التبرك بالصالحين والاخيار

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الاستاذ صباح البياتي
مفاهيم عقائدية

التبرك بالصالحين والأخيار

الأستاذ صباح البياتي



بسم الله الرحمن الرحيم



الفهرس

مقدّمة: ٩

التبرّك ١٠

معاني البركة: ١٠

البركة في اللغة: ١٠

البركة في القرآن الكريم ١٢

التبرّك في التاريخ ١٦

١ - التبرّك عند الأمم السالفة ١٧

٢ - سيرة المسلمين في التبرّك ١٩

شبهة للعلياني ٤٢

تبرّك الصحابة بأماكن صلّى فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله) ٤٥

التبرّك بالصحابة والصالحين ٥٣

التبرّك بقبور الصالحين وآثارهم ٦٣

التمسّح بالمتبرّك به ٦٨

التبرّك عند أهل البيت(عليهم السلام) ٧٤

تبركهم بقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ٧٤

تبرّكهم بآثار بعضهم (عليهم السلام) ٧٦

التبرّك والاستشفاء بتربة الحسين(عليه السلام) ٧٧


التبرّك بكسوة الكعبة ٨١

التبرّك بسؤر المؤمن وفضل وضوئه ٨٢

التبرّك بشرب ماء السماء ٨٣

التبرّك بماء الفرات ٨٤

التبرّك بالتراب ٨٤

آراء بعض العلماء في التبرّك ٨٨




مقدّمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين..

من الأمور التي يتجدد فيها البحث على مستويات مختلفة وبأساليب متعددة مسألة التبرّك بالصالحين والأخيار من الأمة وبالأماكن والمشاهد المقدّسة عند المسلمين، لما يتجدّد حولها أو يتكرر من إثارات أو شبهات تصل في أحيان كثيرة إلى درجات ساخنة حتّى تكون مدعاة أحياناً لتمزيق المجتمع المتماسك وبثّ الفرقة بين أبنائه.

فهل التبرّك مسنون، أم مبتدع؟

هل له في القرآن والسنّة ذكر؟

هل له تاريخ بين المسلمين لا سيّما في القرون الأولى؟

هل له فقه وضوابط؟

كلّ ذلك سيتناوله هذا البحث بإيجاز مناسب، وبالقدر الكافي من التوفيق..

والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.


التبرّك

معاني البركة:

البركة في اللغة:

هي من الزيادة والنماء(١) .

قال الفراء: في قوله تعالى:( رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) (٢) .

البركات: السعادة(٣) .

وقال أبو منصور الأزهري بعد إيراده هذا القول: وكذلك قوله في التشهد: (السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته)، لأنّ من أسعده الله بما أسعد به النبي(صلى الله عليه وآله) فقد نال السعادة المباركة الدائمة(٤) .

والتبريك: هو الدعاء للإنسان وغيره بالبركة.

يقال: برّكت عليه تبريكاً، أي قلت: بارك الله عليك(٥) .

وقال ابن الأثير: وفي حديث أم سليم (فحنّكه وبرّك عليه): أي

____________________

١- قالها الخليل الفراهيدي: ٥/٣٦٨، مادة برك، انظر لسان العرب: ١٠/٣٩٠، الصحاح للجوهري: ٤/١٠٧٥، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/٢٣٠، المفردات للراغب الإصبهاني: ٤٤، النهاية لابن الأثير: ١/١٢٠.

٢- هود: ٧٣.

٣- معاني القرآن: ٢/٢٣.

٤- تهذيب اللغة: ١٠/٢٣٢.

٥- تهذيب اللغة للأزهري: ١٠/٢٣١.


دعا له بالبركة(١) .

وقال الجوهري: يقال: بارك الله لك وفيك وعليك، وباركك.

وقال تعالى:( أَن بُورِكَ مَن فِي النّارِ ) (٢) .

وقال ابن منظور: بارك الله الشيء، وبارك فيه وعليه: وضع فيه البركة، وطعام بريك كأنّه مبارك(٣) .

وقال الفيومي: بارك الله تعالى فيه فهو مبارك، والأصل: مبارك فيه(٤) .

والتبرّك: هو طلب البركة، وهي النماء أو السعادة. والتبرّك بالشيء: طلب البركة عن طريقه.

قال ابن منظور: تبرّكت به: أي تيمّنت به(٥) .

وقال ابن الأثير: واليُمن: البركة، وقد يُمن فلان على قومه فهو ميمون، إذا صار مباركاً عليهم، وتيمّنت به: تبركت(٦) .

والتبرّك في مفهومه الاصطلاحي يراد به طلب البركة عن طريق أشياء أو معان ميّزها الله تعالى بمنازل ومقامات خاصة، وخصّها

____________________

١- النهاية: ١/١٢٠.

٢- الصحاح: ٤/١٥٧٥.

٣- لسان العرب: ١٠/٣٩٠.

٤- المصباح المنير: ١/٤٥.

٥- لسان العرب: ١٣/٤٠٨.

٦- النهاية: ٥/٣٠٢ .


بالتبريك، وآثرها بعنايته على سواها. كما في مسّ يد النبي(صلى الله عليه وآله) تيمّناً ببركتها، أو المسح على بعض آثاره الشريفة بعد وفاته.. وهذا هو المراد بالتبرّك، مدار البحث، وأيّاً كان فإن مصدره إنمّا هو البركة التي خصّ الله تعالى بها أشياء أو أشخاصاً دون آخرين.

البركة في القرآن الكريم

وردت كلمة البركة بألفاظ متعددة في القرآن الكريم للتدليل على اختصاص أشخاص معيّنين وأمكنة وأزمنة معينة بنوع من البركة التي جعلها الله فيها لأسباب اقتضتها حكمة الله تعالى، فمن الأشخاص الذين شملتهم لفظة البركة في القرآن الكريم:

١ - النبي نوح(عليه السلام) ومن معه، وذلك في قوله تعالى:( اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى‏ أُمَمٍ مِمّن مَعَكَ... ) (١) .

٢ - النبي عيسى(عليه السلام)، وذلك في قوله تعالى:( وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ... ) (٢) .

٣ - النبي إبراهيم(عليه السلام)، وابنه النبي اسحاق(عليه السلام)، في قوله تعالى:

____________________

١- هود: ٤٨.

٢- مريم: ٣١.


( فَلَمّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا... ) (١) .

وقوله تعالى:( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى‏ إِسْحَاقَ... ) (٢) .

٤ - أهل البيت(عليهم السلام)، أو أهل بيت إبراهيم(عليه السلام)، على أقوال، وذلك في قوله تعالى:( رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) (٣) .

كما وردت لفظة البركة وما في معناها في القرآن الكريم بخصوص بعض الأماكن والأراضي والبقاع المعيّنة لاختصاصها بقدسية معينة، منها:

١ - البيت الحرام في مكة المكرمة، لقوله تعالى:( إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) (٤) .

٢ - الأرض بصورة عامة، حيث جعل البركة - وهو الخير - في مختلف أرجائها، لقوله تعالى:( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ فِيهَا اقْوَاتَهَا... ) (٥) .

أي جعل فيها الخير الكثير الذي ينتفع به ما على الأرض من

____________________

١- النمل: ٨.

٢- الصافات: ١١٣.

٣- هود: ٧٣.

٤- آل عمران: ٩٦.

٥- فصلت: ١٠.


نبات وحيوان وإنسان في حياته أنواع الانتفاعات(١) .

وقال الرازي: والبركة: كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض(٢) .

٣ - المسجد الأقصى وما حوله من بيت المقدس من أرض فلسطين، لقوله تعالى:( ... إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ... ) (٣) .

وكذلك في قوله تعالى:( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا... ) (٤) .

وقوله تعالى:( وَنَجّيْنَاهُ وَلُوطاً إلى الْأَرْضِ الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ... ) (٥) .

٤ - اليَمَن، لقوله تعالى:( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً ) (٦) .

٥ - قوله تعالى:( وَقُل رَبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ) (١) .

____________________

١- تفسير الميزان للطباطبائي: ١٧/٣٦٣، ٣٨٥، اوفست دار الكتب الإسلامية.

٢- التفسير الكبير للرازي: ٢٧ / ٤٠٢، تفسير الآية:(وجعلنا فيها رواسي...) .

٣- الإسراء: ١.

٤- الأعراف: ١٣٧.

٥- الأنبياء: ٧١.

٦- سبأ: ١٨.


كما وردت معاني البركة في القرآن الكريم صفة للكتاب العزيز، وذلك في قوله تعالى:

١ -( وَهذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدّقُ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) (٢) .

٢ -( وَهذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتّبِعُوهُ وَاتّقُوا لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (٣) .

٣ -( وَهذَا ذِكْرٌ مّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ... ) (٤) .

٤ -( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدّبّرُوا آيَاتِهِ... ) (٥) .

ووردت معاني البركة للدلالة على بعض مخلوقات الله من النباتات وغيرها كما في قوله تعالى:

( كَأَنّهَا كَوْكَبٌ دُرّيّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ) (٦) .

( فَلَمّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ... ) (٧) .

____________________

١- المؤمنون: ٢٩.

٢- الأنعام: ٩٢.

٣- الأنعام: ١٥٥.

٤- الأنبياء: ٥٠.

٥- سورة ص: ٢٩.

٦- النور: ٣٥.

٧- القصص: ٣٠.


( وَنَزّلْنَا مِنَ السّماءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبّ الْحَصِيدِ ) (١) .

كما وخصّ الله سبحانه وتعالى بعض الأزمنة بالبركة، كما في قوله تعالى:

( إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنذِرِينَ ) (٢) .

فهذه بعض معاني البركة واستعمالاتها في القرآن الكريم، وأمّا السنّة النبوية المطهّرة، فالأحاديث التي تتضمن البركة ومعانيها كثيرة جداً سوف يأتي بعضها في طيّات المباحث القادمة للدلالة على أن البركة والتبرك أمر ثابت في الشرع.

ولعلّ من أشهرها ما ثبت عنه(صلى الله عليه وآله) في صورة الصلاة عليه:((اللهمّ صل على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم.. إنّك حميد مجيد)) .

التبرّك في التاريخ

هل للتبرّك بمفهومه الاصطلاحي واقع تاريخي بين الأمم المتشرّعة، بحيث نكتشف في سيرهم وأخبارهم هذا النوع من السلوك، يتعارفونه ويتداولونه على أنه سلوك مشروع؟

____________________

١- سورة ق: ٩.

٢- الدخان: ٣.


نتابع الإجابة عن هذا التساؤل في مرحلتين رئيسيتين، تختصّ الأولى بتاريخ الأمم السالفة، وتتناول الثانية، وهي أكثر تفصيلاً، التبرّك في سلوك المسلمين وفي معارفهم منذ عهد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وتباعاً في العهود القريبة منه.

١ - التبرّك عند الأمم السالفة

إنّ ظاهرة التبرك بآثار الأنبياء معروفة حتّى عند الأمم التي سبقت الإسلام، والتي تتضمن التبرّك بثياب أولئك الأنبياء وبقاياهم، فمن أمثلة التبرّك عند الأمم السابقة.

تبرّك النبيّ يعقوب(عليه السلام) بقميص ابنه النبي يوسف(عليه السلام)، قال تعالى:( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلَى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا ) (١) .

وقد امتثل إخوة يوسف لأمره، فجاؤوا بقميصه وألقوه على وجه أبيه الذي كان قد فقد بصره حزناً على فراق ولده يوسف، فجعل الله تعالى قميص يوسف سبباً لارتداد بصر أبيه يعقوب(عليه السلام)، فكان ذلك من قدرة الله تعالى وبركة ذلك القميص، ومعلوم أنّ الله تعالى يقدر أن يرد بصر يعقوب(عليه السلام) دون حاجة إلى إلقاء ذلك القميص على وجهه، ولكن لله تعالى حكمة في جعل بعض الأشياء

____________________

١- يوسف: ٩٣.


المباركة سبباً لتحقّق الغاية، ولاشك أن ذلك مرده إلى أن يجعل ذلك سنّة يقتدي بها الأنام فيعرفوا أن هنالك أشياء وأمكنة وأزمنة وأشخاصاً لها مقامات عند الله تعالى، فجعل فيها بركة تتيح لها شفاء المرضى أو استجابة الدعاء أو الشفاعة لغفران الذنوب، ونحو ذلك.

قال الزمخشري: قيل، هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف، وكان من الجنّة، اُمر جبرئيل(عليه السلام) أن يرسل إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلاّ عوفي(١) .

ومن أمثلته أيضاً: تبرّك بني إسرائيل بالتابوت الذي فيه آثار آل موسى وآل هارون، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله حكايةً عن نبي بني إسرائيل الذي بشّرهم بطالوت ملكاً:( إِنّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبّكُمْ وَبَقِيّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسَى‏ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ ) (٢) وكان هو التابوت الذي أنزله الله على موسى فوضعته فيه أمه وألقته في اليمّ، وكان في بني إسرائيل معظّماً يتبركون به، فلما حضرت موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوة وأودعه يوشع وصيّه، فلم يزل التابوت بينهم حتّى استخفوا به وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل بنو إسرائيل في عزّ وترف مادام التابوت

____________________

١- الكشاف: ٢/٥٠٣.

٢- البقرة: ٢٤٨.


عندهم، فلمّا عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلمّا سألوا نبيّهم، بعث الله طالوت عليهم ملكاً يقاتل معهم فردّ الله عليهم التابوت.

قال الزمخشري: التابوت صندوق التوراة، وكان موسى إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفترون... وقوله:( وَبَقِيّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسَى‏ وَآلُ هَارُونَ ) هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة(١) .

فنجد بني إسرائيل بأمر من نبيّهم يحتفظون بما ترك موسى وهارون، وتسكن إليه نفوسهم لما أخبرهم به من البركة التي اختصّها الله به لكونها من آثار أنبيائهم، حتّى إذا استخفوا بهذه الآثار المباركة عاقبهم الله وحرمهم من بركتها، ممّا يدل على قدسية هذه الآثار وحلول البركة فيها بإذن الله.

٢ - سيرة المسلمين في التبرّك

أوّلاً: سيرة الصحابة في التبرّك بالنبي(صلى الله عليه وآله) في حياته

قال محمد طاهر المكي: فلا جرم أن كان التبرّك بها - آثار الرسول - سنّة الصحابة رضي الله عنهم، واقتفى آثارهم في ذلك من

____________________

١- الكشاف: ١ / ٢٩٣.


نهج نهجهم من التابعين وصلحاء المؤمنين، وقد وقع التبرّك ببعض آثاره(صلى الله عليه وآله) في عهده وأقرّه ولم ينكر عليه، فدلّ ذلك دلالة قاطعة على مشروعيته، ولو لم يكن مشروعاً لنهى عنه(صلى الله عليه وآله) وحذّر منه، وكما تدلّ الأخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته، تدل على قوة إيمان الصحابة وشدّة محبّتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، على حد قول الشاعر:

أمرُّ على الديار ديار سلمى اُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا(١)

فكان الصحابة يتبرّكون بالنبي(صلى الله عليه وآله)، بمس جسده الشريف وتقبيل يده، وشرب فضل إنائه، وبماء وضوئه، ونخامته، وشعره وغير ذلك في حياته، ويأتون بأولادهم حال ولادتهم لكي ما يحنّكهم النبي(صلى الله عليه وآله) ويتبرّك عليهم ويدعو لهم، ومن ذلك ما أخرج مسلم في صحيحه من أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يؤتى إليه بالصبيان فيبرّك عليهم ويحنّكهم(٢) .

