بسم الله الرحمن الرحيم
التشريع وملابسات الأحكام عند المسلمين (٥)
منع تدوين الحديث
قراءة في منهجة الفكر
وأُصول مدرستي الحديث عند المسلمين
السيّد علي الشهرستاني
تمتاز هذه الطبعة بتنقيح وإضافات قيّمة من المؤلِّف.
دار الغدير
الإهداء:
إلى روَّاد التدوين من السلف الصالح
إلى مَن يسير على هديهم فكراً ونهجاً ومعتقداً
إلى رجال الشريعة.. طلبة وأساتذة وباحثين
إلى كلّ متطلّع إلى الحقيقة ومتحرِّرٍ من قيود التقليد والجمود
وإلى كلّ عقلٍ حرٍّ، وفطرةٍ سليمةٍ، وفكرٍ أصيل
أهدي دراستي هذه
المؤلّف
كلمة الناشر
صدرت الطبعة الأُولى من هذا الكتاب قبل سبعة أعوام، وبعد أشهر أعادت مؤسسة الأعلمي طبعه في بيروت، وفي الثلاثاء ١٧ شوّال ١٤٢٢ - الأوّل من يناير ٢٠٠٢ م، نشرت جريدة (الجمهورية اولاين) المصرية وضمن إصداراتها الأُسبوعية (عقيدتي) حقل قصص الحق هذا الخبر:
قرّر مجلس مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في اجتماعه الأسبوع الماضي برئاسة الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر استطلاع رأي علماء جامعة الأزهر في مسألة تعريب العلوم بالجامعات... إلى أن قال:
كما وافق المجمع على التقارير الثلاثة التي تقدّم بها الدكتور محمد عمارة حول بعض الكتب.... والموافقة على تداول كتاب منع تدوين الحديث للسيد علي الشهرستاني.
وفي عام ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م طبع الأُستاذ عاطف الجبالي مدير (مركز الفجر للدراسات والبحوث - مصر) خلاصة هذا الكتاب الذي أعدّه وطبعه مركز الأبحاث العقائدية في قم قبل سنوات للمرّة الثانية.
إنّ كتاب (منع تدوين الحديث) قد لاقى اهتمام الباحثين في الوطن الإسلامي وخارجه، فهم ما بين مؤيّد له وبين مخالف؛ لأنّ الكاتب كان قد طرح في كتابه رؤية جديدة في سبب منع الشيخين من تدوين حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، موضّحاً فيه ارتباط هذا المنع وتأثيره على قيمة المجاميع الحديثية الموجودة اليوم عند المسلمين، مؤكّداً على
إحدى المجموعتين بأنّها هي الأوثق والأقرب للواقع، والأبعد عن الدوافع.
فإنّ طرح مسألة مهمّة كهذه، لحريّ أن يلاقي التأييد والتشجيع من البعض، والمضادّة والمخالفة من الآخر؛ لأنّه يرتبط بثاني أصل من أُصول التشريع الإسلامي، ألا وهو السنّة النبوية المطهّرة.
وقد تجاوز النقاش حول هذا الكتاب من مجالس الفضلاء، وأندية الباحثين إلى أروقة الجامعات والرسائل الجامعية، فقد كتب عماد السيد الشربيني كتاباً أسماه (السنّة النبوية في كتابات أعداء الإسلام) أشار فيه إلى عقائد الشيعة الإمامية وآراء مؤلّف هذا الكتاب على وجه الخصوص، كما أشار إلى آراء غيره ممّن سمّاهم أعداءً للسنّة المطهّرة.
وقد انبرى بعض الفضلاء، وهو الأُستاذ الكاتب الشيخ قيس العطّار للإجابة عن افتراءات الشربيني، وتهمه الموجّهة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على نحو الخصوص، مدافعاً عن السنّة النبوية ومبادئ الرسول الأعظم، التي حملها أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، موجّهاً عتابه إلى كلّيّة أُصول الدين / الأزهر في كتاب أسماه (كتاب وعتاب / رسالة مفتوحة إلى كلية أُصول الدين - الأزهر)؛ وذلك لاعتقاده بأنّ الكتاب لا يستحق الرد؛ ولأجل ذلك وجّه عتابه إلى مشايخ الأزهر وأساتذة كلّيّة أُصول الدين لا إلى الشربيني، وقد طبعت دارنا هذا الكتاب في العام المنصرم، ولاقى قبولاً حسناً واستقبالاً منقطع النظير من القرّاء الكرام.
ولمّا كان موضوع كتاب الشيخ العطار يرتبط بكتاب (منع تدوين الحديث ) في أحايين كثيرة، وأنّ الأخير كان قد نفد من الأسواق، فطلبنا من سماحة السيد المؤلّف أن يجيزنا في طبعه للمرة الثالثة فاستجاب لطلبنا، وله منّا جزيل الشكر وفائق الامتنان.
مقدّمة الطبعة الثالثة
ها أنا ذا أقدم للباحثين الطبعة الثالثة من كتابي، وأنا مسرور بإقبال الباحثين والفضلاء والعلماء عليه، مشيراً إلى أنّ طلب (دار الغدير) في تجديد طبعه، و (مؤسسة أنصاريان) في ترجمته إلى اللغة الإنجليزية؛ كانا العاملين المحفّزين اللذين دعياني لإعادة النظر فيما كتبته قبل سنوات حول منع تدوين الحديث.
وقد سعيت أن لا تخرج تصحيحاتي وملاحظاتي على الكتاب - في إطارها العام - من الشكل والصورة إلى التأثير على الفكرة والمنهج، فصقلت بعض عبارات الكتاب، وأضفت بعض الشيء إلى مادّته الوثائقية، وحذفت الآخر منه، وقدّمت بعض الجمل وأخّرت أُخرى، وفتحت بعض أفكاري التي أحسست بأنّ فيها بعض الغموض على غير المختصّين من القرّاء، فجاءت هذه الطبعة مزيدة منقّحة والحمد لله.
وحيث إنّ محاولتي - فيما أعلم - كانت الأُولى من نوعها؛ لأنّ ربط قضية منع تدوين الحديث بتاريخ الإسلام والاختلافات الناتجة بعدها، ثم التركيز على الأُصول العقائدية والبنى التحتيّة للأفكار المتوارثة عند المسلمين، وكيفيّة تأسيس الأُصول في الشريعة واختلاف المناحي الفكرية عند المسلمين، كل ذلك مع إعطائنا تفسيراً فكرياً عقائدياً اجتماعياً للأحداث، أخرجت قضية منع تدوين الحديث من كونها بحثاً في قضية علمية تخصّصية جافّة إلى بحث استراتيجي حيوي في الشريعة والحياة.
ولست أدّعي بأنّي قد أحطت بكل جوانب هذه المسألة، لكنّي بذلت ما في وسعي
للوصول إلى الحقيقة المنشودة، راجياً من الله أن يكون الصواب حليفي، وإلاّ فلتسعه عين الرضا.
وممّا يجب أن لا نتغافله هنا، هو شكرنا لجميع مَن تفاعل معنا في هذه الدراسة من: باحثين وعلماء وكتّاب ومفكّرين - سنّةً وشيعة - خصوصاً الذين أبدوا آراءهم حول الكتاب سلباً أو إيجاباً، وصحّةً أو سقماً، فإنّ ملاحظات أمثال هؤلاء قد خدمت الفكرة وطوّرتها وسدّت لنا بعض الفجوات، أخصّ بالذكر فضيلة الأخ المحقّق شاعر أهل البيت (عليهم السلام) الشيخ قيس العطار الذي قرأ الكتاب من أوّله إلى آخره، وأفادني بملاحظاته وتعليقاته فللّه درّه وعليه أجره.
كما أشكر الأخوين العزيزين: سمير الكرماني وأحمد البياتي؛ لضبط الأوّل نصوص الكتاب وتوحيده لمصادره وطبعاته، واعتناء الثاني بصفّ حروف هذه الطبعة.
سائلاً سبحانه أن يوفّق جميع العاملين في حقل الفكر والتراث الإسلامي.
المقدّمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّدٍ خاتم النبيّين وإمام المرسلين، وعلى آله الطيّبين، وصحبه المنتجبين إلى قيام يوم الدين، وبعد:
إنّ ممّا لا ريب فيه هو: أنّ الأديان السماويّة جميعاً كانت تبتني على أُسس فكريّة، ومبانٍ تشريعيّة، وأُصول محكمة في طرحها النظريّ والعمليّ لمسألة الدين وما فيه صلاح للبشر.
ولا يخفى أنّ الدين الإسلاميّ الحنيف كان في طليعة الأديان السماويّة، وأكثرها احتكاكاً بالحياة، وأنجحها تطبيقاً لمبادئه على الصعيد العمليّ، باعتبار تصدّيه لريادة وقيادة مختلف الأُمم على مدى عصور متتالية.
فمن المنطقيّ إذاً أن يمتلك هذا الدين الرصيد الأعلى من الأُسس والمباني والأُصول في تفكيره وطرحه، فكان الكتاب العزيز والسنّة النبويّة الشريفة هما أوّل وأكبر منهلين استُلهِمت منهما بيانات وأحكام الدين الإسلاميّ.
وقد انفرد هذا الدين العظيم عن الأديان السماويّة: بأن تكفّل الله سبحانه وتعالى حفظ كتابه من الضياع والاندثار والتحريف، فقال سبحانه:( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) (١) فلم يكن مصير القرآن المجيد مصير التوراة والإنجيل، وباقي الكتب السماويّة، التي طالتها يدُ التحريف والتزييف والتبديل.
إلاّ أنّ المصدر التشريعيّ الثاني أعني: سنّة رسول الله قد مُني بالوضع والتحريف
____________________
(١) الحجر: ٩.
من لدن عهده صلّى الله عليه وآله. وقد نبّه صلّى الله عليه وآله على ذلك فقال:(مَن كذب عَلَيَّ متعمّداً فليتبوَّأ مقعده من النار) (١) ولأجله ولأجل غيره من الأسباب نراهم يقولون عن السنّة النبويّة: إنّها ظنّيّة الصدور!
وقد أثّرت تلك الاختلافات التي ابتُليت بها السنّة النبويّة على باقي مصادر التشريع، فصار كلّ فريق يفسّر ويُؤَوِّل الآيات بما يطابق مرويّاته، ويدّعي أنّ ذلك هو المراد منها، وربّما نحا بعض آخر منحىً سلبيّاً حين ظنّ أنّ ما يقنّنه من أُصول وقواعد وكليّات يغني عن المرويّات ويحلّ محلّ اختلافاتها؛ وبذلك تشعّب الخلاف وامتدت جذوره في أغلب الأُصول والفروع.
وانشعبت الأمّة الإسلاميّة إلى مذاهب وفرق، كلّ واحدة تدّعي أنّها تسير على هدى القرآن ونهج الرسول، وأنّ الحقّ بجانبه، وأنّ السنّة بأنقى صورها عندها.
فهل يمكن تصديق الجميع والقول بأنّ اتّجاهات جميع الطوائف صحيحة، وأنَّ الله ورسوله مَنَحاها الحجّيّة، أم أنّ الحقّ واحد يجب العثور عليه؟!
وهل يصحّ ما قالته كلّ فرقة عن الأُخرى أم لا؟
وهكذا ظلّ النزاع يدور في حلقة مفرغة من الأخذ والردّ عند الاتّجاهات المختلفة، والعقل السليم لا يمكنه أمام مثل هذه النزعات إلاّ أن يرجّح أحدها أو يميل إليه؛ إذ من غير المعقول أن تصحَّح جميع، ولا أن تُغلَّط جميع؛ لأنّ الحقّ واحد، وأنّ الفرقة الناجية ما هي إلاّ واحدة فقط، وعليه فلا مفرّ للمسلم من وجوب البحث للعثور على السنّة الصحيحة الموصلة إلى الواقع الذي جاء به النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وهنا يكون مدارُ البحث لا عن حجّيّة السنّة النبويّة؛ لأنّ حجّيّتها لا يختلف فيها اثنان من المسلمين، وإنّما البحث عن (ما هو الحجّة) أي البحث في طرق الإثبات لا الحجّيّة، وبتعبير آخر: أيّ نقل من النقول النبويّة هو الحجّة؟!
____________________
(١) صحيح البخاري ١: ٥٢ باب إثم مَن كذب على النبي ح ١٠٧ و ١٠٨، وصحيح مسلم ١: ١٠ باب تغليظ الكذب على رسول الله ح ٢، ٣، ٤.
ربّما يقال في الإجابة: إنّ ما صحّ من الأحاديث الواردة في شتّى الموضوعات طبقاً للقواعد الرجاليّة، هو الصحيح، وما لم يصحّ فهو غير ذلك، ولا سبيل سوى طرحه وعدم العمل به.
وهذا الكلام قد يبدو صحيحاً لأوّل وهلة، لكنّ البصير بأُمور الشريعة يعلم بأنّ الأُصول المرسومة في معرفة الحديث لم تقتصر على الإسناد، فهناك ضوابط ومعايير يلزم مراعاتها في المتن كذلك.
على أنّ بعض الأُصول والمقاييس الرجاليّة قد قنّن طبق موازين خاصّة، وأنّ المعايير العلميّة والأُصول القرآنيّة لم تكن الحاكمة فيه، بل نجد الاختلاف والتضارب واضحاً في توثيق أو تجريح الراوي الواحد بل جرحهم لأئمّة المذاهب(١) .
وبعد هذا فلا يقف الباحث إلاّ على ركام هائل وضباب كثيف من الموازين والمقاييس، يغلب عليها الحسّ المذهبيّ السياسيّ، فكم من راوٍ وثّقوه وعدّلوه فلم يكن كما قالوا فيه، طبقاً لما دلّت عليه نصوص أُخرى.
وكم مَن راوٍ جرحوه فلم يُصيبوا الغرض، وكم من رواية صحّحت سنداً لكنّها دلّت متناً على خلاف الواقع، وأُخرى أُسقطت سنداً لكنّها بلحاظ الواقع دلّت على أكبر رصيد من الصحّة.
وعلى هذا، وبملاحظة ما مرّ من أدوار، وجدنا أنّه لا بُدّ من دراسة السنّة النبويّة دراسة تمحيصيّة، طبق منهج أكثر جدّة وجدّيّة، انطلاقاً من الأُصول الثابتة في الشريعة والتاريخ والعقل والفطرة، عبر دراسة أطراف الحدث المرتبط بالحديث والأجواء
____________________
(١) إذ خدش ابن معين وأحمد بن صالح في الإمام الشافعيّ (انظر هامش تهذيب الكمال ٢٤: ٣٨٠)، وذكر الخطيب البغداديّ أسماء الذين ردّوا على الإمام أبي حنيفة (تاريخ بغداد ١٣: ٣٦٦ وفيه اسم ٣٥ رجلاً) وقال الرازي في رسالة ترجيح مذهب الشافعيّ ما يظهر منه أنّ البخاريّ عدّ أبا حنيفة من الضعفاء في حين لم يذكر الشافعيّ هناك، وقال السبكيّ في طبقاته: إنّ أبا علي الكرابيسيّ كان يتكلم في الإمام أحمد (طبقات الشافعيّة ٢: ١١٨)، وقد قدح العراقيّ (شيخ ابن حجر) في ابن حنبل ومسنده (انظر فيض القدير ١: ٣٤)، وذكر الخطيب في تاريخه عدّة أسماء قد خدشوا في الإمام مالك (تاريخ بغداد ١: ٢٣٩، تهذيب الكمال ٢٤: ٤١٥)، وقد خدشوا في الإمام البخاريّ والنسائيّ وغيرهم.
الحاكمة وما أُريد لها من أهداف.
وهذا لا يعني أنّا نريد إلغاء دور السند في معرفة الحديث، بل الذي نريده هو الاستعانة بشواهد وقرائن أُخرى؛ لتصحيح منحى بعض الأخبار التي لم تُعطَ حقّها من قِبَل بعض المسلمين.
وعلى كلّ حال فقد آل الأمر اليوم إلى أن نرى مجموعة من المسانيد الحديثيّة تسمّى: بـ (الصحاح الستّة) يعمل بها فريق ضخم من المسلمين ولا يرتضون سواها ولو كان إكسيراً مجرّباً، ونرى في جانب آخر مسانيد أُخرى تسمّى بـ (الكتب الأربعة) يعمل بها فريق آخر من المسلمين ويذهبون إلى أنّ منها ما هو أصحّ الأحاديث، وأنّها أبعد شيء عن الوضع والتحريف والتأثّر بالمؤثّرات الخارجيّة، فما هو الصحيح؟ وأين هو؟
وهل أنّ جميع أحاديث الصحاح الستّة صحيحة حقّاً؟ أم أنّ بينها ما هو الضعيف والمرسل و و... ممّا يجب التوقّف عنده؟
وكيف نرى النقل عن أهل البيت، هل جميعه صحيح؟ أم أنّ بينه المدسوس والضعيف؟
من الضروري الإجابة عن هذه التساؤلات؛ وذلك بعد عرض جذور القضيّة المبحوث عنها في النصوص التاريخيّة والحديثيّة.
ولعلّ أهمّ وأبرز حدث أثَّر في السنّة النبويّة - نصّاً ومعنى - هو منع الشيخين التدوين والتحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ودورهما في تطبيق هذه الرؤية، واستمراره في عهد الخليفة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، ثمّ اتّخذه الخلفاء من بعدُ منهجاً يُعمل به، حتّى أوقفه الخليفة عمر بن عبد العزيز وأمر بتدوين الحديث.
على أنّ هناك جماعة من كبار الصحابة والتابعين قد اتّخذوا التدوين مسلكاً ومنهجاً، حتّى على عهد الخليفة عمر بن الخطّاب الذي عُرف بشدّته وقسوته على مَن يخالفه في آرائه، ومن أُولئك: عليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وفاطمة الزهراء، وأبو ذرّ،
وغيرهم.
فترى هؤلاء يدوّنون ويحدّثون ولا يرون مبرّراً للمنع، ولا يعيرون لرأي الشيخين - ومَن مَنَع تبعاً لهما - القدسيّة التي لا يمكن معها من مناقشتهما. كما أنّهم لم يخشوا ما خشيه آخرون، ومن هنا حدث التخالف في الرأي بين النهجين، هذا يُحَدِّث ويكتب ويدوّن، وذلك يقول بالإقلال أو بمنع التحديث والكتابة والتدوين، وارتسمت أُصول الطرفين الفكريّة.
فلابدّ إذاً من إمعان النظر في المدرستين الحديثيّتين للتعرّف على أيّهما ألصق بالواقع وأبعد عن الدوافع، ولا ينبغي أن يكون هذا الإمعان والتقييم لمناهج المدرستين تخرّصاً وتقوّلاً، بقدر ما يكون دراسة للظروف الحاكمة آنذاك، وتجسيماً لنفسيّة الرجال المعنيّين في الدراسة على مختلف أصعدة حياتهم، فنحن لا نذهبُ إلى كفاية الاقتصار على مجرّد إطلاق لفظ العدالة والوثاقة و... أو معاكساتها دون إلمام بكلّ ما يتعلّق بهذا الشأن؛ لأنَّ الكثير من الصحابة - كما صرّحوا - كانوا يروون الرواية مع عدم العلم بأنّ مفادها منسوخ أم لا؟
أو أنَّ النصّ الذي قاله النبيّ هو من القرآن، أم من كلامه صلّى الله عليه وآله؟
أو أنَّ الحكم الوارد مخصوص به صلّى الله عليه وآله أو بشخص معيّن، أم هو حكم عامّ لجميع المسلمين؟
ومثل ذلك إفتاؤهم ببعض الآراء مع تصريحهم بأنَّ ما يقولونه لا مستند له من الشرع! فإن أصابوا فمن الله، وإن أخطأوا فمنهم ومن الشيطان.
فبسبب كلّ هذا رأينا من الضروريّ القيام بدراسة شموليّة، نوضّح فيها المجمل والمبهم من الأُمور، التي لابَسَت السنّة النبويّة ومنقولاتها، وندرسه وفق المنهجيّة العلميّة الجديدة للوقوف على الواقع؛ لأنّ القيام بدراسة مثلها يمكن أن يوقفنا على حقائق كثيرة.
وسيتّضح من خلال الدراسة تخالف مرويّات المانعين، مع مرويّات المدوّنين
المحدّثين عن رسول الله، كما ستتّضح أُمور كثيرة في التشريع، وفقه الصحابة، والاتّجاهات الفقهيّة التي كانت آنذاك، والدوافع التي تكمن وراء هذا الاتّجاه أو ذاك، وبالتالي سيتبيّن (ما هو الحجّة) من المرويّات في الصحاح الستّة والكتب الأربعة وباقي المسانيد الحديثيّة.
وهنا نسير سويّة لنرى أثر منع التدوين على السنّة النبويّة وفي طيّاته أثر بل آثار منع التحديث أيضاً، وما آلت إليه أُمور المسلمين الفقهيّة من خلال السنّة النبويّة المباركة.
أسباب منع تدوين السنّة الشريفة
إنَّ موضوع نهي الشيخين عن تدوين حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأمر عمر بن الخطّاب الصحابة بالإقلال من حديث رسول الله - كما في حديث قرظة بن كعب الأنصاريّ(١) لحريّ بالبحث والدراسة؛ لأنّه يرتبط بتاريخ ثاني مصدر من مصادر التشريع الإسلاميّ، وإنّ دراستنا هذه، وإن كانت دراسة تخصّصيّة تهمّ الباحثين، لكنّها في الوقت نفسه تعطي للمطالع صورة واضحة عن أهمّ قضيّة في تاريخ التشريع، وإنَّ توضيح مسألة مثل هذه كفيلٌ بأن يحلّ لنا كثيراً من القضايا والأُمور المطروحة في مسائل الخلاف، ويساعدنا على تفهّم واقع الاختلاف وجذوره.
وأهمّ الأسباب المذكورة في ذلك هي:
السبب الأوّل: هو ما نُقل عن الخليفة أبي بكر.
السبب الثاني: هو ما نُقل عن الخليفة عمر بن الخطّاب.
السبب الثالث: ما ذهب إليه ابن قتيبة وابن حجر.
السبب الرابع: ما نقله الأُستاذ أبو زهو والشيخ عبد الخالق عبد الغني.
السبب الخامس: ما ذهب إليه الخطيب البغداديّ وابن عبد البرّ.
السبب السادس: ما ذهب إليه بعض المستشرقين.
السبب السابع: ما ذهب إليه غالب كتّاب الشيعة.
السبب الأخير: ما توصّلنا إليه.
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٦: ٧، جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٢٠، تذكرة الحفّاظ ١: ٧، كنز العمّال ٢: ٢٤٨/ ٤٠١٧، سنن الدارمي ١: ٩٧، بابمن خاف الفتيا مخافة السقط، ح ٢٧٩، وانظر تاريخ الطبري ٢: ٥٦٧ كذلك.
هذا، وإنّ مناقشتنا لهذه الأسباب جاءت لتفهّم واقع التشريع الإسلاميّ وملابساته، ولم نقصد به التعريض بمكانة أحد؛ إذ الميدان ميدان بحث ومناقشة، والعصر عصر منطق ودليل، فطرح رأي أحدٍ لا يعني التجاوز على حدوده والمساس بكرامته، بل الأقوال كلّها قيد البحث والمناقشة حتّى أنّنا لا نرى قولنا يبتعد عن هذا الأصل؛ لأنَّ الوصول إلى الحقائق - والحقائق الدينيّة على نحوٍ خاص - يظل هو الهدف السامي للإنسان الذي يهمّه أمر المعرفة الصالحة، ويهمّه كذلك أمرُ تديّنه والاستعداد للقاء الله تعالى على بصيرة ويقين.
إنّ عالم الحضور بين يدي الله عزّ وجلّ في الآخرة يقوم على الحقّ والصدق؛ ومن هنا كان على مَن يفكِّر جادَّاً في ذلكم الحضور الجليل المهيب، أن يسعى للخروج من موازين دار الوهم والاشتباه إلى موازين دار الفضل والحقّ، والله جلّ جلاله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
السبب الأوّل
ما طرحه الخليفة أبو بكر
و يستنتج ذلك من نصّين:
أ - ورد عن عائشة أنَّها قالت: (جَمَع أبي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلّب كثيراً.
قالت: فغمّني، فقلت: أتتقلّب لشكوى أو لشيء بَلَغك؟
فلمّا أصبح قال: أي بُنيّة، هَلُمِّي الأحاديث التي عندك.
فجئته بها، فدعا بنار فحرقها.
فقلت: لِمَ أحرقتها؟
قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنتُه ووثقتُ [ به ]، ولم يكن كما حدّثني فأكون نقلت ذلك)(١) .
ب - جاء في تذكرة الحفّاظ: ومن مراسيل ابن أبي مُليكة: (أنّ الصدِّيق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنَّكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً. فمَن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه)(٢) .
وقبل مناقشة النصّين، لنا استفهامان لابدّ من الإجابة عنهما:
____________________
(١) تذكرة الحفّاظ ١: ٥، الاعتصام بحبل الله المتين ١: ٣٠، الرياض النضرة ٢: ١٤٤، حجّيّة السنّة: ٣٩٤.
(٢) تذكرة الحفّاظ ١: ٢ - ٣، حجّيّة السنّة: ٣٩٤.
الأوّل: هل جمع الخليفة الأوّل أحاديثه في زمن الرسول الأعظم، وبأمر منه صلّى الله عليه وآله، أم أنّه قد جمعها بعده نظراً للظروف السياسيّة والحاجة الاجتماعيّة؟
الثاني: هل وقع المنع من التحديث وكتابة وتدوين السنّة الشريفة في زمن متأخّر، أم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد نهى عن الكتابة في عهده صلّى الله عليه وآله. كما نُقل عن أبي سعيد الخدريّ، عنه صلّى الله عليه وآله: (ومَن كَتَبَ عنّي غير القرآن فَلْيَمْحُه)(١) ؟
من خلال تعبير النصّ الأوّل (جمع أبي الحديث) يمكن أن نستشم أنَّ تدوين الحديث من قبل الخليفة جاء لاحقاً، خصوصاً حينما عرفنا أنّه أخذها من بعض الرجال، لقوله: (خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدّثني، فأكون قد نقلت ذلك).
فخشية الخليفة من نسبة تلك الأحاديث إلى رسول الله لقوله: (ولم يكن كما حدّثني فأكون قد نقلت ذلك)، لا يتلاءم مع فرض وقوع عمليّة الجمع في عهده صلّى الله عليه وآله، إذ لو كان الجمع في عهده صلّى الله عليه وآله لأمكن للخليفة عرض المنقول على رسول الله صلّى الله عليه وآله للتثبّت من المشكوك فيه.
فإن قيل: إنّه فات عليه أن يعرض ما سمعه بواسطةٍ على رسول الله صلّى الله عليه وآله للتأكّد من صحّته أو عدمها، قلنا: إنّنا لا نعقل أن يخفى ذلك على أبي بكر، مع قربه من النبيّ واستحكام الشكّ في نفسه، كما نستبعد أن يكون قد ترك هذا الأمر المهمّ وسوّف فيه حتّى كادت تدركه الوفاة، مع أنّ الصحابة كان لا يخفى عليهم ضرورة أن يسألوا النبيّ صلّى الله عليه وآله في أبسط المسائل وعند أدنى شكّ.
وأمّا إحراق الأحاديث وتخوّفه من انتسابها إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله: لقوله: (فأكون قد نقلت ذلك) وتقارب ذلك مع موت الخليفة: (خشيت أن أموت) فإنّها توضَّح أنّ الخليفة قد جمعها في أواخر عهده، وأنّه لم يسمع منها حديثاً واحداً عن رسول
____________________
(١) صحيح مسلم ٤: ٢٢٩٨، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ح ٣٠٠٤، مسند أحمد ٣: ١٢ ٢١ ٣٩ باختلاف يسير، تقييد العلم: ٢٩، مقدّمة ابن الصلاح: ١١٩.
الله صلّى الله عليه وآله مباشرة، وإلاّ فكيف يبيح لنفسه حرق ما سمعه شفاهاً من رسول الله صلّى الله عليه وآله؟!
مضافاً إلى ذلك: أنّ الخليفة لو كان قد جمع تلك المرويّات في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله لذكر ذلك المؤرِّخون وأصحاب السِّيَر، ولما تقَّلبَ ليلته!
ولَمَا شكّ في جواز التدوين وعدمه بعد ذلك!
ولَجَاءَ في كلام عائشة: (إنّ أبي قد جمع الحديث في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله) أو (أملى رسول الله صلّى الله عليه وآله على أبي، فكتب) أو ما شابه ذلك.
نعم، إنّ الخليفة كان قد كتب لأنس بن مالك حينما كان عامله على البحرين كتاباً فيه فرائض الصدقة(١) ، وقد كتب إلى عمرو بن العاص كذلك(٢) .
وهذا لا ينافي ما نُقل عنه من إحراقه صحيفته؛ لأنّ ما كتبه لأنس كان عبارة عن كتابة في أمر الصدقة وجباية الأموال، وهو ممّا يقوّم أمر الدولة ولا يمكن للخليفة أن يتناساه، وقد جاء عن عمرو بن حزم أنّه كتب كتاباً فيه الصدقات عن رسول الله(٣) ، وأنّ للخليفة عمر بن الخطّاب كتاباً في نفس الأمر كذلك، كان موجوداً عند حفصة ثمّ عند آل أبي الخطّاب(٤) ، فالكتابة بما يقوّم أمر الدولة شيء وما عُلِّل في منع التدوين شيء آخر.
أمّا الاستفهام الثاني: فيمكن الإجابة عنه بجلاءٍ من خلال فعل الشيخين وسيرة المسلمين، فقد جمع الخليفة الأوّل خمسمائة حديث، وهذا دليل كافٍ على عدم ورود نهي منه صلّى الله عليه وآله فيه، إذ لو كان قد صدر نهي سابق لما كتب الخليفة ما كتب من أحاديث.
وهكذا الحال بالنسبة إلى الخليفة الثاني، إذ لو كان التدوين محظوراً من قبل لما جمع الصحابة واستشارهم بالأمر، ولما أرشدوه إلى التدوين(٥) .
____________________
(١) صحيح البخاري ٢: ٥٢٧، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم ح ١٣٨٦، تقييد العلم: ٨٧، السنن الكبرى ٤: ٨٥، باب كيف فرض الصدقة ح ٧٠٣٨.
(٢) موطّأ مالك: ١/ ٥، ألف، كما في الدراسات ١: ٩٤، ولم أجد الحديث في الموطأ.
(٣) السنن الكبري ٤: ٩١، باب كيف فرض الصدقة ح ٧٠٥٠.
(٤) التمهيد لابن عبد البر ٢٠: ١٣٩.
(٥) الجامع لمعمر بن راشد ١١: ٢٥٧، باب كتاب العلم ح ٢٠٤٨٤ تقييد العلم: ٤٩، حجّيّة السنّة: ٣٩٥.
ولو تنزّلنا وقلنا بورود المنع عن الكتابة والتدوين عموماً، وعن السنّة خصوصاً، فما معنى ما صحَّ عنه صلّى الله عليه وآله من أنّه أمَر المسلمين بكتابة (الأحكام التي قالها يوم فتح مكّة)(١) ، أو أنّه - بعد هجرته من المدينة - أمر بكتابة أحكام الزكاة ومقاديرها، فكُتب في صحيفتين وبِقيَتا محفوظَتين في بيت أبي بكر الصدّيق وأبي بكر بن عمرو بن حزم(٢) ؟ وما معنى ما ثبت من قوله صلّى الله عليه وآله:(اكتُبوا ولا حرج) وما ساوقها من العبارات الصريحة في الحثّ على كتابة وتدوين الأحكام والسنّة النبويّة؟
وبهذا ندرك أنَّ شيئاً من ذلك - الكتابة والتدوين - لم يكن محظوراً في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنّ الشيخين لم يكتبا ولم يدوّنا حديثه صلّى الله عليه وآله في أيّام حياته، بل إنّ الخليفة الأوّل كتبها ودوّنها بعد وفاته صلّى الله عليه وآله.
وإنّ الكتابة، وتدوين العلم كان ممّا أكّد عليه القرآن الحكيم بقوله:( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) (٣) و( الذي علّم بالقلم ) (٤) و( لا تسئموا أن تَكْتُبوه صغيراً أو كبيراً ) (٥) و( فاكْتُبوه ) (٦) و( عِلْمُها عند ربِّي في كتاب ) (٧) .
وإنّ العرب كانوا يُجِلُّون الكتّاب، ويميلون إلى الكتابة، وقد ذكر ابن حبيب البغداديّ قائمة بأسماء الأشراف المتعلّمين وفقهائهم في العصر الجاهليّ وصدر الإسلام(٨) .
قال ابن سعد: (كان الكامل عندهم في الجاهليّة وأوّل الإسلام: الذي يكتب بالعربيّة، ويُحسن العوم والرمي)(٩) .
____________________
(١) صحيح البخاريّ ١: ٥٣ باب كتابة العلم ح ١١٢ و ٦: ٢٥٢٢، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ح ٦٤٨٦.
(٢) تاريخ الفقه الإسلاميّ، للدكتور محمّد يوسف: ١٧٣.
(٣) القلم: ١.
(٤) العلق: ٤.
(٥) البقرة: ٢٨٢.
(٦) البقرة: ٢٨٢.
(٧) طه: ٥٢.
(٨) انظر المحبر: ٤٧٥ - ٤٧٧.
(٩) الطبقات الكبرى ٣: ٥٤٢.
وفي مكّة(١) والمدينة(٢) والطائف(٣) والأنبار(٤) والحيرة(٥) ودومة الجندل(٦) كانت تعقد الكتاتيب للدراسة؛ وجاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه أنشأ في مسجده صُفّة كان عبد الله بن سعيد بن العاص يعلِّم فيها الراغبين الكتابة والخطّ(٧) .
قال الدكتور أحمد أمين: إنّ الأمّيّة لم تكن متفشّية بين العرب بالشكل الذي يتصوّره بعض الكتّاب والمستشرقين، وبخاصّة عرب الحيرة وبادية الشام؛ لأنّهم عاشوا زمناً طويلاً مع جيرانهم الفرس والروم، وبحكم الظروف التي كانت تحيط بهم والمراحل التي مرّوا بها مع تلك الأمم المتحضّرة، ليس من البعيد عليهم أن يتعلّموا الكتابة، وأن يأخذوا عنهم العلوم والعادات التي تمسّ حياتهم وتسهل لهم سبل العيش والحياة الحرّة الكريمة(٨) .
فإذا كان القرآن يشرّع الكتابة والتدوين، والسنّة تُعنى بأمرهما حتّى تجعل فداء أسرى بدر من المشركين في مقابل تعليم كلّ واحد منهم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة(٩) ، فلا معنى إذَن للقول بمنع تدوين السنّة الشريفة من قبل رسول الله صلّى الله عليه وآله.
ثمّ ألا يلفت أنظارنا السيرة العامة لرسول الله صلّى الله عليه وآله في الحثّ على الثقافة والفكر والتعليم؟! ومن ذلك عتاب الرسول لأقوام، وقوله لهم:(ما بال أقوام لا يُفَقّهون جيرانهم، ولا يعلّمونهم ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟! وما بال أقوام لا يتعلّمون من جيرانهم ولا يتفقّهون ولا يتّعظون؟!...) (١٠) .
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٣: ٥٢٢، والقصد والأمم لابن عبد البرّ: ٢٢.
(٢) فتوح البلدان، للبلاذريّ: ٥٨٣ ح ١١١٣، وانظر الطبقات الكبرى ٣: ٤٥٠ و ٤٦٥.
(٣) فتوح البلدان، للبلاذريّ: ٥٧٩، ح ١١٠٣.
(٤) عيون الأخبار ١: ٤٣، القصد والأمم: ٢٢، أبجد العلوم ٢: ٢٦٥.
(٥) فتوح البلدان: ٥٧٩، ح ١١٠٣، القصد والأمم: ٢٢، أبجد العلوم ١: ١٥٨.
(٦) المحبر: ٤٧٥.
(٧) انظر الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٣: ٩٢٠، ت ١٥٥٦، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة ١: ٤٧.
(٨) فجر الإسلام: ١٣ - ١٤.
(٩) الطبقات الكبرى ٢: ٢٢، انظر مسند أحمد ١: ٢٤٧.
(١٠) الترغيب والترهيب ١: ٧١، مجمع الزوائد ١: ١٦٤.
وقد سأل رسول الله صلّى الله عليه وآله وفد عبد القيس: (كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إيّاكم؟
قالوا: خير إخوان، ألانُوا فراشنا، وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلّموننا كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا صلّى الله عليه وآله.
فأعجب النبيّ صلّى الله عليه وآله وفرح بنا، ثمّ أقبل علينا رجلاً رجلاً يعرضنا على ما تعلّمنا وعلّمنا...(١) ).
وروى حذيفة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال:(اكتبوا لي من تلفّظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل) (٢) .
وقد دوّن أصحاب السير أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان له ستة وعشرون أو اثنين وأربعون أو خمسة وأربعون كاتباً للوحي(٣) .
فإذا ضممنا هذا التأكيد على التعليم والتعلّم والقراءة والكتابة، إلى ما أسلفنا من أمر النبيّ بالكتابة والتدوين وممارسة الصحابة له على عصره صلّى الله عليه وآله وبعده بمدّة - حتّى نهى أبو بكر عنه - علمنا أنّ نسبة منع التدوين والتحديث إلى رسول الله ما هو إلاّ مغالطة يهدف منها تصوير الإسلام بصورة مشوّهة، صارت مبرّراً لأعداء الإسلام في القول: بأنّ المسلمين يخالفون العلم، ولا يرتضون التحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وتدوين السنّة؛ لأنّا نراهم ينقضون موقفهم ويذهبون إلى تدوينها لاحقاً؟! فلو كان جائزاً فلماذا منعوه، وإن كان ممنوعاً فَلِمَ دوّنوه؟!
نعم، إنّ القول بمنع الكتابة والتدوين يناقض ما ورد عنه صلّى الله عليه وآله، من قوله:(اكتبوا) (٤) و(قيّدوا) (٥) وقوله:(اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرجَ منه إلاّ
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ٢٠٦.
(٢) صحيح البخاريّ ٣: ١١١٤، باب كتابة الإمام الناس ح ٢٨٩٥.
(٣) انظر السيرة الحلبية ٣: ٤٢٢.
(٤) صحيح البخاري ١: ٥٣، باب كتابة العلم ح ١١٢، صحيح مسلم ٢: ٩٨٨، باب تحريم مكة وصيدها ح ١٣٥٥، سنن الترمذيّ ٥: ٣٩، باب ما جاء في الرخصة ح ٢٦٦٧.
(٥) المستدرك على الصحيحين ١: ١٨٨، كتاب العلم ح ٣٦٢.
حقّ) (١) ، أو(استعن على حفظك بيمينك) (٢) . ومثل هذا كثير ممّا لا نريد الإطالة فيه.
وإذا اتّضح ذلك، فلنناقش النصّ الأوّل متسائلين:
لماذا بات الخليفة الأوّل ليلته يتقلّب كثيراً؟
ألِعِلَّةٍ كان يشكو منها، أم أنّ شيئاً خطيراً من أمر الخلافة وشؤون المسلمين قد أرَّقه وأذهب عنه النوم؟
لقد وقفت سابقاً على كلام عائشة: (أتتقلّب لشكوى، أو لشيء بلغك؟)، واستمعت لتعليل الخليفة.
ترى هل يصحّ هذا التعليل الذي ورد عن الخليفة: (لم يكن كما حدّثني)؟
وهل يسوّغ تعليله إحراق ما جمعه؟
ولماذا يحرقه ولا يميثه بالماء، أو يدفنه في الأرض مثلاً؟!
أمّا السؤال الأوّل: فبقرينة (فلمّا أصبح قال: أي بُنيّة، هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته...) نعرف سبب تقلّب الخليفة وأنّه لم يكن لعلّةٍ كان يشكو منها أو لأمر يتعلّق بالغزوات والحروب، بل إنّه بات ليلته يتقلّب بسبب ما كان في هذه الصحيفة من أحاديث تخالف اجتهاداته، حتّى بات يعتقد أنّ نقل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله مدعاة للاختلاف، من دون فرق بين المفردات المحدَّث بها، وبدون تمييز بين ما سُمِعَ مباشرة عن النبيّ أو بواسطة؛ لقوله في مرسلة ابن أبي مُليكة: (لا تُحدّثوا شيئاً) في حين ثبت أنّ الخليفة كان لا يذهب إلى ذلك في بادئ الأمر.
وأمّا تعليله لإحراق الأحاديث بقوله: (خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته، ووثقت [ به ]، ولم يكن كما حدّثني، فأكون نقلت ذلك).. فإنّ عدّة مؤاخذات ترد عليه:
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين ١: ١٨٧، كتاب العلم ح ٣٥٩، تقييد العلم ٨٠ - ٨١، مسند أحمد ٢: ١٦٢، سنن الدارمي ١: ١٣٦، باب من رخص العلم، ح ٤٨٤، جامع بيان العلم ١: ٧.
(٢) سنن الترمذيّ ٥: ٣٩، باب ما جاء في الرخصة فيه ح ٢٦٦٦، المعجم الأوسط ١: ٢٤٥ ح ٨٠١ و ٣: ١٦٩ ح ٢٨٢٥.
الأولى: كيف انقلب المؤتمن الثقة إلى غير موثوق ومؤتمن؟
ثمّ أيحتاج أبو بكر - وهو بقرب النبي في المدينة المنوّرة - أن تكون بينه وبين رسول اللّه في الحديث واسطة؟!
إنّ ما يقال من ملازمة أبي بكر للنبيّ طيلة حياته لا يتلاءم مع احتياجه في النقل عنه صلّى الله عليه وآله إلى واسطة؛ إذ إنّ ملازمته للنبيّ تنفي الحاجة إلى الواسطة في النقل، وخصوصاً لمن يقال إنّه أوّل من أسلم!!
الثانية: إذا كان ناقل الخبر ثقة مأموناً لقوله (ائتمنته ووثقت [ به ])، فهل يمكن أن نسقط مرويّاته عن الاعتبار ولا نأخذ بها، بمجرّد احتمال الكذب أو السهو؟
ألم يكن لازم هذا القول إنكار حجّيّة خبر الثقة، ولا يمكننا بعده أن نعتمد على خبر أيّ ناقل لإمكان احتمال الكذب فيه؟
روى رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله يوماً، ونحن نتحدّث، فقال:ما تحدّثون ؟
فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله.
قال:تحدّثوا، وليتبوّأ مقعده مَن كذب عليّ مِن جهنّم !
ومضى لحاجته، وسكت القوم، فقال صلّى الله عليه وآله:ما شأنهم لا يتحدّثون؟!
قالوا: الذي سمعناه منك يا رسول الله!
قال:إنّي لم أُرِدْ ذلك، إنّما أردتُ مَن تعمّد ذلك ، فتحدّثنا.
قال: قلتُ: يا رسول الله! إنّا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟
قال:اكتبوا، ولا حرج (١) .
وهذا النصّ صريح فيما قلناه، من أنّ التحديث والكتابة والتدوين كانت كلّها أموراً جائزة مشروعة في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأنّ جملة(تحدّثوا) تؤكّد جواز التحديث مع لزوم التثبّت فيه؛ حتّى لا يقع أحد في الكذب عليه صلّى الله عليه وآله، وأنّ احتمال كذب الراوي، أو
____________________
(١) تقييد العلم: ٧٣، المعجم الكبير ٤: ٢٧٦ ح ٤٤١٠، الكامل لابن عديّ ١: ٣٦.
التخوّف من الكذب لا يسوّغ للخليفة إهمال الحديث.
بل إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله دعا إلى التثبّت في نقل الرواية، لمعرفة صحيحها من سقيمها، ولم يُشرّع صلّى الله عليه وآله سدّ باب الرواية والتحديث، فكان على الخليفة أن يصحّح الأحاديث؛ إن كان فيها شي مكذوب حذفه، وإن كان فيها ما يوجب التوضيح وضّحه، وإن كان فيها أمر آخر أشار إليه، لا أن يُبيد ما جمعه، بفرض الشكّ والاحتمال.
إنّ العلم عموماً ممّا لا يستساغ محوه، فكيف بكلام النبيّ الكريم؟! وعلى هذا فالمرويّات ممّا لا يجوز إحراقها بحال من الأحوال، خصوصاً وأنّ أكثرها ممّا فيه اسم الله وأحكامه التي لا يجوز إهانتها بتاتاً. وإنّه إذا أراد إتلافها كانت أمامه سبل أُخرى لا غبار عليها، مثل: محوها بالماء، أو دفنها في الأرض، أو...
ثمّ إنّ المسلمين أحسّوا بالترابط الجذريّ بين التحديث والتدوين - وذلك يدلّ على وعيهم وثقافتهم - فسألوا النبيّ صلّى الله عليه وآله عن جواز كتابة أحاديثه؛ إذ احتملوا أن يمنع أو أن يقيّده النبيّ صلّى الله عليه وآله بقيود، أو يشترط في كتابته شروطاً، فأجابهم النبيّ صلّى الله عليه وآله بجواب:(اكتبوا ولا حرج) فنفى الضير في الكتابة ورفَعَ الحرج، إذ على المسلم أن يتثبّت ممّا يكتبه ويدوّنه عن الرسول صلّى الله عليه وآله وأن لا يكتب ويدوّن المكذوب، وليس بعد هذا شرط.
الثالثة: لو اعتقدنا أنّ احتمال الكذب يُسقط الرواية من الاعتبار، كما قال الخليفة، للزم طرح جميع ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في الصحاح والمسانيد؛ لإمكان ورود مثل هذا الاحتمال فيها، وهذا ممّا لا يقول به أحدٌ؛ لأنّ القول بذلك من شأنه أن يسقط أصلاً من أُصول التشريع الإسلاميّ، وأن يقضي على السنّة النبويّة الشريفة قضاءً تامّاً، وأن يُلغي كلّ الأحكام الفرعيّة المستنبطة من الأحاديث.
ترى، كيف يقول الخليفة بهذا؟ أخفي عليه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يعمل بإخبار الصحابة العدول فيما يتّصل بالتهيّؤ والإعداد للغزوات والحروب؟!
وما مفهوم آية النبأ وآيات أُخرى إلاّ دليلٌ على حجية خبر الواحد، وأنّ المسلمين كانوا يعملون بخبر العدول، ويتوقّفون عند خبر الفسّاق، بل إنّ السيرة العقلائيّة قاضية
بالأخذ بخبر الثقة العدل، ويبقى مجرّد احتمال الكذب أو الخطأ أو السهو أو... مرفوعاً بأصالة العدم في الجميع.
ولا ندري كيف نجمع بين ما ذهب إليه ابن حجر من أنّ الله قد نفى عن الصحابة: الكذب، والسهو، والريب، والفخر.. وبين شهادة الخليفة بما علمت، حيث ظنّ ببعض الصحابة ظنّاً - يتناول فيهم هذه الاحتمالات - ويرتقي إلى درجة الكذب، وأبو بكر أدرى بحال الصحابة كما هي عقيدة ابن حجر نفسه.
ولو سلّمنا جدلاً أنّ مجرّد الشكّ والاحتمال يسقط الخبر عن الحجّيّة عند الشاكّ، فلا نسلّم سقوط الخبر عن الحجّيّة عند الآخرين غير الشاكّين في المرويّات، فكان على الخليفة أن ينقل المرويّات ويشير إلى شكّه فيمن شكّ فيه لعدم مطابقة إخباره للواقع، لأيّ سبب كان. وللمخبَر بالخبر أن يعمل به، أو لا يعمل وفقاً لما يفرضه عليه الدِّين.
والثابت أنّ هذا التبرير - لو سلم - لا يوجب منع غيره، فالخليفة بمنعه كان يهدف المنع من التحديث مطلقاً لقوله في النصّ الثاني: (فلا تحدّثوا عن رسول الله).
فلو كان التدوين جائزاً فما معنى النهي؟ ولو صحّ النهي عنه صلّى الله عليه وآله، فلماذا جمع أبو بكر خمسمائة حديث(١) ؟!
إنّ منع الخليفة من تناقل حديث رسول الله، وحرقه لما جمعه من أحاديث عنه صلّى الله عليه وآله لا يستند إذَن إلى أصل شرعيّ.
أمّا النصّ الثاني: فإنّه يجسِّم حال الأمّة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنّ الخليفة أرجع سبب اختلافهم إلى اختلاف النقل عنه صلّى الله عليه وآله؛ لقوله: (إنَّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً).
وحديث ابن أبي مليكة، وإن كان من المراسيل، إلاّ أنّه قد جاء في كلام الأعلام الذين تعرّضوا لمنع تدوين السنّة الشريفة.
وفيه إشارة إلى أنّ اعتماد التحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أصبح وسيلة مضادّة
____________________
(١) كما مرّ في بداية السبب الأول النص (أ).
للخلفاء(١) ، وأنّ المسلمين سرعان ما أثّر فيهم فقد نبيّهم، فأحسّوا بضرورة حفظ سنّته، ومعرفة أحكام الدين التي بلّغها؛ فلذلك كانوا يُحَدِّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله نشراً لأحكامه، وحفظاً لها من الضياع والدثور.
وأنّ الصحابة باعتبارهم الجيل الأوّل، كانوا ملزمين ببيان الأحكام للناس، ورواية كلّ ما سمعوه من النبيّ صلّى الله عليه وآله للجيل الجديد المسمّى بجيل التابعين، إذ إنّهم بأمسِّ الحاجة لمعرفة أحكام الدين من خلال أقوال النبيّ وأفعاله وتقريراته، ولا يتسنّى ذلك إلاّ بالأخذ من الصحابة العدول، الذين هم بمنزلة المحفوظات الحيّة عن رسول الله بعد كتاب اللّه المبين.
وقد كان أبو بكر على علم بهذه الحاجة الدينيّة الماسّة من قِبَل التابعين، وبوجوب الإجابة من قبل الصحابة، وكان على علم أيضاً بمدى ضرورتها، وقد عبّر عنها في قوله: (فمَن سألكم فقولوا...).
فمهما يكن الأمر، فإنّ الحاجة إلى التحديث من جهة ووجود الاختلاف في المرويّات من جهة أُخرى، كان أمراً مهمّاً قائماً لابُدّ من حلِّه بطريقة ما.
وقد نحا الخليفة الأوّل منحى المنع من التحديث، والاقتصار على القرآن كحلّ لهذه الأزمة التي ظهرت بوضوح بعد فقد النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ تخلّصاً من الروايات المختلفة التي يبدو أنّ الخليفة عجز عن الجمع بينها أو تنقيحها، ممّا اضطرّه إلى منعها جميعاً دون استثناء، خصوصاً مع علمه بتوسّع دائرة الخلاف بتطاول الأزمان في الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وموقف الخليفة أبي بكر، في منعه للتحديث، يثير عدّة إشكالات:
أوّلها: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يبعث أعيان الصحابة معلّمين للناس، ومنذرين، وكان يأمر الناس بالأخذ عنهم، والتفقّه على أيديهم، خصوصاً بعد (آية الإنذار).
ومنع الصحابيّ من رواية ما سمعه والعمل به، يعني إلغاء وظيفة العالِم الشرعيّة في
____________________
(١) هذا ما سيتضح لك بالأرقام في الصفحات اللاحقة.
تعليم الناس وتبصيرهم. وأمّا حدوث التقوّل والافتراء من قبل بعض الصحابة، فهو يستدعي ردع المتقوّل ومنع المفتري ذاته من التحديث، ولا معنى لمنع الجميع.
وأمّا إذا استعصى حكم ولم يُهتَد فيه إلى وجه الصواب، فبالإمكان الرجوع إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ما دام حيّاً. والرجوع بعد وفاته إلى مشاورة سائر الصحابة ممّن سمع في ذلك أثراً عن النبيّ صلّى الله عليه وآله للاطمئنان وللتأكُّد من صحّة النقل، وهو ما رأيناه عند بعض الصحابة.
ثانيها: إنّه كان بإمكان الخليفة جمع الصحابة ضمن لجنة، والاستماع إلى منقولاتهم، وتثبيت ما هو الصحيح، وحذف المشكوك فيه(١) ؛ توحيداً للمنقول عنه صلّى الله عليه وآله. وكان ذلك الأمر سهلاً يسيراً؛ لأنّ الصحابة لم يذهبوا بعدُ في أقطار الأرض للغزو والفتح كما حدث بعدئذٍ في زمن عمر، ولم يفصل بينهم زمن طويل عن زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله، ممّا يعني قلّة نسيانهم وندرة خطئهم، ووجود فرصة ذهبيّة لتوحيد نقولاتهم بأيسر سبيل، خصوصاً مع إمكان التعرّف على حال الراوي من قريب دون تعدّد الوسائط في النقل، إذ أنَّ أغلبهم ما يزال في المدينة على قيد الحياة.
ثالثها: إنّ المنع من التحديث، وبتطاول الأمد، سيضاعف من عدد الأحكام المجهولة عند المسلمين؛ وذلك ما يحدو بهم أن يستنبطوها من المسلّمات والمرويّات العامّة؛ وبذلك تختلف وجوه الاستنباط وتتعدّد وجهات النظر، بينما ينتفي كلّ هذا الاختلاف لو كان التحديث محكماً والتدوين جارياً.
ونظراً لالتفات الخليفة إلى نقطة: (الناس بعدكم أشدّ اختلافاً) كان لزاماً عليه أن لا يترك الناس يتخبّطون في الجهالة فيما يتّصل بالأحكام الشرعيّة، أو يرتكسون في اختلاف أدهى وأمرّ، بسبب ظهور حالة تعدّد وجهات النظر الشخصيّة لكلّ مستنبط، وقد ساهم هذا المنع في أن لا يُروى عن أبي بكر إلاّ مائة واثنتان وأربعون رواية - كما
____________________
(١) هذا على أسوأ التقادير، وإلاّ فإنّه لا يجوز حذف حتى المشكوك؛ وذلك لاحتمال صدوره عن الرسول صلّى الله عليه وآله، وهذا هو الذي يدعو محدثي أهل القبلة سنّة وشيعة إلى أن لا يتناسوا حتى الأحاديث الضعيفة في مصنّفاتهم الحديثية.
قال ابن حزم(١) .
فلو قيست المرو يّات المجموعة مع ما قد أُتلف منها لاستبان أنّ ما أُتلف وأُبيد كان كثرة كاثرة.
رابعها: إنّه لا يمكن منع التحديث بالأحاديث مع العلم القطعيّ باحتوائها على أُمّهات المسائل ممّا يحتاجه المسلمون في حياتهم الدينيّة والدنيويّة، إذ إنّ إضاعة الأحكام وإبادتها يدخل في دائرة المحرّم والممنوع؛ لأنّه يؤول إلى إضاعة معالم الدين وأحكامه، فكان الموقف المناسب أن تُوَحَّد المرويّات وفقاً لمقياس ما يتّخذه الخليفة، وأن يلجم الكذّابين ويمنعهم من التحديث، وأن يرفع الخلاف الظاهريّ بعرض الروايات على القرآن، أو منقولات الصحابة الآخرين المتثبتين، إلى غير ذلك من سبل ضبط الحديث، والأخذ به ممّا يتّبعه المسلمون اليوم.
ثمّ إنّ أمر الخليفة الصحابة أن يقولوا لمن يسألهم عن مسألة ما: (بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحِلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه)... فيه مسامحة واضحة، إذ كيف يمكن معرفة الأحكام الشرعيّة من القرآن وحده دون الرجوع إلى السنّة الشريفة؟ ثمّ ألم يكن القرآن حَمّال أوجه، منه المجمل ومنه المبيّن، والمحكم والمتشابه، والعامّ والخاصّ، والناسخ والمنسوخ؟ فكيف يمكن الوقوف على حلال الله وحرامه من القرآن وحده؟! ثمّ كيف يكِلُ الناسَ إلى القرآن وهو القائل عن الكلالة: أقول فيها برأيي فإن كان صحيحاً فمن الله وإن كان خطأً فمن نفسي(٢) !!
ولماذا تمنّى أن يسأل الرسول صلّى الله عليه وآله عن الأنصار: هل لهم في هذا الأمر نصيب؟ وميراث الاثنتين ابن الأخ والعمة(٣) و... بعد موته صلّى الله عليه وآله إذا كان ما ورد في القرآن من حلال وحرام يكفيه؟!
____________________
(١) راجع كتاب أسماء الصحابة، وما لكلّ واحد منهم من العدد لابن حزم الأندلسيّ.
(٢) سنن الدرامي ٢: ٤٦٢، باب الكلالة ح ٢٩٧٢، تأويل مختلف الحديث ١: ٢٠.
(٣) انظر تاريخ دمشق ٣٠: ٤٣٠، مجمع الزوائد: ٢٠٣، المعجم الكبير ١: ٦٣، ح ٤٣، كنز العمال ٥: ٦٣١، ح ١٤١١٣، تاريخ الطبري ٢: ٦٢٠.
ولو صحّ قول الخليفة فبم نفسر إجماع المسلمين بشتى طوائفهم على ضرورة الرجوع للسنة لمعرفة الأحكام؟
بل كيف نفسر كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله في حديث الثقلين المتواتر؛ حيث رسم أصلين أساسين لمعرفة الإسلام، وهما الكتاب والعترة؟
ألا يعني ذلك أنّ العتِرة والسنّة ماثلان حاضران بين المسلمين، وأنّه لابُدّ من وجود مفسّرٍ للقرآن من عترةٍ وسنّة، استناداً إلى كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله، وهذا يعني مرّة أُخرى أنّه لا يمكن فهم أحكام الله من القرآن وحده.
ولابدّ أنّ رسول الله كان قد أرشد المسلمين إلى سنّة واضحة وعترة شاخصة حين أرجع أُمّته إليهما.
حديث الأريكة:
ويذكّرنا قول أبي بكر في هذا السياق بحديث الأريكة الذي روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله بطرق متعدّدة:
حيث جاء في مسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وأبي داود، والدارميّ، والبيهقيّ(١) ، وغيرها: (أنّ رسول الله قال:يوشك الرجل متّكئ على أريكته، يحدّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرّمناه ).
وجاء في ذيل بعض النصوص السابقة:(ألا وإنيّ قد أُوتيتُ القرآن ومثله) (٢) .
وفي آخر:(ألا إنّي أُوتيت الكتاب ومثله معه) (٣) .
وفي ثالث:(يأتيه الأمر ممّا أمرتُ به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدناه في
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ١٣٢، ح ١٧٢٣٣، سنن ابن ماجة ١: ٦، باب تعظيم حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله والتغليظ على من عارضه ح ١٢، سنن أبي داود ٤: ٢٠٠، باب في لزوم السنّة، ح٤٦٠٤، سنن البيهقيّ ٩: ٣٣١، جماع أبواب ما يحل ويحرم من الحيوان، ح ١٩٢٥٢، دلائل النبوّة للبيهقي ١: ٢٥، ٦: ٥٤٩، الإحكام لابن حزم ٢: ٢١٠، فصل في قوم لا يتقون الله فيما ينسب إلى النبي صلّى الله عليه وآله، الكفاية في علم الرواية: ٢٣.
(٢) مسند أحمد ٤: ١٣٠، ح ١٧٢١٣، الكفاية للخطيب: ٢٣.
(٣) مسند أحمد ٤: ١٣٠، سنن أبي داود ٤: ٢٠٠/ ٤٦٠٤.
كتاب الله اتّبعناه) (١) .
وروى الخطيب البغداديّ في كتاب (الكفاية) عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال:(لعلّ أحدكم أن يأتيه حديثٌ من حديثي، وهو متّكئ على أريكته، فيقول: دَعُونا مِن هذا، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه) (٢) .
وروى ابن حزم بسنده عن العرباض بن سارية: أنّه حضر رسول الله صلّى الله عليه وآله يخطب الناس، وهو يقول:(أيحسب أحدكم متّكئاً على أريكته، قد يظنّ أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن، ألا وإنّي والله قد أمرتُ ووعظتُ ونهيتُ عن أشياء، إنّها لمثل القرآن) .
قال ابن حزم: صدق النبيّ صلّى الله عليه وآله هي مثل القرآن، ولا فرق في وجوب كلّ ذلك علينا. وقد صدّق الله تعالى هذا، إذ يقول:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ) (٣) .
وهي أيضاً مثل القرآن في أنّ كلّ ذلك وحي من عند الله تعالى، قال الله عزّ وجلّ:( وما يَنْطِقُ عَنِ الْهوى * إن هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى ) (٤) .
وقبل أن نترك حديث الأريكة لنقرأ هذا النصّ.
(فإذا كانت (الأريكة) كما يقول أهل اللغة: سريراً مُنجّداً مُزَيّناً في قُبّة أو بيت(٥) أو مطلق (السرير) كما فسّر به الشافعيّ(٦) والحازميّ..(٧) فإنّ أولى من تُهَيّأُ له إنّما هو الحاكم والخليفة الذي يحكم الناس ويتحكّم بأُمورهم. وإذا لاحظنا الفعل (يُوشك) الوارد في كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وهو لفظ يستعمل للدلالة على قرب تحقّق العمل؛ لأنّه من أفعال المقاربة، وإذا بحثنا عن ذلك بين الخلفاء لما وجدنا أقرب عهداً إلى زمان رسول
____________________
(١) سنن ابن ماجة ١: ٦/ ١٣، المستدرك ١: ١٩٠، ح ٣٦٨، الكفاية للخطيب: ٢٤، الفقيه والمتفقّه ١: ٨٨.
(٢) الكفاية: ٢٦.
(٣) النساء: ٨٠.
(٤) الأحكام، لابن حزم ٢: ١٥٩، فصل فيما ادعاه قوم من تعارض النصوص، والآيتان من سورة النجم: ٣، ٤.
(٥) مختار الصحاح ١: ٦، مادة أرك.
(٦) الرسالة للشافعيّ: ٩١، باب ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله، مناقب الشافعيّ للبيهقيّ ١: ٣٣٠.
(٧) الاعتبار: ٧.
الله صلّى الله عليه وآله من الخليفة الأوّل، الذي قعد على أريكة الحُكم بعد النبيّ مباشرة، وتصدّى للحديث بعين ما أنبأ به النبيّ صلّى الله عليه وآله، فيما رواه الذهبيّ: أنّ الصدّيق - أبا بكر - جمع الناس، بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: (بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله، وحَرِّموا حرامه)(١) .
إذا علمنا ذلك، اتضح لنا أنّ أبا بكر لم يأبَ أن يكون هو ذلك الرجل الذي أنبأ الرسول صلّى الله عليه وآله بمجيئه، متّكئاً على أريكته، مجابهاً الحديث بقوله: (بيننا وبينكم كتاب الله...).
فكان هذا من أعظم دلائل النبوّة وأوضح أعلامها(٢) .
والغريب أنّ التاريخ لم يحفظ لنا معارضة للحديث من حاكم مقتدر أشدّ وأقرب عهداً من وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله من أبي بكر ومن عمر بن الخطّاب. ومن هذا نفهم أنّ غيرهما لم يكن مقصوداً بهذه الأحاديث. وأمّا من جاء بعدهما فإنّما استَنّ بسنّتهما، ولم يمنع الحديث بأشدّ من منعهما)(٣) .
أيُّ المنعَين أسَبقُ:
بعد هذا كلّه نلتقي بمسألة أُخرى، هي: هل كان منع الخليفة للتحديث والكتابة والتدوين قد حدث في وقت واحد، أم على التعاقب؟
ظاهر الأمر أنّ الخليفة الأوّل - لأسباب نذكرها في السبب الأخير - دوّن الحديث، ثمّ حظر التحديث أوّلاً، ولعلّه كان يتوخّى من ذلك الحظر ممارسة التشريع، والمحافظة على السلطة التشريعيّة، إضافة إلى ما له من سلطة سياسيّة، بمعنى أنّه كان يريد توحيد السلطتين الإداريّة والتشريعيّة، ممّا يسهّل تثبيت الخلافة الإسلاميّة(٤) .
____________________
(١) تذكرة الحفّاظ ١: ٢ - ٣.
(٢) انظر دلائل النبوّة للبيهقيّ ١: ٢٤ و ٦: ٥٤٩.
(٣) انظر تدوين السنّة الشريفة: ٣٥٦ - ٣٥٧، بتصرّف.
(٤) سيتّضح هذا المدّعى في السبب الأخير إن شاء الله تعالى.
وبعد أن مُنع التحديث تضاعفت الحاجة لكتابة وتدوين الآثار النبويّة، بسبب رحيل النبيّ صلّى الله عليه وآله، أوّلاً، وبسبب حظر التحديث من قبل الخليفة ثانياً، وبسبب بروز اتّجاه الرأي وتحرّكه في دائرة الفراغ، ممّا اضطرّ بعض الصحابة إلى أن يكتبوا ويدوّنوا مسموعاتهم ويحتفظوا بها للأجيال القادمة، ولذلك ثنّى الخليفة أبو بكر بمنع الكتابة والتدوين بعد منعه التحديث.. وهذا التسلسل في المنع ليس بذي أهمّيّة بالغة إذا ما قيس بتأثير الحدث تاريخيّاً؛ لأنّ المنع بكلا شقّيه - التحديثيّ والكتابي التدوينيّ - كان في أمد لا يتجاوز الأربع سنين، وكانت هي البذرة الأولى في هذا السبيل، ثمّ سار على خطاها عمر بن الخطّاب، ومَن بعده من المانعين، واستمرّت - إلاّ في خلافة عليّ بن أبي طالب - حتّى فتح التدوين في زمن متأخّر من العهد الأمويّ.
والواقع أنّ أبا بكر وعمر وعثمان نجحوا في منع التدوين نجاحاً كبيراً، ولكنّهم لم يلاقوا مثل هذا النجاح في منع التحديث؛ فالصحابة والتابعون وتابعوا التابعين لم يلتزموا بحظر التحديث، وإن كانوا قد تظاهروا بالانصراف عن التدوين، إلى أن فتح عمر بن عبد العزيز باب التدوين.
وحين انفتح التدوين الحكوميّ - في زمن الأمويّين - صار مقدّمة لشيوع ظاهرة تدوين موضوعات الحديث على مصراعيه، ممّا أتاح للحكّام جمع أكبر عدد من المدوّنين ليدوّنوا لهم ما يروقهم من الأحاديث بعد أن كان الوضع قد تفشّى منذ أوائل العهد الأمويّ، وقد فصّلنا الكلام عن هذا في كتابنا (وضوء النبيّ)(١) ، وقلنا إنّ معاوية أمر كعب الأحبار أن يجلس في المسجد ويقصّ للناس، كي يضع له ما يريد من أحاديث، ويعارض ما لا يعجبه منها، فكان أنْ وُضِعَ على لسان الرسول أحاديث كثيرة.
من هنا يمكن أن نقول: إنّ رأي الخليفة أبي بكر هو رأي واحد، بكلا شقّيه، ومفاده الحَجْر على التحديث والتدوين، وإن كان قد علّل منعه للتحديث أوّلاً بتخوّفه من الاختلاف في المرويّات، وأدّاه ذلك إلى دعوته للأخذ بكتاب الله وحده.
____________________
(١) وضوء النبيّ: المدخل ص ٢٥٦.
وقد استحكم الشكّ في قلبه - بسبب الاختلاف الذي منع على أساسه التحديث - فسرى حتّى شمل أصحابه العدول المؤتمنين، فغدا يُسقط جميع المرويّات، حتّى التي كتبها ودوّنها هو بنفسه؛ ولذلك تشدّد أكثر، وراح يحظر الكتابة والتدوين أيضاً بعد منعه التحديث.
وقد قال الدكتور حسين الحاجّ حسن في كتابه (نقد الحديث) وهو في معرض الكلام عن نشأة الحديث: (أمّا إذا انتقلنا إلى عصر الصحابة وجدناهم غالباً يكرهون تدوين الحديث، بينما يرغبون في روايته، وهو أمر غريب، يحبّون رواية الحديث ويكرهون تدوينه! سؤال يحتاج إلى بحث وتفسير)(١) !!
هذا هو الظاهر الذي يمكن أن نفهمه من تعلِيلَي أبي بكر، مع أنّ واقع المنع يمكن أن يستند إلى أسباب أُخر، غير ما أظهره في هذين التعليلين، إذ أوضحنا سقوطهما عن الاعتبار بما مرّ من الإشكالات. أمّا الأسباب الواقعيّة للمنع، فسيأتيك وجهها في السبب الأخير إن شاء الله.
وبذلك عرفنا أنّ تعليل الخليفة لمنع التدوين، تعليل غير مقنع، ولا يثبت أمام البحث والمناقشة(٢) .
____________________
(١) نقد الحديث ١: ١٤٢.
(٢) انظر زيادة في ذلك كتابنا (تاريخ الحديث النبوي، الموثرات في عهد أبي بكر) فإنّ فيه ما يبلور رؤيتنا بشكل أكثر وضوحاً فليراجع.
السبب الثاني
ما طرحه الخليفة عمر بن الخطّاب
ويمكن أن يستنتج هذا الرأي من نصّين:
أ - عن عروة بن الزبير: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً، وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي واللَّه لا أُلبِسُ كتابَ الله بشي أبداً(١) .
وروي عن يحيى بن جعدة: (أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا له أن لا يكتبها. ثمّ كتب في الأمصار: من كان عنده منها شي فليمحُه)(٢) .
ب - عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه: أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس! إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يُبقينَّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي.
قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأتَوْه بكتبهم، فأحرقها بالنار!!
____________________
(١) الجامع لمعمر بن راشد ١١: ٢٥٧، مصنف عبد الرزاق ١١: ٢٥٨، باب كتابة العلم ح ٢٠٤٨٤، تقييد العلم: ٤٩، المدخل إلى السنن الكبرى ١: ٤٠٧.
(٢) كنز العمّال ١٠: ٢٩٢، ح ٢٩٤٧٦، تقييد العلم: ٥٣، حجّيّة السنّة: ٣٩٥.
ثمّ قال: أُمنية كأُمنية أهل الكتاب(١) .
وفي الطبقات الكبرى: (مثناة كمثناة أهل الكتاب)(٢) .
ويحتمل أن تكون مصحّفة عن (مشناة) وهي روايات شفويّة دوّنها اليهود ثمّ شرحها علماؤهم فسُمّي الشرح جماراً، ثمّ جمعوا بين الكتابين فسمّي مجموعهما - الأصل والشرح - المشناة(٣) .
ومن النصّين الآنفين نفهم أنّ تعليل الخليفة لمنعه تدوين السنّة الشريفة ينحصر فيما يلي:
١ - الخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره.
٢ - الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن.
أمّا التعليل الأوّل: فيُرَدُّ عليه بأُمورٌ:
أوّلاً: إنّ هذا التبرير صدر تحت قناعات سابقة ولظروف خاصّة؛ لقوله: (وإنّي ذكرتُ قوماً...). و(أُمنية كأُمنية أهل الكتاب).
وسنشير إلى تلك الخلفيّات عند عرضنا للسبب الأخير.
على أنّ هذا التصوّر لا يُستساغ من قبل الخليفة فيما يتّصل بالصحابة الأوائل؛ لأنّ هذه العلّة ممّا لا تشملهم. هذا أوّلاً.
ثانياً: يلاحظ أنّ هذا التعليل ينطوي على غير قليل من الغموض والإبهام، الأمر الذي يدعو إلى الشكّ في كونه السبب المباشر لمنع الخليفة، إذ لا ينكر أحد من المسلمين أنّ ترك القرآن والانصراف إلى سواه منهيٌّ عنه، وحرام شرعاً، لكنّ الادّعاء بأنّ الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى تركه، خلط بَيِّن وكلام غير دقيق؛ إذ من الثابت أنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن هو ما يكون منافياً للقرآن، كالأخذ بالتوراة والإنجيل، وما
____________________
(١) حجّيّة السنّة: ٣٩٥.
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ١: ١٤٠.
(٣) انظر الفكر الديني اليهودي للدكتور حسن ظاظا: ٦٥ - ٨١. دلائل النبوّة لأبي نعيم: ٦٣٨ ذيل رقم ٤٢٨، والصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ١: ٥٩، الموسوعة العربيّة الميسّرة: ٥٤٣ (تلمود)، تدوين السنّة الشريفة: ٣٤٠، وموسوعة المورد ٤: ١٩٩ (الجمارة).
فيهما من العقائد والآراء، وأمّا العناية بمفسِّر القرآن ومُبيّنه كما قال تعالى للنبيّ صلّى الله عليه وآله:( لتُبَيِّنَ للِنّاسِ ) (١) وعدّه موجباً لترك القرآن وهجرانه فهو إيهام وخلط بين حقّ وباطل... ذلك أنّ الإقبال على الحديث إقبال على القرآن الكريم في تفسيره والكشف عن مضامينه.
ثالثاً: إنّ تعليل الخليفة هذا يستلزم اتّهام الصحابة بفقدانهم القدرة على التمييز بين كلام الله الذي حفظوه وتناقلوه، وبين كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله، الذي صدر في مقام التفسير والشرح. في حين نعلم أنّ النصّ القرآنيّ بصياغته الخاصّة وبلاغته المتميّزة وجذبته الروحيّة ممّا لا يخفى على أحد، وممّا لا يمكن الخلط بينه وبين الحديث؛ إذ الآيات القرآنية وحدة موضوعيّة مترابطة، ونسيج متماسك يستحيل اختلاطه بغيره من الكلام، و إذا أمكن حصول الالتباس في كلمات منه أو آيةٍ مثل، وهل هي من القرآن أم من كلام النبيّ، فإنّ ذلك أمر جزئيّ يمكن علاجه بأن يأمر الخليفة بالتثبّت منه عن طريق سؤال أكثر من صحابيّ، كما فعل ذلك أبو بكر عند جمعه القرآن(٢) ، ولا يحتاج علاج هذه القضيّة البسيطة إلى تعميم منع التحديث والتدوين كما فعل ذلك الخليفة عمر، ولذلك نرى أنّ أبا بكر لم يعلّل منعه للتدوين بالاختلاط لأنّه حلّ هذا الاحتمال ولم يحوجه إلى اتّخاذ أُسلوب الخليفة عمر.
نعم، يصحّ هذا القول - على فرض التنزّل - لو اعتبرنا أنّ القرآن والحديث قد كانا بلا تمايز في صحيفة واحدة، ممّا هو مظنّة للخلط وفقدان للتمييز. لكنّ الواقع لم يكن كذلك، ولم يصنع هذا الصنيع المفترض أحد من المسلمين.
وهذه كتب التفسير بالمأثور ماثلة بين أيدي المسلمين، ولم يقع الخلط فيها بين القرآن والأثر النبويّ، رغم تطاول الأزمنة وامتداد العصور.
وأمّا التعليل الثاني: وهو الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن؛ لقوله: (لا أُلبس
____________________
(١) النحل: ٤٤.
(٢) الدر المنثور ٤: ٣٣٢، تحفة الأحوذي ٨: ٤٠٨، باب سورة التوبة، الإتقان ١: ١٦٢ - ١٦٣.
كتاب الله بشيء). فيردُّ عليه بأُمور أُخرى، هي:
أوّلاً: إنّ النصّ القرآنيّ يمتاز عن النصّ الروائيّ من حيث الأسلوب والبلاغة بمزايا ثابتة، إذ إنّ الأوّل قد صدر على نحو الإعجاز، فتحدّى مشركي العرب - وهم أهل البراعة في البيان - أن يأتوا بمثله. وقد تكرّرت هذه الدعوة في القرآن بأساليب مختلفة وألفاظ قارعة كقوله( قُلْ فَأْتُوا بكتابٍ مِن عِند الله هُو أهدى مِنْهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادقِيِنَ ) (١) .
أو:( قُل لَئن اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ على أن يَأتُوا بمِثْلِ هذا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ ولو كانَ بَعْضُهُم لبعضٍ ظَهيراً ) (٢) .
وفي آخر:( أمْ يقولون افتْرَاهُ، قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دونِ الله إنْ كُنتمِ صادقِينَ ) (٣) .
وقوله:( وإنْ كنتم في ريبٍ ممّا نَزَّلْنا على عبدِنا فاْتُوا بسورةٍ من مثلهِ وادعُوا شُهداءكم من دونِ الله إنْ كُنتم صادقين * فإن لَمْ تَفعلوا ولن تَفْعَلوا فاتّقُوا النّارَ التي وَقودُها الناسُ والحجارةُ أُعِدَّت للكافرين ) (٤) .
وقد أدهشهم القرآن في بلاغته وفصاحته وقوّة تأثيره حتّى قالوا:( سِحْرٌ مُسْتَمِرّ ) (٥) ، بخلاف حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي لم يكن في مقام التحدّي والإعجاز.
ثانياً: إنّ كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله جاء على سبيل تبيين الأحكام، ولم يكن يُعْنَى بالصياغة البلاغيّة كما عني بتبيين الأحكام، مع الأخذ بنظر الاعتبار كون بعض الروايات التي صدرت عنه صلّى الله عليه وآله كانت تُنْقَل بالمعنى.
____________________
(١) القصص: ٤٩.
(٢) الإسراء: ٨٨.
(٣) هود: ١٣.
(٤) البقرة: ٢٣ - ٢٤.
(٥) القمر: ٢.
في حين نعلم أنّ المسلمين كانوا قد عرفوا القرآن وميّزوه وحفظوه، وكانوا يقدّرون منزلته الخاصّة في نفوسهم؛ لما جعل له من منزلة للمتعامل معه، فلا يمسّونه بدون طهارة لقوله تعالى:( لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرون ) (١) وكانوا يتهادون آياته ويرتّلونها آناء الليل وأطراف النهار.
و إذا كانت عنايتهم بالقرآن إلى هذا الحدّ، وأكثر من هذا الحدّ، فهل يتخوّف بعد ذلك من اختلاطه بالحديث؟!
وكيف يخفى على الصحابة ما جاء على نحو الإعجاز من القول وبين ما لم يكن في مقام الإعجاز، حتّى يلزمنا القول بأنّ الصحابيّ لا يميّز بينهم؟!
نعم، قد يقال إنّ كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله ليس مثل كلام سائر الناس، بل إنّه كلام سيّد البلغاء وأفصح العرب، و إنّه ليضاهي القرآن فصاحةً وعمقاً؛ ولذلك لا يتيسّر لجميع الناس التمييز بينه وبين القرآن، ومن أجله يُخشى من حصول الخلط بينه وبين القرآن!
والواقع أنّ هذه المقارنة فيها كثير من التجوّز؛ وذلك لأنّ السنّة النبويّة هي (قول وفعل وتقرير). ولو جرينا مع أصحاب هذا القول لما صحّ أن ينطبق إلاّ على السنّة القوليّة أو بعض السنّة القوليّة؛ لأنّ بين تلك الأقوال الصادرة عنه صلّى الله عليه وآله ما يجري مجرى الكلام المألوف من كلام الآدميّين، مضافاً إلى أنّ الكثير من المرويّات عن الرسول كانت تنقل بالمعنى لا باللفظ.
ثالثاً: لو سلّمنا بالقول السابق، فإنّه لا يستلزم القول بلزوم ترك الحديث صيانة للقرآن؛ لأنّ الحديث مفسِّر القرآن، وأنّ كتابته وتدوينه وكثرة مُدارسته ممّا يخدم المسلم في فهمه للقرآن، ولا تعارض بينه وبين القرآن.
بلى، إنّ التثبّت في النقل عن رسول الله صلّى الله عليه وآله هو ما يجب أن يُصار إليه و يؤكّد عليه، وهو ما أكّده صلّى الله عليه وآله بقوله:(مَن كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار). والمتأمّل في هذه الجملة يراها تقرِّر إمكان مجاراة السنّة النبويّة والكذب عليه، بعكس القرآن
____________________
(١) الواقعة: ٧٩.
الذي لا يمكن لأحد أن يضاهيه.
بعد هذا نتساءل: كيف ينسب إلى الخليفة عمر بن الخطّاب جهله بهذه الحقائق الواضحة، حتّى يدّعي ما لازِمُه عدم الفرق بين بلاغة القرآن المعجزة وبين بلاغة النصّ النبويّ الشريف؟!
وكيف يُغفل عن أنّ القول بالاختلاط يؤدي إلى الكفر، وأنّ الذي يذهب إلى احتمال اختلاط القرآن بالسنّة يُعدُّ مكذِّباً لقوله تعالى:( لا يأتيه الباطل ) (١) وقوله:( إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) (٢) ، وممّا لا يستبعد قوله هنا أنّ الخليفة عمر لجأ في تأصيل ما يقول به إلى تعليلات شتى كالخوف من اختلاط الكتاب بالسنّة، أو أنّه ذكر قوماً كانوا قبلهم أكبّوا على كتب أحبارهم وتركوا كتاب ربّهم، أو تثبتاً في السنّة، وبتعاليله تلك حدّ من تناقل الحديث عن رسول الله وضيّق الخناق على كل مَن له رواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله.
ومهما يكن من أمر فإنّ منع عمر من التحديث والكتابة والتدوين جاء خلافاً لإجماع أهل القبلة بحجّية خبر الآحاد، وخلافاً لغالب أهل السنة والجماعة المنعقد على عدالة جميع الصحابة، بل هو خلاف سيرة العقلاء القائمة على اعتبار أخبار الثقات، فالخليفة بعمله هذا قد أضاع كثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة، وشكّك في أُصول مطروحة في الشريعة؛ لأنّ كثيراً من الصحابة سمعوا ما لم يسمعه غيرهم، وهذا يعني عدم جواز نقل ما سمعوا إلاّ بعد أن يأتوا بشاهد وبينة على صدوره عن رسول الله، وهذا ما لا يتأتى لغالبهم كما تأتى لأبي موسى الأشعري بالصدفة.
ومن هذا كلّه نخلص إلى أنّ المبرَّرَينِ المطروحَينِ من قبل الخليفة عمر بن الخطّاب، لمنع حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، لا يكفيان في التعليل، فلنبحث عن مبرّر آخر قد نجد فيه الجواب المقنع.
____________________
(١) فصلت: ٤٢.
(٢) حجر: ٩.
السبب الثالث
ما ذهب إليه ابن قتيبة وابن حجر
ذهب ابن قتيبة(١) وابن حجر(٢) وغيرهما(٣) إلى أنّ النهي عن التدوين جاء لجهل الصحابة بالكتابة.
بَيدَ أنّ هذا الرأي لم يثبت أمام النقد والتمحيص، وواجه العديد من الاعتراضات والردود، منها ردّ محمّد عجاج الخطيب، إذ قال: (لا يمكننا أن نسلّم بهذا بعد أن رأينا نيّفاً وثلاثين كاتباً يتولّون كتابة الوحي للرسول الكريم صلّى الله عليه وآله، وغيرهم يتولّون أُموره الكتابيّة الأخرى.
ولا يمكننا أن نعتقد بقلّة الكتّاب وعدم إتقانهم له، فتعميم ابن قتيبة هذا لا يستند إلى دليل)(٤) .
وقال في كتاب (السنّة قبل التدوين): ونحن في بحثنا هذا لا يمكننا أن نستسلم لتلك الأسباب التقليديّة التي اعتاد الكاتبون أن يعلّلوا بها عدم التدوين، ولا نستطيع أن نوافقهم على ما قالوه من أنّ قلّة التدوين في عهده صلّى الله عليه وآله تعود قبل كلّ شي إلى ندرة وسائل الكتابة، وقلّة الكتّاب وسوء كتابتهم، لا يمكننا أن نسلّم بهذا بعد أن رأينا نيّفاً وثلاثين كاتباً يتولّون كتابة الوحي للرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وغيرهم يتولّون أُموره الكتابيّة الأخرى.
____________________
(١) تأويل مختلف الحديث: ٢٨٧، وانظر توجيه النظر للجزائريّ: ١٠.
(٢) هدي الساري: ٤، وانظر فتح الباري ٣: ٣٤٥.
(٣) كالذهبي في سير أعلام النبلاء ١٨: ٥٤١، وفي تذكرة الحافظ ٣: ١١٨٢، ترجمة أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي.
(٤) أُصول الحديث وعلومه ومصطلحه: ١٤٦.
ولا يمكننا أن نعتدّ بقلّة الكتّاب، وعدم إتقانهم له، وفيهم المحسنون المُتْقِنون أمثال: زيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولو قبلنا - جدلاً - ما ادّعوه من ندرة وسائل الكتابة، وصعوبة تأمينه، لكفى في الردّ عليهم أنّ المسلمين دوّنوا القرآن الكريم، ولم يجدوا في ذلك صعوبة، فلو أرادوا أن يدوّنوا الحديث ما شقّ عليهم تحقيق تلك الوسائل، كما لم يشقّ هذا على من كتب الحديث بإذْن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فلابدّ من أسباب أُخرى...(١) .
وقال الدكتور مصطفى الأعظميّ:... و إن أنكرنا معرفتهم بالكتابة فكيف نحكم بكتابة القرآن نفسه؟ أما كان الصحابة يكتبون القرآن أوّل بأوّل؟!
ثمّ ما معنى (ولا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن؟) إذا كان الناس لا يقدرون على الكتابة فلا داعي للمنع البتّة.
وهذا الحديث نفسه يشير إلى أ نّهم كانوا يكتبون القرآن وغير القرآن أيضاً.
ثمّ وجود عدد كبير من كتّاب النبيّ صلّى الله عليه وآله، وإدارة دولة عظيمة في عهد الخلفاء الراشدين، تتطلّب وجود الكتّاب العارفين بالحساب وما شاكل ذلك.
إذَن لا محيص من القول بأنّه كان هناك عدد وافر من الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة حتّى عصر الصحابة أنفسهم. وسياسة النبيّ التعليميّة التي آتت أُكلها في عهد النبيّ نفسه لابدّ أن تكون قد أنتجت أضعاف ذلك بعد وفاته صلّى الله عليه وآله.
إذن ممّا لا شكّ فيه أنّه كان هناك عدد كافٍ من الصحابة في عصر النبيّ يعرفون القراءة والكتابة، ولو أنّ الأغلبيّة لم تكن تعرف الكتابة. وبالرغم من هذا فإنّ الذين كانوا يعرفون كان فيهم الكفاية(٢) .
ثمّ إنّ الأستاذ الخطيب أراد تشخيص السبب المقنع لمنع التدوين فعاد لذكر بعض الأسباب التقليديّة، التي تهجّم على الآخرين فيها، فقال: لم يكن السبب في عدم تدوين
____________________
(١) السنّة قبل التدوين لمحمّد عجاج الخطيب: ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) دراسات في الحديث النبويّ ١: ٧٣.
السنّة رسمياً في عهده صلّى الله عليه وآله جهل المسلمين آنذاك بالكتابة والقراءة، فكان فيهم القارئون الكاتبون الذين دوّنوا التنزيل الحكيم، بل كان ذلك لأسباب أُخرى، أهمّها: الخوف من التباس القرآن بالسنّة، وكيلا ينشغل المسلمون بكتابة السنّة عن كتابة القرآن ودراسته وحفظه...(١) !!
ووقع في نفس هذا الخطأ الدكتور عبد الغنيّ، حين قال ردّاً على كلام ابن قتيبة: إنّ العمدة في ثبوت النهي حديث أبي سعيد الخدريّ. والمتبادر منه: أنّه أجاز كتابة القرآن لمن نهاه عن كتابة السنّة. ولو كانت علّة النهي خوف الخطأ في الكتابة، فكيف يُجيز لهم كتابة القرآن؟(٢) .
وقال السيّد هاشم معروف: ومن مجموع ذلك تبيّن أنّ الكتابة لم تكن بتلك الندرة بين المكيّين كما يدّعي البلاذريّ في فتوح البلدان، حيث قال: لقد ظهر الإسلام وبين القرشيّين سبعة عشر رجلاً يحسنون الكتابة لا غير، وفي الأوس والخزرج سكّان المدينة أحد عشر رجلاً تعلّموها من جيرانهم اليهود. وإذا صحّ أنّ الذين كانوا يحسنون الكتابة لا يتجاوزون هذا العدد الضئيل فلابُدّ وأن تكون في غيرهم معدومة أو أقلّ من ذلك...(٣) .
وقد مرَّ عليك كلام أحمد أمين في فجر الإسلام في ذلك(٤) .
قال الدكتور صبحي الصالح في علوم الحديث ومصطلحه: (فإذا رأينا أنّ تعويل الصحابة في حفظ الحديث إنّما كان على الاستظهار في الصدور لا على الكتابة في السطور؛ صار لزاماً علينا أن نلتمس لتعليل ذلك غير الأسباب التقليديّة التي يشير إليها الباحثون عادة كلّما عَرَضوا لهذا الموضوع، فما نستطيع أن نتابعهم فيما يزعمون من أنّ قلّة التدوين على عهد رسول الله تعود بالدرجة الأُولى إلى ندرة وسائل الكتابة؛
____________________
(١) السنّة قبل التدوين: ٣٤٠.
(٢) حجّيّة السنّة: ٤٣٠ و ٤٤٤.
(٣) دراسات في الكافي والصحيح: ١٤. أو دراسات في الحديث والمحدّثين: ١٧.
(٤) انظر فجر الإسلام: ١٣ - ١٤.
لأنّها لم تك قليلة إلى هذا الحدّ الذي يُبالَغ فيه، وهي على كلّ حال قلّة نسبيّة قد تكون أحد العوامل في إهمال تدوين الحديث، ولكنّها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول من تجشّم المشاقّ وركوب الصعاب في كتابة القرآن كلّه في اللخاف والعُسب والأكتاف والأقتاب وقِطَع الأديم.
ولو أنّ بواعثهم النفسيّة على تدوين الحديث كانت تضارع بواعثهم على كتابة القرآن حماسةً وقوّة لاصطنعوا الوسائل لذلك ولم يتركوا سبيلاً إلاّ سلكوه، بَيدَ أنّهم من تلقاء أنفسهم وبتوجيه من نبيّهم نهجوا في جمع الحديث منهجاً يختلف كثيراً عن طريقهم في جمع القرآن)(١) .
أمّا السيّد محمّد رضا الجلاليّ فقد علّق على رأي ابن حجر بقوله: والعجب من مُحَدِّث، رجاليّ، مؤرِّخ مثل الحافظ ابن حجر العسقلانيّ أن تخفى عليه حقيقة واضحة كهذه، فيقول: (لأنّهم، كانوا لا يعرفون الكتابة)! وهذا يعني جميعهم، كما هو المتبادر من كلامه.
ولعلّ الحافظ السيوطيّ قد تنبّه إلى هذه الزلّة من ابن حجر، فعدّل عبارته، حيث يقول: (إنّ أكثرهم كانوا لا يحسنون الكتابة)(٢) .
وبهذا عرفت أنّ إطلاق جهل الصحابة بالكتابة غير سليم؛ لأنّ مَن لا يجيد الكتابة لا يمكن أن يقال له: لا تكتب، فالنهي المزعوم عن التدوين بذاته دالّ على وجود المؤهّل منهم للكتابة، أو دالّ على وقوعه، و إلاّ فالنهي يكون لغواً، خاصّة إذا كان شديداً.
وقال محقّق كتاب (ثبت البلدي) عند شرحه لحديث (لا تكتبوا عنّي شيئاً سوى القرآن ومَن كتب فليمحه): فألفاظ الحديث تدلّ على وجود مَن كان يدوّن الحديث في حياة الرسول الأُولى...(٣) .
____________________
(١) علوم الحديث ومصطلحه: ٦.
(٢) تدوين السنّة الشريفة: ٣٩٢ - ٣٩٣، وقول السيوطيّ في تدريب الراويّ ١: ٨٨.
(٣) ثبت البلدي: ٧٧ مقدّمة المحقق.
السبب الرابع
ما نقله الأستاذ أبو زهو والشيخ عبد الغنيّ
قال الأستاذ أبو زهو: وشيء آخر جعل النبيّ صلّى الله عليه وآله ينهاهم عن كتابة الحديث، هو: المحافظة على تلك المَلَكة التي امتازوا بها في الحفظ، فلو أنّهم كتبوا لاتّكلوا على المكتوب، وأهملوا الحفظ فتضيع مَلَكاتهم، بمرور الزمن(١) .
وقال الشيخ عبد الخالق عبد الغنيّ: القول الثاني: إنّه نهى عن كتابتها خوف اتّكالهم على الكتابة وإهمالهم للحفظ الذي هو طبيعتهم وسجيّتهم، وبذلك تضعف فيه ملكتهم... ولذلك كان هذا النهي خاصّاً بمن كان قويّ الحفظ آمناً من النسيان(٢) .
وقال قبله: الحفظ والكتابة يتناوبان في المحافظة على الشرع، وفي الغالب يضعف أحدهما إذا قوي الآخر. ومن هنا قد نفهم سبباً من الأسباب التي حملت الصحابة على حثّ تلاميذهم على الحفظ، ونهيهم إيّاهم عن الكتابة!
وذلك لأنّهم كانوا يرون أنّ الاعتماد على الكتابة يُضعف فيهم ملكة الحفظ، وهي ملكة طبعوا عليه، والنفس تميل إلى ما طبعت عليه، وتكره ما يخالفه و يضعفه(٣) .
وقال الدكتور محمّد عجاج الخطيب: (وأبَوا أن ينكبّ أهل الحديث على دفاترهم و يجعلوها خزائن علمهم، ولم يعجبهم أن يخالف سبيل الصحابة في الحفظ والاعتماد على الذاكرة. وحُقّ لهم أن يكرهوا الاتّكال على الكتب؛ لأنّ في الاتّكال
____________________
(١) الحديث والمحدّثون: ١٢٣.
(٢) حجّيّة السنّة: ٤٢٨، وانظر تدريب الراوي ٢: ٦٧.
(٣) حجّيّة السنّة: ٤٠٥.
على المكتوب وحده إضعافاً للذاكرة، وانصرافاً عن العمل به)(١) .
وعلّق صاحب تدوين السنّة الشريفة على كلام الشيخ عبد الغنيّ بقوله: وهذا الكلام ليس فيه وراء الخطابة أمرٌ علميّ ولا استدلال بشي، بل هو بعيد عن الموضوعيّة، حيث إنّ البحث إنّما هو عن حرمة التدوين! وأين هذا الكلام من ذلك، فهو إنّما ينفق في سوق الرغبات والطبائع وما تحبّ أو تكره!
وهل هذا يوجب ترك أمر شرعيّ مهمّ - كالحديث - عرضةً للنسيان وغيره من آفات الذاكرة، وعدم ضبطه وتوثيقه بالكتابة والتدوين(٢) ؟!
ولنا مع هذا الرأي وقفتان:
الأُولى: يردُّ هذا التوجيه لو فرضنا كون النهي قد صدر عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، لكنّ هذا النهي - كما سترى فيما بعد - لم يكن شرعيّاً، ولم يصحّ ما روي عنه صلّى الله عليه وآله في هذا المورد، بل إنّ أحاديث النهي قد صدرت تحت ظروف سياسيّة، وقناعات سابقة من أشخاص معيّنين، أرادوا للتحديث والتدوين أن لا ينطلقا في عالم أرحب.
الثانية: لو سلّمنا بصحّة هذا الرأي، فإنّ ذلك يستلزم أن تكون الكتابة محرّمة؛ مع أنّ كراهة الاتّكال على الكتابة لا تعني حرمته، بل تعني عدم الرغبة فيه. فلو كانت محرّمة لما كتبها بعض الصحابة، ومن ثمّ كانوا إذا حفظوها مَحَوها، كما نقل ذلك عن القاضي عياض(٣) .
ثمّ ألا ترى القول بمنع تدوين الحديث بدافع المحافظة عليه أشبه شي بالتناقض؟! وكيف يُتَصوّر أن يحثّ المعلّم تلاميذه على العلم ويحرّضهم على صون محفوظاتهم من النسيان ثمّ يوصيهم ألاّ يدوّنوها ولا يتدارسوها؟!
____________________
(١) السنّة قبل التدوين: ٣٣٣، وقد قال بهذا القول قبل هؤلاء السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء: ١٤٦ والقاضي عيّاض في الإلماع: ١٤٩، وابن الأثير في جامع الأصول ١: ٤٠، وابن الصلاح في مقدّمته: ٣٠١، وعلوم الحديث له: ١٩٢ وغيرهم.
(٢) تدوين السنّة الشريفة: ٣٧٠.
(٣) منهم: عاصم بن ضمرة (راجع المحدّث الفاصل ١: ٣٨٢)، وخالد الحذّاء (راجع تقييد العلم: ٥٩)، وعبيدة (انظر جامع بيان العلم ١: ١٦٦).
أليس صون العلم والمحافظة عليه بالكتابة والتدوين أولى وأجدى من حفظه واستظهاره؟!
ولو تذكّرنا أنّ كلّ ما كُتِبَ قَرّ وكلّ ما حُفِظَ فَرّ، فَلِمَ التأكيد على حفظ الحديث وتجويزه من قبل الحفّاظ، والقول بأنّ منع الكتابة جاء للمحافظة على الذاكرة؟! وماذا نفعل بقوّة الحافظة لو مات الصحابيّ الحافظ؟!! ألم تكن الملائكة أكمل من بني الإنسان وأقدر منه على الحفظ، فلِمَ يكلّفهم الله عزّ وجلّ بالكتابة مع ذلك و يقول:( كِراماً كاتِبين ) (١) ؟!.
قد يقال: إنّ الحافظة ملكة يمكن أن تُدرَّب وتُشحَذ لتكون قويّة حادّة، كما هو شأن حاسّة السمع عند الأعمى التي تكون أقوى بكثير ممّا عند البصير؛ لأنّه غالباً ما يستعين بها بدل البصر المفقود، وكذا التاجر الأُمّيّ؛ فإنّ حافظته لكثرة اعتماده عليها وكثرة مزاولة استخدامها أقوى من حافظة التاجر المتعلّم؛ لأنّ الأوّل يعتمد على الحافظة بخلاف الثاني.
لكن لو صحّ أنّ شأن الصحابة مع الحفظ كان على هذه الشاكلة، وأنّ العرب كانوا ذوي حافظة قويّة، وخصوصاً الصحابة الذين قيّضهم الله لحفظ الشرع وصيانته، وحمله وتبليغه لمن بعدهم... فكيف يمكن تأويل ما أخرجه الخطيب في رواية مالك، والبيهقيّ في شعب الإيمان، والقرطبيّ في تفسيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: (تعلّم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمّا ختمها نحر جزوراً)؟!(٢) .
وماذا يمكننا أن نقول في ذلك؟ هل يجب أن نُخَطِّئَ الشيخ عبد الغني والأستاذ أبا زهو ومَن ذهب إلى هذا الرأي، أم نخطّئ ابن الجوزيّ والذهبيّ والقرطبيّ لروايتهم هذا الخبر عن عمر؟
لابُدّ إذَنْ أن يكون في الأمر شي آخر غير الحافظة والاعتزاز بها. وهو ما سيتّضح
____________________
(١) الانفطار: ١١.
(٢) شرح النهج ١٢: ٦٦، الدرّ المنثور ١: ٥٤، سيرة عمر لابن الجوزيّ: ١٦٥، تفسير القرطبيّ ١: ٤٠ وفيه في بضع عشرة سنة، تاريخ الإسلام للذهبيّ (عهد الخلفاء الراشدين: ٢٦٧).
للقارئ - لاحقاً - إن شاء الله تعالى.
قال الأستاذ يوسف العشّ في مقدّمة كتاب تقييد العلم: (فذاكرة أكثر الناس أضعف من أن تتناول مادّة العلم بأجمعه، فتحفظها من الضياع، وتقيها من الشرود، ومهما قويت عند أُناس فلابدّ أن تهون عند آخرين، فتخونهم وتضعف معارفهم)(١) .
وقد عدّد أصحاب الجرح والتعديل في كتبهم أسماء مَن كان يخلط من الصحابة والرواة في كتبهم.
إنّ هذه الأمور تؤكّد أنّ المسألة لم تكن كما يصوّرها البعض، بل هناك شي آخر ينبغي الإشارة إليه، إذ أنّ السنّة النبويّة لم تكن حكراً على العرب، ليقال في التعليل: إنّهم أصحاب حافظة قويّة، حتّى يرد تعليل الشيخ عبد الغنيّ، والأستاذ أبي زهو، بل إنّ هناك - من مسلمي الفرس والأتراك وغيرهما - من كان يريد تدوين السنّة، فما الجواب في مثل هذه الحالة؟
ولو كان الحفظ واجباً في شي، ألا تراه في القرآن أوجب؟
ولو كانت سعة الحفظ وقوّة الذاكرة مانعة من كتابه شي، فلماذا لم تمنع من كتابة القرآن؟ مع وجود عدد كبير من حفّاظ الصحابة؟
ولو كان للحفظ هذه المنزلة فلماذا لا نجد في الحفظ عشر معشار الآيات النازلة في الكتابة والحث عليها وتمجيد الكتاب؟!
على أنّ الحافظة - التي ادّعي أن النهي عن الكتابة جاء لصيانتها - لم تستطع هي الأخرى أن تفي بالغرض وتسدّ حاجة المسلمين لسنة رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ ولذلك صرّح أبو بكر بن أبي قحافة بأنّ الصحابة يحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله بأحاديث يختلفون في نقولاتها، وممّا لا شك فيه أنّ ضعف الحافظة وخيانتها من الأسباب الفاعلة في ذلك الاختلاف في النقل.
فمن خلال قول أبي بكر: (إنّكم تحدِّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون
____________________
(١) مقدّمة تقييد العلم: ٨.
فيها) نفهم أنّ الخلاف في المسائل الفرعيّة آنذاك كان صادراً من جهة اختلاف وجوه النقل من قبل الصحابة(١) . وهذا معناه: إمّا كذب عدد منهم في النقل، كما أخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله بقوله:(ستكثر بعدي القالةُ عليّ) (٢) فتتعارض نقولاتهم مع نقول الصادقين من الصحابة. وإمّا وقوع النسيان، أو السهو، أو الغلط لدى بعض منهم، بحيث يحدث الاختلاف مع نقولات الحافظين الذاكرين الصحيحي النقل.
وإمّا أن تكون النقولات متعارضة ظاهراً إلى حدّ أن يخفى على غير المتمرِّس بالشريعة وجه الجمع والعثور على القرائن الحاليّة، أو المقاليّة التي يمكن بواسطتها رفع الاختلاف.
إذَن، مَن يريد التثبّت في الحديث يلزمه أن يحتاط في الأخذ، ومن شكّ في صحّة حديث، فإنّه ينبغي عليه التحقيق فيه حتّى يتبيّن له المكذوب من الصحيح(٣) ، ولا يجوز أن يأمر بمحو الحديث وحرقه لمجرّد احتمال يَرِد عليه، وإلاّ فهو الإضاعة والتفريط والضبط.
وهنا أمر آخر يجب الإشارة إليه وهو أنّ النصوص المؤكّدة على تشديد الصحابة في نقل الأخبار، وقبولهم لها، وخوف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود و... من التحديث وأن يزيد أو ينقص في الحديث، وقول زيد: كبرنا ونسينا الحديث عن رسول الله، كلّها تؤكّد عدم صحّة مقولة الحفاظ على الحافظة(٤) .
____________________
(١) انظر كتابنا تاريخ الحديث النبوي، المؤثرات في عهد أبي بكر: ١١١ - ١٢٤. ففيه تفصيل ذلك.
(٢) انظر المعتبر للمحقق الحلي ١: ٢٩، وفي صحيح البخاري ١: ٥٢ باب إثم من كذب على النبي ح ١٦ بسنده إلى علي بن أبي طالب يقول قال النبي صلّى الله عليه وآله:(لا تكذبوا عليّ فإنّه مَن كذب عليّ فليلج النار) .
(٣) كما جاء في خبر الرسول الذي رواه رافع بن خديج عنه صلّى الله عليه وآله المارّ ذكره.
(٤) الأضواء على السنّة المحمدية: ٥٨ - ٥٥، والحديث تجده في سنن ابن ماجة ١١: ١، باب تعظيم حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله والتغليط على من عارضه ح ٢٥، ومسند أحمد ٣٧٠: ٤، ح ١٩٣٢٣ و ١٩٣٢٤ وغيرها من المصادر.
السبب الخامس
ما ذهب إليه الخطيب البغداديّ وابن عبد البرّ
قال الخطيب: إن قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وتشديده عليهم في ذلك؟
قيل له: فعل ذلك عمر احتياطاً للدين، وحسن نظر للمسلمين، لأنّه خاف أن ينكلوا عن الأعمال، ويتّكلوا على ظاهر الأخبار. وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها ولا كلّ مَن سمعها عرف فقهها؛ فقد يَرد الحديث مجملاً و يستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أن يُحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحُكم خلاف مأخذه، وفي تشديد عمر - أيضاً - على الصحابة في روايتهم حفظ حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، وترهيب مَن لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها(١) .
قال الدكتور محمّد عجاج الخطيب، بعد نقله كلام الخطيب البغداديّ: هذا ما رآه ابن عبد البرّ والخطيب البغداديّ وغيرهما من أئمّة الحديث، و إليه أذهب وبه أقول(٢) .
هذا كلام الخطيب في المسألة. وهو كلام تثار حوله عدّة أسئلة:
منه: أترى أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب كان أحرص من رسول الله صلّى الله عليه وآله على دين الله؟ وما معنى خوفه واحتياطه ورسول الله يقول للسائل:(حدِّث عنّي ولا حرج) ؟ و يقول في آخر(اكتبوا ولا حرج) ؟
____________________
(١) شرف أصحاب الحديث: ٩٧ - ٩٨.
(٢) السنّة قبل التدوين: ١٠٦.
وكيف لا يحتاط أبو ذرّ الغفاريّ وهو الصحابيّ الذي قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله:
(ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ) (١) وابن مسعود وغيرهم.
ثمّ إنّ ما فعله عمر بن الخطّاب من حظر التحديث والتدوين، وجمعُهُ للصحابة المحدِّثين في حوزته إلى آخر حياته - من أمثال أبي ذرّ وابن مسعود وأبي مسعود وغيرهم - ليشير بوضوح إلى افتعال ما نُسب لهؤلاء من روايتهم أحاديث منع التدوين والتحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، فقد ثبت من جهة أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب منع هؤلاء وفرض عليهم الإقامة الإجباريّة في المدينة، لتحديثهم عن رسول الله فلا يعقل في الجهة المقابلة أن يكون هؤلاء هم رواة أحاديث منع التدوين!! إذ لو كانوا كذلك لالتزموا بما سمعوا من منع النبيّ صلّى الله عليه وآله ولما حدّثوا عنه صلّى الله عليه وآله بشي.
بلى، لو صحّ أنّهم من مانعي الرواية والتحديث لما احتاج الخليفة إلى جمعهم ونهيهم عن التحديث؛ لأنّه تحصيل حاصل.
ثمّ ألم يكن في هذا القول ازدراء للصحابة؟ وتكذيب لما قاله ابن حجر عنهم: فنفى عنهم الكذب والخطأ والسهو والريب والفخر!
و إذا كان نقل الصحابة قد جاء تدريجيّاً واجتهاداً منهم، فهل يجوز لعمر نقض ما فعلوه؟
و إن لم يكن كذلك، فكيف يأمرهم أن يأتوه بمدوّناتهم؟
ألم يكن ذلك دليلاً على الجواز؟
وهل يعقل أن يمنع الرسول صلّى الله عليه وآله من تناقل حديثه الذي فيه بلاغ للناس؟ وهو القائل:(رحم الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فبلغها عنّي) (٢) .
____________________
(١) مسند أحمد ٢: ١٦٣، ح ٦٥١٩، سنن ابن ماجة ١: ٥٥، باب فضل أبي ذر، ح ١٥٦، سنن الترمذي ٥: ٦٦٩، باب مناقب أبي ذر ٢، ح ٣٨٠١، الآحاد والمثاني ٢: ٢٣١، ح ٩٨٦، الكنى للبخاري ١: ٢٣، ح ١٨١.
(٢) سنن الترمذي ٥: ٣٤، كتاب العلم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، باب ما جاء في الحث على تبليغ السامع، ح ٢٦٥٨، المسند المستخرج على صحيح مسلم ١: ٤١، ح ١٢، سنن ابن ماجة ١: ٨٤، باب من بلغ علم، ح ٢٣٠ و ١: ٨٥، ح ٢٣١ و ١: ٨٦، ح ٢٣٦: مسند أحمد ٤: ٨٠، ح ١٦٧٨٤ و ٤: ٨٢، ح ١٦٨٠٠.
والعجيب أنّهم يدّعون أنّ في المنع احتياطاً للدين، ويفوت عليهم أنّ منع المنع هو الاحتياط للدين؛ لأنّ معنى المنع هو ضياع كثير من الأحكام وعدم وصولها للمسلمين و إخفاء حكم الله، وأمّا التحديث والتدوين فهو و إن كان عرضة للخطأ والتصحيف و و... لكنّه أعوَدُ على المسلمين من بقائهم في الجهل وعدم معرفة الأحكام.
ولو تنزّلنا وقلنا بأنّ الخليفة الثاني منع من التدوين احتياطاً للدين، فإنّنا سنواجه مشكلة في سيرة الخليفة من كونه حادّاً سريعاً في اتّخاذ المواقف منذ الجاهلية(١) وصدر الإسلام، وهذا لا يتفق مع خوفه من (أن ينكلوا عن الأعمال ويتكلوا على ظاهر الأخبار) - كما قاله الخطيب - لأنّ عمر كان لا يتأنّى ولا يتمهّل، بل تراه يتسرّع في كثير من الأمور ثمّ يندم على ذلك، إذ نراه ندم على ما فعله سابقاً في صلح الحديبيّة(٢) وحينما صلّى النبي صلّى الله عليه وآله على المنافق(٣) ، ومثل ذلك ما تعجّل به عندما جيء بالحكم بن كيسان أسيراً للنبيّ صلّى الله عليه وآله فجعل النبيّ يدعوه إلى الإسلام، فأطال، فقال عمر: علامَ تكلّم هذا يا رسول الله؟! والله لا يسلم هذا آخر الأبد، دعني أضرب عنقه ويقدم على أُمّه الهاوية.
فكان النبيّ صلّى الله عليه وآله لا يقبل على عمر، حتّى أسلم الحكم.
قال عمر: فما هو إلاّ أن رأيته أسلم، حتّى أخذني ما تقدّم وما تأخّر، وقلت: كيف أردّ على النبيّ أمراً هو أعلم به منّي، ثمّ أقول: إنّما أردت بذلك النصيحة لله ولرسوله؟!
قال عمر: فأسلم، فحسن إسلامه، وجاهد في الله حتّى قُتِل شهيداً ببئر معونة ورسول الله راضٍ عنه، ودخل الجنان(٤) .
____________________
(١) انظر المنمّق: ١٣٠.
(٢) صحيح البخاري ٢: ٩٧٨، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، ح ٢٥٨١. و ٣: ١١٦٢، باب إثم مَن عاهد ثم غدر، ح ٣٠١١، و ٤: ١٨٣٢، باب إذ يبايعونك تحت الشجرة، ح ١٧٨٥ وصحيح مسلم ٣: ١٤١١ باب صلح الحديبية ح ١٧٨٥.
(٣) تاريخ المدينة لابن شبة ١: ٣٧٢ بسنده عن الشعبي قال: إنّ عمر قال: لقد أصبت في الإسلام هفوة ما هفوت مثلها قط، ثم ذكر قضية صلاة النبي على عبد الله بن أبي وهو كان منافقاً فاعترض عمر على النبي صلّى الله عليه وآله، آخذاً بثوبه ليمنعه من الصلاة عليه. الدر المنثور ٣: ٢٦٤، كنز العمّال ٢: ٤١٩، ح ٤٣٩٣.
(٤) الطبقات الكبرى لابن سعد ٤: ١٣٧ ترجمة الحكم بن كيسان، وعنه في الخصائص الكبرى ٢: ٢٦،
=
وكانت له مثل هذه المواقف في خلافة أبي بكر، فقد جاء نفر من مؤلّفة المسلمين إلى أبي بكر يطلبون سهمهم، فكتب لهم به، فذهبوا إلى عمر ليعطيهم، وأروه كتاب أبي بكر، فأبى وبزق [ بصق ] فيه ثم ضرب به وجوههم... فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟! فقال: بل هو إن شاء(١) .
وقد أكثر من سرعة البتّ في الأمور في فترة خلافته، فغرّب نصر بن حجّاج؛ لأنّ امرأة هتفت به(٢) ، وشرّع الطلاق ثلاثاً(٣) ، وأراد أخذ ذهب البيت الحرام ثمّ أعرض عن ذلك لمخالفة الصحابة إيّاه،(٤) و و...
ومع هذا الذي نراه من سيرة الخليفة عمر بن الخطاب، لا نستطيع أن نؤمن بأنّه فعل ذلك احتياطاً؛ لأنّ التسرّع والاجتهاد يتنافى مع الحذر والاحتياط.
وماذا نقول عن فعل الصحابة؟!
وهل يعقل أنّ الصحابة كانوا لا يرون الاحتياط في الدين؟ أم أنّهم كانوا يرون الاحتياط هو الأخذ برؤية تخالف ما ذهب إليه الخليفة؟!
وكيف يصحّ أن يقال إنّ فعل الخليفة عمر كان للاحتياط، مع أنّا نرى الصحابة أشاروا عليه بتدوين السنّة، فانفرد برأيه وأحرق المدوّنات ومنع من التدوين، ترى
____________________
=
باب ما وقع في إسلام الحكم بن كيسان، و المنتظم لابن الجوزي ٣: ٢٠٩.
(١) انظر فضائل الصحابة لابن حنبل ١: ٢٩٢، روح المعاني ١٠: ١٢٣، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء ٣: ٩٠، كنز العمّال ٣: ٩١٤، ح ٩١٥١ و ١٢: ٥٤٦، ح ٣٥٧٣٨، تاريخ دمشق ٩: ١٩٦، ت ٧٩٧ الأقرع بن حابس.
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ٢٨٥، باب ذكر استخلاف عمر، الاستيعاب ١: ٣٢٦، ترجمة الحجاج بن علاط السلمي، الإصابة ٦: ٤٨٥، ت ٨٨٤٥، لنصر بن حجاج بن علاط السلمي المبسوط للسرخسي ٩: ٤٥، كتاب الحدود.
(٣) صحيح مسلم ٢: ١٠٩٩، باب طلاق الثلاث، ح ١٤٧٢، المستدرك على الصحيحين ٢: ٢١٤، كتاب الطلاق، ح ٢٧٩٢ - ٢٧٩٣، المسند المستخرج على صحيح مسلم ٤: ١٥٣، باب في الرجل يطلق امرأته، ح ٣٤٧٢ و ٣٤٧٣ و ٣٤٧٤، مسند احمد ١: ٣١٤، ح ٢٨٧٧، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٣٣٦، باب من جعل الثلاث واحدة، ح ١٤٧٤٩، ١٤٧٥٠، ١٤٧٥١.
(٤) الإحكام لابن حزم ٢: ١٥٢، ٦: ٢٤٩، فتح الباري ٣: ٤٥٦ - ٤٥٨، سنن أبي داود ٢: ٢١٥، باب في مال الكعبة، ح ٢٠٣١، سنن ابن ماجة ٢: ١٠٤٠، باب مال الكعبة، ح ٣١١٦، السنن الكبرى للبيهقي ٥: ١٥٩، باب ما جاء في مال الكعبة، ح ٩٥١١.
كيف صار خلاف صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله احتياطاً؟!
إنّ الاحتياط في أن يوافق الخليفة رأي أكثر الصحابة؛ لقوله تعالى:( وأمرهم شورى بينهم ) (١) ، ولإيمانه هو بمبدأ الشورى، فمخالفة ما أشار به الصحابة يعدّ نقضاً للاحتياط، وهدماً لمبدأ الشورى الذي اتّخذه عمر بن الخطّاب.
بعد كلّ هذا يتجلّى ضعف هذا الرأي، وعدم صموده أمام النقد والتمحيص؛ فلذلك نرى أن ننتقل إلى سبب آخر عسى أن نقف على الحلّ فيه.
____________________
(١) الشورى: ٣٨.
السبب السادس
ما ذهب إليه بعض المستشرقين
قال المستشرق الألمانيّ شبرنجر: (إنّ الفاروق عمر لم يهدف إلى تعليم العرب البدو فحسب، بل تمنّى أن يحافظ على شجاعتهم وإيمانهم الدينيّ القويّ؛ ليجعلهم حكّاماً للعالم. والكتابة واتّساع المعرفة لا تتناسب مع الهدف الذي سعى من أجله)(١) .
ومن هذا النصّ نفهم أنّ (شبرنجر) يريد استغلال منع عمر التدوين ليوحي بأنّ انتشار الإسلام كان على أساس القوّة المفرّغة من المعرفة، وأنّ الكتابة واتّساع المعرفة في نظره لا تناسب الشجاعة البدويّة، وروحيّة عمر الحربيّة!
والحقّ أنّ هذا الكلام فيه ما فيه من أضاليل المستشرقين، ومن ادّعاءاتهم التي يطلقونها في الهواء خلواً من أيّ برهان أو دليل.
وهذا المستشرق الآخر (ج، شاخت) يدّعي أن ليس بين الأحاديث المرويّة عند المسلمين حديث فقهيّ صحيح، بل إنّها وضعت بعدئذٍ في إطار المصالح المذهبيّة!(٢) .
و يمضي (جولد تيسهر) أبعد من هذا، فيدّعي في صدور روايات التدوين (أنّ جميعها موضوعة، وأنّ الكتب المؤلَّفة الجامعة للحديث المنسوبة إلى العصر الأوّل
____________________
(١) تدوين السنّة الشريفة: ٥٣٠، عن دلائل التوثيق المبكّر: ٢٣٠ - ٢٣١.
(٢) انظر دراسات في الحديث النبويّ وتاريخ تدوينه للدكتور الأعظميّ (ي) وكتاب (شاخت): The origins of Muhammadanjurispradenee
مفتعلة)(١) ، وغيرها الكثير من الآراء الفارغة.
وقد ذهب بعض كتّاب المسلمين كإسماعيل بن أدهم في رسالته المطبوعة سنة ١٣٥٣هـ إلى أنَّ الأحاديث الصحاح (ليست ثابتة الأُصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع)(٢) .
ومَن أراد التفصيل في آراء المستشرقين الموهومة وأجوبتها، فليراجع كتاب الدكتور محمّد مصطفى الأعظميّ (دراسات في الحديث النبويّ) و (الحديث والمحدّثون) لمحمد أبي زهو، وغيرهما من الكتب الرادَّة لأقوالهم ومفترياتهم. ونحن نرى أنّ الإعراض عن إجابة مثل هذه الافتراءات الواهية التي لا يعضدها دليل أولى بالمقام.
* * *
____________________
(١) من بحوثه: Muhammedanische Studiee باللغة الألمانيّة - نشر عام ١٨٩٠م.
(٢) انظر دراسات في الحديث النبويّ ١: ٢٧ عن السنّة ومكانتها للسباعيّ: ٢١٣، وذهب محمد عبده - كما نقل أبو ريّة عنه - والدكتور توفيق صدقي، والسيد رشيد رضا، وغيرهم، إلى الاكتفاء بالقرآن عن السنّة. (دراسات في الحديث النبويّ: ٢٦).
السبب السابع
ما ذهب إليه غالب كتّاب الشيعة
ويتلخّص ذلك: في أنّ النهي جاء للحدّ من نشر فضائل أهل البيت، وتخوّفاً من اشتهار أحاديث الرسول في فضل عليّ وأبنائه(١) ، وما دلّ على إمامتهم(٢) . وقد اشتدّ هذا الأمر على عهد معاوية، الذي كان يأمر الناس بلعن الإمام عليّ في خطب الجمعة على منابر المسلمين(٣) .
واستنتج هذا السبب من واقع الأُمّة بعد رسول الله، وهيكليّة نظام الخلافة السياسيّ والاجتماعيّ، وأنّ العمل الثقافيّ ليس بأجنبيّ عن العمل السياسيّ، وحيث إنّ الخليفة لا يرتضي إعطاء أهل البيت مكاناً في النظام الجديد، بل سعى ليسلب منهم كلّ ما يتّكئون عليه، فلا يبعد إذاً أن تكون قرارات عمر بن الخطّاب الأخيرة في منع التدوين قد شرّعت لهذا الغرض.
وقد وُثِّقَت هذه الرؤية بما نقله الخطيب البغداديّ عن عبد الرحمان بن الأسود عن أبيه، قال: جاء علقمة بكتاب من مكّة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت بيت النبيّ، فاستأذنّا على عبد الله [ ابن مسعود ]، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه
____________________
(١) دراسات في الحديث والمحدِّثين: ٢٢، تاريخ الفقه الجعفريّ: ١٣٤.
(٢) تدوين السنّة الشريفة: ٤١٥، ٤٢١، ٤٧٠، ٥٣٤، ٥٥٧، الشيعة الإماميّة ونشأة العلوم، للدكتور علاء القزوينيّ: ١٢٣ - ١٢٤.
(٣) معالم المدرستين ٢: ٥٧، الصحيح في سيرة النبيّ، للسيد جعفر مرتضى ١: ١٧٧، وانظر خبر لعن معاوية لعلي ٣ في شرح النهج ٢٠: ١٧، جواهر المطالب لابن الدمشقي ١٤٠١.
الصحيفة، قال: فدعا الجارية، ثمّ دعا بطست فيها ماء، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان انظر فيها؛ فإنّ فيها أحاديث حساناً.
قال: فجعل يميثها فيه، و يقول:( نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) (١) ، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه(٢) .
ثمّ استنتج الذاهبون إلى هذا السبب، انحراف ابن مسعود عن مسار أهل البيت؛ فقالوا: إنّه انحرف عن عليّ(٣) أو: إنّه لم يُعِر [ الموضوع ] اهتماماً وأباد الصحيفة محاولاً أن يُوهِم أنّ القرآن يغني عمّا فيها(٤) . وبذلك اعتبر محو أدلّة الإمامة هو الهدف الأساس في المنع، ولم يكن هناك سبب صحيح آخر(٥) .
ويمكن أن يؤخذ على هذا الرأي ما يلي:
الأوّل: المُشاهَد في المصادر وجود نصوص عن ابن مسعود، تؤكّد أنّه كان من دعاة التحديث والتدوين، ومن أجل موقفه هذا دُعي إلى المدينة أيّام الخليفة عمر بن الخطّاب، وسجن حتّى آخر عهد عمر، وإليك بعض النصوص المؤكّدة على أنّه كان من دعاة التحديث والتدوين، منها:
روى عمرو بن ميمون، قال: ما أخطاني ابن مسعود عشيّة خميس إلاّ أتيتُهُ فيه...(٦) .
وعن عبد الله بن الزبير قال: قلت لوالدي: ما لي لا أسمعك تحدّث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله كما أسمع ابن مسعود وفلاناً وفلاناً...(٧) .
____________________
(١) يوسف: ٣.
(٢) تقييد العلم: ٥٤.
(٣) دراسات في الكافي والصحيح: ١٩، أو دراسات في الحديث والمحدّثين: ٢٢.
(٤) تدوين السنّة الشريفة: ٤١٣.
(٥) انظر تدوين السنّة الشريفة: ٤٢١، ٤٧٠ مثلاً.
(٦) سنن الدارمي ١: ٩٥، باب من خاف الفتيا، ح ٢٧٠، سنن ابن ماجة ١: ١٠، باب التوقّي في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ح ٢٣، مسند أحمد ١: ٤٥٢، ح ٤٣٢١، التمييز، للإمام مسلم القشيريّ: ١٧٤.
(٧) سنن ابن ماجة ١: ١٤، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله، ح ٣٦، مصنف بن أبي شيبة ٥: ٢٩٥، باب في تعمّد الكذب على النبي صلّى الله عليه وآله، ح ٢٦٢٤٢، مسند أحمد ١: ١٦٥، ح ١٤١٣، وانظر صحيح البخاري ١: ٥٢، باب إثم مَن كذب على النبي صلّى الله عليه وآله، ح ١٠٧.
وعن أبي قلابة قال: قال ابن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضُهُ ذهابُ أهله فإنّ أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، وستجدون أقواماً يزعمون أنّهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم(١) .
وجاء عن معن، قال: (أخرج عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود كتاب، وحلف له إنّه خطّ أبيه بيده)(٢) .
وفي جزء القراءة من صحيح البخاريّ(٣) إشارة إلى وجود نسخة عنده أو كتب عنها. وحكي عن أصحابه أنّهم كانوا يرحلون لطلب العلم وتدوينه.
وعن الشعبيّ: ما علمت أنّ أحداً من الناس كان أطلب للعلم في أُفق من الآفاق من مسروق، وكان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلّمونهم السنّة: علقمة، ومسروق و...(٤) .
وجاء عن ابن عيّاش، قال: سمعت المغيرة يقول: (لم يكن يصدق على علِيّ في الحديث عنه، إلاّ من أصحاب عبد الله بن مسعود)(٥) ، كأمثال علقمة من الذين عرفوا بحبّ عليّ.
وقد جاء في تاريخ الفَسَويّ: أنّ حفيد ابن مسعود أحضر إلى (معن) كتاباً بخطّ أبيه عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود كان يشتمل على الأحاديث وفقه ابن مسعود(٦) .
وروى الطبرانيّ، عن عامر بن عبد الله بن مسعود: أنّه كتب بعض الأحاديث النبويّة
____________________
(١) تذكرة الحفّاظ ١: ١٦، مجمع الزوائد ١: ١٢٦، الجامع لمعمر بن راشد ١١: ٢٥٢، باب العلم، ح ٢٠٤٦٥، اعتقاد أهل السنّة ١: ٨٧، ح ١٠٨.
(٢) جامع بيان العلم ١: ٧٢ وانظر مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٣١٣، باب مَن رخص في كتاب العلم، ح ٢٦٤٢٩.
(٣) كما في الدراسات للدكتور الأعظميّ: ١٢٧، عنه.
(٤) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ ١: ٩٤، تهذيب الكمال ٢٧: ٤٥٤، سير أعلام النبلاء ٤: ٦٥.
(٥) صحيح مسلم ١: ١٣، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها، ح ٧، المدخل إلى السنن الكبرى ١: ١٣٢، ح ٨٢.
(٦) تاريخ الفسويّ ٣: ٢١٥ كما في الدراسات: ١٥٤.
وفقه ابن مسعود وأرسل ذلك إلى يحيى بن أبي كثير(١) .
فلو أضفت هذه النصوص إلى ما قيل عن ابن مسعود وكونه من الصحابة الستّة الأوائل المسارعين للإسلام، وأنّ رسول الله قال له: (إنَّك لَغلام معلّم)(٢) و (مَن أحبّ أنْ يسمع القرآن غضّاً فليسمعه من ابن أُمّ عبد)(٣) ، وأنَّ عمر بن الخطّاب قد أرسله إلى الكوفة لتعليمهم أُمور الدين، لعلمتَ أنّها تدلّ على امتلاك ابن مسعود الرؤية الواضحة والثقافة الإسلاميّة، فهو يصرّ على إقراء الناس القراءةَ التي سمعها من رسول الله صلّى الله عليه وآله، حتّى كسر ضلعه من قبل الخليفة عثمان بن عفّان(٤) . فمَن كان هذا حاله لزم التوقّف فيما نُقل عنه واجتناب البتّ فيما قيل من ذهابه إلى منع التحديث والتدوين، ودراسة ذلك برويّة وحذر.
الثاني: لم نجد ذيل خبر علقمة - الذي ذكره الخطيب - في غريب الحديث لابن سلام، إذ ليس فيه أنّ الأحاديث كانت في أهل البيت، بيت النبيّ(٥) ، مضافاً إلى أنّ المنقول هنا يخالف ما نُقل عن ابن مسعود وكونه من الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر أمر الخلافة، وقوله: (يا معشر قريش! قد عَلِمتم وعَلِم خياركم أنّ أهل بيت نبيّكم أقرب إلى رسول الله منكم. و إن كنتم إنّما تدّعون هذا الأمر بقرابة رسول الله، وتقولون إنّ السابقة لن، فأهل بيت نبيّكم أقرب إلى رسول الله منكم، وأقدم سابقة... ولا ترتدّوا على أعقابكم، فتنقلبوا خاسرين)(٦) .
وقد اشتهر عنه أنّه نقل فضائل الخمسة أصحاب الكساء، وخصوصاً الحسن
____________________
(١) المعجم الكبير للطبرانيّ ٥: ١٠: ٥٦، ح ٩٩٤٢.
(٢) الإصابة ٤: ٢٣٤، ت ٤٩٥٧، فتح الباري ١: ٢٥٢، الاستيعاب لابن عبد البر ٣: ٩٨٨، ح ١٦٥٩، حلية الأولياء ١: ١٢٥، سير أعلام النبلاء ١: ٤٦٥، أُسد الغابة ٣: ٢٥٥، المنتظم، ٥: ٣٠.
(٣) الاستيعاب ٣: ٩٩، ١٦٥٩، وفي ٢: ٣١٩ من المطبوع بهامش الإصابة.
(٤) شرح النهج ٣: ٤٣، عن الواقدي.
(٥) غريب الحديث لابن سلّام ٤: ٤٨، وفيه (أتى عبد الله بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فجعل يمحوها بيده)، حجّيّة السنّة: ٣٩٦.
(٦) الخصال: ٤٦٤، أبواب الاثني عشر.
والحسين(١) .
وفي الإصابة وغيره، عن أبي موسى قال: قَدِمتُ أنا وأخي من اليمن، وما نرى ابن مسعود إلاّ أنّه رجلٌ من أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ لما نرى من دخوله ودخول أُمّه على النبيّ صلّى الله عليه وآله(٢) .
وروى عن الرسول صلّى الله عليه وآله: (أنّ الخلفاء بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل)(٣) .
وروى الخزّاز في (كفاية الأثر) مسنداً إلى ابن مسعود، أنّه قال: (سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول:الأئمّة بعدي اثنا عشر، تسعة من صُلب الحسين، والتاسع مَهْدِيّهم )(٤) .
وروى أحمد بإسناده عن مسروق، قال: (كنّا مع عبد الله بن مسعود جلوساً في المسجد يُقرئنا، فأتاه رجل فقال: يا ابن مسعود؛ هل حدّثكم نبيّكم كم يكون من بعده خليفة؟ قال: نعم، كعدّة نقباء بني إسرائيل)(٥) .
وفي البداية والنهاية عنه: (إنّ رسول الله قال: يكون بعدي من الخلفاء عدّة أصحاب موسى)(٦) .
وقد أخرج الحاكم بسنده عن ابن مسعود رضى الله عنه، قال: (أتينا رسول الله صلّى الله عليه وآله فخرج إلينا مستبشراً يُعرَف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلاّ أخبرنا به، ولا سَكَتْنا إلاّ ابتدأنا، حتّى مرّت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلمّا رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله! ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه.
____________________
(١) انظر مسند أبي يعلي ٩: ٢٥، ح ٥٣٦٨، ومجمع الزوائد ٩: ١٧٩، وكامل الزيارات: ١١٢، الباب ١٤ ح ٥.
(٢) صحيح البخاري ٣: ١٣٧٣، باب مناقب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ٢، ح ٣٥٥٢، و ٤: ١٥٩٣، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، ح ٤١٢٣، صحيح مسلم ٤: ١٩١١، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضي الله عنه، ح ٢٤٦٠، سنن الترمذي ٥: ٦٧٢، باب مناقب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ح ٣٨٠٦، الإصابة ٤: ٢٣٥، ت ٤٩٥٧، لعبد الله بن مسعود.
(٣) الخصال ٤٦٨، باب الخلفاء والأئمّة بعد النبيّ، الأحاديث ٦ - ١١، تنقيح المقال ٢: ٢١٥ الطبعة القديمة.
(٤) كفاية الأثر: ٢٣.
(٥) مسند أحمد ١: ٤٠٦، ح ٣٨٥٩، فتح الباري ١٣: ٢١٢.
(٦) البداية والنهاية ٦: ٢٤٨، باب الإخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلّهم من قريش.
فقال: إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد حتّى ترتفع رايات سود من المشرق فيسألون الحقّ فلا يُعْطونَه، ثمّ يُسألونه فلا يُعطونه، فيقاتلون فيُنصرون...)(١) .
وقد روى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله كما في الحاكم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال:(إنّ فاطمة أحصنت فرجها، فحرّم الله ذريّتها على النار) (٢) . و(النظر إلى وجه عليّ عبادة) (٣) .
كما روى قوله صلّى الله عليه وآله لعليّ لمّا برز لقتال ابن عبد ودّ:(برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه) (٤) .
وقوله صلّى الله عليه وآله:(من زعم أنّه آمَنَ بي وبما جئت به وهو يُبغض عليّ، فهو كاذب ليس بمؤمن) (٥) .
وروى: (أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله دفع لعليّ لواء المهاجرين يوم أحد)(٦) .
وغيرها من الأحاديث المادحة لعليّ وفاطمة والحسن والحسين.
كقوله: (ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب)(٧) .
و:(قُسِّمَت الحكمة عشرة أجزاء فأُعطيَ عليّ تسعة أجزاء، والناس جزءاً واحداً، وعليّ أعلم بالواحد منهم) (٨) .
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم النيسابوريّ ٤: ٥١١، ح ٨٤٣٤، وهو عند الطبراني في المعجم الأوسط ٦: ٣٠، ح ٥٩٦٦، وانظر الرحلة في طلب الحديث ١: ١٤٦، ح ٥٦ و ٥٥.
(٢) المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم النيسابوريّ ٣: ١٦٥، ح ٤٧٢٦، ومسند البزّار (٥: ٢٢٣) ٤ - ٩، ح ١٨٢٩، تاريخ بغداد ٣: ٢٦٦، ت ١٣١٣.
(٣) المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم النيسابوري ٣: ١٥٢، ح ٤٦٨٢، المعجم الكبير ١٠: ٧٦، ح ١٠٠٠٦، الفردوس بمأثور الخطاب ٤: ٢٩٤، ح ٦٧٦٥، عن معاذ بن جبل، حلية الأولياء ٥: ٥٨.
(٤) ينابيع المودة ١: ٢٨١، الباب ٢٣، تأويل الآيات ٢: ٤٥١.
(٥) مناقب الخوارزميّ: ٣٥، تاريخ دمشق ٤٢: ٢٨٠.
(٦) تاريخ الطبري ٢: ٦٦، غزوة أحد، البداية والنهاية ٤: ٢٠، مقتل حمزة، الثقات لابن حبان ١: ٢٢٤، مجمع الزوائد ٦: ١١٤، باب منه في وقعة أحد، الإرشاد للمفيد ١: ٨٠.
(٧) الدرّ المنثور ٧: ٥٠٤، سبل الهدى والرشاد ١١: ٢٩٠، الباب العاشر، روح المعاني ٢٦: ٧٨.
(٨) حلية الأولياء ١: ٦٥، الفردوس بمأثور الخطاب ٣: ٢٧، ح ٤٦٦٦، البداية والنهاية ٧: ٣٦٠، فيض
=
وفي آخر: إنّ القرآن اُنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلاّ له ظهر وبطن وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن(١) .
وقال: (قرأتُ على رسول الله سبعين سورة، وختمت القرآن على خير الناس عليّ بن أبي طالب)(٢) . وروى الأعمش عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن أبي موسى قال: والله لقد رأيت عبد الله وما أراه إلاّ عبد آل محمّد(٣) .
ومن المشهور عن ابن مسعود أنّه كان يذهب إلى وجوب الصلاة على محمّد وعلى آله في التشهّد، فجاء في (الشفاء) للقاضي عياض، عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال:(مَن صلّى صلاةً ولم يصلّ فيها عَلَيَّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه) (٤) . وغيرها الكثير ممّا لا نريد الإطالة فيه، وما ذكرناه يكفي لمَن نظر.
هذا وقد عُرف عنه أنّه خالف عثمان في أكثر من موقف وقضيّة، وكان يُحدّث بما سمعه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، رغم السياسات الضاغطة عليه، فلو صحّت هذه الأقوال عنه، فهل يطمئن القلب بعد هذا إلى ما حكاه الخطيب عن علقمة فيه؟
و إذا قبلنا ما حكاه الخطيب فيه، فماذا نفعل بما روي عنه من أنّه شهد الصلاة على فاطمة سيّدة النساء ودفنها؟
ألم تكن هذه خصوصيّة امتاز بها خلصاء الشيعة وأصفياء مُحبّي عليّ؟
ولو كان من مُحبّي أهل البيت فكيف يمحو الأحاديث التي (هي في أهل البيت، بيت النبيّ)؟
روى الصدوق في خصاله وأماليه مسنداً عن عليّ، أنّه قال:(خُلقت الأرض لسبعة
____________________
=
القدير ٣: ٤٦، فتح الملك العلي: ٦٩، تاريخ دمشق ٤٢: ٣٨٤.
(١) حلية الأولياء ١: ٦٥، وعنه في الإتقان ٢: ٤٩٣، ح ٦٣٧٠، تاريخ دمشق ٤٢: ٤٠٠، ينابيع المودّة: ٤٤٨ باب (٦٥)، الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة للوافي المهدي: ١٣٥.
(٢) المعجم الكبير ٩: ٧٦، ح ٨٤٤٦، المعجم الأوسط ٥: ١٠١، ح ٤٧٩٢، المسترشد للطبري: ٢٧٨، تاريخ دمشق ٤٢: ٤٠١، سبل الهدى والرشاد ١١: ٤٠٣ عن الطبراني.
(٣) سير أعلام النبلاء ١: ٤٦٨، المعرفة والتاريخ للفسوي ٢: ٥٤١ - ٥٤٢، تاريخ دمشق ٣٣: ٨٤ - ١٥١.
(٤) انظر أضواء على السنّة المحمّديّة: ٨٦ عن الشفاء.
بهم يرزقون، و يُمْطَرون، وبهم يُنصرون ، وعدّ منهم عبد الله بن مسعود. قال:وهم الذين شهدوا الصلاة على فاطمة عليها السلام) (١) ، بل إنّه بعد ذلك شهد الصلاة على أبي ذرّ وغسله، وتكفينه، ودفنه.
إنّ كلّ ما نُقل في شأنه هو امتياز له؛ إذ صحّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، أنّه قال في وفاة أبي ذرّ:(تشهده عصابة من المؤمنين) (٢) وفي رواية الكشيّ:(رجال من أُمّتي صالحون) (٣) .
وفي هذه الجمل إشارة واضحة إلى جلالة قدره. قال السيّد المرتضى في كتابه الشافي: (لا خلاف بين الأمّة في طهارة ابن مسعود وفضله و إيمانه ومدح رسول الله صلّى الله عليه وآله، وثنائه عليه، وأنّه مات على الحالة المحمودة منه)(٤) .
فمن المحتمل بعد هذا أن يكون نهي ابن مسعود - على فرض صحّة صدوره عنه - قد جاء لما في تلك الأحاديث من قصص، لقول الراوي: (فجعل يمحوها بيده، ويقول:( نحن نقصّ عليك أحسن القصص ) )(٥) .
وجاء في خبر آخر ما يؤيّد ذلك: (أنّ رجلاً من أهل الشام جاء إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه، فقال: (يا أبا عبد الرحمان، ألا تنظر في هذه الصحيفة من كلام أخيك أبي الدرداء)؟! فأخذ الصحيفة، فجعل يقرأ فيها وينظر، حتّى أتى منزله، فقال: (يا جارية، ائتيني بالإجانة مملوءة ماءً)، فجاءت به، فجعل يدلكه، و يقول:( الر * تلكَ آياتُ الكتابِ المُبين
____________________
(١) الخصال: ٣٦١، باب السبعة، روضة الواعظين: ٢٨٠، تنقيح المقال ٢: ٢١٥، وممّا يجب التنبيه عليه هنا هو وجود دراسة مفصّلة لنا عن ابن مسعود، أثبتنا فيها أنّ فقهه قريب من فقه أهل البيت؛ وهذا يضعّف ما نقله الخطيب عنه، وقاله بعض الأعلام.
(٢) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٣٨٨، ح ٥٤٧٠، مجمع الزوائد ٩: ٣٣١، باب ما جاء في أبي ذر، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار باختصار. الاستيعاب لابن عبد البر ١: ٢٥٤، باب جندب، الطبقات الكبرى ٤: ٢٣٣ - ٢٣٤، ترجمة أبو ذر الغفاري.
(٣) اختيار معرفة الرجال ١: ٢٨٣، باب في إخوة زرارة، ح ١١٧، الدرجات الرفيعة - ٢٥٢، باب عمار بن ياسر وأخباره.
(٤) انظر تنقيح المقال ٢: ٢١٥، والكنى والألقاب ١: ٢١٧ عن كتاب الشافي.
(٥) تقييد العلم: ٥٤.
* إنّا أنزَلْناهُ قُرآناً عَرَبيّاً لعلّكم تَعْقِلُون * نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أحسَنَ القَصَص ) أقصصاً أحسنَ من قصص الله تريدون! أو حديثاً أحسنَ من حديث الله تريدون)!(١) .
إنّ خبر ابن مسعود يحتمل فيه:
أ - أن يكون المحو لأجل ما في الأحاديث من فضائل لأهل البيت، بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله، كما ذهب إليه الأعلام في السبب السابع.
ب - أن يكون لأجل ما فيها من القصص، لما عرف عن أبي الدرداء، وكعب الأحبار، من تسامحهم في سرد قصص الأمم الماضية المتعلّقه بالعقيدة الإسلاميّة وغير ذلك... ولتعليل ابن مسعود:( نحن نقصّ عليك أحسن القصص ) . وقد عَدَّ الباحثون القصص والوعظ من الأسباب الاثني عشر أو الستّة عشر الداعية إلى الوضع في الحديث(٢) ، أو أمور أخرى.
فيحتمل أن يكون ابن مسعود قد وقف على قصص كهذه في أهل البيت، ممّا لا يرتضيه، فجعل يُميثها كما في الخبر.
وعليه، فإنّ حصر التعليل بالأوّل، واعتباره السبب الأساسيّ في ذلك، فيه من المسامحة ما لا خفاء فيه.
هذا، ولابُدّ من الإشارة إلى قول مَن خَدَش في ابن مسعود من أنّه استقلّ بالرأي كبعض الصحابة، فهذا ممّا لا يستبعد، إذ إنّه كان مرجعاً للناس، وأنّ ما أفتى به قد يكون عن خبر صحّ عنده، أو إعمال رأي واستنباط. ونلاحظ هذا الموقف عند بعض التابعين، أو تابعي التابعين كذلك، مثل: إفتاءات أبي حنيفة، وسفيان الثوريّ، والحسن البصريّ، وغيرهم.
فإنَّ مواقف هؤلاء واستقلالهم بالرأي لا يعني مجاراتهم للدولة. فما ذهبوا إليه يوافق السلطان تارة، ويماثل ما أُصِّل عندهم من أُصول تارة أُخرى.
____________________
١٧٠) تقييد العلم: ٥٤.
١٧١) انظر السنّة قبل التدوين: ٢١٠ للدكتور محمد عجاج الخطيب، والحديث والمحدثون لأبي زهو: ٢٦٥.
إنَّ ما ذهبوا إليه إذَنْ لم يكن تأثّراً بهم أو موالاة لهم. وقد بسطنا هذا القول سابقاً في كتابنا (وضوء النبيّ).
نعم، إنّ هؤلاء لم يكونوا: كمقداد، وعمّار، وأبي ذرّ، وحذيفة، من الصحابة أو التابعين، المعتقدين بفقه (عليّ) ونهجه، وإنّ ذلك هو سنّة رسول الله لا غير، بل كانوا يعتقدون بأُصول ويذهبون إلى مبانٍ دعت إلى الاختلاف في أقوالهم.
هذا على فرض التنزّل، لكنّ الواقع هو إنّنا إذا قيّمنا الجانب الفقهي لابن مسعود بموضوعية لا يسعنا أن نرمي به في قائمة القائلين بالرأي؛ ومن ذلك أنّ نفراً راجعوه في مسألة من مسائل الشرع أكثر من مرة، وكان يجيبهم بأنّه لم يحط بها علماً، ولولا أنّ وجوب الإفتاء صار في حقه عينياً - لعدم وجود غيره - لما أفتى، فاقرأ ما رواه أحمد حيث قال: إنّ ابن مسعود أتي في امرأة تزوّجها رجل لم يُسم لها صداقاً فمات قبل أن يدخل بها قال: فاختلفوا إلى ابن مسعود شهراً أو قريباً من ذلك فقالوا: لا بد أن تقول فيه، قال: فإنّي أقضي لها مثل صدقة امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدّة، فإن يكن صواباً فمن الله عزّ وجلّ و إن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله عزّ وجلّ ورسوله بريئان، فقام رهط من أشجع فيهم الجراح وأبو سنان، فقالوا: نشهد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قضى في امرأة منّا يقال لها بروع بنت واشق بمثل الذي قضيت، ففرح ابن مسعود بذلك فرحاً شديداً حين وافق قوله قضاء رسول الله صلّى الله عليه وآله(١) .
وعليه، فإنّ ابن مسعود لم يكن خلّط ووالى القوم أو مال معهم، وقال بقولهم خلافاً لما نقل عن ابن شاذان(٢) .
وقد نقلت كتب الصحاح والسنن عن عليّ أنّه قال لمن سأله عن ابن مسعود:(علم
____________________
(١) مسند أحمد ١: ٤٤٧، ح ٤٢٧٦، وانظر السنن الكبرى للبيهقي في سننه الكبرى ٧: ٢٤٦، ح ١٤١٩٥، وسنن النسائي (المجتبى) ٦: ١٢١، باب إباحة التزويج بغير صداق، ح ٣٣٥٤، وسننه الكبرى ٣: ٣١٦، ح ٥٥١٥.
(٢) انظر معجم رجال الحديث ١١: ٣٤٤ - ٣٤٥، ت ٧١٧٢ عبد الله بن مسعود.
الكتاب والسنّة، ثمّ انتهى، وكفى بذلك علماً) (١) . أو قوله:قرأ القرآن، وأحَلَّ حلاله وحَرّمَ حرامه، فقيه في الدين، عالمٌ بالسنّة (٢) .
نعم، إنّ فضائل ابن مسعود في الكتب الأخرى أكثر ممّا عند الشيعة، والكلّ يشهد بجلالة قدره، وعظيم منزلته.
فما نقله الخطيب البغداديّ، وما استدلّ به السادة الأعلام فيما سبق، لا يكون إذَن دليلاً لما ذهبوا إليه؛ إذ إنّ جملة (أحاديث في أهل البيت، بيت النبيّ) صلّى الله عليه وآله، ليس فيها تصريح بأنّ الأحاديث كانت في فضائل أهل البيت، بل يحتمل أن تكون الأحاديث في ذمّ أهل البيت أو الغلوّ فيهم، والأخير يتطابق مع ما نقلناه عن سيرة ابن مسعود وما رواه من فضائل فيهم. هذا أوّلاً.
وثانياً: إنّ ما قاله المدّعي من (أنّ المنع من التدوين جاء لمحو الفضائل وأدلّة الإمامة) لا يتطابق والنهي العامّ الصادر عن الشيخين؛ إذ الدليل أخصّ من المدّعى، إذ إنّ الشيخين نَهَيا نهياً عامّاً، فمنع الأوّل من التحديث ودعا إلى الاقتصار على القرآن، وذلك بعد أن أحرق أحاديثه الخمسمائة، وطلب الثاني ممّن عنده الأحاديث أن يأتوه بها: (ليرى أعدلها وأقومها).
فلو كانا يريدان محو الفضائل وأدلّة الإمامة فقط، وكان هدفهما هذا لا غير؛ لأمكن الأوّل حذف ما لا يرضيه من المرويات الخمسمائة التي في الفضائل والخلافة وإبقاء الروايات الأخرى. وكذلك كان يمكن عمر، حينما أُتي بالمدوّنات إليه، أن يمحوها و يجعل ما بقي في كتاب، ثمّ يأمرهم بأخذ الفرائض منه، أ مّا أحاديث: التفسير، والأخلاق، والفضائل، والوعظ، والإرشاد، وما شابه ذلك، فكان يحيله على من
____________________
(١) مصنّف ابن أبي شيبة ٦: ٣٨٥، باب ما ذكر في عبد الله بن مسعود، ح ٣٢٢٣٨، حلية الأولياء ١: ١٢٩، الطبقات الكبرى ٢: ٣٤٦، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٣٦٠، ح ٥٣٩٢، الأحاديث المختارة ٢: ١٢٣، ح ٤٩٤، صفوة الصفوة ١: ٤٠١، ترجمة عبد الله بن مسعود، سير أعلام النبلاء ١: ٤٩٢.
(٢) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ٣٥٧، ح ٥٣٨٠، سير أعلام النبلاء ١: ٤٩٢، مفتاح الجنّة للسيوطي ١: ٧٠.
يتصدّون للوعظ والإرشاد، ومن يثق به الخليفة، وكان بذلك قد عُمّي الأمر على المسلمين وخفي عليهم، والتبس الحقّ بالباطل.
ثمّ إنّ تعليل منع التدوين بطمس الفضائل، يلزم منه القول بأنّ عمر كان لا يجرؤ أن يمنع من التحديث بفضائل عليّ وأهل البيت خصوصاً، فالتجأ إلى أُسلوب المنع العامّ تخلّصاً من تبعات المنع من التحديث بالفضائل حسب.
إلاّ أنّ المتتبّع لسيرة عمر يعلم أنّ الخليفة كان شديداً غليظاً، لا يهاب أحداً. وثبت في التاريخ هجومه على المتحصّنين في بيت فاطمة من الذين لم يرتضوا مبايعة الخليفة أبي بكر، وفيهم: عليّ، والعبّاس، والفضل بن العبّاس، والزبير، وخالد بن سعيد، والمقداد، وسلمان، وأبو ذرّ، وعمّار، والبراء بن عازب، وأُبي بن كعب(١) ، وسعد بن أبي وقّاص، وطلحة بن عبيد الله... فأقبل عمر بقبس من نار على أن يُضرم عليهم النار، فلقيتهم فاطمة فقالت:يا ابن الخطّاب! أجئت لتُحرق دارنا؟!
قال: نعم، أو تدخلوا في ما دَخَلتْ فيه الأُمّة(٢) .
وفي كنز العمّال: (إنّ عمر قال لفاطمة: وما أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذلك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمُرَ بهم أن يحرق عليهم الباب)(٣) .
وفي رواية الإمامة والسياسة: (إنّ عمر جاء فناداهم وهم في دار عليّ فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجُنَّ أو لأحرقنّها على مَن فيها، فقيل له: يا أبا حفص! إنّ فيها فاطمة، فقال: وإن)(٤) .
وفي أنساب الأشراف: (إنّ أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقّته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة:يا ابن الخطّاب أتراك مُحرقاً عَلَيّ بابي؟!
____________________
(١) انظر تاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٢٤.
(٢) العقد الفريد ٥: ١٣، أبو الفداء ١: ١٥٦، أنساب الأشراف ١: ٢٧٨ وفي طبعة ٥٨٦.
(٣) كنز العمّال ٥: ٦٥١، شرح النهج ٢: ٤٥.
(٤) الإمامة والسياسة ١: ٣٠.
قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك)(١) .
هذه وغيرها من النصوص الدالّة على غلظة عمر، وشدّته في طرح آرائه؛ لتدلّ على أنّ مَن كانت هذه سيرته فإنّه يُستبعد أن يكون قد نهى عن تدوين جميع الأحاديث من أجل محو الفضائل وأدلّة الإمامة فقط.
لو كان عمر بن الخطّاب يريد ذلك لما هاب أحد، ولما تخوّف من تشكيك الصحابة، ولما توقّف فيما يصير إليه، ولقال في تحديد الخطوط الحمراء في التدوين كما قال في المتعة: (كانتا على عهد رسول الله أنا أحرمهما وأعاقب عليهما) بكل جرأة.
وعليه فإنّ مسألة الخلافة والتعدّي على الزهراء، وسلبها فدكاً وجلب عليّ بن أبي طالب لمبايعة أبي بكر قسراً، وغيرها شيء، والمنع من التدوين لغرضٍ ما شيء آخر.
وثالثاً: فقد ثبت في التاريخ أنّ الشيخين قد رويا في فضائل عليّ بن أبي طالب وأهل بيت الرسول صلّى الله عليه وآله الكثير. وقد عقد محبّ الدين الطبريّ باباً بعنوان: (ذكر ما رواه أبو بكر في فضائل عليّ):... ومنه حديث النظر إليه عبادة، وحديث استواء كفّه وكفّ النبيّ، وحديث أنّه خيّم عليه وعلى بنيه خيمة، وحديث أنّه من النبيّ صلّى الله عليه وآله بمنزلة النبيّ من ربّه، وحديث لا يجوز أحد الصراط إلاّ بجواز يكتبه عليّ، وقوله: (مَن سرّه أن ينظر إلى أقرب الناس قرابة)، وإحالته على عليّ لمّا سُئل عن وصف رسول الله صلّى الله عليه وآله(٢) .
وجاء في المستدرك على الصحيحين أنّ عمر بن الخطّاب قال: (لقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال، لئن تكون لي خصلة منها أحبّ إليّ من أن أُعطى حُمْر النَّعَم، قيل: وما هنّ يا أمير المؤمنين؟
قال: تزوّجه فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله، وسكناه المسجد مع رسول الله صلّى الله عليه وآله يحلّ له فيه ما يحلّ له، والراية يوم خيبر). قال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٥٨٦. كما في عبد الله بن سبأ ١: ١٣٣.
(٢) الرياض النضرة ٣: ٢٣٢.
(٣) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ١٣٥، ح ٤٦٣٢ بسنده عن أبي هريرة عن عمر وانظر مصنّف
=
وثبت أنّ عمر بن الخطّاب كان يسأل عليّ، ويأخذ عنه الأحكام أيّام خلافته، جاء في المناقب للخوارزميّ: (جاء رجلان إلى عمر فقالا له: ما ترى في طلاق الأمَة؟ فقام إلى حَلْقة فيها رجل أصلع، فقال له: ما ترى في طلاق الأمَة؟ فقال: اثنتان بيده، فالتفت عمر إليهم، فقال: اثنتان، فقال له أحدهم: جئناك وأنت الخليفة، فسألناك عن طلاق الأمَة، فجئت إلى رجل فسألته، فو الله ما كلّمك، فقال له عمر: و يلك أتدري مَن هذا؟ هذا عليّ بن أبي طالب، إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول:لو أنّ السماوات والأرض وُضعت في كفّة ميزان، وَوُزِن إيمان عليّ لرجح إيمان عليّ على السماوات والأرض )(١) .
وروي عنه: (عليّ أقضانا)(٢) ، و (لولا عليّ لهلك عمر)(٣) ، و (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)(٤) .
وفي تاريخ دمشق، أنّ عمر روى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:(إنّما عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنَّه لا نبيّ بعدي) (٥) .
كما روى قولَه صلّى الله عليه وآله:(أنت أوّل الناس إسلاماً، وأوّل الناس إيماناً) (٦) .
وجاء في البخاريّ، باب مناقب عليّ، عن عمر، أنّه قال: (توفّي رسول الله وهو عنه
____________________
=
ابن أبي شيبة ٦: ٣٦٩، ح ٣٢٠٩٩ بسنده عن ابن عمر عن عمر.
(١) المناقب للخوارزميّ، الفصل الثالث عشر: ٧٧، تاريخ دمشق ٤٢: ٣٤، ابن المغازليّ في مناقب عليّ: ٢٨٩ رقم ٣٣٠، الرياض النضرة ٢: ١٦٧، وانظر الفردوس بمأثور الخطاب ٣: ٣٦٣، ح ٧٢٩٤، وعنه في كنز العمّال ١١: ٦١٦، ح ٣٢٩٩٢.
(٢) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٣٤٥، ح ٥٣٢٨، مسند أحمد ٥: ١١٣، ح ٢١١٢٣، مصنف ابن أبي شيبة ٦: ١٣٨، ح ٣٠١٢٩، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦: ٤٨٢، الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة ٣: ٣٨.
(٣) فيض القدير ٤: ٣٥٧، الاستيعاب ٣: ١١٠٣، فتح الملك العلي: ٧١، تأويل مختلف الحديث ١: ١٦٢.
(٤) الغدير ٦: ١٠٦، عن نور الأبصار للشبلنجي: ٧٩، الرياض النظرة ٤٣: ١٦٦، شرح النهج ١: ١٨، وبتفاوت يسير في المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ١: ٦٢٨، ح ١٦٨٣، وسبل السلام ٢: ٢٠٦.
(٥) تاريخ بغداد ٧: ٤٦٣، ت ٤٠٢٣، تاريخ دمشق ٤٢: ١٦٦ - ١٦٧.
(٦) كنز العمّال ١٣: ١٢٤، ح ٣٦٣٩٥ عن ابن النجار، قادتنا كيف نعرفهم ٤١٢ - ٤١٣، عن أسنى المطالب، الباب السادس: ٢٩، رقم ٢١ وغيره.
راضٍ)(١) .
كما عقد محبّ الدين الطبريّ باباً (في ذكر ما رواه عمر في علي): (منه: حديث الراية يوم خيبر، وحديث في عليّ ثلاث خصال لوددت أنّ لي واحدة منهنَّ، وحديث أنّه منّي بمنزلة هارون من موسى، وحديث رجحان إيمانه على السماوات والأرضين، وحديث مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، وقوله: ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذٍ لمّا قال النبي صلّى الله عليه وآله لعليّ لأبعثنه إلى كذا وكذا، وقوله: أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، وقوله: عليّ مولى مَنِ النبيّ صلّى الله عليه وآله مولاه، وقوله في عليّ: إنّه مولاي، و إحالته في المسألة عليه غير مرّة في القضاء، وقوله: أقضانا عليّ، ورجوعه إلى قوله في مسائل كثيرة)(٢) .
كانت هذه نبذة يسيرة ممّا ورد عن الشيخين في فضائل عليّ بن أبي طالب.
وقد ثبت أنّ الصحابة كانوا ينقلون فضائل عليّ في عهدهم، ولم يختصّ نقلهم بأيّام الرسول.
روى الحاكم بإسناده عن عقاب بن ثعلبة، حدّثني أبو أيّوب الأنصاريّ في خلافة عمر بن الخطّاب، قال أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(٣) .
فلو صحّ التعليل وانحصر في كون الشيخين منعا تدوين الحديث من أجل محو فضائل أهل البيت، أو ما يدلّ على إمامتهم، وصحّ ما قيل بأنّ نقل الفضائل (كانت تضرّ السلطة الحاكمة وتنافي سياستها القائمة)، لما صحّ قول أبي أيّوب، ولما وصلت إلينا الأحاديث الكثيرة المبثوثة في كتب الصحاح والسنن، الدالة على إمامتهم كقوله صلّى الله عليه وآله:(عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ) (٤) ، و(إنّي مخلِّف فيكم الثقلين، كتاب الله
____________________
(١) صحيح البخاري ٣: ١٣٥٧، باب مناقب علي، فتح الباري ٧: ٧٢.
(٢) الرياض النضرة ٣: ٢٩٥.
(٣) المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم النيسابوريّ ٣: ١٥٠.
(٤) الجامع الصغير للسيوطيّ ٢: ١٧٧/ ٥٥٩٤، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ١٣٤، ح ٤٦٢٨، المعجم الصغير ٢: ٢٨، ح ٧٢٠، فيض القدير ٤: ٣٥٦.
وعترتي أهل بيتي) (١) ، و(مثل أهل بيتي كسفينة نوح مَن ركبها نج، ومَن تخلَّف عنها هوى وغرق) (٢) ، و(مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه) (٣) وقول عمر: (ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ قال لعليّ...)(٤) وغيرها الكثير.
لكنّ الإنصاف يقتضي أن نقول بأنّ أبا بكر وعمر وإن حدّثا بفضائل آل البيت وما يدل على إمامتهم، لكنّهم كانوا على غاية الحذر من التوضيحات والمناقشات التي تبيّن موضوع استخلاف الإمام عليّ، أو التي تكشف عن وجود صحابة مؤيّدين للتعبّد المحض ومخالفين للرأي والاجتهاد، فهم وإن لم يضيّقوا الخناق في مجال نقل الفضائل لوحدها، لكنّهم لم يعجبهم أن ينتشر بين الناس ما يمسّ بخلافتهم، ولذلك نرى أبا بكر يحاول صرف المسلمين عن الكلام في أمر الخلافة، وعن بيان ما ورد في أحقّيّة أمير المؤمنين عليه السلام؛ لأنّ فَسْر وبيان وكشف أبعاد الأحاديث الدالّة على الخلافة والإمامة العلوية، هو الذي يخيف السلطات لا مجرّد النقل. ولذلك نهى أبو بكر عن هذا النوع من الكشف والبيان؛ قال الشيخ عبد الرحمان بن يحيى المعلمي اليماني: إن كان لمرسلة ابن أبي مليكة أصل فكونه عقب الوفاة النبوية يشعر بأنّه يتعلّق بأمر الخلافة، كأنّ الناس عقب البيعة بقوا يختلفون، يقول أحدهم أبو بكر أهلها؛ لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال: كيت وكيت، فيقول آخر: وفلان قد قال النبي صلّى الله عليه وآله: كيت وكيت، فأحب
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ١٦٠. بلفظ: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، مسند أحمد ٣: ١٧، ح ١١١٤٧، مجمع الزوائد ٩: ١٦٣، سنن الدارمي ٢: ٥٢٤، ح ٣٣١٦، المعجم الأوسط ٤: ٣٣، ح ٣٥٤٢.
(٢) الجامع الصغير ٢: ٥٣٣، ٨١٦٢، مستدرك الحاكم ٢: ٣٧٣، ح ٣٣١٢، ٣: ١٦٣، ح ٤٧٢٠، المعجم الأوسط ٤: ١٠، ح ٣٤٧٨، ٥: ٣٥٥، ح ٥٥٣٦، فضائل الصحابة لابن حنبل ٢: ٧٨٥، ح ١٤٠١.
(٣) المستدرك علي الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ١١٨، ١١٩، ١٢٦، ١٤٣، ٤١٩، ٦١٣، سنن الترمذي ٥: ٦٣٣، ح ٣٧١٢، مجمع الزوائد ٩: ١٠٣ - ١٠٩، باب قوله صلّى الله عليه وآله مَن كنت مولاه فعلي مولاه، السنن الكبرى للبيهقي ٥: ١٣١، ح ٨٤٦٨ - ٨٤٧٢، سنن ابن ماجة ١: ٤٥، ح ١٢١، وغيرها من المصادر.
(٤) صحيح مسلم ٤: ١٨٧١، ح ٢٤٠٥، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١١٠، ح ٨٤٠٥، ٥: ١٧٩، ح ٨٦٠٣، كتاب السنن ٢: ٢١٥، ح ٢٤٧٤، فتح الباري ٧: ٩٤، فضائل الصحابة لابن حنبل ٢: ٦٥٩، ح ١١٢٢.
أبو بكر صرفهم عن الخوض في ذلك(١) .
ونرى أنّ عمر كان يكثر من التعريض والتهديد لعبد الله بن عبّاس، الذي كان يدافع وبإخلاص عن خلافة عليّ عليه السلام، فبعد أن ناقشه ابن عبّاس عن موضوع الخلافة وأحقّيّة الإمام عليّ عليه السلام بها، قال له عمر: أمّا أنت يا ابن عبّاس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي، قال: وما هو؟...
قال: بلغني أنّك لا تزال تقول: أُخِذَ هذا الأمر منّا حسداً وظلماً.
بعدها دافع ابن عبّاس عن أحقّيّة رأيه ولم يتنازل لعمر. فقال له عندما ذهب: إنّي على ما كان منك لراعٍ حقّك...(٢) .
وفي احتجاج آخر لابن عبّاس على عمر، انزعج عمر من ابن عبّاس، قال ابن عباس: فأعرض [ أي عمر ] عنّي وأسرع، ورجعتُ عنه(٣) .
وفي نصّ آخر يتّضح أكثر فأكثر منع عمر من بيان الخلافة وأحقّيّة أهل البيت بها، حيث إنّه بعد أن أفحمه ابن عبّاس في احتجاجه، قال له عمر: امسِكْ عَلَيَّ واكتم، فإن سمعتها من غيرك لم أنم بين لابَتَيْها(٤) . وفي نسخة (لم تنم) وعلى كليهما، ففيهما وضوح تخوّف عمر من أن يسمع هذا الحديث من شخص ثالث، إذ ذلك يعني تأليب الناس ضدّ الحكومة، وهدم قواعد مشروعيّة حكم نهج الاجتهاد والرأي.
فمن هذا التشديد، ومن تحديثهم هم؛ نفهم أنّ في الأمر التفاتة سياسية ذكيّة منهم، وهي التحديث بالفضائل والاستماع لبعضها من جهة، لكي لا تتّضح معالم سياستهم بشكل واضح، والمنع من تجاوز الحدود المرسومة للتحديث والُمحَدَّث به من جهة أُخرى؛ وبذلك يتّضح أنّ التعتيم على فضائل أهل البيت لم يكن هو السبب الأوّل والأخير في قضيّة منع التدوين والتحديث، ولا ننكر أن يكون له مدخليّة في المنع –
____________________
(١) الأنوار الكاشفة: ٥٤.
(٢) تاريخ الطبري ٢: ٥٧٧ - ٥٧٨، شرح النهج ١٢: ٥٢ - ٥٥.
(٣) شرح النهج ١٢: ٤٦.
(٤) نظم درر السمطين: ١٣٣.
خصوصاً منع ما هو مفسّر ويمس أصل الخلافة - بنحو العلَّة الجزئيّة التي تنضوي تحت إطار منع أشمل لمقصود أوسع وأعم وأشمل.
فتلخّص إذاً:
إنّ ما نقله الخطيب البغداديّ المتوفى سنة ٤٦٣ في(تقييد العلم) لا يمكن أن يكون دليلاً تامّاً على الرأي المتقدّم، إذ قد عرفت أنّ لفظة (أهل البيت) لم ترِد في رواية القاسم بن سلام المتوفى ٢٢٤، مضافاً للإشكالات المتوجّهة عليه، وعليه فالمنع لم ينحصر بهذا التعليل فقط، حتّى يجعل السبب الأساسيّ فيه.
ابن مسعود وروايات المنع
الروايات الواردة في المنع عن ابن مسعود في تقييد العلم لم تنحصر بما رووه عن صحيفة علقمة، بل هناك مجموعة أُخرى، تبلغ بمجموعها سبع روايات، وهي:
١ -... عن ابن فضيل، عن حصين بن عبد الرحمان بن مرّة، قال: بينما نحن عند عبد الله إذ جاء ابن قرّة بكتاب، قال: (وجدته بالشام، فأعجبني فجئتك به)، قال: فنظر فيه عبد الله، ثمّ قال: (إنّما هلك مَن كان قبلكم باتّباعهم الكتب، وتركهم كتابهم) قال: ثمّ دعا بطست فيه ماء فماثه فيه ثمّ محاه(١) .
٢ -... عن عبد الرحمان بن الأسود، عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة فانطلقنا بها إلى عبد الله، فجلسنا بالباب، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فاستيقظ فأرسل جارية، فقال) انظري مَن بالباب) فرجعت إليه، فقالت: علقمة والأسود، فقال: ائذني لهم، فدخلنا، قال، كأنّكم قد أطلتم الجلوس في الباب؟ قالا: أجل، قال: فما منعكما أن تستأذنا، قال: خشينا أن تكون نائماً. قال: ما أحبّ أن تظنّوا بي هذا، إنّ هذه ساعة كنّا نقيسها بصلاة الليل، قلنا: هذه صحيفة فيها حديث عجيب، فقال: هاتها. يا جارية! هاتي الطست، اسكُبي فيه ماءً فجعل يمحوها بيده و يقول:( نحن نَقُصُّ عليك
____________________
(١) تقييد العلم: ٥٣. ومثله بالمعنى في سنن الدارميّ ١: ١٣٤، ح ٤٧٧.
أحسنَ القَصص ) ، قلنا: انظر إليها، فإنَّ فيها حديثاً حسناً فجعل يمحوها، ثمّ قال: (إنّما هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره)(١) .
٣ -... عن عبد الرحمان بن الأسود، عن أبيه، قال: جاء علقمة بكتاب من مكّة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله فاستأذنا على عبد الله، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة، قال: فدعا الجارية ثمّ دعا بطست فيه ماء فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان انظر فيها فإنّ فيها أحاديث حساناً. قال فجعل يميثها فيها، و يقول:( نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) ، القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه)(٢) .
٤ -... عن سليم بن أسود، قال: كنت أنا وعبد الله بن مرداس، فرأينا صحيفة، فيها قصص وقرآن، مع رجل من النَّخع، قال: فواعدنا في المسجد، قال: فقال عبد الله بن مرداس: أشتري صحفاً بدرهم، إنّا لقعود في المسجد ننتظر صاحبنا، إذا رجل، فقال: أجيبوا، عبد الله يدعوكم، قال: فتقوّضت الحلقة، فانتهينا إلى عبد الله بن مسعود فإذا الصحيفة في يده، فقال: إنّ أحسن الهدى هدى محمّد صلّى الله عليه وآله، و إنّ أحسن الحديث كتاب الله، و إنّ شرّ الأمور محدثاتها، و إنّكم تحدِّثون و يُحَدَّث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدى الأول، فإنّما أهلك أهل الكتابين قبلكم مثل هذه الصحيفة وأشباهها، توارثوها قرناً بعد قرن حتّى جعلوا كتاب الله خلف ظهورهم، كأنّهم لا يعلمون، فأنْشدُ الله رجلاً علم مكان صحيفة إلاّ أتاني، فو الله لو علمتها بدير هند لانتقلت إليها(٣) .
٥ -... عن أشعث بن سليم، عن أبيه، قال: كنت أُجالس أُناساً في المسجد، فأتيتهم ذات يوم فإذا عندهم صحيفة يقرأونها، فيها ذكر وحمد وثناء على الله، فأعجبتني، فقلت لصاحبها: أعطِنيها فأنسخها، قال: فإنّي وعدت بها رجلاً فأعدَّ صحفك، فإذا فرغ
____________________
(١) تقييد العلم: ٥٤ - ٥٣. ومثله في جامع بيان العلم وفضله ١: ٦٦.
(٢) تقييد العلم: ٥٤ - ٥٥.
(٣) تقييد العلم: ٥٥.
منها دفعتها إليك، فأعددت صحفي، فدخلت المسجد ذات يوم فإذا غلام يتخطّى الخلق، يقول: أجيبوا عبد الله بن مسعود في داره، فانطلق الناس: فذهبت معهم، فإذا تلك الصحيفة بيده، وقال: ألا إنّ ما في هذه الصحيفة فتنة وضلالة وبدعة، وإنّما هلك مَن كان قبلكم من أهل الكتب باتّباعهم الكتب، وتركهم كتاب الله، و إنّي أُحَرِّجُ على رجل يعلم منها شيئاً إلاّ دلّني عليه، فو الذي نفس عبد الله بيده، لو أعلم منها صحيفة بدير هند لأتيتها، ولو مشياً على رِجلي، فدعا بماء فغسل تلك الصحيفة(١) .
٦ -...قال: بلغ ابن مسعود أنَّ عند ناس كتاباً، فلم يزل بهم حتّى أتوه به، فلمّا أتوه به محاه، ثمّ قال: (إنّما هلك أهل الكتاب قبلكم أنّهم أقبلوا على كتب علمائهم، وأساقفتهم، وتركوا كتاب ربّهم، أو قال: تركوا التوراة والإنجيل حتّى درسا، وذهب ما فيها من الفرائض والأحكام)(٢) .
٧ - عن عبد الرحمان بن الأسود، عن أبيه، قال: جاء رجل من أهل الشام إلى عبد الله بن مسعود، ومعه صحيفة فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه، فقال: يا أبا عبد الرحمان! ألا تنظر ما في هذه الصحيفة من كلام أخيك أبي الدرداء؟ فأخذ الصحيفة، فجعل يقرأ فيها و ينظر، حتّى أتى منزله، فقال: يا جارية ائتيني بالإجانة مملوءة ماء، فجاءت بها، فجعل يدلكها، و يقول:( الَر، تلك آيات الكتاب المبين * إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون * نحن نقصّ عليك أحسن القصص ) أقصصاً أحسن من قصص الله تريدون أو حديثاً أحسن من حديث الله تريدون؟!(٣) .
فلو نظرنا إليها جميعاً وضممنا الواحدة منها إلى الأخرى؛ لأوصلتنا إلى نتائج تخالف ما توصّل إليه أصحاب الرأي المتقدِّم، ولنوضِّح ذلك في نقاط:
أ - يظهر من مرويّات تقييد العلم وغيره أنّ تلك الصحف والكتب - أو الكثير منها
____________________
(١) تقييد العلم: ٥٥ - ٥٦، مثله بالمعنى عن الأشعث في سنن الدارميّ، اعتقاد أهل السنّة ١: ٧٧ - ٧٨، ح ٨٥، وجامع بيان العلم ١: ٦٥.
(٢) تقييد العلم: ٥٦.
(٣) تقييد العلم: ٥٤ - ٥٥، والآيات ١ - ٣ من سورة يوسف.
- كانت تحتوي على مواضيع مدهشة لم يسمعها المسلمون من قبل، ولا هي ممّا ينسجم مع طبيعة التشريع؛ فلذلك كانت مبعث الدهشة ومثار التعجّب. ولو كانت محتوياتها على نسق وغرار ما ألفوه ووعوه لما استغربوا وتعجّبوا منها، فقد وردت في تلك المرويّات العبارات الآتية: (وجدته بالشام فأعجبني) و (هذه صحيفة فيها حديث عجيب) و (عندهم صحيفة... فأعجبتني) و (إنّ عند ناس كتاباً يعجبون به)، فيظهر جليّاً أنّ ما في تلك الصحف لم يكن من كتاب الله ولا من سنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله، و إلاّ لما تُعُجِّبَ منها وأُعجب بها، ولكانت كسائر ما ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله.
