني : أن المتتبع لأسباب النزول ، والأحداث التي رافقت قرع الأسماع بهذه الأصوات ، يجد الإيذان بها قد تقاطر سيله بأشد الظروف قسوة على الرسالة الإسلامية ، فكان التحدي قائماً على أشدّه بمثل هذه الأصوات المدوّية في الآفاق.
فما كان منها في السور المكية ، وهي الحقبة التي واجهت بها الرسالة عنفاً وغطرسة وتكذيباً ، فقد جاءت فيه هذه الحروف رداً مفحماً في التحدي الصارخ ، والدليل الناصع على صدق المعجزة.
وما كان منها في السور المدينة ، فقد جاء تحدياً لأهل الكتاب فيما نصبوه من عداء للدين الجديد ، وإنذاراً للمنافقين فيما كادوا به محمداً والذين معه.
إلا أن الملحظ الصوتي الذي نقف عنده للدلالة على التنبيه على صوتية هذه الحروف ، مع كونها إشارات إعجازية في بعض حكمها ، الملحظ هذا : أنها تنطق كنطق كنطقك الأصوات ، ولا تلفظ كلفظك الحروف ، فتقول في قوله تعالى :( ص ) « صاد » صوتاً نطقياً ، لا حرفاً مرسوماً « ص »
__________________
(١) ابن الزملكاني ، البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن : ٥٧.
(٢) الحجر : ٩.
أو « أص » وكذلك في قوله تعالى :( ق ) فإنك تقول « قاف » لا « ق » ولا « إق » وهكذا في الحروف الثنائية كقوله تعالى :( طس ) وفي الحروف الثلاثية كقول تعالى :( ألم ) وكذلك في الحروف الرباعية كقوله تعالى :( ألمر ) وكذلك في الحروف الخماسية كقوله تعالى :( كهيعص ) فكلها تنطق بأسماء تلك الحروف أصواتاً ، لا بأشكالها الهجائية رسوماً ، مما يقرب منها البعد الصوتي المتوخى ، بينما كتبت في المصاحف على صورة الحروف لا صورة الأصوات.
وقد علل الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) المؤشر الأخير بالوقوف عند خط المصحف بأشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء « ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لا ستقامة اللفظ ، وبقاء الحفظ »(١) .
وأشار الشيخ الطوسي ( ت : ٤٦٠ هـ ) إلى جزء من صوتية هذه الحروف بملحظ الوقف عندها فقال : « وأجمع النحويون على أن هذه الحروف مبنية على الوقف لا تعرب ، كما بني العدد على الوقف ، ولأجل ذلك جاز أن يجمع بين ساكنين ، كما جاز ذلك في العدد »(٢) .
هذه لمحات صوتية في خضم دلالات الحروف المقطعة في فواتح السور القرآنية ، وقفنا عند الصوت اللغوي فيها ، وأشرنا إلى البعد الإعجازي من خلالها ، وليس ذلك كل شيء في أبعادها ، فقد تبقى من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ، وخير الناس من قال فيها بكل تواضع : الله أعلم ، كما قال ذلك مالك بن بني في حديثه عنها.
« لقد حاول معظم المفسرين أن يصلوا إلى موضوع الآيات المغلقة إلى تفاسير مختلفة مبهمة ، أقل أو أكثر استلهاماً للقيمة السحرية التي تخص بها الشعوب البدائية : الكواكب ، والأرقام والحروف ، ولكن أكثر المفسرين تعقلاً واعتدالاً ، هم أولئك الذين يقولون في حال كهذه بكل تواضع : الله أعلم »(٣) .
__________________
(١) الزركشي ، البرهان : ١|١٧٢.
(٢) الطوسي ، التبيان : ١|٥٠.
(٣) مالك بن بني ، الظاهرة القرآنية : ٣٣٣.
وفوق هذا وذاك قول أمير المؤمنين الإمام علي7 فيما ينسب إليه :
« إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي »(١) وتبقى التأويلات سابحة في تيارات هذه الحروف المتلاطمة ، والتفسير الحق لها عند الله تعالى ، ولا يمنع ذلك من كشف سيل الحكم والإشارات والتوجيهات ، والملامح اللغوية بعامة ، أو الصوتية المتخصصة ، أو الإعجازية بخاصة في هذه الحروف ، فهو ليس تفسيراً لها بملحظ أن التفسير هو الكشف عن مراد الله تعالى من قرآنه المجيد ، بقدر ما هو إشعاع من لمحاتها ، وقبس من أضوائها ، يسري على هداه السالكون.
( وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً ) و ( فوق كل ذي علم عليم )
صدق الله العظيم
____________
(١) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : ١|٣٢.
الفصل الرابع
الصوت اللغوي في الأداء القرآني
١ ـ أصول الأداء القرآني
٢ ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني
٣ ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني
٤ ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني
٥ ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام
أصول الأداء القرآني :
لعل أقدم إشارة تدعو إلى التأمل في أصول الأداء القرآني ، ما روي عن الإمام علي7 في قوله تعالى :( ورتّل القرآن ترتيلا ) (١) .
انه قال : « الترتيل تجويد الحروف ، ومعرفة الوقوف »(٢) .
وفي رواية ابن الجزري أنه قال : « الترتيل معرفة الوقوف ، وتجويد الحروف »(٣) ونقف عند هاتين الظاهرتين : معرفة الوقوف ، وتجويد الحروف.
الأول : الوقف ، قال عبدالله بن محمد النكزاوي ( ت : ٦٨٣ هـ ) : « باب الوقف عظيم القدر جليل الخطر ، لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ، ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل »(٤) وهو بيان موضع الوقف عند الاستراحة لغرض الفصل ، إذ لا يجوز الفصل بين كلمتين حالة الوصل ، فتقف عند اللفظ الذي لا يتعلق ما بعده به ، ويحدث غالباً عند آخر حرف من الفاصلة ، كما يحدث في سواه. وقد عرفه السيوطي ( ت : ٩١١ هـ ) تعريفاً صوتياً فقال : « الوقف : عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمناً يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية
__________________
(١) المزمل : ٤.
(٢) السيوطي ، ١|٢٣٠.
(٣) ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر.
(٤) السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ١|٢٣٠.
الإعراض ، ويكون في رؤس الآي وأوساطها ، ولا يأتي في وسط الكلمة ، ولا فيما اتصل رسماً »(١) . ولا يصح الوقف على المضاف دون المضاف إليه ، ولا المنعوت دون نعته ، ولا الرافع دون مرفوعه وعكسه ، ولا الناصب دون منصوبه وعكسه ، ولا إن أو كان أو ظن وأخواتها دون اسمها ، ولا اسمها دون خبرها ، ولا المستثنى منه دون الاستثناء ، ولا الموصول دون صلته ، اسمياً أو حرفياً ، ولا الفعل دون مصدره ، ولا حرف دون متعلقه ، ولا شرط دون جزائه ، كما يرى ذلك ابن الأنباري(٢) .
وهذا التوقف عن الوقف قد لا يراد ببعضه التحريم الشرعي ، وإنما المراد هو عدم الجواز في الأداء القرآني ، مما تكون به التلاوة قائمة على أوصولها ، والملحظ الصوتي متكاملاً في التأدية التامة لأصوات الحروف.
والمقياس الفني لذلك : أن الكلام إذا كان متعلقاً بما بعده فلا يوقف عليه ، وإن لم يكن كذلك فالمختار الوقوف عليه.
ولنأخذ كلمة « نعم » في موضعين من القرآن في حالتي الوقوف وعدمه :
أ ـ قال تعالى :( ونادى اصحاب الجنة اصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ) (٣) .
فالاختيار الفني الوقوف الطبيعي عند نعم ، لأن ما بعدها غير متعلق بها ، إذ ليس « فأذن مؤذن » في الآية من قول أهل النار.
ب ـ وقال تعالى :( أو ءاباؤنا الأولون * قل نعم وأنتم داخرون ) (٤) .
فالاختيار الأدائي عدم الوقف عند « نعم » بل وصلها بما بعدها ، لتعلقه بما قبلها ، وذلك لأنه من تمام القول وغير منفصل عنه.
__________________
(١) السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ١|٢٤٤.
(٢) المصدر نفسه ١|٢٣٢.
(٣) الأعراف : ٤٤.
(٤) الصافات : ١٧ ـ ١٨.
لذلك فقد عبر الزركشي عن الوقف بأنه « فن جليل ، وبه يعرف كيف آداء القرآن ، وبه تتبين معاني الآيات ، ويؤمن الاحتراز عن الوقوع في المشكلات »(١) .
وقد نقل السيوطي : أن للوقف في كلام العرب أوجهاً متعددة ، والمستعمل منها عند أئمة القراء تسعة : السكون ، والروم ، والأشمام ، والإبدال ، والنقل ، والأدغام ، والحذف ، والإثبات ، والإلحاق(٢) .
وهذه المفردات كلها مصطلحات فنية تتعلق بالصوت ، وتنظر إلى التحكم فيه ، أو تعتمد على إظهار الصوت بقدر معين.
فالسكون : عبارة عن ترك الحركة على الكلم المحركة وصلاً.
والروم : النطق ببعض الحركة أو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب أكثرها.
والإشمام : عبارة عن الإشارة إلى الحركة من غير تصويت.
والإبدال : فيما آخره همزة متطرفة بعد حركة أو ألف ، فإنه يوقف بإبدالها حرف مد من جنس ما قبلها.
والنقل : فيما آخره همزة بعد ساكن ، فتنقل حركتها إليه ، فتتحرك بهاء ثم تحذف الهمزة.
والإدغام : فيما آخره همزة بعد ياء أو واو زائدين ، فإنه يوقف عليه بالإدغام بعد إبدال الهمز من جنس ما قبله.
والحذف : إنما يكون في الياءات الزوائد عند من يثبتها وصلاً.
والإثبات : في الياءات المحذوفات وصلاً عند من يثبتها وقفاً.
والإلحاق : ما يلحق آخر الكلم من هاءات السكت عند من يلحقها.
في : عم ، وفيم ، وبم ، ومم. والنون المشددة مع جمع الإناث ،
__________________
(١) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|٣٤٢.
(٢) ظ : السيوطي ، الاتقان : ١|٢٤٨.
نحو : هن ، ومثلهن. والنون المفتوحة ، نحو العالمين ، والدين ، والمفلحون ، والمشدد المبني ، نحو: « ألا تعلو عليّ » ، و « خلقت بيدي » ، و « مصرخي » و « يديّ »(١) .
وستجد في غضون البحث نماذج قرآنية كافية لهذه المؤشرات الصوتية تطبيقياً ، وذلك في مواضعها من البحث ، وكل بحيث يراد.
ولما كان الوقف هو الأصل في هذا المبحث ، فإن موارده في الأداء القرآني متسعة الأطراف ، ومتعددة الجوانب ، ولما كانت الفاصلة القرآنية تشكل مظهر الوقف العام والمنتشر في القرآن ، فقد سلطنا الضوء الكاشف على جزئياتها في أصول الأداء القرآني بمختلف صورها ، واعتبرنا ذلك المورد الأساس للآداء بالنسبة للفاصلة فحسب ، على أننا قد خصصنا الفواصل بفصل منفرد بالنسبة للصوت اللغوي ، ولمّا كان مبنى الفواصل على الوقف ، وتلك ظاهرة صوتية في الآداء ، فإننا قد أضفنا أليها ظاهرة أخرى في رد الأصوات إلى مخارجها ، وتنظيم النطق بحسبها في إحداث الأصوات ، وهي ظاهرة ترتيب التلاوة صوتياً ، وبذلك اجتمع موردان هما الأصل في علم الآداء القرآني الوقف والتجويد منفرين بالمبحثين الآتيين :
مهمة الوقف في الأداء القرآني :
يأتي الوقف دون الوصل في وسط الآية ، وضمن فقراتها ، وعند فواصلها ، ولما كان مبنى الفواصل القرآنية على الوقف في مختلف صورها مرفوعة ومجرورة ومنصوبة اسماً كانت أم فعلاً ، مفرداً أم مثنى أم جمعاً ، مذكراً ومؤنثاً ، فإن الوقف في مجالها متميز الأبعاد ، ومتوافر العطاء ، فقد عرضنا إليه في هذا الحقل للدلالة عليه فيما سواه مضافا الى ما تقدم في المبحث السابق ، ففيه الغنية إلى موارده.
شاع في فواصل الآيات القرآنية مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس ، وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ، وقارن فيما يأتي : من الآيات ، وهي تقف عند السكون صوتاً في غير الدرج ، ةإن كانت فواصلها متعاقبة على
__________________
(١) السيوطي ، الاتقان : ١|٢٤٩ ـ ٢٥٠ وقارن في كتب التجويد.
الرفع والجر أو الج والرفع من حيث الموقف الأعرابي ، والرسم الكتابي :
اولاً : مقابلة المجرور والمرفوع طرداً وانعكاساً والمجرور بالمفتوح :
أ ـ قال تعالى :( لا يَسَّمَّعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب *دحورا ولهم عذاب واصب *إلا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب *فاستفتهم اهم اشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ) (١) .
فالكلمة «جانب » وهي مجرورة في الفاصلة الأولى تتبعها « واصب » في الفاصلة الثانية ، وهي مرفوعة. والكلمة « ثاقب » مرفوعها تتبعها في الفاصلة التي تليها « لازب » وهي مجرورة ، وقد جاءت الفواصل جميعها على نبرة صوتية واحد نتيجة الوقف عندها.
ب ـ قال تعالى :( ففتحنا أبواب السّماء بماء مّنهمر *وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر *وحملناه على ذات ألواح ودسر *تجرى بأعيننا جزاء لمن كان كفر ) (٢) .
فالكلمة « منهمر » وهي مجرورة تبعتها في الفاصلة التي تليها « قدر » وهي مفتوحة. والكلمة « دسر » وهي مجرورة تبعتها في الفاصلة التي تليها « كفر » وهي مفتوحة ، وقد تمت تسويتها الصوتية على وتيرة نغمية واحدة ضمن نظام الوقف في الفواصل فنطقت ساكنة.
ج ـ وفي سورة الرعد ، ورد اقتران المنون المجرور بالمنصوب ، يليه المجرورغير المنون ، في قوله تعالى :
( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال هو الذّى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السّحاب الثّقال *ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصّواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ) (٣) .
__________________
(١) الصافات : ٨ ـ ١١.
(٢) القمر : ١١ ـ ١٤.
(٣) الرعد : ١١ ـ ١٣.
فالكلمة « وال » منونة وهي مجرورة تبعتها في الفاصلة التي تليها « الثقال » وهي مفتوحة منصوبة ، تليها « المحال » وهي مجرورة غير منونة.
وبدت الآيات في تراصفها الصوتي مختتمة باللام الساكنة ، دون تنوين أو فتح أو كسر بفصيلة الوقف.
ثانياً : ولا تتحكم هذه القاعدة في الفواصل التي تلتزم حرفاً واحداً في أواخرها ، كما في الأمثلة السابقة بل تتعداها إلى أجزاء أخرى من الفواصل ، المختلفة الخواتيم ، وقارن بين الآيات التالية الذكر :
أ ـ ورد اقتران المجرور بالمرفوع المنوّن ، واقتران المرفوع المنون بالمنصوب في قوله تعالى :
( وجعلوا لله أندادا لّيضلّوا عن سبيله قل تمتّعوا فإنّ مصيركم إلى النّار *قل لّعبادى الّذين ءامنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممّا رزقناهم سرّا وعلانية مّن قبل أن يأتي يوم لاّ بيع فيه ولا خلال *الله الذى خلق السّماوات والأرض وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقا لّكم وسخّر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار ) (١) .
فالألفاظ : « النار » وهي مجرورة دون تنوين ، و « خلال » وهي مرفوعة منونة ، و « الأنهار » وهي منصوبة مفتوحة ، وقد تلاقت الكسرة والضمة والفتحة في سياق قرآني واحد ، دون تقاطع النبر الصوتي ، أو اختلاف النظام الترتيلي.
ب ـ وقد جاء التنوين في حالة الجر إلى جنب الرفع غير المنون في فاصلتي قوله تعالى :
( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير *يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ) (٢) . فالكلمتان « خبير » وهي مجرورة منونة مختتمة بالراء ، اتبعتها في الفاصلة التي تليها « الحميد » وهي مرفوعة دون
__________________
(١) إبراهيم : ٣٠ ـ ٣٢.
(٢) فاطر : ١٤ ـ ١٥.
تنوين مختتمة بالدال ، انسجما صوتياً مع اختلاف الفاصلة والهيأة نتيجة لهذا الوقف الذي قرب من الصوتين.
ثالثاً : ولا يقف فضل الوقف على ما تقدم بل يظهر بمظهر جديد آخر في تقاطر العبارات وتناسقها ، وهي مختلفة في المواقع الإعرابية ، وكأنها في حالة إعرابية واحدة وإن لم تكن كذلك ، نتيجة للصوت الواحد في الوقوف على السكون في آخر الفاصلة.
أ ـ في سورة المدثر ، يقترن المرفوع المنون ، بالمجرور المنون ، يليه المنصوب المنون ، ولا تحس لذلك فرقاً في سياق واحد في قوله تعالى :
( كأنهم حمر مستنفرة *فرّت من قسورة *بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشّرة ) (١) . فالكلمات : « مستنفرة » مرفوعة منونة ، تلتها « قسورة » مجرورة منونة ، تلتها « منشرة » منصوبة منونة ، ولم تنطق صوتياً عند الوقف بكل هذه التفصيلات ، بل وقفنا على الهاء.
ب ـ وفي سورة القيامة يقترن الاسم المنصوب في الفاصلة بالظرف مع الاسم المجرور بسياق واحد متناسق يكاد لا يختلف في نبر ، ولا يختلط في تنغيم ، قال تعالى : (بلا قادرين علا أن نسوي بنانه *بل يريد الإنسان ليفجر أمامه *يسئل أيان يوم القيامة )(٢) .
فالألفاظ : «بنانه » مفعول به منصوب مضاف إلى الهاء ، و « أمامه » ظرف مضاف إلى الضمير ، و « القيامة » مجرورة مضاف إليه. وجاءت الأصوات متقاطرة بالهاء عند الوقف.
أما الوقف في وسط الآية ، وفي نهاية الجملة ، وعند بعض الفقرات من الآيات ، فإنه يخضع لقواعد إعرابية حيناً ، وتركيبة حيناً آخر ، وقد أشرنا إليها فيما سبق ، ولا يترتب عليها كبير أمر في الأصوات ، لهذا كانت الإشارة مغنية ، وكان التفصيل في الوقف عند الفواصل لارتباطه بالصوت اللغوي.
__________________
(١) المدثر : ٥٠ ـ ٥٢.
(٢) القيامة : ٤ ـ ٦.
نصاعة الصوت في الأداء القرآني :
ونريد بالنصاعة إخراج الصوت واضحاً لا يلتبس به غيره من أصوات العربية ، وإعطاء الحرف حقه من النطق المحقق غير مشتبه بسواه ، وهذا جوهر الأداء ، وقد سماه القدامى بعلم التجويد ، ولعل تسمية علم الآداء القرآني بـ « التجويد » ناظرة إلى قول الإمام علي7 المتقدم : « الترتيل معرفة الوقوف ، وتجويد الحروف »(١) فأخذ عنه هذا المصطلح بإعطاء الحروف حقوقها وترتيبها ، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله ، وتلطيف النطق به على كمال هيئته ، من غير إسراف ولا تعسف ، ولا إفراط ولا تكلف »(٢) .
وهذه القاعدة تبنى على مخارج الحروف صوتياً ، وقد تقدم أنها سبعة عشر مخرجاً عند الخليل ، وستة عشر مخرجاً عند تابعيه ، بإسقاط مخرج الحروف الجوفية.
ومخرج الحرف للتصويت به دون لبس ، أفاده ابن الجزري ( ت : ٨٣٣ هـ ) في تعريفه له من الخليل عملياً ، يقول : « واختيار مخرج الحرف محققاً أن تلفظ بهمزة الوصل وتأتي بالحرف بعده ساكناً أو مشدداً ، وهو أبين ، ملاحظاً فيه صفات ذلك الحرف »(٣) .
فتقول في الباء والتاء والثاء « ابّ ، اتّ ، اثّ » وهكذا بقية الحروف ، فتتحكم الذائقة الصوتية في نطق الحروف على أساس منها كبير ، والدليل على ذلك تقسيم الحروف على أساس مخارجها عند علماء الأداء القرآني تبعاً لعلماء اللغة ، فكل حيّز ينطلق منه الصوت يشكل مخرجاً في أجهزة النطق ، وذلك عند اندفاع الأصوات إلى الخارج من مخارج الحلق ومدارجه.
وقد أورد السيوطي ( ٩١١ هـ ) ، ملخصاً في مخارج الأصوات استند فيه إلى ابن الجزري ( ت : ٨٣٣ هـ ) وكان ابن الجزري ذكياً في جدولته للأصوات من مخارجها ، إذ ـ فاد من كل ما سبقه ، ونظمه جامعاً تلك
____________
(١) ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر.
(٢) السيوطي ، الاتقان في علوم القرآني : ١|٢٨١.
(٣) ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر : ١|١٩٨.
الإفادات ، وهي ليست له إلا في إضافات من هنا وهناك ، استند إلى ترتيب الخليل ( ت : ١٧٥ هـ ) وبرمجة سيبويه ( ت : ١٨٠ هـ ) وذائقة ابن جني (ت : ٣٩٢ هـ ).
ولا ضير في ذكر مخارجه مع الجزئيات المضافة لا على الأصل فهو واحد ، بل في تحسين العرض ، وضبط حيثيات المخارج على النحو الآتي :
الأول : الجوف ، للألف والواو والياء الساكنين بعد حركة تجانسهما.
الثاني : أقصى الحلق ، للهمزة والياء.
الثالث : وسطه ، للعين والحاء المهملتين.
الرابع : أدنى الحلق للفم ، للغين والخاء.
الخامس : أقصى اللسان مما يلي الحلق وما فوقه من الحنك للقاف.
السادس : أقصاه من أسفل مخرج القاف قليلاً ، وما يليه من الحنك.
السابع : وسطه ، بينه وبين وسط الحنك ، للجيم والشين والياء.
الثامن : للضاد المعجمة ، من أول حافة اللسان ، وما يليه من الأضرس من الجانب الأيسر ، وقيل : الأيمن.
التاسع : اللام من حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه ، وما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى.
العاشر : للنون من طرفه ، أسفل اللام قليلاً.
الحادي عشر : للراء من مخرج النون ، لكنها أدخل في ظهر اللسان.
الثاني عشر : للطاء والدال والتاء من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مصعداً إلى جهة الحنك.
الثالث عشر : لحروف الصفير: الصاد والسين والزاي ، من بين طرف اللسان ، وفويق الثنايا السفلى.
الرابع عشر : للضاء والثاء والذال ، من بين طرفه وأطراف الثنايا العليا.
الخامس عشر : للفاء ، من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا.
السادس عشر : للباء والميم والواو غير المديّة بين الشفتين.
السابع عشر : الخيشوم للغنة في الادغام والنون أو والميم الساكنة(١) .
لقد اتسم تشخيص هذه المخارج بالدقة ، وتعيين المواضع بما يقرّه علم التشريح حديثاً ، من حيث الضبط لجزئيات المدارج ، فهي تتلاءم تماماً مع معطيات هذا العلم بعد مروره بتجارب الأجهزة المختبرية ، ونتائج جراحة مخارج الأصوات ضمن معادلات دقيقة لا تخطئ.
ولا يكتفي ابن الجزري في هذا العرض حتى يضيف اليه مفصلا صوتيا في خصائص الحروف ، وملامح الأصوات ، وسمات الاشتراك والانفراد في المخارج والصفات.
يقول ابن الجزري ( ت : ٨٣٣ هـ ) فالهمزة والهاء اشتركا مخرجاً وانفتاحاً واستفالاً ، وانفردت الهمزة بالجهر والشدة ، والعين والحاء اشتركا كذلك ، وانفردت الحاء بالهمس والرخاوة الخالصة ، والغين والخاء اشتركا مخرجاً ورخاة واستعلاءً وانفتاحاً ، وانفردت الغين بالجهر ، والجيم والشين والياء اشتركت مخرجا وانفتاحا واستفالا ، وانفردت الجيم بالشدة ، واشتركت مع الياء في الجهر ، وانفردت الشين بالهمس والتفشي ، واشتركت مع الياء في الرخاوة ، والضاد والظاء اشتركا صفة وجهراً ورخاوة واستعلاءً ، وإطباقاً ، وافترقا مخرجاً ، وانفردت الضاد بالاستطالة ، والطاء والدال والتاء اشتركت مخرجاً وشدة ، وانفردت الطاء بالأطباق والاستعلاء ، واشتركت مع الدال في الجهر ، وانفردت التاء بالهمس ، واشتركت مع الدال في الانفتاح والاستفال ، والظاء والذال والثاء اشتركت مخرجاً ورخاوة ، وانفردت الظاء بالاستعلاء والأطباق ، واشتركت مع الذال في الجهر ، وانفردت الثاء بالهمس ، واشتركت مع الذال انفتاحاً واستفالاً ، والصاد والزاي والسين اشتركت مخرجاً ورخاوة وصفيراً ، وانفردت الصاد
__________________
(١) انظر السيوطي ، الاتقان : ١|٢٨٣ وانظر مصدره.
بالأطباق والاستعلاء ، واشتركت مع السين في الهمس ، وانفردت الزاي بالجهر ، واشتركت مع السين في الانفتاح والاستغال. فإذا أحكم القارىء النطق بكل حرف على حدته موفّى حقه ، فليعمل نفسه بأحكامه حالة التركيب لأنه ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد ، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب ، وقوي وضعيف ، ومفخّم ومرقق ، فيجذب القوي الضعيف ، ويغلب المفخم المرقق ، ويصعب على اللسان النطق بذلك على حقه ، إلا بالرياضة الشديدة ؛ فمن أحكم صحة التلفظ حالة التركيب ، حصل حقيقة التجويد «(١) .
حقاً لقد أعطى ابن الجزري مواطن تنفيذ الأداء القرآني على الوجه الأكمل بما حدده من خصائص كل حرف في المعجم ، وما لخصه من دراسة صوتية لمواضع الأصوات ومدارجها في الانفتاح والاستفال ، والجهر والهمس ، والشدة والرخاوة ، والتفشي والاستطالة يساعد على تفهم الحياة الصوتية في عصره ، ولا يكتفي بهذا حتى يربطها بعلم الأداء في حالة تركيب الحروف ، وتجانس الأصوات قوة وضعفاً.
بقي القول أن علم الأداء القرآني يرتبط بالأصوات في عدة ملاحظ كالوقف وقد تقدم ، والإدغام وسيأتي ، ونشير هنا إلى ملحظين هما الترقيق والتفخيم ، فالترقيق مرتبط بحروف الاستفال ( الحروف المستفلة ) لأنها مرققة جميعاً. والتفخيم مرتبط بحروف الاستعلاء ( الحروف المستعلية ) لأنها مفخمة جميعاً ، وقد سبقت الإشارة في موضعها إلى الامالة والاشمام.
