حوار في التسامح والعنف

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: معهد الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم )
مكتبة الأسرة والمجتمع

حوار في

التسامح والعنف

سلسلة تهتمُّ بمعالجة قضايا فكرية مُعاصرة

تصدر عن معهد الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

العالي للشريعة والدراسات الإسلامية. بيروت


هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


كتاب الحياة الطيِّبة

سلسلة تهتمُّ بمعالجة قضايا فكرية مُعاصرة

تصدر عن معهد الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

العالي للشريعة والدراسات الإسلامية. بيروت

المُشرف العام

محمد رضا نور اللهيان المهاجر

رئيس التحرير

نجف علي الميرزائي

مُستشار التحرير

محمد مصطفوي

مدير التحرير المسؤول

محمد حسن زراقط

حوار مع الشيخ محمد مهدي الآصفي

تنضيد وإخراج

أحمد حسين المقداد

عبد الرحمن جاسم

غلاف

حسين موسى


مراكز التوزيع

* لبنان - معهد الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العالي للشريعة والدراسات

الإسلامية - هاتف : ٤٥٠٢٦٣ - ١ - ٩٦١

ص. ب : ٣٠٢ / ٢٥

* المغرب - الشركة الشريفية للتوزيع والصحف

سوش برس - هاتف : ٤٠٠٢٢٣

ص. ب : ٦٨٣ / ١٣

* مصر - القاهرة - مؤسسة الأهرام - شارع الجلاء

هاتف : ٥٧٨٦١٠٠

*إيران - قم - دورشهر - كوجه ١٤ بلاك ١٣٠

تلفاكس : ٧٧٤٦٥٤٤ - ٢٥١ - ٠٠٩٨

المراسلات توجَّه باسم رئيس التحرير على العنوان الآتي :

لبنان - بيروت - معهد الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العالي للشريعة

والدراسات الإسلامية

e-mail :alhayat ٢ @arrasoul .org


حوار في التسامح والعنف

نظرة إسلامية


جميع الحقوق محفوظة

لمجلَّة( الحياة الطيِّبة )

بيروت - لبنان - ص. ب : ٣٠٢ / ٢٥-

هاتف : ٤٥٠٢٦٢ / ١ ( ٩٦١+ )

الموقع على الانترنت : www .arrasoul. org

الكتاب : حوار في التسامح والعنف نظرة إسلامية

الناشر : مجلَّة( الحياة الطيِّبة ) معهد الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العالي للشريعة والدراسات الإسلامية

التاريخ : الطبعة الأُولى ١٤٢٤ ه- / ٢٠٠٣م


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة على محمد وآله الطاهرين، وبعد

يتعرّض الفكر الإسلامي بين فينة وأخرى لمحاولات تشويه لكثير من مفاهيمه، وضرب لكثير من قيمه التي ينادي بها في محاولة التغيير الاجتماعي، وتتمُّ هذه المحاولات عبر التركيز على قيمة في مقابل قيمة، ومفهوم في مقابل مفهوم، فتُطلق قيمة التسامح في مقابل تشدُّد إسلامي مدَّعى، والرفق في مقابل عنف يُلحَقُ بالإسلام، وكذلك تجري محاولات حثيثة للربط بين مفهوم الجهاد ومنظومة أخرى، من المفاهيم السلبية أو التي تُروَّج بطريقة تشي بسلبيتها، من قبيل : الإرهاب، العنف، الإكراه وسلب الحرِّية، انتشار الإسلام بالسيف إلى ما هنالك ممَّا يحفل به قاموس هذا النوع من الدراسات.

وهذا الأمر يوجِب على المثقَّف المسؤول والملتزم، أن يسعى لتظهير هذه المحاولات جميعاً، واستكشاف مراميها وأبعادها؛ لتحديد الموقف الإسلامي منها لقبولها أو رفضها، أو فكِّ هذا الارتباط إن كان مصطنعاً أو الإصرار عليه إن كان حقَّاً صريحاً.

وهذا هو ما تُحاول مجلَّة ( الحياة الطيِّبة ) القيام به، من خلال معالجة كثير من الإشكاليات التي يُثار غبارها ليحجب شمس الحق الإسلامي أو يكدِّر صفاء ضوئها.

وفي هذا الكتاب من سلسلة كتاب ( الحياة الطيبة ) اخترنا حواراً مطوَّلاً أجريناه مع سماحة الشيخ محمد مهدي الآصفي، الذي يمثّل واحداً من


الشخصيات العلمية المرموقة في الحوزة العلمية، وجمع إلى عمله العلمي المتمثِّل بمجموعةٍ من المؤلَّفات في مجالاتٍ متعدِّدة، كالفقه والتاريخ وغيرها، عملاً اجتماعياً في مجالاتٍ عدّة. وهو يقوم الآن بأعباء الأمانة العامة للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام . وكنَّا قد نشرنا جزءاً من هذا الحوار في العدد العاشر من المجلَّة، وها نحن نعاود نشره في هذا الكتاب كاملاً؛ ليعمَّ نفعه وتنتشر فائدته.

ويُحاول الشيخ الآصفي- في حواره - تحليل النظرية الإسلامية حول الجهاد والعنف والتسامح؛ ليحدِّد موقفه الاجتهادي من هذه المفاهيم، وأبرز ما يقدِّمه هذا الحوار للقارئ، هو أنَّ الرحمة ليست قيمة مطلقة، وكذلك العنف وسائر المفاهيم المشابهة، فقد تكون الرحمة تساهلاً مذموماً إذا طبِّقت مع المجرم، وكذلك الشدَّة أو العنف فمَن يعنف ظالماً لا يستحقُّ إلاَّ العنف إذا عدمنا وسيلة أُخرى لردعه عن ظلمه.

ثمَّ يقف الشيخ الآصفيوقفة اجتهادية مطوَّلة، ليستعرض الموقف الإسلامي من الخروج على الحاكم والخضوع له، ويقارن بين مواقف الفقهاء على اختلاف مدارسهم الفقهية ومشاربهم في البحث الفقهي؛ فيتوصل إلى إمكانية تبرير الخروج والثورة، ضمن مجموعة من الضوابط والقوانين، التي تحول دون الوقوع في الفتنة أو الفوضى.

الحياة الطيِّبة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحياة الطيِّبة : رغم أنّ التأريخ للفكر الإنساني - وبالذات تلك الحقبة المتزامنة مع الفكر الإسلامي - شهد كمَّاً كبيراً من الإشكاليات والقضايا حول محور جدليّة العنف والتسامح، وما ينجم عن إحلال التوازن أو الإخلال به بينهما، غير أنّ العالم اليوم وإثر الأحداث الناجمة عن عدّة تفجيرات ضخمة في الولايات المتّحدة الأمريكية، قد أقبل على عهد جديد، ولعب الوضع الجديد دوراً كبيراً في إرساء قواعد حديثة في العلاقات الدوليّة من جهة، ومن جهة أُخرى أنَّ المحاولة غير الصائبة لإيجاد مناخ فكري، يجد الإنسان المعاصر ما يوحي أو يصرِّح بأنّ الفكر الإسلامي وعقيدته، يحتضنان كثيراً من مواقع العنف ومقوّمات التهديد ضدّ الآخر غير المسلم. ومفهوم الجهاد من بين العناصر التي تحوّلت لدى الإعلام الغربي - والأمريكي بالخصوص - إلى حجَّة للنيل من الإسلام؛ حيث إنّه يشكِّل العنصر الأكبر في تحريض الأمّة لتنطلق


نحو إزالة الآخر المعارض، حسب ما يحاولون تكريسه في عقليّة الرأي العام العالمي اليوم.

وامتداداً للحركة الفكرية الفقهية الإسلامية، الهادفة إلى استنباط الحكم الشرعي من مصادره، ومحاولة منَّا لتحييد العقيدة الإسلامية وتبرئتها من الاعتماد على العنف والإرهاب، رغم الحفاظ على كلّ عناصر القوّة، وإمكانيات الدفاع عن الذات الإسلامية مقابل التحدّيات والتهديدات، قد رغبنا لهذا الحوار أن يكون منطلقاً لدراسة هذه المقولات على ضوء أصول الشريعة الإسلامية.

بصفتكم من ذوي الخبرة والاختصاص في مجال الفقه والشريعة، وخاصة بالنظر إلى تصدِّيكم لتقديم دراسات عالية حول فكرة الجهاد وفروعه الفقهيّة، يُسعدنا أن نستضيفكم لنبدأ من سؤال قديم، لا يزال يطرح نفسه، وهو : هل يمثِّل الجهاد في القرآن الكريم ذلك الوجه العنيف ؟ وهل يتحقّق عَبر المناهج العسكرية والكفاح أو الغزو المسلّح ؟ وبالأحرى : نريد أن نكون على علم بدقائق المدلول القرآني للفظة الجهاد ومصطلحه المؤسَّس عَبر الوحي.

الشيخ الآصفي : شكراً لكم على إتاحة هذه الفرصة لي، لأتحدَّث إلى قُرَّاء مجلَّة ( الحياة الطيِّبة) عن الجهاد.

الحياة الطيِّبة والجهاد :

وليس من عجب أن تبحث ( الحياة الطيِّبة) عن الجهاد؛ فإنَّ الحياة الطيِّبةالكريمة في الجهاد، والله تعالى يدعو المؤمنين لما يُحييهِم في سياق آيات الجهاد.


يقول تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (١) . وهذه الآية نزلت في سياق آيات القتال من سورة الأنفال، والحياة التي يَدعو إليها الله هي الحياة الكريمة الطيِّبة، وهي لا تستقيم إلاَّ بالجهاد.

ولولا أنّ الله تعالى يدفع بالصالحين الفاسدين من مواقع القوّة، والمال والسلطة، لفسدت الأرض والحياة :( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ ) (٢) ،( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ ) (٣) .

وكلمة الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام معبِّرة ودقيقة في تبيان هذه الحقيقة، يقولعليه‌السلام : ( فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين )(٤) . ويقدِّم الإمام هنا تعريفاً جديداً للموت والحياة، غير ما يعرفه الناس. فالإمامعليه‌السلام يريد أن يقول : إنّكم إذا عشتم مقهورين لأعدائكم، فهذا هو الموت بعينه، ولو تراءى لكم أنّه الحياة، وإذا متُّم في ظلال سيوفكم تُطْعِمون أعداءكم القهر والموت، فهذا هو الحياة، وإن تصوّرَه الناس موتاً. إنّ الجهاد يصنع الحياة العزيزة الكريمة للأمّة ويورث الأجيال الكرامة والعزَّة. عن رسول

____________________

(١) سورة الأنفال : الآية ٢٤.

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٥١.

(٣) سورة الحج : الآية ٤٠.

(٤) نهج البلاغة، شرح محمد عبده، بيروت، دار المعرفة، ص١٠٠، خطبة رقم ١٥.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ الله أعَزَّ أمّتي بسنابك خيلِه )(١) ، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( اغزوا تورِّثوا أبناءكم مَجداً )(٢) .

فليس من عجب - إذن - أن تهتمَّ مجلَّة ( الحياة الطيِّبة) بالجهاد، فإنَّ الحياة لا تطيب ولا تعزُّ بغير الجهاد.

الجهاد والعُنف :

والآن أعود إلى سؤالكم الأوّل : ( هل يمثِّل الجهاد في القرآن الكريم وجه العنف الذي يتحقَّق عَبر المناهج العسكرية والكفاح المسلح أم لا ؟ ).

أقول : فماذا يمكن أن يكون معنى الجهاد، إذا كان لا يعني القوّة والعنف ؟!

لقد وردت كلمة ( الجهاد ) ومشتقّاتها في القرآن ثلاثاً وثلاثين مرَّة، ووردت كلمة ( القتال ) ومشتقّاتها إحدى وثلاثين مرَّة، وواضح أنّهما وجهان لحقيقة واحدة.

ومهما يكن تفسيرنا للجهاد من ( الجُهدْ ) بمعنى الوسع والطاقة، أو من ( الجَهدْ ) بمعنى الشدَّة والتعب، فإنّ النتيجة واحدة لا تختلف، فإنّ ( الجهاد ) بمعنى بذل الوسع في إقامة كلمة التوحيد على وجه الأرض وإزالة الشرك والظلم، أو بمعنى تحمّل الشدّة والمشقّة في سبيل إعلاء كلمة الله وإزالة الشرك

____________________

(١) محمد بن الحسن العاملي، وسائل الشيعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج١١، ص٥.

(٢) المصدر نفسه، ج١١، ص٩.


والظلم. فإنَّ تقرير أُلوهيَّة الله - وحده - وإزالة أنواع الشرك والظلم من وجه الأرض، لا يمكن أن يتمَّ من غير القتال.

وقد ورد الأمر بالقتال كراراً وبصيغ مختلفة في القرآن.

يقول تعالى :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) (١) .

والكتابة : هي الفريضة، نحو قوله تعالى :( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) .

ويقول تعالى :( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ) (٢) .

ويقول تعالى :( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ) (٣) . وهو يحرِّض بالقتال :( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) (٤) .

وآيات القرآن في هذا المعنى عديدة، بصيغ التحريض، والفرض، والإذن، والتحبيب وغيره، وهو الوجه الآخر للجهاد، الذي لا يمكن فصله عنه.

والمعنى الواضح لهذه الكلمة : هو القتل والعنف والغزو المسلَّح، وما شئت من أمثال هذه الكلمات والمفاهيم.

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢١٦.

(٢) سورة الصف : الآية ٤.

(٣) سورة النساء : الآية ٧٤.

(٤) سورة البقرة : الآية ١٩٠.


الرحمة والعُنف وجهان لقضيّة واحدة :

ونحن لا نتوقَّف عند كلمة ( العنف )، ولا نشكّ في أنّ الإسلام، يتبنَّى ( العنف ) إلى جانب ( الرحمة ) في منهاجه التشريعي التكاملي. ولا نشكّ في أنَّ ( الرحمة ) و( العنف ) هما وجها هذا الدين، ومن دون هذا وذاك لا يمكن أن نفهمه.

تفسير العُنف :

ولكن نتساءل لماذا العنف ؟ وما هو ؟ إنَّ العقلية الغربية تفسِّر ( العنف ) باستخدام القوّة للتوسّع العسكري، والاستبداد السياسي والديني.

وللقرآن تفسير آخر للعنف، لا علاقة له بالتفسير الأوّل إطلاقاً، فهو يذكر للقتال أربعة أهداف هي :

أوّلاً وثانياً : تقرير أُلوهيّة الله ودينه على وجه الأرض، وإزالة الفتنة من حياة الناس.

يقول تعالى :( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١) .

وهذه الآية تقرِّر هاتَيْن الحقيقتَيْن بوضوحٍ ما بعده وضوح، تقرير أُلوهية الله، وتحكيم شريعة الله على وجه الأرض( وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ ) ، وهذا هو أحد الهدفين، وللوصول إلى هذه الغاية لا بدّ من إزالة عوامل الفتنة التي تُعيق حركة

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٩٣.


الدعوة إلى هذه الغاية( حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) ، ولا تزول الفتنة ما دام أئمّة الظلم يحكمون الناس، ويحتلون مواقع القوّة في المجتمع.

وثالثاً : تحرير المستضعفين والمعذَّبين في الأرض، والدفاع وإزالة الظلم عنهم.

يقول تعالى :( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) (١) .

رابعاً : الدفاع عن قواعد التوحيد والعبودية، ولولا القتال لهُدِّمت هذه القواعد، ولم يُعبَد الله على وجه الأرض :( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (٢) .

إذاً، العنف بغاياته، فإن كانت غاية العنف هي التوسّع العسكري، والتعسّف، وإذلال الناس وتطويعهم، وسلب كرامتهم وإرادتهم، فهو أمر سيِّئ ومرفوض، وإن كانت غاية العنف إقامة الحقّ والعدل، وتحرير الإنسان، وإقامة دين الله في حياة الإنسان، والدفاع عن القيم، وعن المستضعفين، فهو الوجه الآخر للرَّحمة، ولن تكتمل الرحمة إلاَّ به.

____________________

(١) سورة النساء : الآية ٧٥.

(٢) سورة الحج : الآية ٤٠.


الحياة الطيِّبة : من طيَّات ردِّكم وإبدائكم لهذه الملاحظات القيّمة، نجد وكأنّ الجهاد حتّى لو كان في شكل مسلّح وعبر وسائل حربيّة، لا يمثِّل عائقاً ومانعاً أمام مبدأ الحرِّية في اختيار المعتقد، غير أنَّ بعض المحاولات الفكرية، ترمي إلى الإيماء إلى أنَّ بعض القضايا الشرعية والمعتقدات الدينيّة، مثل الجهاد والحدود تكوِّن عنصراً من عناصر الإكراه والإرغام لإخضاع غير المسلمين للشريعة الإسلامية، الأمر الذي لا يتجاوز تمنِّياً وأملاً لن يتحقَّقا؛ لأنّ العقيدة لا تكون إلاّ عبر القناعة والإيمان، والسيوف غير قادرة على صنعها. هل تعزو هذا الموقف إلى نمط اجتهادي حديث ؟ أم ترغب في أن تصحِّح الانطباع الراهن عن مقولة الجهاد والحدود اللتين توحيان بالعنف والتوسُّع بالسيف لدى بعض المفكِّرين وكثير من الناس ؟

الشيخ الآصفي : أنا أفهم الآية الكريمة من سورة البقرة :( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ) (١) على غير ما يفهمها بعض المفسِّرين.

إنَّ هذه الآية ليست بصدد بيان حكم تشريعي، وإنَّما هي بصدد بيان قضية واقعية، لا علاقة لها بالتشريع، وهي أنّ أمر الدين من الوضوح؛ بحيث لا يحتاج الإنسان إلى الإكراه في قبول الدين، كما نقول : إنَّ الأمر في أهميّة المراجعة الطبّية للمريض من الوضوح؛ بحيث لا يحتاج المريض الراشد إلى الإكراه ليُراجع الطبيب لدى الحاجة، بخلاف الطفل المريض غير الراشد، فإنَّه يكرَه على مراجعة الطبيب عند الحاجة، وهذه قضية واقعية، وليست بصدد

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٥٦.


بيان حكم تشريعي في نفي الإكراه عن الإنسان لقبول الدين؛ والقرينة الواضحة على ما أقول هو تعقيب هذه القضية بقوله تعالى :( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ) ؛ فإنَّ دلالة هذه الكلمة واضحة في ما قلناه، ومعنى هذه الكلمة : أن لا حاجة إذاً إلى الإكراه؛ لوضوح الفارق بين الرُّشد والغيّ.

وهذا التعقيب يناسب أن تكون هذه الفقرة من آية سورة البقرة تقريراً لقضيةٍ واقعيّة، لا لحكم شرعي؛ فإنّ وضوح التميّيز بين الرّشد والغيّ أدعى إلى الإكراه والإلزام الشرعي من حالة عدم الوضوح، فإنّ للإنسان عُذراً في حالة اللبس وعدم الوضوح، بخلاف حالة الوضوح، فإنَّ القانون يُلزمه ويتشدَّد في إلزامه.

رأي العلاَّمة الطباطبائي في الميزان :

ويذهب العلاَّمة الطباطبائيرحمه‌الله في تفسيره القيّم ( الميزان في تفسير القرآن )(١) إلى أنّ هذه الآية الكريمة بصدد تقرير حكم شرعي، سواء كانت القضية إخبارية حاكية عن حالة تكوينيّة، أم حكماً إنشائياً تشريعيّاً، ويفصِّلرحمه‌الله الكلام في ذلك، بما لا مجال لنقله بتفصيله، ويرى أنَّ الأمور الاعتقادية لا يمكن فيها الإكراه، وإنَّما يختص الإكراه بالأفعال، والحركات المادّية فقط، وإذا كان الدين ممّا لا يمكن الإكراه فيه، فكيف يمكن الإلزام به ؟

____________________

(١) الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ج٣، ص٢٤٢ - ٣٤٣.


المناقشة :

وهذا الكلام لا يخلو من مناقشة؛ فإنّ الإلزام بالشهادتَيْن، والدخول في ما يدخل فيه المسلمون أمر ممكن بلا إشكال، وهو يؤدِّي لا محالة إلى الإيمان والعقيدة الراسخة، كما حصل ذلك في الفتوحات الإسلامية، فإنَّ الناس لم يدخلوا الإسلام ابتداءً عن طواعية، ولكنَّهم أقرّوا بالإسلام، وهذا هو الحدّ الذي يقتصر عليه الحكم الشرعي بالإلزام بالإسلام، إلاّ أنّهم عندما يتذوَّقون حلاوة التوحيد، يُقْبلون على الإيمان، ويحسن إسلامهم، ويكون منهم الصالحون والأبرار والعلماء، كما حصل ذلك فعلاً في التاريخ الإسلامي، وبشكل واسع جدَّاً.

إذاً؛ ليست الآية الكريمة بصدد بيان حكم شرعي في هذا الأمر، ولا بصدد تقرير أنّ الإكراه في الدين غير ممكن، كما يقول العلاّمة الطباطبائيرحمه‌الله ، وإنّما هي بصدد تقرير حقيقة واقعيّة لا علاقة لها بالحكم الشرعي، وهي : أنَّ أمر الدين من الوضوح؛ بحيث لا يحتاج الإنسان فيه إلى الإكراه، ولو أرسل فطرته وعقله إرسالاً لقَبِل الدين من غير إكراه.

والدليل على ما أقول، هو وجوب جهاد الكفّار والمشركين في الجملة، وباتفاق فقهاء المسلمين، من عامة المذاهب. يقول صاحب ( الجواهر ) في موسوعته الفقهية القيّمة : ( فكيف كان، فلا خلاف بين المسلمين في وجوبه في الجملة، بل هو كالضروري، خصوصاً بعد الأمر به في الكتاب العزيز، في


آيات كثيرة، كقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ) ، وقوله تعالى :( حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ) إلى غير ذلك )(١) .

ولا معنى لوجوب جهاد الكفّار مع الحكم بنفي الإكراه في الدين، ولم يرد استثناء لهذا الحكم التشريعي الثابت في كتاب الله، إلاّ بخصوص أهل الكتاب، الذين يدخلون في ذمّة الإسلام، ويقبلون الجزية، وهو دليل آخر على ما قلنا.

يقول تعالى :( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (٢) .

وقد صحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أُمرت أن أقاتل الناس، حتّى يقولوا : لا إله إلاّ الله. فمَن قال : لا إله إلاّ الله. عصم منِّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه، وحسابه على الله )(٣) ، هذا أوّلاً.

____________________

(١) محمد بن الحسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج١٢، ص٨٠.

(٢) سورة التوبة : الآية ٢٩.

(٣) سنن البيهقي، ج٩، ص٢٨١، وبمضمونه صحيح مسلم، ج١، ص٩٣.


( الإكراه في النظام لا ينافي نفي الإكراه في الدين )

وثانياً : لو فرضنا أنّ الآية الكريمة بصدد بيان حكم شرعي - كما يقول العلاّمة الطباطبائيرحمه‌الله وطائفة واسعة من المفسّرين - فإنّ الإكراه لا يصحّ في الأمور العقائدية؛ لأنَّها مسألة مرتبطة بالقناعة النفسية والعقلية، والقناعة لا تتمُّ بالإكراه والإلزام، كما يقول هؤلاء الأعلام.

وأمّا النظام الاجتماعي، فله شأن آخر، ويصحّ فيه الإلزام في السلم والحرب، وإذا تركنا أمر النظام الاجتماعي لقناعات الناس، لم يقم نظام في حياة الناس، ولم تستقم الحياة الاجتماعية، فلا بدّ للناس من نظام اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، ونظام قضائي، ونظام للعقوبات؛ حتى تستقيم حياتهم، الإلزام والإكراه من بديهيَّات النظام، ولولا ذلك لم يبقَ نظام ولا حياة اجتماعية.

الحياة الطيِّبة : إلى أيِّ مدى يمكن أن يكون الحديث عن رفض تواجد الأدلّة الشرعية الكافية لإثبات الجهاد الابتدائي ( دون وجود الدوافع الدفاعية والوقائية ) ملامساً للحقيقة ؟ وهل بالإمكان أن نتبنَّى ما يؤمن به بعض المفكِّرين المعاصرين، وهو : أنَّ الممارسات الجهادية في عصر الحاكم المعصوم تمثّل دون استثناء تدابير غير هجومية وابتدائية بالأساس ؟

الشيخ الآصفي : لست أشكُّ في أنّ مهمَّة هذا الدين هي تطهير الأرض من الشرك والظلم، وإقامة التوحيد والعدل على وجهها، وهو لا يتأتّى - بالتأكيد -


إلاّ بمواجهة أئمة الظلم، الذين لا يألون جُهداً في مواجهة هذا الدين، وإحباط مشاريعه في تحرير الإنسان بكل الوسائل الممكنة. وما دام هؤلاء الطغاة في مواقع القوّة والسلطان من حياة الناس، فلا يمكن أن يأذنوا لهذا الدين بالتقدُّم إلى الناس، وأن يُقدِّم إلى الناس خطاب الله تعالى، فإنّ هذا الخطاب يتضمَّن تحرير الإنسان من كل القيود والآصار، وإعادة الحاكمية في حياة الإنسان إلى الله تعالى والصالحين من عباده، وتقرير ألوهيَّته وحاكميته على وجه الأرض، ولن يكون شيء من ذلك ما دام لهؤلاء سلطان وقوّة على وجه الأرض.