ب - إنّ تلك الصحف - سوى التي تحتوي على كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه - لم تضمّ كلام صحابيّ بعينه، ولا مَن نقل عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أو الصحابيّ، إذ لم يذكر في المرويّات أسماء المحدِّثين بتلك الأحاديث ولا الُمحَدَّثين بها، فهي - ناهيك عن كونها ليست مسانيد - ليست معلومة القائل كذلك، بل هي مجهولة بكلّ ما للكلمة من معنى، بل صُرّح في تلك الروايات ضمناً بجهالة كاتبها ومن روي عنه محتواها؛ فقد عُبّر عن تلك الصحف بمثل قولهم: (كتاباً وجدته)، و (أصبتُ... صحيفة)، و (جاء علقمة بكتاب)، و (جاء رجل من أهل الشام... ومعه صحيفة)، و (فرأينا صحيفة مع رجل من النخع)، و (كنت أُجالس أُناس... فإذا عندهم صحيفة)، و (إنّ عند ناس كتاباً)، و (رأيت مع رجل صحيفة)، فهذه كلّها تدلّ على أنّ تلك الصحف كانت مجهولة المصدر، وعلى هذا فلا يمكن الاعتماد عليها بحالٍ من الأحوال.
وأمّا صحيفة أبي الدرداء، فإنّها لم تكن حاوية إلاّ لكلامه دون كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله، ولقصصٍ استقاها من مصادر لا تمتلك رصيداً من الحجّيّة والاعتبار.
ج - إنّ عدّة من الصحف جيء بها من الشام، وبعضها (من مكّة أو اليمن)، وبعضها لا نعرف من أين جاءت، فلم تكن تلك الصحف من مدوّنات الصحابة، ولا قد أتي بها من مهبط الوحي ودار النبوّة ومقرّ الصحابة، فقد ورد في بعضها (كتاباً وجدته بالشام)، و (جاء رجل من أهل الشام ومعه صحيفة)، وبعضها (من مكّة أو اليمن) مع أنّ الظاهر
هو وقوع الترديد في نفس الأمر والواقع لا من الراوي، فهذه العبارات تدلّ على جهالة الصحابيّ والراوي الكاتب عنه. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى: فإنّه يظهر أنّ العامل الاجتماعيّ والجغرافيّ كان له أثر كبير في هذه المرويّات؛ وذلك لقرب الشام من الروم المسيحيّة الديانة، ولوجود الثقل المسيحيّ فيها آنذاك، فيمكن أنّ تكون تلك المرويّات (صحف تبشيرية) - لو صحّ التعبير - حاولوا من خلالها اختراق الفكر الإسلاميّ، فلم تكن تحتوي على ما قاله النبيّ صلّى الله عليه وآله حقّاً، ولسقوط مثل هذه الصحف المجهولة المصدر، والكاتب والمُملي - أي المحدِّث - نرى أنَّ أهل البيت عليهم السلام يلتفتون إلى هذه النكتة، و يعلمون أنّها مُسقِطة لمثل تلك الأحاديث عن الاعتبار؛ لذلك نراهم يؤكِّدون على الصحف التي عندهم، فيبيِّنون مصدرها وكاتبها وممليها، فيقول الصادق عليه السلام لمَن وسمه بأنّه صحفي:(أنا رجل صحفيّ، وقد صدق - أبو حنيفة -قرأتُ صحف آبائي؛ إبراهيم وموسى) (١) .
و يقول أئمّة أهل البيت عليهم السلام في وصف كتاب عليّ عليه السلام بأنّه (إملاء عليّ من فلق في رسول الله)، فهم عليهم السلام يوضِّحون: أنّ صحفهم متوارثة كابراً عن كابر عن رسول الله، وأنّ حَفَظَتَها وكُتَّابَها هم الأئمّة عليهم السلام، وأنّ فيها أحكام الله من لدن موسى و إبراهيم عليه السلام حتّى نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله. وقد جاء في الكامل، لابن عديّ: ولجعفر بن محمّد حديث كثير عن أبيه عن جابر، وعن أبيه عن آبائه، ونسخ لآل البيت يرويها جعفر بن محمّد...(٢) .
د - إنّ تلك الصحف - أو الكثير منها - لم تكن تجمع في طيّاتها الفرائض والأحكام، ولا شيئاً من التفسير وشرح الآيات، و إنّما كانت تضمّ غير ذلك، ففيها على ما يبدو قصص وأخبار، وأحاديث وأذكار لم ينزل الله بها من سلطان، وهذا النوع غالباً ما تكون فيه يدٌ للقصّاصين والأخباريّين، من تضخيم لبعض الحقائق، وتعتيم على حقائق أُخرى، تبعاً للظروف والمُيول والأهواء والعصبيّات القبليّة، وغيرها من عوامل
____________________
(١) علل الشرايع للصدوق ١: ٨٩، وانظر روضات الجنّات ٨: ١٦٩، قاموس الرجال ترجمة محمّد بن عبد الله بن الحسن ٨: ٢٤٣، ورياض السالكين ١: ١٠٠.
(٢) الكامل لابن عديّ ٢: ١٣٤، وعنه في تهذيب التهذيب ٢: ٨٨، ت ١٥٦ والسنّة قبل التدوين: ٣٥٨.
الزيادة والنقصان، وتغيير أو تبديل الأمور، فقد ورد في المرويّات قولهم: (صحيفة فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه)، وقولهم: (فرأينا صحيفة فيها قصص وقرآن) وقولهم: (فيها ذكر وحمد وثناء على الله).
و يظهر أنّ ما في تلك الصحف من كلام أبي الدرداء وما فيها من قصص و (أحاديث حسان)، هي من قبيل ما نجده حتّى الآن مبثوثاً في تفاسير المسلمين ومؤلّفاتهم في سرد تفاصيل قصص القرآن، مأخوذ من التوراة، من مثل ما ورد في قضيّة النبيّ يوسف عليه السلام وأنّه قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة(١) ، وما ورد في قضيّة داود وأنّه أرسل أحد جنده إلى الحرب ليُقتل فيتزوّج بامرأته من بعده(٢) ، وما ورد من أنّ الناس قد هلكوا، فاتّفقتا ابنتا لوط عليه السلام على إسكار والدهما - والعياذ بالله - ففعلتا ووقع عليهما فحملتا، واستمرّ النسل من ذلك(٣) ، بل ما روي من أنّ أُمّ المؤمنين خديجة تآمرت فأسكرت والدها ثمّ أمرت النبيّ صلّى الله عليه وآله بخطبتها منه، فرضي بذلك وهو سكران، ثمّ أفاق فقيل له في ذلك فاستسلم للأمر الواقع، وإنّما فعلت ذلك لأنّ خويلداً كان لا يرتضي زواجها من النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله و و و...(٤) وهل ترى أنّ مثل هذه الموضوعات قد جاءت إلاّ من أبي الدرداء، وكعب الأحبار وأضرابهما من المتأثّرين بالمسيحيّة واليهوديّة!!
ويزداد هذا وضوحاً من تلاوة ابن مسعود لقوله تعالى:( نحن نقصّ عليك أحسن القصص ) ، و يقول: (أقصصاً أحسن من قصص الله تريدون، أو حديثاً أحسن من حديث الله تريدون)؟!، و يقول: (إنّ أحسن الهدى هدى محمّد صلّى الله عليه وآله، وإنّ أحسن الحديث كتاب الله و إنّ شرّ الأمور محدثاتها)، فهذه الكلمات كلّها ناظرة إلى ما تضمّنته بطون تلك الصحف.
____________________
(١) الأحكام لابن حزم ٥: ١٥٤، الباب ٣٣ في شرائع الأنبياء، وقال: هذا كثير جداً.
(٢) مصنف بن أبي شيبة ٦: ٣٤٣، ح ٣١٨٩٤، تفسير القرطبي ١٥: ١٦٨، ١٥: ١٨٠ - ١٨١.
(٣) راجع قصص القرآن.
(٤) سبل الهدى والرشاد ٢: ١٦٦، عن الزهري في سيرته، وانظر الروض الأنف ١: ٣٢٥.
فكلام ابن مسعود (إنّ أحسن الهدى هدى محمد...) ليؤكد بأنّ ما أماثه بالماء ليس هو من سنّة النبي محمد صلّى الله عليه وآله، بل هو من المحدثات التي لا يرتضيها، وقد أراد بقوله ذلك إرجاع المعجبين بتلك الصحف إلى السنّة النبوية وهدى محمد والى كتاب الله العزيز؛ لأنّ رسول الله كان قد وبّخ عمر بن الخطاب لإعجابه في الأخذ عن صحف أهل الكتاب وتركه حديث رسول الله، فقد نقل السيوطي: أنّ عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها، فقال الرسول: يا ابن خطاب امتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية وأعطيت جوامع الكلم(١) .
تدبر في قول عمر (قد أخذت بقلوبنا) وقارنه مع ما قيل عن الصحيفة التي أتوا بها إلى ابن مسعود مثل قولهم: (إنّ عند ناس كتاباً يعجبون به) و (هذه صحيفة فيها حديث عجيب) و (عندهم صحيفة... فأعجبتهم) و (وجدته... فأعجبني) وغيرها.
وفي المقابل انظر إلى جواب الرسول الأكرم لعمر (لقد جئتكم بها بيضاء نقية) وقسه مع جواب ابن مسعود لمن أعجب بالصحيفة: (إنّ أحسن الهدى هدى محمد) لتعرف ما وراء نظرة المعجبين واتحاد جواب ابن مسعود مع جواب الرسول الأكرم، أضف إلى ذلك أنّنا لم نقف على رواية نطقت بهذا الإعجاب وذاك التهديد من رسول الله إلاّ تلك الروايات المروية عن عمر و إعجابه بمكتوبات اليهود، و إذا أمعنت النظر في تعليل ابن مسعود بالإماثة تراه يصب في المصب الشرعي، وخصوصاً حينما تراه يميثها بالماء ولا يحرقها بالنار، مؤكّداً على أنّ أحسن الهدى هدى محمد وأنّ أحسن الحديث كتاب الله وأنّ شر الأمور محدثاتها.
حتّى أنّ ابن مسعود زاد تصريحه وضوحاً بقوله في عدّة مرويات (إلا إنّ ما في هذه الصحيفة فتنة وضلالة وبدعة)، وبقوله في مقام آخر: (إنّما أُهلِك أهل الكتاب
____________________
(١) الدر المنثور ٥: ١٤٨، إرواء الغليل ٦: ٣٨، وقد علق الألباني على ذلك بقوله: والحديث على أقل تقدير حسن، وانظر مصنف عبد الرزاق ٦: ١١٤، وفيض القدير للمناوي ٢: ٧٢٠ كذلك.
قبلكم أنّهم أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم وتركوا التوراة والإنجيل حتّى درسا وذهب ما فيهما من الفرائض والأحكام).
فقد وضحَ أنّ الصحائف المأتي بها إلى ابن مسعود لم تكن تتعلّق بالفرائض والأحكام، و إنّما كانت تدوّن القصص والحكايات وبعض الأذكار المتعلّقة بهذه الحكايات المنسوبة في تلك الأساطير والخرافات والزيادات.
وبهذا يحتمل أن يكون في هذه الصحيفة قصص تميم الداري - الراهب النصرانيّ الذي استأذن عمر أن يقصّ فأذن له(١) و يحتمل أن تكون صحفاً مشابهة له.
ويتبيّن الأمر أكثر وضوحاً وجلاءً في قول ابن مسعود: (فأُنشِد الله رجلاً عَلِم مكان صحيفة إلاّ أتاني، فو الله لو علمتها بدير هند لانتقلتُ إليها)، وفي قوله: (فو الذي نفس عبد الله بيده لو أعلم منها صحيفة بدير هند لأتيتها ولو مشياً على رِجلي) وقوله - كما نقله الراوي - (وأُقسِمُ بالله لو أنّها كانت بدار الهند(٢) - أراه يعني مكاناً بالكوفة بعيداً - إلاّ أتيته ولو مشياً)(٣) ، فهذا الجدّ والإصرار منه على محو مثل تلك الصحف كان لنكتةٍ، ألا وهي اختلاط تلك الأحاديث واستقاؤها من أحاديث أهل الكتاب، فكأنَّ ابن مسعود يرى أنّها من صنع الأديرة، ومن قصص وأساطير أهل الكتاب التي غذّوا بها عقول الضعفاء من المسلمين والمغفّلين، ومَن يتعاطف معهم فكريّاً، بالإضافة إلى ميل النفوس إلى أُسلوب السرد القصصيّ وسماع الغرائب والعجائب، وكأنّ نشر تلك القصص كان أمراً متعمّداً مدروساً من النصارى، فلذا كان ابن مسعود يمحوها أحياناً
____________________
(١) المذكر والتذكير والذكر لابن أبي عاصم: ٦٣، كنز العمّال ١٠: ٢٨٠، ٢٩٤٤٥ و ٢٩٤٤٦.
(٢) دير الهند: من قرى دمشق. ودير هند الصغرى: بالحيرة، كانت تنزله هند بنت النعمان بن المنذر، ودير هند الكبرى: بالحيرة أيضاً، بَنَته هند بنت الحارث بن عمرو بن حُجر آكل المرار. [ معجم البلدان ٢: ٥٤٢ - ٥٤٣ ]. وقد يطلق دير هند و يراد به دير هند الصغرى [ انظر الأغاني ٢: ١٣١ ]. وعلى كلّ التقادير فالظاهر أنّ المراد (بدار الهند) (دير هند). ونحن نرجّح أنّ يكون مراد ابن مسعود هو الدير الذي بالشام؛ لما في ذلك من ارتباط بالصحف المأتي بها من الشام، ولأنّه أبلغ في البُعد؛ لأنّ الظاهر هو صدور هذه الأقوال من ابن مسعود في الكوفة، إذ الرواة كوفيّون.
(٣) سنن الدارمي ١: ١٣٠، ح ٤٧٩، المصنف لابن أبي شيبة ٥: ٣١٥، ح ٢٦٤٤٧.
بمجرد إلقاء النظرة عليها، أو حتّى دون إلقاء النظرة الفاحصة لعلمه سلفاً بما تحويه تلك الصحائف والكتب.
فلذلك وقف ابن مسعود من تلك المدوّنات الموقف الحازم، الذي قد بدا سلبيّاً بسبب معاصرته للحملة التي قادها عمر بن الخطّاب ضدّ التحديث والتدوين، وبين المنعيَن فرق لا يخفى على كلّ ذي لبّ وبصر!!
وبعد الوصول إلى هذه النتيجة المتمخّضة عن النظر الشامل لروايات المنع المنسوب إلى ابن مسعود، يحقّ لنا أن نقول إنّ رواية الدارميّ التي تنصّ على أنّ محتوى الكتاب(سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر) ، لم تكن وافية، إذ لم تكن هذه الجمل فقط هي محتوى الكتاب، بل هناك أشياء أُخرى من قبيل ما مرّ ذكره في سائر الروايات، بقرينة قول ابن مسعود في الرواية الأخرى: (إنّ ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة)، إذ لا يعقل توجيهه هذا الكلام لمجرّد التسبيحة والتحميدة والتهليلة والتكبيرة، مع أنّه كان يقولها صباحاً ومساءً في صلواته الخمس، ولا يعقل صدور هذا الردع لهذه الكلمات الطيّبات من مسلم عاديّ، فضلاً عن صحابيّ من كبار صحابة النبيّ صلّى الله عليه وآله.
والقول: بأنّ الردع في كلامه موجّهٌ إلى نفس الكتابة والتقييد، وأنّها ضلالة بغض النظر عن المكتوب، لا تساعده العبارة المذكورة ولا تدلّ عليه؛ لأنّ قوله: (إنّ ما في هذا الكتاب) يدلّ على أنّ المقصود هو محتوى الكتاب، لا مجرّد ومحض التقييد والتدوين، و إلاّ لقال مثل: (إنّ الكتابة بدعة وفتنة وضلالة).
ومثل هذا الكلام نقوله في الرواية اليتيمة التي ادّعت أنّ في الصحيفة فضائل أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله، فإنّ جملة هذه القرائن تدلّ - إن صحّت هذه الرواية - على وجود أكاذيب ومختلقات وربّما شيء يُدّعى أنّه من سيرة أهل البيت وفضائلهم ممّا لا يمتّ إلى الواقع بصلة، أو ممّا بولغ فيه، ومهما يكن من شي فإنّ الإذعان لمحو ابن مسعود لفضائل أهل البيت محالٌ، خصوصاً بعد الفراغ من أنّ ابن مسعود كان من أكبر
المحدّثين بفضائلهم والناشرين لمآثرهم.
هذا، ونرى أنّ ابن مسعود لم يكن كأبي بكر وعمر في أُسلوب المحو؛ لأنّه لم يلجأ إلى أُسلوب الحرق والإبادة الشاملة للمدوّنات، و إنّما اتّخذ أُسلوب الإماثة بالماء، وهو الأسلوب الشرعيّ لمحو كتب الضلال، التي فيها اسم من أسماء الله أو الأنبياء أو الأوصياء والأئمّة عليهم السلام، إذ يحرم الحرق، و ينحصر الإتلاف بالميث بالماء أو الدفن في الأرض.
وربّما يعضّد ما استنتجناه هنا بما صرّح به بعض الأعلام؛ إذ قال أبو عبيد: إنّه [ أي ابن مسعود ] يرى أنّ هذه الصحيفة أُخذت من أهل الكتاب، فلذا كره عبد الله النظر فيها. وقال مرّة: أما أنّه لو كان من القرآن أو السنّة لم يمحُهُ، ولكن كان من كتب أهل الكتاب(١) .
وبهذا يمكن أن يكون نهي ابن مسعود جاء لما فصّلناه عنه سابقاً، وهناك احتمال آخر نراه هو الأقرب؛ وهو صدورها عنه تقيّةً أو مصلحة أو تخوّفاً من درّة عمر، إذ عرف عن عمر أنّه أمر بإتلاف الصحف والإقلال في التحديث، وقد ضرب بعض الصحابة على ذلك، وسجن آخرين كان من بينهم ابن مسعود، فلا يستبعد إذاً أن يكون ما فعله ابن مسعود مع الصحيفة جاء آنذاك مماشاةً للوضع العامّ في الدولة الإسلاميّة، وكي لا يتخطّى أمر الخليفة عمر بن الخطّاب، إمّا تخوّفاً من بطشه أو مداراة ومصلحة، فعن الحارث بن سويد قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: (ما من ذي سلطان يريد أن يكلّفني كلاماً يدرأ عني سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلّماً به).
وقال ابن حزم معقّباً: (ولا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف)(٢) .
وجاء عنه أنّه صلّى خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط - والي عثمان على الكوفة - تقيّة، وأنّ الوليد كان قد صلّى الصبح بهم أربعاً ثمّ قال: أزيدكم؟
____________________
(١) جامع بيان العلم وفضله، وسنن الدارمي ١: ١٣٤، ح ٤٧٧، كما في تدوين السنّة: ٣٤١.
(٢) المحلّى لابن حزم ٨: ٣٣٦ المسألة (١٤٠٩).
فقال له ابن مسعود: مازلنا معك منذ اليوم في زيادة!(١)
وبهذا يصحّ القول في نهي ابن مسعود - لو صحّ عنه - أن يكون اتّقاءً من درّة عمر وحفظاً لكيان الإسلام، إذ اشتهر عنه أنّه صلّى مع عثمان بمنى أربعاً رغم خلافه معه اتّقاءً للفتنة والشرّ.
فقيل له: ألم تحدّثنا أنّ النبيّ صلّى ركعتين، وأبا بكر صلّى ركعتين؟
قال: بلى، وأنا أحدّثكموه الآن، ولكنّ عثمان كان إماماً فما أُخالفه، والخلاف شرّ(٢) .
وجاء عن ابن عوف أنّه لقي ابن مسعود - يوم اعتراضه على عثمان وإتمامه الصلاة بمنى - فقال له ابن مسعود: الخلاف شرّ، قد بلغني أنّه [ أي عثمان ] صلّى أربعاً فصلّيت بأصحابي أربعاً.
فقال ابن عوف: قد بلغني أنّه صلّى أربعاً، فصلّيت بأصحابي ركعتين، أمّا الآن فسوف يكون الأمر الذي تقول: يعني نصلّي معه أربعاً(٣) .
وعليه فقد استبان لك خطّة الصحابة في الصدر الأوّل، وأنّهم كانوا يريدون الحفاظ على كيان الإسلام رغم احتفاظهم بما يعتقدون به باطناً. وهذا الكلام لا ينافي ما ذهبنا إليه من كون ابن مسعود من دعاة التحديث والتدوين، ومن الذين رووا في فضائل أهل البيت، إذ عرفت أنّ الإنسان قد يكتم ما يعتقده ولا يبيح به مصلحةً أو خوفاً، وترى هذا واضحاً في سيرة ابن مسعود؛ فالنصوص المنقولة عنه في عليّ والزهراء والحسن والحسين، وكونه من السبعة الذين شهدوا دفن الزهراء والاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر غصبه الخلافة، وتقارب فقهه معهم، كلّها تخالف ما جاء في تعليل غالب كتّاب الشيعة في خصوص ابن مسعود.
____________________
(١) شرح العقيدة الطحاويّة، للقاضي الدمشقيّ ٢: ٥٣٢ كما في واقع التقيّة عند المذاهب والفرق الإسلاميّة: ١٠٦.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٣: ١٤٤، ح ٥٢٢١، البداية والنهاية ٧: ٢١٨.
(٣) تاريخ الطبري ٢: ٦٠٦، أحداث سنة ٢٩ هـ، وانظر الكامل لابن الأثير ٣: ٤٩٤، البداية والنهاية ٧: ١٥٤.
إذ الشخص الذي يعدّ من أهل البيت لكثرة دخوله وخروجه عليهم حتّى قالوا عنه: ما نراه إلاّ عبد آل محمّد، واعتقاده بلزوم الصلاة على آل محمّد في الصلاة، وغيرها، لا يتّفق مع ما علّل سابق. وعليه فيلزم حمل الخبر على ما قلناه سابقاً من التقيّة والمصلحة وما شابه ذلك.
وعليه، فإنّا لا ننكر الرأي السابع برمّته و إن كنّا لا نعتقد في الوقت نفسه بصحّته على نحو الإطلاق وانحصار السبب الأساسيّ فيه، وبهذا يكون السبب السابع حسب ما فصّلناه رأياً قريباً للصحّة وأنّه جزء العلّة لإتمامه.
والآن لنواصل البحث عن السبب الواقعيّ في منع الشيخين لتدوين حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولنتعرّف على سبب صرف الخلفاء الناسَ إلى القرآن، كما لوحظ في مرسلة ابن أبي مُليكة، وقول الخليفة أبي بكر: (بيننا وبينكم كتاب الله)(١) وقول عمر وعائشة: (حسبنا كتاب الله)(٢) و (ليس بعد كتاب الله شي) وغيرها.
كانت هذه مبرّرات ذكرها الشيخان وبعض الكتّاب، مستشرقين ومسلمين، شيعةً وسنّةً، قديماً وحديثاً، وإليك السبب الأخير عسى أن تقف فيه على الحلّ المطلوب.
____________________
(١) تذكرة الحفّاظ ١: ٢ - ٣، حجّيّة السنّة: ٣٩٤.
(٢) أمّا كلام عمر فهو معروف مشهور قاله ورسول الله مسجّى على فراش المرض (انظر البخاري) كتاب العلم باب كتابة العلم، وكتاب الجهاد باب المغازي باب مرض النبيّ، وكتاب المرضى باب قول المريض (قوموا عنّي)، وكتاب الاعتصام باب كراهية الخلاف.
وانظر شروح البخاري كفتح الباري ١: ٢٠٩، إرشاد الساري ١: ١٦٩، عمدة القاري ١: ٥٧٥، وشرح النووي على مسلم ٢: ٩٠ - ٩٢، والمصنّف لعبد الرزاق ٥: ٤٣٨ و ٤٣٩، ح ٩٧٥٧، ومسند أحمد ١: ٣٣٤، ح ٢٩٩٢، ١: ٣٣٦، ح ٣١١١، ودلائل النبوّة للبيهقي ٧: ١٨١، ٢٨٣، وغيره. أمّا كلام عائشة فهو (حسبكم القرآن) وقد أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز ٢: ٧٧، ح ١٢٢٦، صحيح مسلم ٢: ٦٤٢، ح ٩٢٩، باب التشديد في النياحة.
السبب الأخير
هو ما نذهب إليه
إنّ منع التحديث والكتابة والتدوين لا يمكن أن يأتي وليد ساعته، ولا أن يعزى لعامل واحد فقط، بل لا بدّ أن تتظافر فيه عدّة عوامل ومقدمات لتكوين وتعميم فكرة المنع، ويتلخّص ذلك بنظرنا في أربعة عوامل، وقد تكون أكثر، وهي:
العامل الأوّل: هو ما مر في السبب السابع لكن بمعنى منع انتشار تفسير وبيان الأحاديث الواردة في أهل البيت، والتي لها أبعاد تمسّ مدرسة الخلافة في الصميم، وأمّا نقل الفضائل لوحدها دون التوعية الكامنة فيها فهو غير مقصودٍ بدرجة كبيرة في منعهم العام الشامل للأحاديث، ويدخل في هذا الإطار منع نشر مثالب ونقائص كبار قريش والنهج الحاكم؛ إذ القرآن الكريم ورسول الله مدح أشخاصاً وذمّ آخرين.
فمنعوا تفسير الصحابة البياني للقرآن وشأن النزول في الأحكام(١) والفضائل والمثالب(٢) أو حدّوه بدعوى اختلاطه مع القرآن والتثبّت في النقل!!
____________________
(١) منها ما جاء في مصحف عائشة وحفصة وأم سلمة وقراءتهن للآية:( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) هكذا: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) وقرأ ابن عباس وأُبي بن كعب وابن مسعود وعلي بن أبي طالب (فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن إلى أجل مسمّى) وأمثالها.
(٢) منها ما جاء في الدر المنثور للسيوطي ٢: ٢٩٨ بسنده عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله:( يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك - أنّ علياً مولى المؤمنين -وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته ) ، أو ما جاء في تفسير:( إن جاءكم فاسق بنبأ ) أو( لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) و( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) و( والشجرة الملعونة في القرآن ) وغيرها.
العامل الثاني: عدم إحاطة الحكّام بجميع الأحكام الشرعية، وهذا ممّا حدا بهم لأن يرسموا شيئاً فشيئاً منهجاً في الشريعة يختلف فيه معهم أناس كثيرون.
فالخلفاء كانوا أولاً يساءلون الصحابة ممّا لا يعرفونه من الأحكام التي جاءت في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، ويخضعون لإجاباتهم دون أي حرج ظاهر، لكن وبمرور الأيام اكتسبت هذه الإجابات صبغة التخظئة والمناقشة - حسبما ستقف عليه لاحقاً - فجاء عن عمر بن الخطاب أنّه قرأ: (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم باحسان) فرفع (الأنصار) ولم يلحق الواو في (الذين) فقال له زيد بن ثابت:( مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ) فقال عمر: (الذين اتبعوهم بإحسان) فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم فقال عمر: ائتوني بأُبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال أُبي لعمر: إنّي والله لقد قرأتها على رسول الله( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ) وإنك يومئذٍ تسكن ببقيع الغرقد، فقال عمر: حفظتم ونسينا، وتفرغتم وشغلنا، وشهدتم وغبنا...(١) .
وفي هذا المأزق كان المنع من التحديث والكتابة والتدوين خير سبيل لسد باب الاحتجاج والوقوف أمام الحرج؛ فلذلك راح الخلفاء يهدّدون ويسجنون المحدثين بعد أن كانوا يأمرون بالإقلال منه.
العامل الثالث: تجويز الخلفاء لأنفسهم - في مراحل متأخّرة - أن يكونوا شِبْهَ مصادر التشريع، حتى شرّعت سيرة الشيخين قسيماً للكتاب العزيز والسنّة المطهّرة أولاً، ثم تلتها تشريعات أخرى، كل ذلك لتثبيت الحاكمية التشريعية للخلفاء بجانب الحاكمية الحكومية، وما مقولة عمر بن الخطاب عن صلاة التراويح (نعمة البدعة هي)(٢) .
____________________
(١) جامع البيان ١١: ٧، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٣٠٥، الدر المنثور ٣: ٢٦٩، والكشف والبيان للثعلبي ٥: ١٨٣، وفيه ذيل الخبر الذي نقلناه، وانظر المحتسب لابن جني ١: ٣٠٠، وستقف لاحقاً على تخطئات كثيرة من الصحابة لعمر بن الخطاب.
(٢) صحيح البخاري ٢: ٧٠٧، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان ح ١٩٠٦، صحيح ابن خزيمة ٢: ١٥٥، ح ١١٠٠، السنن الصغرى للبيهقي ١: ٤٨١، ح ٨٤٧، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٤٩٣، ح ٤٣٧٩.
وعن المتعة (كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما)(١) وغيرها إلاّ أمثلة لهذه الحاكمية التشريعية والتي سمّوها من بعد اجتهاداً، رافعين بضبع الخلفاء إلى مستوى الرسول، في الوقت نفسه منزلين الرسول صلّى الله عليه وآله إلى مستوى المجتهد المفتي طبق الظن، وعمليتهم هذه دعت لغلق باب التحديث والكتابة والتدوين، و إلاّ لظهر اختلاف المفتى به من قبل الخليفة مع ما شرّع في السماء وبينه الرسول.
العامل الرابع: وهو عامل البيئة والمجتمع وتأثيرهما على الأفكار والثقافات، حيث إنّ المانعين نشأوا في بيئة ومجتمع لا يعيران الاهتمام للكتابة والتدوين، بقدر ما كان يركّز على الشعر وأيام العرب والمفاخرات وما شابهها، وقد كان هذا عاملاً آخر للمنع؛ إذ أنت تعلم أنّ تضخيم هذه الأمور بحكم الضرورة التاريخية يتقاطع مع الثقافة الإسلامية العامة.
مؤكّدين للقارئ بأنّا سنسلط الضوء على العاملين الثاني والثالث أكثر من الأخيرين؛ لأنّ الإشارة إلى التفسير البياني للصحابة وعامل البيئة والمجتمع يحتاجان إلى دراسة مستقلة، نتركها إلى حينها مكتفين بما سنذكره استطراداً ضمن العاملين السابقين.
و إليك الآن تفصيل رؤيتنا من خلال محورين:
المحور الأوّل
(نشوء فكرة الاجتهاد)
إذا وقف المطالع في تاريخ الإسلام على مواقف الصحابة في عصر الرسالة والتشريع، وجد أنّهم كانوا طائفتين، باعتبار التعامل مع النصوص الصادرة عن الرسول صلّى الله عليه وآله.
الطائفة الأُولى: انتهجت منهاج الطاعة والامتثال لمطلق الأحكام الصادرة عن الله ورسوله؛ وذلك لعدّة اعتبارات:
منها: قداسة تلك الأحكام، باعتبارها صادرة عن الواحد الأحد (عزّ وجلّ)، فضلاً عن قداسة النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله.
ومنها: وجوب طاعة المُشرِّع، وعدم جواز مخالفته؛ لقوله تعالى:( أطِيعُوا اللهَ
____________________
(١) شرح معاني الآثار ٢: ١٤٦، كتاب السنن لسعيد بن منصور ١: ٣٥٢، ح ٨٥٢، التمهيد لابن عبد البر ٨: ٣٥٥، ١٠: ١١٣، ٢٣: ٣٦٥، المحلّى ٧: ١٠٧، تذكرة الحفّاظ ١: ٣٦٦، أحكام القرآن للجصاص ٢: ١٥٢.
وَرَسوُلَهُ ) (١) ، وقوله:( ومَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ ويَخْشَ اللهَ ويَتّقهِ فأولئك هُمُ الفائِزون ) (٢) ، وقوله:( ومَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهاكُمْ عُنْهُ فانْتَهُوا ) (٣) ، وقوله:( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمّ لا يَجِدُوا في أنفسِهم حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسلِيماً ) (٤) ، وقوله:( إنّما كانَ قول المؤمنينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولهِ لِيْحكُم بينهم أن يَقولوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأولئكَ هُمُ المُفْلِحون ) (٥) ، وقوله:( وما كان لِمُؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورسُولُه أمْراً أن يَكُونَ لَهُمُ الِخيَرةُ من أمْرِهِم ومَن يَعْصِ اللهَ ورسُولَه فقد ضَلَّ ضَلالاً مُبيناً ) (٦) وغيرها.
ومنها: أنّه لا مجال للعمل بآراء شخصيّة لتنظيم سلوك الفرد والمجتمع؛ وذلك لتكامل الشريعة وبيان جميع الأحكام في القرآن، فلا حاجة ولا نقصان يحتاج معه إلى المكمّل للشريعة، بل هي كاملة تامّة بنفسها، قال تعالى:( وَنَزَّلنا عَليكَ الكِتابَ تِبياناً لكُلِّ شَيء ) (٧) .
فصارت سمة هذه الطائفة تعبُّدها بالنصوص الصادرة عن الرسول صلّى الله عليه وآله، وليس للرأي عندهم في مقابل ذلكم البيان الإلهيّ أيّ اعتبار، مع ملاحظة إمكان وقوع الخطأ والسهو والنسيان منهم؛ لعدم عصمة بعضهم!! وستقف على مصاديق ومواقف لهذه الطائفة لاحقاً.
والطائفة الثانية: هم الذين كانوا يتعاملون مع النبيّ كأنّه بشر غير كامل يصيب ويخطئ، ويَسبُّ ويَلعن، ثمّ يَطْلُبُ المغفرة لأولئك(٨) . وهؤلاء هم الذين لم يعطوا
____________________
(١) الأنفال: ٢٠، ٤٦.
(٢) النور: ٥٢.
(٣) الحشر: ٧.
(٤) النساء: ٦٥.
(٥) النور: ٥١.
(٦) الأحزاب: ٣٦.
(٧) النحل: ٨٩.
(٨) انظر صحيح البخاري ٥: ٢٣٣٩، ح ٦٠٠٠، باب قول النبي صلّى الله عليه وآله مَن آذيته فاجعله له، وصحيح مسلم
=
للرسول القدسيّة والمكانة التي أعطاها الله إيّاه، ولم يتعاملوا معه كما أمر الله، وهذه حقيقة دلّ عليها القرآن والأثر:
أمّا القرآن ففيه آيات عديدة:
منها: قوله تعالى:( يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهَروا له بالقول كجَهْرِ بعضكم لبعض أن تَحْبَطَ أعمالُكم وأنتم لا تشعرون ) (١) .
فالآية تشير إلى انعدام قدسيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله عند بعض الصحابة، مع تأكيده سبحانه وتعالى على لزوم مراعاة مكانته صلّى الله عليه وآله.
ومنه: قوله تعالى:( يا أيّها الذين آمنوا ما لَكُم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض... ) (٢) .
وهي تدلّ على عدم الطاعة والامتثال كما تدلّ على التثاقل عن الجهاد عند البعض.
ومنه: قوله تعالى:( إنّ الذين يُؤذون اللهَ ورسولَه لَعَنهم الله... ) (٣) ، وقوله:( ومنهم الذين يؤذون النبيّ ) (٤) ، وهي صريحة في أنّ البعض من الصحابة كانوا يؤذون الرسول صلّى الله عليه وآله.
ومنها قوله:( ألَمْ ترَ إلى الذين نُهوا عن النجوى ثمّ يعودون لما نُهوا عنه ويتناجَون بالإثمّ والعُدوان ومعصيةِ الرسول وإذا جاءَوك حَيَّوك بما لم يُحَيِّك بهِ الله... ) (٥) .
كلّ هذه النصوص القرآنيّة وعشرات أمثالها تدلّ على وجود رجال من بين
____________________
=
٤: ٢٠٠٧، ح ٢٦٠٠ باب مَن لعنه النبي و ٢٠٠٨، ح ٢٦٠١ و ٢٠٠٠٩، ح ٢٦٠٢، ومسند أحمد ٢: ٣٩٠، ح ٩٠٦٢ و ٤٨٨، ح ١٠٣٤١ و ٣: ٤٠٠، ح ١٥٣٢٩، سنن الدارمي ٢: ٤٠٦، ح ٢٧٦٥.
(١) الحجرات: ٢.
(٢) التوبة: ٣٨.
(٣) الأحزاب: ٥٧.
(٤) التوبة: ٦١.
(٥) المجادلة: ٨.
الصحابة لا يدركون حقيقة النبوّة وما للنبيّ من مكانة في التشريع الإسلاميّ، فتراهم يرفعون أصواتهم على صوت النبيّ صلّى الله عليه وآله(١) ويتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله(٢) ويعترضون على رسول الله في أعماله(٣) ، ويتّبعون ما تمليه عليهم المصلحة التي يتخيّلونها مع وجود النصّ(٤) ، ويفتون بالرأي وهم بحضرته(٥) . وبعض هؤلاء كانوا من الذين يطلبون من رسول الله أن يُغيّر بعض الأحكام تبعاً للمصالح، وهو يقول:( ما يكون لي أن أُبدِّله من تِلقاء نفسي إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يُوحى إليّ ) (٦) ، وسبحانه يؤكّد عليه صلّى الله عليه وآله في أكثر من سورة بمثل قوله تعالى:( ثمّ جعلناكَ على شريعةٍ من الأمر فاتَّبِعْها ولا تَتّبع أهواءَ الذين لا يَعْلَمون ) (٧) . وهؤلاء الصحابة لم يقتصروا على المنافقين ومن أرادوا المصالح من المؤلّفة قلوبهم، بل إنّ الحقائق التاريخيّة وكتب تراجم الصحابة تدلّنا بوضوح على أنّ عدداً آخر منهم كانوا يحملون أفكاراً مغلوطة في التعامل مع نصوص الله. ومع أقوال وأفعال النبيّ صلّى الله عليه وآله خصوصاً، كان ذلك لما يحملون من رواسب وقناعات عرفيّة يؤمنون معها بأنّ النبيّ ما هو إلاّ رجل قائد مجرّب يمكن أن يخطئ ويصيب، فكانوا يعترضون عليه اعتراضات لا توجّه إلاّ لرجل عاديّ، مع أنّ الله سبحانه والسنّة النبويّة نفسها ردعت عن مثل هذه الأفكار.
فقد ثبتت نصوص كثيرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في هذا السياق:
منها قوله صلّى الله عليه وآله لبعض أصحابه: ما لكم تضربون كتاب الله بعضَه ببعض؟! بهذا هلك مَن كان قبلكم(٨) ، وقوله في حديث آخر:أيُتلعَّب بكتاب الله وأنا بين
____________________
(١) انظر صحيح البخاري ٤: ١٨٣٣، باب لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، فتح الباري ٨: ٥٩٠، تفسير القرطبي ١٦: ٣٠٣، تفسير ابن كثير ٤: ٢٠٦، تفسير الطبري ٢٦: ١١٧ - ١١٩.
(٢) انظر تفسير ابن كثير ٢: ٣٥٨، تفسير الطبري ١٠: ١٣٣ - ١٣٤، تفسير البغوي ٢: ٢٩٢.
(٣) صحيح البخاري ٣: ١٣٢١، ح ٣٤١٤، الإحكام لابن حزم ١: ٨٩.
(٤) انظر صحيح مسلم ٢: ٨٩٦، ح ١٢٢٢، مسند أحمد ١: ٥٠، ح ٣٥١.
(٥) سبل الهدى والرشاد ٥: ٥٣، وانظر الأحاديث المختارة ١: ٣٢٥، المعجم الكبير ١: ٧٢ و ٦: ٨٨.
(٦) يونس: ١٥.
(٧) الجاثية: ١٧.
(٨) مسند أحمد ٢: ١٧٨، ح ٦٦٦٨ و ١٨٥، ح ٦٧٤١ و ٢: ١٩٥، ح ٦٨٤٥، فتح الباري ٩: ١٠٠ - ١٠١،
=
أظهركم؟! (١)
وفي ثالث:أبهذا أمرتم؟ أوبهذا بعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنّما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا إنكم لستم ممّا هاهنا في شيء انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به والذي نهيتم عنه فانتهوا (٢) .
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي كرّسها النبيّ صلّى الله عليه وآله لإِبطال ذلك الفهم وإبداله بفهم آخر للنبيّ وعصمته؛ لأنّ المجتمع آنذاك كان لا ينظر النظرة الواقعيّة للنبيّ، بل يعتبره شخصاً عاديّاً يخطئ ويصيب و يسهو وينسى و... فلذلك اعتُرض على النبيّ صلّى الله عليه وآله في أكثر من واقعة وحادثة، كما وقع ذلك الاعتراض حول الصلاة على المنافق، وحول صلح الحديبيّة وغيرهما ممّا فعله النبيّ صلّى الله عليه وآله وبيَّن لهم الصحيح المُنزل من الله سبحانه وتعالى.
والدراسة الوافية لهذه الحالة قادَتْنا إلى أن نصرّح بحقيقة مرّة مفادها: أنّ الكثير من سالكي هذا المسلك لم يرتدعوا ولم ينقادوا لما وُضِّح لهم، بل سعوا وجدّوا في ترسيخ فكرتهم بعد رسول الله، ناسين أو متناسين وصايا الشارع المقدّس.
فمع بداهة عصمة دم مَن شهد الشهادتين، وتأكيد النبيّ صلّى الله عليه وآله على هذا في بدء الإسلام، نرى أُسامة بن زيد يقتل مرداس بن نهيك حين أغارت السريّة على قوم فيهم مرداس، وكان قد أسلم فلم يهرب من السريّة، فلمّا رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلمّا تلاحقوا وكبّروا كبَّر ونزل، وقال: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أُسامة بن زيد وساق غنمه، فأخبروا رسول الله صلّى الله عليه وآله فوجد وجداً شديداً، وقال:قتلتموه إرادة ما معه؟! ثمّ قرأ الآية:( ولا تقولوا لمَن ألقى إليكم السلام
____________________
=
المعجم الأوسط ٢: ٧٩ ح ١٣٠٨، و ٣: ٢٢٧، ح ٧: ١٢٤ ٢٩٩٥، ح ٧٠٥٢.
(١) سنن النسائي (المجتبى) ٦: ١٤٢، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليط، ح ٣٤٠١، ورواة الحديث ثقات كما نص عليه ابن حجر في فتح الباري ٩: ٣٦٢، المبدع ٧: ٢٦٢.
(٢) مسند أحمد ٢: ١٩٥، ح ٦٨٤٥، السنة لابن أبي عاصم ١٧٧: ١، ح ٤٠٦، اعتقاد أهل السنة ٦٢٧: ٤، ح ١١١٩، المعجم الأوسط ٧٩: ٢، ح ١٣٠٨.
لستَ مؤمناً ) (١) .
وأصرح من ذلك ما فعله خالد بن الوليد ببني جذيمة، قال الطبري في أحداث السنة الثامنة من الهجرة:
وفي هذه السنة كانت غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله قد بعث السرايا بعد الفتح فيما حول مكّة يدعون الناس إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال، وكان ممّا بعث خالد بن الوليد، بعثه داعياً ولم يبعثه مقاتلاً... فلمّا نزل خالد ذلك الماء أخذ بنو جذيمة السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإنّ الناس قد أسلموا، فوضعوا السلاح، فأمر خالد بهم فكُتّفوا، ثمّ عرضهم على السيف فقتل منهم من قَتَل، فلمّا انتهى الخبر إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله رفع يديه إلى السماء ثمّ قال:(اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد) ثمّ أرسل عليّاً ومعه مال وأمره أن ينظر في أمرهم، فوَدى لهم الدماء والأموال...(٢)
واستمرّ هذا النهج، وظلّت تلك العقليّة تتحكّم وتؤثّر في الأحداث والأمور حتّى في زمن الشيخين، قال ابن حجر: وكان فيه [ أي في خالد ] تقدّم على أبي بكر، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر(٣) .
ولم يكن أُسامة وخالد قد انفردا بهذا المسار، بل كان ذلك مساراً ومنهجاً عند الكثير من الصحابة الذين كانوا يرتجلون المواقف والآراء، ويعملون بها في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله خلافاً لكتاب الله وسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكانت نسبة المرتئين المجتهدين عند المهاجرين أكثر بكثرة ساحقة ممّا هي عليه عند الأنصار الذين سارت أغلبيّتهم الغالبة وفق نهج التعبّد المحض.
فهؤلاء الأنماط من الصحابة كانوا هم البذور الأوّليّة للاجتهاد والرأي، كما أصبحوا لاحقاً حجر الأساس في منع التحديث والكتابة والتدوين.
____________________
(١) النساء: ٩٤، القصة في تفسير أبي السعود ٢: ٢١٩، وانظر في تفسير الطبري ٢: ٢٢٤، وتفسير الفخر الرازي ١١: ٣، وتفسير الكشاف ١: ٥٥٢، وتفسير ابن كثير ١: ٨٥١ - ٨٥٢.
(٢) انظر تاريخ الطبري ٢: ١٦٤، البداية والنهاية ٤: ٣١٣ - ٣٤١، ٦: ٣٢٣، المنتظم لابن الجوزي ٣: ٣٣١.
(٣) الإصابة ٢: ٢٥٥، ترجمة خالد بن الوليد الرقم ٢٢٠٣.
نعم، إنّ أمثال هؤلاء قد نَهَوا عبدَ الله بن عمرو بن العاص من تدوين حديث رسول الله، وهم الذين أشاعوا أفكاراً وآراءً عُدّت لاحقاً من ضمن شريعة سيّد المرسلين(١) .
موقف الشيخين من المنهجين:
ولمّا كان بحثنا يدور حول بيان سبب منع التحديث والكتابة والتدوين، فالذي يَهُمُّنا هو معرفة موقف الشيخَين من النصوص، وهل كان الشيخان من أنصار التعبّد المحض، أم من أصحاب الاجتهاد والرأي؟ كي يمكن رسم رؤيتنا في المنع على ضوئه، ونحن وإن كنّا لا نحبّذ الدخول في بحوث من هذا النوع، خوفاً من إثارة أُمور طائفيّة نحن في غنىً عنها، إلاّ أنّ الدراسة ألزمتنا بحث هذا الموضوع وغيره، لأنّ تركه يعني كتمان بعض الحقائق وإسدال الستار عليها، وعدم العثور على السبب الحقيقيّ الكامن وراء منع التحديث والكتابة والتدوين، بل تحجيم الفكر والعقيدة وعدم الحرّيّة في إبداء النظريّات والأسباب.
وهذه النقاط هي التي ألزمتنا بعدم ترك هذا الجانب وإن ارتبط بمكانة الشيخين وبعض الصحابة، وإليك بعض النصوص في ذلك:
منها: ما جاء في قصّة الرجل المتنسّك التي رواها أبو سعيد الخدريّ وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم من أعيان الصحابة، واللفظ للثاني، قال: ذكر رجل لرسول الله صلّى الله عليه وآله له نكاية في العدو واجتهاد.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا أعرف هذا!!
قال: بل نعته كذا وكذا.
____________________
(١) منها قولهم إنّ رسول الله خَفِي عليه أمر الوحي حتّى أخبره ورقة بن نوفل بذلك، وهذا يخالف ما جاء في خصائص النبيّ وأنّ خاتم النبوّة مكتوب على كتفه، ومعناه أنّه صلّى الله عليه وآله لا يحتاج إلى شهادة ابن نوفل وغيره على نبوّته!! انظر خبر ورقة في صحيح البخاري ١: ٤ ح ٣، ٣: ١٢٤١ ح ٣٢١٢، ٤: ١٨٩٤ ح ٤٦٧٠، ٦: ٢٦٥١ ح ٦٥٨١.
قال: ما أعرفه!!
فبينما نحن كذلك إذ طلع الرجل، فقال: هذا هو يا رسول الله.
قال: ما كنت أعرف هذا!!، هذا أول قرن رايته في أمتي إنّ فيه لسعفة من الشيطان.
فلمّا دنا الرجل سلّم فرد عليه السلام، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنشدك بالله هل حدّثت نفسك حين طلعت علينا أن ليس في القوم أحد أفضل منك؟
قال: اللّهمّ نعم.
فدخل المسجد فصلّى.
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لأبي بكر: قم فاقتلهُ، فدخل أبو بكر فوجده يصلّي، فقال أبو بكر في نفسه: إنّ للصلاة حرمة وحقاً لو أنّي استأمرت رسول الله صلّى الله عليه وآله، فجاء إليه، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله: أقتلته؟ قال: لا، رأيته يصلّي ورأيت للصلاة حرمة وحقاً إن شئت اقتلهُ، قتلته، قال: لست بصاحبه. اذهب أنت يا عمر فاقتله.
فدخل عمر المسجد فإذا هو ساجد فانتظره طويل، ثم قال في نفسه إنّ للسجود حقاً ولو أنّي استأمرت رسول الله صلّى الله عليه وآله فقد استأمره مَن هو خير منّي، فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله، فقال صلّى الله عليه وآله: أقتلته؟ قال: لا، رأيته ساجداً ورأيت للسجود حقاً وإن شئت أن اقتله، قتلته، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لست بصاحبه، قم يا علي أنت صاحبه إن وجدته.
فدخل فوجده قد خرج من المسجد، فرجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال: أقتلته؟ قال: لا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لو قتل اليوم ما اختلف رجلان من أُمّتي حتى يخرج الدجّال، ثم حدثهم رسول الله عن الأمم، فقال: تفرقت أُمّة موسى على إحدى وسبعين ملّة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنّة، وتفرقت أُمّة عيسى على اثنتين وسبعين ملّة إحدى وسبعين منها في النار وواحدة في الجنّة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: وتعلوا أُمّتي على الفرقتين بملّة، اثنتين وسبعين في النار وواحدة في الجنّة(١) .
____________________
(١) مسند أبي يعلى ٦: ٣٤١، ح ٣٦٦٨، حلية الأولياء ٣: ٢٢٧، سبل الهدى والرشاد ١٠: ١٥٧، وعن أبي سعيد الخدري في مسند أحمد ٣: ١٥، ح ١١١٣٣، البداية والنهاية ٧: ٢٩٩.
فالحقيقة أنّ موقف أبي بكر كان منطلقاً من الاجتهاد وتعرّفه على المصلحة، وهو بحضرته صلّى الله عليه وآله لعدم ارتضائه قتل الرجل، لصلاته وخشوعه! ولم يكن خاضعاً ومتعبّداً بأمر الرسول صلّى الله عليه وآله كما هو بيّن.
وكذا الحال بالنسبة إلى عمر بن الخطّاب، فإنّه قد قدّر المصلحة ولم يرتضِ قتل الرجل مع تأكيد الرسول على قتله بعد سماعه تعليل أبي بكر.
والآن نتساءل: ماذا يعني تأكيد رسول الله صلّى الله عليه وآله على قتل الرجل المتنسّك بعد سماعه تعليل أبي بكر وسبب انصرافه عن تنفيذ أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله بقتله؟!
وهل يجوز أن يأمر رسول الله بقتل المصلّي الخاشع ومن لم يستحقّ القتل؟! وكيف يمكن تصوّر خطِئه صلّى الله عليه وآله والأمر يتعلّق بالنفوس؟!
وإذا جاز قتله أو وجب، لقوله صلّى الله عليه وآله (قم فاقتله) فلِمَ توانى الشيخان عن أمره؟
ألم يكونا يعلمان أنّ الله سبحانه قال:( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١) وقال:( إنَّهُ لَقولُ رسولٍ كريم * ذي قوّة عند ذي العرش مكين * مُطاعٍ ثَمّ أمين * وما صاحبكم بمجنون ) (٢) .
وقال:( وما هو بقولِ شاعرٍ قليلاً ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلاً ما تَذَكّرون ) (٣) .
وقال:( ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى ) (٤) .
إنّ عدم تعبّد الشيخين - في امتثال أمر الرسول - واجتهادهم بالرأي وتعرّفهم على المصلحة وهم بحضرة الرسول لأَمر يجب الوقوف عنده، وهو جدير بالدرس والتحليل.
ومن ذلك: اعتراض عمر على رسول الله في صلح الحديبيّة وقوله له: ألَسْتَ نبيّ
____________________
(١) الحشر: ٧.
(٢) التكوير: ١٩ - ٢٢.
(٣) الحاقّة: ٤٠ - ٤١.
(٤) النجم: ٢.
الله حقّاً؟
قال: بلى.
قال: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟
قال: بلى.
قلت: فلمَ نعطي الدنيّة في ديننا؟
فقال: إنّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري.
قال: أوَ ليس كنت حدَّثتنا، أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى، أفأخبرتُك أنّا نأتيه العام؟!
قلت: لا.
قال: فإنّك آتيه ومطوّف به.
قال عمر: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبيّ الله حقّاً؟
قال: بلى.
قلت: فلمَ نعطي الدنيّة في ديننا إذَنْ؟
قال: أيّها الرجل! إنّه رسول الله، وليس يعصي ربّه، وهو ناصُره، فاستمسك بغرزه فو الله إنّه على الحقّ.
قلت: أليس كان يُحَدِّثنُا، أنّا سنأتي البيت ونطوّف به؟
قال: أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟
قلت: لا.
قال: فإنّك آتيه ومطوّف به(١) .
____________________
(١) الخبر مشهور بل متواتر ورواه أغلب المفسّرين والمؤرّخين، وللتأكيد انظر صحيح البخاري ٢: ٩٧٨، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب...، ح ٢٥٨١ عن طريق المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وفي ٣: ١١٦٢، باب إثم مَن عاهد ثم غدر...، ح ٣٠١١ عن سهل بن حنيف وعنه أيضاً في صحيح مسلم ٣: ١٤١١، باب صلح الحديبية، ح ١٧٨٥، ورواه مختصراً الطبراني في المعجم الكبير من طريق عمر نفسه ١: ٧٢، ح ٨٢، وكذا البيهقي في المدخل ١: ١٩٢، ح ٢١٧، وقال ابن حجر ٥: ٣٤٧
=
فالشكّ في صحّة قول الرسول وعدم الاطمئنان بكلامه صلّى الله عليه وآله واضح في كلام عمر بن الخطّاب، ولا يمكن لأحد أن يماري في ذلك؛ لأنّ تكرار عمر ومعاودة مسائلة أبي بكر، يعني عدم الاطمئنان بما قاله رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقول أبي بكر لعمر (أ يُّها الرجل! إنّه رسول الله وليس يَعصي ربّه) ليؤكّد ذلك الأمر، وكذا تأكيده بلزوم التمسّك بغرزه (فاستمسك بغرزه فو الله إنّه على الحقّ).
ثمّ إنّ عمر ومع سماعه كلام أبي بكر، نراه يصرّ على السؤال ويشكّك للمرّة الثالثة فيقول: (أليس كان يُحَدِّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوّف به...).
فهذا النصّ يوضّح أنّ عمر بن الخطّاب لم يكن من أتباع مسلك التعبّد المحض، فإنّه لو كان من أتباع هذا المسلك لامتثل كلامه صلّى الله عليه وآله، ولما احتاج إلى قول أبي بكر أو غيره من الصحابة ولمّا يشكك، إذ صرح بذلك في قوله: والله ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ.
وثمّة مواقف أُخرى يفهم منها أنّه كان لعمر آراء خاصّة، كان يجدّ في ترسيخها ويلزم بها الصحابة، على الرغم من معرفته بمواقف الرسول منها.
منها: أنّه كان لا يرتضي البكاء على الميّت، وقد ضرب أم فروة بنت أبي بكر لبكائها على أبيها وبعضَ الباكين على رقيّة بنت النبيّ(١) وإبراهيم ابنه بحضرته صلّى الله عليه وآله، دون إعارة أي اهتمام لقول رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ القلب ليحزن والعين لتدمع(٢) ، مشيراً إلى عدم جواز ضرب المصدومين والمنكوبين، بل يجب اتّخاذ أُسلوب الرحمة معهم لا الشدّة والضرب، وقد جاء عنه أنّه صلّى الله عليه وآله مسح عين فاطمة لمّا كانت تبكي على أُختها رقيّة، وأمَرَ نساء الأنصار بالبكاء على عمّه حمزة وقوله صلّى الله عليه وآله(ولكنّ حمزة لا بواكي له) (٣) وقد بكى صلّى الله عليه وآله عليه،
____________________
=
وهو عند البزار عن ابن عمر عن عمر (مسند البزّار ٢٥٤: ١، ح ١٤٨) وعند الواقدي عن ابن عباس قول عمر وعنده من حديث أبي سعيد عن عمر كذلك، وانظر تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي: ٥٨.
(١) مسند أحمد ١: ٢٣٧، ح ٢١٢٧ ١: ٣٣٥، ح ٣١٠٣، طبقات ابن سعد ٣: ٣٩٨، مسند الطيالسي ١: ٣٥١، ح ٢٦٩٤.
(٢) صحيح البخاري ١: ٤٣٩/ ١٢٤١، طبقات ابن سعد ١: ١٣٩، الإصابة ١: ١٧٥.
(٣) المستدرك على الصحيحن ١: ٥٣٧ و ٣: ٢١٥، ح ٤٨٨٣، السنن الكبرى للبيهقي ٤: ٧٠، ح ٦٩٤٦، مصنف ابن أبي شيبة ٣: ٦٣، ح ١٢١٢٧.
وجاء عن عمر أنّه اعترض على رسول الله صلّى الله عليه وآله لمّا أراد أن يصلّي على منافق، وأخذ بثوبه صلّى الله عليه وآله وقال له: أتصلّي عليه وهو منافق؟!(١) ثمّ ندم عمر على ما فعله معه صلّى الله عليه وآله.
ولا تنحصر مواقف عمر بهذه المفردات بل تتعدّاها إلى أبعد من ذلك، فإنّه أنكر على رسول الله أخذه الفداء من أسرى بدر؛ لأنّه كان يرى أن يعمد حمزة إلى أخيه العبّاس فيقتله، ويأخذ عليّ أخاه عقيلاً فيقتله، وهكذا كلّ مسلم له قرابة في أسرى المشركين يأخذ قريبه ويقتله بيده حتّى لا يبقى منهم أحد(٢) .
فأعرض رسول الله عن هذا الرأي تعبُّداً بالوحي الموافق للرحمة والحكمة.
ولمّا كان التاريخ والفقه - في بعض مدارسه - ممّا رسمته ريشة الحُكّام بعد أن اختطّت أُصوله في زمن الشيخين، كان لا بدّ أن نجد من المؤرّخين والمحدّثين مَن ينال مِن رسول الله صلّى الله عليه وآله، كي يبرّر ما فعله الشيخان تجاهه صلّى الله عليه وآله، فيذهب إلى القول بأنّ ما قالاه هو تفسير لما نزل من القرآن في تلك الواقعة، وأنّه نزل قوله تعالى:( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) (٣) في التنديد برسول الله وأصحابه حيث آثروا - حسب زعم هؤلاء - عَرَض الحياة الدنيا على الآخرة فاتَّخذوا الأسرى، وأخذوا منهم الفداء قبل أن يُثخنوا في الأرض، وزعموا أنّه لم يَسْلم يومئذٍ من الخطيئة إلاّ عمر. ونحن لا نريد التفصيل في تفسير هذه الآية، بل نكتفي بما قاله السيّد شرف الدين في ذلك، فقال:
(وكذب مَن زعم أنّه صلّى الله عليه وآله اتّخذ الأسرى وأخذ منهم الفداء قبل أن يثخن في الأرض، فإنّه بأبي وأُمّي إنّما فعل ذلك بعد أن أثخن في الأرض، وقتل صناديد قريش وطواغيتها: كأبي جهل، وعُتبة، وشيبة، والوليد، وحنظلة، إلى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء
____________________
(١) صحيح البخاري ٤: ١٧١٦، ح ٤٣٩٥.
(٢) صحيح مسلم ٣: ١٣٨٥، ح ١٧٦٣، مسند أبي عوانة ٤: ٢٥٥، ح ٦٦٩٢، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٣٢٠، ح ١٢٦٢٢.
(٣) الأنفال: ٦٧.
الضلال، كما هو معلوم بالضرورة الأوّليّه، فكيف يمكن بعد هذا أن يتناوله صلّى الله عليه وآله اللَّوم المذكور في الآية، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً؟!
والصواب أنّ الآية إنّما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودّون العير وأصحابه، على ما حكاه الله تعالى عنهم في هذه الواقعة فقال عزّ من قائل:
( وإذ يعدكم اللهُ إحدى الطائفتَين أنّها لكم وتَوَدُّونَ أنّ غَيْرَ ذاتِ الشوكةِ تكون لكم ويُريدُ الله أن يُحِقّ الحَقَّ بكلماتِه ويَقْطَعَ دابرَ الكافرين ) (١) وكان صلّى الله عليه وآله قد استشار أصحابه، فقال لهم: إنّ القوم قد خرجوا على كلّ صعب وذلول فما تقولون: العير أحبُّ إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدوّ، وقال بعضهم حين رآه صلّى الله عليه وآله مُصرّاً على القتال: هلاّ ذكرت لنا القتال لنتأهّبَ له، إنّا خرجنا للعير لا للقتال! فتغيّر وجه رسول الله فأنزل الله تعالى:
( كَمَا أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيِتكَ بالحَقّ و إنّ فَريقاً مِنَ المؤمنينَ لكارِهُونَ * يُجادلِونَك في الحقّ بعدَما تَبيّنَ كأنّما يُساقون إلى الموت وهُمْ يَنْظُرون ) (٢) .
وحيث أراد الله عزّ وجلّ أن يقنعهم بمعذرة النبيّ صلّى الله عليه وآله في إصراره على القتال، وعدم مبالاته بالعير وأصحابه قال عزّ من قائل:( ما كان لنبيّ ) من الأنبياء المرسلين قبل نبيّكم محمّد صلّى الله عليه وآله( أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض ) .
فنبيُّكم لا يكون له أسرى حتّى يُثْخِنَ في الأرض على سنن غيره من الأنبياء، ولذلك لم يبالِ إذ فاته أسر أبي سفيان وأصحابه( تُرِيدُونَ عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) باستئصال ذات الشوكة، من أعدائه (والله عزيز حكيم) والعزّة والحكمة تقتضيان يومئذ اجتثاث عزّ العدوّ و إطفاء جمرته، ثمّ قال تنديداً بهم وتهديداً لهم( لو لا كتاب من الله سبق ) في علمه الأزليّ بأن يمنعكم من أخذ العير وأسر أصحابه لأسرتم القوم وأخَذْتُم عيرهم، ولو فعلتم ذلك( لَمَسّكم فيما أخَذْتُم ) قبل أن تثخنوا في الأرض( عذاب عظيم ) (٣) هذا معنى الآية الكريمة وحاشا الله أن يريد منها ما ذكره أُولئك الجهلاء(٤) .
____________________
(١) الأنفال: ٧.
(٢) الأنفال: ٥ - ٦.
(٣) الأنفال: ٦٧ - ٦٨.
(٤) الفصول المهمّة: ١١٣.
وقال كذلك: ولهم في أُحُد حالات تشهد بما قلناه، وذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد استقبل المدينة في هذه الغزوة وترك أُحداً خلف ظهره وجعل الرُّماة وراءه، وكانوا خمسين رجلاً أمَّرَ عليهم عبد الله بن جبير؛ وقال له - فيما نَصَّ عليه المُؤِّرخون والمُحدِّثون كافّة -: انضح عنّا الخيل بالنَّبل لا يأتونا من خلفنا واثبتْ مكانك إن كانت لنا أو علينا.
وحضّهم على ذلك بما لا مزيد عليه، وشدّد عليهم الأمر في طاعة أميرهم عبد الله بن جبير، لكنّهم وا أسفاه لم يتعبّدوا يؤمئذٍ بأوامره ونواهيه صلّى الله عليه وآله ترجيحاً لآرائهم عليه، وذلك حيث حمي الوطيس واشتدّ بأس المسلمين على فيالق المشركين وعلى أصحاب لوائهم، فقتلهم أمير المؤمنين واحداً بعد واحد، وبقي لواؤهم مطروحاً على الأرض لا يدنو منه أحد، فانكشف الكفّار حينئذٍ عن المسلمين هاربين على غير انتظام، ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون ما تركوه من أسلحة وأمتعة وذخائر ومؤن، فلمّا نظر الرماة إلى المسلمين وقد أكبّوا على الغنائم دفعهم الطمع في النهب إلى مفارقة محلّهم الذي أُمروا أن لا يفارقوه، فنهاهم أميرهم عبد الله بن جبير؛ عنه فلم ينتهوا، وقالوا: ما مقامنا ها هنا وقد انهزم المشركون؟! فقال عبد الله: والله لا أجاوز أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله، وثبت مكانه مع أقلّ من عشرة، فنظر خالد بن الوليد المخزوميّ إلى قلّة مَن في الجبل من الرُّماة فكرّ بالخيل عليهم ومعه عكرمة بن أبي جهل فقتلوهم ومَثَّلوا بعبد الله بن جبير فأخرجوا حشوة بطنه وهجموا على المسلمين وهم غافلون، وتنادوا بشعارهم يا للعزّى يا لهبل!... إلى آخر أخبار واقعة أُحد(١) .
ومن الطريف هنا أن أُشير إلى نكتة قال بها أنصار مدرسة (اجتهاد النبيّ) و(اجتهاد الصحابة)، وهي: إنَّ للمجتهد أجرين إن أصاب الواقع، وأجراً إن أخطأ، فإنّهم ومع قولهم بهذا يذهبون إلى أنّ الله عاتب رسوله لأخذ الفداء على أسرى بدر، فإن كان
____________________
(١) الفصول المهمّة: ١١٦.
رسول الله صلّى الله عليه وآله قد اجتهد في هذه المسألة - حسب زعمهم - وأنّ المجتهد مأجور، فما معنى بكائه صلّى الله عليه وآله وقرب العذاب منه وقوله صلّى الله عليه وآله (إنّ العذاب قَرُبَ نُزوله، ولو نزل لَما نَجا منه إلاّ عمر)(١) .
بهذا فقد عرفنا: أنّ من بين الصحابة مَن كان يعتدّ برأيه قبال قول النبيّ وفعله، فيسعى جادّاً لتصحيح فعل النبيّ! مُذكِّراً إيّاه صلّى الله عليه وآله بخطِئهِ وأنّ ما فعله يخالف شريعة السماء، والعياذ بالله!
وهناك - في الاتّجاه المقابل - جماعة آخرون من الصحابة يعتقدون بلزوم امتثال أوامر الرسول، وعدم جواز مخالفة قول النبيّ وفعله وتقريره؛ لاعتقادهم بقوله تعالى:( ما كان لهم الخيرة..... ) (٢) .
وفي الذكر الحكيم الكثير من الآيات التي توضّح هذا المعنى، منها قوله تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) (٣) .
وقوله تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (٤) .
وعن الزبير بن العوام في تفسير قوله:( واتّقوا فتنة ) :... ونحن مع رسول الله وما ظننّا أنّا خُصصنا بها خاصّة(٥) .
وعنه أيضاً: لقد قرأنا هذه الآية زماناً وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيّون بها(٦) .
____________________
(١) المستصفى للغزالي: ١٧٠ و ٣٤٧، الإحكام للامدي ٤: ١٧٣ و ٢٢١، المبسوط للسرخسي ٥: ٤٧٥، شرح فتح القدير ٥: ٤٧٥، وغيرها من المصادر.
(٢) القصص: ٦٨.
(٣) النور: ٦٢.
(٤) الأنفال: ٢٤ - ٢٥.
(٥) تفسير ابن كثير ٢: ٤٨٨ - ٤٨٩.
(٦) تفسير ابن كثير ٢: ٣٠٠.
وقال السدّيّ: نَزَلت في أهل بدر خاصّة، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا(١) .
ومن تلك الأمور التي عدّت من المصلحة وتَعَرَّفها الخليفة عمر بن الخطّاب وهو بحضرة الرسول هو ما وقع عند موته صلّى الله عليه وآله وقوله صلّى الله عليه وآله: ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً، فقال عمر: إنّ الرجل ليهجر، حسبنا كتاب الله(٢) .
وأودّ هنا أن أُلفت نظر القارئ إلى نكتة في هذه المسألة وهي: أنّ طلب الدواة والكتف من أجل الكتابة كانت بأمر من النبيّ صلّى الله عليه وآله لئلا تضلّ أُمّته من بعده. وقد رأيت مخالفة عمر له صلّى الله عليه وآله، وذلك تماماً بعكس ما حدث عند موت أبي بكر، فإنّ أبا بكر أراد عند موته أن يوصي، فذكر بعض الكلمات فأُغمي عليه، فأضاف عثمان بن عفّان اسم عمر كخليفة لأبي بكر، ولمّا أفاق أبو بكر أمضى ما كتبه عثمان(٣) . فتثبيت اسم عمر هنا لم يَعدّوه هجراً، وأمّا تدوين رسول الله صلّى الله عليه وآله كتاباً، كي لا تضلّ أُمّته بعده فهو حسب زعمهم الهجر؟!!
أتسائَلُ: لماذا لا يُرمى أبو بكر بالهجر ورُمي به الرسول؟! في حين كانت حالة أبي بكر لدى احتضاره أشدّ من حالة النبيّ صلّى الله عليه وآله؟! وكيف بهم يأخذون بكلام عمر في تسمية أعضاء مجلس الشورى وهو مريض، ولا يأخذون بكلام رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى؟!
ولِمَ انقسموا بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله ولم ينقسموا بين يدي عمر؟ ولماذا لا نسمع أحداً يقول عن الفاروق إنّه قد هَجَرَ في فعله وقراره، مع لحاظ الفارق بين منزلة عمر ومنزلة النبيّ؟!
ألم يكن من حقّ كلّ مسلم أن يوصي، فَلِمَ وقف عمر بن الخطّاب أمام وصيّة رسول ربّ العالمين إذن؟ فهل هو - والعياذ بالله - أقلّ شأناً من أيّ مسلم عاديّ؟!
إن كان رسول الله لم يوصِ وترك الأُمّة لتنتخب قائدها، فلِمَ يُعَيِّن أبو بكر مَن
____________________
(١) تفسير ابن كثير ٢: ٣٠٠.
(٢) صحيح مسلم ٣: ١٢٥٩، ح ١٦٣٧، مسند أبي عوانة ٣: ٤٧٨، ح ٥٧٦٢.
(٣) انظر تاريخ الطبري ٢: ٣٥٣، مآثر الإنافة ١: ٤٩، المنتظم لابن الجوزي ٦: ١٢٦.
يَخْلفهُ في الأمر؟ أليس هذا الفعل هو مخالفة لسنّة رسول الله؟!
وهل تصدّق أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله ترك أُمّته سدى مع أنّه صلّى الله عليه وآله هو الذي أخبرها بسيرة الأنبياء السالفين في تركهم الأوصياء من بعدهم ليحفظوا أممهم وشرائعهم من الانحراف والتبديل؟!
إنّ سيرة الأنبياء السالفين تدل على لزوم الوصاية، وسيرة نبينا الأكرم لم تنفك عن ذلك، إذ ما كان النبي صلّى الله عليه وآله يترك المدينة المنورة إلاّ ويخلّف عليها مَن يقوم مقامه فيها(١) ، كما أنّ نبي الله موسى عليه السلام لم يذهب لميقات ربّه إلاّ وترك عليهم أخاه هارون(٢) ، فهل من المعقول بعد هذا أن يترك النبي صلّى الله عليه وآله أُمّته هملاً ودون راع؟! خصوصاً إذا لاحظت التصريحات القائلة بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله أراد أن يكتب في ذلك الكتاب أمر الخلافة من بعده، لكي لا يقع فيها الاختلاف(٣) .
وممّا تقدّم ويأتي يستبين لك أنّ الشيخين لم يكونا من المتعبّدين بكلّ ما قاله الرسول، بل كانا يتعرّفان المصلحة وهم بحضرته، وأنّ الروحية القبلية القريشية كانت وراء تشديد هذه الأُمور.
وقد اصطلحنا خلال بحثنا هذا على نهجِ كلِّ مَن أخذ بقول الرسول وامتثل أمره، دون نهج الشاكّ السائل عن العلّة والمصلحة فيه اسم (التعبّد المحض).
وأمّا نهج الذين كانوا يعتدّون بآرائهم ويرون لأنفسهم حقّ التدخّل في الأحكام فقد أطلقنا عليه اسم: (الاجتهاد والرأي)(٤) .
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٢: ٣٦٧، ح ٣٢٩٤، قال الحاكم: الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) صحيح البخاري ٤: ١٦٥٢، ح ٤١٥٤، صحيح مسلم ٤: ١٨٧١، ح ٢٤٠٤، سنن الترمذي ٥: ٦٣٨، ٣٧٢٤.
(٣) صحيح البخاري ١: ٥٤، ح ١١٤، ٣: ١١١١، ٢٨٨٨ و ١١٥٥، ح ٢٩٩٧، ٤: ١٦١٢، ح ٤١٦٨، ٥: ٢١٤٦، ح ٤١٦٨، ٦: ٢٦٨٠، ح ٦٩٣٢، صحيح مسلم ٣: ١٢٥٧، ح ١٦٣٧، ٣: ١٢٥٩، ح ١٦٣٨، شرح النووي على مسلم ١١: ٨٩، الديباج على مسلم للسيوطي ٤: ٣٣٠.
(٤) للمزيد انظر كتابنا تاريخ الحديث النبوي، المؤثرات في عهد أبي بكر.
وكان كلا الاتّجاهين قائماً في عهد الرسول ثمّ من بعده، فلو أخذنا حكم صيام الدهر مثلاً، لرأينا البعض من الصحابة يصومه غير مُبالٍ بتكرار النهي عن النبيّ فيه، وقوله:(مَن صام أوّل الشهر ووسطه وآخره كأنَّما صام الدهر) (١) .
نعم، إنّ من بين الصحابة مَن كان يصوم الأيّام الثلاثة في كلّ شهر امتثالاً لأمر الرسول صلّى الله عليه وآله؛ كي يحصل على فضيلة صيام الدهر، ومنهم مَن كان يصومها في جميع الأيّام مع سماعه نهي رسول الله صلّى الله عليه وآله عن ذلك.
وكذا الحال بالنسبة إلى نحر الإبل وأكل لحومها يوم تبوك، فمع إجازة النبيّ لنحرها برز هناك من الصحابة مَن أنكر نحرها(٢) .
ومثله الحال بالنسبة إلى غزوة أُحد، فالنبيّ صلّى الله عليه وآله لمّا هجم عليه خمسة من المشركين، فأصاب أحدهم جبهته، وكسر آخر رباعيّته، وفَكَمَ ثالث وَجْنَتَهُ. الخ، لم يرتضِ النبيّ صلّى الله عليه وآله إعلام المشركين بأنّه حيّ لم يمت كي لا يعاودوا الكرّة على المسلمين، فلمّا عرف كعب بن مالك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله، حيّ نادى: يا معشر المسلمين! أبشروا هذا رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يُقتل، فأشار إليه النبيّ صلّى الله عليه وآله أن أنْصِت، مخافة أن يسمعه العدوّ فيثب عليه، فسكت الرجل.
ثمّ أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أفي القوم محمّد؟
فقال رسول الله: لا تجيبوه، مرتين؛ مخافة أن يعرف أنّه حيّ فيشدَّ عليه بمن معه من أعداء الله ورسوله.
ثمّ نادى: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمّد؟
فقال عمر: اللّهمّ لا، وإنّه والله لَيسمع كلامك الآن.
____________________
(١) صحيح البخاري ٢: ٦٩٧، باب حق الجسم في الصوم، ح ١٨٧٤، وصحيح مسلم ٢: ٨١٢، باب النهي عن صوم الدهر، ح ١١٥٩، صحيح ابن حبان ٢: ٦٥، باب ذكر الأمر للمرء بإتيان الطاعات على رفق، ح ٣٥٢.
(٢) صحيح مسلم ١: ٥٦، باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطع، ح ٢٧، مسند أحمد ٣: ١١، ح ١١٠٩٥، مسند أبي عوانة ١: ٧، مسند أبي يعلى ٢: ٤١٢، ح ١١٩٩.
فقال أبو سفيان: أنت أصدق من ابن قصيئة وأبر(١) .
نعم، أجاب عمر أبا سفيان مع تأكيد الرسول على عدم إجابته ونهيه عنه، وما كان فعل عمر إلاّ لكونه تأوّل فأخطأ!
وكذا الحال بالنسبة إلى قسمة قسمها رسول الله من الصدقات، فأتاه عمر قائلاً: يا رسول الله! لَغير هؤلاء أحقّ منهم؛ أهل الصفة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّكم تخيروني بين أن تسألوني بالفحش، وبين أن تبخلوني ولست بباخل(٢) .
وفي البخاريّ: قال عبد الله: قَسَمَ النبيُّ قسمةً كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: والله إنّها لقسمة ما أُريدَ بها وجه الله. قلت: أ مّا لأقولن للنبيّ، فأتيته وهو في أصحابه فساررته، فشقّ ذلك على النبيّ وتغيّر وجهه وغضب حتّى وددت أنّي لم أكن أخبرته، ثمّ قال: قد أُوذي موسى عليه السلام بأكثر من ذلك فصبر؟!(٣) .
وعن طلحة وصحابي آخر - هو عثمان على التحقيق برواية السدي - أنّهما قالا: أينكح محمّد نساءنا إذا متنا ولا ننكح نساءه إذا مات؟! لو مات لقد أجلنا على نسائه بالسهام(٤) . وبمثل قول طلحة في نص آخر (لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة)(٥) .
____________________
(١) سيرة ابن إسحاق ٣: ٥١٣، تاريخ الطبري ٢: ٧١، ثقات ابن حبان ١: ٢٣٢، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ٢: ٨٠.
(٢) صحيح مسلم ٢: ٧٣٠، باب إعطاء من سئل بفحش وغلظة، ح ١٠٥٦، ومثله في مسند أحمد ١: ٢٠، ح ١٢٧ و ١: ٣٥، ح ٢٣٤، معجم الصحابة لابن قانع ١: ٢٨٦.
(٣) صحيح البخاري ٥: ٢٢٦٣، كتاب الآداب، باب الصبر على الأذى، ح ٥٧٤٩، الأدب المفرد ١: ١٤١، باب الصبر على الأذى، ح ٣٨٩، مسند أحمد ١: ٤١١، ح ٣٩٠٢ و ٤٤١، ح ٤٢٠٤.
(٤) تفسير القرطبي ١٤: ٢٢٩، روح المعاني ٢٢: ٧٤، وقد زاد قائل: ورأيت بعض الأجلة أن طلحة الذي قال ما قال.
(٥) تفسير الرازي ٢٥: ٢٢٥، تفسير القرطبي ١٤: ٢٢٩، تفسير ابن كثير ٣: ٥٠٦، الدر المنثور ٦: ٦٣٩، تفسير البغوي ٣: ٥٤١، معاني القرآن للنحاس ٥: ٣٧٣، روح المعاني ٢٢: ٧٣، غاية السؤل في سيرة الرسول: ٢٢٣، السيرة الحلبية ١: ٤٤٨، طبقات ابن سعد ٨: ٢٠١، زاد المسير ٦: ٤١٦، غوامض الأسماء المهمّة لابن شكوال ٢: ٧١٢، وروى السدي بان عثمان قال هذه المقولة كذلك (انظر دلائل الصدق ٣: ٣٣٧ - ٣٣٩).
وكان طلحة يريد عائشة، وعثمان يريد أُمّ سلمة، وكانا يريدان بفعلهما إيذاء الرسول، فأنزل سبحانه قوله:( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ الله عَظِيمًا ) (١) . وقوله تعالى:( إن تُبدوا شيئاً أو تخفوه فإنّ الله كان بكل شي عليماً... ) (٢) . وقوله تعالى:( إن الذين يؤذون الله ورسوله لَعَنهم اللهُ في الدنيا والآخرة وأعدَّ لهم عذاباً مهيناً ) (٣) . وقوله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (٤) .
ومن تلك النصوص الكثيرة ما أخرجه البخاريّ في كتاب الآداب: أنّ النبيّ رخّص في أمر فتنزّه عنه ناس، فبلغ النبيّ فغضب ثمّ قال: ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه، فو الله إنّي لأعلمُهم وأشدُّهم خشية(٥) .
وبهذا فقد عرفنا أنّ القرآن قد صرّح بوجود رجال من الصحابة يَلْمِزُونَهُ في الصدقات(٦) ، وبينهم مَن إذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوه صلّى الله عليه وآله قائماً(٧) ، ومنهم من يؤذي الرسول،(٨) ومنهم من يتخلّف عن الجهاد(٩) ، ويرفع صوته على صوت الرسول ولا يمتثل أمره(١٠) و... ومنهم مَن رمى فراش الرسول بالإفك(١١) ، ومنهم
____________________
(١) الأحزاب: ٥٣.
(٢) الأحزاب: ٥٤.
(٣) الأحزاب: ٥٧.
(٤) الأحزاب: ٦.
(٥) صحيح البخاريّ ٥: ٢٢٦٣، كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعقاب، ح ٥٧٥٠، ٦: ٢٦٦٢، باب ما يكره من التعمق والتنازع بالعلم...، ح ٦٧٦٩، معتصر المختصر لأبي المحاسن ١ ٩٧.
(٦) التوبة: ٥٨.
(٧) الجمعة: ١١.
(٨) الأحزاب: ٥٣ - ٥٧.
(٩) التوبة: ٣٨ - ٨٦.
(١٠) الحجرات: ١ - ٦، وانظر صحيح البخاري ٤: ١٥٨٧، باب وفد بني تميم، ح ٤١٠٩، ٦: ٢٦٦٢، باب ما يكره من التعمق والتنازع بالعلم...، ح ٦٨٧٢.
(١١) النور: ١١.
مَن تواطئوا على اغتيال رسول الله ليلة العقبة(١) .
ومنهم مؤمنون يتّبعونه على أمرٍ جامع، مطيعين لأوامره منتهين عن نواهيه، غير مخالفين لحكمه صلّى الله عليه وآله، فحنظلة (غسيل الملائكة) لم يتخلّف عن المعركة إلاّ بعد حصوله على إجازة من الرسول في البقاء عند زوجته ليلة الزفاف(٢) ، في الوقت نفسه نرى تخلُّف عدد كثير من الصحابه عن الجهاد دون استئذان أو...
ألا يعني موقف حنظلة (غسيل الملائكة) أنّه كان من أتباع التعبُّد المحض، وأنّ الآخرين من أتباع الاجتهاد والرأي والمصلحة؟
وممّا يخطر بالبال: أنّ النبيّ وبتأكيده على بعض المفردات، كان يريد امتحان رجال معنيين من أُمّته، فما قصّة الرجل المتنسّك ذي الثديّة، وطلب تدوين كتاب عند موته صلّى الله عليه وآله، وتأمير أُسامة بن زيد - وهو شابّ لم يتجاوز الثامنة عشرة - على رجال أمثال أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، إلاّ نقاط جديرة بالوقوف عندها.
ونحن أطلقنا على الآخرين اسم الاجتهاد والمصلحة؛ نظراً إلى استخدامهم تلك العبارات في تبرير مخالفاتهم بها، فإن قيل لهم: لِمَ تخلّف فلان عن الجهاد؟ قالوا: تعرَّف المصلحة ولأجلها تخلَّف، أو تأوَّل فأخطأ، أو اجتهد، ولكلّ مجتهد إن أصاب أجران و إن أخطا أجر واحد و...
ويبدو لنا أنّ غالب المسائل المطروحة سابقاً كانت بمثابة الامتحان الإلهيّ لهؤلاء
____________________
(١) التوبة:٧٤، وانظر شرح النووي على مسلم ١٧: ١٢، المعجم الأوسط ٤: ١٤٦، ح ٣٨٣١، ٨: ١٠٢، ح ٨١٠٠، الأحاديث المختارة ٨: ٢٢١، ح ٢٦٠ وقال إسناده صحيح، مجمع الزوائد ١: ١٠٩، باب منه في المنافقين، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، البداية والنهاية ٥: ٢٠، وقد رواه مسلم مختصراً في صحيحه ٤: ١٢٤، باب صفات المنافقين، ح ٢٧٧٨ و ح ٢٧٧٩، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٩٨، باب ما يحرم به الدم من الإسلام، مسند أحمد ٤: ٣١٩، مسند البغوي ٢: ٣٠٧.
(٢) صحيح ابن حبان ٤: ١٥، ح ٧٠٢٥، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٢٢٥، ح ٤٩١٧، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، السنن الكبرى للبيهقي الكبرى ٤: ١٥، باب المجنب يستشهد في المعركة، ح ٦٦٠٥ تحفة المحتاج ١: ٦٠٢، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة ١: ٣١٠، الترجمة رقم ١٠٨٠ لحنظلة بن أبي عمر، السيرة الحلبية ٢: ٥٢٥، تاريخ الطبري ٢: ٦٩.
الصحابة ولتمييز المؤمن المتعبّد من غيره؛ لأنّ الثابت في الشريعة هو لزوم إطاعة أوامر الرسول والانتهاء عن نواهيه، وليس للمؤمنين الخِيَرة في أمرهم، ولم يختصّ الامتثال ولزوم الطاعة فيما صدر بالتبليغ والأحكام الشرعيّة حسب، بل هو حكم مطلق عامّ شامل؛ فإنّ حكم الآية بل الآيات النازلة في ذلك مطلق وليس فيه قيد التبليغ وتبيين الأحكام( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (١) وبه يلزم أن يسلِّم المؤمن بما قضى به الرسول ولا يجوز له التخلُّف عمّا أمر به.
وعليه فمن المحتمل القريب أن تكون رزيّة يوم الخميس بعد طلب النبيّ صلّى الله عليه وآله الكتف والدواة وامتناع عمر من جلبهما للنبيّ صلّى الله عليه وآله، ثمّ رميه بالهجر إنّما كان - مضافاً إلى هداية الأُمّة التي هي مضمون الكتاب - لأجل أن يتعرّف الآخرون على موقف هؤلاء الصحابة من رسول الله، وكذا الحال بالنسبة إلى تأميره أُسامة بن زيد وهو ابن ثمان عشرة سنة على رجال كبار السن أمثال أبي بكر وعمر، فإنّها جاءت لمعرفة المطيع والمتخلّف!
فجاء عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال:(أيّها الناس، ما مقالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة؟! ولئن طعنتم في تأميري أُسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبل) (٢) .
فاتَّضح جليَّاً وجود اتّجاهين في عصر الرسول، أحدهما يُشَرِّع المصلحة ويقول بالرأي قبال نصّ الرسول، ولا يتعبَّد بقوله بل يعترض على فعله صلّى الله عليه وآله، ويتعرّف المصلحة مع وجود النصّ، كما رأيت في كثير من القضايا التي ذكرناها.
وهناك رجال يتعبّدون بقوله صلّى الله عليه وآله، ويرتضون المبيت على فراشه ليدرؤوا بأنفسهم الخطر عن رسول الله! وقد تبيّن أنّ الشيخين كانا من أتباع نهج الاجتهاد والرأي.
____________________
(١) الأحزاب: ٣٦.
(٢) صحيح البخاري ٤: ١٥٥١، باب غزوة زيد بن حارثة، ح ٤٠٠٤، صحيح مسلم ٤: ١٨٨٤، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، ح ٢٤٢٦، مسند أحمد ٢: ٢٠، ح ٤٧٠١.
تحليلٌ واستنتاج
إذا اتّضح ذلك؛ نقول: إنّ الخليفة عمر بن الخطّاب قد حَدَّد سبب نهيه عن التدوين - النابع عن عدم التعبّد المحض - بأمرين:
أحدهما: التأثّر بأهل الكتاب.
والثاني: الخوف من الأخذ بأقوال الرسول وترك القرآن.
لكنّ ابن حزم استبعد أن يكون نهي عمر قد تعلَّق بالسُّنَّة النبويّة، وحمَلَ نهيه على خصوص الأخبار عمَّن سلف من الأمم السابقة.
فقال:... وإنّما معنى نهي عمر رضي الله عنه من الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، لو صحّ فهو بيّن في الحديث الذي أوردناه من طريق قرظة(١) ، و إنّما نهى عن الحديث بالأخبار عمَّن سلف من الأمم وعمّا أشبه.
وأمّا بالسنن عن النبيّ صلّى الله عليه وآله فإنّ النهي عن ذلك هو مجرّدٌ، وهذا ما لا يَحِلُّ لمسلم أن يظنّه بِمَنْ دون عمر من عامّة المسلمين، فكيف بعمر رضي الله عنه. ودليل ما قلنا: إنّ عمر قد حدّث بحديث كثير عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، فإن كان الحديث عنه عليه السلام مكروه، فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب، ولا يحلّ لمسلم أن يظنّ بعمر أنّه نهى عن شيء وفعله...(٢) .
واستبعد آخرون منهم الدكتور محمّد عجاج الخطيب - تبعاً لابن حزم - أن يكون عمر بن الخطّاب قد منع الصحابة من التحديث، أو أنّه سجن ابن مسعود وغيره، لعدم قبول العقل صدور ذلك من خليفة كعمر بن الخطّاب!(٣) .
لكنّ الواقف على مُجريات الأحداث في الصدر الأوّل يعرف سُقم كلام ابن حزم ومَن تبعه من الأعلام، وبُعده عن الواقع؛ لأنّ توارد الروايات عن عمر بالمنع ممّا لا
____________________
(١) مفاد الحديث: أنّ عمر أرسل قرظة بن كعب مع مجموعة من الصحابة وفداً إلى الكوفة، فأمرهم بالإقلال من الحديث، فقال لهم: أقلّوا الرواية عن رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وأنا شريككم.
(٢) الإحكام في أُصول الأحكام ٢: ٢٦٦، وقد ذهب الدكتور امتياز أحمد في دلائل التوثيق المبكر: ٢٣٠ إلى صحّة أخبار الحبس.
(٣) السنّة قبل التدوين: ١٠٦ - ١٠٧.
يمكن إنكاره أو دفعه. وقد وردت روايات المنع مطلقة لم تخصّ صحابيّاً دون آخر، ولا نوعاً من الحديث دون نوع آخر، بل ثبت أنّ عمر كان شديد العنف على الُمحَدّثين والكاتبين للحديث، وهذا ممّا لا ينكره إلاّ مُكابر، فلذلك راح ابن حزم ومن حذا حذوه يختلقون الأعذار ويضعون المبرّرات لفعل الخليفة، ولم يكن عندهم أكثر من مجرّد الاستبعاد والاستغراب الذي لا يقوم على أساس علميّ.
وأمرُه قُرْظة وأصحابه بالإقلال من الرواية عن النبيّ لا يخلو من وجهين:
الأوّل: أن يكون الخليفة عمر بن الخطّاب يتّهمهم جميعاً بالكذب على الرسول.
الثاني: أن يكون الخليفة قد أمر بكتمان ما أنزل الله على لسان نبيّه.
وهذان الوجهان لا يلتزم بهم، ولا بواحد منهما ابن حزم وأتباعه، وإن كنّا نميل إلى الأوّل منهما - مع ضميمة شي آخر معه - بقرينة اتّهام عمر لعمّاله ومُشاطرته أموالهم، وبملاحظة سيرته؛ من شدّته على الصحابة وضربه إيّاهم، فمُجمل سيرة عمر مع الصحابة تدلّ بوضوح على أنّه كان لا يثقُ بالصحابة، وأنّه كان يجابههم بأنواع الكلام اللاذع، وكان يظهر معايبهم على ملأ من المسلمين.
وعلى كلِّ حال، فإنَّ ابن حزم ومَن جرّ جرّه لا يرتضي هذين الوجهين؛ لذلك اضطرّوا إلى حمل نهي عمر على النهي عن التحديث بأخبار الأمم السالفة، وهذا حَمْلٌ تَبَرّعيّ لم يدلّ عليه دليل من روايات منعه؛ لأنّها جميعاً مطلقة، ولأنّ سيرته في المنع أعمّ من هذا التخصيص، ولأنّ قسوته بلغت حدّاً لا يفرّق بين التحديث بالسنّة أو بأخبار الأُمم، حتّى أنّه منع عمّاراً في تحديثه بواقعة قطعيّة وقعت له في زمن النبيّ - التيمّم - كان عمر نفسه شاهِدَه.
وعليه، فالخبر لا يمتّ بصلةٍ إلى ما قيل عن الأمم السالفة إلاّ بنحوِ عناية، وهي أحدى البواعث التي نذهب إلى أنّها أثّرت في منع الخليفة عمر بن الخطّاب عن التحديث والكتابة والتدوين. وذلك يتّصل بخلفيّات نفسيّة الخليفة عمر، إذ الثابت عنه أنّه كان قد واجه منعاً نبويّاً صارماً من كتابة كتب أهل الكتاب على عهد رسول الله،
وذلك بعد أن نهاهُ صلّى الله عليه وآله عن تتبّعه لأخبار اليهود، وتحديثه بها في بدء الدعوة، فيحتمل أن يكون نهيه اليوم هو نتيجة ردّة فعل سلبيّة مُني بها من عهد الرسول، فصار عمر يكره التحديث والتدوين بشكل مطلق، سواء كان من سنّة النبيّ أو غيره، وسواء كان من صحيح ما ورد من أخبار الأُمم السالفة أو سقيمه، فقد ورد عن خالد بن عرفطة أنّ عمر قال: انطلقتُ أن... فانتسخت كتاباً من أهل الكتّاب ثمّ جئت به في أديم.
فقال لي رسول الله: ما هذا في يدك يا عمر؟
قلت: يا رسول الله، كتاب انتسخته لنزداد به علماً إلى علمنا.
فغضب رسول الله حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ نودي بـ (الصلاة جامعة)، فقالت الأنصار: أُغضِبَ نبيّكم! السِّلاح السِّلاح، فجاؤوا حتّى أحدقوا بمنبر رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فقال صلّى الله عليه وآله:(يا أيّها الناس! إنّي قد أُوتيت جوامع الكَلِم وخواتيمه، واخْتُصِرَ لي اختصاراً، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة، فلا تَتَهوَّكوا (١) ولا يغرّنكم المُتَهَوِّكون) .
قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبك رسولاً، ثمّ نَزَل رسول الله صلّى الله عليه وآله(٢) .
وفي آخر عن عبد الله بن ثابت، قال: جاء عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول الله! إنّي مررت بأخٍ لي من يهود، فكتب لي جوامع من التوراة، قال: أفلا أعرضها عليك؟
فتغيّر وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال عبد الله [ بن ثابت ]: مَسَخ الله عقلك! ألا ترى ما بوجه رسول الله؟!
فقال عمر: رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمّد رسولاً(٣) .
وقد ثبت أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب وقع منه الاختلاط باليهود، وأنّه كَتَب من
____________________
(١) التهوّك: التحيّر، أو التردّد والسقوط وقول النبي:(أمتهوّكون أنتم في الإسلام...) أي: أمتحيرون أنتم في الإسلام. انظر العين ٤: ٦٤، الصحاح مادة (هوك)، غريب الحديث لابن سلام ٣: ٢٩ وعنهم في لسان العرب ١٠: ٥٠٨، مادة (هوك).
(٢) تقييد العلم: ٥٢.
(٣) المصنّف لعبد الرزّاق ٦: ١١٣، ح ١٠١٦٤، ١٠: ٣١٣، ح ١٩٢١٣، ومجمع الزوائد ١: ١٧٤ وفيه: يا رسول الله! جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق، فتغيّر وجه رسول الله...
كتبهم، وأنّه كان يقرأ ويكتب، فأحبّ ما ورد عنهم، ولم يكن قرأه ليردّ عليه أو يُفنّده، وإنّما قرأه معجَباً به وليزداد علماً إلى علمه؛ لذلك غَضب رسول الله هذا الغضب الشديد؛ لأنّه صلّى الله عليه وآله كان قد حذّر من اليهود، وبَيَّنَ القرآن الكريم في أكثر من سورة مَكرهم وخداعهم، منها قوله تعالى:( يا أيُّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهودَ والنصارى أولياء بعضُهم أولياءُ بعض ومن يَتَولّهم منكم فإنّهُ منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ) (١) .
وقوله تعالى:( لَتجدَنّ أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود... ) (٢) .
فكأنّ الخليفة عمر - بعد هذه الواقعة - حدثت في داخله هزّة عنيفة وردّة فعل سلبيّة، جعلته يتّخذ تلك المواقف القاسية من المحدّثين والمدوّنين، فيحبس هذا و يضرب ذاك، وتراه يؤكّد في منعه (أُمنية كأُمنية أهل الكتاب)، وغيرها.
و يؤكّد هذا ما جاء في أوّل خبر خالد بن عرفطة، آنف الذكر، قال: كنت جالساً عند عمر إذ أُتي برجل من عبد قيس، مسكنه بالسُّوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبديّ؟ قال: نعم.
قال: وأنت النازل بالسوس؟
قال: نعم، فضربه بقناةٍ معه؟
فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟!
فقال له عمر: اجلس، فجلس فقرأ عليه:
( بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آياتُ الكتاب المبين * إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون * نحن نقصّ عليك أحسن القصص ) إلى( لَمِن الغافلين ) (٣) فقرأها عليه ثلاثاً، وضربه ثلاثاً.
فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟!
فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟
____________________
(١) المائدة: ٥١.
(٢) المائدة: ٨٢.
(٣) يوسف: ١ - ٣.
قال: مُرْني بأمرك أتّبِعْه؟
قال: انطلقْ فامْحُه بالحميم والصوف الأبيض، ثمّ لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني عنك أنّك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنّك عقوبة. ثمّ قال: اجلس، فجلس بين يديه، وعند ذلك نقل له قصّته المارّة مع رسول الله، فقال: انطلقتُ أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب... إلى آخره(١) .
والواقع أنّ المنع في هذه الرواية - إن لم يكن الناسخ يريد بيان بطلان المنتسخ أو الإجابة عليه - جيّد و صحيح، وهو الأسلوب الصحيح لو اقتُصر عليه، لكنّ المأسوف له أنّ التدوين قد لحقه من الاجتهاد والرأي شيء غير قليل من التدخّل الذي أربك مسيرته ومحتواه.
وقد حدَثت مثل هذه الردّة السلبيّة عند أُسامة بن زيد حين قتل امرءاً مسلماً؛ لأنّه ظنّ أنّه أسلم خوفاً من السيف، فرجَع أُسامة وقد نَزَل قوله تعالى:( ولا تقولوا لِمَنْ ألقى إليكم السلام لستَ مُؤمناً تبتغون عَرَضَ الحياة الدنيا... ) ؟(٢) فصار أُسامه متخوّفاً وَجِلاً حتّى امتنع من الخروج والقتال مع عليّ بن أبي طالب ضدّ الناكثين والقاسطين والمارقين؛ متذرّعا بذريعة أنّه لا يقتل المسلمينَ، متناسياً الآيات والسيرة النبويّة والأحاديث وإجماع الصحابة على قتل الزاني المحصن المسلم، والمنكر ضروريّة من ضروريّات الدين من المسلمين، وقتل الباغي من المسلمين و...، تناسى كلّ ذلك ورأى واجتهد في عدم جواز قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وعمل طبق ذلك وإن كان اجتهاده مخالفاً للكتاب والسنّة!!
فإذا جَمَعْتَ هذا مع اتّهامه الصحابة بالخيانة والكذب، وتهديده وسجنه جماعة من المحدّثين، وضربه آخرين...
إذا جمعت هاتين المقدّمتين عرفت سرّ إباحة الخليفة عمر التَّحديث لنفسه ومنعه
____________________
(١) تفسير ابن كثير ٢: ٤٦٨، الأحاديث المختارة ١: ٢١٦، ح ١١٥.
(٢) النساء: ٩٤.
الآخرين منه. فهو يرى لنفسه الأهليّة الكاملة والحقّ المطلق في ذلك لأنّه خليفة، ولا يرى ذلك للآخرين؛ لأنّهم موضع للشَّكّ وعدم الاطمئنان، أو أنّهم معرّضون للخطأ والزلل.
على أنّ السيرة العملية لعمر بن الخطاب تكذّب ابن حزم في تعليله؛ لأنّا نرى عمر كان مولعاً بأخبار أهل الكتاب، ومَن أسلموا من اليهود وظلّت عندهم التوراة، وخصوصاً كعب الأحبار، فإنّه أتى عمر بن الخطاب بكتاب قد تشرّمت نواحيه فيه التوراة فاستأذنه أن يقرأه(١) ، فأجازه عمر أن يقرأه آناء الليل والنهار(٢) ، فلم يأمره بمحوه ولا حرقه ولا ردعه عن ذلك.
ولمّا فتح بيت المقدس، قال له كعب: إنّه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة، فقال: أبشري أورى شلم عليك عليك الفاروق ينقّيك ممّا فيك(٣) .
وفي رواية أنّه قال له: إنّه مكتوب في التوراة أنّ هذه البلاد التي كان بنو إسرائيل أهلها مفتوحة على رجُلٌ من الصالحين، فحمد الله على ذلك(٤) .
وقال كعب لعمر: إنّا لنجدُ (ويل لملك الأرض من ملك السماء) فقال عمر: (إلاّ مَن حاسب نفسه)، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّها في التوراة لتابعته، فكبّر عمر ثم خرّ ساجداً(٥) .
وأدّعى رجلٌ غاب أربعة أيام في القَلْت(٦) أنّه دخل الجنّة، قال: فدعا عمرُ كعبَ الأحبار وقال: أتجد في كتبكم أنّ رجلاً من أُمّتنا يدخل الجنّة ثم يخرج؟ قال: نعم وإن كان في القوم أنبأتك به، فقال عمر: هو في القوم، فتأمّلهم كعب فقال: هذا هو(٧) .
وأرسل عمر إلى كعب فقال له: يا كعب كيف تجد نعتي، قال: أجد نعتك قرن من
____________________
(١) ومعنى النص أنّ كعباً أتى عمر بعد إسلامه وأيام خلافة عمر.
(٢) انظر غريب الحديث لابن سلام ٤: ٢٦٢، وغريب الحديث للحربي ٣: ٩٥، والنهاية الأثيرية ٢: ٤٦٨.
(٣) انظر تاريخ الطبري ٤: ١٦٠.
(٤) انظر تاريخ دمشق ٥٠: ١٦٢.
(٥) كنز العمّال ١٢: ٥٧٥، ح ٣٥٧٩٧.
(٦) القَلْْت: نقرة في الجبل تمسك الماء.
(٧) انظر معجم البلدان ٤: ٣٨٦.
حديد، قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة، قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون البلاء(١) .
وظل يستشير كعباً في أخطر أمرٍ من الأمور وهو الخلافة، فسأله عن خلافة علي قائلاً له: فما تقول في عَليّ أشِرْ عَلَيَّ برأيك: فقال كعب: أمّا طريق الرأي فإنّه لا يصلح، إنّه رجل متين الدين لا يغض على عورة ولا يحلم عن زلة ولا يعمل باجتهاد رأيه(٢) .
وجاء كعب إلى عمر ليُنبِئَه عبر التوراة بمقتله، فقال له: يا أمير المؤمنين اعهد فإنّك ميت في ثلاثة أيّام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله التوراة(٣) .
هذا كلّه، يضاف إليه أنّ البخاري روى ما يفنّد التعليل المطروح، حيث روى جواز التحديث عن بني إسرائيل، فقد روى عن أبي هريرة أنّه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبونهم وقولوا (آمنّا بالله وما أنزل إلينا وما انزل إليكم...)(٤) الآية.
وقال ابن كثير: إنّ كعب الأحبار لمّا أسلم في زمن عمر كان يتحدّث بين يدي عمر بن الخطاب بأشياء من علوم أهل الكتاب، فيستمع له عمر تأليفاً له وتعجّباً ممّا عنده... فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، ولما جاء الإذن في التحديث عن بني إسرائيل، لكن كثيراً ما يقع ممّا يرويه غلط كبير وخطأ كثير(٥) .
فلم يبق عذر لابن حزم في التمحُّل واختلاق الأعذار وتوجيه ما وقع فيه الخليفة عمر بن الخطّاب.
وقد بيّنا وجه ما وقع فيه الخليفة للباحثين، مع أنّنا لسنا بمسؤولين عن تهافت الخليفة، واختلاف فعله مع قوله، بعد ثبوت ذلك عنه بلا خلاف.
____________________
(١) المعجم الكبير ١: ٨٤، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٦٥ قائلاً: (رواه الطبراني ورجاله ثقات).
(٢) شرح النهج ١٢: ٨١.
(٣) تاريخ الطبري ٣: ٢٦٤.
(٤) صحيح البخاري ٨: ١٦٠.
(٥) البداية والنهاية ١: ١٩.
تبريران آخران
هذا وقد حمل بعضهم نهي عمر عن التحديث والتدوين بقوله:
فهو إذ يطلب الإقلال من الرواية، فإنَّما يطلبُه من باب الاحتياط لحفظ السُّنن والتَّرهيب في الرواية.
وأمّا مَنْ كان يتقن ما يحدَّثُ به، ويعرف فقهه وحكمه فلا يتناوله أمر عمر؟(١) .
إنّ اللبيب ليعجب من مثل هذه الأقوال؛ لأنَّ الاحتياط هنا لا مورد له، إذ المحدِّث إن كان ثقة صدوقاً فلا معنى لمنعه عن التحديث ولا معنى للاحتياط، خاصّة وأنَّ بعض هؤلاء المنهيين من التَّحديث قد ورد فيهم نصّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، يدلّ على جلالة قدرهم وصدق قولهم.
إنّ الاحتياط كلّ الاحتياط هو أن يحثّ الخليفة أمثال هؤلاء على التحديث وتناقل كلّ ما سمعوه وتلقَّوه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ لكي لا تبقى بعض سنّة النبيّ مجهولة للناس، ولكي لا يبقى المسلمون في دوّامة من الجهل بالأحكام.
وأمّا الاحتياط بمعنى احتمال خطأ الراوي أو سهوه أو نسيانه أو... فهذا وارد في كلام الخليفة نفسه، ولا يمكنه إلزام الآخرين دون إلزام نفسه به.
ولا نكاد نقضي العجب ممّن زعم أنّ نهي الخليفة لا يتناول مَن تيقّن ما يحدِّثُ به ويعرف فقهه وحكمه، مع أنّه قد سجن أبا ذرّ وابن مسعود وأبا مسعود الأنصاريّ وأبا الدرداء، ونهى عمّاراً وأبا موسى الأشعري وأمثالهم مع كون أغلبهم من عيون الصحابة والرعيل الأوّل في الإسلام.
وأبعد شيء يقال هنا: هو أنّ النهي والحبس والضرب والمنع لا يتناغم ولا يتلاءم مع نفسيّة عمر، باعتباره خليفة وصحابيّاً كبيراً، فلا بُدّ أن نَرْبأ به عن ارتكاب مثل تلك الأعمال.
إلاّ أنّ الواقع الذي لا يمكن دفعه هو أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب كان معروفاً منذ
____________________
(١) السنّة قبل التدوين: ١٠٥.
زمن رسول الله بالشدّة والغِلظة(١) ، وكذلك في خلافة أبي بكر(٢) . ولمّا انبسطت يده في خلافته راح يحمل الدِّرَّة فيضرب هذا ويُعاقب(٣) ذاك ويسجن ثالثاً(٤) وينفي ويُغرّب رابعاً(٥) وقد دعا الله - أوّل خلافته - أن يلينه(٦) ، ممّا يمكن علاجه بدون ذلك من التهذيب والإرشاد!
وقد نقل لنا المؤرّخون صوراً متعدّدة من أُسلوب الخليفة، حتّى جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد أنّه كان في أخلاق عمر وألفاظه جفاءً وعنجهيّةً ظاهرة(٧) . وأنّه كان شديد الغلظَة، وَعْر الجانب، خشَن الملمس، دائم العبوس، وكان يعتقد أنّ ذلك هو الفضيلة، وأنّ خلافه نقص(٨) .
فلا غرابة ولا بِدْع إذا اتَّخذ الخليفة ذلك الموقف الصارم المتشدّد من مخالفيه في التحديث، خصوصاً بعد ردعه من قِبل النبيّ لاستنساخه كتب اليهود، كلّ ذلك مع لحاظ الروح القبليّة التي كانت طافحةً عليه، مضافاً إلى مساس هذا التحديث بأصل مشروعيّة خلافته.
____________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣: ١٧١، ح ١٣٥٢، حياة الحيوان للدميري ١: ٧١.
(٢) سنن سعيد بن منصور ٥: ١٣٢، باب تفسير سورة الأعراف، ح ٩٤٢، مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٣٥٨، ح ٣٢٠١٣، ٧: ٤٣٤، ح ٣٧٠٥٦، السنة للخلال ١: ٢٧٥، ح ٣٣٧.
(٣) تاريخ الطبري ٢: ٢٧٠، شرح النهج ١: ١٨١، ١٢: ٧٥، مآثر الانافة ٣: ٣٣٩، وفيات الأعيان ٣: ١٤ الترجمة رقم ٣١٧.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٢٩٤، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ١: ١٩٣، ح ٣٧٤، تذكرة الحفّاظ ١: ٧، تاريخ دمشق ٤٠: ٥٠١، معتصر المختصر ٢: ٣٨٠.
(٥) مسائل الإمام أحمد ١: ٤٨٩، الطبقات الكبرى ٣: ٢٨٥، ٢: ٦٠٩، الاستيعاب ١: ٣٢٦، الإصابة ٦: ٤٨٥ الترجمة رقم ٨٨٤٥ و ٦: ١٨٢ الترجمة ٨١٤٢، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة ١: ٢٦٤، تاريخ دمشق ٦٢: ٢٧، تذكرة الحفاظ ٢: ٦٠٩، غريب الحديث لابن قتيبة ٢: ٥٤٤، ٥٤٥، باب حديث عروة بن الزبير، اعتقاد أهل السنة ٤: ٦٣٥، ح ١١٣٨، الإكمال لابن ماكولا ٦: ٢٠٨، تاريخ دمشق ٢٣: ٤٠٨، ٥٩: ٣٦١، تصحيفات المحدثين ٢: ٨٩٦، السنن الكبرى للبيهقي ٣: ٢٣١، ح ١٥٨٦، فتح الباري ٧: ٤، التمهيد لابن عبد البر ٩: ٨٩، الإصابة ٢: ٥٢١، الترجمة ٢٧٥٤.
(٦) الطبقات الكبرى ٣: ٢٧٤، مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٥٦، ح ٢٩٥١١، ٧: ٢٥٦، ح ٣٥٨٣٥، صفوة الصفوة ١: ٢٨٠.
(٧) شرح النهج ١: ١٨٣.
(٨) شرح النهج ٦: ٣٢٧.
والأغرب من كلِّ هذا أن نرى الخليفة يسجن أبا الدرداء الذي خالفه في عدَّة مفردات فقهيّة، وأبا ذرّ وابن مسعود اللذين كانا لا يتّفقان معه في تحريمه للمتعة، وهكذا الحال بالنسبة للآخرين الذين لم يسمح لهم بالخروج من المدينة(١) . فيبدو أنّ الخليفة اشتدّ عليهم لتحديثهم بما لا يحلو ولا يروق له، و إلّا لماذا يسجن هؤلاء ويترك أبا هريرة صاحب الـ (٥٣٧٤) حديثاً مطلق العنان دون حبس ولا ضرب ولا تعزير، بل اكتفى بتهديده و إبعاده ثمّ جوّز له التحديث دون غيره؟!
ويلحظ هذا النفس واضحاً عند عمر بن الخطّاب حين أرسل وفداً من الأنصار إلى الكوفة، وشيّعهم إلى موضع قرب المدينة، فقال لهم: أتدرون لِمَ شيّعتكم أو مشيت معكم؟
فقالوا: نعم، لحقّ صحبة رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولحقّ الأنصار.
قال عمر: لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أحدّثكم به... فأقلّوا الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا شريككم(٢) .
فهو يمنعهم أو يحدّ من تحديثهم؛ لأنّهم من الأنصار، أتباع التعبّد الذين يروون ما لا يعجب الخليفة ولا يحبّ انتشاره بين المسلمين؛ لئلاّ يظهر عجزه العلميّ(٣) .
إنّ المبرّرات المختلقة التي قيلت أو قد تُقال في الدفاع عن الخليفة، لا نراها تصمد أمام النقد، ولا تقوم أمام التحقيق العلميّ كما أثبتنا ذلك.
فلذا ترى محور الاستبعاد يبتني على ما رسموه من هالة لشخص الخليفة في
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢: ٦٧٩ باب ذكر بعض سير عثمان بن عفان.
(٢) الطبقات الكبرى ٦: ٧، سنن الدارميّ ١: ٩٧، ح ٢٧٩، جامع بيان العلم ٢: ١٢٠، تذكرة الحفّاظ ١: ٧، كنز العمّال ٢: ٢٨٤، ح ٤٠١٧ وغيرها.
(٣) وقد أثبتنا في كتابنا (وضوء النبي) بأنّ قرظة كان يتوضأ الوضوء الثنائي المسحي، ولا يرتضي غسل القدمين وأنّه حسب ما حكاه المجلسي في البحار ٣٢: ٣٥٤ عن كتاب (الكافية في إبطال توبة الخاطئة) كان من شيعة علي، فعن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر أنّ أمير المؤمنين لما دنا إلى الكوفة مقبلاً من البصرة خرج الناس مع قرظة بن كعب يتلقونه، فلقوه دون نهر النضر بن زياد فدنوا منه يهنونه بالفتح، وإنّه ليمسح العرق عن جبهته فقال له قرظة بن كعب: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أعزّ وليّك وأذلّ عدوّك ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين. إلى آخر الخبر.
نفوسهم، كالملاحظ في قول ابن حزم (وهذا ما لا يحلّ لمسلم أن يظنّه بمن دون عمر من عامّة المسلمين، فكيف بعمر رضي الله عنه!)
ونرى أيضاً أنَّ ثمّة عوامل أُخرى - ستأتي - هي التي جعلت الخليفة يمنع التدوين والتحديث، و يوسّع دائرة الاجتهاد والرأي وتعرّف المصلحة، وما شابهها من أدلّة كانت مرتسمة في ذهن طائفة من الصحابة منذ زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله، وعلى رأسهم الخليفة عمر بن الخطّاب. والخليفة بتأكيده على تلك الأُسس جدَّ في ترسيخ هذه الفكرة.
خلاصة ما تقدّم في المحور الأوّل:
١ - إنّ الصحابة كانوا في زمن النبي صلّى الله عليه وآله على نهجين: بعضهم على نهج التعبّد المحض، والبعض الآخر على نهج الاجتهاد بالرأي.
٢ - إنّ أبا بكر وعمر كانا من أتباع النهج الثاني.
٣ - إنّ عمر بن الخطاب خطى خطوات كبيرة في ترسية قواعد ما ذهب إليه أيّام حكومته.
٤ - إنّ من عوامل منع عمر بن الخطاب من التحديث والكتابة والتدوين، هو ردّة الفعل السلبية التي مُني بها من جرّاء استنساخه كتب اليهود.
٥ - إنّ ما علّل به ابن حزم منع عمر من التحديث والكتابة والتدوين، لا يصمد أمام الواقع؛ لأنّ النهي كان عامّاً مطلقاً، بل تكذبه سيرة عمر مع الكتابيين وكعب الأحبار حتى في زمن استخلافه، وكذلك ما قيل في التبريرَين الآخَرَين من دعوى الاحتياط، أو عدم ملائمة المنع لنفسية عمر بن الخطاب.
المحور الثاني
الثابت عند المسلمين هو لزوم امتلاك الخليفة قدرتين:
١ - قدرته السياسيّة وحنكته في إدارة شؤون الأمّة في الحرب والسلم، وبراعته في تحصين ثغور المسلمين، ومجاهدته أعداءَ الدين حتّى يرضخوا للدعوة الإسلاميّة وأحكامه، وما إليها من أُمور الدولة: كجباية الفي، والصدقات، وتقدير العطاء، والخراج، وسدّ عوز المحتاجين، وسواها من مستلزمات الإدارة وشؤون الدولة.
٢ - قدرته العلميّة للتصدّي لأمر الإفتاء بما نزل به القرآن، وجاء به الرسول صلّى الله عليه وآله؛ إذ إنّ الناس قد ألِفوا في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله أخذ الأحكام عنه صلّى الله عليه وآله، والرجوع إليه فيما يستجدّ من قضايا الحياة، أمّا اليوم - وبعد غياب الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله - فإنّهم يرجعون إلى الخليفة؛ ليقفوا على الأحكام الشرعيّة والأمور المستجدّة عندهم، وليقف من بَعُد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله على تفاصيل الأحكام؛ لأنّ الكثير منهم لم يتوطّن مكّة والمدينة، وكذلك ليأخذ التابعون - الذين لم يرَوا النبيّ - معالم الدِّين من الصحابة، كلُّ أُولئك كانوا بحاجة إلى أخذ الأحكام من الخليفة بالدرجة الأُولى، ومن يحيط به بالدرجة الثانية، مع لحاظ الفارق بين الخليفة والنبيّ صلّى الله عليه وآله.
إذ عامة الناس كانوا ينظرون إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله على أنّه مشرّع( ما يَنْطِقُ عن الهوى ) فحكمه صلّى الله عليه وآله يكون نافذاً عندهم، لا تجوز مخالفته ولا التردّد فيه؛ لأنّه صدر عن الوحي.
وأمّا الخليفة اليوم فليست له هذه السمة التي كانت للنبيّ صلّى الله عليه وآله ولم يعطوه دوراً
تشريعيّاً في الأحكام(١) ، بل كانوا ينظرون إليه كمحدِّث عن الرَّسول لا غير.
وقد أدرك أبو بكر وعمر هذه الحقيقة، فأخذوا في بداية الأمر ينقلون حكم الشرع من خلال القرآن الحكيم أو السنّة المطهَّرة.
وحين يخفى عليهم أمرٌ م، يخرجون إلى وجوه الصحابة يستفتونهم ويسألونهم عمّا قضى به رسول الله صلّى الله عليه وآله في مثل هذا الأمر، ليقفوا وليوقفوا السائل على حكم الله ورسوله.
أ - روى ميمون بن مهران قال: (ثم كان أبو بكر إذا ورد عليه خصم نظرَ في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، و إن لم يجد في كتاب الله نظر هل كانت من النبي صلّى الله عليه وآله فيه سنّة فإن علمها قضي بها، وإن لم يعلم خرج فسئل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا فنظرت في كتاب الله وفي سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله فلم أجد في ذلك شيئاً، فهل تعلمون أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وآله قضى في ذلك بقضاء فربّما قام إليه الرهط، فقالوا نعم، قضى فيه بكذا وكذا فيأخذ بقضاء رسول الله صلّى الله عليه وآله... إلى أن قال وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به)(٢) .
ب - أخرج مالك، وأبو داود، وابن ماجة والدارميّ وغيرهم: (أنّ جدّة جاءت إلى الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: مالكِ في كتاب الله شي، وما علمتُ لك في سنّة رسول الله شيء، فارجعي حتّى أسأل الناس؟
فسأل الناس، فقال المغيرة: حَضَرت رسول الله صلّى الله عليه وآله أعطاها السدس.
فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟
فقام محمّد بن مسلمة الأنصاريّ، فقال مثل ما قاله المغيرة.
فأنفذه لها أبو بكر الصدّيق)(٣) .
____________________
(١) انظر الإحكام في أُصول الأحكام ١: ١١، ومناهج الاجتهاد للدكتور مدكور. مثلاً.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٠: ١١٤، وانظر أعلام الموقّعين لابن قيّم الجوزيّة ١: ٦٢.
(٣) الموطّأ ٢: ٥١٣، ح ٤، سنن أبي داود ٣: ١٢١، ح ٢٨٩٤، سنن ابن ماجة ٢: ٩٠٩، ح ٢٧٢٤، وسنن الدارميّ ٢: ٣٥٩ بتفاوت يسير.
وقد كانت سيرة عمر مثل سيرة أبي بكر، فكان يسأل الصحابة عمّا لا يعرفه ليستثبته منهم كي يثبّته.
ج - روى البيهقيّ بسنده عن السلميّ، قال: (أُتي عمر بن الخطّاب بامرأة جَهِدها العطش، فمرّت على راع فاستسقت، فأبى أن يسقيها إلاّ أن تمكّنه من نفسها ففعلت، فشاور الناس في رجمها.
فقال علي رضى الله عنه: هذه مضطرّة، أرى أنْ تخلّي سبيلها، ففعل)(١) .
د - سأل عمرُ بن الخطّاب أبا واقد الليثيّ: عمّا كان يقرؤه رسول الله في صلاة العيدين؟
فقال: بـ (قاف) و (اقتربت)(٢) .
هـ - أخرج الحاكم عن سعيد بن المسيّب: (أنّ عمر بن الخطّاب أتى على هذه الآية( الذين آمنوا ولم يَلبِسوا إيمانَهم بُِظلْم ) (٣) فأتى أُبيّ بن كعب فسأله: أيّنا لم يظلم؟
فقال له: يا أمير المؤمنين إنّما ذاك الشرك، أما سمعت قول لقمان لابنه: (يا بنيّ لا تُشرك بالله إنّ الشِّرك لظلم عظيم)(٤) .
و - (أُتي برجل من المهاجرين الأوّلين وقد كان شرب، فأمر به أن يُجلد فقال: لِمَ تجلدني، بيني وبينك كتاب الله عزّ وجلّ.
فقال عمر: في أيّ كتاب الله تجدُ أنّي لا أجلدك؟
فقال: إنّ الله تعالى يقول في كتابه:( لَيْسَ على الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقيّ ٨: ٢٣٦، وذخائر العقبى: ٨١، والطرق الحكميّة لابن قيّم الجوزيّة ١: ٨٠.
(٢) الموطّأ ١: ١٨٠، ح ٨، صحيح مسلم ٢: ٦٠٧، ح ٨٩١، سنن أبي داود ١: ٣٠٠/ ح ١١٥٤، سنن الترمذيّ ٢: ٤١٣، ح ٥٣٣، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٤٧٥، ح ١١٥٥١، وسنن ابن ماجة ١: ٤٠٨، ح ١٢٨٢، وسنن النسائيّ ٣: ١٨٣، ح ١٥٦٧.
(٣) الأنعام: ٨٢.
(٤) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ٣٤٥، ح ٥٣٣٠، وانظر تفسير الطبري ٧: ٢٥٧. والآية: ١٣ من سورة لقمان.
جُناحٌ فيما طَعِمُوا... ) (١) الآية، فأنا من الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات ثمّ اتّقوا وآمنوا ثمّ اتّقوا وأحسَنو، شهدتُ مع رسول الله بدراً والحُديبيّة والخندق والمشاهد.
فقال عمر: ألا تردّون عليه ما يقول؟
فقال ابن عبّاس: إنّ هذه الآيات أُنزلت عُذراً للماضين، وحجّةً للباقين؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:( يا أيُّها الذين آمنوا إنَّما الخمرُ والَمْيسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ من عَمِلِ الشيطان ) (٢) ثمّ قرأ حتّى أنفذ الآية الأخرى:( إذا ما اتَّقَوا وآمنوا وعَمِلوا الصالحات ثمّ اتَّقَوْا وآمَنوا ثُمِّ اتَّقوا وأحْسَنوا ) (٣) فإنَّ الله عزّ وجلّ قد نَهى أن يُشرب الخمر.
فقال عمر: صدقت، فماذا ترون؟
فقال عليٌّ رضى الله عنه: نرى أنّه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، و إذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدةً. فأمر عمر فَجُلِدَ ثمانين)(٤) .
اتّضح لنا من خلال هذه النصوص وغيرها - ممّا تركنا سرده مخافة الإطالة - أنّ الشيخين لم يدّعيا في بادئ الأمر أنّهما يعرفان جميع الأحكام الصادرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، أو أنَّهما قد اختصّا بأحاديثه صلّى الله عليه وآله دون غيرهما، إنّما مَثَلهم مَثَل كثير من الصحابة الذين خَفِيت عليهم الكثير من مسائل التشريع.
وأمّا ما بُولغ فيه من إحاطتهم بجميع الأحكام والعلوم، وأنّهما كانا أخصّ من غيرهما بالرسول صلّى الله عليه وآله، فقد صدر عن موقف عاطفيّ متطرِّف، بعيد عن الواقع التاريخيّ؛ وذلك لأنّ أغلب المنقولات في هذا السياق عرضةٌ للشكّ والتّرديد، ومن هذه النقول ما
____________________
(١) المائدة: ٩٣.
(٢) المائدة: ٩٠.
(٣) المائدة: ٩٣.
(٤) سنن الدارقطني ٣: ١٦٦، ح ٢٤٥، المستدرك على الصحيحين ٤: ٤١٧، ح ٨١٣٢، وقد صحّحه الحاكم، وكذا الذهبيّ في تلخيصه، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣٢٠، سنن النسائي الكبرى ٣: ٢٥٢، ح ٥٢٨٨.
نسب فيها إلى عليّ بن أبي طالب أنّه قال: كنّا نتحدّث أنّ مَلَكاً ينطق على لسان عمر!(١)
ومنه: ما روي عن ابن مسعود أنّه قال: لو وُضِعَ علم عمر في كفّة ميزان وعلم أحياء أهل الأرض في الكفّة الأخرى لَرَجَحَ علم عمر!(٢)
ومنها ما نُسب إلى رسول الله أنّه قال: لو كان نبيّ بعدي لكان عمر بن الخطّاب!(٣)
أو: قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدَّثون وأنّه إن كان في أمتي هذه منهم فإنّه عمر بن الخطاب!(٤)
وما سواها الكثير من المبالغات التي كانت وراءها شتّى الدوافع والأسباب.
ومن بيّنات المسائل - في هذا الصدد - أنّ الشيخين لو كانا قد اختصّا بشيء لبادرا إلى بيان الأحكام، ولما سألا الصحابة عمّا خفي عليهم، ولما حدث الاختلاف بين منقولاتهما وآرائهم، ولما رجعا عن فتاواهما إزاء نقولات وآراء الصحابة الآخرين، ولما وصل الأمر بالخليفة عمر بن الخطّاب أن يقول (كلّ الناس أعلم من عمر)(٥) .
____________________
(١) تاريخ واسط ١: ١٦٧، كتاب من حديث خثيمة ١: ٤٢، حلية الأولياء لأبي نعيم ١: ٤٢، الرياض النضرة ١: ٣٧٦، وقد رواه الطبري في المعجم الأوسط ٧: ١٨، ح ٦٧٢٦ من طريق أبي سعيد الخدري عن رسول الله أنّه قال: وإنه لم يبعث نبياً إلا كان في أمته محدث وإن يكن في أمتي منهم أحداً فهو عمر قالوا: يا رسول الله كيف محدث؟ قال: تتكلّم الملائكة على لسانه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٦٩، باب منزلة عمر ثم الله ورسوله صلّى الله عليه وآله قال: وفيه أبو سعد خادم الحسن البصري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
(٢) المدخل إلى السنن الكبرى ١: ١٢٦، ح ٧٠، التمهيد لابن عبد البر ٣: ١٩٨، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٩٢، ح ٤٤٩٧، تهذيب الكمال ٢١: ٣٢٥، ترجمة رقم ٤٢٢٥ لعمر بن الخطاب، أعلام الموقعين ١: ١٦، ٢: ٢٧٢، وانظر مقدمة فقه عبد الله بن مسعود للدكتور رواس قلعه جي.
(٣) سنن الترمذي ٥: ٦١٩، ح ٣٦٨٦، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٩٢، ح ٤٤٩٥، مسند أحمد ٤: ١٥٤، فتح الباري ٧: ٥١.
(٤) صحيح البخاري ٣: ١٢٧٩، ح ٣٢٨٢، ٣: ١٣٤٩، ح ٣٤٨٦، صحيح مسلم ٤: ١٨٦٤، ح ٢٣٩٨ وفيه: قال ابن وهب تفسير محدَّثون هو ملهمون، المستدرك على الصحيحين ٣: ٩٢، ح ٤٤٩٩، سنن الترمذي ٥: ٦٢٢، ح ٣٦٩٣ وفيه قال سفيان بن عيينة: محدَّثون، يعني مفهمون، السنن الكبرى للنسائي ٥: ٣٩، ح ٨١١٩.
(٥) تفسير الكشاف ١: ٢٥٨، شرح النهج ١: ١٨٢، تفسير القرطبي ١٤، ٢٧٧، الدرّ المنثور ٦: ٦٨٢، الإحكام في أُصول الأحكام ٢: ٢٥٣، تفسير النسفي ١: ٢١٣.
وفي آخر: (حتّى ربّات الحجال)(١) .
إذاً كان التعبّد بحكم الله ورسوله هو الضابط في معرفة الأحكام في الصدر الأوّل، والجميع كانوا يعرفون ذلك ولم يَخْفَ هذا على أحد في تلك الفترة من تاريخ الإسلام، ولم يكن للشيخين ولا لغيرهما حقّ الاجتهاد قبال النصّ. وإن كانا قد تخطَّيا في بعض الأمور أوامر الرسول صلّى الله عليه وآله واجتهدا قبال النصّ.
ونحن نعلم بالضرورة (أنّه عليه السلام كان يفتي بالفتيا، ويحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط وأنّ الحجّة إنّما قامت على سائر مَن لم يحضره عليه السلام بنقل مَن حضره، وهم واحد واثنان وفي الجملة عدد لا يمتنع من مثلهم التواطؤ)(٢) .
وأضاف ابن حزم بعد قوله السابق: ووجدنا الصاحب من الصحابة رضي الله عنهم يبلغه الحديث فيتأوَّل فيه تأويلاً يخرجه به عن ظاهره، ووجدناهم رضي الله عنهم يقرُّون ويعترفون بأنّهم لم يَبْلُغْهم كثير من السنن، وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة: إنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإنّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم(٣) .
ومن هنا يتجلّى أنّ رسم صورة للخليفة تَهَبه تلك المنزلة الخاصّة في علوّها وغلوّها، إنَّما هي نتاج عاطفة مغالية لا يرتضيها الخليفة نفسه، ويبرأ منها، وإليك نصوص بعض الصحابة التي تزيد الأمر جلاءً.
بعض الصحابة والخليفة الثاني
١- معاذ بن جبل:
أ - جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب، فقال: يا أمير المؤمنين! إني غِبْتُ عن امرأتي
____________________
(١) شرح نهج البلاغة: ١: ١٨٢.
(٢) الإحكام في أُصول الأحكام ١: ١٠٨.
(٣) الإحكام في أُصول الأحكام ٢: ١٥١، والحديث أيضاً في صحيح مسلم ٤: ١٩٤٠، ح ٢٤٩٢، وكذا هو في دلائل النبوة للأصبهاني ١: ٨٦، ح ٧٨، وسير أعلام النبلاء ٢: ٥٩٥.
سنتين، فجئت وهي حبلى.
فشاور عمر الناس في رجمه.
فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إنْ كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتّى تضع.
فتركها، فولدت غلاماً قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه فيه.
فقال: ابني وربّ الكعبة.
فقال عمر: عجزت النساء أن يلِدْن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر(١) .
ب - إنّ رجلاً مسلماً شجّ رجلاً من أهل الذِّمّة، فهمّ عمر بن الخطّاب أن يقيده.
قال معاذ بن جبل: قد علمت أن ليس ذلك له، وأُثر ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، فأعطاهُ عمر بن الخطّاب في شجّته دينار، فرضي به(٢) .
٢ - زيد بن ثابت:
أ - عن مجاهد قال: قدم عمر بن الخطّاب الشام، فوجد رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذِّمّة، فهمّ أن يقيده، فقال له زيد بن ثابت: أتقيدُ عبدك من أخيك؟!
فجعله عمر دية(٣) .
ب - عن مكحول: أنّ عبادة بن الصامت دعا نبطيّاً يمسكُ له دابّته عند بيت المقدس، فأبى، فضربه فشجّه، فاستعدى عليه عمر بن الخطّاب فقال له: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟
فقال: يا أمير المؤمنين! أمرته أن يمسك دابّتي فأبى، وأنا رجل فيَّ حدّة فضربته.
فقال: اجلس للقصاص.
____________________
(١) سنن الدارقطني ٣: ٣٢٢، ح ٢٨١، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٤٤٣، ح ١٥٣٣٥، مصنف عبد الرزاق ٧: ٣٥٤، ح ١٣٤٥٤، مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٥٤٣، ح ٢٨٨١٢، سير أعلام النبلاء ١: ٤٥٢، تهذيب الكمال ٢٨: ١١١، وانظر الاصابة ٦: ١٣٧.
(٢) مصنف عبد الرزاق ١٠: ١٠٠، ح ١٨٥١١، كنز العمال ١٥: ٩٧، ح ٤٠٢٤٣، عنه.
(٣) مصنف عبد الرزاق ١٠: ١٠٠، ح ١٨٥٠٩، وكنز العمال ١٥: ٩٧، ح ٤٠٢٤٢، عنه.
فقال زيد بن ثابت: أتُقيدُ عبدكَ من أخيك؟!
فترك عمر عنه القَوَد، وقضى عليه بالدية(١) .
ج - عن زيد بن ثابت: أنّ عمر بن الخطّاب استأذن عليه يوم، فأذن له ورأسه في يد جارية له تُرَجِّلَُهُ، فنزع رأسه.
فقال له عمر: دعها ترجّلك.
فقال: يا أمير المؤمنين! لو أرسلت إليّ جئتك.
فقال عمر: إنَّما الحاجة لي، إنّي جئتك لتنظر في أمر الجَدّ.
فقال زيد: لا، والله ما يقولُ فيه.
فقال عمر: ليس هو بوحي حتّى نزيد فيه وننقص منه، إنّما هو شيء نراه، فإن رأيته وافقني تبعته، و إلاّ لم يكن عليك فيه شيء.
فأبى زيد، فخرج مغضباً، قال: قد جئتك وأنا أظنّك ستفرغ من حاجتي.
ثمّ أتاه مرّة أُخرى في الساعة التي أتاه في المرّة الأولى، فلم يزل به حتّى قال:
فسأكتب لك فيه، فكتبه في قطعة قتب وضرب له مثلاً: إنَّما مَثَله مثل شجرة نبتت على ساق واحد فخرج فيها غُصن، ثمّ خرج في الغُصن غُصن آخر، فالساق يسقي الغُصن، فإن قطع الغصن الأوّل رجع الماء إلى الغصن - يعني الثاني - و إنْ قطعت الثاني رجع الماء إلى الأوّل.
فأتى به فخطب الناس عمر، ثمّ قرأ قطعة القتب عليهم، ثمّ قال: إنّ زيد بن ثابت قد قال في الجدّ قولاً وقد أمضيته.
قال: وكان أوّل جدّ كان، فأراد أن يأخذ المال كلّه مال ابن ابنه دون إخوته، فقسّمه بعد ذلك عمر بن الخطّاب(٢) .
____________________
(١) السنن الكبرى ٨: ٣٢، تذكرة الحفّاظ ١: ٣١، الترجمة رقم ٦٦ لزيد بن ثابت، كنز العمّال ١٥: ٩٤، ح ٤٠٢٣٢.
(٢) سنن الدارقطني ٤: ٩٣، ح ٨٠، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٤٧ ح ١٢٢٠٨، فتح الباري ١٢: ٢١.
٣ - أبو عبيدة بن الجرّاح:
عن عمر بن عبد العزيز: إنّ رجلاً من أهل الذمّة قُتِلَ بالشام عمداً، وعمر بن الخطّاب إذ ذاك بالشام، فلمّا بلغه ذلك، قال عمر: قد وقعتم بأهل الذمّة؟! لأقتلنّه به!
فقال أبو عبيدة بن الجرّاح: ليس ذلك لك.
فصلّى، ثمّ دعا أبا عبيدة فقال: لمَ زعمت لا أقتله به؟
فقال أبو عبيدة: أرأيت لو قتل عبداً له، أكنت قاتله به؟!
فصمت عمر، ثمّ قضى عليه بألف دينارٍ مغلّظاً عليه(١) .
٤ - حُذيفة بن اليمان:
عن حذيفة بن اليمان: إنّه لقي عمر بن الخطّاب، فقال له عمر: كيف أصبحت يا بن اليمان؟
فقال: كيف تريدني أُصبحُ؟! أصبحت والله أكره الحقّ، وأُحبّ الفتنة، وأشهد بما لم أرَه، وأحفظ غير المخلوق، وأُصلّي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر لقوله وانصرف من فوره، وقد أعجله أمر، وعزم على أذى حذيفة بقوله ذلك، فبينا هو في الطريق إذ مرّ بعليّ بن أبي طالب، فرأى الغضب في وجهه فقال:
ما أغضبك يا عمر؟
فقال: لقيت حذيفة بن اليمان، فسألته: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أكرهُ الحقّ؟
فقال: صدق، يكره الموت وهو حقُّ.
فقال، يقول: وأُحبُّ الفتنة!
قال: صدق، يُحبّ المال، والولد، وقد قال الله تعالى:( إنّما أموالُكم وأولادكم فتنة ) (٢) .
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣٢، كنز العمّال ١٥: ١٤، ح ٤٠٢٣٤.
(٢) التغابن: ١٥، الأنفال: ٢٨.
فقال: يا عليّ! يقول: وأشهدُ بما لم أره؟!
فقال: صدق، يشهد لله بالوحدانيّة، والموت، والبعث، والقيامة، والجنّة، والنار، والصِّراط، ولم يرَ ذلك كلّه.
فقال: يا عليّ! وقد قال: إنّي أحفظ غير المخلوق!
قال: صدق، يحفظ كتاب الله تعالى؛ القرآن، وهو غير مخلوق.
قال: ويقول: أُصلّي على غير وضوء.
قال: صدق، يُصلّي على ابن عمّي رسول الله صلّى الله عليه وآله على غير وضوء، والصلاة عليه جائزة.
فقال: يا أبا الحسن! قد قال أكبرَ من ذلك.
فقال: وما هو؟
قال: قال إنّ لي في الأرض ما ليس لله في السماء!
قال: صدق، له زوجة وولد، وتعالى الله عن الزوجة والولد.
قال عمر: كاد يهلكُ ابن الخطّاب، لولا عليّ بن أبي طالب(١) .
٥ - عبد الله بن مسعود:
عن إبراهيم النخعيّ: أنّ عمر بن الخطّاب أفتى برجل قد قَتل عمداً، فأمر بقتله، فعفا بعض الأولياء، فأمر بقتله.
فقال ابن مسعود: كانت النفس لهم، فلمّا عفا هذا أحيى النفس، فلا يستطيع أن يأخذ حقَّه حتّى يأخذ غيره. قال: فما ترى؟
قال: أرى أنْ تجعل الدية عليه في ماله، وترفع حصّة الذي عفا، قال عمر: وأنا أرى ذلك(٢) .
____________________
(١) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: ٣٥، وكفاية الطالب للكنجيّ الشافعيّ: ٢١٨ - ٢١٩.
(٢) الأم للشافعيّ ٧: ٣٢٩، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٦٠، الحجة للشيباني ٤: ٣٨٥، وله قضيّة أُخرى راجع كنز العمّال ١١: ٣٣، ح ٣٠٥١٣، وعن ابن القيّم في إعلام الموقعين ٢: ٢٣٧ إنَّ ابن مسعود خالف عمر في أكثر من مائة قضيّة.
٦ - أُبيّ بن كعب:
عن الحسن: قال عمر بن الخطّاب: لو أخذنا ما في البيت - يعني الكعبة - فقسمناه.
فقال له أُبيّ بن كعب: والله، ما ذاك لك.
فقال عمر: ولِمَ؟!
قال: لأنّ الله قد بيّن موضع كلّ مال [ وقد ] تركها رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قال عمر: صدقت(١) .
ذكر ابن قيّم الجوزيّة: أنّ عمر أراد أنْ يأخذ مال الكعبة، وقال: الكعبة غنيّة عن ذلك المال. وأراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول(٢) ، وأراد أن ينهى عن متعة الحجّ.
فقال أُبيّ بن كعب: قد رأى رسول الله صلّى الله عليه وآله وأصحابه هذا المال به وبأصحابه الحاجة إليه فلم يأخذه، وأنت فلا تأخذه.
وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وأصحابه يلبسون الثياب اليمانيّة، فلم يَنْهَ عنه، وقد علم أنّها تُصبغ بالبول.
وقد تمتّعنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله فلم يَنه عنه، ولم يُنزل الله تعالى فيها نهياً(٣) .
٧ - الضَّحّاك بن سفيان الكلابيّ:
عن سعيد بن المُسيّب: أنّ عمر بن الخطّاب كان يقول: (الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً).
حتّى أخْبَرَه الضحّاك بن سفيان أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كتب إليه أن يُورِّث امرأة أشيم الضبابيّ من ديته، فرجع إليه عمر(٤) .
____________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٥: ٨٨، ح ٩٠٨٤، وانظر كنز العمّال ١٤: ١٠٠، ح ٣٨٠٥٢، عن (عب والأزرق في أخبار مكة) بلفظ آخر.
(٢) المراد بالبول هو بول الإبل لا بول الإنسان.
(٣) زاد المعاد، لابن قيم الجوزيّة ٢: ٢٠٨.
(٤) الأم للشافعي ٦: ٨٨، باب ميراث الدية، سنن أبي داود ٣: ١٢٩، باب في المرأة ترث من دية زوجها، ح ٢٩٢٧، سنن الترمذي ٤: ٢٧، باب ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها، ح ١٤١٥، ٤: ٤٢٥، ح
=
٨ - شَيْبة بن عثمان:
عن شقيق، عن شيبة بن عثمان، قال: قعَد عمر بن الخطّاب في مقعدك الذي أنت فيه، فقال: لا أخرج حتّى أُقسم مال الكعبة.
قال: قلت: ما أنت بفاعل!
قال: بلى لأفعلنَّ!
قال: قلت: ما أنت بفاعل!
قال: لِمَ؟
قلت: لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد رأى مكانه، وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال فلم يُخرجاه.
فقام فخرج(١) .
٩ - عبد الله بن عبّاس:
عن نافع بن جبير: أنّ ابن عبّاس أخبره قال: إنّي لَصاحب المرأة التي أُتي بها عمر وضعت لستّة أشهر، فأنْكر الناس ذلك، فقلت لعمر: لِم تظلم؟
قال: كيف؟
قلت: اقرأ:( وحملُه وفِصاله ثلاثون شهراً ) (٢) ،( والوالداتُ يُرضعْنَ أولادَهُنّ حَوْلَين كامِلَين ) (٣) .
كم الحَوْل؟
____________________
=
٢١١٠، سنن ابن ماجة ٢: ٨٨٣، باب الميراث من الدية، ح ٢٦٤٢، السنن الكبرى للنسائي ٤: ٧٨، ح ٦٣٦٣، ٦٣٦٤.
(١) سنن أبي داود ٢: ٢١٥، باب مال الكعبة، ح ٢٠٣١، سنن ابن ماجة ٢: ١٠٤٠، باب مال الكعبة، ح ٣١١٦، المعجم الكبير ٧: ٣٠٠، ٧١٩٥، فتح الباري ٣: ٤٥٦ وانظر صحيح البخاري ٢: ٥٧٨، باب كسوة الكعبة، ح ١٥١٧، ٦: ٢٦٥٥، باب الإقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ح ٦٨٤٧، السنن الكبرى للبيهقي ٥: ١٥٩، باب ما جاء في مال الكعبة وكسوتها، ح ٩٥١١، مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٤٦٦، باب ما قالوا في قسمة ما يفتح من الأرض، ح ٣٢٩٧٦، مسند أحمد ٣: ٤١٠.
(٢) الأحقاف: ١٥.
(٣) البقرة: ٢٣٣.
قال: سنة.
قلت: كم السنة؟
قال: اثني عشر شهراً.
قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان، ويؤخِّرُ الله من الحمل ما شاء، ويُقدِّمُ. قال: فاستراح عمر إلى قولي(١) .
١٠ - عليّ بن أبي طالب:
أ - عن ابن عبّاس، قال: أُتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أُناساً، فأمر بها أن ترجم، فمرّ بها على علي رضي الله عنه فقال: ما شأن هذه؟
قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم!
فقال: ارجعوا به.
ثمّ أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين! أما علمت أنّ رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله قال: رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبيّ حتّى يبلغ، والنائم حتّى يستيقط، والمعتوه حتّى يبر؟! وإنّ هذه معتوهة بني فلان، لعلّ الذي أتاها أتاها وهي في بلائها، فخلّى سبيلها، وجعل عمر يكبِّر(٢) .
ب - أُتي عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلّقت بشابّ من الأنصار، وكانت تهواه، فلمّا لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت صُفرتها، وصبّت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثمّ جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي وهذا أثر فعاله!
فسأل عمر النساء فقلن له: إنّ ببدنها وثوبها أثر المنيّ، فهمّ بعقوبة الشابّ، فجعل
____________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٧: ٣٥٢، باب التي تضع لستة أشهر، ح ١٣٤٤٩ الدرّ المنثور ٧: ٤٤٢، فتح القدير ٥: ١٩.
(٢) سنن أبي داود ٤: ١٤٠، باب في المجنون يسرق أو يصيب، ح ٤٤٠٢، ٤٣٩٩، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٢: ٦٨، ح ٢٣٥١، السنن الكبرى للبيهقي ٤: ٢٦٩، ٨: ٢٦٤، سنن الدارقطني ٣: ١٣٨، ح ١٧٣، السنن الكبرى للنسائي ٤: ٣٢٤، ح ٧٣٤٧.
يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين! تثبّت في أمري فو الله ما أتيت فاحشة وما هممت بها، فلقد راودتْني عن نفسي فاعتصمت.
فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهم؟
فنظر عليٌّ إلى ما على الثوب، ثمّ دعا بماء حارّ شديد الغليان، فصبّ على الثوب،
فجمد ذلك البياض، ثمّ أخذه وشمّه وذاقه، فعرف طعم البيض، وزجر المرأة، فاعترفت(١) .
١١ - عبد الرحمان بن عوف:
أ - عن ابن عبّاس، أنّه قال له عمر: يا غلام! هل سمعت من رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله أو من أحد من الصحابة إذا شكّ الرجل في صلاته ماذا يصنع؟
قال: فبينما هو كذلك، إذ أقبل عبد الرحمان بن عوف.
فقال: فيم أنتم؟
فقال عمر: سألت هذا الغلام: هل سمعت من رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله أو أحد من أصحابه إذا شكّ الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ قال عبد الرحمان: سمعت من رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله يقول: إذا شكّ أحدكم... إلى آخر الحديث(٢) .
ب - عن قتادة، قال: سئل عمر بن الخطّاب عن رجل طَلَّقَ امرأته في الجاهليّة تطليقتين وفي الإسلام تطليقة.
قال: لا آمرك ولا أنهاك.
فقال عبد الرحمان: لكنّي آمرك، ليس طلاقك في الشرك بشيء(٣) .
١٢ - وامرأة خطَّأتهُ فيما ذهب إليه من عدم جواز الغلاء في المهور(٤) .
كانت هذه نصوص نقلناها عن أكثر من عشرة من الصحابة والتابعين، من بينهم
____________________
(١) الطرق الحكميّة لابن قيّم الجوزيّة: ٧٠، كما في الغدير ٦: ١٢٦، عنه.
(٢) مسند أحمد ١: ١٩٠، ح ١٦٥٥، الأحاديث المختارة ٣: ٩٧ - ٩٨، ح ٨٩٩.
(٣) المصنف لعبد الرزاق ٧: ١٨١، ح ١٦٢٨٩.
(٤) تفسير الكشّاف ١: ٢٥٨، تفسير القرآن العظيم ١: ٤٦٧، تفسير القرطبي ٥: ٩٩، الدرّ المنثور ٢: ٤٦٦.
كبار الصحابة، أمثال.
١ - معاذ بن جبل.
٢ - زيد بن ثابت.
٣ - أبو عبيدة بن الجرّاح.
٤ - حذيفة بن اليمان.
٥ - عبد الله بن مسعود.
٦ - أُبيّ بن كعب.
٧ - الضحّاك بن سفيان الكلابيّ.
٨ - شيبة بن عثمان.
٩ - عبد الله بن عبّاس.
١٠ - عليّ بن أبي طالب.
١١ - عبد الرحمان بن عوف.
١٢ - امرأة من نساء المسلمين.
وفي ما تقدّم صراحة في أنَّ المنهج الصحيح هو الانصياع لما حكم به الله ورسوله، وأنَّه لابدَّ للخليفة من الرجوع إلى الكتاب والسنّة في تبيين الأحكام، وهذه الحالة كانت مستقرّة في نفوس الصحابة لما رأيت من تصحيحهم للخليفة؛ مستدلّين تارة بالقرآن العزيز وأُخرى بالسنّة المطهّرة. وهذه الوقائع تؤكّد أنّ الخليفة لا يدّعي أنّه قد اختصّ بمعرفة الأحكام جميعاً أو (أنّه كان يتفرّد بتكوين عقليّ خاصّ به، وبلغ من النضج حدّ العبقريّة بدليل موافقات الوحي له، وشهادة رسول الله بأنّ الحقّ يدور مع عمر حيث دار)(١) .
أو أنّه حمل جميع علم رسول الله دون غيره، بل إنّ انصياعه لقول الصحابة، وقبوله ما استدلوا به عليه من الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة، يؤكّد عدم اختلافه معهم في هذا
____________________
(١) اجتهاد الرسول، للدكتورة نادية العمريّ: ٢٩٩.
الفهم ولزوم استقاء الأحكام من الكتاب والسنّة لا غير، وأن ليس للخليفة الحاكم من شي، لكنّه وبمرور الأيّام غيّر اتجاهه وأخذ يؤكّد على رأيه، وجاء ليعطي الخلفاء سمة يمتازون بها عن الآخرين ولزوم حصر الإفتاء بالأُمراء لما ستعرف ذلك لاحقاً.
والذي نخلص إليه من مجموع النصوص السابقة ثلاثة أُمور:
١ - أنّ عمر لم يحط علماً بسنة الرسول صلّى الله عليه وآله، فضلاً عن القرآن، ولم يخضع الصحابة لآرائه.
٢ - أنّ القرآن والسنّة هما ينبوعا الشريعة الإسلامية، ولا يقوم مقامهما شيء آخر بنظر الصحابة حتى عمر.
٣ - إنّ ما ينتزع من هذه النصوص أنّ عمر كان على أعتاب الدخول في أشدّ الحرج؛ إذ ليس بالأمر الهيّن على حاكم الدولة الإسلامية المطلق أن يقر باحتياجه العلمي على الدوام، خصوصاً وأنّ الكثير من أولئك الذين لا يستغني عمر عن إحاطتهم بالسنّة وبالقرآن متقاطعون معه في المبدأ وفي الفكر وفي القيم...، وأنّ مجموع البحوث اللاحقة ستبين هذا الأمر بوضوح أكثر.
امتداد النهجين بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)
(الأزمة والحل)
من الطبيعيّ أنّ استمرار ظاهرة تخطئة الخليفة ممّا يؤدّي إلى تضعيف مركزه، ويقلّل من مكانته الاجتماعيّة عند المسلمين، وسيؤثّر مآلاً على قوام الخلافة الإسلاميّة؛ لأنَّ الخليفة قد رأى الصحابة - وخصوصاً المحدّثين منهم - قد جدّوا في تخطئته مرّة بعد مرّة، وأنّ المواقف المخطِّئة في بعض الأحيان، والمشكّكة في أحيان أُخرى، لو كتب لها أن تستمرّ لأسفرت عن تجرّؤ الصحابة على الوقوف أمام شخصيّة الخليفة نفسه.
فكان من المحتّم عليه - والحالة هذه - أن يطرح نهجاً جديداً يتلافى معه ظاهرة التخطئة والتصحيح التي يقوم بها الصحابة، ويغلق أمامها المنافذ، ليتكوّن عنده من بعدُ المبرّر لأعماله، والمصحِّح لاجتهاداته، إذ إنّ مقايسة فتاوى الخليفة بما في القرآن وأحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ بيان وجوه الخلاف بينهما وبين أُصول التشريع سيسوق الناس للتعريض به، والوقوف أمام آرائه وما يشرِّعه من رأي، وهو يعني تضعيف مكانته عندهم، ويجعله في موضع المستسلم لقبول ما سيطرحه المخالفون له، فرأى من الضرورة تقوية ما كان يذهب إليه من تعرّف المصلحة على عهد الرسول، وتقوية فكرة الاجتهاد وتعميمها للصحابة، كي يُعذر في فتاواه، ومن هنا ظهرت رؤيتان عند الخليفة، ومن ثمّ عند بعض المسلمين.
الأُولى: القول بالمصلحة.
الثانية: القول بحجّيّة اجتهاد الصحابيّ.
وستقف لاحقاً على السير التاريخيّ لهاتين الرؤيتين ومدى قربهما أو بعدهما عن الواقع. وقبل ذلك ننقل كلام الإمام محمّد عبده عن المصلحة عند الصحابة وأنّهم (كانوا إذا رأوا المصلحة في شيء يحكمون به وإن خالف السنّة، كأنّهم يرون أنّ الأصل هو الأخذ بما فيه المصلحة لا بجزئيّات الأحكام وفروعه)(١) .
وقال الشيخ عبد الوهاب خلاّف: وكانوا إذا لم يجدوا نصّاً في القرآن أو السنّة يدلُّ على حكم ما، عرض لهم من الوقائع استنبطوا حكمه، وكانوا في اجتهادهم يعتمدون على مَلَكتهم التشريعيّة التي تكوّنت لهم من مشافهة الرسول، ووقوفهم على أسرار التشريع ومبادئه العامّة.
فتارة كانوا يقيسون ما لا نصّ فيه على ما فيه نصّ، وتارة كانوا يشرِّعون ما تقضي به المصلحة، أو دفع المفسدة ولم يتقيَّدوا بقيدٍ في المصلحة الواجب مراعاتها، وبهذا كان اجتهادهم فيما لا نصَّ فيه فسيحاً مجاله، وفيه متّسعٌ لحاجات الناس ومصالحهم(٢) .
وممّا يدلّ على صحّة قول عبده وخلاّف: هو فتاوى عمر نفسه، والتي مرّ قسم منها، والقارئ يعرف مدى نسبة اجتهاد الخليفة التي اصطدمت مع واقع التشريع.
فلا غرو أن تكون هذه المواقف المخطِّئة للخليفة، من قبل الصحابة، عاملاً آخر من عوامل منع عمر بن الخطّاب من التحديث عن رسول الله وتدوين سنّته.
وعلى كلّ حال، فإنَّ المحصّل الذي لا ريب فيه هو امتداد الاتّجاهين في الشريعة عند المسلمين حتّى بعد وفاة رسول الله:
الأوّل: يأخذ بالنصوص ويتعبّد بها، والذي سمّيناه (التعبُّد المحض).
والثاني: يأخذ بقول الرجال ويذهب إلى حجّيّة اجتهادات الصحابة المدركين
____________________
(١) تفسير المنار ٤: ٣١ لمحمّد رشيد رضا.
(٢) خلاصة تاريخ التشريع الإسلاميّ: ٤٠.
لروح التشريع كما يقال، حتّى توسّعت خطواتهم، ولم تقف عند حدود بعد وفاة النبيّ الذي كان يكبح من جماح هذا الاتّجاه، ولم تختصّ اجتهاداتهم فيما لا نصّ فيه بل تعدّتها إلى ما فيه نصّ صريح، وقد سمّينا هذا النهج نهج (الاجتهاد والرأي).
قال الدكتور محمّد سلاّم مدكور:... وهكذا من تتبّع تصرّفات الصحابة، وعلى رأسهم الخليفة عمر الذي طالما بدّل بعض الأحكام إلى ما يرى أنّه مصلحة، مع تفسيره للنصوص تفسيراً يتّفق مع المصلحة، وقد درج التابعون على ذلك فأفتَوا بجواز تسعير السلع مع نهي الرسول عن ذلك، وقالوا: إنّ الناس قد فَجَروا بما أصابهم من الجشع(١) .
وقال الشيخ عبد الوهاب خلاّف:... (في عهد الصحابة) لمّا تعدّد رجال التشريع منهم، وقع بينهم اختلاف في بعض الأحكام وصدرت عنهم في الواقعة الواحدة فتاوى مختلفة، وإنّ هذا الاختلاف كان لابُدّ أن يقع بينهم؛ لأنّ فهم المراد من النصوص يختلف باختلاف العقول ووجهات النظر؛ ولأنّ السنّة لم يكن علمهم بها وحفظهم لها على السواء، وربّما وقف بعضهم على ما لا يقف عليه الآخر؛ لأنّ المصالح التي تستنبط لأجلها الأحكام يختلف تقديرها باختلاف البيئات التي يعيش فيها رجال التشريع، فلهذه الأسباب اختلفت فتاواهم وأحكامهم في بعض الوقائع والقضايا.
ولمّا آلت السلطة التشريعيّة في القرن الثاني الهجريّ إلى طبقة الأئمّة المجتهدين، اتّسعت مسافة الخلاف بين رجال التشريع، ولم تقف أسباب اختلافهم عند الأسباب الثلاثة التي بني عليها اختلاف الصحابة، بل جاوزتها إلى أسباب تتّصل بمصادر التشريع، وبالنزعة التشريعيّة وبالمبادئ اللغويّة التي تطبّقُ في فهم النصوص.
وبهذا لم يكن اختلافهم في الفتاوى والفروع فقط، بل كان (الاختلاف أيضاً في أُسس التشريع وخُططه، وصار لكلّ فريق منهم مذهب خاصّ يتكوّن من أحكام فرعيّة
____________________
(١) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٣٠٣.
استنبطت بخطّةٍ تشريعيّة خاصّة)(١) .
وهذا يدلّ على أنّ تعدّد مراكز الإفتاء قد أدّى ويؤدّي إلى الاختلاف في الرأي والاجتهاد، وقد يكون هذا الاختلاف عند الصحابة، فيما بينهم، أو بينهم وبين الخليفة.
وقد وضَّح الدكتور مدكور هذه الحقيقة بعبارة أُخرى فقال:... واجتهاد الصحابة لم يقف عند القياس و إنَّما شمل كلّ وجوه الرأي؛ عمدتهم في ذلك البديهة والفطرة وما لمسوه من روح التشريع، مع وعي كامل للأساس العقليّ الذي يقوم عليه الرأي، والدور الذي يؤدّيه في إظهار الأحكام الشرعيّة، فاجتهدوا وهم على بيّنة من أمرهم.
وكانت اجتهاداتهم متنوّعة، فمنها ما يعتمد على القياس، ومنها ما يعتمد على المصلحة، وهكذا بالنسبة للمصادر العقليّة التي عرفت فيما بعد بأسماء اصطلاحيّة.
ثمّ يقول:... ومن الطبيعيّ أنّ الاجتهاد بالرأي يترتّب عليه اختلاف وجهة النظر، والتفاوت في الفتاوى والأحكام، ولمّا تفرّق الفقهاء مع هذا في الأقاليم كانوا نواة الاتّجاهات المختلفة التي نشأت عنها مدرسة الحديث ومدرسة الرأي(٢) .
وقال الدكتور ديب البغا في معرض بيانه لوجوه أدلّة النافين لحجّيّة قول الصحابيّ:
إنّ الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كلُّ واحد خلاف مذهب الآخر، كما في مسائل (الجدّ مع الإخوة) وقول القائل (أنتِ عَلَيّ حرام) وغيرها، فلو كان مذهب الصحابيّ حجّة على التابعين، لكانت حجج الله متناقضة مختلفة ولم يكن اتّباع التابعيِّ للبعض أولى من البعض الآخر(٣) .
فالذهاب إلى مشروعيّة الاجتهاد، يعني شرعيّة تعدّد الآراء، وكذا اختلافها!!
فعمر بن الخطّاب حينما رأى ضرورة استخدام الاجتهاد كمنطلق ومبرّر في فهم الشريعة، كان عليه أن يسمح للآخرين بالإفتاء كذلك، حتّى يصحّ اجتهاده، وكي يجد في كلام الآخرين ما يؤيّد كلامه ويفسّره، أو أن يُحترم رأيه ويسكت عنه على أقلّ تقدير.
____________________
(١) خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي، لخلاّف: ٧٢.
(٢) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٧٩ - ٨٠.
(٣) أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلاميّ، للدكتور مصطفى ديب البغ: ٢٤٧.
إنّ أمره قرظة بالإقلال من الحديث ثمّ تجويز الاجتهاد للصحابة، ممّا يبرهن على أنّ الخليفة كان يريد نقل مدار التشريع وتعديته من النصوص الشرعيّة إلى الأخذ بآراء الرجال، وقد أشار بعض الصحابة إلى خطأ هذه الفكرة، وإلى أنّ الحقّ لا يُعرف بالرجال، فجاء عن الإمام عليّ:
(إنّك لملبوس عليك، إنَّ الحقّ والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله) (١) .
فالخليفة - وبتوسيع وتحكيم دائرة الاجتهاد - كان يريد أن يعطي لنفسه مكانة في التشريع، من خلال السماح بالاجتهاد لغيره.
قال الملا علي القاري في شرح الشفا بعد أن شرح حديث (ائتوني بكتاب): والحاصل أنّه [ أي عمر ] رضي الله تعالى عنه كان في حزب يقولون: لا احتياج إلى الكتابة، والله أعلم(٢) .
وقد نقل الشهاب الخفاجي في نسيم الرياض قول الخطابي مؤكّداً ما قلناه، فقال: إنّما ذهب عمر إلى أنّه لو مضي صلّى الله عليه وآله على شي أو أشياء بطلت أقوال العلماء والاجتهاد(٣) .
فالمدبّر السياسيّ في عهد الخلافة الراشدة ليعلم أنّه لا يمكنه أن يطبّق ما يريده لو جرّد عن الدور التشريعيّ، وممّا لا محيص عنه أن يجعل الحقّ لنفسه أكثر من غيره؛ لأنّه الأجدر بمزاولة التشريع لكونه متصدّياً لمنصب الخلافة.
وقد تدرّج الخليفة وانفرد بسلّم الفتيا فعلاً، فصار بعد برهة من الزمان يطلق العنان لنفسه فقط في الإفتاء بالرأي والاجتهاد، وتعرّف المصلحة ويحكرهُ على نفسه ويحظره على باقي المسلمين أو يحدّ منه، أو يجعل رأيه ونظره هو الراجح المطلق أو الأرجح الذي لا يُجارى.
من هنا انطلقَ ليحدّد معالم ما رسمه في الاجتهاد سابقاً كي يجعل النصيب الأوفر
____________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٠، فيض القدير ١: ٢٢، ٤: ١٧، أبجد العلوم ١: ١٢٦.
(٢) نسيم الرياض للقاضي عياض وبهامشه شرح الشفا للملاّ علي القاري ٤: ٢٨٠.
(٣) نسيم الرياض ٤: ٢٧٨.
له، فتراه يجيب عن المسائل بمفرده دون أن يستشير أحداً من الصحابة، ولم يرتضِ قبول رأي آخر يعارض رأيه، وصار داعياً إلى اتّباع رأيه وسيرته بعد أن كان سائلاً وباحثاً عن سنّة رسول الله، وأصرَّ على الأخذ برأيه وإن خالف سنّة رسول الله والذكر الحكيم؛ لأنّه أعلم منهم بأحكام الله وسنّة رسوله - على حدّ قوله لمن جمعهم من الصحابة - فقال لهم: (لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم ما نأخذ ونرد عليكم)(١) .
وفوق ذلك أنَّ الخليفة لم يكتفِ بهذا المقدار، بل تراه لا يسمح لعمّار بن ياسر وغيره من الصحابة أن يذكّروه بما فعله أيّام رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله.
أخرج مسلم: أنّ رجلاً أتى عمر، فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماءً.
فقال: لا تصل.
فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماءً، فأمّا أنت فلم تصل وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصلّيت، فقال النبي صلّى الله عليه وآله: إنّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك.
فقال عمر: اتق الله يا عمّار.
قال: إن شئت لم أحدث به(٢) .
وفي رواية أُخرى: كنّا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إنا نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء!
فقال عمر: أمّا أنا فلم أكن لأصلّي حتّى أجد الماء.
فقال عمّار: يا أمير المؤمنين! تذكر حيث كنّا بمكان كذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنّا أجنبنا؟
قال: نعم.
____________________
(١) تاريخ دمشق ٤٠: ٥٠٠، كنز العمّال ١٠: ٢٩٣، ح ٢٩٤٧٩ عن كر.
(٢) صحيح مسلم ١: ٢٨٠، باب التيمّم، ح ٣٦٨، المنتقى لابن الجارود ١: ٤١، ح ١٢٥، وفي المسند للشاشي ٢: ٤٢٥، ح ١٠٢٨ مثله، المسند المستخرج على صحيح مسلم ١: ٤٠٤، ح ٨١٢، سنن النسائي ١: ١٦٥، ح ٣١٢، ١: ١٧٠، ح ٣١٩، سنن ابن ماجة ١: ١٨٨، ح ٥٦٩.
قال: فإنّي تمرّغت في التراب، فأتيت النبيّ صلّى الله عليه وآله فحدّثته فضحك وقال: كان الصعيد كافيك، وضرب بكفّيه الأرض، ثمّ نفخ فيهما ثمّ مسح بهما وجهه وبعض ذراعيه.
قال: اتَّقِ الله يا عمّار.
قال: يا أمير المؤمنين! إن شئت لم أذكره ما عشت، أو ما حييت.
قال: كلاّ والله، ولكن نولِّيك من ذلك ما تولَّيت(١) .
يوضِّح هذا النصّ أنّ الخليفة لم يكن يرى التيمّم للجُنب، بل يسمح له بترك الصلاة إذا تعذّر الماء!
قال العينيّ: فيه [ يعني الحديث ] أنّ عمر رضي الله عنه لم يكن يرى للجنب التيمّم؛ لقول عمّار له: فأمّا أنت فلم تصلِّ!
وقال: إنّه جعل آية التيمّم مختصّة بالحدث الأصغر، وأدّى اجتهاده إلى أنّ الجنب لا يتيمّم(٢) .
قال ابن حجر: هذا مذهب مشهور عن عمر(٣) .
وأخرج البخاريّ، عن الأعمش، عن شقيق، قال:
كنت جالساً مع عبد الله، وأبي موسى الأشعريّ، فقال له أبو موسى: لو أنّ رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمّم ويصلّي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة:( فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيِّباً ) ؟!(٤) .
فقال عبد الله: لو رخّص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمّموا الصعيد.
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ٣١٩، سنن أبي داود ١: ٨٨، ح ٣٢٢، سنن النسائيّ (المجتبى) ١: ١٦٨، وسننه الكبرى ١: ١٣٣، ح ٣٠٢، التمهيد لابن عبد البر ١٩: ٢٧٣، تفسير الطبري ٥: ١١٣.
(٢) عمدة القاري ٤: ١٩.
(٣) فتح الباري ١: ٤٤٣، ح ٣٣١.
(٤) المائدة: ٦.
قلت: و إنّما كرهتم هذا لذا؟
قال: نعم.
فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمّار لعمر؟! بعثني رسول الله... الخبر(١) .
النصوص السابقة أكّدت على أنّ الخليفة كان وراء هذا الحكم الشرعيّ وغيره من الأحكام، وأنت ترى مخالفته الواضحة لما نزل به القرآن وبَيَّنَهُ رسول الله، ولذلك احتجّ عمّار، وأبو موسى، واستغرب فقهاء المسلمين هذا الحكم الذي أسّسه الخليفة عمر. ومن هنا يعلم أنّه لا يصحّ القول بأنّ مثل هذه الفتاوى والآراء مقرّرة من قبل الشرع، وأنّ للصحابة حقّ الاجتهاد المطلق، ولهم الإفتاء طبق ما عرفوه من روح التشريع واعتبار ذلك هو الدين لا غير!
فلو صحَّ هذا الفرض لما صحَّ للخليفة عمر أن يلزم عمّاراً بالسكوت، ويواجهه بلهجة فيها شيء من العنف والتهديد، إذ حسب هذا القول يقتضي أن يكون عمّار قد عرف الحكم الشرعيّ من النصّ ومن روح التشريع، مضافاً إلى ما سمعه من النبيّ صلّى الله عليه وآله، ولا يجوز للخليفة بعد هذا الاعتراض عليه، بل يلزمه احترام رأيه كصحابيّ يدرك روح التشريع.
ونفس الأمر يقال عن الصحابة: فلو جاز اجتهاد الجميع، لما صحّ لعمّار أن ينكر على الخليفة عمر ذلك، وكذا أبو موسى الأشعريّ وغيرهما من الصحابة الذين لم يوافقوا الخليفة في الفتوى.
وليتني أعرف: هل خفي على الخليفة عمر ما رواه الصحابيّ الجليل عمران بن الحصين:
أنّ رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله رأى رجلاً معتزلاً لم يُصَلِّ في القوم، فقال صلّى الله عليه وآله: يا فلان! ما منعك أن تصلّي في القوم؟
____________________
(١) صحيح البخاري ١: ١٣٣، باب التيمم، ح ٣٤٠، صحيح مسلم ١: ٢٨٠، باب التيمم، ح ٣٦٨، سنن أبي داود ١: ٨٧، ح ٣٢١، مسند أحمد ٤: ٢٦٤، سنن الدارقطني ١: ١٧٩، ح ١٥.
فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة، ولا ماء.
فقال صلّى الله عليه وآله: عليك بالصعيد، فإنّه يكفيك(١) .
وقوله صلّى الله عليه وآله في مورد آخر: عليك بالتراب(٢) .
وفي حديث ثالث: أعلّمك التيمّم، مثل ما علّمني جبرئيل، فأتيته...(٣) .
أم هل خفي عليه ما رواه أبو هريرة وأبو ذرّ وغيرهم في التيمّم؟
وكذلك ما وصل إلينا من أخبار المحافظة على الصلاة، وأنّها لا تُترك بحال؟
كلّ هذه النصوص تحكم بخطأ ما ذهب إليه الخليفة، وأنّه لم يكن أعرف من غيره بالأحكام الشرعيّة كما ادّعى ذلك لنفسه متأخّراً، كما أنّه لم يختصّ بعقليّة متميّزة عن غيره كما ادّعته الدكتورة نادية العمريّ وغيرها.
مع العلم بأنّ رأي الخليفة عمر بن الخطّاب لم يقتصر على الفاقد للماء حتّى يمكن القول بالاستثناء، وقبول ما عَلَّل به الآخرون، بل تطوّر الأمر وجاوز الحد، إذ صار الخليفة يؤكّد على لزوم اتّباع آرائه وإن حصل بينها الاختلاف في الواقعة الواحدة.
فعن الحكم بن مسعود الثقفيّ أنّه قال:
شهدتُ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أشرك الإخوة من الأب والأُمّ مع الإخوة من الأُمّ في الثلث.
فقال له رجل: قضيت في هذا عامَ أوّل بغير هذا!
قال: كيف قضيت؟
قال: جعلته للإخوة من الأمّ ولم تجعل للإخوة من الأب والأمّ شيئاً.
____________________
(١) صحيح البخاريّ ١: ١٣٤، باب التيمم، ح ٣٤١، سنن الدارمي ١: ٢٠٧، ح ٧٤٣، سنن الدارقطني ١: ٢٠٢، باب الوضوء والتيمم من آنية المشركين، ح ٣، سنن النسائي ١: ١٧١، باب التيمم بالصعيد، ح ٣٢١، تيسير الوصول ٣: ١١٥.
(٢) مسند أحمد ٢: ٢٧٨، ح ٧٧٣٣، ٢: ٣٥٢، ح ٨٦١١، السنن الكبرى للبيهقي ١: ٢١٦، باب ما روي في الحائض والنفساء...، ح ٩٧٩.
(٣) تاريخ بغداد ٨: ٣٧٣، كنز العمّال ٩: ٥٩٨، ح ٢٧٥٨٢، عن مسند أسلع بن الأسقع.
قال: تلك على ما قضينا، وهذا على ما قضينا(١) .
وفي لفظ آخر: تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا اليوم(٢) .
فهذه النصوص تؤكّد على أنّ الخليفة يجدُّ في رسم أُصول فقهه واعتبارها المقياس الأوّل والأخير في الأخذ به. وهي رؤية أملتها الظروف عليه ودَعَتْه إلى القول بها، ثمّ امتدّت بعده حتّى بلغ الأمر ببعض المسلمين أن يقول: إنّ قول الصحابيّ وفعله يُخصّص كلام الله!
قال الدكتور مدكور: وأيّاً ما كان فمن الثابت أنّه لا يوجد حكم تشريعيّ في هذا العهد [ أي عهد الرسالة ] إلاّ ومصدره الوحي، ولم يقُل أحد غير ذلك سوى مَن أجازوا للرسول الاجتهاد(٣) .
ثمّ نَقَلَ عن المدخل إلى علم أُصول الفقه، للدواليبيّ: أنّ الرسول قد جعل الاجتهاد أصلاً ثالثاً للأحكام في عصره(٤) ، ثمّ نفى الدكتور سلّام هذا الرأي، وذهب إلى عدم كونه مصدراً للتشريع في عهده صلّى الله عليه وآله(٥) .
نعم، علّل أتباع مدرسة الخلافة وأنصاره، ما ذهب إليه الخليفة عمر بن الخطّاب من اجتهادات تخالف القرآن والسنّة المطهّرة، وذكروا وجوهاً في ذلك، منها ما قاله الدكتور سلاّم: (... ولم ينهض عنده [ أي المستشكل القادح ] حجّة لقادح خفيٍّ رآه فيه [ أي عند عمر ] حتّى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة، واضمحلّ وَهَمُ القادح فأخذا به)(٦) وغيرها من وجوه التعليل التي ذكرها المؤرّخون والفقهاء.
إنّ دعوة الخليفة المسلمين إلى اتّباع قوله، كانت حاجة سياسيّة فرضها الواقع
____________________
(١) السنن الكبرى ٦: ٢٥٥، باب المشركة، ح ١٢٢٤٧، ١٠: ١٢٠، باب من أجتهد من الحكام.
(٢) سنن الدارقطني ٤: ٨٨، كتاب الفرائض والسير، ح ٦٦، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٥٥، باب المشركة ح ١٢٢٤٩.
(٣) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٣٥٦.
(٤) مناهج الاجتهاد في الإسلام عنعلم أُصول الفقه للدواليبيّ: ١١.
(٥) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٣٥٦.
(٦) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ١٥٤.
الاجتماعيّ عليه، وكذا منعه للتدوين وللتحديث؛ إذ لم يصدر نصّ شرعيّ عن رسول الله فيه؛ لأنّه لو ثبت ذلك عنه صلّى الله عليه وآله لذكَّر الخليفة عمر بن الخطّاب المسلمين به واستعان بقوله صلّى الله عليه وآله - في منعه للتحديث والتدوين - ولم ينسب المنع لنفسه وحده لئلا يتحمّل وزره.