وما قدمناه ـ عادة ـ قد يصلح مادة أساسية للاستدلال على صلاحية الرأي القائل بأن علم الأداء القرآني في قسيميه الأساسيين : عبارة عن جزء مهم من كلي الصوت اللغوي في القرآن ، لارتباطه بعلم الأصوات ارتباطاً متماسكياً لا يمكن التخلي عنه ، فهو ناظر إلى مخارج الحروف وتجويدها ، والمخارج بأصنافها تشكل مخططاً تفصيلياً لأجهزة الصوت ، وكل حرف ينطلق من حيزه صوتاً له مكانه وزمانه ، ساحته ومسافته.
__________________
(١) ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر : ١|٢١٤.
الصوت الأقوى في الأداء القرآني :
في الأداء القرآني يحدث أن يحتل صوت مكان صوت ، أو يدغم صوت في صوت ، فيشكلان صوتاً واحداً ، ويكون الصوت المنطوق هو الأقوى في الإبانة والإظهار ، وهو الواضح في التعبير ، حينئذ يكون المنطوق حرفاً ، والمكتوب حرفين ، والمعول عليه ما يتلفظ به أداءّ ، وينطق بجوهره صوتاً ، ذلك ما يتحقق بعده الصوتي في ظاهرة الادغام.
إن رصد هذه الظاهرة أصواتياً في التنظير القرآني مهمة جداً لمقاربتها من ظاهرة « المماثلة » عند الأصواتيين.
الادغام عند النحاة : أن تصل حرفاً ساكناً بحرف مثله متحرك من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف فيصير اتصالهما كحرف واحد(١) .
وعند علماء القراءات : هو اللفظ بحرفين حرفاً كالثاني مشدداً ؛ وينقسم إلى كبير وصغير ، فالكبير ما كان أول الحرفين متحركاً ، سواء كانا مثلين أم جنسين ، أم متقاربين ، وسمي كبيراً لكثرة وقوعه ، ووجهه : طلب التحقيق.
والادغام الصغير : ما كان الحرف الأول فيه ساكناً ، وهو واجب وممتنع وجائز، والذي جرت عادة القراء بذكره هو الجائز(٢) .
والادغام عند الأصواتيين العرب عرفّه ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) بأنه : « تقريب صوت من صوت »(٣) .
وهو عنده : إما تقريب متحرك من متحرك ، فهو الادغام الأصغر ، وهو تقريب الحرف من الحرف ، وإدناؤه منه من غير ادغام يكون هناك. وإما تقريب ساكن من متحرك فهو الادغام الأكبر لأن الصوت الأول شديد الممازجة للثاني ، لأنك إنما أسكنت المتحرك لتخلطه بالثاني وتمازجه به(٤) .
__________________
(١) ظ : ابن يعيش ، المفصل : ١٠|١٢١.
(٢) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ١|٢٦٣ و ٢٦٧.
(٣) ظ : ابن جني ، الخصائص : ٢|١٣٩.
(٤) ظ : المصدر نفسه : ٢|١٤٠.
ونقف عند قول ابن جني وقفة قصيرة لتحديد الصوت الأقوى. فتقريب الحرف من الحرف يحصل من غير إدغام فلا حديث لنا معه ، وإنما يعنينا الحديث عن الادغام وهو ما يتحقق بالأكبر دون الأصغر ، ويحدث بتقريب الساكن من المتحرك. لهذا فسيكون حديثنا متأطراً بالادغام الأكبر دون سواه فيما بعد.
والتقريب الذي تحدث عنه ابن جني هو عين المماثلة عند الأصواتيين المحدثين ، لأن المماثلة عبارة عن عملية استبدال صوت بآخر تحت تأثير صوت ثالت قريب منه في الكلمة أو في الجملة كما يعرفها جونز(١) .
والمماثلة نوعان : رجعية وتقدمية ، وذلك بحسب كونها من الأمام إلى الخلف ، أو من الخلف إلى الأمام.
والنوع الأول هو الأكثر شيوعاً من الآخر مع أن كلاً منهما يمكن أن يحدث في لغة واحدة(٢) .
والمماثلة الرجعية تنجم من تأثر الصوت الأول بالثاني في صيغة افتعل في نحو ( إذتكر) حينما تتفانى الذال والتاء ، ويندكان تماماً ليحل محلهما الدال مشدداً ، فتكون (إدّكر) في مثل قوله تعالى :( وادّكر بعد أمة ) (٣) فقد تلاشى الصوت الأول وهو الذال في الصوت الثاني وهو التاء ، وعادت التاء دالاً لقرب المخرج مع تشديدها لتدل على الاثنين معاً ، وهذا هو تطبيق المماثلة في الادغام.
« وتتخذ المماثلة صورة تقدمية فيما ينطقه بعض الناس للفظة ( إجتمع ) بـ ( إجدمع ) فالتاء قد جاورت الجيم مجاورة مباشرة ، فقد صوت التاء صفته كمهموس ، ليصبح مجهوراً في صورة نظيره الدال »(٤) .
__________________
(١) ظ : خليل العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : ٧١ وانظر مصدره.
(٢) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ١٢٦.
(٣) يوسف : ٤٥.
(٤) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : ١٢٨.
والذي يتضح من هذا أن الصوت القوي هو الذي يحتل مساحة النطق بدل الصوت الضعيف ، نتيجة الملائمة الصوتية في الأكثر مجاورة واحتكاكاً ، بينما علل « موريس جرامونت » ظاهرة المماثلة بالتفسير العضوي المرتبط بجهاز النطق فيقول : « أما الوجه الذي تتم به الظاهرة فهو ذو طابع خارجي لا يعتمد على جوهر الصوت ، فإذا ما تحدثنا عنه من الوجهة النفسية العضوية لم نجد للمماثلة الرجعية من تعليل سوى إسراع بحركات النطق عن مواضعها ، وبأن المماثلة التقدمية التزام هذه الحركات والجمود عليها ومع ذلك فهذه التفرقة ثانوية ، أما الشيء الأساسي فهو أن هناك صوتاً يسيطر على صوت آخر ، وأن الحركة تتم في اتجاه أو في آخر ما إذا كان الصوت المسيطر موجوداً في الأمام أو في الخلف. ولا شك أن الصوت المؤثر هو ذلك الذي تتوفر فيه صفات : أن يكون أكثر قوة ، وأكثر مقاومة ، أو أكثر استقراراً ، أو أكثر امتيازاً ، وأنما تتحد هذه الصفات سلفاً طبقاً لنظام اللغة ، وعلى ذلك يمكن التنبؤ بالوجه الذي تتم عليه ظاهرة المماثلة ، الأمر الذي يستبعد معه هوى المتكلم ، ولتبسيط الأمر يمكننا أن نحدد القضية كلها في كلمة واحدة هي ( القوة ). فالمماثلة تخضع لقانون واحد هو قانون : ( الأقوى ) وليست المماثلة ونقيضها المخالفة هما اللذان يخضعان وحدهما له ، تخضع له جميع الظواهر التي يكون فيها تغير الأصوات ناشئاً عن وجود صوت آخر(١) .
وهذا يدل على أن مقاومة ما تحدث بين الأصوات في المماثلة ، فيحل الأقوى بدل القوي ، ويتغلب عليه فيصوّت به دونه.
وعلى هذا فالإدغام عند العرب في نوعيه هو الأصل في المماثلة عند الأوروبيين ، إذ يتغلب صوت أولي على صوت ثانوي ، فالصوت الأولي هو الأقوى ، لأنه المتمكن المسيطر على النطق ، وأحياناً يحل محلهما معاً صوت ثالث مجاور يمثل الصوتين السابقين بعد فنائهما ، وتلاشي أصدائهما كما في الابدال.
وكان أبو عمرو بن العلاء ( ت : ١٥٤ هـ ) من أبرز القائلين به في
__________________
(١) عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات : ٢٣٣ وانظر مصدره.
القرآن الكريم وإليه ينسب القول المشهور :
« الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره»(١) .
وقد قال ابن الجزري عن عدد ما أدغمه أبو عمرو في القرآن : « جميع ما أدغمه أبو عمرو من المثلين والمتقاربين ، ألف حرف وثلاثمائة وأربعة أحرف »(٢) .
والحق أن أبا عمرو بن العلاء قد توسع في الادغام حتى أنكروا عليه إدغامه الراء عند اللام في قوله تعالى :
( يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) (٣) [ إذ قرأها يغفلكم ].
قال الزجاج : إنه خطأ فاحش ؛ ولا تدغم الراء في اللام إذا قلت : « مرلي » بكذا ، لأن الراء حرف مكرر ، ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به ، فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء ، ولو أدغمت اللام في الراء لزم التكرير من الراء. وهذا إجماع النحويين(٤) .
وقال أبو عمرو بن العلاء بالادغام الكبير لشموله نوعي المثلين والجنسين والمتقاربين ، ويعني بالمثلمين ما اتفقا مخرجاً وصفة ، والمتجانسين ما اتفقا مخرجاً واختلفا صفة ، وبالمتقاربين ما تقاربا مخرجاً وصفة(٥) .
وعمد القرّاء رضوان الله عليهم إلى جعل الحروف المدغمة على نوعين من التقسيم(٦) .
الأول : الحروف التي تدغم في أمثالها ، واصطلحوا عليه المدغم من
__________________
(١) ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر : ١|٢٧٥.
(٢) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ١|٢٦٦.
(٣) نوح : ٤.
(٤) ظ : الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|٣٢٢.
(٥) ظ : السيوطي ، الاتقان : ١|٢٦٣ وما بعدها ، وأنظر مصدره.
(٦) قارن في هذا بين الجزري ، النشر : ١|٢٨٠ وما بعدها + السيوطي ، الاتقان : ١|٢٦٤ وما بعدها + ابن يعيش ، المفصل : ١٠|١٥٠ وما بعدها.
الأول : الحروف التي تدغم في أمثالها ، واصطلحوا عليه المدغم من المتماثلين.
الثاني : الحروف التي تدغم في مجانسها ومقاربها ، واصطلحوا عليه المدغم من المتجانسين والمتقاربين.
والنوع الأول يضم سبعة عشر حرفا ، والثاني يضم ستة عشر حرفا ، وسنورد اسم الحرف مع تنظيره القرآني.
أولاً : الادغام بين المتماثلين :
١ـ الباء : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( وأنزل معهم الكتاب بالحق ) (١) .
٢ ـ التاء : وتدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( فما ربحت تجارتهم ) (٢) .
وأما إذا كانت التاء : تاء ضمير فلا تدغم كقوله تعالى :( ياليتني كنت ترابا ) (٣) .
٣ ـ الثاء : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) (٤) .
ومن أبرز مصاديقه وضوحاً قوله تعالى :( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من الله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم *) (٥) .
٤ ـ الحاء : تتدغم في مثلها في نماذج كثيرة من القرآن كنحو قوله
__________________
(١) البقرة : ٢١٣.
(٢) البقرة : ١٦.
(٣) النبأ : ٤٠.
(٤) النساء : ٩١.
(٥) المائدة : ٧٣.
تعالى :( وإذ قال موسى لفتاه لآ أبرح حتّى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ) (١) .
٥ ـ الراء : وتدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) (٢) .
٦ ـ السين : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) (٣) .
٧ ـ العين : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ) (٤) .
٨ ـ الغين : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الأخرة من الخاسرين ) (٥) .
٩ ـ الفاء : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل ) (٦) .
١٠ ـ القاف : وتتدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :
( والطيبات من الرزق قل هي للّذين ءامنوا ) (٧) .
١١ ـ الكاف : تتدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :
( واذكر ربّك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) (٨) .
١٢ ـ اللام : تتدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :
( وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين ) (٩) .
١٣ ـ الميم : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :
( واتخذوا من مقام إبراهم مصلّى ) (١٠) .
__________________
(١) الكهف : ٦٠. (٢) البقرة : ١٨٥. (٣) الحج : ٢. (٤) البقرة : ٢٥٥. (٥) آل عمران : ٨٥. |
(٦) الفيل : ١. (٧) الأعراف : ٣٢. (٨) آل عمران : ٤١. (٩) الجمعة : ٢. (١٠) البقرة :١٢٥. |
١٤ ـ النون : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :
( والاّتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ) (١) .
١٥ ـ الواو : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :
( خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) (٢) .
١٦ ـ الهاء : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :
( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى لّلمتقين ) (٣) .
١٧ ـ الياء : تدغم في مثلها في نحو قوله تعالى :( فلمّا جاء أمرنا نجينا صالحا والّذين ءامنو معه برحمت منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوى العزيز ) (٤) .
وقد لا حظنا أن للادغام عدة شروط يصح معها :
١ ـ إسكان الأول المتحرك قبل إدغامه وتحرك الثاني.
٢ ـ أن يلتقي المثلان في الرسم فلا يفصل بينهما حرف.
٣ ـ أن يكون المثلان مركبين من كلمتين ، فإن التقيا من كلمة واحدة فلا إدغام إلا في حرفين ( مناسككم ) في البقرة ، و( سلككم ) في المدثر.
وعندي أنهما مركبان من كلمتين ، فالمناسك كلمة ، والضمير لجمع المخاطب كلمة أخرى ، وسلك كلمة ، والضمير لجمع المخاطب كلمة أخرى ، فجرى القياس على أصوله ، فهما من الأصل دون الاستثناء المشار إليه.
٤ ـ أن لا يكون الأول تاء ضمير المتكلم أو خطاباً ، فلا يدغم حينئذ كقوله تعالى :( أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ) (٥) .
__________________
(١) النساء : ٣٤.
(٢) الأعراف : ١٩٩.
(٣) البقرة : ٢.
(٤) هود : ٦٦.
(٥) يونس : ٤٢.
٥ ـ أن لا يكون الأول مشدداً ، فلا يدغم في نحو قوله تعالى :( ذوقوا مسّ سقر ) (١) .
٦ ـ أن لا يكون الأول مشدداً فلا يدغم في نحو قوله تعالى :( إن الله غفوررحيم ) (٢) .
* * *
ثانياً : الادغام في المتجانسين والمتقاربين وله شروط :
أ ـ أن لا يكون الحرف الأول مشدداً كقوله :( أو أشد ذكرًا ) (٣) .
ب ـ أن لا يكون منوناً كقوله تعالى :( في ظلمات ثلاث ) (٤) .
ج ـ أن لا يكون تاء ضمير كقوله تعالى :( خلقت طيناً ) (٥) .
وقد ظهر من الاستقراء القرآني أن هذا الادغام وارد في ستة عشر حرفاً ، وهي من ضم بعضها إلى بعض ، تمثل الحالات التفصيلية الآتية :
١ ـ الباء : وتدغم في الميم كقوله تعالى :( يعذّب من يشاء ) (٦) .
٢ ـ التاء : وتدغم في عشرة أحرف سواها هي :
أولاً : التاء في الثاء في نحو قوله تعالى :( ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) (٧) .
ثانياً : التاء في الجيم كقوله تعالى :( ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم
__________________
(١) القمر : ٤٨.
(٢) وردت لأول مرة في المصحف بسورة البقرة : ١٧٣.
(٣) البقرة : ٢٠٠.
(٤) الزمر : ٦.
(٥) الإسراء : ٦١.
(٦) العنكبوت : ٢١.
(٧) المائدة : ٣٢.
اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) (١) .
ثالثاً : التاء في الذال كقوله تعالى :( فالتاليات ذكرًا ) (٢) .
رابعاً : التاء في الزاي كقوله تعالى :( فالزاجرات زجرا ) (٣) .
خامساً : التاء في السين كقوله تعالى :( والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ) (٤) .
سادساً : التاء في الشين كقوله تعالى :( لولا جاءو عليه بأربعة شهداء ) (٥) .
سابعاً : التاء في الصاد كقوله تعالى :( والصافات صفّا ) (٦) .
ثامناً : التاء في الضاد كقوله تعالى :( والعاديات ضبحاً ) (٧) .
تاسعاً : التاء في الطاء في نحو قوله تعالى :( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلو الجنة بما كنتم تعملون ) (٨) .
عاشراً : التاء في الظاء :( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي انفسهم ) (٩) .
٣ ـ الثاء : وتدغم في خمسة أحرف سواها هي :
أولاً : الثاء في التاء كقوله تعالى :( أفمن هذا الحديث تعجبون ) (١٠) .
ثانياً : الثاء في الذال كقول تعالى :( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب ) (١١) .
ثالثاً : الثاء في السين كقوله تعالى :( وورث سليمان داوود ) (١٢) .
__________________
(١) المائدة : ٩٣. (٢) الصافات : ٣. (٣) الصافات : ٢. (٤) النساء : ١٢٢. (٥) النور : ١٣. (٦) الصافات : ١. |
(٧) العاديات : ١. (٨) النحل : ٣٢. (٩) النحل : ٢٨. (١٠) النجم : ٥٩. (١١) آل عمران : ١٤. (١٢) النمل : ١٦. |
رابعاً : الثاء في الشين كقوله تعالى :( انطلقوا إلى ضلّ ذي ثلاث شعب ) (١) .
خامساً : الثاء في الضاد كقوله تعالى :( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ) (٢) .
٤ ـ الجيم وتدغم في حرفين متقاربين هما :
أولاً : الجيم في التاء في نحو قوله تعالى :( من الله ذي المعارج *تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) (٣) .
ثانياً : الجيم في الشين في نحو قوله تعالى :( كزرع أخرج شطئه ) (٤) .
٥ ـ الحاء وتدغم في موضع واحد وهو قوله تعالى :( فمن زحزح عن النّار ) (٥) .
٦ ـ الدال ، وتدغم الدال ما لم تفتح بعد ساكن في عشرة أحرف إلا مع التاء فينتفي الشرط للتجانس ، وهي :
أولاُ : الدال في التاء في نحو قوله تعالى :( تكاد تميّز من الغيظ ) (٦) .
ثانياً : الدال في الثاء في نحو قوله تعالى :( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والأخرة وكان الله سميعا بصيراً ) (٧) .
ثالثاً : الدال في الجيم في نحو قوله تعالى :( وقتل داوود جالوت ) (٨) .
رابعاُ : الدال في الذال في نحو قوله تعالى :( فمن اعتدى بعد ذلك ) (٩) .
خامساً : الدال في الزاي في نحو قوله تعالى :( تريد زينة الحياة الدنيا ) (١٠) .
____________
(١) المرسلات : ٣٠. (٢) الذاريات : ٢٤. (٣) المعارج : ٣ ـ ٤. (٤) الفتح : ٣٩. (٥) آل عمران : ١٨٥. |
(٦) الملك : ٨. (٧) النساء : ١٣٤. (٨) البقرة : ٢٥١. (٩) المائدة : ٩٤. (١٠) الكهف : ٢٨. |
سادساً : الدال في السين في نحو قوله تعالى :( إنما صنعوا كيد ساحر ) (١) .
سابعاً : الدال في الشين في نحو قوله تعالى :( قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من اهلها إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ) (٢) .
ثامناً : الدال في الصاد في نحو قوله تعالى :( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) (٣) .
تاسعاً : الدال في الضاد في نحو قوله تعالى :( ولئن اذقناه رحمة منّا من بعد ضرّاء ) (٤) .
عاشراً : الدال في الظاء في نحو قوله تعالى :( وما الله يريد ظلماً للعباد ) (٥) .
٧ ـ وتدغم الذال في حرفين هما السين والصاد :
أولاً : الذال في السين في نحو قوله تعالى :( فاتّخذ سبيله في البحر سربا ) (٦) .
ثانياً : الذال في الصاد في نحو قوله تعالى :( ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) (٧) .
٨ ـ وتدغم الراء في اللام ما لم تفتح بعد ساكن في نحو قوله تعالى :( أيود أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الأيات لعلكم تتفكرون ) (٨) .
__________________
(١) طه : ٦٩. (٢) يوسف : ٢٦. (٣) القمر : ٥٥. (٤) فصلت : ٥٠. |
(٥) المؤمن = غافر : ٣١. (٦) الكهف : ٦١. (٧) الجن : ٣. (٨) البقرة : ٢٦٦. |
٩ ـ وتدغم السين في حرفين هما : الزاي والسين :
أولاً : السين في الزاي في نحو قوله تعالى :( وإذا النفوس زوجت ) (١) .
ثانياً : السين في الشين في نحو قوله تعالى :( واشتعل الرأس شيبا ) (٢) .
١٠ ـ وتدغم الشين في السين في نحو قوله تعالى :( قل لو كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ) (٣) .
١١ ـ وتدغم الضاد في الشين. في نحو قوله تعالى :( فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لّمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رّحيم ) (٤) .
١٢ ـ وتدغم القاف في الكاف على أن يتحرك ما قبل القاف في نحو قوله تعالى :( ذالكم الله ربكم لآ إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ) (٥) .
١٣ ـ وتدغم الكاف في القاف إذا تحرك ما قبل الكاف في نحو قوله تعالى :( قد نرا تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ) (٦) .
١٤ ـ وتدغم اللام في الراء إذا تحرك ما قبلها في نحو قوله تعالى :( قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم إن موعودهم الصّبح أليس الصّبح بقريب ) (٧) .
ـ إلا لام قال فإنها تدغم حيث وقعت قبل الراء كقوله تعالى :( قال
__________________
(١) التكوير : ٧.
(٢) مريم : ٤.
(٣) الإسراء : ٤٢.
(٤) النور : ٦٢.
(٥) الأنعام : ١٠٢.
(٦) البقرة : ١٤٤.
(٧) هود : ٨١.
رب أغفر لي وهب لي ملكا لاً ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) (١) .
١٥ ـ وتدغم الميم في الباء ، والأصح صناعة أنها تخفى بالباء لأنها تسكن عند الباء إذا تحرك ما قبلها فتخفى بغنة ، لأن الميم لا تلغي الباء ولا تحل محلها فتعود مشددة ، بل تبقى الميم في غنة أنفية ، وهذا هو الاخفاء كما في قوله تعالى :( لكى لا يعلم بعد علم شيئاً ) (٢) .
١٦ ـ وتدغم النون في حرفين هما الراء واللام على أن يتحرك ما قبل النون :
أولاً : النون في الراء في نحو قوله تعالى :( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي ) (٣) .
ثانياً : النون في اللام في نحو قوله تعالى :( وقالوا لن نؤمن لك حتّا تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) (٤) .
وقد ظهر مما تقدم رصد النتائج الصوتية التّالية :
١ ـ إن الحروف التي تدغم في أمثالها ، وعددها سبعة عشر حرفاً ؛ هي : ب. ت. ث. ح. ر. س. ع. غ. ف. ق. ك. ل. م. ن. و. ي. هـ.
٢ ـ إن الحروف التي تدغم في المتجانسين والمتقاربين دون المتماثلين ـ وعددها ستة عشر حرفاً ـ هي : ب. ت. ث. ج. ح. د. ذ. ر. س. ش. ض. ق. ك. ل. م. ن.
٣ ـ إن الحروف التي تدغم ويدعم فيها ـ وعددها ثمانية عشر حرفاً ـ هي : ب. ت. ث. ج. د. ذ. ر. س. ش. ف. ص. ض. ظ. ط. ك. ل. م. ن.
وقد خلص لنا مما تقدم بيانه في الادغام رصد الضوابط والقواعد الصوتية الآتية :
١ ـ إن كل حرفين التقيا أولهما ساكن ، وهما متماثلان أو متجانسان
__________________
(١) ص : ٣٥.
(٢) النحل : ٧٠.
(٣) الإسراء : ١٠٠.
(٤) الإسراء : ٩٠.
فيجب فيهما إدغام الأول عند علماء القراءة :
أ ـ في المتماثلين كقوله تعالى :( فما ربحت تجارتهم ) (١) .
ب ـ في المتجانسين كقوله تعالى :( إذ همت طآئفتان منكم ) (٢) .
٢ ـ إن الطاء إذا جاورت التاء أدغم الطاء وجوباً مع بقاء الأطباق كقوله تعالى :( لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) (٣) .
٣ ـ إن الاخفاء قد يختلط بالادغام في حالة واحدة منظورة في اللسان العربي ، والحالة هي : إخفاء الميم بالباء ، فيعده بعضهم في الإدغام ، ويعده بعضهم في الأخفاء ، وهو الصحيح فيما يبدو لي ، لأن الميم غير متلاشية في نحو قوله تعالى :( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) (٤) .
فإن سكن ما قبلها أظهرت دون إخفاء أو إدغام ، كما في قوله تعالى :( ولمّا جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) (٥) .
هذا في الإدغام الكبير.
أما الإدغام الصغير فالجائز منه :
١ ـ إدغام حرف من كلمة في حروف متعددة من كلمات متفرقة وتقتصر عند القراء على ما يأتي :
إذ | قد | تاء التأنيت | هل | بل.
٢ ـ إدغام حروف قربت مخارجها ، وهي سبعة عشر حرفاً اختلف فيها عند القراء ، وقد استوعبها السيوطي في بحثه عنها(٦) .
والحق أن الادغام الصغير لا يعنينا صوتياً ، لأن فك الادغام فيه أو عنه يعني تكرار الحرف ليس غير، ولا يفك إدغامه في السياق الجملي بل
__________________
(١) البقرة : ١٦.
(٢) آل عمران : ١٢٢.
(٣) المائدة : ٢٨.
(٤) الأنعام : ٥٣.
(٥) العنكبوت : ٣١.
(٦) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ١|٢٦٨.
عند تصريف الكلمة أو عند بيان صيغتها التفعيلة وهذا ما لا يحدت عند النطق في العبارة ، فيبقى الحرف في الواقع صوتاً واحداً وإن كان مشدداً كما في : قد. هل. بل من الأدوات ، وقل. سل. عد. من الأفعال. لهذه الأسباب العلمية استبعدنا الخوض عن الادغام الصغير في هذا البحث. نعم ألحق القراء في هذا المبحث أحكام النون الساكنة والتنوين من وجه لأن لهما أربعة أحكام هي :
الإظهار. الإدغام. الإقلاب. والإخفاء.
ولما كانت هذه الأحكام الأربعة تتحكم في إخراج الصوت وحدوثه ضمن حيثيته المؤشرة ، فحسن منا التنبيه عليها ، والإشارة إليها في حدود الصوت اللغوي دون التفصيلات الأخرى.
فالاظهار عند ستة أحرف ، وهي حروف الحلق :
الهمزة ، الهاء ، العين ، الحاء ، الغين ، الخاء.
وبعضهم يخفي عند الخاء والغين.
والإدغام عند ستة أحرف ؛ حرفان بلا غنّة ؛ وهما اللام والراء ، وأربعة بغنة ، وهي : النون ، والميم ، والياء ، والواو. والإقلاب عند حرف واحد ، وهو الباء بقلب النون ميماً في نحو قوله تعالى :( قال يا آدم أنبئهم بأسمآئهم ) (١) . ويقلب التنوين ميماً في نحو قوله تعالى :( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) (٢) . والاخفاء يكون عند بقية حروف المعجم العربي ، وهو حالة بين الادغام والاظهار ، ولا بد من الغنة معه(٣) .
وفي هذا الضوء فإن النون الساكنة تخفى في خمسة عشر موضعاً عند خمسة عشر حرفاً من القرآن الكريم ، فلا تدغم نهائياً ، ولا تظهر بجوهرها ، وإنما هي حالة بين حالتين ، ومنزلة بين منزلتين ، كما في الكشف الآتي ، لنماذج من الآيات القرآنية بحسب الأصوات.
__________________
(١) البقرة : ٣٣.
(٢) البقرة : ١٨.
(٣) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ١|٢٧٠.
١ـ التاء ، وتخفى النون عندها في قوله تعالى :( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) (١) .
٢ـ الثاء ، وتخفى النون عندها في نحو قوله تعالى :( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا ) (٢) .
٣ ـ الجيم في نحو قوله تعالى :( قل أرءيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ) (٣) .
