دراسات في العقيدة الإسلامية
محمد جعفر شمس الدين
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
بِسمِ اللّه الرّحمنِ الرَّحيم
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين
المقَدّمة
هذه «دراسات في العقيدة الإسلامية» كنت قد ألقيت جزءاً منها على طلاب السنة الأولى في كلية أصول الدين ببغداد.
تشتمل هذه الدراسات، إضافة إلى بحث تمهيدي لعلم العقيدة، على ثلاثة فصول.
تدور بحوث الأول منها، حول العلة الأولى للكون مع عرض واف للأدلة العقلية على أصل وجودها.
بينما تدور بحوث الفصل الثاني، حول مواقف بعض المذاهب المادية من العلة الأولى، مع استعراض لأهم النظريات حول أصل الحياة ومجرى الحياة.
وأما الفصل الثالث، فتدور بحوثه حول عقيدة التوحيد، حيث تناولناها من جميع جوانبها، وتطرقنا إلى البحث في الصفات الإلهية. والخلاف بين المدارس الكلامية حول وحدة الذات والصفات أو تغايرهما.
وقد حاولنا في بحوثنا هذه، أن نتجنب التعقيد والغموض اللذين يبدوان بوضوح في كتب المتكلمين القدامى. كما حاولنا أن نقتصر على أهم المسائل الكلامية، تاركين ما لم نرَ حاجة إلى بحثه تجنباً للتطويل.
هذا وأسأله سبحانه، أن يتقبل هذا العمل المتواضع، وأن ينفع به. انه ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
بيروت ٢٥ / ٢ / ١٩٧٧
محمد جعفر شمس الدين
مقدمة الطبعة الثانية
هذه هي الطبعة الثانية من «دراسات في العقيدة الإسلامية» تخرج إلى القراء والباحثين وفيها زيادات مهمة على الطبعة الأولى فقد أدخلت بعض التعديلات على بعض الأفكار التي كانت مجملة لتتّم الفائدة.
ولكن الشيء الأهم من ذلك أني أضفت فصلاً رابعاً كاملاً في آخر الكتاب تدور بحوثه حول «العدل».
وقد جاء في ثلاثة بحوث.
يدور البحث الأول منها حول مفهوم العدل عند فلاسفة الاخلاق.
ويدور البحث الثاني حول مفهوم العدل عند متكلمي الإسلام ومواقفهم المختلفة منه. مع أهم الأدلة العقلية على عدل اللّه سبحانه.
وأما البحث الثالث فيدور حول مسألة الآلام وموقف مختلف الفلاسفة والمدارس منها. ثم مناقشة هذه المسألة بشكل يحل معضلتها بشكل موجز ومنطقي.
وختاماً، أسأله سبحانه التوفيق والقبول والحمد له أولاً وآخراً.
بيروت في ٩ / ٢ / ١٩٧٩
محمد جعفر شمس الدين
بحوث تمهيدية - ١ - الجو الذي نشأ فيه علم العقيدة
القرآن الكريم، احتوى فيما احتواه، التشبيه، والكناية، والمثل والاستعارة.
كان فيه النص، وكان فيه الظاهر. وكان فيه بالإضافة إلى كل ذلك، ما يسمى بالآيات المحكمات والآيات المتشابهات. كما نص على ذلك الكتاب العزيز نفسه( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْکَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْکِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (١) .
والمقصود بالآية المحكمة، تلك التي لا تحتمل إلا وجهاً واحداً من المعنى. والمقصود بالآية المتشابهة، تلك التي تحتمل - ابتداءاً - معنيين أو أكثر، وتتردد بين هذه المعاني.
والذي يبدو(٢) ، أن كثيراً من علماء الإسلام اتفقوا على وجوب إرجاع هذه الآيات المتشابهة، إلى المحكم من الآيات، لتُعَيّن هذه المعنى المراد من تلك، فتعود محكمة.
فقد ورد في القرآن - مثلاً - توصيف اللّه بأنه سميع بصير في قوله تعالى( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (٣) وورد فيه( الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (٤) .
____________________
(١) آل عمران ٨.
(٢) راجع للتوسع تفسير الرازي ٢ / ١٠٨ وصفحة ٣٩٧. والميزان لمحمد حسين الطباطبائي ٣ / ٣١ وما بعدها. والكشاف للزمخشري ١ / ١٧٤ وما بعدها.
(٣) الشورى ١١.
(٤) طه ٦.
كما ورد( وَ جَاءَ رَبُّکَ ) (١) ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (٢) ( وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِکَ ) (٣) . إلى غير ذلك من الآيات المتشابهة.
موقف مسلمي العصر الأول من المتشابه:
وقد كان المسلمون في العصر الأول، يُسلّمون بهذه الآيات.
ويعتقدون بها، من دون أن يستاءلوا، أو يستفسروا عما يراد منها، أو ترمي إليه.
ثم ابتدأ - في مطلع القرن الثالث للهجرة تقريباً - بشكل واسع، عصر الترجمات، وانفتحت عقول المسلمين على تراث اليونان، في شتى حقول العلم المطروقة آنذاك، وبخاصة التراث الفلسفي.
عند ذاك، ابتدأ عصر التساؤلات.
تساؤلات، كان منطلقها ما تشابه من الآيات.
اللّه سميع؟ ما معنى ذلك؟ وكيف يكون سمعه، هل هو كسمع كل واحد منا؟
اللّه بصير؟ ما معنى ذلك؟ وكيف يكون إبصاره، هل هو كإبصار كل واحد منا؟
الرحمن على العرش استوى؟ ما معنى ذلك؟ وما هي كيفية جلوسه
____________________
(١) الفجر ٢٣.
(٢) الفتح ١٠.
(٣) المائدة ١١٧.
واستوائه، هل هو كجلوسي وجلوسك؟ وما هي هيئة هذا العرش؟ هل هي كهيئة العروش المعهودة لدى الملوك والسلاطين؟ إلى غير ذلك من تساؤلات.
إلا أن عصر التساؤلات هذا، لم يؤثر على بعض العلماء، ولم يُجر كثير منهم إلى الخوض فيها. ولذا وجدنا، من توقف في شرح هذه الآيات، ووقف منها موقف المتهيب، فلم يأت فيها بتفسير أو تأويل(١) .
بل وجد من علماء الإسلام من صرح بأن مثل هذه التساؤلات بدعة لا تجوز، إذ كل بدعة ضلالة، أمثال مالك بن أنس، حيث قال عند كلامه على الآية الكريمة «الرحمن على العرش استوى» (الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)(٢) .
ويذكر الشهرستاني في الملل والنحل، أن السبب في توقف كثير من العلماء في تفسير متشابه القرآن وتأويله أمران:
الأمر الأول: «المنع الوارد في التنزيل، فقد قال اللّه تعالى في شأن القرآن منه آيات محكمات هن ام الكتاب وآخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» فنحن نحتَرِزُ عن الزيغ...
والأمر الثاني: «إن التأويل أمر مظنون بالإتفاق والقول في صفات الباري بالظن غير جائز. فربما أوّلنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ»(٣) .
____________________
(١) راجع تفسير الطبري ١ / ٢٠ وما بعدها والطبقات لابن سعد ٥ / ١٣٩ وما بعدها.
(٢) الملل والنحل ١ / ٩٣.
(٣) ١ / ١٠٤.
عصر التساؤلات وصلته بالفكر المترجم:
ومهما يكن من أمر موقف هذا البعض، من تفسير المتشابه وتأويله، فمما لا شك فيه، أن هذا الجو الفكري المحموم، والذي طغت عليه التساؤلات بلا ضوابط، ما كان ليتواجد بهذا الشكل الخطير، لو لم تتواجد في الأمة تلك الترجمات، التي يقول فيها أبو حيان التوحيدي، من أعلام القرن الرابع الهجري والذي عاصرها، أنها كانت في كثير من جوانبها، مختلة متناقضة، وغير دقيقة.
وهذا من وجهة نظرنا شيء طبيعي لأمور:
الأول: ان الترجمة لم تكن لتحصل من اللغة اليونانية الأصلية، إلى اللغة العربية مباشرة. وإنما كانت الأفكار اليونانية، تترجم أولاً إلى العبرية ثم من العبرية إلى اللغة العربية.
ولا إشكال في أن نقل فكرة عادية من لغة إلى لغة أخرى بوسائط متعددة يوجب أن تحرف عن مضمونها الأصلي. وقد تصبح فكرة جديدة لا تمت إلى الفكرة الأصلية بصلة.
فإذا كان الأمر بالنسبة إلى فكرة عادية كذلك، فكيف بفكر فلسفي يفترض فيه أن يكون على جانب كبير من الدقة والعمق.
الثاني : ان الغالبية العظمى من المترجمين، كانت من اليهود والنصارى، ونحن إذا استعرضنا أبرز هؤلاء المترجمين، تبين لنا ذلك بوضوح، فمن أبرزهم:
آل بختيشوع من السريان النسطوريين
حنين بن إسحاق «شيخ المترجمين» وأولاده من النصارى
حبيش بن الأعسم من النصارى
قسطا بن لوقا من النصارى
آل ثابت من الصابئة
آل ماسرجويه من اليهود
اسطفان بن باسيلي نسطوري
ولا إشكال في أن هؤلاء، لا يرغبون في أن يصبح تراث اليونان الفلسفي والفكري بشكل عام، بين أيدي أعدائهم المسلمين الذين تحولوا - بالإسلام - في فترة وجيزة نسبياً من محكومين لهم إلى حاكمين. ولذا كان من المعقول جداً، أن يقدموا هذا التراث إليهم، وفيه عيبان:
١ - عيب التحريب، بمعنى «نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره»(١) الذي أدخله هؤلاء على ما نقلوه من اليونانية. فيما يختص بالأخلاق وما بعد الطبيعة، حيث صبغوه بصبغتهم المسيحية (كفكرة العالم، أو الخلود أو الخطيئة) وأوّلوه بما يتفق مع أهدافهم وآرائهم.
٢ - عيب التحريب بالنقيصة، حيث (حذفوا كثيراً من غوامض هذين العلمين... وأحلوا عناصر مسيحية(٢) أو يهودية.
الثالث : إن أكثر هؤلاء المترجمين، لم يكونوا من الفلاسفة، ولذا كان من المنطقي ألا يفهموا المادة الفلسفية التي أوكلت إليهم مهمة ترجمتها، فوقعوا فيما وقعوا فيه من أخطاء وتناقضات.
وإذا كان هذا هو حال الترجمات، ترجمات مريضة، مليئة بالأخطاء
____________________
(١) البيان في تفسير القرآن للسيد أبو القاسم الخوئي ٢١٥ - الطبعة الثانية.
(٢) دي بور - تاريخ الفلسفة في الإسلام - ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده ص ٢٠.
والتناقضات والتحريف، كانت مع هذه الوضعية، إضافة إلى ما أثارته في الأمة من مشاكل فلسفية كثيرة تتعلق باللّه ذاته وصفاته، والقرآن قدمه وحدوثه، والإنسان خيره وشره، وفعله من حيث كونه حراً مختاراً فيه، أو مجبوراً عليه. كل ذلك، مع ما تقتضيه طبيعة العلوم في كل زمان ومكان، من رغبة شديدة وافتتان بالجديد، وميل إلى الخوض فيه، كان سبباً إلى نوع من التطرف الفكري أدّى إلى ظهور مواقف إعتقادية شاذة، حملت في ثناياها آراء تتناقض مع أصول الإسلام، وقداسة العقيدة. ولذا كان ضرورياً، أن يهب بعض مفكري الإسلام وعلمائه، إلى التصدي لهذه المواقف، لكشف زيف تلك الآراء، وتناقضها وهدمها، متخذين من العقيدة نفسها، سلاحاً، ومن القرآن هادياً، متوخين من وراء ذلك حفظ أصول الإسلام من أن تنالها يد التشكيك والتشويه فنشأ ما يسمى بعلم العقيدة أو علم الكلام.
٢ - وجه تسمية هذا العلم بعلم الكلام
وقد ذكرت وجوه عديدة، في منشأ تسمية هذا العلم بعلم الكلام:
منها : ان المتكلمين «أرادوا مقابلة الفلاسفة، في تسميتهم فناً من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان.»(١) .
ومنها : أنه «كثر الكلام فيه مع المخالفين، ما لم يكثر في غيره.»(٢)
ومنها : «لأنه - كما يذكر في شوارق الإلهام - بقوة أدلته، كأنه صار هو
____________________
(١) و(٢) تعليقة في ذيل صفحة ٥٠ من تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور ترجمة محمد أبو ريده.
الكلام دون ما عداه، كما يقال في الأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام»(١) .
ومنها : أنه «يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، كالمنطق في الفلسفيات»(٢) وهذه - كما يبدو - ما هي إلا وجوه استحسانية.
والذي أراه، وجهاً راجحاً، لتسمية هذا العلم، بعلم الكلام. ناشئ من المحور الذي كان هذا العلم يدور حوله، وهو كلام اللّه، المتمثل في القرآن الكريم. بل ان السبب في نشوء هذا العلم - أصلاً - هو الوقوف في وجه التساؤلات التي كان منطلقها - كما سبق وذكرنا - الآيات المتشابهة في كتاب اللّه.
فضلاً عن أن أوسع خلاف قام بين المتكلمين، كان يدور حول كلام اللّه وانه قديم أو حادث. فلا غرو إذن، في أن يكون الوجه لتسمية هذا العلم بهذا الامم، محورية كلام اللّه لكل المناقشات، والمخاصمات والمجادلادت التي كانت تدور بين أربابه.
وجهة نظر:
وإذا صح ما ذكرناه، من أن وجه تسمية هذا العلم بعلم الكلام، هو محورية كلام اللّه - أي القرآن - لكل المخاصمات التي كانت تدور فيه، يمكن الإدعاء بأن هذا العلم قد خطا خطواته الأولى، في العصر الأول من عصور المسلمين، وهو عصر النبيصلىاللهعليهوآله وما تلاه.
فقد روى ابن سعد في تاريخه «عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابني العاص، أنهما قالا: جلسنا مجلساً في عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآله كنا به أشد اغتباطاً
____________________
(١) شوارق الإلهام لعبد الرزاق الأهيجي ص ٤.
(٢) تعليقة لمحمد أبو ريده على ترجمته لتاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور صفحة ٥٠.
من مجلس جلسناه يوماً. جئنا فإذا أناس عند حُجر رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يتراجعون في القرآن، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول اللّه خلف الحُجر يسمع كلامهم. فخرج علينا رسول اللّهصلىاللهعليهوآله مغضباً يعرف الغضب في وجهه حتى وقف عليهم فقال: أي قوم، بهذا ضلّت الأمم قبلكم باختلافكم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، إن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن ليصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به... الخ(١) .
وروى ابن حجر العسقلاني، في الإصابة، قال «قدم صبيغ المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، فضربه حتّى أدمى رأسه. ثم نفاه إلى البصرة، وأمر بعدم مخالطته»(٢) .
هذان النصان، وغيرهما، يؤيدان ما قلناه، في تحديد الفترة التي نشأ فيها هذا العلم.
ولا يكون الالتزام بذلك، مناقضاً للرأي السابق القائل، بأن هذا العلم، قد نشأ في القرن الثالث الهجري، بعد ابتداء عصر الترجمات. إذ يكون معنى نشوئه في القرن الثالث، هو أن بروزه كعلم، له قواعده، وأصوله، إنما كان في ذلك التاريخ.
والذي يؤيد هذا، ما ذكره الشهرستاني من «أن لفظ الكلام، أصبح اصطلاحاً فنياً في عهد المأمون، وكثيراً ما نصادف لفظ كلّم، بمعنى ناظر وجادل».(٣) .
____________________
(١) كتاب الطبقات الكبير لابن سعد ٤ / ١٤١.
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ٢ / ١٩٨.
(٢) الملل والنحل ١٨ وما بعدها.
٣ - علم الكلام والفرق بينه وبين الفلسفة
علم الكلام عبارة، عن مجموعة مباحث، وضعت بقصد الدفاع عن أصول العقيدة الإسلامية، وتثبيتها، وهدم أدلة كل من يحاول التشكيك فيها، أو النيل منها.
ولذا كان المتكلمون - أي علماء الكلام - يعتقدون - قبلاً - بوجود حقائق مقدسة، يجعلونها المقياس لصحة أية فكرة تطرح في الخارج.
ومن هنا يتضح الفرق الأساسي بين الفلسفة وبين علم الكلام. إذ إن الفيلسوف، لا يعتمد في مقام بحثه عن الحقيقة إلا البرهان العقلي، والمنطقي، من دون نظر إلى أية سوابق، أو قبليات لديه.
وبعبارة أخرى: المتكلم، هو ذلك الباحث، الذي يحاول دائماً، إخضاع البرهان المنطقي، والدليل العقلي لما يعتقد أنه حق وصواب.
والفيلسوف، وهو ذلك الباحث الذي لا يعتقد بشيء، إلا بعد أن يقوم الدليل العقلي، والبرهان المنطقي، على صحته. حتى ولو لم يكن متفقاً مع اتجاهه، أو ميله، أو رغبته.
٤ - نقد علم الكلام ومناقشته
لقد ذكرنا فيما سبق، أن علم الكلام، إنما كان السبب في تبلوره - أساساً - كعلم، هو البلبلة الفكرية العظيمة، التي كان المسلمون قد جرّوا إليها، لأسباب عديدة ابتداءاً بالترجمات الخاطئة المتناقضة للتراث الفلسفي اليوناني،
وانتهاءاً بالمندسين بين المسلمين ليقوّضوا الإسلام في نفوسهم من الداخل، بتشكيكهم فيه، وتشويههم لمعالمه. فجاء علم الكلام، ليواجه هذه البلبلة، وليحفظ بالحجة والدليل، أصول العقيدة من أن تنالها يد التشويه والتشكيك.
والمفروض في علم يكون هذا سبب تبلوره، أن يتخذ العقيدة محوراً يدور حوله، وإطاراً لا يتعداه بحال.
ومن هنا قيل: أن المتكلم يعتقد ليبحث.
وقد اتخذ بعض الكتّاب، من هذا الأسلوب، ثغرة نفذوا منها إلى انتقاد هذا العلم، والتجريح فيه. فادعوا بأن علم الكلام، بأسلوبه البحثي الدائر حول نفس المسائل، وعلى وتيرة واحدة لا تتغير، أدّى إلى حالة من الجمود الفكري، أثرت على جميع مناحي حياة المسلمين العلمية والاجتماعية، بل غالوا في انتقادهم لهذا العلم، فعزوا إليه كل اضطراب صناعي ولغوي، وفني مني به المسلمون، وادّعوا بأن سد باب الاجتهاد عند المسلمين، إنما كان نتيجة من نتائج هذا العلم!!؟
ولا أدري، ما هو العيب في أسلوب علم الكلام، حتى ينتقد هذا العلم من جهته. إذ ليس معنى هذا الأسلوب، ان المتكلمين يعطلون العقل، وينحونه عن مجال الإبداع، والاستنباط. كيف يكون ذلك، وقد اشتهرت مدرسة من أعظم المدارس الكلامية - كما سنرى - هي مدرسة الاعتزال: بأنها كانت تعتبر النظر العقلي، من الواجبات التي يجب على كل مسلم أن يؤديها.
بل ذهب أتباع هذه المدرسة إلى أبعد من هذا، حيث اتفقوا على «أن العبد لا تحصل له صفة الإيمان، حتى يقدر على تقدير الدلالة، ويتمكن من
المناظرة والمجادلة. ومن لم يبلغ تلك الدرجة، كان كافراً»(١) .
وليس معنى اتخاذ الكلاميين العقيدة محوراً وإطاراً، التحجير على عقولهم، وقسرها على اتباع أسلوب واحد في الاستدلال، بل تركت له حرية سلوك أي طريق، وانتهاج أي أسلوب، ما دام منشداً إلى هذا المحور، وضمن ذاك الإطار.
ولذلك نرى، أنماط الاستدلال عندهم تختلف، وتتعدد، حتى بين التلميذ كبشر بن المعتمر وأستاذه كمعمر بن عباد.
ولم يبد لي، وجه الارتباط بين علم الكلام وبين الاضطراب الصناعي والفني، والاجتماعي بشكل عام، ولا كيف أن هذا العلم النظري، كان لعنة سببت للأمة كل هذه المصائب والآلام؟ ولا وجه سببيّته لسد باب الاجتهاد.
ونحن في مقام الرد على هذا النقد نقول:
أولاً : لا نسلم أن يكون علم الكلام سبباً للخمود الفكري، بل لا يعقل ذلك، لأنه يتنافى مع طبيعة هذا العلم، حيث أنه يدور كله حول المخاصمات الدينية والمجادلات المذهبية، ولا ريب أن الجدل الديني والمذهبي، من أبرز المؤثرات، التي تعمل على شحذ القرائح، وقدح زناد الفكر، ودفع الإنسان إلى بذل جهد عقلي مضاعف لكي يستنبط أساليب من الاستدلال والنظر جديدة، ليبني معتقده، وليفحم خصمه ويدحض حجته. وهذا يجعل من علم الكلام سبباً من أسباب ازدهار الفكر لا خموده.
____________________
(١) التبصير في الدين لأبي إسحاق الإسفراييني ٣٩.
وثانياً : لو سلمنا ما ادعي، من الاضطراب الصناعي، والاقتصادي، والفني، بل والجمود الفكري، الذي منيت به الأمة الإسلامية آنذاك، فلماذا نُحَمّل علم الكلام بالخصوص كل هذه الاُمور، ونحصر سببها فيه؟
والواقع، ان كل ذلك، يمكن أن نردّه - من وجهة نظرنا - إلى سبب جوهري لا ربط له بعلم الكلام من قريب أو من بعيد.
ذلك أن المسلمين بعد أن استقر الإسلام في البلاد التي فتحت، وتركزت دعائمه، انتقلوا من حياة القتال والحروب، بما فيها من انشغال عن الأخذ بالمتع والمسرات إلى حياة وادعة مطمئنة، يخيم عليها الهدوء والسلام. وانصرف المسلمون إلى التمتع بما أغدق اللّه عليهم من أموال وثروات الأمم المغلوبة. حتى غدت بغداد عاصمة الامبراطورية الإسلامية، والتي كانت آنذاك، مجمعاً لكل العناصر التي تكوّن الأمة مضرب المثل في اللهو والمجون، والتفنن في الأخذ بمباهج الحياة وملذاتها.
ومن هنا، من اتجاه المسلمين - ممثلين في عاصمتهم بغداد - إلى إشباع غرائزهم من حياة الترف واللهو والمجون، حتى غرقوا فيها إلى آذانهم، ابتدأوا نعقد شيئاً فشيئاً، الروح الطموحة والمتسامية، التي خلقها فيهم الإسلام.
وطبيعي جداً، أن إنساناً يستطيع، بما أوتي من مال جم، أن يوفر له كل ما يمكن أن يحتاجه في حياته المادية تلك، من جميع وجوهها، ألا يتعب نفسه في اختراع أو صناعة، أو فن، أو فكر، ما دام قادراً على استيراد كل احتياجاته منها، ولو من أقصى الأرض.
ولماذا يتعب نفسه في صناعة الحرير - مثلاً - ما دام باستطاعته الحصول على أجود أنواعه وأرقاها حتى من الصين؟
ولماذا يتعب نفسه في اصطياد حيوان المسك، للحصول على عطره، ما دام قادراً على جلب أرقى عطور الهند؟.
بل لماذا يتعب نفسه في تعديل الأوتار وضربها، أو دراسة الأصوات ومعرفة أصولها، وهز الأرداف وتعلم فنون الرقص، أو النحت أو الرسم؟ ما دام بإمكانه الحصول بما أوتي من ثروة - على استقدام أشهر مغني فارس ومغنياتها وراقصاتها ونحاتيها ورساميها.
يتضح من كل ذلك، أن حياة الترف والنعيم، التي كان يعيشها المسلمون في بغداد - عاصمة الخلافة - آنذاك، قد أعمتهم عن التطلعات نحو الابتكار وشلتهم عن الخلق، فآل أمرهم إلى اضطراب في شتى مناحي حياتهم المختلفة اجتماعياً واقتصادياً وفنياً وصناعياً وفكرياً...
علم الكلام ودعوى سببيته لسد باب الاجتهاد:
وأما ما ادعاه هؤلاء المنتقدون من أن علم الكلام، قد أدى إلى سد باب الاجتهاد، فيتضح عدم دقته بمجرد أن نطلع على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه المحنة التي أصابت الأمة في الصميم، في أواخر القرن الرابع الهجري.
وتلك الأسباب - كما يذكرها الأستاذ عبد الوهاب خلاف(١) - على نحو الإجمال هي:
____________________
(١) مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه ٣٤١ وما بعدها.
١ - «انقسام الدولة الإسلامية إلى عدة ممالك، وتناحر ملوكها ووزرائها على الحكم، مما أوجب انشغالهم عن تشجيع حركة التشريع، وانشغال العلماء تبعاً لذلك بالسياسة وشؤونها.»
٢ - «انقسام المجتهدين إلى أحزاب، لكل حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها، مما دعا إلى تعصب كل مدرسة لمبانيها الخاصة، أصولاً وفروعاً وهدم ما عداها... وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته وماتت روح استقلالهم العقلي وصار الخاصة كالعامة اتباعاً ومقلّدين.»
٣ - «انتشار المتطفلين على الفتوى والقضاء وعدم وجود ضوابط لهم، مما أدى إلى تقبل سد باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع. وتقييد المفتين والقضاة بأحكام الأئمة».
٤ - «شيوع الأمراض الخلقية بين العلماء والتحاسد والأنانية، فكانوا إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه أبواب التشهير به، وحط اقرانه من قدره... فلهذا كان العالم يتقي كيد زملائه وتجريحهم بأنه مقلد وناقل، لا مجتهد ومبتكر، وبهذا ماتت روع النبوغ ولم ترفع في الفقه رؤوس.»
هذه - بصورة مجملة - هي الأسباب التي تذكر عادة في سد باب الاجتهاد. وأنت لا ترى بينها ما يشير إلى علم الكلام، لا من حيث موضوعه ولا من حيث أسلوبه، لا من قريب ولا من بعيد. وعليه، فلماذا يُحَمّل هؤلاء المنتقدون هذا العلم ما هو براء منه؟
٥ - أضواء على أهم الفرق والمدارس الكلامية (أ - قبل عصر الترجمات)
لقد سبق وقلنا أن جواً فكرياً مبلبلاً، ظلل الأمة الإسلامية بعد أن هيأ أرضيته عصر الترجمات للتراث الفلسفي اليوناني الذي ابتدأ بشكله الواسع، مع بدايات القرن الثالث الهجري.
وقبل أن نستعرض أهم المواقف الفكرية والاعتقادية التي تولّدت عن ذاك الجو يجدر بنا أن ننبه على أن بعض الفرق - التي قد يكون لها رأي في بعض المسائل التي تثار عادة بين المتكلمين - كانت قد تكوّنت بحكم ظروف خاصة قبل عصر الترجمات المذكور. فمن المناسب الإشارة إلى أهمها بإيجاز:
١ - الخوارج
أ - نشأة الخوراج:
في معركة صفين، وبعد أن لاحت علائم هزيمة جيش معاوية أمام جيش المسلمين بقيادة علي (ع). تفتق ذهن عمرو بن العاص عن خدعة يكسب بها ما عجز عن كسبه وسيّده معاوية بحد السيف، فطلب من معاوية أن يأمر جيشه بحمل المصاحف ودعوة علي (ع) وجيشه إلى التحكيم. ففعل. وكان التحكيم وما سبقه من تحذيره(١) عليهالسلام أصحابه منه وبيانه لهم، انه خديعة
____________________
(١) راجع ذلك كله في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
عمرو بن العاص ومعاوية، للوصول بواسطتها إلى مآربهما. وما لحقه من خلع أبي موسى الأشعري لعليعليهالسلام من الخلافة، وتثبيت عمرو بن العاص معاوية فيها.
وهنا خرج بعض من كان في جيش عليعليهالسلام عن طاعته، بحجة انه حكّم الرجال في دين اللّه. في حين أنهم هم الذين أصروا على التحكيم بعد أن رفضه وحذرهم مغبته. ورفعوا شعارهم المشهور «لا حكم إلا للّه». ويقال أنهم كانوا اثني عشر ألفاً. والتجأوا بقيادة عبد اللّه بن الكواء وشبث بن ربعي إلى حروراء في ضواحي الكوفة.
ثم حصلت مجادلات ومراسلات بينهم وبين أمير المؤمنينعليهالسلام نتج عنها رجوع ابن الكواء، مع قسم كبير منهم عما كانوا فيه. واستقر رأي الباقين على أن يتخذوا من النهروان مقراً لهم. فساروا إليها بقيادة عبد اللّه بن وهب الراسبي. وراحوا يعيثون في الأرض فساداً، فيقتلون الأبرياء، وينهبون أموال الناس. فلما فشا ظلمهم، سار إليهم أمير المؤمنينعليهالسلام في أربعة آلاف وأبادهم في معركة النهروان المشهورة. ولم ينج منهم سوى تسعة(١) .
ب - عقيدة الخوارج:(٢)
وقد ابتدأ منطق الخوارج هؤلاء، بإعلانهم أن علياً قد أخطأ في قبوله التحكيم. ثم ترقوا في هذا المنطق، إلى أن وصل إلى حد تكفيرهعليهالسلام . بل
____________________
(١) راجع كيفية ذلك واخبار عليعليهالسلام قبل قتالهم أنه لن ينجو منهم عشرة في كنز العمال ٦ / ٧١.
(٢) راجع في عقيدة الخوارج هذه الملل والنحل للشهرستاني ١ / ١١٤ وما بعدها.
وتكفير عثمان أيضاً وعائشة، وطلحة والزبير وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص.
ويمكن تلخيص معتقدهم في عدة نقاط:
أ - لم يشترطوا أن يكون خليفة المسلمين عربياً من قريش، فخالفوا بذلك ما أجمعت الأمة عليه. وصح عن النبيصلىاللهعليهوآله من أن الخلفاء من قريش. بل جوّز الخوارج أن يكون الخليفة عبداً.
ب - اشترطوا أن يكون الخليفة بالانتخاب. وإلا يخرج عن جادة الحق والعدل ولهذا صححوا - في زعمهم - خلافة أبي بكر وعمر، وأبطلوا خلافة علي وعثمان.
أما إبطالهم خلافة عليعليهالسلام فلأنه - في رأيهم - أخطأ في قبول التحكيم وأما ابطالهم لخلافة عثمان، فلأنه خرج عن جادة الحق في السنوات الأخيرة من خلافته.
ج - ذهبت بعض فرقهم، إلى الاعتقاد بعدم وجوب نصب خليفة للمسلمين، لأن المسلمين بمقتضى تشابك مصالحهم، وتساوي حاجة بعضهم إلى بعض، مما يمنعهم عن الجور والتعدي. ومعه لا حاجة بهم إلى إمام أو خليفة. لأن وجوده عندئذ يكون لغواً وعبثاً.
د - ذهبوا - على اختلافهم - إلى القول بتكفير مرتكب الكبيرة، وخلوده في النار. بل ذهبت بعض فرقهم، إلى تكفير مرتكب الذنب مطلقاً، حتى ولو كان من الصغائر. كما حكموا بكفر كل ما خالفهم، وان أطفال المشركين في النار مع آبائهم.
ه - ذهبت بعض فرقهم، إلى الإعتقاد بحلية نكاح بنات البنين وبنات البنات وبنات بنات الإخوة. والقول بأن سورة يوسف ليست من القرآن.
هذه هي أهم النقاط التي يمكن حصر معتقدهم فيها مما يفهم من مجموع كلماتهم.
ولكن أهم ما برزوا فيه، هو ما ورد في النقطة الرابعة من تكفيرهم مرتكب الكبيرة، أو الذنب حتى ولو لم يكن من الكبائر وخلوده في النار.
ج - أهم فرق الخوارج:
والواقع أن ظهور الخوارج على مسرح الحياة كانت نتيجة موقف عاطفي متسرع، وليس مبنياً على أساس اعتقادي أو فكري. لذا نجدهم وقد تأرجحت آراؤهم وتباعدت، دون أن يكون لها محور تنشد إليه أو إطار تدور ضمن حدوده. ويبدو ذلك واضحاً في انقسامهم إلى فرق متكثرة جداً، تختلف فيما بينها إلى أن تصل إلى حد التباين. ويشذ بعضها إلى حد يصل معه إلى الكفر الصريح(١) .
وأهم هذه الفرق - وقد انقرضت الآن تقريباً - هي(٢) :
____________________
(١) وقد وردت في ذمهم وتكفيرهم والحث على قتالهم وقتلهم روايات كثيرة في كتب الأحاديث المعتبرة عند المسلمين عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله فراجع مسند الإمام أحمد ٤ / ٤٢٢ - ٤٢٤ - وصحيح مسلم ١ / ٣٨٥ - ٣٩٨.
(٢) قيل بأن هذه الفرق من فروع الخوارج وقيل بأن بعضها من الأصول وبعضها من الفروع فراجع مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ١ / ٨٦ - ١٥٢ والتبصير في الدين للإسفراييني ٢٦ - ٣٧.
العطوية: أتباع عطية بن الأسود الحنفي.
العجاردة: جماعة عبد الكريم بن عجرد.
الحفصية: (من الأباضية) جماعة حفص بن أبي المقداد.
البهيسية: أتباع أبي بيهس هيجم بن جابر.
الصفرية: أتباع المهلب بن أبي صفرة.
الشبيبية: نسبة إلى شبيب بن زيد.
الشعيبية: نسبة إلى شخص اسمه شعيب بن محمد.
٢ - المرجئة
أ - سبب تسميتهم:
لقد قلنا قبل قليل أن أهم أصل من الأصول التي التزم بها الخوارج هو القول بتكفير مرتكب الكبيرة، أو الذنب مطلقاً، وخلوده في النار، وقد أدى هذا الموقف المتطرف من هؤلاء إلى بروز فرقة في قبالهم تنادي بعكس ما اعتقدوه. حيث حكمت بإيمان مرتكب الكبيرة.
وأما من جهة عقابه بخلوده في النار - كما ارتآه الخوارج - فلا يقولون فيه بقول، بل يرجئون الحكم في ذلك إلى اللّه. والإرجاء هو التأخير.
ولعل هذا هو سبب تسميتهم بالمرجئة.
ونسب الاسفراييني(١) إلى المرجئة، القول بأنه لا تنفع مع الكفر طاعة كما لا تضر مع الإيمان معصية. فالمعاصي عند هؤلاء - ان صحت النسبة - لا تزيل صفة الإيمان عن مرتكبها. ومن الواضح أن لازم هذا القول، فتح باب الرجاء أمام العاصي لمغفرة اللّه وعفوه. وقد يكون هذا هو سبب تسميتهم بالمرجئة أيضاً.
ب - زمن ظهور القول بالإرجاء:
وعلى ما ذكرناه، من أن المرجئة كفرقة، كان ظهورها كردة فعل للموقف المتطرف الذي وقفه الخوارج من مرتكب الكبيرة، يتضح أن ظهورها كان في النصف الأول من القرن الأول للهجرة.
وقد ذهب بعض الكتّاب المحدثين(٢) إلى القول بأن ظهور الإرجاء كفكرة إنما كان في عهد عثمان عندما وقف قسم من المسلمين موقف المحايد بينه وبين الثائرين عليه.
ج - موقف الأمويين من القول بالإرجاء:
ومهما يكن فقد احتضن الأمويون هذه الفرقة. لأنهم رأوا في انتشار فكرتها بالنسبة للعاصي - وهم غارقون في المنكرات والمعاصي كبيرها وصغيرها - سنداً لهم في قبال الخوراج الذين يكفّرون مرتكب الكبيرة كما مر.
____________________
(١) التبصير في الدين ص ٦٠.
(٢) راجع كتاب أبو حنيفة للشيخ محمد أبو زهرة.
د - فرق المرجئة:
وقد انقسم المرجئة إلى خمس فرق: هي:
المريسية نسبة إلى بشر المريسي
الثنوية أصحاب أبي معاذ
الغسّانية نسبة إلى رجل يدعى غسان
الثوبانية نسبة إلى رجل يكنى بأبي ثوبان
اليونسية نسبة إلى يونس بن عون
والذي يبدو من مراجعة كلمات المرجئة، على اختلاف فرقهم المتقدمة أنهم يجمعون على أصل سياسي عندهم، هو أن الإيمان، ليس إلا التصديق في القلب والقول باللسان دون أن يكون للعمل بمقتضاه أية دخالة في اتصاف الإنسان به.
وقد نسب إلى بعض فرقهم القول بعدم اشتراط التصديق المذكور في حصول صفة الإيمان عند الإنسان. بل اكتفوا لحصول ذلك بالإقرار باللسان فقط.
ومن هنا ذهبوا إلى القول بإيمان المنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآله مع اعترافهم بأنهم لم يؤمنوا بقلوبهم.
ومن هنا ذهبوا أيضاً إلى القول بأن الكفر المقابل للإيمان، يتحقق بالإنكار باللسان، وان انعقد قلبه على الإقرار بكل الأصول.
٣ - المجبّرة
أ - معنى القول بالجبر وأول قائل به:
ويراد بالمجبِّرة، أولئك الذين يقولون بأن كل فعل يصدر عن الإنسان فهو مخلوق للّه، سواء كان ذلك الفعل الصادر خيراً أو شراً، من دون أن يكون للإنسان أي اختيار أو أثر، في صدوره عنه، أو منع صدوره.