وقال ابن حجر: كل مولود في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) يحكم بأنّه رآه، وذلك لتوفر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبي(صلى الله عليه وآله) للتحنيك

____________________

١- تبرك الصحابة بآثار الرسول: ٧.

٢- صحيح مسلم: ١ / ١٦٤. باب حكم بول الطفل الرضيع، و ٦ / ١٧٦، باب استحباب تحنيك المولود.


والتبرّك، حتّى قيل: لما افتتحت مكة جعل أهل مكة يأتون إلى النبي بصبيانهم ليمسح على رؤوسهم ويدعو لهم بالبركة(١) .

وقد وردت بذلك أخبار كثيرة نقتطف منها بعضها:

١ - عن أم قيس أنّها أتت بإبن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله(٢) .

قال ابن حجر: وفي هذا الحديث من الفوائد، الندب إلى حسن المعاشرة، والتواضع، والرفق بالصغار، وتحنيك المولود والتبرّك بأهل الفضل، وحمل الأطفال حال الولادة وبعدها(٣) .

٢ - عن عائشة: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يُؤتى بالصبيان فيحنّكهم ويبرّك عليهم(٤) .

٣ - عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما كان يولد لأحد مولود إلاّ

____________________

١- الإصابة: ٣/٦٣٨، حرف الواو القسم الأوّل، باب. و. ك، ترجمة وليد بن عقبة، رقم٩١٤٧.

٢- صحيح البخاري: ١/٦٢ كتاب الغسل، سنن النسائي: ١ / ٩٣، باب بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، سنن الترمذي: ١/١٠٤، سنن أبي داود: ١/٩٣ باب بول الصبي يصيب الثوب، سنن ابن ماجة ١/١٧٤.

٣- فتح الباري: ١/٣٢٦، كتاب الوضوء باب ٥٩ باب بول الصبيان، ح ٢٢٣.

٤- مسند أحمد: ٧/٣٠٣، ح ٢٥٢٤٣، الإصابة: ١/٥، عن مسلم، خطبة الكتاب، القسم الثاني.


اُتي به النبي فدعا له(١) .

٤ - عن محمّد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة، عن ظئر محمد بن طلحة قال: لما ولد محمّد بن طلحة أتيت به النبي(صلى الله عليه وآله) ليحنّكه ويدعو له، وكذلك كان يفعل بالصبيان(٢) .

لقد كانت سيرة الصحابة الكرام هي التبرّك بالنبي(صلى الله عليه وآله) وآثاره على الدوام في حياته وبعد مماته، والأخبار في ذلك تضيق عن الحصر، إلاّ أنّنا سنذكر بعض الأمثلة القليلة عن تبرّك الصحابة به وبآثاره(صلى الله عليه وآله)، للدلالة على مشروعية التبرّك.

تبرّكهم بجسده الشّريف:

روي أنّه(صلى الله عليه وآله) جاء إلى السوق فوجد زهيراً قائماً يبيع متاعاً، فجاء من قبل ظهره وضمه بيده إلى صدره، فأحس زهير بأنه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء حصول البركة(٣) .

____________________

١- المستدرك: ٤/٤٧٩، الإصابة: ١/٥ خطبة الكتاب، القسم الثاني.

٢- الإصابة: ١/٥، خطبة الكتاب، القسم الثاني.

٣- سيرة دحلان: ٢/٢٦٧، البداية والنهاية: ٦/٤٧ وصححه وقال: إن رجاله ثقات، مسند أحمد: ٣/٩٣٨، حديث ١٢٢٣٧. تبركهم بشعره(صلى الله عليه وآله).


تبرّكهم بشعره (صلى الله عليه وآله):

١ - عن أنس قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) والحلاّق يحلقه وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن تقع شعرة إلاّ في يد رجل(١) .

٢ - عن عبد الله بن زيد قال:... فحلق رسول الله(صلى الله عليه وآله) رأسه في ثوبه وأعطاه فقسم منه على رجال، وقلّم أظفاره فأعطاه صاحبه، قال: فإنه لعندنا مخضوب بالحناء والكتم، يعني: شعره(٢) .

٣ - لما نحر رسول الله(صلى الله عليه وآله) الهَدْي دعا الحلاّق وحضر المسلمون يطلبون من شعر رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأعطى الحلاّق شق رأسه الأيمن ثم أعطاه أبا طلحة الأنصاري، وكلّمه خالد بن الوليد في ناصيته حين حلق فدفعها إليه فكان يجعلها في مقدمة قلنسوته، فلا يلقى جمعاً إلاّ فضّه(٣) .

٤ - عن أبي بكر أنّه كان يقول: ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عمّا كان بين محمد

____________________

١- صحيح مسلم: بشرح النووي: ١٥/٨٣، إرواء الغليل: ٤/٢٨٨، مسند أحمد: ٣/٥٩١، مسندات ابن مالك، ح ١١٩٥٥، السنن الكبرى للبيهقي: ٧/٦٨، السيرة الحلبية: ٣/٣٠٣، البداية والنهاية: ٥/١٨٩.

٢- السنن الكبرى للبيهقي: ١/٢٥، باب في شعر النبي، مسند أحمد: ٤/٦٣٠، ح ١٦٠٣٩، مجمع الزوائد: ٤/١٩.

٣- مغازي الواقدي: ٣/١١٠٨.


وربّه... لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائماً عند المنحر يقرب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بدنة ورسول الله(صلى الله عليه وآله) ينحرها بيده، ودعا الحلاّق فحلق رأسه، وأنظر إلى سهيل يلتقط من شعره وأراه يضعه على عينيه، وأذكر إباءه، أن يقرّ يوم الحديبية بأن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم(١) .

تبرّكهم بعرقه(صلى الله عليه وآله):

عن أنس بن مالك، قال: إنّ اُمّ سليم كانت تبسط للنبي(صلى الله عليه وآله) نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع. قال: فإذا نام النبي(صلى الله عليه وآله) أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سكّ(٢) .

قال ابن حجر في شرحه للحديث:

وفي ذكر الشعر غرابة في هذه القصة، وقد حمله بعضهم على ما ينتشر من شعره(صلى الله عليه وآله)عند الترجل، ثم رأيت في رواية محمد بن سعد ما يزيل اللبس، فإنّه أخرج بسند صحيح عن ثابت عن أنس أن النبي(صلى الله عليه وآله) لما حلق شعره بمنى أخذ أبو طلحة شعرة فأتى بها اُمّ سليم فجعلته في سكّها. قالت اُمّ سليم: وكان يجيء فيقيل عندي على نطعي فجعلت أسلت العرق(٣) .

____________________

١- كنز العمال: ١٠/٤٧٢، ح ٣٠١٣٦.

٢- صحيح البخاري: ٧/١٤٠، كتاب الاستئذان.

٣- فتح الباري: ١١/٥٩، الطبقات الكبرى: ٨/٣١٣.


تبرّكهم بماء وضوئه(صلى الله عليه وآله):

١ - عن أبي جحيفة، قال: أتيت النبي(صلى الله عليه وآله) وهو في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالاً أخذ وضوء النبي(صلى الله عليه وآله) والناس يتبادرون الوضوء فمن أصاب شيئاً تمسح به ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه.

وفي لفظ: خرج علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالهاجرة فاُتي بوضوء، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه ويتمسّحون به(١) .

٢ - عن ابن شهاب، قال: أخبرني محمود بن الربيع، قال: وهو الذي مجّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) في وجهه وهو غلام من بئرهم. وقال عروة عن المسور وغيره - يصدّق كل واحد منهما صاحبه -: وإذا توضأ النبي(صلى الله عليه وآله) كادوا يقتتلون على وضوئه(٢) .

قال ابن حجر في شرحه: وفعله النبي(صلى الله عليه وآله) مع محمود إما مداعبة أو ليبارك عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة(٣) .

____________________

١- صحيح البخاري: ١/٥٥، كتاب الوضوء باب استعمال فضل وضوء الناس، مسند أحمد: ٥/٣٩٨، حديث ١٨٢٦٩، السنن الكبرى للبيهقي: ١/٣٩٥، باب الالتواء في حيّ على الصلاة، دلائل النبوّة للبيهقي: ١/١٨٣، صحيح مسلم: ١/٣٦٠، سنن النسائي: ١/٨٧.

٢- صحيح البخاري: ١ / ٥٥، كتاب الوضوء باب استعمال فضل وضوء الناس، مسند أحمد: ٦/٥٩٤، حديث ٢٣١٠٩، سنن ابن ماجة: ١/٢٤٦.

٣- فتح الباري: ١/١٥٧، باب متى يصح سماع الصغير.


كما أخرج المحدّثون والحفّاظ قصة مجيء عروة بن مسعود الثقفي إلى قريش قبل صلح الحديبية، حيث أدهشه عمل الصحابة مع النبي(صلى الله عليه وآله)، فقال - وهو يحكي ما شاهده من ذلك -: لا يتوضأ وضوءاً إلاّ ابتدروه، ولا يبصق بصاقاً إلاّ ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه - وفي رواية - فو الله ما تنخم رسول الله(صلى الله عليه وآله) نخامة إلاّ وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه(١) .

٣ - عن سعد قال: سمعت عدّة من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) فيهم أبو اُسيد وأبو حميد وأبو سهل ابن سعد يقولون:

أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بئر بضاعة فتوضأ في الدلو وردّه في البئر ومج في الدلو مرة أخرى وبصق فيها وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في عهده يقول:((اغسلوه من ماء بئر بضاعة)) فيغسل، فكأنّما حل من عقال!(٢) .

٤ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنهما) يقول: جاء

____________________

١- مسند أحمد: ٥/٤٢٣، حديث طويل ١٨٤٣١، السنن الكبرى للبيهقي: ٩/٢١٩ باب المهادنة على النظر للمسلمين، البخاري: ١ / ٦٦، كتاب الوضوء، ٣/١٨٠، كتاب الوصايا، السيرة الحلبية: ٣/١٨، سيرة ابن هشام: ٣/٣٢٨، المغازي للواقدي: ٢/٥٩٨، تاريخ الخميس: ٢/١٩.

٢- الطبقات الكبرى: ١ - ٢/١٨٤، سيرة ابن دحلان: ٢/٢٢٥.


رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصبّ عليّ من فضل وضوئه فعقلت(١) .

٥ - وعنه أيضاً قال: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) توضأ في طست فأخذته فصببته في بئر لنا(٢) .

٦ - وعن أبي موسى قال: دعا النبي(صلى الله عليه وآله) بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه ومجّ فيه ثم قال لهما:((اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما)) (٣) .

قال ابن حجر: والغرض بذلك - يعني المج - إيجاد البركة فيه(٤) .

٧ - عن أم هانئ: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) دخل عليها يوم الفتح فأتته بشراب فشرب منه، ثم فضلت منه فضلة فناولها فشربته ثم قالت: يا رسول الله! لقد فعلت شيئاً ما أدري يوافقك أم لا، فقال:((وما ذاك يا أم هانئ)) ؟ قالت: كنت صائمة فكرهت أن أرد فضلك فشربته.

وفي رواية: لقد شربت وأنا صائمة. قال:((فما حملك على ذلك)) ؟!

____________________

١- صحيح البخاري: ١/٦٠، ٧/١٥٠، ٨/١٨٥، ٩/١٢٤، صحيح البخاري: ٣/١٢٣٥.

٢- كنز العمال: ١٢/٤٢٢، ح ٣٥٤٧٣.

٣- صحيح البخاري: ١/٥٥، كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس.

٤- فتح الباري: ١/٢٣٦، كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس، ٨/٣٧ باب غزوة الطائف.


قالت: من أجل سؤرك لم أكن لأدعه لشيء، لم أكن أقدر عليه، فلما قدرت عليه شربته(١) .

هذه أخبار أخرجها الأئمة والحفاظ للتدليل على سيرة الصحابة الكرام في التبرّك بالنبي(صلى الله عليه وآله) في حياته، وقد استمرت هذه السيرة عندهم بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) حيث كان الصحابة يتبرّكون بآثاره فيشربون في الآبار التي شرب منها أو مج فيها، ويتبرّكون ببقايا شعره ومنبره وخاتمه وعصاه وقدحه وبقبره الشريف وملابسه ونعاله وكل ما خلّفه النبي(صلى الله عليه وآله) من بعده، وقد تابعهم التابعون على ذلك واستمرت سيرة المسلمين في التبرّك بآثار النبي(صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا، والأخبار في ذلك كثيرة جداً، نكتفي بذكر بعضها:

ثانياً: تبرّك الصحابة والتابعين بآثار النبي(صلى الله عليه وآله) بعد وفاته:

أفرد البخاري باباً في: (ما ذكر من درع النبي(صلى الله عليه وآله) وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك ممّا لم يذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته ممّا تبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته)(٢) .

١ - عن عبد الله بن موهب: قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح

____________________

١- مسند أحمد: ٧/٥٧٥، ح ٢٦٨٣٨، الطبقات الكبرى: ٨/١٠٩.

٢- صحيح البخاري: ٤/٤٦، باب ما ذكر من ورع النبي(صلى الله عليه وآله) وعصاه وسبقه...


من ماء - وقبض إسرائيل ثلاث أصابع - من قُصّة فيه شعر من شعر النبي(صلى الله عليه وآله)، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء، بعث إليها مِخضَبه، فاطّلعتُ في الحجل فرأيت شعرات حُمراً(١) .

٢ - لما حضر معاوية الموت أوصى بأن يدفن في قميص رسول الله وإزاره وردائه وشيء من شعره(٢) .

٣ - حينما حضرت عمر بن العزيز الوفاة، دعا بشعر من شعر النبي(صلى الله عليه وآله) وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فخذوا الشعر والأظفار ثم اجعلوه في كفني(٣) .

٤ - جعل في حنوط أنس بن مالك صرة مسك وشعر من شعر رسول الله(صلى الله عليه وآله)(٤) .

٥ - أعطى بعض ولد فضل بن الربيع أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال: هذا من شعر النبي(صلى الله عليه وآله)، فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه(٥) .

____________________

١- صحيح البخاري: ٧/٢٠٧.

٢- السيرة الحلبية: ٣/١٠٩، الإصابة: ٣/٤٠٠، تاريخ دمشق: ٥٩/٢٢٩.

٣- الطبقات: ٥/٤٠٦، ترجمة عمر بن عبد العزيز.

٤- الطبقات: ٧/٢٥ ترجمة أنس بن مالك.

٥- صفة الصفوة: ٢/٣٥٧.


٦ - عن ابن سيرين قال: قلت لعبيدة: عندنا من شعر النبي(صلى الله عليه وآله)، أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس. قال: لأن تكون عندي شعرة منه أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها(١) .

٧ - ذكر الواقدي أن عائشة أم المؤمنين سئلت: من أين هذا الشعر الذي عندكن؟ قالت: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لما حلق رأسه في حجته فرّق شعره في الناس فأصابنا ما أصاب الناس(٢) .

التبرّك بالشرب من قدحه(صلى الله عليه وآله):

١ - عن سهل بن سعد في حديث، قال: فأقبل النبي(صلى الله عليه وآله) يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة، هو وأصحابه ثم قال:((اسقنا يا سهل)) ، فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه (قال الراوي): فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن العزيز بعد ذلك فوهب له(٣) .