إنّ الظروف هي التي ألزمت الخليفة أن يقول بالرأي وإن خالف النصّ، انطلاقاً من الخلفيّات التي ذكرنا بعضه، وعلى ذلك يمكننا أن نعدّ مواقفه السابقة مع رسول الله من هذا الباب، إذ كان في الجاهليّة على شي من ذلك، فكان يريد تطبيق ممارسة صلاحيّاته - التي يرتأيها لنفسه - بأوسع نطاق في الإسلام ومع رسول الله، ولكنّ الفرق بين العصرين واضح بيّن.
نعم، إنّ البعض قد نفى أن يكون اجتهاد الخليفة من هذا القبيل، حيث أنّه كان من الذين قد تعبّدوا بسنّة الرسول، ثمّ مثّلوا لذلك ببعض النصوص، كقوله وهو واقف على الركن: إنّي لأعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّي رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله قبلك ما قبلتك ثم دنا فقبله(١) .
وقال يعلى بن أُميّة: طُفت مع عمر بن الخطّاب، فلمّا كنت عند الركن الذي يلي الباب ممّا يلي الحجر، أخذت بيده ليستلم، فقال: أما طُفتَ مع رسول اللَّهصلّى الله عليه وآله؟
قلت: بلى.
قال: فهل رأيتهصلّى الله عليه وآله يستلمه؟
قلت: ل.
قال: فانفذ عندك فإنّ لك في رسول الله أُسوة حسنة(٢) .
لكنّ مثل هذه النصوص لا تفي بالمدّعى بعدما عرفت عن حجم الاجتهاد فكراً
____________________
(١) مسند أحمد ١: ٤٦، ح ٣٢٥، مسند ابن الجعد ١: ٣١٦، ح ٢١٥٢، السنن الكبرى للنسائي ٢: ٤٠٠، ح ٣٩١٨، مسند الشاميين ٢: ٣٩٥، ح ١٥٦٧، شعب الإيمان ٣: ٤٥١، ح ٤٠٤٠، فيض القدير ٣: ٤٠٩.
(٢) مسند أحمد ١: ٣٧، ح ٢٥٣، و ١: ٤٥، ح ٣١٣، أخبار مكة ١: ١٥٠، ح ١٨٤، الأحاديث المختارة ١: ٤١٨، ح ٢٩٧.
وتطبيقاً عند الخليفة عمر(١) ، فإذا لحظت هذا وأقواله في ضرورة التمسّك بالأحاديث ونبذ الاجتهاد، ثمّ لحظت اجتهاداته وتوسّعه في الاستنباط حتّى مع وجود النصّ، إذا لحظت هاتين المسألتين علمتَ أنّ الظروف هي التي حدت به أن يتّخذ موقفاً انجرّ في نهاية المطاف إلى مخالفة السنّة النبويّة، من حيث يشعر أو لا يشعر بذلك.
لأنّ استمرار ظاهرة التخطئة عند المسلمين تؤدّي لا محالة إلى انفصال القيادتين السياسيّة والعلميّة إحداهما عن الأخرى، وهذا يعني خروج المسلمين عمّا اعتادوا عليه في عهد رسول الله من الأخذ عن شخص واحد والخدش في مكانته الروحيّة، ونظراً للمصلحة العامّة - كما يقولون - ذهبوا إلى القول بالمصلحة وحجّيّة الرأي واجتهادات الصحابة، وخصوصاً اجتهادات الشيخين؛ لأنّهم قد عرفوا ملاكات الأحكام وروح التشريع، كما طرحها المبرّرون لآراء واجتهادات الشيخين - زاعمين أن اجتهادات أمثال هؤلاء جديرة بالامتثال - ثمّ رووا أحاديث عن رسول الله في ذلك.
ثمّ إنّ المسلمين كانوا قد عرفوا أنّ الأحكام المُستجدّة يلزم أن يستنبطوها من النصوص الشرعيّة، وما جاء عن رسول الله، ولا يجوز لأحد القول فيها بالرأي والاجتهاد، وحيث إنّ الخليفة لم يحفظ جميع تلك النصوص الصادرة عن رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله، أو لا يعرف تفسيره، فتراه يشرّع القياس ليكون المبرّر لما يذهب إليه، وليقال في تبريره إنّ كلامه مأخوذ من الأصل الفلاني والآية الفلانيّة.
____________________
(١) هذا على فرض تسليم دلالة مفردة الحجر على التعبّد تنزّلاً، وإن كان الواقع يدلّ على أنّ مفردة تقبيل الحجر هي أيضاً من الأدلّة الدالّة على جهل عمر بالأحكام؛ لأنّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال له: أمّا إنّ الحجر ينفع، وقال له ما مفاده أنّه يشهد يوم القيامة لمن وافاه واستلمه، هذا مع ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وآله من أنّ الحجر الأسود من أحجار الجنّة، فتقبيله ارتياح إلى الجنّة وآثارها، وما أخبر به صلّى الله عليه وآله من أنّ الحجر يمين الله في الأرض، يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه، وأنّ مَن لم يدرك بيعة رسول الله صلّى الله عليه وآله ثمّ استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله. شرح العمدة ٣: ٤٣٦، شرح فتح القدير ٢: ٤٤٩، فتح الباري ٣: ٤٦٣، عون المعبود ٥: ٢٢٩، الباب ٤٨، مصنف عبد الرزاق ٥: ٣٩، ح ٨٩٢٠، وانظر عمدة القاري ٩: ٢٤٠، وإرشاد الساري ٣: ١٩٠، ونصب الراية ٣: ١١٦، وسبل الهدى والرشاد ١: ١٧٦ كذلك.
وبذلك صار الاجتهاد أمراً مألوفاً عند المسلمين ولا يختصّ بالخليفة؛ لأنّه قد عمّ جميع الصحابة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ البعض منهم: كان يفتي طبق الرأي والاجتهاد، والآخر: طبق النصّ ولا يرضى بالتحديث إلاّ عن كتاب الله وسنّة رسوله، فإن توصّل هؤلاء إلى الحلّ المراد كان ذلك في إطار الاستنباط الصحيح المتين من الكتاب والسنّة، بمعنى سلوك السُّبُل الكفيلة بالدلالة على ما أراده الله ورسوله، وهذا ليس من الرأي بشي.
بلى، إنّها كانت خطوة سياسيّة اتّخذها لكي لا يجرؤ أحد على مخالفة فتاواه، بل ليسلّم الجميع لما يذهب إليه.
عن أبي موسى الأشعريّ: أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رُويدك ببعض فُتياك، فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدك، حتّى لقيه بعد فسأله.
فقال عمر: قد علمت أنّ النبيّ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلّوا معرسين بهنّ في الأراك، ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم(١) .
إنّ هذا النصّ وأمثاله ممّا يؤكّد فكرة خضوع الأحكام الشرعيّة لرأي الخليفة، إذ ترى أبا موسى الأشعري - وهو من كبار الصحابة - لا يمكنه أن يفتي بالمتعة؛ لأنّه لا يدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك! بل يجب عليه التروّي حتّى يأتي أمر الخليفة وقراره الأخير فيه!!
وقد أنكر عمر بن الخطّاب على البعض لإفتائه من عند نفسه بقوله: كيف تفتي الناس ولست أميراً؟ وَلِّ حارَّها مَن توَلّى قارّها(٢) .
ونحن، بعد وقوفنا على ملابسات التشريع، يمكننا القول: إنّ الذهاب إلى حجّيّة
____________________
(١) صحيح مسلم ٢: ٨٩٦، باب في نسخ التحلّل من الإحرام، ح ١٢٢٢، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٣٤٨، ح ٣٧١٥، مسند البزار ١: ٣٤٦، ح ٢٢٦، فتح الباري ٣: ٤١٨، سنن ابن ماجة ٢: ٩٩٢، ح ٢٩٧٩، مسند أحمد ١: ٥٠ ح ٣٥١.
(٢) الجامع لمعمر بن راشد ١١: ٣٢٩، مصنف عبد الرزاق ٨: ٣٠١، باب هل يقضي الرجل بين الرجلين ولم يول، ح ١٥٢٩٣، سير أعلام النبلاء ٢: ٤٩٥، ٤: ٦١٢.
كلام الصحابيّ، واستغلال مفهوم اجتهاد النبيّ وأنّه قد أخطأ في فداء أسرى بدر، والصلاةِ على المنافق، وقوله: إنّما أنا بشر إذا أمرتُكم بشي من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتُكم بشي من رأيي فإنّما أنا بشر أُخطى وأُصيب(١) وغيرها... كلّها رؤىً قد رُسمت لتصحيح اجتهادات الخليفة، ولرسم المبرِّر لما يذهب إليه.
فسؤال الصحابة الخليفة عن الحكم الشرعيّ وبالعكس، يعني طلب الجميع الوقوف على ما حكم به الله ورسوله، فلو كان اجتهاد الخليفة عمر بن الخطّاب عندهم حجّة، لأخذوا به ولَما ذكّروه بما قاله الرسول صلّى الله عليه وآله وما فعله، ولَمَا تراجع هو عمّا أفتى به في كثير من المواطن! وهذا دليل على أنّ سيرة الشيخين لم تكن حجّة عند المسلمين في الصدر الإسلاميّ الأوّل - وعلى التحديد قبل تأسيس الشورى - حيث وقفت على تخطئة الصحابة لعمر، وتخطئة الواحد منهم للآخر.
فلو صحّ ما نُسب إلى رسول الله من أنّه أكّد على لزوم اتّباع سنّة الشيخين بقوله: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر...)، فَلِم نرى الصحابة لا يأخذون بأمر الرسول حيث خالفوا رأي الشيخين من بعده؟
قال الدكتور ديب البغا، وهو بصدد بيان أدلّة النافين لحجّيّة مذهب الصحابيّ: (... أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كلّ واحد من آحاد الصحابة المجتهدين للآخر، فلم ينكر أبو بكر وعمر(٢) رضي الله عنهما على مخالفيهما بالاجتهاد، بل أوجبوا على كلّ مجتهد في مسائل الاجتهاد أن يتّبع اجتهاد نفسه، ولو كان مذهب الصحابيّ حجّة لما كان كذلك، ولكان يجب على كلّ واحد منهم اتّباع الآخر، وهو محال)(٣) .
إنّ عامة الناس كانوا يريدون الوقوف على سنّة رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله لا سنّة الشيخين،
____________________
(١) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٣٤٩.
(٢) بل أنكر عمر - بعد أن أعلن نفسه مرجعاً وحيداً لا في بدايات حكومته - على الكثير منهم وهدّدهم وعاقب كما مرّ، ويأتيك أكثر من ذلك.
(٣) أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلاميّ، للدكتور مصطفى ديب البغا: ٣٤٧.
والخليفةُ - كما عرفت - لا يعرفها جميعاً، ومن هنا بدأ يواجه مشكلة جدّيّة ينبغي له أن يضع الحلّ له؛ لأنّ المحدّثين من الصحابة وبنقلهم الأحاديث عن رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله سيوقفون الناس على وهن رأي الخليفة وبُعده عن الشريعة، وإنّ هذه الظاهرة التوعوية - بطبيعة الحال وحسب نظر الخليفة - ستمسُّ كيان الخلافة والدولة الإسلاميّة الفتيّة، وتؤدّي إلى انفصال القيادتين السياسيّة والعلميّة إحداهما عن الأخرى، وهو ممّا لا يخدم الوضع العامّ ولا قرار الخليفة.
فلابدّ له والحال هذه من رسم خطّة واتّخاذ نهج للخروج ممّا هو فيه، فذهب أوّلاً إلى القول بحجّيّة الرأي والقياس، بعد أن كان معارضاً لهما في ظاهر الأمر؛ لأنّه رأى فيهما ما يطيّب النفس ويُقنع السائل. وقد وقفت على نصوص للصحابة يتّخذون فيها التمثيل والتشبيه أُسلوباً لإقناع عمر بن الخطّاب وفقاً لرأيه وفهمه، منه: ما قاله أبو عبيدة بن الجرّاح للخليفة في قتل المسلم بالذمّيّ: أرأيت لو قتل عبداً له أكنت قاتله؟! فصمت عمر، أو تمثيل زيد بن ثابت في الإرث بالشجرة، وغيره.
فالقياس والتمثيل هو المنفذ العقليّ الذي اتَّخذه البعض نهجاً في معرفة الأحكام، والصحابة قد اتَّخذوه لإقناع الخليفة عمر، واتّخذه الخليفة عمر أيضاً لإِقناع الناس برأيه مركّزاً على القياس بشكل خاصّ؛ فجاء في كتاب عمر بن الخطّاب إلى شريح:
إن جاءك شيء في كتاب الله فأقض به ولا يلتفتنك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنّة رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله فاقض به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنّة رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنّة رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله، ولم يتكلّم فيه أحد من قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برئيك ثم تقدم فتقدّم، وإن شئت أن تتأخّر فتأخّر ولا أرى التأخّر إلاّ خيراً لك(١) .
____________________
(١) سنن الدارمي ١: ٧١، باب الفتيا وما فيه من الشدة، ح ١٦٧، مصنف ابن أبي شيبة ٤: ٥٤٣، باب في القاضي ما ينبغي أن يبدأ به من قضائه، ح ٢٢٩٩٠، السنن الكبرى للبيهقي ١٠: ١١٥.
وفي كتاب الخليفة عمر لأبي موسى الأشعريّ:
فاعرف الأشباه والأمثال ثمّ قس الأمور عند ذلك فأعمِد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحقّ(١) .
هذا وقد شكّ ابن حزم في صدور هذه الرسالة من عمر إلى واليه أبي موسى الأشعريّ، لكنّه قَبِل صدور الرسالة لشريح و إن كان له فيها بعض الكلام(٢) .
قالت الدكتورة نادية شريف العمريّ: وقد استعمل عمر بن الخطّاب مصطلح القياس في رسالته إلى أبي موسى الأشعريّ، إلاّ أنّ تلك الاصطلاحات والقواعد لم تكن شائعة بمسمّياتها تلك(٣) .
وهذا كلام صحيح؛ إذ إنَّ القياس بمفهومه الاصطلاحيّ لم يظهر إلاّ في زمان متأخّر عن الخلافة الراشدة، لكنَّ بذوره وجذوره الأوّليّة كانت قد ظهرت نتائجها بشكل واضح عند الخليفتين عموماً، وعند الثاني منهما بشكل خاصّ، وذلك ما لا يستطيع إنكاره إلاّ مكابر، فسواء صحّ استعماله لكلمة القياس أم لم يصحّ، فإنَّ الثابت أنّه استفاد وعمل وطبّق القياس وغيره في فقهه.
والذي أشكلناه على منهجيّة الشيخين ومَن حذا حذوهما من الصحابة في التفكير، لم يكن ليخفى على جمّ غفير من الصحابة، فقد تصدّى الكثير منهم في موارد عدّة للاجتهادات والأقيسة والمصالح التي بُدّلت وغيّرت على أساسها الأحكام، أو مُنع من تطبيق بعضها أو زِيد فيها أحكام أُخرى.
وهناك من عيون الصحابة من لم يكتف بالمخالفة والتغليط والتصحيح في مورد أو أكثر، بل أطلقوا قاعدة عامّة نصَّ عليها الكتاب وجاءت بها سُنّة النبيّ، مفادها عدم جواز إعمال الرأي في الأحكام؛ لأنّ الإتيان بحكم جديد لم يُسْتَقَ من القرآن والسنّة
____________________
(١) سنن الدارقطنيّ ٤: ٢٠٦ - ٢٠٧، باب كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، ح ١٥ و ح ١٦، السنن الكبرى للبيهقي ١٠: ١٥٠، شرح النهج ١٢: ٩١.
(٢) انظر مناظرات في أُصول الشريعة بين ابن حزم والباجيّ، للدكتور تركي: ٣٩٨ عن الإحكام ٧: ٤٤٣.
(٣) اجتهاد الرسول، للدكتورة نادية: ٣٢٦.
يعني نقص الشريعة وعدم إبلاغ النبيّ صلّى الله عليه وآله للرسالة، وهذا ما لا يقول به مسلم، ويستلزم منه القول بمعرفة الصحابة حكماً عامّاً خفي على المشرّع وجهه، وهذا يعني كذلك اختصاص بعضهم بطائفة من الأحكام أخْفَوها عن الآخرين، ومعناه: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يبلِّغها للآخرين - والعياذ بالله - أو أنّ بعض الصحابة قد وقف على وجه تشريع الحكم وغايته من قبل الله تعالى، في حين أنّ رسول الله لم يبيّنها لهم وهو المبيّن لأحكام الله.
إنّ القول بمعرفة الصحابة لغايات الأحكام ومصالحها ومفاسدها المبتناة عليها، كانت من النقاط التي رُسمت لتصحيح الرأي والاجتهاد.
لأنّا نعلم أنّ العقول الناقصة من الرجال لا تستطيع الإحاطة بجميع مصالح ومفاسد الأحكام، ومن هنا لم يجعل سبحانه وتعالى لأحدٍ حقّ الجعل والتشريع، واختصّ ذلك بذاته المقدّسة؛ لأنّه العالم المحيط بالمصالح والمفاسد.
إذاً لم يبق إلاّ أن يقال: إنّ الشريعة المحمّديّة متكاملة الأحكام، دقيقة الإحكام، ليس فيها حكم إلاّ وقد استبان بنحو من أنحاء الدلالة التي أرشد إليها النبيّ مَنْ اختصّه بالعلم، فكان على الراسخين في العلم أن يُبَيّنوه للناس، ويستنبطوه من الكتاب والسنّة وفق ما أراده الله، لا بما اعتقدوا فيه من المصالح وأرادته العقول غير الكاملة.
وهذه الحقيقة صرّح بها الكثير من لامعي الصحابة، فخذ على سبيل المثال: الإمام عليّ بن أبي طالب وابن مسعود، فإنّهما قد أوضحا هذه الحقيقة، وأشارا إلى أنّ فهم الرجال يعجز عن إدراك الحكم الإلهيّ وغايته، لا أنّ الحكم ليس موجوداً في الكتاب.
جاء عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام:(ما من شيء إلاّ وعلمه في القرآن، ولكنّ رأي الرجال يعجز عنه) (١) .
وعن عبد الله بن مسعود: ما من شيء إلاّ [ بُيِّنَ ] لنا في القرآن حكمه، ولكنّ فهمنا
____________________
(١) انظر حجّيّة السنّة: ٣٢٩ عن الحجّة للمقدسيّ، وهو في ينابيع المودة للقندوزي ٣: ٢١٨ وفيه: عقول الرجال تعجز عنه، وفي الكافي ١: ٦٠ ح ٦ عن الصادق عليه السلام:(ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله، ولكن لا تبلغه عقول الرجال) .
يقصر عن إدراكه؛ فلذلك قال تعالى:( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (١) .
إنّ كلامَي عليّ بن أبي طالب وابن مسعود صريحان الدلالة على أنّ الأحكام موجودة في كتاب الله، وأنّ رسوله صلّى الله عليه وآله مكلّف بتبيين ذلك للناس، وقد أمر سبحانه المؤمنين بالرجوع إليه صلّى الله عليه وآله، بقوله:( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ ) (٢) .
نعم، إنّ الآية تؤكّد بصراحة ووضوح: أن حكم كلّ ما تنازع فيه المؤمنون موجود في كتاب ربّ العالمين وسنّة سيّد المرسلين، فلو لم يكن كذلك لما أمر سبحانه الناس بالردّ إليهم؛ إذ من الممتنع عقلاً أن يأمر الله بالردّ عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع!
بَيْدَ أنّنا لا نريد أن نذهب إلى ما ذهب إليه إسماعيل أدهم، وأحمد توفيق شوقي، وغيرهما من الداعين إلى الاقتصار على القرآن ومنكري السنّة، الآمرين بلزوم اتّباع القرآن وحده!
بل نريد التنويه إلى أنّ الصحابي الواعي الذي عايش النبيّ صلّى الله عليه وآله، يمكنه أن يقف على حكم الله في كتابه، ويهتدي إلى الصواب فيه، وإذا أعياه رجع إلى السنّة، إذا كان ملمَّاً بها وبحزئيّاتها، وليس هناك حكم لا يمكن استنباطه من الكتاب والسنّة حتّى يصل الأمر إلى القياس والقول بحجّيّة الرأي.
إنّ عدم وقوف الصحابيّ على الدليل ليس دليلاً على العدم، إذ يمكن وجود الحكم المتنازع فيه عند الآخرين، وقد وقفت على نماذج من ذلك، ورجوع الخليفة وغيره إليهم لينقلوا له سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، فكيف يقول الخليفة عمر: (ولم يسنّ رسول الله فاقض بما أجمع عليه الناس)؟!
وهل كلّ ما لا نعرفه من حكم الله ورسوله هو ممّا لم يسنّ، حتّى يصحّ القول: فإن
____________________
(١) حجّيّة السنّة: ٣٢٩ عن ابن أبي حاتم، والآية: ٤٤ من سورة النحل، وانظر تفسير الطبري ١٤: ١٦٢، تفسير ابن كثير ٢: ٥٨٣.
(٢) النساء: ٥٩.
شئت أن تجتهد برأيك فتقدّم، وإن شئت أن تتأخّر فتأخّر؟!
ألم يكن ذلك هو الرأي المنهيّ عنه في الروايات؟
أما خالف الخليفة بقوله هذا ما قاله في نصّ آخر:
أيّها الناس! اتّهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني أرُدُّ أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله برأيي اجتهاداً، فو الله ما آلُو عن الحقّ، وذلك يوم أبي جندل والكتاب بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وأهل مكّة فقال: (اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم) فقالوا: ترانا قد صدّقناك بما تقول؟ ولكنَّك تكتب (باسمك اللّهمّ)، فرضي رسول الله صلّى الله عليه وآله وأبيت، حتّى قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله: (تراني أرضى وتأبى أنت) قال: فرضيت(١) .
ألا ترى أن يكون القائل بالرأي هو ممّن تنقصه المعرفة بالسنّة، لقول عمر: (إيّاكم وأصحاب الرأي فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا)(٢) .
ما يعني هذا التهافت بين أقوال عمر بن الخطاب؟ فتارة نراه يحمي الرأي ويشرّعه أمام نصّ رسول الله وكلامه، ويقف أمام إتيان الصحابة بالدواة إليه صلّى الله عليه وآله، ويقول: إنّه ليهجر، وأُخرى نسمعه يقول بما مرّ أعلاه؟!
أتكون هذه النصوص معبّرة عن مرحلتين مرّ بهما الخليفة، فتارة يتّخذ الرأي وثانية يخالفه؟
وماذا سيفعل القائس - على رأي عمر - إذا اشتبهت عليه الوجوه ولا يدري أيّها أحبّ إلى الله؟
ولو صحّ القياس في شريعة السماء فلِمَ لا يوجب الشرع جلد القاذف بالكفر دون القاذف بالزنا؟!
____________________
(١) المعجم الكبير للطبرانيّ ١: ٧٢، ح ٨٢، المدخل إلى السنن الكبرى ١: ١٩٢، ح ٢١٧، وانظر فتح الباري ١٣: ٢٨٩.
(٢) سنن الدارقطني ٤: ١٤٦، كتاب النوادر، ح ١٢، اعتقاد أهل السنّة ١: ١٢٣، ح ٢٠١، فتح الباري ١٣: ٢٨٩، المدخل إلى السنن الكبرى ١: ١٩٠، ح ٢١٣.
ولماذا نراهم يفرّقون بين حكم خروج المني ودم الحيض في إعادة الصلاة، وكلاهما ممّا يُوجَبُ الغسل فيه، وكذا تفريقهم بين المذي والبول والمني في الغسل ومخرجها واحد؟!
وحرّموا النظر إلى شعر المرأة وأباحوا النظر إلى وجهها، وسوّوا بين قاتل الصيد عمداً وخطأً، وفرّقوا بينهما في قاتل النفس(١) .
ألا يكون القياس مبتنياً على الظنّ، والشارع قد نهى عن اتّباعه بقوله تعالى:( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ) ؟!(٢) وقوله عزّ وجلّ:( إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وإنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئاً ) (٣) .
أليس القياس مُبْتنياً على اختلاف الأنظار في تعليل الأحكام، والشرع لا تناقض بين أحكامه؟
قال الوافي المهدي: (وقد استعمل الصحابة) رضي الله عنهم (القياس، فقد قاسوا خلافة أبي بكر لرسول الله بعد موته على إنابته في الصلاة حين مرض الرسول مرضه الأخير، قائلين: (رضيه رسول الله لأمر ديننا، أفلا يرضاه لأمر دُنيانا)؟! وقد قاس أبو بكر الزكاة على الصلاة وقال: لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصلاة والزكاة، وقاس أبو بكر كذلك العهد على العقد حينما عهد إلى عمر بالخلافة من بعده...)(٤) .
إن التفصيل في مثل هذه الأمور يستدعي مزيداً من الوقوف عنده، لكنّا نكتفي بهذا القدر ليكون القارئ على صورة من الاتّجاهات الفكريّة السائدة في الصدر الإسلاميّ الأوّل، وليتعرّف على جذور بعض الأصول عند النهجين.
____________________
(١) مناظرات في الشريعة الإسلاميّة بين ابن حزم والباجيّ: ٤١٦ عن الأحكام لابن حزم.
(٢) الإسراء: ٣٦.
(٣) النجم: ٢٨.
(٤) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: ٦٣.
نظرة في الموضوع
إنّ الإمام الصادق بيّن سبب لجوء الشيخين - ومَن حذا حذوهما - إلى الرأي والقياس، ووردت عنه عدّة روايات في هذا السياق، منها:
ما حكاه القاضي النعمان محمّد بن منصور التميميّ المغربيّ، قاضي مصر:
إنّ سائلاً سأل الإمام الصادق فقال: يا ابن رسول الله، من أين اختلفت هذه الأمّة فيما اختلفت فيه من القضايا والأحكام [ من الإحلال والإحرام ] ودينهم واحد، ونبيّهم واحد؟
فقال عليه السلام:هل علمت أنّهم اختلفوا في ذلك أيّام حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله؟
فقال: لا، وكيف يختلفون وهم يردّون إليه ما جهلوه واختلفوا فيه؟!
فقال:وكذلك، لو أقاموا فيه بعده مَن أمَرهم بالأخذ عنه لم يختلفوا، ولكنَّهم أقاموا فيه مَن لم يعرف كلّ ما ورد عليه، فَرَدُّوه إلى الصحابة، يسألونهم عنه، فاختلفوا في الجواب، فكان سبب الاختلاف . ولو كان الجواب عن واحد والقصد في السؤال عن واحد كما كان ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله لم يكن الاختلاف(١) .
وجاء في تفسير العيّاشيّ، والخبر طويل نقتطف منه هذا المقطع: فظنّ هؤلاء الذي يدّعون أنّهم فقهاء وعلماء، وأنّهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين ممّا تحتاج هذه الأمّة إليه وصح لهم عن رسول الله وعلموه ولفظوه.
وليس كلّ علم رسول الله عَلِموُه، ولا صار إليهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ولا عرفوه.
وذلك أنّ الشي من الحلال والحرام والأحكام، يَرِدُ عليهم فيسألون عنه، ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ويستحيُون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، ويكرهون أن يُسألوا فلا يجيبوا، فيطلبوا العلم من معدنه؛ فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين الله، وتركوا الآثار ودانوا الله بالبدع، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:(كلّ بدعة ضلالة) ، فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شيء من دين الله فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله ردّوه إلى الله
____________________
(١) شرح الأخبار، للقاضي النعمان المغربيّ ١: ٩٠.
وإلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم، لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد...(١) .
وأخرج القاضي نعمان بسنده عن محمّد بن قيس، عن أبيه قال: كنّا عند الأعمش فتذاكرنا الاختلاف، فقال: أنا أعلم من أين وقع الاختلاف.
قلت: من أين وقع؟
قال: ليس هذا موضع ذكر ذلك.
قال: فأتيته بعد ذلك فخلوت به، فقلت: ذكرنا الاختلاف الواقع، وذكرت أنّك تعلم من أين وقع، فسألتك عن ذلك، فقلت: ليس هذا موضع ذلك، وقد جئتك خالياً، فأخبرني من أين وقع الاختلاف؟
قال: نعم، وَليَ أمر هذه الأمّة مَنْ لم يكن عنده علم، فَسُئل فسأل الناس فاختلفوا(٢) .
الصحابة وأخذهم عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)
وقد أشار ابن حزم وغيره من الأعلام إلى أنّ الحياة وضنك العيش كانا لا يسمحان للصحابة بالاستزادة من علم الرسول، فقال:
(وقد علم كلّ أحد أنّ الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا حوالَي رسول الله بالمدينة مُجتمعين، وكانوا ذَوي معايشَ يطلبونها، وفي ضنك من القُوت شديد - قد جاء ذلك منصوصاً - وأنّ النبيّ وأبا بكر وعمر أخرجهم الجوع من بيوتهم فكانوا من متحرّف في الأسواق، ومَن هو قائم على نخله، ويحضر رسول الله في كلّ وقت منهم الطائفة، إذا وجدوا أدنى فراغ ممّا هم بسبيله. هذا ما لا يستطيع أحد أن ينكره، وقد ذكر ذلك أبو هريرة، فقال: إنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفق بالأسواق، وإنّ
____________________
(١) تفسير العيّاشيّ ٢: ٣٣١ - ٣٣٢ وعنه في وسائل الشيعة ٢٧: ٦١، ح ٣٣١٩٩، والبرهان ٢: ٤٧٦، ح ٦، وبحار الأنوار ١٣: ٣٠٤، الباب العاشر، ح ٣١، وفي كتاب (اختلاف أُصول المذهب) للقاضي النعمان المغربيّ - طبعة دار الأندلس / بيروت ١٩٧٣ م: (... وقد سئل أبو عبد الله جعفر بن محمّد عن علّة اختلاف الناس بعد رسول الله، وكيف يختلفون بعد رسول الله...).
(٢) شرح الأخبار للقاضي للنعمان المغربي ١: ١٩٦ وفي كتاب سليم بن قيس ٢: ١٠٥ ما يقارب هذا.
إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم، وكنتُ امرءاً مسكيناً أصحب رسول الله على ملء بطني(١) ، وقد أقرّ بذلك عمر فقال: فأتَني مثل هذا من حديث رسول الله، ألهاني الصَّفق في الأسواق...).
وجاء عنه أنّه كان يتناوب النُّزول إلى رسول الله للاستزادة منه مع أخ له نِزاريّ، فيومٌ كان هو ينزل لأخذ الأحكام، أمّا اليومُ الآخر فكان حصّة الآخر النِّزاريّ(٢) .
وبهذا عرفت أنّ النصوص وضّحت أمراً آخر غير ما هو في مخيّلتنا، وهو أنّ الشيخين كانا يهتمّان بأمر التجارة أكثر من الاستزادة من علم الرسول، وذلك ما نقله أبو هريرة في الحديث السابق، وفي قبال ذلك نرى وجود صحابة قد دعا لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله بالعلم والفهم كقوله لابن مسعود: إنَّك غلام مُعَلَّم(٣) ، ودعائه لابن عبّاس بقوله: اللّهمّ فقّهه في الدين(٤) ، وهكذا رهط آخرون من الصحابة، على أنّ هؤلاء الممدوحين المخصوصين بمقدار من العلوم لم يكن عند أحد منهم سوى علي بن أبي طالب العلم بكل القرآن والسنّة الشريفة، فَقَد نصَّ في أكثر من مرّة على أنّه عرف جميع علم الرسول واختصّ به، وأنّه كان يخلو برسول الله في اليوم مرّتين صباحاً ومساء وكان يُناجيه(٥) ، حتّى جاء عنه:(سَلُوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم بِلَيلٍ نَزَلت أم بنهار، في سهلٍ أم في جبل) (٦) .
ولتأكيد الموضوع خُذْ نصوصاً أُخرى:
____________________
(١) صحيح البخاري ١: ٥٥، باب حفظ العلم، ح ١١٨، ٢: ٨٢٧، باب ما جاء في الغرس، ح ٢٢٢٣، واللفظ عنه، صحيح مسلم ٤: ١٩٣٩، باب فضائل أبو هريرة، ح ٢٤٩٢، مسند أحمد ٢: ٢٤٠، ح ٧٢٧٣.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٢: ٢٤٥.
(٣) صحيح ابن حبّان ١٤: ٤٣٣: ١٤، ح ٦٥٠٤، ١٥: ٥٣٦، ح ٧٠٦١، مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٣٢٧، ح ٣١٨٠١.
(٤) صحيح البخاري ١: ٦٦، باب وضع الماء ثم الخلاء، ح ١٤٣، صحيح مسلم ٤: ١٩٢٧، باب فضائل عبد الله بن عباس ح ٢٤٧٧، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣: ٦١٥، ح ٦٢٨٠.
(٥) تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٨٦، شواهد التنزيل ١: ٤٨.
(٦) تفسير الصنعاني ٣: ٢٤١، الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٨، تاريخ دمشق ٤٢: ٣٩٨، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ١: ٨٣، الصواعق المحرقة ٢: ٣٧٥، فتح الملك العلي: ٧٥، وغيرها من المصادر الأخرى.
أخرج البخاريّ، عن عُبَيد بن عُمَير: أنّ أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً، فكأنّه وجده مشغول، فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس - يعني به أبا موسى -؟ ائذنوا له، فدعي له فقال: ما حَمَلك على ما صنعت؟
قال: إنّا كنّا نؤمر بهذا.
قال: لَتُقِيمَنّ على هذا بيِّنةً أو لأفعلنّ - وفي لفظ آخر: لأوجِعَنّ ظهرَك وبطنك - فخرج، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلاّ أصغرنا.
فقام أبو سعيد: فقال: كنّا نُؤمر بهذا.
فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله، ألهاني عنه الصَّفق بالأسواق(١) .
وعلَّق النوويّ على كلام أبي سعيد بقوله: فمعناه أنّ هذا الحديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتّى أنّ أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله(٢) .
وقد أنزل سُبحانه آيات في ذلك منها قوله تعالى:( فَلا تَدْخُلُوها حتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (٣) و( إلاّ أن يُؤْذَنَ لكُم ) (٤) .
والاستئذان قبل أنْ يكون أمراً إلهيّاً فهو خُلُق إنسانيّ.
وليتني أعرف سبب تهديد أبي موسى بالضرب، وهل التثبُّت في الحديث يستوجب ذلك؟
فلو لم يشهد أبو سعيد الخدريّ بنهي النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأنّه لم يدخل عليه إلاّ بعد الاستئذان، فماذا كان يفعل بأبي موسى؟!
ألا يشكّك هذا الموقف من الخليفة، فيما قيل عن عدالة الصحابة؟
فلو كان أبو موسى صحابيّاً عدلاً، فما معنى التثبُّت؟
____________________
(١) صحيح البخاري ٦: ٢٦٧٦، باب الحجة على من قال...، ح ٦٩٢٠، صحيح مسلم ٣: ١٦٩٤، باب الاستئذان، ح ٢١٥٣، والنص عنه، مسند أحمد ٤: ٤٠٠، ٤٠٣، سنن ابن ماجة ٢: ١٢٢١، باب الاستئذان، ح ٣٧٠٦، مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٢٦٨، ح ٢٥٩٦٨.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤: ١٣١، عون المعبود ١٤: ٥٧، عنه.
(٣) النور: ٢٨.
(٤) الأحزاب: ٥٣.
ولماذا لا يتأَنَّى الخليفة في إصدار أحكامه على الصحابة ولا يتثبَّت فيما يقول؟
ولو تَنَزَّلنْا وقبلنا أنّ الخليفة كان يريد التثبُّت في هذا الخبر، فأيّ معنىً للخبر الآتي؟!
نقل الدواليبيّ في المدخل إلى علم أُصول الفقه، عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب (الأموال) فقال: (أتى أعرابيّ عمرَ، فقال: يا أمير المؤمنين! بلادنا قاتَلْنا عليها في الجاهليّة وأسلمنا عليها في الإسلام، علامَ تحميها؟
قال: فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه، وكان إذا كربه أمر فَتَل شاربه ونفخ(١) ، فلمّا رأى الأعرابيّ ما به جعل يردّد ذلك عليه.
فقال - عمر متمسكّاً في ذلك بفكرة المصلحة وحده، من غير بحث عن سند من نصّ قرآنيّ أو سُنّة نبويّة -: (المال مال الله والعباد عباد الله، واللهِ لولا ما أحمل عليه في سبيل الله...)(٢) .
وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس والبيهقيّ في السُّنن والقُرطبيّ في تفسيره عن بجالة: أنّ عمر بن الخطّاب مرّ بغلام وهو يقرأ في المصحف: (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أُمّهاتهم، وهو أب لهم).
فقال: يا غلام حُكَّها!
فقال: هذا مصحف أُبيّ.
____________________
(١) انظر خبر أبو عبيد في الطبقات الكبرى ٣: ٣٢٦، المغني ٥: ٣٣٨، وقد نقله بنفس اللفظ، وفتح الباري ٦: ١٧٧، تاريخ المدينة المنوّرة ٣: ٨٣٩، مواهب الجليل ٦: ١٠، وجاء في العلل ومعرفة الرجال لأحمد ٢: ٧٣ بسنده (عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير: إنّ عمر بن الخطاب كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ)، وعنه في المعجم الكبير ١: ٦٦، وانظر الآحاد والمثاني ١: ١٠٠، فتح الباري ١٠: ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٢) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة للوافي المهدي: ٧٤ عن المدخل إلى علم أُصول الفقه: ١٠٠ وهو في المهذب ١: ٤٢٧، فصل لا يجوز لأحد أن يحمي مواتاً ليمنع الأحياء، المغني ٥: ٣٣٨، فصل في الحِمى.
فَذَهَبَ إليه فسأله.
فقال له أُبيّ: إنّه كان يُلهيني القرآن، و يُلهيك الصَّفْق بالأسواق، وأغلظ لعمر(١) .
وفي الدر المنثور: قرأ أُبيّ بن كعب (ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنّه كان فاحشةً ومَقْتاً وساءَ سبيلاً، إلاّ مَن تاب فإنّ الله كان غفوراً رحيماً)، فذُكِر لعمر فأتاه، فسأله فقال: أخذتُها من فِي رسول الله، وليس لك عمل إلاّ الصَّفْق بالبقيع(٢) .
وفي نصّ ثالث: أنّ عمر سمع رجلاً يقرأ بالواو، فقال: مَنْ أقرأك؟
قال: أُبيّ.
فدعاه، فقال أُبيّ: أقْرَأنِيه رسولُ الله، وإنّك لتَبيعُ القرظ بالبقيع.
فقال: صدقت، وإن شئت قلت: شهدنا(٣) .
وعن أبي إدريس الخولانيّ، عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أنّه كان يقرأ: (إذ جَعَل الذين كفروا في قُلوبِهمُ الحَميّةَ حميّة الجاهليّة، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فأنزلَ اللهُ سكِينَتَهُ على رسولهِ) فبلغ ذلك عمر، فاشتدّ عليه، فبعث إليه، وهو يهنأ ناقة له، فدخل عليه، فدعا ناساً من أصحابه، فيهم: زيد بن ثابت، فقال: مَن يقرأ منكم سورة الفتح؟
فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلّظ له عمر.
فقال أُبيّ: أأتكلم؟
قال: تكلّم.
قال: لقد علمتَ أنّي كنت أدخل على النبيّ صلّى الله عليه وآله ويُقرئني وأنتم بالباب، فإن أحببت أن أقرئ الناس على ما أقرأني قرأتُ، وإلاّ لم أقرأ حرفاً ما حييت!
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٢: ٤٥٠، ح ٢٥٥٦، مختصراً وفيه: وهو أب لهم وأزواجه أُمّهاتهم. انتهى، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٦٩، ح ١٣١٩٧، تفسير القرطبي ١٤: ١٢٦، واللفظ له.
(٢) الدر المنثور ٥: ٢٨٠، قال: أخرجه أبو يعلى وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب، وكنز العمال ٢: ٥٦٨، ح ٤٧٤٤، عن ابن مردويه، فتح القدير للشوكاني ٣: ٢٢٥.
(٣) انظر تفسير القرطبي ١٨: ١٠٢، الدر المنثور ٤: ٢٦٩.
قال: بل أقْرِئِ الناس(١) .
وفي لفظ آخر: قال أُبيّ: واللهِ يا عمر إنّك لتعلم أنّي كنت أحضر وتَغيبون، وأُدعى وتُحْجَبون ويُصنع بي، واللهِ لئن أحببتَ لألزمنّ بيتي، فلا أُحدّث أحداً بشي(٢) .
قد يتصوّر القارىُ - عند وقوفه على الأخبار السابقة - أنّ أُبيّ بن كعب هو ممَّن يقول بتحريف القرآن، لأنّ قراءته تخالف قراءتنا اليوم، وأنّ عمر بن الخطّاب جاء لِيُصَحِّح له قراءته، لكنّ حقيقة الأمر ليست كذلك، حيث جاء في صحيح البخاريّ، كتاب (فضائل الصحابة)، باب مناقب أُبيّ بن كعب، أنَّ النبيّ قرأ عليه القرآن، فعن أنس بن مالك قال: قال النبيّ لأبيّ: إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك( لم يكن الذين كفروا... ) قال: وسمّاني؟ قال: نعم، فبكى(٣) .
وإنّ توضيحنا لأمثال هذه النماذج قد يخرجنا عمّا نريد من الاستشهاد به وهو: أنّ علم الخليفة لم يكن كما حاول البعض تصويره، إذ كان يقضي أغلب أوقاته في السوق والبقيع، ولم يختصّ بالنبيّ، بل كان يتناوب النُّزول إليه صلّى الله عليه وآله يوماً فيوم، وثبت عنه القول: (وكان يلهيني الصَّفق بالأسواق) أو قول أُبيّ له (وكان يُلهيك الصَّفق في الأسواق)، وفي ثالث (إنّك تَبِيع القَرَظَ بالبقيع).
إنّ التصريح بهذا الرأي لا يعني الإزراء بالخليفة، بل هو تبيان للحالة التي كان يعيشها الخليفة والمسلمون في الصدر الأوَّل بعيداً عمّا رُسِمَ لهم متأخِّراً من هالة، والكلام عن أُبيّ وقراءته، له مجال آخَر.
إنَّ ما قِيل عن الخليفة من حنكة في فتوحاته ولياقاته العسكريّة شيء، وبيان دوره
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٢: ٢٤٥، ح ٢٨٩١، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الدر المنثور ٧: ٥٣٥، كنز العمّال ٢: ٥٦٨، ح ٤٧٤٥، عن (ن وابن أبي داود في المصاحف) وروى ابن خزيمة بعضه.
(٢) كنز العمّال ٢: ٥٩٥، ح ٤٨١٦، عن (ابن أبي داود).
(٣) صحيح البخاري ٣: ١٣٨٥، باب مناقب أُبيّ بن كعب، ح ٣٥٩٨، و ٤: ١٨٩٦، باب تفسير سورة إنّا أنزلناه في ليلة القدر، ح ٤٦٧٦، صحيح مسلم ١: ٥٥٠، باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل، ح ٧٩٩، سنن الترمذي ٥: ٦٦٥، ح ٣٧٩٢، مسند أحمد ٣: ١٣٠، ٥: ١٢٢.
في منع تدوين حديث رسول الله وأمره بحرق المدوّنات شيء آخر(١) .
ونحن في الوقت الذي لا نتناسى الفتوحات الإسلاميّة، لا نرتضي ما أصدره من أوامر في الإقلال من الحديث أو منع تدوينه!
نعم، قد خلط الكثير من الأعلام بين هاتين الناحيتين، فإنّك إذا اعترضت على دوره في الإفتاء أجابوك بفتوحاته، إنّ هذا ليدلُّ على تفكير غائم تنقصه الدقّة والتمييز.
إنّ اللياقة الشخصيّة في الإدارة العسكريّة، لا تعني بالضرورة القُدرة على امتلاك ناصية الإفتاء.
والدفاع عن حياض الدولة وتوسيع رقعة الخلافة، هي ممّا يطلبه الخليفة وممّا يعود عليه بالنَّفع كما يعود على المسلمين، ولا علاقة لهذا بالتكوين الثقافيّ للشخصيّة، فقد أطبق التاريخ على سموّ ورفعة موقف المعتصم حين استغاثت باسمه امرأة من المسلمين، لكنّ ذلك لم يمنع التاريخ من أن يشهد بأنّ المعتصم كان قليل الثقافة لا يملك رصيداً من العلم والفقه.
إلى هنا برزت أسماء آخرين من الذين خالفوا فقه عمر وآرائه في الصدر الأوّل الإسلاميّ، هم:
١٣ - عمّار بن ياسر.
١٤ - أبو سعيد الخدريّ والأنصار.
١٥ – أُبيّ بن كعب.
المصلحة والنصوص
قال الأستاذ خالد محمّد خالد:
لقد ترك عمر بن الخطّاب النصوص الدينيّة المقدّسة من القرآن والسنّة عندما دَعَتْه المصلحة لذلك، فبينما يقسِّم القرآن للمؤلّفة قلوبهم حظّاً في الزكاة ويؤدّيه
____________________
(١) انظر تاريخ التمدّن الإسلاميّ لجرجي زيدان - (حرق مكتبة الإسكندريّة).
الرسول ويلتزمه أبو بكر، يأتي عمر فيقول: (إنّا لا نعطي على الإسلام شيئاً، فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر).
وبينا يُجيز الرسول وأبو بكر بيع أمّهات الأولاد، يأتي عمر فيحرّم بيعهن، وبينا الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع واحداً بحكم السنّة والإجماع، جاء عمر فترك السنّة وحطّم الإجماع(١) .
قال ابن قُدامة: ولنا كتاب الله وسنّة رسوله؛ فإنّ الله تعالى سمّى المؤلّفة في الأصناف الذين سمّى الصدقة لهم، والنبيّ صلّى الله عليه وآله قال:(إنّ الله تعالى حكم فيه، فجزّأها ثمانية أجزاء) . وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يعطي المؤلّفة كثيراً في أخبارٍ مشهورة، ولم يَزَل كذلك حتّى مات.
ولا يجوز ترك كتاب الله وسنّة رسوله إلاّ بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثمّ إنّ النسخ إنّما يكون في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ لأنّ النسخ إنّما يكون بنصّ، ولا يكون النصّ بعد موت النبيّ صلّى الله عليه وآله وانقراض زمن الوحي، ثمّ إنّ القرآن لا يُنسخ إلاّ بقرآن، وليس في القرآن نسخ كذلك ولا في السنّة، فكيف يترك الكتاب والسنّة بمجرّد الآراء والتحكّم؟ أو بقول صحابي أو غيره على أنّه قول الصحابي في حجّة يترك بها قياس، فكيف يتركون به الكتاب والسنّة؟(٢) .
وقال صاحب المنار: إنّنا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين، وفي ردّهم عن دينهم يخصّصون من أموال دولهم سهماً للمؤلّفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم مَن يؤلّفونه لأجل الدخول في حمايتهم ومُشاقّة الدول الإسلاميّة والوحدة الإسلاميّة، أفليس المسلمون أولى بهذا منهم؟!
إنّ منطق عمر بن الخطّاب ليوحي بأنّ سهم المؤلّفة قلوبهم يُعطى لهم كرشوة على الإسلام، أو هو بعبارة أُخرى معنى آخر لمنطق المبشِّرين الذين ينطلقون من سياسة
____________________
(١) الديمقراطيّة أبداً: ١٥٥ - طبعة المطبعة العموميّة بدمشق.
(٢) المغني، لابن قدامة ٢: ٢٨٠.
إعطاء الغذاء والدواء للناس كي يعتنقوا النصرانيّة، غافلاً عن أنَّ النبيّ لا يريد بعمله هذا دعوتهم إلى الإسلام بالمال، بل يريد أن يهيّئَ قلوبهم ليستقبلوا منه الدعوة، وأن يؤمنوا إيمان قلب وعقيدة، فهو صلّى الله عليه وآله يتألّفهم مرّة بوضعهم على رأس سَرِيّة من السرايا، وأُخرى يتألّفهم بمشاورتهم في بعض الأمور، وثالثة يتألّفهم بالمال، وهكذا.
ولم تختصّ هذه المسألة بضعف الإسلام وعزّته، بل إنّه صلّى الله عليه وآله كان يريد أن يُهيّئهم كي يقبلوا الإسلام قبولَ إيمان وعقيدة، لا لقلقة لسان.
وهنا أتساءل: لو صحّ تعليل الخليفة في سهم المؤلّفة قلوبُهم، وأنّ الإسلام قد قوي فلا حاجة إليهم إذَنْ، فما معنى ما نقله الدكتور محمّد عجاج الخطيب عن مسند أحمد في النصّ الآتي:
كان رسول الله قد أمر الصحابة ومَن معه يوم الفتح بأن يكشفوا عن مناكبهم ويُهرولوا في الطواف، ليرى المشركون قوّتهم وجَلَدهم، وقوّة دولة الإسلام، ورأى عمر أنّ هذا الأمر قد ذهبت عِلّته، ولكنّه قال: فيم الرَّمَلان الآن والكشف عن المناكب، وقد أطَّأ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله؟!
ومع ذلك لا ندع شيئاً كنّا نفعله على عهد رسول الله(١) .
فالخليفة إمّا من المتعبّدين - كما يوحي هذا النصّ - وإمّا من المجتهدين الذين قد تعرّفوا المصالح كما ثبت ذلك عنه، فلو كان من المتعبّدين فلِمَ لا يأخذ بفعل الرسول في سهم المؤلّفة قلوبهم؟! و إن كان من المجتهدين، فما الذي يرجّح في اجتهاده هذا على ذاك؟!
هذا، وقد أفردت الدكتورة نادية العمريّ للطلاق ثلاثاً بحثاً في (أمثلة من اختلافهم في الاجتهاد بالرأي) من كتابها (اجتهاد الرسول)، فقالت:
(الأصل في الطلاق أن يكون متفرّقاً، مرّة بعد مرّة، قال الله تعالى:( الطلاقُ مرّتان
____________________
(١) السنّة قبل التدوين: ٨٦ عن مسند أحمد ١: ٤٥، ح ٣١٧ بإسناد صحيح، وعنه في سنن أبي داود ٢: ١٧٨، ح ١٨٨٧.
فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان ) (١) والحكمة في تفريق الطلقات أن يكون للزوج فرصة يراجع فيها نفسه في أمر هذه العلاقة التي يحرص الشارع على استمرارها، وبعد المرّتين يقول الله تعالى:( فإنْ طلّقها فلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتّى تَنْكِحَ زَوْجَاً غَيْرَهُ ) (٢) .
هذا هو الطلاق كما شرّعه الله في القرآن، مفرَّقاً واحدة بعد واحدة، لكن ما الحكم إذا ضيّع الزوج على نفسه هذه الفرصة المتكرّرة، وتعجّل الفراق النهائيّ، فجمع الثلاث في لفظ واحد.
إنّنا لا نجد في القرآن الكريم كلاماً عن جمع الثلاث في لفظ واحد أو مجلس واحد، لكنّا نجد في السنّة أنّ ركانة بن عبد يزيد طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله الرسول: كيف طلّقتها؟
قال: ثلاثاً.
قال صلّى الله عليه وآله: في مجلس واحد؟
قال: نعم.
قال الرسول: فإنّما تلك واحدة، فأرجعها إن شئت، فرجَعَها(٣) .
ولكنّ الناس في عهد عمر بن الخطّاب استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم...)(٤) .
إلى أن تقول:
(ولكن هل أفتى العلماء بمقتضى ما فعله عمر رضي الله عنه على مرّ العصور؟ وافق كثير من العلماء عمر رضي الله عنه وخالفه آخرون(٥) .
____________________
(١) البقرة: ٢٢٩.
(٢) البقرة: ٢٣٠.
(٣) مسند أحمد ١: ٢٦٥، ح ٢٣٨٧، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٣٣٩، ح ١٤٧٦٤، بداية المجتهد ٢: ٥٠، أعلام الموقّعين ٣: ٣٢، نيل الأوطار ٧: ١٧.
(٤) اجتهاد الرسول: ٢٤٠.
(٥) انظر تفسير القرطبيّ ٣: ١٢٩.
وأعتقد أنّ مصالح الناس هي الحكم في ذلك، فإذا رأى أُولو الأمر - كما رأى عمر - أنّ إمضاءها ثلاثاً يحقّق المصلحة أمضَوه، و إن رأوا المصلحة العامّة في إيقاعها واحدة فهي واحدة كما كانت حتّى سنتين من خلافة عمر.
ولذا ذهب ابن القيّم: إلى أنّ إيقاعها واحدة في العصور المتأخّرة أكثر مراعاة للمصلحة، وقطعٌ لذريعةِ فسادٍ اجتماعيّ وهو انتشار التحلّل حين كان يفُتى بوقوعها ثلاثاً، فيلجأ الزوجان إلى ما كان عليه في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وخليفته من الإفتاء، بما يعطّل سوق التحليل أو يقلّلها أو يخفّف شرّها(١) .
ويقارن ابن القيّم بين العصور المختلفة واختلاف المصلحة باختلاف ظروف الناس، فيقول: إنّ الثلاث مجموعةً على عهد رسول الله وأبي بكر كانت تقع واحدة، وكان التحليل محرّماً وممنوعاً منه، ثمّ صارت في بقيّة خلافة عمر ثلاثاً، والتحليل ممنوع منه، ثمّ صار التحليل كثيراً منتشراً ومشهوراً، والثلاث ثلاث. فالعقوبةُ إذا ترَكَت مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه وجب تركها)(٢) .
وقد أثّر اجتهاد الخليفة عمر بن الخطّاب في فقه المسلمين لا محالة.
فذهبت المالكيّة والحنابلة إلى أنّ فاعل هذا [ أي الطلاق ثلاثاً ] آثم يفوّت الغرض الذي من أجله شرّع التعدّد، ويرى الشافعيّ وابن حزم أنّ ذلك خلاف الأولى وليس محظوراً لعموم النصّ، ويرى الحنفيّة أنّه طلاق بدْعيّ إذا كان بلفظ واحد أو بألفاظ متفرّقة في طُهر واحد(٣) .
وقال الدكتور مصطفى البغا، بعد نقله رأي عمر في الطلاق: فهذا ممّا تغيّرت به الفتوى لتغيّر الزمان، وعلم الصحابة حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به وصرّحوا لمن استفتاهم بذلك(٤) .
____________________
(١) أعلام الموقّعين ٣: ٤٨.
(٢) اجتهاد الرسول: ٢٤٢.
(٣) مناهج الاجتهاد الإسلام للدكتور مدكور: ١٧٧.
(٤) أثر الأدلّة المختلف فيها في الفقه الإسلاميّ: ٢٧٧ وقال بها أغلب علماء أهل السنّة قديماً وحديثاً.
والآن أتساءل: كيف يعرف عمر المصلحة ويقف على روح التشريع في المؤلّفة قلوبهم، وقد وقفتَ على أجوبة ابني قدامة وصاحب المنار له؟!
وهل يصحّ أن يعرف الخليفة المصلحة ولا يعرفها النبيّ وأبو بكر؟!
أم هل يعقل جهلهما بالمصالح، خصوصاً بعد ملاحظة أنّ النبيّ متّصل بالوحي؟! و إذا سمح للبشر - غير المعصوم - الإفتاء بتغيّر الزمان والمكان فإلى أين ستصل فتاواه؟!
نعم إنّنا لا ننفي تغيّر بعض الأحكام الجزئيّة إذا زاحم أمراً آخر أهمَّ منه.
وكذا لا ننكر - بنحو الإطلاق - تبدّل الأحكام لتبدّل موضوعاتها، لكنّ سؤالنا: كيف يمكن الاطمئنان بقول مَن يدّعي أنّ هذا الحكم قد تغيّر لتبدلّ موضوعه، مع علمنا بأنَّ مبادئ الأحكام وغاياتها من عند الله ولا يعرفها إلاّ المعصوم؟
بلى؟ لو عرَّفَنا المعصوم تبدّل موضوع حكم، فلا محيص عن الأخذ به؛ باعتباره صادراً عن الله وما المعصوم إلاّ مبلّغ مأمون، وأمّا احتمالنا ذلك عن طريق الحدس والتخمين والظن الذي لا يغني من الحق شيئاً فلا يوجب الاطمئنان، وكذا الحال بالنسبة إلى اعتبار العلّة في الأحكام، فإنّها في الغالب حكمة وليست بعلّة تامّة، فمثلاً: قولنا في تحريم الزنا إنّه جاء لأجل عدم اختلاط المياه، فهذا القول ليس بعلّة الحكم فيه بل هو الحكمة فيه، والحكمة في العدّة، هي عدم اختلاط المياه كذلك، وقد وردت هذه في روايات كثيرة، ولكن ماذا نقول: لو رُفع رحم المرأة بعمليّة جراحيّة، أو علمنا يقيناً أنّها عقيم، هل يجب عليها الاعتداد أم لا؟!
نعم يجب ذلك؛ لأنَّ الله فرض ذلك لمصلحة ملحوظة في اللوح المحفوظ لم يطّلع عليها البشر، فمن المجازفة والتساهل بأحكام الله القول بعدم لزوم العدّة، بدليل أنّ العلّة المتخيّلة - وهي عدم اختلاط المياه - قد انقضت في الفرض المذكور.
ولا يفوتنا القول بوجود علل منصوصة في التشريع - ولكنّها قليلة جداً - كالإسكار في الخمر مثلاً، فمتى وُجِدَتْ فيه علّة الإسكار حرم ومتى ارتفعت حلّ،
فكُلّ ما أسكر قليله فكثيره حرام، لكن أين هذا ممّا كان يقدم عليه الشيخان، من إطلاق أحكام ليس لها وجود، أو نراها تتعارض مع أحكام موجودة ثابتة في الذكر الحكيم، فنراه يضيّق دائرة حكم أو يوسّعه في حين آخر بتصوّر وجود مصلحة في جعل الحكم الفلاني أو مفسدة في إلغاء الحكم الفلاني، في حين نعلم أنّ هذا لا يمكن أن يصدر إلاّ ممّن له إحاطة تامّة بكلّ مبادئ الأحكام وغاياتها ومَن اختصّه الله بعلمه، والخليفة لم يختصّ بذلك كما عرفت، وإنّه بتشريعه الطلاق ثلاثاً أو رفعه سهم المؤلّفة قلوبهم أو المنع من المتعة، كان يريد منعها إلى الأبد لما رأى فيها المصلحة الوقتيّة، ولم يكن منعه وقتيّاً ليقال إنّه بالعنوان الثانويّ وإنّ ذلك من صلاحيّات الخليفة.
ولو سلّمنا أنّ الأحكام تتغيّر بتغيّر المصالح... فأين المصلحة في مثل هذه الأحكام؟ ومَن هو الذي يحدّدها؟ وهل جاءت الأحكام طبق الهوى والرأي، أم طبق التعبّد والدليل؟ فلو كان فيه نصّ ودليل، فما هو هذا النصّ والدليل؟
قال الشيخ خلاّف في (علم أُصول الفقه) عند ذكره شروط المصالح المرسلة، وهي ثلاث:
أوّلها: أن تكون مصلحة حقيقيّة وليست مصلحة وهميّة، والمراد بهذا أن يتحقّق من أنّ تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً، وأمّا مجرّد توهُّم أنّ التشريع يجلب نفعاً من غير موازنة بين ما يجلبه من ضرر فهذا بناء على مصلحة وهميّة.
ثانيها: أن تكون مصلحة عامّة وليست مصلحة شخصيّة. والمراد بهذا أن يتحقّق من أنّ تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعاً لأكبر عدد من الناس، أو يدفع ضرراً عنهم، وليس لمصلحة فرد أو أفراد قلائل منهم، فلا يشرّع الحكم لأنّه يحقّق مصلحة خاصّة بأمير أو عظيم، بصرف النظر عن جمهور الناس ومصالحهم، فلابد من أن تكون لمنفعة جمهور الناس.
ثالثها: أن لا يعارض التشريع لهذه المصلحة حكماً أو مبدأً ثبت بالنصّ أو
الإجماع(١) .
بعد هذا نقول: هل ما قاله عمر كان يجلب النفع لأكبر عدد من الناس أو يدفع الضرر عنهم، مع معرفتنا بملابسات الحياة ومشاكلها ومافيها من ضغوط توفّر إمكان تخطّي المرء ما كان يألفه؟
فلو ضيّع الزوج على نفسه هذه الفرصة المذكورة، وتعجّل الفراق النهائيّ، فجمع الثلاث بلفظ واحد - حسب قول الدكتورة نادية - فهل يجب عليه أن يرضخ لحكم عمر وتَبِين زوجته منه؟ مع أنّا قد عرفنا بأنَّ الدكتورة قد صرّحت:
بأنّ الحكمة في تفريق الطلقات إنّما هو من أجل أن يراجع الزوج نفسه، وقولها: هذا هو الطلاق كما شرّعه الله في القرآن، مفرّقاً واحدة بعد واحدة(٢) .
لكن ماذا نقول للذين يعلمون بأنّ الحكمة في تفريق الطلقات وأنّه من أجل أن يراجع الزوج نفسه، ثمّ يقولون إنّ الطلاق ثلاثاً قد صدر عن مصلحة؟! إنّه التعصّب ولا ريب، إذ كيف يمكن أن تُجعل الحكمة في التفريق وتذهب في الوقت نفسه إلى أنّ ما قاله الخليفة عمر بن الخطّاب جاء عن مصلحة؟!
نعم، إنّها قالت بهذا القول وهي تعلم أنّ الحكم قد رجع إلى عمر، لا إلى القرآن ولا إلى السنّة، وأن العقوبة ستشمل الزوجة والأطفال الأبرياء الذين لا ذنب لهم ولا تقصير على الأزواج وحدهم.
وبعد هذا هل يمكن لأحد أن يقول: إنّ حكم الخليفة مستقىً من القرآن؟! أو إنّ تشريعه لم يخالف النصّ بعد أن عرفنا أنّ المصلحة التي ارتضاها الخليفة قد خالفت القرآن؟!
إنّ كلمة (ثلاثاً) لا توجب البينونة؛ لتخالفها مع الشرع والعقل، وهي بمنزلة القول: إنّ كلمة (خمساً) أو (سبعاً) بعد (الله أكبر) تكفي في صلاة العيدَين دون أدائها على التعاقب!!!
____________________
(١) علم أُصول الفقه، لعبد الوهّاب خلاّف: ٨٦ - ٨٩.
(٢) اجتهاد الرسول: ٢٤٠.
وكذا القول (سبحان الله، مائة مرّة): إنّها تمنح قائلها ثواب تكرارها مائة مرة؟
ومثله القول: (أشهد أن لا إله إلاّ الله، مرّتين) تكفي عن ترديدها في الأذان مرّتين!
وكذا رمي الحصيات السبع مرّة واحدة أنّها تكفي في رمي الجمرات!
ومثله الشهادات الأربع في اللعان. وهكذا، حتّى ينجرّ الأمر إلى سائر الأحكام.
وقد صرّح أكثر من واحد من الأعلام بأنّ الطلاق مرّتان يقتضي التفريق، قال الجصّاص في شرحه للآية:( الطلاق مرّتان ) ، وذلك يقتضي التفريق لا محالة؛ لأنّه لو طلّق اثنين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين، وكذلك لو دفع إلى رجل آخر درهمين لم يَجُز أن يقال: أعطاه مرّتين حتّى يفرّق الدفع، فحينئذٍ يُطلق عليه.
و إذا كان هذا هكذا، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدّى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرّتين؛ إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرّة الواحدة إذا طلّق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكره للمرّتين إنّما هو أمرٌ بإيقاعه مرّتين ونهي عن الجمع بينهما في مرّة واحدة(١) .
نعم، قد أثّر فقه الخليفة في الأحكام، والكلّ يعرف أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب جعل الحكم تابعاً للمصلحة التي يرتأيها ويتصوّرها، أو يصوّرها على أنّها علّة تامّة يكون الحكم تابعاً لها ومرتّباً عليها، فتراه يغيّر الحكم تبعاً لتغيّر ما يراه مناسباً من المصالح دون المصالح الواقعيّة التي لا يحيط بها إلاّ الله.
قال الدكتور مصطفى البغا عند ذكره لأدلّة الاستصلاح: إنّ الصحابة (شرّعوا لهذه الحوادث من الأحكام ما رأوا أنّ فيه تحقيق المصلحة ممّا يجلب النفع أو يدفع الضرر، حسبما أدركته عقولهم، واعتبروا ذلك كافياً لبناء الأحكام والتشريع، وحوادثهم في ذلك كثيرة ومشهورة)(٢) .
وقال الوافي المهدي: لمّا توالت الفتوحات الإسلاميّة في عصر الخلفاء، وعلى
____________________
(١) أحكام القرآن للجصّاص ٢: ٧٣.
(٢) أثر الأدلّة المختلف فيها للدكتور البغا: ٥٤.
الأخصّ في عهد عمر، وخضع لنفوذهم أُمم شتّى لها حضارات مختلفة، ممّا جعلهم يواجهون مشاكل معقّدة لا عهد لهم بها من قبل، سواء في الناحية العسكريّة أو الماليّة، أو الأحوال الشخصيّة، أو الجنائيّة وغيره، وهذا ممّا جعلهم يلجئون إلى استعمال القياس حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة. وكانت طريقتهم في الاجتهاد اللجوء إلى كتاب الله، ثمّ إن لم يجدوا فيه نصّاً التجأوا إلى السنّة النبويّة، فإن لم يحضرهم شي ممّا أُثِر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله استشاروا حفّاظ الصحابة، هل يحفظون في القضيّة النازلة بهم شيئاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ فإن لم يوجد لجئوا إلى الرأي، وسيأتي أنّ عمر كان يسأل: هل ثبت شي في القضيّة النازلة بهم عن أبي بكر؟(١) .
والرأي الذي استعملوه ينتظم فيه القياس والاستحسان، والمصلحة المرسلة وسدّ الذرائع. وفي هذا العصر ظهر مصدر جديد من مصادر التشريع الإسلاميّ لم يُعرف في العهد التأسيسيّ للتشريع، ألا وهو الإجماع، فإنّ أبا بكر كان يشرّع فيما لا نصّ فيه من كتاب ولا سنّة عن طريق جمعيّة تشريعيّة، وكذلك الأمر بالنسبة لأوّل خلافة عمر. وكان ما يصدر عن تلك الجمعيّة التشريعيّة من أحكام يعتبر صادراً عنهم جميعاً(٢) .
وقال: (وخلاصة القول أنّ الصحابة كانوا يرجعون إلى الرسول في الأغلب الأعمّ، حينما كان على قيد الحياة. أمّا حينما التحق بالرفيق الأعلى فقد أصبح هذا المرجع مفقود، وهذا ما جعل اجتهادهم بعد موته صلّى الله عليه وآله يدخل في مرحلة أعظم وطور أخطر.
قال الأستاذ مصطفى الزرقاء: فشأنهم في حياة الرسول استماع واتّباع واستفتاء منه فيما يشكل عليهم.
وبتعبير آخر: اعتماد على الرسول في الفهم والتوجيه في كلّ شي.
____________________
(١) بل كان يقرنه برسول الله صلّى الله عليه وآله في كونه من مصادر التشريع، فيقول لمَن نهاه عن أخذ أموال الكعبة محتجّاً عليه بفعل النبي وأبي بكر: هما المرآن يقتدى بهما (انظر صحيح البخاري ٦: ٢٦٥٥، ح ٦٨٤٧، مسند أحمد ٣: ٤١٠، أحاديث شيبة بن عثمان العبدي، أسد الغابة ٣: ٨ ترجمة شيبة بن عثمان العبدري). ويبدو أن عمر بن الخطاب أول من أعطى قيمةً لرأي الخليفة أبي بكر بعد موته، واتخذها كخطوة أولى لإعطاء قيمة لآراء عمر بعد موته أيضاً، ومن هذه الخطوة وأشباهها وُلدت سيرة الشيخين التي استعيض بها من بعد عن سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله التي منعها عمر.
(٢) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة للوافي المهدي: ٤٦.
أمّا بعد وفاته صلّى الله عليه وآله فقد انتقلوا فجأة من طور الاعتماد إلى طور الاجتهاد؛ لزوال ذلك المرجع، وحلول مخلّفاته الدستوريّة - القرآن والسنّة - محلّ بياناته الشفهية، فتولّدت من ذلك الحين ضرورة إلى الاجتهاد لامناص منها تجاه طوارئ الحوادث، ولا حدود ولا أمد كان له)(١) .
فالاجتهاد هو الغطاء الذي احتمى به السلف، وكان في نفس الوقت المبرّر للخلف عمّا فعله السلف! ولو راجعت أبواب المصالح المرسلة لرأيتها دوّنت كي تصحّح أفعال الصحابة، فقد حملوا عهد أبي بكر لعمر بالخلافة - مع قولهم بأنّ النبيّ لم يخلّف - على أنّه جاء لمصلحة المسلمين والحفاظ على وحدة كلمتهم(٢) . وكذا الحال بالنسبة إلى حرق عثمان المصاحف، فقالوا: إنّها جاءت لجمع الناس على مصحف واحد(٣) ؛ درءاً للاختلاف، ومثله الكثير.
إنّ القول بالمصالح المرسلة إنّما كان - إذن - لتصحيح أفعال وفتاوى الصحابة، والمطالع في أُصول فقه العامّة يعلم أنّ المصالح المرسلة ليست من الأصول الذاتيّة في هذا الفقه ولم يشذّ عن هذا، إلاّ مالك فإنّه هو الوحيد الذي اعتبرها أصلاً مستقلاً، فقد قسّموا المصالح إلى ملغاة ومرسلة ومعتبرة، والأخيرة إلى ضروريّة وحاجّيّة وتحسينيّة، وفرّعوا عليها الفروع والأحكام.
مفردات اجتهاديّة
والآن فلنرجع إلى مواقف الخليفة في الأحكام؛ لنرى إن كانت اجتهاداته قد انتهت عند هذا الحدّ أم أنّ له آراء أُخرى ذهبت إلى أبعد من ذلك؟
____________________
(١) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة: ٦٩ - ٧٠ وقد أخذ كلام الدكتور الزرقاء من الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد ١: ١٦٧.
(٢) تاريخ الطبري ٢: ٣٥٣، الطبقات الكبرى ٣: ٢٠٠، المنتظم لابن الجوزي ٤: ١٢٦.
(٣) الكامل في التاريخ ٣: ٧ - ٨، باب ذكر غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف، التمهيد والبيان لأبي بكر المالقي ١: ٦٢ - ٦٣، البداية والنهاية ٧: ٢١٨.
والواقع أنّنا الآن في غنى عن التفصيل في هذا الموضوع، بيد أنّ تجلية رؤيتنا في مسألة منع الحديث تقود بالضرورة إلى بيان الجانب الفقهيّ للخليفة، ومدى المفردات وأُمّهات المسائل الفقهيّة التي استفاد فيها من الرأي المحض والاجتهاد.
فمن ذلك: أنّ عمر بن الخطّاب شرّع صلاة التراويح وقال عنها: نِعْمَت البِدعة هذه!(١)
وأضاف في أذان الصبح (الصلاة خير من النوم)، لمجرّد إعجاب الخليفة بها حين سمعها من أحد الصحابة. وبالمقابل حذف (حيّ على خير العمل) من الأذان معلّلاً ذلك بأنّ هذه الجملة ستمنع المسلمين من الجهاد(٢) ، ونهى عن البكاء على الميّت(٣) ، وجعل علامة البلوغ ستّة أشبار(٤) ، مع أنّ الثابت عن رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله هو قوله: (والغلام حتّى(٥) يحتلم)، وقال بعدم توريث الأعاجم إلاّ مَن ولد في العرب(٦) مع أنّ الرسول الأكرم محمّد صلّى الله عليه وآله يقول:(لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلاّ بالتقوى) (٧) .
____________________
(١) صحيح البخاريّ ٢: ٧٠٧، باب فضل مَن قام رمضان، ح ١٩٠٦، موطّأ مالك ١: ١١٤، باب ما جاء في رمضان، ح ٢٥٠، تاريخ المدينة ٢: ٧١٣، الطبقات الكبرى ٥: ٥٩، تاريخ العيقوبي ٢: ١٤٠.
(٢) وهناك أسباب ودواعي أخرى لتلك الإضافة وهذا الحذف، بيّنا جوانب كثيرة منها في دراسة لنا مستقلة (الأذان بين الأصالة والتحريف) تقع في ثلاث مجلّدات، وقد صدر الأول منها بعنوان (حي على خير العمل الشرعية والشعارية).
(٣) صحيح البخاريّ ١: ٤٣٢، باب قول النبي صلّى الله عليه وآله يعذّب الميت ببعض بكاء أهله، ح ١٢٢٦، وفيه استنكار عائشة لرواية عمر لهذا الحديث قائلة: والله ما حدث رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله أنّ الله ليعذب المؤمن ببكاء بعض أهله عليه، ولكنّ رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله قال: إنّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، وقالت حسبكم القرآن( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ، وانظر صحيح مسلم ٢: ٦٤٢، ح ٩٢٩، سنن النسائي (المجتبى) ٤: ١٨، ح ١٨٥٨، مسند أحمد ١: ٢٣٧، ح ٢١٢٧، و ١: ٣٣٥، ح ٣١٠٣، بسنده عن ابن عباس وفيه ما معناه: أنّ عمر ضرب نساءً بكين رقية ابنة رسول الله حين ماتت فنهاه رسول الله عن ذلك، والمستدرك على الصحيحين ٣: ٢١٠، ح ٤٨٦٩، الإجابة للزركشيّ: ٦٧.
(٤) مصنف عبد الرزاق ١٠: ١٧٨، باب لا قطع على مَن لم يحتلم، مصنف بن أبي شيبة ٥: ٤٨١، باب في الغلام يسرق أو يأتي الحد، ح ٢٨١٦٢.
(٥) سنن الدارمي ٢: ٢٢٥، باب رفع القلم عن ثلاثة، ح ٢٢٩٦، سنن أبي داود ٤: ١٤٠، ح ٤٤٠١، سنن الدارقطني ٣: ١٣٨، ح ١٧٣.
(٦) الموطأ لمالك ٢: ٥٢٠، باب ميراث أهل الملل، ح ١٠٨٦، المدونة الكبرى ٨: ٣٣٨، ٣٨٣.
(٧) مسند أحمد ٥: ٤١١، ح ٢٣٥٣٦، المعجم الأوسط ٥: ٨٦، ح ٤٧٤٩، مجمع الزوائد ٨: ٨٤.
ويقول الله سبحانه وتعالى:( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) (١) واختلفت الأحكام عنده في حدّ شارب الخمر، فتارة يجعله ثمانين جَلدة(٢) ، وأُخرى يجعله ستّين! ويقول لمطيع الأسود: اقص عنه بعشرين، أي اترك العشرين الباقية لشدّة ما أوجعته(٣) . وجاء عنه أنّه صلّى المغرب فترك القراءة، فلمّا انقضت الصلاة قيل له: تركت القراءة!
قال: كيف كان الركوع والسجود؟
قالوا: حسناً.
قال: لا بأس(٤) .
في حين صحَّ عن النبيّ أنّه قال:لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٥) .
وجاء عن عمر أنّه ضرب ابنه عبيد الله لتكّنيه بأبي عيسى، معلّلاً أنّ عيسى ويحيى ليس لهما أب(٦) .
وعن هشام بن عروة عن أبيه: أنّ عمر بن الخطّاب قرأ آية السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد، وسجد الناس معه ثمّ قرأها يوم الجمعة الأخرى، فتهيّأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إنّ الله لم يكتبها علينا إلاّ أن نشاء، فلم يسجد،
____________________
(١) الحجرات: ١٣، وانظر مجمع الزوائد ٣: ٢٧٢.
(٢) سنن الدارقطني ٣: ١٥٧، ح ٢٢٣، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣١٨ - ٣١٩. انظر المحلّى ١١: ١٥٧، مسألة ٢١٨٤.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣١٧ - ٣١٨، شرح النهج ١٢: ١٣٧ الطبعة القديمة - خطبة ٢٢٣، الفائق ٤: ١١٩، فتح الباري ١٢: ٧٣.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٣٤٧، باب من سها عن القراءة، ح ٣٦٧٨.
(٥) صحيح البخاري ١: ٢٦٣، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، ح ٧٢٣، صحيح مسلم ١: ٢٩٧، ح ٣٩٥، سنن الدارمي ١: ٣١٢، باب لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ح ١٢٤٢، سنن أبي داود ١: ٢١٧، ح ٨٢٢، ٨٢٣، سنن الترمذي ٢: ٢٥ - ٢٦، باب ما جاء أنّه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، مسند أحمد ٢: ٢٤١، ح ٧٢٨٩، ٢: ٤٧٨، ح ١٠٢٠١.
(٦) المصنّف لعبد الرزّاق ١١: ٤٢، سنن أبي داود ٤: ٢٩١، باب فيمن يتكنّى بأبي عيسى، ح ٤٩٦٣، السنن الكبرى للبيهقي ٩: ٣١٠، باب مَن تكنّى، تيسير الوصول ١: ٤٧، ٧، شرح النهج ١٢: ٤٤ واللفظ له، وفي الطبقات الكبرى ٥: ٦٩: عن عمر بن الخطّاب أنّه جمع كلّ غلام اسمه اسم نبيّ فأدخلهم الدار ليغيّرَ أسماءهم، فجاء آباؤهم فأقاموا البيّنة أنَّ رسول الله سمّى عامّتهم، فخلّى عنهم...
ومنعهم أن يسجدوا(١) .
والمطالع في كتب الفقه يقف على رواسب هذا الحكم وامتداداته في الفقه الإسلاميّ، في أحد مدارسه الفقهيّة.
فقد اختلفوا في حكم سجود التلاوة: أهو واجب أم سنّة؟
قال مالك(٢) والشافعيّ(٣) وأحمد(٤) : هو سنّة، أو فضيلة عند مالك وليس بواجب.
أمّا أبو حنيفة(٥) فقد خالفهم وذهب إلى أنّه واجب.
قال الزرقانيّ في شرحه على الموطّأ(٦) : هو سنّة أو فضيلة؟ قولان مشهوران. وقد روى في ذلك حديثاً عن أبي هريرة: أنّ رسول الله قرأ بالنجم فسجد وسجد الناس معه إلاّ رجلَين(٧) .
وعن زيد بن ثابت أنّ رسول الله قرأ بالنجم فلم يسجد فيها(٨) .
وفي آخر عنه صلّى الله عليه وآله: السجدة على مَن سمعها وعلى مَن تلاها(٩) . وإلى غيرها من الأحاديث التي وُضعت لاحقاً لتصحيح مواقف الخليفة وما تذهب إليه المذاهب.
____________________
(١) الموطّأ ١: ٢٠٦، ح ٤٨٤، شرح معاني الآثار ١: ٣٥٤، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٣٢١، ح ٣٥٧٤ و ٣: ٢١٣، ح ٥٥٨٧، التمهيد لابن عبد البر ١٩: ١٢٨.
(٢) التمهيد لابن عبد البر ١٩: ١٣٢، الشرح الكبير ١: ٣٠٦.
(٣) الأم ١: ١٣٣ - ١٣٩، باب سجود التلاوة والشكر، حلية العلماء للشاشي ٢: ١٢٢، المجموع ٤: ٦٩.
(٤) المغني ١: ٣٦١.
(٥) نور الإيضاح ١: ٨٠، الهداية في شرح البداية ١: ٧٨.
(٦) شرح الزرقاني ٢: ٢٧.
(٧) صحيح البخاري ١: ٣٦٣، باب ما جاء في سجود القرآن، ح ١٠١٧، وفيه عن عبد الله قال: قرأ النبي صلّى الله عليه وآله النجم بمكّة فسجد فيها وسجد مَن معه غير شيخ أخذ كفّاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا. فرأيته بعد ذلك قتل كافراً. ومثله في صحيح مسلم ١: ٤٠٥، ح ٥٧٦، وسنن الدارمي ١: ٤٠٧، ح ١٤٦٥، الأم ١: ١٣٥، باب سجود التلاوة والشكر، والمتن منه، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٣٢١، ح ٣٥٧٢.
(٨) صحيح البخاري ١: ٣٦٤، باب من قرأ السجدة ولم يسجد، ح ١٠٢٢، سنن الدارمي ١: ٤٠٩، ح ١٤٧٢، سنن أبي داود ٢: ٥٨، ح ١٤٠٤.
(٩) المبسوط للسرخسي ٢: ٤، بدائع الصنائع ١: ١٨٠، نصب الراية ٢: ١٧٨، وانظر أثر الأدلّة المختلف فيه: ٣٥٥.
ولو راجع الباحث أثر قول الصحابيّ في الأحكام لعرف الكثير الكثير(١) ، ومنها حكم هذه المسألة التي نحن بصددها؛ إذ استدلّ مالك على أنّها سنّة، لترك عمر السجود فيها بمحضر الصحابة، ولم ينكر عليه أحد ولم ينقل عن أحد منهم خلاف، وهم أفهم بمغزى الشرع وأقعد بفهم الأوامر الشرعيّة!!(٢)
قال الدكتور محمّد سلّام مدكور، بعد ذكره للروايات المجيزة للاجتهاد في عصر الرسول:... والواقع أنّ شيئاً من ذلك لا يدلّ على أنّ أحداً غير الرسول صلّى الله عليه وآله - بما يوحى إليه - له سلطة تشريعيّة في ذلك العهد؛ لأنّ هذه الجزئيّات: منها ما صدر في حالات خاصّة يتعذّر فيها الرجوع إليه - عليه الصلاة والسلام - لبعد المسافة أو خوف فوات الفرصة، ومنها ما كان القضاء منها أو الإفتاء مجرّد تطبيق لا تشريع. ونستطيع أن نقول: إنّ الرسول على مقتضى هذه النظريّة نفسها لم يكن بحاجة إلى هذا المعنى من الاجتهاد.
إلى أن يقول: أمّا بعد انتقال الرسول صلّى الله عليه وآله من الحياة الدنيا، وفي عصر الصحابة - رضوان الله عليهم، الذي ينتهي بنهاية القرن الهجريّ الأوّل - فقد عرضت لهم بسبب التوسّع والفتح واتّساع رقعة الدولة الإسلاميّة، مسائل جديدة لم يكن لهم بها عهد، وقد انقطع الوحي فكان لا مناص من مواجهة الأحكام الفقهيّة للأحداث والنوازل في دولة ناشئة سريعة النموّ تضمّ أقطاراً وأجناساً مختلفة(٣) .
وعليه، فقد عرفنا أنّ الخليفة كان يعتمد في فتاواه على محض الرأي دون نصّ من القرآن أو فعل من النبيّ، بل كان يخالف أحياناً بفتواه صريح القرآن كما في آية الطلاق(٤) ، وأمر النبيّ - كما في قضية الرجل المتنسّك(٥) ورزيّة يوم الخميس(٦) -
____________________
(١) انظر أثر الأدلّة المختلف فيها في الفقه الإسلاميّ: ٣٥٣ - ٤٣٣ مثلاً.
(٢) أثر الأدلّة المختلف فيه: ٣٥٥ عن المغني ١: ٣٦١، بداية المجتهد ١: ١٦٢، واللفظ منه، الزرقانيّ على الموطّأ ٢: ٢٧.
(٣) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٤٣ - ٤٤.
(٤) صحيح مسلم ٣: ١٣٠، ح ١٤٧١، عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، الدر المنثور ١: ٦٦٨.
(٥) الإصابة ١: ٤٨٤، حلية الأولياء ٣: ٢٢٧، مسند أحمد ٣: ١٥.
(٦) صحيح البخاري ١: ٥٤، ح ١١٤، ٦: ٢٦٨٠، ح ٦٩٣٢، صحيح مسلم ٣: ١٢٥٩، ح ١٦٣٧، مسند أحمد ١: ٣٢٤، ح ٢٩٩٢ و ١: ٣٣٦، ح ٣١١١.
لما رآه من مصلحة!
ولو سلّمنا بحجّيّة رأي الصحابيّ وأنّ الصحابة جميعاً عدول، فإنّ ذلك لا يقتضي العمل بما يقولون وإن خالف النصّ الصريح.
وأقصى ما يمكن أن يقال فيهم، هو أنّ لكلِّ واحد منهم أن يلتزم بما يراه، فيكون منجّزاً ومعذّراً له، وليس على الآخرين أن يلتزموا بما التزم هو به.
واللافت للنظر أنّ الخليفة كان يفتي قبل تصفّح الكتاب العزيز ومراجعة السنّة المطهّرة، فضلاً عن استفراغ الوسع وبذل الجهد في تحصيل الحكم الشرعيّ منهم.
فإرادة الخليفة رجمَ المرأة التي ولدت لستّة أشهر مع وجود آيتين في كتاب الله، تدلاّن بالتأمّل على شرعيّة حملها وولادته...
وكذا اقتراحه تجريدَ الكعبة من كسوتها، ومخالفة شيبة بن عثمان وأُبيّ بن كعب له وقولهم: إنّ رسول الله والصدّيق كانا أحوج منك إليها.
وكذا جهله بحكم تزويج المرأة في عدّته، وإرادته رجم المجنونة الزانية، والتباس وجه الحيلة عليه في قضيّة المرأة التي اتّهمت الشابّ بمراودتها عن نفسه، وغيرها من النصوص المارّة الذكر سابق... كلّها لَتؤكد على أنّ الخليفة كان يفتي دون استحضارٍ لآيات الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة، ثمّ يريد أن يتعبّد الصحابة بفتواه، خلافاً لما ثبت وصحّ عندهم.
فلو صحّ القول بحجّيّة رأي الصحابة للزم عمر أن يأخذ بمرويّات الآخرين كذلك، خصوصاً في المسائل التي ليس عنده أثر فيها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، كما يلزمه الأخذ بفتاوى الآخرين وآرائهم؛ لأنّها حجّة حسب فرضه، ولا يحقّ له إلزامهم بالتعبّد برأيه وحده.
إنّه لَيحقّ للمطالع بعد هذا أن يتساءل: كيف يجوز للخليفة أن يهدّد عمّاراً وأُبيّاً وأبا موسى الأشعريّ وغيرهم؟! فيقول لأبي موسى: (والله لتقيمنّ عليه بيّنة)(١) أو (أقم عليه البيّنة وإلاّ أوجعتُك)(٢) ، ويقول لأُبيّ: (لتخرجنّ ممّا قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد...)(٣) ، ولابن مسعود: (ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله؟!)(٤) ، ويقول لأبي هريرة: (لتتركنّ الحديث عن رسول الله أو لألحقنّك بأرض دوس)(٥) ، وضربه تميمَ الداريّ بالدرّة(٦) .
نعم، قال علماء أهل السنّة والجماعة بعدم لزوم اتّباع الصحابة الأوائل بعضهم للآخر(٧) من أجل أن يعذروا عمر ويبرّروا أفعاله معهم، وليحدّوا من تأثير مخالفات الصحابة للخليفة!
ويظهر من النصوص المتقدّمة أنَّ عدم لزوم الاتّباع إنَّما هو لمن خالف الخليفة من الصحابة، وأمّا مَن وافقه فإنَّهم أضفوا عليهم هالة من القدسيّة والعظمة بحيث لم يقبلوا خطأ أحد الخلفاء أو أتباعهم، حتّى أنّهم جعلوا من سيرة الشيخين مصدراً تشريعيّاً لا يقبل النقاش، مع ذهابهم إلى عدم عصمة أُولئك الصحابة!!
إنّ الخليفة بتأكيده على القياس كان يريد تصحيح اجتهاداته، وبإصراره على الرأي كان يريد الانطلاق من موقعيّة عُليا في الدولة الإسلاميّة، فتراه يقف موقف المشرّع
____________________
(١) انظر الخبر في صحيح البخاري ٥: ٢٣٠٥ باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، ح ٥٨٩١.
(٢) انظر الخبر بتفاصيله في صحيح مسلم ٣: ١٦٩٤، باب الاستئذان، ح ١٢٠٣، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣٣٩، باب الرجل يستأذن على دار، الوقوف على الموقوف لابن حجر ١: ١١٤، من كتاب الأدب، ح ١٤٨.
(٣) الطبقات الكبرى ٤: ٢١، تاريخ دمشق ٢٦: ٣٧١، الدر المنثور ٥: ٢٣١.
(٤) المعجم الأوسط ٣: ٣٧٨، ح ٣٤٤٩، مجمع الزوائد ١: ١٤٩، باب الإمساك عن بعض الحديث، سير أعلام النبلاء ٧: ٢٠٦، ١١: ٥٥٥.
(٥) أصول السرخسي ١: ٣٤١، المحدث الفاصل ١: ٥٥٤، سير أعلام النبلاء ٢: ٦٠١، البداية والنهاية ٨: ١٠٦، وانظر تاريخ المدينة ٣: ٨٠٠.
(٦) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ١: ٣٢٨، باب الصلاة بعد العصر، ح ٢١٤، وعنه في كنز العمّال ٨: ٤٩، ح ٢١٨١٠، سير أعلام النبلاء ٢: ٢٤٨.
(٧) انظر أثر الأدلّة المختلف فيه، للدكتور البغا: ٣٣٩.
الذي لا يتراجع عمّا أفتى به، اللّهمّ إلاّ إذا عورض بتيّار فكريّ قويّ، ونُقِد كلامه بآية قرآنيّة أو حديث عن رسول الله، متّفق عليه بين المسلمين، فيرضخ عند ذلك لحكم الوحي ويتراجع عن رأيه!
وبنظري أنَّ القول بالتصويب في الأحكام الشرعيّة عند مدرسة الخلفاء جاء من هذا المنطلق.
ومن هذا كلّه نخلُص إلى أنّ القول بحجّيّة كلام الصحابيّ، وأنّ للخليفة الإفتاء طبق ما يراه مصلحةً، كان المنطلق والنهاية في مدرسة الخلفاء.
وعليه فقد اتّضحت لنا لحدّ الآن أُمور، هي:
١ - عدم اختصاص الشيخين بميزة ترفعهما عن غيرهما.
٢ - انقسام المسلمين - بعد رسول الله - إلى نهجين فكريّين.
٣ - سعي الخليفة عمر بن الخطّاب في إخضاع الآخرين لرأيه.
٤ - عدم حجّيّة قول الصحابة، لمخالفة عمر لآرائهم ومخالفتهم إيّاه في عدّة موارد.
٥ - الخدش فيما قيل عن نظريّة عدالة الصحابة، لتكذيب الخليفة لهم وعدم اطمئنانه إلى أقوالهم وكذا العكس.
٦ - إمكان مناقشة الصحابة فيما بينهم، والقول بعدم جواز ردّهم جاء لتصحيح ما وقع في الصدر الأوّل من الاختلاف في فتاواهم، وعدّ ذلك من الرأي الممدوح!
٧ - بطلان ما أسّسوه من أُسس للاجتهاد، كالقياس والاستحسان والمصلحة؛ لكونها قد أُسّست لاحقاً ولضرورات وقتيّة، فلم ينصّ عليها كتاب ولا سنّة(١) .
فمن الطبيعي - والحالة هذه - أن تزداد موجة الاعتراض على نهج الرأي والاجتهاد من قبل الصحابة المتعبّدين، وذلك بتحديثهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ لأنّ في نقل الحديث والإكثار منه، فيه ما يعني تخالف الأحكام ووجهات النظر الشرعيّة بين
____________________
(١) وأما استدلوا بها لاحقاً لشرعية القياس والاستحسان و... فجميعها مردودة.
مدرسة السنّة النبويّة وبين منحى الرأي والاجتهاد؛ لأنّ في مدرسة السنّة النبويّة حقائق توعويّة، قد لا تتوافق مع ما يصبو إليه أتباع نهج الرأي والاجتهاد من الحكّام وغيرهم. ومَن يراجع النصوص الحديثيّة والتاريخيّة يجد هذه الحقيقة ظاهرة جليّة.
فالبعض مِن الصحابة لا يرتضي الرأي والاجتهاد، ويدعو إلى لزوم استقاء الأحكام من القرآن والسنّة النبويّة المطهّرة، لا غير، ولا يرتضي اجتهادات الصحابة وفِعْل الشيخين.
والبعض الآخر منهم يذهب إلى مشروعيّة قول عمر، ويعتبره حجّة يجب التعبّد به.
ومن هذا كلّه نخلص إلى القول: بأنَّ المدوّنين كانوا من أتباع التعبّد المحض، موافقين لروح الشريعة الحاثّة على العلم والوصايا واهتمام النبيّ بالتدوين، وقد دوّنوا وحدّثوا فعلاً. وأمّا المانعون عن التدوين فهم من أتباع الاجتهاد والرأي، ومن أتباع الخلفاء، وقد لاقى المدوّنون الإذلال والاستهانة في عهد الخلفاء، حتى وصل الأمر بالحجّاج بن يوسف الثقفي أن يختم في يد جابر بن عبد الله الأنصاري، وفي عنق سهل بن سعد الساعدي، وأنس بن مالك، يريد إذلالهم وأن يتجنّبهم الناس ولا يسمعوا منهم(١) .
____________________
(١) الاستيعاب ٢: ٦٦٤، ترجمة سهل بن سعد الساعدي رقم ١٠٨٩، أُسد الغابة لابن الأثير ٢: ٣٦٦ في ترجمة سهل بن سعد الساعدي، تهذيب الكمال ١٢: ١٨٩.
نماذج من امتداد النهجين
ولمزيد من تجلية هذه الحالة، إليك بعض النصوص:
أخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم يملي عَلَيّ أحاديث، فقال: إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطّاب، فأنشدَ الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها، ثمّ قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب(١) .
وإزاء مثل هذه الحوادث تحضر في ذهن القارئ أسئلة تبحث عن إجابات دقيقة مُقنعة: ترى...: لماذا تكثر الأحاديث على عهد عمر بن الخطّاب بالخصوص؟! وعلى أيّ شيء تدلّ هذه الظاهرة؟ ثمّ لماذا يأمر بحرقها ولا يُميثها بالماء أو يدفنها في الأرض مثلاً؟
ولماذا يتسرّع الخليفة في عمله، بدون تحقيق وتمحيص؟!
ثمّ لماذا يصطلح الخليفتان على موقف واحد من الأحاديث، فيقوم كلاهما بإبادتها حرقاً بالنار ولا يميثانها بالماء أو يدفنانها في الأرض، كما فعل ابن مسعود وغيره؟ هذا مع أنّ التيّار الفكريّ لأكثر الصحابة كان ضدّ إتلاف الأحاديث، لكنّ نهج الاجتهاد - صاحب السلطة التنفيذيّة - أبى إلاّ أن ينفِّذ ما يراه، فلماذا هذه الاستهانة وعدم الاعتناء بآراء ووجهات نظر الصحابة، مع موافقتها لأحاديث النبيّ وسيرته ولروح التشريع الإسلاميّ؟!
أترك القارئ ليستنتج الجواب من النصوص السابقة واللاحقة، وأُذكّره بحديث
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٥: ١٨٨، سير أعلام النبلاء ٥: ٥٩.
آخر رواه لنا سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في المتعة وأنّه قال: تمتع النبيّ صلّى الله عليه وآله...
فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة.
فقال ابن عبّاس: ما يقول عُريّة؟!
قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة!
فقال ابن عبّاس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسول الله، ويقول: نهى أبو بكر وعمر!(١) .
وروى ابن حزم وابن عبد البرّ: والله ما أراكم منتهين حتّى يعذّبكم الله ! نحدّثكم عن النبيّ وتحدّثونا عن أبي بكر وعمر!(٢) .
وفي حديث ثالث: قال ابن عبّاس: إنّي أُحدّثكم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وتجيئوني بأبي بكر وعمر؟!
وعنه: أراهم أن يُرمَوا بالحجارة من السماء(٣) .
وأمّا جملة عروة: هما والله كانا أعلم بسنّة رسول الله وأتبع لها منك(٤) . فقد علّق الخطيب البغداديّ عليها بقوله:
قلت: قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما عروة، إلاّ أنّه لا ينبغي أن يقلّد أحد في ترك ما تثبت به سنّة رسول الله(٥) .
ونُقِلَ عن عبد الله بن عمر أنّه كان يفتي بالذي أنزل الله من الرخصة بالتمتّع، وما سنّه رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد اعترض عليه البعض بقوله: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟!
____________________
(١) مسند أحمد ١: ٣٣٧، ح ٣١٢١، زاد المعاد ٢: ٢٠٦، واللفظ له، إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد لمحمد بن إسماعيل الصنعاني: ٢٤ - ٢٥.
(٢) حجّة الوداع لابن حزم الأندلسي ١: ٣٥٣، التمهيد لابن عبد البر ٨: ٢٠٨، زاد المعاد ٢: ٢٠٦.
(٣) في البداية والنهاية ٥: ١٤١، عن ابن عمر انه قال: لقد خشية أن يقع عليكم حجارة من السماء، حين اعترض عليه لمخالفته لأبيه في الترخيص بالمتعة.
(٤) حجّة الوداع ١: ٣٥٣ - ٣٥٤، زاد المعاد ٢: ٢٠٦.
(٥) تقييد العلم.
فقال: أفرسول الله صلّى الله عليه وآله أحقّ أن تتّبعوا سنّته أم سنّة عمر؟!(١) .
وفي آخر: أأمرَ أبي أتّبع أم أمرَ رسول الله؟! لقد صنعها رسول الله(٢) .
وأخرج أحمد في مسنده عن عبد الأعلى، قال: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة، فكبّر خمساً.
فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمان بن أبي ليلى - فقيه الدولة في وقته - فأخذ بيده، فقال: نسِيتَ؟
قال: لا، ولكن صلّيت خلف أبي القاسم خليلي فكبّر خمساً، فلا أتركها أبداً(٣) .
وأخرج الطحاويّ بسنده عن يحيى بن عبد الله التيميّ، قال: صلّيت مع عيسى - مولى حذيفة بن اليمان - على جنازة فكبّر عليها خمس، ثمّ التفت إلينا، فقال: ما وَهِمتُ ولا نسيت، ولكنّي كبّرت كما كبّر مولاي ووليّ نعمتي - يعني حذيفة بن اليمان - صلّى على جنازة فكبّر عليها خمساً، ثمّ التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسِيت، ولكنّي كبّرت كما كبّر رسول الله صلّى الله عليه وآله(٤) .
وعن وبرة بن عبد الرحمان قال: أتى رجل إلى ابن عمر فقال: أيصلح أن أطوف بالبيت وأنا محرم؟
قال: ما يمنعك من ذلك؟
قال: إنّ فلاناً ينهانا عن ذلك حتّى يرجع الناس من الموقف، ورأيته كأنّه مالت به الدنيا، وأنت أعجب إلينا منه. قال ابن عمر: حج رسول الله صلّى الله عليه وآله فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، وسُنّة الله تعالى ورسوله أحقّ أن تُتّبع من سنّة ابن فلان، إن كنت صادقاً(٥) .
____________________
(١) مسند أحمد ٢: ٩٥، ح ٥٧٠٠، السنن الكبرى للبيهقي ٥: ٢١، ح ٨٦٥٨، البداية والنهاية ٥: ١٤١.
(٢) إرشاد النقّاد للصنعانيّ: ٢٥، سنن الترمذي ٣: ١٨٥، ح ٨٢٣، سنن ابن ماجة ١: ٢١٤، ح ٢٩٧٨.
(٣) مسند أحمد ٤: ٣٧٠، شرح معاني الآثار ١: ٤٩٤، باب التكبير على الجنائز، وفيه فلا أتركه أبداً.
(٤) مسند أحمد ٥: ٤٠٦، ح ٢٣٤٩٥، شرح معاني الآثار ١: ٤٩٤، تاريخ بغداد ١١: ١٤٢، ترجمة عيسى البزاز المدني رقم ٥٨٤٠، مجمع الزوائد للهيثمي ٣: ٣٤، باب التكبير على الجنازة.
(٥) صحيح مسلم ٢: ٩٠٥، باب ما يلزم من إحرام بالحج، ح ١٢٣٣ وفيه ابن عباس بدل من ابن فلان،
=
وعن ابن عمر: إنّ رسول الله قال: لا تمنعوا إماء الله أن يصلّين في المسجد.
فقال ابن له: إنّا لَنمنعهنّ.
فغضب ابن عمر غضباً شديداً وقال: أُحدّثك عن رسول الله وتقول: إنّا لنمنعهنّ!(١) .
وفي رواية أُخرى: فانتهره عبد الله قائلاً: أفٍّ لك!! أقول: قال رسول الله وتقول: لا أفعل؟!(٢) .
وفي مجمع الزوائد: أنّ تميماً ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطّاب عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر فضربه بالدرّة، فأشار إليه تميم أن اجلس - وهو في صلاته - فجلس عمر، ثمّ فرغ تميم من صلاته.
فقال تميم لعمر: لِمَ ضربتني؟!
قال: لأنّك ركعت هاتين الركعتين، وقد نهيتُ عنه.
قال: إنّي صلّيتهما مع مَن هو خير منك؛ رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فقال عمر: إنّه ليس بي أنتم الرهط، ولكن أخاف أن يأتي بعدي قوم يصلّون ما بين العصر والمغرب، حتّى يمرّوا بالساعة التي نهى رسول الله أن يصلّي فيها كما وصلوا ما بين الظهر والعصر(٣) .
وجاء عن أبي أيّوب الأنصاريّ أنّه كان يصلّي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلمّا استخلف عمر تركه، فلمّا توفّي ركعهما.
____________________
=
مسند أحمد ٢: ٥٦، ح ٥١٩٤، واللفظ له، المسند المستخرج على صحيح مسلم ٣: ٣٣١، ح ٢٨٦٣ وفيه ابن عباس بدل عن ابن فلان وهو كذلك في سنن البيهقي الكبري ٥: ٧٥، ح ٩٠٢٨ وفتح الباري ٣: ٤٧٨،السنّة قبل التدوين:٩٠.
(١) صحيح مسلم ١: ٣٢٧، ح ٤٤٢، سنن ابن ماجة ١: ٨، ح ١٦، واللفظ له، مصنف عبد الرزاق ٣: ١٤٧، ح ٥١٠٧، مسند أحمد ٢: ٧٦، ح ٥٤٦٨، ٢: ٩٠، ح ٥٦٤٠.
(٢) مسند أحمد ٢: ١٢٧، ح ٦١٠١، وانظر جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٥٩.
(٣) المعجم الأوسط ٨: ٢٩٦، ح ٨٦٨٤، المعجم الكبير ٢: ٥٨، ح ١٢٨١، مجمع الزوائد ٢: ٢٢٢ - ٢٢٣، باب الصلاة بعد العصر.
فقيل له: ما هذا؟
فقال: إنَّ عمر كان يضرب الناس عليهما(١) .
وجاء في سنن البيهقي قال زيد بن ثابت: أمرني أبو بكر حين قتل أهل اليمامة: أن يرث الأحياء من الأموات، ولا يرث الأموات بعضهم من بعض(٢) .
وفي نصٍّ آخر: أمرني عمر بن الخطاب ليالي الطاعون في قبيلة عمواس قال: وكانت القبيلة تموت بأسرها فيرثهم قوم آخرون، قال: فأمرني أن أورّث الأحياء من الأموات، ولا أورث الأموات بعضهم من بعض(٣) .
هذه النصوص تجسّم بكلّ وضوح معالم الاختلاف بين الصحابة، وأنّها كانت تدور غالباً في الفقه وجزئيّات الأحكام الشرعيّة، وأنّ الخليفة بتطبيقه السياسة الجديدة كان يريد إخضاع الصحابة لرأيه، وكانوا هُم لا يرتضون ذلك؛ لأنّهم كانوا قد كبّروا على الميّت خمساً، وصلّوا بين الطلوعَين وعند الغروب، وتمتّعوا على عهد رسول الله و...
ولمّا رأى عمر تعذُّر فرض آرائه عليهم قال لتميم الداريّ: إنّي لا أريدكم أنتم الرهط!!
أجَل، إنّ لزوم تطبيق ما أفتى به كان من أُصول السياسة الجديدة، ولأجله ترى عمّار بن ياسر يقول: (إن شئت لا أُحدِّث بذلك). ومن هنا كان تبرُّم أُبيّ بن كعب وقوله (واللهِ لئن أحببتَ لألزمنّ بيتي فلا أُحدّث أحداً بشيء).
إنّ كلّ هذه النصوص تُنبئ عن وجود الضغط والتهديد، وقد مرّ بك سابقاً كلامه لعمّار: (نولّيك ما تولّيت) وتهديده لأبي موسى الأشعري بالضرب، وضربه تميماً الداريّ وأبا هريرة، وما سوى ذلك من الضغط والتهديد والوعيد، وكلّ هذه المفردات
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٢٢، باب ميراث من عمي موته، ح ١٢٠٣٠، وعنه في كنز العمّال ١١: ٢٣، ح ٣٠٤٦٨، وانظر المصنف لعبد الرزاق ٢: ٤٣٣، ح ٣٩٧٧، الأوسط في السنن، لأبي بكر النيسابوري ٢: ٣٩٤، ح ١١٠٣، المحلّى لابن حزم ٣: ٣، التمهيد لابن عبد البر ١٣: ٣٧.
(٢) المصنف لعبد الرزاق ١٠: ٢٩٨، باب الغرقى، وعنه في كنز العمال ١١: ٢٣، ح ٣٠٤٦٧.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٢٢، باب ميراث من عمي موته، ح ١٢٠٣١، وعنه في كنز العمّال ١١: ٢٥، ح ٣٠٤٧٩، وانظر مصنف عبد الرزاق ١٠: ٢٨٨، باب ذوو السهام.
تنبئ عمّا كان في ذلك العصر من تصادم بين النهجين في الفكر والمنهج.
وبعد هذا لا يمكن لأحد أن ينكر نهي الخليفة عمر بن الخطّاب عن تدوين السنّة الشريفة، فإنَّ محاولتهم لتضعيف تلك الأخبار الناهية عن التدوين وحبسه للصحابة، تفنّده نصوص التاريخ وما جاء عنه في قضاياه العلميّة والعمليّة، حيث إنّ النصوص تؤيّد خبر النهي وتعضده، وتضعّف ما قاله ابن حزم والذهبيّ وغيرهما من أنّ النهي والحبس لا يتلاءم مع مكانة عمر ونفسيّته!!
والواقع أنّ استقصاء مواقف الخليفة عمر بن الخطّاب الفقهيّة ممّا يخرج بنا عن أصل الدراسة، لكنّ إشارتنا لمبانيه المبتناة على الرأي هي ممّا يعضد رؤيتنا في منع التدوين والتحديث.
و إليك نصّاً آخر في هذا السياق، وهو ما جاء في قضيّة قسمة الأراضي، التي فتحها المقاتلون عنوةً في العراق ومصر أيّام عمر بن الخطّاب، فالثابت في القرآن أنّ خُمس هذه الغنائم تودَع في بيت المال لتصرف في الموارد التي نصّت الآية عليه:( أنّما غَنِمْتُم مِن شَيءٍ فأنّ للهِ خُمُسَهُ وللرسولِ ولذي القُرْبى... ) (١) .
أمّا الأربعة الباقية - من الخمس - فتقسّم بين المقاتلين، عملاً بمفهوم الآية وفعل الرسول صلّى الله عليه وآله في خيبر.
فالمقاتلون - جرياً على العادة - جاؤوا إلى عمر بن الخطّاب يطلبون أن يُخرج الخمس لله - ولمن ذُكر في الآية - وأن يقسّم الباقي بين الغانمين.
فقال عمر: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحِيزت؟! ما هذا برأي!
فقال له عبد الرحمان بن عوف: فما الرأي؟ ما الأرض والعلوج إلاّ ممّا أفاء الله عليهم.
فقال عمر: ما هو إلاّ ما تقول، ولست أرى ذلك!
____________________
(١) الأنفال: ٤١.
فأكثروا على عمر، وقالوا: تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا؟!
فكان عمر لا يزيد أن يقول: هذا رأيي!
فقالوا جميعاً: الرأي رأيك(١) .
وهذا الخلاف المحتدم بين الصحابة في أبسط المفردات الفقهيّةّ، كان قد حدث بعد غياب النبيّ صلّى الله عليه وآله من بين المسلمين، وعدم التفافهم حول مرجعيّة علميّة واحدة؛ فلذلك كثرت الآراء والاجتهادات، وزاد العراك والجدل، وهذه النتائج السلبيّة السريعة الظهور بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله، هي التي كان يحذّر منها صلّى الله عليه وآله في حديث الأريكة، وأحاديث النهي عن الرأي، وهي التي كانت تعتصر آلامها قلب عليّ بن أبي طالب ومخلصي الصحابة وخواصّهم، ولم يكن تأسّفهم لفوت الخلافة كحكم سياسيّ حسب، بل كان الألم الأكبر هو ألم الخلاف والفرقة وضياع وحدة الخلافة والقيادة الدينيّة، وذلك بعينه ما كثّر شكاوى عليّ وأنس وعمّار وغيرهم من الصحابة، حتّى أنَّ حذيفة - صاحب السرّ في أسماء المنافقين - كان يحذّر بأشدّ المرارة من الاختلاف والتضارب في الآراء والاجتهادات، نتيجة ضياع الخلافة وانفلات أزمّتها وقيامها على أُسس غير سليمة.
وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتابه (السقيفة) عن البراء بن عازب: أنّه كان في جماعة منهم المقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وسلمان الفارسيّ، وأبو ذرّ، وحذيفة، وأبو الهيثم بن التيهان، - وذلك بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله - وإذا حذيفة يقول لهم: والله ليكوننّ ما أخبرتكم به، والله ما كَذِبْتُ ولا كُذِّبْتُ، وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.
ثمّ قال: ائتوا أُبيّ بن كعب، فقد علم كما علمت.
____________________
(١) معالم المدرستين ٢: ٢٨٦ عن المدخل إلى علم أُصول الفقه ٩٠ - ٩٥، باب أنواع الاجتهاد، وانظر الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة، للوافي المهدي: ١١١.
قال: فانطلقنا إلى أُبيّ، فضربنا عليه بابه حتّى صار خلف الباب، فقال: مَن أنتم؟ فكلّمه المقداد، فقال: ما حاجتكم؟ فقال له: افتح عليك بابك، فإنّ الأمر أعظم من أن يجري من وراء الحجاب، قال: ما أنا بفاتح بابي وقد عرفت ما جئتم له كأنّكم أردتم النظر في هذا العقد.
فقلنا: نعم.
فقال: أفيكم حذيفة؟
فقلنا: نعم.
قال: فالقول ما قال، وبالله ما أفتح عنّي بابي حتّى تجري عَلَيّ ما هي جارية، ولَما يكون بعدها شرّ منه، و إلى الله المشتكى(١) .
وجاء عن أُبي بن كعب أيضاً أنّه قال: هلك أهل العقد وربِّ الكعبة. ألا لا عليهم آسى، ولكن آسى على مَن يهلكون من المسلمين(٢) .
وفي رواية ثالثة: لأقولنّ فيها قولاً لا أُبالي أستحييتموني عليه أو قتلتموني(٣) .
وذكر أبو الصلاح تقي الدين الحلبي (ت ٤٤٧ هـ) أُبياً وابن مسعود من الثابتين على ولاء آل البيت عليهم السلام المختصين بهم في العهد الأول بعد وفاة الرسول وأضاف: أن أُبيّاً حاول الاجهار بما يكنّه ضميره في أُخريات حياته، ولولا حلول الموت وكان من النفر الاثني عشر الذين نقموا على أبي بكر تصدّيه ولاية الأمر دون الإمام أمير المؤمنين وكابد الأمرّين على ذاك الحادث الجلل رافعاً شكواه إلى الله بقوله: وإلى الله المشتكى. وقد سمع من سعد بن عبادة ما نطق بما يوجب فرض ولاية الإمام علي.
وبهذا أُضيف إلى قائمة المخالفين لعمر بن الخطّاب في الفقه أسماء أُخرى، هي:
١٦ - زيد بن أرقم، ١٧ - البراء بن عازب، ١٨ - عبد الله بن عمر، ١٩ - سلمان الفارسيّ، بروز المدوّنين في مخالفة الرأي ، ٢٠ - أبو هريرة، ٢١ - تميم الداريّ،
____________________
(١) السقيفة وفدك: ٤٩، وعنه في شرح النهج ٢: ٥١ - ٥٢.
(٢) مسند الطيالسي ١: ٧٥، ح ٥٥٥، مسند ابن الجعد ١: ١٩٧، ح ١٢٩١، مصنف بن أبي شيبة ٧: ٤٦٨، ح ٣٧٢٩٥، مسند أحمد ٥: ١٤٠، حديث قيس بن عباد عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، ح ٢١٣٠١، الحلية لأبي نعيم ١: ٢٥٢ و ٣: ١١١، كلهم عن أبي بن كعب، وأنفرد معمر بن راشد في كتابه الجامع ١١: ٣٢٢، باب الإمام راع، ورواه بسنده عن حذيفة بن اليمان.
(٣) الطبقات الكبرى ٣: ٥٠٠: ٣، تاريخ دمشق ٧: ٣٤٠، تهذيب الكمال ٢: ٢٧٠، سير أعلام النبلاء ١: ٣٩٩.
٢٢ - المقداد بن الأسود، ٢٣ - أبو ذرّ الغفاريّ، ٢٤ - المقاتلون الذين أفاء الله عليهم؛ من الصحابة ومن غير الصحابة!
* * *
بروز المدوّنين في مخالفة الرأي
لو أردنا أن نتأكّد من صحّة مُدّعانا وما عرضناه لحدّ الآن، لَلزم المزيد من التمعّن في مواقف هؤلاء الصحابة الذين ذكرناهم، وأن لا نكتفي في دراستنا على نقل واقعة واحدة أو حادثة واحدة عنهم، بل يجب علينا البحث عن فقه هؤلاء على النحو الغالب، وقد لفت انتباهنا حينما أردنا دراسة شخصيّات كهؤلاء هو أنّ غالبهم كانوا من أصحاب المدوَّنات، وأنّ تدوينهم يعني تخالف المنحى والمنهج بين الخليفة وهؤلاء الصحابة. و إليك أسماءهم حسب ما توصّلنا إليه لحدّ الآن:
١ - عليّ بن أبي طالب (ت ٤٠هـ).
لم ينكر أحد أنّ عليّاً كان من المدوِّنين على عهد الرسول صلّى الله عليه وآله، وأنّ أمّ سلمة - زوج النبيّ - قالت: دعا رسول الله بأديم وعليُّ بن أبي طالب عنده، فلم يَزَل رسول الله يُملي وعليّ يكتب حتّى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه(١) .
وكانت لديه صحيفة عن رسول الله يحتفظ بها في قراب سيفه. جاء ذكر هذه الصحيفة عن أكثر من عشرة من تلامذة الإمام عليّ(٢) . وقد وقفت على بعض مواقف الإمام المخالفة لآراء عمر فيما سبق.
____________________
(١) المحدث الفاصل: ٦٠١، باب الإملاء، أدب الإملاء والاستملاء: ١٢.
(٢) انظر معرفة النسخ: ٢٠٧.
٢ - أُبيّ بن كعب الأنصاريّ (ت ٢٢هـ).
روى أبو العالية عن أُبيّ بن كعب أنّ له نسخة كبيرة في التفسير(١) .
وقد عرفنا فيما مضى تخالف رأي أُبيّ مع الخليفة، وأ نّه كان يصرّح بعدم أعلميّة الخليفة، ولا يرتضي منعه عن التحديث وقراءة القرآن.
٣ - معاذ بن جبل (ت ١٨هـ).
أرسله رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى اليمن، وكتب معه كتاباً في الصدقات، فيه أحاديث(٢) . وكان عند موسى بن طلحة كتاب معاذ عن النبي صلّى الله عليه وآله في الصدقات(٣) . وكانت لدى ابن عائذ كتب معاذ بن جبل(٤) ، وهذه النصوص مجتمعة تدلّ على تدوين معاذ ووجود مدوّناته وبقائها، رغم إحراق الخليفة ومنعه وتهديده، وقد مرّ عليك موقفه من عمر في قتل المسلم بالذميّ، ورجم المرأة التي ولدت لسنتين!
٤ - حذيفة بن اليمان، (ت ٣٦هـ).
قد مرَّ عليك كلامه مع عمر وأنّه أصبح يكره الحقّ ويحبّ، الفتنة، ويشهد بما لم يَرَه، ويصلّي على غير وضوء، وله في الأرض ما ليس لله في السماء!!
فقد كان حذيفة بن اليمان يكتب للنبي صلّى الله عليه وآله صدقات التمر(٥) ، ويكتب خرص الحجاز(٦) وكان يكتب خرص النخل(٧) ، وكان كاتب رسول الله صلّى الله عليه وآله في الصدقات
____________________
(١) التفسير والمفسّرون ١: ١١٥ كما في الدراسات للأعظميّ: ١٠٠.
(٢) سيرة ابن هشام ٨٨٦٢ و ٩٥٦، حلية الأولياء ١: ٢٤٠، الأموال لأبي عبيد ٢٧ و ٣٧.
(٣) مسند أحمد ٥: ٢٢٨، ح ٢٢٠٤١، سنن الدارقطني ٢: ٩٦، باب ما يجب فيه الزكاة، ح ٨، واللفظ لأحمد.
(٤) دلائل التوثيق المبكّر: ٤١٨، المحدّث الفاصل: ٤٩٨.
(٥) التراتيب الإدارية ١: ٣٩٨.
(٦) التنبيه والإشراف: ٢٤٥، العقد الفريد ٤: ١٤٧.
(٧) التراتيب الإدارية ١: ١٢٤، صبح الأعشى ١: ١٢٥.
الزبير بن العوام، فإن غاب أو اعتذر كتب جهم بن الصلت وحذيفة بن اليمان(١) ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي استكتبه(٢) .
٥ - عبد الله بن مسعود الهذليّ (ت ٣٢هـ).
روى جويبر، عن الضحّاك، عن عبد الله بن مسعود قال: ما كنّا نكتب في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله شيئاً من الأحاديث إلاّ التشهّد والاستخارة(٣) .
وعن معن، قال: أخرج لي عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود كتاب، وحلف لي أنّه خطّ أبيه بيده(٤) .
وجاء عن ابن مسعود أنّه منع من التدوين، لكنَّ هذا إنَّما يكذّبه الخبران الآنفان، وحبس عمر له وغيره، وبهذا يحتمل أن يكون محوه للصحف - على فرض صحّته - إنّما كان لما تضمّنته تلك الصحف من قصص أهل الكتاب، كما قدّمنا الأدلّة على ذلك فيما مضى(٥) ، وقد جاء عن ابن مسعود أنّه خالف عمر في أكثر من مسألة، فذكر ابن القيّم أنّه خالفه في نحو مائة مسألة(٦) . وهذا القول يخالف ما نُقِل عنه: (لو أنّ الناس سلكوا وادياً وشِعباً، وسلك عمر وادياً وشِعباً، لسلكت وادي عمر وشِعبه)(٧) ، كل ذلك يؤيّد كونه من نهج التعبّد والتدوين.
____________________
(١) مكاتيب الرسول ١: ١٧٧ عن كتاب جوامع السير لابن حزم.
(٢) سبل الهدى والرشاد ١١: ٣٨١. ومن التركيبة الإدارية لرسول الله صلّى الله عليه وآله نعلم أنّ أوّل مَن دوّن الدواوين هو رسول الله صلّى الله عليه وآله لا عمر بن الخطاب.
(٣) مصنف بن أبي شيبة ١: ٢٦٢، ح ٣٠٠٦، العلل لأحمد ٢: ٢٥٩، ح ٢١٨٤، واللفظ له.
(٤) جامع بيان العلم وفضله ١: ٧٢.
(٥) وأمّا الصحيفة اليمنية فيبدو أنّه محاها تقيةً ولأنّ الخلاف بنظره شرٌّ، وذلك عين ما صنعه في الصلاة بمنى.
(٦) أعلام الموقّعين ٢: ٢٣٧.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ٢: ١٠٣، ح ٦٩٨٤، إعلام الموقعين ١: ٢٠.
٦ - عبد الرحمان بن عوف (ت ٣١هـ).
ستقف لاحقاً على دوره في رسم سيرة الشيخين ومكانته من عمر، ولم يَرِد عنه في الكتابة والتدوين شيء.
٧ - أبو عبيده بن الجرّاح (ت ١٨هـ).
توفّي قبل خلافة عمر، ولم يُنصّ على أنّ له كتاباً أو مدوّنة أو نسخة.
٨ - زيد بن ثابت (ت ٤٥هـ).
قيل: إنّه أوّل مَن صنّف كتاباً في الفرائض، قال جعفر بن برقان: سمعت الزهريّ يقول: لولا أنّ زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنّها ستذهب من الناس(١) . وقد خالف عمر في إرث الجدّة، وقتل المسلم بالذميّ وغيرهما.
٩ - عبد الله بن عباس (ت ٦٨هـ).
قالت سلمى: رأيت عبد الله بن عبّاس ومعه ألواح يكتب عليها من أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله(٢) ، وكان يحملها معه، واشتهر عنه أنّه ترك حين وفاته حِمْلَ بعيرٍ من كتبه(٣) .
وجاءت عنه نصوص تؤكّد لزوم تقييد العلم بالكتاب(٤) ، أمّا ما جاء عن طاووس، عنه: من أنّه كان يكره كتابة العلم فهو ممّا ينبغي التوقّف عنده؛ لتخالفه مع روايات أُخرى عنه. وقد وقفت على تخالفه مع عمر في المرأة التي وضعت لستّة أشهر وغيرها.
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢١، باب ترجيح قول زيد بن ثابت، ح ١١٩٦٦، تاريخ دمشق ١٩: ٣٢٢، سير أعلام النبلاء ٢: ٤٣٦.
(٢) الطبقات الكبرى ٢: ٣٧١، كما في الدراسات للاعظمي: ١١٦.
(٣) الطبقات الكبرى ٥: ٢٩٣، تقييد العلم: ١٣٦، المدخل إلى السنن الكبرى ١: ٤٢١، ح ٧٧٣.
(٤) كتاب العلم لأبي خثيمة: ٣٤، العلل لأحمد ١: ٢١٣، ح ٢٣٢، تقييد العلم: ٩٢.
١٠ - الضحّاك بن سفيان الكلابيّ
كتب إليه رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دِيّة زوجها(١) . وقد كتب الضحّاك كتاباً إلى عمر بن الخطّاب جاء فيه: أنّ النبيّ ورّث امرأة أشيم الضبابيّ من دية زوجها(٢) .
١١ - شيبة بن عثمان العَبْدَريّ (ت٥٧ هـ، أو ٥٩ هـ).
كان النبي صلّى الله عليه وآله قد أعطاه حجابة الكعبة، وقد مرّ حديثه مع عمر في منعه من أخذ مال الكعبة وتقسيمه، ولم يُذكر له كتاب أو صحيفة أو نسخة.
١٢ - امرأة خطّأت الخليفة
ومن المحتمل أن تكون هذه المرأة: فاطمة بنت قيس - أُخت الضحّاك وكانت أكبر منه بعشر سنين - وقد كتب بعض أحاديثها أبو سلمة بإخبار منه، قال محمّد بن عمرو: حدّثنا أبو سلمة عن فاطمة بنت قيس قال: كتبت ذلك من فيها كتاب، قالت: كنت عند رجل من بني مخزوم فطلقني(٣) .
وجاء عن عمر انّه قال فيما روته في حديث السكنى: لا ندع كتاب ربنا وسنّة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت(٤) .
____________________
(١) الرسالة للشافعي: ٤٢٦، مسند أحمد ٣: ٤٥٢، واللفظ له، سنن الدارقطني ٤: ٧٦، كتاب الفرائض والسير، ح ٢٧، التمهيد لابن عبد البر ١٢: ١٢٠.
(٢) سنن ابن ماجة ٢: ٨٨٣، باب الميراث من الدية، ح ٢٦٤٢، واللفظ له، سنن أبي داود ٣: ١٢٩، باب المرأة ترث من دية زوجه، ح ٢٩٢٧، سنن الترمذي ٤: ٢٧، باب ما جاء في المرأة هل ترث زوجه، ح ١٤١٥.
(٣) صحيح مسلم ٢: ١١١٦، من باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة له، مسند أحمد ٦: ٤١٣، ح ٢٧٣٧٤، الطبقات الكبرى ٨: ٢٧٤.
(٤) صحيح مسلم ٢: ١١١٨، من باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة له، سنن أبي داود ٢: ٢٨٨، باب مَن أنكر ذلك على فاطمة، ح ٢٢٩١، سنن الترمذي ٣: ٤٨٤، باب ما جاء في المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة، ح ١١٨٠، نصب الراية ٣: ٢٧٣، الحديث الرابع من باب النفقة، واللفظ له.
١٣ - عمّار بن ياسر، استشهد يوم صفّين.
صحابيّ جليل، من أتباع الإمام عليّ، استشهد في واقعة صفّين، وقد أخبر رسولُ الله بمقتله وأنّ الفئة الباغية ستقتله.
لم نقف على مدوّنة له، لكنّه من مدرسة التدوين؛ لأنّ فقهه هو فقه التعبّد المحض؛ ولمواقفه المخطّئة لنهج الخلفاء، ولاتّباعه عليّ بن أبي طالب في فقهه ونهجه.
١٤ - عبد الله بن قيس، أبو موسى الأشعريّ (ت ٤٢ هـ).
جاء في مسند أحمد أنّ أبا موسى الأشعريّ كتب لابن عبّاس مجيباً على رسالته: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يمشي...(١) .
وقال بكر بن عبد الله أبو زيد: (له صحيفة مخطوطة في مكتبة شهيد علي بتركيا)(٢) ، وجاء عنه أنّه قد دافع عن تدوين السنّة الشريفة، و إنّا بدراستنا اللاحقة لفقه الصحابة سنشير إلى مسلكه الفقهيّ، وهل هو يوافق التعبّد أم الاجتهاد.
١٥ - سعد بن مالك، أبو سعيد الخدريّ (ت ٧٤ هـ).
جاء عنه أنّه قال: ما كنّا نكتب غير القرآن والتشهّد(٣) .
واحتمل الأعظميّ أنّه كتب بعض الأحاديث النبويّة إلى عبد الله بن عبّاس. وهذه النصوص تخالف ما اشتهر عنه من أنّه روى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا تكتبوا عنّي، ومَن كتب غير القرآن فليمْحُه(٤) .
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ٣٩٦، سنن أبي داود ١: ١، باب الرجل يتبوّأ لبوله، ح ٣، السنن الكبرى للبيهقي ١: ٩٣، باب الارتياد للبول، ح ٤٥٠، جامع الأصول ٨: ٤٧.
(٢) معرفة النسخ: ١٨٢.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١: ٢٦٠، ح ٢٩٩١، تقييد العلم ١: ٩٣، كنز العمّال ٨: ١٥٢، ح ٢٢٣٤٣، عن (ش).
(٤) انظر الدراسات للأعظمي، والرواية في صحيح مسلم ٤: ٢٢٩٨، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة
١٦ - زيد بن أرقم (ت ٦٦ هـ).
كتب بعض الأحاديث النبويّة، وأرسلها إلى أنس بن مالك، منها: ما كتبه إليه زمن الحَرّة، يعزّيه فيمن قُتل من ولده وقومه، فيها: أُبشّرك ببشرى من الله، سمعت رسول الله يقول: اللّهمّ اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار(١) ، وقد خَطَّأ زيدٌ عمرَ في بعض فتاواه، وروى في فضائل عليّ الكثير.
١٧ - البَراء بن عازب (ت ٧٢ هـ).
قال محمّد عجاج الخطيب: كان البراء بن عازب صاحب رسول الله يحدّث ويكتب مَن حوله(٢) .
قال وكيع: حدّثنا أبي، عن عبد الله بن حنش، قال: رأيتهم يكتبون على أكفّهم بالقصب عند البراء(٣) ، وقد جاءت عنه روايات كثيرة في فضائل عليّ بن أبي طالب. وقد عرفتَ موقفه في البيعة.
١٨ - عبد الله بن عمر بن الخطّاب (ت ٧٤ هـ).
روي عنه أنّه كان يكتب الأحاديث النبويّة، وقد نقل إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر: كانت له كتب ينظر فيها يعني العلم(٤) ، وإِنّك ستقف لاحقاً على موقفه من أبيه وانتصاره لنهج التعبّد المحض، و إن كان يتخطّى هذا النهج في بعض الأوقات.
____________________
=
العلم، ح ٣٠٠٤، مسند أحمد ٣: ١٢، ح ١١١٠٠، المستدرك على الصحيحين ١: ٢١٦، ح ٤٣٧، وفي غيرها من المصادر.
(١) مسند أحمد ٤: ٣٧٠، سنن الترمذي ٥: ٧١٣، ح ٣٩٠٣، فتح الباري ٨: ٦٥١.
(٢) السنّة قبل التدوين: ٣٢٠.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٣١٤، ح ٢٦٤٣٨، العلل لأحمد ١: ٢١٣، كتاب العلم لأبي خثيمة: ٣٤، تقييد العلم: ١٠٥.
(٤) التعديل والتجريح للباجي ٢: ٨٠٣، الترجمة ٧٧٧ لعبد الله بن عمر، سير أعلام النبلاء ٣: ٢٣٨، كما في الدراسات: ١٢٠.
١٩ - سلمان الفارسيّ (ت ٣٢ هـ).
قال ابن شهرآشوب: الصحيح وقيل المشهور أن أوّل من صنّف: أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ثمّ سلمان الفارسيّ(١) .
وقال السيّد حسن الصدر عن سلمان: إنّه صنّف حديث الجاثليق الروميّ الذي بعثه ملك الروم بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله، ذكره الطوسيّ في الفهرست(٢) .
وقال الأعظميّ: يبدو أنّه كتب إلى أبي الدرداء بعض الأحاديث النبويّة(٣) . ولسلمان عدّة أحاديث في مسند أحمد تدلّل على أنّه كان من أتباع نهج التعبّد المحض. بل إنّ المطلع على سيرته العامة يجزم بأنّه من أعيان هذا النهج المقدس ولا غرو، فهو من أهل البيت كما نصّ على ذلك الرسول صلّى الله عليه وآله تشريفاً لا حقيقة.
٢٠ - أبو هريرة الدوسيّ (ت ٥٩ هـ).
روى الفضل بن حسن بن عمر بن أُميّة الضميريّ عن أبيه، قال: تحدّثت عند أبي هريرة بحديث فأنكره، فقلت: إنّي قد سمعته منك! فقال: إن كنت سمعته منّي فهو مكتوب عندي(٤) ، وفي حديثه ما يؤيّد نهج التعبّد وفيه ما يخالف ذلك.
٢١ - تميم الداريّ (عاش بعد مقتل عثمان).
وقد مرّ عليك اعتراضه على الخليفة حينما منعه من الصلاة بعد العصر.
____________________
(١) معالم العلماء: ٣٨، وعنه في المراجعات: ٤١٢ المراجعة رقم ١١٠.
(٢) الفهرست للطوسي: ١٤٢، ح ٣٣٨، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ٢٨٠.
(٣) مسند البزار ٦: ٥٠٦، ح ٢٥٤٦، المعجم الكبير ٦: ٢٥٤، ح ٦١٤٣، التاريخ الصغير للبخاري ٢: ١٣٩، ح ٢٠٧٨، ح ٢٠٧٩، جامع بيان العلم وفضله ١: ٧٤. وانظر الدراسات ١: ٩٦.
(٤) العلل لأحمد ٢: ٥٩١، ح ٣٨٠٧، المستدرك على الصحيحين ٣: ٥٨٤، ح ٦١٦٩، واللفظ له، فتح الباري ١: ٢١٥.
٢٢ - المقداد بن الأسود (ت ٣٣ هـ).
لم يرد أنّه من المصنّفين أو المدوّنين، لكنَّ له مزيّة متابعة عليّ بن أبي طالب وترسّم خطاه، فهو من مدرسة التعبّد المحض، لكن لم يدوّن أو لم تصل إلينا مدوّنته.
٢٣ - أبو ذرّ الغفاريّ (ت ٣٢ هـ).
أضاف ابن شهرآشوب اسم أبي ذرّ الغفاريّ بعد ذكره لسلمان ضمن أسماء من صنّف في الإسلام(١) ، وتخالف نهج وفقه ومتبنّيات أبي ذرّ مع أتباع الاجتهاد والرأي، والحكومات عموماً، وعثمان خصوصاً، أشهر من أن يخفى، مضافاً إلى اختصاصه بإمام التعبّد المحض عليّ بن أبي طالب.
استنتاجات
وبهذا نكون قد تعرّفنا عبر هذا الجَرْد الإحصائيّ البسيط على أنّ الصحابيّ المخالف فقهيّاً لنهج الخليفة غالباً ما يكون أحد اثنين:
١ - كونه من أصحاب المدوّنات، بمعنى أن المتعبدين لم يرد عنهم النهي عن التدوين، بل هم موافقون له، بخلاف المجتهدين الذين كانوا في مسيرهم العام مانعين للتحديث والكتابة والتدوين أي هناك ملازمة بين التدوين والتعبّد، وبين منع التدوين والاجتهاد، فعمّار بن ياسر - مثلاً - فهو من نهج التعبّد المحض، حسبما سنوضحه في دراساتنا اللاحقة، وإن لم تكن له مدوّنة، وكذا عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وغيرهما فهم من نهج الاجتهاد والرأي وإن كانت لهم مدونات؛ إذ بالاستقراء سيتضح لك أنّ مدوناتهم لا تعدو آرائهم الشخصية، وتصب مروياتهم في هذا المصب لا محالة، فالمعني بأصحاب المدونات المتعبدون. وهولاء كانوا على رأس المخالفين لنهج الاجتهاد والرأي.
____________________
(١) معالم العلماء: ٣٨.
٢ - كونه من أصحاب عليّ بن أبي طالب، ومن الذين شهدوا حروبه(١) .
واستبانت لنا من خلال ذلك أيضاً حقائق أُخرى مهمّة في هذا السياق، هي:
١ - سقم مَن يقول بوجود نهي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في تدوين حديثه.
٢ - أنّ تدوين العلم كان على عهده صلّى الله عليه وآله وبأمر منه، ثمّ امتدّ ذلك بعده عند الصحابة المتعبّدين بالنصوص.
٣ - وجود مدوَّنات عند الصحابة على عهد عمر، وتلك هي التي دَعَته أن يأمر بإحضارها إليه.
٤ - أنَّ النهي عن تدوين السنّة كان متأخّراً وبأمر الشيخين، ولم يكسب شرعيّته من النصّ النبويّ.
قال المعلّميّ: لو كان النبيّ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقاً لَما كتب أبو بكر، ولما هَمّ بها عمر(٢) .
وعليه نقول: إذا كانت نصوص السنّة مدوّنة وموجودة، فَلِمَ لا يرتضي الخليفة نشرها؟! وكيف يقول حسبنا كتاب الله؟!
ولو صحّ ما قلناه، فَلِمَ يستبعد ابن حزم وغيره صدور أمر من عمر بحبس الصحابة؟!
نعم، إنَّ التحديث والتدوين عن رسول الله صلّى الله عليه وآله كان هو المانع الأساسيّ أمام اجتهادات الشيخين، وإنّ إرشاد عمر وأبي بكر الناس إلى العمل بالقرآن والإقلال من التحديث ومنع التدوين كان الخطوة الأولى في هذا الطريق، وهكذا بعدت الفاصلة بين عامّة الناس والحديث، ممّا مَهّد الأرضيّة المناسبة لاحتضان البديل، وهو اجتهاد الصحابيّ. فكان البديل هو الخطوة التالية لخطوة منع التحديث والتدوين.
وقد أنبأ رسول الله صلّى الله عليه وآله بوقوع هذا الأمر في القريب العاجل، بقوله صلّى الله عليه وآله (يوشك)، وهو من أفعال المقاربة، مع تأكيده على أنّ ما يقع هو ممّا لا يرتضيه صلّى الله عليه وآله؛ لقوله (لا
____________________
(١) وإن كنّا سنضيف إلى هذين فقه الأنصار لاحقاً، كي نقف على دعاة التعبّد المحض من الصحابة، وأ نّه يدور غالباً في هذه المحاور الثلاثة.
(٢) انظر تدوين السنّة الشريفة: ٢٦٤ و ٢٧٣ عن الأنوار الكاشفة: ٣٨.
أعرفنّ) و (لا ألفَينّ) مؤكّداً على أنّ كلامه من كلام الله ولا تنافي بينهما لقوله:(ألا وإنّ كلامي كلام الله) .
إنّ المنع من التحديث - بالنسبة للخليفة - كان ضرورة اجتماعيّة فرضتها ظروفه عليه، وهو بمثابة المردود السلبيِّ وردّة الفعل إزاء ما لا يعرفه من كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله، بل لما عرفه من نهي النبيّ - عندما كتب شيئاً من التوراة - فالخليفة بنهيه عن التدوين كان يريد أن يجتهد، فراح يستغل نهي الرسول عن التأثّر بمدوّنات أهل الكتاب فعمَّمه إلى المنع عن التحديث والتدوين لسنّة النبي صلّى الله عليه وآله، مع علمنا بالفارق بينهما.
فنهي رسول الله من كتابة صحف أهل الكتاب جاء لكونها محرّفة، وهذا يختلف عن نهي عمر الناس عن كتابة سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
حبس المحدِّثين
ولتوضيح الأمر إليك نصّاً في ذلك:
أخرج الذهبيّ، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أنّ عمر حبس ثلاثة:
ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاريّ، فقال: لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله!(١) .
وفي (شرف أصحاب الحديث) للخطيب:
بعث عمر بن الخطاّب إلى عبد الله بن مسعود وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود، فقال لهم: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله؟! فحبسهم بالمدينة.
وأخرج الحاكم، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه:
أنّ عمر بن الخطّاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول الله؟! أحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أُصيب(٢) .
____________________
(١) المحدث الفاصل ١: ٥٥٣، تذكرة الحفّاظ ١: ٧، حجّيّة السنّة: ٣٩٥.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٢٩٤، ح ٢٦٢٢٩، المستدرك على الصحيحين ١: ١١٠، وكذا في تلخيص الذهبيّ، سير أعلام النبلاء ٢: ٣٤٥.
وفي (مختصر تاريخ دمشق): أنّ عبد الرحمان بن عوف قال: ما مات عمر بن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبد الله، وحذيفة، وأبو الدرداء، وأبو ذرّ، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟!
قالوا: تنهانا؟
قال: لا، أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عِشت؛ فنحن أعلم، نأخذ منكم ونردّ عليكم. فما فارقوه حتّى مات(١) .
إنّ جملة: (أكثرتم عن رسول الله) وكذا: (أفشيتم عن رسول الله في الآفاق) لتؤكّد على أنّ في نقل الأحاديث عن الرسول توعية للمسلمين، و إحراجاً للخليفة في ظروفه الخاصّة؛ لأنّه قد حدّد ما أخذه عليهم بأنّه (الإكثار) و (الإفشاء) لا الكذب والبهتان، فالإفشاء يساوق تخطئة الخليفة، خصوصاً إذا كان الكلام الصادر عن رسول الله ظاهراً صريحاً، وتتّضح هذه الحقيقة أكثر لو أمعنّا النظر في جواب عمر بن الخطّاب لأُبيّ بن كعب:
فقال أُبيّ: يا عمر! أتتّهمني على حديث رسول الله؟!
فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما أتّهمك عليه، ولكنّي كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً(٢) .
وقولُهُ للصحابة: (أقِلُّوا الرواية عن رسول الله إلاّ فيما يُعمل به)(٣) ، وسِرّ المنع في النصّ الأوّل واضح كوضوح الشمس في أنّ الخليفة كان لا يريد أن يكون الحديث (ظاهراً)؛ لئلاّ يظهر الخلل والعوز الفقهيّ في دولته أو فيه.
وكذا تقييده بـ (ما يُعمل به) يعني جواز نقل الأحاديث المشهورة المعمول بها بين المسلمين في الأحكام وغيرها، ممّا هو شائع يعرفه الخليفة كما يعرفه غيره من المسلمين.
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٧: ١٠١، كنز العمّال ١٠: ٢٩٣، ح ٢٩٤٧٩.
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٤: ٢١ - ٢٢.
(٣) الجامع لمعمر بن راشد ١١: ٢٦٢، البداية والنهاية ٨: ١٠٧.
وأمّا نقل الأحاديث التي لا يعرفها الناس أو ربّما لا يعرفها الخليفة، فلا يجيز تناقله، لإِمكان حدوث التخالف بينها وبين اجتهاده، ممّا سيؤول إلى إيجاد مشكلة في جهاز الحكم الذي يُفترض فيه أن يكون مقوّماً ومرجعاً فقهيّاً للأمّة الإسلاميّة.
ولأجل كلّ هذا قال للصحابة:)أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت؛ نحن أعلم، نأخذ منكم ونردّ عليكم).
بهذا اتّضح أنّ الخليفة كان لا يرتضي التحديث بالرواية، كما أنّ الصحابة أو الكثير منهم كانوا لا يرتضون ما ذهب إليه، وهذا - كما ترى - مغاير لِما عمد البعض إلى إشاعته من أنّ الخليفة قد نهى عن التدوين حسب.
ومن ثمَّ يضاف إلى قائمة الأسماء، أسماء آخرين قد خالفوا الخليفة في رأيه، هم:
٢٥ - أبو الدرداء.
٢٦ - أبو مسعود الأنصاريّ.
٢٧ - عقبة بن عامر.
ولا نريد هنا التفصيل في هذه الأسماء، مكتفين بالإشارة إلى أنّ هناك صحابة كثّر يتحد فقههم مع فقه أهل البيت، وهؤلاء لا ينحصر عددهم بثلاثة عشر، كما زعم ذلك ابن حجر، أو سبعة كما زعم موسى جار الله.
* * *
آراء متضاربة
سُئل ابن عبّاس: عن رجل توفّي وترك بنته وأُخته لأبيه وأُمّه.
فقال: لابنته النصف وليس لأخته شيء.
فقال السائل: فإنّ عمر قضى بغير ذلك.
فقال ابن عبّاس: أأنتم أعلم أم الله؟!
قال السائل: ما أدري ما وجه هذا حتّى سألت ابن طاووس [ اليماني ]، فذكرت له
قول ابن عبّاس، فقال: أخبَرَني أبي أنّه سمع ابن عبّاس يقول: قال الله عزّ وجلّ:( إنِ امْرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَرَكَ ) (١) فقال ابن عباس: فقلتم أنتم: لها نصف ما ترك وإن كان له ولد(٢) .
إنّ عمر كان قد ساوى في الميراث بين بنت الميت وأُخته لأبيه وأُمّه؛ لأنّ البنت حسب نظره لا يصدق عليها حقيقة الولد، كما هو المعروف عند العرب من قبل. والمعلوم أنّ هذه الرؤية تخالف صريح القرآن العزيز لقوله عزّ وجلّ:( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أوْلأدِكُم للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيين ) (٣) .
فدلّت هذه الآية على أنّ البنت (ولد) بالمفهوم القرآنيّ والعُرفيّ والحقيقيّ، ومع وجود الولد لا تأتي رتبة الإخوة والأخوات في الإرث، لقوله تعالى:( وَهُو يَرِثُها إنْ لَم يَكُنْ لَها وَلَد، فإن كانَتا اثْنَتَين فَلَهُما الثُّلُثان ممّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالاً ونِسَاءً فَللِذّكرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين يُبيّن اللهُ لكَمْ أن تَضِلّوا واللهُ بكلِّ شَيٍّ عَلِيم ) (٤) .
وهو يعني كذلك أنّ الإخوة والأخوات لا حقّ لهم في الإرث مع وجود الولد.
وللخليفة رأي آخر في عول الفرائض خالفه فيه ابن عبّاس:
قال عمر: والله ما أدري أيّكم قدّم الله ولا أيّكم أخّر، وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أنّ أقسمه عليكم بالحصص.
فقال ابن عبّاس: وأيم الله، لو قدّم مَن قدّم الله وأخّر مَن أخّر الله ما عالت فريضة(٥) .
وحَكَمَ في امرأة ماتت عن زوج وأُمّ وأخَوَين لأُمّها دون أبيها، وأخَوَين لأمّها وأبيها معاً بحكمين مختلفين:
____________________
(١) النساء: ١٧٦.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٦، ح ٧٩٧٩، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٣٣، ح ١٢١١٣، كنز العمّال ١١: ٤٤، ح ٣٠٥٥٨.
(٣) النساء: ١١.
(٤) النساء: ١٧٦.
(٥) السنن الكبرى للبيهقيّ ٦: ٢٥٣، ح ١٢٢٣٧، وانظر المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٨، ح ٧٩٨٥.
قضى في المرّة الأولى بإعطاء زوجها فرضه - وهو النصف - وإعطاء أُمّها فرضها - وهو السدس - وإعطاء أخويها لأمّها خاصّة الثلث الباقي، فتمّ المال وأُسقط أخواها الشقيقان.
وفي المرّة الثانية أراد الخليفة أن يحكم كما حكم سابقاً، فاحتج الإخوة من الأب والأم فقالوا: يا أمير المؤمنين! لنا أب وليس لهم أب، ولنا أُمّ كما لهم، فإن كنتم حرمتمونا بأبينا فوِّرثونا بأُمّنا كما ورّثتم هؤلاء بأُمّهم، واحسبوا أنّ أبانا كان حماراً، أوَ ليس قد تراكضنا في رحم واحد؟
فقال عمر عند ذلك: صدقتم، فأشرك بينهم وبين الإخوة من الأُمّ في الثلث(١) ، وفي رواية أُخرى: هب أنّ أبانا كان حجراً مُلْقىً في اليمّ، فأشركنا في قرابة أُمّنا، فأشرك بينهم بتوزيع الثلث على الإخوة الأربعة بالسواء.
فقال له الرجل: إنّك لم تشركهما عامَ كذا.
قال عمر: تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا الآن!(٢) .
أخرج الشافعيّ في (المسند)، وأبو داود والبيهقيّ عن طاووس: أنّ عمر رضي الله عنه قال: أسَمِعَ امرؤ عن رسول الله في الجنين شيئاً؟
فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جاريتين لي [ يعني ضرّتين ] فضربتْ إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميّتاً، فقضى فيه رسول الله بُغرّة.
فقال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، إن كِدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا(٣) .
قال عبيدة السلمانيّ: لقد حفظتُ لعمر بن الخطّاب في الجدّ مائة قضيّة مختلفة(٤) .
____________________
(١) أحكام القرآن للجصّاص ٣: ٢٤، باب المشركة.
(٢) سنن الدارمي ١: ١٦٢، باب الرجل يفتي بالشيء ثم غيره، ح ٦٤٥، سنن الدارقطني ٤: ٨٨، كتاب الفرائض والسير، ح ٦٦، واللفظ له، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٥٥، باب المشركة، ح ١٢٢٤٧، و ١٠: ١٢٠، باب من اجتهد من الحكام وغير اجتهاده.
(٣) مسند الشافعي ١: ٢٤١، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١١٤، باب الدية، الإحكام للامدي ٢: ٧٦.
(٤) مصنّف عبد الرزّاق ١٠: ٢٦١، باب فرض الجد، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٤٥، واللفظ له، فتح الباري ١٢: ٢١، تغليق التعليق ٥: ٢١٩، شرح الزرقاني ٣: ١٤٢، موسوعة فقه عمر بن الخطاب: ٥٣.
وعلّق الدكتور محمّد سلام مدكور على أمر عمر في الجدّة بقوله: (... ولكنّ عمر كان يأبى إلاّ أن يكون الجدّ أولى من الإخوة، ويقول: لو أنّي قضيت به اليوم لقضيت به للجدّ كلّه، ولكنّه اتّجه إلى العدول عن رأيه وقال: لعلّي لا أخيّب منهم أحد، ولعلّهم أن يكونوا كلّهم ذوي حقّ. ثمّ عَدَل مرّة أُخرى إلى المقاسمة بشرط ألاّ تقلّ عن السدس. ثمّ عدل إلى المقاسمة بشرط ألاّ تقلّ عن الثلث على ما ذكرنا. وما كان هذا الاختلاف وعدم الاستقرار في الرأي إلاّ لأنّ المسألة اجتهاديّة صرفة، لم يِرد فيها نصّ يبيّن الحكم بوضوح.
ونستطيع أن نتبيّن من هذا الحوار الذي تمّ بين زيد بن ثابت وعمر بن الخطّاب، هو استعمال زيد أُسلوباً في التشبيه البليغ يقرب رأيه إلى العقل والامتناع)(١) .
وقال الدكتور محمّد روّاس قلعه چي بعد أن أتى بكلام عبيدة السلمانيّ والآية الكريمة:( ولأبوَيْهِ لكلّ واحدٍ منهما السُّدس ممّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَد ) (٢) وقوله:( فإن لمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبوَاهُ فَلأمّهِ الثُّلُث ) (٣) . قال: يفهم منه أنّ الباقي للجدّ(٤) . (وكان عمر يلاحظ اضطرابه في قضيّة ميراث الجدّ مع الإخوة، فاستشار الصحابة في شأنه أكثر من مرّة، ولكنّه لم يصل فيه إلى قرار حاسم. وقبيل وفاته أحبّ أن تستقرّ الأمور في الجدّ على شكل ما، حتّى لا يترك الأمر فوضى، فكتب في الجدّ والكلالة كتاباً، ومكث يستخير الله ويقول: اللّهمّ إن علمت فيه خيراً فأمضه، حتّى إذا طعن دعا بالكتاب فمحاه، فلم يدرِ أحد ما كان فيه فقال: إنّي كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتاباً وكنت أستخير الله فيه فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه)(٥) .
وعلّق السيوطيّ في (الأشباه والنظائر) على اجتهادات عمر في الجدّة بقوله: وعلّته أنّه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأوّل، فإنّه يؤدّي إلى أنّه لا يستقرّ حكم، وفي ذلك
____________________
(١) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ١٧٢.
(٢) النساء: ١١.
(٣) النساء: ١١.
(٤) موسوعة فقه عمر بن الخطّاب: ٥٣.
(٥) موسوعة فقه عمر بن الخطّاب: ٥٤، والخبر في مصنف عبد الرزاق ٦: ٤٣، باب الكلالة، وتفسير الطبري ٦: ٤٣، الإحكام لابن حزم ٦: ٢٧٩.
مشقّة شديدة، فإنّه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض وهلمّ جرّاً(١) .
والذي يدل دلالة قطعية على أنّ عمر كان يجتهد في قبال الكتاب والسنّة، هو أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان أخبره بأنّه لا ولن يعلم حكم الجدّ حتى وفاته، لكنّه مع ذلك تخطّى ذلك وأعمل آراءه فيه، فعن سعيد بن المسيب قال: إنّ عمر سأل النبي صلّى الله عليه وآله كيف قسم الجد؟ قال صلّى الله عليه وآله: ما سؤالك عن ذلك يا عمر، إنّي أظنّك تموت قبل أن تعلم ذلك، فمات قبل أن يعلم ذلك(٢) .
وقال الصالحي الدمشقي في سبل الهدى والرشاد: وروى ابن راهويه وابن مردويه قال الشيخ - وهو صحيح عن ابن المسيب - إنّ عمر سأل رسول الله كيف تورث الكلالة؟
قال: أوليس قد بين الله تعالى ذلك ثم قال: و إن كان رجل يورث كلالة [ النساء ١٢ ] إلى آخره، فكأن عمر لم يفهم.
فأنزل الله تعالى:( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) [ النساء ١٧٦ ] إلى آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم.
فقال لحفصة: إذا رأيت رسول الله طيب نفس فاسأليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال صلّى الله عليه وآله: أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباكِ يعلمها أبداً فكان يقول: ما أراني أعلمها أبداً، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله ما قال(٣) .
وبعد هذا قد يكون ما جاء في حديث الإمام علي(مَن سرهُ أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة) (٤) أي يرمي بنفسه في معاظم عذابها(٥) .
____________________
(١) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة: ٤٥٢ عن الأشباه والنظائر: ١٠١.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. انظر المعجم الأوسط ٤: ٢٩٥، ح ٤٢٤٥، واللفظ له، وطبقات المحدثين بأصبهان ٣: ٥٦٤، ومجمع الزوائد ٤: ٢٢٧، باب ما جاء في الجد، وكنزل العمّال ١١: ٥٨، ح ٣٠٦١١، عن (عب، هق، وأبو الشيخ في الفرائض).
(٣) سبل الهدى والرشاد ٩: ٢٨٧، وهو في أحكام القرآن للجصاص ٣: ١٨، تفسير ابن كثير ١: ٥٩٥، الدر المنثور ٢: ٧٥٤.
(٤) سنن الدارمي ٢: ٤٥٠، باب الجد، ح ٢٩٠٢، واللفظ له، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٤٥، باب التشديد في الكلام في مسألة الجد مع الأخوة، ح ١٢١٩٦وهو أيضاً في مصنف عبد الرزاق ١٠: ٢٦٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٦: ٢٦٨.
(٥) لسان العرب ١٢: ٤٦٣ مادة (قحم).
ناظراً إلى اجتهادات الشيخين لما عرف عنهما من التضارب في فتاواهما في إرث الجد، وخصوصاً فتاوى عمر بن الخطاب. وتخالف ذلك مع الذكر الحكيم.
القول باجتهاد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)!!
فاتّضح إذاً - على ضوء النصوص السابقة - اضطرارهم إلى اتّخاذ الاجتهاد كمنطلق يمكن على ضوئه تبرير اختلاف وجهات النظر بين الصحابة، بل بين فتاوى الخليفة نفسه أو الصحابيّ الواحد نفسه، لأنّه الغطاء الذي يمكن أن يحتمي به الداعون إلى مدرسة الخلفاء، والاجتهاد، والعاملين به على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، لرفع التضادّ والتناقض الموجود بين فقه الصحابة.
لكنّنا نريد أن ندرس القضيّة من جذوره، ومن منطلق أكثر عقلانيّة وواقعيّة؛ لنرى: هل كان الرسول يجتهد في الأحكام حقّاً، أم أنّ ما نسبوه إليه صلّى الله عليه وآله جاء لتصحيح اجتهادات الصحابة؟
وهل يعقل أن يتّخذ الرسول الاجتهاد وسيلة للوقوف على حكم السماء، وهو المأمور بتبيين الأحكام الصادرة من الله للناس، وهو رسول ربّ العالمين؟!
ولو سُمح له صلّى الله عليه وآله بالاجتهاد، فلِمَ يتوقّف صلّى الله عليه وآله في بيان حكم اللعان(١) ، وميراث العمّة والخالة حتّى ينزل عليه الوحي؟!(٢) .
أليس الاجتهاد ممّا يحتملُ الخط، ولا يفيد إلاّ الظنّ؟
وإذا كان الرسول بمقدوره الحصول على اليقين، فكيف يعمل بالظنّ الذي هو أقلّ درجة عن اليقين؟!.
____________________
(١) انظر تفسير الطبري ١٨: ٨٣، مسند أحمد ١: ٢٣٨، ح ٢١٣١، سنن أبي داود ٢: ٢٧٧، باب في اللعان، ح ٢٢٥٦، أسباب النزول للواحدي: ٢١٣، لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي: ١٥٣.
(٢) انظر سنن الدارقطني ٤: ٨٠، ح ٤٢ و ٤: ٩٨، ح ٩٠ و ٤: ٩٩، ح ٩٨، من كتاب الفرائض والسير، المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٨١، ح ٧٩٩٧، تفسير القرطبي ٨: ٦٠، الدر المنثور ٢: ٤٥٠، المراسيل لأبي داود ١: ٢٦٣.
يضاف إلى ذلك: ماذا نفعل بالآيات الأخرى الآمرة بلزوم اتّباع كلام رسول الله، كقوله تعالى:( مَا آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوُه، وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (١) .
وقوله تعالى:( فلا وَرَبِّكَ لا يُؤمنونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُم... ) ؟!(٢) .
فنحن لو اعتبرنا الاجتهاد وعرفنا أنّه مبتنٍ على الظنّ، وممّا يُحتمل فيه الخطأ، فكيف يوجب سبحانه اتّباع الظنّ والخطأ في أحكامه؟! وقد نهى سبحانه عن اتّباع الظنّ بقوله:( إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً ) ؟!(٣) .
يبدو أنَّ الإصرار على القول باجتهاد الرسول، إنّما صِير إليه لتصحيح اجتهادات الصحابة، ومنحها السمة المشروعة، وعلى الأخصّ فتاوى الشيخين. ومَن يقرأ التاريخ والحديث بروح مجرّدة يقف على ما نقول. وإنّك لو تمعّنت فيما استدلّ به علماء الأصول - من اتّباع مدرسة الرأي - على اجتهاد الرسول، وما ذكروه من أدلّة لعرفت أنّ السرّ فيه إنّما هو الإشارة إلى الأخطاء التي نسبها بعضهم إليه صلّى الله عليه وآله في مقام التشريع! فأرادوا حلّ هذه العويصة بمخرج الاجتهاد والرأي.
ثمّ لو كانت أقواله صلّى الله عليه وآله وأفعاله، نابعة من اجتهاداته صلّى الله عليه وآله المسموح بها حسب فرضهم، فلماذا نرى غالب تصريحاتهم وتلويحاتهم توحي بأنّ النبيّ تخلّف عن أوامر الله - كما في صلاته على المنافق - وتخلّف عن الضوابط الإنسانيّة كما نرى عبوسه عند مجي الأعمى عبد الله بن مكتوم... وغيرها ممّا نسبوه إلى النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، حتّى اجترأ الزمخشريّ أن يقول في تفسير قوله تعالى:( عَفا اللهُ عَنْكَ ) (٤) إنّها كناية عن الجناية؛ لأنّ العفو رادف له، ومعناه: أخطات وبئس ما فعلت!(٥) .
انظر إلى كلام الزمخشريّ هذا كيف يتطاول به على ساحة النبوّة المقدّسة!!
____________________
(١) الحشر: ٧.
(٢) النساء: ٦٥.
(٣) يونس: ٣٦، النجم: ٢٨.
(٤) التوبة: ٤٣.
(٥) تفسير الكشّاف ٢: ١٥٣.
لقد قال أتباع الاجتهاد المانعون للتدوين بمثل هذا القول فيما يتّصل برسول الله صلّى الله عليه وآله، في حين يؤكّدون أنّ الوحي كان يوافق الخليفة عمر بن الخطّاب في كلّ تلك القضايا التي أخطأ فيها النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأنّ النبيّ قد شهد له بذلك... أترك القارئ ليفهم مغزى هذا التناقض وسرّ تخطئة الرسول صلّى الله عليه وآله، وسلامة رأي عمر وموافقة الوحي له دون النبيّ!
ولو تنزّلنا وقلنا أنّ النبيّ بشر، له مَلَكات ربّانيّة، وأنّ غالب أُموره الدنيويّة كانت تصدر بقرار من نفسه وليس لها ارتباط بالوحي، بمعنى أنّه صلّى الله عليه وآله لو قال لأحد: كيف أنت؟ لا يعني أنّه قالها له امتثالاً لأمر الباري، وكذا قوله: ماذا تأكل؟ أو: اذهب إلى فلان لأخذ الحاجة الفلانيّة، أو ائتني بماء فإنّي عطشان، ومثلها مزاحه مع أزواجه والمؤمنين، وغيرها من متطلّبات الحياة العامّة...
وكذا الحال بالنسبة إلى حروبه، فكان صلّى الله عليه وآله يشاور الصحابة، كما في مصالحة غطفان يوم الخندق(١) ، والخروج إلى أُحد(٢) ، وأخذه برأي سلمان الفارسيّ في حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب(٣) ، وكذا أخذه صلّى الله عليه وآله برأي حبّاب في النزول عند الماء في غزوة بدر، وبقول سعد بن معاذ في بناء عريش بدر(٤) وغيرها من المفردات...
فلو سلّمنا كلّ هذا وأعرضنا عن أن النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يفعل كل ذلك ويتكلّم به بأمر الله، وبما يوافق مراد الباري سبحانه وتعالى، وأنّه كان يشاور أصحابه استطابة لنفوسهم وتعليماً لهم على الحنكة والتدبير، ثمّ يجزم هو صلّى الله عليه وآله بما أراه الله بما هو في صالح المسلمين، وما هو مراد الله سبحانه وتعالى. أقولُ: لو سلّمنا كلّ ذلك نقول:
إنّ هذه القضايا هي مواقف في أُمور الحرب والموضوعات الخارجيّة، وهي ليست كاجتهادات الخليفة عمر بن الخطّاب؛ إذ إنّ غالب ما ذهب إليه كان في الأحكام
____________________
(١) سيرة ابن هشام ٤: ١٠٤، وعنه في اجتهاد الرسول: ٩٥.
(٢) أنظر البخاريّ ومسلم ومسند أحمد والنسائيّ وسيرة ابن هشام ٣: ٦٤ بل جميع التواريخ.
(٣) السيرة النبويّة لابن هشام ٣: ٢٣٥.
(٤) السيرة النبويّة لابن هشام ٢: ٢٧١، وللتفصيل في هذه الواقعة ونظائرها راجع اجتهاد الرسول للدكتورة نادية شريف العمريّ: ٨٣ - ١٤٦.
الشرعيّة وليس شيء منها في الموضوعات الخارجيّة! هذا بعد الإغضاء عن أنّ اجتهاد النبيّ - لو فرض صحّته - لا يساوق اجتهاد غيره، باعتبار أنّ عقل النبيّ هو أكبر عقل وأَدْرَكُهُ للواقع، فإنّ اجتهاده جاء بعد إلمامه بالمصالح والمفاسد والمقدّمات والنتائج، وكان ذلك موافقاً لحكم الله الواقعيّ، وأين هذا من اجتهاد غيره؟
نعم، إنّهم بطرحهم هذه الرؤية كانوا يريدون مساواته صلّى الله عليه وآله مع الصحابة لتعميم الأمر عليهم، ولكي يرفعوا به التخالف الموجود بين أقوالهم، وليخلصوا إلى القول: إنّها اجتهادات كاجتهادات النبيّ!
بَيْد أنّ ما لا ريب فيه - كما يشهد الجميع - أنّ ما يسمّى باجتهاد النبيّ هو غير اجتهاد الصحابة، فالنبيّ لو ارتضينا أنّه مجتهد لم يكن يجتهد إلاّ في الموضوعات وأُمور الحرب والأقضية؛ وذلك لا يعني أنّه صلّى الله عليه وآله كان يجتهد في الأحكام كذلك.
وأمّا العمل بالوظيفة الظاهرة فإنّه لا يعني الاجتهاد بمعناه المعروف اليوم؛ لأنّ قوله صلّى الله عليه وآله:(إنّما أحكم بالظاهر وإنّكم تختصمون إلَيّ، ولعلّ أحدكم ألحن بحجّته من بعض، فمن قضيتُ له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، فإنّما قطع له قطعة من النار) (١) ، يعني أنّ على الحاكم أن يحكم طبق ظاهر الأدلّة المطروحة، لا على البواطن والواقع، وإن كان منكشفاً له صلّى الله عليه وآله انكشافاً تامّاً، إذ الأنبياء والرسل والأوصياء كلّهم مأمورون أن يحكموا بالظاهر إلاّ مَن كلّفه الله بالحكم الواقعيّ كالخضر عليه السلام.
هذا، وقد عُرف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه كان يحكم بين الناس في المدينة - وفي هذا ما يفهم منه أنّه كان يحكم - طبق الأدلّة والموازين. وفي هذا ما يعني - بما لا مجال للشكّ فيه - أنّه قَنَّنَ الحكم بالظاهر؛ لكي لا تنخرق نواميس الشريعة والقوانين البشريّة التي جرت عليها سنّة الخلق.
إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لاتّصاله بالوحي إنّما كان يعرف حكم الشرع؛ وذلك لمعرفته بما في اللوح المحفوظ؛ لأنّ من الثابت عند المسلمين نزولُ القرآن مرّتين: نزل في الأُولى
____________________
(١) أنظر اجتهاد الرسول: ٩٧.
كاملاً ليلة القدر، ونزل في الثانية نجوماً في الوقائع والأحداث المختلفة، فيكون ما يصدر عن النبي إنّما هو لِما عرفه من اللوح المحفوظ، وإن لم تنزل عليه بالتنزيل الثاني - آية صريحة - لحين ذلك التاريخ.
وكذا الحال بالنسبة إلى ما قالوه في تمنّي رسول الله تحويلَ القبلة إلى المسجد الحرام؛ فلو كان اجتهاداً منه لحوّلها ولَما ظلّ ستّة أشهر أو سبعة يصلّي إليها حتّى نزل قوله تعال:( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ) (١) لأجل انتظاره للوحي وتعبّده بأمر السماء، لا إتياناً منه صلّى الله عليه وآله بحكم يخالف شريعة الله.
وأمّا الاستدلال على اجتهاد الرسول بقوله تعالى:( إنّا أنْزَلْنا إليكَ الكِتابَ بالحقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ الله ) وتفسيرهم (بما أراك) بمعنى: بواسطة نظرك واجتهادك في أدلّة الأحكام... فإنّه تفسير خاطئ ومخالف لظاهر الآية؛ لأنّ منطوق الآية وبقرينة السياق -( إنّا أنْزَلْنا إليكَ الكِتابَ بالحقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ الله ) (٢) صريحٌ بأنّ معناه هو لزوم استقائكَ الحكم من الكتاب لا اجتهاداً من عند نفسك!
وأمّا أنصار مدرسة الرأي من الصحابة، فكانوا يريدون تعميم اجتهاداتهم حتّى على الأحكام الشرعيّة، وذلك بالطبع بعد عصر رسول الله؛ لأنّهم في عصر النبيّ كانوا يرجّحون أن تكون الأحكام مستوحاة من النصّ، ومن كلام الرسول، بل كان النبيّ يردعهم عن الرأي؛ لأنّه المرجع المصحّح لما قد يقعون فيه من الأخطاء، لكنّهم وبعد وفاته صلّى الله عليه وآله اجتهدوا، فيما فيه نصّ وفيما لا نصَّ فيه.
وإنَّ هذا الاتّجاه قد استحكم بناؤهُ في عهد الخليفة الثاني؛ لأنَّ المجتهدين على عهد الرسول وبسطاء المتعبّدين قد تأثّروا باتّجاه الرأي لاحقاً.
إنّ رفع الأمور في عهد النبيّ إليه صلّى الله عليه وآله والعمل طبقاً لقوله صلّى الله عليه وآله، يعني أنّ الحُكم قد أُمضِي من قبل الشارع، وصار حجّة بإمضاء النبيّ؛ فالحجّة فيه إمضاء النبيّ لا ما فعله
____________________
(١) البقرة: ١٤٤.
(٢) النساء: ١٠٥.
الصحابيّ وقاله!
فلو كان الاجتهاد بالرأي في عهده صلّى الله عليه وآله حجّة - كما هو المصطلح اليوم - فلماذا ألزم أُسامةَ أن يدفع ديّة الرجل الذي قتله اجتهاداً منه؟!(١) .
ولماذا قال صلّى الله عليه وآله:(اللّهمّ أبرأ إليك ممّا صنع خالد) (٢) .
وقد مرّ عليك سابقاً كلام الدكتور مدكور إذ قال: (... إنّ الرسول - على مقتضى هذه النظريّة نفسها - لم يكن بحاجة إلى هذا المعنى من الاجتهاد... أمّا بعد انتقال الرسول من الحياة الدنيا وفي عصر الصحابة الذي ينتهي بنهاية القرن الهجريّ الأوّل فقد عرضت لهم...).
وقال الدكتور معروف الدواليبيّ: (لا جديد في الغالب من أحداث لم يألفها ووقائع لم يتخرج في أحكامها، على نحو ما في الكتاب والسنّة من حكم وإرشاد.
وهذا يعني: أنّ الاجتهاد في أثناء حياة النبيّ لم يلعب دوراً هامّاً ذا شأن، بل بقي ضمن نطاقٍ من القضايا محدود، وعددٍ منها معدود)(٣) .
وقالت الدكتورة نادية العمريّ: (حتّى لقد كان يقترح [ عمر ] من التشريعات في عهد رسول الله ما يراه متّفقاً مع الفضيلة والحقّ والمصلحة)(٤) وهذه الكلمات تعضد ما توصّلنا إليه من أنّ الاجتهاد - بمعناه اليوم - لم يكن حجّة في زمان النبي صلّى الله عليه وآله، وإنّما تكامل اصطلاحيّاً في وقت متأخّر على يد الشيخين ومَن سار مسيرهما، وأنّ انبثاقه وتكامله كان لحاجتهم إلى الأحكام، ولعدم إحاطتهم بجميع الأحكام ووجوه الاستدلال فيه.
* * *
____________________
(١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣: ٢٢٣.
(٢) صحيح البخاري ٤: ١٥٧٧، باب بعث النبي صلّى الله عليه وآله خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، ح ٤٠٨٤، مسند أحمد ٢: ١٥٠، ح ٦٣٨٢، الطبقات الكبرى ٢: ١٤٨، الاستيعاب ٢: ٤٢٨ قال: وخبره بذلك في صحيح الأثر.
(٣) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة: ٣٢ عن المدخل إلى علم أُصول الفقه: ٧٨ ط ٥ - ١٩٦٥.
(٤) اجتهاد الرسول: ٢٥٩.
والآن... نعود إلى صلب البحث لكي نعرف موقف الخليفة عمر بن الخطّاب من الصحابة ونعرف موقفهم منه. وقد استبان لك موقفه من ابن مسعود وهو الصحابيّ الذي أرسله مع عمّار إلى الكوفة ليعلّماهم أُمور الدين، وقوله لأهل الكوفة لمّا أرسلهما إليهم:(إنّهما من النجباء من أصحاب محمّد من أهل بدر، فاقتدوا بهما واستمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي) (١) . وكذا موقفه مع غيره من الصحابة.
نعم، عَمَد إلى صحابيّ جليل كابن مسعود فحبسه وحاسبه على نشره حديث الرسول و إكثاره منه، وهذا الموقف من عمر هو الذي جرّأ عثمان أن يتّخذ موقفاً أشدّ من موقفه إزاء ابن مسعود، فمنعه من التحديث، ونهاه عن قراءة مصحفه، ورسول الله يؤكّد: (اقرؤوا بقراءة ابن أُمّ عبد) - يعني: ابنَ مسعود - وجلَده أربعين سوطاً(٢) ، وكسر بعض أضلاعه حتّى آل الأمر به أن يموت و يُدفن مقهوراً!
وقد مرَّ أنّه اتّخذ أُسلوب العنف إزاء الصحابة؛ لأنّه أدرك مواقفهم من فقهه، وعلم أنّهم لا يرتضون اجتهاداته المخالفة لسنّة رسول الله، وأنّهم ما يزالون يعترضون عليه، وأنّهم مع ذلك العنف ظلّوا مصرّين على ما تلقّوه من النبي صلّى الله عليه وآله، حتّى بلغ الأمر ببعضهم أن يعمد إلى اختبار فهم الخليفة أمام المسلمين؛ لإِعلامهم أنّ اجتهادات عمر خاطئة، بعيدة عن السنّة.
مُسائلة الصحابة للخليفة
وإليك نصّين في ذلك:
الأوّل: عن الحارث، عن عبد الله بن أوس، قال: أتيتُ عمر بن الخطّاب، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت ثمّ تحيض؟
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٦: ٨، تذكرة الحفّاظ ١: ١٤، معتصر المختصر لأبي المحاسن ٢: ٣١٤.
(٢) شرح نهج البلاغة ٣: ٤٤.
قال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت.
قال الحارث: فقلت: كذلك أفتاني رسول الله.
فقال عمر: أربت على يدك، سألتني عمّا سألت عنه رسول الله لكيما أُخالف؟!(١) .
الثاني: عن هشام بن يحيى المخزوميّ: أنّ رجلاً من ثقيف أتى عمر بن الخطّاب، فسأله: عن امرأة حاضت، وقد كانت زارت البيت يوم النحر: ألَها أن تنفر قبل أن تطهر؟
قال عمر: لا.
فقال له الثقفيّ: فإنّ رسول الله أفتاني في هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به!
فقام إليه عمر يضربه بالدرّة ويقول: لِمَ تستفتيني في شيءٍ قد أفتى فيه رسول الله؟!(٢) .
والجدير بالذكر هنا هو استخدام لفظة (الإفتاء) في هذا العهد، وأنّ الخليفة قد قالها عن النبيّ كذلك، في حين نعلم بوجود (فرق بين الرسالة والفتوى؛ أنّ الفتوى تقبل النسخ من حيث الجملة في جنسيهما، وأمّا الرسالة فهي لا تقبل النسخ بأن تكون خبراً صِرْفاً)(٣) .
وكأنّه راح يوسّع فكرة الاجتهاد - التي رأى فيها علاج كلّ شيء - بأقصى ما يملك من قدرة، حيث لم يُمكنه القول بمشروعيّة رأيه وارتقائه إلى مرتبة قول الرسول إلاّ بعد المرور بعدّة مراحل، منها القول بأنّ النبيّ كان من المجتهدين وأنّ بعض أحكامه قد صدرت عن رأي، وبذلك قد تنزّلت أقواله صلّى الله عليه وآله إلى مرتبة غيره من المجتهدين، بحيث يمكن مضاهاتها من حيث إمكان الأخذ والطرح، وهذا من أعجب العجائب.
____________________
(١) مسند أحمد ٣: ٤١٦، سنن أبي داود ٢: ٢٠٨، باب الحائض تخرج بعد الإفاضة، ح ٢٠٠٤، واللفظ له، الآحاد والمثاني ٣: ٢٢٨، ح ١٥٨٩، المعجم الكبير ٣: ٢٦٢، ح ٣٣٥٣، وجاء في الغدير للاميني ٦: ١١٢، عن سنن أبي داود وفيه (قال عمر: تبّت يداك أو ثكلتك أُمّك سألتني عمّا سألت عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله كيما أخالفه).
(٢) المدخل إلى السنن الكبرى ١: ١٠٤، باب الحديث الذي يرو خلافه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ح ٢٤، مفتاح الجنة للسيوطي ١: ٤٤، إيقاظ الهمم ١: ٨، ورواه أبو داود بنحوه.
(٣) انظر اجتهاد الرسول: ٣٥٢ - ٣٥٣.
ولو دقّقتَ النظر في مخالفة - بل مخالفات - الصحابة إيّاه في طروحاته وآرائه؛ لعرفت أنّ الشكّ في سلامة فقه عمر بن الخطّاب كان أمراً مطروحاً عند الصحابة.