وقد استدل هؤلاء لمذهبهم، بآيات وردت في القرآن الكريم كقوله تعالى( اللَّهُ خَالِقُ کُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلَى کُلِّ شَيْءٍ وَکِيلٌ ) (١) . وقوله تعالى:( وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ ) (٢) .
وتنسب هذه الفرقة إلى الجهم بن صفوان، كاتب شريح بن الحارث. وقد عمل الجهم هذا، على نشرها في العراق، وبعض بلاد فارس.
وقيل إن ابن صفوان، لم يكن مبتدع فكرة القول بالجبر، بل كان أول من ابتدعها وروّج لها: الجعد بن درهم، مولى بني الحكم من أهل الشام. مربي بعض الخلفاء الأمويين، أخذها عن اليهود(٣) ، بعد اتصاله بهم ثم أخذها عنه الجهم عندما التقاه في الكوفة.
وقد قتل الجهم بن صفوان في أواخر حكم الأمويين، فقر أتباعه إلى نهاوند، واستقروا فيها.
____________________
(١) الزمر ٦٢.
(٢) الصافات ٩٦.
(٣) القول بالجبر، هو مذهب الفريسيين من اليهود ومنهم كعب الأحبار، وهم الفئة الكبرى يقابلهم الصدوقيون الذين كانوا يقولون بالإختيار وهم فئة كانت قليلة نسبياً وقد انقرضت الآن..
وإذا صح ما ذكرناه، يكون أول ظهور المجبرة كفرقة في أواسط حكم الأمويين.
ب - صلة الأمويين بالقول بالجبر:
والذي يبدو لي، أن الأمويين هم الذين ثبّتوا هذه الفكرة في أذهان بعض أتباعهم ومريديهم، ثم احتضنوها وعملوا على نشرها وترويجها وحمايتها وذلك لأمور:
الأول : أنها ترفع عنهم أمام الناس وزر ما يرتكبونه من موبقات، ويأتونه من منكرات وجرائم، باعتبار أنهم مجبورون على إتيانها ولا اختيار لهم فيها.
الثاني : إن فكرة الجبر هذه، من أبرز دعاتها - ان لم يكن واضع حجر الأساس لها - الجعد بن درهم، المقرب جداً من البلاط الأموي والمناطة به تربية أولاد الأمويين ممن صاروا خلفاء فيما بعد.
الثالث : إن هذه الفكرة راجت في الشام - مهد الأموية - أكثر من رواجها في أي قطر آخر من أقطار المسلمين. وقد روي أن ابن عباس خطب في أهل الشام يوماً، فقال في جملة ما قال:( أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضل المتقون. وتنهون عن المعاصي وبكم ظهر العاصون. هل منكم إلا مفتر على اللّه ليجعل اجرامه عليه سبحانه وينسبه إليه ) (١) .
____________________
(١) المنية والأمل لأحمد بن يحيى بن المرتضى ص ٨.
الرابع : ان - القدرية - وهم الذين يقابلون المجبرة مقابلة النقيض لنقيضه ويقولون بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، من دون أن يكون للّه أية دخالة في خلقها من قريب أو بعيد. ان القدرية هؤلاء، قد شنوا - ممثلين في شخصي مؤسسي فكرتهم غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني - حرباً لا هوادة فيها على الأمويين بالخصوص، حتى أن معبداً المذكور، قد اشترك مع عبد الرحمن بن الأشعث، عندما ثار على الأمويين، فقتله الحجّاج. في حين أقذع غيلان الدمشقي، في سب الأمويين وشتمهم.
ج - المجبرة والأشاعرة:
والذي ينبغي التنبيه عليه هنا، أن فكرة الأشاعرة عن أفعال الإنسان، تلتقي في نتيجتها، مع فكرة المجبرة هؤلاء. كما سنتعرض لبيان ذلك في محله المناسب إن شاء اللّه.
وقد واصل المجبرة نشر فكرتهم فيما وراء النهر، حتى أوائل القرن الرابع الهجري، حيث انهارت أمام الحملات الفكرية التي شنَّها عليهم أبو منصور الماتريدي مؤسس الماتريدية: النسخة المشابهة جداً للأشاعرة.
٤ - القدَرية
أ - معنى القول بالقدر وأول قائل به:
ويراد بالقدرية، أولئك الذين يقولون بأن كل فعل يصدر عن الإنسان خيراً كان أو شراً، فهو مخلوق له وحده، بعد أن قدره بعلمه، وتحرك نحوه بإرادته، من دون أن يكون لعلم اللّه أو إرادته، دخالة في تقديره وإرادته.
بل ذهب هؤلاء إلى القول بأن اللّه لا يعلم فعل العبد، إلا بعد إيجاده له.
وقد اتخذ القدرية هذا الموقف المتطرف من أفعال الإنسان، والذي لا سند له من عقل أو نقل، كرد فعل لموقف المجبرة المتقدم، من تلك الأفعال.
وغيلان الدمشقي، ومعبد الجهني، هما اللذان حملا لواء هذه الفكرة(١) . حيث قام غيلان بنشرها في الشام، ومعبد في العراق(٢) .
وقيل بأن غيلان أخذ هذا القول عن الحسن بن محمد بن الحنفية(٣) .
ومن جملة مناظرات غيلان هذا التي يوردها بعض الباحثين(٤) في تاريخ الفرّق، مناظراته مع عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي. يقول: «قال ابن مهاجر: بلغ عمر بن عبد العزيز أن غيلان وفلاناً نطقا في القدر، فأرسل إليهما.
وقال: ما الأمر الذي تنطقان به؟
فقالا: هو ما قال اللّه يا أمير المؤمنين.
قال: وما قال اللّه؟
قال (غيلان): قال:( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَکُنْ شَيْئاً مَذْکُوراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاکِراً وَ إِمَّا کَفُوراً ) .
ثم سكتا
____________________
(١) راجع سرح العيون لابن نباتة المصري ١٨٣ وما بعدها وراجع أيضاً الخطط للمقريزي.
(٢) سرح العيون لابن نباتة المصري ١٨٣ وما بعدها.
(٣) المنية والأمل لأحمد بن المرتضى ١٥ وما بعدها.
(٤) راجع سرح العيون لابن نباتة المصري ١٨٣ وما بعدها.
فقال عمر: اقرآ.
حتى بلغا( ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربيه سبيلاً، وما تشاؤون إلا ان يشاء الله ) إلى آخر السورة.
قال عمر: «كيف تريان يا ابني الأتانة؟ تأخذان الفروع وتدعان الأصول».
ب - القدرية والمعتزلة:
ولا بد من التنبيه هنا، على أن عقيدة المعتزلة في أفعال الإنسان، تلتقي في جوهرها، مع فكرة القدرية هؤلاء، كما سنتعرض لبيان ذلك، في محله المناسب، إن شاء اللّه.
ب - بعد عصر الترجمات
تلك، كانت أهم الفرق التي سبقت في الظهور عصر الترجمات. والآن لا بد من استعراض أهم المواقف الفكرية والاعتقادية، التي تولدت عن عصر الترجمات.
لقد سبق أن قلنا، بأن جواً فكرياً مبلبلاً، طغت فيه التساؤلات، عن ذات اللّه وصفاته، بشكل هستيري، لا تحده ضوابط، ولا تقيده قيود هيأ أرضيته عصر الترجمات للتراث الفلسفي اليوناني.
في ظل هذا الجو الفكري المبلبل، برز إلى الوجود فريق، أخذ على عاتقه مهمة الإجابة على تلك التساؤلات، عن معاني الآيات المتشابهة، بتأويله تلك الآيات التي ذكرنا طرفاً منها في مطلع هذه البحوث. وهذا الفريق، هو ما يعرف باسم: المشبهة أو المجسمة.
١ - المشبهة
أ - صنفا المشبهة:
والذي يبدو، أن هؤلاء المشبهة، كانوا صنفين:
الأول: جعل التشبيه بين ذات اللّه وبين جسم الإنسان، فقال بأن المعبود «جسم ولحم، ودم. وله جوارح وأعضاء من يد، ورجل، ورأس، ولسان، وعينين وأذنين»(١) «وأجازوا عليه - كما يقول الشهرستاني - الانتقال والمصافحة. وحكي عن داود الجواري أنه قال: اعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك. وقال: ان له وفرة سوداء، وشعراً شديد الجعودة»(٢) :
وقد غلا هؤلاء غلواً فاحشاً، حيث زعم أنه سبعة أشبار بشبر نفسه(٣) .
الثاني: جعل التشبيه في الصفات «وذلك حين زعم بعضهم أن للّه إرادة حادثة، وكلاماً حادثاً مثل ما للإنسان. وحين زعم آخرون، أن اللّه لا يعلم أن الشيء سيكون قبل أن يكون مثله في ذلك مثل الإنسان أيضاً»(٤) .
____________________
(١) و(٢) راجع الشهرستاني في الملل والنحل ١ / ٧٥ وما بعدها.
(٣) و(٤) راجع التبصير في الدين للإسفراييني ٧٠ وما بعدها وكتاب اعتقادات فرق المسلمين والمشركين لفخر الدين الرازي ٦٣ وما بعدها.
ب - أهم فرق المشبهة:
المنصورية: جماعة أبي منصور العجلي.
الحلولية: جماعة أبي حلمان الدمشقي.
المقنعية: نسبة إلى رجل مقنع ظهر أيام المهدي، وادعى أنه إله.
العزاقرة: نسبة إلى ابن أبي العزاقر الشلمغاني.
المغيرية: نسبة إلى المغيرة بن سعيد العجلي.
الجوارية: نسبة إلى داود الجواري(١) .
ج - وجهة نظر:
وانه لمن الملفت للنظر - حقاً - أن تظهر إلى الوجود، في تلك البيئة الدينية المحافظة جداً. وفي ذلك العصر الذي كانت فيه القيم الروحية، هي التي تحدد سلوك الفرد، وتصبغ تفكيره بصبغتها، حيث لم يكن أحد - من كان - يجرؤ على المجاهرة، ولو بما يستشم منه رائحة الاستهتار أو التهاون بها.
إنه لمن الملفت للنظر حقاً - كما قلت - أن تبرز فجأة، وفي مثل هذه البيئة جماعة من الناس، تدّعي لنفسها حق تأويل الآيات المتشابهة بأهوائها وآرائها، وبما توحيه لها عقولها القاصرة.
ونحن نؤمن - كمسلمين - بحرية الفكر والرأي، إلا أننا نؤمن بها في حدود المعقول، وبشكل يتناسب مع الجو العام، الذي تتواجد فيه هذه الحرية. وبالطرق المتعارفة، التي لا تشذ عن قانون التدرّج.
____________________
(١) وقد ورد في بعض الكتب بالحاء المهملة أي «الحواري».
أما الطفرة من أحد طرفي القطر في الدائرة، إلى الطرف الآخر، من دون مرور بمركزها فمستحيلة.
وهذه الفرقة من المشبهة، بظهورها بهذا الشكل، وبهذه الصورة، وبهذه الأفكار، حطمت كل القواعد والأصول المتعارفة، لظهور أية جماعة فكرية أو غيرها في كل زمان ومكان.
أضف إلى ذلك، انها لم تدل بآرائها حول حكم شرعي، أو مشكلة تتعلق بالمخلوق، وإنما تجاوزت ذلك كله، لتفلسف ذات الخالق وصفاته.
ومن هنا كان لا بد، من وضع علامة استفهام كبيرة، مع علامة تعجب على هذه الظاهرة، متمثلة فيما يسمى بالمشبهة أو المجسمة.
وتظهر منطقية موقفنا هذا، إذا اطلعنا على أن التشبيه والتجسيم، لهما جذور في اليهودية، والنصرانية. بل ان اليهود - كما يذكر الرازي -(١) أكثرهم من المشبهة.
وإذا كان الأمر كذلك فليس من البعيد أبداً، أن يكون هؤلاء، المجسمة الذين برزوا على المسرح بهذا الشكل الملفت للنظر، من اعداء الإسلام، والحاقدين عليه، تظاهروا بالإيمان وأبطنوا الكفر، ليقوّضوا دعائم الدين من داخل، وليشكّكوا المسلمين في عقيدتهم، ببثهم مثل هذه الآراء الفاسدة التي - كما يقول الشهرستاني - «لا تدل على عقل ولا علم»(٢) .
ولعله من هنا، عبر عنهم أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، بأنهم مجوس هذه الأمة أو يهود هذه الأمة.
____________________
(١) إعتقادات فرق المسلمين والمشركين ٦٣ وراجع ما قلناه في هامش ص ٣٤ من هذا الكتاب.
(٢) الملل والنحل ١ / ٧٥ وما بعدها.
وقد شعر بعض مفكري الإسلام في تلك الحقبة، بما تنطوي عليه الأفكار التي يبثها هؤلاء المجسمة، من خطورة على العقيدة، وقداستها في العقول والقلوب، فهبوا للوقوف في وجهها، يسفهونها، ويسفهون القائلين بها، ويكتشفون بطلانها وسخفها بالحجج والبراهين. فنشأت بذلك فرقة المعتزلة.
٢ - المعتزلة
أ - مبدأ ظهور المعتزلة كفرقة:
وقد ظهرت هذه الفرقة أول ما ظهرت، في البصرة، متمثلة في شخص واصل بن عطاء، حيث كان من تلاميذ الحسن البصري، ثم انفصل عنه، ليؤسس مدرسة عرفت فيما بعد، بمدرسة الإعتزال بالبصرة. في قبال مدرسة الإعتزال في بغداد، والتي أسسها بعد ذلك تلميذه بشر بن المعتمر الملقب بالهلالي والمكنى بأبي سهل.
ب - سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم:
وقد ذكر مؤرخو الفرق أسباباً مختلفة لتسمية المعتزلة بهذا الإسم، يمكن إرجاعها إلى إثنين:
أولهما : اعتزال واصل بن عطاء، مجلس أستاذه الحسن البصري، لمخالفته بعض آرائه الإعتقادية، وخاصة في مرتكب الكبيرة، إذا مات من غير توبة.
وقد ذكر البغدادي أن عمرو بن عبيد، كان من المؤيدين لواصل في الرأي، فاعتزل الحسن معه.
أما الدينوري في عيون الأخبار، فهو ينسب حركة الإعتزال هذه لمجلس الحسن إلى عمرو بن عبيد وجماعة، من دون أن يذكر إسم واصل بن عطاء.
ثانيهما : دعواهم التي ادّعوها، من أنهم اعتزلوا فرقتي الضلالة: الخوارج وأهل الحديث.
هذا، ويمكن أن يشكّل السببان سبباً واحداً، هو أن واصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد، أو هما معاً بعد أن خالفا كلاً من أهل الحديث - ومنهم الحسن البصري - والخوارج الرأي في مرتكب الكبيرة، اعتزلا كلتا الفئتين وكوّنا مدرستهما الجديدة، فسموا بالمعتزلة.
ج - بعض أسماء المعتزلة:
وقد أطلقت على المعتزلة، أو أطلقوا هم على أنفسهم، إضافة إلى الإعتزال عدة أسماء أهمها، كما يذكر القاضي عبد الجبار: «العدلية لقولهم بعدل اللّه وحكمته، والموحّدة لقولهم لا قديم مع اللّه.»(١) .
ويقول الشهرستاني «ويسمون - أي المعتزلة - أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية والعدلية»(٢) .
____________________
(١) طبقات المعتزلة.
(٢) الملل والنحل ١ / ٤٣.
د - حجتهم على فضل الاعتزال:
واحتج المعتزلة لفضل الإعتزال بأدلة من القرآن والسنة.
فمن القرآن الكريم احتجوا بقوله تعالى على لسان إبراهيمعليهالسلام ( وَ أَعْتَزِلُکُمْ وَ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ أَدْعُو رَبِّي ) (١) .
ومن السنة الشريفة، بما روي عنهصلىاللهعليهوآله «من اعتزل من الشر سقط في الخير»(٢) .
وبما روي عنهصلىاللهعليهوآله بطريق سفيان الثوري «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، ابرّها وأتقاها الفئة المعتزلة»(٣) .
ه - أصول المعتزلة:
وقد قرر المعتزلة أصولاً خمسة، لا يستحق أحد صفة الإعتزال إلا إذا اعتقد بها جميعاً، وهذه الأصول هي:
التوحيد : ومعناه أنه «تعالى واحد في ذاته لا قسمة ولا صفة له. وواحد في أفعاله لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله، ومحال وجود قديمين ومقدور بين قادرين.»(٤)
العدل : وهو عند المعتزلة «ما يقتضيه العقل من الحكمة، وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة»(٥) .
____________________
(١) مريم ٤٨.
(٢) و(٣) و(٤) و(٥) القاضي عبد الجبار في طبقات المعتزلة.
الوعد والوعيد : ويريدون بهما «أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض... وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار»(١) .
المنزلة بين المنزلتين : ويريدون به أن مرتكب الكبيرة في مرتبة وسط لا هو بمؤمن ولا هو بكافر. وبعبارة أخرى: المسلم الذي ارتكب كبيرة من الكبائر هو في منزلة وسط بين منزلتي الكفر والإيمان.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : وقد ذهب المعتزلة إلى القول بوجوبهما بمقتضى العقل فقط.
هذا، وسوف نلم ببعض آراء هذه المدرسة - على نحو الإجمال - حول هذه الأقوال وغيرها، في مطاوي بحوثنا القادمة إن شاء اللّه.
و - طبقات المعتزلة:
والمعتزلة ككل فرقة أو نحلة، يحاولون أن يبرزوا أحقيتهم فيما يقولون ويعتقدون، بأية صورة، وبكل أسلوب.
ومن هنا نراهم، يجعلون من جملة القائلين بمقالتهم، عظام الرجال وقادة الأمة، مؤوّلين لكل منهم، قولاً صدر عنه، أو موقفاً وقفه، بما يتفق مع عقيدتهم ومذهبهم.
ولذا، نجد القاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي، أنه يذكر من جملة المعتزلة، علياًعليهالسلام وغيره كما سنرى.
____________________
(١) الشهرستاني في الملل والنحل ١ / ٤٥.
وفي رأيي، أن محاولتهم حشر هذه النماذج بين صفوفهم، وعدها من معتنقي مذهبهم، أمر لا يخلو من سخف وقحة، فضلاً عن أنه يفتح لخصومهم ثغرة ينفذون من خلالها ليضمّوا فضيحة جديدة، إلى ما يرونه لهم من فضائح.
ويصل القاضي عبد الجبار المعتزلي، بطبقات المعتزلة - حسب رأيه - إلى عشر، نذكر أهم رجالات كل طبقة منها، وذلك انسجاماً مع الموضوعية وإن كنا قد بينا رأينا في ذلك، وأنه من السخف بمكان.
الطبقة الأولى : عليعليهالسلام وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس.
الطبقة الثانية : الحسنعليهالسلام والحسينعليهالسلام .
الطبقة الثالثة : الحسن بن الحسن بن عليعليهالسلام ، عبد اللّه بن الحسن بن عليعليهالسلام ، زيد بن عليعليهالسلام .
الطبقة الرابعة : غيلان الدمشقي، واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد.
الطبقة الخامسة :.....
الطبقة السادسة : أبو الهذيل العلاف، أبو إسحاق النظّام، بشر بن المعتمر، معمر بن عباد.
الطبقة السابعة : عمرو بن بحر الجاحظ، أبو يعقوب الشحام، صالح قبة، أبو جعفر الإسكافي، أبو علي الأسواري.
الطبقة الثامنة : أبو علي الجبائي، أبو الحسين الخياط، أبو القاسم الكعبي، ابن الراوندي.
الطبقة التاسعة : أبو هاشم الجبائي.
الطبقة العاشرة : أبو القاسم السيرافي، أحمد بن أبي هاشم الجبائي، أبو بكر البخاري.
ز - فرق المعتزلة : ذكر البغدادي، أن فرق المعتزلة عشرون هي:
الواصلية. العمروية.الهذيلية. النظّامية . الأسوارية.المعمرية. البشرية. الهشامية. المَردَارية . الجعفرية وهم أتباع جعفر بن حرب الثقفي وجعفر بن بشر الهمداني. الاسكافية.الثمّامية. الجاحظية . الشجامية.الخياطيّة. الكعبية. الجبائية. البهشمية. الخابطية. الحمارية .
وأما الشهرستاني(١) فقد ذكر منها خمس عشرة فرقة وتكلم على كل واحدة بالتفصيل والفرق التي ذكرها من الفرق المذكورة أعلاه ما طبع بالأسود وزاد واحدة لم تذكر وهي: الحَدْثية.
ح - شيوخ المعتزلة:
وهنا - تتميماً للفائدة، لا بأس من أن نذكر لمحة عن عدد من أشهر شيوخ المعتزلة.
١ - محمد بن الهذيل
يكنى بأبي الهذيل، ويلقب بالعلاف.
والوجه في تلقيبه بالعلاف - كما يذكر القاضي عبد الجبار - هو أن داره كانت بالعلافين، وهي محلة بالبصرة حيث ولد.
____________________
(١) راجع الملل والنحل ١ / ٤٦ - ٨٥.
وقد ولد سنة ١٣٥ هجرية، أو قبل ذلك بسنة واحدة على اختلاف الروايتين حول سنة مولده. وتوجد رواية ثالثة لأبي الحسين الخياط، تقول انه ولد سنة ١٣١ هجرية.
وقد كان شيخه الذي أخذ عنه العلم، عثمان الطويل، كما ذكر هو عن نفسه، حسب رواية البغدادي في تاريخه.
ويصفه الشهرستاني بأنه شيخ المعتزلة الأكبر.
بعض آراء العلاف للاعتقادية
أ - رأيه في ذات اللّه وصفاته:
يرى العلاف أن «اللّه واحد ليس كمثله شيء، وليس بجسم ولا صورة، ولا لحم ولا دم، ولا جوهر ولا عرض وليس بذي جهات ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان. ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنقص»(١) .
وبهذا يتضح أن العلاف يقول بتوحيد اللّه والتوحيد التام المطلق، وينزهه التنزيه المطلق التام، عن كل ما يستشم منه رائحة التجسيم أو التشبيه.
هذا فيما يتعلق بالذات. وأما ما يتعلق بالصفات الإلهية. فإنا نجد أبا الهذيل يقسمها إلى قسمين:(٢) صفات ذات وصفات أفعال.
ويقصد بصفات الذات تلك التي لا يجوز أن يوصف الباري بأضدادها ولا بالقدرة على اضدادها.
____________________
(١) مقالات الإسلاميين للأشعري ١ / ١٥٥ وما بعدها.
(٢) نفس المصدر / ١٦٥ وما بعدها.
ويقصد بصفات الأفعال تلك التي يجوز أن يوصف الباري بأضدادها وبالقدرة على أضدادها.
وصفات الذات مثل: العلم والقدرة والحياة. والسمع والبصر. والقدم. الخ.
وصفات الأفعال مثل: الإرادة. الحب. الرضى. الكراهة. البغض. السخط. الخ...
وكان العلاف يرى أن صفات الذات أولية متحدة مع الذات. في حين أنه كان يرى أن صفات الأفعال حادثة، ومن هنا فهي لا يعقل أن تقوم في ذاته، لاستحالة قيام الحادث فيما هو قديم، لأنه يستلزم أن يكون القديم محلاً للحوادث.
ب - رأيه في أفعال الإنسان:
لقد التزم العلاف - ككل معتزلي - بمبدأ حرية الإرادة في أفعال الإنسان التي تصدر عنه.
وقد نسب إليه أبو الحسن الأشعري، القول بتفصيل في هذه الأفعال، بين ما كان يدرك الإنسان كيفيته، وما لا يدرك. حيث التزم بأن ما يدرك الإنسان كيفيته من هذه الأفعال يصح إسناد خلقها إليه، دون ما لم تكن كيفيته مدركة له، حيث يجب إسناد خلقها إلى اللّه.
جاء في مقالات الإسلاميين: «إن اللّه يقدر عباده على الحركة والسكون والأصوات وسائر ما يعرفون كيفيته، فاما الأغراض التي لا يعرفون كيفيتها كالألوان والطعون والحياة والموت والعجز والقدرة فليس يجوز أن يوصف الباري بالقدرة على أن يقدرهم على شيء من ذلك.»(١)
____________________
(١) مقالات الإسلاميين للأشعري ١ / ٣٧٨.
ج - رأيه في الحركة:
يرى أبو الهذيل(١) ، ان الحركة لما لم تكن جسماً، لا يمكن أن تلمس إلا أنها لما كان لها بداية، لا بد وأن يكون لها نهاية أيضاً، ونهايتها بانتهاء الدنيا وفنائها، ولذا لا وجود للحركة في الدار الآخرة، وسوف يخيم السكون على أهلها سواء كانوا من أهل الجنة، أو من أهل النار.
د - رأيه في مصدر المعرفة:
وكان العلاف يرى(٢) - ككل معتزلي - ان مصدر المعرفة، إما الوحي، فتكون الشريعة، أو العقل الذي يدرك الإنسان به - قبل ورود الوحي - قبح الأشياء فيجتنبها، أو حسنها فيقدم عليها.
وقد عاش العلاف مائة عام على رواية، ومائة وخمسة أعوام على رواية أخرى وتوفي في مدينة سامراء سنة ٢٣٥ هجرية إذا صح أنه ولد سنة ١٣٥ هجرية.
٢ - ابراهيم بن سيار
يكنى بأبي إسحاق، ويلقب بالنظّام.
وهو ابن أخت أبي الهذيل العلاف المتقدم.
وقيل بأن الوجه في تقليبه بالنظّام، هو أنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ويبيعها.
____________________
(١) و(٢) الملل والنحل الشهرستاني ٣٥ - ٣٦.
وقيل بأن الوجه في ذلك هو أنه «كان حسن الكلام في نظمه ونثره.»
وقد ولد بالبصرة حوالي سنة ١٣٥ هجرية.
ويقال بأنه أخذ الإعتزال عن خاله العلاف.
تتلمذ عليه في جملة من تتلمذ الجاحظ، وكان يقول عنه «الأوائل يقولون في كل الف سنة رجل لا نظير له، فان كان ذلك صحيحاً فهو أبو إسحاق النظّام(١) ».
بعض آراء النظّام:
أ - كان النظّام(٢) ككل معتزلي، يقول بالعدل، الاصل الثاني من أصول المعتزلة، ومن العدل ألا يصدر عن اللّه أي شر، بل مقتضى العدل ألا يصدر عنه إلا كل ما هو الأصلح للإنسان، ولذا ينفي النظّام أن تكون الشرور الموجودة في العالم، مخلوقة للّه. ويقول: ان اللّه لا يقدر أن ينقص من نعيم أهل الجنة ذرة، لأن نعيمهم صلاح لهم.
ب - من المعروف بين كثير من الكلاميين، القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ تكون محلاً للاعراض، ولكن النظام(٣) ذهب إلى رفض هذا القول وإنكار وجود الجزء الذي لا يتجزأ، وقال بأن الأجسام تنقسم إلى ما لا نهاية. ومن هنا، ذهب النظام إلى ارتكاب خطأ فاحش، حيث التزم
____________________
(١) المنية والأمل لابن المرتضى ٣٠.
(٢) راجع الفرق بين الفرق للبغدادي ١١٣ وما بعدها والتبصير في الدين للاسفراييني ٤٣ وما بعدها.
(٣) الملل والنحل للشهرستاني ١ / ٥٥ وما بعدها.
بالطفرة، «أي أن النملة مثلاً، التي تقطع مسافة ما، تطفر بعض مقدارها إلى بعض».
ج - أنكر النظام(١) حجية القياس، كما أنكر حجية الإجماع وجوّز أن تجتمع الأمة كلها على ضلالة.
د - وافق أستاذه العلاف، في مصدر المعرفة الإنسانية، وأنه الوحي والعقل. كما وافقه في القول باستحالة دوام الحركة.
ه - أنكر وجود الأعراض - عدا الحركة - ونسب إليه القول بأن كل ما يطلق عليه أنه عرض ما هو إلا جوهر أو جزء من جوهر.
و - قال بأن إعجاز القرآن لم يكن بنظمه وبيانه، بل بالصرفة.(٢) توفي سنة ٢٣١ هجرية وقيل سنة ٢٢١.
٣ - الأشاعرة
أ - مؤسس الفرقة:
مؤسس فرقة الأشاعرة، هو علي بن إسماعيل بن إسحاق.
يكنى بأبي الحسن، ويلقب بالأشعري.
ولد سنة ٢٦٠ هجرية.
وقد درج الأشعري هذا ونما، وترعرع في أروقة مدرسة المعتزلة، وتحت
____________________
(١) راجع تأويل مختلف الحديث للدينوري ٢١ وما بعدها.
(٢) الملل والنحل ١ / ٥٦ - ٥٧
ظلال آرائهم وأفكارهم، حيث لازم الجبائي طيلة أربعين عاماً صار بعدها شيخاً ناضجاً من شيوخهم، يجادل ويناظر خصومهم، من خلال آرائه كمعتزلي تلك الآراء التي استظهرها درساً وتدريساً، وبحثاً ومذاكرة.
ب - انفصاله عن أستاذه:
بعد كل هذه الأعوام الأربعين، التي قضاها الأشعري في كنف أستاذه أبي علي الجبائي، تحت راية المعتزلة، نجده وعلى غير سابق إنذار، يتخلى عن كل القيم والمبادئ والأفكار التي عايشها، حتى غدت جزءاً من كيانه ووجوده!!!
انفصل عن أستاذه وتنكّر له، بل تنكّر لكل ما هو معتزلي، ومن هو معتزلي.
ج - سبب هذا الانفصال:
ويذكر مؤرخو الفرق أسباباً عديدة لانفصال الأشعري عن أستاذه الجبائي لا تعدو في جوهرها، عن أن تكون خلافات فكرية في بعض المسائل الإعتقادية.
ومن أهم المسائل التي وقع الخلاف فيها بين الأشعري، وأستاذه الجبائي والتي على أثرها وقعت الفرقة، مسألة حكم العقل، بأن اللّه سبحانه، يجب عليه ألا يفعل إلا الأصلح. وهي ما يعبر عنها «بوجوب فعل الأصلح على اللّه» حيث كان الجبائي كمعتزلي يلتزم به.
وتذكر الكتب(١) ، ان مناظرة جرت بينهما حول هذه المسألة.
____________________
(١) راجع وفيات الأعيان لابن خلكان ٢ / ٢٧٧ وما بعدها وطبقات الشافعية للسبكي ٢ / ٢٥٠.
قال الأشعري لأستاذه: ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر، وصبي؟
قال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الدركات والصبي من أهل النجاة.
قال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟
قال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها.
قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني فلو أحييتني كنت عملت الطاعات كعمل المؤمن.
قال الجبائي: يقول له اللّه: اعلم أنك لو كنت بقيت لعصيت ولعوقبت. فراعيت مصلحتك وأمتّك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف.
قال الأشعري: فلو قال الكافر يا رب علمت حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي مثله؟
وهنالك أمر آخر، خارج عن دائرة خلافه مع أستاذه، يورده مؤرخو الفرق(١) ، كسب لانفصال الأشعري، نورده نحن بدورنا (لطرافته). وهو أنه رأى النبيصلىاللهعليهوآله في نومه، حيث أمرهصلىاللهعليهوآله بالرجوع إلى الكتاب والسنة!!!
د - إعلان الأشعري عن انفصاله:
يروي المؤرخون(٢) ، بأن الأشعري بعد أن جرت المناظرة التي ذكرناها
____________________
(١) راجع تبيين كذب المفتري للحافظ بن عساكر ٣٩ وما بعدها.
(٢) طبقات الشافعية للسبكي ٢ / ٢٤٦.
آنفاً بينه وبين أستاذه الجبائي، انزوى عن الناس مدة «خمسة عشر يوماً ثم خرج إلى الجامع، وصعد المنبر وقال: معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المدة، لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجّح عندي شيء على شيء، فاستهديت اللّه تعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه وانخلعت من جميع ما كنت اعتقد كما انخلعت من ثوبي هذا. وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب التي ألّفها».
وفي رواية أخرى «أنه دعا الناس إلى الإجتماع في مسجد البصرة، وبعد الصلاة وقف خطيباً ثم قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي. أنا علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري، كنت أقول بخلق القرآن وان اللّه تعالى لا يُرى بالأبصار وإن أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع عما كنت أقول ومتصدر للرد على المعتزلة ومخرج لفضائحهم الخ».
ه - أهم آراء الأشعري:
يقول الأشعري في مقام بيان معتقده: «قولنا الذي به نقول، وديننا الذي به ندين، التمسك بكتاب اللّه، وسنة رسولهصلىاللهعليهوآله ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون ولما كان عليه أحمد بن حنبل نضر اللّه وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته متبعون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان اللّه به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكّين. وان اللّه استوى على عرشه... وان له وجهاً... وان له يدين.. وان له عيناً. وان للّه علماً. ونثبت له السمع والبصر، ونقول أن كلام اللّه غير مخلوق، وان أعمال العباد مخلوقة اللّه مقدورة له، وان اللّه وفق المؤمنين
لطاعته ولأنه هداهم كانوا مهتدين، ونؤمن بقضاء اللّه وقدره خيره وشره. ونؤمن بأن اللّه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر الخ»(١) .
هذه هي عقيدة الأشعري - باختصار - كما وردت في بعض كتبه. ولكن ينبغي التنبيه على عقيدتين هامتين يلتزم بهما الأشاعرة:
الأولى : ان العقل عند الأشاعرة، لا يوجب شيئاً من المعارف ولا يقتضي تحسيناً ولا تقبيحاً، ولا يوجب على اللّه رعاية مصالح العباد، ولا لطفاً، ولا شيئاً من هذا(٢) .
الثانية : يرى الأشعري(٣) ، أن النظر لا ينتج علماً، بل جرت عادة اللّه على أن يخلق العلم بعد النظر.
وهذا الموقف عند الأشاعرة، ينطلق من إنكارهم أي ارتباط أو سببية بين الأشياء، بل ان عادة اللّه جرت، على أن يخلق بعض الأشياء عقيب بعض.(٤)
فالإحراق مثلاً، ليس مسبباً عن النار، بل عادة اللّه جرت أن يخلق الإحراق عند خلقه للنار، وهو على هذا قادر على أن يخلق إحراقاً ولا نار. كما أنه قادر على أن يخلق ناراً ولا إحراق، أي ناراً غير محرقة.
و - وجهة نظر:
ونحن، إضافة إلى أننا لا نرى - كما لا يرى كثير من الناقدين - في الأشعري، أكثر من جامع آراء حاول أن يوفق بينها من دون أن يكون عنده
____________________
(١) راجع المواقف للإيجي ٤ / ٤٠٠.
(٢) راجع الملل والنحل للشهرستاني ١ / ١٠١ وما بعدها.
(٣) و(٤) أنظر. واقف الإيجي وشرح السيد عليه ٥٤ وما بعدها.
أي نبوغ أو ابتكار. إضافة إلى ذلك، نميل إلى عدم الإيمان بسلامة قصد الأشعري هذا فيما اتخذه من موقف من مدرسته وذلك لعدة اُمور:
الأول : أننا وان كنا نؤمن بأن يخالف التلميذ أستاذه في بعض المسائل، اما أن يخالفه في كل صغيرة وكبيرة وجزئية وكلية، فهذا شيء، وإن لم يكن مستحيلاً عقلاً، إلا أنه مستحيل عادة خاصة إذا لم يكن التلميذ ممن يملكون قدرة على الخلق والإبتكار كما هو الحال في تلميذ الجبائي.
الثاني : نحن وإن كنا نؤمن أن يخالف التلميذ أستاذه في بعض آرائه، أما أن ينقلب عليه وعلى مدرسته عدواً لدوداً، لمجرد انه يخالفه أو يخالفها في الرأي، فهو شيء مستهجن، ومخالف للروح العلمية والخلق الديني، فكم من تلميذ اختلف مع أستاذه، وكم استاذ قرع أكثر من تلميذ عنده، ومع ذلك لم نجد تلميذاً اتخذ من أستاذه هذا الموقف الذي اتخذه الأشعري.
لقد خالف أبو علي الجبائي أستاذ أستاذه العلاف في عشرات المسائل ومع ذلك نجده «لا يرى بعد الصحابة أعظم منه إلا من أخذ عنهم أبو الهذيل، كواصل وعمرو بن عبيد»(١) .
الثالث : ان الأشعري قضى أربعين عاماً من عمره، يدافع عن مذهب الإعتزال، ويقرر براهينه، فهل كان طيلة هذه المدة يبني مذهباً يراه باطلاً أو حقاً؟ وسواء أجاب بهذا أو بذاك، فلن يكون الجواب في صالحه بحال لأنه إن كان يراه حقاً فلماذا انقلب عليه؟ وإن كان يراه باطلاً فلماذا أقام عليه ودافع عنه طيلة هذه المدة.
____________________
(١) نقل ذلك عنه ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل ٢٨.
الرابع : لقد ذكرت الروايات، أن الأشعري انقطع عن الناس بعد أن انفصل عن أستاذه مدة خمسة عشر يوماً فقط، ثم خرج إليهم ليباغتهم بمذهبه الجديد، ومن الواضح أن هذه المدة الوجيزة، لا تكفي لأن يكوّن الإنسان له رأياً واحداً في مسألة واحدة. فكيف يمكن تعقل كفايتها لأن يؤسس الأشعري خلالها مذهباً فكرياً؟ أو كيف تعقل كفايتها لأن يستعرض كل الآراء في كل المسائل الإعتقادية لكل المدارس الموجودة في عصره مع أدلتها المتضاربة والمتنافرة، ثم يستخلص له من بينها مذهباً؟
الخامس : لقد صرح الأشعري عندما خرج على الناس، بعد هذه المدة الوجيزة: أنه نظر فتكافأت عنده الأدلة، فماذا فعل عندها؟ يقول: إنه استهدى اللّه فهداه إلى اعتقاد ما اعتقده!! ومن الواضح أن هذا المنطق غير مقبول في المجالات العلمية. إذ أن تعيين الحل الصحيح من بين حلين أو حلول في قضية من القضايا لا يعقل أن يكون من دون حجة أو دليل. أما أن يكون بالضرب بالرمل، أو استطلاع حال النجوم وحركة الفلك، فهذا شيء مضحك وسخيف. وقد تذكرت عندما قرأت قول الأشعري: نظرت فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي شيء على شيء فاستهديت اللّه فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، قد تذكرت ذلك الزميل الذي كان معنا في الكلية يعيّن معنى كلمة إنجليزية في الإمتحان من بين معان متعددة في ذهنه بالإستخارة بالسبحة!!
