تاريخ الشّيعة
السّياسي الثقافي الدّيني
تاريخ الشّيعة
السّياسي الثقافي الدّيني
تأليف
العلاّمة الشّيخ سليمان ظاهر
عضو المجمع العلمي العربي بدمشق
حقّقه وضبطه
عبد الله سليمان ظاهر
المجلّد الأوّل
منشورات
مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
بيروت - لبنان
ص. ب ٧١٢٠
العلاّمة الشيخ سليمان ظاهر
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
مقدمة
بقلم: الأستاذ الكبير
المؤرِّخ السيد حسن الأمين
الشيخ سليمان ظاهر علم من أعلام العرب في القرن العشرين تجمع فيه من الفضائل ما قلَّ أن يتجمع في نظرائه، فكان فقيهاً بين الفقهاء، مؤرخاً بين المؤرخين، شاعراً بين الشعراء، مناضلاً للحرية والاستقلال بين المناضلين.
وكان في كل ذلك متفوقاً يمشي في الصفوف الأولى مرفوع الرأس قوي البأس ثابت العزم. ولو قدّر له أن يعيش في غير الوسط الذي عاش فيه، وأن ينشأ في غير البلدة التي نشأ فيها لكان له من شيوع الذكر وانبساط الأمر ورغد العيش ما لا يقل عن أشهر المشاهير!.
ولكنه عاش في وسط ضيق محدود لا يخرج عن كونه وسطاً قروياً محضاً لا يستطيع فيه أن يخطو الخطوات التي تؤهله لها مواهبه، ونشأ في بلدة لا تعدو يوم نشأ فيها عن أنها قرية لا تحوي ما يشجِّع على العمل وتحقيق المطامح.
ومع ذلك فقد عرفه المجمع العلمي العربي في دمشق فاختاره عضواً من أعضائه، وعرفته الندوات فكان فيها عالي الصوت عميق الأثر.
ولكن ذلك كله ظل ضمن نطاق محدود لا يتفق في شيء مع مواهب
هذا الرجل الموهوب، ولا مع كفاءاته المتعددة الجوانب.
لقد كانت قصيدة الشيخ سليمان ظاهر أول قصيدة ترثي شهداء العرب الذين أعدمهم السفاح جمال باشا، فنظم رائعته على لسان الشهيد عبد الكريم الخليل...
وكانت بعد ذلك قصيدته أول قصيدة بعد يوم (ميسلون) الذي هدم فيه الطاغية الجنرال غورو الاستقلال العربي السوري الناشئ.
لقد كانت القصيدتان فاتحة النضال الشعري العربي الاستقلالي في مجاهدة السفاحين والمستعمرين، ولكن من يعرف في العالم العربي أن الشيخ سليمان ظاهر كان رائد الشعر النضالي في بلاد الشام، وأنه فاتح باب ديوان العرب الوطني فيها بهذا العصر.
ومن هو بين شيوخ العرب وناشئتهم من يستظهر بيتاً واحداً من ذلك الشعر الذي يتدفق بلاغة وحماسة واستنفاراً؟
ذلك أن الوسط الذي عاش فيه الشيخ سليمان ليس وسطاً للنشر والذيوع، فقد كانت القصيدة تنظم ثم تطوى بين الأوراق لا يطلع عليها إلا نفر من أقرب المقرّبين.
وعدا قصيدتيه في رثاء ضحايا السفاح جمال باشا، وفي يوم ميسلون، فقد كان أول من نظم في نكبة دمشق يوم ضربها الفرنسيون بمدافعهم وطائراتهم في الثورة السورية سنة ١٩٢٥.
وإذا كانت قصيدة شوقي وقصيدة الزركلي في الموضوع نفسه قد ذاعتا وشاعتا وغدتا موضع الترنم والاستشهاد؛ فلأنهما ألقيتا في حفل حافل في القاهرة، ثم نشرتا في جرائد القاهرة، عنها تناقلتهما جرائد العرب في كل بلاد العرب.
أما قصيدة الشيخ سليمان ظاهر فأين تلقى وأين تنشر؟!..
وما نقوله عن الشعر نقوله عن غيره من مواهب الشيخ سليمان ظاهر.
فإن هذا الشاعر المبدع كان في الوقت نفسه مؤرخاً كتب بحوثاً تاريخية كان مجال نشرها مجلة (العرفان) التي كانت تصدر في مدينة صيدا. ومن يعود إلى مجلدات العرفان ويتتبع في أجزائها ما كتبه الشيخ سليمان في شتى
المواضيع التاريخية لا سيما عن تاريخ جبل عامل يرى ما انطوى عليه هذا الرجل من الجَلَد على التتبع والعمق في البحث وقوة الاستنتاج مما هو الأداة الواجبة للمؤرخ الناجح.
وكان مما عني به من مواضيع التاريخ تاريخ الشيعة. وليس مبعث هذه العناية نزعة مذهبية كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، بل كان مبعثها الحرص على تاريخ الإسلام وتاريخ العرب بإبراز جانب مشرق من هذا التاريخ عملت في القديم عوامل شتى على طمسه، فكان في هذا الطمس خسارة كبرى للحقيقة وللعلم وللإنسانية.
بهذا الحافز وحده - حافز الحرص على نصاعة التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي - انصرف الشيخ سليمان ظاهر إلى التحقيق في جانب ثريٍ من جوانب تاريخ هذه الأمة، فكان له ما أراد من كشف كنوز كان في سترها خسارة أية خسارة...
لقد كان من أكبر العوامل في التفرق بين المسلمين أن كل فريق يجهل حقيقة الفريق الآخر، فيبني أحكامه عليه مستنداً إلى أضاليل بثتها أيادٍ ذات أغراض منوعة فانطلت على المسلمين، فنظر كل فريق إلى الفريق الآخر نظرة سوء كان من عواقبها ما عانته الأمة من شرور التشتت والتمزق.
والشيخ سليمان ظاهر حين يكتب تاريخ الشيعة إنما يحاول أن يبرز الوجه الصحيح لهذا الفريق من المسلمين؛ ليرى الفريق الآخر أن ليس هناك ما يبعث على الفرقة والتباعد، فيكون بذلك عاملاً من أقوى عوامل جمع الشمل ولمِّ التشتت، وداعياً من أنجح دعاة التوحيد والتُوفِّيق.
فهو يقول في مقدمة كتابه موضحاً هدفه: (وفي احتدام تلك المعمعة الجدلية وفيما جال حول الشيعة من الظنون وما عزي إلى الإمامية منهم ما لم يعتقدوه دار في خُلْدي أن أفرد كتاباً بالتأليف في تاريخ الشيعة الديني والسياسي تاركاً تدوين تاريخها الأدبي).
فهو في هذا الكتاب يريد أن يجلو الحقائق وأن يزيل من الأذهان ما عَلَقَ بها من غير الحقائق لتصفو النفوس وتطيب القلوب.
ثم هو حين يشرح طريقته في التأليف يشير إلى ما سيختمه به قائلاً: (.... خاتمة تتضمن دعوة المسلمين كافة إلى التحرر من التعصب الممقوت للمذهب والعقيدة الذي أدى إلى ذهاب ريحهم وتفرقهم قِدداً...).
إن في هذا الكتاب مما يثير الاهتمام جمعه لأخبار الدولة الإدريسية في المغرب التي ظلت معظم أخبارها ضائعة، وظل الكثير منها مطموساً مع ما كان لها من الفضل العميم في نشر الإسلام في بقاع ظلت أمداً طويلاً على غير الإسلام حتى جاء الحكم الإدريسي الصالح فتجرد فيما تجرد له، لدعوة النافرين من الإسلام إلى الأخذ به فاستجابوا بعدما رأوا صلاح الحكم وحسن سيرة الحكام، فكان أن عمَّ الإسلام شمال إفريقيا كله، وقد كان تاريخ الأدارسة كما وصفه الدكتور حسن مؤنس: (ما زالت الدولة الإدريسية تنتظر من يكتب تاريخها ويحدد دورها في بناء المغرب العربي).
وها هو الشيخ سليمان ظاهر قد فعل - فيما فعل - في هذا الكتاب أن وضع الأساس لمن يريد الإفاضة في تاريخ الأدارسة الذين لم يكن الدكتور حسين مؤنس وحده قد شكا من ضياع تاريخهم، بل شاركه في ذلك كثيرون.
والأمر نفسه فيما يتعلق بتاريخ الحَمْدانيين وبطلهم، بل بطل العرب في عصره (سيف الدولة)، وما كان منه من مناضلة البيزنطيين النضال الطويل المرير، ودفعهم عن بلاد الشام وحماية العروبة والإسلام فيها.
فقد كان تاريخ تلك الفترة المجيدة مبعثراً لا يكاد يُهتدى إليه، وها هو اليوم في هذا الكتاب واضح المعالم مجموع الأحداث.
ونحن هنا لا نريد أن نستقصي كل حسنات الكتاب، بل نريد أن نشير إشارات عابرة إلى ملامح من تلك الحسنات، ونترك للقارئ أن يعكف على مطالعته لتستبين له صور من التاريخ ما كانت لتستبين مجموعة لو لا الجهد الذي بذله المؤلف.
ومن حسنات الكتاب أنه أبرز للقراء تاريخ إمارات عربيّة طمس الإهمال تاريخها مع ما في هذا التاريخ من مفاخر ومآثر في السياسية والأدب والشعر بخاصة، من أمثال العقيليين والخفاجيين وبني شاهين وغيرهم.
وحين نذكر هذا فإنه لابد لنا من أن نشير إلى أنه كان لتاريخ لبنان النصيب الوافر في هذا الكتاب، ففي تاريخ لبنان صفحات مطوية لم تجد من يكشف عنها حتى جاء الشيخ سليمان ظاهر يتحدث - فيما يتحدث عنه - عن الحرافشة الذين كان لهم في تاريخ لبنان العسكري والأدبي ما كان يجب أن يطول الحديث عنه، ولكن أحداً لم يتحدث عنه حتى همْساً.
ومن مزاياه أنه تجاوز تاريخ الدول والإمارات إلى تاريخ أسر علمية تأصل فيها العلم وتسلسل في أزمنة متباعدة فكان من حقها أن يُجلى تاريخها وأن يُعرف فضلها في النهضات العلمية الإسلامية، ونذكر مثالاً لذلك (بني زُهرة) الحَلبيين الذين وفاهم حقهم وأبرز دورهم بعدما كان من العسير على المتتبع أن يهتدي إلى ما يجب أن يهتدي إليه.
لا يمكن في هذه المقدمة الموجزة أن أستوعب كل ما في الكتاب من حسنات، والقارئ وحده سيستطيع أن يتعرف على الشيخ سليمان ظاهر مؤرخاً باحثاً بعيد الغور.
وإذا كان في هذا الكتاب تعريف بالشيخ سليمان المؤرخ، فمتى يحين الوقت الذي يتعرف فيه العرب على الشيخ سليمان شاعر العرب؟
ومتى يطبع ديوانه الذي يعرّفهم عليه شاعراً عربياً أصيلاً بلغ بالشعر العربي في عصره المدى القصير في الإجادة والموضوعية والنضال...
بيروت في ١/١/٢٠٠٠
حسن الأمين
نبذة عَن حيَاة المؤلف
نسبه ومولده ونشأته:
هو سليمان بن محمد بن علي بن إبراهيم بن حمود بن ظاهر زين الدين العاملي النبطي(١) ، ولد في النبطيّة من أبوين صالحين في العاشر من المحرم الحرام سنة ١٢٩٠هـ ١٨٧٣م، وتُوفِّيت والدته وهو في الثالثة من عمره، فكفلته خالته زوجة أبيه، فأحسنت كفالته وتربيته.
ولما بلغ العاشرة قرأ القرآن المجيد وتعلم شيئاً من الخط والإملاء، وهو كل ما كان يظفر به بعض أترابه في ذلك العهد في الكتاتيب العاملية التي لم تكن لِتُخرِّجَ إلا أنصاف الأميين الذين لم تبلغ نسبتهم المئوية من مجموع سكان جبل عامل أكثر من اثنين في المائة عهد ذاك؛ إذ لم تكن الدولة العثمانية في ذلك الحين لتعنى في نشر العلم ومحاربة الأُمية والجهل وخاصة في القرى والرساتيق البعيدة عن المدائن والحواضر، ولو لا قيام رهط صالح من العلماء في القطر العاملي بإشادة بعض المدارس الخاصة الدينية وتعليمهم المجّاني للناشئين، وإنفاقهم على الفقراء منهم وجلّهم من الفقراء لانقطعت سلسلة العلم من البلاد ولطغى عليها الجهل المطبق، على أن كل ما يستهدفه ذلك الرهط من التعليم في مدارسهم ولا سيما في المائة الثالثة عشرة وأوائل المائة الرابعة عشرة كاد يتمحض لتعليم علوم الفقه وأصوله والتوحيد والنحو والصرف والبيان والمنطق، وما عدا ذلك من
____________________
(١) ينتمي إلى الإمام فقيد الإمامية زين الدين الشهيد الثاني المتوفّى قتيلاً وهو في طريق الاعتقال إلى القِسْطَنْطِينيّة في قونيّة سنة ٩٦٥هـ.
العلوم الأخرى المثقِّفة ولمهذّبة للنفوس ولو بأساليبها القديمة فلم تكن منها لا في العِيِر ولا في النَفير.
خرج المترَجْم له من كتّابه وهو لم يتزود منه غير بلغة يسيرة لا تسمن ولا تغني من جوع، وفي نفسه نزوع إلى ارتشاف مناهل العلم التي غرسها فيه والده الذي كان على جانب من التقى والصلاح ومحبة العلم والعلماء، ولم يمنعه سن الأربعين أن يتلقى القرآن الكريم في صفوف الناشئين في كتّابهم، وأن يسعى لاكتساب ما ينفقه على أسرته.
لاحظ الوالد ميل ولده سليمان للتعليم الذي وجّهه إليه وهو يرى وسائله مفقودة في بلده، والرحلة إلى غيره خارجة عن حدود طاقته، والمدارس الدينية الخاصة قد أقفل أكثرها، ولم يبق منها في البلاد سوى مدرستين أو ثلاث، والرحلة إليها شاقة متعذرة على ناشئ في الحادية عشرة من عمره، فلم يجد وسيلة لقضاء حاجة ولده الملحّة في طلب العلم أقرب من أن يلتمس من صديقه السيد محمد نور الدين الموسوي وهو من العلماء الأجلّة المقيم في قرية النبطية الفوقا على بعد ميل وبعض الميل من بلده منحه جزءاً من وقته يلقنه به مبادئ النحو، فأجابه إلى ما التمسه، فأخذ يتردُّد عليه صباح كل يوم ويقرأ عليه بعض المتون في علم النحو، وثابر على ذلك مدة من الزمن إلى أن تهيأت له الرحلة مع رفيق له إلى مدرسة العلامة السيد حسن آل إبراهيم الحسيني التي أنشأها في قرية النميرية في أعمال مقاطعة الشومر على بعد سبعة أميال من النبطية.
مكث سليمان في هذه القرية بضعة أشهر يدرس في مدرستها مبادئ علمي النحو والصرف، ثم أقفلت تلك المدرسة لأسباب لا مجال لذكرها، فعاد إلى بلده وعاود الدرس على أستاذه الأول مع بعض رفاقه حتى سنة ١٣٠٣هـ. التي قدم فيها النبطية تلبية لدعوة من أهلها السيد محمد آل إبراهيم للتعليم والإرشاد، فلازمه وقرأ عليه شطراً من العلوم العربية وآدابها وطرفاً من رسائل ابن سينا وشيئاً من الإلهيات وعلوم الكلام وقسماً من أمالي الشريف المرتضى، وكان لهذا الأُستاذ الفضل الكبير في إذكاء قريحة سليمان لنظم القريض وممارسة الكتابة وتوجيهه للتجديد وقبول الجديد، وفي تلك الأيام علا شأن مدرسة بنت جبيل في القسم الجنوبي من جبل عامل لمؤسسها المصلح الكبير الشيخ موسى شرارة، فارتحل إليها وأقام بها
بضعة أشهر، وعاد في أيام عطلتها، وكان ذلك آخر عهده بها لوفاة مؤسسها.
وفي سنة ١٣٠٦هـ. جدّد أول أساتذته السيد محمد نور الدين مدرسة في النبطية الفوقا، فأقبل عليها الطلاب من كل حدب وصوب، وانتقل سليمان إليها ودرس فيها على الأستاذ الفاضل الشيخ جواد آل السبيتي بعض شروح الشمسيات للقطب الرازي في المنطق وشرح التلخيص للسعد التفتزاني في المعاني والبيان إلى سنة ١٣٠٩هـ. التي قدم فيها النبطية من النجف الأشرف لدعوة من سكانها العلامة الكبير السيد حسن يوسف مكي، وأنشأ فيها مدرسة حفلت بالطلاب من مختلف الأنحاء العاملية واللبنانية ومن بعض قرى بعلبك، فكانت من خيرة المدارس العاملية، بل كانت فتح عهد جديد بعد التراجع العلمي وبعد الفترة التي كادت تندثر فيها البقية الباقية من المدارس العاملية التي لم تنقطع لها صلة في البلاد منذ المائة الثامنة للهجرة.
وبعد تأسيس هذه المدرسة بثلاث سنوات افتتحت عدة مدارس في شقراء وعيثا وعيناثا وجباع وغيرها. وقد أمَّ مدرسة النبطية فريق من الفضلاء الذين تخرجوا من مدرسة حنويه ومدرسة بنت جبيل، وكان من جملة الوافدين على مدرسة النبطية الأستاذ الشيخ أحمد مروّة المحقّق، فدرس سليمان عليه تتمة شرحي الشمسية والتلخيص ومقدمة معالم الدين في أصول الفقه والشرائع في الفقه وبعض كتب الكلام، ودرس كتب العلامة الأصولي المجدّد الشيخ مرتضى الأنصاري في الأصول وكتابيه الطهارة والمكاسب في الفقه، والقوانين في الأصول للميرزا القمي، وشرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني على رئيس المدرسة، وكان مع تلقيه هذه الدروس يُلقي على الطلاب دروس المنطق والمعاني والبيان والأصول والفقه والكلام والتوحيد إلى سنة ١٣٢٤هـ. وهي السنة التي تُوفِّي فيها آخر أساتذته، فتفرق شمل الطلاب وكان ذلك آخر عهده بالطلب، ولكنه عكف على المراجعة والمطالعة ودرس على نفسه من مبادئ العلوم التي لم تكن تدرّس في مدارس ذلك العهد ما كان له به بعض المشاركة لدارسيها، وأولع بمطالعة الكتب العصرية والمجلات العلمية والأدبية التي كانت تصدر في ذلك الزمن في مصر وبيروت كمجلة المقتطف ومجلة الهلال ومجلة
المنار وغيرها، فكانت له في ذلك قدم صالحة وفتحت له آفاق جديدة لم يكن للعامليين عهد بها.
نشأته الأدبية:
نما فيه الميل إلى مزاولة الأدب وممارسة الكتابة والتمرن على أساليبها العصرية نابذاً الطريقة القديمة العقيمة التي كانت مُتَّبَعَةً في جبل عامل، فلم ينتقص حظه من ثمرة اجتهاده، وتحرى طريقة الكرام الكاتبين من أبناء عصره، وراسل بعض الصحف البيروتيّة خاصة واللبنانية والدمشقية عامة، وتولّى كتابة المقالات الافتتاحية في جريدة المرج التي أصدرها في أوائل الانقلاب العثماني في جديدة مرجعيون صديقه الطبيب أسعد رحّال إلى أن حجبتها الحرب العامة.
وكتب في جريدة القبس المحتجبة وفي مجلة العرفان لصديقه الأستاذ الشيخ أحمد عارف الزين، وفي جريدته جبل عامل المحتجبة، أبحاثاً في السياسة والاجتماع والأخلاق والتاريخ، وكتب في غيرها من الصحف والمجلات.
أولع بنظم الشعر وهو ابن خمس عشرة سنة، ولكنه نهج فيه منهجاً وسطاً بين القديم والجديد، وجُلُّ منظوماته في الأخلاق والاجتماع والوصف وذم مساوئ المدنية الحاضرة.
مؤلفاته:
أحب التأليف وهو في عهد الطلب والتحصيل، وكلما خطا في مراحل التعليم خطوة نما فيه ذلك الحب، ولكن كان يعترض طريقه حب التجدّد والتزيّد في الموضوع الذي يحاول التأليف فيه، وهو يتطلب المصادر الكثيرة وهي غير متوفرة لديه، فكان هذا السبب هو الذي صرفه عن عزمه على التأليف مقتنعاً بما كان يكتبه من المقالات في مختلف الموضوعات في الصحف إلى أن تستكمل له مواد التأليف، حتى إذا جمع مكتبة تحتوي على زهاء ألف كتاب بعد أن أدرك سن الكهولة انصرف إلى التأليف،
فكان مما ألّفه من المطبوع:
١ - تاريخ قلعة الشقيف، وقد استأذنه بعض الأدباء في نقله إلى اللغة الإنكليزية.
٢ - بنو زهرة الحَلبيون.
٣ - معجم قرى جبل عامل نشر في مقالات.
٤ - الذخيرة وقد طبع على حدة.
٥ - الإلهيات: أحد أجزاء ديوان شعره.
٦ - الفلسطينيات: أحد أجزاء ديوان شعره.
ومما ألّفه من غير المطبوع:
٧ - تاريخ الشيعة السياسي.
٨ - الرحلة العراقية: وهي قصيدة تبلغ زهاء ٥٠٠ بيت وصف فيها مشاهداته في العراق يوم سافر إليه مع الوفد العاملي لحضور حفلة أربعين المرحوم الملك فيصل بن الحسين سنة ١٣٥٢هـ.
٩ - الحسين بن علي: يبحث فيه عن أسباب شهادته.
١٠ - الرحلة الإيرانية.
١١ - الملحمة الإسلامية الكبرى. (شعر)
١٢ - الشعر والنثر العامليان المنسيان.
١٣ - مجموع ما دار بينه وبين رهط من أعاظم العلماء وأكابر الأدباء من المراجعات الشعرية.
١٤ - عدة مجامع أدبية.
١٥ - ديوان شعره وهو ينيف على عشرين ألف بيت.
١٦ - القصائد النبوية.
١٧ - نقض مذهب داروين.
١٨ - رسالة في أحوال أبي الأسود الدؤلي وهو أحد جامعي العراقيات.
١٩ - تاريخ جبل عامل القديم والحديث.
حياته السياسية:
عني بالسياسة منذ الصغر ولا سيما ما يتعلق منها بوطنه، ونُكب في سبيلها نكبات في الحرب العالمية الأولى، وكان في القافلة الأولى بين مسجوني عاليه سنة ١٣٣٣هـ. وبعد سجنه ثلاثة وخمسين يوماً خرج مع رهط من إخوانه مبرّءاً من التهم السياسية، ولم يسلم بعد تلك الحرب من أذاها.
في الجمعيات والمؤتمرات:
دخل عضواً في جمعية التعاون الخيري العام سنة ١٣١٦هـ. وهو أحد مؤسسي المحفل العلمي العاملي في العهد الحميدي، ولكنه لم يُكتب له أسّس في بلدة النبطية في أوائل الانقلاب العثماني، وكان عضواً في الجمعية الخيرية العاملية التي أُسست في النبطية سنة ١٣٣١هـ. وعضواً في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية التي أسسها هو ورهط من فضلاء بلده لنشر العلم وإنشاء وقوف ثابتة لها من التبرعات ومن شتى الوجوه، وكان للمرحوم تُوفِّيق بك الميداني من وجهاء دمشق أيام كان مديراً في ناحية الشقيف يد بيضاء في مساعدتها وتنمية وارداتها، ثم انتخب سليمان رئيساً للجمعية المذكورة التي أصبح لها من الأملاك المبنية ما يقوم ريعها في الإنفاق على مدرستها التي أقامتها على أنقاض المدرسة الحميدية التي أسسها العلامة الكبير المرحوم السيد حسن يوسف مكي، وجدّد داثرها الأخوان المحسنان الحاج حسين الزين ويوسف بك الزين، وكان عدد تلامذتها في ذلك الحين زهاء المائتين، وتولى المترَجْم له رئاسة جمعية نشر العلم في صيداء بعد الحرب العالمية الأولى، وكان أحد أعضاء المؤتمر الإسلامي العام الذي عُقد في القدس الشريف سنة ١٣٥١هـ. وكان عضواً في مؤتمر بلودان، وعضواً في أكثر المؤتمرات الوطنية التي عُقدت في بيروت وغيرها، وكان أحد أعضاء جمعية العلماء العاملية، وعضو شرف في جمعية الرابطة الأدبية النجفيّة، وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق.
رحلاته:
كان في سنة ١٣٥٢هـ. في الوفد العاملي الذي سافر إلى بغداد مع وفود الأقطار السورية واللبنانية والفلسطينية لحضور حفلة التأبين الكبرى بعد مرور أربعين يوماً على وفاة الملك فيصل الأول، وقد أحاط نجله الملك غازي الأول هذا الوفد برعايته الخاصة، كما لقي كثيراً من الاحتفاء والتكريم في مدن الفرات الأوسط كربلاء والنجف والكوفة والحلَّة.
وفي سنة ١٣٥٣هـ. قام برحلة إلى العراق وإيران استغرقت ستة أشهر، وكان محاطاً بعطف العراقيين والإيرانيين، ووضع مذكرات في هذه الرحلة، ووصف البلاد التي طاف فيها وصفاً جامعاً. ودُعي لحفلة تأبين ياسين باشا الهاشمي في بغداد، وكان من المتكلمين فيها، ودُعي لحفلة تأبين الملك غازي الأول، وإلى عدة مؤتمرات وحفلات لا مجال لذكرها.
في التجارة والوظائف:
مارس التجارة مع اشتغاله بالعلم والكتابة فلم يفلح، ونُدب إلى الوظائف العدلية، فكان قاضي تحقيق في صيدا في بدء الاحتلال الفرنسي، ثم اضطر إلى التخلي عن الوظيفة بسبب نزعته الاستقلالية ونصرته القضية العربية، ثم اعتقل عام ١٩٢٢م، وعُيّن بعدها مستشاراً في محكمة بداية كسروان، ثم حاكم صلح في الهرمل والنبطية، ولكنه ما عتم أن فُصل من الوظيفة لأسباب سياسية، وهو نفسه لم يكن راغباً في الوظيفة التي حمل عليها مكرهاً، فحمد ذلك الإخراج منها؛ لأنه كان سبباً لانصرافه إلى ما هو أهم منها، وإلى ما هو ميسّر له من المطالعة والتأليف.
أعماله:
عمل كثيراً مع رهط صالح من بلاده وخاصة بلدته النبطية، فكانوا هم أساس النهضة العلمية العاملية الجديدة التي آتت أُكلها، وباعثين روح التجديد فيها. وقد أنفق معظم أوقاته في هذه الناحية، وفي ناحية الكتابة وفي تأليف كتابه تاريخ الشيعة، والملحمة الإسلامية الكبرى وغيرها، وفيما يفيد وطنه مما يبلغه وسعه.
وفاته:
وقضى باقي سني حياته منكباً على المطالعة والكتابة ونظم الشعر، مهتماً بتثقيف أبناء منطقته وخدمتهم، وإذكاء الروح الوطنية في النشء، متعاوناً في ذلك مع رهط من العامليين المجاهدين، ومضى في ذلك قدماً إلى أن أقعده المرض وقد بلغ السابعة والثمانين، وتوفاه الله نهار الاثنين الواقع في السادس عشر من شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٨٠هـ الموافق للخامس من شهر كانون الأول سنة ١٩٦٠م.
مقدّمةالمؤلّف
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
الله تعالى أحمد، وأصلي وأسلم على خاتم رسله أحمد، وعلى أوصيائه ما لاح في السماء فرقد، وما هزج طائر على أفنانه وغرّد.
وبعد فقد كنت شرعت عام ١٣٤٠هـ بتأليف كتاب تنتظم دفتاه تاريخ الشيعة الديني والسياسي على أثر هزات هنا وهناك تنتقص قدر هذه الفرقة من فرق المسلمين بمؤلفات فيها الكثير مما عُزي إلى الإمامية، ولم يكن مما تعتقده وهي منه براء. وما كان على مؤلفي تلك الكتب في عصر الطباعة إلا الرجوع إلى ما هو في متناولهم من المؤلفات المطبوعة المنشورة، وجلها الصريحة ذات العقيدة الصحيحة، لتسلم مؤلفاتهم من معرّة ما يجافي الحق والحقيقة ولا يأتي بخير اللهم إلا تفريق صفوف المسلمين في عصر هم أحوج فيه إلى تأليف الكلمة والوقوف صفاً واحداً للذود عن حياض كرامتهم وعزة دينهم المتين، ويا حبذا لو التف كل مسلم غيور طالب إحقاق الحق حول لواء جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية المؤسسة لهذا الغرض النبيل في مصر، ولا نذكر جامعة الأزهر إلا بخير، والأزهر الشريف الخالد المشيدة دعائمه منذ ألف عام ونيّف للقيام برسالتي العلم والدين وأدائهما حق الأداء والقضاء المبرم على التعصبات المذهبية لم يفرّط بمهمته، ومهمته الكبرى في هذا العصر أن يقضي على تلك المنازعات، وجلها وليد السياسات التي انتهى أجلها وأزيحت عللها.
فجامعة الأزهر مفروض على علمائها أن ينهضوا بكل ما يعزّز
الجامعة الإسلامية ويصلوا ما أمر الله به أن يوصل من إزاحة علل التفرق.
وبعد فإن من إثارة تلك المجادلات التي فتح بابها الموصد على مصراعيه فريق من كتاب مصر ومن غير مصر أن نشأت فوضى جدلية اختلط فيها الحابل بالنابل، وخاض غمارها كثير ممن لم يؤت الحكمة والاعتدال، ومن خدم سياسة الأجنبي عن قصد أو غير قصد. ولا ننقص بعض المؤلفين حقهم، فكانوا من المنصفين، وكانوا من الحريصين على قطع خط الرجعة على المفرقين، ومنهم مؤلف كتاب السنة والشيعة من علماء بيروت العاملين، وفريق من أعلام الكتّاب المصريين. وكان من مستغلّي تلك البلبلة وهي سلاح ماضي الحدين فريق من كتبة الفرنج، ومنهم مؤلف (عقيدة الشيعة) الذي حشا كتابه بكل ما هو أشبه بالعبادات من اتصاله بالاعتقادات والمأخوذ عن العامة لا عن الخاصة، ولم يكن فيه أثر للتمحيص، فيتبيّن الرشد من الغيّ والصحيح من الفاسد. وإذا كان نفر من المسلمين أنفسهم من ينتهج هذا الطريق، ولا يكلف نفسه التحقيق، فأي ملام على الأجنبي، وجل اعتماده وما يهدف إليه ما يمكن لدولته استغلال كل ما يوهن قوة من يطمح في إخضاعه لسلطانه، والنفر المولعون بالجدل البيزنطي هم أعوانه وأنصاره من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، ومن حيث يقصدون أو لا يقصدون.
وكأن الشيعة وخاصة الإمامية نكرة مجهولة وكتب اعتقاداتها المنشورة ملء مكاتب الشرق والغرب محتاجة إلى التعريف، وهو من الباحثين كقاب قوسين أو أدنى ولا يكلفهم عناء كثيراً.
فنهض بهذه المهمة إمام من أئمة الإمامية فألف رسالة (أصل الشيعة وأصولها) ألا وهو المرحوم الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي وهو من كبار المدرسين ومن المراجع في التقليد، فكانت رسالة على اختصارها جامعة لكل ما يهم الباحث الوقوف عليه من عقائد الشيعة، وطبعت عدة مرات كما نقلت إلى كثير من اللغات الأجنبية، وتلقى مؤلفها العظيم تقاريظ كثيرة من علماء المسلمين على اختلاف المذاهب ومن المستشرقين إلى ما في تلك الرسالة من دعوة إلى التقرّب الإسلامي.
وفي احتدام تلك المعمعة الجدلية، وفيما حامَ حول الشيعة من الظنون، وما عزي إلى الإمامية منهم ما لم يعتقدوه دار في خُلدي على قلة
المصادر أن أفرد كتاباً بالتأليف في تاريخ الشيعة الديني والسياسي تاركاً تدوين تاريخها الأدبي، وقد حفلت به الكتب القديمة والحديثة وفي هذا العصر، وقد أُلف فيه موسوعتان جليلتان الأولى (أعيان الشيعة) للإمام العلاّمة المرحوم السيد محسن الأمين العاملي، والثانية لإمام عصره في التأليف العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني النجفي (طبقات أعلام الشيعة في مختلف العصور إلى العصر الحاضر)، وهناك موسوعة ثالثة وهي (الطليعة في شعراء الشيعة) لمؤلفها المتتبع الضليع العلامة الشيخ محمد طاهر السماوي، وللعلامة الإمام السيد حسن الصدر الكاظمي كتاب جليل في موضوع مؤلفي الشيعة سماه (تأسيس الشيعة الكرام) وقد طبع مختصره، وللعلامة الشيخ علي آل كاشف الغطاء والد الشيخ محمد الحسين مؤلف كتاب (أصل الشيعة وأصولها) الآنف الذكر كتاب (طبقات الشيعة)، هذا ولست في صدد إحصاء المؤلفات الشيعية الأدبية المتعذر علي، فأكتفي بهذه الجملة، وها أنا أشرع في تدوين مباحث الكتاب مستمداً منه تعالى التُوفِّيق والتسديد في القول والعمل وعليه الاتكال. واتّباعاً للطريقة المألوفة عند العلماء المؤلفين لسهولة دراسة مؤلفاتهم على مختلف أهدافها وموضوعاتها من التبويب رتبت كتابي هذا على كتابين الأول وينطوي على معتقدات الإمامية، ويتناول ما يتّسع له المجال من الفروق بينها وبين معتقدات بعض فرق الشيعة المخالفة لها وينسب إليها منه ما هي منه براء.
والكتاب الثاني وهو (تاريخ الشيعة السياسي) ويشمل دول الشيعة على اختلاف المذاهب ممن يشملهم هذا الاسم، وعلى خاتمة تتضمن دعوة المسلمين كافة إلى التحرر من التعصب الممقوت للمذهب والعقيدة والذي أدّى إلى ذهاب ريحهم وتفرقهم قِدداً، وانتقاص أطراف ملكهم الواسع، وصيّرهم خولاً لمن كانوا لهم أتباعاً، وجنوا من ثمرات ذلك التنازع ما أطمع فيهم الغريب، وهم في هذا العصر أحوج منهم في كل العصور إلى التضامن والتآزر وترك التنازع فيما لا يجدي، وهو آية الفشل في ميادين الحياة، وإلى الاعتصام بعروة العقيدة الإسلامية الجامعة التي هي فوق الشبهات والأهواء، وقى الله تعالى المسلمين شر التفرق الذي أدّى بهم إلى الضعف، وجمعهم على التناصر والتظافر وإعلاء دين الله الإسلام، والله مع الجماعة.
الفكرة الشيعية
أسبابها - انتشارها
نأتي في هذا الجزء من كتابنا تاريخ الشيعة وهو تاريخها السياسي على مقدمة نشرح فيها الأسباب التي جعلت للشيعة كياناً سياسياً قام على منابذة السياسة الأموية، ثم على مناجزة السياسة العباسية، وكان من جهادها السياسي المستتر في عهد هاتين الدولتين تحت ستار التكتم والتقية، أن قام للشيعة دول في المشرق والمغرب كان القائمون على سلطانها في أول الأمر رجالاً من العلويين من بني الحسن والحسين، ومن العباسيين يوم انتشر دعاة الشيعة من العلويين والعباسيين في مختلف الأمصار الإسلامية، يدعون متحدين للفريقين. على أن الدعوة العباسية لم تكن في ظاهرها إلا دعوة للعلويين، ولم يطل العهد حتى أثمرت هذه الدعوة ثمرة اقتطفها بنو العباس، وما كان هؤلاء وقد آل إليهم السلطان وخلافة الإسلام أعطف على العلويين من الأمويين، ولا أقلّ تنكّراً لهم من أولئك، ممّا كان من أثره قيام دولة علوية في الشرق وأُخرى في الغرب الأفريقي والأندلسي من الأدارسة من بني الحسن، ومن الفاطميين من بني الحسين. ثم كان للشيعة في عهد انحلال الدولة العباسية وانتثار عقد سلطانها وامتداد الأيدي الغريبة إليها من التُّرك والفرس والعرب، دول من غير القبيل الهاشمي والفاطمي كالدول: البويهية والحمدانية وبني دُبيس وصدقة.
أما الأسباب فإنها كثيرة وقد بحث عنها المؤرخون، فمنهم من تعرّض لبحث القريب منها وأغفل البعيد، ومنهم من تعرّض لبحث الأمرين، وإنّا نلخصها معتمدين في ذلك على منطق الوقائع ووضوح الحوادث، وهي فيما استنتجناه تعود إلى أمور:
الأول (الخلافة):
هذا المنصب الخطير الذي كان يعتقد الشيعة أنه لعلي وبني علي من فاطمة بالوصية من النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وبالنص الجلي الذي لا ارتياب فيه، ولهم أدلة من الحديث والكتاب على انحصاره في علي والأئمة من بنيه وأنه كمنصب النبوة وهو خلافة لها لا يرجع إلى الشورى والاختيار، وأنه من الأصول الاعتقادية. فصرفُه عن علي وأهل بيته كان ولا ريب من أسباب سخط الشيعة ومن دواعي عملهم في السر والخفاء على إعادته إلى نصابه وصرفه إلى أهله الذين هم أجدر به، وهو المنصوص عليه في اعتقادهم.
الثاني:
سكت الشيعة مختارين أو مكرهين على الطاعة لمن ملكوا ناصية الخلافة بالاختيار والانتخاب والوصية والشورى للخلفاء الثلاثة وهم لم يبتعدوا عن إدارة مهامّها عن أسلوبها الديني؛ وسكتوا كما سكت إمامهم عن المناجزة في سبيل استردُّدها إليه لاعتبارات كثيرة رآها علي وحزبه من أعظم الدواعي إلى السكوت والرضا بالأمر الواقع، وفي الخروج عنها ما يتخوف منه على بَيضة الإسلام، وهو لم يستكمل بعدُ دعوته ولم يعتصم بعد بالقوة التي ترد عنه أعداءه الكثيرين، وتحمي تلك الدعوة ممن همّوا بالخروج عن الإسلام وقد رأوا رؤوس الفتنة تطلع بالردّة حوالي المدينة وبالأقطار العربية الأُخرى من أنحاء الجزيرة، ورأوا بنظرهم البعيد وحرصهم على انتشار الدعوة الإسلامية ما يكون من الإضرار بها إن انصرفوا إلى التنازع فيما بينهم المؤدّي إلى ذهاب ريحهم وتبدّد قوتهم وهو سلاح حاد للطامعين بالخروج من القريب، وبنقض الدعوة من الغريب القوي من الرومان والفرس. فرأوا - والحكمة الرشيدة فيما رأوا - أن ترك المطالبة بالحق - والمطالبة به تؤدي إلى مثل هذه النتائج - واجب محتَّم، فسكتوا، وإذا كان في السكوت ضرر ففي تركه أكبر الضررين. فكان عليّ وحزبه المثل الأعلى في الإعراض عن التنازع، والالتفاف حول الخلفاء ومناصرتهم، وفيها مناصرة للإسلام، والظهور بمظهر الوحدة وهي قوة حامية للدعوة صائرة إلى إعزاز الإسلام كلمة الله الباقية في الأرض.
الثالث:
إن مما لا ريب فيه أن قيام الخلافة على الشكل الذي قامت فيه من الانتخاب الذي لم يستكمل شرائطه حتى عند من يقول بالاختيار في هذا المنصب، أن أسكتت المصلحة الإسلامية العامة من كان منصوصاً عليه من النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحزبه عن نقضه بقوة الجدل أو بقوة السلاح، وعن منازعة من صار إليه بانتخاب فريق من ذوي الحل والعقد دون الفريق الآخر، ومنهم علي وحزبه من الهاشميين وغير الهاشميين من أفاضل الصحابة، فلم يكن هذا السكوت المنبعث عن تلك المصلحة التي راعاها الفريق الذي عُزل عن حقه في الاختيار أو افتئت على حقه في النص، إلا بالذي يترك في النفوس أثراً إن لم يكن في نفس صاحب الحق فإنه في نفوس حزبه، وإن غلبت عليه دواعي الحال فلم تغلب عليه دواعي الاستقبال يوم تمكّن الفرص منه، والجرح إذا لم يندمل يوم فساده فهو إلى النكأة قريب.
كوّنت هذه الحال فكرةً لدى الشيعة فعملوا لها في السر على استرجاع الحق إلى أهله، ومن رسخت في نفوسهم هذه الفكرة يرونها واجباً دينياً يجب العمل به يوم تمكن الفرصة من العمل، فكانت كامنة في هذه النفوس الشيعية كمون النار في الرماد، وهي مع ذلك لم تجد إلا ما يستثيرها ويستفزّها ويذكّيها. ولم يجد حاملوها من حسن السياسة ما يخفف من سخائمهم، ولا ننكر أنه قد اندسّ فيهم من لم يكن مخلصاً لا لعلي ولا للمسلمين، ومن لم يكن راضياً عن خلافة الخلفاء إمّا حسداً وهو يرى مكانة قبيله أشرف من مكانة قبيلهم، وإمّا طمعاً في ولايةٍ من ولايات الخلافة، وهو لم يكن ذا حظ منها عملاً بقول الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ = نصيب ولا حظّ تمنَّى زوالها
والنفوس مطبوعة على حب السلطان وأبهة الحكم، ولا سيما ممن يرجع إلى قبيل شريف، وإما عقيدة في علي خرج بها عن حد القصد، وادّعى فيه ما لم يدعه هو ولا حزبه كابن سبأ وأضرابه، وإما رجاء في المستقبل بالمشاركة في الأمر والنهي. فكان العباسيون كالعلويين والأمويين يرون أن لهم في ذلك المنصب من المؤهلات أضعاف ما لمن ولِيَهُ من الخلفاء، فأدّى ذلك كله إلى اصطباغ الفكرة الشيعية بكثير من الألوان.
الرابع:
إن سياسة الخلافة كانت في عهد الخليفتين الأولين لا تبتعد عن روح الدين كما عرفت. وكانت حريصة على جمع الكلمة الإسلامية وبعيدة عن الاستئثار والافتئات، وأقرب إلى تأليف القلوب النافرة من خلافة الثالث المعتز بقبيله الأموي الكثير العدد. وقد سلف أن الأمويين لم تكن لهم قدم راسخة في الإسلام، بل كانوا حرباً عليه وأعداء ألدّاء للدعوة، وقد أُكرهوا على دخولهم في الإسلام إكراهاً يوم فتح مكّة الذي ظهر فيه أمر الإسلام والمسلمين، ودانت له جبابرة مكة وعتاة العرب، وغلب على يهود خَيْبَر وقُرَيْظَة وبني المُصْطَلِق.
بسط هذا القبيل يده في سلطان هذا الخليفة الأموي، وولي كبريات الولايات والأعمال، وشاء القدر أن يلي معاوية في عهد الخليفة الثاني ولاية الشام، وتمتد ولايته إلى خلافة عثمان، فيتسع أمامه مجال ترسيخ قواعد سلطانه. وقد جمعت هذه الولاية مما خلفه فيها الرومان من كنوز الثروة ومن العمران الزاخر والخصب العجيب ما يزيد في قوة سلطانه ونفوذه. وهو قد أوتي دهاء إلى سياسة مشى فيها بعيداً جد البعد عن روح السياسة الإسلامية الدينية، فكان فيه مطمع لذوي النفوس الضعيفة الطامحة إلى مشاركته في رغد العيش ورفاهيته.
هذا إلى ما نال في سلطان هذه الخلافة أعلام صحب علي من إرهاق وترويع، ومنها ما أصاب الصحابي الجليل أبا ذَرّ الغفاري من نفي إلى الشام، ومن الشام إلى الرَّبَذة حيث مات في هذا المنفى.
كانت هذه السياسة الجديدة وهي قائمة على إدارة رجال أمويين لا يعرفون للقصد حداً، وهي مصطبغة بصبغة بعيدة عن روح الدين، من أسباب نفور الشيعة ومن أسباب قوة الفكرة الشيعية في العمل لإرجاع الخلافة إلى أهلها، ولا نستطيع أن نقول: إن لعلي يداً في تغذيتها، وهو أبعد عن إحداث فتنة في الإسلام، ولكن ماذا يعمل علي في سبيل إخماد ثائرة النفوس، وقد امتلأت سخيمة من هذه السياسة القائمة على إرهاق أشياعه والابتعاد بالخلافة عن مناهجها الدينية...، وقد عرفت أن في الملتفّين حول الدعوة الشيعية أصنافاً من الناس ومنهم من له هوى غير
هوى على ورجوع الخلافة إلى علي. فكان من نتائج تلك السياسة ومن مجموع هذه العناصر المكوّنة منها فكرة الدعوة للخلافة الحقة، انتقاض الأمصار على عثمان وقيام من قام منها من الكوفة ومصر والمدينة بمحاصرته في داره فمقتله. وما كان الجاني عليه في نفس الأمر والواقع إلا رجال قبيله، وهم وحدهم الملومون عند الباحث المنصف، وهم الذين جنوا على الإسلام لا الشيعة كما يزعم كثير من الباحثين، وخاصة في هذا العصر الذي توفرت فيه لديهم الأسباب لتمحيص الحقائق، وأوتوا وراء ذلك علماً بأساليب البحث ومعرفة بفلسفة المباحث الإسلامية وتاريخ الإسلام. ولئن بعدت عنهم الحوادث التي حدثت واكتنفها كثير من الغموض بواسطة العصبيات المذهبية التي تكونت من العصبيات الحزبية، فإن منطق تلك الحوادث التي تضافر على نقلها علماء الفريقين من الحزبين أو المذهبين، ما يرشد المنصف إلى سواء السبيل، وإلى تعليل تلك الحوادث بعللها الصحيحة، ولا سيما إذا تجرد عن التقليد لسلفه أو انجرّ إليه وهو في موقف تعليل الحوادث بعامل التأثير الخفي بما كان لسلفه من الرأي وهو في موقف تعليل الحوادث بعامل التأثير الخفي بما كان لسلفه من الرأي والاعتقاد، وهو يظن أنه يكتب لفلسفة التاريخ الإسلامي، وما مؤدى فلسفته إلا الغمز من قناة الشيعة وتسفيه آرائهم وإلصاق كل جناية بهم.
الخامس:
لم يكن ما مُني به عليّ، وقد آل إليه مصير الخلافة، من الانتقاض عليه ممن بايعه أمس، ومن وقعة الدار، وقد شاء أعداؤه أن يحمّلوه منها أثقل الأوزار. وتحيّن معاوية الفرصة وقد استوسق له أمر الشام وأُطلقت يده في حكمه الذي استمر مدة طويلة، فاتّخذ من مقتل عثمان ذريعة لمنافسة عليّ في الخلافة، وما كان له بكفء في منزلة من منازل الشرف والفضيلة، مِمّا أَدّى إلى وقوع أعظم حرب منذ ظهور الإسلام وحتى ذلك الوقت بعد حرب الجمل التي جرها نقض من بايع بيعته.
لم يكن ما مُني به عليّ من هذه الأحداث العظيمة إلاّ حافزاً عظيماً لشيعته ومن التفّ حولهم وقال بمقالتهم ونفر من افتئات معاوية بالأمور نفورهم، لترويج تلك الفكرة الشيعية، وإن شئت فقل السياسية أو الحزبية.
السادس:
مقتل عليّ منازعاً في خلافته الحقة، مغلوباً على أمره من مناوئيه من هنا وهناك، فلا يمكن له من تقويم المعوّج والسير بالأمة في سياسة تضمن لها انتظام أمري دينها ودنياها، وابتلاؤها، وابتلاؤه بعد وقعة (صفّين) بالخوارج ممن كانوا يتظاهرون بالتشيّع له ثم بالتآمر عليه وقتله، وانتهاء الأمر إلى معاوية بعد ستة أشهر من خلافة الحسن التي انتهت إليه، وهو في حزب متضعضع الأركان مشتت الأهواء، تجمعت فيه عناصر لم يكن الكثير منها مخلصاً.
كان من الطبيعي، بعد هذين الحادثين العظيمين: مقتل علي وفشل جيش الحسن في محاربة معاوية، أن ينتهي أمر الحسن إلى ترك الحرب ومسالمة معاوية على شروط ومواثيق التزم بها.
وكان من جراء هذه الأحداث وإِخلاف معاوية للميثاق الذي أعطاه للحسن، وما جرّه هذا الميثاق على شيعة الحسن من المغارم والمظالم والقتل الذريع على يد عمّاله أمثال زياد وسَمُرَة وعمرو بن سعيد الأشْدَق وبُسْر بن أبي أَرْطاة وأضرابهم - دع ما كان في أيامه من الأحداث التي يمقتها الدين، والتي صبغت الخلافة الدينية بصبغة السلطان الدنيوي الجائر - كان ذلك كله وما إليه من أسباب نموّ تلك الفكرة.
السابع:
وهو مقتل الحسين، بعد مقتل الحسن مسموماً على يد جَعْدَة زوجته بِدَسيسَةٍ من معاوية، وقيام يزيد بعده بسلطان الخلافة وهو من لم تحمد سيرته لا في الدين ولا في سياسة الملك والسلطان.
كان هذا من أعظم الأسباب، بل كاد ينحصر فيه، ظهور الفكرة الشيعية بصورة عملية منظمة، وزاد في تنظيمها ما كان يلاقيه بعض رجالات أهل البيت بعد يزيد من الظلم الأموي، وقد ولي الأمر من بني أُميّة مروان وأبناء مروان.
وكان أول هدف للشيعة في سبيل تحقيق الفكرة الشيعية هو قيامهم وعلى رأسهم المختار بأخذ ثأر الحسين. ومن الواضح البيّن أن الذين كانوا ينظّمون الدعوة والذين قاموا بالثورة يرجعون إلى (محمد بن الحنفيّة)، ثم إلى ولده من بعده. ولم يكن أحد من ولد الحسن والحسين في أول الأمر
ممن يدعى إليه أو يرضى الدعوة لنفسه، فكان المختار بثورته داعية محمد بن الحنفيّة، ثم انتشر الدعاة باسم بني محمد بن الحنفية وبني العباس، أو للرضا من آل محمد ظاهراً. أما ابن قتيبة فهو يقول في كتابه (الإمامة والسياسة) في بدء الفتن والدولة العباسية، قولاً لم ينظر فيه إلاّ إلى سبب واحد من الأسباب التي ذكرناها وغيرها مما لم نذكره ومما سنذكره في هذهِ المقدمة، قال:
(لما سلّم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، قامت الشيعة من أهل المدينة وأهل مكة وأهل الكوفة واليمن وأهل البصرة وأرض خراسان في سَتْرٍ وكتمان. فاجتمعوا إلى محمد بن علي (وهو محمد بن الحنفيّة)، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك. وعرضوا عليه قبض زكاتهم لينفقوها يوم الوثوب حين تحين الفرصة فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته، فقبلها. وولّى على شيعة كل بلد رجلاً منهم، وأمره باستدعاء من قبله منهم في سرّ وتوصية إليهم ألا يبوحوا بمكتومهم إلاّ لمن يوثق به حتى يرى للقيام موضعاً. فأقام محمد بن الحنفية إمام الشيعة قابضاً لزكاتهم حتى مات. فلما حضرته الوفاة ولّى عبد الله ابنه من بعده وأمره بطلب الخلافة إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، وأعلم الشيعة بتوليته إياه، فأقام عبد الله بن محمد بن علي وهو أمير الشيعة. فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك في أول خلافته أن الشيعة قد بايعت عبد الله بن محمد بن علي بعد أبيه، فبعث إليه، وقد أعدّ له في أفواه الطرق رجالاً معهم أشربة مسمومة، وأمرهم إذا خرج من عنده أن يعرضوا عليه الشراب، فلما دخل على سليمان أجلسه إلى جانبه ثم قال له: بلغني أن الشيعة بايعتك على هذا الأمر، فجحده عبد الله وقال: بلغك الباطل، وما زال لنا أعداء يبلغون الأئمة قبلك عنا مثل ما بلغك ليغروهم بنا فيدفع الله عنا كيد من ناوأنا، وأنا بما يلزمني من مؤونتي أشغل مني بطلب هذا الأمر. ثم خرج من عنده في وقت شديد الحر، فكان لا يمر بموضع إلاّ قام إليه الرجل بعد الرجل يقول له: هل لك في شربة سويق اللوز وسويق كذا وكذا يا ابن بنت رسول الله؟ ونفسه موجسة منهم، فيقول: بارك الله لكم، حتى إذا وصل إلى آخر الطريق خرج إليه رجل من خبائه وبيده عُسٌّ فقال: هل لك في شربة من لبن يا ابن بنت رسول الله؟ فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسمم، فشرب منه ثم مضى،
فلم ينشب أن وجد للسمّ حسّاً فاستدلّ على الطريق إلى الحميمة، وبها جماعة آل العباس، وقال لمن معه: إن متّ ففي أهلي، ثم توجّه فنزل على محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس فأخبره الخبر، وقال له: إليك الأمر والطلب للخلافة بعدي، فولاّه وأشهد له من الشيعة رجالاً، ثم مات. فأقام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ودعوة الشيعة له حتى مات، فلمّا حضرته الوفاة ولّي محمد بن إبراهيم الأمر، فأقام وهو أمير الشيعة وصاحب الدعوة بعد أبيه، انتهى)(١) .
وكأن تسليم الحسن الأمر إلى معاوية بعد أخذه عليه العهود، نبَّه الشيعة، وهم يعلمون أنهم إذا لم ينكمشوا في أمرهم ويقلّدوه رجلاً من آل علي أو ولد العباس، وقد تنازل عنه الحسن ولم ينهض به الحسين - والإمامة لأخيه - فهم مأخوذون في عقر دارهم مُستهدفون للظلم، وإن كان هذا الرأي لا يراه كل الشيعة، ومنهم من يعتقد انحصاره في علي والأئمة من بنيه من فاطمة، وإنه ليس لسواهم ولا لبني العباس. ولكنه قد يكون في الشيعة من يؤيد القائمين وإن لم يروا رأيهم في إمامة محمد بن الحنفية وولده وولد ابن عباس، منهم إن لم يتفقوا معهم في العقيدة فهم متفقون معهم في التماس الخلاص من الظلم الأموي.
الثامن:
لم يكتف معاوية باغتصاب الخلافة من عليّ وهو المتعين لها على مذهب الإمامية بالنصّ ومذهب أهل السنة والجماعة ببيعة أهل الحلّ والعقد وهو الإمام المفترض الطاعة الذي لا تجوز محاربته. ولم يكتف بمحاربته وهو الظالم له، ولا بطغيان جيوشه على بلاده وانتقاصها من أطرافها وتأمير مثل (بُسْر بن أبي أرطاة) عليها، وهو الفظ الغليظ وحسبه لؤماً قتله في غزوته اليمن طفليّ عاملها من قبل علي بن عبد الله بن عباس. لم يكتف بهذه الأفاعيل حتى سنّ مَسبَّة عليّ في حياة عليّ، ولم يتحرّج من أن يسمعها ولده الحسن وقبيله الهاشميّ غير متأثم لا مستعظم، ثم درج عليها من وُلّي الأمر بعده من الأمويين إلى أن أبطلها عمر بن عبد العزيز.
____________________
(١) الإمامة والسياسة لابن قتيبة.
هل هذا من العقل والدهاء اللذين وُصف بهما معاوية؟ وهل من الحكمة استفزاز العلويين وأشياعهم وقبيلهم الهاشميّ بمثل هذه البدعة من سبّ إمام حق مفترض الطاعة؟... وهل تحتملها النفوس الأبيّة مهما اتّصف أهلها بالتؤدة والحلم والأناة...؟
أليست وحدها - دع تلك الأحداث العظام التي أحدثها في الإسلام ومنها أخذه البيعة لولده الذي لا يدين بدين الحقّ - مما يكون من أعظم الأسباب لتضامن الحزب الساخط على هذه السياسة ومثيلها من سياسة من وُلّوا الخلافة من بني أميَّة...؟
التاسع:
لم يكتف الأمويون باغتصابهم الخلافة بغير حق، وهم ليسوا لها بأهل، وافتئاتهم بسلطانها وهم ليسوا برشدة ولا بحكماء حتى اتخذوا لهم أشياعاً من الظَّلمَة. فكان لمعاوية مثل زياد وسَمُرَة وبُسْر بن أبي أَرْطاة، وكان ليزيد مثل عبيد الله بن زياد، وكان لعبد الملك مثل الحجاج، ولهشام مثل يوسف بن عمر، ولغيرهم مثل هؤلاء ممن كان همهم اضطهاد أشياع علي وهم كثر منتشرون في كل بلد إسلامي، وما كانوا بل وما كانت الأمة إن أسكتتها القوة وهي بعد مجتمعة تحت سلطان الخلافة المغمور بالفتوح وامتلاك ناصية الأمم، بالراضية عن شكل هذا الحكم السابح في بحار من الدماء والجرائم والآثام. ومع ذلك فإن القائمين عليه لم يدعوا طريقة من طرق استفزاز من لهم مكانتهم في نفوس الأمة ولا سيما من عليّة الهاشميين إلاّ وقد سلكوها غير ناظرين إلى ما لها من العُقْبى في تفريق شملهم يوم قيام الفرصة السانحة وانتزاع الأمر المغصوب منهم يوم يمكّن منه القدر.
أحرجوا الحسين فأخرجوه، وقد رأى الخروج واجباً، وقد طلبوا منه وهو الإمام الحق وسبط الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يبايع يزيد. وظن وقد كاتبه الكوفيون، وبايع منهم لابن عمه (مسلم بن عقيل) ثمانية عشر ألفاً، أنه سيكون في منعة، وفي جيش كوفي مناصر يتغلب به على يزيد وأنصار يزيد، فيخلّص المسلمين منه ومنهم. ولكن انتهى الأمر بفشل الكوفيين ونكثهم البيعة له وبمقتله ومقتل أهله وأنصاره القليلين.
ولكن لم تكن هذه المأساة إلاّ المُعْول الأول لانتقاض بنيان الخلافة الأموية حجراً فحجراً.
استفزّوا زيد بن علي، ودم جده بعد لم يجفّ من أرض الكوفة ومأساته الفادحة لم تُنس، فخرج آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ولم يكن طالباً للإمامة وهو يعلم أنها ليست له بل هي لأخيه (أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)). وظن كما ظن أبوه من قبله أنه في عزة ومنعة بأنصاره الكوفيين الذين بايعوه كما بايعوا جده، وأصابه من نكثهم بيعته ما أصاب جده، فانتهى الأمر بقتله وصلبه.
وقال بعض أشياع الأمويين فيه:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ولم نرَ مهدياً على الجذع يُصلبُ
وقـستم بـعثمان عـلياً سفاهة وعثمان أزكى من علي وأطيب
قد ذكر المؤرخون أسباباً لخروجه، وسنذكرها في مواضعها من هذا الكتاب، وكان خروج زيد سنة مائة وإحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين.
وخرج بعده ولده يحيى بن زيد بن علي بن الحسين سنة خمس أو ست وعشرين بالجوزجان من بلاد خراسان، منكراً للظلم وما عم الناس من الجور، فانتهى خروجه بقتله وصلبه، ولم يزل مصلوباً إلى أن خرج أبو مسلم صاحب الدولة العباسية وقتل قاتله (سَلْم بن أَحْوز)، وأنزل جثة يحيى فصلى عليها ودفنت هناك.
أمّا ما كان لمقتل يحيى من الأثر في النفوس الخراسانية وثورتها على الظلم الأموي، فخُذْ دليلاً عليه ما ذكره المؤرخون ومنهم المسعودي في مروجه فقال:
(وأظهر أهل خراسان النياحة على يحيى بن زيد سبعة أيام في سائر أعمالها في حال أمنهم على أنفسهم من سلطان بني أميّة، ولم يولد في تلك السنة بخراسان مولود إلاّ وسُمّي بيحيى أو بزيد لما داخلَ أهل خراسان من الجزع والحزن عليه)(١) .
____________________
(١) مروج الذهب للمسعودي المجلد ٢ ص١٨٥ - المطبعة البهية سنة ١٣٤٦هـ.
نشاط الشيعة لتنظيم الدعوة
ونشرها ضد الأمويين
هذه الأسباب التي ذكرناها لا نزعم أنها هي وحدها التي أهابت بالشيعة إلى نفورها من الأمويين وحكمهم الظالم، بل هناك أسباب أُخرى نعرض عنها للاختصار مجتزئين بما ذكر.
هذه الأسباب إلى ما يضارعها دعت الشيعة إلى تنظيم صفوفها وتنظيم دعاتها إلى كل ما ينقض بنيان السلطان الأموي.
وإليك ما علّله ابن خلدون في تاريخه من خروج العلويين حيث قال:
(قد تقدم لنا ذكر شيعة أهل البيت لعلي بن أبي طالب وبنيه رضي الله عنهم، وما كان من شأنهم بالكوفة وموجدتهم على الحسن في تسليم الأمر لغيره، واضطراب الأمر على زياد بالكوفة من أجلهم، حتّى قتل المتولون كِبَر ذلك منهم (حِجْر بن عَديّ) وأصحابه. ثم استدعوا الحسين بعد وفاة معاوية، فكان من قتله بكربلاء ما هو معروف. ثم ندم الشيعة على قعودهم عن مناصرته، فخرجوا بعد وفاة يزيد وبيعة مروان، وخروج عبيد الله بن زياد من الكوفة، وسمّوا أنفسهم التوّابين، وولّوا عليهم (سُليمان بن صُرَد)، ولقيتهم جيوش ابن زياد بأطراف الشام فاستلحموهم.
ثم خرج (المختار بن أبي عُبيد) بالكوفة طالباً بدم الحسين رضي الله عنه وداعياً لمحمد بن الحنفيَّة، وتبعه على ذلك جموعه من الشيعة، وسماهم شرطة الله. وزحف إليه (عُبيد الله بن زياد) فهزمه المختار وقتله. وبلغ محمد بن الحنفيّة من أحوال المختار ما نقمه عليه فكتب إليه بالبراءة
منه، فصار إلى الدعاء (لعبد الله بن الزُّبَيْر)، ثم استدعى الشيعة من بعد ذلك زيد بن علي بن الحسين إلى الكوفة أيام هشام بن عبد الملك، فقتله صاحب الكوفة (يوسف بن عمر) وصلبه. وخرج إليه ابنه يحيى بالجَوْزَجان من خُراسان فقُتل وصُلب كذلك، وطُلّت دماء أهل البيت في كل ناحية)(١) .
وبعد أن أوجز اختلاف الشيعة في الإمامة ومصيرها إلى مذاهب الإمامية والزيدية أتباع زيد، والكيسانية المعتقدين إمامة محمد بن الحنفية قال:
(ولمّا صار أمر بني أمية إلى اختلال، أجمع أهل البيت بالمدينة وبايعوا بالخلافة سراً لمحمد بن عبد الله بن حسن المُثَنّى بن الحسن بن علي، وسلّم له جميعهم، وحضر هذا العقد أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو المنصور، وبايع فيمن بايع له من أهل البيت، وأجمعوا على ذلك لتقدمه فيهم، ولما علموا له من الفضائل عليهم. ولهذا كان مالك وأبو حنيفة يجتمعان إليه حين خرج من الحجاز، ويريدون بذلك أن إمامته أصح من إمامة أبي جعفر لانعقاد هذه البيعة من قبل، وربما صار إليه الأمر من عند الشيعة بانتقال الوصية من زيد بن علي. وكان أبو حنيفة يقول بفضله ويحتج إلى حقه، فتأدت إليهما المحنة بسبب ذلك أيام أبي جعفر المنصور حتى ضرب مالك على الفُتياء في طلاق المكره، وحبس أبو حنيفة على القضاء)(٢) .
لم يدع رجال الشيعة وسيلة من وسائل التفكير في حمل الكافة على مقت الخلافة الأموية - وإن كان ما يصدر عنها كافياً لنماء ذلك المقت - ولم يتركوا ذريعة من الذرائع لتكوين فكرة عامة، ولا حيلة من الحيل لتفكيك عرى عصبيتها والعمل المشترك على دكّ عرشها، إلاّ وقد تذرعوا. وأنشأوا الأحزاب الخفيّة وبثوا الدعاة في الأمصار ولا سيما البعيدة عن عاصمة الخلافة كبلاد خراسان الواسعة، وهي البلاد التي لم تقم فيها عصبية للأمويين بل ولا للعرب وأهلها، وإن دخلوا في الإسلام فهم لا
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون ج٤ ص٣، ٤ - دار الكتاب اللبناني - بيروت.
(٢) نفسه ج٤ ص٥، ٦.
ينسون عزة سلطانهم وقد انتزعه منهم العرب، ولا كان في طبيعة الحكم الأموي من العدل ما يحملهم على النسيان أو التناسي وفي نفوسهم نزوع إلى استردُّد ملكهم واسترجاع سلطانهم المفقود، فكانوا بطبيعة الحال أميل إلى الحزب الهاشمي المعارض والنفوس مطبوعة على هوى المستضعف. دع ما في انضمامهم إلى هذا الحزب ما يرون فيه الوصول إلى بغيتهم وهي رجوع سلطانهم إليهم وفيهم من عرف بفصل الدعاوة أو بدراسة الدين الحق لأهله.
ولهذه العوامل اعتزت الدعوة الهاشمية بخراسان بكثرة الأشياع والأتباع وقيام (أبي مسلم الخراساني).
العصبية بين النِّزاريّة واليَمانية:
ومن آثار هذه السياسة الشيعية الخفية المرتكزة على دمامة التفكير الصحيح من الحزب المعارض، قيام العصبية النِّزارية واليمانية التي كان (الكُميت) الشاعر الهاشمي السياسي أول من أذكى جذوتها وهو نزاري، وكان خصمه الذي نَهَدَ لمعارضته (دِعْبِل) الشيعي الشاعر الهاشمي السياسي وهو يماني.
وسبب قيام هذه العصبية بعد أن أتى الإسلام على كل عصبية جاهلية، أنّ الكُميت لما قال الهاشميات قصد البصرة فأتى (الفَرَزْدَق) وهو شيعي فأنشد قصيدته التي مستهلُّها:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب
ولمّا أتمّ إنشادها قال له: (أظهِر، ثم أظهِر...)، وهذا هو غرض الكُميت الذي كان يقصده من عرض قصيدته على شاعر عصره الفَرَزْدق.
(ولما قدم الكميت المدينة أتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فأذن له، وأنشده فلما بلغ من قصيدته قوله:
وقتيل بالطفّ غودر منهم بين غوغاء أمة وطغام
بكى أبو جعفر ثم قال:«يا كُميت، لو كان عندنا مال لأعطيناك،
ولكن لك ما قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لِحسَّان بن ثابت: لا زلت مؤيداً بروح القدس ما ذببت عنا أهل البيت» .
فخرج الكُميت من عنده، فأتى عبد الله بن الحسن بن علي فأنشده فقال: يا أبا المستهل، إن لي ضيعة أُعطيت فيها أربعة آلاف دينار، وهذا كتابها، وقد أشهدت لك بذلك شهوداً، وناوله إياه.
فقال له الكُمَيت:
(بأبي أنت وأمّي، إني كنت أقول الشعر في غيركم أريد بذلك الدنيا والمال، ولا والله ما قلت فيكم إلاّ لله، وما كنت لآخذ على شيء جعلته لله مالاً ولا ثمناً.
فألحّ عبد الله عليه وأبى من إعفائه، فأخذ الكُميت الكتاب ومضى. فمكث أياماً ثم جاء إلى عبد الله فقال:
(بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول الله، إني لي حاجة).
فقال له عبد الله: (وما هي؟ وكل حاجة لك مقضية). قال الكُميت: (كائنة ما كانت؟). قال عبد الله: (نعم).
قال الكُمَيت: (هذا الكتاب تقبله وترتجع الضيعة).
ووضع الكتاب بين يدي عبد الله، فقبله عبد الله.
ونهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأخذ ثوباً جلداً فدفعه إلى أربعة من غلمانه، ثم جعل يدخل دور بني هاشم ويقول:
(يا بني هاشم...، هذا الكُميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم وعرض دمه لبني أمية فأثيبوه بما قدرتم)، فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير ودراهم، واعلم النساء بذلك فكانت المرأة تبعث ما أمكنها حتى إنها لتخلع الحلي عن جسدها. فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت، فقال:
(يا أبا المستهل...، أيتناك بجهد المقل ونحن في دولة عدونا، وقد جمعنا هذا المال وفيه حلى النساء كما ترى، فاستعن به على دهرك).فقال الكُميت:
(بأبي أنت وأمي، قد أكثرتم وأطيبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله، ولم أك لآخذ لذلك ثمناً من الدنيا فأرده إلى أهله). فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة فأبى، فقال له:
(إن أبيت أن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئاً تغضب به بين الناس، لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما يجب).
فابتدأ الكُميت وقال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه من مُضَر بن نِزار بن مَعدّ، وربيعة بن نزار، وأياد وأَنْمار ابني نزار، ويكثر فيها من تفضيلهم ويطنب في وصفهم، وأنهم أفضل من قحطان، فغضَّب بها بين اليمانية والنزارية، وهي قصيدته التي أولّها:
ألا حييت عنا يا مدين وهل ناس تقول مسلمينا
إلى أن انتهى إلى قوله تصريحاً وتعريضاً باليمن فيما كان من أمر الحبشة وغيرهم فيها وهو قوله:
لـنا قـمر السماء وكلّ نجم تـشير إلـيه أيدي المهتدينا
وجـدت الله إذ سـمّى نزار وأسـكنهم بـمكة قـاطنينا
لـنا جمل المكارم خالصات ولـلناس الـقفا ولنا الجبينا
وما ضربت هجائن من نزارٍ فـوالح من فحول الأعجمينا
وما حملوا الحمير على عتاق مـطـهرة فـيلفوا مـبلغينا
ومـا وجدت بنات بني نزارٍ حـلائل أسـودين وأحمرينا
وقد نقض دِعْبِل بن علي الخُزاعيّ هذه القصيدة على الكُميت وغيرها، وذكر مناقب اليمن وفضائلها ومدح ملوكها، وعرّض بغيرهم كما فعل الكُمَيت وذلك في قصيدته التي أوّلها:
أفـيقي من ملامك يا ظعين كـفاك الـلوم مرّ الأربعينا
ألـم تـحزنك أحداث الليالي يـشيبن الـذوائب والقرونا
أحيي الغر من سروات قومي لـقد حـييت عـني يا مدينا
فـإن يـك آل إسرائيل منكم وكـنتم بـالأعاجم فـاخرينا
فـلا تنس الخنازير اللواتي مُـسخن مع القرود الخاسئينا
بإيلة والخليج لهم رسوم وآثارٌ قدمن وما محينا
لقد علمت نزار أن قومي إلى نصر النبوّة فاخرينا
وهي طويلة، ونمي قول الكُمَيت إلى النزارية واليمانية، وافتخرت نِزار على اليمن، واليمن على نِزار، وأدلى كل فريق بما له من المناقب، وتحزّبت الناس وثارت العصبية في البدو والحضر، فنتج بذلك أمر (مروان بن محمد الجَعديّ) وتعصّبه لقومه من نزار على اليمن، وانحراف اليمن عنه إلى الدعوة العباسية، وتغلغل الأمر إلى انتقال الدولة عن بني أمية إلى تعصباً لقومه من ربيعة وغيرها من نزار، وقطعه الحلف الذي كان بين اليمن وربيعة في القدم، وفعل (عُقبَة بن سالِم) بعُمان والبحرين وقتله عبدِ القيس وغيرهم من ربيعة كياداً لمعن وتعصباً من عُقبة بن سالم لقومه من قَحطان. وغير ذلك مما تقدم وتأخر مما كان بين نزار وقحطان)(١) .
مغزى هذه القصة والعبرة منها:
إن الباحث يستنتج من هذه القصة أموراً:
الأول: استعداد النفوس لمثل هذه الثورة الفكرية المؤديّة إلى زوال حكم قائم على الأرستقراطية الممقوتة والاستئثار المذموم والاضطهاد العجيب وذهاب الشيعة منه بأوفر نصيب، وما كان غير الشيعة إلا كالشيعة في النفور منه.
الثاني: استفحال الدعاوة الشيعية وكثرة الملتفّين حولها للعمل على إزالة ظل ذلك الحكم بمختلف الأساليب وشتى الطرق.
الثالث: بعد غور القائمين على نشر هذه الدعاوة في فنون السياسة، فترى كيف حمل عبد الله بن الحسن ذلك الشيعي النزاري على إحداث هذه الثورة الفكرية، وكيف انبرى شيعي آخر لمناقضته مع كثرة الشعراء في ذلك العهد، وترى في ذلك مدى بصر الشيعة وشعرائهم في السياسة. وقد يكون هناك سر في حمل الشاعرين الشيعيين النزاري واليماني على هذه المناقضة
____________________
(١) مروج الذهب للمسعودي مجلد ٢ ص١٩٥، ١٩٦، ١٩٧ المطبعة البهية مصر سنة ١٣٤٦هـ.
المؤدية إلى ذلك الانقلاب العظيم الذي ظهر في دعوة عبد الله بن الحسن للشاعر نزار الكُمَيْت، وخفي في دعوة دِعْبل القحطاني لمناقضته، وإن الشاعرين على بيّنة منه، وهما بعد من أخلص المخلصين للعلويين لا يعدوان أمرهم ولا يتجاوزان مرضاتهم.
الرابع: اكتساب الشيعة عنصراً جديداً وقوة لا يستهان بها في تعزيز دعاوتهم، إن لم يكونا منبعثين عن عقيدة التشيع وعن اعتقاد اختصاص أهل البيت النبويّ بالخلافة، فهما منبعثان عن العصبية النزارية واليمانية التي أثارها الشاعران النزاري واليماني.
وكيف كان الحال فإن الدعوة الشيعية قد استمدت قوة إلى قوتها بفضل تضامن القبيل إلى القبيل بعامل العصبية، وهي التي احتمى بها الشاعران الشيعيان من امتداد الأيدي إليهما بسوء من غير الشيعة.
الخامس: تمكين الدعوة الشيعية بفضل هذه القوة الجديدة التي كانت مُعْولاً هدّاماً للسلطان الأموي الجائر، من تنظيمها ونشاط القائمين بها، واتخاذها شكلاً هو للظهور أقرب منه إلى الخفاء.
الإِرهاص بخلافة بني العباس
وزوالها عن بني أمية
رأينا أن نجمع في هذا الفصل جملة صالحة مما أرهص به المرهصون وجاء به الخبر من خلافة بني العباس وزوالها عن بني أمية؛ لارتباط ذلك بموضوع البحث، ولكي لا يفوتنا كل ما له علاقة بتعليل ذلك الانقلاب الخطير وما كان للسياسة الشيعية فيه من أثر بعيد. ويستخلص من جميع ذلك السبب الحافز لتمرّس العباسيين بأساليب الدعوة لمصير الأمر إليهم وانفرادهم به، بعد أن كانوا متحدين وبني عمهم من أبناء علي وأبناء فاطمة وبني جعفر على العمل لإزالة المُلك الأموي باسم الدعوة للرضا من آل محمد، وباسم التشيّع المشترك في الظاهر، وانفراد بني العباس في الباطن بحصرها فيهم وتستّرهم بالدعوة للرضا من آل محمد، اجتناباً للخلاف مع بني عمهم الذين كان ما مُنوا به من الظلم الأموي الجائر من أكبر دواعي انصراف الوجوه عن الأمويين وتلمّس وجوه الخلاص منهم، وتمهيداً لهم للوصول إلى الهدف بهذا الاتفاق المشترك.
وإننا نلخص تلك الإرهاصات والأخبار بأمور:
الأول:
ما أورده الطبري في تاريخه عند ذكره خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وسبب خلافته، قال:
(وكان بدء ذلك فيما ذكر عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه أعلم عباس بن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلى وُلْدِه، فلم يزل وُلْده يتوقعون ذلك ويتحدثون به بينهم.
وذكر علي بن محمد أن إسماعيل بن الحسن حدّثه عن رشيد بن كريب أن أبا هاشم خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال: يا ابن عمّ... إن عندي علماً أنبذه إليك، فلا تطلعنّ عليه أحداً، إن هذا الأمر الذي ترتجيه الناس فيكم.
قال: قد علمت فلا يسمعنه منك أحد.
قال علي: وأخبرنا سليمان بن داود عن خالد بن عجلان قال: لما خالف ابن الأشعث وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك، أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره فقال: أما إذ كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس، إنما كنا نتخوّف لو كان من خراسان)(١) .
الثاني:
ذكر المسعودي في (مروج الذهب) في نهاية أمر الأمويين ومدة استيلائهم على الخلافة وأنها ألف شهر وأنها تأويل قوله عزّ وجل( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) . ذكر رواية عن ابن عباس أنه قال: (والله ليملكن بنو العباس ضعف ما ملكته بنو أمية باليوم يومين وبالشهر شهرين وبالسنة سنتين وبالخليفة خليفتين)(٢) .
الثالث:
في شرح النهج لابن أبي الحديد(٣) قال: (وقد جاءت الرواية أن أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) - لمّا ولد لعبد الله بن العباس مولود - فقده وقت صلاة الظهر، فقال (أي علي):«ما بال ابن العباس لم يحضر؟... » ، فقالوا: ولد له ولد ذكر يا أمير المؤمنين. قال:«فامضوا بنا إليه» ، فأتاه، فقال له علي:«شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سمَّيته؟»
____________________
(١) تاريخ الطبري: ج٧ ص٤٢١.
(٢) مروج الذهب: ج٢ ص١٩٩.
(٣) أورد ابن أبي الحديد في شرحه أبياتاً جاء منها ما يؤيد معرفة الشيعة مدة ملك بني أمية وهي ألف شهر، وهو قول بعض شيعة بني العباس:
أليس في ألف شهر قد مضت لهم = سقيتم جرعاً من بعدها جرع
فقال: يا أمير المؤمنين أوَ يجوز لي أن أُسَمّيه حتى تسميه. فقال:«أخرجه إليّ...» ، فأخرجه، فحنكه ودعا له ثم رده إليه، وقال:«خذ إليك أبا الأملاك، قد سميته عليّاً وكنّيته أبا الحسن» )(١) .
الرابع:
نقل أبو الفرج الأصفهاني في مقاتله فقال:
(وكان علماء أبي طالب يرون فيه (محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب) أنه النفس الزكية، وأنه المقتول بأحجار الزيت، وكان من أفضل أهل بيته وأكبر أهل زمانه في زمانه في علمه بكتاب الله وحفظه له وفقهه في الدين وشجاعته وجوده وبأسه، حتى لم يشكك أحد أنه المهدي، وشاع ذلك له في العامة، وبايعه رجال من بني هاشم جميعاً من آل أبي طالب وآل العباس وسائر بني هاشم. ثم ظهر من جعفر بن محمد قول في أنه لا يملك، وأن الملك يكون في بني العباس، فانتبهوا بذلك لأمر لم يكونوا يطمعون فيه.
وخرجت دعاة بني هاشم إلى النواحي عند مقتل الوليد بن يزيد، واختلاف كلمة بني مروان، إلى أن قال: فلما ظهرت الدعوة لبني العباس وملكوا حرص السفاح والمنصور على الظفر بمحمد وإبراهيم لما في أعناقهم من البيعة لمحمد وتواريا، فلم يزالا ينتقلان في الاستتار، والطلب يزعجهما من ناحية إلى أُخرى، حتى ظهرا فقُتلا)(٢) .
الخامس:
ذكر أبو الفرج قبل هذا الكلام ما هو أوضح وأبين مما ظهر من جعفر (عليه السلام) في هذا المعنى، قال بحذف الإسناد: (إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأَبواء وفيهم إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأبو جعفر المنصور وصالح بن علي وعبد الله بن حسن وابناه محمد وإبراهيم ومحمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٢ ص٢١١.
(٢) مقاتل الطالبيين.
قال صالح: (قد علمتم أنكم الذين تمد الناس أعينهم إليكم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين)، فحمد الله عبد الله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال: (لقد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلمّ فلنبايعه. وقال أبو جعفر لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى، يعني محمد بن عبد الله. قالوا: قد والله صدقت، إن هذا لهو الذي تعلم. فبايعوا جميعاً محمداً ومسحوا على يده، قال عيسى: وجاء رسول عبد الله بن حسن إلى: (آتنا فإنا مجتمعون لأمر، وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، هكذا قال عيسى. وقال غيره: (قال لهم عبد الله بن الحسن: لا تريدوا جعفراً لئلا يفسد عليكم أمركم. قال عيسى فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا عليه، وأرسل جعفر بن محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) محمد بن عبد الله الأرقط بن علي بن الحسين، فجئناهم فإذا بمحمد بن عبد الله يصلّي على طنفسة رحل مبنية، فقلت: أرسلني أبي إليكم لأسألكم لأي شيء اجتمعتم؟ فقال عبد الله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد الله. قالوا: وجاء جعفر بن محمد فأوسع له عبد الله بن حسن إلى جنبه، فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر:«لا تفعلوا، فإن هذا الكلام لم يأت بعد، فلا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك» . فغضب عبد الله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكن يحملك على هذا الحسد لابني. فقال:«والله ما ذلك يحملني، ولكن هذا وأخوته وأبناؤهم دونكم» ، وضرب بيده على كتف عبد الله بن حسن وقال:«إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك، ولكنها لكم، وإنهما لمقتولان» ، ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال:«أرأيت صاحب الرداء الأصفر» يعني أبا جعفر، قلت: نعم، قال:«فإنا والله نجده يقتله» ، قال: قلت أيقتل محمداً؟ قال:«نعم» ، فقلت في نفسي: حسده ورب الكعبة. قال ثم قال:«والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيت قتلهما» . فلما قال جعفر ذلك نفض القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها، وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا أبا عبد الله أتقول هذا؟... قال:«نعم أقوله والله وأعلمه» )(١) .