٤ ـ الدال في نحو قوله تعالى :( أن دعوا للرحمن ولدا ) (٤) .
٥ ـ الذال في نحو قوله تعالى :( وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم ) (٥) .
٦ ـ الزاى في نحو قوله تعالى :( ما لكم من زوال ) (٦) .
٧ ـ السين في نحو قوله تعالى :( لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ) (٧) .
٨ ـ الشين في نحو قوله تعالى :( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً ) (٨) .
٩ ـ الصاد في نحو قوله تعالى :( ولا يجرمنّكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ) (٩) .
١٠ ـ الضاد في نحو قوله تعالى :( ومن ضل فإنّما يضل عليها ) (١٠) .
١١ ـ الطاء في نحو قوله تعالى :( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى اجلاً ) (١١) .
١٢ ـ الظاء في نحو قوله تعالى :( وما له منهم من ظهير ) (١٢) .
__________________
(١) آل عمران : ١١٠. (٢) البقرة : ٢٥. (٣) القصص : ٧١. (٤) مريم : ٩١. (٥) يس : ١٠. (٦) إبراهيم : ٤٤. |
(٧) الزمر : ٤٧. (٨) الإنسان : ٢٩. (٩) المائدة : ٢. (١٠) يونس : ١٠٨. (١١) الأنعام : ٢. (١٢) سبأ : ٢٢. |
١٣ ـ الفاء في نحو قوله تعالى :( ثم قضى أجلا الله من فضله ) (١) .
١٤ ـ القاف في نحو قوله تعالى :( من ظهير من قرار ) (٢) .
١٥ ـ الكاف في نحو قوله تعالى :( وقل ءامنت بما أنزل الله من كتاب ) (٣) .
* * *
والتنوين كذلك فإنه يخفى في خمسة عشر موضعاً عند خمسة عشر حرفاً من القرآن ، وهي الحروف المتقدمة نفسها :
١ـ التاء ، ويخفى التنوين عندها في نحو قوله تعالى :( إن الذين ءامنو وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) (٤) .
٢ ـ الثاء ، في نحو قوله تعالى :( من فضله عليك قولا ثقيلا ) (٥) .
٣ ـ الجيم ، في نحو تعالى :( إن الذين ءامنو وعملوا ) (٦) .
٤ ـ الدال ، في نحو قوله تعالى :( عليك قولاً ثقيلاً *حدآئق وأعناباً *وكواعب أترابا *وكأسا دهاقا ) (٧) .
٥ ـ الذال ، في نحو قوله تعالى :( ألاّ تتخذوا من دوني وكيلا *هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا الله ) (٨) .
٦ ـ الزاي ، في نحو قوله تعالى :( قضى أجلا الله ) (٩) .
٧ ـ السين ، في نحو قوله تعالى :( ضرب إن الذين ءامنوا وعملو الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الانهار مثلا ) (١٠) .
__________________
(١) النساء : ٣٧. (٢) إبراهيم : ٢٦. (٣) الشورى : ١٥. (٤) البروج : ١١. (٥) المزمل : ٥. |
(٦) الإسراء : ٤٩. (٧) النبأ: ٣١ ـ ٣٤. (٨) الإسراء : ٢ ـ ٣. (٩) الكهف : ٤٠. (١٠) الزمر: ٢٩. |
٨ ـ الشين ، في نحو قوله تعالى :( إن الله غفور شكور ) (١) .
٩ ـ الصاد ، في نحو قوله تعالى :( كأنه جمالت صفر ) (٢) .
١٠ـ الضاد ، في نحو قوله تعالى :( وكلا ضربنا له الأمثال ) (٣) .
١١ ـ الطاء ، في نحو قوله تعالى :( فتيمّموا صعيدا طيّبا ) (٤) .
١٢ ـ الظاء ، في نحو قوله تعالى :( لهم فيها ازواج مّطهّرة وندخلهم ظلاً ظليلاً ) (٥) .
١٣ـ الفاء ، في نحو قوله تعالى :( ومن يقتل مؤمنا متعمّدا فجزاؤه جهنّم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ) (٦) .
١٤ ـ القاف ، في نحو قوله تعالى :( نصر من الله وفتح قريب ) (٧) .
١٥ ـ الكاف ، في نحو قوله تعالى :( إني ألقي إلي كتاب كريم ) (٨) .
وهكذا نجد الإخفاء متحكماً في النون الساكنة والتنوين.
توظيف الأداء القرآني في الأحكام :
كان أداء القرآن على الوجه العربي الصحيح ، وفي ضوء أصول التلاوة المعتبرة موضوعاً للأحكام الشرعية المتعلقة باعتبار قراء الفاتحة ـ مثلاً ـ فرضاً واجباً في كل صلاة سواءً أكانت فريضة أم نافلة ، وذلك في الأوليتين من الركعات ، ويجب في خصوص الفريضة قراءة سورة كاملة ـ على الأحوط ـ بعدها.
كان هذا الاعتبار الشرعي منطلقاً للأحكام الدقيقة الصادرة من الفقهاء بوجوب القراءة الصحيحة فيما يتلى من القرآن في الصلاة ، وذلك بأداء الحروف وإخراجها من مخارجها على النحو اللازم في لغة العرب ، بأن
__________________
(١) الشورى : ٢٣. (٢) المرسلات : ٣٣. (٣) الفرقان : ٣٩. (٤) النساء : ٤٣ + المائدة : ٦. |
(٥) النساء : ٥٧. (٦) النساء : ٩٣. (٧) الصف : ١٣. (٨) النمل : ٢٩. |
والمد الواجب ، وأمثال هذا ، فإن أخل بشيء من ذلك بطلت القراءة. حتى أن من لا يحسن القراءة بأصولها وجب عليه تعلمها ، وأن كان متمكناً من الائتمام ؛ وقيل : لا وجه لوجوبه مع التمكن من الصلاة الصحيحة بالائتمام.
هذه العناية في أمر القراءة مؤداةً على الوجه العربي الأمثل كانت مناطاً لأحكام أدائية موضوعة للوجوب وعدمه تارةً ، وللاحتياط الشرعي بشقيه الوجوبي والاستحبابي تارة ، وللجواز وعدمه تارة أخرى.
وكانت هذه الملاحظ الدقيقة مظنة لإبداء الحكم الشرعي بتلك الصور المختلفة ، وميداناً جديداً للفقهاء في رصد حياة الصوت اللغوي في مهمة الفرائض الدينية.
إن متابعة هذا الموضوع من أدلته التفصيلية في الشريعة الإسلامية ، قد يخرج البحث من موضوعيته ، وأحاول ـ قدر المستطاع ـ إعطاء أبرز الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الأمر ـ فيما يأتي ـ بمضمونها الفتوائي دون أدلتها التفصيلية ، وذلك من خلال الرجوع لأمهات المصادر في الموضوع ، والتوفيق بينها عند أغلبية المذاهب(١) .
أولاً :
في الملحظ الصوتي للكلمة الواحدة في القراءة القرآنية عند الصلاة تتبلور الأحكام الصوتية الآتية :
١ ـ تجب الموالاة بين حروف الكلمة بالمقدار الذي يتوقف عليه صدق الكلمة ، فإذا فاتت الموالاة ـ سهواً ـ بطلت الكلمة ، وإذا كان ذلك عمداً بطلت الصلاة. وذلك حتى في( أل ) التعريف ، إذ تجب المولاة بينها وبين مدخولها ممّا يعد جزء الكلمة عند العرب.
__________________
(١) ظ : العروة الوثقى + مستمسك العروة الوثقى + مهذب الأحكام + كتاب الأم للشافعي ، باب القراءة : ١|١٠٧ + كتاب المحلى لابن حزم كتاب الصلاة المجلد الثالث. وقارن بين آراء الفقهاء فيما سبق
٢ ـ في حالة حصول فصل بين حروف كلمة واحدة اختياراً أو اضطراراً بحيث خرجت عن صدق تلك الكلمة عليها بطلت ، ومع العمد أبطلت هذا إذا كان من الأول قاصداً لذلك.
٣ـ إذا أعرب آخر الكلمة بقصد الوصل بما بعده فانقطع نفسه ، فحصل الوقف بالحركة ، فالأحوط إعادتها ، وإن لم يكن الفصل كثيراً اكتفى بها.
٤ ـ إذا شك في حركة كلمة أو مخرج حروفها لا يجوز أن يقرأ بالوجهين : فيما إذا لم يصدق على الآخر أنه ذكر ولو غلطاً ، ولو اختار أحد الوجهين جازت القراءة عليه ، فإذا انكشفت أنه مطابق للواقع لم يعد الصلاة ، وإلا أعادها.
٥ ـ إذا اعتقد كون الكلمة على وجه خاص من الاعراب ، أو البناء ، أو مخرج الحرف ، فعلى مده على ذلك الوجه ، ثم تبين أنه غلط ، فالظاهر الصحة ، والأحوط الاعادة أو القضاء ، وإن كان الأقوى عدم الوجوب.
٦ ـ إذا لم يدر إعراب الكلمة ، أو بناءها ، أو بعض حروفها ، أنه الصاد ـ مثلاً ـ أو السين ، أو نحو ذلك ، يجب عليه أن يتعلم ، ولا يجوز له أن يكررها بالوجهين لأن الغلط من الوجهين ملحق بكلام الآدميين ، وفي إطلاقه منع ظاهر.
٧ ـ يجب أن يعلم حركة آخر الكلمة إذا أراد أن يقرأها بالوصل بما بعدها ، مثلاً إذا أراد أن لا يقف على ( العالمين ) ويصلها بقوله ( الرحمن الرحيم ) يجب أن يعلم أن النون مفتوح وهكذا ، نعم إذا كان يقف على كل آية لا يجب عليه أن يعلم حركة آخر الكلمة.
ثانياً :
وفي الملحظ الصوتي عند كون الكلمتين أو الأكثر بنفس واحد دون فصل أو وقوف تتبين الأحكام الصوتية الآتية في القراءة القرآنية عند الصلاة.
١ـ تجب الموالاة بين الجار والمجرور ، والأحوط الموالاة بين
المضاف والمضاف إليه ، والمبتدأ وخبره ، والفعل وفاعله ، والشرط وجزائه ، والموصوف وصفته ، والمجرور ومتعلقة. ونحو ذلك مما له هيئة خاصة على نحو لا يجوز الفصل فيه بالأجنبي ، فإذا فاتت سهواً أعاد القراءة. وإذا فاتت عمداً ، فالأحوط وجوباً الإتمام والاستئناف.
٢ ـ إذا انقطع نفسه في مثل ( الصراط المسقيم ) بعد الوصل بالألف واللام وحذف الألف ، هل يجب إعادة الألف واللام بأن يقول ( المستقيم ) أو يكفي قول : مستقيم؟ الأحوط الأول ، وأحوط منه إعادة الصراط أيضاً ، وكذا إذا صار مدخول الألف واللام غلطاً ، فإذا أراد أن يعيده فالأحوط أن يعيد الألف واللام أيضاً ، بأن يقول المسقيم ، ولا يكتفي بقوله : مستقيم ، وكذا إذا لم يصح المضاف إليه فالأحوط إعادة المضاف ، فإذا لم يصح لفظ المغضوب فالأحوط أن يعيد لفظ ( غير) أيضاً.
٣ ـ ينبغي للمصلي أن يميز بين الكلمات ، ولا يقرأ بحيث يتولد بين الكلمتين كلمة مهملة ، كما إذا قرأ ( الحمدلله ) ، ووقف على الحم ، ولم يكملها بالدال ، وخلط من لفظ الجلالة الحرفين الأولين فتولدت كلمة (دلل) ، وهكذا في ( لله رب ) فتولدت كلمة ( هرب ) ، أو بأخذ الكاف من ( مالك ) فيدمجها مع (يو) من ( يوم ) فتتولد كلمة (كيو) وهكذا في بقية الكلمات بالنسبة لفاتحة الكتاب ، وهذا معنى قولهم : إن في الحمد سبع كلمات مهملات وهي :
دلل ، هرب ، كيو ، كنع ، كنس ، تع ، بع.
ثالثاً :
وفي إحكام مخرج الصوت ونطقه ، في الكلمات والحروف والحركات ، والاعراب والبناء ، ومظاهر الأداء تعتمد الأحكام الصوتية الآتية :
١ ـ لو أخل بشيء من الكلمات أو الحروف أو بدّل حرفاً بحرف حتى الضاد بالظاء أو العكس بطلت القراءة ، وكذا لو أخل بحركة بناء ، أو إعراب ، أو مدّ واجب ، أو تشديد ، أو سكون لازم ، وكذا لو أخرج حرفاً
من غير مخرجه بحيث يخرج عن صدق ذلك الحرف في عرف العرب ، فالقراءة باطلة.
٢ ـ لا يجب على المكلف أن يعرف مخارج الحروف على طبق ما ذكره علماء التجويد ، بل يكفي إخراجها منها ، وإن لم يلتفت إليها ، بل لا يلزم إخراج الحرف من تلك المخارج بل المدار صدق التلفظ بذلك الحرف ، وإن خرج من غير المخرج الذي عينوه. مثلاً إذا نطق بالضاد أو الظاء على القاعدة لكن لا بما ذكروه من وجوب جعل طرف اللسان من الجانب الأيمن أو الأيسر على الأضراس العليا صح ، فالمناط الصدق في عرف العرب ، وهكذا في سائر الحروف.
٣ ـ إذا شك في حركة كلمة ، أو مخرج حروفها ، لا يجوز أن يقرأ بالوجهين ، مع فرض العلم ببطلان أحدهما ، بل مع الشك أيضاً ، لكن لو اختار أحد الوجهين مع البناء على إعادة الصلاة لو كان الوجه المختار باطلاً فلا بأس بذلك.
رابعاً :
وفي الالتزم بمعطيات علماء الأداء القرآني ، وأئمة النحو العربي ، لإظهار أصول الأصوات الإحدات ، تعتمد عند القراءة في الصلاة الأحكام الآتية :
١ ـ يجب حذف همزة الوصل في الدرج مثل همزة : الله ، الرحمن ، الرحيم ، إهدنا ، ونحو ذلك في الفاتحة ، فإذا أثبتها بطلت القراءة ، وكذا يجب إثبات همزة القطع في : إياك ، أنعمت ، فلو حذفها حين الوصل بطلت القراءة.
٢ ـ الأحوط وجوباً عند الفقهاء : ترك الوقوف بالحركة ، والوصل بالسكون.
٣ ـ المد الواجب هو فيما إذا كان بعد حروف المد ـ وهي الواو المضموم ما قبلها ، والياء المسكور ما قبلها ، والألف المفتوح ما قبلها ، همزة مثل : جاء ، وسوء ، وجيء ، أو كان بعد أحدها سكون لازم خصوصاً
إذا كان مدغماً في حرف آخر مثل : الضالين.
ووجوب المد في الموارد الثلاثة الأولى مبني على الاحتياط.
٤ ـ إذ مد في مقام وجوب المد أو في غيره ، أزيد من المتعارف لا يبطل القراءة ، إلا إذا خرجت الكلمة عن كونها تلك الكلمة.
٥ ـ يكفي في المد مقدار ألفين ، والظاهر كفاية أداء الحرف على الوجه الصحيح ، وإن كان المد بأقل من ذلك ، وأكمله إلى أربع ألفات ، ولا يضر الزائد ما لم يخرج الكلمة عن الصدق.
٦ ـ لا يجب ما ذكر علماء التجويد من المحسنات : كالإمالة ، والإشباع ، والتفخيم والترقيق ونحو ذلك ، بل والإدغام إلا فيما سنذكره بعد هذا ، وإن كانت متابعتهم أحسن.
خامساً :
وفي مراعاة أصول الادغام لا سيما الادغام الكبير ، واختلاس الأصوات وإبدالها ، وقراءة القرآن بخصوصه ، تعتمد الأحكام الآتية :
١ ـ في ورود ( أل التعريف ) المركبة من الألف واللام يجب إدغام اللام في أربعة عشر صوتاً هي :
التاء ، الثاء ، الدال ، الذال ، الراء ، الزاي ، السين ، الشين ، الصاد ، الضاد ، الطاء ، الظاء ، اللام ، النون ، وإظهارها في بقية حروف المعجم. فتدغمها مثلاً في كل من : الله ، الرحمان ، الرحيم ، الصراط ، الضالين. وتظهرها في كل من : الحمد ، العالمين ، المستقيم ، المغضوب.
٢ ـ الادغام في مثل : مدّ وردّ ، مما اجتمع في كلمة واحدة منه مثلان : واجب سواءً أكانا متحركين كالفعلين المذكورين ، أو ساكنين كمصدرهما : مدّاً وردّاً.
٣ ـ الأحوط الادغام إذا كان بعد النون الساكنة أو التنوين أحد حروف يرملون ، مع الغنة فيما عدا اللام والراء ، ولا معها فيهما ، لكن الأقوى عدم وجوبه ، فهو حينئذ احتياط استحبابي.
٤ ـ الأحوط الادغام في مثل ( اذهب بكتابي ) و( يدرككم ) مما اجتمع المثلان منه في كلمتين مع كون الأول ساكناً ، لكن الأقوى عدم وجوبه.
٥ ـ ينبغي مراعاة ما ذكره علماء الأداء القرآني ، من إظهار التنوين ، والنون الساكنة ، إذا كان بعدها أحد حروف الحلق ، وقلبهما فيما إذا كان بعدهما حرف الباء ، وإدغامهما إذا كان بعدهما أحد حروف ( يرملون ) ، وإخفاؤهما إذا كان بعدهما بقية الحروف ، ولكن لا يجب شيء من ذلك.
٦ ـ يجوز في قوله تعالى :( إياك نعبد وإياك نستعين ) القراءة بإشباع كسر الهمزة وبلا إشباعه.
٧ ـ الأحوط القراءة بإحدى القراءت السبع ، وإن كان الأقوى عدم وجوبها ، بل يكفي القراءة على النهج العربي ، وإن كان الواجب هو قراءة القرآن كما نزل ، لا ما تصدق عليه القراءة العربية ، وإن كان الأقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الأئمة: ، نعم الظاهر جواز الاكتفاء بكل قراءة متعارفة عند الناس ولو كانت من غير القراءات السبع.
وهناك مستحبان شرعيان نختتم بهما هذا المبحث :
الأول : يستحب تحسين الصوت بلا غناء في القراءة.
الثاني : يستحب الوقف على فواصل الآيات في القراءة.
وأخيراً ، فإن الدربة على أصول الأصوات في مثل هذه الأحكام ، مما تسهل وتضبط وتيسر سلامة الأداء القرآني صوتياً.
الفصل الخامس
الصوت اللغوي في فواصل الآيات
القرآنية
١ ـ مصطلح الفاصلة في القرآن
٢ ـ معرفة فواصل القرآن صوتياً
٣ ـ ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات
٤ ـ الإيقاع الصوتي في موسيقي الفواصل
مصطلح الفاصلة في القرآن :
الفاصلة في القرآن الكريم : آخر كلمة في الآية ، كالقافية في الشعر ، وقرينة السجع في النثر ، خلافاً لأبي عمرو الداني (ت : ٤٤٤ هـ ) الذي اعتبرها كلمة آخر الجملة(١) . إذ قد تشتمل الآية الواحدة على عدة جمل ، وليست كلمة آخر الجملة فاصلة لها ، بل الفاصلة آخر كلمة في الآية ، ليعرف بعدها بدء الآية الجديدة بتمام الآية السابقة لها.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت : ٤٠٣ هـ ) : « الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع ، يقع بها إفهام المعاني »(٢) .
وتقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها ، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام ، وتسمّى فواصل ، لأنه ينفصل عندها الكلامان ، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها.
وقد تكون هذه التسمية اقتباساً من قوله تعالى :( كتاب فصلت ءياته ) (٣) . ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعاً ، لأن الله لما سلب عن القرآن اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضاً لأنها منه ، وخاصة في الاصطلاح(٤) .
__________________
(١) ظ : الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : ١|٥٣.
(٢) المصدر نفسه : ١|٥٤.
(٣) هود : ١.
(٤) ظ : السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن : ٣|٢٩٢.
وما ورد في القرآن متناسق حروف الروي والايقاع ، موحد خاتمة الفاصلة بالصوت ، ويقف فيه بالآية على الحرف الذي وقف عنده في الآية التي قبلها ، فلا يسمى سجعاً عند علماء الصناعة « ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز ، ولو جاز أن يقال : هو سجع معجز ، لجاز أن يقولوا : شعر معجز ، وكيف والسجع مما كان تألفه الكهان من العرب ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر ، لأن الكهانة تنافي النبوّات بخلاف الشعر »(١) .
إذن لم يسموها أسجاعاً ، ولم يصطلحوا عليها قوافي ، إذ استبعدوا تسميتها بالقوافي تكريماً للقرآن بأن يقاس على منظوم كلام البشر ، وستأتي معالجة هذا الرأي فيما بعد ، وأما تجنب تسميتها سجعاً « فلأن أصله من سجع الطير ، فشرّف القرآن أن يستعار لشيء فيه لفظ هو أصل في صوت الطّار ، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في اسم السجع الواقع في كلام آحاد الناس »(٢) .
والمدرك الأول يساعد عليه مقتضى تفسير اللغة ، وأصول إرجاع المصطلحات إلى قواعدها الأولى ، قال ابن دريد ( ت : ٣٢١ هـ ) : « سجعت الحمامة معناه : رددت صوتها »(٣) .
والمدرك الثاني يساعد عليه الاعتبار العام ، وتبادر الذهن في الفهم ، فقد شاع السجع بين العرب في الجاهلية ، واقتسمه كل من الخطباء والكهان والمتنبئين ، وتوازن استعماله متفرقاً بين أصناف من الناس.
يبدو مما سلف أن مما تواضع عليه جهابذة الفن ، وأئمة علوم القرآن ، يضاف إليهما علماء اللغة ، هو : أن نهاية بيت الشعر تسمى قافية ، ونهاية جملة النثر تسمى سجعاً في الأسجاع ، ونهاية الآية تسمى فاصلة.
وهذا التفريق الدقيق قائم على أساس يجب أن نتّخذه أصلاً ، وبرنامج
__________________
(١) السيوطي ، الاتقان : ٣|٢٩٣.
(٢) الزركشي ، البرهان : ١|٥٤.
(٣) السيوطي ، الاتقان : ٣|٢٩٣.
ينبغي القول به دون سواه ، وهو أن الكلام العربي ـ مطلقاً ـ على ثلاثة أنواع :
قرآن ، نثر ، شعر ، فليس القرآن نثراً وإن استعمل جميع أساليب النثر عند العرب ، وليس القرآن شعراً وإن اشتمل على جميع بحور الشعر العربي حتى ما تداركه الأخفش على الخليل فسمي متداركاً ، وهو الخبب ، بل هو قرآن وكفى( إنه لقرآن كريم *في كتاب مكنون ) (١) .
قال الجاحظ ( ت : ٢٥٥ هـ ) : « وقد سمى الله كتابه المنزل قرآناً ، وهذا الاسم لم يكن حتى كان »(٢) .
وإذا تم هذا فهو كلام الله تعالى وحده ، وأنى يقاس كلام البشر بكلام الله ، هو إذن مميز حتى في التسمية عن كلام العرب تشريفاً له ، واعتداداً به ، وإن وافق صور الكلام العربي ، وجرى على سننه في جملة من الأبعاد ، كما يقال عند البعض ، أو كما يتوهم ، بأن ختام فواصله المتوافقة هي من السجع ، فالتحقيق يقتضي الفصل بين الأمرين ، لأن مجيء كثير من الآيات على صورة السجع لا توجب كونه هو ، أو أنها منه « لأنه قد يكون الكلام على مقال السجع وإن لم يكن سجعاً ، لأن السجع من الكلام ، يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع ، وليس كذلك مما هو في معنى السجع من القرآن ، لأن اللفظ وقع فيه تابعاً للمعنى ، وفرق بين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ، وبين ان ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تودي المعنى المقصود فيه ، ومتى ارتبط المعنى بالسّجع كان إفادة السّجع كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع مستجلباً لتحسن الكلام دون تصحيح المعنى »(٣) .
وقد رأينا عند تعقب هذه الظاهرة : أن التعبير المسجوع في القرآن لا تفرضه طبيعة النسق القرآني فحسب كما يخيل للكثيرين عند النظر في مثل قوله تعالى :( الهاكم التكاثر *حتى زرتم المقابر ) (٤) . بدليل أنه
__________________
(١) الواقعة : ٧٧ ـ ٧٨.
(٢) الجاحظ ، الحيوان : ١|٣٤٨.
(٣) الزركشي ، البرهان : ١|٥٦.
(٤) التكاثر : ١ ـ ٢.
ينتقل منه فوراً إلى نسق آخر في فاصلة تقف عند النون دون التفات إلى الصيغة الأولى الساربة في طريقها البياني( كلا سوف تعلمون *ثم كلا سوف تعلمون ) (١) . فإذا جاز للقرآن الانتقال بها ، جاز له الانتقال فيما قبلها كما هو ظاهر ، بل أن هذا اللفظ « المقابر » يفرض نفسه فرضاً بيانياً قاطعاً ، دون حاجة إلى النظر في الفاصلة معه ، أو مع محسنات الفاصلة ، وذلك أن هذا الإنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته ، وشهواته ، ومدخراته ، ونسائه ، وأولاده ، ودوره ، وقصوره ، وخدمه ، وحشمه ، وإداراته ، وشؤونه ، وسلطانه ، وعنوانه ، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر ، والتنايز ، والتنافر ، أقول : إن هذا مما يناسبه لفظ « المقابر » بلاغياً ولغوياً ، فالمقابر جمع مقبرة ، والمقبرة الواحدة مرعبة هائلة ، فإذا ضممنا مقبرة مترامية الأطراف الى مقبرة مثلها ، ومقبرة أخرى ، إزددنا إيحاشاً ورعباً وفزعاً ، فإذا أصبحت مقابر عديدة ؛ تضاعف الرعب والرهب ، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء ، يوافقه ـ بدقة متناهية ـ الجمع المليوني للقبور ، لتصبح مقابر لا قبوراً ، ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سدّ هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ ، فهو لها فحسب(٢) .
إذن ليست هذه الصيغة البلاغية في استعمال المقابر مجرد ملائمة صوتية للتكاثر ، وقد يحسّ أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها ؛ نسق الإيقاع ، وانسجام النغم ، ولكن ليس هذا كل شيء(٣) .
ولا يعني هذا التغافل عن مهمة الانسجام الصوتي ، والوقع الموسيقي في ترتيب الفواصل القرآنية ، فهي مرادة في حد ذاتها إيقاعياً ، ولكن يضاف إليها غيرها من الأغراض الفنية ، والتأكيدات البيانية ، مما هو مرغوب فيه عند علماء البلاغة ، فقوله تعالى :( فأما اليتم فلا تقهر *وأما السآئل فلا تنهر ) (٤) . فقد تقدم المفعول به في الآيتين ، وهو اليتيم في الأولى ،
__________________
(١) التكاثر : ٣ ـ ٤.
(٢) ظ : المؤلف ، تطور البحث الدلالي : ٧٠ بتصرف.
(٣) ظ : بنت الشاطي ، التفسير البياني : ١|٢٠٧ بتصرف.
(٤) الضحى : ٩ ـ ١٠.
والسائل في الثانية ، وحقه التأخير في صناعة الاعراب ، وقد جاء ذلك مراعاة لنسق الفاصلة من جهة ، وإلى الاختصاص من جهة أخرى ، للعناية في الأمر.