دور أئمة الكُفر في إحباط مشاريع هذا الدين :

فإنَّ هؤلاء يوظِّفون كلّ قوَّتهم وسلطانهم لإحباط مشروع هذا الدين وإعاقة حركته، وصدّ الناس عن الله، وتشويه صورته في أذهان الناس، ويتربّصون به الدوائر لتعطيل دوره في حياة الإنسان.

اقرأوا هذه الآيات من كتاب الله، حيث يقول تعالى :( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (١) ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ

____________________

(١) سورة التوبة : الآيتان ٨ - ٩.


أَعْمَالَهُمْ ) (١) ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ) (٢) .

فلن يتمكَّن هذا الدين من تقديم خطاب الله تعالى إلى الناس، وتحريرهم من أسر ( الهوى ) و( الطاغوت )، ما دام هؤلاء الظالمون يحتلُّون مواقع القوَّة والسلطان على وجه الأرض.

القتال لإزالة الفتنة والإعاقة عن طريق الدين :

فلابدَّ - إذاً - من استئصال أئمة الظلم والمفسدين من وجه الأرض.

يقول تعالى :( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) (٣) .

وبذلك تنتهي الفتنة من حياة الإنسان.

يقول تعالى :( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) (٤) ،( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (٥) .

والفتنة : هي ( الإعاقة )، ووسائل الإعاقة كثيرة، من الإرهاب، والترغيب، والتضليل الإعلامي.

____________________

(١) سورة محمد : الآية ١.

(٢) سورة محمد : الآية ٣٢.

(٣) سورة التوبة : الآية ١٢.

(٤) سورة البقرة : الآية ١٩٣.

(٥) سورة الأنفال : الآية ٣٩.


فإذا زالت أسباب ( الإعاقة ) هذه من حياة الناس، ولم يَحُلْ أحد بين الناس وبين الله تعالى، أقبل الناس على الله، كما أقبلوا عليه في الجزيرة العربية في السنوات الأخيرة من حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً ) (١) ، أرأيت السدَّ عندما يتهشَّم كيف تتدفَّق المياه، كذلك ( سدُّ الفتنة ) عندما يزول يتدفّق الناس أفواجاً إلى دين الله؛ وعندئذٍ يكون الدين كلُّه لله، من غير حرب ولا قتال.

وذلك هو قوله تعالى :( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ، فإنّ الفتنة والإعاقة لن تزول إلاَّ بالقتال، فإذا زالت لن يحتاج حملة الدعوة إلى قتال وحرب ليُقْبِل الناس على الله والدين، وإنَّما يُقبل الناس على الدين بمحض إرادتهم من دون قتال، ويكون الدين كلّه لله.

فالقتال لا يكون إلاّ لإزالة الفتنة وأسباب الإعاقة عن طريق الدعوة إلى الله. هذه هي النظرية، وتحتاج هذه النظرية إلى بسط في الكلام، وتوضيح واستدلال لا يسعه المقام.

البُعد الواقعي والموضوعي في أحكام هذا الدين :

وتفسير آيات القتال على أساس الدفاع، والتنظير للدفاع من خلال هذه الآيات، لا يستقيم والفهم السليم لآيات كتاب لله، وإنَّ العوامل السياسية

____________________

(١) سورة النصر : الآية ٢.


والإعلامية الضاغطة قد تؤدِّي بالمنظِّرين والمفكّرين المعاصرين، إلى تفسير النصوص الإسلامية على غير وجهها، وهذه الخلفيّة الضاغطة، واضحة في هذه التنظيرات، التي تُحاول أن تعكس صورة وديعة للإسلام تتقبَّلها الذهنيّة الغربيّة.

ومن هذا المنطلق تفسَّر التشريعات والنصوص الواردة في أمر الجهاد والقتال بالدفاع، ويعتقد أصحاب هذه النظرية أنَّ الإسلام يتمكَّن من فتح معاقل الكفر على وجه الأرض بالتوعية، والإنذار، والتبشير، والموعظة فقط، وهذا رأي غير واقعي، ولو كان حَمَلة الإسلام يقتصرون على عامل التوعية والإنذار والتبشير، لم يتيسّر لهم يومئذٍ فتح معاقل فارس، والروم، ومصر، وأفريقيا. ولا يعني هذا الكلام الانتقاص من قيمة التوعية، والإنذار، والتبشير، وإنَّما نُحبُّ أن نأخذ الواقع الإنساني والسياسي بكل أبعاده، في حساب الدعوة إلى الله.

وبهذه النظرة الواقعية، لا يمكن أن نفسِّر حركة هذا الدين الواسعة في حياة الإنسان، بعامل التوعية والإنذار والتبشير فقط، من دون أن نأخذ بنظر الاعتبار حالة الجهاد والقتال في تقدُّم الإسلام وتوسُّعه.

رؤية أهل البيت إلى الفتوحات العسكرية صدر الإسلام :

ورغم أنَّ الفتوحات العسكرية بعد عصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت أحداثاً ضخمة وكبيرة في تاريخ هذا الدين، رغم ذلك لا نجد إشارة إلى رفض هذه


الفتوحات والتشكيك في مشروعيَّتها في أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام ، وواضح لمَن خَبَر أحاديثهمعليهم‌السلام ، أنَّ انعدام النصوص الرافضة مع أهميِّة الفتوحات العسكرية يومئذٍ، يعني إقرارها وشرعيتها، كما أنَّ عمومات وإطلاقات نصوص الجهاد في القرآن تدلُّ على هذه الحقيقة.

ولست أحبُّ أن أُدخل هنا بحثاً فقهيّاً عن مشروعية الجهاد الابتدائي، ولكنَّني أقول - وأختم هذا الشطر من الحديث - : إنّ الذي يتلقّى سيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنصوص الإسلامية في الجهاد والقتال، وتاريخ الفتوحات الإسلامية، وموقف أهل البيتعليهم‌السلام من هذه الفتوحات لا يَشُكُّ في الحالة الجهادية في الإسلام، ولن يَشُكَّ في أنَّ الإسلام لا يتمكَّن من فتح معاقل الكفر والظلم، والاستبداد السياسي، والطغيان على وجه الأرض، من دون القتال والمواجهة.

والتنظيرات المعاصرة للنصوص الإسلامية في القتال والجهاد، تمثِّل حالة من الهزيمة النفسيّة والفكريّة تجاه العوامل السياسية والإعلاميّة الضاغطة، ومن الخطأ أن نُخضِع تفسير النصوص الإسلامية لهذه العوامل الضاغطة، مهما كان نوعها.

ومن هذه العوامل الموجة الإعلاميّة الواسعة ضدَّ العنف، بعد أحداث ١١ أيلول ( سبتمبر ) في أمريكا، والتي قادتها أمريكا وأوروبا في العالم، ووقع بعض المفكّرين والمنظِّرين في تيَّار الموجة الإعلاميّة العالميّة، مع علم أو من دون علم.


ونحن نؤمن أنَّ العنف ظلماً مرفوض، وأنَّ العنف لمواجهة الظلم صحيح، وأنَّ العنف لإزالة العنف حقٌّ، وأنَّ العنف لإزالة الباطل صحيح، وعمليات المقاومة الإسلامية في لبنان، والمقاومة الإسلامية في فلسطين من العنف المشروع، الذي يُحبُّه الله ورسوله والمؤمنين.

الحياة الطيِّبة : في قراءة لي لبعض مذكّرات الشهيد مطهَّري، رأيت تأكيداً صارماً منه في الجزء ٢، ص٣٢٢ على رجحان وتقدُّم مبدأ ( الصلح ) و( السلام ) في القرآن الكريم، مستشهداً بآيات قرآنية مثل :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) (١) و( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (٢) وما إلى ذلك.

أحبُّ أن أتقدّم بالسؤال - هنا - عمّا إذا كان هذا السلم مرغوباً فيه ومنصوصاً عليه إسلامياً في العلاقات الإسلامية، أم هو يمثّل المقصد الأساسي لتكون العلاقات الإنسانية مبنيّة عليه، من دون فارق بين طبيعة الانتماءات المذهبية والأيدلوجية للأطراف ؟

الشيخ الآصفي : أمَّا قوله تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) ، فهو من التسليم لله ولرسوله، وليس من السلم في مقابل الحرب

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٠٨.

(٢) سورة الأنفال : الآية ٦١.


والقتال، والشاهد على ذلك تعقيب هذه الحقيقة مباشرة بقوله تعالى:( وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (١) .

والشيطان يأمر بمعصية الله ورسوله، وألاَّ يُسلِّم الإنسان أمره إلى الله تسليماً. يقول تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (٢) .

فالسّلم هنا - بقرينة السياق، وبقرينة قوله تعالى :( لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) - من التسليم لله تعالى ولرسول، نظير قوله تعالى :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٣) . وهذا ( السّلم ) من ذلك التسليم، ولو راجعتم كلمات المفسِّرين لتأكَّدتم ممَّا أقول.

الحالة المرحليَّة في تشريعات الدعوة والجهاد :

وأمّا قوله تعالى :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (٤) ، فهو حكم مرحلي يتعلَّق بزمن نزول الآية الكريمة، وهي من سورة الأنفال، وقد نزلت هذه السورة في السنة الثانية من الهجرة بعد معركة بدر، والأحكام

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٠٨.

(٢) سورة الأنفال : الآية ٦١.


النهائية في الحرب نزلت في سورة ( براءة )، وقد نزلت في السنة التاسعة من الهجرة، بعد فتح مكَّة، وبعد أن استقرَّ الإسلام في الجزيرة العربية.

المراحل الأربع في نصوص الدعوة والجهاد :

والصحيح في فَهْم هذه الآيات، أن نفهم هذه النصوص ضمن المنهج المرحلي الحركي لنزول هذه الآيات، فقد مرَّت هذه الدعوة في محاربة ( العنف ) و( اللا عُنف ) بأربع مراحل، ولا نستطيع نحن أن نفهم آيات القتال وموضعها وموقعها، إلاّ من خلال هذه الحركة المرحليّة للدعوة خلال هذا التاريخ.

المرحلة الأُولى : مرحلة اللا عنف، وكفِّ الأيدي عن المواجهة، وحتى عن ردِّ قريش بالمثل والدفاع عن النفس، وذلك قوله تعالى :( كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ) (١) .

المرحلة الثانية : الإذن بالدفاع - وليس الأمر به - وذلك بقوله تعالى :( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) (٢) .

____________________

(١) سورة النساء : الآية ٧٧.

(٢) سورة الحج : الآيات ٣٩ - ٤٠.


المرحلة الثالثة : تشريع القتال دفاعاً والأمر بالدفاع والمواجهة. يقول تعالى :( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (١) .

المرحلة الرابعة : الأمر بالبدء بالقتال، وذلك بقوله تعالى :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) (٢) .

وآيات سورة براءة على نهج المرحلة الرابعة. يقول تعالى :( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) (٣) .

وضمن هذا النهج الحركي - المرحلي - لحركة الدعوة، يجب أن نبحث عن موقع قوله تعالى :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) ، وأوضح منها قوله تعالى :( فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) (٤) .

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٩٠.

(٢) سورة البقرة : الآية ٢١٦.

(٣) سورة التوبة : الآية ٥.

(٤) سورة النساء : الآية ٩٠.


آية براءة ناسخة لآيتَي الأنفال والنساء :

إنَّ آيتي سورتي ( النساء ) و( الأنفال ) نزلتا قبل آية سورة ( براءة ) بسنين، فإنَّ ( الأنفال ) - كما ذكرتُ - نزلت في السنة الثانية من الهجرة، ونزلت ( براءة ) بعد فتح مكّة في السنة التاسعة من الهجرة، وكذلك الآية تسعون من سورة ( النساء ) نزلت قبل الآية ٢١٦ من سورة (البقرة ) وقبل آيات سورة براءة.

فإذاً؛ آية ( الأنفال ) وآية ( النساء / ٩٠ ) تكون منسوخة بآيات براءة، وتكون البراءة ناسخة لها.

وهذا هو الذي يذهب إليه ابن عبّاس؛ حيث يقول : إنَّ آية سورة النساء : ٩٠ منسوخة بآية براءة، وآية سورة الأنفال : ٦١، منسوخة بآية السيف من سورة براءة :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ) .

تعديل في رأي ابن عبّاس :

ومع قبول جوهر نظرية عبد الله بن عباسرحمه‌الله ، أقول: إنَّ المسألة هنا ليست مسألة ( نسخ )، فإنَّ المراحل الأربع لم ينسخ بعضها بعضاً، وإنَّما حُكم المواجهة والقتال، أو الدفاع، أو الكفّ في كل مرحلة هو حكم مرحليّ يخصّ تلك المرحلة، وقد كان المسلمون يعرفون هذه الحقيقة، فإذا انتهت المرحلة انتهى أمد ذلك الحكم، حتّى استقرَّ الأمر في السنة التاسعة من الهجرة بعد


فتح مكّة على الأحكام النهائية لقتال المشركين. وهذه هي الأحكام النهائية المطلقة في أمر القتال والجهاد.

ولكن يجب أن نُضيف إلى هذه الحقيقة، حقيقة أخرى وهي قوله تعالى :( لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (١) ، فإنَّ الله تعالى لا ينهانا في آية ( الممتحنّة ) عن البرِّ والقسط للكفّار الذين لا يقاتلونا، ولم يُخرجونا من ديارنا.

وليس هذا الحكم إعراضاً عن الحكم الوارد في آية السيف في ( براءة )، وإنَّما معنى ذلك أنَّ الإسلام منهج واقعي في التعامل مع العالم، لا يعلن الحرب على العالم، وإنَّما يتدرّج في مواجهة الواقع، ويقدِّم الأكثر عدواناً منهم على غيرهم، يقول تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ ) (٢) ، وليس معنى :( الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ) : أي يجاورونكم ويقربون إليكم، بل معنى ذلك ( والله أعلم بما يقول ) : الأقرب في استحقاق الصدِّ والقتال والمواجهة، أي الأكثر عدواناً على المسلمين.

وإذا أردنا أن نجد لهذه الآية مصداقاً في حياتنا السياسية اليوم، نجد أنَّ ( إسرائيل ) هي الأكثر عدواناً على المسلمين، وهي التي تلينا من الكفّار.

____________________

(١) سورة الممتحنة : الآية ٨.

(٢) سورة التوبة : الآية ١٢٣.


إذاً؛ منهج القتال والجهاد في الإسلام منهج واقعي يُعامل من خلال معيارَيْن : الأوّل منهما القدرة العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والثاني منهما التدرُّج.

وعلى أساس هذين المعيارين، فإنَّ الله تعالى لا ينهانا عن البرِّ والقسط إلى الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا، وتكون هذه الآية من سورة ( الممتحنة ) بناء على ذلك أساساً في العلاقات الخارجية بين المسلمين وغيرهم من الأمم غير المسلمة.

الحياة الطيِّبة : مطالعة دقيقة وفاحصة لحاضر العلاقات الإسلامية غير الإسلامية الراهنة، لجهة عقد اتفاقيات الصلح والسلام مع الجهات الكافرة قد توحي بالالتباس، وعدم الوضوح، وغياب القواعد الفقهية المنظّمة، أو عدم توافرها بالنحو الكافي في الأوساط الإسلامية، هل الدرس الفقهي العالي اليوم يُعالج إشكاليات الثابت والمتغيّر في رسم حدود هذه العلاقات، ويدعو إلى إعادة النظر أو إعادة فهم النصوص التي تتحدَّث عن طبيعة علاقة الحكم الإسلامي مع غيره أم لا ؟ حبّذا لو تتكرَّمون في وضع نقاط أساسية من شأنها فتح هذه القضايا وإثارة الاهتمام بفصل الضوابط أو المقاصد الأساسية للدين، عن مصاديقها وتطبيقاتها في العصور الأُولى، وتبعاً لها في باقي العصور والعهود التي مرَّت بها الحركة الإسلامية.

الشيخ الآصفي : العقود والاتفاقيات مع الدول والأنظمة الكافرة تدخل ضمن نظام المتغيرات في الشريعة.


والشريعة تتألّف من ثوابت ومتغيِّرات، وهذه المتغيِّرات هي التي تمكِّن الفقيه من تغطية مساحة الحياة الواسعة واللا محدودة بثوابت الشريعة لا محالة، تتكوّن من مجموعة محدودة مهما كانت حدودها من النصوص، وهذه النصوص هي التي نسمّيها بثوابت الشريعة.

ومتغيِّرات الشريعة على نحوَيْن :

١ - المتغيِّرات التي يوظّفها المجتهد في تغطية المسائل والقضايا الشرعية.

٢ - المتغيِّرات التي يوظّفها الحاكم، ووليّ الأمر في الشؤون السياسية والإدارية للمجتمع، في إطار ثوابت الشريعة.

والقسم الأوّل من المتغيِّرات يشمل :

أ - قاعدة التزاحم.

ب - حكومة العناوين الثانوية على الأحكام الأوليّة.

ج - القواعد الفقهية.

د - التلازم بين الحكم العقلي والشرعي.

وهذه الآليَّات الشرعيّة، يستخدمها المجتهد في تغطية المساحة غير المحدودة والمتغيّرة من الحياة، بثوابت الشريعة المحدودة.

والقسم الثاني من المتغيّرات، هو حكم الحاكم الشرعي في المسائل السياسية والإدارية، وما يتَّصل بهما.

وحكم الحاكم، وإن كان يبتني - لا محالة - على بعض العناوين السابقة، كالمصلحة والضرورة، والضرر والتزاحم بين الأهمِّ والمهمِّ وأمثال ذلك، إلاّ


أنَّ حكم الحاكم بنفسه يُلزم سائر الناس حتّى المجتهدين منهم، تطابق اجتهادهم مع اجتهاد الحاكم في هذه العناوين الثانوية، أم لم يتطابق.

إذاً؛ حكم الحاكم بنفسه من المتغيّرات التي أقرَّتها الشريعة، إلى جنب الثوابت الشرعية.

ويمكن أن يتحرَّك الحاكم ضمن الأطُر الآتية :

أ - تحريم المباح.

ب - إيجاب المباح.

وهذا ممَّا اتّفق عليه الفقهاء.

ج، د - إباحة الواجب والحرام.

ه- - إيجاب الحرام.

و - تحريم الواجب.

وقد اختلف الفقهاء في دخول النقاط الأربعة الأخيرة ضمن صلاحيات الحاكم.

ومهما يكن من أمر، فإنّ الاتفاقيات وعقود السلام، والمعاهدات مع الأنظمة غير الإسلامية، تدخل في هذا الحقل الأخير، أي صلاحيات ( الحاكم ).

وإنَّما بسطنا الكلام في ذلك؛ لأنَّ السؤال كان يتطلَّب البحث عن ثوابت الشريعة ومتغيّراتها.

العقود والاتفاقيات الدولية من صلاحيات الحاكم :

والآن - بعد هذه الجولة في ثوابت الشريعة ومتغيراتها - نعود إلى العقود والاتفاقيات والمعاهدات مع الأنظمة غير الإسلامية.


فنقول : إنَّها تدخل في صلاحيات ( الحاكم الشرعي ) بما يراه من المصلحة والضرورة، أو دفع الضرر عن المسلمين، أو تقديم الأهمِّ على المهمِّ في موارد التزاحم.

فيأخذ بهذه العناوين أو بغيرها، وإلى هذا الحدِّ لا يزيد دوره عن دور أيِّ مجتهد، يوظّف العناوين الثانوية في تغيير الأحكام الأوليّة من الوجوب إلى الحرمة، ومن الحرمة إلى الوجوب، ومن الإباحة إلى الوجوب والحرمة.

فإذا حكم الحاكم بذلك بمقتضى ولايته على الناس، نفذ حكمه على سائر الناس، لقوله تعالى:( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، أخذوا بما أخذ به من العناوين الثانوية، في الاجتهاد أم لم يأخذوا.

ولا شكَّ في أنّ العقود والمعاهدات، والتحالفات والاتفاقيّات، السياسية، والعسكرية والاقتصادية، والأمنية، والسياحية، وغيرها تدخل في هذا الباب، ومن أهمِّ هذه الموارد الاتفاقيّات والمعاهدات العسكرية لوقف القتال، والأخذ بالهدنة لفترة طويلة أو قصيرة.

وإلى ذلك يذهب فقهاؤنارحمهم‌الله .

كلمات الفقهاء في العقود والاتفاقيّات الدوليّة :

قال الشيخ في المبسوط : ( الهُدْنة والمعاهدة واحدة، وهو وضع القتال وترك الحرب إلى مدّة من غير عوض، وذلك جائز؛ لقوله تعالى :( وَإِنْ جَنَحُوا


لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) ؛ ولأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صالح قريشاً عام الحديبية على ترك القتال عشر سنين.

وليس خلوُّ الإمام من أن يكون مستظهراً، أو غير مستظهر، فإن كان مستظهراً وكان في الهُدْنة مصلحة للمسلمين، ونظر لهم بأن يرجو منهم الدخول في الإسلام، أو بذل الجزية فعل ذلك، وإن لم يكن فيه نظر للمسلمين، بل كانت المصلحة في تركه بأن يكون العدوُّ قليلاً ضعيفاً، وإذا ترك قتالهم اشتدَّت شوكتهم وقرُّوا، فلا تجوز الهُدْنة؛ لأن فيها ضرراً على المسلمين.

فإذا هادنهم في الموضع الذي يجوز، فيجوز أن يُهادنهم أربعة أشهر بنصِّ القرآن العزيز، وهو قوله تعالى :( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) ، ولا يجوز إلى سنة وزيادة عليها.

فأمّا إذا لم يكن الإمام مستظهراً على المشركين، بل كانوا مستظهرين عليه، لقوّتهم وضعف المسلمين أو كان العدوُّ بالبُعد منهم وفي قصدهم التزام مؤن كثيرة، فيجوز أن يهادنهم إلى عشر سنين؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هادن قريشاً عام الحديبيّة إلى عشر سنين؛ ثمَّ نقضوها من قِبل نفوسهم)(١) .

وفي التذكرة : ( ويشترط في صحّة عقد الذمّة أُمور أربعة :

الأوّل : أن يتولاّه الإمام أو مَن يأذن له؛ لأنّه من الأمور العظام.

____________________

(١) الشيخ الطوسي، المبسوط، المكتبة المرتضوية، طهران، ج٢، ص٥٠ - ٥١.


الثاني : أن يكون للمسلمين إليه حاجة ومصلحة، إمّا لضعفهم عن المقاومة فينتظر الإمام قوّتهم، وإمّا لرجاء إسلام المشركين، وإمّا لبذل الجزية منهم والتزام أحكام الإسلام. ولو لم تكن هناك مصلحة للمسلمين - بأن يكون في المسلمين قوّة، وفي المشركين ضعف، ويخشى قوّتهم واجتماعهم إن لم يبادرهم بالقتال - لم تجز له مهادنتهم.

والثالث : أن يخلو العقد من شرط فاسد - وهو حقّ كل عقد - فإن عقدها الإمام على شرط فاسد، مثل أن يشترط ردَّ النساء، أو مهورهنّ، أو ردّ السلاح المأخوذ منهم، أو دفع المال إليهم مع عدم الضرورة الداعية إلى ذلك، فهذه الشروط كلّها فاسدة يَفسد بها عقد الهُدْنة.

الرابع : المدَّة، ويجب ذكر المدَّة التي يُهادنهم عليها )(١) .

وفي المغني لابن قدامة الحنبلي : ( ومعنى الهُدْنة أن يعقد لأهل الحرب عقداً على ترك القتال مدّة بعوض وبغير عوض، وتسمَّى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز بدليل قول الله تعالى :( بَرَاءةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) ، وقال سبحانه :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَ ) ، وروى مروان ومسور بن مخرمة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صالح سهيل بن عمرو بالحديبيّة على

____________________

(١) العلاَّمة الحلِّي، تذكرة الفقهاء، الطبعة الحجرية القديمة، المكتبة الرضوية لإحياء الآثار الجعفرية، إيران، ج١، ص٤٤٧.


وضع القتال عشر سنين؛ ولأنّه قد يكون بالمسلمين ضعف، فيُهادنهم حتّى يقوى المسلمون ...)(١) .

الأصل القرآني في شرعية العهد :

ثمّ إنَّ الأصل في شرعيّة العهد في القرآن، هو : الآيات الأُولى من سورة ( براءة ).

قال تعالى :( بَرَاءةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ ) ، فالجزء الأوّل من سورة (براءة )، يقسِّم الكفّار إلى قسمين :

القسم الأوّل : الكفّار الذين لم ندخل معهم في عهد.

القسم الثاني : الكفّار الذين دخلنا معهم في عهد.

وهذا القسم أيضاً ينقسم إلى قسمين :

الأوّل : مَن نقضوا عهدهم، وخالفوا وظاهروا بتشكيل أحلاف ضدَّ الإسلام.

الثاني : مَن استقام على عهده.

وعليه سيكون مجموع الأقسام ثلاثة.

أ - الكفّار الذين لم ندخل معهم في عهد.

ب - الكفّار الذين دخلنا معهم في عهد ونقضوا.