ز - كلمة أخيرة:
بعد عرضنا لهذه الأمور الخمسة، التي تجعلنا لا نركن إلى سلامة قصد الأشعري فيما اتخذه من موقف يبقى علينا أن نتساءل باستغراب، عن الداعي إلى مثل هذا الإخراج المسرحي المتقن، الذي أبرز به انفصاله عن استاذه ومدرسته.؟
هل أراد الأشعري من ورائه، أن يسبق الزمن، لينجو مما بدت نذره في الأفق القريب مؤذنة بأفول نجم سعود المعتزلة، وطلوع نجم نحوسهم، بعد أن ابتدأت السلطة العباسية، بالتخلي عن موقفها المؤيد لهم، وبعد أن اشتدت النقمة الشعبية عليهم، إثر مصيبة ابن حنبل، فيما يسمى بمحنة خلق القرآن، والتي نسبت إليهم؟
قد يكون في تأكيده الشديد على خروجه من بين المعتزلة، وإصراره على البراءة منهم، ووعده القاطع بإخراج فضائحهم، وإعلانه الصريح عن توبته عما كان فيه، قد يكون في كل ذلك قرينة كبيرة على أن جواب تساؤلنا إيجابي ومثبت.
أم تراه أراد أن يستبق الزمن، ليستميل الحنابلة أنفسهم، علهم يرتضون سلوكه في جملتهم، فيظلله نجم سعودهم الذي بدت بشائره في الأفق القريب، فيجني من وراء ذلك الشهد، بعد أن أذاقهم مر العلقم؟
قد يكون تمجيده لإمامهم أحمد، وتعظيمه إياه في خطبته في مسجد البصرة عندما خرج على الناس بذلك الشكل الملفت للنظر، والتي سبق أن أثبتنا قسماً منها في أوائل هذا البحث، قد يكون كل ذلك، قرينة كبيرة، تدل على أن جواب تساؤلنا هذا أيضاً إيجابي ومثبت.
ولكن الظاهر أن الحنابلة شعروا بما يرمي إليه علي بن إسماعيل هذا، فرفضوه وحقّروه، بل حقروا كل من قال بمقالته. حتى بلغ بهم الأمر أن يمنعوا المؤرخ البغدادي المعروف من أن يصعد المنبر في أحد جوامع بغداد لأنه كان ممن يميلون إلى الأشعري!!!
٤ - الامامية ومواقفهم من آراء سائر الفرق الاعتقادية
والإمامية، ممثلين في أئمتهم (ع) كانت لهم مواقف حاسمة، في شتى المسائل الاعتقادية، التي أثيرت في عصورهم المختلفة.
فقد كانوا - وهم حفظة العقيدة وحماتها - لا يألون جهداً، في الوقوف في وجه كل بدعة أو ضلالة أو رأي، يستشمون منه خطراً على تلك العقيدة وهذا الدين.
وهم مع هذا، كانت لهم مدرستهم الخاصة بهم، والتي تخرج منها مئات من العلماء في مختلف فروع العلم، بما فيها علم العقيدة.
وقد كانت لتلك المدرسة آراؤها وأفكارها الاعتقادية التي تتميز عن آراء وأفكار أية فرقة من الفرق الكلامية التي مر ذكرها.
ونحن إذا أردنا أن نقف على استقلالية المدرسة الكلامية الخاصة بالإمامية ما علينا إلا أن نستعرض - بإيجاز - بعض مواقف هذه المدرسة السامقة، إزاء سائر الفرق الكلامية المتقدمة، لنرى كيف أن هذه المدرسة كانت نسيج وحدها من حيث الأصالة والجرأة والعمق، أمام الآراء الشاذة لتلك الفرق المنافية لروح الإيمان وأصول الإسلام.
أ - موقف الامامية من المشبهة
لقد نزّه الامامية، ذات اللّه سبحانه، وصفاته عن كل ما يشعر بالتجسيم والتشبيه. ومن هنا نراهم قد شنوا حرباً شعواء، على أولئك المشبهة، الذين تمسكوا بظاهر بعض الآيات المتشابهة، فجعلوا للّه عينين وأذنين ويدين وإرادة حادثة وغير ذلك، من الآراء التي تستلزم الجسمية والتحيز، وبالتالي الكفر.
ولعل قول الإمام عليعليهالسلام ، يوضح موقف الإمامية من هؤلاء واضرابهم: «كذب العادلون بك، إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك نحلة المخلوقين بأوهامهم، وجزّؤوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وأشهد أن من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك والعادل بك كافر بما نزلت به محكمات آياتك، ونطقت به شواهد حجج بيناتك(١) ». وقد بلغ موقف الأئمةعليهمالسلام من هؤلاء المجسمة حداً، رأينا معه الإمام الصادقعليهالسلام يأمر بمنع شخص من الدخول عليه، لأنه أخبر بأنه ممن يقول بالتجسيم.
ويقول صدر المتأهلين - من أعاظم فلاسفة الامامية بل المسلمين قاطبة - في كتابه «المبدأ والمعاد» ما معناه: ان واجب الوجود لا يوصف بأنه جنس، أو فصل، أو نوع. فما هو بالكلي، لأنه لا يصدق على الغير، ولا بالجزئي، لأن الغير لا يصدق عليه. وهو مستقل بذاته، متنزه عن جميع مخلوقاته، لا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء...
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢ / ١٤٤.
ب - موقف الامامية من المجبرة والمفوضة (القدرية)
وكان موقف الامامية من كلا الفريقين: المجبرة والمفوضة، واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، حيث أعلنوا براءتهم منهما، ومما يقولون قولاً وعملاً.
أما بالقول فقد طفحت كتبهم بالروايات عن أئمتهمعليهمالسلام الذّامة لكلا الفريقين بل المكفرة - في بعضها - لهم جميعاً.
منها: ما ورد عن الإمام الرضاعليهالسلام «القائل بالجبر كافر. والقائل بالتفويض مشرك»(١) وما رواه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال «صنفان من أمتي ليس لهم في الآخرة نصيب: المرجئة والقدرية»(٢) .
وأما بالعمل، فقد حل الامامية هذه المشكلة العويصة، بالتزامهم تبعاً لأئمتهم (ع) بأنه لا جبر ولا تفويض، وإنما أمر بين أمرين.
وسنتناول رأي الإمامية، مقارناً مع رأي كل من المجبرة والمفوضة في هذه المشكلة في محله المناسب إن شاء اللّه.
ج - موقف الامامية من الخوارج والمرجئة
وقد خالف الإمامية الخوارج، فيما أجمعوا عليه من تكفير مرتكب الكبيرة. فحكموا بإيمانه.
____________________
(١) الإحتجاج للشيخ الطبرسي ٢٢٥.
(٢) كنز الفوائد للكراجكي ٥١.
كما خالفوا المرجئة، حيث لم يتوقفوا في الحكم على مرتكب الكبيرة، فحكموا عليه باستحقاق العقاب.
وخالفوا بعض فرقهم في ما به يحصل الإيمان، حيث ادعت تلك الفرق بأنه يكفي في الإيمان، مجرد القول باللسان، من دون أن يكون للتصديق بالقلب أية دخالة في تحققه مطلقاً. فقال أكثر الامامية، بأن الإيمان هو التصديق بالجنان (أي القلب) والقول باللسان.
د - موقف الامامية من المعتزلة
يحلو لبعض الكتّاب المحدثين، مقلدين لبعض مؤرخي الفرق الكلامية، أن يجعلوا الامامية في آرائهم وأفكارهم، عالة على مدرسة الاعتزال.
وتبدو سخافة ذلك، إذا استعرضنا جانباً من آراء الإمامية في بعض أصول المعتزلة الخمسة، التي جعلوها - كما تقدم - أساساً لاتصاف أي إنسان بصفة الاعتزال.
١ - رأي الامامية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وقد ذهب الامامية إلى القول بوجوبهما كفائياً، بالشرع لا بالعقل، وذلك بما ورد في الأمر بهما من الآيات والروايات.
فمن الآيات قوله تعالى:( وَ لْتَکُنْ مِنْکُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ ) (١) .
____________________
(١) آل عمران ١٠٤.
ومن الروايات، ما رواه الكليني، في فروع الكافي، عن محمد بن يحيى، عن الصادقعليهالسلام قال: «ويل لقوم لا يدينون اللّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(١) .
ومنها، ما رواه الكليني أيضاً بإسناده عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام «لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم»(٢) .
في حين ذهبَ المعتزلة إلى وجوبهما بالعقل لا بالشرع(٣) .
بل ذهب بعض شيوخهم، إلى القول، بأنهما إنما يجبان على الآمر والناهي في صورة ما إذا استلزما دفع ضرر واقع عليهما فقط(٤) .
وقد فنّد الامامية رأي المعتزلة، في منشأ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول العلامة الحلي «انهما لو وجبا عقلاً لوجبا على اللّه تعالى، فإن كل واجب عقلي يجب على كل من حصل في حقه وجه الوجوب. ولو وجبا عليه تعالى لكان إما فاعلاً لهما، فكان يلزم وقوع المعروف قطعاً، لأنه تعالى يحمل المكلفين عليه، وانتفاء المنكر قطعاً لأنه تعالى يمنع المكلفين عنه. وهذا خلاف ما هو الواقع في الخارج، وإما غير فاعل لهما فيكون مخلاً بالواجب وذلك محال لما ثبت من حكمته تعالى»(٥) .
____________________
(١) و(٢) فروع الكافي للشيخ الكليني ١ / ٣٤٣.
(٣) و(٤) انظر المواقف لنصر الدين الإيجي ٤ / ٢٧٥.
(٥) شرح التجريد للعلامة الحلي ٣٠٤.
٢ - التوحيد بين الامامية والمعتزلة
والامامية، وإن كانوا يلتقون في أصل القول بالتوحيد مع المعتزلة، إلا أنهم يفترقون عنهم في أمور التزم بها المعتزلة، وأنكرها الامامية لأنهم رأوها منافية للتوحيد منها مثلاً ان المعتزلة التزموا «بأن الأشياء كانت قبل وجودها أشياء والجواهر والاعراض كانت في حال عدمها جواهر واعراضاً».
فما هي وظيفة اللّه عندهم إذن؟
وظيفته عندهم، أنه قد جعل لها صفة الوجود ليس إلا.
وجاء الامامية إلى هذه المقالة، ليثبتوا بأن الالتزام بها مناف للتوحيد، ومستلزم للالحاد، فقالوا: بأننا إذا التزمنا بأن هذه الاعراض والجواهر والأشياء، لها نوع من التحصل والتحقق، بقطع النظر عنه سبحانه، وان كل ما صدر عنه هو جعل صفة الوجود لها، فنحن نقول وتوافقوننا، على أن تلك الصفة المجعولة لا تخلو عن أن تكون اما جوهراً، أو عرضاً، أو شيئاً، ولا رابع لها.
فإن قلتم بأن هذه الصفة جوهر أو عرض، بطل ما التزمتم به من أن الجوهر والعرض كان لهما تحقق بقطع النظر عنه سبحانه.
وكذا إذا قلتم بأن هذه الصفة ليست جوهراً ولا عرضاً، وإنما هي شيء، فقد بطل ما التزمتم به من أن الأشياء كان لها تحقق بقطع النظر عنه سبحانه.
وإن قلتم بأن هذه الصفة ليست بشيء، فقد التزمتم بأن اللّه لم يفعل شيئاً، وهذا هو عين العجز، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
٣ - المنزلة بين المنزلتين بين الامامية والمعتزلة
لقد تقدم معنا، ان المعتزلة قد حكموا على مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة وسط بين الكفر والإيمان. في حين ذهب الامامية إلى الحكم بفسقه فقط مع بقاء صفة الإيمان له.
كما حكم المعتزلة بخلوده في نار جهنم. في حين ذهب الامامية إلى عدم ذلك، بل قالوا بأنه يعاقب بمقدار جرمه واستدلوا لذلك بوجهين:(١)
الأول : «إنه يستحق الثواب الدائم بإيمانه لقوله تعالى:( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) (٢) والإيمان أعظم أفعال الخير. فإذا استحق العقاب بالمعصية، فإما أن يقدم الثواب على العقاب، وهو باطل بالإجماع، لأن الثواب المستحق بالإيمان دائم على ما تقدم أو بالعكس وهو المراد. والجمع محال.»
الثاني : «يلزم أن يكون من عبد اللّه تعالى مدة عمره بأنواع القربات إليه، ثم عصى في آخر عمره معصية واحدة مع بقاء إيمانه، مخلداً في النار، كمن أشرك باللّه تعالى مدة عمره وذلك محال لقبحه عند العقلاء».
____________________
(١) شرح التجريد للعلامة الحلي ٣٢٨.
(٢) الزلزلة ٧.
٤ - رأي الامامية في الجزء الذي لا يتجزأ
لقد سبق وأشرنا(١) ، إلى أن النظّام وهو من أكبر شيوخ المعتزلة، ذهب إلى إنكار الجزء الذي لا يتجزأ حيث جره ذلك إلى القول بالطفرة.
وقد ذهب متكلمو الإمامية وفلاسفتهم إلى عكس مقالته، حيث أثبتوا الجزء الذي لا يتجزأ عندما اعتبروا أن الجسم مركب من أجزاء متناهية بالفعل. وقد استدلوا لمذهبهم هذا بوجهين(٢) :
الأول: «لو كان في الجسم أقسام بالفعل غير متناهية، لما كان مقداره متناهياً. واللازم باطل، فالملزوم مثله».
الثاني: «لو كانت الأجزاء في الجسم بالفعل غير متناهية لاستحال قطع مقداره إلا في زمان غير متناهٍ، لأنه يستحيل قطعه إلا بعد قطع نصفه، وقطع نصفه إلا بعد قطع ربعه وهكذا... لكن اللازم ظاهر البطلان فالملزوم مثله».
وأما ما ذهب إليه المعتزلة على يدي النظّام من القول بإمكان الطفرة، فقد فنّده الامامية مع شناعته، وحكموا بأنه غير نافع لهم أبداً «فإن النملة لو طفرت من الجسم بعضه، فالذي قطعت بحركتها منه إن كان متناهياً كانت نسبته إلى ما طفرته نسبة متناهي العدد إلى متناهي العدد، وهو المطلوب وإن لم يكن متناهياً عاد الإلزام بعينه فيه».
____________________
(١) راجع ص: ٥١.
(٢) راجع قواعد المرام في علم الكلام لميثم بن ميثم البحراني ص: ٥٥ - ٥٦.
٥ - رأي الامامية في «الصرفة»
وقد ردَّ علماء الإمامية قول النظّام بالصرفة والذي سبقت منا الإشارة إليه(١) . وذلك بعدة وجوه(٢) أهمها:
أولاً : ان معنى الصّرفة المدعاة «إن كان، أن اللّه قادر على أن يقدر البشر على أن يأتوا بمثل القرآن، ولكنه تعالى صرف هذه القدرة عن جميع البشر... فهو معنى صحيح، ولكنه لا يختص بالقرآن بل هو جارٍ في جميع المعجزات.
وإن كان معناها أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن ولكن اللّه صرفهم عن معارضته فهو واضح البطلان. لأن كثيراً منهم تصدوا لمعارضته فلم يستطيعوا».
ثانياً : «لأن إعجاز القرآن لو كان بالصرفة لوجد في كلام العرب السابقين مثله قبل أن يتحدى النبي البشر ويطالبهم بالإتيان بمثل القرآن. ولو وجد ذلك لنقل بالتواتر، لتكثر الدواعي إلى نقله. وإذ لم يوجد، ولم ينقل، كشف ذلك عن كون القرآن بنفسه إعجازاً إلهياً، خارجاً عن طاقة البشر...».
____________________
(١) راجع صفحة / ٥٢ - من هذا الكتاب.
(٢) راجع للإطلاع على هذا الموضوع وما يدور حوله وحول سائر الأوهام حول إعجاز القرآن كتاب البيان للسيد أبو القاسم الخوئي ص ٩٥ - ١١٤.
الفصل الاول في العلة الاولى للكون
تمهيد:
«قد نجد في الماضي، والحاضر، والمستقبل، بشرية لا تعرف العلم، أو الفن، أو الفلسفة، ولكن، ليس ثمة مجتمع بلا دين».
«إن من أسباب الدين الدهشة للظواهر الطبيعية التي تفجأ الناس.
ومن هنا ولّد شعور الدهشة في تفكير الإنسان قوى تختفي وراء هذه الظواهر».
هذان القولان، الأول لول ديورانت. والثاني لبرجسون، يعبران عن حقيقة واقعة، لازمت الإنسان منذ كان له وجود على سطح هذه الأرض.
هذه الحقيقة، هي أن وجود الإنسان لم ينفك عن إحساس داخلي عنده بوجود قوة وراء هذه الظواهر الطبيعية، التي تطالعه في كل وقت.
وقد كان هذا الإحساس عنده، باعثاً له على البحث والإستقصاء، علّه يطلع على هذه القوة، وحدودها، ليروي غلته وتعطشه لمعرفتها.
وقد سار الفكر الإنساني في سبيل تحصيل تلك المعرفة، بخطوات متعثرة، يقع مرة، ويقوم أخرى، مما زاد في قلقه وحيرته، ورسم في مخيلته صوراً غامضة زادت من غموض الرؤية لديه، وجعلته يتيه في خيالات وأوهام حوّلت حياته إلى عذاب.
بقي الإنسان على وضعه هذا، يرى سراباً فما يركض نحوه، حتى يصدمه الواقع المرير. واقع الوهم والخيال، حتى شاءت السماء أن تضع حداً لقلقه وحيرته وأوهامه، فكان الإسلام وكان التصوّر السليم والمعقول، لهذه القوة، التي أخذ غموضها وخفاؤها من الإنسان كل وقته وكل استقراره. وراح علماء الإسلام ومفكروه، يحاولون تجلية هذه الحقيقة وتوضيحها، ليقربوها إلى أذهان بني الإنسان.
المبحث الاول : هل يمكن الاستدلال على وجود العلة الاولى
أ - مع المانعين:
وقد ذهب بعض المفكرين المسلمين، إلى القول بعدم إمكان البرهنة العقلية على وجود العلة الأولى، وكان هؤلاء فريقين.
الأول : الحشوية، وهم «الذين ذهبوا إلى أن معرفة وجود اللّه تثبت بالسمع لا بالعقل. أي أن الإيمان به لا يكفي ولا شأن للعقل فيه»(١) أو «ان الإيمان بوجوده تعالى الذي كلّف الناس التصديق به، يكفي فيه أن يتلقى من صاحب الشرع، كما يتلقى منه أحوال المعاد وغير ذلك، مما لا مدخل فيه للعقل»(٢) .
الثاني : الصوفية «وطرقهم في النظر - كما يقول ابن رشد - ليست طرقاً نظرية، وإنما يزعمون أن الإيمان باللّه وبغيره من الموجودات، شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية، وإقبالها بالفكرة على المطلوب».(٣) .
____________________
(١) و(٢) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ٣١ / و١٣٤.
(٣) نفس المصدر ٤٤.
ويعبر المتصوفة عن هذه الحالة، التي تحصل معها المعرفة، بتعبيرات غامضة، كالبصيرة، والكشف، والعيان المباشر. وغير ذلك.
والذي يبدو، أن هؤلاء الصوفية - ولو بنحو الموجبة الجزئية - عندما رأوا، أن الحواس لا يمكن أن تكون طريقاً إلا إلى معرفة ما يقع تحت منالها، واللّه مما لا يدرك بحاسة. وشككوا في قيمة العقل في مجال المعرفة، لم يبق أمامهم إلا سلوك هذا الطريق، وحصرهم معرفة اللّه بالحدس أو القلب.
وهذا بعينه، هو ما يظهر، من بعض فلاسفة القرنين السابع عشر، والثامن عشر، كبليز بسكال، وأما نويل كنط، بل ما يذهب إليه بعض أساتذة الفلسفة في هذا القرن حيث يقول، «وإذن، فلا بد من أن تكون هناك طريقة أخرى لمعرفة اللّه عن سبيل آخر، غير سبيل العقل المنطقي، وليس هذا سوى الحدس»(١) .
ب - اختيار ونقاش:
ومهما يكن من أمر، فإن ما ذهب إليه الحشوية، وأهل الحديث، من قولهم، بإمكان معرفة العلة الأولى بالسمع، مما ورد في الكتاب الكريم، والسنة الشريفة خطأ لا يمكننا المصير إليه، وذلك لاستلزامه الدور.
إذ ان ثبوت حجية الكتاب، فرع إثبات الربوبية ومتوقف عليها توقف الحكم على موضوعه. فإذا أردنا أن نثبت الربوبية بالكتاب وغيره يلزم أن يكون ثبوت كل منهما متوقفاً على الآخر، فيكون من توقف الشيء على نفسه. وهذا هو الدور.
____________________
(١) هو الأستاذ ولتر ستيس في كتابه الزمان والأزل ٣١٣.
كما اننا لا يمكن أن نرتضي ما ذهب إليه المتصوفة، من حصر معرفة اللّه، بطريق الكشف والحدس وذلك:
أولاً : لأن فيه إهداراً لقيمة العقل، وشلاً لفاعليته وقدرته على الخلق والإبداع، وهذا ينافي الحث الذي ورد به القرآن الكريم، على تدبر الكون بجميع مناحيه، بالعقل والتفكر فيه.
ثانياً : إن هذه الطريقة - طريقة الصوفية في المعرفة - إن سلمنا وجودها «ليست عامة للناس بما هم ناس»(١) .
ثالثاً : إن هؤلاء الصوفية «بمنهجهم الذوقي هذا، يحطمون أسس المعرفة العقلية، إذ لا بد من مبادئ معينة، وأسس محددة للمعرفة، أما ان تجيء هذه المعرفة بطريق لا يدري الفرد كيف حصلت له، فهذا لا يعد طريقاً عقلياً محدداً»(٢) .
رابعاً : إن ما يتراءى من كلمات المتصوفة الغائمة التي يرددونها، ان حالة الكشف أو المعرفة عندهم، ليست كمالاً طبيعياً، بل هي كمال غير طبيعي. أي كمال إلهي، لا يمنحه اللّه لجمهور الناس، بل لخصوص سعدائهم. وإذا كانت تلك المعرفة كمالاً غير طبيعي فعلى أية جهة يمكن أن يوجد للموجود الطبيعي كمال غير طبيعي. ومعنى انه غير طبيعي، انه شذوذ عن دائرة الإنسانية العاقلة المدركة.
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ٤٤.
(٢) النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد لمحمد عاطف العراقي ٢١٢.
هذا بالنسبة للحشوية والمتصوفة، ممن ضلوا الطريق الموصل إلى اللّه، وأما بالنسبة للمذاهب المادية، التي وقفت من فكرة الإيمان بالربوبية موقف المنكر الملحد، فلنا معهم مواقف غربلة وتمحيص في المحل المناسب من هذا البحث إن شاء اللّه.
المبحث الثاني : الأدلة العقلية على وجود العلة الأولى
ونحن كدارسين للعقيدة الإسلامية، لا بد لنا من عرض البراهين والأدلة العقلية، التي أقامها متكلمو الإسلام وفلاسفته، على وجود اللّه، وذلك بعد أن انحصر طريق الإستدلال به، لبطلان طريقي الحشوية والمتصوفة السابقين. وأهم هذه الأدلة:
دليل العناية الإلهية أو «الأسباب الغائية». دليلالاختراع . دليلالحدوث . دليلالحركة . دليلالامكان والوجوب ...
أ - دليل العناية أو دليل الأسباب الغائية:
وينسب هذا الدليل عادة إلى ابن رشد الفيلسوف.
والهدف «من هذا الدليل، الوقوف على العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجله»(١) .
وحاصل هذا الدليل، هو اننا إذا ألقينا نظرة فاحصة على أنفسنا، وعلى ما يحيط بنا من مظاهر هذا الكون، حيوانه، ونباته، وجماده، سمائه، وأرضه، لوجدنا أنّها وجدت بشكل يتناسب تماماً مع متطلبات الإنسان،
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ١٥٠.
ومقتضيات بقائه واستمراره على هذه الأرض، بل بقاء واستمرار الحياة بجميع أنواعها.
إذا ألقينا نظرة، على جميع ما يمكن الاطلاع عليه من هذا الكون، لظهرت أمام أعيننا «العناية في أعضاء البدن، وأعضاء الحيوان، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده»(١) .
«فالشمس، مثلاً، لو كانت أعظم جرماً مما هي، أو أقرب مكاناً، لهلكت أنواع النبات والحيوانات من شدة الحر، ولو كانت أصغر جرماً أو أبعد لهلكت من شدة البرد. ولو لم يكن لها فلك مائل، لما كان هنا صيف ولا شتاء ولا ربيع ولا خريف. وهذه الأزمان ضرورية، في وجود أنواع النبات والحيوان، ولولا الحركة اليومية، لم يكن ليل ولا نهار»(٢) .
وكذا نجد العناية هذه، بأوضح صورها في سائر الأجرام والكواكب، حيث تسير وفق نظام شمسي محدد لا تعدوه. ولو فرض أن جرماً من هذه الأجرام، أو كوكباً من هذه الكواكب، قد انحرف عن خط سيره قيد شعرة أو أقل، أو توقف عن الحركة ولو لحظة، لانفرط عقد الكون بأكمله.
عندما يلاحظ أحدنا هذه العناية، ويلاحظ أن كل شيء مدرك له، إنما جعل بالشكل والمقدار الّلذين يؤدي معهما غاية معينة، تتناسب مع مقتضيات استمرار هذا الإنسان، ومتطلبات وجوده. ووضعية تترتب عليها منفعة لهذا المخلوق.
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد / ١٥٠.
(٢) تلخيص ما بعد الطبيعة لابن رشد / ١٦٠.
عندما يلاحظ أحدنا كل ذلك يجزم «ان لذلك الشيء صانعاً صنعه ولذلك وافق شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة، وانه لا يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الأشياء لوجود المنفعة بالاتفاق»(١) أي بالمصادفة.
ويمكننا، بناءاً على ما عرضناه، أن نضع دليل العناية هذا، في صورة قياس منطقي كالتالي:
ان الكون بما فيه الإنسان ، مجعول بنحو يتناسب وضعية وشكلاً ومقداراً مع وجود الإنسان ومقتضيات بقاء الحياة واستقرارها.
وكل ما كان كذلك لا بد وأن يكون له صانع لاستحالة أن يحصل هذا التناسب والتناسق عن طريقة المصادفة.
فالكون بما فيه له صانع.
وقد جعل ابن رشد دليل العناية هذا، من أشرف الأدلة على وجود اللّه.
وجهة نظر:
والذي يبدو، ان هذا الدليل، هو ما يعبر عنه المناطقة بالدليل الإنيّ وهو الاستدلال بوجود المعلول على وجود العلة، في قبال الدليل اللمّي، وهو الاستدلال بوجود العلة على وجود المعلول، ولعله لهذا يقول ابن رشد «فان الشريعة الخاصة بالحكماء، وهي الفحص عن جميع الموجودات، اذ كان الخالق لا يعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة»(٢) .
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ١٦٤.
(٢) تفسير ما بعد الطبيعة ١ / ١٠.
ولكن السمة المميزة في هذا الدليل، انه لا يسلّط الشعاع على المعلول بما هو معلول فقط، بل بما هو معلول متناسق منظم، لا قصور فيه ولا تشويش، يؤدي من خلال تناسقه وتنظيمه، وعدم قصوره وعدم تشويشه، غاية معينة، ومنفعة محددة ولعله لتميزه بهذه الزيادة، خصه ابن رشد بالحكماء أو العلماء، تمييزاً لهم عن الجمهور، الذين يكتفون في مقام الاستدلال، بتسليط الشعاع على المعلول بما هو كذلك، قانعين من المعرفة، بما يبتني منها على الحس الساذج، من دون تعمق ولا تبصر.
ب - دليل الاختراع:
وينسب هذا الدليل أيضاً، إلى ابن رشد الفيلسوف، وهو عند فيلسوفنا هذا أقرب الأدلة إلى مدارك الجمهور(١) .
وملخص دليل الاختراع هو أن هذا الكون بما فيه مصنوع ومخترع، وكل مصنوع ومخترع لا بد له من صانع ومخترع. فالكون بما فيه لا بد له من صانع ومخترع.
والظاهر، أن ابن رشد، يريد بهذا الدليل الإشارة إلى الفطرة المركوزة في كل إنسان، والتي تحتم عليه الجزم، بلا بدية الاسباب للمسببات، وباستحالة وجود المعلول من دون علة تقتضي وجوده.
والذي يؤيد هذا قوله في كتابه مناهج الأدلة بأن هذا الذي ذكرناه موجود «بالقوة في جميع فطر الناس»(٢) .
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ٤٥.
(٢) نفس المصدر ١٥١.
بل نراه يصرح في نفس الكتاب المذكور بما أشرت إليه حيث يقول: «فاننا إذا رأينا أجساماً مادية، ثم رأيناه الحياة تحدث فيها، علمنا علم اليقين، أن هناك موجوداً أوجدها، فلكل شيء سبب ولا شيء يحدث اتفاقاً»(١) .
ولعله لهذا أيضاً - أي لرجوع دليل الاختراع إلى الفطرة - يجعله ابن رشد - كما سبق وذكرت - أقرب الأدلة إلى مدارك الجمهور. وهو الذي يعبّر عنه بدليل العوام في قبال دليل الصديقين.
ولكن لا بد من التنبيه، على أن ابن رشد، عندما يعرض هذا الدليل، يحاول أن يصوغه بأسلوب قياس منطقي، ليجعله أقرب إلى أساليب المعرفة اليقينية العقلية منه إلى أسلوب المعرفة الحسية الساذجة.
وجهة نظر:
وابن رشد، الذي ينسب إليه كل من دليلي العناية والاختراع، نراه يستشهد عند عرضه لهذين الدليلين، بآيات من القرآن الكريم.
فبالنسبة للدليل الأول، يدلل عليه بقوله تعالى:( أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً وَ الْجِبَالَ أَوْتَاداً ، وَ خَلَقْنَاکُمْ أَزْوَاجاً وَ جَعَلْنَا نَوْمَکُمْ سُبَاتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً وَ جَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً وَ بَنَيْنَا فَوْقَکُمْ سَبْعاً شِدَاداً وَ جَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً وَ أَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَ نَبَاتاً وَ جَنَّاتٍ أَلْفَافاً ) (٢) .
وقوله تعالى:( تَبَارَکَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً
____________________
(١) نفس المصدر.
(٢) النبأ ٦ - ١٦.
وَ قَمَراً مُنِيراً ) (١) . وقوله تعالى:( الَّذِي جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً ) (٢) .
وبالنسبة للدليل الثاني يدلل بقوله تعالى:( أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَکُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ) (٣) . وقوله تعالى:( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ) (٤) . وقوله تعالى:( أَ فَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ کَيْفَ خُلِقَتْ ) (٥) .
وهنا، قد يحلو لبعض الدارسين، أن يفسر موقف ابن رشد هذا، على أنه يسلكه في عداد الحشوية، الذين - كما تقدم - يحصرون استدلالهم على وجود المبدأ الأول بالنقل، أي بالآيات القرآنية.
ولكن هذا الرأي، مجانب للصواب، وذلك:
أولاً : كيف يجوز أن نسلك ابن رشد في عداد الحشوية، في حين نراه يشن عليهم في كتابه (الكشف) وغيره حرباً فكرية شعواء وينتقدهم انتقاداً مراً(٦) .
ثانياً : إن ابن رشد كفيلسوف، يستحيل عليه أن يجعل مقياسه للحقيقة قبلياته الفكرية ومعتقداته، بل هو ملزم باتباع الدليل العقلي والبرهان المنطقي، في مجال غربلة الحقائق لاستخراج صحيحها من فاسدها.
____________________
(١) الفرقان ٦١.
(٢) البقرة ٢٢.
(٣) الأعراف ١٨٥.
(٤) الطارق ٦.
(٥) الغاشية ١٧.
(٦) راجع الكشف عن مناهج الأدلة ١٥٣ وما بعدها وصفحة ١٩٨ وما بعدها كما يراجع فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال ٢٤ وما بعدها.
لذلك وغيره، لا نجد ابن رشد في إيراده لهذه الآيات، إلا أنه كان يرى فيها إرشاداً إلى حكم العقل بوجود اللّه وتنبيهاً إلى تلك الأدلة العقلية على ضرورة الإيمان به. ولهذا نجده يصرح عند إيراده مثل هذه الآيات، بما يفيد ذلك، كقوله بعد إيراده لبعض الآيات المذكورة «فهذه الآيات تتضمن التنبيه على موافقة أجزاء العالم لوجود الإنسان»(١) .
ج - دليل الحدوث:
ويمكن تقريب هذا الدليل على نحوين:
الأول: اننا إذا نظرنا إلى ما يحيط بنا في هذا الكون، وإلى أنفسنا، لوجدنا انه يتغير ويتبدل من حالة إلى أخرى، ومن شكل إلى آخر.
فالماء يتغير بفعل الحرارة إلى بخار، والبخار يتحول بفعل البرودة إلى ماء مرة أخرى.
والإنسان يكون نطفة، فيتحول إلى علقة، فإلى مضغة، فإلى عظام يكسوها لحم، فإلى شاب، فإلى رجل، فإلى كهل، ثم يموت فيتحول إلى تراب. وقس على هذا كل شيء في العالم.
فالعالم على هذا متغير، وتغيره دليل على حدوثه، لأن المتغير لا يعقل أن يتصف بالقدم، وإذا كان العالم حادثاً، يجزم العقل بمجرد إدراك حدوثه بضرورة وجود محدث له.
ويمكن أن نصوغ هذا التقريب من الدليل، في صورة قياس منطقي، مؤلف من صغرى وكبرى ونتيجة، على الشكل التالي:
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة ١٩٦.
العالم متغير.
وكل متغير حادث.
فالعالم حادث.
الثاني : «إن ما ندركه من العالم المحسوس، هو اعراض تظهر وتختفي كل لحظة. ومحل هذه الاعراض المتغيرة، هو الجواهر الجسمية. وهذه الجواهر لا يمكن أن نعتبرها غير متغيرة، لأنها محل للمتغيرات. وإذا كانت متغيرة لا يمكن أن نعتبرها قديمة لأن القديم لا يتغير. وإذا كان كل شيء في العالم متغيراً، فهو حادث»(١) .
ويمكن أن نصوغ هذا التقريب الثاني من دليل الحدوث، في صورة قياس منطقي مؤلف - أيضاً - من صغرى وكبرى ونتيجة على النحو التالي:
العالم متكون من جواهر تقوم فيها الأغراض المتغيرة.
وكل ما يقوم فيه المتغير وهو الجواهر فهو متغير.
فالعالم المتكون من جواهر متغيرة واعراض متغيرة فهو متغير.
د - دليل الحركة:
ولكي نفهم هذا الدليل، لا بد لنا أولاً، من فهم مراد الفلاسفة من الحركة.
فالحركة في مفهومهم هي «كمال ما بالقوة من جهة ما هو بالقوة»(٢) .
____________________
(١) تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور ترجمة محد أبو ريدة ٦٨.
(٢) تلخيص السماع الطبيعي لابن رشد ٢٢.
أو هي، بعبارة قد تكون أوضح «خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجياً»(١) .
والقوة والفعل، تعبيران، يراد بالأول منهما عالم الثبوت والإمكان، وبالثاني عالم الإثبات والتحقق والوجود.
بعد هذا يمكننا أن نقرب دليل الحركة على وجود العلة الأولى فنقول:
إن أي شيء وضعنا يدنا عليه في هذا الكون وجدناه يتحرك بعد سكون، ويسكن بعد حركة.
ومعنى هذا ان كلاً من الحركة والسكون، يوجدان في الشيء بعد أن لم يكونا فيه، فهما إذن حادثان، وكل حادث لا بد له من محدث. فالحركة تدل على وجود محرك وراءها.
وإذا كان الكون مجموعة من الأشياء، التي تعتور عليها الحركة والسكون، كان لا بد له من محرك.
وإذا صح هذا، وعرفنا بأن الحركة في مفهوم الفلاسفة، عبارة عن خروج الشيء المتحرك من القوة إلى الفعل، أي من مرحلة الإمكان إلى مرحلة التحقق والثبوت، كانت حركة الشيء عبارة عن وجوده، وبالتالي حركة الكون عبارة عن وجوده أيضاً.
وإذا كان لا بد لكل حركة من محرك، كان لا بد لحركة الكون بمعنى وجودها من محرك بمعنى موجد.
____________________
(١) فلسفتنا للسيد محمد باقر الصدر ٢١٣.