____________________
(١) مقاتل الطالبيين ج.
السادس:
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: (قالوا: لما سمّت بنو أمية أبا هاشم مرض، فخرج من الشام وقيذاً يؤم المدينة، فمر بالحُمَيْمة(١) وقد أشفى، فاستدعى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فدفع الوصية إليه، وعرّفه ما يصنع وأخبره بما سيكون من الأمر وقال له: إنّي لم أدفعها إليك من تلقاء نفسي ولكن أبي أخبرني عن أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) بذلك وأمرني به وأعلمني بلقائي إياك في هذا المكان، ثم مات، فتولّى محمد بن علي تجهيزه، ودفنه وبعث الدعاة حينئذٍ في طلب الأمر)(٢) .
وقد كثرت الروايات عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في هذا المعنى وفي نهي بني عمه عن طلب الأمر الذي سيكون لبني العباس فيما تلقاه من أنباء الغيب عن آبائه كما تقدم ذكر بعضه.
السابع:
قال ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة: (ذكروا أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس دخل وهو شيخ كبير قد غشي بصره على هشام بن عبد الملك متوكئاً على ولديه أبي العباس وأبي جعفر فسلّم، ثم قال له هشام: ما حاجتك؟ ولم يأذن له في الجلوس. فذكر قرابته وحاجته ثم استجداه، فقال له هشام: ما هذا الذي بلغني عنكم يا بني العباس؟ ثم يأتي أحدكم وهو يرى أنه أحق بما في أيدينا منا، والله لا أعطيتك شيئاً، فخرج محمد بن علي، فقال هشام كالمستهزئ: إن هذا الشيخ ليرى أن هذا الأمر سيكون لولديه هذين أو لأحدهما، فرجع محمد نحوه فقال: أما والله إني أرى ذلك على رغم من رغم، فضحك هشام وقال: أغضبنا
____________________
(١) الحُمَيْمَة: تبعد عن الشوبك أقل من مسيرة يوم، يقع بينها وبين الشوبك وادي موسى، وهي من الشوبك قبله بغرب. ويقال له:ا الشراة كذا ضبطها أبو الفداء. وفي مراصد الاطلاع لياقوت: تصغير الحمّة بلد من أرض الشراة من أعمال عمان في الشام كان منزل بني العباس.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد المجلد ٣ الصفحة ٤٨٩.
الشيخ. ثم مضى محمد بن علي)(١) .
أما هذه الرواية فقد رواها في (شرح النهج) على غير هذه الصورة، وأن الذي دخل على سليمان لا على هشام هو علي بن عبد الله بن العباس، وأنه أوسع له على سريره وبره وسأله عن حاجته، فقال: ثلاثون ألف درهم، فأمر بقضائها. قال واستوص بابنيَّ هذين خيراً ففعل. وشكره علي بن عبد الله وقال: وصلتك رحم، فلما ولّى قال سليمان لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختل وأسنّ وخلط، وصار يقول: إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده، فسمع ذلك علي بن عبد الله، فالتفت إليه وقال: أي والله ليكونن وليملكن هذان.
قال ابن أبي الحديد بعد نقل هذه الرواية: (قال أبو العباس المبرّد: (وفي هذه الرواية غلط؛ لأن الخليفة في ذلك الوقت لم يكن سليمان، وإنما ينبغي أن يكون دخل على هشام). وعلّل ذلك بما لا حاجة بنا إلى نقله(٢) .
الثامن:
قال المسعودي في مروجه(٣) : (ولما حبس إبراهيم الإمام بحرّان، وعلم أن لا نجاة له من مروان، أثبت وصيته وجعلها إلى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وأوصاه بالقيام بالدولة والجدّ والحركة، وأن لا يكون له بالحُمَيْمَة لبث ولا عرجة حتى يتوجه إلى الكوفة. فإن هذا الأمر صائر إليه لا محالة وإنه بذلك أتتهم الرواية، وأظهره على أمر الدعاة بخراسان، ورسم له بذلك رسماً أوصاه فيه أن يعمل عليه ولا يتعداه، ودفع الوصية بجميع ذلك إلى (سابق الخوارزمي) مولاه، وأمره إن حدث به حدث من مروان في ليل أو نهار أن يركب أسرع سابق في السير، فلما حدث ركب وسار حتى أتى الحُمَيْمَة فدفع الوصية إلى أبي العباس ونعاه إليه، فأمره أبو العباس بستر الوصية وأن ينعاه، ثم أظهر أبو العباس من أهل بيته على أمره، ودعا إلى مؤازرته ومكاشفته أخاه أبا جعفر عبد الله بن محمد وعيسى
____________________
(١) الإمامة والسياسة لابن قتيبة.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد المجلد ٢ الصفحة ٢١١.
(٣) مروج الذهب المجلد ٢ الصفحة ٢١٠ المطبعة البهية المصرية سنة ١٣٤٦هـ.
ابن موسى بن محمد ابن أخيه وعبد الله بن علي عمه.
وتوجَّه أبو العباس إلى الكوفة مسرعاً، وهؤلاء معه في غيرهم ممن خفّ من أهل بيته، فلقيتهم أعرابية على بعض مياه العرب في طريقهم إلى الكوفة، وقد تقدم أبو العباس وأخوه أبو جعفر وعمه عبد الله بن علي فيمن كان معهم إلى الماء، فقالت الأعرابية: تالله ما رأيت وجوهاً مثل هذه ما بين خليفة وخليفة وخارجي، فقال لها أبو جعفر المنصور: كيف قلت يا أمة الله؟... قالت: والله لَيَلِهَا هذا، وأشارت إلى السفّاح، ولتخلفنّه أنت وليخرجنّ عليك هذا، وأشارت إلى عبد الله بن علي).
التاسع:
قال المسعودي: (ووجدت في أخبار المدائني عن محمد بن الأسود قال: بينما عبد الله بن علي يساير أخاه داود ومعهما عبد الله بن الحسن بن الحسن، فقال داود لعبد الله: لم لا تأمر ابنيك بالظهور؟...، فقال عبد الله: هيهات... لم يأنِ لهما بعد. فالتفت إليه عبد الله بن علي فقال: كأنك تحسب أن ابنيك هما قاتلا مروان، فقال: إن ذلك كذلك، فقال عبد الله: هيهات... وتمثّل:
سيكفيك المقالة مستميت خفيف اللحم من أولاد حام
أنا والله قاتله)(١) .
وروى ابن أبي الحديد هذا البيت هكذا:
سيكفيك الجعالة مستميت خفيف الحاذ من فتيان جرم
العاشر:
من إرهاصات الأمويين بانتقال الأمر منهم إلى العباس ما ذكره المسعودي في مروجه قال:
(وقيل لعبد الله بن علي: إن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز يذكر أنه
____________________
(١) مروج الذهب المجلد ٢ الصفحة ٢١٠ الطبعة نفسها.
قرأ في بعض الكتب عين بن عين بن عين، وقد أمل أن يكون هو. فقال عبد الله بن علي: أنا والله ذلك، ولي عليه فضل ثلاثة أعين، أنا عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، وهو عمرو بن عبد مناف. فلما صافَّ مروان عبد الله بن علي، أقبل مروان على رجل إلى جنبه فقال: من الرجل الذي كان يخاصم عندك عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الأقنى الحديد البصر الحسن الوجه؟...، فقلت: يرزق الله البيان من يشاء. قال: إنه لهو، قلت: نعم، قال: من وُلد العباس بن عبد المطلب هو؟... قلت: أجل. فقال مروان: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحك إني ظننت أن الذي يحاربني من وُلد أبي طالب، وهذا الرجل من وُلد العباس واسمه عبد الله، أتدري لِمَ صيّرت الأمر بعدي لابني عبيد الله بعد عبد الله ومحمد أكبر من عبد الله؟ قلت: لِمَ؟ قال: لأنّا خُبِّرنا أن الأمر صائر بعدي إلى عبد الله أو عبيد الله، فنظرت فإذا عبيد الله أقرب إلى عبد الله من محمد فوليته دونه.
قال وبعث مروان بعد أن حدّث بهذا الحديث إلى عبد الله بن علي في خفية: إن الأمر يا ابن عم صائر إليك، فاتّق الله في الحرم.
قال: فبعث إليه عبد الله أن الحق لنا في دمك والحق علينا في حرمك)(١) . وفي شرح النهج توسع في هذا الحديث فترك نقله خوف التطويل.
الحادي عشر:
وفي الكامل لابن الأثير، قال محمد بن علي بن عبد الله: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتن افريقية. فعند ذلك يدعو لنا دعاة ثم تُقبِل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيلهم (المغرب) ويستخرجوا ما كنز الجبّارون. فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بافريقية ونقضت البربر، بعث محمد بن علي إلى خُراسان داعياً وأمره أن يدعو إلى الرضا ولا يُسمي أحداً(٢) .
____________________
(١) مروج الذهب المجلد ٢ الصفحة ٢١٥ نفس الطبعة.
(٢) الكامل لابن الأثير المجلد ٥ الصفحة ٤٠٨ الناشر دار بيروت سنة ١٩٦٥.
الثاني عشر:
في شرح النهج: (كان العلاء بن رافع ذي الكلاع الحِميري مؤانساً لسليمان بن هشام بن عبد الملك لا يكاد يفارقه، وكان أمر المسوِّدة بخُراسان قد ظهر ودنوا من العراق واشتد إرجاف الناس ونطق العدو بما أحبَّ في بني أمية وأوليائهم.
قال العلاء: فإني لمع سليمان وهو يشرب تجاه رصافة أبيه، وذلك في آخر أيام يزيد الناقص وعنده الحَكَم الأَوْدي، وهو يُغنّيه بشعر البُرْجميّ:
إن الحبيب تروحت اجماله أُصُلاً فدمعك دائم إسباله
فافْنِ الحياة فقد بكيت بعولة لو كان ينفع باكياً إعواله
يا حبذا تلك الحمول وحبذ شخص هناك وحبذا أحماله
فأجاد ما شاء، وشرب سليمان بن هشام بالرطل وشربنا معه حتى توسدنا أيدينا، فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياي، فقمت مسرعاً وقلت: ما شأن الأمير؟... فقال: على رسلك، رأيت كأني في مسجد دمشق وكأن رجلاً على يده حجر وعلى رأسه تاج أرى بصيص ما فيه من الجوهر وهو رافع صوته بهذا الشعر:
أبني أمية قدْ دنا تشتيتكم وذهاب ملككم وليس براجع
وينال صفوته عدوّ جادح(١) كأساً لكم بسمام موت ناقع
فقلت: أُعيذ الأمير بالله من وساوس الشيطان الرجيم، هذا من أضغاث الأحلام، ومما يقتضيه ويجلبه الفكر وسماع الأراجيف.
فقال: الأمر كما قلت لك، ثم وجم ساعة وقال: يا حِمْيري بعيد ما يأتي به الزمان قريب. قال العلاء: فو الله ما اجتمعنا على شراب بعد ذلك اليوم)(٢) .
____________________
(١) جادِح: من جَدَحَ الشيء اي خلطه بشيء من الماء أو اللبن أو نحوهما.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المجلد ١٢ الصفحة ٢٠٧.
الثالث عشر:
وهو من إخبار الغيب عن زوال ملك بني أُميَّة، جاء ممن لم تكذب له فراسة أو ملحمة أو خبر عن غائب مما صح عنه، وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو المَعْزو عِلمُه إلى علم الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وفراسته الصادقة إلى الإلهام قال كما جاء في نهج البلاغة:
«إنَّ لبني أُميّة مِروداً (١) يجرون فيه، ولو قد اختلفوا فيما بينهم، ثم كادتهم الضِّباع لغَلبتهم» .
قال ابن أبي الحديد في شرحه: (هذا إخبار عن غيب صريح؛ لأن بني أمية لم يزل ملكهم منتظماً لما لم يكن بينهم اختلاف، وإنما كانت حروبهم مع غيرهم كحرب معاوية في (صفّين) وحرب يزيد مع أهل المدينة وابن الزبير بمكة وحرب مروان للضحاك وحرب عبد الملك لابن الأشعث وابن الزبير، وحرب يزيد ابنه لبني المهلب، وحرب هشام لزيد بن علي.
فلما ولي الوليد بن يزيد وخرج عليه ابن عمه يزيد بن الوليد وقتله، اختلفت أمية فيما بينها، وجاء الوعد وصدق من وعد به، فإنه منذ قتل الوليد دعت دعاة بني العباس بخراسان، وأقبل مروان بن محمد من الجزيرة يطلب الخلافة، فخلع إبراهيم بن الوليد وقتل قوماً من بني أمية، واضطرب أمر الملك وانتثر، وأقبلت الدولة الهاشمية وتمت، وزال ملك بني أمية، وكان زوال ملكهم على يد أبي مسلم، وكان في بدايته أضعف خلق الله وأعظمهم فقراً ومسكنة، وفي ذلك تصديق قوله (عليه السلام)«ثم كادتهم الضباع لغلبتهم» )(٢) .
وهذا السبب وهو أهم أسباب زوال الملك الأموي، يجب أن يُضاف إلى الأسباب التي مهّدنا بها في المقدمة لتاريخ الشيعة السياسي.
ولم يخف السبب على أعلام الهاشميين الذين كانوا يعملون على إسقاط الدولة الأموية سواء في ذلك علويّهم وعباسيّهم، فقد نقل أبو الفرج الأصبهاني في مقاتله:
____________________
(١) مِرْوَد: على وزن مِفْعَل من الإرواد وهو الإمهال والإنظار.
(٢) شرح نهج البلاغة ج٨ ص٨٥٧ - مكتبة الحياة بيروت.
(إن بني هاشم اجتمعوا فخطبهم عبد الله بن الحسن، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنكم أهل البيت قد فضلكم الله بالرسالة واختاركم لها، وأكثركم بركة يا ذرّية محمد، وقد ترون كتاب الله معطّلاً وسنّة نَبيّه متروكة والباطل حيّاً والحق ميتاً، قاتلوا لِلّه في الطلب لرضاه بما هو أهله، قبل أن ينزع منكم اسمكم، وتهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل وكانوا أحب خلقه إليه. وقد علمتم أنّا لم نزل نسمع أن هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم، فقد قتلوا صاحبهم الوليد بن يزيد، فهلمَّ نبايع محمداً)(١) .
وجرى ما قد ذكرناه في القسم الرابع مما رواه أبو الفرج في غير هذا الطريق.
الرابع عشر:
عن مقتل الطالبيين بحذف الإسناد، قال بعد ذكره دعوة محمد بن عبد الله بن الحسن لنفسه، ودعوة أبيه ومن دعاه إليه من أهل بيته عقب قتل الوليد بن يزيد ووقوع الفتنة بعده:
(وكان قد سُعي به إلى مروان بن محمد، فقال: لست أخاف أهل هذا البيت؛ لأنه لا حظّ له في الملك، وإنما الحظ لبني عمهم العباس.
وبعث إلى عبد الله بن الحسن بمال واستكفاه، وأوصى عامله بالحجاز أن يصونهم ولا يعرض لمحمد بطلب، ولا إخافة إلا أن يستظهر حرباً أو شقّاً لعصا)(٢) .
وقال:
(إن مروان لما بعث عبد الملك بن عطية السعدي لقتال الحرورية، لقيه أهل المدينة سوى عبد الله بن الحسن وابنيه محمد وإبراهيم. فكتب بذلك إلى مروان: (إني هممت بضرب أعناقهم). فكتب إليه مروان: أن لا تعرض لعبد الله ولا لابنيه، فليسوا بأصحابنا الذين يقاتلوننا ويظهرون علينا)(٣) .
____________________
(١) أبو فرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيّين.
(٢) مقاتل الطالبيّين.
(٣) مقاتل الطالبيّين.
وبعد فإنك لترى أن مروان لم يكن يتخوف العلويين، وإنه على بيّنة من أن بني العباس هم الذين ينازعونه سلطانه، ومنهم يتخوّف انتزاعه لا من العلويّين.
الخامس عشر:
في كامل ابن الأثير: (وكان مروان لمّا أرسل للقبض عليه أي على (إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس)، وصف للرسول صفة أبي العبّاس؛ لأنه كان يجد في الكتب: إنَّ مَنْ هذه صفته يقتلهم ويسلبهم ملكهم! وقال له ليأتيه بإبراهيم بن محمد.
فقدم الرسول: فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم وأمن قيل للرسول، إنما أُمرتَ بإبراهيم، وهذا عبد الله. فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم: فانطلق به إلى مروان، فلما رآه قال: ليس هذه الصفة التي وصفت لك... فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت، وإِنّما سَمَّيْت إبراهيم، فهذا إبراهيم. فأمر به فحُبس وأعاد الرسول في طلب أبي العباس فلم يروه)(١) .
السادس عشر:
وهو يلخّص ما فصّلناه من أمور الإرهاصات بزوال الملك الأموي، وهو ما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، قال:
(قلت: سألت النَقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى فقلت له: من أي طريق عرف بنو أمية أن الأمر سينتقل عنهم، وأنه سيليه بنو هاشم، وأول من يلي منهم سيكون اسمه عبد الله؟ وقد منعوهم عن الزواج من بني الحرث بن كعب لعلمهم أن أول من يلي الأمر من بني هاشم تكون أمه حارثية؟
وبأي طريق عرف بنو هاشم أن الأمر سيصير إليهم ويملكه عبيد أولادهم حتى عرفوا صاحب الأمر منهم بعينه كما قد جاء في هذا الخبر؟ فقال: أصل هذا كله محمد بن الحنفية، ثم ابنه عبد الله المكنّى أبا هاشم.
____________________
(١) الكامل لابن الأثير المجلد ٥ الصفحة ٤٠٩ الناشر دار بيروت سنة ١٩٦٥.
قلت له: أفكان محمد بن الحنفية مخصوصاً من أمير المؤمنين (عليه السلام) بعلم يستأثر به على أخويه حسن وحسين (عليهما السلام)؟
قال: لا ولكنهما كتما وأذاع. ثم قال: قد صحّت الرواية عندنا عن أسلافنا وعن غيرهم من أرباب الحديث، أن عليّاً (عليه السلام) لمّا قُبض، أتى محمد ابنه أخويه حسناً وحسيناً (عليهما السلام) فقال لهما: أعطياني ميراثي من أبي. قال أبو جعفر (فروى أبان بن عثمان عمن نروي له ذلك عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال:« فدفعا إليه صحيفة لو أَطلعاه على أكثر منها لهلك، فيها ذكر دولة بني العباس» . قال أبو جعفر: وقد روى أبو الحسن علي بن محمد النوفلي قال: حدثني عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس قال: لما أردنا الهرب من مروان بن محمد لمّا قُبض على إبراهيم الإمام جعلنا نسخة الصحيفة التي دفعها أبو هاشم ابن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وهي التي كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة، (جعلناها) في صندوق من نحاس صغير، ثم دفناه تحت زيتونات بالشّراة - لم يكن بالشّراة من الزيتون غيرهن -. فلما أفضى السلطان إلينا وملكنا الأمر، أرسلنا إلى ذلك الموضع رجلاً فبحث وحفر فلم يوجد فيه شيء، فأمرنا بحفر جَرِيب من الأرض(١) في ذلك الموضع حتى بلغ الحفر الماء، ولم نجد شيئاً.
قال أبو جعفر: (وقد كان محمد بن الحنفية صرّح بالأمر لعبد الله بن العباس وعرّفه تفصيله، ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد فصّل لعبد الله بن العباس الأمر، وإنما أخبره به مجملاً كقوله في هذا الخبر:«خذ إليك أبا الأملاك» ، ونحو ذلك مما كان يعرض له به. ولكن الذي كشف القناع وأبرز المستور عليه هو محمد بن الحَنفيّة، وكذلك أيضاً ما وصل إلى بني أميّة من علم هذا الأمر فإنه وصل من جهة محمد بن الحنفيّة وأطلعهم على السر الذي علمه، ولكن لم يكشف لهم كشفه لبني العباس، فإن كشفه الأمر لبني العباس كان أكمل).
قال أبو جعفر: (فأمّا أبو هاشم فإنه قد أفضى بالأمر إلى محمد بن
____________________
(١) جريب من الأرض: مقدار معلوم من الأرض.
علي بن عبد الله بن العباس، وأطلعه عليه وأوضحه له.
فلما حضرته الوفاة عقيب انصرافه من عند الوليد بن عبد الملك مرّ بالشّراة وهو مريض، ومحمد بن علي بها، فدفع إليه كتبه وجعله وصيّه، وأمر الشيعة بالاختلاف إليه).
قال أبو جعفر: (وحضر وفاة أبي هاشم ثلاثة نفر من بني هاشم: محمد بن علي هذا، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب. فلما مات خرج محمد بن علي ومعاوية بن عبد الله بن جعفر من عنده، وكل واحد منهما يدعي وصايته، فأما عبد الله بن الحرث فلم يقل شيئاً).
قال أبو جعفر: (وصدق محمد بن علي أنه إليه أوصى أبو هاشم وإليه دفع كتاب الدولة. وكذب معاوية بن عبد الله بن جعفر، لكنه قرأ الكتاب فوجد لهم فيه ذكراً يسيراً، فادّعى الوصيّة بذلك، فمات. وخرج ابنه عبد الله بن معاوية يَدّعي وصاية أبيه، ويدعي لأبيه وصاية أبي هاشم، ويظهر الإنكار على بني أمية، وكان له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرّاً حتى قُتل)(١) .
هذا بعض ما أرهص به المرهصون وتنبأ به المتنبئون، وجاءت به الرواية عن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وبعض أهل بيته بزوال ملك بني أمية، ومصير الخلافة إلى بني العباس.
وقد يكون الكثير منها مبنيّاً على الفراسة والحدس، مما آل إليه أمر الأمويين من الاضطراب والفساد المؤدّيين إلى الانقلاب، مع اختلافهم فيما بينهم، وفي الاختلاف ذهاب الريح. وتطلّع الخاصة من مفكري الأمة إلى من يجب أن يحلّ محلهم إن زال ملكهم، وزواله أصبح متحقق الوقوع لتوفّر أسبابه. وقد نفرت من حكمهم النفوس، وزواله أصبح متحقق الوقوع لتوفّر أسبابه. وقد نفرت من حكمهم النفوس، وهو قائم على افتئاتهم وافتئات عمّالهم وأوليائهم بسلطان الأمة والتحكم في أعشارها وإيشارها، وقيام الخارجين عليهم من الهاشميين وغير الهاشميين علويّهم وجعفريّهم وعباسيّهم، وقد لاقوا من اضطهادهم واضطهاد أحزابهم وأشياعهم ما لا تحتمله النفوس الأبية.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
فإن المقتول منهم في عهد بني أمية، دع من قُتل في وقعة كربلاء: زيد بن علي بن الحسين وولده يحيى، وعبد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخو جعفر بن محمد، وعبيد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومن وُلْدِ جعفر عبد الله بن عون بن عون بن جعفر بن أبي طالب، ومن وُلْدِ محمد بن الحنفيّة ولده أبو هاشم ثم عبد الله الذي دَسَّ إليه من سمَّه سليمانُ بن عبد الملك حين وفد عليه واحتمل السمّ إلى الحُمَيْمَة بأرض الشّراة فمات بها، وقد تقدم ذكر ذلك.
ومقتل إبراهيم الإمام في حرّان في سجنه في عهد مروان بن محمد، دَعْ أحداث الفتنة اليمانية النّزارية التي أذكاها الكُمَيْت ودِعْبِل كما عرفت آنفاً، واستفحال أمر الخوارج.
كل ذلك وما إليه، دعا خاصة الأمة إلى التفكير فيمن يلي أمورها إن زال المُلك الأُموي، ومن هو من الهاشميين أقرب إلى انضواء الكافّة تحت لوائه، وانصرافهم إلى الدعوة إليه والعمل لها.
وكانت كلمة الشيعة قد اختلفت فيمن هو أهل للإمامة اختلافاً عظيماً، فبعضهم يرى صرفها إلى آل أبي طالب من وُلْد علي، وفريق منهم يراها في الأئمة من وُلد الحسين، وآخر في ولد الحسن والحسين بدون تعيين في الشخص بل في الوصف كمعتقد الزيدية، وآخر في محمد بن الحنفية ووَلدِه أبي هاشم وهم الكيسانية، وآخر في وُلد العباس وهم الراوَنْديّة ومنهم أبو مسلم الخراساني صاحب دعوتهم الأعظم.
ولئن كانت الدعوة تكاد تكون متمحضة لأهل البيت النّبويّ فقد كانت الأسباب مهيأة لبني العباس، وليس لأوّلهم ما لأوّل بني علي من الحفائظ في الصدور المرضى التي أعادها إليها بعد أن أسكتت نأمتها وأخفت نارها عظمة النبوة وأبّهة الخلافة وظهور أمر المسلمين على الأمم واشتغالهم بالفتوحات العظيمة. أعادها رجوع العصبيات إلى القبائل العربية بكل ما تضمره من ضغائن وأحقاد. وتجدّدت تذكارات أخلاف من أُصيبوا من أسلافهم في حروب علي، سواء كان في صدر الدعوة الإسلامية أم كانفي حروب صِفِّين والجمل والنَّهروان، وذلك إلى أول صدمة اصطدم بها علي في صرف الخِلافة عنه في السَّقيفة والشّورى، وابتلائه بعد أن صارت
الخلافة إليه بخروج طَلحة والزُّبَير وعائشة، ثم بمنازعة معاوية له، ثم قتله على يد الخوارج، واستئثار معاوية بالسلطان، وسنّه مسبّة علي على المنابر، وتوليته العهد لولده يزيد الذي لم يكن على شيء من العلم والحلم والدين والسياسة، والذي كان من باكورة أعماله وقعة (الطّفّ) التي أذلّت الهاشميين عامة والعلويّين خاصة.
وإنّ قتيل الطّفّ من آل هاشم أذلّ رقاباً من قريش فذلّت
ثم تُنقل الخلافة التي أصبحت مُلكاً عضوضاً صرفاً إلى مروان وبني مروان الذين جروا على طابع سياسة معاوية من إماتة العصبية الهاشمية وخاصة العلوية، واختصاصهم بالولايات والزُلفى، وضروب المصانعات من هم أكثر كرهاً لعلي وأهل بيته، وأبعد عن الرحمة لهم ولشيعتهم، وتنفر القلوب منهم، وما إلى ذلك من ضروب الأساليب من تبعيد الناس عن أهل البيت من أبناء علي، بل ومن أبنائه من آل فاطمة، وما كان للأمويّين مثل هذه السياسة المرهقة مع بني العباس. هذا وبنو فاطمة لم يكونوا متفقين في الخروج، فإن خاصتهم وهم الأئمة الذين يعتقد بإمامتهم الإمامية لم يكونوا يرون الخروج ولا يرون أن الأمر صائر إليهم، وهم منصرفون إلى الدين وتعليم شرائعه تحت ستار من التقيَّة، مبتعدون كل الابتعاد عن مظاهر الدنيا وأبهة سلطانها.
أما بنو العباس فكانوا على اتفاق في طلب هذا الأمر على عكس الفاطميين، وحسبك أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية قد أوصى بالإمامة لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فكانت هذه الوصية له تأييداً للعباسيين والدعوة العباسية.
ومن مجموع هذه الأسباب استجمعت دعوة بني العباس شرائطها، وكان من الطبيعي أن يرهص المرهصون، ويتفرّس المتفرّسون، ويتنبّأ المتنبّئون بمصير الأمر إليهم مضافاً إلى ما يعضد هذا الإرهاص وذلك التفرّس والتنبؤ مما ورد به الحديث والرواية، وبلغ مضمونه أشياع بني العباس وخاصةَ بني أمية.
هذا وما كانت دعوة العباسيين في أول الأمر إلاّ دعوة شيعية عامة يراد منها التغلب على الأمويين، وإنقاذ الأمة من مظالمهم - وقد تجاوزت أقصى الحدود - والأخذ بثأر بني علي، فكان ذلك من تضافر الدعوة
العباسية، وكانت شيعية، وإن لم يرها الإمامية من الشيعة. ولمْ يَقُمْ بمناصرتها الأئمة وخاصتهم، ولكنهم لم يكونوا كارهين لها، ولا ساخطين عليها، ولا عاملين على مناهضتها، ولا داعين في السر والعلانية على إحباطها، بل هم راضون بها في ذات سرهم لقضائها إذا ظفرت على المظالم الأموية، وظفرها متيقن، ولتوقعهم منها الأخذ بثاراتهم، ولتوقعهم منها أُفُقاً واسعاً لنشر تعاليمهم الدينية.
ولم يكن لهذا الفريق الصالح من آل علي وفاطمة مطمع في الخلافة، وطموح إليها، وإن كانوا أحق الناس بها ويرون كما عرفت أنها غير صائرة إليهم.
إنك لترى كيف رفض أبو عبد الله جعفر بن محمد دعوة أبي سلمة حفص بن سليمان، حين أراد صرف الدعوة عن بني العباس - بعد مقتل إبراهيم الإمام وهو بالكوفة يملك ناصية الجيش - إلى بني علي، وقد كتب إليه بذلك كما كتب إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، بل أحرق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، بحيث يرى ذلك رسول أبي سلمة. ونصح عبد الله بن الحسن، وقد جاءه بكتاب أبي سلمة، يدعوه كما دعا أبا جعفر برفض قبول الدعوة ويحذّره عقباها.
وكذلك منع محمد الباقر أخاه زيداً من الخروج على هشام بن عبد الملك، ولم يكن خروجه للطلب بالإمامة وهو يعلم أنها لأخيه الباقر، بل كان خروجه كما علّله ابن خلدون، وكما هو واقع الحال، داعياً للكتاب والسنة، وإلى جهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء، وردّ المظالم، وأفعال الخير، ونصر أهل البيت.
وقد رفض علي بن الحسين (زين العابدين) دعوة المختار له، وقد قام يطالب بثأر أبيه، وأخذ يدعو لأهل الثغور، والعهد عهد عبد الملك بن مروان، ودماء أهل بيته بعد لم تجفّ، يدعو لهم بالنصر والتمكين.
وانظر كيف حمل المأمون عليّ بن موسى الرضا على قبول ولاية عهده التي لم يقبلها مختاراً.
يعلم أئمة أهل البيت أن الأمة وقد انغمست في حمأة الدنيا، وألقت
إليهم الأرض الغضّاء بأفلاذ أكبادها، وتفتحت لهم عن كنوزها، ودانت لسلطانهم الواسع الأمم والشعوب، وخفق لواؤهم على أقاليم الشرق والغرب، هيهات أن يُساسوا بعد ذلك بسياسة الإمامة الدينية، وفي هذه السياسة وقد اشرأبت أعناق المسلمين إلى الدنيا، وما العهد عن سياسة النبوّة الدينية وعن سياسة الخلفاء الراشدين ببعيد، ساور الانتقاض من هنا وهناك خلافة جدهم علي، وما كان يجهل أفانين السياسة وضروبها، وما كان بالجبان ولا بالعاجز الوكل.
كل ذلك كان من آيات فوز الدعوة العباسية على الدعوة العلوية التي لم يقم بها إلاّ فريق منهم، لا يؤيده ذلك الفريق الصالح وإن بدئت الدعوة في أول الأمر بمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
وكيف بعد توفّر هذه الأسباب لنجاح الدعوة العباسية لا يتفرّس المتفرّسون بمصير الأمر إليهم؟
على أن الدعوة العلوية الضئيلة قد حاربها دعاة بني العباس، وحسبك أن أبا مسلم داعيتهم هو الذي قتل عبد الله بن معاوية بن جعفر الذي دعا إلى نفسه بالكوفة، ثم خرج هارباً منها ومن البلاد التي بايعته بعد غلبته إلى خراسان.
وإنك لترى مثل هذا التفرّس والإرهاص لدولة قامت، فترى مثله لبني أمية، وبني بويه، ولكافور الاخشيدي، ولبني إدريس، وللفاطميين.
وسواء أصح كل ما تفرّس به المتفرّسون أم لم يصحّ، فإن من مجموع ما ذكرناه من حديث وخبر، ومن أسباب قريبة وبعيدة، ومن سياسة رشيدة كان يقوم بها بنو العباس ومن انضمّ إليهم من بني علي وشيعتهم، واتساع خراسان الإقليم الواسع لنشر الدعوة وهو الإقليم الذي لم تغمره العصبيّة للقبيل الأمويّ، جعلت لتلك الإرهاصات وذلك التفرس مكانهما من الإصابة.
والله غالب على أمره وإليه مصير الأمور.
تاريخ الفاطميين
دول الشيعة العلويين في المغرب
قال ابن خلدون(١) : (بعد إلمامة قصيرة بما جرى لشيعة علي (عليه السلام) بالكوفة، ومَوجِدتِهم على الحسن، واضطراب الأمر على زياد بالكوفة من أجلهم، ومقتل من كان يتولى كِبَر ذلك كحِجْر بن عَدِيّ وأصحابه، واستدعاء الكوفيين الحسين، بعد وفاة معاوية، ومقتله، وندم الشيعة على قعودهم عن مناصرته، وخروجهم بعد وفاة يزيد، وبيعة مروان، ثم خروج المختار بن أبي عُبَيْد الثقفي للمطالبة بدم الحسين (عليه السلام)، ودعوته لمحمد بن الحنفيّة، واتّباع جموعة من الشيعة له، وقتل المختار لزياد، ثم نقمة محمد بن الحنفية عليه من أحوالٍ بلغته عنه، وكتابته إليه بالبراءة منه)، إلى أن قال:
(ثم استدعى الشيعة من بعد ذلك زيد بن علي بن الحسين إلى الكوفة أيام هشام بن عبد الملك، فقتله صاحب الكوفة يوسف بن عمر وصلبه، وخرج إليه ابنه يحيى بالجوزجان من خراسان، فقتل وصلب كذلك، وطّلّت دماء أهل البيت في كل ناحية)(١) .
إلى أن قال:
(ثم اختلف الشيعة وافترقت مذاهبهم في مصير الإمامة إلى العلوية، وذهبوا طرائق قِدَداً، فمنهم الإمامية القائلون بوصية النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لعلي بالإمامة، ويسمونه الوصي بذلك، ويتبرؤون من الشيخين لما منعوه حقه بزعمهم،
____________________
(١) ملخص عن المجلد الرابع من تاريخ ابن خلدون.
وخاصموا زيداً بذلك حين دعا بالكوفة. ومن لم يتبرأ من الشيخين رفضوه فسمّوا بذلك رافضة.
ومنهم الزيدية القائلون بإمامة بني فاطمة لفضل علي وبنيه على سائر الصحابة، وعلى شروط يشترطونها، وإمامة الشيخين عندهم صحيحة، وإن كان علي أفضل، وهذا مذهب زيد وأتباعه وهم جمهور الشيعة وأبعدهم عن الانحراف والغلو.
ومنهم الكيسانية نسبة إلى كيسان، يذهبون إلى إمامة محمد بن الحنفية وبنيه من بعد الحسن والحسين، ومن هؤلاء كانت شيعة بني العباس القائلون بوصية أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالإمامة.
وانتشرت هذه المذاهب بين الشيعة، وافترق كل مذهب منها إلى طوائف بحسب اختلافهم. وكان الكيسانية شيعة بني الحنفية أكثرهم بالعراق وخراسان.
ولما صار أمر بني أمية إلى اختلال، أجمع أهل البيت بالمدينة وبايعوا بالخلافة سرّاً لمحمد بن عبد الله بن حسن المثنى بن الحسن بن علي وسلم له جميعهم. وحضر هذا العقد أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو المنصور، وبايع فيمن بايع له من أهل البيت، وأجمعوا على ذلك لتقدمه فيهم لما علموا له من الفضل عليهم.
ولهذا كان مالك وأبو حنيفة رحمهما الله يحتجّان إليه حين خرج من الحجاز.
ويريدون أن إمامته أصح من إمامة أبي جعفر لانعقاد هذه البيعة من قبل، وربما صار إليه الأمر من عند الشيعة بانتقال الوصية من زيد بن علي.
وكان أبو حنيفة يقول بفضله ويحتج إلى حقه، فتأدت إليه المحنة بسبب ذلك أيام أبي جعفر المنصور حتى ضرب على الفتيا في طلاق المكره، وحُبس أبو حنيفة على القضاء.
ولما انقرضت دولة بني أمية وجاءت دولة بني العباس، وصار الأمر لأبي جعفر المنصور، سعى عنده ببني حسن، وإن محمد بن عبد الله يروم
الخروج، وإن دعاته ظهروا بخراسان، فحبس المنصور لذلك بني حسن وأخوته حسن وإبراهيم وجعفر وعلي القائم وابنه موسى بن عبد الله وسليمان وعبد الله ابن أخيه داود، ومحمد وإسماعيل وإسحق بني عمه إبراهيم بن الحسن، في خمسة وأربعين من أكابرهم، وحُبسوا بقصر ابن هبيرة ظاهر الكوفة حتى هلكوا في حبسهم، وأرهبوا لطلب محمد بن عبد الله، فخرج بالمدينة سنة خمس وأربعين، وبعث أخاه إبراهيم إلى البصرة فغلب عليها وعلى الأهواز وفارس، وبعث الحسن بن معاوية إلى مكة فملكها، وبعث عاملاً إلى اليمن، ودعا لنفسه وخطب على منبر النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وتسمّى بالمهدي، وكان يُدعى (النفس الزكية)، وحبس عثمان بن رباح المرّي عامل المدينة، فبلغ الخبر إلى أبي جعفر المنصور فأشفقوا من أمره وكتب إليه كتابه المشهور)(١) .
ثم ذكر نص الكتاب وجواب محمد بن عبد الله وجواب المنصور إلى أن قال:
ثم عقد أبو جعفر على حربه لعيسى ابن عمه موسى بن علي، فزحف إليه في العساكر وقاتله بالمدينة فهزمه، وقتله في منتصف رمضان سنة خمس وأربعين، ولحق ابنه علي بالسند إلى أن هلك هناك، واختفى ابنه الآخر عبد الله الأشتر إلى أن هلك في أخبار طويلة قد استُوفِّيناها كلها في أخبار أبي جعفر المنصور.
ورجع عيسى إلى المنصور، فجهَّزه لحرب إبراهيم أخي محمد بالعيرة(٢) ، فقاتله آخر ذي القعدة من تلك السنة فهزمه وقتله حسبما مر ذكره هنالك، وقتل معه عيسى بن زيد بن علي فيمن قتل من أصحابه.
وزعم ابن قتيبة أن عيسى بن زيد بن علي ثار على المنصور بعد قتل أبي مسلم، ولقيه في مائة وعشرين ألفاً، وقاتله أياماً إلى أن هم المنصور بالفرار. ثم أتيح له الظفر فانهزم عيسى ولحق بإبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فكان معه هنالك إلى أن لقيه عيسى بن موسى بن علي وقتلهما كما مر.
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون م٤ ص٤، ٥، ٦ - دار الكتاب اللبناني.
(٢) العيرة: اسم موقع.
ثم خرج بالمدينة أيام المهدي سنة تسع وستين من بني حسن، الحسين بن علي بن حسن المثلّث وهو أخو عبد الله بن حسن المثنّى وعم المهدي، وبويع للرضا من آل محمد، وسار إلى مكة، وكتب الهادي إلى محمد بن سليمان بن علي، وقد كان قدم حاجّاً من البصرة، فولاّه حربه يوم الترْوِيَة فقاتله بفجَّة على ثلاثة أميال من مكة وهزمه وقتله، وافترق أصحابه، وكان فيهم عمه إدريس بن عبد الله، فأفلت من الهزيمة مع من أفلت منهم يومئذ، ولحق بمصر نازعاً إلى المغرب، وعلى بريد مصر يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور ويُعرف بالمسكين، وكان يتشيع، فعلم بشأن إدريس وأتاه إلى المكان الذي كان به مستخفياً، وحمله على البريد إلى المغرب، ومعه راشد مولاه، فنزل بوليلى سنة ست وسبعين، وبها يومئذ إسحاق بن محمد بن عبد الحميد أمير (أوريه) من قبائل البربر وكبيرهم لعهده، فأجازه وأكرمه، وجمع البربر على القيام بدعوته، وخلع الطاعة العباسية وكشف القناع، واجتمع عليه البرابرة بالمغرب فبايعوه وقاموا بأمره، وكان فيهم مجوس فقاتلهم إلى أن أسلموا.
وملك المغرب الأقصى، ثم ملك تلمسان سنة ثلاث وسبعين، ودخلت ملوك (زِناتة) أجمع في طاعته، واستفحل ملكه وخاطب إبراهيم بن الأغلب صاحب القيروان، وخاطب الرشيد بذلك، فشد إليه الرشيد مولى من موالي المهدي اسمه سليمان بن حريز، ويعرف بالشّماخ، وأنفذه بكتابه إلى ابن الأغلب، فأجازه ولحق بإدريس مظهراً للنزوع إليه فيمن نزع من وحدان المغرب متبرئاً من الدعوة العباسية ومنتحلاً للطالبيين.
واختصه الإمام إدريس وحلى بعينه، وكان قد تأبط سماً في سنون، فناوله إياه عند شكايته من وجع أسنانه، فكان فيها فيما زعموا حتفه.
ودفن ببوليلى سنة خمس وسبعين، وفرّ الشّماخ ولحقه راشد بوادي ملوية، فاختلفا بينهما ضربتين قطع فيهما راشد يده، وأجاز الشّماخ الوادي فأعجزه.
وبايع البرابرة بعد مهلكه ابنه إدريس سنة ثمان وثمانين، واجتمعوا على القيام بأمره، ولحق به كثير من العرب من أفريقية والأندلس.
وعجز بنو الأغلب أمراء أفريقية عنه، فاستفحلت له ولبنيه بالمغرب
الأقصى دولة، إلى أن انقرضت على يد أبي العافية وقومه مكناسة أولياء العبيديين أعوام ثلاثة عشر وثلاثمائة حسبما نذكر ذلك في أخبار البربر)(١) .
إلى أن قال:
(ثم خرج يحيى أخو محمد بن عبد الله بن حسن إدريس في الديلم سنة ست وسبعين أيام الرشيد، واشتدت شوكتهم، وسرَّح الرشيد لحربه الفضل بن يحيى فبلغ الطالقان، وتلطّف في استنزاله من بلاد الديلم على أن يشترط ما أحب، ويكتب له الرشيد بذلك خطه، فتم بينهما. وجاء به الفضل فوفى له الرشيد بكل ما أحب، وأجرى له أرزاقاً سنية، ثم حبسه بعد ذلك لسعاية كانت فيه من آل الزبير. فيقال: أطلقه بعدها ووصله بمال، ويقال: سمَّه لشهر من اعتقاله، ويقال: أطلقه جعفر بن يحيى افتياتاً فكان بسببه نكبة البرامكة، وانقرض شأن بني حسن، وخفيت دعوة الزيدية حيناً من الدهر، حتى كان منهم بعد ذلك باليمن والديلم ما نذكره والله غالب على أمره)(٢) .
الخبر عن خروج الفاطميين بعد فتنة بغداد
(كانت الدولة العباسية قد تمهّدت من لدن أبي جعفر المنصور منهم. وسلك أمر الخوارج والدعاة من الشيعة من كل جهة، حتى إذا هلك الرشيد ووقع بين بنيه من الفتنة ما وقع، وقتل الأمين بيد طاهر بن الحسين ووقع في حصار بغداد من الحرب والعبث ما وقع.
وبقي المأمون مقيماً بخراسان تسكيناً لأهلها عن ثائرة الفتن، وولّى على العراق الحسن بن سهل.
اتّسع الخرق حينئذ بالعراق، وأشيع عن المأمون أن الفضل بن سهل غلب عليه وحجره، فامتعض الشيعة لذلك وتكلموا، وطمع العلوية في التوثب على الأمر، فكان في العراق أعقاب إبراهيم بن محمد بن حسن المثنى المقتول بالبصرة أيام المنصور، وكان منهم محمد بن إسماعيل بن
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون م٤ ص١٢، ١٣، ١٤.
(٢) تاريخ ابن خلدون م٤ ص١٤، ١٥.
إبراهيم، (ولقبه أبوه طباطبا لِلَكْنَةٍ كانت في لسانه أيام مرباه بين داياته)، فلُقب بها.
وكان شيعته من الزيدية وغيرهم يدعون إلى إمامته؛ لأنها كانت متوارثة في آبائه من إبراهيم الإمام جده على ما قلناه في خبره، فخرج سنة تسع وتسعين، ودعا لنفسه. ووافاه (أبو السرايا السريّ بن منصور) كبير بني شيبان، فبايعه، وقام بتدبير حربه، وملك الكوفة وكثر تابعوه من الأعراب وغيرهم.
وسرح الحسن بن سهل زهير بن المسيب لقتاله، فهزمه طباطبا، واستباح معسكره، ثم مات محمد في صبيحة ذلك اليوم فجأة، ويقال: إن أبا السرايا سمّه لما منعه من الغنائم. فبايع أبو السرايا يومه لمحمد بن محمد بن زيد بن علي زين العابدين، واستبدّ عليه. وزحفت عليهم جيوش المأمون فهزمهم أبو السرايا، وملك البصرة وواسط والمدائن.
وسرح الحسن بن سهل لحربه (هِرثَمَة بن أَعْيُن) وكان مغضباً، فاسترضاه وجهّز له الجيوش. وزحف إلى أبي السرايا وأصحابه، فغلبهم على المدائن وهزمهم وقتل منهم خلقاً.
ووجه أبو السرايا إلى مكة (الحسين الأفطس) بن الحسن بن علي زين العابدين، وإلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنَّى بن الحسن، وإلى البصرة زيد بن موسى بن جعفر الصادق، وكان يُقال له: زيد النار لكثرة من أحرق من الناس بالبصرة.
فملكوا مكة والمدينة والبصرة، وكان بمكة مسرور الخادم الأكبر، وسليمان بن داود بن عيسى. فلما أحسوا بقدوم الحسين فرّوا عنها، وبقي الناس في الموقف فوضى. ودخلها الحسين من الغد، فعاث في أهل الموسم ما شاء الله، واستخرج الكنز الذي كان في الكعبة من عهد الجاهلية، وأقرّه النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والخلفاء بعده، وقدرُهُ فيما قيل مائتا قنطار اثنتان من الذهب. فأنفقه وفرقه في أصحابه ما شاء الله.
ثم إن هرثمة واقع أبا السرايا فهزمه، ثم بحث عن منصور بن المهدي فكان أميراً معه، واتبع أبا السرايا فغلبه على الكوفة، وخرج إلى القادسية ثم إلى واسط. ولقيه عاملها وهزمه، ولحق بجلولا مغلولاً جريحاً، فقبض
عليه عاملها وقدمه إلى الحسن بن سهل بالنَهروان، فضرب عنقه، وذلك سنة مائتين.
وبلغ الخبر الطالبيين بمكة، فاجتمعوا وبايعوا محمد بن جعفر الصادق.
وسمُّوه أمير المؤمنين، وغلب عليه ابناه علي وحسين، فلم يكن يملك معهما من الأمر شيئاً.
ولحق إبراهيم ابن أخيه موسى الكاظم بن جعفر الصادق باليمن في أهل بيته، فدعا لنفسه هنالك، وتغلّب على الكثير من بلاد اليمن، وسُمّي الجزّار لكثرة ما قتل من الناس.
وخلص عامل اليمن وهو إسحاق بن موسى بن عيسى إلى المأمون، فجهَّزه لحرب هؤلاء الطالبيين، فتوجه إلى مكة وغلبهم عليها.
وخرج محمد بن جعفر الصادق إلى الأعراب بالساحل، فاتبعهم إسحق وهزمهم، ثم طلبهم. وطلب محمد الأمان فأمنه، ودخل مكة وبايع للمأمون، وخطب على المنابر بدعوته.
وسابقته الجيوش إلى اليمن فشرّدوا عنه الطالبيين، وأقاموا فيه الدعوة العباسية.
ثم خرج (الحسين الأفطس) ودعا لنفسه بمكة، وقتله المأمون، وقتل ابنيه عليّاً ومحمداً.
ثم إن المأمون لما رأى كثرة الشيعة واختلاف دعائهم، وكان يرى مثل رأيهم أو قريباً منه في شأن عليٍّ والسبطين، فعهد بالعهد من بعده لعلي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سنة إحدى ومائتين.
وكتب بذلك إلى الآفاق، وتقدم إلى الناس، فنزع السواد ولبس الخضرة. فحقد بنو العباس ذلك من أمره، وبايعوا بالعراق لعمّه إبراهيم بن المهدي سنة اثنتين ومائتين. وخطب له ببغداد، وعظمت الفتنة.
وشخص المأمون من خراسان متلافياً أمر العراق، وهلك علي بن موسى في طريقه فجأةً، ودفن بطوس سنة ثلاث ومائتين. ووصل المأمون إلى
بغداد سنة أربع ومائتين، وقبض على عمه إبراهيم وعفا عنه وسكّن الفتنة.
وفي سنة تسع ومائتين خرج باليمن عبد الرحمان بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، يدعو للرضا من آل محمد، وبايعه أهل اليمن، وسرّح إليه المأمون مولاه ديناراً، واستأمن له فأمنه، وراجع الطاعة.
ثم كثر خروج الزيدية من بعد ذلك بالحجاز والعراق والجبال والديلم، وهرب منهم إلى مصر خلق، وأُخذ منهم خلق.
وتتابع دعاتهم، فأول من خرج منهم بعد ذلك محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن زين العابدين، هرب خوفاً من المعتصم سنة تسع عشرة ومائتين، وكان بمكان من العبادة والزهد، فلحق بخراسان ثم مضى إلى الطلقان، ودعا بها لنفسه، واتبعته أمم الزيدية كلهم.
ثم حاربه عبد الله بن طاهر صاحب خراسان فغلبه وقبض عليه وحمله إلى المعتصم فحبسه حتى مات. ويقال: إنه مات مسموماً.
ثم خرج عبد الله بن طاهر صاحب خراسان فغلبه وقبض عليه وحمله إلى المعتصم فحبسه حتى مات. ويقال: إنه مات مسموماً.
ثم خرج من بعده الكوفة أيضاً الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسين الأعرج بن علي بن زين العابدين، واجتمع إليه الناس من بني أسد وغيرهم من جموعه وأشياعه، وذلك سنة إحدى وخمسين ومائتين.
وزحف إليه (ابن بشكال) من أمراء الدولة فهزمه، ولحق بصاحب الزنج، فكان معه.
وكاتبه أهل الكوفة في العود إليه، وظهر عليه صاحب الزنج فقتله.
وكان خروج صاحب الزنج بالبصرة قبله بقليل، واجتمعت له جموع العبيد من زنج البصرة وأعمالها، وكان يقول في لفظه من أعلمه: إنه من وُلد عيسى بن زيد الشهيد، وأنه علي بن محمد بن زيد بن عيسى، ثم انتسب إلى يحيى بن زيد الشهيد. والحقّ أنه دعي النسب في أهل البيت كما نذكره في أخباره.
وزحف إليه الموفّق أخو المعتمد، ودارت بينه وبينهم حروب إلى أن قتله ومحا أثر تلك الدعوة كما قدمناه في أخبار الموفّق ونذكره في أخبارهم.
ثم خرج في الديلم من وُلده الحسن بن زيد بن الحسن السبط الداعي المعروف بالعلوي، وهو الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن، خرج لخمس وخمسين ومائتين، فملك طَبَرْستانَ وجَرْجان وسائر أعمالها. وكانت له ولشيعته الزيدية دولة هناك. ثم انقرضت آخر المائة الثالثة، وورثها من وُلد الحسن السبط،ثم من وُلده عمر بن علي بن زين العابدين الناصر الأطروش، وهو الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن عمر، وهو ابن عم صاحب الطالقان.
أسلم الديلم على يد هذا الأطروش، وملك بهم طبرستان وسائر أعمال الداعي، وكانت له ولبنيه هناك دولة، وكانوا سبباً لملك الديلم البلاد وتغلبهم على الخلفاء، كما نذكر ذلك في أخبار دولتهم.
ثم خرج باليمن من الزيدية من وُلد القاسم الرسيّ بن إبراهيم طباطبا أخي محمد صاحب أبي السرايا عام ثمانية وثمانين ومائتين، يحيى بن الحسين بن القاسم الرسّي، فاستولى على صعدة، وأورث عقبه فيها ملكاً فاقياً لهذا العهد، وهي مركز الزيدية في أخبارهم. وفي خلال ذلك خرج بالمدينة الأخوان محمد وعلي ابنا الحسن بن جعفر بن موسى الكاظم، وعاثا في المدينة عيثاً شديداً، وتعطّلت الصلاة بمسجد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نحواً من شهر، وذلك سنة إحدى وسبعين ومائتين.
ثم ظهر في المغرب من دعاة الرافضة (أبو عبد الله الشيعي) في (كتامة) من قبائل البربر عام ستة وثمانين ومائتين، داعياً لعبيد الله المهدي محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، فظهر على الأغالبة بالقيروان، وبايع لعبيد الله المهدي سنة ست وتسعين ومائتين، فتمّ أمره وملك المغربين، واستفحلت له دولة بالمغرب ورثها بنوه.
ثم استولوا بعد ذلك على مصر سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة، فملكها منهم (المعزّ لدين الله) معد بن إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله المهدي، وشيّد القاهرة، ثم ملك الشام واستفحل ملكه إلى أن انقرضت دولتهم على (العاضد) منهم على يد صلاح الدين بن أيوب سنة خمس وستين وخمسمائة.
ثم ظهر في سواد الكوفة(١) سنة ثمانٍ وخمسين ومائتين، من دعاة الرافضة رجل اسمه الفرج بن يحيى ويُدعى (قرمط)، بكتاب زعم أنه من عند أحمد بن محمد بن الحنفيَّة فيه كثير من كلمات الكفر والتحليل والتحريم، وادّعى أن أحمد بن الحنفيَّة هو المهدي المنتظر. وعاث في بلاد السواد، ثم في بلاد الشام، وتلقب (وَكْرَوَيْه بن مَهْرَوَيْه). واستبدّت طائفة منهم بالبحرين ونواحيها، ورئيسهم أبو سعيد الجناجيّ، وكان له هناك ملك ودولة أورثها بنيه من بعده، إلى أن انقرضت أعوامهم كما يذكر في أخبار دولتهم.
وكان أهل البحرين هؤلاء يرجعون إلى دعوة العُبَيْديّين بالمغرب وطاعتهم.
ثم كان بالعراق من دعاة (الاسماعيلية) وهؤلاء الرافضة طوائف أُخرى، واستبدوا بكثير من النواحي، وتنسب إليها فيها القلاع: قلعة الموت وغيرها.
وينسبون تارة إلى (القرامطة) وتارة إلى (العبيديين). وكان من رجالاتهم الحسن بن الصبّاح في قلعة الموت وغيرها، إلى أن انقرض أمرهم آخر الدولة السلجوقية.
وكان باليمامة ومكة والمدينة من بعد ذلك دول للزيدية والرافضة، فكان باليمامة دولة لبني الأخضر وهو محمد بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله بن حسن المثنَّى. خرج أخوه إسماعيل بن يوسف في بادية الحجاز سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وملك مكة ثم مات، فمضى أخوه محمد إلى اليمامة فملكها، وأورثها لبنيه إلى أن غلبهم القرامطة.
وكان بمكة دولة لبني سليمان بن داود بن الحسن المثنّى، خرج محمد بن سليمان أيام المأمون وتسمّى بالناهض، وملك مكة، واستقرت إمارتها في بنيه إلى أن غلبهم عليها الهواشم، وكبيرهم محمد بن جعفر بن أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن
____________________
(١) سواد الكوفة: ما حولها من القرى. ومنه سواد العراق لما بين البصرة والكوفة ولما حولهما من القرى.
موسى الجون، فملكها من إبراهيم سنة أربع وخمسين وأربعمائة. وغلب بني حسن على المدينة، وداول الخطبة بمكة بين العباسيين والعبيديين. واستفحل ملكه في بنيه إلى أن انقرضوا آخر المائة السادسة.
وغلب على مكة بنو أبي قمي أمراؤها لهذا العهد، ملك أولهم أبو عزيز قتادة بن إدريس مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن موسى الجون. وورث دولة الهواشم وملكهم وأورثها بنيه إلى هذا العهد كما تذكر في أخبارهم، وهؤلاء كلهم زيدية.
وبالمدينة دولة للرافضة لولد الهناء، قال المسَبِّحي: (اسمه الحسن بن طاهر بن مسلم. وفي كتاب العُتبي مؤرخ دولة (ابن سَبَكْتكين) أن مسلماً اسمه محمد بن طاهر وكان صديقاً لكافور ويدبّر أمره وهو من ولد الحسن بن عليّ زين العابدين.
واستولى طاهر بن مسلم على المدينة أعوام ستين وثلاثمائة، وأورثها بنيه لهذا العهد كما نذكر في أخبارهم)(١) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون م٤ ص١٥ إلى ٢٣.
الأدارسة في المغرب
مبدأ دولتهم وانقراضها
(لما خرج حسين بن علي بن حسن المثلّث بن حسن المثنّى بن الحسن السبط بمكة في ذي القعدة سنة ست وتسعين ومائة أيام المهدي، واجتمع عليه قرابته وفيهم عماه إدريس ويحيى، وقاتلهم محمد بن سليمان بن عليّ بعجة على ثلاثة أميال من مكة، فقتل الحسين في جماعة من أهل بيته، وانهزموا وأُسر كثير منهم، ونجا يحيى بن إدريس وسليمان. ظهر يحيى بعد ذلك في الديلم. وقد ذكرنا خبره من قبل وكيف استنزله الرشيد وحبسه)(١) .
وأمّا إدريس ففر ولحق بمصر، وتم له ملك المغرب كما سبق بيانه، وقتل مسموماً (وكان قد جمل(٢) من دعوته في ابنه إدريس الأصغر من جاريته كنزة، بايعوه حملاً ثم رضيعاً ثم فصيلاً إلى أن شبّ واستتم فبايعوه بجامع (وليلى) سنة ثمان وثمانين ابن إحدى عشرة سنة. وكان ابن الأغلب دس إليهم الأموال واستمالهم حتى قتلوا راشداً مولاه سنة ست وثمانين.
وقام بكفالة إدريس من بعده أبو خالد بن يزيد بن الياس العبدي، ولم يزل كذلك إلى أن بايعوا لإدريس، فقاموا بأمره، وجردوا لأنفسهم رسوم الملك بتجديد طاعته، وافتتحوا بلاد المغرب كلها، واستوثق لهم الملك
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص٢٣.
(٢) جمل: ربما كان المقصود بها (صحف) أو (جنب).
بها. واستوزر إدريس مصعب بن عيسى الأزدي المسمّى بالملجوم من ضربة في بعض حروبهم وَسَمَتْه على الخرطوم وكأنها خِطام(١) . ونزع إليه كثير من قبائل العرب والأندلس، حتى اجتمع إليه منهم زهاء خمسمائة، فاختصهم دون البربر، وكانوا له بطانة وحاشية، واستفحل بهم سلطانه.
ثم قتل كبير أوربة إسحاق بن محمود سنة اثنتين وتسعين لما أحسّ منه بموالاة إبراهيم بن الأغلب.
وكثرت غاشية(٢) الدولة وأنصارها وضاقت (وليلى) بهم، فاعتام موضعاً لبناء مدينة لهم، وكانت (فاس) موضعاً لبني بوغش وبني الخير من وزاعة. وكان في بني بوغش مجوس ويهود ونصارى، وكان موضع شيبوبة منها بيت نار لمجوسهم.
وأسلموا كلهم على يده، وكانت بينهم فتن، فبعث للإصلاح بينهم كاتبه أبا الحسن عبد الملك بن مالك الخزرجيّ ثم جاء إلى فاس، وضرب أبنيته بكزواوه، وشرع في بنائها، فاختطّ عدوة الأندلس سنة اثنتين وتسعين. وفي سنة ثلاث وتسعين اختطّ عدوة القرويين، وبنى مساكنه، وانتقل إليها، وأسّس جامع الشرفاء، وكانت عدوة القرويين من لدن باب السلسلة إلى غدير الجوزاء والجرف.
واستقام له أمر الخلافة وأمر القائمين بدعوته وأمر العز والملك. ثم خرج غازياً للمصامدة سنة سبع وتسعين، فافتتح بلادهم، ودانوا بدعوته، ثم غزا تلمسان وجدّد بناء مسجدها وإصلاح منبرها، وأقام بها ثلاث سنين.
وانتظمت كلمة البرابرة وزناتة، ومحوا دعوة الخوارج منهم واقتطع الغربيين عن دعوة العباسيين من لدن الشموس الأقصى إلى شلف(٣) ).
إلى أن قال:
____________________
(١) خِطام: حبل يجعل في عنق البعير ويُثنى في خَطْمِه، كل ما وُضع في أنف البعير ليُقاربه.
(٢) غاشية الدولة: خدم الدولة. وغاشية فلان: زواره وأصدقاؤه ينتابونه.
(٣) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص٢٥، ٢٦، ٢٧.
(وهلك إدريس سنة ثلاث عشرة، وقام بالأمر من بعده ابنه (محمد) بعهده إليه، فأجمع أمره بوفاة جدته (كنزة) أم إدريس، على أن يشرك أخوته في سلطانه، ويقاسم ممالك أبيه، فقسّم المغرب بينهم أعمالاً)(١) .
(وتُوفِّي بعد أمور جرت بين إخوته وبينهم سنة إحدى وعشرين ومائتين، بعد أن استخلف ولده علياً في مرضه، وهو ابن تسع سنين.
فقام بأمره الأولياء والحاشية من العرب وأوربة وسائر البربر وصنائع الدولة. وبايعوه غلاماً مترعرعاً، وقاموا بأمره، وأحسنوا كفالته وطاعته، فكانت أيامه خير أيام.
وهلك سنة أربع وثلاثين لثلاث عشرة سنة من ولايته، وعهد لأخيه (يحيى) بن محمد، فقام بالأمر وامتد سلطانه، وعظمت دولته واستجدّت فاس في العمران)(٢) . (وهلك يحيى هذا، ووليَ ابنه (يحيى) بن يحيى، فأساء السيرة وكثر عبثه في الحرم، وثارت به العامة لمركب شنيع أتاه. وتولى كِبَرَ الثورة عبد الرحمان بن أبي سهل الحزامي، وأخرجوه من عُدْوَةِ القَرَوِيّين إلى عُدوة الأندلسيين، فتوارى ليلتين ومات أسفاً لليلته.
وانقطع الملك من عقب محمد بن إدريس. وبلغ الخبر بشأن يحيى إلى ابن عمه علي بن عمر صاحب الريف، واستدعاه أهل الدولة من العرب والبربر والموالي، فجاء إلى فاس ودخلها وبايعوه.
واستولى على أعمال المغرب إلى أن ثار عليه (عبد الرزّاق) الخارجي، وكان على رأي الصُفْرِيّة، فزحف إلى فاس وغلب عليها، ففرَّ إلى أوربة.
وملك عبد الرزاق عدوة الأندلس، وامتنعت منه عدوة القرويين. وولّوا على أنفسهم يحيى بن القاسم بن إدريس، وكان يُعرف بالصرام، بعثوا إليه فجاءهم جموعه. وكانت بينه وبين الخارجي حروب. ويقال: إنه أخرجه من عدوة الأندلس، واستعمل عليها ثَعْلَبَةَ بن مُحارب بن عبد الله، كان من أهل الربض بقرطبة، من ولد المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة.
____________________
(١) نفسه: م٤ ص٢٧.
(٢) نفسه: م٤ ص٢٩.
ثم استعمل ابنه عبد الله المعروف بعبود من بعده، ثم ابنه محارب بن عبود بن ثعلبة، إلى أن اغتاله الربيع بن سليمان سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وقام بالأمر مكانه (يحيى) بن إدريس بن عمر صاحب الريف، وهو ابن أخي عليّ بن عمر، فملك جميع أعمال الأدارسة، وخطب له على سائر أعمال المغرب.
وكان أعلى بني إدريس مُلكاً، وأعظمهم سلطاناً، وكان فقيهاً عارفاً بالحديث، ولم يبلغ أحد من الأدارسة مبلغه في السلطان والدولة.
وفي أثناء ذلك كله خَلَط(١) الملك للشيعة بأفريقية، وتغلَّبوا على الاسكندرية، واختطوا المهدِيَّة كما نذكره في (دولة كتامة). ثم طمحوا إلى مُلْك المغرب، وعقدوا لـ (مضالة بن حبوس) كبير مكناسة وصاحب تاهرت على محاربة ملوكه سنة خمس وثلاثمائة.
فزحف إليه في عساكر مكناسة وكتامة. وبرز لمدافعته يحيى بن إدريس صاحب المغرب بجموعه من المغرب وأولياء الدولة من أوربة وسائر البرابرة والموالي.
والتقوا على مكناسة، وكانت الدبرة على يحيى وقومه، ورجع إلى فاس مغلولاً، وأجاز له بها معاملة إلى أن صالحه على مال يؤدّيه إليه وطاعة معروفة لعبيد الله الشيعي سلطانه يؤدّيها فقبل الشرط، وخرج عن الأمر وخلع نفسه، وأنفذ بيعته إلى عبيد الله المَهْدِيّ، وأبقى عليه مصالحه في سكنى فاس، وعقد له على عملها خاصة، وعقد لابن عمه موسى بن أبي العافية أمير مكناسة يومئذ، وصاحب (سنور وتازه)على سائر أعمال البربر كما نذكره في أخبار مكناسة ودولة موسى.
وكان بين موسى بن أبي العافية وبين يحيى بن إدريس شحناء وعداوة، يضغنها كل واحد لصاحبه، حتى إذا عاد (مضالة) إلى المغرب في غزاته الثانية سنة تسع أغراه موسى بن أبي العافية بطلحة بن يحيى بن إدريس صاحب فاس، فقبض عليه مضالة واستصفى أمواله وذخائره وغرّبه إلى أصيلا والريف عمل ذي قرباه ورحمه.
____________________
(١) خلط: كذا ولم نجد لها معنى يناسب السياق ولعلها: خلص، بمعنى تمّ.
وولّى على فاس ريحان الكتاميّ، ثم خرج يحيى يريد أفريقية، فاعترضه ابن أبي العافية وسجنه سنين، وأطلقه ولحق بالمهدية سنة إحدى وثلاثين، وهلك في حصار أبي يزيد. واستبد ابن أبي العافية بملك المغرب.
وثار على ريحان الكتاميّ بفاس سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس الملقّب بالحجَّام، ونفى ريحان عنها، وملكها عامين.
وزحف للقاء موسى بن أبي العافية، وكانت بينهما حروب شديدة هلك فيها ابنه منهال بن موسى، وانجلت المعركة على أكثر من ألف قتيل وخلص الحسن إلى فاس منهزماً، وغدر به حامد بن حمدان الأوربي واعتقله. وبعث إلى موسى فوصل إلى فاس وملكها، وطالبه بإحضار الحسن فدافعه عن ذلك، وأطلق الحسن متنكراً، فتدلّى من السور فسقط ومات من ليلته، وفر حامد بن حمدان إلى المهدية.
وقتل موسى بن أبي العافية عبد الله بن محارب وابنيه محمداً ويوسف، وذهب ملك الأدارسة.
واستولى ابن أبي العافية على جميع المغرب، وأجلى بني محمد بن القاسم بن إدريس وأخاه الحسن إلى الريف، فنزلوا البصرة، واجتمعوا إلى كبيرهم إبراهيم بن محمد بن القاسم أخي الحسن، وولّوه عليهم.
واختطّ لهم الحِصْن المعروف بهم هنالك وهو حجر النسر سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ونزلوه وبنو عمر بن إدريس يومئذ بغمارة من لدن تيجساس إلى سبتة وطنجة، وبقي إبراهيم كذلك.
وشمّر الناصر المرواني لطلب المغرب، وملك سبتة علي بن إدريس سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وكبيرهم يومئذ أبو العيش بن إدريس بن عمر، فانجابوا له عنها، وأنزل بها حاميته. وهلك إبراهيم بن محمد، فتولّى عليهم من بعده أخوه القاسم الملقّب بكانون وهو أخو الحسن الحجَّام واسمه القاسم بن محمد بن القاسم. وقام بدعوة الشيعة انحرافاً عن أبي العافية ومذاهبه، واتصل الأمر في ولده وغمارة أولياؤهم والقائمون بأمرهم كما نذكره في أخبار غمارة.
ودخلت دعوة المروانيّين خلفاء قرطبة إلى المغرب، وتغلبت زناتة على الضواحي، ثم ملك بنو يعرب فاس وبعدهم مِغْراوة.
وأقام الأدارسة بالريف مع غمارة وتجدّد لهم به ملك في بني محمد وبني عمر بمدينة البصرة وقلعة حجر النسر ومدينة سبتة وأصيلا. ثم تغلب عليهم المروانيون وأثخنوهم إلى الأندلس، ثم أجازوهم إلى الإسكندرية، وبعث العزيز العُبَيْدي بن كانون منهم لطلب ملكهم بالمغرب فغلبه عليه المنصور بن أبي عامر وقتله، وعليه كان انقراض أمرهم وانقراض سلطان أوربة من المغرب.
وكان من أعقاب الأدارسة الذين أووا إلى غمارة فكانوا الدائلين من ملوك الأموية بالأندلس. وذلك أن الأدارسة لما انقرض سلطانهم، صاروا إلى بلاد غمارة واستجدوا بها رياسة، واستمرت في بني محمد وبني عمر من ولده إدريس بن إدريس، وكانت للبربر إليهم بسبب ذلك طاعة وخلطة.
وأمّا سليمان أخو إدريس الأكبر فإنه فرّ إلى المغرب أيام العباسيّين، فلحق بجهات تاهرت بعد مهلك أخيه إدريس. وطلب الأمر هناك فاستنكره البرابرة، وطلبه ولاة الأغالبة فكان في طلبهم تصحيح نسبه.
ولحق بِتَلْمَسان فملكها، وأذعنت له زناتة وسائر قبائل البربر هنالك. وورث ملكه ابنه محمد بن سليمان على سننه، ثم افترق بنوه على ثغور المغرب الأوسط واقتسموا ممالكه ونواحيه، فكانت َتلْمَسان من بعده لابنه محمد بن أحمد بن القاسم بن محمد بن أحمد، وأظنّ هذا القاسم هو الذي يدعي بنو عبد الواد نسبه؛ فإن هذا أشبه من القاسم بن إدريس بمثل هذه الدعوى.
وكانت (أرشكول) لعيسى بن محمد بن سليمان، وكان منقطعاً إلى الشيعة، وكانت جراوة لإدريس بن محمد بن سليمان ثم لابنه عيسى وكنيته أبو العيش. ولم تزل إمارتها في وُلده، وولِيها بعده ابنه إبراهيم بن عيسى، ثم ابنه يحيى بن إبراهيم، ثم أخوه إدريس بن إبراهيم. وكان إدريس بن إبراهيم صاحب أرشكول منقطعاً إلى عبد الرحمان الناصر، وأخوه يحيى كذلك. وارتاب من قبله ميسور قائد الشيعة فقبض عليه سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
ثم انحرف عنهم، فلما أخذ ابن أبي العافية بدعوة العلوية نابذ أولياء الشيعة، فحاصر صاحب جراوة الحسن بن أبي العيش وغلبه على جراوة فلحق بابن عمه إدريس بن إبراهيم صاحب أرشكول، ثم حاصرها البوري بن موسى ابن أبي العافية وغلب عليهما. وبعث بهما إلى الناصر فأسكنهما قرطبة.
وكانت تنس لإبراهيم بن محمد بن سليمان، ثم لابنه محمد من بعده، ثم لابنه يحيى بن محمد ثم ابنه علي بن يحيى. وتغلّب عليه زيري بن مناد سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، ففر إلى الجبر بن محمد بن خزر، وجاز ابناه حمزة ويحيى إلى الناصر فتلقاهما رحباً وتكرمة. ورجع يحيى منهما إلى طلب تنس فلم يظفر بها.
وكان من ولد إبراهيم هذا أحمد بن عيسى بن إبراهيم صاحب سوق إبراهيم، وسليمان بن محمد بن إبراهيم من رؤساء المغرب الأوسط. وكان من بني محمد بن سليمان هؤلاء وبَطْوش بن حناتِش بن الحسن بن محمد بن سليمان.
قال ابن حزم: وهم بالمغرب كثير جداً، وكان لهم بها ممالك، وقد بطل جميعها، ولم يبق منهم بها رئيس بنواحي بجاية، وحمل بني حمزة هؤلاء جوهر إلى القيروان، وبقيت منهم بقايا في الجبال والأطراف معروفون هنالك عند البربر، والله وارث الأرض ومن عليها)(١) .
قال المسعودي في مروجه:
(وفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة كان ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم بالمدينة، وكان قد بويع له في الأمصار، وكان يدعى بالنفس الزكية لزهده ونسكه، وكان مستخفياً من المنصور ولم يظهر حتى قبض المنصور على أبيه عبد الله بن الحسن وعمومته وكثير من أهله وعدتهم.
ولما ظهر محمد بن عبد الله بالمدينة، دعا المنصور أبا مسلم العقيلي، وكان شيخاً ذا رأي وتجربة، فقال له: أشر علي في خارجيّ خرج علي)(٢) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٣٠ إلى ص٣٦.
(٢) مروج الذهب للمسعودي: م٢ ص٢٣٧.
إلى أن قال:
(فقال المنصور لعيسى بن موسى:
(إما أن تخرج إليه وأُقيم أنا أُمدّك بالجيوش، وإما أن تكفيني ما أُخلّف ورائي وأخرج أنا إليه).
فقال عيسى:
(بل أقيك بنفسي يا أمير المؤمنين، وأكون الذي يخرج إليه). فأخرجه إليه من الكوفة في أربعة آلاف فارس وألفَي راجل، وأتبعه محمد بن قحطبة في جيش كثيف. فقاتلوا محمداً بالمدينة حتى قتل وهو ابن خمس وأربعين سنة.
ولمّا اتّصل بإبراهيم قَتْل أخيه محمد بن عبد الله وهو بالبصرة صعد المنبر فنعاه وتمثل:
أبـا المنازل يا خير الفوارس من يـفجع بـمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يـعـلم أنـي لـو خـشيتهم وأوجس القلب من خوف لهم فزعا
لـم يـقتلوه ولـم أسلم أخي لهم حـتى نموت جميعاً أو نعيش معا
وكان قد تفرّق أخوة محمد ووُلْده في البلدان يدعون إلى إمامته، فكان فيمن توجه ابنه علي بن محمد إلى مصر، فقتل بها.
وسار عبد الله إلى خراسان، فهرب لما طلب إلى السند، فقتل هناك. وسار ابنه الحسن إلى اليمن فحبس فمات في الحبس، وسار أخوه موسى إلى الجزيرة، ومضى أخوه يحيى إلى الري وطبرستان، فكان من خبر الرشيد ما سنورده فيما يرد من هذا الكتاب.
ومضى أخوه إدريس بن عبد الله إلى المغرب، فأجابه خلق من الناس، وبعث المنصور من اغتاله، فيما احتوى عليه من مدن المغرب.
وقام ولده إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مقامه، فعرف البلد بهم فقيل بلد إدريس).
ثم أحال بسط أخبارهم إلى كتابه الأوسط، وقال بعد ذلك:
(ومضى إبراهيم أخوه إلى البصرة وظهر بها، فأجابه أهل فارس
والأهواز وغيرهما من الأمصار في عساكر كثيرة من الزيدية وجماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة وغيرهم، ومعه عيسى بن زيد بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(رض).
فسيّر إليه المنصور عيسى بن موسى وسعيد بن مسلم في العساكر، فحارب حتى قتل في الموضع المعروف بِـ (باخمرى) وذلك على ستة عشر فرسخاً من الكوفة من أرض الطفّ، وهو الموضع الذي ذكرته الشعراء ممن رثى إبراهيم.
فممن ذكر ذلك دعبل بن علي في قصيدة أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
ومنها قوله فيهم:
قـبور بـكوفان وأخرى بطيبة وأخـرى بـفخ نـالها صلوات
وأُخرى بأرض الجوزجان محله وقـبر بباخمرى لدى القربات
وقتل معه من الزيدية من شيعته أربعمائة رجل وقيل خمسمائة)(١) .
وفي كامل ابن الأثير:
ذكر ظهور الحسين في حادث سنة تسع وستين ومائة فقال:
وفي هذه السنة ظهر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بالمدينة وهو المقتول بِفخّ عند مكة)(٢) .
- وكان خروجه في عهد الهادي لا المهدي، وفي هذه السنة لا في سنة ست وتسعين ومائة - كما نقلنا ذلك عن ابن خلدون آنفاً، فتنبه له -.
(وبعد ظفر الحسين بالمدينة وقتل يحيى وإدريس ابني عبد الله بن الحسن خالد البريدي الذي جاء إليه في مائتين من الجند. ولما اجتمع أصحاب الهادي بالخارجين بذي طُوىً، وكانوا قد أحرموا بِعُمْرة وانضم
____________________
(١) مروج الذهب: م٢ من ص٢٣٨ إلى ص٢٣٩.
(٢) الكامل لابن الأثير: م٦ ص٩٠.
من انضم إليهم من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين، وكانت الدائرة عليه فقتل، وكانت رؤوس أصحابه قد بلغت مائة رأس ونيفاً، واختلط المنهزمون من أصحاب الحسين بالحاجّ. وأسر منهم ستة أسرى، فقتل بعضهم واستبقي بعضهم. وأفلت من المنهزمين (إدريس) بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ، فأتى مصر، وعلى بريدها واضح مولى صالح بن المنصور، وكان شيعياً لعلي، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع في أرض طنجة بمدينة (وَليلة).
فاستجاب له من بها من البربر. فضرب الهادي عنق واضح وصلبه. وقيل: إنّ الرشيد هو الذي قتله، وإن الرشيد دسّ إلى إدريس الشمَّاخ اليماميّ مولى المهديّ، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم، وعظّمه وآثره على نفسه، فمال إليه إدريس، وأنزله عنده، ثم إنّ إدريس شكا إليه مرضاً في أسنانه، فوصف له دواء وجعل له فيه سمّاً، وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر، فأخذه منه. ثم هرب الشمّاخ، واستعمل إدريس الدواء فمات منه. فولّى الرشيد الشمّاخ بريد مصر.
ولما مات إدريس بن عبد الله خلف مكانه ابنه إدريس بن إدريس وأعقب بها، وملكوها ونازعوا بني أُميّة في إمارة الأندلس)(١) .
وذكر في حوادث سنة إحدى وثمانين ومائة في ولاية إبراهيم بن الأغلب إفريقية:
(ثم بلغ ابن الأغلب أَنّ إدريس بن إدريس العلويّ قد كثر جمعه بأقاصي المغرب، فأراد قصده، فنهاه أصحابه وقالوا: اتركْه ما تركك، فأعمل الحيلة وكاتب القيّم بأمره من المغاربة واسمه (بَهْلول) بن عبد الواحد وأهدى إليه، ولم يزل به حتى فارق إدريس وأطاع إبراهيم، وتفرّق جمع إدريس، فكتب إلى إبراهيم يستعطفه، ويسأله الكفّ عن ناحيته، ويذكر له قرابته من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فكفّ عنه)(٢) .
____________________
(١) الكامل لابن الأثير: م٦ من ص٩٢ إلى ص٩٤.
(٢) نفسه: م٦ ص١٥٦.
الأدارسة في صبح الأعشى
بنو إدريس: الأكبر بن حسن المثلَّث بن حسن المثنَّى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
(وكان مبدأ أمرهم أنه لما خرج حسين بن علي بن حسن المثلَّث بمكة سنة سبعين ومائة أيام الهادي، واجتمع عليه قرابته وفيهم عمه إدريس. وقُتل الحسين، وفر إدريس ولحق بالمغرب وصار إلى مدينة (وليلى) من المغرب الأقصى. فاجتمع إليه قبائل البربر وبايعوه، وفتح أكثر البلاد، وبقي حتى مات سنة خمس وسبعين ومائة.
وأقاموا الدعوة بعده لابنه إدريس الأصغر، وكان أبوه قد مات، وترك أمه حاملاً به، فكفّلوه حتى شبّ فبايعوه سنة ثمان وثمانين ومائة وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وافتتح جميع بلاد المغرب، وكثر عسكره وضاقت عليهم (وليلى)، فاختطّ له مدينة فاس سنة اثنتين وستعين ومائة على ما تقدم. وانتقل إليها واستقام له الأمر، واستولى على أكثر بلاد البربر، واقتطع دعوة العباسيين، ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين.
وقام بالأمر بعده ابنه (محمد بن إدريس)، ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين بعد أن استخلف في مرضه ولده (عليشا بن محمد) وهو ابن تسع سنين، ومات سنة أربع وثلاثين ومائتين لثلاث عشرة سنة من ولايته.