____________________

(١) عبد الله بن قدامة، المغني، تحقيق جماعة من العلماء، دار الكتاب العربي، بيروت، ج١٠، ص٥١٧.


ج - الكفّار الذين دخلنا معهم في عهد واستقاموا على عهدهم.

والكفار من القسم الأوّل حكمهم أنَّ الله بريء منهم، وكذلك رسله حسب نصّ القرآن.

والقسم الثاني : حكمهم - أيضاً - هو أنّ الله بريء منهم كذلك، ويأمرنا بقتالهم؛ لقوله تعالى :( أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ) (١) ، وقوله تعالى :( وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) (٢) ، وقوله تعالى :( وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) في الآية الأُولى ظاهر في أنّهم هم الناقضون، وأنّ المؤمنين يدافعون عن أنفسهم، وأنّ القتال مع هؤلاء المشركين ليس ابتدائياً.

وأمّا قوله تعالى :( فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ) ، فكأنّ قتال هؤلاء؛ لأنَّهم أئمة كفر، إلاّ أنّ العهد كان مانعاً، فلمّا نقضوا العهد ارتفع المانع.

أمّا القسم الثالث، الذين عاهدوا واستقاموا على العهد، فالإسلام يحترم عهدهم؛ لقوله تعالى :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (٣) .

____________________

(١) سورة التوبة : الآية ١٣.

(٢) سورة التوبة : الآية ١٢.

(٣) سورة التوبة : الآية ٤.


وفي نهج البلاغة : ( ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك [ و ] لله فيه رضاً، فإنّ في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك، ولكنَّ الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه، وإنّ العدوّ ربَّما قارب ليتغفَّل، فخذ بالحزم واتَّهم في ذلك حسن الظن )(١) .

الأمر بالوفاء بالعهد وحرمة الغدر في الشريعة :

وقد تضافرت النصوص الإسلامية على وجوب احترام العهد، وحرمة نقضه، وعد ذلك من الغدر.

قال الله تعالى :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (٢) . وقال :( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (٣) .

وللمعاهد حرمة لدمه وماله، روى محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمد بن يَحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن قريتين من أهل الحب لكلّ واحد منهم إلى أن قال : فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا ولا يأمروا

____________________

(١) نهج البلاغة، مصدر سابق، ج٣، ص١٠٦، الكتاب ٥٣.

(٢) سورة التوبة : الآية ٤.

(٣) سورة التوبة : الآية ٧.


بالغدر ولا يقاتلوا مع الذين غدروا، ولكنَّهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم، ولا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفّار )(١) .

وروى محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد بن محمّد بن الحسن بن شموم، عن عبد الله بن عمر بن الأشعث وعبد الله بن حماد الأنصاري، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يجيء كلّ غادر يوم القيامة بإمام مائلاً شدقه حتّى يدخل النار )(٢) .

وروى عبد الله بن مسلم القضبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( إذا جمع الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة، يعرف لكلّ غادر لواء، فقيل : هذه غدرة فلان بن فلان )(٣) .

وهناك باب في كتاب الجهاد من ( سنن أبي داود ) في الإمام يُستجنّ به في العهود، جاء فيه ( عن الحسن بن علي بن أبي رافع : أنّ أبا رافع أخبره قال : بعثتني قريش إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُلقي في قلبي الإسلام، فقلت : يا رسول الله، إنّي - والله - لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله : ( إنّي لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرد، ولكن أرجع فإن كان الذي في

____________________

(١) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١١، ص ٥١ - ٥٢، ح١٠.

(٢) المصدر نفسه، ص٢٠.

(٣) المتقي الهندي، كنز العمّال، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج٣، ص٥١٧ حديث رقم : ٧٦٨٢.


نفسك الآن فارجع )، قال : فذهبت، ثمَّ أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأسلمت.

قال بكير : وأخبرَني أنّ أبا رافع كان قبطيَّاً )(١) .

جاء عن العرباض بن سارية السلمي قال : ( نزلنا مع النبي خيبر، ومعه مَن معه من أصحابه، وكان صاحب الخيبر رجلاً مارداً ( مُنكراً )، فأقبل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا محمّد، ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا ؟! فغضب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال : ( يا بن عوف، اركب فَرَسك ثمَّ نادِ : ألا إنّ الجنّة لا تحلّ إلاّ لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة )، قال : فاجتمعوا، ثمَّ صلَّى بهم النبي ثمَّ قام، فقال : ( أيحسب أحدكم متَّكئاً على أريكته، قد يظنُّ أنّ الله لا يحرِّم شيئاً إلاّ في هذا القرآن، ألا وإنّي - والله - قد وعظت، وأمرت، ونهيت عن أشياء إنَّها لمثل القرآن أو أكثر، وإنّ الله تعالى لم يحلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلاّ بإذن، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم )(٢) .

ثمَّ قال : ( حدَّثنا عن رجل من جهينة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( لعلّكم تقاتلون قوماً، فتظهرون عليهم فيتَّقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم ؟! )، قال

____________________

(١) سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، دار الفكر، بيروت، ج١، ص٦٢٧، حديث رقم : ٢٧٥٨.

(٢) المصدر نفسه، ج٢، ص٤٤ - ٤٥، باب في الإمام يكون بينه وبين العدوّ عهد فيسير إليه، كتاب الجهاد، باب الوفاء بالعهد.


سعيد في حديثه : ( فيصالحونكم على صلح ) ثمَّ اتّفقا ( ولا تُصيبوا منهم شيئاً فوق ذلك؛ فإنّه لا يصلح لكم )(١) .

وعن عدّة من أبناء أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن آبائهم، عن رسول الله أنّه قال : ( ألا ومَن ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة )(٢) .

حرمة مال المعاهد ودمه :

عن خالد بن الوليد قال : غزوت مع رسول الله خيبر، فأتت اليهود فشكوا أنّ الناس أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله : ( ألا لا تحلّ أموال المعاهدين إلاّ بحقِّها )(٣) .

حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بكر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن قتل معاهداً في غير كُنهه حرَّم الله عليه الجنّة )(٤) ، وكُنْه الأمر حقيقته، وقيل - كما في ( حاشية النهاية ) - : وصفه، وقتله في غير كُنهه، أي من غير استحقاق.

وروى محمد بن الحسن، بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حريز وابن مسكان، عن أبي بصير قال : ( سألته عن

____________________

(١) المصدر نفسه، ص ٤٥.

(٢) المصدر نفسه، ص ٤٥.

(٣) المصدر نفسه، ج٢، ص٢٠٩.

(٤) المصدر نفسه، ج١، ص٦٢٧.


ذمِّيّ قطع يد مسلم، قال : ( تُقطع يده إن شاء أولياؤه، ويأخذون فضل ما بين الديَّتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خُيِّر أولياء المعاهد، فإن شاءوا أخذوا ديَّة يده وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه الفضل ما بين الديّتين، وإذا قتله المسلم صُنع كذلك )(١) .

شرط شرعية العقود والاتفاقيّات الدولية :

ولابدَّ في تصحيح وشرعية أيِّ معاهدة - صلح أو تفاهم أو تطبيع في العلاقات مع الأنظمة الكافرة - من ملاحظة هذين الشرطين :

الشرط الأول : أن يجري الاتّفاق على يد إمام المسلمين، المأمون على دينهم ودنياهم، والاتفاقيّات والمعاهدات التي تجري على يد الأنظمة غير الشرعية، التي تحكم أكثر بلاد المسلمين، مع إسرائيل أو أمريكا، أو غيرهما من الأنظمة المعادية تفقد صفة الشرعية؛ لأنّ هذه المعاهدات تتمُّ من قِبل أنظمة غير شرعية، وغير مؤتمنة على مصالح المسلمين، بل عاملة لمصلحة الأنظمة الكافرة في كثير من الأحيان.

والشرط الثاني : أن تكون الاتفاقيّات والمعاهدات لمصلحة أو ضرورة عائدة إلى المسلمين، والاتفاقيّات التي تجري لمصلحة الأنظمة الكافرة، وبخلاف مصالح المسلمين، أو تجري تحت ضغوط من ناحية أنظمة كافرة فاقدة للشرعية.

____________________

(١) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١٩، ب ٢٢ باب حكم القصاص، حديث رقم : ١.


ومعاهدات السلام مع ( إسرائيل ) كلّها من هذا القبيل، وعنصر الضغوط الأمريكية من أبرز عناصر هذه الاتفاقيّات؛ ولذلك فإنّ المحاولات التي قامت بها بعض المؤسسات الدينية، لإعطاء صفة الشرعية - في حينه - لأمثال هذه المعاهدات، لم تلقَ قبولاً من ناحية المسلمين، الشيعة والسنَّة على حدِّ سواء.

الحياة الطيِّبة : قد مرَّ تاريخ وظروف أدّت إلى تصنيف خاص حول تنويع البلاد، إلى دار الإسلام ( والإيمان)، ودار الكفر، وخضع واقع الإنسان والمجتمع لتغيير شامل، وتحوّلت العلاقات والروابط ما يزيد من إمكانية طروء تحوّل على واقع هذا التصنيف، وفي كل الأحوال هل هناك ما يدعو إلى تبنِّي هذا التصنيف اليوم أيضاً ؟ وما هي وضعية الجهاد والقتال ضدَّ المجتمعات المشركة ؟

الشيخ الآصفي : لم يطرأ جديد على مسألة ( الجغرافيا السياسية ) للعالم في الفقه، والمعروف لدى الفقهاء هو التصنيف الثلاثة للعالم على النهج التالي :

١ - دار الإسلام.

٢ - دار الحرب.

٣ - دار العهد.

وهذا التقسيم من الثوابت الفقهية، والخلاف بين الفقهاء في تعريف هذه الدور، لا في أصل التقسيم الثلاثي.

وأساس هذا الاختلاف، هو الاختلاف في المعيار الذي يتّخذه الفقهاء لتصنيف العالم، وهو أساسان :


أ - الأساس السياسي.

ب - الأساس الدَّعَوي.

الأساس السياسي :

فعلى الأساس الأوّل، كل منطقة تخضع لسيادة الإسلام سياسياً وإدارياً، وتجري فيها الأحكام والحدود الشرعية، وتجري فيها الشعائر الإسلامية هي ( دار الإسلام ).

و( دار الحرب ) أو ( دار الكفر )، هي كل منطقة تخضع لسيادة الكفر، ويحكمها الكفر، وإن كانت من قبل داراً للإسلام، وذلك مثل فلسطين.

و( دار العهد ) هي التي تخضع لسيادة الكفر، إلاّ أنّ المسلمين يحترمون هذه السيادة؛ نظراً للعهود والاتفاقيّات المبرمة بين المسلمين وبين الأنظمة الحاكمة على هذه المناطق.

والفرق بين ( دار العهد ) و( دار الكفر ) هو : أنَّ سيادة دار العهد سيادة محترمة، بخلاف سيادة دار الكفر، فإنَّها سيادة غير محترمة.

وهذا هو الأساس الأوّل للتقسيم الثلاثي للعالم، وهو الأساس السياسي.

يقول الشيخ محمد عبده في تعريف ( دار الإسلام ) - كما ورد في تفسير ( المنار ) - : ( كل ما دخل من البلاد في محيط سلطان الإسلام ونفذِّت فيها أحكامه وأُقيمت، قد صار من دار الإسلام، ووجب على المسلمين عند الاعتداء عليه أن يدافعوا عنه وجوباً عينيّاً، وكانوا كلّهم آثمين بتركه.

وإنَّ استيلاء الأجانب عليه لا يرفع عنهم وجوب القتال لاسترداده وإن طال الزمان، فعلى هذا الرأي يجب على مسلمي الأرض إزالة سلطان جميع


الدول المستعمرة لشيء من الممالك الإسلامية، وإرجاع حكم الإسلام إليها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وعجزهم الآن عن ذلك لا يسقط عنهم وجوب توطين أنفسهم عليه، وإعداد ما يمكن من النظام والعدّة له، وانتظار الفرص للوثوب والعمل ).

وهذا الرأي يوافق القاعدة التي وضعها أحد وزراء الإنجليز؛ للتنازع بين المسلمين والنصارى في الغلب والسلطان، وهي : ( ما أخذ الصليب من الهلال لا يجوز أن يرجع إلى الهلال، وما أخذ الهلال من الصليب يجب أن يعود إلى الصليب )؛ وعلى هذا يجري اليهود الذين يطالبون بإعادة ملك إسرائيل إلى بلاد فلسطين، بل هم لا يكتفون بإعادة الملك، بل يطلبون جَعل المِلْك ( بكسر الميم ) وسيلة له، فهم يحاولون سلب رقبة الأرض من أهلها العرب بمساعدة الإنجليز )(١) .

الأساس الدَعَوي :

والأساس الثاني لتقسيم العالم في الفقه هو الأساس الدَعَوي؛ وعلى هذا الأساس كل بلد امتدَّت إليه الدّعوة، وأصبح الناس فيها بحجم كبير - ولو لم يكن بحجم الأكثريّة - يمارسون فيها شعائر دينهم، فهو ( دار الإسلام )، بشرط ألاّ تكون الدعوة مستهلكة كإنكلترا، أو فرنسا، وأمريكا، وكندا، فإنّ الدعوة قد امتدّت إلى هذه البلاد من دون شكٍّ، ولكنَّ الدّعوة غير بارزة في هذه

____________________

(١) رشيد رضا، تفسير المنار، ج١، ص٣١٦.


الأقطار، أو مستهلكة بين سائر الدعوات والاتجاهات ذات السيادة، أو غير ذات السيادة في هذه البلاد. والبلاد التي لم تمتدَّ إلهيا الدّعوة، أو لا يكون لامتداد الدعوة إليها بروز ووضوح، فهي من دار الكفر.

ودار العهد هي البلاد التي لم تمتدَّ إليها الدّعوة، ولكنَّها قد دخلت معنا في عهود واتّفاقات متبادلة في حرمة السيادة من الطرفين، وفي التفاهم والتعاون.

المقارنة بين التقسيمَيْن :

وللاختلاف بين هذين التقسيمَيْن مصاديق كثيرة، فإنّه على التقسيم الأوّل لا تدخل فلسطين المحتلّة في دار الإسلام؛ لأنّ ( إسرائيل ) هي صاحبة النفوذ السياسي والإداري فيها، بل كافّة البلدان التي لا تخضع لسيادة الإسلام لا تعتبر من دار الإسلام، حتى لو لم تمارس فيها الكيانات السياسية الكافرة نفوذاً مباشراً، مثل العراق وتركيا العلمانيّة، والمساحات الإسلامية في يوغوسلافيا، وبلغاريا، ودول آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان، وطاجيكستان ، وأذربيجان، حيث تحلّها أكثرية مسلمة، ولكنّها غير خاضعة لسلطان الإسلام، والأمثلة على ذلك كثيرة، في الخريطة السياسية الحديثة للعالم، غير أنّها بناءً على الأساس الثاني تدخل في دار الإسلام بلا تردُّد.

والإشكالية التي يواجهها التقسيم الثُّلاثي الأوّل، هي أنّ هذه البلاد التي لا يشملها تعريف (دار الإسلام ) لا تدخل في تعريف ( دار الكفر ) أيضاً في الغالب؛ فإنّ ( دار الكفر ) هي التي يحكمها الكافر، مثل فلسطين، وأمّا البلاد


التي لا يحكمها الكافر مباشرة، مثل تركيا وكثير من البلاد الإسلامية، فهي خارجة عن تعريف ( دار الإسلام ) و( دار الكفر ) معاً.

الحياة الطيِّبة : ولكنَّ السؤال - هنا - حول الآثار التي تترتَّب على هذا التقسيم إلى دارين، هل لكم - سماحة الشيخ - أن تبيِّنوا لنا هذه الآثار ؟ وما هو رأيكم حول الموضوع ؟

الشيخ الآصفي : ليس هذا التعريف تعريفاً نظرياً محضاً في الفقه، فقد ذكر الفقهاء آثاراً فقهية كثيرة لهذه الدور، والاختلاف في تفسير ( الدور ) يؤدّي إلى اختلاف في هذه الأحكام أيضاً، ونذكر نماذج من هذه الأحكام.

١ - أحكام اللحُوم والجُلود : فإنّ اللحوم والجلود الموجودة في أسواق دار الإسلام، يصحّ أكلها واستعمالها، كما في رواية إسحاق بن عمّار المعروفة.

٢ - أحكام الالتقاط : الطفل اللقيط في بلاد المسلمين يُحكَم عليه بالإسلام، من حيث أحكام الإسلام، وليس كذلك لقيط بلاد الكفر.

٣ - أحكام الهجرة : يذهب الفقهاء إلى القول بوجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، لو تعذَّرت عليه إقامة الشعائر الإسلامية في بلاد الكفر.

٤ - الدفاع : يجب الدفاع عن دار الإسلام، إذا تعرَّض لهجوم من قِبل الكفَّار.


الرأي المختار :

والذي أختاره من رأي في هذه المسألة، هو اتخاذ الأساس الثاني، أي أساس الدعوة في رسم الخريطة السياسيّة للعالم، بالنظر إلى الأحكام المتقدّمة وغيرها، فليس من الصحيح أن نجعل العامل السياسي أساساً لتصنيف العالم بالنظر إلى الأحكام المتقدّمة؛ ففي مسألة اللحوم والجلود، لا إشكال أنَّ لها علاقة بوجود كثرة كميّة مسلمة في البلد، وليس لها علاقة بمسألة السيادة السياسية.

وكذلك الأمر في مسألة ( الالتقاط )؛ فإنّها ذات علاقة بوجود كثرة كميّة مسلمة في البلد، ولا علاقة لها بالمسألة السياسية، وكذلك الأمر في مسألة الهجرة، وقد أرجع صاحب الجواهررحمه‌الله ملاك وجوب الهجرة إلى دار الإسلام، إلى غلبة الكفر على هذه البلاد، لا إلى السيادة السياسية للكافر، فإذا عثرنا - مثلاً - على طفل صغير في القدس العربيّة لا نحكم بكفره، رغم أنّ القدس العربية خاضعة لنفوذ إسرائيل العدواني.

وكذلك مسألة الدفاع؛ فإنّ الدفاع واجب عن دار الإسلام، وقد ورد في النصوص الإسلامية بعنوان الدفاع عن بيضة الإسلام، ولا علاقة لهذه المسألة أيضاً بالمسألة السياسية، فلو تعرَّضت الجزائر، أو المغرب، أو تونس لغزو دولة كافرة، يجب على المسلمين الدفاع عنها بلا كلام، رغم أنّ هذه البلاد وأمثالها من بلاد المسلمين لا تخضع للنفوذ السياسي الإسلامي، بالمعنى الدقيق الشرعي لهذه الكلمة.


الأحكام المتعلّقة بالأساس الأوّل :

ورغم أنَّنا اخترنا الأساس الثاني، أي ( الدعوة ) لرسم الخريطة السياسية في العالم، دون الأساس الأوّل ( الأساس السياسي )، وذكرنا أنّ لهذا الاختيار مبرّرات وأسباب فقهية لا يمكن تجاوزها رغم ذلك نجد في الشريعة أحكاماً تخصّ التقسيم الثلاثي للعالم على الأساس الأوّل، أي العامل السياسي.

وأذكر منه حكمَيْن :

١ - المُرابطة : وهي الإرصاد لحفظ ثغور الإسلام من ناحية الأعداء، والمرابطة غير القتال، ومهمَّة المرابط تختلف عن مهمَّة المقاتل، والمرابطة من أحكام النفوذ السياسي للإسلام.

يقول صاحب الجواهر ( ره ) في تعريف ( الثغر ) : ( هو الحدُّ المشترك بين دار الشرك ودار الإسلام كما في ( التنقيح ) أو كل موضع يُخاف منه كما في ( جامع المقاصد )، أو هما معاً كما في ( المسالك ).

قال : ( الثغر هنا : الموضع الذي يكون بأطراف بلاد الإسلام، بحيث يُخاف هجوم المشركين منه على بلاد الإسلام، وكل موضع يُخاف منه يُقال له : ثغر )(١) .

ولا إشكال في أنّ هذا التعريف ل- ( الثغر ) يناسب دار الإسلام؛ بناءً على الأساس السياسي.

٢ - الاستئمان : ونقصد به طلب الأمان والجوار من المسلم لدخول دار الإسلام، ويجوز لإمام المسلمين أن يُعطي أماناً للكافر على نفسه، وماله ،

____________________

(١) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، مصدر سابق، ج٢١، ص٣٨.


وأهله لدخول البلاد، سواء كان بلده في حالة حرب المسلمين أم لا، فيدخل كافر دار الإسلام في ذمّة المسلمين؛ والأساس في ذلك قوله تعالى :( وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) (١) .

ولا شكَّ في أنّ الاستئمان من أحكام دار الإسلام؛ بناءً على التقسيم الأوّل ( السياسي لا الدَعَوي ).

وعليه؛ فإنّنا نذبُّ إلى القول بوجود أساسين لرسم الخريطة الجغرافية السياسية للعالم في الفقه.

الأساس الأوّل : هو الأساس السياسي، بمعنى النفوذ السياسي للإسلام أو الكفر، وهو أساس لأحكام مثل المرابطة والاستئمان.

الأساس الثاني : هو الأساس الدَعَوي، وهو الأكثر والأوسع استخداماً في الفقه الإسلامي.

دار العهد :

ولا بدّ من وقفة قصيرة - قبل إنهاء الجواب عن هذا السؤال - عند ( دار العهد )، قلنا : إنّ دار العهد هي الدار التي يحكمها الكافر، ويمارس فيها نفوذه السياسي والإداري، ولكنّنا نحترم هذه السيادة، رغم كونها للكافر، وذلك عملاً بالعهد.

____________________

(١) سورة التوبة : الآية ٦.


الذي التزم به إمام المسلمين بناءً على المصلحة أو الضرورة التي توجب ذلك، ولا إشكال في شرعية هذا العهد والاتّفاق، إذا اقتضتها مصلحة المسلمين، أو دعت إليه الضرورة.

ولا إشكال في أنّ الإسلام يأمرنا بالوفاء بالعقود والاتفاقيات، يقول تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (١) ، وينهانا الله تعالى عن الغدر والحنث، فقد رُوِي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يجيء كل غادر يوم القيامة بإمام مائلاً شدقه، حتّى يُدخله النار )(٢) .

وليس من شرط العهد أن يتّفق في حرب فقط، فقد تدخل الدولة الإسلامية بإذن إمام المسلمين في عقود واتّفاقيات، وعهود دولية سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وثقافية مع دول أخرى في العالم، ولا إشكال في شرعية هذه العقود؛ لأنّها جرت بأمرٍ وإذنٍ من قِبل إمام المسلمين، طبقاً لمصلحة أو ضرورة تتطلَّبها.

وفي هذه الحالة يجب على المسلمين احترام هذه العقود والالتزام بها، ويحرم نقضها ما لم يبدأ الطرف الآخر بنقضها.

ومن متطلّبات احترام هذه العقود والعهود احترام سيادة الأنظمة السياسية، التي تعاقدت معها الدولة الإسلامية، ويجري تبادل الهيئات الدبلوماسية بين الدولة الإسلامية، وسائر الدول على أساس من هذه الاتفاقيات والعقود الدولية.

____________________

(١) سورة المائدة : الآية ١.

(٢) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١١، ص٥٢، حديث رقم : ٢.


الحياة الطيِّبة : الخروج على الحاكم هل هو بغي أم حرابة أم جهاد ؟ وما هي الضوابط الشرعية التي ترون أنّها مسوِّغة للخروج على الحاكم الظالم ؟

الشيخ الآصفي : وردت في السؤال عدَّة مصطلحات، تختلف مداليلها وأحكامها.

الخروج على الحاكم الظالم، البغي، الحرابة ( المحاربة ) الجهاد، والضوابط الشرعية المسوّغة للخروج على الحاكم الظالم.

ولا بدّ - أوّلاً - من التفكيك بين هذه المصطلحات، ثمَّ الحديث بعد ذلك عن الضوابط الشرعية المسوِّغة للخروج على الحاكم الظالم، وفي ما يأتي تفصيل هذه النقاط :

١ - إذا كان النظام الحاكم نظاماً كافراً، عدوانياً غاصباً، مثل النظام الصهيوني الغاصب والمعتدي على أرض إسلامية، فالحكم الشرعي هو الجهاد، وهو من الجهاد الدفاعي، الذي يُعدُّ من أفضل أنواع الجهاد، وقد أذن الله تعالى لنا في ذلك.

يقول تعالى :( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) (١) .

وأمرنا الله تعالى بهذا القتال دفاعاً عن حقوق المسلمين وأراضيهم.

يقول تعالى :( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ


فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ) (١) ، وهذه الآيات الكريمة تتطابق إلى حدٍّ كبير مع الحالة القائمة في فلسطين اليوم بين المسلمين واليهود المتسلِّطين.

٢ - وإذا كان النظام نظاماً صالحاً شرعياً، فإنَّ الخروج والتمرُّد المسلَّح على هذا النظام يدخل ضمن مفهوم ( البغي )، الذي أمرنا الله تعالى بإصلاحه، فإذا رفضت الفئة الباغية الصلاح والرجوع إلى الطاعة، فالحكم هو القتال حتّى تفيء إلى أمر الله.