٢ - عن أنس: إن قدح النبي(صلى الله عليه وآله) انكسر، فاتّخذ مكان الشعب

____________________

١- صحيح البخاري: ١/٥١، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل شعر الإنسان.

٢- المغازي: ٣/١١٠٩.

٣- صحيح البخاري: ٦/٣٥٢، كتاب الاشربة، صحيح مسلم: ٦/١٠٣، باب إباحة النبيذ لم يشتر ولم يصر مسكراً.


سلسلة من فضة. قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه(١) .

٣ - قال أبو بردة: قال لي عبد الله بن سلام: ألا أسقيك في قدح شرب النبي(صلى الله عليه وآله) فيه(٢) .

٤ - عن صفية بنت بحرة، قالت: استوهب عمي فراس من النبي(صلى الله عليه وآله) قصعة رآه يأكل فيها فأعطاه إياها.

قال وكان عمر إذا جاءنا، قال: أخرجوا لي قصعة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فنخرجها إليه فيملأها من ماء زمزم فيشرب منها وينضحه على وجهه(٣) .

تبرّكهم بمواضع يده وفمه(صلى الله عليه وآله):

١ - في قصة نزول النبي(صلى الله عليه وآله) في بيت أبي أيوب الأنصاري عندما قدم مهاجراً إلى المدينة، قال أبو أيوب: وكنا نضع له العشاء ثم نبعث، فإذا ردّ علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتّى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلاً وثوماً، فردّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم أرَ ليده فيه أثراً، فجئته فزعاً، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت واُمّي ردّدت عشاءك ولم أرَ فيه موضع يدك؟

____________________

١- صحيح البخاري: ٤/٤٧، باب بدأ الخلق.

٢- صحيح البخاري: ٦/٣٥٢، كتاب الأشربة.

٣- الإصابة: ٣/٢٠٢، حرف الفاء القسم الأوّل، ترجمة فراس، رقم ٦٩٧١، اُسد الغابة: ٤/٣٥٢، حرف الفاء، فراس عم صفية، رقم ٤٢٠٢، كنز العمال: ١٤/٢٦٤.


فقال:((إنّي وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل اُناجي فأمّا أنتم فكلوه...)) (١) .

٢ - عن أنس: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) دخل على أم سليم بيتها وفي البيت قربة معلقة فيها ماء، فتناولها فشرب من فيها وهو قائم، فأخذتها اُمّ سليم فقطعت فمها فأمسكته عندها(٢) .

٣ - عن اُمّ عامر - واسمها فكيهة أو أسماء - بنت يزيد بن السكن قالت: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلّى في مسجدنا المغرب فجئت منزلي فجئته بلحم وأرغفة، فقلت: تعشَّ. فقال لأصحابه:((كلوا)) . فأكل هو وأصحابه الذين جاءوا... قالت: وشرب عندي في شجب فأخذته فدهنته وطويته، وكنّا نسقي فيه المرضى ونشرب منه في الحين رجاء البركة(٣) .

٤ - عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كلثم قالت: دخل علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعندنا قربة معلقة فشرب منها، فقطعت فم القربة ورفعتها، نبتغي البركة موضع فِيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)(٤) .

____________________

١- البداية والنهاية: ٣/٢٠١، سيرة ابن هشام: ٢/١٤٤، دلائل النبوة للبيهقي: ٢/٥١٠.

٢- مسند أحمد: ٧/٥٢٠، ح ٢٦٥٧٤، الطبقات: ٨/٣١٣.

٣- الإصابة: ٤/٤٧١، حرف العين، القسم الأوّل، ترجمة اُمّ عامر، رقم ١٣٧٤، الطبقات: ٨/٢٣٤.

٤- اُسد الغابة: ٥/٥٣٩، حرف الكاف، ترجمة كلثم، رقم ٧٢٤٣، سنن ابن ماجة: ٢/١١٣٢.


تبرّكهم بعصاه وملابسه وخاتمه(صلى الله عليه وآله):

١ - عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك: أنّه كانت عنده عصيّة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) فمات فدفنت معه بين جنبه وقميصه(١) .

٢ - عن ابن عمر أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) اتّخذ خاتماً من ذهب أو فضة وجعل فصّه مما يلي كفّه ونقش فيه:((محمد رسول الله)) فاتخذ الناس مثله، فلمّا رآهم قد اتخذوها رمى به، وقال:((لا ألبسه أبداً)) ثم اتّخذ خاتماً من فضة فاتّخذ الناس خواتيم الفضة. قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبي(صلى الله عليه وآله) أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى وقع من عثمان في بئر اُريس(٢) .

٣ - عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة ببردة...، قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها رسول الله(صلى الله عليه وآله) محتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فجسّها رجل من القوم، فقال: يا رسول الله اكسينيها؟ قال:((نعم)) ، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه وقد عرفت أنه لا يرد سائلاً، فقال الرجل: والله ما سألتها إلاّ

____________________

١- البداية والنهاية: ٦/٦.

٢- صحيح البخاري: ٧/٥٥، كتاب اللباس، باب خاتم الفضة، الاستيعاب بهامش الإصابة: ٢/٤٩٤، ترجمة عمرو بن سعيد بن العاص، صحيح مسلم: ٣/١٦٥٦، النسائي: ٨/١٩٦، أبي داود: ٤/٨٨، مسند أحمد: ٢/٩٦، ح ٤٧٢٠.


لتكون كفني يوم أموت، قال سهل فكانت كفنه(١) .

قال ابن حجر: وفي رواية أبي غسان، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي(صلى الله عليه وآله)...

وقال في شرحه:

ما يستفاد من الحديث وفيه التبرّك بآثار الصالحين.

وقال: أفاد المحب الطبري في الأحكام له: إنه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبراني. ولم أره في المعجم الكبير، لا في مسند سهل ولا عبد الرحمن، ونقله شيخنا ابن الملقن عن المحب في شرح العمدة، وكذا قال لنا شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي أنّه وقف عليه لكن لم يستحضر مكانه، ووقع لشيخنا ابن الملقن في شرح التنبيه أنه سهل بن سعد وهو غلط، ثم نقل عن الطبراني أنّه سعد بن أبي وقاص، وعنه أيضاً في رواية أنّه أعرابي(٢) .

٤ - أراد معاوية بن أبي سفيان أن يشتري من كعب بن زهير بردة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، التي ألقاها عليه بعد إسلامه بعشرة آلاف درهم، فأبى كعب وقال: ما كنت لأوثّر بثوب رسول الله أحداً. فلما مات بعث

____________________

١- صحيح البخاري: ٧/١٨٩، ٢/٩٨، ٣/٨٠، ٨/١٦، مسند أحمد: ٦/٤٥٦، ح ٢٢٣١٨، سنن ابن ماجة: ٢/١١٧٧.

٢- فتح الباري: ٣/١٤٤، ٢٨ باب من استعد الكفن في زمن النبي(صلى الله عليه وآله) فلم ينكر عليه، ذيل الحديث ١٢٧٧.


معاوية إلى ورثته بعشرين ألف درهم، فأخذها منهم. هي البردة التي كانت عند السلاطين، وهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد(١) .

٥ - عن أم عطية الأنصارية (رضي الله عنها)، قالت: دخل علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) حين توفيت ابنته، فقال:((اغسلنّها ثلاثة أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتنَ ذلك بماء وسدر، واجعلنَ في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور فإذا فرغتنَ فآذنني)) ، فلما فرغنا آذنّاه فأعطانا حقوة، فقال:((اشعرنّها إياها)) تعني إزاره(٢) .

٦ - عن محمد بن جابر، قال: سمعت أبي يذكر عن جدي أنه أوّل وفد وفد على رسول الله(صلى الله عليه وآله) من بني حنيفة، فوجدته يغسل رأسه، فقال:((اُقعد يا أخا أهل اليمامة فاغسل رأسك)) فغسلت رأسي بفضلة غسل رسول الله(صلى الله عليه وآله)... فقلت: يا رسول الله أعطني قطعة من قميصك استأنس بها، فأعطاني. قال محمد بن جابر: فحدثني أبي أنها كانت عندنا نغسلها للمريض يستشفي بها(٣) .

٧ - عن عيسى بن طهمان، قال: أمر أنس وأنا عنده

____________________

١- تبرّك الصحابة: ١٧، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢/٤١٢، السيرة الحلبية: ٣/٢٤٢، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٩.

٢- صحيح البخاري: ٢/٧٤، كتاب الجنائز، باب يجعل الكافور في آخره، صحيح مسلم: ٢/٦٤٧، مسند أحمد: ٧/٥٥٦، ح ٢٦٧٥٢، السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٥٤٧، باب ٣٤، ح ٦٦٣٤، ٤/٦، باب ٧٢، ح ٦٧٦٤، سنن النسائي: ٤/٣١.

٣- الإصابة: ٢/١٠٢، حرف السين القسم الأوّل، ترجمة سياويس طلق اليماني، رقم ٣٦٢٦.


فأخرج نعلاً لهما قبالان، فسمعت ثابت البناني يقول: هذه نعل النبي(صلى الله عليه وآله)(١) .

التبرّك بمنبره (صلى الله عليه وآله):

لقد أوضح النبي(صلى الله عليه وآله) لاُمّته أن لمنبره قدسية خاصة لا ينبغي التجاوز عليها، لذا فقد سنّ(صلى الله عليه وآله) تحريم اليمين على منبره كذباً، فقال:((من حلف على منبري كاذباً ولو على سواك أراك فليتبوّأ مقعده من النار)) (٢) .

وعن جابر (رضي الله عنه): قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):((أيما امرئ من المسلمين حلف عند منبري على يمين كاذبة يستحق بها حق مسلم، أدخله الله النار وإن كان على سواك أخضر)) (٣) .

وقد أدرك الصحابة ذلك، فنجد زيد بن ثابت يأبى أن يحلف على المنبر عندما قضى عليه مروان بذلك، وقال: احلف له مكاني، فجعل زيد يحلف وأبى أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب منه(٤) .

لذا نجد الصحابة الكرام يعرفون لهذا المنبر قدسيته وبركته،

____________________

١- صحيح البخاري: ٧/١٩٩، ٤/١٠١، البداية والنهاية: ٦/٦، الطبقات لابن سعد: ١/٤٧٨.

٢- مسند أحمد: ٤/٣٥٧، ح ١٤٦٠٦، فتح الباري: ٥/٢١٠، الطبقات: ١ / ١ / ١٠.

٣- كنز العمال: ١٦/٦٩٧، ح ٤٦٣٨٩، وفيه عن أبي هريرة أيضاً.

٤- صحيح البخاري: ٣/٢٣٤.


فنجدهم يقصدونه ويمسحون أيديهم برمانته وبمقعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) منه، ويضعونها على وجوههم تبرّكاً بها.

فعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القاري: أنه نظر إلى ابن عمر وضع يده على مقعد النبي(صلى الله عليه وآله) من المنبر ثم وضعها على وجهه(١) .

وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: رأيت ناساً من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) إذا خلا المسجد أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون(٢) .

تبرّكهم بقبره الشريف(صلى الله عليه وآله):

لقد كان دأب المسلمين منذ وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) على مرّ العصور والى يومنا هذا، هو التبرّك بقبر النبي(صلى الله عليه وآله) والاستسقاء به والاستشفاء بتربته، على ذلك تصافق المسلمون بكافة طوائفهم جيلاً بعد جيل، ولم يشذ عن ذلك إلاّ دعاة السلفية، وفي طليعتهم ابن تيمية الحراني الذي ادّعى بأن السلف الصالح لم يعرفوا ذلك ولم يقرّوه!

إلاّ أن عمل المسلمين - وفيهم كبار الصحابة والتابعين وعدد لا يستهان به من علمائهم الأفذاذ ومحدّثيهم - ينفي تلك الادعاءات

____________________

١- الطبقات: ١/٢٥٤، ذكر منبر الرسول، الثقات لابن حبان: ٩.

٢- الطبقات الكبرى: ١/٢٥٤، ذكر منبر الرسول.


ويبطلها، فمن الشواهد على دأب المسلمين - وفي مقدمتهم الصحابة الكرام - على التبرّك بقبر النبي(صلى الله عليه وآله):

١ - عن داود بن صالح، قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر فقال: أتدري ما تصنع! فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب! فقال: نعم، جئت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم آتِ الحجر، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول:((لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله)) (١) .

٢ - عن علي(عليه السلام) قال:قدم علينا أعرابي بعدما دفنّا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي(صلى الله عليه وآله) وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك:( وَلَوْ أَنّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ... ) الآية. وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر((قد غفر الله لك)) (٢) .

٣ - أخرج الحافظ ابن عساكر في التحفة من طريق طاهر بن

____________________

١- المعجم الأوسط: ١/٩٤، الجامع الصغير للسيوطي: ٧٢٨، كنز العمال: ٦/٨٨، ح ١٤٩٦٧، والذهبي في تلخيصه مجمع الزوائد: ٤/٢٢، وفاء الوفا للسمهودي: ٢/٤١٠، شفاء الأسقام للسبكي: ١٥٢.

٢- الروض الفائق: ٣٨٠، المواهب اللدنية للقسطلاني: ٤/٥٨٣، مشارق الأنوار: ١/١٢١، وفاء الوفا: ٤/١٣٩٩، كنز العمال: ٢/٣٨٦، ح ٤٣٢٢ و ٤/ ٢٥٩، ح ١٠٤٢٢.


يحيى الحسيني قال: حدثني أبي عن جدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي(رضي الله عنه) عنه قال: لما رُمس رسول الله(صلى الله عليه وآله)جاءت فاطمة(عليها السلام) فوقفت على قبره(صلى الله عليه وآله) وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعتها على عينيها، وبكت وأنشأت تقول:

ماذا على من شمَّ تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صُبّت عليَّ مصائب لو أنها صُبّت على الأيام عُدن لياليا(١)

٤ - ذكر الخطيب ابن جماعة أن عبد الله بن عمر كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف، وأن بلالاً(رضي الله عنه) وضع خديه عليه أيضاً. ورأيت في كتاب السؤالات لعبد الله ابن الإمام أحمد - وذكر ما تقدّم عن ابن جماعة - ثم قال: ولا شك أن الاستغراق في المحبة يحمل على الإذن في ذلك، والمقصود من ذلك كله الاحترام والتعظيم، والناس تختلف مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته، فأناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم بل يبادرون إليه، وأناس فيهم أناة يتأخرون، والكل محل خير(٢) .

____________________

١- رواه كل من: ابن الجوزي في وفاء الوفا في فضائل المصطفى: ٨١٩ ح ١٥٣٨، وابن سيد الناس في السيرة النبوية: ٢/٤٣٢، والقسطلاني في المواهب اللدنية مختصراً: ٤/٥٦٣، والقاري في شرح الشمائل: ٢/٢١٠، والشبراوي في الإتحاف: ٣٣٠، والسمهودي في وفاء الوفا: ٤/١٤٠٥، سير أعلام النبلاء: ٢/١٣٤ وغيرهم.

٢- وفاء الوفا للسمهودي: ٤/١٤٠٥.


٥ - عن أبي الدرداء قال: إن بلالاً مؤذن النبي(صلى الله عليه وآله) رأى في منامه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو يقول:((ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال)) ؟! فانتبه حزيناً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي(صلى الله عليه وآله) فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين(عليهما السلام) فجعل يضمّهما ويقبّلهما(١) .