وكان قد عهد لأخيه (يحيى بن محمد)، فقام بالأمر بعده ومات. فولي مكانه ابنه (يحيى بن يحيى) ثم مات، فاستدعوا ابن عمه (علي بن
عمر) بن إدريس الأصغر، فبايعوه بفاس، واستولى على جميع أعمال المغرب، وقُتل سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
وقام بالأمر بعده (يحيى بن إدريس) بن عمر بن إدريس الأصغر، وملك جميع المغرب، وخُطب له على منابره. وبقي حتى وافته جيوش عبيد الله المهدي الفاطمي، فغلبوه على ملكه، وخلع نفسه من الأمر، وأنفذ ببيعته إلى المهدي سنة خمس وثلاثمائة.
واستقر عاملاً للمهدي على فاس وعملها خاصة، وبقية المغرب بيد موسى بن أبي العافية.
قيام دولة بني حمود من الأدارسة
بعد سقوط دولة الأدارسة في المغرب ببرهة طويلة، وملك بني أمية عليهم تلك المملكة إلى أن انتهى الأمر إلى المستعين منهم. وتغلّب البرابرة على قرطبة عنوة سنة ثلاث وأربعمائة.
وتفرّق شمل جماعة قرطبة، وكان علي بن حمود وأخوه قاسم من عقب إدريس قد أجازوا معهم من العدوة، فدعوا لأنفسهم، وتعصب معهم الكثير من البربر. وملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة، وقتلوا المستعين، ومحوا ملك بني أمية. واتصل ذلك في خلق منهم سبع سنين، ثم رجع الملك في بني أمية في وُلد الناصر نحواً من سبع سنين. ثم خرج عنهم وافترق الأمر في رؤساء الدولة من العرب والموالي والبربر، واقتسموا الأندلس ممالك ودولاً، وتلقّبوا بألقاب الخلفاء.
ثم قطع أهل قرطبة دعوة الحموديين بعد سبع سنين من ملكهم، وزحف إليهم (قاسم بن حمود) في جموع البربر، فهزمهم أهل قرطبة، ثم اجتمعوا واتفقوا على رد الأمر إلى بني أمية، واختاروا لذلك (عبد الرحمان بن هشام بن عبد الجبار) أخا المهدي، وبايعوه في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، ولقّبوه (المستظهر).
ثم ثار على المستظهر لشهرين من خلافته (محمد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن الناصر) أمير المؤمنين، فثار هذا وتبعه العامة، ففتك بالمستظهر واستقلّ بأمر قرطبة، وتلقّب بالمستكفي.
وبعد ستة عشر شهراً من بيعته رجع الأمر إلى يحيى بن علي بن حمود وهو (المعتلي).
الأسباب الممكنة لهم من الظهور:
كان من جملة المستعين مع البربر والمغاربة أخوان من ولد عمر بن إدريس وهما: القاسم وعلي ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر.
كانا في لفيف البرابرة في بلاد غمارة، واستجدا بها رياسة استمرت في بني محمد وبني عمر من وُلد إدريس، فكانت للبربر إليهم صاغية بسبب ذلك وخلطة.
وبقي الفخر منهم من غمارة، فأجازوا مع البربر، وصاروا في جملة المستعين مع أمراء العدوة من البربر، فعقد لهما المستعين فيمن عقد له من المغاربة عقد لعلي منهما على طنجة وعملها، وللقاسم - وكان الأسن - على الجزيرة الخضراء.
وكان في نفوس المغاربة والبرابرة تشيع لأولاد إدريس متوارث من دولتهم بالعدوة كما ذكرناه.
واستقام أمر (علي بن حمود) وتمكّن سلطانه واتصلت دولته عامين إلى أن قتلته صقالبته بالحمام سنة ثمان وأربعمائة. فولي مكانه أخوه (القاسم بن حمود) وتلقّب بالمأمون. ونازعه في الأمر بعد أربع سنين من خلافته (يحيى) ابن أخيه علي بسبتة، وكان أمير المغرب وولي عهد أبيه، فبعث إليه أشياعه من البربر مع جند الأندلس سنة عشر وأربعمائة، واحتل مالقة، وكان أخوه إدريس بها منذ عهد أبيهما، فبعث إلى سبتة ووصل إلى يحيى بن علي (راوي بن زيري) من غرناطة وهو عميد البرابرة ثانية يومئذ، فزحف إلى قرطبة، فملكها سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وتلقّب بالمعتلي، واستوزر أبا بكر بن ذكوان.
وفر المأمون إلى إشبيلية، وبايع له القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد، واستمال بعضاً من البرابرة ثانية واستجاشهم على ابن أخيه. ورجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
ولحق المعتلي بمكانه من مالقة، وتغلّب على الجزيرة الخضراء عمل المأمون من لدن عهد المستعين. وتغلب أخوه إدريس على طنجة من وراء البحر، وكان المأمون يعتدها حصناً لنفسه وبنيه، ويستودع بها ذخيرته.
وبلغ الخبر إلى قرطبة بتغلبه على قواعده وحصونه مع ما كان يتشدد على بني أمية، فاضطرب أمر المأمون، وثار عليه أهل قرطبة ونقضوا طاعته، وبايعوا للمستظهر ثم للمستكفي من بني أمية كما ذكرناه.
وتحيز المأمون وبرابرته إلى الأرباض فاعتصموا به، وقاتلوا دونه، وحاصروا المدينة خمسين يوماً.
ثم صمم أهل قرطبة على مدافعتهم، فخرجوا عن الأرباض وانفضت جموعهم سنة أربع عشرة وأربعمائة.
ولحق المأمون بإشبيلية وبها ابنه محمد ومحمد بن زيري من رجالات البربر، فأطمعه القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد في الملك، وأن يمتنعوا من القاسم فمنعوه؛ وأخرجوا إليه ابنه وضبطوا بلدهم.
ثم اشتد ابن عباد وأخرج محمد بن زيري، ولحق المأمون بشريش، ورجع عنه البربر إلى يحيى المعتلي ابن أخيه، فبايعوه سنة خمس عشرة وأربعمائة. وزحف إلى عمه المأمون بشريش فتغلّب عليه، ولم يزل عنده أسيراً وعند أخيه إدريس من بعده بمالقة إلى أن هلك في محبسه سنة سبع وعشرين وأربعمائة. واستقل يحيى المعتلي بالأمور، واعتقل محمداً والحسن ابني عمه القاسم المأمون بالجزيرة، ووكل بهما أبا الحجاج من المغاربة، وأقاما كذلك.
ثم خلع أهل قرطبة المستكفي، وصاروا إلى طاعة المعتلي. واستعمل عليهم عبد الرحمان بن عطاف من رجالات البربر.
وفر المستكفي إلى ناحية الثغر، فهلك في مدينة سالم.
ثم نقض أهل قرطبة طاعة المعتلي سنة سبع عشرة وأربعمائة، وصرفوا عامله عليهم (ابن عطاف)، وبايعوا للمعتمد أخي المرتضى، ثم خلعوه كما ذكرنا في خبره.
واستبدّ بأمر قرطبة الوزير (ابن جهور) بن محمد كما سنذكره في
أخبار ملوك الطوائف. وأقام يحيى بن المعتلي يتخيّفهم ويرد العساكر لحصارهم، إلى أن اتفقت الكافة على إسلام المدائن والحصون له.
فعلا سلطانه واشتد أمره، وظاهره (محمد بن عبد الله البرزالي) على أمره، فنزل عنده بِـ (قرمونة)، يحاصر فيها ابن عباد بإشبيلية، إلى أن هلك سنة ست وعشرين وأربعمائة بمداخلة ابن عباد للبرزالي في غتياله؛ فركب المعتلي لخيل أغارت على معسكره بقرمونة من جند ابن عباد، وقد أكمنوا له فكبا به فرسه وقتل. وتولى قتله محمد بن عبد الله البرزالي.
وانقطعت دولة بني حمود بقرطبة.
وكان أحمد بن موسى بن بقية، والخادم نجي الصقلي وزيري دولة الحموديين عند أولها. فرجعا إلى مالقة دار ملكهم، واستدعوا أخاه إدريس بن علي بن حمود من (سبتة) و(طنجة) وبايعوه على أن يولي سبتة حسن ابن أخيه يحيى، فتمّ أمره بمالقة، وتلقّب (المتأيد بالله)، وبايعه المرية وأعمالها ورندة والجزيرة. وعقد لحسن ابن أخيه يحيى على سبتة، ونهض معه نجي الخادم، وكان له ظهور على ملوك الطوائف، وكان أبوه القاسم بن عباد قد استفحل ملكه لذلك العهد، ومدّ يده إلى انتزاع البلاد من أيدي الثوّار؛ وملك أشبونة واستجة من يد محمد بن عبد الله البرزالي. وبعث العساكر مع ابنه بنفسه؛ وبعث القائد هذا عساكره مع ابن بقية، فكانت بينهم وبين ابن عباد حروب شديدة هزم فيها ابن عباد وقُتل وحُمل رأسه إلى إدريس المتأيد.
وهلك ليومين بعدها سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. واعتزم ابن بقية على بيعة ابنه يحيى الملقب (جون)، فأعجله عن ذلك نجي الخادم، وبادر إليه من سبتة ومعه حسن بن يحيى المعتلي، فبايعه البربر ولقب (المستنصر).
وقتل ابن بقية، وفر يحيى بن إدريس إلى (قمارش)، فهلك بها سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، ويقال: بل قتله نجي.
ورجع نجي إلى سبتة ليحفظ ثغرها، ومعه ولده حسن بن يحيى صبياً، وترك السطيفي على وزارة حسن لثقته به.
وبايعته غرناطة وجملة من بلاد الأندلس، وهلك حسن مسموماً بيد ابنة عمه إدريس ثارت بأخيها حسن سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فاعتقل السطيفي أخاه إدريس بن يحيى، وكتب إلى نجي وابن حسن المستنصر الذي كان عنده بسبتة ليعقد له.
واغتاله نجي وأجاز إلى مالقة ودعا إلى نفسه، ووافقه البربر والجند. ثم نهض إلى الجزيرة ليستأصل حسناً ومحمداً ابني قاسم بن حمود. ورجع خاسئاً، فاغتاله في طريقه بعض عبيد القاسم.
وبلغ الخبر إلى مالقة، فثارت العامّة بالسطيفي وقتل، وأُخرج إدريس بن يحيى المعتلي من معتقله، وبويع له سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. وأطاعته غرناطة وقرمونة وما بينهما، ولقُّب (العالي). وولى على سبتة سكوت ورزق الله من عبيد أبيه. ثم قتل محمداً وحسناً ابني عمه إدريس، فثار السودان بدعوة أخيهما محمد بمالقة، وامتنعوا بالقصبة. وكانت العامة مع إدريس، ثم أسلموه. وبويع محمد بمالقة سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وتلقّب بالمهدي، وولى أخاه عهده ولقّبه (الساني)، ثم نكر منه بعض النزغات(١) ونفاه إلى العدوة. فأقام بين غمارة، ولحق العالي بقمارش فامتنع بها وأقام يحاصر مالقة.
وزحف (باديس) من غرناطة منكراً على المهدي فعله، فامتنع عليه، فبايع له وانصرف.
وأقام المهدي في ملكه بمالقة، وأطاعته غرناطة وحيان وأعمالها، إلى أن مات بمالقة سنة أربع وأربعين وأربعمائة. وبويع إدريس المخلوع بن يحيى المعتلي من مكانه بقمارش، وبويع له بمالقة، وأطلق أيدي عبيده عليها لحقده عليهم. ففر كثير منهم إلى أن هلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
وبويع محمد الأصغر بن إدريس المتأيد، وتلقبه وخطب له بمالقة والمرية ورندة. ثم سار إليه باديس، فتغلب على مالقة سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
____________________
(١) النزغات: مفردها نزغة النخسة والطعنة.
وسار محمد المستعلي إلى المرية مخلوعاً، واستدعاه أهل (بليلة)، فأجاز إليهم، وبايعوه سنة تسع وخمسين وأربعمائة. وبايعه بنو (ورقدى) وقلوع جاره ونواحيها؛ وهلك سنة ستين وأربعمائة.
وأما محمد بن القاسم المعتقل بمالقة فقد فر من الاعتقال سنة أربع عشرة وأربعمائة، ولحق بالجزيرة الخضراء، فملكها وتلقّب المعتصم، إلى أن مات سنة أربعين وأربعمائة.
ثم ملكها بعده ابنه القاسم الواثق إلى أن هلك سنة خمسين وأربعمائة، وصارت الجزيرة للمعتضد بن عباد. وكان (سكوت البرغواطي) الحاجب مولى القاسم الواثق محمد بن المعتصم - ويقال: مولى يحيى المعتلي - والياً على سبتة من قبلهم. فلما غلب ابن عباد على الجزيرة طلبه في الطاعة، وطلب هو ملك الجزيرة، فامتنعت عليه؛ واتصلت الفتنة بينهما إلى أن كان من أمر (المرابطين) وتغلّبهم على سبتة وعلى الأندلس ما سنذكره.
وبعد فإنه يتبين للقارئ في هذه الصفحات أن ملك المغرب والأندلس كان متداولاً في آن واحد، ومنقسماً بين العباسيين والأمويين والعلويين الأدارسة والفاطميين. وإن هذا الانقسام العجيب جر إلى انقسامات أُخرى جر إليها طموح كل من تذوَّق طعم الحكم، وشعر بلذة الأمر والنهي، وقد ساعده القدر أن يكون عاملاً في إحدى سلطنات تلك الدول، وكان تدعمه عصبية، إلى أن انتهت النوبة إلى ملوك الطوائف.
قال ابن خلدون في تاريخه: (كان ابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم لما انتثر ملك الخلافة العربية بالأندلس، وافترق الجماعة بالجهات، وصار ملكها في طوائف من الموالي والوزراء وأعياص(١) الخلافة وكبار العرب والبربر. واقتسموا خططها، وقام كل واحد بأمر ناحية منها. وتغلّب بعض على بعض، واستقل آخر بأمرها ملوك منهم استفحل شأنهم، ولاذوا بالجزية للطاغية أو يتظاهرون عليهم أو ينتزعون منهم ملكهم، حتى أجاز إليهم (يوسف بن تاشفين) أمير المرابطين وغلبهم جميعاً على أمرهم فكان منهم: (ملوك بني عباد ملوك اشبيلية وغربي الأندلس).
____________________
(١) أعياص: مفردها عِيص وهو الأصل، يُقال: هو من عيص كريم أي من أصل كريم.
ملوك بني عباد ملوك اشبيلية
وغربي الأندلس
كان أولَهم كما قال ابن خلدون: القاضي أبو القاسم محمد بن ذي الوزارتين أبي الوليد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمر بن عطاف بن نعيم اللخمي.
وعطاف هو الداخل إلى الأندلس في طوالع لخم، وأصلهم من جند حمص. ونزل عطاف قرية (طشانة) بشرق اشبيلية، ونَسلُ بنيه بها. وكان محمد بن إسماعيل بن قريش صاحب الصلاة بطشانه، ثم ولي ابنه إسماعيل الوزارة باشبيلية سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، إلى أن هلك سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
وكان أصل رياسته أنه كان له اختصاص بالقاسم بن حمود وهو الذي أحكم عقد ولايته؛ وكان محمد بن زيري من أقيال البرابرة والياً على اشبيلية، فلما فر القاسم من قرطبة وقصده، داخَلَ ابن عباد محمد بن زيري في غرناطة ففعل، وطردوا القاسم وطردوا بعده ابن زيري وصار الأمر شورى بينه وبين أبي بكر الزبيدي.
ولما منع القاسم من اشبيلية عدل عنها إلى قرمونة أيام هشام والمهدي من بعده، ثم استبد بها سنة أربع وأربعمائة أزمان الفتنة؛ فداخله ابن عباد في خلع القاسم والاستبداد بها. ثم تنصح للقاسم فتحول إلى شريش كما قلناه، وقام بأمره ابنه عباد وتلقّب المعتضد واستولى على سلطانه، واشتدت حروبه وأيامه، وانتهى الأمر باستقلاله.
وبعد مهلكه قام بالأمر بعده ولده المعتمد بن عباد الذي انتزع منه الأمر يوسف بن تاشفين.
وانتهى ملك بني عباد، وانتهت حياة ابن عباد منفياً في أغمات(١) . ثم قام بالأمر:
ابن جهور ثم ابن الأفطس صاحب (بَطْليوس)(٢) من غرب الأندلس، ثم باديس بن حسون ملك غرناطة، ثم بنو ذي اليزن ملوك طليطلة، ثم ابن عامر صاحب شرق الأندلس، ثم بنو حمود، فالموحدون، فملوك بني الأحمر، فالملثّمون؛ مما يخرجنا البحث عن تفاصيل أحوالهم عن موضوعنا.
وكانت خاتمة مطاف هذه الانقسامات والمنازعات بين الطامعين في الملك والطامحين إلى الاستواء على عرشه الراسي على بحار من الدماء، أن طمع فيهم الغريب فأدال من تلك الدول غير المستقرة.
رجع إلى ملك الأدارسة وأول أمرهم بالمغرب
ولّى الرشيد أمر المغرب إبراهيم بن الأغلب أول الأغالبة بإشارة هرثمة بولايته، فكتب له بالعهد إلى إفريقية منتصف سنة أربع وثمانين ومائة.
وفي أيامه ظهرت دعوة العلوية بإدريس بن عبد الله، وتُوفِّي ونصب البرابرة ابنه الأصغر، وقام راشد بكفالته، وكبر إدريس واستفحل أمره براشد. فلم يزل إبراهيم يدس إلى البربر ويسرب فيهم الأموال حتى قُتل راشد وسيق رأسه إليه.
ثم قام بأمر إدريس بعده بهلول بن عبد الرحمان المظفّر من رؤوس البربر، فاستفحل أمره، فلم يزل إبراهيم يتلطفه ويستميله بالكتب والهدايا إلى أن انحرف عن دعوة الأدارسة إلى دعوة العباسية. فصالحه إدريس
____________________
(١) أغْمات: مدينة في المغرب جنوبي مراكش، فيها قبور أولياء المسلمين كانت قديماً قاعدة البلاد ومن أعمال مملكة بني إدريس.
(٢) بَطْليوس: مدينة في إسبانيا تُعرف الآن باسم بداخوس، كانت قاعدة بني أفطس.
وكتب إليه يستعطفه بقرابته من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فكفّ عنه.
وكانت وفاة إبراهيم بن الأغلب في شوال سنة ست وتسعين ومائة.
وولي بعده ابنه عبد الله، وكان جائراً ظالماً تُوفِّي في ذي الحجَّة سنة إحدى ومائتين، وهو الملقّب بأبي العباس.
فولي مكانه أخوه زيادة الله، ولما جاءه التقليد من قبل المأمون يأمره بالدعاء لعبد الله بن طاهر على منابره، غضب من ذلك وبعث مع الرسول بدنانير من سكة الأدارسة يعرض له بتحويل الدعوة.
رجع إلى بني حمّود
قال ابن الأثير: (وفي هذه السنة (٤٠٦) ولي الأندلس علي بن حمود بن أبي العيش بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقيل في نسبه غير ذلك مع اتفاق على صحة نسبه إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
وكان سبب ذلك أن الفتى (خيران) العامريّ لم يكن راضياً بولاية سليمان قرطبة. انهزم خيران في جماعة كثيرة من الفتيان العامريّين، فتبعهم البربر وواقعهم؛ فاشتد القتل بينهم، وجُرح خيران عدّة جراحات، وتُرك على أنه ميّت. فلما فارقوه قام يمشي فأخذه رجل من البربر إلى داره بقرطبة، وعالجه فبرأ، وأعطاه مالاً وخرج منها سرّاً إلى شرق الأندلس، فكثر جمعه وقويت نفسه، وقاتل من هناك من البربر؛ وملك المَرِيّة، واجتمع إليه الأجناد، وأزال البربر عن البلاد المجاورة له، فغلظ أمره وعظم شأنه. وكان عليُّ بن حمود بمدينة سبتة بينه وبين الأندلس عدوة المجاز مالكاً لها، وكان أخوه القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء مستولياً عليها وبينهما المجاز.
وسبب ملكهما أنهما كانا من جملة أصحاب سليمان بن الحاكم، فقوّدهما على المغاربة، ثم ولاّهما هذه البلاد، وكان خيران يميل إلى دولة المؤيد ويرغب فيها، ويخطب له على منابر بلاده، التي استولى عليها؛ لأنه كان يظن حياته حيث فقد من القصر، فحدث لعلي بن حمود طمع في ملك
الأندلس لما رأى من الاختلاف فكتب إلى خيران يذكر له أن المؤيد كان كتب له بولاية العهد والأخذ بثأره إن هو قتل. فدعا لعلي بن حمود بولاية العهد. وكان خيران يكاتب الناس ويأمرهم بالخروج على سليمان، فوافقه جماعة منهم عامر بن فتوح وزير المؤيد وهو بمالقة، وكاتبوا عليَّ بن حمود وهو بسبتة ليعبر إليهم ليقوموا معه ويسيروا إلى قرطبة في سنة خمس وأربعمائة.
فخرج عنها عامر بن فتوح وسلّمها إليه ودعا له بولاية العهد، وسار خيران ومن أجابه إليه، فاجتمعوا بالمُنكّب وهي ما بين المريّة ومالقة سنة ست وأربعمائة، وقرروا ما يفعلونه، وعادوا يتجهزون لقصد قُرطُبة. فتجهَّزوا وجمعوا من وافقهم وساروا إلى قرطبة، وبايعوا علياً على طاعة المؤيد الأموي. فلما بلغوا غرناطة وافقهم أميرها وسار معهم إلى قرطبة. فخرج سليمان والبربر إليهم فالتقوا واقتتلوا على عشرة فراسخ من قرطبة؛ ونشب القتال بينهم، فانهزم سليمان والبربر وقُتل منهم خلق كثير، وأُخذ سليمان أسيراً فحُمل إلى عليّ بن حمّود ومعه أخوه وأبوه الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمان الناصر.
ودخل عليُّ بن حمود قرطبة في المحرم سنة سبع وأربعمائة. ودخل خيران وغيره إلى القصر طمعاً في أن يجدوا المؤيّد حيّاً فلم يجدوه، ورأوا شخصاً مدفوناً فنبشوه وجمعوا له الناس، وأحضروا بعض فتيانه الذين ربّاهم وعرضوه عليه، ففتّشه وفتّش أسنانه؛ لأنه كان له سن سوداء كان يعرفها ذلك الفتى. فأجمع هو وغيره على أنه المؤيّد خوفاً على أنفسهم من عليّ، فأخبروا خيران أنّه المؤيد. وكان ذلك الفتى يعلم أنّ المؤيّد حيّ.
فأخذ علي بن حمّود سليمان وقتله سابع المحرم سنة سبع وأربعمائة وقتل أباه وأخاه. ولما حضر أبوه بين يدي علي بن حمود قال له: يا شيخ! قتلتم المؤيد؟ فقال: والله ما قتلناه وإنه لحيّ، فحينئذ أسرع في قتله، وكان شيخاً صالحاً منقبضاً لم يتدنّس بشيء من أحوال ابنه.
واستولى عليُّ بن حمود على قرطبة ودعا الناس إلى بيعته، فبويع واجتمع له الملك، ولُقّب المتوكل على الله.
ثم إِنّ خيران أظهر الخلاف عليه لأشياء منها أنه كان طامعاً أن يجد
المؤيد فلم يجده، ومنها أنه نُقل إليه أنّ عليّاً يريد قتله، فخرج من قرطبة وأظهر الخلاف عليه.
ولمّا خالف خيران علياً أرسل يسأل عن بني أمية فدُلّ على عبد الرحمان بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمان الناصر الأمويّ، وكان قد خرج من قرطبة مستخفياً ونزل بجيّان، وكان أصلح من بقي من بني أميّة. فبايعه خيران وغيره، ولقّبوه (المرتضى). وأرسل خيران منذرَ بن يحيى التُّجيبيَّ أمير سرقسطة والثغر الأعلى. وراسل أهل شاطِبة وبَلَنْسِيَة وطَرطُوشة والبُنْت، فأجابوا كلهم إلى بيعته والخلاف على علي بن حمود. فاتّفق عليه أكثر الأندلس، واجتمعوا بموضع يُعرف بالرياحين في الأضحى شُورى واتفقوا على بيعته، وساروا معه إلى صنهاجة والنزول على غرناطة.
وأقبل المرتضى على أهل بلنسية وشاطبة، وأظهر الجفاء لمنذر بن يحيى التُّجيبي ولخيران ولم يُقبِل عليهما، فندما على ما كان منهما.
وسار حتى وصل إلى غرناطة، فوصل إليها ونزل عليها. وقاتلوها أياماً قتالاً شديداً، فغلبهم أهل غرناطة وأميرهم زاوي بن زيري الصنهاجي.
وانهزم المرتضى وعسكره، واتّبعهم صنهاجة يقتلون ويأتسرون. وقُتل المرتضى في هذه الهزيمة وعمره أربعون سنة، وهو أصغر من أخيه هشام.
وسار أخوه هشام إلى البُنت، وأقام بها إلى أن خوطب بالخلافة. ولم يزل علي بن حمود بعد هذه الهزيمة يقصد بلاد خيران والعامريين مرة بعد أُخرى. فلمّا كان في ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة تجهّز علي بن حمود للمسير إلى (جَيّان) لقتال من بها من عسكر خيران، فلما كان الثامن والعشرون منه برزت العساكر إلى ظاهر قرطبة بالبنود والطبول، ووقفوا ينتظرون خروجه، فدخل الحمّام ومعه غلمانه فقتلوه. فلما طال على الناس انتظاره بحثوا عن أمره، فدخلوا عليه فرأوه مقتولاً، فعاد العسكر إلى البلد.
وكان لقبه المتوكّل على الله، وقيل: الناصر لدين الله. وكان أسمر أعين أكحل خفيف الجسم طويل القامة، حازماً عازماً عادلاً حسن السيرة، وكان قد عزم على إعادة أحوال أهل قرطبة إليهم التي أخذها البربر، فلم تطل أيامه. وكان يحب المدح ويُجزل العطاء عليه.
ثم وليَ بعده أخوه القاسم، وهو أكبر من علي بعدة أعوام، وكان عمر علي ثمانيةً وأربعين سنة. بنوه يحيى وإدريس وأمُّه قُرشيّة وكنيته أبو الحسن. وكانت ولايته سنة وتسعة أشهر)(١) .
ولاية القاسم بن حمود المأمون:
(بايع الناس القاسم بعد قتل أخيه علي سنة سبع وأربعمائة، ولُقب المأمون. فلّما ولّي واستقرّ ملكه كاتب العامريّين واستمالهم إليه، وأقطع زهيراً جيَّان وقلعة رباح وبَيَّاسة. وكاتب خيران واستعطفه، فلجأ إليه واجتمع به، ثم عاد عنه إلى المريَّة.
وبقي القاسم مالكاً لقُرطُبة وغيرها إلى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. وكان وادعاً ليِّناً يحب العافية، فأمن الناس معه، وكان يتشيَّع إلاّ أنّه لم يظهر شيئاً من ذلك.
وسار عن قرطبة إلى إشبيلية فخالفه يحيى ابن أخيه فيها)(٢) .
____________________
(١) تاريخ ابن الأثير: م٩ من ص٢٦٩ إلى ص٢٧٣.
(٢) نفسه: ج٩ ص٢٧٣ - ٢٧٤.
دولة يحيى بن عليّ بن حمود
وما كان منه ومن عمّه
(لمّا سار القاسم بن حمّود من قرطبة إلى إشبيلية سار ابن أخيه يحيى بن علي من مالِقة إلى قُرطُبة، فدخلها بغير مانع. فلما تمكّن بقُرطُبة دعا الناس إلى بيعته فأجابوه؛ فكانت البيعة مستهلّ جمادى الأولى من سنة اثنتي عشرة وأَربعمائة.
ولُقّب بالمعتلي، وبقي بقُرطُبة يُدعَى له بالخلافة، وعمّه القاسم بإشبيلية يُدعى له بالخلافة، إلى ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. فسار يحيى عن قُرطبة إلى مالقة؛ ووصل الخبر إلى عمّه فركب وجدّ في السير ليلاً ونهاراً إلى أن وصل إلى قُرطُبة فدخلها ثامن عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
وكان مدة مقامه بإشبيلية قد استمال العساكر من البربر، وقوي بهم. وبقي القاسم بقرطبة شهوراً، ثم اضطرب أمره بها، وسار ابن أخيه يحيى بن علي إلى الجزيرة الخضراء وغلب عليها، وبها أهل عمّه وماله.
وغلب أخوه إدريس بن علي صاحب سَبتة على طنجة وهي كانت عُدّة القاسم التي يلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس. فلما ملك ابنا أخيه بلاده طمع فيه الناس، وتسلّط البربر على قرطبة، فأخذوا أموالهم، فاجتمع أهلها وبرزوا إلى قتاله عاشر جمادى الأولى سنة أربع عشرة وأربعمائة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم سكنت الحرب وأمّن بعضهم بعضاً إلى منتصف جمادى الأولى من السنة نفسها، والقاسم بالقصر يُظهر التودّد لأهل قرطبة وأَنّه معهم، وباطنه مع البربر.
فلمّا كان يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة صلّى الناس الجمعة، فلمَّا فرغوا تنادوا: السّلاح!... السّلاح!...، فاجتمعوا ولبسوا السّلاح وحفظوا البلد ودخلوا قصر الإمارة، فخرج عنها القاسم، واجتمع معه البربر، وقاتلوا أهل البلد وضيّقوا عليهم، وكانوا أكثر من أهله. فبقوا كذلك نيِّفاً وخمسين يوماً والقتال متّصل، فخاف أهل قُرطُبة وسألوا البربر أن يفتحوا لهم الطريق ويؤمّنوهم على أنفسهم وأهليهم، فأبوا إلاّ أن يقتلوهم.
فصبروا حينئذٍ على القتال وخرجوا من البلد ثاني عشر شعبان، وقاتلوهم قتالاً مستقلاً، فنصرهم الله على البربر( وَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنّهُ اللّهُ ) .
وانهزم البربر هزيمة عظيمة، ولحق كلّ طائفة منهم ببلد فاستولوا عليه.
وأمّا القاسم بن حمّود فإنه سار إلى إشبيلية وكتب إلى أهلها في إِخلاء ألف دار ليسكنها البربر؛ فعظم ذلك عليهم، وكان بها ابنا محمّد والحسن، فثار بهما أهلها فأخرجوهما عنهم ومن معهما. وضبطوا البلد وقدّموا على أنفسهم ثلاثة من شيوخهم وكبرائهم وهم: القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد اللخميُّ، ومحمّد بن يريم الألهانيّ، ومحمّد بن محمّد بن الحسن الزبيديُّ، وكانوا يدبّرون أمر البلد والناس. ثم اجتمع ابن يريم والزبيديُّ، وسألوا ابن عبّاد أن ينفرد بتدبير أمور الناس فامتنع، وألحّوا عليه، فلمّا خاف على البلد بامتناعه أجابهم إلى ذلك، وانفرد بالتدبير وحفظ البلد.
فلمّا رأى القاسم ذلك سار في تلك البلاد، ثم إنه نزل بِشَريش، فزحف إليه يحيى بن أخيه عليّ، ومعه جمع من البربر، فحصروه ثم أخذوه أسيراً، فحبسه يحيى، فبقي في حبسه إلى أن تُوفِّي يحيى، وملك أخوه إدريس. فلمّا ملك قتله، وقيل: بل مات حتف أنفه، وحُمل إلى ابنه محمّد، وهو بالجزيرة الخضراء فدفنه. وكانت مدّة ولاية القاسم بقرطبة، مُذ تسمّى بالخلافة إلى أن أسره ابن أخيه، ستّة أعوام، وبقي محبوساً ستَّ عشرة سنة إلى أن قُتل سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وكان له ثمانون سنة،
وله من الوُلد محمد والحسن، أمّهما أميرة بنت الحسن بن القاسم (المعروف بقتّون) بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام))(١) .
رجوع قرطبة إلى بني أمية:
(ولمّا انهزم البربر والقاسم بن علي من أهل قُرطبة، اتّفق رأي أهل قُرطُبة على ردّ بني أميّة، فاختاروا عبد الرحمان بن هشام بن عبد الجبّار بن عبد الرحمان الناصر الأمويّ، فبايعوه بالخلافة ثالث عشر رمضان من سنة أربع عشرة وأربعمائة، وهو في سن اثنتين وعشرين سنة.
وتلقّب بالمستظهر بالله، فكانت ولايته شهراً واحداً وسبعة عشر يوماً وقُتل)(٢) .
ولاية محمد بن عبد الرحمن:
(لمّا قُتل المستظهر بايع الناس بقُرطُبة محمد بن عبد الرحمان بن عبيد الله بن الناصر في ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة. وخطبوا له بالخلافة، ولقّبوه المستكفي بالله. ولم يكن حسن السيرة، ولم يمكث في ولايته إلا ستة عشر شهراً وأيّاماً قليلة، حتى ثار عليه أهل قرطبة في ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة، فخلعوه وخرج عن قرطبة ومات في ربيع الآخر من هذه السنة في أعمال سالم)(٣) .
عودة ولاية قُرطُبة إلى يحيى العلويّ:
لمّا مات أبو عبد الرحمان الأمويُّ محمد بن عبد الرحمان أعاد أهل قرطبة دعوة المعتلي بالله يحيى بن علي بن حمّود العلويّ. وكان بمالقة يخطب لنفسه بالخلافة، فكتبوا إليه وخاطبوه بالخلافة، وخطبوا له في رمضان سنة ستّ عشرة وأربعمائة. فأجابهم إلى ذلك وأرسل إليهم عبد
____________________
(١) الكامل لابن الأثير: م٩ ص٢٧٤ إلى ٢٧٦.
(٢) نفسه: م٩ ص٢٧٦.
(٣) نفسه: م٩ ص٢٧٧ - ٢٧٨.
الرحمان بن عطّاف (اليفرني) والياً عليهم، ولم يحضر هو باختياره، فبقي عبد الرحمان فيها إلى محرم سنة سبع عشرة (وأربعمائة)، فسار إليه مجاهد وخيران العامريّان في ربيع الأوّل من هذه السنة، في جيش كبير، فلمّا قاربوا قرطبة ثار أهلها بعبد الرحمان فأخرجوه، وقتلوا الكثير من أصحابه ونجا الباقون.
وأقام خيران ومجاهد بها نحو شهر، ثم اختلفا، فخاف كل واحد منهما صاحبه. فعاد خيران عن قرطبة لسبع بقين من ربيع الآخر من السنة بنفسها إلى المريَّة، وبقي بها إلى سنة ثماني عشرة (وأربعمائة) وتُوفِّي، وقيل سنة تسع عشرة. وصارت المريّة بعده لصاحبه زهر العامريّ، فخالف (حَبّوس بن ماكسن) الصنهاجيّ البربريّ وأخوه على طاعة يحيى بن عليّ العلويّ، وبقي مجاهد مدّةً ثم سار إلى (دانية)، وقُطعت خطبة يحيى منها، وأُعيدت خطبة الأمويين.
وبقي يتردُّد عليها بالعساكر، واتّفق البربر على طاعته، وسلّموا إليه ما بأيديهم من الحصون والمدن. فقوي وعظم شأنه، وبقي كذلك مدة. ثم سار إلى قرمونة فأقام بها محاصراً لإشبيلية طامعاً في أخذها. فأتاه الخبر يوماً أنَّ خيلاً لأهل إشبيلية قد أخرجها القاضي أبو القاسم بن عبّاد إلى نواحي قرمونة، فركب إليهم ولقيهم وقد كمنوا له، فلم يكن بأسرع من أن قُتل، وذلك في المحرّم سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وخلّف من الولد الحسن وإدريس، وكان أسمر أعين أكحل، طويل الظهر، قصير الساقين، وقوراً هيّناً ليِّناً. وكان عمره اثنتين وأَربعين سنة، وأمّه بربريّة)(١) .
أخبار أولاد يحيى وأولاد أخيه وغيرهم:
ولمّا قُتل يحيى بن عليّ، رجع أبو جعفر أحمد بن أبي موسى المعروف بابن بقيّة ونجا الخادم الصقلبيُّ، وهما مدبّرا دولة العلويّين، فأتيا مالقة وهي دار مملكتهم، فخاطبا أخاه إدريس بن علي وكان له سبتة
____________________
(١) الكامل لابن الأثير: م٩ ص٢٧٨ - ٢٧٩.
وطنجة، وطلباه، فأتى إلى مالقة، وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانَهُ بسَبتة، فأجابهما إلى ذلك، فبايعاه، وسار حسن بن يحيى ونجا الخادم الصقلبيُّ إلى سَبتة وطَنجة.
وتلقّب إدريس بالمتأيّد بالله؛ فبقي كذلك إلى سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين وأربعمائة، فسيّر القاضي أبو القاسم بن عبّاد ولدَه إسماعيل في عسكر ليتغلّب على تلك البلاد. فأخذ قرمونة ثم اشبونة واستجة، فأرسل صاحبها إلى إدريس وإلى باديس بن حبّوس صاحب صنهاجة، فأتاه صاحب صنهاجة بنفسه. وأمدّه إِدريس بعسكر يقوده ابن بقيّة مدبّر دولته، فلم يجسروا على إسماعيل بن عبّاد، فعادوا عنه. فسار إسماعيل مجدّاً ليأخذ على صنهاجة الطريق، فأدركهم وقد فارقهم عسكر إدريس قبل ذلك بساعة. فأرسلت صنهاجة من ردّهم، فعادوا وقاتلوا إسماعيل بن عبّاد، فلم يلبث أصحابه أن انهزموا وأسلموه، فقُتل وحُمل رأسه إلى إدريس. وكان إِدريس قد أيقن بالهلاك، وانتقل عن مالقة إلى جبل يحتمي به وهو مريض. فلمّا أتاه الرأس عاش بعده يومين ومات. وترك من الولد: يحيى ومحمداً وحسناً.
وكان يحيى بن عليّ المقتول قد حبس ابنَيْ عمّه محمّداً والحسن ابني القاسم بن حمّود بالجزيرة. فلما مات إِدريس أخرجهما الموكَّل بهما، ودعا الناس إِليهما، فبايعهما السودان خاصّة قبل الناس لميل أبيهما إليهم.
فملك محمد الجزيرة ولم يتسمّ بالخلافة. وأما الحسن بن القاسم فإنَّه تنسَّك وترك الدنيا وحجّ، وكان ابن بقيّة قد أقام يحيى بن إِدريس بعد موت والده بمالقة، فسار إليها نجا الصقلبيُّ بن سبتة هو والحسن بن يحيى، فهرب ابن بقيّة ودخلها الحسن ونجا، فاستمالا ابن بقيّة حتى حضر فقتله الحسن وقتل ابنَ عمّه يحيى بن إدريس.
وبايعه الناس بالخلافة، ولُقّب بالمستنصر بالله. ورجع نجا إلى سبتة، وترك مع الحسن المستنصر نائباً له يُعرف بالشطيفيّ. فبقي حسن كذلك نحواً من سنتين، ثم مات سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، فقيل: إن زوجته ابنة عمّه إدريس سمّته أسفاً على أخيها يحيى.
فلمّا مات المستنصر اعتقل الشطيفيُّ إدريسَ بن يحيى بن إِدريس.
وسار نجا من سبتة إلى مالقة، وعزم على محو أمر العلويّين، وأن يضبط البلاد لنفسه، وأظهر البربر على ذلك، فعظم عندهم، فقتلوه، وقتلوا الشطيفيَّ، وأخرجوا إِدريس بن يحيى وبايعوه بالخلافة، وتسمى بالعالي، وكان له سلوك غير مستحسن مع قلة حزم وتفريط في الملك، ومن ذلك أنَّ كلَّ من طلب من أعوانه الذين هم من الرذل حصناً أعطاه، وطلبوا وزيره ومدبّر أمره صاحب أبيه موسى بن عفّان ليقتلوه فسلمه إليهم فقتلوه.
وكان قد أعتقل ابنَيْ عمّه محمداً والحسن ابنَيْ إدريس بن عليّ في حصن إيرش. فلمّا رأى ثقته بإيرش اضطراب آرائه خالف عليه وبايع ابن عمّه محمد بن إدريس بن عليّ، وثار بإدريس بن يحيى من عنده من السودان. وطلبوا محمداً فجاء إليهم، فسلّم إليه إدريس الأمر وبايع له سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فاعتقله محمد وتلقّب بالمهدي، وولّى أخاه الحسن عهده ولقبه السامي. وظهرت من المهديّ شجاعة وجرأة فهابه البربر وخافوه فراسلوا الموكّل بإدريس بن يحيى، فأجابهم إلى إخراجه وأخرجه وبايع له، وخطب له بسبتة وطنجة بالخلافة. وبقي إلى أن تُوفِّي سنة ست وأربعين (وأربعمائة).
ثم إنّ المهدي رأى من أخيه السامي ما أنكره، فنفاه عنه، فسار إلى العدوة إلى جبال غمارة، وأهلها ينقادون للعلويّين ويعظّمونهم، فبايعوه.
ثم إن البربر خاطبوا محمّد بن القاسم بالجزيرة، واجتمعوا إليه وبايعوه بالخلافة وتسمّى بالمهديّ أيضاً، فصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة، أربعة كلّهم يسمّى أمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخاً. فرجعت البربر عنه وعاد إلى الجزيرة، فمات بعد أيّام، فوليَ الجزيرة ابنه القاسم ولم يتّسمّ بالخلافة.
وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة خمس وأربعين (وأربعمائة).
وكان إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بِتَاكَرنا، فلما تُوفِّي محمّد بن إدريس بن عليّ قصد إِدريس بن يحيى مالقة فملكها، ثم انتقل إلى صنهاجة.
ولمّا قطعت دعوة يحيى بن عليّ العلويّ من قرطبة سنة سبع عشرة
وأربعمائة، أجمع أهلها على خلع العلويين لميلهم إلى البربر، وإعادة الخلافة بالأندلس إلى بني أميّة، فاتّفقوا وبايعوا أبا بكر هشام بن محمّد بن عبد الملك بن عبد الرحمان الناصر الأمويّ في ربيع الأوّل سنة ثماني عشرة (وأربعمائة).
وتلقّب بالمعتدّ بالله، وبعد نهوضه إلى الثغر وتردُّده فيها وحدوث فتن واضطراب شديد من الرؤساء اتفق أمرهم على أن يسير إلى قرطبة دار الملك. فسار إليها ودخلها ثامن ذي الحجَّة سنة عشرين (وأربعمائة). وبقي بها حتى خُلع ثاني ذي الحجَّة سنة اثنتين وعشرين (وأربعمائة) لعدّة أسباب)(١) .
وبعد خلعه قام أميّة بن عبد الرحمان بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر وتسوّر القصر مع جماعة من الأحداث، ودعا إلى نفسه، فبايعه من سَواد الناس كثير، فقال له بعض أهل قرطبة: نخشى عليك أن تُقتل في هذه الفتنة فإِنّ السعادة قد ولّت عنكم. فقال: بايعوني اليوم واقتلوني غداً.
فأنفذ أهل قرطبة وأعيانهم إليه وإلى المعتدّ بالله يأمرونهما بالخروج عن قرطبة. فودّع المعتدّ أهله وخرج إلى حصن محمّد بن الشور بجبل قرطبة، فبقي معه إلى أن غدر أهل الحصن بمحمد بن الشور فقتلوه، وأخرجوا المعتدّ إلى حصن آخر حبسوه فيه، فاحتال في الخروج منه ليلاً وسار إلى سليمان بن هود الجذامي فأكرمه وبقي عنده إلى أن مات في صفر سنة ثمان وعشرين (وأربعمائة) ودفن بناحية لارِدة. وهو آخر ملوك بني أميّة بالأندلس.
وأمّا أميّة فإنَّه اختفى بقرطبة، فنادى أهلها بالأسواق والأرباض أن لا يبقى أحد من بني أميّة بها، ولا يتركهم عنده أحد. فخرج أميّة فيمن خرج، وانقطع خبره مدّة. ثم أراد العود إليها فعاد طمعاً في أن يسكنها، فأرسل إليه شيوخها من منعه عنها، وقيل: قُتل وغُيب، وذلك في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين (وأربعمائة).
ثم انحلّ عقد الجماعة وانتشر وافترقت البلاد)(٢) .
____________________
(١) الكامل لابن الأثير: م٩ من ص٢٧٩ إلى ص٢٨٣.
(٢) الكامل: م٩ ص٢٨٣ - ٢٨٤.
قال ابن الأثير في كامله الذي لخّصنا عنه هذه الحوادث المرتبطة بالأدارسة ودولتهم في المغرب والأندلس:
(ثم إن الأندلس اقتسمه أصحاب الأطراف والرؤساء، فتغلّب كلّ إنسان على شيء منه، فصاروا مثل ملوك الطوائف. وكان ذلك أضرّ شيء على المسلمين، فطمع بسببه العدوّ، ولم يكن لهم اجتماع إلى أن ملكه عليُّ بن يوسف بن تاشفين)(١) .
وبعد ذكره من وُلّي الأطراف المغربية والأندلسية، وقضاء الملَثَّمين على دولهم، وآخر دولة منهم دولة بني باديس في رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة، قال:
(وانقرضت دول جميعهم وصارت الأندلس جميعها للملثّمين، وملكهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. واتصلت مملكته من المغرب الأقصى إلى آخر بلاد المسلمين بالأندلس.
____________________
(١) نفسه: م٩ ص٢٨٤.
ملخص ما ذكره المقري عن بني حمّود بقايا
الأدارسة في الجزء الأول من نفح الطيب
(دخل المستعين وهو (سليما بن الحكم) الأموي قرطبة ومن معه من البربر عنوة سنة ثلاث وأربعمائة، وقتل هشاماً سراً.
وجرى أمور من البربر أدت انتقاض حكمه. وقال: (إن من أعظم الأسباب في فساد دولة المستعين أنه قال هذه الأبيات إلى خواصه:
حلفت بمن صلّى وصام وكبّر لأغـمدها فيمن طغى وتجبّرا
وأبصر دين الله تحيا رسومه فـبدّل ما قد كان منه وغيّرا
فـوا عجبا من عبشميّ مملّك برغم العوالي والمعالي تبربرا
فـلو أن أمري بالخيار نبذتهم وحاكمتهم للسيف حكماً فحررا
فـإما حـياة تـستلذ بـفقدهم وإما حمام لا نرى فيه مأزرا
وكان علي بن حمّود الحسني وأخوه قاسم من عقب إدريس ملك فاس وبانيها قد أجازوا مع البربر من العدوة إلى الأندلس، فدعوا لأنفسهم، واعصوصب عليهم البربر، فملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة، وقتلوا المستعين ومحوا ملك بني أمية. واتصل ذلك في خلف منهم سبع سنين.
ثم رجع الملك إلى بني أمية. وكان المستعين المذكور أديباً بليغاً).
وولي الأمر بعد ابن حمّود الحسين وتلقّب بالناصر، وخرج عليه
العبيد وبعض المغاربة وبايعوا المرتضى أخا المهدي. ثم اغتيل المرتضى واستقام الملك لعلي بن حمّود نحو عامين إلى أن قتلته صقالبته بالحمّام سنة ثمان وأربعمائة. فولي مكانه أخوه القاسم، وتلقب بالمأمون. ونازعه الأمر بعد أربع سنين من خلافته يحيى ابن أخيه وكان على سبتة، فأجاز إلى الأندلس سنة عشر وأربعمائة، واحتل بمالقة، وكان أخوه إدريس بها منذ عهد أبيهما، فبعثه إلى سبتة، ثم زحف يحيى إلى قرطبة فملكها سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وتلقّب بالمعتلي. وفرَّ عمه المأمون إلى اشبيلية، وبايع له القاضي ابن عباد، واستجاش بعض البرابرة، ثم رجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وملكها. ثم لحق المعتلي بمكانه من مالقة وتغلّب على الجزيرة الخضراء، وتغلب أخوه إدريس على طنجة من وراء البحر. وكان المأمون يعتدها حصناً لنفسه وفيها ذخائره، فلما بلغه الخبر اضطرب. وثار عليه أهل قرطبة ونقضوا طاعته، وخرج فحاصرهم فدافعوه، ولحق بإشبيلية فمنعوه. وكان بها ابنه فأخرجوه إليه، وضبطوا بلدهم، واستبدّ ابن عباد بملكها. ولحق المأمون بشريش. ورجع عنه البربر إلى يحيى المعتلي ابن أخيه، فبايعوه سنة خمس عشرة وأربعمائة. وزحف إلى عمه المأمون فتغلّب عليه، ولم يزل عنده أسيراً وعند أخيه إدريس بمالقة إلى أن هلك بمحبسه سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقيل: إنه خنق.
واستقل المعتلي بالأمر واعتقل بني عمه القاسم، وكان المستكفي من الأمويين استولى على قرطبة في هذه المدة عندما أخرج أهلها العلوية. ثم خلع أهل قرطبة المستكفي الأموي سنة ست عشرة وأربعمائة، وصاروا إلى طاعة المعتلي. واستعمل عليهم ابن عطاف من قبله، ثم نقضوا سنة سبع عشرة وأربعمائة وصرفوا عاملهم، وبايعوا المعتلي الأموي أخا المرتضى. وبقي المعتلي يردد لحصارهم العساكر إلى أن اتفقت الكلمة على إسلام الحصون والمدائن له، فعلا سلطانه واشتد أمره، إلى أن هلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة اغتاله أصحابه بدسيسة ابن عباد الثائر بإشبيلية.
فاستدعى أصحابه أخاه إدريس بن علي من سبتة، وملكوه ولقبوه المتأيد. وبايعته رندة وأعمالها والمرية والجزيرة الخضراء.
وبعث عساكره لحرب أبي القاسم بن عباد والد المعتضد بن عباد.
فجاؤوه برأسه بعد حروب، وهلك ليومين بعد ذلك سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وبويع ابنه يحيى ولم يتمّ له أمر.
وبويع حسن المستنصر بن المعتلي. وفرَّ يحيى إلى قمارش فهلك بها سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، ويقال: إنه قتله نجاء.
وهلك حسن مسموماً بيد ابنة عمه إدريس ثأرت منه بأخيها. وكان إدرس بن يحيى المعتلي معتقلاً بمالقة، فأُخرج بعد خطوب وبويع بها، فأطاعته غرناطة وقرمونة، ولُقّب بالعالي.
وقد مدحه أبو زيد عبد الرحمان بن مقانا الفنداقي الاشبوني من شعراء الذخيرة بالقصيدة المشهورة بالمغرب التي يقول من بعضها في المخلص:
وكـأن الـشمس لـما أشرقت فـانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي بـن حـمّود أمـير المؤمنين
قيل: إنه أنشده إياها من وراء حجاب اقتفاء لطريقة خلفاء بني العباس. فلما بلغ إلى قوله:
أنظرونا نقتبس من نوركم إنه من نور رب العالمين
أمر حاجبه أن يرفع الحجاب، وقابل وجهه وجه الشاعر دون حجاب، وأمر له بحسَّان جزيل، فكان هذا من أنبل ما يُحكى عنه.
وخُلع العالي سنة ثمانٍ وثلاثين، وولي ابن عمه محمد بن إدريس بن علي وتلقّب بالمهدي، وتُوفِّي سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
وبويع إدريس بن يحيى بن إدريس، ولُقب بالموفّق، ولم يخطب له بالخلافة. وزحف العالي إدريس المخلوع بالقصيدة التي ذكرنا سابقاً بعض أبيات منها، وكان بقمارش، فدخل عليه مالقة وأطلق أيدي عبيده عليها بحقده عليهم. ففرَّ كثير منهم، وتُوفِّي العالي سنة ست وأربعين وأربعمائة.
وبويع محمد بن إدريس، ولُقب بالمستعلي. ثم سار إليه باديس بن حبّوس سنة تسع وأربعين وأربعمائة، فتغلّب على مالقة، وسار محمد إلى المرية مخلوعاً.
ثم استدعاه أهل المغرب إلى بليلة، وبايعوه سنة ست وخمسين
وأربعمائة؛ وتُوفِّي سنة ستين وأربعمائة.
وكان محمد بن القاسم بن حمود - لما اعتقل أبوه القاسم بمالقة سنة أربع عشرة - فرَّ من الاعتقال ولحق بالجزيرة الخضراء، وملكها وتلقّب بالمعتصم إلى أن هلك سنة أربعين وأربعمائة.
ثم ملكها بعده ابنه القاسم الواثق، إلى أن هلك سنة خمسين وأربعمائة؛ وصارت الجزيرة للمعتضد بن عباد، ومالقة لابن حبّوس مزاحماً لابن عباد.
وانقرضت دولة الأشراف الحموديين من الأندلس بعد أن كانوا يدّعون الخلافة.
وأما قرطبة فإن أهلها لما قطعوا دعوة الحموديين بعد سبع سنين من ملكهم وزحف إليهم القاسم بن حمّود في البربر فهزموه.
ثم اجتمعوا واتفقوا على ردّ الأمر لبني أمية، واختاروا لذلك عبد الرحمان بن هشام، وانتهى أمره إلى ما سبق آنفاً.
ما جاء من أخبارهم في تاريخ الأندلس المسمى
بـ (المعجب في تلخيص أخبار المغرب)
للشيخ محيي الدين بن علي التميمي المراكشي.
قال في ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمان الناصر الملقّب بالمستعين الذي قام بالأمر سنة ٣٩٩ ودخل قرطبة سنة ٤٠٠، فتلقّب حينئذ بالظافر بحول الله مضافاً إلى المستعين بالله. ثم خرج عنها في شوال من السنة بعينها، فلم يزل يجول بعساكر البربر معه في بلاد الأندلس يُفسد وينهب ويقفر المدائن والقرى بالسيف والغارة لا يبقي البربر معه على صغير ولا كبير ولا امرأة إلى أن دخل قرطبة في صدر شوال سنة ٤٠٣.
وكان من جملة جنده رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب يسميان القاسم وعلياً ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فجعلهما قائدين على المغاربة. ثم ولى أحدهما سبتة وطنجة وهو علي الأصغر منهما، وولّى القاسم الجزيرة الخضراء، وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق، وسعة البحر هنالك اثنا عشر ميلاً.
وافترق العبيد؛ إذ دخل البربر مع سليمان قرطبة، فملكوا مدناً عظيمة وتحصّنوا فيها. فراسلهم علي بن حمّود المذكور، وقد حدث له طمع في ولاية الأندلس، فكتب إليهم يذكر لهم أن هشام بن الحكم -؛ إذ كان محاصراً بقرطبة - كتب إليه يوليه عهده، فاستجابوا له وبايعوه. فزحف من سبتة إلى مالقة وفيها عامر بن فتح الفائقي مولى فائق مولى الحكم
المستنصر، فاستجاب له وأدخله مالقة. فتملكها علي بن حمّود وأخرج منها عامر بن فتوح؛ ثم زحف بمن معه من البربر وجمهور العبيد إلى قرطبة، فخرج إليه محمد بن سليمان في عساكر البربر، فانهزم محمد بن سليمان.
ودخل علي بن حمّود قرطبة، وقتل سليمان بن الحكم، ضرب عنقه بيده يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة ٤٠٧.
وقتل أباه الحكم بن سليمان بن الناصر أيضاً في ذلك اليوم، وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة.
وانقطعت دولة بني أمية في هذا الوقت.
ولاية علي بن حمّود:
ثم ولي علي بن حمّود على ما تقدم، وتسمى بالخلافة وتلقّب بالناصر. ثم خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه، وقدموا عبد الرحمان بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمان الناصر، ولقبوه بالمرتضى، وزحفوا به إلى غرناطة وهي من البلاد التي تغلّب عليها البربر.
ثم ندموا على تقديمه لما رأوا من صرامته وحدة نفسه، وخافوا من عواقب تمكّنه وقدرته فانهزموا عنه ودسوا عليه من قتله غيلة، وخفي أمره.
وبقي علي بن حمّود بقرطبة مستمر الأمر عامين إلا شهرين، إلى أن قتله صقالبته في الحمّام سنة ٤٠٨. وكان له من الوُلد يحيى وإدريس.
ولاية القاسم بن حمود المأمون:
ثم ولي بعده أخوه القاسم بن حمّود، وكان أسن منه بعشرة أعوام، وكان وادعاً أمن الناس معه. وكان يذكر أنه تشيّع ولكنه لم يظهر ذلك، ولا غيّر على الناس عادة ولا مذهباً. وكذلك سائر من ولي منهم بالأندلس.
فبقي القاسم كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة ٤١٢، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمّود بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال وصار بأشبيلية.
وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر ودخل قرطبة بلا قتال.
وتسمّى بالخلافة وتلقّب بالمعتلي. فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر وزحف بهم إلى قرطبة سنة ٤١٣. وهرب يحيى بن علي إلى مالقة.
فبقي القاسم بقرطبة شهوراً، واضطرب أمره، وغلب ابن أخيه على المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء وهي كانت معقل القاسم، وبها كانت امرأته وذخائره.
وغلب ابن أخيه الثاني إدريس بن علي صاحب سبتة على طنجة، وهي كانت عدّة القاسم يلجأ إليها إن رأى ما يخافه بالأندلس.
وقام عليه جماعة أهل قرطبة بالمدينة، وأغلقوا أبوابها دونه. وحاصرهم نيفاً وخمسين يوماً، وأقام الجمعة في مسجد خارج قرطبة يعرف بمسجد ابن أبي عثمان أثره باقٍ إلى اليوم.
ثم إن أهل قرطبة زحفوا إلى البربر، فانهزم البربر عن القاسم، وخرجوا من الأرباض كلها في شعبان سنة ٤١٤.
ولحقت كل طائفة من البربر ببلد غلبت عليه. وقصد القاسم إشبيلية وبها كان ابناه محمد والحسن. فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر، وضبطوا البلد وقدموا على أنفسهم ثلاثة من أكابر البلد هم: القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، ومحمد بن يريم الألهاني، ومحمد بن الحسن الزبيدي.
ومكثوا كذلك أياماً مشتركين في سياسة البلد وتدبيره. ثم استبد القاضي أبو القاسم محمد بن اسماعيل بن عباد بالأمر والتدبير. وصار الآخران من جملة الناس.
ولحق القاسم بشريش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، فزحفوا إلى القاسم فحصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه.
وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية البربر، وبقي القاسم أسيراً عنده وعند أخيه إدريس بعده إلى أن مات إدريس، فقُتل القاسم خنقاً سنة ٤٣١ وحُمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة، فدفنه هناك. فكانت ولاية القاسم منذ
تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام. ثم كان مقبوضاً عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه يحيى وإدريس، إلى أن قتل كما ذكرنا في أول سنة ٤٣١. ومات وله ثمانون سنة، وله من الولد محمد والحسن أمهما أميرة بنت الحسن بن قنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
ولاية يحيى بن علي المعتلي:
(اختُلف في كنيته فقيل: أبو القاسم، وقيل: أبو محمد. وأمه لبونة بنت محمد بن الحسن بن القاسم المعروف بكنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
وكان الحسن بن كنون من كبار ملوك الحسنيين وشجعانهم ومردتهم وطغاتهم المشهورين).
فتسمَّى يحيى بالخلافة بقرطبة سنة ٤١٣ كما ذكرنا، ثم هرب عنها إلى مالقة سنة ٤١٤ كما وصفنا. ثم سعى قوم من المفسدين في رد دعوته إلى قرطبة فبقي سنة ٤١٦ فتم لهم الأمل، إلا أنه تأخر عن دخولها باختياره، فاستخلف عليها عبد الرحمان بن عطاف اليفرني. فبقي الأمر كذلك إلى سنة ٤١٧، ثم قطعت طاعته البربر وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن وعظم أمره بقرمونة، فصار محاصراً لاشبيلية طامعاً في أخذها، فخرج يوماً وهو سكران إلى خيل ظهرت من اشبيلية بقرب قرمونة فلقيها، وقد كمنوا له فلم يكن بأسرع من أن قتلوه وذلك يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة ٤٢٧، وكان له من الولد الحسن وإدريس لأُمَّيْ ولد).
ثم قال:
(بعد رجوع الأمر إلى الأمويين بمقتل يحيى المعتلي الحسني - وبعد ما ذكر من ولي منهم وخروج الأمر من يدهم سنة ٤٤٣. وأما أحوال الحسنيين فإنه لما قتل يحيى بن علي كما ذكرنا لسبع خلون من المحرم سنة ٤٢٧ رجع أبو جعفر أحمد بن موسى المعروف بابن بقنة، ونجا الخادم الصقلبي، وهما مدبرا دولة الحسنيين.
فأتيا مالقة وهي دار مملكتهم فخاطبا أخاه إدريس بن علي وكان بسبتة، وكان يملك معها طنجة. واستدعياه فأتى مالقة، وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة.
ولم يبايعا واحداً من ابني يحيى وهما إدريس وحسن لصغرهما. فأجابهما إلى ذلك ونهض نجا مع حسن هذا إلى سبتة وطنجة، وكان حسن أصغر ابني يحيى ولكنه أسدّهما رأياً.
وتلقَّب إدريس بالمتأيد، فبقي كذلك إلى سنة ٤٣٠ أو ٤٣١. فتحركت فتنة وحدث للقاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد من أجابه من قبائل البربر؛ ونهض إلى قرمونة فحاصرها ثم نهض إلى حصن يدعى (أشونة) وحصن آخر يدعى (استجة) فأخذهما، وكانا بيد محمد بن عبد الله رجل من قواد البربر من بني (برزال).
فاستصرخ محمد بن عبد الله إدريس بن علي الحسني وقبائل صنهاجة، فأمده صاحب صنهاجة بنفسه، وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقنة أحمد بن موسى مدبّر دولته. فاجتمعوا مع محمد بن عبد الله ثم غلبت عليهم هيبة إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عباد قائد عسكر أبيه القاضي أبي القاسم، فافترقوا وانصرف كل واحد منهم إلى بلده.
فبلغ ذلك إسماعيل بن محمد، فقوي أمره ونهض بعسكره قاصداً طريق صاحب صنهاجة وقدر صاحب صنهاجة أنه سيلحقه. فوجه إلى ابن بقنة يسترجعه - وإنما كان فارقه قبل ذلك بساعة - فرجع إليه والتقت العساكر. فما كان إلا أن تراءى الجمعان، فولّى عسكر ابن عباد منهزماً. وأسلموا إسماعيل، فكان أول مقتول؛ وحمل رأسه إلى إدريس بن علي الحسني. وقد كان إدريس استشعر بالهلاك فنزل عن مالقة إلى جبل بـ (باشتر) وهو الذي قام فيه ابن حفصون، فتحصن به وهو مريض مدنف فلم يعش إلاّ يومين، ومات وترك من الولد يحيى قُتل بعده، ومحمداً الملقّب بالمهدي، وحسناً المتلقّب بالسامي. وكان له ابن وهو أكبر بنيه اسمه علي مات في حياة أبيه، وترك ابناً اسمه عبد الله أخرجه عمه ونفاه لما وُلّي.
وقد كان يحيى بن علي المذكور قبل قد اعتقل ابني عمه محمداً والحسن ابني القاسم بن حمّود الجزيرة، وكان الموكَّل بهما رجلاً من
المغاربة يعرف بأبي الحجاج، فحين وصل إليه خبر قتل يحيى جمع من كان في الجزيرة من المغاربة والسودان وأخرج محمداً والحسن وقال: هذان سيداكم، فسارع أجمعهم إلى الطاعة لهما لشدة ميل أبيهما إلى السودان قديماً وإيثاره لهم.
وانفرد محمد بالأمر دون الحسن وملك الجزيرة، إلا أنه لم يتسمّ بالخلافة. وبقي معه أخوه الحسن مدة إلى أن حدث له رأي في التنسّك فلبس الصوف وتبرأ عن الدنيا وخرج إلى الحج مع أخته فاطمة بنت القاسم زوجة يحيى بن علي المعتلي.
فلما مات إدريس كما تقدم رام ابن بقنة أحمد بن موسى ضبط الأمر لولده يحيى بن إدريس المعروف بِـ (حيين)، ثم لم يجسر على ذلك وتحيّر وتردُّد.
ولما وصل خبر قتل إسماعيل بن عباد وموت إدريس بن علي إلى نجا الخادم الصقلبي وكان بسبتة استخلف عليها من وثق به من الصقالبة، وركب البحر هو وحسن بن يحيى إلى مالقة ليرتب الأمر له. فلما وصلا إلى مرسى مالقة خارت قوى ابن بقنة وهرب إلى حصن كمارش أو (قمارش) على ثمانية عشر ميلاً من مالقة.
ودخل حسن مالقة، واجتمع إليهما من بها من البربر فبايعوا حسن بن يحيى بالخلافة وتسمّى المستعلي.
ثم خاطب ابن بقنة وآمنه، فلما رجع إليه قبض عليه وقتله، وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس.
ورجع نجا إلى سبتة وطنجة وترك مع الحسن رجلاً كان من التجّار يعرف بِـ (السطيفي) كان نجا كثير الثقة به. فبقي الأمر كذلك نحو عامين.
وكان الحسن بن يحيى متزوجاً بابنة عمه إدريس، فقيل: إنها سمّته أسفاً على أخيها، فلما مات احتاط السطيفي على الأمر، واعتقل إدريس بن يحيى، وكتب إلى نجا بالخبر، وكان حسن بن يحيى عند نجا، فقيل: إنه اغتاله أيضاً فقتله والله أعلم.
ولم يعقب حسن بن يحيى، فاستخلف نجا على سبتة وطنجة من وثق
به من الصقالبة عند وصول الخبر إليه. وركب البحر إلى مالقة، فلما وصل إليها زاد في الاحتياط على إدريس بن يحيى وأكد اعتقاله، وعزم على أمر الحسنيين جملة، وأن يضبط تلك البلاد لنفسه، فدعا البربر الذين كانوا جند البلد وكشف الأمر إليهم علانية ووعدهم بالحسَّان، فلم يجدوا لمساعدته بُدّاً فوافقوه بالظاهر وعظم ذلك في أنفسهم باطناً.
ثم جمع عسكره ونهض إلى الجزيرة ليستأصل محمد بن القاسم، فحاربه أياماً، ثم أحسَّ بفتور نيات الذين معه فرأى أن يرجع إلى مالقة، فإذا حصل فيها، نفى من يخاف غائلته منهم، واستصلح سائرهم، واستدعى الصقالبة من حيث ما أمكنه ليقوى بهم على غيرهم.
وأحسّ البربر بهذا منه فاغتالوه في الطريق من قبل أن يصل إلى مالقة، فقتل وهو على دابته في مضيق صار فيه، وقد تقدمه إليه الذي أراد الفتك به.
وفرَّ من كان معه من الصقالبة بأنفسهم، ثم تقدم فارسان من الذين غدروا به يركضان حتى وردا مالقة فدخلا وهما يقولان: البشرى!.. البشرى!.. فلما وصلا إلى السطيفي وضعا سيفيهما عليه فقتلاه.
ثم وافى العسكر فأخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه، فقدموه وبايعوه بالخلافة، وتسمّى بالعالي.
وقد ظهرت منه أمور متناقضة، منها أنه كان أرحم الناس قلباً، كثير الصدقات يتصدّق كل يوم بخمسمائة، وردَّ كل مطرود عن وطنه إليه وردَّ عليهم ضياعهم وأملاكهم، ولم يسمح ببغي في أحد من الرعية.
وكان أديب اللقاء حسن المجلس يقول من الشعر الأبيات الحسَّان. ومع هذا فكان لا يصحب ولا يؤثر إلاّ كل ساقط رذل، ولا يحجب حرمه عنهم. وكل من طلب منه حصناً من حصون بلاده ممن يجاوره من صنهاجة أو من بني (يفرن) أعطاه إياه.
وكتب إليه أمير صنهاجة أن يسلّم إليه وزيره ومدبِّر أمره وصاحب أبيه وجدّه موسى بن عفّان السبتي. فلما أخبره بأن الصنهاجي كتب إليه يطلبه منه، وأنه لابد من تسليمه إليه قال له موسى بن عفّان: إفعل ما تؤمر
ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فبعث به إلى الصنهاجي فقتله.
وكان قد اعتقل ابني عمه محمداً وحسناً ابني إدريس بن علي في حصن (إيرش)، فلما رأى ثقته الذي في الحصن اضطراب آرائه خالف عليه وقدم ابن عمه محمد بن إدريس. فلما بلغ ذلك السودان المرتبين في قصبة مالقة نادوا بدعوة ابن عمه محمد بن إدريس وراسلوه بالمجيء إليهم، وامتنعوا بالقصبة.
واجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى واستأذنوه في حرب القصبة والدفاع عنه، ولو أذن لهم ما ثبت السودان (فواق ناقة). فأتى فقال لهم: الزموا منازلكم ودعوني...، فتفرقوا عنه.
وجاء ابن عمه فسلم عليه، بويع بالخلافة وتسمّى بالمهدي، وولى أخاه عهده وسماه السامي. واعتقل ابن عمه إدريس بن يحيى في الحصن الذي كان هو معتقلاً فيه.
وظهرت من محمد بن إدريس هذا شهامة وجرأة شديدة هابه بها جميع البربر وأشفقوا منه، وراسلوا المرتب في الحصن الذي فيه إدريس بن يحيى هذا واستمالوه فأجابهم، وقام بدعوة إدريس، وقد كان إدريس أول ولايته بعد قتل نجا كما تقدم قد ولّى سبتة وطنجة رجلين من (برغواطة) قبيلة من قبائل البربر من عبيد أبيه، اسم أحدهما رزق الله والآخر سكات. فلما خلع إدريس كما تقدم بقيا حافظين لمكانيهما، فلما قام كما ذكرنا بدعوته صاحب حصن إيرش لم يظهر محمد مبالاة بذلك، بل ثبت ثباتاً شديداً وكانت والدته تشجِّعه وتقوّي متنه وتُشرف على الحرب بنفسها، فتُحسن إلى من أبلى. فلما رأى البربر شدة عزمه وثباته فتَّ ذلك في أعضادهم وتخلوا عن إدريس بن يحيى، ورأوا أن يبعثوا به إلى سبتة وطنجة إلى البرغواطِيَّيْن اللذيَنِ ذكرنا. وقد كان إدريس جعل ابنه عندهما في حضانتهما، فلما وصل إليهما أظهرا تعظيمه ومخاطبته بالخلافة، إلا أنهما حجباه حجاباً شديداً، ولم يدعا أحداً من الناس يصل إليه.
فتلطّف قوم من أكابر البربر حتى وصلوا إليه وقالوا له: إن هذين العبدين قد غلبا عليك وحالا بينك وبين أمرك، فأْذن لنا نكفيكهما. فأبى ثم أخبرهما بذلك، فنفيا أولئك القوم، وأخرجا إدريس بن يحيى وبعثا به إلى الأندلس
وتمسّك بولده لصغره، إلا أنهما في كل ذلك يخطبان لإدريس بالخلافة.
ثم إن محمد بن إدريس أنكر من أخيه الملقّب بالسامي أمراً فنفاه إلى العدوة، فصار في جبال غمارة وهي بلاد تنقاد لهؤلاء الحسنيين، وأهلها يعظمونهم تعظيماً مفرطاً.
ثم إن البرابرة خاطبوا محمد بن القاسم الكائن بالجزيرة الخضراء، واجتمعوا إليه ووعدوه بالنصر، فاستفزّه الطمع وخرج إليهم فبايعوه بالخلافة، وتسمّى بالمهدي، وصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة، أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخاً في مثلها. فأقاموا معه أياماً ثم افترقوا عنه إلى بلادهم.
ورجع محمد خاسئاً إلى الجزيرة ومات لأيام، وقيل: إنه مات غماً؛ وترك نحواً من ثمانية ذكور. فتولى أمر الجزيرة بعده ابنه القاسم بن محمد بن القاسم، إلا أنه لم يتسمّ بالخلافة. وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة ٤٤٥.
وكان إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرونة، فلما تُوفِّي محمد بن إدريس بن يحيى ردت العامة إدريس العالي إلى مالقة، واستولى عليها وهو آخر من ملكها من الحسنيين. فلما مات أجمع البربر رأيهم على نفي الحسنيين عن الأندلس إلى العدوة، والاستبداد بضبط ما كانوا يملكونه من البلاد.
ففعلوا ذلك وتم لهم ما أرادوا منه، فكانت الجزيرة الخضراء وما والاها من القرى إلى تاكرونة، ومالقة وما والاها أيضاً إلى حصن منكب، وغرناطة وأعمالها في ملك البربر.
وملكوا مع ذلك بعض أعمال اشبيلية كحصن اشونة وقرمونة وشلبر. ولم يزالوا كذلك إلى أن خرج من أيديهم ما كانوا يملكونه من أعمال اشبيلية المعتضد بالله أبو عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، ثم أتم ابنه أبو القاسم المعتمد على الله ما ابتدأه أبوه من ذلك).
وجاء في تاريخ محمد بن جرير الطبري عن سبب خروج الحسين بن علي ما هذا ملخصه:
(كان إسحاق بن عيسى بن علي على المدينة، فلما مات المهدي واستخلف موسى شخص إسحاق وافداً إلى العراق إلى موسى واستخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وإن سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولّى المدينة - كما ذكر الحسين بن محمد عن أبي جعفر السلمي - أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جُندُب الشاعر الهذلي وعمر بن سلام مولى آل عمر على شراب لهم، فأمر بهم فُضربوا جميعاً، ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حبال وطِيف بهم في المدينة فكُلَّم فيهم، وصار إليه الحسين بن علي فكلَّمه وقال: ليس هذا عليهم وقد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم؛ لأن أهل العراق لا يرون به بأساً، فلِمَ تطوف بهم؟...
فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط، فردَّهم وأمر بهم إلى الحبس فحُبسوا يوماً وليلة. ثم كُلّم فيهم فأطلقهم جميعاً وكانوا يعرضون، ففقد الحسن بن محمد وكان الحسين بن علي كفيله.
قال محمد بن صالح: وحدثني عبد الله بن محمد الأنصاري أن العمري كان كفل بعضهم من بعض، فكان الحسين بن علي بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وكان قد تزوّج مولاة لهم سوداء ابنة أبي ليث مولى عبد الله بن الحسن، فكان يأتيها فيقيم عندها، فغاب عن العرض يوم الأربعاء والخميس والجمعة. وعرضهم خليفته العمري عشية الجمعة، فأخذ الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله، فسألهما عن الحسن بن محمد فغلَّظ عليهم بعض التغليظ، ثم انصرف إلى العمري فأخبره خبرهم وقال له: أصلحك الله، الحسن بن محمد غائب منذ ثلاث، فقال: ائتني بالحسين ويحيى، فذهب ودعاهما. فلما دخلا عليه قال لهما: أين الحسن بن محمد؟... قالا: والله ما ندري... إنما غاب عنا يوم الأربعاء ثم كان الخميس فبلغنا أنه اعتلّ، فكنا نظن أن هذا اليوم لا يكون فيه عرض. فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه، فحلف يحيى بن عبد الله ألا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره حتى يعلم أنه قد جاءه به. فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسناً؟ حلفت له بشيء لا تقدر عليه.
قال: إنما حلفت على حسن. قال: سبحان الله فعلى أي شيء حلفت؟.. قال: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف قال: فقال نكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة. قال: قد كان الذي كان فلابد منه. وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو بمكة في الموسم فيما ذكروا، وقد كان قوم من أهل الكوفة من شيعتهم وممن كان بايع الحسين متكمِّنين في دار، فانطلقوا فعملوا بذلك من عشيتهم ومن ليلتهم، حتى إذا كان في آخر الليل خرجوا وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مروان على العمري، فلم يجده فيها، فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضاً فيها. وتوارى منهم، فجاؤوا حتى اقتحموا المسجد، حتى إذا أذنوا بالصبح فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء وجعل الناس يأتون المسجد، فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلون. فلما صلى الغداة(١) جعل الناس يأتونه ويبايعونه على كتاب الله وسنّة نبيّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) للمرتضى من آل محمد.
وأقبل خالد البربري وهو يومئذ على الصوافي بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة، وأقبل فيمن معه وجاء العمري ووزير ابن إسحاق الأزرقي ومحمد بن واقد الشروي ومعهم كثير من كثير فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حمار. واقتحم خالد البربري الرحبة، وقد ظاهر بين درعين وبيده السيف وعمود في منطقته مصلتاً سيفه وهو يصيح بحسين: أنا كسكاس، قتلني الله إن لم أقتلك. وحمل عليهم حتى دنا منهم، فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن يحيى وإدريس، فضربه يحيى على أنف البيضة فقطعها وقطع أنفه، وشرقت عيناه بالدم فلم يبصر، فبرك وجعل يذب عن نفسه بسيفه وهو لا يبصر، واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرعه. وعلواه بأسيافهما حتى قتلاه، وشد أصحابهما على درعيه فخلعوهما عنه وانتزعوا سيفه وعموده فجاؤوا به، ثم أمروا به فُجر إلى البلاط. وحملوا على أصحابه فانهزموا.
قال عبد الله بن محمد: هذا كله بعيني. وذكر عبد الله بن محمد أن خالداً ضرب يحيى بن عبد الله وضربه يحيى على وجهه، واستدار رجل
____________________
(١) الغداة: البكرة أو ما بين الفجر وطلوع الشمس.
أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خلفه فضربه على رجليه واعتوروه بأسيافهم فقتلوه.
قال عبد الله بن محمد: ودخل عليهم المسوّدة المسجد حين دخل الحسين بن جعفر على حماره، وشدّت المبيضّة فأخرجوهم. وصاح بهم الحسين: أرفقوا بالشيخ يعني الحسين بن جعفر، وانتهب بيت المال فأُصيب فيه بضعة عشر ألف دينار فَضَلَت عن العطاء، وقيل: إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك يفرض بها من خزاعة.
قال: وتفرق الناس، وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابهم. فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس، فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزوراء. وجعل المسوّدة يحملون على المبيضّة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل. وتحمّل المبيضّة عليهم حتى يبلغوا بهم الزوراء.
وفشت الجراحات بين الفريقين جميعاً فاقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا. فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الأحد جاء الخبر بأن مباركاً التُّركي ينزل بئر المطلب، فنشط الناس فخرجوا إليه فكلموه أن يجيء فجاء من الغد حتى أتى الثنية، واجتمع إليه انتصاف النهار، ثم تفرّقوا، وجاء هؤلاء إلى المسجد، ومضى الآخرون إلى مبارك التُّركي إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنية يُقيل(١) فيها. وواعد الناس الرواح، فلما غفلوا عنه جلس على رواحله فانطلق. وراح الناس فلم يجدوه. ثم تفرّقوا، وأقام حسين وأصحابه أياماً يتجهزون وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوماً. ثم خرج يوم أربعة وعشرين لستّ بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا، وعاد الناس إلى المسجد فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم، فجعلوا يدعون الله عليهم: فعل الله بهم وفعل.
قال محمد بن صالح: فحدثني نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجمحي أن حسيناً لما انتهى إلى السوق متوجهاً إلى مكة التفت إلى أهل المدينة
____________________
(١) يَقيلُ: قال يَقيلُ قَيْلاً وقيلولةً وقائلة ومقالاً ومقيلاً: نام في القائلة أي في منتصف النهار.
وقال: لا خلف الله عليكم بخير!... فقال الناس وأهل السوق: لا بل أنت لا خلف الله عليك بخير ولا ردك!...
وكان أصحابه يُحدِثون في المسجد، فملأوه قذراً وبولاً. فلما خرجوا غسل الناس المسجد.
قال: وحدثني ابن عبد الله بن إبراهيم قال: أخذ أصحاب الحسين ستور المسجد فجعلوها خفاتين(١) لهم، قال: ونادى أصحاب الحسين بمكة أيما عبد أتانا فهو حر؛ فأتاه العبيد، وأتاه عبد كان لأبي فكان معه، فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبي فكلمه وقال له: عمدت إلى مماليك لم تملكهم فأعتقتهم، بِمَ تستحل ذلك؟...، فقال حسين لأصحابه: اذهبوا به، فأي عبد عرفه فادفعوه إليه. فذهبوا معه فأخذ غلامه وغلامين لجيران له.
وانتهى خبر الحسين إلى الهادي، وكان قد حج في تلك السنة رجال من أهل بيته منهم محمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد، وموسى بن عيسى سوى من حج من الأحداث، وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر، فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب، فقيل له: عمك العباس بن محمد قال: دعوني لا والله لا أُخدع عن ملكي. فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن علي على الحرب، فلقيهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحج، وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدة من السلاح والرجال؛ وذلك لأن الطريق كان مخوفاً مُعوراً من الأعراب، ولم يحتشد لهم حسين فأتاه خبرهم فهم بصوبه. فخرج بخدمه وإخوانه، وكان موسى بن علي بن موسى قد صار ببطن نخل على الثلاثين من المدينة، فانتهى إليه الخبر ومعه إخوانه وجواريه، وانتهى الخبر إلى العباس بن محمد بن سليمان وكاتبهم. وساروا إلى مكة فدخلوا، فأقبل محمد بن سليمان وكانوا أحرموا بعمرة، ثم ساروا إلى ذي طوى، فعسكروا بها ومعهم سليمان بن أبي جعفر، فانضمَّ إليهم من وافى في تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقوادهم. وكان الناس قد اختلفوا في تلك السنة في الحج وكثروا جداً، ثم قدَّم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافراً ما بين فرس إلى بغل وهو
____________________
(١) خفاتين: مفردها خَفْتان ضرب من الثياب (فارسية).
