من قضايا النهضة الحسينية الجزء 2

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: فوزي آل سيف
الإمام الحسين عليه السلام

من قضايا النهضة الحسينيّة

(أسئلة وحوارات)

الجزء الثاني

تأليف: فوزي آل سيف



بسم الله الرحمن الرحيم



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين

مقدّمة

الإقبال الذي شهده القسم الأول المطبوع من هذا الكتاب، تبعاً لشرف المكتوب عنه (عليه السّلام) وعظمة قضيته، حفّزني للاستمرار وإصدار القسم الثاني الماثل بين يديك عزيزي القارئ.

كما إنّ ردود الفعل والتي أرى أنّ أكثرها ينطبق عليه(الكلمة الطيبة صدقة) (١) كانت محفّزاً آخر، ودافعاً إضافياً للاستمرار. وأسأل الله أن يشركهم في ثواب ما كُتب. وهنا اُنبّه إلى أهمية التفاعل مع عمل الخير، والدفع باتّجاه المزيد؛ فإنّ كلمة تأييد أو تشجيع يقولها قائلها وينساها بعد فترة من الزمان لكنّها يمكن أن تكون بمثابة الجزء الأخير من العلّة في إنجاز العمل؛ فيُثاب المرء ويُحسب له من الأجر ما لا يتصوّره.

ومن هنا أقدّم لكلّ اُولئك شكري، ومنهم الذين كانت لديهم بعض

____________________

١ - من وصية الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذر الغفاري.


الملاحظات على ما ورد في القسم الأول، أو كانت له مناقشات في بعض ما جاء فيه، وأعتبر أنّ تلك الملاحظات من شأنها أن تُثري الموضوع، وتنير الدرب لِمَنْ يريد مناقشة قضايا التاريخ. وليس متوقّعاً أن يكتب أحد في موضوع (تاريخي) ويكون متسالماً عليه من قبل الجميع، وموافقاً لآراء الكلّ.

وقضايا التاريخ تختلف عن القضايا العقيدية في أنّ الثانية يوجد فيها ثوابت، ومسلّمات يعتبر المساس بها غير صحيح، بخلاف الأولى فليس لها من القداسة ذلك المقدار. كما إنّ منهج مناقشة النوعين من القضايا يختلف.

ومع أنّه لا يزال الكثير من الأسئلة والقضايا التاريخية في السيرة الحسينيّة (على صاحبها آلاف التحية والثناء) ممّا يمكن أن يكون القسم الثالث للكتاب في المستقبل، إلاّ أنّ عدداً من الإخوة أشاروا عليّ بأن أقدّم هذا للطباعة فامتثلت ذلك، وها هو القسم الثاني بين يديك أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به، وأن يجعل ثوابه لوالدي (تغمدهما الله بالرحمة).

وأكرّر مرّة أُخرى شكري لذوي الكلمة الطيّبة الذين كان لهم أثر واضح في صدور هذا القسم، كما لا أنسى ذوي الفعل الطيّب من الطيّبين الذين ساهموا في صدور السابق ويساهمون في تاليه.

فوزي آل سيف

تاروت - القطيف - جمادى الثاني ١٤٢٣


المنبر الحسيني بين التطوير والتكلّس

هناك دعوتان متطرّفتان على طرفي نقيض ترتبطان بالمنبر والخطابة الحسينيّة، وثالثة نؤمن بها؛ الأولى تدعو إلى إنهاء المنبر الحسيني والخطابة من الوجود الاجتماعي، بزعم أنّ المنبر كان في يومٍ مؤثراً عندما لم تكن وسائل الاتصال ونقل المعلومات كالتي نراها اليوم، فكان روّاد شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) وقادتهم يحتاجون إلى وسيلة لإيصال ثقافتهم وأفكارهم إلى العامّة، ولم يكن أفضل من المنبر الحسيني وسيلة نافعة؛ فهو يلهب العواطف، ويهيئ النفوس مع ذلك للاستقبال.

ويزعم هؤلاء أنّ المنبر الحسيني وما يرتبط به من مكان وتقاليد كان يخدم غرضاً كيانيّاً في السابق، بحيث كان يمثّل نقطة الاجتماع والحشّد والتعبئة لدى الطائفة الشيعية التي كانت تحيطها التحدّيات، فكانت تحتاج إلى محور يجتمع فيه أبناؤها ويتفاعلون معه، ولم يكن هناك


أفضل من المنبر والموسم الحسيني الذي كان يخدم هذا الهدف أيّما خدمة.

لكن يرى هؤلاء بأنّ الأوضاع قد تغيّرت، وأصبح التعبير عن الوجود والكيان له مظاهر متعدّدة، ولم يعد المنبر الحسيني وما يرتبط به إلاّ واحداً من المظاهر تلك، وليس هو الأقوى فيها.

وبالنسبة إلى وسائل الاتصال الثقافي تضيّقت الدائرة، وأصبح تناول الثقافة سهلاً يسيراً مع وجود الانترنت والفضائيات فضلا عن الكتاب، فما كان وسيلة وحيدة في وقت أصبح اليوم من أضعف الوسائل.

ويضيفون أموراً أُخرى، منها عدم تأثير المنبر في سامعيه، بحيث يخرج هؤلاء المستمعون بعد المنبر ليمارسوا حياتهم الاعتيادية ضمن معادلاتهم السابقة وكأنّهم لم يسمعوا شيئاً، وهذا يدلّ في رأيهم على أنّه لا ينبغي الاهتمام بقضية المنبر الحسيني(١) .

والأُخرى على الطرف الآخر، ترى أنّ المنبر الحسيني بصورته الحالية، بل حتّى التقليدية السابقة له دور عظيم في الأُمّة وينبغي دعمه وحمايته في أصل وجوده، وفي هيكله المعروف وصورته القائمة، ويرون أنّ أيّ محاولة لتطويره وتحديثه تحمل ولو على المدى البعيد نتيجة إنهاء المنبر؛ ولذا فهم يقفون من أيّ محاولة تطويرية موقف المعارضة أو التشكيك في غاياتها(٢) .

____________________

١ - في حوار جرى عبر أحد المواقع في الانترنت سألني أحدهم: سمعت همساً يُغضب الكثير أوّد أن أرى تعليق الشيخ عليه (المنبر الحسيني مات، وإكرام الميت دفنه!).

٢ - يتحدّث الخطيب المعاصر الدكتور الوائلي (حفظه الله) في كتابه (تجاربي مع المنبر) =


ورأيهم في ذلك ينتهي إلى أنّ هناك حملة، أو مؤامرة لتشكيك المؤمنين في ثوابتهم العقائدية، وممارساتهم الشعائرية، واُصولهم المتسالم عليها من قبل علماء الطائفة جيلاً بعد جيل. والقبول بالفصل الأوّل يجرّ إلى الثاني وهكذا تتابع حبّات المسبحة؛ ولذا ينبغي النظر إلى محاولات التجديد والتحديث في هذا الإطار الكلّي كما يرى هؤلاء. فلا ينبغي التشجيع عليها، ولا الإصغاء إليها، بل لا بدّ من التحذير منها؛ توقّياً لمّا يحدث بعدها، وسدّاً للباب الذي يُفتح خلفها.

فاليوم يتمّ التشكيك في بعض روايات السيرة، وغداً في أصل السيرة الحسينيّة، وبعدها في الإمامة.. وهكذا؛ ولذا يرى أصحاب هذه النظرية أنّ من الضروري تجنّب الانسياق مع دعوات التطوير والتجديد خوفاً ممّا ستؤول إليه.

وهناك طريق ثالث نحن نتبنّاه، كما يتبنّاه الكثير من العلماء والخطباء وأصحاب الرأي، وهو يتمثّل في النقاط التالية:

____________________

= عن تجربة رائدة لم تتحقّق في تطوير المنبر الحسيني، مع أنّ روّادها كانوا من العلماء الكفوئين، منهم الشيخ محمّد ابن شيخ الشريعة، والشيخان المظفّران محمّد رضا ومحمد حسين، والشيخ عبد المهدي مطر وآخرون، ويتحدّث عن اتصالهم لهذا الغرض بالمرجعية حينئذ للاستفادة من مكان معين، فأجازت المرجعية الاستفادة إلى أن تحرّكت جماعات مضادّة انتهت إلى سحب الإجازة، فقام روّاد الفكرة باستئجار دار للغرض ذاته ولكنّ التحرّك المضاد عاد هذه المرّة بشكل أعنف انتهى إلى الهجوم على المكان وتخريب محتوياته، وهرب القائمين عليه خوفاً من الإيذاء!

ويعلّل الشيخ الوائلي ذلك بأمور مختلفة منها - ما يتّصل بموضوعنا - أنّ قسماً من المخالفين لهذه الحركة التطويرية صوّروا الأمر في الأذهان على أنّه محاولة لتحسين صورة بني أُميّة في الأذهان، والقضاء على الشعائر الحسينيّة.. إلى آخر ما ذكره.


١ - نحن نعتقد أنّ المنبر الحسيني لا يزال الوسيلة المهمّة في نشر فكر أهل البيت (عليهم السّلام)، بنحو لم تستطع سائر الوسائل الأخرى بما فيها الحديثة منها (كالفضائيات والانترنت) أن تقوم به؛ وذلك لجهات:

الأولى: سهولة تناوله من قبل جميع الطبقات الاجتماعية، بخلاف تلك الوسائل التي لا تتمكّن منها سوى طبقة معينة من الناس؛ سواء لجهة عدم توفّر أدواتها، أو التزامها بنحو معين من الخطاب لا يستقطب جميع الشرائح.

مثلاً: مَنْ لا يعرف الانترنت ولا يستخدمها لا يمكن له أن يستفيد من إمكاناتها، ولا تستطيع هذه المواقع الموجودة فيها مخاطبته. وهكذا الحال في أمر الفضائيات، بخلاف المنبر الحسيني الذي يتوفّر للجميع وليس على المرء سوى أن ينقل قدمه إلى المكان المعين.

الثانية: إنّ الكثير من الباحثين يذكرون التوافق الجمعي، والحضور في ضمن مجموع كبير كواحد من الجهات المؤثّرة في المتلقّي، بخلاف ما لو كان يتلقّى هذا الأمر بمفرده، أو ضمن مجموعة محدودة، ولا شك أنّ المنابر الحسينيّة يتوفّر فيها هذا الجوّ العام.

الثالثة: إنّ المنبر الحسيني وما يحتويه من توجيه (ولائي، أو أخلاقي، أو ثقافي) خطّ ممتدّ مع عمر الإنسان المتلقّي، فلو فرضنا أنّ شخصاً من أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) كان يحضر في المنابر كما هي عادة كثير منهم في موسم محرّم ورمضان مجلساً واحداً في كلّ ليلة، فإنّ معنى ذلك أنّه عندما يكون في السبعين من العمر يكون قد استمع الى أكثر من ألفي محاضرة بما تحتوي عليه من قضايا تأريخية وأدبية وثقافية عامّة، والمتعرّض لهذا المقدار من المحاضرات والأحاديث لا شك سيكون ذا ثقافة مناسبة. ولعلّ هذا هو السبب الذي يجعل مستوى الكثير من هؤلاء برغم أُمّية بعضهم، أعلى من غيرهم وأفضل.


٢ - إنّ هذه الوسيلة (المنبر) كان لها دور عظيم في الحفاظ على تراث أهل البيت (عليهم السّلام) وفكرهم، إضافة إلى دورها المحوري داخل المجتمع الشيعي، ولا تزال تمتلك المقوّمات الكافية للاستمرار في هذا الدور، بل يمكن دعوى دور أكبر لها عن طريق الاستفادة من الوسائل المتقدّمة كالانترنت والفضائيات.

لقد كان المنبر في الأزمنة السابقة يمارس تأثيره في حدود منطقة القريبين منه، بينما هو اليوم بفضل تقدّم الوسائل قادر على مخاطبة البعيدين، ممّا يعني أنّ بإمكانه أن يقوم بدور أكبر في استقطاب الجمهور والتأثير عليهم.

٣ - إنّنا نعتقد أنّ هذه الوسيلة القوية يمكن لها أن تكون أقوى وأفضل ممّا هي عليه الآن عندما تتعرّض إلى عملية تطوير وتحديث شاملة تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الذاتية؛ كونها حسينيّة وتخدم غرضاً معيناً، وأيضاً الأوضاع القائمة بما فيها من مشاكل فكرية، وتستفيد من تقنيات الاتصال والتخاطب والإقناع؛ حيث إنّ الخطابة والتأثير على المستمع أصبح علماً كاملاً ومتطوّراً يُدرس كاختصاص في الجامعات، وإنّ البقاء في الحالة التقليدية التي تُتوارث من قِبل اللاحقين عن السابقين في الكيفيات والأساليب يعرّض هذه الوسيلة إلى التراجع والاضمحلال.

هذا مع أصرارنا على أن لا يفقد المنبر، كما سيأتي، مقوّماته الأساسية، ومن أهمّها القضية الحسينيّة، والجانب الرثائي بما فيه من حرارة المصيبة ولوعة المأساة.

ولهذا نقول: إنّ كلتا الدعويين اللتين ذُكرتا أوّل الحديث غير


صحيحة؛ لا يزال المنبر قادراً وفاعلاً في حدوده الطبيعية(١) التي تنتظر منه، بل ربما يكون أقدر من الماضي على التأثير بما توفّر له من الوسائل التي تساهم في نقله هنا وهناك.

ونقول أيضاً: إنّ المنبر كسائر الأشياء ما لم يستجب للتغيير في وسائله، والتطوير في آلياته سينتهي به الحال إلى التراجع والاضمحلال، وسينهزم في معركة وسائلها عند الآخرين مطوّرة ومجدّدة، هذا مع الحفاظ على أساسياته، كما سيتبيّن في الكلمات القادمة.

إنّ تخوّف بعض المخلصين على المنبر من التطوير، واعتقادهم أنّه متى فُسح المجال للتطوير في هذا الجانب فإنّه بالتدريج سوف يفقد المنبر قدسيته، وسيفقد مقوّماته بمرور الزمان، يقابله تخوّف الكثير من المخلصين في الجانب الآخر، من أن ينتهي المنبر من التأثير في حياة الناس الحقيقية، ويتحوّل إلى قطعة من تحفيات العصر القديم، أو يتعامل معه كجزء من الفلولكور المنتهي، فيكون الذي ارتُجي أن يعطي الحياة للمجتمعات، والتألق للنفوس، هو بنفسه يذوى ويموت.

____________________

١ - نقول في حدوده الطبيعية المنتظرة منه؛ وذلك أنّ قسماً من الناس يتصوّرون المنبر الحسيني عصاً سحريّة سوف تحلّ لهم جميع المشاكل، فهم يطلبون منه ما لا تقدر الدول على تحقيقه؛ فيتحدّثون عن أنّه لماذا لا تتكلّمون عن البطالة؟ وكأنّ الحديث عنها فوق المنبر سوف يؤدّي إلى تشغيل ألوف العاطلين! ويقولون: لماذا نجد أنّ الظاهرة الفلانية مستمرة، هذا يدلّ على أنّ المنبر لا يقوم بدوره! ولماذا ينتشر الفساد الخُلقي؟ ولماذا يسوء السلوك الاجتماعي؟ ولماذا تضيع الذّمة المالية... إلخ، وهذا تحميل للمنبر ما لا يحتمل.


مبادئ وآليات في التطوير

١ - التطوير ضمن خصائص المنبر، وضمن الدور الذي يفترض أن يؤدّيه.

ينبغي أن يكون حادي المطالبين بتطويره وسائقهم.

ربما يطرح البعض وسائل للتطوير بعيدة عن خصائص المنبر، مثل أن يتحوّل إلى ندوة أو محاضرة تتخللها المناقشات والمداخلات.. أقول: بعيدة عن خصائصه؛ فإنّ المأخوذ في المنبر أن يكون فيه جانب الوعظ والتلقّي والإرشاد، بينما ليس كذلك - بالضرورة - في الندوة أو النقاش المفتوح.

أو قد يطرح فيه أمر القراءة على الورقة المكتوبة، بينما المألوف فيه والأكثر تأثيراً هو الخطاب المباشر ارتجالاً، والارتجال لا يعني بالضرورة عدم الإتقان أو عدم التحضير.

٢ - لا للتطوير القفزي والقسري.

مع إيماننا بضرورة التطوير، إلاّ أنّ المقبول منه أيضاً ينبغي أن يكون تطويراً تدريجيّاً حتّى يتقبّله المجتمع بصورة سلسة؛ فإنّه ليس أعسر على الناس من تغيير عاداتهم ومألوفهم.

إنّ الحقّ مع وضوحه لكنّه مع ذلك يحتاج إلى أسلوب مناسب في إيصاله إلى الناس و (بلاغ مبين)، ويحتاج (قولاً ليّناً). وتكوير المنبر وتجديده، وإضفاء عناصر القوّة عليه أيضاً يحتاج إلى عمل تدريجي بحيث يستقبله الناس.

إنّ الصورة التي نراها اليوم للمنبر الحسيني ليس هي نفس الصورة التي كان عليها قبل مئات السنين، بل ولا قبل عشرات السنين، وإنّما تعرّض لتطوير - كما سنتعرّض إليه - على مدى سنوات، من مجرّد كونه فترة رثائية إلى ما نراه اليوم من كونه، إضافة إلى مساحة الحزن التي


يحتلّها، مشعلاً ثقافيّاً وعلميّاً.

٣ - الحاجة إلى العمل بالوسائل الحديثة العامة في التطوير.

بالرغم من أنّ الدعوة إلى تطوير المنبر ينبغي أن يستشعر بها كلّ ممارس لهذه المهمّة المقدّسة، وأن يقوم بتطوير منبره، وتحسين أدائه فيه باندفاع ذاتي، إلاّ أنّ ذلك لا يغني عن الدعوة إلى التطوير العام باستخدام الطرق الحديثة التي يعتمدها العلم اليوم.

فمن المهم مثلاً أن تُقام دورات تخصّصية في فنّ الخطابة؛ سواء في الجانب الرثائي والعزائي، أو جانب الموضوع وكيفية إعداده، أو طرق التأثير على الناس. فإنّ ما سوى الجانب الأوّل توجد فيه كتب ومتخصّصون، ومع أنّ في منابرنا جانباً خاصاً؛ سواء لجهة المستمعين، أو نوعية الحديث، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من الاستفادة من الأمور العامّة التي لا تخصّ خطاباً دون غيره.

بل ينبغي أن يسعى إلى تأسيس معاهد وكلّيات للخطابة، ولو في الحوزات العلميّة، وأن تُعقد مجالس خاصة للخطباء يتمّ فيها تداول أمر المنبر الحسيني؛ سواء في تقييم الدور الذي يقوم به في كلّ مجتمع، أو في المواضيع التي ينبغي أن تُطرح، ولأجل استفادة كلّ جيل من خبرات الجيل الذي سبقه.

ونحن نحمد الله أنّ هناك حركة طيبة بهذا الاتجاه، فهناك مجلاّت تخصّصية تعنى بشأن المنبر الحسيني، وهناك دورات كثيرة قد تأسست في الحوزات والمدارس الدينية، وهناك مكاتب تخصّصية(١) ، وإن كانت

____________________

١ - نشير هنا بإكبار للعمل الموسوعي الضخم الذي يقوم به المحقّق الشيخ الكلباسي في كتابه (دائرة المعارف الحسينيّة) الذي يفترض أن يزيد على الخمسمئة مجلّد.


المهمّة أعظم من هذا المقدار الموجود كماً وكيفاً، لكنّه عمل يُبشّر بالكثير من الخير المستقبلي، جزى الله القائمين عليها خير الأجر والثواب.

مجالات التطوير المقترحة

مجال الرثاء والتعزية(١)

كانت بدايات المآتم الحسينيّة وما يُذكر فيها من أمور مأساوية جرت في كربلاء تحقّق أمرين؛ تفريغ زخم اللوعة والألم الموجود في نفوس أهل البيت (عليهم السّلام) وشيعتهم، ونشر الظلامة الحسينيّة وشحن النفوس على أثرها بالنقمة على أعداء الحسين (عليه السّلام).

وهنا تحوّل إلى دور رسالي رائد؛ ولهذا أصرّ أهل البيت (عليهم السّلام) على عقد المجالس بما يُستطاع، فإنّه من جهة كانت تصنع الفرد الرسالي وتربيه، وكانت أيضاً تهدف هدم صروح الظلم بالوسيلة المتيسّرة.

ومع أنّ هناك مَنْ ينتقد التعاطي مع الرثاء وجانب المصيبة في المجلس، إلاّ أنّه لا بدّ من التعادل في الأمر، فلا يصحّ التخلّي عنه من جهة، كما إنّه لا ينبغي الإغراق فيه من جهة أخرى، وإنّما نمسك العصا من وسطها فنقف بين المصرّين عليها وعلى توسعتها، وبين المطالبين بحذفها والاستغناء عنها.

ويُقترح أن يتمّ التركيز على الشعر القريض والمنتقى، والذي يتميّز بأداء حار ومستوى مرتفع، بل حتّى في الشعر الدارج والعامي يوجد ما

____________________

١ - سوف نستفيد في هذا العنوان بشكل أساسي من الكتاب القيّم الذي أنصح قارئي بقراءته للشيخ الوائلي: تجاربي مع المنبر.


هو عالي المضامين، وجيد السبك، وفيه ما هو هابط، فليُنتخب ما هو في مستوى إعلاء شأن صاحب النهضة وأصحابه ونسائه.

انظر إلى الفرق بين شعر الشريف الرضي(١) ، والسيد حيدر الحلّي(٢) ، والكعبي، والكوّاز، والقسّام، والهندي(٣) ونظرائهم، وفي المقابل استمع الى بعض ما يُقرأ في المجالس؛ حيث لا تجد غير ركّة المعاني واصطناع الألفاظ.

ثمّ تأمّل في الصور التي يُظهرها هذا الشاعر أو ذاك ويجليها في أفضل نحو، كما نجد في ملحمة الدمستاني (أحرم الحِجّاج...) فقد جمع (كلّ الصيد في جوف الفرا)، ومثلّما صنع الجمري(٤) في تصويره شجاعة الحسين (صوّل أبو سكنه...) والتي أبدع فيه رسم صور البطولة بقدر ما أجاد في التقاط معاني الثورة، وغيرهم. ولا نريد الآن التعرض إلى كل

____________________

١ - محمّد بن الحسين بن موسى، توفي عام ٤٠٦ هـ في بغداد، فقيه عالم وأشعر الطالبيين. انتهت إليه نقابة الأشراف في حياة والده. له ديوان شعر، وعدّة كتب منها؛ المجازات النبويّة، وحقائق التأويل في متشابه التنزيل، ورسائل الصابي، والشريف الرضي، وخصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام).

٢ - حيدر بن سليمان الحلّي، توفي عام ١٣٠٤ هـ في الحلّة، شاعر أهل البيت (عليهم السّلام)، له ديوان الدرّ اليتيم، والأشجان في مراثي خير إنسان. وأفضل شعره حولياته في الحسين (عليه السّلام).

٣ - تجد تراجمهم وتراجم غيرهم من عمالقة الشعر الحسيني في كتب متعدّدة، منها: أدب الطفّ - للسيد جواد شبر، والنجفيات - للشيخ علي الخاقاني، وشعراء الحسين (عليه السّلام).

٤ - عطية بن علي الجمري البحراني، خطيب حسيني وشاعر مجيد لا سيّما بالدارجة، يُفضل شعره على غيره من قبل خطباء المنبر، طُبع من شعره خمسة مجلدات باسم (الجمرات الودّية في المودّة الجمرية).


من أجاد وأحسن.

وفي المقابل مثلاً الصورة التي نجدها عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) وكأنّه لا يدري عن شيء ممّا يجري حوله في المعركة، فلا هو يعلم عن الأنصار وشهادتهم، ولا يعرف شيئاً عن بني هاشم وقتالهم، بل كان نائماً(١) ، ويحتاج إلى زينب أن توقظه وتخبره! أو أنّه في طريق السبي يصيح: وا ذلاّه أين عشيرتي؟!

ومع أنّ الخطيب يبحث عادة عن القصيدة شديدة الوقع على المستمع حتّى يبكي ويحظى الخطيب والمستمع بثواب (مَنْ بكى وأبكى)، إلاّ أنّ من القصائد ما هو عالي المضمون، وجيد السبك، وشديد التأثير في نفس الوقت.

لا ننسى أن نشير هنا، ونحن في هذه العجالة، إلى أنّ ارتفاع المستوى الثقافي للمستمعين، والذي يلاحظه الخطيب بأدنى تأمّل، يحتاج أيضاً إلى الارتفاع في مستوى الصور حتّى الرثائية منها والتي تُلقى على أسماعهم.

كما إنّه ينبغي اختيار القصائد التي تنسجم في مضامينها مع القضايا التاريخية الثابتة في السيرة؛ وذلك إنّ الشعر هو أيضاً من منافذ الثقافة العامّة التي تتسرّب للمستمع، فأنت تجد مَنْ يعتقد بقضية والدليل عليها هو أنّها قد وردت في شعر دارج قد سمعه من خطيب، كما حدث أن سأل أحدهم عن عدد الجيش الأموي، فلمّا قيل له: إنّهم حوالي ثلاثين ألفاً، لم يقبل ذلك؛ لأنّ العباس (عليه السّلام) قد قتل في كلّ حملة عشرة آلاف

____________________

١ - هناك بعض الروايات تشير إلى أنّ مرض الإمام زين العابدين (عليه السّلام) قد حصل من مشاركته في القتال، وأنّه جُرح حتّى ارتث، وقد نتعرّض إلى تحقيقها وملاحظتها.


كما في بعض الأشعار التي سمعها.

وسؤال البعض عن قدوم الإمام علي (عليه السّلام) ليلة الحادي عشر من المحرّم، وفي بعض الأشعار أنّه كان بصورة أسد، أو وجود ابن العقيلية في الشام... وهكذا. وهذه كلّها قضايا تحتاج إلى تحقيق، لكنّها تحوّلت بعدما صارت شعراً إلى جزء من السيرة الثابتة.

مجال المواضيع والمضمون

كما سبق إن ذكرنا أنّ المنبر الحسيني لا يزال الوسيلة الأساس الفعالة التي يمتلكها شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) في نشر فكرهم، وتعريف أنفسهم للعالم، وتعريف أبنائهم ببصائر أهل البيت (عليهم السّلام) فكراً وفقهاً؛ ولهذا فإنّ تأثّر هذا المجال بتغير الظروف وارتفاع المستوى العام للمستمع، بل حتّى تأثّره باختلاف المناطق التي يتمّ الاستماع فيها أمر لا ينبغي أن يختلف فيه لوضوحه؛ فإنّ المشاكل والاهتمامات الموجودة في بلد ليست بالضرورة موجودة في بلد آخر، والمستوى الثقافي الموجود في منطقة، بل ضمن مجلس في منطقة قد يختلف عن حضور المجلس الآخر في نفس المنطقة.

وهنا نوجّه إلى الملاحظات التالية:

* أنّ حديثنا عن التطوير لجهة الموضوع لا ينبغي أن يغفل جانب الموعظة والإرشاد؛ فالمنبر وسيلة هداية ودعوة وليس مجرّد معلومات نظرية تُلقى، بل أخذ فيه أن يكون كما روي عن الإمام السجّاد (عليه السّلام) في تشخيصه لحدود المنبر:«أتكلم بكلام لله فيه رضا وللجالسين أجر وثواب» .

إنّ الموعظة هي عمل الأنبياء( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ


تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى... ) (١) ، وطريقة دعوتهم( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٢) ، ولا بد أن يتمثّل الخطيب وهو على المنبر سيرة الرسل ودورهم حتّى يشعر بمسؤولية ما يتحدّث، ويلقي في أذهان سامعيه( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ ) (٣) .

وإن تصوّر بعض الخطباء أو السامعين أنّ الوعظ معاد، أو مكرّر أو لا ينفع، هو أمر مجانب للصواب؛ فإنّ الخطيب قبل أن يكون موسوعة نظرية من الإحصاءات والأفكار، هو«طبيب دوّار بطبّه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه. يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عُمي، وآذان صُمّ، وألسنة بُكم» كما وصف أمير المؤمنين (عليه السّلام) الرسول الأعظم محمّداً (صلّى الله عليه وآله).

هذا هو الدور الذي يجب أن يرتقي إليه وإن كان الفارق هو ما بين الثرى والثريا.

ونسجّل هنا نقطة في تراجع هذا الجانب في الكثير من الخطابات والمنابر الحسينيّة ممّا يعدّ نقصاً ينبغي الالتفات إليه. والاعتذار بأنّ القائل يجب أن يُطبّق ما يقول قبل أن يدعو إليه، ليس بصحيح، بمعنى الامتناع عن الوعظ. نعم، هو صحيح بمقدار ما يدفع القائل لتشديد الالتزام بما يقول.

فوظيفة المستمع أن يقبل الحكمة والحقّ من القائل من دون شرط

____________________

١ - سورة سبأ / ٤٦.

٢ - سورة النحل / ١٢٥.

٣ - سورة الأعراف / ٦٢.


عمل القائل به، وأن يأخذ الموعظة ممّن قالها وإن لم يعمل بها، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله):«كلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها» (١) .

كما إنّ وظيفة الخطيب أن يقول الحكمة والموعظة، ولا ينتظر أن يعمل بها في أعلى صورها حتّى يقولها. وأدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تُقيّد بعمل الآمر بها، وانتهاء الناهي عنها، مع أنّه ينبغي لو أراد التأثير فالأفضل أن يقول بعد العمل، ولا يجوز أن يُفهم من هذا التشجيع على القول ومخالفته بالعمل.

الخطيب والمستوى العلمي

في فترة سابقة كان المألوف في المجتمع الشيعي العربي أنّ العالم لا ينبغي له أن يصعد المنبر الحسيني، وإنّما المنبر هو شغل مَنْ ليس له مستوى علمي، ومَنْ لم يفلح وينجح في الدراسة، فهذا هو الذي يكون (روزه خون)(٢) ، وأما الذكي وصاحب المستوى العلمي فينبغي أن ينشغل في علوم الفقه والاُصول والحكمة.

____________________

١ - ميزان الحكمة / ٢.

٢ - كلمة فارسية معناه قارئ الروضة، وأصل ذلك أنّ عالماً يُسمّى الملا حسين الكاشفي (توفي حوالي ٩١٠ هـ) قد ألّف كتاباً باسم (روضة الشهداء)، يتناول مصارع شهداء كربلاء ومصائب العترة الطاهرة، وهو من أوائل مَنْ كتب في هذا المجال بذلك النحو، فكان الخطباء يقرؤون منه على المنبر، فسُمّي الخطيب لذلك (قارئ الروضة)، أي كتاب روضة الشهداء، ومع أنّه قد كُتبت كتب أُخرى في نفس الموضوع، بل إنّ الخطباء لم يعودوا يقرؤون من الكتب لكنّ الاسم بقي ولم يتغيّر.


أنتجت تلك النظرة السقيمة، والتي اختصّ بها المجتمع الشيعي العربي، ولذا لا تجدها في المجتمع الشيعي الإيراني ولا الهندي، أو الباكستاني أو التركي الذي يكثر فيها (المجتهدون الخطباء)، أنتجت أن صار المنبر مقتصراً في الغالب على الرثاء، وعلى المعاجز والقصص العجيبة التي لا ينتظر من الخطيب غيرها، ولا ينتظر السامع منه غير أن يحصل على الثواب بسبب الحضور في مجلس عقد باسم الحسين (عليه السّلام).

لكنّ الوضع تغيّر في الفترة الأخيرة بحمد الله بعدما توجّه أعاظم العلماء، وروّاد المرجعية إلى الدور الاستثنائي الذي يقوم به المنبر في صقل النفوس، وفي إيصال الفكر المحمّدي والعلوي إلى الناس، فكان أن وجّهوا وشجّعوا العديد من ذوي الكفاءة الأدبية والعلميّة إلى الاهتمام بالمنبر والخطابة، ونتج من ذلك ما نراه اليوم من بركات.

ومع عودة المنبر إلى مكانه الطبيعي، وإقبال الناس على الحضور إليه لاسيما في الموسمين (محرّم ورمضان) فإنّ ذلك يحمّل الخطيب مسؤولية مضاعفة، وربما يتصوّر بعض الناشئة من الخطباء أنّ الطريق السهل والسريع إلى الصعود والشهرة هو الصوت الجميل والحفظ الكثير، وهو صحيح في بداية الأمر لكنّه ليس دائماً، فقد يستمرئ شخص عصيرا طيّباً ولكنّه لا يتّخذه إلى الأخير غذاء لبدنه. وقد يحلو لشخص استماعه لترنيمة حزينة ولكنّه لا ينفق الساعات دائماً لاستماعها، ولك أن تتحقّق من صدق هذه المقولة بما نلاحظه في المجتمع عياناً؛ فقد أصبح المستمع يُقيم الخطيب الفلاني بتميزه عن سائر الخطباء، ويميّز خطابه اليوم عن خطابه بالأمس من ناحية المستوى، ويُطالب بمستويات أعلى، وهكذا.


وهذه الأمور تدعو إلى أن نتوجّه وإخواني الخطباء إلى تحصيل مزيد من العلم والمعرفة، والحصول على قدرة في التحقيق والتدقيق في المسائل والقضايا التي نطرحها للناس.

الالتزام بالإعداد المناسب للحديث

من المهمّ جدّاً أن يشعر الخطيب أنّ الناس قد ائتمنوه على أفضل ما عندهم، وأعطوه عقولهم لينقش فيها على مدى ساعة من الزمان أو نصفها ما يريد؛ فليتق الله في هذه الأمانة، ولا يصبّ في تلك العقول إلاّ ما ينفعها في دنياها وأُخراها.

ولو أردنا أن نحسب الأمر من الناحية الكميّة، فإنّ معنى أن يجتمع لخطيب ألف شخص تحت منبره، هو أن ألف ساعة من وقت المجتمع قد وضعت تحت تصرّف هذا الخطيب، فكيف سيتصرّف فيها؟ منها ساعة الطبيب، وساعة المهندس، وساعة المدرّس.. إلخ، وكلّ واحدة من هذه لها قيمة مالية خاصة.

إنّ ارتقاء المنبر والتشريق حيناً والتغريب حيناً آخر على غير هُدى ولا هدف يُعدّ جريمة بحقّ هذه الساعات التي يحتاجها المجتمع. ويُعدّ كارثة بالنسبة لتلك العقول التي سلّمت لهذا الشخص.