ونحنُ باستعراضنا هذه النصوص لا نُريد الذهاب إلى مشروعيّة اختبار المسلم، وجواز السؤال عن الشيء تعنّتاً وتجربة له، فهناك نصوص كثيرة دلّت على ذمّ سؤال المختبر المتعنّت:
فعن عليّ بن أبي طالب:سَل تفقّهاً، ولا تسأل تعنّتاً، فإنّ الجاهل المتعلّم شبيهٌ بالعالم، وإنّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت (١) .
وقوله:الناس منقوصون مدخولون إلاّ مَن عصم الله، سائلهم متعنّت ومجيبهم متكلّف (٢) .
لكنّ الذي نريده هو الوقوف على الحقائق؛ لأنَّ الصحابة - على رغم وقوفهم على النصوص الذامّة للسؤال اختباراً - كانوا ينزعون إلى هذا اللّون منه في تعاملهم مع عمر؛ لأنّهم يجدون فيه أُسلوباً للخروج من الأزمة التي هم فيها؛ ولأنّ تكرار مواقفهم هذه من الخليفة، من شأنه أن يبصّر الآخرين بأنّ فقه الخليفة الثاني لا يتطابق في كثير من الأحيان مع ما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، سواء أَعَلِمَ الخليفة بورود نصّ آخر يخالف ما أفتى به، أم لم يعلم بورود شيء فيه أصلاً.
ولأنّهم أرادوا إيقاف عامة المسلمين على عدم امتلاك الخليفة عمر دوراً في التشريع، وعدم امتلاكه القدرة الكافية على استنباط الأحكام من الكتاب العزيز والسنة الشريفة، وعدم أهليته لأَن يكون رأيه قسيم الكتاب والسنّة في هذا الشأن.
ويبدو لي أنّ إثارة الصحابة لهذه القضايا وتكرارهم السؤال عنها، لم يَعْنوا به المساس بشخصيّة الخليفة بقدر ما كانوا يريدون به الدفاع عن حياض التشريع الإسلاميّ، ومنع الآخرين عن إدخال الآراء في الشريعة.
____________________
(١) نهج البلاغة (الحكم) ٤: ٧٦.
(٢) نهج البلاغة (الحكم) ٤: ٨٠، حلية الأولياء ٩: ٢٩٠.
وقد استبان لك بجلاء تخالف وجهات النظر بين الخليفة وكثير من الصحابة في الأحكام، وتبيّن هذا التخالف حتّى بين فتاويه في الواقعة الواحدة، وكان من الطبيعيّ أن يؤثّر هذا التخالف في الأحكام الشرعيّة فيما بعد.
من هنا عمد قسط كبير من الأعلام - تفادياً لاختلاط الأحكام الاجتهاديّة الصادرة عنهم بالأحكام النبويّة - إلى ضرورة الفصل والتمييز بينهم، لكيلا يقع المسلمون في حرج حين الأخذ؛ لأنّ الخبر الذي يصدر عن اجتهاد هو غير الذي يصدر عن وحي، فسمّيت أحكامهم بالاجتهاد - ثم أضفي عليها اسم الأثر - وما صدر عن النبيّ بالسنّة. وقد صرّح بعض الصحابة بأنّ ما يقوله من نفسه وليس مأثوراً عن سنّة النبي صلّى الله عليه وآله.
وقال الدكتور مدكور: ومن الطبيعيّ أنّ الاجتهاد بالرأي يترتّب عليه اختلاف وجهة النظر والتفاوت في الفتاوى والأحكام(١) .
وقال أيضاً: وإنّ اجتهاد الصحابة لم يقف عند القياس، وإنّما شمل كلّ وجوه الرأي. عمدتهم في ذلك البديهة والفطرة وما لمسوه من روح التشريع مع وعي كامل للأساس العقليّ الذي يقوم عليه الرأي، والدور الذي يؤدّيه في إظهار الأحكام الشرعيّة(٢) .
الآراء وتأثيرها على الفقه
علّل بعض الكتّاب والباحثين اختلاف نظر الصحابة - إضافة لما سبق - بتفاوتهم في العقل والإدراك والمناهج، متناسين منطلقات الخليفة - وأنصاره من أتباع الرأي على عهد رسول الله - ومتطلّبات الوضع العامّ في الدولة الإسلاميّة؛ إذ الجميع يعلم أنّ الاختلاف بين المسلمين لم يقع في حجّيّة الكتاب أو السنّة، بل الكلام هو في المنسوب إلى رسول الله: هل هو حقّاً سنّته صلّى الله عليه وآله لكي يجب
____________________
(١) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٨٠.
(٢) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٨٠.
اتّباعها أم لا؟
وهل وُضع لتأييد المذهب الفلاني والخليفة الفلاني أم ليس له ارتباط بذلك، بل هو بيانٌ محض؟
ويبدو أنّ اختلاف النُّقول عن الصحابة في الأحكام له مفهوم آخر، غير ما قالوه من أنّه نتيجة طبيعيّة للاجتهاد؛ ذلك لأنّ الاختلاف يشير إلى تخالف الاتّجاهات الفكريّة آنذاك وليس كلّ اختلاف يمكن تعليله بأنّه اجتهاد رأي، كما يقولون.
فلنأخذ البسملة مثلاً: فلو راجعت كتب الصحاح والسنن لرأيت الأقوال فيها مختلفة، حتّى عن الصحابيّ الواحد، فتارة يروون عن أنس أنّه جهر بالبسملة، وأُخرى يروون عنه أنّه قال: لا تجهروا؛ لأنّي صلّيت خلف أبي بكر وعمر فكانا لا يجهران، وتارة ثالثة يذكرون حكماً آخر يختلف عن سابقيه... وهكذا.
وقد أشار الفخر الرازيّ إلى الآراء الأربعة المنسوبة إلى أنس، ثمّ قال: (فهذه الروايات الثلاث تقوّي قول الحنفيّة، وثلاث أُخرى تناقض قولهم:
أحدها: ما ذكرنا من أنّ أنساً روى أنّ معاوية لمّا ترك( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار، وقد بيّنا أنّ هذا يدلّ على أنّ الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم.
وثانيها: روى أبو قلابة، عن أنس: أنّ رسول الله وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.
وثالثها: أنّه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار بها، فقال: لا أدري هذه المسألة.
فثبت أنّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظُم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة، فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل. وأيضاً ففيها تهمة أُخرى وهي: أنّ عليّاً عليه السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلمّا وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر؛ سعياً في إبطال آثار عليّ عليه السلام، فلعلّ أَنسَاً خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه.
ونحن وإنْ شككنا في شيء فإنّا لا نشكّ أنّه مهما وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل، وبين قول عليّ بن أبي طالب الذي بقي عليه طول عمره، فإنّ الأخذ بقول عليٍّ أولى. فهذا جواب قاطع في المسألة)(١) .
هذا هو كلام الفخر الرازيّ، وهو يوضّح دور الحكومة في اختلاف الأحكام الشرعيّة.
وجاء عن ابن عبّاس: أغفل الناس آية من كتاب الله تعالى لم تنزل على أحد سوى النبيّ إلاّ أن يكون سليمان بن داود،بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) .
وروى محمّد بن منصور قال: سمعتُ جعفراً يقول: لقد أغفلوا اسماً عظيماً( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) (٣) .
وجاء عن القاسم بن محمّد أنّه قال في القراءة: إنْ تركته فقد تركه ناس يُقتدى بهم، وإن قرأته فقد قرأه ناس يقتدى بهم!(٤) .
وهذا يوضّح امتداد النهجين ووجود كلا الاتّجاهين بين الصحابة والتابعين، وكلّهم ممّن يُقتدى بهم!
اتّضح إذاً أنّ اختلاف نُقول الصحابة بهذه السعة، وخصوصاً في المسائل التي خولف فيها أهلُ البيت، يُوحي بوجود نهجين في الشريعة:
١ - أهل البيت وطائفة من الصحابة يؤكّدون على جزئيّة البسملة، ولزوم الجهر فيها.
٢ - آخرون لا يرون ذلك كمعاوية الذي تركها رأساً.
وكذا الحال بالنسبة إلى الإرسال والقبض في الصلاة فنلحظ نصوصاً لكلا النهجين(٥) ، ومثله سائر الأحكام الشرعيّة؛ فاختلاف النظر بين الصحابة يرجع إلى جذور عميقة وأُصول مُبتناة عند بعضهم، فهذا يستند إلى ما صحّ عنده من حديث
____________________
(١) تفسير الفخر الرازيّ ٢٠٦: ١.
(٢) الدرّ المنثور ١: ٢٠، الإتقان ١: ١١٦، ٢١١، والبيهقيّ في شعب الإيمان ٢: ٤٣٨، ح ٢٣٢٨.
(٣) رأب الصدع ١: ٢٥٥ رقم ٣٥٣.
(٤) الحجّة للشيبياني ١: ١١٩.
(٥) وقد قَطَع الإمام مالك بأنّ السنّة هي الإرسال. انظر بدائع الصنائع ١: ٢٠١.
رسول الله صلّى الله عليه وآله، والآخر إلى ما أفتى به كبار القوم واجتهده في قول وفعل رسول الله، وما عرفوه من ملاكات للأحكام، وكذا كون التأمين سنّة أو بدعة، فمَن يقول بعدم جواز التأمين لا يعني بكلامه أنّه اجتهد في ذلك، بل إنّ له أصلاً تمسّك به في نفي ذلك، وكذا الحال بالنسبة إلى من يقول بجزئيّة الحيعلة الثالثة في الأذان فإنَّ له أصلاً في ذلك، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر الأحكام الشرعيّة التي خولف فيها أهل البيت.
وعليه فإنّ بعض اختلاف الصحابة في الأحكام، إنّما مَرَدّه إلى ما لهم من ميول واتّجاهات، وإلى ما أصّلوه وجعلوه دليلاً، وليس جميعها اجتهادات بحتة، وخصوصاً في المسائل التي اتّفقوا فيها مع مدرسة أهل البيت، فإنَّها ممّا تؤكّد وجود صحابة لهم أُصول وأدلّة التزموا بها رغم كلّ الظروف، وبعد هذا كيف يمكن لأحدٍ أن يدّعي أنّ تلك الروايات هي روايات ضعيفة دخلت الفقه من قِبل الزنادقة، وما إلى ذلك من أقوال لا تعضدها حجّة ولا تقوم على دليل.
إنّ عيون الصحابة كانوا عبر استدلالهم بالقرآن المجيد والسنّة النبويّة لا غير، يريدون تبصير الآخرين بأنّ هناك اتّجاهاً يتّخذ الرأي قِبالَ النصّ، عند عدم الحصول على النصّ والعوز إليه بل حتى مع وجوده. فمَن شاء فليؤمن بالتعبّد بالقرآن والحديث، ومَن شاء فليعكف على اتّخاذ الرأي والتضحية بالنصّ.
ولنطبّق حكم المرأة التي حاضت بعد أن زارت، فهل أنّ حكمها أن تنفر قبل أن تطهر أم تنتظر، كما أفتى عمر بن الخطّاب؟
لقد أمر عمر بن الخطّاب المرأة التي حاضت أن تنتظر حتّى تطهر من حيضتها فتطوف طواف الوداع، ولم يرخّص لها الذهاب قبل ذلك(١) .
والمعروف عن زيد بن ثابت وابن عمر أنّهما قد تأثّرا برأي الخليفة وأفتَيا بما قاله في هذه المسألة.
____________________
(١) موسوعة فقه زيد بن ثابت: ١٠٧ عن المغني ٣: ٤٦١، المجموع ٨: ٢٢٩.
لكن زيداً(١) وابن عمر(٢) قد عَدَلا عن رأيهما. وقيل: إنّ عمر قد ترك صنيعه الأوّل، ولعلّ سبب ذلك هو الحديث الذي بلغه - ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما - عن عائشة قالت: حاضت صفيّة بعد ما أفاضت، أي طافت طواف الإفاضة.
قالت عائشة، فذكرتُ حيضتها لرسول الله، فقال رسول الله: أحابِسَتُنا هي؟
قلت: يا رسول الله! إنّها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثمّ حاضت بعد الإفاضة.
فقال رسول الله، فلتنفر.
أو لحديث آخر(٣) .
وأمّا ما كتبه زيد إلى ابن عبّاس فجاء فيه قوله: إنّي وجدت الذي قلت كما قلت، فقال ابن عبّاس: إنّي لأعلم قول رسول الله للنساء، ولكنّي أحببت أن أقول بما في كتاب الله، ثمّ تلا الآية( ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بالبيتِ العَتيقِ ) (٤) فقد قَضت التفَث، ووَفَت النَّذر، وطافت بالبيت، فما بقي؟(٥) .
وفي كلام ابن عبّاس ما يؤكّد أنّ المنقول عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ذو أصل في الكتاب العزيز، الذي دعا الخليفة الناس إلى الاقتصار عليه بقوله: (حسبنا كتاب الله)، فكأنّ موقف ابن عبّاس من هذه القضيّة هو إلزام عمر بما يقوله، وكان زيد بن ثابت قد أخبر بأنّ ما ذهب إليه الخليفة مخالف للكتاب العزيز.
على أنّ بروز ظاهرة استدلال الإمام عليّ والحَبْر ابن عبّاس بكثرة كاثرة على الأحكام المختلف فيه، بمنطوق الكتاب أو مفهومه أو كنهه، أو بأحد أنواع الدلالات الأخرى ليدلّ بما لا يقبل الشكّ على أُمور:
أوّلها: إرشاد المسلمين عمليّاً إلى إمكان استنباط الأحكام الشرعيّة أو الكثير منها
____________________
(١) موسوعة زيد بن ثابت: ١٠٧.
(٢) موسوعة عبد الله بن عمر: ٢٨٥.
(٣) انظر موسوعة عمر بن الخطاب: ٣٣٣ عن المحلّى ٧: ١٧٠.
(٤) الحجّ: ٢٩.
(٥) سنن البيهقيّ ٥: ١٦٣، ح ٩٥٤٣، كما في الدراسات للأعظميّ: ١٣٦.
من كتاب الله، وذلك بالتأمّل، والتفكير، والاستنتاج، والعقليّة الفقهيّة السليمة، وهذا برهنةٌ منهما على ما يدّعيانه من عدم الضرورة الملجئة إلى اختراع مقاييس جديدة، و إنشاء قواعد مستحدثة، وإطلاق عنان الاجتهاد والرأي؛ إذ من الممكن الواقع معرفة الأحكام من خلال آيات الكتاب والاستدلال بها.
وثانيها: وقوع الاختلاف الفاحش بين الصحابة ومرويّاتهم، بل بين مرويّات الصحابيّ الواحد في الواقعة الواحدة، بالإضافة إلى المسموعات الناقصة التي تلقّوها عبر واسطة أو أكثر دون السماع المباشر، مع ملاحظة عدم تنبه جميع الرواة لوجه الحكم المروي أو المسموع إلى جوار منع الحكّام للتحديث والتدوين وخوف الصحابة... هذا كلّه مجتمعاً جعل الاحتجاج بالسنّة أمراً متعسّراً قليل الجدوى، ضعيف الإقناع اللّهمّ إلاّ ما تطابَق النقل فيه - وهو نزر قليل - ممّا يجدر معه باللبيب أن يعمد إلى الاحتجاج بالقرآن الذي لم يجرؤ أحدٌ على ردّ الاستدلال به.
وثالثها: هو إلزام أتباع نهج الاجتهاد بما ألزموا به أنفسهم، من كفاية كتاب الله (حسبنا كتاب الله) في حلّ المعضلات، ممّا يظهر التهافت البيّن بين هذه الكلّيّة التي أطلقوها وبين إخفاقهم على الصعيد العلميّ والعمليّ في تطبيقها واستنتاج بعض مفرداتها، بعكس الملتزمين بنهج التعبّد الذين يرون ضرورة إشفاع الكتاب بالسنّة لبيان الأحكام، مع امتلاكهم القدرة الفائقة على استخراج الأحكام واستنباطها من آيات الذكر الحكيم.
وعلى كلّ حال: فالفقه الإسلاميّ قد تأثّر بلا ريب باجتهادات عمر بن الخطاب، وانعكس اختلاف وجهات نظره على الأحكام؛ لأنّه جَدَّ في لزوم تطبيق ما أفتى به وجعله بمنزلة السنّة التي أكّد الرسول عليها، فقد تأثّر البعض من الصحابة بهذه الرؤية وألزموا أنفسهم بالسير على نهج الشيخين، وبذلك ترى الاختلاف أخذ مجاله في التشريع الإسلاميّ، وأثّر في الأحكام الشرعيّة المتداولة بين المذاهب الإسلاميّة، فمثلاً:
أبو حنيفة وصاحباه وابن حنبل وزفر وابن أبي ليلى قالوا بحرمان الأخوين
الشقيقين من الإرث لما حكم به عمر في الواقعة الأولى.
أمّا مالك والشافعيّ فإنّهما يُشركان الشقيقين مع الأخوين لأمّ في الثلث لما قضى به عمر في الواقعة الثانية.
والعجيب أنّهم يرون صحّة الرأيين لصدورهما عن الخليفة، وهو رجل غير معصوم، باتّفاق الجميع.
نعم، إنّهم في استدلالاتهم لم يكتفوا برأي عمر وحده، فراحوا يعضدونه بقرائن أُخرى ترجّح أحد القولين!
و إزاء حالة كهذه يحقّ للمرء أن يتساءل عن حكم الله: في أيّ هذين الرأيين يجده؟
أتراه طابق الرأي الأوّل للخليفة عمر أم وافق الثاني، فإذا كان يطابق الحكم الأوّل وأنَّ الحقّ حرمانهما، فكيف يعطي الشقيقين في الواقعة الثانية، مع العلم بأنّ الإرث حقّ ماليّ، وعندها تظلّ ذمّة عمر مشغولة بمقدار ما أعطى للشقيقين لمن أخذ منهم؟
وإن قيل: إنَّ الحقّ إعطاؤهما، فكيف منعهما وحرمهما في الواقعة الأُولى؟ وهكذا وهلّم جرَّا.
ونظراً للتأكيد الشديد على اتّباع سيرة الشيخين أمست سنّة رسول الله منسيّة أو كالمنسيّة في مثل هذه القضايا، ولم يعد يعرفها إلاّ أهلها، وهذا اللون من الاجتهاد المنفلت من النصّ قد بدأ يتّخذ طريقه إلى حياة المسلمين، وصار فقه الشيخين هو الحاكم، والروايات الداعية لمنع كتابة الحديث هي الراجحة في الميدان، في تلك الحقبة من تاريخ الإسلام.
نعم صارت سيرة الشيخين هي المطبَّقة في الشريعة، وأصبحت مسائلة الخلفاء ظاهرة يتخذها الصحابة في تعاملهم مع الخلفاء، فأحس بها الخلفاء فراحوا يهددون من يحترفها، فجاء في تاريخ دمشق وحياة الصحابة(١) أنّ سعيد بن سفيان سأل عثمان
____________________
(١) تاريخ دمشق ١: ٢٤٨، وفيه ضربت عنقك، تهذيب تاريخ دمشق ١: ٥٤ واللفظ له، حياة الصحابة ٢: ٣٩٠، ٣٩١ عنهما في الصحيح للعاملي ١: ٨٩.
بن عفان عن مسألة فقال: فهل سألت أحداً قبلي؟
قال لا.
قال: لئن استفتيت أحداً قبلي فأفتاك غير الذي أفتيتك به ضربت عنقك.
أترك النص للقارئ دون تعليق!.
متابعة الخليفة في تعليل المنع
أخذ محبّو الخليفة يتناقلون بأوسع نطاق تعاليل عمر في منع التدوين، فصارت تعاليله تتّحد معها تعاليل الآخرين الناهين من الصحابة، وفي هذا ما يشير بوضوح إلى حقيقة سياسيّة لا تخفى على البصير، تومئ إلى كون الخليفة - وأنصاره - وراءها!
لقد دعا عمر بن الخطّاب إلى ترك تدوين السنّة الشريفة خوفاً من اختلاطها بالقرآن، أو أنّ الناس سيأخذون بالحديث ويتركون القرآن. ونفس التعليل - أو التعاليل - تراها ترد في حديث أبي هريرة، وفي المحكيّ عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدريّ وأبي موسى الأشعريّ:
روى عبد الرحمان بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ونحن نكتب الأحاديث، فقال: (ما هذا الذي تكتبوه؟).
قلنا: أحاديث سمعناها منك.
فقال: (أكتاباً غيرَ كتاب الله تريدون؟! ما أضلّ الأممَ من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله).
فقال أبو هريرة: أنتحدّث عنك يا رسول الله؟
فقال: نعم، (تحدّثوا عنّي ولا حرج، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار)(١) .
وعن إبراهيم التيميّ، قال: بلغ ابنَ مسعود أنّ عندنا كتاباً يعجبون به، فلم يزل معهم
____________________
(١) مسند أحمد ٣: ١٢، ح ١١١٠٧، تقييد العلم: ٣٣، واللفظ له، مجمع الزوائد ١: ١٥١، باب كتابة العلم.
حتّى أتوه به، فمحاه، ثمّ قال: إنّما هلك أهل الكتاب قبلكم، إنّهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب الله(١) .
وفي نقل آخر عنه: أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم، تركوا التوراة والإنجيل حتّى درسا وذهب ما فيهما من الفرائض والأحكام(٢) .
وعن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخُدريّ: أكتبتنا!
فقال: لن أكتبكم ولكن خذوا عنّا كما كنّا نأخذ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله(٣) .
وروى عنه أيضاً: قلت لأبي سعيد الخدريّ: ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟! إنّ نبيّكم كان يحدّثنا فنحفظ(٤) . وقال أيضاً: قلت لأبي سعيد الخدريّ: إنّك تحدّثنا عن رسول الله حديثاً عجيباً، وإنّا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص.
قال: أردتم أن تجعلوه قرآناً؟! لا، ولكن خذوا عنّا كما أخذنا عن رسول الله(٥) .
وعن أبي موسى الأشعريّ قال: إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً فتبعوه، وتركوا التوراة(٦) .
فلاحظ اشتراك التعليل في جميع هذه النصوص، وأنّ النهي قد انحصر عندهم في التشبّه ببني إسرائيل الذين اتّبعوا كتب علمائهم وتركوا التوراة! وهو بعينه ما قاله عمر بن الخطّاب!! وأنّهم قد نسبوا نفس التعليل إلى عليّ بن أبي طالب وابن عبّاس، ممّا يؤكّد أنّ هناك اتّجاهاً يتبنّى رأي الخليفة ويدعمه، في حين بسطنا القول سابقاً في تعليل الخليفة للمنع وأكّدنا على أنّه ضعيف.
وعلى هذا فلا معنى لتعارض أحاديث الإذن مع أحاديث النهي حتّى نقوم بموازنة بينهما(٧) ، وإن كان فيما قالوه تأكيد لرؤيتنا؛ لأنَّ قولهم - لو صحّ - من كون التدوين قد
____________________
(١) سنن الدارمي ١: ١٣٣، ح ٤٦٩، تقييد العلم: ٥٣، ٥٥، ٥٦.
(٢) شرح النهج ١٢: ١٠٢، تقييد العلم: ٥٦.
(٣) تقييد العلم: ٣٧.
(٤) تقييد العلم: ٣٧.
(٥) تقييد العلم: ٣٨، وانظر المستدرك على الصحيحين ٣: ٦٥١، ح ٦٣٩٣.
(٦) سنن الدارمي ١: ١٣٥، ح ٤٨٠، المعجم الأوسط ٩: ٣٥٨ - ٣٥٩، ح ٥٥٤٨، تقييد العلم: ٥٦.
(٧) كما فعل الدكتور صبحي الصالح في علوم الحديث: ١١، والدكتور عجاج الخطيب في السنّة قبل
=
شُرِّعَ للنابهين من الصحابة والمنع لعمومهم، فهذا يخالفه فعل عمر بن الخطّاب وتعامله مع فحول الصحابة في قضيّة التدوين وغيرها؛ إذ أصدر أمراً لهم بأن يأتوه بمدوّناتهم ولم يستثن أحداً منهم، ولم نسمع أو نقرأ قبوله لمدوّنة أحد النابهين!
وكذا ما قالوه بأنَّ المنع جاء في العصر الإسلاميّ الأوّل - حين نزول القرآن - وأنَّه صلّى الله عليه وآله منعهم كي لا يختلط القرآن بالسنّة، لكن حينما نزل القرآن جميعاً وعرفه الصحابة سمح الرسول لهم بكتابة حديثه، وهذا المدّعى يوضّح بأنَّ المنع قد رُفِعَ أواخر عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنّ مشروعيّة تدوين الحديث كانت على عهده، وهو يؤكّد من أنّ منع عمر من تدوين الحديث لم يكن شرعياً، بل هو قرار شخصيّ من الخليفة؛ إذ لو صحّ قوله صلّى الله عليه وآله: (لا تكتبوا عنّي) أو (ومَن كتب عنّي غير القرآن فليمحه)(١) وصدور ذلك في عهده الشريف لعلمه الأصحاب، وللزم أن يكون هو الدليل الأوّل للشيخين في منعهما عن الحديث! مع أنّهما لم يحتجّا بمنع النبيّ صلّى الله عليه وآله عن التدوين، وكفى بهذا دليلاً على بطلان دعوى نهي النبيّ عن التدوين.
ولو صحّ الحديث السابق فلماذا دوّن أبو بكر أحاديثه الخمسمائة، خلافاً لأمره صلّى الله عليه وآله؟! وكيف يستشير عمر الصحابة في أمر التدوين، إذا كان قد ورد النهي فيه؟! بل كيف يسوغ أن يتخلّف عن رأيهم وهم يشيرون عليه بالتدوين؟! بل كيف يشيرون عليه بالتدوين إذا كانوا قد سمعوا المنع من النبي صلّى الله عليه وآله؟!
ألا يعني قول عمر: (مَن كان عنده شيء فليمْحُه) أو (لا يبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني) على وجود مصاحف وكتب قد دوّنت قبل عهده؟
على أنّ التعليل الوارد في كلماتهم لا يقوم دليلاً على مدّعاهم؛ لأنّ الأمم السابقة إنّما ضلّوا لأنّهم عكفوا على كتب أحبارهم ورهبانهم وتركوا التوراة والإنجيل، ولم
____________________
=
التدوين: ٣٠٦ - ٣٠٩ و ٣١٦، والسيّد محمّد رضا الجلاليّ في تدوين السنّة الشريفة: ٣١٢ - ٣٠٤ وغيرهم.
(١) صحيح مسلم ٤: ٢٢٩٨، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ح ٣٠٠٤، مسند أحمد ٣: ١٢، ح ١١١٠٠، سنن الدارمي ١: ١٣٠، باب من لم ير كتابة الحديث، ح ٤٥٠.
يكن سبب ضلالهم العكوف على أقوال وكتابات أنبيائهم، وشتّان بين كتب الأحبار والرهبان والأساقفة، وبين كلمات وسنن وأقوال تكتب عن سيّد الخلائق محمّد صلّى الله عليه وآله؛ إذ المدوّن أو المطلوب تدوينه هو أحاديث النبيّ وسنّته لا غير، مع أنّ علماء الأمم السابقة كانوا قد انحرفوا فغيّروا نصوص ومفاهيم كتبهم، وهذا بعكس علماء أُمّة محمّد صلّى الله عليه وآله المحافظين على الدين المفسّرين للقرآن المدوّنين لآثار النبيّ صلّى الله عليه وآله وأحكامه.
نعم، يصحّ هذا التعليل للمنع عن تدوين آرائهم الخاصّة وفتاواهم الشخصيّة، وما توصّلوا إليه من اجتهادات مختلفة، فإنّ المنع عن تأليف مثل هذه الكتب التي لا تضم بين دفتيها سنّة الرسول صلّى الله عليه وآله، بل تضم الآراء الشخصية قد يكون فيه المبرّر المعقول، باعتبار أنّ مثل هذه الكتب فيها الصحيح والخطأ والغثّ والسمين، وربّما أُلِّف كتاب من شخص منحرف عن الدين، وبذلك تختلط الأحكام على الأجيال القادمة من المسلمين، وأمّا منع عمر من تدوين المسموعات عن النبيّ والآثار النبويّة المباركة فلا يتلائم مع التعليل المذكور.
ولعلّ هذا الأمر فات على البعض من الذين فسَّروا المنع بسبب كتب العلماء، إلى المنع عن كتابة السنّة المباركة، غفلةً منهم عن أنّ الدليل لا يفي ولا يقوم بالمدَّعى، وعن أنَّ هذا النهي منهم جاء لمنع عمر بن الخطّاب، فاستقرّ الأمر في نفوسهم، وظلّ المنع يسري إلى الأجيال الآتية حتّى ارتفع ذلك المنع في زمن عمر بن عبد العزيز.
وعلى كلّ حال، فإنّ الأدلّة تُخبر عن مشروعيّة التدوين في عهده صلّى الله عليه وآله، وتُخبر عن أنّ المنع جاء متأخّراً وتحت ظروف خاصّة. وقد تأكّد كذلك أنّ من الصحابة والتابعين ومَنْ بَعْدَهم، مَن كان يريد ترسيخ نهي الخليفة في قلوب المسلمين، حتّى صار التدوين عندهم مكروهاً لكراهيّة الخليفة عمر بن الخطّاب له، ثمّ صار هذا المكروه عندهم حسناً لمّا نَدَب الخليفة عمر بن عبد العزيز إليه!
قال الزهريّ: كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكْرَهَنا هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه
أحداً من المسلمين(١) .
وفي سنن الدارميّ: حتّى أكرهنا السلطان على ذلك(٢) .
وفي آخر: استكتبني الملوك فأكتَبْتُهُم، فاستحييت الله إذ كتبتها للملوك ولا أكتبها لغيرهم(٣) .
قال أبو مليح: كنّا لا نطمع أن نكتب، ثم الزهريّ، حتّى أكره هشامٌ الزهريَّ، فكتب لبنيه، فكتب الناس الحديث(٤) .
وقد بسطنا الكلام على هذا في كتابنا (وضوء النبيّ / المدخل)، ووضّحنا دور الحكّام في تدوين السنّة الشريفة، وبيّنّا سرّ عنايتهم بهذا الجانب، وأكدّنا على أنّ العوز العلميّ الذي كانوا يعانون منه هو الذي دعاهم إلى المنع، ثمّ دعاهم إلى التدوين؛ لأنّ الصحابة كانوا يعارضونهم بالأحاديث، فما لا محيص عنه هو منع التحديث والتدوين لسدّ هذا الفراغ، ولكي لا يظهر الضعف العلميّ أمام تيّار فكريّ قويّ يعارض آراء الحكومة بما يرويه عن النبي صلّى الله عليه وآله(٥) .
وتطوّر الأمر وتوسّع حتّى قنّن نهج الاجتهاد حجّيّة الإجماع - كي يلزموا الناس بما أجمعت عليه الأمّة بأمر الخليفة - وقرّروا أنّ إفتاء اللجنة الخاصّة التي وضعها الخلفاء يقوم مقام جميع الصحابة، ويعتبر ذلك إجماعاً لا يجوز تخطّيه ولا خرقه.
قال الدكتور الوافي المهدي عن عصر الصحابة: (... وفي هذا العصر ظهر مصدر جديد من مصادر التشريع الإسلاميّ لم يعرف في العهد التأسيسيّ للتشريع ألا وهو الإجماع، فإنّ أبا بكر كان يشرّع فيما لا نصّ فيه من كتاب ولا سنّة عن طريق جمعيّة تشريعيّة. وكذلك الأمر بالنسبة لأوّل خلافة عمر، وكان ما يصدر عن تلك الجمعيّة
____________________
(١) الجامع لمعمر بن راشاد ١١: ٢٥٨، باب كتاب العلم، الطبقات الكبرى ٢: ٣٨٩، المدخل إلى السنن الكبرى ١: ٤٠٩، ح ٧٣٩.
(٢) سنن الدارمي ١: ١٢٢، باب التسوية في العلم، ح ٤٠٤.
(٣) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ ١: ٧٧.
(٤) حلية الأولياء ٣: ٣٦٣، البداية والنهاية ٩: ٣٤٥ كما في الرواية التاريخيّة: ١٠٧.
(٥) وضوء النبي / المدخل: ٢٠٧ - ٢١١.
التشريعيّة من أحكام يعتبر صادراً عنهم جميعاً(١) .
وقد شكّل بالفعل الخليفة عمر بن الخطّاب لجنة علميّة لإِدارة شؤون المسلمين، ولسدّ احتياجاتهم وطلباتهم الشرعيّة، وأناط بمَن يثق به منصب الإفتاء حتّى يتفرّغ لأمور أُخرى.
روى عليّ بن رباح اللخميّ عن أبيه، قال: إنّ عمر خطب الناس، فقال: مَن أراد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أُبيّ بن كعب، ومَن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأتِ معاذ بن جبل، ومَن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومَن أراد أن يسأل عن المال فليأتِني؛ فإنّي له خازن(٢) .
هذا النصّ يؤكّد على أنّ الخليفة احتاج إلى تأسيس مركز لدرء الخطر عن نفسه، ولتأصيل ما يذهب إليه من رأي واستحسان.
ومن المفيد التذكير هنا بأنّ اتّخاذ الرأي كمنهج في الأحكام لم يكن عمر هو أوّل مَن اعتمده، بل سبقه إلى ذلك الخليفة أبو بكر؛ إذ عرفتَ تخطّيه عن قتل الرجل المتنسِّك لِما رأى من خشوعه، وعُلِمَ إعلانه عن مبدأ الرأي والاجتهاد في أوّل حكومته حين قال: (ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني)(٣) ، وكذا قوله عن فعل خالد: إنّه تأوّل فأخطأ(٤) .
وكذا اعتذار خالد لأبي بكر: يا خليفة رسول الله! إنّي تأوّلت وأصبت وأخطأت(٥) .
____________________
(١) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة: ٤٦ عن خلاصة تاريخ التشريع الإسلاميّ: ٤١.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٠٦، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٣) ثقات ابن حبان ٢: ١٥٧، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٢٧، واللفظ له، الاكتفاء بما تضمّنه من مغازي رسول الله ٢: ٤٤٦، البداية والنهاية ٥: ٢٤٨، ٦: ٣٠١، تخريج الدلالات السمعية ١: ٤٢، السيرة الحلبية ٣: ٤٨٣.
(٤) تاريخ الطبري ٢: ٢٧٣، الإصابة ٥: ٧٥٥.
(٥) راجع تاريخ الطبريّ، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٢.
موقف أهل البيت من المدّ الاجتهاديّ
هذه النصوص تؤكّد - من جهة أُخرى - على أنّ مصطلح الرأي والتأويل راح يأخذ مجاله بين أقوال الصحابة وأفعالهم؛ ولذلك كان الإمام عليّ عليه السلام - أيّامَ خلافته - يحاول معالجة وسدّ هذه الثغرة التي فُتحت على الفقه والتاريخ والدين الإسلاميّ، ويبيّن سبب ذلك، ويصنّف الناس المختلفين في الأحكام، ويبرهن على بطلان منهجهم ودعاواهم المطلقة العنان، وإليك بعض النصوص عنه عليه السلام في ذمّ الرأي؛ لتتّضح المسألة بمزيد من الجلاء: قال عليه السلام - من كلام له في ذمّ اختلاف العلماء في الفُتيا -:
(تَرِد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترِد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا، وإلههم واحد! ونبيّهم واحد! وكتابهم واحد!
أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف، فأطاعوه؟!
أم نهاهم عنه فعصَوه؟!
أم أنزل الله دِيناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟!
أم كانوا شركاءه فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟!
أم أنزل الله سبحانه ديناً تامّاً فقصّر الرسول صلّى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه؟! والله سبحانه يقول: ( مَا فرّطْنا في الكِتابِ مِن شيء ) (١) وقال: ( تِبْياناً لكلِّ شيء ) (٢) ، وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضُه بعض، وأنّه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (٣) وإنّ القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تُكشف الظلمات إلاّ به (٤) .
____________________
(١) الأنعام: ٣٨.
(٢) النحل: ٨٩.
(٣) النساء:٨٢.
(٤) نهج البلاغة ١: ٥٥ خطبة ١٨، من كلام لهعليه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتي، وشرح النهج ١: ٢٨٨.
ومن كلام له عليه السلام في صفة مَن يتصدّى لحكم الأمّة وهو ليس له بأهل:(... ورجلٌ قَمَش جَهْل، مُوضِعٌ في جُهَّالِ الأمَّةِ، عَادٍ في أغْبَاشِ الفِتْنَةِ، عَمٍ بِمَا في عَقْدِ الهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أشْبَاهُ النَّاسِ عَالماً وَلَيْسَ بِهِ، بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ، ما قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ، حَتَّى إذا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ واكْتَنَزَ مِن غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلى غَيْرِهِ، فَإنْ نَزَلَتْ بِهِ إحْدَى المُبْهَمَاتِ هَيَّأ لَهَا حَشْواً رَثّاً من رَأْيِهِ، ثُمَ قَطَعَ بِهِ، فَهُو مِنْ لَبْسِ الشبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ العَنْكَبوتِ: لا يَدْري أصَابَ أمْ أخْطأ؛ فَإنْ أصَابَ خَافَ أنْ يَكونَ أخْطأ؛ وإنْ أخْطأ رَجَا أنْ يَكُونَ قَدْ أصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالات، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَات، لَمْ يَعَضَّ عَلى العِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ، يذري الرِّوَايَاتِ إذراء الرِّيحِ الهَشِيمَ، لا مَلِيٌّ واللهِ بإصدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، ولا أهْلٌ لِمَا فوضَ إليه، لا يَحَْسبُ العِلْمَ في شيء ممّا أنْكَرَهُ، ولا يَرَى أنَّ مِنْ وَراءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وإنْ أظْلَمَ عليه أمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعَجُّ مِنْهُ المَواريثُ. إلى الله أشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعيشُونَ جُهَّال، وَيَمُوتُونَ ضُلاّلاً) (١) .
وقوله:
(إنّما بَدْءُ وقوعِ الفِتَنِ أهواءٌ تُتَّبع، وأحْكامٌ تُبْتَدَع، يُخالَفُ فيها كتاب الله، وَيَتولّى عليها رجالٌ رِجالاً على غَيْرِ دينِ اللهِ. فَلَو أنَّ الباطِلَ خَلَصَ مَنْ مِزاجِ الحَقِّ لَمْ يَخْفَ على المُرْتادِينَ، وَلو أنَّ الحَقَّ خَلَصَ من لَبْسِ الباطِلِ لانْقَطَعَتْ عنه ألْسُنُ المُعانِدين؛ ولكنْ يؤخَذُ مِن هذا ضِغْثٌ ومِنْ هذا ضِغْث فَيُمْزَجان! فَهُنالِكَ يَسْتَولي الشَّيْطانُ على أوْلِيائِهِ، ويَنْجو الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الحُسْنى) (٢) .
نعم، إنّ الرأي والتأويل - أي تأوّل فأخطأ - كانا المفردتين الأوليين اللتين دخلتا في الشريعة، وقد حدث الخلط بينهما، فعنَوا بالرأي: التأويل، وبهما (الرأي والتأويل): الاجتهاد. أمّا مصطلح القياس والاستحسان والمصالح وغيرها فإنّما هي مصطلحات حادثة لم يرد ذكرها إلاّ في نادر من العبارات، ولم تستعمل بوسعتها الاصطلاحيّة
____________________
(١) نهج البلاغة ١: ٥١ - ٥٤، خطبة ١٧، من كلام له عليه السلام في صفة مَن يتصدّى للحكم بين الأمّة وليس لذلك أهل، وانظر شرح النهج ١: ٢٨٣.
(٢) نهج البلاغة ١: ٩٩ - ١٠٠، خطبة ٥٠ وشرح النهج ٣: ٢٤٠.
اليوم، وإن كانت بذورها موجودة عمليّاً وتطبيقيّاً في ذلك العصر.
حتّى بلغ الأمر بالتابعين أن يفسّروا لفظ التأويل بالتغيير، ولا يتحرّجون عمّا لهذه الكلمة من مفهوم ومعنى، حتّى صارت سائدة مقبولة، إلى حدّ أنّهم قد طلبوا من الإمام الحسين وألحّوا عليه لكي يُؤوِّل قضاء الله، وعنوا بكلامهم أن يغيّره بانصرافه عن الذهاب إلى العراق. فقد جاء عن عمر بن عليّ أنّه قال للحسين عليه السلام: (فلولا تأوّلت وبايعت)؟!(١) أي تأوّلت قضاء الله بقتلك، ببيعتك ليزيد. فصار مصطلح الاجتهاد معادلاً للتأويل وهذا المفهوم أخذ يتغّير مفهومه يوماً بعد يوم، حتّى وصل إلى أوسع دوائره في العهدين الأمويّ والعبّاسيّ.
ولم يكن ابن عوف، فيما طرحه يوم الشورى من تقييد عثمان والمسلمين بسيرة الشيخين، قادراً على إيقاف مدّ الرأي والتأويل الذي كان قد انتشر واتّسع بعد تأصيله من قِبل الشيخين. ولم تكن محاولته حصر الاجتهاد فيما فعله الخليفتان وحظره على سواهما من الصحابة بالتي تلقى أُذناً صاغية؛ لأنّ باب الرأي والتأوّل كان قد انفتح على مصراعَيه وتعذّر على مَن يريد إغلاقه أن يغلقه... وغدا كلّ يريد لرأيه واجتهاده أن يُقابَل بالقبول كما فعل الشيخان من قبل.
إنّ ابن عوف في اشتراطه هذا قد أراد أن يسلب عثمان حقّ التشريع والاجتهاد بالرأي، على الرغم من سابقته في الإسلام وكونه صهر الرسول صلّى الله عليه وآله، وخليفة المسلمين القادم؛ فتراه يأخذ العهد منه أمام المسلمين على الالتزام بالكتاب والسنّة وسيرة الشيخين على السواء.
المهم هو: أنّ التخطيط السياسيّ الدينيّ، الذي رسمه الشيخان في حصر دائرة الشرعيّة بهما دون سواهما، قد أُريد له أن يجعل أقوالهما في عداد شرعيّة السنّة. بَيْدَ أنّ الواقع ما كان يرى وجهاً مقبولاً لهذا الحصر والتخصيص، وهذا هو الذي جعل الأمر على غير ما أُريد له أن يكون.
____________________
(١) اللهوف في قتلى الطفوف: ١٩ - ٢٠.
ومن الذين كانوا يدركون سياسة الشيخين وابن عوف في الشريعة، ويعرفون ما كان يريد هؤلاء بفعلهم وتأكيدهم على الرأي - الذي يدور في إطار تصحيح ما أفتى به عمر وأبو بكر - هو الإمام عليّ بن أبي طالب الذي رفض تسلّم الخلافة بالشرط المذكور - لكي لا يصحّح بفعله اجتهاداتهما المخالفة في بعض الأحيان للكتاب والسنّة - ذلك أنّ قبول هذا الشرط يعني: إضفاء الشرعيّة على هذه الفكرة المستحدثة، وهو ما لا يريده علي بن أبي طالب ولا يرتضيه.
إنّ رفض عليّ للشرط المذكور، وامتناع ابن عوف تسليم الخلافة له، ليؤكّدان على مخالفة سيرة الشيخين واجتهادهما للكتاب والسنّة؛ لأنّ إيمان عليّ وفهمه وفقهه ممّا لا يرتاب فيه أحد، بعد أن تواتر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه أعلم الصحابة وأفقههم وأقضاهم(١) وأنّ الحقّ يدور معه حيثما دار(٢) . ويوضّح موقف الشورى هذا ارتسام معالم النهجين بوضوح، فأُولئك يدعون عليّاً أو الخليفة الجديد إلى الالتزام والتمسّك بنهج الاجتهاد والرأي، وعليّ عليه السلام ومَن سار بسيرته يدعو إلى التمسّك بالتعبّد المحض - بكتاب الله وسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله - وإن أُبْعِدَ بسبب موقفه التعبدي عن تسلّم أُمور الخلافة الفعليّة للمسلمين.
تأويلات وآراء
صرّح الخليفة أبو بكر بأنّه يعتمد الرأي والتأويل في تفسير معنى الكلالة، مع وجود آية في الذكر الحكيم تبيّن الحكم في الكلالة، فقال لمّا سئل عن الكلالة: (سأقول فيها برأي، فإن يك صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يك خطأ فمنّي
____________________
(١) إعلام النبوّة للماوردي ١: ١٧٤، الإحكام للآمدي ٤: ٢٤٤، تفسير القرطبي ١٥: ١٦٢، ١٦٤، طبقات الحنفية: ٥٢٤، مقدمة ابن خلدون: ١٩٧، كشف الخفاء ١: ١٨٤.
(٢) انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ٢: ٣٦٨، ٣٦٩ وفيه قوله صلّى الله عليه وآله:اللّهمّ أدر الحق مع علي حيث ما دار ، المستصفى للغزالي: ١٧٠، المحصول للرازي ٦: ١٨١، الغرة المنيفة للغزنوي الحنفي: ٥١، مجمع الزوائد ٧: ٢٣٥. وقد جاء في تاريخ بغداد ١٤: ٣٢٠، بسنده عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول:عليّ مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة .
ومن الشيطان، والله منه بري، أراه ما خلا الولد والوالد)(١) .
وأنت ترى مخالفة هذا الرأي لصريح القرآن في قوله:( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٢) .
وقوله:( وإنْ كَانَ رَجُلٌ يُوَرثُ كَلالةً... ) (٣) .
نعم، إنّهم علّلوا استعمال الرأي عند الصحابة بأنّه تفسير للنصوص، وأضاف الدكتور مدكور إلى ما قاله سابقاً، وهو يشير إلى مراحل الرأي:
(ثمّ أُطلقت كلمة (رأي) بعد ذلك على ما يقابل النصوص التي اختصّت بكلمة (علم). ثمّ نجد من الأصوليّين مَن يفسّر الرأي بالقياس وحده، ومنهم مَن يجعله شاملاً كافّةَ ما يقابِل الكتاب والسنّة والإجماع.
والرأي بهذا المفهوم الأخير يكون أخصّ من الاجتهاد إذ هو نوع منه، وهو ما قلنا إنّهم سمّوه (الاجتهاد بالرأي) في مقابلة (الاجتهاد في دائرة تفسير النصّ). ويكون المراد بالرأي: التعقّل والتفكير بوسيلة من الوسائل التي أرشد الشرع إلى الاهتداء بها في استنباط حكم ما لا نصّ فيه. أمّا الاجتهاد فيشمل استنباط الحكم من النصّ الظنّيّ، كما يشمل الاجتهاد للتوفيق بين النصوص المتعارضة في الظاهر، كما يشمل الاجتهاد بالرأي الذي قلناه.
ولمّا كان الرأي يعتمد على أنّ الشريعة معقولة المعنى كان مجاله الغالب في الأمور
____________________
(١) مصنف عبد الرزاق ١٠: ٣٠٤، باب الكلالة، تفسير الطبري ٦: ٤٣، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٢٣، باب حجب الإخوة والأخوات، ح ١٢٠٤٣، التمهيد لابن عبد البر ٥: ١٩٦، تفسير البغوي ١: ٤٠٣، تحفة المحتاج ٢: ٣٢٣، ح ١٣٥٠، تلخيص الحبير ٣: ٨٩، كتاب التقرير والتحبير ٣: ٤١٢، الدر المنثور ٢: ٧٥٦، واللفظ له.
(٢) النساء: ١٧٦.
(٣) النساء: ١٢.
العاديّة التي يُقصد منها تحقيق مصالح دنيويّة، أمّا ما لا يُدرَك لها معنى خاصّ كأُصول العبادات فإنّ الشأن فيها الاتّباع لا إعمال الرأي)(١) .
وقال الدكتور الردينيّ في (المناهج الأصوليّة):
(وقد رأينا الصحابيّ الجليل إمام أهل الرأي عمر بن الخطّاب، يخصّص عموم الآية الكريمة في سورة الأنفال من قوله تعالى( واعْلَمُوا أنّما غَنِمْتُمْ مِن شَيٍ فأنّ للهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ ولِذي القُرْبى واليتامَى والمَساكِين وابنِ السّبيل ) (٢) .
- فالآية الكريمة تقرّر أنّ خُمْس الغنائم لِمَن ذُكروا فيها، وأربعة أخماس الغنيمة للغانمين عملاً بمفهوم الآية.
- وقد تأيّد هذا بعمل الرسول صلّى الله عليه وآله في خيبر، إذ قسّم أربعة أخماس الغنيمة من منقول وعقار بين الغانِمين.
- وهكذا كان حقّ الغانمين في كل ما يُغنم ثابتاً بالقرآن والسنّة العمليّة.
- لكن عمر بن الخطّاب اجتهد برأيه في الآية، وخالف ما تفيده بظاهرها وعمومها من شمول حقّ الغانمين لكلّ ما يغنم من عقار أو منقول، فخصّص عموم الآية وجعله قاصراً على المنقول دون العقار - كما علمت - ودليل التخصيص هو (المصلحة العامّة) كما يشهد بذلك استدلاله وحواره مع مخالفيه من الصحابة.
- بل قد حمل عمر بن الخطّاب مخالفيه على أن يفهموا نصوص الشريعة كلّها في ضوء المصلحة العامّة.
- ولم يكن من دليل لعمر بن الخطّاب في اجتهاده برأيه، يستند إليه في تخصيص عموم الآية إلاّ (المصلحة العامّة) أو (روح الشريعة)؛ إذ لم يثبت أنّه استند إلى دليل خاصّ في المسألة بعينها.
والواقع أنّ تطبيق النصّ رُوعي فيه ظروف الدلالة ومصلحتها العامّة آنذاك. وللظروف
____________________
(١) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٣٤٣.
(٢) الأنفال: ٤١.
أثر في تكييف هذا التطبيق المنبثق عن فهم الآية الكريمة، وتحديد مراد الشارع منها في ظلّ ذاك الظرف، لسبب بسيط هو أنّ مآل هذا التطبيق في مثل تلك الظروف ذو أثر بالغ على المصلحة العامّة نفسها، فوجب إذاً تحديد مراد الشارع من نصّ الآية لا على أساس منطقها اللغويّ فحسب، بل وعلى أساس ما تقتضيه الأصول العامّة في التشريع، وإلاّ فما معنى قول عمر وهو يصرّ على هذا الفهم بقوله: هذا (رأيي)؟!
- ثمّ يعلّل هذا (الرأي) بما يُسنده من مقصد أساسيّ في الشريعة وهو (المصلحة العامّة)، يقول: وقد رأيت أن أحبس الأرضين بِعُلوجها، وأضع على فيئِها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدّونها فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرّيّة، ولمن يأتي بعدهم.
ثمّ قال:
(فالتأويل عند الصحابة إذن من صُلب الرأي؛ لأنّه استند إلى (المصلحة العامّة) في صَرف الآية عن عمومها الواضح، والمستفاد من ذات الصيغة إلى قصر حكمها على بعض ما يتناوله، وهو هنا المنقول دون العقار، كما ذكرنا)(١) .
اتّضح إذَن أنّ الأخذ بالرأي عند الخلفاء خضع لظروف خاصّة - سياسيّة كانت أم اجتماعيّة - وأنّ موقف أبي بكر في عدم إجراء الحدّ على خالد، وقوله بالكلالة، وسهم ذي القربى، ونحلة الزهراء، ومنعه كتابة العلم، وحرقه للأحاديث، وتخلُّفه عن سَرِيّة أُسامة وغيرها... كلّ ذلك ممّا ينبئ عن هذا المعنى.
وعلى هذا فعلى الباحث أن يقف عند النصوص التي ترجّح رأي الخليفة: فإن كان فيها ما يوافق القرآن أو قد استُقي حكمه من السنّة، أُخِذ به، وإن كان القول قد ابتنى على الرأي فيطرحه، لعدم جواز الأخذ بالرأي، مع إمكان الوقوف على الحكم من السنّة النبويّة والذكر الحكيم.
وهناك أُمور كثيرة ينبغي البحث في أطرافها، منها ما نسبوه إلى الرسول صلّى الله عليه وآله من أنّه قد منع من تدوين حديثه، أو ما حُكي عنه صلّى الله عليه وآله من أنّ للمجتهد إن أخطأ أجرٌ وإن
____________________
(١) المناهج الأصوليّة: ١٧١.
أصاب أجران، وغيرها من الروايات التي نُقلت في مشروعيّة الاجتهاد عن معاذ وغيره.
إنّ الغالب في هذه الأمور هو تحكيم رأي الحاكم كما عرفنا من قبل، والمنع عن التدوين - بعد ما عرفت دور الشيخين فيه - يوضّح أنّ القرار قرار حكوميّ وذلك لمعرفتنا بإذن الرسول في تدوين حديثه صلّى الله عليه وآله، ووجود مدَوّنات عند الصحابة عن النبيّ، وغيرها من الأدلّة، فلا ضرورة لدراسة أحاديث المنع المُدّعى صدورها عن النبي صلّى الله عليه وآله - بعد هذا - والجدّ في الجمع بينها، وبين الأحاديث الحاثّة على التحديث والكتابة والتدوين.
بين الوحدويّة والتعدّديّة
والموقف من أحاديث (الاجتهاد) ينبغي أن يكون مماثلاً بعد أن وضحت جهود الخلفاء في التهيئة لقضيّة الاجتهاد وفي إشاعتها والتأكيد عليها، من أجل إضفاء الشرعيّة على كونهم مجتهدين لا يصحّ الاعتراض على ما يُصدرونه من فتاوى وأحكام. إنّ ذلك يتطلّب وقفة عند تلك الأحاديث التي تروى في هذا السياق للتثبُّت من صدورها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وعدمه.
أتراها تصحّ جميع التأويلات المطروحة في الفقه؟
أحقّاً أنّ (اختلاف أُمّتي رحمة)(١) بالمعنى الذي أُريد لهذا الحديث أن يُفسّر به؟
ولو صحّ ذلك فكيف نفسّر قوله صلّى الله عليه وآله: (لا تختلفوا فإنّ مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)(٢) ، وقوله صلّى الله عليه وآله: (ستفترق أُمّتي إلى نيف وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقي في
____________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢: ٣١٤، شرح النووي على صحيح مسلم ١١: ٩١، الجامع الصغير للسيوطي ١: ٤٨، ح ٢٨٨، قال العجلوني في كشف الخفاء ١: ٦٦، ح ١٥٣، زعم كثير من الأئمة انه لا اصل له.
(٢) صحيح البخاري ٢: ٣٤٩، باب ما يذكر في الاشخاص والملازمة والخصومة...، ح ٢٢٧٩، و ٣: ١٢٨٢، باب ام حسبت أن اصحاب الكهف، ح ٣٢٨٩ واللفظ له، مسند أحمد ١: ٤١١، ح ٣٩٠٧ و ٣٩٠٨، مسند ابن الجعد ١: ٨٣، ح ٤٦٤، مسند أبي يعلى ٩: ٢٣٤، ح ٥٣٤١.
النار)؟(١) ولماذا نرى الاختلاف في الأحكام بين المسلمين إلى هذا الحدّ وكتابُهم واحد ونبيّهم واحد؟
فهذا يسدل يديه والآخر يقبضهما، والثاني يُفْرِج بين رجلَيه في الصلاة والآخر يجمع بينهما. وثالث يجعل يديه ما فوق السرّة، وغيره يجعلهما تحت السرّة، وهذا يجهر بالبسملة والآخر لا ينطق بها مجهورة. وهذا يقول بالتأمين وذلك لا يقول به. والعجيب أنّهم جميعاً ينسبون أفعالهم - على ما فيها من تضارب ظاهر - إلى رسول الله! أفيكون رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قالها جميعاً وفعلها جميعاً وصحّ عنه ذلك، كما يقولون؟! أم أنّ فعله كان واحداً في كلّ الحالات؟ وإذا كان ذلك كذلك... فمن أين جاء هذا الاختلاف الذي لا يمكن دفعه وإنكاره؟
أترانا مكلّفين في شريعة الله أن نقف على الرأي الواحد، أم أنّا قد أُمرنا بالاختلاف؟
وإذا بُرّرَ الاختلاف بما فسّروه ألا يلزم منه العكس وهو أنّ جميع الفرق ناجية وواحدة في النار؟!!
ولِمَ ظهرت رؤيتان في الشريعة، إحداهما تدعو إلى التعدّديّة في الرأي، والأخرى تنادي بالوحدويّة؟
فلو كانت التعدّديّة والاختلاف هي مطلوب الشارع، فلم يحصر النبيُّ الفِرقةَ الناجية من أُمّته بواحدة من الثلاث والسبعين، ويقول عن الباقي: إنّها في النار؟! وإذا كانت الوحدويّة هي مطلوب الشارع فِلَم تُصحّح التعدّديّة وتُلتزم؟!
وهل يصحّ ما قيل في اختلاف الأمّة باعتباره رحمة؟ فما معنى تأكيد الله سبحانه إذَن على وحدة الكلمة؟ وهل أمرنا الله بالوحدة أم بالفرقة؟ ولو كانت الفرقة مطلوب الشارع
____________________
(١) مصنف عبد الرزاق ١٠: ١٥٦، باب ما جاء في الحرورية، مسند احمد ٣: ١٤٥، ح ١٢٥٠١، سنن الدارمي ٢: ٣١٤، باب افتراق الأمّة، ح ٢٥١٨، سنن أبي داود ٤: ١٩٨، ح ٤٥٩٧، سنن ابن ماجة ٢: ١٣٢٢، ح ٣٩٩٣.
فما يعني قوله تعالى:( ولَو كانَ مِن عِنْدِ غَيرِ اللهِ لَوجَدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً ) (١) ؟!
وكذا قوله:( إنّ هذا صِراطي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعوا السبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكُمْ وَصّاكُمْ بهِ لَعّلكُمْ تَتَّقُونَ ) (٢) .
لتوضيح كلّ ذلك ننقل الحوار الذي دار بين عمر بن الخطّاب وابن عبّاس:
أخرج المتّقي الهنديّ، عن إبراهيم التيميّ أنّه قال:
خلا عمر بن الخطّاب ذات يوم فجعل يحدّث نفسه، فأرسل إلى ابن عبّاس فقال: كيف تختلف هذه الأمّة، وكتابها واحد، ونبيّها واحد، وقِبلتها واحدة؟!
قال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين! إنّا أُنزِل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما نزل، وأ نّه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيم نزل، فيكون لكلّ قوم فيه رأي، فإذا كان لكلّ قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فَزَبره عمر وانتهره، وانصرف ابن عبّاس. ثمّ دعاه بعدُ، فعرف الذي قال، ثمّ قال: إيهاً أَعِدْ(٣) .
هذا الحديث ونظائره ممّا يشكّل قاعدة لتمحيص كثير من النصوص والأفكار الموروثة، خاصّة فيما يتّصل بأحاديث الخلاف بين المسلمين، الأمر الذي يفتح الطريق أمام الباحث الموضوعيّ لدراسة ملابسات هذه الأحاديث، ويجعله يتأثّم من التسليم بها على علاّتها دونما احتياط وتحرّج في الدين؛ لأنّ دراسة ملابسات التشريع وما يتعلّق بزمن صدور النصّ ومعرفة خلفيّات المسائل وكيفيّة تبنّي الخلفاء لها، تجعلنا أكثر تمييزاً للصحيح من غيره، وأقوى كشفاً عن حقائق تاريخيّة يُفيد منها المسلم في بناء مواقفه الشرعيّة في الموضوع، وهذه الخطوة تجعلنا من الذين تعبّدوا بقول سيّد المرسلين(رحم الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلّغها مَن لم يسمعها) .
وهناك رأي آخر تتبنّاه مدرسة الاجتهاد، وهو ما نقل عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال: ما أُحبّ أنّ أصحاب رسول الله لا يختلفون؛ لأنّه لو كان قولاً واحداً لكان الناس
____________________
(١) النساء: ٨٢.
(٢) الأنعام: ١٥٣.
(٣) كنز العمّال ٢: ٣٣٣، ح ٤١٦٧.
في ضيق(١) . وقريب منه ما ورد عن القاسم بن محمّد. وهذا رأي كما تراه يميل إلى الدعة والراحة، ولو على حساب التهاون بدين الله، وإلاّ فإنّ من البديهيّ أنّ الله لم يُرد التناقض والتضادّ، ولو صحّ ما علّل به ابن عبد العزيز، لكان بإمكان الباري سبحانه وتعالى أن يجعل الأحكام كلّها على نحو التخيير، أو لقال: خذ ما سهل من الأحكام ودع العسير.
وهل يسمّى الالتزام بقول الله الواحد ضيقاً؟
فيجب إذن البحث عن الحكم الواحد في الفقه، وكما قال الشاطبيّ: (إنّ الشريعة يلزم أن ترجع إلى قولٍ واحد في فروعها، مهما كَثُر الخلاف. كما أنّها في أُصولها كذلك ترجع إلى قول واحد، بمعنى أنّه لا يوجد فيها ما يُفهم منه قولان متناقضان، وإنّما أدلّتها سالمة من التعارض في ذاتها، رغم وجود التعارض)(٢) .
وإذا دقّقنا الروايات التي ترشد إلى عرض السُّنَّة على الكتاب، وضرورة متابعة ضوابط خاصّة لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والنصوص الواردة في وجوب التثبّت من صدق الجائي بالخبر ووثاقته و و... كلّ هذه الروايات والموازين المتّفق عليها بين المسلمين، تؤيّد الرؤيا القائلة بوحدة الحكم الشرعيّ والفقه الإسلاميّ، وتردّ الرأي الذاهب إلى الاجتهاد بالرأي. والتعدّد والاختلاف(٣) . فرأي ابن عبد العزيز ما هو إلاّ خطوة في تأصيل الرأي وخلق المعاذير للحكّام المجتهدين بالرأي.
وكذا لا مناص من القول بضرورة دراسة النصوص الصادرة في الصدر الأوّل الإسلاميّ، وأن لا نسكت عن دراستها بحجّة أنّ عائشة (أُمّ المؤمنين) قالت بهذا الرأي مثلاً، أو أنّ عمر (خليفة المسلمين) ذهب إلى ذلك الرأي، أو أنّ هذا الحديث رواه أبو
____________________
(١) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ١٤١ عن الموافقات للشاطبيّ.
(٣) إذ قال ابن عبد البرّ وبعد نقله حديث عرض السنّة على القرآن: (إنَّ هذه الألفاظ لا تصحّ عنه صلّى الله عليه وآله عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه...) جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٩١، وانظر عارضة الأحوذيّ ١٠: ١٣٢، وقال في مكان آخر: إنَّ هذا الحديث وضعه الزنادقة والخوارج، وفي حجّيّة السنّة: ٤٧٤ بحث في تضعيف أحاديث العرض يمكنك مراجعته.
هريرة واتّفق الشيخان على صحّته! أو...
إنّ غيرة المسلم على دينه، وحرصه على أن يكون أخذُه هذا الدينَ أخذاً سليماً قويّاً لا وهن فيه ولا شبهة معه -( خُذُوا مَا آتَيْناكُم بِقُوَّة ) (١) - و إنّ خصال التقوى والصدق والإنصاف والاستمساك بالحقائق الواقعيّة... كلّ ذلك يدفع المسلم لأن لا يتساهل في البحث عن المصادر النقيّة التي يأخذ منها معرفته، ويقوده لأن لا يأخذ بعض القضايا الموروثة على أنّها مسلّمات نهائيّة لا تقبل الحوار والنقاش. بل لابدّ أن يكون ميزانه في ذلك - بعد السنّة النبوية الأصيلة - كتاب الله عزّ وجلّ الذي هو الفرقان بين الحقّ والباطل، وبين الأصيل والدخيل، وهو المائز بين ما هو معنىً دينيّ إلهيّ خالص، وبين ما هو غير دينيّ أُقْحِم في ظروف تاريخيّة في الدين.
وهذا - كما ترى - يتطلّب منّا شيئاً من الشجاعة الدينيّة والجرأة الوحدويّة، التي لا تنشد غير المعاني الأصيلة الصافية صفاء الحقّ، المستقيمة استقامة نأْيَها عن سخط الله وعذابه.
والذي يجب الإشارة إليه هنا هو إضفاء بعض الناس هالة من القدسيّة على السلف، ولزوم ترك مناقشة أقوالهم وأفعالهم؛ لأنّهم رجال ذهبوا، لهم مالهم وعليهم ما عليهم، فلا يصحّ لنا الدخول فيما كانوا فيه!!
نعم، يصحّ هذا الكلام لو اعتبرناهم رجال عاديّين ليس لهم دور في الشريعة، لكنّ حقيقة الحال غير هذا؛ لأنّ غالب قضايانا الشرعيّة أُخذت عنهم ولهم دور فعال في الشريعة، فلا محالة من الوقوف على نصوصهم، وسيرتهم وسلوكهم؛ لأنّه ممّا يرتبط بحياتنا العلميّة والعمليّة الشرعيّة.
مع تأكيدنا في لزوم ابتناء الدراسات على الأصول الثابتة العلميّة: كالقرآن، والسنّة، والإجماع المحصّل، والعقل في إطار نتائجه المقطوعة.
ومن هنا نرى في النصوص الواردة عن أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله تأكيدهم على اتّخاذ
____________________
(١) البقرة: ٦٣.
كتاب الله ميزاناً يُرَدّ إليه ما اختُلِف فيه، ودعوتهم المسلمين لأن يتحرّروا من عقدة الخوف من إخضاع كلّ شي للقرآن العظيم على أنّه الحاكم المهيمن الناطق بكلمة الفصل والحقّ... الذي ينبغي طرح كلّ ما يخالفه ولا ينسجم معه. فإنّ أحاديث أهل البيت، التي قالوها لتعليم المسلمين وإمدادهم بالوعي الدينيّ المتبصّر، صريحة في أنّ ما خالف كتابَ الله فهو زُخرف مكذوب.
ودعوتنا هذه التي نريد أن نخلُص إليها، لا تتصادم مع ما قيل عن الشيخين - مثلاً - من عزوفهما عن كثير من الملذّات، وفيما أسْدَوه من خدمات لتوسيع رقعة الدولة وانتشار صيتها في الآفاق؛ فهذا أمر محفوظ... بَيْد أنّ ما ينبغي التفطّن له هو أنّ التقشّف والفتوحات وحمل هموم الحرب والسلم شيء، وقضايا الشريعة الإلهيّة في خصائصها ونقاوة مصادرها شيء آخر مختلف، كما هو بيّن لمن يميّز الأمور ويملك ذهنيّة دقيقة لا تخلط الفرع بالأصل، ولا تُدخل ملابسات الظروف الاجتماعيّة التاريخيّة في صُلب مضامين الدين.
إنّ المنع من تناقل حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، مع إصرار الصحابة على ضرورة التدوين، كما مرّ في خبر عروة بن الزبير(١) ، ثمّ مخالفة الخليفة لرأيهم، مع ملاحظة كونه قد رسم أُصول الشورى في الخلافة من بعده... لأمر عظيم، ينبئ عن كون التدوين أمراً ثقافيّاً حضاريّاً يرتبط بالسياسة لا يمكن للخليفة تجاهله، وعليه فإنّ قضيّة منع تدوين السنّة الشريفة لم تكن قضيّة ثقافيّة خالصة، كما علّلها الخليفة بأنّها وليدة الخوف من اختلاط السنّة بالقرآن، والخوف من تأثّر المسلمين بالأمم السابقة.
فالمسألة هنا ترتبط بالعلم، كما اتّضحت خلال شواهد عديدة على ذلك، وأنّ الخليفة لم يكن يملك الرؤية العامّة للأحكام ولم يكن على إحاطة تامّة ببيانات رسول الله صلّى الله عليه وآله.
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٣: ٢٨٧، تقييد العلم: ٥٠، جامع بيان العلم وفضله ١: ٦٤، كنز العمّال ١٠: ٢٩٣، ح ٢٩٤٨٠.
وأمّا ما قيل عن مقدرتهم في الجوانب الأخرى، فالأمر يتعلّق بالمقدرة العسكريّة والحنكة السياسيّة فقط.
والمعروف - عند أهل الخبرة - أنّ مَن له الحنكة السياسيّة يمكنه أن يوظّف كرسيّ العلم و يحتويه من خلال بعض القنوات الملتوية، بعكس الأوّل.
إنّ هذا يفرِض علينا قراءة جديدة للنصوص الصادرة عن الشيخين أو عن غيرهما. ممّن يسير على خطاهما. وهذه القراءة ينبغي أن تنطلق من دوافع دينيّة صرفة، تطلب الوصول إلى الحقّ... من خلال دراسة موضوعيّة متأنيّة لا تتعجّل الأمور ولا تبتر النتائج. وإنّ إحاطة ما صدر منهما من أقوال وأفعال بهالة من التقديس القَبْليّ، بحيث يهاب المسلم مناقشة هذه الأقوال والأفعال... غير بعيد أن يجعل هذه الحالة نوعاً من الإرهاب الفكريّ الذميم الذي يصادر أيّ احتمال للحوار، أو المناقشة فضلاً عن الاعتراض... ممّا يُراد له جعل الشيخين في مصافّ الأنبياء، أو فوق مصافّ الأنبياء، وهذا ما لا يرتضيه ذو عقل ودين؛ خاصّة ونحن نعلم كما تُجلي وقائع التاريخ أنّ الصحابة رجال متفاوتون علماً و إيماناً وقَدْراً. وكثيراً ما لاحظنا أنّهم كانوا يخطّئُ بعضُهم بعضاً، و ينقد بعضهم مواقف بعض... ولا حرج في ذلك ولا ضير.
إنّ كلّ مَن له دراية بالأخبار والأحاديث وتاريخ صدر الإسلام يعلم بوضوح: أنّ الخليفة أبا بكر والخليفة عمر بن الخطّاب لم يكونا معصومين... بل استبان من خلال النصوص أنّ جُلّ اجتهاداتهم كانت قائمة على الرأي المحض، ولم تكُنْ مُستقاةً أو مُشتقّة من القرآن الكريم أو من السنّة التي لم يعرفاها.
وقفة عند رأي ابن قيّم الجوزيّة:
وعلى هذا فإنّ الفتاوى الصادرة عن أبي بكر وعمر لا تنحصر بما قاله ابن قيّم الجوزيّة، من أنّها لا تخرج عن ستّة أوجه:
(أحدها: أن يكون سَمِعها من النبيّ صلّى الله عليه وآله.
الثاني: أن يكون سمعها ممّن سمعها منه صلّى الله عليه وآله.
الثالث: أن يكون فَهِمَها من آيةٍ من كتاب الله فهماً خَفِيَ علينا.
الرابع: أن يكون قد اتّفق عليها ملؤهم(١) ، ولم ينقل إلينا إلاّ قول المفتي بها وحده.
الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة، ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنّا، أو لقرائن حاليّة اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أُمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبيّ صلّى الله عليه وآله ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله الفعل، فيكون فَهِم ما لا نفهمه نحن. وعلى التقادير الخمسة تكون فتواه حجّة يجب اتّباعها.
السادس: أن يكون فَهِمَ ما لم يُرِده الرسول وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجّة. ومعلوم قطعاً أنّ وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظنّ من وقوع احتمال واحد معيّن، هذا ممّا لا يشكّ فيه عاقل...)(٢) .
والواقع أنّ الأمر ليس على ما ظنّ ابن القيّم بل هو أبعد منه؛ لأنَّك قد وقفت على فتاواهم ومخالفة بعضها لصريح الكتاب والسنّة، مع علم صاحبها بقيام النصّ في غيره ووضوح ظهوره فيه، ولولا الحمل على الصحّة والتماس العذر لمَن سلف، لكانت أقرب إلى التحدِّي منها إلى الاجتهاد!
وبعضها الآخر - أي من اجتهادات الشيخين - صريح المخالفة للنصوص أيضاً، لكنّها تختلف عن سابقتها، بأنّها صدرت لعدم علم صاحبها بتلكم النصوص الصادرة عن الرسول صلّى الله عليه وآله وعودته إليها بعد تنبّهه، ومثل هذا القسم - عادةً - أهون مؤونةً وأقلّ مؤاخذة.
فالاجتهاد لو كان جارياً على وفق ما تقرّر لدى الأعلام من القواعد، للزم أن يكون صاحبه قد أكمل عدّته وانتهى من الفحص عن الدليل الأوّلي، وعاد يائساً من العثور عليه، فأفتى أو حَكَم بعد اليأس.
____________________
(١) أي جميعهم.
(٢) إعلام الموقعين ٤: ١٤٨.
غير أنّ هذه الفتاوى والمواقف والأحكام لم تكن جارية - في نهج الخليفة وكثير من السلف الأوّل - على هذا النمط من الاستنباط الدقيق المأمون، بسبب التسرّع في الإفتاء والحكم قبل بذل الجهد للفحص الكافي، أو بسبب التقصير في استيعاب ما ينبغي استيعابه في الموضوع بإهمالهم سؤال العالمين بالقرآن والتشريع ممّن كانوا بين ظهرانيهم، فإذا شَجَر ما يوجب الفحص والسؤال، ولم يبادروا إلى الرجوع إلى هؤلاء العالمِين... فإنّ هذا يعني، ولا ريب المؤاخذة والتقصير؛ لقيام الحجّة عليهم بهؤلاء العالمِين كما قال ابن حزم في النصّ الذي أوردناه مِن قبل.
وعلى هذا ففتاوى الأصحاب الصادرة عنهم لا تنحصر فيما حصره ابن القيّم من الصور الستّ، بل هناك احتمالات أُخرى ينبغي أن تضاف إلى احتمالات ابن القيّم، وهي:
الأوّل: أن يكون إفتاؤهما مخالفاً لكلام رسول الله، وقد ذكّرهما الصحابة بهذا فرجعا عمّا أفتيا به، فمن الطبيعيّ أن لا نرى - غالباً - امتداداً لرأي الخليفة في مثل هذه المسائل قِبال سنّة رسول الله في العصور اللاحقة؛ لرجوع الخليفة عمّا كان قد ذهب إليه وتنصَّل عنه.
الثاني: أن يتخالف إفتاؤهما مع حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله أو الآية القرآنيّة، والصحابة ذكّروهما بذلك لكنّهما لم يتراجعا عمّا أفتيا به، ومن هنا نرى وجود أحكام كهذه في الفقه الإسلاميّ، مع ترجيح الفقهاء لرأي الخليفة، والقول بأنّ آراء أُولئك الصحابة كان اجتهاداً منهم لا يمكن نقضه؛ لحجّيّة اجتهادات الصحابة في الصدر الإسلاميّ الأوّل!
الثالث: أن يفتي الخليفة في مسألة بما هو مخالف لسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله والذِّكر الحكيم، مع عدم حضور الصحابة في تلك الواقعة ليوقفوه على ما سمعوه من رسول الله، أو ما جاء به الوحي في تلك المسألة، فترى امتداد خطّ الخليفة أقوى ممّا عند الصحابة من مرويّات في هذه المسائل!
الرابع: أن يفتي الخليفة بما يخالف الآية القرآنيّة وحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولكنّ
الصحابة لم يذكّروه خوفاً من درّته أو مهابةً له، أو لاكتساح هذا الرأي عموم المسلمين وتبنّي أغلبهم له، فنهج الخليفة في مثل هذا القسم هو أقوى ممّا سبقه؛ لعمل المسلمين به وقد يحدُث أن نقف بين الحين والآخر على نصوص من الصحابة، أو التابعين، تخالف رأي الخليفة، لكنّها أضعف ممّا سبقها!
الخامس: أن يكون ما أفتى به اجتهاداً منه، صدر عن مصلحة ارتضاها بمفرده، أو للرأي العامّ! لأنّه فيما يقول أعرف بها من سائر الصحابة. مع أنّه لم تكن تلك المصلحة بالمنزلة التي تَصوّرها الخليفة فيكون الحكم خاطئاً تبعاً للخطأ في تشخيص المصلحة، إلاّ أنّ أحداً لم ينتبه أو ينبّه على ذلك فسرى الحكم عامّاً شاملاً في كلّ العصور!
وهذه الاحتمالات التي نساها أو تناساها ابن القيم لها شواهد تاريخية كثيرة قد عرضنا لك بعضها فيما سبق.
حسبنا كتاب الله
فاتّضح إذن أنّ الاجتهاد قِبالَ النصّ قد مُورِسَ في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله - رغم نهيه عنه - والعصر الإسلاميّ الأوّل، وفي نفس الظرف أُطلِقَ القول بـ (حسبُنا كتاب الله) و (بيننا وبينكم كتاب الله)، مع وقوفنا على نهي رسول الله عنه!!
لكنّ بين الصحابة مَن كان لا يرتضي تلك النبرة الغريبة الُمحْدَثة، منهم: عليّ بن أبي طالب، الذي أوصى ابن عبّاس عندما أراد حِجاج الخوارج بقوله:(لا تُخاصِمْهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجِجْهم بالسنّة؛ فإنّهم لن يجدوا عنها محيصاً) (١) .
أوصاه بهذا لأنّ المعروف عن الخوارج تمسّكهم الأعمى بظواهر نصوص الكتاب، وقد جرّ أُسلوبهم هذا الويلاتِ على المسلمين، فكان من العقل والتدبير أن
____________________
(١) نهج البلاغة ٣: ١٣٦، الخطبة ٧٧، من وصية له عليه السلام لعبد الله بن عباس، شرح النهج ١٨: ٧١، مفتاح الجنّة ١: ٥٩.
يحتجّ عليهم بسيرة النبيّ وأفعاله التي لا يختلف فيها اثنان دون ما يُختلف فيه؛ لئلاّ يقعوا في نفس مشكلة فهمهم الخاطئ للكتاب، فاحتجّ عليهم بعمل النبيّ صلّى الله عليه وآله حينما أوعز بمحو وصفه بـ (رسول الله) في كتاب صلح الحديبيّة، فلم يبق مجال لاعتراض الخوارج على محو عليّ بن أبي طالب وصفَه بـ (أمير المؤمنين) في كتاب الصلح مع معاوية(١) ، وهذا الأسلوب هو الأنجح والأنسب في التعامل مع الخوارج.
نعم، إنّ القرآن والسنّة يكمل أحدهما الآخر، فلا يمكن الاكتفاء بالقرآن دون السنّة، وكذا العكس. وليس هناك أدنى تعارض بين هذين الأصلين، وإنَّ الذهاب إلى أحدهما دون الآخر ليس بصحيح.
قال ابن حزم في الإحكام: لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وما نُقل من أفعاله، فقال سبحانه مُخبراً عن رسوله:
( وما يَنْطقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى ) (٢) وقوله تعالى:( لَقَدْ كانَ لَكْمْ فِي رَسُول اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٣) وقوله:( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غيرِ اللهِ لَوَجدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً ) (٤) ، فأخبر عزّ وجلّ أنّ كلام نبيّه وحي من عنده، كالقرآن في أنّه وحي(٥) .
والخليفة أبو بكر لمّا قال - بعد وفاة رسول الله - كما في مرسلة ابن أبي مليكة المارّة الذكر: (بيننا وبينكم كتاب الله) أراد بقوله الاكتفاء بالقرآن، وقد سبقه إلى هذا الرأي عمر بن الخطّاب عند مرض الرسول عندما قال (حسبنا كتاب الله). وقد احتجّت فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله على أبي بكر بالقرآن وحده في نزاعها معه في
____________________
(١) مصنف عبد الرزاق ١٠: ١٥٨، سنن النسائي ٥: ١٦٦، ح ٨٥٧٥، المعجم الكبير ١٠: ٢٥٧، ح ١٠٥٩٨، المستدرك على الصحيحين ٢: ١٦٤، ح ٢٦٥٦، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، حلية الأولياء ١: ٣١٩، الأحاديث المختارة ١٠: ٤١٤.
(٢) النجم: ٣ - ٤.
(٣) الأحزاب: ٢١.
(٤) النساء: ٨٢.
(٥) الإحكام في أُصول الأحكام ٢: ١٧٠.
فدك إلزاماً له بما ألزم به نفسه حين قال: (حسبنا كتاب الله) فاستدلّت على أحقّيّتها بعموم آيات الإرث والآيات الدالّة على أنّ الأنبياء يورِّثُون ويُورثون، فاستدلّ هو بقوله صلّى الله عليه وآله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)، فاستدلّ بالسنّة المُدَّعاة بعد أن قال حسبنا كتاب الله، وهذا تهافت واضح.
فماذا كانوا يعنون بكلامهم هذا وهم أقرب المسلمين زمناً للتشريع؟
أكانوا يريدون ما أراده الخوارج لاحقاً من الاستعانة بالقرآن في فهم جميع الأمور والتشاغل به عن السنّة، أم كانوا يرجون غير ذلك؟
إنّ الدعوة إلى الأخذ بالقرآن ووضع السنّة جانباً، مع تصريح الرسول في حديث الأريكة بأنّ كلامه كلام الله، وهو المبيّن لأحكام الله، ثمّ إحلال اجتهاداتهم محل السنّة، ما هو إلاّ قرار سياسيّ اتُّخذ لتصحيح ما يذهب إليه الشيخان؛ إذ لا يخفى على أبي بكر وعمر أنّ الأحكام بأسرها لا يمكن استقاؤها من القرآن وحده، وقد جاء في كلام عمران بن الحصين - مجيباً مَن قال: تحدّث بالقرآن واترك السنّة:
أرأيتَ لو وكلْتَ أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنتَ تجد فيه صلاة العصر أربعاً، وصلاة الظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والصبح تقرأ في اثنتين؟ وأكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟(١)
فلا يعقل إذن أن تخفى مثل هذه القضايا على أبي بكر وعمر، وإذا كانت غير خافية عليهما فَلِمَ يَدْعُوان إلى الاكتفاء بالقرآن، ويقولان بـ (حسبنا كتاب الله)؟!
بهذا يتأكّد لنا أنَّ المحظور من الروايات هو ما لا يعرفه الخليفة، وما يُسبّب له مشاكل محرجة. وأمّا الأحاديث المعروفة التي تناقلها المسلمون وعرفوها، والتي لا تخفى على الخليفة كما لا تخفى على غيره، فلا تخوُّف منها ولا نهي عن تناقلها إن لم تمسّ أصل مشروعية الخلافة.
إنّ في كلام أبي بكر: (والناس بعدهم أشدّ اختلافاً) ما يكشف عن أنّ المسلمين
____________________
(١) الكفاية في علم الرواية ١: ١٥.
ستختلف اتّجاهاتهم فيما بعد؛ لأخذِ كلّ واحدٍ منهم برأي صحابيّ. ويعضد كلامَ أبي بكر ما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنّ أُمّته مختلفة من بعده.
ولا ريب أنّ اختلاف نُقول هؤلاء الصحابة سيعارض اجتهادات الشيخين.
إنَّ تشريع سنّة الشيخين بإزاء سنّة رسول الله، أو الارتقاء بها إلى سنّة رسول الله، ثمّ تعبّد الخلفاء بها من بعدهم جاعلين منها منهاج حياة ودستور دولة... ما هو إلاّ تعبير عن المصلحة التي دعا إليها الخليفة، والمفتاح الذي يفتح به كلّ مشكل!
لأنّك قد عرفت أنّ الخليفة قد تخوّف من المحدِّثين، وحدّد نشاطهم - بالفعل - وأمرهم بالإقلال من الحديث. وقد حدّ من تحديثهم عن رسول الله، وعلّل حبسه لهم بقوله: (أكثرتُم الحديثَ عن رسول الله)، وقوله: (أفشيتم الحديث عن رسول الله).
فالإفشاء والإكثار كان يؤذي الخليفتين؛ لأنّه يؤدّي إلى تعارض ما نُقِل عنه صلّى الله عليه وآله مع نُقول الشيخين واجتهاداتهما، فكان عليهما - والحالة هذه - أن يَدْعُوا للأخذ بالقرآن أوّلاً، لا اعتقاداً منهما بكونه كافياً في معرفة الأحكام؛ فهما - حينما أرجعا الناس إلى القرآن - كانا يعلمان حقّ العلم أنّ القرآن محتاج إلى السنّة وأنّ رسول الله مكلّف بتبيين الأحكام للناس في قوله تعالى( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (١) ، لكنّ إبعادهما الناس عن السنّة المطهّرة والدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن إنّما يمكّن لهما رسم البديل الذي هو اجتهاداتهما وأن يُصار إلى الاعتقاد بأنّهما أعلم من غيرهم: يؤخَذُ منهما ويردّ عليهما!
لذا نجد بين الصحابة مَن لا يرتضي العمل باجتهادات الشيخين؛ لأنّه عرف أنّ الكتاب والسنّة هما الأصلان الرئيسيّان في التشريع لا الاجتهاد بالرأي. ولو كان قد ورد في اجتهاد الشيخين نصّ خاصّ لسمعوه وتلقّوه، ولَمَا قالوا: أسنّة عمر نتّبع أم سنّة رسول الله؟!(٢) .
____________________
(١) النحل: ٤٤.
(٢) مسند أحمد ١: ٤٢٠، ح ٧٥٠٠، مثله، وانظر سنن الترمذي ٣: ١٨٥، ح ٨٢٤، شرح معاني الآثار ٢:
=
أو قولهم: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر(١) .
ومن الطريف ونحن ندرس الحوادث أن نرى في سجلّ أصحاب الرأي والاجتهاد - ذرّاً للرماد في العيون وخلطاً للحابل بالنابل - أسماءً لرجال أمثال ابن مسعود ومعاذ وابن عبّاس وغيرهم من أصحاب المدوّنات المتعبّدين، نُسبت إليهم نصوص من البعيد أن تكون ممّا وقع فعلاً في التاريخ، بعد غضّ النظر عن سندها، لِما عرفنا من ملابسات الأمور وحاجة أنصار الخليفة إلى مثلها. ولو درسنا هذه القضايا بروح علميّة لوقفنا فيها على كثير من المؤاخذات والاضطرابات.
هذا وقد أكّد ابن حزم وغيره من أعلام العامّة أنّ حديث معاذ في الاجتهاد موضوع.
فقال ابن حزم ضمن كلامه: وبرهانُ وضعِ هذا الخبر وبطلانه هو أنّ من الباطل الممتنع أن يقول رسول الله: فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه، وهو يسمع قول ربّه( واتّبِعُوا أحسنَ ما أُنزل إليكُم مِن ربّكُم ) (٢) ، وقوله:( اليوم أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (٣) وقوله:( ومَن يَتَعدَّ حُدودَ اللهِ فقد ظَلَمَ نَفْسَه ) (٤) - مع الثابت عنه صلّى الله عليه وآله من تحريم القول بالرأي في الدين(٥) .
إن دراسة مثل هذه القضايا في الشريعة ستحلّق بالباحث للنظر في أُمور الشريعة من أُفق أوسع وزاوية علميّة أجدر، مؤكّداً بأنَّ عليه لزوم التجرّد عمّا يحمله من عواطف وأحاسيس، وليكن حرّاً في تفكيره وعقله وأن يدرس النصوص مع ملابساتها كما هي، وأن لا تسيّره الأهواء والعواطف، ثمّ فلينظر أحقاً أنّ رسول الله قد
____________________
=
٢٣١، وفيه قول أم المؤمنين عائشة: فسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله أحق أن يؤخذ بها من سنّة عمر، الفروع ٣: ٢٢٤، شرح سنن ابن ماجة: ٢١٤، ح ٢٩٧٨.
(١) حجّة الوداع: ٣٥٣، ح ٣٩٢، سير أعلام النبلاء ١٥: ٢٤٣، تذكرة الحفّاظ ٣: ٨٣٧، الأحاديث المختارة ١٠: ٣٣١، ح ٣٥٧.
(٢) الزمر: ٥٥.
(٣) المائدة: ٣.
(٤) الطلاق: ١.
(٥) الإحكام في أصول الأحكام ٦: ٢٠٨، الباب (٣٥) في الاستحسان والاستنباط بالرأي.
جوّز القول بالرأي وهو بين ظَهراني الأمّة، أم أنَّ المراد هو سماحه العمل طبق النصوص الصحيحة الموجودة عند الصحابيّ من الكتاب والسنّة، لا الاجتهاد وفق الظنّ والتخمين؟ وإلى غيرها من الأسئلة.
نظرات في الرأي
نُقل عن المستشرق (جولد تسيهر) أنّه ذهب إلى أنّ الرأي لم يكن على عهد النبيّ، بل هو ممّا طرأ لاحقاً على الشريعة. وقد نقل هذا الرأي عنه الدكتور محمّد يوسف موسى بقوله:
(نعم إنّ هذا المستشرق البحّاثة الحفيّ بالدراسات الإسلاميّة، يرى أنّه قد حصل العمل بالرأي في الجيل الأوّل من التاريخ الإسلاميّ. ولكنّ الرأي في هذه المرحلة كان غامضاً، عارياً عن التوجيه الإيجابيّ، وبعيداً عن المذهب والطريقة الخاصّة به، ثمّ اكتسب في العصر التالي تحديداً معيّناً، وبدأ يتحرّك في اتّجاه ثابت، وحينئذٍ أخذ هذه الصيغة المنطقيّة: القياس)(١) .
ثمّ تهجّم الدكتور موسى على (جولد تسيهر) وشكّ في قيمة رأيه ورأي زملائه المستشرقين، لبعدهم عن فهم روح الإسلام، مُعلّلاً بأنّ الروايات التي ذكرها ابن القيّم كافية للدلالة على ذلك. إلاّ أنّه عاد فقاربه بقوله:
حقّاً أنّ الرأي في هذه الفترة من فترات تاريخ الفقه الإسلاميّ ليس هو القياس الذي عُرف فيما بعد في عصر الفقهاء - أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة - ولكنّ الرأي الذي استعمله بعض الصحابة لا يبعد كثيراً عن هذا القياس إن لم يَكُنه، وإن كانوا لم يُؤْثَر عنهم في العلّة ومسالكها وسائر البحوث التي لابُدّ منها لاستعمال القياس شيء ممّا عرفناه في عصر أُولئك الفقهاء(٢) .
____________________
(١) محاضرات في تاريخ الفقه الإسلاميّ للدكتور محمّد يوسف موسى: ٢٤ كما في مقدّمة النصّ والاجتهاد: ٥٢ للسيّد محمّد تقي الحكيم.
(٢) المصدر نفسه.
ومهما تكن قيمة شكّ الدكتور، فلا يهمّنا أن نعرفه بقدر ما يهمّنا أن نعرف موقف الشيخين من الرأي، وهل كانا حقّاً يذهبان إليه عند عدم علمهم بحكم الله ورسوله؟ أم كانا يَرَيان لآرائهما الحجّيّة حتّى مع وجود نصّ من القرآن وأثر عن رسول الله؟
أكّدت النصوص السابقة على أنّهم كانوا يقولون بالرأي حتى مع وجود النصّ؛ إذ لا يعقل أن يخفى قوله تعالى:( والّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبصْنَ بأنْفُسِهنّ أربعةَ أشْهُرِ وَعَشْراً ) (١) على أبي بكر في قضيّة خالد بن الوليد الذي دخل بزوجة مالك بن نويرة، وهي في العدّة!
وكيف يقول الخليفة أبو بكر لعمر: ما كنت أقتله؛ فإنّه تأوّل فأخطأ(٢) ، مع وقوفه على النصّ؟
ألم يكن هذا هو الاجتهاد قبال النصّ بعينه؟
وليتني أعرف هل خفيت الآية على الخليفة، أم أنّه رأى المصلحة فيما ذهب إليه؟
وهل المصلحة والقياس يُعمل بهما عند فقدان النصّ أم يَرِدان حتّى مع وجود النصّ؟
وإليك مجمل خبر خالد في رواية الطبريّ، قال: (فلمّا دخل (خالد) المسجد، قام إليه عمر فانتزع الأسهُم من رأسه فحطّمها، ثمّ قال: أرئاءً؟! قتلت أمرءاً مسلماً ثمّ نزوتَ على امرأته! والله لأرجمنّك بأحجارك. ولا يكلّمه خالد بن الوليد ولا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتّى دخل على أبي بكر، فلمّا...)(٣) .
وروى الطبريّ: أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لقي في خلافته رجلاً له قضيّة نَظَرَ فيها عليّ بن أبي طالب، فسأله عمر: ماذا صنعت؟
فقال: قضى عليٌّ بكذا.
قال عمر: لو كنتُ أنا لقضيت بكذا!
____________________
(١) البقرة: ٢٣٤.
(٢) الإصابة ٥: ٧٥٥.
(٣) تاريخ الطبريّ ٢: ٢٧٣، ثقات ابن حبان ٢: ١٦٩، الإصابة ٢: ٢٥٥، سير أعلام النبلاء ١: ٣٧٨، شذرات الذهب ١: ١٥.
قال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟
قال عمر: لو أردّك إلى كتاب الله أو سنّة رسوله لفعلت، ولكنّي أردّك إلى رأي، والرأي مشترك، ولست أدري أيّ الرأيين أحقّ(١) .
وجاء في (الإحكام) لابن حزم: (قال أبو محمّد: فقد ثبت أنّ الصحابة لم يُفتوا برأيهم على سبيل الإلزام، ولا على أنّه حقّ، لكن على أنّه ظنّ يستغفرون الله تعالى منه، أو على سبيل صلح بين الخصمين فلا يحل لمسلم أن يحتج بشيء أتى عنهم على هذه السبيل)(٢) .
وقال ابن حزم: وليس في تعليم عمر رضي الله عنه الناس التشهّد على المنبر ما يدلّ على أنّه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله. وقد نهى عمر وهو على المنبر عن المغالاة في مهور النساء، وعلّم الناس ذلك. ولا شكّ عند أحد في أنّ نهيه عن ذلك ليس عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأنّ ذلك من اجتهاد عمر فقط، وقد أقر بذلك في ذلك الوقت، ورجع عن النهي عنه، إذ ذُكِّر أنَّ نهيه مخالف لِما في القرآن.
وأمّا التشّهدات المرويّة عن ابن عبّاس وعائشة وابن مسعود وأبي موسى - رضوان الله عليهم - فهي التي لا يحلّ تعدّيها لصحّة سندها إلى النبيّ. وقد خالف تشهّد عمر - الذي علّمه للناس على المنبر - ابنُه عبد الله وابن مسعود وابن عبّاس وعائشة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد شَهِدوه يخطب به...)(٣) .
وقالت الدكتورة نادية العمريّ، وهي بصدد نفي ما قيل عن عمر: إنّه إذا أعياه أن يجد حكماً في القرآن والسنّة نظر: هل فيه لأبي بكر قضاء، فإنْ وجد له قضاء اتّبعه، قالت:
(وبناءً على ذلك لم يكن يلتزم (أي عمر) برأي أبي بكر التزاماً مطلقاً، برغم مكانته الكبيرة في نفسه، إلاّ إذا استند إلى نصّ من كتاب أو سنّة. وهو في هذا الالتزام إنّما يتّبع
____________________
(١) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة: ٤٧، لاحظ محاولته إضفاء مشروعية الرأي لكل الصحابة ودَرْج اسم علي بن أبي طالب المتعبّد فيهم.
(٢) الإحكام في أُصول الأحكام ٦: ٢٢٢.
(٣) الإحكام في أُصول الأحكام ٢: ١٨٣ - ١٨٤.
هذا النصّ في الحقيقة، كما حصل بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله عندما ذكّره أبو بكر بآية من القرآن. أمّا حين يصبح الأمر شورى ورأياً خاصّاً، فإنّ الرأي مشترك، كما قال عمر. وقد خالف أبا بكر في مسألة إقطاع المؤلّفة قلوبهم، التي رجع أبو بكر فيها إلى رأي عمر، وخالفه أيضاً في الاستخلاف حين جعل الأمر شورى. وعلى هذا فإنّ عمر كان يستأنس برأي أبي بكر، ولكن لا يأخذه على سبيل الإلزام كالنصوص القرآنيّة والنبويّة، بدليل مخالفته له في أكثر من قضيّة وأكثر من موطن)(١) .
والآن نتساءل كيف يمكننا الأخذ بسيرة الشيخين ونرى الاختلاف بين نُقولهما واجتهاداتهما؟ وكيف يمكن تصحيح ما نُسب إلى رسول الله: (اقتدوا بالذين من بعدي)(٢) وقوله (عضّوا عليها بالنواجذ)(٣) وقد رأيت الاختلاف بينهم واضحاً بيّناً وفي أكثر من قضيّة وموطن؟!
أفَتُرى أنّ رأي أبي بكر في قضيّة خالد هو الحجّة أم رأي عمر؟
وهل يُعقل أن يفرِض علينا النبيّ اتّباع رأي شخص غير معصوم، وهو المطِّلع على آرائه واجتهاداته في الشريعة أيّام حياته صلّى الله عليه وآله؟!
وماذا يمكننا أن نقول عن اجتهاد عمر - كما يقولون - في ردّ سهم المؤلّفة قلوبُهم(٤) ، وصريح القرآن يفرض الصدقات في قوله:( إنّما الصدَقات للفقراء والمَساكين والعاملين عليها والمؤلَّفة قلوبُهم... ) ؟(٥) .
وكيف يمكن تفسير رأيه في ميراث الجدّ مع الإخوة(٦) ، والطلاق ثلاثاً(٧) ، وبيع
____________________
(١) اجتهاد الرسول: ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٢) مسند الحميدي ١: ٢١٤، ح ٤٤٩، المعجم الأوسط ٤: ١٤٠، ح ٣٨١٦، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٥٣، وغيرها من المصادر.
(٣) مسند أحمد ٤: ١٢٦، سنن الدارمي ١: ٥٧، باب اتباع السنّة، ح ٩٥، سنن الترمذي ٥: ٤٤، باب ما جاء في الأخذ بالسنّة واجتناب البدع، ح ٢٦٧٦، سنن أبي داود ٤: ٢٠٠، ح ٤٦٠٧، سنن ابن ماجة ١: ١٥، ١٦، ح ٤٢ و ح ٤٣.
(٤) انظر فتح القدير للشوكاني ٢: ٣٧٣. (٥) التوبة: ٦٠.
(٦) السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٤٥، باب تشديد الكلام في مسألة الجد مع الاخوة ح ١٢١٩٢، (بسنده عن ابن سيرين عن عبيدة قال: ثم إنّي لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضاً). وانظر أيضاً فتح الباري ١٢: ٢١، وشرح الزرقاني ٣: ١٤٢، باب ميراث الجد.
(٧) صحيح مسلم ٢: ١٠٩٩، باب الطلاق ثلاث، ح ١٤٧٢، المستدرك على الصحيحين ٢: ٢١٤، كتاب الطلاق، ح ٢٧٩٣. حديث صحيح ولم يخرجاه، مسند أحمد ١: ٣١٤، ح ٢٨٧٧.
أُمّهات الأولاد(١) ، وعول الفرائض(٢) ، وعدم وجوب التيمّم للصلاة مع فقدان الماء(٣) ، ونهيه عن الصلاة بعد العصر(٤) ، وصلاته على الجنائز أربعاً(٥) ، وفي كلّ ذلك نصوص عن النبيّ تخالفه؟!
ليت شعري كيف يُعذر الشيخان ويصير ما قالاه حسناً مع تصريح عمر بن الخطّاب أنَّ صلاة التراويح كانت بدعة، ونعمت البدعة هي؟!
ثمّ يأتي العلماء ليفسّروا البدعة بمعناها اللغويّ لا الشرعيّ فيذكرون خبراً عن الرسول - في شرعيّة صلاة التراويح - مجمله: أنّه خرج ليلاً للصلاة في المسجد فائْتَمَّ به الناس، وفي اليوم الثاني كثر العدد، وفي اليوم الثالث أكثر حتّى خرج بهم إلى خارج المسجد، فترك الرسول الخروج إلى المسجد، ولم يَنْه عنها ثمّ راحوا يفسّرون البدعة بمعناها اللغويّ!
فلو كان الأمر في صلاة التراويح شرعيّاً ولم ينه عنه الرسول صلّى الله عليه وآله فما معنى حمل كلام عمر على معناه اللغويّ عند الأعلام؟!
وإن كان الخليفة عمر بن الخطّاب يعني معنى البدعة الشرعيّ، فما معنى ما يقولونه في تأويل فعل عمر؟ إنّها تناقضات الأخبار والمعاذير المختلقة للأشخاص وهي مشهودة للباحث.
____________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٧: ٢٩٢، ح ١٣٢٢٥، سنن الدراقطني ٤: ١٣٤، كتاب المكاتب، ح ٣٣ و ح ٣٤، المبسوط للسرخسي ١٣: ٥، سبل السلام ٣: ١٢.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٨، ح ٧٩٨٥، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٥٣، باب العول، ح ١٢٢٣٧، المغني ٦: ١٧٥، منار السبيل ٢: ٧٦.
(٣) مصنف عبد الرزاق ١: ٢٣٨، ح ٩١٥، مسند احمد ٤: ٣١٩، سنن النسائي الكبرى ١: ١٣٣، ح ٣٠٢.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢: ١٣٣، ح ٧٣٤٢، مصنف عبد الرزاق ٢: ٤٣٣، ح ٣٩٧٤، المسند المستخرج على صحيح مسلم ٢: ٤٢٨، ح ١٨٨٥.
(٥) شرح معاني الآثار ١: ٤٩٩، مسند أبي حنيفة ١: ٨٢، المحلى ٥: ١٢٤.
لا أدري: أتُصَدَّق النصوص وما جاء في تراثنا الغابر، أم ما يقوله الأساتذة من مبرّرات للشيخين؟!
أترى أنّ الله قد عصمهما من الخطأ وخُصّا بدليل يجوّز اجتهادهما ولزوم التعبّد برأيهما دون الآخرين، كما روي من قوله صلّى الله عليه وآله: (عليكم بما عرفتم من سنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين...)؟(١)
أكان هذا النقل صحيحاً عن رسول الله؟ أم يُستشمّ منه وجود نهج آخر قِبال سنّة رسول الله؟
وأيُعقل أن يجعل رسولُ الله سنّته عدلاً لسنة الخلفاء الراشدين من بعده وهو العالم باختلاف أُمتّه من بعده والقرآن الكريم يقول:( أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ على أعْقابِكُمْ ) ؟!(٢) ونرى الاختلاف بين أقوالهم!
ولو ارتضينا هذا الحديث على علاّته، واجهتنا مشكلة أخرى، وهي تضارب وتناقص وتخالف آراء الخلفاء من بعده، فأيّها المأمور بأخذه والالتزام به؟ وأيّ الخلفاء هم المقصودون، الأربعة الراشدون؟ أم كلّ من تسلّم اُمور الخلافة والسلطة؟ وإذا صحّ الحديث فلماذا لا يحمل على الخلفاء الاثني عشر الذابّين عن سنّته والناشرين لحديثه صلّى الله عليه وآله؛ لما روي عن عليّ عليه السلام عن النبي:(اللّهمّ ارحم خلفائي الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنّتي ويعلّمونها الناس) (٣) ، والذي قال عنهم الرسول صلّى الله عليه وآله في حديث آخر:(فلا تقدموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم) (٤) .
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ١٢٦، سنن ابن ماجة ١: ١٥، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، ح ٤٢، ح ٤٣، المستدرك على الصحيحين ١: ١٧٤ - ١٧٧، ح ٣٢٩، ح ٣٣١، ح ٣٣٢، ح ٣٣٣.
(٢) آل عمران: ١٤٤.
(٣) الفردوس بماثور الخطاب ١: ٤٧٩، ح ١٩٦٠، كنز العمال ١٠: ٢٢١، ح ٢٩١٦٧، وانظر مستدرك وسائل الشيعة ١٧: ٢٩٩، ح ٢١٤٠٣، فيض القدير ٢: ١٤٩.
(٤) المعجم الكبير للطبراني ٥: ١٦٦، ح ٤٩٧، وعنه في الصواعق المحرقة ٢: ٤٣٩، ٦٥٣، ٦٥٤.
وقال:(ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً) (١) وقال:(.. وأهل بيتي أمان لأُمتي من الاختلاف) (٢) ، وغيرها من النصوص المتواترة.
نعم، قد أوقَفَنا رسولُ الله في (حديث الحوض) على أنّ من بين أصحابه من يُذاد عن الحوض!
وليتني أعرف لِمَ لًمْ يكتفِ صلّى الله عليه وآله بقوله: (عليكم بكتاب الله وسنّتي) - حسب ما نقلوه عنه صلّى الله عليه وآله - حتّى يضيف إليهما شيئاً آخر؟ أيُعقل أن تكون السنّة ناقصة حتّى يلزم إكمالها بسيرة الشيخين؟!
وألا ينمُّ وضع قيد (سنّة الخلفاء من بعدي) أو (اقتدوا بالذين من بعدي) إلى جنب السنّة الشريفة، عن وجود اجتهادات جديدة حدثت في الحياة العلميّة للمسلمين تخالف السنة المطهّرة، أُريد لها وعلى لسان النبيّ تصحيح كلا الاتّجاهين؟
وهل يصحّ عقلاً وشرعاً هذا الذي قيل؟ بل كيف يمكن الجمع بين ما قاله عمر وقول رسول الله؟
فالمتعة - مثلاً - إمّا مشروعة، لقول عمر: (كانتا على عهد رسول الله).. أو محرّمة، لقوله: (أنا أُحرّمهما)! وأمثال هذه المفردات كثيرة في الشريعة.
إنّ ما يُحتمل راجحاً في هذه النصوص - التي جاء فيها ذكر أسماء الخلفاء، أو التأكيد على (الذين من بعدي) مرتَّباً طبق الترتيب الزمنيّ للخلافة (أبو بكر، عمر، عثمان، عليّ) - أنّها قد حرّفت عن أصلها المراد منها، أو وُضعت لاحقاً لتصحيح ما ذهب إليه الشيخان ومَن تابع مدرستهما الاجتهاديّة، ولنا في ذلك أدلّة مفصّلة نُرْجئُها إلى حينها.
____________________
(١) التبصرة للفيروزآبادي:٣٦٩، المبسوط للسرخسي ١٦: ٦٩، وأصوله: ٣١٤.
(٢) المستدرك على الصحيحين ٢: ٤٨٦، ح ٣٦٧٦ و ٣: ١٦٢، ح ٤٧١٥، ٣: ٥١٧، ح ٥٩٢٦، وقد قال الحاكم عنها: أحاديث صحيحة على شرط الشيخين ولم يخرجاها، وانظر مسند الروياني ٢: ٢٥٣، ح ١٥٢.
تطوّرات وتغييرات
لابدّ هنا من الإشارة إلى ما وصل إليه أمر الأمّة في العصور اللاحقة.
قالت الدكتورة نادية العمريّ في كتابها الاجتهاد في الإسلام: (وممّا ثبت أنّ المتأخّرين من الفقهاء قد غيّروا كثيراً من الأحكام التي نُقلت عن أئمّتهم حين دعت الحاجة إلى التغيير، كما فعل الشافعيّ من قبل حينما انتقل إلى مصر وترك العراق والحجاز؛ فقد غيّر من مذهبه القديم إلى الجديد، وأملى كتابه الأمّ والرسالة، وكما فعل ابن القيّم الجوزيّة)(١) .
وقال الدكتور تركي: (أمّا فيما يتعلّق بالاستحسان - الذي هو طريقة للهرب من القياس لأسباب من التقدير الشخصيّ - فقد ظهر في القرن الثالث للهجرة، على ما ذكره ابن حزم)(٢) .
وقال الوافي المهدي: (وفي هذا الدور (أي زمن تأسيس المذاهب) تأثّر التشريع الإسلاميّ بالعرف، فأصبح الكثير من الفقهاء يعتبرونه مخصِّصاً للنصّ. ومن ذلك تخصيص البعض منهم منع بيع الإنسان ما ليس عنده الوارد فيه المنع بالاستصناع، وهو: أن يتفق شخص مع آخر على صنع شي يوضّحه بالوصف ويقدّر له الثمن، فقد أُجيز هذا العقد مع أنّه من قبيل بيع ما ليس عند الإنسان)(٣) .
وجاء عن الأستاذ رشيد رضا قوله: (من المجازفة في القياس والجرأة على الله القول بنسخ مئات الآيات، وإبطال اليقين بالظنّ وترجيح الاجتهاد على النصّ - ثمّ ذكر كلام الشافعيّ الذي ربّما قاله بنفسه: (إنّ القياس لا يصار إليه إلاّ عند الضرورة كأكل الميتة).
وقال الباحث المصريّ شفيق شحاته: (إنّ ترقية القياس إلى درجة أن يكون مصدراً للشريعة يجب أن تُعزى إلى أسباب تاريخيّة خالصة)(٤) .
____________________
(١) الاجتهاد في الإسلام: ١٠٤ ط ١ مؤسّسة الرسالة ١٤٠١ه - بيروت.
(٢) مناظرات في الشريعة الإسلاميّة بين ابن حزم والباجي: ٣٣٣.
(٣) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة: ٢٠٨.
(٤) مناظرات في أُصول الشريعة بين ابن حزم والباجي: ٣٣٠ عن، Logigue. P.٣٢
ومن المؤسف أن اختم كلامي بنص لبعض المتطرفين وهو الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين إذ يقول: ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قولَ الصحابة، والحديث الصحيح، والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضالٌّ مضلٌّ، وربّما أدّاه ذلك للكفر، لأنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر(١) .
وهذا يخالف قول روساء المذاهب الأربعة أنفسهم الذين لم يجيزوا الناس الأخذ بأقوالهم لو خالفت الآية والحديث الصحيح، واعتبروا العمل بأي مذهب من المذاهب متروك للناس.
كانت هذه خلاصة لتاريخ التشريع الإسلاميّ وملابسات الفقه، ذكرناها ليكون القارئ على بصيرة من أمره، وليتعرّف على بعض الأصول التي أُوجِدت في الصدر الأوّل الإسلاميّ وجذور الاختلاف بين المسلمين، وكيف أصبحت شريعة الفقهاء من أهل الرأي تجوّز التعدّديّة في الرأي، مع علمنا أنّ الله واحد، ورسوله واحد، وكتابه واحد، وهو سبحانه يدعونا إلى الوحدة في الفقه والعقيدة، ويحذّرنا الاختلاف والفرقة، وقد أكّد رسول الله صلّى الله عليه وآله ونص على أنّ الفرقة الناجية من أُمّته هي واحدة، لا غير.
عود على بدء
الثابت عن رسول الله أنّه تصدّى لأمور الشريعة والدولة معاً، فكان من المحتّم على من يخلفه أن يكون مؤهّلاً في كلا الجانبين. وقد عرفت أن الشيخين كانا حاكمَين ولم يكونا عالِمَين. وبما أنّ مقام الحاكميّة في الإسلام كان يحتاج إلى علم، فلا محيص إذَن من التصرّف في بعض الأصول، حتّى يمكن تشريع أقوالهما وإخراجها عن دائرة اجتهادات شخصيّة يمكن تخطئتها في العصور اللاحقة.
في حين كنّا قد عرفنا أنّ الشيخين لم يكونا يدّعيان - في أوائل خلافتهما - أنهما قد حفظا جميع علم رسول الله، بل نراهما يسألان الصحابة عمّا قال الرسول فيما جهلاه من أحكام كمسائل الجدّة وغيرها، وإذا حدث تخالف بين رأيهما وقول رسول
____________________
(١) حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ١٠: ٣ ط دار إحياء التراث العربي، وقد رد الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي القاضي الأول بالمحكمة الشرعية بدولة قطر على كلام الصاوي في كتاب أسماه (تنزيه السنة والقرآن عن كونهما مصدر الضلال والكفران) هذا ما قاله العلاّمة الخليلي مفتي سلطنة عمان في كتابه الحق الدامغ: ١٠.
الله فإنّهما كانا يتراجعان عمّا أفتيا به، كما حصل في موارد كثيرة، لكنّ عمر - في الفترة الأخيرة من خلافته - لم يرتضِ الرجوع عمّا أفتى به، بل أمر بحبس الصحابة عنده حتّى وافاه الأجل، وادّعى لنفسه أنّه الميزان الأوّل والأخير في الأخذ والردّ.
إنَّ الشيخين - بل عامّة المسلمين - كانوا يعلمون أن المشرِّع هو الله ورسوله، وليس لأحد حقّ التشريع أمام نصّ القرآن والسنّة، وكلّ ما لَهما هو أن يستنبطا الأحكام من القرآن والسنّة. وإنّ تراجعهما عمّا أفتيا به وأخذهما بكلام الصحابة والمحدِّثين عن رسول الله، ينبئ عن أنّ الأصل كان عندهما السنّة لا اجتهاداتهما.
لكنّهم وبمرور الأيّام أخذوا يؤكّدون على حجية آرائهم واجتهاداتهم، وإن كانت مخالفة لقول رسول الله أو مخالفة لاجتهادتهم السابقة، فمثلاً يقول عمر: (تلك على ما قَضَيْنا، وهذه على ما قَضَيْنا)! نعم إنّه يعلم أنّ بيان التخالف بين نُقُول الصحابة عن رسول الله واجتهاداته لو استمرّ فمن شأنه أن يؤدّي إلى انفصال القيادتين السياسيّة والعلميّة عمّا بينهما، وهذا ممّا لا يقبله الخليفة بأيّ وجه من الوجوه.
إنّ السماح بتناقل حديث رسول الله يودّي إلى رفع مستوى الوعي والتبصّر عند المسلمين بوقوفهم على سنّته صلّى الله عليه وآله. ولمّا كان الخليفة لا يعرف كلّ ما صدر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله فإنّه لا محالة سيخالف باجتهاده قول الرسول، وهذا سيضعه أمام مشكلة مع الصحابة، ويؤدّي إلى تخالف آرائهم في الأحكام. ومن أجل القضاء على كلّ هذا قال لمن جمعهم من الصحابة: (إنّكم أفشيتم الحديث عن رسول الله) وفي آخر: (أكثرتم الحديث عن رسول الله).
لأنّه كان يرى أنّ في الإفشاء والإكثار ثقل المواجهة!
نعم إنّه جاء ليؤكّد على القياس والأخذ بالرأي، كما مرّ في رسالتيه إلى أبي موسى الأشعريّ وشُريح القاضي، وكذا الحال بالنسبة إلى أحاديث الاجتهاد، التي رويت عن معاذ وعمرو بن العاص وغيرهما، عن النبيّ فإنّها جاءت لتصحيح الموقف.
وهذا الذي قلناه من أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي استعمل الاجتهاد واقترحه أكثر
من أبي بكر، لا يتنافى مع ما قيل من أنّ القياس حدث في العصور المتأخّرة والأزمنة اللاحقة، نتيجة لضرورات زمنيّة مرّت بها الدولة وفقهاؤها آنذاك؛ لأنّ أصل نشوء فكرة الاجتهاد ببذراتها الأولى كان من مبتكرات عمر، كما اتّضح لك في البحوث السابقة، لكنّ ذلك النشوء لم يكن متكامل الجوانب والمباني، بل ظلّ يتعثّر في خطاه ويكبو، واعترض عليه الكثير من الصحابة والتابعين إلى أن اكتملت أُصوله، وصارت له بنيويّة متكاملة خاصّة تميّزه عن غيره من أُصول الاجتهاد التي رسموها، وذلك في العصور المتأخّرة، في أوائل القرن الثاني الهجريّ، فلذا نرى بروز أسماء أُخرى واصطلاحات مستجدّة أُخرى إلى جانبه كالاستحسان والمصالح المرسلة و و.. وهذا واضح لا غبار عليه.
بيان الإمام عليّ عليه السلام
وبذلك صارت الفتاوى تؤخذ عن رأي وقياس، وليس جميعها عن نصّ ورواية؛ فلذلك كان بعض الصحابة - كما قلنا - لا يرتضون الاجتهاد فيما لا نصّ فيه؛ لقربهم من زمن التشريع ولمعرفتهم بمن عنده نصوص عن رسول الله صلّى الله عليه وآلهفي القضايا الحادثة، بَيدَ أنّ خفاءها على الخليفة لا يعذره ليفتح أبواباً واسعة للاجتهاد؛ لأنّ في ذلك خطراً على الفقه والعقيدة الإسلاميّة. وقد جسّم الإمام عليّ بن أبي طالب واقع الأمّة والصدر الأوّل من تاريخ الإسلام وفي هذه الفترة الحسّاسة بقوله في بعض مقاطع الخطبة الشِّقشقيّة:
(... يَكْثُر العِثارُ فيها، والاعْتِذارُ منها، فصاحِبُها كَراكِب الصَّعْبَةِ: إنْ أشْنَقَ لها خَرَمَ، وإنْ أسْلَسَ لها تَقَحَّم، فَمُنِيَ الناسُ لَعَمْرُ اللهِ بِخَبْطٍ وشِماسٍ، وتَلوُّنٍ واعْتِراضٍ، فَصَبَرْتُ على طولِ المُدّة وشِدّة المِحنَة...)(١) .
قال ابن أبي الحديد في شرح: قوله عليه السلام:(ويكثر العثار فيها والاعتذار منها) قال:
____________________
(١) نهج البلاغة: ٣٣، الخطبةرقم ٣ المعروفة بالشقشقية.
ليست هذه الجهة جَدَداً مهيعاً، بل هي كطريق كثيرة الحجارة، لا يزال الماشي فيه عاثراً، وأمّا قوله عليه السلام: (والاعتذار منها) فيمكن أن تكون (من) على أصلها، يعني أنّ عمر كان كثيراً ما يحكم بالأمر، ثمّ ينقضه ويُفتي بالفُتيا، ثمّ يرجع عنها ويعتذر ممّا أفتى به أوّلاً. ويمكن أن يكون (من) هاهنا للتعليل والسببيّة، أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لأجلها، قال:
أمِن رسمِ دارٍ مربعٌ ومَصيفُ |
لعينيكَ من ماء الشُّؤون وَكِيفُ؟ |
أي ألأجل أن رَسَمَ المربْعُ والمصيفُ هذه الدارَ وَكَف دمع عينيك؟ والصعبة من النُّوق: ما لم تُرْكُب ولم تُرَض، إن أشنق لها راكبها بالزمام خَرَم أنفها، وإن أسلس زمامها تقحّم في المهالك، فألقته في مهواة أو ماء أو نار، أو ندّت فلم تقف حتّى تُرديه عنها فهلك. وأشنق الرجل ناقته إذا كفّها بالزِّمام وهو راكبها)، إلى أن يقول في معنى قوله عليه السلام (فَمُنِي الناس): أي بُلي الناس، قال:
مُنيتُ بِزَمَّرْدَةٍ كالعصا
و(الخَبْط) السير على غير جادّة. و(الشِّماس) النفار. و(التلوُّن) التبدّل. و(الاعتراض) السير لا على خطّ مستقيم، كأنّه يسير عرضاً في غضون سيره طولاً، وإنّما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط...)(١) .
ويبدو لنا من قوله هذا ما يجسّم مراحل التغيُّر والتبدّل الذي طرأ على الأمّة في زمن حكومة عمر بن الخطّاب، وكيف أنّ الناس (مُنُوا) بهذا الداء العضال الذي أبعدهم عن الجادّة، التي كان يفترض أن يسلكوها في حياتهم الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فيقول الإمام عليّ في المرحلة الأولى(فمُنيَ الناسُ لعمر الله بخبطٍ) ، وهو السير دون اهتداء وعلى غير الجادّة؛ إذ بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله تبيّن واضحاً عجز من قام بعده في كلّ المجالات الدينيّة والثقافيّة والإرشاديّة، وحتّى السياسيّة، حيث خلطت السياسة آنذاك بين المرتدّين وغيرهم، بُغيَةَ التخلّص من الأعداء السياسيّين للخليفة
____________________
(١) شرح النهج لابن أبي الحديد ١: ١٧١ - ١٧٣.
الأوّل، فترى قتل مالك بن نويرة تبقى ظلامة دون رادع من الخليفة، لكنّ قِصَر فترة خلافة أبي بكر غطّت شيئاً مّا من الفجوات، ولم تظهر (الخبط) بمظهر صارخ، بعكس خلافة عمر بن الخطّاب التي امتدّت عمراً طويلاً فتبيَّن فيها من الأمور والأحداث، ما لم يكن بائناً من ذي قبل، وهذا هو الذي جعل الإمام عليّاً يوكّد على فترة خلافة عمر، باعتبار أنّ لها الحصّة العظمى من التغيّر والتبدّل.
وبما أنّ الخليفة يجهل الكثير من الأمور، فقد جهلها الناس تبعاً لذلك؛ لأنّ الخليفة والحاكم هو المقوِّم للرعيّة، فإذا كان هو بحاجة إلى التقويم ومعترفاً بالعجز والقصور، حصل (الخبط) والسير في مناهج الحياة على غير الجادّة التي رسمها النبيّ صلّى الله عليه وآله للمسلمين، فتشعّبت الآراء والاجتهادات، وراح كلُّ يدّعي أنّ الصواب حليفه وأنّ الخطأ نصيب الآخرين، بل الخليفة نفسه راح يفتي بشي ثمّ يفتي بضدّه أو مخالفه ثمّ يدّعي صحّة الجميع وأنّ كلّ آرائه حجّة ملزِمة، وبذلك ضاعت الجادّة، ولم يبق الطريق مهيعاً لاحباً، فلذلك سار الناس على دروب ملتوية بعد أن فقدت الجادّة التي ينبغي السير عليها.
وهذا بعينه ما أشار إليه الإمام علي في حديث آخر قال فيه:(لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خبّاط جهالات، عاشٍ ركّابُ عَشَوات، لم يعَضّ على العلم بضرس قاطع، يذري الرِّوايات ذَرْوَ الريح الهشيم...) (١) .
بعد ذكر الإمام المرحلة الأولى، جاء ليقول (وشماسٍ)؛ إذ إنّ النتيجة الطبيعيّة للسير على غير الجادّة وبدون هدىً أن يجرّ هذا السير إلى النفار، وإلى ضروب من ردود الفعل غير المدروسة؛ ولذلك نرى بروز أحداث وسلوك غير طبيعيّ عند المسلمين لم يكن من قبل، برز كنتيجة طبيعيّة لتركهم وإضاعتهم للجادّة الدينيّة الصحيحة، فترى ازدياد حالة قتل الأسياد لعبيدهم، ممّا حدا بالخليفة عمر أن يحاول تقنين قانون (قتل
____________________
(١) نهج البلاغة: ٥٣، الخطبة ١٧.
الحرّ بالعبد)(١) خلافاً لما نقل عنه صلّى الله عليه وآله (لا يقتل حرّ بعبد)(٢) ، فترى النفار والتصرّف غير الطبيعيّ من كلا الطرفين من الخليفة أوّلاً إذ أضاع عليهم الجادّة ومنهم ثانياً إذ أساءوا الاستفادة من هذا القانون الإسلاميّ، نتيجة لغياب حالة الوعي الدينيّ المستوحى من النصوص، التي تفرضُ حرمة قتل النفس والإساءة إلى الآخرين، وهذا هو عين النفار، وهي حالة خطيرة في المجتمعات تُراكِبُ فيها العُقَد، وحالات الانتقام والشجار والانفلات الاجتماعيّ.
ومثل ذلك بروز ظاهرة هَتْف النساء بالرجال كما في قضية المتمنية لنصر بن الحجّاج، وظاهرة اشمئزاز المجتمع من بعض المفردات الفقهيّة التي قد لا تتلاءم مع ذوقهم، متناسين حرمة الشارع المقدّس، كتحريمهم للمتعة، التي لها أكبر الأثر في استقرار المجتمع خصُوصاً في حالات الحرب وقلّة الرِّجال و و...
وإذا تأمّلت ما أسلفناه من تصرّفات عمر ومخالفة بعض الصحابة له، وتأييد آخرين له، وحصول الانشقاق، وبروز حالات شاذّة لم تكن في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله رأيت أنَّ الخليفة يقف أمامها موقف العاجز. أو المقوِّم لكن بشكل سلبيّ، كقضيّة مشاطرة عمّاله أموالهم. فمتى كان عمّال النبيّ صلّى الله عليه وآله خونة لمال الله ومال المسلمين!! ومتى كان النبيّ يشاطرهم!! وإن كان بعضه مسروقاً من المسلمين وجب على الخليفة تحرّي ذلك المقدار المسروق وأخذه دون غيره، وعلى كلّ التقادير، فالمهمّ هو حصول حالة (الشماس) أو (النفار) في المجتمع الإسلاميّ بعد أن سار على غير الجادّة.
ثمّ أشار الإمام عليّ عليه السلام إلى مرحلة ثالثة من مراحل التغيّر، وهي (التَّلوُّن) أي (التبدّل) إذ بدا تبدّل الأحكام في زمن الخليفة الثاني أمراً طبيعيّاً، باعتبار أنّ الخليفة له أن يؤسّس حكماً أو يلغي حكماً، وله أن يقيّد مطلقاً، أو يطلق مقيداً، وله أن ينسخ
____________________
(١) الديات للشيباني ١: ٥٤، باب الحر يقتل العبد، بسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ أبا بكر وعمر كانا يقولان الحر يقتل بالعبد.
(٢) سنن الدارقطني ٣: ١٣٣، كتاب الحدود والديات وغيره، ح ١٥٨، ح ١٦٠، السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣٥، وانظر مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٤٠٩، ح ٢٧٤٧٧، وكذلك في الموطأ لمالك ٢: ٨٧٣.
آيات القرآن وعمل النبيّ صلّى الله عليه وآله، وله أن ينفي ويغرّب، وله أن يعاقب أو يصفح، كلّ ذلك بدليل أنّه (خليفة) مجتهد له رأيه الخاصّ الذي لا بدّ من احترامه، وأنّه يعرف المصلحة أحسن من غيره.
وقد تركزت هذه الفكرة وترعرعت في نفوس الكثيرين ممّن لم يكونوا بالمستوى المطلوب، أو كانوا من الذين تأثّروا بالصحابة المائلين للرأي على عهد رسول الله، فصار كلّ شيٍ متبدّلاً عمّا هو عليه في واقع الأمّة والتشريع، فضرب الصحابيّ صار أمراً راجحاً باعتباره (تأديباً للمنحرفين)، وتحريم الحلال وتحليل الحرام صار حقّاً طبيعيّاً للخليفة باعتباره (مصلحة للمسلمين)، وصار تعدّد الإفتاءات في الجدّة وغيرها أمراً مألوفاً باعتبار (كلّ ما أفتى به المجتهد فهو حكم الله)، وصار كلُّ حكم صحيحاً في زمانه، كما قال الخليفة (تلك على ما أفتينا العامَ وهذه على ما أفتينا الآن)، وصار سهم المؤلّفة قلوبهم ملغى باعتبار (أنَّ الإسلام عزيز) و...
وهذا كلّه - تبديل وتبدُّلٌ - طرأ على المسلمين، فصيّر عندهم فقهاً غير صحيح، وعقائد لم يرتضها الرسول - كما في البكاء على الميّت وغيره - واستنتاجات ارتجاليّة.
وجاءت الطامّة الكبرى في المرحلة الرابعة من مراحل التغيّر وهي مرحلة (الاعتراض) وهي السير لا على خطّ مستقيم، كأنّ الماشي يسير عرضاً في أثناء سيره طولاً، فكلّما زاد سيره زاد بُعدُهُ، وهذا التعبير من الإمام عليّ دقيق جدّاً، وجدير بالوقوف عنده والتأمّل في اختصاره (الاعتراض) وكثرة مغزاه ومعناه.
ففي المراحل السابقة كان السير خبطاً لا على الجادّة، وكان يؤمَّل أن يرجع الناس إليها لو أُتيح لهم الدليل على ذلك الطريق المهيع، لكنّ فقدان الدليل المقوّم انجرّ عبر المرحلتين الأخريين إلى أن يكون السير (اعتراضاً)، بحيث لا يمكن تقويمه، فإنّ الأصول تأصّلت والسير أخذ مجراه غير الطبيعيّ كقاعدة وليس كحالة شاذّة في وقت معيّن بحيث يمكن معالجتها.
وإذا تصوّرت معنى (الاعتراض) فهمت أنّ السير مهما امتدّ ازدادت شُقة
الانحراف، وكلّما طالت المدّة زاد البُعد عن الطريق الأوّل، فإذا رسمت الجادّة خطّاً مستقيماً، ثمّ رسمت (الاعتراض) خطّاً مائلاً، ثمّ مددت الخطّين رأيت أنّ الأوّل مهما امتد فهو في مسار واحد وهو الأصل، وأمّا الخطّ المائل فكلّما مددته زاد ابتعاده عن الخطّ الأوّل وهو معتقد بأنّه يسير على الجادّة المستقيمة، وهذا ما نلحظه بالفعل اليوم من اتّساع هوّة الخلاف بين المسلمين بحيث يتعذّر التأليف بين فرقتين منهم، بل يعسر توحيد وجهات نظرهم في مسألة خلافيّة واحدة.
فهذا يقول إنّ القياس حجّة، وذلك يقول (إنّ أوّل من قاس إبليس)، وهذا يقول بأنّ المتعة ما زالت مشرّعة، وذلك يقول (نسخت بقول عمر)، وهذا يقول إنّ الإمامة بالنصّ والتعيين، وذلك يقول تارة بالشورى وأُخرى بمن بايعه أهل الحلّ والعقد، وهكذا ترى)الاعتراض(في أغلب أُمور الشريعة الإلهيّة النبويّة الواحدة.
وقد أجاد الإمام عليّ في وصفه تلك الحقبة وما طُرح فيها من آراء.
فالاجتهاد وما يدعو إليه الخليفة من رأي له من المطّاطيّة والانسياب ما لا يمكن لأحد الحدّ من سيره؛ فهو كراكِبِ الصَّعْبة: إن أشنقَ لها خَرَم، و إن أسلس لها تقحّم.
ومن أجل كلّ هذا ترى ابن عوف - رغم أخذه العهد من عثمان في السير على نهج الشيخين - لا يمكنه الضغط عليه في اجتهاداته: كإتمامه الصلاة بمنى؛ لأنّه اتّخذ الرأي والاجتهاد الذي شرّعه عمر بن الخطّاب، فلا يمكن لابن عوف وغيره أن يحدّد عثمان في فعله؛ لأنّه اجتهد في الحكم رغم عرفانه أنّ النبيّ وأبا بكر وعمر قد قَصَروا الصلاة في منى.
وبعد هذا لم يَعُد بالإمكان أن يحدّد غيره من الصحابة والخلفاء بالنصوص الصادرة عن رسول الله، كمعاوية، ويزيد، وعبد الملك بن مروان؛ لأنّ ما يقولون به هو اجتهاد أيضاً!
وجاء عن الإمام عليّ عليه السلام:(واعلَمُوا عبادَ الله أنّ المؤمنَ يَسْتِحلّ العامَ ما استحَلّ عاماً أوّل، و يُحرِّم العامَ ما حَرّم عاماً أوّل، وأنّ ما أحدثَ الناسُ لا يُحلّ لكم شيئاً ممّا
حُرّم عليكم، ولكنّ الحلال ما أحلّ الله والحرام ما حرّم الله) (١) .
وفي قول له آخر:(وأنزلَ عليكم الكتابَ تِبياناً لكلّ شيء، وعمَّر فيكم نَبيَّه أزماناً، حتّى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابهِ دينَه الذي رضِي لنفسه، وأنهى إليكم على لسانه محابَّه من الأعمال ومكارِهَه ونواهيه وأوامره، وألقى إليكم المعذرة، واتّخذ عليكم الحجّة، وقدّم إليكم بالوعيد، وأنذركم بين يدَي عذاب شديد) (٢) .
تأكيدٌ لما استنتجناه
روى البيهقيّ بسند صحيح أنّ أبا بكر حين استُخلف قَعَد في بيته حزيناً، فدخل عليه عمر بن الخطّاب فأقبل [ أبو بكر ] على عمر يلومه، وقال: أنت كلّفتني هذا الأمر! وشكا إليه الحُكْمَ بين الناس، فقال عمر: أوَ ما علمت أنّ رسول الله قال: إنّ الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد؟!(٣) .
ونقل عن أبي بكر أنّه كان يقضي بالقضاء فينقضه عليه أصاغر الصحابة كبلال وصهيب ونحوهما(٤) .
أترك هذا النصّ للقارىِ دون أيّ تعليق، ليقارن ما قلناه بما كان يواجه الشيخين من مشاكل علميّة أوجدت كثيراً من الإحراج النفسيّ.
قال الدكتور محمّد رواس قلعة چي في مقدّمة كتابه (من موسوعة فقه السلف، إبراهيم النخعيّ): إنّ الأستاذ لمدرسة الرأي هو عمر بن الخطّاب؛ لأنّه واجه من الأمور المحتاجه إلى التشريع ما لم يواجهه خليفة قبله ولا بعده، فهو الذي على يديه فُتحت الفتوح، ومُصِّرت الأمصار، وخضعت الأمم المتمدّنة من فارس والروم لحكم الإسلام(٥) .
____________________
(١) نهج البلاغة ٢: ٩٤، ضمن الخطبة (١٧٦).
(٢) نهج البلاغة ١: ١٥٠، الخطبة ٨٦.
(٣) الجامع لمعمر راشد ٢: ٣٢٨، فضائل الصحابة لأحمد ١: ١٨٠، ح ١٨٥، شعب الايمان ٦: ٧٣، ح ٧٥٣٠ واللفظ له.
(٤) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢٠: ٢٧.
(٥) انظر مقدّمة موسوعة فقه إبراهيم النخعيّ.
وقال الأستاذ أحمد أمين في (فجر الإسلام):
بل يظهر لي أنّ عمر كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، ذلك أن ما ذكرنا هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، لكنّنا نرى عمر سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو الحديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه. وهو أقرب شي إلى ما يُعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيّته.
وقال أيضاً:
وعلى كلّ حال، وجد العمل بالرأي، ونقل عن كثير من كبار الصحابة قضايا أفتَوا فيها برأيهم، كأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل. وكان حامل لواء هذه المدرسة أو هذا المذهب فيما نرى عمر بن الخطّاب(١) .
وقالت الدكتورة نادية شريف العمريّ في (اجتهاد الرسول): ولم يكن الاجتهاد بالرأي والعمل بالقياس وتحقيق مقاصد الشريعة بدعة ابتدعها التابعون المقيمون في العراق، بل كان ذلك نموّاً لاتّجاه سبقهم فيه عدد من الصحابة، منهم عمر بن الخطّاب...(٢) .
وقال الدكتور محمّد سلّام مدكور في (مناهج الاجتهاد):
... وقد اقتضت الفتوحات الإسلاميّة المتتالية، في عصر الصحابة، مواجهة مسائل جديدة نابعة من طبيعة البلدان المفتوحة، وأُخرى ولّدتها ظروف الحرب، دفعتهم هذه المسائل إلى الاجتهاد بالرأي؛ إذ النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، فضلاً عن أنّ السنّة لم تكن قد دوّنت بعد(٣) .
ويقول في كلام آخر له: أمّا إذا كان قول الصحابيّ صادراً عن رأيه واجتهاده فيما يُدرَك بالعقل، وكان موضع خلاف من الصحابة، فهذا هو محلّ خلاف الفقهاء؛ فذهب
____________________
(١) فجر الإسلام: ٢٤٠.
(٢) اجتهاد الرسول: ٣٢١.
(٣) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٧٧.
فريق إلى حجّيّته وإن خالف القياس. وذهب آخرون إلى حجّيّته بالنسبة لقول أبي بكر وعمر دون غيرهما، وذهب الشيعة والشافعيّ في أحد قولَيه، وأحمد في إحدى روايتين عنه، والكرخيّ من الحنفيّة إلى أنّه ليس بحجّة. وذهب مالك وبعض الحنفيّة والشافعيّ في قول له وأحمد بن حنبل في رواية عنه أنّه حجّة مقدّمة على القياس.
واختار الآمديّ أنّه ليس بحجّة. ويعلّل الغزاليّ في (المستصفى) لذلك بقوله: ليس بحجّة؛ لانتفاء الدليل والعصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم. كما يعلّل الشوكانيّ ذلك بقوله: والحقّ أنّه ليس بحجّة؛ فإنّ الله لم يبعث إلى هذه الأمّة إلاّ نبيّنا محمّداً صلّى الله عليه وآله، وجميع الأمّة مأمورة باتّباع كتابه وسنّة نبيّه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك(١) .
وقال الإمام الكرخيّ: (الأصل أنَّ كلّ آية تخالف قول أصحابنا فإنَّها محمولة على النسخ أو على الترجيح، والأولى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق، الأصل: إن كان خبر يجي بخلاف قول أصحابنا فإنَّه يحمل على النسخ، أو على أنّه معارض بمثله، ثمّ يُصار إلى دليل آخر، أو ترجيح فيه بما يحتجّ به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق)(٢) .
وقال الشيخ خلاّف: وفي عهد الصحابة واجهتهم وقائع، وطرأت لهم طوارئ لم تواجه المسلمين، ولم تطرأ لهم في عهد الرسول، فاجتهد فيها أهل الاجتهاد منهم وقَضَوا وأفْتَوا وشرّعوا وأضافوا إلى المجموعة الأولى عدّة أحكام استنبطوها باجتهادهم، فكانت مجموعة الأحكام الفقهيّة في طورها الثاني، مكوّنة من أحكام الله ورسوله وفتاوى الصحابة وأقضيتهم، ومصادرها القرآن والسنّة واجتهاد الصحابة...(٣) .
وبهذا عرفنا أنّ الرأي لم يكن شيئاً حادثاً عند الحنفيّة أو غيرهم لكي ينسب إليهم
____________________
(١) مناهج الاجتهاد في الإسلام: ٢٤٤، وله كلام آخر في ص ٣٤٧ فراجع.
(٢) أُصول الكرخيّ المطبوع مع تأسيس النظر للدبّوسيّ عن أثر الاختلاف في القواعد الأصوليّة للدكتور مصطفى سعيد الخن - مؤسّسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ.
(٣) علم أُصول الفقه، لخلاّف: ١٥.
اتّجاه الرأي، بل إنّ الخليفة عمر بن الخطّاب هو الذي كان قد رسم أُصول هذه المدرسة. والنصوص السابقة تفنّد ما قيل عن عمر من أنّه كان يخالف الرأي، بل هو المشرّع الأوّل له. فأمّا النصوص الصادرة عنه، في النهي عن الرأي، فيحتمل صدورها في أوائل خلافته، أو في أواخرها، أي حينما أدرك تعذّر إمكان الحدّ من شيوع ظاهرة الرأي عند الصحابة، والتي تطوّرت بعد اجتهاداته الأخيرة.
أو لعلّه - كما هو الراجح - كان يرى لزوم التعبّد لغيره، وجواز الاجتهاد والرأي لنفسه، وأنّ على الآخرين أن يلتزموا بما يقوله هو باعتباره (أعلم) حسب ادّعائه المتأخّر زماناً!
فقد جاء عنه أنّه لمّا سمع اختلاف الصحابة صعد المنبر وقال: اختلف رجلان من أصحاب رسول الله فعن أيّ فتياكم يصدر المسلمين؟! لا أسمع أثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلاّ فعلتُ وصنعت(١) .
وبهذا تكشّفت أُصول النهجين وعرفنا أنّ البعض منهم يقول بمشروعيّة الرأي والقياس، والآخر لا يرتضيهما مستدلاًّ بأنّ القرآن والسنّة يغنيان عن الرأي والقياس وأنّ الشريعة ليست بناقصة لكي تكمل بالقياس.
وكان النهجان على اختلاف دائم، فالذي دعا إلى الأخذ بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله نهى عن الرأي، وصرّح بلزوم تدوين السنّة وأكّد أنّ القرآن ليس بناقص، وأنّ فيه تبياناً لكلّ شي، وهؤلاء كانوا يحدّثون بالسنّة ولو وضعت الصمصامة على أعناقهم(٢) ، وأمّا الذي دعا إلى الاجتهاد والرأي فقد خالف التدوين وفتح باب الرأي في كلّ شيء.
رموز الاجتهاد والخلافة
من جهة أُخرى نرى أنّ الذين كانوا يذهبون إلى الأخذ بكلمات الشيخين - وحتّى المخالفة منها للنصوص - كانوا لا يرتضون إكثار الحديث عن رسول الله، ويعارضون
____________________
(١) المستصفى للغزالي ١: ٢٩٦، الإحكام للآمدي ٤: ١٣، إعلام الموقعين ١: ٢٦٠.
(٢) كأبي ذر انظر: صحيح البخاريّ ١: ٣٧، باب قول النبي صلّى الله عليه وآله(رُبّ مبلغ أوعى من سامع) ، ح ٦٧، سنن الدارمي ١: ١٤٦، ح ٥٤٥، حجّيّة السنّة ٣: ٤٦٤.
التدوين، ومن يراجع عهود يوم الشورى وسبب ترجيح الخليفة عمر بن الخطّاب كفّة ابن عوف فيها، وإلزامه الجميع بالخضوع لما يتّخذه من قرار، يجد أنّ هذه الوقائع تنبىُ عن حقيقة سياسيّة، قال عنها الدكتور إبراهيم بيضون:
(... ومن ناحية أُخرى، فإنّ البروز المفاجئ لعبد الرحمن بن عوف بعد حادثة الاغتيال وظهوره في الوقت المناسب إلى جانب عمر - حيث دعاه لأن يؤُمَّ الصلاة بعد طعنه - يحتاج أيضاً إلى بعض المناقشة؛ فقد انتقل هذا الصحابيّ الأرستقراطيّ فجأة إلى واجهة الأحداث، بعد أن عاش على هامشها، ليقوم بالدور الأوّل في تسمية الخليفة!)(١) .
فاستبان إذَاً أنّ السياسة كانت وراء رسم بعض الأصول المأخوذ بها اليوم في الشريعة، ومنها تطبيق ما سُنّ على عهد الشيخين، إذ أنّ محوره كان الشورى المبتنية على قبول هذا الشرط أو رفضه. فإن ارتضى الخليفة الجديد العمل بسيرة الشيخين فله الخلافة، و إلاّ فلا.
قال ابن عوف لعليّ، يوم الشورى:
يا عليّ! هل أنت مُبايِعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعلِ أبي بكر وعمر؟ فقال: أللهم لا(٢) .
ويحقّ هنا للحقوقيّ المنصف أن يسأل: كيف تكون هذه الخلافة شورى مع أنّهم يرسمون للخليفة اتّجاهه المستقبليّ ويحدّدون له ما يريدون من إلزامات؟
أترى أنّ الشورى تتّفق مع ضرب الأعناق إن تأخّروا عن البيعة فوق ثلاثة أيّام، أو تتّفق مع أمر عمر بقتل من خالف الأربعة منهم، أو الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمان بن عوف؟!
وهل مثل هذه التشكيلة المرتبكة المحاطة بالعنف والتهديد تسمّى شورى
____________________
(١) ملامح التيّارات السياسيّة في القرن الأوّل الهجريّ: ١٠٣.
(٢) تاريخ الطبري ٢: ٥٨٦، البداية والنهاية ٧: ١٤٦، سبل الهدى والرشاد ١١: ٢٧٨.
منسجمة مع روح الإسلام، وحتّى مع الديمقراطيّة الحديثة؟!
وكيف يمكن أنّ يُقيّد صحابيّ بهذه القيود، وهو أحد الأعضاء الستّة للشورى ومن أصحاب الحلّ والعقد ومن أعيان الصحابة؟!
بل كيف يكون هؤلاء من أصحاب الحلّ والعقد وتراهم لا يحلون ولا يعقدون، إلاّ طبق المقرّرات؟!
وهل يسمّى هذا انتخاباً حرَّاً؟
وكيف يمكن تصوّر حرّيّة الانتخاب في حين نرى السيوف مشهورة على رؤوسهم، وهم مكلّفون بحسم القضيّة في ثلاثة أيّام مع حتميّة موافقتهم على اجتهادات الشيخين بإزاء الكتاب والسنّة؟!(١) .
بلى، إنّ الشورى لم تكن بالمعنى المعروف لهذه الكلمة اليوم، بل كانت تفتقد إلى روح الديمقراطيّة والحرّيّة - المعروفة اليوم - كما أنّها مُنِيَتْ بسلبيّة تشريع سيرة الشيخين بإزاء سنّة رسول الله، ونحن نعلم أنّ فرض هذا القيد بجنب الكتاب والسنّة يوحي أنّ القيد هو المطلوب من العمليّة كلّها، وإن كان بالقهر والغلبة؛ لأنّ الكتاب والسنّة لا اختلاف فيهما، وما من حاجة إلى هذا القدر الخطير من الإصرار والتهديد لأعيان الصحابة، من أجل الأخذ بهما في التطبيق.
نعم، إنّ ابن عوف لمّا فهم أنّ الإمام عليّاً قد رفض هذا الشرط الإضافيّ على التشريع، والذي أُريد إقحامه في مجال الحكم الإسلاميّ، التفت إلى عثمان بن عفّان وقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعلِ أبي بكر وعمر؟
قال: اللّهمّ نعم، فأشار بيده إلى كتفَيه، وقال: إذا شئتما!
فنهضا حتّى دخلا المسجد وصاح صائح: الصلاة جامعة... الخبر(٢) .
لقد دلّ الشرط الأخير، وتأكيد ابن عوف عليه، على وجودِ تخالف بين سنّة رسول
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٨١، قصة الشورى.
(٢) انظر تاريخ الطبري ٢: ٥٨٦، البداية والنهاية ٧: ١٤٧.
الله وسيرة الشيخين، على أقلّ تقدير من وجهة نظر الإمام عليّ وأتباعه من نهج التعبّد؛ لأنّهما (أي سيرة رسول الله وسيرة الشيخين) لو كانتا متّحدتين فما معنى تأكيد ابن عوف على لزوم الأخذ بالثاني؟ ولِمَ لَم ْيستجب لقول الإمام عليّ حينما ألزمه العمل بسيرة الشيخين أجابه: على كتاب الله وسنّة نبيّه، فنعم، ولماذا لم يسلِّمه الخلافة، إن لم يكن هناك تنافٍ بينهما وأنّهما شي واحدٌ؟ إنّ امتناع الإمام عليّ عن قبول ذلك الشرط وعدم تسليم ابن عوف الخلافة له، يوضّح التباين المكشوف بين النهجين.
بلى، إنّ اتّجاه التعبّد المحض كان في تضادّ مع الاجتهاد بالرأي - الذي دعمه الشيخان - فابن عوف بتأكيده على سيرة الشيخين كان يريد تطبيق ما سُنّ على عهدهما من آراء، والذهاب إلى مشروعيّتها، وعدم جواز مخالفة الخليفة الخلف لاجتهادات من سلف!
لكنّ رجال التعبّد المحض كانوا لا يَرَون مشروعيّة تلك الأقضية؛ لأنّها غير مستوحاة من النصّ، فكانوا يخالفونها ولا يرضونها، ويجدّون في نقل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي يضادّها.
وكان أنصار مدرسة الخلفاء يضعون الأحاديث على لسان رسول الله، لكي يستنصروا لرأي الخليفة، وهذا هو ما يقف وراء ما نجده من الاختلاف الواضح في الأحاديث التي نقلوها أو التي نقلت عنهم.
إنّ تخالف الأحاديث، ووجود أحاديث تؤيّد مدرسة أهل البيت عند أهل السنّة والجماعة لا يعني - لا من قريب ولا من بعيد - أنّها وضعت من قِبل الروافض ومن قبل الزنادقة(١) ، بل هو مؤشّر على وجود نهج أصيل عند الصحابة، وهم الذين يروون حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإن وضعت الصمصامة على أعناقهم، فالخليفة عمر بن الخطّاب كان يتخوّف من تصدّر أمثال هؤلاء الصحابة للخلافة والإفتاء من بعده؛ لأنّ تصدّي هؤلاء المتعبّدين لأمر الخلافة يعني الكشف عن الفارق بينه وبينهم، ممّا
____________________
(١) كما ذهب إليه البعض، انظر مقدّمة مصنّف ابن أبي شيبة.
يفضي إلى تضعيف مكانة الخليفة ويقود إلى الطعن عليه.
ويتجلّى هذا الهاجس الذي كان يلاحق الخليفة، والذي حدا به أن يتخّذ أُسلوب فتح باب الرأي والاجتهاد، ومحاولته تقنين ذلك وإضفاء طابع المشروعيّة المطلقة عليه، يتجلّى هذا من النصّ الذي نقله لنا الحافظ الموفّق بن أحمد، بإسناده عن محمّد بن خالد الضبّيّ، قال:
خطبهم عمر بن الخطّاب فقال: لو صرفناكم عمّا تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين؟ قال محمّد: فسكتوا، فقال ذلك ثلاثاً، فقام عليّ رضي الله عنه فقال:يا عمر إذن كنّا نستتيبك، فإن تبت قبلناك .
قال: فإن لم أتَبْ؟
قال:فإذن نضرب الذي فيه عيناك .
فقال: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمّة من إذا اعوججنا أقام أودنا(١) .
ويمكننا أن نستشفّ من هذا النصّ عدّة أشياء:
١ - أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب عبّر بقوله (عمّا تعرفون إلى ما تنكرون)، ولم يقل (عمّا نعرفه إلى ما ننكره) ففي هذا إشارة للبصير، فتأمّل.
٢ - أنّ في سكوت المسلمين، بعد تكراره قوله ثلاث مرّات؛ لدلالة واضحة على سياسة العنف والاضطهاد الفكريّ التي مارسها الخليفة الثاني في حقّ الصحابة، وهذا يتماشى مع ما قدّمنا من حبسه للصحابة عنده في المدينة ومنعه إيّاهم من التحديث والتدوين.
٣ - اتّضاح الموقف الصريح لأتباع نهج التعبّد، وأنّهم لم ولن يرتضوا الإتيان بأحكام مبناها الاجتهاد والرأي، وأنّهم متمسّكون (بما يعرفون) من كتاب الله وسنّة نبيّه دون ما ينكرون من الرأي والاجتهاد.
٤ - إنّ مفهُوم الاستتابة في حالة الانحراف عن الدين، ثمّ قتل المنحرف عند عدم
____________________
(١) المناقب للخوارزميّ: ٩٨.
توبته، هو مفهوم إسلاميّ لنهج السنّة والتعبّد، لا يؤوّل ولا يقول (تأوّل فأخطأ) ولا يختلق الأعذار في سبيل تصحيح أغلاط وسقطات الآخرين، وهذا المفهوم هو الذي طبّقه المسلمون من بعد على عثمان، فتركوه ورجعوا عنه حين أعلن توبته عن إحداثاته في الدين، ثمّ رجعوا إليه فقتلوه حين أصرّ على إحداثاته وأمر بقتل أتباع نهج التعبّد، ولا بد هنا من التنبيه إلى كلام بعض الكتّاب بأنّه لو قدّر أن يطول الزمان بعمر لقتله المسلمون، كما قتلوا عثمان من بعد.
فالخليفة وتحاشياً من وقوع الخلافة بيد أتباع السنّة والتعبّد؛ جعل كلامَ ابن عوف الميزان والحكم الفصل في النزاع بين أعضاء الشورى الستّة، ليمكنه أوّلاً أن يملي رأيه على ابن عوف، وليتمكّن هذا الأخير من البلوغ بالسفينة بأمان إلى الشاطئ المبتغى!!
وتتّضح هذه الحقيقة أكثر لو تدبّرنا آهات الخليفة وحسراته، حين افتقد أبا عبيدة ومولاه سالماً ليسلّمهما أمر الخلافة لو كانا حاضرَينِ آنذاك.
مع العلم أنّ سالماً كان من الموالي(١) ، والمعروف عن عمر أنّه اعترض على الأنصار يوم السقيفة وأصرّ على لزوم كون الخليفة من قريش(٢) ، لكنّه الآن يأسف على غياب سالم(٣) ، وهو من الموالي. فما يعني هذا الموقف من عمر؟! أجل، إنّه إنّما فعل ذلك لكيلا يلي أمر الخلافة من لا يودّه ولا يميل إليه فكريّاً!
فالخليفة لم يرتضِ تسليم الخلافة إلى دعاة التحديث عن رسول الله أمثال عليّ بن أبي طالب، وأبي ذرّ، وابن عبّاس، وابن مسعود، وعمّار... لأنّ هؤلاء سيخطّئون الخليفة في سلوكه ونهجه لاحقاً، ويعضدون النهج المخالف له.
____________________
(١) انظر ترجمته في الطبقات الكبرى ٣: ٨٥، الاستيعاب ٤: ١٧٩٩، ت ٣٢٦٥، الإصابة ٣: ١٣، ت ٣٠٥٤.
(٢) انظر صحيح البخاري ٦: ٢٥٠٦، ح ٦٤٤٢، مسند أحمد ١: ٥٥، ح ٣٩١، تاريخ الطبري ٢: ٢٣٥.
(٣) تاريخ الطبري ٢: ٥٨٠، قصة الشورى، مقدمة ابن خلدون ١: ١٩٤.
عبد الله بن عمر ومخالفته لأبيه
إلى هنا عرفت سرّ جعل الخيار الأخير في اجتماع الشورى بيد ابن عوف، وإذا تأمّلت قليلاً عرفتَ كذلك سرّ عدم جعل عمر بن الخطّاب ابنه عبد الله خلفاً له، وسرّ عدم عدّه أحد أعضاء الشورى الستّة، إذ ترى تعليله لعدم التنصيب يمسّ شخصيّة عبد الله العلميّة، وأنّه لا يعرف الفقه والأحكام لقوله لمن اقترح عليه أن يخلفه: قاتلك الله! والله ما أردتَ الله بهذا، ويحك، كيف أستخلِفُ رجلاً عجز عن طلاق امرأته؟!(١) .
والواقع أنّ الأمر لم يكن كما علّله الخليفة، بل إنّه لَيشي بوجود تخالف بينهما في الفكر والمنهج.
فلو صحّ تعليله هذا، لقال لمن اقترح ابنَهُ عليه: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، ويحك كيف أستخلف عبد الله وكبارُ الصحابة، أمثال: عليّ، وابن عوف، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، بين الناس؟!
قال عمر هذه المقولة في ابنه عبد الله؛ لأنّه خطّأه في أكثر من موقف وفي أكثر من حادثة، وقد مرّ عليك قوله في المتعة: أسنّة عمر تتّبع أم سنّة رسول الله؟! وقوله لآخر: أقبل روايته واترك درايته.
وقد حصر الأستاذ روّاس قلعة چي في موسوعة (عبد الله بن عمر) ما خالف فيه عبد الله أباه، وإليك تلك المسائل.
١ - كان عمر يرى جواز التظلّل للمُحْرِم بحجّ أو عمرة، وكان ابن عمر يرى عدم جواز ذلك له.
٢ - يرى عمر جواز الغناء بما هو مُحلَّلٌ للمُحْرِم بحجّ أو عمرة، وكان ابن عمر يرى عدم جواز ذلك له.
٣ - يرى عمر أنّ للمُحْرِم أن يأكل ممّا صاده الحلال إذا لم يأمره هو بذلك، أو لم
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٨٠، قصة الشورى، تاريخ المدينة لابن شبة النميري ٣: ٩٢٣، شرح النهج ١: ١٩٠.
يَصِده له، أما ابن عمر فكان يتورّع عن أكله، ولا يُفتي بذلك.
٤ - كان عمر يمنع بيع الأرض الخراجيّة، وكان ابن عمر يجيز ذلك.
٥ - كان عمر يرى وجوب استبراء الأمَة المباعة من قِبل البائع، ثمّ من قبل المشتري. أمّا ابن عمر فكان يوجب استبراءها من قبل المشتري فقط دون البائع.
٦ - كان عمر يرى جواز قتل الأسرى، وكان ابن عمر لا يجيز قتلهم.
٧ - كان عمر يرى أنّ من نوى الإقامة في السفر ثلاثة أيّام يتمّ صلاته، ويرى ابن عمر أنّه لابُدّ أن ينوي الإقامة اثني عشر يوماً.
٨ - كان عمر يرى جواز الشرب بالإناء المُضَبَّب بالفضّة بأن يضع الشاربُ فمَه في غير موضع الضبّة، وكان ابن عمر إذا سقي به كسره.
٩ - كان عمر لا يجيز بيع الأشياء المتنجّسة التي يمكن الانتفاع بها، وكان ابن عمر يرى جواز ذلك.
١٠ - كان عمر يوجب المساواة بين الأولاد في العطيّة، وكان ابنه يجيز المفاضلة بينهم في العطيّة.
١١ - كان عمر يثبت حرمة المصاهرة بالتسرّي، وكان ابن عمر لا يثبتها به.
١٢ - كان عمر يكره صلاة سنّة الطواف في أوقات الكراهة، وكان ابن عمر لا يكره ذلك.
١٣ - كان عمر يجيز في هَدْي التمتّع والقِران الشاةَ، وكان ابنه لا يجيز في ذلك غير البقرة أو الجَزُور.
١٤ - كان عمر يوجب الزكاة في حُلِيّ النساء، وكان ابن عمر يقول: زكاة الحلي إعارته.
١٥ - كان عمر يرى أنّ الخلع طلاق بائن، وكان ابن عمر يرى الخلع فسخاً لا طلاقاً.
١٦ - كان عمر يرى أنّ عدّة المختلعة عدّة المطلّقة، وكان ابن عمر يرى أنّ الواجب في الخلع الاستبراء لا العدّة.
١٧ - كان عمر يرى جواز المسح على الخمار في الوضوء، وكان ابنه لا يبيح ذلك.
١٨ - كان ابن عمر يرى أنّ الجنين إذا خرج من بطن أُمّه بعد ذبحها - وقد تمّ خَلْقه
ونَبَت شَعره - يذبح. أمّا عمر فكان يرى أنّه إن خرج ميّتاً من بطن أُمّه وكانت حركته بعد خروجه حركة المذبوح فهو حلال أكله، و إن خرج حيّاً فلا يحلّ أكله إلاّ بعد ذبحه.
١٩ - كان عمر يرى أنّه لا يثبت الرِّضاع بالمصَّة والمصّتين، وكان ابن عمر يرى ثبوت الرِّضاع بمصّة واحدة.
٢٠ - كان عمر يرى أنّ المدبَّر يُعتَق من رأس المال، وكان ابن عمر يعتقه من الثلث، ويرى أنّه وصيّة كالوصايا.
٢١ - وكان عمر يرى أنّ المحلِّل لا حدّ عليه، وكان ابن عمر يرى التحليل زنا.
٢٢ - كان عمر يعتبر نكاح العبد بغير إذن سيّده مخالفة لا حدّ فيها، وكان ابن عمر يعتبره زنا ويقيم فيه حدّ الزنا.
٢٣ - كان عمر يرى أن سجود التلاوة لا يلزم إلاّ مَن قرأ آية السجدة أو سمعها قصداً، وكان ابن عمر يوجب السجود على كلّ سامع لها وكلّ قارئ.
٢٤ - كان عمر يجيز الغناء وسماع الغناء بشروط، وكان ابنه لا يبيح الغناء بحال.
٢٥ - كان عمر لا يرى صيام يوم الشكّ، وكان ابنه يرى صيامه إذا كان في السماء قَتَر.
٢٦ - كان عمر يرى أنّ المسافر يصلّي الوِتْر على الأرض لا على ظهر الدابّة، وكان ابنه يرى جواز صلاته على الدابّة.
٢٧ - كان عمر يقنت في صلاة الصبح، وكان ابن عمر يعتبر القنوت في صلاة الصبح بدعة.
٢٨ - كان عمر يرى أنّ ما يُدركه المسبوق من صلاته مع الإمام هو أوّل صلاته، وكان ابن عمر يراه آخر صلاته.
٢٩ - كان عمر يرى أن أحقّ الناس بالصلاة على الميّت وليّه، وكان عبد الله ابن عمر يرى أنّ أحقّ الناس بالصلاة عليه هو الأمير.
٣٠ - كان عمر يرى أنّ رمضان لا يثبت إلاّ بشاهدَين، وكان ابنه يرى ثبوت رمضان بشاهد واحد.
٣١ - كان عمر يكره صيام الدهر، وكان ابن عمر يصومه.
٣٢ - كان عمر يرى أنّ الطلاق بألفاظ الكناية، إذا نوى فيه الطلاق، لا يقع به إلاّ طلقة واحدة. أمّا ابن عمر فكان يرى أنّ الكنايات الظاهرة في الطلاق يقع الطلاق بها ثلاثاً، وغير الظاهرة فيه فيقع بها من الطلاق بحسب ما نواه المطلِّق.
٣٣ - كان عمر يرى أنّ المطلّقة البائن لها النفقة في العدّة، أما ابن عمر فكان يقول: لا نفقة لها.
٣٤ - كان عمر يثبت نسب ولد المتسرّى بها من سيّدها بثبوت وَطْئه لها، أمّا ابن عمر فإنّه كان لا يثبت نسب ذلك الولد منه إلاّ أن يدّعيه.
٣٥ - كان عمر يرى أنّ امرأة المفقود يطلّقها وليّه إذا انتهت مدّة تربّصها، أما ابن عمر فيرى أنّه لا حاجة إلى طلاق الوليّ.
٣٦ - كان عمر يرى أنّ الميّت يُكفّن في ثلاثة أثواب، أمّا ابن عمر فيرى أنّه يكفّن في خمسة أثواب.
٣٧ - كان عمر يرى أنّ الواجب في كفّارة النذر هو الواجب في كفارة اليمين، أمّا ابن عمر فكان يرى أنّ الواجب فيه كفّارة اليمين المؤكّدة.
٣٨ - كان عمر يرى أنّ اليمين واحدة وكفّارتها واحدة، أمّا ابن عمر فكان يرى أنّ اليمين على نوعين: مؤكّدة وغير مؤكّدة، وكفّارة كلّ نوع تختلف عن كفّارة النوع الآخر.
٣٩ - كان عمر يشترط الإشهاد لصحّة عقد النكاح، أمّا ابن عمر فإنّه لا يشترط لصحّة عقد النكاح الإشهاد عليه(١) .
فمن خلال هذه النقاط الخلافيّة في الفقه بين عمر وابنه عبد الله، وغيرها من المفردات نرى احتداد عمر على ابنه ورميه بالعجز الفقهيّ والقصور الذهنيّ عن أبسط الأحكام الشرعيّة، فما هو الداعي الحقيقيّ إذَن؟ إنّ الداعي الحقيقيّ هو أنّ عمر لا يرتضي مخالفات ابنه، وأنّ ابن عمر كان لا يرى رأي أبيه في كثير من الأحيان،
____________________
(١) انظر موسوعة فقه ابن عمر: ٣٣ - ٣٩.
وخصوصاً في مسألة طلاق الثلاث في مجلس واحد، وهل يقع ثلاث تطليقات، أم واحدة؟
لقد كان عمر يصرّ على وقوعه ثلاثاً؛ ردعاً للمسلمين عن إكثار الطلاق، بخلاف ابن عمر الذي يرى أولويّة اتّباع ما جاء به كتاب الله وسنّة رسوله، ولذلك رفض عمر أن يكون ابنه أحد أعضاء الشورى، مؤكّداً غضبه بأنّه (لا يحسن طلاق زوجته)؛ وذلك للخلاف الذي ذكرناه، فلاحظ حدّة كلام عمر حين قال لمن اقترح عليه أن يخلفه (قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، ويحك كيف استخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته).
وتتأكّد مخالفة ابن عمر لأبيه، فيما جاء عن عمر أنّه قال لابنه عبد الله: (يا عبد الله! ناوِلَْني الكتف، فلو أراد الله أن يُمضي ما فيه أمضاه، فقال له ابن عمر: أنا أكفيك محوها.
فقال: لا والله، لا يمحوها أحد غيري، فمحاها عمر بيده، وكان فيها فريضة الجَدّ)(١) .
هذا، وقد كان الأستاذ رواس قلعة چي قد قدّم جرداً في بعض المسائل التي تأثّر فيها عبد الله بفقه أبيه، لكنّ البادي للعيان هو أنّها أقلّ من مخالفاته له، ممّا يعضّد الذهاب إلى أنّ إبعاد عمر ابنَه (عبد الله) عن الخلافة، جاء لتخالفهما في الرأي والاستنباط.
ونحن لا نريد بكلامنا هذا تقرير أنّ عبد الله كان من أتباع نهج التعبّد المحض، أو أنّه مُحقّ في تخطئته لعمر؛ لأنّ بعض الأحكام التي قالها الخليفة والتي خالفه فيها عبد الله كانت أصيلة، مستندها القرآن أو السنّة فمخالفتنا للخليفة ليست في مثل هذه المسائل، بل إنّ إشكاليّتنا عليه جاءت لمعارضته لأحكام ثابته في القرآن الحكيم والسنّة المطهّرة، والذهاب إلى لزوم الأخذ بالرأي مع وجود النصّ.
وكان عبد الله مثل أبيه في تجويز الاجتهاد لكن بدائرة أضيق بكثير من دائرة أبيه الخليفة، فقد كانت لابن عمر مسائل كثيرة اجتهد فيها برأيه، مخالفاً فيها سنّة رسول
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٣: ٣٤١، الإمامة والسياسة ١: ٤٠، حلية الأولياء ٤: ١٥١.
الله، وأُخرى غلب عليه فيها التزهّد ممّا أخرجه عن التعبّد، لكنّا لا ننكر أنّ الصبغة الغالبة عليه - قياساً بأبيه - هي تحرّي آثار رسول الله واتّباع سنّته، لا الاجتهاد والرأي.
قال ابن خلّكان وغيره: كان ابن عمر كثير الاتّباع لآثار رسول الله، وقد شهد له الصحابة ومنهم عائشة حيث قالت: ما كان أحد يتبع آثار النبيّ في منازله كما كان يتبعه ابن عمر(١) .
وروى نافع: أنَّ عبد الله كان يتبع آثار رسول الله ويصلّي فيها، حتّى أنّ النبيّ نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يصبّ الماء تحتها حتّى لا تيبس(٢) .
وروى مالك عمّن حدّثه أنّ ابن عمر كان يتبع أمر رسول الله وآثاره وحاله ويهتمّ به، حتّى كأنْ قد خِيفَ على عقله من اهتمامه بذلك(٣) .
وقد تحدّثنا عن حاله، وقلنا بأنّه ما مات إلاّ ووافق الأكثريّة وسايَرَ الاتّجاه العامّ في الخلافة، وخضع لما سُنّ من رأي على عهد أبيه. وقد فصَّلنا هذه الأمور في كتابنا (وضوء النبيّ) وأكّدنا على أنّه كان يذهب إلى مسح الرجلَين ويخالف الماسِحين على الخُفّين، لكنّه ما مات إلاّ بعد أن وافق العامّة من الناس في غسل الرجلَين؛ إذ نقل الفخر الرازيّ عن عطاء أنّه قال: كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفّين لكنّه لم يمت حتّى وافقهم(٤) .
هذا وإنّ هناك من المؤرخين من يذهب إلى أنّ ابن عمر كان قد أسلم قبل أبيه، فعن ابن شهاب: أنّ حفصة وابن عمر أسلما قبل عمر...(٥) .
هذا النصّ وأمثاله قد يوحي بأنّ القائل يريد ترجيح رأي عبد الله على رأي أبيه، باعتبار ترجيح رأي الأقدم إسلاماً على الآخر!؛ لأنّه الأتقى والأقرب إلى
____________________
(١) الطبقات ٤: ١٤٥، وفيّات الأعيان لابن خلكان ٣: ٢٩.
(٢) السنن الكبرى للبيهقيّ ٥: ٢٤٥، سير أعلام النبلاء ٣: ٢١٣، أُسد الغابة ٣: ٢٢٧.
(٣) الطبقات الكبرى ٤: ١٤٤، المستدرك على الصحيحين ٣: ٢٤٧، ح ٦٣٧٦، حلية الأولياء ١: ٣١٠، سير أعلام النبلاء ٣: ٢١٣.
(٤) التفسير الكبير ١١: ١٦٤.
(٥) سير أعلام النبلاء ٣: ٢٠٩، البداية والنهاية ٤: ١٧٣ - ١٧٤.
النبيّ صلّى الله عليه وآله من غيره.
اتّضح إذن أنّ بين اجتهادات الخليفة عمر بن الخطّاب ما يخالف السنّة المطهّرة بكثرة، وبينها ما يوافقها قليلاً. بعكس الإمام عليّ بن أبي طالب الذي كانت السنّة جميعها عنده؛ وقد امتاز بذلك على الصحابة، وشهد له بذلك عمر وكبار الصحابة والتابعين.
روى ابن حجر في (فتح الباري) أنّ عمر قال: إن تولاّها الأجلح (يعني عليّ بن أبي طالب) لسار بهم على الطر يق [ أي السنّة ]. فقال له ولده: فلم لا تولّيه.
قال: لا أريد أن أحملها حيّاً وميّتاً!(١) .
____________________
(١) فتح الباري ٧: ٦٨، وقد ذكرها ابن سعد في طبقاته ٣: ٣٤٢، وأبو نعيم في الحلية ٤: ١٥٢، وابن عبد البر في الاستيعاب ٣: ١١٥٤.
امتداد النهجين بعد الخليفة عمر بن الخطّاب
أخرج الدارمي بسنده عن مروان بن الحكم: أنّ عمر بن الخطّاب لمّا طُعِن استشارهم في الجدِّ، فقال: إنّي رأيت في الجدِّ رأياً، فإنْ رأيتم أن تتّبعوه [ فاتبعوه ]، فقال عثمان: إن نتبع رأيك فهو رشد و إن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي(١) .
وفي (الطبقات الكبرى)، قال محمود بن لبيد: سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحد أن يروي حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر(٢) .
وعن معاوية أنّه قال: يا أيّها الناس! أقِلّوا الرواية عن رسول الله، و إن كنتم متحدّثون لا محالة فتحدّثوا بما كان يُتحدّث به في عهد عمر(٣) . وفي رواية مسلم واحمد: إيّاكم والأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، إلاّ حديثاً ذكر على عهد عمر(٤) .
الإقران بين الحجّ والعمرة
أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الله بن الزبير، أنّه قال:
____________________
(١) مصنف عبد الرزاق ١٠: ٢٦٣، سنن الدارمي ١: ١٥٩، ح ٦٣١ و ٢: ٤٥٢، باب في قول عمر الحد، ح ٢٩١٦، والمتن منه، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٤٦، باب من لم يرث الإخوة من الجد، ح ١٢٢٠١.
(٢) الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٦، تاريخ دمشق ٣٩: ١٨٠، كنز العمّال ١٠: ٢٩٥، ح ٢٩٤٩٠، عن ابن سعد.
(٣) مسند الشاميين للطبراني (نشر مؤسسة الرسالة ط ٣: ٢٥١) ٢، تاريخ دمشق ٢٦: ٣٨٢، كنز العمال ١٠: ٢٩١، ح ٢٩٤٧٣، عن (كر).
(٤) صحيح مسلم ٢: ٧١٨، باب النهي عن المسألة، ح ١٠٣٧، مسند احمد ٤: ٩٩، المعجم الكبير ١٩: ٣٧٠، ح ٨٦٩.
واللهِ، إنّا لَمَع عثمان بن عفّان بالجُحْفة، ومعه رهط من أهل الشام فيهم حبيب بن مسلمة الفهري؛ إذ قال عثمان - وذكر له التمتّع بالعمرة إلى الحجّ:
إنّ أتمّ للحجِّ والعمرة أن لا يكونا في أشهر الحجّ، فلو أخّرتم هذه العمرة حتّى تزوروا هذا البيت زَوْرَتَين كان أفضل، فإنّ الله تعالى قد وسّع في الخير، وعليُّ بن أبي طالب في بطن الوادي يَعلف بعيراً له، قال: فبلغه الذي قال عثمان، فأقبل حتّى وقف على عثمان، فقال: أعمدتَ إلى سنّة سنّها رسول الله صلّى الله عليه وآله ورخصة رخّص الله بها للعباد في كتابه، تُضيّق عليهم فيها وتنهى عنها، وقد كانت لذي الحاجة، ولنائي الدار؟! ثمّ أهَلّ بحجّة وعمرة معاً.
فأقبل عثمان على الناس، فقال: وهل نهيتُ عنها؟! إنّي لم أنْهَ عنها، إنّما كان رأياً أشرتُ به، فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه(١) .
وفي (موطّأ مالك)، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ المقداد بن الأسود دخل على عليّ بن أبي طالب بالسُّقيا، وهو ينجع بَكَرات لهُ دَقِيقاً وخَبَطاً فقال: هذا عثمان بن عفّان ينهى عن أن يُقْرَن بين الحجّ والعمرة.
فخرج عليّ بن أبي طالب وعلى يدَيه أثرُ الدقيق والخبطِ، فما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعَيه، حتّى دخل على عثمان بن عفّان، فقال: أنت تنهى عن أن يُقرن بين الحجّ والعمرة؟!
فقال عثمان: ذلك رأي! فخرج عليٌّ مغضَباً، وهو يقول: لبّيك اللّهمّ لبّيك، بحجّة وعمرة معاً(٢) .
وفي (سنن النسائيّ): حجّ عليّ وعثمان، فلمّا كنّا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتّع، فقال عليّ: إذا رأيتموه ارتحل فارتحلوا، فلبّى علي وأصحابه بالعمرة، فلم يَنْهَهُم عثمان، فقال عليّ: ألم أُخْبَر أنّك تنهى عن التمتّع؟! قال: بلى، قال له عليّ: ألم
____________________
(١) مسند أحمد ٩٢: ١، ح ٧٠٧، الإحكام لابن حزم ٢١٩: ٦.
(٢) الموطّأ ٣٣٦: ١، باب القِران في الحج، ح ٧٤٢.
تسمع رسول الله تمتّع؟ قال: بلى(١) .
قال السنديّ في (هامش النسائيّ):
قوله: (إذا رأيتموه قد ارتحلَ فارتحِلوا) أي ارتحِلوا معه مُلبّين بالعمرة، لِيعلم أنّكم قدّمتم السنّة على قوله، وأنّه لا طاعة له في مقابلة السنّة(٢) .
وفي أُخرى: لمّا رأى عليّ أن عثمانَ ينهى عن المتعة وأن يُجْمَع بينهما، أهلّ بهما: لبّيك بعمرة وحجّة معاً.
فقال عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها؟!
فقال عليّ: لم أكن لأدَعَ سنّة رسول الله لأحد من الناس(٣) .
وقد علّق السنديّ على هذا الحديث كذلك بقوله: أي أنّي أنهى الناس جميعاً عن الجمع كما كان عمر ينهاهم وأنت، فكيف لك أن تفعل وتخالف أمر الخليفة، فأشار عليّ إلى أنّه لا طاعة لأحد فيما يخالف سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله لمن علم بها والله أعلم(٤) .