ولعل ابن الأثير ( ت : ٦٣٧ هـ ) كان مصيباً جداً حينما أرجع ذلك إلى الاختصاص ونظم الكلام ، ولم يقل بأحدهما(١) . بينما عاد بها إبراهيم أنيس إلى مراعاة موسيقى الفاصلة القرآنية إذ لا يصح للمفعول أن يسبق ركني الاسناد في الجملة المثبتة كما يزعم أصحاب البلاغة(٢) .
وقد رده الدكتور أحمد مطلوب في هذا الملحظ ، لأن الهدف ليس القهر والنهر في المقام الأول ، وأنما الرجحة باليتيم والسائل ، ولذلك تقدم المفعولان على فعليهما ، ولو كان القصد غير ذلك لتأخرا وجاءا على نسق الكلام المحفوظة رتبته(٣) .
ومهما يكن من أمر ، فأن السجع عند العرب مهمة لفظية تأتي لتناسق أواخر الكلمات في الفقرات وتلاؤمها ، فيكون الإتيان به أنى اتفق لسد الفراغ اللفظي ، وأما مهمة الفاصلة القرآنية فليس كذلك ، بل هي مهمة لفظية معنوية بوقت واحد ، إنها مهمة فنية خالصة ، فلا تفريط في الألفاظ على سبيل المعاني ، ولا اشتطاط بالمعاني من أجل الألفاظ ، بينما يكون السجع في البيان التقليدي مهمة تنحصر بالألفاظ غالباً ، لذلك ارتفع مستوى الفاصلة في القرآن بلاغياً ودلالياً عن مستوى السجع فنياً ، وإن وافقه صوتياً.
وهنا نشير إلى أن ابن سنان الخفاجي ( ت : ٤٦٦ هـ ) قد رد جزءاً من هذه المفاضلة بين السجع والفاصلة ، وخلص إلى سبب التسمية في معرض نقاشه لعلي بن عيسى الرماني ؛ « وأما قول الرماني إن السجع عيب ، والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط ، فإنه إن أراد بالسجع ما تتبع المعنى ، وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة ، والفواصل مثله ، وإن كان يريد بالسجع ما
__________________
(١) ظ : ابن الأثير ، المثل السائر : ٢|٣٩.
(٢) ظ : إبراهيم أنيس ، من أسرار العربية: ٣١٢.
(٣) ظ : أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : ٥٨.
تقع المعاني تابعة له ، وهو مقصود متكلف ، فذلك عيب ، والفواصل مثله وأظن أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ، ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعاً رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم ، وهذا غرض في التسمية قريب »(١) .
ويلحظ من النص ، أنه يعيب ما ينافي البلاغة سواء أكان سجعاً أم سواه ، ويشير إلى ناحيتين :
الأولى : أن الفواصل هي كل ما في أواخر الآيات تماثلت حروفه أو لم تتماثل خلافاً للسجع المتماثل الحروف.
الثانية : أن اختصاص أواخر الآيات بتسمية الفواصل إنما وقع لرغبتهم أن لا يوصف كلام الله تعالى بالكلام المروي عن الكهنة لا مطلق السجع.
معرفة فواصل القرآن صوتياً :
من أجل تمييز الفاصلة ، ومعرفتها صوتياً ، علينا تتبع فواصل الآيات بالدقة والظبط ، في تنقلها في القرآن عبر مسيرتها الإيقاعية.
قال إبراهيم بن عمر الجعبري ( ت : ٧٣٢ هـ ) :
« لمعرفة الفواصل طريقان : توقيفي وقياسي. أما التوقيفي : فما ثبت أنه6 وقف عليه دائماً ، تحققنا أنه فاصلة ، وما وصله دائماً ، تحققنا أنه ليس بفاصلة
وأما القياسي فهو ما ألحق من المتحمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب ، ولا محذور في ذلك ، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان ، والوقف على كل كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز ، فاحتاج القياس إلى طريق تعرّفه ، فنقول : فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر ، وقافية البيت في
__________________
(١) ابن سنان ، سر الفصاحة : ١٦٦.
الشعر ، وما يذكر من عيوب القافية من اختلاف الحد والإشباع والتوجيه فليس بعيب في الفاصلة ، وجاز الانتقال في الفاصلة ، والقرينة ، وقافية الأرجوزة بخلاف قافية القصيدة »(١) .
ومن هنا كان التنقل في فواصل القرآن ، إذ لا يلتزم فيها الوقوف عند حرف معين في مواضع من السور ، ويلتزمه في مواضع أخر، ويجمع بين الالتزام وعدمه في بعض السور ، لأن الانتقال من الوقوف على حرف إلى الوقوف على حرف آخر ، أو صيغة تعبيرية أخرى في فواصل القرآن ، أمر مطرد وشائع ، ونماذجه هائلة ، كما أن الالتزم شائع أيضاً ، والجمع بينهما وارد كذلك ، ومن هنا تبرز ثلاثة ملامح على سبيل المثال :
الأول : جمع القرآن بين « تحشرون » و « العقاب » وهما مختلفان في حرف الفاصلة والزنة في قوله تعالى :
( وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقبله وأنه إليه تحشرون *واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وأعلموا أن الله شديد العقاب ) (٢) .
وفي السورة نفسها جمع بين « تعلمون » و«عظيم »(٣) . وهذا مطرد في القرآن بآلاف الأمثلة.
الثاني : الوقف عند حرف معين لا يتغير في الفاصلة كما في سور عدّة ، ونماذج متعددة ، فمن أمثلته عادة جملة من السور القصار ، كالقدر ، والعصر ، والفيل ، واليل ، والكوثر ، والاخلاص ، والناس ، وجملة من السور الوسطى كالأعلى والقمر ، وفيها جميعاً مراعاة للمنهج الصوتي ، والبعد الإيقاعي ، ويتجلى النغم الصوتي المتميز بأبهى صوره ، وأروع مظاهره في سورة القمر ، إذ تختتم فيها الفاصلة بصوت الراء مردداً بين طرف اللسان وأول اللهاة مما يلي الأسنان.
__________________
(١) السيوطي ، الاتقان : ٣|٢٩١.
(٢) الأنفال : ٢٤ ـ ٢٥.
(٣) ظ : الأنفال : ٢٧ ـ ٢٨.
الثالث : الوقوف عند حرف معين للفاصلة في بعض السور ، والانتقال منه للوقوف عند حرف آخر للفاصلة في بعضها الآخر ، وأمثلته متوافرة في جملة من سور القرآن ، كالنبأ ، والمرسلات ، والنازعات ، والتكوير ، والانفطار ، والمطففين ، وانظر إلى قوله تعالى في سورة « عبس » وهي تواكب صوت الهاء في فواصل عدة آيات ، ثم تنتقل إلى الراء الملحقة بالتاء القصيرة بعدها في أيات أخر :
( يوم يفرالمرء من أخيه *وأمه وأبيه *وصاحبته وبنيه *لكل أمرى منهم يومئذ شأن يغنيه *وجوه يومئذ مسفرة *ضاحكة مستبشرة *ووجوه يومئذ عليها غبرة *ترهقها قترة *أولئك هم الكفرة الفجرة ) (١) .
وقد لا يراد الملحظ الصوتي مجرداً عند الابعاد الأخرى في فواصل الآيات ، فقد يجتمع في الفاصلة الغرض الفني بجنب الغرض الديني ، فتودي الفاصلة غرضين في عمل مزدوج ، فمن أبرز الصور الاجتماعية الهادفة في سورة البلد : آيات العقبة ، وتفصيلات يوم القيامة ، في تجاوز مظاهرالغل والقيد ، ومراحل الفقر والجوع ليتم تجاوز العقبة الحقيقية في القيامة ، ولا يتم ذلك إلا بتجاوز عقبات الظلم الاجتماعي ، وتخطي مخلفات العهد الجاهلي ، واقتحام القيم التي عطلت الحياة الإنسانية عن مسيرتها في التحرر والانطلاق ، وهي قيم قاتلة ، وأعراف بالية نشأت عن الطغيان المتسلط ، والتفاوت الطبقي المقيت ، فالرق ضارب بأطنابه ، والاستئثار شكل مجاعة بشرية جماعية ، والقطيعة في الأرحام أنهكت الأيتام ، والغنى اللامشروع فجرّ سيلاً من الأوضار الاجتماعية تشكل رعيلاً سادراً من الأرامل والأيامى والمساكين ، ممن ألصقهم الفقر بالتراب ، أو لصقوا هم به من الفقر والضر والفاقة ، فأحال ألوانهم كلونه ، فهم يلتحفون التراب ويفترشونه ، ولا يجدون غيره ، حتى عادوا جزءاً منه ، وعاد هو جزءاً من كيانهم ، فمن التراب وعلى التراب وإلى التراب.
هذا المناخ المزري عقبات متراكمة ، من فوقها عقبات متراكمة ، وإزالة هذه العقبات تدريجياً هو الطريق إلى قفز تلك العقبة الكبرى
__________________
(١) عبس : ٣٤ ـ ٤٢.
وتجاوزها ، في حياة قوله تعالى :( فلا اقتحم العقبة *وما أدراك ما العقبة *فك رقبة *أو اطعام في يوم ذي مسغبة *يتيما ذا مقربة *أو مسكينا ذا متربة ) (١) .
ما هذا الإيقاع المجلجل؟ وما هذه النبرات الصوتية الرتيبة؟ وما هذا النسق المتوازن؟ العقبة ، رقبة ، مسغبة ، مقربة ، متربة ، أصداء صوتية متلاحقة ، في زنة متقاربة ، زادها السكت رنة وتأثيراً ولطف تناغم ، وسط شدة هائلة مرعبة ، وخيفة من حدث نازل متوقع ، فالاقتحام في مصاعبه ومكابدته ، والعقبة في حراجتها والتوائها ومخاطرها ، يتعانقان في موضع واحد ، يوحي بالرهبة والفزع.
« والاقتحام هو أنسب الألفاظ للعقبة لما بينهما من تلاؤم في الشدة والمجاهدة واحتمال الصعب ، والمناسبة بين اقتحام العقبة وبين خلق الإنسان في كبد ، أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، والجمع بينهما في هذا السياق ، يقدم لنا مثلاً رائعاً من النظم القرآني المعجز : فالإنسان المخلوق في كبد ، أهل لأن يقتحم أشد المصاعب ، ويجتاز أقسى المفاوز ، على هدى ما تهيأ له من وسائل الإدراك والتمييز ، وما فطر عليه من قدرة على الاحتمال والمكابدة »(٢) .
قال الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ ) وهو يتحدث عن هذا السياق : « أنه مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال الخير والبر ، فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة الكؤود ، فكأنه قال : لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام »(٣) .
وإرادة التأنيب والتعنيف مع الحض والترجيح والتحبيب ، في صيغة النفي وتقريره ، والاستفهام وتهويله ، حافز وأي حافز على معالجة هذه المخاوف الاجتماعية السائدة ، ودرء هذه المشاكل العالقة في المجتمعات المتخلفة : السغب ، اليتم ، المسكنة ، إنها آفات متطاولة تنخر في بنية
__________________
(١) البلد : ١١ ـ ١٦.
(٢) بنت الشاطي ، التفسير البياني : ١|١٩٠.
(٣) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٤٩٥.
الجسم الإنساني فتهدمه ، واقتحامها بحزم يتركها وراء الإنسان مسافات مترامية ، وذلك ما يهيء السبيل إلى تجاوز العقبة المترقبة الوقوع ، في كل معانيها البيانية : حقيقية كانت أو مجازية.
إن ورود هذه الآيات في نسق صوتي متجانس ، وصيغة إصلاحية هادفة ، يضفي على الفاصلة القرآنية ، جمالها المعهود ، وحسها الإيقاعي الهادر ، دون تطلع إلى تعبير مماثل أو مغاير ، فهي تمتلك النفس ، وتأخذ بالإحساس في نظام رتيب ؛ فالحرية أولاً ، والعطاء المغني ثانياً ، بدءاً بالأرحام ، وعطفاً على الآخرين ، وفيها أخذ بملحظ القرابة والرحم ، وحث على تقديم ذوي القربى من المعوزين على الأباعد في فك القيود ، وعتق الرقاب ، والاطعام بإحسان.
ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات :
الملحظ الصوتي في فواصل الآيات القرآنية قائم على عدة ضواهر ، نرصد منها أربع ظواهر :
الأولى : وتتمثل بزيادة حرف ما في الفاصلة وعناية للبعد الصوتي ، وعناية بنسق البيان في سر اعتداله ، ليؤثر في النفس تأثيره الحسّاس ، فتشرئب الأعناق ، وتتطلع الأفئدة حين يتواصل النغم بالنغم ، ويتلاحم الإيقاع بالإيقاع ، وأبرز مظاهر هذه الظاهرة ألف الاطلاق إن صح التعبير بالنسبة للقرآن ، فقد ألحقت الألف في جملة من الآيات بأواخر بعض كلماتها ، وكان حقها الفتح مطلقاً ، دون مدّ الفتحة حتى تكون ألفاً ، وانظر معي في سورة واحدة ، إلى كل من قوله تعالى ، وكأن ذلك معني بحد ذاته ومقصود إليه لا ريب :
وقال تعالى :( وتظنون بالله الظنونا ) (١) .
وقال تعالى :( فأضلّونا السبيلا ) (٢) .
وقال تعالى :( وأطعنا الرسولا ) (٣) .
__________________
(١) الأحزاب : ١٠.
(٢) الأحزاب : ٦٧.
(٣) الأحزاب : ٦٦.
يبدو أن إلحاق هذه الألف في « الظنون » « السبيل » « الرسول » يشكل تلقائياً ظاهرة صوتية تدعو إلى التأمل ، وإلا فما يضير الفتح لولا الملحظ الصوتي « لأن فواصل هذه السورة منقلبة عن تنوين في الوقف ، فزيد على النون ألف لتساوي المقاطع ، وتناسب نهايات الفواصل »(١) .
وما يقال هنا يقال فيما ورد بسورة القارعة في زيادة هاء السكت وإلحاقها في «هي » لتوافق الفاصلة الأولى الثانية في قوله تعالى :( وما ادراك ما هيه *نار حامية ) (٢) .
وهيا إلى سورة الحاقة وانظر إلى هاء « السكت » في إضافتها وإنارتها في جملة من آياتها ، فتقف خاشعاً مبهوراً ، تمتلك هزة من الأعماق وأنت مأخوذ بهذا الوضع الموسيقي الحزين ، المنبعث من أقصى الصدر وأواخر الحلق ، فتتقطع الأنفاس ، وتتهجد العواطف ، واجمة ، متفكرة ، متطلعة ، فتصافح المناخ النفسي المتفائل حيناً ، والمتشائم حيناً آخر ، وأنت فيما بينهما بحالة متأرجحة بين اليأس والرجاء ، والأمل والفزع ، والخشية والتوقع ، فسبحان الله العظيم حيث يقول :
( يومئذ تعرضون لا تخفا منكم خافية *فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم أقرءوا كتابيه *أني ظننت أنى ملاق حسابيه *فهو في عيشة راضية *في جنة عالية *قطوفها دانية *كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية *وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه *ولم أدر ما حسابيه *ياليتها كانت القاضية *مآ أغنى عني ماليه *هلك عني سلطانيه ) (٣) .
فأنت تلاحظ الفواصل : كتابيه ، حسابيه ، كتابيه ، حسابيه ، ماليه ، سلطانيه ، قد أزيدت فيها هاء السكت رعاية لفواصل الآيات المختومة بالتاء القصيرة والتي اقتضى السياق نطقها هاء للتوافق.
وما زلنا عند الهاء ، فتطلع إليها ، وهي ضمير ملصق بالفواصل ،غير زائد بل أصلي الورود ، وقد حقق بذلك وقعه في النفس ، وجرسه في
__________________
(١) الزركشي ، البرهان : ١|٦١.
(٢) القارعة : ١٠ ـ ١١.
(٣) الحاقة : ١٨ ـ ٢٩.
الأذن ، وقوته في امتلاك المشاعر ، قال تعالى :
( يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه *وصاحبته وأخيه *وفصيلته التى تؤيه *ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ) (١) .
فلا زيادة في هذه الهاء ، وهي ضمير في الفواصل كلها ، وقد حققت صوتياً مناخ الانتباة ، ورصد مواضع الاصغاء من النفس الإنسانية.
الثانية : وتتمثل بحذف حرف ما رعاية للبعد الصوتي ، وعناية بالنسق القرآني كما في قوله تعالى :
( والفجر *وليال عشر *والشفع والوتر *والليل إذا يسر ) (٢) .
فقد حذف الياء من يسري موافقة للفاصلة فيما يبدو ومثله قوله تعالى :( فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن *وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) (٣) .
فالياء من « اكرمن » و «أهانن » قد حذفت رعاية لهذا الملحظ ، ولما في النون من الغنة عند الوقوف عليها فيما يبدو ، ويظهر أن هذا الأمر مطرد في جملة من آيات القرآن الكريم في فواصل ما في قوله تعالى :( لكم دينكم ولى دين ) (٤) .
الثالثة : وتتمثل في تأخير ما حقه التقديم ، وتقديم ما حقه التأخير ، زيادة في العناية بتركيب السياق ، وتناسق الألفاظ ، وترتيب الفواصل ، كما في قوله تعالى :( فأوجس في نفسه خفيفة موسى ) (٥) . فتأخر الفاعل وحقه التقديم ، وعليه يحمل تقديم هارون على موسى في قوله تعالى :
( فألقى السحرة سجدا قالوا ءامنّا برب هارون وموسى ) (٦) . فإن هارون وزير لموسى ، وأهمية موسى سابقة له ، وقدم هارون عليه رعاية لفواصل آيات السورة ، إذا انتظمت على الألف والألف المقصورة في أغلبها ، والله العالم.
__________________
(١) المعارج : ١١ ـ ١٤. (٢) الفجر: ١ ـ ٤. (٣) الفجر : ١٥ ـ ١٦. |
(٤) الكافرون : ٦. (٥) طه : ٦٧. (٦) طه : ٧٠. |
الرابعة : أشار الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) أنه قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون ، وحكمته وجود التمكن من التطريب(١) .
وحكى سيبويه ( ت : ١٨٠ هـ ) عن العرب أنهم إذا ما ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ، ما ينون ، وما لا ينون ، لأنهم أرادوا مدّ الصوت(٢) .
وورود النون بعد حروف المدّ متواكبة في القرآن حتى عاد ذلك سراً صوتياً متجلياً في جزء كبير من فواصل آيات سوره ، ونشير على سبيل النموذج الصوتي لكل حرف من حروف المدّ تليه النون بمثال واحد.
١ ـ وردت الألف مقترنة بالنون في منحنى كبير من فواصل سورة الرحمان على نحوين :
الأول : وردهما متقاطرين ، وهما ـ أي الألف والنون ـ من أصل الكلمات كما في قوله تعالى :
( الرحمن *علم القرءان *خلق الانسان *علّمه البيان *الشمس والقمر بحسبان ) (٣) .
الثاني : وردهما متقاطرين ، وهما ـ أي الألف والنون ـ ملحقان بالكلمة علامة للرفع ودلالة على التثنية كما في قوله تعالى :( مرج البحرين يلتقيان *بينهما برزخ لا يبغيان *فبأي ءالاء ربكما تكذبان ) (٤) .
ويتحقق في النحوين مدّ الصوت تحقيقاً للترنم.
٢ ـ وردت الياء مقترنة بالنون في أبعاد كثيرة من فواصل الآيات القرآنية ، ففيما اقتص الله من خبر نوح7 قال تعالى :( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد الله الذي نجانا من القوم الظالمين *وقل رب أنزلني منزلا
____________
(١) ظ : الزركشي ، البرهان : ١|٦٨. (٢) سيبويه ، الكتاب : ٢|٢٩٨. |
(٣) الرحمن : ١ ـ ٥. (٤) الرحمن : ١٩ ـ ٢١. |
مباركاً وأنت خير المنزلين *إن في ذلك لأيات وإن كنا لمبتلين *ثم أنشأنا من بعدهم قرنًا ءاخرين ) (١) .
والطريف ان سورة المؤمنين تتعاقب وواصلها الياء والنون أو الواو والنون ، شأنها في ذلك شأن جملة من سور القرآن ، فكأنها جميعا تعنى بهذا الملحظ الدقيق.
٣ ـ وردت الواو مقترنة بالنون في أجزاء عديدة ومتنوعة من فواصل طائفة كبيرة من السور، فسورة الشعراء فيها تعاقب كبير على الياء والنون مضافاً إليه التعاقب على الواو والنون موضع الشاهد كما في قوله تعالى :
( إن هؤلآء لشرذمة قليلون *وإنهم لنا لغائظون *وإنا لجميع حاذرون *فأخرجناهم من جنات وعيون ) (٢) .
إن ما أبداه الزركشي من ختم كلمة مقطع الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون ، ليس بالضرورة للتمكن من التطريب ، ولكنه يشكل ظاهرة بارزة في صيغ تعامل القرآن الكريم مع هذه الحروف مقترنة بالنون ، وقد يخفى علينا السبب ، ويغيب عنا جوهر المراد ، ومع ذلك فهو ملحظ متحقق الورود.
الإيقاع الصوتي في موسيقى الفواصل :
هناك سمات إيقاعية في سياق فواصل الآيات ، ومن خلال عبارات الجمل والفقرات التي ارتبطت بنسق جمهرة من آيات القرآن المجيد ، نجم عنهما كثير من الاشكال في التفسير لوجودها مجارية لزنة جملة من بحور الشعر ، وبدأ محرّرو علوم القرآن ، يتصدرون للدفاع عن ذلك حيناً ، ولتفسيره كلامياً واحتجاجياً بلغة الجدل حيناً آخر ، ولو أنهم عمدوا إلى ربط مثل هذه الظواهر بالإيقاع الصوتي لكان ذلك رداً مفحماً ، ولو فسروها صوتياً لارتفع الإشكال وتلاشى.
القرآن كلام الله فحسب ، ليس من جنس النثر في صنوفه وإن اشتمل
__________________
(١) المؤمنون : ٢٨ ـ ٣١.
(٢) الشعراء : ٥٤ ـ ٥٧.
على ذروة مميزاته العليا ، ولم يكن ضرباً من الشعر وإن ضم بين دفتيه أوزان الشعر جميعاً( وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون *ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون *تنزيل من رب العالمين ) (١) .
فهو ليس من سنخ ما يتقولون ، ولا بنسيج ما يتعارفون ، ارتفع بلفظه ومعناه ، وطبيعته الفنية الفريدة ، عن مستوى الفن القولي عند العرب ، فالمقولة بأنه شعر باطلة من عدّة وجوه :
الأول : التـأكيد في القرآن نفسه بنفي صفة الشعر عنه ، والتوجيه بأنه ذكر وقرآن مبين بقوله تعالى :
( وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان منين ) (٢) .
الثاني : الردّ في القرآن على دعوى القول بأن النبي شاعر ، وأن القرآن منه في ثلاثة مواطن :
١ـ الملحظ الافترائي الموجه إليه ، والمعبر عن حيرة المشركين :
( بل قالوا اضغاث احلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بأية كما أرسل الأولون ) (٣) .
٢ ـ التعصب الأعمى للآلهة المزعومة دون وعي ، وبكل إصرار بافتعال الادعاء الكاذب :
( ويقولون أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون ) (٤) .
٣ ـ التربص بالنبي6 وتوقع الموت له ، بزعمهم أن سيموت شعره المفترض معه!!
( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) (٥) .
الثالث : إن العرب لو اعتقدوا أن القرآن شعر لأسرعوا إلى معارضته من قبل شعرائهم ، فالشعر ديوان العرب ، وقصائدهم معلقة بالكعبة تعبيراً عن اعتدادهم بالشعر ، واعتزازهم بالشعراء ، وهم أئمة البيان ورجال
__________________
(١) الحاقة : ٤١ ـ ٤٣. (٢) ياسين : ٦٩. (٣) الأنبياء : ٥. |
(٤) الصافات : ٣٦. (٥) الطور : ٣٠. |
الفصاحة ، ولكنها مغالطة واضحة « ولو كان ذلك لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته ، لأن طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد ، وأهله يتقاربون فيه ، أو يضربون فيه بسهم »(١) .
الرابع : إن الشعر إنما يقصد إليه بذاته فينظم مع إرادة ذلك ، ولا يتفق اتفاقاً أن يقول أحدهم كلاماً فيأتي موزوناً ، فالشعر « إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التي تعمد وتسلك ، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوي فيه العامي والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه ، وما يتفق من كل واحد ، فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعراً ، وإلا لكان الناس كلهم شعراء ، لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض في جملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر وينتظم بانتظامه »(٢) .
سقنا هذا في حيثية تنزيه القرآن عن سمة الشعر وصفته ، لأنه قد وجد فيه ما وافق شعراً موزوناً ، وما يدريك فلعل القرآن يريد أن يقول للعرب : إن هذا الشعر الذي تتفاخرون به ، نحن نحيطكم علماً بأوزانه على سبيل الأمثلة لتعتبروا بسوقها سياق القرآن في صدقه وأمانته ، ولا غرابة أن يكون القرآن يريد أن ينحو الشاعر بشعره منحى الحق والصرامة والفضيلة والصدق ، ومع هذا وذاك فما ورد من الموزون فيه جار على سنن العرب في كلامها ، إذ قد يتفق الموزون ضمن المنثور ، بلا إرادة للموزون ، ولا تغيير للمنظوم. فقد حكى الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) أن إعرابياً سمع قارئاً يقرأ :( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) (٣) .
فقال كسرت ، إنما قال :
يـا أيـها النـاس اتـقوا ربـكم |
زلـزلـة الـسـاعة شـيء عـظـيم |
فقيل له : هذا القرآن ، وليس الشعر(٤) .
فاعتقده لأول مرة شعراً فحذف « أن » ليستقيم الوزن فيما عنده. ولو قلنا بالإيقاع الصوتي ، وفسرنا الورود البياني لهذا المظهر الموزون بمجانسة
__________________
(١) الباقلاني ، إعجاز القرآن : ٨٢. (٢) المصدر نفسه : ٨٣. |
(٣) الحج : ١. (٤) الزركشي ، البرهان : ٢|١١٦. |
الأصوات ، وقارنّا عن كثب بمناسبة الصوت للصوت ، وملاءمة النطق بالحروف ، ومتابعة الأذن للموسيقى ، والسمع للنبر والتنغيم ، زيادة على ما تقدم لكنا قد أحسنّا التعليل فيما يبدو، أو توصلنا في الأقل إلى بعض الوجوه المحتملة ، أو الفوائد الصوتية المترتبة على هذا المعلم الواضح ، والله أعلم.
وقد يقال بأن هذا المعلم إنما ينطبق على أجزاء من الآيات لا الفاصلة وحدها ، فيقال حينئذ بأن وجود الفاصلة في هذه الأجزاء من الآيات هو الذي جعل جملة هذا الكلام موزوناً ، فبدونها ينفرط نظام هذا السلك ، وينحل عقد هذا الابرام لهذا نسبنا أن يكون الحديث عن هذا الملحظ ضمن هذا البحث.
ومهما يكن من أمر ، فإن ورود ما ورد من هذا القبيل في القرآن ينظر فيه إلى غرضه الفني مضافاً إلى الغرض التشريعي ، وهما به متعانقان.