ونحن نتحدّث هنا مع القادر من المنبريين على العطاء من خلال الإعداد الجيد، والتهيؤ المناسب للمناسبة، وإلاّ فلو كان الخطيب في مستوى معيّن لا يستطيع تجاوزه، فـ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) ، ويكون الحاضر إليه قد (أقدم) على إنفاق هذا المقدار من الوقت، قاصداً بذلك الثواب.

وبهذه المناسبة نشير إلى طريقتين يعتمد الكثير من الخطباء المعاصرين


[ على ] إحداهما أو كليهما في تهيئة الموضوع:

الأولى: تعتمد على أن يختار الخطيب نصاً من النصوص؛ سواء كان آية قرآنية، أو رواية، ثمّ يبدأ في التأمّل في كلماتها ويشرحها، ويبيّن ما يتّصل بها من أحكام فقهية، أو قضايا تأريخية، أو مسائل عقائدية، وأحياناً لفتات أدبية ولغوية بمقدار ما يشير إليه النصّ الذي اختاره في البداية.

الثانية: أن يشخّص الخطيب حالة أو مشكلة، أو موضوعاً على أنّه يهمّ المجتمع الذي سيُلقي فيه، وبعد تشخيصه لذلك الموضوع يبدأ بالبحث عن كيفية طرحه، وتهيئة المواد اللازمة للحديث فيه، فقد يرى مشكلة اجتماعية (كالطلاق) مثلاً، فيقوم باختيار النصّ القرآني، أو الروائي المناسب للحديث، ثمّ يفكّر في أسبابه متّخذاً من الحالات القائمة، أو الدراسات الاجتماعية مصدراً، ويتأمّل في طرق الإسلام التي تتحدّث عنها الروايات ويستفيدها من الأحكام الشرعية، والتي تقلل من الطلاق وأسبابه، أو إنّه يتناول جانباً تأريخيّاً ويستفيد منه مواقع العبرة والدروس.. وهكذا.

وقد تكون هناك طرق أُخرى تختلف أو تتّفق مع الطريقتين السابقتين، لكنّ المهمّ في الأمر هو أن يقوم الخطيب بتقدير المهمّة العظيمة التي تحمّلها، ويراعي في ذلك أوقات الناس بالكمية والكيفية التي تقدّمت، فيهيئ أحاديثه بمقدار ما وسعه التهيئة والإعداد.

أختم هذا العنوان بكلمات جميلة لديل كارنيجي في كتابه (فن الخطابة)(١) ، والذي ينصح بقراءته لفائدته، قال: حدّد موضوعك مسبقاً

____________________

١ - بالطبع هناك شيء من الاختلاف بين ظروف مَنْ يتحدّث عنهم، وظروف خطبائنا ولو لجهة العدد الكبير من المواضيع التي يُراد منهم التحدّث عنها، ولكن استشهادنا هو في أصل الطريقة.


حتى يتسنى لك الوقت للتفكير به مراراً. فكّر به طيلة سبعة أيّام، واحلم به طيلة سبعة ليال، فكّر به أثناء خلودك إلى الراحة، وفي الصباح وأنت تستحم، وفي طريقك إلى المدينة، أو... وناقشه مع أصدقائك واجعله موضوع حديثك، واسأل نفسك جميع الأسئلة الممكنة التي تتعلّق به.

لقد ذكر تجربة أحدهم ممّن كان خطيباً مشهوراً عندما سُئل عن كيفية تحضيره لخطاباته، فقال: ليس لدي أيّ سرّ حين أختار موضوعاً أكتب اسمه على مغلف كبير، ولدي الكثير من هذه المغلفات، فإذا وجدت أثناء القراءة شيئاً جيّداً حول الموضوع الذي سأتحدث عنه أنقله إلى المغلف الصحيح، وأضعه جانباً، ودائماً أحمل معي دفتر ملاحظات، فإذا استمعت إلى عبارات أثناء أي احتفال تُلقي ضوءاً على الموضوع الذي يهمّني أسجّلها، ثم أنقلها إلى المغلف وربما تركته جانباً لمدّة سنة أو أكثر، وحين أريد أن ألقي خطبة أتناول ما أكون قد جمعته فأجد مادة كافية ممّا جمعته هناك إضافة إلى اجتهادي الخاص.

وفي موضع آخر يقول: حين تنهمك في جمع مادة خطبة لاحتفال معين، اكتب جميع الأفكار المتعلّقة بالمادة التي تخطر ببالك، دوّن جميع أفكارك ببضع عبارات كافية؛ لتثبيت الفكرة، ودع عقلك يبحث عن المزيد منها، تلك هي الطريقة التي من خلالها يتدرّب العقل على الإنتاج، وبها تبقى عملياتك الذهنية نشيطة وبنّاءة(١) .

____________________

١ - فنّ الخطابة - دايل كارنيجي


مجال الأداء والكيفية

الخطابة ليست كلمات محفوظة يتلوها المتكلّم عن ظهر قلب وتنتهي المهمّة بانتهاء الوقت المعين له، وإنّما هي صناعة وفنّ يهدف إلى التأثير على المستمع وإقناعه بما لدى المتكلّم، والخطابة الناجحة يُفترض فيها اجتماع عوامل التأثير المختلفة، حيث يتوجّه فيها الكلام كما قال بعضهم (إلى عقل السامع وقواه التي تعتمد على المخيلة والشعور، والسمع والنظر، فيتوجّه الكلام إلى المخيلة بالصور البيانية، وإلى الشعور بالحيوية الانفعالية، وإلى السمع بالصوت، وإلى النظر بالإشارة والحركة).

وحيث إنّ هذا الكتاب لم يوضع للحديث عن الخطابة فإنّي أُحيل القارئ المتابع لهذا الموضوع إلى عدد من الكتب التي تنفعه في هذا المجال: ككتاب فن الخطابة لديل كارنيجي، وكتاب تجاربي في المنبر للمرحوم الإمام الشيرازي، وصناعة الخطابة للسيد عبد الحسين القزويني، ودور المنبر الحسيني في التوعية الإسلاميّة - وهو رسالة دكتوراه للشيخ باقر المقدسي. وقد سبقت الاشارة إلى كتاب الشيخ الوائلي، وللمرحوم الشيخ محمّد تقي فلسفي الذي يعدّ من أكبر خطباء الإيرانيين، كتاب قيّم باللغة الفارسية، لا أعلم إن كان قد تُرجم للعربية أو لم يُترجم.

وهناك عدد من الخطباء لديهم دروس قيّمة على أشرطة الكاسيت في فنّ الخطابة كالشيخ عبد الحميد المهاجر.

تطوير الخطابة النسائية

بالرغم من أنّ الخطابة النسائية في مجتمعنا الشيعي، لاسيما في الخليج، لا تزال تستقطب أعداداً ليست بالقليلة، إلاّ أنّ الغالب فيها أنّها لا تزال تعيش معادلات العقود الماضية، ويد التطوير التي أفادت المنبر الحسيني في قسم الرجال لم تصل إلى الخطابة الحسينيّة النسائية،


فلا تزال الطريقة نفس الطريقة المعتمدة على ذكر المصيبة من أوّل المجلس إلى آخره، والقراءة على بعض الكتب التي يخلو أكثرها من الاعتبار.

ولو اطّلعت عزيزي القارئ على بعض تلك الكتب، وما ورد فيها من قصص( لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ) ، كما إنّها تخلو من التوجيه والإرشاد والمضمون غالباً.

وقد نستطيع استثناء المجالس النسائية التي يقوم عليها وعلى إدارتها نساء واعيات؛ إمّا ممّن درسن في الحوزات العلميّة لبعض الوقت، أو ممّن أُتيح لهنّ التثقّف بالثقافة الدينية والإسلاميّة باندفاع ذاتي، فهؤلاء حاولنَ أن يوجدنَ جسراً بين ما حصل من التطوّر (في المنابر الرجالية) وبين منابرهنّ ومجالسهنّ؛ ولهذا استطعنَ استقطاب الكثير؛ سواء من الفئات الشابّة، وأحياناً من كبيرات السنّ أيضاً. ولقيت منابرهنّ النجاح ممّا يُغري بمواصلة هذا المشوار والعمل على تكريسه، بحيث يكون هو الصورة الغالبة، والكلام فيه هو نفس الكلام السابق، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع النسائي؛ سواء في جهة الموضوع، أو في جهة الأداء والرثاء.

وينبغي بعد هذا التطواف أن لا يُفهم أنّ الفترات السابقة والأجيال الماضية لم تقدّم شيئاً مهمّاً للمنبر الحسيني، بل على العكس تماماً، نحن نعتقد أنّ الأجيال الماضية، والخطباء الحسينيون السابقون (حشرهم الله مع الحسين (عليه السّلام» قد بذلوا أقصى ما في وسعهم، وما بإمكانهم ضمن ظروف المرحلة السابقة، واستطاعوا أن يطوّروا المنبر بمقدار ما كانت إمكاناتهم الذاتية، وظروفهم الموضوعية (في الزمان والمكان والموضوع) تسمح لهم، وقد قضوا ما عليهم، وأوصلوا المنبر إلى هذا المستوى الذي بلغنا بعدما أمدّوه من طاقاتهم وقدراتهم.


وحينما ندعو إلى التطوير لهذا الجهاز، فإنّما نسير في نفس الاتجاه الذي ساروا فيه، فهم أيضاً وصل إليهم المنبر ضمن مستوى معين فقام كلّ منهم بجهده في تطويره إلى أن صار في المستوى الذي وصلَنا، وعلينا أن نطوّره أيضاً، ونضيف إليه من عناصر القوّة حتّى يزداد عطاؤه وإنتاجه.

نسأل الله سبحانه أن يوفّق هذه الفئة المهتمّة بقضايا المنبر الحسيني، رجالاً كانوا أو نساء، لتطوير أداء هذه الوسيلة المقدّسة، والحفاظ على دورها وتدعيمه في المجتمع إنّه على كلّ شيء قدير.

الخطابة للأطفال

إنّ من المهمّ جدّاً أن يتمّ التفكير في اصطناع منابر خاصة للأطفال، والذي يحدونا إلى التفكير في ذلك:

١ - إنّ حضور الأطفال من سنّ السادسة إلى الثالثة عشر في المجالس والمواكب الحسينيّة كبير جدّاً، إمّا بمعية آبائهم أو أصدقائهم.

٢ - إنّهم يستطيعون استيعاب مقدار غير قليل ممّا يُلقى فوق المنابر، مع أنّ المنابر التي يجلسون إليها لم تُخصّص لهم، ولا يُتكلّم فيها عادة على مستوى عقولهم وإدراكاتهم.

٣ - إنّ إمكانية التأثير في شخصياتهم، ثقافةً وسلوكاً، هي في تلك الفترة من العمر أفضل من سائر الفترات كما يقول أمير المؤمنين (عليه السّلام):«إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء إلاّ قبلته» . ويقول الإمام الصادق (عليه السّلام) لمؤمن الطاق:«... عليك بالأحداث؛ فإنّهم أسرع إلى كلّ خير» (١) .

وتعطينا كربلاء صورة واضحة عن شخصية الأحداث عندما تتأثّر

____________________

١ - ميزان الحكمة - محمدي الريشهري ٢ / ١٤٠٠.


بالثقافة الصحيحة، فهذا القاسم بن الحسن (غلام لم يبلغ الحلم) وقد قاتل بين يدي عمّه (عليه السّلام) ذلك القتال العظيم ونال الشهادة، وذاك أخوه عبد الله بن الحسن وهو غلام، انفلت إلى عمّه الحسين (عليه السّلام) وهو صريع على الأرض ليصدّ عنه ضربات الأعداء، حتّى قطعوا يده ثمّ قتلوه بسهم، وذاك (غلام قد قُتل أبوه) قبله، ويريد الحسين (عليه السّلام) أن يردّه إلى أُمّه فيرفض إلاّ القتال، قائلاً: (إنّ أُمّي هي التي ألبستني لامة حربي)، وهكذا.

وممّا يؤسف له عدم التوجّه إلى التخاطب المناسب مع الأطفال؛ سواء على مستوى الكتابة لهم إلاّ في القليل من الحالات، أو على مستوى الخطابة، أو حتّى مواكب العزاء(١) .

فينبغي التفكير جدّياً في أمر الخطابة للأطفال، بحيث يعدّ الخطيب - ويحبذ أن يكون في سنّ مقارب لهم - خطابته بنحو يستطعيون من خلاله الإلمام بقضية كربلاء، خصوصاً وإنّها قصّة ذات حوادث كثيرة تستهوي الأطفال الذين يحبّون القصص أكثر من إقبالهم على الأفكار.

ومن خلال قصّة كربلاء يمكن تضمين الكثير من المعاني الأخلاقية والدينية في أحداثها بحيث يتأثّر الأحداث بها.

____________________

١ - يوجد في بعض المجتمعات مواكب عزائية خاصة بالأطفال، والتجربة تشهد بنجاحها.


أسئلة في السيرة والنهضة

سؤال: هل الذهاب إلى العمل يوم العاشر حرام؟ وهل يجب التصدّق بما كسبه ذلك اليوم؟

الجواب: ليس حراماً، ولكن يُستفاد من بعض الروايات استحباب ترك السعي في الأمور الدنيوية، وعدم الانشغال بها، واستحباب التفرّغ لإحياء الذكرى الحسينيّة؛ فقد روى الشيخ الصدوق في الأمالي(١) عن

____________________

١ - حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق (رحمه الله)، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد الهمداني، عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه عن الرضا (عليه السّلام).... والرواية يمكن أن تكون معتبرة؛ فإنّ محمّد بن إبراهيم هو الطالقاني، وقد روى عنه الصدوق مترضّياً عليه، بناء على أنّ ترضي مثل الصدوق كاشف عن حسن حال المترضّى عنه، وإن ناقش في ذلك بعض العلماء.

وأحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني هو أبو العباس بن عقدة، قالوا عنه: أنّه جليل القدر، عظيم المنزلة، وأمره في الحفظ والجلالة أشهر من أن يُذكر، توفي سنة ٣٣٣ هـ.

وعلي بن الحسن بن فضال، فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم كما ذكر =


أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام)، قال:«مَنْ ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومَنْ كان يوم عاشوراء يوم مصيبة وحزنه وبكائه جعل الله (عزّ وجلّ) يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه» .

كما روى شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) بسنده(١) عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث زيارة الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء من قرب وبعد... إلى أن قال: قلت: وكيف يُعزّي بعضنا بعضاً؟

قال:«تقول: عظّم الله أجورنا بمصابنا بالحسين (عليه السّلام)، وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثأره مع وليه الإمام المهدي من آل محمّد. وإن استطعت أن لا تنشر (لا تنتشر) يومك في حاجة

____________________

= النجاشي، وأبوه الحسن بن علي ثقة عظيم القدر. قيل: إنّه كان فطحياً وعاد عن ذلك.

ولا نحتاج إلى هذا بعدما كانت الرواية من الروايات الواعدة بالثواب، وهي مشمولة لقاعدة التسامح في أدلّة السنن.

١ - نقله في وسائل الشيعة - الحرّ العاملي ١٤ / ٥٠٩: محمّد بن الحسن، في (المصباح) عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن علقمة.

والرواية من حيث السند غير تامّة؛ فإنّ صالح بن عقبة (ابن قيس بن سمعان) وإن كان من رجال تفسير علي بن إبراهيم القسم الأوّل، ويكون ثقة على المبنى، إلاّ أنّه قد ضُعّف واتّهم بالكذب كما عن الخلاصة، إلاّ أن يُقال: إنّ يونس بن عبد الرحمن والذي هو من أصحاب الإجماع قد روى عنه، ويكون على المبنى المعروف مقبول الرواية.

وقد يُناقش ما ذكر في الخلاصة بأنّه معتمد في جرحه ذاك على كتاب ابن الغضائري، والمعروف عندهم التشكيك في كون كلّ ما في الكتاب الموجود صحيح النسبة إلى الشيخ ابن الغضائري (والمسألة بحاجة إلى بحث أكثر، وللتفصيل مقام لا يتّسع له هذا المختصر).

وأبوه عقبة بن قيس أيضاً لم يوثّق لا بتوثيق عام ولا خاص، ومثله علقمة (ابن محمّد الحضرمي).


فافعل؛ فإنّه يوم نحس لا تُقضى فيه حاجة مؤمن، وإن قُضيت لم يُبارك له فيها، ولا يرى فيها رشداً...» .

هذا لو كان عمل الإنسان مملوكاً له، كما هو حال مَنْ يعملون في الأعمال الحرّة، والتجارة لأنفسهم فإنّه يحسن بهم في مثل ذلك اليوم أن يتوجّهوا لإحياء الذكرى ما لم ينطبق على سعيهم للعمل ذاك عنوان ملزم.

وأمّا بالنسبة لغيرهم وهم الأكثر ابتلاء، كالعاملين في مؤسسات مملوكة لأشخاص، أو تابعة للحكومات، فلا يستطيع الشخص الغياب في ذلك اليوم من غير أن يأذن له ربّ العمل، وإلاّ كان غير مالك لأجرة ذلك اليوم في المؤسسات والشركات الأهلية والشخصية، حيث إنّ مقتضى عقده معهم أن يعمل في الأيام المتعارفة، باستثناء التعطيلات الرسمية، أو ما أذنوا له في التغيّب، وليس العاشر منها بحسب الفرض، وإخلاله بهذا العقد بمقدار ذلك اليوم يجعله غير مستحق لأجرته ولا يملكها؛ فلا بدّ من استئذان ربّ العمل، أو إخباره عن غيابه ذاك واسترضائه في أمر المال أو إرجاعه عليه.

وبالنسبة للمؤسسات الحكومية، فإنّ الحكومات غير الخاضعة للفقيه، وإن لم تُملك كما هو المشهور بين المعاصرين من الفقهاء، فلا ولاية لها مالكية ولا شرعية(١) على التعاقد وإعطاء المال واستحصال العمل، إلاّ أنّ ذلك لا يسوغ للعامل وهو طرف العقد أن يتملك أجرة في مقابل يوم عمل لم يذهب إليه ولم يقم به؛ ولذا فإنّه يشكل أمر تملّكه من

____________________

١ - أمضى بعض المراجع المعاصرين العقود القائمة بين الموظفين وبين الحكومات، وبناء عليه ترجع المسألة إلى القسم السابق.


قبله؛ حيث إنّ الفقهاء قد صرّحوا في فتاواهم بأنّهم لا يأذنون في الاستلام إلاّ مع قيام العامل بواجباته بحسب ما ورد في العقد؛ ولذا لا بدّ في ذلك من التصدّق بذلك المقدار من المال على الفقير المؤمن، والأحوط أن يكون بإذن الحاكم الشرعي (المجتهد) الذي له ولاية على مجهول المالك.

سؤال: من الملاحظ أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قال في أثناء خروجه من المدينة كلاماً، وأثناء خروجه من مكة كلاماً آخر، وفي الطريق غيره، وهكذا في كربلاء. كيف تفسّرون تعدّد لحن هذه الكلمات، والمعاني المختلفة فيها؟

الجواب: مع التنبيه على دقّة ملاحظة السائل ونظرته الفاحصة نقول: نعم، يلاحظ المتأمّل أنّ هناك تعدّداً في طريقة إجابات الإمام الحسين (عليه السّلام)، ولعلّ في النقاط التالية ما يلقي بضوء على السبب:

١ - من المعلوم أنّ مستويات السائلين للإمام الحسين (عليه السّلام) تتفاوت وتختلف، فمن الحكمة أن تكون الأجوبة على (قدر عقولهم)، فليس معقولاً أن يُجيب شخصاً قد تربّى على التخاذل وآثر الحياة الدنيا بأنّه لا بدّ من الثورة على الظالمين، وأمر الإسلام أعزّ من أمر الشخص وحياته، ولو أجابه بذلك النحو لما وافق الحكمة، وإنّما ينبغي أن يقرّب له الهدف الذي ينشده بمقدار ما يستطيع ذلك الشخص تعقّل وإدراك الكلام الحسيني.

٢ - إنّ النصوص التي تركها الإمام الحسين (عليه السّلام) من خلال محاوراته أو تلك التي ابتدأ بها الناس، تنقسم إلى قسمين:

- قسم يمكن اعتباره وثائق أساسية تمثّل العناوين الرئيسة لكامل


نهضته وحركته، وتُلقي الضوء على كلّ تفاصيلها. وهي بمثابة (الروايات الحاكمة) في تعبيرات الفقهاء التي تقوم بالشرح والتفسير لغيرها، ولو خالفتها غيرها، فإنّ هذه الروايات الحاكمة هي التي تتقدّم، بغض النظر عن نسبة باقي الروايات إليها.

هنا أيضاً في النهضة الحسينيّة نحن نجد بعض الكلمات له (صلوات الله عليه) بمثابة هذه الروايات الحاكمة، وخطابات أو وصايا هي التي تفسّر مجمل حركته.

وهناك قسم من كلماته لا تعبّر عن هذا المعنى المتقدّم، وإنّما ربما قيلت في جواب مَنْ لم يشأ الإمام (عليه السّلام) أن يُخبره بتفاصيل أهدافه.

والخطأ الذي قد يقع فيه مؤرّخون أو قُرّاء للسيرة هو الخلط بين القسمين من الكلمات، فيقيسون نهضة الحسين (عليه السّلام) بمقياس الكلمات من القسم الثاني مع أنّها لا ينبغي أن تُقاس إلاّ بالنحو الأوّل.

٣ - إنّ هناك عدّة عوامل يمكن الحديث عنها في النهضة الحسينيّة، وكلّ واحد من هذه العوامل كان يتطلّب نوعاً من ردّ الفعل، والتوجيه الخطابي والثقافي، وكان الإمام (عليه السّلام) بحسب تقديره للظرف يُجيب بالنحو المناسب.

فقد كان من عوامل النهضة الحسينيّة(١) رفض البيعة ليزيد، واستجابته لدعوة أهل الكوفة بأن يقدم إليهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذه العوامل بينها ترتّب في الأهمّية، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان أهمّ العوامل جميعاً، وقد حدّد الإمام (عليه السّلام) في بداية خروجه

____________________

١ - حقيقة النهضة الحسينيّة - الشهيد مرتضى مطهري، تعريب صادق البقال.


هدفه بأنّه يريد هذا الأمر، وبقي هذا العامل على قوّته ودفعه إلى الأخير بعدما تعطّلت العوامل الأخرى؛ فإنّه بعدما ظهر للجميع أنّ دعوة أهل الكوفة ليست بتلك الصورة، وإن كان الحسين (عليه السّلام) ليس بعيداً عنها، ولكنّه لم يكن ليستطيع أن يغفل آلاف الرسائل الواردة إليه من قبلهم، بما كان يقوله آخرون أنّهم لن يفوا، ولن يستمروا، ولن يصمدوا، وبالتالي فإنّ عليه أن لا يُعطيهم غير الأذن الصماء.

هذا لم يكن صحيحاً، وإنّما استجاب الإمام (عليه السّلام) إلى بيعة أهل الكوفة، وطلبهم منه أن يقدم عليهم، ولكنّ هذا العامل لم يكن العامل الأساس؛ فقد أشار عليه الكثيرون، ومنهم ناصحون له بأن لا يذهب إليهم، ولم يكن أيضاً بالذي يعزب عنه الرأي.

كما إنّ عامل رفض البيعة لم يكن العامل الأساسي، وإن كان أهمّ من عامل بيعة أهل الكوفة، إلاّ أنّه كان يمكن له أن يتخلّص من البيعة باللجوء إلى اليمن، أو الاحتماء بالحرم أو غير ذلك ممّا أشار عليه به عدد من الصحابة.

والخطأ هو عندما تختلط هذه الأمور فيظنّ البعض أنّ الحسين (عليه السّلام) إنّما خرج استجابة لكلام أهل الكوفة فخُدع بهم، بينما هو يقول: إنّه إنّما خرج لطلب الإصلاح وللأمر بالمعروف.

وقد تحدّث الإمام (عليه السّلام) عن كلّ واحد من العوامل على حدة، وفي بعض الحالات كان يجمع عاملين في الحديث كما سيأتي.

من الأمثلة على العناوين العامّة، وهي بمثابة الاُصول الأصيلة للثورة الحسينيّة، ما يلي من الكلمات:

١ - ما قاله الحسين (عليه السّلام) في جواب الوليد بن عتبة بن أبي سفيان


عندما دعاه إلى مبايعة يزيد أراد الإمام (عليه السّلام) أن يُنهي اللقاء بنحو (دبلوماسي)، فقال له كلاماً قبله الوليد وهو:«إنّ مثلي لا يعطي بيعته سرّاً، وإنّما أحبّ أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحداً» .

وكان يمكن أن ينتهي اللقاء بهذا النحو، ولكنّ دخول مروان بن الحكم على الخطّ اضطر الإمام الحسين (عليه السّلام) أن يكشف آخر سطر في صفحة موقفه:«أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرحمة، وبنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يُبايع لمثله، ولكن نُصبح وتصبحون، وننتظر وتنتظرون أينا أحقّ بالخلافة والبيعة» .

وهذه الكلمات التي قالها في التالي تختلف اختلافاً كبيراً عن ما قاله في البداية، ففي البداية كان يريد إنهاء الأمر ودّيّاً من دون إعلان موقف صريح، وكان الوليد بن عتبة راغباً في حلّ الأمور بذلك النحو. فلم يكن يريد الاصطدام مع الحسين (عليه السّلام)، لكن فيما بعد جرت الأمور بنحو جعل الحسين (عليه السّلام) يضع الأمر في إطاره العقيدي والسياسي الصريح، وقال موقفه بأنّ:«مثلي لا يُبايع مثله» ، معلّلاً ذلك بأنّه: (أهل بيت النبوّة، بنا فتح الله، وبنا يختم.. بينما يزيد رجل فاسق شارب خمر...).

٢ - وصية الإمام الحسين (عليه السّلام) لأخيه محمّد بن الحنفيّة تعتبر من الاُصول التي تكشف عن أغراض وأهداف الحسين (عليه السّلام) من ثورته المقدّسة؛ فقد كتب:«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به الحسين بن على بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة؛ أنّ الحسين يشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنّة والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب


فيها، وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور. وأنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي؛ أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي على بن أبي طالب (عليهما السّلام)، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين. وهذه وصيتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب» .

وهذه الوثيقة التاريخية التي يحصر فيها (عليه السّلام) هدف ثورته بأنّه إنّما خرج لطلب الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسير بسيرة جدّه وأبيه من أهمّ الوثائق التأريخية التي حفظت للثورة سطوعها وصفاءها.

٣ - من المواضع التي جمع فيها الحسين (عليه السّلام) بين أكثر من عامل للحديث عن دعوة أهل الكوفة، وبين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمسؤولية ما نقله المؤرّخون من أنّ الحسين (عليه السّلام) خطب أصحابه وأصحاب الحرّ بالبيضة، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:«أيّها الناس، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله.

ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلال الله، وأنا أحقّ من غير. قد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيّ أُسوة، وإن لم تفعلوا


ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم! والمغرور مَنْ اغتر بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .

وأمّا القسم الثاني من كلماته (عليه السّلام)، والتي كانت أشبه بدفع الجواب، والحديث مع الطرف المقابل بما يقنع به، فهي كثيرة، منها ما قاله الإمام الحسين (عليه السّلام) للمسوّر بن مخرمة الذي نصح الحسين بأنّه: إيّاك أن تغتّر بكتب أهل العراق، أو يقول لك ابن الزبير: الحقّ بهم فإنّهم ناصروك. إيّاك أن تبرح الحرم؛ فإنّهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتّى يوافوك فتخرج في قوّة وعدّة.

فجزاه الحسين (عليه السّلام) خيراً وقال:«استخير الله في ذلك» . فإنّ طريقة الحسين (عليه السّلام) في نهضته لم تكن قائمة على الاستخارة، هذا بناء على أنّ مقصود الإمام هو الاستخارة المعروفة.

ومثله كلامه (عليه السّلام) مع أبي بكر (عمر) ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، الذي قال له: يابن عمّ إنّ الترحّم نظارتي عليك، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك؟

قال:«يا أبا بكر، ما أنت ممّن يستغش ولا يُتّهم فقل» .

قال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَنْ قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك مَنْ أنت أحبّ إليه ممّن ينصره، فاذكرك الله في نفسك.

فقال له الحسين (عليه السّلام):«جزاك الله يابن عم خيراً، فقد اجتهدت رأيك، ومهما يقضي الله من أمر يكن» .


فقال أبو بكر: إنّا لله، عند الله نحتسب أبا عبد الله.

وهكذا قوله لعبد الله بن مطيع العدوي الذي استقبله في طريق مكة، فقال: أين تريد أبا عبد الله، جعلني الله فداك؟!

قال:«أمّا في وقتي هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله تعالى في أمري بعد ذلك» .

فقال له عبد الله بن مطيع: خار الله لك يابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه، غير أنّي أُشير عليك بمشورة فاقبلها منّي.

فقال له الحسين (عليه السّلام):«وما هي يابن مطيع؟» .

قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرّك أهل الكوفة؛ فيها قتل أبوك، وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فوالله لئن هلكت ليهلكنّ أهل بيتك بهلاكك والسّلام.

وروى الدينوري أنّ الإمام (عليه السّلام) قال لابن مطيع:«يقضي الله ما أحبّ» .

ويمكن أن نصنّف أيضاً إجاباته القائلة بأنّه رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأنّه أمره بأمر لا بدّ أن يمضي إليه؛ لما أخبره الرسول في هذا الجانب، وليس معنى ذلك أنّه لم يكن الخبر حقيقياً، ولكنّه بهذه الطريقة يقطع النزاع مع أشخاص مثل ابن عباس، أو ابن الحنفيّة بحيث لا مجال مع ذلك للحديث عن الأفضل والأحسن.

إنّنا نلاحظ التركيز في بعض الأماكن كان على كلمات بعينها، باعتبار أنّ السامعين أقرب إلى فهم تلك المفردات والمعاني. فمثلاً هو (عليه السّلام) في المواجهة العسكرية مع الجيش القادم من الكوفة يركّز على أنّهم هم الذين دعوه وطلبوه، وهذا أبلغ في الاحتجاج(١) .

انظر مثلاً

____________________

١ - جاء في ترجمة الشهيد عمر بن ضبيعة التميمي أنّه كان شجاعاً، وكان ممّن خرج مع عمر بن سعد فلمّا رأى ردّ الشروط على الحسين (عليه السّلام)، وعدم تمكينهم إيّاه من الرجوع من حيث أتى انتقل إلى الحسين (عليه السّلام)، وهكذا حال يزيد بن زياد (أبو الشعثاء الكندي) وغيره.


إلى خطبته في الجيش المعادي يوم عاشوراء، قال (عليه السّلام):«فتبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً! أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم...» .

ولعلّ هذه الخطبة كانت نهاية نقطة التحوّل الذي حدث عند الحرّ الرياحي، وهو نفسه عندما خطب في جيش الكوفة بعد انتقاله إلى معسكر الحسين (عليه السّلام) ركّز على هذه النقاط أيضاً، فقال: يا أهل الكوفة، لأُمّكم الهبل والعبر! إذ دعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه! أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلّ جانب، فمنعتموه التوجّه في بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضرّاً، وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرّغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّداً في ذريّته، لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا، وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه(١) .

سؤال: كيف توفّقون بين كون جابر بن عبد الله كفيف البصر في كربلاء حيث كان يقوده خادمه أو غلامه عطية، وبين كونه قد رأى الإمام الباقر (عليه السّلام) في المدينة وهو صغير، فقال: شمائل كشمائل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ بلّغه سلام النبي؟ فإن كان كفيفاً كيف رأى الباقر، وإن كان مبصراً حينئذ

____________________

١ - الطبري ٤ / ٣٢٦.


فكيف كان كفيفاً في الأربعين (العشرين من صفر)؟

الجواب: في البداية نحبّ أن نوضّح جانباً من حياة الراوي الثقة عطية العوفي؛ فإنّه يغمط حقّه عادة مع أهمّية دوره، وربما لا يُذكر اسمه في المحافل إلاّ في مرّة واحدة هي كونه غلاماً، أو خادماً لجابر. ولم يكن غلاماً، وإنّما هو تلميذ نجيب لجابر، وراوٍ واعٍ لأحاديثه، وصاحب مواقف، وإليك بعض الكلمات عنه ثمّ نجيب على السؤال الأصلي:

عطية بن سعد بن جنادة العوفي توفي سنة ١١١ هـ

كان أبوه سعد بن جنادة وهو من بني جديل أوّل مَنْ أسلم من أهل الطائف(١) ، وصحب النبي (صلّى الله عليه وآله)، وروى عنه عدداً من الأحاديث(٢) ، وبعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان ممّن عرف أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ووالاه وشارك معه في حروبه، وروى عنه بعض الأحاديث(٣) .

وربما كان في أواخر خلافة أمير المؤمنين (عليه السّلام) عندما ولد له ابن جاء به إلى الإمام (عليه السّلام)؛ لكي يسمّيه، فقال:«هذه عطية الله» . وسمّاه عطية.

ونشأ عطية في الكوفة؛ ولذا لقّبه بعضهم بالكوفي (إضافة إلى العوفي)، وتشرّب التشيّع من أجوائها، وممّن صحبهم فيها، ولعلّ أكثرهم تأثيراً فيه جابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري (أو الكلبي).

____________________

١ - أسد الغابة ٢.

٢ - منها قوله (صلّى الله عليه وآله):«إنّ الله زوّجني في الجنّة مريم ابنة عمران، وامرأة فرعون، وأُخت موسى...» ، وفي حديث آخر يخاطب فيه خديجة،«زوّجني معك...» .

٣ - منها قوله (عليه السّلام):«أمرت بقتال القاسطين والناكثين والمارقين...» كما في تاريخ دمشق ٤٢.


ولعلّ الناظر إلى نوعية الأحاديث التي رواها، وأكثر منها يعرف سرّ تضعيف رجاليي الجمهور لعطية؛ فإنّه قد روى حديث الثقلين(١) ، وأنّ الأئمّة اثنا عشر(٢) ، وحديث سفينة نوح(٣) ، وتفسير آية( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) في أهل البيت (عليهم السّلام)(٤) ، وحديث الغدير، والمنزلة،

____________________

١ - ففي مسند أحمد ج ٣: حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، حدّثنا عبد الملك يعني ابن سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):«إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله (عزّ وجلّ) حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» .