٣ - وإذا كان النظام نظاماً صالحاً شرعياً وخرجت مجموعة مسلَّحة، أو فرد مسلَّح للإخلال بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، فقد أمرنا الله تعالى بملاحقتهم وتقتيلهم، وهذه هي ( المحاربة ) أو الحرابة، كما ورد في السؤال.

٤ - وإذا كان الحاكم طاغية يحكم بلداً من بلاد المسلمين، ويسعى بالظلم والإفساد، وانتهاك حدود الله وحرماته وحقوق الناس في الأرض، مثل يزد بن معاوية، والحجّاج بن يوسف، ومن أمَّره واستعمله على المسلمين، ومَن يُشبهه من الحكَّام المعاصرين، الذين يحكمون المسلمين بالظلم والعدوان، فهذا الحاكم هو ( الطاغوت ) الذي أمرنا الله أن نكفر به ونرفضه، وألاَّ نركن إليه، وهو( جهاد الطاغوت ) وجهاد الطاغوت من أفضل أنواع الجهاد. هذه هي النقاط الأربعة الواردة في السؤال، وبين ( البغي ) و( المحاربة ) أو ( الحرابة ) فرق واضح.

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٩١.


فإذا خرجت فئة مسلَّحة من المسلمين على الإمام العادل وتمرّدت عليه، وسعت إلى الانشقاق على السلطة المركزية الشرعية، أو إسقاط السلطة المركزية، كانت هذه الحركة ( بغياً )، ووجب على المسلمين أن يدعوهم إلى الدخول في ما دخل فيه المسلمون من الطاعة، وإن لم يدخلوا فيما دخل فيه عامة المسلمين أمرنا الله تعالى بقتالهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله.

يقول تعالى :( فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) (١) ، وهذه الآية المباركة هي الأساس في التعامل مع الفئات الباغية.

فالبغي - إذاً - هو : حركة سياسية جماعية مسلَّحة ومنظَّمة، متمرِّدة على النظام الشرعي المركزي؛ بهدف الانشقاق أو إسقاط السلطة المركزية.

أمَّا ( المحاربة )، فهي حركة مسلَّحة فردية أو جماعية؛ للإخلال بالأمن الاقتصادي الاجتماعي أو الديني، بقطع الطرق أو نهب الأموال، أو الاعتداء على الأعراض، أو الاختطاف المسلَّح، أو غير ذلك من أنواع الإخلال بالأمن عن طريق الإرهاب بالسلاح، ولا شأن للمحاربة بالسلطة السياسية - لا انشقاقاً ولا إسقاطاً - وإنَّما شأنهم الإخلال بأمن المجتمع فقط؛ والأصل في الحكم الشرعي في جهاد المحاربين وقتالهم هو قوله تعالى :( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي

____________________

(١) سورة الحجرات : الآية ٩.


الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) (١) .

وبين ( جهاد الكافر )، و( جهاد الباغي )، و( جهاد الطاغية ) الوارد في النقاط الأُولى والنقطة الثانية، والثالثة فرق، قد أوضحناه عند توضيح النقاط، ونزيده توضيحاً بالأمثلة الآتية.

المقصود ب- ( جهاد الكافر ) هو العدوُّ الكافر، الذي يمارس سلطاناً عدوانيّاً على أرض المسلمين، مثل ( إسرائيل ) كما ذكرنا، وهذا هو الجهاد الدفاعي للكافر، ولا خلاف في وجوبه بين فقهاء المسلمين من كلّ المذاهب.

والمقصود ب- ( الباغي ) أو الفئة الباغية، الفئة المتمرّدة والمنشقَّة على الحاكم الشرعي، مثل معاوية بن أبي سفيان، الذي تمرّد على الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فهذا هو الباغي، ولا يختلف فقهاء المسلمين في وصف معاوية بالبغي، لولا التحفُّظات السياسية لدى بعضهم، وهي تحفُّظات غير فقهيَّة.

والمقصود ب- ( الطاغوت ) هو الحاكم المتسلِّط على أمور المسلمين، الذي يُمارس الظلم والإفساد وانتهاك الحدود، والحرِّيات في بلاد المسلمين، من داخل هذه الأمَّة، مثل يزيد بن معاوية، الذي كان يمارس أنواع الظلم، والإفساد، وانتهاك الحدود والحرِّيات في هذه الأمة، وبين معاوية ويزيد فرق، فإنّ معاوية باغٍ تمرَّد على أمير المؤمنينعليه‌السلام وعلى الحسنعليه‌السلام ، وينطبق عليه

____________________

(١) سور المائدة : الآيات ٣٣ - ٤٣.


قوله تعالى :( فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) (١) ، وأمّا يزد بن معاوية، فقد ورث السلطان والإفساد والظلم من أبيه، وطغى في البلاد على أحكام الله وحدوده وعلى حقوق المسلمين، فهو من الطاغوت الذي أمرنا الله تعالى برفضه والكفر به :( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (٢) .

ولا يختلف موقف المفسّرين في تفسير الطاغوت عن المعنى الإجمالي الذي ذكرته هنا، ولا يختلف المؤرِّخون وأصحاب السير المنصفون من أيِّ اتجاه، في تطبيق هذا العنوان على يزيد بن معاوية.

أمّا الضوابط الشرعية للخروج على الحاكم الظالم، وهو الجزء الأخير من هذا السؤال المتعدِّد الأبعاد، فهو أمران : أن يعمل الحاكم بالظلم ويسعى للإفساد في الأرض ويتجاوز حدود الله، وينتهك حقوق الناس. وهذا هو الجزء الأوّل. والجزء الآخر هو : ألا يرتدع بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

فإذا كان الأمر كذلك وجب على المسلمين أن يرفضوا ولايته وسلطانه، ولا يركنوا إلى سيادته، ولا يُطيعوا له أمراً، ولا يتحاكموا إليه.

____________________

(١) سورة الحجرات : الآية ٩.

(٢) سورة النساء : الآية ٦٠.


الحياة الطيِّبة : لو رجعنا إلى القرآن الكريم والسنَّة ، هل يمكن أن نستخرج منهما قاعدة أو أصلاً عاماً حول جواز الخروج على الحاكم ؟

الشيخ الآصفي : لقد دلَّ الكتاب العزيز، والسنّة الشريفة، وسيرة أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصالحين من عباد الله على وجوب جهاد الطاغوت ومكافحته.

آية الأمر بالكفر بالطاغوت :

يقول تعالى :( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) (١) .

مَن هو الطاغوت :

ورد في تفسير ( الطاغوت ) في شأن نزول الآية :

( أنَّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود؛ لأنَّه يعلم أنَّهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين؛ لأنَّه يعلم أنَّهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله فيه هذه الآية :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (٢) ،( أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا

____________________

(١) سورة النساء : الآية ٦٠.

(٢) سورة النساء : الآية ٦٠.


أُنزِلَ إِلَيْكَ ) يعني المنافقين،( وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) يعني اليهود،( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) إلى الكاهن )(١) .

وأخرج الثعلبي وابن أبي حاتم، عن طريق ابن عباس ( رض ) أنَّ رجلاً من المنافقين يُقال له : بشر. خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف والطاغوت؛ بناءً على هذا يكون هو كعب بن الأشرف(٢) .

وبناءً عليه؛ فإنَّ الطاغوت من الطغيان على الله ورسوله.

يقول الآلوسي : ( وإطلاقه عليه ( أي على كعب بن الأشرف ) حقيقة بمعنى كثير الطغيان)(٣) .

ويقول البروسوي - في تفسير الآية - : ( الطاغوت كعب بن الأشرف، سمِّي به لإفراطه في الطغيان وعداوة الرسول، ومعناه مَن يحكم بالباطل، ويُؤثِر لأجله ).

ويقول السيوطي في ( الدرِّ المنثور ) : ( الطاغوت رجل من اليهود، يقال له : كعب بن الأشرف. وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم

____________________

(١) محمد بن جرير الطبري، جامع البيان ( تفسير الطبري )، دار الكتب العلمية، بيروت، ج٥، ص٩٧.

(٢) شهاب الدين محمود الآلوسي، تفسير روح المعاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ج٥، ص٦٨.

(٣) المصدر نفسه، ج٥، ص٦٨.


بينهم قالوا : بل نُحاكمهم إلى كعب، فذلك قوله :( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) .

الكُفر بالطاغوت :

ومعنى الكفر بالطاغوت التَبرِّي من الطاغوت ورفضه وجحوده. يقول الراغب الأصفهاني في ( المفردات ) : وقد يعبَّر عن التبرِّي بالكفر نحو :( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ) (٢) ، وقوله تعالى :( إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي ) (٣) ، ويُقال : كفر فلان بالشيطان، إذا آمن وخالف الشيطان، كقوله تعالى :( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ) (٤) ، والكفر في هذه الآية لا يتمُّ بعقد القلب فقط، وإنَّما بالمجابهة ومواجهة الطاغوت، كما يقول السيد الطباطبائيرحمه‌الله في تفسير ( الميزان ).

وقد ورد التعبير عن هذه الحالة في سورة النحل، في الآية السادسة والثلاثين باجتناب الطاغوت، يقول تعالى :

( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (٥) ،

____________________

(١) السيوطي، الدرُّ المنثور، ج٢، ص١٧٩.

(٢) سورة العنكبوت : الآية ٢٥.

(٣) سورة إبراهيم : الآية ٢٢.

(٤) سورة البقرة : الآية ٢٥٦.

(٥) سورة النحل : الآية ٣٦.


والاجتناب أن يعزل المسلم موقعه وحسابه عن موقع الطاغوت وصفّه ونظامه ونفوذه، ويُعلن انفصاله عن الطاغوت وبراءته عنه.

عبادة الطاغوت :

وفي مقابل ( الكفر ) بالطاغوت والتبرِّي عنه و( اجتنابه ) يأتي مفهوم ( عبادة ) الطاغوت، وعبادته هو طاعته، يقول تعالى :( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى ) (١) .

وعبادة الطاغوت : طاعته والانقياد إليه.

وقد ورد في ( تفسير علي بن إبراهيم ) : ( مَن أطاع جبَّاراً فقد عبده )(٢) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : ( مرَّ عيسى بن مريم على قرية قد مات أهلها فأحيى أحدهم، وقال له : ويْحَكُمْ ! ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة الطاغوت، وحبُّ الدنيا. قال : كيف كانت عبادتكم للطاغوت ؟ قال : الطاعة لأهل المعاصي )(٣) .

إذاً؛ قد حرَّم الله تعالى على عباده قبول التحاكم إلى الطاغوت والركون إليه، وأمر بالتبرِّي منه واجتنابه، في حق أو باطل، فإنَّ الركون إليه طاعته حتى في غير معصية الله إسناد ودعم له، وتمكين له من رقاب المسلمين.

____________________

(١) سورة الزمر : الآية ١٧.

(٢) نور الثقلين، ج٤، ص٤٨١.

(٣) نور الثقلين، ج٥، ص٥٣١، ميزان الحكمة، ج٥، ص٥٤٣.


وقد ورد في مقبولة عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلُّ ذلك ؟ قال : ( مَن تحاكم إليهم في حق أو باطل، فإنَّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يُحكم له، فإنَّما يأخذ سُحتاً، وإن كان حقَّاً ثابتاً له؛ لأنَّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به، قال تعالى :( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) )(١) .

آية النهي عن الركون إلى الظالمين :

يقول تعالى :( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٢) . والركون - كما يقول أئمة اللغة - : هو ( الإدِّهان(٣) ، الحبّ، المودّة، الطاعة، الرضا، الميل، الاستعانة، الدنو ).

ويقول الزمخشري في تفسير هذه الآية : ( أركنه إذا أماله، والنهي يتناول الانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبُّه بهم والتزيِّي بزيِّهم ومدّ العين إليهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وحُكي أنَّ الموفق صلَّى خلف الإمام، فقرأ بهذه

____________________

(١) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١٨، ص٩٨ - ٩٩.

(٢) سورة هود : الآية ١١٣.

(٣) الإدِّهان : المصانعة.


الآية :( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) ، فغشي عليه، فلمَّا أفاق قيل له، فقال : هذا في مَن ركن إلى مَن ظلم، فكيف بالظالم ؟! )(١) .

ويقول القرطبي - في تفسير الآية( وَلاَ تَرْكَنُوا ) - : الركون حقيقةً الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، قال قتادة : معناه : لا تودُّوهم ولا تُطيعوهم. ابن جريح : لا تميلوا إليهم. أبو العالية : لا ترضوا أعمالهم. وكلُّه متقارب. وقال ابن زيد : الركون هو الإدهان ( المصانعة ).

ويقول في تفسير( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قيل : أهل الشرك. وقيل : عامّة فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى :( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ) وقد تقدَّم. وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنَّها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم(٢) .

وقال ابن كثير في التفسير : في تفسير قوله تعالى : ( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) عن ابن عباس لا تُداهنوا قال أبو العالية : لا ترضوا بأعمالهم. وقال ابن جرير عن ابن عباس : تميلوا إلى الذين ظلموا. وهذا القول حسن : أي لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنَّكم قد رضيتم بأعمالهم( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٣) .

ويقول السيد قطب - في تفسيره ( في ظلال القرآن ) في تفسير

____________________

(١) الزمخشري، الكشَّاف، ٤٣٣.

(٢) أبو عبد الله القرطبي، جامع البيان لأحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ج٩، ص١٠٨.

(٣) ابن كثير، ج٢، ص٤٦١.


هذه الآية( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) - : لا تستندوا ولا تطمئنُّوا، إلى الذين ظلموا، إلى الجبَّارين الطغاة، الظالمين، أصحاب القوَّة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوَّتهم، ويعبّدونهم لغير الله من العبيد. لا تركنوا إليهم؛ فإنَّ ركونكم إليهم، يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه، ومشاركتهم إثم(١) .

وهذا هو طرف من كلمات المفسِّرين في تفسير النهي عن الركون إلى الظالمين : لا تميلوا إليهم ولا تسكنوا إليهم، لا تستعينوا بهم، لا ترضوا بأفعالهم، لا تُصانعوهم، لا تودُّوهم لا تطيعوهم، لا ترضوا بهم، لا تقرُّوهم.

والظالمون هم العصاة فإذا كان كل ذلك حراماً بصريح كتاب الله : فكيف يجوز الإقرار بسيادتهم وولايتهم، وقبول حاكميتهم، والانتظام في جماعتهم ؟

ويقول تعالى :( وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ ) (٢) .

ويقول تعالى :( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) (٣) .

____________________

(١) سيد قطب : في ظلال القرآن، ج١٢، ص١٤٧.

(٢) سورة الشعراء : الآيتان ١٥١ - ١٥٢.

(٣) سور الإنسان : الآية ٢٤.


وجوب جهاد الطغاة في الأحاديث :

والروايات بهذا المعنى كثيرة، نذكر طرفاً منها على سبيل الشاهد :

روى ثقة الإسلام الكليني، بسنده إلى جابر، عن أبي جعفرعليه‌السلام ( في حديث ) قال : ( فأنكِروا بقلوبكم وألفظوا بألسنتكم، وصكُّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم )، ثمَّ قال : ( فإن اتَّعظوا وإلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم،( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ، هنالك فجاهدوهم بأبدانكم، وأبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطان )(١) .

وعن يحيى الطويل، عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال : ( ما جعل الله بسط اللسان وكفّ اليد، ولكن جعلهما يُبْسَطَان معاً ويُكَفَّان معاً )(٢) .

وروى الشريف الرضي ( ره ) في نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام أنّه قال في صفِّين : ( أيّها المؤمنين، مَن رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يُدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومَن أنكره بلسانه فقد أجر، ومَن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السُّفلى، فذلك الذي أصاب الهُدى، وقام على الطريق، ونوَّر في قلبه اليقين )(٣) .

____________________

(١) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١١، ص٤٠٣.

(٢) المصدر نفسه، ج١١، ص٤٠٤.

(٣) نهج البلاغة، مصدر سابق، ج٤، ص٨٩.


والروايات بهذا المضمون كثيرة تبلغ حدّ التواتر؛ ولذلك لا نحتاج معها إلى مراجعة أسنادها، ومن طرق أهل السنّة روى الترمذي عن طارق بن شهاب، قال : أوّل مَن قدَّم الخطبة قبل الصلاة مروان، فقام رجل فقال له : خالفت السنّة ! فقال أبو سعيد : أمَّا هذا ، فقد قضى ما عليه سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( مَن رأى منكراً فلينكر بيده، ومَن لم يستطع فبلسانه، ومَن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ). قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح(١) .

ورواه أحمد في المسند في موضعين(٢) ، ورواه بلفظ قريب منه مسلم في الصحيح(٣) ، ورواه ابن ماجة في السنن(٤) ، والنسائي في السُّنن(٥) ، ولا نريد أن نستعرض الأحاديث الواردة بهذا المعنى، فهي كثيرة بالغة حدَّ التواتر المعنوي، ونختمها برواية السبط الشهيد الحسين بن عليعليه‌السلام عن جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك في منطقة البيضة، كما يقول المؤرخون؛ حيث خطب في كتيبة الحرِّ بن يزيد التميمي قائلاً : ( أيُّها الناس، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مَن رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاَّ ً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً

____________________

(١) سنن الترمذي، ج٤، ص٤٦٩ - ٤٧٠، كتاب الفتن باب ما جاء في تغير المنكر باليد واللسان، الحديث ٢١٧٢.

(٢) مسند أحمد بن حنبل، ج٣، ص١٠، وج٣، ص٤٥.

(٣) صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت، ج١، ص٥٠.

(٤) سنن ابن ماجة، ج٢، ص١٣٣٠.

(٥) سنن النسائي بشرح السيوطي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج٨، ص١١١ - ١١٢.


لسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله )(١) .

وجوب جهاد الطغاة من سيرة أهل البيتعليهم‌السلام :

وأوضح شيء في ذلك سيرة الحسينعليه‌السلام تجاه طاغوت زمانه، حيث خرج -عليه‌السلام - وقاتله بنفسه وأولاده وأهل بيته والصفوة من أصحابهعليه‌السلام ، وخطب في كربلاء في الناس وفي أصحابه، فقالعليه‌السلام : ( ألا ترون إلى الحق لا يُعمَل به، وإلى الباطل لا يُتَناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقَّاً، فإنَّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )(٢) .

ولمَّا طالب مروان الحسينعليه‌السلام بالبيعة ليزيد بعد هلاك معاوية، قال له الحسينعليه‌السلام : ( إنّا لله وإنَّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذ قد بليت الأمة براعٍ مثل يزيد. ولقد سمعت جدِّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان )(٣) .

وقال في كربلاء لما طالبوه بالبيعة ليزيد : ( لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد )(٤) .

____________________

(١) تاريخ الطبري، ج٤، ص٣٠٠، الكامل في التاريخ، ج٣، ص٢٨٠.

(٢) تاريخ الطبري، ج٤، ص٣٠١.

(٣) السيد محسن الأمين، المقتل الحسيني، ص٢٤.

(٤) تاريخ الطبري، ج٤، ص٣٣٠، والكامل في التاريخ، ج٣، ص٢٨٧.


الرأي الآخر :

هذا الذي ذكرناه - في ما أعتقد - هو موقف الإسلام في هذه المسألة، وليس فيه لبس أو غموض ويتميّز بالوضوح والصراحة، من الكتاب والسنَّة والسيرة.

وهناك رأي آخر في مطاوعة الحكَّام الظلمة، والانقياد لهم ومتابعتهم، مهما بلغ ظلمهم وإفسادهم في الأرض، ومهما كان عبثهم بالإسلام وانتهاكهم لحدود الله وحرماته، ومهما كان إسرافهم في بيت المال، حتّى إن أعلنوا الشرب والسكر وسائر المنكرات إعلاناً، وقتلوا النفوس البريئة، وقتلوا الصالحين ما لم يظهروا كفراً بواحاً، وما لم يأمروا بالمعصية، يجب طاعتهم والانقياد لهم، ويحرم الخروج عليهم.

ومن هؤلاء يزيد بن معاوية، والحجَّاج بن يوسف، ووليد بن يزيد، الذي كان يكرع الخمر كرعاً.

وبناء على هذه الفتوى؛ يحرم الخروج على يزيد بن معاوية، وتحرم مخالفته في غير معصية الله إلخ.

هذا هو الرأي الآخر، وقد ظهر وبرز في العصر الأُموي، وامتدَّ إلى العصر العباسي، ونظَّر له علماء وفقهاء معروفون من أهل السنّة والجماعة، ودعوا إليه وادَّعوا أن خلافه بدعة في الإسلام، وامتد وتعمّق هذا الرأي، حتّى كاد أن يكون الرأي الفقهي الرسمي لفقهاء أهل السنّة، في العصر الأموي والعصر العباسي، ونحن نذكر نماذج من كلمات هؤلاء الفقهاء والمحدّثين في وجوب


طاعة الحكَّام ما لم يعلنوا الكفر البواح، وما لم يأمروا بالمعصية، وتحريم الخروج عليهم، واعتبار الخروج عليهم من البدعة التي حرَّمها الله.

رأي عبد الله بن عمر :

روى مسلم عن زيد بن محمد عن نافع، قال جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع، حين كان من أمر ( الحرّة ) ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال [عبد الله بن مطيع ] اطرحوا لأبي عبد الرحمن وساده. فقال : إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثاً : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :( مَن خلع يداً من طاعة لقي الله عز وجلّ يوم القيامة لا حجَّة له، ومَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) (١) .

رأي عبد الله بن عمرو العاص :

وإلى هذا الرأي يذهب عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان يعرف به، ويدعو إليه(٢) .

____________________

(١) صحيح مسلم، ج٦، ص٢٢.

(٢) راجع : مسند أحمد بن حنبل، ج٢، ص٣٤٤.


رأي الحسن البصري :

ويُعرف هذا الرأي أيضاً عن الحسن البصري وعنه نقل : ( الأُمراء يلون من أمورنا خمساً: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود. والله، ما يستقيم الدين إلاّ بهم، وإن جاروا وظلموا. والله، لمَا يصلح بهم أكثر ممَّا يفسدون ).

رأي سفيان الثوري :

وكان سفيان الثوري يصرُّ على هذا الرأي، ويراه من أعمدة الإيمان. يقول لشعيب أحد تلامذته : ( يا شعيب، لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل برِّ وفاجر، والجهاد إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل ).

رأي علي بن المديني :

ويقول علي بن المديني :( ثمَّ السمع والطاعة للأئمة وأُمراء المؤمنين البرِّ والفاجر، ومَن ولي الخلافة بإجماع الناس ورضاهم. لا يحلُّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليله، إلاّ عليه إمام برّاً كان أم فاجراً، فهو أمير المؤمنين !! ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز نافذ قد برئ مَن دفعها إليهم، وأجزأت عنه برَّاً كان أو فاجراً.

وصلاة الجمعة خلفه وخلف مَن ولاّه جائزة، قائمة ركعتان مَن أعادها فهو مبتدع، تارك للإيمان مخالف، وليس له من فضل الجمعة شيء، إذا لم يرَ الجمعة خلف الأئمة مَن كانوا، برُّهم وفاجرهم، والسنَّة أن يصلُّوا خلفهم، لا


يكون في صدورهم حرج من ذلك. ومَن خرج على إمام أئمة المسلمين، وقد اجتمع عليه الناس فأقرُّوا له بالخلافة، بأيِّ وجه كانت، برضى كانت أو بغلبة فهو شاقٌّ عليه العصا، وخالف الآثار عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة الجاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمَن عمل ذلك، فهو مبتدع على غير السنّة ).

اللالكائي ( المتوفَّى سنة ٨١٤ه- ) والبخاري :

وعقد الشيخ اللالكائي فصلاً في كتابه ( السنّة ) ذكر فيها من عقائد أهل السنّة( ومنها اعتقادهم وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور أبراراً كانوا أم فجّار ) .

ثمَّ ذكر اللالكائي قول البخاري قال :( لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم، أهل الحجاز من مكّة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرَّات وأدركتهم، وهم متوافدون منذ أكثر من ستٍّ وأربعين سنة، كلُّهم يعتقدون هذه العقيدة ) .

النووي في شرحه على صحيح مسلم :

يقول النووي في شرحه على صحيح مسلم :( وأمّا الخروج عليهم - يعني الخلفاء - وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين وأجمع أهل السنّة [ على ] أنّه لا ينعزل السلطان بالفسق ) .


ابن حجر في شرحه على ( صحيح البخاري ) :

ويقول ابن حجر في ( فتح الباري ) في شرح صحيح البخاري عن ابن بطال :( وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه، وإنَّ طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن للدماء وتسكين للدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلاَّ إذا وقع من السلطان الكفر الصريح ) !!

رأي أبي بكر الإسماعيلي :

يقول الشيخ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه ( اعتقاد أهل الحديث ) :( ويرون الصلاة والجمعة وغيرها خلف إمام مسلم برّاً كان أو فاجراً، فإنَّ الله عزّ وجلّ فرض الجمعة وأمر بإتيانها فرضاً مطلقاً، مع علمه تعالى بأنّ القائمين بها يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثنِ وقتاً دون وقت، ويرون الجهاد معهم وإن كانوا جورة ) .