إننا بين يدي مخزون ثر في هذا الرصد ، ننظره وكأننا نلمسه ، ونتحسسه وكأننا نحيا به ، فحينما نستمع خاشعين إلى صيغة موزونة منتظمة بقوله تعالى :( إنّا اعطيناك الكوثر ) (١) . فإننا نتعامل مع وقع خاص بذكرنا بالعطاء غير المحدود للنبي الكريم ، وحينما نستمع ـ موزوناً ـ إلى قوله تعالى :( هيهات هيهات لما توعدون ) (٢) . تصك أسماعنا بلغة الوعيد ، فنخشع القلوب ، وتتحسس الأفئدة.
وحينما نستمع ـ موزوناً ـ إلى قوله تعالى :( وذلّلت قطوفها تذليلاً ) (٣) . نستبشر من الأعماق بهذا المناخ الهادي ، ونستشعر هذا النعيم السرمدي بإيقاع يأخذ بمجامع القلوب ، ويشد إليه المشاعر.
وحينما نستمع ـ موزوناً ـ إلى قوله تعالى :( تبت يدآ أبي لهب ) (٤) . يقرع أسماعنا هذا المصير الشديد العاتي ، فيستظهره السامع دون جهد ، ويجري مجرى الأمثال في إفادة عبرتها وحجتها. وحينما نستمع حالمين
__________________
(١) الكوثر : ١. (٢) المؤمنون : ٣٦. |
(٣) الدهر ( الإنسان ) : ١٤. (٤) المسد : ١. |
إلى قوله تعالى :( ومن الليل فسبحه وأدبار السّجود ) (١) . فإننا نستشعر هذا الأمر بقلوبنا قبل الأسماع ، هادئاً ناعماً متناسقاً ، وهو يدعو إلى تسبيح الله وتقديسه آناء الليل وأطرف النهار.
وحينما نستمع إلى قوله تعالى :( نصر من الله وفتح قريب ) (٢) . فإن العزائم تهب على هذا الصوت المدوي ، بإعلان النصر لنبيه ، والفتح أمام زحفه ، فتعم البشائر ، وتتعالى البهجة.
وحينما نستمع إلى قوله تعالى :( لن تنالوا البّر حتا تنفقوا ممّا تحبّون ) (٣) . فالصوت الرفيق هذا يمس الاسماع مساً رفيقاً حيناً ، ويوقظ الضمائر من غفلتها حيناً آخر ، وهو يستدر كرم المخائل ، ويوجه مسيرة التعاطف ، ويسدد مراصد الانفاق ، والمسلم الحقيقي يسعى إلى البر الواقعي فأين مواطنه؟ إنه الانفاق مما يحب ، والعطاء مما يحدب عليه ، والفضل بأعز الأشياء لديه ، وبذلك ينال البر الذي ما فوقه بر.
وحينما نستمع إلى قوله تعالى :( أرءيت الذي يكذب بالدين *فذلك الذي يدع اليتيم ) (٤) . وتمد الفتحة لتكون ألف إطلاق ، وتصبح في غير القرآن ( اليتيما ) فإنك تقف عند بحر الخفيف من الشعر ، وهو من الأوزان الراقصة ، تقف عند صرخة مدوّية ، وجلجلة متأججة تقارن بين التكذيب بيوم القيامة ، وبين دع اليتيم في معاملته بخشونة وصده بجفاف وغلظة.
هذه النماذج الخيرة التي تبركنا بإيرادها ، والتي تنبه من الغفوة والغفلة ، وتدفع إلى الاعتبار والعظة ، وتزيد من البصيرة والتدبر ، قد أضفى عليها الملحظ الصوتي موسيقاه الخاصة ، فعاد القول بصوتيتها من جملة أسرارها الجمالية ، والتأكيد على تناغمها الإيقاعي من أبرز ملامحها الفنية.
هذه ميزة ناصعة من مزايا فواصل الآيات باعتبار العبارات.
__________________
(١) ق : ٤٠. (٢) الصف : ١٣. |
(٣) آل عمران : ٩٢. (٤) الماعون : ١ ـ ٢. |
الفصل السادس
الدلالة الصوتية في القرآن
١ ـ مظاهر الدلالة الصوتية
٢ ـ دلالة الفزع الهائل
٣ ـ الإغراق في مدّ الصوت واستطالته
٤ ـ الصيغة الصوتية الواحدة
٥ ـ دلالة الصدى الحالم
٦ ـ دلالة النغم الصارم
٧ ـ الصوت بين الشدة واللين
٨ ـ الألفاظ دالة على الأصوات
٩ ـ اللفظ المناسب للصوت المناسب
مظاهرالدلالة الصوتية :
انصبت عناية القرآن العظيم بالاهتمام في إذكاء حرارة الكلمة عند العرب ، وتوهج العبارة في منظار حياتهم ، وحدب البيان القرآني على تحقيق موسيقى اللفظ في جمله ، وتناغم الحروف في تركيبه ، وتعادل الوحدات الصوتية في مقاطعه ، فكانت مخارج الكلمات متوازنة النبرات ، وتراكيب البيان متلائمة الأصوات ، فاختار لكل حالة مرادة ألفاظها الخاصة التي لا يمكن أن تستبدل بغيرها ، فجاء كل لفظ متناسباً مع صورته الذهنية من وجه ، ومع دلالته السمعية من وجه آخر ، فالذي يستلذه السمع ، وتسيغه النفس ، وتقبل عليه العاطفة هو المتحقّق في العذوبة والرقة ، والذي يشرأب له العنق ، وتتوجس منه النفس هو المتحقق في الزجر والشدة ، وهنا ينبه القرآن المشاعر الداخلية عند الإنسان في إثارة الانفعال المترتب على مناخ الألفاظ المختارة في مواقعها فيما تشيعه من تأثير نفسي معين سلباً وأيجاباً.
وبيان القرآن المجيد تلمح فيه الفروق بين مجموعة هذه الأصوات في إيقاعها ، والتي كونت كلمة معين في النص ، وبين تلك الأصوات التي كونت كلمة أخرى ؛ وتتعرف فيه على ما يوحيه كل لفظ من صورة سمعية صارخة تختلف عن سواها قوة أو ضعفاً ، رقةً أو خشونة ، حتى تدرك بين هذا وذاك المعنى المحدد المراد به إثارة الفطرة ، أو إذكاء الحفيظة ، أو مواكبة الطبيعة بدقة متناهية ، ويستعان على هذا الفهم لا بموسيقى اللفظ منفرداً ، أو بتناغم الكلمة وحدها ، بل بدلالة الجملة أو العبارة منضمّة إليه.
إن إيقاع اللفظ المفرد ، وتناغم الكلمة الواحدة ، عبارة عن جرس
موسيقى للصوت فيما يجلبه من وقع في الأذن ، أو أثر عند المتلقي ، يساعد على تنبيه الأحاسيس في النفس الإنسانية ، لهذا كان ما أورد القرآن الكريم في هذا السياق متجاوباً مع معطيات الدلالة الصوتية : « التي تستمد من طبيعة الأصوات نغمتها وجرسها »(١) . فتوحي بأثر موسيقي خاص ، يستنبط من ضم الحروف بعضها لبعض ، ويستقرأ من خلال تشابك النص الأدبي في عبارته ، فيعطي مدلولاً متميزاً في مجالات عدة : الألم ، البهجة ، اليأس ، الرجاء ، الرغبة ، الرهبة ، الوعد ، الوعيد ، الانذار ، التوقع ، الترصد ، التلبث إلخ.
ولا شك أن استقلالية أية كلمة بحروف معينة ، يكسبها صوتياً ذائقة سمعية منفردة ، تختلف ـ دون شك ـ عما سواها من الكلمات التي تؤدي المعنى نفسه ، مما يجعل كلمة ما دون كلمة ـ وإن اتحدا بالمعنى ، لها استقلاليتها الصوتية ، إما في الصدى المؤثر ، وإما في البعد الصوتي الخاص ، وإما بتكثيف المعنى بزيادة المبنى ، وإما بإقبال العاطفة ، وإما بريادة التوقع ، فهي حيناً تصك السمع ، وحيناً تهيء النفس ، وحيناً تضفي صيغة التأثر : فزعاً من شيء ، أو توجهاً لشيء ، أو طمعاً في شيء ؛ وهكذا.
هذا المناخ الحافل تضفيه الدلالة الصوتية للألفاظ ، وهي تشكل في القرآن الوقع الخاص المتجلي بكلمات مختارة ، تكونت من حروف مختارة ، فشكلت أصواتاً مختارة ، هذه السمات في القرآن بارزة الصيغ في مئات التراكيب الصوتية في مظاهر شتى ، ومجالات عديدة ، تستوعبها جمهرة هائلة من ألفاظه في ظلال مكثفة في الجرس والنغم والصدى والإيقاع.
قال الخطابي ( ت : ٣٨٣ ـ ٣٨٨ هـ ) إن الكلام إنما يقوم بأشياء ثلاثة : « لفظ حاصل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم ، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ، ولا أجزل ، ولا أعذب من ألفاظه »(٢) .
__________________
(١) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : ٤٦.
(٢) الخطابي ، بيان إعجاز القرآن : ٢٧.
وهذا مما ينطبق على استيحاء الدلالة الصوتية في القرآن بجميع الأبعاد ، يضاف إليه الوقع السمعي للفظ ، والتأثير النفسي للكلمة ، والمدلول الأنفعالي بالحدث ، وتلك مظاهر متأنقة قد يتعذر حصرها ، وقد يطول الوقوف عند استقصائها.
وكان من فضيلة القرآن الصوتية أن استوعب جميع مظاهر الدلالة في مجالاتها الواسعة ، وتمرس في استيفاء وجوه التعبير عنها بمختلف الصور الناطقة ، وقد يكون من غير الممكن استحضار جميع الصيغ في استعمالات منها ، أو ما يبدو أنه مهم في الأقل ، وذلك باستطراد بعض النماذج النابضة فيما أخال وأزعم ، وقد يعبر كل نموذج منها عن مظهر فني ، ليقاس مثله عليه ، وشبيهه به ، وبذلك يتأتى للباحث والمتلقي إلقاء الضوء الكاشف على أبعاد دلالة القرآن الصوتية ، في تشعب جوانبها ، وعظمة انطلاقها ، مما يكوّن معجماً لغوياً خاصاً بمفرداتها ، وقاموساُ صوتياً حافلاً بإمكاناتها.
سيقتصر حديثنا عن مظاهر الدلالة في مجالات قد تكون متقابلة ، أو متناظرة ، أو متضادة ، أو متوافقة ، وهي بمجموعها تكون أبعاد الدلالة الصوتية في القرآن ، وهذا ما تتكفّل بإيضاحه المباحث الآتية.
دلالة الفزع الهائل :
استعمل القرآن طائفة من الألفاظ ، ثم اختيار أصواتها بما يتناسب مع أصدائها ، واستوحى دلالتها من جنس صياغتها ، فكانت دالة على ذاتها بذاتها ، فالفزع مثلاً ، والشدة ، والهدة ، والاشتباك ، والخصام ، والعنف ، دلائل هادرة بالفزع الهائل والمناخ القاتل.
١ـ قف عند مادة صرخ في القرآن ، وصرخة الصّيحة الشديدة عند الفزع ، والصراخ الصوت الشديد(١) . لتلمس عن كثب ، وبعفوية بالغة : الاستغاثة بلا مغيث ، في قوله تعالى :( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً ) (٢) . مما يوحي بأن الصراخ قد بلغ ذروته ، والاضطراب قد تجاوز
__________________
(١) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : ٤|٢.
(٢) فاطر : ٣٧.
مداه ، والصوت العالي الفظيع يصطدم بعضه ببعض ، فلا أذن صاغية ، ولا نجدة متوقعة ، فقد وصل اليأس أقصاه ، والقنوط منتهاه ، فالصراخ في شدة إطباقه ، وتراصف إيقاعه ، من توالى الصاد والطاء ، وتقاطر الراء والخاء ، والترنم بالواو والنون يمثل لك رنة هذا الاصطراخ المدوي « والاصطراخ الصياح والنداء والاستغاثة : افتعال من الصراخ قلبت التاء طاء لأجل الصاد الساكنة قبلها ، وإنما نفعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد في الاستعلاء والإطباق ، ويوافق التاء في المخرج »(١) .
والإصراخ هو الإغاثة ، وتبلية الصارخ ، وقوله تعالى :( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) (٢) .تعني البراءة المتناهية ، والإحباط التام ، والصوت المجلجل في الدفع ، فلا يغني بعضهم عن بعض شيئاً ، ولا ينجي أحدهما الآخر من عذاب الله ، ولا يغيثه مما نزل به ، فلا إنقاذ ولا خلاص ولا صريخ من هذه الهوة ، وتلك النازلة ، فلا الشيطان بمغيثهم ، ولا هم بمغيثيه.
والصريخ في اللغة يعني المغيث والمستغث ، فهو من الأضداد ، وفي المثل : عبد صريخه أمة ، أي ناصره أذل منه(٣) . وقد قال تعالى :( فلا صريخ لهم ولا هم ينفذون ) (٤) . فيا له من موقف خاسر ، وجهد بائر ، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة ، ولا إجارة مما وقعوا فيه.
والاستصراخ الإغاثة ، واستصرخ الإنسان إذا أتاه الصارخ ، وهو الصوت يعلمه بأمر حادث ليستعين به(٥) .
قال تعالى :( فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ) (٦) . طلب للنجدة في فزع ، ومحاولة للإنقاذ في رهب ، والاستعانة على العدو بما يردعه عن
__________________
(١) الطبرسي ، مجمع البيان : ٤|٤١٠.
(٢) إبراهيم : ٢٢.
(٣) ابن منظور، لسان العرب : ٤|٣.
(٤) ياسين : ٤٣.
(٥) ابن منظور ، لسان العرب : ٤|٣.
(٦) القصص :١٨.
الإيقاع به ، وما ذلك إلا نتيجة خوف نازل ، وفزع متواصل ، وتشبث بالخلاص.
٢ـ وما يستوحى من شدة اللفظ في مادة «صرخ » يستوحى بإيقاع مقارب من قوله تعالى :( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ) (١) . لتبرز « متشاكسون » وهي تعبر لغة عن المخاصمة والعناد والجدل في أخذ ورد لا يستقران ، وقد تعطي معناها الكلمة : متخاصمون ، ولكن المثل القرآني لم يستعملها حفاظاً على الدلالة الصوتية التي أعطت معنى النزاع المستمر ، والجدل القائم ، وقد جمعت في هذه الكلمة حروف التفشي والصفير في الشين والسين تعاقباً ، تتخللهما الكاف من وسط الحلق ، والواو والنون للمد والترنم ، والتأثر بالحالة ، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغماً موسيقياً خاصاً حمّلها أكثر من معنى الخصومة والجدل والنقاش بما أكسبها أزيزاً في الأذن ، يبلغ به السامع أن الخصام ذو خصوصية بلغت درجة الفورة ، والعنف والفزع من جهة ، كما أحيط السمع بجرس مهموس معين ذي نبرات تؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى.
٣ـ وتأمل مادة «كبّ» في القرآن ، وهي تعني إسقاط الشيء على وجهه كما في قوله تعالى :( فكبت وجوههم في النار ) (٢) . فلا إنقاذ ولا خلاص ولا إخراج ، والوجه أشرف مواضع الجسد ، وهو يهوي بشدة فكيف بباقي البدن.
والأكباب جعل وجهه مكبوباً على العمل ، قال تعالى :( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدا ) (٣) .
والكبكبة تدهور الشيء في هوة(٤) . قال تعالى :( فكبكبوا فيها هم والغاون ) (٥) .
__________________
(١) الزمر : ٢٩.
(٢) النمل : ٩٠.
(٣) الملك : ٢٢.
(٤) الراغب ، المفردات : ٤٢٠.
(٥) الشعراء : ٩٤.
وهذه الصيغة قد حملت اللفظ في تكرار صوتها ، زيادة معنى التدهور لما أفاده الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) بقوله : « إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى »(١) .
وقال العلامة الطيبي ( ت: ٧٤٣ هـ ) :
« كرر الكب دلالة على الشدة »(٢) .
ومن هنا نفيد أن دلالة الفزع فيما تقدم من ألفاظ أريدت بحد ذاتها لتهويل الأمر ، وتفخيم الدلالة ، وهذا أمر مطرد في القرآن ، وقد يمثله قوله تعالى :( فغشيهم من اليم ماغشيهم ) (٣) .
والمادة نفسها قد توحي بشدة الإتيان والتوقع عند النوائب.
الإغراق في مدّ الصوت واستطالته :
هنالك مقاطع صوتية مغرقة في الطول والمد والتشديد وبالرغم من ندرة صيغة هذه المركبات الصوتية في اللغة العربية حتى أنها لتعدّ بالأصابع ، فإننا نجد القرآن الكريم يستعل أفخمها لفظاً ، وأعظمها وقعاً ؛ فتستوحي من دلالتها الصوتية مدى شدّتها ، لتستنتج من ذلك أهميتها وأحقيتها بالتلبث والرصد والتفكير.
من تلك الألفاظ : الحاقّة ، الطّامة ؛ الصّاخة. وقد تأتي مجّردة عن التعريف فتهتدي إلى عموميتها ، مثل : دابّة. كافة.
هذه الصيغة صوتياً تمتاز بتوجه الفكر نحوها في تساؤل ، واصطكاك السمع بصداها المدوي ، وأخيراً بتفاعل الوجدان معها مترقباً : الأحداث ، المفاجئات ، النتائج المجهولة.
الحاقة الطامة والصاخة : كلمات تستدعي نسبة عالية من الضغط الصوتي ، والأداء الجهوري لسماع رنتها ، مما يتوافق نسبياً مع إرادتها في
__________________
(١) الزمخشري ، الكشاف : ١|٤١.
(٢) الطيبي ، التبيان في علم المعاني والبديع والبيان : ٤٧٤.
(٣) طه : ٧٨.
جلجلة الصوت ، وشدة الإيقاع ، كل ذلك مما يوضع مجموعة العلاقات القائمة بين اللفظ ودلالته في مثل هذه العائلة الصوتية الواحدة ، فإذا أضفنا إلى ذلك معناها المحدد في كتاب الله تعالى ، وهو يوم القيامة ، خرجنا بحصيلة علمية تنتهي بمصاقبة الشدة الصوتية للشدة الدلالية بين الصوت والمعنى الحقيقي ، فقوله تعالى :( الحاقة *ما الحاقة *ومآ أدراك ما الحاقة ) (١) . إشارة إلى يوم القيامة ، وعلم عليها فيما أفاد العلماء ، قال الفرّاء ( ت : ٢٠٧ هـ ) : « الحاقة : القيامة ، سميت بذلك لأن فيها الثواب والجزاء »(٢) .
وقال الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ ) « الحاقة اسم من أسماء القيامة في قول جميع المفسرين ، وسميت بذلك ، لأنها ذات الحواق من الأمور ، وهي الصادقة الواجبة الصدق ، لأن جميع أحكام القيامة واجبة الوقوع ، صادقة الوجود. وقيل سميت القيامة الحاقة لأنها تحق الكفار من قولهم : حاققته فحققته ، مثل : خاصمته فخصمته »(٣) .
وقيل : لأنها تحق كل إنسان بعمله. ويقال : حقّت القيامة : أحاطت بالخلائق فهي حاقة(٤) . فإذا رصدت الصاخة ، رأيتها القيامة أيضاً ، وبه فسّر أبو عبيدة ( ت : ٢١٠ هـ ) قوله تعالى :( فإذا جآءت الصآخة ) (٥) . فأما أن تكون الصاخة اسم فاعل من صخ يصخ ، وإما أن تكون مصدراً وقال أبو اسحق الزجاج : الصاخة هي الصيحة تكون فيها القيامة تصخ الأسماع، أى : تصمها فلا تسمع.
وقال ابن سيده : الصاخة : صيحة تصخ الأذن أي تطعنها فتصمها لشدتها ، ومنه سميت القيامة.
ويقال : كأن في أذنه صاخة ، أي طعنة(٦) .
__________________
(١) الحاقة : ١ ـ ٣.
(٢) الفراء ، معاني القرآن : ٣|١٧٩.
(٣) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٣٤٢ ـ ٣٤٣.
(٤) ظ : الطريحي ، مجمع البحرين : ٥|١٤٧.
(٥) عبس : ٣٣.
(٦) ابن منظور، لسان العرب : ٤|٢.
وقال الطريحي ( ت : ١٠٨٥ هـ ) الصاخة بتشديد الخاء يعني القيامة ، فإنها تصخ الأسماع ، أي تقرعها وتصمها ، يقال : رجل أصخ ، إذا كان لا يسمع(١) . والمعاني كلها متقاربة في الدلالة ، إلا أن الرغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) يعطي الصاخة دلالة أعمق في الإرادة الصوتية المنفردة فيقول : الصاخة شدة صوت ذي المنطق(٢) .
فيكون استعمالها حينئذ في القيامة على سبيل المجاز. فإذا وقفنا عند الطامة ، فهي القيامة تطم على كل شيء(٣) . وإليه ذهب الزجاج : الطامة هي الصيحة التي تطم على كل شيء(٤) . وتسمى الداهية التي لا يستطاع دفعها : طامة(٥) . قال تعالى :( فإذا جآءت الطامة الكبرا ) (٦) .قال الطبرسي ( ت: ٥٤٨ هـ ) « وهي القيامة لأنها تطم كل داهية هائلة ، أي تعلو وتغلب ، ومن ذلك قيل : ما من طامة إلا وفوقها طامة ، والقيامة فوق كل طامة ، فهي الداهية العظمى »(٧) .
ولعل اختيار الطبرسي للداهية في تفسير الطامة باعتبارها داهية لا يستطاع دفعها ، ولأن القيامة تطم كل داهية هائلة ، لا يخلو من وجه عربي أصيل ، فالعرب استعملت الطامة في الداهية العظيمة تغلب ما سواها ، وأية داهية أعظم من القيامة لا سيما وهي توصف هنا بالكبرا.
إن موافقة أصوات الحاقة والصاخة والطامة لمعانيها في الدلالة على يوم القيامة ، من أعظم الدلالات الصوتية في الشدة والوقع والتلاؤم البنيوي والمعنوي لمثل هذه الصيغة الحافلة.
ودلالة هذه الصيغة في : دابة ، وكافة ، على الشمول والكلية المطلقة يوحي بالمضمون نفسه في الإيقاع الصوتي ، قال تعالى :( وما من دآبة في
__________________
(١) الطريحي ، مجمع البحرين : ٢|٤٣٧.
(٢) الراغب ، المفردات : ٢٧٥.
(٣) الفراء ، معاني القرآن : ٣|٢٣٤.
(٤) ابن منظور ، لسان العرب : ١٥|٢٦٣.
(٥) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٤٣٣.
(٦) النازعات : ٣٤.
(٧) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٤٣٤.
الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) (١) فشمل الخلائق كلها ، وأصناف الأجناس المرئية وغير المرئية مما يدب أدركناه أو لم ندركه ، علمنا طبيعة رزقه أو لم نعلم وقوله تعالى :( ومآ أرسلناك إلا كآفة للنّاس بشيرا ونذيرا ) (٢) . يدل أن هذا الرسول العربي الأمين ، لم يختص بزمنية ، ولم يبعث لطبقة خاصة ، فتخطى برسالته حدود الزمان والمكان ، فكانت عالمية السيرورة ، إنسانية الأحياء ، البشارة في يد ، والنذارة في يد ، لينقذ العالم أجمع من خلال هاتين.
الصيغة الصوتية الواحدة :
وظاهرة أخرى جديرة بالعناية والتلبث ، هي تسمية الكائن الواحد ، والأمر المرتقب المنظور ، بأسماء متعددة ذات صيغة واحدة ، بنسق صوتي متجانس ، للدلالة بمجموعة مقاطعة على مضمونه ، وبصوتيته على كنه معناه ، ومن ذلك تسمية القيامة في القرآن بأسماء متقاربة الصدى ، في إطار الفاعل المتمكن ، والقائم الذي لا يجحد.
هذه الصيغة الفريدة تهزك من الأعماق ، ويبعثك صوتها من الجذور ، لتطمئن يقيناً إلى يوم لا مناص عنه ، ولا خلاص منه ، فهو واقع يقرعك بقوارعه ، وحادث يثيرك برواجفه الصدى الصوتي ، والوزن المتراص ، والسكت على هائه أو تائه القصيرة تعبير عما ورائه من شؤون وعوالم وعظات وعبر ومتغيرات في :
الواقعه | القارعة | الآزفة | الراجفة | الرادفة | الغاشية ، وكل معطيك المعنى المناسب للصوت ، والدلالة المنتزعة من اللفظ ، وتصل مع الجميع إلى حقيقة نازلة واحدة.
١ ـ الواقعة ، قال تعالى :( إذا وقعت الواقعه *ليس لوقعتها كاذبة ) (٣) .
____________
(١) هود : ٦.
(٢) سبأ : ٢٨.
(٣) الواقعة : ١ ـ ٢.
وقال تعالى :( فيؤمئذ وقعت الواقعة ) (١) .
قال الخليل : وقع الشيء يقع وقوعاً ، أي : هوياً.
والواقعة النازلة الشديدة من صروف الدهر(٢) .
وقال الراغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) الوقوع ثبوت الشيء وسقوطه ، والواقعة لا تقال إلا في الشدة والمكروه ، وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ وقع : جاء في العذاب والشدائد(٣) .
وقال الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ ) في تفسيره للواقعة : « والواقعة اسم القيامة كالآزفة وغيرها ، والمعنى إذا حدثت الحادثة ، وهي الصّيحة عند النفخة الأخيرة لقيام الساعة. وقيل سميت بها لكثرة ما يقع فيها من الشدة ، أو لشدة وقعها »(٤) . وقال ابن منظور ( ت : ٧١١ هـ ) الواقعة : الداهية ، والواقعة النازلة من صروف الدهر ، والواقعة اسم من أسماء يوم القيامة(٥)
وباستقراء هذه الأقوال ، ومقارنة بعضها ببعض ، تتجلى الدلالة الصوتية ، فالوقوع هو الهوي ، وسقوط الشيء من الأعلى ، والواقعة هي النازلة الشديد ، والواقعة هي الداهية ، وهي الحادثة ، وهي الصيحة ، وهي اسم من أسماء يوم القيامة ، وأكثر ما جاء في القرآن من هذه الصيغة جاء في الشدة والعذاب ، وصوت اللفظ يوحي بهذا المعنى ، وأطلاقه بزنة الفاعل ، وإسناده بصيغة الماضي ، يدلان على وقوعه في شدته وهدته ، وصيحته وداهيته.
٢ـ القارعة ، قال تعالى :( القارعة *ما القارعة *ومآ ادراك ما القارعة ) (٦) .
وقال تعالى :( كذبت ثمود وعاد بالقارعة ) (٧) .
قال الخليل ( ت : ١٧٥ هـ ) : والقارعة : القيامة. والقارعة : الشدة.
__________________
(١) الحاقة : ١٥. (٢) الخليل ، العين : ٢|١٧٦. (٣) الراغب ، المفردات : ٥٣٠. (٤) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٢١٤. |
(٥) ابن منظور ، لسان العرب : ١٠|٢٨٥. (٦) القارعة : ١ ـ ٣. (٧) الحاقة : ٤. |
وفلان أمن قوارع الدهر : أي شدائده. وقوارع القرآن : نحو آية الكرسي ، يقال : من قرأها لم تصبيه قارعة.