ولا يعقل أن يكون الكون علة لحركة نفسه، لأننا بعد أن فرضنا أن حركة الكون عبارة عن خروجه من القوة إلى الفعل، فإن أية ظاهرة كونية ينطبق عليها هذا القدر، بمعنى أن يكون وجودها، بخروجها من القوة إلى الفعل، وهي في هذا الخروج محتاجة إلى من يخرجها من تلك المرحلة إلى هذه المرحلة. ونتيجة الالتزام بعلية الكون نفسه لحركته، التسلسل في العلل والمعلولات إلى ما لا نهاية.
مثلاً، لو أخذنا الظاهرة الكونية (أ)، فهي لتتحرك، لا بد من وجود شيئين فيها، شيء بالقوة، وشيء بالفعل.
وإذا كانت الحركة - كما سبق - خروجاً من القوة إلى الفعل، فهي لتتحرك، تحتاج إلى وجود محرك يخرجها من وإلى. ولنفرضه الظاهرة (ب).
وحينئذ ننقل الكلام إلى هذا المحرك. إذ ان وجود عبارة أخرى عن حركته ما بين القوة والفعل، فهو أيضاً محتاج إلى وجود محرك لنفرضه الظاهرة (ج).
وحينئذ ننقل الكلام إلى هذا المحرك الثالث، فهو في وجوده بمعنى حركته ما بين القوة والفعل، محتاج إلى محرك وهكذا دواليك، حتى تصعد بنا السلسلة إلى ما لا نهاية، في ظواهر الكون المادية. ولا تنقطع إلا بفرض محرك أقصى ما ورائي، هو فعل محض، لا تشوبه القوة بحال من الأحوال، حتى يحتاج إلى علة تخرجه منها إلى الفعل. وهو المطلوب.
ه - دليل الإمكان والوجوب:
ولا بد لنا، قبل أن نذكر هذا الدليل ملخصاً، من أن نلم، ولو إلمامة مختصرة، بمعنى كل من الممكن، والواجب عند الفلاسفة والمتكلمين.
معنى الممكن : فالممكن عندهم هو «ما كانت ماهيته قابلة للوجود والعدم» أو هو بعبارة أوضح، ما تكون ماهيته في مرتبة وسط بين نقطتي الوجود والعدم.
معنى الواجب : وأما الواجب، فهو ما استحال انفكاك الوجود عنه، أو انفكاكه عن الوجود، لأن ماهيته الوجود نفسه، وهو العلة الأولى، التي يفتقر كل وجود إليها، في حين أن وجودها بذاته، من دون حاجة إلى أية علة.
وحاصل دليل الوجوب والإمكان هذا، على ضوء ما ذكرناه من معنى الممكن والواجب هو (أن الأمور التي تدخل في الوجود) لا تخلو بالقسمة العقلية من أن تكون إما واجبة، أو ممكنة.
ونحن، إذا نظرنا إلى العالم ككل، ونعني به كل ما عدا اللّه، لأدركنا استحالة أن يكون واجباً. لأنه حادث، يدل على حدوثه تغيره من حال إلى حال، ومن صفة إلى أخرى، والواجب ثابت لا يتغير.
ومعنى كونه حادثاً، أنه وجد بعد أن لم يكن.
وإذا كان العالم حادثاً - بكل مظاهره - ويستحيل أن يكون واجباً لذلك، تعين أن يكون قبل وجوده وتحققه ممكناً، وإلا لو كان ممتنعاً لما وجد. وقد عرفنا أن الممكن، هو ما يستوي فيه طرفاً الوجود والعدم.
وإذا كان الوجود والعدم متساويين بالنسبة إلى العالم قبل ترجح وجوده، وعرفنا استحالة ترجح أحد المتساويين على الآخر إلا بمرجح، جزم العقل بضرورة وجود مرجح رجح جانب الوجود في العالم على جانب العدم، «وإلا
لبقي هذا العالم الممكن على حاله الاُولى من العدم»(١) .
وقد يتوهم متوهم، أن العالم الممكن حسب الفرض، يكون نفسه علة هذا الترجيح من دون حاجة إلى فرض مرجح خارج عنه، لكفة وجوده على عدمه.
ولكن هذا التوهم، يزول بمجرد الالتفات إلى أن العلة، ليصح أن تكون علة، لا بد من تقدمها على معلومها ذاتاً ورتبة.
ومع فرض أن العلة هي نفس المعلول، يلزم أن يكون الشيء متقدماً على نفسه وهو محال، هذاأولاً .
وثانياً : «ليس وجوده عن ذاته بأولى من عدمه»(٢) .
بعد أن اتضحت ضرورة وجود مرجح لكفة الوجود في العالم على كفة العدم، لا بد من أن ننقل الكلام إلى هذا المرجح، فهو بالقسمة العقلية، لا يخلو عن إحدى حالتين، إذ إنه إما واجب، أو ممكن.
فإن كان واجباً، فقد ثبت المطلوب، وهو واجب الوجود. وإن كان ممكناً، لا بد له بدوره، من علة رجحت كفة الوجود فيه على كفة العدم. وذلك لان الموجود الممكن، كما سبق بيانه، لا بد له من علة تتقدم عليه. فإن كانت العلة ممكنة، وجب أن يوجد لها علة، وهكذا إلى غير نهاية، وذلك معناه التسلسل في العلل والمعلولات، والتسلسل باطل. فلا بد لقطع سلسلة العلل هذه، من فرض علة، يكون الوجود ضرورياً لها، بل تكون محض الوجود ونفس الوجود، وهي، واجب الوجود لذاته.
____________________
(١) الإقتصاد في الإعتقاد للغزالي ١٤.
(٢) الإشارات والتنبيهات لابن سينا ٤٤٩.
الدليل على بطلان التسلسل:
وقد أقام فلاسفة الإسلام ومتكلموه، عدة أدلة على استحالة التسلسل أهمها دليلان(١) :
الأول : هو ما يسمى ببرهان التطبيق. وحاصل هذا الدليل اننا لو أخذنا مجموعة العلل الموجودة في السلسلة اللامتناهية - حسب الفرض - وسبكناها في سلسلة. ثم أخذنا مجموعة المعلولات وسبكناها في سلسلة أخرى. ثم اقتطعنا جزءاً معيناً من سلسلة العلل. ثم أطبقنا سلسلة المعلولات على ما تبقّى من سلسلة العلل، على نحو تكون بداية كل من السلسلتين منطبقة على بداية الأخرى.
وهنا لا يخلو الأمر عن إحدى حالتين:
إما أن تستمر السلسلتان إلى غير نهاية، وهو محال لاستلزامه أن تكون السلسلة التامة كالناقصة.
وإما أن تتناهى الناقصة، وهي سلسلة العلل حسب الفرض، وحينئذ - لا بد من تناهي التامة أيضاً، وهي سلسلة المعلولات، لأنها لا تزيد على الناقصة، إلا بالمقدار المتناهي الذي اقتطعناه من هذه الأخيرة، والزائد على المتناهي بمقدار متناه، لا بد وأن يكون متناهياً.
الثاني : لو أخذنا سلسلة مركبة من علل ومعلولات لا متناهية - كما يدعى -، فلا تخلو أن تكون تلك السلسلة بمجموعها، واجبة أو ممكنة.
____________________
(١) راجع هذين الدليلين وغيرهما في شرح التجريد للعلامة الحلي / ٨٥ وما بعدها وكتاب الأربعين لفخر الدين ٨٣ وما بعدها.
وكونها واجبة مستحيل، لأن أية حلقة وضعنا يدنا عليها في هذه السلسلة، فهي في نفس الوقت الذي تكون فيه علة لما بعدها، تكون معلولة لما قبلها، أيضاً، فتكون ممكنة، وتكون السلسلة بالتالي، عبارة عن مجموعة من الممكنات، والواجب ما لا يحتاج في وجوده إلى علة كما مر.
وإذا استحال أن تكون السلسلة واجبة، تعين أن تكون ممكنة، وحينئذ يحكم العقل بضرورة احتياجها إلى علة، لما تقدم، من أن ترجح وجود الممكن على عدمه، لا بد له من مرجح.
وهذا المرجح، يستحيل أن يكون نفس تلك السلسلة كلاً أو جزءاً لأنه يستلزم أن يكون الشيء علة لنفسه.
فتعين أن يكون المرجح خارجاً عن هذه السلسلة، التي هي مجموعة ممكنات، والخارج عن دائرة الممكنات هو الواجب، فيثبت المطلوب، وهو ضرورة انقطاع السلسلة، إذ الواجب ما كان نفس الوجود، فلا نكون بحاجة إلى التساؤل عن علة وجوده كما هو واضح.
الفصل الثاني مع الماديين
تمهيد:
بعدما تقدم، لا بد لنا من التعرض لمقالة الماديين، الذين يقفون في الضفة الأخرى المقابلة للإلهيين لنقف على رأيهم فيما يتعلق بالعلة الأولى لهذا الكون، ومن أين بدأت الحياة فيه وكيف؟
ويظهر من طرحنا للموضوع بهذه الصيغة، ان هناك نقطتين هامتين، يجب أن نثيرهما مع أنصار المادية:
الأولى : هل فرض علة أولى لهذا الكون أمر ضروري؟ وعلى تقدير كونه ضرورياً فما هي هذه العلة؟
الثانية : ما هو أصل الحياة، وكيف تفسر بدايتها وتنوعها، بتنوع الكائنات الحية التي تعيش في وعلى هذه الأرض.
أما بالنسبة للنقطة الأولى، فلا بد من التعرض عندها لمقالتين، مقالة المصادفة، ومقالة المذهب الطبيعي.
المبحث الاول مذهب المصادفة
وقد ذهب أتباع هذا المذهب، إلى إنكار وجود علة من أي نوع لهذا الكون، وزعموا أنه إنما وجد بطريق المصادفة والاتفاق.
وإذا سألناهم عن كيفية حصول مثل هذه المصادفة، التي وجد الكون على أساس منها، لأجابوا: بأن ملايين الذرات، التي لا نهاية لها، تحركت في فضاء لا نهاية له، وزمان لا نهاية له أيضاً، بلا قصد وبلا غاية، ثم التحمت مع بعضها البعض، في كتلة عظيمة هائلة، اصطدمت بالشمس عندما اقتربت فتفتتت نتيجة لهذا الاصطدام، فتكونت الأرض وبقية الاجرام والكواكب في هذا النظام الشمسي، على الصورة التي نراها ونحسها.
ويرقى منطق التصادفيين هذا، إلى أقدم عصور الفكر الإنساني، حتى يتصل بالعصر اليوناني، منتسباً إلى أبيقور (٣٤٢ - ٢٧٠ ق. م)، وبعض السابقين عليه من فلاسفة اليونان ممن كان يقول بأن العالم وجد من «العماء».
موقف ونقد:
ومنطق المصادفة والاتفاق هذا، وإن كان يدعو إلى السخرية والاستهزاء، لأنه يرفض مبدأ العلية، وهو مسلمة لم يختلف عليها اثنان من أرباب الفكر،
ولذا نبذته الأوساط الفلسفية والمدارس العلمية على حد سواء، إلا أنه لا بد لنا من وقفة قصيرة، نحاكم فيها هذا المنطق، تمشياً مع مقتضيات المنهجية والموضوعية، اللتين تفرضهما الروح العلمية وذلك ضمن عدة نقاط:
أولاً : إننا لا نفهم، كيف يمكن للمصادفة، التي تعني الفوضى واللا قصد، والتشويش، أن تنتج هذا النظام الدقيق، والتناسق المذهل، اللذين نراهما يطلان علينا من خلال كل مظاهر هذا الكون المحيط بنا؟ وهذا الجمال الرائع الذي يطالعنا، فيدخل على نفوسنا الغبطة والسرور، وهل يعقل لفاقد كل ذلك أن يعطيه؟
إن معنى النظام «تأليف الكثير لتحقيق غاية معقولة قبل تحقيقها» ومن البديهي أن المعقول يحتاج إلى عقل يوجد فيه والمصادفة غير عاقلة.
وسوف نعود إلى هذه النقطة بالذات، لنحللها بعد قليل.
ثانياً : إن نفس منطق القائلين بالمصادفة، يستبطن إقراراً وإذعاناً بمبدأ العلية والسببية. وذلك لأنهم يفترضون وجوداً سابقاً لجرم الشمس، ووجوداً سابقاً لفضاء لا نهائي، وزمان كذلك، كان مجالاً لسبح الشمس والكتلة الهائلة من الذرات قبل اصطدامهما، يفترضون كل هذه الأمور القبلية، ليرتبوا بعد ذلك موضوع التصادم الذي يتسبب عنه - في زعمهم - هذا الكون المادي.
وما مبعث ذلك في اعتقادي، إلا نفور عقولهم، من تقبل فكرة مسبب بلا سبب، ومعلول بلا علة -، أي بالمصادفة - وإلا لكان باستطاعة هؤلاء، أن يدّعوا من رأس، أن هذا الكون، وجد كما هو عليه من أول الأمر، من دون حاجة أو لجوء إلى
افتراض ذرات، وتلاحم بين هذه الذرات، وفضاء تلاحمت فيه، وزمان لهذا التلاحم، ثم اصطدام بشمس كانت في وجودها سابقة على كل ذلك.
ثالثاً : إن رد وجود هذا النظام الكوني إلى المصادفة، ينطوي في حد ذاته على التناقض المستحيل، بمعنى أن القائل به يقع في التناقض، لأنه يلتزم بإنكار مبدأ العلية كلية، وهذا معناه أنه «يزعم أن ما يوجد ليس له ما به يوجد»(١) .
رابعاً : من الواضح أن العالم ليس ممتنعاً، إذ لو كان ممتنعاً لما وجد. كما أنه ليس واجباً، لأنه - بإقرار القائلين بالمصادفة أنفسهم - لم يكن فكان، والواجب، لا يجوز عليه العدم، في أي زمان.
وإذا لم يكن العالم واجباً، ولا ممتنعاً، فهو إذن ممكن، إذ لا رابع لهذه الأقسام. والممكن - كما سبق - هو الذي يتساوى فيه طرفاً الوجود العدم ومن الواضح استحالة ترجح أحد المتساويين على مساويه من دون سبب، وإلا لكان خلف فرض تساويهما.
وعلى ضوء ما ذكرناه، فالإلتزام بالمصادفة، معناه الإلتزام بما هو خلف فرض العالم ممكناً. إذ ليس معنى المصادفة، إلا وجود شيء ينطوي على إمكان الوجود وإمكان العدم بصورة متعادلة من دون علة. والخلف باطل، وما استلزم الباطل - وهو القول بالمصادفة - يكون باطلاً.
____________________
(١) تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم ١٦٩.
خامساً : إن المصادفة، إذا أردنا أن نخضعها لمنطق الإحتمالات، لوجدنا أنها لا يمكن أن يستند إليها وجود هذا الكون. ولتوضيح ذلك، نأخذ طبقة واحدة من طبقات الشبكية التسع في عين الإنسان، وهي الطبقة الأخيرة، حيث نجدها تتكون من ثلاثين مليوناً من الأعواد وثلاثة ملايين من الأجسام الدقيقة المخروطية الشكل، مرتبة ومنظمة بدقة متناهية لتعكس المرئيات بالشكل الصحيح على صفحتها.
ونحن لو رقمنا هذه الأعواد، من واحد إلى ثلاثين مليوناً، ثم شوشناها، وأريد أن يعاد ترتيبها، ولكن عن طريق المصادفة والإتفاق، وذلك بالشكل الدقيق المنظم، الذي يمكنها معه، من أن تؤدي وظيفتها المصممة من أجل تأديتها، لكان هذا العمل ضرباً من المستحيل.
يكفي، لكي يجزم الإنسان باستحالة هذا العمل، أن يتصور أن نسبة احتمال ان يحتل العود رقم(١) مكانه المخصص له في هذا التركيب المنظم هي ٠٠٠، ٠٠٠، ٣٠ /١ أي واحد من بين ثلاثين مليون إحتمال.
هذا هو نصيب العود رقم واحد من احتمالات الوقوع في مكانه المناسب بطريقة المصادفة. فكيف بالعود رقم(٢) ؟
إن نسبة احتمال احتلال هذا العود، مكانه المخصص له في هذا التركيب المنظم بطريق المصادفة ٠٠٠، ٠٠٠، ٠٠٠، ٠٠٠، ٩٠٠ / ١ أي واحد من بين تسعمائة بليون احتمال!!
هذا هو نصيب العود رقم(٢) فقط، من احتمالات الوقوع في مكانه المناسب بطريق المصادفة، فكيف بالعود رقم(١٠)
أو العود قم (١٠٠) أو العود رقم (١٠٠٠) حيث يبلغ طول عدد الإحتمالات عشرات الأمتار من أرقام وأصفار.
وكذا، تستمر نسبة احتمال وقوع شيء معين في هذا التركيب تتضاءل كلما تصاعدت كمية الإحتمالات، إلى أن يصبح احتمال وقوع ذلك الشيء، في حكم المعدوم.
هذا في طبقة واحدة من طبقات شبكية عين الإنسان. فكيف بنا إذا أردنا أن نخضع هذا الكون المنظم بكل ما فيه من كائنات وذرات، لمنطق المصادفة السقيم؟ ان ذلك لو حاولناه، يبدو من السخف والجنون بمكان.
النتيجة:
على ضوء ما تقدم من نقاط، يتضح مدى جدب منطق المصادفة وعقمه وعجزه عن أن يفسر لنا وجود هذا الكون، بتناسقه، وجماله، ونظامه، وروعته ولذا نبذه الفلاسفة والمفكرون نبذ النواة، فلنشح بدورنا بوجوهنا عنه، متوجهين نحو مجموعة أخرى من الماديين، ومذهب آخر من مذاهبهم هو: المذهب الطبيعي.
المبحث الثاني المذهب الطبيعي
وحاصل المذهب الطبيعي هذا، هو دعوى «أن الكون يرجع في أساسه، إلى ذاته فحسب. ولسنا بحاجة إلى افتراض مصدر خارجي، أو قوة علوية، لإضفاء الوجود أو المعقولية عليه. أي أن الكون يقف على أرجله، غير معلق بأربطة حذاء كونية، ومن ثم فإن السؤال عما يقع خارح الكون أو وراءه هو سؤال لا معنى له»(١) .
وموقف الطبيعيين هذا، يعني إنكارهم لضرورة وجود علة لهذا الكون، خارجة عنه، حدوثاً وبقاءاً، «وأنه منطو على ذاته ومكتف بذاته، ومعتمد على ذاته، ومدبر لذاته»(٢) .
كما أن هذا الموقف - خاصة إذا تمعنا الجملة الأخيرة المقوسة - يعني أن العلة الفاعلية لهذا الكون هي نفس علته المادية. أي نفس المادة الأساسية التي تتألف منها موجودات هذا الكون.
نقد المذهب الطبيعي:
ونحن، لا بد لنا من بيان فساد هذا المذهب، بالتركيز على عدم إمكان أن تكون العلة الفاعلية للكون هي نفس علته المادية. وذلك ضمن نقاط.
____________________
(١) الفلسفة أنواعها ومشكلاتها لهنترميد ٩٠.
(٢) نفس المصدر ٨٧.
أولاً : ان هذا الكون، بما فيه من مظاهر النظام الدقيق، والتناسق المبدع يستحيل أن يكون منبثقاً عن مادة عمياء. وذلك لأن النظام معناه تأليف الكثير لتحقيق غاية معقولة قبل تحقيقها. ومن البديهي، أن المعقول يحتاج إلى عقل يوجد فيه، لاستحالة وجوده بلا موضوع، كاستحالة وجوده بلا متعلق، ومن الواضح أن المادة غير عاقلة.
ثانياً : لقد ثبت في علم الفيزياء، أن المادة الأساسية، التي يتألف منها العالم - أي العلة المادية للعالم - تتكون من عناصر بسيطة قد تقارب المائة.
بمعنى أننا لو حلّلنا أي جسم من الأجسام الموجودة في هذا الكون، نراه لا يعدو أن يكون عنصراً واحداً من هذه العناصر، إذا كان ذلك الجسم بسيطاً، أو عنصرين إثنين أو أكثر منها، إذا كان مركباً.
وقد ثبت في علم الفيزياء أيضاً، أن الخصائص الأساسية للأجسام المادية المركبة، يمكن سلبها عن تلك الأجسام، وذلك بطريقة التحليل.
فلو أخذنا الماء - مثلاً - بماله من الخاصية الأساسية وهي السيلان، لوجدنا أنه بتحليله إلى عنصريه البسيطين، اللذين يتركب منهما، وهما الأوكسجين والهيدروجين، وفصلنا بين ذرة الأوكسجين فيه، وذرتي الهيدروجين، ترتفع صفة المائية بمالها من خاصية وهي السيلان، وتوجد صفة أخرى هي صفة الغازية.
وهذا معناه، أن صفات المركبات، صفات عرضية، تعرض للعناصر البسيطة، وليست ذاتية لها.
كما ثبت في الفيزياء، إمكان تبديل بعض تلك العناصر البسيطة التي تكوّن بمجموعها العلة المادية للعالم بالبعض الآخر.
فمثلاً، لو أخذنا عنصراً من تلك العناصر البسيطة هو اليورانيوم، لوجدنا أن ثلاثة أنواع من الأشعة، تنبثق عنه هي: جاما، بيتا، ألفا.
وقد ثبت أن أشعة ألفا، ليست سوى ذرات عنصر الهليوم، الذي يأتي في مرتبة أرقى بمرتبة من الهيدروجين في الجدول الذري للعناصر. وهذا معناه أن عنصر اليورانيوم، يتحول في بعض أجزائه إلى عنصر الهليوم.
كما ثبت علمياً، إمكان توليد عنصري الأوكسجين والهيدروجين البسيطين نتيجة التقاء عنصر الهليوم مع عنصر الآزوت.
وهذا معناه، أن صفات العناصر البسيطة هذه، ما هي إلا صفات عرضية للمادة، وليست ذاتية لها.
وثبت علمياً أيضاً، إمكان تحويل المادة إلى طاقة، وذلك بضرب كتلة المادة في مربع سرعة الضوء (سرعة الضوء هي ١٨٦٠٠٠ ميل في الثانية الواحدة)
الطاقة = الكتلة (١٨٦٠٠٠)٢
كما أمكن تحويل الطاقة أيضاً بدورها إلى مادة، وذلك بقسمة الطاقة على مربع سرعة الضوء.
المادة = الطاقة / (١٨٦٠٠٠)٢
هذا معناه أن صفة المادية نفسها ما هي إلا صفة عرضية للمادة ليست ذاتية لها.
النتيجة:
وعلى ضوء ما تقدم، يتبين لنا أن جميع الصفات التي تتشكل بها المادة في كل مظهر من مظاهر هذا الكون، سواء كانت في المركبات، أو العناصر البسيطة، أو صفة المادية نفسها، ما هي إلا صفات عرضية لتلك المادة بدليل إمكان سلخها أو انسلاخها عنها. وهذا بنفسه كاشف عن أن نفس المادة يستحيل أن تكون هي العلة الفاعلية لتلك الصفات، إذ لو كانت كذلك، لكانت تلك الصفات ذاتية لها، والذاتي يستحيل انفكاكه عن الذات كما هو واضح.
ثالثاً : لو أخذنا قانوناً عاماً من القوانين العلمية. ولنفرضه القانون القائل - كل حديد يتمدد بالحرارة - وتساءلنا عن كيفية التوصل إلى وضع هذا القانون العام. فهل أن العالم الطبيعي، قد جمع عينات من كل الحديد الموجود في الكون في مختبره وأجرى عليه تجاربه، ثم وجدها تتمدد بالحرارة، فوضع هذا القانون العام الشامل لكل حديد؟
طبعاً لم يحدث شيء من هذا قط. بل الذي حدث، هو أن هذا العالم قد أجرى تجاربه على قطع محدودة العدد من الحديد، قد لا تتجاوز أصابع اليد، فوجد أنها تتمدد بالحرارة، فوضع قانونه الشامل هذا لكل حديد. وهنا يحق لنا أن نتساءل من جديد:
إذا لم يستوعب العالم عينات كل حديد العالم في تجاربه، فكيف يجوز أن يعطي حكماً عاماً شاملاً لكل ذلك الحديد في هذا العالم؟
هنا، يأتي دور ما يسمى بقانون التناسب القائل: «ان كل مجموعة متفقة في حقيقتها من مجاميع الطبيعة، يلزم أن تتفق أيضاً في الأسباب والنتائج»(١) .
____________________
(١) راجع فلسفتنا للسيد محمد باقر الصدر ٢٨١ دار الفكر.
فهنا، وإن كان العالم قد أجرى تجاربه على عدد محدود من قطع الحديد، إلا أنه لما كانت هذه القطع التي أجرى تجاربه عليها، تشابه كل القطع الأخرى الموجودة في العالم من الحديد، كان لا بد من أن تثبت لها نفس الآثار التي من جملتها التمدد بالحرارة.
ولولا هذا القانون، لما أمكن لأي عالم أن يضع قانوناً عاماً. ومعنى ذلك القضاء المبرم على جميع العلوم الطبيعية.
إذا تبين هذا، تتبين استحالة أن تكون العلة المادية للعالم، هي نفسها العلة الفاعلية له.
وذلك، لأنه على ضوء ما ذكرناه في النقطة الثانية، اتضح أن العلة المادية للعالم، حقيقة عامة وواحدة، وهي عبارة عن العناصر البسيطة المائة أو أكثر بقليل، مع كون العالم متنوع المظاهر، ومختلف الكيفيات، ومتباين الحركات، فلو كانت العلة المادية - التي هي حسب الفرض حقيقة واحدة - نفسها العلة الفاعلية للعالم على اختلاف مظاهره، وتعدد أشكاله، وتباين حركاته، لكان معنى ذلك، أن الحقيقة الواحدة، تختلف في آثارها، وتتناقض في أحكامها وتتباين في ظواهرها. وهذا معناه، نسف قانون التناسب المذكور آنفاً، على أنه أساس لكل القوانين العامة في العلوم الطبيعية، والقائل بأن الحقيقة الواحدة يستحيل أن تتناقض آثارها، وتختلف ظواهرها...
بعد كل ما قدمناه، يتضح إفلاس المذهب الطبيعي، عن إثبات زعمه بأن العلة الفاعلية لهذا الكون، هي نفسها علته المادية، وببيان فساد كلا المذهبين مذهب المصادفة والمذهب الطبيعي، ينتهي الكلام في النقطة الأولى من نقطتي هذا البحث.
النقطة الثانية:
وهي التي يدور الحديث فيها عن أصل الحياة، ومجراها. وبعبارة أوضح، عن كيفية وجود الحياة على هذا الكوكب، وكيفية ابتدائها وتنوعها بتنوع الكائنات الحية التي تعيش في وعلى سطح هذه الأرض؟
ويبدو من طرحنا للبحث في هذه النقطة بهذه الصيغة، أن هنا مسألتين تجب معالجتهما.
الأولى : عن كيفية وجود الحياة على هذا الكوكب. وهو ما عبّرنا عنه بأصل الحياة.
الثانية : عن كيفية تنوع هذه الحياة، بتنوع الكائنات الحية، وهو ما عبّرنا عنه بمجرى الحياة.
المبحث الثالث أصل الحياة
وتوجد حول أصل الحياة، نظريات كثيرة، أهمها في اعتقادي ثلاث نظرية الخلق الخاص.. نظرية النقل. نظرية الانبثاق.
ولكن، قبل أن نتصدى لبيان هذه النظريات، باختصار مع ما يمكن أن يرد عليها أو لها، لا بد من الإشارة إلى أن فكرة الخلق، وكيفية ابتدائه في هذا الكون، لم تكونا وليدتي هذا العصر، وإنما هما قديمتان قدم الإنسان. وكلما تغلغلنا في أعماق التاريخ الإنساني، وجدنا أن هنالك تفسيرات عديدة لكيفية حصول الخلق وابتداء الحياة. ولكنها في كثير من جوانبها، تتخذ الصفة الأسطورية المغلفة بغلاف من الخيال الواسع. ولا بأس بالإشارة إلى نظريتين اثنتين لحضارتين عريقتين حول أصل الحياة.
نشأة الخلق في الأساطير
أ - نشأة الخلق في أساطير المصريين القدماء:
وإذا راجعنا عقيدة المصريين القدماء، في كيفية نشوء الخلق وابتداء الحياة على هذه الأرض، لوجدنا أن الخلق فيها «نشأ من تزوج الإله الأعلى الذي هو الشمس للأرض، إذ أن - رع - أو الشمس هو الخالق على الدوام».
ولما أشرق أول مرة، ورأى الأرض صحراء جرداء، غمرها بأشعته، فبعث فيها النشاط، فخرجت من عيونه كل الكائنات الحية، من نبات وحيوان وإنسان»(١) .
ب - نشأة الخلق في أساطير البابليين:
وإذا رجعنا إلى عقيدة البابليين القدماء، حول كيفية نشوء الخلق والحياة على هذه الأرض، لوجدنا أن الأسطورة البابلية تقول: «كان في أول الأمر عماء في الوقت الذي لم يكن فيه شيء عال يسمى السماء، ولم يكن فيه شيء واطئ يسمى الأرض. ثم جاء - ابسو - أي المحيط - وكان أبا الأشياء أول الأمر. و - تيامات - التي ولدتها كلها، وخلطا دماءهما معاً. وبدأت الأشياء تنمو وتتخذ لها أشكالاً، ولكن تيمات الالهة المهولة
____________________
(١) قصة الحضارة. المجلد الأول، الجزء ٢ / ١٥٧.
شرعت تبيد كل الآلهة الآخرين، لتجعل نفسها صاحبة المقام الأعلى. واعقبت هذا ثورة عظيمة اضطرب منها كل نظام. ثم جاء إله آخر هو - مردك - وقتل - تيامات - ثم قسم تيامات الميتة قسمين مستطيلين، كما يقسم الإنسان السمكة ليجففها. ورفع أحد القسمين إلى أعلى فكان هو السماء. وبسط النصف الآخر تحت قدميه فكان الأرض. ولما ان فتق مردك السماء والأرض ووضعهما مكانيهما، شرع يعجن الأرض بدمائه ويصنع الناس»(١) الخ.
النظريات حول أصل الحياة:
بعد هذا، لا بد من العود إلى استعراض ما ذكرناه من نظريات الخلق الثلاث.
١ - نظرية الخلق الخاص:
وهي ما يقول به الإلهيون. وفحوى هذه النظرية، هو أن الحياة قد استحدثت في هذا الكون، من قبل قوة فاعلة، هي نفس القوة التي يردّ إليها الإلهيون خلق الكون نفسه، في مرحلة سابقة. هذه القوة هي: اللّه.
وهذه النظرية، قد أجمعت عليها جميع الأديان السماوية الثلاثة: اليهودية، والنصرانية، والإسلام، متمثلة في كتبها: التوراة، والإنجيل، والقرآن.
٢ - نظرية النقل:
وحاصل نظرية النقل هذه، حول كيفية وجود الحياة على هذه الأرض
____________________
(١) نفس المصدر ٢١٧.
هو «ان الحياة قد أتت إلى أرضنا من كوكب آخر، بل ربما من نظام شمسي آخر»(١) .
وإذا سألنا أصحاب هذه النظرية، عن الوسيلة التي انتقلت الحياة بواسطتها إلى الأرض من ذلك الكوكب، أو النظام الشمسي الآخر المزعوم لأجابوا: بأن هذه الحياة، قد انتقلت بواسطة ذرات دقيقة، حملتها الشهب الصغيرة التي تنطلق عادة بين الكواكب، أو غيرها، من الغبار الكوني المنتشر بين الأجرام!!
نقد نظرية النقل:
ونظرية النقل هذه، مما لا يمكننا قبوله.
أولاً : لأنها لم تفسر لنا كيفية نشوء الحياة على هذا الكوكب، بل هي أقرب إلى الهروب من مواجهة السؤال المطروح عن أصل الحياة، منها إلى الإجابة عليه. وذلك بالزعم، بأن الحياة قد انتقلت انتقالاً إلى الأرض من كوكب آخر.
ثانياً : إنها لم تعين لنا الكوكب، أو النظام الشمسي، الذي كان - بحسب زعم أصحابها - منطلقاً للحياة إلى الأرض، وهذا يكشف عن انها نظرية مسرفة في الخيال إلى حد بعيد.
ثالثاً : انها «لا تبذل محاولة لتعليل وجود الأشكال الحية في الكوكب الذي يفترض انها انتقلت منه»(٢) .
____________________
(١) الفلسفة أنواعها ومشكلاتها لهنتر ميد ١٠٥.
(٢) نفس المصدر.
٣ - نظرية الانبثاق:
وقد يعبر عن هذه النظرية في كثير من الأحوال «بنظرية البداية التلقائية» وحاصل هذه النظرية - التي تعتبر ممثلة لوجهة نظر العلم - «ان المادة العضوية قد ظهرت من المادة غير العضوية، في وقت معين من الزمان، وهي لا تفترض أن أية قوة خارجية، أو قدرة خالقة كانت لازمة لإحداث هذا التغيير، وإنما هو حدث بوسائل طبيعية محضة، أي نتيجة لتجمع عفوي لظروف طبيعية»(١) .
نقد النظرية:
وهذه النظرية باطلة لأمور:
الأول : انها مجرد فرضية لم يدعمها أي دليل علمي، وهي بهذا أقرب ما تكون إلى المصادرات منها، إلى تفسير نشوء الحياة.
الثاني : انها كما يبدو من قول أصحابها في النص المتقدم: أن التغيير الذي طرأ على المادة غير العضوية التي تولدت منها مادة عضوية، إنما كان بالمصادفة والاتفاق، لأنه كان - كما يقول هؤلاء - نتيجة تجمع عفوي لظروف طبيعية، وقد تقدم منا إقامة الأدلة الكثيرة على بطلان منطق المصادفة، ولذا لا داعي للتكرار.
____________________
(١) الفلسفة أنواعها ومشكلاتها لهنتر ميد ١٠٥.
الثالث : إن هذه النظرية لا تستطيع أن تفسر لنا هذه الظروف التي تجمعت بشكل عفوي. ومع هذا، كيف يمكن أن نردّ أصل الحياة إلى ظروف لا نعرف أي وجه من وجوهها، أو ما يلقي عليها ولو ضوءاً باهتاً؟.
الرابع : إن أصل الحياة، إذا كان وليد تجمع ظروف طبيعية، فلماذا لا يحاولون تكرار تجميع هذه الظروف في معاملهم من جديد ليتحفونا بتفسير لأصل الحياة بشكل محسوس؟
المبحث الرابع مجرى الحياة
هذا هو الشق الثاني، من النقطة الثانية، التي قلنا بأن الحديث فيها، سوف يدور مع الماديين، حيث انهينا الحديث قبل قليل عن الشق الأول منها، وكان أصل عن الحياة.
إننا نرى بأعيننا، تنوع الحياة بأشكالها المختلفة، فكيف حدث هذا التنوع؟ وما هي علته؟
أ - رأي الإلهيين:
ويعتقد الالهيون، بأن هذا التنوع والاختلاف، يرجع إلى نفس العلة التي كانت سبباً في وجود هذا الكون، بكل تناسقه وما يحتويه من نظام، نفس العلة التي اثبتنا فيما سبق انها خارجة عنه، وهي اللّه.
ب - مع نظرية التطور:
ولكن، لا بد من التعرض لوجهة نظر أخرى، مقابلة لوجهة نظر الالهيين هذه في تنوع الكائنات، واختلاف أشكال الحياة. ووجهة النظر هذه هي: نظرية التطور، التي جلاها وأمدها بشيء من الزخم، العالم الطبيعي الانجليزي، تشارلس دارون (١٨٠٩ - ١٨٨٢).
ملخص نظرية التطور:
وملخص نظرية التطور هذه، هو أن جميع أشكال الحياة المتمثلة في الأنواع المتعددة الموجودة فعلاً، ترجع إلى أصل واحد أو أصول متعددة. ذلك الأصل الواحد هو الذي تطورت منه هذه الأنواع خلال ملايين السنين إلى أن اتخذت أشكالها التي نراها عليها الآن.
ولكن كيف يمكن أن نفسر هذا التنوع والاختلاف، مع فرض وحدة الأصل؟
هنا يذهب دارون، وبعض أنصار مذهبه، إلى أن تفسير ذلك، يكون بقانون أساسي، هو ما اسماه بقانون تنازع البقاء.
وهناك ثلاثة قوانين ثانوية هي:(١)
«قانون الملاءمة بين الحي والبيئة الخارجية».
«وقانون استعمال الأعضاء أو عدم استعمالها تحت تأثير البيئة أيضاً».
«وقانون الوراثة».
قانون تنازع البقاء:
ومعنى هذا القانون، هو أنه لما لم يكن هنالك تناسب بين ما تعطيه البيئة الطبيعية من غذاء، وبين ما يولد من أعداد هائلة، من الكائنات العضوية، كان لا بد وأن يحدث تصارع على الغذاء بين أفراد كل نوع.
____________________
(١) يراجع تاريخ الفسلفة الحديثة ليوسف كرم ٣٣٩.
ولكن لما كانت هناك مزايا وفروق بين أفراد النوع الواحد ،(١) كان لا بد وأن تواتي الظروف، عدداً من أفراد كل نوع، ممن يحتوي الفروق والمزايا الجيدة، في حين تعاكس الظروف باقي الأفراد من نفس النوع بالنظر لرداءة ما تحمله من مزايا وفوارق.
ونتيجة ذلك كله، في هذا الصراع المستمر، سوف يكون الفوز للأقوى الأصلح. وهذا ما اصطلح عليه التطوريون ببقاء الأصلح.
ولكن التطوريين هؤلاء، رأوا أن ما تقدم وحده، لا يفسر تغير الأنواع بل وتطورها إلى الأحسن، وبالتالي بقاءها. ومن هنا ذهبوا إلى الاستعانة بقانون الوراثة. وهو أحد القوانين الثلاثة في نظريتهم كما سبق.