٦ - قال السمهودي: كانوا يأخذون من تراب القبر، فأمرت عائشة فضرب عليهم، وكانت في الجدار كوة فكانوا يأخذون منها، فأمرت بالكوة فسدّت(٢) .

٧ - ذكر السمهودي أن الناس كانوا يتبركون بالصلاة الى القبر(٣) ، قال: عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال كان الناس يصلّون الى القبر، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصل إليه أحد(٤) .

٨ - كان ابن المنكدر - وهو أحد أعلام التابعين - يجلس مع أصحابه، قال: وكان يصيبه الصمات، فكان يقوم كما هو ويضع خده على قبر النبي(صلى الله عليه وآله) ثم يرجع، فعُوتب في ذلك فقال: إنّه

____________________

١- تاريخ دمشق لابن عساكر: ٧/١٣٧، مختصر تاريخ دمشق: ٤/١١٨، ٥/٢٦٥، تهذيب الكمال: ٤/٢٨٩، اُسد الغابة: ١/٢٤٤، وفاء الوفا للسمهودي: ٤/١٣٥٦، شفاء السقام: ٥٣، مشارق الأنوار: ١/١٢١.

٢- وفاء الوفا: ١/٥٤٤.

٣- يعني قبر النبي(صلى الله عليه وآله).

٤- وفاء الوفا: ٢/٥٤٧.


ليصيبني خطرة، فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي(صلى الله عليه وآله)، وكان يأتي موضعاً من المسجد في الصحن فيتمرّغ فيه ويضطجع، فقيل له في ذلك، فقال: إنّي رأيت النبي(صلى الله عليه وآله) في هذا الموضع. يعني في النوم(١) .

قال ابن قدامة الحنبلي في المغني: ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة.

هذه هي السنّة التي دأب عليها الصحابة والتابعون في التبرّك بقبر النبي(صلى الله عليه وآله) والاستشفاء بتربته، ولم يخالفهم فيها إلاّ ولاة بني اُمية الظلمة من أمثال مروان بن الحكم طريد رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي لعنه الله وهو في صلب أبيه، كما أخبرت بذلك عائشة وعبد الله بن الزبير(٢) .

____________________

١- وفاء الوفاء: ٢/٤٤٤ عن أبي خيثمة زهير بن حرب قال: حدثنا مصعب بن عبد الله، حدثنا إسماعيل بن يعقوب التيمي.

٢- مجمع الزوائد: ٥/٢٤١، الاستيعاب: ٣/٤٢٥، ترجمة مروان بن الحكم، وترجمة مروان بن الحكم من اُسد الغابة: ٥/١٤٤، رقم ٤٨٤١، السنن الكبرى للنسائي: ٦/٤٨٥.


شبهة للعلياني

قال علي بن نفيع العلياني: وعلى هذا فإن أهل الجاهلية كحال أي إنسان، يرغبون في النماء والزيادة في أموالهم وأبدانهم وقبائلهم وأولادهم، وكل ما يحتاجونه في هذه الحياة الدنيا، وهذا النماء والزيادة الذي هو جوهر البَرَكة إنّما يطلبونه من أصنامهم لاعتقادهم أن هذه الأصنام يأتي من قبلها الخير الكثير وأنّها مباركة، وحتى الذين ينسبون الفعل إلى الله عزّ وجل، فهم يعتقدون أن هذه الأصنام وما يسكنها من روحانيات لها تأثير في التأثير على الله... لكي يحقق لهم ما يريدون، وهذا معنى قولهم( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى ) ولأجل ذلك كان التبرّك مظهراً من مظاهر الوثنية في الجاهلية الأولى!(١) إنّ هذا الكلام البعيد عن المنطق يريد أن يساوي بين نيّة وعمل المسلمين وما يقابلها عند المشركين، فهو يحتجّ بقوله تعالى في الآية التي أوردها، متناسياً أن سياق الآية يقول على لسان المشركين( مَا نَعْبُدُهُمْ ) ، ولم يقل ما نتبرّك بهم، فأهل الجاهلية من المشركين كانوا يطلبون الأشياء التي ذكرها العلياني لاعتقادهم بأنّ هذه الآلهة تضرّ وتنفع بمعزل عن قدرة الله تعالى، فالجاهلي لم يكن يعتقد بالبعث والنشور والثواب والعقاب، لذا كان يتعبّد هذه

____________________

١- التبرّك المشروع: ٥٣.


الأصنام لاعتقاده بأنّها تستطيع أن تلحق به الضرّر المادّي في الدنيا كإهلاك ماشيته وزرعه أو إصابته بمرض عضال وغير ذلك، وفي نفس الوقت كان يعتقد قدرتها على منحه ما يحتاج إليه من خيرات، لذا كان يعبدها ويقدّم لها القرابين، وأين عمل المشركين هذا من عمل المسلمين الموحدين الذين يعتقدون أن الخير كلّه من عند الله سبحانه وتعالى. وأن بركاته تنزل بإذنه هو، مع إخباره في كتابه العزيز عن وجود مخلوقات له جعل فيها خصوصية وجعلها مباركة، ولأنه سبحانه يحب هذه المخلوقات المباركة، فقد أكرمها بأن جعلها سبباً لاستجابة دعاء المخلوقين بتوسلهم بها لكرامتها عند الله؟! ولعل خير ما يمثل عقيدة المسلمين في التبرّك هو قول الخليفة العباسي المأمون للقاضي يحيى ابن أكثم:

وإنّ الرجل ليأتيني بالقطعة من العوذ أو بالخشبة أو بالشيء الذي لعل قيمته لا تكون إلاّ درهماً أو نحوه، فيقول: إن هذا كان للنبي(صلى الله عليه وآله)، أو قد وضع يده عليه، أو بأسافله، أو مسّه، وما هو عندي بثقة ولا دليل على صدق الرجل، إلاّ أني بفرط النيّة والمحبّة أقبل ذلك فأشتريه بألف دينار وأقل وأكثر، ثم أضعه على وجهي وعيني وأتبرّك بالنظر إليه وبمسّه، فأستشفي به عند المرض يصيبني أو يصيب من أهتم به، فأصونه كصيانتي لنفسي، وإنّما هو عود لم يفعل هو شيئاً ولا فضيلة له تستوجب به المحبّة إلاّ ما ذكر من مسّ


رسول الله (صلى الله عليه وآله) له(١) .

فالمأمون يعلم أن هذا العود لا ينفع ولا يضرّ بذاته، ولكنه يقدّسه إكراماً للنبي(صلى الله عليه وآله)، وكذلك هي عقيدة المسلمين، فأين من ذلك عقيدة المشركين!

____________________

١- تاريخ بغداد لابن طيفور: ٤٥.


تبرّك الصحابة بأماكن صلّى فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله)

وهذا أيضاً من الأمور التي خالفت فيها السلفية، ثمّ الوهابية جمهورَ المسلمين فيه، فسيرة المسلمين على وجه العموم وعلى مرّ الأعصار هو التبرّك بكل مكان حلَّ فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) واعتباره مكاناً مباركاً، وبخاصة الأماكن التي كان يكثر المكث فيها، كمجلسه من منبره، وغار حراء، ومسكنه وغير ذلك، باعتبارها أماكن قد اكتسبت بركتها من جسم النبي الأقدس(صلى الله عليه وآله)، فكما كان الصحابة يتبرّكون بملامسة جسده الشريف، فإن المسلمين - ومنهم الصحابة الكرام - كانوا يتبركون بالأماكن التي لامسها جسده الشريف أيضاً.

ولا يخالف المسلمين في ذلك غير الفرقة الوهابية فيمنعون من التبرّك بتلك الأماكن المباركة، أو بالأماكن التي صلّى فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويحتجّون بأدلة واهية، كقول ناصر بن عبد الرحمن ابن محمد الجديع محتجّاً بدليلين، أحدهما: أنّه لا يوجد دليل من النصوص الشرعية يفيد جواز ذلك الفعل أو استحبابه. وثانيهما: أنّ الصحابة لم ينقل عن أحد منهم أنّه تبرّك بشيء من المواضع التي جلس فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو البقع التي صلّى عليها عليه الصلاة والسلام اتفاقاً، مع أنّهم أحرص الأمة على التبرّك بالرسول(صلى الله عليه وآله)، ومع


علمهم بتلك المواضع وشدّة محبّتهم للرسول(صلى الله عليه وآله) وتعظيمهم له، وإتباعهم لسنّته(١) .

هذان الدليلان اللّذان يسوقهما الجديع معتقداً بأنّه قد فتح فتحاً في هذا الشأن، هما في الحقيقة أوهى من خيط العنكبوت، إذ إن عدم وجود دليل من النصوص الشرعية بجواز ذلك أو استحبابه، يقابله من الجهة الاُخرى عدم وجود دليل من النصوص الشرعية بعدم جواز ذلك أو كراهته، والقاعدة أنّه إذا لم يوجد دليل على التحريم، دل ذلك على الإباحة.

أما ادعاؤه بأنّه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنّه تبرّك بشيء من ذلك، فهو أسقط من حجّته الأولى، فقد أخرج المحدّثون ما ينقض هذا الإدّعاء، وقد مرّ مثله الشيء الكثير، وأيضاً:

فعن موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرّى أماكن من الطريق فيصلّي فيها. ويحدّث أنّ أباه كان يصلي فيها، وأنّه رأى النبي(صلى الله عليه وآله) يصلّي في تلك الأمكنة. وحدّثني نافع عن ابن عمر أنّه كان يصلي في تلك الأمكنة، وسألت سالماً فلا أعلمه إلاّ وافق نافعاً في الأمكنة كلّها إلاّ أ نّهما اختلفا في مسجد بشرف

____________________

١- التبرّك أنواعه وأحكامه: ٢٤٣ - ٢٤٤.


الروحاء(١) . قال ابن حجر في شرحه للحديث: عُرف من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النبي(صلى الله عليه وآله) والتبرّك بها(٢) .

وقال ابن عبد البر: كان (ابن عمر); كثير الإتباع لآثار رسول الله(صلى الله عليه وآله)... وكان يتقدّم في المواقف بعرفة وغيرها الى المواضع التي كان النبي(صلى الله عليه وآله) وقف بها(٣) .

وقال ابن الأثير: إنّ عبد الله بن عمر كان كثير الإتباع لآثار رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى أنّه ينزل منازله ويصلي في كل مكان صلّى فيه، وحتّى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء لئلا تيبس(٤) .

وعن نافع: أنّ عبد الله بن عمر كان ينيخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) ينيخ بها ويصلّي بها(٥) .

وقال الواقدي: وعن أفلح بن حميد، عن أبيه قال: كان ابن عمر يخبر أن النبي(صلى الله عليه وآله) جلس تحت السمرة، وأن ابن عمر كان يصب

____________________

١- صحيح البخاري: ١/١٣٠، كنز العمال: ٦/٢٤٧، الإصابة: ٢/٣٤٩، حرف العين، القسم الأوّل، ترجمة عبد الله بن عمر، رقم ٤٨٣٤، البداية والنهاية: ٥/١٤٩.

٢- فتح الباري: ١/٤٦٩، وفي الصارم: ١٠٨ عن الإمام مالك انّه يستحب الصلاة في مواضع صلاة النبي(صلى الله عليه وآله).

٣- الاستيعاب: ٢/٣٤٢ بهامش الإصابة، ترجمة عبد الله بن عمر.

٤- اُسد الغابة: ٣/٣٤٠، ترجمة عبد الله بن عمر، رقم ٣٠٨٠.

٥- مسند أحمد: ٢/٢٦٩، ح ٥٩٦٨، صحيح البخاري: ٣/١٤٠، صحيح مسلم: ٢/١٩٨١.


الأدواة تحتها في أصل السمرة يريد بقاءها(١) .

فلو كان عمل ابن عمر غير جائز، لأنكر عليه الصحابة ذلك ونهوه عنه.

وقال العلياني - في التبرّك الممنوع بالأمكنة والجمادات -:

... ولا يعكر على هذا ما رواه البخاري في صحيحه: أن عتبان بن مالك - وهو من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ممن شهد بدراً من الأنصار - أنّه أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري، وأنا اُصلّي لقومي، فإذا كانت الأمطار، سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فاُصلي بهم، وددت يا رسول الله أنّك تأتيني فتصلّي في بيتي، فأتّخذه مصلى. قال: فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله):((سأفعل إن شاء الله)) . قال عتبان: فغدا رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأذنت له، فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال:((أين تحب أن اُصلي من بيتك)) ؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) فكبّر، فقمنا فصففنا، فصلّى ركعتين ثم سلّم(٢) .

وذلك لأنّه ليس قصد عتبان أن يتبرّك بالموضع الذي صلّى فيه

____________________

١- مغازي الواقدي: ٢/١٠٩٦، باب حجة الوداع.

٢- صحيح البخاري: ١/ ١١٥، ١٧٠، ١٧٥، صحيح مسلم: ١/٤٤٥، ٦١، ٦٢.


رسول الله(صلى الله عليه وآله). وإنّما قصده أن يقرّه الرسول(صلى الله عليه وآله) على الصلاة جماعة في داره عند عدم استطاعته حضور الجماعة عندما يسيل الوادي، فأراد أن يفتتح له رسول الله(صلى الله عليه وآله) مسجداً في منزله، ولأجل هذا بوّب البخاري في صحيحه بعنوان: باب المساجد في البيوت. وصلّى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعة - وهذا من فقهه يرحمه الله - فالمقصود هو أن يسنّ له الرسول(صلى الله عليه وآله) الصلاة جماعة في منزله عند الحاجة. كما أن الصحابي الآخر البراء بن عازب فعل الجماعة في مسجده في داره ولم ينكر عليه، وهو في زمن التشريع. وقد يكون من مقصود عتبان إصابة عين القبلة، فإن الرسول(صلى الله عليه وآله) لا يقرّ على خطأ لو صلّى إلى غير جهة القبلة(١) .

أقول: لا شكّ أن رغبة الصحابي عتبان في تأدية الصلاة جماعة في بيته هو أحد الأسباب لذلك، ولكن ليس كلّها، فإن رغبته في التبرّك بموضع صلاة الرسول(صلى الله عليه وآله) واضحة. وقد فهم النبي(صلى الله عليه وآله) رغبة عتبان هذه، لذا ابتدره بالسؤال عن المكان الذي يحبّ أن يصلّي له فيه من بيته، ولو أن الأمر كما يقول العلياني، لصلّى النبي(صلى الله عليه وآله) في أي مكان من البيت يصلح لذلك.

ومن جهة ثانية، فإن ادّعاء العليان أن رغبة الصحابي عتبان في

____________________

١- التبرّك المشروع: ٦٨ - ٦٩.


إصابة عين القبلة لا ينهض بحجّة، فإذا كان عتبان لا يبصر جيداً فقد كان في مقدور أهله أو غيره من الصحابة أن يدلّوه عليها، ولما احتاج الأمر لأن يصلي النبي(صلى الله عليه وآله) ركعتين في ذلك الموضع - ممّا يدل على أنها لم تكن فريضة - وكان يكفيه أن يشير إلى مكان القبلة ليستدل بها الصحابي عليها!