رأي الطحاوي وشارح الطحاوية :

يقول الشيخ الطحاوي في عقيدته :( ولا نرى الخروج على أئمّتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزّ وجلّ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ).

قال شارح الطحاوية - بعد سقوه الأدلّة الدالّة على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور - :( فقد دلّ الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم


يأمروا بمعصية، فتأمَّل قوله تعالى :( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ،كيف قال :( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) ،ولم يقل : وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأنّ أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون في ما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول للدلالة على أنّ مَن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فإنَّ الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلاّ في ما هو طاعة لله ورسوله، وأمَّا لزوم طاعتهم وإن جاروا؛ فلأنَّه يترتَّب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيِّئات، ومضاعفة الأجور، فإنَّ الله تعالى ما سلَّطهم علينا إلاّ لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد بالاستغفار والتوبة، وإصلاح العمل قال تعالى :( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَ-ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) ،وقوله تعالى :( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) ،فإذا أراد الرعيَّة أن يتخلَّصوا من ظلم الأمير فليتركوا الظلم. وقال مالك بن دينار : إنّه جاء في بعض كتب الله: ( أنا الله مالك الملك، قلوب الملوك بيدي، فمَن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، لكن توبوا أعطِّفهم عليكم) .


الشيخ الصابوني ( المتوفَّى سنة ٩٩٤ ه- ) :

يقول الشيخ أبو عثمان الصابوني - المتوفَّى سنة ٩٩٤ ه- - في كتابه ( عقيدة أصحاب الحديث ) :( ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كلّ إمام مسلم برّاً كان أو فاجراً، ويرون الدعاء لهم بالتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف ) .

رأي علماء الوهابية :

في رسالة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف : إنّ الشيخ قال :( وبهذه الأحاديث وأمثالها عمل أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعرفوا أنّ من الأصول التي لا يقوم الإسلام إلاَّ بها، وشاهدوا من يزيد بن معاوية والحجاج ومَن بعدهم - خلا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - أموراً ظاهرة ليست خفيّة، ونهوا عن الخروج عليهم والطعن فيهم، ورأوا أنَّ الخارج عليهم خارج عن دعوة المسلمين إلى طريقة الخوارج ).

ويقول جمع من مشايخ وعلماء آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - كالشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وآخرين في رسالة خاصة لهم بهذا الأمر - :( إذا فُهِم ما تقدَّم من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وكلام العلماء المحقِّقين في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته، فإن قصّر عن القيام


ببعض الواجب، فليس لأحد من الرعيَّة أن يُنازعه الأمر من أجل ذلك، إلاَّ أن تروا كفراً بواحاً ).

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف :( وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنَّة، في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر حتى قال : ( اسمع وأطع، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك )، فنحرِّم معصيته والاعتراض عليه ) .

وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري - في رسالة له، بعد سوقه الأدلة على وجوب السمع والطاعة، ونقل كلام بعض العلماء في ذلك - :( إذا فُهِم ما تقدَّم من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وكلام العلماء المحقِّقين، في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته، والخروج عليه. وأمّا ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام، فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتِّباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس، ومجامع الناس، واعتقاد أنَّ ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتَّب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نوّر الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح. هذا الذي نعتقده وندين الله به ونبرأ إلى الله ممَّن خالفه واتَّبع هواه ) .

ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز :( لا يجوز الخروج على الأئمة وإن عصوا، بل يجب السمع والطاعة بالمعروف، ولكن لا نُطيعهم في المعصية، ولا


ننزعَنَّ يداً عن طاعة )

ثمّ ساق عدداً من الأحاديث الدالة على ذلك، ثمّ قال :( فالمقصود أنّ الواجب السمع والطاعة في المعروف لولاة الأمور، من الأُمراء والعلماء، فبهذا تصلح الأحوال، ويأمن الناس، ويُنصف المظلوم، ويُردع الظالم وتأمن السبل، ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور، وشقُّ العصا، إلاّ إذا وجِد منهم كفر بواح عند الخارجين فيه برهان من الله، وهم قادرون على ذلك على وجه لا يترتَّب عليه ما هو أنكر وأكثر فساداً ).

ويقول الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل - إمام وخطيب مسجد الحرام - :( إنّ مذهب أهل السنّة والجماعة الذي لا يجوز العدول عنه، وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وحكَّامهم وأمرائهم في غير معصية الله ورسوله، وإن ظهر منهم ما ظهر من الجور والظلم والفسق، ما لم يخرجوا عن دائرة الإسلام، ويحكم عليهم بالكفر الذي لا شبهة فيه، كما قال عليه‌السلام : ( إلاَّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان )، فإنَّ الصبر على جور الأئمة وظلمهم مع كونه هو الواجب شرعاً، فإنَّه أخفُّ من ضرر الخروج عليهم، ونزع الطاعة من أيديهم؛ لما ينتج عن الخروج عليهم من المفاسد العظيمة، فربّما كان الخروج سبب حدوث فتنة يدوم أثرها، ويستشري ضررها، ويقع بسببها سفك الدماء ).

الحياة الطيِّبة : ما الذي حمل هؤلاء الفقهاء على تبنِّي هذا الرأي؛ حيث لا يمكن للسياسة وحدها أن توحي برأي ما ؟! ألا تعتقدون وجود مستندات شرعية لهذا الرأي ؟


الشيخ الآصفي : لقد استند هؤلاء الفقهاء إلى أمرين :

١ - التمسُّك بإطلاق الكتاب ومناقشته :

يقول أبو بكر الإسماعيلي في كتابه( اعتقاد أئمة أهل الحديث ) : ( فإنَّ الله عزّ وجلّ فرض الجمعة وأمر بإتيانها فرضاً مطلقاً، مع علمه تعالى بأنَّ القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثنِ وقتاً دون وقت، ولا أمراً دون أمر ) .

وخلاصة الاستدلال : إنَّ الأمر بالطاعة لأولياء الأمور مطلق، كالأمر بالسعي إلى الجمعة، فتجب الطاعة إلاّ في الأمر بمعصية الله، ويحرم الخروج على الإمام، إلاَّ عند ما يُعلن الكفر بُواحاً.

المناقشة :

والتمسُّك بإطلاق الآية الكريمة من أغرب ما نعرف من الاحتجاج بالكتاب العزيز، وتوضيح ذلك :

أوّلاً : إنَّ الله تعالى لم يجعل للفاسق ولاية ولا إمامة على المسلمين، يقول تعالى - في جواب سؤال إبراهيمعليه‌السلام الإمامة لذريته - :( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، وتمام الآية :( وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) ، ويقول تعالى :( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٢) .وإذا كان

____________________

(١) سور البقرة : الآية ١٢٤.

(٢) سورة هود : الآية ١١٣.


الركون إلى الظالم حراماً، فكيف يكون له ولاية وإمامة على المسلمين ؟! فالآية الكريمة ( ٥٩ من سورة النساء ) تأمر بطاعة أولي الأمر والظالم لا ولاية، ولا إمامة له على المسلمين، بصريح الآية ١٢٤ من سورة البقرة، والآية ١١٣، من سورة هود.

ولنِعْمَ ما يقول علماء الأصول - في ردِّ مثل هذه الاستدلالات غير العلمية - :( إنّ الحكم لا يثبت موضوعه ) ، وهذا الأمر بالطاعة لا يثبت أن المتسلَّط على الحكم بالبطش له ولاية وإمامة على المسلمين، هذا أوّلاً.

وثانياً : التفريق بين المخالفة والخروج - بأن نقول : إذا أمر الحاكم بالمعصية، فتجب المخالفة ويحرم الخروج عليه - أمر غير عملي؛ فإنّ الأمر بالمعصية والجهر بها إن كان حالة طارئة من ناحية الحاكم وتراجع عنها، فإنّ ولايته إذا كانت شرعية لا تُقطع بمعصية تاب عنها، ولكن إذا شطَّ الحاكم في الغيِّ، وتمادى في الظلم والضلال والإفساد في الأرض - مثل كثير من الحكَّام الذين حكموا المسلمين ويحكمونهم اليوم - فأين التفريق بين المخالفة والخروج ؟ فتجب المخالفة لما رُوِي عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )(١) ، ولكن يحرم الخروج عليه.

أقول : هذا الرأي أقرب إلى الفرض منه إلى الحكم الشرعي، فإنَّ الحاكم الذي يتمادى في الغيِّ والضلال والبطش والإفساد، إذا عرف أن المسلمين يَتَحرَّجون من الخروج عليه، فإنَّه سوف يُجبرهم على طاعة ما يأمر به من معصية الله، كما حصل في تاريخنا المعاصر

____________________

(١) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١١، ص٤٢٢.


الكثير من هذه الحالات. ولا مخرج عن هذه المعاصي والمنكرات إلاّ بالخروج على الحاكم.

وثالثاً : إنَّ الله تعالى نهانا عن الركون إلى الظالمين، والركون إلى الظالم ليس بالطاعة فقط، وإنَّما بقبول إمامته أيضاً؛ فإنَّ قبول إمامته وقيادته وقبول الانضواء تحت حكمه وزعامته من أوضح مصاديق الركون.

يقول تعالى :( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) ؛ فتكون هذه الآية مخصَّصة للآية ٥٩، من سورة النساء، على فرض إطلاقها وشمولها لمعصية الله، فتختص الولاية المشار إليها في سورة النساء الآية ٥٩، بما إذا استقام الحاكم على حدود الله تعالى وأحكامه وصراطه. فإذا انحرف وشطَّ، فلا تكون له إمامة ولا ولاية على المسلمين.

ورابعاً : كما تجب مخالفة الحاكم الظالم في معصية الله، كذلك تحرم طاعته في ما يأمر في غير معصية الله؛ لأنّ الدخول في طاعته هو من الركون إليه، وقد نهانا الله تعالى عن الركون إلى الظالمين.

ومن عجب أن يقول ابن تيمية في ( منهاج السنّة ) : ( الكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعته - ولا يسقط وجوبها - لأمر ذلك الفاسق بها، كما أنّه إذا تكلَّم بحقّ لم يجز تكذيبه، ولا يسقط وجوب اتِّباع الحقّ؛ لكونه قد قاله الفاسق ).

وهو كلام غريب، فإنّ اتَّباع الحقّ يختلف عن اتِّباع الفاسق في الحقّ وبينهما فرق، ونحن نتّبع الحقّ ولكن لا نتّبع الفاسق ولو في الحقّ؛ لأنّ الله


تعالى نهانا عن الركون إليه. واتِّباعُ الفاسق وطاعتُه من الركون إليه؛ ولأنَّ الله أمرنا أن نكفر بالطاغوت ونرفضه، والحاكم الظالم هو مصداق الطاغوت، ولسنا نشكُّ في ذلك، كما لا نشكُّ في أنَّ الكفر به بمعنى رفض طاعته. ويريد ابن تيمية أن يساوي بين طاعة الله وطاعة الطاغوت، فيما إذا أمر بما يأمر به الله، ولكن بينهما فرق واضح، كما أنَّ رفض طاعة الطاغوت إذا أمر بما يأمر به الله ليس بمعنى معصية الله.

وهذه كلّها ( معادلات ) و( لا معادلات ) واضحة، لا تحتاج إلى أكثر من هذا التوضيح، والله تعالى يريد أن لا يكون للطاغوت سلطان أو سبيل على المؤمنين، وإن حاول الطاغوت أن يجعل هذا السبيل على المؤمنين من خلال القضاء ودعوة الناس إلى التحاكم إليه، أو من خلال دعوة الناس إلى إقامة الجمعة في حوزة سلطانه؛ يقول تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (١) ، وما أروع الوعي الذي نجده في رواية عمر بن حنظلة المعروفة عند الفقهاء ب- ( المقبولة ) : ( مَن تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنَّما يأخذه سُحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أنْ يَكْفُرْ بِهِ )(٢) .

____________________

(١) سورة النساء : الآية ٦٠.

(٢) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١٨، ص٩٧.


فإنَّ الله تعالى أمرنا أن نكفر بالطاغوت ونرفضه، حتّى لو حكم بالحق، فإنَّ قبول حكم الطاغوت حتّى في الحقّ يدخِل المؤمنين في سلطان الطاغوت وطاعته، ويُحكِم قبضته عليهم، ويجعل له سبيلاً عليهم وهذا كلّه ممَّا نهانا الله تعالى عنه، وأمرنا برفضه.

وخامساً : إنَّ الله تعالى نهانا عن طاعة المسرفين، والمفسدين، والغافلين، وأصحاب الأهواء، والآثمين على الإطلاق في المعصية والطاعة.

يقول تعالى :( وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ ) (١) ، ويقول أيضاً :( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) (٢) ، وكذلك قوله :( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) (٣) .

وليس من الصحيح أن نقول : إنَّ الله تعالى أمرنا بمقاطعة الظالمين والمسرفين في الظلم والإسراف؛ فإنَّ النهي عن طاعتهم نهيٌ مطلق، ولا دليل على تقييد هذا الإطلاق بخصوص الإسراف والظلم؛ فلابدّ من مقاطعتهم في الصلاح والفساد معاً، إذا كانوا ظالمين مفسدين مسرفين، وليس من عجب أن يأمرنا الله تعالى بمقاطعة الظالمين والمفسدين والمجرمين، حتّى في غير الإفساد والظلم ؛

____________________

(١) سور الشعراء : الآيات ١٥١ - ١٥٢.

(٢) سورة الكهف : الآية ٢٨.

(٣) سور الإنسان : الآية ٢٤.


فإنَّ طاعتهم في ذلك تؤدِّي إلى إحكام قبضتهم على المؤمنين، واستحكام مواقعهم ودولتهم وسلطانهم، وهذا ما يبغضه الله ولا يرضى به.

٢ - الاحتجاج بنصوص الروايات ومناقشتها :

ويستعرض هؤلاء طائفة من الروايات لإثبات ما يذهبون إليه، من وجوب الرضوخ والطاعة للحكَّام الظلمة والمتسلِّطين على الحكم بالظلم والإرهاب، وقد جمع صاحب دراسات في ولاية الفقيه طائفة من هذه الروايات في كتابه، نستعرض بعضها فيما يلي :

روى مسلم في صحيحه بسنده عن حذيفة بن اليمان، قال : قلت : يا رسول الله، إنّا كنّا بَشرٍّ فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرٌّ ؟ قال :( نعم ) . قلت : هل وراء ذلك الشرِّ خير ؟ قال :( نعم ) ، قلت : فهل وراء ذلك الخير شرّ ؟ قال :( نعم ) ، قلت : كيف ؟ قال :( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنُّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ) . قلت : كيف أصنع - يا رسول الله - إن أدركت ذلك ؟ قال :( تسمع وتُطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع) (١) .

وروى فيه أيضاً بسنده، إنّ سلمة بن يزيد الجعفي سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقّنا ؟ فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه، ثمَّ سأله فأعرض عنه، ثمَّ سأله في الثانية أو في الثالثة

____________________

(١) صحيح مسلم، ج٣، ص١٤٧٦، كتاب الإمارة، الباب ١٣، الباب ١٣، ح١٨٤٧.


فجذبه الأشعث بن قيس وقال :اسمعوا وأطيعوا، فإنّما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم (١) .

وفي رواية أخرى فيه : ( فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) :( اسمعوا وأطيعوا، فإنَّما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمُّلتم ) (٢) .

وفيه أيضاً عن عبادة بن الصامت، قال : دعانا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبايعناه، فكان في ما أخذ علنيا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعُسرنا، ويسرنا، وأُثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال :( إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ) (٣) . قال النووي في شرحه : ( في معظم النسخ بواحاً بالواو، وفي بعضها براحاً والباء مفتوحة فيهما ومعناهما كفراً ظاهر(٤) .

وفيه أيضاً عن عوف بن مالك، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم، ويصلّون عليكم وتصلّون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل : يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة ) (٥) .

____________________

(١) المصدر نفسه، ج٣، ص١٤٧٤، كتاب الإمارة، الباب ١٢، ح١٩٤٦.

(٢) المصدر نفسه، ج٣، ص١٤٧٥، كتاب الإمارة، الباب ٢١، ح١٨٤٦.

(٣) المصدر نفسه، ج٣، ص١٤٧٠، كتاب الإمارة، الباب ٨، ح١٨٤٠.

(٤) شرح صحيح مسلم للنووي، ج٨، ص٣٤ ( المطبوع بهامش إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ).

(٥) صحيح مسلم، ج٣، ص١٤٨١، كتاب الإمارة، الباب ٧١، الحديث ١٨٥٥.


وفيه أيضاً عن أمّ سلمة أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمَن عرف برئ ومَن أنكر سلَّم، ولكن مَن رضي وتابع ) . قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا، ما صلّوا(١) .

قيل : إنَّ المراد بقوله :( فمَن عرف برئ ) أنَّ مَن عرف المنكر، فله طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيّره بيده أو بلسانه أو بقلبه. وفي رواية أخرى :( فمَن كره فقد برئ ) (٢) ؛ وعليه فالمعنى واضح.

وفيه أيضاً عن ابن عبّاس، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال :( مَن كره من أميره شيئاً فليصبر عليه؛ فإنّه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّ مات ميتة جاهلية) (٣) .

وفي أيضاً عن نافع، قال : ( جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع، حين كان من أمر الحَرَّة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال : اطرحوا لأبي عبد الرحمان وسادة. فقال : إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثاً سمعت رسول الله يقوله، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقول :( مَن خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجَّة له، ومَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) (٤) .

____________________

(١) المصدر نفسه، ج٣، ص١٤٨٠، كتاب الإمارة، باب ١٦، الحديث ١٨٥٤.

(٢) المصدر نفسه، ج٣، ص١٤٨١، كتاب الإمارة، الباب ١٦. الحديث ١٨٥٤.

(٣) المصدر نفسه، ج٣، ص ١٤٧٨، الباب ١٣ من كتاب الإمارة، الحديث ١٨٤٩.

(٤) المصدر نفسه، ج٣، ص ١٤٧٨، الحديث ١٨٥.


وفي كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي، عن الحسن البصري، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا تسبّوا الولاة؛ فإنّهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنّما هم نقمة ينتقم الله بهم ممَّن يشاء، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة والغضب، واستقبلوها بالاستكانة والتضرّع ) (١) .

وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( الجهاد واجب عليكم مع كلّ أمير برَّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) (٢) .

إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في وجوب التسليم لحكّام الجور، وعدم جواز الخروج عليهم.

وهذه الروايات تُشبه - بوجه - الأخبار المستفيضة الواردة بطرقنا المذكورة في الباب.

الحياة الطيِّبة : أمام هذا الكم الهائل من الروايات، كيف يمكن الحكم بجواز الخروج على الحاكم ؟

الشيخ الآصفي : هذه الروايات معارضة بطائفتين من الروايات أقوى دلالة، وأكثر وأصحّ سنداً، وهما : الراويات الآمرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآمرة بإزالة المنكر ومقارعته باليد، والروايات الناهية عن إعانة

____________________

(١) أبو يوسف، كتاب الخراج، ص١٠.

(٢) سنن أبي داود، ج٢، ص١٧، كتاب الجهاد، باب في الغزو مع أمة الجور.


الحكَّام الظلمة، وهما تعارضان الروايات المتقدِّمة بالصراحة، وإليك هاتين الطائفتين من الروايات :

١ - وجوب الأمر بالمعروف وإزالة المنكر باليد

وهي طائفة واسعة من الروايات، صريحة في أنَّ المرتبة الأُولى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التغيير باليد، والمرتبة الثانية باللسان، والمرتبة الثالثة بالإنكار بالقلب، وهو أضعف مراتب الإيمان، والمقصود ب- ( التغيير باليد ) هو إزالة المنكر باستخدام القوَّة.

روى الترمذي عن طارق بن شهاب قال : أوّل مَن قدّم الخطبة قبل الصلاة مروان، فقام رجل فقال لمروان : خالفت السنّة، فقال : يا فلان اترك ما هنالك، فقال أبو سعيد : أمّا هذا فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( مَن رأى منكراً فلينكر بيده، ومَن لم يستطع فبلسانه، ومَن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ). قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح(١) .

ونجد في هذا الحديث ( العدَّ التصاعدي ) للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أضعفها الإنكار بالقلب، وأقواها الإنكار وإزالة الظلم باليد، في مقابل الروايات التي تذكر ( العدَّ التنازلي ) للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( القاعد فيها خير من القائم )، حتّى تصل النوبة إلى المضطجع، وهي أقوى الإيمان، حتّى تستقيم للظالمين أمورهم، وتطمئنَّ قلوبهم، وتنتظم لهم البلاد والناس !!

____________________

(١) سنن الترمذي، ج٤، ص٤٩٦ - ٤٧١، كتاب الفتن، باب ما جاء في تغيير المنكر باليد.


وروى الترمذي في السنن ، عن أبي سعيد الخدري : إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( إنَّ من أعظم الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائر )(١) .

وعن النعمان بن بشير قال : خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء، ثمَّ خفض حتّى ظننا أنّه حدث في السماء أمر، فقال : ( ألا إنَّها ستكون بعدي أُمراء يظلمون ويكذِّبون، فمَن صدَّقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس منّي ولا أنا منهم، ومَن لم يصدِّقهم بكذبهم، ولم يمالئهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه )(٢) .

وفي صحيح مسلم بسنده، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )(٣) .

وفيه أيضاً بسنده، عن جابر بن عبد الله، يقول : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون عن الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة )(٤) .

وفيه أيضاً بسنده، عن جابر بن سمرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : ( لن يبرح هذا الدين قائماً يُقاتل عليه عصابة من المسلمين حتّى تقوم الساعة )(٥) .

وفي سنن أبي داود بسنده، عن عبد الله بن مسعود، قال : قال رسول

____________________

(١) المصدر نفسه، ج٤، ص٤٧١، ج رقم ٢١٧٤، كتاب الفتن؛ ورواه ابن ماجة في السنن، ج٢، ص١٣٢٩، ج رقم ٤٠١١.

(٢) الترغيب والترهيب، ج٣، ص١٩٥.

(٣) صحيح مسلم، ج١، ص٦٩، كتاب الإيمان، الباب ٢٠، الحديث ٤٩.

(٤) المصدر نفسه، ج٣، ص١٥٢٤، كتاب الإمارة، الباب ٥٣، الحديث ١٩٢٣.

(٥) المصدر نفسه، ج٣، ص١٥٢٤، كتاب الإمارة، الباب ٥٣، الحديث ١٩٢٢.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا، اتَّقِ الله ودعْ ما تصنع فإنّه لا يحلُّ لك، ثمَّ يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلمّا فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ). ثمَّ قال :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - إلى قوله : -فَاسِقُونَ ) . ثمَّ قال : ( كلاَّ والله، لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر ولتأخذنَّ على يد الظالم ولتأطرنَّه على الحق أطراً وتقصرنَّه على الحق قصراً )(١) .

وروى أبو داود بسنده عن قيس، قال : قال أبو بكر - بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا أيّها الناس، إنّكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها :( عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) . قال خالد : وإنَّا سمعنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب ). وقال عمروا عن هُشيم : وإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، ثمَّ يقدرون على أن يغيّروا، ثمَّ لا يغيّروا إلاّ يوشك أن يعمَّهم الله منه بعقاب )(٢) .

وفيه أيضاً بسنده، عن جرير، قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( ما من

____________________

(١) سنن أبي داود، ج٢، ص٤٣٦، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي.

(٢) المصدر نفسه، ج٢، ص٤٣٦، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر.


رجل يكون في قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيّروا عليه فلا يغيّروا، إلاّ أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا )(١) .

وفي سنن ابن ماجه، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : ( لا تزال طائفة من أمّتي قوّامة على أمر الله لا يضرّها مَن خالفه )(٢) .

وفي ( الدرّ المنثور )، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ رحى الإسلام ستدور؛ فحيث ما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرّقا. إنّه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره، فإن أطعتموهم أضلّوكم وإن عصيتموهم قتلوكم ). قالوا : يا رسول الله، فكيف بنا أن أدركنا ذلك ؟ قال : ( تكونوا كأصحاب عيسىعليه‌السلام : نُشروا بالمناشير ورفعوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية )(٣) .

وفي ( نهج السعادة ) مستدرك نهج البلاغة : قال أبو عطاء : خرج علنيا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام محزوناً يتنفّس فقال : ( كيف أنتم وزمان قد أظلَّكم ؟ تُعطَّل فيه الحدود، ويتَّخذ المال فيه دولاً، ويعادى فيه أولياء الله، ويوالى فيه أعداء الله ؟ ). قلنا : يا أمير المؤمنين، فإن أدركنا ذلك الزمان فكيف نصنع ؟ قال : ( كونوا كأصحاب عيسىعليه‌السلام : نُشِّروا بالمناشير وصُلِّبوا على

____________________

(١) سنن أبي داود، ج٢، ص٤٣٧، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي.

(٢) سنن ابن ماجة، ج١، ص٥.

(٣) الدرّ المنثور، ج٢، ص٣٠١.


الخشب، موت في طاعة الله عزّ وجلَّ خير من حياة في معصية الله )(١) .