ومعنى هذا القانون، هو أن ما فرض من مزايا وفوارق بين أفراد النوع لا بد وأن تكون فيها قابلية الانتقال من الأفراد إلى ما يتوالد منها بطريق التزاوج «ولولا ذلك لعادت ذرية الفرد، إلى المستوى العادي للنوع، مهما كانت المزايا التي يتمتع بها الفرد نفسه. ولكان معنى ذلك، أن نعود من حيث بدأنا»(٢) ولعل هذا هو ما اصطلح عليه التطوريون بالانتخاب الطبيعي.
هذه موجزاً، نظرية التطور. ومجرد الانتباه إلى توصيف هذه النظرية. الانتخاب «بالطبيعي» يؤكد بشكل واضح، أن هذه النظرية آلية بحتة، لا تؤمن بأية ضرورة لفرض أية قوة خارجية، تسبب عنها هذا التطور، بل تحصر هذه العملية بالاتفاق والمصادفة، من دون أن يكون فيها أية غائية أو قصد، سواء في ذلك النبات والحيوان بما فيه الإنسان.
____________________
(١) و(٢) الفسلفة أنواعها ومشكلاتها لهنترميد ١١٠.
فالنبتة الجميلة التي نراها بأعيننا، ما هي في نظر التطوريين، إلا الصورة العليا لنبتة من نفس النوع قد اندثرت وانقرضت بمقتضى تنازع البقاء أو الانتخاب الطبيعي.
والإنسان في تناسق أجزائه، وجمال شكله، وحسن قوامه، ما هو في نظر دارون إلا الصورة العليا لأخس شكل من أشكال الحيوان، ولأحط فرد من أفراد القرد، قد اندثر وانقرض، بمقتضى قانون تنازع البقاء، أو الانتخاب الطبيعي، وهكذا.
أهم أدلة التطوريين العلمية:
ونحن، سوف نستعرض أهم أدلة التطوريين العلمية، لنناقشها، ثم نبدي رأينا في هذه النظرية ككل وبشكل مختصر، كسباً للوقت.
الدليل الأول : وهو أهم أدلة التطوريين، وقد استقوه من علم الحفريات. «ذلك لان بقايا الحفريات،تشكل ما يكاد يكون سلسلة من الأشكال التي تؤدي بنمط من الكائنات العضوية، إلى نمط آخر مختلف عنه كل الإختلاف»(١) .
الدليل الثاني : وقد استمده التطوريون من علم الأجنة. وملخص هذا الدليل هو «أننا كلما رجعنا القهقرى في نمو الجنين،كان التشابه أعظم بين تلك الأنواع التي يعتقد القائل بالتطور، أنها مرتبطة. فأجنة البشر والقرود،أقوى تشابهاً بكثير في الشهر الثالث من الحمل منها في الشهر الأخير» (٢) .
____________________
(١) و(٢) يراجع في هذه الأدلة وغيرها كتاب الفلسفة أنواعها ومشكلاتها لهنترميد ١١٤ وما بعدها.
وقد لاحظ هؤلاء المراحل التي يمر بها الجنين البشري فوجدوا أن من جملة هذه المراحل الجنينية، بروز فتحات خيشومية، وفقرات زائدة، فاعتقدوا بأن الأولى، وهي الفتحات الخيشومية، تشير إلى مرحلة من مراحل تطور الإنسان كما أن الثانية وهي الفقرات الزائدة، تشير إلى مرحلة أيضاً كان الإنسان فيها يملك ذيلاً.
الدليل الثالث : وقد استقاه التطوريون هذه المرة، من علم التشريح المقارن. وحاصل هذا الدليل «أننا عندما نجد شخصين متشابهين،فإنا نفترض وجود قرابة بينهما، وعلى ذلك، فعندما نكتشف أوجه شبه في التركيب أو الوظيفة بين أنواع مختلفة كالبشر والقرود مثلاً،فمن المنطقي أن نشتبه في وجود أصل مشترك » (١) .
الدليل الرابع :(٢) وهو مستمد من تحليل الدم، فإن تحليل دم كل من القرود والبشر، أثبتوجود تشابه في التركيب بين الدمين أقوى من التشابه الموجود بين دم كل منهما، ودماء أنواع أخرى من الحيوان.
مناقشة واستدلال:
ونحن، لا يمكننا قبول منطق التطوريين هذا لعدة أمور:
أولاً : من الواضح، وجود قاسم مشترك بين هذه الأدلة الأربعة، تعود
____________________
(١) و(٢) يراجع في هذه الأدلة وغيرها كتاب الفسلفة أنواعها ومشكلاتها لهنترميد ١١٤ وما بعدها.
إليه جميعها، وهو دعوى التشابه بين حلقة وحلقة، في سلسلة نوع ما، كشف عنه علم الحفريات. ومرحلة ومرحلة من مراحل تطور الجنين البشري والقرد، كشف عنه علم الأجنة. والإنسان والقرد، كشف عنه علم التشريح المقارن. ودم الإنسان ودم القرد، كشفت عنه التحليلات المختبرية. ومن هذا التشابه، قفز التطوريون ليقولوا، بضرورة وجود أصل مشترك بين الأنواع المختلفة تطورت عنه إلى أن بلغت الأشكال الراقية التي نراها عليها الآن.
ومن البديهي، أن مجرد التشابه في الشكل، بين الفتحات الخيشومية أو الفقرات الزائدة للإنسان وبعض أنواع القرود في بعض المراحل الجنينية، لا يمكن أن يكون دليلاً على أن الإنسان من نسل تلك الأنواع القردية، أو أن تلك الأنواع القردية أسلاف لهذا الإنسان.
يقول الدكتور أ. كريسي موريسون: «وتكوينه - أي الإنسان - يشبه فصائل السيميا - الأورانجتان والغوريلا والشمبانزي - ولكن هذا الشبه الهيكلي ليس بالضرورة برهاناً على أننا من نسل أسلاف سيمائية أو تلك القرود هي ذرية منحطة للإنسان.
ولا يمكن لأحد أن يزعم أن سمك القدّ، قد تطور من سمك الحساس، وان يكن كلاهما يسكن المياه نفسها، ويأكل الطعام نفسه ولهما عظام تكاد تكون متشابهة»(١) .
ثانياً : ان التطوريين لا يملكون شيئاً من الأدلة المباشرة، تدعم ما ذهبوا إليه، إذ لو كان ما ادعوه من، الأشكال الموجودة من الحياة، هي الصيغة الأعلى لأنواع خسيسة من نفس الأشكال،
____________________
(١) العلم يدعو إلى الإيمان ترجمة محمود الفلكي ١٤٢.
وإن هذه الأشكال الموجودة فعلاً، قد طرأت عليها تعديلات متعددة حتى أصبحت على الحالة التي نراها عليها الآن، لو كان كل ذلك صحيحاً، فأين هذه الأدلة التي تثبت حدوث مثل هذا التعديل؟
وبعبارة أخرى - كيف يمكننا أن نؤمن بتعديلات طرأت على نوع من الأنواع دون أن نلاحظ أو يلاحظ أي واحد من التطوريين عملية حدوث هذا التعديل في أي نوع من أنواع الحياة؟
ثالثاً: لقد فرض التطوريون - كما سبق وقلنا - مزايا وفوارق جيدة، قد توجد في فرد من أفراد النوع، ولا توجد في آخر فيها قابلية الإنتقال بالوراثة ولكن التطوريين لا يستطيعون أن يقدموا لنا تفسيراً لوجود مثل هذه الفوارق والميزات والتنوعات بين أفراد نوع واحد.
رابعاً : ان هنالك ثغرات واسعة في سلسلة النمو التدريجي المزعوم من قبل التطوريين فلو أخذنا مثلاً الإنسان الذي يحاول هؤلاء أن يثبتوا قرابة بينه وبين القرود باعتباره الحلقة الأرقى، في سلسلة نمو هذا الحيوان المتدرج. فلن يستطيع هؤلاء أن يضعوا أمام أعيننا كما يقولون سلسلة كاملة من الأشكال، التي تؤدي بنا عند ملاحظتها بشكل متسلسل وتصاعدي، من شكل يفترض أنه أخس الأشكال في هذا المخلوق إلى أن نصل إلى الإنسان الذي يفترض أنه أعلى الأشكال وأرقاها. ذلك لأننا سوف نصطدم بحلقات مفقودة، يسلم التطوريون بفقدها، ولم يؤد بهم المطاف إلى العثور عليها حتى الآن، ولم يقدموا لنا أي تفسير لوجود مثل هذه الثغرات، وقس على هذا كل أشكال الحياة الأخرى.
خامساً : إذا كان الإنسان قد وجد نتيجة تعديل تم على مراحل في أشكال سابقة من القردة، فكيف تحوّل القرد في مرحلته الأخيرة من حيوان إلى إنسان؟ والواقع أن هذه عقدة حيّرت التطوريين، ولم يستطيعوا أن يفسروا كيفية حصول هذه النقلة، ولذا ذهب بعضهم إلى التخلي عن فكرة التطور، بادعائه أن هذه النقلة حصلت بالطفرة من الحيوانية إلى الإنسانية!!
ولكن البعض الآخر وجد، أن الطفرة مستحيلة في ذاتها، فكيف فيما نحن فيه حيث توجد هوة عميقة، وفارق عظيم وهائل، بين عقل القرد والعقل الإنساني، يكفي تصور جانب من جوانب هذا الفرق، للحكم بالاستحالة، وذلك بملاحظة أن القرد يعيش إلا في الحاضر، بينما يعيش الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل.
ولذلك راح هذا الفريق يبحث عمّا يسمى بالحلقة المفقودة بين حيوانية القرد وإنسانية الإنسان. ونحن سوف نبقى بانتظار عثورهم عليها، حتى نحاول أن نغيّر شهادات مواليدنا ونعيد النظر في جنسياتنا، وقد نقدم طلبات للحصول على جنسيات جديدة من وزارة الداخلية في مملكة القردة!!؟
سادساً : لو كان قانون التطور والارتقاء صحيحاً، لوجب أن تكون الحيوانات البحرية الدنيا، الموجودة في هذا العصر مختلفة تماماً عنها في العصور السحيقة في القدم. مع أنه ثبت علمياً، أنها بقيت محتفظة بأشكالها وخصائصها التي كانت عليها، منذ أول تكونها ووجودها في أعماق المياه.
سابعاً : لقد ثبت في علم الحفريات الذي استمد منه التطوريون أهم دليل لهم كما تقدم - أن هنالك أنواعاً من الحيوانات الراقية كالفقريات، تواجدت بقاياها المتحجرة، في طبقات سفلى من الأرض، في حين وجدت بقايا متحجرة لحيوانات أدنى منها في سلم الرقي، في طبقات من الأرض، أعلى من تلك التي وجدت فيها الأولى. فلو كان قانون التطور والارتقاء صحيحاً لوجب أن تنعكس الآية، فتكون الحيوانات الأخس في طبقة أسفل من الطبقة التي وجدت فيها الحيوانات الأرقى.
ج - وقفة أخيرة:(١)
بعد هذا، لا بد من وقفة أخيرة وقصيرة مع هؤلاء التطوريين.
إنه ممّا يثير العجب حقاً، أن ينشط العقل الإنساني عند البعض بشكل يجعله يلقي الكلام على عواهنه، من دون ضوابط، فيؤدي به إلى اتخاذ مواقف مضحكة وشاذة ومحزنة في نفس الوقت.
ولكنه الشذوذ في الإنسان، إذا تمرغ في خسة الطين، وغرق في عالم الضرورات. عندها يفقد كل مقومات الإنسان. وإلا فكيف نفسر موقف هؤلاء التطوريين الذين أنكروا كل قيمة للإنسان عندما أنزلوه عن مقامه الكريم، الذي أرادته له السماء وجعلوه نوعاً من أنواع الحيوان.
ونحن لو نظرنا نظرة فاحصة إلى كل من الحيوان والإنسان، لطالعتنا
____________________
(١) فكرة هذه الوقفة الأخيرة اقتبسناها عن كتاب المفكر الإسلامي الكبير محمد قطب «دراسات في النفس الإنسانية» ١٨٥ وما بعدها. وهو كتاب جدير بالقراءة.
صفات أساسية ومعمقة، يتميز بها الإنسان وحده، مما يجعلنا نجزم باستحالة أن يكون هنالك أية قرابة بينهما. ويمكن حصر تلك الصفات فيما يلي:
١ - سعة المجال وتعدد الطرائق.
٢ - وضع حد للاكتفاء في جميع ضروراته.
٣ - التغيير والتطوير والتنويع في ضروراته.
٤ - تفرّده في السلوك.
٥ - وجود أهداف وغايات لديه يصبو إلى تحقيقها.
٦ - عدم الإحساس بالقهر إزاء الضرورات.
شرح وتوضيح:
لو أخذنا الطعام مثلاً
فإننا نرى الحيوان يندفع نحوه، بمجرد أن يحس بالجوع، وكذلك يفعل الإنسان. ولكن، توجد مميزات أساسية بين تناول الإنسان لطعامه، وتناول الحيوان.
فطعام الحيوان دائماً أنواع محددة ومكرورة، ليس فيها أي أثر للتنويع. في حين نرى الإنسان، يتحرك نحو اختيار طعامه في دائرة واسعة جداً، متميزاً بالتنويع والتعدد، ولذا نراه قد لا يتناول نوعاً واحداً من الطعام في يوم واحد، وربما في أسبوع.
ثم إننا إذا اعدنا الكرة مرة أخرى، نجد أنالحيوان يتناول طعامه بشكله الخام، الذي يجده عليه من دون تعديل ولا تحوير.
في حين نرى الإنسان يتناول طعامه بتصنيعه بالشكل الذي يتناسب مع ذوقه ورغبته، فيعدل فيه ويحوّر ويخترع أصنافاً جديدة منه، بمزج أنواع عديدة، وبمقادير مركزة ومحددة، مستعملاً في ذلك إضافة إلى عقله وحسه، ما يبتكره من آلات ومواد.
أضف إلى ذلك كله، أن للحيوان سلوكاً واحداً مكروراً، في كيفية تناوله لطعامه، فهو اما أن يتناوله بطريق الرعي دائماً، أو عن طريق التقطيع بأنيابه ومخالبه، أو مخالبه فقط، أو بطريق الازدراد بلا مضغ ولا تقطيع، أو غير ذلك باختلاف الحيوان.
في حين ان الإنسان ليس له سلوك معين في مقام تناوله الطعام. «فليس يختلف فرد عن فرد في سلوكه نحو الطعام فحسب، بل يختلف الفرد الواحد ما بين مرة ومرة وحالة وحالة فهو تارة معجل يأكل طعامه نهشاً. وتارة مُستَلقٍ يأكل على مهل وروية. وتارة يتأنق فيه تأنقاً، فيأكل بأدوات أنيقة وصحاف مزخرفة وعلى مائدة منسقة، بعد عناية زائدة بالغسل والإعداد، وطريقة التقديم».
ومن ناحية أخرى، فإن الحيوان إنما يكف عن الطعام بدافع غريزي محض من دون وعي ولا إدراك، في حين نجد لدى الإنسان الضابط المدرك والواعي الذي يجعل لديه القدرة على التحكم في نفسه من حيث تناول طعامه، حتى يصل حد التخمة، أو يصوم عنه حتى يصل حد الهلاك.
ومن جهة خامسة، نجد أن الحيوان يتوجه نحو طعامه بشكل غريزي، ويتناوله بشكل غريزي، ويكف عنه بشكل غريزي أيضاً بلا هدف واع ولا مدرك.
في حين أن للإنسان من وراء تناوله للطعام، هدفاً واضحاً.
ويختلف هذا الهدف من شخص إلى شخص، فواحد يجعل الطعام غاية في حد ذاته.
بينما يتخذه آخر وسيلة لتحقيق غاية. وواحد يأكل ليتذوق صنوف الطعام فقط، من دون أن تكون له به حاجة، وبعضهم يأكل ليسد جوعته من دون تذوق أو تلذذ، وثالث يأكل هادفاً إلى تحقيق كلتا الناحيتين.
وواحد يأكل متخفياً بهدف ستر عيب فيه، وآخر يأكل متخفياً أيضاً ولكن بهدف ألا يشاركه أحد طعامه، وثالث يأكل متخفياً، ولكن لا لهذا ولا ذاك وإنما لكي يحقق طبيعة متأصلة فيه، وهي الوحدة وحب الانفراد. وهكذا.
ثم هنالك ميزة أخيرة وعميقة أيضاً للإنسان، لا يمكن أن توجد عند الحيوان.
ان الحيوان إذا أحس بلسعة الجوع، نراه يندفع نحو طعامه اندفاعاً قهرياً لا يملك إزاءه أية حرية أو اختيار.
في حين أن الإنسان، وإن كان يتعرض للسعة الجوع، وبالتالي لا بد وان يستجيب لها «ولكن هناك مسافة زمنية وشعورية وسلوكية بين الدفعة (التي تسلب الحيوان كل اختيار، وتجعله في وضع قاهر لا محيص عنه) وبين الاستجابة التي تمثل الاختيار الحر، ومن ثم يملك الإنسان أن يستجيب في الحال بإرادته، أو يستجيب بعد فترة من الوقت، وأن ينظم مواعيد طعامه بحريته، وأن يمتنع عن أنواع معينة ويقبل على أخرى».
هذه الخصائص الست، التي تفرد بها هذا الكائن الحيواني منذ كان له وجود، خصائص جعلته فريداً بين مخلوقات اللّه، منذ أول لحظة، ولم ينفك عن هذه الخصائص ولم تنفك عنه، ليقال، بأنها تواجدت لديه نتيجة تطوره
وارتقائه، وإلا، فلماذا حصل هو بالخصوص على هذه المميزات في طبيعته دون غيره من الحيوان.
ولماذا شمله التطور هو حتى بلغ القمة، وبقيت سائر أفراد الحيوان حيث هي في الحضيض؟
فنظرية التطور، على ضوء كل ما تقدم لا تعدو أن تكون موقفاً متأرجحاً من جملة المواقف التي أدى إليها عصر النهضة، كردود فعل للموقف الظالم والمستبد الذي وقفته الكنيسة الرسمية في العصور الوسطى وما بعدها من الإنسان، حريته وعقله وكرامته. وغالباً ما تميزت ردود الفعل هذه بالعاطفة والعناد والإرتجال، العاطفة التي تشل العقل وتمنعه من الرؤية الواضحة والعناد الذي لا يقيم للموضوعية وزناً ولا قيمة - والارتجال الذي يؤدي دائماً إلى النتائج الفاسدة إن لم تكن المدمرة.
ويبقى الإنسان ذلك الكائن المتفرد من بين مخلوقات اللّه، منذ أولى لحظات وجوده في القمة، سيد الكون وخليفة الخالق على الأرض، يطوّر الحضارة ويغنيها بكل ما يحقق له السعادة والكمال.
الفصل الثالث التوحيد
أ - تمهيد:
لقد تبيّن من بحوثنا السابقة، ضرورة فرض علة أولى لهذا الكون، بكل مظاهره وأشكاله الحية وغير الحية. بعد بيان استحالة وجوده بالاتفاق والمصادفة.
وقد أدرك الإنسان منذ وجد على هذه الأرض، هذه الحقيقة بفطرته المركوزة في أعماق أعماقه. وأنجدته السماء برحمتها، فكانت النبوّات التي قادت هذا الإنسان ووجّهته، نحو تلك العلة، نحو اللّه.
ولكنه كان يتخبط في سيره لاستكناه سرها واستكشاف حقيقتها. وتتأرجح الصورة أمامه، فيضيع في محيط خيالاته وأوهامه، كلما انقطع عنه مدد السماء، في فترات متعددة ومتطاولة من الزمان، بعد أن تنطفئ في طريقه تلك الشموع التي تنير له الدرب: النبوات.
ولذا نراه قد عبد في تلك الفترات، ما ظن أنه تلك القوة والعلة، مما أحاط به من مظاهر التسلط المتمثل في حيوان تارة، ونبات أخرى، وفي ظواهر كونية كالرعد والبرق والمطر ثالثة، وفي كواكب وأجرام، كانت تبهر ناظريه صباح مساء، فتفعل فيه فعل السحر، فلا يملك نفسه من أن يسجد لها مؤلهاً، فكان الشرك.
وقد ابتدأ الشرك أول ما ابتدأ، بعبادة أوثان وأصنام، كان يصنعها الإنسان بيديه، على شكل هذا الحيوان أو ذاك، وهذا الطائر أو ذاك، وهذه الشمس أو ذاك القمر، وهكذا في كل بقاع الأرض، وعلى امتداد وجود الإنسان، وعلى اختلاف الحضارات وتنوعها، تعددت صور المعبود،
وتزاحمت أشكاله. فكان كل شعب في كل بقعة، يعبد أكثر من إله دفعة واحدة، مع تحديده وظيفة كل واحد من هذه الآلهة، ومجال اختصاصه، وجعلها مراتب ودرجات.
ففي مصر القديمة، عبد الناس النيل، وجعلوه الإله الأعظم، نظراً لما يجلبه من خصب لأرضهم، وتدمير شامل فيما لو غضب وثار. ولذا كانوا يقدمون له - في سبيل دوام رضاه - القرابين البشرية كل عام.
كما عبدوا من الحيوان، التمساح، والخطّاف، وابن آوى، والصقر، والأفعى، حتى جعل ملوكها هذه الأخيرة شعاراً خاصاً بهم(١) لأنها رمز الحكمة والحياة، وواهبة القوى السحرية(٢) .
وعبد البابليون آلهة عديدة أيضاً، أبرزها (أنو) ويريدون بها السماء الثابتة. كما عبدوا الشمس، والأرض، والقمر. بل كان إضافة إلى هذه الآلهة العامة، إله لكل أسرة منهم، بل لكل فرد، تقدم إليه القرابين، ويحرق البخور على محرابه(٣) . حتى بلغ عدد الآلهة كما في بعض الإحصاءات، خمسة وستين ألفاً(٤) .
وقس على ذلك، كل الحضارات التي احتفظ لنا التاريخ المكتوب بشيء من أخبار عقائدها، كالفرس والسومريين وغيرهم.
وقد كانت السماء دائماً، وعلى فترات، كما سبق وقلنا - قد تطول
____________________
(١) قصة الحضارة لديورانت، المجلد الأول، الجزء الثاني ١٥٨.
(٢) نفس المصدر ١٦١.
(٣) نفس المصدر ٢١٤.
(٤) نفس المصدر ٢١٣.
وقد تقصر، تمد يدها إلى البشرية، من خلال نبوة نبي أو رسالة رسول، لتصحح خط سير البشرية بعد انحرافه. ومن هنا كانت سلسلة طويلة من النبوات والرسالات، كل حلقة لاحقة فيها، كانت تدعو إلى نفس ما دعت إليه سابقتها من الحلقات، إلى نبذ عقيدة الشرك، والرجوع إلى عبادة اللّه الواحد، وبهذا كان التوحيد ركيزة كل رسالة من السماء. ركيزة الإسلام، لأنه دين اللّه.
( وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (١) .
( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَکُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ ) (٢) .
( وَ إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَکُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ ) (٣) .
( وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَکُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ ) (٤) .
( وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَکُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ ) (٥) .
وفي خطاب لموسى:
( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِکْرِي ) (٦) .
____________________
(١) الأنبياء ٢٥.
(٢) الأعراف ٥٩.
(٣) الأعراف ٦٥.
(٤) الأعراف ٧٣.
(٥) الأعراف ٨٥.
(٦) طه ١٤.
وعيسى( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّکُمْ ) (١) .
وهكذا كان الإسلام أبداً، دين التوحيد.
ولكن هذا التوحيد، الذي هو ركيزة الإسلام، دين اللّه، حرفته الأهواء والنزعات، بما في ذلك الديانات التي تدعي انتسابها إلى السماء.
فلو أخذ اليهودية مثلاً، كدين، متمثلة في نبيّها الأول إبراهيم، ومن أتى بعده من أنبياء قبل موسى، لوجدنا انها ديانة توحيد( وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَ وَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَکُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ کُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلٰهَکَ وَ إِلٰهَ آبَائِکَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ إِلٰهاً وَاحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (٢) .
ولكن اليهود، انحرفوا بعقيدة التوحيد هذه بعد ابراهيم، والأنبياء من بعده، حتى بعث موسى إلى بني اسرائيل، ليقوم بعملية تصحيحية لهذا الانحراف.
ثم انحرف اليهود عن العقيدة الصحيحة مرة أخرى، عندما حرّفوا هذا التوحيد وشوّهوه بما أدخلوا فيه من أساطير. «فجعلوا إلهاً خاصاً لبني إسرائيل، وحّدوه، ولكنهم جعلوه إلهاً قومياً، ينصرهم على اتباع الآلهة الآخرين، وذلك فوق ما افتروا على إله إسرائيل ذاته، فقالوا نحن أبناء اللّه وأحباؤه
____________________
(١) المائدة ١١٧.
(٢) البقرة ١٣٠ - ١٣٣.
وهو لا يعذبنا بذنوبنا. وقالوا عزير ابن اللّه. وقالوا عنه ان له أبناءاً تزاوجوا مع بنات الناس فولدوا العمالقة، الذين خاف الإله منهم أن يصبحوا آلهة مثله فنزل وبلبل ألسنتهم. وقالوا ان يعقوب صارع هذا الإله مرة وضربه فخلع حقوه. وقالوا عنه انه يتمشى في ظلال الحديقة ويتبرد بهوائها وانه يحب ريح الشواء»(١) .
ثم جاء عيسى، نبياً، ليقوم بعملية تصحيحية جديدة لهذا الانحراف. «ثم انتهت عقائد النصارى إلى التثليث الذي يحاولون أن يصفوه بالتوحيد بين الأقانيم الثلاثة مع الاختلاف على طبيعة الاقنوم ومشيئته الابن»(٢) .
وهكذا استمر الحال في هذا الخط من الانحراف في العقيدة، إلى أن جاء رسول اللّه محمدصلىاللهعليهوآله ليقوم بالعملية التصحيحية الكبرى والأخيرة في حياة البشرية، فيردها إلى التصور الصحيح للّه الواحد، ويكشف كل الانحرافات التي طرأت على ركيزة الإسلام الأساسية وقاعدته الرئيسية: التوحيد.
( قُلْ يَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى کَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَکُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَ لاَ نُشْرِکَ بِهِ شَيْئاً وَ لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (٣) .
ب - ولكن لماذا التوحيد؟
لماذا نعم للتوحيد، ولا للشرك؟
ولماذا هذا الإصرار من السماء، على جعل التوحيد ركيزة أساسية لعقيدة الإنسان؟
____________________
(١) و(٢) خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب ٢١٧ - ٢١٨.
(٣) آل عمران ٦٤.
ولماذا كان التوحيد القاعدة الثابتة للإسلام دين اللّه؟
يبدو لي، في مقام الإجابة على هذه التساؤلات، أن السماء تريد لهذا الإنسان كفرد، بعبوديته للّه وحده، أن تجنبه شر التمزق والتأرجح بين أرباب متعددين. وان السماء تريد للمجتمع البشري، أن لا يعيش في صراع، من جرّاء تعدد النحل والارباب والأديان. إذ إن وجود عقائد مختلفة بسبب الاعتقاد بأرباب متعددين، سوف يؤدي بالمجتمع الإنساني إلى التناحر الدائم.
وبعقيدة التوحيد، حيث يتوجه الناس، كل الناس، نحو رب واحد، فمعنى ذلك أنهم سوف يتوجهون نحو هدف واحد، وبنظام دين واحد، تأمن البشرية شر هذا الصراع، وتوفر على نفسها كثيراً من الهموم والآلام. وبهذا تتوجه الإنسانية بكل طاقاتها المتوفرة، لتحقيق السعادة، وإنماء الحضارة، وإغناء الحياة.
ونحن، إذا راجعنا بعض نماذج من العقائد الوثنية وغيرها، التي تقوم على مبدأ تعدد الآلهة، لوجدنا هذا الصراع يتجلّى بأوضح صُورِه فيها. وذلك شيء طبيعي، بعد أن كان لكل إله أتباعه وحزبه وأنصاره، وبعد أن كان الآلهة أنفسهم، فيما بينهم في صراع دائم.
فمثلاً، لو أخذنا عقيدة الهنود، وجدنا أنهم عبدوا ثلاثة آلهة: براهما، وشيفا، وفشنو. فبراهما هو الخالق عندهم. وفشنو هو الحافظ لما خلق براهما. وأما شيفا فهو المفني لجميع تلك المخلوقات. ومن هنا وقع الصراع بين هذه الآلهة. ومن ثم انقسم الهنود فريقين، فريق، وقف في صف فشنو الإله الحافظ. وفريق آخر، وقف في صف شيفا، الإله المدمِّر.
ففي التوحيد وحده إذن، خلاص الإنسان من كل ما يؤدي به إلى الصراع مع نفسه، والصراع مع بقية أفراد الإنسان. والمنقذ له من الحيرة والقلق والإضطراب.
وفي الشرك، دمار له، وصرف عن الغرض الذي وجد من أجل تحقيقه في هذه الحياة. ومن هنا كان التوحيد، ولم يكن الشرك.
ج - معنى التوحيد:
وتوحيد اللّه على ثلاثة أنحاء:
توحيده في الوجود بمعنى نفي الشريك له.
وتوحيده في الذات بمعنى نفي التركيب عنه.
وتوحيده في الصفات، بمعنى نفي الشبيه له.
ولا بد من التحدث حول كل واحد من هذه الأنحاء على حدة ضمن مباحث.
المبحث الاول الأدلة العقلية على أن اللّه واحد وجوداً
لقد ثبت أن اللّه سبحانه، واجب الوجود بذاته، هو خالق الكون والحياة والإنسان. ونفس تصورنا لموجود واجب بذاته، يوجب انصراف أذهاننا إلى تعيّنه بنحو يمنع من وقوع الشركة فيه. إلا أنه لا بد لنا مع ذلك، من إقامة البرهان على هذا التعيين، في واحد، وأنه لا شريك له أبداً.
وقد أقام فلاسفة الإسلام ومتكلموه، البراهين الكثيرة على ذلك، نقتصر على ذكر أهمها.
الدليل الأول : لقد تقدم معنا، عند عرضنا للأدلة العقلية على وجود اللّه سبحانه، ان الموجود لا يخلو أمره عن أن يكون أحد اثنين:
أما ممكن الوجود، أو واجب الوجود.
وبيّنا أن واجب الوجود، ينحصر في اللّه. فيكون كل ما عدا اللّه ممكناً.
وإذا تم هذا، ففرض وجود شريك للّه، معناه فرض وجود فردين من واجب الوجود. وحينئذ، لا بد من وجود ميزة لأحدهما على الآخر، لتصدق الإثنينية. وإلا، لو كانا متطابقين من جميع الجهات، لما صدق التعدد.
ومع فرض وجود مائز بينهما، فنحن نسأل: من أين أتى هذا المائز؟ ومن الذي أثّر في وجوده.
ومن الواضح، أن المؤثر في وجود هذا المائز، إما أن يكون ذاتياً في أحد فردي واجب الوجود - حسب الفرض -، أو أمراً خارجاً عنه، وكلاهما يستلزم محالاً. أما الأول: وهو كون المؤثر في وجود المائز ذاتياً، فلا بد من أن يكون ذلك المؤثر حينئذ خارجاً عما به الإشتراك بين فردي الواجب، وهو وجوب الوجود، والطبيعة الإلهية، تمشياً مع القاعدة القائلة: «أن ما به الإشتراك لا بد وأن يكون غير ما به الإفتراق».
وإذا تم هذا، يتضح أن كل واحد من فردي الواجب - حسب الفرض - مركب من أمرين، مما به الإشتراك، وهو الطبيعة الواجبة الوجود. وما به الإفتراق هو المائز المزعوم. وإذا كانت طبيعة كل من فردي الواجب مركبة، فهي بحاجة إلى وجود جزئيها المذكورين في وجودها، والحاجة تنافي وجوب الوجود، يناسب عالم الإمكان.وأما الثاني : وهو كون المؤثر في وجود المائز أمراً خارجياً، فمعناه أن هذا المائز، محتاج في تحصيله على ما يتميز به عن الفرد الآخر المفروض، إلى علة خارجة عنه. والحاجة تنافي وجوبه، وتناسب إمكانه. ويكون ذلك الأمر الخارج المؤثر لهذا الميز، أحق باتصافه بالوجوب من غيره.
الدليل الثاني : هو انه إما أن يكون كل واحد من الإلهين، قادراً بمفرده على خلق هذا العالم، أو لا.
فإن كان كل واحد منهما قادراً على ذلك بمفرده، يكون وجود أحدهما عبثاً لا محالة. اذن ما فائدة وجوده؟ ولماذا وجد؟
وإن لم يكن واحد منهما قادراً على خلق العالم بمفرده، فيستحيل أن يكون واجب الوجود. لأن العجز نقص وهو من صفات الممكن لا الواجب.
الدليل الثالث : لو كان هنالك واجباً وجود، فلا محيص - بحكم كونهما قديمين - من أن يكون كل منهما قادراً بقدرة غير قدرة الآخر، مريداً بإرادة غير إرادة الآخر، عالماً بعلم غير علم الآخر. ومعنى هذا، أنه لا بد لكل منهما من أن يعمل قدرته.
وحيث ان فعل واجب الوجود، إنما يكون بمقتضى علمه بما يجب أن يصدر عنه، فمعنى ذلك أن لكل منهما، أن يعمل قدرته المباينة مع قدرة الآخر، بمقتضى علمه المغاير لعلم الآخر. فينتج عن ذلك فعل مباين لفعل الآخر. ولازم هذا، اختلال النظام الكوني، ووجود الاضطراب فيه. ولكننا نرى أن الكون في منتهى التناسق والانسجام والتنظيم. وهذا بنفسه دليل على أنه لا إله إلا اللّه.
الدليل الرابع : على ضوء ما ورد في الدليل الثالث، يتضح أن ما فرض شريكاً معه في الخلق، له أن يعمل قدرته على مقتضى علمه، المغاير لعلم شريكه، وذلك بإبراز إرادته من خلال شيء يريد أن يبرز به شريكه - المزعوم - إرادته بأعمال قدرته على مقتضى علمه أيضاً من خلال عدمه.
فمثلاً، لو تعلقت إرادة أحدهما بمقتضى علمه بخلق زيد، وتعلقت إرادة الآخر، بمقتضى علمه الخاص به بعدم خلقه. فهنا لا يخلو: إما أن يتحقق مرادهما معاً ومعنى هذا، وجود زيد وعدم وجوده في نفس الوقت وهو مستحيل لأنه من اجتماع النقيضين.
وإما أن لا يتحقق شيء من مراديهما، وهذا مستحيل أيضاً، لأن لازمه عدم إمكان وجود الكون برمّته، مع أنه موجود بالوجدان.
واما أن يتحقق مراد أحدهما فقط، دون الآخر، فيكون الثاني عاجزاً، فيستحيل أن يكون واجباً، لأن العجز نقص يتنافى مع كمال الواجب المطلق، فيتم المطلوب من أن الواجب واحد، وهو من تحقق مراده فقط. وهذا ما أطلق عليه دليل التمانع.
يقول ابن رشد «لو كانا اثنين فأكثر، لجاز أن يختلفا. وفي حالة الإختلاف، لا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام: فاما أن يتم مرادهما جميعاً، وإما أن لا يتم مراد واحد منهما، واما أن يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر.... ولمّا كان يستحيل ألا يتم مراد واحد منهما، لأنه في هذه الحالة يكون العالم لا موجوداً ولا معدوماً. ولمّا كان يستحيل أن يتم مرادهما معاً، لأنه في هذه الحالة يكون العالم موجوداً
معدوماً. فلم يبق إذن إلا الحالة الأخيرة، وهي أن يتم مراد الواحد ويَبطل مراد الآخر، فالذي بطلت إرادته عاجز والعاجز ليس بإله»(١) .
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة ١٥٧ - يراجع في هذا الدليل رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ٤٧ وما بعدها. كما يراجع للتوسع في الأدلة على الوحدانية كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد للعلامة الحلي ٢٢٥ وما بعدها والمسائل الخمسون في أصول الكلام للرازي. والتمهيد للباقلاني، والمواقف للايجي الجزء ٨.
المبحث الثاني وحدة الذات الالهية
ونقصد بوحدة الذات الإلهية، بساطتها، واستحالة كونها مركبة بأي نحو من أنحاء التركيب. سواء كان عقلياً، كتركّب الذات من جنس وفصل. أو خارجياً، كتركّبها من المادة والصورة.
ويمكن الاستدلال على استحالة تركّب الذات الإلهية بأي نحو من أنحاء التركيب بأمور:
الأول : إن المركب، مفتقر في وجوده إلى كل جزء من أجزائه، بحيث لو تخلف جزء واحد فقط عن الانضمام إلى باقي الأجزاء لما وجدت ذات المركب، والفقر والحاجة نقص ينزّه عنه واجب الوجود، لأنه الغني المطلق.
الثاني : إن الذات الإلهية، لو كانت مركبة من أجزاء لاحتاجت في تركّبها والتأليف بينها إلى مركِّب ومؤلّف، وبالتالي لاحتاج الوجود التركيبي المزعوم للذات الإلهية، إلى موجد، وهو خلاف فرض اللّه واجب الوجود لذاته وبذاته.
الثالث : إن الذات الإلهية، لو كانت مركبة من أجزاء لم يخلُ أمر هذه الأجزاء عن إحدى ثلاث حالات.