على نجيب عظيم، وخلفه أربعون راكباً على النجائب عليها الرجال، وخلفهم ما بين راكب على الحمير سوى من كان معهم من الرجالة وغيرهم. وكثروا في أعين الناس جداً، وملأوا فظنوا أنهم أضعافهم، فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة وحلوا من عمرتهم، ثم مضوا فأتوا ذا طوى ونزلوا، وذلك يوم الخميس. فوجّه محمد بن سليمان أبا كامل مولى لإسماعيل بن علي في نيّف وعشرين فارساً وذلك يوم الجمعة، فلقيهم وكان في أصحابه رجل يقال له: زيد كان انقطع إلى العباس فأخرجه معه حاجّاً؛ لما رأى من عبادته، فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه وانقلب إليهم وذلك ببطن مر، ثم ظفروا به بعد ذلك مشدخاً بالأعمدة. فلما كان ليلة السبت وجهوا خمسين فارساً كان أول من ندبوا (صباح أبو الذيال) ثم آخر ثم آخر، فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامساً، فأتوا المفضل مولى المهدي فأرادوا أن يصيِّروه عليهم فأبى وقال: لا... ولكن صيّروا عليهم غيري وأكون أنا معهم. فصيَّروا عليهم عبد الله بن حميد بن رزين السمرقندي، وهو يومئذ شاب ابن ثلاثين سنة؛ فذهبوا وهم خمسون فارساً وذلك ليلة السبت، فدنا القوم ورجعت الخيل وتعبأ الناس، فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى في الميسرة ومحمد بن سليمان في الميمنة، وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد.
فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه، فشد ثلاثة من موالي سليمان بن علي أحدهم (زنجويه) غلام حسَّان، فجاؤوا برأس فطرحوه قدام محمد بن سليمان - وقد كانوا قالوا: من جاء برأس فله خمسمائة درهم. وجاء أصحاب محمد فعَرْقبوا الإبل فسقطت محاملها، فقتلوهم وهزموهم، وكانوا خرجوا من تلك الثنايا، فكان الذين خرجوا مما يلي محمد بن سليمان أقلهم، وكان جلهم خرجوا مما يلي موسى بن عيسى وأصحابه، فكانت الصدمة بهم، فلما فرغ محمد بن سليمان ممن يليه وأسفروا نظروا إلى الذين يلون موسى بن عيسى، فإذا هم مجتمعون كأنهم كبة غزل التفَّت القلب والميمنة عليهم، وانصرفوا نحو مكة لا يدرون ما حال الحسين، فما شعروا وهم بذي طوى أو قريباً منها إلا برجل من أهل خراسان يقول: البشرى!.. البشرى!.. هذا رأس حسين، فأخرجه وبجبهته ضربة طولاً وعلى قفاه ضربة أُخرى.
وكان الناس نادوا بالأمان حين فرغوا، فجاء الحسن بن محمد أبو الزفت، مغمضاً إحدى عينيه، قد أصابها شيء في الحرب، فوقف خلف محمد والعباس، واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس، فأمر به فقُتل. فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضباً شديداً ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس بن محمد من طريق. فاحُتزّت الرؤوس فكانت مائة رأس ونيفاً، فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية، وأُخذت أخت الحسين وكانت معه فبصرت عند زينب بنت سليمان واختلطت المنهزمة بالحِجّاج، فذهبوا وكان سليمان بن أبي جعفر شاكياً فلم يحضر القتال، ووافى عيسى بن جعفر الحج تلك السنة. وكان مع أصحاب الحسين رجل أعمى يقص عليهم فُقتل، ولم يُقتَل أحد منهم صبراً.
قال الحسين بن محمد بن عبد الله: وأسر موسى بن عيسى أربعة نفراً من أهل الكوفة ومولى لبني عجل وآخر. قال محمد بن صالح: حدثني محمد بن داود بن علي قال: حدثنا موسى بن عيسى قال: قدمت ومعي ستة أسارى وقال الهادي: هيه!.. تقتل أسيري؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إني فكرت فيه فقلت تجيء عائشة وزينب إلى أم أمير المؤمنين فتبكيان عندها وتكلمانها، فتكلم له أمير المؤمنين فيطلقه.
ثم قال: هات الأسرى، فقلت: إني جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعتاق، فقال: آتني بهم، وأمر باثنين فقتلا وكان الثالث منكراً. فقلت يا أمير المؤمنين: هذا أعلم الناس بآل أبي طالب، فإن استبقيته دلّك على كل بغية لك. فقال: نعم والله يا أمير المؤمنين، إني أرجو أن يكون بقائي صنعاً لك، فأطرق ثم قال: والله لإفلاتك من يدي بعد أن وقعت في يدي لشديد؛ فلم يزل يكلمه حتى أمر به أن يؤخر وأمر أن يكتب له طلبته.
وأما الآخر فصفح عنه، وأمر بقتل غدافى الصيرفي، وعلي بن السابق الفلاّس الكوفي، وأن يُصلبا فصلبوهما بباب الجسر وأُسرا بفخ. وغضب على مبارك التُّركي وأمر بقبض أمواله وتصييره في ساسة الدواب، وغضب على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد، وأمر بقبض أمواله.
ثم ذكر إفلات إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي
طالب من وقعة فخ - هذه في خلافة الهادي - ووقوعه إلى مصر، وعلى بريدها واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور، قال: وكان رافضياً خبيثاً، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها: (وليلة)، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر؛ فضرب الهادي عنق واضح وصلبه، ويقال: إن الرشيد الذي ضرب عنقه، وإنه دس إلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي، وكتب له كتاباً إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على أفريقية، فخرج حتى وصل إلى (وليلة)، وذكر أنه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنس به واطمأن إليه.
وأقبل الشماخ يُريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له، فنزل عنده بكل منزلة، ثم إنه شكا إليه علة في أسنانه، فأعطاه سنوناً مسموماً قاتلاً وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر لليلته. فلما طلع الفجر استن إدريس بالسنون وجعل يرده في فيه ويكثر منه فقتله، وطلب الشماخ فلم يظفر به.
وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك فولّى الشماخ وأجازه، فقال في ذلك بعض الشعراء:
أتـظنّ يـا إدريس أَنك مُفلِت كـيد الـخليفة أو يُـفيد فِرارُ
فـلـيدركنَّك أو تـحل بـبلدةٍ لا يـهتدي فـيها إلـيك نهارُ
إن السيوف إذا انتضاها سخطة وطـالت وقصَّر دونها الأعمارُ
مـلك كـأن الموت يتبع أمره حـتى يـقال تـطيعه الأقدارُ
وذكر الفضل بن العباس الهاشمي أن عبد الله بن محمد المُنقري حدَّثه عن أبيه قال: دخل عيسى بن وأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ، فوجده خائفاً يلتمس عذراً من قَتْلِ من قَتَل، فقال له: أصلح الله الأمير أُنشدُك شعراً كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن علي (رض)، قال: أنشدني، فأنشده:
يا أيها الراكب الغادي لطيته على عُذافرةٍ(١) في سيرها قُحَمُ
____________________
(١) عذافرة: الشديد من الإبل، الجمع: عَذافرة.
أبـلغ قريشاً على شحط المزار به بـيني وبـين حسين اللهُ والرحم
ومـوقف بـفناء الـبيت أنـشده عـهد الإلـه وما ترعى له الذمم
عـنـفتم قـومكم فـخراً بـأمكم أم حصان حصان لعمري برة كرم
هـي الـتي لا يُداني فضلها أحدٌ بـنتُ النبيّ وخير الناس قد علموا
وفـضلها لـكم فـضل وغـيركم مـن قـومكم لهم من فضلها قِسَمُ
أني لأعـلم أو ظـناً كـعالمه والـظن يـصدقُ أحـياناً فينتظمُ
أن سـوف يترككم ما يطلبون به قـتلى تـهاداكم الـعُقبان والرّخَمُ
يا قومنا لا تشِبّوا الحرب إذ خمدت وامـسكوا بحبال السلم واعتصموا
لا تركبوا البغي إن البغي مصرعه وإن شـارب كـأس الـبغي يتخم
قد جرب الحرب من قد كان قبلكم مـن الـقرون وقد بادت به الأمم
فـأنصفوا قـومكم لا تهلكوا بذخ فـرب ذي بـذخ زلـت به القدم
قال: فسُرّي عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه.
وذكر عبد الله بن عبد الرحمان بن عيسى بن موسى أن العلاء حدّثه إن الهادي أمير المؤمنين لما ورد عليه خلع أهل فخ خلا ليله يكتب كتاباً بخطه، فاغتم بخلوته مواليه وخاصته فدسوا غلاماً له، فقالوا: اذهب حتى تنظر إلى أي شيء انتهى الخبر. قال: فدنا من موسى، فلما رآه قال: ما لك فاعتل عليه. قال: فأطرق ثم رفع رأسه فقال:
رقد الأُلى ليس السُّرى من شأنهم وكفاهم الإدلاج من لم يرقُد
ولما قتل الحسين بن علي وجاء برأسه يقطين بن موسى، فوُضِع بين يدي الهادي، قال: كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت، إن أقلّ ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم. قال: فحرمهم ولم يعطهم شيئاً.
وقال موسى الهادي لما قتل الحسين متمثلاً:
قد أنصف القارة من راماه إنا إذا ما فئة نلقاها
نرد أولاها على أخرها
أعقاب الأدارسة الذين قامت لهم دول في المغرب:
قام لأعقاب الأدارسة الحسنيين دول في المغرب في الجزائر ومراكش. ولهم تاريخ حافل. ولما لم تكن دولهم داخلة في موضوع الكتاب؛ إذ لم تكن شيعية، أضربنا عن التعرّض لتاريخهم.
الدولة العُبْيدية
وخلفاؤها في القيروان ومصر
قامت هذه الدولة باسم الدعوة الإسماعيلية التي أفضنا في البحث عن منشئها، وعرضنا للدول التي قامت لها في الشرق في بلاد الشام والعراق والبحرين وإيران في مباحث أصل الشيعة إفاضة تغنينا عن التعرض لها في هذا البحث المخصوص في تاريخ الدولة الفاطمية.
ابتداء هذه الدولة:
قال ابن خلدون في الجزء الرابع من تاريخه(١) :
(وأوّلهم عبيد الله المهديّ بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق بن محمد المكتوم بن جعفر الصادق. ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب من أهل القَيْروان وغيرهم وبالمحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالطعن في نسبهم، وشهد فيه أعلام الأئمة وقد مر ذكرهم، فإنّ كتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسجلماسة يغريهم بالقبض عليه لمّا سار إلى المغرب شاهد بصمة نسبهم. وشعر الشريف الرضيّ مسجل بذلك، والذين شهدوا في المحضر فشهادتهم على السماع وهي ما علمت. وقد كان نسبهم ببغداد منكراً عند أعدائهم شيعة بني العباس منذ مائة سنة، فتلوّن الناس بمذهب أهل الدولة، وجاءت شهادة عليه مع أنها شهادة على النفي، مع أنّ طبيعة الوجود في الانقياد إليهم، وظهور كلمتهم حتى في مكة
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص٦٤ - منشورات دار الكتاب اللبناني سنة ١٩٨١.
والمدينة، أدلّ شيء على صحة نسبهم - وأمّا من يجعل نسبهم في اليهودية والنصرانية ليعمون(١) القدح وغيره فكفاه ذلك إثماً وسفسفة، وكان شيعة هؤلاء العُبَيْديين بالمشرق واليمن وأفريقية.
وكان أصل ظهورهم بأفريقية دخول الحلواني وأبي سفيان من شيعتهم إليها، أنفذهما جعفر الصادق، وقال لهما: بالمغرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يجيء صاحب البذر.
فنزل أحدهما ببلد مراغة، والآخر ببلد سوق جمار؛ وكلاهما من أرض كتامة. ففشت هذه الدعوة في تلك النواحي، وكان محمد الحبيب ينزل سَلَمْيَة من أرض حمص. وكان شيعتهم يتعاهدونه بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين. فجاء محمد بن الفضل من عدن لاعة من اليمن لزيارة محمد الحبيب، فبعث معه رستم بن الحسن بن حوشب من أصحابه لإقامة دعوته باليمن، وإنّ المهدي خارج في هذا الوقت، فسار وأظهر الدعوة للمهدي من آل محمد بنعوته المعروفة عندهم. واستولى على أكثر اليمن، وتسمى بالمنصور، وابتنى حصناً بجبل لاعة، وملك صنعاء من بني يعفر، وفرّق الدعاة في اليمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر والمغرب.
وكان أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب، كان محتسباً بالبصرة، وقيل: إنّما المحتسب أخوه أبو العباس المخطوم.
وأبو عبد الله هذا يعرف بالمعلِّم؛ لأنّه كان يعلم مذهب الإماميّة، فاتّصل أبو عبد الله بمحمد الحبيب، ورأى ما فيه من الأهلية فأرسله إلى ابن حوشب باليمن ليأخذ عنه، ثم يذهب إلى المغرب، يقصد بلد كتامة، فيُظهر بينهم الدعوة.
فجاء أبو عبد الله إلى ابن حوشب ولزمه، وشهد مجالسه وأفاد علمه. ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة فلقي بالموسم رجالات كتامة ورؤساءهم، فيهم من لقي الحلواني وابن بكار، وأخذوا عنهما.
فقصدهم أبو عبد الله في رحالهم، وكان منهم موسى بن حريث كبير
____________________
(١) كذا...، وتسمى هذه اللام لام التعليل أو لام كي، ومن المعلوم أن الفعل المضارع بعدها ينصب بأن المضمرة.
بني سكتان من جملة أحد شعوبهم، وأبو القاسم الورنجومي من أحلافهم، ومسعود بن عيسى من ملال المساكتي، وموسى بن تكاد، فجلس إليهم وسمعوا منه مذاهبهم ورأوا ما هو عليه من العبادة والزهد، فعلق بقلوبهم، وصار يتعهدهم في رحالهم. فاغتبطوا به واغتبط بهم، ولما أرادوا الرحلة إلى بلادهم سألوه الصحبة فوافقهم طاوياً وجه مذهبه عنهم، بعد أن سألهم عن قومهم وعصابتهم وبلادهم وملكة السلطان فيهم.
وخرج معهم إلى المغرب، وسلكوا طريق الصحراء، وعدلوا عن القيروان، إلى أن وصلوا بلد سوماثة، وبها محمد بن حمدون بن سماك الأَندلُسيّ من بجاية الأَنْدلُس نزيلاً عندهم، وكان قد أدرك الحلواني وأخذ عنه. فنزل أبو عبد الله الشيعي عليه، فأكرمه وفاوضه؛ وتفرّس ابن حمدون فيه أنّه صاحب الدولة.
ثم ارتحلوا وصحبهم ابن حمدون، ودخلوا بلد كتامة منتصف ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين، فنزل على موسى بن حريث ببلده انكجان في بلد بني سكتان من جبيلة، وعيَّن له مكان منزله بفجّ الأخيار، وأنّ النص عنده من المهديّ بذلك وبهجرة المهدي، وأنَّ أنصار الأخيار من أهل زمانه، وأنّ اسمهم مشتق من الكتمان.
واجتمع إليه الكثير من أهل كتامة ولقي علماءهم، واشتمل عليه الكثير من أهوائهم، فجاهر بمذهبه، وأعلن بإمامة أهل البيت، ودعا للرضا من آل محمد. واتبعه أكثر كتامة، وكانوا يسمونه بأبي عبد الله الشيعي والمشرقيّ. وبلغ خبره إلى أمير أفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، فبعث إليه بالتهديد والوعيد، فأساء الردّ عليه.
وخاف رؤساء كتامة عادية ابن الأغلب وأغراهم عمال بلادهم بالشيعي مثل موسى بن عياش صاحب مسيلة، وعلي بن حفص بن عسلوجة صاحب الريف. وجاء ابن تميم صاحب يلزمة، فاجتمعوا وتفاوضوا في شأنه.
وحضر يحيى المساكني وكان يُدعى بالأمير، ومهديّ بن أبي كمارة رئيس لُهَيْعَة، وفرج بن حيران رئيس إجانة، وثمل بن بجل رئيس لطافة. وراسلوا بيان بن صفلان رئيس بني سكتان، وأبو عبد الله الشيعيّ عندهم
بجبل إيكجان، في أن يسلِّمه إليهم أو يخرجه من بلدهم، وحذّروه عاقبة أمره.
فردّ أمره إلى أهل العلم، فجاؤوا بالعلماء، وهمّوا باغتياله فلم يتمّ لهم ذلك.
أطبقت بجيلة على مظاهرته، فهزموا هؤلاء المثيرين عليه وردّوهم خائبين. ثم راجعوا بيات بن صقلاب في أمره ولاطفوه حتى صفا إليهم. وشعر بذلك أبو عبد الله الشيعي وأصحابه، فبعثوا إلى الحسن بن هارون الغسّاني يسألونه الهجرة إليهم، فأجابهم ولحق ببلدة تازروت من بلادهم.
واجتمعت غسّان لنصرته مع بطون كتامة الذين بايعوه من قبل، فاعتزّ وامتنع وعظم أمره.
ثم انتقض على الحسن بن هارون أخوه محمد منافسه في الرياسة، وكان صديقاً لمهدي بن أبي كمارة فداخله في التثريب على أبي عبد الله.
وعظمت الفتنة بين لُهَيْعة وغسان. وولّى أبو عبد الله الشيعي الحسن بن هارون على حروبه؛ وظهر بعد أن كان مختفياً.
وكان لمهدي بن أبي كمارة شيخ لُهَيْعَة أخ اسمه أبو مديني وكان من أحباب أبي عبد الله، فقتل أخاه مهديّاً ورَأَسَ على لهيعة مكانه، فصاروا جميعاً إلى ولاية أبي عبد الله وأبي مديني شيخهم.
ثم تجمّعت كتامة لحرب الشيعي وأصحابه، ونازلوه بمكانه من تازروت. وبعث الشيعي سهل بن فكاش إلى فحل بن نوح رئيس لطانة - وكان صهره - لينجد له عن حربهم في السلم، فمشى إلى كتامة. وأبوا إلاّ أن يناجزوهم الحرب، فغلبهم أبو عبد الله وأصحابه، وانهزمت كتامة، وأبلى عروبة بن يوسف الملوشي في ذلك اليوم بلاء حسناً.
واجتمعت إلى أبي عبد الله غسّان كلها ويلزمة ولهيعة وكافّة بجاية ورئيسهم يومئذ ماكنون بن ضَبَارة وأبو زاكي تمام بن معارك. ولحق بجيلة من بجاية فرج بن خيران، ويوسف بن محمد من لطانة، وفحل بن نوح، واستقام أمر الباقي للشيعي.
وجمع فتح بن يحيى من أطاعه من قومه مسالمة لحرب الشيعي.
فسار إليهم وأوقع بهم، ولحق فَلَّهم(١) بسطيف، ثم استأمنوا إليه فأمّنهم. ودخلوا في أمره، وولّى منهم هارون بن يونس على حروبه.
ولحق رئيسهم فتح بن يحيى بعجيسة، وجمع ثانية لحرب الشيعي، فسار إليه ومعه جموع كتامة، وتحصّن منه فتح ببعض قلاعهم، فحاصره الشيعي وفتحها.
واجتمعت إليه عجيسة وزواوة وجميع قبائل كتامة. ورجع إلى تازروت، وبث دعاته في كل ناحية، فدخل الناس في أمره طوعاً وكرهاً.
ولحق فتح بن يحيى بالأمير إبراهيم بن أحمد بتونس، واستحثَّه لحرب الشيعي؛ ثم فتح أبو عبد الله مساكتة بمداخلة بعض أهلها، وقتل صاحبها موسى بن عيَّاش، وولّى عليها ماكنون بن ضبارة الجايي وهو أبو يوسف.
ولحق إبراهيم بن موسى بن عياش بأبي العباس إبراهيم بن الأغلب بتونس بعد خروج أبيه إلى صِقِلّية. وكان فتح بن يحيى المساكتي قد نزع إليه من قبل ذلك، ووعده المظاهرة. فجهَّز العساكر وعقد عليها لابنه أبي خوال. وزحف من تونس سنة تسع وثمانين و...، فدوّخ كتامة ثم صمّد(٢) إلى تازروت، فلقيه أبو عبد الله الشيعي في جموعه ببلد ملوسة. فهزمهم أبو خوال، وفرَّ الشيعيّ من قصر تازروت إلى إيكجان فامتنع بها، فهدم أبو خوال القصر واتبعه، وتوغّل أبو خوال في بلاد كتامة، فاضطرب أمره وتوقّع البيات(٣) .
وسار إبراهيم بن موسى بن عياش من عسكر أبي خوال إلى نواحي مسيلة يتجسّس الأخبار. فتواقع مع طائفة من أصحاب الشيعي فهزموه واتبعوه إلى المعسكر؛ فاضطرب وأجفل أبو خوال و خرج من بلاد كتامة.
____________________
(١) فَلَّهم: رجل فلٌّ وقومٌ فلٌّ: منهزم ومنهزمون (يستوي فيه الواحد والجمع) وقد يجمع على أفلال وفُلول.
(٢) صمّدَ: فلاناً وله وإليه أي قصده.
(٣) البيات: الهجوم على الأعداء ليلاً.
واستوطن أبو عبد الله إيكجان، وبنى بها بلداً وسمّاها دار الهجرة؛ واستبصر الناس في أمره ودخلوا في دعوته.
ثم هلك الحسن بن هارون، وجهّز أبو العباس العساكر ثانية مع ابنه أبي خوال، وردّه لحرب الشيعي وكتامة، فسار في بلادهم، ورجع منهزماً، وأقام قريباً منهم يدافعهم ويمنعهم من التقدّم.
وفي خلال ذلك هلك إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، وقتل ابنه أبو العباس. وقام بالأمر ابنه زيادة الله، فاستدعى أخاه أبا خوال وقتله، وانتقل من تونس إلى وقادة، وانهمك في لذّاته.
وانتشرت جيوش الشيعي في البلاد وعلا أمره، وبشَّرهم بأنَّ المهدي قرب ظهوره، فكان كما قال)(١) .
وصول المهدي إلى المغرب واعتقاله وخروجه من الاعتقال وبيعته:
(ولما تُوفِّي محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل الإمام، عهد إلى ابنه عبيد الله وقال له: أنت المهدي وتهاجر بعدي هجرة بعيدة وتلاقي محناً شديدة.
واتّصل خبره بسائر دعاته في أفريقية واليمن؛ وبعث إليه أبو عبد الله رجالاً من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم وأنهم في انتظاره. وشاع خبره، واتصل بالعباسيين، فطلبه المكتفي، ففرّ من أرض الشام إلى العراق، ثم لحق بمصر ومعه ابنه أبو القاسم غلاماً حدثاً وخاصته ومواليه، بعد أن كان أراد قصد اليمن، فبلغه ما أحدث بها علي بن الفضل من بعد ابن حوشب، وأنه أساء السيرة؛ فانثنى عن ذلك واعتزم على اللحاق بأبي عبد الله الشيعي بالمغرب. فارتحل من مصر إلى الاسكندرية في زي التجّار، وجاء كتاب المكتفي إلى عامل مصر وهو يومئذ عيسى النوشري بخبرهم والقعود لهم بالمراصد، وكتب نعته وحليته، فسرح في طلبهم حتّى وقف عليهم، وامتحن أحوالهم فلم يقف على اليقين في شيء منها، فخلّى سبيلهم.
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٦٤ إلى ص٧٠.
وجدّ المهديّ في السير، وكان له كتب في الملاحم منقولة عن آبائه سُرقت من رَحْلِه في طريقه. فيقال: إن ابنه أبا القاسم استردّها من بَرْقَة حين زحف إلى مصر. ولمّا انتهى إلى طرابس وفارقه التجّار أهل الرفقة، بعث معهم أبا العباس أخا أبي عبد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة ومرّ بالقَيْرَوان، وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله، وهو يسأله عنهم فقبض على أبي العباس، وسأله فأنكر فحبسه، وكتب إلى عامل طرابلس بالقبض على المهدي ففاته، وسار إلى قسنطينة، ثم عدل عنها خشية على أبي العباس، أخي الشيعيّ المعتقل بالقيروان؛ فذهب إلى سجلماسة، وبها اليَسَع بن مدرار فأكرمه.
ثم جاء كتاب زيادة الله (ويُقال: كتاب المكتفي) بأنه المهدي الذي داعيته في كتامة، فحبسه اليسع. ثم إن أبا عبد الله الشيعي بعد مهلك أبي خوال الذي كان مضايقاً لهم، اجتمعت إليه سائر كتامة، وزحف إلى سطيف، فحاصرها مدة، وكان بها علي بن جعفر بن عسكوجة صاحبها وأخوه أبو حبيب فملكها. وكان بها أيضاً داود بن جاثة من كبار لُهَيْعة، لحق بها فيمن لحق من وجوه كتامة. فقام بها من بعد علي وأخيه. واستأمن أهل سطيف فأمنهم أبو عبد الله، ودخلها فهدمها.
وجهّز زيادة الله العساكر إلى كتامة مع قريبه إبراهيم بن حشيش، وكانوا أربعين ألفاً، فانتهى إلى قسنطينة فأقام بها، وهم متحصنون بجبلهم، ثم زحف إليهم وواقعهم عند مدينة يلزمة، فانهزم إلى باغاية ولحق بالقيروان.
وكتب الشيعي بالفتح إلى المهدي مع رجال من كتامة، أخفوا أنفسهم حتى وصلوا إليه وعرّفوه بالخبر، ثم زحف الشيعي إلى طَبْنَة فحاصرها وقتل فتح بن يحيى المساكتي، ثم افتتحها على الأمان، ثم زحف إلى يلزمة فملكها عنوة.
وجهّز زيادة الله العساكر مع هارون الطبني عامل باغاية، فانتهوا إلى مدينة أزمول وكانوا في طاعة الشيعي، فهدمها هارون وقتل أهلها. وزحف إليه عروبة بن يوسف من أصحاب الشيعي فهزمه وقتله.
ثم فتح الشيعي مدينة ينجبت كلها على يد يوسف الغسّاني، ولحق
عسكرها بالقيروان. وشاع عن الشيعي وفاؤه بالأمان، فأمّنه الناس.
وكثر الإرجاف بزيادة الله، فجهَّز العساكر وأزاح العلل، وأنفق ما في خزائنه وذخائره، وخرج بنفسه سنة خمس وتسعين، ونزل الأَريس. ثم حاد عن اللقاء. وأشار عليه أصحابه بالرجوع إلى القيروان ليكون ردءاً للعساكر فرجع، وقدم على العساكر إبراهيم بن أبي الأغلب من قرابته، وأمره بالمقام هنالك.
ثم زحف الشيعي إلى باغاية، فهرب عاملها، وملكها صلحاً. وبعث إلى مدينة قرطاجنة فافتتحها عنوة وقتل عاملها، وسرح عساكره في إِفريقية فردّدوا فيها الغارات على قبائل البربر من نَفْزَة وغيرهم.
ثم استأمن إليه أهل تيفاش فأمنهم، واستعمل عليهم صواب بن أبي القاسم السكتاني، فجاء إبراهيم بن أبي الأغلب واقتحمها عليه.
ثم نهض الشيعي في احتفال من العساكر إلى باغاية، ثم إلى سكتانة ثم إلى تَبْسَة ففتحها كلها على الأمان، ثم إلى القصرين من قمودة فأمّن أهلها وأطاعوه.
وسار يريد رقادة، فخشي إبراهيم بن أبي الأغلب على زيادة الله لقلة عسكره، فنهض إلى الشيعي واعترضه في عساكره واقتتلوا ثم تحاجزوا؛ ورجع الشيعي إلى إيكجان وإبراهيم إلى الأَريس. ثم سار الشيعي ثانية بعساكره إلى قُسَنْطينة فحاصرها واقتحمها على الأمان، ثم إلى قفصة كذلك. ثم رجع إلى باغاية فأنزل بها عسكراً مع أبي مكدولة الجيلي، ثم سار إلى إيكجان وخالفه إبراهيم إلى باغاية. وبلغ الخبر إلى الشيعي فسرَّح لقتاله أبا مديني بن فروخ اللهيمي ومعه عروبة بن يوسف الملوشي، ورجاء بن أبي قنَّة في اثني عشر ألفاً. فقاتلوا ابن أبي الأغلب ومنعوه من باغاية، فرحل عنها، واتبعوه إلى فجّ العرعر، ورجعوا عنه.
ثم زحف أبو عبد الله الشيعيّ سنة ست وتسعين في مائتي ألف من العساكر إلى إبراهيم بن أبي الأغلب بالأريس، ثم اقتتلوا أيّاماً؛ ثم انهزم إبراهيم واستبيح معسكره وفرَّ إلى القيروان. ودخل الشيعي الأريس فاستباحها، ثم سار فنزل قمودة.
واتصل الخبر بزيادة الله وهو برقادة ففرَّ إلى المشرق، ونُهبت قصورة. وافترق أهل رقادة إلى القيروان وسوسة.
ولمّا وصل إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القيروان نزل قصر الإمارة، وجمع الناس، وأرادهم على البيعة له على أن يعينوه بالأموال. فاعتدوا وتصايحت به العامة، ففرَّ عنها ولحق بصاحبه.
وبلغ أبا عبد الله الشيعي خبر فرارهم بسبيبة فقدم إلى رقادة، وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير، فساروا وأمّنوا الناس، وجاء على أثرهم. وخرج أهل رقاد والقيروان للقائه، فأمنهم وأكرمهم. ودخل رقادة في رجب سنة ست وتسعين ونزل قصرها وأطلق أخاه أبا العباس من الاعتقال، ونادى بالأمان، فتراجع الناس وفرَّ العمال في النواحي. وطلب أهل القيروان فهربوا، وقسم دور البلد على كتامة فسكنوها، وجمع أموال زيادة الله وسلاحه فأمر بحفظها، وحفظ جواريه. واستأذنه الخطباء لمن يخطبون، فلم يعين أحداً، ونقش على السكة من أحد الوجهين: (بلغتْ حجة الله) ومن الآخر: (تفرّق أعداء الله)؛ وعلى السلاح: (عدة في سبيل الله)؛ وفي وسم الخيل: (الملك لله).
ثم ارتحل إلى سجلماسة في طلب المهدي، واستخلف على أفرقية أخاه أبا العباس وترك معه أبا زاكي تمام بن معارك الألجائي.
واهتز المغرب لخروجه وفرت زناتة من طريقه، ثم بعثوا إليه بالطاعة فقبلهم، وأرسل إلى اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة يتلطفه، فقتل الرسل وخرج للقائه.
فلمّا تراءى الجمعان انفضَّ معسكره وهرب هو وأصحابه، وخرج أهل البلد من الغد للشيعي، وجاؤوا معه إلى محبس المهدي وابنه فأخرجهما، وبايع للمهديّ ومشى مع رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يبكي من الفرح ويقول: هذا مولاكم حتى أنزله بالمخيَّم.
وبعث في طلب اليسع فأُدرك وجيء به فقُتل، وأقاموا بسجلماسة أربعين يوماً ثم ارتحلوا إلى أفريقية. ومرّوا بأيكجان، فسلّم الشيعي ما كان بها من الأموال للمهدي، ثم نزلوا رقادة في ربيع سنة سبع وتسعين.
وحضر أهل القيروان وبويع للمهدي البيعة العامة، واستقام أمره، وبثَّ دعاته في الناس؛ فأجابوا إلاّ قليلاً عرض عليهم السيف.
وقسّم الأموال والجواري في رجال كتامة، وأقطعهم الأعمال ودوّن الدواوين، وجبى الأموال، وبعث العمال في البلاد، فبعث على طرابلس ماكنون بن ضبارة الألجائي، وعلى صِقِلّية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير، فسار إليها ونزل البحر. ونزل مازر في عيد الأضحى من سنة سبع وتسعين، فاستقضى إسحاق بن المنهال، وولّى أخاه على كريت. ثم أجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلى العُدْوَة الشماليّة، ونزل بسيط قلورِيَّة من بلاد الإفرنج، فأثخن فيها، ورجع إلى صقلية فأساء السيرة في أهلها، فثاروا به وحبسوه وكتبوا إلى المهدي فقبل عذرهم، وولّى عليهم مكانه عليّ بن عمر البلوي فوصل خاتم تسع وتسعين)(١) .
مقتل أبي عبد الله الشيعي وأخيه:
(لمّا استقام سلطان عُبَيْدِ الله المهديّ بأفريقية استبدّ بأمره، وكفح أبا عبد الله الشيعي وأخاه أبا العباس عن الاستبداد عليه، والتحكم في أمره، فعظم ذلك عليهما، وصرَّح أبو العبّاس بما في نفسه، فنهاه أخوه أبو عبد الله عن ذلك فلم يُصغ إليه. ثم استماله أبو العباس لمثل رأيه فأجابه.
وبلغ ذلك إلى المهدي فلم يصدقه، ثم نهى أبا عبد الله عن مباشرة الناس، وقال: إنه مفسد للهيبة، فتلطف في رده ولم يجبه إليه، ففسدت النيّة بينهما، واستفسدوا كتامة وأغروهم به وذكروهم بما أخذه من أموال إيكجان واستأثر به دونهم. وألقوا إليهم أنّ هذا ليس هو الإمام المعصوم الذي دعونا إليه، حتى بعث إلى المهدي رجل كان في كتامة يُعرف بشيخ المشايخ وقال له: جئنا بآية على أمرك، فقد شككنا فيك، فقتله المهديّ.
ثم عظمت استرابتهم (شوكتهم) واتّفقوا على قتل المهديّ. وداخلهم في ذلك أبو زاكي تمام بن معارك، وغيره من قبائل كتامة.
ونمي الخبر إلى المهديّ فتلطَّف في أمرهم، وولّى من داخلهم من
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٧٠ إلى ص٧٦.
قواد كتامة على البلاد، فبعث تمام بن معارك على طرابلس وبعث إلى عاملها ماكنون بقتله، فقتله عند وصوله.
ثم اتّهم المهديّ ابن الغريم بمداخلتهم، وكان من أصحاب زيادة الله؛ فأمر بقتله واستصفاء أمواله وكان أكثرها لزيادة الله.
ثم إنّ المهدي استدعى عروبة بن يوسف وأخاه حباسة، وأمرهما بقتل الشيعيّ وأخيه. فوقفا لهما عند القصر، وحمل عروبة على أبي عبد الله فقال له: لا تفعل...، فقال: الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك.
ثم أجهز عليهما في نصف جمادى سنة ثمانٍ وتسعين (ومائتين).
ويُقال: إنّ المهديّ صلّى على أبي عبد الله وترحّم عليه، وعلم أن الذي حمله على ذلك إغراء أبي العباس أخيه.
وثارت فتنة بسبب قتلهما من أصحابهما، فركب المهديّ وسكّنها، ثم ثارت فتنة أُخرى بين كتامة وأهل القيروان وفشا القتل فيهم، فركب المهدي وسكنها، وكفّ الدعاة عن طلب التشيُّع من العامة، وقتل جماعة من بني الأغلب برقادة لما رجعوا إليها بعد زيادة الله)(١) .
رجع إلى أخبار المهدي:
(لمّا استقام أمر المهدي بعد الشيعيّ، جعل ولاية عهده لابنه أبي القاسم نزار، وولّى على بَرْقَةَ وما إليها حباسة بن يوسف، وعلى المغرب أخاه عروبة، وأنزله باغاية. فسار إلى تاهرت فاقتحمها، وولّى عليها دواس بن صولات اللهيص.
ثم انتقضت عليه كتامة بقتله أبا عبد الله الشيعيّ، ونصبوا طفلاً لقّبوه المهدي، وزعموا أنه نبيّ، وأن أبا عبد الله الشيعي لم يمت، فجهَّز ابنه أبا القاسم لحربهم فقاتلهم وهزمهم، وقتل الطفل الذي نصبوه، وأثخن فيهم ورجع.
ثم انتقض أهل طرابلس سنة ثلاثمائة، وأخرجوا عاملهم ماكنون.
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٧٦ إلى ص٧٨.
فبعث إليهم ابنه أبا القاسم. فحاصرها طويلاً، ثم فتحها وأثخن فيهم، وأغرمهم ثلاثمائة ألف دينار.
ثم أغزى(١) المهدي ابنه أبا القاسم وجموعه كتامة سنة ٣٠١ إلى الاسكندرية ومصر، وبعث اسطوله في البحر في مائتين من المراكب وشحنها بالأمداد، وعقد عليها لحباسة بن يوسف.
وسارت العساكر فملكوا برقة ثم الإسكندرية والفيوم. وبعث المقتدر العساكر من بغداد مع سبكتكين ومؤنس الخادم، فتواقعوا مرّات، وأجلاهم عن مصر فرجعوا إلى المغرب. ثم عاد حباسة في العساكر في البحر سنة اثنتين (وثلاثمائة) إلى الإسكندرية فملكها، وسار يريد مصر فجاء مؤنس الخادم من بغداد لمحاربته، فتواقعوا مرّات، وكان الظهور آخر لمؤنس. وقُتل من أصحابه نحو من سبعة آلاف؛ وانصرف إلى المغرب فقتله المهديّ.
وانتقض لذلك أخوه عروبة بالمغرب، واجتمع إليه خلق كثير من كتامة والبربر. وسرح إليهم المهدي مولاه غالباً في العساكر فهزمهم، وقتل عروبة وبني عمه في أُمم لا تُحصى.
ثم انتقض أهل صقلية وتقبَّضوا على عاملهم علي بن عمرو، وولوا عليهم أحمد بن قهرب، فدعا للمقتدر العباسي وأطاعه، وذلك سنة أربع وثلاثمائة. وخلع طاعة المهديّ وجهّز إليه الأسطول مع الحسن بن أبي خنزير، فلقيه أسطول ابن قهرب فغلبه، وقتل ابن أبي خنزير.
ثم راجع أهل صقلية أمرهم، وكاتبوا المهدي، وثاروا بابن قهرب فخلعوه وبعثوا به إلى المهدي فقتله على قبر ابن أبي خنزير، وولّى على صقلية علي بن موسى بن أحمد، وبعث معه عساكر كتامة.
ثم اعتزم المهديّ على بناء مدينة على ساحل البحر يتّخذها معصماً لأهل بيته لما كان يتوقعه على الدولة من الخوارج.
ويُحكى عنه أنه قال: بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار، وأراهم موقف صاحب الحمار بساحتها، فخرج بنفسه يرتاد موضعاً لبنائها.
____________________
(١) أَغْزى: فلاناً بعث به وجهّزه للغزو وحمله عليه.
ومرّ بتونس وقرطاجنة حتى وقف على مكانها جزيرة متصلة بالبر كصورة كفّ اتّصلت بزند، فاختطّ المهدية بها وجعلها دار ملكه، وأدار بها سوراً محكماً، وجعل لها أبواباً من الحديد وزن كل مصراع مائة قنطار. وابتدأ ببنائها آخر سنة ثلاث (وثلاثمائة)، ولمّا ارتفع السور رمى من فوقه بسهم إلى ناحية المغرب ونظر إلى منتهاه وقال: إلى هذا الموضع يصل صاحب الحمار يعني أبا زيد.
ثم أمر أن يُبحثَ في الجبل دار لإنشاء السفن (تسعمائة سفين)، وبحث في أرضها أهراء للطعام ومصانع للماء، وبنى فيها القصور والدور، فكملت سنة ست (وثلاثمائة). ولمّا فرغ منها قال: اليوم أمنت على الفواطم.
ثم جهّز ابنه أبا القاسم بالعساكر إلى مصر مرة ثانية سنة سبع وثلاثمائة، فملك الإسكندرية ثم سار فملك الجيزة والاشمونين وكثيراً من الصعيد. وكتب إلى أهل مكة بطلب الطاعة فلم يجيبوا إليها. وبعث المقتدر مؤنساً الخادم في العساكر، وكانت بينه وبين أبي القاسم عدة وقعات ظهر فيها مؤنس، وأصاب عسكر أبي القاسم الجهد من الغلاء والبلاء، فرجع إلى أفريقية، وكانت مراكبهم قد وصلت من المهدية إلى الإسكندرية في ثمانين مركباً مدداً لأبي القاسم وعليها سليمان الخادم ويعقوب الكتامي؛ وكانا شجاعين. وسار الأسطول من طرسوس للقائهم في خمسة وعشرين مركباً. والتقوا على رشيد، وظفرت مراكب طرسوس، وأحرقوا وأسروا سليمان ويعقوب، فمات سليمان في حبس مصر، وهرب يعقوب من حبس بغداد إلى إفريقية.
ثم أغزى المهدي سنة ثمان وثلاثمائة مضالة بن حبوس في رجالات مكناسة إلى بلاد المغرب، فأوقع بملك فاس من الأدارسة، وهو يحيى بن إدريس بن إدريس بن عمرو، واستنزله عن سلطانه إلى طاعة المهدي. فأعطى بها صفقته وعقد لموسى بن أبي العافية المكناسي من رجالات قومه على أعمال المغرب. ورجع ثم عاود غزو المغرب سنة تسع وثلاثمائة فدوّخه ومهّد جوانبه؛ وأغراه قريبه عامل المغرب موسى بن أبي العافية بيحيى بن إدريس صاحب فاس فتقبّض عليه وضم فاس إلى أعمال موسى، ومحا دعوة الإدريسية من المغرب، وأجهضهم عن أعماله فتحيزّوا إلى بلاد الريف وغمارة واستجدوا بها ولاية. ومنهم كان بنو حمّود العلويون
المستولون على قرطبة عند انقراض ملك الأمويين في سنة ثلاث وأربعمائة.
ثم صمد مضالة إلى بلاد سجلماسة فقتل أميرها من آل مدرار المكناسيين المنحرف عن طاعة الشيعة، وعقد لابن عمه وسار في أتباعه إلى زناتة في نواحي المغرب؛ فكانت بينه وبينهم حروب هلك مضالة في بعضها على يد محمد بن خزر.
واضطرب المغرب فبعث المهدي ابنه أبا القاسم غازياً إلى المغرب في عساكر كتامة وأولياء الشيعة سنة خمس عشرة وثلاثمائة، ففرَّ محمد بن خزر وأصحابه إلى الرمال، وفتح أبو القاسم بلد مزانة ومطماطة وهوارة وسائر الأباضية والصفرية ونواحي تاهرت قاعدة المغرب الأوسط إلى ما وراءها.
ثم عاج إلى الريف فافتتح بلد لكور من ساحل المغرب الأوسط، ونازل صاحب جراوة من آل إدريس وهو الحسن بن أبي العيش، وضيق عليه، ودوّخ أقطار المغرب. ورجع ولم يلق كيداً ومرَّ بمكان بلد المسيلة وبها بنو كملان من هوارة، وكان يتوقع منهم الفتنة فنقلهم إلى فج القيروان. وقضى الله أن يكونوا أولياء لصاحب الحمار عند خروجه. ولما نقلهم أمر ببناء المسيلة في بلدهم، وسماها المحمدية ودفع علي بن حمدون والأندلسي من صنائع دولتهم إلى بنائها، وعقد له عليها وعلى الزاب بعد اختطاطها، فبناها وحصنها وشحنها بالأقوات، فكانت مدداً للمنصور في حصار صاحب الحمار.
ثم انتقض موسى بن أبي العافية عامل فاس والمغرب، وخلع طاعة الشيعة وانحرف إلى الأموية من وراء البحر، وبث دعوتهم في أقطار المغرب. فنهض إليه أحمد بن بصلين المكناسي قائد المهدي، وسار في العساكر، فلقيه ميسور وهزمه وأوقع به وبقومه بمكناسة، وأزعجه عن المغرب إلى الصحاري وأطراف البلاد ودوّخ المغرب وثقّف أطرافه ورجع ظافراً)(١) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٧٨ إلى ص٨٣.
وفاة عبيد الله المهدي وولاية ابنه أبي القاسم:
(ثم تُوفِّي عبيد الله المهدي بعد اثنتين وعشرين سنة من خلافته، وولي ابنه أبو القاسم محمد ويقال: نزار بعده، ولُقّب القائم بأمر الله. فعظم حزنه على أبيه حتى يُقال: إنه لم يركب سائر أيامه إلاّ مرتين. وكثر عليه الثوار، وثار بجهات طرابلس ابن طالوت القرشي، وزعم أنه ابن المهدي وحاصر طرابلس، ثم ظهر للبربر كذبه فقتلوه. ثم أغزى المغرب وملكه وولّى على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذابي. وحاصر الأدارسة ملوك الريف وغمارة؛ فنهض ميسور الخصي من القيروان في العساكر ودخل المغرب وحاصر فاس واستنزل عاملها أحمد بن بكر، ثم نهض في اتباع موسى، فكانت بينهما حروب؛ وأُخذ الثوري ابن موسى في بعضها أسيراً. وأجلاه ميسور عن المغرب، وظاهره عليه الأدارسة الذين بالريف.
وانقلب ميسور إلى القيروان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وعقد للقاسم بن محمد كبير أدارسة الريف من ولد محمد بن إدريس على أعمال ابن أبي العافية وما يفتحه من البلاد؛ فملك المغرب كلها ما عدا فاس، وأقام دعوة الشيعة بسائر أعماله.
ثم جهز أبو القاسم أسطولاً ضخماً لغزو ساحل الإفرنجة وعقد عليها ليقرب ابن إسحاق، فأثخن في بلاد الإفرنجة وسبى ونازل بلد جنوة، وافتتحها وعظم صنع الله في شأنها.
ومروا بسردانية من جزر الفرنج فأثخنوا فيها، ثم مروا بقرقيسيا من سواحل الشام فأحرقوا مراكبها. ثم بعث عسكراً إلى مصر مع خادمه زيران، فملكوا الاسكندرية، وجاءت عساكر الإخشيد من مصر فأزعجوهم عنها ورجعوا إلى المغرب)(١) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص٨٣، ٨٤.
أخبار أبي يزيد الخارجي
(وهو أبو يزيد مخلد بن كيراد، وكان أبوه كيراد من أهل قسطيلة من مدائن بلاد توزر. وكان يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة، وبها ولد ولده أبو يزيد ونشأ بتوزر، وتعلم القرآن وخالط النكاريّة من الخوارج، وهم الصُفرِيَّة، فمال إلى مذهبهم وأخذ به، ثم سافر إلى تاهرت وأقام بها يعلِّم الصبيان.
ولما سار الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدي انتقل هو إلى تقيوس، وأقام يعلِّم فيها. وكان يذهب إلى تكبير أهل مِلَّته واستباحة الأموال والدماء والخروج على السلطان، ثم أخذ نفسه بالحسبة على الناس وتغيير المنكر سنة ست عشرة وثلاثمائة.
ولما مات المهديّ خرج بناحية جبل أوراس، وركب الحمار، وتلقّب بشيخ المؤمنين، ودعا للناصر صاحب الأندلس من بني أمية فاتبعه أمم من البربر، وزحف إليه عامل باغاية فلقيه في جموع البربر وهزمه، وزحف إلى باغاية فحاصرها ثم انهزم عنها، وكتب إلى بني واسى من قبائل زناتة بضواحي قسنطينة يأمرهم بحصارها، فحاصروها سنة ثلاث وثلاثين (وثلاثمائة). ثم فتح تبسة صلحاً ومجانة كذلك، وأهدى له رجل من أهل مرماجنة حماراً أشهب فكان يركبه وبه لُقِّب. وكان يلبس جبة صوف قصيرة ضيقة الكُمّين.
وكان عسكر الكتاميِّين على الأَريس فانفضوا، وملكها أبو يزيد وأحرقها ونهبها، وقتل في الجامع من لجأ إليه، وبعث عسكراً إلى سبيبة ففتحها وقتل عاملها. وبلغ الخبر إلى أبي القاسم، فقال: لابدّ أن يبلغ المصلّى من المهدية.
ثم جهّز العساكر وبعثها إلى رقادة والقيروان، وبعث خادمه ميسوراً الخصيّ لحربه وبعث عسكراً مع خادمه بشرى إلى باجة.
فنهض إليه أبو يزيد وهزمه إلى تونس، ودخل أبو يزيد باجة فنهبها وأحرقها، وقتل الأطفال وسبى النساء، واجتمع إليه قبائل البربر، واتخذ الأبنية والبيوت وآلات الحرب.
وبعث إليه بشرى عسكراً من تونس. وبعث أبو يزيد للقائهم عسكراً آخر؛ فانهزم أصحاب أبي يزيد وظفر أصحاب بشرى. ثم ثار أهل تونس ببشرى فهرب فاستأمنوا لأبي يزيد فأمنهم، وولى عليهم وسار القيروان، وبعث القائم خادمه بشرى للقائه، وأمره أن يبعث من يتجسس عن أخباره، فبعث طائفة، وبعث أبو يزيد طائفة أُخرى. فانهزم عسكر أبي يزيد وقُتل منهم أربعة آلاف وجيء بأسراهم إلى المهدية فقتلوا.
فسار أبو يزيد إلى قتال الكتاميّين فهزم طلائعهم، وأتْبعهم إلى القيروان، ونزل على رقادة في مائتي ألف مقاتل، وعاملُها يومئذٍ خليل بن إسحاق، وهو ينتظر وصول ميسور بالعساكر. ثم ضايقه أبو يزيد وأغراه الناس بالخروج فخرج. وهزمه أبو يزيد فمضى إلى القيروان. ودخل أبو يزيد رقادة، فعاث فيها وبعث أيوب الزويلي في عسكر إلى القيروان، فملكها في صفر سنة ثلاث وثلاثين (وثلاثمائة) ونهبها، وأمَّن خليلاً فقتله أبو يزيد. وخرج إليه شيوخ أهل القيروان فأمَّنهم ورفع النهب عنهم. وزحف ميسور إلى أبي يزيد، وكان معه أبو كملان فكاتبوا أبا يزيد، وداخلوه في الغدر بميسور، وكتب إليه القائم بذلك، فحذّرهم فطردهم عنه. ولحقوا بأبي يزيد، وسار معه إلى ميسور، فانهزم ميسور، وقتله بنو كملان وجاؤوا برأسه فأطافه بالقيروان، وبعث بالبشرى إلى البلاد. وبلغت هزيمة ميسور إلى القائم بالمهدية فاستعد للحصار وأمر بحفر الخنادق. وأقام أبو يزيد سبعين يوماً في مخيم ميسور، وبثّ السرايا في كل ناحية يغنمون ويعودون.
وأرسل سرية إلى سوسة ففتحوها عنوة واستباحوها، وضرب عمران إفريقية من سائر الضواحي، ولحق فَلّهم بالقيروان حفاة عراة، ومات أكثرهم جوعاً وعطشاً.
ثم بعث القائم إلى رؤساء كتامة والقبائل، وإلى زيري بن مناد ملك
صَنْهاجَة بالمسير إلى المهديَّة، فتأهبوا لذلك. وسمع أبو يزيد بخبرهم فنزل على خمسة فراسخ من المهدية وبث السرايا في جهاتها.
وسمع كتامة بافتراق عسكره في الغارة فخرجوا لبياته(١) آخر جمادى الأولى، وكان ابنه فضل قد جاء بالمدد من القيروان فبعثه للقاء كتامة. وركب في أثرهم، ولقي أصحابه منهزمين. ولما رآه الكتاميُّون انهزموا بغير قتال. واتبعهم أبو يزيد إلى باب المهديِّة ورجع ثم جاء بعد أيام لقتالهم، فوقف على الخندق المحدَث، وعليه جماعة من العبيد فقاتلهم ساعة وهزمهم، وجاوز السور إلى البحر ووصل المصلّى على رمية سهم من البلد، والبربر يقاتلون من الجانب الآخر، ثم حمل الكتاميِّون عليهم فهزموهم.
وبلغ ذلك أبا يزيد، وسمع بوصول زيري بن مناد فاعتزم أن يمر بباب المهدية ويأتي زيري وكتامة من ورائهم. فقاتلوا أهل الأرباض، ومالوا عليه لما عرفوه ليقتلوه، وتخلص بعد الجهد ووصل إلى منزله فوجدهم يقاتلون العبيد كما تركهم، فقوي أصحابه وانهزم العبيد. ثم رحل وتأخر قليلاً وحفر على معسكره خندقاً، واجتمع عليه خلق عظيم من البربر ونفوسة والزاب وأقاصي المغرب. وضيّق على أهل المِرّيَة، ثم زحف إليها آخر جمادى فقاتلها وتورّط في قتالها يومه ذلك، ثم خلَّص وكتب إلى عامل القيروان أن يبعث إليه مقاتلتها فجاؤوا، وزحف بهم آخر رجب فانهزم وقتل من أصحابه. ثم زحف الزحف الرابع آخر شوال ولم يظفر ورجع إلى معسكره.
واشتدّ الحصار على أهل المهديّة حتى أكلوا الميتات والدواب، وافترق أهلها في النواحي، ولم يبق بها إلا الجند. وفتح القائم أهراء الزرع التي أعدّها المهدي وفرّقها فيهم.
ثم اجتمعت كتامة وعسكروا بقُسَنْطينة، فبعث إليهم أبو يزيد بعثاً من وربجومة وغيرهم فهزموا كتامة، ووافت أبا يزيد حشود البربر من كل ناحية، وأحاط بسوسة وضيّق عليها، ثم انتقض البربر عليه ما كان منه من
____________________
(١) لبياته: للهجوم عليه ليلاً.
المجاهرة بالمحرّمات والمنافسة بينهم. فانفضُّوا عنه ورجع إلى القيروان سنة أربع وثلاثين (وثلاثمائة).
وغنم أهل المهديّة معسكره وكثر عبث البربر في أمصار أفريقية وضواحيها، وثار أهل القيروان بهم، وراجعوا طاعة القائم. وجاء علي بن حمدون من المَسيلة بالعساكر فبيَّته أيُّوب بن أبي يزيد وهزمه، وسار إلى تونس، وجاءت عساكر القائم فواقعوه مرات، وانهزم إلى القيروان في ربيع سنة أربع وثلاثين (وثلاثمائة). فبعث أيوب ثانية لقتال عليّ بن حمدون ببلطة. وكانت حروبه معه سجالاً إلى أن اقتحم عليه البلد بمداخلة بعض أهلها. ولحق ابن حمدون ببلاد كتامة، واجتمعت قبائل كتامة ونفزة ومواتة وعسكروا بقسنطينة. وبعث ابن حمدون العساكر إلى هوارة فأوقعوا بهم، وجاءهم مدد أبي يزيد فلم يغنِ عنهم.
وملك ابن حمدون مدينة بتجست وباغاية. ثم زحف أبو يزيد إلى سوسة في جمادى الآخرة من سنته، وبها عسكر القائم، وتُوفِّي القائم وهو بمكانه من حصارها)(١) .
وفاة القائم وولاية ابنه المنصور:
(ثم تُوفِّي القائم أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي صاحب أفريقية بعد أن عهد إلى ولده إسماعيل بعده، وتلقّب بالمنصور، وكتم موت أبيه حذراً من أن يطلع عليه أبو يزيد وهو بمكانه من حصار سوسة، فلم يسمّ بالخليفة ولا غيّر السكة ولا الخطبة ولا البنود إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد كما يذكر)(٢) .
بقية أخبار أبي يزيد ومقتله:
ولما مات القائم كان أبو يزيد محاصراً سوسة كما تقدم، وقد جهد أهلها الحصار. فلما وَلِيَ إسماعيل المنصور، وكان أوّل عمله أن بعث الأساطيل من المهديّة إلى سوسة مشحونة بالمدد من المقاتلة والأمتعة
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٨٤ إلى ص٨٩.
(٢) نفسه م٤ ص٨٩.
والميرة مع رشيق الكاتب، ويعقوب بن إسحاق، وخرج بنفسه في أثرهم، وأشار أصحابه بالرجوع فرجع، ووصل الأسطول إلى سوسة، وخرجوا لقتال أبي يزيد وعساكر سوسة معهم.
فانهزم أبو يزيد واستبيح معسكره نهباً وإحراقاً، ورحل إلى سبيبة وذلك آخر شوال سنة أربع وثلاثين (وثلاثمائة).
وجاء المنصور إلى القيروان وأمّن أهلها وأبقى على حرم أبي يزيد وأولاده وأجرى عليهم الرزق. وخرجت سريّة من عسكر المنصور لاستكشاف خبر أبي يزيد. وجاءت أخرى من عسكر أبي يزيد لمثل ذلك، فالتقوا وانهزمت سرية المنصور، فقوي أبو يزيد بذلك وكثر جمعه، وعاد فقاتل القيروان وخندق المنصور على عسكره. وقاتلهم أبو يزيد، فكان الظفر أول يوم للمنصور، ثم قاتلهم ثانياً فانهزموا، وثبت المنصور وراجع أصحابه من طريق المهديّة وسوسة.
ولما رأى أبو يزيد امتناعهم عليه رحل أواخر ذي القعدة، ثم رجع فقاتلهم وكانت الحرب سجالاً. وبعث السرايا إلى طريق المهدية وسوسة نكاية فيهم، وبعث إلى المنصور في حرمه وأولاده فبعثهم إليه بعد أن وصلهم، وقد كان أقسم على الرحيل، فلما وصلوا إليه نكث وقاتلهم خامس المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فهزمهم، ثم عبّى المنصور عساكره منتصف المحرم وجعل البرابر في الميمنة وكتامة في الميسرة وهو وأصحابه في القلب.
وحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها، ثم على القلب، فلقيه المنصور واشتد القتال، ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم وأسلم أثقاله وعسكره، وقُتل خلق من أصحابه؛ وبلغت رؤوس القتلى التي في أيدي صبيان القيروان عشرة آلاف.
ومضى أبو يزيد لوجهه، ومرّ بباغاية فمنعه أهلها من الدخول، فأقام يحاصرها. ورحل المنصور في ربيع الأول لاتّباعه، واستخلف على المهدية مراماً الصِقِلي، وأدركه على باغاية، فأجفل المنصور في اتّباعه، وكلما قصد حصناً سبقه المنصور إليه إلى أن نزل المنصور طَبْنَة فجاءته رسل محمد بن خزر أمير مغراوة، من أصحاب أبي يزيد ومواطئه بالغرب
الأوسط؛ فاستأمن للمنصور فأمنه وأمره بطلب أبي يزيد. ووصل أبو يزيد إلى بني بَرْزال وكانوا نَكادِيّة، وبلغه خبر المنصور في اتباعه فسلك الرملة ثم عاد إلى نواحي غمرة، فصادف المنصور وقاتله، فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات، والمنصور في أثره في جبالٍ وأوعارٍ ومضايق تُفضي إلى القفر.
وأصابهم الجهد وعلم أنه ليس أمامه إلا المفازة إلى بلاد السودان. فرجع إلى غمرة من بلاد صنْهاجَة، ووفد عليه هنالك زيري بن مناد أمير صنهاجة فأكرمه ووصله كما يجب له.
وجاء كتاب محمد بن خزر بالمكان الذي فيه أبو يزيد من المفازة، وأقام المنصور هناك لمرض أصابه، فرجع أبو يزيد إلى المسيلة وحاصرها، فلما عوفي المنصور رحل أول رجب سنة خمس وثلاثين وقصده. فأخرج عن المسيلة، وقصد المفازة يريد بلاد السودان، فأبى عليه بنو كملان أصحابه، فرجعوا إلى جبال كتامة وعجيسة فتحصنوا بها.
وجاء المنصور فنزل بساحتهم عاشر شعبان، ونزل أبو يزيد فقاتلهم فانهزم وأسلم عسكره وأولاده، وطعنه بعض الفرسان فأكبه وحامى عنه أصحابه، فقتل في الحومة ما يزيد على عشرة آلاف، وتخلَّص. ثم سار المنصور في أثره أول رمضان، ولم يقدر أحد من الفريقين على الهزيمة؛ لضيق المكان وصعوبته.
ثم انهزم أبو يزيد لما ضرسه الحرب، وترك أثقاله، وساروا إلى رؤوس الجبال يرمون بالصخر، وتزاحفوا حتى تعانقوا بالأيدي، وكثر القتل، ثم تحاجزوا وتحصّن أبو يزيد بقلعة كتامة؛ واستأمن الذين معه من هوارة فأمّنهم المنصور، وحصر أبا يزيد في القلعة وقاتلها غير مرة حتى افتتحها عنوةً، وأضرمها ناراً، وقتل أصحاب أبي يزيد في كل ناحية، وجمع أهله وأولاده في القصر، وأظلم الليل فأمر المنصور بإشعال النيران في الشَعْراء(١) المحيطة بالقصر حتى أضاء الليل لتكون أحواله بمرأى منهم حذراً من فراره، حتى خرج الليل، وحمل في أصحاب المنصور حملة
____________________
(١) الشَعْراء: الشجر الكثير.
منكرة فأفرجوا له، وأمر المنصور بطلبه، وقد حمله ثلاثة من أصحابه؛ لأنه كان جريحاً فسقط في الوعر وارتثّ فحملوه إلى المنصور فسجد سجدة الشكر، وأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. ثم هلك من الجراحة التي به، فأَمر بسلخ جلده وحشوه تبناً، واتخذ له قفصاً فأُدخل فيه مع قردين يلاعبانه بعثاله(١) .
ورحل إلى القيروان والمهدية، ولحق ابنه فضل بمعبد بن خزر، وزحف به إلى طبنة وبسكرة، وقصدا المنصور. فانهزم معبد وصمد إلى كتامة فبعث إليه العساكر مع مولييه شفيع وقيصر ومعهما زيري بن مناد في صنهاجة. فانهزم فضل ومعبد وافترق جمعهم ورجع المنصور إلى القيروان فدخلها(٢) .
بقية أخبار المنصور
(ثم انتقض حميد بن يضلبتن عامل المغرب، وانحرف عن طاعة الشيعة، ودعا للأموية من وراء البحر، وزحف إلى تاهرت فحاصرها.
فنهض إليه المنصور في صَفر سنة ست وثلاثين (وثلاثمائة)، وجاء إلى سوق حمزة فأقام به، وحشد زيري بن مناد جموع صنهاجة من كل ناحية ورحل مع المنصور.
فأفرج حميد عن تاهرت، وعقد عليها ليعلى بن محمد اليفرني، وعقد لزيري بن مناد على قومه وعلى سائر بلادهم. ثم رحل لقتال لواتة فهربوا إلى الرمال، وأقام هو على وادي ميناس، وكان هنالك ثلاثة جبال، كل منها عليه قصر مبنيّ بالحجر المنحوت، فوجد في وجه أحد هذه القصور كتابة على حجر فسيح، فأمر المنصور التراجمة بقراءته، وإذا فيه (أنا سليمان السردغوس، خالف أهل هذا البلد على الملك فبعثني إليهم، ففتح الله عليهم وبنيت هذا البناءِ لأُذكر به). ذكر هذه الغريبة ابن الرقيق في تاريخه.
ثم رحل المنصور إلى القيروان بعد أن خلع على زيري بن مناد
____________________
(١) لحية عثولة أي كبيرة، كثة (في أقرب الموارد).
(٢) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٨٩ إلى ص٩٣.
وحمله، ودخل المنصورية في جمادى سنة ست وثلاثين (وثلاثمائة)، فبلغه أنّ فضل بن أبي يزيد جاء إلى جبل أُوراس، وداخل البربر في الثورة، فخرج إليه المنصور فدخل الرمل، ورجع المنصور إلى القيروان ثم إلى المهديّة، ورجع فضل بن أبي يزيد إلى باغاية. وأقام يحاصرها، فغدر به باطيط، وبعث برأسه إلى المنصور.
ثم عقد سنة تسع وثلاثين (وثلاثمائة) للحسين بن علي بن أبي الحسن الكلبيّ على صِقِلّية وأعمالها، وكانت لخليل بن إسحاق، فصرفه الحسين واستقلّ بولايتها، فكان له فيها ولبنيه ملك.
وبلغ المنصور أن مَلِك أفرنجة يريد غزو المسلمين، فأخرج أُسطوله وشحنه بالعساكر لنظر مولاه فرج الصقلي، وأمر الحسين بن علي عامل صقلية بالخروج معه، فأجازوا البحر إلى عُدْوَةِ الإفرنجة، ونزلوا قلورية، ولقيهم رجاء ملك الفرنجة فهزموه وكان فتحاً لاكفاء له، وذلك سنة أربعين وثلاثمائة.
ورجع فرج بالغنائم إلى المهديّة سنة اثنتين وأربعين (وثلاثمائة)، وكان معبِد بن خزر بعد مظاهرته لفضل بن أبي يزيد لم يزل منتقضاً وأولياء المنصور في طلبه حتى أخذ في بعض الوقائع وسيق معه ابنه إلى المنصور، فطيف بهما في أسواق المنصورية ثم قُتلا سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة(١) .
وفاة المنصور وولاية ابنه المُعزّ:
(تُوفِّي المنصور إسماعيل بن القاسم سلخ رمضان سنة إِحدى وأربعين وثلاثمائة لسبع سنين من خلافته، أصابه الجهد من مطر وثلج تجلّد على ملاقاته، ودخل على أثره الحمام فعيت(٢) حرارته ولازمه السهر فمات. وكان طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي قد نهاه عن الحمام فلم يقبل. وولّى الأمر بعده ابنه معدّ، ولُقِّب المُعزّ لدين الله، فاستقام أمره وخرج لجبل أوراس سنة اثنتين وأربعين (وثلاثمائة)، وجالت فيه عساكره،
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون م٤ ص٩٣ إلى ص٩٥.
(٢) عيت: عجز منها.
واستأمن إليه بنو كملان ومليلة من هوارة، ودخلوا في طاعته، فأمّنهم وأحسن إليهم. واستأمن إليه محمد بن خزر بعد قتل أخيه معبد فأمّنه.
ورجع إلى القيروان وترك مولاه قيصر في العساكر، وعقد له على باغاية فدوّخ البلاد وأحسن إلى الناس، وألّف من كان شارداً من البربر. ورجع بهم إلى القيروان فأكرمهم المًعزّ ووصلهم. ثم وفد بعدهم محمد بن خزر أمير مغراوة فلقَّاه مبرَّة وتكريماً. وأقام عنده بالقيروان إلى أن هلك سنة ثمان وأربعين (وثلاثمائة).
واستقدم المعِزّ زيري بن مناد سنة ثلاث وأربعين (وثلاثمائة) أمير صنهاجة، فقدم من استير، فأجزل صلته وردَّه إلى عمله، وبعث إلى الحسين بن علي عامل صقلّية سنة أربع وأربعين (وثلاثمائة) أن يخرجه بأسطوله إلى ساحل المرية من بلاد الأندلس، فعاث فيه، وغنم وسبى ورجع، فأخرج الناصر صاحب الأندلس أسطوله إلى سواحل أفريقية مع غالب مولاه فمنعتهم العساكر، وأقلعوا ثم عاودوا سنة خمس وأربعين (وثلاثمائة) في سبعين مركباً، فأحرقوا موسى الخزر وعاثوا في جهات سوسة ثم في نواحي طبرنة ورجعوا.
واستقام أمر المعِزّ في بلاد أفريقية والمغرب، واتسعت إيالته، وكانت أعماله من ايفكان خلف تاهرت بثلاث مراحل، إلى زناتة التي دون مصر، وعلى تاهرت وايفكان يعلى بن محمد اليفرني، وعلى أشير وأعمالها زيري بن مناد الصنهاجي، وعلى المسيلة وأعمالها جعفر بن علي الأندلسي، وعلى باغاية وأعمالها قيصر الصقلي. وكان على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي، وعلى سِجِلْماسَة محمد بن واسول المكناسي.
ثم بلغه سنة سبع وأربعين (وثلاثمائة) أن يعلى بن محمد اليفرني داخل الأموية من وراء البحر، وأهل المغرب الأقصى نقضوا طاعة الشيعة، فأغزى جوهراً الصقلي الكاتب إلى المغرب بالعساكر، وكان على وزارته، وخرج معه جعفر بن عليّ صاحب المسيلة، وزيري بن مناد صاحب أشير، وتلقاهم يعلى بن محمد صاحب المغرب الأوسط. ولمّا ارتحل عن ايفكان وقعت هيعة في أصحاب صيلة، وقيل له: إنّ بني يعرب أوقعوها، فتقبّض على يعلى، وناشته سيوف كتامة لحينه، وخرب ايفكان وأسر ابنه يدو بن
يعلى، وتمادوا إلى فاس، ثم تجاوزوها إلى سِجِلْماسة فأخذها. وتقبّض على الشاكر لله محمد بن الفتح الذي تلقّب بأمير المؤمنين من بني واسول، وولّى ابن المعتز من بني عمه مكانه.
ودوّخ المغرب إلى البحر، ثم رجع إلى فاس وحاصرها، وواليها يومئذ أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي، وقاتلها مدة فامتنعت عليه. وجاءته هدايا الأمراء الأدكرنية من السوس. ثم رحل إلى سِجِلْماسة وبها محمد بن واكول من مكناسة، وقد تلقّب بأمير المؤمنين الشاكر لله. وضرب السكة باسمه (تقدّست عزة الله). فلما سمع بجوهر هرب، ثم أُخذ أسيراً وجيء به إلى جوهر.
وسار عن سِجِلْماسة وافتتح البلاد في طريقه، ثم عاد إلى فاس وأقام في حصارها إلى أن افتتحها عنوة على يد زيري بن مناد، تسنم أسوارها ليلاً ودخلها وتقبّض على أحمد بن بكر وذلك سنة ثمانٍ وأربعين (وثلاثمائة)، وولى عليها من قبله، وطرد عمّال بني أُميَّة من سائر المغرب. وانقلب إلى القيروان ظافراً عزيزاً، وضم تاهرت إلى زيري بن مناد. وقدم بالفاطميين وبأحمد بن بكر وبمحمد بن واسال أسيرين في قفصين، ودخل بهما إلى المنصورية في يوم مشهود. وكانت ولاية المغرب والمشرق منقسمة بين مَوْلَيَيْه قيصر ومظفر، وكانا متغلبين على دولته، فقبض عليهما سنة تسع وأربعين (وثلاثمائة) وقتلهما.
وفي سنة خمسين (وثلاثمائة) كان تغلب النصارى على جزيرة أقريطش، وكان بها أهل الأندلس من جالية الحكم بن هشام بسبب ثورة الرفض، فقرّبهم إلى الإسكندرية فثاروا بها، وعبد الله بن طاهر يومئذ عامل مصر، فحاصرهم بالإسكندرية، حتى نزلوا على الأمان، وأن يجيزوا البحر إلى جزيرة اقريطش فعمّروها ونزلوها منذ تلك الأيام، وأميرها أبو حفص البلوطي منهم، واستبدّ بها وورث بنوه رئاسة فيها إلى أن نازلهم النصارى في هذه السنة في سبعمائة مركب، واقتحموها عليهم عنوة، وقتلوا منهم وأسروا.
وبقيت في أيدي النصارى لهذا العهد، والله غالب على أمره، وافتتح صاحب صِقِلِّية سنة إحدى وخمسين (وثلاثمائة) قلعة طرمين من حصون
صقليّة بعد حصار طويل أجهدهم فنزلوا على حكم صاحب صقلية بعد تسعة أشهر ونصف الشهر للحصار. وأسكن المسلمين بالقلعة وسمّاها المُعِزّية نسبة إلى المُعزّ صاحب أفريقية.
ثم سار صاحب صقليّة بعدها وهو أحمد بن الحسن بن علي بن أبي الحسن إلى حصار رمطة من قلاع صقليّة، فاستمدوا ملكهم صاحب القِسْطَنْطِينيّة فجهَّز لهم العساكر براً وبحراً.
واستمدّ صاحب صقليّة المُعزّ فأمدّه بالعساكر مع ابنه الحسن، ووصل مدده إلى مدينة ميسنى، وساروا بجموعهم إلى رمطة، وكان على حصارها الحسن بن عمار فحمل عسكراً على رمطة وزحف إلى عسكر الروم مستميتاً، فقاتلهم فقتل أمير الروم وجماعة من البطارقة، وهُزموا أقبح هزيمة، واعترضهم خندق فسقطوا فيه، وأثخن المسلمون فيهم وغنموا عسكرهم. واشتدّ الحصار على أهل رمطة وعدموا الأقوات، فاقتحمها المسلمون عنوة، وركب فلّ الروم البحر يطلبون النجاة فاتبعهم الأمير أحمد بن الحسن في أسطوله فأدركهم، وسبح بعض المسلمين في الماء، فخرَّق مراكبهم وانهزموا.
وبث أحمد سرايا المسلمين في مدائن الروم فغنموا منها وعاثوا فيها حتى صالحوهم على الجزية.
وكانت هذه الواقعة سنة أربع وخمسين(وثلاثمائة). وتُسمّى وقعة المجاز)(١) .
فتح مصر:
(ثم إنّ المُعزّ لدين الله بلغه اضطراب أحوال مصر بعد موت كافور الاخشيديّ، وعظم فيها الغلاء، وكثرت الفتن وشغل بغداد عنهم بما كان من الفتن بين بختيار بن مُعزّ الدولة، وعضد الدولة ابن عمه.
فاعتزم المُعزّ على المسير إلى مصر، وأخرج جوهراً الكاتب إلى المغرب لحشد كتامة، وأوعز إلى أعمال برقة لحفر الآبار في طريقها،
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص٩٥ إلى ص٩٩.
وذلك سنة خمس وخمسين (وثلاثمائة)، فسيره إلى مصر وخرج لتوديعه وأقام أياماً في معسكره.
سار جوهر وبلغ خبره إلى عساكر الاخشيدية بمصر فافترقوا، وقدم جوهر منتصف شعبان سنة ثمان وخمسين (وثلاثمائة)، فدخلها وخطب في الجامع العتيق منه باسم المُعتّز، وأُقيمت الدعوة العَلَوِيَّة.
وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين (وثلاثمائة) دخل جوهر جامع ابن طولون فصلّى فيه، وأمر بزيادة (حيّ على خير العمل) في الآذان، فكان أول آذان أُذِّن به في مصر.
ثم بعث إلى المُعزّ بالهدايا وبأعيان الدولة الاخشيدية، فحبسهم المعز بالمهدية، وأحسن إلى القضاة والعلماء من وفدهم، وردّهم إلى مصر. وشرع جوهر في بناء القاهرة، واستحثّ المُعزّ للقدوم على مصر)(١) .
فتح دمشق:
(ولمّا فُتحت مصر، وأُخذ بنو طغج، هرب منهم الحسن بن عبد الله بن طغج إلى مكة ومعه جماعة من قوّادهم. فلما استشعر جوهر به بعث جعفر بن فلاح الكتامي في العساكر إليه، فقاتله مراراً ثم أسره ومن كان معه من القوّاد؛ وبعث بهم إلى جوهر، فبعث بهم جوهر إلى المعز بإفريقية.
ودخل جعفر الرملة عَنْوَةً فاستباحها، ثم أمّن من بقي، وجبى الخراج وسار إلى طبرية وبها ابن مُلْهم وقد أقام الدعوة للمُعزّ، فتجافى عنه، وسار إلى دمشق فافتتحها عنوة، وأقام بها الخطبة للمُعزّ لأيام من المحرّم سنة تسع وخمسين (وثلاثمائة).
وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن يعلى الهاشمي، وكان مُطاعاً فيهم، فجمع الأوباش والذعار وثار بهم في الجمعة الثانية، ولبس السواد، وأعاد الخطبة للمطيع، فقاتلهم جعفر بن فلاح أياماً وأولى عليهم الهزائم. وعاثت جيوش المغاربة في أهل دمشق، فهرب ابن يعلى ليلاً من البلد،
____________________
(١) نفسه: م٤ ص٩٩، ١٠٠.
وأصبحوا حيارى، وكانوا قد بعثوا الشريف الجعفري إلى جعفر في الصلح فأعاده إليهم بتسكين الناس والوعد الجميل، وأن يدخل البلد، فيطوف فيه، ويرجع إلى معسكره.
فدخل وعاث المغاربة في البلد بالنهب، فثار الناس بهم وحملوا عليهم وقتلوا منهم، وشرعوا في حفر الخنادق وتحصين البلد. ومشى الشريف أبو القاسم في الصلح بينهم وبين جعفر بن فلاح، فتم ذلك منتصف ذي الحجَّة سنة تسع وخمسين (وثلاثمائة).
ودخل صاحب شرطة جعفر فسكن الناس وقبض على جماعة من الأحداث، وقتل منهم وحبس، ثم قبض على الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى في المحرم من سنة ستين (وثلاثمائة)، وبعث به إلى مصر.
واستقام ملك دمشق لجعفر بن فلاح، وكان خرج بأفريقية سنة ثمان وخمسين (وثلاثمائة) أبو جعفر الزناتي واجتمعت إليه جموع من البربر والنكارِيَّة، وخرج إليه المُعزّ بنفسه وانتهى إلى باغاية، وافترقت جموع أبي خزر، وسلك الأوعار. فعاد المُعزّ وأمر بلكين بن زيري بالمسير في طلبه، فسار لذلك حتى انقطع عنه خبره.
ثم جاء أبو جعفر مستأمناً سنة تسع وخمسين (وثلاثمائة) فقبله، وأجرى عليه الرزق؛ وعلى أثر ذلك وصلت كتب جوهر بإقامة دعوته بمصر والشام، وباستدعائه إليها، فاشتد سروراً المُعزّ بذلك، وأظهره في الناس، ونطق الشعراء بامتداحه.
ثم زحف القرامطة إلى دمشق وعليهم ملكهم الأعصم، ولقيهم جعفر بن فلاح فظفر بهم وقتلهم. ثم رجعوا إليه سنة إحدى وستين (وثلاثمائة)، وبرز إليهم جعفر فهزموه وقتلوه.
وملك الأعصم دمشق، وسار إلى مصر، وكاتب جوهر بذلك للمُعزّ، فاعتزم على الرحلة إليها)(١) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١٠٠ إلى ص١٠٢.
مسير المُعزّ إلى مصر ونزوله بالقاهرة:
(ولمّا انتهت هذه الأخبار إلى المُعزّ اعتزم على المسير إلى مصر، وبدأ بالنظر في تمهيد المغرب، وقطع شواغله، وكان محمد بن الحسن بن خزر المَغْراويّ مخالفاً عليه بالمغرب الأوسط؛ وقد كثرت جموعه من زناتة والبربر، وكان جبّاراً طاغياً؛ فأهم المُعزّ أمره وخشي على أفريقية غائلته، فأمر بلكين بن زيري بن مناد بغزوه، فغزاه في بلاده، وكانت بينهما حروب عظيمة. ثم انهزم محمد بن خزر وجموعه؛ ولما أحسّ بالهزيمة تحامل على سيفه فقتل نفسه، وقُتل في المعركة سبعة عشر أميراً من أمراء زناتة، وأُسر منهم كثير وذلك سنة ستين وثلاثمائة.
وسَرَّ المُعزّ ذلك وقعد للهناء به، واستقدم بلكين بن زيري فاستخلفه على افريقية والمغرب، وأنزله القيروان وسماه يوسف، وكنّاه أبا الفتوح، وولّى على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي، ولم يجعل لبلكين ولاية عليه، ولا على صاحب صقلية، وجعل على جباية الأموال زيادة الله بن الغريم، وعلى الخراج عبد الجبّار الخُراساني وحسين بن خلف المَرْصَدِي بنظر بلكين. وعسكر ظاهر المنصورية آخر شوّال من سنة إحدى وستين (وثلاثمائة)، وأقام على سردانية قريباً من القيروان حتى فرغ من أعماله، ولحقته عساكره، وأهل بيته وعماله، وحمل له ما كان في قصره من الأموال والأمتعة. وارتحل بعد أربعة أشهر من مقامه، وسار معه بلكين قليلاً ثم ودعه وردَّه إلى عمله. وسار هو إلى طرابلس في عساكره، وهرب بعضهم إلى جبل نفوسة فامتنعوا به، وسار إلى برقة فقتل بها شاعره محمد بن هاني الأندلسي (وُجِد قتيلاً بجانب البحر) في آخر رجب من سنة اثنتين وستين (وثلاثمائة).
ثم سار إلى الإسكندرية وبلغها في شعبان من هذه السنة، ولقيه بها أعيان مصر فأكرمهم ووصلهم. وسار فدخل القاهرة لخمس من رمضان من هذه السنة، فكانت منزله ومنزل الخلفاء بعد إلى آخر دولتهم)(١) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٠٢، ١٠٣.
حروب المُعزّ مع القرامطة واستيلاؤه على دمشق:
(كان للقرامطة على بني طغج بدمشق ضريبة يؤدونها إليهم، فلما ملك ابن فلاح بدعوة المُعزّ قطع تلك الضريبة، وآسفهم بذلك فرجعوا إلى دمشق وعليهم الأعصم مَلِكُهم. فبرز إليهم جعفر بن فلاح فهزموه وقتلوه، وملكوا دمشق وما بعدها إلى الرملة.
وهرب من كان بالرملة وتحصَّنوا بيافان وملك القرامطة الرملة وجهّزوا العساكر على يافا وساروا إلى مصر، ونزلوا عين شمس وهي المعروفة لهذا العهد بالمطرية.
واجتمع إليهم خلق كثير من العرب وأولياء بني طغج، وحاصروا المغاربة بالقاهرة، وقاتلوهم أياماً فكان الظفر بهم. ثم خرج المغاربة واستماتوا وهزمهم فرحلوا إلى الرملة، وضيّقوا حصار يافا. وبعث إليهم جعفر بالمدد في البحر، فأخذه القرامطة. وانتهى الخبر إلى المُعزّ بالقيروان. وجاء إلى مصر ودخلها كما ذكرناه. وسمع أنهم يريدون المسير إلى مصر فكتب إلى الأعصم يذكّره فضل بنيه، وأنهم إنما دعوا له ولآبائه، وبالغ في وعظه وتهدّده فأساء في جوابه، وكتب إليه:
(وصل كتابك الذي قلّ تحصيله، وكثير تفصيله، ونحن سائرون إليك والسلام).