وعن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام : ( فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم. فإن اتَّعظوا وإلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم، وإنَّما السبيل على الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحقّ، أولئك لهم عذاب أليم. هنالك فجاهدوهم بأبدانكم، وأبغضوهم بقلوبكم، غير طالبين سلطاناً، ولا باغين مالاً، ولا مريدين بالظلم ظفراً، حتّى يفيئوا إلى أمر الله، ويمضوا إلى طاعته )(٢) .

والحديث واضح في أنَّ الله تعالى قد جعل للمؤمنين سبيلاً على الظالمين، حتّى يفيئوا إلى الحقّ، والسبيل هو السلطان والقوّة.

ومعنى ذلك : أنَّ الله قد أذن لهم بمواجهتهم بالقوّة - بعد النصح - حتّى يكفوا عن الظلم، ويفيئوا إلى الحقّ.

ويروي الشريف الرضي في ( نهج البلاغة ) عن الإمام عليعليه‌السلام : ( فمنهم المنكِر للمنكَر بقلبه ولسانه ويده، فذلك المستكمل لخصال الخير، ومنهم المنكِر بلسانه وقلبه التارك بيده، فذلك المتمسِّك بخصلتين من خصال الخير، ومضيَّع خصلة، ومنهم المنكِر بقلبه، والتارك بيده ولسانه، وذلك الذي ضيَّع أشرف الخصلتين من ثلاث، وتمسَّك بواحدة، ومنهم التارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده، فذلك ميِّت الأحياء، وما أعمال البرِّ كلِّها والجهاد في

____________________

(١) نهج السعادة، ج٢، ص٦٣٩.

(٢) محمد بن يعقوب الكليني، فروع الكافي، ١/٣٢٤.


سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عنه إلاّ كنفثة في بحر لجِّي، وإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كلمة عدل عند إمام جائر)(١) .

وعن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( مَن رأى منكم منكراً فلينكر بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم الله من قلبه أنّه لذلك كاره )(٢) .

ومن كلام الحسين بن علي ( صلى الله عليهما ) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ( اِعْتَبِرُوا أَيُّهَا النّاسُ بِما وَعَظَ اللهُ بِهِ أَوْلِياءَهُ مِنْ سُوْءِ ثَنائِهِ عَلَى الأَحْبارِ إِذْ يَقُولُ :( لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ ) ، وقال :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) إلى قوله :( لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) ، وإِنَّما عابَ اللهُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ؛ لأَنَّهُمْ كانُوا يَرَوْنَ مِنَ الظَّلَمَةِ الَّذينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِم الْمُنْكَرَ وَالْفَسادَ فَلا يَنهَونَهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي ما كانُوا يَنالَونَ مِنْهُمْ وَرَهْبَةً مِمّا يَحْذَرُونَ، واللهُ يقولُ :( فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) ، وَقالَ :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) ، فَبَدَأَ اللهُ بِالأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ فَريضَةً مِنْهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّها إِذَا أُدِّيَتْ وأُقيمَتْ اِسْتَقامَتْ الفَرائِضُ كُلُّها هَيِّنُها وَصَعْبُها ،

____________________

(١) نهج البلاغة، مصدر سابق، ج٤، ص٩٠.

(٢) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١١، ص ٤٠٦ - ٤٠٧.


وَذلِكَ أنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوف وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ دُعاءٌ إلى الإسْلامِ مَعَ رَدِّ الْمَظالِمِ وَمُخالَفَةِ الظّالِمِ، وقِسْمَةِ الْفَيء وَالْغَنائِمِ وَأَخْذِ الصَّدَقاتِ مِنْ مَواضِعِها، وَوَضْعِها في حَقِّها.

ثُمَّ أنْتُمْ - أيُّها العِصابَةُ - عِصابَةٌ بِالْعِلْمِ مَشْهُورَةٌ، وَبالْخَيْرِ مَذْكُورَةٌ، وَبالنَّصيحَةِ مَعْرُوفَةٌ، وَبِاللهِ في أَنْفُسِ النّاسِ مَهابَةٌ يَهابُكُمُ الشَّريفُ، وَيُكْرِمُكُمُ الضَّعيفُ، وَيُؤْثِرَكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلا يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، تَشْفَعُونَ فِي الْحَوائِجِ إِذا اِمْتَنَعَتْ مِنْ طُلاّبِها، وَتَمْشُونَ فِي الطَّريقِ بِهَيْبَةِ المُلُوكِ وَكَرامَةِ الأَكابِرِ، أَلَيْسَ كُلُّ ذلِكَ إِنَّما نِلْتُمُوهُ بِما يُرْجى عِنْدَكُمْ مِنَ الْقيامٍ بِحَقِّ اللهِ، وَإنْ كُنْتُمْ عَنْ أَكْثَرِ حَقِّهِ تَقْصُرُونَ، فَاسْتَخْفَفْتُمْ بِحَقِّ الأئِمَةِ، فَأَمّا حَقُّ الضُّعَفاء فَضَيَّعْتُمْ، وَأَمّا حَقُّكُمْ بِزَعْمِكُمْ فَطَلَبْتُمْ، فَلا مالَ بَذَلْتُمُوهُ، وَلا نَفْساً خاطَرْتُمْ بِها لِلَّذي خَلَقَها، وَلا عَشيرَةً عادَيْتُمُوها في ذاتِ اللهِ، أَنْتُمْ تَتَمَنَّونَ عَلَى اللهِ جَنَّتَهُ وَمُجاوَرَةَ رُسُلِهِ وَأَمانَهُ مِنْ عَذابِهِ.

لَقَدْ خَشيتُ عَلَيْكُمْ - أَيُّها المُتَمَنُّونَ عَلَى اللهِ - أَنْ تُحِلَّ بِكُمْ نِقْمَة مِنْ نَقِماتِهِ؛ لأَنَّكُمْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرامَةِ اللهِ مَنْزِلَةً فُضِّلْتُمْ بِها، وَمَنْ يُعْرَفْ باللهِ لا تُكْرِمَونَ وَأَنْتُمْ بِاللهِ في عِبادِهِ تُكْرَمُونَ، وَقَدْ تَرَوْنَ عُهودَ اللهِ مَنْقُوضَةً فَلا تَقْرَعُونَ، وَأَنْتُمْ لِبَعْضِ ذِمَمِ آبائِكُم تَقْرَعُونَ وَذِمَّةُ رَسُولِ اللهِ مَحْقُورَةٌ، وَالْعُمي وَالْبُكْمُ والزَّمِنَ فِي المَداينِ مُهْمَلَةٌ لا يُرْحَمُونَ، وَلا في مَنْزِلَتِكَمْ تَعْمَلُونَ، وَلا مَنْ عَمِلَ فيها تَعْتَبُونَ، وَبِالإِدْهانِ وَالْمصانَعَةِ عِنْدَ الظَّلمَةِ تَأْمَنُونَ، كُلُّ ذلِكَ مِمّا أمَرَكُمُ اللهُ


بِهِ مِنَ النّهْي وَالتَّناهِي وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ، وَأنْتُم أَعْظَمُ النّاسِ مُصيبَةً؛ لِما غُلِبْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَنازِل الْعُلَماءِ لَوْ كَنْتُمْ تَسْمَعُونَ.

ذَلِكَ بَأَنَّ مَجارِي الأُمُورِ وَالأحْكَامِ عَلى أَيْدِي العُلَماءِ بِاللهِ، الأُمَناءِ عَلى حَلالِهِ وحَرامِهِ، فَأَنْتُمْ الْمَسْلُوبُونَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ، وَما سُلِبْتُمْ ذلِكَ إلا بِتَفَرُّقِكُمْ عَنِ الْحَقِّ وَاخْتِلافِكُمْ في السُّنَّةِ بِعْدَ الْبَيِّنَةِ الْواضِحَةِ، وَلَوْ صَبَرْتُمْ عَلَى الأذى وَتَحَمَّلْتُمْ الْمَؤُونَةَ في ذاتِ اللهِ كانَتْ أُمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ، وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ، وَلكِنَّكُمْ مَكَّنْتُمْ الظَّلمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وَأسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللهِ في أَيْديهم يَعْمَلُونَ بِالشُّبَهاتِ، وَيَسيرُونَ في الشَّهَواتِ، سَلَّطَهُمْ عَلى ذلِكَ فِرارَكُمْ مِنَ الْمَوْتِ وَإعْجابُكُمْ بِالحَياةِ الّتِي هِيَ مُفارِقَتُكُمْ، فَأَسْلَمْتُمُ الضُّعَفاءَ في أَيْديهمْ، فَمِنْ بَيْنِ مُسْتَعْبَدٍ مَقْهُورٍ وَبَيْنَ مُسْتَضْعَفٍ على مَعيشَتِهِ مَغْلُوبٌ، يَتَقَلَّبُون فِي الْمُلْكِ بِآرائِهِمْ وَيَسْتَشْعِرُونَ الْخِزْيَ بِأهْوائِهِمْ، اِقْتِداءً بِالأشْرارِ، وَجُرْأَةً عَلَى الْجَبّارِ، في كُلِّ بَلَدِ مِنْهُمْ عَلى مِنْبَرِهِ خَطيبٌ يَصْقَعُ، فَالأرْضُ لَهُمْ شاغِرَةٌ وَأيْديهِمْ فيها مَبْسُوطَةٌ، وَالنّاسُ لَهُمْ خَوَلٌ لا يَدْفَعُونَ يَدَ لامِسٍ، فَمِنْ بَيْنِ جَبّار عَنيدٍ، وَذي سَطْوَةٍ عَلَى الضَّعَفَةِ شَديدٍ، مُطاعٍ لا يَعْرِفُ الْمُبْدِى وَالْمُعِيدَ، فَيا عَجَباً وَمالي لا أعْجَبُ !! وَالأَرْضُ مِنْ غاشٍّ غَشُومٍ ومُتَصَدِّقٍ ظَلُومٍ، وَعامِلٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ بِهِمْ غَيْرِ رَحيمٍ، فَاللهُ الْحاكِمُ في ما فِيهِ تَنازَعْنا، وَالْقاضِي بِحُكْمِهِ فيما شَجَرَ بَيْننا.

اللّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ما كانَ مِنّا تَنافُساً في سُلْطانٍ، وَلا الْتِماساً مِنْ فُضُولِ الْحُطامِ، وَلكِنْ لِنَرَىَ الْمَعالِمَ مِنْ دينِكَ، وَنُظْهِرَ الإصْلاحَ في بِلادِكَ ،


وَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبادكَ، وَيُعْمَلَ بِفَرائِضِكَ وَسُنَّتِكَ وَأَحْكامِكَ، فَإِنَّكُم إلاَّ تَنْصُرُونا وَتَنْصِفُونا قَوَى الظَّلَمَةُ عَلَيْكُمْ، وَعَمِلُوا في إطْفاء نُورِ نَبيِّكُمْ، وَحَسْبُنا اللهُ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا وَإلَيْهِ أَنَبْنا وَإِلَيْه الْمَصيرُ )(١) .

وهذه الأحاديث كثيرة، وهي صريحة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد، وإزالة الظلم والظالم بالقوّة، والنهي عن ممالأة الظالم والركون إليه، والأمر بمقاومته ومقارعته بالسيف، وإقامة دولة العدل والحقّ.

وهذه الطائفة من الروايات تطابق الكتاب العزيز، وقد أُمِرْنا أن نعرض الروايات إذا تعارضت، على كتاب الله، فنأخذ بما يوافق كتاب الله، ونذر ما لا يطابقه.

وقد استعرضنا قبل هذا البحث آيات القرآن الكريم، فلا نُعيد.

٢ - تحريم إعانة الحاكم الظالم

وهذه طائفة ثانية من النصوص وردت في تحريم إعانة الحاكم الظالم، ولو بقدر مَدَّة قلم، أو تحضير دواة، وتغليظ الإنكار على ذلك، والتحذير منه، وهذه الروايات كثيرة، وواردة من طريق الشيعة وأهل السنَّة، وهي مؤكِّدة لحرمة الركون إلى الظالمين التي قرَّرها الكتاب العزيز.

ولدى التعارض بينها وبين الروايات المتقدِّمة في السكوت عن الظالمين، وقبول ولايتهم وسيادتهم وتحريم الخروج عليهم؛ فإنَّ المرجع هو القرآن، ولا شكَّ في أنَّ القرآن يحذِّر من الركون إلى الظالمين أشدَّ التحذير، وها نحن نذكر طائفة من هذه الروايات :

____________________

(١) ابن شعبة الحرَّاني، تحف العقول، ص١٦٨، بحار الأنوار، ج١٠٠، ص٧٩.


- روى الترمذي في الفتن، عن كعب بن عجره عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال :

( سيكون بعدي أُمراء، فمَن دخل عليهم فصدَّقهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منِّي، ولست منه، وليس وارد عليَّ الحوض )(١) .

وفي مسند أحمد بن جابر بن عبد الله الأنصاري أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لكعب بن عجرة : ( أعاذك الله من إمارة السفهاء )، قال : وما إمارة السفهاء ؟ قال : ( أُمراء يكونون بعدي، لا يقتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، فمَن صدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منِّي، ولست منهم، ولا يردون عليَّ الحوض، ومَن لم يصدِّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك منِّي وأنا منهم وسيردون عليَّ الحوض )(٢) .

- محمد بن يعقوب، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسينعليه‌السلام في حديث قال : ( إيَّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين )(٣) .

- عن طلحه بن زيد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ( العامل بالظلم والمُعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم )(٤) .

- عن محمد بن عذافر، عن أبيه قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( يا عذافر، نُبِّئت أنَّك تُعامل أبا أيوب والربيع، فما حالك إذا نودي بك في

____________________

(١) سنن الترمذي، ج٣، ص٣٥٨ الباب ٦٢ من أبواب الفتن الحديث ٢٣٦٠.

(٢) مسند أحمد، ج٣، ص٣٢١.

(٣) وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج١٢، ص١٢٨.

(٤) المصدر نفسه، ج١٢، ص١٢٨.


أعوان الظلمة ؟ )، قال : فوجم أبي، فقال له أبو عبد اللهعليه‌السلام لما رأى ما أصابه : ( أي عذافر، إنَّما خوَّفتك بما خوَّفني الله عزّ وجل به )، قال محمد : فقدم أبي فما زال مغموماً مكروباً حتى مات(١) .

- عن حريز قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : ( اتَّقوا الله ! وصونوا دينكم بالورع، وقوُّوه بالتقيَّة والاستغناء بالله عزّ وجل عن طلب الحوائج إلى صاحب سلطان، إنّه مَن خضع لصاحب سلطان ولمَن يخالفه على دينه طلباً لما في يديه من دنياه، أهمله الله عزّ وجل ومقَّته عليه، وَوكله إليه، فإن هو غلب على شيء من دنياه فصار إليه منه شيء، نزع الله جل اسمه البركة منه، ولم يأجره على شيء منه ينفقه في حج ولا عتق ولا برّ )(٢) .

- عن أبي بصير، قال : سألت أبا جعفر عن أعمالهم فقال لي : ( يا أبا محمّد، لا ولا مَدَّة قلم، إنَّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله، أو حتّى يصيبوا من دينه مثله)(٣) .

- عن أبي يعفور قال : كنت عند أبي عبد الله، إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له : جُعلت فداك، أصلحك الله إنَّه ربَّما أصاب الرجل منَّا الضيق أو الشدَّة فيُدعى إلى البناء يبنيه، فما تقول في ذلك ؟ فقال

____________________

(١) المصدر نفسه، ج١٢، ص١٢٨.

(٢) المصدر نفسه، ج١٢، ص١٢٩.

(٣) المصدر نفسه، ج١٢، ص١٢٩.


أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( ما أُحبُّ إنِّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، وإنَّ لي ما بين لابتيها، لا ولا مدَّة بقلم، إنَّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار، حتّى يحكم الله بين العباد )(١) .

- وعنه عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن جهم بن حميد قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( أما تغشى سلطان هؤلاء ؟ )، قال : قلت : لا. قال : ( ولم ؟ )، قلت : فراراً بديني. قال : ( وعزمت على ذلك ؟ )، قلت : نعم. قال لي : ( الآن سلم لك دينك )(٢) .

- عن يونس بن يعقوب قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( لا تعنهم على بناء مسجد )(٣) .

- وعن صفوان بن مهران الجمال، قال : دخلت على أبي الحسن الأوّلعليه‌السلام ، فقال لي : ( يا صفوان، كل شيء منك حسن جميل خلا شيئاً واحداً )، قلت : جعلت فداك، أيُّ شيء ؟ قال : ( كراؤك جمالك من هذا الرجل )، يعني هارون، قال : والله، ما أكريته أشراً، ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو، ولكن أكريته لهذا الطريق، يعني طريق مكة ولا أتولاّه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني. فقال لي : ( يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم ؟ )، قلت : نعم جعلت فداك، قال : ( أُتحبُّ بقاءهم حتى

____________________

(١) المصدر نفسه، ج١٢، ص١٢٩.

(٢) المصدر نفسه، ج١٢، ص١٢٩.

(٣) المصدر نفسه، ج١٢، ص١٢٩.


يخرج كراؤك ؟ ) قلت : نعم. قال : ( مَن أحبَّ بقاءهم فهو منهم، ومَن كان منهم كان ورده النار )، قال صفوان : فذهبت فبعت جمالي عن أخرها، فبلغ ذلك إلى هارون، فدعاني، فقال لي : يا صفوان، بلغني أنَّك بعت جمالك ! قلت : نعم، قال : ولِمَ ؟ قلت : أنا شيخ كبير، وإنَّ الغلمان لا يفون بالأعمال. فقال : هيهات هيهات، إنِّي لأعلم مَن أشار عليك بهذا ! أشار عليك بهذا موسى بن جعفر ! قلت : مالي ولموسى بن جعفر ؟! فقال : دعْ عنك هذا، فوالله، لولا حُسن صحبتك لقتلتك(١) .

- وفي ( عقاب الأعمال )، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن آبائهعليهم‌السلام قال، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ أين أعوان الظلمة، ومَن لاق لهم دواة أو ربط كيساً، أو مدَّ لهم مدّة قلم ؟ فاحشروهم معهم )(٢) .

- وروى ابن حجر في ( الزواجر ) باب ظلم السلاطين والأمراء والقضاة : جاء خيّاط إلى سفيان الثوري، فقال : إنّي أُخيط ثياب السلطان، أفتراني من أعوان الظلمة ؟ فقال له سفيان : أنت من الظلمة أنفسهم، ولكنَّ أعوان الظلمة مَن يبيع منك الإبرة والخيوط(٣) .

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج١٢، ص١٣١ - ١٣٢.

(٢) وسائل الشيعة، ج١٢، ص١٣٠.

(٣) ابن حجر العسقلاني، الزواجر، ج١، ص١٣.


وهذه الروايات كثيرة من طريق الفريقين، وإنْ كانت واردة في تحريم إعانة الظالم والتحذير عنه، حتّى لو كان بقدر مدَّة قلم، وتغليظ الإنكار على ذلك، إلاَّ أنَّ التأمّل في هذه الروايات يُفضي إلى القول بحرمة الركون للظالم والرضوخ له، والنهي عن قبول سيادته وسلطانه والاعتراف به، والنهي عن الانضواء تحت لوائه في الحرب والسلم، ولا نحتاج إلى تأمّل كثير لنخرج بهذه النتائج من التأمّل في أمثال هذه الروايات.

٣ - الإجماع ومناقشته :

يذهب أصحاب هذا الرأي، إلى أنَّ مسألة الرضوخ والانقياد للحاكم الظالم في غير معصية الله ممَّا تسالم عليه الفقهاء، وأجمعوا عليه من غير خلاف. وقد سمعنا من قبل بعض كلمات هؤلاء.

يقول النووي - في شرحه على صحيح مسلم - في التعقيب على رواية عبادة بن الصامت، التي مرَّت علينا من قبل : ومعنى الحديث : لا تُنازعوا ولاة الأُمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلاّ أن تروا منهم منكراً محقَّقاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحقّ حيث ما كنتم. وأمّا الخروج عليهم وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين. وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنَّة لا ينعزل السلطان بالفسق. وأمّا الوجه


المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنَّه ينعزل - وحُكي عن المعتزلة أيضاً - فغلط من قائله مخالف للإجماع(١) .

ونقل ابن حجر في ( الفتح ) عن ابن بطّال أنّه قال : وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلّب والجهاد معه، فإنَّ طاعته خير من الخروج عليه ولم يستثنوا من ذلك إلاَّ إذا وقع من السلطان الكفر الصريح.

المناقشة :

ويكفي في نقض هذا الإجماع خروج سيد شباب أهل الجنّة الإمام الحسينعليه‌السلام علي يزيد بن معاوية، وقتاله لجيش بني أمية وشهادته هو وأهل بيته وأصحابه وأنصاره ( عليه وعليهم‌السلام ) في هذه الوقعة.

وسيرتهعليه‌السلام من الخروج على يزيد حجَّة على المسلمين، فإنّ الحسينعليه‌السلام من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهَّرهم تطهيراً، وعِدل الكتاب العزيز، كما ورد في حديث الثقلين الشهير.

وقد روى الطبري في تاريخه وابن الأثير في ( الكامل ) أنَّ الحسينعليه‌السلام خطب في أصحابه وأصحاب الحرِّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال : ( أيُّها الناس، إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاَّ ً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يعمل في عباد الله بالإثم

____________________

(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ج٨، ص٣٤.


والعُدوان، فلم يغيِّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يُدخله مُدخله. ألا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَن غيّر )(١) .

كلمات أعلام وفقهاء أهل السنة في الإشادة بخروج الحسينعليه‌السلام وتفسيق وتكفير يزيد بن معاوية، وجواز الخروج على الحاكم الظالم :

كلمة ابن خلدون في المقدِّمة

يقول ابن خلدون : غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي؛ إذ قال في كتابه ( العواصم والقواصم ) : إنَّ الحسين قتل بسيف جدِّه. وهو غفلة عن اشتراط الإمام العادل في الخلافة الإسلامية، ومَن أعدل من الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل الآراء ،

وفي ص٢٥٤ ذكر الإجماع على فسق يزيد، ومعه لا يكون صالحاً للإمامة؛ ومن أجله كان الحسينعليه‌السلام يرى من المتعيِّن الخروج عليه(٢) .

كلمة ابن الجوزي :

ويقول ابن مفلح الحنبلي : جوَّز ابن عقيل وابن الجوزي الخروج على

____________________

(١) ابن جرير الطبري : تاريخ الطبري، ج٧، ص٣٠٠، ابن الأثير : الكامل، ج٤، ص٤٨.

(٢) ابن خلدون : المقدِّمة، ص٢٥٤ و ٢٥٥.


الإمام غير العادل؛ بدليل خروج الحسين على يزيد لإقامة الحق.

وذكر ابن الجوزي في كتابه ( السرُّ المصون ) من الاعتقادات العامية التي غلبت على جماعة من المنتسبين إلى السنَّة أنَّهم قالوا : كان يزيد على الصواب والحسين مخطئ في الخروج عليه. ولو نظروا في السير لعلموا كيف عُقدت البيعة له وألزم الناس بها. ولقد فعل مع الناس في ذلك كلَّ قبيح. ثمَّ لو قدَّرنا صحّة خلافته، فقد بدرت منه بوادر، وظهرت منه أمور كلٌّ منها يوجب فسخ ذلك العقد من نهب المدينة، ورمي الكعبة بالمنجنيق، وقتل الحسين وأهل بيته، وضربه على ثناياه بالقضيب، وحمل رأسه على خشبة، وإنَّما يميل إلى هذا جاهل بالسيرة عامي المذهب يظنُّ أنَّه يغيط بذلك الرافضة(١) .

كلمة التفتازاني :

وقال التفتازاني : الحق أنَّ رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره به وإهانته أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممَّا تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاد، فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بلْ في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه(٢) .

____________________

(١) مقل المقرَّم، ص٩.

(٢) شر العقائد النسفية، ص١٨١، طبع الآستانة سنة ١٣١٣، نقلاً عن المصدر السابق.


كلمة ابن حزم والشوكاني :

وقال ابن حزم : قيام يزيد بن معاوية لغرض دنيا فقط، فلا تأويل له وهو بغي مجرد(١) .

ويقول الشوكاني : لقد أفرط بعض أهل العلم، فحكموا بأنَّ الحسين السبط ( رضي الله عنه وأرضاه ) باغٍ على الخمِّير السكِّير، الهاتك لحرمة الشريعة المطهَّرة يزيد بن معاوية لعنهم الله، فيا للعجب ! من مقالات تقشعرُّ منها الجلود ويتصدَّع من سماعها كلُّ جلمود(٢) .

كلمة الجاحظ :

وقال الجاحظ : المنكرات التي اقترفها يزيد، من قتل الحسين، وحمله بنات رسول سبايا، وقرعه ثنايا الحسين بالعود، وإخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة، تدلُّ على القسوة والغلظة، والنصب وسوء الرأي، والحقد والبغضاء، والنفاق والخروج عن الإيمان، فالفاسق ملعون ومَن نهى عن شتم الملعون فملعون(٣) .

كلمة الحلبي :

ويحدِّث البرهان الحلبي أنَّ أستاذه الشيخ محمد البكري، تبعاً لوالده، كان

____________________

(١) المحلَّى، ج١١، ص٩٨، نقلاً عن مقل السيد عبد الرزاق المقرَّم، ٩.