الحالة الأولى : أن تكون جميع هذه الأجزاء واجبة الوجود. ومعنى هذا ان كل جزء مباين مع الأجزاء الأخرى. ولازم ذلك أن تكون الذات الإلهية، مركبة من المتباينات، وهو مستحيل ولا يمكن أن نفرض أي تلازم وارتباط بين هذه الأجزاء، لأن التلازم الذي نريد أن نفرضه بينها، إما أن يكون ناشئاً من كون بعضها معلولاً للبعض الآخر، أو كلها معلولة لعلة خارجة. وكلا الأمرين ينافي فرضنا لها واجبة الوجود بذاتها.
الحالة الثانية : أن يكون جميع هذه الأجزاء ممكنة الوجود. ومعنى هذا أن الذات الإلهية ممكنة الوجود، لأن المركب من الممكنات لا بد وان يكون ممكناً. وهذا خلف فرض اللّه واجب الوجود بذاته.
الحالة الثالثة : أن يكون بعض هذه الأجزاء واجب الوجود، وبعضها الآخر ممكن الوجود. ومعنى هذا، أن الذات الإلهية مركبة من أمرين متباينين، واجب وممكن، وهو مستحيل أيضاً.
إضافة إلى أن الممكن من هذه الأجزاء، لا بد وأن يكون حادثاً، ولازم هذا، أن تكون الذات الإلهية محلاً للحوادث وما كان محلاً للحوادث، لا بد وأن يكون حادثاً وهو خلاف فرض اللّه قديماً.
وعلى ضوء هذه الأدلة الثلاثة، يتضح أن الذات الإلهية، يستحيل فيها التركيب بل هي واحدة وبسيطة من جميع الجهات.
المبحث الثالث وحدة الذات والصفات
تمهيد وتنبيه:
لا بد من التنبيه، قبل أن ندخل في هذه المسألة، مسألة الذات والصفات ووحدتهما، على أنه ليس معنى هذه الصفات أن الإنسان استطاع أن يدرك بالحس أو العقل، حقيقة الذات الإلهية وينفذ إلى معرفة كنهها، إذ إن ذلك أمر مستحيل.
فالحس إنما يدرك ما يمكن أن يقع تحت متناوله، واللّه سبحانه ليس جسماً حتى يدرك بالحس. والعقل، إنما يستعمل الطريقة الاستنباطية في عملية الإدراك، والتي تتدرج من الكليّات إلى الجزئيات. واللّه سبحانه، كما انه ليس جزئياً، لعدم صدق الغير عليه. كذلك ليس هو بالكلي، لأنه لا يصدق على الغير.
وإذا كانت الذات الإلهية فوق الحس والعقل، استحال على الإنسان إدراك حقيقتها، لانحصار معرفته بهذين الأمرين.
ولهذا ورد عن النبيصلىاللهعليهوآله «ان اللّه احتجب عن العقل، كما احتجب عن الأبصار، وان الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم»(١) .
____________________
(١) راجع أصول الكافي للشيخ الكليني كتاب التوحيد.
ويقول الفيلسوف الإسلامي صدر المتألهين «إن الإحساس إنما يتعلق بما في عالم الخلق. والتعقل إنما يتعلق بما في عالم الأمر. فما هو فوق الخلق والأمر، يكون محتجباً عن الحس والعقل»(١) .
أولاً - صفات اللّه
لقد سبق منا القول، بأن بعض أئمة المتكلمين من المعتزلة كأبي الهذيل العلاف، وأبي علي الجبّائي، قد قسموا صفات اللّه إلى قسمين: صفات سلبية. وصفات ثبوتية.
وهذا هو الذي يظهر من بعض أئمة متكلمي الإمامية أيضاً(٢) .
ولم يفرّق الاشاعرة وأهل الحديث بشكل عام بين صفات الذات وصفات الفعل. بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً(٣) .
١ - الصفات السلبية
ويريدون بالصفات السلبية، تلك التي يجب سلبها عن الذات، باعتبار أن اتصاف الذات بها، يلزم منه محال من المحالات، لأنها تتنافى مع وجوب الوجود. ورأس هذه الصفات في نظري، أن اللّه ليس بجسم.
____________________
(١) المبدأ والمعاد لمحمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بصدر المتألهين.
(٢) راجع مقالات الإسلاميين ١ / ٣٢٠. وشرح التجريد للعلامة الحلي ٢٢٩ وما بعدها والمبدأ والمعاد لصدر المتألهين.
(٣) الملل والنحل ١ / ٩٢.
ومن الواضح، أن هذه الصفة السلبية تعود إلى صفة ثبوتية هي: ان اللّه بسيط مجرد. وتتفرع على هذه الصفة السلبية في اعتقادي، جل الصفات السلبية الأخرى التي يذكرها المتكلمون هنا. كقولهم: انه ليس بمرئي، وليس بمتحيز، وليس بمتحد ولا حالّ في غيره، وانه ليس بمركب وغير ذلك.
فإننا لو تأملنا هذه الصفات جميعها، لوجدنا أن وجه وجوب سلبها عنه سبحانه، إنما هو بلحاظ توقف اتصافه بها على أن يكون جسماً، ليكون متحيزاً، أو متحداً أو حالاً في غيره، أو مركباً، فإن جميع هذه الأمور من لوازم إثبات الجسمية له سبحانه.
أ - اللّه بين التجريد والتجسيد:
وهنا، لا بد من التعرض ولو بشكل مضغوط، إلى ما ذهب إليه بعض المتكلمين، من القول بالتجسيم والتشبيه، مع التزامهم بلوازم مقالتهم تلك، من جواز رؤيته سبحانه وتجويزهم عليه الانتقال من مكان إلى مكان وغير ذلك.
ومن هؤلاء المجسّمة، أهل السنة بشكل عام، كالحنابلة والكرامية ومتقدمي الأشاعرة بما فيهم أبو الحسن الأشعري مؤسس مذهب، حيث نراه يقول في مقام شرحه لعقيدة أهل السنة، وبعد قوله «وله - أي اللّه - يدان وعينان ووجه وغير ذلك من الأعضاء» نراه يقول «وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب».
ولقد سبق ونبّهنا في بحوثنا التمهيدية على أن ظاهرة التشبيه والتجسيم، برزت أول ما برزت، بعد ابتداء عصر الترجمات في أوائل القرن الثالث
الهجري. وقد عرضنا وجهه نظرنا حول تلك الظاهرة المستهجنة هناك. ولكن علينا هنا، أن نطّلع على نموذج من استدلال أصحاب هذه المقالة لما ذهبوا إليه من جعلهم اللّه جسماً كالإنسان. أو إثبات صفات له كصفات المخلوق، لنناقشها ونرى وجه بطلانها.
ب - الحق هو التجريد لا التجسيد:
ولكن، قبل أن نخوض في استدلال المجسمة هؤلاء، لا بد من إقامة الدليل العقلي على استحالة أن يكون اللّه جسماً، كما هو الحق، الذي ذهب إليه الإمامية تبعاً لأئمتهم (ع) واختاره جمهور المعتزلة.
ويمكن الاستدلال على استحالة أن يكون اللّه جسماً بعدة أمور:
الأول : هو انه لو كان اللّه سبحانه جسماً، للزم من ذلك عدة أمور باطلة، أهمها اثنان.
أحدهما : أنه يكون عند ذلك متحيزاً، والمتحيز يحتاج إلى حيز ومكان. والحاجة فقر ينزّه عنه الغني المطلق.
ثانيهما : انه لو كان سبحانه جسماً، لما «انفك عن الأكوان الحادثة، وكل ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث»(١) .
واللّه سبحانه، يستحيل أن يكون حادثاً. لأن معنى الحادث، هو الموجود المسبوق بالعدم. وكل مسبوق بالعدم، يحتاج إلى علة توجده، والواجب هو الغني بذاته. وفرض كونه حادثاً، خلف فرضه واجباً. لأن الحدوث مناف لأخص خصائص الوجوب وهو القدم.
____________________
(١) شرح تجريد الإعتقاد للعلامة الحلي ٢٢٧.
الثاني : ما ذكره ابن رشد الفيلسوف وهو «اننا إذا سلمنا بأن المادة قوة، ونحن نطلب جواهر دائمة ليس فيها قوة، بل هي فعل دائم فهي - أي اللذات الإلهية - إذن مفارقة للمادة»(١) .
ومعنى قول ابن رشد هذا، ان اللّه سبحانه لو كان جسماً، لكان مادة. والمادة قوة. وكل ما بالقوة يحتاج إلى علة تخرجه من القوة إلى الفعل. وهذا خلف فرض اللّه واجباً، غير محتاج في وجوده إلى أية علة، بل هو موجود بذاته ولذاته.
الثالث : ان اللّه سبحانه، لو كان جسماً - كما يدّعي المشبهة - فلا بد وان يكون متناهياً، لاستحالة أن يكون جسم ما غير متناه وحيث أن اللّه سبحانه، هو المحرك للعالم حركته اللامتناهية أزلاً وأبداً، استحال أن يكون ذلك الجسم المتناهي، لاستحالة صدور حركة لا متناهية عن محرك متناه.
النقل يعضد التجريد ويدحض التجسيد:
والواقع، اننا حتى لو قطعنا النظر عن حكم العقل هذا باستحالة أن يكون اللّه جسماً، فإن في النقل كفاية لدحض هذا المنطق الفاسد. وأعني بالنقل الكتاب العزيز، والسنة الشريفة.
أما كتاب اللّه، فيكفينا منه آية واحدة فقط، وهي قوله تعالى:( لَيْسَ کَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (٢) .
____________________
(١) تهافت التهافت لابن رشد ١٠٠.
(٢) الشورى ١٢.
فاننا لو اقتصرنا على هذه الآية فقط، لكانت كافية في الدلالة على «نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء، وحاصلاً في المكان والجهة. - إذ - لو كان جسماً مركباً مثلاً لسائر الأجسام فيلزم حصول الأمثال والأشباه له»(١) وفي ذلك ما فيه، من تكذيب لمضمون هذه الآية.
وأما السنة الشريفة، فقد تواترت الروايات عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، ناطقة بنفي الجسمية عنه سبحانه. بل نفي كل ما يستشم منه القول بالتشبيه والتجسيم. وقد خاض الإمامية متمثلين في أئمتهمعليهمالسلام حرباً شعواء، ضد أولئك الذين كانوا يحملون لواء القول بالتجسيم والتشبيه.
فمن جملة الروايات، ما رواه في الكافي(٢) عن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يحدّ ولا يُحسّ ولا يُجس ولا يحيط به شيء، ولا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد».
وما رواه في الكافي(٣) أيضاً عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد عن حمزة بن محمد قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليهالسلام أسأله عن الجسم والصورة. فكتب: «سبحان من ليس كمثله شيء لا جسم ولا صورة».
وما رواه في الكافي(٤) عن محمد بن حكيم، عن الإمام موسى الكاظمعليهالسلام «أن اللّه لا يشبهه شيء، أيّ فحش أو خناً أعظم من قول من يصف خالق الأشياء بجسم أو صورة أو بخلقه أو بتحديد وأعضاء تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً».
____________________
(١) تفسير الرازي الكبير ٥ / ٥٢٥.
(٢) و(٣) و(٤) أصول الكافي ١ / ١٠٤ وما بعدها من كتاب التوحيد.
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي طغت بها كتب العقيدة، وكتب الحديث في أبواب الأصول عند الإمامية.
ج - مع أدلة المجسمة:
ولكن مع ذلك، مع قيام الدليل العقلي والنقلي، على نفي الجسمية عنه تعالى، لا بد من استعراض أهم أدلة المجسمة، التي تمسكوا بها لإثبات الجسمية للّه سبحانه.
وقد استدلوا بالكتاب، وروايات زعموا أنها من السنة.
استدلالهم بالكتاب:
لقد وردت بعض الآيات الكريمة في كتاب اللّه، مضيفة بعض الأعضاء، كاليد والوجه وغيرهما إلى اللّه سبحانه.
وقد جمد المجسمة على ظواهر هذه الألفاظ، وتمسكوا بها كأدلة على ما ذهبوا إليه، من إثبات الجسمية للّه.
فمن ذلك:
قوله تعالى:( کُلُّ شَيْءٍ هَالِکٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) (١) .
وقوله تعالى:( إِنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ) (٢) .
وقوله تعالى:( وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) (٣) .
____________________
(١) القصص ٨٨
(٢) الإنسان ٩.
(٣) المائدة ٦٤.
وقوله تعالى( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَکَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) (١) .
وقوله تعالى( يَوْمَ يُکْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) (٢) .
حيث ذهبوا إلى أن من يكشف عن ساقه يوم القيامة، هو اللّه سبحانه.
استدلال المشبهة بما زعموا انه سنة:
والذي زاد في الطين بلة كما يقال، وكان داعياً إلى تمسك المشبهة بآرائهم هذه، وتصلبهم في مواقفهم، هو بعض الروايات الموجودة في عدد من كتب الحديث كالبخاري وغيره، نسبت بشكل خرافي ومضحك بعض الأعضاء للّه سبحانه.
منها : ما رواه البخاري عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله أنه قال: ان اللّه تعالى يوم القيامة، يمسك السموات على إصبع، والأرضين على اصبع والخلائق على اصبع، ثم يقول: أنا الملك(٣) .
ومنها : ما رواه البخاري أيضاً «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءاً وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً»(٤) .
ومنها : ما رواه البخاري كذلك، عن النبيصلىاللهعليهوآله «لا يزال يلقى فيها وتقول - أي النار - هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين
____________________
(١) ص ٧٦.
(٢) القلم ٤٢.
(٣) صحيح البخاري ٤ / ١٧٢.
(٤) نفس المصدر ٣ / ١٢٩.
قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض ثم تقول قد قد(١) بعزتك وكرمك»(٢) .
د - مناقشة وتفنيد وتوجيه:
والحقيقة، ان جميع ما استدل به المشبهة من آيات لما ذهبوا إليه، لا يمكن قبولها على ظاهرها، بالجمود على حاق الألفاظ الواردة فيها. وذلك لأمرين:
الأول : لمصادتها مع حكم العقل المتقدم باستحالة أن يكون تعالى جسماً.
الثاني : لمعارضتها - وهي من المتشابه - بنص من الآيات على أنه تعالى ليس بجسم ولا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شيء - وهي من المحكم - وذلك كقوله تعالى «ليس كمثله شيء» فلا بد من إرجاع المتشابه إلى المحكم وعرضه عليه، تمشياً مع القاعدة التي وضعها العلماء في التعامل مع المتشابه، والتي أشرنا إليها في بحوثنا التمهيدية. ولذلك، أوّل العلماء هذه الآيات كلها، بنحو يصرفها عن ظاهرها، ويجعلها موافقة مع منطق العقل، وما ورد من محكم الآيات.
أما الآيات التي ورد فيها لفظ الوجه والتي استدل بها المجسمة على أن للّه وجهاً، فلا بد من تناولها آية آية لنطلع على كيفية تأويل العلماء للفظ الوجه فيها.
____________________
(١) أي كفى كفى أو حسبي.
(٢) نفس المصدر ٤ / ١٦٩ - وصفحة ١١٧.
أما قوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه » فقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالوجه فيها الذات إذ إن «الذات هو بعض ما يراد لغة بالوجه»(١) .
ويقول الزمخشري: «والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون: أي وجه عربي كريم ينقذني من الهون»(٢) .
وعلى هذا يكون معنى الآية «كل شيء فان بائد إلا ذاته. كما يقال: هذا وجه الرأي، ووجه الطريق»(٣) .
ويقول الرازي في معنى هذه الآية «لا يبقى حياً يوم القيامة غير حقيقة اللّه أو غير ذات اللّه شيء. وهذا ما سيكون ويحصل»(٤) .
والواقع، أننا لو أردنا أن نجاري المجسمة فيما ذهبوا إليه، من أن المراد بالوجه في الآية الكريمة، ما يفهم من لفظ الوجه، وهو هذا الجزء المخصوص في الإنسان لكان معنى الآية «أنه يوم القيامة سيهلك كل ما عدا وجهه. وذلك ما لا يقول به عاقل»(٥) .
وقد ذهب ابن عباس وعطاء وأبو العالية والكلبي(٦) إلى أن معنى الآية: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجه اللّه، فان ذلك يبقى ثوابه. وقد اختار هذا المعقول الفرّاء وأنشد:
____________________
(١) أمالي المرتضى ٣ / ٤٦.
(٢) الكشاف ٤ / ٥١.
(٣) مجمع البيان للطبرسي ٧ / ٢٦٩.
(٤) التفسير الكبير للرازي ٨ / ١٧.
(٥) نفس المصدر.
(٦) مجمع للبيان للطبرسي ٧ / ٢٧٠.
أستغفر اللّه ذنباً لست محصيه |
رب العباد إليه الوجه والعمل |
أي إليه أوجّه العمل. وعلى هذا يكون وجه اللّه ما وجّه إليه من الأعمال(١) .
وبهذا المعنى الأخير يتضح المراد بلفظ الوجه، في قوله تعالى:( إِنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ) وهو أن إطعام هؤلاء الطعام للفقراء والمساكين، إنما يكون موجهاً إليه سبحانه «لطلب رضا اللّه، خالصاً للّه، مخلصاً من الرياء وطلب الجزاء»(٢) وقس على هذا كل الآيات التي ورد فيها لفظ الوجه مضافاً إليه سبحانه.
وأما الآيات التي ورد فيها لفظ اليد، والتي استدل بها المجسمة على ان للّه يداً، فقد أوّلها العلماء بشكل واضح ومعقول.
أما قوله تعالى( وَ قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) الآية. فقد ذكر العلماء أن للفظ اليد في لغة العرب عدة معان، منها النعمة(٣) . وهي بهذا المعنى مستعملة في ألسنة العرب كثيراً، من ذلك قول عدي بن زيد:
ولن أذكر النعمان إلا بصالح |
فإن له عندي يديّاً وأنعما |
وهي بهذا المعنى استعملت في الآية الكريمة.
وإنما وردت بلفظ التثنية في نفس الآية( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) لأحد أمور:
____________________
(١) نفس المصدر.
(٢) مجمع البيان للطبرسي ١٠ / ٤٠٨. وقد وردت عن أئمة أهل البيت (ع) روايات كثيرة في تفسير وجه اللّه في الآية الكريمة وأمثالها بهذا المعنى فراجع الكافي ١٤٣.
(٣) أمالي المرتضى ٣ / ٩١ - ٩٢.
الأول : انه «مبالغة في معنى الجود الإنعام، لأن ذلك أبلغ فيه من أن يقول: بل يده مبسوطة»(١) .
الثاني : ان «يكون الوجه في تثنية النعمة - والتي بها لفظ اليد - انه أراد نعم الدنيا ونعم الآخرة. ويمكن أن يكون تثنية النعمة، أنه أريد بهما النعم الظاهرة والباطنة»(٢) .
وقد ذهب بعض العلماء(٣) ، إلى تفسير اليد هنا بالقوة والقدرة. وعليه يكون المراد من تثنية لفظ اليد في الآية الكريمة «بل يداه مبسوطتان»، أن قوّتيه «بالثواب والعقاب مبسوطتان، بخلاف قول اليهود، أن يده مقبوضة عن عذابنا».
وبهذا المعنى الأخير، للفظ اليد، وهو للقوة والقدرة فسّر لفظ «يديّ» في قوله تعالى:( يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَکَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) وتكون تثنية اليد، مبالغة في القوة والقدرة.
كما فسر لفظ يدي هنا، «بتحقيق إضافة الفعل فيكون المعنى: لما تولّيت خلقه»(٤) .
وقس على هذا كل الآيات التي ورد فيها لفظ اليد مفرداً أو مثنى مضافاً إليه سبحانه.
وأما الآية التي ورد فيها لفظ الساق( يَوْمَ يُکْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) والتي قال المجسّمة بأن الذي يكشف عن ساقه هو اللّه كما تقول هذه الآية. فليس في
____________________
(١) و(٢) مجمع البيان للطبرسي ٣ / ٢٢٠.
(٣) نفس المصدر.
(٤) مجمع البيان للطبرسي ٣ / ٢١٨.
السياق حتى ما يشعر بأن المقصود بذلك اللّه سبحانه، وإنما الآيات السابقة على هذه الآية واللاحقة لها، واردة كلها، في وصف حال الكفار يوم القيامة(١) .
وقد ذهب العلماء إلى القول، بأن هذا التعبير( يَوْمَ يُکْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) أريد به بيان أن يوم القيامة، يوم الشدة والأهوال.
وإرادة الشدة والأهوال، بمثل هذا التعبير، شائع في ألسنة العرب، حيث نراهم يقولون: «قامت الحرب على ساق، يريدون شدتها. وقال جد أبي طرفة:
كشفت لكم عن ساقها |
وبدا من الشر الصراح(٢) |
فتأويل الآية على ما تقدم «يوم يشتد الأمر، كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق».
وقد ذهب بعض العلماء، إلى أن المراد بهذه الآية «تصوير حال الإنسان العاصي التارك للصلاة في آخر عمره، وقد أذهله ما نزل به من هول الموت، أو حال هرمه وعجزه عن الصلاة حين يدعى إليها وما تتطلبه من السجود للّه. ويستدل من يرى هذا الرأي بأن سياق الآية هو «ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعةً أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون»(٣) .
____________________
(١) راجع الكشاف للزمخشري ٤ / ١٣١ وتفسير الرازي ٨ / ١٩٣ - ١٩٤.
(٢) مجمع البيان للطبرسي ١٠ / ٣٣٨ وراجع الكشاف للزمخشري ٤ / ١٣١ وتفسير الرازي ٨ / ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) القرآن والفسلفة للدكتور محمد يوسف موسى ٧٥ نقلاً عن كتاب ملتقط جامع التأويل لأبي مسلم الأصفهاني ٩١ - ٩٢.
وأما ما استدل له المجسمة من روايات زعموا بأنها سنة، وجعلوها حجة على ما افتروه على اللّه، من جعل الجسمية له سبحانه، فما هي إلا أباطيل ومفتريات، على اللّه ورسوله، ولذا نجد الشهرستاني يقول وهو بصدد الحديث عن هذه الفئة الممقوتة «وزادوا - أي المجسمة - في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيصلىاللهعليهوآله وأكثرها مقتبسة من اليهود، فان التشبيه فيهم طباع حتى قالوا: اشتكت عيناه - أي اللّه - فعادته الملائكة. وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وان العرش ليئط من تحته كأطيط الرّحل الحديد، وأنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع»(١) .
إلى غير ذلك من الأكاذيب التي تزخر بها كتب الحديث، كالبخاري ومسلم وغيرهما.
دعوة إلى تطهير كتب الحديث:
ونحن لو راجعنا هذين الكتابين وغيرهما، لطالعنا بشكل واضح جلي السخف والإفتراء والدس، في غير من المواضع فيها.
فمثلاً نجد فيها، بالإسناد عن أبي هريرة إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، أن بني إسرائيل كانوا «يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسىعليهالسلام يغتسل وحده. فقالوا واللّه ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر (أي مفتوق). قال فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فجمع موسى بأثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. فقالوا واللّه ما بموسى من بأس. فقام الحجر بعد، حتى نظر
____________________
(١) الملل والنحل ١ / ١٠٦.
إليه. فأخذ موسى ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً، فواللّه ان بالحجر ندباً ستة أو سبعة»(١) .
ونجد فيها أيضاً عن رسول اللّه بالإسناد عن أبي هريرة أنه «جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أجب ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجع ملك الموت إلى اللّه تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني. فرد اللّه عينه وقال: إرجع إلى عبدي فقل الحياة تريد، فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فاتوارت بيدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة»(٢) .
ومن الغريب، بعد كل ذلك وغيره، أن يصر على تسمية هذه الكتب بالصحاح.
وان العلماء مدعوون اليوم، إلى تطهير هذه الكتب، مما فيها من أكاذيب وموضوعات، تنفّر الإنسان من الدين، بتصويرها له دين سخافات، وخرافات ومضحكات.
وقد ابتدأ الواعون من العلماء ومفكري المسلمين، برفع أصواتهم منادين بضرورة إجراء مثل هذا التطهير، لكتب الحديث، والتفسير أيضاً(٣) .
____________________
(١) راجع صحيح ٢ / ٣٠٨ والبخاري ١ / ٤٢ ومسند أحمد بن حنبل ٢ / ٣١٥.
(٢) صحيح مسلم ٢ / ٣٠٩ والبخاري ٢ / ١٦٣. وراجع لزيادة الإطلاع على هذه السخافات إن شئت وأمثالها مسند أحمد ٢ / ٢٢٩، ٢٧٠ - ٣١٥. وصحيح البخاري ٣ / ١٧٦ ومسلم ١ / ٢٨٣ ومسلم ٢ / ٢٣ وغيرها.
(٣) لقد صرح بذلك وحمل لواء هذه الدعوة أستاذ كبير من علماء السنة هو عبد الوارث كبير على صفحات مجلة العربي فراجع العدد ٨٦ / ١٩٦٦ صفحة ١٥٠ - ١٥١ والعدد ٨٧ / ١٩٦٦ صفحة ١٣٨ - ١٣٩ - ١٤٠.
ه - القول بالتجسيم ولوازمه الباطلة:
ومن الواضح، أن المجسمة، لما أثبتوا بأوهامهم، الجسمية للّه سبحانه، التزموا بكل ما تستلزمه الجسمية من لوازم باطلة، أهمها ثلاثة: جواز رؤيته سبحانه، وكونه في جهة معينة هي السماء، وجواز انتقاله من مكان إلى مكان. وقد استدلوا على كل واحد من هذه اللوازم بآيات، جمدوا على ظواهر ألفاظها، إضافة إلى بعض أحاديث ومرويات.
ونحن سوف نستعرض أدلة المجسمة في كل مورد من هذه الموارد الثلاثة على حدة لنناقشها، ونبيّن وجه بطلان تلك الإستدلالات.
أولاً: المجسمة والتزامهم بجواز رؤيته سبحانه
وقد ذهب المجسمة بما فيهم متقدمو الأشاعرة، إلى القول بجواز رؤيته سبحانه في الدنيا والآخرة وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بآيات وبعض مرويات.
ولا بد، قبل الخوض في استدلال هؤلاء، من التنبيه على أن متأخري الأشاعرة، الذين نزّهوا اللّه عن الجسمة والتشبيه، قد التزموا بجواز رؤيته سبحانه في الدنيا، ووقوع رؤيته في الآخرة على نحو الجزم واليقين(١) وقد استندوا إلى نفس هذه الآيات وتلك المرويات إضافة إلى بعض الوجوه العقلية التي سوف نتعرض لأهمها وندحضها.
____________________
(١) راجع الموقف للإيجي ٨ / ١١٥ كما يراجع الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد الفيلسوف ١٨٦.
أما الآيات التي استدل بها هؤلاء جميعاً مجسمة وأشاعرة متأخرين عنها قوله تعالى( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (١) .
حيث قالوا بأن هذه الآية «ظاهرة في أن أصحاب الوجوه الناضرة يوم القيامة ينظرون إلى ربهم فيرونه عيانا»(٢) .
تفنيد وتوضيح:
ومن الواضح، أن الإستدلال بهذه الآية على ما ذهبوا إليه، يتوقف على أن يكون المراد بالنظر فيها بمعنى الرؤية. وذك باطل لأن النظر لا يفيد الرؤية لغة، وذلك لعدة أمور:
الأول: أن النظر «إذا علّق بالعين، أفاد طلب الرؤية. كما إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة، بدلالة قولهم: نظرت إلى الهلال فلم أره. فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطاً متناقضاً»(٣) .
الثاني: أنه لو كان النظر بمعنى الرؤية، لبطل ما يقوله العرب، ما زلت أنظر إليه حتى رأيته، لأنه يستلزم جعل الشيء غاية لنفسه. فيكون معنى هذا القول ما زلت أراه حتى رأيته. ولعل الشيء، غاية لنفسه ممتنع.
الثالث: أننا «نعلم الناظر ناظراً بالضرورة، ولا نعلمه رائياً بالضرورة، بدلالة أنّا نسأله هل رأيت أم لا؟»(٤) .
____________________
(١) القيامة ٢٤ / ٢٥.
(٢) حول الرؤية للسيد عبد الحسين شرف الدين ٥٨.
(٣) مجمع البيان للطبرسي ١٠ / ٣٩٨.
(٤) مجمع البيان للطبرسي.
وإذا لم يصح أن يكون المراد بالنظر في الآية الكريمة، الرؤية بحاسة العين، فلا بد من إرادة معنى آخر به. والمراد به هنا: الإنتظار(١) .
واستعمال النظر، وإرادة الإنتظار، شائع في لسان العرب.
قال الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات |
إلى الرحمن تنتظر الفلاحا |
كما ورد في القرآن الكريم بهذا المعنى، على لسان بلقيس ملكة سبأ: (واني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون)(٢) .
أي منتظرة بم يرجع المرسلون. فيكون معنى الآية على هذا، أن تلك الوجوه يوم القيامة «منتظرة لثواب ربها. وروي ذلك عن مجاهد والحسن وسعيد بن جبير والضحاك وهو المروي عن عليعليهالسلام »(٣) .
وإن أبى المجسمة واخوانهم، إلا أن يحملوا النظر في الآية على الرؤية بالعين الباصرة فيمكن أن يتم ذلك، بشرط تقدير مضاف محذوف، فتصبح الآية مع التقدير هكذا «وجوه إلى ثواب ربها ناظرة. أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة حالاً بعد حال. روي ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة والتابعين لهم وغيرهم»(٤) .
____________________
(١) نفس المصدر ٣٩٧.
(٢) النمل ٣٥.
(٣) مجمع البيان للطبرسي ١٠ / ٣٩٨ وكذا الطبري (تفسير) ٢٨ / ١٠٤.
(٤) مجمع البيان ١٠ / ٣٩٨.
ومن الآيات التي استدل بها هؤلاء على جواز رؤيته سبحانه قوله تعالى حكاية عن موسى (رب أرني انظر إليك)(١) .
وتقريب استدلالهم بها «أن موسى (ع) سأله الرؤية، ولو كانت ممتنعة لم يصح عنه السؤال»(٢) .
تفنيد وتوضيح:
والحقيقة، أن هذا الإستدلال باطل من أساسه، لأن موسىعليهالسلام «لم يسأل الرؤية نفسها، وإنما سألها لقومه حين قالوا له: نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة. ولذلك قالعليهالسلام لما أخذتهم الرجفة: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، فأضاف ذلك إلى السفهاء»(٣) .
فإذن، إنما سألعليهالسلام الرؤية، مع علمه باستحالتها، لترتب غرض عقلاني ومشروع على سؤاله ذاك، وهو أنه قصد «أن يفحم هؤلاء السائلين، وأن يلقمهم الحجر حين يسمعون النص من اللّه باستحالتها»(٤) .
ومن جملة الآيات التي استدل بها هؤلاء لمذهبهم، قوله تعالى في نفس الآية (قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)(٥) .
____________________
(١) الأعراف ١٤٣.
(٢) شرح التجريد للعلامة الحلي ٢٣٠ كما يراجع الرازي ٣ / ٢٩٤.
(٣) مجمع البيان للطبرسي ٤ / ٤٧٤.
(٤) أمالي المرتضى ٤ / ١٢٣ - ١٢٤.
(٥) الأعراف ١٤٣.
وتقريب الإستدلال بها «أن اللّه سبحانه وتعالى علق الرؤية في سؤال موسىعليهالسلام على استقرار الجبل. والإستقرار ممكن، لأن كل جسم سكونه ممكن، والمعلق على الممكن ممكن»(١) .
تفنيد وتوضيح:
والجواب عن هذا الإستدلال، أن الإستقرار الذي علّقت عليه الرؤية، ليس ممكناً، كما يدّعي هؤلاء، لأنه ليس مطلق الإستقرار، بل الإستقرار الخاص، وهو سكون الجبل حال حركته وتزلزله وحيث ان الحركة والسكون نقيضان، فيستحيل اجتماعهما، كان استقرار الجبل هنا محالاً، فيكون ما علّق على المحال، وهو رؤيته سبحانه محالاً أيضاً.
وأما المرويات التي استدل بها هؤلاء لما ذهبوا إليه من تجويزهم رؤيته سبحانه فعديدة.
منها : ما رواه البخاري(٢) ومسلم(٣) بسنديهما إلى أبي هريرة «قال أناس يا رسول اللّه هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللّه. قال: هل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دنه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللّه. قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك» الحديث.
____________________
(١) شرح التجريد للعلامة الحلي ٢٣١.
(٢) صحيح البخاري ٤ / ٩٢.
(٣) صحيح مسلم ١ / ٨٦.
ومنها: ما يسمى بحديث التجلّي، وقد ورد بطرق عدة(١) نقتصر منها على طريقين فقط.
الأول : محمد بن بيان عن شيخه الحسن بن كثير، عن أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله «يا أبا بكر إن اللّه يتجلى للخلائق عامة ويتجلى لك خاصة»(٢) .
الثاني : عن أبي داود سليمان بن عمرو، عن هشام بن حسان، عن الحسن عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله «إذا كان يوم القيامة، يأمر اللّه عز وجل، فينصب لإبراهيم خليل اللّه منبر، وينصب لي منبر ولك يا أبا بكر منبر. فيتجلى الرب جل جلاله مرة في وجه إبراهيم ضاحكاً، ومرة في وجهي ضاحكاً، ومرة في وجهك ضاحكاً. ثم قرأ: أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذي آمنوا أبو بكر»(٣) .
نقاش وتفنيد:
ومن الواضح، حتى لو أغمضنا عن متن الحديث الذي رواه كل من البخاري ومسلم، مع ما فيه من الخرافات والسخافات، التي توجب القطع بعدم صدوره عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وإنما هو من الموضوعات والمفتريات عليهصلىاللهعليهوآله حتى لو أغمضنا عن كل ذلك، فإن في ضعف سنده ما يكفي لطرحه وعدم قبوله.
____________________
(١) لقد أحصى تلك الطرق الإمام شرف الدين في كتيبه (حول الرؤية) فراجع ٨٠ وما بعدها.
(٢) راجع شجرة العقول للوليد الزوزني.
(٣) نفس المصدر.
ذلك أن الشيخين قد روياه عن النبيصلىاللهعليهوآله بسند ورد فيه كل من سويد بن سعيد وزيد بن أسلم.
ونحن لو راجعنا كتب الجرح والتعديل، لوجدنا فيها أن الأول منهما كان كثير التدليس، منكر الحديث، ضعيفاً جداً، كذبه ابن معين وسبّه(١) .
ولوجدنا فيها، أن الثاني منهما هو أحد الضعفاء، وكان أهل المدينة يتكلمون فيه وهم به أعرف وكان لا يبالي بالمأثور من تفسير القرآن وإنما يفسره برأيه(٢) .
وأما حديث التجلّي. فحتى لو أغمضنا لما فيه من مغزى سياسي، يرمي إلى وضع كرامة من الكرامات لأبي بكر التي رأينا مثلها كثيراً في كتب الحديث لكل من عمر وعثمان بل وحتى لمعاوية كانت قد اقتضتها ظروف تاريخية معينة مرت بها الاُمة الإسلامية: حتى لو أغمضنا عما فيه من هذه الناحية فإن في ضعف سنده بكلا طريقيه اللذين ذكرناهما هنا - وكذا بقية طرقه التي لم نذكرها - ما يكفي لطرحه والإعراض عنه.
فقد ورد في الطريق الأول، محمد بن بيان. وقد كان هذا الرجل من الكذّابين الوضّاعين(٣) وورد في الطريق الأول أيضاً الحسن بن كثير، وهذا الرجل من المجاهيل(٤) .
وأما الطريق الثاني، الذي روي به هذا الحديث، فقد ورد فيه أبو داود
____________________
(١) راجع الذهبي في كتابه ميزان الإعتدال.
(٢) راجع الكامل لابن عدي.
(٣) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٢ / ٩٧. وراجع الذهبي في ميزان الإعتدال ٣ / ٣٢.
(٤) راجع ميزان الإعتدال للذهبي ١ / ٢٤١.
سليمان بن عمرو، وهذا الرجل كذّاب، دجّال، وضّاع(١) .
متأخرو الأشاعرة وأدلتهم العقلية على جواز الرؤية مع نفي الجسمية:
لقد سبق وقلنا، بأن متأخري الأشاعرة مع التزامهم بنفي الجسمية عنه سبحانه، التزموا في نفس الوقت بإمكان رؤيته سبحانه في الدنيا ووقوعها في الآخرة. وقد استندوا إضافة إلى ما تقدم منا تفنيده وتوهينه من استدلال بالآيات والروايات، إلى بعض الوجوه العقلية نذكر أهمها:
الوجه الأول : اننا نرى الأجسام (الجواهر) والأعراض. وليست علة صحة رؤيتنا لها إلا أحد أمور ثلاثة. إما من جهة أنه جسم، أو لون، أو موجود. «وباطل أن يرى من قبل أنه جسم، إذ لو كان ذلك كذلك لما رئي اللون. وباطل أن يرى لمكان أنه لون، إذ لو كان ذلك كذلك لما رئي الجسم. فيبقى أن يرى الشيء من قبل أنه موجود»(٢) . وحيث ان اللّه موجود «فيصح أن يرى، من حيث تحقق علة الصحة وهي الوجود».
استدلال ونقاش:
وهذا الدليل باطل لأمرين:
الأول : ان قول المستدل «وباطل أن يرى لمكان أنه لون» غير صحيح، لأن ما يرى في الحقيقة هو اللون فقط، دون الجسم فإنه ممتنع على الرؤية، إلا من قبل اللون، ولذا ما ليس له لون لا يبصر.