وفي نصّ ثالث: ما تريد إلى أمرٍ فَعَله رسول الله تنهى عنه؟! فقال عثمان: دَعْنا منك! فقال: إنّي لا أستطيع أن أدعك. فلمّا رأى عليّ ذلك أَهَلَّ بهما جميعاً(٥) .
وفيما تقدّم من الأمثلة وضوح بيّن على امتداد ما سنّه الشيخان عموماً والخليفة الثاني خصوصاً، والذي يلفت النظر أنَّ عثمان ومعاوية وعمرو بن العاص كانوا يؤكّدون على سيرة الخليفة الثاني فضلاً عن العمل بها، فهذا إنَّما يشير إلى الامتداد الواحد لسيرتهما، ويتأكّد ذلك حينما نرى وضوح مخالفة نهج الخلفاء - والعاملين بالرأي على عهد رسول الله - لفقه الإمام عليّ وأتباعه المتعبّدين بالنصوص، كابن عبّاس...
____________________
(١) سنن النسائيّ ١٥٢: ٥، باب التمتع، ح ٢٧٣٣، سنن الدراقطني ٢٨٧: ٢، ح ٢٣١، المستدرك على الصحيحين ٦٤٤: ١، ح ١٧٣٥، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٢) حاشية السنديّ على النسائيّ ١٥٢: ٥.
(٣) سنن النسائيّ ١٤٨: ٥، باب القرآن، ح ٢٧٢٣.
(٤) حاشية السندي على النسائي ١٤٩: ٥.
(٥) صحيح البخاري ٥٦٩: ٢، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، ح ١٤٩٤، صحيح مسلم ٨٩٧: ٢، باب في نسخ التحلل من الإحرام..، ح ١٢٢٣، زاد المعاد ١١٣: ٢.
فمعاوية أمر بلعن عليّ وابن عبّاس(١) ، وقال المنصور العباسي لمالك: خذ بقول ابن عمر وإن خالف عليّاً وابن عبّاس(٢) ، وقد ختم الحجّاج بن يوسف الثقفيّ في عنق سهل بن سعد الساعديّ وغيره من أصحاب المدوّنات(٣) ، وهذه كلّها تدلّ على استمرار سيرة الخليفة الثاني، وتأكيد من جاء من بعده على العمل بما سنّ من قبلهما، وإليك نصوصاً أُخرى في هذا السياق:
ترك القراءة
جاء في (بدائع الصنائع): إنّ عمر رضي الله عنه ترك القراءة في المغرب في إحدى الأُولَيَين، فقضاها في الركعة الأخيرة وجَهَر، وعثمان رضي الله عنه ترك القراءة في الأوليين من صلاة العشاء فقضاها في الأخريين وجهر(٤) ، ثمّ روى حديثاً في ذلك عنها(٥) .
زوجة المفقود
روى ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، عن عمر رضي الله عنه في امرأة المفقود، أنّه قال: إن جاء زوجها وقد تزوّجت، خُيِّر بين امرأته وبين صَداقها، فإن اختار الصداق كان على زوجها الآخر، وإن اختار امرأته اعتدّت حتّى تحلّ ثمّ ترجع إلى زوجها الأوّل، وكان لها من زوجها الآخر مهرها بما استحلّ من فرجها. قال ابن شهاب: وقضى بذلك عثمان بعد عمر رضي الله عنه(٦) ...
____________________
(١) انظر كتاب السنة لعمرو بن عاصم ٢: ٦٠٢، ح ١٣٥٠، تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٣، شرح النهج ٤: ٥٦، فصل في ما روي من سب معاوية وحزبه لعلي، جواهر المطالب ٢: ٢٢٧.
(٢) الطبقات الكبرى ٤: ١٤٧.
(٣) من الثابت تاريخاً أنّ الحجّاج استخفّ بأصحاب رسول الله حين دخل المدينة: فختم في يد جابر بن عبد الله، وختم في عنق أنس بن مالك وسهل بن سعد بالرصاص لإذلالهم. انظر تاريخ الطبري ٣: ٥٤٣، أحداث سنة ٧٤، والاستيعاب ٢: ٦٦٤، الترجمة ١٠٨٩ لسهل بن سعد الساعدي، أسد الغابة ٢: ٣٦٦، تهذيب الكمال ١٢: ١٨٩.
(٤) بدائع الصنائع ١: ١١١، المبسوط للسرخسي ١: ١١٨، ٢٢١.
(٥) انظر بدائع الصنائع ١: ١٧٢.
(٦) السنن الكبرى ٧: ٤٤٦، ح ١٥٣٤٨.
ردّ الأمّ للسدس
أخرج الطبريّ في تفسيره، عن طريق شعبة، عن ابن عبّاس: أنّه دخل على عثمان فقال: لِمَ صار الأخوانِ يردّان الأمّ إلى السدس، وإنّما قال الله( فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ... ) (١) والأخَوَانِ في لسان قومك، وكلام قومك ليسا بإخوة؟
فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمرٍ كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟!(٢) .
وفي لفظ الحاكم والبيهقيّ: لا أستطيع أن أردّ ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس(٣) .
زكاة الخيل
أخرج البلاذريّ في (الأنساب)، بالإسناد عن الزهريّ: أنّ عثمان كان يأخذ من الخيل الزكاة، فأُنكر ذلك من فعله، وقالوا: قال رسول الله: عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق(٤) .
فيحتمل أن يكون عثمان قد اتّبع عمر في هذه المسألة؛ إذ أخرج ابن حزم في المحلّى عن ابن شهاب أنّ السائب - ابن أُخت نمر - أخبره: أنّه كان يأتي عمر بن الخطّاب بصدقات الخيل. قال ابن شهاب: وكان عثمان بن عفّان يصدِّق الخيل(٥) .
وعن حارثة قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر رضي الله عنه فقالوا: إنّا قد أصَبْنا أموالاً وخيلاً ورقيقاً نحبّ أن يكون لنا فيها زكاة وطَهور.
قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله، فاستشار أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وفيهم علي رضي الله عنه، فقال عليّ:هو حسن إن لم يكن جزيةً راتبة يؤخَذون بها مِن بعدك (٦) .
____________________
(١) النساء: ١١.
(٢) تفسير الطبريّ ٤: ٢٧٨.
(٣) المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٢، ح ٧٩٦٠، السنن الكبرى للبيهقي، باب فرض الأم، ح ١٢٠٧٧.
(٤) أنساب الأشراف ٥: ٢٦، وانظر المحلّى ٥: ٢٢٧ - ٢٢٩ مثلاً.
(٥) المحلى ٥: ٢٢٧.
(٦) مسند أحمد ١: ١٤، مسند عمر بن الخطاب، ح ٨٢، سنن الدارقطني ٢: ١٢٦، باب زكاة مال التجارة،
=
فالإمام عليّ نبّه هنا على أنَّ منع المسلمين من تطهير أموالهم وقد رغبوا في ذلك لا يجوز شرعاً، بل ربّما استحبّ كما هو الحقّ، لكنّ مخافة التالي الفاسد وهو صيرورتها سنّة وشريعة هو أيضاً حرام شرعيّ، فنبّه عليّ عليه السلام على جواز أخذ زكاة الخيل لا على وجه الوجوب، وأنّه لا يمكن إجبار مسلم على أداء زكاة خيله، فجمع عليّ عليه السلام بين الحكم بالجواز والتنبيه على ما قد يتوهّم منه الوجوب، وهذا هو الطريق السديد، وكان قد فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله ذلك في الصلاة بمنى، حيث كان ينبّه الناس على أنّهم مسافرون يقصرون الصلاة وأنّ على أهل البلد الإتمام.
وبهذا عرفت أنّ عثمان قد اتّبع سيرة صاحبَيه في بعض الأحكام، وإن كان يحمل آراء تخصّه في أحيان أُخرى، وهي آراء يخالف بها الآخرين؛ لأنّا نعلم أنّ طريق الرأي لو فتح لا يمكن لأحد أن يغلقه، كما يقول الإمام عليّ:(كراكب الصَّعْبة: إنْ أشنَقَ لها خَرَم، وإن أسلسَ لها تَقحّم) . وإنّك عرفت نهج الخلفاء وأنّ على الخليفة الحاكم أن يتّبع سيرة مَن سبقه، وأن يصحّح رأيه وإن خالف النصّ!!
الكلالة
عن الشعبيّ أنّه قال: سئل أبو بكر عن الكَلالة، فقال: إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الولد والوالد. فلمّا استخلف عمر رضي الله عنه قال: إنّي لأستحيي الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر!(١) .
وقد نقل الجاحظ في كتابه (الفتيا) عن أُستاذه إبراهيم بن السيّار النظّام تعليقه على قول عمر آنف الذكر، يقول: وإنّي لأعجب من قول عمر (إنّي لأستحي من الله من أن أُخالف أبا بكر) فإن كان عمر إنّما تابعه لأنّ خلافه لا يجوز [ أو اعتقاداً منه بأنّ الحقّ
____________________
=
ح ٢ و ٣، المستدرك على الصحيحين ١: ٥٥٧، ح ١٤٥٦.
(١) سنن الدارميّ ٢: ٤٦٢، باب الكلالة، ح ٢٩٧٢، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٢٣، باب حجب الاخوة والاخوات، ح ١٢٠٤٣.
معه ] فقد خالفه في الجدّ مائة مرّة وفي أهل الردّة [ والمؤلّفة قلوبهم ] وفي أُمور كثيرة(١) .
فدك
ولو أخذنا قضيّة فدك وخُمس الأموال من باب المثال؛ لعرفنا كيفيّة خضوع الأحكام الشرعيّة لعوامل خارجيّة وسياسات وقتيّة، ثمّ وُسِّع نطاقها لتكون سياسة عامّة يتّخذها الخلفاء من بعدهم كأصل في الحياة!
ففدك لو كانت حقَّ الأمّة - كما قال الخليفة الأوّل - فكيف يمنحها إذَن عثمان لمروان بن الحكم مع خُمس إفريقية؟! وإنّها لو كانت حقّاً شخصيّاً - كما قالت فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله - فلِمَ لا يعطونها إيّاها؟! ولتوضيح ذلك نقرأ هذا النصّ:
أخرج البيهقيّ في سننه من طريق المغيرة حديثاً في فدك، وفيه: أنّه أقطعها لمروان لمّا مضى عمر لسبيله، فقال: قال الشيخ: إنّما أقطع مروان فدكاً في أيّام عثمان بن عفّان رضي الله عنه، وكأنّه تأوّل في ذلك ما روي عن رسول الله: إذا أطعم الله نبيّاً طعمةً فهي للذي يقوم من بعده، وكان مستغنياً عنها بما له فجعلها لأقربائه وصَلَ بها رحمهم(٢) .
وهذا تناقض عجيب، وتضارب بيِّن، ترى أين الصواب: في ادّعاء أبي بكر أنّها للمسلمين، أم ادّعاء عمر بأنّهم بحاجة إلى أموالهم لتجييش الجيوش وتوسيع رقعة الإسلام، أم في ادّعاء عثمان بأنّها له باعتباره ممثلاً عن النبيّ؟!
ومهما تكن الإجابة فإنّا نرى إطباق هذه الادّعاءات على منع فاطمة من فدك، بشتّى الاجتهادات والتوجيهات، واستمرار ذلك، يقفو به اللاحق السابق، وهذا ممّا يؤكّد التواصل المدروس لتنمية نهج الاجتهاد والرأي في مقابل نهج التعبّد المحض بالسنّة الشريفة(٣) .
____________________
(١) الفصول المختارة: ٢٠٧ للشيخ المفيد عن كتاب (الفتيا) وما بين المعقوفتين زيادة توضيحية منّا.
(٢) السنن الكبرى ٦: ٣٠١، ح ١٢٥١٦.
(٣) في كلام الزهراء والإمام علي وأهل البيت دلالات واضحة إلى هذا، منها قول الزهراء، إلى نساء
=
ويلحظ استمرار المنع من التدوين إلى فترة خلافة عمر بن عبد العزيز الذي فتح التدوين، كما يلاحظ إرجاع هذا الخليفة فدكاً لأولاد فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله(١) ، ولعلّ في الأمر ملازمة وارتباطاً؛ لأنّ التدوين الحاصل - على علاّته - أفاد المسلمين، وأوضح الكثير من الحقائق - وإن كان بجانب آخر يهدف إلى تثبيت مبادئ مدرسة الاجتهاد لكي تدافع عن نفسها مقابل مدرسة التدوين والتحديث - فكان لإيضاح تلك الحقائق مع ما عُرف من عمر بن عبد العزيز، نتيجة طيّبة؛ إذ يبدو أنّ أمر فدك اتّضح للخليفة من خلال التدوين، وإطباق المؤرّخين وأصحاب السنن على نقل ادّعاء فاطمة عليها السلام لفدك، وأنّها كانت بيدها وأنّ رسول الله أعطاها إيّاها(٢) ، فكان هذا الوضوح بالرؤية قد أخذ مأخذه في عقل ابن عبد العزيز، فأرجع فدك إلى أولاد فاطمة عليها السلام، وبه رجحت كفّة التعبّد المحض على كفّة الاجتهاد والرأي.
الخمس
جاء عن ابن عبّاس أنّه قال: فلمّا قبض الله رسوله ردّ أبو بكر نصيب القرابة في المسلمين، فجعل يحمل به في سبيل الله(٣) .
وعنه في جوابه لنجدة الحَروريّ لمّا سأله عن سهم ذوي القربى: لمن هو؟
قال: قد كنّا نقول: إنّا هم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلّها ذوو قربى!(٤) .
وروى الشافعي عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: لقِيتُ عليّاً عند أحجار الزيت،
____________________
=
المهاجرين والأنصار:ويعرف التالون غب ما أُسس الأولون ، وقولها عليها السلام:تتربصون بنا الدوائر تتوكّفون الأخبار .
(١) فتوح البلدان للبلاذري ١: ٣٨، شرح النهج ١٦: ٢٧٨، معجم البلدان ٤: ٢٣٩ (فدك)، الكامل في التاريخ ٢: ١٠٤ - ١٠٥.
(٢) مسند أبي يعلى ٢: ٣٣٤، ح ١٠٧٥ و ح ١٤٠٩، شرح النهج ١٦: ٢٦٨، الدر المنثور ٥: ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٣) تفسير الطبريّ ١٠: ٧، وانظر باب قسمة الخمس من أحكام القرآن للجصّاص ٤: ٢٤٣ - ٢٤٥.
(٤) مسند أحمد ١: ٢٩٤، ح ٢٦٨٥، سنن النسائي ٧: ١٢٩، ح ٤١٣٤، تفسير الطبري ١٠: ٦، واللفظ له، زاد المسير ٣: ٣٦٠، الدر المنثور ٤: ٦٨.
فقلت له: بأبي أنت وأُمّي، ما فعل أبو بكر وعمر في حقّكم أهلَ البيت من الخمس...؟ إلى أن يقول:
قال عليّ:إنّ عمر قال: لكم حقّ ولا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم كلّه، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم، فأبينا عليه إلاّ كلّه، فأبى أن يعطينا كلّه (١) .
وقد كان عمر بن الخطّاب قد قال مثله لابن عبّاس، وأجابه ابن عبّاس بمثل جواب الإمام عليّ بن أبي طالب(٢) .
فلو كان الخمس حقّاً للمسلمين، فكيف يحقّ لعثمان أن يتأوّل ويعطيه مرّة لعبد الله بن أبي سرح وأُخرى لمروان بن الحكم؟!(٣) .
ولو كان هذا تأويلاً من عثمان لم يقبله المسلمون، فَلِمَ نرى غالب أئمّة الجمهور لم يجعلوا لذي القربى حقّاً من الخمس اليوم؟!(٤) .
يبدو أنّ الأمر في الواقع هو غير ما أُريد له أن يملأ أذهان المتطرّفين من بيننا في تقديس السلف، الذين يحرّمون الحوار ويحظرون مناقشة المواقف والآراء... وربّما تواصل الامتداد في عهد معاوية
عدّوا هذه المناقشات خروجاً عن الدين!
____________________
(١) الأم ٤: ١٤٨، باب سن تفريق القِسَمْ، مسند الشافعي ١: ٣٢٥، من كتاب قسم الفي، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٣٤٤، ح ١٢٧٤٢.
(٢) مسند أحمد ١: ٣٢٠، ح ٢٩٤٣، سنن النسائي ٧: ١٢٨، ح ٤١٣٣، المعجم الكبير ١٠: ٣٣٤، ح ١٠٨٢٩.
(٣) تاريخ الطبري ٢: ٥٩٧، والبداية والنهاية ٧: ١٥٢ في أحداث سنة ٢٧ هـ، وذكره ابن الأثير في الكامل ٢: ٤٨١، في أحداث سنة ٢٦ ه.
(٤) انظر النصّ والاجتهاد: ٥٣.
تواصل الامتداد في عهد معاوية
هلمّ معي نتابع امتداد اجتهادات الشيخين، في زمن معاوية ومن جاء من بعده. وقد مرّ سابقاً ما أخرجه أحمد في مسنده، و إليك ما قاله ابن عساكر: كان معاوية يقول على منبر دمشق: إيّاكم والأحاديث عن رسول الله، إلاّ حديثاً ذُكِر على عهد عمر!(١)
وفي صحيح مسلم عن اليحصبيّ، قال: سمعت معاوية يقول: إيّاكم وأحاديث، إلاّ حديثاً كان في عهد عمر؛ فإنّ عمر كان يُخيف الناس في الله عزّ وجلّ!(٢) .
وقد مرّ ما رواه ابن عديّ، عن إسماعيل بن عبيد الله: أنّ معاوية نهى أن يُحدَّث عن رسول الله بحديث إلاّ حديث ذُكر على عهد عمر، فأقرّه عمر(٣) .
وقد جاء عن ابن عساكر عن رجاء بن حيرة قال: كان معاوية ينهى عن الحديث يقول: لا تحدثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله(٤) .
عن محمّد بن عبد الله: أنّه سمع سعد بن أبي وقّاص والضحّاك بن قيس(٥) ، عامَ حَجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ.
____________________
(١) تاريخ دمشق ٢٩: ٢٧٤.
(٢) صحيح مسلم ٢: ٧١٨/ ٩٨، باب النهي عن المسألة، ح ١٠٣٧، وفي المعجم الكبير ١٩: ٣٧٠، ح ٨٦٩، ومسند الشاميين ٣: ١٢٩، ح ١٩٣٣ بلفظ (إياكم وأحاديث رسول الله).
(٣) الكامل لابن عدي ١: ١٩، الباب الرابع عشر.
(٤) تاريخ دمشق ٥٩: ١٦٧.
(٥) الضحّاك بن قيس الفهريّ القرشيّ قائد جلاوزة معاوية، ولد قبل وفاة النبيّ بسبع سنين، وولّي على شرطة معاوية، وحارب معه، فأغار على سواد العراق، وعلى الحاجِّ وأخذ أمتعتهم، وتولّى دفن معاوية، وبايع ابن الزبيرَ بعد يزيد، وقاتل مروان، فقُتل بمرج راهط سنة أربع وستّين.
فقال الضحّاك: لا يصنع ذلك إلاّ من جَهِل أمر الله تعالى.
فقال سعد: بئسما قلتَ يا ابن أخي.
قال الضحّاك: فإنّ عمر بن الخطّاب نهى عن ذلك.
قال سعد: قد صنعها رسول الله صلّى الله عليه وآله وصنعناها معه(١) .
وفي سنن الدارميّ: قال سعد: عمر خير منّي، وقد فعل ذلك النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو خير من عمر(٢) .
وقد اتّبع الضحاك في نهيه عن المتعة عثمان، وعثمان كان قد اتّبع عمر، ذلك المنع الذي شدّد عليه معاوية؛ لأنّه كان يرى ضرورة تشييد فقه مستقلّ ذي أبعاد وأُسس مستقلّة، يتميّز عن فقه العلويّين ومَن تابعهم من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وكان فقه الشيخين هو المحور الذي يمكن أن يبنى على أساسه هذا البناء المشمخر.
وقد أدرك معاوية وهو الداهية ضرورة سدّ باب التحديث، تقويةً لاجتهادات الخليفة عمر بن الخطّاب وقراراته؛ لكي يتمكّن من تشييد بناء البديل. وقد أكّدنا في (وضوء النبيّ) على أنّ الخلفاء أمويّين كانوا أم عبّاسيّين يتخوّفون من الطالبيّين (أبناء عليّ بن أبي طالب، وأتباع نهجه) ويخطّطون للتعرّف عليهم، فقرّروا أن يجمعوا الناس على فقه مناقض لعليّ بن أبي طالب؛ لتشخيص أتباع عليّ وتمييزهم، فتراهم تارة يأخذون في الأحكام بقول عمر، وأُخرى بقول عائشة، وثالثةً بقول أبي هريرة، ورابعةً بقول عثمان... وهكذا.
المهمّ هو حدوث التخالف مع قول عليّ، ثمّ جمع الأمّة على ما يريدونه، ومتى أرادوا النيل من أحد الطالبيّين فإنّهم يُشيعون عنه أنّه قد خرج عن إرادة الأمّة، لأنّ فقهه يخالف فقه المسلمين، فانظروا إلى وضوئه فإنّه مَسْحي، وإلى صلاته فهو مُسْبِل، وإلى قراءته فهي جهريّة، وإلى آخر هذه المصائد والكمائن.
____________________
(١) مسند أحمد ١: ١٧٤، ح ١٥٠٣، سنن الترمذي ٣: ١٨٥، ح ٨٢٣، قال: هذا حديث صحيح، سنن النسائي ٥: ١٥٢، ح ٢٧٣٤، واللفظ له.
(٢) سنن الدارميّ ٢: ٥٥، باب في التمتع، ح ١٨١٤.
إنّ إغلاق باب التحديث والتدوين من قبل الخليفة عمر بن الخطّاب كان فرصة أمام معاوية لبناء البديل، كما أنّه سعى لتقوية دَور القَصّاصين، ومتزلّفي الرواة ليضعوا الأحاديث التي تخدم رأيه وتقلّل من مكانة خصمه، فكان ممّا يثبت أركان حكومته هو: التركيز على فضائل عثمان والشيخين.
فعن عمرو بن العاص أنّه قال: أشهدُ، لَسَمعتُ رسول الله يقول: ما أقرأكم عمر فاقرؤوا، وما أمركم به فأتمروا(١) .
وجاء فيما كتبه معاوية إلى عمّاله في الأمصار: (انظُروا مَنْ قِبَلكم من شيعة عثمان ومُحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدْنُوا مجالسهم، وقرِّبوهم وأكرِموهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلٌّ رجلٌ منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته)(٢) .
ولمّا فشا الحديث في فضائل عثمان، كتب إليهم:
(إنّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعُوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة)(٣) .
وهذا النصّ وضّح لك سياسة معاوية وأنّه قد ارتضى جميع الصحابة إلاّ عليّاً - أبا تراب - وأنّ الوضع أخذ يتفشّى في الحديث ويأخذ مجاله في الفقه. وإليك هذا النصّ - الذي رواه البيهقيّ وأبو داود في سننهما - واللفظ للأوّل:
إنّ معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله: إنّ رسول الله نهى عن صفف النمور؟
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: وأنا أشهد.
قال: أتعلمون أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله نهى عن لبس الذهب إلاّ مقطّعاً؟
____________________
(١) كنز العمّال ١٢: ٥٩٣ / ح ٣٥٨٤٤، تاريخ دمشق ٤٤: ٢٣٤.
(٢) شرح النهج ١١: ٤٤.
(٣) شرح النهج ١١: ٤٥.
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله نهى أن يُقْرَن بين الحجّ والعمرة؟
قالوا: اللّهمّ لا!
قال: والله، إنّها لَمَعَهُنّ(١) .
انظر إلى طريقة معاوية كيف يحاول الاستدراج والانتقال من الثوابت، ليلصق بها ما يريد إلصاقه بها؛ إيهاماً وتضليلاً للآخرين.
قال ابن القيّم بعد إيراد الحديث السابق: ونحن نشهد بالله إنّ هذا وهمٌ من معاوية أو كذب عليه، فلم يَنْهَ رسولُ الله عن ذلك قطُّ(٢) .
والواقع أنّ الوهم من ابن القيّم، فإنّه ككثير من المسلمين حَسَّنَ الظنّ بمعاوية، فقال (إنّه وَهِمَ)، مع أنّه لا يمكن الوهم في مثل هذا الحكم الواضح الذي فعله النبيّ والمسلمون، ومن ثمّ وقع الاختلاف فيه في زمان الخليفة عمر بن الخطّاب، فمنع عن القرآن، فهل خفي كلّ ذلك على معاوية فوهم؟!
ولماذا يكون هذا كذباً على معاوية، كما يقول ابن القيّم ولا يكون كذباً على النبيّ صلّى الله عليه وآله؟! ولماذا لا يكون تخطيطاً مسبقاً وإصراراً على تأسيس شرعيّةٍ جديدة مقابل مشروعيّة كتاب الله وسنّة رسوله؟!
فمعاوية قد وضع هذا المخطّط لإحياء سنّة الخليفة عمر بن الخطّاب، لكنّه لا يدري أنّ الأيّام تكشف عن كذبه، وتوضّح خداعه لا محالة، فالبخاريّ ومسلم وأحمد قد رووا عن ابن عبّاس أنّ معاوية قال له:
أعلمتَ أنّي قصّرتُ من رأس رسول الله ثم المروة بمشقص؟
فقال له ابن عبّاس: لا أعلم هذا إلاّ حجّة عليك(٣) .
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ٩٩، مسند عبد بن حميد: ١٥٧، ح ٤١٩، السنن الكبرى للبيهقي ٥: ١٩، باب كراهية من كره القرآن والتمتّع والبيان...، ح ٨٦٥١، واللفظ له.
(٢) زاد المعاد ٢: ١٣٨.
(٣) صحيح البخاريّ ٢: ٦١٧، باب الحلق والتقصير ثم الإحلال، ح ١٦٤٣، صحيح مسلم ٢: ٩١٣ / ح
=
أي دليلاً عليك لا لك؛ لأنّ معاوية بنقله الكلام السابق كان يريد الإشارة إلى أنّه كان مقرّباً من رسول الله وفي خدمته، لكنْ فاته أنّ كلامه هذا يناقض ما أفتى به سابقا، ونقله زَعْماً عن رسول الله!
وجاء عن سعد بن أبي وقّاص أنّه سئل عن المتعة - كما في رواية مسلم - فقال: فعلناها، وهذا يومئذٍ كافر بالعرش، قال الراوي: يعني بيوت مكّة(١) ، وفي رواية أُخرى: يعني معاوية(٢) .
وقد جعلوا لفظ (العَرْش) (العُرُش) بضمّتين ليكون جمع عريش، مثل: قليب وقُلبُ، ويكون بمعنى بيوت مكّة(٣) .
ولعلّ سعداً تلفظه بفتح العين وسكون الراء وقصد أنّه كان يومذاك كافراً بربّ العرش!
هكذا عارض سعد بن أبي وقّاص معاوية في أكثر من مشهد وموقف، وهو من أعيان الصحابة، وفاتح العراق، والبقيّة من أعضاء الشورى الذين رشّحهم عمر بن الخطّاب للخلافة من بعده، فهذا وأمثاله من كبار الصحابة، كان يمكنهم مخالفة آراء معاوية لمكانتهم، أمّا غيرهم من الصحابة فلا يمكنهم الوقوف أمام اجتهادات معاوية.
نعم، إنّ سعد بن أبي وقّاص، وعمران بن الحصين، وعبادة بن الصامت، وغيرهم من مشهوري الصحابة كان يمكنهم الوقوف أمام آراء معاوية وربّما عثمان وعمر، لكنّهم في الوقت نفسه كانوا يحذرون البطش، خصوصاً بطش معاوية الذي عرف بالمكر والخداع...
____________________
=
١٢٤٦، باب التقصير بالعمرة، والنصّ لمسلم.
(١) صحيح مسلم ٢: ٨٩٨، باب جواز التمتع، ح ١٢٢٥.
(٢) مسند أحمد ١: ١٨١، ح ١٥٦٨، المسند المستخرج على صحيح مسلم ٣: ٣٢٤، ح ٢٨٤١، فتح الباري ٣: ٥٦٦.
(٣) من أُولئك: الخطّابيّ في إصلاح غلط المحدّثين: ١٢١، والسيوطيّ في التطريف في التصحيف: ٣١، وينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٢١، ٤: ٢٠، والمشارق ٢: ٧٩، وشرح النوويّ ٨: ٢٠٤، وغريب ابن الجوزي ٢: ٨١.
جاء عن الصحابيّ عمران بن الحصين أنّه قد أباح بسرٍّ كان قد كتم أنفاسه عن الجهر به في زمن الشيخين وعثمان، ولمّا حضره الموت أودع ما عنده لمطرف، فاستمع لما حكاه مسلم وغيره عن مطرف، فإنّه قال:
بعث إليّ عمران بن الحُصَين في مرضه الذي توفّي فيه فقال: إنّي كنتُ محدِّثك بأحاديث لعلَّ الله أن ينفعك بها بعدي، فإنْ عشتُ فاكتمْ عنّي، وإن متُّ فحدِّث بها إن شئت، إنّه قد سلم عليّ، واعلم أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وآله قد جمع بين حجّ وعمرة، ثمّ لم ينزل فيها كتاب الله، ولم يَنْهَ عنها نبي الله، قال رجل فيها برأيه ما شاء(١) .
وفي نصّ آخر عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: إنّي لأحدِّثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم، واعلم ثم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد أعمَرَ طائفة من أهله في العشر، فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم ينه عنه، حتّى مضى لوجهه ارتأى كلّ امرئ بعدُ ما شاء أن يرتئي(٢) .
نعم، إنّ عمران بن الحصين نقل الحديث وهو وجِل من عُقبى قوله؛ فطلب من مطرف أن يحفظها عنده عسى أن تنفعه في الأيّام اللاحقة! وأن يكتمها عليه إن شفاه الله من مرضه، وهل بعد هذا الخوف والوجل من شكّ في أنّ الكثير من الصحابة كانوا لا يرتضون ما يفعله ويرتأيه الشيخان وعثمان ومعاوية من بعد.
كلام لابن قيّم الجوزيّة في متعة النساء
ولابن القيّم كلام في الجمع بين الأحاديث الناهية عن المتعة والمجوّزة لها، قال:
(فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: كنّا
____________________
(١) صحيح مسلم ٢: ٨٩٩، باب جواز التمتع، ح ١٢٢٦، شرح النووي على صحيح مسلم ٨: ٢٠٦، وهو أيضاً في مسند أحمد ٤: ٤٢٨، ومعجم الشيوخ للصيداوي: ٣٤٥، والمسند المستخرج على صحيح مسلم ٣: ٣٢٥، ح ٢٨٤٥.
(٢) صحيح مسلم ٢: ٨٩٨، باب جواز التمتع، السنن الكبرى للبيهقي ٤: ٣٣٤، باب العمرة في أشهر الحج، ح ٨٥١٣. قال: أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الجريري وزاد: لم ينه عنه حتى مضى لوجهه، المعجم الكبير ١٨: ١١١ - ١١٢، ح ٢١١، ح ٢١٣، ح ٢١٤.
نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيّامَ على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وأبي بكر، حتّى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث.
وفيما ثبت عن عمر أنّه قال: مُتعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحجّ؟
قيل: الناس في هذا طائفتان:
طائفة تقول: إنّ عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها، وقد أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله باتّباع ما سنّه الخلفاء الراشدون، ولم تَرَ هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح؛ فإنّه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جدّه، وقد تكلّم فيه ابن معين، ولم يَرَ البخاريّ إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه، وكونه أصلاً من أُصول الإسلام، ولو صحّ عنده لم يصبر على إخراجه والاحتجاج به، قالوا: ولو صحّ حديث سبرة لم يَخْفَ على ابن مسعود حتّى يروي أنّهم فعلوها ويحتجّ بالآية! وأيضاً لو صحّ لم يَقُل عمر إنّها كانت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنّه حرّمها ونهى عنها. قالوا: لو صحّ لم تُفعل على عهد الصدّيق وهو عهد خلافة النبوّة حقّا.
والطائفة الثانية: رأت صحّة حديث سبرة، ولو لم يصحّ فقد صحّ حديث عليّ رضي الله عنه: إنّ رسول الله حرّم متعة النساء، فوجب حمل حديث جابر على أنّ الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر، حتّى كان زمن عمر، فلمّا وقع فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر؛ وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها وبالله التوفيق)(١) .
ردٌّ وإيضاح
لنا في كلام ابن القيّم نظر، إذ لا ندري متى ثبتت حرمة التمتّع بالنساء عن عليّ حتّى يصحّ جعله دليلاً للمطلوب، في حين كان الإمام وابن عمه عبد الله بن عبّاس في
____________________
(١) زاد المعاد ٣: ٤٦٢.
طليعة المُجِيزين لها، والأئمّة من ولده من المدافعين عنها على مرّ التاريخ، فكيف ينسب إلى عليّ التحريم والخلفاء كانوا يعقدون جلسات المناظرة مع الأئمّة من ولد عليّ، وكان السؤال عن المتعة في رأس قائمة الأسئلة في تلكم المناظرات التي حفظها لنا التاريخ؟!(١) .
فلو كان المنع قد ثبت عن عليّ فما معنى هذا الإصرار من قبل آله في الدفاع عن حلِّيَّة التمتّع؟! ولماذا غدا أتباع عليّ - إذَن - موضع سهام الانتقاد والمحاربة، من أجل القول بمشروعيّة هذا التمتّع؟! ولمَ تُحارَبُ الشيعة من أجله؟!
نعم إنَّ الحلّيّة قد ثبت صدورها عن عليّ بطرق متعدّدة عند الفريقين، وأجمع عليها أئمّة التعبّد المحض، أمّا حديث المنع المدّعى على عليّ وغيره فقد انفرد بنقله أنصار مدرسة الاجتهاد بالرأي.
لقد أكّدنا - أكثر من مرّة - على أنّ الحكومة وأنصارها كانت تجدّ في نسبة ما تريد إلى أعيان الصحابة المخالفين لرأي الخليفة، لتزكية عمل الخلفاء من خلال القول بأنّ عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وسعد بن أبي وقاصّ وغيرهم... كانوا يذهبون أيضاً إلى ما ذهب إليه الخليفة.
وهذا يفسّر لنا ظاهرة من ظواهر اختلاف منقولات أتباع نهج الاجتهاد والرأي عن الصحابيّ الواحد، خاصّة إذا كان من الجناح المقابل لفقه الشيخين، لكي يختلط عند ذلك الحابل بالنابل والغثّ بالسمين.
إن اختلاف النقل عن الصحابيّ ينمُّ عن وجود امتداد لنهج آخر في الشريعة، ولأجله ترانا نؤكّد بين الفينة والأخرى على ضرورة دراسة ملابسات الأحاديث والأخبار، لمعرفة من قال بهذا الرأي من الخلفاء أو من أعطوه دوراً كبيراً في الشريعة كعائشة أُمّ المؤمنين، وهل هناك من يخالفهم من الصحابة عن رسول الله أم لا؟ وبهذا يمكننا الوقوف على الخيوط الخفيّة في الأحكام الشرعيّة، ومكان وزمان صدور الخبر
____________________
(١) انظر عيون أخبار الرضا ١: ١٣٢ مثلاً.
وملابسات الفتاوى والآراء!
ولو اتّخذنا قضيّة المتعة مثلاً؛ لعرفنا امتداد النهجين واضحاً بيّناً فيها.
فابن عبّاس، وابن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعريّ، وغيرهم... يؤكّدون على مشروعيّة هذا الفعل ويعتبرونه فعلاً شرعيّاً نصّ عليه الله ورسوله، ولم ينسخ قطّ.
أمّا عثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان وأئمّة الفقه الحاكم، فلا يرتضون ذلك الفعل؛ لأنّ الخليفة عمر بن الخطّاب لم يستسغه فحرّمه.
فمن الطبيعيّ - من أجل تقوية الجناح الحاكم - أن ينسبوا إلى ابن عبّاس وعليّ - وحتّى إلى ابن عمر - قولاً في النهي عن ذلك؛ لتقوية اتّجاه الخليفة، فاللازم على الباحث - بعد وقوفه على نهي عمر في المتعة - أن يقف فيما يقال عن حكم التمتّع، وهل حقّاً قد نسخ، أو أنّ عليّاً وابن عبّاس قد منعا منه، وغيرها من المفتريات التي تحكِّمُ فتوى الحاكم ورأيه.
إنّ النصوص - تاريخيّة كانت أم حديثيّة، سنّيّة كانت أم شيعيّة - توضِّح سقم تلك الأخبار، وإليك خبراً آخر، عن ابن عبّاس في المتعة.
أخرج الهيثميّ في (مجمع الزوائد): إنّ عروة بن الزبير أتى ابنَ عبّاس، فقال: يا ابن عبّاس، طالما أضللتَ الناس!
قال: وما ذاك يا عُرَيّة؟!
قال: الرجل يخرج مُحْرِماً بحجّ أو عمرة، فإذا طاف زعمتَ أنّه قد حلّ، فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك. فقال: أهما - ويحك - آثرُ عندك أمْ ما في كتاب الله، وما سَنّ رسول الله في أصحابه وفي أُمتّه؟!
فقال عروة: هما كانا أعلم بكتاب الله وما سنّ رسول الله منّي ومنك(١) .
وعن أيّوب، قال عروة لابن عبّاس: ألا تتّقي الله، ترخّص في المتعة؟!
____________________
(١) مجمع الزوائد ٣: ٢٣٤، باب فسخ الحج إلى عمرة، عن الطبراني في المعجم الأوسط ١: ١١، ح ٢١.
فقال ابن عبّاس: سل أُمّك يا عُرَيّة؟
فقال عروة: أمّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا!
فقال ابن عبّاس: والله ما أراكم منتهين حتّى يعذّبكم الله! نحدّثكم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وتحدّثونا عن أبي بكر وعمر؟!(١) .
فإحالة ابن عبّاس الأمر إلى أمّ عروة - أسماء بنت أبي بكر - إنّما كان لتمتّع الزبير بها، وأنّها ولدت له من ذلك التمتّع عبد الله(٢) .
وعن أبي نضرة، قال: كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ، فقال: ابن عبّاس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله، ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نَعُدْ لهما(٣) .
إنّ عودتنا إلى بعض النصوص عن ابن عبّاس، غايتها إيقاف القارئ على أنّ ما نُسب إلى ابن عبّاس وأمثاله في المتعة وغيرها ليس بصحيح؛ لأنّ مثل هذا الرأي يصبّ في مصبّ الفقه الحاكم ويخالف الثابت الصريح عن المخالفين للمنهج الحاكم.
وقد اشتهر عن معاوية: أنّه أوّل مَن غذّى روح البغض والعداء لأهل البيت بجهره بلعن عليّ وآله، ولعن ابن عبّاس على المنابر. وقد جدّ بتحريف الشريعة عن وجهتها بُغضاً لعليّ، فلو كان كذلك فهل تصدّق أن يبقى فقه عليّ وابن عبّاس كما هو في نهج الحكّام، مع معرفتك بأنّ الخلفاء من بعده - أمويّين كانوا أم عبّاسيّين - كانوا يتّخذون فقه الشيخين وعثمان وعائشة، بل كلّ مَن يخالف عليّ ويرجّحونه على فقه الآخرين، لوجود الطالبيّين في كفّة المعارضة!
____________________
(١) حجّة الوداع لابن حزم: ٣٥٣، ح ٣٩١، وفيه سل أُمّك يا عروة، التمهيد لابن عبد البر ٨: ٢٠٨، واللفظ له، زاد المعاد ٢: ٢٠٦.
(٢) محاضرات الأدباء ٣: ٢١٤، العقد الفريد ٢: ١٣٩، جمهرة خطب العرب ٢: ١٢٧، عن العقد الفريد لابن عبد ربه قال: أول مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير.
(٣) صحيح مسلم ٢: ٩١٤، ح ٢: ١٠٢٣، ١٢٤٩، ح ١٤٠٥، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٢٠٦، ح ١٣٩٤٧، فتح الباري ٩: ١٧٤.
الحكّام والتطبيع الفقهيّ
أخرج الشافعيّ في كتاب (الأمّ)، من طريق عبيد بن رفاعة عن أبيه: أنّ معاوية قدِم المدينة فصلّى بهم، فلم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبّر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلّم والأنصار: أنْ: يا معاوية! أسرقتَ صلاتك؟! أين( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟! وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟!
فصلّى بهم صلاة أُخرى، فقال ذلك فيها الذي عابوا عليه(١) .
وأتى قبله بحديث عن أنس بن مالك، قال:
صلّى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأمّ القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتّى قضى تلك القراءة، ولم يكبّر حين يهوي حتّى قضى تلك الصلاة، فلمّا سلّم ناداه مَن سمع ذلك من المهاجرين من كلّ مكان: يا معاوية! أسرقتَ الصلاة أم نسِيت؟
فلمّا صلّى بعد ذلك، قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أُمّ القرآن، وكبّر حين يهوي ساجداً(٢) .
____________________
(١) الأم ١: ١٠٨، باب التعوذ بعد الافتتاح، سنن الدارقطني ١: ٣١١، باب ذكر التكبير ورفع اليدين، ح ٣٤، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٤٩، ح ٢٢٣٩، التدوين في أخبار قزوين ١: ١٥٤.
(٢) الأم ١: ١٠٨، باب التعوذ بعد الافتتاح، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٤٩، ح ٢٢٣٧، التدوين في أخبار قزوين ١: ١٥٤، وجاء في فتح الباري ٢: ٢٧٠، وعون المعبود ٣: ٤٥، ونيل الأوطار ٢: ٢٦٦، عن سعيد بن المسيب أنّه قال: أول مَن ترك التكبير معاوية!
وجاء عن الزهريّ: أوّل مَن قرأ بسم الله الرحمن الرحيم سرّاً بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص(١) .
وعلّق الفخر الرازيّ في (أحكام البسملة) على كلام الزهريّ:
قلت: وولي عمرو المدينة في زمن يزيد بن معاوية، وتبعه مَن تبعه في ذلك، فلهذا قال يحيى بن جعدة: اختلس الشيطان من الأئمّة آية البسملة، يعني بالأئمّة: الولاة العلماء. وقال الزهريّ: هي آية من كتاب الله تركها الناس. وقال مجاهد: نسِيَ الناس ما كان الأمر عليه قبل ذلك، ولا خير فيما أُحدث بعد العصر الذي أنكر فيه على معاوية تركها، وإذا اشتهر واستفاض، فالحجّة فيما ينقل عن العلماء دون أفعال الولاة.
فإن قلت: لو لم يكن حقّاً لأنكره العلماء.
قلت: قد أنكروه على معاوية فرجع، فلمّا أفضى الأمر إلى غيره من الولاة الجبابرة من المدينة: كالأشدق والحجّاج وحُبيش بن دلجة ونظائرهم، ربّما تركوه خوفاً من سطوتهم، أو أنكر بعضهم فلم يقبل منهم، فتركه الباقون ورأوا الأمر واسعاً. والكلّ جائز وإن كان فيه ترك للسنّة، فاغتفروا أمره خوفاً من الفتنة!(٢) .
ثمّ نقل كلام ابن الزبير: ما يمنع أُمراؤكم أن يجهروا بها إلاّ الكبر، ولعلّ عمرو بن سعيد الأشدق - وهو أوّل مَن أسرّ بها بالمدينة - إنَّما فعل ذلك مخالفة لابن الزبير؛ لأنّها مذهب ابن الزبير، حتّى في الجهر بالبسملة في الصلاة، واقتدى به من وليها من بعده لبني مروان، وغير بعيد أن يقصد الأشدق ذلك فهو الذي بعث إليه البعوث وحاصره بمكّة وهو الحصار الأوّل، وبه اقتدى الحجّاج وحاصره الحصار الثاني، وقبله أخرب الكعبة، وأخرج منها الحجر وغيَّر ما كان فعله ابن الزبير فيها، فهم كانوا حريصين على مخالفته ما وجدوا لذلك سبيلاً، فأمر المداومة على إخفاء البسملة لا يبعد أن يكون من ذلك، بل هو أقرب، فإنّها مسألة مختلف فيها، قال بكر بن عبد الله المزنيّ: صليّت
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٥٠، ح ٢٢٤٠، سير أعلام النبلاء ٥: ٤٣٤.
(٢) أحكام البسملة: ٧٦.
خلف عبد الله بن الزبير وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي رواية أُخرى: كان يستفتح القراءة في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ويقول: ما يمنعكم منها إلاّ الكبر(١) .
وقد أتى الفخر الرازيّ قبل ذلك بحديث عن محمّد بن إسحاق المسيبيّ قال: حدّثني أبي أنّه لمّا صلّى بالناس بالمدينة، جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: فأتاني الأعشى - أبو بكر بن أُخت مالك بن أنس - أنّ أبا عبد الله (يعني مالك بن أنس) يقرأ عليك السلام ورحمة الله، ويقول لك: مَن خفْتُه على خلاف أهل المدينة فإنّك ممّن لم أخَف، وقد كان منك شيء!
قلت: وما هو؟
قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
قلت: فأبلغه عنّي السلام كما أبلغني، وقل له: إنّ كثيراً ما سمعتك تقول: لا تأخذوا عن أهل العراق، فإنّي لم أدرك أحداً من أصحابنا يأخذ عنهم، وإنّما جئت في تركها عن حميد الطويل، فإن أحببت أخْذَنا عن أهل العراق أخذنا هذا وغيره من قولهم، وإلاّ تركنا حميداً مع غيره، فلم يكن لك عَلَيّ به حجّة، وقد سمعتك كثيراً ما تقول: خذوا كلّ علم من أهله. وعلم القرآن بالمدينة عن ابن أبي نعيم، فسألته عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، فأمرني بها وقال: أشهد أنّها من السبع المثاني، وأنّ الله أنزلها.
وحدّثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنّه كان يبتدئ بها ويفتتح كلّ سورة(٢) .
وقد اتّضح تأثير هذين الاتّجاهين على الفقهاء فيما بعد، فمالك فقيه الحكومة لا يفتتح بالبسملة، أمّا أسحاق المسيّبيّ فيرى ثبوت ذلك عن رسول الله وعن بعض الصحابة.
والجدير ذكره هنا، هو أنّ غالب فقه أهل المدينة كان يخالف أهل البيت، أمّا فقه أهل العراق فغالبه - وأعني به الكوفة - كان يوافق أهل البيت. والمعروف عن مالك
____________________
(١) أحكام البسملة، للرازيّ: ٧٦، مصنف ابن أبي شيبة ١: ٣٦٢، ح ١٤٥٦، والسنن الكبرى للبيهقيّ ٢: ٤٩، ح ٢٢٣٥.
(٢) أحكام البسملة للفخر الرازيّ: ٧٤ - ٧٥، السنن الكبرى للبيهقيّ ٢: ٤٨، ح ٢٢٣٣.
أنّه كتب موطّأه بطلب من الخليفة المنصور العبّاسيّ، فقال له المنصور: يا أبا عبد الله! - يعني مالك - ضع هذا العلم ودوّنه ودوّن منه كتباً، وتجنّبْ فيه شواذّ عبد الله بن مسعود ورُخَص ابن عبّاس وشدائد ابن عمر، واقصد إلى أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمّة والصحابة (رضي الله عنهم)، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ونبثّها في الأمصار، ونعهد إليهم ألاّ يخالفوها، ولا يقضوا بسواها.
فقال: مالك: أصلح الله الأمير، إنّ أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يَرَون في علمهم رأينا.
وفي آخر: قال المنصور لمالك: اجعل العلم يا أبا عبد الله علماً واحداً. فقال مالك: إنّ أصحاب رسول الله تفرّقوا في البلاد، فأفتى كلّ في مصره بما رأى، وإنّ لأهل البلد - يعني مكّة - قولاً، ولأهل المدينة قولاً، ولأهل العراق قولاً تعدّوا فيه طورهم. فقال المنصور: أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صرْفاً ولا عدلاً، وأمّا العلم فعند أهل المدينة، فضع للناس العلم(١) .
إنّ فقه أهل المدينة - كما قلنا - يخالف في الغالب فقه أهل البيت، وفي كلمات الأئمّة من آل الرسول ما يوضّح ذلك.
أمّا فقه أهل العراق فإنّهم وإن قالوا بالرأي وتأثّروا بالأحاديث المطروحة من قبل السلطة، لكنّ أقوالهم في الأعمّ الأغلب تتّفق مع مدرسة أهل البيت، وما في كلام المنصور: (أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً) وقوله: (لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثّها في الأمصار ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها) ما يوضِّح هذه الحقيقة بلا ارتياب.
وجاء في كتاب مالك إلى ليث بن سعد، فقيه أهل مصر: واعلم رحمك الله أنّه
____________________
(١) انظر وضوء النبيّ (المدخل): ٣٥٤ عن الإمام مالك ص١٣٣، وترتيب المدارك: ٣٠ - ٣٣، وانظر الإمامة والسياسة ٢: ١٤٢، وفيه رواية عن مالك قال: فقلت له (يعني المنصور) إنّ أهل العراق لا يرضون علمنا، فقال أبو جعفر المنصور: نضرب عليهم عامتهم بالسيف ونقطع عليه ظهورهم بالسياط! الديباج المذهب لابن فرحون المالكي: ٢٥.
بلغني أنّك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وبلدنا الذي نحن فيه وأنت في أمانتك وفضلك...(١) .
فالسياسة الحكوميّة سواء كانت أمويّة أو عبّاسيّة تسعى لمخالفة فقه أهل البيت، وهذه حقيقة لا يسع مَن له صدق وإنصاف أن يشكّ فيها، أو أن ينكرها.
إنّ هذه النصوص التي أوردناها هي التي تدلّ بنفسها على هذه المعاني.
بيد أنّنا لا نريد الجزم بأنّ موقف الأمويّين أو العبّاسيّين في البسملة قد أُخذ من سيرة الشيخين؛ فبعضها جاء لتأييدهما، وبعضها جاء لتأييد معاوية، أو عبد الملك بن مروان، أو المنصور، أو سواهم. وهذه الأمور ممّا ينبغي أن يتعرّف عليها الباحث ويقف عندها.
جاء في (أحكام البسملة) للرازيّ، عن (الخلافيّات) للبيهقيّ، عن جعفر بن محمّد أنّه قال: اجتمع آل محمّد على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال أبو جعفر محمّد بن عليّ:لا ينبغي الصلاة خلف مَن لا يجهر (٢) .
وعن الرضا:اجتمع آل محمّد على الجهر بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) (٣) .
وفي الدعائم عن السجّاد قوله:اجتمعنا ولد فاطمة على ذلك (٤) .
وفي آخر: روينا عن رسول الله، وعن عليّ، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، أنّهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر بالقراءة من الصلوات في أوّل فاتحة الكتاب، وأوّل السورة من كلّ ركعة(٥) .
وعن الصادق أنّه قال:التقيّة ديني ودين آبائي ولا أتّقي في ثلاث، وعدّ منها ترك
____________________
(١) تاريخ ابن معين للدوري ٤: ٤٩٩، باب رسالة مالك الى الليث بن سعد.
(٢) أحكام البسملة للفخر الرازيّ: ٤٠.
(٣) تفسير أبي الفتوح الرازيّ ١: ٢٠ وفي المجموع للنووي ٣: ٢٨٩ عن كتاب الخلافيات للبيهقي، كما في مستدرك وسائل الشيعة ٤: ١٨٩، ح ٤٤٥٦.
(٤) دعائم الإسلام ١: ١٦٠، وعنه في مستدرك وسائل الشيعة ٤: ١٨٩، ح ٤٤٥٥.
(٥) دعائم الإسلام ١: ١٦٠.
الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(١) .
وعن أبي هريرة: كان رسول الله يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثمّ تركه الناس(٢) .
بهذا عرفنا أنّ معاوية لم يقتصر في تحريفه على المتعة، وترك البسملة والتكبير لكلِّ رفعٍ وخفض، بل أخذ يعمل في أكثر من حقل لمحو سنّة رسول الله. ومن أجل ذلك نرى عليّ بن أبي طالب وأولاده يؤكّدون على هذه الحقائق المرّة، وإليك نصّاً آخر فيما كان يصنعه معاوية في هذا السياق:
أخرج أحمد بسنده إلى عبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: لمّا قِدم علينا معاوية حاجّاً، قدِمنا معه مكّة، قال: فصلّى بنا الظهر ركعتين، ثمّ انصرف إلى دار الندوة.
قال: وكان عثمان حين أتمّ الصلاة، فإذا قدِم مكّة صلّى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعاً أربعاً، فإذا خرج إلى منى وعرفات قَصَر الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ وأقام بمنى أتمّ الصلاة حتّى يخرج من مكّة.
فلمّا صلّى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عابَ أحد ابنَ عمّك بأقبح ما عِبْتَه به.
فقال لهما: وما ذاك؟
قال، فقالا له: ألم تعلم أنّه (أي عثمان) أتمّ الصلاة بمكّة؟!
قال، فقال لهما: ويحكما! وهل كان غير ما صنعت؟! قد صلّيتهما مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ومع أبي بكر وعمر (رض). قالا: فإنّ ابن عمّك قد كان أتمّها وإنّ خلافك إيّاه عيب.
قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاّها بنا أربعاً(٣) .
____________________
(١) دعائم الإسلام ٢: ١٣٢، ١: ١١٠، وانظر أصول الأحكام في الحلال والحرام ٢: ٤١٠ للإمام يحيى بن الحسين الزيدي.
(٢) أحكام البسملة للفخر الرازيّ: ٤٥ عن الدارقطنيّ ١: ٣٠٧، باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ح ٢٠، والحاكم ١: ٣٥٧، ح ٨٥٠، والمصدرين ليس فيهما قول: ثم تركه الناس، وإنّما ذكره البيهقي في روايته عنه في السنن الكبرى ٢: ٤٧، ح ٢٢٢٦.
(٣) مسند أحمد ٤: ٩٤، مجمع الزوائد ٢: ١٥٦، باب فيما تقصر فيه الصلاة ومدة القصر، وانظر فتح الباري
=
كانت هذه هي سياسة الحكّام دوماً، إذ تراهم يتراجعون عمّا عرفوه من أحكام عن رسول الله لقوله: (وهل كان غير ما صنعت؟! قد صلّيتهما مع رسول الله ومع أبي بكر وعمر) ويتّبعون الهوى لعرقٍ يمسُّ من العصبيّة والقبليّة (فإنّ ابن عمّك قد أتمّها، وإنّ خلافك إيّاه عيب)!
وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق الحسن البصري قال: كان عبادة بن الصامت بالشام فرأى آنية من فضّة، تباع الإناء بمثلي ما فيه، أو نحو ذلك، فمشى إليهم عبادة فقال: أيّها الناس! مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا عبادة بن الصامت، ألا وإنّي سمعت رسول الله في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس في رمضان ولم يَصُم رمضانَ بعده، يقول: الذهب بالذهب مِثلاً بمثل، سواء بسواء وزناً بوزن، يداً بيد، فما زاد فهو ربا.
قال: فتفرّق الناس عنه، فأُتي معاوية فأُخبر بذلك، فأرسل إلى عبادة فأتاه، فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسمعت منه لقد صحبناه وسمعنا منه.
فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه؟!!!.
فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره.
فقال له: بلى، وإن رغم أنف معاوية، ثمّ قام.
فقال له معاوية: ما نجد شيئاً أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمّد من الصفح عنهم(١) .
وإذا تأمّلت الحديث اطّلعت على بعد النظر الذي كان يمتلكه عبادة بن الصامت، حيث إنّه عاصر وعرف تعليلات نهج الاجتهاد، وادّعاءاتهم النسخ في كلّ حكم يريدون الإفتاء به بخلاف الكتاب والسنّة؛ فلذلك أكّد على أنّه سمع النبيّ، وهو يؤكّد أنّ هذه المعاملة ربويّة في آخر رمضان من حياته المباركة، ليتضاءل - بل يمتنع عادة
____________________
=
٢: ٤٥٧، نيل الأوطار ٣: ٢٥٩، باب مَن اجتاز في بلد فتزوّج فيه أو له فيه زوجة.
(١) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر ٢٦: ١٩٩.
- ادّعاؤهم نسخ هذا الحكم بعد استقرار الأحكام على ما هي عليه في آخر حياته المباركة، فلم يكن مجال لادّعاء النسخ، وكذلك نراه يذكر اليوم بالتحديد؛ لكي لا يكذّبوه فيما يرويه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وفي رواية مسلم والبيهقيّ: فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً، فقال: ألا ما بالُ رجال يتحدّثون عن رسول الله أحاديث كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟!
فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصّة، ثمّ قال: لنحدثنّ بما سمعنا من رسول الله وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أُبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء(١) .
فمعاوية لم يستطع تكذيبه مباشرة؛ لأنّه حدّد تاريخ ومكان السماع (في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس من رمضان)، وإنّما ادّعى عدم سماعه هو لهذا الحديث وأمثاله، فأبدى نوعاً من التجاهل بعد أن عجز عن ادّعاء النسخ، ولم يجرؤ على تكذيبه في روايته.
ومن ذلك ما قاله الوافي المهدي في مروان من أنّه كان يقضي في الذي يطلق امرأته (البتّة) أنّها ثلاث تطليقات، كما في (الموطّأ)، ونقل الزرقانيّ عن الموازية: (أنّ النبيّ ألزم البتّة مَن طلّق بها وألزم الثلاث مَن طلق بها، وقضى عمر فيها بالثلاث)(٢) .
وجاء عن مروان أنّه أرسل إلى ابن عبّاس، فقال: أتفتي في الأصابع عشر عشر، وقد بلغك عن عمر أنّه يفتي في الإبهام بخمسة عشر أو ثلاثة عشر، وفي التي تليها اثنتي عشر - وفي آخر عشر - وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بستّ.
قال ابن عبّاس: رحم الله عمر، قول رسول الله أحقّ من أن يتّبع من قول عمر(٣) .
وترى مروان قد اتّبع الخليفة عمر بن الخطّاب في الطلاق ثلاثاً ودية الأصابع،
____________________
(١) صحيح مسلم ٣: ١٢١٠، باب حظر بيع البر بالبر والشعير بالشعير و... إلاّ سواء بسواء عيناً بعين، ح ١٥٨٧، واللفظ له، السنن الكبرى للبيهقي ٥: ٢٧٧، ح ١٠٢٦٠.
(٢) الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة للوافي المهدي المغربيّ: ١٩١، الموطأ ٢: ٥٥١، باب ما جاء في البتة، ح ١١٤٩، شرح الزرقاني ٣: ٢١٨، الفواكة الدواني ٢: ٣٤.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٩٣، الأم ٦: ٧٥ - ٧٦، ومسند احمد ٢: ١٨٩، ح ٦٧٧٢، وسنن الدرامي ٢: ٢٥٤، باب دية الأصابع، ح ٢٣٦٩، وسنن أبي داود ٤: ١٨٧، باب الديات، ح ٤٥٥٦.
ومثله المرويّ عن معاوية في الصلاة بعد العصر.
جاء في (مسند أحمد) عن أبي التياح، قال: سمعت حمران بن أبان يحدّث عن معاوية أنّه رأى أُناساً يصلّون بعد العصر، فقال: ثمّ إنّكم لتصلّون صلاة قد صحبنا النبيّ فما رأيناه يصلّيها ولقد نهى عنها، يعني الركعتين بعد العصر(١) . وقد وقفت على نهي عمر من الصلاة بعد العصر سابقاً.
نعم، إنّه فقه النهج الحاكم، وغالب مرويّاتهم عن رسول الله جاءت لتصحّح ما ذهب إليه الخلفاء - وخصوصاً ما كان يذهب إليه الثلاثة، وعلى الأخص ما يذهب إليه أبو بكر وعمر - ولم تقتصر على الطلاق ثلاثاً والصلاة بعد العصر و...!
فهي سياسة عامّة في الحياة الاجتماعيّة وفي النظام الإداريّ للخلافة الإسلاميّة، وسائل الشريعة بدءاً من صلاة التراويح إلى غيرها من الاجتهادات.
قالت الدكتورة نادية شريف العمريّ - في (اجتهاد الرسول) في معرض حديثها عن صلاة التراويح -: (وتذكر الروايات أنّ ذلك كان في سنة ١٤ هـ، وأنّه - أي عمر - كتب إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك، وجعل للناس إمامين: أحدهما يصلّي بالرجال والآخر يصلّي بالنساء)(٢) .
وقد نقل الدكتور الأعظميّ كلام بعض منكري السنّة في الباكستان، جاء فيه: (وقالوا: والخطأ الأساسيّ الذي وقع فيه المسلمون من بعد الخلافة الراشدة حتّى الآن أنّهم لم يفهموا الإسلام وروحه، إذ الإسلام نظام اجتماعيّ مبنيّ على الشورى، فالقرآن يأمرنا بالأمور الكلّيّة ويترك تفصيلها لمجلس الشورى للمسلمين الذي يقرّر طريقة الصلاة ونسبة الزكاة حسب الزمان والمكان. وهذا ما فهمه أبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون، فكانوا يستشيرون الصحابة، وحيث شعروا بالحاجة إلى الإضافة
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ٩٩، وهو في مصنف ابن أبي شيبة أيضاً ٢: ١١٣، باب مَن قال لا صلاة بعد الفجر، ح ٧٣٢٦.
(٢) اجتهاد الرسول: ٢٨٥، وانظر مصنف ابن أبي شيبة ٢: ٣٤، باب في الرجل يؤم النساء، ح ٦١٤٩، الطبقات الكبرى ٣: ٢٨١، تاريخ الطبري ٢: ٥٧٠، فتح الباري ٤: ٢٥٣، تنوير الحوالك ١: ١٠٥.
أضافوها، وإن لم يجدوا ضرورة للتغيير أبقوها. ولو كانت سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله شيئاً دائماً لأعطانا الرسول شيئاً مكتوباً جاهزاً.
وليس معنى( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) : أطيعوا سنّة الرسول بعد وفاته؛ لأنّ سنّته لا تحمل في طياتها عنصر الديمومة والبقاء. بل معنى أطيعوا الرسول: أطيعوا النظام الذي أرشد إليه القرآن والذي كان يمثّله الرسول في حياته، والذي يعني إقامة الخلافة على منهاج النبوّة.
وبما أنّ هذا النظام قد استمرّ إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثمّ بعد مجي الأمويّين على مسرح السياسة اختلف الوضع، وأصبح هناك حدّ فاصل بين الدين والسياسة، ولم يفهم الناس معنى طاعة الرسول، فاتّجهوا إلى الأحاديث؛ لأنّ الأحكام في القرآن قليلة وضرورات الحياة أكثر فأكثر. وكان من واجبات الخلافة على منهاج النبوّة أن تسدّ ضرورات المجتمع في القضايا المتجدّدة، لكنّ عدم وجود الدولة بهذا المفهوم دفع الناس إلى الأخذ بالحديث، وعند عدم كفاية المجموعة الحديثيّة ازداد الوضع أكثر فأكثر)(١) .
ومن المؤكّد أنّ صدور هذا الكلام من أمثال هؤلاء قد جاء على أثر منع التدوين من قبل الشيخين، ثمّ دعوتهم إلى الاجتهاد والاكتفاء بالقرآن (حسبنا كتاب الله). ولا أريد الإطالة في أمثال ذلك؛ لأنّه يخرجنا عن أصل البحث، فالخلفاء الحكّام لو كانوا رضخوا للحقّ، وتركوا أمر التشريع لأغناهم ذلك عمّا وقع فيه المسلمون من الاختلاف في الحديث والأحكام، ولما احتاجوا إلى تشريع الرأي والقياس وما يماثلهما ممّا يؤدّي أحياناً إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام، ولاستقرّ الدين، ولما تعدّدت الآراء فيه.
نعم، إنّهم كانوا لا يريدون أن يتصدّر أهل البيت أمر التشريع وتبيين أحكام الله؛ لأنّ ذلك سيمهّد لإبعادهم عمّا هم فيه. وإذا تجاهل بعض المسلمين أحاديث الخلافة والوصيّة لمصالح سياسيّة، فليس بوسعهم أن يتجاهلوا قول الرسول في عليّ:(أنا مدينة
____________________
(١) دراسات في الحديث النبويّ ١: ٣٣ - ٣٤.
العلم وعليّ بابها) (١) ، ولا بوسعهم أن ينكروا مكانته من رسول الله، وعلمه الغزير الواسع، وصدقه في الحديث، وهو القائل:(علّمني رسول الله ألفَ بابٍ من العلم، ينفتح لي من كلّ بابٍ ألف باب) (٢) .
بلى، كان على المسلمين أن يرجعوا إلى عليّ، ومَن سار على نهجه التعبّدي من عيون الصحابة الذين حفظوا سنّة رسول الله ودوّنوها في مجاميعهم ليأخذوا دينهم منه، وقد ثبت عند الجميع أنّ عليّ بن أبي طالب انصرف إلى العلم بعد أن أُقصي عن منصبه بعد رسول الله، فدوّن القرآن وحديث رسول الله، وكانت له ألواح يكتب فيها ما نزل على رسول الله، وما قاله صلّى الله عليه وآله في بيان التنزيل.
بعض الأمثلة التطبيقية
على مخالفة الصحابي لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
أورد الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة في كتابه (مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف دراسة نظرية تطبيقية) المطبوع في الرياض سنة ١٤١٥ هـ، مكتبة الرشد، بعض الأمثلة التطبيقية لذلك، وذلك بعد أن عرّف المخالفة لغة و أنّها تعني المضادة، والعصيان، و عدم الاتفاق، والتغيير(٣) والمقصود من الصحابي لغةً واصطلاحاً...(٤) .
أقول: أورد آراء علماء الإسلام في ذلك وانقسامهم فيه إلى مذهبين:
المذهب الأول: يعتقد أنّ الحديث يبقى على حجّيّته ولا تؤثّر عليه مخالفة
____________________
(١) المعجم الكبير ١١: ٦٥، ح ١١٠٦١، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٧، ح ٤٦٣٧، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، و ٣: ١٣٨، ح ٤٦٣٩، الفردوس بمأثور الخطاب ١: ٤٤، ح ١٠٦ عن أنس، فيض القدير ١: ٣٦.
(٢) كنز العمّال ١٣: ١١٤، ح ٣٦٣٧٢ عن (حل)، روضة الواعظين: ٧٥، جواهر المطالب: ٧٥، نظم درر السمطين: ١١٣، ينابيع المودّة ١: ٢٣١.
(٣) انظر مخالفة الصحابي: ٢٢ - ٢٩.
(٤) انظر مخالفة الصحابي: ٣٠ - ٨٦.
الصحابي له، لا من قريب و لا من بعيد، فلا يترك العمل من أجل تلك المخالفة(١) .
المذهب الثاني: يرى لزوم الأخذ بقول الصحابي وسقوط الاحتجاج بالحديث النبوي(٢) .
ثمّ ذكر الدكتور (الأمثلة التطبيقية على مخالفة الصحابي للحديث الذي رواه مخالفة كلية، وبيان أثر الاختلاف في ذلك) فقال:
بعد أن عرفنا مذهبي العلماء في هذه المسألة الأصولية وأدلة أصحاب كل مذهب، لابدّ من ذكر بعض الأمثلة التطبيقية التي خالف فيها الصحابي الحديث الذي رواه مخالفة كلية، وذلك زيادة في إيضاح المسألة، و لكي يتصور القارئ تلك المسألة في ذهنه أكثر تصويراً فأقول، و بالله التوفيق:
المثال الأول:
ما أخرجه البخاري في صحيحه، و مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، والترمذي في سننه، و النسائي في سننه، وابن ماجه في سننه، والدارمي في سننه، والإمام مالك في الموطأ و الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلّى الله عليه وآله - قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهنّ بالتراب)(٣) .
هذا الحديث رواه عن النبي صلّى الله عليه وآله أبو هريرة - كما رأيت - ولم يعمل به، بل خالفه وغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات، فقد أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار، والدارقطني في سننه، و ابن الجوزي في العلل المتناهية أنّ أبا هريرة كان يغسل
____________________
(١) انظر مخالفة الصحابي: ٨٧ - ١٠٥.
(٢) انظر مخالفة الصحابي: ١٠٦ - ١٢٣.
(٣) صحيح البخاري ١: ٧٥، باب الماء الذي يغسل به شعر الانسان، ح ١٧٠، صحيح مسلم ١: ٢٣٤، باب حكم ولوغ الكلب، ح ٢٧٩، سنن أبي داود ١: ١٩، باب سؤر الكلب، ح ٧١، واللفظ له، سنن الترمذي ١: ١٥١، باب ما جاء في سؤر الكلب، ح ٩١، سنن النسائي ١: ٥٢، باب سؤر الكلب، ح ٦٣ و ٦٤، سنن ابن ماجة ١: ١٣٠، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، ح ٣٦٣ و ح ٣٦٤، الموطأ ١: ٥٢، باب جامع الوضوع، ح ٦٥، مسند أحمد ٢: ٤٦٠، ح ٩٩٣١.
الإناء ثلاث مرات(١) .
فهنا خالف الصحابي - و هو أبو هريرة - الحديث الذي رواه.
فذهب أصحاب المذهب الأول - و هم الجمهور - إلى أنّه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات واحتجّوا بالحديث، ولم يلتفتوا إلى مخالفة أبي هريرة له - تبعاً لقاعدتهم.
أمّا أصحاب المذهب الثاني فإنّهم لمّا رأوا أنّ أبا هريرة قد خالف ما رواه تمسّكوا بقاعدتهم - وهي: أنّه إذا خالف الصحابي ما رواه فيؤخذ بتلك المخالفة دون الحديث(٢) - لذلك ذهبوا إلى أنّه يكفي غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات. ولم يعملوا بالحديث الذي رواه.
واختلف بعض أصحاب المذهب الثاني في الحديث هل يكون منسوخاً أم يحمل على أن التسبيع ندب؟ على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن الحديث منسوخ وهو رأي الكمال بن الهمام في (التحرير)، ووافقه على ذلك أمير بادشاه في (تيسير التحرير)، وابن أمير الحاج في (التقرير والتحبير).
القول الثاني: أن الحديث لم ينسخ، ولكن يحمل على الاستحباب، أي: أنّ الغسل ثلاث مرات واجب، والغسل سبع مرات مستحب، ذهب إلى ذلك السمرقندي في (بذل النظر)، و السمرقندي في (الميزان).
القول الثالث: أنّ الحديث يحتمل أنّه منسوخ، وأنّه على الندب ذهب إلى ذلك السرخسي في (أصوله)، و النسفي في (كشف الأسرار).
ثم قال الدكتور: الراجح في هذه المسألة - هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب
____________________
(١) شرح معاني الآثار ١: ٢٣، سنن الدارقطني ١: ٦٦، باب ولوغ الكلب في الإناء، ح ١٧، العلل المتناهية ١: ٣٣٣، باب حديث في عدد الغسل من ولوغ الكلب، ح ٥٤٤.
(٢) انظر تحفة الاحوذي على سبيل المثال ٢: ٧٨، حيث قال: وأصل علمائنا إذا خالف الصحابي في مروية فهو يدل على نسخه.
الأول - و هو أنّه يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات - لوجوه:
الوجه الأول: ثبوت حديث أبي هريرة السابق (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً) وصحته، ولم يثبت شي يصلح لمعارضته.
الوجه الثاني: أن غسل الإناء سبعاً ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وآله عن طريق آخر فقد أخرج مسلم في (صحيحه)، وأبو داود في (سننه)، والنسائي في (سننه) وابن ماجه في (سننه)، والدارمي في (سننه)، و أحمد في (المسند) عن عبد الله بن مغفل أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، والثامنة عفروه بالتراب)(١) .
فإذا فرضنا - مع الفرض الممتنع أنّ مخالفة الصحابي تؤثر في الحديث الذي رواه، فإنّها لا يمكن أن تؤثّر في مروي غيره.
الوجه الثالث: أنّ ما قاله أصحاب المذهب الثاني - أو بعضهم وهو: أنّه يغسل الإناء ثلاث مرات؛ استناداً إلى ما روي عن أبي هريرة من أنه كان يغسل الإناء ثلاث مرات، و في ذلك مخالفة للحديث الذي رواه، هذا لا يصلح أن يكون مستنداً يعتمد عليه؛ وذلك لأنّ الرواية اختلفت عن أبي هريرة: فقد روى عنه أنّه أفتى بغسل الإناء سبع مرات، وروى عنه أنّه أفتى بغسله ثلاث مرات... إلى أن يقول الدكتور:
المثال الثاني:
ما أخرجه أبو داود في (سننه)، والترمذي في (سننه)، والدارمي في (سننه)، والدارقطني في (سننه)، والحاكم في (المستدرك)، والإمام أحمد في (المسند) والطحاوي في (شرح معاني الآثار) عن عائشة - رضي الله عنها - أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال:
____________________
(١) صحيح مسلم ١: ٢٣٥، باب حكم ولوغ الكلب، ح ٢٨٠، سنن أبي داود ١: ١٩، باب الوضوء بسؤر الكلب، ح ٧٤، سنن النسائي ١: ١٧٧، باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، ح ٣٣٧، سنن الدارمي ١: ٢٠٤، باب في ولوغ الكلب، ح ٧٣٧، ورواه ابن عمر أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وآله كما في مصنف بن أبي شيبة ١: ٥٩، باب في الكلب يلغ الإناء، ح ١٨٣١، سنن ابن ماجة ١: ١٣٠، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، ح ٣٦٦، المعجم الكبير ١٢: ٣٦٥، ح ١٣٣٠٧.
(أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل)(١) .
فهذا الحديث قد روته عن رسول الله صلّى الله عليه وآله - عائشة كما رأيت - و لكنّها لم تعمل به، بل خالفته، حيث إنّها - رضي الله عنها - زوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمان بن أبي بكر على ابن أختها: المنذر بن الزبير، و كان أخوها - عبد الرحمان - غائباً في الشام(٢) .
فهنا: اختلف العلماء تجاه ذلك:
فذهب أصحاب المذهب الأول - وهم الذين يأخذون بالرواية، دون مخالفة الصحابي له - إلى العمل بمقتضى الحديث وهو أنّه لا يجوز أن تزوج المرأة نفسها، فلا يجوز النكاح بغير ولم يلتفتوا إلى مخالفة عائشة لهذا الحديث الذي روته؛ وهم الجمهور.
أمّا أصحاب المذهب الثاني فقد ذهبوا إلى الأخذ بمخالفة عائشة والعمل بذلك، وترك الاحتجاج بالحديث؛ لذلك يقولون: يجوز أن تزوّج المرأة نفسها.
قال عبد العزيز البخاري في (كشف الأسرار) - مبيناً وجهة نظر الحنفية في ذلك -: (فلمّا رأت عائشة - رضي الله عنها - أنّ تزويجها بنت أخيها من غير أمره جائز، ورأت ذلك العقد مستقيماً حتى أجازت فيه التمليك، الذي لا يكون إلاّ عن صحّة النكاح وثبوته، استحال أن يكون ترى ذلك مع صحّة ما روت).
ثم ذكر وجه دلالة آخر لذلك قائلاً: (فلمّا أنكحت فقد جوزت نكاح المرأة نفسها دلالة؛ لأنّ العقد لمّا انعقد بعبارة غير المتزوجة من النساء فلأن ينعقد بعبارتها أولى فيكون فيه عمل بخلاف ما روت).
وذكر وجه دلالة ثالث من ذلك إذ قال: (لمّا أنكحت فقد اعتقدت جواز نكاحها
____________________
(١) سنن أبي داود ٢: ٢٢٩، باب الولي، ح ٢٠٨٣، سنن الترمذي ٣: ٤٠٧، باب ما جاء لا نكاح إلاّ بولي، ح ١١٠٢، سنن الدرامي ٢: ١٨٥، باب النهي عن النكاح بغير ولي، ح ٢١٨٤، سنن الدارقطني ٣: ٢٢١، كتاب النكاح، ح ١٠، المستدرك على الصحيحين ٢: ١٨٢، ح ٢٧٠٦، قال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، مسند أحمد ٦: ٤٧، ح ٦: ٦٦، ٢٤٢٥١، ح ٢٤٤١٧، شرح معاني الآثار ٣: ٧، باب النكاح بغير عصبة.
(٢) انظر المحلى ٩: ٤٥٥، بدائع الصنائع ٢: ٢٤٩، فتح الباري ٢: ٢٢٥.
بغير إذن وليها بالطريق الأولى؛ لأنّ مَن لا يملك النكاح لا يملك إلاّ نكاح بالطريق الأولى، ومَن ملك الإنكاح ملك النكاح بالطريق الأولى).
وذكر بعض الحنفية كالسرخسي في (أصوله)، والنسفي في (كشف الأسرار) بأنّ الحديث منسوخ؛ و ذلك لكون الراوية له - وهي عائشة - قد عملت بخلافه تبعاً لقاعدتهم(١) .
وقد نصّ على ذلك الإمام أحمد في رواية حرب بن إسماعيل، فقال: (لا يصح الحديث عن عائشة؛ لأنّها زوجت بنات أختها، والحديث عنها).
وقال - أيضاً - في رواية المروزي: (لا يصح الحديث؛ لأنّها فعلت بخلافه).
ثم علّق الدكتور على الكلام السابق بقوله: الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور؛ لأمرين:
الأمر الأول: ما أخرجه البخاري في (صحيحه)، وأبو داود في (سننه)، والترمذي في (سننه)، وابن ماجه في (سننه) والإمام أحمد في (المسند) عن عائشة - رضي الله عنها - أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال: (لا نكاح إلاّ بوليّ)(٢) ورواه - أيضاً ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وهو صحيح قال المروزي: (سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث فقالا: صحيح)(٣) وهذا نص في المسألة.
الأمر الثاني: أنّ مخالفة عائشة لحديث (أيّما امرأة...) ليس صريحاً في المخالفةِ.
ولو سلمنا صراحة المخالفة، فإنّ فعل عائشة أو غيرها لا يمكن - بأيّ حال من الأحوال - أن يقوى على إسقاط حديث قد ثبت، ولم يشك فيه أي إمام من أئمة الحديث الذين يعتمد على أقوالهم. والله أعلم.
____________________
(١) انظر أصول السرخسي ٢: ٦، قال: فبعملها بخلاف الحديث يتبين النسخ.
(٢) صحيح البخاري ٥: ١٩٧٠، باب من قال لا نكاح إلاّ بوليّ، وفيه عدة أحاديث، سنن أبي داود ٢: ٢٢٩، باب في الولي، ح ٢٠٨٥، سنن الترمذي ٣: ٣٠٧، باب ما جاء لا نكاح إلاّ بوليّ، ح ١١٠١، ح ١١٠٢، سنن ابن ماجة ١: ٦٠٥، باب لا نكاح إلاّ بوليّ، ح ١٨٨٠، مسند أحمد ١: ٢٥٠، ح ٢٢٦١.
(٣) المغني ٦: ٧، كشاف القناع ٥: ٤٨.
المثال الثالث:
ما أخرجه البخاري في (صحيحه)، ومسلم في (صحيحه)، و أبو داود في (سننه)، والترمذي في (سننه)، والنسائي في (سننه)، وابن ماجه في (سننه)، والإمام مالك في (الموطأ)، والإمام أحمد في (المسند)، عن الزهري عن سالم عن أبيه - عبد الله بن عمر - قال: (رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، و إذا أراد أن يركع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود)(١) .
فهذا الحديث قد رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولم يعمل به، بل خالفه، ولا يرفع يديه إلاّ عند افتتاح الصلاة فقط، فقد أخرج بن أبي شيبة، في (المصنف): أن مجاهداً قال: (ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلاّ في أول ما يفتتح)، وأخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار)، بسند صحيح(٢) .
فهنا: هذا الصحابي - وهو ابن عمر - خالف حديثاً قد رواه، فاختلف العلماء في ذلك:
فذهب أصحاب المذهب الأول - وهم القائلون بأنّ مخالفة الصحابي لما رواه لا يسقط الاحتجاج به - إلى الأخذ بمقتضى الحديث، وهو: رفع اليدين عند الافتتاح وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وهذا مذهب الجمهور.
أمّا أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون بأنّ مخالفة الصحابي لما رواه يسقط الاحتجاج به، ومن ثمّ نعمل بعمل الصحابي ونترك الحديث - فإنّهم عملوا بفعل عبد الله بن عمر وهو: رفع اليدين عند الافتتاح - فقط - وتركوا العمل بالحديث، وهم أكثر الحنفية.
____________________
(١) صحيح البخاري ١: ٢٥٧، باب رفع اليدين في التكبيرة الأُولى، ح ٧٠٢، صحيح مسلم ١: ٢٩٢، باب استحباب رفع اليدين، ح ٣٩٠، سنن أبي داود ١: ١٩١، أبواب تفريع استفتاح الصلاة، باب رفع اليدين، ح ٧٢١، سنن الترمذي ٢: ٣٥، باب ما جاء في رفع اليدين ثم الركوع، ح ٢٥٥، سنن النسائي ٢: ١٨٢، باب رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين، ح ١٠٢٥، سنن ابن ماجة ١: ٢٧٩، باب رفع اليدين إذا ركع، ح ٨٥٨، الموطأ ١: ٧٥، باب افتتاح الصلاة، ح ١٦٣مسند أحمد ٢: ٨، ح ٤٥٤٠.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١: ٢١٤، ح ٢٤٥٢، شرح معاني الآثار ١: ٢٢٧، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١: ١٤٩.
قال الجصاص في (الفصول): (فدل تركه الرفع بعد روايته عن النبي صلّى الله عليه وآله على أنّه عرف نسخ الحديث؛ إذ لولا ذلك لما تركه؛ لأنّه غير جائز أن يُظَن بصحابي مثله مخالفة سنّةٍ للنبي صلّى الله عليه وآله رواها عنه مما لا احتمال فيه للتأويل).
وجزم أكثر الحنفية بمثل ما قاله أبو بكر الجصاص، وهو: أنه بمخالفة ابن عمر له عُلم أن الحديث الذي تركه - وهو من روايته - قد ثبت نسخه؛ من هؤلاء: أبو زيد الدبوسي في (الأسرار في الأصول والفروع)، والسجستاني في (الغنية في الأصول)، والسرخسي في (أصوله)، والكمال بن الهمام في (التحرير)، وعبد العزيز البخاري في (كشف الأسرار)، وأمير بادشاه في (تيسير التحرير)، وابن أمير الحاج في (التقرير والتحبير)، والنسفي في (كشف الأسرار)، وملاّ جيون في (نور الأنوار شرح المنار).
وبعض الحنفية قالوا بأن الحديث الذي رواه ابن عمر قد سقط الاحتجاج به لمّا خالفه راويه، ولم يذكروا أنّه منسوخ كالبزدوي في (أصوله)، والخبازي في (المغني).
ثم قال الدكتور عبد الكريم بن نملة: الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو: أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه؛ وذلك لأمور:
الأمر الأول: إنّ الحجة فيما فعله النبي صلّى الله عليه وآله، وليست في فعل واحد من الصحابة؛ ابن عمر أو غيره، كما قلنا أثناء تقريرنا للقاعدة الأصولية هناك.
الأمر الثاني: إنّ الحديث قد عمل بمقتضاه أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله؛ قال الحسن: (رأيت أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله يرفعون أيديهم إذا كبّروا، و إذا ركعوا، و إذا رفعوا رؤوسهم كأنها المراوح)(١) .
وقال البخاري: قال ابن المديني - وكان أعلم أهل زمانه -: (حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم لهذا الحديث)(٢) .
____________________
(١) التمهيد لابن عبد البر ٩: ٢١٧، المغني ١: ٢٩٥، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١: ١٥٥، نصب الراية ١: ٤١٦.
(٢) التحقيق في أحاديث الخلاف ١: ٣٣١، ح ٤١٩، المغني ١: ٢٩٥، تحفة الأحوذي ٢: ٨٨، الباب ٧٧ رفع اليدين ثم الركوع.
الأمر الثالث: إنّ قول مجاهد - وهو: أنّه لم ير ابن عمر يرفع يديه إلاّ في أوّل ما يفتتح - معارض بما ذكره طاووس من أنّه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما روي عنه عن النبي صلّى الله عليه وآله.
ومعارض بما قاله الإمام أحمد - و قد سئل عن الرفع -: (إي لعمري، ومن يشك في هذا؟! كان ابن عمر إذا رأى مَن لم يرفع حصبه، وأمره أن يرفع)(١) .
ونرجح رواية طاووس والإمام أحمد على رواية مجاهد؛ لأنّه يوافق الحديث الذي رواه ابن عمر، وكون الراوي يوافق ما رواه هو الذي يؤيده العقل والنظر والله أعلم.
ولا تلتفت إلى ما قاله عبد العزيز البخاري في (كشف الأسرار) من أنّ ابن عمر كان يرفع يديه في الافتتاح والركوع والرفع منه، قبل العلم بنسخ الحديث الذي رواه، فلما علم به ترك الحديث، وفعل ما ذكر عنه من أنّه لا يرفع إلاّ في الافتتاح؛ وذلك لأنّ هذا الكلام - أعني كلام عبد العزيز البخاري - مجرد احتمال يحتاج إلى دليل وبرهان، وما دام أنّه لا دليل على احتماله فنتوقف فيه، ونعمل بما لا يحتمل شيئاً وهو ما ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وعمل به جلّ الصحابة - رضوان الله عليهم - وهو رفع اليدين في الجميع، والله أعلم.
هذه بعض الأمثلة التطبيقية على تلك القاعدة الأصولية، ومَن أراد الاستزادة والتفصيل في تلك الأمثلة السابقة، أو أمثلة أخرى فليراجع كتب الفقه إن شاء(٢) .
انتهى موضع الحاجة من كلام الدكتور عبد الكريم بن علي النملة.
استخلاص واستنتاج
جئنا بهذه النماذج للتأكيد على أنّ الحكّام يهمّهم في الغالب منح رأيهم الشرعيّة، أكثر من التقيّد بما قاله الله والتعبّد بنصوص الوحي. ولو تبصّر الباحث في فقه عثمان
____________________
(١) التمهيد لابن عبد البر ٩: ٢٢٤، تلخيص الحبير ١: ٢٢٠.
(٢) انظر مخالفة الصحابي للحديث النبوي: ١٢٤ - ١٤٥.
ومعاوية ومَن سار على نهجهما لوجده - في آرائه المستجدّة - امتداداً لنهج الخليفة عمر بن الخطّاب. وإذا حَدَث أن شذّوا في بعض الأحيان عن سنّة الشيخين - كما في إتمام الصلاة بمنى وتقديم الخطبة عند عثمان، وإحداث الأذان وتقديم الخطبة في العيدين، عند معاوية - فلا يعني هذا تخالف رأيهم مع رأي عمر وأبي بكر في كلّ شي، بل يدلّ على تبنّيهم رأياً جديداً مبتنياً على قاعدة أنّ للخليفة حقّ التشريع بما يراه مصلحة ورجحاناً، ومن الطبيعيّ أن تكون قناعتهم هي الراجحة على نظر مَن سبقهم. فالخليفة عثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان يسيران - بنحو عامّ - على نهج مَن سبقهما، وأنّ أخذهما بالرأي والاجتهاد جاء امتداداً لرأي الشيخين اللذين سنّا هذا في الشريعة.
وبذلك تبلور عند المسلمين اتّجاهان: أحدهما يأخذ بالنصوص الشرعيّة ولا يرتضي رأيَ أحدٍ بديلاً عن حكم الله ورسوله؛ إذ إنّ الرسول كان لا يقول في الأحكام برأي ولا قياس ولكنّه يحكم( بِمَا أراك الله ) (١) و( ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (٢) . ومعنى هذا أنّه كان متعبّداً بما ينزل عليه من الوحي ولا يفتي برأيه. وهذا المفهوم التعبّديّ قد ورد في كلمات الأئمّة من ولده؛ إذ كلّهم يؤكّدون أنّ قولهم لم يكن عن رأي، وإنّما هو حكمٌ توارَثوه كابراً عن كابر، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وفي مقابل هذا الاتّجاه برز اتّجاه آخر، هو ما سمّيناه: اتّجاه الاجتهاد والرأي، أو المصلحة، وقد استحكم بآخره وفي العهود اللاحقة.
وقد تبنّى هذا الاتّجاه في جذوره الأساسيّة بعض الصحابة على عهد رسول الله؛ إذ اتّضح لك موقف أبي بكر وعمر في قضيّة المتنسّك، وأنّهما لم يقتلاه لصلاته وخشوعه، وغيرهم من الصحابة الذين صاموا الدهر مع وجود النهي عن رسول الله فيه و... فهؤلاء قد دعوا إلى مشروعيّة الرأي، والخليفة عمر بن الخطّاب حكَّم فكرتهم
____________________
(١) النساء: ١٠٥.
(٢) النجم: ٣ - ٤.
لما أحسّه من العوز إلى النصوص، فالسماح بالقياس والاجتهاد ثمّ صعود عمر المنبر واعتراضه على الصحابة لاختلافهم في الآراء، يعني: أنّه وأبا بكر كانا يريدان حصر الرأي وحجّيّته بهما، دون غيرهما، ويُلزمان الصحابة بالتعبّد بما يقولانه، بيد أنّهما لم يوفَّقا في ذلك؛ لأنّ القول بمشروعيّة الرأي والاجتهاد له اتّساع ومطّاطيّة وانسياب، ولا يمكن لأحد حكره على نفسه.
إنّ القول بمشروعيّة تعدّديّة الرأي هو ما أوقع الأُمّة في الاختلاف. وقد وضّح أبو بكر هذه الحقيقة بقوله: (والناس أشدّ اختلافاً من بعدكم)، ومثله ما قاله أبو بكر لعمر - كما في رواية البيهقيّ آنفة الذكر - حيث (شكا إليه الحكم بين الناس...).
أمّا الإمام عليّ بن أبي طالب فقد وضّح الأمر بأجلى صوره في الخطبة الشِّقشقيّة حيث قال:
(... يَكْثُرُ العثارُ فيها والاعتذار منها، فصاحِبُها كراكبِ الصَّعْبة: إنْ أشْنَقَ لها خَرَم، وإن أسْلَسَ لها تَقَحّم، فَمُنِيَ الناس لعمرُ الله بخبطٍ وشماس...) .
ولو تدبّرنا كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم الخميس:(ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً) وقوله صلّى الله عليه وآله في حديث الثقلين:(ما إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً) مع الأحاديث الواردة عن أهل البيت ونهيهم عن الأخذ بالرأي، وكون الرأي بنظرهم ابتعاداً عن السنّة؛ لعرفنا أنّ إباحة التدوين ومنعه كانا أمرين مرتبطينِ بالشريعة، لكنّ الخلفاء سخّراهما لخدمة مصالحهم وآرائهم، فمنعوا التدوين والتحديث حينما رأوا ضرورة في ذلك، وفتحوه أيضاً عندما أرادوا ذلك.
فالأمّة الممتحنة كلّما ابتعدت عن أهل البيت زادت بُعداً عن الحقّ وتيهاً عن جادّة الصواب، وهذا ما كان يتخوّف منه رسول الله على أُمّته؛ لأنّ الابتعاد عنهم سياسيّاً وعدم إطاعتهم في أمر الولاية والخلافة سيبعد الأمّة عن سنّة رسول الله، وهو ممّا يؤدّي إلى الانحراف عن الجادّة؛ لأنّ عدم ترشيحهم للخلافة وتنصيبهم لها لا يُسقط أمر الرسول وإخباره:(إنّي مخلّف فيكم الثقلين) ؛ لأنّ المأمور به هو الأخذ منهم، أي أنّكم لو لم تأخذوا بأقوال هؤلاء الأئمّة في الشريعة لضللتم عن الدرب وابتعدتم عن السنّة.
وقد أكّد رسول الله على هذا الأمر، موضّحاً كونهم هُداة الأمّة والمبيّنين لما اختلف فيه الناس من بعده؛ وذلك في مثل قوله صلّى الله عليه وآله:(أنا المنذر وعليّ الهادي وبك يا عليّ يهتدي المهتدون من بعدي) (١) .
وقوله:(مَن أراد أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويسكن جنّة الخُلد التي وعدني ربّي؛ فليتولَّ عليَّ بن أبي طالب فإنّه لن يُخرجكم من هدى، ولن يُدخلكم في ضلالة) (٢) .
وفي نصوص أُخرى عنه صلّى الله عليه وآله يتأكّد لزوم أخذ الأحكام عنهم لا غير، فجاء عنه صلّى الله عليه وآله قوله:إنَّما هلك مَن كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنَّما نزل كتاب الله يصدّق بعضه بعضاً فلا تكّذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه (٣) .
وفي آخر:مهلاً يا قوم! بهذا أُهلكت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إنَّ القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضاً، بل يصدّق بعضه بعضاً، فما عرفتم فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه (٤) .
وعن أُبيّ بن كعب أنّه قال لمّا سئل ما المخرج من هذا؟ - حينما وقع الناس في عثمان - قال: كتاب الله وسنّة نبيّه، ما استبان لكم فاعملوا به، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه(٥) .
____________________
(١) تاريخ دمشق ٤٢: ٣٥٩، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٠، ح ٤٦٤٦، قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، تفسير الطبري ١٣: ١٠٨، تفسير ابن كثير ٢: ٥٠٣، الدر المنثور ٤: ٦٠٨، فتح القدير ٣: ٧٠، فتح الباري ٨: ٣٧٦.
(٢) الكافي ١: ٢٠٩، باب ما فرض الله عز وجل رسوله صلّى الله عليه وآله، ح ٥، المعجم الكبير ٥: ١٩٤، ح ٥٠٦٧ وفيه زيادة، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٩، ح ٤٦٤٢.
(٣) مسند أحمد ٢: ١٨٥، ح ٦٧٤١ واللفظ له، المعجم الأوسط ٣: ٢٢٧، ح ٢٩٩٥، المدخل للبيهقي ١: ٤٢٩، باب التوقي عن الفتيا والتثبّت فيها، ح ٧٩٠، المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٤٣، ح ٥٣٢١، نحوه.
(٤) مسند أحمد ٢: ١٨١، ح ٦٧٠٢، وانظر ٢: ٣٠٠، ح ٧٩٧٦، وصحيح ابن حبان ١: ٢٧٥، وقريباً منه في المعجم الأوسط ٨: ٣٠٧، ح ٨٧١٥، واعتقاد أهل السنّة ١: ١١٧، ح ١٨٣.
(٥) خلق أفعال العباد للبخاري: ٦٣، المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٤٣، ح ٥٣٢١، اللفظ له، مفتاح الجنّة
=
وقد مرّ عليك ما في ذيل حديث الصادق عليه السلام - المنقول عن تفسير العيّاشيّ قوله عليه السلام:فلو أنّهم إذا سئلوا عن الشيء من دين الله، فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله، ردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم؛ لعلمه الذين يستنبطونه منهم من آل محمد صلّى الله عليه وآله (١) .
إنّ المنع من الإتيان بالدواة إلى رسول الله، ثمّ المنع من تدوين السنّة والتحديث بأحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله، والقول بـ (حسبنا كتاب الله) وأخيراً الذهاب إلى مشروعيّة الرأي والقياس، وجواز تعدّد الآراء في الشريعة، وكون كلام الصحابيّ يخصّص القرآن والسنّة... كلّها مراحل مرّت بها الأمّة فابتعدت بها عن الجادّة، وعمّا رسمه الوحي في شريعته.
كان هذا مجمل محنة النصّ النبويّ وسلطة الرأي على الشريعة. ولو أردنا التوسّع في مثله لخرجنا عمّا نريد الإشارة إليه.
إنّ الحكومة كانت تصحّح جميع الآراء، وتأخذ بأقوال جميع الصحابة... إلاّ فقه عليّ بن أبي طالب وأتباعه المتعبّدين والمدوّنين؛ فإنّه بزعمها أجنبيّ عن الإسلام ومنفيّ من فقه المسلمين!
ولو تطلّعنا إلى تراثنا الفقهيّ الحديثيّ لرأينا غلبة روح العصبيّة عليه، فأحاديث عليّ لا تتجاوز العشرات في المجاميع الحديثيّة، ولم يبنوا عليها الأحكام إلاّ عند اضطرارهم لذلك، بل إنّهم ليخافون ويقصرون في نقل جميع مرويّات عليّ عليه السلام، وأحكامه التي استلمها فَمَاً لِفَمٍ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأمّا أحاديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة فتدور عليها رحى الشريعة عندهم، وهي بالألوف!
ترى... لِمَ أُريد لهذا الاختلال أن يكون؟! أَلأَِِنَّ أبا هريرة وابن عمر وعائشة كانوا أقدم إسلاماً وأكثر علماً، وأقرب إلى رسول الله من عليّ؟! أم أنّ هناك شيئاً آخر؟!
ولِمَ لا يروي مالك في موطّئه عن عليّ الأحاديث بقدر ما روى عن أبي هريرة؟!(٢) .
____________________
=
للسيوطي: ٧٠، حجّيّة السُنّة: ٣٥٨.
(١) تفسير العيّاشي ٢: ٣٣١ - ٣٣٢.
(٢) عدد الأحاديث التي رواها مالك عن علي بن أبي طالب في موطّئه هي ثمانية أحاديث فقط بينما نراه
=
ولماذا لا نرى في فقه المسلمين ما يشير إلى أحكام أهل البيت، في حين نرى هؤلاء الفقهاء يذكرون شواذّ آراء المذاهب الفقهيّة البائدة.
فما يعني كلّ هذا؟! ولماذا نجد بقايا فكر العصبيّة موجوداً في تراثنا، ومن أجله يُمنع الباحثون من التعرّف على أُمور فيها إيضاح للحقائق، ولو أقدم أحد على أمر كهذا لرمي ببثّ الفرقة بين المسلمين؟!
إنّا لنعجب كلّ العجب ويحقّ لنا أن نتساءل: متى كان تبيين الحقائق وتوضيح المجهولات يعني الفرقة والفتنة؟!
مفردات مُهمّة
و إليك هذا النصّ كي تقف على منهج الحكّام في الأحكام، فقد جاء في مقدّمة تذكرة الحفّاظ للذهبي، عن شعيب بن جرير أنّه طلب من سفيان الثوريّ أن يحدّثه بحديث السنّة، فقال:
اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق - إلى أن يقول -: يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتّى ترى المسح على الخفّين، وحتّى ترى أنّ إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر به، وحتّى تؤمن بالقَدَر، وحتّى ترى الصلاة وراء كلّ بَرّ وفاجر، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جائر أو عادل.
فقلت: يا أبا عبد الله! الصلاة كلّها؟
قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صلِّ خلف مَن أدركت، أمّا سائر ذلك فأنت مخيّر، لا تصلّي إلاّ خلفَ مَن تثق به وتعلم أنّه من أهل السنّة(١) .
وها أنت ترى أنّ إخفاء( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، والمسح على الخفّين والصلاة خلف كلّ بَرّ وفاجر... كلّها ممّا وضعته السياسة الحكوميّة، وأنت تعرف أنّ مدرسة أهل
____________________
=
قد روى عن أبي هريرة ما يقارب ١٧٠ حديثاً.
(١) انظر اعتقاد أهل السنّة ١: ١٥٢ - ١٥٤ وقد ذكر الخبر بكامله وفيه: أنّ القرآن كلام مخلوق بدل غير مخلوق، تذكرة الحافظ ١: ٢٠٦ واللفظ له، تحفة الأحوذي ٢: ٤٨ مختصراً.
البيت ترى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من علامات المؤمن، وقد أيّد موقفهم هذا عدد كبير من الصحابة، ولو لا الخروج عن صُلب البحث لأشرنا إلى أسمائهم ونصوصهم، لكنّ المهمّ هو أنْ تعرف أنّ كلّ المفردات المذكورة مخالفة لفقه عليّ وابن عبّاس وأعيان الصحابة، وموافقة لفقهاء السلطة والحكومة، وكفى بهذا دليلاً ومؤشّراً.
كانت هذه بعض أُصول السياسة، والآن لنوضّح سرّ التأكيد على سيرة الخليفة عمر بن الخطّاب، وكونه قد أخاف الناس في الحديث عن النبيّ!
جاء في بعض النصوص المنسوبة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله: (اقتدوا بالذين من بعدي: أبا بكر وعمر)(١) . وفي هذا النصّ مؤشّرات تدلّ على أنّه قد جُعِل في أوائل خلافة عثمان؛ لأنّا قد عرفنا أنّ عمر بن الخطّاب وعبد الرحمن بن عوف كانا يتخوّفان من أمرين.
الأوّل: تصدّر مَن لا يرتضي اجتهاد الشيخين.
الثاني: سريان الاجتهاد بحيث لا يمكن حدّه؛ إذ إنّ تعدّد مراكز الإفتاء والقول بحجّيّة رأي الجميع لو أُطلق له العنان، وخصوصاً في تلك البرهة من تاريخ الإسلام، لما أمكن لأحد الوقوف بوجهه؛ ومن أجله نرى ابن عوف يعترض على عثمان لإتيانه بأُمور لم تكن على عهد الشيخين، ويطلب منه أن يقف عند اجتهاداتهما ولا يتعدّاها إلى غيرها!!
لكنّ عثمان لم يستجب لطلبه ولم يرتضِ قوله؛ لأنّه كان لا يرى نفسه أقلّ شأناً منهما ليكون متّبعاً لهما مقتفياً أثرهما في الاجتهاد، ولم يكن هناك ما يرجّح رأيهما على رأيه، فإذا كان كلّ من أبي بكر وعمر قد ارتبط برسول الله صلّى الله عليه وآله عن طريق المصاهرة، فزوّج كلّ منهما ابنته لرسول الله... فإنّ عثمان قد ارتبط برسول الله برباطين، وتزوّج ابنتيه، كما نقلت ذلك بعض الأخبار!!!
بلى، إنّ عثمان كان يتساءل مع نفسه: لو كان الاجتهاد مشروعاً فلمَ لا أجتهد أنا في
____________________
(١) مسند أحمد ٥: ٣٨٢، ح ٢٣٢٩٣، سنن ابن ماجة ١: ٣٧، ح ٩٧، سنن الترمذي ٥: ٦٠٩، ٦١٠، باب مناقب أبي بكر وعمر، ح ٣٦٦٣، ٣٦٦٢، المستدرك على الصحيحين ٣: ٨٠، ح ٤٤٥٥.
الأحكام كذلك؟ وكيف يحقّ لهم أن يلزموني بأن اتّبع رأي الشيخين وأقتفي آثارهما وأراهما لم يتعبّدا بقول الرسول ويجتهدان أمامه؟! وإذا لم يكن الاجتهاد جائزاً فلم يُبيحون لأولئك الاجتهاد ويحضرونه عليّ؟
وهذه الموازنة أيضاً كانت محلّ اختلاف الأنظار، فابن عوف ومَن على طرازه الفكريّ، كانوا يتصوّرون إمكان حصر دائرة الاجتهاد والرأي بسيرة الشيخين، فألزموا عثمان بها وطالبوه بالوفاء بما التزم به، في حين كان موقف علي بن أبي طالب عليه السلام خلاف ذلك، فإنّه أدرك خطأ الموازنة المتوخّاة، وأنّ الاجتهاد باب مفتوح لا ينحصر بواحد دون آخر؛ ولذلك قال لابن عوف (دقّ الله بينكما عطر منشم)(١) ، فقد أخبر باختلافهما. وأخرجه مخرج الدعاء، لعلمه بثاقب بصيرته لما سيؤول إليه الأمر، وقد حدث ذلك بالفعل.
غير أنّ الأمويّين أضافوا اسم عثمان إلى قائمة مَن يجب طاعته واتّباع سيرته من الخلفاء؛ لما رأيت من النصوص الكثيرة التي فيها أسماء الخلفاء الثلاثة: (أبي بكر، وعمر، وعثمان) دون عليّ بن أبي طالب، ولم يدرج اسم علي عليه السلام رابعاً إلاّ في أواخر العهد العبّاسيّ الأوّل، فقد أدرجوا اسمه ضمن قائمة الخلفاء؛ لأنّهم رأوا أنّه لا محيص عن إدراج اسمه ضمن مَن سبق خصوصاً في أوائل الحكومة العبّاسيّة(٢) وحاجتها إلى معارضة كلّ ما يمتّ للأمويّين بصلة، وعليّ من بني هاشم، فاتّخذوه ذريعة لهم. وكذلك صدور روايات (الخلفاء الراشدين من بعدي) كانت من آثار هذه الفترة من تاريخ الإسلام. فالاختصاص بالثلاثة (أبي بكر، وعمر، وعثمان) كان من إبداعات العهد الأمويّ! وأمّا: (اقتدوا بالذين من بعدي) وأمثاله فقد صدرت بعد الشورى، وأيّام التأكيد على سيرة الشيخين!
____________________
(١) شرح النهج ٩: ٥٥، ١: ١٨٨.
(٢) تربيع الخلافة كان في زمن أحمد بن حنبل والمتوكّل العبّاسي حسبما أعلم.
ما رجّحه ابن عبد العزيز في التدوين
نعم، إنّ السياسة كان لها الأثر الأكبر في هذه النصوص وفي غيرها، من أمثال (العشرة المبشّرة) أو (عدالة الصحابة). كلّ هذه النصوص توضّح مسلك تعدّديّة الرأي الذي بذر بذرته الخليفتان (أبو بكر وعمر) عند منعهما للحديث والتدوين.
إنّ شيوع ظاهرة الأخذ بالأحاديث عند بعض الصحابة، والرأي عند الآخر واختلاطهما عند فريق ثالث... كلّ ذلك جعل سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله تختلط بالأثر عن للصحابة، فتداخلت الأمور، واختلط الحابل بالنابل، والصحيح بالسقيم، والسنّة بالسيرة العامّة. ثمّ جاء عمر بن عبد العزيز ليحكّم سيرة الشيخين لتكون شريعة ماضية للمسلمين.
جاء فيما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله أو سنّة أو حديث عَمْرَة. فاكتبه؛ فإنّي خشيت دروس العلم وذهاب العلماء(١) .
وفي حديث آخر: وحديث عمر(٢) .
وفي ثالث: أن يكتب له العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمان والقاسم بن محمّد فكتبه له(٣) .
وجاء في حلية الأولياء عن حاطب بن خليف البُرْجُميّ: شهدتُ عمر بن عبد العزيز يخطُب وهو خليفة، فقال في خُطبته: ألا إنّ ما سنّ رسول الله وصاحباه فهو دِين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نُرجئه)؟!(٤) .
وفي (تقييد العلم): كتب عمر بن عبد العزيز إلى المدينة انظروا. وفي حديث
____________________
(١) صحيح البخاري ١: ٤٩، باب كيف يقبض العلم، طبقات ابن سعد ٨: ٤٨٠، سنن الدارمي ١: ١٣٧، ح ٤٨٨، التمهيد لابن عبد البر ١٧: ٢٥١، تقييد العلم: ١٠٥، ١٠٦ واللفظ له.
(٢) سنن الدارميّ ١: ١٣٧، ح ٤٨٧.
(٣) الطبقات الكبرى ٢: ٣٨٧، الجرح والتعديل ٩: ٣٣٧، ١: ٢١ واللفظ له، تهذيب الكمال ٣٣: ١٤٠.
(٤) حلية الأولياء ٥: ٢٩٨، تاريخ دمشق ١١: ٣٨٥، تاريخ الخلفاء ١: ٢٤١ وفيه حاطب بن خليفة البرجمي بدل: خليف.
عفّان إلى أهل المدينة: أن انظروا ما كان في حديث رسول الله فاكتبوه فإنّي خفت. وفي حديث عفّان: فإنّي قد خفت دروس العلم وذهاب العلماء(١) .
وجاء فيما كتبه عمر بن عبد العزيز لبعض ولاته: (... فإنَّ السنّة إنَّما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمّق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنَّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وتفضيل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولأن قلتم (إنّما حدث بعدهم) ما أحدثه إلاّ من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنَّهم هم السابقون، فقد تكلّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصّر وما فوقهم من محسر، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم قوم فغلوا، و إنَّهم بين ذلك لعلى هدى مستقم...)(٢) .
وفي كلام آخر له: سنّ رسول الله وولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال لطاعة الله، وقوّة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، مَن اهتدى بها فهو مهتد، ومَن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتّبع غير سبيل المؤمنين...(٣) .
ثمّ إنّ الخليفة عمر بن عبد العزيز جعل ما دوّنه ابن حزم سنّة للأمصار، وقد علمت أنّ ما دوّنه كان يضمّ في مطاويه اجتهادات الخلفاء، وما روته عمرة والقاسم بن محمّد عن عائشة وغيرهما، وهو ما أرادته السلطة من تثبيت فقه هؤلاء!
وفي هذا الصدد ورد عن ابن شهاب الزهريّ قولُه: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السُّنَن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كلّ أرض له عليها سلطان دفتراً(٤) .
____________________
(١) تقييد العلم: ١٠٦.
(٢) سنن ابي داود ٤: ٢٠٣، باب لزوم السنّة، ح ٤٦١٢، وعنه في حقيقة البدعة وأحكامها للغامديّ ١: ٧٤، ونحوه في البدع لابن وضاح: ٣٠.
(٣) السنّة لعبد الله بن أحمد ١: ٣٥٧، اعتقاد أهل السنّة ١: ٩٤، حلية الأولياء ٦: ٣٢٤ واللفظ له، جامع العلوم والحكم: ٢٦٤.
(٤) جامع بيان العلم وفضله ١: ٧٦.
وقد مرّت عليك نصوص عنه بأنّ تدوين العلم كان من أجل طلب الأمراء. مع الوقوف على دور السلطة في العهد العبّاسيّ في تأصيل المذاهب الأربعة، ننتهي من ذلك إلى أنّ عمل عمر بن عبد العزيز في السنّة لم يكن لجمع سنّة رسول الله فقط، بل لتأصيل ما صدر عن الخلفاء من اجتهادات وآراء كذلك، أي أنّه قد أصّل مدرسة الخلفاء (الاجتهاد والرأي) بعد أن انفصل فقههم عن منابعه وأُصوله وضاع العلم عن الأمّة مدّة قرن أو أزيد!
والمعلوم أنّ التدوين في ظروف تغلب عليها العصبيّة والقَبَليّة - خصوصاً بعدما شاع الوضع على لسان رسول الله - ليس ممّا يمكن الاطمئنان إليه.
هذا، ولا يخفى أنّ وجود بعض الأحاديث ممّا لا يرتضيه الاتّجاه الحكوميّ العامّ، لا يعني خلوص نيّة من تصدّى لأمر التدوين وطموحهم إلى حفظ الشريعة، بل هو مؤشّر على امتداد النهجين في عهدهم، ووجود من يدافع عن سنّة رسول الله؛ لأنّ التحريف الحكوميّ لا يُمكنه الصمود أمام التيّار الفكريّ الضخم الأصيل، ذلك أنّ تعثّر النهج الحاكم، وخلطه بين الأوراق هو ما تكشفه الروايات الأخرى والقرآن الكريم، ويقف أمامه أتقياء الصحابة والمنطق السليم.
ولذلك نرى أصالة نهج التعبّد في الصحاح والمسانيد التي دوّنها أتباع الرأي والاجتهاد، وقد اتّخذت تلك المرويّات طريقها في فقه المسلمين على رغم كلّ الظروف والملابسات. وأنّ شمولها واتّساعها لأغلب أبواب الفقه ينبئ عن وجود نهجين فكريّين: أحدهما يدعو إلى الرأي ويفتي طبق اجتهاد الصحابة، والآخر: يعمل بالنصوص وما جاء في كتاب الله وسنّة نبيّه لا غير.
جاء في (تقييد العلم): أخبرنا صالح بن كيسان، قال: اجتمعت أنا والزهريّ، ونحن نطلب العلم، فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبيّ صلّى الله عليه وآله. ثمّ قال: نكتب ما جاء عن أصحابه، فإنّه سنّة.
فقلت أنا: ليس بسنّة فلا نكتبه.
قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيّعت(١) .
قال أبو زهرة: وجدنا مالكاً يأخذ بفتواهم كما أنّها من السنّة(٢) .
وقال موسى جار الله: ونحن فقهاء أهل السنّة والجماعة، نعتبر سيرة الشيخين: الصدّيق والفاروق أُصولاً تعادل سنن النبيّ الشارع في إثبات الأحكام الشرعيّة في حياة الأمّة وإدارة الدولة. ونقول إنَّ الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة المعصومة(٣) .
كيف لا يكون ذلك والحكومة وراء نهج الخلفاء، تثبّت ما يريدون، وتترك جانباً ما لا يرغبون فيه؟! وإليك هذا النصّ:
نقل أبو بكر الصنعانيّ: أتينا مالك بن أنس، فحدّثَنا عن ربيعة الرأي - وهو أُستاذ مالك ومعلّمه - فكنّا نستزيده، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟
فأتينا ربيعة، فقلنا: كيف حظى بك مالك ولم تُحِظ أنت بنفسك؟!
فقال: أما علمتم أنّ مثقالاً من دولة خير من حِمل علم(٤) .
وهذا يكشف عن مواقف النهجين وامتدادهما في العصر الأمويّ والعبّاسيّ، ويكشف عن اختلاط النصوص بحيث يعسر تمييز صحيح الحديث من سقيمه، وهو ما أراده هؤلاء الخلفاء للعصور اللاحقة!
تساؤلات وموازنة
إنّ التصريح بأسماء عشرة من الصحابة على أ نّهم من أهل الجنّة(٥) يخالف الواقع العمليّ لسيرتهم، إذ كيف يمكننا أن نصحّح الخبر مع أنّ طلحة والزبير يقاتلان عليّاً
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٢: ٣٨٩، حلية الأولياء ٣: ٣٦٠ - ٣٦١، تقييد العلم: ١٠٦ - ١٠٧ والمتن عنه.
(٢) كتاب ابن حنبل لابن زهرة: ٢٥١ - ٢٥٥، وكتاب مالك لابن زهرة أيضاً: ٩٠.
(٣) الوشيعة: ٧٧.
(٤) تاريخ بغداد ٨: ٤٢٤، طبقات الفقهاء لأبي إسحاق: ٥٤، صفوة الصفوة ٢: ١٥١.
(٥) مسند أحمد ١: ١٨٧، ح ١٦٢٩، سنن ابن ماجة ١: ٤٨، باب فضائل العشرة، ح ١٣٣، سنن الترمذي ٥: ٦٤٧، باب مناقب عبد الرحمان بن عوف، ح ٣٧٤٧.
وهو يومئذٍ الخليفة الشرعيّ، والكلّ من أهل الجنّة؟! في حين نعلم أنّ الحقّ واحدٌ، فإن كان عليّ مع الحقّ فطلحة والزبير على الباطل، وإن كانا على الحقّ، فعليّ على الباطل!
ولو قبلنا خبر (العشرة المبشّرة)، فكيف نفعل بما رواه البخاريّ عن رسول الله من قوله: إذا التقى المسلِمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.
فقلت: يا رسول الله! هذا القاتل... فما بال المقتول؟!
قال: إنّه كان حريصاً على قتل صاحبه(١) .
إنّ هذا ليجعل الباحث في حيرة، لا يدري أيصدّق كونهما من أهل الجنّة، أم كونهما من أهل النار؟
وما هي وظيفة الصحابيّ؟ هل يقاتل الفئة التي تبغي حتّى تفي إلى أمر الله، أم ينبغي له اتّباع من غلب، كما في قول ابن عمر؟!
وإذا كان كلّ واحد من العشرة له أن يفعل ما يشاء وكيفما يشاء، باعتباره من أصحاب الجنّة، فلماذا لم يدركوا هم هذه الحقيقة ويترك بعضهم البعض الآخر، وإذا كان هذا المنطق هو الصحيح، فلماذا نرفض الفوضويّة في التفكير؟ وهل هذا الكلام إلاّ عين الاستهانة بدماء وأموال وأعراض المسلمين؟!
ولماذا نرى عمر بن عبد العزيز يؤكّد على أبي بكر عمرو بن حزم أن يكتب ما كان من حديث رسول الله وسنّة صاحبيه، أو في حديث آخر: عمرة، وفي ثالث: عمر؟!
وما هو المستبطن في خطبته: (إلاّ ما سَنّ رسول الله وصاحباه، فهو ديِن نأخذ به وننتهي إليه، أمّا ما سنّ سواهما فإنّا نُرجئه...)؟!
ولماذا أرجأ عمر بن عبد العزيز سنّة عثمان وعليّ؟ ألم يكونا من الخلفاء الراشدين الذين زُعِمَ أنّ رسول الله أكّد على الأخذ بقولهم: (عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي)؟! وهل السنّة المتداولة اليوم هي سنّة الرسول، أم سنّة
____________________
(١) صحيح البخاري ١: ٢٠، باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، ح ٣١ و ٦: ٢٥٢٠، ح ٦٤٨١ و ٦: ٢٥٩٤، ح ٦٦٧٢، وهو أيضاً عند مسلم ٤: ٢٢١٣، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، ح ٢٨٨٨.
الصحابة؟ هذه تساؤلات بل تناقضات، يلزم البحث عنها في الفقه والتاريخ، وينبغي ألاّ تؤخذ النصوص على علاّتها.
أمّا أُصول الجرح والتعديل، فقد رُسمت بعد رسول الله ومن قبل الحكّام وتحت رعايتهم وإشرافهم، مع الأخذ بنظر الاعتبار غلبة روح العصبيّة على تلك الأصول، فنسبة الضلال وفساد العقيدة والكذب وما شابهه إلى شيعة عليّ جاءت لتخالف مرويّات هؤلاء مع أُولئك فكريّاً، وقد تركت تلك الأصول آثارها في سيرتنا وسلوكنا بحيث لا يمكن التحرّر منها والابتعاد عنها من دون بحث وتحقيق، فلا محيص من المكوث عندها ودراسة جذورها تاريخيّاً وفقهيّا، مع إيماننا بأنّ دراسة مثل هذه القضايا تفتح للباحث آفاقاً جديدة للمعرفة لم يكن قد تذوّق صدقها ودقّتها من قبل، وهو ما ندعو إليه الباحثين ونؤكّد عليه في بحوثنا ودراساتنا، وستقف في ثنايا هذا البحث وكذا في بحثنا عن (تاريخ الحديث النبوي)، وما كتبناه عن السنة بعد الرسول على أنّ السنّة المتداولة اليوم لم تكن سنّة رسول الله، بل هي سنّة الرجال في كمّ ضخم من أبوابها ومفرداتها.
نظريّة أهل البيت في الموضوع
إنّ الأئمّة من أهل البيت كانوا يشيرون إلى هذه الحقيقة تصريحاً وتلويحاً، في نصوص كثيرة، إليك بعضها لتقف على رؤيتهم المميّزة لها عن مدرسة أهل الرأي.
عن الباقر أنّه قال لجابر:يا جابر! لو كنّا نُفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نُفتيهم بآثارٍ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وأُصول عنهم، نتوارثها كابر عن كابر، نَكْنِزُها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم (١) .
وسأل رجلٌ الصادقَ عن مسألةٍ فأجابه فيها، فقال الرجل: أرايت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟
____________________
(١) بصائر الدرجات: ٣٢٠.
فقال له:مَه! ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله، لسنا من (أرأيت) في شيء (١) .
عن سعيد الأعرج قال، قلت لأبي عبد الله (الصادق) إنّ من عندنا ممّن يتفقّه يقولون يَرِدُ علينا ما لا نعرفه في كتاب الله ولا في السنّة، نقول فيه برأينا؟
فقال أبو عبد الله:كذبوا ليس شيء إلاّ قد جاء في الكتاب وجاءت به السنّة (٢) .
وعن أبي جعفر (الباقر) أنّه سئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال الرجل: إنّ الفقهاء لا يقولون هذا، فقال:ويحك! وهل رأيت فقيهاً قطّ، إنّ الفقيه حقّ الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة المتمسّك بسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله (٣) .
وفي رواية أُخرى عنه عليه السلام:ما أحد أكذب على الله وعلى رسوله ممّن كذّبنا أهل البيت أو كذب علينا؛ لأنّا إنّما نحدِّث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وعن الله، فإذا كُذِّبنا فقد كُذِّب الله ورسوله (٤) .
وعن الباقر أنّه قال:لو أنّا حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ مَن كان قبلنا (٥) (وفي آخر:فلولا ذلك كنّا كهؤلاء الناس )(٦) ولكنّا حدّثنا ببيّنة من ربّنا بيّنها لنبيّه فبيّنها لنا (٧) .
وفي خبر آخر عنه عليه السلام:أنّ الله علّم نبيّه التنزيل والتأويل فعلّمه رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّاً وعلّمنا والله الحديث (٨) .
روى ابن حزم بسنده عن ابن شبرمة أنّ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الصادق عليه السلام قال لأبي حنيفة:(اتقِ الله ولا تقس؛ فإنّا نقف غداً نحن ومَن خالفنا بين
____________________
(١) الكافي ١: ٥٨، باب البدع والرأي والمقاييس، ح ٢١.
(٢) بصائر الدرجات: ٣٢١ - ٣٢٢، الباب ١٥: ح ٢، اختصاص المفيد: ٢٨١، أوائل المقالات للمفيد: ٢٣٠، مستدرك وسائل الشيعة ١٧: ٢٥٨، ح ٢١٢٧٩.
(٣) الكافي ١: ٧٠، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، ح ٨.
(٤) انظر قرب الإسناد: ٣٥٠، مستدرك الوسائل ٢: ٩١ - ٩٢، ح ١٠٣٠٩ واللفظ له، جامع أحاديث الشيعة ١: ١٨١.
(٥) بصائر الدرجات: ٣١٩، الباب ١٤، ح ٢.
(٦) بصائر الدرجات: ٣٢١، الباب ١٤، ح ٩.
(٧) بصائر الدرجات: ٣١٩، الباب ١٤، ح ٢.
(٨) الكافي ٧: ٤٤٢، باب ما لا يلزم من الإيمان والنذور، ح ١٥، وسائل الشيعة ٢٣: ٢٢٤، ح ٢٩٤٢٦.
يدي الله، فنقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال الله تبارك وتعالى...، وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء) (١) .
وقد أخرج أبو نعيم في حليته بسنده عن ابن شبرمة، قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد، فقال لابن أبي ليلى:مَن هذا معك ؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين، قال الصادق:لعلّه يقيس أمر الدين برأيه!
قال نعم.
فقال الصادق:يا نعمان هل قست رأسك بعد؟
قال: كيف أقيس رأسي؟
فقال الصادق:ما أراك تحسن شيئاً، فهل علمت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟
فقال أبو حنيفة: فأخبرني عن الكلمة التي أولها كفر وآخرها إيمان؟
فقال الصادق:إذا قال العبد: لا إله فقد كفر؛ فإذا قال إلاّ الله فهو إيمان.
ثم أقبل عليه السلام على أبي حنيفة فقال:يا نعمان، حدثني أبي عن جدّي أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال:... أوّل مَن قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له اسجد لآدم فقال: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) فمَن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس؛ لأنّه أبصر بالقياس) .
ثم قال الصادق لأبي حنيفة:أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟
قال أبو حنيفة: قتل النفس.
فقال الصادق:فإنّ الله قبل في قتل النفس بشاهدين ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة ، ثم قال عليه السلام:أيهما أعظم الصلاة أو الصوم؟
قال أبو حنيفة: الصلاة، فقال عليه السلام:فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فكيف ويحك يقوم لك قياس! اتق الله ولا تقس الدين برأيك (٢) .
____________________
(١) الإحكام لابن حزم ٨: ٥١٣، الباب ٣٨، فصل في إبطال القياس.
(٢) حلية الأولياء ٣: ١٩٦ - ١٩٧.
وعن أبي شيبة، قال: سمعت الصادق يقول:ضلّ عِلم ابن شبرمة، عندنا الجامعة إملاء رسول الله وخطّ عليّ بيده، إنّ الجامعة لم تدع لأحد كلاماً، فيها علم الحلال والحرام، إنّ أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحقّ إلاّ بُعداً، إنّ دين الله لا يصاب بالقياس (١) .
وعن الصادق أنّه قال:إنّ الله بعث محمّداً فختم به الأنبياء فلا نبيَّ بعده، وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده - إلى أن قال -فجعله النبيّ صلّى الله عليه وآله علماً باقياً في أوصيائه فتركهم الناس، وهم الشهداء على أهل كلّ زمان حتّى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر، وطلب علومهم، وذلك أنّهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجّوا بالمنسوخ وهم يظنّون أنّه الناسخ، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنّه العام، واحتجوا بأول الآية، وتركوا السنّة في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره؛ إذ لم يأخذوه عن أهله فضلّوا وأضلّوا (٢) .
وجاء عن النبيّ قوله:مَن أفتى الناس بغير علم، وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه؛ فقد هلك وأهلك (٣) .
وعن محمّد بن حكيم قال قلت للصادق: إنّ قوماً من أصحابنا قد تفقّهوا وأصابوا علماً ورووا أحاديث فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم، فقال:لا، وهل هلك مَن مضى إلاّ بهذا وأشباهه؟! (٤)
وقد ورد كلّ هذا وغيره في كنز العمّال عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال:تعمل هذه الأمّة برهة بكتاب الله، ثمّ تعمل برهة بسنّة رسول الله، ثمّ تعمل برهة بالرأي فإذا عملوا بالرأي فقد ضلّوا وأضلّوا (٥) .
____________________
(١) بصائر الدرجات: ١٦٦، باب ١١، ح ٢٣، الكافي ١: ٥٧، باب البدع والرأي والمقائيس، ح ١٤.
(٢) وسائل الشيعة ٢٧: ٢٠٠ - ٢٠١، ح ٣٣٥٩٣ عن رسالة المحكم والمتشابه للمرتضى.
(٣) المحاسن ١: ٢٠٥، باب العقل، ح ٦١، الكافي ١: ٤٣، باب النهي عن القول بغير علم، ح ٩.
(٤) المحاسن: ٢١٢، باب العقل، ح ٨٨.
(٥) مسند أبي يعلى ١٠: ٢٤٠، ح ٥٨٥٦، الفردوس بمأثور الخطاب ٢: ٦٣، ح ٢٣٥٥، الإحكام لابن حزم ٦: ٢٢٠.
عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله (الصادق) قال:لعن الله أصحاب القياس؛ فإنّهم غيّروا كلام الله وسنّة رسوله، واتّهموا الصادقين في دين الله (١) .
وقد جاء هذا الكلام بنحو آخر عن الباقر، وذلك حينما ذكر له عن عبيدة السلمانيّ أنّه روى عن عليّ بيع أُمّهات الأولاد، فقال الباقر:كذبوا على عبيدة أو كذب عبيدة على عليّ، إنّما أراد القوم أن ينسبوا إليه الحكم بالقياس، ولا يثبت لهم هذا أبداً، نحن أفراخ علي فما حدّثناكم به عن عليّ فهو قوله، وما أنكرناه فهو افتراء عليه، ونحن نعلم أنّ القياس ليس من دين عليّ، وإنّما يقيس مَن لا يعلم الكتاب ولا السنّة، فلا تضلّنّكم روايتهم، فإنّهم لا يَدَعُون أن يضلّوا... (٢) .
وعن أبي بصير، قال: قلت للصادق: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنّة رسول الله فننظر فيها؟ قال:لا، أمّا أنّك إن أصبت لم تؤجر وإن أخطأت كذبت على الله عزّ وجلّ (٣) (٤) .
وعن عليّ بن الحسين:إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ولا يصاب إلاّ بالتسليم، فمَن سلّم لنا سَلِمَ ومَن اقتدى بنا هُدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئاً ممّا نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم (٥) .
وجاء عن رسول الله:إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنّهم أعيتهم السنن أن يحفظوها فقالوا في الحلال والحرام برأيهم، فأحلّوا ما حرّم الله وحرّموا ما أحلّه الله فضلّوا وأضلّوا (٦) .
وعن عليّ أنّه قال:يا معشر شيعتنا المنتحلين مودّتنا! إيّاكم وأصحاب الرأي فإنّهم
____________________
(١) أمالي المفيد: ٥٢، وسائل الشيعة ٢٧: ٥٩، ح ٣٣١٩٤.
(٢) دعائم الإسلام ٢: ٥٣٦، ح ١٩٠٢، مستدرك وسائل الشيعة ١٧: ٢٥٤، ح ٢١٢٦٧.
(٣) المحاسن ١: ٢١٣، ح ٩٠، الكافي ١: ٥٦، باب البدع والرأي والمقاييس، ح ١١.
(٤) ليس من البعيد أن يكون مقصود الإمام عليه السلام التعريض بخطأ ما التزمته يد الاجتهاد والرأي؛ وهو صحّة إفتاء الأمراء والحكّام، لما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره.
(٥) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٢٤، مستدرك الوسائل ١٧: ٢٦٢، ح ٢١٢٨٩.
(٦) عوالي اللئالي ٤: ٦٥، مستدرك وسائل الشيعة ١٧: ٢٥٦ - ٢٥٧، ح ٢١٢٧٢.
أعداء السنن، تفلّتت منهم الأحاديث أن يحفظوها وأعيتهم السنّة أن يعوها - إلى أن يقول -فسئلوا عمّا لا يعلمون فأنفوا أن يعترفوا بأنّهم لا يعلمون، فعارضوا الدين بآرائهم فضلّوا وأضلّوا (١) .
وعن حبيب قال: قال لنا أبو عبد الله:ما أحد أحبّ إليّ منكم، إنّ الناس سلكوا سبلاً شتّى، منهم مَن أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وإنّكم أخذتم بأمر له أصل (٢) .
وقد يكون هذا هو معنى آخر لما قاله أمير المؤمنين عليّ عن الناس، بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، فعن أبي إسحاق السبيعيّ أنّه قال: سمعت أمير المؤمنين يقول:إنّ الناس آلُوا بعد رسول الله إلى ثلاثة: آلُوا إلى عالم على هدى من الله قد أغناه الله بما علم من علم عن علم غيره، وجاهل مدّع للعلم لا علم له معجب بما عنده قد فتنته الدنيا وفتن غيره، ومتعلِّم من عالم على سبيل هدى من الله ونجاة، ثمّ هلك مَن ادّعى وخاب من افترى (٣) .
وعن الصادق:إنّ عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإنّ الناس لَيحتاجون إلينا، وإنّ عندنا كتباً إملاء رسول الله وخطّ عليّ، صحيفة فيها كلّ حلال وحرام، وإنّكم لتأتونا بالأمر فنعرف إذا أخذتم به ونعرف إذا تركتموه (٤) .
هذا وقد كان الإمام عليّ قد صنّف الأحاديث الموجودة بيد الناس، وبيّن سبب الاختلاف فيها بقوله:
إن في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصِدقاً وكَذِباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامّاً وخاصّاً، ومُحكماً ومُتشابهاً، وحِفْظاً ووَهَماً. ولقد كُذِب على رسول الله صلّى الله عليه وآله على عَهْدِه، حتّى قامَ خطيباً فقال: أيّها الناس! قد كثرت عَلَيّ الكذّابة، فمن كذب عَلَيّ مُتَعمِّداً
____________________
(١) مستدرك وسائل الشيعة ١٧: ٣٠٩، ح ٢١٤٢٩.
(٢) المحاسن: ١٥٦، باب ما خلق الله المؤمن من نوره، ح ٨٧، الكافي ٨: ١٤٦، ح ١٢٦.
(٣) الكافي ١: ٣٣، باب أصناف الناس، ح ١، وسائل الشيعة ٢٧: ١٨، ح ٣٣٠٩٣.
(٤) الكافي ١: ٢٤٢ - ٢٤٣، باب فيه ذكر الصحيفة، ح ٦، وانظر بصائر الدرجات: ١٧٤، باب في الأئمةعليهم السلام، ح ٧.
فَليَتَبَوّأ مقعده من النار. ثُمّ كُذِب عليه من بعدِه. وإنّما أتاكُم الحَديثُ من أربعة ليس لهم خامس:
رجل منافِق يُظهر الإيمان، مُتَصنّع بالإسلام لا يَتَأثّم ولا يَتَحَرّج أن يكذب على رَسول الله مُتَعَمِّدا، فلو عَلِمَ الناسُ أنّه مُنافِق كَذّاب لَمْ يَقْبَلوا منه ولَم يُصدّقوه، ولكنّهُم قالوا: هذا قَدْ صَحِبَ رسول الله ورآه وسَمِعَ مَنْهُ وأخَذَ عَنْه، وَهُمْ لا يَعْرِفونَ حالَهُ! وَقَدْ أخبَره الله عَن المُنافِقين بِما أخْبَرَه ووصَفَهُمْ بِما وصَفَهُمْ فَقال عزّ وجلّ: ( وإذا رأيْتَهُمْ تُعْجِبْكَ أجْسَامُهُمْ وإن يقُولوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهمْ ) (١) ثمَّ بَقوا، بَعْدَهُ فتقرَّبوا إلى أئمّة الضَلالَةِ والدُّعاة إلى النار بالزور والكَذِبِ والبُهْتان، فولّوهُم الأعمال وحَملوهُم على رِقابِ الناس وأكَلوا بِهِمُ الدنيا، وإنّما الناس مع المُلوكِ والدنيا، إلاّ مَن عصم الله، فهذا أحد الأربعة.
ورَجُلٌ سَمِعَ من رسول الله شيئاً فَلَمْ يَحْمِلْهُ على وجْهِهِ ووَهَمَ فيه ولَمْ يَتَعَمّدْ كذبا، فَهُو في يَدِهِ يَقولُ به ويَعْمَل بِهِ ويَرويهِ فَيَقُولُ: أنا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسول الله، فَلَو عَلِم المُسْلِمون أنّهُ وَهَمَ لَمْ يَقْبَلوه، وَلَو عَلِمَ هو أنّه وَهَمَ لَرَفَضَهُ.
ورَجُلٌ ثالِث سَمِعَ من رسول الله شَيْئاً أمَرَ بِهِ ثُمَّ نَهى عَنْه وهو لا يَعْلَمْ، أو سَمِعَهُ يَنْهى عَنْ شيء ثُمَّ أمَرَ بِهِ وهو لا يَعْلَم فَحَفِظَ مَنْسوخَهُ ولَمْ يَحْفَظْ الناسِخ، ولَو عَلِمَ أنّه مَنْسوخ لَرَفَضَهُ، ولَوْ عَلِمَ المُسْلِمونَ إذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أنّه مَنْسوخ لَرَفَضُوهُ.
وآخر رابِع لَمْ يكذِبْ على رسول الله، مُبْغِضٌ للكَذِبِ، خوفاً مِنَ الله وتَعْظيماً لرسول الله، لَمْ ينسه بَلْ حَفِظَ ما سَمِعَ على وجْهِهِ. فَجاءَ بِهِ كما سَمِعَ لَمْ يَزِدْ فيه ولَمْ يَنْقُص منه، وعَلِمَ الناسِخَ مِنَ المَنْسوخ، فَعَمِل بالناسِخِ وَرَفَضَ المَنْسوخَ، فإنَّ أمْرَ النّبيّ صلّى الله عليه وآله مِثْلَ القُرآنِ ناسِخٌ ومَنْسوخ، وخاصٌّ وعامٌّ، ومُحْكَمٌ ومُتَشابِهِ، قَد كانَ يَكون من رسول الله الكَلام لَهُ وَجْهان: كلامٌ عامٌّ، وكَلامٌ خاصٌّ مِثْلُ القُرآن، وقال الله عزّ وجلّ في كتابه: ( ما
____________________
(١) المنافقون: ٤.
آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا ) (١) فَيَشْتَبِه على مَنْ لَمْ يَعْرِف وَلَمْ يَدْر ما عَنى الله بِهِ ورَسُوله، وَلَيْسَ كُل أصْحاب رسول الله كان يَسْأله عَنْ الشي فَيَفْهَم، ومنهم مَنْ يَسْأله ولا يَسْتَفْهِمْهُ حتّى إنْ كانوا لَيُحِبّون أنْ يجيء الأعرابيّ والطارئ فَيَسأل رسول الله حتّى يَسْمَعوا.
وقَدْ كُنْتُ أدْخُلُ على رسول الله كُلّ يَومٍ دَخْلَةً وكُلّ لَيْلَةٍ دَخْلةً، فَيخليني فيها أدورُ مَعَهُ حَيثُ دَارَ، وَقَدْ عَلِمَ أصْحابَ رسول الله أنّه لَمْ يصنع ذلِكَ بأحد من الناس غيري، فربّما كانَ في بَيْتي يأتيني رسول الله، وكنت إذا دَخَلْتُ عَليهِ بَعْضَ منازله أخلاني وأقام عنّي نِساءه فلا يبقى عنده غَيْري.
وإذا أتاني للخَلوَةِ مَعي في مَنْزلي، لَمْ تَقُم عَنّي فاطمة، ولا أحدٌ مِنْ بَنيَّ، وَكُنْتُ إذا سألته أجابَني، وإذا سَكَتُّ عَنْه وفُنِيَتْ مَسائِلي ابْتدأني، فما نَزَلتْ على رسول الله آية من القرآن إلاّ أقْرأنيها وأملاها عَلَيَّ فَكَتَبْتُها بِخَطّي، وعَلّمْني تأويلها وتَفْسيرها، وناسخها ومَنْسوخِها، ومُحْكَمها ومُتَشابهها، وخاصّها وعامّها - إلى أن يقول - ولا علماً أملاه عَلَيَّ وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه وحفظته، فلم أنس حرفاً واحداً، ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً (٢) .
بهذا التقسيم المنهجيّ الموضوعيّ يوقفنا الإمام عليّ على رأي مدرسة أهل البيت في تلقّي الصحابة، وواقع روايتهم عن النبيّ، ومكانته من رسول الله، ودور قريش في الشريعة. وإليك نصّاً آخر في هذا السياق عن نهج البلاغة - والحديث طويل منه:
(... فَانظُروا إلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهم، حِينَ بَعَثَ إليهم رَسُولاً فَعَقَدَ بِمِلّتهِ طَاعَتَهُمْ، وَجَمَعَ عَلَى دَعْوتِهِ أُلْفَتَهُمْ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهم جنَاحَ كَرَامَتها، وَأسَالت لَهُمْ
____________________
(١) الحشر: ٧.
(٢) نهج البلاغة ٢: ١٨٩ ولم يذكره كله، الخطبة رقم ٢١٠، الكافي ١: ٦٢، باب اختلاف الحديث، ح ١، عن كتاب سليم بن قيس: ١٨٢، باب علّة الفرق بين أحاديث الشيعة وأحاديث مخالفيهم. والمتن عنه.
جَدَاولَ نَعِيمهَا، وَالْتَفَّتِ المْلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائد بَرَكَتها، فَأصْبحُوا في نِعمتها غَرِقِينَ، وفِي خُضْرَة عَيْشهَا فَكهينَ؟! قَدْ تَرَبَّعَتِ الأمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَان قَاهِرٍ، وآوَتْهُمُ الحَالُ إلَى كَنفِ عِزٍّ غَالبٍ، وَتَعطَّفَتِ الأمُورُ عَلَيْهِم فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابتٍ، فَهُمْ حُكَّامٌ على العَالَمينَ، وَمُلُوكٌ فِي أطْرافِ الأرَضينَ: يَمْلكُونَ الأمُورَ علَى مَنْ كَانَ يَمْلكُهَا عَلَيهمْ، وَيُمْضُونَ الأحْكَامَ فِيَمْن كَانَ يُمضيها فيهمْ، لا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلا تُقْرَعُ لَهمْ صَفَاةٌ!
ألا وَإنَّكمْ قَدْ نَفَضتمْ أيْديَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللهِ المَضْرُوبَ عَلَيْكُم بِأحْكَامِ الجاهليَّةِ، وإن اللهَ سُبْحَانُه قَدِ امْتنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هِذِه الأمَّةِ فِيَما عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الألْفَةِ الَّتي يَنْتَقلُونَ في ظلِّهَا، وَيَأْوونَ إلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لا يَعْرفُ أحَدٌ مِنَ المخلُوقين لَهَا قِيمةً؛ لأنّهَا أرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَأجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.
واعْلَمُوا أنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الهجرَة أعْرَابا، وَبَعْدَ المُوَالاةِ أحْزَابا، مَا تَتَعلَّقُونَ مِنَ الإسْلامِ إلاّ بِاسْمِهِ، ولا تَعِرفُونَ مِنَ الإيمَانِ إلاّ رسْمَه!
تَقُولُونَ: (النَّارَ وَلا العَارَ)، كأنَّكُمْ تُرِيدُونَ أنْ تُكفئُوا الإسْلامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتهِاكاً لحَرِيِمِه، ونقْضَاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَماً في أرْضِهِ، وَأمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ، وإنَّكُمْ إنْ لَجَأتُمْ إلَى غَيْرهِ حَارَبَكُمْ أهْلُ الكُفْرِ، ثُمَّ لا جَبْرَائِيلُ وَلا مِيكَائيِلُ وَلا مُهَاجِرُونَ وَلا أنْصَارٌ يَنصُرُونكُمْ، إلاّ المُقَارَعَةُ بالسَّيْفِ حتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنكُمْ.
وإنَّ عنْدكُمُ الأمثَالَ مِنْ بأسِ اللهِ وقَوَارعِهِ، وَأيّامِهِ وَوَقَائِعِه، فَلا تَسْتَبْطئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأخْذِهِ، وَتَهاوُناً بِبَطْشِهِ، وَيأساً مِنْ بأسِهِ؛ فإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ القَرْنَ المَاضِي بَيْنَ أيْدِيكُمْ إلاّ لِتَرْكِهِمُ الأمْرَ بالمعرُوف والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، فَلَعَنَ اللهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ المَعَاصِي، وَالحُلمَاء لَترْك التَّنَاهي.
ألا وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الإسْلامِ، وَعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ، وأمتُّمْ أحْكَامَهُ، ألا وَقَدْ أمَرَنِي اللهُ بِقِتَالِ أهْلِ البَغي والنَّكْثِ والفَسَادِ فِي الأرْضِ: فَأمَّا النَّاكِثُون فَقَدْ قَاتلْتُ، وَأمَّا القَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ، وأمَّا المارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَأمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سَمِعْتُ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبهِ، وَرَجَّةَ صَدْرِهِ، وَبَقيتْ بَقِيْةٌ مِنْ أهْلِ البَغْيِ، وَلَئنْ أذِنَ اللهُ فِي الكَرَّة عَلَيْهم
لأدِيلنَّ مِنْهم إلاّ مَا يَتَشَذَّرُ في أطْرَافِ البِلادِ تَشَذُّراً.
أنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلاكِلِ العَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجمِ قُرونِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وقدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رسول اللهِ صلّى الله عليه وآله بِالقَرَابِةِ القَرِيَبةِ وَالَمنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وأنَا وَلَدٌ، يَضُمُّني إلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنفُنِي إلى فِرَاشِهِ، وَيُمسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَان يَمْضُغُ الشَّيء ثُمَّ يُلْقِمُنِيِه، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ، وَلا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، وَلقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صلّى الله عليه وآله، مِنْ لَدُنْ أنْ كَانَ فَطِيماً أعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلأئِكَتِه؛ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المْكَارِمِ، وَمَحَاسِن أخْلاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أثَرَ أُمّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أخْلاقِه عَلَماً، وَيَأْمُرُني بالاقْتدَاء بِه، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحرَاء، فَأرَاهُ وَلا يَرَاهُ غَيْري، وَلَمْ يُجْمَعْ بَيْتٌ واحِدٌ يَوْمَئذٍ فِي الإسْلامِ غَيْرَ رَسُوِل الله صلّى الله عليه وآله، وَخَدِيَجةَ، وَأنَا ثَالِثُهُمَا، أرَى نُورَ الوَحْي والرِّسَالَةِ، وأشُمُّ رِيحَ النُّبُوُّةِ.
وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَان حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ صلّى الله عليه وآله، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: (هذَا الشَّيْطَانُ أيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أرَى، إلاّ أنّكَ لَسْتَ بِنَبِيّ، وَلكنّكَ وَزِيرٌ، وَإنّكَ لَعَلَى خَيْرٍ).
وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ صلّى الله عليه وآله، لَمَّا أتَاهُ المَلأ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمّدُ، إنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آباؤُكَ وَلا أحَدٌ مِنْ بَيْتكَ، وَنَحْنُ نَسْألُكَ أمْراً إنْ أجَبْتَنَا إلَيْه وَأرَيْتَنَاهُ عَلمنَا أنَّكَ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ، وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ صلّى الله عليه وآله: وَمَا تَسْألُونَ؟ قَالُوا: تَدْعُو لَنَا هِذِه الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقهَا وَتَقفَ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقَالَ صلّى الله عليه وآله: إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ، فَإنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذلِكَ أتُؤْمِنُونَ وَتَشْهَدُونَ بِالحَقِّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَإنِّي لأعْلَمُ أنَّكُمْ لا تَفِيئُونَ إلى خَيْر، وإنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطرَحُ فِي القَليب، وَمَنْ يُحَزِّبُ الأحْزَابَ، ثُمَّ قَالَ صلّى الله عليه وآله: يا أيَّتُهَا الشَّجَرَةُ! إنْ كُنتِ تُؤمنِينَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ وَتَعْلمين أنِّي رسول الله لهِ فَانْقَلعِي بِعُرُوِقك حَتَّى تَقِفي بَيْنَ يَدَيَّ بإذْنِ اللهِ. فوَ الَّذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لانْقَلَعتْ
بِعُرُوقهَا وَجَاءَتْ وَلَها دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أجْنِحَة الطَّيْرِ، حَتَّى وَقَفَتْ بين يديْ رسول الله صلّى الله عليه وآله، مُرَفْرفَةً، وألْقَتْ بِغُصنَها الأعْلَى عَلَى رسول الله صلّى الله عليه وآله، وَبِبَعْضِ أغْصَانِهَا عَلَى مَنْكبِي وَكنْتُ عَنْ يَميِنِه صلّى الله عليه وآله، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إلَى ذلكَ قَالوُا عُلُوَّاً وَاُسْتكْبَاراً: فَمُرْها فَلْيأتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَى نِصْفُهَا، فَأمَرَهَا بِذَلِكَ فَأقْبَلَ إلَيْهِ نِصْفُهَا كَأعْجَبِ إقْبَالٍ وَأشَدِّهِ دَوِيِّاً، فَكَادَتْ تَلتَفُّ برسول الله صلّى الله عليه وآله، فَقَالُوا كُفْراً وَعُتُوَّاً: فَمُرْ هَذا النِّصْفَ فَلْيرْجِعِ إلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأمَرَهُ صلّى الله عليه وآله، فَرَجَعَ، فَقُلْتُ أنَا: لا إلهَ إلا اللهُ، فَإنِّي أوَّلُ مُؤْمِن بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأوَّلُ مَنْ أقَرَّ بأنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأمْرِ اللهِ تَعَالى تَصْديقاً بِنُبُوَّتِكَ وَإجْلالاً لِكَلِمَتكَ، فَقَالَ القَوْمُ كُلُّهُمِّ: بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ! عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ في أمْرِكَ إلاّ مِثُلُ هذَا؟! (يَعْنُونَني) وَإنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لا تَأُخُذُهُمْ في اللهِ لَوْمَةُ لائم: سِيماهم سيماءُ الصِّدِّيقينَ، وَكَلامُهُمْ كَلامُ الأبْرَارِ، عُمَّارُ اللَّيْلِ وَمَنَارُ النَّهارِ، مُتَمَسِّكُوَن بِحَبْلِ الْقُرآنَ، يُحْيُونَ سُنَنَ اللهِ وَسُنَنَ رَسُولِهِ، لا يَسْتَكْبِرُونَ وَلا يَعْلُونَ وَلا يَغُلُّونَ، وَلا يُفْسِدُونَ: قُلُوبُهُمْ في الجْنَانِ، وَأجْسادُهُمْ في العْمََلِ) (١) .
نعم لقد وصل الأمر بالأمّة إلى هذا الحدّ، وهو كما قال الدهلويّ في رسالته: (ولمّا انقرض عهد الخلفاء الراشدين، أفضت الخلافة إلى قوم تولّوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فاضطرّوا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم. وكان بقي من العلماء من الطراز الأوّل، فكانوا إذا طُلبوا هربوا وأعرضوا، فرأى أهل تلك الأعصار غير العلماء إقبال الأمّة عليهم مع إعراضهم، فاشتروا طلب العلم توصّلاً إلى نيل العزّ، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين أذلّة بالإقبال عليهم، إلاّ من وفّقه الله...)(٢) .
____________________
(١) نهج البلاغة ٢: ١٥٣ - ١٦٠، الخطبة رقم ١٩٢ المعروفة بـ(القاصعة).
(٢) انظر رسالة الإنصاف للدهلوي وهي مذكورة في دائرة المعارف لفريد وجدي مادة (جهد).
تخوّف وتأصيل
كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يتخوّف من سلطة القبليّة في الشريعة، والتي نهى عنها القرآن الكريم. وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يؤكّد أنّ عليّ بن أبي طالب هو الوحيد الذي يعرِف تفسير وتأويل الآيات والأحاديث كلّها، وأنّه بعيد عن الروح القبليّة والآراء الارتجاليّة.
فجاء عن أبي سفيان أنّه قال للإمام علي بعد أن عُيّن أبو بكر للخلافة قوله: ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ثم قال لعلي: ابسط يدك أبايعك، فو الله إن شئت لاملائنها على أبي فصيل - يعني أبا بكر - خيلاً ورجلاً، فامتنع عليه علي(١) .
وفي بعض النصوص قال علي:يا أبا سفيان طال ما عاديت الإسلام وأهله فلم تضرّه بذاك شيئاً .
روى ربعيّ عن عليّ أنّه قال: لمّا كان يوم الحديبيّة خرج إلينا ناس من المشركين، فيهم سُهيل بن عمرو وأُناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله! خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنّما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا، فاردُدْهم إلينا.
قال رسول الله:فإنْ لم يكن لهم فقه في الدين سنفقّههم. يا معشر قريش! لتنتَهُنَّ أو ليبعثنّ الله عليكم مَن يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الأيمان.
قالوا: مَن هو يا رسول الله؟ وقال أبو بكر: مَن هو يا رسول الله؟ وقال عمر: مَن هو يا رسول الله؟
قال:هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليّاً نعله يَخْصِفها (٢) .
والنصوص الحديثيّة والتاريخيّة تؤكّد أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله كان يعلم أنّ الخلاف بين أُمّته من بعده واقع لا محالة، إذ أخبره جبرئيل بذلك، فعنه صلّى الله عليه وآله:أتاني جبرائيل فقال: يا
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١: ٢٢١. وانظر المصنف لعبد الرزاق ٥: ٤٥١، ح ٩٧٦٧، تاريخ الطبري ٢: ٢٣٧، المستدرك على الصحيحين ٣: ٨٣، ح ٤٤٦٢، الاستيعاب لابن عبد البر ٤: ١٦٧٩، ٣: ٩٧٤.
(٢) سنن الترمذي ٥: ٦٣٤، ح ٣٧١٥ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
محمّد! أُمّتك مختلفة من بعدك (١) .
وأخرج الحكيم الترمذيّ عن عمر بن الخطّاب، قال: أتاني جبرئيل آنفاً، فقال: أتاني رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيتي، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قال: أتاني جبرئيل، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قلت: أجل، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فَمِمَّ ذاك يا جبرئيل؟ قال: إنَّ أُمَّتك مفتتنة بعدك بقليل من كثير.
قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة.
قال: كلّ ذلك سيكون.
قلت: ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله تعالى.
قال: بكتاب الله يضلّون، وأوّل ذلك من قبل قرَّائهم وأُمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلوا، ويتّبع القرّاء أهواء الأمراء فيمدّونهم في الغيّ ثمّ لا يقصرون.
قلت: يا جبرئيل، فَبِمَ يسلم من يسلم منهم.
قال: بالكفِّ والصبر، إن أُعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه(٢) .
إن ابتلاء الأمّة وامتحانها كان يدور مدار أخذهم بأقوال أهل بيت الرسول وعدمه، فعن خالد بن عرفطة قال، قال رسول الله:إنّكم ستُبْتَلَون في أهل بيتي من بعدي (٣) .
أو قوله في حديث الثقلين:...أيّها الناس! فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسولٌ إلَيَّ فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين، أوّلهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ؛ فحثِّ على كتاب الله ورغّب فيه. ثمّ قال:وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي (٤) .
____________________
(١) أسد الغابة ٤: ٢٦، سنن الترمذي ٥: ٢٩٨، ذخائر العقبى: ٧٦.
(٢) كتاب السنّة لابن أبي عاصم ١: ١٣٢، الباب ٥٧، ح ٣٠٣، نوادر الاصول في أحاديث الرسول ٢: ٢٤٨ - ٢٤٩، والمتن عنه، العلل المتناهية ٢: ٨٥١ - ٨٥٢، حديث في الفتن، ح ١٤٢٤، الدر المنثور ٣: ٦٣٤.
(٣) المعجم الكبير ٤: ١٩٢، ح ٤١١١، الجامع الصغير للسيوطي ١: ٣٨٨، ح ٢٥٣٥، البيان والتعريف ١: ٢٥٤.
(٤) مسند أحمد ٤: ٣٦٦، صحيح مسلم ٤: ١٨٧٣، ح ٢٤٠٨، المعجم الكبير ٥: ١٨٣، ح ٥٠٢٨.
وجاء عنه صلّى الله عليه وآله:)لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه، وأهلي أحبّ إليه من أهله، وعترتي أحبّ إليه من عترته، وذاتي أحبّ إليه من ذاته)(١) .
وكذا قوله)... وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتّى يرِدا عَلَيّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهم)(٢) .
وقد علّق صاحب)الفتح الربّانيّ(على الحديث السابق بقوله:...أي إن ائتمرتم بأوامر كتابه وانتهيتم بنواهيه واهتديتم بهدى عترته واقتديتم بسيرته، اهتديتم فلم تضلّوا(٣) .
وفي)تحفة الأحوذيّ(عند شرحه لقوله صلّى الله عليه وآله:)فانظروا كيف تخلفوني فيهما(: النظر بمعنى التأمّل والتفكّر، أي تأمّلوا واستعملوا الرويّة في استخلافي إيّاكم، هل تكونون خَلَف صِدْق أو خَلَف سوء؟!(٤) .
وقال الزرقانيّ في (شرح المواهب):
أمّا الكتاب، فلأنّه معدِن العلوم الدينيّة والأسرار والحِكَم الشرعيّة، وكنوز الحقائق وخفايا الدقائق.
وأ مّا العترة فلأنّ العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين؛ فطيِب العنصر يؤدّي إلى حسن الأخلاق، ومحاسنها تؤدّي إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته، لهذا أكّد رسول الله في عدّة مواطن على لزوم اتّباع أهل بيته وأنّهم أولى الناس برعاية شؤون الأمّة، ولهذا جعل مَثَلهم كَمَثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق(٥) .
____________________
(١) المعجم الأوسط ٦: ٥٩، ح ٥٧٩٠، الفردوس بمأثور الخطاب ٥: ١٥٤، ح ٧٧٩٦، كنز العمّال ١: ٤١، ح ٩٣ عن المعجم الأوسط وفيه: وذريتي أحب إليه من ذريته، بدل وذاتي أحب إليه من ذاته.
(٢) مسند أحمد ٣: ١٧، ١١١٤٧، سنن الترمذي ٥: ٦٦٣، ح ٣٧٨٨، السنن الكبرى للنسائي ٥: ٤٥، ح ٨١٤٨، المعجم الكبير ٣: ٦٥، ح ٢٦٧٩.
(٣) الفتح الربّانيّ في ترتيب مسند أحمد ٢٢: ١٠٤.
(٤) تحفة الأحوذيّ في شرح جامع الترمذيّ ١٠: ١٩٧.
(٥) شرح المواهب ٢: ٨ والحديث تجده في المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٧٣، ح ٣٣١٢ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، و ٣: ١٦٣، ح ٤٧٢٠، المعجم الكبير ٣: ٤٦، ح ٢٦٣٨، والمعجم الأوسط ٦: ٨٥، ح ٥٨٧٠، والمعجم الصغير ٢: ٨٤، ح ٨٢٥، مسند الشهاب ٢: ٢٧٣، ح ١٣٤٢، ح ١٣٤٣.
وقال صاحب (التاج الجامع للأصول) في شرح الحديث السابق: يقول النبيّ: أحسِنوا خلافتي فيهما باحترامهما والعمل بكتاب الله وما يراه أهل العلم من آل البيت أكثر من غيرهم(١) .
وقال النوويّ وهو يعلّق على الثقلين: سمّي ثقلين لعِظَمهما وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما(٢) .
وقال الحسين بن محمّد بن عبد الله الطيبيّ في (الكاشف عن حقائق السنّة النبويّة): قوله صلّى الله عليه وآله:(إنّي تارك فيكم) إشارة إلى أنّهما بمنزلة التوأمين الخَلَفين عن رسول الله صلّى الله عليه وآله(٣) .
وقال نور الدين السمهوديّ في (جواهر العقدين):... والحاصل أنّه لمّا كان كلّ من القرآن العظيم والعترة الطاهرة معدِناً للعلوم الدينيّة والأسرار والحكم النفسيّة الشرعيّة وكنوز دقائقها واستخراج حقائقها، أطلق صلّى الله عليه وآله عليهما الثقلين، ويرشد لذلك حثّه في بعض الطرق السالفة على الاقتداء والتمسّك والتعلّم من أهل بيته(٤) .
وقال ابن حجر في (الصواعق): (سمّى رسولُ الله القرآنَ وعترتَه الثّقلين، لأنّ الثقل كلُّ نفيس خطير مَصُون، وهذان كذلك؛ إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنيّة، والأسرار والحكم العلّيّة، والأحكام الشرعيّة؛ ولذا حثّ صلّى الله عليه وآله على الاقتداء والتمسّك بهم، والتعلّم منهم، وقال:الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهلَ البيت . وقيل: سُمّيا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما(٥) .
قال الخطابي في (غريب الحديث) وابن منظور في (لسان العرب) والزّبيديّ في (تاج العروس) وابن الأثير في نهايته، والنووي في شرحه وغيرهم في شرح الحديث: سُمّيا ثقلين؛ لأنّ الأخذ بهما ثقيل، والعمل بهما ثقيل(٦) .
____________________
(١) التاج الجامع للأصول ١: ٤٨.
(٢) النووي شرح مسلم ١٥: ١٨٠ كتاب الفضائل، فضائل عليّ.
(٣) تحفة الأحوذي ١٠: ١٩٧ عن الطيبي.
(٤) الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢.
(٥) الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢.
(٦) غريب الحديث للخطابي ٢: ١٩٢، النهاية في غريب الحديث ١: ٢١٦، لسان العرب ٢: ١٩٢، تاج
=
وقال شهاب الدين الخفاجيّ في (نسيم الرياض) وهو يعدّد الأقوال في تفسير حديث الثقلين: والثقلين، تثنية الثقل، وهو ما يثقل ضدّ الخفّة، وهما الإنس والجانّ. فسمّاهما ثقلين تعظيماً لشأنهما، وإنّ عمارة الدين بهما، كما تَعْمُر الدنيا بالإنس والجنّ. ولرجحان قدرهما؛ لأنّ الرجحان في الميزان بثقل ما فيها، أو لأنّه يثقل رعاية حقوقهما.
السابع: كون كلّ منهما مصوناً عن الخطأ والخطل، وعن السهو والزلل، وطهارتها عن الدنس والرجس وعن الباطل والكذب، ويؤيّده بعض فقرات الحديث ويناسبه المعنى اللغويّ؛ لأنّ الثقل في اللغة - كما تقدّم - الشيء النفيس المصون.
أمّا طهارة الكتاب المبين وصيانته عمّا ذكره فمعلوم، فإنّه من عند الله العليم، وهو لديه لَعليّ حكيم فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأمّا طهارة العترة الطيّبة فبما أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، لا يقولون الباطل ولا يعملونه ولا يأمرون به، وهم الصادقون الذين أمر الله المؤمنين أن يكونوا معهم، فلولا ذلك لم يجعلهم أقران الكتاب، فإنّه لا يمسّه إلاّ المطهّرون(١) .
ولابن حجر المكّيّ بعد نقله دعاءً من الإمام السجّاد كلام في (الصواعق) قال: فإلى مَن يفزع خلف هذه الأمّة وقد دَرَست أعلام هذه الملّة ودانت الأمّة بالفُرقة والاختلاف، يكفّر بعضهم بعضاً والله يقول: (وَلا تَكُونوا كالِّذينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَائَهمُ البَيِّناتُ)؟!(٢) فمَن الموقوف به على إبلاغ الحجّة وتأويل الحكم إلاّ أعدال الكتاب وأبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى، الذين احتجّ الله بهم على عباده ولم يَدَع الخلقَ سُدى من غير حجّة؟! هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً، وبرّأهم من الآفات وافترض مودّتهم في الكتاب؟!(٣) .
____________________
=
العروس ٧: ٢٤٥، شرح النووي على صحيح مسلم ١٥: ١٨٠.
(١) جامع أحاديث الشيعة ١: ٨٣ عن نسيم الرياض ٣: ٤٠٩.
(٢) آل عمران: ١٠٥.
(٣) جامع أحاديث الشيعة ١: ٨٤ عن الصواعق: ١٥٠ وفي الصواعق المحرقة المطبوع حديثاً ٢: ٤٤٤ ترى جملة: إلى
=
لقد استبان بما سبق أنّ رسول الله كان يعني بتأكيده على العترة هو الأخذ عنهم في العقيدة والفقه، وفي كلّ مجالات الحياة؛ لأنّهم آله وذرّيّته العارفون بسنّته. وكان يتخوّف من عاقبة الأمّة وانحرافها عن طريقه وسنّته؛ لأنّ الخلافة وما تتلوها من أُمور العصبيّة والقبليّة ستؤثّر - لا محالة - على الأحكام، وتبعد الناس عن أهل البيت؛ وبالتالي يكون الابتعاد عن المصدر الصحيح للتشريع الإسلاميّ - السنّة النبويّة -، كما حدَث بالفعل، وهذا هو بعينه ما كان يتخوّف منه رسول الله صلّى الله عليه وآله على أُمّته.
ولو أمعنت النظر في نصوص النبيّ والأئمّة من ولده لرأيت التأكيد على جملة (الضلال)، التي تعني الابتعاد عن جادّة الصراط.
ففي رزية يوم الخميس قال:(ائتوني بدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً) (١) .
وقوله في حجّة الوداع:(... ما إن أخذتم بهما لن تضلّوا) (٢) ، وقوله لمّا أتى إليه عمر بجوامع من التوراة:(والذي نفسي بيده، لو أنّ موسى أصبح فيكم ثمّ اتبعتموه وتركتموني لضللتم) (٣) وغيرها. وقد جاء هذا المفهوم في كلام أهل بيته، وعن ابنته فاطمة الزهراء صريحاً في خطبها وكلماتها.
وقد قال الشيخ محمّد الحنفيّ في شرح الجامع الصغير، وفي حاشية شرح العزيزيّ ٤١٧: ٢، وحديث العيبة(عيبة علميّ) أي وعاء علمي الحافظ له، فإنَّه مدينة العلم، ولذا كانت الصحابة تحتاج إليه في تلك المشكلات، ولذا كان يسأله سيّدنا معاوية في زمن الواقعة عن المشكلات فيجيبه فتقول له الجماعة: ما لك تجيب عدوّنا؟ فيقول: أما يكفيكم أنّه يحتاج إلينا؟
____________________
=
أهل الكتاب بدل (إلاّ أعدال الكتاب).
(١) صحيح البخاري ٤: ١٦١٢، باب مرض النبي صلّى الله عليه وآله ووفاته، ح ٤١٦٨، صحيح مسلم ٣: ١٢٥٩، باب ترك الوصية، ح ١٦٣٧.
(٢) مسند أحمد ٣: ٥٩، ح ١١٥٧٨، سنن الترمذي ٥: ٦٦٢، باب مناقب أهل بيت النبي، ح ٣٧٨٦، المعجم الأوسط ٥: ٨٩، ح ٤٧٥٧، المستدرك على الصحيحين ٣: ١١٨، ح ٤٥٧٧.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٦: ١١٣، ح ١٠١٦٤، مسند أحمد ٣: ٤٧٠، ٤: ٢٦٥، سنن الدارمي ١: ١٢٦، ح ٤٣٥.
ووقع له فكّ مشكلات مع سيّدنا عمر، فقال: ما أبقاني الله أن أدرك قوماً ليس فيهم أبو الحسن، أو كما قال، فقد طلب أن لا يعيش بعده، ثمّ ذكر قضايا فيها حديث اللطم والذي أخرجه الطبريّ في الرياض النضرة.
وقال المناويّ في فيض القدير ٤: ٣٥٦ عن حديث العيبة: والعيبة ما يحرز الرجل فيه نفائسه، قال ابن دريد: وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه بأُموره الباطنيّة، التي لا يطّلع عليها أحد غيره، وذلك غاية في مدح عليّ.
وعليه فقد اتّضح لك بعض أُصول الاختلاف بين مدرسة أهل البيت ومدرسة الخلفاء، وأنّ الأصول الفكريّة كانت الخلاف الكبير بينهما، وأنّ العترة طلبوا الخلافة لكي يحقّقوا أهداف الشريعة وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ إذ الخلافة في نفسها ليس لها أدنى سبيل إلى نفوسهم، وليس لهم أدنى ميل إليها. قال ابن عبّاس: دخلت على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه بذي قار، وهو يخصِف نَعْله، فقال لي:ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها.
فقال عليه السلام:(والله لَهِيَ أحبُّ إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً) (١) .
هذا، وأنّ العترة من أهل البيت لا يرتضون العمل بما يُنقل عنهم إلاّ بعد عرضه على الكتاب؛ فإن وافقَ القرآن وأحرز تطابقه معه يؤخذ به، وإن خالفه يُطرح ويُضرب به عرض الحائط - حسب تعبيرهم - كلّ ذلك حرصاً منهم على إيضاح الضوابط التي يؤخذ أو يردّ على أساسها الحديث، وليس حسن الظنّ بالصحابة وما شاكله من الأمور التي يمكن الاعتماد عليها وبناء الشريعة وفقهها مع ما قدّمنا من أُمور وأدلّة.
وهذا هو معنى الوحدويّة في الفكر والأصول، فكلام العترة يفسّر القرآن، والقرآن يشيد بطهارة العترة، فـ(عليٌّ مع القرآن، والقرآنُ مع عليّ) (٢) وأنّك لا ترى في كلام العترة تخالفاً مع القرآن وكذا العكس!
وهذا بعكس فقه الخلفاء الذين لم يرتضوا عرض فقه الرجال على القرآن، وربّما
____________________
(١) نهج البلاغة: ١: ٨٠، الخطبة رقم ٣٣.
(٢) المعجم الصغير ٢: ٨٢، ح ٧٢٠، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٤، ح ٤٦٢٨ قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
كانوا يعدّون ذلك من عمل الزنادقة!(١) لمعرفتهم بوجود تبايُن في كثير من الأحيان بين القرآن واجتهادات الصحابة، بل يجعلون فقه الصحابة وعملهم مخصِّصاً حتّى للكتاب العزيز - الذي لا يأتيه الريب - حبّاً أعمى، إذ قال الشيخ محمّد أبو زهرة: (إنَّ الأحناف والحنابلة اعتبروا عمل الصحابيّ مخصّصاً للكتاب، معلّلين بأنَّ الصحابيّ العالم لا يترك العمل بعموم الكتاب إلاّ لدليل فيكون عمله على خلاف عموم الكتاب دليلاً على التخصيص وإنَّ قوله بمنزلة عمله)(٢) .
وقد مر عليك كلام الصاوي الذي هو أعجب من هذا بكثير حيث اعتبر الخارج عن المذاهب الأربعة ضالاً مضلاً(٣) .
وهذا من أعجب العجب.
عمر بن الخطّاب والأمويّون
عقيب ما قدّمنا لا يمكننا إلاّ التصريح بدور الخليفة عمر بن الخطّاب في تحكيم فقه الأمويّين؛ لأنّه ثبّت مواطئ أقدامهم بإمضائه إمارة الشام لمعاوية بعد أخيه يزيد،(٤) واقتراحه على أبي بكر بأن يترك ما بيد أبي سفيان من الصدقات ليضمن ولاءَهُ،(٥) وأن يعيّن ابنه يزيد بن أبي سفيان قائداً لجيش الشام، وقوله عن معاوية: تذكرون كسرى وعندكم معاوية(٦) ، أو قوله لما ذُكر معاوية عنده وقيصر ودهاءهما: دعونا من ذم فتى قريش وابن سيّدها مَن يضحك في الغضب ولا ينال إلاّ على الرضا ومَن لا يأخذ ما
____________________
(١) قد مرّ عليك كلام ابن عبد البرّ في جامع بيان العلم وفضله، وراجع مقدّمة مصنّف ابن أبي شيبة.
(٢) أبو حنيفة، لأبي زهرة: ٣٠٤.
(٣) مر كلامه في صفحة ٢٦٧ وانظر حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ٣: ١٠ ط دار إحياء التراث العربي.
(٤) المصنف لعبد الرزاق ٥: ٤٥٦، غزوة ذات السلاسل، ح ٩٧٧٠، الاستيعاب ٢: ٦٢٥، ت ٩٨٨ لسعيد بن عامر، البداية والنهاية ٨: ٢١، الإصابة ٦: ١٥٢، ت ٨٠٧٤.
(٥) شرح النهج لأبن أبي الحديد ٢: ٤٤ عن كتاب السقيفة للجوهري.
(٦) تاريخ الطبري ٣: ٢٦٤، وانظر الاستيعاب ٣: ١٤١٧، ت ٢٤٣٥ لمعاوية بن أبي سفيان وفيه قول عمر حين دخل الشام ورأى معاوية قد استقبله في موكب عظيم قال: هذا كسرى العرب، وتهذيب الأسماء للنووي ٢: ٤٠٧، الإصابة ٦: ١٥٣، ت ٨٠٧٤ لمعاوية بن أبي سفيان.
فوق رأسه إلاّ من تحت قدميه(١) .
والنصوص الأخرى التي تؤكّد على أنّ معاوية، لمّا ولاه عمر، جاءته رسالة من أبيه وأُخرى من أُمّه؛ قال له أبوه فيها: يا بنيّ! إنّ هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخّرنا فرفعهم سبقهم وقصُر بنا تأخيرنا، فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعاً، وقد ولّوك جسيماً من أُمورهم فلا تخالفهم، فإنّك تجري إلى أمد، فنافِس فيه فإنْ بلغته أورثته عقبك!
وقالت له أُمّه في رسالتها: والله يا بنيّ؛ إنّه قلّ أنْ تَلِدَ حرّةٌ مثلك، وإنّ هذا الرجل (أي عمر) قد استنهضك في هذا الأمر، فاعمل بطاعته فيما أحببت وكرهت؟(٢) .
وجاء، فيما دار بين معاوية وعمر لمّا قدِم الشامَ، قول معاوية لعمر:
فَمُرْني يا أمير المؤمنين بما شئت، فقال: لا آمرك ولا أنهاك(٣) .
بهذه السياسة: (مُرْني أمتثل) و(علّمني أمتثل) استطاع معاوية أن يستولي على قلب الخليفة عمر بن الخطّاب، وقد كان عمر قد ولّى جمعاً من بني أُميّة ومحبيه على بعض الولايات، فولّى عمرو بن العاص فلسطين والأردن(٤) . وولّى الوليد بن عقبة صدقات بني تغلب، وكان من المقرّبين إليه(٥) .
وولّى يعلى بن أمية على بعض بلاد اليمن(٦) ، وجعل المغيرة بن شعبة أميراً على الكوفة(٧) ، وولّى عبد الله بن أبي سرح - أخا عثمان من الرضاعة - على صعيد مصر(٨) ، وفي عهد عثمان ضمّت إليه مصر(٩) كلّها.
____________________
(١) الاستيعاب ٣: ١٤١٨، ت ٢٤٣٥٠ لمعاوية، تاريخ دمشق ٥٩: ١١٢ والمتن له، البداية والنهاية ٨: ١٢٤.
(٢) تاريخ دمشق ٧٠: ١٨٦، البداية والنهاية ٨: ١١٨.
(٣) الاستيعاب ٣: ١٤١٧، تاريخ دمشق ٥٩: ١١٢، البداية والنهاية ٨: ١٢٥، سير أعلام النبلاء ٣: ١٣٣، وانظر الطبري في تاريخه ٣: ٢٦٥.
(٤) تاريخ خليفة ١: ١٥٥، فتوح البلدان ١: ١٤٥، تاريخ دمشق ٤٦: ١٥٧، ٥٩: ١١١.
(٥) المنتظم ٦: ٥، تهذيب الكمال ٣١: ٥٤، تهذيب التهذيب ١١: ١٢٦، البداية والنهاية ٨: ٢١٤.
(٦) تاريخ الطبري ٢: ٣٨٠، ٢: ٣٦١، الإصابة ٥: ٣٩٠، ٣: ٢٥٦، تهذيب الأسماء ٢: ٤٥٩، ت ٧٠٣ ليعلى بن أمية.
(٧) تاريخ خليفة ١: ١٥٤، فتوح البلدان ١: ٢٩٧، تاريخ الطبري ٢: ٤٩٩، تاريخ الخلفاء ١: ١٣٣، شذرات الذهب ١: ٥٦.
(٨) سير أعلام النبلاء ٣: ٤٣، الإصابة ٤: ١١٠.
(٩) تاريخ خليفة ١: ١٧٨، فتوح البلدان ١: ٢٤٤، تاريخ الطبري ٢: ٥١٦، البداية والنهاية ٥: ٣٥٠ - ٣٥١.
إنّ الخليفة عمر بن الخطّاب قد اعتمد على نحو واضح على الأمويّين ومعاضديهم في توليته الولايات والأعمال، وفي الوقت نفسه أعرض عن تولية بني هاشم، وكما صرّح هو نفسه لابن عبّاس - لمّا أراد توليته على حمص بعد موت واليها - فقال له:
يا ابن عبّاس! إنّي خشيت أن يأتي عَلَيّ الذي هو آت (أي الموت) وأنت على عملك فتقول: هلمَّ إلينا ولا هلمّ إليكم دون غيركم(١) .