وكل شيء ضربته فقد قرعته. قال أبو ذؤيب الهذلي(١) .
حتى كأني للحوادث مروة |
بصفا المشرق كل يوم تقرع |
قال الطبرسي : وسميت القارعة ، لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن(٢) . والقارعة اسم من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بالفزع ، وتقرع أعداء الله بالعذاب(٣) .
وأنما حسن أن توضع القارعة موضع الكناية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة(٤) .
وبمقارنة هذه المعاني ، نجدها متقاربة الدلالة ، فالقارعة الشدة ، وقوارع الدهر شدائده ، وكل شيء ضربته فقد قرعته ، والقارعة تقرع القلوب بالفزع ، وقلوب العباد بالمخافة ، وأعداء الله بالعذاب ، وهي في موضع كناية للتعبير عن القيامة ، من أجل التذكير بصفة القرع ، وكلها مفردات إيحائية تؤذن بالقرع في الأذن ، وتفزع القلوب بالشدة ، تتوالى خلالها المترادفات والمشتركات ، لتنتقل بك إلى عالم الواقعة ، وهي مجاورة لها في الشدة والهول والصدى والإيقاع.
٣ ـ الآزفة ، قال تعالى :( أزفة الآزفة *ليس لها من دون الله كاشفة ) (٥) .
وقال تعالى :( وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) (٦) .
قال الراغب : معناه : أي دنت القيامة فعبر عنها بلفظ الماضي لقربها وضيق وقتها(٧) .
__________________
(١) الخليل ، العين : ١|١٥٦. (٢) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٣٤٢. (٣) المصدر نفسه : ٥|٥٣٢. (٤) المصدر نفسه : ٥|٣٤٣. |
(٥) النجم : ٥٧ ـ ٥٨. (٦) المؤمن : ١٨. (٧) الراغب ، المفردات : ١٧. |
وقال الطبرسي :( وأنذرهم يوم الأزفة ) (١) . أي الدانية. وهو يوم القيامة ، لأن كل ما هو آت دان قريب(٢) .
قال الزمخشري : والآزفة القيامة لأزوفها(٣) .
وفي اللغة : الآزفة القيامة ، وإن استبعد الناس مداها(٤) .
والآزفة : الدانية من قولهم أزف الأمر إذا دنا وقته(٥) .
ورقة الآزفة في لفظها بانطلاق الألف الممدودة من الصدر ، وصفير الزاي من الأسنان ، وانحدار الفاء من أسفل الشفة ، والسكت على الهاء منبعثة من الأعماق ، كالرقة في معناها في الدنو والاقتراب وحلول الوقت ، ومع هذه الرقة في الصوت والمعنى ، إلا أن المراد من هذا الصفير أزيزه ، ومن هذا التأفف هديره ورجيفه ، فادناه يوم القيامة غير إدناء الحبيب ، واقتراب الساعة غير اقتراب المواعيد ، أنه دنو اليوم الموعود ، والحالات الحرجة ، والهدير النازل ، إنه يوم القيامة في شدائده ، فكانت الآزفة كالواقعة والقارعة.
٤ ـ الراجفة والرادفة ، قال تعالى :( يوم ترجف الراجفة *تتبعها الرادفة ) (٦) وتبدأ القيامة بالراجفة ، وهي النفخة الأولى ( تتبعها الرادفة ) وهي النفحة الثانية(٧) .
وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك(٨) .قال الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) « الراجفة : الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفحة الأولى ، وصفت بما يحدث بحدوثها ( تتبعها الرادفة ) أي الواقعة التي تردف الأولى ، وهي النفحة الثانية ؛ أي القيامة التي يستعجلها الكفرة ، استبعاداً لها وهي رادفة لهم لا قترابها. وقيل الراجفة : الأرض والجبال من قوله ـ يوم ترجف الأرض والجبال ـ والرادفة
__________________
(١) المؤمن : ١٨. (٢) الطبرسي ، مجمع البيان : ٤|٥١٨. (٣) الزمخشري ، أساس البلاغة : ٥. (٤) ابن منظور ، لسان العرب : ١|٣٤٦. |
(٥) الطبرسي ، مجمع البيان : ٤|٥١٨. (٦) النازعات : ٦ ـ ٧. (٧) الفراء ، معاني القرآن : ٣|٢٣١. (٨) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم : ٤|٤٦٧. |
السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها إثر ذلك »(١) . وقال الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ ) الراجفة : يعني النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق ، والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمخض ( تتبعها الرادفة ) يعني النفخة الثانية تعقب النفخة الأولى ، وهي التي يبعث معها الخلق(٢) .
وبمتابعة هذه المعاني : النفخة الأولى ، النفخة الثانية ، الصيحة ، التردد ، الاضطراب ، الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال ، الواقعة التي تردف الراجفة ، انشقاق السماء ، انتثار الكواكب ، الرعد إذا تمخض ، بعث الخلائق وانتشارهم إلخ.
بمتابعة أولئك جميعاً يتجلى العمق الصوتي في المراد كتجليه في الألفاظ دلالة على الرجيف والوجيف ، والتزلزل والاضطراب ، وتغيير الكون ، وتبدل العوالم( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ) (٣) .
فتعاقبت معالم الراجفة والرادفة مع معالم الواقعة والقارعة والآزفة ، وتناسبت دلالة الأصوات مع دلالة المعاني في الصدى والأوزان.
٥ ـ الغاشية ، قال تعالى :( هل أتاك حديث الغاشية ) (٤) . وهو خطاب للنبي6 يريد قد أتاك حديث يوم القيامة بغتة عن ابن عباس والحسن وقتادة(٥) .
قال الراغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) الغاشية كناية عن القيامة وجمعها غواش(٦) .
وقال الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) : الغاشية الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها ، يعني القيامة(٧) .
__________________
(١) الزمخشري ، الكشاف : ٤|٢١٢. (٢) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٤٣٠. (٣) ابراهيم : ٤٨. (٤) الغاشية : ١. |
(٥) الطبرسي ، مجمع البيان : ٥|٤٧٨. (٦) الراغب ، المفردات : ٣٦١. (٧) الزمخشري ، الكشاف : ٤|٢٤٦. |
وقال ابن منظور ( ت : ٧١١ هـ ) الغاشية القيامة ، لأنها تغشى الخلق بأفزاعها ، وقيل الغاشية : النار لأنها تغشى وجوه الكفار. وقيل للقيامة غاشية : لأنها تجلل الخلق فتعمهم(١) .
وبمقارنة هذه الأقوال ، وضم بعضها إلى بعض ، يبدو أن الغاشية كني بها عن القيامة لأنها تغشى الناس بأهوالها ، وتعم الخلق بأفزاعها ، فهي تجللهم الإحاطة من كل جانب ، وقد تكون هي النار التي تغشى وجوه الكفار ، وهي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها ، وتلبسهم أهوالها إلخ.
إذن ، ما أقرب هذا المناخ المفزع ، والأفق الرهيب لمناخ الواقعة والقارعة والآزفة والراجفة والرادفة ، إنه منطلق واحد ، في صيغة واحدة ، صدى هائل تجتمع فيه أهوالها ، وصوت حافل تتساقط حوله مصاعبها ، تتفرق فيه الألفاظ لتدل في كل الأحوال على هذه الحقيقة القادمة ، حقيقة يوم القيامة برحلتها الطولية ، في الشدائد ، والنوازل ، والقوارع ، والوقائع ، لتصور لنا عن كثب هيجانها وغليانها ، وشمولها وإحاطتها :
( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه *يسئل أيان يوم القيامة *فإذا برق البصر *وخسف القمر *وجمع الشمس والقمر *يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر *إلى ربك يومئذ المستقر ) (٢) .
دلالة الصدى الحالم :
تنطلق في القرآن أصداء حالمة ، في ألفاظ ملؤها الحنان ، تؤدي معناها من خلال أصواتها ، وتوحي بمؤداها مجردة عن التصنيع والبديع ، فهي ناطقة بمضمونها هادرة بإرادتها ، دون إضافة وأضاءة ، وما أكثر هذا المنحنى في القرآن ، وما أروع تواليه في آياته الكريمة ، ولنأخذ عينة على هذا فنقف عند الرحمة من مادة « رحم » في القرآن الكريم بجزء من إرادتها ، ولمح من هديها.
قال تعالى :( أؤلائك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) (٣) .
__________________
(١) ابن منظور ، لسان العرب : ١٩|٣٦٢.
(٢) القيامة : ٥ ـ ١٢.
(٣) البقرة : ١٥٧.
وقال تعالى :( لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ) (١) .
وقال تعالى :( فبما رحمة من الله لنت لهم ) (٢) .
وقال تعالى :( كهيعص *ذكر رحمت ربك عبده زكريا ) (٣) .
وقال تعالى :( قال رب أغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ) (٤) .
وقال تعالى :( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب أرحمها كما ربياني صغيرا ) (٥) .
فأنت تنادي من صدى « الرحمة » بأزيز حالم ، وتحتفل من صوتها بنداء يأخذ طريقه إلى العمق النفسي ، يهز المشاعر ، ويستدعي العواطف ، ناضحاً بالرضا والغبطة والبهجة ، رافلاً بالخير والإحسان والحنان ، فماذا يرجو أهل الإيمان أكثر من اقتران صلوات ربهم برحمته بهم وعليهم ، ولمغفرة من الله تعالى ورحمة خير مما تجمع خزائن الأرض وكنوزها ، وهذا محمد6 ذو الخلق العظيم ، والمخائل الفذة ، لولا رحمة ربه لما لإن لهؤلاء القوم الأشداء في غطرستهم وغلظتهم ، وهذا زكريا تتداركه رحمة من الله وبركات في أوج احتياجه وفزعه إلى الله عزّ وجل :( إذ نادى ربه نداءً خفيا ) (٦) .
فيهب له يحيى( والله يختص برحمته من يشاء ) (٧) .
ووقفة مستوحية عند الأبوين الكريمين( وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمها كما ربياني صغيرا ) (٨) . فستلمس صيغة الرحمة قد تجلت بأرق مظاهرها الصادقة وأرقاها ، توجيه رحيم ، واستعارة هادفة ، وعاطفة مهذبة ، فقد اقترنت الرحمة بالاسترحام ، وخفض الجناح بتواضع بل بذل إشفاقاً وحنواً وحدباً ، فكما يخفض الطائر الوجل أو المطمئن السارب جناحيه حذراً أو عطفاً أو احتضاناً لصغاره حباً بهم ، أو صيانة لهم من كل الطوارىء ، أو هما معاً ، فكذلك رحمة الولد البار بوالديه شفقة ورعاية ، مواساة ومعاناة ، في حالتي الصحة والسقم ، الرضا والغضب ،
__________________
(١) آل عمران : ١٥٧. (٢) آل عمران : ١٥٩. (٣) مريم : ١ ـ ٢. (٤) الأعراف : ١٥١. |
(٥) الإسراء : ٢٤. (٦) مريم : ٣. (٧) البقرة : ١٠٥. (٨) الإسراء : ٢٤. |
الدعة والاحتياج ، يضاف إلى ذلك الدعاء من الأعماق « وقل رب ارحمها » مجازاة على تربيته صغيراً ، والرحمة ، وارحمها ، لفظان متلازمان في بحة الحاء المنطلقة من الصدر فهي صوتياً مثلها دلالياً من القلب وإلى القلب ، ومن الشغاف إلى الشغاف ، وهنا يظهر أن الرحمة ظاهرة واقعية تنبعث من داخل النفس الإنسانية ، فيتفجر بها الضمير الحي النابض بالطهارة والنقاء والحب السرمدي ، فهي إذن لا تفرض من الخارج بالقوة والقهر والإستطالة ، وإنما سبيلها سبيل الماء المتدفق من الأعالي لأنها صفة ملائكية ، تمزج الإنسانية بالصفاء الروحي.
« والرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو : رحم الله فلاناً. وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، وعلى هذا روي أن الرحمة من الله إنعام وإفضال ، ومن الآدميين رقة وتعطف »(١) .
فالله تعالى تفرد بالإحسان في رحمته إلى رعيته ، فجاء له الحمد مساوقاً لهذه الرحمة( الحمد لله رب العالمين *الرحمن الرحيم ) (٢) . ونشر الرقة بين البشر في الطباع( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) (٣) .
ولو تابعنا أصل المادة لغوياً لوجدنا ملاءمتها للمعنى صوتياً في الرقة واللحمة والتناسب ، فالرحم رحم المرأة ، قل تعالى :( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء ) (٤) . ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم من رحم واحدة نسبياً ، لذلك قال تعالى :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) (٥) . ولولا قرابتهم لما كانت الولاية بينهم.
فكان الالتصاق في الرحم قد نشر الالتصاق بالولاية من جهة ، وجدد الرحمة بالرقة والمودة والعطف الكريم.
__________________
(١) الراغب : المفردات : ١٩١. (٢) الفاتحة : ٢ ـ ٣. (٣) الفتح : ٢٥. |
(٤) آل عمران : ٦. (٥) الأنفال : ٧٥. |
دلالة النغم الصارم :
أصوات الصفير في وضوحها ، وأصداؤها في أزيزها ، جعل لها وقعاً متميزاً ما بين الأصوات الصوامت ، وكان ذلك ـ فيما يبد ولي ـ نتيجة التصاقها في مخرج الصوت ، واصطكاكها في جهاز السمع ، ووقعها الحاصل ما بين هذا الالتصاق وذلك الاصطكاك ، هذه الأصوات ذات الجرس الصارخ هي : الزاي ، السين ، الصاد ، يلحظ لدى استعراضها أنها تؤدي مهمة الإعلان الصريح عن المراد في تأكيد الحقيقة ، وهي بذلك تعبر عن الشدة حيناً ، وعن العناية بالأمر حيناً آخر ، مما يشكل نغماً صارماً في الصوت ، وأزيزاً مشدداً لدى السمع ، يخلصان إلى دلالة اللفظ في إرادته الاستعمالية ، ومؤداه عند إطلاقه في مظان المعنى.
وسأقف عند ثلاث صيغ قرآنية ختمت بحروف الصفير ، لرصد أبعادها الصوتية ؛ هي : « رجز » و « رجس » و « حصحص ».
١ـ الرجز ، في مثل قوله تعالى :( أولآئك لهم عذاب من رجز أليم ) (١) .
وقوله تعالى :( لئن كشفت عنا الرجز ) (٢) .
وقوله تعالى :( فلمّا كشفنا عنهم الرجز ) (٣) .
ويظهر في أصل الرجز الاضطراب لغة ، فتلمس فيه الزلزلة في ارتجاجها ، والهدة عند حدوثها ، والنازلة في وقوعها ، ولما كان القرآن العظيم يفسر بعضه بعضها ، فإننا نأنس على هذه المعاني في كل من قوله تعالى :
( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء ) (٤) .
وقوله تعالى :( فأرسلنا عليهم رجزاً من السّماء بما كانوا يظلمون ) (٥) .
__________________
(١) سبأ : ٥.
(٢) الأعراف : ١٣٤.
(٣) الأعراف : ١٣٥.
(٤) البقرة : ٥٩.
(٥) الأعراف : ١٦٢.
وقوله تعالى :( إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كاموا يفسقون ) (١) . ونستظهر في الرجز الإرسال والإنزال من السماء بضرس قاطع وأمر كائن باعتبار آخر العلاج بعد التحذير والإنذار.
٢ ـ وحينما نقارن لفظ « الرجز » بمثيله معنى ومبنى « رجس » وهي مكونة كتكوينها في الراء والجيم ، والسين كالزاي من حروف الصفير شديدة الاحتكاك في مخرج الصوت ، ولها ذات الإيقاع على الأذن ؛ حينما نقارن صوتياً ودلالياً بين الصوتين نجد المقاطع واحدة عند الانطلاق من أجهزة الصوت ، ونجد المعاني متقاربة في الإفادة ، فقد قيل للصوت الشديد : رجس ورجز ، وبعير رجاس شديد الهدير ، وغمام راجس ورجاس شديد الرعد.
قال تعالى :( قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ) (٢) .
وقال تعالى :( ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) (٣) .
كل هذه الاستعمالات متواكبة دلالياً في ترصد العذاب وصبّه وإنزاله ، وهذا لا يمانع من أن تضاف للرجس جملة من المعاني الأخرى لإرادة الدنس والقذارة ومرض القلوب ، وحالات النفس المتقلبة ، نرصد ذلك في كل من قوله :( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) (٤) .
وقال تعالى :( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) (٥) .
وقال تعالى :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (٦) .
وقال تعالى :( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وما توا وهم كافرون ) (٧) .
__________________
(١) العنكبوت : ٣٤. (٢) الأعراف : ٧١. (٣) يونس : ١٠٠. (٤) المائدة : ٩٠. |
(٥) الحج : ٣٠. (٦) الأحزاب : ٣٣. (٧) التوبة : ١٢٥. |
فالصوت في المعاني كلها الصوت نفسه ، والصدى ذات الصدى ، ومن هنا أورد الراغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) : أن الرجس يقع على أربعة أوجه : إما من حيث الطبع ، وأما من جهة العقل ، وإما من جهة الشرع ، وإما من كل ذلك. والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر ، وقيل : إن ذلك رجس من جهة العقل ، وجعل الله تعالى الكافرين رجساً من حيث أن الشرك بالعقل أقبح الأشياء(١) .
٣ ـ وحينما نقف عند الصاد في مثل قوله تعالا :
( قالت أمرأت العزيز الآن حصحص الحق ) (٢) . فإننا نستمع إلى الصوت المدوّي ، إذ كانت الصاد واضحة الصدور من المخرج الصوتي. فكانت « حصحص » واضحة الظهور بانكشاف الأمر فيما يقهره على الأذغان ، وهنا قد يمتلكك العجب لدى اختيار هذا اللفظ في أزيزه ، ووضوح أمره مع القهر، فلا تردّ دلائله ، ولا تخبو براهينه.
فإذا شددت الصاد كانت دلالتها الصوتية ، وإرادتها المعنوية ، أوضح لزوماً ، وأشد استظهاراً ، وأكثر إمعاناً كما في قوله تعالا :( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور *وحصل ما في الصدور ) (٣) .
فالتحصيل إخراج اللب من القشور ، كإخراج الذهب من حجر المعدن ، والبر من السنابل ، فهو إضهار لما فيها كإظهار اللب من القشر ، أو كإظهار الحاصل من الحساب(٤) .
والصوت في صيغة الإرعاب ، وفي سياق الوعيد ، قد تلمس فيه نزع ما في القلوب من أسرار ، واستخراج ما فيها من خفايا ، دون طواعية من أصحابها؟؟.
وقد يعطي دوي العبارة ، وهيكل البيان ، صيغة الإنذار ، وأنت تصطدم بالوقوف عند السين من حروف الصفير في قوله تعالى :( فلآ أقسم بالخنس *
__________________
(١) ظ : الراغب ، المفردات : ١٨٨. (٢) يوسف : ٥١. |
(٣) العاديات : ٩ ـ ١٠. (٤) ظ : الراغب ، المفردات : ١٢١. |
الجوار الكنس *واليل إذا عسعس *والصبح إذا تنفس ) (١) .
الصوت بين الشدة واللين :
ولا نريد بهذا الملحظ المظاهر الصوتية للحروف الشديدة أو حروف اللين ، وإنما نريد الدلالة الأصواتية للكلمات وهي تتشكل في سياق يمثل الشدة حيناً ، والرقة حيناً آخر ، في دلالة تشير إلى أحدهما أولهما في ذات اللفظ ، أو جملة العبارة.
ومن فضيلة النظم القرآني أن تنتظم هذه الظاهرة في الصوائت والصوامت من الأصوات ، والصوائت ما ضمت حروف العلة عند علماء الصرف ، وهي : الألف والياء والواو ؛ والصوامت بقية حروف المعجم ، وهي الصحيحة غير المعتلة.
ويبدو أن الأصوات الصائتة بعد هذا هي الأصوات المأهولة بالانفتاح المتكامل لمجرى الهواء ، فتنطلق دون أي دوي أو ضوضاء ، وتصل إلى الأسماع مؤثرة فيها تأثيراً تلقائياً في الوضوح والصفاء ، وعلة ذلك انبساطها مسترسلة دون تضيق في المخارج.
ويتضح من هذا أن الأصوات الصامتة ما كانت بخلاف ذلك فهي تتسم بتضيّق مجرى الهواء واختلاسه ، فتنطلق أصواتها بأصداء مميزة تختلف شدة وضعفاً بحسب مخارجها فتحدث الضوضاء من خلالها نتيجة احتباس الهواء بقدر ما.
ففي الصوائت نلحظ قوله تعالى :( ونفس وما سواها *فألمها فجورها وتقواها ) (٢) . في اقتران الواو والألف في موضع واحد من سوى وتقوى ، كما نلحظ اقتران الياء والألف في سقيا من قوله تعالا :
( فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ) (٣) .
__________________
(١) التكوير : ١٥ ـ ١٨. (٢) الشمس : ٧ ـ ٨. |
(٣) الشمس : ١٣. |
فتجد استطالة هذين الحرفين في كلا الموضعين ، لا يصدهما شيء صوتياً ، وهما يتراوحان دلالياً في ألفاظ تحتكم الشدة واللين ، فالتذكير بخلق النفس الإنسانية قسماً إلى جنب عملها بين الفجور والتقوى ، والتحذير من الناقة إلى جنب التحذير من منع السقيا.
وفي الصوامت تجد مادة « مسّ » قي القرآن بأزيزها الحاكم ، وصوتها المهموس ، ونغمها الرقيق ، نتيجة لتضعيف حرف الصفير ، أو التقاء حرفيه متجاورين كقوله تعالى :( ولو لم تمسسه نار ) (١) .
هذه المادة في رقتها صوتياً ، وشدتها دلالياً ، تجمع بين جرس الصوت الهادىء ، وبين وقع الألم الشديد ، فالمس يطلق ـ عادة ـ ويراد به كل ما ينال الإنسان من أذى ومكروه في سياق الآيات التالية :
قال تعالى :( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) (٢) .
وقال تعالى :( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ) (٣) .
وقال تعالى :( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ) (٤) .
وقال تعالى :( ولئن اذقناه نعماء بعد ضرآء مسته ) (٥) .
وقال تعالى :( ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ) (٦) .
وقال تعالى :( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم ) (٧) .
وقال تعالى :( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) (٨) .
فهذه الصيغ المختلفة من المادة ، أوردناها للدلالة على شدة البلاء ،
__________________
(١) النور : ٣٥. (٢) آل عمران : ١٤٠. (٣) الروم : ٣٣. (٤) الزمر : ٤٩. |
(٥) هود : ١٠. (٦) الأنبياء : ٤٦. (٧) الأنفال : ٦٨. (٨) الأنبياء : ٨٣. |
ووقع المصاب ، وفرط الأذى ، واللفظ فيها رفيق رقيق ، ولكن المعنى شديد غليظ.
وللدلالة على هذا الملحظ ، فقد وردت المادة في صوتها الحالم هذا مقترنة بالمس الرفيق لاستخلاص الأمرين في حالتي ، السراء والضراء ، الشر والخير ، كما في كل من قوله تعالى :
أ ـ( وقالوا قد مس ءابآنا الضرآء والسرآء ) (١) .
ب ـ( إن الإنسان خلق هلوعاً *إذا مسه الشر جزوعا *وإذا مسه الخير منوعاً ) (٢) .
فالضراء تمسهم إذن ، والسراء تمسهم كذلك ، والشر يمسهم والخير كذلك ، ولم يشأ القرآن العظيم تغيير المادة بل اللفظ عينه في الحالتين ، وذلك للتعبير عن شدة الملابسة والملامسة والالتصاق.
وكما ورد اللفظ في مقام الضر منفرداً في أغلب الصيغ ، وورود مثله جامعاً لمدركي الخير والشر ، فقد ورد للمس الجميل خاصة في قوله تعالى :( إن تمسسكم حسنة تسؤهم ) (٣) .
وقد ينتقل هذا اللفظ بدلائله إلى معان آخر ، لا علاقة لها بهذا الحديث دلالياً ، وإن تعلقت به صوتياً ، كما في إشارة القرآن إلى المس بمعنيين مختلفين أخريين.
الأول : كنى فيه بالمس عن النكاح في كل من قوله تعالا :
أ ـ( قالت أنا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ) (٤) .
ب ـ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ) (٥) .
الثاني : وقد عبر فيه بالمس عن الجنون كما في قوله تعالا :
____________
(١) الأعراف : ٩٥. (٢) المعارج : ١٩ ـ ٢١. (٣) آل عمران : ١٢٠. |
(٤) مريم : ٢٠. (٥) البقرة : ٢٣٦. |
( الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس ) (١) .
وقد اجتمعت كلها في طبيعة الصوت.
الألفاظ دالة على الأصوات :
توافرت طائفة من الألفاظ الدقيقة عند إطلاقها في القرآن ، وتتميز هذه الدقة بكون اللفظ يدل على نفس الصوت ، والصوت يتجلى فيه ذات اللفظ ، بحيث يستخرج الصوت من الكلمة ، وتؤخذ الكلمة منه ، وهذا من باب مصاقبة الألفاظ للمعاني بما يشكل أصواتها ، فتكون أصوات الحروف على سمت الأحداث التي يراد التعبير عنها.
يقول ابن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) « فأما مقابلة الألفاظ بما يشكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم ، وذلك أنهم كثيراً مايجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها ، فيعدلونها بها ، ويحتذونها عليها ، وذلك أكثر مما نقدره ، وأضعاف ما نستشعره ، ومن ذلك قولهم : « خضم وقضم ، فالخضم لأكل الرطب والقضم لأكل اليابس »(٢) .
ونضع فيما يأتي أمثلة لهذا الملحظ في بعض ألفاظ القرآن العظيم :
١ـ مادة « خر » توحي في القرآن بدلالتها الصوتية بأن هذا اللفظ جاء متلبساً بالصوت على سمت الحديث في كل من قوله تعالى :
أ ـ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) (٣) .
ب ـ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) (٤) .
جـ ـ( فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ) (٥) .
__________________
(١) البقرة : ٢٧٥. (٢) ابن جني ، الخصائص: ١|٦٥. (٣) الحج : ٣١. |
(٤) النحل : ٢٦. (٥) سبأ : ١٤. |
د ـ( فأستفغر ربه وخر راكعا وأناب ) (١) .
فإن هذا اللفظ وقد جاء بصيغة واحدة في عدة استعمالات ، يدل بمجمله على السقوط والهوي ، وهذا السقوط ، وذلك الهوي : مصحوبان بصوت ما ، وهذا الصوت هو الخرير ، والخرير هو صوت الماء ، أو صوت الريح ، أو صوتهما معا ، فالحدث على هذا مستل من جنس الصوت ، ومن هنا يستشعر الراغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) دلالة اللفظ الصوتية فيقول :
« فمعنى خرّ سقط سقوطاً يسمع منه خرير ، والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو ؛
وقوله تعالى :( خروا سجدا ) (٢) فاستعمال الخر تنبيه على اجتماع أمرين : السقوط ، وحصول الصوت منهم بالتسبيح ، وقوله من بعده( وسبحوا بحمد ربهم ) (٣) . فتنبيه أن ذلك الخرير كان تسبيحاً بحمد الله لا بشيء آخر »(٤) .