٢ - في كفاية الأثر - للخزاز القمي: أخبرنا أبو المفضل (رضي الله عنه)، قال حدّثنا الحسين بن زكريا العدوي، عن سلمة بن قيس، عن علي بن عباس، عن ابن الحجاف، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول:«الأئمّة بعدي تسعة من صلب الحسين (عليهم السّلام)، والتاسع قائمهم، فطوبى لمَنْ أحبّهم، والويل لمَنْ أبغضهم» .

٣ - أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ٢ / ٢٢: حدّثنا محمّد بن عبد العزيز بن ربيعة الكلابي أبو مليل الكوفي، حدّثنا أبي، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حمّاد المقري، عن أبي سلمة الصائغ، عن عطية، عن أبي سعيد الخدرى سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول:«إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح مَنْ ركبها نجا ومَنْ تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل مَنْ دخله غُفر له» .

٤ - المعجم الأوسط - الطبراني ٢ / ٢٢٩: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمّد بن عباد بن موسى قال: حدّثنا أبو الجواب الأحوص بن جواب عن سليمان بن قرم، عن هارون بن سعد، عن عطية العوفي قال: سألت أبا سعيد الخدري مَنْ أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً؟ فعدّهم في يده خمسة؛ رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، قال أبو سعيد: في بيت أُمّ سلمة أُنزلت هذه الآية.


وسد الأبواب غير باب علي (عليه السّلام)، وحديث إعطاء النبي (صلّى الله عليه وآله) فدكاً، وروى خطبة الزهراء الفدكية(١) ، وروى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المهدي أنّه«رجل من أهل بيتي» (٢) . وغيرها.

لم يكتف عطية فيما يظهر من حياته بمجرّد الولاء النفسي والموقف الفكري، بل كان لديه رؤية واضحة في المجال السياسي، تجلّت في موقفه المضاد للحكم الأموي معتمداً على ما رواه من أصحاب رسول الله، عنه (صلّى الله عليه وآله):«إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلاً اتّخذوا دين الله دغلاً، وعباد الله خولاً، ومال الله دولاً...» (٣) .

وهو وإن لم يلحظ له ذكر في أيام الحسنين (عليهما السّلام) إلاّ ما يروى عن ذهابه مع شيخه جابر بن عبد الله إلى كربلاء يوم العشرين من صفر، وافتراقه عنه بعد ذلك كما يظهر من ذيل الرواية التي نقلها عماد الدين الطبري في كتابه (بشارة المصطفى)، إلاّ أنّنا نلاحظ له دوراً فيما بعد كربلاء؛ فقد شارك بدور فاعل في ثورة المختار الثقفي، وكان على رأس الجماعة الطليعيين والأقوياء الذين أرسلهم المختار إلى مكة المكرّمة لإنقاذ الهاشميين الذين سجنهم عبد الله بن الزبير بعد أن رفضوا مبايعته، وعزم على إحراقهم في خندق إن لم يستجيبوا لبيعته.

(... فقطع المختار بعثاً إلى مكة فانتدب منهم أربعة آلاف فعقد لأبي عبد الله الجدلي عليهم، وقال له: سر فإن وجدت بني هاشم في الحياة فكن

____________________

١ - بلاغات النساء - لابن طيفور.

٢ - كتاب الفتن - للمروزي.

٣ - البداية والنهاية - لابن كثير ١٠.


لهم أنت ومَنْ معك عضداً، وأنفذ لما أمروك به، وإن وجدت ابن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتّى تصل إلى ابن الزبير، ثمّ لا تدع من آل الزبير شفراً ولا ظفراً....

فسار القوم ومعهم السلاح حتّى أشرفوا على مكة، فجاء المستغيث أعجلوا فما أراكم تدركونهم، فقال الناس: لو أنّ أهل القوّة عجّلوا، فانتدب منهم ثمانمئة رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي حتّى دخلوا مكة فكبّروا تكبيرة سمعها ابن الزبير، فانطلق هارباً حتّى دخل دار الندوة، ويُقال: بل تعلّق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ الله!

قال عطية: ثمّ ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفيّة وأصحابهما في دور قد جمع لهم الحطب، فأحيط بهم حتّى بلغ رؤوس الجدر، لو أنّ ناراً تقع فيه ما رُئي منهم أحد حتّى تقوم الساعة، وعجّل علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ رجل فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه. وأقبل أصحاب ابن الزبير فكنّا صفّين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره، لا ننصرف إلاّ إلى صلاة حتّى أصبحنا،

وقدم أبو عبد الله الجدلي في الناس، فقلنا لابن عباس وابن الحنفيّة: ذرونا نريح الناس من ابن الزبير. فقالا: هذا بلد حرّمه الله، ما أحلّه لأحد إلاّ للنبي (عليه السّلام) ساعة ما أحلّه لأحد قبله، ولا يحلّه لأحد بعده...)(١) .

ولمّا عادت الأمور إلى سيطرة بني أُميّة، وعاث الحجّاج في الأرض فساداً يتطلّع إلى الرؤوس اليانعة، ويسكر بمنظر الدماء ترقرق بين العمائم واللحى، وضجّ الناس من عموم الظلم وشموله حتّى الذين كانوا محسوبين تاريخياً على بني أُميّة كبني الأشعث لم يتحملوا ذلك

____________________

١ - الطبقات الكبرى ٥.


المقدار؛ فكان أن أعلن عبد الرحمن بن الأشعث تمرّده على الحجّاج بعدما جمّرهم في البعوث، لا يهمّه غير الانتصار على عدوّه لجلب الغنائم، ولا يخسر شيئاً على التقديرين؛ فإن قُتل هؤلاء فقد استراح من همّ القلب، وإن قُتل اُولئك جاءت غنائمهم وجواريهم.

وكان عطية من جملة الثائرين. قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث على الحجّاج، فلمّا انهزم جيش ابن الأشعث هرب عطية إلى فارس، فكتب الحجّاج إلى محمّد بن القاسم: أن ادعُ عطية؛ فإن لعن علي بن أبي طالب وإلاّ فاضربه أربعمئة سوط، واحلق رأسه ولحيته. فدعاه فأقرأه كتاب الحجّاج، فأبى عطية أن يفعل، فضربه أربعمئة سوط، وحلق رأسه ولحيته، فلمّا ولي قتيبة خراسان خرج عطية إليه، فلم يزل بخراسان حتّى ولي عمر بن هبيرة العراق، فكتب إليه عطية يسأله الإذن له في القدوم، فأذن له، فقدم الكوفة، ولم يزل بها إلى أن توفي سنة إحدى عشرة ومئة، وكان ثقّة وله أحاديث صالحة.

وأمّا الإجابة على السؤال السابق فإنّه من التتبع للروايات التاريخية، وفي كتب الحديث يظهر أنّ هناك عدّة احتمالات في وقت فقدان جابر لبصره، ونحن نرجّح أنّه لم يكن كفيف البصر في يوم الأربعين.

الاحتمالات الموجودة

١ - إنّه كان كفيف البصر في يوم الأربعين (العشرين من صفر) سنة ٦١ هـ. وقد يُستفاد هذا من ظاهر رواية صاحب (بشارة المصطفى) كما في قوله: ألمسنيه (القبر)، وقوله فيما بعد: خذني نحو أبيات كوفان.

٢ - إنّه كان كفيف البصر يوم واقعة الحرّة كما يستفاد من رواية


البداية والنهاية(١) التي تنتهي إلى ابنيه.

٣ - إنّه كان كفيف البصر في زمان عبد الملك بن مروان (من سنة ٧٣ هـ - سنة ٨٦ هـ)، وبالتحديد في سنة خمس وسبعين عندما حجّ هذا وذهب إلى المدينة كما ذكره ابن سعد في الطبقات(٢) ، فقد صرّح فيه بأنّه

____________________

١ - البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٤٤: الدارقطني: ثنا علي بن أحمد بن القاسم، ثنا أبي، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري، عن محمّد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله قالا: خرجنا مع أبينا يوم الحرّة وقد كُفّ بصره فقال: تعس مَنْ أخاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! فقلنا: يا أبة، وهل أحد يُخيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقال: رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول:«مَنْ أخاف أهل هذا الحيّ من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين» ، ووضع يده على جبينه.

٢ - الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٥ / ٢٣١: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني بن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عوف بن الحارث قال: رأيت جابر بن عبد الله دخل على عبد الملك فرحّب به عبد الملك وقرّبه، فقال جابر: يا أمير المؤمنين، إنّ المدينة حيث ترى، وهي طيّبة سمّاها النبي (عليه السّلام)، وأهلها محصورون، فإن رأى أمير المؤمنين أن يصل أرحامهم، ويعرف حقّهم فعل.

قال: فكره ذلك عبد الملك وأعرض عنه، وجعل جابر يلحّ عليه حتّى أومأ قبيصة إلى ابنه وهو قائده، وكان جابر قد ذهب بصره أن أسكته. قال: فجعل ابنه يسكته. قال جابر: ويحك ما تصنع بي؟ قال: اسكت. فسكت جابر فلمّا خرج أخذ قبيصة بيده فقال: يا أبا عبد الله، إنّ هؤلاء القوم صاروا ملوكاً، فقال له جابر: أبلى الله بلاء حسناً؛ فإنّه لا عذر لك وصاحبك يسمع منك. قال: يسمع ولا يسمع. ما وافقه سمع، وقد أمر لك أمير المؤمنين بخمسة آلاف درهم فاستعن بها على زمانك، فقبضها جابر.

قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: أقام الحجّ سنة خمس وسبعين عبد الملك بن مروان ثمّ صدر فمرّ على المدينة فخطب الناس على المنبر، ثمّ أقام خطيباً له آخر وهو جالس على المنبر =


كان قد كُفّ بصره. وبعدها توفي كما عليه أكثر المؤرّخين في سنة ٧٨ هـ.

٤ - أن يكون قد كُفّ بصره قبل سنة (٧٤ هـ) وبعد سنة (٧١) هـ.

مناقشة الاحتمالات

أمّا الاحتمال الأوّل فلا مقتضي للالتزام به إلاّ ما يظهر من رواية (بشارة المصطفى) المتقدّمة من خلال كلمات (ألمسنيه - القبر - وقوله: خذني إلى أبيات كوفان)، وهذه لا صراحة فيها، بل لا ظهور في العمى؛ فإنّ الرجل الكبير مثل جابر في ذلك السنّ المتقدّم (حوالي ٨٢ سنة أو ٨٧ سنة)، (إذ أنّ عمره عندما توفي كان ٩٥ سنة) يحتاج إلى مساعدة شخص يكون معه، وهكذا ألمسه القبر، ثمّ أخذه إلى طريق كوفان دليلاً ومرافقاً. وربما يكون ذلك من أثر حالة الحزن الشديد والبكاء المتواصل التي اعترت جابراً إلى حدّ أنّه قد وقع مغشيّاً عليه على القبر لمّا لمسه.

بل في نفس الخبر الذي نقله صاحب (بشارة المصطفى) قرائن أُخرى تخالف هذه العبارات، مثل قول عطية، عن جابر: أنّه دنا من الفرات، ثمّ قوله: دنا من القبر، وهكذا قوله فيما بعد: ثمّ جال ببصره حول القبر. فكيف يجول ببصره وهو كفيف؟!

ولم يذكر في أيّ مصدر آخر من المصادر التي تعرّضت لحياة جابر على

____________________

= فتكلّم الخطيب، فكان ممّا تكلّم به يومئذ أن وقع بأهل المدينة، وذكر من خلافهم الطاعة، وسوء رأيهم في عبد الملك وأهل بيته، وما فعل أهل الحرّة، ثمّ قال: ما وجدت لكم يا أهل المدينة مثلاً إلاّ القرية التي ذكر الله في القرآن، فإنّ الله قال:(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) . فبرك بن عبد فقال للخطيب: كذبت، كذبت، لسنا كذلك! اقرأ الآية التي بعدها(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) ، وإنّا آمنا بالله ورسله.


نحو مستقل أو ضمناً، أي إشارة إلى كونه كفيف البصر في تلك المرحلة.

على أنّه مخالف لما اتّفق عليه الرجاليون والمؤرّخون من أنّ جابر بن عبد الله إنّما كُفّ بصره في أواخر عمره، وبعضهم يقول: آخر عمره، ولا يُقال لمَنْ كُفّ بصره قبل سبعة عشر سنة من وفاته: إنّه فقد بصره في أواخر عمره.

وهو يصطدم بما ذُكر في أكثر المصادر الشيعية، وبعض المصادر السنية، من لقائه بالإمام الباقر (عليه السّلام) في المدينة فيما بعد، ونظره إليه وتعرّف شمائل النبي (صلّى الله عليه وآله) فيه(١) .

____________________

١ - الكافي - الشيخ الكليني ١ / ٤٦٩. عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال:«إنّ جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر مَنْ بقي من أصحاب رسول الله، وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو معتجر بعمامة سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر، ولكنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إنّك ستدرك رجلاً منّي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً؛ فذاك الذي دعاني إلى ما أقول» .

قال:«فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مرّ بطريق في ذاك الطريق كتاب فيه محمّد بن علي فلمّا نظر إليه قال: يا غلام أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال: شمائل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والذي نفسي بيده. يا غلام ما اسمك؟ قال: اسمي محمّد بن علي بن الحسين، فأقبل عليه يقبّل رأسه ويقول: بأبي أنت وأُمّي، أبوك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يُقرئك السّلام ويقول ذلك» .

قال: «فرجع محمّد بن علي بن الحسين إلى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر، فقال له: يا بُني وقد فعلها جابر، قال: نعم. قال: إلزم بيتك يا بُني، فكان جابر يأتيه طرفي النهار، وكان أهل المدينة يقولون: وا عجباه لجابر! يأتي هذا الغلام طرفي النهار، وهو آخر مَنْ بقي من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلم يلبث =


الاحتمال الثاني: يلحق سابقه في الضعف، ولا دليل عليه سوى رواية محمّد وعبد الرحمن ابني جابر. وقد نقله في البداية والنهاية بإثبات (خرجنا مع أبينا يوم الحرّة وقد كُفّ بصره)،

بينما لم تكن هذه الجملة في رواية محمّد بن جابر بنفس النصّ التي رواها في كتاب الآحاد والمثاني، أي لم يكن في هذا الكتاب غير نصّ«مَنْ أخاف أهل هذا الحي من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين»، وضع يده على جبينيه.

إضافة إلى ما سبق ذكره في ردّ الاحتمال الأوّل.

الاحتمال الثالث وهو الذي نرجّحه: أنّ جابر بن عبد الله بعدما بقي في الكوفة لمدّة من الزمن عاد إلى المدينة كما ينصّ عليه المؤرّخون، وبقي فيها، وفي هذه الأثناء حدثت واقعة كربلاء، ولا نعرف شيئاً عن الأسباب التي منعت جابر عن الخروج من المدينة مع الحسين (وهي ليست بالضرورة العمى وفقدان البصر)؛ فإنّ الحسين (عليه السّلام) لم يدعُ كلّ مَنْ كان في المدينة للخروج معه بعد موت معاوية، وإنّما خرج مع أهل بيته من المدينة المنوّرة متّجهاً إلى مكة، والذين التحقوا به من غير أهل بيته إنّما التحقوا به من مكة المكرّمة، أو من الطريق، أو ممّن راسلهم في الكوفة أو البصرة.

____________________

=أن مضى علي بن الحسين (عليهما السّلام) فكان محمّد بن علي يأتيه على وجه الكرامة؛ لصحبته لرسول الله (صلّى الله عليه وآله») .

قال:«فجلس (عليه السّلام) يحدّثهم عن الله تبارك وتعالى، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً أجرأ من هذا، فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أكذب من هذا، يحدّثنا عمّن لم يره، فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن جابر بن عبد الله» .

قال:«فصدّقوه، وكان جابر بن عبد الله يأتيه فيتعلّم منه» .

وسند الرواية وإن كان فيه محمّد بن سنان وقد ضعف على المشهور، إلاّ أنّ المضمون لا ينحصر بهذه الرواية، ولا بسندها كما ذكر المولى المازندراني.


وبعد الواقعة قدم جابر بن عبد الله إلى كربلاء زائراً، فوافى هناك الركب الحسيني بما ذكرناه في الحديث عن اللقاء بين ركب السبايا وجابر (فراجعه في موضعه في القسم الأوّل).

ثمّ بعد أن عاد إلى الكوفة كرّ راجعاً إلى المدينة وبقي فيها، وتعرّض للأذى الشديد لاسيما في وقعة الحرّة، وفي زمان عبد الملك تعرّض لعَنَت الحجّاج الثقفي الذي ولي على المدينة سنة ٧٤ هـ، فقام يتتبّع أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالإهانة والإذلال حتّى لقد ختم عنق سهل بن سعد الساعدي، وختم كفّ جابر بن عبد الله الأنصاري كما ذكر الطبري.

في هذه الفترة، أي ما بين سنة (٧١ هـ وبين سنة ٧٤ هـ) كُفّ بصر جابر، وكان قد التقى بالإمام الباقر (عليه السّلام) قُبيل هذه الفترة، وقبل فقده البصر(١) .

تذييل في احتمالات كيفية اللقاء وصوره المختلفة

* يُحتمل أن يكون الإمام (عليه السّلام) قد جاء مع والده لزيارة جابر كما في تاريخ دمشق، وأنّه لم يبقَ جابر بعد ذلك اللقاء إلاّ بضعة عشر يوماً حتّى توفي. يضعف هذا أنّ في الرواية أنّ الباقر كان صبيّاً صغيراً، مع أنّه مع فرض ولادة الإمام الباقر في سنة ٥٨ هـ، ووفاة جابر سنة ٧٨ هـ يكون عمره حينئذ عشرين سنة ولا يمكن أن يُقال لمثله: (صبي صغير)، وحتى لو كانت وفاة جابر سنة ٧٤ هـ يكون عمر الباقر (عليه السّلام) ستة عشر

____________________

١ - هناك رواية نقلها العلاّمة المجلسي في البحار ٤٦، تفيد أنّه كُفّ بصره، ولكنّه رُدّ إليه كما أخبره النبي (صلّى الله عليه وآله)، فرأى الإمام الباقر (عليه السّلام)، لكنّ هذه الرواية التي نقلها عن أمالي الشيخ الطوسي غير معتبرة من ناحية السند.


عاماً، وكذلك لا يُقال: (صبي صغير) لمَنْ كان في مثل تلك السنّ.

* كما يُحتمل أن يكون اللقاء بين الإمام الباقر (عليه السّلام) وبين جابر قد حدث قبل سنة ٧٤ هـ (والتي هي سنة وفاته أيضاً على رأي جماعة من المؤرّخين، وإن كانت تضعف برواية أُخرى تفيد أنّ لقاءه بعبد الملك بن مروان سنة ٧٥ هـ).

فاللقاء تمّ بينه وبين الإمام حينما كان جابر مبصراً، وربما يكون في حدود سنة (٧٠ هـ) أو ما بعدها بقليل، وفيها مثلاً قد يكون جابر يجلس للحديث في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويتشوّق إلى أداء أمانة رسول الله، فيقول: يا باقر، ويا باقر... إلى آخر ما ذُكر في الأحاديث المختلفة، حتّى إذا التقاه وعرّفه رسالة جدّه وبلّغه سلامه، كان جابر يأتي الإمام الباقر (عليه السّلام)، ويتدارسان العلم النبوي، فربما تصوّر الناس أنّ الباقر يتعلّم منه، وإنّما كان يعلّمه كما في رواية أبان بن تغلب.

وهذا الاحتمال يمكن أن توفّق به سائر الروايات؛ سواء تلك التي قالت إنّه رآه في طريق فيه كتّاب، أو إنّه قال له: يا غلام، حيث يكون عمره في ذلك الوقت حوالي (١٣) سنة، أو غيرها كالتي ورد فيها أنّ جابر كان ينظر في الصحيفة التي كان فيها أسماء المعصومين (عليهم السّلام)، وكان الباقر يقرأ من حفظه، وجابر يتابعه بالنظر في الصحيفة فما خالف حرفاً.

سؤال حول موضوع الشعائر الحسينيّة العزائية، وبالذات حول التطبير، فقد كثر الكلام حوله بين مؤيد بقوّة، وبين محرّم له وناهٍ عنه يشنّع على مَنْ يقومون به، وأخذ الأمر بُعداً اجتماعياً ممّا يُخشى معه أن يتحوّل إلى صراع. فما هو الموقف الشرعي من ذلك؟ وما هي حقيقة الاختلاف بين المجوّزين والمانعين وكلّهم علماء أهل البيت (عليهم السّلام) وينتمون لمدرسة واحدة وفقه واحد؟

الجواب: يمكن أن نقسّم الشعائر العزائية الحسينيّة إلى قسمين:


القسم الأوّل: ما هو متسالم على مشروعيته، بل واستحبابه عند علماء الشيعة، ومن ذلك البكاء، واللطم على الصدور، وما شاكل.

والقسم الثاني: ما وقع فيه الاختلاف (مشروعية أو استحباباً)؛ سواء كان ذلك بالعنوان الأولي، أو العناوين الثانوية الطارئة. ومن ذلك التطبير (جرح الرأس بالسيف)، والضرب بالسلاسل وإدماء الظهر.

ولا يرتبط الأمر بوضع سياسي معاصر، كما قد يتصوّر البعض خطأ أنّه مَنْ يكون ضمن وضع سياسي معين ويؤيد تياراً خاصاً فإنّه سيلتزم بالمنع، بينما مَنْ يعارض ذلك التيار السياسي يلتزم بالجواز أو الاستحباب؛ وذلك أنّ الخلاف في هذه القضية عمره عشرات من السنين، قبل وجود الأوضاع السياسية المشار إليها.

كما إنّه لا يرتبط - بالضرورة - على الظاهر بالنهج الفكري، الذي رأى بعض تصنيف الفئات إليه، كما كُتب فيه بهذا الاتجاه، وصنّفوا على أساسه القائلين بالمنع من التطبير (والقسم الثاني عموماً) بأنّهم دعاة إصلاح، ورجال تغيير، وفكرهم ينتهي إلى إنهاض المجتمع الشيعي، بينما دعاة الاهتمام بهذا النوع من الشعائر، والقائلين باستحبابه هم رجعيّون في الفكر، وتقليديون في الممارسة، وليس لهم من الفكر المتطوّر نصيب.

أقول: لا يرتبط بذلك بالضرورة؛ فإنّنا وجدنا تداخلاً كبيراً في هذه المسألة، فإنّ شخصاً مثل المحقّق النائيني (أعلى الله مقامه)، مع ما هو عليه من الوعي السياسي حتّى عُدّ من أوائل الذين كانت لهم نظرية سياسية واقعية ناظرة إلى الأوضاع الحاضرة تجلّت في كتابه (تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة)، وله ممارسة سياسية متطوّرة، قال بالجواز والاستحباب.

ومثله الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء والذي كان يُعدّ من


المجدّدين في الفقه وغيره، (ولا مجال للحديث هنا عن التفاصيل)، أيضاً مع ما هو عليه من الإدارة الاجتماعية الحكيمة وبُعد النظر السياسي، فإنّه ذهب أيضاً إلى استحباب ذلك والحثّ عليه.

وقد أوردنا هذين المثالين للتأكيد على أنّ الأمر ليس ضمن معادلة الخطّ السياسي كما قد يتراءى بادئ النظر، وليس ضمن معادلة الواقع المعاش الحديث. هذا كلّه بالنظر إلى الحكم الأوّلي.

كما إنّه ليس أمراً حادثاً، ولا وليد اليوم، وإنّما كان محور نقاش، وربما صراع في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، والناظر إلى كتاب شعراء الغري (النجفيات) للشيخ علي الخاقاني، و (هكذا عرفتهم) للخليلي، وغيرها من الكتب التي أرّخت للفترة تلك من حياة الحوزة العلميّة في النجف يجد بشكل واضح أثر ذلك الاختلاف في الموقف بين فئات الحوزويين.

ولعلّ تلك الفترة نشطت فيها حركة التأليف في هذا المجال، واستصدار الفتاوى الموافقة أو المخالفة لكلّ فريق.

ونحن نقول هذا لكي لا يتصوّر الجيل الجديد أنّ المسألة حديثة الظهور فيظنّ الشباب - وهم من الطرفين غيورون على الدين - أنّ عليهم أن يواجهوا بعضهم؛ لأنّ الدين في خطر، فهذا الطرف المجوّز يُحارب الطرف المانع بكلّ ما أوتي من قوّة باعتباره ضدّ الشعائر، أو أنّه يريد هدم شعارات المذهب وتقويض أسس الطائفة، أو أنّ الطرف المانع يُحارب الطرف المجوّز باعتباره متآمراً مع الأجانب لتشويه صورة الدين، وأنّه داخل في مخطط لإلحاق الأذى بصورة المذهب النقية.

لا، ليس الأمر هكذا، وليست القضية وليدة اليوم، وإنّما هي منبعثة من خلال اختلاف طريقة الاستدلال والمقدّمات التي يمهّدها كلّ فريق


للنتيجة الخاصة به.

ونحن سوف نتعرّض إلى عرض إجمالي لأدلّة الطرفين بما يتناسب مع وضع هذا الكتاب، وبما يتناسب مع الفئة التي يوجّه لهم، وهي في الغالب الفئة الشابّة؛ بنين وبنات.

فمما استدل به المجوّزون:

١ - أصل الإباحة: فقد تقرر عندهم أنّ الأشياء على الإباحة، وأنّ«كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» ، وهذا الأصل وإن تعدّدت صيَغه، إلاّ أنّ نتيجته: أنّ ما لم يأتِ دليل على المنع منه من الله سبحانه، أو المبلّغين عنه (كالنبي والأوصياء (عليهم السّلام» فإنّه مباح. وممارسة العزاء بهذا النحو من الضرب والإدماء يُشكّ في تحريمها والأصل عدم التحريم.

قد يُقال: إنّه قد ورد النهي عن الإضرار بالنفس، وهذا من الإضرار بها، ومع وجود النهي لا مجال لتحكيم الأصل.

لكنّهم أجابوا: أنّ مطلق الإضرار بالنفس - ولو في مراتبه الدانية - لا دليل على حرمته، وخصوصاً لو كان فيه مصلحة عقلائية.

نعم، لو كان الضرر يُعدّ جناية على النفس بإتلافها، أو يُعدّ ظلماً لها، كما لو أدّى إلى نقص عضو، فهنا يكون حراماً. وهذا غير متحقّق في مظاهر الشعائر؛ فإنّهم يقومون بعملهم صباحاً وبعد الظهر يمارسون حياتهم العادية. بالإضافة إلى المصالح الدينية المترتّبة عليه ممّا هو واضح.

وواضح أنّ هذا المقدار من الاستدلال لا ينتج أكثر من الجواز والمشروعية، لا الاستحباب. لكنّهم يضيفون:

٢ - أنّ هذا العمل - مثل التطبير والإدماء - من مراتب الجزع الممنوع إلاّ في مورد الإمام الحسين (عليه السّلام) فإنّه غير ممنوع، بل مرغوب ومحبوب.

وقد ورد في الخبر بسند معتبر هو حسنة معاوية بن وهب(١) :«كلّ الجزع

____________________

١ - لجهة أبي محمّد الأنصاري فإنّه لم يوثّق بتوثيق خاص، لكن مدحه محمّد بن عبد الجبار في رواية في الكافي.


والبكاء مكروه إلاّ الجزع والبكاء على الحسين (عليه السّلام») .

٣ - إنّ هذه الشعائر بما فيها التطبير والإدماء، من مصاديق إحياء الأمر، وقد ورد في الروايات كثيراً التوجيه إلى إحياء أمرهم، ومن مصاديق تعظيم الشعائر( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) .

والشاهد على ذلك جريانها منذ فترات طويلة من الزمان بمسمع ومرأى من علماء الطائفة وأكابر المذهب، ولم يردعوا عنها أو يمنعوا منها، مع توفّر الدواعي للمنع، والقدرة عليه ولو في حدود الفتوى.

وبالتالي فإنّ هذا العمل وإن لم يأتِ على الفرض إمضاء خاص بشأنه، إلاّ أنّه مشمول للعمومات المرغّبة في تعظيم الشعائر وإحياء الأمر.

٤ - ويستشهدون - ولو على نحو التأييد - بما ورد في بعض الروايات التي لم تكن نقيّة السند، إلاّ أنّهم عملوا بها، كالخبر الذي نقله العلاّمة المجلسي في البحار(١) ، وفيه أنّ زينب نطحت جبينها بمقدّم المحمل، وكذلك

____________________

١ - قال العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار ٥٤ / ١١٤: رأيت في بعض الكتب المعتبرة روي مرسلاً عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الأمارة بالكوفة، فبينما أنا أُجصص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت: ما لي أرى الكوفة تضجّ؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد. فقلت: مَنْ هذا الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي (عليهما السّلام). قال: فتركت الخادم حتّى خرج ولطمت وجهي حتّى خشيت على عيني أن يذهب، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر، وأتيت إلى الكنّاس فبينما أنا واقف والناس يتوقعون =


____________________

= وصول السبايا والرؤوس، إذ قد أقبلت نحو أربعين شقّة تحمل على أربعين جملاً فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة (عليها السّلام)، وإذا بعلي بن الحسين (عليهما السّلام) على بعير بغير وطاء، وأوداجه تشخب دماً، وهو مع ذلك يبكي ويقول:

يا أُمّةَ السوءِ لا سقياً لربعكمُ

يا أُمّةً لم تراعِ جدّنا فينا

لو أننا ورسولُ اللهِ يجمعنا

يومَ القيامةِ ما كنتم تقولونا

تسيّرونا على الأقتابِ عارية

كأنّنا لم نشيّد فيكمُ دينا

بني أُميّة ما هذا الوقوف على

تلكَ المصائبِ لا تلبون داعينا

تصفّقون علينا كفكم فرحاً

وأنتمُ في فجاجِ الأرض تسبونا

أليسَ جدّي رسولُ اللهِ ويلكمُ

أهدى البريّةِ من سبلِ المضلّينا

يا وقعةَ الطفّ قد أورثتني حزناً

واللهُ يهتكُ أستارَ المسيئينا

قال: وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أُمّ كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة، إنّ الصدقة علينا حرام، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم، وترمي به إلى الأرض.

قال: كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم، ثمّ إنّ أُمّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم: صه يا أهل الكوفة، تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء. فبينما هي تخاطبهن إذا بضجّة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين (عليه السّلام)، وهو رأس زهري قمري، أشبه الخلق برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولحيته كسواد السبج قد انتصل منها الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع، والرمح تلعب بها يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتّى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها، وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول:

يا هلالاً لما استتم كمالا

غاله خسفُه فأبدا غروبا

ما توهّمتُ يا شقيقَ فؤادي

كان هذا مقدّراً مكتوبا

يا أخي فاطم الصغيرة كلّمـ

ـها فقد كاد قلبها أن يذوبا

أقول: أوّل ما في هذا الخبر أنّه من بعض الكتب (المعتبرة) عند العلاّمة المجلسي، ولم يعلم أي كتاب هو ولا مؤلّفه، وثاني ما فيه إرساله، وثالث ما فيه مجهولية =


ما ورد عنهم (عليهم السّلام) أنّه«على مثل الحسين فلتشق الجيوب، ولتخمش الوجوه، ولتلطم الخدود» (١) .

فإنّ لطم الخدود وإن لم يلزم منه الإدماء إلاّ أنّ خمش الوجوه لا ينفكّ عن الإدماء.

وما ورد في زيارة الناحية المنسوبة(٢) للإمام الحجّة (عجّل الله فرجه)«... ولأبكين عليك بدل الدموع

____________________

= مسلم الجصّاص، فليس له ذكر في كتب الرجال، ورابع ما فيه وجود الخلل في المتن فقد ذكر فيه أنّ زين العابدين (عليه السّلام) كانت أوداجه تشخب دماً، ولا يخفى ما فيه إلاّ أن يكون تعبيراً كنائياً، وكذلك لم يُعلم أنّ النساء سيّرّنَ إلى الكوفة على محامل وإنّما كنّ على جمال بغير غطاء ولا وطاء كما هو المعروف، وإن كانت هذه بدورها تحتاج إلى تحقيق.

وأيضاً هل كان على النساء أقنعة حتّى يخرج الدم من تحت القناع؟ إلاّ أن يُقال أنّهنّ في بداية دخولهنّ لم يكنّ عليهنّ أقنعة، ثمّ ناولتهنّ بعض الكوفيات أزراً ومقانع كما ورد في بعض المرويّات التاريخية. ثمّ أين كانت عن زينب (عليها السّلام) وصية الحسين:«إنّي أقسمت عليك فأبري قسمي، لا تشقي عليّ جيباً ولا تخمشي عليّ وجهاً» . كما نقلها في الإرشاد؟

هذا مع ملاحظة أنّهم يذكرون بأنّ رأس الحسين (عليه السّلام) قد سُيّر في نفس يوم العاشر مع خولي بن يزيد الأصبحي؛ ليبشّر ابن زياد بالنصر، ويُفترض أنّه في اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر موجود في قصر الأمارة عند ابن زياد، فكيف يُقال فإذا هم بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين؟

١ - ما وجدت في ما لدي من المصادر هذا النصّ. نعم، في الوسائل وغيره«فعلى مثل الحسين فليبك الباكون؛ فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام» .

وفي دعاء الندبه«فعلى الأطائب من أهل بيت محمّد وعلي (صلّى الله عليهما وآلهما) فليبك الباكون، وإيّاهم فليندب النادبون، ويضجّ الضاجون، ويعجّ العاجون، أين الحسن أين الحسين...» . وفي التهذيب توجد رواية«وعلى مثله تُلطم الخدود، وتُشق الجيوب...» من دون جملة تخمش الوجوه.

٢ - ذكرنا في القسم الأوّل من هذا الكتاب وجود رأيين حول الزيارة المذكورة، فليراجع.


دماً...» ، فإنّ ذلك من إدماء العين بالبكاء، ولو لم يكن كلّ ذلك راجحاً ومستحبّاً لما فعلته العالمة غير المعلّمة زينب، ولما تعهّد به الإمام المعصوم (عليهم السّلام).

وممّا استدل به المانعون:

١ - التشكيك في كون التطبير والإدماء من مصاديق الجزع، أو التألّم لما جرى على أهل البيت (عليهم السّلام) وبخاصة على الحسين (عليه السّلام). فالبكاء هو من مصاديق التألّم عرفاً، والضرب على الصدور كذلك، وأما الإدماء للجسد فليس كذلك. وحينئذ فلا يشمله ما دلّ على الترغيب في الحزن لأحزانهم، والتألّم لأجلهم.