(٢) نيل الأوطار، ج٧، ص١٤٧، نقلاً عن مقتل السيد عبد الرزاق المقرَّم ٩ - ١٠.

(٣) الجاحظ : الرسائل، ص٢٩٨، الرسالة الحادية عشر في بني أُمية - المصدر السابق.


يلعن يزيد، ويقول : زاده الله خزياً وضعة، وفي أسفل سجِّين وضعه(١) ، كما لعنه أبو الحسن علي بن محمد الكياهراسي، وقال : لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي الرجل(٢) .

كلمة الذهبي في سير أعلام النبلاء :

ويقول الذهبي : كان ناصبيَّاً، فظَّاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرَّة، فمقته الناس، ولم يُبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة، قاموا لله.

وعن نوفل بن أبي الفرات قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل : قال أمير المؤمنين يزيد. فأمر به فضرب عشرين سوطاً(٣) .

كلمة الشيخ الآلوسي ( روح المعاني ) :

يقول الشيخ الآلوسي في تفسيره في هذا الشأن في تفسير قوله تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) : نقل البرزنجي في الإشاعة والهيثمي في الصواعق : إنَّ الإمام أحمد لمَّا سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد قال : كيف لا يُلعن مَن لعنه الله تعالى في كتابه ؟ فقال عبد

____________________

(١) المصدر نفسه، السيرة الحلبية، ص١٠.

(٢) ابن خلكان : تاريخ ابن خلكان، ج١، ص٣٥٥ إيران بترجمة الكياهراسي علي بن محمد بن علي.

(٣) الذهبي : سير أعلام النبلاء، ج٥، ص٨٢ - ٨٤.


الله : قد قرأت كتاب الله عز وجل فلم أجد فيه لعن يزيد. فقال الإمام : إنَّ الله تعالى يقول :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ) , الآية، وأيُّ فساد وقطيعة أشدُّ ممَّا فعله يزيد.

وعلى هذا القول لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيَّام تكليفه، ويكفي ما فعله أيَّام استيلائه بأهل المدينة ومكَّة، فقد روى الطبراني بسند حسن ( اللَّهمَّ، مَن ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل )، والطامَّة الكبرى ما فعله بأهل البيت ورضاه بقتل الحسين ( على جدِّه وعليه الصلاة والسلام )، واستبشاره بذلك، وإهانته لأهل بيته، ممَّا تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحاداً، وفي الحديث : ( ستَّة لعنتهم - وفي رواية - لعنهم الله وكلُّ نبي مجاب الدعوة : المحرِّف لكتاب الله - وفي رواية - الزائد في كتاب الله، والمكذِّب بقدر الله، والمتسلِّط بالجبروت ليعزَّ مَن أذل الله، ويذلَّ مَن أعزَّ الله، والمستحلَّ من عترتي، والتارك لسنَّتي ).

وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم الحافظ ناصر السنَّة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى.

وقال العلاَّمة التفتازاني : لا نتوقَّف في شأنه، بل في إيمانه لعنة الله تعالى عليه وعلى أنصاره وأعوانه.

وممَّن صرَّح بلعنه الجلال السيوطي ( عليه الرحمة ).


وفي تاريخ ابن الوردي وكتاب الوافي بالوفيات، أنَّ السبي لمَّا ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرَّية علي والحسين ( رضي الله تعالى عنهما ) والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنيَّة جيرون، فلمَّا رآهم نعب غراب فأنشأ يقول :

لمَّا بدت تلك الحمول وأشرفت

تلك الرؤوس على شفا جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني أنَّه قتل بمَن قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر، كجدِّه عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما، وهذا كفر صريح، فإذا صحَّ عنه فقد كفر، ومثله تمثُّله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه : ليت أشياخي الأبيات، وأفتى الغزالي ( عفا الله عنه ) بحرمة لعنه، وأفتى أبو بكر بن العربي المالكي عليه من الله تعالى ما يستحقُّ أعظم الفرية، فزعم أنَّ الحسين قُتل بسيف جدِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وله من الجهلة موافقون على ذلك :( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ) .

قال ابن الجوزي ( عليه الرحمة ) في كتابه السرُّ المصون من الاعتقادات العامية : التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنَّة أن يقولوا : إنَّ يزيد كان على الصواب وأنَّ الحسين ( رضي الله تعالى عنه ) أخطأ في الخروج عليه. ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك


كل قبيح. ثمَّ لو قدَّرنا صحَّة عقد البيعة، فقد بدت منه بوادٍ كلُّها توجب فسخ العقد، ولا يميل إلى ذلك إلاّ كلُّ جاهل عامي المذهب يظنُّ أنَّه يغيظ بذلك الرافضة.

هذا، ويعلم من جميع ما ذكره اختلاف الناس في أمره :

فمنهم مَن يقول : هو مسلم عاص بما صدر منه مع العترة الطاهرة، لكن لا يجوز لعنه.

ومنهم مَن يقول : هو كذلك يجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها.

ومنهم مَن يقول : هو كافر ملعون.

ومنهم مَن يقول : إنَّه لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه. وقائل هذا ينبغي أن ينظمَّ في سلسلة أنصار يزيد.

وأنا أقول : الذي يغلب على ظنِّي أنَّ الخبيث لم يكن مصدِّقاً برسالة النبي، وأنَّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى، وأهل حرم نبيِّهعليه‌السلام ، وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه، من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظنُّ أنَّ أمره كان خافياً على أجلَّة المسلمين إذ ذلك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسعهم إلاّ الصبر ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولو سلِّم أنَّ الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يُحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصوَّر أن يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنَّه لم يتبْ، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويلحق به ابن زياد، وابن سعد وجماعة، فلعنة الله عز وجل عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومَن مال إليهم إلى يوم الدين، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين، ويعجبني قول شاعر


العصر ذو الفضل الجلي، عبد الباقي أفندي العمري الموصلي - وقد سئل عن لعن يزيد اللعين -:

يزيد على لعني عريض جنابه

فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا

ومَن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضليل فليقل : لعن الله عز وجل مَن رضي بقتل الحسين، ومَن آذى عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغير حق، ومَن غصبهم حقَّهم. فإنَّه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أوَّلياً في نفس الأمر، ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ( ابن العربي ) المارُّ ذكره وموافقيه، فإنَّهم على ظاهر ما نقل عنهم لا يجوِّزون لعن مَن رضي بقتل الحسين ( رضي الله تعالى عنه )، وذلك - لعمري - هو الضلال البعيد، الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد(١) .

كلمة الشيخ محمد عبده :

يقول الشيخ محمد عبده : وقد اختلف علماء المسلمين في مسألة الخروج على الجور وحكم مَن يخرج؛ لاختلاف ظواهر النصوص التي وردت في الطاعة والجماعة، والصبر وتغيير المنكر، ومقاوم الظلم والبغي. ولم أرَ قولاً لأحد جمع به بين كلِّ ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا الباب، ووضع كلاَّ ً منها في الموضع الذي يقتضيه سبب وروده، مراعياً اختلاف الحالات في ذلك، مبيِّناً مفهومات الألفاظ بحسب ما كانت تستعمل به في زمن التنزيل، دون ما بعده.

____________________

(١) تفسير روح المعاني، ج٢٦، ص٧٢ - ٧٤.


مثال هذا لفظ ( الجماعة ) إنَّما كان يراد به جماعة المسلمين التي تُقيم أمر الإسلام بإقامة كتابه وسنَّة نبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن صارت كل دولة أو إمارة من دول المسلمين تحمل كلمة الجماعة على نفسها، وإن هدمت السنَّة، وأقامت البدعة، وعطَّلت الحدود، وأباحت الفجور.

ومن المسائل المجمع عليها قولاً واعتقاداً : أنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ( وإنَّما الطاعة في المعروف ) وأنَّ الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتدَّ عن الإسلام واجب، وإن إباحة المجمع على تحريمه، كالزنا والسكر، واستباحة إبطال الحدود وشرَّع ما لم يأذن به الله كفر وردة، وأنَّه إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطِّله وجب على كلِّ مسلم نصر الأُولى ما استطاع، وإنَّه إذا بغت طائفة من المسلمين على أخرى وجرَّدت عليها السيف وتعذَّر الصلح بينهما، فالواجب على المسلمين قتال الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر الله، وما ورد في الصبر على أئمة الجور إلاّ إذا كفروا، معارض بنصوص أخرى، والمراد به اتِّقاء الفتنة، وتفريق الكلمة المجتمعة، وأقواها حديث : ( وأن لا تُنازع الأمر أهله، إلاّ أن تروا كفراً بواحاً )، قال النووي : المراد بالكفر هنا المعصية - ومثله كثير - وظاهر الحديث أنَّ منازعة الإمام الحق في إمامته لنزعها منه لا يجب إلاّ إذا كفر كفراً ظاهراً وكذا عمَّاله وولاته. وأمَّا الظلم والمعاصي، فيجب إرجاعه عنها مع بقاء إمامته وطاعته في المعروف دون المنكر، وإلاّ خُلع ونصب غيره.

ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على إمام الجور والبغي، الذي ولي


أمر المسلمين بالقوة والمكر، يزيد بن معاوية، خذله الله وخذل مَن انتصر له من الكرامية والنواصب.

الذين لا يزالون يستحبُّون عبادة الملوك الظالمين على مجاهدتهم لإقامة العدل والدين، وقد صار رأي الأُمم الغالب في هذا العصر، وجوب الخروج على الملوك المستبدِّين والمفسدين، وقد خرجت الأمَّة العثمانية على سلطانها عبد الحميد، فسلبت السلطة منه، فخلعته بفتوى من شيخ الإسلام. وتحرير هذه المسائل لا يمكن إلاّ بمصنَّف خاص(١) .

كلمة سيد قطب عن تفسيره ( الظلال ) :

يقول سيد قطب المفسِّر المعاصر في تفسيره ( في ظلال القرآن ) في تفسير قوله تعالى : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ )، والناس كذلك يقصِّرون عن معنى النصر على صورة معيَّنة معهودة لهم قريبة، ولكنَّ صور النصر شتَّى، وقد يتلبَّس بعضها بصورة الهزيمة عند النظرة القصيرة ثمَّ يقول : والحسين - رضوان الله عليه - وهو يُستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب، أكانت هذه نصر أم هزيمة ؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة فأمَّا في الحقيقة الخاصة، وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً. فما من شهيد تهتزُّ له الجوانح بالحبِّ والعطف، وتهفو له القلوب، وتجيش بالعبرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه، يستوي في هذا المتشيِّعون وغير المتشيعين من المسلمين، وكثير من

____________________

(١) تفسير المنار، ج٦، ص٢٦٧ - ٢٦٨.


غير المسلمين.

وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش بألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من العاني الكبيرة، ويُحفِّز الألوف إلى الأعمال الكبيرة بخطبه، مثل خطبته الأخيرة التي كتبها بدمه، فتبقى حافزاً محرِّكاً للأبناء والأحفاد. وربَّما كانت حافزاً محرِّكاً لخُطى التاريخ كلِّه مدى الأجيال(١) .

نماذج أُخر من سيرة المسلمين في الخروج على الحكَّام الظلمة :

وخرج على يزيد في وقعة الحرَّة التي استباح فيها يزيد حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ خرج على يزيد خيار المسلمين والتابعين وأبناء الصحابة، مثل عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، وعبد الله بن عمرو بن حفص، والمنذر بن الزبير، وعبد الله بن مطيع، وكان عبد الله بن حنظلة الغسيل يقول :والله، ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء رجل ينكح البنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة ويقتل أولاد النبيين (٢) .

____________________

(١) في ظلال القرآن، ج٢٤، ٧٩ - ٨٠.

(٢) تذكرة الخواص، ص٢٥٩.


مخالفة الفقهاء لدعوى الإجماع :

وخرج عن هذا الإجماع كبار الفقهاء، منهم أبو حنيفة - كما يقول أبو بكر الجصاص ( في أحكام القرآن )، يقول الجصاص - : كان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور. ولذلك قال الأوزاعي : احتملنا أبا حنيفة على كلِّ شيء حتى جاءنا بالسيف، يعني قتال الظلمة، فلم نحتمله.

وكان من قوله : وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف على ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وسأله إبراهيم الصائغ - وكان من فقهاء أهل خراسان ورواة الأخبار ونسَّاكهم - عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال : هو فرض. وحدّثه بحديث عن عكرمة، عن ابن عباس إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ( أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر فقتل ).

فرجع إبراهيم إلى مرو، وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ونهاه، وأنكر عليه ظلمه وسفكه الدماء بغير حقّ، فاحتمله مراراً ثمَّ قتله.

وقضيّته في أمر زيد بن علي مشهور، وفي حمله المال إليه، وفتياه الناس سرَّاً في وجوب نصرته، والقتال معه، وذلك أمره مع محمد وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وقال لأبي إسحاق الفزاري حين قال له : لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتّى قُتِل ؟

قال : مخرج أخيك أحبُّ إليَّ من مخرجك، وكان أبو إسحاق قد خرج إلى البصرة. وهذا إنَّما أنكره عليه أغمار


أصحاب الحديث، الذين بهم فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تغلَّب الظالمون على أمور الإسلام(١) .

ويقول الماوردي في ( الأحكام السلطانية ) : إذا طرأ ( الفسق ) على مَن انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة(٢) .

ويقول ابن حزم الأندلسي في ( الفصل في الملل والنحل ) : إن امتنع ( الحاكم ) من إنفاذ شيء من الواجبات عليه، ولم يراجع وجب خلعه، وإقامة غيره ممَّن يقوم بالحق لقوله تعالى :( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) ، ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع(٣) .

الحياة الطيِّبة : ولكن بالرجوع إلى التاريخ نجد أنَّ الخروج على الحاكم أدَّى في بعض الأحيان إلى الفتن دون أن يغيِّر الواقع المنحرف، أو أنَّه أتى بحاكم أسوأ من سابقه، فلعلَّ هذه التجارب الفاشلة تدعو بعض الفقهاء إلى تحريم الخروج ؟

الشيخ الآصفي : هذا آخر ما يذكره أصحاب هذا الرأي، من الدليل على رأيهم في الانقياد للحكّام الظالمين وتحريم الخروج عليهم.

يقول النووي في شرحه على صحيح مسلم : قال العلماء : وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج

____________________

(١) الجصاص : أحكام القرآن، ج١، ص٨١.

(٢) الأحكام السلطانية، ص٧.

(٣) الفصل، ج٤، ص١٧٥.


عليه ما يترتَّب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه. فلو طرأ على الخليفة فسق، قال بعضهم : يجب خلعه، إلاّ أن يترتَّب عليه فتنة، وحرب.

وقال جماهير أهل السنّة من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين : لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يُخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك(١) .

ويقول شارح العقيدة الطحاوية : وأمّا لزوم طاعتهم وإن جاروا؛ فلأنَّه يترتَّب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم.

يقول الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل، إمام المسجد الحرام في تحريم الخروج عليهم ونزع الطاعة من أيديهم : سواء كانوا أئمة عدولاً صالحين أم كانوا من أئمة الجور والظلم فإنَّه أخفُّ ضرراً، وأيسر خطراً من ضرر الخروج عليهم(٢) .

ويقول أيضاً في موضع آخر من كتابه : فإنَّ الصبر على جور الأئمة وظلمهم مع كونه هو الواجب شرعاً؛ فإنَّه أخفُّ من ضرر الخروج عليهم ونزع الطاعة من أيديهم؛ لما ينتج عن الخروج عليهم من المفاسد العظيمة. فربَّما كان الخروج سبب حدوث فتنة يدوم أمدها، ويستشري ضررها، ويقع

____________________

(١) النووي، شرح صحيح مسلم، ج٨، ص٣٤، المطبوع بهامش إرشاد الساري.

(٢) الأدلَّة الشرعية في بيان حقّ الراعي عن الرعية، ص٢٧.


بسببها سفك للدماء، وانتهاك للأعراض، وسلب للأموال، وغير ذلك من أضرار كثيرة ومصائب جمَّة على العباد والبلاد(١) .

المناقشة :

أقول : أوّلاً إنَّ مآل هذا الاستدلال من ناحية فنِّية إلى تقديم الأهمِّ على المهمِّ في باب ( التزاحم )، ومن دون أن ندخل التفاصيل العلمية الأصولية لباب التزاحم، نقول : إنَّ لدينا هاهنا حكمين وهما :

أوّلاً : وجوب النهي عن المنكر وإزالة المنكر وتغييره ومكافحته، حتى لو تطلَّب ذلك إراقة الدماء وتحمّل المتاعب.

وثانياً : اجتناب الفتن الاجتماعية التي تؤدِّي إلى إراقة الدماء وانتهاك الأعراض والإضرار بالناس.

وكلٌّ من الحكمين في وضعه الأوَّلي مطلق؛ أي أنَّ النهي عن المنكر يجب حتّى لو تطلّب إراقة الدماء، وتجنّب الفتن الاجتماعية يجب حتّى في موضع النهي عن المنكر.

وهذان حكمان مطلقان متخالفان، فإذا اجتمعا في موضع واحد، كما يحصل في الإنكار على الحكّام الظالمين، ومكافحتهم، ونهيهم عن الظلم، وإزالتهم عن موقع السلطان، والنفوذ في المجتمع، فإنَّ هذا الإنكار يؤدّي إلى مقارعة الحكّام الظالمين؛ وبالتالي، إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض والإضرار بالناس بأضرار بليغة، وهو أمر قد حرَّمه الله تعالى.

____________________

(١) المصدر نفسه، ص٦٥ - ٦٦.


فيجتمع في هذا الموضع - إذن - حكمان :

-أحدهما : وجوب إنكار المنكر وتغييره وإزالته ومكافحته.

-ثانيهما : وجوب الاجتناب عن الفتن الاجتماعية والسياسية، التي تؤدّي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض، وبما أنَّ المكلَّف لا يقدر على امتثال الحكمين معاً، كان لا بدَّ - بحكم العقل - من تقديم الأهمِّ على المهمِّ. وبلغة فنِّيّة : لابدَّ من تقييد إطلاق أحد الحكمين، فإذا كان أحدهما أهمَّ من الآخر، فيكون المقيَّد هو الآخر لا محالة؛ فالمدار - إذن - في هذه المسألة على تشخيص الأهم من المهم.

وهذا أمر ( متغيِّر )، يختلف من حال إلى حال، ومن حاكم إلى حاكم، ومن منكر إلى منكر، ومن مجتمع إلى مجتمع، فلا يمكن إعطاء أحكام ثابتة في مثل هذه المسائل، فقد يكون المجتمع صالحاً قويّاً ملتزماً بحدود الله وأحكامه، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحاكم الذي يقترف الظلم حاكم ضعيف، يمكن إزالته من دون مشاكل وأضرار كبيرة، ففي هذه الحالة يقدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمر بالحفاظ على الأنفس والأموال من الفتن والأضرار والهلكة، وقد يكون الأمر بالعكس، فيقدَّم الحكم بالمحافظة على الأنفس والأموال والأعراض على حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعلى العموم، الأمر يختلف في تحديد الأهمِّ، وتشخيص الأهمِّ من المهمِّ بين الحكمين من مورد إلى مورد، ولا يمكن إعطاء حكم عام في هذه المسألة بناءً على هذا الدليل.


ويتَّفق كثيراً أنَّ الحاكم يمارس أبشع أنواع المنكرات، ويقترفها ويتجاوز حدود الله وأحكامه، وينتهك حرماته سبحانه وتعالى، كما كان الأمر في يزيد بن معاوية، الذي يقول عنه الحسينعليه‌السلام كما في رواية الطبري : ( ألا ترون أنَّ الحق لا يُعمل به، وأنَّ هؤلاء ( يعني بني أميَّة ) قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطَّلوا الحدود، واستأثروا الفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقُّ مَن غيَّر )(٢) .

في مثل هذه الأحوال يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومكافحة المنكر، والعمل على إزالته، مهما تطلَّب الأمر، من الدماء والمتاعب والأضرار في الأنفس والأموال، وإصدار أحكام ثابتة وقطعيّة في تحريم الخروج على الحكَّام الظالمين، وتحريم إزعاجهم، وإثارة الفتن في وجوههم، وتحريم مقارعتهم ومقاومتهم، يزيد هؤلاء الحكَّام إمعاناً في مقارفة المنكرات والظلم والفساد.

وليس شيء أرضى إلى هؤلاء الحكَّام - الذين يقترفون كبائر الإثم ويمارسون أبشع أنواع الظلم - من أمثال هذه الفتاوى التي نجدها نحن - للأسف - في تاريخ الإسلام كثيراً، هذا أوّلاً؛ وثانياً إنَّ هذا الحكم لو صحَّ في

____________________

(١) تاريخ الطبري، ج٧، ص٣٠١.

(٢) تاريخ الطبري، ج٧، ص٣٠٠.


بعض موارد باب التزاحم، عندما يكون اجتناب الفتنة أهمَّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو حكم ثانوي طارئ، والحكم الأوَّلي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل على إزالة المنكر ومكافحته، والنهي عن إطاعة الظالمين والمسرفين، والأمر بالإعراض عنهم ورفضهم، والكفر بهم، وليس من الصحيح الإعراض عن الحكم الأوَّلي الثابت في الشريعة إلى الأحكام الثانوية الطارئة، إلاّ في مواردها المنصوصة في الشريعة. والحكم الأوَّلي الثابت في الشريعة هو قوله تعالى :( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (١) ، وقوله تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (٢) ، وقوله تعالى( وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ ) (٣) ، وقوله تعالى :( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) (٤) .

وما ورد في نصوص الروايات البالغة حدِّ التواتر المعنوي، وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي لإزالة المنكر ومكافحته وتغييره باليد.

____________________

(١) سورة هود : الآية ١١٣.

(٢) سورة النساء : الآية ٦٠.

(٣) سورة الشعراء : الآيات ١٥١ - ١٥٢.

(٤) سورة الإنسان : الآية ٢٤.


ففي مسند أحمد بسنده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( إنَّ الله - عزّ وجلّ لا يعذِّب العامّة بعمل الخاصّة، حتّى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن يُنكروه، فلا يُنكروه، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله الخاصّة والعامّة )(١) .

وفي ( نهج البلاغة ) : أنَّ عليّاً خطب الناس في صفِّين فقال : ( أيّها المؤمنون، إنّه مَن رأى عدواناً يُعمل به، ومنكراً يُدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرِئ، ومَن أنكره بلسانه فقد أُجر، وهو أفضل من صاحبه. ومَن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العُليا وكلمة الظالمين السُّفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونوَّر في قلبه اليقين )(٢) .

وفي ( نهج البلاغة ) : ( ولعمري، ما عليَّ من قتال مَن خالف الحق، وخابط الغيَّ من إدهان ولا إيهان، فاتَّقوا الله عباد الله، وامضوا في الذي نهجه لكم، وقوموا بما عصبه بكم، فعليٌّ ضامن لفلجكم آجلاً إن لم تمنحوه عاجلاً )(٣) .

وروى الصدوق بإسناده عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمدعليه‌السلام قال : ( قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : إنَّ الله لا يعذِّب العامّة بذنب الخاصّة بالمنكر سرَّاً، من غير أن تعلم العامّة، فإذا عملت الخاصة بالمنكر جهاراً، فلم تُغيِّر ذلك العامّة، استوجب الفريقان العقوبة من الله - عزّ وجل ).

قال : وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( إنَّ المعصية إذا عمل بها العبد سرَّاً لم يضرَّ إلاّ عاملها، فإذا

____________________

(١) أحمد بن حنبل : المسند، ج٣، ص١٩٢.

(٢) صبحي الصالح : نهج البلاغة، ص٥٤١، الحكم ٣٧٣.

(٣) المصدر نفسه، خطبة ٢٤، ص٦٦.


عمل بها علانية ولم يُغيّر عليه أضرّت بالعامّة )، قال جعفر بن محمدعليه‌السلام : ( وذلك أنّه يُذلّ بعمله دين الله، ويقتدي به أهل عداوة الله )(١) .

هذا هو حكم الله تعالى أوّلاً في مواجهة أئمة الظلم والطغاة والجبابرة، الذين يسعون في الأرض فساداً، وأمَّا الموازنة بين الأهمِّ والمهمِّ في الأحكام، فهو أمر ثانوي طارئ، وليس من الصحيح أن نستبدل الأحكام الأولية بالثانوية، إلاّ في مواقعه اللازمة والمحدودة في الفقه.

الدور السلبي لهذه الفتاوى :

ولقد كان لأمثال هذه الفتاوى دور سلبي في تاريخ الإسلام في دعم الحكّام الظلمة، وتشجيعهم على الإمعان في الظلم والإفساد، أوّلاً، وفي إخماد ثورة المظلومين والمعذَّبين، وإحباط حركات الثائرين ومقاومة الشعوب المستضعفة والمضطهدة ثانياً.

ولم يكن هؤلاء الحكَّام من أمثال معاوية ويزيد، والوليد، وعبد الملك، والحجاج، والمنصور، وهارون، والمتوكِّل، وغيرهم يستريحون إلى شيء، كما يستريحون إلى أمثال هذه الفتاوى، فكانوا يُمعنون في الظلم والفساد واقتراف الذنوب والمعاصي، وانتهاك الحُرمات، ويجدون في هذه الفتاوى دعة وراحة.