ولا أظن أن العليان كان أقدر على الفهم من العلاّمة ابن حجر العسقلاني الذي قال في شرحه للحديث:

وإنّما استأذن النبي(صلى الله عليه وآله) لأنه دُعي للصلاة ليتبرّك صاحب البيت بمكان صلاته، فسأله ليصلّي في البقعة التي يجب تخصيصها بذلك(١) ...

وقال أيضاً: في حديث عتبان وسؤاله النبي(صلى الله عليه وآله) أن يصلي في بيته ليتّخذه مصلّى وأجابه النبي(صلى الله عليه وآله) إلى ذلك، فهو حجة في التبرّك بآثار الصالحين(٢) .

وإذا كان طلب عتبان من النبي(صلى الله عليه وآله) الصلاة في بيته للأسباب التي ادّعاها، فبماذا نفسّر طلب اُمّ سليم وغيرها من الصحابة من النبي(صلى الله عليه وآله) الصلاة في بيوتهم، فيما أخرج المحدثون، وكما يأتي:

____________________

١- فتح الباري: ١/٤٣٣.

٢- المصدر السابق: ١/٤٦٩.


١ - عن أنس بن مالك: أنّ اُمّ سليم سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يأتيها فيصلّي في بيتها فتتّخذه مصلّى، فأتاها، فعمدت الى حصير فنضحته بماء فصلّى عليه وصلّوا معه(١) .

٢ - وعنه أيضاً قال: صنع بعض عمومتي طعاماً فقال للنبي(صلى الله عليه وآله): إنّي أحب أن تأكل في بيتي وتصلّي. قال: فأتاه وفي البيت فحل من هذه الفحول، فأمر بناحية منه فكنس ورش، فصلّى وصلّينا معه(٢) .

٣ - وعنه أيضاً، قال: كان رجل ضخم لا يستطيع أن يصلّي مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال للنبي(صلى الله عليه وآله):

إنّي لا أستطيع أن اُصلّي معك، فلو أتيت منزلي فاقتدي بك. فصنع الرجل طعاماً ثم دعا النبي(صلى الله عليه وآله)، فنضح طرف حصير لهم فصلّى النبي (صلى الله عليه وآله) ركعتين(٣) .

فهل كان مقصود اُم سليم أنّ تؤم المسلمين في بيتها مثل عتبان عندما طلبت من النبي(صلى الله عليه وآله) أن يصلّي في بيتها، أم أنّها طلبته للتبرّك بالصلاة في الموضع الذي يصلي فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟

____________________

١- سنن النسائي: ١/٢٦٨، كتاب المساجد، باب ٤٣ الصلاة على الحصير، ح ٨١٦.

٢- سنن ابن ماجة: ١/٢٤٩، كتاب المساجد، باب المساجد في الدور، ح ٧٥٦، والفحل هو الحصير الذي قد اسود، مسند أحمد: ٣/١٣٠ بسندين، مسند أنس بن مالك، ح ١١٩٢٠.

٣- مسند الإمام أحمد: ٣/٥٨٦، ح ١١٩٢٠، ط مؤسسة التاريخ العربي.


وهل كان عمومة أنس والرجل الآخر - الذي لم يذكر اسمه - عمياناً أيضاً فجاء النبي(صلى الله عليه وآله) ليحدد لهم القبلة! وإذا لم يكن قصد الرجل التبرّك بموضع صلاة النبي(صلى الله عليه وآله)، أفلم يكن في استئذانه النبي بعدم الحضور إلى المسجد - لتعذر ذلك عليه - كافياً دون الحاجة الى الطلب منه(صلى الله عليه وآله) أن يحضر ليصلي في بيته.


التبرّك بالصحابة والصالحين

تبيّن ممّا سبق أن لا خلاف بين طوائف المسلمين في جواز التبرّك بالنبي(صلى الله عليه وآله) في حياته، وبآثاره بعد موته. وأن ما احتجّ به الشاذّون في ذلك مردود، يكذبه فعل الصحابة أنفسهم. إلاّ أنّ الخلاف هل هو في جواز التبرّك بغير النبي(صلى الله عليه وآله) من الصحابة والتابعين والصالحين أم لا؟

لقد جوّز بعض علماء المسلمين ذلك، بينما منعه آخرون، ومن المانعين له: الشاطبي، حيث يقول: الصحابة (رضي الله عنهم) بعد موته (عليه الصلاة والسلام)، لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة الى من خلفه، إذ لم يترك النبي(صلى الله عليه وآله) بعده في الاُمّة أفضل من أبي بكر الصديق، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذي لا أحد أفضل منهم في الاُمّة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أنّ متبرّكاً تبرّك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتّبعوا فيها النبي(صلى الله عليه وآله)، فهو إذاً إجماع منهم على ترك تلك الأشياء(١) .

____________________

١- الاعتصام: ٢/٨.


وقال أيضاً: لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرّك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة(١) ...

ومن المانعين أيضاً ابن رجب، إذ قال: وكذلك التبرّك بالآثار، فإنّما كان يفعله الصحابة مع النبي(صلى الله عليه وآله)، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم.. ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علوّ قدرهم، فدلّ على أن هذا لا يفعل إلاّ مع النبي(صلى الله عليه وآله)، مثل التبرّك بوضوئه وفضلاته وشعره، وشرب فضل شرابه وطعامه(٢) .

فأدلّة المانعين تقوم على أساس أن الصحابة لم يتبرّكوا ببعضهم، ولا يتبرّك التابعون بهم، فدلّ تركهم ذلك على عدم جوازه.

إلاّ أنّ الادّعاء بعدم تبرّك الصحابة ببعضهم، وكذلك بآل الرسول(صلى الله عليه وآله) غير صحيح، فهناك شواهد صحيحة على حدوث ذلك، وقد استند بعض كبار علماء المسلمين إلى ذلك في تجويز التبرّك ليس بالصحابة والتابعين فحسب، بل بكل أهل الخير والصلاح.

ومن المجوزين القائلين بذلك، الإمام النووي الذي استند الى بعض الروايات الصحيحة في استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس واستسقاء بعض الصحابة ببعض من صالحيهم، قال:

ويستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لأن عمر استسقى

____________________

١- الاعتصام: ٢/١٠.

٢- الحكم الجديرة بالإذاعة: ٥٥.


بالعباس وقال: اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسل بعم نبيّنا فاسقنا فيسقون.

ويستسقى بأهل الصلاح لما رُوي أن معاوية استسقى بيزيد ابن الأسود فقال: اللهم إنّا نستسقي بخيرنا وأفضلنا، اللّهم إنّا نستسقي بيزيد بن الأسود. يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى، فرفع يديه ورفع الناس أيديهم، فثارت سحابة من المغرب كأنّها ترس، وهبّ لها ريح، فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم(١) .

ولقد استدلّ ابن حجر العسقلاني بحادثة استسقاء عمر بالعباس على جواز التبرّك والاستشفاع ببعض الأخيار فقال:

ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة(٢) .

ومن أمثلة تبرّك الصحابة ببعضهم وتبرّك التابعين بهم:

١ - روى عبد الله بن مسعود أن عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالعباس فقال: اللّهم إنا نتقرب إليك بعم نبيّك وقفية آبائه وكبر رجاله، فإنّك قلت وقولك الحق:( وَأَمّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ... ) الآية،

____________________

١- المجموع شرح المهذب للإمام النووي: ٥/٦٨ كتاب الصلاة، باب صلاة الاستسقاء، وقال ابن حجر: أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسند صحيح، ورواه أبو القاسم الكلالكائي في السنّة في كرامات الأولياء.

٢- فتح الباري: ٢/٣٩٩.


فحفظتهما لصلاح أبيهما، فأحفظ الله نبيّك بعمه فقد دلونا به إليك مستشفعين ومستغفرين... الحديث(١) .

وفي لفظ: وروينا من وجوه عن عمر أنّه خرج يستسقي وخرج معه العباس فقال: اللّهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيّك(صلى الله عليه وآله) ونستشفع به فأحفظ فيه لنبيّك كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما وأتيناك مستغفرين ومستشفعين.

ثم أقبل على الناس فقال: استغفروا ربّكم انّه كان غفارا - إلى أن قال - فنشأت طريرة من سحاب فقال الناس: ترون ترون! ثم تلاءمت واستتمت ومشت فيها ريح ثم هزت ودرّت، فو الله ما برحوا حتى أعقلوا الجدر وقلصوا المآزر وطفق الناس بالعباس يتمسحون أركانه ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.

وفي لفظ ابن الأثير: ولما سقى الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين، وكان الصحابة يعرفون للعباس فضله ويقدمونه ويشاورونه(٢) .

٢ - الحسن البصري، حنّكه عمر بيده، وكانت اُمّه تخدم اُمّ سلمة زوج النبي(صلى الله عليه وآله) فربّما غابت فتعطيه اُمّ سلمة ثديها تعلله بها إلى أن

____________________

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٧/٢٧٤، شرح الخطبة ١١٤، باب أخبار وأحاديث في الاستسقاء، اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية: ٣٣٨.

٢- اُسد الغابة: ٣/١٦٧، ترجمة عباس بن عبد المطلب، رقم ٢٧٩٧.


تجيء اُمّه، فيدر عليه ثديها فيشربه، فكانوا يقولون فصاحته ببركة ذلك(١) .

٣ - قال السمهودي - عند ذكره لإسطوانة المحرس:

كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلقي القبر ممّا يلي باب رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو مقابل الخوخة التي كان النبي(صلى الله عليه وآله) يخرج منها إذا كان في بيت عائشة إلى الروضة للصلاة، وهي الاسطوان الذي يصلّي عندها أمير المدينة، يجعلها خلف ظهره، ولذا قال الأقشهري: إنّ اسطوان مصلّى علي(عليه السلام) اليوم أشهر من أن تخفى على أهل الحرم، ويقصد الأمراء الجلوس والصلاة عندها إلى اليوم، وذكر أنّه يقال لها: مجلس القادة، لشرف من كان يجلس فيه(٢) .

ونقل عن مسلم بن أبي مريم وغيره، أنّه كان باب بيت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المربعة التي في القبر. قال سليمان: قال لي مسلم: لا تنس حظّك من الصلاة إليها فإنّها باب فاطمة (رضي الله عنها) الذي كان علي يدخل عليها منه(٣) .

وفي حديثه عن اسطوان التهجد قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يخرج

____________________

١- صفة الصفوة: ٣/٤٧.

٢- وفاء الوفا: ٢/٤٤٨.

٣- المصدر السابق: ٢/٤٥٠.


حصيراً كل ليلة إذا انكفت الناس فيطرح وراء بيت علي ثم يصلّي صلاة الليل...

وحدثني سعيد بن عبد الله بن فضيل قال: مرّ بي محمد بن الحنفية وأنا اُصلي إليها فقال لي: أراك تلزم هذه الاسطوانة، هل جاءك فيه أثر؟ قلت: لا، قال: فألزمها فإنّها كانت مصلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الليل...

قال ابن النجار: فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) يستحب الصلاة عندها لأنه لا يخلو أن كبار الصحابة صلّوا إليها(١) .

٤ - لما خطب عمر بن الخطاب اُم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) - على ما رُوي عن بعضهم - قال: إني اُحب أن يكون عندي عضو من أعضاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)(٢) .

٥ - لما خرج الحسين بن علي من المدينة يريد مكة، مرّ بابن مطيع وهو يحفر بئره، فقال له:

أين فداك أبي واُمي؟! قال:((أردت مكة)) - وذكر أنه كتب إليه شيعته بالكوفة -، فقال له ابن مطيع: فداك أبي واُمي، متّعنا بنفسك ولا تسرِ إليهم. فأبى الحسين. فقال له ابن مطيع: إن بئري هذه قد رشحتها، وهذا اليوم أوان ما خرج إلينا في الدلو شيء من ماء، فلو

____________________

١- وفاء الوفا: /٤٥٢.

٢- ذخائر العقبى: ١٦٩، الفصل الثامن في ذكر اُمّ كلثوم بنت فاطمة وعلي(عليهما السلام).


دعوت الله لنا بالبركة. قال:((هات من مائها)) ، فأتى من مائها فشرب منه ثم مضمض ثم ردّه في البئر فأعذب وأمهى(١) .

٦ - لما بلغ الرضا - علي بن موسى(عليه السلام) - نيسابور، واجتمع الناس حول دابته، أخرج رأسه من المحمل وشاهده الناس، فهم بين صارخ وباك وممزق ثوبه ومتمرغ في التراب ومقبّل لحافر بغلته أو مقبّل حزام بغلته(٢) ...

بل إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد تبرّك بوضوء المسلمين، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة:

فعن ابن عمر، قال: قلت يا رسول الله، أتوضأ من جرّ جديد مخمّر أحبّ إليك، أم من المطاهر؟ قال:((لا، بل من المطاهر، إن دين الله يسّر الحنيفية السمحة)) . قال: وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه، يرجو بركة أيدي المسلمين(٣) .

هذه إذاً بعض الأخبار التي تثبت أن الصحابة والتابعين - من أهل القرون الثلاثة الاُولى - كانوا يتبرّكون ببعضهم البعض، خلافاً لما

____________________

١- الطبقات الكبرى: ٥/١٠٧.

٢- الصواعق المحرقة: ٣١٠، الفصل الثالث في الأحاديث الواردة في بغض أهل البيت(عليهم السلام)، نور الأبصار للشبلنجي: ١٦٨، فصل في مناقب سيد علي الرضا بن موسى الكاظم.

٣- مجمع الزوائد: ١/٢١٤، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثّقون، كنز العمال: ٧/١١٢، ح ١٨٢٣١.


يدّعيه البعض من أمثال الجديع، إذ يقول:

الحق أنّه لم يؤثر عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه أمر بالتبرك بغيره من الصحابة (رضي الله عنهم) وغيرهم، سواء بذواتهم أو بآثارهم، أو أرشد إلى شيء من ذلك، وكذا فلم ينقل حصول هذا النوع من التبرّك من قبل الصحابة رضي الله عنهم بغيره(صلى الله عليه وآله)، لا في حياته ولا بعد مماته...(١) .

وقال في تعليل ذلك: إن السبب الرئيسي في ترك الصحابة (رضي الله عنهم) ذلك التبرّك مع بعضهم - والله أعلم - هو اعتقاد اختصاص الرسول(صلى الله عليه وآله) به دون سواه ما عدا سائر الأنبياء...

وقال نقلاً عن الشاطبي: فعلى هذا المأخذ، لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرّك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة(٢) .

أقول: بعد أن أثبتنا تبرّك الصحابة والتابعين ببعضهم وبالصالحين من الاُمّة، فإن عدم أمر النبي(صلى الله عليه وآله) بالتبرّك بغيره، يقابله أيضاً عدم نهيه عن ذلك، فلو كان الأمر بهذه الدرجة من الخطورة على عقائد المسلمين لما أغفل النبي(صلى الله عليه وآله) هذا الأمر ولكان نهى عنه بكل شدّة. وذلك بيّن في قول النبي(صلى الله عليه وآله)عن عمرو بن العاص، أن

____________________

١- التبرّك أنواعه وأحكامه: ٢٦١.

٢- المصدر السابق: ٢٦٤ نقلاً عن الاعتصام: ٢/٩.


النبي(صلى الله عليه وآله) قال:((إنّه لم يكن نبي قبلي إلاّ كان حقاً عليه أن يدل اُمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم...)) (١) .

فهل يناقض النبي(صلى الله عليه وآله) - حاشاه - نفسه ويخفي هذا الأمر الذي فيه فساد الاُمّة دون أن يبيّنه لهم!