٢ - إنّه لم يعهد من الأئمّة (عليهم السّلام)، ولا العصر القريب منهم إمضاء عام ولا خاص لهذا النوع من العزاء والممارسات.

٣ - الالتزام بأنّ مطلق الإضرار بالنفس حرام حتّى لو لم يؤدّ إلى التهلكة، أو للجناية على النفس بنقص العضو ونحوه، ويمثّلون بأنّه لو جئت بشفرة وجرحت نفسك ووضعت بعد ذلك دواءً ليندمل الجرح فحتى لو شفيت بعدئذ فهذا حرام؛ لأنّه تعريض النفس للضرر، والإضرار بالنفس ظلم للنفس، وظلم النفس محرّم( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) .

والإدماء هو من الإضرار بالنفس فلا يكون جائزاً.

وهنا يختلف المانعون؛ حيث إنّ بعضهم لا يلتزم بهذا المبنى؛ ولذا يجوّزون مثلاً الضرب بالسلاسل مع أنّ فيه إضراراً بالنفس في مرتبة من مراتب الضرر.

٤ - التوسّل بالعنوان الثانوي: وهو الوهن الوارد على المذهب على

____________________

١ - سورة النحل / ١١٨.


أثر هذه الممارسات، فهم يقولون أنّ أعداء المذهب اليوم يتربّصون به حتّى يُظهروه على غير حقيقته، وبروز هذه المظاهر والصور من التطبير والإدماء تُسبّب وهن المذهب، وتشويه صورته، وذلك غير جائز.

فحتى لو فرضنا جوازه بالعنوان الأولي فإنّه بالعنوان الثانوي لا يكون جائزاً؛ لما فيه من تشويه صورة المذهب، وتسبيب الوهن عليه.

تلك كانت خلاصة رأي الطرفين وما يمكن أن يستدلّ به لكلّ منهما بمقدار ما يحتمله وضع هذا الكتاب والفئة المخاطبة به.

نهاية المطاف:

قد عرفت ممّا سبق أنّ كلّ طائفة من العلماء تعتمد على توجيه معيّن، وتقريب خاص تصل من خلاله إلى نتيجة الجواز، بل الاستحباب، أو المنع وعدم الجواز، ولنا هنا عدّة نقاط، ربما مرّت الإشارة إلى بعضها:

أوّلها: إنّ التزام المؤمن بتقليد مَنْ يقول بالمنع والحرمة، ولو لأجل العنوان الثانوي الطارئ، يعني أن لا يقوم هو بتلك الأمور، لكن لا يعطيه حقّ أن يحارب مَنْ يقوم بها إذا كان له حجّة شرعية بتقليده مَنْ يقول بجوازها أو استحبابها.

كما إنّ التزام المكلّف بقول مرجعه القائل بالجواز أو الاستحباب لا يعني فرض ذلك عليه على نحو الوجوب، ولا يعني أيضاً إنّه هو الذي يدافع عن الأئمّة فقط، وهو وارث التشيّع دون سواه، وإنّ الآخرين ليسوا في خطّ أهل البيت (عليهم السّلام). وإنّه يجب بالتالي زيادة هذه الأمور نكاية بالفريق الأوّل.

ثانياً: إنّ شعائر الحسين (عليه السّلام) على اختلاف طرقها وأساليبها، يوجد بينها قاسم مشترك. والقاسم المشترك بينها كما يُفترض هو أن تساهم


في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السّلام)، وإن اختلف البعض في أنّ هذا يساهم أو لا يساهم في إحياء أمرهم، لكنّ غرضها الأقصى والقاسم المشترك بينها هو ذاك، فلا يصحّ أن يحوّلها أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) إلى ساحة معارك داخلية تنتهي إلى إضعاف أمر أهل البيت (عليهم السّلام).

وما نراه من حالات الهجوم والهجوم المضاد من قبل كلّ فئة للأخرى لا يحقّق سوى المزيد من الانتكاس لخطّ الأئمّة (عليهم السّلام)؛ ولذا فإنّ الأطراف المختلفة مدعوّة لملاحظة هذا الأمر.

إنّ الفئات الاجتماعية فيها من دواعي التفرّق والاختلاف ما يكفيها، فلا يصحّ أن نضيف سبباً جديداً هو ما يرتبط بالحسين (عليه السّلام)، والذي هو نور وهداية، فنحوّله بتخلّفنا وجهلنا إلى مصدر للفتنة والتناحر، كيف وقد ذكروا (عليهم السّلام) بأن«طاعتنا نظام للملّة، وإمامتنا أمان من الفرقة» .

ثالثاً: إنّه لا بدّ من التفريق بين الحكم الأوّلي، والذي لا يخضع لرأي الغير، ولا يؤثّر فيه الزمان ما دام الموضوع واحداً، وبين الحكم الثانوي الذي ينظر إلى الطوارئ والعناوين اللاحقة.

والمجوزون القائلون بالاستحباب أيضاً يقولون بأنّه لا يجوز لشخص القيام بهذا العمل لو كان بالنسبة له يؤدّي إلى ضرر لا يُتحمّل عادة.

وهكذا لو كانت الظروف المحيطة بالمجتمع، كما لو كان أقلّية شيعية في محيط معاد تنتج مشاكل حياتية صعبة، كالاحتراب الداخلي وغيره، وكانت تلك الشعائر فرضاً تسبّب في حدوث تلك المشاكل، فإنّه حتّى القائلين بالاستحباب لا يلتزمون به بالنظر إلى هذا العنوان الثانوي الطارئ، بالنسبة إلى ذلك المجتمع وفي تلك الفترة الزمنية.

وهكذا يُفترض أنّ القائلين بالحرمة على أساس أنّ هذه الممارسات تؤدّي إلى وهن المذهب والإزراء عليه، يربطون الحرمة من هذه الجهة


بتحقّق الوهن، فلو فرضنا في مكان أنّه لا يحصل وهن، بل تقوية فإنّه لا ينبغي أن يلتزموا بالتحريم من هذه الجهة مع فرض عدم الإضرار.

والاختلاف في تشخيص الأمور الخارجية أمر شائع، ولا يُفسد لا للود ولا في الدين قضية.

وهذا يعني أن يفكّر الشباب المؤمنون في مناطقنا (زادهم الله وعياً وحماساً) بأنّ القضية ليست على نحو الإطلاق بين حدّي التحريم والوجوب.

سؤال: هل كان الحسين ملاحقاً من أعوان يزيد واضطر أخيراً إلى خوض معركة أم كان ثائراً؟

الجواب: الناظر إلى مجمل حركة الإمام الحسين (عليه السّلام) يقطع بأنّه لم تكن تلك إلاّ ما عبّر عنه:«اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنازعاً في سلطان، ولا التماساً لشيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك، وتُقام المعطّلة من حدودك، فيأمن المظلومون في بلادك» .

وإنّه لم يكن (سلام الله عليه) إلاّ ثائراً آثر العزّ والشهادة على الذلّ والحياة الذميمة، فقال:«فليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً» . وأقسم أنّه لا يُعطي بيده إعطاء الذليل ولا يفرّ فرار العبيد.

بل إنّه رفض أن يتنكّب الطريق الأعظم من المدينة المنوّرة إلى مكة، مع أنّ البعض نصحوه بأن يفعل ذلك كما فعل ابن الزبير، فلم يقبل منهم.

وبعدها من مكة إلى كربلاء خرج جهاراً أمام الملأ، إلاّ حين كادت أن تحصل المواجهة بينه وبين الحرّ بن يزيد الرياحي، الذي اقترح عليه أن لا يدخل الكوفة؛ فسار على غير الجادة.

إنّ الملاحَق أو المنهزم لا يفوّت على نفسه فرصة النجاة لو حصلت،


بينما حصل للحسين (عليه السّلام)، وعُرض عليه العديد من فرص النجاة، وكان الحسين (عليه السّلام) لا يبحث عن فرصة لنجاته، وإنّما كان يريد إنقاذ الدين، وإحياء ما مات منه حتّى لو أدّى ذلك إلى أن يكون شهيداً في هذا الطريق.

فما رأى السبط للدين الحنيف شفا

إلاّ إذا دمُه في كربلا سُفكا

وهذا هو ما لم يفهمه بعض مَنْ عاصره؛ ولذلك طفقوا يقترحون عليه مرّة أن يعتصم بالبيت الحرام حتّى ينجو، فإنّه أعزّ واحد في الحرم، وأُخرى يُشار عليه بأن يذهب إلى اليمن؛ فإنّهم شيعة أبيه، وثالثة يشاور في أمر الذهاب إلى جبال آجا وسلمى، بل أشار عليه بعضهم بأن (أوَ لا تنزل على حكم بني عمّك؟ فإنّهم لن يُروك إلاّ ما تحبّ!).

وعرض عليه عمر بن سعد ذلك، ولكنّ الحسين (عليه السّلام) ما كان يبحث عن نجاته هو، وإنّما كان يبحث عن تحقيق هدفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

سؤال: ألا يخشى أن تؤدّي كثرة التدقيق في مسائل السيرة، ونفي بعضها إلى تقليل ولاء أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) والتأثير سلباً على الاعتقادات الأُخرى؛ فيكون فتح هذا الباب سيّئاً لأجل هذا الأثر السيئ؟

الجواب: نحن نعتقد خلاف ذلك؛ للأمور التالية:

١ - لأنّنا مأمورون بالمعرفة والوعي في كلّ قضايانا العقيدية، وقد رأينا أنّ الذين ساروا على غير بصيرة ومن دون معرفة كيف انتهى بهم الحال إلى مشاكل في الرؤية والعمل.

ومن ذلك ما يقوله أمير المؤمنين (عليه السّلام) في إحدى وصاياه لكميل بن


زياد:«يا كميل، ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة» .

ويحذّر المعصومون (عليهم السّلام) من السير دونما بصيرة؛ لأنّ ذلك إضافة إلى أنّه تبديد للجهد والطاقة، ولا يوصل المرء إلى الهدف إطلاقاً، بل يبعده عنه.

يقول الإمام الصادق (عليه السّلام):«العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق، فلا تزده سرعة السير إلاّ بُعداً» (١) .

ويجعل الإمام الصادق (عليه السّلام) مقياس التفاضل بين العاملَين؛ المعرفة، والبصيرة التي تجعل أعمال المؤمن ضمن الإطار الصحيح، فليست كثرة الصلاة والعبادة الخالية عن الوعي دليلاً على أفضلية المؤمن، إنّما البصيرة الرسالية التي تُعطي كلّ عمل أبعاده الكاملة في شخصية المؤمن.

فعن ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السّلام) قال:«بعضكم أكثر صلاة من بعض، وبعضكم أكثر حجّاً من بعض، وبعضكم أكثر صدقة، وبعضكم أكثر صياماً من بعض، وأفضلكم أفضل معرفة» .

٢ - نحن نعتقد أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين المعرفة العلميّة وبين قوّة الاعتقاد وديمومة الولاء؛ لأنّه يكون في هذه الحالة ثابتاً لا يتأثّر بعواصف التشكيك(٢) ، ولا بحملات الآخرين، وإنّما لسان حال المؤمن( هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ؛ لهذا كان إيمان العلماء بالغيب وما يرتبط به أقوى من إيمان غيرهم، وكان( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) .

____________________

١ - الأحاديث من تحف العقول.

٢ - للتفصيل يراجع كتاب التشكيك.. كيف واجهه أهل البيت.. للمؤلف.


٣ - بل هناك ارتباط بين مقدار الثواب والمنزلة الإلهية، وبين الوعي والمعرفة، فصلاة العالم العارف تختلف عن صلاة غيره(١) ، وزيارة المعصومين (عليهم السّلام) مطلوبة لكنّ زيارة الزائر إذا كان عارفاً بحقّهم أفضل.

ثمّ إنّنا نعتقد أنّ الكثير ممّا هو في السيرة ثابت ومحقّق، وينبغي الاعتناء به، ولكنّ هناك بعض القضايا ممّا لا تُعدّ من الأساسيات، لا ثبوت لها، وهذه لا يؤثّر قبولها وردّها كثيراً في ميزان الولاء والاعتقاد؛ حيث إنّها لا تتصل في الغالب بأمور عقيدية وإنّما هي تفاصيل في السيرة.

ولو كان المذكور صحيحاً، أنّ التحقيق والبحث والمعرفة تؤثّر سلباً على الولاء والاعتقاد السليم لرأينا أئمّتنا ينهون عن التعلّم والتعرّف، والحال أنّهم يأمرون به، ولرأينا علماءنا يجتنبونه والحال أنّهم يحقّقون فيه، بل بالعكس نعتقد أنّ الإنسان كلّما ازداد بصيرة، ازداد بمقدارها اعتقاداً وولاءً.

سؤال: هل كل الشيعة يحيون عاشوراء بنفس ترتيب الأيام المعروفة لدينا، مثل كون السابع خاصاً بالعباس، وهكذا؟ وكيف وضعت هذه الأيام، ومَنْ كان واضعها؟ وكيف كانوا يحيونها قبل هذا الترتيب؟

الجواب: لا يظهر في الروايات الواردة عن إحياء أهل البيت (عليهم السّلام) لهذه المناسبة توزيع أو ترتيب كالذي نراه اليوم؛ فإنّ الروايات تذكر

____________________

١ - في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السّلام):«مَنْ أتى الصلاة عارفاً بحقّها غفر له» . وفي الحديث عن الإمام الكاظم (عليه السّلام):«ما أتى الحسين آت عارفاً بحقّه إلاّ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» . يراجع ميزان الحكمة.


أنّهم (عليهم السّلام) كانت تظهر عليهم آثار الحزن من بداية اليوم الأوّل من محرّم، حتّى إذا كان يوم العاشر فهو يوم المصيبة الكبرى.

خصوصاً أنّ مَنْ يدخل عليهم من الشعراء كان ينعى الحسين (عليه السّلام)، وشهداء كربلاء، ويعطف أحياناً على ذكر نساء الحسين وقضية السبي، مع أنّه لم يأتِ حتّى ذلك الوقت يوم العاشر.

أمّا في العصور المتأخّرة، فما درج عليه هيكل المجلس الحسيني الأساسي في العشرة الأولى من شهر المحرّم من تسلسل، حيث يكون موضوع الخطيب في اليوم الأوّل كما هو عند الأغلب، أو الكثير الحديث عن هلال محرّم وما يصاحب ذلك من تداعي المعاني، وما يصاحب ذلك من حكايات، وما كان له من تأثير عند أئمّتنا الأطهار وشيعتهم، وأسلوب احتفالهم به وما كانوا يمارسونه من أنماط الحزن لذلك، هكذا هو اليوم الأوّل في الجملة.

وفي اليوم الثاني يتناول الخطيب فضل البكاء على ما جرى من فواجع في واقعة الطفّ، ومشروعية هذا البكاء والتماس الأدلّة على ذلك، وما يترتّب من الأجر والثواب للباكي التقليدي، أو الوفاء للباكي الواعي الذي يبكي لمجرّد الانفعال لمأساة عظيم كالحسين (عليه السّلام) ظلمته أمّته، يستعمل الخطيب عادة بعض مقاطع باللغتين الدارجة والعربية والمشحونة والمكهربة عاطفياً لاستدرار الدمع.

أمّا اليوم الثالث فغالباً ما يتناول خروج الحسين (عليه السّلام) من المدينة المنوّرة، وما أحاط به من أجزاء تصوّر المشهد من وداع لقبر جدّه (صلّى الله عليه وآله)، وقبر أمّه (عليها السّلام)، ووداع أهله وكيفيّة موكبه، وما رافق ذلك من مناظر مفجعة للوداع(١) .

____________________

١ - هناك شيء من الاختلاف في الأيام الأولى، وحيث إنّ الترتيب هذا لم يكن =


ويتناول في اليوم الرابع مسير الحسين (عليه السّلام) ومروره بالمنازل، والتقائه ببعض أهلها، ولقاء الحرّ معه وما دار بينهما من مطارحات وما حدث من أعمال، وينتهي غالباً إلى حدّ نزول الحسين (عليه السّلام) بكربلاء.

ويتخصّص اليوم الخامس لسيرة مسلم بن عقيل (عليه السّلام) ومكانته، وسرّ اختيار الحسين (عليه السّلام) له ليكون رسوله إلى الكوفة إلى مصرعه ومصرع ناصره هاني بن عروة، والأحداث التي ارتبطت بذلك اليوم.

في اليوم السادس من محرّم تُتلى سير شهداء الطفّ من أنصار الحسين (عليه السّلام)، مثل حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وزهير بن القين وغيرهم، ودراسة أحوالهم ومكانتهم وما أعدّ الله تعالى لهم.

واليوم السابع يخصّص للعباس بن علي وإخوته أبناء أمّ البنين (عليهم السّلام)، وما له ولهم من صفات من حيث النسب والمكانة، ومؤهّلاته البطولية والإيمانيّة إلخ إلى مصارعهم.

واليوم الثامن للقاسم بن الحسن (عليه السّلام) الشهيد الصبي، الذي تمتزج ذكراه بما رافقها من آفاق عاطفية، زوّجته وصنعت له عرساً نثاره من النبل، وخضابه من الدم، وحلّته من نسيج امتزج فيه غبار المعركة بلون الدم،

____________________

= من خلال نصّ شرعي، أو سيرة مثلاً، وإنّما جرى الاعتياد عليه في العصور المتأخّرة؛ لذلك يحصل الاختلاف بعض الشيء، ففي بعض دول الخليج يتمّ في الليلة الثانية الحديث - في جهة المصيبة - عن الخروج من المدينة، وفي الثالثة عن الخروج من مكة، وفي الرابعة عن مسلم بن عقيل، وفي الخامسة عن نزول كربلاء، وفي ليلة العاشر يقرأ البعض المصرع - إن لم يكن مجلس صباحي -. ولا يخفى أنّ هذا الالتزام قائم بالنسبة للمصيبة والرثاء دون المواضيع والمضمون، فقد تتعدد المواضيع ولا ترتبط من البداية بالمصيبة التي ستقرأ في الأخير، والكلام في المتن إنّما هو حكاية ما هو سائد غالباً في المنابر التقليدية.


ولهيب الجرح لينزفّ بعد ذلك محمولاً على صدر الحسين (عليه السّلام) إلى خيمة جمعته مع والدته بين دموع الأهل وحسرات الأُمّهات.

أمّا ليلة التاسع فهي ويومها لعليّ الأكبر بن الحسين (عليه السّلام)، أوّل قتيل من الهاشميين وحالات الحسين (عليه السّلام) عند مصرعه، وما يرتبط بذلك من شؤون الآباء مع الأبناء، وتشير إلى المشاهد التي تلهبها الأجواء العاطفية، ويعمّقها الخيال حتّى الشهادة.

أمّا ليلة العاشر فهي مخصّصة للإعداد للمعركة وذكر ما جرى فيها من عبادة ووداع، واستعداد للشهادة والحالة النفسية للعائلة وهي تتوقّع المجزرة صباحاً وفراق أهلها وأحبّتها. وختام ذلك كلّه أحداث صبيحة العاشر التي منها قراءة ما يُسمّى بالمقتل، حيث تُستعرض كلّ ملابسات واقعة الطفّ، والإعداد لها ابتداء من طلب البيعة من الحسين ليزيد، والامتناع والمسير إلى كربلاء، مروراً بمكة المكرّمة والمنازل، ونزولاً بكربلاء، واستعراضنا لكلّ الأحداث بما فيها القتال إلى أن ينتهي الأمر إلى مصرع الحسين (عليه السّلام).

وسواء كان هذا الترتيب تعيّنياً(١) وهو الأقرب أم تعيينياً، فهو على

____________________

١ - التعيني والتعييني مصطلحان اُصوليان، يبحث عنهما في العلاقة والارتباط الحاصل بين اللفظ والمعنى. فمثلاً: كلمة (كتاب) تحمل معنى هذه الأوراق المجموعة على نحو خاص، ويتبادر إلى الذهن عندما تُطلق الكلمة ذلك المعنى، فمن أين حصل هذا الارتباط بين المعنى الذي سبق إلى الذهن وبين ذلك اللفظ؟

قال بعض بالوضع التعييني، أي إنّ واضع اللغة - على اختلاف المسالك في هوية الواضع - قد عيّن ووضع هذا اللفظ بإزاء ذلك المعنى، بأن يقول: وضعت لفظ (كتاب) في هذا المعنى المعين.

والثاني وهو الوضع التعيّني، بأن يكثر استعمال اللفظ في معنى بحيث لا يحتاج إلى تعيين الواضع، ولا يحتاج انسباق المعنى إلى قرينة. وقد استفاد المؤلّف من هذين الاصطلاحين في هذا المورد.


الإجمال وصف للهيكل التقليدي للمجلس الحسيني عند الكثير(١) .

وهذا الهيكل يظهر أنّه هو القائم في العراق، ومحيطها الشيعي المتأثّر بها مثل دول الخليج، وليس معلوماً أنّه نفس الترتيب الموجود في إيران، أو الهند وباكستان.

سؤال: ألا تعتقدون أنّ كثيراً من المواكب العزائية لا تنتج شيئاً، فما أن ينتهي موسم المحرّم حتّى يعود كلّ شيء إلى مكانه، وتُنسى الشعارات التي رُفعت أيام المحرّم، بل إنّ بعض مَنْ يعزّون لا يطبّقون أهداف الحسين (عليه السّلام) ولا ينسجمون معها؟

الجواب: مجرّد أنّ الشعارات التي رُفعت أيام محرّم تُنسى، أو أنّ بعض المعزّين لا يطبّقون أهداف الحسين (عليه السّلام)، لا يضرّ بموقع المواكب العزائية، ولا يدفع للاستغناء عنها؛ فإنّنا نجد أنّ القرآن الكريم وهو كتاب الله المنزل الذي لو أُنزل( عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ، ومع ذلك فإنّه لا يؤثّر في حياة كلّ المسلمين، بمعنى أنّك تجد العديد من المسلمين وهم غير متأثّرين بثقافة القرآن وأخلاقه وتعاليمه، فهل يعني ذلك عدم فائدة القرآن؟ أو الاستغناء عنه؟

وأنت ترى أنّ الرسول الأعظم محمّداً (صلّى الله عليه وآله) وهو مَنْ هو في الفصاحة والبلاغة، وقوّة التأثير لكنّ بعض مَنْ عاصره واستمع اليه مباشرة لم يتأثّر بأقواله، فهل يعني ذلك عدم الفائدة من حديث النبي (صلّى الله عليه وآله)؟

إنّ من المهمّ أن يكون لدى المجتمع مؤسسات دينية، ومظاهر إسلاميّة

____________________

١ - تجاربي مع المنبر - للوائلي / ٥٧.


وشعائرية حتّى تحافظ على الصورة الإسلاميّة العامّة، وتكون مقصداً لمَنْ يريد الاهتداء إلى التعاليم الإلهية، هذا ما يحتاجه كلّ جيل.

كما إنّه ليس من الصحيح أن نطلب من الموكب العزائي أكثر من طاقته، فالموكب العزائي يقوم بدور الشحن العاطفي، وتهيئة النفوس لتقبّل التوجيه الفكري، ويصنع انتماء على مستوى العاطفة بين المعزّي والمعزّى به، أمّا أن نفترض أنّه محلول كيماوي يدخله المعزّي وهو مذنب أو غير واعٍ فيخرج من الطرف الآخر بعد ساعة وقد تغيّر كلّياً! هذا ممّا لا يتوقّع أصلاً، والبحث عنه بحث عن السراب.

إنّ علينا أن نشجّع المواكب العزائية بكافة أشكالها، ونحاول أن نقوّي فيها المضمون العاطفي والولائي لأهل البيت (عليهم السّلام)، وأيضاً أن يتمّ توجيهها توجيها سليماً من خلال إشراف الهادفين والواعين على تسييرها، واختيار الكلمات المناسبة فيها.

لقد رأينا أنّ بعض ما يُقال من قصائد، و (رداديات) تصنع من الانتماء وتشجّع الفرد على الالتزام بالقيم الدينية، أكثر ممّا تصنعه محاضرات متعدّدة، لاسيما في فئة الشباب.

وبناءً عليه، نحن نعتقد أنّ المواكب العزائية تصنع الكثير، الكثير، ووجود بعض المشاركين ممّن لا يتأثّرون بعد الموكب، أو ممّن لم يكونوا على خطّ الانسجام مع الهدف الحسيني قبل الموكب لا يمنع من حصول الفوائد الكثيرة للمجتمع، ولا بدّ من تقوية هذه المواكب كمّاً ونوعاً.


سؤال: هل خرجت زينب (عليها السّلام) بعد مصرع الحسين (عليه السّلام) عصراً، أو إنّها خرجت في الليل فقط كما يرى ذلك بعض خطباء المنبر؛ فإنّنا نجد مَنْ يقول بالأوّل ومنهم بالثاني؟

الجواب: سوف ننقل ما ذكره المؤرّخون من خروج زينب بشكل عام، ومن خلاله سيتم الإجابة:

فقد ذكر المؤرّخون أنّ زينب (عليها السّلام) خرجت في المواضع التالية خارج(١) المخيّم:

١ - خروج زينب عندما قُتل علي الأكبر (عليه السّلام).

فقد ذكر الطبري في تأريخه نقلاً عن أبي مخنف، ينهيه إلى حميد بن مسلم قال: سماع أذني يومئذ من الحسين يقول:«قتل الله قوماً قتلوك يا بُني، ما أجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفاء» .

قال: وكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنّها الشمس الطالعة، تنادى: يا أُخيّاه! ويابن أخاه!

قال: فسألت عنها، فقيل: هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فجاءت حتّى أكبت عليه، فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال:«احملوا أخاكم» . فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه(٢) .

____________________

١ - من خلال هذا أيضاً سوف يتأيّد ما سبق أن ذُكر في القسم الأوّل من هذا الكتاب في إجابة على سؤال (ناشرات الشعور)، وأنّ أحد الاحتمالات فيه هو أنّهنّ لم يخرجنَ خارج المخيّم، وإنّما خرجنَ من خدورهنّ في داخل حدود المخيّم.

٢ - الطبري ٤ / ٣٤٠.


٢ - خروج زينب عندما أرادت أن تُرجع الغلام عن عمّه.

وهذه الحادثة قد رويت في كلمات المؤرّخين بأكثر من نحو، فمن بعضها يُستفاد أنّ الحسين (عليه السّلام) كان يُقاتل وخرج في هذه الأثناء عبد الله بن الحسن المجتبى (عليه السّلام)، بينما يُستفاد من بعضها الآخر أنّ الحسين كان قد وقع صريعاً على الأرض ولا يستطيع القتال،

وقد أحاط به القوم لكنّهم كانوا يتهيّبون قتله، فانفلت في هذا الحال عبد الله منطلقاً إلى عمّه للدفاع عنه، فنادى الحسين (عليه السّلام) أُخته زينب أن تمسكه وتحبسه، فلم يقبل، وتخلّص منها وجاء إلى عمّه، فدفع عن عمّه ضربة سيف قام بها بحر بن كعب، واتّقاها الغلام بيده فإذا يده معلّقة بجلدة، فضمّه الحسين (عليه السّلام) إلى صدره.

٣ - خروجها (عليه السّلام) ومخاطبتها لعمر بن سعد.

ولعلّ هذا الخروج هو نفس السابق ولكن في مشهدين، نُقلا مقطّعين، فقد ذكر الطبري عمّن حضر المعركة قوله: فوالله، ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً منه، ولا أجرأ مقدماً! والله، ما رأيت قبله ولا بعده مثله! إن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب.

قال: فوالله إنّه لكذلك، إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أُخته، وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الأرض، وقد دنا عمر بن سعد من حسين، فقالت: يا عمر بن سعد، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!

قال: فكأنّي أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته. قال: وصرف بوجهه عنها(١) . ثمّ نادى شمر: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟...إلخ.

____________________

١ - الطبري ٤ / ٣٤٥.


وهذه الموارد الثلاثة يظهر منها أنّ خروج العقيلة زينب (عليها السّلام) كان قبل مقتله (سلام الله عليه).

٤ - ما يُستفاد من زيارة الناحية المقدّسة:«... حتّى نكسوك عن جوادك، فهويت إلى الأرض جريحاً، تطؤوك الخيول بحوافرها، وتعلوك الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينك، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك، تدير طرفاً خفيّاً إلى رحلك وبيتك، وقد شُغلت بنفسك عن ولدك وأهلك، وأسرع فرسك شارداً، وإلى خيامك قاصداً، محمحماً باكياً. فلمّا رأينَ النساء جوادك مخزيّاً، ونظرنَ سرجك عليه ملويّاَ، برزنَ من الخدور، ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، وبالعويل داعيات، وبعد العزّ مذلّلات، وإلى مصرعك مبادرات، والشمر جالس على صدرك، مولع سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنّده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورفع على القنا رأسك...» . فإنّ فيه تصريحاً بخروج النساء ولا شك في كون زينب معهنّ.

لكن لا صراحة في هذه الكلمات بأنّ الخروج كان بعد المصرع، فقد يمكن فهم هذا النص(١) على أنّهنّ خرجنَ حالة كون الشمر جالساً على صدر الحسين (عليه السّلام)، وذبحه له، واستمر ذلك إلى ما بعد الذبح، فيكون الخروج مترافقاً مع الذبح، ومستمراً إلى ما بعده.

وقد يُفهم على أنّ النصّ ينقل صوراً مختلفة من الواقعة، فيكون ذبح الشمر للحسين (عليه السّلام)، وما ذُكر في النصّ معطوفاً على الصورة الأولى، وهي صورة خروج النساء، كما إنّ الخروج بتلك الصورة لم يكن حالة ذبح الحسين (عليه السّلام).

____________________

١ - قد سبق الحديث عن القيمة التاريخية لزيارة الناحية من حيث كونها كلام المعصوم أو لا.


والشاهد عليه أنّه بعد ذلك قال:«... وسبي أهلك كالعبيد، وصُفدوا في الحديد، فوق أقتاب المطيّات، تلفح وجوههم حرّ الهاجرات، يُساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يُطاف بهم في الأسواق...» .

وعلى أيّ حال، فإن فُهم من النصّ السابق أنّ خروج النساء كان في حالة ذبح الحسين (عليه السّلام)، واستمر لما بعده، فإنّه شاهد على خروجهنّ بُعيد المصرع وعدم انتظارهنّ إلى الليل.

٥ - ما يُنقل عن كتاب الطراز المذهّب (ولا يوجد عندي)، من أنّ زينب (عليها السّلام) خرجت إلى حيث صُرع أخوها الحسين (عليه السّلام)، فقالت: اللّهمّ تقبّل هذا القليل من القربان.

وقد نقل تلك العبارة عنه الحجّة الشيخ فرج العمران (رحمه الله) في كتابه (وفاة السيدة زينب)، قال: فمن عجيب صبرها وإخلاصها وثباتها، ما نقله في (الطراز المذهّب) أنّها (سلام الله عليها وعلى أبيها وأُمّها وأخويها) لمّا وقفت على جسد أخيها الحسين (عليه السّلام) قالت: اللّهمّ تقبّل منّا هذا القليل من القربان.

قال: فقارنت أُمّها في الكرامات والصبر في النوائب، بحيث حرقت العادات، ولحقت بالمعجزات. قال المؤلف النقدي(١) (أعلى الله مقامه): فهذه الكلمات من هذه الحرّة الطاهرة، في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة، التي كانت فيها تكشف لنا قوّة إيمانها، ورسوخ عقيدتها، وفنائها في جنب الله تعالى، وغير ذلك ممّا لا يخفى على المتأمّل.

ولا يُعلم بدقة، هل كان هذا الوقوف عند الجسد بعد المقتل مباشرة، أو

____________________

١ - ذكر المرحوم الشيخ فرج بأنّه انتخب (وفاة) العقيلة زينب من كتاب زينب الكبرى للمحقّق الشيخ جعفر النقدي (رحمه الله).


أنّه كان في الليل؟ بل ذهب بعضهم إلى أنّ هذا الكلام إنّما تمّ في اليوم الحادي عشر، كما يرى الشيخ الحائري في كتابه (شجرة طوبى)، وكما يظهر من صاحب كتاب (قصة كربلاء)(١) .

فلم يظهر أنّ هناك دليلاً وثيقاً يُعتمد عليه في تحديد وقت الخروج، وأنّه كان الليل أو النهار. لكن لو أُريد التقريب ببعض الاعتبارات فإنّه يُستقرب أنّ الخروج كان ليلاً. وذلك باعتبار أنّ الواقعة قد انتهت بحسب الأخبار في وقت العصر.

ولمّا ذُبح الحسين (عليه السّلام) غارت الخيل على مخيّم الحسين وبدأ السلب والنهب، ثمّ تمّ حرق المخيّم، وانتشرت النساء والأطفال في الصحراء خوفاً من النار، ومن هجمة الخيل، وبدأت زينب تجمع النساء والأطفال، وتُدافع عنهنّ من السلب والتعدّي.

ويُفترض أنّ هذه الحالة قد امتدت إلى زمن ليس بالقصير، فيبعد والحال هذه أن تترك زينب هذا الجمع من المذعورات والثكالى؛ لكي تذهب إلى جسد الحسين (عليه السّلام) مناجية له.

وأكثر بُعداً من ذلك أن تكون قد ذهبت بالنساء والأطفال إليه، مع كثرة العدد وتفرّقهم، وحالة الرعب والخوف الحادثة على أثر الهجوم العسكري.

نعم، يُمكن ذلك بعد استقرار الأمور وإرخاء الليل سدوله الساترة،

____________________

١ - ذكره ناقلاً إيّاه عن كتاب المناقب - لابن شهرآشوب، والكتاب المطبوع ليس عندي، ولكنّ الكتاب الموجود في شريط (المعجم الفقهي) لا يحتوي على تلك الجملة، كما إنّ صياغة النصّ في قصة كربلاء (ثمّ وقفت على جسده الشريف بخشوع وتأمّل، وبسطت يديها تحت الجثمان المقدّس...) لا ينسجم مع طريقة التعبير السائدة في زمان ابن شهرآشوب، ويظهر أنّ هناك اشتباهاً في الإرجاع كما هو متعدّد في الكتاب لمَنْ يلاحظ.