وسار من الأحساء إلى مصر، ونزل عين شمس في عساكره، واجتمع إليه الناس من العرب وغيرهم. وجاء حسَّان بن الجرّاح في جموع عظيمة من طيّئ وبث سراياه في البلاد فعاثوا فيها.
وأهم المُعزّ شأنه فراسل ابن الجراح، واستماله بمائة ألف دينار على أن ينهزم عن القرامطة، واستحلفوه على ذلك. وخرج المُعزّ ليوم عيّنوه لذلك، فانهزم ابن الجراح بالعرب وثبت القرامطة قليلاً ثم انهزموا، وأخذ منهم نحو ألف وخمسمائة أسير، وساروا في اتّباعهم.
ولحق القرامطة بأذرعات، وساروا منها إلى الإحساء، وبعث المُعزّ القائد ظالم بن موهوب العقيلي والياً على دمشق فدخلها، وكان العامل بها من قبل القرامطة أبو اللجاء وابنه في جماعة منهم، فحبسهم ظالم وأخذ
أموالهم، ورجع القائد أبو محمود من أتباع القرامطة إلى دمشق فتلقاه ظالم وسرّ بقدومه، وسأله المقام بظاهر دمشق حذراً من القرامطة ففعل ودفع أبا اللجاء وابنه فبعث بهم إلى مصر فحُبسوا بها. وعاث أصحاب أبي محمود في دمشق، فاضطرب الناس وقتل صاحب الشرطة بعضهم فثاروا به وقتلوا أصحابه. وركب ظالم بذراريهم وأجفل أهل الضواحي إلى البلد، وكان من عيْث المغاربة. ثم وقعت في منتصف شوّال من سنة ثلاث وستين (وثلاثمائة) فتنة بين العامّة وبين عسكر أبي محمود وقاتلوه أياماً. ثم هزمهم وتبعهم إلى البلد، وكان ظالم بن موهوب يداري العامّة فأشفق في هذا اليوم على نفسه، وخرج من دار الإمارة وأحرق المغاربة ناحية باب الفراديس، ومات فيها خلق، واتصلت الفتنة إلى ربيع الآخر سنة أربع وستين (وثلاثمائة). ثم وقع الصلح بينهم على إخراج ظالم من البلد، وولاية جيش بن الصمصامة ابن أخت محمود، فسكن الناس إليه.
ثم رجع المغاربة إلى العيث، وعاد العامة إلى الثورة، وقصدوا القصر الذي فيه جيش، فهرب ولحق بالعسكر، وزحف إلى البلد فقاتلهم وأحرق ما كان بقي، وقطع الماء عن البلد، فضاقت الأحوال، وبطلت الأسواق، وبلغ الخبر إلى المُعزّ فنكر ذلك على أبي محمود واستعظمه، وبعث إلى رِيَّان الخادم في طرابلس يأمره بالمسير إلى دمشق لاستكشاف حالها، وأن يصرف القائد أبا محمود عنها، فصرفه إلى الرملة، وبعث إلى المُعزّ بالخبر، وأقام بدمشق إلى أن وصل أفتكين والياً على دمشق. وكان أفتكين هذا من موالي عِزِّ الدولة بن بويه. ولما ثار التُّرك على ابنه بختيار مع سبكتكين، ومات سبكتكين، قدمه التُّرك عليهم، وحاصروا بختيار بواسط، وجاء عضد الدولة لإنجاده فأجفلوا عن واسط، فتركوه ببغداد. وسار أفتكين في طائفة من الجند إلى حمص، فنزل قريباً منها، وقصده ظالم بن مرهوب العُقَيْليّ ليقبضه فعجز عنه. وسار افتكين فنزل بظاهر دمشق وبها زياد خادم المُعزّ، وقد غلب عليه، وعلى أعيان البلد الأحداث والذعار، فلم يملكوا معهم أمر أنفسهم، فخرج الأعيان إلى أفتكين وسألوا منه الدخول إليهم ليولوه، وشكوا إليه حال المغاربة، وما يحملونهم عليه من عقائد بعض الرفض، وما أنزل بهم عمالهم من الظلم والعسف، فأجابهم واستحلفهم، وحلف لهم، وملك البلد، وخرج منها زياد الخادم،
وقطع خطبة المُعزّ العلوي، وخطب للطائع العباسي، وقمع أهل الفساد، ودفع العرب عما كانوا استولوا عليه من الضواحي، واستقلّ ملك دمشق، وكاتب المعزّ يطلب طاعته وولايتها من قبله فلم يثق إليه، ورده، وتجهَّز لقصده، وجهّز العساكر فتُوفِّي بعسكره ببلبيس كما يذكر)(١) .
وفاة المُعزّ وولاية ابنه العزيز:
(ثم تُوفِّي المُعزّ بمصر في منتصف ربيع الآخر سنة خمس وستين (وثلاثمائة) لثلاث وعشرين سنة من خلافته، وَولِيَ ابنه نزار بعهده إليه، ووصيته، ولُقِّب العزيز بالله، وكتم موت أبيه إلى عيد النحر من السنة فصلّى بالناس، وخطبهم ودعا لنفسه، وعزّى بأبيه، وأقرَّ يعقوب بن كلس على الوزارة كما كان أيام أبيه، وأقرّ بلكين بن زيري على ولاية إفريقية، وأضاف إليه ولاية عبد الله بن يخلف الكتامي، وهي طرابلس، وسرت وجر أبيه، وكان أهل مكة والمدينة قد خطبوا للمُعزّ أبيه في الموسم، فتركوا الخطبة للعزيز، فبعث جيوشه إلى الحجاز فحاصروا مكة والمدينة، وضيّقوا عليهم حتى رجعوا إلى دعوتهم، وخطب للعزيز بمكة، وكان أمير مكة عيسى بن جعفر، والمدينة طاهر بن مسلم، ومات في هذه السنة فولي ابنه الحسن وابن أخيه مكانه)(٢) .
بقية أخبار أفتكين:
(ولمّا تُوفِّي المُعزّ وولي العزيز، قام أفتكين وقصد البلاد التي لهم بساحل الشام، فبدأ بصيدا فحاصرها، وبها ابن الشيخ في رؤوس المغاربة، وظالم بن موهوب العقيلي، فبرزوا إليه وقاتلوه، فاستنجد لهم، ثم كرَّ عليهم وأوقع بهم، وقتل منهم أربعة آلاف، وسار إلى مكة فحاصرها، وقصد طَبَرَيَّة وفعل فيها مثل صيدا. ورجع واستشار العزيز وزيره يعقوب بن كلس فأشار بإرسال جوهر الكاتب إليه، فجهَّزه العزيز وبعثه، وأقبل أفتكين على أهل دمشق يريهم التحوُّل عنهم ويذكرهم بذلك ليختبرهم فتطارحوا
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١٠٣ إلى ص١٠٧.
(٢) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٠٧.
إليه، واستماتوا واستحلفهم على ذلك. ووصل جوهر في ذي القعدة سنة خمس وستين (وثلاثمائة) فحاصر دمشق شهرين، وضيّق حصارها. وكتب أفتكين إلى الأعصم ملك القرامطة يستنجده، فسار إليه من الإحساء، واجتمع إليهم من رجال الشام والعرب نحو من خمسين ألفاً، وأدركوا جوهر بالرملة، وقطعوا عنه الماء، فارتحل إلى عسقلان فحاصروه بها حتى بلغ به الجهد، وأرسل جوهر إلى أفتكين بالمغاربة والوعد، والقرمطي يمنعه، ثم سأله في الاجتماع فجاء أفتكين، ولم يزل جوهر يفتلُّ له في الذروة والغارب، وأفتكين يعتذر بالقرمطي ويقول: أنت حملتني على مداراته. فلما أيس منه، كشف له عمّا هم فيه من الضيق، وسأله الصنيعة وأنّها يتّخذها عند العزيز فحلف له على ذلك، وعزله القرمطي. وأراه جوهر أن يحمل العزيز على المسير بنفسه فصُمَّ من عزله وأبى إلاّ الوفاء، وانطلق جوهر إلى مصر وأغرى العزيز بالمسير إليهم، فتجهَّز في العساكر وسار وجوهر في مقدّمته، ورجع أفتكين والقرمطي إلى الرملة، واحتشدوا ووصل العزيز فاصطفوا للحرب بظاهر الرملة في محرّم سنة سبع وستين (وثلاثمائة). وبعث العزيز إلى أفتكين يدعوه إلى الطاعة، ويُرغِّبَه ويعده بالتقدُّم في دولته، ويدعوه إلى الحضور عنده، فتقدّم بين الصفّين وترجل وقبّل الأرض وقال: قل لأمير المؤمنين لو كان قبل هذه لسارعت، وأمّا الآن فلا يمكنني، وحمل على الميسرة فهزمهم وقتل الكثير منهم، فامتعض العزيز وحمل هو والميمنة جميعاً فهزمهم، ووضع المغاربة السيف فقتلوا نحواً من عشرين ألفاً، ثم نزل في خيامه، وجيء بالأسرى، فخلع على من جاء بهم، وبذل لمن جاء بأفتكين مائة ألف دينار، فلقيه المفرج بن دغفل الطائي، وقد جهده العطش فاستسقاه فسقاه، وتركه بعرشه مكرماً. وجاء إلى العزيز فأخبره بمكانه، وأخذ المائة ألف التي بذلها فيه، وأمكنه من قياده. ولما حضر عند العزيز وهو لا يشكّ أنه مقتول أكرمه العزيز ووصله، ونصب له الخيام، وأعاد إليه ما نهب له، ورجع به إلى مصر فجعله أخص خدمه وحجّابه، وبعث إلى الأعصم القرمطي من يردّه إليه ليصله، كما فعل بأفتكين، فأدرك بطبرية، وامتنع عن الرجوع، فبعث إليه بعشرين ألف دينار، وفرضها له ضريبة.
وسار القرمطي إلى الأحساء، وعاد العزيز إلى مصر، ورقى رتبة
أفتكين وخصّ به الوزير يعقوب بن كلس فسمّه. وسمع العزيز بأنه سمّه فحبسه أربعين يوماً وصادره على خمسمائة ألف دينار، ثم خلع عليه، وأعاده إلى وزارته.
وتُوفِّي جوهر الكاتب في ذي القعدة في سنة إحدى وثمانين (وثلاثمائة)، وقام ابنه الحسن مقامه، ولُقِّب قائد القوّاد، وكان أفتكين قد استخلص أيام وزارته بدمشق رجلاً اسمه قسّام فعلا صيتُه وكثر تابعه، واستولى على البلد. ولمّا انهزم أفتكين والقرامطة، بعث العزيز القائد أبا محمود بن إبراهيم والياً على دمشق كما كان لأبيه المُعزّ، فوجد فيها قسّاماً قد ضبط البلد، وهو يدعو للعزيز فلم يتم له معه ولاية، وبقي قسّام مستبدّاً عليه إلى أن مات أبو محمود سنة سبعين (وثلاثمائة)، ثم جاء أبو ثعلب بن حمدان صاحب الموصل إلى دمشق، عند انهزامه أمام عضُد الدولة، فمنعه قسّام من الدخول، وخاف أن يغلبه على البلد بنفسه أو بأمر العزيز، واستوحش أبو ثعلب لذلك فقاتله قليلاً، ثم رحل إلى مطرية. وجاءت عساكر العزيز مع قائده الفضل فحاصروا قسّاماً بدمشق، ولم يظفروا به ورجعوا.
ثم بعث العزيز سنة تسع وستين (وثلاثمائة) سليمان بن جعفر بن فلاح، فنزل بظاهرها، ولم يمكِّنه قسّام من دخولها، ودسّ إلى الناس فقاتلوه، وأزعجوه عن مكانه، وكان مفرج بن الجراح أمير بني طيّئ، وسائر العرب بأرض فلسطين وقد كثرت جموعه، وقويت شوكته، وعاث في البلاد، وخرّبها، فجهَّز العزيز العساكر لحربه مع قائده بلتكين التُّركي، فسار إلى الرملة، واجتمع إليه العرب من قيس وغيرهم، ولقي ابن الجراح، وقد أكمن لهم بلتكين من ورائهم، فانهزم ومضى إلى انطاكية، فأجاره صاحبها. وصادف خروج ملك الروم من القِسْطَنْطِينيّة إلى بلاد الشام، فخاف ابن الجرّاح، وكاتب بكجور مولى سيف الدولة وعامله على حمص ولجأ إليه فأجاره.
ثم زحف بلتكين إلى دمشق وأظهر لقسّام أنه جاء لإصلاح البلد، وكان مع قسّام جيش بن الصمصامة ابن أُخت أبي محمود قد قام بعده في ولايته، فخرج إلى بلتكين فأمره بالنزول معه بظاهر البلد هو وأصحابه. واستوحش قسّام وتجهَّز للحرب، ثم قاتل وانهزم أصحابه. ودخل بلتكين
أطراف البلد فنهبوا وأحرقوا، واعتزم أهل البلد على الاستئمان إلى بلتكين وشافهوه بذلك فأذن لهم وسمع قسّام فاضطرب وألقى ما بيده، واستأمن الناس إلى بلتكين لأنفسهم ولقسّام فأمن الجميع. وولى على البلد أميراً اسمه خطلج، فدخل البلد وذلك في المحرم سنة اثنتين وسبعين (وثلاثمائة). ثم اختفى قسّام بعد يومين، فنهبت دوره ودور أصحابه، وجاء ملقياً بنفسه على بلتكين فقبله، وحمله إلى مصر فأمنه العزيز. وكان بكجور في غَوِيَّة من غلمان سيف الدولة وعامله على حمص. وكان يمدّ دمشق أيام هذه الفتنة والغلاء، ويحمل الأقوات من حمص إليها، ويكاتب العزيز بهذه الخدم.
ثم استوحش سنة ثلاث وسبعين (وثلاثمائة) من مولاه أبي المعالي فاستنجز من العزيز وعده إياه بولاية دمشق، وصادف ذلك أن المغاربة بمصر أجمعوا على التوثّب بالوزير ابن كلس، ودعت الضرورة إلى استقدام بلتكين من دمشق، فأمره العزيز بالقدوم وولاية بكجور على دمشق ففعل، ودخلها بكجور في رجب من سنة ثلاث وسبعين (وثلاثمائة)، وعاث في أصحاب ابن كلس وحاشيته بدمشق؛ لما كان يبلغه عنه من صدّ العزيز عن ولايته، ثم أساء السيرة في أهل دمشق فسعى ابن كلس في عزله عند العزيز.
وجهّز العساكر سنة ثمان وسبعين (وثلاثمائة) مع منير الخادم، وكتب إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته. وجمع بكجور العرب وخرج للقائه، فانهزم. ثم خاف من وصول نزال فاستأمن لهم وتوجَّه إلى الرقّة فاستولى عليها، ودخل منير دمشق واستقرّ في ولايتها.
وارتفعت منزلته عند العزيز وجهّز لحصار سعد الدولة بحَلب. وكان بكجور بعد انصرافه من دمشق إلى الرقة سأل من سعد الدولة العود إلى ولاية حمص فمنعه فأجلب عليه، واستنجد العزيز لحربه وبعث إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته فسار إليه بالعساكر، وخرج سعد الدولة من حَلب للقائهم، وقد أضمر نزال الغدر ببكجور، تقدّم إليه بذلك عيسى بن نسطورس وزير العزيز بعد ابن كلس. وجاء سعد الدولة للقائهم، وقد استمدّ عامل أنطاكية للروم فأمدّه بجيش كثير وداخل العرب الذين مع بكجور في الانهزام عنه، ووعدوه ذلك من أنفسهم، فلمّا تراءى الجمعان وشعر بكجور بخديعة العرب استمات، وحمل على الصفّ بقصد سعد
الدولة فقتل لؤلؤ الكبير مولاه بطعنه إيّاه، ثم حمل عليه سعد الدولة فهزمه، فسار إلى بعض العرب، وحمل إلى سعد الدولة فقتله، وسار إلى الرقّة فملكها وقبض جميع أمواله، وكانت شيئاً لا يعبَّر عنه. وكتب أولاده إلى العزيز يستشفعون به فشفع إلى سعد الدولة فيهم أن يبعثهم إلى مصر، ويتهدّده على ذلك، فأساء سعد الدولة الردّ، وجهّز لحصار حَلب الجيوش مع منجوتكين فنزل عليها وحاصرها، وبها أبو الفضائل ابن سعد الدولة ومولاه لؤلؤاً الصغير، وأرسلا إلى سبيل ملك الروم يستنجدانه، وهو في قتال بلغار، فبعث إلى عامل أنطاكية أن يمدّهما، فسار في خمسين ألفاً حتى نزل حبس العاصي، وبلغ خبره إلى منجوتكين فارتحل عن حَلب، ولقي الروم فهزمهم وأثخن فيهم قتلاً وأسراً. وسار إلى انطاكية وعاث في نواحيها، وخرج أبو الفضائل في مغيب منجوتكين إلى ضواحي حَلب، فنقل ما فيها من الغلال وأحق بقيتها لتفقد عساكر منجوتكين الأقوات.
فلما عاد منجوتكين إلى الحصار جهز عسكره، وأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربي في الصلح، فعقد له ذلك، ورحل منجوتكين إلى دمشق.
وبلغ الخبر إلى العزيز فغضب. وكتب إلى منجوتكين بالعود إلى حصار حَلب وإبعاد الوزير المغربي، وأنفذ الأقوات للعسكر في البحر إلى طرابلس. وأقام منجوتكين في حصار حَلب، وأعادوا مراسلة ملك الروم فاستنجدوه وأغروه، وكان قد توسط بلاد البلغار، فعاد مُجدّاً في السير. وبعث لؤلؤ إلى منجوتكين بالخبر حذراً على المسلمين، وجاءته جواسيسه بذلك فأجفل بعد أن خرّب ما كان اتخذه في الحصار من الأسواق والقصور والحمامات.
ووصل ملك الروم إلى حَلب ولقي أبا الفضائل ولؤلؤاً، ثم سار في الشام وافتتح حمص وشيزر ونهبهما، وحاصر طرابلس أربعين يوماً، فامتنعت عليه، وعاد إلى بلاده، وبلغ الخبر إلى العزيز فعظم عليه، واستنفر الناس للجهاد، وبرز من القاهرة وذلك سنة إحدى وثمانين. ثم انتقض منير في دمشق فزحف إليه منجوتكين إلى دمشق)(١) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١٠٨ إلى ص١١٤.
أخبار الوزراء
(كان وزير المُعزّ لدين الله، يعقوب بن يوسف بن كلس أصله من اليهود وأسلم، وكان يدبّر الأحوال الاخشيديّة بمصر، وعزله أبو الفضائل بن الفرات سنة سبع وخمسين، وصادره فاستتر بمصر، ثم فرّ إلى المغرب، ولقي المُعزّ لدين الله، وجاء في ركابه إلى مصر، فاستوزره وعظم مقامه عنده، واستوزره بعده ابنه العزيز إلى أن تُوفِّي سنة ثمانين، وصلّى عليه العزيز وحضر دفنه، وقضى عنه دَينه. وقسّم عمله فردّ النظر في الظلامات إلى الحسن بن عمّار كبير كتامة، وردّ النظر في الأموال إلى عيسى بن نسطورس، ولم تزل الوزارة سائر دولتهم في أرباب الأقلام، وكانوا بمكان، وكان منهم البارزي. وكان مع الوزارة قاضي القضاة وداعي الدعاة. وسأل أن يرسم اسمه على السكة فغرب ومنع، ومات قتيلاً بتنيس، وكان منهم أيضاً أبو سعيد النسري، وكان يهودياً وأسلم قبل وزارته والجرجاني، وقد قطع في أمر منع من الكتب فيه، فكتب وحلف الحاكم بيمين لا تُكفَّر لَيُقَطِّعَنَّه. ثم ردّه بعد ثلاث وخلع عليه وابن أبي كُدَيْنة ثلاثة عشر شهراً. ثم صرف وقتل. وأبو الطاهر بن ياشاد، وكان من أهل الدين واستعفى فأُعفي، وأقام معتكفاً في جامع مصر، وسقط ليلة من السطح فمات. وكان آخرهم الوزير أبو القاسم بن المغربي، وكان بعده بدر الجيالي أيّام المستنصر وزير سيف الدولة، واستبدّ له على الدولة، ومن بعده منهم كما يأتي في أخبارهم)(١) .
أخبار القضاة
(كان النُعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حَيُّون في خطة القضاء للمُعِزّ بالقَيْرَوان، ولّما جاء إلى مصر أقام بها في خطَّة القضاء إلى أن تُوفِّي، وولي ابنه عليّ، ثم تُوفِّي سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، فولّى العزيز أخاه أبا عبد الله محمداً، خلع عليه وقلّده سيفاً. وكان المُعزّ قد وعد أباه بقضاء ابنه محمد هذا بمصر، وتمَّ في سنة تسع وثمانين أيام الحاكم. وكان كبير الصيت، كثير الحسَّان، شديد الاحتياط في العدالة،
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١١٥، ١١٦.
فكانت أيامه شريفة. وولي بعده ابن عمه أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن النعمان أيام الحاكم، ثم عُزِل سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وقُتِل وأُحرِق بالنار، وولي مكانه ملكة بن سعيد الغارقي إلى أن قتله الحاكم سنة خمس وأربعمائة بنواحي القصور، وكان عالي المنزلة عند الحاكم ومداخلاً له في أمور الدولة، وخالصة له في خلواته.
وولّى بعده أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوّام، واتصل في آخرين إلى آخر دولتهم، كان كثيراً ما يجمعون للقاضي المظالم والدعوة فيكون داعي الدعاة، وربما يُفْردون كلاًّ منهما. وكان القاضي عندهم يصعد مع الخليفة المنبر مع من يصعده من أهل دولته عندما يخطب الخلفاء في الجُمَع والأعياد)(١) .
وفاة المُعزّ وولاية ابنه الحاكم:
(قد تقدّم أنّ العزيز استنفر الناس للجهاد سنة إحدى وثمانين (وثلاثمائة)، وبرز في العساكر لغزو الروم، ونزل بلبيس فاعتورته الأمراض، واتصلت به إلى أن هلك آخر رمضان سنة ست وثمانين لإحدى عشرة سنة ونصف السنة من خلافته، ولُقِّب الحاكم بأمر الله، واستولى برجوان الخادم على دولته كما كان لأبيه العزيز بوصيته بذلك، وكان مدبّر دولته، وكان رديفه في ذلك أبو محمد الحسن بن عمَّار ويُلَقَّب بأمين الدولة، وتغلَّب على ابن عمار؛ وانبسطت أيدي كتامة في أموال الناس وحرمهم.
ونكر منجوتكين تقديم ابن عمار في الدولة، وكاتب برجوان بالموافقة على ذلك، فأظهر الانتقاض، وجهّز العساكر لقتاله مع سليمان بن جعفر بن فلاح، فلقيهم بعسقلان، وانهزم منجوتكين وأصحابه، وقتل منهم ألفين، وسيق أسيراً إلى مصر، فأبقى عليه ابن عمار، واستماله للمشارقة. وعقد على الشام لسليمان بن فلاح، ويُكنّى أبا تميم، فبعث من طبرية أخاه عليّاً إلى دمشق فامتنع أهلها فكاتبهم أبو تميم، وتهدّدهم وأذعنوا، ودخل على البلد ففتك فيهم.
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١١٦.
ثم قدّم أبو تميم فأمّن وأحسن، وبعث أخاه عليّاً إلى طرابلس، وعزل عنها جيش بن الصمصامة، فسار إلى مصر، وداخل برجوان في الفتك بالحسن بن عمار وأعيان كتامة، وكان معهما في ذلك شكر خادم عضد الدولة، نزع إلى مصر بعد مهلك عضد الدولة ونَكْبَةِ أخيه شرف الدولة إيّاه، فخلص إلى العزيز فقرّبه، وحظي عنده فكان مع برجوان وجيش بن الصمصامة. وثارت الفتنة، واقتتل المشارقة والمغاربة، فانهزمت المغاربة، واختفى ابن عمار، وأظهر برجان الحاكم وجدّد له البيعة، وكتب إلى دمشق بالقبض على أبي تميم بن فلاح فنهب، ونهبت خزائنه، واستمرّ القتل في كتامة واضطربت الفتنة بدمشق، واستولى الأحداث. ثم أذن برجوان لابن عمّار في الخروج من أستاره، وأجرى له أرزاقه على أن يقيم بداره.
واضطرب الشام، فانتقض أهل صور، وقام بها رجل ملاّح اسمه العلاقة، وانتقض مفرج بن دغفل بن الجرّاح، ونزل على الرملة وعاث في البلاد.
وزحف (الدوقس) ملك الروم إلى حصن أفامِيَة محاصراً لها. وجهّز برجوان العساكر مع جيش بن الصمصامة، فسار إلى عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدون، وجهّز أسطولاً في البحر، واستنجد العلاقة ملك الروم فأنجده بالمقاتلة في المراكب، فظفر بهم أُسطول المسلمين، واضطرب أهل صور وملكها ابن حمدان وأسر العلاقة، وبعث به إلى مصر فسلخ وصلب، وسار جيش بن الصمصامة إلى الفرج بن دغفل فهرب أمامه، ووصل إلى دمشق وتلقاه أهلها مذعنين، وأحسن إليهم وسكنهم، ورفع أيدي العدوان عنهم. ثم سار إلى أفامية وصافّ الروم عندها، فانهزم أوّلاً هو وأصحابه، وثبت بشارة الأخشيدي بن قرارة في خمسمائة فارس، ووقف الدوقس ملك الروم على رابية في ولده، وعدّة من غلمانه ينظر فعل الروم في المسلمين فقصد كردي من مصاف الأخشيدي، وبيده عصا من حديد يُسمّى الخشت، وظنّه الملك مستأمناً، فلمّا دنا منه ضربه بالخشت فقتله، وانهزم الروم واتبعهم جيش بن الصمصامة إلى أنطاكية يغنم ويسبي ويُحرِق، ثم عاد مظفراً إلى دمشق فنزل بظاهرها ولم يدخل واستخلص رؤساء الأحداث استحجبهم، وأُقيم له الطعام في كل يوم، وأقام على ذلك برهة. ثم أمر أصحابه إذا دخلوا للطعام أن يغلق باب الحجرة عليهم،
ويوضع السيف في سائرهم، فقتل منهم ثلاثة آلاف، ودخل دمشق وطاف بها، وأحضر الأشراف فقتل رؤساء الأحداث بين أيديهم، وبعث بهم إلى مصر، وأمن الناس. ثم إنه تُوفِّي وولي محمود بن جيش، وبعث برجوان إلى بسيل ملك الروم فصالحه لعشر سنين، وبعث جيشاً إلى بَرْقَة وطرابلس الغرب ففتحها وولّى عليها يانساً الصقلّي، ثم ثقل مكان برجوان على الحاكم فقتله سنة تسع وثمانين، وكان خصيّاً أبيض، وكان له وزير نصراني استوزره الحاكم من بعده.
ثم قتل الحسين بن عمّار، ثم الحسين بن جوهر القائد، ثم جهّز العساكر مع يارختكين إلى حَلب، وقصد حسَّان بن فرج الطائي، لما بلغ من عيثه وفساده، فلما رحل من غزوه إلى عسقلان لقيه حسَّان وأبوه مفرج فانهزم وقتل، ونهبت النواحي، وكثرت جموع بني الجرّاح وملكوا الرملة، واستقدموا الشريف أبا الفتوح الحسن بن جعفر أمير مكة، فبايعوه بالخلافة. ثم استمالهما الحاكم ورغّبهما فرداه إلى مكة، وراجعا طاعة الحاكم، وراجع هو كذلك، وخطب له بمكة. ثم جهّز الحاكم العساكر إلى الشام مع علي بن جعفر بن فلاح، وقصد الرملة، فانهزم حسَّان بن مفرج وقومه، وغلبهم على تلك البلاد واستولى على أموالهم وذخائرهم، وأخذ ما كان لهم من الحصون بجبل السراة، ووصل إلى دمشق في شوّال سنة تسعين (وثلاثمائة)، فملكها واستولى عليها، وأقام مفرج وابنه حسَّان شريدين بالقفر نحواً من سنتين، ثم هلك مفرج وبعث حسَّان ابنه إلى الحاكم فأمنه وأقطعه، ثم وفد عليه بمصر فأكرمه ووصله)(١) .
خروج أبي ركوة ببرقة والظفر به:
(كان أبو رَكْوَةَ هذا يزعم أنّه الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمان الداخل، وأنه هرب من المنصور بن أبي عامر حين تتبَّعهُم بالقتل وهو ابن عشرين سنة، وقصد القيروان فأقام بها يعلِّم الصبيان، ثم قصد مصر وكتب الحديث، ثم سار إلى مكة واليمن والشام؛ وكان يدعو للقائم من ولد أبيه هشام، واسمه الوليد، وإنما لقبه أبا ركوة لأنه كان يحملها
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١١٧ إلى ١٢٠.
لوضوئه على عادة الصوفية. ثم عاد إلى نواحي مصر ونزل على بني قُرَّة من بادية هلال بن عامر، وأقام يعلِّم الصِبيان ويؤمهم في صلاتهم. ثم أظهر ما في نفسه ودعا للقائم.
وكان الحاكم قد أسرف في القتل في أصناف الناس وطبقاتهم، والناس معه على خطر، وكان قتل جماعة من بني قرّة وأحرقهم بالنار لفسادهم، فبادر بنو قرّة، وكانوا في أعمال بَرْقَة فأجابوه وانقادوا له وبايعوا. وكان بينهم وبين لواتة ومزاتة وزناتة جيرانهم في الأصل حروب ودماء فوضعوها، واتفقوا على بيعته)(١) .
وملخص بدء أمره في الخروج ونهايته أنه مكن له بمن انضم إليه من بني قرة وسواهم من القبائل أن خرج على الحاكم إلى أن اضطر لسوق العسكر إليه، ووقعت بينه وبينهم معارك انتهت بالانتصار عليه وقبضه وحمله إلى القاهرة وموته قبل الوصول إليها وذلك سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
بقية أخبار الحاكم:
(كان الحسن بن عمّار زعيم كتامة مدبِّر دولته، وكان بَرْجُوانُ خادمه وكافله، وكان بين الموالي والكِتامِيِّين في الدولة منافسة. وكان كثيراً ما يفضي إلى القتال. واقتتلوا سنة سبع وثمانين (وثلاثمائة). وأركب المغاربة ابن عمّار، والموالي برجوان، وكانت بينهم حروب شديدة. ثم تحاجزوا واعتزل ابن عمّار الأمور، وتخلّى بداره عن رسومه وجراياته، وتقدّم برجوان بتدبير الدولة. وكان كاتب بن فِهْر بن إبراهيم يربِّع(٢) وينظر في الظلامات، ويطالعه، وولّى على برقة يَأْنَس صاحب الشرطة مكان صندل. ثم قتل برجوان سنة تسع وثمانين (وثلاثمائة)، ورجع التدبير إلى القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر، وبقي ابن فهر على حاله.
وفي سنة تسعين وثلاثمائة انقطعت طرابلس عن منصور بن بَلْكين بن زيري صاحب أفريقية، وولّى عليها يأْنس العزيزي من موالي العزيز، فوصل
____________________
(١) نفسه: م٤ ص١٢١، ١٢٢.
(٢) ربع الحبل: فتله من أربع طاقات، ولا محلّ لها هنا. ولعلها كلمة عاميّة بمعنى (تربّع) جلس على ركبتيه.
إليها، وأمكنه عامل المنصور منها، وهو عَصولة بن بَكّار. وجاء إلى الحاكم بأهله ووُلْده وماله وأَطلق يد يأْنس على مخلَّفه بطرابلس، يقال: له من الولد نيف وستون بين ذكر وأُنثى، ومن السراري خمس وثلاثون. فتُلُقي بالمَبَرَّة وهُيِّئَ له القصور، ورتب له الجِراية وقلَّده دمشق وأعمالها، فهلك بها لسنة من ولايته.
وفي سنة اثنتين وتسعين (وثلاثمائة) وصل الصريخ من جهة فلفلول بن خَزْرون المُغراوِيّ في ارتجاع طرابلس إلى منصور بن بلكين، فجهَّزت العساكر مع يحيى بن علي الأندلسي الذي كان جعفر أخوه عامل الزاب للعُبَيْديّين، ونزع إلى بني أمية وراء البحر. ولم يزل هو وأخوه في تصريفهم إلى أن قتل المنصور بن أبي عامر جعفراً منهما، ونزع أخوه يحيى إلى العزيز بمصر فنزل عليه، وتصرف في خدمته، وبعثه (إِلآن) الحاكم في العساكر لما قدَّمناه، فاعترضه بنو مُرّة ببرقة ففضُّوا جموعه، ورجع إلى مصر، وسار يأْنس من برقة إلى طرابلس فكان من شأنه مع عصولة ما ذكرناه.
وبعد وفاة عصولة ولي على دمشق مُفْلِج الخادم، وبعده عليّ بن فلاح سنة ثمان وتسعين (وثلاثمائة).
وبعد مسير يأْنس ولّى على برقة صَنْدَل الأسود. وفي سنة ثمان وتسعين (وثلاثمائة) عزل الحسين بن جوهر القائد، وقام بتدبير الدولة صالح بن علي بن صالح الروباذِيّ، ثم نكب حسين القائد بعد ذلك وقتل، ثم قتل صالح بعد ذلك، وقام بتدبير الدولة الكافي بن نصر بن عبدون، وبعده زَرْعَة بن عيسى بن نسطورس، ثم أبو عبد الله الحسن بن طاهر الوزان، وكثر عيث الحاكم في أهل دولته، وقتله إيّاهم، مثل الجرجراي(١) وقطعه أيديهم، حتى إن كثيراً منهم كانوا يهربون من سطوته، وآخرون يطلبون الأمان فيكتب لهم به السجلاّت. وكان حاله مضطرباً إلى الجور والعدل، والإخافة والأمن، والنسك والبدعة.
وأمّا ما يرمى به من الكفر، وصدور السجلات بإسقاط الصلوات فغير
____________________
(١) الجرجراي: أحد الوزراء.
صحيح، ولا يقوله ذو عقل، ولو صدر من الحاكم بعض ذلك لقُتل لوقته.
وأما مذهبه في الرافضة فمعروف، ولقد كان مضطرباً فيه مع ذلك، فكان يأَذْن في صلاة التراويح ثم ينهى عنها، وكان يرى بعلم النجوم ويؤثره، ويُنقل عنه أنه منع النساء من التصرف في الأسواق، ومنع من أكل الملوخيا؛ ورفع إليه أن جماعة من الروافض تعرّضوا لأهل السُنّة في التراويح بالرجم، وفي الجنائز فكتب في ذلك سجلاً قرئ على المنبر بمصر كان فيه:
(أما بعد: فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم آية من كتاب الله المبين، لا إكراه في الدِّين، الآية. مضى أمس بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه. معاشر المسلمين، نحن الأئمة، وأنتم الأُمة، لا يحلّ قتل من شهد الشهادتين، ولا يحلّ عروة بين اثنين، تجمعها هذه الأخوّة، عصم الله بها من عصم، وحرم لها ما حرم، من كل محرّم، من دم ومال ومنكح، الصلاح والأصلح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد بين العباد يستقبح، يطوى ما كان فيما مضى فلا ينشر، ويعرض عما انقضى فلا يُذْكر. ولا يُقَبل على ما مرّ وأدبر، من إِجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية أيّام آبائنا الأئمة المهتدين، سلام الله عليهم أجمعين، مهديهم بالله، وقائمهم بأمر الله، ومنصورهم بالله، ومُعزّهم لدين الله).
وهو إذ ذاك بالمهدية والمنصورية، وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفية، ليست بمستورة عنهم ولا مطوية. يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون. صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التروايح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون، يخمِّس في التكبير على الجنائز المخمِّسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربعون. يؤذّن بحيّ على خير العمل المؤذّنون، ولا يُؤْذى من بها لا يُؤذّنون. لا يُسب أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف، والخالف فيهم بما خلف، لكل مسلم مجتهد في دينه واجتهاده، وإلى الله ربه ميعاده، عنده كتابه، وعليه حسابه. ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم، لا يَسْتَعْلي مسلم بما اعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده من جميع ما نصّه أمير المؤمنين في سجله هذا.
وبعد قوله تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُم مَن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كُتِبَ في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة)(١) .
وفاة الحاكم وولاية الظاهر
(ثم تُوفِّي الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز نِزار قتيلاً ببركة الحبش بمصر، وكان يركب الحمار ويطوف بالليل، ويخلو بدار في جبل المقطم للعبادة، ويقال: لاستنزال روحانية الكواكب. فصعد ليلة من الليالي لثلاث بقين من شوّال سنة إحدى عشرة (وأربعمائة)، ركب على عادته ومشى معه راكبان فردّهما واحداً بعد آخر في تصاريف أموره. ثم افتُقِد ولم يرجع، وأقاموا أيّاماً في انتظاره. ثم خرج مظفّر الصقلِّي والقاضي وبعض الخواص إلى الجبل فوجدوا حماره مقطوع اليدين، واتبعوا أثره إلى بركة الحبش فوجدوا ثيابه مزررة، وفيها عدّة ضربات بالسكاكين، فأيقنوا بقتله. ويقال: بلغه عن أخته أنّ الرجال يتناوبون بها فتوعَّدها، فأرسلت إلى ابن دُواس من قواد كتامة، وكان يخاف الحاكم فأغرته بقتله، وهوّنته عليه، لما يرميه به الناس من سوء العقيدة، فقد يهلك الناس ونهلك معه. ووعدته بالمنزلة والإقطاع، فبعث إليه رجلين فقتلاه في خلوته.
ولمّا أيقنوا بقتله اجتمعوا إلى أخته ستّ الملك فأحضرت عليّ بن دُواس، وأجلس عليّ بن الحاكم صبيّاً لم يناهز الحُلُم، وبايع له الناس ولُقّب الظّاهر لإِعزاز دين الله، ونفذت الكتب إلى البلاد بأخذ البيعة له، ثم حضر ابن دُواس من الغد، وحضر معه القوّاد فأمرت ستّ الملك خادمها فعلاه بالسيف أمامهم حتى قتله، وهو ينادي بأثر الحاكم، فلم يختلف فيه اثنان، وقامت بتدبير الدولة أربع سنين، ثم ماتت.
وقام بتدبير الدولة مِعْضاد وتافر بن الوزان، وولي وزارته أبو القاسم علي بن أحمد الجرجراي وكان متغلِّباً على دولته، وانتقض الشام خلال
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١٢٣ إلى ص١٢٧.
ذلك، وتغلّب صالح بن مرداس من بني كِلاب على حَلب، وعاث بنو الجراح في نواحيه، فبعث الظاهر سنة عشرين وأربعمائة قائده الزريريّ إلى فلسطين في العساكر وأوقع بصالح بن الجراح، وقُتل صالح وابنه وملك دمشق. وملك حَلب من يد شبل الدولة نصر بن صالح وقتله، وكان بينه وبين بني الجرّاح قبل ذلك وهو بفلسطين حروب؛ حتى هرب من الرملة إلى قيسارية فاعتصم بها، وأخرب ابن الجراح الرملة وأحرقها، وبعث السرايا فانتهت إلى العريش، وخشي أهل بَلْبيس وأهل القُرافَة على أنفُسِهم فانتقلوا إلى مصر، وزحف صالح بن مرداس في جموع العرب لحصار دمشق وعليها يومئذ ذو القرنين ناصر الدولة بن الحسين، وبعث حسَّان بن الجراح إليهم بالمدد، ثم صالحوا صالح بن مرداس، وانتقل إلى حصار حَلب، وملكها من يد شعبان الكتامي وجردت العساكر من الشام مع الوزيري، وملك دمشق وأقام بها)(١) .
وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر
(ثم تُوفِّي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي بن الحاكم منتصف شعبان سنة سبع وعشرين (وأربعمائة) لست عشرة سنة من خلافته، فولي ابنه أبو تميم معدّ، ولُقِّب المستنصر بأمر الله، وقام بأمره وزير أبيه أبو القاسم علي بن أحمد الجرجراي، وكان بدمشق الوزيري واسمه أقوش تكين(٢) ، وكانت البلاد صلحت على يديه لعدله ورفقه وضبطه، وكان الوزير الجرجراي يحسده ويبغضه، وكتب إليه بإيعاد كاتبه أبي سعيد فأنفذ إليه أنه يحمل الوزيري على الانتقاض، فلم يجب الوزيري إلى ذلك، واستوحش، وجاء جماعة من الجند إلى مصر في بعض حاجاتهم فداخلهم الجرجراي في التوثّب به، ودسّ معهم بذلك إلى بقية الجند بدمشق فتعلّلوا عليه. فخرج إلى بَعْلَبَكَّ سنة ثلاث وثلاثين (وأربعمائة)، فمنعه عاملها من الدخول فسار إلى حماة فمنع أيضاً فقوتل، وهو خلال ذلك ينهب، فاستدعى بعض أوليائه من كفر طاب، فوصل إليه في ألفي رجل، وسار إلى حَلب فدخلها
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١٢٧ إلى ص١٢٩.
(٢) كذا، وفي الكامل ج٨ ص٣٢: أنوشتكين الدزبري نائب المستنصر بالله صاحب مصر بالشام.
وتُوفِّي بها في جمادى الآخرة من السنة.
وفسد بعده أمر الشام وطمع العرب في نواحيه وولّى الجرجراي على دمشق الحسين بن حمدان فكان قصارى أمره منع الشام.
وملك حسَّان بن مُفَرِّج فلسطين، وزحف مُعزّ الدولة بن صالح الكِلابي إلى حَلب فملك المدينة وامتنع عليه أصحاب القلعة، وبعثوا إلى مصر للنجدة فلم ينجدهم فسلموا القلعة لمعزّ الدولة بن صالح فملكها)(١) .
مَسيرُ العرب إلى أفريقية
(كان المعزّ بن باديس قد انتقض دعوة العُبَيْديّين بأفريقية، وخطب للقائم العباسي، وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة، فكتب إليه المستنصر يتهدّده. ثم إنه استوزر الحسين بن عليّ التازوري بعد الجرجراي، ولم يكن في رتبته، فخاطبه المعزّ دون ما كان يخاطب من قبله كان يقول في كتابه إليهم: عبده، ويقول في كتاب التازوري: صنيعته، فحقد ذلك، وأغرى به المستنصر وأصلح بين زغبة ورياح من بطون هلال، وبعثهم إلى أفريقية وملكهم كل ما يفتحونه، وبعث إلى المعزّ: (أمّا بعد فقد أرسلنا إليك خيولاً، وحملنا عليها رجالاً فحولاً، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً).
فساروا إلى برقة فوجدوها خالية؛ لأن المعزّ كان أباد أهلها من زِناتَةَ، فاستوطن العرب برقة واحتقر المُعزّ شأنهم، واشترى العبيد واستكثر منهم، حتى اجتمع له منهم ثلاثون ألفاً.
وزحف بنو زُغْبَة إلى طرابلس فملكوها سنة ست وأربعين (وأربعمائة)، وجازت رياح الأَتبح، وبنو عدي إلى أفريقية فأضرموها ناراً، ثم سار أمراؤهم إلى المعزّ وكبيرهم مؤنس بن يحيى من بني مرداس من زياد، فأكرمهم المعزّ، وأجزل لهم عطاياه فلم يُغن شيئاًَ. وخرجوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، ونزل بأفريقية بلاء لم ينزل بها مثله. فخرج إليهم المعزّ في جموعه من صنهاجة والسودان نحواً من ثلاثين ألفاً، والعرب في
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٢٩، ١٣٠.
ثلاثة آلاف فهزموه وأثخنوا في صنهاجة بالقتل واستباحوهم. ودخل المعزّ القيروان مهزوماً. ثم بيَّتهم يوم النحر، وهم في الصلاة فهزموه أعظم من الأولى. ثم سار إليهم بعد أن احتشد زناتة معه فانهزم ثالثة، وقتل من عسكره نحو من ثلاثة آلاف. ونزل العرب بمصَلّى القيروان، ووالوا عليهم الهزائم، وقتلت منهم أمم. ثم أباح لهم المعزّ دخول القيروان للميرة فاستطالت عليهم العام فقتلوا منهم خلقاً، وأدار المُعزّ السور على القيروان سنة ست وأربعين (وثلاثمائة)، ثم ملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة سنة ست وأربعين (وثلاثمائة). وأمر المعز أهل القيروان بالانتقال إلى المهديَّة للتحصين بها، وولّى عليها ابنه تيما سنة خمس وأربعين (وثلاثمائة)، ثم انتقل إليها سنة تسع وأربعين (وثلاثمائة).
وانطلقت أيدي العرب على القيروان بالنهب والتخريب، وعلى سائر الحصون والقرى.
ثم كانت الخطبة للمستنصر ببغداد على يد البساسيري من مماليك بني بُوَيْه عند انقراض دولتهم، واستيلاء السلجوقية)(١) .
مقتل ناصر الدولة بن حمدان بمصر
(كانت أمّ المستنصر متغلّبة على دولته، وكانت تصطنع الوزراء وتولّيهم، وكانوا يتخذون الموالي من التُّرك للتغلّب على الدولة، فمن استوحشت منه أغرت به المستنصر فقتله، فاستوزرت أوّلاً أبا الفتح الفلاحي، ثم استوحشت منه فقبض عليه المستنصر وقتله، ووزر بعده أبا البركات حسن بن محمد وعزله. ثم ولّى الوزارة أبا محمد التازوري من قرية بالرملة تُسمّى تازور، فقام بالدولة إلى أن قُتل. ووزر بعده أبو عبد الله الحسين بن البابلي، وكان في الدولة من موالي السودان ناصر الدولة بن حمدان، واستمالوا معهم كتامة والمَصامِدَة. وخرج العبيد إلى الضياع واجتمعوا في خمسين ألف مقاتل، وكان التُّرك ستة آلاف، وشكوا إلى المستنصر فلم يشكهم، فخرجوا إلى غرمائهم والتقوا بكوم الريش، وأكمن
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١٣٠ إلى ص١٣٢.
التُّرك للعبيد ولقوهم فانهزموا، وخرج كمينهم على العبيد، وضربوا البوقات والكاسات فارتاب العبيد وظنوه المستنصر فانهزموا وقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفاً. وفدى التُّرك وتغلّبوا، وعظم الافتراء فيهم فخلت الخزائن، واضطربت الأمور، وتجمّع باقي العسكر مع الشام وغيره إلى الصعيد، واجتمعوا مع العبيد، وكانوا خمسة عشر ألفاً، وساروا إلى الجيزة فلقيهم التُّرك، وعليهم ناصر الدولة بن حمدان فهزموهم إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والتُّرك ظافرين.
واجتمع العبيد في الصعيد، وحضر التُّرك بدار المستنصر فأمرت أمه العبيد بالدار أن يفتكوا بمقدّمي التُّرك ففعلوا وهربوا إلى ظاهر البلد، ومعهم ناصر الدولة، وقاتل أولياء المستنصر فهزمهم، وملك الإسكندرية ودمياط وقطع الخطبة منهما ومن سائر الريف للمستنصر. وراسل الخليفة العباسي ببغداد، وافترق الناس من القاهرة. ثم صالح المستنصر ودخل القاهرة واستبدّ عليه، وصادر أُمه على خمسين ألف دينار، وافترق عنه أولاده وكثير من أهله في البلاد. ودسّ المستنصر لقوّاد التُّرك بأنه يحوّل الدعوة فامتعضوا لذلك، وقصدوه في بيته، وهو آمن منهم، فلما خرج إليهم تناولوه بسيوفهم حتى قتلوه وجاءوا برأسه، ومرّوا على أخيه في بيته فقطعوا رأسه، وأتوا بهما جميعاً إلى المستنصر، وذلك سنة خمس وستين (وثلاثمائة)، وولّى عليهم الذّكر منهم وقام بأمر الدولة)(١) .
استيلاء بدر الجمالي على الدولة:
(أصل بدر هذا من الأرمن من صنائع الدولة بمصر ومواليها، وكان حاجباً لصاحب دمشق، واستكفاه فيما وراء بابه. ثم مات صاحبُ دمشق، فقام بالأمور إلى أن وصل الأمير على دمشق، وهو ابن منير، فسار هو إلى مصر وترقّى في الولايات إلى أن وليَ عكا، وظهر منه كفاية واضطلاع، ولمّا وقع بالمستنصر ما وقع من استيلاء التُّرك عليه، والفساد والتضييق، واستقدم بدراً الجمالي لولاية الأمور بالحضرة، فاستأذن في الاستكثار من الجند لقهر من تغلَّب من جند مصر فأذن له في ذلك. وركب البحر من عكا
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٣٢، ١٣٣، ١٣٤.
في عشرة مراكب، ومعه جند كثيف من الأرمن وغيرهم، فوصل إلى مصر، وحضر عند الخليفة، فولاّه ما وراء بابه، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، ولقبّه بالسيّد الأجل أمير الجيوش، مثل والي دمشق، وأضيف إلى ذلك كافل قضاة المسلمين، وداعي دعاة المؤمنين، ورتب الوزارة وزاده سيفه ورد الأمور كلها إليه، ومنه إلى الخليفة، وعاهده الخليفة على ذلك، وجعل إليه ولاية الدعاة والقضاة، وكان مبالغاً في مذهب الإمامية، فقام بالأمور واستردّ ما كان تغلّب عليه أهل النواحي مثل ابن عمّار بطرابلس، وابن معروف بعسقلان وبني عقيل بصور.
ثم استردّ من القواد والأمراء بمصر جميع ما أخذوه أيام الفتنة من المستنصر من الأموال والأمتعة. وسار إلى دمياط، وقد تغلّب عليها جماعة من المفسدين من العرب وغيرهم فأثخن في لَواتَة بالقتل والنهب في الرجال والنساء، وسبى نساءهم، وغنم خيولهم، ثم سار إلى جهينة ومعهم قوم من بني جعفر فلقيهم على طرخ العليا سنة تسع وستين (وثلاثمائة)، فهزمهم، وأثخن فيهم، وغنم أموالهم، ثم سار إلى أسوان وقد تغلّب عليها كنز الدولة محمد فقتله وملكها، وأحسن إلى الرعايا ونظم حالهم وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، وعادت الدولة إلى أحسن ما كانت عليه)(١) .
استيلاء الغز على الشام وحصارهم مصر:
(كان السلجوقية وعساكرهم من الغز قد استولوا في هذا العصر على خُراسان والعراقين وبغداد، وملكهم ظُغْرُلْبَك، وانتشرت عساكرهم في سائر الأقطار، وزحف (أتسز بن أنز) من أمراء السلطان ملك شاه وسماه الشاميون أَفْسَفْس، والصحيح هذا، وهو اسم تركي، هكذا قال ابن الأثير.
فزحف سنة ثلاث وثلاثين، بل وستين، ففتح الرملة ثم بيت المقدس، وحاصر دمشق وعاث في نواحيها، وبها المُعَلّى بن حيدرة، ولم يزل يوالي عليها البعوث إلى سنة ثمان وستين.
وكثر عسف المُعلّى بأهلها مع ما هم فيه من شدّة الحصار فثاروا به،
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٣٤، ١٣٥.
وهرب إلى بلسيس، ثم لحق بمصر فُحبس إلى أن مات، ولما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة وولوا عليهم انتصار بن يحيى منهم ولقّبوه وزير الدولة. ثم اضطربوا مما هم فيه من الغلاء، وجاء أمير من القدس فحاصرهم حتى نزلوا على أمانه، وأنزل وزير الدولة بقلعة بانياس، ودخل دمشق في ذي القعدة، وخطب فيها للمقتدي العباسي، ثم سار إلى مصر سنة تسع وستين فحاصرها وجمع بدر الجمالي العساكر من العرب وغيرهم، وقاتله فهزمه، وقتل أكثر أصحابه، ورجع أتسز منهزماً إلى الشام، فأتى دمشق، وقد صانوا مخلّفه فشكرهم ورفع عنهم خراج سنة تسع وستين وجاء إلى بيت المقدس فوجدهم قد عاثوا في مخلّفه، وحصروا أهله وأصحابه في مسجد داود (عليه السلام)، فحاصرهم ودخل البلد عَنوَةً، وقتل أكثر أهله حتى قتل كثيراً في المسجد الأقصى.
ثم جهّز أمير الجيوش بدر الجمالي العساكر من مصر مع قائده نصير الدولة فحاصر دمشق، وضيّق عليها، وكان ملك السُلجوقيّة السلطان ملك شاه قد أقطع أخاه (تُتُش) سنة سبعين وأربعمائة بلاد الشام وما يفتحه منها، فزحف إلى حَلب وحاصرها وضيّق عليها، ومعه جموع كثيرة من التُّركمان، فبعث إليه أتسز من دمشق يستصرخه فسار إليه، وأجفلت عساكر مصر عن دمشق، وخرج أتسز من دمشق للقائه فقتله وملك البلد، وذلك سنة إحدى وسبعين (وأربعمائة).
وملك (ملك شاه) بعد ذلك حَلب، واستولى السُلجوقية على الشام أجمع، وزحف أمير الجيوش بدر الجمالي من مصر في العساكر إلى دمشق، وبها تاج الدولة تُتُش، فحاصره وضيّق عليه، وامتنع عليه، ورجع، وزحفت عساكر مصر سنة اثنتين وثمانين (وأربعمائة) إلى الشام فاسترجعوا مدينة صور من يد أولاد القاضي عين الدولة بن أبي عقيل، كان أبوهم قد انتزى عليها، ثم فتحوا مدينة صيدا ثم مدينة جبيل. وضبط أمير الجيوش البلاد وولّى عليها العُمّال. وفي سنة أربع وثمانين (وأربعمائة) استولى الفرنج على جزيرة صقلّية، وكان أمير الجيوش قد ولّى على مدينة صور منير الدولة الجيوش من طائفته فانتقض سنة ست وثمانين (وأربعمائة)، وبعث إليه أمير الجيوش العساكر فثار به أهل المدينة، واقتحمت عليهم العساكر، وبعث منير الدولة إلى مصر في جماعة من أصحابه فقُتلوا كلهم.
ثم تُوفِّي أمير الجيوش بدر الجمالي سنة سبع وثمانين (وأربعمائة) في ربيع الأول لثمانين سنة من عمره. وكان له موليان أمين الدولة لاويز ونصير الدولة أفتكين، فلمّا قضى بدر نحبه استدعى المستنصر لاويز ليقلِّده، فأنكر ذلك أفتكين، وركب في الجند وشغبوا على المستنصر، واقتحموا القصر، وأسمعوه خشن الكلام، فرجع إلى ولاية ولد بدر، وقدّم للوزارة ابنه محمداً الملك أبا القاسم شاه، ولقّبه بالأفضل مثل لقب أبيه. وكان أبو القاسم بن المقري رديفاً لبدر في وزارته بما كان اختصه لذلك، فولّى بعد موته الوزارة القاسم بالدولة، وجرى على سنن أبيه في الاستبداد.
وكانت وفاة المستنصر قريباً من ولايته)(١) .
وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي:
(ثم تُوفِّي المستنصر معدّ بن الظاهر يوم التروِيَة سنة سبع وثمانين (وأربعمائة) لستين سنة من خلافته، ويقال: لخمس وستين بعد أن لقي أهوالاً وشدائد، وانفتقت عليه فتوق استهلك فيها أمواله وذخائره حتى لم يكن له إلا بساطه الذي يجلس عليه، وصار إلى حد العزل والخلع، حتى تدارك أمره باستقدام بدر الجمالي من عكا، فتقوّم أمره ومكنه في خلافته.
ولما مات خلّف من الولد أحمد ونزاراً وأبا القاسم. وكان المستنصر فيما يقال: قد عهد لنزار، وكانت بينه وبين أبي القاسم الأفضل عداوة فخشي بادرته، وداخل عمته في ولاية أبي القاسم، على أن تكون لها كفالة الدولة، فشهدت بأن المستنصر عهد له بمحضر القاضي والداعي، فبويع ابن ستّ، ولُقِّب المستعلي بالله، وأُكره أخوه الأكبر على بيعته، ففرّ إلى الإسكندرية بعد ثلاث، وبها نصير الدولة أَفْكين مولى بدر الجمالي الذي سعى للأَفضَل، فانتقض وبايع لنزار بعهده، ولُقِّب المصطفى لدين الله. وسار الأفضل بالعساكر وحاصرهم بالإسكندرية، واستنزلهم على الأمان وأعطاهم اليمين على ذلك، وأركب نزاراً السفن إلى القاهرة وقتل بالقصر.
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص١٣٦ إلى ص١٣٨.
وجاء الأفضل ومعه أَفْتكين أسيراً، فأحضره يوماً ووبّخه، فهمّ بالردّ عليه فقتل بالضرب بالعصي، وقال: لا يتناول اليمين هذه للقتلة، ويقال: إِنّ الحسين بن الصبَّاح رئيس الإسماعيلية بالعراق قصد المستنصر في زيّ تاجر، وسأله إقامة الدعوة له ببلاد العجم فأذن له بذلك. وقال له الحسن: مَن إِمامي من بعدك؟ فقال: ابني نزار. فسار ابن الصبَّاح ودعا الناس ببلاد العجم إليه سراً، ثم أظهر أمره، وملك القلاع هنالك مثل قلعة الموت وغيرها. وهم من أجل هذا الخبر يقولون بإمامة نزار؛ ولما ولي المستعلي خرج ثغر عن طاعته ووليَ عليه واليه كشيلَة، وبعث المستعلي العساكر فحاصره، ثم اقتحموا عليه، وحملوه إلى مصر فقُتل بها سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
وكان (تُتُش) صاحب الشام قد مات، واختلف بعده ابناه رضوان ودقاق، وكان دقاق بدمشق ورضوان بحَلب، فخطب رضوان في أعماله للمستعلي بالله أياماً قلائل، ثم عاود الخطبة للعباسيين)(١) .
استيلاء الفرنج على بيت المقدس:
(كان بيت المقدس قد أقطعه تاج الدولة تُتُش للأمير سُليمان بن أرتق التُّركمانيّ، وقارن ذلك استفحال الفرنج واستطالتهم على الشام، وخروجهم سنة تسعين وأربعمائة، ومرّوا بالقِسْطَنْطِينيّة وعبروا خليجها، وخلى صاحب القِسْطَنْطِينيّة سبيلهم ليحولوا بينه وبين صاحب الشام من السُلجُوقيّة والغُزّ، فنازلوا أوّلاً انطاكية فأخذوها من يد (باغيسيان) من قواد السلجوقية، وخرج منها هارباً فقتله بعض الأرمن في طريقه وجاء برأسه إلى الفرنج بأنطاكية.
وعظم الخطب على عساكر الشام، وسار (كربوقا) صاحب الموصل فنزل مرج دابق، واجتمع إليه دقاق بن تُتُش وسليمان بن أرتق، وطَغْتَكين أتابك صاحب حمص وصاحب سنجار، وجمعوا من كان هنالك من التُّرك والعرب وبادروا إلى أنطاكية لثلاثة عشر يوماً من حلول الفرنج بها. وقد اجتمع ملوك الفرنج ومقدمهم (بنميد)، وخرج الفرنج وتصادموا مع
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ من ص ١٣٨ إلى ص١٤٠.
المسلمين، فانهزم المسلمون، وقتل الفرنج منهم ألوفاً، واستولوا على معسكرهم، وساروا إلى مَعرّة النُعمان وحاصروها أياماً، وهربت حاميتها، وقتلوا منها نحواً من مائة ألف، وصالحهم ابن مُنْقِذ على بلده شيزر، وحاصروا حِمْص فصالحهم عليها جناح الدولة.
ثم حاصروا عكَّة فامتنعت عليهم، وأدرك عساكر الغزّ من الوهن ما لا يعبر عنه، فطمع أهل مصر فيهم، وسار الأفضل بن بدر بالعساكر لاسترجاع بيت المقدس، فحاصرها، وبها سُقْمان وأبو الغازي، ابنا أرتق، وابن أخيهما (ياقوتي) وابن عمهما (سوتج)، ونصبوا عليها نيفاً وأربعين منجنيقاً، وأقاموا عليها نيّفاً وأربعين يوماً، ثم ملكوها بالأمان في سنة تسعين (وأربعمائة).
وأحسن الأفضل إلى سُقْمان وأبي الغازي ومن معهما، وخلّى سبيلهم، فسار سقمان إلى بلد الرَها وأبو الغازي إلى بلد العراق، وولّى الأفضل على بيت المقدس، ورجع إلى مصر.
ثم سارت الفرنج إلى بيت المقدس وحاصروه نيفاً وأربعين يوماً، ونصبوا عليه برجين، ثم اقتحموه من الجانب الشمالي لسبع بقين من شعبان، واستباحوه أُسبوعاً ولجأ المسلمون إلى مِحْراب داود (عليه السلام) واعتصموا به إلى أن استنزلهم الفَرَنْج بالأمان، وخرجوا إلى عسقلان، وقتل بالمسجد عند الشجرة سبعون ألفاً، وأخذوا من المسجد نيفاً وأربعين قنديلاً من الفضة، يزن كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة، وتنوراً من الفضة يزن أربعين رطلاً بالشامي، ومائة وخمسين قنديلاً من الصُفر وغير ذلك مما لا يحصى.
وأجفل أهل بيت المقدس وغيرهم من أهل الشام إلى بغداد، باكين على ما أصاب الإسلام ببيت المقدس من القتل والسَبي والنهب.
وبعث الخليفة أعيان العلماء إلى السلطان (بَرْكَيارُق) وأخوته محمد (وسنجر) بالمسير إلى الجهاد فلم يتمكّنوا من ذلك، للخلاف الذي كان بينهم. ورجع الوفد مؤيسين(١) من نصرهم.
____________________
(١) كذا بالأصل والأصح: آيسين.
وجمع الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر، وسار إلى الفرنج، فساروا إليهم وكبسوهم على غير أُهبة فهزموهم، وافترق عسكر مصر، وقد لاذوا بِخُمّ الشعْراء هناك فأضرموها عليهم ناراً فاحترقوا وقُتِل من ظَهر، ورجع الفرنج إلى عسقلان فحاصروها حتى أنزلوا لهم عشرين ألف دينار فارتحلوا)(١) .
وفاة المستعلي وولاية ابنه الآمر:
(ثم تُوفِّي المستعلي أبو القاسم أحمد بن المستنصر منتصف صفر سنة خمس وتسعين (وأربعمائة) لسبع سنين من خلافته، فبويع ابنه أبو علي ابن خمس سنين، ولُقِّب الآمر بأحكام الله، ولم يلِ الخلافة فيهم أصغر منه، ومن المستنصر فكان هذا لا يقدر على ركوب الفرس وحده)(٢) .
هزيمة الفرنج لعساكر مصر:
(ثم بعث الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر لقتال الفرنج مع سعد الدولة الفراسي أميراً، مملوك أبيه، فلقي الفرنج بين الرملة ويافا، ومقدّمهم بغدوين فقاتلهم، وانهزم وقتل، واستولى الفرنج على معسكره، فبعث الأفضل ابنه شرف المعالي في العساكر، فبارزهم قرب الرملة وهزمهم، واختفى بغدوين في الشجر، ونجا إلى الرملة مع جماعة من زعماء الفرنج، فحاصرهم شرف المعالي خمسة عشر يوماً حتى أخذهم، فقتل منهم أربعمائة صبراً. وبعث ثلاثمائة إلى مصر، ونجا بغدوين إلى يافا. ووصل في البحر جموع من الفرنج للزيارة فندبهم بغدوين للغزو، وسار بهم إلى عَسْقَلان، فهرب شرف المعالي وعاد إلى أبيه. وملك الفرنج عَسْقَلان، وبعث العساكر في البَرّ مع تاج العجم مولى أبيه إلى عسقلان، وبعث الأسطول في البحر إلى يافا مع القاضي ابن قادوس، فبلغ إلى يافا، واستدعى تاج العجم وحبسه، وبعث جمال الملك من مواليه إلى عسقلان مقدّم العساكر الشاميّة. ثم بعث الأفضل سنة ثمان وتسعين (وأربعمائة) ابنه
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٤٠، ١٤١، ١٤٢.
(٢) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٤٢، ١٤٣.
سنا الملك حُسين، وأمر جمال الملك بالسير معه لقتال الفرنج، فساروا في خمسة آلاف، واستمدّوا طغتكين أتابك دمشق فأمدّهم بألف وثلاثمائة، ولقوا الفرنج بين عسقلان ويافا، فتفانوا بالقتل وتحاجزوا، وافترق المسلمون إلى عسقلان ودمشق. وكان مع الفرنج (بكتاش) بن تُتُش، عدل عنه طغتكين بالملك إلى بني أخيه دقاق بن تتش، فلحق بالافرنج مغاضباً)(١) .
استيلاء الفرنج على طرابلس وبيروت:
(كانت طرابلس رجعت إلى صاحب مصر، وكان يحاصرها من الفرنج ابن المرداني صاحب (صيحيل) والمدد يأتيهم من مصر. فلما كانت سنة ثلاث وخمسين (وأربعمائة) وصل أسطول من الفرنج مع (ويمتدين) إلى صيحيل، من قَمامِصَتِهم، فنزل على طرابلس، وتشاجر مع المرداني، فبادر بغدوين صاحب القدس، وأصلح بينهم، ونزلوا جميعاً على طرابلس، وألصقوا أبراجهم بسورها. وتأخرت الميرة عنهم من مصر في البحر لركود البحر، فاقتحمها الفرنج عَنْوَةً ثاني الأضحى من سنة ثلاث وخمسين (وأربعمائة). وقتلوا ونهبوا وأسروا وغنموا. وكان واليها قد استأمن قبل فتحها جماعة من الجند فلحقوا بدمشق، ووصل الأسطول بالمدد وكفاية سنة من الأقوات بعد فتحها ففرقوه في صور وصيدا وبيروت.
واستولى الفرنج على معظم سواحل الشام. قال ابن خلدون: وإنما خصصنا هذه بالذكر في الدولة العلوية؛ لأنها كانت من أعمالهم)(٢) .
مقتل الأفضل:
(قد قدّمنا أنّ الآمر ولاّه الأفضل صغيراً ابن خمس سنين، فلمّا استجمع واشتدّ تنكَّر للأفضل، وثقلت وطأته عليه، فانتقل الأفضل إلى مصر وبنى بها داراً ونزلها، وخطب منه الأفضل ابنته فزوّجها على كره منه. وشاور الآمر أصحابه في قتله، فقال له ابن عمه عبد المجيد وكان ولي
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٤٣، ١٤٤.
(٢) نفسه: م٤ ص١٤٤، ١٤٥.
عهده: لا تفعل، وحذّره سوء الأُحدوثة لِما اشتهر بين الناس من نصحه ونصح أبيه، وحسن ولايتهما للدولة، ولابدَّ من إقامة غيره والاعتماد عليه فيتعرّض للحذر من مثلها إلى الامتناع منه، ثم أشار عليه من مداخلة ثقته أبي عبد الله بن البطائحي في مثل ذلك، فإنه يحسن تدبيره ويضع عليه من يغتاله، ويقتل به فيسلم عرضك.
وكان ابن البطائحي فرَّاشاً بالقصر، واستخلصه الأفضل ورقّاه واستحجبه، فاستدعاه الآمر وداخله في ذلك ووعده بمكانه، فوُضع عليه رجلان فقتلاه بمصر، وهو سائر في موكبه من القاهرة منقلباً من خزانة السلاح في سنة خمس عشرة وخمسمائة، كان يفرّق السلاح على العادة في الأعياد، وثار الغبار في طريقه، فانفرد عن الموكب فبدره الرجلان وطعناه فسقط، وقتلاه، وحمل إلى داره وبه رمق، فجاءه الآمر متوجعاً، وسأله عن ماله، فقال: أما الظاهر فأبو الحسن بن أبي أسامة يعرفه، وكان أبوه قاضياً بالقاهرة وأصله من حَلب. وأمّا الباطن فإنّ البطائحي يعرفه.
ثمّ قضى الأفضل نحبه لثمان وعشرين سنة من وزارته، واحتاط الآمر على داره فوجد له ستة آلاف كيس من الذهب العين، وخمسين أردباً من الورق، ومن الديباج الملوّن والمتاع البغدادي والإسكندري، وطُرف الهند، وأنواع الطيوب والعنبر والمسك ما لا يحصى، حتى لقد كان من ذخائره دكة عاج وأَبنوس محلاّة بالفِضَّة عليها عرم متمن من العنبر زنته ألف رطل، وعلى العرم مثل طائر من الذّهب برجلين مرجاناً ومنقار زمرداً، وعينان ياقوتتان، كان ينصبها في بيته ويضوع عرفها فيعم القصر، وصارت إلى صلاح الدين)(١) .
ولاية ابن البطائحي:
قال ابن الأثير: (كان أبوه من جواسيس الأفضل بالعراق، ومات ولم يخلف شيئاً، ثم ماتت أمه وتركته معلقاً، فتعلَّم البناء أوّلاً، ثم صار يحمل الأمتعة بالأسواق ويدخل بها على الأفضل، فخف عليه واستخدمه مع الفراشين، وتقدم عنده واستحجبه.
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٤٦، ١٤٧.
ولما قتل الأفضل ولاّه الآمر مكانه، وكان يُعرَف بابن فاتت وابن القائد، فدعاه الآمر جلال الإسلام، ثم خلع عليه بعد سنتين من ولايته للوزارة، ولقّبه المأمون، فجرى على سنن الأفضل في الاستبداد. ونكر ذلك الآمر وتنكّر له، واستوحش المأمون، وكان له أخ يُلقّب المؤتمن، فاستأذن الآمر في بعثه إلى الإسكندرية لحمايتها ليكون له ردءاً هنالك، فأذن له، وسار معه القواد وفيهم علي بن السلاّر، وتاج الملوك قائمين، وسنا الملك الجمل ودريّ الحروب وأمثالهم.
وأقام المأمون على استيحاش من الآمر، وكثرت السعاية فيه، وأنّه يدّعي أنه ولد نزار من جارية خرجت من القصر حاملاً به، وأنه بعث ابن نجيب الدولة إلى اليَمَن يدعو له، فبعث الآمر إلى اليمن في استكشاف ذلك)(١) .
مقتله:
(ولما كثرت السعاية فيه عند الآمر، وتوغّر صدره عليه، كتب إلى القواد الذين كانوا مع أخيه بثغر الإسكندرية بالوصول إلى دار الخلافة.
فهمّ لذلك علي بن سلاّر، فحضروا، واستأذن المؤتمن بعدهم في الوصول فأذن له، وحضر رمضان من سنة تسع عشرة (وخمسمائة)، فجاؤوا إلى القصر للإفطار على العادة. ودخل المأمون والمؤتمن فقبض عليهما وحبسهما داخل القصر. وجلس الآمر من الغد في إيوانه، وقرأ عليه وعلى الناس كتاباً بتعديد ذنوبهم. وترك الآمر رتبة الوزارة خلواً، وأقام رجلين من أصحاب الدواوين يستخرجان الأموال من الخراج والزكاة والمكس، ثم عزلهما لظلمهما. ثم حضر الرسول الذي بعثه إلى اليمن ليكشف خبر المأمون، وحضر ابن نجيب وداعيتُه فُقتل، وقتل المأمون وأخوه المؤتمن)(٢) .
____________________
(١) نفسه: م٤ ص١٤٧، ١٤٨.
(٢) تاريخ ابن خلدون: م٤ ص١٤٨، ١٤٩.
مقتل الآمر وخلافة الحافظ:
كان الآمر مؤثراً للذّاته طموحاً إلى المعالي وقاعداً عنها، وكان يحدِّث نفسه بالنهوض إلى العراق في كل وقت ثم يقصر عنه، وكان يقرض الشعر قليلاً، ومن قوله:
أصبحت لا أرجو ولا أتقي إلا إلـهي ولـه الـفضل
جـدي نـبيي وإمامي أبي ومـذهبي التوحيد والعدل
وكانت الغداوية تحاول على قتله فيتحرَّز منهم، واتفق أن عشرة منهم اجتمعوا في بيت، وركب بعض الأيام إلى الروضة، ومرَّ على الجسر بين الجزيرة ومصر، فسبقوه فوقفوا في طريقه، فلمّا توسط الجسر انفرد عن الموكب لضيقه، فوثبوا عليه وطعنوه، وقُتلوا لحينهم.
ومات هو قبل الوصول إلى منزله سنة أربع وعشرين وخمسمائة، لتسع وعشرين سنة ونصف السنة من خلافته. وكان قد استخلص مملوكيَن وهما برغش العادل وبرعوارد هزير الملوك، وكان يؤثر العادل منهما. فلما مات الآمر تحيلوا في قيام المأمون عبد الحميد بالأمر، وكان أقرب القرابة سناً وأبو القاسم بن المستضيء معه. وقالوا: إن الآمر أوصى بأن فلانة حامل فدلته الرؤية بأنها تلد ذكراً فهو الخليفة بعدي وكفالته لعبد الحميد، فأقاموه كافلاً ولقّبوه الحافظ لدين الله، وذكروا من الوصية أن يكون هزير الملوك وزيراً والسعيد باس من موالي الأفضل صاحب الباب، وقرأوا السجل بذلك في دار الخلافة.
ولاية أبي علي بن الأفضل الوزارة ومقتله:
ولما تقرر الأمر على وزارة هزير الملوك وخلع عليه أنكر ذلك الجند، وتولّى كبر ذلك رضوان بن وغش كبيرهم، وكان أبو علي ابن الأفضل حاضراً بالقصر، فحثّه برغش العادل على الخروج حسداً لصاحبه وأوجد له السبيل إلى ذلك، فخرج وتعلّق به الجند، وقالوا: هذا الوزير ابن الوزير، وتنصّل فلم يقبلوا، وضربوا له خيمة بين القصرين وأحدقوا به وأغلقت أبواب القصر فتسوّروه وولجوا من طيقانه.
واضطر الحافظ إلى عزل هزير الملوك ثم قتله، وولي أبو علي أحمد بن الأفضل الوزارة، وحبس بدست أبيه ورد الناس أموال الوزارة المقضية، واستبد على الحافظ ومنعه من التصرف ونقل الأموال من الذخائر والقصر إلى داره. وكان إمامياً متشدداً، فأشار عليه الإمامية بإقامة الدعوة للقائم المنتظر، وضرب الدراهم باسمه دون الدنانير، ونقش عليها: (الله الصمد الإمام محمد) وهو الإمام المنتظر، وأسقط ذكر إسماعيل من الدعاء على المنابر وذكر الحافظ، وأسقط من الأذان: حي على خير العمل، ونعت نفسه بنعوت أمر الخطباء بذكرها على المناب. وأراد قتل الحافظ بمن قتله الآمر من إخوته، فإن الآمر أجحفهم عند نكبة الأفضل وقتلهم، فلم يقدر أبو علي على قتله فخلعه واعتقله، وركب بنفسه في المواسم وخطب للقائم مموهاً، فتنكر له أولياء الشيعة ومماليك الخلفاء، وداخل يونس الجند من كتامة وغيرهم في شأنه فاتفقوا على قتله. وترصد له قوم من الجند فاعترضوه خارج البلد وهو في موكبه وهم يتلاعبون على الخيل، ثم اعتمدوه فطعنوه وقتلوه، وأخرجوا الحافظ من معتقله وجددوا له البيعة بالخلافة. ونهب دار أبي علي، وركب الحافظ وحمل ما بقي فيها إلى القصر.
واستوزر أبا الفتح يانساً الحافظي، ولقّبه أمير الجيوش، وكان عظيم الهيبة بعيد الغور، واستبد عليه فاستوحش كل منهما بصاحبه. ويقال: إن الحاكم وضع له سمّاً في المستراح هلك به، وذلك آخر ذي الحجَّة سنة ست وعشرين وخمسمائة.
قيام حسن بن الحافظ بأمر الدولة ومكره بأبيه ومهلكه:
ولما هلك يانس أراد الحافظ أن يخلي دست الوزارة ليستريح من التعب الذي عرض منهم للدولة، وأجمع أن يفوِّض الأمور إلى ولده، وفوَّض إلى ابنه سليمان، ومات لشهرين.
فأقام ابنه الآخر حسناً، فحدَّثته نفسه بالخلافة وعزم على اعتقال أبيه، وداخل الأجناد في ذلك فأطاعوه، واطَّلع أبوه على أمره، ففتك بهم، يُقال: إنه قتل منهم في ليلة أربعين. وبعث أبوه خادماً من القصر لقتله فهزمه حسن.
وبقي الحافظ محجوراً، وقد أمره. وبعث حسن بهرام الأرمني لحشد الأرمن ليستظهر بهم على الجند، وثاروا بحسن وطلبوه من أبيه، ووقفوا بين القصرين، وجمعوا الحطب لإحراق القصر. واستبشع الحافظ قتله بالحديد، فأمر طبيبه ابن فرقة عنه في ذلك سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
وزارة بهرام ورضوان بعده:
ولمّا مات حسن بن الحافظ ورحل بهرام لحشد الأرمن اجتمع الجند، وكان بهرام كبيرهم، راودوا الحافظ على وزارته، فوافقهم وخلع عليه وفوَّض إليه الأمور السلطانية، واستثنى عليه الشرعية، وتبعه تاج الدولة أفتكين في الدولة. واستعمل الأرمن وأهانوا المسلمين، وكان رضوان بن وطيس صاحب الباب وهو الشجاع الكاتب من أولياء الدولة، وكان ينكر على بهرام ويهزأ به، فولاه بهرام الغربية.
ثم جمع رضوان وأتى إلى القاهرة، ففرَّ بهرام وقصد قوص في ألفين من الأرمن ووجد أخاه قتيلاً، فلم يعرض لأهل قوص وباء بحق الخلافة وصعد إلى أسوان فامتنعت عليه بكنز الدولة. ثم بعث رضوان العساكر في طلبه مع أخيه الأكبر، وهو إبراهيم الأوحد، فاستنزله على الأمان له وللأرمن الذين معه، وجاء به فأنزله الحافظ في القصر إلى أن مات على دينه.
واستقر رضوان في الوزارة ولُقِّب بالأفضل وكان سُنّياً، وكان أخوه إبراهيم إمامياً؛ فأراد الاستبداد وأخذ في تقديم معارفه سيفاً وقلماً، وأسقط المكوس وعاقب من تصدّى لها، فتغير له الخليفة فأراد خلعه وشاور في ذلك داعي الدعاة وفقهاء الإمامية، فلم يعينوه في ذلك بشيء، وفطن له الحافظ فدس خمسين فارساً ينادون في الطرقات بالثورة عليه، وينهضون باسم الحافظ، فركب لوقته هارباً منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وهبت داره.
وركب الحافظ وسكن الناس ونقل ما فيها إلى قصره. وسار رضوان يريد الشام ليستنجد التُّرك وكان في جملته شاور وهو من مصطفيه، وأرسل الحافظ الأمير ابن مضيال ليرده على الأمان فرجع وحُبِس في القصر، وقيل: وصل إلى صرخد، فأكرمه صاحبها أمين الدولة كمستكين وأقام عنده، ثم
رجع إلى مصر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، فقاتلهم عند باب القصر وهزمهم، ثم افترق عنه أصحابه وأرادوا العود إلى الشام، فبعث عنه الحافظ ابن مضيال وحبسه بالقصر إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. فنقب الحبس وهرب إلى الجيزة، وجمع المغاربة وغيرهم ورجع إلى القاهرة، وقاتلهم عند جامع ابن طولون وهزمهم، ثم دخل القاهرة ونزل عند جامع الأقمر، وأرسل إلى الحافظ في المال ليفرِّقه، فبعث عشرين ألفاً على عادتهم مع الوزير، ثم استزاد عشرين وعشرين.
وفي خلال ذلك وضع الحافظ عليه جمعاً كثيراً من السودان، فحملوا عليه وقتلوه، وجاءوا برأسه إلى الحافظ.
واستمر الحافظ في دولته مباشراً لأموره، وأخلى رتبة الوزارة فلم يولّ أحداً بعده.
وفاة الحافظ وولاية ابنه الظافر:
ثم تُوفِّي الحافظ لدين الله عبد الحميد بن الأمير أبي القاسم أحمد بن المستنصر سنة أربع وأربعين وخمسمائة لتسع عشرة سنة ولم يزل في خلافته محجور الوزارة. ولمّا مات ولي بعده ابنه أبو منصور إسماعيل بعهده إليه بذلك، ولُقِّب الظافر بأمر الله.
وزارة ابن مضيال ثم ابن السلار:
كان الحافظ لمّا عهد لابنه الظافر أوصاه بوزارة ابن مضيال، فاستوزره أربعين يوماً، وكان علي بن السلاّر والياً على الإسكندرية ومعه بلارة ابنة عمه القاسم وابنه منها عباس، وتزوجت بعده بابن السلاّر. وشب عباس وتقدم عند الحافظ حتى ولي الغربية، فلم يرض ابن السلاّر وزارة ابن مضيال واتفق مع عباس على عزله.
وبلغ الخبر إلى ابن مضيال، فشكا إلى الظافر فلم يشكه، فقال ذوو الحرب: ليس هنا من يقاتل ابن السلار، فغضب الظافر ودس عليه من بني علي مصلحية، فخرج إلى الصعيد.