ونحوه تصريح ابن عوف لعليّ - وفيه تطبيق لسياسة الشيخين -: أُبايعك على شرط أن لا تجعل أحداً من بني هاشم على رقاب الناس(٢) .
ولمّا كثرت الاعتراضات على الخليفة لتوليته معاوية مكان عمير بن سعد على حمص، فقال الناس: عزل عميراً وولى معاوية، فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلاّ بخير، فإنّي سمعت رسول الله يقول: اللّهمّ اهدِه(٣) .
ولا أدري هل كان هذا الحديث قد وضع من قبل الأمويّين لتصحيح ما صدر عن معاوية أيام ولايته وملوكيّته؟ أم أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب أراد دفع اعتراض الناس بقوله ذلك؟ وهل إنّ طلب الهداية من ربّ العالمين يتّفق مع ما جاء عن النبي صلّى الله عليه وآله في لعنه ولعن أبيه وأخيه؟ وعلى كلّ حال فإنَّ معاوية استفاد من دعم عمر له لتقوية مكانته، ويؤيّد ذلك قوله لصعصعة بن صوحان: والله إنّ لي في الإسلام لقدماً وإن كان غيري أحسن قدماً منّي، لكنّه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه منّي، ولقد رأى ذلك عمر بن الخطّاب، فلو كان غيري أقوى منّي لم يكن عند عمر هوادة لي ولا
____________________
(١) مروج الذهب ٢: ٣٣٠.
(٢) الإمامة والسياسة ١: ٣١ وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ٣٤٤ والطبري في تاريخه ٢: ٥٦٠، ومصنف عبد الرزاق ٥: ٤٨١، ح ٩٧٧٦، ومصنف ابن أبي شيبة ٧: ٤٣٩، ح ٣٧٠٧١، والسنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٥١ وفي هذه المصادر أنّ هذه المقولة هي لعمر قالها لعلي ولغيره من أصحاب الشورى يوم تعينهم.
(٣) البداية والنهاية ٨: ١٢٢ وفي تاريخ دمشق ٥٩: ٨٥ عن أبي السائب قال: وسمعت أبي فذكر أنّ عمر بن الخطاب ولّى معاوية بن أبي سفيان، فقالوا: ولاّه حدث السن، فقال: تلومونني وأنا سمعت رسول الله يقول: اللّهمّ اجعله هاديا مهدياً واهده واهد به.
لغيري، ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي، ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إلَيَّ فاعتزلت عمله، ولو قضى الله أن يفعل ذلك لرجوت أن لا يعزم له على ذلك إلاّ وهو خير؛ فمهلاً فإنّ دون ما أنتم فيه وما...)(١) .
وقوله لمحمّد بن أبي بكر لمّا كتب إليه برسالة يذكر فيها فضائل عليّ، منها قوله:... فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعليّ، وهو وارث رسول الله ووصيّه وأبو ولده وأوّل الناس اتّباعاً وأقربهم به عهداً... إلى آخره.
فكتب إليه جواباً على رسالته (... فكان احتجاجك عَلَيّ وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فأَحْمَدُ الله ربّاً صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك.
قد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نعرف حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا وفضله مميّزاً علينا، فلمّا اختار الله لنبيّه ما عنده، وأتمّ له وعده، وأظهر دعوته، وأبلج حجّته، وقبضه الله إليه، كان أبوك وفاروقه أوّل مَن ابتزّه حقّه، وخالفه على أمره على ذلك اتّفقا واتّسقا - إلى أن يقول:
أبوك مهّد له مهاده، وبيّن ملكه وشاده، فإن يك ما نحن فيه صواباً، فأبوك أوّله، وإن يكُ جوراً فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه، فبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلّمنا إليه، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فاحتذينا مثاله، واقتدينا بفعاله، فعب أباك بما بدا لك أو دع، والسلام على مَن أناب ورجع من غوايته وتاب)(٢) .
وجاء في رسالة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان إلى ابن عمر، لمّا اعترض عليه في قتله الحسين بن عليّ نحوه. حيث كتب إليه: (أمّا بعدُ يا أحمق، فإنّا جئنا إلى بيوت منجّدة وفُرُشٍ ممهّدة، ووسائد منضّدة، فقاتلنا عنها، فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢: ٦٣٨، شرح النهج ٢: ١٣٣، الكامل في التاريخ ٣: ٣٥.
(٢) انساب الأشراف ٣: ١٠٩٢ - ١٠٩٣، وقعة صفين للمنقري: ١١٩، جمهرة رسائل العرب ١: ٤٧٧ عن مروج الذهب ٢: ٦٠٠، شرح النهج ٣: ١٩٠ وهذه الرسالة هي التي قال عنها الطبري في تاريخه ٣: ٦٨ (كرهت ذكرها، لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامّة)!!، والكامل في التاريخ ٣: ١٥٧.
قاتلنا، وإن يكن الحقّ لغيرنا فأبوك أوّل مَن سَنَّ هذا واستأثر بالحقّ على أهله)(١) .
فهذا كلّه يؤكّد دور الخليفة عمر بن الخطّاب في تقوية فقه الأمويّين من خلال فسح المجال لعثمان ومعاوية وأمثالهما من النهج المخالف لنهج التعبّد المحض، لكي يبنوا فقهاً جديداً وأُسساً مستحدثة في التشريع الإسلاميّ وفي المقابل ترى الامويين يسعون لترسيخ فقه أبي بكر وعمر وعثمان.
مع حجّيّة قول الصحابيّ:
قال الإمام الغزّاليّ في (المستصفى)، في معرض حديثه عن حجّيّة قول الصحابيّ، بعد أن أورد الآراء فيها، قال: من الأصول الموهومة قول الصحابي، وقد ذهب قوم إلى أنّ مذهب الصحابيّ حجّة مطلقا، وقوم إلى أنّه حجّة وإن خالف القياس، وقوم إلى أنّ الحجّة في قول أبي بكر وعمر خاصّة، لقوله صلّى الله عليه وآله: (اقتدُوا بالذين من بعدي) وقوم إلى أنّ الحجّة في قول الخلفاء الراشدين، إذا اتّفقوا والكل باطل عندنا، ثمّ عمد الغزّاليّ لتفنيد الأقوال جميعا، فقال:
فإنّ مَن يجوز عليه الغلط والسهو، ولم تثبت عصمته فلا حجّة في قوله، فكيف يُحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ؟!
وكيف تُدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة؟! وكيف يُتصوّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟!
وكيف يختلف المعصومان؟! كيف، وقد اتّفقت الصحابة على جواز مخالفة رأي الصحابة؟! فلم ينكر أبو بكر وعمر على مَن خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كلّ مجتهد أن يتّبع اجتهاد نفسه؛ فانتفاء الأدلّة على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم، فيه، ثلاثة أدلّة قاطعة(٢) .
____________________
(١) الأنوار النعمانية ١: ٥٣ عن البلاذري وهو في بحار الأنوار ٤٥: ٣٢٨، وكتاب الأربعين للماحوزي: ١٠٤ أيضاً.
(٢) المستصفى: ١٦٨.
وقال الأستاذ أبو زهرة: والحقّ أنّ قول الصحابيّ ليس بحجّة، فإنّ الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمّة إلاّ نبيّنا محمّداً صلّى الله عليه وآله، وليس لنا إلاّ رسول واحد. والصحابة من بعده مكلّفون على السواء باتّباع شرعه في الكتاب والسنّة، فمن قال بأنّه تقوم الحجّة في دين الله لغيرهما فقد قال في دين الله ما لا يثبت، وأثبت شرعاً ما لم يأمر الله به(١) .
وللدكتور حسين الحاجّ حسن كلام طريف بهذا الصدد، نصّه:
فصحابة النبيّ بشرٌ مثل غيرهم من الناس، والدنيا ومباهجها تغري بعضهم، وتؤثّر في سلوكهم القيم الاجتماعيّة، والذي قال: إنّهم ملائكة معصومون من الذنوب فهو...، إلى أن يقول:
فمن سوء حظّ أبي جهل أنّه قُتل في معركة بدر في صفّ المشركين، ولو أنّ الصدفة ساعدته - كما ساعدت غيره - فنجا من تلك المعركة، ثمّ بقي إلى يوم الفتح فأسلم، لصار من عداد الصحابة أو القوّاد الذين ادّعوا أنّهم رفعوا راية الإسلام. إنّها مسألة صدفة، والصدفة تلعب بمقدّرات الرجال لعباً هائلاً. وهذا أمر نشاهد مصداقه يجري أمام أعيننا كلّ يوم؛ إذ نرى الكثير من أمثال أبي جهل أوصلتهم الصدف إلى أعلى المراتب، والمحدِّثون والإخباريّون من حولهم يحيطونهم بهالة من العظمة...(٢) .
وقال ابن حزم بعد نقله قوله تعالى:( وَيَقُولُونَ آمنّا باللهِ وبالرسولِ وأطَعْنا ثُمّ يتولّى فريقٌ منهم مِن بعدِ ذلك وما أولئكَ بالمُؤمنين * وإذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولهِ ليحكمَ بينهم إذا فريقٌ منهم مُعرضُون * وإن يَكُنْ لَهُمُ الحقُّ يأتُوا إليِه مُذْعِنين * أفي قُلوبِهم مَرَضٌ أم ارتابوا أم يَخافون أن يَحيفَ الله عليهم ورسولهُ، بل أولئك هُمُ الظالمون * إنّما كانَ قولَ المؤمنينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم أن يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولئك هُمُ المُفْلِحون * ومَن يُطِع اللهَ ورسولَه ويَخْشَ اللهَ ويَتَّقْهِ فأُولئكَ هُمُ الفائزون * وأقْسَمُوا باللهِ جَهْدَ أيْمانِهمْ لَئن أمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنّ قُلْ
____________________
(١) ص ١٠٢.
(٢) نقد الحديث للدكتور حسين الحاجّ حسن ١: ٣٥٠ - ٣٥١ وقد أخذ هذا الكلام من كتاب وعاظ السلاطين: ١١٨ للدكتور علي الوردي.
لا تُقْسموا طاعةٌ معروفةٌ إنّ الله خبيرٌ بما تعملون * قُلْ أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرّسُول، فإن تَوَلِّوا فإنّما عليهِ ما حُمِّلَ وعليكم ما حُمِّلْتُم وإنْ تُطيعوه تَهْتَدوا وما على الرّسُولِ إلاّ البلاغُ المُبِينُ ) (١) .
هذه الآيات محكمات لم تَدَع لأحد علقة يشغب بها، قد بيّن الله فيها صفَة فعل أهل زماننا؛ فإنّهم يقولون: نحن المؤمنون بالله وبالرسول، ونحن طائعون لهما، ثمّ يتولّى طائفة منهم بعد هذا الإقرار، فيخالفون ما وردهم عن الله عزّ وجلّ ورسوله صلّى الله عليه وآله! أُولئك بنصّ حُكم الله تعالى عليهم ليسوا مؤمنين، وإذا دُعُوا إلى آيات من قرآن أو حديث عن الرسول يخالف كلّ ذلك تقليدهم الملعون أعرضوا عن ذلك، فِمن قائل: ليس عليه العمل، ومن قائل: هذا خصوص، ومن قائل: هذا متروك، ومن قائل: أبى هذا فلان، ومن قائل: القياس غير هذا. حتّى إذا وجدوا في الحديث أو القرآن شيئاً يوافق ما قلّدوا فيه طاروا به كلّ مَطار، وأتوا إليه مذعنين كما وصف الله حرفاً حرفا، فيا ويلهم ما بالهم؟! أفي قلوبهم مرض وريب؟! أم يخافون جور الله تعالى وجور رسوله صلّى الله عليه وآله؟! ألا إنّهم هُمُ الظالمون، كما سمّاهم الله ربّ العالمين، فبعداً للقوم الظالمين!(٢) .
ثمّ عَمَد ابن حزم ليبرّر ما فعله كبار الصحابة في مخالفاتهم لحديث رسول الله، ودفع عنهم شبهة الإدخال في الدين - لمّا رسم في نفسه من هالة لأولئك الرجال - لكنّه في نفس الوقت نفى حجية ما فعله الصحابي وما قاله خلافاً للثابت عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال:
وقد قال بعضهم: قد صحّ ترك جماعات من الصحابة والتابعين لكثير ممّا بلغهم من حديث النبيّ صلّى الله عليه وآله، فلا يخلو من أن يكونوا تركوه مُْسَتْخِفّيِنَ به، وهذا كفر من فاعله، أو يكونوا تركوه لفضلِ علمٍ كان عندهم، فهذا أولى أن يُظنّ بهم.
ثمّ قال: وهذا يبطل من وجوه، أحدها أنّه لو قال قائل: لعلّ الحديث الذي تركه من
____________________
(١) سورة النور: ٤٧ - ٥٤.
(٢) الإحكام في أُصول الأحكام ١: ٩٨ - ٩٩.
تركه منهم فيه داخلة، قيل له: ولعلّ الرواية التي رويت بأنّ فلاناً الصاحب ترك حديثاً كذا هي المدخولة، وما الذي جعل أن تكون الداخلة في رواة الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، أولى من أن تكون في النقلة الذين رووا ترك من تركها، وأيضاً فإنّ قوماً منهم تركوا بعض الحديث، وقوماً منهم أخذوا بذلك الحديث الذي ترك هؤلاء.
فلا فرّق بين من قال: لابدّ من أنّه كان عند من تركه علمٌ من أجله تركه، وبين من قال: لابُدّ من أنّه كان عند من عمل به علم من أجله عمل به. وكلّ دعوى عَرِيتْ من برهان فهي ساقطة. وقد قدّمنا أنّه لا يستوحش لمن ترك العمل بالحقّ، سواء تركه مخطئاً معذوراً، أو تركه عاصياً موزوراً، ولا يكترث بمن عمل به كائناً مَن كان، وسواء عمل به أو تركه وفرض على كلّ مَن سمعه أن يعمل به على كلّ حال.
وأيضاً فإنّ الأحاديث التي روي أنّه تركها بعض من سلف ليست - في أكثر الأمر - التي ترك هؤلاء المحتجّون بترك من سلف لما تركوا منه. بل ترك هؤلاء ما أخذ به أُولئك، وأخذ هؤلاء بما تركه أُولئك، فلا حجّة لهم في ترك بعض ما سلف لما ترك من الحديث؛ لأنّهم أوّل مخالف لهم في ذلك، وأوّل مبطل لذلك الترك. ولا أسوأ من احتجاج امرئ بما يبطل على من لا يحقّق ذلك الاحتجاج بل يبطله كإبطال المحتجّ به له أو أشدّ.
وأيضاً: فلو صحّ ما افترَوه، من أنّه كان عند الصاحب التارك لبعض الحديث علمٌ من أجله ترك ما ترك من الحديث - ونعوذ بالله العظيم من ذلك، ونعيذ كلّ مَن يظنّ به خيراً من مثل ما نسبوا إلى أفاضل هذه الأمّة المقدّسة - لوجب أن يكون من فعل ذلك ملعوناً بلعنة الله عزّ وجلّ. قال الله تعالى:( إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنِ البيّناتِ والهُدَى مِن بعدِ ما بَيَّناهُ للنّاسِ في الكِتابِ أُولئِكَ يلْعَنُهُم الله ويَلْعَنُهمُ اللاّعِنُون ) (١) فنحن نقول: لعن الله كلّ مَن كان عنده علم من الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وكتمه عن الناس كائناً مَن كان. ومَن نسب هذا إلى الصحابة رضوان الله عليهم فقد نسبهم إلى الإدخال في
____________________
(١) سورة البقرة: ١٥٩.
الدين وكيد الشريعة، وهذا أشدّ ما يكون من الكفر.
وقد عارضتُ بنحو من هذا الكلام الليث بن حرفش العبديّ في مجلس القاضي عبد الرحمان بن أحمد بن بشر رحمه الله وفي حفل عظيم من فقهاء المالكيّين، فما أحد منهم أجاب بكلمة معارضة، بل صمتوا كلّهم، إلاّ قليل منهم أجابوني بالتصديق لقولي؛ وذلك أنّي قلت له: لقد نسبت إلى مالك رضي الله عنه ما لو صحّ عنه لكان أفسق الناس؛ وذلك أنّك تصفه بأنّه أبدى إلى الناس المعلولَ والمتروك والمنسوخ من روايته، وكتمهم المستعملَ والسالم والناسخ، حتّى مات ولم يُبْدِه إلى أحد. وهذه صفة من يقصد إفساد الإسلام والتدليس على أهله، وقد أعاذه الله من ذلك. بل كان عندنا أحد الأئمّة الناصحين لهذه الملّة، ولكنّه أصاب وأخطأ، واجتهد فوفّق وحرم، كسائر العلماء ولا فرق - أو كلاماً هذا معناه - وقد افترض الله تعالى التبليغ على كلّ عالم، وقد قال عليه السلام مخبراً:(إنّ مَن كتم علماً عنده فسئل عنه أُلجم يوم القيامة بلِجامٍ من نار) ...(١) إلى آخره.
لكنّ التعدّديّة في الرأي - التي دافع عنها ابن حزم - تخالف وحدويّة العقيدة، وإن كنّا نوافقه في ذهابه إلى عدم حجية قول وفعل الصحابي، بل نزيده أنّ القول بعدالة الصحابة على الإطلاق يخالف ما فعله عمر مع سعد بن عبادة وقوله فيه: اقتلوا سعدا، قتل الله سعداً!(٢) وكذلك ضربُه تميماً الداريّ(٣) ، وتخوينه عمرو بن العاص في سرقته مال(٤) الفيء، وطعنه في دين خالد بن الوليد والمطالبة برجمه(٥) ، كلّ هذا يُفهم منه أنّ القول بعدالة الصحابة لم يكن على عهد عمر وأبي بكر، وحتّى على عهد
____________________
(١) الإحكام لابن حزم ٢: ٢٤١ - ٢٤٣.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٥: ٤٤٤، بيعة أبي بكر، ح ٩٧٥٨، مسند أحمد ١: ٥٥، ح ٣٩١، طبقات ابن سعد ٣: ٦١٦، تاريخ الطبري ٢: ٢٣٥.
(٣) المعجم الكبير ٢: ٥٨، ح ١٢٨١، المحلّى لابن حزم ٢: ٢٧٤.
(٤) شرح النهج ٢٠: ٢١.
(٥) انظر تاريخ الطبري ٢: ٢٧٤ وفيه قول عمر لخالد بن الوليد بعد قتله لمالك بن نويرة: قال: قتلت امرأ مسلماً نزوت على امرأته والله لأرجمنّك بأحجارك، وهو في البداية والنهاية ٦: ٣٢٣، ثقات ابن حبان ٢: ١٦٩.
عثمان. بل إنّه قد حدث لاحقاً، وليس له رصيد، ولم يُدْعَم من السنّة؛ إذ كلّ ما نقل عنه صلّى الله عليه وآله في هذا الشأن هو عرضة للترديد والردّ، ومثله ما رُسم من هالة للصحابة وعدّهم بمنزلة المعصوم والمخصِّصين للقرآن. نعم، إنّه فعل مدرسة الخلفاء - والدعاة إلى الرأي والأخذ بالمصالح! - وأنصارهم!
وللمزيد إليك كلام التفتازاني في شرح المقاصد إذ قال:
... إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ و... يدل بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحد وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرياسة والميل إلى اللذات والشهوات؛ إذ ليس كل صحابي معصوماً ولا كل مَن لقي النبي بالخير موسوماً، إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله ذكروا محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة، سيّما المهاجرين منهم والأنصار والمبشرين بالثواب في دار القرار. وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء؛ إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له مَن في الأرض والسماء، وتنهد منه الجبال، وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كر الشهور ومر الدهور، فلعنة الله على مَن باشر أو رضي، أو سعى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
فإن قيل فمن علماء المذاهب مَن لم يجوّز اللعن على يزيد، مع علمهم بأنّه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد. قلنا: تحامياً عن أن يرتقي إلى الأعلى فالأعلى كما هو شعار الروافض...(١) .
كلّ هذه المباني المخترعة والأصول الخاطئة كان سببها - بل من أهمّ عوامل بنائها - منع التحديث والتدوين، ذلك المنع الذي فسح المجال لسلطة الرأي أن تتحكّم على النصوص.
____________________
(١) شرح المقاصد (للتفتازاني ٥: ٣١٠).
جاء عن سليمان بن عبد القويّ الحنبليّ (ت ٧١٦ هـ) قوله في شرح الأربعين:
إنّ أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أنّ السبب في ذلك عمر بن الخطّاب؛ لأنّ الصحابة استأذنوه في تدوين السنّة فمنعهم مع علمه بقول النبيّ صلّى الله عليه وآله(اكتبوا لأبي شاة) وقوله(قيّدوا العلم بالكتابة) .
فلو ترك الصحابة يدّون كلّ واحد منهم ما سمع من النبيّ لانضبطت السنّة فلم يبق بين آخر الأمّة وبين النبيّ إلاّ الصحابيّ الذي دوّنت روايته؛ لأنّ تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم كما تتواتر عن البخاريّ(١) .
وقال الشيخ محمّد أبو زهرة: إنَّ امتناع بعض الصحابة عن كتابة الحديث ومنعهم منها لم يكن سببه نهي النبيّ صلّى الله عليه وآله عن كتابة الحديث، بدليل أنَّ الآثار الواردة عنهم في المنع أو الامتناع من كتابة الحديث لم ينقل فيها التعليل بذلك، وإنَّما كانوا يعلّلون بمخافة أن تشتغل الناس بها عن كتاب الله أو غير ذلك من الأغراض(٢) .
وبذلك اندثر الكثير من سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، ونُسب إليه أكثر من ذلك، واختلقت مبان وأصول كثيرة في الشريعة، واختلط الأثر النبويّ أيّما اختلاط بالرأي والاجتهاد، حتّى ألزم البخاريّ نفسه أن ينتقي كتابه من بين ستمائة ألف حديث، وقريب منه فعل مسلم والنسائيّ وسواهم.
كان هذا مجمل الحديث عن محنة النصّ النبويّ - ثمّ اختراع حجيّة قول وفعل الصحابي - وما أعقب المنع من آثار على الشريعة، بسطنا القول فيه ليتعرّف القارئ على ملابسات التشريع وبعض أسباب الاختلاف بين المسلمين. ولم نكن نتوخّى فيه إلاّ بيان الحقيقة التي خفيت على المسلمين أحقاباً طويلة، وفُرض عليها الحصار قُرابة أربعة عشر قرناً من الزمان.
____________________
(١) نقل الأستاذ أسد حيدر عنه هذا الكلام في كتابه الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، فراجع.
(٢) الحديث والمحدّثون: ٢٣٤.
النتيجة
نتج من خلال البحث والتتبّع: أنّ المنع من التدوين مرّ بمراحل ثلاث:
الأُولى: فترة الشيخين.
الثانية: مَن سار على نهجهما، كعثمان ومعاوية.
الثالثة: بعد معاويّة، حتّى عصر التدوين الحكوميّ.
المرحلة الأُولى:
كان المنع في عهد الشيخين نابعاً - مضافاً إلى محاولة إخفاء فضائل أهل البيت المفسَّرة بأحقيتهم في الخلافة، ومضافاً إلى عقليتهم المؤهّلة للرأي والاجتهاد - من عدم حفظهما واستيعابهما لجميع أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولمّا كان مقام الخلافة يستوجب العلم بما حكم به الرسول، والخليفة لم يختصّ به صلّى الله عليه وآله كي يعرف جميع الأحكام الصادرة عنه، ولم يثُبت معرفة الخليفة بوجوه التفسير والتأويل في القرآن... كان من الطبيعيّ أن يحدث التخالف بين فتاواه، وبين أقوال رسول الله وحكم التنزيل. وهذا الأمر لو كان قد فسح المجال ليتّضح للناس مثلما هو عليه اليوم لأحدث مشكلة كبيرة، خاصّة وأنّ الخليفة كان في صدد معارك عسكريّة وفتوح للبلدان المتاخمة لبلاد المسلمين؛ فلذلك رأى من اللازم عليه اعتبار رأيه الحكم الفَصْل، وإن خالف النصّ لكي يكون معذوراً فيما يذهب إليه لمصالح قد ارتضاها! فتراه يقول: (ذلك على ما قَضَينا، وهذا على ما قضينا).
وقد تزايدت القضايا والوقائع التي ينبغي بيان حكمها، على أثر اتّساع رقعة الدولة الفتيّة بالفتوحات ومن خلال التعامل مع أقوام شتّى دخلوا في الإسلام. ولم يكن وضع الخليفة العلميّ بالذي يهيئوه للإِجابة الشرعيّة عن الحاجات المستجدّة؛ لعدم إحاطته بأحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، واستيعابه للموقف الشرعيّ الذي كان النبيّ صلّى الله عليه وآله قد كشف عنه، ذلك أنّ عمر بن الخطّاب لم يكن متفرّغاً لملازمة الرسول والأخذ عنه، بل كان - كما يقول عن نفسه - يتناوب هو وأخ له من الأنصار للأخذ عنه صلّى الله عليه وآله.
فعن عمر - كما روى البخاري ّ أنّه قال: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أُميّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنّا نتناوب النزول للأخذ عن رسول الله، ينزل يوماً وأنزل يوما، فإذا نزلتُ جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك(١) .
وكان البيع والشراء في الأسواق ممّا يشغله ويلهيه عن ملازمة رسول الله صلّى الله عليه وآله والاستمداد منه، لقوله: (وكان يلهيني الصفق في الأسواق)(٢) ، وقال له أُبيّ: وكان يلهيك الصَّفْق في الأسواق(٣) . فكان هذا أحد أسباب قلّة التلقي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله.
بَيْدَ أنّ الوقائع المستجدّة تحتاج إلى حلول فوريّة يلزم استقاؤها من القرآن والسنّة، وبما أنّ الخليفة لم يكن عارفاً بجميع السنّة ووجوه التأويل، فإنّه واجَهَ مشكلة في ذلك مستعصية؛ إذ إنّه لو أفتى بشيءٍ يخالف القرآن أو السنّة كان في حرجٍ أمام الصحابة، الذين سيعلنون عن الموقف الشرعيّ السليم في الواقعة، كما سمعوه من رسول الله صلّى الله عليه وآله.
لذلك تراه يبدأ السؤال عن حكم الرسول - كي لا يُحرَج لاحقاً - أو تراه يخضع لما يذكّره به الصحابة من أقوال النبيّ وأحاديثه دون نقاش.
____________________
(١) صحيح البخاري ١: ٤٦، باب التناوب في العلم، ح ٨٩، و ٢: ٨٧١، باب إماطة الأذى، ح ٢٣٣٥، صحيح مسلم ٢: ١١١٢، باب في الإبلاء واعتزال النساء ويخيرهن، مسند أحمد ١: ٣٣، ح ٢٢٢، سنن الترمذي ٥: ٤٢٠، باب ومن سورة التحريم، ح ٤٢٠.
(٢) انظر صحيح البخاري ٢: ٧٢٧، باب الخروج إلى التجارة، ح ١٩٥٦، ٦: ٢٦٧٦، باب الحجّة على مَن قال إن أحكام النبي صلّى الله عليه وآله كانت ظاهرة، ح ٦٩٢٠، صحيح مسلم ٣: ١٦٩٥، باب الاستئذان.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٦٩، باب ما خصّ به من أن أزواجه أمّهات المؤمنين، ح ١٣١٩٧.
لكنَّ استمرار حالة سؤاله الصحابةَ عن حكم الوقائع والحوادث المتتابعة، وافتراض كون الأحكام مستنبطة من النصوص... من شأنه إيقاع الخليفة في حرج آخر كلّما دعت الحاجة إلى موقف شرعيّ كاشف عن حكم الله جلّ جلاله، ومن شأن استمرار هذه الحالة أيضاً أن تفوّت على الخليفة كثيراً من الفرص. ومن هنا وجد من الضروريّ له خروجاً من الحرج وفوات الفرص أن يصير إلى تشريع الاجتهاد والعمل بالرأي في إطار المنع من الحديث كتابة ورواية وتدوينا؛ لإعذاره وإعذار مَن يسير على نهجه من المسلمين.
ولذلك صار عند المسلمين اتّجاهان:
الأوّل: لا يرتضي الحكم والاستنباط إلاّ على ضوء النصّ الشرعيّ من قرآن وسنّة.
الثاني: يرى الاجتهاد فيما لا نصّ فيه وما فيه نصّ، ويذهب إلى اعتبار ما يراه من المصلحة.
فالمصلحة هي الوسيلة الأقوى التي اتّخذها الحكّام، فهم لا يقولون بشيء إلاّ بادّعاء أنّ المصلحة في فعله، ولا ينهون عن شيء إلاّ بتصوّر أنّ المصلحة في تركه. لكنّ السؤال الذي لا مفرّ منه هو: هل مشروعيّة هذه المصلحة مُنْتَزعة من النصّ أم لا؟
إنّ أصحاب نهج التعبّد المحض لو أخذوا بالأحكام الثانويّة فإنّهم يكونون قد أخذوا بها على ضوء النصوص ولفترة محدودة بمقدار الضرورة، لا اجتهاداً من عند أنفسهم.
وأمّا المصلحة في نهج الخلفاء فإنّها - مضافاً إلى كونها مصلحة متخيّلة - تؤخذ من فعل الخليفة وما رآه مصلحة بحيث تكون حكماً دائميّاً لا وقتيّاً، وهذا فارق عظيم بين الحالتين.
نعم، إنّ الاجتهاد له مطّاطيّة وانسيابيّة، ولا يمكن لأحد الحدّ من سيره، وإنَّ راكبه كما وصفه الإمام عليّ بن أبي طالب في الخطبة الشِّقشقيّة:(كراكِبِ الصَّعْبة...) لا يمكن لأحد أن يلجمه كما لا يمكنه الإمساك بزمامه.
المرحلة الثانية:
كان عثمان يميل إلى مواصلة سنّة الشيخين، لكنّه في الوقت نفسه يرى لنفسه الأهليّة في الإفتاء والاجتهاد كالشيخين؛ لما يراه من مصلحة ورأي، لأنّ تحديد إفتائه وحديثه (بما عُمِل به في زمن الشيخين) - كما هو المصرّح به في خطبته الأولى(١) - كان يؤذيه من بعد، لسابقته في الإسلام ومصاهرته الرسول!!، ولكونه ليس بأقلّ شأناً من عمر وأبي بكر، فكيف يجوز للناس أن يعترضوا عليه لمخالفته بعض اجتهادات الشيخين، وهو قد شاهدهم بالأمس قد سكتوا عن اجتهادات عمر المخالفة لسنّة رسول الله؟! بل إنّهم قد ارتضوا تلك الاجتهادات وجعلوها نهجَ حياة، يضاهي ويوازن سنّة رسول الله، بل يعارضها في موارد كثيرة، وهو - أي عمر - في بعضها أجسر فيما شرّعه من عثمان وأجر.
فكان عثمان يردّد هذا السؤال مع نفسه:
كيف يحقّ لعمر أن يشرّع أو ينهى لمصلحة كان يقدّرها - كما في صلاة التراويح ومتعة النساء وغيرها - ولا يحقّ لي ذلك؟!
ولماذا يجب أن أكون تابعاً لسياستهما ولا أكون مجتهداً متبوعاً؟!
وقد جاء هذا الكلام صريحاً في قوله للمعترضين: (ألا فقد - والله - عبتم عَلَيّ بما أقررتم لابن الخطّاب بمثله)، ثمّ يقول: (أما والله لأنا أعزّ نَفَراً وأقربُ ناصراً وأكثر عدداً وأقْمَنُ إن قلت هلمّ، أُتِيَ إليّ، ولقد أعددتُ لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم
____________________
(١) ففي الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٦، وتاريخ دمشق ٣٩: ١٨٠، بالإسناد عن محمود بن لبيد. قال: سمعتُ عثمان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحد أن يروي حديثاً عن رسول اللهصلّى الله عليه وآله لم يسمع به في عهد ابي بكر ولا عهد عمر.
وقد مرّ عليك كما في المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٧ - قول عثمان لعمر لمّا طُعن واستشارهم في الجدّ: إن نتّبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنِعْمَ ذو الرأي. وانظر سنن الدارمي ١: ١٥٩، باب اختلاف العلماء، ح ٦٣١، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٤٦، باب من لم يورث الأخوة مع الجد، ح ١٢٢٠١.
فضولاً وكشّرت لكم عن نابي...)(١) .
وقد شاهدتَ ابن عوف وعرفت أنّه لم يقدر أن يُلْزِمَ عثمانَ بما أعطاه من العهد والميثاق للسير على طِبق سيرة أبي بكر وعمر، ومن هنا اعتصم ابن عوف بالصمت في آخر الحوار الذي دار بينه وبين عثمان حول الصلاة في منى، فقال ابن عوف: ألم تصلِّ في هذا المكان مع رسول الله ركعتين؟
قال عثمان: بلى.
فقال ابن عوف: ألم تصلّ مع أبي بكر ركعتين؟
قال: بلى.
فقال ابن عوف: ألم تصل مع عمر ركعتين؟
قال: بلى.
قال ابن عوف: وصدراً من خلافتك ركعتين؟
قال: بلى.
فقال ابن عوف: إذن كيف تصلّي اليوم أربعاً؟!
فقال عثمان: رأيٌ رأيته!(٢) .
فعثمان ما فعل في هذه المفردة إلاّ ما جرّ إليه الاجتهاد.
وتجاوُزُ الحدود جاء تبعاً للاجتهاد قبال النص المنهي عنه في شريعة سيد المرسلين، فلم يمكن لأحد الأخذ بلجامه والاعتراض على اجتهادات الآخرين؛ لأنّ خليفة المسلمين قد فعل ذلك، فإن ورد اعتراض على اجتهادات الآخرين فإنّه يَرِدُ قبله على خليفة المسلمين؛ لأنّه فعل ذلك، فإن كان الاجتهاد شرعيّاً فاجتهاد عثمان وغيره شرعيّ كذلك، وإن لم يكن شرعيّاً، فَلِمَ فعل الشيخان ذلك؟!
ومرّةً أُخرى... فإنّ المنع عن تدوين السنّة الشريفة والذهاب إلى إقلال الحديث
____________________
(١) الإمامة والسياسة ١: ٤٦، تاريخ الطبري ٢: ٦٤٥، البداية والنهاية ٧: ١٦٩.
(٢) الخبر بكامله في تاريخ الطبري ٢: ٦٠٦، أحداث سنة ٢٩ هـ.
عن رسول الله هو الذي أوجد الاجتهاد عند الشيخين، واجتهاد الشيخين هو الذي حدا بعثمان أن يجتهد كذلك ويُحْدِث الأحكام طبق ما يراه من مصلحة، والخلفاء بعد هؤلاء - إلاّ عليّ بن أبي طالب - قد وجدوا في الاجتهاد والمصلحة بُغيتهم، وأنّه خير غطاء يمكن الاحتماء به لتصحيح آرائهم.
وأمّا عليّ بن أبي طالب فقد عارض فكر هذا الاتّجاه. وكلماتُهُ في نهج البلاغة وغيره توضّح ذلك وتجلّيه بما لا يَدَع مجالاً للشكّ. وإليك نصّين عنه في أيّام خلافته يوضّحان معالم الاختلاف وجذور المسألة.
الأوّل: قوله عليه السلام:(... وإنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع وأحكام تُبَْتدع، يُخالَف فيها كتاب الله، يَتولّى فيها رجالٌ رجالاً، على غير دين الله، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحقّ خَلَصَ من لبس الباطل لانقطعت ألسنة المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضِغثٌ ومن هذا ضِغثٌ، فيمزَجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى. إنّي سمعتُ رسولَ الله يقول: كيف أنتم إذا لَبِسَتْكُم فتنة يربو فيها الصغير ويَهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتّخذونها سنّة، فإذا غُيِّرَ منها شيء قيل: قد غُيّرت السنّة وقد أتى الناس منكراً؟! ثمّ تشتدّ البليّة وتسبى الذرّيّة، وتدقّهم الفتنة كما تدقّ النار الحطب، وكما تدقّ الرحى بثِفالها (١) ،ويتفقّهون لغير الله ويتعلّمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة.
ثمّ أقبل بوجهه، وحوله ناس من أهل بيته وخاصّته وشيعته، فقال:قد عملتِ الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله متعمّدِين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيِّرِين لسنّته، ولو حملتُ الناس على تركها وحوَّلْتُها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله، لتفرّق عنّي جندي، حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرضَ إمامتي من كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله. أرأيتم لو أمرتُ بمقام إبراهيم
____________________
(١) الثفال بالكسر جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، ويسمّى الحجر الأسفل: ثفالاً به.
فردَدْتُه إلى الموضع الذي وضعه فيه رسولُ الله، ورددتُ فدك إلى ورثة فاطمة (١) ،ورددتُ صاع رسول الله كما كان (٢) وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله صلّى الله عليه وآله لأقوام لم تُمْضَ لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد (٣) ،ورددت قضايا من الجور قضي بها (٤) ،ونزعت نساءً تحت رجال بغير حقّ فرددتُهن إلى أزواجهن (٥) واستقبلت بهنّ الحكم في الفروج والأحكام، وسبيت ذراري بني تَغْلِب (٦) ،ورددت ما قسّم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا (٧) ،وأعطيت كما كان رسول الله يعطي بالسويّة، ولم أجعلها دُولة بين الأغنياء، وألقيت المساحة (٨) وسوّيت بين المناكح (٩) ،وأنفذت خُمْس الرسول كما أنزل عزّ وجلّ وفَرَضه (١٠) ،ورددت مسجد رسول الله إلى ما كان عليه (١١) ،وسددت ما فُتح فيه من الأبواب (١٢) ،وفتحت ما سُدّ منه، وحرّمت المسح على الخُفّين (١٣) ،وحَدَدتُ على
____________________
(١) قصّة فدك مشهورة، لا حاجة لبيانها وللأعلام فيها كتب كثيرة.
(٢) انظر الخلاف للشيخ الطوسيّ ١: ١٢٩، مسألة ٧٣ لتعرف حقيقة الأمر.
(٣) كأنّهم غصبوها وأدخلوها في المسجد.
(٤) كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الإرث و...
(٥) كمن طلّق زوجته بغير شهود وعلى غير طهر، وقد يكون فيه إشارة إلى قوله بعد بيعته: ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج... إلخ، وانظر نهج البلاغة ١: ٤٦، خ ١٥، وشرح النهج ١: ٢٦٩.
(٦) لأنّ عمر رفع الجزية عنهم فهم ليسوا بأهل ذمّة، فيحلّ سبيُ ذراريهم، قال البغويفي شرح السنّة: روي أنّ عمر بن الخطّاب رام نصارى العرب على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدّي ما يؤدّي العجم، ولكن خذ منّا كما يأخذ بعضكم من بعض، بعنوان الصدقة. فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين. قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم على أن ضعّف عليهم الصدقة.
(٧) إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من وضعه الخراج على أرباب الزراعة والصناعة والتجارة لأهل العلم والولاة والجند، بمنزلة الزكاة المفروضة، ودوّن دواوين فيها أسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء.
(٨) راجع تفصيل هذا الأمر في كتاب الشافي للسيّد المرتضى.
(٩) ربّما كان إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من منع غير القرشيّ الزواج من القرشيّة، ومنعه العجم من التزوّج من العرب.
(١٠) إشارة إلى منع عمر أهل البيت خُمْسَهم.
(١١) يعني أخرجت منه ما زاده عليه غصب.
(١٢) إشارة إلى ما نزل به جبرئيل من الله تعالى بسد الأبواب إلاّ باب عليّ.
(١٣) إشارة إلى ما أجازه عمر في المسح على الخفّين، ومخالفة عائشة وابن عبّاس وعليّ وغيرهم له في هذا.
النبيذ، وأمرت بإحلال المُتْعَتين (١) ،وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات (٢) ،وألزمتُ الناس الجهرَ ببسم الله الرحمن (٣) الرحيم، وأخرجت مَن أُدخِل بعد رسول الله في مسجده ممّن كان رسولُ الله أخرجه، وأدخلت مَن أُخرج بعد رسول الله ممّن كان رسول الله أدخله (٤) ،وحملتُ الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنّة (٥) ،وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها (٦) ،ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها (٧) ،ورددت أهل نجران إلى مواضعهم (٨) ،ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه... إذن لتفرّقوا عنّي.
والله لقد أمرتُ الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الإسلام! غُيِّرت سنّة عمر! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية عسكري. ما لقيت من هذه الأمّة من الفُرقة وطاعة أئمّة الضلالة والدعاة إلى النار!! وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عزّ وجلّ: ( إنْ كُنتم آمنتم باللهِ وما أنْزَلْنا على عَبْدِنا يومَ الفرقانِ يومَ التقى الجَمْعان ) (٩) ،فنحن والله عنى بذي القربى الذين قَرَننا الله بنفسه وبرسوله صلّى الله عليه وآله فقال تعالى: ( فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ
____________________
(١) يعني متعة النساء ومتعة الحجّ.
(٢) لِما كبّر النبيّ في رواية حذيفة وزيد بن أرقم وغيرهم.
(٣) لكونهم قد أكّدوا على إخفاته.
(٤) يحتمل أن يكون المراد إشارة إلى الصحابة المخالفين الذين أُخرجوا من المسجد في حيث إنّهم كانوا مقرّبين عند رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإنّه عليه السلام يخرج من أخرجه رسول الله صلّى الله عليه وآله، كالحكم بن العاص وغيرهم.
(٥) كما مرّت عليك الاجتهادات المخالفة للقرآن وما قالوه في الطلاق ثلاث.
(٦) أي من أجناسها التسعة، وهي: الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والغنم والبقر.
(٧) وذلك لمخالفتهم هذه الأحكام. وقد وضّحنا حكم الوضوء منه في كتابنا (وضوء النبيّ).
(٨) وهم الذين أجلاهم عمر عن مواطنهم.
(٩) الأنفال: ٤١.
الأغنياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوه ومَا نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا واتّقوا اللهَ إنّ اللهَ شديدُ العِقاب ) (١) .
الثاني: روى الطوسيّ في (التهذيب) عن الصادق عليه السلام قول أمير المؤمنين عليه السلام لمّا قدِم الكوفة، وأمر الحسنَ بن عليّ عليه السلام أن ينادي في الناس:(لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة)، فنادى في الناس الحسنُ بن عليّ بما أمره به أميرُ المؤمنين، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن عليّ صاحوا: وا عُمَراه! وا عمراه! فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين قال له: ما هذا الصوت؟
فقال: يا أمير المؤمنين! الناس يصيحون: وا عمراه! وا عمراه! فقال أمير المؤمنين:قل لهم: صلّوا (٢) .
عرفنا من مجمل الخبرين السابقين عدّة أُمور:
١ - أنّ هناك سُنَناً قد شُرّعت من قبل الخلفاء لا يرتضيها عليّ؛ لمخالفتها لسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
٢ - سعى عليّ لرفعها لكنّه لم يقدر على كثير منها؛ لقوّة التيّار المدافع عن عمر، والمتابع لاجتهاداته وآرائه.
٣ - أنّ الخلاف بين عليّ وعمر لم يقتصر على موضوع الخلافة وحده، بل كان على الفقه والشريعة كذلك.
فالقائلون بحجّيّة الرأي واجتهادات الصحابة كانوا يعارضون التحديث عن رسول الله وتدوين سنّته، ويرجّحون اجتهادات الشيخين على كلّ شيء لتصوّرهم بأنّهم يعرفون علل الأحكام وروح التشريع!!
وأمّا أنصار مدرسة التعبّد المحض فكانوا يقفون أمام تهديدات هؤلاء، موضّحين فقه رسول الله صلّى الله عليه وآله، وناقلين حديثه للناس، ولو وضعت الصمصامة على أعناقهم!
____________________
(١) كتاب سليم بن قيس: ٢٦٢ وعن سليم في الكافي ٨: ٥٩، ح ٢١، وانظر نهج البلاغة ١: ٩٩ الخطبة ٥٠ وقد ذكر بعضه وهو أيضاً في احتجاج الطبرسي ١: ٣٩٢ من طريق آخر مختصر.
(٢) تهذيب الأحكام ٣: ٧١، ح ٢٢٧.
وجاء عن عليّ أنّه قال لمّا طُعِن:أمّا وصيّتي إيّاكم، فالله عزَّ وجلَّ لا تشركوا به شيئاً، ومحمّد لا تضيّعوا سنّته، أقيموا هذين العمودين... (١) .
وعن ابن كثير، عن أبيه، قال: أتيت أبا ذرّ، وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثمّ قال: أوَلَمْ تُنهَ عن الفُتيا؟! فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت عَلَيَّ؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثمّ ظننت أنّي أُنِفُذ كلمةً سمعتُها من رسول الله قبل أن تجيزوا عَلَيَّ، لأنفذتها(٢) .
انظر إلى أبي ذرّ كيف يُصِرّ على تبليغ ما سمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإن وُضِعَت الصمصامة على عنقه! وانظر إلى عدوله عن لفظ السائل (الفيتا) إلى لفظ (سمعتها من رسول الله) لتعلم التفاوت بين الاتّجاهين.
إنّها المسؤوليّة التي يتحسّسها أبو ذرّ وغيره من أتباع نهج التعبّد المحض، فيجدّون في تبليغ سنّة رسول الله حتّى آخر نفس، لقوله: (ثمّ طننتُ أنّي أُنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله قبل أن تجيزوا عَلَيّ، لأنفذتها)(٣) .
كيف لا يقول ذلك، وهو قد سمع رسول الله في أكثر من مشهد وموقف أنّه يتخوّف على أُمّته من: الضلال والابتعاد عن الصراط، والأخذ بسنن الآخرين بُغضاً لعليّ؟!
فعن حنش الكنانيّ: قال سمعت أبا ذرّ وهو آخِذٌ بباب الكعبة يقول: أيّها الناس، مَن عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذرّ، سمعت رسولَ الله يقول:مَثَلُ أهل بيتي كسفينةِ نوح: مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق (٤) .
____________________
(١) المعجم الكبير لللطبرانيّ ١: ٩٦، ح ١٩٧.
(٢) تاريخ دمشق ٦٦: ١٩٤، سنن الدارمي ١: ١٤٦، سير أعلام النبلاء ٢: ٦٤، طبقات ابن سعد ٢: ٣٥٤، حلية الأولياء ١: ١٦٠ وفيها: وعلى رأسه فتى من قريش، فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ وفي فتح الباري ١: ١٦١، قال ابن حجر: إنّ الذي خاطبه رجل من قريش، والذي نهاه عثمان. وقد روى البخاري في صحيحه ١: ٣٧، في باب العلم هذا الحديث مبتورا، فلم يذكر نهي عثمان ولا الفتى القريشي الرقيب بل اكتفى بذكر قول أبي ذر (لو وضعتم الصمصامة...)... الخ فتأمّل.
(٣) الخبر في سنن الدرامي ١: ١٤٦، ح ٥٤٥، وقد قال ابن حجر في فتح الباري ١: ١٦١ قال: إنّ أبا ذرّ كان لا يرى طاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا؛ لأنّه كان يرى أنّ ذلك واجب عليه لأمر النبي صلّى الله عليه وآله بالتبليغ عنه.
(٤) المعجم الأوسط ٥: ٣٥٥، ح ٥٥٣٤، المعجم الكبير ٣: ٤٥، ح ٢٦٣٦، مستدرك الحاكم ٢: ٣٧٣، والنص
وجاء عنه قوله: أيّتها الأمّة المتحيّرة بعد نبيّها، أمّا لو قدّمتم مَن قدّم الله، وأخّرتم مَن أخّر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيّكم لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولَمَا عال وليُّ الله، ولا طاشَ سهمٌ من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنّة نبيّه. فأمّا إذ فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وَبالَ أمركم، وسيعلم الذين ظَلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون(١) .
وقال الإمام أمير المؤمنين عليّ لأبي ذرّ:(إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك) (٢) .
وهذا النصّ وما سبقه ممّا يكشف عن تحيّر الأمّة الممتحَنة، وأنّهم لا يدرون بكلام أي الاتّجاهين يأخذون بسبب تقديمهم المتأخّر وتأخيرهم المتقدّم، ذلك أنّ الصحابة قد تصدّروا الاتّجاهين:
فأبو ذرّ ومَن يماثله من أنصار التعبّد المحض، يؤكّدون لزوم الأخذ بسنّة رسول الله الموجودة عند أهل بيته؛ لكثرة النصوص المسموعة والمنقولة عن مكانة عليّ بن أبي طالب، فعليٌّ قد دوّن كلام رسول الله في حياته صلّى الله عليه وآله، وله صحيفة وكتاب الجامعة والجفر فيها جميع ما سمعه من رسول الله. وكان يخلو بالنبيّ في اليوم مرّتين صباحاً ومساءً، وقد صرّح بأنّه يعرف كل آية أين نزلت وفيمن نزلت و...
وهناك من الصحابة مَن يأخذ بكلام عمر، ولا يرتضي التدوين عن رسول الله، بل يشرّع الاجتهاد قبال كلامه صلّى الله عليه وآله، معلّلاً بأنّه قد عرف روح التشريع!
وقد مرّ عليك قول ابن عبّاس: مالي لا أسمع الناس يُلَبُّون؟!
____________________
=
منه، مسند الشهاب ٢: ٢٧٣، ح ١٣٤٣، وقد روى هذا الحديث صحابة آخرين منهم أبي سعيد الخدري، وابن عباس كما في الأوسط ٦: ٨٥، ح ٥٨٦٩، والكبير ٣: ٤٦، ح ٢٦٣٨، ١٢: ٣٤، ح ١٢٣٨٨، حلية الأولياء ٤: ٣٠٦.
(١) تاريخ العقوبي ٢: ١٧١.
(٢) نهج البلاغة ٢: ١٢ الخطبة ١٣٠، شرح نهج البلاغة ٨: ٢٥٢، عيون الحكم والمواعظ، للّيثي: ٥٥٢، الكافي ٨: ٢٠٧، السقيفة وفدك للجوهري: ٧٨، وانظر المحاسن ٢: ٣٥٤ الباب ١٢، ح ٤٥، مكارم الأخلاق: ٢٤٩ باب في التشيع.
فقلت [ أي الراوي ]: يخافون معاوية.
فخرج ابن عبّاس من فُسطاطه فقال: لبّيك اللّهمّ لبّيك، وإن رغم أنف معاوية. اللّهمّ العنهم؛ فقد تركوا السنّة من بغض عليّ(١) .
وعن عكرمة قال: صلّيت خلف شيخ بمكّة، فكبّر اثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عبّاس: إنّه أحمق!
فقال ابن عبّاس: ثكلتك أُمّك سنّة أبي القاسم(٢) .
إنّ سرقة معاوية البسملة من السورة!(٣) ، وبيعه سِقايةً من ذهب - أو ورق - بأكثر من وزنه، واعتراض أبي الدرداء عليه، وحكايته حديثاً عن الرسول في عدم جواز ذلك، وقول معاوية له: لا أرى بأساً بذلك.
فقال له أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟! أنا أُخبره عن رسول الله وهو يخبرني عن رأيه! لا أُساكِنك بأرضٍ أنت فيها(٤) .
كلّ هذه النصوص وما مرّ يُوضّح تخالف النهجين في الأصول والمفاهيم.
المرحلة الثالثة:
وهي مرحلة الخلفاء الذين حكموا بعد معاوية إلى عصر التدوين الحكوميّ، فإنّ هدف هؤلاء قد تماثَل مع أهداف الخلفاء الذين قبلهم والذين بعدهم، فهؤلاء قد استغلّوا الأفكار السائدة في العصر الأولّ، وما ذهب إليه الخَلَف من مشروعيّة الرأي
____________________
(١) سنن النسائيّ ٥: ٢٥٣، ح ٣٠٠٦، المستدرك على الصحيحين ١: ٦٣٦، ح ١٧٠٦ قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، السنن الكبرى للبيهقيّ ٥: ١١٣، ح ٩٢٣٠ والنص منه، الاعتصام بحبل الله المتين ١: ٣٦٠.
(٢) صحيح البخاريّ ١: ٢٧٢ كتاب الصلاة، باب التكبير إذا قام من السجود، ح ٧٥٥.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٢: ٩٢، ح ٢٦١٨، الأم ١: ١٠٨، باب القراءة بعد التعوّذ، سنن الدارقطني ١: ٣١١، باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، ح ٣٣ و ح ٣٤، المستدرك على الصحيحين ١: ٣٥٧، ح ٨٥١.
(٤) موطّأ مالك ٦٣٤:٢ كتاب البيوع (١٦) باب بيع الذهب بالفضّة، ح ١٣٠٢، السنن الكبرى للبيهقيّ ٥: ٢٨٠، ح ١٠٢٧٤، الرسالة للشافعيّ: ٤٤٦.
للصحابة، بُغية الحدّ من نشاط الطالبيّين - وهم المخالفون لهم على مرّ القرون - وبغية التعرّف عليهم، وقد عرفت أنّ الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز قد أمر ابن شهاب الزهريّ بتدوين السنّة النبويّة، مؤكّداً الأخذ بسنّة الشيخين. وجاء عن ابن شهاب قوله: كنّا نكره تدوين السنّة حتّى اكرَهَنا السلطان على ذلك(١) .
ولم يخفَ عليك أنّ هؤلاء الأمراء كانوا من أبناء أبي سفيان والحَكَم بن العاص، ومن الذين لم يدخلوا الإسلام إلاّ مُكْرَهين!
ألم يَقُل أبو سفيان: فو الذي يحلف به أبو سفيان، لا جنّة ولا نار!(٢) .
أوَلَيسَ معاوية هو القائل استخفافاً برسول الله صلّى الله عليه وآله (... وإنّ ابن أبي كبشة لَيُصاحُ به كلّ يوم خَمْسَ مرّات: أشهد أن محمّداً رسول الله، فأيّ عمل يبقى؟! وأيّ ذِكر يدوم بعد هذا، لا أباً لك؟! لا والله إلاّ دفناً دفناً(٣) .
أو لم يشتهر إنشاد يزيد بن معاوية شعر ابن الزبعرى في إنكاره النبوّة:
لَعِبَتْ هاشمُ بالملْكِ فلا |
خبرٌ جاءَ، ولا وَحْيٌ نَزَلْ! |
وكيف يمكن أن يخفى ما جاء عن أبي سعيد الخدريّ: من أنّه جذب ثوب مروان بن الحكم لمّا أراد أن يرتقي المنبر ليخطب قبل الصلاة في العيدين، وقوله له: غيّرتم والله! وجواب مروان له: أبا سعيد! قد ذهب ما تعلم، فقال: ما أعلم والله خير ممّا لا أعلم! فقال مروان: إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة(٤) .
قال الإمام محمّد عبده: (إنّ عموم البلوى بالأكاذيب حقّ على الناس في دولة الأمويّين! فكثر الناقلون وقلّ الصادقون، وامتنع كثير من أجلّة الصحابة عن الحديث،
____________________
(١) سنن الدارمي ١: ١٢٢، ح ٤٠٤.
(٢) تاريخ الطبري ٥: ٦٢٢، الاستيعاب ٤: ١٦٧٩، الأغاني ٦: ٣٧١، شرح النهج ١٥: ١٧٥، ٩: ٥٣، ٨: ٣٠، ٢: ٤٥، مروج الذهب ٢: ٣٤٣.
(٣) الأخبار الموفّقيّات للزبير بن بكار: ٥٧٦ - ٥٧٧، مروج الذهب ٣: ٤٥٤، النصائح الكافية: ١٢٤، شرح النهج ٥: ١٣٠.
(٤) صحيح البخاري ١: ٣٢٦، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، ح ٩١٣، السنن الكبرى للبيهقي ٣: ٢٨٠، باب الخروج في الأعياد إلى المصلى، ح ٥٩٢٩.
إلاّ لمن يثقون بحفظه خوفاً من التحريف فيما يؤخذ عنهم)(١) .
والخلفاء العبّاسيّون ليسوا بأقلّ وطئاً على الشريعة من الأمويّين، فقد استخدموا الشريعة لمصلحة الحكم والنظام، وقد وقفتَ على نصوصهم مع مالك بن أنس، وطلب المنصور منه أن يدوّن السنّة حتّى يجمع الناس على ذلك، ودعوته أبا حنيفة للخوض في نقاش مع صادق أهل البيت...(٢) وغيرها من النصوص التي تؤكّد التخالف الفكريّ والأصول المتبناة عند الطرفين.
إنّ هؤلاء قد اتّخذوا الاختلاف الفقهيّ وسيلة للتعرّف على الطالبيّين، فزادت لأجله الأحاديث المتناقضة والمرجِّحة لبعض المذاهب في الشريعة الإسلاميّة(٣) .
قال الأستاذ أحمد أمين: (... ومن الغريب أنّنا لو اتّخذنا رسماً بيانيّاً للحديث لكان بشكل هَرَم، طرفُه المدبَّب هو عهد الرسول صلّى الله عليه وآله، ثمّ يأخذ في السعة على مرّ الزمان حتّى يصل إلى القاعدة، فهي أبعد ما تكون عن عهد الرسول. مع أنّ المعقول كان العكس؛ فصحابة الرسول أعرف الناس بحديثه، ثمّ يقلّ الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوي عنه وهكذا.
ولكنّا نرى أنّ أحاديث العهد الأمويّ أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين، وأحاديث العصر العبّاسيّ أكثر من أحاديث العهد الأمويّ)(٤) .
ثمّ علّل ذلك بنشاط حركة الهجرة في طلب الحديث ودور اليهود والنصارى في مسخ الشريعة، متناسياً دور السلطة وأهدافها السياسيّة.
لكنّي أتساءل: هل يمكن لليهود - وهم الذين يعطُون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون - ممارسة دورهم الهدّام بعيداً عن أيّ دعم أو تغاضٍ من قبل السلطة الحاكمة؟ وبنظري إنّ العوامل السياسيّة والذهاب إلى مشروعيّة رأي الجميع كان من
____________________
(١) أضواء على السنّة المحمدية: ٣٨٩، عن تاريخ الإمام محمد عبده ٢: ٣٤٧.
(٢) انظر الحوار وتعليقنا عليه في (وضوء النبيّ): ٣٤٩ - ٣٥٣.
(٣) بسطنا القول في هذه المسألة في كتاب (وضوء النبيّ).
(٤) ضحى الإسلام ٢: ١٢٨ - ١٢٩.
العوامل المهمّة في هذا المجال، وقد أنبأ رسول الله بوقوع ذلك وأبدى تخوّفه على مستقبل الشريعة وأرشد إلى ضرورة التزام سنّته، ولزوم الأخذ بقول العترة من آله كما صرّح صلّى الله عليه وآله به في حديث الثقلين وغيره من الأحاديث، وقد توقّع الخليفة أبو بكر حدوث ذلك أيضاً، لكنّه لم يعالجه إلاّ بدعوة النّاس إلى الاقتصار على كتاب الله!!
اتّضح من كلّ ما سبق أنّ هذه الأفكار وغيرها قد حدثت من جرّاء المنع عن تدوين السنّة الشريفة والقول بحجّيّة رأي الصحابة وغيرها من العوامل السياسيّة.
وقد قيل عن الاختلاف: إنّه يبدأ بمليمتر واحد حتّى ينتهي إلى كيلومتر، بل وإلى ما لا نهاية، حسب تعبير علماء الهندسة. وقد شاهدنا هذه الحقيقة عياناً في محنة النصّ النبويّ، وما جرى على الشريعة، وأنّ السنّة قد وصل بها الأمر إلى أنّها أصبحت لا تعرف إلاّ بفعل الصحابة بل بجعل كلام الصحابيّ وفعله مخصِّصاً للقرآن!
وهذه بعض النصوص عن أهل البيت، ترى فيها أجوبة الكثير من الشبهات المطروحة، مؤكِّدة على عدم مشروعيّة الأخذ بالرأي.
فمن رسالة طويلة للإِمام الصادق إلى أصحابه، من جملتها:
أيّتها العصابة المرحومة المفلحة! إنّ الله أتمّ لكم ما آتاكم من الخير. واعلموا أنّه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى، ولا رأي، ولا مقاييس، قد أنزل اللهُ القرآن وجعل فيه تبيان كلّ شي، وجعل للقرآن وَتَعَلُّمِ القرآن أهل، لا يَسَعُ أهلُ عِلْمِ القرآنِ الذي آتاهم الله علمه أن يأخذوا في دينهم بهوى ولا رأي ولا مقاييس، وهم أهل الذكر الذين أمر الله الأمّة بسؤالهم... إلى أن قال:
وقد عَهِد إليهم رسولُ الله قبل موته، فقالوا: نحن بعدما قبض الله عزّ وجلّ رسوله يَسَعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد ما قبض الله رسوله! وبعد عهده الذي عهده إلينا، وأمرنا به؛ مخالفاً لله ولرسوله، فما أحد أجرأ على الله، ولا أبين ضلالة ممّن أخذ بذلك، وزعم أنّ ذلك يَسَعه. والله إنّ لله على خلقه أن يطيعوه، ويتّبعوا أمره في حياة محمّد صلّى الله عليه وآله وبعد موته.
هل يستطيع أُولئك أعداء الله أن يزعُموا أنّ أحداً ممّن أسلم مع محمّد أخذ بقوله ورأيه ومقاييسه؟ فإن قال: نعم، فقد كذب على الله وضلّ ضلالاً بعيداً، وإن قال: لا، لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقاييسه، فقد أقرّ بالحجّة على نفسه، وهو ممّن يزعم. وكما أنّه لم يكن لأحد من الناس مع محمّد أن يأخذ بهواه، ولا رأيه، ولا مقاييسه؛ خلافاً لأمر محمّد، كذلك لم يكن لأحد بعد محمّد أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه. ثمّ قال:
واتَّبعوا آثار رسول الله وسنّته، فخُذوا بها، ولا تتّبعوا أهواءكم ورأيكم فتضلّوا، فإن أضلّ الناس عند الله مَن اتّبع هواه ورأيه بغير هدى من الله.
وقال: أيّتها العصابة، عليكم بآثار رسول الله وسنّته وآثار الأئمّة الهداة من أهل بيت رسول الله من بعده وسنّتهم؛ فإنّه مَن أخذ بذلك فقد اهتدى، ومَن ترك ذلك ورغب عنه ضلّ؛ لأنّهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم(١) .
وعن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال في كلام طويل، منه: إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه، ولم يأخذ عن رأيه(٢) .
وعنه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله: قال الله عزّ وجلّ: ما آمن بي مَن فسّر برأيه كلامي، وما عرفني من شبّهني بخلقي(٣) .
قال معاوية بن ميسرة بن شريح: شهدت أبا عبد الله [ الصادق ] في مسجد الخيف، وهو في حلقة، فيها نحو من مائتي رجل، وفيهم عبد الله بن شبرمة فقال له: يا أبا عبد الله! إنّا نقضي بالعراق فنقضي بالكتاب والسنّة، ثمّ ترِد علينا المسألة فنجتهد فيها
____________________
(١) الكافي ٨: ٥ - ٦، ١٤، وعنه في الوسائل ٢٧: ٣٧، ح ٣٣١٥٢ والمتن منه. وقد ردّ الإمام الصادق ما طرحته مدرسة الاجتهاد من آراء حول اجتهاد الرسول واختلاف أُمّتي رحمة و...، في كلام طويل له، راجع المحكم والمتشابه: ٩١، والوسائل ٢٧: ٥٢ - ٥٣، ح ٣٣١٨٨ عنه.
(٢) أمالي الصدوق: ٣٤٢، ح ٥٧٠، معاني الأخبار: ١٨٥، باب معنى الإسلام، ح ١، كما في الوسائل ٢٧: ٤٤ - ٤٥، ح ٣٣١٧١.
(٣) عيون أخبار الرضا ٢: ١٠٧، باب ما جاء عن الرضا عليه السلام من الأخبار في التوحيد، ح ٤ وعنه في الوسائل ٢٧: ٤٥، ح ٣٣١٧٢.
بالرأي إلى أن قال فقال أبو عبد الله: فأيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب؟ فأطراه ابن شبرمة وقال فيه قولاً عظيماً، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فإنّ عليّاً أبى أن يُدخل في دين الله الرأيَ، وأن يقول في شيء من دين الله بالرأي والمقاييس إلى أن قال: لو علم ابن شبرمة من أين هلك الناس ما دان بالمقاييس ولا عمل بها(١) .
وعن الباقر عليه السلام:يا زرارة! إيّاك وأصحابَ القياس في الدِّين، فإنّهم تركوا علم ما وُكّلوا به، وتكلّفوا ما قد كُفُوه، يتأوَّلون الأخبار، ويكذبون على الله عزّ وجلّ (٢) وكأنّي بالرجل منهم يُنادى مِن بين يديه، فيجيب مِن خلفه، وينادى من خلفه، فيجيب من بين يديه، قد تاهوا وتحيّروا في الأرض والدِّين؟ (٣) .
وعن الصادق:احتفِظُوا بكتبكم، فإنّكم سوف تحتاجون إليها (٤) . وقوله: اكتبوا، فإنّكم لا تحفظون حتّى تكتبوا(٥) .
وقوله: اكتب وبُثّ علمك في إخوانك، فإن مِتّ فأورثْ كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمانُ هَرَج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم(٦) .
وما سواها من الأخبار الكثيرة التي تركناها مخافة الإطالة، وكلّها تصبّ في مصبّ واحد مفاده ضرورة التدوين واتّباع المدوّنين من خلّص أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله، وضرورة التعبّد المحض، ونبذ الرأي والاجتهاد والفتيا طبق الأصول التي لم يأتِ بها النبيّ صلّى الله عليه وآله، وإنَّما تولّدت في أزمان متأخّرة وتحت ظروف خاصّة.
____________________
(١) المحاسن: ١: ٢١٠، ح ٧٧، كما في الوسائل ٢٧: ٥١، ح ٣٣١٨٣.
(٢) لقولهم بالظنّ قال سبحانه( قُلْ آَللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ) .
(٣) الوسائل ٢٧: ٥٩، ح ٣٣١٩٣.
(٤) الكافي ١: ٥٢، باب رواية الكتب والحديث، ح ١٠، شرح أصول الكافي ٢: ٢٢١، الوسائل ٢٧: ٨١، ح ٣٣٢٦٢، ٢٧: ٣٢٣، ح ٣٣٨٤٥.
(٥) الكافي ١: ٥٢، باب رواية الكتب والحديث، ح ٩، شرح أصول الكافي ٢: ٢٢٠، الوسائل ٢٧: ٨١، ح ٣٣٢٦١.
(٦) الكافي ١: ٥٢، باب رواية الكتب والحديث، ح ١١، شرح أصول الكافي ٢: ٢٢١، الوسائل ٢٧: ٨٢، ح ٣٣٢٦٣، مستدرك وسائل الشيعة ١٧: ٢٩٢، ح ٢١٣٨١.
خلاصة السبب الأخير
نخرج من كلّ ما مرَّ بأنّ السبب الحقيقيّ الكامن وراء منع التدوين: له عدّة عوامل ودوافع.
منها: طمس فضائل أهل البيت المفسَّرة بأحقّيّتهم والداعية إلى إمامتهم وخلافتهم، ومنها: عدم إحاطة الحكّام بالأحكام.
ومنها: ما كان عند الخلفاء من خلفيات موروثة ونزعات ومؤهلات تتناسب مع الاجتهاد، ومن كل ذلك راموا خَلْقَ جوٍّ فقهيّ جديد يستطيع الخليفة من خلاله أن يتكيّف لسدّ العجز الفقهيّ الذي يجده، وليبني هرماً فقهياً سياسياً جديداً، ويتّضح هذا الاستنتاج عبر ملاحظة المقدّمات الآتية:
أ - عرفنا سابقاً أنّ أوّل بادرة لمنع التدوين ظهرت بشكل عملي فاعلٍ على لسان عمر بن الخطّاب قبيل وفاة النبيّ، وذلك لمّا طلب صلّى الله عليه وآله أن يأتوه بالقلم والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً، وقول عمر في جواب طلب النبيّ صلّى الله عليه وآله: إنّ الرجل لَيهجر! حسبنا كتاب الله.
فإنّ هذا المنع من التدوين - وإن كان في لحظة ما - موقفاً خاصّاً اضطرّ فيه عمر أن يمنع من التدوين لتوجيه أمر الخلافة بعد الرسول الوجهة التي يريد، إلاّ أنّ ذلك المنع قد اعتمد على ضرب قدسيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وجلالة قدره، وتجريح عصمته، ممّا فتح له الباب على مصراعيه لكي يُدلي بدلوه، وأن يفرض رأيه فرضاً على الصحابة ومَن في الدار، حتّى أنّه قد أجاب نساء النبيّ - لمّا قلن: ائتوا رسولَ الله بحاجته - بقوله لهنّ:
اسكُتْنَ فإنّكنّ صواحبه؛ إذا مرِض عصرتُنّ أعينكن، وإذا صحّ أخذتنّ بعنقه. فقال النبيّ: هنّ خير منكم(١) .
والنصّ يكشف عن أنّ النبيّ لم يقبل بفعل عمر، بل كان صلّى الله عليه وآله يريد التأكيد على مقولته السابقة في حجّة الوداع واستخلافه في الأمّة ثقلين، أحدهما أكبر من الآخر.
إنّ عمر بن الخطّاب كان يتخوّف من تأكيد رسول الله على هذا الأمر، فنسب إلى قدسيّة رسول الله الهُجر - وحاشاه - كي يقلّل من أهمّيّة مقولته صلّى الله عليه وآله. أو حتّى كتابته - لو قُدّر أن يكتبها النبيّ صلّى الله عليه وآله - إذ يضعف الاحتجاج بكتابته صلّى الله عليه وآله بعد أن طرح احتمال الهجر في حقّه. وهذا ما جعل رسول الله صلّى الله عليه وآله ينصرف عن الكتابة بقوله:(قوموا ولا تنازعوا عندي فإنّه لا ينبغي عندي التنازع) (٢) فالمنع عن التدوين هنا جاء لمنع التصريح بخلافة العترة، ولضرب أساس قاعدة وفائدة الكتابة والتدوين. ومعنى هذا أنّ المنع كان له بُعدان:
١ - بُعد سياسيّ.
٢ - بُعد تشريعيّ.
فسبب المنع - مضافاً إلى ما قاله الإخوة الأعلام في السبب السابع مع إضافتنا قيد التفسير والبيان - هو تأسيس الخليفة لفكرة (رأيٌ رأيتُه)، والسماح بتعدّديّة الآراء ليسدّ به العجز الفقهيّ الذي كان يوقعه في حرج شديد.
إنّ الناس كانوا يعلمون أنّ المشرِّع هو الله ورسوله، فكانوا لا يريدون أخذ الأحكام إلاّ ممّن اختصّ بالنبيّ، وعلم جميع أسرار التنزيل والتأويل. ومن جهة أُخرى: كانت القضايا تُلزم الخليفة أن يفتي طبق الرأي، بعيداً عن النصوص، فاضطرّ للاجتهاد، ثمّ السماح للآخرين بالاجتهاد لكي يُعْذَر هو في اجتهاده فلا يظلّ وحيداً منفرداً فيما
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٢: ٢٤٤، المعجم الأوسط ٥: ٢٨٨، ح ٥٣٣٨، البيان والتعريف ٢: ٢٥٧، وانظر كنز العمّال ٥: ٦٤٤، ح ١٤١٣٣.
(٢) صحيح البخاري ١: ٥٤، باب كتابة العلم، ح ١١٤، الأحكام لابن حزم ٧: ٤٢٥، الاستيعاب لابن عبد البر ١: ١٦٩، فتح الباري ١: ٢٠٩.
ابتدعه، ثمّ جدّ في حصر الإفتاء بنفسه وبسابقه لكنّ عثمان لم يرتضِ ذلك كما رأيت.
ب - عرفت أنّ الشيخين لم يدّعيا أنّهما قد عرفا جميع المسائل الصادرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، بل إنّهما كانا يُفتيان طبق الرأي، فجاء عن أبي بكر في الكلالة: (إن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فمنّي ومن الشيطان). وكانا يسألان الصحابة عمّا خفي عليهما من أحكام الرسول، ثمّ إنّهما أخذا بكلام الصحابة وأقرّا ذلك، حتّى أنّ عمر أقرّ لتلك المرأة التي خطّأته بكونها أفقه منه!(١) .
والأحكام التي خَفِيت عليهما لم تكن قليلة، ولا تنحصر في مسألة ومسألتين حتّى يمكن البحث عن مخرج من مخارج التأويل، في حين أنّك عرفت وجود حكم تلك المسائل عند الآخرين من الصحابة، فتارة كان حكم رسول الله عند معاذ، وأُخرى عند حذيفة، وثالثة عند ابن مسعود، ورابعة عند عليّ... وهكذا.
ومن هنا يظهر أنّ قول عمر بن الخطّاب لمن جمعهم من الصحابة: (فنحن أعلم نأخذ منكم ونردّ عليكم)، وقول عروة بن الزبير لابن عبّاس: هما واللهِ كانا أعلم بسنّة رسول الله وأشيع لها منك، وغيرها... إنّما كان لتثبيت الموقع العلميّ للشيخين في الدولة، ولإِلزام الآخرين بالأخذ بما يحكمان به، ولو عن رأي واجتهاد بدعوى أنّهما أعلم بمصالح المسلمين من غيرهم. وقد عرفت أن الناس لمّا أتوا عمر بصحفهم كانوا يَرجُون أن يرى عمر أقومها وأعدله، ولم يكونوا يريدون بفعلهم هذا أن يكون الرأي الأخير بيد الخليفة، وأن يرى أنّ رأيه هو الصواب.
ففكرة الأعلميّة قد طُرحت بعد استقرار الأمور للخليفة، وبعد أن قطع منع التدوين والتحديث شوطاً كبيرا. وهذان المَسْرَبان هما اللذان مكّنا الخليفة أن يدّعي لنفسه ما شاء من العلم بتعضيد من تخويف الصحابة وإسكاتهم. وكان إذنه للصحابة بالاجتهاد - في بدء الأمر - وخضوعه لاجتهاداتهم وآرائهم في الشريعة أحياناً هو الخطوة الأولى لتصحيح ما ذهب إليه؛ لأنّ بين أُولئك الصحابة مَن هو أقلّ شأناً من الخليفة
____________________
(١) انظر السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٢٣٣، ح ١٤١١٤، كتاب السنن لسعيد بن منصور: ١٩٥، ح ٥٩٨.
علماً وسابقة في الأمر - كأبي هريرة وسمرة بن جندب وغيرهما - فتصحيح عمل هؤلاء يصحّح عمل الخليفة بطريق أولى؛ إذ إنّه ليس بأقلّ من هؤلاء إن لم يرجّح عليهم! على أنّ الخليفة في مجالسه الفقهيّة كان هو الرابح الأوّل والأخير؛ إذ إنّ فتح باب الآراء والاجتهادات للصحابة والأخذ بها - كخطوة أُولى - له جانب آخر من المنفعة للحكومة القائمة، تلك المنفعة المتجلّية في حالة إخطاء الصحابة وتخِطئة بعضهم البعض، فإنّ ذلك يخلق أقوى المبرّرات وأعقل التوجيهات لأخطاء عمر الفقهيّة؛ إذ لا يمكنهم الاحتجاج عليه بأنّه أخطأ في حين أنّهم شاركوه في الخطأ حين صار الإفتاء طبق الرأي والاجتهاد.
ولا يمكننا أن ننسى دور المنع من التدوين، وخنق الصحف عند الصحابة، فإنّه ممّا أحدث فراغاً في التشريع لا يُسدّ إلاّ بالاجتهاد، والاجتهاد هو ما يريده الخليفة ويستهدفه من وراء برنامجه المنعيّ.
ج - وقفتَ سابقاً على نصوص لبعض الصحابة كانوا يمتحنون فيها الخليفة الثاني، ويستفزّونه لتنبيهه على أخطائه، وكانوا يسألونه عن حكم مسألة واحدة في أوقات شتّى، ليوقفوه على التناقض الموجود في أجوبته، ممّا ينبىُ عن أنّ الخلاف فيها كان في إطار المسائل الفقهيّة.
وكان الخليفة يضجر من تصرّفات هؤلاء الصحابة، فيقول لمَن سأله عن مسألة كان قد علم جوابها سابقاً من رسول الله: تَربَت يداك! قد سألتني عن شيء سألتَ عنه رسول الله كيما أخالف؟!(١)
فظاهرة تخطئة الخليفة تراها واضحة في عهد عمر دون غيره من الخلفاء، ممّا يؤكّد أنّه فتح باب (رأيٌ رأيتُه) بحيث لم يمكنه أن يسدَّه.
إنّ العالِم بالأحكام لا يهاب من السؤال بل يعجبه أن يُسأل ليجيب، وقد ثبت عن
____________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣: ١٧٤، ح ١٣١٨١، الآحاد والمثاني ٣: ٢٢٨، ح ١٥٨٩ والمتن منه، شرح معاني الآثار ٢: ٢٣٢، باب المرأة تحيض بعد ما طافت، المعجم الكبير ٣: ٢٦٢، ح ٣٣٥٣.
عليّ بن أبي طالب قوله:(سَلُوني قبل أن تَفْقِدوني) ، أمّا الذي ليس له أثر عن رسول الله فتراه يتخوّف من السؤال، ويضرب صبيغ بن عُسل ويتّهمه بالزندقة لكثرة أسئلته!(١) .
د - نظراً لتوسّع رقعة الدولة الإسلاميّة وكثرة المسائل المستجدّة، ولزوم رسم الحلول لها على ضوء الكتاب والسنّة، وقصور الخليفة عن الإحاطة بتلك النصوص الصادرة عن رسول الله فيه، وإمكان حدوث التخالف بين مرويّاته ومرويّات الآخرين عن الرسول... رأى من الضروريّ تقوية رؤيته السابقة - الرأي - وترجيحها على سنّة الرسول وتحكيم شرعيّة الاجتهاد! والحدّ من التحديث؛ لأنّ في التحديث والتدوين توعية للناس وتنبيهاً على أغلاطه.
وأنّ سماحه للصحابة بالاجتهاد لا التحديث - في أُخريات حياته - إنّما كان لتبرير فعله. وكذا أمرُه الصحابة بالإقلال من الحديث، ففيه إشارة إلى أنّ الخليفة لا يستسيغ
____________________
(١) انظر الإصابة ٣: ٤٥٩، ت ٤١٢٧، سنن الدارمي ١: ٦٦، ح ١٤٤، نصب الراية ٣: ٣٢٤، تفسير القرطبي ١٧: ٢٩، الدر المنثور ٢: ١٥٢، فتح القدير ١: ٣١٩، تاريخ دمشق ٢٣: ٤١١، كنز العمّال ٢: ٣٣٤.
وقال الإمام أحمد في مسائله ١: ٤٧٨، ح ٨١: روى أبو عثمان النهدي قال: سأل رجل - من بني يربوع أو من بني تميم - عمر بن الخطاب عن الذاريات، والمرسلات، والنازعات أو عن بعضهن، فقال له عمر: ضع عن رأسك، فإذا له وفرة، فقال عمر: أما والله لو رأيتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك، ثم كتب إلى أهل البصرة - أو قال: إلينا - أن لا تجالسوه، فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا. اسم هذا الرجل صبيغ بن عسل... وفي المقابل روى الحاكم النيسابوري بسنده عن أبي الطفيل، قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قام على المنبر فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، قال: فقام ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين ما( الذاريات ذرواً ) ؟ قال:الرياح .
قال: فما( الحاملات وقراً ) ؟ قال:السحاب.
فما( فالجاريات يسراً ) ؟ قال:السفن .
قال: فما( المقسمات أمراً ) ؟ قال:الملائكة .
قال: فمن( الذين بدلوا نعمت الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار... جهنم ) قال:منافقو قريش .
قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك على الصحيحين ٢: ٥٠٦، ح ٣٧٣٦، وانظره وطرقه في عمدة القارئ ١٠: ١٩، تغليق التعليق: ٣١٨ - ٣١٩، كنز العمّال ١٣: ١٥٩ - ١٦٢، الأحاديث المختارة ٢: ١٢٦، ح ٤٩٤ و ١٧٦، ح ٥٥٦ و ٢٩٨، ح ٦٧٨، مسند الشاشي ٢: ٩٦، ح ٦٢٠، تاريخ دمشق ٢٧: ٩٩، المعيار والموازنة: ٢٩٨، نظم درر السمطين: ١٢٦، نهج السعادة ٢: ٦٣١، الاحتجاج ١: ٣٨٦، جواهر المطالب ١: ٣٠٠ وفي بعض هذه المصادر ذكر الحديث مطولاً جداً وفيه أسئلة كثيرة أجاب عنها أمير المؤمنين، ومن أحب فليراجعها.
سماع المسائل التي لا يعرفها. وبهذا يخرج المنع من إطاره الخاصّ ليدلّل على أنّه أبعد ممّا قيل عنه، وأنّه لم يتعلّق بأمر الخلافة والإمامة فقط!
هـ - اشتهر عن عمر أنّه حدّث بفضائل عليّ وأهل البيت، لكنّه خاف من تفسيره، ثمّ برَّر إبعاده أهل البيت عن الخلافة بكراهة قريش اجتماع النبوّة والخلافة فيهم.
فالتحديث بفضائل عليّ - بعد تسلّم عمر للخلافة - لا يضرّه بقدر ما كان يضرّه نشر فقه الفضائل والنصوص والحديث عن رسول الله؛ لأنّ في ذلك الفقه ما يجهر بتخالف اجتهاداته مع التنزيل وسنّة رسول الله، وبالتالي يؤدّي إلى نقض أُموره وانقضاض المسلمين عليه، فالتضعيف لو قُدّر له أنّ يسري في كيان الدولة لجاء من ها هنا!
نعم، إنّ الخليفة بعد تسلّمه الخلافة كان لا يعجبه أن يسمع تفصيل وشرح وتفسير فضائل عليّ وأهل بيته؛ لأنّ انتشارها وذيوع أمرها من شأنه أن يهزّ مكانة الخليفة ويضعضع موقعه القياديّ. ومن شأنه أيضاً أن يقوّي الخصم ويكشف عن شرعيّته. وكذا منعه للتدوين في رزيّة الخميس كان ناظراً إلى هذا المعنى. بَيْد أنّ هذا كان سبباً مهمّاً، إلى جوار ما لاقاه من مشكلة في الإفتاء... ممّا حمله على العمل بسياسة المنع. ولأجله نراه يمنع من الحديث عموماً كي يكون في مأمن من العواقب السياسيّة والفقهيّة.
إنّ إبعاد الإمام عليّ عن إمامة الفقه والسياسة كان من الأهداف الأساسيّة في دولة الخلفاء. وقد ورد هذا صريحاً في كلام ابن عبّاس: (لو قدّم مَن قدّم الله... ما عالت فريضة)(١) ؛ لأنّ التوعية الفقهيّة لا يقلّ شأنها عن التوعية السياسيّة، وإنّ تعرّف الناس على قدرة الإمام عليّ في الأحكام وضعفِ الطرف الآخر، سيؤدّي - بلا ريب - إلى التشكيك في مقدرة الخليفة العلميّة، فيسقط أحد جناحَي الخلافة بسقوط ما يفترض في الخليفة من القدرة العلميّة.
فالمنع من التدوين عموماً والإقلال من التحديث، ثمّ فتح باب الاجتهاد بالرأي
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٥٣، باب العول في الفرائض، ح ١٢٢٣٧.
والقياس وغيرها... كلّ ذلك يوضّح أنّ للمنع من التدوين دوافع متعدّدة لا تقتصر على ما قاله الأعلام في السبب السابع.
و - أنّ النصوص الواردة عن الصحابة - المعارضين لفقه عمر - يغلب عليها الجانب الفقهيّ أكثر من بيان الخلاف الإداريّ والحكوميّ، وبمعنى أوضح: يغلب فيها فهم الأحكام الشرعيّة، على ما جاء في الإمامة والفضائل!
وقد مرّ عليك كلام ابن عبّاس: أقول لهم: قال رسول الله، ويقولون: قال أبو بكر وعمر! وقول ابن عمر: (أفسنّة عمر تتبع أم سنّة رسول الله)؟!(١) وقول الآخر: (لا أترك سنّة أبي القاسم لقول أحد)(٢) ، أو: (فَعَلها أبو القاسم وهو خير من عمر).
فالنصوص تؤكّد أن أوج الخلاف كان في بيان الأحكام، وما وُضِع من أُصول، كأصل الاجتهاد في الشريعه والقياس و...
فالمنع من نقل فضائل أهل البيت المفسَّرة وأدلّة الإمامة مع المنع عن نقل الفقه والأحاديث النبويّة، بل كلّ ما يوثّق مدرسة أهل البيت، كانت ضمن المخطّط الكلّيّ للخلفاء؛ ولتأكيد الموضوع إليك هذا النصّ:
عن عبد الرحمان بن يزيد قال: قدِم علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً سنة ٨٢ وهو وليّ عهد، فمرّ بالمدينة، فدخل عليه الناس، فسلّموا عليه. وركب إلى مشاهد النبيّ صلّى الله عليه وآله التي صلّى فيها، وحيث أُصيب أصحابه بأُحد، ومعه أبان بن عثمان وعمرو بن عثمان وأبو بكر بن عبد الله، فأتوا به قُباء، ومسجد الفَضِيخ ومَشْربة أمّ إبراهيم وأُحد، وكلّ ذلك يسألهم ويخبرونه عمّا كان.
ثمّ أمر أبانَ بن عثمان أن يكتب له سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله ومغازيه، فقال أبان: هي عندي،
____________________
(١) البداية والنهاية ٥: ١٤١ وانظر مسند أحمد ٢: ٩٥، ح ٥٧٠٠ فقد جاء فيه: قال ابن عمر: وقد سأله أناس كيف تخالف أباك وقد نهى عن المتعة في الحج فرد ابن عمر قائلاً: أرسول الله أحقّ أن تتبعوا سُنّته أم سُنّة عمر، رواه البيهقي أيضاً في سننه الكبرى ٥: ٢١، ح ٨٦٥٨.
(٢) صحيح البخاري ٢: ٥٦٧، باب التمتع والإقران والإفراد، ح ١٤٨٨، ومسند أحمد ١: ١٣٥، ح ١١٣٩ وغيرها من الكتب الحديثة.
قد أخذتها مُصحّحة عمّن أثق به.
فأمر بنسخه، وألقى فيها إلى عشرة من الكتّاب، فكتبوها في رقٍّ. فلمّا صارت إليه، فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بدر.
فقال: ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل، فإمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، و إمّا أن يكونوا ليس هكذا.
فقال أبان بن عثمان: أيّها الأمير، لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه أن نقول بالحقّ: هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.
قال: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لأمير المؤمنين، لعلّه يخالفه. فأمر بذلك الكتاب فَخُرِّق. وقال: أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت فإن يوافقه، فما أيسر نسخه.
فرجع سليمان بن عبد الملك، فأخبر عبد الملك بالذي كان من قول أبان، فقال عبد الملك: وما حجّتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل؟! تُعرِّفُ أهلَ الشام أُموراً لا نريد أن يعرفوها.
قال سليمان: فلذلك يا أمير المؤمنين أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتّى أستطلع رأي أمير المؤمنين، فصوّب رأيه(١) .
وإليك الآن بيان لمراحل المنع وكيفية التدرّج بالمواقف والحلول، حتى صارت فكرة منع تدوين الحديث وفتح الاجتهاد هما الشرعية المتّبعة في الصدر الأول من خلال كل الملابسات التي وقفت وستقف عليها.
____________________
(١) الموفّقيّات للزبير بن بكّار: ٣٣٢ - ٣٣٣، وللخبر ذيل راجعه.
مراحل المنع
انكشفت لنا حتّى الآن أنَّ منع التدوين والتحديث - الذي جرَّ إلى فتح باب الاجتهاد والرأي - قد مرَّ بمراحل أساسيّة، وأشواط معيّنة، ولم يكن تعبّداً متلقٍّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكانت أهمّ تلك المراحل هي:
١ - شيوع ظاهرة كثرة الحديث
لمّا كثرت اجتهادات الشيخين - ومَن على نمطهما الفكريّ من الصحابة - وظهر التخالف بين أقوال المجتهدين وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، كان من البديهيّ أن يكثر التحديث عن النبيّ باعتباره أمراً ضروريّاً للوصول إلى الحكم الشرعيّ الصحيح بأنقى صوره، ولكون تلك الاجتهادات قد تميّزت تميُّزاً واضحاً عن مسيرة التحديث بشكل عامّ، حيث أَلِفَ الصحابة التحديث وكانت مسألة طبيعيّة عندهم، فمن المحتمل - بعد هذا - أن يكون قول الخليفة الأوّل (إنَّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً) إشارة إلى تعدّد الاتّجاهات في عهده، وتبنّي كلّ واحد من الصحابة وجهة نظر خاصّة، وهذا هو ممّا يسبب توسيع رقعة الاختلاف بين المسلمين فيما بعد، وعلى كل حال فالتحديث كان تيّاراً قويّاً في زمن أبي بكر، واستحكم وجوده من بعد مقابل التيار الاجتهادي المنفلت، وهذا ما ظهر على لسان الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب؛ لقوله لهم: (أكثرتم الحديث عن رسول الله)، وفي الطبقات الكبرى: (إنَّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطّاب)، وفي تقييد العلم: (إنَّ عمر بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب)...، وما سواها الكثير.
٢ - منع أبي بكر من التحديث وإحراقه مدوّنته
بعد أن كثر التحديث عن رسول الله وصار مدّاً عارماً، أمر الخليفة أبو بكر الصحابة بعدم التحديث عن النبيّ، فقال: (لا تحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله...) ثمّ أعقب ذلك بحرق مدوّنته الحديثيّة، حينما قال لابنته عائشة: (أي بُنيّة! هلمّي الأحاديث التي عندكِ) فلمّا جاءته بها (دعا بنار فحرقها) إلى آخر الخبر.
٣ - أمر عمر الصحابة بالإقلال من الحديث
نظراً لاستمرار ظاهرة التحديث والإكثار منه - على عهد الخليفة عمر بن الخطّاب - وعدم انصياع الصحابة المحدّثين لما كان يتوخّاه أبو بكر، راح الخليفة عمر يواصل سيرة أبي بكر بإلحاح أكثر وإصرار متزايد، فشايع وفد الصحابة إلى الكوفة - إلى موضع صرار قرب المدينة - لأجل أن يقول لهم: (أقلّوا الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا شريككم)، وقوله: (أقلّوا الرواية عن رسول الله إلاّ فيما يعمل به) أو (كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً) و...
٤ - جمع عمر مدوّنات الصحابة وإحراقها
إنَّ النهي عن التحديث وإحراق الخليفة الأوّل لمدوّنته لم يُقابَلْ - من قِبَلِ الصحابة - بما يسرّ الشيخين، فقد بقيت هناك مدوّنات عند كثير من الصحابة، ومع وجود المدوّنات والمدوّنين لا يتأتّى للخليفة ما يريده، فكان أن اتّخذ عمر بن الخطّاب خطوة جمع فيها المدوّنات عِبْرَ قوله لهم: (فلا يبقيّن أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به) وقد كانوا يظنّون أنّه يريد أن ينظر فيها، ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، لكنّهم فوجئوا بإحراقه لها، لقول الراوي: (فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار).
وقد كان هذا الإحراق بسبب كون النصوص المدوّنة بمنزلة الوثائق الرسميّة - لتخطئة الخليفة - بِيَدِ الصحابة، والخليفة لا يريد أن تبقى هذه الوثائق بيدهم؛ لئلاّ تكون عليه أُمور لا يَحْمَدُ عقباها.
ولأنَّ المدوَّن المكتوب في الصدر الأوّل وبقلم صحابيّ له من القيمة ما يجعله قادراً على نقض رأي الخليفة، بخلاف التحديث، إذ يمكن معارضة الحديث بحديث آخر يوضع في الآن وعلى البديهة، أمّا المدوّنة فلا يمكن رسم بديلها على البديهة، ولأجله نراهم يسمحون بالتحديث ويمنعون التدوين!
واحتمل بعض الكتّاب أن يكون السماح بالتحديث والمنع من التدوين جاء لاعتقاد فرقة من اليهود بالكتابة، خلافاً لأخرى داعية إلى الحفظ.
وبما أنَّ كعب الأحبار ووهب بن منبّه كانا ممّن يستشيرهم الخليفة عمر، فمن المحتمل أن يكون قد تأثّر برأيهما في السماح بالتحديث والمنع من التدوين؛ لأنّه كان يحتاج إلى تحديد بعض النقول عن رسول الله، والتفكيك بينهما خير علاج للقضيّة، فجاء عن عمر أنّه سأل كعب الأحبار عن الشعر فأجابه: بأنَّ قوماً من ولد إسماعيل أناجيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة(١) ، وفي آخر عن وهب أنّه قال: إنَّ موسى قال: يا ربّ! إنّي أجد في التوراة أُمّة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها، وكان مَنْ قَبْلَهُمْ يقرؤون في كتبهم نظراً ولا يحفظونها فاجعلهم أُمّتي، قال: تلك أُمّة أحمد(٢) .
وجاء في (الفكر الدينيّ الإسرائيليّ) للدكتور حسن ظأظأ: ٧٩ عن التلمود حيطين ٦٠ ب - تموراً - ١٤ب) أنَّ الأمّة التي تروي مشافهة ليس لك الحقّ في إثباتها بالكتابة)(٣) .
٥ - حبسه بعض الصحابة وأمره الجميع بترك التحديث والتدوين
مع كلّ الخطوات المتواصلة، والتدابير المتضافرة، بقي بعض كبار الصحابة يحدّث ويروي ما سمعه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله غير عابئٍ برأي الخليفة.
وحيال هذه الحالة لم يقف عمر مكتوف الأيدي، بل أصدر قرارات صارمة تمنع
____________________
(١) العمدة في معرفة صناعة الشعر لابن رشيق ١: ٢٥.
(٢) تاريخ دمشق ٣: ٣٩٥، البداية والنهاية ٦: ٦٢، سبل الهدى والرشاد ١٠: ٣٥٩.
(٣) انظر بحوث مع أهل السنّة والسلفيّة للروحانيّ: ٩٧، تاريخ التشريع الإسلاميّ للفضليّ:٤٠، والصحيح من سيرة النبيّ للعامليّ.
منعاً باتّاً عن التحديث والتدوين؛ وذلك في قوله في خطبة له أوردها ابن شبّة في منع عمر للصحابة من التحديث: (إنَّ حديثكم هو شرّ الحديث، وإنّ كلامكم هو شرّ الكلام، من قام منكم فليقم بكتاب الله وإلاّ فليجلس)(١) ، وفي مثل تهديداته لناقلي حديث رسول الله، كما مرَّ في قضيّة عمّار بن ياسر وأبي موسى الأشعريّ وغيرهما وعباراته التهديديّة في المنع لهم.
واستكمالاً للمنع أقدم الخليفة عمر بن الخطّاب على حبس الصحابة المحدّثين في المدينة المنوّرة؛ كي يكونوا تحت نظره وإشرافه، ولئلاّ يحدّثوا بما يخالف رأيه، فجاء النصّ يقول:
إنَّ عمر بن الخطّاب حبس بعض أصحاب النبيّ...، وفي آخر عن عبد الرحمن بن عوف قوله: (ما مات عمر بن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله من الآفاق... وقال: أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشتُ، فما فارقوه حتّى مات) وغيرها من النصوص المتقدّمة.
٦ - حصر العمل بكتاب الله
وكبديل عن الحديث النبويّ، أو كتعليل للمنع، طرح الخليفتان مفهوم (بيننا وبينكم كتاب الله) و(حسبنا كتاب الله) و(لا ألبس كتاب الله بشي أبداً) لما فيه من تهرّب من التعبّد بنصوص السنّة، وجعل العمل في دائرة أوسع وهو القرآن الكريم الذي يعتقد به الجميع ويقدّسونه.
٧ - سماح الخليفة عمر للصحابة بالاجتهاد والقياس
لمّا رأى الخليفة كثرة المسائل الواردة عليه - التي لا يرى نصوصاً شرعيّة فيها - رأى من الضرورة السماح بالاجتهاد لنفسه وللصحابة، وليكون القياس والمصلحة وغيرهما مبانيَ أساسيّة في التشريع الإسلاميّ.
____________________
(١) أخبار المدينة المنوّرة ٣: ٨٠٠.
٨ - محاولة حصر الاجتهاد
ثمّ إنَّ الاجتهاد - بوسعته هذه - أخذ مأخذه عند الصحابة، فتضاربت الآراء واختلفت، وصار من الصعب ترجيح رأيٍ على آخر، وهذا هو الذي دعا الخليفة أن يصعد المنبر ويحذّر الصحابة من اختلافهم، وهو أيضاً جعله يقول لمن جمعهم عنده: (نحن أعلم منكم، نأخذ عنكم ونردّ عليكم) وغيرها.
إنَّ التأكيد على سيرة الشيخين في الشورى، وسماح عثمان ومعاوية في الاكتفاء بالأحاديث التي عُمِل بها في عهد عمر لا غير، وقرار الخليفة عمر بن عبد العزيز حصره التدوين (بسنّة صاحبيه، أمّا غيرهما فنرجئهم)(١) وغيرها من النصوص آنفة الذكر.
تدلّ هذه المراحل على أنَّ آراءَهما أصبحت سنّة يُعمَل بها، وأنَّ اجتهادهما صار أصلاً ثالثاً في التشريع الإسلاميّ لم يكن يدّعيه - الشيخان - من قبل.
وبهذا يتبيّن أنّ ما ذهب إليه إسماعيل أدهم وتوفيق صدقي ورشيد رضا(٢) ومنكرو السنّة في الباكستان القائلين بلزوم الاكتفاء بالقرآن، إنّما كان كلامهم نتيجة حتميّة لمنع الشيخين من كتابة وتدوين حديث رسول الله.
واستبان لك كذلك عدم صحّة ما علّل به الشيخان في المنع، وما علّله به الآخرون من الكتّاب، شيعةً وسنّة، مستشرقين ومسلمين؛ ذلك لأنّ المنع جاء لظروف خاصّة طرأت على رموز الخلافة، ولقناعات سابقة ودوافع شخصيّة كانت عند الخليفة عمر بن الخطّاب، وعند أبي بكر قبله، وعند عثمان والأمويين و و... بعده.
____________________
(١) فعن حاجب بن خليفة البرجمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب النّاس وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إنّ ما سنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنا نرجئه. حلية الأولياء ٥: ٢٩٨، تاريخ الخلفاء ١: ٢٤١.
(٢) انظر دراسات في الحديث النبويّ للدكتور الأعظميّ: ٣٢.
تلخّص ممّا سبق أمران:
الأوّل:
أنّ النهي عن كتابة الحديث لم يكن نهياً شرعيّا، ولم يصحّ ما نُسب من الروايات - الناهية عن التدوين - إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله. بل إنّ قرار النهي والمنع كان نابعاً من موقفٍ سياسيّ فقهي ممتزج اتّخذه الخليفة عمر بن الخطّاب ومِن بعده الخلفاء. ومن الطبيعيّ أن تنقل روايات عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في المنع لتصحيح مواقف الخليفة.
إذ لو ثبت المنع عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وعُرف هذا بين المسلمين لما دوَّن أبو بكر خمسمائة حديث، ولما تلقّى عمّن ائتمنه ووثق به! ولما كتب إلى عمرو بن العاص وأنس بن مالك بأحاديث رسول الله في الصدقة وغيرها، ولما جمع عمر بن الخطّاب الصحابة ليستشيرهم في التدوين، ولَمَا أشاروا عليه بذلك، ولَما قال عمر: (فلا يُبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به).
كلّ هذه النصوص فيها إشارة إلى مشروعيّة التدوين. وسنقدّم بإذن الله دراسة مفصّلة عن فقه الصحابة المدوِّنين للسنّة، والأنصار، والصحابة الذين شهدوا مع عليّ بن أبي طالب حروبه، كي نرى تخالف فقه هؤلاء مع فقه النهج الحاكم المانع للتحديث والكتابة والتدوين، ولنؤكّد على أنّ المحدثين الكاتبين المدوّنين الشاهدين مع عليّ حروبه من الصحابة، وقسماً كبيراً من الأنصار كانوا من أنصار التعبّد المحض.
فالخليفة الثاني، بعد أن علم بوجود مكتوبات ومدوّنات عن رسول الله عند الصحابة، طلب منهم أن يأتوه بها، والناس كانوا يظنّون أنّه يريد الأخذ بأعدلها وأقومها،
- كما ادّعى هو ذلك - فلمّا أتوه بها أمر بحرقها، وقد فوجئوا بهذا القرار!
والمتدبِّر في نصوص المنع المدّعى عن رسول الله؛ يدرك أنّ المنع إنّما حَدَث بعد مشروعيّة التدوين، أي أنّ رسول الله منع عن التدوين - طبق ادّعائهم - بعد أن كان قد سمح لهم بالتدوين أوّلا، لقوله: (ومَن كتب فَلْيَمْحُه)(١) . وهذا ينقض ما قاله الدكتور صبحي الصالح وغيره من أنّ رسول الله نهى عن التدوين في أوَّل الدعوة؛ خوفاً من اختلاط الحديث بالقرآن، لكن لمّا دُوّن القرآن سمح بتدوين حديثه(٢) .
ومرّةً أُخرى... فإنّ قرار المنع كان قراراً حكوميّاً لم يكتسب شرعيّته من السنّة؛ لِما مرّ عليك من النصوص عن رسول الله صلّى الله عليه وآله الصريحة في الحث على العلم والتعلّم والتحديث والكتابة والتدوين، وأنّه صلّى الله عليه وآله جعل فداء كل واحد من أسرى بدر تعليم عشرة من المسلمين الكتابة، وتأكيده صلّى الله عليه وآله على نشر أحاديثه، فكلام الدكتور صبحي الصالح وغيره يقرِّرُ أنّ التدوين جاء بعد المنع، لكنّ الخبر السابق يؤكّد عكسه بجلاء!
وهكذا توصّلنا إلى أنّ المنع كان له بُعدان، الأوّل: سياسيّ، والثاني: فقهيّ. وقد وقفت على تفصيله، وكان الاختلاف في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله من نتائج هذا القرار. مضافاً إلى العوامل المذهبيّة و...
وبذلك يتبين أيضاً أنّه لا يصحّ أيضاً ما ذهب إليه جولدتسيهر من أنّ أحاديث النهي عن الكتابة وضَعَها أهلُ الرأي وأنّ الأحاديث التي تثبت الحديث وضعها أهل الحديث(٣) . وإن كنّا لا ننكر دور دعاة الرأي - على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله خفيةً وفي زمن حكومة الخلفاء المجتهدين علناً - في وضع أحاديث النهي، أمّا ظاهرة التحديث والتدوين فهي من صميم الإسلام، وقد عمل بها كبار الصحابة وشرّعها رسول الله صلّى الله عليه وآله، وليست هي ممّا وضعه أهل الحديث الحقّ من المتعبدين، نعم إن كان يقصد
____________________
(١) من حديث أبي سعيد الخدري: صحيح مسلم ٤: ٢٢٩٨، باب التثبت في الحديث، ح ٣٠٠٤، سنن الدارمي ١: ١٣٠، باب من لم ير كتابة الحديث، ح ٤٥٠، مسند أحمد ٣: ١٢، ح ١١١٠٠.
(٢) علوم الحديث ومصطلحه: ٧ - ٩، السنّة قبل التدوين ٥٣: ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٣) انظر دراسات في الحديث النبويّ: ٨٢.
بأهل الحديث الذين دوّنوا للسلطان فكلامه في محلّه.
ومن هذا المنطلق لا أرى ضرورة لأن يقوم بعض الكتّاب بالجمع بين أحاديث الحظر وأحاديث الإباحة؛ لاعتقادي بكون الأمر لا يعدو ما قلناه، وقد وقفت على تفاصيله. وهو أهمّ ممّا قيل في وجوه الجمع بينها كالقول: بأنّ بعض الأحاديث مرفوعة والأخرى موقوفة، ويلزم ترجيح المرفوعة على الموقوفة... وما شابه ذلك من وجوه الجمع.
تخوّف الصحابة من كتابة الرأي لا الحديث
أمّا ما جاء من نهي الصحابة والتابعين عن الكتابة، وعدم رغبتهم فيها... فَمَردّه إلى ما انطبع في نفوسهم من النهي الحكومي، وكون أقوالهم قد صدرت عن رأي، فكانوا لا يرتضون تثبيتها بالكتابة حرصاً على عدم اختلاطها بالمرويّات عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، بل حرصاً على عدم ظهور تناقضاتهم الاجتهادية فيما بينها، وتعارضها مع سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
نعم، إنّهم كانوا يسجّلون آراءهم لأنفسهم كي لا يحصل الاختلاف بين ما قالوه اليوم مع ما قالوه بالأمس، مع أنّ نشر تلك الصحف كان لا يُرضيهم فيجدّون لحرقها ومحوها. فقد جاء عن الشعبيّ: أنّ مروان أجلس لزيد بن ثابت رجلاً وراء الستر، ثمّ دعاه فجلس يسأله ويكتبون، فنظر إليهم زيد، فقال: يا مروان عذرا، إنّما أقول برأي(١) .
قال الدكتور محمد عجاج الخطيب:
وقد ازدادت كراهة التابعين للكتابة عندما اشتهرت آراؤهم الشخصيّة، فخافوا أن يدوّنها طلاّبهم مع الحديث، وتُحمل عنهم فيدخله الالتباس. ويمكننا أن نستنبط أنّ من كره الكتابة وأصرّ، إنّما كره أن يدّون رأيه، وفي هذا يقول أُستاذنا الدكتور يوسف العش: (وأمّا من ورد عنهم الامتناع عن الإكتاب من هذا الجيل، فيؤول امتناعهم بما لا
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٢: ٣٦١.
يخالف ما انتهينا إليه؛ فهم جميعاً فقهاء وليس بينهم محدّث ليس فقيهاً، والفقيه يجمع بين الحديث والرأي، فيخاف تقييد رأيه واجتهاده إلى جانب أحاديث الرسول). ثمّ يوضّح هذا بأمثلة تثبت ما ذهب إليه، فيقول: إنّنا نجد في الواقع أخباراً تروي كراهتهم لكتابة الرأي، كاعتذار زيد بن ثابت عن أن يكتب عنه مروان، وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب - وهو من الفقهاء والذين روي امتناعهم عن الإكتاب - فسأله عن شيء، فأملاه عليه ثمّ سأله عن رأيه فأجابه، فكتب الرجل.
فقال رجل من جلساء سعيد: أيكتب يا أبا محمّد رأيك؟
فقال سعيد للرجل: ناولْينها، فناوله الصحيفة فخرّقها(١) .
وقيل لجابر بن زيد: إنّهم يكتبون رأيك! قال: تكتبون ما عسى أن أرجع عنه غداً؟!(٢) .
وقال الدكتور صبحي الصالح:
وممّا زاد من كراهة القوم للكتاب أنّ آراءهم الشخصيّة بدأت تشتهر، فكانوا يخشون إذا كتب الناس عنهم الأحاديث أن يكتبوا إلى جانبها هاتيك الآراء. ولدينا من الأخبار ما يؤكّد هذا ويثبته، ولعلّ من أوضحه في عصر كبار التابعين ما رووا من أنّه قيل لجابر بن زيد: إنّهم يكتبون رأيك...(٣) وروي عن ابن عوف أنّه قال: إنّي أرى هذه الكتب، يا أبا إسماعيل! ستُضلّ الناس(٤) .
فمن المحتمل أن يكون رجوع الخليفة عمر بن الخطّاب عمّا كتبه في الجَدّة كان من هذا الباب - أي خوفاً من ظهور تضارب آرائهم فيما بينها، وتعارضها مع سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وكذا ما جاء عن الصحابة والتابعين، وأمرهم أولادهم بمحو كتبهم
____________________
(١) انظر تمام الخبر في جامع بيان العلم وفضله ٢: ١٤٤.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢: ٣١ وكلام الدكتور محمّد عجاج الخطيب في (السنّة قبل التدوين): ٣٢٤ و ٣٢٣.
(٣) علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح: ٣٤.
(٤) تقييد العلم: ٥٧ والتصدير للدكتور يوسف العش: ٢١.
وإماثتها بالماء، إنّما جاءت لأنّ هذه الكتب كتبت عن رأي، لا لِما صحّ عندهم من حديث عن رسول الله!
وقال الدكتور محمّد عجاج الخطيب:
(وكلّ هذه الأقوال رُوِيت من علماء، حَدَّث المؤرِّخون عنهم أنَّهم كرهوا إكتاب الناس، وهي تدلّ دلالة صريحة على أنّ الكراهة ليست في كتابة العلم (أي الحديث)، بل في كتابة الرأي. وأنّ الأخبار التي وردت في النهي دون تخصيص إنّما تقصد الرأي خاصة...) إلى أن يقول: ويقوّي هذا الرأي عندنا ما ورد عن هؤلاء التابعين من أخبار يحثّون فيها على الكتابة، ويسمحون لطلاّبهم أن يكتبوا عنهم في الحديث(١) .
عرفت بهذا أنّ ما كُتب عن زيد كان آراءه الشخصيّة، ولهذا كرهها زيد. وكذا الحال بالنسبة لكراهة سعيد بن المسيِّب وغيره، والمراجع لكتب الرجال والحديث يقف على نصوص كثيرة في هذا السياق(٢) .
من المؤكَّد إذن أنّ عمل هؤلاء الصحابة ليس دليلاً على كراهيّة تدوين السنّة النبويّة من قبل النبيّ صلّى الله عليه وآله. ولا يسعني هنا إلاّ أن أُشير إلى قضيّة أُخرى، وهي ما جاء في كتاب تقييد العلم وغيره من: أنّ الصحابة كانوا يكتبون حديث الرسول كي يحفظوه، فإذا حفظوه مَحَوه. فهذا الخبر لو جُمع إلى ما قيل عن الصحابة من أنّهم كانوا يُفتون في كثير من الأحيان بالرأي، لوصلنا إلى نتيجة نجد فيها اختلاط الرأي بالحديث بحيث لا يمكن التمييز بينهما، ولأجله ترى الكثير من المأثور النبويّ ما هو إلاّ كلام الصحابيّ وفهمه...(٣) .
وخصوصاً بعد أن آمنّا بأنّ الشيخين كانا وراء منع التدوين، وأنّ المنع كان موقفاً شخصيّاً فرضته الظروف عليهما ولم يكتسب شرعيّته من النصوص، إذ قال الشيخ محمّد أبو زهو في كتابه (الحديث والمحدِّثون) عن النهي: (... وقد كان هذا رأياً من
____________________
(١) السنّة قبل التدوين: ٣٢٤.
(٢) انظر مثلاً جامع بيان العلم وفضله ١: ٧٤ وتقييد العلم: ٦٤.
(٣) كما حقّقنا ذلك وطبّقناه في (وضوء النبي) وغيره.
عمر)(١) . قال يحيى بن جعدة: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا له أن لا يكتبها، ثمّ كتب في الأمصار: (مَن كان عنده منها شيء فليمحه)!
إنّ تعابير (أراد) و(بدا له) و(ثمّ كتب في الأمصار) تدلّ بوضوح على أنّ إقدام الخليفة عمر بن الخطّاب كان بدافع من رغبته الشخصيّة وإرادته الخاصّة، كما في دلائل (التوثيق المبكّر): أنّ هؤلاء الذين كانوا قد وقفوا في معارضة كتابة الحديث كانت لهم أسبابهم الشخصيّة في ذلك، بل وحتّى الفاروق الذي كان يُعدّ من أشدّ معارضي الكتابة، لم ينقل أو يستشهد بأيّ حديث للنبيّ صلّى الله عليه وآله يؤيّد وجهة نظره المعارضة للتسجيل(٢) .
وكذا قول القاسم بن محمّد بن أبي بكر: (إنّ عمر بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكَرَها وكرهها) يدلّ على أنّ الكراهة جاءت من عمر لا من النبيّ، وأنّ الخليفة استنكرها قبل أن يراها، ومسألة كهذه جديرة بالتأمّل!
وعليه فسياسة الخليفة عمر بن الخطّاب كانت منع الحديث عموماً بما فيه من الفضائل والأحكام، وقد صدرت عن رأيه الشخصيّ، ولم تكسب شرعيّتها من رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإنّ إعراضنا عن الجمع بين الروايات الناهية والآذِنة كان لهذا السبب.
الثاني:
ارتسام نهجين في الشريعة يخالف كلّ منهما الآخر في الأصول والمباني.
فالبعض: يذهب إلى مشروعيّة الأخذ بالرأي والظنّ، المقابل للدليل القطعيّ، ويقول بحجّيّة اجتهادات عمر بن الخطّاب في سهم المؤلّفة قلوبهم، وغيرهما من القضايا والأحكام.
والبعض الآخر من الصحابة لا يرتضي مثل هذه الاجتهادات، إلاّ إذا كانت مستنبطة من النصّ قرآناً أو سنّةً. وهؤلاء يعتقدون أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان من المتعبّدين
____________________
(١) الحديث والمحدّثون: ١٢٦.
(٢) التوثيق المبكّر: ٢٣٩ كما في تدوين السنّة الشريفة: ٢٨٨.
بالنصوص، وأنّه كان لا يقول بالرأي والظنّ، بل ينتظر الوحي ليفصّل في الوقائع ويبتّ في الأحكام، وقد قال سبحانه وتعالى عنه:( ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى ) (١) ، وقال جلّ جلاله:( لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بما أراكَ الله ) (٢) .
أمّا قوله تعالى:( وَما كانَ لمُؤمنٍ وَلا مُؤمنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورسولُه أمراً أنْ يكونَ لَهُمُ الِخيَرَةُ مِن أمَرِهِمْ ) (٣) ، فهو نصّ في تفنيد مدرسة الاجتهاد والرأي، ومثله قوله تعالى:( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) (٤) ، فهو نصّ صريح يدحض فعل أُولئك المجتهدين، الذين يريدون التعرّف على المصلحة، وهم بحضرة رسول الله - المبلِّغ عن الله - فالله سبحانه وتعالى أراد التصريح بعدم جواز عمل هؤلاء؛ لأنّه (جلّ وعلا) قد أكمل شريعته في كتابه وكلّف رسوله بتبيين أحكامه للناس، وقد صرّح بهذا المطلب واستدلّ بهذه الآية الثانية عبد الله بن عبّاس - حبر الأمّة - في ردّ الخليفة عمر بن الخطّاب في موضوع الإمامة أيضاً(٥) .
فالاجتهاد والأخذ بالظنّ في الأمور ليس لهما دليل قطعيّ من الوحي، بل هو تعدٍّ على صاحب الشريعة، وإفتاء بغير ما أنزل الله، لقوله( قُلْ ءآللهُ أذِنَ لَكُمْ أمْ عَلى اللهِ تَفْتَروُن ) ؟!(٦) .
نعم، كان الصحابة المتعبدون لا يجوّزون الأخذ بالرأي، لمعرفتهم بوجود مَن يعرف التنزيل والتأويل بينهم، ومَن خصّه الله بالفهم والعلم، ولمعرفتهم بجواز ترك الأخذ باجتهاد الصحابيّ؛ لأنّ كلامه مجرّد رأي شخصيّ يمكن تركه، وليست له قيمة إلزاميّة في الشريعة الإلهيّة، كما هو ثابت ومعروف عند الجميع.
إنّ ترجيح رأي الشيخين على كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله، أو الأخذ بقولهما دون البحث
____________________
(١) النجم: ٣ - ٤.
(٢) النساء: ١٠٥.
(٣) الأحزاب: ٣٦.
(٤) القصص: ٦٨.
(٥) شرح نهج البلاغة ١٢: ٥٣.
(٦) يونس: ٥٩.
عن تطابقه مع القرآن والسنّة، ممّا لا يثبت أمام الحقائق، وكذا القول بأنّ الخليفة أعلم من غيره بمقصود الشارع!
نعم، إنّ الخليفة عمر بن الخطّاب كان يريد تحقيق أمر ضروريّ لحكومته ألا وهو: عدم تخطئة اجتهاداته بعد وفاته، بل لزوم جعل ما قاله من ضمن الشريعة، وهذا هو الذي دعا ابنَ عوف لأخذ العهد من عثمان عليه لقوله (على كتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة الشيخين) وبعبارة أخرى تحديد المسلمين بـ (ما سُنَّ على عهد الشيخين)؛ لأنّ المخالفة لتلك الاجتهادات تعني تقوية الجناح المخالف لنهج الخليفة!
وعثمان حينما قبل بالشرط المذكور، كان يريد العمل بمقتضاه، لكنّه تخطّى ذلك في السنوات الستّ الأواخر من عهده، لِما كان يرى في نفسه من الأهليّة ومن المضاهاة للشيخين!
أمّا الإمام عليّ بن أبي طالب، فإنّه لم يرتضِ الاجتهاد قِبال النصّ، ولم يرتضِ الشرط الأخير المقترَح من قبل ابن عوف (أي سيرة الشيخين)، واقتصر قبوله على الأصلين الأوّلين: كتاب الله وسنّة نبيّه(١) .
وبذلك تميّز في الشريعة نهجان متباينان:
نهج يمثّله الإمام عليّ بن أبي طالب وأتباعه: كعبد الله بن العبّاس، وعمّار بن ياسر، وأبي ذرّ، وسلمان، و... ومن بعدهم الحسن بن عليّ، والحسين بن عليّ، وعليّ بن الحسين، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم... وباقي أئمّة أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله.
والنهج الآخر يمثّله: الخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان بن عفّان، ومعاوية بن أبي سفيان، وأتباعهم كعمرو بن العاص وابنه، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وهشام بن عبد الملك، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد... وسواهم من حكّام بني أُميّة وبني العبّاس.
أجل، إنّ الذين قالوا بالرأي قد استخدموا الاجتهاد والتأويل الباطل للخروج من
____________________
(١) انظر تاريخ اليعقوبي ٢: ١٦٢، أمالي الطوسي: ٧٠٩.
إحراجات صارخة، منها: أنّهم عمدوا إلى الاجتهاد والتأويل ليعذروا عبد الرحمان بن ملجم قاتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، مع العلم أنّ ابن ملجم ليس من الصحابة، ومع هذا يبحثون له عن هذا المخرج!
ومن أجل أن يعذروا يزيدَ في قتله الحسين!
ويعذروا أبا العادية لقتله عماراً!
ويعذروا معاويةَ لسمّه الحسن، ومن قبله عثمان لحرقه المصاحف، وعمرَ لحرقه الحديث، وأبا بكر في تأويلاته لقتل مالك والزنا بزوجته!
ونتيجةً لما قَنّن الخلفاء، ظهرت فكرة جواز تقديم المفضول مع وجود الفاضل، فمعاوية مفضول، ويزيد مفضول، ومروان بن الحكم مفضول وأولاده مفضولون، لكنّ المصلحة تدعو إلى القول بتقديم المفضول على الفاضل!!
وإليك الآن بعض الشيء عن الظلامة التي مُني بها أهل البيت جرّاء ثباتهم على العقيدة، وإصرارهم على إبقاء الدين بعيداً عن شوب الشائبين وإحداث المحدثين.
موقف الإمام عليّ
وقد وضّح الإمام عليّ ما لقي بنو هاشم من القرشيّين وكيف أنّهم غيرّوا دين الله فقال:إنّ الله لمّا قَبض نبيّه استأثرت علينا قريش بالأمر، ودُفِعنا عن حقٍّ نحن أحقّ به من الناس كافّة، فرأيتُ أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم، والناس حديثو عهد بالإسلام، والدين يمخض مخضَ الوطب، يُفسده أدنى وهن، ويعكسه أقلّ خُلْف (١) .
وفي رسالته عليه السلام إلى أخيه عقيل:
(... ألا وإنّ العرب قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعَها على حرب رسول
____________________
(١) شرح النهج ١: ٣٠٨ من خطبته ٧ عند مسيره إلى البصرة.
الله قبل اليوم...) (١) .
وفي كلام آخر يقول الإمام:(اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش؛ فإنّهم قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنتُ أولى به من غيري، وقالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تمنعه، فاصبر مغموماً أو مت متأسّفاً، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذابّ ولا مساعد إلاّ أهل بيتي...) ؟(٢) .
وقال:(حتّى إذا قَبَض الله رسوله رجع قوم على الأعقاب، وغالَتْهُم السبُل، واتّكلوا على الولائج، ووصلوا غيرَ الرحِم، وهجروا السببَ الذي أُمِروا بمودّته ونَقَلوا البناء من رصّ أساسه فبنَوه في غير موضعه...) (٣) .
نصّ آخر
وجاء في كلام الباقر لبعض أصحابه:
(يا فلان! ما لقينا من ظلم قريش إيّانا، وتظاهُرِهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس؟!
إنّ رسول الله قُبض وقد أخبر أنّنا أولى الناس بالناس، فتمالأتْ علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا، ثمّ تداولَتها قريش واحداً بعد واحد، حتّى رجعت إلينا، فنُكِثت بيعتنا ونُصِبت الحرب لنا. ولم يزل صاحب الأمر في صَعُودٍ كَؤُودٍ حتّى قُتل.
فبويع الحسن ابنه وعُوهد، ثمّ غُدِر به وأُسْلِم، ووثب عليه أهل العراق، حتّى طُعِن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أُمّهات أولاده، فوادعَ معاويةَ
____________________
(١) انظر نهج البلاغة ٣: ٦٠ - ٦١، الخطبة ٣٦، المعيار والموازنة: ١٨٠، الإمامة والسياسة ١: ٥٤، شرح النهج ٢: ١١٩، جواهر المطالب ١: ٣٦٥.
(٢) نهج البلاغة ٢: ٢٠٢، الخطبة ٢١٧، المعيار والموازنة: ٤٧ وقد روى جزءً منه، شرح نهج البلاغة ٤: ١٠٤.
(٣) نهج البلاغة ٢: ٣٦، الخطبة ١٥٠، في الملاحم، شرح النهج ٩: ١٣٢.
وحقنَ دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل حَقُّ قليلٍ.
ثمّ بايع الحسينَ عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غَدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم وقتلوه.
ثمّ لم نَزَل أهلَ البيت نُستذل ونُستضام، ونُقصى ونمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً، يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورَوَوا عنّا ما لم نَقُلْه، وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس.
وكان عُظْم ذلك كبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطّعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكلّ من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن، أو نُهِب ماله، أو هُدِمت داره. ثمّ لم يَزَل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد، قاتل الحسين عليه السلام.
ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة، وأخذهم بكلّ ظنّة وتهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر أحبّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ! وحتّى صار الرجل الذي يُذكر بالخير، ولعلّه يكون وَرِعاً صدوقاً يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض مَن قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت، وهو يحسب أنّها حقٌّ لكثرة مَن قَد رواها ممّن لم يُعرف بكذب، ولا بقلّة ورع) (١) .
وفى كلام للإِمام عليّ يشير فيه إلى عدم عمل الأمّة بكتاب الله وسنّة رسوله، بل غلبة الاتّجاهات عليهم، قال:... فيا عجباً، وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصّون أَثَر نبيّ ولا يقتدون بعمل وصيّ ولا يؤمنون بغيب، ولا يَعِفُّونَ عن عيب، يعملون في الشبهات، ويسيرون في الشهوات، المعروف عندهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المبهمات على آرائهم، كأنَّ كلّ امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ١١: ٤٣ - ٤٤.
يرى بعُرىً ثقاتٍ وأسباب محكمات... (١)
وقوله:إنَّ الكتاب لمعي ما فارقته منذ صحبته، فلو كنّا مع رسول الله... إلى أن يقول:ولكنّا إنَّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل .(٢)
ومن خطبة له بعد انصرافه من صفّين جاء فيها:... والناس في فتن انجذم (٣) فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين (٤) واختلف النجر (٥) وتشتّت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل، والعمى شامل، عُصِي الرحمنَّ، ونُصِر الشيطان، وخُذِل الإيمان، فانهارت دعائمه، وتنكَّرت معالمه، ودرست سبله، وعفَّت شركه... (٦)
ومن كلام آخر له:... ما زلتُ أنتظر بكم عواقب الغدر، وأتوسّمكم بحلية المغترين، سترني عنكم جلباب الدين، وبصّرنيكم صدق النيّة، أقمت لكم على سنن الحقّ في جوادِّ المَضَلَّة حيث تلتقون ولا دليل وتحتفرون ولا تميهون... (٧)
دلائل ومؤشّرات
نعم، إنّ قريشاً قد جدّت في مقاطعة بني هاشم في بدء الدعوة، لكنّ الهاشميّين صمدوا ثلاث سنين في شِعب أبي طالب وتحمّلوا حصار العرب.
ثمّ أجمعت العرب على أن تشترك في قتل النبيّ، فلا يقوى الهاشميون على المطالبة بدمه. ومن أجل هذا قال رسول الله عن الهاشميّين مادحاً لهم:(إنهّم لم
____________________
(١) نهج البلاغة ١: ٥٦ ضمن الخطبة ٨٨، شرح النهج ٦: ٣٨٤.
(٢) نهج البلاغة ١: ٣٦ من ضمن الخطبة ١٢٢.
(٣) أي انقطع.
(٤) السواري: جمعُ ساريه، وهي العمود والدعامة.
(٥) أي الأصل.
(٦) نهج البلاغة ١: ٢٩، ضمن الخطبة ٢، شرح النهج ١: ١٣٦.
(٧) نهج البلاغة ١: ٢٩، ضمن الخطبة ٤، شرح النهج ١: ٢٠٧.
يفارقوني في جاهليّة ولا إسلام وإنّما نحن وهم شيء واحد) ، وشبك بين أصابعه(١) .
فالهاشميّون لم يتركوا رسول الله ولم يُسْلِمُوه بل إنّهم كانوا درعاً له ووقاء، وكانوا يدافعون عنه صلّى الله عليه وآله حتّى آخر لحظة من حياته الشريفة.
فمثلما اجتمعت العرب على محمّد صلّى الله عليه وآله تحاربه، فإنّها قد اجتمعت على أهل بيته تضادّهم وتستأصلهم من بعده. وإنّ ما بدأوا بالإعلان عنه في عهد الرسول هو الذي اتّسع ورُسِّخ لاحقاً؛ ذلك أنّ غير أهل البيت قالوا بمشروعيّة الرأي، وجواز التعرّف على المصلحة، وإدراك ملاكات الأحكام، والنهي عن التدوين وغيرها من المستحدثات.
وأنت تعلم أنّ هذا كلّه قد طُبِّق عمليّاً فيما بعد؛ فولاية العهد غدت شرعيّة - بعد قولهم بأنّ رسول الله لم يستخلف أحداً - استناداً إلى فعل أبي بكر في الاستخلاف.
وصار التدوين مكروهاً مقيتاً لكراهة عمر له، وجائزاً لتدوين ابن عبد العزيز له.
وصِيرَ إلى القول بعدم اجتماع النبوّة والإمامة، وأنّ رسول الله لم يورّث اتّباعاً لِما ذهب إليه الشيخان.
ومن الطريف هنا أن ننقل كلام الإمام عليّ لعمّه العبّاس حينما بويع عثمان، إذ قال له العبّاس: ألم أقل لك؟
فقال له [ عليّ ]:يا عمّ! إنّه قد خَفِي عليك أمر. أما سمعتَ قوله [ أي قول عمر ]على المنبر: ما كان الله ليجمع لأهل هذا البيت الخلافة والنبوّة؟! فأردت أن يكذّبَ نفسَه بلسانه، فيعلم الناسُ أنّ قوله بالأمس كان كذباً باطلاً، وأنّا نصلح للخلافة؟! فسكت العبّاس(٢) .
فلو كان حقّاً أنّ رسول الله لا يورّث فلمَ قال أبو بكر: (لقد دفعت آلة رسول الله ودابته وحذاءه إلى عليّ)؟(٣) ولماذا طالبت زوجات النبيّ الخليفةَ أبا بكر بإرثهنّ؟ إنّها
____________________
(١) سنن أبي داود ٣: ١٤٦، ح ٢٩٨٠، سنن النسائي (المجتبى) ٧: ١٣٠، ح ٤١٣٧ والنص منه، مسند أبي يعلى ١٣: ٣٦٩، ٧٣٩٩.
(٢) علل الشرائع: ١٧١، باب ١٣٣، ح ٢، وعنه في بحار الأنوار ٣١: ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٣) انظر شرح نهج البلاغة ١٦: ٢١٤.
تساؤلات تتطلّب الإجابة. وبنظرنا أنّ التصوّرات الخاطئة هي التي آلت إلى اعتقادات خاطئة سارية إلى اليوم في تاريخ المسلمين وحياتهم.
لا أدري كيف لا يُتعجَّب من إيتاء الكتاب والحكمة والمُلك لآل إبراهيم، ويُتَعَجَّبُ من أن يُؤتى آل محمّد مثلما أُوتي آل إبراهيم؟! قال الحقّ سبحانه وتعالى:( أمْ يَحْسُدون الناسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) (١) .
قال عليّ بن أبي طالب:والله ما تنقم قريش إلاّ أنّ الله اختارنا عليهم، فأدخلناهم في حيّزنا (٢) .
وقد مرّ عليك رسالة معاوية لمحمّد بن أبي بكر: (... فكان أبوك وفاروقه أوّل مَن ابتزّه وخالَفه، على ذلك اتّفقا واتّسقا...).
إنّ ما أُريد التأكيد عليه هو أنّ الفقه قد مُنِيَ بمحنة انفعاله بالدوافع السياسيّة، والمواقف الحكومية، وأنّ الأحكام الدينيّة صارت لا تُعرَفُ لخلفيّات خاصّة أملتها السلطات، والخلفاء أصحاب الرأي.
وننقل هنا نصّاً عن (الاعتصام) رواه عن ابن العربيّ - وهو يكشف عمّا ذكرناه - قال ابن العربيّ: كان شيخنا أبو بكر الفهريّ يرفع يدَيه عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وهو مذهب مالك والشافعيّ، وتفعله الشيعة، فحضر عندي يوماً في مَحْرَس ابن الشواء بالثغر موضع تدريسي، عند صلاة الظهر ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدّم إلى الصفّ الأوّل، وأنا في مؤخّره قاعداً على طاقات البحر، أتنسّم الريح من شدّة الحرّ، ومعي في صفّ واحدٍ (أبو ثمنة) رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلّع على مراكب تحت الميناء.
فلمّا رفع الشيخ الفهريّ يدَيه في الركوع وفي رفع الرأس منه، قال أبو ثمنة
____________________
(١) النساء: ٥٤.
(٢) نهج البلاغة ١: ٨٢، من ضمن الخطبة ٣٣.
وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقيّ كيف دخل مسجدنا؟! قوموا إليه فاقتلوه وارموا به إلى البحر فلا يراكم أحد!!
فطار قلبي من بين جوانحي وقلت: سبحان الله! هذا الطرطوشيّ فقيه الوقت، فقالوا لي: ولِمَ يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه.
وجعلت أُسكّتهم وأُسكّنهم، حتّى فرغ من صلاته، وقمت له إلى المسكن من المحرس، ورأى تغيّر وجهي فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك، وقال: ومن أين لي أن أُقتل على سُنَّةٍ؟!
فقلت: ولا يحلّ لك هذا؟ فإنّك بين قوم إن قمتَ بها قاموا عليك، وربّما ذهب دمُك.
فقال: دع هذا الكلام، وخُذ في غيره(١) .
فابن العربيّ قد دعا أُستاذه الشيخ الفهريّ إلى التقيّة، بَيْدَ أنّ الأستاذ كان يحبّ القتل على السنّة!
ومن أمثلة الانفعال بالدوافع السياسيّة ما نراه في موقف البخاريّ في اختياره الروايات والرواة؛ فالبخاريّ - ومثله مسلم - قد رويا عن مروان بن الحكم وأبي سفيان ومعاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن عمرو بن العاص والنعمان بن بشير بكثرة كاثرة، ولكنّهما لم يرويا عن الحسن والحسين سِبْطَي رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولم يحتج البخاري بجعفر بن محمد الصادق عليه السلام أصلاً!!
وأكثر مَن روى عنهم البخاريّ: أبو هريرة، وعائشة، وعمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
فإنّه روى عن أبي هريرة أربعمائة وستّة وأربعين حديثاً.
وعن عبد الله بن عمر مائتين وسبعين حديثاً.
وعن عائشة أربعمائة واثنين وأربعين حديثاً، ولم يروِ عن فاطمة الزهراء بنت
____________________
(١) الاعتصام ١: ٣٥٨، تفسير القرطبي ١٩: ٢٨١ والمتن منه.
الرسول إلاّ حديثاً واحداً! ولم يروِ عن عليّ إلاّ تسعة وعشرين حديثا! ترى... لماذا تقلّ نسبة أحاديث عليّ عن أحاديث أبي هريرة في صحيحه؟ فإنّه روى عن أبي هريرة ٤٤٦، في حين لم يروِ عن عليّ بن أبي طالب إلاّ ٢٩ حديثاً؟!
أكان أبو هريرة أو عبد الله بن عمرو بن العاص أخصّ من عليّ برسول الله؟! أم كان عليّ من الصحابة الذين وصفهم أبو هريرة بكثرة الاشتغال بالتجارة عن التلقّي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله.
كلا، إنّ الأمر لَيرجع إلى غير ذلك، إنّه تحكيم الروح القرشيّة في الشريعة.
فعن المقداد أنّه قال لعبد الرحمان بن عوف يوم الشورى: يا عبد الرحمان! أما والله لقد تركتَه - أي تركتَ عليّاً - وإنّه من الذين يَقْضُون بالحقّ وبه يَعْدِلون.
فقال: يا مقداد! والله لقد اجتهدتُ للمسلمين!
فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أُتيَ إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم! إنيّ لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول إنّ أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعوانا!
فقال عبد الرحمان: يا مقداد! اتَّقِ الله فإنّي خائف عليك الفتنة!
فقال رجل للمقداد: رحمك الله، مَن أهل هذا البيت؟ ومن هو الرجل؟
فقال المقداد: أهل البيت بنو عبد المطّلب، والرجل عليّ بن أبي طالب(١) .
ومن الجدير ذكره هنا أنّ عمر بن الخطاب جعل عبد الرحمان بن عوف ضمن الستة أصحاب الشورى، وهو يعلم بأن هناك من هو أَأْهَلُ منه فجاء في صحيح البخاري بسنده عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمان بن عوف(٢) .
وفي تاريخ دمشق بسنده عن مالك بن أنس، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله
____________________
(١) تاريخ الطبريّ ٥: ٣٨، الكامل في التاريخ ٣: ٣٧ (ذكر قصّة الشورى).
(٢) صحيح البخاري ٨: ١٥٢.
بن عتبة بن مسعود: أنّ عبد الله بن عباس أخبره أنّه كان يقرئ عبد الرحمان بن عوف في خلافة عمر...(١) .
وفي ذخائر العقبى عن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمان بن عوف. أخرجاه، وعن أبي رافع قال: كان ابن عباس خليطاً لعمر كأنّه من أهله وكان يقرئه القرآن. خرجه أبو خاتم(٢) .
بلى كان من نتائج هذه الشورى الظالمة أن صار الأمر لعثمان ثم لمعاوية ثم ليزيد، ولما تسنّم معاوية الصغير ظهر الخلافة أحسّ بما جرّته هذه الشورى من ظلامة على أهل البيت، بعد أن خطب خطبته المعروفة التي اعتزل فيها عن الخلافة، قال الراوي: فقال له مروان بن الحكم وكان تحت المنبر: أسنّة عمرية يا أبا ليلى؟! فقال اغدو عنّي، أعن ديني تخدعني... على أنّه [ أي عمر ] كان حين جعلها شورى وصرفها عمّن لا يشك في عدالته ظلوماً(٣) .
وجاء عن رسول الله أنّه قال في خطبة الوداع: يا أيّها الناس! خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا تجاحَفَت قريش على المُلك وكان عن دين أحدكم فدَعُوه(٤) .
بين الاتّجاهين
وبعد هذا كلّه فإنّ ترك التحديث والأخذ بالقرآن بمفرده كان الحدّ الفاصل بين الاتّجاهين؛ لقوله: (فلا تحدّثوا عن رسول الله، فمَن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله)!
ومنها: أنّ مدرسة الاجتهاد كانت تذهب إلى مشروعيّة اجتهاد الرسول. وأمّا مدرسة التعبّد المحض فتنكره؛ لكونه مبنيّاً على الظنّ. وشتّان ما بين الفرض والتخمين وبين الجزم واليقين!
____________________
(١) تاريخ دمشق ٣٠: ٢٨٠.
(٢) ذخائر العقبى: ٢٤٣.
(٣) سمط النجوم العوالي للعاصمي الشافعي ٣: ٢١٣.
(٤) رواه أبو داود ٣: ١٣٧ حديث رقم ٢٩٥٨.
ومنها: أنّ مدرسة الاجتهاد تقول إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يوص من بعده. وأمّا مدرسة أهل البيت فتنصّ على وصيّة رسول الله صلّى الله عليه وآله لعليّ وأهل بيته من بعده.
ومنها: أنّ قريشاً ومدرسة الاجتهاد منعت من تدوين سنّة رسول الله. وأمّا مدرسة أهل البيت فقد دوّنت ذلك ودعت إليه رغم كلّ الظروف.
ومنها: أنّ مدرسة الاجتهاد قالت: (حسبنا كتاب الله) ولا (ألبس بكتاب الله شيئاً) وأمّا مدرسة أهل البيت فتقول عن القرآن إنّه حمّال ذو وجوه(١) ، ولا يمكن فهم حقائقه وتفصيله إلاّ عن طريق السنّة، وتفسير مَن خصّه الله بالعلم.
ومنها: أنّ مدرسة الاجتهاد لا ترتضي عرض كلام الصحابيّ على القرآن، بل ترى قوله وعمله مخصِّصاً للقرآن، وأمّا مدرسة أهل البيت فتدعو إلى لزوم عرض كلامهم على القرآن، وطرح ما خالف القرآن فجاء عنه عليه السلام:(إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني عنه في كتاب الله) (٢) أو قوله:(فاعرضوا كلامي على كتاب الله، فما وافقه فخذوا به وما خالفه فاطرحوه) (٣) .
ومنها: أنَّ مدرسة الاجتهاد قالت بالتصويب في الأحكام الشرعيّة؛ لاعتقادهم بعدالة الصحابة، أمّا مدرسة أهل البيت فهي مخطِّئَة؛ لما عرفت.
ومنها: إنّ مدرسة الاجتهاد قالت بصحّة ما في البخاري ومسلم، وأمّا مدرسة التعبّد لم تقل بصحّة جميع ما روي في الكافي والكتب الأربعة.
ومنها: أنَّ مدرسة الاجتهاد نفت العدالة في كثير من الأحكام الشرعيّة، كالقضاء و... حتّى العبادات، فإنَّهم قد جوَّزوا الصلاة خلف كلّ برٍّ وفاجر، أمّا مدرسة أهل البيت فلم ترضَ ذلك. وغيرها.
____________________
(١) نهج البلاغة ٣: ١٣٦، الخطبة ٧٧، من وصيّة له عليه السلام لعبد الله بن عباس لمّا بعثه للاحتجاج على الخوارج فمن ضمن ما قال له: لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه تقول ويقولون...، وانظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١: ٤٤٤.
(٢) المحاسن ١: ٢٦٩، الباب ٣٧، ح ٣٥٨، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر (الباقر) عليه السلام: إذا حدّثناكم بشيء... الخ، الكافي ١: ٥٩، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، ح ٥.
(٣) الاستبصار للطوسي ١: ١٩٠، باب ١١٢، ح ٩٦٦٨.
تأصيل النهجين في العهد الأمويّ
لما استقرّ أمر التدوين عند أصحاب (التعبّد المحض) - رغم محاولات طمس معالمه - رأى نهج (الاجتهاد) ضرورة مسايرة الركب وتقديم شي في هذا السياق، كيلا يواجه مشكلة مستقبليّة في التشريع؛ لأنّ تأخير التدوين يعني الضياع والاندثار.
فلذا جدّ أنصار هذه المدرسة لرسم البديل الذي يستطيع مواجهة مدرسة التعبّد المحض، إذ أمر هشام بن عبد الملك - وفي آخر عمر بن عبد العزيز - ابن شهاب الزهريّ المتوفّى ١٢٤ بتدوين السنّة.
١ - الخلفاء والتدوين
فعن معمّر، عن الزهريّ، أنّه قال: كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحداً من المسلمين(١) .
وفي آخر: استكتبني الملوك فاكتتبتهم، فاستحيت الله إذ كتبتها للملوك أن لا أكتبها لغيرهم(٢) .
وفي ثالث: عن أبي المليح أنّه قال: كنّا لا نطمع أن نكتب عند الزهريّ حتّى أكره هشامٌ الزهريَّ، فكتب لبنيه، فكتب الناس الحديث(٣) .
وفي كتاب (الأضواء) أنّ ابن شهاب كان مخالفاً لهشام لكن لم يلبث أن صار حظيّاً
____________________
(١) تقييد العلم: ١٠٧، الطبقات الكبرى ٢: ٣٨٩، وانظر الدرامي ١: ١٢٢، ح ٤٠٤، والحلية ٣: ٣٦٣، البداية والنهاية ٩: ٣٤١.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ١: ٧٧.
(٣) حلية الأولياء ٣: ٣٦٣.
عنده، فحجّ معه وجعله معلّم أولاده(١) .
والذي يشكّكنا في سلامة وعفويّة هذا الأمر وصدق نيّة الخلفاء هو كون الناهين عن التدوين على عهد رسول الله من قريش، وهم الذين نهوا عبد الله بن عمرو بن العاص من تدوين حديث الرسول، مع وقوفنا على موقفهم من الحديث في زمن الخليفة عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان ومعاوية بن أبي سفيان متابعةً وتأييداً لهؤلاء الخلفاء، ومع معرفتنا لمواقف أبي سفيان ومعاوية ويزيد من الرسول والرسالة.
فلو تأنّينا فيما فعله أبو سفيان بقبر حمزة - عمّ النبيّ - وقوله - وهو يرفس قبر حمزة - يا أبا عمارة! إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف صار في يد غلماننا يتلعّبون به(٢) وفي قول معاوية للمغيرة لمّا دخل الكوفة لعرفنا الكثير.
فعن المغيرة: أنّه طلب من معاوية ترك إيذاء بني هاشم؛ لأنّها أبقى لذكره، فأجابه معاوية: هيهات! هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟ مَلَك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر.
ثمّ مَلَك أخو عديّ، فاجتهد، وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكرهُ، إلاّ أن يقول قائل: عمر
وإنّ ابن أبي كبشة - يعني النبيَّ محمّداً صلّى الله عليه وآله - ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات! أشهد أنَّ محمّداً رسول الله.
فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا! لا أبا لك! لا والله إلاّ دفناً دفن(٣) .
وقال لمّا دخل الكوفة: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، وقد أعرف إنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني
____________________
(١) أضواء على السنّة المحمّديّة، لأبَي ريّه: ٢٦٠.
(٢) شرح نهج البلاغة ١٦: ١٣٦.
(٣) شرح النهج ٥: ١٣٠ عن الموافقيات للزبير بن بكار والمتن عنه، المسترشد للطبري: ٦٨٠.
الله ذلك وأنتم له كارهون(١) .
فكيف يجوز إذاً أخذ الأحكام من مصدرٍ هذا قَدْره ومنزلته عند النبيّ، ومن أُناس هذا موقفهم من رسالته، مع معرفتنا بأنَّ منهم من لُعِن على لسان رسول الله؟! أم كيف تطمئن نفوسنا بمرويّاتهم ونأتمنهم على كنوز السنّة مع عرفاننا مكرهم وخداعهم وبثّهم روح العصبيّة والتفرقة بين المسلمين؟!
أم كيف صارت السنّة تدوّن عن إكراه! ويلزم الأخذ بها على الصعب والذلول بعد أن كان منع التدوين بسبب الإكراه وعقوباته الشديدة.
جاء في شرح مسلم، للنوويّ: أنّ بشير العدويّ جاء إلى ابن عبّاس فجعل يحدّث ويقول، قال رسول الله، قال رسول الله، فجعل ابن عبّاس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه.
فقال: يا بن عبّاس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أُحدثك عن رسول الله ولا تسمع!!
فقال ابن عبّاس: إنّا كنّا مرّة إذا سمعنا رجلاً يقول (قال رسول الله) ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلمّا ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلاّ ما نعرف(٢) .
نعم إنّ السياسة الأمويّة قد ابتنت على التحريف والإرهاب في حين أنّ الحقائق كانت واضحة للمحدّثين وحملة الآثار ولكنّهم لم يتمكّنوا من الإباحة بها.
فقد ورد أنّ هشام بن عبد الملك طلب من الزهريّ أن يروي أنّ قوله تعالى:( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٣) نزل في عليّ.
في حين نراه يحدّث معمّراً حديثاً في عليّ ويقول له: اكتم هذا الحديث واطوه دوني، فإنّ هؤلاء (أي الأمويّين) لا يعذرون أحداً في تقريظ عليّ وذكره.
قلت: فما بالك ادّعيت مع القوم يا أبا بكر!! وقد سمعت الذي سمعت؟!
____________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٦: ١٨٧، ح ٣٠٥٥٦، تاريخ دمشق ٥٩: ١٥٠، سير أعلام النبلاء ٣: ١٤٧، البداية والنهاية ٨: ١٣١.
(٢) صحيح مسلم ١: ١٣، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها، ح ٧، تهذيب الكمال ٤: ١٨٦.
(٣) النور: ١١.
قال: حسبك يا هذا! إنّهم أشركونا في أموالهم فانحططنا لهم في أهوائهم(١) .
وقد جاء في رسالة الإمام عليّ بن الحسين - زين العابدين - للزهريّ ما يجسّم حاله، وما وقع فيه من مأزق مع الحكومة آنذاك وإليك نصّه:
(كفانا الله وإيّاك من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحتَ بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك... فقد أثقلتك نعم الله بما أصحَّ من بدنك، وأطال من عمرك. وقامت عليك حجج الله بما حمَّلك من كتابه؛ وفقَّهك فيه من دينه، وعرَّفك فيه من سنّة نبيّه محمد صلّى الله عليه وآله... فانظر أيّ رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها.
ولا تحسبنَّ الله قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات! هيهات! ليس كذلك أخذ على العلماء في كتاب إذ قال: (لتبيّننه للناس ولا تكتمونه)(٢) . واعلم أنَّ أدنى ما كتمت، وأخفَّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم؛ وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت؛ وإجابتك له حين دعيتُ... فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غداً من الخونة، وأن تُسأل عمَّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة؛ إنَّك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك، ودنوت ممّن لم يردّ على أحد حقّاً، ولم تردّ باطلاً حين أدناك، وأحببت من حادّ الله؛ أو ليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالهم، داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشكَّ على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلاّ دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمّروا لك، فكيف ما خرَّبوا عليك، فانظر لنفسك، فإنَّه لا ينظر إليها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول، وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه:
____________________
(١) المناقب لابن المغازليّ: ١٤٢ ح ١٨٦، جواهر المطالب ١: ٢٤٣.
(٢) آل عمران: ١٨٧.
( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ... ) (١) الآية. إلى آخر الرسالة الخالدة(٢) .
وقد كان معاوية قد بذل أربعمائة ألف درهم لسمرة بن جندب لقاء وضعه لـ (رواية) مفادها أنّ قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ ) (٣) قد نزلت في ابن ملجم قاتل عليّ، ففعل سمرة ذلك(٤) .
فوضْعُ الحديث لم يكن مستهجناً في عهد معاوية، ولم يكونوا يخافون الله ولا يتّقونه حقّ تقاته في وضع ما يفيدهم وتكذيب ومنع ما لا يعجبهم.
قال المدائنيّ: وظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث؛ ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا من مجلسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذي لا يستحلّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولما تديّنوا بها(٥) .
وقال الدهلويّ في رسالة الإنصاف:
(ولمّا انقرض عهد الخلفاء الراشدين أفضت الخلافة إلى قوم تولّوها بغير استحقاق، ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فاضطّروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، وكان بقي من العلماء من الطراز الأوّل، فكانوا إذا طُلِبُوا هربوا وأعرضوا، فرأى أهل تلك الأعصار - غير العلماء - إقبال الأمة عليهم مع إعراضهم، فاشتروا طلب العلم توصّلاً إلى نيل العزّ، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين أذلّة بالإقبال عليهم، إلاّ
____________________
(١) مريم: ٥٩.
(٢) تحف العقول: ٢٧٤.
(٣) البقرة: ٢٠٧.
(٤) شرح النهج ٤: ٧٣، شواهد التنزيل ١: ١٣٢.
(٥) شرح نهج البلاغة ١١: ٤٦ عن المدائني في كتاب (الأحاديث).
مَن وفقه الله...)(١) .
وجاء في مناقب الإمام أبي حنيفة، للمكّي: أنّه لمّا دعي ليسأل عن مسألة فقهيّة من قِبَل أحد الأمويّين، قال أبو حنيفة: فاسترجعت نفسي لأنّي أقول فيها بقول عليّ رضي الله عنه وأدين الله به، فكيف أصنع؟
قال: ثمّ عزمت أن أصْدُقهُ وأفتيه بالدين الذي أدين الله به، وذلك أنّ بني أُميّة كانوا لا يفتون بقول عليّ ولا يأخذون به - إلى أنّ يقول - وكان عليّ لا يذكر في ذلك العصر باسمه، والعلامةُ عنه بين المشايخ أن يقولوا: قال الشيخ، ومنعوا الناس أنّ يسمّوا أبناءهم باسمه، ويتعرّض للبلاء من سمَّى ابنه عليّاً(٢) .
وجاء قريب من هذا عن الحسن البصريّ، فعن يونس بن عبيد، قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد! إنّك تقول: قال رسول الله وإنّك لم تدركه!
قال: يا ابن أخي! لقد سألتني عن شيٍ ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك منّي ما أخبرتك، إنّي في زمان كما ترى - وكان في عمل الحجّاج - كلُّ شيٍ سمعتني أقول: قال رسول الله، فهو عليّ بن أبي طالب، غير أنّي في زمان لا أستطيع أن أذكر عليّاً(٣) .
وعن الشعبيّ: ماذا لقينا من آل أبي طالب؟ إن أحببناهم قُتلنا، وإن أبغضناهم دخلنا النار(٤) .
قال الشيخ أبو جعفر الإسكافيّ: إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم علي ذلك جُعْلاً يُرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير(٥) .
____________________
(١) انظر رسالة الإنصاف في دائرة المعارف لفريد وجدي مادة (جهد).
(٢) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ١: ٣٩٦ عن مناقب الإمام أبي حنيفة ١: ١١٧.
(٣) تهذيب الكمال ٦: ١٢٤، تدريب الراوي ١: ٢٠٤.
(٤) عيون الأخبار لابن قتيبة ٢: ١١٢ كما في كتاب الإمام جعفر الصادق: ١٠٧.
(٥) شرح النهج ٤: ٦٣، المعرفة والتاريخ، للبسيويّ، ترجمة أبي هريرة.
وقال ابن عرفة - المعروف بنفطويه: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أُميّة، تقرّباً إليهم بما يظنّون أ نّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم(١) .
نعم، إنّ هذه المواقف هي التي دعت الإمام الباقر أن يصرّح بقوله:(بلية الناس علينا عظيمة، إنْ دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا) (٢) .
وعن الإمام عليّ بن الحسين:ما زلتم تقولون فينا حتّى بغَّضتمونا إلى الناس (٣) .
وقد جاء في دعاء للإِمام عليّ بن الحسين عليه السلام:
اللّهمّ إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك... إلى أنّ يقول:... حتّى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين، يرون حكمك مبدّلا، وكتابك منبوذا، وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيّك متروكة و... (٤) وقال أيضاً وهو يشرح اختلاف الأمَّة:
وكيف بهم؟
وقد خالفوا الآمرين، وسبقهم زمان الهادين، ووُكلوا إلى أنفسهم، يتنسَّكون في الضلالات في دياجير الظلمات.
وقد انتحلت طوائف من هذه الأمَّة مفارقة أئمّة الدين، والشجرة النبويّة - أَخْلاَصِ الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخاتل الرهبانيّة، وتغالوا في العلوم، ووصفوا الإسلام بأحسن صفاته، وتحلّوا بأحسن السنّة، حتّى إذا طال عليهم الأمد - وبَعُدَتْ عليهم الشُقَّةُ، وامتُحنوا بمحن الصادقين، رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى، وعلم النجاة...
وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجّوا بمتشابه القرآن، فتأوّلوه بآرائهم، واتّهموا مأثور الخبر ممّا استحسنوا، يقحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات،
____________________
(١) النصائح الكافية: ٨٩، شرح النهج ١١: ٤٦، وراجع فجر الإسلام: ٢١٣.
(٢) إرشاد المفيد ٢: ١٦٨، المناقب لابن شهرآشوب ٤: ٢٠٦، إعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٥٠٨.
(٣) الطبقات الكبرى ٥: ٢١٤، تاريخ دمشق ٤١: ٣٩٢، تهذيب الكمال ٢٠: ٣٨٧، البداية والنهاية ٩: ١٢٢.
(٤) الصحيفة السجّاديّة: ٣٥١ الدعاء ١٥٠، من دعائه عليه السلام يوم الأضحى ويوم الجمعة.
بغير قَبَس نور من الكتاب، ولا أثرة علم من مظانّ العلم، بتحذير مثبطين زعموا أنَّهم على الرشد من غيّهم.
وإلى من يفزعُ خَلَفُ هذه الأمّة؟!
وقد درست أعلام الملّة والدين بالفُرقة والاختلاف، يكفّر بعضهم بعضا، والله تعالى يقول: ( ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات ) (١) .
فمَنِ الموثوقُ به على إبلاغ الحجّة؟ وتأويل الحكمة؟ إلاّ إلى أهل الكتاب، وأبناء أئمّة الهدى، ومصابيح الدجى، الذين احتجّ الله بهم على عباده، ولم يَدَع الخلق سدى من غير حجّة.
هل تعرفونهم؟
أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وبرّأهم من الآفات، وافترض مودّتهم في الكتاب؟! (٢) .
وقال عليه السلام لرجل شاجره في مسألة شرعيّة فقهيّة:
(يا هذا! لو صرت إلى منازلنا، لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أفيكون أحد أعلم بالسنّة منّا) (٣) .
وقال أيضاً:
(إنَّ دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، لا يُصابُ إلاّ بالتسليم. فمَن سلَّم لنا سَلِمَ، ومَن اقتدى بنا هُدِي، ومَن كان يعمل بالقياس والرأي هلك) .
نعم(٤) إنّ الأمّة الإسلاميّة قد مُنيت بالتحريف، فجاء في تاريخ المذاهب الإسلاميّة لابن زهرة قوله:... لابدّ أن يكون للحكم الأمويّ أثر في اختفاء كثير من آثار عليّ في
____________________
(١) آل عمران: ١٠٥.
(٢) كشف الغمّة، للأربليّ ٢: ٩٨ - ٩٩.
(٣) نزهة الناظر، للحلوانيّ: ٤٥.
(٤) كمال الدين: ٣٢٤، ب ٣١، ح ٩.
القضاء والإفتاء، لأنّه ليس من المعقول أن يلعنوا عليّاً فوق المنابر، وأن يتركوا العلماء يتحدّثون بعلمه، وينقلوا فتاواه وأقواله، وخصوصاً ما يتّصل بأساس الحكم الإسلاميّ(١) .
ونحن لو أردنا التفصيل في مثل هذا لاحتاج بحثنا إلى مجلّداتٍ وأسفارٍ، لكنّنا نكتفي بما نقله ابن الأثير؛ كي تعرف حال أصحاب المدوّنات في عهد الحجّاج بن يوسف الثقفيّ.
قال ابن الأثير: كان الحجّاج بن يوسف - والي العراق من قبل الأمويّين - قد ختم في يد جابر بن عبد الله [ الأنصاريّ ] وفي عُنق سهل بن سعد الساعديّ وأنس بن مالك [ الأنصاري ]، يريدُ إذلالهم، وأن يتجنّبهم الناس ولا يسمعوا منهم(٢) .
٢ - أهل البيت والتدوين
من الثابت المتواتر أنّ أهل البيت قد أباحوا التدوين؛ إذ كتب الإمام عليّ صحيفة عن رسول الله طولها سبعون ذراعاً بخطّه وإملاء رسول الله(٣) ، وقد جمع الدكتور رفعت فوزي عبد المطّلب ما رُوي من أحاديث هذه الصحيفة متناثراً في أبواب الفقه في كتاب أسماه بـ (صحيفة عليّ بن أبي طالب عن رسول الله، دراسة توثيقيّة فقهيّة)(٤) .
وقد كانت الصحيفة عند الأئمّة من ولد عليّ يتوارثونها ويحرصون عليها غاية الحرص، فعن الحسن بن عليّ:إنّ العلم فينا، ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه
____________________
(١) تاريخ المذاهب الإسلاميّة: ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٢) الاستيعاب ٢: ٦٦٤، ت ١٠٨٩، أُسد الغابة ٢: ٣٦٦، ترجمة سهل بن سعد.
(٣) انظر أعيان الشيعة ١: ٣٣٠، وفي الفقيه ٤: ٤١٨، ح ٥٩١٤ عن الحسن بن فضال عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس... ويكون عنده صحيفة يكون فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعداءه إلى يوم القيامة.
ويكون عنده الجامعة، وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جمع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر؛ أصاب ما عزّ وأصاب كبش، فيها جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجَلْدَة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة وهو في عيون أخبار الرضا ٢: ١٩٣ كذلك.
(٤) طبع هذا الكتاب سنة ١٤٠٦ هـ في حلب عن دار السلام.
بحذافيره، وإنّه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ هو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله وخطّ عليّ بيده (١) .
ولمّا سئل عن رأي أبيه في الخيار، أمر بإحضار ربعة فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول علي في الخيار(٢) .
وقد كان هذا الكتاب عند الإمام الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ الباقر، ثمّ الصادق و...(٣) .
فيبدو واضحاً للعيان اهتمام أولاد عليّ عليه السلام اهتماماً لا نظير له بهذه الصحيفة، حتّى أنّ الحسين لم يشغله ما هو فيه عن أن يُودع ما عنده عند ابنته الكبرى فاطمة لتسلّمها إلى الإمام عليّ بن الحسين؛ لكون تلك الكتب كنزاً من كنوز آل محمّد، ووديعة الرسول صلّى الله عليه وآله عندهم(٤) . وقد وصل الاهتمام بفاطمة الزهراء بنت رسول الله أن تقول لجاريتها فضّة حين افتقدت الصحيفة(ويحك! اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسناً وحسيناً) (٥) .
هذا الاهتمام لم يكن اعتباطيّاً نابعاً عن رغبة شخصيّة؛ لأنّ معادلة الصحيفة بريحانتي رسول الله أمر يستحقّ التوقّف الطويل، إذ يبدو أنّ العلم المكنون في هذه الصحيفة يعادل ما عند الإمامين الحسن والحسين من علم عن رسول الله، وأنّ ما ترفد به هذه الصحيفة المسلمين يعادل ما يرفد به الإمامان أُمّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
هذه الرعاية المتزايدة للمدوّنات بصورة عامّة، وكتاب عليّ خاصّة عند مدرسة التعبّد، لا نجد لها أثراً عند المدرسة المقابلة - مدرسة الرأي والاجتهاد - فأُثِرَ عن أبي بكر حرقه لمدوّنته، وعن عمر حرقه لمدوّنات الآخرين، وعن عثمان حرقه
____________________
(١) الاحتجاج، للطبرسيّ ٢: ٦، البحار ٤٤: ١٠٠.
(٢) العلل، لابن حنبل ١: ٣٤٦.
(٣) انظر بصائر الدرجات: ١٦٤، باب في الأئمةعليهم السلام أن عندهم الصحيفة الجامعة التي هي إملاء رسول اللهصلّى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام.
(٤) الكافي ١: ٣٠٣ باب الإشارة والنص على علي بن الحسين عليه السلام، ح ١، بصائر الدرجات: ١٦٨ باب ١٣، ح ٩، الإمامة والتبصرة: ٦٣،.
(٥) المعجم الكبير للطبراني ٢٢: ٤١٣، باب ما أسندت فاطمة عليها السلام.
للمصاحف، وعن معاوية أمره بالإقلال من الحديث إلاّ حديثاً روي على عهد عمر بن الخطّاب، وهكذا باقي الخلفاء، بخلاف أهل البيت الذين واصلوا التدوين وحفظوا المدوّنات، منذ بداية التشريع الإسلاميّ ونزول الوحي إلى وقت متأخّر.
فقد ورد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أمَرَ عليّاً بالتدوين وقال له:اكتب ما أُملي عليك، فقال عليّ:يا نبي الله! أَوَ تخاف؟ قال:لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله لك أن يحفظك فلا ينساك، لكن دوّن لشركائك، قال:ومن شركائي يا رسول الله؟ قال:الأئمّة من ولدك (١) .
وهذا يجعلنا نتيقّن بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أراد أن يحفظ شريعته بواسطة التدوين عند أهل بيته وغيرهم؛ لتبقى المدوّنات ذخراً وتراثاً علميّاً لأجيال المسلمين في العصور المتأخّرة.
فاستعانة أئمّة أهل البيت بكتاب عليّ ونظرهم فيه وإشهادهم الآخرين عليه جاء لتوثيق ما يقولونه وينقلونه عن رسول الله، وأنّه لم يأتِ جزافاً عن رأي، بل له أصل عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله.
فعن الصادق أنّه قال:كان عليّ بن الحسين إذا أخذ كتاب عليّ فنظر فيه، قال: مَن يطيق هذا؟! (٢)
وفي الإرشاد للمفيد: عن الباقر: أنَّ والده السجّاد قال له:يا بنيّ أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب، فأعطيته، فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثمَّ تركها من يده تضجّراً وقال: من يقوى على عبادة عليّ (٣) .
والذي يستوقفنا في هذين النصّين، هو: هل اختص كتاب عليّ ببيان الفرائض الشرعيّة والأحكام الفقهيّة فقط؟ أم أنّه شمل علوماً أُخرى غيرها؟!
الذي يؤكّد عليه هذان النصّان هو أنّ الكتاب كان يحتوي على أُصول العبادات ومستحبّاتها، وقد حفظ في طيّاته جميع أُصول ومباني الدين الإسلاميّ كوحدة
____________________
(١) انظر بصائر الدرجات: ١٨٧، باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله، ح ٢٢، الإمامة والتبصرة: ٥٤، الباب ٦، ح ٣٨، وفيه ينسيك.
(٢) الكافي ٨: ١٦٣ رقم الحديث ١٧٢.
(٣) الإرشاد للمفيد ٢: ١٢٦، مناقب آل أبي طالب ٣: ٢٩٠، إعلام الورى ١: ٤٨٧.
متجانسة متكاملة، وفيه ما يحتاج إليه المسلمون، ولمّا وقف الإمام زين العابدين على المستحبّات والنوافل والسنن التي في الكتاب قال وهو ذو الثفنات المعروف بكثرة عبادته وقيامه وصيامه:مَن يطيق هذا؟
فنهج التدوين والمحافظة على المدوّنات كان ديدن أئمّة أهل البيت وأتباعهم، مقابل الإحراق والإتلاف ومنع التحديث والتدوين والكتابة الذي دأب عليه أصحاب مدرسة (الاجتهاد والرأي)، وهذا ما لا يدع مجالاً للشكّ بأوثقيّة وأضبطيّة (ما هو الحجّة) عند أهل البيت ونهج التعبّد دون ما عند المدرسة المقابلة من موروث مختلط متأثّر بشتّى العوامل وشتّى الآراء بدءاً من تشريع الاجتهاد والرأي قبال النصّ، ومروراً بتثبيت القياس والاستعانة بالأصول الجديدة المطروحة لاحقاً، وانتهاءً بما لا نهاية له من آراء واتّجاهات.
وإذا رجعنا إلى حديث الصحيفة التي كانت في حوزة الإمام محمّد بن عليّ الباقر وابنه جعفر بن محمّد الصادق وجدنا التركيز والاهتمام المتزايد عليها.
فعن عذافر الصيرفيّ قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر (أي الباقر) فجعل يسأله، وكان أبو جعفر له مكرماً، فاختلفا في شيء! فقال أبو جعفر:يا بنيّ! قم، فأخرِج كتاب عليٍّ.
فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً وفتحه، وجعل ينظر، حتّى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر:هذا خط عليّ وإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وأقبل على الحَكَم، وقال: يا أبا محمّد! اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم - يميناً وشمالاً - فو الله لا تجدون العلم، أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل عليه السلام(١) .
وفي حديث آخر جاء في جواب الإمام الباقر للحكم بن عتيبة حينما سأله عن تقسيم الأسنان؟ قوله:(هكذا وجدناه في كتاب عليّ) (٢) .
____________________
(١) رجال النجاشيّ: ٣٦٠ ترجمة ٩٦٦.
(٢) انظر الكافي ٧: ٣٢٩، باب الخلقة، ح ١ وقد تكرر هذا القول على لسان الأئمّة عليهم السلام في أكثر من موضع
=
وعن زرارة بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عن الجدّ، وذكر الحديث إلى أن قال: فأقبل على ابنه جعفر فقال له:أقْرئْ زرارة صحيفة الفرائض... فأخرج إليَّ صحيفة مثل فخذ البعير... فلمّا ألقى إليَّ طرف الصحيفة، إذا كتاب غليظ، يُعرف أنّهُ من كتب الأوّلين، فنظرتُ فيها فإذا فيها خلاف ما بأيدي النّاس... فلمّا أصبحت لقيت أبا جعفر، فقال لي:أقرأت صحيفة الفرائض؟... فإنّ الذي رأيت والله يا زرارة هو الحقّ، الذي رأيت إملاء رسول الله وخطّ عليّ بيده... وقد حدّثني أبي عن جدّي أنّ أمير المؤمنين حدّثه ذلك... (١) .
وعن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام قال:إنّ في كتاب عليّ: أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجرُّ به... (٢)
وعن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله قال: في كتاب عليّ:أنّ نبيّاً من الأنبياء شكا إلى ربّه القضاء... (٣) .
وهذا النصّ يؤكّد قولنا عن موسوعيّة (كتاب عليّ) وأنّه شمل العلوم الدينيّة والدنيويّة التي جاء بها النبيّ صلّى الله عليه وآله عن الله عزّ وجلّ؛ إذ إنّ هذا النصّ يؤكّد وجود أخبار الأنبياء والأمم السالفة في كتاب عليّ(٤) ، وأنّه دوّنها من فِلْقِ فَمِ رسول الله، وقد وصلنا
____________________
=
ومسألة فقهية انظر مختلف الشيعة ٩: ٣٦٧ في قضاء العين والجوارح، وعن أبي عبد الله في المهذّب البارع ٥: ٢٢٨. في الديّات، ومجمع الفائدة ١١: ٥٢٤ في الميراث، وغيرها من كتبنا.
(١) الكافي ٧: ٩٥، ح ٣ المواريث، باب ميراث الولد مع الأبوين.
(٢) الكافي ٧: ٤١٤ ح ٣ و ٤ القضاء باب أنّ القضاء بالبيّنات.
(٣) الكافي ٧: ٤١٤ ح ٣ و ٤ القضاء باب أنّ القضاء بالبيّنات.
(٤) عن ابن أُذينه، عن بريد العجلي، قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عزّ وجلّ:( إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) قال:إيانا عنى، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح .
قال المازندراني في شرحأصول الكافي ٦: ٨٤ قوله (الكتب والعلم والسلاح): أُريد بالكتب الكتاب الذي جمعه علي بن أبي طالب، والجفر الأبيض الذي فيه زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم، ومصحف فاطمة الذي كتبه علي عند نزول جبرئيل إليها وإخباره بما يكون إلى يوم القيامة، وفيه جميع ما يحتاج إليه الناس، والجامعة وهي صحيفة كتبها علي بخطه من إملاء الرسول. والجفر وهو مشتمل على علم النبيين والوصيين وعمل العلماء الذين مضوا، والصحيفة التي جاء بها جبرئيل الأمين في الوصية من عند ربّ العالمين.
=
من كتاب عليّ أخبار الديانات السابقة، ومَن مسخوا وعذّبوا و...
ولكي تقف على ضخامة كتاب عليّ وموسوعيته إليك بعض المنقولات التي وصلت من هذا الكتاب العظيم، مثل:
سؤر الهرّة(١) والوضوء من غسل الجنابة(٢) وأحكام الجنائز، ووقت فضيلة الظهر والعصر والتشهد في الصلاة(٣) وحكم المحرم يموت كيف يصنع به(٤) والصلاة في وبر كلّ شي حرام لحمه(٥) والتشهد في الصلاة(٦) إنّ الله يؤجر على كثرة الصلاة والصوم(٧) ، وعدالة إمام الجماعة(٨) وأدب الدعاء(٩) ومنع الزكاة(١٠) ومسائل في الأمر بالمعروف، وظهور الزنا وقطيعة الرحم(١١) والصوم للرؤية(١٢) ولبس الطيلسان للمحرم(١٣) وصيد المحرم(١٤)
____________________
=
وبالعلم: العلم الذي اختص به الإمام، وهو العلم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة.
وبالسلاح: سلاح رسول الله مثل: المغفر والدرع والراية والقميص والسيف والخاتم وغيرها...
(١) التهذيب ١: ٢٢٧، ح ٦٥٥ و ٩: ٨٦، ح ٣٦٤، وانظر الكافي ٣: ٩، باب الوضوء من سؤر الدواب، ح ٤.
(٢) التهذيب ١: ١٣٩، ح ٣٩٨.
(٣) التهذيب ٢: ٢٣، ح ٦٤، الاستبصار ١: ٢٥١، ح ٩٠٠٢٧، منتهى المطلب ١: ٢٠٧، الوسائل ٤: ١٤٤، ح ٤٧٥٤ و ١٤٧ ح ٤٧٦٦.
(٤) وفيه أربع روايات الأولى عن عبد الله بن سنان (انظر التهذيب ٥: ٣٨٣، ح ١٣٣٧) والثانية عن أبي مريم (انظر الكافي ٤: ٣٦٨، باب المحرم يموت، ح ٣) والثالثة والرابعة عن عبد الرحمان ابن أبي عبد الله (انظر التهذيب ٥: ٣٨٣، ح ١٣٣٧).
(٥) الكافي ٣: ٣٩٧، باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه، ح ١، التهذيب ٢: ٢٠٩ ح ٨١٨، الاستبصار ١: ٣٨٣، ح ١٤٥٤، عوالي اللئالىَ ٣: ٧٤، ح ٣٤.
(٦) بصائر الدرجات: ١٦٥، ح ١٤.
(٧) بصائر الدرجات: ١٨٥، ح ١١، الوسائل ٤: ١٠٣، ح ٤٦٣٠ و١٠: ٤٠٧، ح١٣٧١٤.
(٨) التهذيب ٣: ٢٨، ح ٩٦.
(٩) الكافي ٢: ٤٨٤، ح ٢ و ٤٨٥، ح ٧، الوسائل ٧: ٨٠، ح ٨٧٨٥.
(١٠) الكافي ٣: ٥٠٥، باب منع الزكاة، ح ١٧، الوسائل ٩: ٢٦، ح ١١٤٣١.
(١١) العلل ٢: ٥٨٤، الباب ٣٨٥، ح ٢٦، وأمالي الصدوق: ٣٨٥، ح ٤٩٣.
(١٢) التهذيب ٤: ١٥٨، ح ٤٤١، الاستبصار ٢: ٦٤، ح ٢٠٨، الوسائل ١٠: ٢٥٥، ح ١٣٣٤٩.
(١٣) الكافي ٤: ٣٤٠، ح ٧، الفقيه ٢: ٢١٧، ح ٢١، علل الشرائع ٢: ٤٠٨، ح ١.
(١٤) التهذيب ٥: ٣٤٤ ح ١١٩٠ و ١١٩١ و ٣٥٥، ح ١٢٣٣، الاستبصار ٢: ٢٠٣، ح ٣، الكافي ٤: ٣٨٩ ح ٥ و ٤: ٣٩٠ ح ٩، عوالي اللئالي ٣: ١٧٣ ح ٨٦ و ٨٨.
والشكّ في أشواط الطواف(١) و إعطاء الأمان لمن لحق بالمسلمين(٢) ، ومال الابن(٣) ومعنى الشيء في الوصيّة(٤) وعدّة مسائل في النكاح(٥) والأيمان(٦) وأكل البازي والصقر(٧) ومسائل في الصيد والذكاة(٨) وما يقطع من إليات الضأن(٩) ، وتحريم أكل الجرّي والمارماهي والطافي(١٠) والزمير(١١) والطحال وما ألقاه البحر(١٢) والجريث(١٣) ولحم الحمر الأهليّة(١٤) وحكم الأراضي(١٥) والفرائض والمواريث(١٦) والقضاء(١٧) والحدود(١٨)
____________________
(١) التهذيب ٥: ١٥٢، ح ٥٠٢، الاستبصار ٢: ٢٤٠، ح ٨٣٥، الوسائل ١٣: ٣٦٦، ح ١٧٩٦٦، و ٣٦٧، ح ١٧٩٧٢.
(٢) الكافي ٥: ٣١، ح ٥. (٣) التهذيب ٦: ٣٤٣، ح ٩٦١.
(٤) الكافي ٧: ٤٠، ح ١، والفقيه ٤: ١٥١، ح ١، والتهذيب ٩: ٢١١، ح ٨٣٦ ومعاني الأخبار ٢١٧، ح ١.
(٥) الفقيه ٣: ٢٦٣، ح ٣٧ و ٢٨٦، ح ٦، والكافي ٥: ١٣٥، ح ٥ و ٤٥٢، ح ١، التهذيب ٧: ٤٣٢، ح ١٧٢٣ و ٤٨١، ح ١٩٣٢، في الاستبصار ٣: ٤٨، ح ١٥٨.
(٦) الكافي ٢: ٣٤٧، ح ٤، الفروع ٧: ٤٣٦، ح ٩، والخصال ١: ١٢٤، ح ١١٩، ثواب الأعمال: ٢٧٠، ح ٨.