أن تخرج زينب، وربما معها غيرها إلى جسد الحسين (عليه السّلام). خصوصاً مع ملاحظة انستارها في ذهابها ومجيئها ليلاً دون النهار الفاضح والكاشف.

لكن يبقى كلّ هذا في مستوى الاستقراب، ولا يرقى إلى كونه دليلاً. خصوصاً لو قُرئ نص الزيارة بنحو يُفهم منه أنّهنّ خرجنَ في حال ذبح الحسين (عليه السّلام)، واستمرار ذلك إلى ما بعد المقتل. وأيضاً مع فرض أنّ الزيارة نصّ صادر عن المعصوم.

سؤال: هل قُتل الحسين (عليه السّلام) بأمر يزيد، أو إنّ ابن زياد تصرّف من قبل نفسه؛ فإنّنا قد نقرأ في بعض الكتب أنّ يزيد لم يكن راضياً بقتله، وإنّما كان ابن زياد هو الذي تعجّل عليه؟

الجواب: في الواقع هو مأزق المؤرّخ الرسمي الممالئ، والذي لا يستطيع أن يواجه الواقع بصراحته فيظلّ يدور حول القضية من غير هُدى ولا بصيرة، ويتأوّل في غير مجال التأويل. فهو تارة يقول إنّ يزيد مجتهد ولكنّه مخطئ في اجتهاده، وأخرى يحاول أن ينفي هذه المسألة، ويُلقي بمسؤولية ما حدث على أهل الكوفة، وثالثة قد يكون أكثر (صفاقة ووقاحة) فيُلقي بالمسؤولية على الحسين (عليه السّلام)؛ باعتبار أنّه جاء (وأمر الأُمّة جميع) ففرّقها، بينما كان يزيد داعي الوحدة والصلاح! وبالتالي فقد قُتل الحسين (عليه السّلام) بسيف سلّه جدّه الرسول!

بل الأظرف من ذلك أنّهم في بعض الأحيان يلقون بمسؤولية قتل الحسين وأصحاب الحسين على الله سبحانه! فالله هو الذي قتل علي بن الحسين كما قال ابن زياد عندما دخلوا عليه وسأل عن اسم زين العابدين، فقيل له: هذا علي بن الحسين. قال: أليس الله قد قتل علي بن الحسين؟

فالمسألة إذن أنّ الله هو القاتل! وهو المسؤول عن تلك الجريمة!


ولعلّ أوضح مَنْ يترجم لنا عن هذا المنطق المعوجّ كلمات ابن كثير الدمشقي في كتابه (البداية والنهاية)؛ فإنّه في ترجمة مَنْ سمّاه (أمير المؤمنين يزيد بن معاوية) قال في تحليل مقتل الحسين (عليه السّلام):

وقد تأوّل عليه مَنْ قتله أنّه جاء ليفرّق كلمة المسلمين بعد اجتماعها، وليخلع مَنْ بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعّد عليه، وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأوّلوا عليه وقتلوه، ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدّم ذكرها، فإذا ذمّت طائفة من الجبّارين تذمّ الأُمّة كلّها بكمالها، ونتّهم على نبيّها (صلّى الله عليه وآله)، فليس الأمر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمّة قديماً وحديثاً كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبّحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة. فلمّا علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا، وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثمّ قتلوه. وليس كلّ ذلك الجيش كان راضياً بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك، والله أعلم، ولا كرهه،

والذي يكاد يغلب على الظنّ أنّ يزيد لو قدر عليه قبل أن يُقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرّح هو به مخبراً عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه، ولا أرسل يعيب عليه ذلك، والله أعلم(١) .

____________________

١ - البداية والنهاية ٨ / ٢٢٠.


فالقضية عنده أنّ قوماً تأوّلوا على الحسين (عليه السّلام)، واجتهدوا في أنّه أراد أن يفرّق كلمة الأُمّة ويخلع مَنْ بايعوه، واجتمعوا عليه! ثمّ إنّ الذين قتلوه هم شرذمة من أهل الكوفة! فأمّا يزيد فلم يقتل، ولم يكن راضياً أيضاً!

والحقيقة أنّ يزيد ككثير من السياسيين لهم نوعان من الكلام:

- ما يعبر عن معتقداتهم الحقيقية وخططهم الواقعية، وهذا قد يظهر أحياناً بشكل مختصر إذا كان يخالف الرأي العام، ولكنّه هو المعبّر عن بواطن هؤلاء الأشخاص، ويلاحظ أنّه هو ينسجم تماماً مع طريقة حياتهم وتوجهاتهم العملية.

- وهناك كلام للاستهلاك المحلّي والتسويق بحسب الظروف المحيطة، وهذا عادة ما يكون كثيراً وغير منسجم مع الأعمال الحقيقية التي يقومون بها.

والمؤرّخون الرسميون يحاولون قدر الإمكان النظر إلى النوع الثاني، ويجعلونه هو الواجهة، وهو الكلّ في الكلّ، لكنّهم سرعان ما يرتطمون بالوقائع المخالفة لتلك الكلمات، فيظلّون يدورون ويلفوّن، ولا يستطيعون حتّى إقناع أنفسهم فضلاً عن غيرهم.

ومن ذلك ما نُقل عن يزيد أنّه ما أمر بقتل الحسين (عليه السّلام)، ولا رضي بذلك، وأنّه لو كان بين ابن زياد وبين الحسين الرحم الذي بين يزيد وبين الحسين لما فعل به ما فعل! أو أنّه سمح بإقامة العزاء على الحسين في الشام بعد وصول النساء والسبايا!

وهذا الكلام كلّه علف للاستهلاك اليومي يُلقى لمَنْ يأكل! وحقيقة الأمر هو أنّ يزيد الذي عبّر عنه الحسين (عليه السّلام) بأنه:«وعلى الإسلام السّلام إذا بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد» كان منذ اليوم الأوّل قد عقد العزم على إنهاء وجود الإمام الحسين (عليه السّلام) لو لم يُبايع.


وعبيد الله بن زياد وإن كان شخصاً فاتكاً لا يعرف للدين وأهله إلاّ ولا ذمّة؛ ولذا اختاره يزيد لهذه المهمّة، وجمع له الكوفة إضافة إلى البصرة، إلاّ أنّه لم يكن سوى آلة وأداة تنفّذ ما يُطلب منها، بل إنّه لو تأخّر عن تلك المهمّة لما حصل إلاّ على العقوبة(١) ،

وكان قد خُيّر من يزيد بين موته وموت الحسين (عليه السّلام)، ولما أنجز تلك المهمّة استحق التكريم والثناء والشكر(٢) . لا مجرد الرضا عمّا قام به.

وأمّا شذرات الكلام المتناثرة التي سجّلها التاريخ من يزيد، والتي

____________________

١ - لمّا اضطربت الأمور على عبيد الله بن زياد بعد هلاك يزيد، وأبى أهل البصرة طاعته، هرب منها متّجهاً إلى الشام.

يقول مسافر بن شريح اليشكري، الذي رافقه في المسير: بعد أن سكت ابن زياد في الطريق طويلاً، قلت في نفسي: لئن كان نائماً لأنغصن عليه نومه. فدنوت وقلت له: أنائم أنت؟ قال: لا، إنّما كنت أُحدّث نفسي. قلت: أفلا أُحدّثك بما كنت تُحدّث به نفسك؟ قال: هات. قلت: كنت تقول ليتني لم أقتل حسيناً! قال: وماذا؟ قلت: تقول ليتني لم أكن قتلت مَنْ قتلت. فأجابه ابن زياد: أمّا قتلي الحسين فإنّه أشار إليّ يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله... إلى آخر حديثه الذي نقله ابن الأثير في الكامل ٤ / ١٤٠.

٢ - استدعى يزيد واليه ابن زياد بعد مقتل الحسين (عليه السّلام) كاتباً إليه: أمّا بعد، فإنّك قد ارتفعت إلى غاية أنت فيها، كما قال الأوّل:

رُفعتَ فجاوزتَ السماء وفوقه

فما لك إلاّ مرتقى الشمس مقعدُ

فإذا وقفت على كتابي فاقدم عليّ لأُجازيك على ما فعلت.... فلمّا جاء عنده أجلسه إلى جانبه، وشربا وهو يقول للساقي:

اسقني شربةً تروّي مشاشي

ثمّ مل فاسقِ مثلها ابن زيادِ

صاحب السرّ والأمانةِ عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

نقل ذلك صاحب كتاب (قصة كربلاء) عن (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان)، كما ذكر بعضه المسعودي في (مروج الذهب).


كانت تنسجم تماماً مع طريقة حياته وأعماله، قوله وقد جلس على منظر مشرف من قصره، فجاء في تلك الفترة ركب السبايا فقال:

لما بدت تلكَ الحمولُ وأشرقت

تلكَ الشموسُ على رُبى جيرونِ

نعبَ الغرابُ فقلتُ صح أو لا تصح

فلقد قضيتُ من النبي ديوني(١)

وتمثّله بأبيات ابن الزبعرى:

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشلْ

لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزلْ(٢)

لكنّه لما تغيّر الرأي العام، واستعظم جريمة الاُمويّين في حقّ الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته، وبدأت بوادر النقمة تظهر للعلن، آنئذ بدأ يتنصّل يزيد من المسؤولية ويُلقي بها على ابن زياد، وإلاّ فإنّه كما يقول الطبري: (لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين وأصحابه، وأرسل برؤوسهم إلى يزيد سُرّ بقتلهم، وحسنت منزلة ابن زياد عنده، ثمّ لم يلبث إلاّ قليلاً حتّى أظهر الندم).

وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء: (فسُرّ بقتلهم أوّلاً، ثمّ ندم لما مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحقّ لهم أن يبغضوه).

سؤال: لماذا لم نجد عدداً من الصحابة المخلصين مع الحسين (عليه السّلام) مثل: جابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفيّة، وعبد الله بن جعفر، وابن عباس، وغيرهم؟

الجواب: إذا كان المقصود أن يستدلّ على عدم صوابية خروج الحسين (عليه السّلام) وثورته بعدم خروج اُولئك الصحابة معه، فهذا يذكّرنا بحوار أبان بن تغلب مع بعضهم، فعن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: كنّا في مجلس

____________________

١ - جواهر المطالب - لابن الدمشقي الشافعي ٢.

٢ - الطبري ٨.


أبان بن تغلب فجاء شاب فقال: يا أبا سعيد، أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب (عليه السّلام) من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله)؟

فقال له أبان: كأنّك تريد أن تعرف فضل علي (عليه السّلام) بمَنْ تبعه من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟!

فقال الرجل: هو ذاك.

فقال أبان: والله ما عرفنا فضلهم إلاّ باتّباعهم إيّاه(١) .

وأمّا بالنسبة إلى الحادثة التاريخية، فالذي يظهر أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لم يدعُ إلى الخروج معه من أوّل الأمر في المدينة، وإنّما دعا أهل بيته وبعض بني هاشم، وكانوا خارجين في وجهة أمرهم تلك إلى المدينة؛ ولذا فإنّ عدداً كبيراً من الناس لم يدعهم الحسين (عليه السّلام) إلى نصرته مع التقائه بهم ورؤيتهم له خارجاً من المدينة، خصوصاً أنّ خروج الإمام (عليه السّلام) من المدينة كان أمراً سريعاً.

فبعد أن حصلت المواجهة الكلامية ليلاً في قصر الإمارة عند الوليد بن عتبة بين الإمام الحسين (عليه السّلام) وبين مروان بن الحكم، وأعلن الإمام موقفه الصريح، لم يلبث إلاّ إلى نهار اليوم التالي حتّى كان في طريق الخروج من المدينة إلى مكة، وهذا بلا شكّ لم يكن ليتيح له فرصة كافية للدعوة إلى النصرة بنحو عام(٢) .

بل إنّنا نجد أنّه حتّى حين خروج الحسين (عليه السّلام) من مكة وقد تلاحقت الأحداث بنحو أكثر ممّا كانت في المدينة، لم يدعُ الإمام كلّ مَنْ لقيه

____________________

١ - رجال النجاشي في ترجمة أبان بن تغلب.

٢ - ذكر المحقّق المقرّم (رحمه الله) في كتابه (مقتل الحسين) أنّ الحسين (عليه السّلام) دعا عبد الله بن عمر لمّا جاءه مودّعاً حين خروجه من المدينة، وقال له:«اتقِ الله يا أبا عبد الرحمن، ولا تدعنَّ نصرتي» . ولكنّ الصحيح أنّ هذا الحوار لم يجرِ في المدينة، وإنّما حين عزم الحسين (عليه السّلام) على الخروج من مكة إلى العراق.


لنصرته وللالتحاق به.

وربما كان بعضهم لم يربطوا بين خروجه وبين ضرورة نصرتهم إيّاه، فقد مرّ عليه الفرزدق في التنعيم وسأله عن الناس هناك، وغادره الفرزدق ولا يظهر في الحوار بينهما أثر لدعوة الحسين (عليه السّلام) إيّاه، ولا في فهمه للزوم نصر الحسين (عليه السّلام).

وهكذا بشر بن غالب الذي قيل إنّه سأل الحسين (عليه السّلام) عن قول الله( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) . نعم، في بعض الروايات نُقل أنّه دعا مثل عبد الله بن عمر فقال له في حواره إيّاه:«فاتقِ الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنَّ نصرتي...» .

ومثل عبيد الله بن الحرّ الجعفي الذي قال له في جملة كلام:«... وأنت يابن الحرّ، فاعلم أنّ الله (عزّ وجلّ) مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذنوب، وأدعوك إلى نصرتنا أهل البيت؛ فإن أُعطينا حقّنا حمدنا الله على ذلك وقبلناه، وإن مُنعنا حقّنا وركبنا بالظلم كنت من أعواني على طلب الحقّ» .

وهكذا يظهر أنّ دعوة الإمام الحسين (عليه السّلام) العامّة مقرونة بتوضيح أنّه ليس ذاهباً لأجل الغنائم، وإنّما للموت الذي«خط على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة...» ، فمَنْ كان يتوسّم فيه بحسب حكم الظاهر حرصه على السعادة والشهادة كان يدعوه. تلك الدعوة إنّما كانت بعد أن عزم على الخروج من مكة، وتواصلت عند توقّفه في منازل الطريق.

وبلغت ذروتها بالوصول إلى كربلاء، فكان يدعو الآخرين إلى نصرته، أو لا أقلّ الابتعاد عن الواقعة لو لم ينصروه؛ فإنّهم لو تركوا نصرته وهو يواجه القتل مع كونه الإمام المفروض طاعته على الناس من يترك ذلك«أكبّه الله على منخريه في نار جهنم» كما قال (عليه السّلام).

ثمّ إنّ بعض هؤلاء كانوا قد أبدوا صفحة عذرهم، فقد اعتذر مثلاً


صوحان بن صعصعة بن صوحان العبدي بزمانة (مرض مزمن مقعد) رجليه، وذلك عندما رجع الإمام زين العابدين إلى المدينة مع عيال أبيه.

وقد قيل بالنسبة إلى محمّد بن الحنفيّة أنّه كان قد أبقاه الحسين (عليه السّلام) ليكتب له ما يكون من أمر الحجاز، كما أنّه قيل أنّه أيضاً كان قد أُصيب في بدنه بحيث لم يكن يستطيع القتال. وابن عباس كُفّ بصره في أواخر عمره، ولعلّه كان كذلك حين خرج الإمام إلى العراق.

سؤال عن حميد بن مسلم. مَنْ هو، وما قيمة رواياته التاريخية؛ فإنّنا نرى الكثير يعتمد عليه في سرد قضايا كربلاء؟ ألا يخلّ كونه في معسكر بني أُميّة بعدالته، وبالتالي يفسد الاعتماد على رواياته؟

الجواب: حميد بن مسلم الأزدي شهد معركة كربلاء مع جيش عمر بن سعد، وكان يقوم فيها بما يشبه دور المؤرّخ أو المراسل الصحفي في هذه الأيام.

بعد معركة كربلاء كان مع التوّابين وخرج معهم، ولم يؤثر عنه موقف قتالي مهم، ثمّ عاد مع العائدين بعد أن حلّ الظلام، واستشهد أكثر التوّابين. ظلّ مدّة يتردد مع إبراهيم بن مالك الأشتر - القائد العسكري للمختار - على المختار، ثمّ لم يلبث المختار أن أرسل إليه وإلى ثلاثة أشخاص آخرين؛ لكي يؤتى بالأربعة في ضمن حملته على قتلة الحسين وأصحابه، فأُتي بالثلاثة الآخرين بينما استطاع حميد بن مسلم الفرار(١) .

____________________

١ - قال: جاءنا السائب بن مالك الأشعري في خيل المختار فخرجت نحو عبد =


وبقي إلى أيام سيطرة عبد الملك بن مروان على الحكم بعدما قُتل المختار على يد أتباع مصعب بن الزبير، وهُزم آل الزبير بيد أتباع الاُمويّين، حيث نلاحظ له قصيدة رثاء في حقّ عبد الرحمن بن مخنف (الأزدي) الذي قُتل وهو من قادة الحجّاج الثقفي في معركة مع الخوارج في حوالي سنة ٧٥ هـ. وبعد هذه الأحداث لم يُعرف خبره.

تتبّع رواياته بحسب تاريخ الطبري:

قبل أن ننقل رواياته نسجّل بعض النقاط العامّة:

الأولى: يظهر من روايته خبر إرسال عبيد الله بن زياد شمر بن ذي الجوشن، ومعه كتاب تصعيد الحصار على الحسين (عليه السّلام)، أنّ حميد بن مسلم لم يكن موجوداً في كربلاء قبل يوم التاسع(١) .

____________________

= القيس، وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في أثرى، وشغلوا بالاحتباس عليهما عنّي فنجوت وأخذوهما، ثمّ مضوا بهما حتّى مرّوا على منزل رجل يُقال له عبد الله بن وهب بن عمرو ابن عمّ أعشى همدان من بني عبد، فأخذوه فانتهوا بهم إلى المختار فأمر بهم فقتلوا في السوق، فهؤلاء ثلاثة، فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم:

ألم ترني على دهشٍ

نجوت ولم أكد أنجو

رجاء الله أنقذني

ولم أكُ غيره أرجو

عن الطبري ٤ / ٥٣٠.

١ - قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم قال: ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذى الجوشن، فقال له: اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلماً، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه. الطبري ٤. =


وبناءً عليه فيكون ما يروى عنه قبل هذا اليوم من أحداث كربلاء؛ سواء في مسير الحسين، أو نزول كربلاء غير تامٍ لو كان يسنده إلى مشاهدته، أو أن يكون روايته لِما جرى بين ابن زياد وشمر مرسلاً، بينما ظاهره أنّه يعلم به مباشرة.

ويظهر بعد ذلك روايته مفصّلة لأحداث كربلاء، مثل تحرّك الجيش بعد وصول شمر بالرسالة. ويُحتمل أن يكون حميد بن مسلم ممّن ورد إلى كربلاء مع شمر بناءً على هذا.

الثانية: أنّ عدد روايات حميد بن مسلم بالنسبة لمجموع روايات المقتل وما يرتبط به يعتبر قليلاً نسبيّاً؛ سواء من الناحية العددية أو الزمنية. فمثلاً: ما ذكره الطبري من روايات المقتل وأطرافه عن أبي مخنف يُقارب المئة رواية، نصيب حميد بن مسلم فيها هو العُشر فقط.

وهذا يُلقي بضوء على ما تصوّره بعضهم من أنّ المقتل مروي في أكثره كما قالوا عن طريق حميد بن مسلم، وقد كان في الطرف الآخر، فكيف له بأن يعرف ما يجري فيه؟ هذا إضافة إلى كونه معادياً، ومحارباً

____________________

= هذا ولكن يظهر من رواية أُخرى نقلها الطبري أيضاً، أنّ مجيء الكتاب المذكور لعمر كان يوم السابع فهو ينقل عن أبي مخنف، قال: حدثنى سليمان بن أبى راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي قال: جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد. أمّا بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صُنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان.

قال: فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج على خمسمئة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث.

ويُحتمل أن يكون ذيل هذه الرواية غير تام؛ فإنّه من المعروف بين المؤرّخين أنّ الرسالة وصلت يوم التاسع بعد الظهر.


لأهل البيت فكيف يُعتمد عليه؟

ونحن وإن أجبنا على سؤال بهذا المضمون في القسم الأوّل، وقد تسلّمنا هناك فرضاً أنّه من الرواة الأساسيين في الواقعة، إلاّ أنّنا هنا مع الملاحظة المذكورة نرى أنّ نصيبه من روايات المقتل هو بهذا المقدار المذكور، أي عشرة في المئة فقط.

ومن الناحية الزمنية فقد سبق أن ذكرنا أنّه من المفروض أنّ حميداً لم يكن قبل التاسع من المحرّم موجوداً في كربلاء، فلا يستطيع أن يروي مباشرة ما الذي حدث قبل ذلك اليوم، ودائرة (تغطيته العلميّة المباشرة) تبدأ من اليوم التاسع وتمرّ بالعاشر إلى العصر، ثمّ إلى الكوفة لتنتهي ربما في اليوم الثالث عشر أو الرابع عشر. ولا تشمل ما بعد الكوفة، ولا الشام فضلاً عن العودة منها إلى كربلاء والمدينة.

الثالثة: إنّ روايات كربلاء فيما يرتبط منها بالمخيّم الحسيني، وما كان يدور فيه لا نجد فيها لحميد بن مسلم أثراً وهو واضح، بل لو نقل أحد رواية بهذا المعنى فلا بدّ من النظر إليها بعين الشك، إن كان ينقلها مباشرة؛ وذلك لأنّه كان في المعسكر الآخر، وإنّما كانت تلك الروايات كما يلحظ المتتبع لروايات أبي مخنف المنقولة في الطبري مرويّة عن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) بواسطة، أو عن الضحّاك المشرقي، أو عقبة بن سمعان، أو عن مَنْ نجا من الواقعة حيّاً.

تتبّع روايات حميد:

١ - ما سبق أن ذكر آنفاً.

روايته لخبر إرسال عبيد الله بن زياد رسالة بيد الشمر لعمر بن سعد، ووصول هذا يوم التاسع.

٢ - روايته خبر تحرّك الجيش على أثر الرسالة المذكورة.

قال: وزحف عمر بن سعد نحوهم، ثمّ نادى: يا زويد أدن رايتك. قال: فأدناها ثمّ وضع


سهمه في كبد قوسه ثمّ رمى، فقال: اشهدوا أنّي أوّل مَنْ رمى(١) .

٣ - روايته لمصرع علي الأكبر (عليه السّلام).

قال أبو مخنف: حدّثنى سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي قال: سماع أذني يومئذ من الحسين يقول:«قتل الله قوماً قتلوك يا بُني، ما أجرأهم على الرحمان، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفاء» .

قال: وكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنّها الشمس الطالعة تنادي: يا أُخيّاه، ويابن أخاه. قال: فسألت عليها، فقيل: هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فجاءت حتّى أكبت عليه، فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه وأقبل فتيانه إليه فقال:«احملوا أخاكم» . فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يُقاتلون أمامه.

٤ - روايته مقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، وعون عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب.

٥ - روايته مقتل القاسم بن الحسن، قال: خرج إلينا غلام كأنّ وجهه شقّة قمر، في يده السيف، عليه قميص وإزار، و[ في قدميه ] نعلان، قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنّها اليسرى، فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدنّ عليه. فقلت له: سبحان الله! وما تريد إلى ذلك؛ يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه؟!

قال: فقال: والله لأشدنّ عليه. فشدّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، فقال: يا عمّاه!

قال: فجلى الحسين كما يجلي الصقر، ثمّ شدّ شدّة ليث أُغضب؛ فضرب عمراً بالسيف فاتّقاه بالساعد فأطنها من لدن المرفق، فصاح ثمّ تنحّى

____________________

١ - وما بعدها من الروايات عن الطبري ٤ / ٣٢٦ - ٣٥٠.


عنه، وحملت خيل لأهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من حسين فاستقبلت عمراً بصدورها، فحرّكت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه، فتوطأته حتّى مات، وانجلت الغبرة فإذا أنا بالحسين قائم على رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه، وحسين يقول:«بعداً لقوم قتلوك! ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدّك» . ثمّ قال:«عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك! صوت والله كثر واتره، وقل ناصره» .

ثمّ احتمله، فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع حسين صدره على صدره.

قال: فقلت في نفسي: ما يصنع به؟ فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين وقتلى قد قُتلت حوله من أهله بيته، فسألت عن الغلام، فقيل: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

٦ - روايته مصرع الحسين (عليه السّلام) وسقوطه من ظهر فرسه، واللحظات الأخيرة من حياته.

ومكث الحسين طويلاً من النهار كلّما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه، وكره أن يتولّى قتله، وعظيم إثمه عليه. قال: وأنّ رجلاً من كندة يُقال له مالك بن النسير من بني بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف، وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه، فأدمى رأسه فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين:«لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين» . انتهى.

وبحسب قرب الرجل من المصرع، فقد استطاع أن ينقل تفاصيل أكثر عن الحسين (عليه السّلام) في تلك اللحظات(١) .

____________________

١ - عن حميد بن مسلم قال: كانت عليه جبّة من خزّ، وكان معتمّاً، وكان مخضوباً بالوسمة. قال: وسمعته يقول قبل أن يُقتل، وهو يُقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع، يتّقى الرمية، ويفترص العورة، ويشدّ على الخيل، وهو يقول:«أعلى قتلي تحاثون؟ أما والله، لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله الله أسخط عليكم لقتله منّي. =


٧ - رواية المآثر والمواقف (الجيدة) لنفسه.

روى حميد بعض الحوادث ممّا يحسب له كمآثر؛ ولذا يمكن التأمّل قبل قبولها، فمن جهة يُقرّب احتمال قبولها باعتبار أنّ تلك المواقف تستدعي الحالة الإنسانيّة بغضّ النظر عن موقفه السياسي والديني، خصوصاً مع ملاحظة أنّ بعض مَنْ جاء إلى المعركة في الطرف الأموي لم يكن مؤمناً بها؛ ولذا فإنّه لو استطاع في بعض المواقف التي تملي عليه فطرته الإنسانيّة موقفاً صحيحاً فليس ذلك بالغريب، بل هو مقتضى الفطرة.

وقد يُوجَّه ردّها بأنّ أحداً لم يرويها غيره، وأنّ هذا من باب أنّه (يجر النار إلى قرصه) خصوصاً بعد أن تكشّفت المعركة عن الفجائع والمأساة، وصار الجو العام معادياً للاُمويّين وللقتلة، ولا سيما حين بدأ دور الاقتصاص منهم أيام المختار، فكان من الطبيعي هنا أن ينكر البعض دوره السلبي، ويصطنع له دوراً إيجابياً؛ دفاعاً عن نفسه،

____________________

=وأيم الله إنّي لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله، أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم، ثمّ لا يرضى لكم حتّى يضاعف لكم العذاب الأليم» .

قال: ولقد مكث طويلاً من النهار، ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنّهم كان يتّقي بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء. قال: فنادى شمر في الناس، ويحكم! ماذا تنظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم.

قال: فحُمل عليه من كلّ جانب، فضُربت كفّه اليسرى ضربة ضربها زرعة بن شريك التميمي، وضُرب على عاتقه، ثمّ انصرفوا وهو ينوء ويكبو. قال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع، ثمّ قال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتزّ رأسه، فأراد أن يفعل فضعف فأرعد، فقال له سنان بن أنس: فتّ الله عضديك، وأبان يديك، فنزل إليه فذبحه واحتزّ رأسه، ثمّ دُفع إلى خولي بن يزيد، وقد ضُرب قبل ذلك بالسيوف. الطبري ٤ / ٣٤٦.


واكتساباً لحظوة ضمن الوضع الجديد.

وعلى أيّ من التقديرين، فقد نقل الطبري عنه أنّه لمّا حاول شمر بن ذي الجوشن أن يقوّض مخيّم الحسين (عليه السّلام) بإشعال الحريق فيه قبل المصرع، جاء إليه حميد بن مسلم وتكلّم معه في ذلك:

قال أبو مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان الله! إنّ هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين؛ تعذّب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء؟ والله، إنّ في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك!

فقال: مَنْ أنت؟ قال: قلت: لا أُخبرك مَنْ أنا. قال: وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرّني عند السلطان. قال: فجاءه رجل كان أطوع له منّي شبث بن ربعي فقال: ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك، ولا موقفاً أقبح من موقفك، أمرعباً للنساء صرت؟! قال: فأشهد أنّه استحيا فذهب لينصرف.

ويروي هو بنفسه أيضاً عن محاولته لثني عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي (وحميد كان أزدياً أيضاً) عن الهجوم على القاسم بن الحسن وقتله، فيقول: خرج إلينا غلام كأنّ وجهه شقّة قمر، في يده السيف، عليه قميص وإزار، و[ في قدميه ] نعلان، قد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنّها اليسرى، فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدنّ عليه. فقلت له: سبحان الله! وما تريد إلى ذلك؟ يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم(١) . قال: فقال: والله لأشدنّ عليه، فشدّ عليه، فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف فوقع الغلام لوجهه(٢) .

____________________

١ - حال الرجل في متن فرسه، أي وثب عليه، عن معجم مقاييس اللغة.

٢ - الطبري ٤ / ٣٤١.


وهناك رواية أُخرى يأتي بها في سياق مآثره، وهي بالتالي خاضعة لما تقدّم ذكره، وهي دوره كما نقل في التأثير على شمر بن ذي الجوشن لإقناعه بترك قتل الإمام السجّاد (عليه السّلام) بعد مصرع الحسين (عليه السّلام)، فعنه قال: انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الأصغر، وهو منبسط على فراش له وهو مريض، وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجّالة معه يقولون: ألا نقتل هذا؟

قال: فقلت: سبحان الله! أنقتل الصبيان؟ إنّما هذا صبي. قال: فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كلّ مَنْ جاء حتّى جاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلنّ بيت هؤلاء النسوة أحد، ولا يعرضنّ لهذا الغلام المريض، ومَنْ أخذ من متاعهم شيئاً فليردّه عليهم. قال: فوالله ما ردّ أحد شيئاً. قال: فقال علي بن الحسين:«جُزيت من رجلٍ خيراً، فوالله لقد دفع الله عنّي بمقالتك شرّاً» (١) .

٨ - روايته للحدث في اليوم الحادي عشر [في] الكوفة حينما نقل ما جرى بين زيد بن أرقم وبين عبيد الله بن زياد، ووضعه الرأس بين يديه. وذلك أنّ عمر بن سعد قد أرسل حميد بن مسلم لإخبار أهله بسلامة ابن سعد، قال: دعاني عمر بن سعد فسرّحني إلى أهله لأبشّرهم(٢) بفتح الله عليه وبعافيته، فأقبلت حتّى أتيت أهله فأعلمتهم

____________________

١ - الطبري ٤ / ٣٤٧، وقد احتمل بعض المؤرّخين أن يكون المختار قد عفا عن حميد بن مسلم، بينما انتقم من قتلة الحسين (عليه السّلام) فيما بعد في الكوفة، واحتملوا أنّه لأجل كونه قد دفع القتل عن السجّاد، ولكن هذا غير تامّ؛ فإنّ المختار كما سيأتي قد طلب حميد بن مسلم، ولكنّه فرّ. على أنّ هذا النصّ الذي يذكره فيه نقاش، بأنّه كيف يكون الإمام السجّاد (عليه السّلام) في ذلك الوقت وعمره ٢٢ سنة (ولد سنة ٣٨ هـ)، وكان له حينذاك ولد هو الباقر وعمره قرابة ثلاث سنين، فكيف يكون والحال هذه صبيّاً؟

٢ - بعض الروايات التاريخية فيها أنّ عمر بن سعد قد أرسل خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم، ومعهما رأس الحسين (عليه السّلام) ليخبرا ابن زياد بالنصر والفتح، ولا نعلم هل كانت المهمّة مشتركة أو أنّ خولي ذهب بالرأس بينما ذهب حميد إلى أهل عمر بن سعد.


ذلك، ثمّ أقبلت حتّى أُدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم، وأذن للناس فدخلت فيمَنْ دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة، فلمّا رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب، قال له: اعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين؛ فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على هاتين الشفتين يقبّلهما، ثم انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك! فوالله، لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.

٩- ثمّ أخيراً روايته لخبر دخول السبايا على ابن زياد، وحواره مع زين العابدين (عليه السّلام). قال: إنّي لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين، فقال له: ما اسمك؟

قال:«أنا علي بن الحسين» .

قال: أوَ لم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت. فقال له ابن زياد: ما لك لا تتكلّم؟

قال:«قد كان لي أخ يُقال له أيضاً علي فقتله الناس» .

قال: إنّ الله قد قتله.

قال: فسكت علي، فقال له: ما لك لا تتكلّم؟

قال:( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) .

محاولة ترسيم لشخصية حميد بن مسلم:

١ - يظهر من التتبّع العام لشخصية حميد بن مسلم أنّه ليس رجل موقف بحيث يلتزم به فيحامي عنه، ويضحّي من أجله، فهو مثلاً يشهد كربلاء ولا يُقاتل في أيّ من الصفين، ولا يؤثر عنه فعل، لا في هذا الجانب ولا في ذاك، ثمّ يكون مع التوّابين الذين ثاروا ضدّ بني أُميّة، وحاولوا التكفير عن خذلانهم، مع أنّ هؤلاء لم تتح لهم فرصة القتال


مع الحسين (عليه السّلام)؛ لكون عدد منهم مسجونين، أو ممّن لم يستطيعوا الخروج من الكوفة(١) ، بينما كان هذا الرجل موجوداً في المعركة، وشهد تحوّل عدد من أنصار بني أُميّة إلى المعسكر الحسيني، فلم يكن هناك شيء ليمنعه لو كان صاحب موقف.