أما إنّه لا يجوز الاقتداء بغيره في التبرّك قياساً على عدم جواز الزيادة على أربع نسوة فالقياس باطل - لما تقدم - فالنبي(صلى الله عليه وآله) قد أعلم اُمّته الحكم الشرعي في ذلك، فليس هناك مسلم على وجه الأرض - منذ زمن النبي والى اليوم - إلاّ وهو يعلم حرمة ذلك لغيره(صلى الله عليه وآله)، وهذا أكبر دليل على صحة ما نقول، وتهافت استدلال الشاطبي، فلو كان التبرّك بغير النبي(صلى الله عليه وآله) محرّماً لبيّنه لاُمّته كما بيّن حرمة الزيادة في التزوج على أربع نسوة.

ومن الحجج الاُخرى المتهافتة التي يحتجّ بها الجديع على عدم جواز التبرّك بغير النبي(صلى الله عليه وآله) إدعاؤه بأن ذلك لسد ذريعة الشرك، لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو فيهم وعبادتهم من دون الله، فوجب المنع من ذلك.. وهكذا تبيّن لنا عدم جواز قياس الصالحين على النبي(صلى الله عليه وآله). وعليه فلا يجوز التبرّك بذوات الصالحين أو بآثارهم فضلاً عن غيرهم، وأن تعظيم الشيء والتبرّك به لا يجوز

____________________

١- صحيح مسلم: ٣/١٤٧٢ كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأوّل فالأوّل.


إلا بدليل شرعي(١) .

أقول: أثبتنا أنه لا ينبغي أن يترك النبي(صلى الله عليه وآله) اُمّته دون أن ينبههم الى خطورة هذا الأمر، لأنه بذلك يكون قد قصّر في أداء رسالته وترك اُمّته تتردى في مهاوي الضلال، وتكون الاُمّة - على مرّ الأزمنة السابقة - قد وقعت في الشرك، وهو أمر لا يجوز عقلاً ولا شرعاً، وكيف يستقيم ذلك مع قوله(صلى الله عليه وآله):((تركتكم على الواضحة)) !

____________________

١- التبرّك أنواعه وأحكامه: ٢٦٨.


التبرّك بقبور الصالحين وآثارهم

لم يقتصر عمل المسلمين على التبرّك بقبر النبي(صلى الله عليه وآله) وآثاره من بعد موته، بل كان ديدنهم هو التبرّك بقبور الصحابة والتابعين وصلحاء الاُمّة وآثارهم، والاستشفاء والاستسقاء بها أيضاً، ومن ذلك:

١ - بلال الحبشي:

مؤذن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قبره بدمشق، وفي رأس القبر المبارك تاريخ باسمه(رضي الله عنه)، والدعاء في هذا الموضع المبارك مستجاب، وقد جرّب ذلك كثير من الأولياء وأهل الخير المتبركين بزيارتهم(١) .

٢ - أبو أيوب الأنصاري:

قال الحاكم: يتعاهدون قبره ويزورونه ويستسقون به إذا قحطوا(٢) .

٣ - صهيب الرومي:

قال السمهودي: إنهم جربوا تراب قبر صهيب للحمى.

٤ - حمزة بن عبد المطلب:

نقل السمهودي قول الزركشي: ثمّ استثني في عدم جواز حمل تراب المدينة إلى غيرها - لكونها حرماً - تربة حمزة (رضي الله عنه)، لإطباق

____________________

١- رحلة ابن جبير: ٢٥١.

٢- المستدرك: ٣/٥١٨، وابن الجوزي في صفة الصفوة: ١/٤٠٧.


الناس على نقلها للتداوي.

ثم قال: حكى البرهان بن فرحون عن الإمام العالم أبي محمد عبد السلام بن إبراهيم بن مصال الحاحاني قال: نقلت من كتاب الشيخ العالم أبي محمد صالح الهرمزي قال: قال صالح بن عبد الحليم: سمعت عبد السلام بن يزيد الصنهاجي يقول: سألت ابن بكون عن تراب المقابر الذي كان الناس يحملونه للتبرّك، هل يجوز أو يمنع؟ فقال: هو جائز، ومازال الناس يتبرّكون بقبور العلماء والشهداء والصالحين، وكان الناس يحملون تراب قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب في القديم من الزمان(١) .

٥ - الحسين بن عليّ(عليه السلام):

عقد الشبراوي باباً كبيراً في مشهد رأس الحسين بن علي(عليهما السلام)، وذكر فيه زيارته وشطراً من الكرامات له وإحياء يوم الثلاثاء بزيارته، قال:

والبركات في هذا المشهد مشاهدة مرئية، والنفحات العائدة على زائريه غير خفية، وهي بصحة الدعوى ملية والأعمال بالنية، ولأبي الخطاب بن دحية في ذلك جزء لطيف مؤلف، واستفتي القاضي زكي الدين عبد العظيم في ذلك، فقال: هذا مكان شريف وبركته ظاهرة والاعتقاد فيه خير، والسلام.

____________________

١- وفاء الوفا: ١/٦٩.


وما أجدر هذا المشهد الشريف والضريح الأنور المنيف بقول القائل:

نفسي الفداء لمشهد أسراره من دونها ستر النبوة مسبكُ

ورواق عزّ فيه أشرف بقعة ظلّت تحار لها العقول وتذهلُ

تفضي لجبهته النواظر هيبة ويرد عنه طرفه المتأمل

حسدت مكانته النجوم فودّ لو أمسى يجاوره السماك الأعزل

وسما علوّاً أن تقبّلَ تربَهُ شفةٌ فأضحى بالجباه يقبّل

٦ - عمر بن عبد العزيز، الخليفة الاُموي - المتوفّى سنة ١٠١ هـ -:

قال الذهبي: قبره بدير سمعان يُزار(١) .

٧ - عليّ بن موسى الرّضا(عليهما السلام):

قال أبو بكر محمد بن المؤمل: خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي، مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافدون إلى زيارة علي بن موسى الرضا بطوس. قال: فرأيت من تعظيمه - يعني ابن خزيمة - لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما تحيّرنا(٢) .

كما وأخرج الخطيب البغدادي بإسناده عن أحمد بن جعفر ابن حمدان القطيعي قال: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال

____________________

١- تذكرة الحفّاظ: ١/١٢١.

٢- تهذيب التهذيب: ٧/٣٣٩.


شيخ الحنابلة في عصره يقول: ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلاّ سهّل الله تعالى لي ما أحب!(١) .

٨ - قال العلاّمة أحمد بن محمد المقري المالكي - المتوفّى سنة ١٠٤١ هـ - في فتح المتعال بصفة النعال، نقلاً عن ولي الدين العراقي، قال: أخبر الحافظ أبو سعيد بن العلا، قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر(٢) . وغيره من الحفّاظ: أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي(صلى الله عليه وآله) وتقبيل منبره، فقال:

لا بأس بذلك!

قال: فأرينا التقي ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول: عجبت من أحمد عندي جليل! هذا كلامه أو معنى كلامه. وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به(٣) .

وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فما بالك بمقادير الصحابة! وكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما أحسن

____________________

١- تاريخ بغداد: ١/١٢٠.

٢- هو الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل البغدادي - المتوفى سنة ٥٠٥ هـ - قال: ابن الجوزي في المنتظم: ١٨/١٠٣ رقم ٤٢٠١: كان حافظاً متقناً ثقة لا مغمز فيه.

٣- مناقب أحمد لابن الجوزي: ٦٠٩، البداية والنهاية لابن كثير: ١٠/٣٦٥ حوادث سنة ٢٤١ هـ.


قول مجنون ليلى:

أمرُّ على الديار ديار ليلى اُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار(١)

قال القاضي عياض المالكي في الشفا: وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتنزيل وتردد بها جبرئيل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وضجّت عرصاتها بالتقديس والتسبيح، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنّة نبيّه ما انتشر، مدارس وآيات ومساجد وصلوات ومشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين ومشاعر المسلمين، ومواقف سيد المرسلين ومتبوئ خاتم النبيّين، حيث انفجرت النبوّة، وأين فاض عبابها، ومواطن مهبط الرسالة، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها، أن تعظم عرصاتها وتنسّم نفحاتها وتقبّل ربوعها وجدرانها(٢) ...

فهذه هي سيرة المسلمين خلفاً عن سلف، وهذه مواقف شيخ الحنابلة الذي يدّعي ابن تيمية وأتباعه أنهم تلاميذه في التبرّك بآثار الصالحين والأولياء، وليس لهم من حجة يحتجّون بها، سوى أن

____________________

١- فتح المتعال: ٣٢٩.

٢- الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: ٢/١٣١.


ذلك التبرّك ربّما يقود إلى الشرك وتأليه الشخص المتبرّك به!

التمسّح بالمتبرّك به

أود أخيراً أن اختتم هذا البحث بالإشارة إلى موضوع يثير حوله البعض إشكالات يستهدفون بها تضليل المسلمين وحرفهم عن جادة الصواب بإثارة الشكوك في أنفسهم بغية التمكّن من التلاعب بعقائدهم وسوقهم إلى مقالاتهم التي ظاهرها برّاقة وباطنها جوفاء لا تقنع إنساناً له مسكة من عقل، ألا وهو موضوع المسح والتمسّح بالأشخاص والأشياء المتبرّك بهم.

قال العلياني - بعد أن ساق الكلام في فضل بعض الأمكنة:

فمن سكن في مكة أو المدينة أو الشام ملتمساً لبركات الله عزّ وجلّ في تلك البقاع سواء من زيادة أرزاقها أو دفع الفتن عنها، فقد وفق إلى خير كثير، أما لو تعدى العبد في طلب التبرّك كأن يتمسح بترابها وأحجارها وأشجارها، وكأن يضع تربتها في الماء للاستشفاء بها ونحو ذلك فإنّه مأزور غير مأجور، لأنه سلك في التبرّك مسلكاً لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم يفعله الرعيل الأوّل(١)

وقال:وقد كان السلف الصالح ينهون عن تعظيمهم غاية النهي، كأنس والثوري وأحمد، وكان أحمد يقول: من أنا حتى تجيئون

____________________

١- التبرّك المشروع: ٤٢.


إليّ! اذهبوا اكتبوا الحديث. وكان إذا سئل عن شيء يقول: سلوا العلماء! وإذا سئل عن شيء من الورع يقول: أنا لا يحل لي أن أتكلم في الورع، لو كان بشر حياً تكلّم في هذا.

وسئل مرّة عن الإخلاص فقال: اذهب إلى الزهّاد، أي شيء نحن حتى تجيء إلينا؟

وجاء إليه رجل فمسح يده على ثيابه ومسح بهما وجهه، فغضب الإمام أحمد وأنكر ذلك أشد الإنكار، وقال: عمّن أخذتم هذا الأمر(١) .

وهنا، أولاً: إن العلياني يفهم الأمور على غير وجهها، لأن عمل اُولئك الأئمة وإنكارهم تبرّك الناس بهم، لم يكن من باب إنكار التبرك نفسه، بل كان من باب التواضع - الذي هو دأب العلماء والصالحين - والإمام أحمد لم يتّهم الشخص الذي تبرّك به - كما يفعل الذين يدّعون أنّهم يأتمّون بهذا الإمام في تكفير المسلمين واتّهامهم بالشرك - لأن هؤلاء العلماء كانوا يعلمون جيداً بأن ذلك ليس من الشرك والضلال، بدليل أنّهم هم أنفسهم كانوا يتبرّكون بغيرهم من العلماء والأئمة الصالحين، بل وحتى التبرّك بقبورهم. كما مرّ بنا في المبحث السابق وفيهم أئمة أهل الحديث.

____________________

١- التبرّك المشروع: ٨٦.


ولا ندري بأي دليل يحتج هؤلاء الجهّال على عدم مشروعية التمسح بالمتبرّك به؟ فليس لديهم من حديث ولا أثر يركن إليه ليثبت صحة دعواهم الفارغة، بينما تدلّ كل الآثار على خطل آرائهم.

لقد مرّ بنا فيما سبق أن الصحابة كانوا يمسكون رمانة منبر النبي(صلى الله عليه وآله) بميامنهم ثم يدعون، وأن ابن عمر الصحابي كان يمسح بيده على مكان جلوس النبي(صلى الله عليه وآله) من المنبر ثم يمسح بها وجهه، ومرّ بنا أيضاً أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يمسح على رؤوس أو أجسام الأشخاص ويدعو لهم، مما يدل على خصوصية في المسح، لأن دعاء النبي(صلى الله عليه وآله) يكفي للإجابة، والروايات التي جاءت تتضمن هذا المعنى كثيرة جداً، نكتفي بالإشارة هنا إلى بعضها من أجل بيان وجه ذلك العمل وأهميته، وأعني المسح.

فعن عائشة: أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يعوّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول:(( اللّهم رب الناس، اذهب البأس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلاّ شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً...)) (١) .

وعنها أيضاً: أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقول للمريض:(( بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربّنا)) (٢) .

____________________

١- صحيح البخاري: ٧/١٧٢.

٢- المصدر السابق.


وقال السمهودي: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه هكذا، ووضع سبابته بالأرض ثم رفعها وقال:(( بسم الله، تربة أرضنا بريق بعضنا يشفي سقيمنا بإذن الله)) (١) .

عن أبي حازم، أنّه قال: أخبرني سهل بن سعد أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال يوم الخيبر:((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله)) . قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله) كلّهم يرجو أن يعطاها، قال فقال:أين علي بن أبي طالب؟ فقال: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال:فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق رسول الله(صلى الله عليه وآله) في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأنّ لم يكن به وجع فأعطاه الراية...(٢) .

إن هذا يوضح بعض الاُمور، منها: أن النبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن يكتفي بالدعاء بل كان يمسح على العضو المريض أيضاً إذا كان للاستشفاء ويمسح على الرأس إذا كان للبركة، فلابد إذاً من خصوصية للمسح.

____________________

١- وفاء الوفا: ١/٦٩.

٢- مسند أحمد: ٥/٣٣٣، صحيح البخاري: ٤/٣٠ و ٢٠٧، مجمع الزوائع: ٦/١٥٠، باب غزوة خيبر، كتاب السنة لأبي عاصم: ٥٩٤، السنن الكبرى للنسائي: ٥/٤٦ و ١٠٨، كتاب المناقب، فضائل علي بن أبي طالب، مسند أبي يعلى: ١/٢٩١، المعجم الكبير للطبراني: ٦/١٥٢.


ومنها أيضاً: إننا وجدنا في الروايات المتقدمة أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يدعو للاستشفاء بالتربة، وفي الأخبار هذه ما يدل أيضاً على أمره بخلط التربة بالريق أيضاً لكي تتحقق البركة والشفاء بإذن الله، ممّا يدل على خصوصية معينة لتربة المدينة المنوّرة في جعلها سبباً للشفاء بإذن الله لما فيها من البركة التي اختصّها الله بها، والآثار النبوية في ذلك كثيرة نذكر منها قوله(صلى الله عليه وآله):

١ -((غبار المدينة شفاء من الجذام)) (١) .

٢ -((غبار المدينة يبرئ الجذام)) .

٣ -((غبار المدينة يطفئ الجذام)) .

٤ -((إنّ في غبارها شفاء من كل داء)) .

٥ -((والذي نفسي بيده إن تربتها لمؤمنة وإنّها شفاء من الجذام)) (٢) .