الثاني : ان حصر المستدل، علة صحة الرؤية بالموجودية، يستلزم صحة رؤية بعض الأمور المقطوعة الوجود كالأصوات والطعوم والروائح وغير ذلك كالعلم والقدر والبخل. مع أننا لا نرى بالوجدان شيئاً من هذه الأمور.
الوجه الثاني : ما حاول الغزالي أن يستدل به على جواز الرؤية مع التزامه بنفي الجهة والجسمية عنه، وحاصل هذا الدليل «أن الإنسان يبصر ذاته في المرآة. وذاته ليست في جهة غير جهة مقابلة ولما كان يبصر ذاته، وكانت ذاته لا تحل في المرآة التي في الجهة المقابلة فيترتب على ذلك أن يبصر ذاته في غير جهة»(١) .
ولا يخفى ما في هذا الدليل من المغالطة، كشفها ابن رشد الفيلسوف حيث قال في مقام تفنيده له «إن الذي يبصر هو خيال ذاته، والخيال منه في جهة إذ كان الخيال في المرآة، والمرآة في جهة»(٢) .
تعقيب وتعليق:
ومن الغريب حقاً، أن يلتزم هؤلاء بجواز الرؤية للّه سبحانه، في نفس الوقت الذي ينفون فيه الجهة والجسمية عنه سبحانه. في حين أن من شروط إدراك البصر «أن يكون المرئي في جهة ما مخصوصة، ولذلك لا يتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي، بل وبأوضاع محدودة، وشروط محدودة، وهذا الشروط هي حضور الضوء، والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر، وكان المبصر ذا ألوان ضرورة»(٣) .
____________________
(١) مقاصد الفلاسفة للغزالي ٤٢.
(٢) الكشف عن مناهج الأدلة ١٨٧.
(٣) الكشف عن مناهج الأدلة ١٨٦ - ١٨٧.
النتيجة:
والنتيجة التي توصلنا إليها، بعد تفنيد كل استدلالات المجسمة واخوانهم هي استحالة رؤيته سبحانه، التي يحكم بها العقل مستقلاً. لأن الرؤية ملازمة للجسمية، المستحيلة بالنسبة إلى واجب الوجود بذاته.
والواقع، أننا حتى لو أغمضنا النظر عن حكم العقل هذا باستحالة رؤيته سبحانه، لإحالته الجسمية عليه فإن في النقل كفاية، في الدلالة على ذلك، آيات وروايات.
أما الآيات، فيكفينا منها قوله تعالى، وهو من المحكم «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»(١) .
فمن الواضح، أن هذه الآية صريحة في أن اللّه سبحانه «قد تعالى على جميع الموجودات بمجموع هذين الأمرين اللذين اشتملت عليهما الآية الكريمة لأن من الأشياء ما يَرى ويُرى كالأحياء من الناس. ومنها ما يُرى ولا يَرى كالجمادات والأعراض المرئية. ومنها ما لا يَرى ولا يُرى كالأعراض التي لا ترى. فاللّه تعالى خالقها جميعها وتعالى عليها وتفرد بأن يَرى ولا يُرى»(٢) . وتمدّح بنفي الإدراك الذي هو رؤية البصر عن نفسه على وجه يرجع إلى ذاته فيجب أن يكون ثبوت الرؤية له - كما يدعي المجسمة واخوانهم - في وقت من الأوقات نقص وذم»(٣) واللّه سبحانه منزّه عن أي ذم ونقص، لأنه الكامل المطلق.
____________________
(١) الأنعام ١٠٣.
(٢) حول الرؤية للإمام شرف الدين ١٣.
(٣) أمالي المرتضى ١ / ١٦.
ونحن لو راجعنا سياق هذه الآية، لوجدنا أنه كله وارد في تأكيد ذلك التمدح منه تعالى لذاته حيث كان ما سبق عليها وهو ما يقرب من عشر آيات بصدد ذلك منها قوله سبحانه: (بديع السموات والأرض انّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم اللّه ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)(١) .
وأما الروايات، فقد وردت متضافرة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام تحيل رؤيته سبحانه، وتشن حملة لا هوادة فيها على الآراء الضالة المضلّة، التي تجيز تلك الرؤية، وتكشف زيفها وبطلانها.
منها : ما رواه الكليني(٢) في الكافي بسنده إلى الإمام الصادقعليهالسلام قال جاء رجل إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: ويلك، ما كنت أعبد رباً لم أره. قال: وكيف رأيته؟ قال: لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان».
ومنها : ما رواه الكليني أيضاً في الكافي(٣) ، بسنده إلى الإمام الباقرعليهالسلام حين سأله أحد أصحابه عن الرؤية فقال له: أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون. أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك. وأوهام القلوب لا تدركه. فكيف أبصار العيون.
____________________
(١) الأنعام ١٠١ - ١٠٣.
(٢) الجزء ١ كتاب التوحيد ٩٨.
(٣) نفس المصدر ٩٩.
ومنها: ما رواه الكليني(١) عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، «قال سألني أبو قرة المحدث، أن أدخله على أبي الحسن علي بن موسى الرضاعليهالسلام فاستأذنته في ذلك فأذن لي، فدخل عليه، فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد. فقال أبو قرة: إننا روينا أن اللّه قسم الرؤية والكلام في نبيّين. فقسم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية. فقال أبو الحسنعليهالسلام : فمن المبلغ عن اللّه إلى الثقلين من الجن والإنس: «لا تدركه الأبصار» «ولا يحيطون به علماً» و«ليس كمثله شيء» أليس محمد؟ قال أبو قرة: بلى؟ قال الإمامعليهالسلام كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند اللّه، وأنه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه فيقول: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء. ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة بشر؟ أما تستحون»؟.
ومنها: ما رواه في الكافي(٢) ، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن عبد اللّه بن سنان، عن الإمام الصادقعليهالسلام في قوله «لا تدركه الأبصار»: قال: إحاطة الوهم، ألا ترى إلى قوله: (قد جاءكم بصائر من ربكم)(٣) ليس يعني بصر العيون، فمن أبصر فلنفسه ليس يعني من البصر
____________________
(١) نفس المصدر ٩٦.
(٢) نفس المصدر ٩٨.
(٣) الأنعام ١٠٤.
بعينه، ومن عمي فعليها، ليس يعني عمى العيون، إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم وفلان بصير بالثياب، اللّه أعظم من أن يرى بالعين».
ثانياً: المجسمة وكون اللّه في جهة معينة
لقد سبق وقلنا، بأن المجسمة التزموا بثلاثة أمور كانت لازمة لمقالتهم بأن اللّه جسم. وقد تكلمنا في اللازم الأول، وهو جواز رؤيته سبحانه، حيث أثبتنا استحالتها، والآن لا بد لنا من التعرض للازم الثاني من اللوازم الفاسدة وهو كون اللّه سبحانه في جهة معينة هي السماء.
وقد استدل المجسمة لقولهم هذا بعدة آيات.
منها : قوله تعالى (وهو اللّه في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم)(١) .
فهذه الآية صريحة في أن اللّه - عند المشبهة - في السموات.
ومنها : قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده)(٢) .
وهذه الآية صريحة أيضاً، في أن اللّه فوق العباد، وحيث أن عباد اللّه على الأرض، فلا بد وأن يكون من فوقهم في السماء، لأنها فوق الأرض كما هو واضح!!
____________________
(١) الأنعام ٤.
(٢) الأنعام ٦١.
نقاش وتفنيد وتوضيح:
والحقيقة أن المجسمة، حيث جمدوا على ظاهر الفاظ هذه الآيات، من دون تحكيم للعقل، بل ولا تدقيق في النواحي اللغوية والنحوية، التي لو حاولوا إعمالها، لما وقعوا فيما وقعوا فيه من سخف.
وان هاتين الآيتين، كغيرهما من الآيات، قد وجّهها علماء الإسلام وأزاحوا بعض ما قد يكتنفها من غموض، بحيث صارت واضحة جلية منسجمة مع بقية الآيات المحكمة في كتاب اللّه، والتي تؤكد أن اللّه سبحانه يستحيل عليه التحيز في مكان، أو الإفتقار إليه.
أما بالنسبة للآية الأولى. فإنه يتضح معناها، إذا التفتنا إلى أن فاعل «يعلم» في الآية، هو اللّه سبحانه، وان الخطاب لجميع المخلوقات العاقلة، وهي الملائكة والجن والانس. وعلى ضوء ذلك يكون معنى الآية: هو اللّه يعلم سركم وجهركم، سواء كنتم في السموات أو في الأرض ويعلم ما تكسبون.
فالآية الكريمة واردة لبيان مدى سعة حاكمية اللّه سبحانه، وان هذه الحاكمية منبسطة شاملة للكون سماواته وأرضه، وليست واردة لبيان محدودية ذات اللّه سبحانه من حيث المكان فهي على هذا، نظير قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)(١) .
وإلا لو كانت الآية واردة لبيان ما ذهب إليه المجسمة، من أنه سبحانه في جهة هي السماء، فماذا يفعلون في قوله تعالى في نفس الآية «وفي الأرض» بعد قوله «هو اللّه في السماوات»؟.
____________________
(١) الزخرف ٨٤.
وكيف يجمعون بين كونه - كما يعتقدون في السماء - وكونه في الأرض. وكذلك ما يصنعون في قوله تعالى في الآية الأخرى «وفي الأرض إله».
والواقع، أنه لا يمكن هنا الجمع، إلا إذا قلنا، بأن الآية واردة لبيان مدى شمول علم اللّه وحاكميته. ولا إشكال في أن هذه الحاكمية وذلك العلم، شامل للسموات والأرض والكون بأجمعه.
وأما الآية الثانية التي استدل بها هؤلاء «وهو القاهر فوق عباده» فمن الواضح أن الفوقية فيها، التي تمسكوا بها، ليس المراد بها الفوقية الحسية، بل يراد بها بيان كمال قدرته سبحانه «ومثله في اللغة، أمر فلان فوق أمر فلان، أي هو أعلى أمراً، وأنفذ حكماً. ويقال: فوقه في العلم أي أعلم منه، وفوقه في الجود. أي أجود منه(١) ».
بل ورد في القرآن، ما يؤكد هذا الفهم، وذلك في قوله تعالى، حكاية عن فرعون «وإنا فوقهم قاهرون»(٢) . ومن الواضح، أن فوقية فرعون لم تكن فوقية حسية، بل كانت فوقية قوة وقدرة وبطش.
اللّه والعرش والمجسمة:
وإذا كان اللّه عند المجسمة في السماء، فلا بد له من شيء يجلس عليه، يناسب عظمته وسعة ملكه، فقالوا بأنه يجلس في السماء على عرش «يئط(٣)
____________________
(١) مجمع البيان للطبرسي ٤ / ٣١٣.
(٢) الأعراف ١٢٧.
(٣) أي يحدث صوتاً من ثقل حمله.
من تحته كأطيط الرحل الحديد، وإنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع»(١)
وقد استدل المجسمة على أن للّه عرشاً يجلس عليه بآيات. أهمها قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى)(٢) .
حيث فهموا من الإستواء في الآية ما هو المتعارف من جلوس الملوك على عروشهم.
تفنيد وإيضاح:
والواقع أنه ليس المراد بالعرش، هذا الكرسي الفخم، المرصع بالجواهر واليواقيت، المتعارف للحكام والملوك، بل المراد به عالم الخلق والأمر، وتدبير شؤون الكون وليس المراد بالإستواء الجلوس، بل المراد بالإستواء الإستيلاء على كل ذلك.
وقد ورد الإستواء بمعنى الإستيلاء في كلام العرب. من ذلك قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق |
من غير سيف ودم مهراق |
قالوا: استوى فلان على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتّة، ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل حتى أن من لم يبسط يده بالنوال قط أو لم تكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم هو جواد»(٣) .
____________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني ١ / ١٠٦.
(٢) طه ٦.
(٣) الكشاف للزمخشري ٢ / ٥٣٠.
ثالثاً - المجسّمة وانتقال اللّه من مكان إلى مكان
واللازم الثالث، من لوازم جسمية اللّه، التي اعتقد هؤلاء بها، جواز انتقاله سبحانه من مكان إلى مكان، وتجويز السكون والحركة عليه. وقد استدلوا على ذلك بآيات وبعض مرويات.
فمن جملة الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفاً صفاً)(١) .
ومن جملة المرويات التي استدلوا بها، ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله أنه قال «يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»(٢) .
ويروى(٣) بمناسبة حديث النزول هذا، عن ابن تيمية، وهو من الحنابلة - السلفيين، أنه قام على منبر الجامع الأموي بدمشق خطيباً، فقال، فيما قال: ان اللّه ينزل إلى السماء كنزولي هذا. ونزل درجة من درجات المنبر.
تفنيد وتوضيح:
وما استدل به المجسمة على مدّعاهم من جواز انتقاله سبحانه من مكان إلى مكان، غير دال أبداً.
____________________
(١) الفجر ٢٣.
(٢) البخاري ٤ / ٦٨ وصحيح مسلم ١ / ٢٨٣ ومسند أحمد ٢ / ٢٥٨.
(٣) رحلة ابن بطوطة ١ / ٥٧.
اما قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفاً صف)وأمثالها من الآيات التي ورد فيها لفظ جاء، وأتى واشتقاقاتهما، فإنه مبني على تقدير مضاف محذوف هو أمر، أو بأس، أو عذاب وعلى هذا يكون المعنى: وجاء أمر ربك، أو بأس ربك، أو عذاب ربك.
وقد ورد ذلك صريحاً في القرآن، في قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك)(١) .
وأما الرواية التي استدلوا بها على مدّعاهم، والتي تقول بأن اللّه ينزل كل ليلة إلىالسماء الدنيا فيكفي في ردها، واسقاطها عن الإعتبار، مخالفتها لحكم العقل باستحالة الحركة ويكون على اللّه سبحانه، باعتبار وجوب وجوده المقتضي لاتصافه بالقدم، وهذان الأمران حادثان، ويستحيل أن يكون القديم محلاً للحوادث.
هذا إضافة لمعارضتها بما هو حجة من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام والتي تشنع على القائلين بهذه المقالة، وتكذّب القائلين بها. بل لعله يستشم من بعض هذه الروايات، أنها ناظرة إلى هذه الرواية وأمثالها ونافية نفياً قاطعاً لما ورد فيها. ومن هذه الروايات، ما رواه الكليني ثقة الإسلام(٢) بسند ينتهي إلى الإمام موسى بن جعفر الصادقعليهالسلام حيث قال عندما ذكر عنده قوم يزعمون أن اللّه تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا: «ان اللّه لا ينزل ولا يحتاج أن ينزل، إنما نظره (أي علمه) في القرب والبعد سواء لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد لا إله إلا هو العزيز الحكيم. أما قول الواصفين: انه ينزل تبارك وتعالى، فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص
____________________
(١) النحل ٣٣.
(٢) الكافي ١ / ١٢٥.
أو زيادة. وكل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به. فمن ظن باللّه الظنون هلك. فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه بنقص أو زيادة أو تحريك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود».
ولو أغمضنا عن هذا كله، فهذه الرواية التي استدلوا بها، ترجع جميع طرقها المروية بها، إلى أبي هريرة، وهو من عرف الواعون من علماء الإسلام، مدى قدرته على خلق الأحاديث، وافترائها على النبيصلىاللهعليهوآله (١) بل أحس بذلك معاصروه فأغلظوا له القول(٢) .
الخلاصة:
ومن كل ما تقدم، يتبين أن الحق ما عليه الامامية والمعتزلة، من القول بالتجريد، يعضدهم في موقفهم هذا، حكم العقل باستحالة أن يكون اللّه سبحانه جسماً، مؤيداً بالنقل من الكتاب العزيز والسنة الشريفة، وبهذا ينهدم الأساس، الذي بنى عليه المجسمة وإخوانهم من الاشاعرة، مقالاتهم الفاسدة، والتي كانت لازمة لعقيدتهم بالتجسيم، وهي جواز رؤيته سبحانه، وكونه في جهة معينة، وتجويز الحركة والانتقال والسكون عليه.
____________________
(١) لقد كفانا مؤونة بيان ذلك كل من العلمين الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه القيم (أبو هريرة) والأستاذ محمود أبو ريه في كتابيه (أبو هريرة شيخ المضيرة) و(أضواء على السنة المحمدية) فراجع هذه الكتب فإنها جديرة بالإهتمام.
(٢) راجع للإطلاع على ذلك صحيح مسلم ٢ / ٢١٧ وشرح نهج البلاغة المجلد الأول ٣٥٩ وما بعدها وفجر الإسلام لأحمد أمين ٢٥٩ وآداب العرب لمصطفى صادق الرافعي ١ / ٢٨٢.
٢ - الصفات الثبوتية
وقد قسّمها العلماء إلى قسمين: صفات ذات. وصفات أفعال.
يقول الشيخ المفيد، من كبار متقدمي الامامية «صفات اللّه على ضربين، أحدهما منسوب إلى الذات، فيقال عنها أنها صفات للذات. وثانيهما منسوب إلى الافعال، فتكون صفة لها»(١) .
أ - معنى صفات الذات:
ويراد بصفات الذات، تلك التي لا يتصف اللّه بأضدادها، ولا يجوز أن يخلو عنها، كالعلم والقدرة والحياة. فلا يوصف سبحانه بالجهل، أو العجز، أو الموت. كما لا يجوز أن يخلو عن هذه الصفات أبداً. يقول الشيخ المفيد: «فصفات الذات له تعالى، هي وصفه بأنه حي، عالم، قادر. ألا ترى أنه لم يزل مستحقاً لهذه الصفات، ولا يزال. فلا يوصف بالموت، ولا بالعجز، ولا بالجهل. كما لا يوصف بخلوه عن الحياة والعلم والقدرة، لأن هذه الصفات ثابتة له»(٢) .
ب - معنى صفات الأفعال:
أما صفات الأفعال، فيراد بها، تلك التي يصح أن يتصف اللّه بأضدادها كما يجوز أن يخلو عنها، كالخالق والرازق والمحيي والمميت والمبدئ وغيرها. فيجوز أن يتصف بأنه «غير خالق اليوم، ولا رازق لزيد، ولا محيي للميت
____________________
(١) و(٢) تصحيح إعتقادات الصدوق للشيخ المفيد ١١ وما بعدها.
الفلاني، ولا مبدئ لشيء في هذه الحالة»(١) .
وصفات الأفعال، لما لم تكن جارية على الذات، بلحاظ نفس الذات، بل بلحاظ وجود الأفعال، فإنها على هذا لا يصح أن توصف الذات بها قبل وجودها. فهي إذن حادثة بحدوث تلك الأفعال. وعلى هذا «فقبل خلقه الخلق، لا يوصف بأنه خالق، وقبل إماتته الخلق، لا يقال عنه مميت»(٢) وهكذا.
وقد تقدم منا القول، في بحوثنا التمهيدية، أن لبعض شيوخ المعتزلة كلاماً في صفات الذات وصفات الأفعال قريباً من هذا الذي يقوله الامامية.
وصفات اللّه الثبوتية سواء كانت صفات ذات، أو صفات أفعال، مذكورة مع أدلتها في كتب الكلام المطولة، ولا أجد داعياً ملحاً للخوض في تعدادها وشرحها. ولكن لا بد من التكلم باختصار على صفة من أهم صفات الذات، هي صفة العلم، حيث وقع في حدودها الخلاف بين علماء الكلام والفلاسفة.
ج - الدليل على كون اللّه عالماً:
والدليل على كون اللّه سبحانه عالماً، هو اننا إذا نظرنا إلى هذا الكون المتراحب، لوجدنا مظاهر التناسق والحكمة والإبداع في كل صغيرة منه وكبيرة.
وبما أن اللّه هو الفاعل لهذا الكون، فلا بد وأن يكون عالماً، لاستحالة
____________________
(١) و(٢) تصحيح اعتقادات الصدوق للشيخ المفيد ١١ وما بعدها.
أن يوجد الكون المتقن المتناسق والمحكم من غير العالم. يقول ابن رشد «ان المصنوع يدل من جهة الترتيب الذي في أجزائه أي كون صنع بعضها من أجل بعض. ومن جهة موافقة جميعها للمنفعة المقصودة بذلك المصنوع، انه لم يحدث عن صانع هو طبيعة، وإنما حدث عن صانع رتب ما قبل الغاية قبل الغاية. فيجب أن يكون عالماً به. فالإنسان إذا نظر إلى بيت وأدرك أن الأساس قد صنع من أجل الحائط، وان الحائط من أجل السقف، تبيّن أن البيت قد وجد عن عالم بصناعة البناء»(١) .
د - هل من حدود للعلم الإلهي:
وقد وقع الخلاف حول علم اللّه سبحانه، من ثلاث جهات.
الأولى : في انه سبحانه هل يعلم بعلم شامل للكليّات والجزئيات معاً، أو انه يختص بالكليات فقط؟
الثانية : في أنه هل يعلم ذاته، كما يعلم غيره. أو أن علمه يختص بالتعلق بغيره؟
الثالثة : في انه سبحانه، يعلم بالشيء قبل وجوده أو لا؟
وقد نسب إلى الفلاسفة، نفي شمول علم اللّه، حيث ذهب بعضهم إلى نفي علم اللّه بذاته، وإلى نفي علمه بالجزئيّات، كذلك نفي علمه بالشيء قبل حدوثه(٢) .
____________________
(١) الكشف عن مناهج الأدلة ١٦٠.
(٢) راجع تهافت الفلاسفة للغزالي، المسألة ١١ - ١٢ وشرح التجريد للعلامة الحلي ٢٢١ وما بعدها.
ه - اختيار استدلال:
والحق ما عليه الإمامية وكثير من المعتزلة أن علمه سبحانه، شامل عام للكليّات والجزئيّات، ولذاته وغيره. وانه يعلم بالأشياء قبل وجودها وبعده. ويمكن الاستدلال على ذلك بالعقل والكتاب والسنة.
الاستدلال بالقرآن:
فمن القرآن، يمكن الاستدلال لشمول علمه سبحانه بعدة آيات:
منها : قوله سبحانه: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين)(١) :
ومنها : قوله تعالى: (ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)(٢) .
الاستدلال بالسنة:
ويمكن الاستدلال من السنة بعدة روايات وردت عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
منها : ما رواه الكليني(٣) ، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، قال: سمعته يقول: كان اللّه عز وجل،
____________________
(١) يونس ٦١.
(٢) الأنعام ٥٩.
(٣) ١ / ١٠٧ وما بعدها.
ولا شيء غيره ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه، كعلمه به بعد كونه».
ومنها : ما رواه الكليني(١) ، عن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن عيسى، عن أيوب بن نوح، أنه كتب إلى أبي الحسن الرضاعليهالسلام يسأله عن اللّه عز وجل: أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكوّنها أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها فعلل ما خلق عندما خلق وما كوّن عندما كوّن؟ فوقّع بخطه: لم يزل اللّه عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعدما خلق الأشياء».
الاستدلال بالعقل:
ويمكن الاستدلال بحكم العقل على شمول علمه سبحانه من جهتين.
الأولى : ان ما عدا اللّه ممكن، فهو مفتقر في وجوده إليه سبحانه، وإذا كان الأمر كذلك، وكان اللّه علة لكل ممكن موجود، كان لا بد وان يعلمه، لعدم الانفكاك بين معلوليتها له، ومعلوميتها كذلك. ولا فرق في هذه الممكنات، بين أن تكون كلية أو جزئية، خارجية أو ذهنية، قبل وجودها وبعده.
الثانية : إن اللّه سبحانه حي، لأنه لو لم يكن كذلك، مع اتصاف كثير من الموجودات الممكنة بالحياة، لكان معنى ذلك، أنه أقل كمالاً من الممكنات، وهذا خلف فرض كونه واجباً، وأكمل من كل
____________________
(١) ١ / ١٠٧ وما بعدها.
موجود، كما أن كل حي محتاج في حياته حدوثاً وبقاءً إليه، فكيف يهب الحياة لو كان فاقداً لها. وإذا ثبت أنه حي، فان من خصائص الحي، أن يعلم ذاته، كما يعلم غيره.
و - دليل نفي علمه سبحانه بذاته:
وقد استدل الفلاسفة على ما ذهبوا إليه، من أن اللّه لا يعلم ذاته بأن العلم، لما كان إضافة قائمة بين طرفين، عالم ومعلوم، كان ذلك يستدعي ضرورة المغايرة بين هذين الطرفين. وحينئذ، إذا قيل بأنه سبحانه يعلم ذاته، فمعنى ذلك أن علمه مغاير لذاته، مع أن الواجب واحد من جميع الجهات.
نقاش:
وقد أجيب(١) عن هذا الدليل بأن الإشكال باستلزام القول، بأنه سبحانه يعلم ذاته، مغايرة علمه لذاته، إنما يتم فيما إذا أريد من المغايرة بين العالم والمعلوم، المغايرة الحقيقية، دون ما إذا أريد منها المغايرة الاعتبارية، وهنا، يكفي في المغايرة بين العالم والمعلوم، المغايرة الاعتبارية، وهي حاصلة في الذات العالمة. إذ أن فيها لحاظين، لحاظ كونها عالمة، ولحاظ كونها معلومة، وهي بأحد اللحاظين، مغايرة لها باللحاظ الآخر.
ز - دليل نفي علمه سبحانه بالجزئيات:
واما ما استدل به بعض الفلاسفة على ما ذهبوا إليه، من نفي علمه سبحانه
____________________
(١) راجع شرح التجريد للعلامة الحلي ٢٢١.
بالجزئيات، هو أن الجزئيات لا تستقر على حالة واحدة، بل هي دائمة التغير والتبدل. فإذا جعلناها متعلقة لعلم اللّه سبحانه، لكان لازم ذلك. تغير علمه وتبدله، بتغيرها وتبدلها، إذ تغير المعلوم، يستدعي تغير العلم، ويترتب على هذا، ان الذات الإلهية، على القول باتحاد الصفات الإلهية معها - كما سوف نبين ذلك فيما بعد - عُرضة للتغير المستمر بتغير صفة العلم فيها، وهو خلف فرض وجوبها، لأن الواجب ثابت لا يتغير.
نقاش:
والواقع، أن ما فرضه هؤلاء من تغير بتغير المعلوم، غير صحيح في حد ذاته، بل الصحيح هو أن العلم يبقى على حاله لا يتغير أبداً، وذلك لأن العلم لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، كان المتغير هو تلك الإضافة بين العلم والمعلوم بعد تغيره.
فلو قلنا مثلاً، زيد يعلم مرض عمرو، ومرض عمرو جزئي، وهو متعلق لعلم زيد، فلو فرضنا أن مرض عمرو قد ارتفع، فغاية ما هناك أن إضافة علم زيد إلى مرض عمرو الجزئي قد انتفت وذلك لانتفاء ما كان يضاف إليه، لا لانتفاء العلم أو تبدل فيه، بل علم زيد باق على حاله كما هو واضح.
وما قلناه في العلم، يجري عيناً في غير العلم من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، كالقدرة. فلو قلنا مثلاً، زيد يقدر على عمرو. ففي حالة انتفاء عمرو، لا تتبدل القدرة عند زيد ولا تتغير، بل هي باقية على حالها. وإنما الذي انتفى وارتفع هو الإضافة الحاصلة بين قدرة زيد وبين متعلقها وهو عمرو لانتفائه. وإذا كان المتغير هو الإضافة فقط بين الصفة الحقيقية وبين
متعلقها، يرتفع الإشكال إذ ان «تغير الإضافات جائز، لأنها أمور اعتبارية لا تحقق لها في الخارج»(١) .
ح - دليل نفي علمه تعالى بالأشياء قبل وجودها:
وحاصل ما استدل به النافون لعلمه بالأشياء قبل وجودها، هو أنه لو تعلق علمه بها كذلك، لوجب وجودها، لأن علمه سبحانه علة وجود الأشياء. ولما كان كل شيء عداه ممكناً، فيلزم على هذا انقلاب الممكن إلى واجب. وإلا لزم من عدم وجودها انقلاب علمه إلى جهل. وهو نقص ينزّه عنه الكامل المطلق.
نقاش:
والحق، هو ما اخترناه سابقاً ودلّلنا عليه، من أن علمه سبحانه يتعلق بالأشياء قبل وجودها، من دون أن يلزم ما ادعاه هؤلاء من محذور، وهو انقلاب الممكن واجباً. إذ اننا وان التزمنا بأن الأشياء تصبح واجبة لتعلق علمه سبحانه بها قبل وجودها، إلا أنها بهذا لا تخرج عن الامكان الذاتي. لأن معنى وجوبها حينئذ، هو وجوبها بالغير، أي وجوبها بوجود علتها وهو علمه سبحانه - وكل ممكن بعد وجود علته، يصبح واجباً بتلك العلة. لا أنها تصبح - كما توهم هؤلاء - واجبة بالذات(٢) .
____________________
(١) نفس المصدر ٢٢٢.
(٢) راجع في هذا الدليل وجوابه شرح التجريد للعلامة الحلي ٢٢٣.
ثانياً - وحدة الذات والصفات
لقد سبق منا القول بأن المتكلمين قسموا صفات اللّه إلى قسمين، صفات ذات، وصفات أفعال. وحيث ان صفات الأفعال - وقد يعبّر عنها بالصفات الإضافية - هي تلك التي لا تتصف الذات إلا بها من خلال الأفعال الصادرة عنها، فهي إذن على هذا حادثة، لأنها تابعة لما تتعلق به من الأفعال الحادثة، وعليه، يستحيل أن تتحد مع الذات الإلهية، لاستحالة اتحاد الحادث بالقديم، والممكن بالواجب(١) .
وبهذا يتضح أنها ليست مورداً للخلاف المعروف بين المتكلمين، في ان صفاته تعالى عين ذاته أو انها غيرها وزائدة عليها؟ بل الكل متفقون، على انها غير الذات. ولا يضر ذلك في وحدانيته سبحانه، ولا في واحديته. يقول صدر المتألهين «ولا يخل بوحدانيته، كونها - أي الصفات الإضافية أو صفات الافعال - زائدة عليه، فإن الواجب تعالى ليس علوّه ومجده بهذه الصفات وإنما علوّه بذاته التي تنشأ عنها هذه الصفات»(٢) .
كما ان الصفات السلبية، حيث انها ترجع في حقيقتها إلى الصفات الثبوتية، فلا داعي للبحث فيها من هذه الناحية.
وعلى ضوء ما ذكرنا يتضح، ان النزاع بين المتكلمين في عينية الذات والصفات، واتحادها معها أو زيادة الصفات على الذات، منحصر في خصوص صفات الذات الثبوتية دون الصفات السلبية أو صفات الافعال.
____________________
(١) راجع الملل والنحل للشهرستاني ١ / ٣٦ وما بعدها.
(٢) المبدأ والمعاد لصدر الدين الشيرازي.
معنى وحدة الذات والصفات:
ومعنى وحدة الذات والصفات، هو اننا لو أخذنا الصفات الذاتية، كالعلم والقدرة والحياة، فاننا لن نجد شيئين، ذاتاً وعلماً، أو ذاتاً وقدرة، أو ذاتاً وحياة. وبالتالي، لن نجد شيئين، ذاتاً وصفة مغايرة لها زائدة عليها، ولعل عبارة الفارابي تصوّر هذا المعنى أدقّ تصوير حيث يقول «وجود كله. وجوب كله. علم كله. قدرة كله. حياة كله. وليس شيء منه علماً، وشيء منه قدرة، وشيء منها حياة».
أ - الإمامية ورأيهم في المسألة:
وقد ذهب الامامية قاطبة(١) ، إلى القول بعينية الذات والصفات.
كما ذهب إلى نفس القول بعض المعتزلة.
ب - رأي بقية متكلمي المسلمين:
وأما بقية متكلمي المسلمين، فقد ذهبوا إلى خلاف هذا الرأي على أقوال منها:
قول ذهب إليه الأشعري وأتباعه وبقية أهل الحديث(٢) ، هو ان صفاته تعالى مغايرة لذاته وزائدة عليها. فهو عند هؤلاء عالم بعلم مغاير لذاته، قادرة بقدرة مغايرة لذاته، وقس على ذلك بقية الصفات.
____________________
(١) راجع شرح تجريد الإعتقاد للعلامة الحلي ٢٢٩ وكتاب «المبدأ والمعاد» لصدر المتألهين. وكشف الحق ونهج الصدق للعلامة الحلي.
(٢) الملل والنحل للشهرستاني ١ / ٩٤ - ٩٥ كما يراجع الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد الفيلسوف ١٦٥ وما بعدها.
وقول ذهب إليه بعض شيوخ المعتزلة، هو أن صفاته تعالى مغايرة لذاته أطلقوا عليها أنها أحوال، فكون اللّه عالماً عند هؤلاء حال هي صفة وراء كونه ذاتاً، وينسب هذا القول إلى أبي هاشم عبد السلام بن أبي محمد بن عبد الوهاب الجبائي(١) . وقد ذهب هذا إلى أن هذه الأحوال صفات لا يقول فيها أنها موجودة ولا معدومة ولا أنها قديمة ولا محدثة ولا معلومة ولا مجهولة(٢) .
ج - اختيار واستدلال:
ونحن نختار ما عليه الإمامية وبعض المعتزلة، من القول بأن صفاته تعالى عين ذاته، متحدة معها مستدلين بحكم العقل، وبما ورد من النقل.
الاستدلال بالعقل:
ويمكن الإستدلال بالعقل على ما اخترناه من جهات:
الأولى: ان هذه الصفات، لو كانت زائدة على الذات، فهي إما قديمة أو حادثة، وكلا الأمرين يستلزم محذوراً. وذلك، لأنها لو كانت قديمة لكان معنى ذلك تعدد القدماء بتعدد الصفات. وتعدد القدماء مستحيل، إذ لا قديم إلا اللّه. وهي لو كانت حادثة للزم قيام الحادث بالقديم، والقديم يستحيل أن يكون محلاً للحوادث، إضافة إلى أن الذات تحتاج في إثبات هذه الصفات لها إلى علة، والحاجة فقر ينزّه عنه الغني المطلق.
____________________
(١) نفس المصدر ٨٢.
(٢) الفرق بين الفرق للبغدادي ١١٧.
الثانية : «أنها لو كانت زائدة على ذاته يلزم من ذلك أن يكون كماله بأمر زائد عليه، فيلزم كونه ناقصاً بحسب ذاته، كاملاً بغير ذاته»(١) .
الثالثة : «أنها لو لم تكن كذلك يلزم التكثر في ذاته تعالى، لأجل كثرة صفاته الموجبة لكثرة المقتضي. مع أنه أحديّ الذات بسيط الحقيقة»(٢) .
الاستدلال بالنقل:
وأما النقل، فيمكن الإستدلال منه بروايات كثيرة، وردت عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
منها : ما رواه الكليني(٣) عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن خالد، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه الصادقعليهالسلام يقول: «لم يزل اللّه عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع. والقدرة ذاته ولا مقدور. فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم (أي وجد) وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والقدرة على المقدور».
ومنها : ما رواه الكليني أيضاً(٤) بسند عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال عندما سئل عن كون اللّه سبحانه سميعاً بصيراً «وهو
____________________
(١) المبدأ والمعاد لصدر المتألهين الشيرازي.
(٢) المبدأ والمعاد لصدر المتألهين الشيرازي.
(٣) الكافي ١ / ١٠٧.
(٤) نفس المصدر ١٠٩.
سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة. بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه. وليس قولي: انه سميع بنفسه، انه شيء والنفس شيء آخر، ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولاً وإفهاماً لك إذ كنت سائلاً، فأقول: يسمع بكله، لا أن كله له بعض، لأن الكل لنا له بعض، ولكن أردت إفهامك والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك إلا أنه السميع البصير العالم الخبير، بلا اختلاف ذات ولا اختلاف معنى».
إلى غير ذلك من الروايات.
د - عودة إلى استدلال القائلين بالتغاير بين ذاته وصفاته:
وقد استدل الأشاعرة ومن ذهب مذهبهم، في أن صفاته سبحانه مغايرة لذاته، زائدة عليها بعدة أدلة(١) نقتصر على ذكر اثنين منها مراعاة للاختصار مع بيان بطلانهما.
الأول: أننا لو قلنا بأن صفات اللّه هي عين ذاته، بمعنى أننا أثبتنا ذاتاً هي بعينها صفة أو أثبتنا صفة هي بعينها ذات، لما صح عندئذ، حمل أية صفة من الصفات على الذات، لأنه يشترط في صحة حمل شيء على شيء أن يكون هنالك نوع تغاير بينهما، وإلا لكان من قبل حمل الشيء على نفسه. وهو باطل.
____________________
(١) راجع الأدلة مع أجوبتها المواقف للإيجي ٨ / ٤٧ وما بعدها.
نقاش وتفنيد:
والواقع، أننا وان كنا نؤمن، لصحة الحمل في أية قضية حملية، بوجوب وجود تغاير بين موضوعها ومحمولها. إلا أنه يكفي في صحة العمل، أن يكون هذا التغاير اعتبارياً بحسب المفهوم، بمعنى أن مفهوم الموضوع، مغاير مع مفهوم المحمول، مع كون كل من الموضوع والمحمول متحداً مع الآخر وجوداً.
وفي مقامنا، التغاير المفهومي بين ذات اللّه وصفاته موجود. بمعنى أن مفهوم الذات المقدسة، مغاير تماماً مع مفهوم أية صفة من الصفات، ويكفي هذا في صحة حمل صفات الذات عليها، من دون حاجة إلى الإلتزام بما التزم به القائلون بالتغاير بحسب الوجود، بين الذات والصفات، ليصحّحوا حمل هذه على تلك.