ثمّ إنّه حتّى وهو يعدّ نفسه من الشيعة الذين خرجوا مع التوّابين، لم يعرف عنه أي موقف حتّى برواية نفسه فضلاً عن غيره. فها هو يتحدّث عن تحرّك التوّابين في أيامه الأولى(٢) :

قال: والله، إنّي لشاهد بهذا اليوم، يوم ولّوا سليمان بن صرد، وإنّا يومئذ لأكثر من مئة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره، فتكلّم سليمان بن صرد فشدّد، وما زال يردّد ذلك القول في كلّ جمعة حتّى حفظته، بدأ فقال: أُثني على الله خيراً، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسوله. أمّا بعد، فإنّي والله لخائف ألاّ يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزيّة، وشمل فيه الجور أولى الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنّا كنّا نمدّ أعناقنا إلى قدوم

____________________

١ - لمّا سيطر عبيد الله بن زياد على الكوفة اتّخذ مجموعة إجراءات، وفرض نظاماً أشبه بالأحكام العسكرية وحالة الطوارئ، فسجن عدداً من زعماء الكوفة، وطلب عدداً آخر ممّا دعاهم إلى الاختفاء، وفرض المسالح (الدوريات العسكرية) على بوابات الكوفة، حتّى أنّ عامر بن أبي سلامة الدلاني لم يستطع الخروج من الكوفة إلاّ بعد قتال زجر بن قيس الذي كان موكّلاً بإحدى بوابات الكوفة؛ لمنع خروج الخارج ودخول الداخل، فقاتله إلى أن استطاع التخلّص منه ووصل إلى كربلاء (ورد اسمه في الشهداء في الزيارة باسم عمّار بن أبي سلامة الهمداني).

٢ - الطبري ٤ / ٤٢٨.


آل نبيّنا، ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلمّا قدموا ونينا وعجزنا، وأدهنا وتربّصنا وانتظرنا ما يكون، حتّى قُتل فينا ولدينا ولد نبيّنا، وسلالته وعصارته، وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ، ويسأل النصف فلا يُعطاه، اتّخذه الفاسقون غرضاً لنبل، ودرية للرماح حتّى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ربّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتّى يرضى الله. والله، ما أظنّه راضياً دون أن تناجزوا مَنْ قتله أو تبيروا، ألا لا تهابوا الموت....

ولم يكن له في تلك الموقعة أثر أو ذكر، غير أنّه كان يسعى بين المختار الثقفي وجماعة التوّابين بالشحناء والفساد، وهذا أمر كان في ذلك الوقت له نتائج مدمّرة؛ سواء كان يشعر به فاعله، أو لم يكن.

فها هو يقول(١) : قلت لسليمان بن صرد: إنّ المختار والله يثبّط الناس عنك، إنّي كنت عنده أوّل ثلاث فسمعت نفراً من أصحابه يقولون قد كملنا ألفي رجل، فقال: وهب أنّ ذلك كان، فأقام عنّا عشرة آلاف! أما هؤلاء بمؤمنين، أما يخافون الله، أما يذكرون الله، وما أعطونا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدنّ ولينصرنّ؟!

٢ - وبناء على ما سبق فصداقاته لو صح ما نقل ونُقل عنه غير

____________________

١ - الطبري ٤ / ٤٥٢... مع أن تحفّظ المختار على طريقة التوّابين وأسلوبهم في العمل الثوري كان واضحاً، فاُولئك كانوا يعملون بمنطق المؤمنين الاستشهاديين الذين يعتبرون الشهادة غايتهم الكبرى، بينما المختار كان يعمل بمنطق السياسي الواقعي الذي يخطّط للانتصار، ومن الطبيعي أن تختلف رؤى الطرفين بناء على ذلك. إلاّ أنّ المتاجرة بهذا الاختلاف وتحويله إلى حالة فرز اجتماعي، ومواجهة سياسية أمر خطير، لاسيما إذا كان من شخص كان للسنة الماضية (مبعوث عمر بن سعد لتبشير أهله بسلامته).


خاضعة لموقف؛ إذ إنّه تارة يتصوّر بصورة الشخص غير المعروف، بل المجهول حتّى اسماً، كما في حواره المذكور مع شمر بن ذي الجوشن الذي سأله عن اسمه، فقال له: لا أخبرك.

وبين كونه صديقاً شخصياً لعمر بن سعد، فقد روي عنه أنّه قال: كان عمر بن سعد لي صديقاً، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين فسألته عن حاله، فقال: لا تسأل عن حالي؛ فإنّه ما رجع غائب إلى منزله بشرّ ممّا رجعت به، قطعت القرابة القريبة، وارتكبت الأمر العظيم(١) .

وفي نفس الوقت هو يحشر نفسه مع التوّابين، ويعدّ نفسه (من فرسان الشيعة)، ويصادق إبراهيم بن مالك الأشتر القائد العسكري للمختار، والذي كان يُكثر من الدخول به (بحميد على المختار)، وإن كان ذلك لم ينفع في تبرئته من إثم المشاركة في كربلاء؛ ولذا طلبه المختار فيمَنْ طلب.

٣ - عاش حياته بطريقة الصحفي أو الإعلامي الذي يبحث عن الحوادث المتميّزة، ويرويها لغيره، لم يكن صانع خبر، وإنّما متتبّعاً للأخبار، وبالذّات الأخبار شديدة الإثارة، فهو في المقتل يفصّل ما استطاع اللحظات الأخيرة بما فيها من إثارة للمستمع، ويستعرض سماع أذني من الحسين يوم قُتل علي الأكبر...، وهو يأتي ببعض الكرامات الحسينيّة سواء في المعركة أو بعدها، لكن هل تؤثّر فيه هذه لتعديل موقفه؟

كلاّ، إنّما يكتفي منها بجانب الإثارة والنقل، ففي الطبري ينقل عنه:... ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي وعداده في بجيلة، فقال: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء؟ والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً.

فقال حسين:«اللّهمّ اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً» .

____________________

١ - الأخبار الطوال - للدينوري / ٢٦٠.


قال حميد بن مسلم: والله، لعدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلاّ هو لقد رأيته يشرب حتّى بغر ثمّ يقئ، ثمّ يعود فيشرب حتّى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصّته، يعني نفسه(١) .

هذا ما تيسّر لي البحث عنه حول شخصية الراوي المذكور وحياته العامة، وأمّا هل أنّ ذلك يؤثّر على رواياته التاريخية حول المقتل وما يرتبط به، فقد تمّت الإجابة عليه في القسم الأوّل من هذا الكتاب.

سؤال: كم كان عدد الذين انتقلوا إلى معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) من الجيش الأموي؟

الجواب: لا توجد إحصائية دقيقة(٢) عن العدد وإن كانت هناك

____________________

١ - الطبري ٤ / ٣١٢.

٢ - ذكر المرحوم آية الله شمس الدين في كتابه (أنصار الحسين) ما يلي:... رواية نقلها السيد ابن طاووس في مقتله المسمّى (اللهوف على قتلى الطفوف) وهي: (... وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة (ليلة العاشر من المحرّم) ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً).

إنّنا نقف من هذه الرواية موقف الشك؛ أوّلاً: لأنّ حدثاً كهذا كان يجب أن يلفت نظر الرواة الآخرين، فهو حدث شديد الإثارة في مثل الموقف الذي نبحثه، ولهذا فقد كان لا بدّ أن ينقله رواة آخرون. إنّ عدم نقله عن رواة آخرين مباشرين يبعثنا على الشك في صدق الرواية.

وثانياً: أنّ هذا العدد (اثنان وثلاثون) عدد كبير جدّاً بالنسبة إلى أصحاب الحسين (عليه السّلام) القليلين؛ ولذا فقد كان يجب أن يظهر لهم أثر في حجم القوّة الصغيرة التي كانت مع الحسين (عليه السّلام) في صبيحة اليوم العاشر من المحرّم، على اعتبار أنّهم انحازوا إلى معسكر الحسين في مساء اليوم التاسع، مع أنّنا لا نجد لهم أيّ أثر في التقديرات التي نقلها الرواة.

لهذا وذاك نميل إلى استبعاد هذه الرواية من دائرة =


____________________

= بحثنا في عدد أصحاب الحسين (عليهم السّلام)، ونرجّح أنّ الرواية - على تقدير صدقها - لا تعني كما يراد لها أنّ هؤلاء الرجال قد انحازوا إلى معسكر الحسين وقاتلوا معه، وإنّما تعني أنّ هؤلاء الرجال نتيجة لصراع داخلي عنيف بين نداء الضمير الذي يدعوهم إلى الانحياز نحو الحسين والقتال معه، وبين واقعهم النفسي المتخاذل الذي يدفع بهم إلى التمسّك بالحياة الآمنة في ظلّ السلطة القائمة قد حيدوا أنفسهم بالنسبة إلى المعركة، فاعتزلوا معسكر السلطة ولم ينضووا إلى الثوّار.

ويبدو أنّه قد حدثت حالات كثيرة من هذا القبيل، منها حالة مسروق بن وائل الحضرمي الذي كان يطمح إلى أن يُصيب رأس الحسين (فأصيب به منزلة عند عبيد الله بن زياد)، ولكنّه تخلّى عن القتال وترك الجيش عندما رأى ما حل بابن حوزة عندما دعا عليه الحسين (عليه السّلام)، وقال لمحدّثه: (لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئاً لا أقاتلهم أبداً).

وربما كان هؤلاء - على تقدير صدق الرواية - هم اُولئك الرجال التافهون الذين قال الحصين بن عبد الرحمن عنهم: أنّهم كانوا وقوفاً على التل يبكون، ويقولون: (اللّهمّ أنزل نصرك). انتهى كلام المرحوم شمس الدين.

ويمكن التعليق على ما ذُكر آنفاً بعدم استبعاد هذا الرقم؛ فإنّ الناظر في روايات المقتل كما تبيّن لك في المتن، يرى أنّ نصف هذا العدد قد رصدت حركتهم لاقترانها بحدث، ولم ترصد باقي الأسماء لسبب أو لآخر، كما إنّ بعضهم كما يذكر المؤرّخون قد مالوا على الجيش الأموي وهم فيه وقاتلوهم. ولعلّ استبعاد الشيخ شمس الدين ليس في محلّه؛ لأنّه مبني على أنّه حدث وقع دفعة واحدة، ولذلك قال: أنّ حدثاً كهذا كان يجب أن يلفت نظر الرواة الآخرين... إلخ. وهو في غير محلّه؛ فإنّ حالات التحوّل كانت فردية، وامتدت من ليلة العاشر إلى يوم العاشر، وتحوّل عدد ثلاثين من مجموع ثلاثين ألف لا يمكن أن يلفت الأنظار أصلاً، خصوصاً أنّه ضمن حالات فردية لا أن مجموع الثلاثين قد جاؤوا في صورة مجموعة للحسين (عليه السّلام)، ولو كان اعتراض الشيخ شمس الدين على أنّ مجموعة اثنين وثلاثين شخصاً قد عبروا في الليل مرّة واحدة.

يُضاف إلى ذلك أنّ عدداً غير قليل من المذكورين في الشهداء في الزيارة لم يعرف كيفية شهادتهم، ولا طريقة التحاقهم بالحسين (عليه السّلام)، ولا شك أنّ قسماً من هؤلاء كانوا ممّن التحق به في اليوم العاشر، إضافة إلى مَنْ ذُكرت أسماؤهم كما في المتن.

وهؤلاء يختلفون عن القسم (المحايد) الذين ذكرهم، والذين لم يكونوا بالعدد القليل؛ سواء اُولئك الواقفين على التل أو غيرهم ممّن لم يحبّ أن يشارك إلاّ بمقدار تكثير السواد من دون أن يكون له مساهمة فعلية في المعركة.


رواية ذكرها السيد ابن طاووس (ت ٦٦٤ هـ) في كتابه (اللهوف) تفيد أنّ عدد الذين انتقلوا إلى صف الحسين (عليه السّلام) يبلغ اثنين وثلاثين، بينما ذكر ابن نما الحلّي (ت ٦٤٥ هـ) في كتابه (مثير الأحزان) أنّه جماعة من عسكر عمر بن سعد قد جاؤوا إليهم من دون تحديد عدد هذه الجماعة.

والتتبّع لروايات المقتل يفيد أنّ التالية أسماؤهم قد انتقلوا إلى المعسكر الحسيني:

١ - الحرّ بن يزيد الرياحي (التميمي اليربوعي): قائد الفرقة التي بعثها عبيد الله بن زياد لمحاصرة الحسين (عليه السّلام) ومنعه من الوصول إلى الكوفة، وقد انتقل إلى المعسكر الحسيني صباح اليوم العاشر قبل بدء المعركة، وعلى أثر خطبة الإمام الحسين (عليه السّلام).

٢ - علي بن الحرّ الرياحي السابق ذكره.

٣ - غلام الحرّ: وهو تركي، وقد ذكره في مقتل الخوارزمي.

٤ - من الذين انتقلوا إلى الحسين (عليه السّلام) رجل من خزيمة جاء رسولاً من عمر بن سعد إلى الحسين (عليه السّلام) ليبلّغه رسالته، فلم يرجع إلى عمر بن سعد وقال: مَنْ الذي يختار النار على الجنة(١) ؟

٥ - جوين بن مالك بن قيس الضبعي، ذُكر أنّه كان في جيش عمر

____________________

١ - كلمات الحسين / ٣٨١.


بن سعد ثمّ انتقل إلى صفوف الإمام الحسين (عليه السّلام)، وقُتل في الحملة الأولى، وقد ورد ذكره في زيارة الناحية المقدّسة(١) .

٦ - الحارث بن امرئ القيس الكندي: لمّا رأى الحسين (عليه السّلام) قد أحاط به جيش الكوفة التحق بركبه(٢) .

٧ - الحلاس بن عمر الراسبي(٣) : سار هو وأخوه النعمان مع عمر بن سعد ثمّ تحوّلا إلى معسكر الحسين (عليه السّلام).

٨ - النعمان بن عمر الراسبي..المتقدم.

٩ - زهير بن سليم الأزدي: لمّا رأى إصرار جيش الكوفة على مقاتلة الحسين (عليه السّلام) اعتزل جيش عمر بن سعد ومال إلى معسكر الحسين (عليه السّلام) واستشهد بين يديه(٤) .

١٠ - عبد الله بن بشير(٥) : قيل فيه: أنّه يعدّ من مشاهير دعاة الحقّ وحماته، كان في البداية ضمن جيش عمر بن سعد، وقبل بدء القتال التحق بالإمام الحسين (عليه السّلام) واستشهد في الحملة الأولى قبل ظهر عاشوراء.

وبالنظر إلى ما تقدّم يمكن التأمّل في كونه من جيش عمر بن سعد، بل يمكن الاحتمال أنّه كان قد خرج مع الجيش؛ لكي يتسلل من خلاله إلى معسكر الحسين (عليه السّلام)، خصوصاً أنّ مَنْ كان يريد الخروج إلى الحسين لنصرته كان يُمنع ويُقاتل كما حصل لعامر الدلاني حيث قاتله زجر بن قيس

____________________

١ - أنصار الحسين / ٨١.

٢ - قصة كربلاء / ٢٨٢، نقلاً عن أعيان الشيعة.

٣ - أنصار الحسين / ٨٥.

٤ - قصة كربلاء / ٢٨٤، نقلاً عن أعيان الشيعة.

٥ - قصة كربلاء / ٢٨٦ عن إبصار العين.


على بوابة الكوفة عندما أراد الخروج لنصر الحسين (عليه السّلام).

١١ - مسعود بن الحجّاج وابنه عبد الرحمن: ورد ذكرهما في الزيارة، وجاء في الأخبار أنّهما خرجا مع جيش عمر بن سعد، ولمّا وصلا كربلاء التحقا بالإمام الحسين(عليه السّلام)(١) .

١٢ - عبد الرحمن بن مسعود بن الحجّاج المتقدّم ذكره.

١٣ - عمرو بن ضبيعة التميمي: قيل فيه كان فارساً شجاعاً، فلمّا رأى ردّ الشروط على الحسين (عليه السّلام)، وعدم تمكينهم إيّاه من الرجوع من حيث أتى، انتقل إلى الحسين (عليه السّلام)، وورد ذكره في الزيارة(٢) .

١٤ - القاسم بن حبيب الأزدي: خرج مع جيش عمر بن سعد، فلمّا بلغ كربلاء انفصل عنهم وانضمّ إلى جيش الحسين (عليه السّلام)، ونحتمل فيه ما احتملنا في عبد الله بن بشير من أنّ خروجه مع الجيش الأموي كان وسيلة للخروج من الكوفة والالتحاق بالحسين (عليه السّلام)(٣) .

١٥ - يزيد أبو الشعثاء الكندي: وكان شجاعاً رامياً، وقد خرج مع الجيش الأموي، فلمّا رآهم ردّوا الشروط على الحسين (عليه السّلام) عدل إليه فقاتل بين يديه(٤) .

وهناك بعض الشهداء لم يتسنّ لهم أن يصلوا إلى معسكر الحسين (عليه السّلام) وإنّما كانوا في وسط الجيش الأموي، فحصل لهم ذلك التغير النفسي وطفقوا يضربون في جنود عمر بن سعد بأسيافهم، فأقبل

____________________

١ - قصة كربلاء / ٢٨٧.

٢ - قصة كربلاء عن تنقيح المقال للمامقاني.

٣ - المصدر السابق / ٢٨٨.

٤ - المصدر السابق / ٣٠٠.


هؤلاء عليهم، وحيث أنّهم كانوا في وسط الجيش استطاعوا أن يقتلوهم بسرعة؛ حيث لم يكن مجال للمناورة عند اُولئك السعداء. وعدد هؤلاء لا نعرفه لكن توجد إشارات تاريخية إلى حصول مثل هذه الحادثة. مثل:

١٦ - سعد بن الحرث و.

١٧- أخوه أبو الحتوف: كانا في الجيش الأموي، فلمّا رأيا وحدة الحسين (عليه السّلام)، ورأيا ما حلّ بأصحابه، مالا على الجيش بسيفيهما يضربان فيهم حتّى قُتلا.

وقد ذكرهما الشيخ عباس القمّي في الكُنى والألقاب فقال: أبو الحتوف بن الحارث بن سلمة الأنصاري العجلاني، نسبة إلى بني عجلان بطن من الخزرج.

عن الحدائق الوردية في أئمّة الزيدية: أنّه كان مع أخيه سعد في الكوفة، ورأيهما رأي الخوارج، فخرجا مع عمر بن سعد لحرب الحسين (عليه السّلام)، فلمّا كان اليوم العاشر وقُتل أصحاب الحسين (عليه السّلام)، وجعل الحسين (عليه السّلام) ينادي:«ألا ناصر فينصرنا» . فسمعته النساء والأطفال فتصارخنَ، وسمع سعد وأخوه أبو الحتوف النداء من الحسين (عليه السّلام) والصراخ من عياله، قالا: إنّا نقول لا حكم إلاّ لله، ولا طاعة لمَنْ عصاه، وهذا الحسين بن بنت نبيّنا محمّد، ونحن نرجو شفاعة جدّه يوم القيامة، فكيف نقاتله وهو بهذا الحال لا ناصر له ولا معين؟!

فمالا بسيفيهما مع الحسين (عليه السّلام) على أعدائه وجعلا يُقاتلان قريباً منه حتّى قتلا جمعاً وجرحا آخر، ثمّ قُتلا معاً في مكان واحد، وختم لهما بالسعادة الأبدية(١) .

____________________

١ - الكُنى والألقاب ١ / ٤٥.


سؤال عن مَنْ الذي أجهز على الإمام الحسين (عليه السّلام)، ومَنْ احتزّ رأسه؟ هل هو سنان، أو شمر الضبابي؟

الجواب: في البداية لا بدّ أن نشير إلى نقطة، وهي أنّ بعض الأفعال لا يصح نسبتها إلاّ لفاعلها المباشر، بينما يصح نسبة أفعال أُخرى إلى متعددين؛ المباشر وغير المباشر.

مثال الأوّل: جلس، وأكل، ونام وغيرها، فإنّه لا يصحّ نسبة هذه الأفعال إلاّ لمَنْ قام بها مباشرة.

ومثال الثاني: بنى، فإنّه يصحّ نسبة الفعل إلى دافع المال، فيُقال فلان بنى بيتاً، وبنى مسجداً، ويصح نسبته إلى المقاول الذي قاد فريق العمال فيُقال: إنّه هو الذي بنى المسجد، ويصحّ نسبته إلى العامل المباشر.

وفعل القتل هو من هذا القبيل، فإنّه يصحّ إطلاقه على الآمر بالقتل؛ ولذا يُتحدّث في الروايات عن يزيد باعتبار أنّه قاتل(١) الحسين (عليه السّلام) مع أنّه لم يكن الفاعل المباشر للقتل، ويُعرف عبيد الله بن زياد بأنه قاتل(٢) الحسين (عليه السّلام)، وأيضاً يُطلق على عمر بن سعد بن أبي وقاص أنّه قاتل الحسين (عليه السّلام)(٣) ، وكلّ هذه الإطلاقات صحيحة لما ذكرنا.

____________________

١ - في رواية معتبرة في الكافي عن الإمام الصادق (عليه السّلام) يتحدّث عن شرار الخلق الذين ابتُلي بهم خيار الخلق:«... ويزيد بن معاوية (لعنه الله) قاتل الحسين بن علي (عليهما السّلام)، وعاداه حتّى قتله...» .

٢ - لمّا تواقف التوّابون مع جيش عبيد الله بن زياد، خطب قادة التوّابين في أصحابهم، وقالوا: هذا عبيد الله بن زياد بن مرجانة قاتل أبي عبد الله الحسين أمامكم.

٣ - ذكر السيد الشهرستاني في هامش كتابه (وضوء النبي ج ٢) أنّ يحيى بن سعيد قد حدّث عن عمر بن سعد، فقال له رجل: أما تخاف الله! تروي عن عمر =


ولكنّ الكلام هو في مَنْ أجهز عليه (صلوات الله عليه)، وباشر قتله لينال بذلك اللعنة المستمرة والعذاب المقيم. وهل أنّ الذي أجهز عليه هو الذي احتز رأسه فيما بعد أو يختلفان؟

فمن المعلوم أنّ الإمام (سلام الله عليه) لمّا وقع صريعاً من ظهر فرسه وبقي على الأرض كانت القبائل تتحاشى قتله(١) ، ولا تقدم عليه كما ذكر ذلك المؤرّخون. إلى أن تقدّم مَنْ كُتبت عليه اللعنة والخزي، وأكثر الروايات التاريخية يتردّد فيها أحد أسماء الشؤم التالية، باعتبار أنّ واحداً منها أو أكثر هو الذي لبس ثوب اللعنة الإلهية:

١ - خولي بن يزيد الأصبحي: فقد نسب القاضي المغربي في كتابه (شرح الأخبار) الفعل إلى خولي قائلاً: وأجهز خولي بن يزيد الأصبحي بن حمير واحتزّ رأسه، وأتى عبيد الله بن زياد فقال:

املأ ركابي فضةً وذهبا

إنّي قتلتُ السيد المحجّبا

قتلتُ خيرَ الناسِ أُمّاً وأبا

وكذا فعل ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال: قتله سنان بن أنس النخعي، وأجهز عليه وحزّ رأسه الملعون خولي بن يزيد الأصبحي.

____________________

= ابن سعد؟! فبكى، وقال: لا أعود يا أبا سعيد، هذا قاتل الحسين، أعن قاتل الحسين تحدّثنا؟ انظر تهذيب الكمال ٢١ / ٢٥٧، وتقريب التهذيب ٢ / ٥٦ (العجيب أنّ يحيى بن سعيد هذا قد تكلّم في الإمام الصادق، أي لم يقبل الرواية عنه (عليه السّلام)!).

١ - في تاريخ الطبري ٤، قال: ولقد مكث طويلاً من النهار، ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنّهم كان يتّقي بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.

وفي موضع آخر ذكر، وغيره من المؤرّخين: أنّهم توقّفوا إلى أن قال لهم شمر: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟


وكذا ذكر أحمد بن عبد الله الطبري في كتابه (ذخائر العقبى) فقال: أجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، حزّ رأسه وأتى بها عبيد الله بن زياد.

ومثله ذكر الذهبي في (سير أعلام النبلاء) فقال: طعنه سنان في ترقوته، واحتزّ رأسه خولي (لا رضي الله عنهما).

٢ - سنان بن أنس النخعي: وأكثر الروايات تشير إلى أنّه هو الذي احتزّ رأس الحسين (عليه السّلام)؛ فقد قال ابن عنبة في كتابه (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب): واختلف في الذي أجهز عليه؛ فقيل شمر بن ذي الجوشن الضبابي (لعنه الله تعالى)، وقيل خولي بن يزيد الأصبحي. والصحيح أنّه سنان بن أنس النخعي، وفي ذلك يقول الشاعر:

فأيّ رزيةٍ عدلت حسيناً

غداةَ تبيرهُ كفّا سنانِ

كما ذكره الفضيل بن زبير الكوفي الأسدي، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السّلام) في كتابه (تسمية مَنْ قُتل مع الحسين (عليه السّلام»(١) ، فقال: الحسين بن علي ابن رسول الله (صلوات الله عليهم)، قتله سنان بن أنس النخعي، وحمل رأسه فجاء به خولي بن يزيد الأصبحي.

وذكره الشيخ المفيد (رضوان الله عليه)(٢) في كتابه (الاعتقادات) باعتبار أنّه قاتل الحسين (عليه السّلام)، وكذا المسعودي(٣) ، فقال: وطعنه سنان بن أنس النخعي (لعنه الله) ثمّ نزل واحتزّ رأسه.

والسمعاني في (الأنساب)، والطبري فقال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه

____________________

١ - نشر في مجلة تراثنا العدد ٢ بتحقيق العلاّمة السيد محمّد رضا الحسيني.

٢ - في بعض كتب الشيخ المفيد يظهر منه أنّه الشمر كما في (الإرشاد ج ٢)، قال: ويدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي (لعنه الله) فنزل ليحتزّ رأسه فأرعد، فقال له شمر: فتّ الله في عضدك، ما لك ترعد؟ ونزل شمر إليه فذبحه.

٣ - مروج الذهب ٣.


بالرمح فوقع، ثمّ قال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتزّ رأسه، فأراد أن يفعل فضعف فأُرعد، فقال له سنان بن أنس: فتّ الله عضديك، وأبان يديك، فنزل إليه فذبحه واحتزّ رأسه، ثمّ دفع إلى خولي بن يزيد(١) .

والطبري في المنتخب من ذيل المذيل أنّه: قال الحجّاج: مَنْ كان له بلاء فليقم، فقام قوم فذكروا، وقام سنان بن أنس فقال: أنا قاتل الحسين.

فقال: بلاء حسن، ورجع إلى منزله فاعتقل لسانه، وذهب عقله، فكان يأكل ويحدث مكانه.

ونسب الفعل إليه ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية)، فقال: إنّه احتزّ رأسه ودفعه إلى خولي. والسيد ابن طاووس في كتابه اللهوف(٢) .

وكذلك ذكره الشيخ عبد الله البحراني في كتابه (العوالم) فقال: وأقبل عدوّ الله سنان بن أنس الأيادي، وشمر بن ذي الجوشن العامري (لعنهما الله) في رجال من أهل الشام حتّى وقفوا على رأس الحسين (عليه السّلام)، فقال بعضهم لبعض: ما تنظرون؟ أريحوا الرجل. فنزل سنان بن أنس

____________________

١ - تاريخ الطبري ٤ / ٣٤٦.

٢ - قال في اللهوف: وجعل ينوء ويكبو، فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثمّ أنتزع الرمح فطعنه في بواني صدره، ثمّ رماه سنان أيضاً بسهم فوقع السهم في نحره، فسقط (عليه السّلام) وجلس قاعداً، فنزع السهم من نحره وقرن كفّيه جميعاً،

فكلّما امتلأتا من دمائه خضّب بهما رأسه ولحيته وهو يقول: «هكذا ألقى الله مخضّباً بدمى، مغصوباً عليّ حقّي».

فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه: انزل ويحك إلى الحسين فأرحه! قال: فبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي ليحتزّ رأسه فأرعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي (لعنه الله) فضرب بالسيف في حلقه الشريف، وهو يقول: والله إنّي لأجتزّ رأسك، وأعلم أنّك ابن رسول الله، وخير الناس أباً وأُمّاً، ثمّ أجتزّ رأسه المقدّس المعظم، وفى ذلك يقول الشاعر:

فأيّ رزيةٍ عدلت حسيناً

غداةَ تبيرهُ كفّا سنانِ


الأيادي (لعنه الله) وأخذ بلحية الحسين (عليه السّلام)، وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: والله إنّي لأحتزّ رأسك، وأنا أعلم أنّك ابن رسول الله، وخير الناس أُمّاً وأباً.

وهذا الخبر هو الذي نقله الشيخ الصدوق في كتابه (الأمالي)(١) عن الإمام الباقر (عليه السّلام) ينسب فيه الفعل إلى سنان بن أنس.

وقال ابن نما الحلّي (ت ٦٤٥ هـ): إنّ الذي حزّ رأسه سنان.

وذكره ابن الأثير في (أُسد الغابة) باعتباره قاتل الحسين (عليه السّلام). وكذا ابن حبّان في كتاب (الثقات) فقال: الذي قتل الحسين بن علي هو سنان بن أنس.

٣ - شمر بن ذي الجوشن الضبابي: وقد ورد ذكره مخصوصاً باللعن في زيارة عاشوراء على لسان الإمام الباقر (عليه السّلام) إن تمّ السند.

ويُحتمل(٢) أنّه هو المشار إليه في ما نقله بعضهم عن الحسين (عليه السّلام): كنّا مع الحسين بنهري كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال:«صدق الله ورسوله؛

____________________

١ - محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه قال: حدّثنا محمّد بن عمر البغدادي الحافظ (رحمه الله)، قال: حدّثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه، قال: حدّثنا إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قاضي بلخ، قال: حدّثتني مريسة بنت موسى بن يونس بن أبي إسحاق وكانت عمّتي، قالت: حدّثتني صفية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية وكانت عمّتي، قالت: حدّثتني بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي، عن خالها عبد الله بن منصور، وكان رضيعاً لبعض ولد زيد بن علي (عليه السّلام)، قال: سألت جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين (عليهم السّلام)، فقلت: حدّثني عن مقتل ابن رسول...

٢ - البداية والنهاية - لابن كثير ٨، نقول ذلك على نحو الاحتمال؛ لأنّه يمكن أن تكون الرواية على فرض صدورها ناظرة إلى القتل، بمعنى إزهاق الروح دون احتزاز الرأس، هذا إضافة إلى أنّهم نقلوا أيضاً أنّ سنان بن أنس كان أيضاً أبرص، وشبيهاً بشمر بن ذي الجوشن.


قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): كأنّي أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي» . وكان شمر قبّحه الله أبرص.

كما ورد ذكره في الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة:«... على الخدود لاطمات، وبالعويل داعيات، وبعد العزّ مذللات، وإلى مصرعك مبادرات، والشمر جالس على صدرك، مولغ (١) سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنّده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورفع على القنا رأسك...» .

وذكره الشيخ المفيد في (الإرشاد) فقال: وبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي (لعنه الله) فنزل ليحتزّ رأسه فأُرعد، فقال له شمر: فتّ الله في عضدك، ما لك ترعد؟ ونزل شمر إليه فذبحه، ثمّ دفع رأسه إلى خولي بن يزيد.

وقال محيي النووي في كتابه (المجموع): والضبابي وهو بطن من كلاب، منهم شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين (عليه السّلام).

ذكر القندوزي في (ينابيع المودّة) عن أبي مخنف(٢) : فأقبل إلى شبث

____________________

١ - يلاحظ في هذه الزيارة التطابق بين (مولغ سيفه على نحرك) وبين ما نقل عن الرسول قبله:«كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي» . هذا بناءً على أنّ ما في الزيارة هو (مولغ) بالمعجمة لا (مولع) بالمهملة.

٢ - العجيب أنّ القندوزي يروي عن أبي مخنف ما ينتهي إلى أنّ القاتل هو شمر بن ذي الجوشن، بينما ينقل الطبري أيضاً عن أبي مخنف نفسه، عن الصقعب بن زهير، عن حميد بن مسلم أنّ القاتل هو سنان بن أنس، مع بُعد الواسطة بين القندوزي الذي توفي في ١٢٩٤ هـ وبين أبي مخنف!

وهذه الرواية بهذا النحو مع أنّها الأشهر بين قرّاء التعزية، إلاّ أنّها لم تُذكر في مصدر من المصادر الأساسية عند الطائفة حتّى مثل بحار الأنوار الذي دأب صاحبه على جمع الأخبار مع غض النظر عن قيمتها السندية. نعم، ذكرها فخر الدين الطريحي (ت ١٠٨٥ هـ) في المنتخب، ولعلّ القندوزي نقل الحادثة منه.


سنان بن أنس النخعي، وكان كوسج اللحية، قصيراً أبرص، أشبه الخلق بالشمر اللعين، فقال له: لِمَ ما قتلته ثكلتك أُمّك؟ قال شبث: يا سنان إنّه قد فتح عينيه في وجهي فشبهتهما بعيني رسول الله. ثمّ دنا منه سنان، ففتح عينيه في وجهه فارتعدت يده وسقط السيف منها وولّى هارباً، فأقبل إلى سنان الشمرُ اللعين وقال له: ثكلتك أُمّك! ما لك رجعت عن قتله؟ فقال: إنّه فتح عينيه في وجهي فذكرت هيبة أبيه علي بن أبي طالب ففزعت، فلم أقدر على قتله.

فقال له الشمر الملعون: إنّك جبان في الحرب، فوالله ما كان أحد غيري أحقّ منّي بقتل الحسين. ثمّ إنّه ركب على صدره الشريف، ووضع السيف في نحره، وهمّ أن يذبحه، ففتح عينيه في وجهه فقال له الحسين (عليه السّلام):«يا ويلك من أنت؟! فقد ارتقيت مرتقى عظيماً» .

فقال له الشمر: الذي ركبك هو الشمر بن ذي الجوشن الضبابي.

فقال له الحسين (عليه السّلام):«أتعرفني يا شمر؟» .

قال: نعم، أنت الحسين بن علي، وجدّك رسول الله، وأُمّك فاطمة الزهراء، وأخوك الحسن.

فقال (عليه السّلام):«ويلك! فإذا علمت ذلك فلِمَ تقتلني؟» .

قال: أريد بذلك الجائزة من يزيد.

فقال له (عليه السّلام):«يا ويلك! أيّما أحبّ إليك، الجائزة من يزيد أم شفاعة جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟» .

فقال الشمر الملعون: دانق من جائزة يزيد أحبّ إلى الشمر من شفاعة جدّك.

فقال له الحسين (عليه السّلام):«سألتك بالله أن تكشف لي بطنك» .