وفد ابن السلاّر إلى القاهرة، فاستوزره الظافر وهو منكر له، ولقَّبه العادل، وبعث العساكر مع العباس ربيبه في اتباع ابن مضيال، فخرج في طلبه، وكان جماعة من لواتة السودان، فتحصنوا من عباس في جامع دولام فأحرقه عليهم، وقتل ابن مضيال وجاء برأسه.
وقام ابن سلاّر بالدولة وحفظ النواميس وشد من مذاهبه أهله، وكان الخليفة مستوحشاً منه منكراً له وهو مبالغ في النصيحة والخدمة، واستخدم الرجالة لحراسته، فارتاب له جيان الخاص من حاشية الخليفة، فاعتزموا على قتله، ونُمي إليه ذلك فقبض على رؤوسهم فحبسهم، وقتل جماعة منهم وافترقوا. ولم يقدر الظافر على إنكار ذلك، واحتفل ابن السلاّر بأمر عسقلان ومنعها من الفرنج، وبعث إليها بالمدد كل حين من الأقوات والأسلحة، فلم يُغنِ ذلك عنها. وملكها الفرنج، وكان لذلك من الوهن على الدولة ما تحدث به الناس.
ولما قتل العادل ابن السلاّر جيان الخاص تأكد نكر الخليفة له، واشتد قلقه، وكان عباس بن أبي الفتوح صديقاً ملاطفاً له فكان يسكنه ويهدئه، وكان لعباس ولد اسمه نصير استخصه الظافر واستدناه ويقال: كان يهواه، ففاوض العادل عباساً في شأن ابنه عن مخالطة ابنه للظافر فلم ينته ابنه، فنهى العادل جدته أن يدخل إلى بيته، فشق ذلك على نصير وعلى أبيه، وتنكر للعادل، وزحف الفرنج إلى عسقلان فجهَّز العادل الجيوش والعساكر إليها مدداً مع ما كان بذهابه، وبعثهم مع عباس ابن أبي الفتوح، فارتاب لذلك وفاوض الظافر في قتل العادل. وحضر معهم مؤيد الدولة الأمير أسامة بن منقذ أحد أمراء شيزر، وكان عند الظافر صديقاً لعباس، فاستصوب ذلك وحث عليه.
وخرج عباس بالعساكر إلى بلبيس وأوصى ابنه نصيراً بقتله، فجاء بجماعة إلى بيت جدته والعادل نائم، فدخل عليه وضربه فلم يجهز عليه وخرج إلى أصحابه، ثم دخلوا جميعاً فقتلوه وجاؤوا برأسه إلى الظافر.
ورجع عباس من بلبيس بالعساكر، فاستوزره الظافر، وقام بالدولة وأحسن إلى الناس. وأيس أهل عسقلان من المدد فأسلموا بأنفسهم بلدهم بعد حصار طويل، وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
مقتل الظافر وأخويه وولاية ابنه الفائز:
ولما وزر عباس للظافر وقام بالدولة كان ولده نصير من ندماء الظافر، وكان يهواه كما تقدم. وكان أسامة بن منقذ من خلصاء عباس وأصدقائه، فقبح عليه سوء المقالة في ابنه وأشار عليه بقتل الظافر، فاستدعى ابنه نصيراً وقبح عليه في شناعة الأحدوثة فيه بين الناس وأغراه باغتيال الظافر ليمحو عنه ما يتحدّث به الناس، فسأل نصير من الظافر أن يأتي إلى بيته في دعوة، فركب من القصر إليه فقتله نصير ومن جاء معه ودفنهم في داره، وذلك في محرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وباكر القصر ولم يرَ الظافر، وسأل خدام القصر فأحسن العذر، ورجع إلى أخوي الظافر يوسف وجبريل فخبرهما بركوب الظافر إلى دار نصير، فقالا له: خبر الوزير، فلما جاء عباس من الغد أخبره بأنه ركب إلى بيت نصير ابنه ولم يعد. فاستشاط غيظاً عليه ورماه بأنّه داخل أخويه في قتله، ثم استدعاهما فقتلهما، وقتل معهما ابناً هنالك لحسن بن الحافظ، ثم أخرج ابنه أبا القاسم عيسى (ابن خمس سنين) وحمله على كتفه وأجلسه على سرير الملك، وبايع له بالخلافة ولقَّبه الفائز بالله.
ونقل عباس بسبب ذلك ما في القصر من الأموال والذخائر ما لا حد له، وعند خروجه بأخويه رأى القتلى فاضطرب وفزع، وبقي سائر أيامه يعتاده الصرع.
وزارة الصالح بن رُزِّيك:
ولما قتل الظافر وأخواه كتب النساء من القصر إلى طلائع بن رُزِّيك، وكان والياً على الاشمونين والبهنسة، وجاء الخبر بأن الناس اختلفوا على عباس بسبب ذلك، فجمع وقصد القاهرة ولبس السواد حزناً ورفع على الرماح الشعور التي بعث بها النساء حزناً. ولما عبر البحر خرج عباس وولده ودفعوا ما قدروا عليه من مال وسلاح من حاصل الدولة، ومعهما صديقهما أسامة بن منقذ. فاعترضهم الفرنج وقاتلوا، فقُتِل عباس وأُسِر ولده ونجا أسامة إلى الشام، ودخل طلائع القاهرة في ربيع سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وجاء إلى القصر راجلاً، ثم مضى إلى دار عباس
ومعه الخادم الذي حضر لقتله، فاستخرجه من التراب ودفنه عند آبائه.
وخلع الفائز عليه الوزارة ولقَّبه الصالح، وكان إمامياً كاتباً أديباً، فقام بأمر الدولة وشرع في جمع الأموال والنظر في الولايات، وكان الأوحد بن تميم من قرابة عباس والياً على تنيس، وكان لما سمع بفعلة قريبه عباس جمع وقصد القاهرة، فسبقه طلائع، فلما استقل بالوزارة أعاده إلى عمله بدمياط وتنيس. ثم بعث في فداء نصير بن عباس من الفرنج، فجيء به وقتله وصلبه بباب زويلة. ثم نظر في المزاحمين من أهل الدولة ولم يكن أرفع رتبة من تاج الملوك قايماز وابن غالب، فوضع عليهما الجند فطلبوهما فهربا، ونهب دورهما، وتتبع كبراء الأمراء بمثل ذلك حتى خلا الجو، ووضع الرقباء والحجاب على القصر، وثقلت وطأته على الحرم.
ودبَّرت عمة الفائز في قتل الصالح، وفرقت الأموال في ذلك، ونمي الخبر إليه فجاء إلى القصر وأمر الاستاذين والصقالبة بقتلها فقتلوها سرّاً، وصار الفائز في كفالة عمته الصغرى. وعظم اشتداد الفائز واستفحل أمره، وأعطى الولايات للأمراء، واتخذ مجلساً لأهل الأدب يسامرون فيه، وكان يقرض الشعر ولا يجيده، وولّى شاور السعدي على قرضه وأشار عليه حجابه بصرفه، واستقدمه فامتنع وقال: إن عزلتني دخلت بلاد النوبة.
وعلى عهده كان استيلاء نور الدين محمود الملك العادل على دمشق من يدي طغتكين أتابك تُتُش سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وفاة الفائز وولاية العاضد:
ثم تُوفِّي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل سنة خمس وخمسين وخمسمائة لست سنين من خلافته، فجاء الصالح بن رزّيك إلى القصر وطلب الخدام بإحضار أبناء الخلفاء ليختار منهم. وعدل عن كبرائهم إلى صغرائهم لمكان استبداده فوقع اختياره على أبي محمد عبد الله بن يوسف قتيل عباس، فبايع له بالخلافة وهو غلام، ولقَّبه العاضد لدين الله، وزوجه ابنته وجهزها بما لم يسمع بمثله.
مقتل الصالح بن رزّيك وولاية ابنه رزّيك:
ولمّا استفحل أمر الصالح وعظم استبداده بجباية الأموال والتصرف وحجر العاضد، تنكَّر له الحرم ودس إلى الأمراء بقتله، وتولت كبر ذلك عمة العاضد الصغرى التي كانت كافلة الفائز بعد أختها.
واجتمع قوم من القواد والسودان منهم الريفي الخادم وابن الداعي والأمير ابن قوام الدولة وكان صاحب الباب، وتواطئوا على قتله ووقفوا في دهليز القصر، وأخرج ابن قوام الدولة الناس أمامه وهو خارج من القصر، واستوقفه عنبر الريفي يحادثه، وتقدم ابنه رزّيك فوثب عليه جماعة منهم وجرحوه، وضرب ابن الداعي الصالح فأثبته، وحمل إلى داره فبقي يجود بنفسه يومه، وإذا أفاق يقول: رحمك الله يا عباس، ومات من الغد، وبعث إلى العاضد يعاتبه على ذلك فحلف على البراءة من ذلك ونسبه إلى العمة، وأحضر ابنه رزّيك وولاه الوزارة مكان أبيه ولقَّبه العادل، فأذن له في الأخذ بثأره، فقتل العمة وابن قوام الدولة والأستاذ عنبر الريفي، وقام بحمل الدولة، وأُشير عليه بصرف شاور من قوص، وقد كان أبوه أوصاه ببقائه وقال له: قد ندمت على ولايته ولم يمكني عزله، فصرفه وولّى مكانه الأمير ابن الرفقة، فاضطرب شاور وخرج إلى طريق الواحات، وجمع وقصد القاهرة.
وجاء الخبر إلى رزّيك فعجز عن لقائه، وخرج في جماعة من غلمانه بعدة أحمال من المال والثياب والجوهر، وانتهى إلى طفيحة واعترضه ابن النضر وقبض عليه وجاء به إلى شاور فاعتقله واعتقل معه أخاه، فأراد الهرب من محبسه فوشى به أخوه فقُتِل لسنة من ولايته ولتسع سنين من ولاية أبيه.
وزارة شاور ثم الضرغام من بعده:
ودخل شاور القاهرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ونزل بدار سعيد السعداء ومعه ولده طز وشجاع والطازي، وولاّه العاضد الوزارة ولقَّبه أمير الجيوش، وأمكنه من أموال بني رزّيك، فاستصفى معظمها وزاد أهل الرواتب والجرايات عشرة أمثالها، واحتجب عن الناس، وكان الصالح بن رزّيك قد أنشأ في لواقته أمراء يسمون البرقية، وكان مقدمهم الضرغام وكان
صاحب الباب، فنازع شاور في الوزارة لتسعة أشهر من ولايته، وثار عليه وأخرجه من القاهرة، فلحق بالشام وقتل ولده علياً وكثيراً من أمراء المصريين حتى ضعفت الدولة وخلت من الأعيان وأدى ذلك إلى خرابها.
مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى مصر:
ولما لحق شاور إلى الشام نزل على الملك العادل نور الدين بدمشق صريخا، وشرط له ثلث الجباية على أن يقيم له العساكر، وجهز نور الدين شيركوه وكان مقدماً في دولته فساروا في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقد تقدم نور الدين إلى أسد الدين شيركوه بأن يعيد شاور إلى وزارته وينتقم له ممن نازعه.
وسار نور الدين بعساكره إلى طرف بلاد الفرنج؛ ليمنعهم من اعتراض أسد الدين إن هموا به. ولما وصل أسد الدين وشاور إلى بلبيس لقيهم ناصر الدين همام وفخر الدين همام أخو الضرغام في عساكر مصر فهزموه، ورجع إلى القاهرة ومعه أخو الضرغام أسيراً، وفرّ الضرغام فقتل بالحبر عند مشهد السيدة نفيسة، وقتل أخواه، وعاد شاور إلى وزارته وتمكَّن منها، ثم نكث عهده مع أسد الدين وسلطانه وصرفه إلى الشام.
فتنة أسد الدين مع شاور وحصاره:
ولما رجع أسد الدين من مصر إلى الشام أقام بها في خدمة نور الدين، ثم استأذن نور الدين العادل سنة اثنتين وستين وخمسمائة في العود إلى مصر، فأذن له وجهزه في العساكر؛ وسار إلى مصر ونازل بلاد الفرنج في طريقه، ثم وصل إلى أطفيح من ديار مصر، وعبر النيل إلى الجانب الغربي ونزل الجيزة وتصرف في البلاد الغربية نيفاً وخمسين يوماً.
واستمد شاور الفرنج وجاء بهم إلى مصر، وخرج معهم للقاء أسد الدين شيركوه، فأدركوه بالصعيد، فرجع للقائهم على رهب لكثرة عددهم، وصدقهم القتال فهزمهم على قلة من معه، فإنهم لم يبلغوا ألفي فارس.
ثم سار إلى الاسكندرية وهو يجبي الأموال في طريقه إلى أن وصلها، فاستأمن أهلها وملكها، وولّى عليها صلاح الدين يوسف ابن أخيه
نجم الدين أيوب، ورجع إلى جباية الصعيد.
واجتمعت عساكر مصر والفرنج على القاهرة، وأزاحوا عللهم، وساروا إلى الإسكندرية وحاصروا بها صلاح الدين، فسار أسد الدين إليهم من الصعيد، ثم خذله بعض من معه من التُّركمان بمداخلة شاور، وبعثوا له أثر ذلك في الصلح، فصالحهم وردّ إليهم الإسكندرية.
ورجع إلى دمشق فدخلها آخر ذي القعدة من سنة اثنتين وستين وخمسمائة. واستطال الفرنج على أهل مصر وشرطوا عليهم أن ينزلوا بالقاهرة وشحنة، وأن تكون أبوابها بأيديهم؛ لئلا تدخل عساكر نور الدين، وقرر ضريبة يحملها كل سنة، فأجابه إلى ذلك.
رجوع أسد الدين إلى مصر ومقتل شاور ووزارته:
ثم طمع الفرنج في مصر واستطالوا على أهلها، وملكوا بلبيس، واعتزموا على قصد القاهرة. وأمر شاور بتخريب مصر خشية عليها منهم، فحرقت ونهب أهلها، ونزل الفرنج على القاهرة. وأرسل العاضد إلى نور الدين يستنجده، وخشي شاور من اتفاق العاضد ونور الدين، فداخل الفرنج في الصلح على ألفي دينار مصرية معجلة وعشرة آلاف أردب من الزرع، وحذرهم أمر القهر إلى ذلك، وكان فيه السفير الجليس بن عبد القوي، وكان الشيخ الموفَّق كاتب السر، وكان العاضد، قد أمرهم بالرجوع إلى رأيه، وقال: هو رب الحرمة علينا وعلى آبائنا وأهل النصيحة لنا.
فأمر الكامل شجاع بن شاور القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني أن يأتيه ويشاوره، فقال له: قل لمولانا (يعني العاضد) أن تقرير الجزية للفرنج خير من دخول الغز للبلاد واطلاعهم على الأحوال.
ثم بعث نور الدين العساكر مع أسد الدين شيركوه مدداً للعاضد كما سأل، وبعث معه صلاح الدين ابن أخيه وجماعة الأمراء. فلما سمع الفرنج بوصولهم أخرجوا عن القاهرة ورجعوا إلى بلادهم.
وقال ابن الطويل مؤرخ دولة العُبْيَديين: إنه هزمهم على القاهرة ونهب معسكرهم، ودخل أسد الدين إلى القاهرة في جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة. وخلع عليه العاضد، ورجع إلى معسكره، وفرضت له
الجرايات. وبقي شاور على ريبة وخوف وهو يماطله فيما يعين له من الأموال.
ودس العاضد إلى أسد الدين بقتل شاور، وقال: هذا غلامنا ولا خير لك في بقائه ولا لنا. فبعث عليه صلاح الدين ابن أخيه وعِزُّ الدين خرديك.
وجاء شاور إلى أسد الدين على عادته فوجده عند قبر الإمام الشافعي، فسار إليه هنالك فاعترضه صلاح الدين وخرديك فقتلاه وبعثا برأسه إلى العاضد، ونهبت العامة دوره. واعتقل ابناه شجاع والطازي وجماعة من أصحابه بالقصر، وخلع عليه للوزارة، ولُقِّب المنصور أمير الجيوش. وجلس في دست الوزارة واستقر في الأمر وغلب على الدولة، وأقطع البلاد لعساكره، واستعد أصحابه في ولايتها، ورد أهل مصر إلى بلدهم، وأنكر ما فعلوه في تخريبها.
ثم اجتمع بالعاضد مرة أُخرى، وقال له جوهر الأستاذ: يقول لك مولانا لقد تيقنا أن الله قد ادخرك نصرة لنا على أعدائنا، فحلف له أسد الدين على النصيحة، فقال له: الأمل فيك أعظم، وخلع عليه وحسن عنده موقع الجليس بن عبد القوي، وكان داعي الدعاة وقاضي القضاة، فأبقاه على مراتبه.
وفاة أسد الدين وولاية صلاح الدين الوزارة:
ثم تُوفِّي أسد الدين لشهرين في أيام قلائل من وزارته، وقيل: لأحد عشر شهراً. وأوصى أصحابه أن لا يفارقوا القاهرة. ولما تُوفِّي كان معه جماعة من الأمراء النورية، منهم عين الدولة الفاروقي، وقطب الدين يسال وعين الدين المشطوب الهكاوي وشهاب الدين محمود الحازمي. فتنازعوا في طلب الرئاسة وفي الوزارة، وجمع كل أصحابه للمطالبة. ومال العاضد إلى صلاح الدين؛ لصغره وضعفه عنهم، ووافقه أهل دولته على ذلك بعد أن ذهب كثير منهم إلى دفع الغزو وعساكرهم إلى الشرقية، ويولّى عليهم قواقوش، ومال آخرون إلى وزارة صلاح الدين، ومال العاضد إلى ذلك لمكافأته عن خدمته السالفة، فاستدعاه وولاّه الوزارة. واضطرب أصحابه،
وكان الفقيه عيسى الهكاري من خلصاء صلاح الدين فاستمالهم إليه، إلاّ عين الدولة الفاروقي فإنه سار إلى الشام، وقام صلاح الدين بوزارة مصر نائباً عن نور الدين يكاتبه ويشركه في الكتاب مع كافة الأمراء بالديار المصرية.
ثم استبد صلاح الدين بالأمور، وضعف أمر العاضد، وهدم دار المعرفة بمصر وكانت حبساً وبناها مدرسة للشافعية، وبنى دار الغزل كذلك للمالكية، وعزل قضاة الشيعة، وأقام قاضياً شافعياً في مصر، واستناب في جميع البلاد.
حصار الفرنج دمياط:
ولما جاء أسد الدين وأصحابه إلى مصر وملكوها ودفعوهم عنها ندموا على ما فرطوا فيها، وانقطع عنهم ما كان يصل إليهم، وخشوا غائلة الغز على بيت المقدس، وكاتبوا الفرنج بصقلية والأندلس واستنجدوهم.
وجاءهم المدد من كل ناحية، فنزلوا دمياط سنة خمس وستين وخمسمائة، وبها شمس الخواض منكوريين، فأمدها صلاح الدين بالعساكر والأموال مع بهاء الدين قراقوش وأمراء الغز، واستمد نور الدين واعتذر عن المسير إليها بشأن مصر والشيعة، فبعث نور الدين العساكر إليها شيئاً فشيئاً، وسار بنفسه إلى بلاد الفرنج بسواحل الشام، فضيَّق عليها، فأقلع الفرنج عن دمياط لخمسين يوماً من نزولها، فوجدوا بلادهم خراباً، وأثنى العاضد على صلاح الدين في ذلك، ثم بعث صلاح الدين غرابيه نجم الدين وأصحابه إلى مصر، وركب العاضد للقائه تكرمة له.
واقعة الخصيان وعمارة:
ولما استقام الأمر لصلاح الدين بمصر غص به الشيعة وأولياؤهم، واجتمع منهم العوريش وقاضي القضاة ابن الكامل، والأمير المعروف الكاتب عبد الصمد، وكان فصيحاً وعمارة اليمني الشاعر الزبيدي وكان متولي كبرها، فاتفقوا على استدعاء الفرنج لإخراج الغز من مصر وجعلوا لهم نصيباً وافراً من ارتفاعها، وعمدوا إلى شيعي من خصيان القصر اسمه نجاح ولقبه مؤتمن الدولة، وكان قد ربى العاضد وصهره فأغروه بذلك
ورغبوا على أن يجمع رسول الفرنج بالعاضد فجمعه معه في بيته ملبساً بذلك. ولم يكن العاضد الذي حضر وأوهموه أنه عقد معه. ثم اتصل الخبر بنجم الدين بن مضيال من أولياء الشيعة، وكان نجم الدين قد اختصه صلاح الدين وولاه الإسكندرية.
واستغضبه بهاء الدين قراقوش ببعض النزغات، فظنوا أنه غضب فأطلعوه على شأنهم وأن يكون وزيراً وعمارة كاتب الدست، وصاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات مكان الفاضل بن كامل قاضي القضاة وداعي الدعاة، وعبد الصمد جابي الأموال، والعوريش ناظر عليهم، فوافقهم ابن مضيال ووشى بهم إلى صلاح الدين، فقبض عليهم وعلى رسول الفرنج وقررهم في عدة مجالس، وأحضر زمام القصر وهو مختص العرز، ونكر عليه خروج العاضد إلى بيت نجاح مع مختص، فحضر واعترف بالحق أن العاضد لم يحضر، فتحقق صلاح الدين براءته، وكان عمارة يجالس شمس الدولة تورنشاه، فنقل لأخيه صلاح الدين أنه امتدحه بقصيدة يغريه فيها بالمضي إلى اليمن ويحمله على الاستبداد، وأنه تعرض فيها للجانب النبوي يوجب استباحة دمه، وهو قوله:
فاخلق لنفسك ملكاً لا تضاف به إلـى سواك وأورِ النار في العلم
هذا ابن تومرت قد كانت ولايته كما يقول الورى لحماً على وَضَم
وكـان أول هذا الدين من رجل سـعى إلـى أن دعوه سيد الأمم
فجمعهم صلاح الدين وشنقهم في يوم واحد بين القصرين، وأخّر ابن كامل عنهم عشرين يوماً ثم شنقه.
ومر عمارة بباب القاضي الفاضل فطلب لقاءه فمُنع، فقال وهو سائر إلى المشنقة:
عبد الرحيم قد احتجب إن الخلاص هو العجب
وفي كتاب ابن الأثير أن صلاح الدين إنما اطلع على أمرهم من كتابهم الذي كتبوه إلى الفرنجة عثر على حامله، وقُرئ الكتاب وجيء به إلى صلاح الدين، فقتل مؤتمن الخلافة لقرينة، وعزل جميع الخدام، واستعمل على القصر بهاء الدين قراقوش، وكان خصياً أبيض.
وغضب السودان لقتل مؤتمن الخلافة، واجتمعوا في خمسين ألفاً، وقاتلوا أجنا وصلاح الدين بين القصرين، وخالفهم إلى بيوتهم فأضرمها ناراً، واحترقت أموالهم وأولادهم، فانهزموا وركبهم السيف، ثم استأمنوا ونزلوا الجيزة وعبر إليهم شمس الدولة تورنشاه فاستلحمهم.
قطع الخطبة للعاضد وانقراض الدولة العلوية بمصر:
كان نور الدين العادل يوم استقل صلاح الدين بملك مصر، وضعف أمر العاضد بها وتحكم في قصره يخاطبه في قطع دعوتهم من مصر والخطبة بها للمستضيء العباسي، وهو يماطل بذلك حذراً من استيلاء نور الدين عليه، ويعتذر بتوقع المخالفة من أهل مصر في ذلك فلا يقبل، ثم ألزمه ذلك، فاستأذن فيه أصحابه فأشاروا به وأنه لا يمكن مخالفة نور الدين.
ووفد عليه من علماء العجم الفقيه الخبشاني، وكان يدعى بالأمير العالم، فلما رأى إحجامهم عن هذه الخطبة قال: أنا أخطبها. فلما كان أول جمعة من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستنصر، فلم ينكر أحد عليه، فأمر صلاح الدين في الجمعة الثانية الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيء ففعلوا.
وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر، وكان العاضد في شدة من المرض، فلم يعلمه أحد بذلك، وتُوفِّي في عاشوراء من السنة نفسها.
وجلس صلاح الدين للعزاء فيه، واحتوى على قصر الخلافة بما فيه، فحمله بهاء الدين قراقوش إليه، وكان في خزائنهم من الذخيرة ما لم يسمع بمثله.
ثم أتى ابن خلدون على ذكر طائفة منها، ومنها مكتبة تحوي مائة وعشرين ألف سفر أعطاها للفاضل عبد الرحيم البيساني، وقال بعد ذلك:
ثم حبس رجالهم ونساءهم حتى ماتوا، وكانت بالدولة عند عهد العزيز والحاكم قد خلا جوّها من رجالات كتامة وتفرقوا في المشرق في سبيل ذلك الملك وانقرضوا بانقراض أمر الشيعة وموت العاضد آخر
خلفائهم، وأكلتهم الأقطار والوقائع شأن الدول.
ولما هلك العاضد وحوَّل صلاح الدين الدعوة إلى العباسية، اجتمع قوم من الشيعة بمصر وبايعوا لداود بن العاضد، ونُمي خبرهم إلى صلاح الدين، فقبض عليهم وقتلهم، وأخرج داود من القصر وذلك سنة تسع وستين وخمسمائة.
ثم خرج بعد حين بجهة فاس بالمغرب محمد بن عبد الله بن العاضد، ودعا هنالك وتَسمّى بالمهدي، فقُتل وصُلب، ولم يبق للعُبيديين ذكر إلا في بلاد الحثيثية من العراق، وهم دعاة الغداوية، وفي بلاد الإسماعيلية التي كانت فيها دعوتهم بالعراق. وقام بها ابن الصباح في قلعة ألموت وغيرها، إلى أن انقرضت تلك الدعوة أجمع بانقطاع دعوة العباسيين ببغداد، وعلى يد هولاكو من ولد جنكزخان من ملوك التتر سنة خمس وخمسين وستمائة.
ما جاء في خطط المقريزي في الجزء الثالث
في مبدأ أمر الفاطميين إلى عهد المستنصر الفاطمي
ذِكْرُ أبي عبد الله الشيعي:
هو الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء اليمن، ولي الحسبة في بعض أعمال بغداد، ثم سار إلى ابن حوشب باليمن وصار من كبار أصحابه. وكان ذا علم وفهم، وعنده دهاء ومكر. فورد على ابن حوشب بعد موت الحلواني داعي المغرب ورفيقه، فقال لأبي عبد الله الشيعي: إن أرض كتامة من بلاد المغرب قد خربها الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك، فإنها مواطأة ممهدة لك.
فخرج من اليمن إلى مكة، وقد زوده ابن حوشب بمال، فسأل عن حجاج كتامة فأرشد إليهم، واجتمع بهم، وأخفى عنهم قصده، وذلك أنه جلس قريباً منهم فسمعهم يتحدثون بفضائل أهل البيت، فحدثهم في ذلك وأطال ثم نهض ليقوم، فسألوه أن يأذن لهم بزيارته فأذن لهم، فصاروا يتردُّدون إليه لما رأوا من علمه وعقله، ثم إنهم سألوه إلى أين يقصد، فقال: أريد مصر فسروا بصحبته ورحلوا من مكة وهو لا يخبرهم شيئاً من خبره وما هو عليه من القصد. وشاهدوا منه عبادة وورعاً وتحرجاً وزهادة، فقويت رغبتهم فيه واشتملوا على محبته واجتمعوا على اعتقاده وساروا بأسرهم خدماً له، وهو في أثناء ذلك يستخبرهم عن بلادهم، ويعلم أحوالهم ويفحص عن قبائلهم، وكيف طاعتهم للسلطان في أفريقية، فقالوا له: ليس له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام. قال: أفتحملون السلاح؟ قالوا: هو
شغلنا، وما برح حتى عرف جميع ما هم عليه. فلما وصلوا إلى مصر أخذ يودعهم، فشق عليهم فراقه وسألوه عن حاجته بمصر فقال: ما لي بها من حاجة إلا أني أطلب التعليم بها، قالوا: فأما إذا كنت تقصد هذا فإن بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك، ونحن أعرف بحقك.
وما زالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم، فساروا به إلى أن قاربوا بلادهم، وخرج إلى لقائهم أصحابهم، وكان عندهم حسّ كبير من التشيع واعتقاد عظيم في محبة أهل البيت كما قرره الحلواني، فعرَّفهم القوم خبر أبي عبد الله، فقاموا بحق تعظيمه وإجلاله، ورغبوا في نزوله عندهم، واقترعوا فيمن يضيّفه، ثم ارتحلوا إلى أرض كتامة، فوصلوا إليها منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين. فما منهم إلا من سأله أن يكون منزله عنده، فلم يوافق أحداً منهم، وقال: أين يكون (فج الأخيار)؟ فعجبوا من ذلك، ولم يكونوا قط ذكروه له منذ صحبوه، فدلوه عليه فقصده، وقال: إذا حللنا به صرنا نأتي كل قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم، فرضوا جميعاً بذلك.
وسار إلى جبل ايلحان وفيه (فج الأخيار)، فقال: هذا فج الأخيار، وما سمي إلاّ بكم، ولقد جاء في الآثار: (للمهدي هجرة ينبو بها عن الأوطان، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان قوم اسمهم مشتق من الكتمان، ولخروجكم في هذا الفج سمي (فج الأخيار)).
فتسامعت به القبائل، وأتته البربر من كل مكان، وعظم أمره، حتى إن كتامة اقتتلت عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر اسم المهدي ولا يعرج عليه. فبلغ خبره إبراهيم بن الأغلب أمير أفريقية، فقال أبو عبد الله لكتامة: أنا صاحب النذر الذي قال لكم أبو سفيان والحلواني. فازدادت محبتهم له وعظم أمره فيهم، وأتته القبائل من كل مكان، وسار إلى مدينة (تاحروق)، وجمع الخيل وصيّر أمرها للحسن بن هارون كبير كتامة.
وخرج للحرب فظفر وغنم، وعمل على تاحروق خندقاً، فرجعت إليه قبائل من البربر وحاربوه فظفر بهم وصارت إليه أموالهم، ووالى الغزو فيهم حتى استقام له أمرهم، فسار وأخذ مدائن عدة.
فبعث إليه ابن الأغلب بعساكر كانت له معهم حروب عظيمة وخطوب
عديدة وأنباء كثيرة آلت إلى غلب أبي عبد الله، وانتشار أصحابه من كتامة في البلاد، فصار يقول: المهدي يخرج في هذه الأيام ويملك الأرض فيا طوبى لمن هاجر إلي وأطاعني.
وأخذ يغري الناس بابن الأغلب، ويذكر كرامات المهدي وما يفتح الله له، ويعدهم بأنهم يملكون الأرض كلها. وسيّر إلى عبيد الله بن محمد رجالاً من كتامة ليخبروه بما فتح الله له، وأنه ينتظره.
فوافوا عبيد الله بسلمية من أرض حمص، وكان قد اشتهر بها، وطلبه الخليفة المكتفي، ففرّ منه بابنه أبي القاسم، وسارا إلى مصر، وكان لهما قصص مع النوشزي عامل مصر حتى خلصا منه ولحقا ببلاد المغرب.
وبلغ ابن الأغلب زيادة الله مسير عبيد الله، فأذكى له العيون وأقام له الأعوان حتى قبض عليه بسلجماسة، وكان عليها اليسع بن مدرار، وحُبس بها هو وابنه أبو القاسم.
وبلغ ذلك أبا عبد الله وقد عظم أمره فسار وضايق زيادة الله بن الأغلب وأخذ مدائنه شيئاً بعد شيء. وسار فيما ينيف على مائتي ألف، وألح على القيروان حتى فرّ زيادة الله إلى مصر وملكها أبو عبد الله.
ثم سار إلى رقادة فدخلها أول رجب سنة ست وتسعين ومائتين. وفرق الدور على كتامة، وبعث العمّال إلى البلاد، وجمع الأموال، ولم يخطب باسم أحد. فلما دخل شهر رمضان سار من رقادة، فاهتز لرحيله المغرب بأسره، وخافته زناتة وغيرها، وبعثوا إليه بطاعتهم.
وسار إلى سلجماسة ففرَّ منه اليسع بن مدرار واليها. ودخل البلد فأخرج عبيد الله وابنه من السجن، وقال: هذا المهدي الذي كنت أدعوكم إليه. وأركبه هو وابنه ومشى بسائر رؤساء القبائل بين أيديهما، وهو يقول: هذا مولاكم، ويبكي من شدة الفرح، حتى وصل إلى فسطاط ضرب له فأنزل فيه، وبعث في طلب اليسع فأدركه، وحمل إليه فضربه بالسياط وقتله.
ثم سار المهدي إلى رقادة، فصار بها في آخر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، ولما تمكَّن قتل أبا عبد الله وأخاه في يوم الاثنين للنصف
من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين، فكان هذا ابتداء أمر الخلفاء الفاطميين.
وما زالت كتامة هي أهل الدولة مدة خلافة المهدي عبيد الله وخلافة ابنه أبي القاسم القائم بأمر الله، وخلافة المنصور بنصر الله إسماعيل بن القاسم وخلافة المُعزّ لدين الله بن المنصور، وبهم أخذ ديار مصر لما سيرهم إليها مع القائد جوهر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وهم أيضاً كانوا أكابر من قدم معه من المغرب في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
فلما كان في أيام ولده العزيز بالله نزار اصطنع الديلم والتُّرك وقدَّمهم وجعلهم خاصته، فتنافسوا وصار بينهم وبين كتامة تحاسد إلى أن مات العزيز بالله، وقام من بعده أبو علي المنصور الملقّب بالحاكم بأمر الله، فقدم ابن عمّار الكتامي وولاّه الوساط، وهي في معنى رتبة الوزارة، فاستبد بأمور الدولة وقدم كتامة وأعطاهم، وحط من الغلمان التُّرك والديلم الذين اصطنعهم العزيز، فاجتمعوا إلى برجوان وكان صقلبياً وقد تاقت نفسه إلى الولاية، فأغرى المصطنعة بابن عمّار حتى وضعوا منه واعتزل عن الأمر.
وتقلّد برجوان الوساطة، فاستخدم الغلمان المصطنعين في القصر وزاد في عطاياهم وقوّاهم، ثم قتل الحاكم ابن عمّار وكثيراً من رجال دولة أبيه وجدّه، فضعفت كتامة وقويت الغلمان.
فلما مات الحاكم وقام من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علي أكثر من اللهو ومال إلى التُّرك والمشارقة، فانحط جانب كتامة وما زال ينقص قدرهم ويتلاشى أمرهم حتى ملك المستنصر بعد أبيه الظاهر، فاستكثرت أمه من العبيد، حتى يقال: إنهم بلغوا نحواً من خمسين ألف أسود، واستكثر هو من التُّرك، وتنافس كل منهما مع الآخر فكانت الحرب التي آلت إلى خراب مصر وزوال بهجتها، إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالي من عكا وقتل رجال الدولة، وأقام له جنداً وعسكراً من الأرمن، فصار من حينئذ معظم الجيش الأرمن. وذهبت كتامة وصاروا من جملة الرعية بعدما كانوا وجوه الدولة وأكابر أهلها.
تاريخ بني المصيّب
دولة بني عقيل
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمده تعالى ونستعينه ونصلي ونسلم على خيرة رسله والنخبة المختارة من سلالة نبيّه، وبعد فإنا ذاكرون في هذا الجزء من أجزاء تاريخ الشيعة السياسي أخبار دولة بني عقيل، الناشئة في الموصل، ويطلق عليها أسماء ثلاثة: بنو عقيل، بنو المسيب، بنو المقلَّد.
ابتداء أمرها:
قال المؤرخ الكبير ابن خلدون في الجزء الرابع ص٢٥٤ في تاريخه الكبير: كان بنو عقيل وبنو نُمَيْر وبنو خفاجة وكلهم من عامر بن صعصعة، وبنو طيَ من كهلان قد انتشروا ما بين الجزيرة والشام في عدوة الفرات، وكانوا كالرعايا لبني حمدان يؤدون إليهم الإتاوات وينفرون معهم في الحروب. ثم استفحل أمرهم عند فشل دولة بني حمدان وساروا إلى ملك البلاد، ولما انهزم أبو طاهر بن حمدان أمام علي بن مروان بديار بكر سنة ثمانين ولحق بنصيبين، وقد استولى عليها أبو الذوّاد محمد بن المسيب بن رافع بن المقلَّد بن جعفر بن عمر بن مهند أمير بني عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر، فقتل أبا طاهر وأصحابه وسار إلى الموصل فملكها وبعث إلى بهاء الدولة بن بويه المستبد على الخليفة بالعراق في أن يبعث عاملاً من قبله، والحكم راجع لابن الذوّاد، وأقام على ذلك سنتين وبعث بهاء الدولة سنة اثنتين وثمانين عساكره إلى الموصل مع أبي جعفر الحجاج بن هرمز، فغلب عليها أبا الذوّاد وملكها وزحف لحربه أبو الذوّاد في قومه ومن اجتمع إليه من العرب فكانت بينهم حروب ووقائع.
مهلك أبي الذوّاد وولاية أخيه المقلَّد:
ثم مات أبو الذوّاد سنة ست وثمانين، وولي إمارة بني عقيل مكانه أخوه علي بعد أن تطاول إليها أخوهما المقلَّد(١) بن المسيب وامتنع بنو عقيل؛ لأن علياً كان أسن منه فصرف المقلَّد وجهه إلى ملك الموصل. واستمال الديلم الذين فيها مع أبي جعفر بن هرمز، فمالوا إليه وكتب إلى بهاء الدولة أن يضمنه الموصل بألفي ألف درهم كل سنة، ثم أظهر لأخيه علي وقومه أن بهاء الدولة قد ولاّه واستمدهم فساروا معه ونزلوا على الموصل وخرج إلى المقلَّد من كان استماله من الديلم، واستأمن إليهم أبو جعفر قائد الديلم، فأمنوه وركب السفن إلى بغداد واتبعوه فلم يظفروا منه بشيء. وتملك المقلَّد ملك الموصل.
فتنة المقلَّد مع بهاء الدولة:
كان المقلَّد يتولّى حماية غربي الفرات، وكان له ببغداد نائب فيه تهوّر، وجرى بينه وبين أصحاب بهاء الدولة مشاجرة وكان بهاء الدولة مشغولاً بفتنة أخيه فكتب نائب المقلَّد إليه يشكو من أصحاب بهاء الدولة فجاء في العساكر وأوقع بهم ومدَّ يده إلى جباية الأموال. وخرج نائب بهاء الدولة
____________________
(١) هو أبو حسَّان المقلَّد بن المسيب بن رافع بن المقلَّد بن جعفر بن عمرو بن المهنى عبد الرحمان بن يُزيد بالتصغير بن عبد الله بن زيد بن قيس بن حوشة بن طهفة بن حزن بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العقيلي الملقَّب حسام الدولة صاحب الموصل، كان أخوه أبو الذوّاد محمد بن المسيب أول من تغلب على الموصل، وملكها من أهل هذا البيت وذلك في سنة ثمانين وثلاثمائة وتزوج بهاء الدولة أبو نصر ابن عضد الدولة بن بويه ابنته فلما مات أبو الذوّاد في سنة سبع وثمانين قام أخوه المقلَّد المذكور بالملك من بعده وكان أعور، قال ابن الأثير في الكامل: إنه كان فيه عقل وسياسة وحسن تدبير فغلب على سقي الفرات واتسعت مملكته، ولقّبه الإمام القادر بالله وكنّاه وأنفذ إليه اللواء والخلع فلبسها بالأنبار واستخدم من الديلم والتُّرك ثلاثة آلاف رجل وأطاعته خفاجة، وكان فيه فضل ومحبة لأهل الأدب وينظم الشعر. حكى أبو الهيجاء أن عمران بن شاهين قال: كنت أساير معتمد الدولة أبا المنيع قرواش بن المقلَّد المذكور ما بين سنجار ونصيبين، فنزلنا ثم استدعاني بعد الزوال وقد نزل بقصر هناك يعرف بقصر العباس بن عمرو الغنوي وكان مطلاًّ على بساتين ومياه كثيرة فدخلت عليه فوجدته قائماً يتأمل كتابة على الحائط فقرأتها فإذا هي (الخ).
ببغداد وهو أبو علي بن إسماعيل عن ضمان القصر وغيره، فغالط بهاء الدولة وأنفذ أبا جعفر الحجاج بن هرمز للقبض على أبي علي بن إسماعيل ومصالحة المقلَّد بن المسيب، فصالحه على أن يحمل إلى بهاء الدولة عشرة آلاف دينار ويخطب له ولأبي جعفر بعده، ويأخذ من البلاد رسم الحماية وأن يخلع على المقلَّد الخلع السلطانية، ويلُقَّب حسام الدولة ويقطع الموصل والكوفة والقصر والجامعين، وجلس له ولأبي جعفر القادر بالله. فاستولى على البلاد وقصده الأعيان والأماثل وعظم قدره. وقبض أبو جعفر على أبي علي بن إسماعيل ثم هرب ولحق بمهذّب الدولة.
القبض على علي بن المسيب:
كان المقلَّد بن المسيب قد وقعت المشاجرة بين أصحابه وأصحاب أخيه في الموصل قبل مسيره إلى العراق. فلما عاد إلى الموصل أجمع الانتقام من أصحاب أخيه. ثم نوى أنه لا يمكنه ذلك مع أخيه فأعمل الحيلة في قبض أخيه وأحضر عسكره من الديلم والأكراد وورى بقصر دقوقا واستحلفهم على الطاعة، ثم نقب دار أخيه وكانت ملاصقة له ودخل إليه، فقبض عليه وبعث زوجته وولديه قرواش وبدران إلى تكريت، واستدعى رؤساء العرب وخلع عليهم وأقام فيهم العطاء، فاجتمعت له زهاء ألفي فارس، وخرجت زوجة أخيه بولديها إلى أخيها الحسن بن المسيب، وكانت أحياؤه قريباً من تكريت، فاستجاش العرب على المقلَّد وسار إليه في عشرة آلاف فخرج المقلَّد عن الموصل واستشار العرب على المقلَّد وسار إليه في عشرة آلاف، فخرج المقلَّد عن الموصل واستشار الناس في محاربة أخيه فأشار رافع بن محمد بن مُعزّ بالحرب، وأشار أخوه غريب بن محمد بالموادعة وصلة الرحم. وبينما هو في ذلك إذ جاءت أخته رميلة بنت المسيب شافعة في أخيها علي، فأطلقه ورد عليه ماله وتوادع الناس وعاد المقلَّد إلى الموصل، وتجهَّز لقتال علي بن مزيد الأسدي بواسط؛ لأنه كان مغضباً لأخيه الحسن، فلما قصد الحلَّة خالفه علي إلى الموصل فدخلها. وعاد إليه المقلَّد وتقدمه أخوه الحسن مشفقاً عليه من كثرة جموع المقلَّد فأصلح ما بينهما. ودخل المقلَّد إلى الموصل وأخواه معه ثم خاف علي فهرب، ثم وقع الصلح بينهما على أن يكون أحدهما بالبلد. ثم هرب علي فقصده المقلَّد ومعه بنو خفاجة فهرب إلى العراق واتبعه المقلَّد فلم يدركه
ورجع عنه. ثم سار المقلَّد إلى بلد علي بن مزيد فدخله ثانية، ولحق ابن مزيد بمهذّب الدولة صاحب البطيحة فأصلح ما بينهما.
استيلاء المقلَّد على دقوقا:
ولما فرغ المقلَّد من شأن أخويه وابن مزيد سار إلى دقوقا فملكها وكانت لنصرانيّين قد استعبدا أهلها. وملكها من أيديهما جبريل بن محمد من شجعان بغداد أعانه عليها مهذّب الدولة صاحب البطيحة وكان مجاهداً يحب الغزو فملكها وقبض على النصرانيين وعدل في البلد. ثم ملكها المقلَّد من يده وملكها بعده محمد بن نحبان، ثم بعده قرواش بن المقلَّد، ثم انتقلت إلى فخر الملك أبي غالب فعاد جبريل واستجاش بموشك بن حكويه من أمراء الأكراد. وغلب عليها عمال فخر الدولة ثم جاء بدران بن المقلَّد فغلب جبريل وموشك عليها وملكها.
مقتل المقلَّد وولاية ابنه قرواش:
كان للمقلَّد مَوالٍ من التُّرك فهربوا منه واتبعهم، فظفر بهم وقتل وقطع وأفحش في المثلة فخاف إخوانهم منه، واغتنموا غفلته فقتلوه فيها بالأنبار سنة إحدى وسبعين، وكان قد عظم شأنه وطمع في ملك بغداد. ولما قتل كان ولده الأكبر قرواش غائباً وكانت أمواله بالأنبار، فخاف نائبه فيها عبد الله بن إبراهيم بن شارويه بادرة عمه الحسن، وراسل أبا منصور بن قراد وكان بالسندية وقاسمه في مخلف المقلَّد على أن يدافع الحسن إن قصده، فأجابه إلى ذلك وأرسل عبد الله إلى قرواش يستحثُّه، فوصل ووفى لابن قراد بما عاهده عليه نائبه عبد الله، وأقام ابن قراد عنده، ثم إن الحسن بن المسيب جاء إلى مشايخ بني عقيل شاكياً مما فعله قرواش وابن قراد عنده، فسعوا بينهم في الصلح، واتفق الحسن وقرواش على الغدر بابن قراد وأن يسير أحدهما إلى الآخر متحاربين فإذا تلاقيا قبضا على ابن قراد ففعلا ذلك. فلما تراءى الجمعان نُمي الخبر إلى ابن قراد، فهرب واتبعه قرواش والحسن ولم يدركاه، ورجع قرواش إلى بيوته فأخذها بما فيها من الأموال، فوجه الأموال إلى أن أخذها أبو جعفر الحجاج بن هُرمز.
فتنة قرواش مع بهاء الدولة بن بويه
ولما كانت سنة اثنتين وتسعين بعث قرواش بن المقلَّد جمعاً من بني عقيل إلى المدائن فحصروها. فبعث أبو جعفر بن الحجا بن هرمز نائب بهاء الدولة ببغداد عسكراً إليهم فدفعوهم عنها. فاجتمعت بنو عقيل وبنو أسد وأميرهم علي بن مزيد. وخرج أبو جعفر إليهم واستجاش بخفاجة وأحضرهم من الشام، فانهزم واستبيح عسكره وقُتل وأُسر من الديلم والتُّرك كثير. ثم جمع العساكر ثانياً ولقيهم بنواحي الكوفة فهزمهم وقتل وأسر، وسار إلى أحياء بني مزيد ونهب منها ما لا يقدر قدره. ثم سار قرواش إلى الكوفة سنة سبع وتسعين، وكانت لأبي علي بن ثُمال الخفاجي وكان غائباً عنها، فدخل قرواش الكوفة وصادرهم ثم قتل أبو علي سنة تسع وتسعين، وكان الحاكم صاحب مصر قد ولاّه الرحبة فسار إليها، وخرج إليه عيسى بن خلاط العقيلي، فقتله وملكها بعده غيره إلى أن ولي أمرها صالح بن مرداس الكِلابي صاحب حَلب.
قبض قرواش على وزرائه:
كان معتمد الدولة قرواش بن المقلَّد قد استوزر أبا القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي. وكان من خبره أن أباه من أصحاب سيف الدولة بن حمدان، فذهب عنه إلى مصر وولي بها الأعمال. ووُلِدَ ابنه أبا القاسم ونشأ هنالك ثم قتله الحاكم، فلحق أبو القاسم بحسَّان بن مُفرج بن الجراح الطائي بالشام، وأغراه بالانتقاض والبيعة لأبي الفتوح الحسن بن جعفر صاحب مكة، ففعل ذلك ولم يتم أمر أبي الفتوح، ورجع إلى مكة ولحق أبو القاسم المغربي بالعراق واتصل بفخر الملك فارتاب به القادر؛ لانتسابه إلى العلوية فأبعده فخر الملك، فقصد قرواش بالموصل فاستوزره، ثم قبض عليه سنة إحدى عشرة وأربعمائة وصادره على مال زعم أنه ببغداد والكوفة، فأحضره وترك سبيله فعاد إلى بغداد ووزر لشرف الدولة بن بويه بعد وزيره مؤيد الملك الرجيحي، وكان مداخلاً لعنبر الخادم الملَّقب بالأثير المستولي على الدولة يومئذ. ثم سخطه التُّرك وسخطوا الأبهر فأشار عليه بالخروج عن بغداد، فخرج الوزير وأبو القاسم معه إلى السندية وبها قرواش فأنزلهم وساروا إلى أوانا، وبعث التُّرك إلى الأثير عنبر
بالاستعتاب فاستعتب ورجع وهرب أبو القاسم المغربي إلى قرواش سنة خمس عشرة لعشرة أشهر من وزارته. ثم وقعت فتنة بالكوفة كان منشؤها من صهره ابن أبي طالب فأرسل الخليفة إلى قرواش في إبعاده عنه فأبعده، وسار إلى ابن مروان إلى ديار بكر، ثم قبض معتمد الدولة قرواش على أبي القاسم سليمان بن فهر عامل الموصل له ولأبيه، وكان من خبره أنه كان يكتب في حداثته بين يدي أبي إسحاق الصابي، ثم اتصل بالمقلَّد بن المسيّب وأصعد معه إلى الموصل. واقتنى بها الضياع ثم استعمله قرواش على الجبايات فظلم أهلها وصادرهم فحبسه وطالبه بالمال فعجز وقُتِل.
حروب قرواش مع العرب وعساكر بغداد:
وفي سنة إحدى عشرة اجتمع العرب على فتن قرواش، وسار إليه دُبيس بن علي بن مزيد الأسَدِي وغريب بن معن، وجاءهم العسكر من بغداد. فقاتلوه عند سُرَّ من رأى، ومعه رافع بن الحسين فانهزم ونهبت أثقاله وخزائنه وحصل في أسرهم، وفتحوا تكريت عنوة من أعماله. ورجعت عساكر بغداد إليها واستجار قرواش بغريب بن معن فأطلقه، ولحق بسلطان بن الحسن من عمال أمير خفاجة، واتبعه عسكر من التُّرك وقاتلهم غربي الفرات وانهزم هو وسلطان. وعاث العسكر في أعماله فبعث إلى بغداد بمراجعة الطاعة وقبل. ثم كانت الفتنة بينه وبين أبي أسد وخفاجة سنة سبع عشرة؛ لأن خفاجة تعرضوا لأعماله بالسواد فسار إليهم من الموصل وأميرهم أبو الفتيان منيع بن حسَّان فاستجاش بدُبيس بن علي بن مزيد فجاءه في قومه بني أسد وعسكر من بغداد والتقوا بظاهر الكوفة وهو يومئذ لقرواش. فخام قرواش عن لقائهم وأجفل ليلاً للأنبار واتبعوه فرحل عنها إلى حلله واستولى القوم على الأنبار، وملكوها ثم فارقوها وافترقوا فاستعادها قرواش. ثم كانت الحرب بينه وبين بني عقيل في هذه السنة، وكان سببها أن الأثير عنبر الخادم حاكم دولة بني بويه انتقض عليه الجند وخافهم على نفسه فلحق بقرواش فجاء قرواش وأخذ له أقطاعه وأملاكه بالقيروان، فجمع مجد الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعاً كبيراً من بني عقيل وانضم إليهم بدران أخو قرواش وساروا لحربه. وقد اجتمع هو وغريب بن معن والأثير عنبر، وأمدهم ابن مروان فكانوا في ثلاثة عشر ألفاً، والتقوا
عند بلدهم فلما تصافوا والتحم القتال خرج بدران بن المقلَّد إلى أخيه قرواش، فصالحه وسط المصاف، وفعل ثوران بن قراد كذلك مع غريب بن معن، فتوادعوا جميعاً واصطلحوا. وأعاد قرواش إلى أخيه بدران الموصل، ثم وقعت الحرب بين قرواش وبين خفاجة ثانياً؛ وكان سببها أن منيع بن حسَّان أمير خفاجة وصاحب الكوفة سار إلى الجامعين بلد دُبيس ونهبها، فخرج دُبيس في طلبه إلى الكوفة فقصد الأنبار ونهبها هو وقومه فسار قرواش إليهم ومعه غريب بن معن إلى الأنبار، ثم مضى في اتِّباعهم إلى القصر فخالفوه إلى الأنبار ونهبوها وأحرقوها، واجتمع قرواش ودُبيس في عشرة آلاف وخاموا عن لقاء خفاجة، فلم يكن من قرواش إلاّ بناء السور على الأنبار ثم سار منيع بن حسَّان الخفاجي إلى الملك كليجار والتزم الطاعة وخطب له بالكوفة وأزال حكم بني عقيل عن سقي الفرات. ثم سار بدران بن المقلَّد في جموع من العرب إلى نصيبين، وحاصرها وهي لنصر الدولة بن مروان، فجهَّز لهم الجند وبعثهم إليها، فقاتلوا بدران فانهزم أولاً، ثم عطف عليهم فانهزموا وأثخن فيهم، وبلغه الخبر أن أخاه قرواش قد وصل إلى الموصل فأجفل خوفاً منه.
استيلاء الغز على الموصل:
كان هؤلاء الغز من شعوب التُّرك بمفازة بخارى وكثر فسادهم في جهاتها. فأجاز إليهم محمود بن سبكتكين وهرب صاحب بخارى، وحضر عنده أميرهم ارسلان بن سلجوق، فقبض عليه وحبسه بالهند ونهب أحياءهم وقتل كثيراً منهم، فهربوا إلى خراسان وأفسدوا ونهبوا، فبعث إليهم العساكر فأثخنوا فيهم وأجلوهم عن خراسان، ولحق كثير منهم بأصبهان وقاتلوا صاحبها وذلك سنة عشرين وأبعمائة، ثم افترقوا في البلاد بين خوارزم واذربيجان ومراغة وقزوين وأرمينية والدينور، وعاثوا فيها سنة ثلاثين، واجتمع الغز الذين بأرمينية وساروا نحو بلاد الموصل والذين كانوا منهم في الري قصدوا ديار بكر والموصل سنة ثلاث وثلاثين ونزلوا جزيرة ابن عمر ونهبوا باقردى وبازندى والحسنية، وغدر سليمان بن نصير الدولة بن مروان بأمير منهم وحبسه، وافترق أصحابه في كل جهة. وبعث نصير الدولة بن مروان عسكراً في اتّباعهم، وأمدهم قرواش صاحب الموصل بعسكر آخر وانضم
إليهم الأكراد البثنوية أصحاب فتك فأدركوهم، فاستمات الغز وقاتلوهم ثم تحاجزوا. وتوجَّهت العرب إلى العراق للمشتى وأخربت الغز ديار بكر ودخل قرواش الموصل؛ ليدفعهم عنها لما بلغه أن طائفة منهم قصدوا بلده، فلما نزلوا برقعيد عزم على الإغارة عليهم فتقدموا إليه فرجع إلى مصانعتهم بالمال على ما شرطوه، وبينما هو يجمع المال لهم وصلوا إلى الموصل، فخرج قرواش في عسكره وقاتلهم عامة يومه. وعادوا للقتال من الغد فانهزمت العرب وأهل البلد، وركب قرواش سفينة في الفرات وخلف جميع ماله. ودخل الغز البلد ونهبوا ما لا يحصى من المال والجوهر والحِلْي والأثاث. ونجا قرواش إلى السند وبعث إلى الملك جلال الدولة يستنجده وإلى دُبيس بن علي بن مزيد وأمراء العرب والأكراد يستمدهم، وأفحش الغز في أهل الموصل قتلاً ونهباً وعيثاً في الحرم وصانع بعض الدروب والمحال منها عن أنفسهم بمال ضمنوه، فكفوا عنهم وسلموا وفرضوا على أهل المدينة عشرين ألف دينار، فقبضوها ثم فرضوا أربعة آلاف أُخرى وشرعوا في تحصيلها، فثار بهم أهل الموصل وقتلوا من وجدوا منهم في البلد. ولما سمع إخوانهم اجتمعوا ودخلوا البلد عنوة منتصف سنة خمس وثلاثين ووضعوا السيف في الناس واستباحوها اثني عشر يوماً، وانسدت الطرق من كثرة القتلى حتى واروهم جماعات في الحفائر وطلبوا الخطبة للخليفة ثم لطغرلبك وطال مقامهم بالبلد. فكتب الملك جلال الدولة بن بويه ونصير الدولة بن مروان إلى السلطان طغرلبك يشكون منهم، فكتب إلى جلال الدولة معتذراً بأنهم كانوا عبيداً وخدماً لنا فأفسدوا في جهات الري، فخافوا على أنفسهم وشردوا ويعده بأنه يبعث العساكر إليهم، وكتب إلى نصير الدولة بن مروان يقول له: بلغني أن عبيدنا قصدوا بلادك فصانعتهم بالمال وأنت صاحب ثغور ينبغي أن تعطي ما تستعين به على الجهاد ويعده أنه يرسل من يدفعهم عن بلاده. ثم سار دُبيس بن مزيد إلى قرواش واجتمعت إليه بنو عقيل وساروا من السن إلى الموصل فتأخر الغز إلى تل أعفر وأرسلوا إلى أصحابهم بديار بكر ومقدمهم ناصفلي وبوقا فوصلوا إليهم و تزاحفوا مع قرواش في رمضان سنة خمس وثلاثين، فقاتلوهم إلى الظهر وكشفوا العرب عن حللهم. ثم استماتت العرب، فانهزمت الغز وأخذهم السيف ونهب العرب أحياءهم وبعثوا برؤوس القتلى إلى بغداد
واتّبعهم قرواش إلى نصيبين ورجع عنهم، وقصدوا ديار بكر فنهبوها ثم أرزن الروم كذلك ثم أذربيجان ورجع قرواش إلى الموصل.
استيلاء بدران بن المقلَّد على نصيبين:
قد تقدم لنا محاصرة بدران نصيبين ورحيله عنها من أخيه قرواش، ثم اصطلحا بعد ذلك واتفقا وتزوج نصير الدولة ابنة قرواش، فلم يعدل بينها وبين نسائه، وشكت إلى أبيها، فبعث عنها ثم هرب بعض عمال ابن مروان إلى قرواش وأطمعه في الجزيرة، فتعلل عليه قرواش بصداق ابنته وهو عشرون ألف دينار، وطلب الجزيرة ونصيبين لأخيه بدران فامتنع ابن مروان من ذلك، فبعث قرواش جيشاً لحصار الجزيرة وآخر مع أخيه بدران، لحصار نصيبين. ثم جاء بنفسه وحاصرها مع أخيه وامتنعت عليه، وتسللت العرب والأكراد إلى نصير الدولة بن مروان بميافارقين وطلب منه نصيبين فسلمه إليه وأعطى قرواش من صداق ابنته خمسة عشر ألف دينار وكان ملك ابن مروان في دقوقا، فزحف إليه أبو الشوك من أمراء الأكراد، فحاصره بها وأخذها من يده عنوة وعفا عن أصحابه ثم تُوفِّي بدران سنة خمس وعشرين. وجاء ابنه عمر إلى قرواش فأقره على ولاية نصيبين وكان بنو نمير قد طمعوا فيها وحاصروه، فسار إليهم ودافعهم عنها.
الفتنة بين قرواش وغريب بن معن:
كانت تكريت لأبي المسيّب رافع بن الحسين من بني عقيل، فجمع غريب جمعاً من العرب والأكراد وأمدَّه جلال الدولة بعسكر وسار إلى تكريت، فحاصرها، وكان رافع بن الحسين عند قرواش بالموصل، فسار لنصره بالعساكر ولقيه غريب في نواحي تكريت، فانهزم واتبعه قرواش ورافع ولم يتعرضوا لمحلته وماله ثم تراسلوا واصطلحوا.
فتنة قرواش وجلال الدولة:
كان قرواش قد بعث عسكره سنة إحدى وثلاثين لحصار خميس بن تغلب بتكريت، واستجار خميس بجلال الدولة، فبعث إليه بالكف عنه، فلم يفعل فسار بنفسه يحاصره وكتب إلى التُّرك ببغداد يستفسدهم عن جلال
الدولة. وسار جلال الدولة إلى الأنبار فامتنعت عليه وسار قرواش للقائه وأعوزت عساكر جلال الدولة الأقوات ثم اختلفت عقيل على قرواش وبعث إلى جلال الدولة بمعاودة الطاعة فتحالفا وعاد كل إلى بلده.
الوحشة بين قرواش والأكراد:
انتهت الوحشة بين الأكراد وقرواش بتسليمه قلاعه التي كانوا قد تصرفوا فيها وتقاسموها.
خلع قرواش بأخيه أبي كامل ثم عوده:
ثم وقعت الفتنة بين معتمد الدولة وقرواش وأخيه زعيم الدولة أبي كامل وكان سببها أن قريشاً بن أخيهما بدران فتن عمه أبا كامل، وجمع عليه الجموع وأعانه عمه الآخر واستمد قرواش بنصير الدولة بن مروان، فبعث إليه بابنه سليمان وأمدَّه حسن بن عكشان وغيرهما من الأكراد، وساروا إلى معلايا فنهبوها وأحرقوها، ثم اقتتلوا في المحرم سنة إحدى وأربعين يوماً وثانياً. ووقفت الأكراد ناحية عن المصاف ولم يغشوا المجال وتسلل عن قرواش بعض جموعه من العرب إلى أخيه وبلغه أن شيعة أخيه أبي كامل بالأنبار وثبوا فيها وملكوها. فضعف أمره وأحسّ من نفسه الظهور عليه ولم يبرح، فركب أخوه أبو كامل وقص حلته فركب قرواش للقائه وجاء به أبو كامل لحلته، ثم بعث به إلى الموصل ووكل به وملك أبو كامل الموصل واشتط عليه العرب، فخاف العجز والفضيحة أن يراجعوا طاعة أخيه، فسبقهم إليها وأعاده إلى ملكه وبايعه على الطاعة. ورجع قرواش إلى ملكه وكان أبو كامل قد أحدث الفتنة بين البساسيري كافل الخلافة ببغداد وملك الأمراء بها لما فعله بنو عقيل في عراق العجم من التعرض لإقطاعه، فسار إليهم البساسيري وجمع أبو كامل بني عقيل ولقيه، فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم تحاجزوا، فلما رجع قرواش إلى ملكه نزع جماعة من أهل الأنبار إلى البساسيري وجمع أبو كامل بني عقيل ولقيه، فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم تحاجزوا، فلما رجع قرواش إلى ملكه نزع جماعة من أهل الأنبار إلى البساسيري شاكرين شاكين سيرة قرواش وطلبوا أن يبعث معهم عسكراً وعاملاً إلى بلدهم ففعل ذلك وملكها من يد قرواش وأظهر فيهم العدل.
خلع قرواش ثانية واعتقاله:
كان قرواش لما أطاعه أخوه أبو كامل بقي معه كالوزير يتصرف، إلا أن قرواش أنف من ذلك وأعمل الحيلة في التخلص منه، فخرج من الموصل سائراً إلى بغداد وشق ذلك على أخيه أبي كامل، فأرسل إليه أعيان قومه يرده طوعاً أو كرهاً. فلاطفوه أولاً وشعر منهم بالدخيلة فأجاب إلى العود وشرط سكنى دار الإمارة فلما جاء إلى أبي كامل قام بمبرته وإكرامه ووكل به من يمنعه التصرف.
وفاة أبي كامل وولاية قريش بن بدران:
لما ملك قريش بن بدران وحبس عمه بقلعة الجراحية ارتحل يطلب العراق سنة أربع وأربعين. فانتقض عليه أخوه المقلَّد وسار إلى نور الدولة دُبيس بن مزيد، فنهب قريش حلله وعاد إلى الموصل واختلف العرب عليه ونهب عمال الملك الرحيم ما كان لقريش بنواحي العراق. ثم استمال قريش العرب عليه ونهب عمال الملك الرحيم ما كان لقريش بن المسيب صاحب الحظيرة مخالفاً عليه. وبعث قريش بعض أصحابه فلقيهم، وأوقع بهم فسار إليه قريش ولقيه فهزمه واتبعه إلى حلل بلاد ابن غريب ونهبها ودخل العراق وبعث إلى عمال الملك الرحيم بالطاعة وضمان ما كان عليه في أعماله فأجابوه إلى ذلك لشغل الملك الرحيم بخوزستان فاستقر أمره وقوي.
وفاة قرواش:
وفي سنة أربع وأربعين هذه تُوفِّي معتمد الدولة أبو منيع قرواش بن المقلَّد بمحبسه في قلعة الجراحية وحمل إلى الموصل ودفن بها ببلد نينوى شرقيها وكان من رجال العرب.
استيلاء قريش على الأنبار:
وفي سنة ست وأربعين زحف قريش بن بدران من الموصل، ففتح مدينة الأنبار وملكها من يد عمال البساسيري وسار البساسيري إلى الأنبار فاستعادها.
حرب قريش بن بدران والبساسيري ثم اتفاقهما:
كان قريش بن بدران قد بعث بطاعته إلى طغرلبك وهو بالري، وخطب له بجميع أعماله وقبض على الملك الرحيم. وكان قريش معه فنهب معسكره واختفى. وسمع به السلطان فأمنه ووصل إليه، فأكرمه وردَّه إلى عمله. وكان البساسيري قد فارق الملك الرحيم عند مسيره من واسط إلى بغداد ومسير طغرلبك من حلوان. وقصد نور الدولة دُبيس بن مزيد للمصاهرة بينهما، وكان سبب مفارقة البساسيري للملك الرحيم كتاب القائم له بإبعاده لاطلاعه على كتابه إلى خليفة مصر. فلما وصل قريش بن بدران إلى بغداد وعظم استيلاء السلطان طغرلبك على الدولة بعث جيشاً وزحف البساسيري للقائهم ومعه نور الدولة دُبيس، فالتقوا بسنجار، فانهزم قريش وقطلمش وأصحابهما، وقتل كثير منهم وعاث أهل سنجار فيهم وسار بهم إلى الموصل وخطب بها للمستنصر خليفة مصر وقد كانوا بعثوا إليه بطاعتهم من قبل فبعث إليهم بالخلع ولقريش جملتهم.
استيلاء طغرلبك على الموصل وولاية أخيه نيال عليها:
كان السلطان طغرلبك لما طال مقامه ببغداد وساء أثر عساكره في الرعايا فبعث القائم وزيره رئيس الرؤساء أن يحضر عميد الملك الكندري وزير طغرلبك ويعظه في ذلك ويهدده برحيل القائم عن بغداد، فبلغه خلال ذلك شأن الموصل فرحل إليها وحاصر تكريت، ففتحها وقبل من صاحبها نصر بن عيسى من بني عقيل ما لابد له منه ورحل عنه، فمات نصر وولي بعده أبو الغنائم بن البحَلبان، فأصلح حاله مع رئيس الرؤساء ورحل السلطان من البواريج. وكان في انتظار أخيه ياقوتي بن تنكير ثم توجه السلطان إلى نصيبين وبعث هزارسب إلى البرية لقتال العرب وفيهم قريش ودُبيس وأصحاب حران والرقة من نمير، فأوقع بهم ونال منهم وأسر جماعة فقتلهم. وعاد إلى السلطان طغرلبك، فبعث إليه قريش ودُبيس بطاعتهما وأن يتوسط لهما عند السلطان، فعفا السلطان عنهما، وقال للبساسيري: ردهما إلى الخليفة فيرى ما عندهما. فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة وتبعه أتراك بغداد ومقبل بن المقلَّد وجماعة من بني عقيل، فبعث السلطان إلى قريش ودُبيس هزارسب بن تنكير ليقضي ما
عندهما ويحضرهما وكان ذلك بطلبهما، ثم خافا على أنفسهما فبعث قريش أبا السيد هبة الله بن جعفر ودُبيس ابنه بهاء الدولة منصوراً، فقبلهما السلطان وكتب لهما بأعمالهما. وكان لقريش من الأعمال الموصل ونصيبين وتكريت، وأوانا ونهر بيطروهيت والأنبار، وبادرونا ونهر الملك، ثم قصد السلطان ديار بكر ووصل إليه أخوه إبراهيم نيال، وأرسل هزارسب إلى قريش ودُبيس يحذرهما منه. وسار لسنجار؛ لأجل واقعته مع قريش ودُبيس فبعث العساكر إليها واستباحوها، وقتل أميرها علي بن مرحا وخلق كثير من أهلها رجالاً ونساء، وشفع إبراهيم نيال في الباقين فكف عنهم وأقطع سنجار والموصل وتلك الأعمال كلها لأخيه إبراهيم نيال وعاد إلى بغداد، فدخلها في ذي القعدة سنة تسع وأربعين.
مفارقة نيال الموصل وما كان لقريش فيها:
وفي سنة خمسين وأربعمائة خرج إبراهيم نيال من الموصل إلى بلاد الروم، فخشي طغرلبك أن يكون منتقضاً، وبادر بكتابه وكتاب الخليفة إليه فرجع وخرج الوزير الكندري للقائه، وخالفه البساسيري وقريش إلى الموصل، فملكها وحاصر القلعة حتى استأمن أهلها على يد ابن موسك وصاحب أربد فأمناهم وهدما القلعة وسار السلطان طغرلبك من وقته إلى الموصل، ففارقهما واتبعهما إلى نصيبين، ففارقه أخوه نيال في رمضان سنة ٦٠. وسار السلطان طغرلبك في أثره، وحاصره بهَمَذان وجاء البساسيري إلى بغداد، وكان هزارسب بواسط ودُبيس ببغداد قد استدعاه الخليفة للدفاع، فسئم المقام ورجع إلى بلده وجاء البساسيري وقريش ووزير بني بويه أبو الحسن بن عبد الرحيم، ونزلوا بجوانب بغداد ونزل عميد العراق بالعسكر قبالة البساسيري ورئيس الرؤساء وزير الخليفة قبالة الآخرين. وخطب البساسيري للمستنصر صاحب مصر بجوامع بغداد وأذّن بحيّ على خير العمل. ثم استعجل رئيس الرؤساء الحرب فاستجده القوم ثم كروا عليه، فهزموه واقتحموا حريم الخلافة وملكوا القصور بما فيها. وركب الخليفة، فوجد عميد العراق قد استأمن إلى قريش بن بدران فاستأمن هو كذلك وأمنهما قريش وأعادهما، وعذله البساسيري في الانفراد بذلك دونه وقد تعاهدا على خلاف ذلك، فاستعتب له بالوزير رئيس الرؤساء ودفعه إليه وأقام الخليفة
والعميد عنده. فقتل البساسيري الوزير ابن عبد الرحيم وبعث قريش بالخليفة القائم مع ابن عمه مُهارش بن تجلى إلى حديثة عانة، فأنزله بها مع أهله وحرمه وحاشيته حتى إذا فرغ السلطان طغرلبك من أمر أخيه نيال وقتله ورجع إلى بغداد بعث البساسيري وقريش في إعادة القائم إلى داره، فامتنع وأجفل عن بغداد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين. وشمل النهب مدينة بغداد وضواحيها من بني شيبان وغيرهم، وبعث السلطان طغرلبك الإمام أبا بكر محمد بن فورك إلى قريش بن بدران يشكره على فعله بالخليفة وبابنة أخيه زوجة الخليفة ارسلان خاتون، وأنه بعث ابن فورك لإحضارهما. وكتب قريش إلى مُهارش ابن عمه بأن يلحق به هو والخليفة في البرية، فأبى وسار بالخليفة إلى العراق وجعل طريقه على الري ومر ببدر بن مهلهل، فخدم القائم وخرج السلطان للقاء الخليفة وقدم إليه الأموال والآلات، وعرضه أرباب الوظائف ولقيه بالنهروان، وجاء معه إلى قصره وبعث السلطان خبارتكين الطغرائي في العساكر لاتِّباع البساسيري والعرب، وجاء إلى الكوفة واستصحب سرايا ابن منيع ببني خفاجة، وسار السلطان في أثرهم وصبحت السرية البساسيري في حلة دُبيس بن يزيد، فنهبوها وفرَّ دُبيس وقاتل البساسيري وأصحابه، فقُتِل في المعركة.
وفاة قريش بن بدران وولاية ابنه مسلم:
ثم تُوفِّي قريش بن بدران سنة ثلاث وخمسين، ودفن بنصيبين، وجاء فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير من دارا، وجمع بني عقيل على ابنه أبي المكارم مسلم بن قريش، فولّوه عليهم واستقام أمره، وأقطعه السلطان سنة ثمان وخمسين الأنبار وهيت وحريم والسن والبواريج ووصل إلى بغداد، فركب الوزير ابن جهير في المركب للقائه، ثم سار سنة ستين وأربعمائة إلى الرحبة، فقاتل بها بني كِلاب وهم في طاعة المستنصر العلوي، فهزمهم وأخذ أسلابهم وبعث بأشلائهم وعليها سمات العلوية فطيف بها منكَّسة ببغداد.
استيلاء مسلم بن قريش على حَلب:
وفي سنة اثنتين وسبعين سار شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب
الموصل إلى مدينة حَلب فحاصرها، ثم أفرج عنها فحاصرها تُتُش بن البارسلان، وقد كان ملك الشام سنة إحدى وسبعين قبلها، فأقام عليها أياماً ثم أفرج عنها وملك بزاغة والبيرة، وبعث أهل حَلب إلى مسلم بن قريش بأن يمكِّنوه من بلدهم، ورئيسها يومئذ ابن الحسين العباسي. فلما قرب منهم امتنعوا من ذلك، فترصَّد لهم بعض التُّركمان وهو صاحب حصن بنواحيها، وأقام كذلك أياماً حتى صادف ابن الحسين يتصيَّد في ضيعته فأسره وبعث به إلى مسلم بن قريش، فأطلقه على أن يسلِّموا له البلد. فلما عاد إلى البلد تمَّ له ذلك وسُلِم له البلد، فدخله سنة ثلاث وسبعين وحصر القلعة، واستنزل منها سابغاً ووثاباً ابني محمد بن مرداس، وبعث ابنه إبراهيم وهو ابن عمة السلطان إلى السلطان يخبره بملك حَلب، وسأل أن يقدر عليه ضمانه، فأجابه السلطان إلى ذلك، وأقطع ابنه محمداً مدينة بالس، ثم سار مسلم إلى حران وأخذها من بني وثاب النميريين وأطاعه صاحب الرها ونقش السكة باسمه.
حصار مسلم بن قريش دمشق وعصيان أهل حران عليه:
وفي سنة ست وسبعين سار شرف الدولة إلى دمشق، فحاصرها وصاحبها تُتُش، فخرج في عسكره وهزم مسلم بن قريش، فارتحل عنها راجعاً إلى بلاده، وكان قد استمد أهل مصر فلم يمدوه، وبلغه الخبر بأن أهل حران نقضوا الطاعة، وأن ابن عطية وقاضيها ابن حلية عازمان على تسليم البلد للترك، فبادر إلى حران وصالح في طريقه ابن ملاعب صاحب حمص وأعطاه سليمة ورفسة، وحاصر حران وخرب أسوارها، واقتحمها عنوة وقتل القاضي وابنه.
حرب ابن جهير مع مسلم بن قريش واستيلاؤه على الموصل ثم عودها إليه:
كان فخر الدولة أبو نصر محمد بن أحمد بن جُهير من أهل الموصل، واتصل بخدمة بني المقلَّد، ثم استوحش من قريش بن بدران، واستجار ببعض رؤساء بني عقيل فأجاروه منه. ومضى إلى حَلب فاستوزره معز الدولة أبو ثمال بن صالح، ثم فارقه إلى نصر الدولة بن مروان بديار بكر فاستوزره. ولما عزل القائم وزيره أبا الفتح محمد بن منصور بن دارس
استدعاه للوزارة، فتحيل في المسير إلى بغداد واتّبعه ابن مروان فلم يدركه، ولما وصل إلى بغداد استوزره القائم سنة أربع وخمسين، وطغرلبك يومئذ هو السلطان المستبد على الخلفاء. واستمرت وزارته وتخللها العزل في بعض المرات إلى أن مات القائم، وولي المقتدي وصارت السلطنة إلى ملك شاه. فعزله المقتدي سنة إحدى وسبعين بشكوى نظام الملك إلى الخليفة، وسؤاله عزله فعزله. وسار ابنه عميد الدولة إلى نظام الملك بأصفهان، واستصلحه وشفع فيه إلى المقتدي، فأعاد ابنه عميد الدولة. ثم عزله سنة ست وسبعين، فبعث السلطان ملك شاه ونظام الملك إلى المقتدي بتخلية سبيل بني جهير إليه، فوفدوا عليه بأصفهان ولقوا منه مبرة وتكرمة. وعقد السلطان ملك شاه لفخر الدولة على ديار بكر. وبعث معه العساكر، وأمره أن يأخذ البلاد من ابن مروان، وأن يخطب لنفسه بعد السلطان وينقش اسمه على السكة كذلك، فسار لذلك وتوسط ديار بكر ثم أردفه السلطان سنة سبع وسبعين بالعساكر مع الأمير أرتق جد الملوك بماردين لهذا العهد، وكان ابن مروان عندما أحس بمسير العساكر إليه، بعث إلى شرف الدولة مسلم بن ريش يستنجده على أن يعطيه آمد من أعماله فجاء إلى آمد، وفخر الدولة بنواحيها، وقد ارتاب من اجتماع العرب على نصرة ابن مروان، ففتر عزمه عن لقائهم. وسارت عساكر التُّرك الذين معه، فصبَّحوا العرب في أحيائهم، فانهزموا وغنموا أموالهم ومواشيهم، ونجا شرف الدولة إلى آمد، وحاصره فخر الدولة فيمن معه من العساكر، وبعث مسلم بن قريش إلى الأمير أرتق يغضي عنه في الخروج من آمد على مال بذله له، فأغضى له وخرج إلى الرقة وسار أحمد بن جهير إلى ميافارقين بلد ابن مروان لحصارها. ففارقه بهاء الدولة منصور بن مزيد وابنه سيف الدولة صدقة إلى العراق. وسار ابن جهير إلى خلاط وكان السلطان ملك شاه لما بلغه انحصار مسلم بن قريش بآمد بعث عميد الدولة اقسنقر، جد الملك العادل محمود في عساكر التُّرك، ولقيهم الأمير أرتق في طريقهم سائراً إلى العراق، فعاد معهم وجاؤوا إلى الموصل فملكوها وسار السلطان في عساكره إلى بلاد مسلم بن قريش، وانتهى إلى البواريج. وقد خلص مسلم بن قريش من الحصار بآمد، ووصل إلى الرحبة، وقد ملكت عليه الموصل وذهبت أمواله، فراسل مؤيد الملك بن نظام الملك، فتوسل به فتقبَّل وسيلته وأذن له في الوصول إلى السلطان بعد
أن أعطاه من العهد ما رضي به. وسار مسلم بن قريش من الرحبة فأحضره مؤيد الملك عند السلطان، وقدم هدية فاخرة من الخيل وغيرها ومن جملتها فرسه الذي نجا عليه، وكان لا يجارى فوقع من السلطان موقعاً وصالحه وأقره على بلاده، فرجع إلى الموصل وعاد السلطان إلى ما كان بسبيله.
مقتل مسلم بن قريش وولاية ابنه إبراهيم:
قد قدمنا ذكر قطلمش قريب السلطان طغرلبك، وكان سار إلى بلاد الروم فملكها واستولى على قونية وأقصراي ومات، فملك مكانه ابنه سليمان وسار إلى أنطاكية سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وأخذها من يد الروم وكان لشرف الدولة مسلم بن قريش بإنطاكية جزية يؤديها إليه صاحبها القردروس(١) من زعماء الروم، فلما ملكها سليمان بن قطلمش بعث إليه يطالبه بتلك الجزية ويخوفه معصية السلطان، فأجابه بأني على طاعة السلطان وأمري فيها غير خفي. وأما الجزية فكانت مضروبة على قوم كفّار يعطونها عن رؤوسهم، وقد أدال الله منهم بالمسلمين ولا جزية عليهم فسار شرف الدولة ونهب جهات أنطاكية، وسار سليمان فنهب جهات حَلب وشكت إليه الرعايا فرد عليهم. ثم جمع شرف الدولة جموع العرب وجموع التُّركمان مع أميرهم جُقّ وسار إلى أنطاكية، فسار سليمان للقائه والتقيا في أعمال أنطاكية سنة ثمان وسبعين. ولما التقوا مال الأمير جق بمن معه من التُّركمان إلى سليمان، فاختل مصاف مسلم بن قريش وانهزمت العرب عنه، وثبت فقتل في أربعمائة من أصحابه، وكان ملكه قد اتسع من نهر عيسى وجميع ما كان لأبيه وعمه قرواش من البلاد، وكانت أعماله في غاية الخصب والأمن، وكان حسن السياسة كثير العدل. ولما قتل مسلم اجتمع بنو عقيل وأخرجوا أخاه إبراهيم من محبسه بعد أن مكث فيه سنين مقيداً حتى أفسد القيد مشيته، فأطلقوه وولّوه على أنفسهم مكان أخيه مسلم. ولما قتل مسلم سار سليمان بن قطلمش إلى أنطاكية وحاصرها شهرين فامتنعت عليه ورجع. وفي سنة
____________________
(١) كذا وصوابها: ألكسندروس.
تسع وسبعين بعدها بعث عميد العراق عسكراً إلى الأنبار، فملكها من يد بني عقيل، وفيها أقطع السلطان ملك شاه مدينة الرحبة وأعمالها وحران وسروج والرقة والخابور لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش، وزوَّجه بأخته خاتون زليخة، فتسلَّم جميع هذه البلاد وامتنع محمد بن المشاطر من تسليم حران فأكرهه السلطان على تسليمها.