ووجه الدلالة فيما يبدو أن الخر يأتي بمعنى السقوط من شاهق ، وأن الخرير إنما يستعمل لصوت الماء أو الريح أو الصدى محاكياً لهذا اللفظ في ترديده ، فلم يرد مجرد السقوط من « خر » وإنما أراد الصوت مضافاً إليه الوقوع والوجبة في إحداث هذا الصوت ، وكانت هذه الإضافة الدلالية صوتية سواءً أكانت في صوت الماء ، أم بالوقوع والسقوط ، أم بالتسبيح. والله أعلم.
٢ ـ مادة « صرّ » في كلمة « صر » من قوله تعالى :
( كمثل ريح فيها صر ) (٥) .
أو كلمة « صرصر » في كل من قوله تعالا :
أ ـ( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ) (٦) .
__________________
(١) ص : ٢٤. (٢) السجدة : ١٥. (٣) السجدة : ١٥. |
(٤) الراغب ، المفردات : ١٤٤. (٥) آل عمران : ١١٧. (٦) الحاقة : ٦. |
ب ـ( إنّا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر ) (١) .
هذه المادة في هذه الصيغ الثلاث : مرفوعة ، مجرورة ، منصوبة ، وردت في القرآن وأنت تلمس فيها اصطكاك الأسنان ، وترديد اللسان ، فالصاد في وقعها الصارخ ، والراء المضعّفة ، والتكرار للمادة في صرصر ، قد أضفا صيغة الشدة ، وجسّد صورة الرهبة ، فلا الدفء بمستنزل ، ولا الوقاية متيسرة ، وذلك ما يهد كيان الإنسان عند التماسه الملجأ فلا يجده ، أو النجاة فلا يصل شاطئها ، أو الوقاية من البرد القارس فلا يهتبلها.
في لفظ « الصر » ذائقة الشتاء ، ونازلة الثلوج ، وأصوات الرياح العاتية ، مادة الصر إذن : كما عبر عنها الراغب ( ت : ٥٠٢ هـ ) « ترجع إلى الشدة لما في البرودة من التعقد »(٢) .
قال الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) : « الصر الريح الباردة نحو الصرصر ، وفيه أوجه :
أحدها : أن الصر في صفة الريح بمعنى الباردة ، فوصف بها القرة بمعنى فيها قرة صر ، كما تقول : برد بارد على المبالغة.
الثاني : أن يكون الصر مصدراً في الأصل بمعنى البرد فيجيء به على أصله.
الثالث : أن يكون شبه ما كانوا ينفقون بالزرع الذي جسه البرد فذهب حطاماً(٣) .
ولكننا نضع أيدينا على الحس الصوتي في اللغة ، فيعطينا دلالة خاصة ، مواكبة لسياق الحدث في هذا الصوت ؛ فريح صر وصرصر شديدة البرودة ، وقيل : شديدة الصوت ، وصر وصرصر : صوت الصرير.
قال ابن الأنباري في قوله تعالى :( كمثل ريح فيها صر ) (٤) . فيها أقوال : أحدها : فيها صر أي برد ، والثاني فيها تصويت وحركة.
__________________
(١) القمر : ١٩. (٢) الراغب ، المفردات : ٢٧٩. |
(٣) الزمخشري ، الكشاف : ١|٤٥٧. (٤) آل عمران : ١١٧. |
والصرة أشد الصياح تكون في الطائر والإنسان. وصر صماخه صريراً : صوّت من العطش ، وصرصر الطائر : صوت.
وفي حديث جعفر بن محمد الصادق7 والصر عصفور أو طائر في قده ، أصفر اللون سمي بصوته ؛ يقال صر العصفور يصرّ إذا صاح وصر الجندب يصر صريراً ، وصر الباب يصر ، وكل صوت شبه ذلك فهو صرير إذا امتدّ ، فإذا كان فيه تخفيف وترجيع في إعادة ضوعف كقوله : صرصر الأخطب صرصرة ، كأنهم قدروا في صوت الجندب المد ، وفي صوت الأخطب الترجيع فحكوه على ذلك(١) .
فالصوت هنا ملازم لـ ( صر ) و ( صرصر ) تارة في الشدة ، وأخرى في صوت الريح ، ومثلها في أشد الصياح ، وتارة في التصويت من العطش ، وسواها في تصويت الطائر ، وأهمها ( الصر ) سمي بصوته ، ويليه العصفور إذا صاح ، ومن ثم صرير الباب ، وصر الجندب ، وكل صوت يشبه ذلك في التخفيف أو الترجيع.
و« صر » في الآيات ليست بمعزل عن هذه المصاديق في الشدة والصوت والتصويت ، وتسمية الشيء باسم صوته.
والذكر الحكيم حافل بالألفاظ دالة على الأصوات ، جرياً على سنن العرب في تسمية اللفظ باسم صوته.
والله تعالى أعلم.
اللفظ المناسب للصوت المناسب :
كل لفظ في القرآن الكريم أختير مكانه وموضعه من الآية أو العبارة أو الجملة فإن غيره لا يسد مسدّه بداهة ، فقد اختار القرآن اللفظ المناسب في الموقع المناسب من عدة وجوه ، وبمختلف الدلالات ، إلا أن استنباط ذلك صوتياً يوحي باستقلالية الكلمة المختارة لدلالة أعمق ، وأشارة أدق ، بحيث يتعذر على أية جهة فنية استبدال ذلك بغيره ، إذ لا يؤدي غيره المراد
__________________
(١) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : صرر.
الواعي منه ، وذلك معلم من معالم الإعجاز البياني في القرآن.
١ـ في قوله تعالى :( ياجبال أوبي معه والطير ) (١) . جرس موسيقي حالم ، وصدى صوتي عميق ، وإطلاق للأصوات من أقصى الحلق وضمها للشفة ثم إعادة إطلاقها ، فيما به يتعين موقع « أوبي » بحيث لا يسدّ مسدّها غيرها من الألفاظ ، فالمراد بها ترجيع التسبيح من آب يؤوب ، على جهة الإعجاز بحيث تسبح الجبال ، وهو خلاف العادة ، وخرق لنواميس الكون في ترديد الأصوات من قبل ما لا يصوت ، ولو استبدل هذا اللفظ في غير القرآن لعاد النظر مهلهلاً ، والدلالة الصوتية منعدمة.
قال الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) : « فإن قلت : أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال : وآتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال معه والطير؟ قلت : كم بينهما؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى من الدلالة على عزة الربوبية ، وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ،أشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد ، وناطق وصامت إلا وهو منقاد إلى مشيئته ، غير ممتنع عن إرادته »(٢) .
وتقرأ الآية :( ياجبال أوبي معه والطير ) (٣) . بالتشديد ، وتقرأ بالتخفيف ، فمن قرأ ( أوبي ) بالتشديد فمعناه : يا جبال سبحي معه ، ورجعي التسبيح لأنه قال : سخرنا الجبال معه يسبحن ، ومن قرأ ( أوبي ) بالتخفيف ؛ فمعناه : عودي معه بالتسبيح كلما عاد فيه(٤) .
فالنظام الصوتي بهذا هو الذي يحقق المعنى الجملي ، فإن كانت ( أوبي ) بالتشديد ، وهي القراءة المتعارفة ، فالمراد : التسبيح في ترديده وترجيعه ، وإن كانت بالتخفيف ؛ فتعني الرجوع والأوبة ، وعليه فالمراد إذن : العودة إلى التسبيح كلما عاد :
__________________
(١) سبأ : ١٠. (٢) الزمخشري ، الكشاف : ٣|٢٨١. (٣) سبأ : ١٠. |
(٤) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : ١|٢١٢. |
٢ ـ في قوله تعالى :( مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) (١) . تبرز كلمة « أوهن » لتعطي معنى الضعف ، وقد تحقق هذا المعنى كلمة ( أوها ) ولكن القرآن الكريم استعمل أوهن دون أوها ، وذلك لما يفرزه ضم حروف الحلق ، وأقصا الحلق إلى النون من التصاق وغنة لا تتأتى بضم الألف المقصورة إليها صوتياً ، وحينئذ تصل الكلمة إلى الأسماع ، وتصك الآذان ، وهي تحمل لوناً باهتاً للعجز مؤكداً بضم هذه النون ـ من ملحظ صوتي فقط ـ إلى تلك الحروف لتحدث واقعًا خاصاً يشعر بالضعف المتناهي لا بمجرد الضعف وحده. وكان هذا بتأثير مباشر من دلالة اللفظ الصوتية ، إذ أحدثت فيها النون وهي من الصوامت الأنفية صدى وإيقاعاً لا تحدثه الألف المقصورة وهي صوت حلقي خالص ، لا غنة معه ، ولا ضغط ، ولا إطباق.
وهذا التشبيه باختيار هذا اللفظ صوتياً ، يجمع إليه إيحائياً دلالة أن الأصنام والأشخاص والقيم اللاإنسانية واهنة متداعية عاجزة حتى عن حماية كيانها ، وصيانة وجودها ، لأنها في تكوين رخو واهن ، وبناء تتداعى أركانه ، ومثل هذا التكوين وذلك البناء لا اعتماد عليهما ، ولا اعتداد بهما ، إنما القوة بالله ، والحماية من الله ، والالتجاء إلى الله فهو وحده الركن القويم.
قال الزمخشري ( ت : ٥٣٨ هـ ) : « وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت ، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت ، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان لوكانوا يعلمون »(٢) .
واذا كان القرآن الحكيم قد امتاز بتخير الألفاظ وانتقائها ، فإنه يرصد بذلك ما لهذه الألفاظ دون تلك :
« من قوة تعبيرية ، بحيث يؤدي بها فضلاً عن معانيها العقلية ، كل ما
__________________
(١) العنكبوت :٤١.
(٢) الزمخشري ، الكشاف : ٣|٢٠٦.
تحمل في أحشائها من صور مدخرة ، ومشاعر كامنة ، لفّت نفسها لفاً حول ذلك المعنى العقلي »(١) .
وهو ما تنبّه إليه الزمخشري في تعليله ذلك من ذي قبل.
٣ ـ وفي قوله تعالى :( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) (٢) .
تنهض كلمة «كل » وهي صارخة مشرأبة ، لتوحي عادة بمعنى العالة في أبرز مظاهرها ، وقد استعملها القرآن لإضاءة المعنى بما فيها من غلظة وشدة وثقل ، لهذا الصدى الصوتي الخاص المتولد من احتكاك الكاف وإطباق اللام على اللهاة ، وما ينجم عن ذلك من رنة في الذاكرة ، وشدة على السمع ، فصوت الكاف في العربية ، وهو من حروف الإطباق ، شديد انفجار مهموس ، وصوت اللام في العربية ، وهو من حروف الأسنان واللثة ، مجهور متوسط بين الشدة والرخاوة(٣) .
وقد اجتمع المهموس والمجهور معاً في هذا اللفظ ، فإذا علمنا أن المهموس هو الصوت الذي يظل النفس عند النطق به جارياً لا يعوقه شيء ، وأن المجهور هو الصوت الذي يمتنع النفس عن الجريان به عند النطق أدركنا سر اجتماع الكاف المهموسة واللام المجهورة في هذا اللفظ ، وما في ذلك من عسر في اللفظ دال على المعنى وغلظته.
يقول أستاذنا المخزومي : « فإذا اجتمع صوت مجهور ، وآخر مهموس ؛ فقد اجتمع صوتان مختلفان لكل منهما طبيعة خاصة ، والجمع بين هذين الصوتين يقتضي عضو النطق أن يعطي كل صوت منهما حقه ، وفي ذلك عسر لا يخفى ، فإذا تألفت كلمة وقد تجاور فيها صوتان ، أحدهما مجهور ، والآخر مهموس ، فما يزال أحدهما يؤثر في الآخر حتى يصيرا مجهورين معاً ، أو مهموسين معاً »(٤) .
__________________
(١) تشارلتن ، فنون الأدب : ٧٦.
(٢) النحل : ٧٦.
(٣) ظ : ابن جني ، سر صناعة الأعراب : ١|٦٩.
(٤) مهدي المخزومي ، في النحو العربي ، قواعد وتطبيق : ٨.
لقد ظل النفس جارياً مستطيلاً في اللام عند مجاورتها للكاف ، وزاد التشديد في استطالتها ، لتوحي الكلمة بأبعادها الصوتية : بأن هذا العبد شؤم لا خير معه ، وبهيمة لا أمل بإصلاحه ، فهو عالة وزيادة ، بل هو « كل » بكل التفصيلات الصوتية لهذا اللفظ.
لقد كان اختيار اللفظ المناسب للصوت المناسب حقلاً يانعاً في القرآن لا للدلالة الصوتية فحسب ، بل لجملة من الدلالات الإيحائية واللغوية والهاميشية ، وتلك ميزة القرآن الكريم في تخير الألفاظ.
« خاتمة المطاف »
بعد هذه الجولة الفسيحة في أبعاد الصوت اللغوي في القرآن الكريم ، يجدر بي في خاتمة المطاف أن أضع أبرز النتائج والكشوفات العلمية التي يسرها البحث.
كان الفصل الأول بعنوان : أبعاد الصوت اللغوي وقد بحثنا فيه :
١ ـ مصطلح الصوت اللغوي ، فأفضنا الحديث عن الصوت لغةً ، والصوت ذبذبة ، والصوت غنائياً ، والصوت عند الأصواتين العرب ، وانتهينا أن الصوت بوصفه لغوياً يعني في هذه الدراسة المتخصصة : تتبع الظواهر الصوتية لحروف المعجم العربي ، وتطبيقها تنظيريا في القرآن العظيم بخاصة لأنه حقل البحث ، وموضوع تفصيلاته اللغوية ، فيما أثبت البحث : أن مصطلح علم الأصوات : مصطلح عربي أصيل سبق إليه علماء الإسلام والعربية.
٢ ـ وعرض الفصل إلى تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين ، فكانت دقة العرب أن توصلوا إلى تقسيم الحروف إلى طائفتين صوتيتين هما : الأصوات الصائتة والأصوات الصامتة ، وكانت هذه التسمية دليل الأوروبيين ـ فيما بعد ـ في التقسيم إلى الأصوات الساكنة وأصوات اللين.
وتوصل العرب إلى صفات هذه الأصوات في مخارجها ، وقسموا الصوت بعد ذلك إلى مجهور ومهموس ، وشديد ومطبق ، وسواهما ، وهو ما توصل إليه المحدثون بعد دراسات تشريحية لأجهزة النطق.
وكان تقسيم العرب والمسلمين للأصوات باعتبار مخارجها مخططاً
تفصيلياً لعملية إحداث الأصوات مع تسمياتها في المصطلح الصوتي ذلك ما قاربه وحقق القول فيه علماء الأصوات المحدثون ، وهم يسخرون لذلك أجهزة العلم الفيزولوجية ، بينما اكتشفه المسلمون والعرب بذائقتهم الفطرية الخالصة.
٣ ـ وعرضنا لتطور الصوت اللغوي في التحول التأريخي لنظام الأصوات ، ووقفنا عند التحول التركيبي الذي ينشأ عادةً نتيجة لظواهر تغيير أصوات اللغة الواحدة ، واستبدال صوت منها بصوت آخر ، مما نشأ عنه مصطلح المماثلة عند استجابته للإبدال الصوتي الموقت ، ومصطلح المخالفة فيما استجاب للإبدال الصوتي الدائم ، وبحثنا المصطلحين في شذرات أحسبها مفيدة ، وعرضنا بعد هذا الجزء ـ في ضوء تطور الصوت في المقطع أو عند المتكلم ـ لظاهرتي النبر والتنغيم ، وهما موضع عناية عند العرب من الناحية النظرية ، مع فرض توافر لحاظه المشترك في التطبيق القرآني.
٤ ـ وتناولنا نظرية الصوت اللغوي عند العرب فيما شهد بأصالته المحدثون من الأوروبيين والمستشرقين ، فكان ما توصل إليه العرب : عبارة عن المادة التخطيطية لمئات الجزئيات ، وعشرات الموضوعات الصوتية المتخصصة مما أشاروا إليه في كتبهم مفردات منظمة متناسقة مثلت نظرية الصوت في جميع المستويات الصوتية المعقدة ، ابتداءً من أجهزة النطق ، ومروراً بكل التفصيلات المضنية للأصوات ، وانتهاءً بأقيسة الزمان والمكان للصوت.
وكان الفصل الثاني بعنوان : منهجية البحث الصوتي وقد عرضنا فيه لتأريخية البحث الصوتي في منهجيته العربية المقارنة بالفكر الأوروبي الحديث مما توصل معه البحث إلى أصالة المنهجية الصوتية عند العرب بدءاً من :
١ ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي ومدرسته الصوتية ، فرأينا الخليل ( ت : ١٧٥ هـ ) أول من وضع الصوت اللغوي موضع التطبيق الفني في مقدمة العين باعتبارها أول مادة صوتية وصلت إلينا في كتب اللغة ، وتتبعنا ذلك في أبرز إفاضات الخليل فوجدناه قد نص على تسمية كل نوع من
الأصوات ، وقد تذوق الحروف من مخارجها ، وحدد كل صنف من أصناف الحروف المعجمية على بنية صوتية متميزة عن سواها ، ووضع مخططاً شاملا لمخرج كل صوت انساني مضاف الى حيزه الخاص ، وعرض الى التمايز الصوتي في اللغة ، فهو يرى في اللغة امتداداً طبيعياً للأصوات من خلال حصره للمعجم العربي بأبعاد صوتية لم تخطىء ولا مرة واحدة.
٢ ـ ووجدنا سيبويه ( ت : ١٨٠ هـ ) قد تأثر بمدرسة الخليل الصوتية فسار على نهجه في كثير من الأبعاد ، واجتهد في القسم الآخر ، وكان له قدم سبق في قضايا الإدغام ، وتمييزه الدقيق بين صفتي الجهر والهمس ، ورأينا ابن دريد ـ وهو امتداد لهما ـ يصدر في الجمهرة عن علم الخليل ومنهجية سيبويه ، ويضيف بعض الإشارات الصوتية في ائتلاف الحروف.
٣ ـ ووقفنا عند الفكر الصوتي لأبي الفتح عثمان بن جني ( ت : ٣٩٢ هـ ) باعتباره أول من استعمل مصطلحاً فنياً للدلالة على الأصوات سماه : « علم الأصوات » وكان منهجه الصوتي مثار إعجاب للبحث بما صح أن يطلق عليه اسم الفكر الصوتي ، لأنه يتمحّض لهذا العلم ، ويعرض فيه عصارة تجاربه الصوتية دقيقة منظّمة ، ويتفرغ لبحث أصعب المشكلات الصوتية بترتيب حصيف في بحوث قيّمة عرضت لجوهر الصوت في كتابيه : سر صناعة الاعراب والخصائص.
وكان منهجه يضم تتبع الحروف من مخارجها وترتيبها على مقاطع ، وإضافته ستة أحرف مستحسنة بأصواتها إلى حروف المعجم ، وثمانية أحرف فرعية مستقبحة بأصواتها ، ويحصر مخارج الحروف في ستة عشر مخرجاً تشريحياً منظّراً له بأمثلته ، فكان فكر ابن جني الصوتي قد حقق نظاماً أصواتياً قارنّاه بالفكر الصوتي العالمي من خلال هذه الظواهر :
أ ـ مصدر الصوت ومصطلح المقطع.
ب ـ جهاز الصوت المتنقل.
جـ ـ أثر المسموعات في تكوين الأصوات.
د ـ محاكاة الأصوات.
وكان ما قدمه ابن جني تأصيلاً صوتياً لكثير من الملامح والخصائص المكتشفة في ضوء تقدم العلم الفيزولوجي الحديث.
٤ ـ وعالجنا موضوع : القرآن والصوت اللغوي ، فوجدنا المباحث الصوتية عند العرب قد اتخذت القرآن أساساً لتطلعاتها ، وآياته مضماراً لاستلهام نتائجها ، فهي حينما تمازج بين الأصوات واللغة ، وتقارب بين اللغة والفكر ، فإنما تتجه بطبيعتها التفكيرية لرصد تلك الأبعاد مسخرة لخدمة القرآن العظيم.
ووجدنا أن جوهر الصوت العربي قد اتسم بالوضوح لأنه يتمثل في قراءة القرآن ، فكان القرآن هو المنطلق الأساس لعلم الأصوات في مجموعتين دراسيتين هما :
الدراسات القرآنية + الدراسات البلاغية.
وأعطينا مجملاً صوتياً لكلا المنهجين.
وكان الفصل الثالث بعنوان : الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية.
وقد بحث بشكل دقيق المفردات الآتية :
١ ـ توجيه القرآن الكريم اهتمام العرب والمسلمين للصوت اللغوي منذ عهد مبكر للإفادة من الزخم الصوتي في اللغة ، وهو يستهل بعض السور القرآنية بجملة محددة من الحروف الهجائية التي تنطق بأصواتها أسماءً ، لا بأدواتها حروفاً للإفادة من صوتيتها لدى الاستعمال دون حرفيتها ، وقد شغل علماء الإعجاز القرآني بالتصنيف الصوتي لهذه الحروف في دلائلها الصوتية ، وأسرارها التركيبة ، واستيعابها لأنواع الأصوات وتقسيماتها كافة مجهورها ومهموسها ، شديدها ورخوها ، مطبقها ومنفتحها إلخ.
٢ ـ وعرض البحث لما أفاض الباقلاني في تقسيمه أصناف هذه الأصوات ، فجعلها مشتملة على كل الأصناف الصوتية في النطق.
٣ ـ وتناول اهتمام الزمخشري بجدولة فواتح السور القرآنية ، وعدد
المهموس والمجهور ، والشديد والرخو، والمطبق والمنفتح ، والمستعلي والمنخفض ، وحروف القلقلة ، فسبرها تفصيلاً وأورد المسميات تخصيصاً بعد تعقب حكمة هذا التركيب ، وفلسفة هذه الأصوات ، فكان الله سبحانه وتعالى قد عدد على العرب الأصوات التي منها تركيب كلامهم إلزاماً للحجة.
٤ ـ ووجد البحث أن الزركشي قد وقف عند الصدى الصوتي لهذه الحروف من عدة وجوه منها :
أ ـ عدد هذه الأصوات فيما ابتدىء به بثلاثة احرف وعلل ذلك صوتياً في المخرج واعتماد اللسان ، واعتبر ذلك مجارياً لأصل مخارج الحروف : الحلق ، اللسان ، الشفتين.
ب ـ تعقب ملاءمة بعض الأصوات لبعضها في فواتح السور.
جـ ـ تنبهه إلى علاقة بدء السورة بصوت ما ، وإشتمال السورة على صورة ذلك الصوت في حروف كلماتها ، أو دلائل عبارتها.
٥ ـ ولم يفت الفصل أن يستقري المراد من هذه الحروف والأصوات في بدايات السور ، وأن يستجلي الحكمة من إيرادها ، وأعطى كشفاً تفصيلياً للآراء المتضاربة أو المتقاربة في ذلك ، وانتهى أنها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه ، ولكن هذا لا يخرجها من جوهرها الإنصاتي فهي من جنس أصوات العرب ، وهي من سنخ حروف معجمهم اللغوي ، ومن روح أصداء لغة القرآن العظيم ، فهي إشارات إلهية لبيان إعجاز القرآن ، وذلك من جملة الفوائد المترتبة على أسرار هذه الحروف.
وكان الفصل الرابع بعنوان : الصوت اللغوي في الأداء القرآني. وقد تناول الموضوعات الآتية :
١ ـ أصول الأداء القرآني في أول إشارة إليه عند أمير المؤمنين الإمام علي7 في معرفة الوقف وتجويد الحرف.
فتحدث عن الوقف في مختلف الوجوه ، وشتى الأحوال ، لا سيما مصطلحاته الفنية عند علماء الأداء.
٢ ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني ، وقد عرض فيه إلى شيوع الوقف في فواصل الآي بصورها كافة ، ومقابلة ظواهر الاعراب في علاماتها بالآيات التي تلتزم حرفاً معيناً ، والتي لا تلتزمه في أواخر الفواصل ، وبيان فضله في تناسق العبارة وتقاطرها ، وهي مختلفة في المواقع الاعرابية.
٣ ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني ، وقد تناول نصاعة الصوت في إعطاء الحرف حقه من النطق المحقق الذي لا يشتبه بسواه ، ونشوء مصطلح التجويد ، وابتناء قواعده على مخارج الحروف صوتياً ، مع كشف بتلك المخارج أدائياً.
وكان الحديث عن خصائص كل صوت ، وسمات كل حرف ، تنفيذاً عملياً للآداء القرآني على الوجه الأكمل.
٤ ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني ، وقد عرض لظاهرة الإدغام عرضاً وافياً لمقاربتها من ظاهرة المماثلة عند الأصواتيين المحدثين ، فأبان حدّه وتفريعه وتقسيمه وتنظيره ، وربط بين ذلك وبين شقي المماثلة الرجعية والتقدمية ، وقد ظهر من بين ذلك : أن الصوت القوي هو الذي يحتلّ مساحة النطق ، بدل الصوت الضعيف ، فالصوت الأقوى هو المسيطر على النطق. وعرض لدور أبي عمرو بن العلاء في إرساء قواعد الإدغام والقول به ، وتحدث عن الحروف التي تدغم في أمثالها ، والحروف التي تدغم في مجانسها ومقاربها ، ونظّر لذلك تطبيقاً بكوكبة من آيات القرآن العظيم لكلا النوعين المماثل والمجانس. وقام برصد النتائج الصوتية في حصر الحروف التي تدغم في أمثالها وأجناسها ، وكشف الحروف التي تتدغم ويدغم فيها ، وخلص إلى رصد طائفة من الظوابط الصوتية ، وألحق ذلك بدراسة عن الإظهار ، والإقلاب ، وتوسع في التنظير للإخفاء لكونه حالة بين الإظهار والإدغام.
٥ ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام ، وقد وجد البحث أن أداء القرآن في ضوء التلاوة قد عاد موضوعاً للأحكام الشرعية الدقيقة في ملحظ القراءة بالذات ، وذلك بأداء الحروف من مخرجها ، وأن تكون هيئة كل كلمة موافقة للأسلوب العربي في حركة البنية والسكون والاعراب والبناء والحذف والقلب والادغام والمد الواجب ، وأمثال هذا في عدة ملاحظ ، أمكن رصدها بالآتي :
أ ـ في الملحظ الصوتي للكلمة الواحدة في القراءة القرآنية عند الصلاة ، وتبلور أحكام ذلك في جملة من الفروع.
ب ـ في الملحظ الصوتي عند كون الكلمتين أو الأكثر بنفس واحد دون فصل أو وقوف في طائفة من الأحكام.
جـ ـ في أحكام مخرج الصوت ونطقه ، في الكلمات والحروف والحركات ، والاعراب والبناء ، ومظاهر الأداء في مفصّل من المسائل.
د ـ في الالتزام بمعطيات علماء الأداء القرآني ، وأئمة النحو العربي لإظهار أصول الأصوات في الإحداث ، وكذلك أحكامه الخاصة من التشريع.
هـ ـ في مراعاة أصول الادغام ، واختلاس الأصوات وإبدالها ، وقراءة القرآن بخصوصه ، تحررت مسائل ذات ذائقة صوتية متميزة.
الفصل الخامس وكان بعنوان : الصوت اللغوي في فواصل الآيات القرآنية.
وقد تناول بالبحث المفردات الآتية :
١ ـ مصطلح الفاصلة في القرآن ، وأرسى أصولها على قاعدة صلبة من الاصطلاح بحيث لا تشتبه بقرينة السجع ، أو قافية الشعر ، وكانت التسمية بسبب من إرادتهم تميز القرآن وتشريفه عن مشاركة غيره له في المسميات.