(٧) الكافي ٦: ٢٠٢، ح ١ و ٢٠٧، ح ١، التهذيب ٩: ٢٢، ح ٨٨، تفسير العيّاشيّ ١: ٢٩٤، ح ٢٨ و ٢٩٥،ح ٣٠.
(٨) الكافي ٦: ٢٣٢، ح ١ و ٣، الفقيه ٣: ٢١٠، ح ٦١، التهذيب ٩: ٥٧، ح ٢٣٧، الوسائل ٢٤: ٢٣، ح ٢٩٨٩١ و ح ٢٩٨٩٢ و ٦٥، ح ٣٠٠١٠، و١٣٦، ح ٣٠١٧٥.
(٩) الكافي ٦: ٢٥٤، ح ١، الفقيه ٣: ٢٠٩، ح ٥٧.
(١٠) التهذيب ٩: ٥، ح ١٢، الاستبصار ٤: ٥٩٠، ح ٥، العوالي ٣: ٤٦٤، ح ٩.
(١١) الكافي ٦: ٢١٩، ح ١، التهذيب ٩: ٢، ح ١.
(١٢) التهذيب ٩: ٩، ح ١٨، الوسائل ٢٤: ١٣٤، ح ٣٠١٧٠.
(١٣) التهذيب ٩: ٤، ح ٩ و ١٠، الاستبصار ٤: ٥٨، ح ٢٠١ و ٥٩، ح ٣.
(١٤) التهذيب ٩: ٤٠، ح ١٦٩.
(١٥) الكافي ١: ٤٠٧، ح ١، الكافي ٥: ٢٧٩، ح ٥، التهذيب ٧: ١٥٢، ح ٦٧٤، الاستبصار ٣: ١٠٨، ح ٣٨٣، والعيّاشيّ في تفسيره ٢: ٢٥، ح ٦٦، والوسائل ٢٥: ٤١٤، ح ٣٢٢٤٦، المستدرك ١٧: ١١٢، ب ٢، ح ١.
(١٦) كرواية أبي أيوب الخزار المروية في الكافي ٧: ٧٧، ح ١، والتهذيب ٩: ٢٦٩، ح ٩٧٦ وأبي الربيع المروية في الفقيه ٤: ٣٠٦، ح ١٣، والقاسم بن سليمان المروية في التهذيب ٩: ٣٠٨، ح ١١٠٣، وعبد الرحمان بن الحجاج المروية في الكافي ٧: ١٣٦، ح ١، والفقيه ٤: ٢٢٥، ح ١، جميعاً عن الصادق عليه السلام، وفي العوالي ٢: ١٥٢، ح ٤٢٤، والدعائم ٢: ٣٨١، ح ١٣٦١.
(١٧) الكافي ٧: ٤١٤، ح ٣ و ٤١٥، ح ٧، التهذيب ٦: ٢٢٨، ح ٥٥٠ و ٥٥١ عن أبي بصير ومحمّد بن مسلم وزرارة، وانظر بصائر الدرجات: ١٦٣، ح ٧.
(١٨) الفقيه ٤: ٥٣، ح ١٤، المحاسن ١: ٢٧٣، ح ٣٧٧، ب ٣٧، التهذيب ١٠: ١٤٦، ح٥٧٩، العوالي ٣: =
والديات(١) والزنا(٢) والكبائر(٣) وأكل مال اليتيم(٤) وعقاب المعاصي(٥) والجدّ في العبادة(٦) وابتلاء المؤمن(٧) ومثل الدنيا(٨) وحسن الظنّ بالله(٩) وحرمة الجار(١٠) والخلق(١١) وأصحاب السبت(١٢) وطلب العلم(١٣) وديّة الأسنان(١٤) وغيرها الكثير الكثير من تشقيقات المسائل والعلوم.
وما ذكرناه ما هو إلاّ نماذج متنوّعة من كتاب عليّ، ولم يكن بالجرد الدقيق لتلك المرويّات في مصنّفات الشيعة الإماميّة، قد جئنا بها لإيضاح التخالف الموجود بين المدرستين في الفقه، والخلاف الذي صار فيه بين المسلمين بعد أن كان في أمر الخلافة، مشيرين إلى أنّ مدرسة التعبّد المحض كانت تتمسّك بكتاب عليّ؛ كي تبرهن على أصالتها واستقائها من رسول الله والوحي، ومن هذا المنطلق جاء التعتيم على
____________________
=
٥٤٩، ح ١٨، الكافي ٧: ٢٠٠، ح ١٢ و ٢١٤، ح ٤ و ٢١٦، ح ١١، التهذيب ١٠: ٥٥، ح ٢٠٣، و ص ٩٠، ح ٣٤٨ و ٣٤٥، و ص ١٠٨، ح ٤٢١ وغيرها.
(١) الكافي ٧: ٣١٦، ح ١ و ٣٢٩، ح ١، الكافي ١: ٢٣٨، ح ١، التهذيب ١٠: ٢٥١، ح ٩٩٦، و ٧٠، ح ٢١٠٦٣ و ٢٧٧، ح ٩، و ٢٥٤، ح ١٠٠٥، الاستبصار ٤: ٢٦٦، ح ١٠٠٤، ح ٧٢ و ٦٣٠، ح ٥٥، الخصال: ٥٣٩، ح ٩، البصائر: ١٧١، ح ٣.
(٢) المحاسن ١: ١٠٧، ح ٩٣، ب ٤٦، الكافي ٥: ٥٤١، ح ٤.
(٣) الكافي ٢: ٢٧٨، ح ٨، الوسائل ١٥: ٣٢١، ح ٢٠٦٣١.
(٤) ثواب الأعمال: ٢٣٣، عقاب أكل مال اليتيم، والعيّاشيّ في تفسيره ١: ٢٢٣، ح ٣٩، والمستدرك ١٣: ١٩٠، ح ٣، ب ٥٨ والوسائل ١٧: ٢٤٧، ح ٢٢٤٤٣.
(٥) ثواب الأعمال: ٢٥٤، أمالي الصدوق: ٣٨٥.
(٦) الكافي ٨: ١٣٥، ح ١٠٠ و ١٦٣، ح ١٧٢، الوسائل ١: ٩١، ح ٢١٥.
(٧) التمحيص: ٤٤، ح ٥٥، الكافي ٢: ٢٥٩، ح ٢٩، علل الشرائع ١: ٤٤، ح ١.
(٨) الكافي ٢: ١٣٦، ح ٢٢، تنبيه الخواطر ٢: ١٩٤.
(٩) الاختصاص: ٢٢٧، الكافي ٢: ٧١، ح ٢.
(١٠) الكافي ٢: ٦٦٦، ح ٢.
(١١) تفسير القمّيّ ١: ٣٦، تفسير العيّاشيّ ١: ٢٦، ح ٢، البحار ١١: ١٢٧، ح ٥٥.
(١٢) تفسير القمّيّ ١: ٢٤٤، تفسير العيّاشيّ ٢: ٣٣، ح ٩٣، البحار ١٤: ٥٢، ح ٥، ب ٤.
(١٣) الكافي ١: ٤١، ح ١، البحار ١: ١٠٦، ح ٢، ب ٣ و ٢: ٦٧، ح ١٤ و ٢٢٧، ح ٥، ب ٢٩، كشف الغمّة ٢: ٣٤٦.
(١٤) وقد شرحها الإمام للحكم بن عيينة انظر الكافي ٧: ٣٢٩، ح ١، الفقيه ٤: ١٠٤، ح ١٢، التهذيب ١٠: ٢٥٤، ح ١٠٠٥، والاستبصار ٤: ٢٨٨، ح ١٠٨٩، الاختصاص: ٢٥٤.
هذا الكتاب من قبل مانعي التدوين، ممّا جعل البعض يستغرب ما فيه من أحكام؛ لأنّه لم يطرق سمعه بها من قبل!
الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
لم ينحصر عمل الإمام فيما كتبه في (الكتاب) عن رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ إذ نصّت المصادر على أنّ عليّاً كان قد دوّن كتباً أُخرى استقيت من علم رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد نسب الشريف المرتضى المتوفّى ٤٣٦ هـ إلى الإمام كتاب (المحكم والمتشابه في القرآن)(١) ، والأشعريّ القمّيّ المتوفّى ١٠٣ هـ نسب إليه كتاب (ناسخ القرآن ومنسوخه)(٢) ، والحافظ ابن عقدة الكوفيّ المتوفّى ٣٣٣ هـ ذكر للإمام (ستين نوعاً من أنواع علوم القرآن)(٣) .
أمّا أولاد الإمام عليّ وأصحابه فقد دوّن كلّ منهم كتباً في جميع المجالات اقتداءً برائد التدوين الإسلاميّ، الإمام عليّ بن أبي طالب.
فجاء عن الحارث الأعور الهمدانيّ أنّه روى كتاباً كاملاً عن أمير المؤمنين(٤) .
وعن أبي رافع أنّه روى عن عليّ كتاباً(٥) .
وأمّا ربيعة بن سميع، فقد روى الزكاة عن أمير المؤمنين في كتاب، كتبه عليه السلام له بخطّه لمّا بعثه على الصدقات(٦) .
ولميثمّ بن يحيى التمّار كتاب كان متداولاً حتّى القرن السابع الهجريّ، حيث أخذ
____________________
(١) انظر الذريعة ٢٠: ١٥٤ - ١٥٥.
(٢) رجال النجاشيّ: ١٧٧ رقم ٤٦٧، الذريعة ٤: ٢٧٦ و ٢٤: ٨، البحار ١: ١٥ و ٣٢ و ٨٤: ٣٨٢ و ٩٢: ٤٠ و ٦٦.
(٣) أعيان الشيعة ١: ٣٢١، البحار ٩٣: ٣.
(٤) رجال النجاشيّ: ٧ ذيل رقم ٢، الفهرست للطوسيّ: ٦٢ رقم ١١٩.
(٥) رجال النجاشيّ: ٦ رقم ١، تأسيس الشيعة: ٢٨٠.
(٦) رجال النجاشيّ ٧ و ٨ رقم ٣، نقد الرجال للتفرشي ٢: ٢٣٨، ت ١٩٥٧.
منه الطبريّ مباشرة(١) .
والأصبغ بن نباتة المجاشعيّ روى قسم القضاء عن عليّ، وقد طبع هذا باسم (أقضية أمير المؤمنين)(٢) أو (عجائب أحكام أمير المؤمنين)(٣) .
ولسليم بن قيس كتاب يرويه عنه أبان بن عيّاش.
وهناك كتب أُخرى لصحابة وتابعين آخرين نقلوها أو أخذوا علومها عن عليّ بن أبي طالب، فقد جاء في الأشباه والنظائر للسيوطيّ عن ابن عساكر: أنّ بعض النحاة كان يذكر أنّ عنده تعليقة أبي الأسود التي ألقاها إليه عليّ بن أبي طالب(٤) .
وجاء عنه عليه السلام أنّه كتب عهداً لمالك الأشتر النخعيّ لمّا ولاّه مصر، وقد طبع هذا الكتاب ضمن نهج البلاغة كما طُبِعَ مستقلاً، وقد دوّن عليه الأعلام شروحاً كثيرة؛ لأهمّيّته وضخامة فكرة الإمام في السياسة والإدارة والاجتماع فضلاً عن حقوق الراعي والرعيّة.
وعن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، قال: خطبنا عليّ فقال:مَن زعم أنَّ عندنا شيئاً نقرأه ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة - قال: صحيفة معلّقة في قراب سيفه، فيها أسنان الإبل وشيء من الجراحات -فقد كذب (٥) .
وعن طارق، قال: رأيت عليّاً على المنبر وهو يقول:ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلاّ كتاب الله وهذه الصحيفة (٦) .
فإنّ هذين النصّين - وما شابههما من النصوص - يكشفان معالم مهمّة حول كتاب
____________________
(١) تأسيس الشيعة: ٢٨٣.
(٢) الذريعة ٢: ٢٧٣، الرقم ١١٠٥ قائلاً ألّفه بعض الأصحاب.
(٣) انظر الذريعة ١٧: ١٥٢، الرقم ٧٩٤.
(٤) الأشباه والنظائر، للسيوطيّ ١: ١٢ - ١٤ عن تاريخ دمشق ٧: ٥٥، أنباء الرواة، للقفطيّ ١: ٣٩، سِيَر أعلام النبلاء ٤: ٨٤.
(٥) تقييد العلم: ٨٨، جامع بيان العلم وفضله ١: ٧١، وانظر البخاريّ ٦: ٢٦٦٢، ح ٦٨٧٠، وصحيح مسلم ٢: ٩٩٥، ح ١٣٧٠.
(٦) تقييد العلم: ٨٩.
عليّ والتدوين؛ إذ يبدو أنّ قسماً من المسلمين نتيجة لتراكم الجهل بالتدوين وفوائده، والتحديث وآثاره، والجهل بالتنزيل والتأويل و و...، نتيجة لذلك كلّه كان بعض المسلمين يستغربون أن يكون عند عليّ عليه السلام كتاب أو كتب في علوم الإسلام، ولعلّهم كانوا يرمونه بأنّه كتاب (غير كتاب الله) أو أنّه (قرآن آخر) كما يزعمه اليوم بعض كتّاب المسلمين، الذين لم يحيطوا علماً بدقائق أُمور التدوين والمدوّنات الموجودة في الصدر الأوّل، فكأنّ الإمام عليّ بن أبي طالب أراد أن يوضّح حقيقة الأمر، وأنّه إنّما يستلهم علومه من كتاب الله والصحيفة التي كتبها عن رسول الله، التي هي بمنزلة تفسير شامل للقرآن الكريم وما نزل به الوحي في جميع أبعاده ومفاداته، وليس فيما يقول به شيء خارج عن هذين المصدرين الأساسيّين.
فكلام الإمام عليّ هذا ناظر إلى دفع شبهة أو فِرية وجود كتاب آخر يضاهي أو يغاير كتاب الله؛ فلذلك خصّ الراوي مقدار الجراحات وشيء من أسنان الإبل وغيرها بالذكر التفصيليّ؛ لأنّها معهودة عندهم وعرفوا حكمها على عهد رسول الله، وليس فيها شيء ممّا لم يطرق أسماعهم إجمالاً وإن جهلوا محتوياته تفصيلاً، وكأنّ ذلك المقام اقتضى أن يخصّ بالذكر الصحيفة، إذ الكلام ليس مسوقاً لنفي مدوّنات أُخرى عند الإمام علي عليه السلام؛ وذلك لثبوت كتب أُخرى عند أهل البيت عليهم السلام غير هذه كما سيأتي تفصيله.
وبهذا يكون معنى قوله (وهذه الصحيفة) إشارة إلى أنّه لا يقول بشيء إلاّ وقد صدر عن رسول الله فيه أصل.
والحقّ أنّ (كتاب عليّ) كان هو رأس العلوم وأجلّ الكتب قدراً عند أهل البيت؛ فلذلك كان تأكيد عليّ وأولاده عليه تأكيداً شديداً، حتّى أنّ ابن سيرين تمنّى أن يرى ذلك الكتاب أو يحصل عليه؛ لقوله: لو أصبت هذا الكتاب لكان فيه العلم(١) .
إنّ عليّ بن أبي طالب كان من أشدّ المؤكّدين والمناصرين لتدوين العلم عموماً،
____________________
(١) الإمام جعفر الصادق، لعبد الحليم الجنديّ: ١٩٩.
والنبويّ منه على وجه الخصوص؛ فعن الحارث عن عليّ، قال:مَن يشتري منّي علماً بدرهم ، قال: فذهبت فاشتريت صحفاً بدرهم، ثمّ جئت بها(١) ، هذا إلى نصوص أُخرى كثيرة في حثّه على التدوين ومشروعيته، منها قوله:(قيّدوا العلم، قيّدوا العلم) (٢) ، وقوله:(الخَطَّ علامة، فكلّ ما كان أبْينَ كان أحسن) (٣) .
وقوله لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع:أَلِقْ دواتك، وأطِلْ جلفة قلمك، وأفرِج بينَ السطور، وقرمط بين الحروف... الخ(٤) .
وقوله:أطل جلفة قلمك وأسمنها، وأيمن قطتك، وأسمعني طنين النون، وحوّر الحاء، وأَسمن الصاد، وعرّج العين، واشقق الكاف، وعظّم الفاء، ورتّل اللام، وأسلس الباء والتاء والثاء، وأقم الزاي وعَلِّ ذنبها، واجعل قلمك خلف أُذنك يكون أذكرُ لك (٥) .
وهذه الوصايا الدقيقة في علم الخطّ الذي هو ركن مهمّ من أركان التدوين ما زالت إلى اليوم أُصولاً يحتذيها الخطّاطون ويشتقّون منها براعتهم في تجويد الخطّ العربيّ، نعم إنّ أهل البيت كانوا يهتمّون بأمر التدوين إلى أقصى ما يمكن؛ إذ تراهم يرشدون أصحابهم والكتّاب إلى مراعاة نكات دقيقة جدّا، وهذه النصوص خير دليل لنفي ما نسب إلى الإمام عليّ من أنّه كان ينهى عن تدوين الكتب والاحتفاظ بها، وخير شاهد على ما قلناه من دور للحكّام في الوضع والاختلاق!!
ولكي يتضح لك صحّة ما قلناه أكثر فأكثر، وعظمة كتاب على وان فيه العلم الغزير وأنّ الأمويين كانوا يريدون تحريف ما قاله الإمام علي فاقرأ ما رواه إبراهيم بن محمد الثقفي (ت ٢٨٣ هـ) في الغارات، فإنّه بعد أن أتى بكتاب الإمام علي إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر - في شرائع الدين - قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عثمان، عن
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٦: ١٦٨، تقييد العلم: ٩٠، تاريخ بغداد ٨: ٣٥٥.
(٢) تقييد العلم: ٨٩، ٩٠.
(٣) كنز العمّال ١٠: ٣١٢ ح ٢٩٥٦٢.
(٤) نهج البلاغة ٤: ٧٥، باب المختار من حكم أمير المؤمنين الخطبة ٣١٥، كنز العمّال ١٠: ٣١٢، ح ٢٩٥٦٣ مثله.
(٥) كنز العمّال ١٠: ٣١٣، ح ٢٩٥٦٤.
علي بن محمد بن أبي سيف، عن أصحابه أنّ علياً عليه السلام لما أجاب محمد بن أبي بكر بهذا الجواب كان ينظر فيه ويتعلّمه ويقضي به، فلما ظهر عليه وقُتل، أخذ عمرو بن العاص كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويعجبه، فقال الوليد بن عقبة - وهو عند معاوية لما رأى إعجاب معاوية به - مر بهذه الأحاديث أن تحرق.
فقال له معاوية: مه، يا ابن أبي معيط إنّه لا رأي لك.
فقال له الوليد: إنّه لا رأي لكَ، أفمن الرأي أن يعلم الناس أنّ أحاديث أبي تراب عندك؟ تتعلّم منها وتقضي بقضاءه؟! فعلام تقاتله؟
فقال معاوية: ويحك أتأمرني أن أحرق علماً مثل هذا؟ والله ما سمعت بعلم أجمع منه ولا أحكم ولا أوضح.
فقال الوليد: إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله؟
فقال معاوية: لولا أنّ أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه، ثم سكت هنية، ثم نظر إلى جلسائه فقال: إنّا لا نقول: إن هذه من كتب علي بن أبي طالب، ولكنّا نقول: إنّ هذه من كتب أبي بكر الصدّيق كانت عند ابنه محمد فنحن نقضي بها ونفتي(١) .
فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أُمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي أظهر أنّها من أحاديث علي بن أبي طالب.
فلمّا بلغ علي بن أبي طالب عليه السلام أنّ ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد ذلك عليه(٢) .
قال أبو إسحاق(٣) : فحدثنا بكر بن بكر، عن قيس بن الربيع، عن ميسرة بن حبيب، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: صلّى بنا علي عليه السلام فلمّا انصرف قال:
____________________
(١) في شرح النهج وبحار الأنوار (ننظر فيها ونأخذ منه).
(٢) في شرح نهج البلاغة ٦: ٧٣ وبحار الأنوار (اشتد عليه حزن).
(٣) المراد به صاحب الغارات إبراهيم بن محمد الثقفي.
لقد عثرت عثرة لا اعتذر |
سوف أكيس بعدها وأستمر |
وأجمع الأمر الشتيت المنتشر
قلنا: [ ما بالك ] يا أمير المؤمنين؟ سمعنا منك كذا؟
قال:إنّي استعملت محمد بن أبي بكر على مصر فكتب إليّ أنّه لا علم له بالسنّة، فكتبت إليه كتاباً فيه السنّة، فقتل وأخذ الكتاب (١) .
وهذا النص يوضح مدى خوف الإمام علي بن أبي طالب من تحريف معاوية بن أبي سفيان للسنّة النبوية المطهّرة، حيث تراه عليه السلام يتأسّف ويشتد حزناً لما سمع بوقوع الكتاب بيد معاوية.
فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى (عليهما السلام)
كان عند السيّدة فاطمة كتابٌ أخذته عن أبيها، ذكره الفريقان.
فجاء في كتب أهل السنّة والجماعة كما نقل الخرائطيّ عن مجاهد قوله: دخل أُبيّ بن كعب على فاطمة ابنة محمّد فأخرجت إليه كربة فيها كتاب: (مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره)(٢) .
وقال القاسم بن الفضيل، قال لنا محمّد بن عليّ: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز: أن انسخ وصيّة فاطمة، فكان في وصيّتها الستر الذي يزعم النّاس أنّها أحدثته، وأنّ رسول الله دخل عليها فلمّا رآه رجع...(٣) .
وذكر ابن بابويه القمّيّ - من الشيعة - بسنده إلى الإمام الصادق أنّه قال:كنت انظر في كتاب فاطمة، فليس مَلِكٌ يملِكُ إلاّ وهو مكتوب باسمه واسم أبيه (٤) .
وفي الكافي: أنّ الصادق عليه السلام أجاب عن مسألة سُئل فيها اعتماداً على كتاب
____________________
(١) الغارات للثقفي ١: ٢٥١ - ٢٥٤.
(٢) مكارم الأخلاق، للخرائطيّ: ٤٣ رقم ٣١٧ طبعة القاهرة، مكتبة السلام.
(٣) مسند أحمد ٦: ٢٨٣، ح ٢٦٤٦٤، مكارم الأخلاق، للخرائطيّ: ٣٧.
(٤) انظر الكافي ١: ٢٤٢، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام، ح ٨.
فاطمة عليها السلام. وقد اشتهر كتاب فاطمة بالمصحف، وهذا هو الذي استغلّه المغرضون للتشنيع على أنصار مدرسة أهل البيت، مع العلم أنّ كلمة (مصحف) و(صحيفة) كانتا تطلقان منذ الصدر الأوّل الإسلاميّ على كلّ كتاب، ولا يختصّ بكتاب الله عزّ وجلّ حتّى يلزم تصحيح ما يقولونه.
قال الشيخ طاهر الجزائريّ: لمّا توفّي النبيّ بادر الصحابة إلى جمع ما كتب في عهده صلّى الله عليه وآله في موضع واحد وسمّوا ذلك المصحف(١) .
الإمام الحسن بن عليّ (المجتبى) (عليهما السلام)
كانت عند الإمام الحسن صحيفة أبيه الإمام عليّ بن أبي طالب، يحتفظ بها وينقل عنها علوم محمّد صلّى الله عليه وآله، قال عبد الرحمان بن أبي ليلى: سألت الحسن بن عليّ عن قول عليّ في الخيار، فدعا بربعة، فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول عليّ في الخيار(٢) ، فيمكن أنّ يرشدنا هذا النصّ إلى أمرين:
الأوّل: وجود خلاف بين الصحابة في الخيار ممّا دعا ابن أبي ليلى أن يسأله عن قول عليّ فيه.
الثاني: اشتهار أصالة فقه عليّ بين المسلمين ممّا دعا ابن أبي ليلى إلى أن يطلب قول الإمام عليّ من الإمام الحسن اعتقاداً منه بوجود كتاب عليّ عنده.
هذا، وإنّ الحسن بن عليّ أكّد أكثر من مرّة على أهمّيّة نشر العلم الأصيل وضرورة تحمّل أهل البيت وأولادهم لمسؤوليّة حفظ الشريعة عبر التدوين والتحديث.
فعن شرحبيل بن سعد، قال: دعا الحسن بن عليّ بنيه وبني أخيه، قال: يا بنيّ وبني أخي! إنّكم صغارُ قوم، يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلّموا العلم، فمن لم يستطع
____________________
(١) معرفة النسخ: ٣١ و ١٤٥، توجيه النظر: ٦، ومضمون هذا النصّ مجافٍ للحقيقة كما علمت، لكنّ الشاهد لنا فيه هو أنّ كلمة (المصحف) تطلق على غير القرآن.
(٢) العلل لأحمد بن حنبل ١: ٣٤٦.
منكم أن يرويه فليكتبه وليضعه في بيته(١) .
فالإمام أوصى أبناءه وأبناء أخيه بتحمّل العلم منذ الصبا لينتفعوا به ولينفعوا الآخرين؛ وذلك لصيرورة العلم على حافّة الضياع وخطر الهاوية.
وعن أبي عمرو بن العلاء، قال: سئل الحسن بن عليّ عن الرجل يكون له ثمانون سنة يكتب الحديث؟
قال:إنّه يحسن أن يعيش (٢) .
ولا أدري أنّه لو لم تكن حفظت لنا تلك المدوّنات إلى اليوم، فماذا كان مصير التشريع الإسلاميّ.
إنّنا نرى الاختلاف وضياع الأحكام مع وجود المدوّنات المتأخّرة زماناً، فكيف بنا لو لم يكن هناك تدوين أصلاً؟!
الإمام الحسين بن عليّ (الشهيد) (عليهما السلام)
من الثابت عند أئمّة أهل البيت وشيعتهم أنّ كتاب الإمام عليّ دخل في حيازة الإمام الحسين بعد وفاة أخيه الإمام الحسن، والإمام الحسين لمّا حضره الذي حضره - كما في بصائر الدرجات - دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين فدفع إليها كتاباً ملفوفاً...(٣) ، وفي آخر: أنَّ الكتب كانت عند عليّ عليه السلام فلمّا سار إلى العراق استودع الكتب أُمّ سلمة، فلمّا مضى عليّ كانت عند الحسن، فلمّا مضى الحسن كانت عند الحسين، فلمّا مضى الحسين كانت عند عليّ بن الحسين...(٤)
____________________
(١) التاريخ الكبير ٨: ٤٠٨، ت ٣٥٠١، سنن الدارمي ١: ١٤٠، ح ٥١١ والنص منه، تاريخ بغداد ٦: ٣٩٩، ت ٣٤٥٤، المدخل إلى السنن الكبرى: ٣٧١، ح ٦٣٢، تهذيب الكمال ٦: ٢٤٢، جامع بيان العلم وفضله ١: ٨٢.
(٢) شرف أصحاب الحديث: ٦٩ رقم ١٤٦.
(٣) بصائر الدرجات: ١٦٨، الباب ١٣، ح ٩، و ١٨٣، الجزء الرابع، ح ٣، الكافي ١: ٢٩٠، باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة واحداً فواحداً، ح ٣، مناقب ابن شهرآشوب ٣: ٣٠٨، فصل في المفردات.
(٤) بصائر الدرجات: ١٨٢، الجزء الرابع، ح ١، و ١٨٧، ح ٢٠ والنص منه.
وهذا الكتاب غير الكتاب الذي أمّنه رسول الله عند أُمّ سلمة وأوصاها أن تعطيه لخليفته من بعده، بشرط أن يطلبه منها، فظلّت محافظة عليه إلى أن بايع الناس عليّاً، فجاء عليّ إليها وسألها الكتاب فسلّمته إليه(١) .
وجاء عن عليّ بن الحسين أنّه قال:أتى محمّد بن الحنفيّة الحسين بن عليّ فقال: أعطني ميراثي من أبي، فقال له الحسين: ما ترك أُبوك إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطاياه - قال: فإنَّ الناس يزعمون فيأتون فيسألوني فلا أجد بدّاً من أن أُجيبهم - قال: فأعطني من علم أبي. قال: فدعا الحسين عليه السلام فذهب فجاء بصحيفة تكون أقلّ من شبر أو أكبر من أربع أصابع، قال: فملأت شجره ونحوه علما؟ (٢) .
فالكتاب المؤمَّن من قبل رسول الله عند أُمّ سلمة لم يكن نفس ما أملاه على عليّ بن أبي طالب، فإنّه كان في الأوّل ما يحتاج إليه الخليفة في حكومته، وكان ما في الثاني يدور في مدار التشريع وأخبار الأمم و...
ولأهمّيّة هذا الكتاب حرص الإمام الحسين - وهو في أشدّ الظروف قساوة - على أن يوصل هذا العلم إلى مَن يقوم بعده، ومن هنا تسفر الحقيقة عن أنّ أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة كانت من أوائل المسلمات اللواتي حافظن على التدوين وأدركن خطورة منعه، وهذه المرأة الصالحة كانت موضع تقدير أئمّة أهل البيت جميعاً، وقد أودعوا عندها النفيس من مدوّنات الشريعة المحمّدية.
نعم، إنّ الإمام الحسين كان من دعاة التدوين والتحديث، وممّا يؤيّد ذلك ما جاء في خطبته بمنى:أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي أُريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمن أمنتموه من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإنّي أتخوّف أن يندرس هذا
____________________
(١) مناقب ابن شهرآشوب ١: ٣١٧، بصائر الدرجات: ١٨٦، الجزء الرابع، ح ١٦ و ح ٢٣.
(٢) بصائر الدرجات: ١٧٩، باب قول أمير المؤمنين بأحكامه...، ح ٢٩.
الحق ويذهب (١) .
وجاء عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) عن المحرم يموت كيف يصنع به، فحدّثني أنّ عبد الرحمان بن الحسن بن عليّ مات بالأبواء مع الحسين بن عليّ وهو محرم، ومع الحسين عبد الله بن العبّاس، وعبد الله بن جعفر، فصنع به كما صنع بالميّت وغطّى وجهه ولم يمسّه طيباً، قال: وذلك في كتاب عليّ عليه السلام(٢) .
وقد جاء: أنّ لأخيه محمّد بن الحنفيّة - كذلك - مسنداً في الحديث(٣) ، وهذا يدلّل على أنّ أولاد الإمام عليّ كانوا من أصحاب المدوّنات وقد اهتمّوا بالكتابة حفاظاً على السنّة المطهّرة وزيادة لتوثيق ما ينقلونه عن النبيّ.
الإمام عليّ بن الحسين (السجّاد) (عليهما السلام)
أُثِر عن الإمام السجّاد عدّة رسائل أشهرها: رسالة الحقوق(٤) ، والصحيفة(٥) فقد قال أبو حمزة الثماليّ: قرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام عليّ بن الحسين وكتبت ما فيها، ثمّ أتيت عليّ بن الحسين فعرضت ما فيها عليه، فعرفه وصحّحه(٦) .
فمن المحتمل أن يكون ما قرأ فيها أبو حمزة هو جزء من الصحيفة الكاملة السجّاديّة؛ لأنّ الكلام في الصحيفة لا يقتصر على الزهد ففيه أُمور أُخرى.
وقد يكون جزء من كتاب علي بسنده عليه السلام؛ إذ إنّ كتاب علي بن أبي طالب كان عنده، فعن علي بن الحسين أنّه سُئل عن رجل أوصى بشيء من ماله، قال:الشيء في كتاب
____________________
(١) الاحتجاج ٢: ١٩ باب احتجاج الحسن عليه السلام على معاوية في الإمامة عن سليم بن قيس: ٣٢٠ باختلاف.
(٢) تهذيب الأحكام ٥: ٣٨٣، ح ١٣٣٧ كتاب الحجّ.
(٣) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ١: ٥٥٠ عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة.
(٤) طبعت هذه الرسالة مكرّراً وعليها شروح كثيرة.
(٥) هي الأخرى مطبوعة ولها شروح كثيرة.
(٦) انظر الكافي ٨: ١٤، باب صحيفة علي بن الحسين، ح ٢، الفهرست للطوسيّ: ٦٨ رقم ١٣٨.
علي عليه السلام واحد من ستة (١) .
وروى الكليني بسنده عن الصادق عليه السلام قال:كان علي بن الحسين إذا أخذ كتاب علي فنظر فيه قال: مَن يطيق هذا؟
قال: ثم يعمل به.(٢)
هذا، وقد روى محمّد الباقر وزيد بن عليّ والحسين الأصغر - أبناء الإمام السجّاد - رسالة عن أبيهم في أحكام الحجّ(٣) .
واشتهر عن ولديه: الإمام زيد والإمام الباقر اهتمامهما بأمر التدوين؛ إذ عدّ مقدّم كتاب مفاتيح كنوز السنّة الشيخ أحمد محمّد شاكر كتاب المجموع أو مسند الإمام زيد - على فرض صحّة الانتساب إليه - بأنّه (أقدم كتاب موجود من كتب الأئمّة المتقدّمين)(٤) .
وقال الأستاذ محمّد عجاج الخطيب مثله:... وعلى هذا يكون (المجموع) من أهمّ الوثائق التاريخيّة التي تثبت ابتداء التصنيف والتأليف في أوائل القرن الثاني الهجريّ، بعد أن استنتجنا هذا من خلال عرضنا لمصنّفات ومجاميع من غير أن نرى نموذجاً مادّيّاً يمثّل أُولى تلك المصنّفات، اللّهمّ إلاّ موطّأ مالك الذي انتهى من تأليفه قبل منتصف القرن الهجريّ الثاني، فيكون المجموع قد صنّف قبله بنحو ثلاثين سنة، ومن الواضح أنّ المجموع المطبوع جمع بين الفقه والحديث، فهو يضمّ المجموعين الفقهيّ والحديثيّ ولكنّهما ليسا منفصلين(٥) .
ونقل الأستاذ أسد حيدر عن كتاب (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة)، قوله:
____________________
(١) الكافي ٧: ٤٠، باب مَن أوصى بشيء من ماله، ح ١ و ٢، الفقيه ٤: ٢٠٤، باب الوصية بالشيء من المال، ح ٥٤٧٣، معاني الأخبار: ٢١٧، باب معنى الشيء من المال يوصى به الرجل، ح ١.
(٢) الكافي ٨: ١٦٣، ح ١٧٢.
(٣) طبعت هذه الرسالة بمطبعة الفرات، بغداد، بتقديم العلاّمة السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، منسوباً إلى الإمام زيد.
(٤) مفاتيح كنوز السنّة، مقدّمة الشيخ أحمد شاكر (غ).
(٥) السنّة قبل التدوين: ٣٧١.
(ولزيد بن عليّ مدوّنة فقهيّة اكتشفت بين المخطوطات القديمة في المكتبة الأمبروزيّة بميلانو، الخاصّة ببلاد العرب الجنوبيّة، وهذا المخطوط يعدّ أقدم مجموعة في الفقه الإسلاميّ. وعلى كلّ حال ينبغي أن يوضع هذا الكتاب موضع الاعتبار فيما يتعلّق بتاريخ التأليف في الفقه الإسلاميّ(١) .
وقد طبع هذا الكتاب باسم (مسند الإمام زيد بن عليّ).
إلاّ أنّك قد عرفت أنّ الحقّ هو وجود مدوّنات منذ عصر رسول الله، وهي أقدم من مجموع الإمام زيد، وأنّ النموذج المادّيّ للمدوّنات يرجع إلى القرن الأوّل الهجريّ ويتمثّل برسالة الحقوق والصحيفة السجّاديّة - التي دوّنها أبو حمزة الثماليّ وغيره - وهما دليلان مادّيّان حيّان ماثلان للعيان لحدّ هذا اليوم.
والجدير ذكره هنا أنّ مدوّنات الإمام السجّاد بثقلها الأكبر تنحو منحىً جديداً في ثقافة المسلمين المدَّونة، وقد فتحت مجالاً ما زال ضخماً في تراث المسلمين ألا وهو (الدعاء) و (الحقوق) فإنّ هذين المجالين هما من أهمّ وأعرق ما عهده المسلمون من ثقافة؛ وذلك معالجةً منه لما كان ضروريّاً جدّاً في عصره الشريف؛ لأنّ الأخلاق الإسلاميّة والحقوق المترتّبة للفرد وللمجتمع كادت تمسخ في العهد اليزيديّ وما بعده، فكان تدوين ما يعالج ذلك بمثابة تدوين لأمراض المرحلة وعلاجاتها، وتوثيق لتاريخ مرحلة مهمّة من المشرّعات الإسلاميّة ولعلم غضّ من العلوم الإسلاميّة.
وهذا يزيد في توثيق مدوّنات الإمام زيد بن عليّ - لو صحّ الانتساب إليه - والإمام محمّد بن عليّ الباقر، فإنّ فيهما الكثير ممّا أخذاه عن أبيهما عن آبائه.
وذكر ابن الصفوان أنّ لزيد كتاباً في (القلّة والجماعة) كان يستعمله في محاججة خصومه ويلجأ إليه(٢) .
قال ناجي حسن في مقدّمة تحقيقه لكتاب (الصفوة) للإمام زيد: تنسب إلى زيد
____________________
(١) انظر الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ١: ٥٥٠ عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة:٢٠٠.
(٢) التحف شرح الزلف، للسيّد مجد الدين المؤيديّ: ٣٠، ثورة زيد بن عليّ، لناجي حسن: ٣٥.
بضع عشرة رسالة في موضوعات مختلفة، كعلم الكلام، والتفسير، والفقه والأخبار(١) .
وقد عدّ المؤيديّ الحسنيّ في كتابه (التحف، شرح الزلف) أسماء كتب للإمام زيد(٢) لم نقف عليها عند الآخرين.
وقال الأستاذ عبد الحليم الجنديّ: ألّف عمرو بن أبي المقدام جامعاً في الفقه يرويه عن الإمام زين العابدين(٣) .
هذا وقد حقّق السيّد محمّد جواد الجلاليّ كتاب (غريب القرآن) للإمام زيد بن عليّ أخيراً، وطبع ضمن منشورات منظمة الإعلام الإسلامي في إيران.
فترى هذا التوافر والتواصل من أئمّة أهل البيت منصبّاً على التدوين والتحديث والكتابة؛ إذ ظهر لك أنّهم كانوا يدوّنون ويأمرون أبناءهم بالتدوين ويحثّون أصحابهم عليه، مع الأخذ بنظر الاعتبار عصر الإمام السجّاد بالخصوص، فإنّه من أحرج الأزمنة على علماء آل محمّد لكونه بعد واقعة الطفّ، فبروز مدوّنات قيّمة عن ذلك العصر الإسلاميّ بفضل مدرسة التدوين ما هو إلاّ معجزة من المعاجز في تاريخ الثقافة الإسلاميّة.
الإمام محمّد بن عليّ (الباقر) (عليهما السلام)
إنّ عصر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام يعدّ العصر الذهبيّ بالنسبة لنشر أحكام مدرسة التدوين؛ وذلك لما أعدّ الله تعالى في تلك البرهة من ظروف سياسيّة، شُغِلت بها الحكومات - من قيام دولة وسقوط أخرى وغيرها - ممّا فتح المجال لأصحاب مدرسة التدوين في أن يدوّنوا ويحدّثوا ويبرزوا ما عندهم من مدوّنات دون أيّ وجل.
وكان من الطبيعيّ أن يكون القسط الأوفر ومكان الصدارة لكتاب عليّ وباقي مدّونات أهل البيت، باعتبارها أهمّ وأقدم وأوثق المصادر المدوّنة في العلوم الإسلاميّة؛ لأنّها كتبت على عهد الرسول وبأمر منه، فممليها الرسول وكاتبها عليّ بن
____________________
(١) الصفوة (مقدّمة المحقّق): ٩.
(٢) انظر التحف: ٣٠.
(٣) الإمام جعفر الصادق، لعبد الحليم الجنديّ: ٢٠٢.
أبي طالب، وحافظها سبطا رسول الله الذين أذهب الله عنهم الرجس، وهذه الميزات لم تجتمع في مدوّنة قطّ بعد كتاب الله.
اعتماداً على هذا الأساس، وانطلاقاً ممّا ذكرنا؛ نستطيع تفهّم سرّ إكثار الإمامين الباقر والصادق من إبراز كتاب عليّ عليه السلام لأصحابهم ولأتباع مدرسة المنع وللسائلين عموماً، فقد كان يبرز هذا الكتاب - في الأعمّ الأغلب - عند احتدام النقاش في المسائل الخلافيّة، مع أننّا لا ننكر أنّ أئمة أهل البيت كانوا يشيرون إليه ويبرزونه في حالات عاديّة لتثبيت إيمان أصحابهم؛ لأنّهم حينما ينظرون بأُمّ أعينهم خطّ عليّ وإملاء النبيّ يزدادون إيماناً بنهجهم الفكريّ النابع من السنّة المطهّرة.
والنكتة الأهمّ هي أنّ عصر الإمامين كان عصر النشاط العلميّ وكثرة العلماء والمتصدّين للفتيا والنظر، فقد رُوي أنّه كان في وقت واحد أربعة آلاف راوٍ كلُُّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد، وذلك في زمن تأصيل المذاهب، فكان الإمام يرى ضرورة تفنيد الرأي الآخر وترجيح كفّة الميزان لصالح نهج (التعبّد المحض)؛ وذلك بإبراز المستمسك الكتبيّ المتبقّي من عهد الرسول والذي لا يختلف في وثاقته مسلمان؛ فلذلك أكثر الإمامان من إبراز (كتاب عليّ) إبطالاً لزعم الزاعمين وتثبيتاً لما يقولونه عن رسول الله بلا تغيير ولا تبديل ولا تأثّر بالسياسة وأدوارها.
فجاء عن الباقر فيما قاله لزرارة:يا زرارة! إيّاك وأصحاب القياس في الدين، فإنّهم تركوا علم ما وُكِّلُوا به وتكلّفوا ما قد كفوه، يتأوّلون الأخبار ويكذبون على الله، وكأنّي بالرجل منهم ينادى من بين يديه، فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه، فقد تاهوا وتحيّروا في الأرض والدين. (١)
وقد مرَّ عليك خبر عذافر الصيرفيّ، إذ قال فيه: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر، فجعل يسأله - وكان أبو جعفر له مكرماً - فاختلفا في شيء فقال أبو جعفر:يا بنيّ قمْ، فأخرجَ كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه وجعل ينظر حتىّ أخرج المسألة، فقال أبو
____________________
(١) أمالي المفيد: ٥٢.
جعفر:هذا خطّ عليّ وإملاء رسول الله، وأقبل على الحكم وقال:يا أبا محمّد اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل. (١)
فيلاحظ في هذه الرواية، أنّ الحكم كان من العلماء المتصدّين؛ ولذلك (كان أبو جعفر له مكرماً)، وكذلك صاحباه سلمة بن كهيل وأبو المقدام، ويعضد هذا ما كتبه عنهم الرجاليّون.
كما يلاحظ أنّ الإمام عليه السلام أخرج كتاب عليّ عليه السلام لإيضاح ما جاء به الرسول في مسألة اختلفوا فيها لقول الراوي: (فاختلفا في شيء).
وأمّا قوله (فأخرج كتابأ مدروجاً عظيما) فيؤكّد ما قلناه من أنّ كتاب عليّ عليه السلام كان كتاباً عظيماً وأنّه بمنزلة دائرة معارف للعلوم الإسلاميّة، وأنّ أهل البيت عليهم السلام كانوا يهتّمون به، ولذلك وضعوه في (الدُرْج) حفاظاً عليه وحرصاً على سلامته.
وفي نصّ آخر عن محمّد بن مسلم، قال: نشر أبو جعفر صحيفة، فأوّل ما تلقاني فيها: (ابن أخ وجدّ، المال بينهما نصفان)، فقلت: جُعلتُ فداك إنّ القضاة عندنا لا يقضون لابن الأخ مع الجدّ بشيء، فقال:إنّ هذا الكتاب بخطّ عليّ وإملاء رسول الله !(٢) .
فلما وقع بصرُ محمّد بن مسلم عليه لفت نظره، ولفته إلى أنّ القضاة الحكومييّن لا يقضون بذلك، فما هو سرّ ما في هذه الصحيفة؟ فلذلك أجابه الإمام بأنّ ما في تلك الصحيفة لم يكن من المدوّنات المتأخّرة زماناً، والتي لعب النسيان والغلط والتحريف فيها ما شاء أن يلعب، بل هي صحيفة من إملاء النبيّ وخطّ عليّ فهي سليمة قطعاً عن التحريف والغلط.
وفي نصّ آخر عن ابن عيينة البصريّ، قال: كنت شاهداً عند ابن أبي ليلى، وقضى في رجل جعل لبعض قرابته غلّة دار ولم يوقِّت لهم وقتاً، فمات الرجل، فحضر ورثته
____________________
(١) رجال النجاشيّ: ٣٦٠، الرقم ٩٦٦.
(٢) الكافي ٧: ١١٢، باب ابن الأخ والجد، ح ١.
ابن أبي ليلي وحضر قريبه الذي جعل له الدار، فقال ابن أبي ليلى: أرى أن أدعها على ما تركها صاحبها.
فقال له محمّد بن مسلم الثقفيّ: أما إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام قضى - في هذا المسجد - بخلاف ما قضيتَ، قال وما علمك؟
قال: سمعت أبا جعفر يقول:قضى عليّ بن أبي طالب عليه السلام بردّ الحبيس وإنفاذ المواريث.
فقال ابن أبي ليلي: هو عندك في كتاب؟
قال: نعم.
قال: فأرسل وائتني به.
فقال محمّد بن مسلم: على أن لا تنظر في الكتاب إلاّ في ذلك الحديث.
قال: لك ذاك.
قال: فأراه الحديث عن أبي جعفر في الكتاب فردّ قضيّتَه(١) .
ويتّضح في هذا النصّ أنّ ابن أبي ليلى كان رجلاً يحبّ الوقوف على كتاب عليّ، فإنّه علم أنّ قول محمّد بن مسلم بذاته ليس بحجّة، وكما أنّه فقيه فإنّ ابن أبي ليلي أيضاً فقيه!، ولكلٍّّ رأيه؛ فلذلك قال له: (ما علمك بذلك)؟
وبعد أن يجيبه محمّد بن مسلم بأنّ ذلك قول محمّد الباقر عليه السلام، لا يكتفي بذلك بل يطلب منه أن يرى ذلك في (كتاب)؛ وذلك لعلمه بأهمّيّة المدوّنات أوّلاً، ولأنّه كان قد سمع - قطعاً - بكتاب علي عليه السلام فأحبّ أن يتأكّد من ذلك الكتاب وأن يراه.
ونكتة أُخرى هي: أنّ محمّد بن مسلم يشترط على ابن أبي ليلى أن لا يرى إلاّ موضع النزاع؛ وذلك حرصاً من أصحاب أهل البيت على أن لا يقع الكتاب أو الكثير من مطالبه ومرويّاته في أيادي غير أمينة؛ فيخلطوا مطالبه باجتهاداتهم وآرائهم، ومن ثمّ ينسبون ما قالوه إلى كتاب عليّ وبذلك تضيع على الناس المرويّات الأصيلة منه.
____________________
(١) الكافي ٧: ٣٥، باب ما يجوز في الوقف والصدقة، ح ٢٧، مَن لا يحضره الفقيه ٤: ٢٤٥، ح ٥٥٨١.
والحقّ أنّ ابن أبي ليلى قد أذعن للحقّ وردّ قضيّته الأُولى، وقضى وفق ما في كتاب عليّ عليه السلام، وهذه المفردة، مفردة نابضة دالّة على أهمّيّة التدوين وفائدته، فلو كانت كلّ المروّيات والأحكام قد دوّنت بهذا الشكل لما بقي من الاختلاف إلاّ الجزء اليسير اليسير الذي يمكن إلحاقه بالعدم.
وفي بصائر الدرجات: عن عبد الملك قال: دعا أبو جعفر (الباقر) بكتاب علي فجاء به جعفر - مثل فخذ الرجل مطوي - فإذا فيه أنّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل إذا هو توفّي عنهن شيء، فقال أبو جعفر عليه السلام: هذا والله خَطّهُ عليّ بيده وأملاهُ رسول الله صلّى الله عليه وآله(١) .
وفي الكافي عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شهادة وَلَد الزنا تجوز؟ فقال:لا .
فقلت: إنّ الحكم بن عتيبة يزعم أنّها تجوز
فقال:اللّهمّ لا تغفر له ذنبه، ما قال الله للحكم؟ إنّه لذكر لك ولقومك؟ فليذهب الحكم يميناً و شمالاً فو الله لا يؤخذ العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل .(٢)
وروى محمّد بن مسلم عن الباقر قوله:أما إنّه ليس عند أحد من الناس حقّ ولا صواب إلاّ أخذوه منّا أهل البيت، ولا أحد من الناس يقضي بحقّ ولا عدل إلاّ ومفتاح ذلك القضاء وبابه وأوّله وسننه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فإذا اشتبهت عليهم الأُمور كان الخطأ من قبلهم إذا أخطأوا والصواب من قبل عليّ بن أبي طالب إذا أصابوا. (٣)
هذا وقد كانت عند محمّد الباقر عليه السلام كتب كثيرة أُخرى، أخذها عن آبائه وأجداده وعن خالصي الصحابة، كما أملى الكثير الكثير ممّا ورثه من العلم فكتبت
____________________
(١) بصائر الدرجات: ١٨٥، باب في الأئمّة عليهم السلام، وأنّه صارت إليهم كتب رسول الله وأمير المؤمنين، ح ١٤.
(٢) الكافي ١: ٤٠٠، باب أنّه ليس شيء من الحق في يد الناس، ح ٥، البصائر: ٢٩، باب ما أمر النّاس أن يطلبوا العلم، ح ٣.
(٣) أمالي المفيد: ٩٦، المجلس ١١، ح ٦.
عنه المدوّنات.
قال محمّد عجاج الخطيب: وكان عند محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين (٥٦ - ١١٤ هـ) كتب كثيرة سُمِعَ بعضها منه ابنه جعفر الصادق و قرأ بعضها(١) .
وقال عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب: كنت أختلف إلى جابر بن عبد الله، أنا وأبو جعفر معنا ألواح نكتب فيها(٢) .
وواضح أنّ جابراً كان موصى من النبيّ أن يوصل بعض الوصايا إلى الباقر عليه السلام.
وقد روى أبو الجارود العبديّ عن الإمام الباقر كتاباً في تفسير القرآن(٣) ، و عند عدّة من أصحابه كُتبٌ و نسخ أًخرى عنه عليه السلام(٤) وقد دوّن الكثير من أصحابه ما حدّث به وقاله.
الإمام جعفر بن محمّد (الصادق) (عليهما السلام)
وأمّا الإمام جعفر بن محمّد فإنّه قد أكّد على التدوين، وكان بين الفينة والأُخرى يظهر كتاب عليّ عليه السلام إلى أصحابه وللسائلين، خصوصاً إذا ما اختلف في مسألة من المسائل.
فعن أبي بصير المراديّ، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شيء من الفرائض، فقال لي: ألا أخرج لك كتاب عليّ؟
فقلت: كتابُ عليّ لم يدرس؟!
فقال: إنّ كتاب عليّ عليه السلام لا يدرس، فأخرجه فإذا كتاب جليل، وإذا فيه (رجل مات
____________________
(١) السنّة قبل التدوين: ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٢) تقييد العلم: ١٠٤. قال الصادق عليه السلام في رواية طويلة:إنّ الإمام الباقر كان يحدّثهم عن رسول الله، فقال: أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أكذب من هذا، يحدّث عمّن لم يره. فلما رأى الإمام الباقر ما يقولون حدثهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري فصدّقوه، وكان جابر والله يأتيه يتعلّم منه. (انظر رجال الكشي ١: ٢٢٢، والكافي ١: ٤٦٩ - ٤٧٠ باب مولد أبي جعفر، ح ٢). ويبدو أنّ الذين انتقدوا الإمام الباقر في تحديثه عن رسول الله كانوا لا يعرفون مدى أهمّيّة المدوّنات وكتاب علي وطرق علم الإمام.
(٣) الفهرست لابن النديم: ٣٦، تأسيس الشيعة: ٣٢٧، الإمام الصادق ١: ٥٥٢.
(٤) انظر رجال النجاشيّ: ١٥١ رقم ٣٩٦ و ٣٩٧ و ص ١٧٨ رقم ٤٦٨، وتأسيس الشيعة: ٢٨٥.
وترك عمَّهُ و خالَهُ، فقال: للعمّ الثلثان وللخال الثلث)(١) .
فأبو بصير و هو من المقرّبين لأئمّة آل البيت عليهم السلام، ومن الآخذين عنهم، يظّن أنّ كتاب عليّ قد درس نتيجة منع أبي بكر عن المدوّنات، أو لعلّ عمر أحرقه فيما أحرق من كتب الصحابة، أو لعلّ معاوية تتبّعه بعد مقتل الإمام عليّ فأتلفه، لكنّ الإمام يجيبه بضرس قاطع (إنّ كتاب عليّ لا يدرس)؛ وذلك تقريراً لحقيقة أنّ هذا الكتاب هو أغلى شيء عند أئمّة أهل البيت فيستحيل أن يدرس أو يتلف، بل هو محفوظ عندهم يتوارثونه ويحفظونه كابراً بعد كابر.
على أنّه لا يخفى أنّ الإمام هو الذي ابتدأ السائل بأن يريه كتاب عليّ، وهو ما يؤكّد حرصه على أن يقع (كتاب عليّ) موقعه اللازم في فقه المسلمين و نفوسهم، فلذلك كان يكثر من الاعتداد به وإظهاره.
ولكثرة اهتمام الإمام جعفر الصادق بالمدوّنات والكتب قيل عنه بأنّه صحفيّ، فاعتزّ بتلك النسبة وقال:نعم أنا صحفيّ، قرأت صحف آبائي إبراهيم و موسى (٢) .
وعن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال:دخل عليّ أُناس من أهل البصرة فسألوني عن أحاديث كتبوها، فما يمنعكم من الكتاب، أَما إنّكم لن تحفظوا حتّى تكتبوا (٣) .
ويؤكّد ما ذكرناه - من تأكيد الأئمّة على المواريث (الفرائض) والقضاء والشهادات - ما رواه محمّد بن مسلم، قال: سألته عن ميراث العلم ما بلغ؟ أجوامع هو من العلم أم فيه تفسير كلّ شيء من هذه الأُمور التي يتكلّم فيها الناس مثل الطلاق والفرائض؟ فقال:إنّ عليّاً عليه السلام كتب العلم كلّه، القضاء والفرائض... .(٤) .
____________________
(١) الكافي ٧: ١١٩، باب ميراث ذوي الأرحام، ح ١، التهذيب ٩: ٣٢٤ الباب ٣٠، ح ٢.
(٢) انظر علل الشرائع ١: ٨٩، الباب ٨١، ح ٥. لأنَّ المأثور عن أهل البيت عليهم السلام بأنّهم قد عرفوا علم الأنبياء وكانت عندهم صحفهم (انظر بصائر الدرجات).
(٣) جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٩٨، كتاب عاصم بن حميد الحنّاط: ٣٣.
(٤) بصائر الدرجات: ١٦٣، باب الأئمّة أنّ عندهم الصحيفة الجامعة، ح ٧.
فعدول الإمام عن الطلاق إلى القضاء بعد ذكر العلم كلّه، فيه إشارة إلى ما تقدّم من كثرة حصول التحريف والتبديل في هذين البابين، وهذه نكتة ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ لأنّك قد عرفت أنّ عمر بن الخطّاب كان يجهل الكثير من أحكام القضاء، وكان يجهل حكم الجدّة والكلالة و غيرهما، وكان يتّكل كثيراً على قضاء الآخرين كعليّ بن أبي طالب وغيره، وكان الأئمّة يؤكدّون على إخراج كتاب عليّ في القضاء والمواريث؛ لما أصاب المسلمين في هذين من تبدّل واختلاط.
وقد كان الإمام جعفر الصادق يعتزّ بوجود صحيفة عليّ والجفر(١) عنده، وأنّهما من مكنون علم النبّي! فعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ذُكِرَ له وقيعة ولد الحسن، وذكرنا الجفر، فقال:والله إنّ عندنا لجلدي ماعز وضأن، إملاء رسول الله! وخطّ عليّ، وأنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً، أملاها رسول الله! وخطّها عليّ عليه السلام بيده، وإنّ فيها لجميع ما يحتاج إليه حتّى أرش الخدش (٢) .
وبعد هذا نعلم أنّ الإمام جعفر الصادق كان رأس الهرم في البناء التدوينيّ عند أئمّة أهل البيت، وأنّه كان جلّ اعتماده على كتاب عليّ وباقيّ كتب آبائه عن رسول الله! وما ورثوه من صحف الأنبياء والمرسلين.
والعجيب في الأمر أنّ أتباع مدرسة المنع ظلّوا يعيبون على أصحاب المدوّنات حتّى عصور متأخّرة، ويعتبرون أنّ الأخذ عن الرجال هو العلم، أمّا النقل عن النصوص
____________________
(١) عنْوَنَ الملاّ كاتب الچلبي في كشف الظنون ١: ٥٩١ علم الجفر والجامعة... إلى أن قال: وهذا علم توارثه أهل البيت ومن ينتمي إليهم ويأخذ منهم من المشايخ الكاملين وكانوا يكتمونه عن غيرهم كل الكتمان، وقيل لا يقف في هذا الكتاب حقيقة إلا المهدي المنتظر خروجه في آخر الزمان، وورد هذا في كتب الأنبياء السالفة كما نقل عن عيسى عليه السلام نحن معاشر الأنبياء نأتيكم بالتنزيل وأما التأويل فسيأتيكم به البارقليط [أي علي] الذي سيأتيكم بعدي... - ثم قال - قال ابن طلحة: الجفر والجامعة كتابان جليلان أحدهما ذكره الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو يخطب بالكوفة على المنبر، والآخر أسره رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمره بتدوينه فكتبه علي رضي الله عنه حروفاً متفرقة على طريقة سفر آدم في جفر، يعني في رَق قد صبغ من جلد البعير فاشتهر بين الناس به؛ لأنّه وجد فيه ما جرى للأولين والآخرين. والناس مختلفون في وضعه وتكسيره فمنهم مَن كسره بالتكسير الصغير وهو جعفر الصادق وجعل في خافية الباب الكبير أ ب ت ث إلى آخرها والباب الصغير أبجد إلى قرشت و....
(٢) بصائر الدرجات: ١٧٤، باب في الأئمّة أنّهم أعطوا الجفر والجامعة، ح ١٠.
المكتوبة المدوّنة فهو العيب؛ إذ مرَّ عليك رمي أبي حنيفةَ للصادق بأنّه صحفي، لكنّ الصادق كان يقول لهم ولغيرهم:ما لهم ولكم؟! وما يريدون منكم وما يعيبونكم؟!... أما والله إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى أحد والناس يحتاجون إلينا، إنّ عندنا الكتاب بإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وخَطَّهُ عليّ عليه السلام بيده، صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها كلّ حلال وحرام (١) .
وقد اشتهرت كتب الصادق التي أخذها عن آبائه وأجداده، وكتبه التي أملاها على أصحابه عند الخاصّة والعامّة.
قال ابن عدّي: ولجعفر أحاديث ونسخ، وهو من ثقات الناس كما قال يحيى بن معين، وقال عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنّه من سلالة النبيّين(٢) .
ونقل محمّد عجاج الخطيب كلام صاحب التهذيب بقوله: كان عند جعفر الصادق بن محمّد الباقر (٨٠ - ١٤٨هـ) رسائل وأحاديث ونسخ، وكان من ثقات المحدثين(٣) .
والإمام جعفر بن محمّد أكبر عقليّة فقهيّة عرفها المسلمون آنذاك، أدرك بثاقب بصيرته الخطر المقبل الذي يحدق بالمسلمين فيما يتعلّق بأهمّيّة التدوين، فقال للمفضّل بن عمر الجعفيّ:
اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج، لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم (٤) .
وهذا هو عين التواصل والتوافر الذي قلناه عند علماء أهل البيت، فالإمام الحسن عليه السلام - كما تقدّم - كان يأمرهم بالكتابة فيما إذا منعوا من الرواية نتيجة للإرهاب الفكري الأمويّ، وكذلك جاء الإمام الصادق بنفس الفكرة الحاضّة على العناية بالمدوّنات؛ لأنّ الزمان كان زمان تلك المأساة التي تجدّدت أو أوشكت أن تتجددّ في
____________________
(١) بصائر الدرجات: ١٦٩، باب (١٣)، ح ١٤.
(٢) تهذيب التهذيب ٢: ٨٨، ت ١٥٦.
(٣) السنّة قبل التدوين: ٣٥٨.
(٤) الكافي ١: ٥٢، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب، ح ١١.
العصر العبّاسيّ، لكنهّا بشكل وإطار آخر، إذ إنّ منع التدوين في العصر العبّاسيّ كاد يكون مرتفعاً، إلاّ أنّ الإشكاليّة كانت في أنّ انفتاح الحكّام العبّاسييّن على الأُمم المجاورة من الفرس والأتراك وغيرهم، والترف الذي بدت بوادره في عصر المنصور ووصل أوجَه في زمن الرشيد، كان له أشدّ الأثر في صرف الناس عن العلم الإلهي، وانصرافهم إلى اللهو والمجون، أو إلى علوم فرعيّة أُخرى، بل أصبح الارتباط النفسيّ والعقائديّ أمراً متعسّراً، والحصول على العلم الحقيقيّ في مثل تلك الأمواج المتلاطمة أمراً يكاد يكون مستحيلاً.
فمن هنا أكدّ الإمام جعفر الصادق على ضرورة حفظ المدوّنات؛ لكي يأنسوا بنور تلك الكتب في ظلمات الاختلاف والسياسات.
وقد ورد النصّ عن الصادق بأنّه وأصحابه كانوا لا يضيّعون حتّى فرصةً واحدة يمكن استغلالها بالتدوين، فقد ورد أنّ الصادق عليه السلام قال لأحد أصحابه:إنّك لا تحفظ، فأين صاحبك الذي يكتب لك؟
فقلت: أظنّ شغله شاغل، وكرهت أن أتأخّر عن وقت حاجتي.
فقال الصادق لرجل في مجلسه:اكتب له (١) .
هذا، وقد دوّن أصحابه ما قاله في أُصول وكتب، وكان عليه السلام له رسائل كتبَها، بعضها ردود على الملحدين(٢) ، وبعضها أجوبة لأسئلة عبد الله النجاشيّ (والي الأهواز)(٣) ، وبعضها بيانات لبعض الأحكام الشرعيّة سمّيت بـ (الجعفريّات) أو (الأشعثيّات) نسبة إلى راويها ابن الأشعث(٤) .
وقال يحيى بن سعيد: أملى عَلَيَّ جعفر الحديث الطويل. يعني في الحجّ(٥) .
____________________
(١) دلائل الإمامة، للطبريّ: ٥٥٥.
(٢) انظر الذريعة ٢: ٤٨٤ وهو كتاب الإهليجة في التوحيد، وقد أوردها المجلسيّ في البحار ١: ١٥، ٣٢، ٥٥.
(٣) أوردها ابن زهرة الحلبيّ في أربعينه: ٤٦، ح ٦.
(٤) طبع هذا الكتاب عدّة مرات بطبعات مختلفة.
(٥) انظر تهذيب التهذيب ٢: ٨٨.
الإمام موسى بن جعفر (الكاظم) (عليهما السلام)
سار الإمام موسى بن جعفر على نهج آبائه وأجداده في التدوين وحفظه لمدوّناتهم، وبالخصوص كتاب عليّ عليه السلام، لكنّ التدوين في عصره الشريف يكاد يتّخذ شكلاً آخر، وهو شكل المكاتبات السرّيّة التي كان يكاتب بها أصحابه ويجيبهم عن مسائل دينيّة من وراء قضبان حديد هارون الرشيد العبّاسيّ، فقد مكث الإمام الكاظم في السجن سبع سنوات على ما في بعض الروايات وعلى بعضها خمسة عشر عاماً، وهذه المدّة الطويلة من الحبس تفرز بطبيعة الحال أُسلوب المكاتبة، فلذلك كان الإمام يكاتب أصحابه ويكاتبونه ولم يكتف بدخول بعض أصحابه إليه سرّاً وسؤالهم إيّاه عن مسائل دينهم برغم ما في الكتابة من خطورة احتمال عثور السلطات عليها. هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية: فقد كثر اللهو والفساد والترف المادّيّ والفكريّ في حكومة هارون الرشيد، ممّا أدّى بكثير من الصالحين والأتقياء إلى الانزواء، واتخّاذ أُسلوب التصوّف والانعزال وما يقرب من هذه المناحي العلميّة، التي سرعان ما انقلبت إلى مناحيَ فكريّة طرحت أفكاراً خطيرة في المسلمين؛ وذلك ما حدا بالإمام أن يركّز اهتمامه في هذا المجال ويظهر معنى الزهد الحقيقيّ والمسار الصحيح في النهج الإسلاميّ، فنرى بشر الحافي ينقلب من حالة الترف والفساد إلى حالة راقية من الزهد والتقوى بفضل تفهيم الإمام الكاظم.
كلّ هذه الأُمور - السجن، وتصحيحُ الانحرافات، ومعالجة المذاهب المستجدّة - جعلت الفقه الكاظميّ يذهب قليلاً خلف الأضواء التي تركّزت على هذه الجوانب التي ذكرناها.
ومع كلّ تلك التيّارات نجد ملامح التدوين واضحة عن الإمام الكاظم، إلاّ أنّها - والإنصاف يقال - أقلّ ممّا هي عليه عند الإمامين الباقر والصادق.
فقد نقل موسى بن إبراهيم أبو عمران المروزيّ البغداديّ ما أسنده الكاظم عن
آبائه عن أجداده عن النبيّ من مسائل، سمعها من الإمام الكاظم عليه السلام عندما كان في سجن هارون العبّاسيّ، وقد ذكر هذا المسند كلّ من الطوسيّ والنجاشي(١) .
وذكر هذا المسند أيضاً الچلبيّ في كشف الظنون، وقال: ورواه أبو نعيم الأصفهانيّ، وروى عنه هذا المسند موسى بن إبراهيم(٢) . وقد طبع هذا الكتاب عدّة طبعات.
هذا وأنّ كتاب علي كان موجوداً عند الإمام الكاظم وقد عرّفه الإمام الصادق للمفضل بن عمر بـ (صاحب كتاب علي) وقد روى النعماني في الغيبة عن عبد الواحد، عن أحمد بن محمد بن رباح، عن أحمد بن علي الحميري، عن الحسن بن أيوب، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن [ جماعة ] الصائغ، قال: سمعت المفضل بن عمر يسأل أبا عبد الله عليه السلام: هل يفرض الله طاعة عبد ثم [ يكتمه ] خبر السماء؟ فقال له أبو عبد الله:الله أجل وأكرم وأرأف بعباده وأرحم من أن يفرض طاعة عبد ثم [ يكتمه ]خبر السماء صباحاً ومساءً ، قال: ثم [ طلع ] أبو الحسن موسى عليه السلام فقال له أبو عبد الله عليه السلام:[ أيسرك ] أن تنظر إلى صاحب كتاب علي ، فقال له المفضل: وأي شيء يسرني إذاً أعظم من ذلك؟ فقال:هذا هو صاحب كتاب علي (٣) .
وفي النوادر لأحمد بن عيسى الأشعري: سمعت ابن أبي عمير، عن علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتعة؟ قال:وما أنت وذاك وقد أغناك الله عنها، قلت: إنّما أردت أن أعلمها، قال:[ هي ] في كتاب علي عليه السلام قد تزيدها وتزداد؟ فقال: وهل يطيّبه إلاّ ذاك(٤) .
وقد أخذ علي بن جعفر العلم عن أخيه موسى بن جعفر، ودوّنه في كتاب اسمه (مسائل عليّ بن جعفر) وقد طبع هذا الكتاب عدّة مرّات وطبع أخيراً في مؤسّسة آل
____________________
(١) انظر الفهرست للطوسيّ: ٢٤٤ الترجمة ٧٢٢، رجال النجّاشي: ٤٠٧ رقم ١٠٨٢.
(٢) كشف الظنون: ١٦٨٢.
(٣) الغيبة للنعماني: ٣٢٧، ح ٤ وفيه بدل (جماعة بن سعد الصائغ) حماد الصائغ وبدل (يكتمه) يكنه وبدل (طلع) اطلع وبدل (أيسرك) يسرك. وعنه في خاتمة المستدرك ١١٣: ٤.
(٤) النوادر لأحمد بن عيسى الأشعري: ٧٨، ح ١٩٩ وفي الكافي ٤٥٢: ٥، باب أنّه يجب أن يكف عنها [ زواج المتعة ] من كان مستغنياً، ح ١، نزيدها وتزداد بدل (قد تزيدها وتزداد).
البيت لإحياء التراث، قم، هذا مع أنّ هناك رسائل وكتب أُخرى رواها عنه أصحابه.
وقد عارض الإمام الكاظم الأٌصول المستجدّة - كالقياس والأخذ بالرأي - في مثل قوله لسماعة بن مهران(١) ولمحمّد بن حكيم، وإليك نصّ خبر ابن حكيم: قال: قلت لأبي الحسن موسى: جُعلت فداك فَقِهْنا في الدين وأغنانا الله بكم عن الناس حتّى أنّ الجماعة منّا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه إلاّ وتحضره المسألة ويحضر جوابها فيما مَنَّ الله علينا بكم فربّما ورد علينا الشيء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شيء، فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به.
فقال:هيهات، هيهات، في ذلك - والله - هلك من هلك يا بن حكيم... (٢) .
وفي رواية أُخرى أنًّ أبا يوسف سأل الإمام عن المحرم يظلل؟
قال:لا .
قال: فيستظل بالجدار والمحمل ويدخل البيت والخباء؟
قال:نعم .
قال: [ الراوي ]: فضحك أبو يوسف شبه المستهزئ.
فقال له أبو الحسن:يا أبا يوسف إنّ الدين ليس بالقياس كقياسك وقياس أصحابك، إنّ الله عزّ وجلّ أمر في كتابه بالطلاق وأكّد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلاّ عدلين، وأمر في كتابه بالتزويج، وأهمله بلا شهود، فأتيتم بشاهدين فيما أبطل الله، وأبطلتم الشاهدين فيما أكّد الله عزّ وجلّ وأجزتم طلاق المجنون والسكران. حجّ رسول الله فأحرم ولم يظلل، ودخل البيت والخباء واستظلّ بالمحمل والجدار ففعلنا كما فعل رسول الله. فسكت(٣) .
وقد كان (كتاب عليّ) محفوظاً أيضاً عند الإمام الكاظم، وقد عمل به وأراه
____________________
(١) اختصاص المفيد: ٢٨١، بصائر الدرجات: ٣٢١، الباب ١٥، ح ١، مستدرك وسائل الشيعة ١٧: ٢٥٩، ح ٢١٢٨٢.
(٢) المحاسن ١: ٢١٢، ح ٨٩، الكافي ١: ٥٦، ح ٩، الوسائل ٢٧: ٨٦، ح ٣٣٢٨٠.
(٣) الكافي ٤: ٣٥٣، باب الظلال للمحرم، ح ١٥.
لأصحابه وغيرهم، خصوصاً في المسائل الخلافية كما سلف.
فعن حماد بن عثمان، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل ترك أُمّه وأخاه، فقال:يا شيخ تريد على الكتاب؟
قال: قلت: نعم.
قال:كان عليّ عليه السلام يعطي المال الأقرب فالأقرب.
قال: قلت: فالأخ لا يرث شيئاً؟
قال عليه السلام:قد أخبرتك أنّ عليّاً عليه السلام كان يعطي المال الأقرب فالأقرب (١) .
إنّ جواب الإمام كان ببيان القاعدة دون التفصيل؛ لأنّ السامع كان قد فهم التفصيل والمراد، والإمام عليه السلام لم يصرّح بالحكم خوفاً من الحكّام وأتباعهم الذين يترصّدونه فيما ينقله عن آبائه وأجداده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله.
ويلاحظ أنّ الإمام وثّق جوابه بالمبادرة إلى عرض الكتاب على السائل، زيادة في تحقيق الاطمئنان عند السائل وأنّه عليه السلام لا يجيب كما يجيب الآخرون من عنديّاتهم.
و إذا استقرأنا تاريخ (كتاب عليّ) عند الأئمّة وجدناه يتدرّج قليلاً قليلاً حتّى يبرز بشكل ملحوظ في فقه الإمام الباقر عليه السلام والإمام جعفر الصادق، ثمّ ينحسر عند الإمام الكاظم، ثمّ يبدأ يتدرّج قليلاً قليلاً كما كان من بعد عصر الإمام الكاظم عليه السلام؛ وذلك لأنّ الفقه الصحيح والمروّيات النبويّة التي نقلها آل محمّد وأعلموا المسلمين كافّة بوجود كتاب عليّ عندهم وأنّهم ينقلون العلم منه وممّا ضارعه من الكتب، كانت هذه الأُمور قد تكاملت وشكّلت مدرسة واضحة المعالم في فترة هؤلاء الأئمة الثلاثة، فكان إبرازهم المكثّف بالشكل الذي ذكرناه لكتاب عليّ؛ إنّما هو لأجل الترسيخ والنشر للعلوم وقد حصل معظمه في عصر هؤلاء الأئمّة الثلاثة.
____________________
(١) الكافي ٧: ٩١ باب ميراث الأبوين، ح ٢، التهذيب ٩: ٢٧٠، ح ٩٨١.
بقي شيء
هو أنّ إبراز الأئمّة لكتاب عليّ كان يكثر بشكل ملحوظ في باب الإرث والقضاء والشهادات، فما هو سرّ هذا الاختصاص؟
إنّ تتّبع المسير يدلّنا على حقيقة خطيرة تؤكّد ما ذهبنا إليه - وأصّلناه في كتابنا هذا - من أنّ احتياج الخلفاء للزعامة الدينيّة، مع قصورهم في هذا المجال كان من العوامل الأساسية التي حدت بهم إلى منع التحديث والتدوين، مضافاً إلى أنّ المطّاطيّة الموجودة في الرأي والاجتهاد كانت تخدمهم كثيراً في الأوقات الحرجة، والذي يثبت هذه الحقيقة هو كثافة المنقولات عن كتاب عليّ في باب الإرث وباب القضاء والشهادات.
إذ إنّ أوّل اختلاف فقهيّ حصل بعد وفاة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، كان الاختلاف بين فاطمة الزهراء بنت رسول الله، وبين الخليفة أبي بكر، ذلك الاختلاف الذي أثار ضجّة كبيرة بقيت آثارها حتّى اليوم.
فحين كانت فدك بيد الزهراء وانتزعها أبو بكر من يد وكيلها، جاءت تطلبها منه وادّعت بمشهد من المسلمين أنّها نِحلة من رسول الله صلّى الله عليه وآله لها - على ما هو عليه الأمر في واقع الحال - فطلب أبو بكر منها أن تأتي بالشهود فجاءت بعليّ والحسن والحسين عليهما السلام وأُمّ أيمن أو أُمّ سلمة.
فاضطرّ أبو بكر في ذلك المجلس إلى ردّ شهاداتهم معلّلاً بعلل لم تكن مقبولة عند الزهراء لعدم مطابقتها مع كتاب الله ولا سنّة رسول الله، فكان هذا أوّل خلاف بين المسلمين في القضاء والشهادات. ثمّ لمّا ردّ أبو بكر الشهود وأبطل شهاداتهم، حاججته فاطمة الزهراء - تنزّلاً - بأنّ فدكاً إن لم تكن نحلةً لها فلتكُنْ إرثاً، واستدلّت عليه بعمومات آيات الإرث، فقالت له فيما قالت في خطبتها الشهيرة الرائعة:وأنتم الآن تزعمون أن لا إرثَ لنا ( أفحكم الجاهلية يبغون ومَن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) (١) ... يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرِثُ أبي، لقد
____________________
(١) المائدة: ٥٠.
جئت شيئاً فريّاً، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؛ إذ يقول: ( وورث سليمانُ داود ) (١) ،وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريّا إذ قال: ( فهب لي من لدنك وليّاً * يرثني ويرثُ من آل يعقوبَ ) ،وقال: ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) ،وقال: ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين ) ،وقال: ( إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتقين ) (٢) وزعمتم أن لا حظوة لي... (٣)
وهنا اضطرّ الخليفة إلى الادّعاء ولوحده أنّه سمع النبّي يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث درهماً ولا ديناراً)، وهذا ثاني اختلاف؛ لأنَّ الزهراء عارضتة بعمومات الإرث في القرآن وأنّ داود ورّث سليمان، و و و... وحسبنا في إثبات بطلان دعواه ما أعطاه هو بنفسه للزبير بن العوّام - صهره على ابنته أسماء أُمّ عبد الله بن الزبير - ومحمّد بن مسلمة وغيرهما من متروكات النبّي صلّى الله عليه وآله(٤) ، ومن هنا يمكننا استنتاج أنّ هذين البابين من الفقه قد مُنيا أكثر من غيرهما بالتبديل تارة، وبالجهل تارة أُخرى.
والذي يؤكّد هذه الحقيقة هو امتداد التغييرات في هذين البابين، فقضيّة قتل خالد بن الوليد لمالك بن النويرة وزناه بامرأته، كانت امتداداً لسياسة التجهيل وفتح باب الرأي في باب القضاء، حتّى أنّ أبا بكر اختلق قضيّة (تأوّل فأخطأ) للخروج من ذلك المأزق القضائيّ، مع أنّ خالداً لم يستطع إنكار الدخول بامرأة مالك لشهادة الجيش بذلك، وفيهم العدول الثقات.
وحصل مثل ذلك في زمن خلافة عمر بن الخطّاب، فقد اختصم عليّ والعبّاس عند عمر - وفي حديث آخر عند أبي بكر - في ميراث رسول الله، فحكم بدابّة
____________________
(١) النمل: ١٦.
(٢) البقرة: ١٨٠.
(٣) الاحتجاج ١: ١٣٨، باب احتجاج فاطمة عليها السلام لما منعوها فدك، وانظر شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٠٩ - ٢٥٣.
(٤) انظر ما نشرته مجلّة (الرسالة المصريّة) في عددها ٥١٨ من السنّة ١١ في ص ٤٥٧، وانظر النصّ والاجتهاد: ١٢٤.
رسول الله وسلاحه وخاتمه لعليّ، فاعتُرض عليه بأنّه كان قد أيّد من قبل مرويّة أبي بكر في عدم توريث الأنبياء، فما باله الآن يورِّث عليّاً والعبّاس من النبّي؟ فلذلك اضطرّ عمر إلى نهرهما وعدم التدّخل في حلّ تلك القضيّة، وهذا هروب من الخليفة في بابي الإرث والقضاء والشهادات حتّى عطّلت الحدود.
وقد حصلت في زمن حكومة عمر أيضاً مسألة زنا المغيرة بن شعبة وشهادة الشهود، ثمّ التواطؤ مع الشاهد الأخير لدرء الحدّ عن المغيرة، مع أنّ شهادة ثلاثة شهود على الزنا وإن لم يثبت بها الزنا إلاّ أنّه يثبت بها التعزير لخلوته بامرأة محصنة رأوه متبطّنها، وسمعوا نخيرهما، ورأوا في فخذيهما تشريم جدري، و و و...، لكنّ شيئاً من ذلك لم يلتزمه الخليفة، بل ضرب به عرض الحائط، وهذا أيضاً اجتهاد في باب القضاء والشهادات وتعطيل لإقامة الحدود.
ومثل ذلك كان في زمن خلافة عثمان بن عفّان، في قضيّة الوليد حين شرب الخمر وصلّى بالناس وهو سكران، وقد تمّ الشهود كُمُلاً، فأراد عثمان درء الحدّ عنه لو لا إصرار عليّ والمسلمين على إقامة ذلك الحدّ، ومَن يطالع أدلّة عثمان بن عفّان لتبرئته و تهديده الشهود يتيقّن ممّا قلنا، حتّى أنّ أُمّ المؤمنين عائشة قالت: (إنّ عثمان قد أبطل الحدود وأخاف الشهود)(١) .
وكذلك استمرّ التحريف في الإرث حتّى أعطى عثمان فدكاً والعوالي لمروان بن الحكم، مخالفاً بفعله ما ادّعته الزهراء - في أنّها نحلة أو إرث لها - وما قاله الخليفة أبو بكر في أنّها للمسلمين.
وهكذا استمرّت الحالة وتأزّمت حتّى وصل الأمر بيزيد أن يفعل ما يشاء من المحرّمات، ويشرب الخمر على رؤوس الأشهاد دون أن يقيم عليه معاوية الحدّ أو ينهاه عن التظاهر بالفسق والفجور على أقلّ تقدير.
هذا مع أنّ الأموييّن، ومعاوية بالخصوص، قاتل عليّاً بحجّة (الإرث) وأنّه وارث
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٣٤، تاريخ الطبري ٤: ٢٧٦.
عثمان بن عفّان، لمجرّد كونهما مشتركين في النسب الأعلى، مع أنّ ابن عثمان كان حيّاً وهو وليّ الدم دون معاوية، إلاّ أنّ معاوية حرّف حقائق الإرث وانطلت ادّعاءاته على مسلمي الشام، حتّى قاتلوا وقُتِلوا بناءً على هذا التحريف الشنيع في الإرث. وهذا التحريف كان له نظير في السقيفة حين أخذت قريش الخلافة من الأنصار بدعوى الأقربيّة، وتركوا عليّاً بحجّة أنّهم أيضاً عشيرة النبّي وهم أقوى على الإدارة منه، مع أنّهم شيوخ وعليّ أصغر منهم سنّاً!!!
وجاء العبّاسيّون فجاءت الطامّة الكبرى في الإرث والقضاء والشهادات؛ لأنّ المنازعين للعبّاسيّين - وهُم العلويّون - أقرب للنبّي نسباً من العباسيّين، وذلك ما يبطل دعواهم بأنّهم أحقّ بالخلافة وإرث النبيّ من غيرهم؛ فلذلك جدّوا في تحريف قوانين الإرث، وبدّلوا مفاهيم ونصوص كتاب الله والسنّة النبويّة المباركة، حتّى أنّ العبّاسيّين دفعوا مروان بن أبي حفصة لأن يقول:
أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ |
لبني البنات وراثة الأعمامِ |
فأجابه شاعر الشيعة تَلقّياً من أئمّته عليهم السلام - وفي بعض المصادر أنّ الإمام الرضا عليه السلام هو الذي أجاب هذا التحريف الإرثيّ - بقوله:
لِمَ لا يكون و إنّ ذاك لكائن |
لبني البنات وراثة الأعمامِ |
|
للبنت نصف كامل من إرثه |
والعمّ متروك بغير سهامِ |
|
ما للطليق وللتراث؟ وإنّما |
سجد الطليق مخافة الصمصامِ(١) |
كما ورد أيضاً أنّ هارون الرشيد دخل إلى قبر رسول الله صلّى الله عليه وآله بالمدينة، فقال: السلام عليك يا ابن العمّ، فقال الإمام موسى الكاظم: السلام عليك يا أبه، فاغتاظ هارون الرشيد من ذلك(٢) .
وفي مجلس آخر سأل الرشيد الإمام الكاظم: بمَ تدّعون أنّكم أولاد رسول الله
____________________
(١) عيون أخبار الرضا ١: ١٨٩، الباب ٤٣، ح ٢، كما روي الشعر بعبارات مشابهة كما في الاحتجاج ٢: ١٦٧، الصراط المستقيم ١: ٦٧ وقد نسبه ابن جبر في نهج الإيمان: ٣٨٦ لابن أبي العوجاء.
(٢) انظر روضة الواعظين: ٢١٦، الفصول المختارة: ٣٦.
وورثته دوننا وكلّنا أبناء عمّ؟
فقال الإمام الكاظم للرشيد:أرأيت لو أنّ رسول الله خطب إليك ابنتك أكنت تزوّجه؟
فقال الرشيد: إي والله! وأفتخر بذلك على العرب والعجم.
فقال الإمام الكاظم عليه السلام:ولكنّه لو خطب ابنتي لا يسعني أن أزوّجه لأنّه أبي ، فأُفحم هارون الرشيد(١) . ومثله قضيّة يحيى بن عبد الله بن الحسن مع الرشيد(٢) ، وكان ذلك من الأسباب التي دعت الرشيد للإيقاع بالإمام موسى الكاظم عليه السلام ويحيى وغيرهما من آل البيت عليهم السلام.
فلاحظ هذا التواصل في التحريف في الإرث والقضاء والشهادات، حتّى أنّ الرشيد أرسل إلى أبي يوسف القاضي في أمرٍ أهمّه، وذلك هو أنّ الأمين كان قد شرب الخمر فرآه هارون الرشيد وبعض مَن في قصره، فوقع الرشيد في مأزق ومحذور أخلاقيّ أمام المسلمين، فإن تركَ هذا الحدّ شاع ذلك وفسَدَ ادّعاؤه إمرة المؤمنين، وفي الجانب الآخر فإنّه لا يريد إقامة الحدّ على وليّ عهده والمرشّح لإمرة المؤمنين من بعده؛ فلذلك استعان بأبي يوسف القاضي فأخرج له مخارج ضعيفة تُضحِك ذات الثكل، فسجد هارون الرشيد شكراً، وأعطى لأبي يوسف مالاً جزيلاً(٣) .
وهل بعد هذا التحريف في باب القضاء والشهادات من التحريف؟! من هنا ومن هذا الاستعراض السريع فهمنا سرّ تأكيد الأئمّة على هذين البابين، مع أنّ طبيعة الحكّام المتأخّرين كانت تدعوهم إلى بعض التصرّفات كسلب أموال الناس، ولا يمكن ذلك إلاّ بالتلاعب بالمواريث وقوانين الأموال، وكذلك شرب الخمور ومجالس اللهو والغناء والطرب كان يعوزها أحكام تنصّ على ما يُوجِدُ المبرّر لهم في عدم إقامة الحدود بإبطال الشهود وتغيير القضاء، والفقه الصحيح يفنّد كلّ تلك
____________________
(١) انظر عيون أخبار الرضا ٢: ٨٠، الاحتجاج ٢: ١٦٤، الوسائل ٢٠: ٣٦٣، ح ٢٥٨٣٧.
(٢) مقاتل الطالبيّين: ٣١٠ - ٣١٣.
(٣) انظر القصّة في نشوار المحاضرة ١: ٢٥٢.
المزاعم والمدَّعيات، كما يفنّد المزاعم القائلة بأنّ خليفة الله في الأرض يغفر الله له كلّ ما يفعله وأنّه غير محاسب!!
الإمام عليّ بن موسى (الرضا) (عليهما السلام)
كانت كتب أهل البيت عليهم السلام محفوظة عندهم إماماً عن إمام. وأهمّ تلك الكتب كتاب عليّ عليه السلام كما عرفت، والجفر والجامعة، وقد وصل هذا الكتاب إلى الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام.
أمّا عن الجفر فقد روى الكشي في رجاله عن نصر بن قابوس: أنّه كان في دار الإمام الكاظم، فأراه ابنه الإمام الرضا وهو ينظر في الجفر فقال:هذا ابني علي والذي ينظر فيه الجفر (١) .
وعن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الحسن عليه السلام، وعن أبيه، عن ابن فضال قال: عرضت كتاب علي على أبي الحسن عليه السلام، فقال: هو صحيح، قضى أمير المؤمنين في دية جراحة الأعضاء(٢) .
وعن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الحسن عليه السلام، وعنه عن أبيه، عن ابن فضال قال: عرضت الكتاب على أبي الحسن(٣) .
وعن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن فضال ومحمد بن عيسى، عن يونس جميعاً قالا: عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال:هو صحيح (٤) .
بلى، قد بدأ في زمن الرضا وما بعده عصر جديد، وهو عصر التصنيف والتأصيل والتوثيق للمدوّنات التي يُدّعى أو يفترض أنّها نقلت مطالب كتاب عليّ وأحكام الدين التي نقلها أهل البيت عليهم السلام، فكان أصحاب الأئمّة يجمعونها ويعرضونها على
____________________
(١) رجال الكشي: ٣٨٢.
(٢) تهذيب الأحكام ١٠: ٢٩٢، ح ١١٣٥.
(٣) الكافي ٧: ٣٢٧، ح ٧.
(٤) الكافي ٧: ٣٣٠، ح ١. و ٧: ٣٢٧ ح ٩ وعنه في وسائل الشيعة ٢٧: ٨٥.
الأئمّة عليهم السلام لتوثيق المنقولات.
وقد كان ابتداء هذا المسير بشكل ملحوظ في عهد الرضا عليه السلام، فعن ابن فضّال، ومحمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمان، قالا: عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين عليه السلام على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فقال: هو صحيح.
وعن عبد الله الجعفيّ، قال:
دخلت على الرضا عليه السلام ومعي صحيفة أو قرطاس فيه (عن جعفر: أنّ الدنيا مثّلت لصاحب هذا الأمر في مثل فلقة الجوزة) فقال: يا حمزة ذا والله حقّ فانقلوها إلى أديم(١) . فهنا يُرى أنّ المرويّ عن جعفر الصادق عليه السلام جيء به ليستوثق من صحّته عن طريق الإمام الرضا، إمّا بأن يعرضه عليه السلام على ما في كتاب عليّ المحفوظ عنده كما يظهر في الحديث الأوّل. أو يكون أعمّ من ذلك، بأن يرى مطابقته مع ما أخذه عن آبائه، ومهما كان الأمر فإنّ المقصود والهدف هو توثيق المرويات عن الأئمّة الثلاثة الباقر والصادق والكاظم، والتي تنتهي بطبيعة مسلك أهل البيت إلى عليّ عليه السلام ثمّ إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وعن حمزة بن عبد الله الجعفريّ، عن أبي الحسن، قال: كتبت في ظهر قرطاس (أنّ الدنيا متمثّلة للإمام كفلقة الجوزة (فدفعته إلى أبي الحسن [ الرضا ]، وقلت: جعلت فداك؛ إنّ أصحابنا رووا حديثاً ما أنكرته، غير أ نّي أحببت أن أسمعه منك، قال: فنظر فيه ثمّ طواه، حتّى ظننت أنّه قد شَقَّ عليه، ثمّ قال: هو حقّ فحوّله في أديم(٢) .
وقد اهتم الإمام الرضا كثيراً بأمر التدوين حتّى كان يقدِّم الدواة لمن يريد أن يدوّن خدمة للعلم والدين، فعن عليّ بن أسباط، قال: سمعت أبا الحسن الرضاعليه السلام يقول:كان في الكنز الذي قال الله ( وكان تحتَهُ كنزٌ لهما ) (٣) ...
فقلت: جُعلت فداك أُريد أن أكتبه، قال: فضرب والله يده إلى الدواة ليضعها بين
____________________
(١) الكافي ٧: ٣٣٠، كتاب الديات، ح ١، الاستبصار ٤: ٢٩٩، الباب ١٧٩ في دية الجنين، ح ٣.
(٢) بصائر الدرجات: ٤٢٨، الباب ١٤، ح ٤.
(٣) الكهف: ٨٢.
يدي، فتناولت يده فقبلتها وأخذت الدواة فكتبته(١) .
هذا مع أنّ الرضا كان يُؤكّد أنّ ما يقوله إنّما هو الحقّ الموروث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنّ التراث الصحيح عنده عليه السلام، قال يعقوب بن جعفر: كنت مع أبي الحسن [ الرضا ] بمكّة فقال له رجل: إنّك لتفسّر من كتاب الله ما لم نسمع به!!
فقال أبو الحسن عليه السلام:علينا نزل قبل الناس، ولنا فُسِّر قبل أنْ يُفسّر في الناس، فنحن نعرف حلاله وحرامه... فهذا علم ما قد أنهيته إليك وأدّيته إليك ما لزمني، فإن قبلت فاشكر، و إن تركتَ فإنّ الله على كلّ شيء شهيد (٢) .
وعن عبد السلام بن صالح الهرويّ قال: سمعت الرضا يقول:رحم الله عبداً أحيا أمرنا.
فقلت له: وكيف يُحيي أمركم؟
قال:يتعلَّم علومنا ويعلِّمها الناس، فإنّ الناس لو علِموا محاسن كلامنا لا تَّبعونا (٣) .
وعن ابن أبي نصر، قال، قلت للرضا: جُعلت فداك إنّ بعض أصحابنا يقولون: نسمع الأثر يُحكى عنك وعن آبائك فنقيس عليه ونعمل به؟
فقال: سبحان الله؛ لا والله ما هذا من دين جعفر عليه السلام، هؤلاء قوم لا حاجة بهم إلينا، قد خرجوا من طاعتنا وصاروا في موضعنا، فأين التقليد الذي كانوا يقلّدون جعفراً وأبا جعفر؟! قال جعفر: لا تعملوا على القياس فليس من شيء يعدله القياس إلاّ والقياس يكسره(٤) .
وللإمام كلامٌ عن الذين وقعوا في الشبهة والْتبس عليهم أمر الدين يقول فيه:إنّ هؤلاء القوم سنح لهم الشيطان، اغترّهم بالشبهة، ولبّسَ عليهم أمرَ دينهم، وأرادو الهدى من تلقاء أنفسهم، فقالوا: لِمَ، ومتى، وكيف، فأتاهم الهلك من مأمن احتياطهم،
____________________
(١) الكافي ٢: ٥٩، باب فضل اليقين، ح ٩.
(٢) بصائر الدرجات: ٢١٨، الباب ٨، ح ٤.
(٣) معاني الأخبار: ١٨٠ باب معنى قول الصادق مَن تعلّم علماً ليماري به السفهاء، ح ١، عيون أخبار الرضا ٢: ٢٧٥، الباب ٦٣، ح ٦٩.
(٤) قرب الإسناد: ٣٥٦ - ٣٥٧ ح ١٢٧٥.
وذلك بما كسبت أيديهم ( وما ربّك بظلام للعبيد ) ولم يكن ذلك لهم ولا عليهم، بل كان الفرض عليهم، والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر وردّ ما جهلوه من ذلك إلى عالمه ومستنبطه؛ لأنّ الله تعالى يقول في كتابه: ( ولو ردّوه إلى الله و إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) يعني آل محمّد عليهم السلام، وهم الذين يستنبطونه من القرآن ويعرفون الحلال والحرام، وهم الحجّة لله على خلقه (١) .
وللإمام صحيفة رواها عن آبائه تسمّى بـ (صحيفة الرضا) وقد طُبعت عدّة مرّات.
وله أيضاً الرسالة الذهبيّة التي كتبها للمأمون العبّاسيّ، فأمر المأمون بكتابتها بماء الذهب؛ ولذلك سمّيت بالذهبيّة - وقيل في سبب التسمية شيء آخر - وقد طبعت هذه الرسالة عدّة طبعات.
كلّ هذا، غير ما أملاه عليه السلام على أصحابه وعلى فقهاء ومتفقهي المسلمين آنذاك، إذ كانت للإمام مجالس تدريس وإملاء.
روى عليّ بن عليّ الخزاعيّ - أخو الشاعر دعبل بن عليّ الخزاعيّ - قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام بطوس، إملاءً في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر(٢) .
وهذا صريح بوجود مجالس كان يملي بها الإمام الرضا العلوم الإسلامية على علماء وحفّاظ المسلمين، وأنّه كان يهتّم بالتدوين والمدوّنات.
الإمام محمّد بن عليّ (الجواد) (عليهما السلام)
واصل الإمام الجواد مسيرة التدوين وحفظ المدوّنات والسعي الحثيث لضبطها وإبقائها، وقد عقد الخلفاء مجالس مناظرة لإفحامه، أو التقليل من شأنه العلميّ باعتبار صغر سنّة، فلم يفلحوا في شيء من ذلك، بل صار العكس حين انبهر به وبعلمه الفقهاء
____________________
(١) وسائل الشيعة ٢٧: ١٧١ ح ٣٣٥١٩ عن تفسير العيّاشيّ ١: ٢٦٠، ح ٢٠٦، وانظر جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٣٢.
(٢) أمالي الطوسيّ ١: ٣٥٩، ٣٦١، وانظر رجال النجاشيّ: ٢٧٧ رقم ٧٢٧.
وعامّة المسلمين، وقد اشتهر عنه عليه السلام اهتمامه بالمسائل العقائديّة بجنب اهتمامه بالفقه والتدوين؛ نظراً للظروف التي كان يعيشها ولم تقتصر جهود الإمام العلميّة على إدارته لمجالس المناظرة والمطارحة، بل راح يواصل مسيرة التوثيق التي ذكرناها، فكان على كامل الاطّلاع بما في كتاب عليّ عليه السلام، وما نقل عنه الباقر والصادق عليهما السلام.
فعن محمّد بن الحسن بن أبي خالد، قال: قلت لأبي جعفر الثاني: جعلت فداك إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله، وكانت التقيّة شديدة فكتموا كتبهم فلم تُروَ عنهم، فلّما ماتوا صارت الكتب إلينا؟
فقال عليه السلام:حدّثوا بها فإنّها حقّ (١) .
فهنا يتجلّى الاضطهاد الفكريّ وبالأخص اضطهاد التدوين من قبل خلفاء بني أُمية وبني العبّاس إلى درجة يصل الأمر معها إلى أنّ واحداً من المقرّبين من الإمام الجواد يشّك، أو يريد أن يتيقّن من صحّة تلك المروّيات التي لم يعدها من قبل نتيجة للاضطهاد الفكريّ والعقائديّ.
وهنا يتجلّى دور الإمام في كونه ميزاناً لمعرفة الصحيح من غيره والحقّ من الباطل من المدوّنات والمروّيات، ويغلب على الظنّ أنّ الإمام كان قد رآها مطابقة لما في كتاب عليّ وكتب آبائه؛ فلذلك قال للسائل(حدّثوا بها فإنّها حقّ) ، فالسائل واحد، والإمام يجيب بلفظ الجمع (حدّثوا)، ممّا يفيد أنّ البليّة كانت عامّة لجميع أصحابه، وأنّ الكثير من المروّيات والمدوّنات ما زالت دون توثيق عندهم نتيجة للكبت والقهر والإرهاب.
فالإمام كان يعرف مدوّنات آبائه - رسماً ومحتوىً - فيبكي ويضع الخطّ على عينيه، ويقسم أنّه خطّ أبيه دَفعاً لاحتمال كونه كتاباً آخر زُوِّر على الإمام الرضا عليه السلام.
قال إبراهيم بن أبي محمود: دخلت على أبي جعفر ومعي كُتُبٌ إليه من أبيه، فجعل
____________________
(١) الكافي ١: ٥٣، باب النوادر، ح ١٥.
يقرأها و يضع كتاباً كبيراً على عينيه ويقول:خطّ أبي والله . ويبكي حتّى سالت دموعه(١) .
وقد روى الأربلي في كشف الغمة عن الجواد عليه السلام عن علي عليه السلام قال: في كتاب علي بن أبي طالب عليه السلام إن ابن آدم أشبه شيء بالمعيار، إما راجح بعلم - وقال مرة: بعقل - أو ناقص بجهل(٢) .
ثمّ إنّ الإمام كان يؤكّد على أهمّيّة التدوين، وأنّه أَوْقَعُ في النفوس من مجرّد النقل، بل أوثق في نفس المنقول له، خصوصاً وأنّ في القارئين للمدوّنات مَن يعرف خطّ الإمام عليه السلام.
فعن عبد العزيز بن المهتدي أنّه سأل الإمام الجواد عن يونس بن عبد الرحمان؟ فكتب إليه بخطّه(أُحبّه وأترحّم عليه وإن كان يخالف أهل بلدك) (٣) .
ولقد وردت رسائل وكتب عن الإمام إلى أصحابه، فعن أحمد بن محمّد بن عيسى قال: بعث إليَّ أبو جعفر غلامه معه كتابه، فأمرني أن أصير إليه... إلى أن يقول: قال: احمل كتابي إليه ومُرْهُ أن يبعث إليّ بالمال، فحملت كتابه إلى زكريّا بن آدم فوجّه إليه بالمال(٤) .
وعن الحسن بن شمعون قال: قرأت هذه الرسالة على عليّ بن مهزيار، عن أبي جعفر الثاني بخطّه:بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ! أحسن الله جزاك (٥) ... وللإمام عليه السلام كتاب آخر لعلّي بن مهزيار كتبه إليه ببغداد(٦) ، وكتاب آخر كتبه إليه بالمدينة(٧) .
____________________
(١) رجال الكشّيّ: ٤٧٥.
(٢) كشف الغمة ٢: ٣٤٦.
(٣) رجال الكشّيّ: ٤١٣. والظاهر أنّ المقصود بالبلد البصرة كما في شرح أصول الكافي للمازندراني ٧: ٦. وذلك أنّ أهل البصرة كانوا آنذاك من العثمانية أتباع الرأي والاجتهاد. وأعداء التعبّد والتدوين.
(٤) الاختصاص: ٨٧، رجال الكشّيّ: ٤٩٧.
(٥) الغَيبة للشيخ: ٣٤٩.
(٦) رجال الكشّيّ: ٤٦٠ - ٤٦١.
(٧) رجال الكشّيّ: ٤٦٠ - ٤٦١.
وعنه، قال: كتبت إليه أنّ لك معي شيئاً فمُرني بأمرك فيه إلى من أدفعه؟ فكتب إليَّ: قبضتُ...(١) .
وعن محمّد بن أحمد بن حماد المروزيّ، قال: كتب أبو جعفر إلى أبي...(٢) .
وعن عبد الجبار النهاوندي - في خبر طويل - منه: فخرج إليَّ مع كتبي كتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمّد بن عليّ الهاشميّ العلويّ لعبد الله بن المبارك...(٣) .
وقد جمع الشيخ عزيز الله العطارديّ أحاديث الإمام الجواد، وطبعت تحت اسم (مسند الإمام الجواد).
الإمام عليّ بن محمّد (الهاديّ) (عليهما السلام)
كان كتاب عليّ عليه السلام عند هذا الإمام الهمام، ينقل عنه آثار رسول الله وسنّته المباركة للمسلمين، كما كان ذلك دأب أسلافه الأئمّة الصالحين الأبرار، وقد بلغ من عناية هذا الإمام بتبليغ الأحكام والمروّيات التي في كتاب عليّ عليه السلام أنّه حرص على نقل بعض ما في الكتاب وهو في مرض الموت، من علّته التي سُمّ فيها عليه السلام.
فعن أبي دعامة قال: أتيت عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى عائداً في علّته التي كانت وفاته منها في هذه السنة، فلمّا هممت بالانصراف، قال لي:يا أبا دعامة! قد وجب حقّك أفلا أُحدِّثك بحديث تُسَرُّ به؟
قال: فقلت له: ما أحوجني إلى ذلك يا بن رسول الله.
قال:حدّثني أبي محمّد بن عليّ، قال حدّثني أبي عليّ بن موسى، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي جعفر بن محمّد، قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب، قال: حدّثني رسول الله!: اكتب يا عليّ.
____________________
(١) رجال الكشّيّ: ٤٢٧.
(٢) رجال الكشّيّ ٤٦٨.
(٣) رجال الكشّيّ: ٤٧٦.
قال: قلت: وما أكتب؟
قال لي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، الإيمان ما وقرته القلوب وصدّقته الأعمال، والإسلام ما جرى به اللسان وحلّت به المناكحة) .
قال أبو دعامة: فقلت: يا بن رسول الله! ما أدري والله أيّها أحسن، الحديث أم الإسناد!!
فقال عليه السلام:إنّها صحيفة بخطّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام بإملاء رسول الله! نتوارثها صاغراً عن كابر (١) .
وفي هذه الرواية ما يوحي بأنّ كلّ أو أغلب ما يرويه أئمّة أهل البيت عليهم السلام هو من كتاب عليّ عليه السلام و إن لم يصرّحوا بذلك مفردةً مفردةً، بل صرّحوا بذلك بوجه العموم، وقد خفي هذا على بعض الجهّال فاتّهموا الصادق عليه السلام من قبل بأنّه (صحفيّ) ولم يدروا أنّها صحف متلَقّاة عن رسول الله بخطّ علّي.
وقد واصل الإمام عليّ الهاديّ عمليّة التوثيق للمروّيات والمدوّنات عن آبائه وأجداده؛ لكي تصل الأحاديث خالصة ناصعة إلى الأجيال القادمة.
قال محمّد بن عيسى: أقرأني داود بن فرقد الفارسيّ كتابه إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام وجوابه بخطّ يده، فقال: نسألك عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك، وأحاديث قد اختلفوا علينا فيها، كيف العمل بها على اختلافها؛ والردّ إليك وقد اختلفوا فيه؟ فكتب إليه وقرأته(ما علمتم أنّه قولنا فالزموه وما لم تعلموا أنّه قولنا فردّوه إلينا) (٢) .
فالإمام هنا يوجب على أصحابه إرجاع المروّيات، أو المختلف فيها والمشكوك في صحّة نسبتها من المدوّنات والمروّيات إلى أئمّة أهل البيت؛ ليوثّقوا الصحيح ويتركوا المفترى منها على الأئمّة عليهم السلام، أو التي أصابها الغلط والاشتباه أو...
____________________
(١) مروج الذهب ٤: ٨٥ - ٨٦.
(٢) مختصر بصائر الدرجات: ٧٥، وانظر بصائر الدرجات: ٥٤٤، ح ٢٦.
وقد روى بعض أصحاب الإمام الهادي عليه السلام عنه تفسيراً باسم (الأمالي في تفسير القرآن) وهو مطبوع متداول، وإن شكّك بعض الأعلام في نسبة هذا الكتاب إليه.
وذكر السيّد الأمين للإمام الهاديّ كتاباً في (أحكام الدين) ورسالة في الردّ على أهل الجبر والتفويض(١) .
وروى كلٌّ واحدٍ من أبي طاهر(٢) ، وعيسى بن أحمد بن عيسى(٣) ، وعليّ بن الريّان(٤) ، نسخة عن الإمام علي الهادي عليه السلام.
وقد جمع الشيخ عزيز الله العطارديّ أحاديث الإمام عليّ الهاديّ في كتاب وطُبع باسم (مسند الإمام الهاديّ).
الإمام الحسن بن عليّ (العسكريّ) (عليهما السلام)
انصبّت جهود الإمام العسكري عليه السلام في مصبَّين رئيسيين:
أوّلهما: أهمّيّة تبليغ خاصّة أصحابه بما يتعلّق بولده محمّد المهديّ، وأنّه القائم بعده بأمر الإمامة والتبليغ.
والمصبّ الثاني: هو التدوين والتوثيق للمدوّنات، من خلال عرضها على كتاب عليّ عليه السلام أو ما أخذه عن آبائه وأجداده عليهم السلام. والذي يهمّنا هنا هو ثاني المصبّين لمساسه بالموضوع المبحوث عنه.
فعن سعد بن عبد الله الأشعريّ، قال: عرض أحمد بن عبد الله بن خانبه كتاباً على مولانا أبي محمّد الحسن بن عليّ بن محمّد صاحب العسكر عليه السلام فقرأه، وقال: صحيح فاعملوا به(٥) .
____________________
(١) أعيان الشيعة ١: ٣٨٠ وانظر الذريعة ٥: ٨٠، المورد ٣١٢.
(٢) رجال النجاشيّ: ٤٦٠ رقم ١٢٥٦.
(٣) رجال النجاشيّ: ٢٩٧ رقم ٨٠٦.
(٤) رجال النجاشيّ: ٢٧٨ رقم ٧٣١.
(٥) فلاح السائل: ١٨٣. قال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة ١: ٩: روي أنّه عرض على
=
وقد أصبح هذا الكتاب الذي قرّر صحّة ما فيه الإمام العسكريّ مصدراً للراغبين في العلم الصحيح، والمروّيات الموثّقة، فصاروا يقابلون على ذلك الكتاب ما عندهم من مدوّنات.
فعن الحسن بن محمّد بن الوجناء أبي محمّد النصيبيّ، قال: كتبنا إلى أبي محمّد عليه السلام نسأله أن يكتب أو يُخْرِج إلينا كتاباً نعمل به؛ فأخرج إلينا كتاب عملٍ، قال الصفوانيّ: نسخته. فقابل به كتاب ابن خانبه زيادة حروف أو نقصان حروف يسيرة. وذكر النجاشي: أن كتاب عبيد الله بن علي الحلبي عرض على الصادق عليه السلام فصحّحه واستحسنه(١) .
فالإمام العسكريّ أخرج إليهم كتاب عمل، يبدو أنّ فيه أُمّهات المسائل ومهمّاتها، وهذا ما يعني كثرة اهتمامه عليه السلام بالتدوين، إذ مع وجوده عليه السلام بينهم، قدّر أهمّيّة التدوين وشموليّته وعموم فائدته، فأخرج لهم كتاب عمل. ويظهر اهتمام أصحاب الإمام بالتدوين وتوثيق المدوّنات من خلال استنساخ الصفوانيّ لذلك الكتاب، ومن ثمّ مقابلته بكتاب ابن خانبه الذي قوبل من قبل ووثّق من قبل الإمام، وبذلك تصبح عمليّة التوثيق مهمّة جدّاً عند أهل البيت عليهم السلام علّموها أصحابهم وأتباعهم لحفظ المدوّنات.
وعن الملقب بتوراء: أنّ الفضل بن شاذان كان وجهه إلى العراق إلى حيث به أبو محمد الحسن بن علي العسكري فذكر أنه دخل على أبي محمد [ العسكري ] فلما أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في رداء له، فتناوله أبو محمد عليه السلام ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل، فترجم عليه، وذكر أنّه قال: اغبط أهل خراسان لمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم(٢) .
وسئل الإمام العسكريّ عن كتب بني فضّال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء؟ فقال عليه السلام:خذوا بما رووا وذروا ما رأوا (٣) .
فأولاد فضّال كانوا قد دوّنوا أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السلام، لكنّهم انحرفوا من بعد انحرافاً عقائديّاً في الإمامة، فكان ذلك مبعث شكّ في مرويّاتهم السالفة التي رووها عن الأئمّة وقد ملأت بيوت مَن استنسخوها، وهذا يدّل على احتفاظ أتباع أهل البيت بالمدوّنات والاستفادة منها، وحرصهم على التحقُّق من صحّتها، فكان جواب الإمام
____________________
= الصادق كتاب عبيد الله بن علي الحلبي فاستحسنه وصححه، وعلى العسكري كتاب يونس بن عبد الرحمان وكتاب الفضل بن شاذان فاثني عليهما.
(١) رجال النجاشيّ: ٢٤٤. وسائل الشيعة ٢٧: ١٠٢.
(٢) رجال الكشي ٢: ٨٢٠/ ١٠٢٧ وعنه في وسائل الشيعة ٢٧: ١٠١.
(٣) الغَيبة، للطوسيّ: ٣٩٠، ح ٣٥٥.
متلّخص بصحّة مرويّاتهم، فيؤخذ بها، ويترك ما ارتأوه من أُمور مخالفة للمنهج الصحيح الذي يسير عليه أهل البيتعليهم السلام.
وعن داود بن القاسم الجعفريّ، قال: عرضت على أبي محمّد - صاحب العسكر - كتاب يوم وليلة، ليونس، فقال لي: تصنيف مَن هذا؟
فقلت: تصنيف يونس مولى آل يقطين.
فقال: أعطاه الله بكلّ حرف نوراً يوم القيامة(١) .
هذا وقد ورد عن الإمام العسكريّ تفسيراً للقرآن الكريم، طبع مراراً باسم (تفسير الإمام العسكري).
وعن ابن معاذ الجويميّ نسخة منسوبة للإمام(٢) ، ولأبي طاهر الزراريّ جدّ أبي غالب ومحمّد بن الريّان بن الصلت، ومحمّد بن عيسى القمّيّ مسائل حكوها عنه عليه السلام(٣) .
وكتب إليه أصحابه يسألونه عن مسائل في الأحكام والعقائد، فأجابهم عليها، منها ما كتب إليه محمّد بن الحسن الصفّار(٤) ، وعبد الله بن جعفر(٥) ، وإبراهيم بن مهزيار(٦) ، وعليّ بن محمّد(٧) الحصينيّ، ومحمّد بن الريّان(٨) ، والريّان بن الصلت(٩) ، وعليّ بن بلال(١٠) ، وحمزة بن محمّد(١١) ، ومحمّد بن عبد الجبار(١٢) .
____________________
(١) رجال النجاشيّ: ٤٤٧ رقم ١٢٠٨، وسائل الشيعة ٢٧: ١٠٢، ح ٣٣٣٢٤.
(٢) رجال النجاشي: ٣٠٤، الرقم ٨٣١، الذريعة ٢٤: ١٥٢ رقم ٧٧٧.
(٣) انظر رجال النجاشيّ: ٣٤٧ رقم ٩٣٧، و ٣٧٠ رقم ١٠٠٩، و ٣٧١ رقم ١٠١٠، ٢٨٠ رقم ٧٤٠.
(٤) انظر الفقية ٣: ٤٩٩ و ٥٠٨، التهذيب ٧: ١٥٠.
(٥) الكافي ٦: ٣٥، الفقيه ٣: ٤٨٨، مكارم الأخلاق: ٢٦٣، والكافي ٥: ٤٤٧، والفقيه ٣: ٤٧٦.
(٦) الكافي ٤: ٣١٠، الفقيه ٢: ٤٤٤.
(٧) الكافي ٤: ٣١٠، الفقيه ٢: ٤٤٥.
(٨) الكافي ١: ٤٠٩.
(٩) التهذيب ٤: ١٣٩.
(١٠) الفقيه ٤: ١٧٩.
(١١) الكافي ٤: ١٨١.
(١٢) الكافي ٣: ٣٩٩، الاستبصار ١: ٣٨٥، التهذيب ٢: ٢٠٧.
الإمام محمّد بن الحسن (عليهما السلام)(المهديّ)
إنّ الإمام المهديّ ورث علوم آبائه وأجداده كما ورث كتاب عليّ وغيره من الكتب التي كانت عندهم، وقد صرّح أئمّة أهل البيت بأنّ ما في كتاب عليّ أو مصحف فاطمة أو غيرهما من مدوّنات عصر الرسالة يكون عند محمّد المهديّ، وأنّه عند حكمه لا يحكم بالقران وبما في تلك الصحف.
فعن حمران بن أعين، عن أبي جعفر، قال: أشار إلى بيت كبير، وقال:يا حمران! إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ عليّ و إملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولو ولّينا الناس لحكمنا بينهم بما أنزل الله، لم نَعْدُ ما في هذه الصحيفة (١) .
وقد صرّح الأئمّة ببقاء كتاب عليّ وصحيفة عليّ عندهم وأنّها لا تبلى، بل يتوارثونها واحداً بعد واحد.
إذ مرَّ عليك خبر أبي بصير، قال: أخرج إليّ أبو جعفر صحيفة فيها الحلال والحرام والفرائض، قلت: ما هذه؟ قال:هذه إملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وخطّ عليّ بيده ، قال: فقلت فما تبلى؟ قال:فما يبليها؟! قلت: وما تدرس؟ قال:وما يدرسها؟! (٢) .
وعن الحسن بن وجناء النصيبيّ، قال في حديث طويل في رؤيته الحجّة، محمّد بن الحسن في سامرّاء: ثمّ دفعَ إليَّ دفتراً فيه دعاء الفرج وصلاة عليه، فقال:بهذا فادعُ، وهكذا صلِّ عَلَيَّ، ولا تعطه إلاّ محقّي أوليائي... (٣) .
وفي حديث آخر أنّ الإمام طلب من أحد أصحابه وأصحاب أبيه أن يريه خاتماً كان قد أعطاهُ الإمام العسكريّ إياه، قال: فأخرجته إليه، فلمّا نظر إليه استعبر وقبّله، ثمّ قرأ كتابته، فكانت (يا الله يا محمّد يا عليّ) ، ثمّ قال:بأبي يداً طالما جُلْتَ فيها (٤) .
____________________
(١) بصائر الدرجات: ١٦٣، باب ١٢، ح ٥. وغيره الكثير ممّا في معناه.
(٢) بصائر الدرجات: ١٦٤، باب ١٢، ح ٩.
(٣) كمال الدين: ٤٤٣ - ٤٤٤، الباب ٤٣، ح ١٧.
(٤) كمال الدين: ٤٤٥ الباب ٤٣، ح ١٩، يعني بأبي فديت يدَ أبي محمد العسكري التي طالمَا جُلْتَ أيّها الخاتم فيها.
على أنّ الإمام المهديّ بسبب بقائه مستتراً لمدّة تقارب ٧٠ عاماً لم يستطع نشر الأحكام والتدوين بشكل علنيّ، إلاّ أنّه كان يكاتب أصحابه ويكاتبونه ويسألونه عن أُمهات المسائل فيخرج الجواب بتوقيعه؛ لكي لا يختلط أو يزوّر بكتاب غيره؛ ولذلك سمّيت هذه الأجوبة بالتوقيعات، وقد جمعها عدّة من الأعلام قديماً وحديثاً، فقد جمعها من القدماء أبو العبّاس الحميريّ المتوفّى سنّة ٢٩٩ هـ، وهو من أصحاب الإمام المهديّ، كما صدر أخيراً كتاب جمع غالب مدوّنات الإمام المهديّ التي وصلتنا من خلال توقيعاته ومكاتباته، جمعها الشيخ محمّد الغرويّ، وطبعت باسم (المختار من كلمات الإمام المهديّ).
وبهذا عرفت أنّ التواصل التدوينيّ عند أئمّة أهل البيت ابتدأ بكتابة عليّ بن أبي طالب وتدوينه، واستمرّ جيلاً بعد جيل حتّى الإمام محمّد المهديّ، ومن ثمّ جمع المدوّنات أصحاب الأئمّة وعلماؤهم.
وقد عرفت إصرارهم وتأكيدهم - خصوصاً بعد إمامة الإمام الكاظم - على مسألة التوثيق للمدوّنات، وإن كانت عمليّة التوثيق عمليّة أصيلة قديمة، طالما أكّد عليها الأئمّة ومارسوها، ووثّقوا ما عرضه أصحابهم عليهم، لكنّ الثقل الأكبر للتوثيق والذي كان ملحوظاً بنسبة عالية، كان في عصر الإمام الرضا ومَن بعده من الأئمّة.
وقبل ختام هذا المقطع من البحث، يجدر بنا أن ننبّه على سبب مهمّ في تأخّر المدوّنات والتدوين عند أتباع مدرسة الاجتهاد والرأي؛ ذلك السبب هو: أنّ بعض المحيطين بالنبي صلّى الله عليه وآله كانوا يتعاملون معه! كتعاملهم مع سائر البشر بلا فارق بتاتاً؛ ولذلك كانوا ينادونه من وراء الحجرات، وكانوا يثقلون عليه بإطالة الجلوس عنده، وكانوا يعتقدون أنّه يخطئ ويصيب، وقد يتكلّم في الغضب ما لا يتكلّمه في حالة الرضا و و و...
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله! أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله
بشر يتكلّم في الرضا والغضب؟!
قال: فأمسكتُ، فذكرت ذلك لرسول الله! فقال:اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ. وأشار بيده إلى فمه(١) .
فإنّ ما نصّت عليه هذه الرواية هو أنّ (قريش) كانت هي الناهية عن التدوين، بحجّة أنّ النبيّ قد يقول غير الصواب عند الغضب والعياذ بالله.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت يا رسول الله! أكتب كلّ ما أسمع منك؟
قال:نعم .
قلت: في الرضا والغضب؟ قال:نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كلّه إلاّ الحقّ (٢) .
ونفس هذه الفكرة كانت رائجة وشائعة وظلّت سارية المفعول حتّى في عصر الأئمّة، فكان البعض يتصوّر أنّ الإمام قد ينقل أو يقول في الغضب ما يخالف ما ينقله في حالة الرضا، وكأنّهم كانوا يظنّون أنّ الأئمّة كسائر الفقهاء وأصحاب الفتيا والاجتهاد الذين تتبدّل آراؤهم وفق الظروف واختلاف اطّلاعهم على الأدلّة.
لكنّ أئمّة أهل البيت كانوا يجيبون ويقولون كما أجاب رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ وذلك ما لم يجرؤ أحد من أئمّة المسلمين ادّعاؤه، دون أئمّة أهل البيت الذين كانوا على ثقة عالية جدّاً - واصلة إلى مرحلة اليقين - بصحّة مرويّاتهم وأحكامهم، فكانوا يأمرون أصحابهم بالتدوين؛ لأنّهم لا يقولون إلاّ الحقّ.
فعن حمزة بن عبد المطلّب، عن عبد الله الجعفيّ، قال دخلت على الرضا عليه السلام ومعه صحيفة أو قرطاس فيه عن جعفر(أنّ الدنيا مثّلت لصاحب هذا الأمر في مثل فلقة الجوزة) فقال:يا حمزة! ذا والله حقّ فانقلوه إلى أديم (٣) .
____________________
(١) مسند أحمد ٢: ١٦٢، ح ٦٥١٠، سنن الدارمي ١: ١٣٦، ح ٤٨٤، سنن أبي داود ٣: ٣١٨، ح ٣٦٤٦، المستدرك على الصحيحين ١: ١٨٧، ح ٣٥٩، والنص منه.
(٢) عوالي اللئالي ١: ٦٨، ح ١٢٠.
(٣) بصائر الدرجات: ٤٢٨، باب في قدرة الأئمّة، ح ٢، الاختصاص للمفيد: ٢١٧، ومثله نقل عن حمزة بن
=
ويعضد هذا الذي قلناه ورود الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيت، ومفادها جميعاً أنّهم لا يقولون إلاّ الحقّ، ولا يفتون برأي ولا اجتهاد.
فعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال:لو أنّا حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ مَن كان قبلنا، ولكنّا حدّثنا ببيّنة من ربّنا بيّنها لنبّيه فبيَّنَها لنا (١) .
وعن داود بن أبي يزيد الأحول، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول:إنّا لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّها آثار من رسول الله!، أصلُ علمٍ نتوارثه كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضّتهم (٢) .
وعن قتيبة قال: سأل رجلٌ أبا عبد الله عن مسألة، فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيتَ إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟
فقال عليه السلام:مَهْ! ما أجبتُكَ فيه من شي فهو عن رسول الله! لسنا من (أرأيت) في شيء (٣) .
وهذا التواصل في التدوين والثقة المطلقة بأنّ المنقولات هي عين ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وآله، لا نجدُه عند أيّ مدرسة إسلاميّة غير مدرسة أهل البيت، التي هي أساس التدوين وأساس بناء مدرسة التعبّد المحض. وبعد هذا، للمنصف أن يختار ما شاء من مرويّات بعد اتّضاح الحال.
وبعد هذا يحقّ لي أن أنقل كلام الدكتور مصطفى الأعظميّ عن الشيعة، بقوله: (... أمّا الشيعة والموجود منهم حاليّاً في العالم الإسلاميّ أكثرهم من الاثني عشريّة، وهم يذهبون إلى الأخذ بالسنّة النبويّة، لكنَّ الاختلاف بيننا وبينهم في طريق إثبات السنّة لا نفسها)(٤) .
____________________
=
عبد الله الجعفري عن أبي الحسن عليه السلام انظر بصائر الدرجات: ٤٢٨، ح ٤.
(١) بصائر الدرجات: ٣١٩، باب في الأئمة عندهم أصول العلم، ح ٢.
(٢) بصائر الدرجات: ٢٩٩، ح ٣.
(٣) الكافي ١: ٥٨، ح ٢١ باب البدع والرأي والمقاييس.
(٤) دراسات في الحديث النبويّ: ٢٥.
مع الأُصول الأربعمائة
اعتاد شيعة آل البيت - وكما قلنا - كتابة أقوال أئمّتهم في كتب، حتّى عُدُّوا بعملهم هذا من أوائل المدوّنين في الفقه الإسلاميّ، قال الأستاذ مصطفى عبد الرزاق عند ذكره مَن دوَّن الفقه:... وعلى كلّ حال فإنّ ذلك لا يخلو من دلالة على أنّ النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة؛ لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمّتهم، أو ما يشبه العصمة كان حريّاً أن يسوقهم إلى الحثّ على تدوين أقضيتهم، وفتاواهم(١) .
والأمر كما قاله الأستاذ وخصوصاً على عهد الإمامين الباقر والصادق، أي بعد انتهاء الحكم الأمويّ وابتداء الحكم العبّاسيّ الذي روّج أو ادّعى سياسة الانفتاح في أوّليّات سنينه، وبتعبير آخر: في فترة الشيخوخة الأمويّة والطفولة العبّاسيّة.
فالإمامان قد استفادوا من هذه الفرصة خصوصاً لمّا رأوا إقبال قبائل بني أسد، ومخارق، وطيّ، وسليم، وغطفان، وغفار، والأزد، وخزاعة، وخثعم، ومخزوم، وبني ضبّة، وبني الحارث، وبني عبد المطّلب عليهم و إرسال فلذّات أكبادها إليهم للتعليم(٢) .
وقد عدّ المزّيّ في ترجمة الإمام الصادق من تهذيب الكمال: سفيان بن عيينة ومالك بن أنس وسفيان الثوري والنعمان بن ثابت - أبا حنيفة - وسليمان بن بلال، وشعبة بن الحجّاج وعبد الله بن ميمون القداح، وعبد الملك بن عبد العزيز بن
____________________
(١) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ٣: ٤٩٧ عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّ: ٢٥٢.
(٢) انظر جعفر بن محمّد، سيّد الأهل.
جريج، وآخرين(١) ممّن أخذوا عن الصادق.
ونقل عن أبي العبّاس بن عقدة بسنده إلى الحسن بن زياد قوله: سمعت أبا حنيفة وقد سئل عن أفقه مَن رأيت؟ فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور الحيرة، بعث إلَيَّ فقال: يا أبا حنيفة! إنّ الناس قد فتنوا بجعفر فهيّئ له من مسائلك الصعاب قال: فهيّأت له أربعين مسألة...، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بَصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخل لأبي جعفر فسلّمت، وأذِن لي...(٢) الخبر.
وقال الشيخ محمّد أبو زهرة في مقدّمة كتابه الإمام الصادق - الذي ألّفه بعد كتب سبعة أُلّفت عن أئمّة المسلمين، وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وابن حنبل، وابن تيميّة، وابن حزم، وزيد - قال: أمّا بعد، فإنّنا قد اعتزمنا بعون الله وتوفيقه أن نكتب في الإمام الصادق، وقد كتبنا عن سبعة من الأئمّة الكرام، وما أخّرنا الكتابة عنه [ أي الإمام الصادق ] لأنّه دُونَ أحدهم، بل إنّ له فضل السبق على أكثرهم، وله على الأكابر منهم فضلٌ خاصّ، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه ويراه أعلم الناس باختلاف الناس(٣) ، وأوسع الفقهاء إحاطة، وكان الإمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً، ومَن كان له فضل الأستاذيّة على أبي حنيفة ومالك فحسب ذلك فضلاً، ولا يمكن أن يؤخّر عن نقص، ولا يقدّم غيره عليه عن فضل، وهو فوق هذا حفيد زين العابدين الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره، فضلاً وشرفاً وديناً وعلماً، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهريّ وكثيرون من التابعين، وهو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه، فهو ممّن جمع الله تعالى له الشرف الذاتيّ، والشرف الإضافيّ بكريم النسب، والقرابة
____________________
(١) انظر تهذيب الكمال ٥: ٧٥.
(٢) تهذيب الكمال ٥: ٧٩ ولتفصيل هذا الخبر راجع (وضوء النبيّ: ٣٤٩ - ٣٥٢).
(٣) وللشيخ أبي زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلاميّة: ٦٩٣ تعليقة على مطارحة أبي حنيفة مع الصادق فراجع.
الهاشميّة، والعزّة المحمّديّة...(١) .
وفي حلية الأولياء: لقد أخذ عن الصادق جماعة من التابعين، منهم يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأيّوب السختيانيّ، وأبو عمرو بن العلاء، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وشعبة بن الحجّاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة وغيرهم(٢) .
وقد علمت ممّا تقدّم أنّ هذا العِلم الضخم والأحاديث المتلقّاة من أئمّة أهل البيت قد دوّنت من قِبل أصحابهم في صحف، وكان سهم الإمامين الصادق والباقر هو الأكبر، وقد أُطلق على هذه المجاميع تارة اسم (نسخة) وأُخرى (كتاب) وثالثاً (أصل) ورابعاً (رسالة) وغيرها.
روى السيّد رضي الدين عليّ بن طاووس في مهج الدعوات، بإسناده عن أبي الوضّاح محمّد بن عبد الله بن زيد النهشليّ، عن أبيه أنّه قال: كان جماعة من أصحاب أبي الحسن (الكاظم) من أهل بيعته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن بكلمة أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك(٣) .
وقال الشيخ البهائيّ في مشرق الشمسين: قد بلغنا عن مشايخنا (قدس سرّهم) أنّه كان من دأب أصحاب الأصول أنّهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمّة حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم؛ لئلاّ يعرض لهم نسيان لبعضه أو كلّه بتمادي الأيّام(٤) .
وقال المحقّق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين من رواشحه: قد كان من دأب أصحاب الأصول أنّهم إذا سمعوا من أحدهم: حديثاً بادروا إلى ضبطه في أُصولهم من غير تأخير(٥) .
____________________
(١) الإمام الصادق: ٢ - ٣.
(٢) حلية الأولياء ٣: ١٩٨ - ١٩٩، الرقم ٢٤٢.
(٣) مهج الدعوات: ٢١٩ - ٢٢٠، وعنه في مستدرك الوسائل ١٧: ٢٩٢، ح ٢١٣٨٢ وفيه خاصة بدل أصحاب.
(٤) حبل المتين: ٢٧٤.
(٥) الرواشح السماويّة: ٩٨.
قال الأستاذ عبد الحليم الجنديّ:
كان أوّل المستفيدين بالتدوين الباكر أُولئك الذين يلوذون بالأئمّة من أهل البيت فيتعلّمون شفاهاً أو تحريراً، أي من فم لفم أو بالكتابة، فما تناقلته كتب الشيعة من الحديث، هو التراث النبويّ في صميمه... في حين لم يجمع أهل السنّة هذا التراث إلاّ بعد أن انكبّ عليه علماؤهم قرناً ونصف قرن، حتّى حصلوا ما دوّنوه في المدوّنات الأولى، ثمّ ظلّوا قروناً أُخرى، يجوبون الفيافي والقفار في كلّ الأمصار... إلى أن يقول: و إذا لاحظنا أنّ من الرواة من قيل إنّه روى عشرات الآلاف من الحديث عن الإمام، تجلّت كفاية التراث الموثوق به عند الشيعة لحاجات الأمّة.
وإذا لاحظنا توثيق الشافعيّ ومالك وأبي حنيفة ويحيى بن معين وأبي حاتم والذهبيّ للإمام الصادق - وهم واضعوا شروط المحدّثين وقواعد قبول الرواية وصحّة السند - فمن الحقّ التقرير بأنّ حسبنا أن نقتصر على التفتيش عن رواة السنّة عن الإمام الصادق.
والشيعة يكفيهم أن يصلوا بالحديث إلى الإمام، لا يطلبون إسناداً قبل الإمام جعفر، بل لا يطلبون إسناداً قبل الأئمّة عموماً؛ لأنّ الإمام بين أن يكون يروي عن الإمام الذي أوصى له، وبين أن يكون قرأ الحديث في كتب آبائه، إلى ذلك، فإنّ ما يقوله سنّةٌ عندهم، فهو ممحَّصٌ من كلّ وجه، فليست روايته للحديث مجرّد شهادة به، بل هي إعلان لصحّته.
وإذا كان ما رواه الصادق، رواية الباقر، ورواية السجّاد عن الحسين عن الحسن أو عن عليّ عن النبيّ، فهذا يصحّح الحديث على كلّ منهج، فالثلاثة الأخيرون من الصحابة المقدّمين، يروون عن صاحب الرسالة، إذ يروي الحسن والحسين عن عليّ عنه صلّى الله عليه وآله.
ولا مرية كان منهج عليّ ومن تابعه في التدوين خيراً كبيراً للمسلمين، منع المساوئ المنسوبة إلى بعض الروايات، وأقفل الباب دون افتراء الزنادقة والوضّاعين، فالسبق في التدوين فضيلة الشيعة، ولمّا أجمع العلماء بعد زمان طويل على الالتجاء
إليه كانوا يسلّمون بهذه الفضيلة بالإجماع لعليّ وبنيه، والسنّة شارحة للكتاب العزيز، وهو مكتوب بإملاء صاحب الرسالة فهي كمثله حقيقة بالكتابة.
إنّما كان المحدّثون من أهل السنّة في القرون الأولى مضطرّين لسماع لفظ الحديث من الأشياخ، أو عرضه عليهم، لأنّ السنن لم تكن مدّونة فكانت الرحلة إلى أقطار العالم لتلقّي الحديث على العلماء، وسيلتهم الأكيدة(١) .
وقال الشيخ المفيد في الإرشاد: إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عن الصادق من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل(٢) .
قال الشيخ الطبرسيّ في إعلام الورى: ولم ينقل عن أحد من سائر العلوم ما نقل عنه، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات فكانوا أربعة آلاف رجل(٣) .
وقال في القسم الأول: وروى عن الصادق من أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة بكتب الأصول رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله، وأصحاب ابنه موسى الكاظم(٤) .
وقال الشيخ محمّد بن عليّ الفتّال: وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف(٥) .
قال ابن شهرآشوب في المناقب: نقل عن الصادق من العلوم ما لا ينقل عن أحد، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الثقات على اختلافهم في الآراء فكانوا أربعة آلاف(٦) .
وقال المحقّق الحلّيّ في المعتبر: فإنّه انتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول،
____________________
(١) الإمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجنديّ: ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) الإرشاد ٢: ١٧٩ وعنه في المناقب لابن شهرآشوب ٣: ٢٣٧.
(٣) إعلام الورى ١: ٥٣٥، الباب ٥: الفصل ٤.
(٤) إعلام الورى ٢: ٢٠٠، الفصل ٣ من القسم الأول.
(٥) روضة الواعظين: ٢٠٧.
(٦) المناقب ٣: ٢٣٧.
حتى غلا فيه جماعة وأخرجوه إلى حد الإلوهية، وروى عنه جماعة من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل...، وكتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف سمُّوها أُصولاً(١) .
وقال الشهيد في الذكرى: إنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق كتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف، ودوَّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق والشام والحجاز وخراسان(٢) .
وقال الشيخ حسين والد العلاّمة البهائيّ: ودوَّن العامّة والخاصّة ممّن تبرّز بعلمه من العلماء والفقهاء أربعة آلاف.
وقال أيضاً: قد كتب من أجوبة مسائل الإمام الصادق فقط، أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف، تسمّى الأصول في أنواع العلوم(٣) .
وقال المحقّق الداماد في الراشحة التاسعة والعشرين: والمشهور أنّ الأصول الأربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف من رجال أبي عبد الله الصادق، بل وفي مجالس السماع والرواية عنه، ورجاله من العامة والخاصة زهاء أربعة آلاف رجل، وكتبهم ومصنّفاتهم كثيرة إلاّ أنّ ما استقرّ الأمر على اعتبارها والتعويل عليها وتسميتها بالأصول هذه الأربعمائة(٤) .
وقال الشهيد الثاني في شرح الدراية: استقرّ أمر المتقدّمين على أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف سمّوها أُصولاً، فكان اعتمادهم عليها، ثمّ تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الأصول، وألحقها جماعة في كتب خاصّة، تقريباً على المتناوِل، وأحسن ما جمع منها (الكافي) و (التهذيب) و (الاستبصار) و (مَن لا يحضره الفقيه).
وقد جاءت أسماء بعض أصحاب هذه المدوّنات في كتاب الرجال لعبد الله بن
____________________
(١) المعتبر ١: ٢٦ باب في حجية فتوى الأئمّة.
(٢) الذكرى: ٦.
(٣) وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: ٦٠، وعنه في الذريعة ٢: ١٢٩.
(٤) الرواشح السماويّة: ٩٨.
جبلة الكنانيّ المتوفّى سنة ٢١٩ هـ و (مشيخة) الحسن بن محبوب المتوفّى سنة ٢٢٤ هـ)، و(الرجال) للحسن بن فضّال المتوفّى ٢٢٤ هـ، و (الرجال) لولده عليّ بن الحسن، و(الرجال) لمحمّد بن خالد البرقيّ، و (الرجال) لولده أحمد بن محمّد بن خالد الذي توفّي سنة ٢٧٤ هـ، و (الرجال) لأحمد العقيقيّ المتوفّى ٢٨٠ هـ، وغيرهم.
قال الشيخ الطوسيّ في مقدّمة الفهرست (... و إنّي لا أضمن الاستيفاء؛ لأنّ تصانيف أصحابنا وأُصولهم تكاد لا تنضبط لكثرة انتشار أصحابنا في البلدان)(٢) .
ونقل السيّد الأمين في أعيان الشيعة عن الحافظ أحمد بن عقدة الزيديّ الكوفيّ أنّه أفرد كتاباً فيمن روى عنه، جمع فيه أربعة آلاف رجل وذكر مصنّفاتهم، ولم يذكر جميع من روى عنه.
فهذه المزايا هي التي دعت الشيعة أن تهتمّ بأُصولها قراءة ورواية وحفظاً وتصحيحاً؛ لأنّ فقهها وحديثها قد استقي منها.
الشيعة واستقاؤها من الأُصول
قال محمّد بن عليّ بن بابويه في مقدّمة كتاب (مَن لا يحضره الفقيه):
(... ولم أقصد فيه قصد المصنّفين إلى إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به، وأحكم بصحّته، وأعتقد أنّه حجّة فيما بيني وبين ربّي عزّ وجلّ.
وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل، وإليها المرجع، مثل: كتاب حريز بن عبد الله السجستانيّ، وكتاب عبيد الله بن عليّ الحلبيّ، وكتب عليّ بن مهزيار الأهوازيّ، وكتب الحسين بن سعيد، ونوادر أحمد بن محمّد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله، وجامع شيخنا محمّد بن الحسن بن الوليد، ونوادر محمّد بن أبي عمير، وكتاب المحاسن لأحمد بن أبي عبد الله البرقيّ، ورسالة أبي إليّ، وغيرها من الأصول والمصنّفات، التي طُرقي إليها معروفة في فهرست الكتب التي رويتها عن
مشايخي وأسلافي وبالغت في ذلك جهدي، مستعيناً بالله ومتوكّلاً عليه، ومستغفراً من التقصير(١) .
وقال المحقّق الحلّيّ في المعتبر:
روى عن الصادق عليه السلام من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل، وبرز بتعليمه من الفقهاء الأفاضل جمّ غفير، كزرارة بن أعين وأخويه: - بكير، وحمران وجميل بن درّاج، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية، والهشامين، وأبي بصير، وعبيد الله، ومحمّد وعمران الحلبيَّين، وعبد الله بن سنان، وأبي الصباح الكنانيّ، وغيرهم من أعيان الفضلاء، حتّى كُتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف سمّوها أُصولاً.
ثمّ قال: كان من تلامذة الجواد عليه السلام فضلاء، كالحسين بن سعيد وأخيه الحسن، و [ أحمد بن ] محمّد بن أبي نصر البزنطيّ،
وأحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، وشاذان بن الفضل القمّيّ، وأيّوب بن نوح بن درّاج، وأحمد بن محمّد بن عيسى، وغيرهم ممّن يطول تعدادهم، وكتبهم الآن منقولة بين الأصحاب، دالّة على العلم الغزير(٢) .
ثمّ قال: اجتزأت بإيراد كلام من اشتهر علمه وفضله، وعُرف تقدّمه في نقل الأخبار، وصحّة الاختيار، وجودة الاعتبار.
واقتصرت من كتب هؤلاء الأفاضل على ما بان فيه اجتهادهم وعرف به اهتمامهم، وعليه اعتمادهم، فممّن اخترت نقله: الحسن بن محبوب، و [ أحمد بن ] محمّد بن أبي نصر البزنطي، والحسين بن سعيد، والفضل بن شاذان، ويونس بن عبد الرحمان، ومن المتأخّرين: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه، ومحمّد بن يعقوب الكلينيّ...(٣) .
قال ابن إدريس الحلّيّ في مستطرفات السرائر، باب الزيادات، فيما انتزعه واستطرفه من كتب المشيخة المصنّفين والرواة المحصّلين... - إلى أن يقول -:
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ،
____________________
(١) مَن لا يحضرها لفقيه ١: ٢ - ٤.
(٢) المعتبر ١: ٢٦ - ٢٧، وانظر خاتمة الوسائل ٣٠: ١٠٩.
(٣) المعتبر ١: ٣٣.
صاحب الرضا عليه السلام.
ومن ذلك: ما أورده أبان بن تغلب، صاحب الباقر والصادق عليهما السلام في كتابه.
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب جميل بن درّاج.
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب السياريّ، واسمه أبو عبد الله، صاحب موسى الرضا عليه السلام.
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا علي بن محمّد الهاديّعليه السلام والأجوبة عن ذلك.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب المشيخة، تصنيف الحسن بن محبوب؛ السرّاد؛ صاحب الرضا عليه السلام. وهو ثقة عند أصحابنا، جليل القدر، كثير الرواية، أحدُ الأركان الأربعة في عصره.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب نوادر المصنّف، تصنيف محمّد بن علي بن محبوب. وكان هذا الكتاب بخطّ شيخنا أبي جعفر الطوسيّ، فنقلت هذه الأحاديث من خطّه.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب (مَن لا يحضره الفقيه)، لابن بابويه.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب (قُرب الإسْناد) تصنيف محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ.
وما استطرفناه، من كتاب جعفر بن محمّد بن سنان؛ الدهقان.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب (تهذيب الأحكام).
ومن ذلك: ما استطرفناه، من كتاب عبد الله بن بكير بن أعين.
ومن ذلك: ما استطرفناه، من رواية أبي القاسم ابن قولويه.
وممّا استطرفناه، من كتاب (أنْس العالم)، تصنيف الصفوانيّ.
وممّا استطرفناه، من كتاب (المحاسن)، تصنيف أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ.
ومن ذلك: ما استطرفناه من كتاب (العيون والمحاسن) تصنيف المُفيد.
انتهى(١) .
قال الشيخ البهائيّ في (الوجيزة):
(جميع أحاديثنا - إلاّ ما ندر - ينتهي إلى أئمّتنا الاثني عشر عليهم السلام، وهم ينتهون فيها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله، فإنّ علومهم مقتبسة من قلب المشكاة، وما تضمّنته كتب الخاصّة من الأحاديث المرويّة من أئمّتهم، تزيد على ما في الصحاح الستّة للعامّة بكثير، كما يظهر لمن تتبّع كتب الفريقين.
وقد روى راوٍ واحد - وهو أبان بن تغلب - عن إمام واحدٍ - أعني الصادق - ثلاثين ألف حديث.
وقد كان جَمَعَ قدماء محدّثينا ما وصل إليهم من كلام أئمّتنا: في أربعمائة كتاب تُسمّى (الأصول).
ثمّ تصدّى جماعة من المتأخّرين شكر الله سعيهم لجمع تلك الكتب وترتيبها، تقليلاً للانتشار، وتسهيلاً على طالبي تلك الأخبار، فألّفوا كتباً مضبوطة، مهذّبة مشتملة على الأسانيد المتّصلة بأصحاب العصمة عليهم السلام كالكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، ومدينة العلم، والخصال، والأمالي، وعيون الأخبار، وغيرها(٢) .
وقد صرّح الشيخ حسن في المنتقى والمعالم بأنّ أحاديث الكتب الأربعة وأمثالها محفوفة بالقرائن، وأنّها منقولة من الأصول والكتب المجمع عليها بغير تغيير(٣) .
وقال الكفعميّ في الجنّة الواقية:
(هذا كتاب محتوٍ على عوذ، ودعوات، وتسابيح، وزيارات،... مأخوذة من كتب معتمد على صحّتها مأمون بالتمسّك بوثقى عروتها(٤) .
وقد شهد عليّ بن إبراهيم القمّيّ بثبوت أحاديث تفسيره وأنّها مرويّة عن الثقات
____________________
(١) السرائر ٣: ٦٦٣ - ٥٤٨، وقد طبع مستقلاً باسم (مستطرفات السرائر).
(٢) الوجيزة: ٦ - ٧ وعنه في خاتمة الوسائل ٣٠: ٢٠٠ وله كلام في مشرق الشمسين: ٢٦٩ - ٢٧٠ فراجع.
(٣) منتقى الجمان ١: ٢٧.
(٤) الجنّة الواقية: ٣ - ٤.
عن الأئمّة(١) .
وذكر السيّد رضي الدين ابن طاووس في كتبه ما يدلّ على أنّ أكثر الكتب المذكورة وغيرها من أمثالها من أُصول أصحاب الأئمّة كانت عنده ونقل منها شيئاً كثيراً(٢) ، وكذا الشهيد في الذكرى والكفعميّ في المصباح قد صرّحا بأنّ كثيراً من أُصول القدماء وكتبهم كانت موجودة، عندهم(٣) .
حتّى وصل الأمر بالشيخ الحرّ العامليّ أن يقول في الفائدة الرابعة من خاتمة كتابه (وسائل الشيعة) وهو بصدد عدّ مصادر الكتاب:... وغير ذلك، وأمّا ما نقلوا منه ولم يصرّحوا باسمه، فكثير جدّاً، مذكور في كتب الرجال، يزيد على ستّة آلاف وستمائة كتاب على ما ضبطناه(٤) .
وعلى كلّ حال فقد نبغ جماعة من تلامذة الأئمّة، وخصوصاً في زمن الصادِقَين، في شتّى العلوم ودوّنوا ما تلقّوه عنهم في كتب، وقد أشار علماء الرجال والتراجم إلى مصنّفاتهم كابن النديم والكشّيّ والنجاشيّ وغيرهم.
فألّف هشام بن الحكم كتاباً في الألفاظ، والردّ على الزنادقة، وفي التوحيد، والإمامة والجبر والقدر، والردّ على الثنويّة، والردّ على أرسطوطاليس وغيره من فلاسفة اليونان، ورسائل كثيرة في الفقه والأصول.
وألّف زرارة بن أعين كتاباً في الاستطاعة والجبر وغيرها.
ومحمّد بن عمر في التوحيد والإمامة والفقه.
ويعقوب بن إسحاق السكِّيت في إصلاح المنطق وكتاب في الألفاظ والأضداد، والألفاظ المشتركة بين معان متعدّدة.
وألّف محمّد بن النعمان البجليّ - مؤمن الطاق - كتباً في الإمامة والمعرفة، و إثبات
____________________
(١) تفسير القمّيّ ١: ٤، كما في خاتمة الوسائل ٣٠: ٢٠٢.
(٢) انظر خاتمة الوسائل ٣٠: ٢١٣.
(٣) انظر خاتمة الوسائل ٣٠: ٢١٣ أيضاً.
(٤) وسائل الشيعة ٣٠: ١٦٥ الخاتمة.
الوصيّة، والأوامر والنواهي، والمناظرات وغيرها.
هذا، إلى غيرهم من مؤلفي الأصحاب، وغيرها من المؤلفات، فإنّ مؤلّفات هؤلاء تعدّ بالمئات إن لم نقل بالألوف، وقد أخذ المحمّدون الثلاثة - الكلينيّ والصدوق والطوسيّ - كتبهم الأربعة منها، وإن كان لكلّ واحد من الأخيرين كتب أُخرى في التفسير والتاريخ والحديث و...
وقد كان جلّ الرواة عن الأئمّة في غاية العدالة والوثاقة، وموضع احترام جميع المسلمين بشتّى طوائفهم، حتّى أنَّ أصحاب الصحاح الستّة خرَّجوا لكثير منهم في كتبهم، ونصّ الرجاليّون أو بعضهم على وثاقتهم ومكانتهم العلميّة، مع قولهم (فيه تشيّع شنيع) و (صدوق ولكنّ مذهبه مذهب الشيعة) أو (شيعيّ المذهب) أو ما يشاكلها من العبارات(١) .
أصحاب الكتب الأربعة وأخذهم عن الأُصول الأربعمائة
وأمّا جامعو تلك الروايات ومدوّنوها فهم أيضاً من الجلالة بمكان فقد ذكرَ محمَّد بن يعقوب الكليني - صاحبَ الكافي - غالب أصحاب التراجم كابن ماكولا(٢) ، وابن الأثير(٣) ، والصفديّ(٤) ، وابن حجر(٥) ، وغيرهم من المحدثين واللغويين كالفيروزآبادي(٦) والزبيدي(٧) و... في كتبهم.
وأكَّد الأستاذ ثامر العميديّ عدم وجود جرح واحد من الأعلام في الكلينيّ بقوله:
لم أقف على عالم من علماء الرجال من أهل السنّة قد مسّ الكلينيّ بجرح قطّ لا
____________________
(١) وقد ذكر السيّد عبد الحسين شرف الدين في المراجعات أسماء أكثر من مائة منهم، فراجع.
(٢) الإكمال ٤: ٥٧٥.
(٣) الكامل ٧: ١٥٠.
(٤) الوافي بالوفيّات ٥: ٢٢٦.
(٥) لسان الميزان ٥: ٢٦٥، ت ١١٠٧.
(٦) القاموس المحيط ٤: ٣٦٣.
(٧) تاج العروس ٩: ٣٢٢.
مُفَسّراً ولا غير مُفَسّرٍ؛ أقول: لم يتعرّض أحدهم إليه بسوء قطّ، مع ما عرفت عنهم - مع الأسف - من تجريح رجال الشيعة لمجرّد تشيّعهم، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد من الباحثين، وهذا يدلّ على اتّفاقهم على أنّ لثقة الإسلام الكلينيّ مكانة بين علماء الإسلام لا يمسّها أحد بسوء إلاّ كذب وافتضح أمره بين العلماء(١) .
بل عدّه ابن الأثير من مجدّدي الإماميّة على رأس المائة الثالثة(٢) .
أمّا محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ - صاحب كتاب مَن لا يحضره الفقيه - فهو صاحب التصانيف الكثيرة، يضرب بحفظه المثل(٣) ، وهو من أُسرة علميّة جليلة القدر في الفضل، قال ابن أبي طيّ عن بيتهم: بيت العلم والجلالة(٤) ، كان أبوه من كبار علماء الشيعة ومصنّفيهم(٥) . جليل القدر، حافظ للأحاديث بصير بالرجال، ناقد للأخبار، لم ير في القمّيّين مثله في حفظه وكثرة علمه له نحو من ثلاثمائة مصنّف(٦) ، وهو الذي أمات فتنة الحسين بن منصور الحلاّج بقم(٧) ، سمع منه شيوخ الطائفة وهو حَدَث السن(٨) ، وروى عنه جمع منهم الشيخ المفيد.
والشيخ المفيد هو تلميذ الصدوق وأُستاذ الطوسيّ، (لقِّب بابن المعلِّم، صاحب التصانيف البديعة، وهي مائتا مصنَّف)(٩) ، (إليه انتهت رئاسة متكلّمي الشيعة، مقدّم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر)(١٠) ، (وكان لابن المعلِّم مجلس نظر بداره بدرب رياح يحضره كافّة العلماء)(١١) ، (ويناظر أهل كلّ
____________________
(١) دفاع عن الكافي ١: ٣٨.
(٢) جامع الأصول ١٢: ٢٢٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٦: ٣٠٣.
(٤) لسان الميزان ٢: ٢.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٦: ٣٠٤، ت ٢١٢.
(٦) الفهرست، للطوسيّ: ٢٣٧، ت ٧١٠.
(٧) انظر مقدّمة المقنع والهداية: ٢٢.
(٨) رجال النجاشيّ: ٣٨٩.
(٩) لسان الميزان ٥: ٣٦٨.
(١٠) الفهرست لابن النديم: ٢٥٢.
(١١) المنتظم ٨: ١١.
عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهيّة)(١) .
(كان صاحب فنون وبحوث وكلام، واعتزال، وأدب، ذكره ابن أبي طيّ في - تاريخ الإماميّة - فأطنب وأسهب، وقال: كان أوحد [ دهره ] في جميع فنون العلم: الأصلين، والفقه، والأخبار، ومعرفة الرجال، والتفسير، والنحو، والشعر، وكان قويّ النفس، كثير البرّ، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، يلبس الخشن من الثياب...)(٢) .
أمّا الشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ فهو شيخ الطائفة في زمانه صاحب التصانيف، له كتابين عُدَّا من الكتب الأربعة عند الشيعة الإماميّة.
١ - تهذيب الأحكام.
٢ - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار.
(أخذ الكلام وأُصول القوم عن الشيخ المفيد رأس الإماميّة، ولزمه وبرع، وعمل التفسير، وأملى أحاديث ونوادر في مجلّدين، عامّتها عن شيخه المفيد)(٣) .
وعدّ السبكيّ(٤) والسيوطيّ(٥) والكاتب الچلبيّ في كشف الظنون(٦) الشيخ الطوسيّ من الشافعيّة وكأنّ الأمر قد التبس عليهم من خلال عرضه لأقوال أهل السنّة والجماعة في الفقه والتفسير.
قال الشيخ محمّد أبو زهرة - في كتابه الإمام الصادق - عن الشيخ الطوسيّ: كان عالماً على المنهاجين الإماميّ والسنّيّ.
وقال الأستاذ عبد الحليم الجنديّ: الطوسيّ حجّة في المذهب الإماميّ وفي مذاهب أهل السنّة(٧) .
____________________
(١) مرآة الجنان لليافعيّ ٣: ٢٨، وشذرات الذهب ٢: ٢٠٠.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٧: ٣٤٤.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٨: ٣٣٤.
(٤) طبقات الشافعيّة ٤: ١٢٦.
(٥) طبقات المفسّرين: ٩٣.
(٦) كشف الظنون ١: ٤٥٢.
(٧) الإمام جعفر الصادق: ٢٥٨.
كان هذا مجمل الحديث عن حياة أصحاب الكتب الأربعة، وتراهم ينقلون مرويّاتهم عن الأصول الأربعمائة، وأصحاب الأصول الأربعمائة قد دوّنوا أُصولهم عن أئمّة أهل البيت، والأئمّة نقلوا الأخبار عن كتاب عليّ وكتاب عليّ هو إملاء رسول الله وخط عليّ.
إذاً نهج التدوين والتحديث مترابط عند الشيعة لا خدشة فيه، وهذا ما يؤكّد أصالته.
وممّا يجب الإشارة إليه هو:
أنّ الأصول الأربعمائة لم تكن جامعة لكلّ ما تحدّث به الأئمّة في الفقه وغيره من المواضيع المختلفة، بل بقي قسم منها في صدور الحفّاظ من الرواة لأحاديث أهل البيت، كما أنّ الكتب الأربعة التي ألّفها المحمّدون الثلاثة لم تستوعب جميع الأحاديث التي رواها أصحاب الأئمّة، ولم يدوّنوا منها إلاّ ما صحّ عندهم من أحاديث الأصول وغيرها. ولم يثبت أنّهم توصّلوا إلى جميع الأصول الأربعمائة.
قال السيّد الأمين في أعيانه: إنّ الأصول الأربعمائة قد بقي بعضها إلى العصور المتأخّرة في خزائن الكتب عند علماء الشيعة: كالحرّ العامليّ والمجلسيّ ومير لوحي المعاصر للمجلسي والميرزا حسين النوريّ وغيرهم، وتلف أكثرها ولكنّ مضامينها محفوظة في مجاميع كتب الحديث؛ لأنّ علماءنا من أوائل المائة الرابعة إلى النصف الأوّل من القرن الخامس قد أخذوا كتبهم منها ومن غيرها ممّا جمع فيها(١) .
وأنقل هنا كلام الأستاذ عبد الحليم في كتابه الإمام جعفر الصادق، وهو في معرض كلامه عن التدوين:
... لكنّ عليّاً دوّن وخلّف في شيعته طريقة التدوين، فلقد كان على ثقة من طريقته،
____________________
(١) قال الشيخ النوري في المستدرك ١: ٣٢، وكان عند ميرلوحي المعاصر للمجلسي الساكن معه في أصبهان - كتب نفيسة جليلة ككتاب الرجعة للفضل بن شاذان، والفرج الكبير في الغيبة لأبي عبد الله محمد بن هبة الله بن جعفر الوراق الطرابلسي، وكتاب الغيبة للحسن بن حمزة المرعشي، وغيرها، ولم يطلع عليها المجلسي رحمه الله مع كثرة احتياجه إليها، فإنّ لعدم العثور أسباباً كثيرة سوى الفحص، منها: ضنّة صاحب الكتاب كما في المورد المذكور و....
وهو الذي يقول فيه الرسول)عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ولن يفترقا حتّى يردا عَلَيَّ الحوض (إلى أن يقول:
وبالتدوين الفقهيّ استقرّ المذهب في صدور الحفظة والنقلة، ممّن يملي إلى بنيه، فبنيهم، وبخاصّة زين العابدين، وزيد والباقر والصادق، ثمّ عملت مجالس الإمام الصادق في نشره كمثل عمل التدوين في استقراره، وأدرك الأئمّة الذين تتلمذوا له وتلاميذهم أُموراً ترفع مجلس الصادق فوق المجالس، سواء مجالس أهل السنّة أو أهل البيت، ثمّ عدّوا أشياءً في ذلك(١) .
وكان الأستاذ قد قال قبل ذلك: إنّ التلمذة للإِمام الصادق قد سربلت بالمجد فقهَ المذاهب الأربعة لأهل السنّة، أ مّا الإمام الصادق فمجدُهُ لا يقبل الزيادة ولا النقصان؛ فالإمام مبلِّغ للناس كافَّة علم جدِّه عليه الصلاة والسلام، والإمامة مرتبةٌ، وتلمذة أئمّة السنّة له تشوُّقٌ منهم لمقاربة صاحب المرتبة(٢) .
وقال في مكان آخر: إنّما كان مالك يجد ريح الرسول في مجلس ابن بنته، ويحسّ، أو يكاد يلمس، شيئاً مادّيّاً يتسلسل من الجدّ لحفيده، أو أشياء غير مادّيّة تملك اللبّ والعقل، فالرؤية متعة والسماع نعمة، والجوار - مجرد الجوار - تأديب وتربيب، وفي كلّ أُولئك طرائق قاصدة إلى الجنّة. وصاحب المجلس طهر كلّه، لا يتحدّث عن جدّه إلاّ على الطهارة...(٣) .
وفي مكان آخر قال: في هذا المجلس تتلمذ للإمام جعفر وروى عنه - كما يقول أرباب الإحصاءات - أربعة آلاف من الرواة وكتب عنه أربعمائة كاتب كلّهم يقول: قال جعفر بن محمّد.
فأيّ مجلس كان ذلك المجلس! تتراءى فيه أشياء من رسول الله صلّى الله عليه وآله، بعضها مادّيّ يجري في أصلاب رجل بعد رجل، وبعضه معنويّ يتراءى في معانيه وفحوى
____________________
(١) الإمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجنديّ: ١٨٦.
(٢) الإمام جعفر الصادق: ١٦٣.
(٣) الإمام جعفر الصادق: ١٦٠.
مقولاته، لكلّ هؤلاء.
ليس بالمجلس لجاجة ولا حجاج عقيم، يقول للتلاميذ:مَن عرف شيئاً قلّ كلامه فيه، وإنّما سمّي البليغ بليغاً لأنّه يبلغ حاجته بأدنى سعيه. (١)
وبهذا أختم الحديث عن مكانة المجاميع الحديثيّة عند الشيعة الإماميّة ونظراتهم لها، فهم لا ينظرون إلى الكتب الأربعة أنّها منزلة أو كالمنزلة من عند الله سبحانه، أو أنّ مَن روى عنه الكلينيّ أو الطوسيّ أو الصدوق فقد جاوز القنطرة، ولا يرون كلّ ما فيها صحيحاً، فمرويّات الكتب الأربعة كغيرها تخضع لأصول الجرح والتعديل والنقد والاستدلال، ولم تُحَطْ بهالة التضخيم كما أُحيطت بذلك الصحاح عند العامّة.
فالحديث إذا لم يكن جامعاً للشرائط المعتبرة لا قيمة له، وإن ذكره مشايخ المحدّثين كالكلينيّ أو الطوسيّ، بل يلزم أن يقترن بما يؤكّد صدروه عن المعصوم بقرائن حاليّة أو مقاليّة ممّا يوجب الوثوق به، كوجوده في كثير من الأصول الأربعمائة أو على أقلّ تقدير في أصل أو أصلين منها، بأسانيد متعدّدة معتبرة، أو وجوده في أحد الكتب المعروضة على الأئمّة ككتاب عبيد الله الحلبيّ الذي عرضه على الإمام الصادق فقال فيه: ليس لهؤلاء مثله(٢) .
وكتابَي يونس بن عبد الرحمان والفضل بن شاذان اللذين عُرِضا على الإمام الحسن العسكريّ(٣) .
أو وجوده في الأصول المعتمدة عند السلف المعاصرين للأئمّة ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله، وكتب ابن سعيد وعليّ بن مهزيار وغيرها، حتّى و إن كانت من كتب غير الإماميّة ككتاب جعفر بن غياث القاضي، وكتب الحسين بن عبد الله السعديّ، وكتاب القبلة لعليّ بن الحسن الطاطريّ(٤) .
____________________
(١) الإمام جعفر الصادق: ١٦٠.
(٢) رجال ابن داود: ١٢٥، ت ٩٢٢.
(٣) ذكرنا تخريجه قبل قليل عن الحدائق الناضرة وانظر الكليني والكافي: ٤٤٢.
(٤) انظر الفائدة الرابعة من خاتمة المستدرك للمحدّث النوريّ ٣: ٤٨٢.
نماذج تطبيقيّة لفقه النهجين
بعد كلّ الذي قدمناه عن الفتح المبكّر لِباب التدوين عند مدرسة (التعبّد المحض) ومنعه عند مدرسة (الرأي والاجتهاد)، نقدّم الآن نماذج حيّة تطبيقيّة لفقهَي (التعبّد المحض) و(الاجتهاد والرأي) ولا نبتغي من ورائه إلاّ تجسيم كون الخلاف وقع في الفقه بعد أن كان في الخلافة من ذي قبل.
وهذا يوضّح ما قلناه في عوامل منع التدوين من قِبل الشيخين، وأنّ آثاره قد انعكست على واقع المسلمين اليوم؛ لأنّ التخالف في الفقه يرجع إلى التخالف في الأُصول والروايات المستقاة عند الطرفين، وحينما عرفت تاريخ السنّة وملابساتها فقد عرفت كلّ شيء.
وإليك أربع مسائل من المسائل الفقهيّة المختلف فيها بين الاتّجاهين، آثرنا أن نأتي بها من أبواب مختلفة في الفقه (الإرث، الأطعمة والأشربة، الحدود، الديّات) لكي يتّضح ما نقوله بأجلى صوره وأوضحها، وليتبيّن أنّ المنع الصادر عن الشيخين وأتباعهما قد أثّر تأثيراً كاملاً في جلّ أبواب الفقه الإسلاميّ إن لم نقل كلّه، إذ من آثار المنع هو القول بمشروعيّة تعدّد الآراء عند الصحابة، وبمعنى آخر: بمنع التدوين ينفتح باب الاجتهاد لا محالة؛ لأنّ الناس بحاجة إلى حلول في قضاياهم العامّة خصوصاً في المسائل المستحدثة، وبالاجتهاد مِن قبل الصحابة - سواء كان هذا الاجتهاد طبقَ النصّ أو لا - يُسَدُّ هذا العوز، ونحن نعلم أنّ الاجتهاد بطبيعته لا يلزم الفرد الوقوف عند الرأي الواحد، ومن هنا حدث الاختلاف بين الصحابة في آرائهم
وفقههم، وحتّى بين أقوال الصحابيّ الواحد بنفسه، وقد أثّر هذا الاختلاف بين الصحابة - بسبب وقوفهم على رأي واحد - على التابعين من بعدهم؛ لأنّ الخلفاء وبتدوينهم أقوال الصحابة بجنب حديث رسول الله قد أصّلوا تلك الاختلافات عنهم، وقد مرّ عليك قول الحسن بن كيسان واختلافه مع الزهريّ في كلام الصحابيّ، فهل هو من السنّة حتّى يدوّنه أو لا؟ فذهب ابن كيسان إلى أنّه ليس بسنّة، لكنّ الزهريّ كان يصرّ على تدوينه لأقوالهم معتقداً بأنّها سنّة، فقال ابن كيسان: دَوَّنَ وضيَّعتُ.
وقال الشيخ محمّد أبو زهرة: وجدنا مالكاً يأخذ بفتواهم على أنّها سنّة(١) .
وبهذا قد درج الاختلاف إلى الأُصول وصارت شريعة لا يمكن مخالفتها، حتّى أنّا نرى اختلاف النقل عن الصحابّي الواحد بذاته، فهذا يأخذ برأيه الأوّل والآخر برأيه الثاني.
كلّ هذه المقدّمة وضّحت لنا أنّ السنّة النبويّة عند أهل السنّة والجماعة قد مرّت بمرحلتين:
١ - المنع.
٢ - التدوين.
فبالمنع شرّعت الآراء واختلطت سنّة رسول الله بما سنَّ عن الصحابة، وبالتدوين دوّنت تلك الآراء المختلفة وصارت شريعة يؤخذ بها.
أمّا مدرسة التعبّد المحض، فلم تمرّ إلاّ بمرحلة واحدة وهي الأخذ عن رسول الله وما كتبه عليّ عنه! (مِن فِيْهِ بيده) ولأجله لم نرَ اختلافاً جوهريّاً في المسائل المطروحة في فقه التعبّد المحض، وإليك نصوصاً في ذلك:
١ - الإرث
عن محمّد بن مسلم قال: نشر أبو عبد الله صحيفة، فأوّل ما تلقاني فيها (ابن أخ وجدّ، المال بينهما نصفان).
فقلت: جعلت فداك إنّ القضاة عندنا لا يقضون لابن الأخ مع الجدّ بشيء!!
____________________
(١) ابن حنبل لأبي زهرة: ٢٥٢ - ٢٥٥، ومالك لأبي زهرة أيضاً: ٢٩٠.
فقال: إنّ هذا الكتاب بخطّ عليّ و إملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله(١) .
وعنه في رواية أُخرى قال: نظرت إلى صحيفة ينظر فيها أبو جعفر فقرأت فيها مكتوباً (ابن أخ وجدّ، المال بينهما سواء) فقلت لأبي جعفر: إنّ من عندنا لا يقضون بهذا القضاء ولا يجعلون لابن الأخ مع الجدّ شيئاً، فقال أبو جعفر:أما إنّه إملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وخطّ عليّ، مِن فيه ليَده (٢) .
هذان النصّان يعالجان مسألة من مسائل الفقه الإسلاميّ في الإرث، الذي كثر فيه الخلاف والجدل.
فمحمّد بن مسلم نقل عن قضاة بلده أنّهم لا يقضون بما في كتاب عليّ، والباقر عليه السلام أقرّ كلامه، وقرّر أنّ القضاة في المدينة لا يقضون بما يقضي به أئمّة أهل البيت؛ لذلك أكّد الباقر على أنّ حكمه مأخوذ من (فيه صلّى الله عليه وآله ليَده) وأنّ الكتاب (بخطّ عليّ و إملاء رسول الله).
فتأكيد الإمام الباقر على أوثقية مصدره - وأهميّة التدوين عموماً وهذه المدوّنة بالذات - جاء ليؤكّد تخالف النهجين في الأصول، ومَن يراجع مصادر فقه الشيعة الإماميّة يراهم قد أطبقوا على توريث ابن الأخ وقيامه مقام الأخ في مقاسمة الجدّ الميراث(٣) .
وأمّا فقهاء أهل السنّة والجماعة فلم نر منهم مَن يقضي فيها بهذا القضاء، مع علمهم أنّ عليّاً وابن عبّاس كانا يقضيان لابن الأخ مع الجدّ نصفين سواء.
فقد أخرج الطحاويّ عن طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ، قال: حدّثت أنّ عليّ بن أبي طالب كان يُنزّل بني الإخوة مع الجدّ منزلة آبائهم، ولم يكن أحد من الصحابة يفعله غيره(٤) وأخرج عبد الرزّاق بسنده إلى الشعبيّ مثله(٥) .
ويبدو أنّ إصرار مدرسة الاجتهاد والرأي على عدم الأخذ بقول عليّ وابن عبّاس
____________________
(١) الكافي ٧: ١١٢ باب ابن أخ وجد، ح ١، الوسائل ٢٦: ١٥٩، ح ٣٢٧١٤.
(٢) الكافي ٧: ١٣ باب أخ وجد، ح ٥، التهذيب ٣٠٨ ح ١١٠٤، وسائل الشيعة ٢٦: ١٦، ح ٣٢٧١٨.
(٣) انظر الخلاف ٤: ٩٠ المسألة رقم ١٠٠.
(٤) فتح الباري ١٢: ٢١.
(٥) مصنّف عبد الرزّاق ١٠: ٢٦٩ باب فرض الجد، ح ١٩٠٦٦.
هو كون أمر الجدّ خطيراً جدّاً من وجهة نظر الخلفاء؛ وذلك لاختلاف وتضارب آرائهم فيه؛ فلذلك عتّموا ومنعوا كلّ ما ينقل مخالفاً لاجتهاداتهم في المسألة، حتّى أنّا نرى عليّاً يتّقي من شيوع حكمه في الجدّ، ويأمر ابن عبّاس بإتلاف ما كتبه إليه بهذا الصدد.
فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الشعبيّ، قال: كتب ابن عبّاس إلى علي يسأله عن ستّة أخوة وجد، فكتب إليه أنِاجعَلْهُ كأحدهم وامحُ كتابي (١) ، وفي أُخرى(وامح كتابي ولا تخلّده) (٢) وهذا صريح في أنّ عليّاً كان يحاذر من بيان حكمه في المسألة ووقوع كتابه بيد من ليس بأهل.
ونقل عن عبد الله بن مسعود مثله، فعن شعبة بن التوأم الضبّيّ، قال: توفّي أخٌ لنا في عهد عمر وترك إخوته وجدّه، فأتينا ابن مسعود فأعطى الجد مع الإخوة السدس، ثمّ توفّي أخٌ لنا آخر في عهد عثمان وترك إخوته وجدّه، فأتينا ابن مسعود فأعطى الجدّ مع الإخوة الثلث، فقلنا له: إنّك أعطيت جدّنا من أخينا الأول السدس، وأعطيته الآن الثلث!! فقال: إنّما نقضي بقضاء أئمّتنا(٣) .
وكأنّ ابن مسعود يشير إلى عدم تمكّنه من الإفصاح عمّا سمعه من النبّي أو ما يراه؛ لما ذكر من اختلاف أقوال عمر فيه، مكتفياً بما يقضي به الخلفاء، وهذا الجواب يشبه إلى حدّ كبير جوابه لمَن سأله عن صلاته مع النبيّ بمنى ركعتين، ثمّ صلاته مع عثمان أربعاً، بقوله: (إن عثمان كان إماماًَ فما أخالفه، والخلاف شرّ).
فاختلاف أقوال الخليفة عمر في الجدّ، ثمّ تضارب أراء بعض الصحابة فيه، حدا ببعض الفقهاء أن يظنّ ظنّاً مغلوطاً، فقالت طائفة: (ليس للجدّ شيء معلوم مع الإخوة، إنّما هو على حسب ما يقضي فيه الخليفة)(٤) .
نعم إنّ النهج الحاكم كان يريد تثبيت رأي الخلفاء الماضين لا غير والإصرار على
____________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٢٦٠، ح ٣١٢٢٢، فتح الباري ١٢: ٢١.
(٢) فتح الباري ١٢: ٢١.
(٣) المحلّى ٩: ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٤) المحلّى ٩: ٢٨٣.
مخالفة نهج عليّ وابن عبّاس، فجاء عن الحجّاج أنّه بعث إلى الشعبي يسأله عن مسألة في الجدّ.
فقال [ الشعبيّ ]: قال فيها ابن مسعود وعليّ وعثمان وابن عبّاس و...
فقال الحجّاج: فما قال فيها ابن عبّاس وإنْ كان لمُتقناً... إلى أن قال الحجّاج: مُرِ القاضي يمضيها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين، يعني عثمان(١) .
ومن هذه النصوص اتّضح لك وضوح الرؤية ووحدتها عند عليّ وأهل بيته أخذاً من المدوّنة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، كما اتّضح لك الرؤية الغائمة عند المانعين من التدوين.
٢ - مسألة في الصيد
روي عن الحلبّي أنّه قال: قال الصادق:كان أبي يفتي وكان يتّقي ونحن نخاف في صيد البزاة والصقور، وأمّا الآن فإنّا لا نخاف ولا نحلّ صيدها إلاّ أن تدرك ذكاته، فإنّه في كتاب عليّ أنّ الله عزّ وجلّ قال: ( وما عَلَّمْتُمْ من الجوارح مُكَلِّبين ) (٢) فسمّى الكلاب (٣) .
ومعني الرواية أنّ الإمام الباقر كان يفتي خوفاً لكونه يعيش تحت ضغوط الإرهاب الفكريّ الأمويّ؛ لأنّ الأمويّين قد عرفوا بولعهم بالصيد بالصقورة والبزاة كما هو المشهور عن يزيد وغيره، وحينما ارتفع الخوف - في أوائل العصر العبّاسيّ - أخذ الإمام الصادق يوضّح حكمها بقوله:(أمّا الآن فإنّا لا نخاف ولا نُحلّ صيدها إلاّ أن تدرك ذكاته فإنّه...)
وإذا تصفّحنا هذه المفردة الفقهيّة؛ رأينا الأدلّة الواردة فيها تقتصر على حلِّيَّة أكل ما صاده الكلب المعلَّم لا غير، وقوفاً عند نصّ الآية المباركة.
فقد ورد عن أبي ثعلبة الخشنيّ، وعديّ بن حاتم الطائيّ: حلّيّة خصوص ما صاده
____________________
(١) المحلّى ٩: ٢٨٩.
(٢) المائدة: ٤.
(٣) الكافي ٦: ٢٠٧ باب صيد البزاة والصقور، ح ١، التهذيب ٩: ٣٢ - ٣٣، ح ١٣٠ والنص عنه، الاستبصار ٤: ٧٣، الباب ٦٤، ح ٢٦٦.