فكشف بطنه، فإذا بطنه أبرص كبطن الكلاب، وشعره كشعر الخنازير، فقال الحسين (عليه السّلام):«الله أكبر، لقد صدق جدّي (صلّى الله عليه وآله) في قوله لأبي: يا علي إنّ ولدك الحسين يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء،


يقتله رجل أبرص، أشبه بالكلاب والخنازير» .

فقال الشمر اللعين: تشبّهني بالكلاب والخنازير، فوالله لأذبحنّك من قفاك.

ثمّ إنّ الملعون قطع الرأس الشريف المبارك، وكلّما قطع منه عضواً يقول (عليه السّلام):«يا جدّاه يا محمّداه! يا أبا القاسماه! ويا أبتاه يا علياه! يا أُمّاه يا فاطماه! أُقتل مظلوماً، وأُذبح عطشانَ، وأموت غريباً!».

* * *

بعد التعرّض إلى الأقوال يمكن لنا أن نذكر ملاحظات لعلّها تُلقي بضوء على الإجابة، ونترك المجال للقارئ أيضاً لكي يتأمّل ويكوّن صورة عن الحادثة:

الملاحظة الأولى: أنّه لا بدّ من التفريق بين (قتله) و (احتزّ رأسه)، مع أنّ هاتين الكلمتين أحياناً يُذكران في سياق معنى واحد؛ ولذا فإنّ الرواة الذين نقلوا الصورة التفصيلية فرّقوا بين مَنْ (قتله) ومَنْ (احتزّ رأسه)؛ فإنّ (حزّ الرأس) عادة ما يكون بعد القتل، فإنّ طبيعة عمل المجرمين ذلك أنّهم يريدون أن يهدوا أمراءهم رؤوس أعدائهم، كما فعل أتباع معاوية برأس عمرو بن الحمق الخزاعي (رضوان الله عليه)؛ للتقرّب لهم، وللحصول على جوائزهم، وأيضاً لإضعاف الروح المعنوية لأتباعهم، وهم في هذا حتّى يحتزّون رأس الميت لهذا الغرض، أو يقتلون شخصاً آخر للتلبيس على الأتباع بأنّ المقتول هو قائدهم(١) .

____________________

١ - تاريخ الطبري ٦ / ١٧٩، كان محمّد بن عبد الله بن عمرو محبوساً عند أبى جعفر، وهو يعلم براءته، حتّى كتب إليه أبو عون من خراسان: أخبر أمير المؤمنين أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا عنّي، وطال عليهم أمر محمّد بن عبد الله، فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمد بن عبد الله بن عمرو فضُربت عنقه وأرسل برأسه إلى خراسان، وأقسم لهم أنّه رأس محمّد بن عبد الله، وأنّ أُمّه فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).


والتركيز على الفرق بين الأمرين مهمّ جدّاً، ويرفع الكثير من الإبهام عن الصورة الحقيقية؛ فقد ترى نفس الشخص يروي بأنّ شمراً هو الذي قتل الحسين (عليه السّلام)، وفي مكان آخر يقول: إنّ الذي حزّ رأسه هو سنان، فيتصوّر الناظر لأوّل وهلة أنّ كلامه متخالف، بينما التدقيق في المسألة بناء على الفرق بين (القتل) و (حزّ الرأس) ينفي ذلك.

الملاحظة الثانية: أنّنا نعتقد أنّ الروايات القائلة بأنّ خولي بن يزيد الأصبحي هو الذي قتل الحسين (عليه السّلام) أو احتزّ رأسه ليست قريبة من الواقع، ونعتقد أنّ الذين ذكروها قد اعتمدوا أساساً على الشعر الذي قاله هذا الآثم أمام أميره وهو يحمل الرأس، طمعاً في الجائزة:

املأ ركابي فضةً أو ذهبا

إنّي قتلتُ السيّد المحجبا

قتلتُ خيرَ الناسِ أُمّاً وأبا(١)

وأوّل ما في ذلك: أنّ هذه الأبيات أيضاً نُسبت لسنان بن أنس النخعي، ولو صحّت نسبة الأبيات له فالصورة التي يمكن رسمها من خلال ما ذُكر عن تأريخ هذا الرجل هي صورة الرجل المعتوه الذي لا يقدّر ولا يعرف حتّى كيفية طلب الجائزة من أعداء القتيل وهم قادته؛ فإنّ مَنْ يريد جائزة من عمر بن سعد، أو من ابن زياد، أو يزيد لا يصحّ أن يتوسّل في ذلك بمدح عدوّهم بأنّه خير الناس أُمّاً وأباً، وأنّه السيّد المحجّب؛ ولذا قيل أنّه قد مُنع من العطاء، ورُد بقولهم: إن علمت أنّه خير الناس أُمّاً وأباً فلِمَ قتلتَه؟

وفي الوقت الذي كانت سائر القبائل والأفراد يتحامون عن قتله،

____________________

١ - البعض ذكر أنّ سنان بن أنس هو الذي كان ينشد هذه الأبيات.


ويتردّدون في ذلك؛ لكيلا ينسب الفعل إليهم، يقوم هذا الرجل بالافتخار بذلك، مع العلم أنّه لم يفعل! ممّا يُعطينا صورة عن شخص أقرب إلى العته منه إلى الشخص السوي.

والظاهر، والله العالم، أنّ الحسين (عليه السّلام) بعدما قُتل، وحزّ رأسه، أُعطي هذا الرجل رأسه؛ لكي يحمله إلى ابن زياد كما هو الثابت أنّه حمله فيما بعد وانطلق به إلى الكوفة بعد المعركة (مشتركاً مع حميد بن مسلم الأزدي، أو أنّ هذا في مهمّة حمل الرأس، وذاك في مهمّة إخبار عائلة عمر بن سعد عن سلامته).

ويشهد له أنّ أكثر من رواية تفيد أنّه بدر إليه خولي فأُرعد (أصابته الرعدة من الخوف) فتراجع. وأيضاً ما ذكره أكثر من مصدر أنّه قد دُفع إليه الرأس(١) .

إضافة إلى أنّه لم يأت له ذكر في أيّ من الأخبار، مهما كانت أسانيدها، المنسوبة إلى أهل البيت (عليهم السّلام) باعتباره القاتل.

____________________

١ - تاريخ الطبري ٤ / ٣٤٨، وما هو إلاّ أن قتل الحسين، فسرّح برأسه من يومه ذلك مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد، فأقبل به خولي فأراد القصر فوجد باب القصر مغلقاً، فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في منزله، وله امرأتان؛ امرأة من بني أسد، والأخرى من الحضرميين يُقال لها: النوار ابنة مالك بن عقرب، وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية.

قال هشام: فحدّثني أبي عن النوار بنت مالك قالت: أقبل خولي برأس الحسين فوضعه تحت إجانة في الدار، ثمّ دخل البيت فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر، ما عندك؟

قال: جئتك بغنى الدهر؛ هذا رأس الحسين معك في الدار.

قالت: فقلت: ويلك! جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبداً.

قالت: فقمت من فراشي فخرجت إلى الدار، فدعا الأسدية فأدخلها إليه، وجلست أنظر.

قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة، ورأيت طيراً بيضاً ترفوف حولها.

قال: فلمّا أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد.


الملاحظة الثالثة: يبقى الاحتمال دائراً بين شمر بن ذي الجوشن وبين سنان بن أنس النخعي، وبالنسبة إلى الثاني فإنّ أكثر الروايات التاريخية تتحدّث عن أنّه قتل الإمام (عليه السّلام)، أو احتزّ رأسه، بينما تتحدّث الروايات المنسوبة لأهل البيت المعصومين (عليهم السّلام) عن أنّ القاتل شمر، وأنّه هو الذابح.

ويُحتمل أن يكون القاتل هو شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وأنّ الذي احتزّ رأسه فيما بعد القتل هو سنان بن أنس، ويمكن الاستشهاد لهذا بعدّة أمور:

- ما ذُكر في أكثر من رواية تاريخية أنّ شمر بن ذي الجوشن أمر أن ينزلوا إليه، وأنّهم ماذا ينتظرون به، فنزل إليه سنان فأرعد وخاف وتراجع، (وبعضها يفصّل أنّه نظر إلى عينيه فرأى فيهما عيني علي بن أبي طالب، أو عيني النبي (صلّى الله عليه وآله»، فاكتفى من ذلك بأن طعن الإمام الحسين (عليه السّلام) بالرمح، ثمّ ولى خائفاً، فتولّى شمر أمر قتله، ثمّ بعد أن قتل الشمر الحسين (عليه السّلام) وأجهز عليه، لم يبقَ المانع الذي منع سنان قبلئذ، فاحتزّ رأسه.

- يظهر من روايات أُخرى أنّ سناناً هذا كان حريصاً على أن يحوز برأس الحسين (عليه السّلام) مهما كلّف الأمر، ولعلّ شمراً الذي كان يهمّه

فقط إنهاء المعركة منتصراً، وفي وقت سريع؛ ولذا لم يتحمل تردد البعض، فصاح بهم ماذا تنتظرون؟

ولم يكن همّه في رأس الحسين (عليه السّلام)، قد التقت رغبته مع رغبة سنان الذي كان يهمّه فقط أن يظفر برأس الحسين(١) ،

____________________

١ - تاريخ الطبري - الطبري ٤ / ٣٤٦، قال أبو مخنف: عن جعفر بن =


إمّا ليفتخر به، أو ليحصل على الجائزة.

هذا بناء على أنّه هو قائل الأبيات المذكورة (املأ ركابي...)(١) .

وإذا أعدنا إلى الذكر ما سبق من التفريق بين القتل وحزّ الرأس، وأنّه يظهر أنّ الذي حصل شيئان مختلفان، قد قام بكلّ جريمة منهما شخص يختلف عن الآخر، أمكن لنا تصوير الجمع بين ما هو في الروايات التاريخية، وما ورد في بعض المرويات المنسوبة(٢) لأهل البيت (عليهم السّلام).

- إنّ اختصاص شمر بن ذي الجوشن في زيارة عاشوراء باللعن، إضافة إلى يزيد، وابن زياد، وعمر بن سعد، وهم مَنْ يمكن أن يُنسب إليهم القتل لأمر الأوّلين وقيادة الثالث، كما ذكرنا في البداية من صحة نسبة بعض الأفعال لمتعددين مع أنّ المباشر له واحد، هذا الاختصاص لا

____________________

= محمد بن علي قال:«وجد بالحسين (عليه السّلام) حين قُتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة» . قال: وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين إلاّ شدّ عليه؛ مخافة أن يغلب على رأسه حتّى أخذ رأس الحسين فدفعه إلى خولي.

٢ - ذكر ابن الأثير في أسد الغابة ٢، وقيل: أنّ سنان بن أنس لمّا قتله قال له الناس: قتلت الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله ورضي عنها)، أعظم العرب خطراً أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فلو أعكوك بيوت أموالهم لكان قليلاً! فأقبل على فرسه، وكان شجاعاً، به لوثة، فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد وأنشد الأبيات المذكورة.

فقال عمر: أشهد أنّك مجنون! وحذفه بقضيب، وقال: أتتكلّم بهذا الكلام؟ والله لو سمعه ابن زياد لقتلك!

٣ - نقول المنسوبة للتوقف في تصحيح أسانيدها، وإن عمل بها جمع غير قليل من العلماء، وإلاّ لو كانت صحيحة السند أو تمّ الوثوق بصدورها على المسلك الآخر لكنّا لا نتوقّف في تقديمها على ما عداها؛ لكونها عن أهل البيت (عليهم السّلام)، والذين هم أدرى بما جرى على جدّهم الحسين (عليه السّلام).


مبرّر له غير دوره الاستثنائي في هذه الجريمة، وهو القتل وإزهاق روح الإمام المعصوم (صلوات الله عليه)؛ الأمر الذي ذُكر في زيارة الناحية.

والحدّ المذكور في زيارة الناحية، وهي الأكثر تفصيلاً في هذه الجهة من عاشوراء، أنّه«جالس على صدرك، مولع (مولغ) (١) سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنّده...» .

وهذه لا تفي بمعنى أكثر من القتل، والذبح يمكن حصوله من دون حزّ الرأس بكامله.

ولم يذكر سنان بن أنس في روايات أهل البيت (عليهم السّلام) غير الرواية التي وردت في الأمالي، ويظهر فيها أنّ سنان كان مستقلاً بأمر القتل بتمامه دون شمر، وهو مخالف للمشهور من أنّ شمراً كان له دور أساس في القتل.

وهناك ملاحظة أخيرة وهي: احتمال حصول الاشتباه عند بعض ناقلي الخبر لاسيما ممّن كان حاضراً، بين الشمر وسنان؛ فإنّ الأخير كان شديد الشبه(٢) بالأوّل من ناحية الشكل كما ذكروا.

والمسألة غير محسومة عندي، وتحتاج إلى مزيد بحث وإن كان ما سبق ذكره من أنّ القاتل هو شمر لِما ورد في الزيارتين، وأنّ مَنْ حزّ الرأس بعد القتل طلباً للجائزة هو سنان، لِما ذكر في أكثر المصادر التاريخية هو الأقرب(٣) ، لكنّه مخالف لِما عليه المشهور لدى أهل المنبر والمتحدّثين في السيرة، والله العالم.

____________________

١ - أولع بالشيء: أُغري به، ولهج به. وأولغ الكلبَ صاحبه: جعله يشرب.

٢ - ذكر القندوزي في ينابيع المودة عند حديثه عن سنان بن أنس أنّه كان كوسج اللحية، قصيراً، أبرص، أشبه الخلق بالشمر اللعين.

٣ - نقل لي أحد الشباب المؤمن أنّ الخطيب المعروف الشيخ الوائلي (حفظه الله) يرى أيضاً نفس النتيجة المذكورة، وقد سمعه يقول ذلك في حديث خاص، ولكنّه لا يعلنها على المنبر لاصطدامه بما هو المألوف عند المستمع، ولم يتسنّ لي التأكّد من هذه المعلومة حتّى وقت كتابة هذه السطور.


سؤال: كيف يتمّ التوفيق بين ما ورد من استحباب الاغتسال والتطيّب لزيارة الحسين (عليه السّلام) كما فعل جابر بن عبد الله حيث اغتسل، ونثر على نفسه صرّة صعد، وبين ما ورد أنّه يزور الزائر أشعث أغبر؟

الجواب: في البداية ينبغي أن يُقال: إنّ عمل جابر ليس فيه دلالة على الاستحباب إذا لم نعلم استناده فيه إلى قول المعصوم، ولكنّ أصل القضية فيها صنفان من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السّلام):

فمنها ما يدّل بظاهره على أنّ الاستحباب هو أن يكون الزائر حين الزيارة أشعث أغبر؛ معللاً في بعضها بأنّ الحسين (عليه السّلام) قد قُتل على تلك الحال، مثل ما روه في كامل الزيارات(١) عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال:«إذا أردت زيارة الحسين (عليه السّلام) فزره وأنت كئيب حزين مكروب، شعث مغبر، جائع عطشان؛ فإنّ الحسين قُتل حزيناً مكروباً، شعثاً مغبراً، جائعاً عطشانَ، وسله الحوائج، وانصرف عنه، ولا تتّخذه وطناً» .

وبهذا الإسناد عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن عمر، عن صالح بن السندي الجمال، عمّن ذكره، عن كرام بن عمرو(٢) ، قال: قال

____________________

١ - جعفر بن محمّد بن قولويه، حدّثني أبي وأخي وعلي بن الحسين وغيرهم (رحمهم الله)، عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف، عن أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السّلام). (رجال السند حتّى علي بن الحكم إماميون ثقات) لكنّها مرسلة (أو مجهولة).

٢ - والسند المذكور فيه موسى بن عمر، وهو مردّد بين (ابن بزيع الثقة) وبين (ابن يزيد الصيقل، ولم يوثّق لكنّه ممّن لم يستثنَ من رجال نوادر الحكمة). وفيه =


أبو عبد الله (عليه السّلام) لكرام:«إذا أردت أنت قبر الحسين (عليه السّلام) فزره وأنت كئيب حزين، شعث مغبر؛ فإنّ الحسين (عليه السّلام) قُتل وهو كئيب حزين، شعث مغبر، جائع عطشان» .

وفي بعض الروايات الأُخرى أنّه يأتي إلى الزيارة حافياً، مثلما رواه أيضاً في كامل الزيارات(١) عن الصادق (عليه السّلام):«مَنْ أتى قبر الحسين (عليه السّلام) ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة، ورفع له ألف درجة؛ فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلّق نعليك، وامشِ حافياً، وامشِ مشي العبد الذليل، فإذا أتيت باب الحائر فكبّر أربعاً، ثمّ امشِ قليلاً، ثمّ كبّر أربعاً، ثمّ ائتِ رأسه فقف عليه فكبّر أربعاً، وصلِّ عنده وسل الله حاجتك» .

وفي المقابل ما يظهر من روايات أُخر أنّه يأتي مغتسلاً لابساً نظيف الثياب:

____________________

= صالح بن السندي الجمال ولم يوثّق لكنّه أيضاً من رجال كتاب نوادر الحكمة. وفيه كرام بن عمرو وهو واقفي لا توثيق له، لكن روى عنه المشايخ الثقات الذين قيل أنّهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة.

والحديث مرسل، لكنّ هذه الرواية وما بعدها مشمولة لقاعدة التسامح في أدلّة السنن. الروايات من وسائل الشيعة ١٤ باب ٧١ جملة ما يستحبّ للزائر.

١ - جعفر بن محمّد بن قولويه، عن علي بن الحسين بن بابويه وجماعة، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن على بن عبد الله بن المغيرة، عن العباس بن عامر، عن جابر المكفوف، عن أبي الصامت قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السّلام) وهو يقول:....

السند إلى العباس بن عامر لا غبار عليه، لكنّ جابر المكفوف (الكوفي) لم يوثّق، ومثله أبو الصامت الحلواني.

وعلى أيّ حال هذه الرواية وما بعدها مشمولة لقاعدة التسامح.


فمنها ما رواه في الكافي(١) عن الحسين بن ثوير قال: كنت أنا ويونس بن ظبيان عند أبي عبد الله (عليه السّلام)، وكان أكبرنا سنّاً، إلى أن قال: فقال: إذا أردتُ زيارة الحسين كيف أصنع، وكيف أقول؟ قال:«إذا أتيت أبا عبد الله (عليه السّلام) فاغتسل على شاطئ الفرات، والبس ثيابك الطاهرة، ثمّ امشِ حافياً؛ فإنّك في حرم من حرم الله وحرم رسوله، وعليك بالتكبير والتهليل، والتسبيح والتمجيد» .

وما رواه أيضاً في الكامل(٢) عن الصادق (عليه السّلام) عندما سُئل عمّا يلزم

____________________

١ - محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد.

والقاسم بن يحيى لم يوثّق توثيقاً خاصاً، لكنّه ممّن لم يستثنَ من رجال نوادر الحكمة، فيكون على المبنى مقبول الرواية، وكذا هو من رجال مزار ابن المشهدي، والكلام فيه كسابقه، لو أمكن ردّ إشكال بعض الأعلام من كونه أيّ ابن المشهدي من المتأخّرين، فيكون توثيقه غير معتبر لكونه اجتهادياً. هذا ولكن قد نقل في جمع الرواة عن خلاصة العلاّمة أنّه يضعّفه.

والكلام فيه كالكلام في سابقه من حيث أنّ تضعيف العلاّمة عند البعض كتوثيقه يعتبر اجتهادياً. والحسن بن راشد مشترك بين اثنين؛ ثقة من أصحاب الجواد، وضعيف من أصحاب الصادق كما عن ابن الغضائري، لكن قد شكّك الرجاليون في نسبة كلّ ما هو موجود في الكتاب للشيخ ابن الغضائري. والحسين بن ثوير ثقة.

٢ - جعفر بن محمّد بن قولويه عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمّد بن سالم، عن محمّد بن خالد، عن عبد الله بن حمّاد، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن مدلج، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله....

وفي السند مدلج ولم يوثّق، وعبد الله بن عبد الرحمن الأصم وهو ضعيف، وعلي بن محمّد بن سالم وهو أيضاً مجهول، إلاّ أن يكون سالم محرّف سليمان كما احتمل السيد الخوئي. فالرواية ضعيفة.


للذاهب إلى زيارة الحسين (عليه السّلام):«... يلزمك حسن الصحبة لمَنْ صحبك، ويلزمك قلّة الكلام إلاّ بخير، ويلزمك كثرة ذكر الله، ويلزمك نظافة الثياب، ويلزمك الغسل قبل أن تأتي الحائر...» .

وهنا ينبغي التأمّل في هاتين الطائفتين:

* فالمفردات الواردة فيها: الاحتفاء (المشي حافياً)، والاغتسال، والتشعث، والتغبّر، ونظافة الثياب، والكون على سكينة ووقار.

ولا يوجد تعارض بين الاغتسال وكلّ من الاحتفاء ونظافة الثياب، والكون على سكينة ووقار، وإنّما قد يبدو التعارض بين الاغتسال (ومعه نظافة الثياب) وبين التشعّث والتغبّر.

وهنا قد يمكن القول بأنّ معنى المراد في هذه الروايات من: الأشعث والأغبر أنّه ما كان في مقابل التدهين والاكتحال والتزيّن، وحينئذ لا ينافي الاغتسال، وشاهد ذلك ما ورد في المحرّم؛ فإنّه يستحبّ أن يكون أشعث أغبر، ومع ذلك يستحبّ له الاغتسال غسل الإحرام، فهو يغتسل للاستحباب ولكنّه لا يكتحل، ولا يتزيّن ولا يتطيّب، وربما يؤيّد هذا رواية(١) عن أبي عبد الله (عليه السّلام):«... فإذا أردت المشي إليه فاغتسل ولا تطيّب، ولا تدهن، ولا تكتحل حتّى تأتي القبر...» .

____________________

١ - محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي طالب الأنباري عبد (عبيد) الله بن أحمد، عن الأحنف بن علي، عن ابن مسعدة، عن إسماعيل بن مهران، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي بصير.

وفي السند الأحنف بن علي ولم يوثّق، وابن مسعدة وهو كذلك، وعبد الله بن عبد الرحمن ويظهر أنّه الأصم سابق الذكر، وله كتاب المزار، وفيه تخليط وغلوّ كما ذكروا إضافة إلى ضعف الرجل.


ويظهر، والله العالم، أنّ الأئمّة (عليهم السّلام) لم يكونوا يريدون أن تتحوّل الزيارة إلى نوع من النزهة والتفرّج واللهو؛ ممّا ينافي الغرض من الزيارة التي تهدف إلى تذكّر مواقف الحسين (عليه السّلام) وما جرى عليه من مآسٍ ومعاناة، ومعرفة حقّه وتجديد العهد معه للسير على نهجه وطريقه.

فإذا فُرّغت الزيارة من محتواها ومضمونها ذاك، أصبحت أقرب إلى التلهّي منها إلى تحقيق أهداف الزيارة؛ ففي رواية عن الصادق (عليه السّلام):«إنّ قوماً إذا زاروا الحسين بن علي حملوا معهم السُّفر فيها الحلاوة والأخبصة (١) وأشباهه، لو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا ذلك» (٢) .

وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (عليه السّلام):«تزورون خيرٌ من أن لا تزورون، ولا تزورون خيرٌ من أن تزورون» .

قلت: قطعت ظهري.

قال:«تالله، إنّ أحدكم يخرج إلى قبر أبيه كئيباً حزيناً وتأتونه أنتم بالسُّفر! كلاّ، حتّى تأتونه شعثاً غبراً» (٣) .

ولعلّ هذا المعنى هو الذي يُستفاد من العنوان الذي عنون به صاحب الوسائل الباب المذكور، فرأى أنّه ينبغي أن يكون الزائر ملازماً للحزن.

باب: إنّه يستحبّ لِمَنْ أراد زيارة الحسين (عليه السّلام) أن يصوم ثلاثاً آخرها الجمعة، ثمّ يغتسل ليلتها ويخرج على غسل، تاركاً للدهن

____________________

١ - السُّفر: جمع سفرة. والأخبصة: جمع خبيص أو خبيصة؛ نوع من الحلواء.

٢ - جعفر بن محمّد بن قولويه عن الحكيم بن داود، عن سلمة بن الخطاب، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا قال:....

السند فيه الحكيم بن داود وهو لم يوثّق توثيقاً خاصاً، لكنّه من مشايخ صاحب كامل الزيارات، وسلمة ضعيف في الحديث، والرواية مرسلة.

٣ - عن محمّد بن الحسن، عن الحسن بن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن زرعة بن محمّد، عن المفضل بن عمر قال:....


والطيب والزاد الطيّب، ملازماً للحزن والشعث، والجوع والعطش، ولا يتّخذه وطناً.

ويحتمل الحمل على التخيير بين الحالتين. كما إنّ بعض الفقهاء (أيّدهم الله) قد احتملوا الحمل على اختلاف الزيارات، فالمطلوب في زيارة عاشوراء هو ما ذكر من التشعّث والتغبّر... إلخ، وربما يكونوا قد استفادوا في ذلك من التعليل الموجود في ذيل بعض هذه الروايات؛ فإنّ الحسين قد قُتل وهو َشِعث مغبر...، بينما في سائر الزيارات الاستحباب هو للاغتسال ولبس نظيف الثياب. ولم أجد في مقدار ما نظرت اختصاص زيارة عاشوراء بعنوانها بالتشعّث والتغبّر حتّى يجمع بين الطائفتين بحمل هذه الروايات على خصوص زيارة عاشوراء. والله العالم.

سؤال: هل كان أبو الفضل العباس ناسياً لعطش الحسين (عليه السّلام) عندما اقتحم نهر الفرات، فتذكّر عطش الحسين (عليه السّلام) لمّا أراد الشرب؟ وألم يكن المناسب أن يشرب الماء؛ لكي يتقوّى على قتال الأعداء؟ أو كان يجب عليه الشرب؛ لكي يحافظ على نفسه من الهلاك؟

الجواب: أصل الخبر هو ما ورد في مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي(١)

____________________

١ - العجيب أنّ القندوزي في ينابيع المودة ج ٣ قد نقل الحادثة عن أبي مخنف كما يفترض، لكن مع شيء من التغيير، أنّهم حفروا بئراً فصادفتهم صخرة، ثمّ أُخرى فصادفتهم صخرة أُخرى كذلك، فقال لأخيه: أمضي؟

قال له:«امض إلى الفرات وآتينا الماء» .

فقال: سمعاً وطاعة.

فضمّ إليه الرجال، فمنعهم جيش عمر بن سعد، فحمل عليهم العباس (عليه السّلام) فقتل رجالاً من الأعداء حتّى كشفهم عن المشرعة ودفعهم عنها، ونزل فملأ القربة، وأخذ غرفة من الماء ليشرب فذكر عطش الحسين وأهل بيته (عليهم السّلام)، فنفض الماء من يده، وقال: والله، لا أذوق الماء، =


كما نُقل: فقال له الحسين (عليه السّلام): إن عزمت فاستسقِ لنا ماءً، فأخذ قربته وحمل على القوم حتّى ملأ القربة، قالوا: واغترف من الماء غرفة ثمّ ذكر عطش الحسين (عليه السّلام) فرمى بها، وقال:

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني

وبعدهُ لا كنتِ أن تكوني

هذا الحسينُ واردُ المنونِ

وتشربينَ باردَ المعينِ(١)

هذا هو المصدر الرئيس للخبر، وقد ذكره في البحار بعنوان في بعض تأليفات أصحابنا.

الموجود هو وصف المؤرّخين لحالة أبي الفضل العباس (عليه السّلام) وهو ليس سوى وصف ظاهري للواقعة من دون أن يعلم الراوي عمّا كان يعتلج في نفس العباس حينئذ، كما إنّه لم يرد ذلك في نصّ روائي معتبر عن المعصوم (عليه السّلام) حتّى يفيدنا علماً بالموضوع. يُضاف إلى ذلك أنّ الذكر حينئذ لا يلزم منه الغفلة قبله، خصوصاً أنّ للذكر مراتب تتفاوت شدّة وضعفاً.

كما إنّه يمكن، على فرض صحّة الوصف وكشفه عن حالة أبي الفضل (سلام الله عليه)، أن يُقال: بأنّ العباس الذي قد قدم لتوه من عمل عسكري ضخم؛ حيث اخترق الصفوف حتّى وصل إلى المشرعة، وأزال عنها أربعة آلاف فارس، كما نقلوا، على رأسهم عمرو بن الحجّاج الزبيدي، ونزل إلى شاطئ الفرات، وهنا قد يكون الأمر على نحو الحركة اللاشعورية

____________________

= أذوق الماء وأطفاله عطاشى والحسين؟!

وأنشأ يقول:... إلخ.

يقول: ضم إليه الرجال مع أنّه في هذه الحملة لم يكن مع الحسين (عليه السّلام) غير أبي الفضل كما تذكر الروايات التاريخية.

ولعلّ القندوزي اشتبه عليه الأمر بين الحملة الأولى التي تمّت في اليوم السابع، حيث كان مع العباس عدد من الرجال وانتهت بأن جلبوا الماء للمخيّم، وبين الثانية التي كان فيها وحده واستشهد على إثرها.

١ - مقتل الحسين (عليه السّلام) - أبو مخنف الأزدي / ١٧٩.


التي تحدث للظامئ والعطشان عندما يرى الماء فإنّه يسارع إليه، في ردّ فعل سريع لرؤيته ويملأ كفّه، لكن مع أدنى توجّه إلى تلك الحركة اللاشعورية يقوم أبو الفضل بسكب الماء مرّة أخرى ويمتنع عن الشرب.

ويا بُعد ما بين الشطر الأوّل والشطر الثاني من السؤال؛ فإنّ الأوّل يستكثر على أبي الفضل (عليه السّلام) تلك الحركة اللاشعورية للظامئ بينما يطالبه الشطر الثاني بأن يشرب الماء وأن يلتذّ به!

والجواب عليه: أمّا حكاية المحافظة على النفس والنجاة من الموت، فلم يُعلم أنّ أبا الفضل (عليه السّلام) كان قد بلغ به العطش مبلغاً يؤدّي إلى إنهاء حياته حتّى يجب المحافظة عليها بشرب الماء، وذلك أنّنا رأيناه يُقاتل بعد ذلك قتال الأبطال لفترة غير قصيرة، ومَن حاله هكذا لم يكن ليهلكه العطش.

وأمّا أنّه لماذا لم يشرب حتّى يتقوّى على قتال الأعداء، فإضافة إلى الجواب السابق نقول: هؤلاء قوم ليس مشروعهم في الحياة البقاء، وإنّما مشروعهم تقديم النموذج الإيماني والأخلاقي العالي حتّى تأتي الأجيال(١) وتقتدي بهم في إيمانها وصمودها ودفاعها. وإلاّ فما قيمة

____________________

١ - إنّنا نجد حتّى الذين يقفون في طرف المنافسة أو العداء، لا يملكون أنفسهم من الإعجاب بمواقف أهل البيت (عليهم السّلام) في كربلاء؛ فهذا مصعب بن الزبير كما قيل: لمّا أراد قتال عبد الملك بن مروان بلغ الحائر، فوقف على قبر الحسين (عليه السّلام) فقال: يا أبا عبد الله، أما والله لئن كنت غصبت نفسك ما غصبت دينك. ثم قال:

وإنّ الأُلى بالطفّ من آل هاشمٍ

تآسوا فسنّوا للكرام التأسّيا


شربة ماء لن تقدّم أو تؤخّر في الصورة النهائية للمعركة؟ إنّما قيمة الامتناع عنها هي التي تؤسّس معنى في الإيثار، والاُخوّة لم يسبق له نظير.

إنّ الموقف الذي يُطالب السائل هو الموقف الذي يلتزم به أكثر الناس في هذه المواقف؛ حيث لا يقدّمون في مضمار سباق القيم والحاجات الشخصية إلاّ الثانية، لكنّ أهل البيت (عليهم السّلام) ومَنْ تأثّر بهم يريدون أن يرفعوا الإنسان إلى سماء أُخرى ذات آفاق أرحب، لا سيما في كيفية العلاقة مع الأئمّة والقادة.



ملحق



١ - عدد الأصحاب

يختلف عدد الشهداء الذي يذكره المؤرّخون عمّا يوجد في كلمات المعاصرين، فبينما تتحدّث بعض الروايات التاريخية عمّا يقل عن الخمسة والسبعين، مثل رواية أبي مخنف عن الضحّاك المشرقي: (... وعبّأ الحسين أصحابه، وصلّى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً...)(١) .

تجد بعض المؤلّفين المعاصرين يذكر رقماً يصل إلى ١٣٨ شهيداً(٢) . ولعلّه يعتمد في ذلك على رواية نقلها الطبري(٣) عن عمّار الدهني، عن الباقر (عليه السّلام)، وفيها يقول: إنّ الحسين نزل كربلاء

____________________

١ - الطبري ٤ / ٣٢١، الغريب أنّ الطبري ينقل هذه الرواية وقد نقل قبلها رواية عمّار الدهني التي فيها أنّهم كانوا قرابة المئة وخمسة وأربعين!

٢ - قصة كربلاء - لحجّة الإسلام نظري منفرد / ٤٢١، نقلاً عن حياة أبي عبد الله - لعماد زاده.

٣ - الطبري ٤ / ٢٩٢، والرواية التي اعتمد عليها الطبري في أكثر من موضع، فيها أكثر من موضع حصل فيه الخبط بما لا يمكن قبوله. هذا مع غضّ النظر عن الجهة السندية.


وضرب أبنيته، وكان معه مئة راجل وخمسة وأربعون فارساً. ويتوسّط بينهما العلاّمة شمس الدين فيفترض أنّ العدد هو في حوالي المئة، قال(١) : وتقديرنا الخاص، نتيجة لِما انتهى بنا إليه البحث هو أنّ أصحاب الحسين الذين نقدّر أنّهم استشهدوا معه في كربلاء من العرب والموالي يقاربون مئة رجل أو يبلغونها، وربما زادوا قليلاً على المئة.

وربما يمكن تأييد ما توصّل إليه شمس الدين بما ورد في نصّ تأريخي قديم يسبق كتب التاريخ التي تنقل عن أبي مخنف، وهو كتاب (تسمية مَنْ قتل مع الحسين (عليه السّلام»(٢) للفضيل بن الزبير الأسدي، وهو من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السّلام)، أنّهم مئة وسبعة (١٠٧)، وقد ذكر أسماءهم.