ولعل ابن رشد الفيلسوف، يشير إلى ما ذكرناه حيث يقول «أما الأشياء التي هي صورة في غير هيولى، فان الوصف والموصوف يرجعان فيها إلى معنى واحد بالوجود، وهما بالإعتبار إثنان، أعني وصفاً وموصوفاً. وذلك أن هذه الذات، إذا أخذت من حيث هي موضوعة، ووصفت بوصف من الأوصاف كان الوصف فيها والموصوف واحداً في الحمل، إثنان بالمعنى الذي به يباين المحمول الموضوع»(١) .
الثاني: قياس اللّه سبحانه على الإنسان، ونحن إذا لاحظنا الإنسان نجد أن صدق صفة القادر على الإنسان إنما كان بتوسط قوته، وصدق صفة العالم عليه إنما كان بتوسط علمه، هكذا فليكن الأمر
____________________
(١) تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد ٣ / ١٦٢١.
في اللّه أيضاً كذلك. فيتم ما قاله هؤلاء، من اللّه أن قادر بقدرة، عالم بعلم وهكذا.
نقاش وتفنيد:
والواقع، أن هذا الدليل، واضح الفساد، لأنه يقوم على القياس، من دون أن يكون أي جامع بين المقيس الذي هو اللّه سبحانه، والمقيس عليه الذي هو الإنسان. وكيف يمكن أن نقيس الواجب على الممكن، والقديم على الحادث؟ مع أن الواجب سبحانه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، كما لا يشبهه منها شيء؟ وإذا لم يكن أي تشابه وأدنى ملابسة بين المقيس والمقيس عليه، يكون القياس حتى عند القائلين به فاسداً.
أبو هاشم المعتزلي والقول بأن صفات اللّه احوال:
وما ذهب إليه أبو هاشم، من إثبات الأحوال له سبحانه، وان هذه الأحوال لا موجودة ولا معدومة، فواضح البطلان، لأن «العقل قاض بأنه لا واسطة بين الوجود والعدم وأن الثبوت هو الوجود ومرادف له وان العدم والنفي مترادفان»(١) .
النتيجة:
يتضح من كل ما تقدم في هذا الفصل، أن اللّه سبحانه واحد لا شريك له، بسيط لا تركيب فيه، وأنه لا مغايرة بين ذاته وصفاته، بل انها عين ذاته، متحدة معها. كما ذهب إليه الإمامية وبعض المعتزلة.
____________________
(١) شرح التجريد للعلامة الحلي ١٦.
الفصل الرابع العدل
تمهيد:
معنى العدل
أ - العدل في اللغة:
العَدل: أحد مصادر عَدّل يَعدل.
والمصادر الأخرى لهذا الفعل: العدالة - العُدولة - المعدلة.
وقد فرّق اللغويون، بين العِدل بالكسر، والعَدل بالفتح. فأطلقوا الأول على ما يدرك بالحواس. والمراد به نصف الحمل. بينما أطلقوا الثاني، على ما يدرك بالبصيرة.
وعرّفوا هذا الأخير بأنّه «ما قام في النفوس انه مستقيم»(١) .
ب - العدل في القرآن الكريم:
ثم إنه قد يطلق ويراد به المماثلة. ومنه قوله تعالى( ثُمَّ الّذينَ كفَروا بِرَبّهِم يِعدِلون ) (٢) .
وقوله تعالى:( أو عَدْلُ ذلِكَ صياماً ) (٣) .
____________________
(١) لسان العرب.
(٢) الأنعام / ١٥٠.
(٣) المائدة / ٩٥.
وقد يطلق ويراد به الفدية، ومنه قوله تعالى:( ولا يُؤخَذ مِنها عَدل ) (١) .
وقوله تعالى:( وإن تَعدِل كُلَّ عَدل لا يُؤخَذ مِنها ) (٢) .
وقد يطلق ويراد به معنى ضد الظلم والجور. ومنه قوله تعالى:( وَليكتُب بَينَكُم كاتِب بالعَدل ) (٣) .
وقوله تعالى:( وأُمِرتُ لأعدِلَ بينَكُم ) (٤) .
وقوله تعالى:( اعدِلوا هُوَ أقرَبُ لِلتّقوى ) (٥) .
ج - العدل بمعناه المبحوث:
والعَدل، بهذا المعنى الأخير، هو المقصود بالبحث هنا.
وحيث إن العدل بهذا المعنى (ضد الظلم والجور) قد بحث من قِبَل كل من الفلاسفة والمتكلمين، اقتضتنا المنهجية والموضوعية أن نبحثه في مورديه بشكل موجز:
الأول : العدل في الفلسفة الأخلاقية.
الثاني : العدل في الميتافيزيقا.
____________________
(١) البقرة / ١٢٣.
(٢) الأنعام / ٧٠.
(٣) البقرة / ٢٨٢.
(٤) الشورى / ١٥.
(٥) المائدة / ٨.
المبحث الاول العدل في الفلسفة الأخلاقية
أ - العدل رأس الفضائل:
هناك ارتباط وثيق، بين الحديث عن الفضيلة في علم الأخلاق، وبين الحديث عن العدل.
ذلك أن الفضيلة بشكل عام، قد تطلق على أي فعل من الأفعال الإنسانية يكون قد تحقق على نحو تام وكامل، بقطع النظر عن ارتباط ذلك الفعل بالأخلاق وعدمه.
ولكننا لو نظرنا إلى الفضيلة من وجهة النظر الأخلاقية البحتة، لوجدنا أنها تشكّل الموضوع الأساس لعلم الأخلاق.
فالفضائل الأخلاقية التي تتحكم في الإنفعالات البشرية وتضبط الأفعال الإنسانية، هي ما تدور حولها تقريباً كل بحوث هذا العلم.
ولا إشكال في أن من جملتها: العدل أو العدالة.
بل يمكن القول، بأن العدالة هي رأس الفضائل في أي مذهب من المذاهب الأخلاقية المعروفة.
فأفلاطون، يعتبرها أم تلك الفضائل على الإطلاق كما يذكر ذلك في
محاوراته(١) . لأنها لا توجد في شخص إلا إذا حاز عدداً كبيراً من الفضائل وفي مقدمتها، العفة والحكمة والشجاعة.
وإلى قريب من هذا المعنى، يذهب بعض الفلاسفة المحدثين كبرجسون(٢) حيث يقول «الأفكار الأخلاقية كلها متداخلة، ولكن فكرة العدالة أصلها، لأنها تشمل سائر الأفكار الأخرى. إنها في كل الأزمنة تشير في الذهن إلى أفكار المساواة».
وأرسطو، يرى أن العدالة هي الفضيلة التامة ولكن، لماذا يعتبر أرسطو، العدالة فضيلة تامة...؟ الذي يبدو، أن أرسطو، يفرّق بين التصرفات.
فهناك تصرفات يصح أن تجعل من صاحبها إنساناً فاضلاً، دون أن تؤهّله لأن يكون عادلاً.
فما أهّل من التصرفات صاحبه لأن يكون عادلاً في حق نفسه، دون أن يكون عادلاً في حق غيره من الناس، صح أن يقال عنه بأنه حاز فضيلة من الفضائل ولكن بقول مطلق.
أما إذا كان ذلك التصرف، مما يتجاوز مصلحة صاحبه إلى رعاية مصالح الغير وشؤونهم. فيصح أن يقال عن صاحبه إنه إنسان عادل، لأنه يكون قد حقّق الفضيلة التامة في نفسه.
فالعدالة على رأي أرسطو، إشراق يتجاوز الإنسان إلى غيره من بني البشر ولا يجوز أن يكون مقتصراً على مصلحة فردية أو بعدٍ شخصي.
____________________
(١) أنظر «فيدون».
(٢) منبعاً الأخلاق والدين / ٧٥.
ومن هنا، يمكن القول بأن العدل - في المفهوم الأرسطي - يجب أن يكون أعظم صفة يتصف بها الفعل الإلهي، نظراً إلى أن أفعاله كلها - إن تكويناً أو تشريعاً - إنما يقصد منها خير هذا الإنسان، من دون أن يكون لها أي مردود مصلحي أو نفعي على تلك الذات المقدسة.
ب - العدالة في الفلسفة الأخلاقية: تعريف وتحديد:
والذي يبدو، أن بعض الفلاسفة كأفلاطون، يأخذون في مفهوم العدالة التساوي في العلاقات بين الناس.
تساوٍ هو صورة مصغرة للتساوي المطلق في عالم المثل.
وقد يعرّف أفلاطون العدالة بأنها نظام في النفس يكفل لها جمالاً وانسجاماً.
بينما نرى بعضاً آخر من الفلاسفة كأرسطو، يذهب إلى أخذ التماثل والتناسب في مفهوم العدالة...
ومن الواضح، أنه يمكننا إرجاع هذه التي نادى بها أرسطو، إلى تلك التي نادى بها أفلاطون، لأن المماثلة والمناسبة هما وجه من وجوه التساوي والتعادل...
المبحث الثاني العدل الالهي والمتكلمون المسلمون
تمهيد:
لقد أولى المتكلمون المسلمون، صفة العدل أهمية كبرى، حتى رأينا بعض أهم مدارسهم، تجعل العدل من الأصول الاعتقادية التي تأتي بعد التوحيد مباشرة. بل ربما قدّمتها على التوحيد نفسه.
والسر في ذلك - كما يبدو لي - هو أن التوحيد، وإن كان من أعظم الأصول التي يجب على الإنسان أن يعتقد بها، إلا أنه لما كان صفة من صفات الذات الإلهية المقدسة، لم يكن له ذلك الارتباط الذي للعدل بالإنسان.
في حين، أن العدل، لمّا كان صفة للفعل الإلهي، ولمّا كان موضوع الفعل الإلهي هو الكون بما فيه الإنسان، اكتسبت صفة العدل تلك الأهمية، من حيث ارتباطها بهذا الإنسان من جهة ما يراد به أو لَهُ من قبَلِ اللّه سبحانه.
وما يُراد به أو لَهُ من قِبَل اللّه يجب أن يُظَلّلَهُ العدل من جانبه سبحانه.
أ - العدل عند الأشاعرة:
لقد ذهب الأشاعرة، إلى أن من أبرز الصفات الإلهية القدرة والعلم والمشيئة.
والعدل، عندهم، هو موافقة الفعل الإلهي لعلمه سبحانه وقدرته ومشيئته. ولذلك لا يمكن أن يعتبر العدل - من وجهة نظر هؤلاء - أبرز الصفات الإلهية لأنه تابع للقدرة والمشيئة الإلهيتين، وإعمال لهما.
ثمرة هذا القول
ويترتب على نظرة الأشاعرة هذه إلى العدل، أنهم يفلسفون العدل الإلهي على أنه صفة من صفات الفعل الإلهي الصادر عن الوجود المطلق، والذات الإلهية المطلقة. والمقتصر على ذلك الوجود وتلك الذات، من دون نظر إلى تعلقه بإنسان بخصوصه.
وبهذا، يكون موقف الأشاعرة من العدل موقفاً حتّمه منحاهم النقلي الجامد، البعيد عن الاستنباطات العقلية.
ب - العدل عند غير الأشاعرة:
وأما غير الأشاعرة من متكلّمي الإسلام، فنراهم يصحّحون توصيف الفعل بالعدل، كما يصح عندهم توصيف الفاعل به.
وإذا وصف الفاعل به «فعلى طريق المبالغة كقولهم للصائم صوم، وللراضي رضا، وللمنوّر نور، إلى غير ذلك. ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل، فالمراد أنه لا يفعل القبيح ولا يختاره»(١) .
واما العدل، كوصف للفعل الإنساني فهو «توفير حق الغير واستيفاء الحق منه»(٢) .
____________________
(١) و(٢) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار / ٣٠١.
وأما العدل كوصف للفعل الإلهي عند هؤلاء فهو كما يذكر الشهرستاني(١) :
«ما يقتضيه العقل من الحكمة ومن إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة».
ويتضح لمن دقّق في هذا التعريف للعدل، المنحى الأخلاقي عند هذا الفريق من المتكلمين المسلمين، في نظرته إلى العدل الإلهي، المنبثق عن النزعة العقلية.
ويتضح أيضاً، الفرق بين هذا المنحى مع ما فيه من تحرك وإيجابية يسودان الفعل الإلهي في تعلقه بالإنسان كمخلوق وكمكلف، وبين موقف الأشاعرة، عندما جعلوه - نظرياً - ساكناً مقتصراً على الذات الإلهية، ومقطوع الجذور من دون نظر إلى تعلقه بمثل هذا الإنسان...!!
وجهة نظر
ولكن هذا الاختلاف بين الأشاعرة وغيرهم من متكلمي الإسلام، حول كون العدل أصلاً من الأصول الاعتقادية القائمة برأسها، المنبثقة عن النزعة العقلية إلى ما تقتضيه الحكمة، وبين كونه متفرعاً ومتكئاً على أصل آخر من الأصول المتفق على وجوب توفرها في واجب الوجود لذاته، كالعلم والقدرة والمشيئة.
أقول: هذا الإختلاف لا يؤثر بحال، في إجماعهم على ضرورة اتصاف اللّه سبحانه بهذه الصفة، التي هي العدل.
____________________
(١) الملل والنحل - ١ / ٥٢.
ج - أهم الأدلة العقلية على عدل اللّه:
تمهيد:
اللّه واجب الوجود لذاته، وهو العالم المطلق، والغني المطلق.
لماذا؟
لأنه لو جاز عليه الجهل بوجه من الوجوه لجاز عليه النقص.
ولو جازت عليه الحاجة بوجه من الوجوه لجاز عليه النقص أيضاً.
ولو جاز عليه النقص لجازت عليه الزيادة، بحكم التقابل. وذلك كله مستحيل في حقه تعالى.
لأن النقص والزيادة، لا يعرضان إلا للأجسام. واللّه سبحانه - كما سبق وبرهنّا عليه في محلّه - تستحيل عليه الجسمية، فيستحيل عليه الجهل، كما تستحيل عليه الحاجة.
فلا بد إذن، من أن يكون غنياً عالماً.
الدليل الأول
إن مقتضى كونه سبحانه عالماً مطلقاً، كما ذكرنا في التمهيد، أنه يعلم قبح القبيح.
ومقتضى كونه الغني المطلق - كما ذكرنا في التمهيد أيضاً - أنه مستغن عن فعل القبيح، بل يستحيل صدوره عنه، إذ لا داعّي له إلى فعله.
ولا إشكال في أن العقل يحكم مستقلاً، بكون الظلم - الذي هو ضد العدل - قبيحاً.
وإذن، يستحيل على اللّه سبحانه أن يختاره.
لأنه إن فعله...
فإما لجهله بقبحه، وهو مناف لفرض كونه العالم المطلق.
وإما لحاجته إلى فعله، وهو مناف لكونه الغني المطلق.
ويمكن أن نمثّل بالإنسان، «لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً وغائباً».
فالإنسان، يرى ضرورة أنه «إذا كان عالماً بقبح القبيح، مستغنياً عنه، عالماً باستغنائه عنه، فإنه لا يختار القبيح البتة. وإنما لا يختاره لعلمه بقبحه، وبغناه عنه..... يُبين ما ذكرناه ويوضّحه أن أحدنا لو خُيّر بين الصدق والكذب، وكان النفع في أحدهما كالنفع في الآخر، وقيل له: إن كذبت أعطيناك درهماً، وهو عالم بقبح الكذب، مستغنٍ عنه، عالم باستغنائه عنه، فإنه قط لا يختار الكذب على الصدق....».
وإذا كان هذا في حق الإنسان المحدود ثابتاً، فهو في حق خالق الإنسان المطلق أولى بالثبوت...
الدليل الثاني
إن القدرة، من أهم الصفات التي يتصف بها واجب الوجود...
ولا إشكال في أن إعمال هذه القدرة، يقتضي أن يكون سبحانه قادراً على جميع أنواع المقدورات. «ومن كل نوع على ما لا يتناهى، وهذا يوجب أن يكون في مقدوره من الحسَن ما يستغني به عن القبيح...».
ولا إشكال - أيضاً - في أن مَن كان قادراً على أن يستغني بالحسَن، لا يختار القبيح أبداً.
ويمكن أن نمثل لذلك بالإنسان، ولا ضير في هذا التمثيل، كما نبّهنا سابقاً (لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً أو غائباً) فإن من الواضح أن (من استغنى بماء الفرات عن اغتصاب شربةٍ من ماء الغير، بأن يكون على الشاطئ، فإنه قط لا يغصب تلك الشُربة من غيره، ولا وجه له إلا استغناؤه بالحسَن عن القبيح). الذي هو الغصب.
الدليل الثالث
إننا - وكلامنا مع الإلهيين - لو جوّزنا الظلم على اللّه، وهو قبيح عقلاً، لوجب أن يصدر عنه جميع أنواع القبائح، لأنه لا تخصيص في نظر العقل بالنسبة لحكم الأمثال. وعليه، وجب أن يصدر عنه الكذب، وحينئذ لا يمكن الإطمئنان إلى شيء مما يصدر عنه، من وعدِه المطيعين بالثواب، ووعيده للعاصين بالعقاب، ويجوز حينئذ أن يعذّب المطيعين ويثيب المجرمين. بل لا يمكن الإطمئنان إلى شيء مما ورد في كتابه وجرى على لسان رسوله. وفي هذا ما فيه من وجود معذّر لعدم عبادته من قبل الإنسان...
بعد هذا كله، يتضح أنه لا بد من الالتزام بحكم العقل بعدل اللّه سبحانه، وعدم تجويز أي ظلم عليه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
المبحث الثالث مسألة الآلام
تمهيد:
يتطلع الإنسان حواليه، فيجد آلاماً وأحزاناً، ويجد أمراضاً وأسقاماً. ويجد محناً وبلاياً، تكتنف هذا المخلوق على هذه الأرض.
شرور لا عدّ لها.
ثم يرجع الإنسان إلى نفسه، ليصطدم في أعماقه، خضوعاً لمبدأ العليّة، القائل: بأن لكل مسبب سبباً، ولكل معلول علة. وان علة العلل، وسبب الأسباب هو اللّه سبحانه.
ولكن، هل يمكن أن تصدر هذه الشرور والآلام عن اللّه، وهو الحكيم العادل...!؟
وعلى فرض أنها صادرة عنهّ، فكيف يمكن التوفيق بين الإيمان بعدله وبين الإيمان بهذا الصدور...؟
أ - مشكلة الآلام وشموليتها:
والواقع، أن هذه المشكلة، لم تشغل بال مفكري الأديان فقط، وإنما شغلت معهم الفلاسفة الاخلاقيين منذ أقدم العصور.
فالزرادشتية، لم تستطع تصوّر أن هذه الشرور يمكن أن تصدر عن
الإله الحكيم. ولذا اضطر مفكروها إلى الالتزام بالإثنينية، فجعلوا للشر إلهاً خاصاً، أطلقوا عليه لفظ «أهرِمَن» الذي سوف تكون نهايته - في نظرهم - محتومة، والقضاء عليه مبرماً بعد صراع مرير مع إله الخير.
والمسيحية، حمّلت الإنسان تبعة هذه الشرور، باعتبار ارتكابه متمثلاً في أبيه آدم الخطيئة الاولى، حيث ورثها بنوه عنه، وورثوا معها تبعاتها.
ومن الفلاسفة مَن اعتبر الشر اعتباراً إنسانياً محضاً أضفاه تصوره الضيق المحدود، وحاول أن يُخضع أحداث الكون الكبرى لمثل هذه التصور والتقييم الضيقين.
وانطلاقاً من ذلك نرى «اسبينوزا»(١) ، يرفض فكرة الشر، كما يرفض فكرة الخير أيضاً. فإن للكون نواميس يجري على وُفقها، وقوانين تحكمه، ومن غير المنطقي أن تكون تلك النواميس وهذه القوانين، مطابقة تماماً لمشتهيات الإنسان ورغباته، وإلا فليتمرّد على هذه وتلك إن استطاع.
ب - الآلام بنظر المسلمين:
وكما واجه حكماء الزرادشتية، والمسيحية، والفلاسفة المحدثون مشكلة الشرور والآلام، واجهها أيضاً فلاسفة الإسلام ومتكلموه على آراء يمكن أن يكون أهمها ثلاثة.
____________________
(١) اسبينوزا لفؤاد زكريا ص / ٥٨٥.
الرأي الأول
يرى ابن سينا، أن الشرور على قسمين:
شر مطلق، وهو مما لا وجود له البتة.
وشر جزئي.
وهذه الشرور الجزئية، هي التي يمكن أن تدخل في القضاء الإلهي، دخولاً عرَضياً لا ذاتياً.
بمعنى أن ناموس الخير الكلي، لا يعقل أن يستقيم إلا إذا رافقه في بعض جوانبه وحالاته، شر جزئي.
ولا يعقل في ضوء المنطق والعقل السليم، أن ترفع اليد عن تحصيل الخير الكلي، للتخلص من الشر الجزئي العارض لهذا الخير. وذلك (كالنار، فإن الكون إنما يتم بأمر يكون فيه نار، ولن يتصور حصولها إلا على وجه تحرق وتسخّن. ولم يكن بدّ من المصادمات الحادثة، ان تصادف ثوب فقير ناسك فيحترق. والأمر الدائم والأكثر حصول الخير من النار...)(١) .
واما بالنسبة إلى بعض الشرور، كالخلق المشوّه، والأمراض، وغيرها، يذهب ابن سينا إلى القول بأنها ليست راجعة إلى حرمان الفاعل، الذي هو اللّه، من العضو الناقص، أو الصحة، أو غيرها، بل إلى عدم استعداد في المنفعل.
____________________
(١) الإشارات والتنبيهات ٢ / ٧٨ وما بعدها.
وبتعبير آخر، ليست هذه الأمور، لجهة عائدة إلى الفاعل، بل لقصور في المحل والقابل.
وقد ارتأى هذا الرأي الفيلسوف ليبتنز.
مناقشة
ولكن هذا الرأي كما هو واضح، لا يمكن أن يُرضي العقل، لأنه يستلزم نسبة العجز إلى اللّه، إذ ألا يمكن للّه سبحانه أن يجلب الخير الكلي للإنسان من دون لزوم شر جزئي عنه...؟!
وأما بالنسبة للأمراض والأسقام، كيف يمكن للعقل أن يقبل الرأي القائل، بأن هذه الأمور إنما هي لازمة لعدم قابلية في المحل المنفعل، دون حرمان من الفاعل الذي هو اللّه تعالى...؟!
الرأي الثاني
وقد ذهب البعض إلى وضع تفسير لهذه الشرور فقالوا: بأن مَن تصيبه، إنما تصيبه لأنه مستحق لها بفعل المعاصي التي تصدر عنه، ولذا، لا يكون في إيرادها عليه أدنى شبهة للظلم، بل هي العدل بعينه.
مناقشة
والذي يفنّد هذا الرأي، هو أننا لو سلّمنا أن هذه الآلام، إنما يحسن أن تحل بالكبار والمكلفين، باعتبار تعقل صدور المعاصي عنهم، فتكون عقاباً
لهم عليها. فما بالنا نرى هذه الآلام تصيب الحيوانات والأطفال، ممن لا يتعقّل فيهم التكليف، فلا يتصور بالتالي، صدور عصيان منهم.
الرأي الثالث
وهو لأهل الحديث.
وحاصل هذا الرأي، ان هذه الشرور، وإن كانت صادرة عن اللّه سبحانه، إلا أنها كلها تتصف بالحُسن، باعتبار صدورها عنه تعالى، بعكس ما إذا صدرت عن الإنسان، فإنها تكون قبيحة، إذ أن الحسن - عند هؤلاء - ما حسنّه الشارع، والقبيح ما قبّحه...؟!
مناقشة
وهذا الرأي، يقوم على أساس إنكار إدراك العقل للحُسن والقبح الذاتيين في الأشياء. وهو ما ذهب إليه الأشاعرة.
ولكن الصحيح، أن هناك أموراً يدرك العقل حسنها الذاتي، أو قبحها كذلك.
فالعقل مثلاً، يدرك أن الظلم قبيح بذاته مع قطع النظر عن تقبيح الشارع له.
وكذا يدرك أن العدل حسَن حتى ولو لم يأمر به الشارع بل بقطع النظر عن منطق الدين كليّة. ولذا نرى غير المتدينين بدين أصلاً يحكمون بقبح الظلم وحسن العدل. وما ذلك في الحقيقة، إلا كون الحسن والقبح العقليين
من الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحية التي هي قسم من القضايا المسماة بالمشهورات، والتي يحكم بها العقل العملي ولا واقع لها إلا تطابق آراء العقلاء عليها(١) .
وعليه، فإذا كان العقل يحكم بحسن العدل وقبح الظلم بذاتيهما، فلا بد وان يعمّم هذا الحكم العقلي، من دون استثناء بحسب اختلاف الفاعلين، إذ لا تخصيص في حكم العقل أبداً.
ج - الرأي المختار في المسألة:
والذي يبدو لي، في مقام الجواب على مشكلة الآلام هذه، وما يخطر ببالي من حل لها بإيجاز ما يلي:
إن عندنا مسلّمتين اثنتين:
الأولى : إن اللّه عادل.
الثانية : إن أي شيء يحدث في هذا العالم، فلا بد من الالتزام بأن اللّه سبحانه هو «الفاعل ما منه الوجود» له.
ومعنى الفاعل ما منه الوجود، هو أنه مفيض الوجود عليه وخالقه.
____________________
(١) راجع للإطلاع على رأي الأشاعرة وبيان وجوه ضعفه مناقشات هذا الموضوع كله كتاب «أصول الفقه» للشيخ محمد رضا المظفر الجزء الثاني ص ٢١٦ وما بعدها كما لا بأس بمراجعة كتاب (المنطق) لنفس المؤلف الجزء / ٣ / ١٧ وما بعدها لتطلع على المراد من العقل العملي والعقل النظري ومجال حكم كل منهما مع توضيح كاف لأْقسام القضايا.
وانطلاقاً من هذه النقطة بالذات، لا بد لنا من الإلتزام بأن هذه الآلام التي تحصل في هذه الحياة، قد صدرت بمعنى من المعاني عنه سبحانه.
ولكن، كيف يمكن أن تصدر هذه الآلام عن اللّه مع فرض كونه عادلاً...؟
عود على بدء
هنا لا بد لنا من العودة قليلاً إلى ما سقناه من تعريف للعدل، باعتباره وصفاً للفعل الإلهي.
فالعدل كما مر، هو «ما يقتضيه العقل من الحكمة ومن إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة...».
وإذا أخذنا في مفهوم العدل عنصري الحكمة والمصلحة فكل فعل اشتمل على هذين العنصرين، لا بد وان يكون عدلاً.
وعلى ضوء ذلك كله، نطرح مسألة الآلام لنعالجها.
إنه لمن الواضح، ان هذا المخلوق، قد أُنيطت به مسؤولية عظمى طلب منه تحقيقها في هذا الكون، ألا وهي خلافته للّه على الأرض.
والذي نفهمه من معنى الخلافة هذه، هو إعمار الأرض، وإغناء الحضارة البشرية، بكل ما يقرب الإنسان من سعادته الحقيقية، وكماله الإنساني الراقي.
ولا إشكال أيضاً، في أن الإنسان يحتاج في مقام تحقيقه لهذه المسؤولية، وقيامه بأعبائها، من أن يخضع لأسلوب من الحياة ينحفظ معه التوازن بين شقّيه المادي والمعنوي.
إذ لا شك في أن هذا المخلوق، فيما لو تُرك ورغباته وشهواته وأهوائه، سوف ينحرف عن الطريق، وينقلب حيواناً يظلم الضعيف، ويستغله القوي، ولا يقيم وزناً لأية قيمة من القيم الإنسانية.
والشيء المحسوس بالنسبة لنوع الإنسان، أنه إذا تُرك واللذات وحدها، والنعم وحدها، من دون صدمات أو آلام، إنه سوف يصبح مخلوقاً هشّاً ينهار أمام أية صعوبة تعترض سبيله، أو مصيبة تلمّ به.
وكذا إذا تُرك والآلام وحدها، والمصائب وحدها، فإنه سوف يصبح مخلوقاً متداعي النفس، ضيق الصدر، يائساً من الحياة، فيذوي ويموت.
ولذا كان من الضروري أن تأتي الحياة، بشكل يتّسم بالمرونة من جهة والشدة من جهة أخرى.
فيه نِعَم، ولكن مشوبة بشيء من الألم.
وبهذا يحصل التوازن في حياة الإنسان.
نِعَمٌ، لا تخلو من آلام تكون بمنزلة المنبّهات لهذا المخارق ليَعتَبِر فلا يضلَّ في طغيانه، ويعدّل مسيرته إن انحرف بها عن الخط الذي يوصله إلى تحقيق المسؤولية التي ألقيت على عاتقه.
وهنالك كثير من الآيات القرآنية الكريمة، تشير إلى هذا المعنى الذي ذكرت.
( ولَو بسَط اللّهُ الرّزقَ لِعِبادِهِ لبغَوا في الأرضِ ولكِن يُنَزّلُ بِقدَرٍ ما يشاءُ إنّهُ بِعباَدِهِ خبيرٌ بصيرٌ ) .
( ولو رحِمنَاهُم وكشفنَا ما بِهِم مِن ضُرّ للَجّوا في طُغيانِهِم يعمهُون ) .
( وإذا أنعمنَا على الإنسانِ أعرضَ ونأى بِجانبِهِ وإذا مسّهُ الشّرّ فذُو دُعَاءٍ عريضٍ ) .
( وَلئِن أذقناهُ نعمَاءَ بعدَ ضرّاءَ مسّتهُ ليَقُولنَ ذهبَ السّيّئَات عنّي إنّهُ لفَرِح فخور... ) .
وعليه، فهذه الآلام التي يواجهها الإنسان في حياته، هي اُمور اقتضتها الحكمة من وجود هذا الإنسان وصوّبتها المصلحة من أجل هذا المخلوق نفسه.
فهي ليست انتقاماً منه، وإنما هي أسلوب تربوي يساعد الإنسان على أن يكون عنصراً إيجابياً في هذا الكون، يعتمد عليه، يعمل في سبيل إسعاد نفسه وإسعاد الآخرين.
وإذا كانت هذه الآلام مما اقتضته الحكمة، واشتمل على المصلحة، إذن فهي العدل بعينه.
اعتراضان ودفع
وهنا، قد يثور في الذهن اعتراضان:
الأول: أليس اللّه قادراً على أن يجعل الناس صالحين مستقيمين، بالإضافة
إلى جعلهم في نعيم دائم مستمر من دون آلام؟ فإذا قلتم بأنه غير قادر فقد نسبتم العجز إليه سبحانه.
وإذا قلتم بأنه قادر، فلماذا يختار الآلام للناس دون سعادتهم... وأين هذا من العدل...؟
والجواب : على هذا الاعتراض، هو أن اللّه قادر على ذلك بلا ريب، ولكنه لم يفعله، لأن فيه إجباراً للإنسان على الطاعة والصلاح.
وفكرة الجبر هذه، مما لا يمكن الموافقة عليه، لأنها تستلزم إبطال فلسفة الثواب والعقاب، وبالتالي انهيار القاعدة التي ترتكز عليها فلسفة التكليف بشكل عام.
الثاني : لو سلّمنا بأن الآلام التي تواجه الإنسان، إنما اقتضتها الحكمة واشتملت على المصلحة بالنسبة للإنسان نفسه - كما ذكرت - إلا إنها انما تصح بالنسبة للمكلفين من بني البشر، فما بالنا نجد هذه الآلام والمصائب، تصيب الأطفال والبهائم، لمن لا يتعقل في حقهم تكليف مطلقاً. فضلاً عن أن يتعقل في حقهم قرب من طاعة، أو بُعد عن معصية. فأين الحكمة في كل ذلك..!؟
والجواب : على هذا الإشكال، أن إيلام غير المكلفين، من الأطفال والبهائم، إنما يكون ظلماً، فيما إذا لم يتوافر فيه أمران:
الأول : الاعتبار.
ومعنى الاعتبار، أن هناك نوعاً من الناس، قد تصيبهم الآلام والمصائب في أنفسهم، ومع ذلك نراهم لا يعتبرون،
ولا يتّعظون، في حين أن إيلام أولادهم أو أقربائهم من غير المكلفين، أو إيلام البهائم التي تقع في متناول حواسهم، هو الذي يؤثر فيهم، فيجعلهم يتعظون ويرتدعون عن غيّهم وانحرافهم، وهذا شيء يذعن له مَن تعقّل وتأمل.
وإذا صحّ هذا، ارتفع العبث عن إيلام غير المكلفين من الأطفال والبهائم.
ولكن... قد يكون الفعل حكيماً، إلا أنه مع ذلك ظلم.
فهذا الإيلام المؤدي إلى حكمة إلى حكمة الإعتبار، قد يكون ظلماً، إذا تجرّد عن ثاني الأمرين، اللذين ذكرت قبل قليل، ضرورة توفرهما فيه. فما هو هذا الأمر الثاني؟
الثاني : العِوَض.
وهو «النفع المستحق الخالي عن تعظيم وتبجيل»(١) .
فاللّه سبحانه عندما يوقع الإيلام بغير المكلفين لحكمة الإعتبار والاتعاظ من قبل المكلفين، لا يتركهم مع ذلك الإيلام من غير عوض لاستلزام ذلك الظلم.
والعوض، إما أن يكون جلب نفع دنيوي أو أخروي، أو دفع ضرر دنيوي أو أخروي. بشرط زيادته على مفسدة الإيلام أضعافاً. «بحيث لو مُثّل العوض والألم للمُؤلَم وخُيّر بين الألم مع عوضه أو العافية لاختار الألم...»(٢) .
____________________
(١) و(٢) قواعد المرام للفيلسوف ميثم بن البحراني ص ١١٩.
وإذا اجتمعت في إيلام غير المكلفين حكمة الاعتبار والاتعاظ إلى العوض الزائد على مفسدة الإيلام، كان فعل هذا الإيلام حكيماً وحسناً في نفس الوقت.
حكيماً لجهة العظة والاعتبار، وحسناً لجهة العوض.
وإذا توفرت الحكمة والحسن والمصلحة في هذا الفعل، كان فعلاً عادلاً...
والحمد للّه أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
الفهرس
دراسات في العقيدة الإسلامية محمد جعفر شمس الدين ١
المقَدّمة ٣
مقدمة الطبعة الثانية ٤
بحوث تمهيدية - ١ - الجو الذي نشأ فيه علم العقيدة ٥
٢ - وجه تسمية هذا العلم بعلم الكلام ١٠
٣ - علم الكلام والفرق بينه وبين الفلسفة ٤ - نقد علم الكلام ومناقشته ١٣
٥ - أضواء على أهم الفرق والمدارس الكلامية (أ - قبل عصر الترجمات) ١ - الخوارج ١٩
٢ - المرجئة ٢٣
٣ - المجبّرة ٢٦
٤ - القدَرية ٢٨
ب - بعد عصر الترجمات ٣٠
١ - المشبهة ٣١
٢ - المعتزلة ٣٤
١ - محمد بن الهذيل ٣٩
بعض آراء العلاف للاعتقادية ٤٠
٢ - ابراهيم بن سيار ٣ - الأشاعرة ٤٤
٤ - الامامية ومواقفهم من آراء سائر الفرق الاعتقادية ٥٢
أ - موقف الامامية من المشبهة ٥٣
ب - موقف الامامية من المجبرة والمفوضة (القدرية) ج - موقف الامامية من الخوارج والمرجئة ٥٤
د - موقف الامامية من المعتزلة ١ - رأي الامامية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٥٥
٢ - التوحيد بين الامامية والمعتزلة ٥٧
٣ - المنزلة بين المنزلتين بين الامامية والمعتزلة ٥٨
٤ - رأي الامامية في الجزء الذي لا يتجزأ ٥٩
٥ - رأي الامامية في «الصرفة» ٦٠
الفصل الاول في العلة الاولى للكون ٦١
تمهيد: ٦٣
المبحث الاول : هل يمكن الاستدلال على وجود العلة الاولى أ - مع المانعين: الأول الثاني ٦٥
المبحث الثاني : الأدلة العقلية على وجود العلة الأولى ٦٨
الفصل الثاني مع الماديين ٨٤
تمهيد: ٨٥
المبحث الاول مذهب المصادفة ٨٧
المبحث الثاني المذهب الطبيعي ٩٣
المبحث الثالث أصل الحياة ٩٩
نشأة الخلق في الأساطير ١٠٠
المبحث الرابع مجرى الحياة ١٠٥
الفصل الثالث التوحيد ١٢٠
المبحث الاول الأدلة العقلية على أن اللّه واحد وجوداً ١٢٨
المبحث الثاني وحدة الذات الالهية ١٣٣
المبحث الثالث وحدة الذات والصفات ١٣٥
أولاً - صفات اللّه ١٣٦
١ - الصفات السلبية ١٣٦
أولاً: المجسمة والتزامهم بجواز رؤيته سبحانه ١٥٠
ثانياً: المجسمة وكون اللّه في جهة معينة ١٦٢
ثالثاً - المجسّمة وانتقال اللّه من مكان إلى مكان ١٦٦
٢ - الصفات الثبوتية ١٦٩
ثانياً - وحدة الذات والصفات ١٧٧
الفصل الرابع العدل ١٨٦
تمهيد: معنى العدل ١٨٧
المبحث الاول العدل في الفلسفة الأخلاقية ١٨٩
المبحث الثاني العدل الالهي والمتكلمون المسلمون تمهيد: ١٩٢
المبحث الثالث مسألة الآلام ١٩٨
الرأي الأول ٢٠٠
مناقشة الرأي الثاني مناقشة ٢٠١
الرأي الثالث مناقشة ٢٠٢
الفهرس ٢١٠