الكلب المعلّم(١) .
وحكي عن ابن عمر ومجاهد أنّه لا يجوز الصيد إلاّ بالكلب، لقوله تعالى:( وما علّمتم... ) الآية(٢) .
على أنّ ابن حزم الأندلسيّ صرّح بأنّ السنّة النبويّة المباركة وردت في خصوص المعلّم من الكلاب، ولم تذكر غيره(٣) .
كما أنّهم صرّحوا بضعف ما نسب إلى ابن عبّاس من قوله في تفسير الآية المباركة: هي الكلاب المعلّمة والبازي وكلّ طائر يُعَلَّم الصيد(٤) . لأنّ الرواية وردت عن طريق عليّ بن أبي طلحة، الذي لم يدرك ابن عبّاس، مع أنّ الأكثرين قد ضعّفوه(٥) .
وإذا أضفت كلّ هذا إلى ما ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في حلّيّة خصوص مصيد الكلب المعلّم وحرمة مصيد غيره من الجوارح؛ علمت مدى وضوح الحكم، إلاّ أنّ الحكّام وما أرادوه أملى على بعض المسلمين أن يقولوا ما يريدونه، خوفاً ورهبة، حتّى ضاع على مَن أتى مِن بعدهم وجه الصواب.
لذلك نرى أنّ أكثر فقهاء العامّة خالفوا هذا الحكم الواضح، وأفتوا بحلّيّة مصيد البزاة والصقورة(٦) ، مع أنّنا لم نعثر لهم على مستند من السنّة النبويّة في هذا، بل السنّة على خلافه، وإنّما أفتوا بذلك بعد أن وسَّعوا موضوع الآية بلا حجّة ولا دليل، لا من كتاب ولا سنّة؛ لأنّهما مقتصران على الكلب المعلّم فقط، وقد صرّح ابن حزم بذلك(٧) ، وهو الظاهر من ابن قدامة أيضاً(٨) .
____________________
(١) المغني ٩: ٢٩٢، كتاب الصيد والذبائح.
(٢) المغني ٩: ٢٩٦، كتاب الصيد والذبائح.
(٣) المحلّى ٧: ٤٧٣.
(٤) المجموع ٩: ٨٨.
(٥) المجموع ٩: ٨٨.
(٦) انظر المغني ٩: ٢٩٣.
(٧) المحلّى ٧: ٤٧٢.
(٨) المغني ٩: ٢٩٣.
بعد هذا تعلم يقيناً أنّ التدوين الذي بدأه عليّ عليه السلام كان فيه الخير العميم للمسلمين لو أخذوا به، لكنَّ الظروف والملابسات هي التي جعلت، هذه المفردة تابعة لما أُريد لها لا لما ورد في الكتاب وجاءت به سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
٣ - حدّ شارب الخمر والنبيذ
روي عن بريد بن معاوية، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنّ في كتاب عليّ(يضرب شارب الخمر ثمانين وشارب النبيذ ثمانين) (١) .
وهذا الخبر يتضمّن مطلبين:
الأوّل: هو تعيين حدّ شارب الخمر وأنّه ثمانون جلدة.
والثاني: هو توسعة موضوع الخمريّة لكّل مسكر، وما من شأنه الإسكار كالنبيذ و...
أمّا الأوّل:
فقد ثبت عن أئمّة المذاهب الأربعة أنّ حدّ السكران ثمانون جلدة، اللّهمّ إلاّ ما ورد عن الشافعّي في أحد قوليه إنّه أربعون جلدة(٢) ، ومستند الأربعين ما ورد عن رسول الله من أنّه ضرب في الخمر بنعلين أربعين مرّة، أو بغيرهما ممّا كان له طرفان(٣) .
ومستند الثمانين قد انتزع من مشورة عمر الصحابة في حدّ الخمر، فقد صحّ عن عليّ قوله - في تلك المشورة: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدّوه حدّ المفتري، وعن ابن عوف قوله: اجعله كأخفّ الحدود ثمانين(٤) ، فانتهى رأي الصحابة إلى الثمانين.
والغريب أنّ هناك مَن ظنّ غير الحقّ، وهو خلو الشريعة من حكم الجلد، وأنّ الشارع صلّى الله عليه وآله لم يضع حداً كما صرّح به ابن حزم في المحلّى عن البعض(٥) .
____________________
(١) التهذيب ١٠: ٩٠، ح ٣٤٨، الكافي ٧: ٢١٤، باب ما يجب فيه الحد، ح ٤.
(٢) الفقه على المذاهب الأربعة ٥: ٣١ - ٣٢ وانظر المغني ٩: ١٣٧.
(٣) المغني ٩: ١٣٧.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المحلّى ١١: ٣٦٤.
وليس هنا محلّ مناقشة ما نقله ابن حزم وردّه، إلاّ أنّنا نشير إلى أنَّ القول بهذه الدعوى يلزم منه القول بنقصان الشريعة ولغويّة قوله تعالى (تبياناً لكلّ شيء) وهذا ما لا يقول به أحد من المسلمين.
وأمّا مَن استدلّ على الأربعين بفعل النبيّ أنّه صلّى الله عليه وآله ضرب بالشيء الذي له طرفان أو بنعلين فهو - إن صحّ - أقربُ إلى القول بالثمانين؛ لأنَّ العرف لا يعدّ الضرب بنعلين جلدةً واحدة بل يعتبرها جلدتين، وهذا دليل للثمانين لا الأربعين.
وقد اشتُهر عن عمر أنّه حدّ في الخمر - قبل مشورته للصحابة - بأربعين وبستّين إلى أن استقّر رأيه على الثمانين بعد المشورة، وجاء عنه أنّه نفى شارب الخمر وقال بعد ذلك: لا أُغرّب أحداً بعده(١) .
فمدرسة التعبّد المحض تقطع بأنّ حكم الثمانين لم يكن رأياً عن عليّ، بل هو ممّا ثبت عن رسول الله، بقرينة ضربه صلّى الله عليه وآله في الخمر بنعلين، وبدليل كتاب عليّ عليه السلام الذي هو بخطّ عليّ وإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله.
والعجيب من السرخسيّ ادّعاؤه في المبسوط أنّ الحكم بالثمانين كان استنباطاً من عليّ(٢) ، ولم يفطن إلى أنّ كلامه عليه السلام كان قد أخذه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإنّما جاء بذلك التعليل تقريباً للإفهام وترسيخاً لحكم رسول الله.
الثاني:
هو توسعة موضوع الخمر لكّل ما من شأنه الإسكار - كثيره، أو قليله الذي لا يسكر - وهذا هو الذي أجمعت عليه مدرسة التعبّد المحض.
وأمّا مدرسة الاجتهاد، فقد وقعوا في اختلاف شديد في هذه المسألة، فمنهم من وافق مدرسة التعبّد وذهب إلى حرمة كلّ مسكر على أنّه اسم جامع لكلّ ما من شأنه الإسكار، وإن لم يسكر قليله، كالشافعيّة والمالكيّة وغيرهم، فعن ابن حجر أنّه قال
____________________
(١) المحلّى ١١: ٣٦٥.
(٢) المبسوط ٢٤: ٣٢.
في سبل السلام ما معناه:... ذهبت الشافعيّة والمالكيّة وغيرهم إلى حرمة كلّ مسكر، سواء كان من عصير أو نبيذ، ولا يجوز تناوله مطلقاً وإن قلّ ولم يسكر إذا كان في ذلك الجنس صلاحيّة الإسكار(١) .
ومنهم مَن ذهب إلى جواز شرب النبيذ الذي قليله لا يسكر، ومنهم اعتبروا أنّ شرب كثيره ليس بحرام، كإبراهيم النخعيّ، وسفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى وشريك وابن شبرمة، وأبي حنيفة، وسائر فقهاء الكوفيّين وأكثر علماء البصريّين؛ إذ قالوا: إنّ المحرّم من سائر الأنبذة هو السكر نفسه لا العين(٢) .
قال ابن قدامة: وقالت طائفة، لا يُحدّ إلاّ أن يَسْكَر، ومنهم أبو وائل والنخعيّ وكثير من أهل الكوفة وأصحاب الرأي.(٣)
وبقولهم هذا تراهم قد اشترطوا كون الإسكار فعليّاً، وهو خلاف ما قدّمناه عن مدرسة التعبّد المحض والشافعيّة والمالكيّة الذين يعتقدون بحرمة شرب كلّ ما له أهليّة الإسكار، وبما أنَّ النبيذ له هذه الخصوصية فهو محرّم عندهم ولا يجوز شربه قليلاً أو كثيراً.
وقد استحسن هذا الحكم من الشيعة حتّى أعداؤهم لموافقته للفطرة والعقل، فقال موسي جار الله: يعجبني دين الشيعة في تحريم كلّ شراب يسكر كثيره، ما أسكر كثيره فقليله حرام. حتّى أنَّ المضطر لا يشرب الخمر ساعة الاضطرار؛ لأنّها قاتلة. والشيعة تحرّم الجلوس على مائدة كانت أو تكون فيها الخمر.
واستحسنت كلّ الاستحسان مذهب الشيعة الإماميّة في مسائل الطلاق وبعض ما تراه الشيعة في أُصول المواريث(٤) .
وقد اشمأزّ ابن حزم في محلاّه من القائلين بالرأي الأوّل وتهجّم عليهم، ثمّ ذهب
____________________
(١) سبل السلام ٤: ٣٣.
(٢) انظر بداية المجتهد ١: ٣٤٥.
(٣) المغني ٩: ١٣٦.
(٤) الوشيعة في نقد عقائد الشيعة: ١١٨ - ١١٩ و ١٤٠.
إلى ما تقوله مدرسة التعبّد المحض، لقوله: (... فهذه الآثار المتظاهرة الثابتة الصحاح المتواترة عن: أُمّ المؤمنين وأبي هريرة وأبي موسى وابن عمر وسعد بن أبي وقاصّ وجابر بن عبد الله والنعمان بن بشير والديلم بن الهوشع، كلّهم عن النبيّ! بما لا يحتمل التأويل ولا يُقَدر فيه على حيلة، بل النصّ على تحريم الشراب نفسه إذا أسكر، وتحريم شراب العسل وشراب الشعير وشراب القمح إذا أسكر، وشراب الذرّة إذا أسكر، وتحريم القليل من كلّ ما أسكر كثيره، بخلاف ما يقول مَن خذَله الله تعالى وحرمهُ التوفيق...) إلى أن يقول:
(وجلح(١) بعضهم بعدم الحياء في بعض هذه الآثار، وهو قوله صلّى الله عليه وآله:كلّ مسكر حرام... فقال: إنّما عَنَى الكأس الأخير الذي يسكر منه).(٢)
ويعني ابن حزم بقوله: (بخلاف ما يقول مَن خذله الله تعالى وحرمه التوفيق) أبا حنيفة وأتباعه؛ لأنّهم جوّزوا درديّ الخمر(٣) على كراهة وقالوا: لا يحدّ من شربه إلاّ أن يسكر، فإن سَكَر حُدَّ، على ما نقله هو عنهم في المحلّى(٤) .
ونحن نعلم من النصّ السابق (إنّما عنى الكأس الأخير الذي يسكر منه) جواز شرب قليل المشروبات أو النبيذ؛ لأنّه لا يسكر فعلاً، دون الكأس الأخير الذي يتحقّق به الإسكار، فيجلد لذلك لا للكؤوس الأُولى منه.
والذي يظهر للمتتبِّع في مفردات تاريخ التشريع الإسلاميّ هو أنّ حجّة مَن ذهب إلى هذا القول هو فعل الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب وقوله فيه برأيه.
فقد ورد عنه: أنّ أعرابيّاً شرب من شرابه، فجلده عمر الحدّ، فقال الأعرابيّ، إنّما شربت من شرابك، فدعا عمر بشرابه فكسره بالماء ثمّ شرب، ثمّ قال: مَن رابه من
____________________
(١) جلح هو بمعني كابر.
(٢) المحلّى ٧: ٥٠٠.
(٣) درديّ الخمر: هو المتبقّي منه، وهو في نفسه خميرة لصنع خمر آخر.
(٤) المحلّى ٧: ٤٩٢.
شرابه شيء فليكسره بالماء(١) .
وعنه أنّه قال: إنّا لنشرب هذا الشراب الشديد لنقطع به لحوم الإبل في بطوننا أن تؤذينا، فمَن رابه من شرابه شيء فليمزجه بالماء(٢) . وقال أيضاً: إنّي رجل معجار البطن - أو معسار البطن - فأشرب هذا السويق فلا يلاؤمني، وأشرب هذا اللبن فلا يلاؤمني، وأشربُ هذا النبيذ الشديد فيسهِّل بطني(٣) .
ويظهر مدّعانا واضحاً بجلاء فيما جاء عن أبي حنيفة - في بعض النصوص - وأنّه قد احتجّ على دعواه في حلِّيَّة قليل ما أسكر كثيرُهُ بسيرة الخليفة عمر بن الخطّاب فيه.
فقد ورد عن عبيد الله - بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب - أنّه اعترض على أبي حنيفة في النبيذ، فقال أبو حنيفة: أخذناه من قِبَلِ أبيك، قال: وأبي مَن هو؟ قال: (حدثونا من قِبل أبيك رحمة الله عليه قال): إذا رابكم فاكسروه بالماء.
فقال عبيد الله العمريّ: إِذا تيقّنت به ولم تَرْتَبْ، كيف تصنع؟ قال: فسكت أبو حنيفة(٤) .
فتراهم يتمسّكون بأبعد الدلالات لكي يصلوا إلى نتيجة ما في هذا الفرع الفقهيّ؛ فلذلك وقعوا في اختلافات شديدة ووصلوا إلى نتائج متضاربة بعد أن تركوا النصوص الصحيحة الصريحة الواردة في كتاب عليّ والواردة عن أهل بيته.
وكأنّي أرى الحكّام - أٌمويّين وعبّاسيّين - سعوا في التأكيد على هذا الحكم مشترطين فيه الإسكار الفعليّ؛ لكي يصرفوا الناس عن انتقادهم، ولكي يتسنّى لهم أن يشربوا المسكرات والنبيذ كما يحلو لهم دون أيّ رادع ولا وازع، مستغلِّين جواز شرب النبيذ الشرعيّ، بمعنى إلقاء بعض التمرات في الماء الآجن لتذهب ملوحته، فاستغلّوا هذا الترخيص الشرعيّ من قبل الرسول وسرَّوا الحكم إلى ما نشّ من النبيذ،
____________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٤: ١٢٦.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٧٩، ح ٢٣٨٧٥، المحلّى ٧: ٤٨٧.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٨٠، ح ٢٣٨٧٩.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٨: ٣٠٦ والنص عنه، وسنن الدارقطني ٤: ٢٦١، وما بين القوسين عنه.
ثمّ اشترطوا في الحرمة الإسكار الفعليّ.
قالوا بهذا وهم يعلمون أنّ رسول الله قال:لتستحلنّ طائفة من أُمّتي الخمر باسم يسمّونها إيّاه . رواه أحمد وابن ماجة(١) .
وروي عنه أنّه قال:لا تذهب الليالي والأيّام حتّى تشرب طائفة من أُمّتي الخمر ويسمّونها بغير اسمها . رواه ابن ماجة(٢) .
وإذا أردنا تطبيق إخبار النبّي هذا على الواقع الخارجيّ؛ وجدنا أنّ كبار الصحابة كانوا لا يشربون النبيذ - إلاّ ما ورد عن عمر مجتهداً في حليّة ذلك؛ لأنّه قد دعا بالنبيذ ليشربه حتّى قبل مقتله(٣) - ووجدنا أئمّة أهل البيت يحرّمونه تحريماً قطعيّاً، فلم يبق إلاّ أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أشار بذلك إلى الحكّام - أمويّين كانوا أم عبّاسيّين - الذين شربوا ذلك فعلاً، وجاوزوه حتّى شربوا الخمر الصراح.
وعلى كلّ حال فإنّ هذا الخلط بين الأُصول والمفاهيم لم يحصل لو كان هناك تدوين ثابت عند المسلمين، ولو أنّ الخلفاء تركوا المسلمين ليأخذوا معالم دينهم عن المدوّنات - ومنها كتاب عليّ - لكان أَعْوَدَ على الإسلام، وأنفعَ للمسلمين، ولما وصل الاختلاف بالأُمّة إلى هذا الحدّ في المسائل الفقهيّة.
٤ - ديّة الأسنان
روى الحكم بن عيينة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنَّ بعض الناس في فيه اثنان وثلاثون سنّاً، وبعضهم له ثمانية وعشرون سنّاً، فعلى كم تقسّم ديّة الأسنان؟ فقال:الخلقة إنّما هي ثمانية وعشرون سنّاً، اثنتا عشرة في مقاديم الفم. وستّ عشرة في مآخيره، فعلى هذا قسّمت ديّة الأسنان، فدية كلّ سنّ من المقاديم إذا كسرت حتّى
____________________
(١) الفقه على المذاهب الأربعة ٥: ٢١.
(٢) الفقه على المذاهب الأربعة ٥: ٢١ أيضاً.
(٣) ففي السنن الكبرى للبيهقي ٣: ١١٣ عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: شهدت عمر بن الخطاب حين طعن... فأتاه الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ فقال: النبيذ، فدعي بالنبيذ فشرب منه فخرج من إحدى طعناته.
تذهب خمسمائة درهم، فديتها كلّها ستّة آلاف درهم، وفي كلّ سنّ من المآخير إذا كسرت حتّى تذهب، فإنّ ديّتها مائتان وخمسون درهماً، وهي ستّة عشر سنّاً. فديّتها كلّها أربعة آلاف درهم، فجميع ديّة المقاديم والمآخير من الأسنان عشرة آلاف درهم، وإنّما وضعت الديّة على هذا، فما زاد على ثمانية وعشرين سنّاً فلا ديّة له. وما نقص فلا ديّة له، هكذا وجدناه في كتاب عليّ ...(١) .
ورواه الصدوق بإسناده عن ابن محبوب مثله(٢) .
وعن محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوب نحوه(٣) .
وقد عمل بهذا فقهاء الإماميّة؛ لأنّه قد جاء في كتاب عليّ، ولأجله لم يختلفوا في هذا التقسيم، ففي جواهر الكلام:
وفي إذهابها أجمع الديّة كاملة بلا خلاف أجده فيه... بل عن ظاهر المبسوط الإجماع عليه، بل هو صريح محكي التحرير... وتقسّم الديّة على ثمانية وعشرين سنّاً، بل عن الخلاف أنَّ عليه إجماع الفرقة وأخبارها... ففي المقاديم ستمائة دينار [ وهي ستة آلاف درهم ] حصة كل سنّ خمسون ديناراً [ وهي خمسمائة درهم ]، وفي المآخير أربعمائة دينار [ وهي أربعة آلاف درهم ]، حصّة كلّ ضرس خمسة وعشرون ديناراً [ وهي مائتان وخمسون درهماً... ] وذلك تمام الديّة...(٤) .
وأجمعت الإماميّة أيضاً على أنَّ الزائد ليس فيه ديّة السن كاملة، وإنّما فيه ثلث الديّة أو الأرش أو المصالحة أو... وعلى كلّ التقادير فليس فيه ديّة السنّ، وهذا هو معنى ومؤدّى الرواية التي تنصّ على أنّ هذا الحكم هو عن كتاب عليّ عليه السلام.
فإذن نصّت الرواية - التي في كتاب عليّ - على أنَّ ديّة الأسنان ديّة كاملة، وأنَّ في المقاديم التي هي اثنا عشر سنّاً ستمائة دينار، لكلّ سنّ خمسون ديناراً (٥٠٠ درهماً)،
____________________
(١) الوسائل ٢٩: ٣٤٣، ح ٣٥٧٤٠، التهذيب ١٠: ٢٥٤، ح ١٠٠٥، الاستبصار ٤: ٢٨٨، ح ١٠٨٩.
(٢) مَن لا يحضره الفقيه ٤: ١٣٧، ح ٥٣٠٤.
(٣) التهذيب ١٠: ٢٥٥، ح ١٠٠٦، الاستبصار ٤: ٢٨٨، ح ١٠٩٠.
(٤) جواهر الكلام ٤٣: ٢٢٩ - ٢٣١.
وفي مآخيرها أربعمائة دينار، لكلّ سنّ خمسة وعشرون ديناراً (٢٥٠ درهماً)، فالمجموع ألف دينار (١٠/٠٠٠ درهم) وهي ديّة الأسنان كاملة، وهي تساوي ديّة الإنسان كاملةً.
وأمّا مَن لم يأخذوا - أو لم يصلهم - ما في كتاب عليّ عليه السلام، فإنّهم اختلفوا اختلافاً كثيراً، وذهبوا مذاهب شتّى، وفق اختلاف نقولاتهم وآرائهم.
فقد روي عن عطاء أنّه قال: في السنّ والرباعيّتين خمس خمس، وفي الباقي بعيران بعيران. وهي الرواية الثانية عن عمر(١) .
وأمّا روايته الأُولى فتنصّ على أنّ الديّة في الباقي بعير لا بعيران في الأضراس(٢) .
ومن جهة أُخرى نسب صاحب المغني إلى عطاء التسوية في مطلق الأسنان، المقاديم والمآخير، في كلّ واحد خمس من الإبل(٣) . وعلى هذا القول تكون ديّة الأسنان التي هي ثمانية وعشرون سنّاً مائة وأربعين بعيراً، أي أنّ ديّة الأسنان لوحدها أكثر من ديّة الإنسان كاملةً.
وروي عن ابن عبّاس وعمرو أنّه يجب في كلّ ثنيّة خمسون ديناراً. وفي الناجذ أربعون، وفي كلّ ضرس خمس وعشرون(٤) . وعلى هذا النقل يكون للخليفة عمر بن الخطّاب رأي ثالث في ديّة الأسنان.
وللخليفة عمر رأي رابع في ديّة الأسنان نقله صاحب المغني، وأنّ الديّة هي التسوية بين الجميع(٥) . ونُسب هذا الرأي لابن عبّاس وعطاء أيضاً(٦)
____________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٣٦٦، ح ٢٦٩٧٨، مصنف عبد الرزاق ٩: ٣٤٥، باب الأسنان.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٣٦٧، ح ٢٦٩٨، ومثله في الموطّأ ٢: ٨٦١، ح ١٥٥٤ مختصراً، ونحوه في مصنف عبد الرزاق ٩: ٣٤٧، والسنن الكبرى للبيهقي ٨: ٩٠، باب الأسنان، عن الموطّأ، والمغني ٨: ٣٥٣.
(٣) المغني ٨: ٣٥٣ باب الأسنان.
(٤) نيل الأوطار ٧: ٢١٧.
(٥) المغني ٨: ٣٥٣.
(٦) المصدر نفسه.
فالملاحظ هنا أنّ للخليفة عمر أربعة آراء في ديّة الأسنان. ولعطاء وابن عبّاس أكثر من رأي منسوب لهما، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدّل على ارتباك النقل عن الصحابة أو الناقلين عنهم، وإلاّ فإنّ من المعلوم بديهةً أنّ الديّة لا تتغيّر كلّ يوم. ولا يمكن أن يكون لها كلّ وقت مقدار مغاير للمقدار الذي حدّده الشارع المقدّس. وهذا الاختلاف في النقل لا تجده عند أتباع مدرسة التعبّد المحض؛ لاعتمادهم على ما في كتاب عليٍّ المدوّن - القديم الأصيل - عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولو قُدِّرَ لأتباع مدرسة الرأي والاجتهاد أن تعمل بما في كتاب عليّ؛ لما وجدنا شيئاً من هذا التغاير العجيب عن الصحابيّ الواحد في المسألة الواحدة.
ومع أنّ النقل عن عليّ عليه السلام وأئمّة أهل البيت ثابت وصحيح في مقدار الديّة المذكور؛ نرى أنّ مدرسة منع التدوين تأخذ بالثابت الصحيح وتؤوّله وفق رأيها واجتهادها، فإنّ عمدة دليل أكثر أتباع مدرسة الرأي القائلين بالتسوية هو ما روي في كتاب عمرو بن حزم (في السنّ خمس من الإبل)(١) . وهذا لا يدلّ على العموم الذي يدّعونه؛ لأنّ التعبير بالسنّ، مع تعبير أحاديث أُخرى، بالأضراس والثنايا وغيرها، يبطل العموم والإطلاق المدَّعى لهذا النصّ بحيث يشمل الأضراس والمآخير وغيرها، فإنّ عمرو بن حزم الذي بعثه صلّى الله عليه وآله إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات(٢) نُقل عنه هذا المقدار في الديّة، وهذا المقدار معتضد بما نقله أئمّة أهل البيت - كما سترى - لكنّ هذا النقل المبتور دون بيان الوجه والتفصيل، ودخول الرأي والاجتهاد هو الذي أوقع أتباع مدرسة الرأي والاجتهاد في هذا الخطأ الذي أفتوا به.
فقد روي عن جعفر بن محمّد الصادق أنّه قال:في السنّ خمس من الإبل، أدناها وأقصاها وهو نصف عشر الديّة، إن كانت دنانير فدنانير، وإن كانت دراهم فدراهم،
____________________
(١) المهذّب ٢: ٢٠٤.
(٢) سنن النسائي (المجتبى) ٨: ٥٧، ح ٤٨٥٣، المستدرك على الصحيحين ١: ٥٥٣، ح ١٤٤٦، السنن الكبرى للبيهقي ٤: ٨٩، ح ٧٠٤٧.
وإن كانت بقراً فبقراً، وإن كانت غنماً فغنماً، وإن كانت إبلاً فإبلاً. ..(١) .
فإنّ ما في هذه الرواية يراد منه المقاديم الاثنا عشر أقصاها وأدناها، وهو نصف عشر الديّة، فإن كانت إبلاً كان لكلّ سنّ خمس من الإبل، وإن كانت دنانير كان لكلّ سنّ خمسون ديناراً، وإن كانت دراهم كان لكلّ سنّ خمسمائة درهم، وأمّا ديّة باقي الأسنان فقد عَرَفْتَ إنّما فُصّلت في روايات أٌخرى، فما في كتاب عمرو بن حزم يوافق ما جاء عن أهل البيت. وهذا من فوائد التدوين، لكنّ التأويل وعدم الالتفات إلى النكت الأُخرى والتفاصيل التي في باقي المروّيات، والتعميم الذي جاء في غير محلّه، هو الذي أوقع أتباع مدرسة الرأي والاجتهاد في هذا الغلط والاختلاف في مقدار ديّة الأسنان.
وأمّا استدلالهم بما روي عن ابن عبّاس من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: (الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء. هذه وهذه سواء)(٢) فهو على تقدير صحّة نقله ليس بمدوّن، وهو معارَضٌ بما مرّ نقله من اختلاف النقول عن الصحابة والتابعين والفقهاء.
هذا، ونرى الإمام أحمد بن حنبل - الذي هو محدِّث وراوٍ أكثر من كونه فقيهاً بإجماع المسلمين - يذهب إلى رأي يخالف فيه كلّ فقهاء العامّة ومنقولاتهم، ويوافق فيه ما ورد عن أهل البيت وأتباع مدرسة التعبّد المحض.
فقد ذهب الإمام أحمد إلى أنّ الديّة في المقاديم ستمائة دينار (٦٠٠٠ درهم) وفي المآخرِ أربعمائة دينار (٤٠٠٠ درهم)، وهما تمام الديّة، وقد صرَّح بذلك عنه النوويّ في المجموع(٣) ، وهو ظاهر المغني(٤) .
____________________
(١) التهذيب ١٠: ٢٦١، ح ١٠٣٠، الاستبصار ٤: ٢٨٩، ح ١٠٩٣ مختصراً، الوسائل ٢٩: ٣٤٤، ح ٣٥٧٤٤.
(٢) المغني ٨: ٣٥٥.
(٣) المجموع ١٩: ٩٩.
(٤) المغني ٨: ٣٥٣.
بعد هذه النماذج اليسيرة التي أخذناها، اتّضح لنا أهمّيّة التدوين وقيمة مدوّنة وكتاب عليّ عليه السلام، وأنّ الآخذين بالتدوين من أتباع مدرسة التعبّد المحض هم أقرب للصواب وأصحّ منقولاتٍ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، بعكس أتباع مدرسة الرأي والاجتهاد المانعين للتدوين، فإنّهم ابتعدوا عن التدوين والمدوّنات فوقعوا في الاختلاف والحيرة وتعدّد الآراء، وإن وصلهم شيء من الأحكام عن طريق بعض المدوّنات، فإنّما هو نقل ناقص تدخّلت فيه الآراء والاجتهادات، فأبعدته هو الآخر عن جادّة الصواب، وبالتالي أصبح الفقه الإسلاميّ عند مدرسّة الرأي والاجتهاد فقهاً يبتني على الآراء، والرأي بطبيعته مختلف، ولذا ترى تعدّديّة الرأي، بعكس الفقه عند التعبّد المحض والمدوّنين للسنّة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله والمحافظين عليه من بعده، فإنّه ظلّ أبعد ما يكون عن الخطأ والتغيّر والنقصان، مع وضوحٍ في وجوه التفصيل وترابطٍ في المنقولات عن المدوّنات، بحيث خرجوا بحكم واحد لا شبهة ولا شائبة فيه.
ونحن نهيب بالباحثين أن يدرسوا ما نقل من كتاب عليّ في الفقه الإسلامي دراسة تمحيصية؛ لتتبيّن أكثر فأكثر أهميّة التدوين عموماً، وما في هذه الصحيفة المدوّنة بالذات.
دواعي التحريف والانحراف عند النهجين
أوضحت دراستنا - فيما مرّ - بعض أُصول الخلاف بين المدرستين، التي نبعت واتّسعت متأثّرة بمنع التحديث والتدوين، وأوصلتنا وأوصلت معنا القارئ إلى نتائج مثمرة بأكبر رصيد من الصحّة حول بنَى المدرستين (الاجتهاد والرأي) و(التعبّد المحض)، واتّضح لنا الأثر الإيجابيّ الذي خلّفه التدوين على فقه المدوّنين، والسلبيّ على فقه المانعين، وبالتالي عرفنا قيمة المخزون الفقهيّ لكلتا المدرستين.
والآن نحاول عرض حصائلنا ووزنها بميزان آخر لمعرفة مدى تلائم كلّ من الاتّجاهين مع السير الطبيعيّ للسنن التاريخيّة وقواعد علم الاجتماع والأخلاق، ومدى انسياقها وتلائمها مع الظروف المختلفة التي أحاطت بهما؛ لنعرف أيّ المدرستين أبعد من التحريف والانحراف، وأيّهما أقرب لذلك.
فعن عليّ بن أبي طالب في خطبة له:
(ولقد بلغني أنّكم تقولون (عليٌّ يكذب) قاتلكم الله، فعلى مَن أكذب؟! أعلى الله، فأنا أوّل مَن آمن به، أم على نبيّه؟ فأنا أوّل من صدَّقه) (١) .
وهذا النصّ يختزن في طيّاته أدقّ وأروع معاني الاحتجاج والتنظير، وهو يشير إلى تأزّم مرض أخلاقيّ اجتماعيّ مُني به مجتمع كامل - أو شريحة كبيرة منه - إذ صَبَّت جام غضبها وكذبها على شخصيّة في أعلى درجات النزاهة والوضوح.
من هنا استدلّ الإمام على بطلان مزاعم تلك الشريحة بأنّ الكاذب لابُدّ وأن تكون
____________________
(١) نهج البلاغة ١: ١١٩، الخطبة رقم ٧١.
له دوافع ذاتيّة أو خارجيّة تحدو به لأن يتّخذ الكذب مطيّة إلى مآربه وأهدافه. فإنّ الكاذب إمّا أن يكون مصاباً بعمى القلب والانهماك في المحرّمات والعصيان والتمرّد، ممّا يجعله شخصاً يستطيب ويستعذب الكذب، ولا يرتدع عن ارتكاب أقبح وأسوء الصفات.
وإمّا أن يكون ممّن يرجو مطمعاً ويبتغي عرضاً من الحياة الدنيا، فلا يمكنه الوصول إليه عن طريق الصدق، ممّا يضطرّه إلى أن يكذب ليصل إلى بغيته وطلبته.
وإمّا أن يكون جباناً يخاف عاقبة أمره، وأن يطاله العقاب القانونيّ الدنيويّ، فيلجأ إلى الكذب للتخلّص من المأزق الذي هو فيه.
وإمّا أن يكون للتخلّص من سؤال محرج لا يهتدي فيه إلى وجه الصواب، فيتّخذ الكذب غطاءً ليغطّي عجزه وعوزه للدليل، و...
والذي يتصفَّح التاريخ الإسلاميّ، يرى أنّ غالبية الكاذبين على الله ورسوله كانوا ذوي نزعات جاهليّة أو ميول نفسانيّة أو عجز فكريّ فاضح، وهم في الغالب ممّن أسلموا خوفاً من السيف أو اندسّوا في صفوف المسلمين كمسلمة الفتح ومن بعدهم، وكالمنافقين و...
وهذه الدواعي وما ضارعها، كلّها منتفية في حقّ عليّ بن أبي طالب؛ لأنّه الصحابيّ المخلص - الذي له أروع المواقف وأعلى الصفات - بلا خلاف بين المسلمين، كما أنّه ينتمي إلى شأوٍ نسبيّ رفيع لا يحتاج معه إلى رفع رافع ولا يضطرّ معه إلى الكذب - والعياذ بالله - لتغطية النقص الاجتماعيّ الذي يحصل من ذلك؛ ولأجل ذلك تراه يقول:(فعلى مَن أكذب، أعلى الله فأنا أوّل مَن آمن به، أم على نبيّه، فأنا أوّل مَن صدّقه) .
وقد صدق عليٌّ في قوله، إذ لا داعي لمثل ذلك، وهو الذي نزل فيه وفي آله الذكر الحكيم، كما في آيات التطهير، والمباهلة، والمودّة في القربى، وسورة الدهر، وقوله تعالى:
( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا ) و( كونوا مع الصادقين ) ( وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ) و( يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم ) و( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) و( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) و( إنّما أنت منذر ولكلّ قومٍ هادٍ ) و( إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومَن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون ) (١) و...
فما هو الوجه والمبرّر لئن يكذب عليُّ على الله، بعد هذا إذَن؟!
وأمّا الكذب على رسوله، فإنّه شأن المتملّقين وأصحاب الأهواء والمطامع وأعداء الإسلام والمندسّين في صفوف المسلمين، الذين آذوا الرسول وكذّبوه، مخافةَ كشف أمرهم، وهم الذين رموه بالقمامة، وجعلوا في طريقه الشوك و...
وأمّا عليّ بن أبي طالب فهو ابن عمّه، والمدافع عنه بنفسه ومهجته، وهو أوّل مَن صدّقه بالنبوّة والرسالة، ونام على فراشه درءاً للخطر عنه صلّى الله عليه وآله، فمن كان هذا حاله، فهل يعقل أن يكذب على الرسول صلّى الله عليه وآله؟! ونحن نرى مئات النصوص منه صلّى الله عليه وآله في مدحه عليه السلام، منها قوله عنه:(إمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين) (٢) وفي آخر:(هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور مَن نصره، مخذول مَن خذله) (٣) . وفي ثالث:(أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمَن أراد العلم فليأت من الباب) (٤) ، وقوله:(أنت تُبَيِّن لأمّتي ما
____________________
(١) انظر مصادر نزول هذه الآيات وغيرها في عليّ وآله في كتاب المراجعات، المراجعة (١٢) صفحة ٨٧.
(٢) انظر مصادر نزول هذه الآيات وغيرها في عليّ وآله في كتاب المراجعات، المراجعة (١٢).
(٣) المستدرك للحاكم ٣: ١٤٠، ح ٤٦٤٤ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، تاريخ بغداد ٤: ٢١٨، ت ١٩١٥.
(٤) المعجم الكبير ١١: ٦٥، ح ١١٠٦١ عن ابن عباس، وانظر أيضاً المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٧، ح ٤٦٣٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه و ٣: ١٣٨، ح ٤٦٣٨ عن جابر بن عبد الله، فيض القدير ١: ٣٦.
اختلفوا فيه من بعدي) (١) وقوله:(أنا المنذر وعليّ الهادي، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون (٢) من بعدي) وقوله لعليّ:(إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملّتي وتقتل على سنّتي، مَن أحبّك أحبّني، ومَن أبغضك أبغضني، وإنّ هذه ستخضب من هذا، يعني لحيته من رأسه) ...(٣) .
وقد أخرج أحمد بسند صحيح عن ابن عمر والحاكم عن عمر بن الخطاب قوله - والنص للثاني -: لقد أُعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأَن تكون لي خصلة منها أَحب إليّ من أن أُعطى حمر النعم.
قيل: وما هنّ يا أمير المؤمنين؟
قال: تزوّجه فاطمة بنت رسول الله، وسكناه المسجد مع رسول الله يحلّ له فيها ما يحلّ له، والراية يوم خيبر(٤) .
وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقّاص(٥) وابن عبّاس قريباً منه(٦) .
وعن عليّ أنّه قال:إنّ ممّا عهد إليّ النبيّ أنّ الأُمّة ستغدر بي بعده )(٧) .
وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله لعليّ:أما إنّك ستلقى بعدي جهداً ، قال:في
____________________
(١) المستدرك، للحاكم ٣: ١٣٢، ح ٤٦٢٠، حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٢) تفسير الطبري ١٣: ١٠٨ عن ابن عباس، وفتح الباري ٨: ٣٧٦، وتفسير ابن كثير ٢: ٥٠٣، والدر المنثور ٤: ٦٠٨.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ١٥٣، ح ٤٦٨٦ صحيح، وصحّحه الذهبيّ في تلخيصه، وانظر مسند البزار ٩: ٣٢٢، ح ٣٨٧٣، تاريخ دمشق ٤٢: ٢٦٩، وجاء مثله من طرق الشيعة كما في كمال الدين: ٢٥٧ للصدوق عن ابن سمرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال له: يابن سمرة! إذا اختلفت الأهواء وتفرّقت الآراء فعليك بعليّ بن أبي طالب فإنّه إمام أُمّتي وخليفتي عليهم من بعدي.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٣٦٩، ح ٣٢٠٩٩، والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٥، ح ٤٦٣٢، مجمع الزوائد ٩: ١٢٠.
(٥) صحيح مسلم ٤: ١٨٧١، ح ٢٤٠٤، سنن الترمذي ٥: ٦٣٨، ح ٣٧٢٤.
(٦) المعجم الأوسط ٨: ٢١٢، ح ٨٤٣٢، مجمع الزوائد ٩: ١٢٠، المستدرك ٣: ١٢٠، ح ٤٥٨٢، الاستيعاب ٣: ١٠٩٠، باب علي (رض)، تاريخ دمشق ٤٢: ٧٢.
(٧) مسند الحارث ٢: ٩٥٢، ح ٩٨٤، مسند البزار ٣: ٩٢، ح ٨٦٩، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠، ح ٤٦٧٦ و ١٥٣، ح ٤٦٨٦.
سلامة من ديني؟ قال:في سلامة من دينك. (١) وغيرها.
فمَن كان هذا حظّه من الله ورسوله، فهل هناك من داعٍ لأن يكذب على الله ورسوله؟! ولو قرأنا في نصّ للذهبيّ، لعرفنا هذه الحقيقة - من حيث يشعر أو لا يشعر الذهبيّ - وهو قوله عن محمّد بن الحسن المهديّ المنتظر: خاتمة الاثني عشر سيّداً الذي تدّعي الإماميّة عصمتهم، ومحمّد هذا هو الذي يزعمون أنّه الخلف الحجّة، وأنّه صاحب الزمان، وأنّه حيّ لا يموت حتّى يخرج فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً. فوددنا ذلك، والله.
فمولانا عليّ: هو من الخلفاء الراشدين.
وابناه الحسن والحسين سبطا رسول الله صلّى الله عليه وآله، سيّدا شباب أهل الجنّة، لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك.
وزين العابدين: كبير القدر، ومن سادة العلماء العاملين، يصلح للإِمامة.
وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر: سيّد، إمام فقيه، يصلح للخلافة!
وكذا ولده جعفر الصادق: كبير الشأن، من أئمّة العلم، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور.
وكان ولده موسى: كبير القدر، جيّد العلم، وأولى بالخلافة من هارون.
وابنه عليّ بن موسى الرضا: كبير الشأن، له علم وبيان، ووقع في النفوس، صيّره المأمون وليّ عهده، لجلالته.
وابنه محمّد الجواد: من سادة قومه.
وكذلك ولده الملقّب بالهادي: شريف جليل.
وكذلك ابنه الحسن بن عليّ العسكريّ رحمهم الله تعالى(٢) .
كيف لا يكونون كذلك وهم عِدْل القرآن - كما في حديث الثقلين - وهم أمان
____________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٣٧٢، ح ٣٢١١٧، مسند البزّار ٢: ٢٩٣، ح ٧١٦، مسند أبي يعلى ١: ٤٢٦، ح ٥٦٥، المستدرك على الصحيحين ٦: ٣٧٢، ح ٤٦٧٧. صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٢) سير أعلام النبلاء، للذهبيّ ١٣: ١٢٠ - ١٢١، ت محمد بن الحسن العسكري الإمام المنتظر.
لأهل الأرض من الغرق - كما في حديث السفينة - وللأُمّة من الاختلاف كما أخرجه الحاكم في مستدركه(١) .
١ - إنَّ نسبة التحريف إلى أئمّة التعبّد المحض - وهم أئمّة أهل البيت - معدومة إذا ما قويست بغيرهم؛ لأنَّ أئمّتهم هم عليّ والحسن والحسين و... وهم المطهّرون والصادقون بنصّ الذكر الحكيم والسنّة النبويّة، وقد وردت بحقّ أتباعهم والسائرين على نهجهم، كابن عبّاس وابن مسعود وأبي ذرّ وعمّار و... نصوص عن رسول الله في مدحهم، وهم أُناس معروفون بالنزاهة ولم يذعنوا للأهواء والتيّارات، ولم يُتَّهم واحد منهم بالكذب والوضع، بخلاف ما قد نراه بين أتباع مدرسة الرأي والاجتهاد من المتّهمين بالوضع والكذب، كأبي هريرة وسمرة بن جندب وكعب الأحبار و... وهذا فارق ملحوظ بين المدرستين، وهناك أمر آخر يلزم الإشارة إليه، وهو:
٢ - إنَّ أتباع التعبّد المحض كانوا يصرّون على نقل ما عرفوه وإن وضعت الصمصامة على أعناقهم، وكانوا لا يداهنون في أمر الدين، كما هو الملاحظ في موقف الإمام عليّ يوم الشورى وعدم قبوله سيرة الشيخين لتنافيها مع سنّة رسول الله(٢) ، أو كموقف الإمام الحسين من يزيد، أو غيرها من المواقف الثابتة، وذلك بعكس أتباع نهج الاجتهاد والرأي، الذين أشاروا على عليّ عليه السلام بأن يساوم ويجامل ويداهن في أيّام خلافته بحجّة أنَّ في ذلك صلاحاً ومصلحة للمسلمين، وأشاروا على الإمام الحسين أن يبايع يزيد ويسكت كما سكت الآخرون بحجّة أنَّ الخلاف شرّ، وأنَّ قضاء الله قابل للتأويل و و...
٣ - إنّ الشرائع السماويّة - طبق الاستقراء والمنهج التاريخيّ القرآنيّ - ما نبتت وترعرعت إلاّ في أحضان الفقراء والمستضعفين، قال سبحانه وتعالى:( قالوا أنؤمن
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٦٢، ٤٧١٥.
(٢) ومن ذلك كلام قيس بن سعد بن عبادة لمّا بايع الإمام الحسن، ففيه تعريض بالشرط الإضافي الذي أقحم لأخذ البيعة يوم الشورى؛ إذ قال للإمام الحسن بن علي: أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه فإنّه يأت على كل شرط. انظر تذكرة الخواص: ١٩٦.
لك واتّبعك الأرذلون ) (١) ، وقال:( وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) (٢) ، وقال تعالى حاكياً قول الكافرين في اعتراضهم على بعثة النبيّ:( لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ) (٣) ، فهذه الآيات تنصّ على أنّ المستضعفين (الأرذلون) كانوا هم المسارعين إلى الاعتقاد بشريعة السماء، وكان الأنبياء أيضاً من أُولئك الفقراء، لم ينزل عليهم كنز، ولم يأتوا للناس بالذهب والفضّة والملذّات والشهوات، وإنّما جاءوا بالزهد والتواضع وعدم البذخ.
وما كان المشركون والكفّار إلاّ من طبقة الأغنياء المترفين، الذين لا يتلائمون مع روح الشريعة ومفاهيمها التي تقيّدهم، ولا تجعل لهم ميزة أو علوّاً على الآخرين، وهذا ما لا يروق لهم ولا يعجبهم، قال تعالى:( زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة ) (٤) ، وقال حاكياً قول المترفين واعتراضهم على النبيّ:( فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ) (٥) وقد مرّ عليك كلامهم:( لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ) .
فالنبيّ صلّى الله عليه وآله، وبعد وقوفه على حالة الأُمّة، نراه يفتخر بالفقراء ويحتضنهم، وقد اتّبعه الفقراء العازفون عن الدنيا: كعمّار والمقداد وسلمان وأبي ذرّ وبلال الحبشيّ وصهيب الروميّ و...
وأمّا الأغنياء من أمثال: أبي لهب، وأبي جهل وأبي سفيان، فكانوا ممّن آذوه وألقوا في طريقه الشوك، وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان. وإذا لحظنا هذه السنّة القرانيّة وطبقّناها على مدرستي (التعبّد المحض) و(الاجتهاد والرأي)؛ لوجدنا أتباع مدرسة التعبّد غالبتيها الساحقة من الفقراء، فقد عاش أبو ذرّ ومات فقيراً، غريباً، طريداً، منفيّاً،
____________________
(١) الشعراء: ١١١.
(٢) هود: ٢٧.
(٣) هود: ١٢.
(٤) آل عمران: ١٤.
(٥) الزخرف: ٥٣.
وعاش عمّار كذلك حتّى استشهد ولم يترك شيئاً، وكذلك شأن الباقين من رؤساء هذه المدرسة وأتباعها.
وفي المقابل نرى الترف والبذخ عند عثمان بن عفّان، ومروان بن الحكم، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وقد ذكر المؤرّخون ما تركه هؤلاء من أموال وعقارات بعد وفاتهم.
وهذا الترف المتزايد لا يتلائم مع منطق الدين وأحكامه، وقد عرف الخلفاء والحكّام ذلك حقّ المعرفة، فعن العبّاس بن سالم قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي سلام الحبشيّ، فحمل على البريد، فلمّا قدم على عمر بن عبد العزيز، قال: يا أمير المؤمنين! لقد شقّ عَلَيَّ محملي على البريّة!
فقال عمر: ما أردنا المشقّة بك يا أبا سلام! ولكنّه بلغني عنك حديث ثوبان مولى رسول الله في الحوض، فأحببت أن تشافهني به، فقال أبو سلام: سمعت ثوبان مولى رسول الله يقول: سمعت رسول الله يقول:إنّ حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، أكاويبُهُ عدد نجوم السماء، مَن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أوّل الناس وروداً عليه الفقراء ، فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله مَن هم؟ قال:هم الشعثُ رؤوساً، الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعِّمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد.
فقال عمر بن عبد العزيز: لا جرَمَ والله لقد فتحتُ أبوابَ السدد، ونكحت المتنعمات: فاطمة بنت عبد الملك، إلاّ أن يرحَمَني الله، لا جرم لا أدهن رأسي حتّى يشعث، ولا أغسل ثوبي الذي على جسدي حتّى يتّسخ(١) .
ففي هذا صراحة أنّ الشعث رؤوسهم هم المجاهدون في سبيل الله العابدون له، الذين لم يلتهوا ببهارج الدنيا، فهم شعث الرؤوس ودنس الثياب لاشتغالهم بالجهاد
____________________
(١) مسند عمر بن عبد العزيز: ١١٩، ح ٦٣، مسند أحمد ٥: ٢٧٥، ح ٢٢٤٢١ مسند أبي داود الطيالسي: ١٣٤، ح ٦٥٥. والسدّة جمع السّدة، وهي كالظلّة على الباب لتقي الباب من المطر. (لسان العرب ٣: ٢٠٩).
والعبادة وعدم المبالاة بالدنيا، وقد اعترف ابن عبد العزيز بأنّه ليس من أُولئك، ثمّ أراد أن يلتحق بهم فظنّ أنَّ الاتّساخ - في الشَّعَر والملبس - هو سبيل الجنَّة، ولم يتنبّه إلى أنّ المراد منه هو عدم الاهتمام ببهارج الدنيا بحيث يبعده عن الجهاد في سبيل الله والعبادة الخالصة من حبّ الدنيا.
هذا، وقد اعترض سفيان الثوريّ على المنصور العبّاسيّ في إسرافه وتبذيره، فقال له المنصور: فإنّما تريد أن أكون مثلك؟!
فقال الثوريّ: لا تكن مثلي، ولكن كن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه. فقال له المنصور: اخرج(١) .
والذي يراجع التاريخ يقف على ما كان يفعله معاوية، ويزيد، ومروان، وعبد الملك، والوليد، وهشام بن عبد الملك، والمنصور، والمهدي، والرشيد وغيرهم من الشراهة والإسراف والتبذير في المطاعم ومجالس اللهو، وعدم المبالاة بتحريف الكتاب، والوضع على السنّة، وهؤلاء هم الذين دعوا إلى منع تدوين السنّة النبويّة ثم تدوينها حكومياً، وتصدّوا لمَذْهَبَة المسلمين بالمذاهب الأربعة، وهم الذين قد احتضنوا الرأي ودعوا إلى المصلحة والاجتهاد، وبالتالي فإنَّ نسبة احتمال التحريف والانحراف في ناس هذا شأنهم، يكون كبيراً جدّاً إذا ما قيس إلى مدرسة فقيرة قانعة بدين الله - أتباع مدرسة أبي تراب - فإنّها لا تحتاج إلى تبديل وتغيير الأحكام ثمّ اختلاق التأويلات لها.
٤ - إنّ التزلّف والتقرّب إلى السلاطين كان وما زال الداء العضال في الجبلّة البشريّة، فإنّ الحكومات المترفة كانت تحكّم الرشاوي والمحسوبيات في تقريب هذا وإبعاد ذاك، وهذا كلّه له الأثر الكبير في استقطاب ضعاف النفوس الذين يريدون إرضاء المخلوق ولو كان بسخط الخالق، وقد ورد هذا في معنى الحديث الشريف:
____________________
(١) الورع لأحمد بن حنبل: ١٩٤، حلية الأولياء ٧: ٤٣.
(أخسرُ الناس مَن باع آخرته بدنياه، وأخسر من ذلك منه مَن باع آخرته بدنيا غيره) (١) .
وقد برزت هذه الظاهرة بشكل خطير في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفّان - بعد أن كانت محدودة شيئاً ما في عهد أبي بكر وعمر - لأنّه قد مهّد الأمر لأن تكون الخلافة الإسلاميّة كسرويّة وقيصريّة؛ وذلك بتوليته أقاربه المناصب والولايات وإقطاعه القطائع وإعطائهم الأموال، حتّى نُقل أنَّ بعض المسلمين مات وترك من الذهب ما يكسَّر بالفؤوس(٢) ، وقد ثبت عن عثمان أنّه أعطى خمس إفريقيا وفدك هبة لعبد الله بن أبي سرح(٣) ، ومروان بن الحكم(٤) ، وغيرها من الأعطيات للآخرين من أقاربه، كلّ ذلك ليدافعوا عنه وعن مبادئه وآرائه التي أدَّت إلى انشقاق المسلمين، ثمّ الهجوم عليه وقتله.
نعم، إنّ بعض البوادر قد ظهرت في أوائل خلافة أبي بكر، كلبس خالد بن الوليد الخزّ وتعمّمه بعمامة غرزها بالسهام - عتوَّاً وكبراً - حتّى أنَّ عمر نزع عمامته من رأسه وكسَّر السهام وهدَّده بالرجم؛ لدخوله بزوجة مالك بن نويرة وهي في العدّة.
وقد سمّى عمر معاوية بـ (كسرى العرب) وأجاز له لبس ما يعجبه لكونه على قرب من الروم، وعلى كلّ حال فإنّ ظاهرة التزلّف إلى الحكّام كانت وما تزال هي سجيّة أصحاب القلوب الضعيفة.
وفي قبال كلّ هذا نرى الإمام عليَّاً يفتخر بما نعته رسول الله بـ (أبي تراب).
ويقول عن مدرعته(والله لقد رقعتُ مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها) (٥) وكان يأكل الخبز اليابس مع الملح أو اللبن، ولا يجمع بينهما؛ لأنّه يريد أن يلقى الله خميص البطن(٦) .
____________________
(١) مواهب الجليل، للحطاب الرعيني ١: ٤١ باب ترجمة الإمام مالك وتأليفه.
(٢) الطبقات الكبرى ٣: ١٣٦. وهو الصحابي عبد الرحمان بن عوف.
(٣) تاريخ الطبري ٢: ٦٥١.
(٤) الطبقات الكبرى ٣: ٦٤.
(٥) نهج البلاغة ٢: ٦٠، الخطبة ١٦٠.
(٦) شرح النهج ١٩: ١٨٧.
وقد جدّ في إرجاع أُعطيات عثمان للمتزلّفين وإيداعها في بيت المال حين ولي الأمر.
وبلغ الأمر به أن يحمي حديدة فيكوي بها يد أخيه عقيل؛ لأنّه طلب منه مالاً فوق حقّه.
أمَّا معاوية - وأضرابه - فقد استغلّ القصّاصين والوضّاعين وبذل الأموال لهم من أجل وضع المثالب في عليّ، ومنها: إعطاؤه سمرة بن جندب أربعين ألف دينار حتّى يروي أنَّ قوله تعالى:( ومن الناس مَن يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) نزلت في عليّ(١) .
ومنها: إطماع عمرو بن العاص بولاية مصر على أن يؤازره في حربه عليّاً عليه السلام، ومنها: تأويله لحديث رسول الله المشهور(يا عمّار، تقتلك الفئة الباغية) بأنّها تعني عليّاً؛ لأنّه هو الذي ألقاه بين الأسنّة والرماح. وغيرها الكثير ممّا لو أردنا استقصاءه لطال بنا المقام.
ومن هنا نخلص إلى أنّ مدرسة الاجتهاد كان يديرها الكبراء المترفون، وأنَّ مدرسة التعبّد المحض كان يتصدّرها الفقراء المضطهدون، فلا يمكن تصوّر التحريف عند المضطهَدين وأزمّة الأمور بيد الخلفاء! وقد قام المحقّق محمّد بن الوزير اليمانيّ بدراسة تتبَّع فيها أحاديث معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، توصَّل من خلالها إلى أنَّ الأحاديث المرويّة عن هؤلاء هي واحدة(٢) . وهذه الدراسة تؤكّد مدّعانا من أنَّ فقه الآنفين هو فقه واحد ويصبّ في مصبّ واحد، ويوضّح وحدة الاتّجاه بينهم.
ومن هذا الباب ما نراه من أنَّ الخلفاء - أمويّين وعبّاسيّين - كانوا يتّخذون القضاء كوسيلة لتحطيم شخصيّة المخالفين، واستغلالهم فتاوى الفقهاء لمصالحهم الشخصيّة.
____________________
(١) شرح النهج ٤: ٧٣، النصائح الكافية: ٧٦.
(٢) انظر (السنّة المطهّرة والتحدّيات) لنور الدين عتر، وتوضيح الأفكار ٢: ٤٥٣ - ٤٦٣، للإمام محمّد بن إسماعيل الصنعانيّ، والروض الباسم ٢: ١١٣ - ١٢٩ لليمانيّ.
فقد ورد عن هارون الرشيد أنّه استدعى ليلةً أبا يوسف قاضي القضاة، فذهب إليه فزعاً مروعاً، فلمّا دخل عليه القصر وجده جالساً، وعن يمينه عيسى بن جعفر، فقال له الرشيد: أظنُّنا روَّعناك يا أبا يوسف؟
فقال: إي والله؛ كذلك مَن خلفي، ولمّا سكن روعه، قال له الرشيد: دعوتك لأشهدك على عيسى بن جعفر، فإنّ عنده جارية سألته أن يهبها أو يبيعها فامتنع، والله إن لم يفعل لأقتلنّه.
فقال عيسى بن جعفر: إنّ عَلَيَّ يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها.
فطلب الرشيد من أبي يوسف أن يضع له حلاًّ لهذه المشكلة، فقال أبو يوسف: يهب لك نصفها ويبيعك النصف الآخر.
فقال الرشيد لأبي يوسف: إنّي لا أستطيع أن أصبر حتّى تبرأ بحيضتها، لأنّها جارية مملوكة، ولابُدّ للجارية من ذلك، وإذا لم أدخل بها ليلتي هذه أخاف على نفسي من التلف.
فقال له أبو يوسف: الأمرُ أسهل من ذلك يا أمير المؤمنين، أعتِقْها وتزوَّج بها الساعة. وبهذه الحيلة انتزع الرشيد الجارية من مولاها وتزوّجها في تلك الليلة(١) .
فها نحن نرى المسألة المدبَّرة، والأحْجية المهيّأة لامتحان طاعة أبي يوسف للسلطان ومدى انقياده إليه، ومدى استعداده لتبديل الأحكام وتغيير الآراء في سبيل إرضاء الرشيد، والرشيدُ وإن كان لا يتقيّد ولا يحتاج إلى مثل هذه التمحّلات الفقهيّة الغريبة، وهو أعلم ببطلانها، لكنّه أراد أن يتّخذ الفقهاء غطاءً شرعيّاً يمرّر من خلاله ما يريد.
وروى المسعوديّ: أنَّ زبيدة زوج الرشيد كتبت إلى أبي يوسف: ما تقول في هذا
____________________
(١) انظر تاريخ الفقه الإسلاميّ للدكتور محمّد يوسف: ١٦٨ والخبر بكامله في تاريخ بغداد ١٤: ٢٥٠ فليراجعه مَن يحب.
الأمر؟ وأحبُّ الأشياء إليَّ أن يكون كذا، فأفتاها بما وافق رغبتها، فأرسلت إليه بهديّة تحتوي على الذهب والفضّة والغلاّت والدوابّ والثياب وغير ذلك من النفائس، فقال له بعض مَن حضر مجلسه: قال رسول الله(من أُهديت إليه هديّة فجلساؤه شركاؤه) .
فقال أبو يوسف: ذاك إذا كانت هدايا الناس التمر واللبن(١) .
فلاحظ التصرّف في صرف المعاني عمّا يراد بها في الأحاديث النبويّة المباركة الواضحة الدلالة، بل أوضحها دلالةً كما في هذه الفقرة الأخيرة من كلام أبي يوسف.
وهذه بعض الأمثلة جئنا بها للاستشهاد لا الاستقصاء، وإلاّ فإنّ أمثالها الكثير الكثير، حتّى أنّ جمّاً غفيراً من كتّاب ومفكّري المسلمين، قدماء وجدداً، تنبّهوا إلى أنّ اندثار بعض المذاهب - كمذهب ربيعة الرأي، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ - كان مردّه وسببه الرئيسيّ هو إعراض الحكومات عنها لسبب أو لآخر، في حين لاقت بعض المذاهب الإسلاميّة كالمذاهب الأربعة رواجاً كبيراً بسبب إقبال وتشجيع السلطان لها، واحتضانه لأربابها أو لتلامذتهم.
قال ابن حزم: (مذهبان انتشرا في مَبْدَءِ أمرهما بالرئاسة والسلطان، مذهب أبي حنيفة، فإنَّه لمّا وُلّي أبو يوسف القضاء كان لا يولّي قاضياً إلاّ من أصحابه والمنتمين إلى مذهبه. والثاني مذهب مالك...)(٢) .
وقال الدهلويّ في (حجّة الله البالغة): فأيّ مذهب كان أصحابه مشهورين وأُسند إليهم القضاء والإفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس ودرسوا درساً ظاهراً في الناس، انتشر في أقطار الأرض، لم يزل ينتشر كلّ حين، وأيّ مذهب كان أصحابه خاملين ولم يولّوا القضاء والإفتاء ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين)(٣) .
٥ - ثبت بين مطاوي الصفحات السابقة عدم اتّفاق الخلفاء مع نهج عليّ بل تخالفهم معه، وتحكيم الاختلافات القبليّة في سيرتهم معه، وأنّ التدوين الحكوميّ قد
____________________
(١) انظر تاريخ الفقه الإسلاميّ للدكتور محمّد يوسف: ١٦٨ أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٤: ٢٥٢.
(٢) المغرب: ١٦٤، وفيّات الأعيان ٦: ١٤٤، نفح الطيب ٢: ٦، ٤٨٢.
(٣) حجّة الله البالغة ١: ١٥١ كما في كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ٢: ١١.
ظهر متأخّراً - وبعد قرن من الزمن - أي في زمن عمر بن عبد العزيز أو هشام بن عبد الملك؛ لقول الزهريّ: (كنّا نكره تدوين السنّة حتّى أكرهنا السلطان على ذلك) مع الإشارة إلى أنّ التدوين جاء على ضوء المحفوظات ولم يؤخذ من المدوّنات.
وعليه فالتحريف يمكن تصوّره في مدوّنات هؤلاء أكثر من مدوّنات الآخرين؛ لنزعاتهم القوميّة، ولوجود السلطة بيدهم، ولبُعد التدوين عندهم عن زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله، أمّا التحريف عند مدرسة أهل البيت فلا يمكن تصوّره لعكس العوامل التي مرَّت.
٦ - أنّ القول بمشروعيّة الرأي وتعدّديّته يدعو أنصاره إلى التحريف، بمعنى أ نّهم واستنصاراً لأئمّتهم يلزمون أنفسهم أن يضعوا الحديث أو يؤولوه تأييداً لما قالوه، ومن أجله نراهم عدّوا الوضع المذهبيّ من أقسام الوضع. وأمّا مدرسة التعبّد فلا ضرورة عندهم لذلك؛ لأنَّ حديثهم متناقل عن الأصول المدوّنة لقوله:(حديثي حديث أبي وحديث أبي حديثي) فلا يمكن بعد هذا تصوّر التحريف في أقوالهم لعدم تخالف نصوصهم، ولاستقائها من مصدر واحد واتّخاذهم القرآن كأصل يعرض عليه المشكوك والمنسوب إليهم.
٧ - وهناك فارق آخر هو وحدة المباني الفقهيّة الأصوليّة عند نهج (التعبّد المحض) واختلافها عند مدرسة (الاجتهاد والرأي)، لأنّ أئمّة أهل البيت كانوا يؤكّدون على لزوم استقاء الأحكام من الكتاب والسنّة لا غير. وأمّا نهج الاجتهاد والرأي فكانوا يشرّعون الرأي والاجتهاد بإزائهما، وهذا هو مدعاة للاختلاف في الأصول المتبنّاة عندهم، فالبعض يعتمد القياس والآخر يحذر منه، والثاني يقول بالمصالح والآخر يأباه، وهكذا.
فكان كلّ مذهب يحاول جرّ النار إلى قرصه، ممّا أفرز حالة ملحوظة من الزيادات والتأويلات نتيجة لتلك المنازعات، وقد رمى البعضُ منهم البعضَ الآخر بما هو بعيد عنه، أو بما هو غير مراده، فالمذاهب الأربعة المعهودة اليوم والمذاهب المنقرضة كانت تتضارب فكريّاً، وتتلاطم فيما بينها أمواج الاختلاف، حتّى فسّق بعضهم بعضاً.
وهذا من أقوى دواعي التحريف والانحراف لكي ينتصر كلّ لمسلكه ومذهبه.
٨ - إنّ نظرة في الموثّقين والمضعّفين لرواة المدرستين، تدلّنا على حقيقة لا تخفى على ذي لبّ بصير، مفادها أنّ الموثِّقين والمضعِّفين - أي الرجاليّين عند مدرسة الرأي والاجتهاد - اختلفوا في توثيق أو تجريح الراوي الواحد لكثرة الاتّجاهات الموجودة عندهم، حتّى أنّنا نراهم قد اختلفوا في وثاقة نفس الرجاليّ وعدالته ومدى حجّيّة آرائه.
فابن معين مثلاً - إمام الجرح والتعديل - اختُلِف في وثاقته وحجّيّة توثيقاته؛ لأنّه كغيره طالما جرح شخصاً لأنّه لا يوافق مذهبه أو لأنّه يختلف معه في رأي ونظر ما، وطالما وثّق شخصاً لموافقته إيّاه في المذهب والمسلك، حتى أنّه قدح في الإمام الشافعيّ وعدّه غير ثقة؟
وقد جرح الكثيرون ابنَ معين ولم يعدُّوه ثقة، واعتمد عليه آخرون اعتماداً مطلقاً بحيث لا يقارنون بجرحه أو تعديله جرحاً أو تعديلاً آخر، مع أنّ الجميع ينتمون إلى مدرسة الرأي والاجتهاد.
ومثله حال الآخرين، فعبد العزيز الماجشون وابن أبي حازم ومحمّد بن إسحاق وغيرهم خدشوا في الإمام مالك(١) ، وقد ألّف الدارقطنيّ جزءاً فيما خولف فيه مالك من الأحاديث في الموطّأ وغيّر فيه، وفيه أكثر من عشرين حديثاً، وهو من مخطوطات الظاهريّة بدمشق(٢) ، ونقل الخطيب البغداديّ في تاريخه (ترجمة الإمام أبي حنيفة) أسماء أكثر من ٣٥ شخصاً قد قدحوا في الإمام أبي حنيفة(٣) ومثله قالوا عن الإمام أحمد.
ثمّ إنّ بعض الرجاليّين ربّما وثَّقوا شخصاً ورفعوا بضبعه إلى السماء ثمّ رجعوا بعد مدّة بسبب اختلاف شخصيّ - لا دينيّ ولا مذهبيّ - فقدحوه وأنزلوه عن رتبته التي
____________________
(١) انظر تهذيب الكمال ٢٤: ٤١٥ ترجمة محمّد بن إسحاق.
(٢) أضواء على السنّة المحمّديّة: ٢٩٩.
(٣) تاريخ بغداد ١٣: ٣٢٣، ت ٧٢٩٦ لأبي حنيفة.
كانت له من قبل.
وهذا الاختلاف في الموثّق ومدى عدالته وحجّيّته يلزم منه وجود الدور الصريح - كما يعبّر عنه في علم المنطق - فيما لو أردنا الأخذ بكلامه؛ إذ كيف نأخذ برواية راوٍ أو نردّها اعتماداً على جرح أو تعديل شخصٍ لم تثبت وثاقته.
والإمام الذهبيّ كان قد أعدَّ رسالة باسم (ذكر مَن يؤتمن قوله في الجرح والتعديل)(١) شرح فيه أُصول النقد، وطبقات النقّاد وكيفيّة أخذ أقوالهم.
لكنّا لو نظرنا في الموثِّقين عند مدرسة أهل البيت، وجدنا الاتّفاق على تعديلهم والأخذ بمدحهم وقدحهم؛ ولذلك لم نعهد أحداً منهم خدش في أبي العبّاس النجاشيّ، أو الكشّيّ، أو الطوسيّ، أو غيرهم من رجالييّهم، وهذا ما يدلّك على وحدة الفكر واتّحاد المسلك عندهم.
هذه هي بعض دواعي الانحراف والتحريف عند المدرستين، والبحث في أطرافه يستوجب مجلّداً إن لم نقل مجلّدات، ولو قدّر أن تدرس الدوافع بأجمعها دراسة مستوفية لكانت النتائج مذهلة إلى حدّ الإعجاب.
____________________
(١) توجد نسخة منه في آياصوفيا برقم ٢٩٥٣.
نتائج البحث
بعد أن انكشف لنا بطلان الآراء الستّة المعلّلة لمنع التدوين، وعدم تماميّة السبب السابع كعلّة تامّة للمنع، وبعد أن وضّحنا أمّهات العوامل الحقيقية للمنع؛ تبيّنت لنا نتائج مهمّة ترتّبت على ذلك وأثّرت في التشريع الإسلاميّ، وكان أهمّ تلك النتائج:
١ - انقسام المسلمين إلى اتّجاهين فكريّين، صارا من بعد مدرستين مستقلّتين، لكلّ منهما أفكار وأُصول ومبانٍ خاصّة بها.
٢ - تحكيم مفاهيم أتباع منع التدوين في الثقافة الإسلاميّة، وبروز تعاليل شتّى ومبرّرات مختلفة لذلك المنع الُمحَكَّم.
٣ - طرح مقولة (حسبنا كتاب الله) و(بيننا وبينكم كتاب الله) كخطوة أُولى لإبعاد العترة وللتغطية على العجز الفقهيّ عن الإلمام بسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله، ثمّ تخطّيهم عمّا رسموه، كما هو المشاهد في نزاع الخليفة الأوّل مع الزهراء واستشهادها بالقرآن عليه، وتخطّي الخليفة الثاني عن الأخذ بصريح القرآن في الطلاق ثلاثاً والمؤلّفة قلوبهم و...، وأخيراً استغلال بعض المغرضين هذه المقولة، لإِنكار ما عدا القرآن.
٤ - منع الخلفاء من التدوين لخنق انتشار الأحاديث النبوّية المفسَّرة التي تبيّن أحقيّة أهل البيت بالخلافة، بعد محاولة غلق باب التفسير البياني الذي يصبّ في نفس المصبّ، متذرّعين في ذلك بأوهن الذرائع.
٥ - فتح باب الاجتهاد لسدّ الثغرة الحاصلة عن منع التدوين؛ وذلك عبر مراحل متعدّدة، هي:
أ - وجود بوادر أوّليّة في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله عند مَن استلموا من بعده السلطة الفعليّة، فكانوا يخالفون النبيّ ويجتهدون ويذرون ما يأتي به صلّى الله عليه وآله.
ب - تطبيق الخليفة الأوّل لفكرة الاجتهاد عمليّاً في حياته.
ج - فتح الخليفة الثاني أوسع الأبواب لتطبيق اجتهاداته وآرائه، كما هو الملحوظ في المؤلّفة قلوبهم والطلاق ثلاثاً والمتعة و...
٦ - ظهور مفهوم (رأي رأيته) و(تأوَّل فأخطأ) في مرحلة مبكّرة من زمن حكومة المنع، وانجرارها إلى رسم أُصول جديدة، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها.
٧ - تأثير منع التدوين وفتح الاجتهاد بشكل جدّي في حدوث التضاربات والاختلافات في فتاوى وآراء الصحابة، بل في فتاوى وآراء الصحابيّ الواحد، ممّا أنتج:
أ - القول بمشروعيّة الاختلاف وتعدّديّة الآراء عند الصحابة، وبالتالي حجّيّتها جميعاً والقول بعدالة الصحابة.
ب - القول بالتصويب في الأحكام الشرعيّة، أي إنَّ الله يُثَبِّت أحكامه في اللوح المحفوظ طبق فتاوى المجتهدين.
ج - القول باجتهاد النبيّ وأنَّه بشر يُخطئ ويُصيب، ويقول في الرضا ما لا يقوله عند الغضب، كي يعذروا الشيخين.
د - تفسير أحاديث رسول الله بما يعجبهم، كما هو المشاهد في (اختلاف أُمَّتي رحمة) وغيره.
٨ - طرح الخليفة الثاني لفكرة أعلميّته، بعد أن كان لا يدّعي ذلك لنفسه، وتطوُّر هذه الفكرة إلى فكرة (أعلميّة الخلفاء) بالأحكام، وأنّهم أولى مَن يتصدّر للإِفتاء، وبناءً على ذلك ساغ:
أ - ضرب الخليفة مَن يُحدِّث بخلاف آرائه، أو مَن يسأله عمّا لا يُريد.
ب - حبس أجلاّء الصحابة بسبب إكثار الحديث.
ج - لزوم انتظار الصحابيّ أمر الخليفة في الأحكام وغيرها.
٩ - ظهور أفكار جديدة في حياة المسلمين، منها: لزوم اتّباع الحاكم لقولهم (وقد قال فيه ولاة الأمر) و(الخلاف شرّ) و(اتّبِعْهُ وإن ضرب ظهرك) وعدم اشتراط العدالة في كثير من القضايا، كالقضاء وغيره، وحتّى العبادات فقد أجازوا الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر، وغيرها من الأفكار والآراء.
١٠ - اتّخاذ اجتهاد الصحابيّ أو سيرة الشيخين كأصل ثالث في التشريع، وعدّه قسيماً لكتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله، وقد تبيّن هذا بأجلى صوره يوم الشورى.
١١ - فشل محاولة حصر الاجتهاد بالشيخين، وقَصْر العمل بما رأياه، وذلك لتوفّر الظروف والشروط الموضوعيّة لشمول الاجتهاد وعموميّته عند باقي الخلفاء، وفي ذلك نرى توسّع آراء عثمان ومعاوية ومَن بعدهما، حتّى أنَّ المسلمين ضاقوا ذرعاً بإحداثات عثمان، ولمّا أحسّ ببوادر الثورة عليه سخّر سعيد بن زيد بن نفيل(١) لوضع حديث العشرة المبشّرة بالجنّة دفعاً لاعتراضات المسلمين دون جدوى، لكنّها سرعان ما استغلَّت من بعد أيّما استغلال؛ فأثّرت في عقائد وفقه المسلمين.
١٢ - اختصاص المدوّنات المتأخّرة زمنيّاً بقسط كبير من آراء أتباع الاجتهاد عموماً، وتركيزها الأكيد على تدوين سيرة الشيخين خصوصاً، ممّا أضفى على آرائهما المدوّنة ميزة وأرجحيّة على باقي الآراء، وهذا معناه أنَّ محاولة حصر الاجتهاد، وإن كانت قد فشلت في الحصر التامّ، إلاّ أنّها نجحت في إضفاء هالة من القدسيّة والأولويّة على سيرتهما دون غيرهما.
١٣ - تسليط الأضواء على فقه المخالفين للتدوين والتعبّد، ورفض فقه المدوّنين
____________________
(١) انظر الاحتجاج ١: ٢٣٧، الكافئة: ٢٥، وجاء في صحيح البخاريّ ٥: ٢٠٩٥، كتاب الذبائح، باب ما ذبح على النصب والأصنام، ح ٥١٨٠ عن سالم أنّه سمع عبد الله يحدّث عن رسول الله: أنّه لقي زيد بن عمر بن نفيل بأسفل بَلْدَح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله الوحي، فقدّم إليه رسول الله سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها، ثمّ قال: إنّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلاّ ممّا ذكر اسم الله عليه! فلاحظ ما أُضفي من هالة على والد واضِعِ حديث العشرة المبشرة.
المتعبّدين، وتقوية مكانة القرشيين ومتأخّري الصحبة - مَن هم ليسوا من عَلِيَّة الصحابة - وإعطاؤهم الأدوار المهمّة سياسيّاً وتشريعيّاً.
١٤ - إبعاد الأمّة عن المدوّنين والمدوّنات، وعلى رأسهم أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله ومدوّناتهم، وقد برزت في هذا المحور عدّة خطوات، منها:
أ - تبنّي الرؤية القائلة بعدم اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم.
ب - وضع الأحاديث في فضائل المانعين، واختلاق الهفوات للمدوّنين، ومن ثمّ الدعوة للأخذ بمسلك المانعين الفقهيّ.
ج - صنع فكرة أفضليّة الشيخين على سائر الناس، وإضافة عثمان ثالثاً من بعد، وإبقاء عليّ بن أبي طالب في محلّ يساوى به سائر الناس.
د - نسبة جلّ الآراء الفقهيّة الناتجة عن المنع إلى المدوّنين الذين ثبتت عنهم نقولات أُخرى ثابتة صحيحة نابعة عن منهج التدوين.
١٥ - خفاء الكثير من الأحكام، وضياع قسم منها، نتيجة للنهي عن التدوين لمدّة قرن من الزمن، حتّى أصبحت سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله منسيّة أو كالمنسيّة، وتطاول أمد المنع حتّى إذا فُتِحَ التدوين، كان تدويناً حكوميّاً ناقصاً خليطاً مملوءاً بالاجتهادات والآراء.
١٦ - خلق المبرّرات للاّحقين لتشريع ما يعجبهم والأخذ به وفرضه على المسلمين، وترك ما لا يعجبهم، وسهّل على الانتهازيّين طرق التمحّل والاستدلال انتظاراً لما يريده الحكّام، فكان أن نتج:
أ - السماح بالاجتهاد مطلقاً، فيما ورد فيه النصّ، وفيما لا نصّ فيه.
ب - تحكيم المصلحة المدّعاة - لا الواقعيّة - على النصوص.
ج - عدم لزوم عرض أقوال الصحابة على كتاب الله، بل اعتبر البعض ما يقوله الصحابيّ حجّة مطلقة وأنَّ فعله يخصِّص كتاب الله.
١٧ - إنَّ المنع أوجب اختلاف الحديث عن رسول الله نظراً للاتّجاهات والآراء.
١٨ - إنَّ إبعاد الأمّة عن أهل البيت فقهيّاً وسياسيّاً ألزم أئمّة أهل البيت في الإصرار
على التدوين وحفظ ما ورثوه عن آبائهم خوفاً من الضياع. وهو ممّا جعل التراث الحديثيّ عند الشيعة أكثر ممّا عند أهل السنّة والجماعة؛ لأنّا نعلم أن سنن النسائيّ يمتاز على بقيّة السنن في اشتماله على أحاديث الأحكام؛ لقول مؤلّفه في رسالته لأهل مكّة: فهذه الأحاديث (أحاديث السنن) كلّها في الأحكام، فأمّا أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغير هذا فلم أخرجها.
وبلغت أحاديث هذه المجموعة (٥٢٧٤ ) حديثاً، فلو قيست هذه إلى أحاديث الأحكام في وسائل الشيعة (٣٥٨٥٠ ) ومستدرك الوسائل (٢٣٠٠٠ ) لكانت لاشيء بالنسبة إليها، وقد ثبت عند المحقّقين بأنَّ مرويّات الشيعة تعادل ضعفي ما في الصحاح والسنن العاميّة من أحاديث.
١٩ - انعدام قدسيّة الرسول الأكرم في نفوس الخلفاء بنسب متفاوتة شدّةً وضعفاً، ابتداءً من مناداته من وراء الحجرات وجرّهم إزاره صلّى الله عليه وآله، ومروراً بـ (أنَّ الرجل ليهجر) و(متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أُحرِّمهما وأُعاقب عليهما) وقول معاوية لمن ذكَّره بنهي النبيّ عن الربا (لا أرى بأساً بذلك)، وانتهاءً بتمثّل يزيد بن معاوية بأبيات ابن الزبعرى، وتمزيق الوليد بن يزيد لكتاب الله المجيد.
٢٠ - من كلّ ذلك كان اختلال النتائج والحصائل الفقهيّة والعقائديّة ملحوظاً، ولا سبيل لإنكاره في تاريخ التشريع الإسلاميّ، فلم يستطع التدوين المتأخّر ردم هذه الهوّة، بل زاد الأمر تعقيداً وحيرةً بتدوينه مختلف الآراء والاجتهادات مخلوطةً بالصحيح الوارد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ فلذا يعسر التوفيق بين المذاهب في أكثر المسائل الفقهيّة.
٢١ - نسبة منع التدوين إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله لتبرِئة ساحة المانعين الحقيقيّين، وإلقاء التبعة على رسول الدين، ومحاولة الموازنة والمقارنة بين روايات المنع والتدوين، مع أنَّ روايات المنع كلّها ضعاف وغير ناهضة لذلك، وإنَّما اختُلِقَتْ في وقت متأخّر لتبرير منع الشيخين ومَن حذا حذوهما للتدوين والتحديث.
٢٢ - صيرورة منع التدوين ذريعة بيد المستشرقين للنيل من الإسلام، والطعن على الفكر الإسلاميّ والثقافة الأصيلة، بادّعاء أنَّ الدين هو مبعث التخلّف ومنع الشعوب من الرقيّ الحضاريّ.
٢٣ - تمحّل الكتّاب وأرباب القلم المؤيّدين لمدرسة الخلفاء، وسعيهم الدؤوب لخلق المبرّرات المختلفة لتبرئة الخليفة من تبعات المنع، وعدم امتلاكهم الشجاعة الكافية للتصريح بخطأ الخليفة وبيان الحقائق في هذا السياق.
وفي الختام
فإنّ هذه الدراسة، التي وضعناها بين أيدي القرّاء الكرام، أردنا لها أن تكون بحثاً في قضيّة منع تدوين أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد سعينا أن تكون دراسة نقديّة متأنّية، تُتابع وتُحاور وتستفهم وتستنتج.
وقد واكبَنا القارئ العزيز في هذه الرحلة التاريخيّة الحديثيّة خطوةً خطوة، ونحن إذ نقدّر له صبره معنا في هذه الرحلة الضروريّة الخطيرة؛ نرجو أن يكون قد تلمّس بنفسه قسمات الواقع الموضوعيّ، واستبانت له حقائق في سياق البحث تزيده بصيرة بالأمور، وتعينه في العثور على النظر السديد، والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل.
وإنّنا لنأمل من إخواننا العلماء، وأساتذتنا الكرام، ومَن يعنيه أمر الفقه والحديث والتراث: أن يتريّثوا في قبول أو ردّ ما كتبناه وادّعيناه بروح علميّة نزيهة بعيدة عن العصبيّة والطائفيّة؛ كي نصل معاً إلى الطريق الأمثل والأسلوب الأنجح، حتّى نتعرّف على الصواب دون الخطأ، والحقيقة دون غيرها، وأخصّ بدعوتي هذه مشايخنا في الأزهر الشريف في القاهرة، والجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة، ورابطة العالم الإسلاميّ في مكّة المكرّمة، والزيتونة في تونس، كما ندعو مشايخنا وساداتنا في النجف الأشرف، ومدينة قم، والأفاضل والعلماء في العراق ولبنان وسوريا، وجميع أنحاء الوطن الإسلاميّ، ونعمُّ بدعوتنا هذه المعاهد العلميّة والجامعات الإسلاميّة؛ انطلاقاً من إرشاد الرسول الأكرم وقوله:(رحم الله امرءاً أهدى إلَيَّ عيوبي) فالذي أرجوه من إخواني أن يتفضّلوا عَلَيَّ بما لهم من رأي نقدي على هذه الدراسة، يعينني
على الوصول إلى مزيد من الدقّة والصواب، ما دمنا لا تعنينا غير كلمة الحقّ، نبحث عنها، وندافع عنها، وإن كلّفتنا الغالي والنفيس؛ لأنّنا جميعاً في صدد قضيّة، ترتبط بمصادر معرفتنا الإسلاميّة، وترتبط أيضاً - وهو الأهمّ - بأوضاعنا في الحياة الأبديّة الأخرى يوم نقف بين يدي الله عزّ وجلّ للحساب.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرينا الحقّ حقّاً فنتَّبعه، والباطل باطلاً فنتجنَّبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
ثبت المراجع
بعد القرآن الكريم
١ - أخبار مكّة في قديم الدهر وحديثه، ٦ مجلّد: للفاكهي، أبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن العباس (ت ٢٧٥) تحقيق: الدكتور عبد الملك عبد الله دهيش، نشر: دار خضر - بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ.
٢ - الأخبار الموفقيات = الموفقيات: للزبير بن بكار (ت ٢٥٦ هـ) تحقيق: الدكتور سامي مكي العاني نشر: رئاسة الأوقاف في الجمهورية العراقية بغداد ١٩٧٢ م.
٣ - أختيار معرفة الرجال = رجال الكشي: للطوسي محمد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ) تحقيق الشيخ حسن المصطفوي، طبع: كلية الآداب - مشهد ١٣٤٨ هـ.
٤ - اختلاف الحديث: للشافعي، الإمام محمد بن إدريس (ت ٢٠٤ هـ) تحقيق: الأستاذ محمد أحمد عبد العزيز، نشر: دار الباز - مكّة المكرّمة، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.
٥ - الاختصاص: للشيخ المفيد، أبي عبد الله، محمد بن النعمان العكبري (ت ٤١٣ هـ)، تحقيق: علي أكبر غفاري، نشر: جماعة المدرسين - قم.
٦ - الأربعون حديثاً في حقوق الأُخوة: لابن زهرة الحلبي، الحسيني، محي الدين، محمد بن عبد الله (ت ٦٣٩ هـ)، تحقيق: نبيل رضا علوان، نشر: مطبعة مهر - قم ١٤٠٥ هـ.
٧ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم = تفسير أبي السعود، ٩ مجلّد: للعمادي، أبي السعود، محمد بن محمد (ت ٩٥١)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٨ - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ٢ مجلّد: للمفيد، أبي عبد الله، محمد بن النعمان العكبري (ت ٤١٣ هـ)، تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام / قم، نشر
مؤسّسة آل البيت.
٩ - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: للقسطلاني، أبي العباس، شهاب الدين أحمد بن محمد (ت ٩٢٣ هـ) نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١٠ - إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد: للصنعاني، محمد بن إسماعيل (ت ١١٨٢ هـ)، مكتبة التراث العربي - بغداد ١٩٩٠ م.
١١ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ٤ / مجلّد: لابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد (ت ٤٦٣)، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر: دار الجيل - بيروت ط١، ١٤١٢.
١٢ - الاستبصار فيما أُختلف من الأخبار، ٤ مجلّد: للشيخ الطوسي، أبي جعفر، محمد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: السيد حسن الخرسان، تصحيح: الشيخ محمد الآخوندي، نشر: دار الكتب الإسلامية - قم ط٤، ١٣٩١ هـ.
١٣ - أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد منهم من العدد: لابن حزم، علي بن أحمد الأندلسي (ت ٤٥٦ هـ)، تحقيق: عبد الحميد السعدني، نشر: مكتبة القرآن، القاهرة ١٩٩١ م.
١٤ - الأسماء المبهمة من الأنباء المحكمة: للخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت ٤٦٣ هـ)، أخرجه: الدكتور عز الدين علي السيد، نشر: مكتبة الخانجي - مصر ١٤٠٥ هـ.
١٥ - أُسد الغابة، ٥ مجلّد: لابن الأثير، الشيباني، محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد (ت ٦٣٠ هـ)، نشر: انتشارات إسماعيليان - طهران.
١٦ - أسباب نزول الآيات: للواحدي، النيسابوري، أبي الحسن، علي بن أحمد (ت ٤٦٨) نشر: مؤسسة الحلبي - القاهرة ط١، ١٣٨٨ هـ.
١٧ - الأشباه والنظائر: للسيوطي، جلال الدين، عبد الرحمان (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: عبد العال سالم مكرم، نشر مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٦ هـ.
١٨ - الإصابة في تمييز الصحابة، ٨ مجلّد: لابن حجر، العسقلاني، الشافعي، أبي الفضل، أحمد بن علي (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق، علي محمد البجاوي، نشر: دار الجيل -
بيروت ط١، ١٤١٢ هـ.
١٩ - إصلاح الحديث وعلومه ومصطلحه: لمحمد عجاج الخطيب، نشر: دار المعارف - مصر، ط١٠، ١٤٠٨، هـ.
٢٠ - أُصول الأحكام في الحلال والحرام: للإمام يحيي بن الحسن الزيدي، (ت ٥٦٦ هـ).
٢١ - أُصول السرخسي، ٢ مجلّد: للسرخسي، أبي بكر، محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت ٤٩٠ هـ)، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، نشر لجنة إحياء المعارف النعمانية - حيدر آباد - الهند بالأوفسيت عنه دار الكتب العلمية - بيروت ط١، ١٤١٤ هـ.
٢٢ - أضواء على السنّة النبوية: للشيخ محمود أبو ريّة (معاصر) نشر: دار الكتاب الإسلامي، ط ٥.
٢٣ - أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، ٣ مجلّد: للقنوجي، صديق بن حسن (ت ١٣٠٧ هـ)، تحقيق: عبد الجبار زركار، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت ١٩٧٨ م.
٢٤ - إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن، ٢ مجلّد: للغزي، محمد بن محمد بن محمد (ت ١٠٦١ هـ)، تحقيق: خليل محمد العربي، نشر: دار الفاروق الحديثة - القاهرة ط٢، ١٤١٥.
٢٥ - أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي: للدكتور مصطفى ديب البغا (معاصر) نشر: دار الإمام البخاري.
٢٦ - أحكام البسملة وما يتعلّق بها من الأحكام والمعاني واختلاف العلماء: للفخر الرازي، محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني (ت ٦٠٦ هـ)، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، نشر: مكتبة القرآن - القاهرة.
٢٧ - الإجابة لإيراد ما استدركته السيدة عائشة على الصحابة: للزركشي، محمد بن عبد الله البهادر، بدر الدين (ت ٧٩٤ هـ)، تحقيق سعيد الأفغاني، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، ط٤، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.
٢٨ - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، نشأته وتطوّره والتعريف به: للوافي
المهدي أستاذ محاضر بكلية الدراسات العربية - مراكش، نشر: دار الثقافة - المغرب، ط ١.
٢٩ - اجتهاد الرسول: للدكتورة نادية شريف العمري، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت ط٤، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.
٣٠ - أحكام القرآن، ٥ مجلّد: للجصاص، أبي بكر، أحمد بن علي الرازي (ت ٣٧٠ هـ)، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٤٠٥.
٣١ - الآحاد والمثاني، ٦ مجلّد: للشيباني، أبي بكر، أحمد بن عمرو بن الضحاك (ت ٢٨٧ هـ)، تحقيق الدكتور باسم فيصل أحمد الجوابرة، نشر: دار الراية - الرياض، ط١، ١٤١١.
٣٢ - الأحاديث المختارة، ١٠ مجلّد: للمقدسي، الحنبلي، أبي عبد الله، محمد بن عبد الواحد بن أحمد (ت ٦٤٣)، تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، نشر: مكتبة النهضة الحديثة - مكّة المكرّمة، ط١، ١٤١٠.
٣٣ - الاحتجاج، ٢ مجلّد: للطبرسي، أبي منصور، أحمد بن علي بن أبي طالب (ت ٥٦٠ هـ)، تعليق: السيد محمد باقر الخرسان، نشر: دار النعمان - النجف، ط١، ١٣٨٦ هـ، ١٩٦٦ م.
٣٤ - الإحكام في أُصول الأحكام، ٤ مجلّد: للآمدي، أبي الحسن، علي بن محمد (ت ٦٣١ هـ)، تحقيق الدكتور سيد الجميلي، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط١، ١٤٠٤.
٣٥ - الإحكام في أُصول الأحكام، ٨ مجلّد: لابن حزم، الأندلسي، أبي محمد، علي بن أحمد (ت ٤٥٦ هـ)، نشر: دار الحديث - القاهرة ط١، ١٤٠٤.
٣٦ - إعلام الموقعين عن ربّ العالمين، ٤ مجلّد: للزرعي، أبي عبد الله، محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعيد، نشر: دار الجيل - بيروت ١٩٧٣ م.
٣٧ - اعتقاد أهل السنّة = شرح أُصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتب والسنّة و إجماع الصحابة، ٤ مجلّد: للالكائي، أبي القاسم، هبة الله بن الحسن بن منصور (ت ٤١٨ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد سعد حمدان، نشر: دار طيبة -
الرياض ١٤٠٢.
٣٨ - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: للحازمي، محمد بن موسى بن أبي بكر الهمداني (ت ٨٤ هـ)، نشره راتب حاكمي، مطبعة الأندلس - حمص ١٣٨٦ هـ.
٣٩ - الاعتصام بحبل الله المتين، ٥ مجلّد: للقاسم بن محمد (ت ١٠٢٩ هـ)، الإمام الزيدي، مطابع الجمعية الملكية - عمان - الأردن ١٤٠٣ هـ.
٤٠ - إعلام الورى بأعلام الهدى، ٢ مجلّد: للطبرسي، أبي علي، الفضل بن الحسن (ت ٥٤٨ هـ)، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت: لإحياء التراث - قم ط١، ١٤١٧ هـ.
٤١ - أعيان الشيعة: للأمين العاملي، السيد محسن (ت ١٣٧١ هـ)، ط ٣، مطبعة ابن زيدن - دمشق ١٣٧٠ هـ، وطبعة أُخرى.
٤٢ - أعلام النبوة: للماوردي، أبي الحسن، علي بن محمد بن حبيب (ت ٤٢٩ هـ)، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط١، ١٩٨٧ م.
٤٣ - الإمامة والسياسة، ٢ مجلّد: لابن قتيبة الدينوري، أبي محمد، عبد الله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق: الدكتور طه محمد الزيني، نشر: مؤسسة الحلبي - القاهرة.
٤٤ - الإمام الصادق عليه السلام والمذاهب الأربعة، ٣ مجلّد: للشيخ أسد حيدر، بيروت.
٤٥ - الإمام جعفر الصادق عليه السلام: لعبد الحليم الجندي (معاصر)، نشر: محمد توفيق عويضة، ط١، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
٤٦ - الأعلام، ٨ مجلّد: للزركلي، خير الدين، نشر: دار العلم للملايين، ط٥، ١٩٨٠ م.
٤٧ - الأمالي: للصدوق، أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٨١ هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة البعثة - قم، ط١، ١٤١٧ هـ.
٤٨ - الأمالي: للشيخ المفيد، العكبري البغدادي، أبي عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان (ت ٤١٣ هـ)، تحقيق: الحسين أُستاد ولي، علي أكبر غفاري، نشر: جماعة المدرسين - قم، ط١، ١٤٠٣ هـ.
٤٩ - الأمالي: للطوسي، أبي جعفر، محمد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، نشر: دار الثقافة - قم، ط١، ١٤١٤ هـ.
٥٠ - الأموال: لأبي عبيد، القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، تحقيق: محمد خليل هراس، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤٠٦ هـ.
٥١ - الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى، ٥ مجلّد: لابن ماكولا، علي بن هبة الله بن أبي نصر (ت ٤٧٥ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١١.
٥٢ - الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء: للكلاعي، الأندلسي، أبي الربيع سليمان بن موسى (ت ٦٣٤ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد كمال الدين عز الدين علي، نشر: عالم الكتب - بيروت، ط١، ١٩٩٧ م.
٥٣ - الأنوار الكاشفة لما في الأضواء من المجازفة: للمعلمي، اليماني، الهندي، عبد الرحمان بن يحيى، نشر: عالم الكتب - بيروت ١٤٠٢ هـ.
٥٤ - أوائل المقالات: للشيخ المفيد، أبي عبد الله، محمد بن النعمان العكبري (ت ٤١٣ هـ)، تحقيق: إبراهيم الأنصاري الزنجاني، نشر، دار المفيد - بيروت، ط ١٤١٤، ٢ هـ - ١٩٩٣ م.
٥٥ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، ٢ مجلّد: للنيسابوري، أبي بكر، محمد بن إبراهيم بن المنذر (ت ٣١٨ هـ)، تحقيق: الدكتور صغير أحمد محمد خلف، نشر، دار طيبة - الرياض، ط١، ١٤٠٥.
٥٦ - الإيضاح: للأزدي، النيسابوري، الفضل بن شاذان (ت ٢٦٠ هـ)، تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني الأرموي، طبع في إيران.
٥٧ - إيقاظ همم أُولي الأبصار: للعمري، صالح بن محمد بن نوح (ت ١٢١٨ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت ١٣٩٨ هـ.
٥٨ - بحوث في تاريخ القرآن: أبو الفضل مير محمد الزرندي (معاصر)، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة - إيران، ط ١٤٢٠، ١ هـ.
٥٩ - بحوث مع أهل السنة والسلفية: للسيد مهدي الروحاني (معاصر)، بيروت - لبنان، ط ١٣٩٩، ١ هـ.
٦٠ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لابن رشد القرطبي، أبي الوليد، محمد بن
أحمد بن محمد بن رشد (ت ٥٩٥ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت.
٦١ - البداية والنهاية، ١٤ مجلّد: لأبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي (ت ٧٧٤ هـ)، نشر: مكتبة المعارف - بيروت.
٦٢ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ٧ مجلّد: للكاساني، علاء الدين (ت ٥٨٧ هـ)، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط٢، ١٩٨٢ م.
٦٣ - البرهان في تفسير القرآن، ٥ مجلّد: للبحراني، السيد هاشم بن السيد سلمان الحسيني (ت ١١٠٧ هـ، أو ١١٠٩ هـ)، ط ٢.
٦٤ - بصائر الدرجات: لأبي جعفر، محمد بن الحسن بن فروخ الصفار، (ت ٢٩٠ هـ) تحقيق: ميرزا كوجه باغي، نشر: مؤسسة الأعلمي - طهران، ط١، ١٤٠٤ هـ.
٦٥ - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، ٢ مجلّد: للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق: الدكتور حسين أحمد صالح الباكري، نشر: مركز خدمة السنة والسيرة النبوية - المدينة المنورة، ط١، ١٤١٣ هـ.
٦٦ - البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف، ٢ مجلّد: للحسيني، إبراهيم بن محمد (ت ١١٢٠ هـ)، تحقيق: سيف الدين الكاتب، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠١ هـ.
٦٧ - تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد: لمحمد أبي زهرة، نشر: دار الفكر العربي - بيروت ١٩٨٩ م.
٦٨ - تاريخ اليعقوبي، ٢ مجلّد: للعباسي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر (ت ٢٩٢ هـ)، نشر: دار صادر - بيروت.
٦٩ - تاريخ واسط: للواسطي، أسلم بن سهل الرزاز (ت ٢٩٢ هـ)، تحقيق: كوركيس عواد، نشر: عالم الكتب - بيروت، ط١، ١٤٠٦ هـ.
٧٠ - تاريخ الخلفاء: للسيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، نشر: مطبعة السعادة - مصر، ط١، ١٣٧١ هـ.
٧١ - التاريخ الصغير (الأوسط)، ٢ مجلّد: للبخاري، الجعفي، أبي عبد الله، محمد بن إبراهيم بن إسماعيل (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، نشر: دار الوعي -
حلب، ط١، ١٣٩٧ هـ.
٧٢ - تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة الدينوري، أبي محمد، عبد الله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق: محمد زهري النجار، نشر: دار الجيل - بيروت ١٣٩٣هـ.
٧٣ - تاريخ الأُمم والملوك = تاريخ الطبري، ٥ مجلّد: للطبري، أبي جعفر، محمد بن جرير (ت ٣١٠ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤٠٧ هـ.
٧٤ - تاريخ المدينة المنوّرة ٤ مجلّد: لابن شبة، عمر بن شبة النميري (ت ٢٦٢ هـ)، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، نشر، دار الفكر - قم.
٧٥ - تاريخ دمشق ٧٠ مجلّد: لابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، تحقيق: علي شيري، نشر: دار الفكر - بيروت، طبع سنة ١٤١٥ هـ.
٧٦ - تاريخ الإسلام: للذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عمر عبد السلام تدمري، ط ٢، دار الكتاب العربي ١٤١٠ هـ، وطبعة أُخرى، القدس، القاهرة ١٣٦٧ هـ، في أجزاء.
٧٧ - تاريخ الفقه الجعفري: لهاشم معروف الحسني، دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٧ هـ.
٧٨ - تاريخ التمدّن الإسلامي: لجرجي زيدان، المطبوع ضمن مؤلّفاته الكاملة، المجلّدين ١١، ١٢، طبع: دار الجيل - بيروت ١٤٠٢ هـ.
٧٩ - تاج العروس من جواهر القاموس، ١٠ مجلّد: للزبيدي، أبي الفيض، السيد محمد مرتضى الحسيني (ت ١٢٠٥ هـ)، نشر: مكتبة الحياة - بيروت.
٨٠ - تأويل الآيات في فضائل العترة الطاهرة، ٢ مجلّد: للاسترآبادي، النجفي، السيد شرف الدين الحسيني (ت ٩٦٥ هـ)، تحقيق: مدرسة الإمام الهادي عليه السلام، نشر: أمير - قم، ط١، ١٤٠٧ هـ.
٨١ - تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: للصدر، السيد حسن الكاظمي (ت ١٣٥٤ هـ)، بغداد.
٨٢ - التاج الجامع للأُصول، ٦ مجلّد: للشيخ منصور علي ناصف، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت ١٣٧١ هـ.
٨٣ - تحفة المحتاج إلى أدلّة المنهاج، ٢ مجلّد: للأندلسي، عمر بن علي بن أحمد الوادياشي (ت ٨٠٤ هـ)، تحقيق: عبد الله بن سعاف اللحياني، نشر: دار حراء - مكّة المكرّمة، ط١، ١٤٠٦ هـ.
٨٤ - التحقيق في أحاديث الخلاف، ٢ مجلّد: لأبي الفرج بن الجوزي، عبد الرحمان بن علي بن محمد (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١٥ هـ.
٨٥ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ١٠ مجلّد: للمباركفوري، أبي العلاء، محمد عبد الرحمان بن عبد الرحيم (ت ١٣٥٣ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
٨٦ - التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة ٢ مجلّد: للسخاوي، شمس الدين (ت ٩٠٢ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٩٩٣ م.
٨٧ - تحف العقول عن آل الرسول صلّى الله عليه وآله: لابن شعبة الحراني، أبي محمد، الحسن بن علي بن الحسين، من أعلام القرن الرابع، تصحيح: علي أكبر غفاري، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط٢، ١٤٠٤ هـ.
٨٨ - التحف شرح الزلف: للمؤيدي الحسني، مجد الدين بن محمد، ط١، ١٣٨٩ هـ.
٨٩ - تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله من الحرف: للخزاعي، أبي الحسن، علي بن محمود بن سعود (ت ٧٨٩ هـ)، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، نشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط١، ١٤٠٥ هـ.
٩٠ - تذكرة الحفّاظ ٣ مجلّد: للذهبي، أبي عبد الله، محمد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨ هـ)، صُحّح عن النسخة القديمة المحفوظة في مكتبة الحرم المكّي تحت إعانة وزارة معارف الحكومة الهندية - أُفسيت دار إحياء التراث العربي.
٩١ - تذكرة الحفّاظ، ٤ مجلّد: للقيسراني، محمد بن طاهر (ت ٥٠٧ هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، نشر: دار الصميعي - الرياض، ط١، ١٤١٥ هـ.
٩٢ - التدوين في أخبار قزوين، ٤ مجلّد: للرافعي، القزويني، عبد الكريم بن محمد (ت ٦٢٣ هـ)، تحقيق عزيز الله العطاردي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت ١٩٨٧ م.
٩٣ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، ٢ مجلّد: للسيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر: مكتبة الرياض الحديثة - الرياض.
٩٤ - تدوين السنّة الشريفة: للجلالي، السيد محمد رضا (معاصر)، نشر مكتب الإعلام الإسلامي - قم، ط١، ١٤١٣ هـ.
٩٥ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك، ٣ مجلّد: للقاضي عياض، اليحصبي، السبتي، أبي الفضل، عياض بن موسى (ت ٥٤٤ هـ)تحقيق: الدكتور أحمد بكير محمود، نشر: دار الحياة - بيروت.
٩٦ - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، ٤ مجلّد: للمنذري، أبي محمد، عبد العظيم بن عبد القوي (ت ٦٥٦ هـ)، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت ط١، ١٤١٧ هـ.
٩٧ - تصحيفات المحدثين، ٢ مجلّد: للعسكري، أبي أحمد، الحسن بن عبد الله بن سعيد (ت ٣٨٢ هـ)، تحقيق: محمود أحمد ميرة، نشر: المطبعة العربية الحديثة - القاهرة، ط١، ١٤٠٢ هـ.
٩٨ - التطريف في التصحيف: للسيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر، جلال الدين (ت ٩١١ هـ)، نشر: دار الفائز - السعودية، ط١، ١٤٠٩ هـ.
٩٩ - تفسير النسفي، ٤ مجلّد: للنسفي، الحنفي، أبي حفص، محمد بن عمر (ت ٥٣٧ هـ).
١٠٠ - تفسير الرازي = التفسير الكبير: للفخر الرازي، محمد بن عمر (ت ٦٠٦ هـ)، نشر: دار التراث العربي - بيروت، ط ٣.
١٠١ - تفسير القرآن العظيم = تفسير ابن كثير: للدمشقي، أبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت ١٤٠١ هـ.
١٠٢ - تفسير القمّي، ٢ مجلّد: للقمّي، أبي الحسن، علي بن إبراهيم (ت ٣٢٩ هـ)، تصحيح: السيد طيب الجزائري، نشر: مؤسسة دار الكتاب - قم، ط٣، ١٤٠٤ هـ.
١٠٣ - التفسير للعياشي، ٢ مجلّد: للسلمي، السمرقندي، النضر بن مسعود بن
عياش، تحقيق، السيد هاشم رسول محلاتي، نشر: المكتبة العلمية الإسلامية، - طهران، ط١، ١٣٨٠ هـ.
١٠٤ - تفسير أبو الفتوح الرازي = روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، ٢٠ مجلّد (تفسير باللغة الفارسية): للخزاعي، النيسابوري، حسين بن علي بن محمد، من أعلام القرن السادس الهجري، تصحيح: الدكتور محمد جعفر يافقي، الدكتور محمد مهدي ناصح، نشر: مجمع البحوث الإسلامية - مشهد ١٤٠٨ هـ.
١٠٥ - تفسير الآلوسي = روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ٣٠ مجلّد: للآلوسي، أبي الفضل، محمود (ت ١٢٧٠ هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١٠٦ - التفسير والمفسّرون، ٣ مجلّد: محمد حسين الذهبي (معاصر)، خرج حديثه وفهارسه: الشيخ أحمد الزغبي، نشر: دار الأرقم - بيروت.
١٠٧ - التقرير والتحبير في علم الأُصول الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية: محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي بن سليمان (ت ٨٧٩ هـ)، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات، نشر: دار الفكر - بيروت، ط١، ١٩٩٦ م.
١٠٨ - التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان: للمالقي الأندلسي، محمد بن يجيى بن أبي بكر (ت ٧٤١ هـ)، تحقيق: الدكتور محمود يوسف زايد، نشر: دار الثقافة - قطر، ط١، ١٤٠٥ هـ.
١٠٩ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ٢٤ مجلّد: للنمري، أبي عمر، يوسف بن عبد الله بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد البكير البكر، نشر: وزارة عموم الأوقاف والشوؤون الإسلامية - المغرب ١٣٨٧ هـ.
١١٠ - التمييز لمسلم المطبوع مع كتاب منهج النقد عند المحدّثين للدكتور الأعظمي: لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت ٢٦١ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، نشر: مكتبة الكوثر - السعودية، ط٣، ١٤١٠ هـ.
١١١ - تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير، ٢ مجلّد: لابن حجر العسقلاني،
أبي الفضل، أحمد بن علي بن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، نشر: المدينة المنوّرة ١٣٨٤ هـ.
١١٢ - تنوير الحوالك شرح موطّأ مالك، ٢ مجلّد: للسيوطي، أبي الفضل عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، نشر، المكتبة التجارية الكبرى - مصر ١٣٨٩ هـ.
١١٣ - التنبيه والإشراف: للمسعودي، أبي الحسن، علي بن الحسين بن علي (ت ٣٤٦ هـ)، نشر: دار صعب - بيروت.
١١٤ - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الاقهار: للأمير الصنعاني، أبي إبراهيم، محمد بن اسماعيل (ت ١١٨٢ هـ)، تعليق: صلاح بن محمد بن عويضة، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١٧ هـ.
١١٥ - توجيه النظر في علوم الحديث والأثر: للشيخ طاهر الجزائري، طبع في مصر ١٣٢٨ هـ، وأعادت طبعه دار المعرفة - بيروت.
١١٦ - تهذيب التهذيب، ١٤ مجلّد: لابن حجر العسقلاني، الشافعي، أبي الفضل، احمد بن علي (ت ٨٥٢ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، ط١، ١٤٠٤ هـ.
١١٧ - تهذيب الكمال، ٣٥ مجلّد: للمزي، أبي الحجّاج، يوسف بن الزكي عبد الرحمان (ت ٧٤٢ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد، نشر: دار الرسالة - بيروت، ط١، ١٤٠٠ هـ.
١١٨ - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد، ١٠ مجلّد = التهذيب: للطوسي، أبي جعفر، محمد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: السيد حسن الخرسان، نشر: دار الكتب الإسلامية - قم، ط ٤.
١١٩ - تهذيب تاريخ دمشق، ٧ مجلّد: لابن عساكر، الشافعي، أبي القاسم، علي بن الحسين بن هبة الله (ت ٥٧١ هـ)، هذّبه: الشيخ عبد القادر بدران، نشر: دار المسير - بيروت، ط٢، ١٣٩٩ هـ.
١٢٠ - تيسير الوصول إلى جامع الأُصول: لابن الربيع الشيباني، عبد الرحمان بن علي (ت ٩٤٤ هـ)، تصحيح: محمد حامد الفقي، المكتبة التجارية الكبرى - مصر ١٣٤٦ هـ.
١٢١ - الثقات لابن حبّان، ٩ مجلّد: للبستي، التميمي، أبي حاتم، محمد بن حبان ت
٣٥٦ هـ، تحقيق السيد شرف الدين أحمد، نشر: دار الفكر - بيروت، ط١، ١٣٩٥ هـ.
١٢٢ - ثواب الأعمال: للصدوق، أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٨١ هـ)، نشر: منشورات الرضي - قم، ط٢، ١٤٠٥ هـ.
١٢٣ - ثورة زيد بن علي: لناجي حسن، منشورات مكتبة النهضة - بغداد، وطبع في مطبعة الآداب - النجف ١٩٦٦ م.
١٢٤ - جامع أحاديث الشيعة، ٢٤ مجلّد: للبروجردي، السيد محمد حسين (ت ١٣٨٠ هـ) جمعه الشيخ إسماعيل المُعزّي الملايري، ط ١٤١٤، ٢ هـ، قم.
١٢٥ - جامع بيان العلم وفضله: لابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ)، طبع المنيرية - قم.
١٢٦ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن = تفسير الطبري، ٣٠ جزء: للطبري، أبي جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد (ت ٣١٠ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت ١٤٠٥ هـ.
١٢٧ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً مع جوامع الكلم: لابن رجب الحنبلي، أبي الفرج عبد الرحمان بن أحمد (ت ٧٥٠ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت، ط١، ١٤٠٨، ١ هـ.
١٢٨ - الجامع الصحيح المختصر، ٦ مجلّد: للبخاري الجعفي، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى ديب البغا، نشر، دار ابن كثير - بيروت، ط ١٤٠٧ هـ.
١٢٩ - الجامع الصحيح = سنن الترمذي، ٥ مجلّد: للترمذي السلمي، أبي عيسى، محمد بن عيسى (ت ٢٧٩ هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
١٣٠ - الجامع، ٢ مجلّد: للأزدي، معمر بن راشد (ت ١٥١ هـ)، تحقيق: حبيب الأعظمي، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، ط٢، ١٤٠٣ هـ.
١٣١ - الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، ٢٠ مجلّد: للقرطبي، أبي عبد الله،
محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرخ (ت ٦٧١ هـ)، تحقيق أحمد عبد الحليم البردوني، نشر: دار الشعب - القاهرة، ط٢، ١٣٧٢ هـ.
١٣٢ - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، ٢ مجلّد: للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، نشر دار الفكر - بيروت، ط ١٤٠١، ١ هـ.
١٣٣ - الجرح والتعديل، ٩ مجلّد: للرازي، التميمي، عبد الرحمان بن أبي حاتم محمد بن إدريس (ت ٣٢٧ هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط١، ١٢٧١ هـ.
١٣٤ - جمهرة رسائل العرب في عصر العربية الزاهرة، ٣ مجلّد: أحمد زكي صفوت، نشر: المكتبة العلمية - بيروت.
١٣٥ - الجواهر المضية في طبقات الحنيفة = طبقات الحنفية: لأبي الوفاء القريشي، عبد القادر بن أبي الوفاء (ت ٧٧٥ هـ)، نشر: مير محمد كتب خانه - كراتشي.
١٣٦ - جواهر المطالب في مناقب الإمام الجليل علي بن أبي طالب، ٢ مجلّد: للدمشقي، الباعوني، الشافعي، محمد بن أحمد (ت ٨٧١ هـ)، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، نشر: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم، ط١، ١٤١٥ هـ.
١٣٧ - حاشية السندي على النسائي، ٨ مجلّد مطبوع مع سنن النسائي: لنور الدين، محمد عبد الهادي الحنفي (ت ١١٣٨ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط٢، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.
١٣٨ - الحجّة على أهل المدينة، ٤ مجلّد: للشيباني، أبي عبد الله، محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ)، تحقيق: مهدي حسن الكيلاني القادري، نشر: عالم الكتب - بيروت، ط٣، ١٤٠٣ هـ.
١٣٩ - حجّة الوداع: لابن حزم الأندلسي، أبي محمد، علي بن أحمد بن سعيد (ت ٤٥٦ هـ)، تحقيق: أبو صهيب الكرمي، نشر: بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع - الرياض، ط١، ١٩٩٨ م.
١٤٠ - الحديث والمحدّثون أو عناية الأُمّة الإسلامية بالسنّة النبوية: لمحمد محمد أبو زهو، من علماء الأزهر - طبع في القاهرة ١٣٧٨ هـ، أعادت طبعه دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٤ هـ، قدم له الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية
ورئيس لجنة الفتوى.
١٤١ - حجّية السنّة: للشيخ عبد الغني عبد الخالق، رئيس قسم أُصول الدين بجامعة الأزهر، نشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، دار الفكر - بيروت ١٤٠٧ هـ.
١٤٢ - حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، ٣ مجلّد: للشاشي، القفال، محمد بن أحمد (ت ٥٠٧ هـ)، تحقيق: الدكتور ياسين أحمد إبراهيم درادكة، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط١، ١٤٠٠ هـ.
١٤٣ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ١٠ مجلّد: لأبي نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله (ت ٤٣٠ هـ)، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط٤، ١٤٠٥ هـ.
١٤٤ - حياة الحيوان الكبرى: للدميري، كمال الدين، محمد بن موسى (ت ٦٨٢ هـ)، نشر، منشورات الرضي - قم، بالأوفسيت عن مكتبة مصطفى الحلبي - مصر، ط٢، ١٤٠١ هـ.
١٤٥ - حياة الصحابة، ٣ مجلّد: للكاندهلوي، محمد يوسف (ت ١٢٤٥ هـ)، مراجعة وشرح: الشيخ هشام البخاري، نشر: المكتبة العصرية - بيروت، ط٢، ١٤١٧ هـ.
١٤٦ - خاتمة المستدرك، ٩ مجلّد: للنوري، الطبرسي، الشيخ حسين (ت ١٣٢٠ هـ)، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت: لإحياء التراث - قم، ط١، ١٤١٥ هـ.
١٤٧ - الخصال للصدوق: لأبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٨١ هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، نشر: جماعة المدرسين - قم، ط٢، ١٤٠٣ هـ.
١٤٨ - الخصائص الكبرى = كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب: للسيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٩٨٥ م.
١٤٩ - الخلاف، ٦ مجلّد: للطوسي، أبي جعفر، محمد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: السيد جواد الشهرستاني والسيد علي الخراساني، والشيخ محمد مهدي نجف، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط١، ١٤١٧ هـ.
١٥٠ - خلق أفعال العباد: للبخاري، الجعفي، أبي عبد الله، محمد بن إبراهيم بن إسماعيل (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمان عميرة، نشر دار المعارف
السعودية - الرياض ١٣٩٨ هـ.
١٥١ - دراسات في الحديث والمحدّثين: هاشم معروف الحسيني (معاصر)، نشر: دار التعارف للمطبوعات - بيروت، ط٢، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
١٥٢ - دراسات في الحديث النبوي، ٢ مجلّد: للدكتور مصطفى الأعظمي، المملكة العربية السعودية - جامعة الملك فيصل.
١٥٣ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ٢ مجلّد: لابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق: السيد عبد هاشم اليماني المدني، نشر، دار المعرفة - بيروت.
١٥٤ - الدرّ المنثور، ٨ مجلّد: للسيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت ١٩٩٣ م.
١٥٥ - دعائم الإسلام، ٢ مجلّد: لأبي حنيفة المغربي، النعمان بن محمد بن منصور التميمي (ت ٣٦٣ هـ)، تحقيق: آصف بن علي أصغر فيضي، نشر: دار المعارف - القاهرة، ط١، ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣ م.
١٥٦ - دلائل الإمامة: للطبري الشيعي، أبو جعفر، محمد بن جرير بن رستم (ت ٤٠٠ هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة البعثة - قم، ط١، ١٤١٣ هـ.
١٥٧ - دلائل التوثيق المبكّر للسنّة والحديث: للدكتور امتياز أحمد، عميد كلية الدراسات الإسلامية كراتشي - باكستان، نقله إلى العربية الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، طبع ضمن سلسلة منشورات جامعة الدراسات الإسلامية كراتشي - باكستان.
١٥٨ - دلائل النبوّة: لأبي نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله (ت ٤٣٠ هـ)، تحقيق: محمد محمد الحداد، نشر: دار طيبة - الرياض، ط١، ١٤٠٩ هـ.
١٥٩ - دلائل الصدق، ٣ مجلّد: للإمام المظفّر، الشيخ محمد الحسن (ت ١٢٧٥ هـ)، نشر: دار المعلم - القاهرة، ط٢، ١٣٩٦ هـ.
١٦٠ - الديّات: لأبي عاصم الشيباني، أحمد بن عمرو (ت ٢٨٧ هـ)، نشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية - كراتشي ١٤٠٧ هـ.
١٦١ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب: لابن فرحون، اليعمري،
المالكي، إبراهيم بن علي بن محمد (ت ٧٩٩ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
١٦٢ - الديباج على صحيح مسلم، ٥ مجلّد: للسيوطي، أبي الفضل، عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: أبو إسحاق الجويني الأثيري، نشر: دار ابن عفان - السعودية ١٤١٦ هـ.
١٦٣ - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: لمحب الدين الطبري، أبي العباس أحمد بن عبد الله بن محمد (ت ٦٩٤ هـ)، نشر: دار الكتب المصرية.
١٦٤ - الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ٢٦ مجلّد: للعلامة آغا بزرك الطهراني (١٣٨٩ هـ)، نشر: دار الأضواء - بيروت، ط٣، ١٤٠٣ هـ.
١٦٥ - رجال ابن داود: لتقي الدين بن داود الحلي (ت ٧٠٧ هـ)، نشر: المطبعة الحيدرية - النجف ١٣٩٢ هـ.
١٦٦ - رجال النجاشي: للنجاشي، الأسدي، الكوفي، أبي العباس، أحمد بن علي (ت ٤٥٠ هـ)، تحقيق: السيد موسى الشبيري الزنجاني، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط٥، ١٤١٦ هـ.
١٦٧ - الرحلة في طلب الحديث: للخطيب البغدادي، أبي بكر، أحمد بن علي بن ثابت (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق: نور الدين عتر، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٣٩٥ هـ.
١٦٨ - الرسالة: للشافعي، أبي عبد الله، محمد بن إدريس (ت ١٥٠ هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة، ١٣٥٨ هـ.
١٦٩ - الرواشح السماوية في شرح الأحاديث الإمامية: للمرعشي، الحسيني، الداماد، المير محمد باقر (ت ١٠٤١ هـ)، نشر: منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم - إيران ١٤٠٥ هـ.
١٧٠ - الرواية التاريخية في بلاد الشام: للدكتور حسين عطوان، نشر: دار الجيل، ط ١٩٨٦، ١ م.
١٧١ - الروض الأنف في تفسير السيرة النبويّة لابن هشام، ٤ مجلّد: للسهيلي، الخثعمي، عبد الرحمان بن عبد الله (ت ٥٨١ هـ)، تحقيق: مجدي منصور الشورى،
نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١٨ هـ.
١٧٢ - روضات الجنّات، ٨ مجلّد: للخوانساري، محمد باقر (ت ١٣٠٦ هـ)، تحقيق: أسد الله إسماعيليان - قم.
١٧٣ - الروض الداني = المعجم الصغير، ٢ مجلّد: للطبراني، أبي القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٤٠٥ هـ.
١٧٤ - روضة الواعظين: للفتال النيسابوري، محمد بن الفتال الشهيد (ت ٥٠٨ هـ)، تحقيق: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، نشر، منشورات الرضي - قم.
١٧٥ - الرياض النضرة في مناقب العشرة، ٢ مجلّد: للطبري، أبي جعفر، أحمد بن عبد الله بن محمد (ت ٦٩٤ هـ)، تحقيق عيسلي عبد الله محمد مانع الحميري، نشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط١، ١٩٩٦ م.
١٧٦ - رياض السالكين (شرح الصحيفة السجادية)، ٧ مجلّد: للسيد علي خان المدني الشيرازي (ت ١١٢٠ هـ)، ط ١، جامعة المدرسين - قم ١٤١٥ هـ.
١٧٧ - زاد المسير في علم التفسير، ٩ مجلّد: لابن الجوزي، عبد الرحمان بن علي بن محمد (ت ٥٩٧ هـ)، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، ط٣، ١٤٠٤ هـ.
١٧٨ - زاد المعاد في هدي خير العباد، ٥ مجلّد: للزرعي، أبي عبد الله، محمد بن أبي بكر أيوب (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق: شعيب الارناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط١٢، ١٤٠٧ هـ.
١٧٩ - سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، ٤ مجلّد: للأمير الصنعاني، محمد بن إسماعيل (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق: محمد عبد العزيز الخولي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط٤، ١٣٧٩ هـ.
١٨٠ - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، ١٢ مجلّد: للصالحي، الشامي، محمد بن يوسف (ت ٩٤٢ هـ)، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١٤ هـ.
١٨١ - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ٣ مجلّد: لابن إدريس الحلي، أبي جعفر،
محمد بن منصور (ت ٥٩٨ هـ)، تحقيق: لجنة من المحققين، نشر: جامعة المدرسين - قم، ط ٢، ١٤١٠ هـ.
١٨٢ - السنّة قبل التدوين: للدكتور محمد عجاج الخطيب، نشر: دار الفكر - بيروت، ط ٢، ١٣٩١ هـ.
١٨٣ - السنن: للخراساني، أبي عثمان، سعيد بن منصور (ت ٢٢٧ هـ)، تحقيق حبيب الرحمان الأعظمي، نشر: الدار السلفية - الهند، ط ١، ١٩٨٢ م.
١٨٤ - السنّة، ٣ مجلّد: للخلال، أبي بكر، أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد (ت ٣١١ هـ)، تحقيق: الدكتور عطية الزهراني، نشر: دار الراية - الرياض، ط ١، ١٤١٠ هـ.
١٨٥ - السنّة، ٢ مجلّد: لعمرو بن أبي عاصم الشيباني (ت ٢٨٧ هـ)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ.
١٨٦ - السنّة، ٢ مجلّد: لعبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٩٠ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد سعيد سالم القحطاني، نشر: دار ابن القيم - الدمام، ط ١، ١٤٠٦ هـ.
١٨٧ - السنن الكبرى، ٦ مجلّد: للنسائي، أبي عبد الرحمان، أحمد بن شعيب (ت ٣٠٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري، سيد كسروي حسن نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.
١٨٨ - سنن سعيد بن منصور، ٥ مجلّد: لسعيد بن منصور (ت ٢٢٧ هـ)، تحقيق: الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد، نشر: دار العصيمي - الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ.
١٨٩ - سنن الدارقطني، ٤ مجلّد: للدارقطني، أبي الحسن، علي بن عمر البغدادي (ت ٣٨٥ هـ)، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، نشر: دار المعرفة - بيروت ١٣٨٦ هـ.
١٩٠ - سنن أبي داود، ٤ مجلّد: لأبي داود، السجستاني الأزدي، سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر: دار الفكر - بيروت.
١٩١ - سنن ابن ماجة، ٢ مجلّد: للقزويني، أبي عبد الله، محمد بن يزيد (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار الفكر - بيروت.
١٩٢ - السنن الكبرى، ١٠ مجلّد: للبيهقي، أبي بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، نشر: دار الباز - مكّة المكرّمة، ١٤١٤ هـ.
١٩٣ - سنن الدارمي، ٢ مجلّد: للدارمي، أبي محمد، عبد الله بن عبد الرحمان (ت ٢٥٥ هـ)، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، خالد السبع العلمي، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١، ١٤٠٧هـ.
١٩٤ - سيرة ابن إسحاق، المسمّاة بكتاب المبتدأ والمبعث والمغازي: محمد بن إسحاق بن يسار (ت ١٥١ هـ)، تحقيق: محمد حميد الله، نشر: معهد الدراسات والأبحاث للتعريب.
١٩٥ - سير أعلام النبلاء، ٢٣ مجلّد: للذهبي، أبي عبد الله، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط٩، ١٤١٣ هـ.
١٩٦ - السيرة الحلبية = انساب العيون في سيرة الأمين المأمون، ٣ مجلّد: للحلبي، علي بن برهان الدين (ت ٩٧٥ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت ١٤٠٠ هـ.
١٩٧ - سيرة عمر بن الخطاب = تاريخ عمر بن الخطاب: لابن الجوزي، نشر: دار إحياء العلوم - بيروت.
١٩٨ - السيرة النبوية = سيرة ابن هشام: لابن هشام، الحميري، المعافري، عبد الملك بن هشام (ت ٢١٨ هـ)، تحقيق: مصطفى السقّا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، وطبعة أُخرى.
١٩٩ - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، ٢ مجلّد: للحاكم الحسكاني، عبيد الله بن أحمد (ت القرن الخامس) تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، نشر: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - طهران، ط١، ١٤١١هـ - ١٩٩٠ م.
٢٠٠ - شعب الإيمان، ٨ مجلّد: للبيهقي، أبي بكر أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤١٠هـ.
٢٠١ - شرف أصحاب الحديث: للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي، طبع في جامعة أنقرة ١٩٧١ م.
٢٠٢ - شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب، ٤ مجلّد: لابن العماد الحنبلي، الدمشقي، عبد الحي بن أحمد (ت ١٠٨٩ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
٢٠٣ - شرح أُصول الكافي، ١٢ مجلّد: للمولى محمد صالح المازندراني ت ١٠٨١ هـ.
٢٠٤ - شرح نهج البلاغة، ٢٠ مجلّد: لابن أبي الحديد (ت ٦٥٦ هـ)، تحقيق، محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار إحياء الكتب العربية - بيروت، طبعة منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي.
٢٠٥ - الشرح الكبير على المقنع، ١٢ مجلّد: لأبي قدامة، عبد الله بن أحمد (ت ٦٢٠ هـ)، ومحمد بن أحمد (ت ٦٨٢ هـ).
٢٠٦ - الشرح الكبير، ٤ مجلّد: لأبي البركات، سيدي أحمد الدرديني (ت ١٢٠١ هـ)، تحقيق: محمد عليش، نشر: دار الفكر - بيروت.
٢٠٧ - شرح العقيدة الطحاوية، ٢ مجلّد: لابن أبي العز، الدمشقي، علي بن علي بن محمد (ت ٧٩٢ هـ)، تحقيق، الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي، شعيب الأرنؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١١، ١٤١٨ هـ.
٢٠٨ - شرح فتح القدير، ٧ مجلّد: للسيواسي، محمد بن عبد الواحد (ت ٦٨١ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، ط ٢.
٢٠٩ - شرح السيوطي على سنن النسائي، ٨ مجلّد: للسيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر (ت ٩١١ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، نشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، ط٢ ١٤٠٦.
٢١٠ - شرح الزرقاني على موطّأ الإمام مالك، ٤ مجلّد: للزرقاني، محمد بن عبد الباقي بن يوسف (ت ١١٢٢ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١١هـ.
٢١١ - شرح العمدة في الفقه، ٣ مجلّد: لابن تيمية الحراني، أبي العباس، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت ٧٢٧ هـ)، تحقيق: الدكتور سعود صالح العطيشان، نشر: مكتبة العبيكان - الرياض، ط ١، ١٤١٣هـ.
٢١٢ - شرح معاني الآثار، ٤ مجلّد: للطحاوي، أبي جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة (ت ٣٢١ هـ)، تحقيق، محمد زهري النجار، نشر: دار
الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٣٩٩هـ.
٢١٣ - شرح سنن ابن ماجة: للسيوطي، أبي الفضل، عبد الرحمان بن أبي بكر بن محمد (ت ٩١١ هـ)، نشر: قديمي كتب خانة - كراتشي.
٢١٤ - صبح الأعشى في صناعة الإنشا، ٨ مجلّد: للقلقشندي، أحمد بن علي (ت ٨٢١ هـ)، تحقيق: الدكتور يوسف علي طويل، نشر: دار الفكر - دمشق، ط١، ١٩٨٧ م.
٢١٥ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ١٨ مجلّد: لابن حبان، التميمي، البستي، أبي حاتم محمد بن حبان (ت ٣٥٤ هـ)، تحقيق: شعيب الارنؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط٢ ١٤١٤ هـ.
٢١٦ - صحيح مسلم بشرح النووي، ١٨ مجلّد: للنووي، أبي زكريا، يحيي بن شرف بن مري (ت ٦٧٦ هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط٢ ١٣٩٢ هـ.
٢١٧ - صحيح مسلم، ٥ مجلّد: للقشيري النيسابوري، أبو الحسين، مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢١٨ - صحيح البخاري = الجامع الصحيح: للبخاري، الجعفي، أبي عبد الله، محمد بن إسماعيل (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق: مصطفى ديب البغا، نشر: دار ابن كثير - بيروت، ط٣ ١٤٠٧ هـ.
٢١٩ - الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الإمام علي بن الحسين عليه السلام: للإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام (ت ٩٤ هـ)، تحقيق ونشر: محمد علي الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام - قم، ط١ ١٤١١هـ.
٢٢٠ - الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، ٣ مجلّد: للبياضي، العاملي، النباطي، أبي محمد، علي بن يونس، زين الدين (ت ٨٧٧ هـ)، تحقيق: محمد باقر البهبودي، نشر: المكتبة الرضوية لإحياء التراث الجعفري، ط ١ ١٣٨٤ هـ.
٢٢١ - صفوة الصفوة، ٤ مجلّد: لأبي الفرج، عبد الرحمان بن علي بن محمد (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق: محمود فاخوري، الدكتور محمد رواس قلعه جي، نشر: دار المعرفة - بيروت، ط٢ ١٣٩٩ هـ.
٢٢٢ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: لابن حجر الهيثمي، أبي العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي (ت ٩٧٣ هـ)، تحقيق عبد الرحمان بن عبد الله التركي، كامل محمد الخراط، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١ ١٩٩٧ م.
٢٢٣ - طبقات الشافعية الكبرى، ٩ مجلّد: للسبكي، أبي نصر، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (ت ٧٧١ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، الدكتور محمود محمد الطناحي، نشر: دار هجر للطباعة - القاهرة، ط٢ ١٩٩٢ م.
٢٢٤ - الطبقات الكبرى، ٨ مجلّد: للزهري البصري، أبي عبد الله، محمد بن سعد بن منيع (ت ٢٣٠ هـ)، نشر دار صادر - بيروت.
٢٢٥ - طبقات الفقهاء: لأبي إسحاق الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف (ت ٤٧٦ هـ)، تحقيق: خليل الميس، نشر: دار القلم - بيروت.
٢٢٦ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: للزرعي، أبي عبد الله، محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق الدكتور محمد جميل غازي، نشر: مطبعة المدني - القاهرة.
٢٢٧ - ضحى الإسلام: لأحمد أمين - دار الكتاب العربي، ط ١٠.
٢٢٨ - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، ٨ مجلّد: لابن العربي، المالكي، أبي بكر، محمد بن عبد الله (ت ٥٤٣ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٨هـ.
٢٢٩ - عبد الله بن سبأ وأساطير أُخرى، ٢ مجلّد: للسيد مرتضى العسكري (معاصر)، ط٦ ١٤١٣ هـ، طبع في قم.
٢٣٠ - العلم: لأبي خثيمة النسائي، زهير بن حرب (ت ٢٣٤ هـ)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، ط٢ ١٤٠٣ هـ.
٢٣١ - علم أُصول الفقه: عبد الوهاب خلاف، نشر: دار القلم - الكويت، ط١٠ ١٣٩٢ هـ.
٢٣٢ - العلل لابن المديني: تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت ١٣٩٢ هـ.
٢٣٣ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، ٢ مجلّد: لابن الجوزي، عبد
الرحمان بن علي (ت ٥٩٧ هـ)، تحقيق: خليل الميس، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣هـ.
٢٣٤ - العلل ومعرفة الرجال، ٤ مجلّد: لأحمد بن حنبل، أبي عبد الله الشيباني (ت ٢٤١ هـ)، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، نشر: المكتب الإسلامي، دار الخاني - بيروت، الرياض، ط ١ ١٤٠٨هـ.
٢٣٥ - علل الشرايع، ٢ مجلّد: للصدوق، أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٨١ هـ)، نشر: المكتبة الحيدرية - النجف ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م.
٢٣٦ - علوم الحديث ومصطلحه: للدكتور صبحي الصالح (معاصر)، مطبعة جامعة دمشق، ط٥ ١٣٧٩ هـ - ١٩٥٩ م، أوفسيت منشورات الرضي - قم.
٢٣٧ - العقد الفريد، ٦ مجلّد: لابن عبد ربّه، الأندلسي، أحمد بن محمد (ت ٣٢٨ هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١٤٠٩هـ، وطبعة أُخرى.
٢٣٨ - عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، ١٢ مجلّد: للعيني، أبي محمد، محمد بن أحمد، بدر الدين (ت ٨٥٥ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت.
٢٣٩ - عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ٤ مجلّد: لابن أبي جمهور الإحسائي، محمد بن علي بن إبراهيم (ت ٨٨٠ هـ)، تحقيق: السيد المرعشي، والشيخ مجتبى العراقي، طبع في مطابع سيد الشهداء - قم، ط ١ ١٤٠٣هـ.
٢٤٠ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، ١٠ مجلّد: للعظيم آبادي، أبي الطيب، محمد شمس الحق (ت بعد ١٣١٠ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط٢ ١٤١٥ هـ.
٢٤١ - العين، ٥ مجلّد: للخليل بن أحمد الفراهيدي، أبي عبد الرحمان (ت ١٧٥ هـ)، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي.
٢٤٢ - عيون أخبار الرضا عليه السلام، ٢ مجلّد: للصدوق، أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٨١ هـ)، تصحيح: الشيخ حسين الأعلمي، نشر: مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط ١ ١٤٠٤هـ.
٢٤٣ - عيون الأخبار لابن قتيبة، ٤ مجلّد: لابن قتيبة الدينوري، أبي محمد، عبد الله
بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق: الدكتور يوسف علي طويل، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٦هـ.
٢٤٤ - الغارات، ٢ مجلّد: للثقفي، إبراهيم بن محمد الكوفي (ت ٢٨٣ هـ)، تحقيق: السيد جلال الدين المحدث، نشر: انتشارات بهمن.
٢٤٥ - الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة: للغزنوي، الحنفي، أبي حفص عمر (ت ٧٧٣ هـ)، تحقيق محمد زاهد بن الحسن الكوثري، نشر: مكتبة الإمام أبي حنيفة - بيروت، ط٢ ١٩٨٨ م.
٢٤٦ - غاية السؤل في سيرة الرسول: لعبد الباسط بن خليل بن شاهين (ت ٩٢٠ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد كمال الدين، نشر: عالم الكتب - بيروت، ط ١ ١٩٨٨ م.
٢٤٧ - غريب الحديث، ٣ مجلّد: لابن قتيبة الدينوري، أبي محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله الجبوري، نشر: مطبعة العاني - بغداد، ط ١ ١٣٩٧هـ.
٢٤٨ - غريب الحديث، ٤ مجلّد: للهروي، أبي عبيد، القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد عبد المعيد خان، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ ١٣٩٦هـ.
٢٤٩ - غريب الحديث، ٢ مجلّد: لابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمان بن علي بن محمد (ت ٥٩٧ هـ)، خرج أحاديثه: الدكتور عبد المعطي قلعجي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥ م.
٢٥٠ - غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة، ١٣ مجلّد: لابن بشكوال، أبي القاسم، خلف بن عبد الملك بن بشكوال (ت ٢٧٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عز الدين علي السيد، محمد كمال الدين، نشر: عالم الكتب - بيروت، ط ١ ١٤٠٧هـ.
٢٥١ - الغيبة: للشيخ الطوسي، أبي جعفر، محمد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: الشيخ عباد الله الطهراني، الشيخ علي أحمد ناصح، نشر: مؤسسة المعارف الإسلامية - قم، ط ١ ١٤١١هـ.
٢٥٢ - الغيبة: للنعماني، محمد بن إبراهيم (ت ٣٨٠ هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، طبع ونشر: مكتبة الصدوق - طهران.
٢٥٣ - الفائق في غريب الحديث، ٤ مجلّد: للزمخشري، محمود بن عمر (ت ٥٣٨ هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار المعرفة - لبنان، ط٢.
٢٥٤ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ٥ مجلّد: للشوكاني، محمد بن علي(ت ١٢٥٠ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت.
٢٥٥ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١٣ مجلّد: لابن حجر، العسقلاني، الشافعي، أبي الفضل، أحمد بن علي (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، نشر: دار المعرفة - بيروت.
٢٥٦ - الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد، ١٢ مجلّد: للبنا، أحمد عبد الرحمان، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢٥٧ - فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم عليعليه السلام: للمغربي، أحمد بن الصديق (ت ١٣٨٠ هـ)، تحقيق: محمد هادي الأميني، نشر: مكتبة أمير المؤمنين - أصفهان، طبع سنة ١٣٨٨ هـ.
٢٥٨ - فجر الإسلام: أحمد أمين، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط١١ ١٩٧٥ م.
٢٥٩ - الفردوس بمأثور الخطاب، ٥ مجلّد: لابن شيرويه الديلمي، الهمذاني، أبي شجاع، شيرويه بن شهردار بن شيرويه (ت ٥٠٩ هـ)، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١ ١٩٨٦ م.
٢٦٠ - الفروع وتصحيح الفروع، ٦ مجلّد: للمقدسي، أبي عبد الله، محمد بن مفلح (ت ٧٦٢ هـ)، تحقيق: أبو الزهراء حازم القاضي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١ ١٤١٨هـ.
٢٦١ - الفصول المختارة: للشيخ المفيد، العكبري، البغدادي، أبي عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان (ت ٤١٣ هـ)، تحقيق: السيد مير علي شريفي، نشر: دار المفيد - بيروت، ط٢ ١٤١٤ هـ.
٢٦٢ - فضائل الصحابة، ٢ مجلّد: للشيباني، أبي عبد الله، أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، تحقيق: الدكتور وصي الله محمد عباس، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت
ط ١ ١٤٠٣.
٢٦٣ - الفقه على المذاهب الأربعة، ٥ مجلّد: لعبد الرحمان الجزيري، نشر: دار الفكر - بيروت ١٤٠٦ هـ.
٢٦٤ - الفقه والمتفقّه: للبغدادي، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، أبو بكر (ت ٤٦٢ هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت، ط٢ ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.
٢٦٥ - فلاح السائل: لابن طاووس، أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر (ت ٦٦٤ هـ)، نشر: دفتر تبليغات إسلامي - قم.
٢٦٦ - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ٢ مجلّد: للنفراوي، المالكي أحمد بن غنيم بن سالم (ت ١١٢٥ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ.
٢٦٧ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، ٦ مجلّد: للمناوي: عبد الرؤوف (ت ١٠٣٥ هـ)، نشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط١ ١٣٥٦هـ.
٢٦٨ - قادتنا كيف نعرفهم، ٨ مجلّد: للميلاني، السيد محمد هادي الحسيني (ت ١٣٩٥ هـ)، تحقيق: السيد محمد علي الميلاني، نشر: مؤسسة الوفاء - بيروت، ط١ ١٤٠٦هـ.
٢٦٩ - القاموس المحيط، ٤ مجلّد: للفيروزآبادي، أبي طاهر، محمد بن يعقوب بن محمد (ت ٨١٧ هـ)، جمع العلامة الشيخ نصر الهوريني.
٢٧٠ - قرب الإسناد: للحميري، أبو العباس، عبد الله بن جعفر (ت ٣٠٠ هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة أل البيت لإحياء التراث، ط ١ ١٤١٣هـ - قم.
٢٧١ - الكافي، ٨ مجلّد: للشيخ الكليني، أبي جعفر، محمد بن يعقوب الرازي، (ت ٣٢٩ هـ)، تحقيق: علي أكبر غفاري، نشر: دار الكتب الإسلامية - طهران، ط٣ ١٣٨٨ هـ.
٢٧٢ - الكامل في التاريخ لابن الأثير، ١٠ مجلّد: للشيباني، محمد بن محمد بن عبد الواحد (ت ٦٣٠ هـ)، تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط٢ ١٤١٥ هـ.
٢٧٣ - الكامل في ضعفاء الرجال، ٧ مجلّد: لابن عدي الجرجاني، أبي أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد (ت ٣٦٥ هـ)، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، نشر:
دار الفكر - بيروت، ط٣ ١٤٠٩ هـ.
٢٧٤ - كتاب سليم بن قيس الهلالي: للهلالي، العامري، الكوفي، أبي صادق، سليم بن قيس (ت ٧٦ هـ)، تحقيق: الشيخ محمد باقر الأنصاري.
٢٧٥ - الكشاف، ٤ مجلّد: للزمخشري، الخوارزمي، أبي القاسم، جار الله، محمود بن عمر (ت ٥٣٨ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت.
٢٧٦ - كشاف القناع عن متن الإقناع، ٦ مجلّد: للبهوتي، منصور بن يونس بن إدريس (ت ١٠٥١ هـ)، تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى، نشر: دار الفكر - بيروت ١٤٠٢ هـ.
٢٧٧ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث علي ألسنة الناس، ٢ مجلّد: للعجلوني، الجراحي، إسماعيل بن محمد (ت ١١٦٢ هـ)، تحقيق: أحمد القلاش، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط٤ ١٤٠٥ هـ.
٢٧٨ - كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر: للخزاز، القمّي، أبي القاسم، علي بن محمد بن علي (ت ٤٠٠ هـ)، تحقيق: السيد عبد اللطيف الحسيني الخوئي، نشر: انتشارات بيدار - قم، ط ١ ١٤٠١هـ.
٢٧٩ - كمال الدين وتمام النعمة: للصدوق، أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٨١ هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم، ط ١ ١٤٠٥هـ.
٢٨٠ - الكنى والألقاب، ٣ مجلّد: للشيخ عباس القمّي (ت ١٣٥٩ هـ)، قدّم له: محمد هادي الأميني، طبع سنة ١٩٧٠ م.
٢٨١ - كنز العمّال، ١٦ مجلّد: للمتقي الهندي (ت ٩٧٥ هـ)، تحقيق: الشيخ بكري حياني، الشيخ صفوت السقا، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.
٢٨٢ - الكنى: للبخاري، الجعفي، أبي عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم (ت ٢٥٦ هـ)، تحقيق: السيد هاشم الندوي، نشر: دار الفكر بيروت.
٢٨٣ - لباب النقول في أسباب النزول: للسيوطي، أبي الفضل، عبد الرحمان بن أبي بكر بن محمد (ت ٩١١ هـ)، نشر: دار إحياء العلوم - بيروت.
٢٨٤ - اللهوف في قتلى الطفوف: لابن طاووس، علي بن موسى بن طاووس الحسيني (ت ٦٦٤ هـ)، طبع في مطابع مهر - قم، ط١ ١٤١٧هـ.
٢٨٥ - مآثر الإنافة في معالم الخلافة، ٥ مجلّد: للقلقشندي، أحمد بن عبد الله (ت ٨٢١ هـ)، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، نشر: مطبعة حكومة الكويت، ط٢ ١٩٨٥ م.
٢٨٦ - المبدع في شرح المقنع، ١٠ مجلّد: للحنبلي، أبي إسحاق، إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ)، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت ١٤٠٠ هـ.
٢٨٧ - المبسوط، ٣٠ مجلّد: للسرخسي، أبي بكر، محمد بن أبي سهل (ت ٤٨٣ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت ١٤٠٦ هـ.
٢٨٨ - المجتبى من السنن = سنن النسائي، ٨ مجلّد: للنسائي، أبي عبد الرحمان، أحمد بن شعيب (ت ٣٠٣ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، نشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب، ط٢ ١٤٠٦ هـ.
٢٨٩ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ١٠ مجلّد: للهيثمي، علي بن أبي بكر (ت ٨٠٧ هـ)، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٧ هـ.
٢٩٠ - المجموع شرح المهذب، ٩ مجلّد: للنووي، محيي الدين بن شرف (ت ٦٧٦ هـ)، تحقيق: محمود مطرحي، نشر: دار الفكر - بيروت، ط١ ١٤١٧هـ.
٢٩١ - مجموع الفتاوى، ٦ مجلّد: لابن تيمية الحراني، أبي العباس، أحمد بن عبد الحليم (ت ٧٢٨ هـ).
٢٩٢ - المحاسن، ٢ مجلّد: للبرقي، أبو جعفر، أحمد بن محمد بن خالد (ت ٢٧٤ هـ)، تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني، نشر: دار الكتب الإسلامية - قم.
٢٩٣ - المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي: للرامهرمزي، الحسن بن عبد الرحمان (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد عجاج الخطيب، نشر: دار الفكر - بيروت، ط٣ ١٤٠٤ هـ.
٢٩٤ - المحصول في علم الأُصول، ٥ مجلّد: للرازي، محمد بن عمر بن الحسين (ت ٦٠٦ هـ)، تحقيق: طه جابر فياض العلواني، نشر: جامعة الإمام مجمد بن سعود الإسلامية - الرياض، ط ١ ١٤٠٠هـ.
٢٩٥ - محاضرات الأُدباء: للراغب الأصفهاني، أبو القاسم، حسين بن محمد (ت ٤٢٥ هـ)، نشر: انتشارات الحيدرية - قم، عن طبعة سابقة.
٢٩٦ - المحبر (نسخة خطّيّة) وهو مطبوع كذلك: للبغدادي، محمد بن حبيب (ت ٢٤٥هـ).
٢٩٧ - المحلّى، ١١ مجلّد: لابن حزم الأندلسي، أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (ت ٤٥٦ هـ)، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، نشر: دار الآفاق الجديد - بيروت.
٢٩٨ - مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف: للدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، نشر: مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤١٦هـ.
٢٩٩ - مختار الصحاح: للرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (ت ٧٢١ هـ)، تحقيق: محمود خاطر، نشر: مكتبة لبنان ناشرون - بيروت ١٤١٥ هـ.
٣٠٠ - مختصر بصائر الدرجات: للحلّي، الشيخ حسن بن سلمان (ت القرن التاسع)، نشر: المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، ط١ ١٣٧٠هـ.
٣٠١ - مختصر تاريخ دمشق، ٢٨ مجلّد: لابن منظور، أبي الفضل، محمد بن مكرم، جمال الدين (ت ٧١١ هـ)، تحقيق: أحمد راتب حمّوس، محمد ناجي العمر، وراجعه: رياض عبد الحميد، نشر دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥ م.
٣٠٢ - المدخل إلى السنن الكبرى: للبيهقي، أبي بكر، أحمد بن الحسين بن علي (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد ضياء الرحمان الأعظمي، نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت.
٣٠٣ - المدوّنة الكبرى، ١٦ مجلّد: للإمام مالك بن أنس، أبي عبد الله الأصبحي (ت ١٧٩ هـ)، نشر: دار صادر - بيروت.
٣٠٤ - المذكر والتذكير والذكر: للشيباني، أبي بكر، أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت ٢٨٧ هـ)، تحقيق خالد بن قاسم الردادي، نشر: دار المنار - الرياض، ط ١ ١٤١٣ هـ.
٣٠٥ - المراجعات: لشرف الدين، السيد عبد الحسين الموسوي، تحقيق: حسين الراضي، نشر: الجمعية الإسلامية، ط٢ ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.
٣٠٦ - المراسيل: لأبي داود السجستاني، سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١ ١٤٠٨هـ.
٣٠٧ - مروج الذهب، ٤ مجلّد: للمسعودي، أبي الحسن، علي بن الحسين (ت ٤٣٦ هـ)، نشر: دار الهجرة - قم، اوفسيت عن طبعة بيروت، ط ١ ١٣٨٥هـ.
٣٠٨ - مسائل الإمام أحمد: لأحمد بن محمد بن حنبل (ت ٢٦٦ هـ)، تحقيق: الدكتور فضل الرحمان دين محمد، نشر: الدار العلمية - دهلي، ط ١ ١٩٨٨ م.
٣٠٩ - المستدرك علي الصحيحين، ٣ مجلّد: للحاكم النيسابوري، أبي عبد الله، محمد بن عبد الله (ت ٤٠٥ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت ط١ ١٩٩٠ - ١٤١١ م.
٣١٠ - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ١٨ مجلّد: للنوري، الحاج ميرزا حسين الطبرسي (ت ١٣٢٠ هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم، ط١ ١٤٠٨هـ - ١٩٨٧ م.
٣١١ - المستصفى في علم الأصول: لأبي حامد الغزالي، محمد بن محمد (ت ٥٠٥ هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١ ١٤١٣هـ.
٣١٢ - المسترشد في إمامة أمير المؤمنينعليه السلام: للطبري الشيعي، محمد بن جرير بن رستم (ت ٤٠٠ هـ)، تحقيق: الشيخ أحمد المحمودي، نشر: مؤسسة الثقافة الإسلامية - قم ط ١.
٣١٣ - المسند: لأبي داود الطيالسي، البصري، سليمان بن داود (ت ٢٠٤ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت.
٣١٤ - المسند: لابن الجعد، الجوهري، البغدادي، أبي الحسن علي بن الجعد (ت ٢٣٠ هـ)، تحقيق: عامر أحمد حيدر، نشر: مؤسسة نادر - بيروت، ط ١ ١٤١٠هـ.
٣١٥ - المسند، ٢ مجلّد: للشاشي، أبي سعيد، الهيثم بن كليب (ت ٣٣٥ هـ)، تحقيق الدكتور محفوظ الرحمان زين الله، نشر: مكتبة العلوم والحكم - مكّة المنوّرة، ط ١ ١٤١٠.
٣١٦ - المسند، ٢ مجلّد: للحميدي، أبي بكر، عبد الله بن الزبير (ت ٢١٩ هـ)، تحقيق حبيب الرحمان الأعظمي، نشر، دار الكتب العلمية - بيروت.
٣١٧ - المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم، ٤ مجلّد: لأبي نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق (ت ٤٣٠ هـ)، تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط١ ١٩٩٦ م.
٣١٨ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، ٦ مجلّد: للشيباني، أبي عبد الله، أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)، نشر: مؤسسة قرطبة - مصر.
٣١٩ - مسند الإمام أبي حنيفة: لأبي نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد (ت ٤٣٠ هـ)، تحقيق: محمد نظر الفاريابي، نشر: مكتبة الكوثر - الرياض، ط ١ ١٤١٥هـ.
٣٢٠ - مسند أبي عوانة، ٥ مجلّد: لأبي عوانة الاسفرايني، يعقوب بن إسحاق (ت ٣١٦ هـ)، تحقيق أيمن بن عارف الدمشقي، نشر: دار المعرفة - بيروت، ط١ ١٩٩٨ م.
٣٢١ - مسند الشافعي: لمحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٦ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
٣٢٢ - مسند الشاميين، ٤ مجلّد: للطبراني، سليمان أحمد اللخمي (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط٢ ١٤١٧ هـ ١٩٩٦م.
٣٢٣ - مسند الشهاب، ٢ مجلّد: للقضاعي، أبي عبد الله، محمد بن سلامة بن جعفر (ت ٤٥٤ هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر: مؤسسة الرسالة بيروت، ط٢ ١٤٠٧ هـ.
٣٢٤ - مسند أبي يعلى، ١٣ مجلّد: لأبي يعلى الموصلي، التميمي، أحمد بن علي بن المثنى (ت ٣٠٧ هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، نشر: دار المأمون للتراث - دمشق، ط ١ ١٤٠٤هـ.
٣٢٥ - مشرق الشمسين: للبهائي، محمد بن الحسين العاملي (ت ١٠٣٠ هـ)، طبع على الحجر مع الحبل المتين للمؤلف، أعادت طبعه مكتبة بصيرتي - قم.
٣٢٦ - المصباح = الجنة الواقية: للكفعمي، إبراهيم بن علي العاملي (ق ٩)، نشر:
مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط ١ ١٤٠٣هـ.
٣٢٧ - معالم التنزيل، ٤ مجلّد: للبغوي، أبي محمد، الحسين بن مسعود الفراء (ت ٥١٦ هـ)، تحقيق: مروان العك، مروان سوار، نشر: دار المعرفة - بيروت، ط٢ ١٤٠٧ هـ.
٣٢٨ - معالم المدرستين ٣ مجلّد: للسيد مرتضى العسكري (معاصر)، نشر: مؤسسة النعمان - بيروت، ط١ ١٤١٠هـ - ١٩٩٠ م.
٣٢٩ - معالم العلماء: لابن شهرآشوب (ت ٥٨٨ هـ)، تقديم: السيد محمد صادق آل بحر العلوم، طبع في قم.
٣٣٠ - معاني الأخبار: للصدوق، أبي جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٨١ هـ)، تصحيح: علي اكبر الغفاري، نشر: جماعة المدرسين - قم، ط ١.
٣٣١ - معاني القرآن الكريم = تفسير النحاس: للنحاس، أبي جعفر، أحمد بن محمد (ت ٣٣٨ هـ)، تحقيق: محمد علي الصابوني، نشر: جامعة أُم القرى - مكّة المكرّمة، ط ١ ١٤٠٩.
٣٣٢ - المعتبر في شرح المختصر ٢ مجلّد: للمحقق الحلّي قُدّس سرّه (ت ٦٧٦ هـ)، تحقيق: لجنة بإشراف الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، نشر: مؤسسة سيد الشهداء، طبع: مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - قم.
٣٣٣ - المعتصر من المختصر من مشكل الآثار، ٢ مجلّد: لأبي المحاسن، يوسف بن موسى الحنفي (ت ٨٠٣ هـ)، دار النشر: مكتبة المتنبي - القاهرة.
٣٣٤ - المعتمد في أُصول الفقه، ٢ مجلّد: للبصري، أبي الحسين، محمد بن علي بن الطيب (ت ٤٣٦ هـ)، تحقيق: خليل الميس، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣هـ.
٣٣٥ - معجم البلدان، ٥ مجلّد: للحموي، أبي عبد الله، ياقوت بن عبد الله (ت ٦٢٦ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت.
٣٣٦ - معجم الصحابة، ٣ مجلّد: لأبي الحسن، عبد الباقي بن قانع (ت ٣٥١ هـ)، تحقيق: صلاح بن سالم المصراتي، نشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، ط ١ ١٤١٨هـ.
٣٣٧ - معجم الشيوخ: للصيداوي، أبي الحسن، محمد بن أحمد بن جميع (ت ٤٠٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عمر عبد السلام التدمري، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١ ١٤٠٥هـ.
٣٣٨ - المعجم الأوسط، ١٠ مجلّد: للطبراني، أبي القاسم، سليمان بن أحمد (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسين، نشر: دار الحرمين - القاهرة ١٤١٥ هـ.
٣٣٩ - المعجم الكبير، ٢٠ مجلّد: للطبراني، أبي القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر: مكتبة العلوم والحكم - الموصل، ط٢ ١٤٠٤ هـ.
٣٤٠ - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي: ترتيب: جمع من المستشرقين، نشر: مكتبة بريل، ليدن ١٩٣٦ م.
٣٤١ - معرفة النسخ والصحف والحديث: لأبي بكر بن عبد الله، أبو زيد نشر: دار الدراية - الرياض، ط ١ ١٤١٢هـ.
٣٤٢ - المعيار والموازنة: لأبي جعفر الإسكافي، محمد بن عبد الله المعتزلي (ت ٢٢٠ هـ)، تحقيق: الشيخ باقر المحمودي.
٣٤٣ - المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ١٠ مجلّد: لابن قدامة الحنبلي، أبي محمد، عبد الله بن أحمد بن قدامة (ت ٦٢٠ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٠٥هـ.
٣٤٤ - مفتاح الجنّة في الاحتجاج بالسنّة: لأبي بكر السيوطي، عبد الرحمان (ت ٩١١ هـ)، نشر: الجامعة الإسلامية - المدينة المنوّرة، ط٣ ١٣٩٩ هـ.
٣٤٥ - مقاتل الطالبيين: لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦ هـ)، تحقيق: كاظم المظفّر، نشر: مؤسسة دار الكتاب - قم، ط٢ ١٣٨٥ هـ.
٣٤٦ - مقدّمة ابن خلدون: للحضرمي، عبد الرحمان بن محمد بن خلدون (ت ٨٠٨ هـ)، نشر: دار القلم - بيروت، ط٥ ١٩٨٤ م.
٣٤٧ - مقدّمة ابن الصلاح في علوم الحديث: لأبي عمرو، عثمان بن عبد الرحمان
الشهرزوري (ت ٦٤٣ هـ)، تحقيق: أبو عبد الرحمان صلاح بن محمد بن عويضة، ط ١ ١٤١٦هـ، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.
٣٤٨ - مكاتيب الرسول ٣ مجلّد: للأحمدي، الميانجي، علي بن حسين علي (معاصر)، نشر: دار الحديث - قم، ط ١ ١٤١٩هـ - ١٩٩٨ م.
٣٤٩ - مكارم الأخلاق: للطبرسي، أبي نصر الحسن بن فضل (ت ٥٤٨ هـ)، نشر: منشورات الشريف الرضي - قم، ط٦ ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.
٣٥٠ - ملامح التيّارات السياسية في القرن الأول الهجري: للدكتور إبراهيم بيضون، نشر: دار النهضة العربية - بيروت، ط١ ١٩٧٩ م.
٣٥١ - من حديث خيثمة بن سليمان القرشي الأطرابلسي: خيثمة بن سليمان القرشي (ت ٣٤٣ هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ ١٤٠٠هـ.
٣٥٢ - مَن لا يحضره الفقيه، ٤ مجلّد: للصدوق، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت ٣٧١ هـ)، تعليق: علي أكبر غفاري، نشر: جماعة المدرسين - قم، ط٢ ١٤٠٤ هـ.
٣٥٣ - مناظرات في أُصول الشريعة الإسلامية بين ابن حزم والباجي: للدكتور عبد المجيد التركي، ترجمة وتحقيق: الدكتور عبد الصبور شاهين، مراجعة الدكتور محمد عبد الحليم محمود، نشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت ط ١.
٣٥٤ - المناقب: للموفق الخوارزمي، الموفق بن أحمد بن محمد المكّي (ت ٥٦٨ هـ)، تحقيق: الشيخ مالك المحمودي، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط٢ ١٤١١ هـ.
٣٥٥ - مناقب آل أبي طالب، ٣ مجلّد: لابن شهرآشوب، أبي عبد الله، محمد بن علي المازندراني (ت ٥٨٨ هـ)، تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، ط ١ ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٦ م.
٣٥٦ - مناقب الشافعي: للبيهقي، أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ)، تحقيق: السيد أحمد صقر، نشر: دار التراث العربي - القاهرة، ط ١ ١٣٩١هـ.
٣٥٧ - المناهج الأُصولية: للدكتور فتحي الرديني، نشر: الشركة المتحدة - سوريا، ط٢ ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
٣٥٨ - مناهج الاجتهاد في الإسلام: لمحمد سلام مدكور، جامعة الكويت ١٣٩٣ هـ.
المنتخب من مسند عبد بن حميد: للكسي، أبي محمد، عبد بن حميد بن نصر (ت ٢٤٩ هـ)، تحقيق: صبحي البدري السامرائي، محمود محمد خليل الصعيدي، نشر: مكتبة السنة - القاهرة، ط ١ ١٤٠٨هـ.
٣٥٩ - المنتقى من السنن المسندة: لابن الجارود النيسابوري، أبي محمد، عبد الله بن علي بن الجارود (ت ٣٠٧ هـ)، تحقيق: عبد الله عمر البارودي، نشر: مؤسسة الكتاب الثقافية - بيروت، ط ١ ١٤٠٨هـ.
٣٦٠ - المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم = منتظم ابن الجوزي، ٦ مجلّد: لابن الجوزي، أبي الفرج، عبد الرحمان بن علي بن محمد (ت ٥٦٧ هـ)، نشر: دار صادر - بيروت، ط ١ ١٣٥٨هـ.
٣٦١ - منتهى المطلب، ٢ مجلّد (رحلي): للعلاّمة الحلّي، أبي منصور، الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت ٧٦٢ هـ)، نشر: الحاج أحمد، تبريز ١٣٣٣ هـ.
٣٦٢ - المنمّق في أخبار قريش: للبغدادي، أحمد بن حبيب (ت ٢٤٥ هـ)، صحّحه وعلق عليه: خورشيد أحمد فاروق، نشر: عالم الكتب - بيروت، ط ١ ١٤٠٥هـ.
٣٦٣ - الموسوعة العربية الميسّرة: نشر: دار الشعب - القاهرة، ط٢ ١٩٧٢ م.
٣٦٤ - موسوعة فقه إبراهيم النخعي، ٢ مجلّد: للدكتور محمد رواس قلعه جي، نشر: دار النفائس - بيروت، ط٢ ١٤٠٦ هـ.
٣٦٥ - موسوعة فقه زيد بن ثابت وأبي هريرة: للدكتور محمد رواس قلعه جي، نشر: دار النفائس - بيروت، ط ١ ١٤١٣هـ.
٣٦٦ - موسوعة فقه عبد الله بن مسعود: للدكتور محمد رواس قلعه جي، نشر: دار النفائس - بيروت، ط٢ ١٤١٢ هـ.
٣٦٧ - موسوعة فقه عمر بن الخطاب: للدكتور محمد رواس قلعه جي، نشر: دار النفائس - بيروت، ط٤ ١٤٠٩ هـ.
٣٦٨ - موسوعة المورد، ١١ مجلّد: منير البعلبكي (معاصر)، نشر: دار العلم للملايين - بيروت، ط١ ١٩٨٠ م.
٣٦٩ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، ٦ مجلّد: للمغربي، أبي عبد الله، محمد
بن عبد الرحمان (ت ٩٥٤ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت، ط٢ ١٣٩٨ هـ.
٣٧٠ - موطّأ الإمام مالك، ٢ مجلّد: للإمام مالك بن أنس، أبي عبد الله الأصبحي (ت ١٧٩ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي - مصر.
٣٧١ - النص والاجتهاد: لشرف الدين، السيد عبد الحسين الموسوي (ت ١٣٧٧ هـ)، تحقيق: أبو مجتبى، طبع في مطابع سيد الشهداء - قم، ط ١ ١٤٠٤هـ.
٣٧٢ - النصائح الكافية لمَن يتولّى معاوية: للعلوي، محمد بن عقيل بن عبد الله (ت ١٣٥٠ هـ)، نشر: دار الثقافة - قم، ط ١٤١٢هـ.
٣٧٣ - نصب الراية لأحاديث الهداية، ٤ مجلّد: للزيعلي، الحنفي، أبي محمد، عبد الله بن يوسف (ت ٧٦٢ هـ)، تحقيق: محمد يوسف البنوري، نشر: دار الحديث - مصر ١٣٥٧ هـ.
٣٧٤ - نظم درر السمطين: للزرندي الحنفي، جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد (ت ٧٥٠ هـ)، من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة ط١ ١٣٧٧هـ - ١٩٥٨ م.
٣٧٥ - نظام الحكومة النبوية المسمّى التراتيب الإدارية: عبد الحي الكتاني الإدريسي الحسني الفاسي (ت ١٠٣٨ هـ)، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت.
٣٧٦ - نقد الحديث: للدكتور حسين الحاج حسن، نشر: مؤسسة الوفاء، ط ١ ١٤٠٥هـ.
٣٧٧ - النهاية في غريب الحديث، ٥ مجلّد: لابن الأثير، الجزري، المبارك بن محمد (ت ٦٠٦ هـ)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، نشر: المكتبة العلمية - بيروت ١٣٩٩ هـ.
٣٧٨ - نهج البلاغة، ٤ مجلّد: تحقيق: الشيخ محمد عبده، نشر: دار المعرفة - بيروت.
٣٧٩ - نهج الإيمان: لابن جبر، علي بن يوسف، زين الدين (ت القرن السابع)، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، نشر: مجتمع الإمام الهادي عليه السلام - مشهد، ط ١ ١٤١٨ هـ.
٣٨٠ - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ٨ مجلّد: للشيخ محمد باقر المحمودي (معاصر)، نشر: دار التعارف للمطبوعات - بيروت، ط ١ ١٣٩٦هـ.
٣٨١ - النوادر لأحمد بن عيسى: للأشعري، القمّي، أبي جعفر، من أصحاب الإمام الرضا، الجواد، الهادي: (ت في عصر الغيبة)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي عليه السلام
- قم، ط ١ ١٤٠٨هـ.
٣٨٢ - نور الإيضاح ونجاة الأرواح: للشرنبلالي، أبي الإخلاص، حسن الوفائي (ت ١٠٦٩ هـ)، نشر: دار الحكمة - دمشق ١٩٨٥ م.
٣٨٣ - نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، ٩ مجلّد: للشوكاني، محمد بن علي بن محمد (ت ١٢٥٥ هـ)، نشر: دار الجيل - بيروت ١٩٧٣ م.
٣٨٤ - الهداية شرح بداية المبتدي، ٤ مجلّد: للمرغياني، أبي الحسين، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل (ت ٥٩٣ هـ)، نشر: المكتبة الإسلامية - بيروت.
٣٨٥ - هدي الساري: لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، نشر: شركة الحلبي - مصر، ١٣٨٣ هـ.
٣٨٦ - وسائل الشيعة، ٣٠ مجلّد: للحر العاملي (ت ١١٠٤ هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ط٢ ١٤١٤ هـ - قم.
٣٨٧ - وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: للعاملي، الشيخ حسين عبد الصمد (ت ٩٨٤ هـ)، تحقيق: السيد عبد اللطيف الكوهكمردي، نشر: مجمع الذخائر الإسلامية - قم ١٠٤١ هـ.
٣٨٨ - وضوء النبي، ٢ مجلّد: لمؤلّف هذا الكتاب، ط ١ ١٤١٥ - قم.
وفيات الأعيان وأنباء الزمان، ٨ مجلّد: لابن خلكان، أبي العباس، أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (ت ٦٨١ هـ)، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، نشر: دار الثقافة - بيروت ١٩٦٨ م.
٣٨٩ - وقعة صفين: للمنقري، نصر بن مزاحم (ت ٢١٢ هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، نشر: المؤسسة العربية الحديثة، ط٢ ١٣٨٢ هـ.
٣٩٠ - الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف: لابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق: عبد الله الليثي الأنصاري، نشر: مؤسسة الثقافة - بيروت، ط ١ ١٤٠٦هـ.
٣٩١ - ينابيع المودّة لذوي القربى، ٣ مجلّد: للقندوزي الحنفي، الشيخ سلمان بن إبراهيم (ت ١٢٩٤ هـ)، تحقيق: السيد علي جمال أشرف الحسيني، نشر: دار الأُسوة، ط ١، ١٤١٦ هـ.
الفهرس
الإهداء: ٥
كلمة الناشر ٧
مقدّمة الطبعة الثالثة ٩
المقدّمة ١١
أسباب منع تدوين السنّة الشريفة ١٧
السبب الأوّل ٢١
ما طرحه الخليفة أبو بكر ٢١
و يستنتج ذلك من نصّين: ٢١
حديث الأريكة: ٣٤
أيُّ المنعَين أسَبقُ: ٣٦
السبب الثاني ٣٩
ما طرحه الخليفة عمر بن الخطّاب ٣٩
ويمكن أن يستنتج هذا الرأي من نصّين: ٣٩
السبب الثالث ٤٥
ما ذهب إليه ابن قتيبة وابن حجر ٤٥
السبب الرابع ٤٩
ما نقله الأستاذ أبو زهو والشيخ عبد الغنيّ ٤٩
السبب الخامس ٥٥
ما ذهب إليه الخطيب البغداديّ وابن عبد البرّ ٥٥
السبب السادس ٦١
ما ذهب إليه بعض المستشرقين ٦١
السبب السابع ٦٣
ما ذهب إليه غالب كتّاب الشيعة ٦٣
ويمكن أن يؤخذ على هذا الرأي ما يلي: ٦٤
ابن مسعود وروايات المنع ٨٠
السبب الأخير ٩٣
هو ما نذهب إليه ٩٣
العامل الأوّل: ٩٣
العامل الثاني: ٩٤
العامل الثالث: ٩٤
العامل الرابع: ٩٥
المحور الأوّل ٩٥
(نشوء فكرة الاجتهاد) ٩٥
الطائفة الأُولى: ٩٥
والطائفة الثانية: ٩٦
موقف الشيخين من المنهجين: ١٠١
تحليلٌ واستنتاج ١١٧
تبريران آخران ١٢٤
خلاصة ما تقدّم في المحور الأوّل: ١٢٧
المحور الثاني ١٢٩
الثابت عند المسلمين هو لزوم امتلاك الخليفة قدرتين: ١٢٩
بعض الصحابة والخليفة الثاني ١٣٤
والذي نخلص إليه من مجموع النصوص السابقة ثلاثة أُمور: ١٤٤
امتداد النهجين بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ١٤٥
(الأزمة والحل) ١٤٥
الأُولى: القول بالمصلحة ١٤٦
الثانية: القول بحجّيّة اجتهاد الصحابيّ ١٤٦
نظرة في الموضوع ١٦٥
الصحابة وأخذهم عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ١٦٦
المصلحة والنصوص ١٧٢
مفردات اجتهاديّة ١٨٢
نماذج من امتداد النهجين ١٩١
بروز المدوّنين في مخالفة الرأي ١٩٩
استنتاجات ٢٠٧
حبس المحدِّثين ٢٠٩
آراء متضاربة ٢١١
القول باجتهاد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)!! ٢١٦
مُسائلة الصحابة للخليفة ٢٢٢
الآراء وتأثيرها على الفقه ٢٢٥
متابعة الخليفة في تعليل المنع ٢٣٢
موقف أهل البيت من المدّ الاجتهاديّ ٢٣٨
تأويلات وآراء ٢٤١
بين الوحدويّة والتعدّديّة ٢٤٥
وقفة عند رأي ابن قيّم الجوزيّة: ٢٥١
حسبنا كتاب الله ٢٥٤
نظرات في الرأي ٢٥٩
تطوّرات وتغييرات ٢٦٦
عود على بدء ٢٦٧
بيان الإمام عليّ عليه السلام ٢٦٩
تأكيدٌ لما استنتجناه ٢٧٥
رموز الاجتهاد والخلافة ٢٧٨
عبد الله بن عمر ومخالفته لأبيه ٢٨٤
امتداد النهجين بعد الخليفة عمر بن الخطّاب ٢٩١
الإقران بين الحجّ والعمرة ٢٩١
ترك القراءة ٢٩٤
زوجة المفقود ٢٩٤
ردّ الأمّ للسدس ٢٩٥
زكاة الخيل ٢٩٥
الكلالة ٢٩٦
فدك ٢٩٧
الخمس ٢٩٨
تواصل الامتداد في عهد معاوية ٣٠١
كلام لابن قيّم الجوزيّة في متعة النساء ٣٠٦
ردٌّ وإيضاح ٣٠٧
الحكّام والتطبيع الفقهيّ ٣١١
بعض الأمثلة التطبيقية ٣٢١
على مخالفة الصحابي لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ٣٢١
المذهب الأول: ٣٢١
المذهب الثاني: ٣٢٢
استخلاص واستنتاج ٣٢٩
مفردات مُهمّة ٣٣٤
ما رجّحه ابن عبد العزيز في التدوين ٣٣٧
تساؤلات وموازنة ٣٤٠
نظريّة أهل البيت في الموضوع ٣٤٢
تخوّف وتأصيل ٣٥٣
عمر بن الخطّاب والأمويّون ٣٦٠
مع حجّيّة قول الصحابيّ: ٣٦٤
النتيجة ٣٧١
المرحلة الأُولى: ٣٧١
المرحلة الثانية: ٣٧٤
المرحلة الثالثة: ٣٨٢
خلاصة السبب الأخير ٣٨٩
مراحل المنع ٣٩٧
١ - شيوع ظاهرة كثرة الحديث ٣٩٧
٢ - منع أبي بكر من التحديث وإحراقه مدوّنته ٣٩٨
٣ - أمر عمر الصحابة بالإقلال من الحديث ٣٩٨
٤ - جمع عمر مدوّنات الصحابة وإحراقها ٣٩٨
٥ - حبسه بعض الصحابة وأمره الجميع بترك التحديث والتدوين ٣٩٩
٦ - حصر العمل بكتاب الله ٤٠٠
٧ - سماح الخليفة عمر للصحابة بالاجتهاد والقياس ٤٠٠
٨ - محاولة حصر الاجتهاد ٤٠١
تلخّص ممّا سبق أمران: ٤٠٣
الأوّل: ٤٠٣
تخوّف الصحابة من كتابة الرأي لا الحديث ٤٠٥
الثاني: ٤٠٨
موقف الإمام عليّ ٤١١
نصّ آخر ٤١٢
دلائل ومؤشّرات ٤١٤
بين الاتّجاهين ٤١٩
تأصيل النهجين في العهد الأمويّ ٤٢١
١ - الخلفاء والتدوين ٤٢١
٢ - أهل البيت والتدوين ٤٢٩
بقي شيء ٤٦٣
مع الأُصول الأربعمائة ٤٨٣
الشيعة واستقاؤها من الأُصول ٤٨٩
أصحاب الكتب الأربعة وأخذهم عن الأُصول الأربعمائة ٤٩٤
نماذج تطبيقيّة لفقه النهجين ٥٠١
١ - الإرث ٥٠٢
٢ - مسألة في الصيد ٥٠٥
٣ - حدّ شارب الخمر والنبيذ ٥٠٧
٤ - ديّة الأسنان ٥١٢
دواعي التحريف والانحراف عند النهجين ٥١٩
نتائج البحث ٥٣٥
وفي الختام ٥٤١
ثبت المراجع ٥٤٣