٢ ـ معرفة فواصل القرآن صوتياً ، وكان لذلك طريقان : توقيفي وقياسي ، وظهر أن القرآن لا يلتزم في الفاصلة الوقوف عند حرف معين في مواضع من السور ، ويلتزمه في مواضع أخر ، ويجمع بين الالتزام وعدمه في بعض السور ، فكان الانتقال في فواصله أمراً شائعاً ومطرداً ، ونماذجه هائلة.
٣ ـ ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات ، ورصد في عدة ملامح :
أ ـ زيادة حرف ما في الفاصلة رعاية للبعد الصوتي.
ب ـ حذف حرف ما في الفاصلة رعاية للنسق القرآني.
جـ ـ تأخير ما حقه التقديم ، وتقديم ما حقه التأخير ، عناية بالسياق.
د ـ ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون ـ أحياناً ـ للتمكن من التطريب.
٤ ـ الإيقاع الصوتي في موسيقى الفواصل ، وقد عالج موافقة جملة من الآيات في فواصلها وزنتها لجملة من بحور الشعر العربي ، وقد ربط البحث مثل هذه السمات بالإيقاع الصوتي ، وفسر ظواهرها صوتياً ، لدفع بعض الشبهات حول القرآن ، لأنه قد وجد فيه ما وافق شعراً موزوناً ، وكان وجود الفاصلة فيه هو الذي جعله كلاماً ذا وزن إيقاعي ينظر فيه إلى غرضه الفني مضافاً إليه الغرض التشريعي ، وهما متعانقان. وتلك ميزة ناصعة من مزايا الآيات باعتبار العبارات.
الفصل السادس ، وكان بعنوان : الدلالة الصوتية في القرآن وقد عالج بأصالة استنتاجية مظاهر الدلالة الصوتية في إذكاء حرارة الكلمة القرآنية ، وتوهج عباراته ، فلمس اللفظ المفرد ، وتناغم الكلمة الواحدة في وقع الجرس الموسيقي للصوت ، واقتصر على مظاهر الدلالة في مجالات قد تكون : متقابلة ، أو متناظرة ، أو متضادة ، أو متوافقة ، وقد كونت هذه الإشارات المركزة بمجموعها أبعاد الدلالة الصوتية في القرآن ضمن المفردات المدروسة الآتية :
١ ـ دلالة الفزع الهائل : وقد كشفت عن طائفة من الألفاظ التي استعملها القرآن تم اختيارها صوتيا بما يتناسب مع أصدائها في السمع أو النفس أو الخارج ، واستوحى دلالتها من جنس صياغتها ، فكانت دالةً على ذاتها بذاتها في الفزع والاشتباك والخصام والعنف.
٢ ـ الاغراق في مدّ الصوت واستطالته ، وكشف عن مقاطع صوتية مغرقة في الطول والمدّ والتشديد رغم ندرة صيغة هذه المركبات الصوتية في اللغة ، ونجد القرآن يستعمل أفخمها لفظاً ، وأعظمها وقعاً ، فيستلهم من دلالتها صوتياً مدى شدتها وهدتها ، وتستوحي أهليتها بالتلبث الدقيق ، أو تستقري أحقيتها بالترصد والتفكير الحصيف.
٣ ـ الصيغة الصوتية الواحدة ، وهي ظاهرة جديرة بالعناية لتسمية الكائن الواحد النازل ، والآخر المرتقب المنظور بأسماء متعددة ذات صيغة هادرة ، بنسق صوتي متجانس ، للدلالة بمجموعة مقاطعه الصوتية على مضمونه في الإيحاء والرمز ، وبوقعه الخاص على كنه معناه ، ومن ذلك تسمية : القيامة في القرآن بأسماء متقاربة الأبعاد في إطار الفاعل المتمكن المريد ، والكائن الحي القائم.
٤ ـ دلالة الصدى الحالم ، في استكناه الأصداء الرقيقة الهادئة لألفاظ ملؤها الحنان والرحمة لدى تأديتها معانيها ضمن أصواتها ، ومن خلالها مقاطعها ، فتوحي بمؤادها مجردة عن التصنيع ، والبديع ، فهي ناطقة بمضمونها ، هادرة بإرادتها ، دون إضافة بيانية ، أو إضاءة هامشية.
٥ ـ دلالة النغم الصارم في التماس أصوات الصغير في وضوحها ، وأصدائها في أزيزها نتيجة التصاقها في مخرج الصوت ، واصطكاكها في جهاز السمع ، فهي في الكلمات تؤدي مهمة الإعلان الصريح عن الحدث ، وهي في العبارة تجسد حقيقة المراد في التأكيد عليه ، فتعبر عن الشدة حيناً ، وعن العناية حيناً آخر ، مما يشكل نغماً صارماً في الصوت ، وأزيزاً مشدداً في السمع.
٦ ـ الصوت بين الشدة واللين ، بملاحظة الصوائت والصوامت من الأصوات ، فالصوائت مأهولة في الانفتاح المتكامل لمجرى الهواء ، فتنطلق مقاطعها فيه دون دوي أو ضوضاء ، فتؤثر في الأسماع وضوحاً وصفاء. والصوامت بخلاف هذا فهي تتسم بالضوضاء نتيجة احتباس الهواء ، وجري النفس وما ذلك إلا لتضييق مجرى الهواء واختلاسه ، فتنطلق أصواتها محدثة الضجيج والصوت الرنّان ، وكان تفسير هذا وذاك خاضعاً بطبيعته لنماذج موفورة من ألفاظ القرآن العظيم.
٧ ـ الألفاظ دالة على الأصوات ، وقد توافرت في القرآن طائفة من الألفاظ الدقيقة عند إطلاقها ، بكون اللفظ يدل على ذات الصوت ، والصوت يتجلى فيه اللفظ نفسه ، بحيث يستخرج الصوت من الكلمة ، وتؤخذ الكلمة من الصوت ، وهذا من باب مصاقبة الألفاظ للمعاني بما يشكل أصواتها ، فتكون أصوات الحروف على سمت الأحداث ، فيبرز
بذلك تأهيل تسمية الشيء باسم صوته ، وذلك من دقائق القرآن.
٨ ـ اللفظ المناسب للصوت المناسب : ورأيت أن القرآن الكريم قد اختار اللفظ المناسب للصوت المناسب في الموقع المناسب ، فجاء كل لفظ بمكانه الصوتي من العبارة القرآنية أو الجملة أو الآية ، ولاحظت أن استنباط كل هذه المقاسات صوتياً يوحي باستقلالية الكلمة المختارة لدلالة أعمق ، وإشارة أدق ، بحيث يتعذر على أية جهة فنية استبدال ذلك بسواه ، إذ لا يؤدي غيره مراده ، وذلك معلم واضح من معالم الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن.
* * *
كانت هذه أهم النتائج في مفردات البحث ، وخلاصة للجهود الصوتية فيه على وجه الإشارة والتمثيل ، فشكلت بضم بعضها إلى بعض حياة جديدة في مناخ القرآن لا أحسبها قد عولجت من ذي قبل باستقلالية منظمة ، فدل ما ورد في البحث بكل جزئياته وشذراته المتناثرة بين طياته على لمح ذي شأن في أشعة هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم ، عسى أن يكون لنا ذخراً يوم الدين ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وأصحابه المنتجبين وسلم تسليماً كثيراً.
« المصادر والمراجع »
أ ـ المصادر القديمة :
١ ـ خير ما نبدأ به : القرآن الكريم.
٢ ـ ابن الأثير ، ابو الفتح ، ضياء الدين ، نصرالله بن الأثير ( ت : ٦٣٧ هـ ) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد | مطبعة مصطفي البابي | القاهر | ١٩٣٩ م.
٣ ـ الباقلاني | أبو بكر ، محمد بن الطيب ( ت : ٤٠٣ هـ ) إعجاز القرآن. تحقيق : سيد أحمد صقر | دارالمعارف بمصر | القاهرة | ١٩٥٤.
٤ ـ البحراني ، السيد هاشم البحراني ( ت : ١١٠٧ هـ ) البرهان في تفسير القرآن. طبعة حجرية قديمة ( د. ت ).
٥ ـ الجاحظ ، أبو عثمان ، عمرو بن بحر ( ت : ٢٥٥ هـ ) البيان والتبيين. تحقيق : حسن السندوبي | المطبعة الرحمانية | القاهرة | ١٩٣٢ م.
٦ ـ ابن الجزري ، محمد بن محمد الجزري ( ت : ٨٣٣ هـ ) النشر في القراءات العشر المكتبة التجارية | القاهرة | د. ت.
٧ ـ ابن جني ، أبو الفتح ، عثمان بن جني الموصلي ( ت : ٣٩٢ هـ ) الخصائص. تحقيق محمد علي النجار | دار الكتب المصرية | القاهرة | ١٩٥٢ م.
٨ ـ ابن جني : سر صناعة الاعراب. تحقيق : مصطفى السقا وجماعته |
مطبعة مصطفى البابي | القاهرة | ١٩٥٤ م.
٩ ـ ابن حزم ، أبو محمد ، علي بن أحمد الأندلسي ( ت : ٤٥٦ هـ ) كتاب المحلى. تحقيق : الشيخ أحمد شاكر | المكتب التجاري للطباعة | بيروت | د. ت.
١٠ ـ الخطابي ، أبو سليمان ، حمد بن محمد ( ت : ٣٨٣ ـ ٣٨٨ هـ ) بيان إعجاز القرآن. ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن | تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغول سلام ، دارالمعارف بمصر | القاهرة | ١٩٧٦ م.
١١ ـ الخطيب القزويني ، أبو المعالي ، جلال الدين ، محمد بن عبدالرحمن الشافعي ( ت : ٧٣٩ هـ ) الإيضاح في علوم البلاغة. تحقيق : محمد عبد المنعم خفاجي | دار الكتاب اللبناني | الطبعة الخامسة | بيروت | ١٩٨٠ م.
١٢ ـ ابن خلدون ، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون المالكي الأشبيلي ( ت : ٨٠٨ هـ ) مقدمة ابن خلدون. المطبعة الشرقية | القاهرة | ١٣٢٧ هـ.
١٣ ـ الخليل ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : ١٧٥ هـ ) كتاب العين. تحقيق : د. مهدي المخزومي وابراهيم السامرائي | دارالرشيد | بغداد | ١٩٨٠ م.
١٤ ـ ابن دريد ، محمد بن الحسن بن دريد ( ت : ٣٢١ هـ ) جمهرة اللغة. أوفسيت عن طبعة حيدر أباد الدكن | ١٣٤٥ هـ.
١٥ ـ الرازي ، فخر الدين ، محمد بن عمر بن الحسين ( ت : ٦٠٦ هـ ) مفاتيح الغيب. دارالطباعة العامرة | استانبول | ١٣٠٧ هـ.
١٦ ـ الرازي : نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز. مطبعة الآداب والمؤيد | القاهرة | ١٣١٧ هـ.
١٧ ـ الراغب الأصبهاني ، أبو القاسم ، الحسين بن محمد بن المفصل ( ت : ٥٠٢ هـ ) المفردات في غريب القرآن. تحقيق : محمد سيد كيلاني | مطبعة مصطفى البابي | القاهرة | ١٩٦١ م.
١٨ ـ الرماني ، علي بن عيسى ( ت : ٣٨٦ هـ ) النكت في إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في أعجاز القرآن | تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام دار المعارف بمصر | القاهرة | ١٩٧٦ م.
١٩ ـ الزركشي ، بدر الدين ، محمد بن عبدالله الزركشي ( ت : ٧٩٤ هـ ) البرهان في علوم القرآن. تحقيق : محمد أبوالفضل إبراهيم | دار إحياء الكتب العربية | القاهرة | ١٩٥٧ م.
٢٠ ـ الزمخشري ، جار الله ، أبوالقاسم ، محمود بن عمر ( ت : ٥٣٨ هـ ) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ، أوفيست | دارالمعرفة | بيروت | د. ت.
٢١ ـ ابن الزملكاني ، كمال الدين عبدالواحد بن عبد الكريم ( ت : ٦٥١ هـ ) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن. تحقيق : د. أحمد مطلوب و د. خديجة الحديثي | مطبعة العاني | بغداد | ١٩٦٤ م.
٢٢ ـ ابن سنان ، أبومحمد ، عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجي ( ت : ٤٦٦ هـ ) سر الفصاحة. تحقيق : عبدالمتعال الصعيدي | مطبعة محمد علي صبيح | القاهرة | ١٩٦٩ م.
٢٣ ـ سيبويه ، أبو بشر ، عثمان بن قنبر ( ت : ١٨٠ هـ ) الكتاب : كتاب سيبويه. تحقيق : عبدالسلام محمد هارون | القاهرة | ١٩٧٥ م.
٢٤ ـ ابن سينا ، الشيخ الرئيس ، أبو علي ، الحسين بن عبدالله ( ت : ٤٢٨ هـ ) أسباب حدوث الحروف القاهرة | ١٣٥٢ هـ.
٢٥ ـ السيوطي ، جلال الدين ، عبد الرحمن بن أبي بكر ( ت : ٩١١ هـ ) الاتقان في علوم القرآن. تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم | مطبعة المشهد الحسيني | القاهرة | ١٩٦٧ م.
٢٦ ـ السيوطي : المزهر في علوم اللغة وانواعها. تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم وآخرين | مطبعة عيسى البابي | القاهرة | ١٩٥٨ م.
٢٧ ـ الشافعي ، أبو عبد الله ، محمد بن ادريس ( ت : ٢٠٤ هـ ) كتاب الأم. أشرف على طبعه : محمد زهري النجار. شركة الطباعة الفنية | الطبعة الأولى | القاهرة | ١٩٦١ م.
٢٨ ـ الطبرسي ، الفضل بن الحسن ، أبو علي الطبرسي ( ت : ٥٤٨ هـ ) مجمع البيان في تفسير القرآن مطبعة العرفان | صيدا | ١٣٣٣ هـ.
٢٩ ـ الطبري ، أبو جعفر ، محمد بن جرير ( ت : ٣١٠ هـ ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن. المطبعة الميمنية | القاهرة | + مطبعة مصطفي البابي | القاهرة | ١٩٥٤ م.
٣٠ ـ الطريحي ، فخر الدين بن محمد علي بن أحمد النجفي ( ت : ١٠٨٥ هـ ) مجمع البحرين. تحقيق : أحمد الحسيني | مطبعة الآداب | النجف الأشرف | ١٩٦١ م.
٣١ ـ الطوسي ، أبو جعفر ، محمد بن الحسن ( ت : ٤٦٠ هـ ) التبيان في تفسير القرآن. تحقيق : أحمد حبيب القصير | المطبعة العلمية | النجف الأشرف | ١٩٥٧ م.
٣٢ ـ الطيبي ، شرف الدين ، حسين بن محمد ( ت : ٧٤٣ هـ ) التبيان في علم المعاني والبديع والبيان. تحقيق : د. هادي عطية مطر الهلالي | عالم الكتب. مكتبة النهضة العربية | بيروت | ١٩٨٧ م.
٣٣ ـ ابن فارس ، أبو الحسين ، أحمد بن فارس بن زكريا ( ت : ٣٩٥ هـ ) الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها. تحقيق : د. مصطفى الشويحي | مؤسسة بدران | بيروت | ١٩٦٣ م.
٣٤ ـ الفرّاء | أبو زكريا ، يحيى بن زياد الكوفي ( ت : ٢٠٧ هـ ) معاني القرآن. تحقيق : أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار. مطبعة دار الكتب المصرية | الطبعة الأولى | القاهرة | ١٩٥٥ م.
٣٥ ـ أبو الفرج ، على بن الحسين الأصبهاني ( ت : ٣٥٦ هـ ) كتاب الأغاني مصور عن طبعة دار الكتب | مطابع كوستاتسوماس | القاهرة | ١٩٦٣ م.
٣٦ ـ ابن كثير ، أبو الفداء ، اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ( ت : ٧٧٤ هـ ) تفسير القرآن العظيم. دار الجيل | الطبعة الأولى | بيروت | ١٩٨٨ م.
٣٧ ـ ابن منظور ، جمال الدين ، محمد بن مكرم الأنصاري ( ت : ٧١١ هـ )
لسان العرب. طبعة مصورة عن طبعة بولاق | القاهرة | د. ت.
٣٨ ـ ابن هشام ، أبومحمد ، عبدالله ، جمال بن يوسف ( ت : ٧٦١ هـ ) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. تحقيق : د. مازن المبارك ومحمد علي حمدالله | دارالفكر | دمشق | ١٩٦٤ م.
٣٩ ـ ابن يعيش ، أبو البقاء ، يعيش بن علي بن يعيش ( ت : ٦٤٣ هـ ) شرح المفصل. إدارة الطباعة المنيرية | القاهرة | د. ت.
* * *
ب ـ المراجع الحديثة العربية والمترجمة :
٤٠ ـ إبراهيم أنيس ( الدكتور ) أصوات اللغة عند ابن سينا « بحث » مطبوعات مؤتمر مجمع اللغة العربية | القاهرة | ١٩٦٣ م.
٤١ ـ إبراهيم أنيس : الأصوات اللغوية مطبعة الأنجلو المصرية | الطبعة الرابعة | القاهرة | ١٩٧١ م.
٤٢ ـ إبراهيم أنيس : دلالة الألفاظ مطبعة الأنجلو المصرية | القاهرة | ١٩٧٦ م.
٤٣ ـ أحمد مختار عمر ( الدكتور ) البحث اللغوي عند العرب منشورات عالم الكتب | الطبعة الرابعة | القاهرة | ١٩٨٢ م.
٤٤ ـ أحمد مطلوب ( الدكتور ) بحوث لغوية الطبعة الأولى | دارالفكر | عمّان | ١٩٨٧ م.
٤٥ ـ براجشتراسر | المستشرق الألماني ( ١٨٨٦ م ـ ١٩٣٣ م ) التطور النحوي للغة العربية مطبعة السماح | القاهرة | ١٩٢٩ م.
٤٦ ـ برتيل مالمبرج | العالم الأصواتي الفرنسي علم الأصوات تعريب : د. عبد الصبور شاهين | نشر مكتبة الشباب | القاهرة | ١٩٨٥ م.
٤٧ ـ بنت الشاطىء ، عائشة عبدالرحمان ( الدكتورة ) التفسير البياني للقرآن الكريم دار المعارف بمصر | القاهرة | ١٩٦٨ م.
٤٨ ـ تشارلتن ( هـ.ب. تشارلتن ) فنون الأدب ترجمة د. زكي نجيب محمود | القاهرة | ١٩٤٥ م.
٤٩ ـ تمّام حسّان ( الدكتور ) اللغة العربية معناها ومبناها نشر الهيأة المصرية للكتاب | القاهرة | ١٩٧٣ م.
٥٠ ـ تمّام حسّان : مناهج البحث في اللغة القاهرة | ١٩٥٥ م.
٥١ـ حسان النعيمي ( الدكتور ) الدراسات اللهجية الصوتية عند ابن جني دار الرشيد | بغداد | ١٩٨٠ م.
٥٢ ـ خليل إبراهيم العطية ( الدكتور ) في البحث الصوتي عند العرب سلسلة الموسوعة الصغير | دار الجاحظ | بغداد | ١٩٨٣ م.
٥٣ ـ ستيفن أولمان دور الكلمة في اللغة ترجمة : د. كمال محمد بشر | مكتبة الشباب | القاهرة | ١٩٧٥ م.
٥٤ ـ طارق عبد عون الجنابي ( الدكتور ) قضايا صوتية في النحو العربي « بحث » مجلة المجمع العلمي العراقي | المجلد ٣٨ | الجزء ٢ـ ٣ | مطبعة المجمع العلمي | بغداد | ١٩٨٧ م.
٥٥ ـ عبد الأعلى الموسوي السبزواري ( المرجع الديني المعاصر ) مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام مطبعة الآداب | النجف الأشرف | ١٩٧٦ م.
٥٦ ـ عبد الأعلى الموسوي السبزواري : مواهب الرحمان في تفسير القرآن مطبعة الآداب | النجف الأشرف | ١٩٨٤ م.
٥٧ ـ عبد الجبار حمد شرارة ( الدكتور ) الحروف المقطعة في القرآن الكريم مطبعة الإرشاد | بغداد | ١٩٨٦ م.
٥٨ ـ عبد الصبور شاهين ( الدكتور ) أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي مكتبة الخانجي | القاهرة | ١٩٨٧ م.
٥٩ ـ عبد الصبور شاهين : دراسة علم الأصوات لمالمبرج مكتبة الشباب | القاهرة | ١٩٨٥ م.
٦٠ ـ علي الحسيني السيستاني ( المرجع الديني الأعلى المعاصر ) منهاج
الصالحين | مطبعة المؤرخ العربي ـ بيروت ، ١٩٩٣ م.
٦١ ـ علي عبد الواحد وافي (الدكتور) علم اللغة الطبعة الخامسة | القاهرة | ١٩٦٢ م.
٦٢ ـ فردينان دي سوسور ( الدكتور ) لغوي سويسري ( ١٨٥٧ـ ١٩١٣ ) علم اللغة العام. ترجمة د. يوئيك | يوسف عزيز | آفاق عربية | بغداد | ١٩٨٥ م.
٦٣ ـ فندريس ( العالم اللغوي المعروف )
اللغة ترجمة عبد الرحمن الدواخلي والقصاص | مطبعة الأنجلو المصرية | القاهرة | ١٩٥٠ م.
٦٤ ـ ماريو باي ( باحث أوروبي معاصر ) أسس علم اللغة ترجمة : أحمد مختار عمر | جامعة طرابلس الغرب | ١٩٧٣ م.
٦٥ ـ مالك بن نبي الظاهرة القرآنية ترجمة : د. عبد الصبور شاهين | دار الفكر | بيروت | ١٩٦٨ م.
٦٦ ـ محمد جمال الهاشمي من تفسير القرآن الكريم « بحث » مجلة الإيمان النجفية | السنة الأولى | عدد ٥ ـ ٦ مطبعة القضاء | النجف الأشرف | ١٩٦٤ م.
٦٧ ـ محمد حسين علي الصغير ( المؤلف ) ترجمة القرآن الكريم | أبعادها الفنية ومشكلاتها البلاغية « بحث » المجلة العلمية لكلية الفقه | المجلد الثاني | مطبعة الآداب | النجف الأشرف | ١٩٨٣ ـ ١٩٨٤ م.
٦٨ ـ محمد حسين علي الصغير تطور البحث الدلالي | دراسة في النقد البلاغي واللغوي مطبعة العاني | بغداد | ١٩٨٨ م.
٦٩ ـ محمد حسين علي الصغير : الصورة الفنية في المثل القرآني | دراسة نقدية وبلاغية وزارة الاعلام | شركة المطابع النموذجية | عمّان | ١٩٨١ م.
٧٠ ـ محمد حسين علي الصغير : المبادىء العامة لتفسير القرآن الكريم المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر | بيروت | ١٩٨٣ م.
٧١ ـ محمد حسين علي الصغير : المستشرقون والدراسات القرآنية المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر | بيروت | ١٩٨٣ م.
٧٢ ـ محمد حسين علي الصغير : منهج البحث الصوتي عند العرب « بحث » مجلة الضاد | الهيئة العليا للعناية باللغة العربية العدد الثالث | دار الشؤون الثقافية | بغداد | ١٩٨٩ م.
٧٣ ـ محمد كاظم الطباطبائي اليزدي العروة الوثقى تعليق : أبو القاسم الموسوي الخوئي | مطبعة الأداب | النجف | ١٩٨١ م.
٧٤ ـ مصطفى السقا وآخرون : مقدمة كتاب : سر صناعة الاعراب مطبعة البابي الحلبي | القاهرة | ١٩٥٤ م.
٧٥ ـ مهدي المخزومي ( الدكتور ) الدرس النحوي في بغداد دار الرائد العربي | بيروت | الطبعة الثانية | ١٩٨٧ م.
٧٦ ـ مهدي المخزومي : في النحو العربي | قواعد وتطبيق | الطبعة الأولى | القاهرة | ١٩٦٦ م.
٧٧ ـ مهدي المخزومي : في النحو العربي | نقد وتوجيه الطبعة الأولى | بيروت | ١٩٦٤ م.
* * *
جـ ـ المراجع الأجنبية :
١ – B. CAIRDENER,
THE PHONETICS OF ARBIC
محاضرات صوتية لكاردنر ترجمها المؤلف
٢ – R. H. ROBINS,
GENERAL LINGUESTICS
LONDON,١٩٧٨.
٣ – D. JONES,
AN OUT LINE OF ENGLISH, PHONOETICS, CAMBRIDGE , ١٩٧٢.
« ثبت الكتاب »
المقدمة : ٥
الفصل الأول ١١
أبعاد الصوت اللغوي ١١
مصطلح الصوت الغوي :١٣
تقسم الصوت بين العرب والأوروبيين :١٧
تطور الصوت اللغوي :٢٣
نظرية الصوت اللغوي ٣٠
الفصل الثاني ٣٧
منهجية البحث الصوتي ٣٧
الخليل ومدرسته الصوتية٣٩
الصوت في منهجية سيبويه٥٢
الفكر الصوتي عند ابن جني ٥٦
١ ـ مصدر الصوت ومصطلح المقطع :٦٢
٢ ـ جهاز الصوت المتنقل :٦٦
٣ ـ أثر المسموعات في تكوين الأصوات :٦٩
٤ ـ محاكاة الأصوات :٧١
القرآن والصوت اللغوي ٧٣
الفصل الثالث ٨١
الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية٨١
١ ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي ٨١
٢ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني ٨١
٣ـ جدولة الصوت اللغوي في فواتح السور عند الزمخشري ٨١
٤ ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي ٨١
٥ ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات ٨١
الفصل الرابع ١٠٣
الصوت اللغوي في الأداء القرآني ١٠٣
أصول الأداء القرآني :١٠٥
مهمة الوقف في الأداء القرآني :١٠٨
نصاعة الصوت في الأداء القرآني :١١٢
الصوت الأقوى في الأداء القرآني :١١٦
توظيف الأداء القرآني في الأحكام :١٣٣
الفصل الخامس ١٤١
الصوت اللغوي في فواصل الآيات ١٤١
القرآنية١٤١
مصطلح الفاصلة في القرآن :١٤٣
معرفة فواصل القرآن صوتياً :١٤٨
ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات :١٥٢
الإيقاع الصوتي في موسيقى الفواصل :١٥٦
الفصل السادس ١٦١
الدلالة الصوتية في القرآن ١٦١
مظاهرالدلالة الصوتية :١٦٣
دلالة الفزع الهائل :١٦٥
الإغراق في مدّ الصوت واستطالته :١٦٨
الصيغة الصوتية الواحدة :١٧١
دلالة الصدى الحالم :١٧٦
دلالة النغم الصارم :١٧٩
الصوت بين الشدة واللين :١٨٢
الألفاظ دالة على الأصوات :١٨٥
اللفظ المناسب للصوت المناسب :١٨٨
« خاتمة المطاف » ١٩٣
« المصادر والمراجع » ٢٠٥
أ ـ المصادر القديمة :٢٠٥
ب ـ المراجع الحديثة العربية والمترجمة :٢٠٩
جـ ـ المراجع الأجنبية :٢١٢
« ثبت الكتاب » ٢١٣