تنازع محمد وعلي ابني مسلم على ملك الموصل بعد إبراهيم:
لم يزل إبراهيم بن قريش ملكاً بالموصل وأميراً على قومه بني عقيل حتى استدعاه السلطان ملك شاه سنة اثنتين وثمانين، فلما حضر اعتقله وبعث فخر الدولة بن جُهير على البلاد، فملك الموصل وغيرها وأقطع السلطان عمته صفية مدينة بلد وكانت زوجاً لمسلم بن قريش ولها منه ابنه علي، وتزوجت بعده بأخيه إبراهيم، فلما مات ملك شاه ارتحلت صفية إلى الموصل ومعها ابنها علي بن مسلم، وجاءه أخوه محمد بن مسلم وتنازعا في ملك الموصل، وانقسمت العرب عليها واقتتلوا على الموصل، فانهزم محمد وملك علي، ودخل الموصل انتزعها من يد ابن جهير.
عود إبراهيم إلى ملك الموصل ومقتله:
لما مات ملك شاه واستبدت تركان خاتون بعده بالأمور، وأطلقت إبراهيم من الاعتقال بادر إلى الموصل، فلما قاربها سمع أن علي بن أخيه مسلم قد ملكها ومعه أمه صفية عمة ملك شاه، فبعث إليها وتلطَّف بها، فدفعت إليه ملك الموصل فدخلها وكان تُتش صاحب الشام أخو ملك شاه قد طمع في ملك العراق واجتمع إليه الأمراء بالشام وجاء أقسنقر صاحب حَلب وسار إلى نصيبين، فملكها وبعث إلى إبراهيم أن يخطب له، ويُسهل طريقه إلى بغداد، فامتنع إبراهيم من ذلك فسار تُتُش ومعه أقسنقر وجموع التُّرك، وخرج إبراهيم للقائه في ثلاثين ألفاً. والتقى الفريقان بالمغيم فانهزم إبراهيم، وقُتِل وغنم التُّرك حللهم، وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفاً من الفضيحة واستولى تُتُش على الموصل.
ولاية علي بن مسلم على الموصل ثم انتزاعها منه وانقراض أمر بني المسيب من الموصل:
ولما قتل إبراهيم وملك تُتُش الموصل ولّى عليها علي بن أخيه مسلم بن قريش، فدخلها مع أمه صفية عند ملك شاه، واستقرت هي وأعمالها في ولايته، وسار تُتُش إلى ديار بكر فملكها، ثم إلى أذربيجان فاستولى عليها. وزحف إليه بركيارق وابن أخيه ملك شاه وتقاتلا فانهزم تُتُش، وقام بمكانه ابنه رضوان وملك حَلب وأمره السلطان بركيارق بإطلاق كربوقا فأطلقه. واجتمعت عليه رجال، وجاء إلى حران فملكها، فكاتبه محمد بن مسلم بن قريش وهو بنصيبين ومعه توران بن وهيب وأبو الهيجاء الكردي يستنصرونه على علي بن مسلم بن قريش بالموصل، فسار إليهم وقبض على محمد بن مسلم وسار به إلى نصيبين فملكها. ثم سار إلى الموصل فامتنعت عليه ورجع إلى مدينة بلد. وقتل بها محمد بن مسلم غريقاً، وعاد إلى حصار الموصل، واستنجد علي بن مسلم بالأمير جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر، فسار إليه منجداً له، وبعث كربوقا إليه عسكراً مع أخيه ألتوتناش، فرده مهزوماً إلى الجزيرة، فتمسك بطاعة كربوقا وجاء مدداً له على حصار الموصل، واشتد الحصار بعلي بن مسلم، فخرج من الموصل ولحق بصدقة بن مزيد بالحلَّة وملك كربوقا بلد الموصل بعد حصار تسعة أشهر. وانقرض ملك بني المسيب من الموصل وأعمالها واستولى عليها ملوك الغز من السلجوقية أمراؤهم والبقاء لله وحده.
ما جاء من أخبارهم بتاريخ أبي الفداء الجزء الثالث:
في هذه السنة (٣٨٠) استولى أبو الذوّاد محمد بن المسيب بن رافع بن المقلَّد بن جعفر أمير بني عقيل على الموصل، وقتل أبا الطاهر ابن ناصر الدولة بن حمدان، وقتل أولاده وعدة من قواده بعد قتال جرى بينهما واستقر أمر أبي الذوّاد بالموصل.
وفي سنة ٣٨٦ مات أبو ذَوّاد بن المسيب أمير الموصل وولي بعده أخوه المقلَّد بن المسيب.
وفي سنة ٣٩١ قتل حسام الدولة المقلَّد بن المسيب بن رافع بن
المقلَّد بن جعفر بن عمر بن مهنا بن يُزَيدْ (بالتصغير) بن عبد الله بن زيد من ولد ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العقيلي، وكان المقلَّد المذكور أعور، وأخوه أبو الذوّاد محمد بن المسيب هو أول من استولى منهم على الموصل وملكها في سنة ثمانين وثلاثمائة. واستمر مالكها حتى قتل في هذه السنة، قتله مماليكه التُّرك بالأنبار وكان قد عظم شأنه، ولما مات قام مقامه ابنه قرواش بن المقلَّد بن المسيب. وفي هذه الصفحة في حوادث سنة ٣٩٢ جرى بين قرواش بن المقلَّد بن المسيب العقيلي وبين عسكر بهاء الدولة حروب انتصر فيها قرواش، ثم انتصر عسكر بهاء الدولة.
وفي حوادث سنة ٤١١ في الموصل قبض معتمد الدولة قرواش بن المقلَّد على وزيره أبي القاسم المغربي، ثم أطلقه فيما بعد وقبض أيضاً على سليمان بن فهد، وكان ابن فهد في حداثته بين يدي الصابي ببغداد، ثم صعد إلى الموصل وخدم المقلَّد بن المسيب والد قرواش، ثم نظر في ضياع قرواش فظلم أهلها، ثم سخط قرواش عليه وحبسه، ثم قتله وهو المذكور في شعر ابن الزمكدم في أبياته وهي:
ولـيل كـوجه البرقعيدي مظلم وبـرد أغـانيه وطـول قرونه
سـريت ونومي فيه نوم مشرد كـعقل سـليمان بن فهد ودينه
عـلى أولـق فـيه التفات كأنه أبـو جـابر في خطبه وجنونه
إلـى أن بدا نور الصباح كأنه سنى وجه قرواش وضوء جبينه
وكان من حديث هذه الأبيات أن قرواشاً جلس في مجلس شرابه في ليلة شاتية، وكان عنده المذكورون، وهم البرقعيدي وكان مغنياً لقرواش وسليمان بن فهد الوزير المذكور، وأبو جابر وكان حاجباً لقرواش. فأمر قرواش الزمكدم أن يهجو المذكورين ويمدحه فقال هذه الأبيات البديهية.
في حوادث سنة ٤٢٥ وفيها تُوفِّي بدران بن المقلَّد صاحب نصيبين فقصد ولده قريش عمه قرواشاً، فأقر عليه حاله وماله وولاية نصيبين واستقر قريش بها.
في حوادث سنة ٤٣٧ قتل عيسى بن موسى لهَمَذاني صاحب أربل،
قتله ابنا أخ له وملكا قلعة أربل، وكان لعيسى أخ آخر اسمه سلار بن موسى قد نزل على قرواش صاحب الموصل لوحشة كانت بين سلار وأخيه عيسى. فلما بلغه قتل أخيه سار قرواش إلى أربل ومعه سلار فملكها وتسلمها سلار وعاد قرواش إلى الموصل.
في حوادث سنة ٤٤٢ استولى أبو كامل بركة بن المقلَّد، على أخيه قرواش بن المقلَّد، ولم يبق لقرواش مع أخيه المذكور تصرف في المملكة وغلب عليها أبو كامل المذكور ولقبُه زعيم الدولة.
في حوادث سنة ٤٤٣ تُوفِّي بركة بن المقلَّد بن المسيب بتكريت، واجتمع العرب وكبراء الدولة على إقامة ابن أخيه قريش بن بدران بن المقلَّد وكان بدران بن المقلَّد المذكور صاحب نصيبين، ثم صارت لقريش المذكور بعده. وكان قرواش تحت الاعتقال منذ اعتقله أخوه بركة مع القيام بوظائفه ورواتبه، فلما تولّى قريش نقل عمه قرواشاً إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل فاعتقله بها.
في حوادث سنة ٤٤٤ مستهل رجب تُوفِّي معتمد الدولة، أو منيع قرواش بن المقلَّد بن المسيب العقيلي الذي كان صاحب الموصل، وكان محبوساً بقلعة الجراحية من أعمال الموصل، وحمل فدفن بتل توبة من مدينة نينوى شرقي الموصل. وقيل: إن ابن أخيه قريش بن بدران المذكور أحضر عمه قرواشاً المذكور من الحبس إلى مجلسه وقتله فيه. وكان قرواش من ذوي العقل وله شعر حسن منه:
لـلـه در الـنـائبات فـإنه صدأ القلوب وصيقل الأحرار
مـا كنت إلاَّ زبرة فطبعنني سيفاً وأطلق صرفهن غراري
وجمع قرواش المذكور بين أختين في نكاحه، فقيل له: إن الشريعة تحرم ذلك، فقال: وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة. وقال مرة: ما برقبتي غير خمسة أو ستة قتلتهم من البادية، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم.
في حوادث سنة ٤٥٠ سار إبراهيم نيال بعد انفصاله عن الموصل إلى هَمَذان وسار طغرلبك من بغداد في أثر أخيه أيضاً إلى هَمَذان، وتبعه من كان ببغداد من التُّرك، فقصد البساسيري بغداد ومعه قريش بن بدران
العقيلي في مائتي فارس، ووصل إليها يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة غلام ونزل بمشرعة الزوايا. وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي خليفة مصر، وأمر فأذّن بحي على خير العمل ثم عبر عسكره إلى الزاهر، وخطب بالجمعة الأُخرى من وصوله للمصري بجامع الرصافة أيضاً، وجرى بينه وبين مخالفيه حروب في أثناء الأسبوع. وجمع البساسيري جماعته ونهب الحريم، ودخل الباب النوبي فركب الخليفة القائم لابساً للسواد، وعلى كتفه البردة وبيده سيف وعلى رأسه اللواء، وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة وسرى النهب إلى باب الفردوس من داره، فلما رأى القائم ذلك رجع إلى ورائه، ثم صعد إلى المنظرة ومع القائم رئيس الرؤساء، وقال رئيس الرؤساء لقريش بن بدران: يا علم الدين أمير المؤمنين القائم يستذم بذمامك وذمام رسول الله وذمام العربية على نفسه وماله وأهل وأصحابه، فأعطى قريش بحضرته ذماماً، فنزل القائم ورئيس الرؤساء إلى قريش من الباب المقابل لباب الحَلبة وسارا معه، فأرسل البساسيري إلى قريش، وقال له: أتخالف ما استقر بيننا وتنقض ما تعاهدنا عليه، وكانا قد تعاهدا على المشاركة وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر. ثم اتفقا على أن يسلم رئيس الرؤساء إلى البساسيري؛ لأنه عدوه ويبقى الخليفة عند قريش. وحمل قريش الخليفة إلى معسكره ببردته والقضيب ولوائه، ونهبت دار الخليفة وحريمها أياماً، ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس. وسار به مهارس والخليفة في هودج إلى حديثة عانة، فنزل بها وسار أصحاب الخليفة إلى طغرلـبك، وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر إلى المصلّى بالجانب الشرقي وعلى رأسه ألوية خليفة مصر، وأحسن إلى الناس، ولم يتعصب لمذهب، وكانت والدة القائم باقية، وقد قاربت تسعين سنة، فأفرد لها البساسيري داراً وأعطاها جاريتين من جواريها، وأجرى لها الجِراية، وكان قد حبس البساسيري رئيس الرؤساء، فأحضره من الحبس، فقال رئيس الرؤساء: العفو، فقال له البساسيري: أنت قدرت فما عفوت، وأنت صاحب طيلسان وفعلت الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي. وجرى على رئيس الرؤساء أمور من التشهير الممقوت ما ندع ذكره، ومات تعذيباً وصلباً وأرسل البساسيري إلى المستنصر العلوي بمصر يعرِّفه بإقامة الخطبة له بالعراق، وكان الوزير هناك ابن أخي أبي القاسم المغربي، وهو ممن هرب
من البساسيري. فبرَّد فعل البساسيري وخوف من عاقبته فتركت أجوبته مدة ثم عادت بخلاف ما أمله. ثم سار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكها. وأما طغرلبك فكان قد خرج عليه أخوه إبراهيم نيال وجرى بينه وبينه قتال، وآخره أن طغرلبك انتصر على أخيه إبراهيم نيال وأسره وخنقه بوتر، وكان قد خرج عليه مراراً وطغرلبك يعفو عنه، فلم يعف عنه في هذه المرة. وفي هذه السنة أعاد طغرلبك القائم إلى مقر ملكه وانتهى الأمر بقتل البساسيري.
في سنة ٤٥٢ تُوفِّي قريش بن بدران بن المقلَّد بن المسيب صاحب الموصل ونصيبين، وكانت وفاته بنصيبين، وقام بالأمر بعده ابنه شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش.
في سنة ٤٥٨ أقطع ألب ارسلان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلَّد بن المسيب صاحب الموصل، الأنبار، وتكريت زيادة على الموصل.
في سنة ٤٧٧ سار فخر الدولة بن جهير بعساكر السلطان ملكشاه إلى قتال شرف الدولة مسلم بن قريش، ثم سير السلطان ملكشاه إلى فخر الدولة جيشاً آخر فيهم الأمير أرتق بن أكسك، وقيل: أكسب، والأول أصح جد الملوك لأرتقية، فانهزم شرف الدولة مسلم وانحصر في آمد ونزل الأمير أرتق على آمد فحصره، فبذل له مسلم بن قريش مالاً جليلاً ليمكِّنه من الخروج من آمد، فأذن له أرتق وخرج شرف الدولة من آمد في حادي عشرين ربيع الأول من هذه السنة، فسار إلى الرقة وبعث إلى أرتق ما وعده به ثم سير السلطان عميد الدولة إلى الموصل، فاستولى عليها عميد الدولة، وهذا اقسنقر هو والد عماد الدولة زنكي، ثم أرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى شرف الدولة بالعهود يستدعيه إلى السلطان. فقدم شرف الدولة إليه وأحضره عند السلطان ملكشاه بالبوازيج وكان قد ذهبت أمواله فاقترض شرف الدولة مسلم ما خدم به السلطان وقدم إليه خيلاً من جملتها فرسه الذي نجا عليه في المعركة، وكان اسم الفرس بشّار، وكان سابقاً وسابق به السلطان الخيل، فجاء سابقاً فقام السلطان قائماً لما تداخله من العجب فرضي السلطان على مسلم وخلع عليه وأقرَّه على بلاده.
في حوادث هذه السنة نفسها قال: لما ملك سليمان بن قطلومش أنطاكية أرسل شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل وحَلب يطلب منه ما كان يحمله إليه أهل أنطاكية، فأنكر سليمان ذلك. وقال: إن صاحب أنطاكية كان نصرانياً فكنت تأخذ منه ذلك على سبيل الجزية. ولم يعطه شيئاً، فجمعا واقتتلا في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في طرف أعمال أنطاكية، فانهزم عسكر مسلم، وقتل شرف الدولة مسلم في المعركة، وقُتِل بين يدي أربعمائة غلام من أحداث حَلب. وكان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلَّد بن المسيب أحول، واتسع ملكه، وزاد على ملك من تقدمه من أهل بيته، فإنه ملك السندية التي على نهر عيسى إلى منبج، وديار ربيعة ومضر عن الجزيرة وحَلب وما كان لأبيه وعمه قرواش من الموصل وغيرها. وكان مسلم يسوس مملكته سياسة حسنة بالأمر والعدل. ولما قتل قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش وهو محبوس، فأخرجوه وملَّكوه، وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث صار لم يقدر على المشي لما خرج.
وأما قلعة حَلب فكان بها منذ قتل مسلم بن قريش سالم بن مالك بن بدران بن المقلَّد بن المسيب العقيلي، وهو ابن عم شرف الدولة مسلم، فحاصر تُتُش القلعة سبعة عشر يوماً، فبلغه وصول مقدمة أخيه السلطان ملكشاه.
ولما قتل سليمان بن قطلومش مسلم بن قريش أرسل إلى ابن الْحُتَّيتي العباسي مقدم أهل حَلب يطلب منه تسليمها، فاستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه، وأرسل ابن الْحُتَّيتي استدعى تُتُش إلى حَلب، وكان مع تُتُش أرتق بن أكسك؛ وقد فارق خدمة ملكشاه خوفاً من إطلاق مسلم بن قريش من آمد، وكان ابن الْحُتَّيتي قد كاتب السلطان ملكشاه في أمر حَلب فسار إليها من أصفهان في جمادى الآخرة، فملك في طريقه حران وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش. ثم سار إلى الرها فملكها وملك قلعة جعبر، ثم ملك منبج وسار إلى حَلب فلما قاربها رحل أخوه تُتُش عنها على البرية وتوجَّه إلى دمشق، ووصل السلطان إلى حَلب وتسلمها وتسلم القلعة من سالم بن مالك بن بدران العقيلي على أن يعوضه بقلعة جعبر
فبقيت بيده ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود بن زنكي.
سنة ٤٨٦ وفيها تحرك تُتُش من دمشق لطلب السلطنة بعد موت أخيه ملكشاه، واتفق معه اقسنقر صاحب حَلب، وخطب له باغي سيان صاحب أنطاكية وبران صاحب الرها. وسار تُتُش ومعه اقسنقر فافتتح نصيبين عنوة ثم قصد الموصل، وكنا قد ذكرنا (أبو الفداء) في سنة سبع وسبعين وأربعمائة أنه لما قتل شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل وحَلب وغيرهما استولى على الموصل إبراهيم بن قريش أخو مسلم. ثم إن ملكشاه قبض على إبراهيم سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وأخذ منه الموصل، وبقي إبراهيم معه حتى مات ملكشاه، فأطلق إبراهيم وسار إلى الموصل وملكها. فلما قصد تُتُش في هذه السنة الموصل خرج إبراهيم لقتاله، والتقوا بالمضيّع من أعمال الموصل، وجرى بينهم قتال شديد انهزمت فيه المواصلة، وأخذ إبراهيم بن قريش أسيراً وجماعة من أمراء العرب، فقُتلوا وملك تُتُش الموصل، واستثاب عليها علي بن مسلم بن قريش وأمه صفية عمة تُتُش، وأرسل تُتُش إلى بغداد يطلب الخطبة فتوقفوا فيها. ثم سار تُتُش واستولى على ديار بكر.
في سنة ٤٨٩ بعد مقتل تُتُش سنة ٤٨٨ قصد كربوغا نصيبين، وبها محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش، فطلع محمد إلى كربوغا واستحلفه ثم غدر كربوغا بمحمد، وقبض عليه وحاصر نصيبين وملكها، ثم سار إلى الموصل وقتل في طريقه محمد بن مسلم بن قريش بن بدران بن المقلَّد بن المسيب، وحصر الموصل وبها علي بن مسلم أخو محمد المذكور من حين استنابه بها تتش، فلما ضاق عليه الأمر هرب من الموصل إلى صدقة بن مزيد بالحلَّة بعد حصار تسعة أشهر.
سنة ٥١٩ وفيها مات سالم بن مالك بن بدران بن المقلَّد بن المسيب صاحب قلعة جعبر، وملكها بعده ابنه مالك بن سالم.
الجزء الثالث ص١٨ سنة (٥٤١) سار عماد الدين زنكي، ونزل على قلعة جعبر وحصرها وصاحبها علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن المقلَّد بن المسيب العقيلي، وأرسل عسكراً إلى قلعة فنك وهي تجاور جزيرة ابن عمر، فحصرها أيضاً وصاحبها حسام الدين الكردي البشنوي.
ولما طال على زنكي منازلة قلعة جعبر أرسل مع حسَّان البعلبكي الذي كان صاحب منبج يقول لصاحب قلعة جعبر: قل لي من يخلصك مني،فقال صاحب قلعة جعبر لحسَّان: يخلصني منك الذي خلصك من بلك بن بهرام بن أرتق، وكان بلك محاصراً منبج، فجاءه سهم قتله فرجع حسَّان إلى زنكي ولم يخبره بذلك فاستمر زنكي منازلاً قلعة جعبر، فوثب عليه جماعة من مماليكه وقتلوه في خامس ربيع الآخر من هذه السنة بالليل وهربوا إلى قلعة جعبر، فصاح من بها على العسكر وأعلموهم بقتل زنكي فدخل أصحابه إليه وبه رمق ودفن بالرقة.
سنة ٥٦٤ في هذه السنة ملك نور الدين محمود قلعة جعبر وأخذها من صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن المقلَّد بن المسيب العقيلي، وكانت بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه، ولم يقدر نور الدين على أخذها إلا بعد أن أسر صاحبها مالك المذكور بنو كِلاب، وأحضروه إلى نور الدين محمود، واجتهد به على تسليمها فلم يفعل، فأرسل عسكراً مقدمهم فخر الدين مسعود بن أبي علي الزعفراني وردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر المعروف بابن الداية، وكان رضيع نور الدين وحصروا قلعة جعبر، فلم يظفروا منها بشيء وما زالوا على صاحبها مالك حتى سلمها وأخذ عنها عوضاً مدينة سروج بأعمالها والملوحة من بلد حَلب وعشرين ألف دينار معجلة وباب بزاعة.
ما جاء في كامل ابن الأثير من أوليتهم وأخبارهم
الجزء التاسع في سنة ٣٠٨ لما ملك أبو طاهر والحسين ابنا حمدان بلاد الموصل طمع فيها باذ وجمع الأكراد، فأكثر وممن أطاعه الأكراد البشنوية أصحاب قلعة فنك، وكانوا كثيراً وكاتب أهل الموصل فاستمالهم فأجابه بعضهم، فسار إليهم ونزل بالجانب الشرقي فضعفا عنه. وراسلا أبا الذوّاد محمد بن المسيب أمير بني عقيل واستنصراه، فطلب منهما جزيرة ابن عمر ونصيبين وبلداً غير ذلك. فأجاباه إلى ما طلب، وانتهى الأمر بانتصار الأميرين الحماديين بمناصرة أبي الذوّاد على باذ، فكانت هذه أول إمرة لبني عقيل في دولة بني حمدان.
في سنة ٣٨٠ لما انهزم أبو طاهر بن حمدان من أبي علي بن مروان
سار إلى نصيبين في قلة من أصحابه وكانوا قد تفرقوا، فطمع فيه أبو الذوّاد محمد بن المسيب أمير بني عقيل، وكان صاحب نصيبين حينئذ، فثار بأبي طاهر، فأسره وأسر ولده وعدة من قوادهم، وقتلهم وسار إلى الموصل فملكها وأعمالها، وكاتب بهاء الدولة يسأله أن ينفذ إليه من يقيم عنده من أصحابه يتولّى الأمور. فسيَّر إليه قائداً من قواده وكان بهاء الدولة قد سار من العراق إلى الأهواز، وأقام نائب بهاء الدولة وليس له من الأمر شيء، ولا يحكم إلا فيما يريده أبو الذوَّاد.
في سنة (٣٨٢) كان بهاء الدولة قد أنفذ أبا جعفر الحجاج بن هرمز في عسكر كثير إلى الموصل، فملكها آخر سنة إحدى وثمانين، فاجتمعت عقيل وأميرهم أبو الذواد محمد بن المسيب على حربه، فجرى بينهم عدة وقائع ظهر من أبي جعفر فيها بأس شديد حتى أنه كان يضع له كرسياً بين الصفين ويجلس عليه. فهابه العرب، واستمد من بهاء الدولة عسكراً فأمده بالوزير أبي القاسم علي بن أحمد، وكان مسيره أول هذه السنة. فلما وصل إلى العسكر كتب بهاء الدولة إلى أبي جعفر بالقبض عليه، فعلم أبو جعفر أنه إن قبض عليه اختلف العسكر وظفر به العرب، فتراجع في أمره. وكان سبب ذلك أن ابن المعلم كان عدواً له، فسعى به عند بهاء الدولة فأمر بقبضه، وكان بهاء الدولة أذناً يسمع ما يقال له ويفعل به، وعلم الوزير الخبر، فشرع في صلح أبي الذوّاد وأخذ رهائنه والعود إلى بغداد فأشار عليه أصحابه باللحاق بأبي الذوّاد، فلم يفعل أنفة وحسن عهد فلما وصل إلى بغداد رأى ابن المعلم قد قُبِض وقُتِل وكُفِي شره. ولما أتاه خبر قبض ابن المعلم وقتله ظهر عليه الانكسار، فقال له خواصه: ما هذا الهم وقد كفيت شر عدوك، فقال: إن ملكاً قرب رجلاً كما قرب بهاء الدولة ابن المعلم، ثم فعل به هذا لحقيق بأن تخاف ملابسته. وكان بهاء الدولة قد أرسل الشريف أبا أحمد الموسوي رسولاً إلى أبي الذوّاد فأسره العرب ثم أطلقوه، فورد إلى الموصل وانحدر إلى بغداد.
سنة (٣٨٦) في هذه السنة ملك المقلَّد بن المسيب مدينة الموصل، وكان سبب ذلك أن أخاه أبا الذَّوّاد تُوفِّي في هذه السنة، فطمع المقلَّد في الإمارة فلم تساعده عقيل على ذلك، وقلدوا أخاه علياً؛ لأنه أكبر منه فشرع المقلَّد واستمال الديلم الذين كانوا مع أبي جعفر الحجاج بالموصل فمال
إليه بعضهم، وكتب إلى بهاء الدولة يضمن منه البلد بألفي ألف درهم كل سنة، ثم حضر عند أخيه علي وأظهر له أن بهاء الدولة قد ولاه الموصل وسأله مساعدته على أبي جعفر؛ لأنه قد منعه عنها، فساروا ونزلوا على الموصل، فخرج إليهم كل من استماله المقلَّد من الديلم، وضعف الحجاج وطلب منهم الأمان فأمنوه ووعدهم يوماً يخرج إليهم فيه. ثم إنه انحدر في السفن قبل ذلك اليوم، فلم يشعروا به إلا بعد انحداره، فتبعوه فلم ينالوا منه شيئاً ونجا بماله منهم، وسار إلى بهاء الدولة ودخل المقلَّد البلد. واستقر الأمر بينه وبين أخيه على أن يخطب لهما ويقدِّم علي لكبره ويكون له معه نائب يجبي المال، واشتركا في البلد والولاية وسار علي إلى البر وأقام المقلَّد وجرى الأمر على ذلك مدة مديدة، ثم تشاجروا واختصموا وكان المقلَّد يتولّى حماية غربي الفرات من أرض العراق، وكان له ببغداد نائب فيه تهور، فجرى بينه وبين أصحاب بهاء الدولة مشاجرة، فكتب إلى المقلَّد يشكو، فانحدر من الموصل في عساكره وجرى بينه وبين أصحاب بهاء الدولة حرب انهزموا فيها. وكتب إلى بهاء الدولة يعتذر وطلب إنفاذ من يعقد عليه ضمان القصر وغيره، وكان بهاء الدولة مشغولاً بمن يقاتله من عساكر أخيه، فاضطر إلى المغالطة، ومد المقلَّد يده فأخذ الأموال، فبرز نائب بهاء الدولة ببغداد وهو حينئذ أبو علي بن إسماعيل، وخرج إلى حرب المقلَّد، فبلغ الخبر إليه فأنفذ أصحابه ليلاً فاقتتلوا وعادوا إلى المقلَّد، فلما بلغ الخبر إلى بهاء الدولة بمجيء أصحاب المقلَّد إلى بغداد أنفذ أبا جعفر الحجاج إلى بغداد وأمره بمصالحة المقلَّد والقبض على أبي علي بن إسماعيل. فسار إلى بغداد في آخر ذي الحجَّة، فلما وصل إليها أرسله المقلَّد في الصلح، فاصطلحا على أن يحمل لبهاء الدولة عشرة آلاف دينار، ولا يأخذ من البلاد إلا رسم الحماية، ويخطب لأبي جعفر بعد بهاء الدولة، وأن يخلع على المقلَّد الخلع السلطانية،ويُلقَّب بحسام الدولة، ويقطع الموصل والكوفة والقصر والجامعين. واستقر الأمر على ذلك، وجلس القادر بالله له ولم يف المقلَّد من ذلك بشيء إلا بحمل المال، واستولى على البلاد ومد يده في المال وقصده المتصرفون والأماثل وعظم قدره.
سنة (٣٨٧): في هذه السنة قبض المقلَّد على أخيه علي؛ وكان سبب ذلك ما تقدم ذكره من الاختلاف الواقع بين أصحابهما واشتغل المقلَّد بما
سبق بيانه بالعراق، فلما خلا وجهه وعاد إلى الموصل عزم على الانتقام من أصحاب أخيه، ثم خافه وعمل الحيلة في قبض أخيه، فأحضر عسكره من الديلم والأكراد، وأعلمهم أنه يريد قصد دقوقا وحلَّفهم على الطاعة، وكانت داره ملاصقة دار أخيه، فنقب في الحائط ودخل عليه وهو سكران فأخذه وأدخله الخزانة، وقبض عليه وأرسل إلى زوجته يأمرها بأخذ ولديه قرواش وبدران واللحاق بتكريت قبل أن يسمع أخوه الحسن الخبر. ففعلت ذلك وخلصت، وكانت في الحلَّة التي له على أربعة فراسخ من تكريت وسمع الحسن الخبر، فبادر إلى الحلَّة ليقبض أولاد أخيه فلم يجدهم. وأقام المقلَّد بالموصل يستدعي رؤساء العرب ويخلع عليهم، واجتمع عنده زهاء ألفي فارس، وسار الحسن إلى حلل أخيه ومعه أولاد أخيه علي وحرمه ويستنفرهم على المقلَّد، واجتمع معهم نحو عشرة آلاف وراسل المقلَّد يؤذنه بالحرب، فسار عن الموصل وبقي بينهم، فنزل واحد ونزل بإزاء العلث، فحضره وجوه العرب واختلفوا عليه، فمنهم من أشار بالحرب منهم رافع بن محمد بن مقن، ومنهم من أشار بالكف عن القتال وصلة الرحم منهم غريب بن محمد بن مقن، وتنازع هو وأخوه فبينما هم في ذلك قيل للمقلَّد: إنّ أختك رهيلة بنت المسيب تريد لقاءك وقد جاءتك، فركب وخرج إليها، فلم تزل معه حتى أطلق أخاه علياً ورد إليه ماله ومثله معه وأنزله في خيم ضربها له. فسر الناس بذلك، وتحالفا وعاد إلى حلته وعاد المقلَّد إلى الموصل، وتجهَّز للمسير إلى أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي؛ لأنه تعصب لأخيه علي وقصد ولاية المقلَّد بالأذى فسار إليه. ولما خرج علي من محبسه اجتمع العرب إليه، وأشاروا عليه بقصد أخيه المقلَّد فسار إلى الموصل، وبها أصحاب المقلَّد وامتنعوا عليه فافتتحها، فسمع المقلَّد بذلك فعاد إليه، واجتاز في طريقه بحلة أخيه الحسن، فخرج إليه ورأى كثرة عسكره، فخاف على أخيه علي منه، فأشار عليه بالوقوف ليصلح الأمر، وسار إلى أخيه علي، وقال له: إن الأعور يعني المقلَّد قد أتاك بحده وحديده وأنت غافل، وأمره بإفساد عسكر المقلَّد، فكتب إليهم فظفر المقلَّد بالكتب، فأخذها وسار مجدِّاً إلى الموصل، فخرج إليه أخواه علي والحسن وصالحاه ودخل الموصل وهما معه. ثم خاف علي فهرب من الموصل ليلاً وتبعه الحسن وتردُّدت الرسل بينهم، فاصطلحوا على أن يدخل أحدهما البلد في غيبة الآخر، وبقوا كذلك
إلى سنة تسع وثمانين ومات علي سنة تسعين وقام الحسن مقامه، فقصده المقلَّد ومعه بنو خفاجة، فهرب الحسن إلى العراق وتبعه المقلَّد، فلم يدركه فعاد، ولما استقر أمر المقلَّد بعد أخيه علي سار إلى بلد علي بن مزيد الأسدي، فدخله ثانية والتجأ ابن مزيد إلى مهذّب الدولة، فتوسط ما بينه وبين المقلَّد. وأصلح الأمر معه، وسار المقلَّد إلى دقوقا فملكها ثم ملكها عليه جبريل بن محمد، ثم عادت إلى المقلَّد، ثم ملكها محمد بن عناز بعده، ثم أخذها بعده قرواش، ثم انتقلت إلى فخر الدولة أبي غالب ثم إلى جبريل وموصك بن جكويه من أمراء الأكراد، ثم قصدها بدران بن المقلَّد وأخذها منهما.
سنة (٣٩١): في هذه السنة قتل حسام الدولة المقلَّد بن المسيب العقيلي غيلة قتله مماليك له ترك. وكان سبب قتله أن هؤلاء الغلمان كانوا قد هربوا منه فتبعهم وظفر بهم وقتل منهم وقطع وأعاد الباقين، فخافوه على نفوسهم فاغتنم بعضهم غفلته وقتلوه بالأنبار. وكان قد عظم أمره وراسل وجوه العساكر ببغداد، وأراد التغلب على الملك، فأتاه الله من حيث لا يشعر. ولما قُتِل كان ولده الأكبر قرواش غائباً، وكانت أمواله وخزائنه بالأنبار فخاف نائبه عبد الله بن إبراهيم بن شهرويه بادرة الجند، فراسل أبا منصور بن قراد اللديد، وكان بالسندية فاستدعاه إليه، وقال له: أن أجعل بينك وبين قراوش عهداً وأُزوجه ابنتك، وأقاسمك على ما خلفه أبوه وتساعده على عمه الحسن إن قصده وطمع فيه. فأجابه إلى ذلك وحمى الخزائن والبلد، وأرسل عبد الله إلى قرواش يحثه على الوصول، فوصل وقاسمه على المال وأقام قراد عنده، ثم إن الحسن بن المسيب جمع مشايخ عقيل وشكا قرواشاً إليهم وما صنع مع قراد، فقالوا له: خوفُه منك حمله على ذلك، فبذل من نفسه الموافقة له والوقوف عند رضاه، وسفر المشايخ بينهما فاصطلحا، واتفقا على أن يسير الحسن إلى قرواش شبه المحارب ويخرج هو وقراد لقتاله، فإذا لقي بعضهم بعضاً عادوا جميعاً على قراد فأخذوه. فسار الحسن وخرج قرواش وقراد لقتاله. فلما تراءى الجمعان جاء بعض أصحاب قراد إليه فأعلمه الحال، فهرب على فرس له وتبعه قرواش والحسن فلم يدركاه، وعاد قرواش إلى بيت قراد، فأخذ ما فيه من الأموال التي أخذها من قرواش وهي بحالها. وسار قرواش إلى الكوفة فأوقع بخفاجة
عندها وقعة عظيمة، فساروا بعدها إلى الشام، فأقاموا هناك حتى أحضرهم أبو جعفر الحجاج.
سنة (٣٩٢): في هذه السنة سيَّر قرواش بن المقلَّد جمعاً من عقيل إلى المدائن، فحصروها فسيَّر إليهم أبو جعفر نائب بهاء الدولة جيشاً فأزالوهم عنها، فاجتمعت عقيل وأبو الحسن مزيد في بني أسد وقويت شوكتهم. فخرج الحجاج إليهم واستنجد خفاجة وأحضرهم من الشام فاجتمعوا معه واقتتلوا بنواحي (باكرم) في رمضان، فانهزمت الديلم والتُّرك وأُسر منهم خلق كثير واستبيح عسكرهم، فجمع أبو جعفر من عنده من العسكر وخرج إلى بني عقيل وابن مزيد، وقتل من أصحابهم خلق كثير وأسر مثلهم وسار إلى حلل ابن مزيد فأوقع بمن فيها فانهزموا أيضاً، فنهبت الحلل والبيوت والأموال، ورأوا فيها من العين والمصاغ والثياب ما لا يقدر قدره.
سنة (٣٩٧): في المحرم جرت وقعة بين معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلَّد العقيلي وبين أبي علي بن ثمال الخفاجي. وكان سببها أن قرواش جمع جمعاً كثيراً وسار إلى الكوفة وأبو علي غائب عنها، فدخلها ونزل بها وعرف أبو علي الخبر فسار إليه فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قرواش وعاد إلى الأنبار مغلولاً، وملك أبو علي الكوفة وأخذ أصحاب قرواش فصادرهم.
سنة (٣٩٩): في هذه السنة قتل عيسى بن خلاط العقيلي أبا علي بن ثمال الخفاجي الذي كان والياً للحاكم بأمر الله صاحب مصر على الرحبة، وملكها، وأقام فيها مدة ثم قصده بدران بن المقلَّد، فأخذها منه وبقيت لبدران، فأمر الحاكم بأمر الله نائبه بدمشق لؤلؤاً البشاري بالمسير إليها، فقصد الرقة أولاً وملكها، ثم سار إلى الرحبة وملكها، ثم انتهى أمر ملكها إلى صالح بن مرداس صاحب حَلب.
سنة (٤٠١): في هذه السنة أيضاً خطب قرواش بن المقلَّد أمير بني عقيل للحاكم بأمر الله العلوي صاحب مصر بأعماله كلها، وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها، وكان ابتداء الخطبة بالموصل: (الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدَّت بقدرته أركان النصب، وأطلع
بنوره شمس الحق من العرب. فأرسل القادر بالله أمير المؤمنين القاضي أبا بكر بن الباقلاني إلى بهاء الدولة يعرفه ذلك، وأن العلويين والعباسيين انتقلوا من الكوفة إلى بغداد، فأكرم بهاء الدولة القاضي أبا بكر، وكتب إلى عميد الجيوش يأمره بالمسير إلى حرب قرواش، وأطلق له مائة ألف دينار ينفقها في العسكر، وخلع على القاضي أبي بكر وولاّه قضاء عمان والسواحل، وسار عميد الجيوش إلى حرب قرواش، فأرسل يعتذر وقطع خطبة العلويين وأعاد خطبة القادر بالله.
سنة (٤٠١): وفيها تُوفِّي أبو عبد الله محمد بن مقن بن مقلد بن جعفر بن عمر بن المهيا العقيلي، وفي مقلد يجتمع آل المسيب وآل مقن، وكان عمره مائة وعشرة سنين، وكان بخيلاً شديد البخل وشهد مع القرامطة أخذ الحجر الأسود.
سنة (٤١٧): في هذه السنة اجتمع دُبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن حسَّان أمير خفاجة، وجمعا عشائرهما وغيرهم، وانضاف إليهما عسكر بغداد على قتال قرواش بن المقلَّد العقيلي؛ وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما بيد قرواش منه، فانحدر من الموصل لدفعهم فاستعانوا بدُبيس، فسار إليهم واجتمعوا، فأتاهم عسكر بغداد فالتقوا بظاهر الكوفة وهي لقرواش، فجرى بين مقدمته ومقدمتهما مناوشة وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم، فسار ليلاً جريدة في نفر يسير وعلم أصحابه بذلك فتبعوه منهزمين، فوصلوا إلى الأنبار وسارت أسد وخفاجة خلفهم. فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله، فلم يمكنهم الإقدام عليه واستولوا على الأنبار ثم تفرقوا.
وفي هذه السنة أصعد الأثير عنبر إلى الموصل من بغداد، وكان سببه أن الأثير كان حاكماً في الدولة البويهية ماضي الحكم نافذ الأمر والجند من أطوع الناس له وأسمعهم لقوله. فلما كان الآن زال ذلك وخالفه الجند فزالت طاعته عنهم، فلم يلتفتوا إليه فخافهم على نفسه، فسار إلى قرواش فندم الجند على ذلك وسألوه أن يعود فلم يفعل. وأصعد إلى الموصل مع قرواش فأخذ ملكه وإقطاعه بالعراق. ثم إن نجدة الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعا جمعاً كثيراً من عقيل، وانضم إليهم بدران أخو قرواش وساروا يريدون حرب قرواش. وكان قرواش لما سمع خبرهم قد اجتمع
هو وغريب بن معن والأثير عنبر، وأتاه مدد من ابن مروان، فاجتمع في ثلاثة عشر ألف مقاتل، فالتقوا عند بلد واقتتلوا وثبت بعضهم لبعض وكثر القتل. ففعل ثروان بن قراد فعلا جميلاً، وذلك أنه قصد غريباً في وسط المصاف واعتنقه وصالحه، وفعل أبو الفضل بدران بن المقلَّد بأخيه قرواش كذلك، فاصطلح الجميع وأعاد قرواش إلى أخيه بدران مدينة نصيبين.
الصفحة نفسها والسنة نفسها سار منيع بن حسَّان أمير خفاجة في الجامعين وهي لنور الدولة دُبيس فنهبها، فسار دُبيس في طلبه إلى الكوفة، ففارقها وقصد الأنبار، وهي لقرواش كان استعادها بعد ما ذكرناه قبل. فلما نازلها منيع قاتله أهلها، فلم يكن لهم بخفاجة طاقة، فدخل جنود خفاجة الأنبار ونهبوها وأحرقوا أسواقها، فانحدر قرواش إليهم ليمنعهم، وكان مريضاً ومعه غريب والأثير عنبر، ثم تركها ومضى إلى القصر فاشتد طمع جنود خفاجة وعادوا إلى الأنبار فأحرقوها مرة ثانية. وسار قرواش إلى الجامعين فاجتمع هو ونور الدولة دُبيس بن مزيد في عشرة آلاف مقاتل. فلم يقدر قرواش في ذلك الجيش العظيم على هذه الألف، وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد وأعادهم قرواش، وأقام عندهم الشتاء، ثم إن منيع بن حسَّان سار إلى الملك أبي كاليجار فأطاعه، فخلع عليه وأتى منيع الخفاجي إلى الكوفة، فخطب فيها لأبي كاليجار وأزال حكم عقيل عن سقي الفرات.
سنة (٤١٩): في هذه السنة في جمادى الأولى سار بدران بن المقلَّد العقيلي في جمع من العرب إلى نصيبين وحصرها، وكانت لنصر الدولة بن مروان، فخرج إليه عسكر نصر الدولة الذين بها وقاتلوه، فهزمهم واستظهر عليهم، وقتل جماعة من أهل نصيبين والعسكر، فسيَّر نصر الدولة عسكراً آخر نجدة لمن بنصيبين، فأرسل إليهم بدران عسكراً فلقوهم فقاتلوهم وهزموهم وقتلوا أكثرهم، فأزعج ذلك ابن مروان وأقلقه، فسير عسكراً آخر ثلاثة آلاف فارس، فدخلوا نصيبين واجتمعوا بمن فيها وخرجوا إلى بدران فاقتتلوا، فانهزم بدران ومن معه بعد قتال شديد وقت الظهر وتبعهم عسكر ابن مروان، ثم عطف عليهم بدران وأصحابه، فلم يثبتوا له. فأكثر فيهم القتل والأسر وغنم الأموال، فعاد عسكر ابن مروان مغلوبين، فدخلوا نصيبين فاجتمعوا بها، واقتتلوا مرة أُخرى وكانوا على السواء. ثم سمع بدران بأن
أخاه قرواشاً قد وصل إلى الموصل، فرحل خوفاً منه؛ لأنهما كانا مختلفين.
في سنة (٤٢٠) يذكر دخول الغز ديار بكر ومقاومة قرواش لهم ويذكر ملكهم مدينة الموصل ومقاومة قرواش لهم وانكساره، ثم يذكر ظفر قرواش بهم ص ١٦٣ مما يجب أن يضم إلى أخبار بني المقلَّد مع ما ذكر في ص١٦٤.
في سنة (٤٢١) قد ذكرنا محاصرة بدران نصيبين، وأنه رحل عنها خوفاً من قرواش، فلما رحل شرع في إصلاح الحال معه فاصطلحا، ثم جرى بين قرواش ونصر الدولة بن مروان نفرة كان سببها أن نصر الدولة كان قد تزوج ابنة قرواش، فآثر عليها غيرها فأرسلت إلى أبيها تشكو منه، فأرسل يطلبها إليه، فسيرها فأقامت بالموصل، ثم إن ولد مستحفظ جزيرة ابن عمر وهي لابن مروان هرب إلى قرواش، وأطمعه في الجزيرة، فأرسل إلى نصر الدولة يطلب منه صداق ابنته، وهو عشرون ألف دينار ويطلب الجزيرة لنفقتها، ويطلب نصيبين لأخيه بدران ويحتج بما أخرج بسببها عام أول، وتردُّدت الرسل بينهما في ذلك، فلم يستقر حال فسير جيشاً لمحاصرة الجزيرة وجيشاً مع أخيه بدران إلى نصيبين، فحصرها بدران وأتاه قرواش، فحصرها معه فلم يُمْلَك واحِد من البلدين، وتفرق من كان معه من العرب والأكراد. فلما رأى بدران تفرق الناس عن أخيه سار إلى نصر الدولة بن مروان بميافارقين يطلب منه نصيبين، فسلمها إليه وأرسل من صداق ابنة قرواش خمسة عشر ألف دينار واصطلحا.
وفي هذه السنة في جمادى الأولى اختلف قرواش وغريب بن مقن؛ وكان سبب ذلك أن غريباً جمع جمعاً كثيراً من العرب والأكراد، واستمد جلال الدولة فأمده بجملة صالحة من العسكر، فسار إلى تكريت فحصرها وهي لأبي المسيب رافع بن الحسين، وكان قد توجه إلى الموصل وسأل قرواشاً النجدة، فجمعا وحشدا وسارا منحدرين فيمن معهما، فبلغا الدكة وغريب يحاصر تكريت، وقد ضيَّق على من بها وأهلها يطلبون منه الأمان فلم يؤمنهم، فحفظوا نفوسهم وقاتلوا أشد قتال. فلما بلغه وصول قرواش ورافع سار إليهم، فالتقوا بالدكة واقتتلوا، فغدر بغريب بعض من معه ونهبوا سواده وسواد الأجناد الجلالية، فانهزم وتبعهم قرواش ورافع، ثم كفوا عنه وعن أصحابه ولم يتعرضوا إلى حلته وماله فيها وحفظوا ذلك أجمع، ثم إنهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من الوفاق.
سنة (٤٢٥): وفيها تُوفِّي بدران بن المقلَّد وقصد ولده عمه قرواشاً، فأقر عليه حاله وماله وولاية نصيبين، وكان بنو نُمير قد طمعوا فيها وحصروها، فسار إليهم ابن بدران فدفعهم عنها.
سنة (٤٣٣) يذكر الحلف بين جلال الدولة وقرواش صاحب الموصل.
سنة (٤٤٠) ذكر الحلف بين قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية. وفيها كانت الوحشة بين معتمد الدولة قرواش بن المقلَّد وبين أخيه زعيم الدولة أبي كامل بن المقلَّد، فانضاف قريش بن بدران بن المقلَّد إلى عمّه قرواش وجمع جمعاً، وقاتل عمه أبا كامل، فظفر ونصر وانهزم أبو كامل ولم يزل قريش يغري قرواشاً بأخيه حتى تأكدت الوحشة وتفاقم الشر بينهما.
ظهور الخلاف بين قرواش وأخيه أبي كامل وصلحهما:
سنة (٤٤١): في هذه السنة ظهر الخلاف بين معتمد الدولة قرواش وبين أخيه زعيم الدولة أبي كامل ظهوراً آل إلى المحاربة، وقد تقدم سبب ذلك. فلما اشتد الأمر وفسد الحال فساداً لا يمكن إصلاحه جمع كل منهما جمعاً لمحاربة صاحبه، وسار قرواش في المحرم وعبر دجلة بنواحي بلد، وجاءه سليمان بن نصر الدولة بن مروان، وأبو الحسن بن عيسكان الحميدي وغيرهما من الأكراد، وساروا إلى معلثايا، فأخرجوا المدينة ونهبوها ونزلوا بالمُغيثة، وجاء أبو كامل فيمن معه من العرب وآل المسيب فنزلوا بمرج بابنيثا وبين الطائفتين نحو فرسخ واقتتلوا يوم السبت ثاني عشر المحرم، وافترقوا من غير ظفر، ثم اقتتلوا يوم الأحد كذلك ولم يلابس الحرب سليمان بن مروان بل كان ناحية، ووافقه أبو الحسن الحُميدي وساروا عن قرواش، وفارقه جمع من العرب وقصدوا أخاه، فضعف أمر قرواش وبقي في حلته وليس معه إلا نفر يسير فركبت العرب من أصحاب أبي كامل لقصده، فمنعهم وأسفر الصبح يوم الاثنين، وقد تسرع بعضهم ونهب بعضاً من عرب قرواش، وجاء أبو كامل إلى قرواش واجتمع به ونقله إلى حلته وأحسن عشرته، ثم أنفذه إلى الموصل محجوراً عليه وجعل معه بعض زوجاته في دار. وكان مما فت في عضد قرواش وأضعف نفسه أنه كان قد قبض على قوم من الصيادين بالأنبار؛ لسوء طريقهم وفسادهم فهرب الباقون
منهم وبقي بعضهم بالسندية، فلما كان الآن سار جماعة منهم إلى الأنبار وتسلقوا السور ليلة خامس المحرم من هذه السنة، وقتلوا حارساً وفتحوا الباب ونادوا بشعار أبي كامل، فانضاف إليهم أهلوهم وأصدقاؤهم ومن له هوى في أبي كامل، فكثروا وثار بهم أصحاب قرواش، فاقتتلوا فظفروا وقتلوا من أصحاب معتمد الدولة قرواش جماعة وهرب الباقون. فبلغه خبر استيلاء أخيه، ولم يبلغه عود أصحابه. ثم إن المسيب وأمراء العرب كلفوا أبا كامل ما يعجز عنه واشتطوا عليه، فخاف أن يؤول الأمر بهم إلى طاعة قرواش وإعادته إلى مملكته، فبادرهم إليه وقبل يده، وقال له: إنني وإن كنت أخاك فإنني عبدك وما جرى هذا إلا بسبب من أفسد رأيك فيَّ وأشعرك الوحشة مني، والآن فأنت الأمير وأنا الطائع لأمرك والتابع لك. فقال له قرواش: بل أنت الأخ والأمر لك مسلّم، وأنت أقوم به مني، وصلح الحال بينهما وعاد قرواش إلى التصرف على حكم اختياره. وكان أبو كامل قد أقطع بلال بن غريب بن مقن حربى وأوانا، فلما اصطلح أبو كامل وقرواش أرسلا إلى حربى من منع بلالاً عنها، فتظاهر بلال بالخلاف عليهما وجمع إلى نفسه جمعاً، وقاتل أصحاب قرواش وأخذ حربى وأوانا بغير اختيارهما، فانحدر قرواش من الموصل إليهما وحصرهما وأخذهما.
وفي هذه السنة سار جمع من بني عقيل إلى بلد العجم من أعمال العراق وبادوريا، فنهبوها وأخذوا من الأموال الكثير وكانا في إقطاع البساسيري، فسار من بغداد بعد عوده من فارس إليهم، فالتقوا هم وزعيم الدولة أبو كامل بن المقلَّد، واقتتلوا قتالاً شديداً أبلى الفريقان فيه بلاء حسناً وصبرا صبراً جميلاً وقُتل جماعة من الفريقين.
في هذه السنة في ذي القعدة ملك البساسيري الأنبار ودخلها أصحابه، وكان سبب ملكها أن قرواشاً أساء السيرة في أهلها، ومد يده إلى أموالهم فسار جماعة من أهلها إلى البساسيري ببغداد، وسألوه أن ينفذ معهم عسكراً يسلمون إليه الأنبار. فأجابهم إلى ذلك وسيّر معهم جيشاً، فتسلموا الأنبار ولحقهم البساسيري، وأحسن إلى أهلها وعدل فيهم ولم يمكن أحداً من أصحابه أن يأخذ رطل الخبز بغير ثمنه. وأقام فيها إلى أن أصلح حالها وقرر قواعدها وعاد إلى بغداد.
سنة (٤٤٢) وفي هذه السنة في جمادى الأولى استولى زعيم الدولة
أبو كامل بركة بن المقلَّد على أخيه قرواش، وحجر عليه ومنعه من التصرف على اختياره؛ وسبب ذلك أن قرواشاً كان قد أنف من تحكم أخيه في البلاد، وأنه قد صار لا حكم له فعمل على الانحدار إلى بغداد ومفارقة أخيه. وسار عن الموصل، فشق ذلك على بركة وعظم عنده، ثم أرسل إليه نفراً من أعيان أصحابه يشيرون عليه بالعود واجتماع الكلمة ويحذرونه من الفرقة والاختلاف، فلما بلّغوه ذلك امتنع عليهم، فقالوا: أنت ممنوع عن فعلك والرأي لك القبول والعود ما دامت الرغبة إليك، فعلم حينئذ أنه يُمنع قهراً، فأجاب إلى العود على شرط أن يسكن دار الإمارة بالموصل، وسار معهم. فلما قارب حلة أخيه زعيم الدولة لقيه وأنزله عنده، فهرب أصحابه وأهله خوفاً فأمّنهم زعيم الدولة، وحضر عنده وخدمه وأظهر له الخدمة وجعل عليه من يمنعه من التصرف على اختياره.
سنة (٤٤٣) وفي هذه السنة في شهر رمضان تُوفِّي زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلَّد بتكريت، وكان انحدر إليها في حلله قاصداً نحو العراق لينازع النواب به عن الملك الرحيم وينهب البلاد. فلما بلغها انتقض عليه جرح كان أصابه من الغز لما ملكوا الموصل، فتُوفِّي ودفن بمشهد الخضر بتكريت. واجتمعت العرب من أصحابه على تأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران بن المقلَّد، فعاد بالحلل والعرب إلى الموصل وأرسل إلى عمه قرواش، وهو تحت الاعتقال يعلمه بوفاة زعيم الدولة وقيامه بالإمارة، وأنه يتصرف على اختياره ويقوم بالأمر نيابة عنه. فلما وصل قريش إلى الموصل جرى بينه وبين عمه قرواش منازعة ضعف فيها قرواش وقوي ابن أخيه ومالت العرب إليه، واستقرت الإمارة له وعاد عمه إلى ما كان عليه من الاعتقال الجميل والاقتصار به على قليل من الحاشية والنساء والنفقة، ثم نقله إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل فاعتُقل بها.
سنة (٤٤٤): في هذه السنة جرى حِلف بين علم الدين قريش بن بدران وبين أخيه المقلَّد، وكان قريش قد نقل عمه قرواشاً إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل وسجنه بها وارتحل يطلب العراق، فجرى بينه وبين أخيه المقلَّد منازعة أدت إلى الاختلاف، فسار المقلَّد إلى نور الدولة دُبيس بن مزيد ملتجئاً إليه فحمل أخاه الغيظ منه على أن نهب حلته وعاد
إلى الموصل، واختلَّت أحواله واختلفت العرب عليه، وأخرج نواب الملك الرحيم ببغداد إلى ما كان بيد قريش من العراق بالجانب الشرقي من عُكبرا والعلث وغيرهما من قبض غلته، وسلم الجانب الغربي من أوانا ونهر بيطر إلى أبي الهندي بلال بن غريب. ثم إن قريشاً استمال العرب وأصلحهم، فأذعنوا له بعد وفاة عمه قرواش، فإنه تُوفِّي هذه الأيام، وانحدر إلى العراق؛ ليستعيد ما أخذ منه، فوصل إلى الصالحية وسير بعض أصحابه إلى ناحية الحظيرة وما والاها، فنهبوا ما هناك وعادوا فلقوا كامل بن محمد بن المسيّب صاحب الحظيرة، فأوقع بهم وقاتلهم فأرسلوا إلى قريش يعرفونه الحال، فسار إليهم في عدة كثيرة من العرب والأكراد، فانهزم كامل وتبعه قريش فلم يلحقه، فقصد حلل بلال بن غريب وهي خالية من الرجال، فنهبها وقاتله بلال وأبلى بلاء حسناً فجرح ثم انهزم، وراسل قريش نواب الملك الرحيم يطلب ببذل الطاعة ويطلب تقرير ما كان له عليه، فأجابوه إلى ذلك على كره؛ لقوته وضعفهم واشتغال الملك الرحيم بخوزستان عنهم، فاستقر أمره وقوي شأنه. وفي هذه الصفحة: وفي السنة نفسها مستهل رجب تُوفِّي معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلَّد العُقيلي الذي كان صاحب الموصل محبوساً بقلعة الجراحية من أعمال الموصل، وحُمل ميتاً إلى الموصل، ودفن بتل توبة من مدينة نينوى شرقي الموصل. وكان من رجال العرب وذوي العقل منهم وله شعر حسن. وأورد له عن (دمية القصر) البيتين المنقولين عن تاريخ ابن خلدون وهذه الأبيات التي لم يوردها ابن خلدون:
مـن كان يحمد أو يذم موّرث لـلمال مـن آبـائه وجدوده
إنـي امـرؤ لـله أشكر وحده شـكراً كـثيراً جـالباً لمزيده
لـي أشقرٌ سمح العنان مغاور يعطيك ما يرضيك من مجهوده
ومـهند عـضب إذا جـردته خلت البروق تموج في تجريده
ومـثقف لـدنُ الـسنان كأنم أم الـمنايا رُكـبت في عوده
وبـذا حـويُت المال إلا أنني سـلّطت جود يدي على تبديده
وفي هذه السنة ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش من عند السلطان طغرلبك إلى نواحي العراق، فدوَّخ كثيراً منها وأسرف في
النهب والغارة وبلغ خبره إلى خاله خالد بن عمر، وهو نازل على الزرير، ومطر ابني علي بن مقن العُقيْلِيَّنْ. فأرسل إليه ولده مع أولاد الزرير ومطر يشكون إليه ما عاملهم به عمه مُهلهل وقريش بن بدران. فلقوه بُحلوان إليه حالهم، فوعدهم المسير إليهم وإنقاذهم ممن قصدهم، فعادوا من عنده، فلقيهم نفر من أصحاب مهلهل فواقعوهم فظفر بهم العقيليون وأسروهم. وبلغ الخبر مهلهلاً فسار إلى حلل الزرير ومطر في نحو خمسمائة فارس، فأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم وانهزم الرجال فلقي خالد ومطر والزرير سعدي بن أبي الشوك على ثامرا، فأعلموه الحال وحملوه على قتال عمه، فتقدم إلى طريقه والتقى القوم. وكان سعدي في جمع كثير، فظفر بعمه وأسره وانهزم أصحابه. في كل جهة وأسر أيضاً مالك ابن عمه مهلهل وأعاد الغنائم التي كانت معهم على أصحابها وعاد إلى حلوان. ووصل الخبر إلى بغداد فأرتجّ الناس بها وخافوا وبرز عساكر الملك الرحيم؛ ليقصدوا حلوان لمحاربة سعدي ووصل إليهم أبو الأغر دُبيس بن مزيد الأسديّ ولم يصنعوا شيئاً.
وفي هذه السنة قبض عيسى بن خميس بن مقن على أخيه أبي غشّام صاحب تكريت بها وسجنه في سرداب بالقلعة واستولى على تكريت.
في سنة (٤٤٥) قد ذكرنا وصول سعدي إلى العراق وأسره عمه. فلما أسره سار بدر بن المهلهل إلى السلطان طغرلبك، وتحدّث معه في مراسلة سعدي ليطلق أباه. فسلم إليه طغرلبك ولداً كان لسعدي عنده رهينة. وأرسل معه رسولاً يقول فيه: إن أردت فدية عن أسيرك فهذا ولدك قد رددته عليك، وإن أبيت إلا المخالفة ومفارقة الجماعة قابلناك على فعلك. فلما وصل بدر والرسول إلى هَمَذان تخلف بدر، وسار الرسول إليه فامتعض من قوله وخالف طغرلبك وسار إلى حلوان وأراد أخذها، فلم يمكنه وتردُّد بين روشنقباذ والبردان، وكاتب الملك الرحيم وصار في طاعته، فسار إليه إبراهيم بن إسحاق وسخت كمان، وهما من أعيان عسكر طغرلبك في عسكر مع بدر بن المهلهل فأوقعوا به، فانهزم هو أصحابه وعاد الغز عنهم إلى حلوران. وسار بدر إلى شهرزور في طائفة من الغز ومضى سعدي إلى قلعة روشنقباذ.
وفي سنة (٤٤٦) في شعبان من هذه السنة حصر الأمير أبو المعالي
قريش بن بدران صاحب الموصل مدينة الأنبار وفتحها، وخطب لطغرلبك فيها وفي سائر أعماله، ونهب ما كان فيها البساسيري وغيره، ونهب حلل أصحابه بالخالص وفتحوا بثوقة، فامتعض البساسيري من ذلك وجمع جموعاً كثيرة وقصد الأنبار وحربى فاستعادهما.
وفي سنة (٤٤٦) وفيها تُوفِّي أبو حسَّان المقلَّد بن بدران أخو قريش بن بدران صاحب الموصل.
سنة (٤٤٨): في هذه السنة سلخ شوال كانت وقعة بين البساسيري ومعه نور الدولة دُبيس بن مزيد وبين قريش بن بدران صاحب الموصل ومعه قتلمش، وهو ابن عم السلطان طغرلبك وهو جد هؤلاء الملوك أولاد قلج ارسلان، ومعه أيضاً سهم الدولة أبو الفتح بن عمرو، وكانت الحرب عند سنجار، فاقتتلوا واشتد القتال بينهم، فانهزم قريش وقتلمش وقتل من أصحابهما الكثير، ولقي قتلمش من أهل سنجار العنت، وبالغوا في أذاه وأذى أصحابه، وجُرح قريش بن بدران وأتى إلى نور الدولة جريحاً فأعطاه خلعة كانت قد نفذت من مصر، فلبسها وصار في جملتهم وساروا إلى الموصل وخطبوا لخليفة مصر بها وهو المستنصر بالله. وكانوا قد كاتبوا الخليفة المصري بطاعتهم، فأرسل إليهم الخُلع من مصر للبساسيري ولنور الدولة دُبيس بن مزيد ولجابر بن ناشب ولمقبل بن بدران أخي قريش، ولأبي الفتح بن ورام ونصير بن عمر وأبي الحسن بن عبد الرحيم ومحمد بن حماد وانضاف إليهم قريش بن بدران.
وفي الصفحة والسنة نفسها لما ضاقت بغداد ذرعاً بعساكر السلطان طغرلبك؛ لارتكابهم بأهلها شتى المظالم وأنواع المناكير، وشكوا الأمر إلى الخليفة القائم بأمر الله، توسط إلى السلطان بخروج عساكره من بغداد. وخرج بهم قاصداً الأصعاد إلى الموصل وفتح بلاداً كثيرة في طريقه واستولى على الموصل، وأقطع هزارسب بلد. ولما ظفر هذا بالعرب وعاد إلى السلطان طغرلبك أرسل إليه نور الدولة وقريش يسألانه أن يتوسط لهما عند السلطان ويصلح أمرهما معه، فسعى في ذلك واستعطف السلطان عليهما، فقال: أما هما فقد عفوت عنهما، وأما البساسيري فذنبه إلى الخليفة ونحن متَّبعون أمره فيه. فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة وتبعه
التُّرك البغداديون ومقبل بن المقلَّد وجماعة من عقيل وطلب دُبيس وقريش أن يرسل طغرلبك إليهما أبا الفتح بن ورام. فأرسله فعاد من عندهما وأخبر بطاعتهما، وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ليحلفهما. فأمره السلطان بالمضي إليهما. فسار واجتمع بهما وأشار عليهما بالحضور عند السلطان، فخافا وامتنعا فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن جعفر , وأنفذ دُبيس ابنه بهاء الدولة منصوراً، فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب لهما بأعمالهما. وكان لقريش نهر الملك وبادوريا والأنبار وهيت ودجيل ونهر بيطر وعكرا وأوانا وتكريت والموصل ونصيبين. وأعاد الرسل إلى أصحابهم.
وفي هذه السنة نفسها قصد السلطان طغرلبك ديار بكر التي هي لابن مروان. ولما حاصر جزيرة ابن عمر، وهي من أعماله أرسل إليه يبذل له مالاً يصلح به حاله ويذكر له ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين، ووصل إبراهيم نيال أخو السلطان إليه، فلقيه الأمراء والناس كلهم وحملوا إليه الهدايا، وقال لعميد الملك الوزير: من هؤلاء العرب حتى تجعلهم نظراء السلطان وتصلح بينهم؟ فقال: مع حضورك يكون ما تريد، فأنت نائب السلطان. ولما وصل إبراهيم نيال أرسل هزارسب إلى نور الدولة بن مزيد وقريش يعرفهما وصوله ويحذرهما منه. فسارا من جبل سنجار إلى الرحبة، فلم يلفت البساسيري إليهما. فانحدر نور الدولة إلى بلده بالعراق وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة ومعه ابنه مسلم بن قريش، وشكا قتلمش ابن عم السلطان إليه ما لقي من أهل سنجار في العام الماضي لما انهزم، وأنهم قتلوا رجالاً، فسيَّر العساكر إليهم فأحاطت بهم وأجروا الأمور العظام وفتحها السلطان عنوة وقتل أميرها مجلى بن مرحبا وخلقاً كثيراً من رجالها وسبى نساءهم.
سنة (٤٥٠): في هذه السنة فارق إبراهيم يَنّال الموصل نحو بلاد الجبل، ولما فارقها قصدها البساسيري وقريش بن بدران وحاصراها، فملكا البلد ليومه وبقيت القلعة وبها الخازن وأَرْدَم وجماعة من العسكر، فحاصراها أربعة أشهر حتى أكل من فيها دوابهم. فخاطب ابن موسك صاحب اربل قريشاً حتى أمنهم، فخرجوا فهدم البساسيري القلعة وعفّى أثرها. وكان السلطان قد فرَّق عسكره في النوروز، وبقي جريدة في أَلفَيْ فارس حين بلغه
الخبر، فسار إلى الموصل فلم يجد بها أحداً. كان قريش والبساسيري قد فارقاها، فسار إلى نصيبين ليتتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد.
في السنة المذكورة جرى ما قد مر ذكره ص٢٢ وهو هنا أكثر تفصيلاً فليلاحظ عند نقل هذه الحادثة.
سنة (٤٥١): يذكر عود الخليفة القائم بالله إلى بغداد وقد مر ذكره بإيجاز فليراجع عند النقل ما كتب هنا ابن الأثير.
الجزء العاشر ص٧ سنة (٤٥٣) في هذه السنة تُوفِّي قريش بن بدران صاحب الموصل ونصيبين، أصابه خروج الدم من فيه وأنفه وعينيه وأذنيه فحمله ابنه شرف الدولة إلى نصيبين حتى حفظ خزانته بها، وتُوفِّي هناك. وسمع فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جُهير حاله، فسار من دارا إلى نصيبين وجمع بني عُقيّل على أن يؤمّروا ابنه أبا المكارم مسلم بن قريش عليهم، وكان القائم بأمره جابر بن ناشب، فزوَّجه فخر الدولة بأخت مسلم، وزوج مسلماً بابنة نصر بن منصور.
سنة (٤٥٨): في هذه السنة سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران صاحب الموصل إلى لسلطان الب ارسلان فأقطعه الأنبار وهيت وحربى والسن والبوازيج ووصل إلى بغداد، فخرج الوزير فخر الدولة بن جهير في المركب فلقيه، ونزل شرف الدولة بالحريم الطاهري وخلع عليه الخليفة.
سنة (٤٦٠): في هذه السنة كانت حرب بين شرف الدولة بن قريش وبين بني كِلاب بالرحبة، وهم في طاعة العلوي المصري، فكسرهم شرف الدولة وأخذ أسلابهم وأرسل أعلاماً كانت معهم عليها سمات المصري إلى بغداد وكُسرت وطيف بها في البلد، وأرسلت الخلع إلى شرف الدولة.
سنة (٤٦٢): وفيها في شهر رمضان تُوفِّي تاج الملوك هزارسب بن بنكير بن عياض بأصبهان وهو عائد من عند السلطان إلى خوزستان، وكان قد علا أمره وتزوج بأخت السلطان، وبغى على نور الدولة دُبيس بن مزيد وأغرى السلطان به ليأخذ بلاده، فلما مات سار دُبيس إلى السلطان ومعه شرف الدولة مسلم صاحب الموصل، فخرج نظام الملك فلقيهما. وتزوج
شرف الدولة بأخت السلطان التي كانت امرأة هزارسب، وعادا إلى بلادهما من هَمَذان.
عن كامل ابن الأثير ص٢٩ الجزء التاسع بما يتعلق بأولية بني حمدان، فإن أبا طاهر وأبا عبد الله ابني حمدان لما تغلبا على باذ الكردي، وغلب ابن أخته أبو علي بن مروان مؤسس دولة بني مروان على ممالك خاله باذ، سار إليه وهو بميافارقين، فتغلب عليهما وأسر أبا عبد الله ثم أطلقه، فسار إلى أخيه أبي طاهر وهو بآمد يحصرها، فأشار عليه بمصالحة ابن مروان فلم يفعل. واضطر أبو طاهر إلى موافقته، فسارا إلى ابن مروان وواقفاه، فهزمهم وأسر أبا عبد الله ولم يطلقه هذه المرة إلا بشفاعة صاحب مصر. ومضى إلى مصر وتقلد منها ولاية حَلب، وأقام بتلك الديار إلى أن تُوفِّي. وأما أبو طاهر فإنه لما وصل إلى نصيبين قصده أبو الذوّاد فأسره وعلياً ابنه والمزعفر أمير بني نمير وقتلهم صبراً.
سنة (٤٧٢): في هذه السنة ملك شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل مدينة حَلب؛ وسبب ذلك أن تاج الدولة تُتُش بن الب ارسلان حصرها مرة بعد أُخرى، فاشتد الحصار بأهلها وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلات وغيرها، ثم إن تُتُش حصرها في هذه السنة وأقام عليها أياماً، ورحل عنها وملك بُزاعة والبيرة، وأحرق ربض عزاز وعاد إلى دمشق. فلما رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلّموها إليه، فلما قاربها امتنعوا من ذلك وكان مقدمهم يعرف بابن الحُتَيْتي العباسي، فاتفق أن ولده خرج يتصيَّد بضيعة له، فأسره أحد التُّركمان وهو صاحب حصن بنواحي حَلب، وأرسله إلى شرف الدولة. فقرر معه أن يسلّم البلد إليه إذا أطلقه، فأجاب إلى ذلك، فأطلقه فعاد إلى حَلب واجتمع بأبيه وعرَّفه ما استقر، فأذعن إلى تسليم البلد ونادى بشعار شرف الدولة وسلَّم البلد إليه. فدخله سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وحصر القلعة، واستنزل منها سابقاً ووثاباً ابني محمود بن مرداس. فلما ملك البلد وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدّلين بحَلب بضمانها، وسأل أن يقرر عليه الضمان فأجابه السلطان إلى ما طلب وأقطع ابن عمه مدينة بالس.
سنة (٤٧٤): في هذه السنة سار تُتُش بعد عودة شرف الدولة عن دمشق وقصد الساحل الشامي، فافتتح انطرطوس وبعضاً من الحصون وعاد إلى دمشق. وفيها ملك شرف الدولة صاحب الموصل مدينة حران، وأخذها من بني وثاب النميريين وصالحه صاحب الرُّها ونقش السكة باسمه.
سنة (٤٧٥): في هذه السنة جمع تاج الدولة تُتُش جمعاً كثيراً وسار عن بغداد، وقصد بلاد الروم أنطاكية وما وجاورها. فسمع شرف الدولة صاحب حَلب الخبر، فخافه فجمع أيضاً العرب من عُقيل والأكراد غيرهم فاجتمع معه جمع كثير، فراسل الخليفة بمصر يطلب منه إرسال نجدة إليه ليحصر دمشق، فوعده ذلك فسار إليها. فلما سمع تُتُش الخبر عاد إلى دمشق، فوصلها أول المحرم سنة ست وسبعين وأربعمائة، ووصل شرف الدولة أواخر المحرم وحاصر المدينة وقاتله أهلها. وفي بعض الأيام خرج إليه عسكر دمشق، وقاتلوه وحملوا على عسكره حملة صادقة، فانكشفوا وتضعضعوا، وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة، وأشرف على الأسر وتراجع إليه أصحابه. فلما رأى شرف الدولة ذلك، ورأى أيضاً أن مصر لم يصل إليه منها عسكر، وأتاه عن بلاده الخبر أن أهل حران عصوا عليه رحل عن دمشق إلى بلاده وأظهر أنه يريد البلاد بفلسطين. فرحل أولاً إلى مرج الصُّفَّر، فارتاع أهل دمشق وتتش واضطربوا. ثم إنه رحل من مرج الصفر مُشرّقاً في البرية وجدَّ في مسيره، فهلك من المواشي الكثير مع عسكره ومن الدواب شيء كثير وانقطع خلق كثير.
سنة (٤٧٦): في هذه السنة عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش، وأطاعوا قاضيهم ابن حَلبة وأرادوا هم وابن عُطير النميري تسليم البلد إلى جُبْق أمير التُّركمان. وكان شرف الدولة على دمشق يحاصر تاج الدولة تُتُش بها. فبلغه الخبر فعاد إلى حران وصالح ابن مُلاعب صاحب حمص وأعطاه سلمية وَرَفنية وبادر بالمسير إلى حران، فحصرها ورماها بالمنجنيق، فخرَّب من سورها بدنة وفتح البلد في جمادى الأولى وأخذ القاضي ومعه ابنين له، فصلبهم على السور.
سنة (٤٧٧) قد تقدم ذكر مسير فخر الدولة بن جهير في العساكر السلطانية إلى ديار بكر. فلما كانت هذه السنة سيّر السلطان إليه أيضاً جيشاً فيهم الأمير أرتق بن أكسب، وأمرهم بمساعدته. وكان ابن مروان قد مضى
إلى شرف الدولة وسأله نصرته على أن يسلِّم إليه آمد، وحلف كل واحد لصاحبه. وكل منهما يرى أن صاحبه كاذب؛ لما كان بينهما من العداوة المستحكمة واجتمعا على حرب فخر الدولة وسارا إلى آمد، وقد نزل فخر الدولة بنواحيها، فلما رأى فخر الدولة اجتماعهما مال إلى الصلح، وقال: لا أوثر أن يحل بالعرب بلاء على يدي. فعرف التُّركمان ما عزم عليه فركبوا ليلاً وأتوا إلى العرب وأحاطوا بهم في ربيع الأول، والتحم القتال واشتد، فانهزمت العرب ولم يحضر هذه الوقعة الوزير فخر الدولة ولا أرتق، وغنم التُّركمان حلل العرب ودوابهم، وانهزم شرف الدولة وحمى نفسه حتى وصل إلى فصيل آمد، وحصره فخر الدولة ومن معه، فلما رأى شرف الدولة أنه محصور خاف على نفسه، فراسل الأمير أرتق وبذل له مالاً وسأله أن يمن عليه بنفسه ويمكِّنه من الخروج من آمد وكان هو على حفظ الطرق والحصار. فلما سمع أرتق ما بذل له شرف الدولة أذن له في الخروج، فخرج منها في الحادي والعشرين من ربيع الأول وقصد الرقّة وأرسل إلى أرتق بما كان وعده به. وسار ابن جهير إلى ميافارقين ومعه من الأمراء الأمير بهاء الدولة منصور بن مزيد وابنه سيف الدولة صدقة، ففارقوه وعادوا إلى العراق وسار فخر الدولة إلى خلاط، ولما استوى العسكر السلطاني على حلل العرب، وغنموا أموالهم وسبوا حريمهم بذل سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأموال وافتكّ أسرى بني عُقيل ونساءهم وأولادهم، وجهَّزهم جميعهم وردَّهم إلى بلادهم. ففعل أمراً عظيماً وأسدى مكرمة شريفة، ومدحه الشعراء في ذلك فأكثروا فمنهم محمد بن محمد بن خليفة السنبسُي يذكر ذلك في قصيدة:
كما أحرزتَ شكر بني عقيل بـآمد يـوم كظّهُم الحصار
غـداة رمـتهم التُّرك طر بشهب في حوافلها ازورار
فما جبنوا ولكن فاض بحر عـظيم لا تـقاومه البحار
فـحين تنازلوا تحت المناي وفـيهن الـرزيّة والـدمار
مـننت عليهم وفككت عنهم وفـي أثـناء حبلهم انتشار
ولـو لا أنت لم ينفكَّ منهم أسـير حـين أعلقه الإسار
وفي هذه الصفحة في السنة نفسها: لما بلغ السلطان أن شرف الدولة
انهزم وحُصر بِآمد لم يشك في أسره، فخلع على عميد الدولة بن جهير وسيَّره في جيش كثيف إلى الموصل، وكاتب أمراء التُّركمان بطاعته وسيَّر معه من الأمراء آقسنقر قسيم الدولة جد ملوك أصحاب الموصل وهو الذي أقطعه السلطان بعد ذلك حَلب. وكان الأمير أرتق قد قصد السلطان، فعاد صحبته عميد الدولة من الطريق، فسار عميد الدولة حتى وصل إلى الموصل، فأرسل إلى أهلها يشير عليهم بطاعة السلطان وترك عصيانه، ففتحوا له البلد وسلَّموه إليه، وسار السلطان بنفسه وعساكره إلى بلاد شرف الدولة؛ ليملكها فأتاه الخبر بخروج أخيه تكش بخراسان. ورأى شرف الدولة قد خلص من الحصر، فأرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى شرف الدولة وهو مقابل الرحبة، فأعطاه العهود والمواثيق وأحضره عند السلطان وهو بالبوازيج، فخلع عليه آخر رجب، وكانت أمواله قد ذهبت فاقترض ما خدم به وحمل للسلطان خيلاً رائقة من جملتها فرسه بشار وهو فرسه المشهور الذي نجا عليه من المعركة ومن آمد أيضاً، وكان سابقاً لا يجارى. فأمر السلطان بأن يسابق به الخيل فجاء سابقاً، فقام السلطان قائماً لما تداخله من العجب وأرسل الخليفة النَقيب طراد الزينبي في لقاء شرف الدولة، فلقيه بالموصل فزاد أمر شرف الدولة قوة، وصالحه السلطان وأقره على بلاده.
في هذه السنة فتح سليمان بن قُتلمش انطاكية، فلما ملكها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمله إليه صاحبها الفردوس من المال ويخوّفه معصية السلطان، فأجابه أما طاعة السطلان فهي شعاري ودثاري والخطبة له والسكة في بلادي، وقد كاتبته بما فتح الله على يدي بسعادته من هذا البلد وأعمال الكفار، وأما المال الذي كان يحمله صاحب أنطاكية قبلي فهو كان ذميّاً، وكان يحمل جزية رأسه وأصحابه، وأنا بحمد الله مؤمن ولا أحمل شيئاً، فنهب شرف الدولة بلد أنطاكية فنهب سليمان أيضاً بلد حَلب، فلقيه أهل السواد يشكون إليه نهب عسكره، فقال: أنا كنت أشد كراهية لما يجري لكن صاحبكم أحوجني إلى ما فعلت، ولم تجر عادتي بنهب مال مسلم ولا أخذ ما حرمته الشريعة. وأمر أصحابه بإعادة ما أخذوه منهم فأعادوه. ثم إن شرف الدولة جمع الجموع من العرب والتُّركمان، وكان ممن معه جبق أمير التُّركمان في أصحابه وسار إلى أنطاكية ليحصرها. فلما سمع سليمان الخبر جمع عساكره وسار إليه فالتقيا
في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في طرف من أعمال أنطاكية، واقتتلوا فمال تركمان جبق إلى سليمان، فانهزمت العرب وتبعهم شرف الدولة منهزماً، فقُتل بعد أن صبر وقُتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حَلب، وكان قتله يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة:
سنة (٤٨٣): في هذه السنة في المحرم تُوفِّي فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير الذي كان وزير الخليفة بمدينة الموصل ومولده بها، وتزوج إلى أبي العقارب شيخها، ونظر في أملاك جارية قرواش المعروفة بسرهنك، ثم خدم بركة بن المقلَّد حتى قبض على أخيه قرواش وحبسه، ومضى بهدايا إلى ملك الروم، فاجتمع هو ورسول نصر الدولة بن مروان، فتقدم فخر الدولة عليه، فنازعه رسول ابن مروان، فقال فخر الدولة لملك الروم: أنا أستحق التقدم عليه؛ لأن صاحبه يؤدي الخراج إلى صاحبي. فلما عاد إلى قريش بن بدران أراد القبض عليه فاستجار بأبي الشداد وكانت عقيل تُجير على أمرائها.