ويمكن تقريب العدد أيضاً من خلال حساب الرؤوس التي وزّعها عمر بن سعد على القبائل المشاركة؛ فقد ذكر أنّه أعطى كندة ١٣ رأساً، وهوازن ٢٠، وتميم ١٧ رأساً، وبني أسد ٦ رؤوس، ومذحج ٧، وأعطى باقي الناس ١٣، ومجموع هذه الرؤوس يكون ٧٦ رأساً.

فإذا فرض أنّ بعض الرؤوس لم توزّع مثلما نُقل أنّ عشيرة الحرّ الرياحي قد أبعدت جنازته، وربما جنازة ابنه، عن ميدان المعركة، وأيضاً كان رأس الحسين (عليه السّلام) قد أُرسل إلى الكوفة عصر عاشوراء بيد خولي بن يزيد الأصبحي، فيكون العدد من هذه الناحية قريب الثمانين.

فإذا فُرض، كما يحتمل [البعض] أنّ رؤوس الموالي لم تكن في هذه المجموعات؛ لجهة أنّ أخذ الرؤوس كان لأجل الافتخار بين القبائل، ولم

____________________

١ - أنصار الحسين: الرجال والدلالات / ٤٩، ونرى أنّ المؤلّف قد بذل جهداً رائعاً في الكتاب لتحديد العدد ودلالاته، والكتاب حري بأن يُقرأ.

٢ - نشر في مجلة تراثنا عدد ٢ - عن مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.


يكن القضاء على الموالي عامل فخر عند القبائل العربية، لو صحّ هذا فإنّه يرفع العدد إلى ما يقرب من المئة؛ نظراً لعدد الموالي الموجودين بين أنصار الحسين (عليه السّلام).

وهناك نقطة جديرة بالاهتمام ذكرها في (أنصار الحسين)، وحاصلها: إنّ من أسباب الاختلاف في تعداد الشهداء (رضوان الله عليهم)، إضافة إلى تداخل بعض الأسماء مع بعضها الآخر، وسقوط بعضها، أنّ شهود العيان الذين نقل عنهم المؤرّخون غالباً ما كان يستخدمون التقدير بالرؤية البصرية من غير أن يقوموا بحساب الرجال وإحصائهم إحصاءً دقيقاً، ممّا يجعل إمكانية الاشتباه في التقدير كبيرة.

وكذلك فإنّ المؤرّخين ربما تحدّثوا عن حالات مختلفة؛ فبعضهم يتكلّم عن أصحاب الحسين الذين خرجوا معه من المدينة، وآخرون عن أصحابه الخارجين معه من مكة، وربما تحدّثوا عن بداية نزوله إلى كربلاء في عدد كذا.

والواضح أنّ هذه المراحل كانت تتغيّر فيها الأعداد بحسب التطوّرات، إلى أن جاء خبر مسلم بن عقيل، وأخبر الحسين (عليه السّلام) الأصحاب بما سيصير إليه أمرهم، واستقر هؤلاء على الشهادة انتهت حالات التغيّر في العدد لجهة النقص، ولكن حصل متغيّر آخر وهو أنّ قسماً من الجيش الأموي قد صاروا إلى جهة الحسين (عليه السّلام)، وقد سبق الحديث عنهم في أحد الأجوبة الماضية.



٢ - عدد النساء اللاتي كنّ في كربلاء

لا توجد فيما أعلم إحصائية تفصيلية عن عدد النساء اللاتي كنّ في ‏كربلاء في جانب المخيّم الحسيني، غير ما ذكره المحدّث القمّي(١) في كتابه (‏ نفس المهموم)، ناقلاً عن (الكامل) للشيخ البهائي(٢) ، وقد ورد فيها أنّ

____________________

١ - الشيخ عباس بن محمّد القمّي (١٢٩٤ - ١٣٥٩ هـ) واعظ مجيد، وكاتب مكثر، ومحدّث خبير، تتلمذ في الغالب على أستاذه الشيخ حسين النوري الطبرسي صاحب المستدرك، له ما يُقارب من ٦٠ مصنفاً. منها في السيرة مثل (كحل البصر في سيرة خير البشر)، و (منتهى الآمال في سيرة المعصومين)، و (نفس المهموم ونفثة المصدور في مقتل الحسين)، وفي الدعاء له الكتاب المشهور: (مفاتيح الجنان)،... وكتب أُخرى متنوّعة.

٢ - الشيخ محمّد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي الهمذاني الحارثي (٩٥٣ - ١٠٣١ ه‍ـ)، بهاء الدين، عالم أديب إمامي، من الشعراء. ولد ببعلبك، وانتقل به أبوه إلى إيران، ورحل رحلة واسعة، ونزل بأصفهان فولاّه سلطانها (شاه عباس) رياسة العلماء، فأقام مدّة ثمّ تحوّل إلى مصر. وزار القدس ودمشق وحلب وعاد إلى أصفهان، فتوفي فيها. الأعلام - خير الدين الزركلي ٦ / ١٠٢. =


عددهنّ كان ‏عشرين امرأة. وغير ما ذكره في (وسيلة الدارين في أصحاب الحسين)، وسوف نتعرّض إليه في الأخير. وسوف نحاول أن نستقرئ النصوص التاريخية بالمقدار ‏الممكن، وأن نخرج بصورة لا ندري إن كانت تطابق المذكور، أو الواقع ‏، أو تقاربه، وبأيّ مقدار.‏

أمّا النساء اللاتي ورد لهنّ ذكر صريح في الروايات التاريخية، أو ‏اشتهر حضورهنّ من خلال مواقفهنّ مع أقاربهنّ (الزوج، الأب، الولد ‏...) فيمكن رصد الأسماء التالية: ‏

١ - زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام)، وذكرها في الواقعة لا ‏يحتاج إلى توضيح.‏

‏٢ - أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام)، ومع أنّ المحقّق السيد ‏المقرّم (رحمه الله) قد ذكر في المقتل اتحاد الاسمين، وأنّه لم يكن هناك إلاّ ‏واحدة؛ فتارة تُذكر باسمها (زينب)، وأُخرى بكنيتها (أُمّ كلثوم)، إلاّ أنّ ‏ذلك خلاف الظاهر؛ ذلك أنّه كان لأمير المؤمنين (عليه السّلام) من البنات ‏مَنْ تُسمّى زينب، وكان له مَنْ تُسمّى أُمّ كلثوم.

وقد نصّ عليه عدد من ‏مؤلّفي الأنساب، وأيضاً فإنّ الروايات التاريخية تتحدّث عنهما، ولا نرى ‏ملجأً يلجأ المؤرّخ إلى القول بالاتّحاد. ‏

____________________

= ذكره في الكُنى والألقاب، قال: مجدّد المذهب على رأس المئة الحادية عشر، انتهت إليه رئاسة المذهب والملّة. له تصنيفات وتأليفات متعدّدة، منها (حبل المتين)، و (مشرق الشمسين والربعين)، و (الجمع العباسي)، و (الكشكول)، و (المخلاة)، و (العروة الوثقى)، و (نان وحلوا والزبدة)، و (الصمدية)، و (خلاصة الحساب)، و (تشريح الأفلاك)، و (الرسالة الهلالية)، و (مفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة)، و (الإثني عشريات)، و (التهذيب)، والحواشي على الفقيه، وعلى خلاصة الرجال، وعلى الكشاف والبيضاوي وغيرها.


‏٣ - فاطمة ‏ بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام)، وقد ورد ذكرها في أكثر ‏من موضع، منها في الشام عندما نظر إليها الشامي وأراد أن يأخذها ‏جارية، ولها حوار مع زينب في طريق العودة من الشام، وهي زوجة أبي ‏سعيد بن عقيل بن أبي طالب الذي استشهد من أولاده محمّد في كربلاء. ‏

‏٤ - خديجة ‏ بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام)، زوجة عبد الرحمن بن ‏عقيل الذي استشهد في كربلاء مع الإمام الحسين (عليه السّلام)، ومن ‏الطبيعي أن تكون معه زوجته في تلك الرحلة. ‏

‏٤ - الرباب بنت امرئ القيس زوجة الإمام الحسين (عليهما السّلام) وأُمّ ‏عبد الله الرضيع، ومعها أيضاً ابنتها.

‏٥ - سكينة بنت الإمام الحسين (عليهما السّلام)، ودورها في كربلاء وتفاصيل الواقعة ‏معروف.‏

‏٦ - رقية بنت الإمام الحسين التي روي أنّها توفيت في ‏الشام.‏

‏٦ - حميدة بنت مسلم بن عقيل (عليهم السّلام)، حيث ورد ذكر لها أنّ الحسين (عليه ‏السّلام) لمّا جاءه خبر شهادة أبيها، وهو في منطقة زرود، أجلسها في حجره ‏، ومسح على رأسها، وأخبرها بخبر أبيها، ومن الطبيعي أن تكون معها أُمّها ‏‏.‏

‏٧- رقية بنت أمير المؤمنين (عليهما السّلام)، والتي استشهد زوجها ‏مسلم في الكوفة، بينما استشهد ابنها عبد الله في كربلاء، أصابه سهم فأثبت ‏يده في جبهته، بعدما قتل من الأعداء عدداً كبيراً.‏

‏٨- أُمّ وهب ‏ ‏(قمر بنت عبد) زوجة عبد الله بن عمير الكلبي، ‏التي كانت مع زوجها، وهي التي خرجت بعده تشجّعه على القتال كما ‏كانت معه. ‏


‏٩- أُمّ عبد الله بن عمير، وهي التي كانت تشجّع ابنها على القتال ‏حتى إنّه لمّا رجع وقال لها: أرضيت عنّي؟ قالت: ما رضيت، أو تقتل بين ‏يدي الحسين (عليه السّلام).‏

‏١٠- أُمّ عمر بن جنادة بن الحارث السلمي، وهو الغلام الذي قُتل أبوه في المعركة، وخرج فردّه الحسين (عليه ‏السّلام) قائلاً:«هذا غلام قد قُتل أبوه الساعة، ولعلّ أُمّه تكره خروجه» . ‏

فقال الغلام: أُمّي أمرتني بذلك. فقاتل حتّى قُتل، فأخذت أُمّه عموداً ‏وخرجت وهي تقول: ‏

أنا عجوزٌ في النساء ضعيفهْ

خاويةٌ باليةٌ نحيفهْ

أضربكم بضربة عنيفهْ

دون بني فاطمة الشريفهْ

‏١١ - جارية لمسلم بن عوسجة، فإنّه لمّا قُتل خرجت من خبائه جارية ‏وهي تنادي: وا مسلماه! وا ابن عوسجتاه!‏

‏١٢ - أُمّ عبد الله (أو عبيد الله) بن الحسن المجتبى (عليه السّلام)، ‏وهو (غلام لم يراهق، خرج من عند النساء وهو يشتدّ حتّى وقف إلى ‏جنب الحسين)، وكان الحسين (عليه السّلام) صريعاً على الأرض؛ فإنّه من الطبيعي في ‏مثل ذلك السن أن يكون مع أمّه.

وقد ذكر بعضهم - كما في (إبصار العين) للسماوي - أنّ أُمّه كانت تنظر إليه، ولا أعلم هل هذه رواية، أو هو استنتاج من واقع كونه صغير السنّ، وأنّه لا يمكن أن يكون من دون أُمّه. وهكذا الحال بالنسبة إلى:‏

‏١٣ - فاطمة بنت الحسن المجتبى (عليهما السّلام) زوجة الإمام زين ‏العابدين وأُمّ الباقر (عليهما السّلام)، فإنّ الباقر وهو في سن الثالثة، أو الرابعة على ما قيل، لا يمكن أن يكون منفرداً عن أُمّه.‏

١٤ - زوجات الشهداء الذين كانوا في المعركة: إنّنا نحتمل أنّ عدداً من


الذين خرجوا مع الحسين (عليه السّلام) قد اصطحبوا زوجاتهم معم، فليس طبيعياً في المجتمع العربي والمسلم أن يخرج الرجل في سفر بعيد(١) ، كالذي حصل مع الحسين من المدينة إلى مكة ومنها إلى كربلاء، ولم يكن ذلك السفر معلوماً في توقيت العودة، أو أصلها.

أقول: ليس طبيعياً أن يترك الرجل زوجته أو زوجاته ويخرج في سفر عنهنّ منفرداً، خصوصاً مثل ذلك السفر الحسيني. وهذا الاستقراب لا يرقى إلى كونه دليلاً مثبتاً لوجود هذه النساء، ولكنّه بحسب الاحتمالات يكون محتملاً جدّاً.

* ومثلما ذكر المؤرّخون عن مسلم بن عوسجة أنّه لمّا قُتل خرجت من خبائه جارية منادية: وا مسلماه! فإن كان المقصود بالجارية: البنت الصغيرة من بناته فهو يشير إلى وجود نساء معها كأُمّها مثلاً، وإن كان المقصود بالجارية الأمة المملوكة، فكذلك إذ يبعد أن يصطحب مثل مسلم جارية ولا يصطحب زوجته. ولعلّها على التقدير الثاني كانت لخدمتهما.

* وهكذا مثل العباس ابن أمير المؤمنين (عليهما السّلام) يبعد أن يكون من دون زوجته لبابة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ فإنّه وإن لم يذكر في روايات الواقعة شيء عن زوجته إلاّ أنّ ذلك لا يُنافي وجودها، فإنّ الدواعي لعدم ذكر النساء مع عدم وجود موقف متميّز، أو حادثة ملفتة للنظر أكثر من دواعي الذكر.

* ونفس الكلام يأتي بالنسبة إلى علي الأكبر بن الحسين (عليهما السّلام).

____________________

١ - نشير في هذا المجال إلى أنّ زهير بن القين كان خارج الكوفة، وكان معه زوجته دلهم (ديلم) بنت عمرو، وكان لها دور في تشجيعه على الالتحاق بالحسين (عليه السّلام)، وعندما علم بأنّه ذاهب للشهادة وكّل بها مَنْ يردّها إلى أهلها.


ثمّ إنّ السيد الزنجاني قد ذكر في كتابه(١) (وسيلة الدارين في أنصار الحسين (عليه السّلام»، عدداً كبيراً في البداية هو عدد الذين خرجوا معه، ناقلاً ذلك عن (معالي السبطين)، فقال: إنّه لمّا أراد الحسين الخروج من المدينة اجتمع عنده أولاده وزوجاته، وإخوانه وأخواته، وبنو عمومته وأولاد أخيه الحسن، وبناته، ومواليه والجواري والخدم، وهم من حيث المجموع (٢٢٢) نفراً، وهم الذين خرجوا مع الحسين من المدينة إلى مكة ثمّ إلى العراق.

ثمّ أمر بإحضار ٢٥٠ من الخيل للركوب، وفي خبر آخر ٢٥٠ ناقة، وأمر بـ ٧٠ ناقة للخيم، و٤٠ ناقة لحمل القدور والأواني، و٣٠ ناقة لحمل الراوية والقرب لأجل الماء، و ١٢ ناقة لحمل الدراهم والدنانير، والحلي والحلل، والجواهر والزعفران، والعطريات والورس والأثواب اليمانية... (أي أن مجموع النياق = ٤٠٢ ناقة)(٢) .

ثمّ ذكر في آخر الكتاب مازجاً كما يظهر بين ما ذكره المازندراني في (معالي السبطين)، وما توصّل إليه أو يوافقه عليه ما حاصله: أنّ مجموع النساء كنّ ٤٢ امرأة، ومعهنّ من البنات ١٠، ومن الجواري ٩، فيكون المجموع على هذا ٦١ امرأة وبنتاً وجارية.

وفي التفاصيل: ذكر أنّ (٨) من زوجات أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد حضرنَ كربلاء، ومن نساء الإمام الحسن (عليه السّلام) (٥)، ومن بناته (٤).

وأنّه قد حضر (١٢) من أخوات الإمام الحسين (عليه السّلام).

ولا نعلم في الواقع عن المصدر التاريخي، أو الروائي الذي استقى منه

____________________

١ - وسيلة الدارين / ٥٢.

٢ - ربما يكون لنا وقفة لمناقشة الراوية التي تنقل كيفية خروج الحسين (عليه السّلام) من المدينة، في هذا القسم أو تاليه.


المازندراني (رحمه الله)(١) معلوماته، لكن يُشكل قبول هذه الإحصاءات بنحو مطلق، وينبغي التأمّل فيها.

* فإنّه قد ذكر أنّ أمامة بنت أبي العاص العبشمية زوجة أمير المؤمنين (عليه السّلام) كانت من جملة مَنْ حضر، ولا يمكن قبول ذلك؛ فإنّها بعدما تزوّجها أمير المؤمنين (عليه السّلام) واستشهد عنها، أوصاها أن تجعل أمرها إلى المغيرة بن نوفل بن الحارث المطلبي(٢) ؛ لأنّ معاوية قد يخطبها، ففعلت وتزوّجها، وتوفيت قبل سنة (٥٠) للهجرة، أي قبل الواقعة بأحد عشر سنة.

ويدلّ عليه إضافة إلى نصّ الكثير عليه، وذكرها أنّها (ماتت عند المغيرة بن نوفل في دولة معاوية بن أبي سفيان)(٣) ، ما رواه في الوسائل من حضور الحسن والحسين (عليهما السّلام) وصيّتها، وقد اعتقل لسانها(٤) وماتت على ذلك(٥) .

* ومع أنّ نساء أمير المؤمنين (عليه السّلام) كنّ كثيرات (ما بين حرائر وأُمّهات أولاد)، إلاّ أنّ التأريخ لا يذكر بصراحة عدد الباقيات منهنّ بعده إلاّ نادراً، فلا أعلم من أين استقى الشيخ المازندراني (رحمه الله)

____________________

١ - معالي السبطين ٢ / ٢٢٦.

٢ - المغيرة بن نوفل بن الحارث من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام)، والحسن، له مع معاوية مناظرات في الدفاع عن أهل البيت (عليهم السّلام)، وكان سريع البديهة، حديد اللسان، كان مع الإمام الحسين (عليه السّلام) في خروجه، وأصابه مرض في الطريق فعزم عليه الحسين أن يرجع، فرجع. ولمّا بلغه قتل الحسين (عليه السّلام) رثاه. عن تهذيب المقال - للسيد محمّد علي الأبطحي ٢.

٣ - سير أعلام النبلاء للذهبي ١ / ٣٢١.

٤ - وسائل الشيعة ١٩ / ٣٧٣، وتراجع ترجمتها في كتاب (نساء حول أهل البيت) للمؤلّف.

٥ - مستدرك الوسائل ١٥ / ٤٧٤.


هذه المعلومات عن كونهنّ كلّهنّ على قيد الحياة(١) ، وتأكيد سفرهنّ مع الحسين (عليه السّلام).

وقد ذكر أنّ من زوجات علي (عليه السّلام) اللاتي كنّ في كربلاء، ليلى بنت مسعود الدارمية النهشلية، ولا يمكن قبول ذلك؛ فإنّها قد تزوّجت بعد أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعبد الله بن جعفر الطيار، وبهذا صرّح أكثر أهل الرواية والأثر(٢) ، وجمع بينها وبين زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وليس من الطبيعي أن تترك زوجها عبد الله بن جعفر لتذهب في سفر مع الحسين (عليه السّلام) خصوصاً أن زوجته الأُخرى زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد ذهبت في ذلك السفر.

* كما إنّهما ذكرا(٣) في ضمن مَنْ خرج من المدينة إلى مكة، (شاه زنان) شهربانو أُمّ زين العابدين (عليه السّلام)، بتلك الكيفية التي ذكراها، بينما المشهور عند المؤرّخين أنّها توفيت في نفاسها بزين العابدين(٤) ، أي قبل تلك الواقعة بما يزيد على اثنين وعشرين سنة.

وأظنّ - والله العالم - أنّ العدد الذي ذُكر إضافة إلى اختلافه ما بين المذكور في الخروج من المدينة والموجود في كربلاء، حيث ذكر في الأوّل

____________________

١ - نعم، يمكن استصحاب بقائهنّ إلى ذلك الوقت، لكن لا يمكن به إثبات سفرهنّ؛ باعتبار أنّه من اللوازم العادية لوجودهنّ في تلك الأجواء.

٢ - ذكر ذلك الشوكاني في نيل الأوطار ج ٦، والبيهقي في السنن الكبرى ج ٧، وابن حجر في تهذيب التهذيب ج ٨.

٣ - وسيلة الدارين / ٥٣.

٤ - الخرائج والجرائح - قطب الدين الراوندي ٢ / ٧٥١، وقبل ذلك ذكر الصدوق في عيون أخبار الرضا ١ / ١٣٥، في رواية أنّها ماتت نفساء بابنها زين العابدين.


أنّه كان (٢٢٢) وهو غير العدد الذي التحق بالحسين في مكة وفي الطريق إلى كربلاء من الرجال (وبعضهم مع نسائهم وأطفالهم)، وطرحنا منه عدد الشهداء الرجال وهو أكثر من المئة بقليل، فيبقى عدد النساء والأطفال شيئاً بحدود المئة وعشرين، وهو يخالف النتيجة التي وصلوا إليها. وهي أنّهنّ كنّ بحدود (٦١) فهو قريب نصف العدد المذكور قبلئذ، إلاّ أن يُقال أنّ الأطفال الصغار كان عددهم يُقارب هذا أيضاً.

أقول: إضافة إلى اختلاف العدد المذكور بين الحالين بمقدار كبير، فإنّه يعتبر بنفسه عدداً كبيراً جدّاً، لا يساعد عليه النقل التاريخي؛ فإنّ افتراض أنّ كلّ مَنْ كانت زوجة لأمير المؤمنين (عليه السّلام)، أو زوجة للإمام الحسن، أو الحسين (عليهما السّلام)، أو أُمّاً لواحد من الشهداء، افتراض أن يكون كلّ اُولئك قد حضرنَ - بالضرورة - في كربلاء، مع عدم نقله صراحة ولا تلميحاً ولا إشارة ممّا لا ينبغي الركون إليه.

وهذا المعنى لا ينافي ما ذكرناه في أوّل الحديث من (أنّنا نحتمل أنّ عدداً من الذين خرجوا مع الحسين (عليه السّلام) قد اصطحبوا زوجاتهم معم، فليس طبيعيّاً في المجتمع العربي والمسلم أن يخرج الرجل في سفر بعيد(١) ، كالذي حصل مع الحسين من المدينة إلى مكة ومنها إلى كربلاء، ولم يكن ذلك السفر معلوماً في توقيت العودة أو أصلها.

أقول: ليس طبيعيّاً أن يترك الرجل زوجته أو زوجاته ويخرج في سفر عنهنّ منفرداً، خصوصاً مثل ذلك السفر الحسيني؛ فإنّنا في هذا المقطع نثبت مجيء عدد من

____________________

١ - نشير في هذا المجال إلى أنّ زهير بن القين كان خارج الكوفة، وكان معه زوجته دلهم (ديلم) بنت عمرو، وكان لها دور في تشجيعه على الالتحاق بالحسين (عليه السّلام)، وعندما علم بأنّه ذاهب للشهادة وكّل بها مَنْ يردّها إلى أهلها.


نساء الشهداء وذلك في الجملة، بينما ننفي كلّية ذلك، أي أنّ كلّ مَنْ كان من الشهداء فإنّ أُمّه مثلاً قد كانت معه، أو أنّ كلّ مَنْ كان زوجات الإمام علي (عليه السّلام) فإنّها قد حضرت في كربلاء!

وبناء على ما تقدّم فإنّنا نستبعد العدد الذي يذكره في وسيلة الدارين، والذي ينهي إلى أنّ عدد النساء كنّ بحوالي (٦١) امرأة حتّى لو أضفنا إليهنّ عدد الجواري.

ونستقرب أن يكون العدد الذي ذكره الشيخ البهائي في الكامل - بالرغم أنّنا لا نعرف مستنده في هذا العدد، وأنّه هل هو رواية عن المعصومين مثلاً، أو نقل من بعض المؤرّخين المتقدّمين - هو الأقرب للقبول، وأنّهنّ كنّ في حوالي العشرين أو أكثر بقليل، وهو الموافق فيما نعتقد للسير الطبيعي للحوادث، ولكنّ هذا العدد لا يشمل الأطفال.

ونعتقد أنّ الذين التحقوا بالحسين (عليه السّلام) فيما بعد لم يكونوا قد اصطحبوا نساءهم في الغالب، فالذين جاؤوا من البصرة (العبديين) جاؤوا منفردين، والذين التحقوا بالحسين (عليه السّلام) من الكوفة في خلسة من الحراسات المسلّحة، مثل حبيب بن مظاهر، أو على أثر مواجهة معها مثل الدالاني، أو من خلال خروجهم مع الجيش الأموي أيضاً (كالذين تقدّم ذكرهم في ذيل سؤال عن الذين تحوّلوا) كذلك، والذين حصل لهم التحوّل بعدما كانوا ضمن الجيش الأموي كذلك(١) ، كما إنّ الذين التحقوا به في الطريق لم يُذكر أنّهم كانوا مع نسائهم غير (جنادة بن الحارث السلمي)، و (عبد الله بن عمير)، وأمّا (زهير بن القين) فقد

____________________

١ - يراجع سؤال: عدد الذين التحقوا بمعسكر الحسين (عليه السّلام) من الجيش الأموي، في هذا الكتاب.


أرسل زوجته إلى الكوفة ولم تحضر الواقعة.

ويمكن أن يُقال: أنّ هذا العدد كان عدد النساء من أهل البيت (عليهم السّلام) ومَنْ يرتبط بهم من نسائهم، وقد يكون هناك عدد آخر يُضاف إليه، هو عدد النساء من غير أهل البيت (عليهم السّلام)، وقد كنّ معهنّ في كربلاء، ويفترض أنّهنّ في الكوفة قد عُدنَ إلى أهاليهنّ.



المصادر:

بعد القرآن الكريم.

ابن الأثير - علي بن محمّد الشيباني - أسد الغابة في معرفة الصحابة - مطبعة إسماعيليان - طهران.

ابن سعد - محمّد - الطبقات الكبرى - دار صادر - بيروت.

ابن شعبة الحراني - تحف العقول - مؤسسة النشر الإسلامي - قم ١٤٠٤ هـ.

ابن طيفور - أبو الفضل - بلاغات النساء - مكتبة بصيرتي - قم - إيران.

ابن كثير الدمشقي - إسماعيل - البداية والنهاية - دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٤٠٨ هـ.

الباعوني الشافعي - محمّد بن أحمد - جواهر المكالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب - مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - قم ١٤١٤ هـ.

الحر العاملي - محمّد بن الحسن - تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة - مؤسسة آل البيت - قم ١٤١٤ هـ.

الذهبي - محمّد بن أحمد بن عثمان - سير أعلام النبلاء - مؤسسة الرسالة - دمشق ١٤١٣ هـ.

الراوندي - قطب الدين - الخرائج والجرائح - مؤسسة الإمام المهدي - قم.

الزركلي - خير الدين - الأعلام - دار العلم للملايين - بيروت ١٩٨٠ م.

الطبراني - الحافظ سليمان بن أحمد - المعجم الأوسط - دار الحرمين.

الطبراني - الحافظ سليمان بن أحمد - المعجم الكبير - دار إحياء التراث العربي - بيروت.

القمي - عباس بن محمّد - الكنى والألقاب - مكتبة الصدر - طهران ١٤٠٩ هـ.


القندوزي الحنفي - سليمان بن إبراهيم - ينابيع المودة لذوي القربى - دار الأسوة - طهران ١٤١٦ هـ.

كارنيجي - ديل - فن الخطابة - عالم الكتب - بيروت ١٤٢٠ هـ.

الكليني - محمّد بن يعقوب - الكافي - دار الكتب الإسلاميّة - طهران ١٣٨٨ هـ.

النجاشي - أحمد بن علي - فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي) - مؤسسة النشر الإسلامي - قم.

النوري الطبرسي - ميرزا حسين - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل - مؤسسة آل البيت - قم ١٤٠٨ هـ.

شريفي - محمود وآخرون - موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السّلام) - دار المعروف - قم ١٤١٦ هـ.

شمس الدين - محمّد مهدي شمس الدين - أنصار الحسين (الرجال والدلالات) - الدار الإسلاميّة - بيروت ١٤٠١ هـ.

فوزي - محمّد - التشكيك كيف واجهه أهل البيت - دار الفردوس - بيروت ١٤١٠ هـ.

المقرّم - عبد الرزاق - مقتل الحسين (عليه السّلام) - دار الشريف الرضي - قم.

نظري منفرد - علي - قصة كربلاء - دار المحجّة البيضاء والرسول الأكرم - بيروت ١٤٢٢ هـ.


فهرس الأسئلة:

سؤال: هل الذهاب إلى العمل يوم العاشر حرام؟ وهل يجب التصدّق بما كسبه ذلك اليوم؟ ٢٩.

سؤال: من الملاحظ أنّ الإمام الحسين قال في أثناء خروجه من المدينة كلاماً، وأثناء خروجه من مكة كلاماً آخر، وفي الطريق غيره، وهكذا في كربلاء، كيف تفسرون تعدد لحن هذه الكلمات، والمعاني المختلفة فيها؟ ٣٢.

سؤال: كيف توفقون بين كون جابر بن عبد الله كفيف البصر في كربلاء حيث كان يقوده خادمه أو غلامه عطية، وبين كونه قد رأى الإمام الباقر في المدينة وهو صغير، فقال: شمائل كشمائل رسول الله، ثم بلغه سلام النبي؟ فإن كان كفيفاً كيف رأى الباقر ٣٩.

فكيف كان كفيفاً في الأربعين (العشرين من صفر)؟ ٤٠.

سؤال: حول موضوع الشعائر الحسينيّة العزائية، وبالذات حول التطبير فقد كثر الكلام حوله بين مؤيد بقوة، وبين محرّم له وناهٍ عنه، يشنع على مَنْ يقومون به؟ وأخذ الأمر بعداً اجتماعياً مما يخشى معه أن يتحوّل إلى صراع، فما هو الموقف الشرعي من ذلك؟ وما هي حقيقة الاختلاف بين المجوزين والمانعين؟ ٥٠.

سؤال: هل كان الحسين ملاحقاً من أعوان يزيد واضطر أخيراً إلى خوض معركة أم كان ثائراً؟. ٦٠.

سؤال: ألا يخشى أن تؤدي كثرة التدقيق في مسائل السيرة ونفي بعضها إلى تقليل ولاء أتباع أهل البيت، التأثير سلباً على الاعتقادات الأخرى، فيكون فتح هذا الباب سيئاً لأجل هذه الأثر السيئ؟. ٦١.

سؤال: هل كال الشيعة يحيون عاشوراء بنفس ترتيب الأيام المعروفة لدينا، مثل كون السابع خاصاً بالعباس وهكذا؟ وكيف وضعت


هذه الأيام ومن كان واضعها؟ وكيف كانوا يحيونها قبل هذا الترتيب؟ ٦٣.

سؤال: ألا تعتقدون أنّ كثيراً من المواكب العزائية لا تنتج شيئاً، فما أن ينتهي موسم المحرم حتّى يعود كل شيء إلى مكانه وتُنسى الشعارات التي رُفعت أيام المحرم، بل إن ٦٧.

سؤال: هل خرجت زينب بعد مصرع الحسين عصراً، أو أنّها خرجت في الليل فقط كما يرى ذلك بعض خطباء المنبر؟ ٦٩.

سؤال: هل قُتل الحسين بأمر من يزيد، أو أنّ ابن زياد تصرّف من قبل نفسه؟ فإنّنا قد نقرأ في بعض الكتب أنّ يزيد لم يكن راضياً بقتله، وإنّما كان ابن زياد هو الذي تعجّل عليه ٧٤.

سؤال: لماذا لم نجد عدداً من الصحابة المخلصين مع الحسين؟ مثل: جابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفيّة، وعبد الله بن جعفر، وابن عباس، وغيرهم ٧٨.

سؤال: عن حميد بن مسلم، مَنْ هو وما قيمة رواياته التاريخية؟ فإنّنا نرى الكثير يعتمد عليه في سرد قضايا كربلاء، ألا يخل كونه في معسكر بني أُميّة بعدالته، وبالتالي يفسد الاعتماد على رواياته؟ ٨١.

سؤال: كم كان عدد الذين انتقلوا إلى معسكر الإمام الحسين من الجيش الأموي؟ ٩٤.

سؤال: مَنْ الذي أجهز على الإمام الحسين، ومَنْ احتز رأسه، هل هو سنان أو شمر الضبابي؟ ١٠٠.

سؤال: كيف يتم التوفيق بين ما ورد من استحباب الاغتسال التطيّب لزيارة الحسين، كما فعل جابر بن عبد الله حيث اغتسل ونثر على نفسه صرّة سعد، وبين ما ورد أنّه يزور ١١٣.

سؤال: هل كان أبو الفضل العباس ناسياً لعطش الحسين عندما اقتحم نهر الفرات، فتذكر عطش الحسين لما أراد الشرب، وألم يكن المناسب أن يشرب الماء لكي يتقوى على قتال الأعداء، أو كان يجب عليه الشرب لكي يحافظ على نفسه من الهلاك؟ ١١٨.


الفهرس

مقدّمة ٥

المنبر الحسيني بين التطوير والتكلّس ٧

مبادئ وآليات في التطوير ١٣

مجالات التطوير المقترحة ١٥

مجال الرثاء والتعزية ١٥

مجال المواضيع والمضمون ١٨

الخطيب والمستوى العلمي ٢٠

الالتزام بالإعداد المناسب للحديث ٢٢

مجال الأداء والكيفية ٢٥

تطوير الخطابة النسائية ٢٥

الخطابة للأطفال ٢٧

أسئلة في السيرة والنهضة ٢٩

فكيف كان كفيفاً في الأربعين (العشرين من صفر)؟ ٤٠

عطية بن سعد بن جنادة العوفي توفي سنة ١١١ هـ ٤٠

الاحتمالات الموجودة ٤٤

مناقشة الاحتمالات ٤٦

تذييل في احتمالات كيفية اللقاء وصوره المختلفة ٤٩

فمما استدل به المجوّزون: ٥٣

وممّا استدل به المانعون: ٥٧

نهاية المطاف: ٥٨

تتبّع روايات حميد: ٨٤

محاولة ترسيم لشخصية حميد بن مسلم: ٩٠


ملحق ١٢٣

١ - عدد الأصحاب ١٢٥

٢ - عدد النساء اللاتي كنّ في كربلاء ١٢٩

المصادر: ١٤١

فهرس الأسئلة: ١٤٣


من قضايا النهضة الحسينية الجزء ٢

من قضايا النهضة الحسينية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: فوزي آل سيف
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 146