أفلا يدلّ ذلك على خصوصية أودعها الله تعالى في بعض الأماكن حتى صارت تربتها وغبارها شفاء من الأسقام المستعصية بإذن الله، وإذا كان خلط هذه التربة بالريق والاستشفاء بها من أمر النبي(صلى الله عليه وآله)، فكيف لا يجوز التبرّك بهذه التربة الشريفة إذاً، وما هي خصوصية الحجر الأسود، وبعض أركان الكعبة، حتى يتهافت المسلمون بالملايين على لمسها إقتداء

____________________

١- كنز العمال: ١٣/٢٠٥، وفاء الوفا: ١/٦٧.

٢- كنز العمال: ١٣/٢٠٥، وفاء الوفاء: ١/٦٧.


بالنبي الكريم(صلى الله عليه وآله)، أوَ لا يكفي زيارة البيت دون لمس شيء منه إن كان ادعاء هؤلاء صحيحاً؟!

أوَليس معنى كل هذا أن لبعض الأماكن قدسية خاصة أودعها الله فيها، وأن البركة في تربتها وغبارها، فَلِمَ لا يجوز التمسّح بها وتقبيلها طلباً للبركة إذاً؟!

فيتبيّن من كل ذلك أن التبرك أمر قد أقرّه الشارع العظيم، وعمل به الأنبياء(عليهم السلام) ومنهم نبيّنا (عليه وعلى آله الصلاة والسلام)، ولم يأتنا أثر يثبت أن الله سبحانه وتعالى أو نبيّه(صلى الله عليه وآله) قد نهيا عن شيء من ذلك قط، فالمسلمون إذاً ظلّت سيرتهم منذ عهد النبي(صلى الله عليه وآله)على التبرّك به حياً، وبآثاره ميتاً، وتبرّك الصحابة بعضهم ببعض، وصلّوا في الأماكن التي صلّى فيها النبي(صلى الله عليه وآله) طلباً لبركتها، وظلّ ذلك دأب المسلمين جيلاً بعد جيل، يتلقون فيوضات البركات الإلهية دون أن يخامر عقائدهم شرك ولا ضلال، ودون أن يعمد أحدهم إلى تأليه شخص أو شيء متبرّك به، بل ظلّوا على مرّ القرون موحدين لله سبحانه وتعالى، معتقدين بأنه وحده القادر على كل شيء، وعلى إنزال البركات، وأنّ تبرّكهم بمخلوقاته ليس إلاّ من باب الحب لله والحب لمن يحبّهم ويحبّونه، ولا شيء غير ذلك ممّا يدّعيه الجهّال.


التبرّك عند أهل البيت(عليهم السلام)

بعد أن أثبتنا في المباحث المتقدّمة، مشروعية التبرك عند جميع طوائف المسلمين، وإقرار النبي(صلى الله عليه وآله) له، وأبطلنا حجج القائلين بأن التبرك مختصّ بالنبي(صلى الله عليه وآله)، منتف عن غيره من هذه الاُمّة، وأثبتنا أن دأب الصحابة والتابعين الأخيار كان الاستمرار على هذا النهج في التبرك بآثار النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) وحتى بالصالحين من هذه الاُمّة.

لابد أن نورد بعض الأخبار حول التبرك عند أهل بيت النبوة(عليهم السلام) وحثّهم عليه وترغيبهم فيه:

تبركهم بقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله)

١ - لما حانت وفاة الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام)، أوصى إلى أخيه الحسين(عليه السلام)، فكان ممّا أوصاه به، أنّه قال:((فإذا قضيت نحبي فغمّضني وغسّلني وكفّني وأدخلني على سريري إلى قبر جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله)لأجدد به عهداً، ثم ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة (بنت أسد) رضي الله عنها فادفنّي هناك)) (١) .

____________________

١- بحار الأنوار: ٤٤ / ١٥٦.


٢ - عن محمد بن مسعود، قال: رأيت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) انتهى إلى قبر النبي(صلى الله عليه وآله)، فوضع يده عليه(١) .

٣ - عن ابن فضال، قال: رأيت أبا الحسن(عليه السلام) وهو يريد أن يودع للخروج إلى العمرة، فأتى القبر من موضع رأس رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بعد المغرب، فسلّم على النبي(صلى الله عليه وآله)، ولزق بالقبر(٢) .

٤ - لمّا عزم الإمام الحسين(عليه السلام) الخروج من مكة - بعد موت معاوية - خرج من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جدّه(صلى الله عليه وآله)، فقال:((السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك)) ، ثم جعل يبكي عند القبر، حتى إذا كان قريباً من الصبح، وضع رأسه على القبر فأغفى(٣) ...

٥ - عن الرضا(عليه السلام)، قال:(( لما أردت الخروج من المدينة إلى خراسان، جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا عليّ حتى أسمع بكاءهم، ثم فرقت فيهم اثني عشر ألف دينار، ثم قلت لهم: إنّي لا أرجع إلى عيالي أبداً، ثم أخذت أبا جعفر فأدخلته المسجد ووضعت يده على حافة القبر وألصقته به، واستحفظته برسول الله(صلى الله عليه وآله))) (٤) .

____________________

١- بحار الأنوار: ١٠٠/١٥٤.

٢- المصدر السابق: ١٥٧.

٣- بحار الأنوار: ٤٤/٣٢٨، الفتوح لابن أعثم: ٥/٢٦.

٤- الأنوار البهيّة: ١١٠.


تبرّكهم بآثار بعضهم (عليهم السلام)

١ - عن سليمان بن خالد ومحمّد بن مسلم قالا: مضينا إلى الحيرة فاستأذنا ودخلنا إلى أبي عبد الله(عليه السلام) فجلسنا إليه وسألنا عن أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال:((إذا خرجتم فجزيتم الثويّة والقائم وصرتم من النجف على غلوة أو غلوتين، رأيتم ذكوات بيضاً بينها قبر قد جرفه السيل، ذاك قبر أمير المؤمنين(عليه السلام))) . قال: فغدونا من غد فجزنا الثويّة والقائم، وإذا ذكوات بيض فجئناها، فإذا القبر كما وصف قد جرفه السيل، فنزلنا فسلّمنا وصلّينا عنده ثم انصرفنا، فلمّا كان من الغد غدونا إلى أبي عبد الله(عليه السلام) فوصفنا له فقال:((أصبتم، أصاب الله بكم الرشاد)) (١) .

٢ - عن أبان بن تغلب قال: كنت مع أبي عبد الله(عليه السلام)، فمرّ بظهر قبر فنزل فصلّى ركعتين، ثم تقدم قليلاً فصلّى ركعتين، ثم سار قليلاً فنزل فصلّى ركعتين، ثم قال:((هذا موضع قبر أمير المؤمنين(عليه السلام))) ، قلت: جعلت فداك، فما الموضعين اللذين صلّيت فيهما؟ قال:(( موضع رأس الحسين(عليه السلام)، وموضع منبر القائم)) (٢) .

٣ - كان أهل البيت(عليهم السلام) يتبركون بحجر في بيت فاطمة(عليها السلام)، وعن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) قال:((أنّه ولدت فاطمة(عليها السلام) الحسن والحسين على

____________________

١- بحار الأنوار: ١٠٠ / ٢٣٧.

٢- المصدر السابق: ١٠٠/٢٤١.


ذلك الحجر، أو كانت فاطمة تصلّي إليها)) (١) .

التبرّك والاستشفاء بتربة الحسين(عليه السلام)

١ - عن أبي اليسع، قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا أسمع عن الغسل إذا أتى قبر الحسين(عليه السلام)، قال: أجعله قبلة إذا صلّيت؟ قال:((تنح هكذا ناحية)) . قال: آخذ من طين قبره ويكون عندي أطلب بركته؟ قال:(( نعم)) ، أو قال:((لا بأس بذلك)) (٢) .

٢ - عن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يأخذ الإنسان من طين قبر الحسين(عليه السلام) فينتفع به ويأخذه غيره فلا يتنفع به، فقال:((لا والله، لا يأخذه أحد وهو يرى أن الله ينفعه به إلاّ نفعه به)) (٣) .

٣ - عن الصادق(عليه السلام):((إن الله جعل تربة الحسين(عليه السلام) شفاءً من كل داء، وأماناً من كل خوف، فإذا أخذها أحدكم فليقبّلها وليضعها على عينه وليمرّها على جسده)) (٤) .

٤ - عن اليقطيني، قال: بعث إليّ أبو الحسن الرضا(عليه السلام) رزم ثياب وغلماناً - إلى أن قال -، فلمّا أردت أن اعتبئ الثياب رأيت في أضعاف الثياب طيناً، فقلت للرسول ما هذا؟ فقال: ليس توجّه بمتاع إلاّ جعل فيه طيناً من قبر الحسين(عليه السلام)، ثم قال الرسول:

____________________

١- وفاء الوفا للسمهودي: ١/٥٧٢.

٢- بحار الأنوار: ٨٣/٣٢٠.

٣- بحار الأنوار ١٠١/١١٩، الوسائل: ١٠/٤٠٩.

٤ - المصدر السابق.


قال أبو الحسن(عليه السلام):((هو أمان بإذن الله)) (١) .

٥ - سأل رجل أبا عبد الله(عليه السلام)، قال: آخذ من طين قبر الحسين يكون عندي أطلب بركتة؟ قال:((لا بأس بذلك)) (٢) .

٦ - إن الصادق(عليه السلام) مرض فأمر من عنده أن يستأجروا له أجيراً يدعو عند قبر الحسين(عليه السلام)، فوجدوا رجلاً فقالوا له ذلك، فقال: أنا أمضي، ولكن الحسين إمام مفترض الطاعة، وهو إمام مفترض الطاعة! فرجعوا إلى الصادق(عليه السلام) وأخبروه، فقال:((هو كما قال، ولكن ما عرف أن لله بقاعاً يستجاب فيها الدعاء، فتلك البقعة من تلك البقاع)) (٣) .

٧ - عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال:((ما على أحدكم إذا دفن الميت ووسّده بالتراب، أن يضع مقابل وجهه لبنة من طين الحسين(عليه السلام) ولا يضعها تحت رأسه)) (٤) .

٨ - كان لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، فكان إذا حضرت الصلاة صبّه على سجادة وسجد عليه، ثم قال:((السجود على تربة الحسين(عليه السلام) يخرق

____________________

١- الاستبصار ٣:٢٧٩.

٢- الوسائل: ١٠/٤١٥، البحار: ١٠١/١٢٥.

٣- الوسائل: ١٠/٤٢١ - ٤٢٢.

٤- بحار الأنوار: ١٠١/١٣٦.


الحجب السبع)) (١) .

٩ - عن الصادق جعفر بن محمد(عليهما السلام)، قال:((إن فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كانت سبحتها من خيط صوف مفتّل معقود عليه عدد التكبيرات، وكانت(عليها السلام) تديرها بيدها، تكبّر وتسبّح، حتى قتل حمزة بن عبد المطلب، فاستعملت تربته وعملت التسابيح، فاستعملها الناس، فلمّا قتل الحسين (صلوات الله عليه)، عُدل بالأمر إليه، فاستعملوا تربته لما فيه من الفضل والمزية)) (٢) .

١٠ - سُئل أبا عبد الله(عليه السلام) عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة وقبر الحسين(عليه السلام)، والتفاضل بينهما، فقال(عليه السلام):((السبحة التي هي من طين قبر الحسين(عليه السلام) تسبّح بيد الرجل من غير أن يسبّح)) (٣) .

١١ - عن الصادق(عليه السلام):((من أدار الحجير من تربة الحسين(عليه السلام) فاستغفر مرة واحدة كتب الله له سبعين مرة، وإن مسك السبحة ولم يسبّح بها، ففي كل حبة منها سبع مرات)) (٤) .

١٢ - عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمد(عليهما السلام) يقولان:((إن الله عوّض الحسين(عليه السلام) من قتله أن الإمامة في ذريته

____________________

١- بحار الأنوار: ١٠١/١٣٥.

٢- بحار الأنوار: ١٠١/١٣٣.

٣- المصدر السابق.

٤- المصدر السابق: ١٠١/١٣٦.


والشفاء في تربته وإجابة الدعاء عند قبره)) (١) .

١٣ - عن ابن عباس، عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه أخبره بقتل الحسين(عليه السلام)إلى أن قال:((ألا وإن الإجابة تحت قبّته، والشفاء في تربته، والأئمة من ولده)) (٢) .

١٤ - عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّي رجل كثير العلل والأمراض وما تركت دواء إلاّ تداويت به، فقال لي:((أين أنت عن طين قبر الحسين بن علي(عليهما السلام)، فإنّ فيه شفاء من كل داء، وأمناً من كل خوف، فإذا أخذته فقل هذا الكلام (اللهمّ إنّي أسألك بحق هذه الطينة، وبحق الملك الذي أخذها، وبحق النبي الذي قبضها، وبحق الوصي الذي حلّ فيها، صلّ على محمّد وآل محمد وأهل بيته، وافعل بي كذا وكذا))) (٣) .

١٥ - عن محمّد بن مسلم: أنه كان مريضاً، فبعث إليه أبو عبد الله(عليه السلام) بشراب فشربه، فكأنّما نشط من عقال، فدخل عليه فقال:(( كيف وجدت الشراب)) ؟ فقال: لقد كنت آيساً من نفسي فشربته فأقبلت إليك فكأنّما نشطت من عقال. فقال:(( يا محمد، إن الشراب الذي شربته كان فيه من طين قبور آبائي، وهو أفضل ما نستشفي به فلا تعدل به، فإنّا نسقيه صبياننا ونساءنا فنرى منه كل خير)) (٤) .

____________________

١- الوسائل: ١٠/٣٢٩.

٢- الوسائل: ١٠/٣٥٢، كفاية الأثر للخزاز: ٢٩٠.

٣- بحار الأنوار: ١٠١/١١٨.

٤- بحار الأنوار: ١٠١/١١٨.


١٦ - عن الصادق(عليه السلام):((حنّكوا أولادكم بتربة الحسين فإنها أمان)) (١) .

١٧ - عن الصادق(عليه السلام):(( في طين قبر الحسين(عليه السلام) الشفاء من كل داء، وهو الدواء الأكبر)) (٢) .

١٨ - عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:((من أصابه علّة فبدأ بطين قبر الحسين(عليه السلام) شفاه الله من تلك العلّة، إلاّ أن تكون علّة السام)) (٣) .

١٩ - عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، قال:(( كل طين حرام كالميتة والدم وما اُهلَّ لغير الله به، ما خلا طين قبر الحسين(عليه السلام)، فإنّ فيه شفاء من كل داء)) (٤) .

٢٠ - عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:((أكل الطين حرام على بني آدم، ما خلا طين قبر الحسين(عليه السلام)، من أكله من وجع شفاه الله)) (٥) .

٢١ - عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال:(( طين قبر الحسين(عليه السلام) شفاء من كل داء، وأمان من كل خوف، وهو لما أخذ له)) (٦) .

التبرّك بكسوة الكعبة

١ - عن عتبة بن عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)، عمّا يصل

____________________

١- المصدر السابق.

٢- بحار الأنوار: ١٠١/١١٨.

٣- المصدر السابق.

٤- المصدر السابق: ١٠١/١٢٠، الوسائل: ١٠/٤١٥، أمالي الشيخ: ٢٠٢.