وقد كان هؤلاء الفقهاء يبالغون في تأكيد هذا الرأي، وتعميقه في المجتمع الإسلامي؛ إمعاناً في تطمين هؤلاء الحكّام من ناحية ثورات المظلومين وانتفاضاتهم.

____________________

(١) وسائل الشيعة، ج١١، ص٤٠٧.


يقول سفيان الثوري لأحد تلاميذه : يا شعيب، لا ينفعك ما كتبت حتَّى ترى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجر، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل.

سبحان الله !! كما لو كان إقرار الظالمين على ظلمهم، والسكوت عنهم، وتحمُّل إسرافهم وبذخهم في بيت المال، وإفسادهم للناس من أصول الدين، لا يُقبل منه عمله وسعيه إلاّ به !!!

ويقول علي بن المديني :لا يحلُّ لأحد يؤمن بالله أن يبيت ليلة إلاَّ عليه إمام، برَّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين، والغزو مع الأُمراء ماضٍ إلى يوم القيامة - البرّ والفاجر - لا يترك، وليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، قد بَرِئ مَن دفعها إليهم، وأجزأت عنه برَّاً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه، وخلف مَن ولاّه جائزة قائمة ركعتان، مَن أعادها فهو مبدع تارك للإيمان مخالف، وليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم يَرَ الجمعة خلف الأئمة مَن كانوا - برَّهم وفاجرهم - والسنّة أن يصلّوا خلفهم، لا يكون في صدورهم حرج من ذلك

سبحان الله العظيم !! إنَّ هذا غاية ما يتمنَّاه الجبّارون المقترفون للإثم، المنتهكون لحرمات الله، الساعون في الأرض فساداً. ولا يقف صاحب الفتوى عند هذه الحدود، حتّى يبلغ أقصى ما يطلبه هؤلاء الظلمة المستكبرون، الذين يسعون في الأرض فساداً، فيقول :ثمَّ لا يَكُون في صِدُورِهِم حَرَجٌ مِنْ ذلِك .

ويزيد عليه شارح الطحاوية، فيقول :بل من الصبر على جورهم


تكفير السيّئات، ومضاعفة الأجور؛ فإنَّ الله تعالى ما سلَّطهم علنيا إلاّ لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل .

ولست أدري، أين تقع هذه الفتاوى من محكمات كتاب الله، التي تأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفض الظالمين والكفر والطاغوت، وعصيان أمر الآثمين والظالمين، وعدم الركون إليهم ؟!! ومن قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) (١) ، فيسمِّي الله تعالى أولئك المستضعفين ب- ( الظالمين ) ويساوي بينهم وبين مَن ظلمهم؛ لأنَّهم رضخوا للظلم.

ويروي مالك بن دينار أنَّه جاء في بعض كتب الله :( أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فلا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، ولكن توبوا أعطِفُهُم عليكم ) .

وهذا الذي يرويه مالك بن دينار عن بعض كتب الله يعارض - صراحة وبوضوح - ما جاء في القرآن، فأيُّهما يختار مالك بن دينار الآيات الآتية : ( البقرة : ١٢٤ )، ( النساء : ٦٠ )، ( النساء ٩٧ )، ( الشعراء : ١٥١ - ١٥٢ )، ( الإنسان : ٢٤ ) ؟! أم ما قيل ورُوي عن بعض كتب الله ؟!

وإذا كان الأمر كذلك لبعض المصالح السياسية في عصرنا !! - وهو ليس كذلك - فلماذا نتستَّر على جرائم الطغاة والجبابرة في التاريخ ؟!!

يقول أحدهم -

____________________

(١) سورة النساء، الآية ٩٧.


في سياق الدفاع عن هذا الرأي والاحتجاج له بسكوت الصحابة والتابعين عن فجور يزيد، ومروان، والوليد، والحجَّاج، وعبد الملك يقول - :بعض الخلفاء الذين فيهم شيء من الظلم والجور أو الفسق، مثل يزيد بن معاوية ومروان (١) ،نعم في يزيد شيء من الظلم والجور فقط !

سبحان الله !! فما هو الظلم والجور والفسوق كلُّه يا ترى ؟!! إذا كان هذا الذي نعرفه من يزيد بن معاوية شيء من الظلم فقط !!!

ولم يكن لهذه الفتاوى دور التهدئة للثورات الشعبية، الحاصلة من تفاقم الظلم والاستبداد السياسي والبذخ والتبذير دائماً، فقد كانت تتفجّر هذه الثورات والانتفاضات - هنا وهناك - بصورة غير موجَّهة، وكانت لها آثار سيّئة وتخريبية واسعة مثل ثورة ( الزنج ) في العصر العبّاسي، وهو أمر طبيعي عندما يتخلَّى الفقهاء عن دورهم، الذي منحهم الله تعالى في قيادة وتوجيه حركة المظلومين والمستضعفين، ضدّ الظالمين والمستكبرين، وفي ردع الظالمين عن الظلم.

وسلام الله على أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام حيث يقول في تعريف ( العالِم ) : ( وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارُّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم )(٢) ، فإذا تخلَّى العالم عن دوره التوجيهي في توجيه وقيادة هذه

____________________

(١) الأدلَّة الشرعية في بيان حقِّ الراعي والرعيَّة، ص٣٩.

(٢) نهج البلاغة، ج١، ص٣٦، خطبة رقم ٣.


الحركة، يستلمها الغوغاء من الناس لا محالة، وتكون لها آثار تخريبية واسعة، بالضرورة كما حدث كثيراً في تاريخ الإسلام المدوّن.

كتاب الأدلَّة الشرعية في بيان حقوق الراعي والرعيَّة

ألّف الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل - إمام المسجد الحرام - رسالة مستقلّة في هذا الأمر، أكّد فيها - أبلغ التأكيد - حرمة الخروج على الحكّام، الذين يمارسون الظلم والفجور، ويسعون في الأرض فساداً، وينتهكون حدود الله وحرماته. ونحن نورد بعض كلمات الشيخ في هذا الأمر.

يقول الشيخ محمد بن سبيّل في هذه الرسالة :وتحريم الخروج عليهم ونزع الطاعة من أيديهم، سواء كانوا أئمة عدولاً صالحين، أم كانوا أئمة الجور والظلم، ما دام لم يخرجوا عن دائرة الإسلام؛ فإنّ الصبر على جور الأئمة وظلمهم، مع ما فيه من ضرر؛ فإنّه أخفُّ ضرراً وأيسر خطراً من ضرر الخروج عليهم، ولهذا جاء الأمر من الشارع بوجوب السمع والطاعة، وتحريم الخروج على الأئمة والولاة وإن جاروا وظلموا، إلاّ أن يرتكبوا كفراً بواحاً (١) .

ويقول في موضع آخر من رسالته :كما أنَّ على المسلم أن يتذكّر أنَّ طاعة ولاة الأمور من أجلِّ الطاعات وأفضل القربات، سواء كانوا أئمة عدولاً صالحين، أم كانوا من أئمة الجور والظلم، ما دام أنّهم لم يخرجوا عن دائرة

____________________

(١) الأدلّة الشرعية في بيان حقّ الراعي والرعيَّة، ص٢٧ - ٢٨.


الإسلام، فإنَّ طاعتهم في ما يأمرون به وينهون عنه من طاعة الله ورسوله (١) .

ويقول أيضاً في موضع آخر من هذه الرسالة :فقد دلَّت هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها كثير على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية، وتحريم الخروج عليهم ونزع الطاعة من أيديهم، وإن جاروا وظلموا، إلاّ أن يرى منهم كفراً بواحاً، كما يجب التنبيه إلى أنَّ عدم طاعتهم في المعصية لا يعني عدم طاعتهم مطلقاً، وإنّما المقصود عدم طاعتهم في الأمر الذي فيه معصية بخصوصه، مع وجوب السمع والطاعة فيما عدا ذلك، كما هو ظاهر الأحاديث .

وعلى ما ذُكر جرى اعتقاد وعمل السلف الصالح رضوان الله عليهم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الإسلام المتبوعين، وغيرهم من العلماء المشهورين.

ويقول في موضع آخر من هذه الرسالة :فقد أنكر ابن عمر رضي‌الله‌عنه على ابن مطيع خروجه على الخليفة يزيد بن معاوية، مع ما كان عليه يزيد بن معاوية، كما أنّه قد تولَّى الخلافة والإمارة على بعض البلدان في عهد الصحابة - وهم متوافرون - بعض الخلفاء والأمراء الذين فيهم شيء من الظلم والجور والفسق، مثل يزيد بن معاوية [!!] ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة، والحجاج بن يوسف وغيرهم، ومع ذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم، كابن عمر، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وهم من فضلاء الصحابة وخيارهم، يسمعون لهم، ويطيعون في المعروف، ويصلُّون خلفهم

____________________

(١) المصدر نفسه، ص٣١.


الجُمَع والأعياد، ولم يأمروا الناس بالخروج عليهم ونزع الطاعة من أيديهم، بسبب ما هم عليه من الجور والظلم أو الفسق، الذي لم يخرجهم عن الإسلام، بل كانوا يحثّون الناس على السمع والطاعة لهم في المعروف، والصبر على ما ينالهم من ظلم وجور؛ لما يعلمونه من وجوب السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، وإن جاروا وظلمو (١) .

إلى غير ذلك من الفتاوى التي يطلقها الشيخ في دعم وإسناد الظالمين.

ونحن نتمنَّى أن يتناول العلماء مسائل حسَّاسة وخطيرة من هذا النوع، بشيء أكثر من الدراسة الفقهية، آخذين بنظر الاعتبار وجهات النظر الأُخرى في هذه المسألة وأدلَّتها، ونتمنّى أن يُعيد العلماء النظر في هذه المسألة وأمثالها بدقَّة وجدِّية واهتمام.

إنَّ فتاوى وآراء فقهية من هذا القبيل، في عالمنا الإسلامي اليوم، تزيد من شراسة وظلم وإفساد الحكَّام الطغاة والظالمين، الذين يعيثون في الأرض فساداً.

إنَّ فتاوى فقهية من هذا القبيل، تَقِرُّ بها عين العتلِّ الزنيم صدام حسين، الذي أحرق المنطقة مرَّتين وأحرق العراق خلال هذه المدّة عشرات المرَّات، وتقرُّ بها عين كمال أتاتورك طاغية تركيا، وتقرُّ بها عين رضا بهلوي ومحمد رضا بهلوي طاغية إيران، وعين ( بورقيبة )، وعين طاغية مصر الذي قتل خيار المسلمين في مصر، وأمعن في اضطهادهم وعذابهم، وسجنهم وملاحقتهم وملاحقة عوائلهم، وأمثالهم من طغاة عصرنا، الذين يسعون في الأرض فساداً ،

____________________

(١) المصدر نفسه، ص٣٩ - ٤٠.


ويهلكون الحرث والنسل، ويُحاربون دين الله علانية وجهاراً، ويعذِّبون المؤمنين والمؤمنات، أبشع أنواع التعذيب، ويضطهدونهم بالعذاب والنكال، ويسفكون الدماء التي حرّمها الله تعالى بغير حق، وينتهكون حدود الله وحرماته، ويعيثون في الأرض، ويستكبرون استكباراً.

إنَّ أمثال هذه الفتاوى، تقرُّ بها عيون هؤلاء، وتقذى بها عيون المؤمنين الصالحين العاملين في سبيل الله.

نحن نرجو، ونتمنَّى للعلماء أن ينظروا إلى هذه المسائل بنظر أبعد وأعمق، وأكثر استيعاباً لروح هذا الدين وأصوله.

وفي نهاية الشوط لنا وقفة مع عبد الله بن عمر :

ويستوقفنا أمر عبد الله بن عمر في هذا الموقف، فهو من أشدِّ المدافعين عن هذا الرأي، وكان يتبنّاه ويُعلنه، ويدافع عنه.

روى مسلم في الصحيح(١) أنَّ عبد الله بن عمر قصد عبد الله بن مطيع، عندما كانت المدينة ثائرة متهيِّئة للخروج على يزيد، قبل وقعة الحرَّة، فيأمر له بوسادة، فيقول : إنّي لم آتك لأجلس، ولكن أتيتك لأحدِّثك بحديث سمعته عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ( مَن خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ).

ويمنعهم عن الخروج على يزيد، الذي عرف الناس جميعاً فسقه وفجوره، واستهتاره وانتهاكه لحدود الله وحرماته؛ وذلك لما سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) .

____________________

(١) صحيح مسلم، ج٦، ص٢٢. دار الفكر بيروت، كتاب الإمارة.


ولكن عبد الله نفسه، لمَّا دعاه أمير المؤمنين عليعليه‌السلام إلى البيعة امتنع وقال : لا أُبايع حتّى يُبايع الناس.

فقال لهعليه‌السلام : ( ائتني بحميل ) ( ضامن ). قال : لا أرى حميلاً. فقال الأشتر، خلِّ عنّي أضرب عنقه. قال عليعليه‌السلام : ( دعوه، أنا حميله، إنَّك - ما علمت - لَسيءُ الخلق صغيراً وكبيراً)(١) .

ولمَّا دعاه معاوية إلى بيعة ابنه يزيد، اعتذر، وقال :لا أُبايع لأميرَيْن في وقتٍ واحد (٢) - وهو عذر ضعيف - فلم يدعه معاوية لبيعة يزيد بأمرة المؤمنين حتّى يعتذر له بهذا العذر، وإنّما دعاه ليبايعه بولاية العهد، وكان أحرى به أن يمتنع بصراحة وشجاعة، كما امتنع الحسينعليه‌السلام .

فلمَّا أرسل إليه معاوية مائة ألف درهم، ودسَّ إليه مَن يدعوه إلى البيعة، لانَ عودُه، وقال :إنَّ ذاك لذاك [ يعني إنَّ هذا العطاء للبيعة ] إنَّ ديني عندي - إذاً - لرخيص (٣) .

ولم ينقل التاريخ عنه أنّه ردَّ المائة ألف، بعد أن علم ( أنَّ ذاك لذاك )، ولمَّا مات معاوية كتب ابن عمر إلى يزيد ببيعته(٤) .

ولم ينقل التاريخ أنَّ عبد الله بن عمر تغيَّر رأيه في شرعية بيعة يزيد، وفي يزيد حتّى بعد مصرع الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأنصاره، وحتّى بعد وقعة

____________________

(١) الطبري : تاريخ الطبري، ج٦، ص٣٠٦٨، حوادث سنة ٣٥، ط لندن.

(٢) فتح الباري، ج١٣، ص٦٠.

(٣) فتح الباري، ج١٣، ص٦٠.

(٤) المصدر نفسه، ج١٣، ص٦٠.


الحرَّة الرهيبة التي( أباح فيها مسلم بن عقبة المدينة ( قائد جيش يزيد ) المدينة ثلاثاً، فقتل جماعة من بقايا المهاجرين والأنصار، وخيار التابعين، وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وقتل بها جماعة من حَمَلة القرآن، وقتل جماعة صبراً، منهم معقل بن سنان، ومحمّد بن أبي الجهم، وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايع الباقون كُرهاً على أنّهم خول ليزيد ) (١) .

بعد هذه المجازر والجرائم، لم يذكر لنا التاريخ أنَّ رأي عبد الله بن عمر قد تغيّر في يزيد وبيعته ( عليه لعنة الله ).

نعم، روى لنا التاريخ :أنَّ عبد الله بن عمر طرق الباب ليلاً على الحجاج ليبايع لعبد الملك؛ لكيلا يبيت تلك الليلة بلا إمام !! لأنّه روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( مَن مات، ولا إمام له مات ميتة جاهلية ) ، وبلغ من احتقار الحجَّاج له واسترذاله أن أخرج رجله من الفراش، فقال :أصفق بيدك عليها (٢) .

وهذا الذي كان يعجِّل في بيعة عبد الملك، ويحذر أن ينام ليلة، وليس في عنقه بيعة، ويطرق باب الحجاج ليلاً، ليبايع لعبد الملك، فيسفِّهه الحجاج ويحتقره، فيعطيه رجله، ليصفق عليها، هو الذي امتنع عن بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام في المدينة، بعد مقتل عثمان بن عفّان، ورفض أن يقدِّم ضامناً على البيعة، وهو الذي كان يدعو أهل المدينة عندما انتفضت المدينة ضدَّ

____________________

(١) القسطلاني : إرشاد الباري، ج١٠، ص١٩٩.

(٢) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة، ج١٣، ص٢٤٢.


يزيد، إلى الالتزام بالطاعة.

وحجَّ عبد الله بن عمر مع الحجَّاج فعيب عليه ذلك، وعُيِّر به لما كان يرتكبه الحجَّاج من الجرائم ويقترفه من دماء المسلمين، ودعي عبد الله أن ينزع يده عن طاعة الحجَّاج، فرفض عبد الله ذلك أشدَّ الرفض، وغلَّظ عليهم الإنكار !! وقال :لا أنزع يداً من طاعة . واحتجَّ إليهم بالحديث الذي تقدَّم.

اتِّجاهان في النهي عن المنكر :

هناك اتِّجاهان ورأيان في الإنكار على الحكّام الظلمة والطغاة وأئمة الجور :

الاتِّجاه الأوّل :

الاتِّجاه الذي يذهب إليه حملة هذا الرأي، وهو الطاعة وحضور الأعياد والجمعات، والتأييد والانقياد والاتباع وتحريم الخروج،وأمّا ما قد يقع من ولاة الأُمور من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام، فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتِّباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس .

ثمَّ يقول :واعتقاد أنَّ ذلك ( يعني التشنيع ) من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد. وهذا غلط فاحش وجهل ظاهر (١) .

____________________

(١) الأدلَّة الشرعية في الحق الراعي والرعيَّة، ٦٢ - ٦٣، والكلام للشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري من علماء الوهابية.


وهيهات أن يرتدع طغاة عصرنا من أمثال أتاتورك وبهلوي وبورقيبة وصدام وغيرهم، وهم كثيرون، بأمثال هذه النصائح الرقيقة الوديعة.

الاتِّجاه الثاني :

بعكس ذلك يذهب إلى مقارعة أئمة الظلم والتشنيع عليهم، ورفضهم والكفر بهم، والنهي عن الركون إليهم، كما أمرنا الله تعالى، ففي خبر جابر، عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : ( فأنكروا بقلوبكم والفظوا بألسنتكم، وصكُّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم )(١) .

وفي خبر يحيى الطويل، عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ( ما جعل الله بسط اللسان وكفّ اليد، ولكن جعلهما يُبسطان معاً ويُكفَّان معاً )(٢) .

وخطب أمير المؤمنين الناس بصفِّين فقال : ( أيّها المؤمنون، إنّه مَن رأى عدواناً يُعمل به، ومنكراً يُدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومَن أنكره بلسانه فقد أُجر، وهو أفضل من صاحبه، ومَن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العُليا وكلمة الظالمين هي السُّفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وقام على الطريق ونوّر بقلبه اليقين )(٣) .

____________________

(١) وسئل الشيعة، ج١١، ص٤٠٣.

(٢) وسائل الشيعة، ج١١، ص٤٠٤.

(٣) نهج البلاغة، حكمة ٣٧٣.


الحياة الطيِّبة : ما هو الثابت الإسلامي الذي قد يحلو للبعض تسميته بالضرورة، التي يؤدِّي إنكارها والاجتهاد فيها واعتبارها غير ثابتة، إلى الخروج من ربقة الإسلام، ويدعو الفقيه إلى إصدار حكم الارتداد على أهلها ؟ خاصة بالنظر إلى الواقع الإسلامي في أكثر من وسط ومجتمع إسلامي، وما يشهده من تفشِّي ظاهرة الحكم بالارتداد على الكثيرين هنا وهناك، كلّ ذلك تحت حجَّة خروج هذا المفكِّر وذاك الفقيه من رقعة الدين، بذريعة معارضة ثوابت الشريعة وضروراتها الفقهية ! يبدو أنَّنا في أمسِّ الحاجة اليوم إلى محاولات جادَّة، تساعدنا على منهجة إبداء الرأي، وقوننة الحديث عن هذا الموضوع الشائك؛ بغية إعادة الاعتبار إلى الفكر الإسلامي، الذي خسر بعضاً من وجهه المتسالم والمتسامح لحساب تصويره في شكل العنف والخشونة وقمع الحرِّيّات ؟

الشيخ الآصفي : الإسلام هو الإقرار بالشهادتين ( التوحيد والرسالة ). ويذبُّ أستاذنا المحقِّق السيد الخوئيرحمه‌الله إلى إلحاق الإقرار باليوم الآخر بالإسلام، استناداً لقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (١) ، وآيات أخرى من هذا القبيل، بناء على أنَّ عطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله، يدلُّ على أنَّ الإيمان

____________________

(١) سورة النساء : الآية ٥٩.


باليوم الآخر شرط في الإيمان، والإقرار به شرط في الإسلام، ولا يتحقَّق الإيمان والإسلام من دونه.

ومن ( ضروريات الإسلام ) الأمور التي يساوق إنكارها إنكار الرسالة، مثل إنكار وجوب الصلاة، ووجوب صيام شهر رمضان، وإنكار وجوب الحج وأمثال ذلك، ممَّا يعدُّ إنكاره إنكاراً للرسالة وتكذيباً للنبي.

وما لم يكن كذلك، فليس من ضروريات الدين؛ فليس إنكار حرمة بعض المنكرات، واستحلالها يؤدِّي إلى الخروج عن الإسلام، وإن كان عن اجتهاد خاطئ، وعلى خلاف معايير الاجتهاد، وبناء على التعريف المتقدِّم للإسلام، وللضروريات، فمَن أنكر أمراً ضرورياً من ضروريات الدين خرج عن الإسلام، وما لم يكن الأمر كذلك لا يكون إنكاره خروجاً على الدين وإنكاراً للرسالة.

ولا بدَّ من إضافة قيد إلى ذلك، وهو أن يكون المنكِر مُنتبهاً إلى التلازم بين إنكار الضروريات وإنكار الرسالة.

وعليه؛ فإنَّ الموارد التي يصحُّ فيها التكفير والحكم بخروج صاحبها عن الإسلام محدودة جدَّاً، ولا يصحُّ انتهاك حرمات الناس وسلب الإسلام والإيمان عنهم بسبب الاختلاف في الرأي والعقيدة.

ومن أكبر المنكرات في الإسلام نفي الإسلام عن فرد أو عن طائفة من المسلمين، بسبب اختلاف في الرأي والعقيدة.


الفهرس

حوار في التسامح والعنف سلسلة تهتمُّ بمعالجة قضايا فكرية مُعاصرة تصدر عن معهد الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العالي للشريعة والدراسات الإسلامية. بيروت ١

كتاب الحياة الطيِّبة ٣

حوار في التسامح والعنف نظرة إسلامية ٥

الجهاد والعُنف : ١٢

الرحمة والعُنف وجهان لقضيّة واحدة : تفسير العُنف : ١٤

رأي العلاَّمة الطباطبائي في الميزان : ١٧

المناقشة : ١٨

دور أئمة الكُفر في إحباط مشاريع هذا الدين : ٢١

القتال لإزالة الفتنة والإعاقة عن طريق الدين : ٢٢

البُعد الواقعي والموضوعي في أحكام هذا الدين : ٢٣

رؤية أهل البيت إلى الفتوحات العسكرية صدر الإسلام : ٢٤

الحالة المرحليَّة في تشريعات الدعوة والجهاد : ٢٧

المراحل الأربع في نصوص الدعوة والجهاد : ٢٨

آية براءة ناسخة لآيتَي الأنفال والنساء : ٣٠

العقود والاتفاقيات الدولية من صلاحيات الحاكم : ٣٤

كلمات الفقهاء في العقود والاتفاقيّات الدوليّة : ٣٥

الأصل القرآني في شرعية العهد : ٣٨

الأمر بالوفاء بالعهد وحرمة الغدر في الشريعة : ٤٠

حرمة مال المعاهد ودمه : ٤٣


شرط شرعية العقود والاتفاقيّات الدولية : ٤٤

الرأي المختار : ٥٠

الأحكام المتعلّقة بالأساس الأوّل : ٥١

وجوب جهاد الطغاة في الأحاديث : ٦٦

وجوب جهاد الطغاة من سيرة أهل البيت عليهم‌السلام : ٦٨

الرأي الآخر : ٦٩

٢ - تحريم إعانة الحاكم الظالم ٩٥

٣ - الإجماع ومناقشته : ١٠٠

نماذج أُخر من سيرة المسلمين في الخروج على الحكَّام الظلمة : ١١٢

مخالفة الفقهاء لدعوى الإجماع : ١١٣

الدور السلبي لهذه الفتاوى : ١٢١

كتاب الأدلَّة الشرعية في بيان حقوق الراعي والرعيَّة ١٢٥

اتِّجاهان في النهي عن المنكر : ١٣١

الفهرس ١٣٥


حوار في التسامح والعنف

حوار في التسامح والعنف

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: معهد الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم )
الناشر: مجلة ( الحياة الطيبة)
تصنيف: مكتبة الأسرة والمجتمع
الصفحات: 136