٥- المصدر السابق: ١٠١/١٣٠.

٦- المصدر السابق: ١٠١/١٣٢.


إلينا من ثياب الكعبة، هل يصلح لنا أن نلبس منها شيئاً؟ قال:(( يصلح للصبيان والمصاحف والمخدّة، يبتغي بذلك البركة إن شاء الله تعالى)) (١) .

٢ - عن مروان بن عبد الملك، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن رجل اشترى من كسوة الكعبة شيئاً فاقتضى ببعضه حاجته، وبقي بعضه في يده، هل يصلح بيعه؟ قال:(( يبيع ما أراد، ويهب ما لم يرد، ويستنفع به ويطلب بركته..)) (٢) .

التبرّك بسؤر المؤمن وفضل وضوئه

١ - عن محمد بن اسماعيل رفعه، قال:((مَن شرب سؤر المؤمن تبركاً به، خلق الله بينهما ملكاً يستغفر لهما حتى تقوم الساعة)) (٣) .

٢ - عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):((في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء)) (٤) .

٣ - عن علي(عليه السلام) - في حديث الأربعمائة -، قال:(( سؤر المؤمن شفاء)) (٥) .

____________________

١- الكافي، الفروع: ١/٢٢٨، التهذيب: ١/٥٧٥، من لا يحضره الفقيه: ١/٩١، الوسائل: ٩/٣٥٩ باب حكم الانتفاع بكسوة الكعبة.

٢- الوسائل: ٩/٣٦٠.

٣- الوسائل: ١٧/٢٠٨ ح٢، ثواب الأعمال: ٨٣.

٤- المصدر السابق.

٥- الوسائل: ١٧/٢٠٨، الخصال: ٢/١٥٧.


٤ - الشرب من فضل وضوء المؤمن فيه شفاء من سبعين داء أدناها الهمّ(١) .

التبرّك بشرب ماء السماء

١ - عن حمران، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: اشتكى رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال له:((سل من امرأتك درهماً من صداقها فاشتر به عسلاً فاشربه بماء السماء)) ، ففعل ما أمر به فبرأ، فسئل أمير المؤمنين(عليه السلام)عن ذلك: أشيء سمعته من النبي(صلى الله عليه وآله)، قال:((لا، ولكني سمعت الله يقول في كتابه: ( فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) وقال: ( وَنَزّلْنَا مِنَ السّماءِ مَاءً مُبَارَكاً ) فاجتمع الهنيء والمريء والبركة والشفاء، فرجوت بذلك البر)) (٢) ٢ - عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ( وَنَزّلْنَا مِنَ السّماءِ مَاءً مُبَارَكاً ) ، قال: (( ليس من ماء في الأرض إلاّ وقد خالطه ماء السماء)) (٣) .

٣ - عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:قال أمير المؤمنين(عليه السلام):(( اشربوا ماء السماء فإنّه يطهّر البدن ويدفع الأسقام)). قال الله تبارك وتعالى:

____________________

١- كنز العمال: ٩/١٨٦.

٢- تفسير العياشي: ١/٢١٨.

٣- الوسائل: ١٧/٢١٠، مكارم الأخلاق: ٤٤٦.


( وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مِنَ السّماءِ مَاءً لِيُطَهّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى‏ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ) (١) .

التبرّك بماء الفرات

١ - عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:(( ما أخال أحداً يحنّك بماء الفرات إلاّ أحبّنا أهل البيت...)) (٢) .

٢ - عن علي بن الحسين يرفعه، قال: قال أبوعبد الله(عليه السلام):كم بينكم وبين الفرات؟ فأخبرته، فقال:(( لو كان عندنا لأحببت أن آتيه طرفي النهار)) (٣) .

٣ - عن سعيد بن جبير، قال: سمعت علي بن الحسين(عليهما السلام)، يقول:(( إن ملكاً من السماء يهبط في كل ليلة معه ثلاثة مثاقيل مسكاً من مسك الجنة فيطرحها في الفرات، وما من نهر في شرق الأرض ولا غربها أعظم بركة منه)) (٤) .

التبرّك بالتراب

١ - عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) أنّه كان يترّب الكتاب وقال:(( لا

____________________

١- المصدر السابق: ١٧/٢١٠ - ٢١١، فروع الكافي: ٦/٣٨٧، المحاسن: ٥٧٤. والآية في سورة الأنفال: ١١.

٢- الوسائل: ١٧/٢١١.

٣- المصدر السابق: ١٧/٢١٢، الفروع: ٦/٣٨٨.

٤- المصدر السابق.


بأس به)) (١) .

٢ - عن علي بن عطية أنه رأى كتباً لأبي الحسن(عليه السلام) مترّبة(٢) .

٣ - عن الرضا(عليه السلام)، قال:(( كان أبو الحسن يترّب الكتاب)) (٣) .

٤ - عن الرضا (عليه السلام)، عن آبائه(عليهم السلام)عن النبي(صلى الله عليه وآله)، قال:(( باكروا بالحوائج فإنها ميسّرة، وأتربوا الكتاب فإنّه أنجح للحاجة، واطلبوا الخير عند حسان الوجوه)) (٤) .

ووردت في كتب الحديث عند أهل السنّة أخبار بذلك، منها:

١ - إذا كتب أحدكم فليترّبه فإنّه أنجح للحاجة(٥) .

٢ - ترّبوا صحفكم أنجح لها فإن التراب مبارك(٦) .

٣ - إن النبي(صلى الله عليه وآله) بعث إلى أهل قريتين بكتابين يدعوهم إلى الإسلام، فترّب أحد الكتابين ولم يترّب الآخر، فأسلم أهل القرية التي ترّب كتابهم(٧) .

____________________

١- الوسائل: ٨/٤٩٧، باب استحباب تتريب الكتاب.

٢- المصدر السابق.

٣- الوسائل: ٨/٤٩٧، باب استحباب تتريب الكتاب ٤- المصدر السابق.

٥- جامع الترمذي: ٥/٦٦، كنز العمال: ٦/٢٨٩.

٦- سنن ابن ماجة: ٢/١٢٤٠، باب تتريب الكتاب، ح ٣٧٧٤، كنز العمال: ٦/٥١٧، ح ١٦٧٩٩.

٧- الإصابة: ٢/٣٠٤، حرف العين، القسم الأوّل، ترجمة عبد الله بن ربيع النميري، رقم ٤٦٦٩.


٤ - إذا كتب أحدكم فليترّب كتابه فهو أنجح(١) .

٥ - إذا كتب أحدكم كتاباً فليترّبه فإن التراب مبارك وهو أنجح للحاجة(٢) .

٦ - إذا كتبت كتاباً فترّبه فإنه أنجح للحاجة والتراب مبارك(٣) .

٧ - ترّبوا الكتاب وسجّوه من أسفله فإنّه أنجح للحاجة(٤) .

٨ - ترّبوا الكتاب فإنّه أعظم للبركة وأنجح للحاجة(٥) .

٩ - ترّبوا الكتاب فإنّه أنجح للحاجة(٦) .

هذا وقد وردت الأخبار واستفاضت عن التبرّك بالقرآن، وبشهر رمضان، وبالسحور، وبتراب المدينة وتمرها، وبماء زمزم، وبجبل اُحد وغيرها كثير، ممّا يدل على أهمية موضوع التبرك، لذا نجد المسلمين على اختلاف مشاربهم يبادرون إلى التبرك بكل ما عرفوا فيه البركة يبتغون بذلك التقرّب من الله سبحانه وتعالى وطاعة لأمر النبي(صلى الله عليه وآله)، ولا يخطر على قلب أحدهم بأنه يفعل ذلك تقرباً من الشخص أو الشيء المتبرك به، أو أنه يعتبر عمله هذا

____________________

١- كنز العمال: ١٠/٢٤٥.

٢- كنز العمال: ١٠/٢٤٥ ح ٢٩٣٠٦.

٣- المصدر السابق: ح ٢٩٣٠٧.

٤- المصدر السابق: ح ٢٩٣٠٩.

٥- المصدر السابق: ١٠ / ٢٤٦، ح ٢٩٣١٠.

٦- المصدر السابق: ح ٢٩٣١١.


عبادة لهذا الشخص أو الشيء المتبرك به، بل الجميع متصافقون على أن التبرك هو من الأعمال التي يُبتغى بها وجه الله تعالى ولا شيء سواه، وعلى هذا جرت سنّة المسلمين منذ عهد النبي(صلى الله عليه وآله)، والى يومنا هذا، ولم يخالف جمهور المسلمين إلا بعض الشذاذ الذين لا يفقهون كتاب الله، فيتناولون المتشابه منه، ويحرّفون الكلم عن مواضعه ليضلّوا المسلمين متهمين إياهم بالشرك والبدعة، إلاّ أن المسلمين يعلمون جيداً خبث هذه الأساليب وهدفها المنحرف، لذا انبرى جهابذة العلماء من كلا الفريقين (السنّة والشيعة) للردّ على بدع هذه الشرذمة الضالّة، وأبطلوا حججهم بالأدلة الدامغة، وردوا كيدهم إلى نحورهم، وكان في طليعة من تصدّى لأذناب السلفية، هو الشيخ سليمان بن عبد الوهاب - وهو الأخ الشقيق لمحمد بن عبد الوهاب حامل لواء هذه البدعة - فردّ عليه بكتاب (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية)، ثم تلاه غيره من العلماء الغيارى على مصلحة الإسلام في الرد على هذه الفئة ودحض حججها.


آراء بعض العلماء في التبرّك

نود أن نختم بحثنا هذا بعرض آراء بعض علماء الإمامية ممّن تناولوا هذا الموضوع لنبيّن آراءهم في ذلك، فمنهم:

١ - الشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناحي النجفي (١١٥٦ - ١٢٢٨ هـ):

قال: إنّ التواضع والتبرك والإكرام والاحترام لما هو معظّم عند الله من تعظيم الله، كما أن احترام قرآنه وبيته، ومساجده لانتسابها إليه، احترام له تبارك وتعالى. فمن عظّم عيسى ومريم وعزير لعبوديتهم وقرب منزلتهم، فهو معظّم لله، كما أن من عظّم بيت السلطان عبيده وغلمانه وأتباعه من حيث التبعية، يكون معظّماً للسلطان.

وأما من وجدها قابلة للتعظيم، وأهلاً له من حيث ذاتها لأجل العبودية والتابعية، وإن كان غرضه التقريب زلفى، إنّما يكون معظّماً لها.

وإنّي منذ ثلاثين حجة أنظر في اُصول طوائف المسلمين، محقّيهم ومبطليهم، فلم أجد أحداً يعظّم كتاباً، أو نبيّاً، أو مكاناً، أو عبداً صالحاً من غير قصد قربة من الله، أو انتسابه إليه، فقد ظهر أن هذا كلّه من باب طاعة الله وتعظيمه.

وأما عبدة الأصنام والعباد الصالحين، فإنّما أرادوا عبادتهم حق العبادة، كانوا يصلّون لهم ويصومون، ويكون ذلك لاستحقاقهم


بربوبيتهم في أنفسهم، أو إلى التقريب زلفى، فهي عبادة حقيقية على الوجهين(١) ...

٢ - السيد محسن الأمين العاملي:

قال: لو كان احترام قبور الأنبياء والصلحاء عبادة لها وشركاً، لكان تعظيم الكعبة والطواف بها والحجر الأسود وتقبيله، والحجر والمقام والمساجد والمشاعر والأبوين وإطاعتهما، وخفض جناح الذلّ لهما، وخفض الأصوات عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخفضه جناحه لمن اتّبعه من المؤمنين، وسجود الملائكة لآدم، وسجود إخوة يوسف وأبويه له، وتعظيم الجنود لاُمرائهم، والصحابة للنبي(صلى الله عليه وآله) وللخلفاء، والأنبياء لآبائهم واُمهاتهم وقيامهم وخضوعهم لهم، والوهابية للسلطان ابن سعود، وغير ذلك كلّه عبادة لغير الله وشركاً، ولم يسلم في الشرك نبيّ فمن دونه، لا يقال للتعظيم الذي نص الشرع عليه وأمر به لا كلام لنا فيه، وإنّما الكلام فيما لم ينص الشرع عليه، لأنا نقول: إذا فرض أن كل تعظيم عبادة وكل عبادة لغير الله شرك، يكون الله تعالى قد أمر بالشرك ورضيه وأحبّه وذلك باطل(٢) ...

____________________

١- منهج الرشاد: ١٥٢، الفصل الثالث، في التبرك بالقبور ونحوها.

٢- كشف الارتياب: ٤٣١.


٣ - الشيخ محمد جواد البلاغي:

قال: إعلم أنّ من ضروريات الدين، والمتفق عليه بين جميع طبقات المسلمين، بل من أعظم أركان اُصول الدين: اختصاص العبادة بالله رب العالمين. فلا يستحقها غيره، ولا يجوز إيقاعها لغيره، ومن عبد غيره فهو كافر مشرك، سواء عبد الأصنام، أو عبد أشرف الملائكة أو أفضل الأنام.

وهذا لا يرتاب فيه أحد ممّن عرف دين الإسلام.

وكيف يرتاب، وهو يقرأ في كل يوم عشر مرات:( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) (١) .

وبعد أن يورد مجموعة من الآيات في نفس المعنى يقول:

لكن العبادة - كما هو المفسّر في لسان المفسرين وأهل العربية وعلماء الإسلام -: غاية الخضوع، كالسجود والركوع ووضع الخد على التراب والرماد تواضعاً، وأشباه ذلك، كما يفعله عبّاد الأصنام لأصنامهم.

وأما زيارة القبور والتمسح بها وتقبيلها والتبرك بها، فليس من ذلك في شيء كما هو واضح، بل ليس فيها شيء من الخضوع، فضلاً عن كونها غاية الخضوع. مع أن مطلق الخضوع ليس بعبادة، وإلاّ

____________________

١- الفاتحة: ٥.


لكان جميع الناس مشركين حتى الوهابيين! فإنّهم يخضعون للرؤساء والاُمراء والكبراء بعض الخضوع، ويخضع الأبناء للآباء، والخدم للمخدومين، والعبيد للموالي، وكل طبقة من طبقات الناس للتي فوقها، فيخضعون إليهم بعض الخضوع، يتواضعون لهم بعض التواضع(١) .

٤ - العلاّمة الأميني في (التبرك بالقبر الشريف):

قال: لم نجد في المقام قولاً بالحرمة لأحد من أعلام المذاهب الأربعة ممّن لهم ولآرائهم قيمة في المجتمع، وإنّما القائل بالنهي عنه من اُولئك يراه تنزيهاً لا تحريماً، ويقول بالكراهة مستنداً إلى زعم أن الدنوّ من القبر الشريف يخالف حسن الأدب، ويحسب أن البعد منه أ لْيَق به، وليس من شأن الفقيه النّابه أن يفتي في دين الله بمثل هذه الاعتبارات التي لا تبنى على أساس، وتختلف باختلاف الأنظار والآراء.

نعم، هناك اُناس شذّت من شرعة الحق، وحكموا بالحرمة، قولاً بلا دليل، وتحكماً بلا برهان، ورأياً بلا بيّنة، وهم معروفون في الملأ بالشذوذ، ولا يعبأ بهم ولا بآرائهم(٢) .

____________________

١- الصواعق الإلهية في الردّ على الوهابية: ٤٧ - ٥٦.

٢- الغدير: ٥ / ١٤٦، باب التبرّك بالقبر الشريف.