وفي سنة (٤٨٦) كان إبراهيم بن قريش بن بدران أمير بني عُقيل قد استدعاه السلطان ملكشاه سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ليحاسبه. فلما حضر اعتقله وأنفذ فخر الدولة بن جهير إلى البلاد فملك الموصل. وغيرها. وبقي إبراهيم مع ملكشاه، وسار معه إلى سمرقند وعاد إلى بغداد. فلما مات ملكشاه أطلقته تركان خاتون من الاعتقال، فسار إلى الموصل وكان ملكشاه قد أقطع عمته صفية مدينة بلد، وكانت زوجة شرف الدولة ولها منه ابنها علي، وكانت قد تزوجت بعد شرف الدولة بأخيه إبراهيم. فلما مات ملكشاه قصدت الموصل ومعها ابنها علي، فقصدها محمد بن شرف الدولة وأراد أخذ الموصل، فافترقت العرب فرقتين فرقة معه وأُخرى مع صفية وابنها علي. واقتتلوا بالموصل عند الكناسة، فظفر علي وانهزم محمد وملك علي الموصل. فلما وصل إبراهيم إلى جُهينة، وبينه وبين الموصل أربعة فراسخ سمع أن الأمير علي بن أخيه شرف الدولة قد ملكها ومعه أمه صفية عمة ملكشاه. فأقام مكانه وراسل صفية خاتون، وتردُّدت الرسل فسلمت
البلد إليه فأقام به. فلما ملك تُتُش نصيبين أرسل إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة، ويعطيه طريقاً إلى بغداد؛ لينحدر ويطلب الخطبة بالسلطنة فامتنع إبراهيم من ذلك، فسار تُتُش إليه وتقدم إبراهيم أيضاً نحوه، فالتقوا بالمُضيَّع من أعمال الموصل في ربيع الأول، وكان إبراهيم في ثلاثين ألفاً وكان تُتُش في عشرة آلاف، وكان آقسنقر على ميمنته وبوزان على ميسرته. فحمل العرب على بوزان، فانهزم وحمل آقسنقر على العرب فهزمهم وتمت الهزيمة على إبراهيم والعرب. وأُخذ إبراهيم أسيراً وجماعة من أمراء العرب، فقتلوا صبراً ونُهبت أموال العرب وما معهم من الإبل والغنم والخيل وغير ذلك، وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفاً من السبي والفضيحة. وملك تُتُش بلادهم الموصل وغيرها، واستناب بها عليَّ بن شرف الدولة مسلم وأمه صفية عمة تُتُش، وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة.
سنة (٤٨٩): إن تاج الدولة تُتُش لما قتل آقسنقر وبوزان وأسر قوام الدولة أبا سعيد كربوقا الذي لم يزل محبوساً بحَلب إلى أن قُتِل تُتُش وملك ابنه رضوان حَلب، أرسل السلطان بركيارق رسولاً بإطلاقه وإطلاق أخيه التونتاش. فلما أطلقا سارا واجتمع عليهما كثير من العساكر البطالين، فأتيا حران فتسلماها وكاتبهما محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وهو بنصيبين ومعه ثروان بن وهيب، وأبو الهيجاء الكردي يستنصرون بهما على الأمير علي بن شرف الدولة. وكان بالموصل قد جعله بها تاج الدولة تُتُش بعد وقعة المضيع. فسار كربوقا إليهم فلقيهم محمد بن شرف الدولة على مرحلتين من نصيبين واستحلفهما لنفسه، فقبض عليه كربوقا بعد اليمين وحمله معه. وأتى نصيبين فامتنعت عليه، فحصرها أربعين يوماً وتسلمها وسار إلى الموصل فحصرها، فلم يظفر منها بشيء فسار عنها إلى بلد، وقتل بها محمد بن شرف الدولة وغرقه. وعاد إلى حصار الموصل ونزل على فرسخ منها بقرية باحلاف وترك النونتاش شرقي الموصل. فاستنجد علي بن مسلم صاحبها بالأمير جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر، فسار إليه نجدة فلما علم التونتاش بذلك سار إلى طريقه فقاتله فانهزم جكرمش وعاد إلى الجزيرة منهزماً وصار في طاعة كربوقا وأعانه على حصر الموصل. فلما ضاق بصاحبها علي الأمر فارقها وسار إلى الأمير صدقة بن مزيد بالحلَّة: وتسلم كربوقا البلد بعد حصار تسعة أشهر.
ما جاء عنهم في تاريخ الملك أبي الفداء المسمّى بالمختصر من بعد سنة ٤٨٩ التي لم يرد فيها ذكر لبني المسيّب
سنة (٤٩٦): فيها قتل المؤيد بن مسلم بن قريش أمير بني عقيل، قتله بنو نمير عند هيت.
الصفحة نفسها في السنة نفسها - وفي هذه السنة في صفر أغارت الفرنج على قلعة جعبر والرقة واستساقوا المواشي وأسروا من وجدوه. وكانت الرقة وقلعة جعبر لسالم بن مالك بن بدران بن المقلَّد بن المسيب العقيلي سلَّمها إليه السلطان ملكشاه.
سنة (٥١٩): وفيها مات سالم بن مالك بن بدران بن المقلَّد بن المسيب صاحب قلعة جعبر. وملكها بعده ابنه مالك بن سالم.
سنة (٥٤١): حاصر عماد الدين زنكي قلعة جعبر، وصاحبها علي بن مالك بن سالم بن مالك. فانتهى الأمر بمقتله ولم يملكها، وقد ذكرت هذه الحادثة مستوفاة عن تاريخ ابن خلدون.
سنة (٥٦٤): ملك نور الدين قلعة جعبر من صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن المقلَّد بن المسيب العقيلي، وكانت بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه، ولم يقدر نور الدين على أخذها إلا بعد أن أسر صاحبها مالك المذكور بنو كِلاب، وأُحضر إلى نور الدين محمود واجتهد به على تسليمها فلم يفعل. فأرسل عسكراً مقدمهم فخر الدين مسعود بن أبي علي الزعفراني، وردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر المعروف بابن الداية وكان رضيع نور الدين. وحصروا القلعة، فلم يظفروا منها بشيء وما زالوا على صاحبها مالك حتى سلمها، وأخذ عنها عوضاً مدينة سروج بأعمالها والملوحة من بلد حَلب وعشرين ألف دينار معجلة وباب بزاعة.
ما جاء من أخبارهم بذيل تاريخ دمشق لأبي يعلى حمزة بن القلانسي:
سنة (٤٧٢): فيها تسلَّم شرف الدولة مسلم بن قريش حَلب.
سنة (٤٧٥): بينا كان السلطان تاج الدولة متوجهاً إلى ناحية الشام من دمشق، وفي خدمته بعض الأمراء قاصداً ناحية الروم، وقد أقام هناك مدة اتصل به خبر شرف الدولة مسلم بن قريش، وما هو عليه من الجمع والاحتشاد والتأهب والاستعداد، واجتماع العرب عليه من بني نمير وعقيل والأكراد والموَلدة وبني شيبان للنزول على دمشق والمضايقة لها والطمع في تملِّكها. فعاد منكفئاً إلى دمشق لما عرف هذا العزم، ووصل إليها في أوائل المحرم سنة ٤٧٦، وورد الخبر بوصول شرف الدولة في حشده إلى بالس أيضاً في المحرم، ووصله جماعة من بني كِلاب، ونهض بالعسكر مسرعاً إلى أن نزل على دمشق، ووصل إليه جماعة من عرب قيس واليمن وقاتل أهل دمشق في بعض الأيام وخرج إليه عسكر تاج الدولة من دمشق. وقاتل أهل دمشق في بعض الأيام، وخرج إليه عسكر تاج الدولة من دمشق. وحمل على عسكره حملة صادقة، فانكشف وتضعضع عسكره وعاد كل فريق إلى مكانه. وعاد عليهم بحملة أخرى وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة مكانه وأشرف على الأسر وتراجع أصحابه، وكان شرف الدولة قد اعتمد على معونة عسكر المصريين على دمشق ومعاضدته بالعسكر المصري على أخذها. فوقع التقاتل عليه بالأنجاد والتقاعد عنه بالإسعاد؛ إشفاقاً من ميل الناس إليه، وعظم شأنه بتواصلهم ووفودهم عليه، فلما وقع يأسه مما أمّله ورجاه، وخاف ما تمناه، ورد عليه من أعماله، ما شغل خاطره في تدبيره وأعماله، وتواترت الأخبار بما أزعجه وأقلقه رأى أن رحيله من دمشق إلى بلاده، وعوده إلى ولايته لتسديد أحوالها وإصلاح اختلالها أصوب من مقامه على دمشق وأوفق من شأنه، فأوهم أنه سائر مقتبلاً لأمر مهم عليه، وأرب مطلوب نهد إليه، فرحل عن دمشق ونزل مرج الصفر، وعرف من بدمشق ذلك، فقلقوا لذلك واضطربوا، ثم رحل مشرقاً في البرية وجلاً، وجدَّ في سيره مجفلاً، وأوصل السير ليلاً ونهاراً، فهلك من المواشي والدواب للعرب ما لا يحصيه عدد ولا يحصر كثرة من العطش وتلف، وانقطع من الناس خلق كثير وخرجت به الطريق إلى وادي بني حصين قريباً من سلمية. فأنفذ وزيره أبا المعز بن صدقة إلى خلف بن ملاعب المقيم بحمص؛ ليجعله بين الشام وبين السلطان تاج الدولة لما يعلمه من نكايته في التُّرك، وفتكه بمن يظفر به من أبطالهم الفُتَّاك، فأقام أبو العز الوزير بحمص إلى حين عوده، فخلع عليه شرف الدولة وأكرمه وقرر معه حفظ الشام وطيَّب نفسه
وسار بعد ذلك السلطان تاج الدولة إلى ناحية طرابلس، وافتتح انطرطوس وبعض الحصون وعاد إلى دمشق، وورد الخبر بنزول السلطان العادل ملك شاه أبي الفتح بن البارسلان على حَلب في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان من السنة، وضايقها إلى أن ملكها مع القلعة. وفي يوم الخميس الثاني من المحرم توجه شرف الدولة إلى بلد أنطاكية للقاء الفردوس ملك الروم. وفيها وصل الأمير شمس الدولة سالم بن مالك بالخلع السلطانية إلى شرف الدولة إلى حَلب، وقرر الصلح بين شرف الدولة وابن ملاعب بحمص، وفيها وصل أبو العز بن صدقة وزير شرف الدولة في عسكر كثيف لإنجاد حَلب على تاج الدولة. فلما وصل إليها رحل تاج الدولة في الحال.
وفي سنة ٤٧٦ عصى أهل حرّان على شرف الدولة مُسلم بن قُريش، وأطاعوا قاضيهم ابن حلية. وكان شرف الدولة على دمشق يحاصر تاج الدولة بها، فعاد فنزل عليها في عسكره، وضايقها وواظبها إلى أن افتتحها وملكها ورتب أمرها، واحتط عليها واعتمد على الثقات في حفظها. وفي هذه السنة تنكَّر شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة لأسباب أنكرها منه، وأحوال بلغته عنه، فقبض عليه واعتقله وأقام أياماً وقرر أمره وأطلقه وطيب نفسه.
سنة (٤٧٧): في شهر ربيع الأول من هذه السنة كانت وقعة بين عسكر شرف الدولة وعسكر التُّرك بأرض آمد من ديار بكر، واستظهر التُّرك على عسكر شرف الدولة فهزموه. وفي رجب منها توجه شرف الدولة مسلم بن قريش إلى السلطان العادل ملك شاه بن البارسلان، ودخل عليه ووطئ بساطه فأكرمه واحترمه وخلع عليه، وقرر أمره على ما يهوى من إصلاح أحواله والإقرار على أعماله وإزالة ما كان يخشاه، وعاد مسروراً بما لقي ومحبوراً بنيل مبتغاه.
سنة (٤٧٨): في هذه السنة كان مصاف الحرب بين الملك سليمان بن قتلمش وبين الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش في اليوم الرابع والعشرين من صفر على نهر سفين في موضع يقال له: قرزاحل. فكُسر عسكر شرف الدولة، وقتل ورحل سليمان بعد ذلك في جمعه ونزل على حَلب محاصراً لها، ولم يظفر بفتحها بعد طول الحصار وفي معاودته
حصارها والعزم عليه التقى وعسكر تاج الدولة، فقُتِل وتم فتحها لعسكر تاج الدولة في سنة ٤٧٩.
سنة (٤٨٥): بعد وفاة السلطان ملكشاه في هذه السنة وكان قد ملك سنة (٤٨١) ديار بني عقيل بعد امتلاكه ما ملكه من بلاد الروم والشام والجزيرة والرُّها وديار بكر، رجع إبراهيم بن قريش إلى بلاده وتسلَّم الموصل وأعمالها، وجمع العرب والأكراد ونزل في بلاد بني عقيل الموصل وما والاها، وغلب ولد أخيه شرف الدولة محمداً وأبعده عن الولاية. ولما وصل تاج الدولة إلى نصيبين وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرُّها، وخرج إليه والي نصيبين يبذل الطاعة له والمناصحة في الخدمة، فامتنع أهل البلد من الجند الذين بها من أصحاب إبراهيم بن قريش، فقاتلها وهدم بعض سورها وملكها بالسيف، وقتل فيها تقدير ألفي رجل، وقتل كل من التجأ إلى جامعها ومساجدها، وأخذت الحرم وهتكت البنات، وعوقبوا بأنواع العقوبات إلى أن أظهرن كل مذخور وأبرزن كل مستور. وفعل في أمره ما لا يستحله مسلم، ولا يستحسنه كافر وأطلق بعد ذلك من كان في الأسر من الرجال والنسوان إلا من بقي في أيدي التُّرك، وذلك في صفر سنة ٤٨٦. وحكى من حضر هذه الكائنة القبيحة أنه شاهد امرأة تحت أحد التُّرك يطلب منها الفاحشة، وهي تصيح وتستغيث وتتمنع أشد التمنع، فجئته وحاولت تخليصها منه فلم يفعل، فجرحته فتخلَّى عنها وإذا بها امرأة من وجوه الأشراف، وأخرجتها إلى المخيم إلى أن سكنت الفتنة وأعدتها سالمة إلى دارها دون كل بنت هتكت.
سنة (٤٨٦): في هذه السنة عاد السلطان تاج الدولة عن نصيبين بعد ما جرى فيها، طالباً لإبراهيم بن قريش. فلما عرف خبره وحشد واستصرخ واستنجد، وحصل في خلق عظيم، ونزل بهم في المنزل المعروف شرقي الهِرماس، ونزل السلطان تاج الدولة على دارا. فلما كان يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الأول من السنة التقى الجيشان على نهر الهرماس، واختلط الفريقان، واشتد القتال وانكشفت الوقعة عن قتل جماعة من التُّرك والعرب. وعاد كل فريق منهما إلى مكانه. فلما استقر بالعرب المنزل، عاد عسكر تاج الدولة إليهم وهم غارّون وحمل عليهم وهم غافلون. فانهزمت العرب وأخذهم السيف، فقُتِل منهم العدد الكثير والأكثر من الرجالة المقيمين
في المخيم، وقتل إبراهيم بن قريش وجماعة من الأمراء والمقدمين من بني عقيل وغيرهم. وقيل: إن تقدير القتلى من الفريقين عشرة آلاف رجل، واستولى النهب والسلب والسبي على من وجد في المخيم، وامتلأت الأيدي من الغنائم والسواد والمواشي والكُراع بحيث بيع الجمل بدينار واحد، والمائة شاة بدينار واحد، ولم يشاهد أبشع من هذه الوقعة ولا أشنع منها في هذا الزمان، وقتل بعض نسوان العرب أنفسهن إشفاقاً من الهتيكة والسبي. ولما عادوا بالأسرى والسبي وحصلوا بشاطئ الفرات ألقى جماعة من الأسرى أنفسهم في الفرات فهلكوا.
وفي السنة المذكورة قصد السلطان تاج الدولة ديار بكر، ونزل على آمد وضايقها وملكها من ابن جهير مع الجزيرة، وأنفذ وُلاته إلى الموصل وسنجار وملك الأعمال، وانهزم بنو عقيل من منازلهم وبلادهم وتوجَّهوا نحو السلطان بركيارق بن ملكشاه. وكان علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش، ووالدته خاتون بنت السلطان محمد بن داود عمة السلطان ملك شاه يشكيان ما نزل بهما من السلطان تاج الدولة.
ولما فارق قسيم الدولة صاحب حَلب، ومؤيد الدولة صاحب الرُها السلطان تاج الدولة إلى السلطان بركيارق، وحسنا إليه المسير إلى الأعمال التي ملكها قبل استفحال أمره وإيصالهما إلى حَلب. فسار معهما إلى الموصل ورد بني عقيل إليهم، وقدم علياً بن شرف الدولة مسلم بن قريش عليهم، ولقَّبه سعد الدولة، فوصل قسيم الدولة إلى حَلب في شوال سنة ٤٨٦ ومعه جماعة من بني عقيل.
دولة بني مزيد
الأسديين ملوك الحلَّة
ابتداء أمرهم
قال ابن خلدون في الجزء الرابع من تاريخه: (كان بنو مزيد هؤلاء من بني أسد وكانت محلاّتهم من بغداد إلى البصرة إلى نجد وهي معروفة. وكانت لهم النعمانية. وكان بنو دُبيس من عشائرهم في نواحي خوزستان في جزائر معروفة بهم).
فبنو مزيد وبنو دُبيس قبيلان أسديان، أو بطنان قريبا الوشيجة، وكان لهما زعامة، وفيهما وجاهة في عهد دولة بني المسيب الذين هم وبنو نمير وبنو خفاجة بطون عامر بن صعصعة، وعهد ملوك بني بويه وملوك السلاجقة. ثم انتهى الأمر في هؤلاء البطون إلى أن أصبحوا ولاة الأطراف وذوي إقطاع يساهمون في الأمر، والملك في ضعف الدولة العباسية التي لم يكن لخلفائها شيء من الأمر سوى السلطة الاسمية، وسوى إصدار التقليدات، ومنح الألقاب والخلع السلطانية على كل متغلِّب على المملكة العباسية حتى على عاصمتها (بغداد).
وأول من ولي الإمرة من بني مزيد كبيرهم في عصره أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي الناشري، وهو فخر الدين بن بهاء الدولة أبي كامل بن منصور بن دُبيس بن علي بن مزيد صاحب الحلَّة السيفية وأخوه أبو الغنائم.
كان بنو مزيد وبنو دُبيس مع ما تربطهما من رابطة القرابة القريبة على حال تنافس فيما بينهما، وتقع بينهما حروب وما كان كل واحد منهما يقنع
بإقطاعه، وما يتسلط عليه من البلاد العراقية التي كانت غنيمة للقوة ومصانعة الطامعين لأُولي الأيد والسلطان المتغلبين على قاعدة الخلافة.
وأول ظهور أمر بني مزيد، وأول وقعة بينهم وبين ذوي قرباهم من بني دُبيس؛ وسببها أن أبا الغنائم محمداً أخا أبي الحسن علي بن مزيد كان يقيم مع بني دُبيس في جزيرتهم بنواحي خوزستان لمصاهرة بينهم، فقتل أحد وجوههم ولحق بأخيه أبي الحسن، فسار إليهم أبو الحسن واقتتلوا، فقُتِل أبو الغنائم محمد وهرب أبو الحسن. (أبو الفداء) ص١٤٠.
قال ابن الأثير في كامله الجزء التاسع في حوادث سنة (٤٠١): كان أبو الغنائم محمد بن مَزْيد مقيماً عند بني دُبيس في جزيرتهم بنواحي خوزستان لمصاهرة بينهم. فقتل أبو الغنائم أحد وجوههم، ولحق بأخيه أبي الحسن عليّ بن مزيد وجرى ما تقدم بيانه. ولما وصل خبر انهزام أبي الحسن بن مزيد إلى عميد الجيوش وهو منحدر عاد ومات عميد الجيوش بهذه السنة. وتولَّى الشريف الرضي تجهيزه، ودفنه بمقابر قريش ورثاه، وأبو علي هو ابن أستاذ هُرمُز من حُجّاب عضد الدولة.
سنة (٤٠٣): في هذه السنة خلع سلطان الدولة على أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي، وهو أول من تقدم من أهل بيته.
سنة (٤٠٤): في هذه السنة جاء سلطان بن ثمال، واستشفع بأبي الحسن بن مزيد إلى فخر الملك ليرضى عنه، فأجابه إلى ذلك، فأخذ عليه العهود بلزوم ما يُحمد أمره. فلما خرج وصلت الأخبار بأنهم نهبوا سواد الكوفة وقتلوا طائفة من الجند وأتى أهل الكوفة مستغيثين، فسيَّر فخر الملك إليهم عسكراً، وكتب إلى ابن مزيد بمحاربتهم، فسار إليهم وأوقع بهم بنهر الرمان، وأسر محمد بن ثمال وجماعة معه ونجا سلطان، وأخذ الأسرى إلى بغداد مشهَّرين وحُبسوا، وهبَّ على المنهزمين من بني خفاجة ريح شديدة حارة، فقتلت منهم نحو خمسمائة رجل، وأفلت منهم جماعة ممن كانوا أُسروا من الحُجَّاج، وكانوا يرعون إبلهم وغنمهم. فعادوا إلى بغداد فوجد بعضهم نساءهم قد تزوَّجن وولدن واقتُسمت تركاتهم: وفيها سار أبو الحسن علي بن مزيد إلى أبي الشوك على عزم محاربته، فاصطلحا من غير حرب، وتزوَّج ابنه أبو الأغرّ دُبيس بن علي بأخت أبي الشوك.
سنة (٤٠٥): في هذه السنة في المحرم كانت الحرب بين أبي الحسن علي بن مَزْيد الأسدي وبين مُضر ونبهان وحسَّان وطراد بني دُبيس؛ وسببها قتلهم أخاه أبا الغنائم كما سبق بيانه. وحالت الأيام بينه وبين الأخذ بثأره. فلما كان الآن تجهز لقصدهم وجمع العرب والشاذنجان والجوانية وغيرهما من الأكراد، وسار إليهم، فلما قرب منهم خرجت زوجته ابنة دُبيس وقصدت أخاها مضر بن دُبيس ليلاً، وقالت له: قد أتاكم ابن مزيد فيما لا قِبَل لكم به، وهو يقنع منكم بإبعاد نبهان قاتل أخيه فأبعدوه، وقد تفرقت هذه العساكر. فأجابها أخوها مضر إلى ذلك وامتنع أخوه حسَّان، فلما سمع ابن مزيد بما فعلته زوجته أنكره وأراد طلاقها، فقالت له: خفت أن أكون في هذه الحرب بين فقد أخ حميم أو زوج كريم، ففعلت ما فعلت رجاء الصلاح، فزال ما عنده منها، وتقدم إليهم وتقدموا إليه بالحلل والبيوت التقوا واقتتلوا واشتد القتال لما بين الفريقين من الذحول(١) ، فظفر ابن مزيد بهم وهزمهم، وقتل حسَّان ونبهان ابني دُبيس واستولى على البيوت والأموال ولحق من سلم بن الهزيمة بالحويزة. ولما ظفر بهم رأى عندهم مكاتبات فخرَ الملك يأمرهم بالجد في أمره ويعدهم النصرة. فعاتبه على ذلك وحصل بينهما نفرة، ودعت فخر الملك الضرورةُ إلى تقليد ابن مزيد الجزيرة الدُبيسيّة واستثنى مواضع منها: الطيب وقُرقوب وغيرهما. وبقي أبو الحسن هناك إلى جمادى الأولى. ثم إن مُضر بن دُبيس جمع جمعاً وكبس أبا الحسن ليلاً، فهرب في نفر يسير واستولى مضر على حلله وأمواله وكل ما له ولحق أبو الحسن ببلد النَّيْل منهزماً.
سنة (٤٠٨): في هذه السنة في ذي القعدة تُوفِّي أبو الحسن عليّ بن مزيد الأسدي، وقام بعده ابنه نور الدولة أبو الأغرْ دُبيس. وكان أبوه قد جعله ولي عهده في حياته، وخلع عليه سلطان الدولة وأذن في ولايته. فلما تُوفِّي والده اختلفت العشيرة على دُبيس، فطلب أخوه المقلَّد بن أبي الحسن على الإمارة، وسار إلى بغداد وبذل للأتراك بذولاً كثيرة ليعاضدوه، فسار معه منهم جمع كثير وكبسوا دُبيساً بالنعمانية ونهبوا حلته. فانهزم إلى نواحي واسط، وعاد التُّرك إلى بغداد وقام الأثير الخادم بخدمة دُبيس حتى ثبت
____________________
(١) ذخول: مفردها ذحل أي الثأر.
قدمه ومضى المقلَّد أخوه إلى بني عُقيل.
سنة (٤١٧): في هذه السنة اجتمع دُبيس بن علي بن مَزْيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن حسَّان أمير بني خفاجة وجمعا عشائرهما وغيرهم، وانضاف إليهما عسكر بغداد على قتال قرواش بن المقلَّد العُقيلي وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما بيد قرواش منه فانحدر من الموصل لدفعهم، فاستعانوا بدُبيس فسار إليهم واجتمعوا، فأتاهم عسكر بغداد فالتقوا بظاهر الكوفة وهي لقرواش، فجرى بين مقدمته ومقدمتهما مناوشة. وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم، فسار ليلاً جريدةً في نفر يسير وعلم أصحابه بذلك، فتبعوه منهزمين فوصلوا إلى الأنبار، وسارت أسد وخفاجة خلفهم، فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله، فلم يمكنهم الإقدام عليه واستولوا على الأنبار ثم تفرّقوا.
وفي هذه السنة سار منيع بن حسَّان أمير خفاجة إلى الجامعَيْن، وهي لنور الدولة دُبيس فنهبها. فسار دُبيس في طلبه إلى الكوفة، ففارقها وقصد الأنبار وهي لقرواش كان استعادها بعد أخذها منه. فلما نازلها منيع قاتله أهلها فلم يكن لهم بخفاجة طاقة بدخل أهل خفاجة الأنبار، ونهبوها وأحرقوا أسواقها، فانحدر إليهم قرواش ليمنعهم وكان مريضاً ومعه الغريب والأثير عنبر، إلى الأنبار ثم تركها ومضى إلى القصر. فاشتد طمع أهل خفاجة، وعادوا إلى الأنبار فأحرقوها مرة ثانية، وسار قرواش إلى الجامعين فاجتمع هو ونور الدولة دُبيس بن مزيد في عشرة آلاف مقاتل، وكان أهل خفاجة في ألف، فلم يقدر قرواش في ذلك الجيش العظيم على هذه الألف، وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد وأعانهم قرواش وأقام عندهم الشتاء. ثم إن منيع بن حسَّان سار إلى الملك أبي كاليجار فأطاعه، فخلع عليه وأتى منيع الخفاجي إلى الكوفة، فخطب فيها لأبي كاليجار وأزال حكم عقيل عن سقي الفرات.
يحقق عن منصور بن الحسين الأسدي، وهل هو من بني مزيد، فإن ابن خلدون يذكر خبر استيلائه على الجزيرة الدُبيسية بين أخبار المزايدة.
سنة (٤٢٠): في هذه السنة أصعد أبو كاليجار إلى مدينة واسط، فملكها وكان ابتداء ذلك أن نور الدولة دُبيس بن علي بن مزيد صاحب
الحلَّة، والنَّيْل ولم تكن الحلَّة بنيت ذلك الوقت، خطب لأبي كاليجار في أعماله؛ وسببه أن أبا حسَّان المقلَّد بن أبي الأغر الحسن بن مزيد كان بينه وبين نور الدين عداوة. فاجتمع هو ومنيع أمير بني خفاجة، وأرسلا إلى بغداد يبذلان مالاً يتجهَّز به العسكر لقتال نور الدولة. فاشتد الأمر على نور الدولة، فخطب لأبي كاليجار وراسله يُطمعه في البلاد، ثم اتفق أنه ملك البصرة فقوي طمعه، فسار من الأهواز إلى واسط وبها الملك العزيز بن جلال الدولة ومعه جمع من التُّرك، ففارقها العزيز وقصد النعمانية ففجر عليه نور الدولة البثوق من بلده، فهلك كثير من أثقالهم وغرق جماعة منهم. وخطب في البطيحة لأبي كاليجار وورد إليه نور الدولة. وأرسل أبو كاليجار إلى قرواش صاحب الموصل وعنده الأثير عنبر يطلب منه أن ينحدر إلى العراق؛ ليبقى جلال الدولة بين الفريقين. فانحدر إلى الكُحيل فمات به الأثير عنبر ولم ينحدر معه قرواش. وجرت أمور لا محل لذكرها انتهت إلى مسير أبي كاليجار إلى جلال الدولة، وتخلَّف عنه دُبيس بن مزيد خوفاً على أهله وحلله من خفاجة، وتغلَّب جلال الدولة على أبي كاليجار.
وفي حوادث هذه السنة لما عاد دُبيس بن مزيد الأسدي، وفارق أبا كاليجار وصل إلى بلده وكان قد خالف عليه قوم من بني عمه ونزلوا الجامعَيْن. فأتاهم وقاتلهم، فظفر بهم وأسر منهم جماعة منهم شبيب وسرايا ووهب بنو حماد بن مزيد، وأبو عبد الله بن أبي الغنائم بن مزيد وحملهم إلى الجوسق. ثم إن المقلَّد بن أبي الأغر بن مزيد وغيره اجتمعوا ومعهم عسكر من جلال الدولة وقصدوا دُبيساً وقاتلوه، فانهزم منهم وأسر من بني عمه خمسة عشر رجلاً، فنزل المعتقلون بالجوسق وهم شبيب وأصحابه إلى حلله فحرسوها. وسار دُبيس منهزماً إلى السندية إلى نجد الدولة أبي منصور كامل بن قراد، فاستصحبه إلى أبي سنان غريب بن مقن حتى أصلح أمره مع جلال الدولة وعسكره، وتكفل به وضمن عنه عشرة آلاف دينار سابورية إذا أعيد إلى ولايته. فأجيب إلى ذلك وخلع عليه. فعرف المقلَّد الحال ومعه جمع من خفاجة، فنهبوا مطير أباذ والنَّيْل وسورا أقبح نهب، واستاقوا مواشيها وأحرقوا منازلها وعبر المقلَّد دجلة إلى أبي الشوك وأقام عنده إلى أن أحكم أمره.
سنة (٤٢٥): في هذه السنة كانت حرب شديدة بين دُبيس بن علي بن
مَزْيد وأخيه أبي قوام ثابت بن علي بن مَزْيد؛ وسبب ذلك أن ثابتاً كان يعتضد بالبساسيري ويتقرب إليه، فلما كان سنة أربع وعشرين وأربعمائة سار البساسيري معه إلى قتال أخيه دُبيس، فدخلوا النيل واستولوا عليه وعلى أعمال نور الدولة. فسيّر نور الدولة إليهم طائفة من أصحابه فقتلوهم فانهزموا، فلما رأى دُبيس هزيمة أصحابه سار عن بلده وبقي ثابت فيه إلى الآن. فاجتمع دُبيس وأبو المغرا عنّاز بن المغرا وبنو أسد وخفاجة وأعانه أبو كامل منصور بن قراد وساروا جريدة لإعادة دُبيس إلى بلده وأعماله. وتركوا حللهم بين خُصّا وحربى، فلما ساروا لقيهم ثابت عند جرجرايا، وكانت بينهم حرب قُتِل فيها جماعة من الفريقين، ثم تراسلوا واصطلحوا ليعود دُبيس إلى أعماله ويقطع أخاه ثابتاً إقطاعاً. وتحالفوا على ذلك وسار البساسيري نجدة لثابت، فلما وصل إلى النعمانية سمع بصلحهم فعاد إلى بغداد.
سنة (٤٣١): في هذه السنة استنجد الملك جلال الدولة ببغداد بدُبيس بن مزيد لما شغب عليه التُّرك.
سنة (٤٣٦): في هذه السنة خطب دُبيس بن مزيد لأبي كاليجار في بلاده.
سنة (٤٤١): في هذه السنة كانت حرب شديدة بين نور الدولة دُبيس بن مزيد وبين التُّرك الواسطيين؛ وسبب ذلك أن الملك الرحيم أقطع نور الدولة حماية نهر الصِّلة ونهر الفضل وهما من إقطاع الواسطيين، فسار إليهما ووليهما. فسمع عسكر واسط ذلك فسخطوه، واجتمعوا وساروا إلى نور الدولة ليقاتلوه ويدفعوه عنهما، وأرسلوا إليه يتهددونه فأعاد الجواب يقول: إن الملك أقطعني هذا، فنرسل إليه أنا وأنتم فبأي شيء أمر رضينا به. فسبّوه وساروا مجدّين إليه، فأرسل إلى طريقهم طائفة من عسكره فلقوهم، وكمن لهم. فلما التقوا استجرهم العرب إلى أن جاوزوا الكمين وخرج عليهم الكمين، فأوقعوا بهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة وأسروا كثيراً وجُرح مثلهم وتمت الهزيمة على الواسطيين، وغنم نور الدولة أموالهم ودوابهم وساروا إلى واسط، فنزلوا بالقرب منها. وأرسل الواسطيون إلى بغداد يستنجدون جندها، ويبذلون للبساسيري أن يدفع عنهم نور الدولة ويأخذ نهر الصِّلة ونهر الفضل لنفسه.
سنة (٤٤٣): في هذه السنة تجددت الفتنة ببغداد بين السنّة والشيعة وعظمت أضعاف ما كانت قديماً، وجرت أمور عظام منها إحراق مشهد باب التبن، ولما انتهى خبر إحراقه إلى نور الدولة دُبيس بن مزيد عظم عليه واشتد وبلغ منه كل مبلغ؛ لأنه وأهل بيته وسائر أعماله من النَّيْل، وتلك الولاية كلهم شيعة، فقُطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله فروسل في ذلك وعوتب، فاعتذر بأن أهل ولايته شيعة واتفقوا على ذلك فلم يمكنه أن يشق عليهم كما أن الخليفة لم يمكنه كفّ السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا وأعاد الخطبة إلى حالها.
سنة (٤٤٦): في هذه السنة زوّج نور الدولة دُبيس ابنه بهاء الدولة منصوراً بابنة أبي البركات بن البساسيري.
سنة (٤٤٦): في هذه السنة في رجب قصد بنو خفاجة الجامعَيْن وأعمال نور الدولة دُبيس، ونهبوا وفتكوا في أهل تلك الأعمال، وكان نور الدولة شرقي الفرات وخفاجة غربيها، فأرسل نور الدولة إلى البساسيري يستنجده، فسار إليه فلما وصل عَبَرَ الفرات من ساعته وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين، فانهزموا منه ودخلوا البر فلم يتبعهم، وعاد عنهم فرجعوا إلى الفساد، فاستعد لسلوك البر خلفهم أين قصدوا وعطف نحوهم قاصداً حربهم، فدخلوا البر أيضاً فتبعهم فلحقهم بخفّان وهو حصن بالبر، فأوقع بهم وقتل منهم ونهب أموالهم وجمالهم وعبيدهم وإماءهم وشرَّدهم كل مشرد، وحصر خفان ففتحه وخرَّبه وأراد تخريب القائم به وهو بناء من آجرّ وكلس، وصانع عنه صاحبه ربيعة بن مطاع بمال بذله. فتركه وعاد إلى البلاد، وهذا القائم قيل: إنه كان علماً تهتدي به السفن لما كان البحر يجيء إلى النجف، ودخل بغداد ومعه خمسة وعشرون رجلاً من خفاجة عليهم البرانس، وقد شدّهم بالحبال إلى الجمال، وقتل منهم جماعة وصلب جماعة وتوجَّه إلى حربى فحصرها، وقرر على أهلها تسعة آلاف دينار وأمنهم.
في هذه السنة لما ابتدأت الوحشة بين البساسيري والخليفة لأسباب، وعزم على حصر الأنبار على أبي الغنائم بن المحَلبان الذي أتاها من بغداد، ورد إليه نور الدولة معاوناً له على ذلك، وانتهى الأمر بفوز البساسيري على ابن المحَلبان.
سنة (٤٤٨): في هذه السنة سلخ شوَّال كانت وقعة بين البساسيري، ومعه نور الدولة دُبيس بن مزيد وبين قريش بن بدران صاحب الموصل ومعه قتلمش، وهو ابن عم السلطان طغرلبك. وكانت الحرب عند سنجار وانتهت بهزيمة قريش وقتلمش، وقد جرح قريش وأتى إلى نور الدولة فأعطاه خلعة كانت قد نفذت من مصر، فلبسها وصار في جملتهم وساروا إلى الموصل وخطبوا لخليفة مصر بها وهو المستنصر بالله. وكانوا قد كاتبوه بطاعتهم، فأرسل إليهم الخلع من مصر للبساسيري ولنور الدولة دُبيس بن مزيد ولجماعة آخرين، ومنهم مقبل بن بدران أخو قريش.
سنة (٤٤٨): لما ظفر هزارسب بالعرب دعا إلى السلطان طغرلبك وأرسل إليه نور الدولة دُبيس وقريش يسألانه أن يتوسط لهما عند السلطان ويصلح أمرهما معه، فسعى في ذلك واستعطف السلطان عليهما، فقال: أما هما فقد عفوت عنهما، وأما البساسيري فذنبه إلى الخليفة ونحن متبعون أمر الخليفة فيه، فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة وتبعه التُّرك البغداديون ومُقبل بن المقلَّد وجماعة من عُقيل. وطلب دُبيس وقريش أن يرسل طغرلبك إليهما أبا الفتح بن ورّام. فأرسله فعاد من عندهما وأخبر بطاعتهما وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ليحلّفهما. فأمره السلطان بالمضي إليهما، فسار واجتمع بهما وأشار عليهما بالحضور عند السلطان فخافا وامتنعا. فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن جعفر وأنفذ دُبيس ابنه بهاء الدولة منصوراً. فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب لهما بأعمالهما.
سنة (٤٤٩): وفيها أصلح دُبيس بن علي بن مزيد ومحمود بن الأخْرم حالهما مع السلطان، فعاد دُبيس إلى بلاده، فوجدها خراباً لكثرة من مات بها من الوباء الجارف وليس بها أحد.
سنة (٤٥٠): لما عاد إبراهيم ينّال إلى هَمَذان سار طغرلبك خلفه وردَّ وزيره عميد الملك الكندري وزوجته إلى بغداد. وكان مسيره من نصيبين وأرسل إلى زوجته ووزيره عميد الملك يأمرهما باللحاق به، فمنعهما الخليفة من ذلك تمسّكاً بهما. وسار من كان ببغداد من التُّرك إلى السلطان بهَمَذان وسار عميد الملك إلى دُبيس بن مزيد فاحترمه وعظَّمه. ثم سار من عنده إلى هزارسب، وسارت خاتون إلى السلطان بهَمَذان، فأرسل الخليفة
إلى نور الدولة دُبيس يأمره بالوصول إلى بغداد. فورد إليها في مائة فارس ونزل في النجمي، ثم عَبر إلى الأتانين. وقوي الإرجاف بوصول البساسيري. فلما تحقق الخليفة وصوله إلى هيت أمر الناس بالعبور من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي. فأرسل دُبيس بن مزيد إلى الخليفة وإلى رئيس الرؤساء يقول: الرأي عندي خروجكما من البلد معي، فإنني أجتمع أنا وهزارسب، فإنه بواسط على دفع عدوكما. فأجيب ابن مزيد بأن نقيم حتى يقع الفكر في ذلك. فقال: العرب لا تطيعني على المقام وأنا أتقدم إلى ديالى، فإذا انحدرتم سرتُ في خدمتكم. وسار وأقام بديالي ينتظرهما فلم ير لذلك أثراً، فسار إلى بلاده وجرت أمور وخطوب من البساسيري لا ربط لذكرها بهذا المقام.
في هذه السنة أنفذ السلطان بعد استقرار الخليفة في داره جيشاً عليهم خمارتكين الطغرائي في ألفي فارس نحو الكوفة فأضاف إليهم سرايا ابن منيع الخفاجي، وكان قد قال للسلطان: أرسلْ معي هذه العدة حتى أمضي إلى الكوفة وأمنع البساسيري من الإصعاد إلى الشام. وسار السلطان طغرلبك في أثرهم، فلم يشعر دُبيس بن مزيد والبساسيري إلاَّ والسرية قد وصلت إليهم ثامن ذي الحجَّة من طريق الكوفة بعد أن نهبوها، وأخذ نور الدولة دُبيس رحله جميعه وأحدره إلى البطيحة وجعل أصحاب نور الدولة دُبيس يرحلون بأهليهم فيتبعهم التُّرك. فتقدم نور الدولة ليرد العرب إلى القتال فلم يرجعوا فمضى. ووقف البساسيري في جماعته، وحمل عليه الجيش فأُسر من أصحابه أبو الفتح بن ورّام وأُسر منصور وبدران وحماد بنو نور الدولة دُبيس. وانتهى الأمر بقتل البساسيري وحُمل رأسه إلى بغداد، ومضى نور الدولة إلى البطيحة ومعه زعيم الملك أبو الحسن عبد الرحيم.
سنة (٤٥١): في هذه السنة انحدر السلطان طغرلبك إلى واسط بعد فراغه من أمر بغداد، فرآها قد نهبت وحضر عنده هزارسب بن بنكير، وأصلح معه حال دُبيس بن مزيد وأحضره معه إلى خدمة السلطان وأصعد في صحبته إلى بغداد.
سنة (٤٥٢): وفي هذه السنة في صفر أصعد السلطان إلى بغداد ومعه دُبيس بن مزيد مع جماعة، واجتمع السلطان بالخليفة وأمر الخليفة بعمل
طعام كثير حضره السلطان والأمراء وأصحابهم، وعمل السلطان أيضاً سماطاً أحضر فيه الجماعة وخلع عليهم.
سنة (٤٥٥): في هذه السنة تُوفِّي السلطان طغرلبك، أما الأحوال بالعراق بعد وفاته، فإنه كُتب من ديوان الخلافة إلى شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل، وإلى نور الدولة دُبيس بن مزيد وإلى هزارسب وإلى جماعة غيرهم من ولاة الأطراف. وقدم إلى بغداد دُبيس بن مزيد، وفارق شرف الدولة مسلم بغداد ونهب النواحي، فسار نور الدولة والأكراد وبنو خفاجة إلى قتاله، ثم أُرسل إليه من ديوان الخليفة رسول معه خلعة له وكوتب بالرضا عنه، وانحدر إليه نور الدولة دُبيس، فعمل له شرف الدولة سماطاً كثيراً وخلع على دُبيس وولده منصور وعاد إلى حلته.
سنة (٤٦٠): وفيها عزل فخر الدولة بن جُهير من وزارة الخليفة، فخرج من بغداد إلى نور الدولة دُبيس بن مزيد بالفلَّوجة. ثم شُفع إليه فأُعيد إلى الوزارة سنة (٤٦١).
سنة (٤٦٢): وفيها تُوفِّي تاج الملوك هزارسب بن بنكير بن عياض بأصبهان وهو عائد من عند السلطان إلى خوزستان، وكان قد علا أمره وتزوج بأخت السلطان، وبغى على نور الدولة دُبيس بن مزيد، وأغرى السلطان به ليأخذ بلاده. فلما مات سار دُبيس إلى السلطان ومعه شرف الدولة مسلم صاحب الموصل، فخرج نظام الملك فلقيهما وتزوج شرف الدولة بأخت السلطان التي كانت امرأة هزارسب.
من أخبار بهاء الدولة منصور بن دُبيس بن مزيد:
سنة (٤٦٥): في هذه السنة لما مات السلطان ألب ارسلان، وبلغ ابن أخيه قاورت بك وفاته وهو بكرمان سار طالباً للري يريد الاستيلاء على الممالك. فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملك. وجرت بينهما حرب قرب هَمَذان، انضم فيها إلى ملكشاه شرف الدولة مسلم بن قريش، وبهاء الدولة منصور بن دُبيس ومن معهما من العرب والأكراد. فتمت على يدهما هزيمة عسكر قاورت بك. وقد ذكر ابن الأثير أسباباً لالتحاق كل من مسلم بن قريش ومنصور بن دُبيس بجيش ملكشاه. وكان السبب بالتحاق منصور بن دُبيس، فإنه كان قد سار بمال أرسله به أبوه إلى السلطان فحضر الحرب لذلك.
سنة (٤٧٤): في هذه السنة في شوال تُوفِّي نور الدولة أبو الأغر دُبيس بن علي بن مزيد الأسدي بمطير آباذ، وكان عمره ثمانين سنة وإمارته سبعاً وخمسين سنة. وما زال مُمَّدحاً في كل زمان مذكوراً بالتفضل والحسَّان ورثاه الشعراء فأكثروا. وولي بعده ما كان إليه ابنه أبو كامل منصور ولقبه بهاء الدولة، فأحسن السيرة واعتمد الجميل، وسار إلى السلطان ملكشاه في ذي القعدة واستقر له الأمر، وعاد في صفر سنة خمس وسبعين وأربعمائة وخلع الخليفة أيضاً عليه.
سنة (٤٧٧): في هذه السنة جرت حرب بين فخر الدولة بن جهير وابن مروان، وقد انضم إليه شرف الدولة، وانتهت الحرب بفوز جيوش ابن جهير وانكسار ابن مروان وشرف الدولة، وامتلاء الأيدي من الغنائم والسبي مما مرّ ذكره في أخبار بني المسيب فلا نعيده.
سنة (٤٧٩): في هذه السنة في ربيع الأول تُوفِّي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دُبيس بن علي بن مزيد الأسدي صاحب الحلَّة والنَّيْل وغيرهما مما يجاورهما. ولما سمع نظام الملك خبر وفاته قال: مات أجلّ صاحب عمامة، وكان فاضلاً قرأ على علي بن برهان فبرع بذكائه في الذي استفاد منه وله شعر حسن فمنه:
فإن أنا له أحمل عظيما ولم أَقُدْ لُهاماً ولم أَصبر على فعل مُعظَم
ولـم أُجِر الجاني وأمَنع حَوْزَهُ عـلامَ أنـادي للفخار وانتمي
وله في صاحب له يُكْنى أبا مالك يرثيه:
فإن كان أودى خِدُننا ونديمن أبـو مالك فالنائبات تنوب
فكل ابن أُنثى لا محالة ميت وفي كل حي للمنون نصيب
ولو ردّ حزن أو بكاء لهالك بكيناه ما هبَّت صبا وجنوب
ولما تُوفِّي أرسل الخليفة إلى ولده سيف الدولة صدقة نَقيب العلويين أبا الغنائم يُعَزّيه. وسار سيف الدولة إلى السلطان ملكشاه، فخلع عليه وولاّه ما كان لأبيه وأكثر الشعراء مراثي بهاء الدولة.
سنة (٤٨٢): في هذه السنة في جمادى الأولى كثرت الفتن في بغداد بين أهل الكرخ وغيرها من المحالّ، واستفحلت وعظم خطرها وجرى من
النهب والقتل والفساد أمور عظيمة. فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة بن مزيد، فأرسل عسكراً إلى بغداد، فطلبوا المفسدين والعيارين فهربوا منهم، فهدمت دورهم وقُتل منهم ونُفي، وسكنت الفتنة وأمن الناس.
سنة (٤٨٣): في هذه السنة في جمادى الأولى نهب العرب البصرة نهباً قبيحاً، وكانت أمور فادحة وأول خرق جرى في أيام السلطان ملكشاه، فلما فعلوا ذلك، وبلغ الخبر إلى بغداد انحدر سعد الدولة كوهرائين وسيف الدولة صدقة بن مزيد إلى البصرة لإصلاح أمورها، فوجدوا العرب قد فارقوها.
سنة (٤٨٦): وفيها في شعبان سار سيف الدولة صدقة بن مزيد إلى السلطان في بركيارق، فلقيه بنصيبين وسار معه إلى بغداد على الموصل.
سنة (٤٨٨): في صفر هذه السنة سيّر الملك تُتُش يوسف بن آبق التُّركماني شحنة لبغداد ومعه جمع من التُّركمان، فمُنع من دخول بغداد، وورد إليه صدقة بن مويد صاحب الحلَّة وكان يكره تُتُش ولم يخطب له في بلاده. فلما سمع ابن آبق بوصوله عاد إلى طريق خراسان ونهب باجِسْرا وقاتله العسكر ببعقوبا، فهزمهم ونهبهم افحش نهب وأكثر معه من التُّركمان وعاد إلى بغداد وكان صدقة قد رجع إلى الحلَّة.
سنة (٤٩٠): لما ضايق قوام الدولة أبو سعيد كربوقا على علي بن مسلم في حصاره الموصل ولم يجد حيلة لدفعه عنها، وقد عزَّت عليه الأقوات ودام الحصار مدة تسعة أشهر فارقها إلى الأمير صدقة بن مزيد بالحلَّة.
وفي السنة أغارت خفاجة على بلد سيف الدولة صدقة بن مزيد، فأرسل في أثرهم عسكراً مقدمه ابن عمه قريش بن بدران بن دُبيس بن مزيد، فأسرته خفاجة وأطلقوه وقصدوا مشهد الحسين بن علي (عليه السلام) فتظاهروا فيه بالفساد والمنكر. فوجه إليهم صدقة جيشاً، فكبسوهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً في المشهد حتى عند الضريح وألقى رجل منهم نفسه وهو على فرسه من على السور، فسلم هو والفرس.
سنة (٤٩٣): في هذه السنة أعيدت الخطبة للسلطان بركيارُق ببغداد واتصل به الأمير صدقة بن مزيد صاحب الحلَّة. وكان في الأمراء الذي قاتلوا معه أخاه محمد بإِسْبيذْروذَ (النهر الأبيض) وهو على عدة فراسخ من
هَمَذان وانتهت المعركة بانكسار بركيارُق.
سنة (٤٩٤): لمّا: كان السلطان بركيارق بالريّ بعد انهزام أخيه محمد، اجتمعت عليه العساكر، فصار معه نحو مائة ألف فارس. ثم إنهم ضاقت عليهم الميرة فتفرقت العساكر، فعاد دُبيس بن صدقة إلى أبيه.
في هذه السنة خرج الأمير صدقة بن منصور بن دُبيس بن مَزيْد صاحب الحلَّة عن طاعة السلطان بركيارُق، وقطع خطبته من بلاده وخطب فيها للسلطان محمد؛ وكان سبب ذلك أن الوزير الأعزّ أبا المحاسن الدّهستاني وزير السلطان بركيارق أرسل إلى صدقة يقول له: قد تخلّف عندك لخزانة السلطان ألف ألف دينار وكذا وكذا ديناراً لِسنين كثيرة، فإن أرسلتها، وإلاَّ سيّرنا العساكر إلى بلادك وأخذناها منك. فلما سمع هذه الرسالة قطع الخطبة وخطب لمحمد. فلما وصل السلطان بركيارق إلى بغداد على هذه الحال أرسل إليه مرة بعد مرة يدعوه إلى الحضور عنده، فلم يُجبْ إلى ذلك. فأرسل إليه الأمير إِياز يشير عليه بقصد خدمة السلطان ويضمن له كل ما يريده، فقال: لا أحضر ولا أطيع السلطان إلا إذا سلّم وزيره أبا المحاسن إلي، وإن لم يفعل فلا يتصور مني الحضور عنده أبداً ويكون في ذلك ما يكون، فإن سلّمه إلي فأنا العبد المخلص في العبودية بالحسن والطاعة. فلم يُجَب إلى ذلك، فتمّ على مقاطعته وأرسل إلى الكوفة وطرد عنها النائب بها عن السلطان واستضافها إليه. ولما وصل السلطان محمد إلى بغداد، وقدم إليه الأمير صدقة في المحرم سنة خمس وتسعين وأربعمائة وخرج الخلق كلهم للقائه. وفي هذه السنة لما أطلق زعيم الرؤساء أبو القاسم علي بن فخر الدولة بن جهير أخو عميد الدولة من الاعتقال خرج إلى ظاهر بغداد من ثلمة في السور، وقد اختلط بالناس وسار إلى سيف الدولة صدقة بن مزيد، فاستقبله وأنزله وأكرمه.
سنة (٤٩٥): في هذه السنة خرج تاج الرؤساء ابن أخت أمين الدولة أبي سعيد بن الموصلايا إلى الحلَّة السيفية مستجيراً بسيف الدولة صدقة؛ وسبب ذلك أن الوزير الأعز وزير السلطان بركيارق كان يُنسب إليه أنه هو الذي يميل جانب الخليفة إلى السلطان محمد، فسار خائفاً واعتزل خاله أمين الدولة الديوان، وجلس في داره فلما قُتل الوزير الأعز، عاد تاج الرؤساء من الحلَّة إلى بغداد.
سنة (٤٩٦): لما أتى ينّال بن انوشتكين إلى بغداد، واستقر أمره بها ظلم الناس بالبلاد جميعاً، وصادرهم واستطال أصحابه على العامة بالضرب والقتل وغير ذلك. أرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة وعرَّفه ما يفعله ينَّال، من نهب الأموال وسفك الدماء، وطلب إليه أن يحضر بنفسه ليكف ينَّال، فسار من حلته في رمضان ووصل بغداد رابع شوَّال وضرب خيامه بالنجمي واجتمع هو وينَّال وإيلغازي ونواب ديوان الخليفة وتقررت القواعد على مال يأخذه ويرحل عن العراق. فطلب ينال المهلة، فعاد صدقة عاشر شوَّال إلى حلته، وترك ولده دُبيساً ببغداد يمنعه من الظلم والتعدي عما استقر الأمر عليه. فبقي ينَّال إلى مستهل ذي القعدة وسار إلى أوانا، فنهب وقطع الطريق وعسف الناس وبالغ في الفعل القبيح وأقطع القُرى لأصحابه. فأرسل الخليفة إلى صدقة في ذلك، فأرسل ألف فارس وساروا إليه ومعهم جماعة من أصحاب الخليفة وإيلغازي شحنة بغداد. فلما سمع ينال بقربهم منه عبر دجلة وسار إلى باجِسْرى وشعثها، وقصد شهر آبان فمنعه أهلها، فقاتلهم فقُتل بينهم قتلى، ورحل عنهم وسار إلى أذربيجان قاصداً إلى السلطان محمد. وعاد دُبيس بن صدقة وإيلغازي شِحنة بغداد إلى مواضعهم.
وفي هذه السنة منتصف ربيع الأول ورد كمشتكين القيصري إلى بغداد شحنةً أرسله إليها السلطان بركيارق. فلما سمع إيلغازي وهو شحنة ببغداد للسلطان محمد أرسل إلى أخيه سُقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا يستدعيه إليه؛ ليعتضد به على منعه، وسار إلى سيف الدولة صدقة بالحلَّة اجتمع به، وسأله تجديد عهد في دفع من يقصده من جهة بركيارق فأجابه إلى ذلك وحلف له. فعاد إيلغازي. وورد سقمان في عساكره ونهب في طريقه تكريت، وورد إليه سقمان ودخلها ونهبها. ولما وصل إلى بغداد نزل بالرملة. وأما كمشتكين فأسرع بمن انضم إليه إلى بغداد فوصلها منتصف ربيع الأول، وفارق إيلغازي داره واجتمع بأخيه سُقمان، وأصعدا من الرملة ونهبا بعض قرى دُجَيْل. فسار طائفة من عسكر كمشتكين وراءهما، ثم عادوا عنها وخُطب للسلطان بركيارق ببغداد. فأرسل كمشتكين القيصري إلى سيف الدولة صدقة ومعه حاجب من ديوان الخليفة في طاعة بركيارق. فلم يجب إلى ذلك وكشف القناع ببغداد في مخالفته. وسار من الحلَّة إلى جسر
صرصر، فقطعت خطبة بركيارق ببغداد، ولم يذكر على منابرها أحد من السلاطين، واقتصر الخطباء على الدعاء للخليفة لا غير. ولما وصل سيف الدولة إلى صرصر أرسل إلى إيلغازي وسقمان، وكانا بحربى يعرّفهما أنه قد أتى لنصرتهما، فعادا ونهبا دُجيلاً، ولم يبقيا على قرية كبيرة ولا صغيرة، وأخُذت الأموال وافتُّضت الأبكار ونهب العرب والأكراد الذين مع سيف الدولة بنهر ملك إلاّ أنهم لم يُنقل عنهم مثل التُّركمان من أخذ النساء والفساد معهن، لكنهم استقصوا في أخذ الأموال بالضرب والاحراق وبطلت معايش الناس وغلت الأسعار. فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة بالإصلاح. فلم تستقر قاعدة وعاد إيلغازي وسُقمان ومعهما دُبيس بن سيف الدولة صدقة من دُجيل، فخيَّموا بالرملة فقصدهم جماعة كثيرة من العامة فقاتلوهم فقُتل من العامة أربعة نفر وأُخذ منهم جماعة، فأُطلقوا بعد أن أخذت أسلحتهم. وازداد الأمر شدة على الناس، فأرسل الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن بن الدامغاني وتاج الرؤساء بن الموصلايا إلى سيف الدولة يأمره بالكف عن الأمر الذي هو ملابسه، ويعرِّفه ما الناس فيه ويُعظِّم الأمر عليه. فأظهر طاعة الخليفة أن أخرج القيصريّ من بغداد وإلاّ فليس غير السيف وأرعد وأبرق. فلما عاد الرسول استقر الأمر على إخراج القيصري من بغداد. ففارقها ثاني عشر ربيع الآخر وسار إلى النهروان. وعاد سيف الدولة إلى بلده، وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد وسار القيصري إلى واسط، فخاف الناس منه وأرادوا الانحدار منها ليأمنوا فمنعهم القيصري. وخطب لبركيارق بواسط، ونهبوا كثيراً من سوادها. فلما سمع صدقة ذلك سار إلى واسط، فدخلها وعدل في أهلها وكف عسكره عن أذاهم، ووصل إليه إيلغازي بواسط، وفارقها القيصري ونزل متحصِّناً بدجلة، فقيل لسيف الدولة: إن هناك مخاضة فسار إليها في عسكره وقد لبسوا السلاح، فلما رآهم عسكر القيصري تفرقوا عنه وبقي في خواص أصحابه. فطلب الأمان من سيف الدولة، فأمنه فحضر عنده فأكرمه، وقال له: قد سمنت، قال: وتركتنا نسمن أخرجتنا من بغداد ثم من واسط ونحن لا نعقل. ثم بذل صدقة الأمان لجميع عسكر واسط، ومن كان مع القيصري سوى رجليَنْ، فعادا إليه فأمنهما وعاد القيصري إلى بركيارق، وأُعيدت خطبة السلطان محمد بواسط، وخُطب بعده لسيف الدولة وإيلغازي واستناب كل
واحد منهما ولده وعادا عنها في العشرين من جمادى الأولى، وأمن أهل واسط مما كانوا يخافونه، فأما إيلغازي فإنه أصعد إلى بغداد، وأما سيف الدولة صدقة فإنه عاد إلى الحلَّة، وأرسل ولده الأصغر منصوراً مع إيلغازي إلى المستظهر بالله يسأله الرضا عنه، فإنه كان قد سخط بسبب هذه الحادثة فوصل إلى بغداد وخاطب في ذلك فأجيب إليه.
سنة (٤٩٦): كانت مدينة هيت لشرف الدولة مسلم بن قريش أقطعه إياها السلطان الب ارسلان، ولم تزل معه حتى قُتل، فنظر فيها عمداء بغداد إلى أن مات السلطان ملكشاه. ثم أخذها أخوه تُتُش بن ألب ارسلان، فلما استولى السلطان بركيارق أقطعها بهاء الدولة ثروان بن وهب بن وُهَيْبة وأقام هو وجماعة من بني عُقْيل عند سيف الدولة صدقة، وكانا متصافيين وكان صدقة يزوره كثيراً ثم تنافرا؛ وكان سبب ذلك أن صدقة زوَّج بنتاً له من ابن عمه، وكان ثروان قد خطبها فلم يجبه إلى ذلك، فتحالفت عُقْيل وهم في حلة سيف الدولة أن يكونوا يداً واحدة عليه، فأنكر صدقة ذلك. وحج ثروان عُقَيْبَ ذلك وعاد مريضاً، فوكّل به صدقة، وقال: لابدّ من هيت. فأرسل ثروان حاجبه وكتب خطه بتسليم البلد إليه. وكان بهيت حينئذٍ محمد بن رافع بن رفاع بن ضُبيعة بن مالك بن مقلد بن جعفر. وأرسل صدقة ابنه دُبيس مع الحاجب ليتسلمها، فلم يسلّم إليه محمد. فعاد دُبيس إلى أبيه فلمّا أخذ صدقة واسطاً هذه النوبة أصعد في عسكره إلى هيت فخرج إليه منصور بن كثير ابن أخي ثروان، ومعه جماعة من أصحابه فلقوا سيف الدولة وحاربوه ساعة من النهار. ثم إن جماعة من الرَّبعَييّنْ فتحوا لسيف الدولة البلد فدخله أصحابه، فلما رأى ذلك منصور ومن معه سلّموا البلد إليه، فملكه يوم نزوله، وخلع على منصور وجماعة من وجوه أصحابه، وعاد إلى حِلَّته واستخلف عليها ابن عمه ثابت بن كامل.
وفي هذه السنة استوزر المستظهر بالله زعيم الرؤساء أبا القاسم بن جُهير واستقدمه من الحلَّة من عند سيف الدولة صدقة، وقد سبق سبب التجائه إليه.
وفي سنة (٤٩٧) لما أُستولي في هذه السنة في المحرم على مدينة عانة والحديثة بَلْك بن بهرام بن أرتق، وهو ابن أخي إيلغازي بن أرتق، وكانت له مدينة سروج فأخذها الفرنج منه، فسار إلى عانة وأخذها من بني
يعيش بن عيسى بن خلاط، فقصد بنو يعيش سيف الدولة صدقة بن مزيد، ومعهم مشايخهم وسألوه الإصعاد إليها وان يتسلمها منهم، ففعل وأصعد معهم. فرحل التُّركمان وبهرام عنها، وأخذ صدقة رهائنهم وعاد إلى حلته، فرجع بَلك إليها ومعه ألفا رجل من التُّركمان، فمانعه أصحابه قليلاً. واستدل على المخاضة إليها، فخاضها وعبر وملكهم ونهبهم وسبى جميع حرمهم، وانحدر طالباً هيت من الجانب الشامي، فبلغ إلى قريب منها. ثم رجع من يومه ولما سمع صدقة جهَّز العساكر، ثم أعادهم عند عود بلك.
وفي هذه السنة اصطلح الأخوان السلطان بركيارق والسلطان محمد بعد أن جر اختلافهما العظائم على البلاد التي كانا متسلطين عليها. وبُني صلحهما على قاعد مقررة بعد اقتسام سلطان البلاد بينهما، ومما دخل في نفوذ السلطان محمد من بلاد العراق بلاد سيف الدولة صدقة. ولما وصلت رسل السلطان بركيارق إلى الخليفة المستظهر بالله بالصلح وما استقرت القواعد عليه حضر إيلغازي بالديوان، وسأل في إقامة الخطبة لبركيارق أُجيب إلى ذلك. وخُطب له بالديوان وخطب له من الغد بالجوامع وبواسط، ولمّا خطب إيلغازي ببغداد لبركيارق، وصار في جملته أرسل الأمير صدقة إلى الخليفة يقول: كان أمير المؤمنين ينسب إليّ كل ما يتجدد من إيلغازي من اخلال بواجب الخدمة وشرط الطاعة ومن اطِّراح المراقبة. والآن فقد أبدى صفحته للسلطان الذي استنابه، وأنا غير صابر على ذلك، بل أسير لإخراجه عن بغداد. فلما سمع إيلغازي ذلك شرع في جمع التُّركمان وورد صدقة بغداد، فنزل مقابل التاج وقبَّل الأرض ونزل في مخيَّمه بالجانب الغربي. ففارق إيلغازي بغداد إلى يعقوبا، وأرسل إلى صدقة يعتذر من طاعته لبركيارق بالصلح الواقع، وأنّ اقطاعه حلوان وغيرها في جملة بلاده، وأنّ بغداد التي هو شحنة فيها قد صارت له؛ فذلك الذي أدخله في طاعته، فرضي عنه صدقة وعاد إلى الحلَّة.
وفي هذه السنة في شوَّال انحدر سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلَّة إلى اسط في عسكر كثير. فنودي بها في التُّرك: من أقام فقد برئت منه الذمة. فسار جماعة منهم إلى بركيارق وجماعة إلى بغداد. وصار مع صدقة جماعة منهم. ثم إنه أحضر مهذّب الدولة بن أبي الجبر صاحب البطيحة، وضمنه البلد لمدة آخرها آخر السنة بخمسين ألف دينار. وعاد إلى
الحلَّة وأقام مهذّب الدولة بواسط إلى سادس ذي القعدة وانحدر إلى بلده. وفي الصفحة والسنة في ربيع الأول أُطلق سديد الملك أبو المعالي من الاعتقال، وهو الذي كان وزير الخليفة. ولما أُطلق هرب إلى الحلَّة السيفية، ومنها إلى السلطان بركيارق فولاّه الإشراف على ممالكه.
سنة (٤٩٨): تُوفِّي في هذه السنة السلطان بركيارقُ، وبلغ أخاه السلطان محمد وفاته وهو يحاصر الموصل. فأصلح صاحبها جكرش وسار إلى بغداد ومعه سقمان القطبي وسار معه جكرش وغيرهما من الأمراء. وكان سيف الدولة صدقة صاحب الحلَّة قد جمع كثيراً من العساكر، فبلغت عدتهم خمسة عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل وأرسل ولديه بدران ودُبيساً إلى السلطان محمد يستحثه على المجيء إلى بغداد، فاستصحبهما معه إلى بغداد، ووصل إليها يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى، ونزل بالجانب الغربي بأعلى بغداد، وخطب له به وملكشاه بن بركيارق بالجانب الشرقي. وبعد أن تهيأ رجال كل من الملكين لمحاربة الآخر سُعي بالصلح بينهما على أن تسلَّم السلطنة إلى السلطان محمد. وثاني يوم تمَّ عقد الصلح على قواعد تقررت. ولما كان من الغد حضر الأمير إياز عند السلطان محمد، فلقيه وزير السلطان وكافة الناس. ووصل سيف الدولة صدقة ذلك الوقت، ودخلا إلى السلطان فأكرمهما وأحسن إليهما، وقيل: بل ركب السلطان ولقيهما، ووقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره.
في هذه السنة قتل السلطان محمد الأمير إياز؛ وكان مقتله لسبب هزل ومزاح أدى إلى ارتياب السلطان منه. وكان إياز بعد إقرار أمر السلطنة للسلطان محمد قد عمل دعوة عظيمة في داره وحضر مع السلطان صدقة بن مزيد، وفارق السلطان الدار وعاد إلى داره. فلما كان ثالث عشر جمادى بعد الدعوة بخمسة أيام استدعى السلطان الأمير صدقة واياز وجكرش وغيرهم من الأمراء، فلما حضروا أرسل إليهم أنه بلغنا أن قلج ارسلان بن سليمان بن قُتلمش قصد ديار بكر ليتملَّكها وسيَّر منها إلى الجزيرة، وينبغي أن تجتمع آراؤكم على من يسير إليه؛ ليمنعه ويقاتله فقال الجماعة: ليس لهذا غير الأمير إياز. فقال إياز: ينبغي أن اجتمع أنا وسيف الدولة صدقة بن مزيد على هذا الأمر والدفع لهذا القاصد. فقيل ذلك للسلطان. فأعاد الجواب يستدعي إياز وصدقة والوزير سعد الملك ليحرر الأمر في حضرته
فنهضوا ليدخلوا إليه، وكان قد أعد جماعة من خواصه ليقتلوا إياز إذا دخل إليه. فلما دخلوا ضرب أحدهم رأسه فأبانه، فأما صدقة فغطى وجهه بكمه، وأما الوزير فإنه غشي عليه، ولف إياز في مسح وأُلقي على الطريق.
وفي هذه السنة أَقطع السلطان محمد الكوفة للأمير قايماز وأوصى صدقة أن يحمي أصحابه من خفاجة فأجاب إلى ذلك.
سنة (٤٩٩): في هذه السنة كانت حرب شديدة بين عُبادة وخفاجة. وكان قبل وقوع الحرب بينهما أشار صدقة على عبادة بالصلح، فلم تقبل وانتهت المعركة بفوز خفاجة وبامتلاء أيديهم من الغنائم. وكان الأمير صدقة قد أعان خفاجة سراً، فلما وصل المنهزمون إليه هنأهم صدقة بالسلامة، فقال له بعضهم: ما زلت أقاتل وأضارب وأنا طامع في الظفر بهم حتى رأيت فرسك الشقراء تحت أحدهم، فعلمت أنهم أُجلبوا علينا بخيلك ورجلك، وأننا لا طاقة لنا بهم فنُصروا علينا بمعونتك، وفلّونا بحدك فلم يجبه صدقة.
في هذه السنة في جمادى الأولى انحدر سيف الدولة من الحلَّة إلى البصرة فملكها، وكان قد تمكَّن إسماعيل بن ارسلانجق منها ومن نواحيها، وأقام بها عشر سنين نافذ الأمر، وازداد قوة وتمكناً بالاختلاف الواقع بين السلاطين وأخذ الأموال السلطانية. وكان قد أرسل صدقة وأظهر له أنه في طاعته وموافقته، فلما استقر الأمر للسلطان محمد أراد أن يرسل إلى البصرة مقطعاً يأخذها من إسماعيل، فخاطب صدقة في معناه حتى أُقرت البصرة عليه، فأنفذ السلطان عميداً إليها ليتولى ما يتعلق بالسلطان هناك، فمنعه إسماعل ولم يمكِّنه من عمله وفعل ما خرج به عن حدِّ المجاملة فأمر السلطان صدقة بقصده وأخذ البصرة منه؛ فتحرك لذلك. فاتفق ظهور منكبرس وخلافه على السلطان وأنه على قصد واسط، فسُرّ إسماعيل بذلك وزاد انبساطه وأرسل صدقة حاجباً له وكان قبله قد خدم أباه وجده إلى إسماعل يأمره بتسليم الشرطة وأعمالها إلى مهذّب الدولة بن أبي الجبر؛ لأنها كانت في ضمانه، فوصل إلى الشرطة وأخذ منها أربعمائة دينار، فأحضره إسماعيل وحبسه وأخذ الدنانير منه. فلما رأى صدقة مكاشفته سار من حلته، وأظهر أنه يريد قصد الرحبة، ثم جدَّ السير إلى البصرة، فلم يشعر إسماعيل الا بقربه منه. ففرّقَ أصحابه في القلاع التي استجدَّها بِمَطَّارا
ونهر معقل وغيرهما، واعتقل وجوه العباسيين والعلويين وقاضي البصرة ومدرِّسها وأعيان أهلها ونازلهم صدقة. فجرى قتال بين طائفة من عسكره وطائفة من البصريين قُتل فيها أبو النجم بن أبي القاسم الورَّامي وهو ابن خال سيف الدولة صدقة، فمما مُدح به سيف الدولة وُرثي به أبو النجم بن أبي القاسم قول بعضهم:
تَهَنَّ يا خير من يحمي حريم حِمَىً فـتحاً أَغـثتْ به الدنيا مع الدين
ركـبت للبصرة الغراء في نُخبٍ غُـرٍّ كـجيش عـلي يوم صفين
هـوى أبو النجم كالنجم المنير به لـكنه كـان رجـماً لـلشياطين
وأقام صدقة محاصراً لإسماعيل بالبصرة، فأشار عليه بعض أصحابه بالعود عنها، وأعلموه أنهم لا يظفرون بطائل، فأشار عليهم بالمقام، وقالوا: إن رحلنا كانت كسرة، وكان رأي سيف الدولة المقام، وقال: إن تعذَّر عليّ فتح البصرة لم يطعني أحد واستعجزني الناس. ثم إن إسماعيل خرج من البلد وقاتل صدقة، فسار بعض أصحاب صدقة إلى مكان آخر من البلد ودخلوه وقتلوا من السواديّة الذين جمعهم إسماعيل خلقاً كثيراً. وانهزم إسماعيل إلى قلعته بالجزيرة، فأدركه بعض أصحاب سيف الدولة، وأراد قتله ففداه أحد غلمانه بنفسه فوقعت الضربة فيه فأثخنته. فنهُبت البصرة وغنم من معه من عرب البرّ وغيرهم ما فيها، ولم يسلم منهم إلا المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد، فإن العباسيين دخلوا المدرسة النظامية وامتنعوا بها وحموا المربد، عمَّت المصيبة أهل البلد سوى من ذكرنا وامتنع إسماعيل بقلعته، فاتفق أن لمهذّب بن أبي الجبر انحدر في سفن كثيرة وأخذ القلعة التي لإسماعيل بمطارا، وقتل بها خلقاً من أصحاب إسماعيل، وحمل إلى صدقة كثيراً فأطلقهم. فلما علم إسماعيل بذلك أرسل إلى صدقة يطلب الأمان على نفسه وأهله وأمواله، فأجابه إلى ذلك وأجَّله سبعة أيام، فأخذ كل ما يمكنه حمله مما يعز عليه، وما لم يقدر على حمله أهلكه بالماء وغيره. ونزل إلى سيف الدولة وأمن سيف الدولة أهل البصرة من كل أذى، ورتب عندهم شحنة وعاد إلى الحلَّة ثالث جمادى الآخرة. وكان مقامه بالبصرة ستة عشر يوماً. وأما إسماعيل فإنه لما سار صدقة إلى الحلَّة قصد هو الباسيان إلى أن وصله ماله في المراكب، وسار نحو فارس وصار يتعنَّت
أصحابه وزوجته وقبض على جماعة من خواصه، وقال لهم: أنتم سقيتم ولدي أفراسياب السم حتى مات وكان قد مات، في صفر من هذه السنة. ففارقه كثير منهم حتى زوجته فارقته وسارت إلى بغداد، وانتهى الأمر به إلى الموت وانتهاب أمواله وتفرِّق أصحابه.
وفي هذه السنة اجتمعت ربيعة والمنتفق ومن انضم إليها من العرب، وقصدوا البصرة في جمع كثير. وكان الأمير صدقة لما استولى عليها استناب بها مملوك جده دُبيس بن مزيد التونتاش وجعل معه مائة وعشرين فارساً، فقاتلهم هذا فأسروه وانهزم أصحابه، ولم يقدر من بها على حفظها، فدخلوها بالسيف أواخر ذي القعدة وأحرقوا الأسواق والدور الحسَّان، ونهبوا ما قدروا عليه وأقاموا ينهبون ويحرقون اثنين وثلاثين يوماً، وتشرَّد أهله في السواد ونهبت خزانة كتب كانت موقوفة وقفها القاضي أبو الفرج ابن أبي البقاء. وبلغ الخبر صدقة، فأرسل عسكراً فوصلوا وقد فارقها العرب. ثم إن السلطان محمداً أرسل شحنة وعميداً إلى البصرة وأخذها من صدقة، وعاد أهلها إليها وشرعوا في عمارتها.
سنة (٥٠٠): في هذه السنة في صفر تسلَّم الأمير سيف الدولة صدقة ابن منصور بن مزيد قلعة تكريت. وقد تقدم أنها كانت لبني مقن العقيليين وقد تداولتها أيدي الغالبين. ولما استقر السلطان محمد بعد موت أخيه بركيارق اقطعها للأمير أقسنقر البُرسقي شحنة بغداد. فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر حتى ضاق على كيقباذ الأمر، فراسل صدقة بن مزيد ليسلمها إليه فسار إليها في صفر هذه السنة وتسلَّمها منه. وانحدر البُرسقي ولم يملكها. ومات كيقباذ بعد نزوله من القلعة بثمانية أيام واستناب صدقة بها ورّام بن أبي فراس بن ورّام. وكان كيقباذ يُنسَب إلى الباطنية، وكان موته من سعادة صدقة، فإنه لو أقام عنده لعرّض صدقة لظنون الناس في اعتقاده ومذهبه.
وفي هذه السنة كانت حرب بين عُبادة وخفاجة كان الظفر بها لعبادة، وأخذت بثارها؛ وكان سبب ذلك أن سيف الدولة صدقة أرسل ولده بدران في جيش إلى طرف بلاده مما يلي البطيحة ليحميها من خفاجة؛ لأنهم يؤذون أهل تلك النواحي، فقد قربوا منها وتهددوا أهل البلاد، فكتب إلى أبيه يشكو منهم ويعرِّفه حالهم، فأحضر عبادة وكانت خفاجة قد فعلت بهم العام الماضي ما
تقدم ذكره. فلما حضروا عنده قال لهم: ليتجهزوا مع عسكره ليأخذوا بثأرهم من خفاجة، فساروا في مقدم عسكره، فأدركوا حلة من خفاجة، من بني كليب لبلادهم وهم غارون لم يشعروا بهم، فقالوا: من انتم؟ فقالت عبادة: نحن أصحاب لديون. فعلموا أنهم عبادة، فقاتلوهم وصبرت خفاجة. فبينما هم في القتال إذ سُمع طبل الجيش، فانهزموا وقَتلت منهم عبادة جماعة، وكان فيهم عشرة من وجوههم. وتركوا حُرمهم فأمر صدقة بحراستهن وحمايتهن وأمر العسكر أن يؤثروا عبادة بما غنموه من أموال خفاجة خلفاً لهم عما أُخذ منهم في العام الماضي. وأصاب خفاجة من مفارقة بلادها وَنَهْب أموالها وقتل رجالها أمر عظيم، وانتزحت إلى نواحي البصرة وأقامت عبادة في بلاد خفاجة. ولما انهزمت خفاجة وتفرقت ونُهبت أموالها جاءت امرأة منهم إلى الأمير صدقة فقالت له: أنت سبيتنا وسلبتنا قوتنا وغرّبتنا وأضعت حُرمتنا قابلك الله في نفسك، وجعل صورة أهلك كصورتنا. فكظم الغيظ واحتمل لها ذلك وأعطاها أربعين جملاً، ولم يمض غير قليل حتى قابل الله صدقة في نفسه وأولاده، فإن دُعاءَ الملهوف عند الله بمكان.
لما أقطع السلطان محمد في محرم هذه السنة جاولي سقاوو الموصل والأعمال التي بيد جكرمش سار إلى الموصل، وجعل طريقه على البوازيج فملكها ونهبها أربعة أيام، ثم سار إلى أربل، وانهزم عسكر جكرش وأسر. ولما وصل الخبر إلى الموصل أقعدوا في الأمر ولده زنكي وهو صبي عمره إحدى عشرة سنة، وخطبوا له وكان مستحفظ القلعة مملوكاً لجكرش اسمه غزغلي فقام في ذلك المقام المرضي، وفرَّق الأموال التي جمعها جكرش والخيول وغير ذلك على الجند، وكاتب سيف الدولة صدقة وقلج أرسلان والبُرسقي شحنة بغداد بالمبادرة إليهم، ومنع جاولي عنهم ووعدوا كلاً منهم أن يسلموا البلد إليه. فأما صدقة فلم يجبهم إلى ذلك ورأى طاعة السلطان. وجرت بعد ذلك أمور وأحداث لا علاقة لها بأخبار بني مزيد فأعرضنا عنها.
وفي هذه السنة اختلف سيف الدولة صدقة بن مزيد ومهذّب الدولة السعيد بن أبي الجبر صاحب البطيحة وانضاف حماد بن أبي الجبر إلى صدقة وأظهر معاداة ابن عمه مهذّب الدولة ثم اتفقوا وكان سبب ذلك أن صدقة لما أقطعه السلطان محمد مدينة واسط ضمنها منه مهذّب الدولة،
واستناب في الأعمال أولاده وأصحابه، فمدوا أيديهم في الأموال وفرطوا فيها وفرقوها. فلما انقضت السنة طالبه صدقة بالمال وحبسه. ثم سعى في خلاصه بدران بن صدقة وهو صهر الدولة، فأخرجه من الحبس وأعاده إلى بلده البطيحة. وضمن حماد بن أبي الجبر واسط. فانحل على مهذّب الدولة كثير من أمره، فآل الأمر إلى الاختلاف بعد الاتفاق، فإن المصطنع إسماعيل جد حماد، والمختص محمداً والد مهذّب الدولة أخوان. وهما ابنا أبي الجبر وكانت إليهما رياسة أهلهما وجماعتهما. فهلك المصطنع وقام ابنه أبو السيد المظفّر والد حماد مقامه، وهلك المختص محمد وقام ابنه مهذّب الدولة مقامه. وصارا يتنازعان ابن الهيثم صاحب البطيحة، ويقاتلانه إلى أن أخذه مهذّب الدولة أيام كوهرائين. وسلَّمه إلى كوهرائين، فحمله إلى أصبهان فهلك في طريقها. فعظم أمر مهذّب الدولة وصيّره كوهرائين أمير البطيحة، فصار ابن عمه وجماعة تحت حكمه، وكان حماد شاباً، فأكرمه مهذّب الدولة وزوّجه بنتاً له وزاد في اقطاعه فكثر ماله، فصار يحسد مهذّب الدولة ويضمر بغضه، وربما ظهر في بعض الأوقات، وكان مهذّب الدولة يداريه بجهده فلما هلك كوهرائين انتقل حماد عن مهذّب الدولة، وأظهر ما في نفسه فاجتهد مهذّب الدولة في إعادته إلى ما كان فلم يفعل. فسكت عنه فجمع النفيس بن مهذّب الدولة جمعاً وقصد حماداً، فهرب منه إلى سيف الدولة فأرسل حماد إلى صدقة يعرّفه ذلك، فأرسل إليه كثيراً من الجند فقوي عزم مهذّب الدولة على المحاربة لئلا يظن به العجز، فأشار عليه أهله بترك الخروج من موضعه لحصانته، فلم يفعل وسيّر سفنه وأصحابه في الأنهر، فجعل حماد وأخوه له الكمناء واندفعوا من بين أيديهم، فطمع أصحاب مهذّب الدولة وتبعوهم فخرج عليهم الكمناء فلم يسلم منهم إلاّ من لم يحضر أجله، فقُتل منهم وأُسر خلق كثير. فقوي طمع حماد وأرسل إلى صدقة يستنجده، فأرسل إليه مقدم جيشه سعيد بن حميد العمري وغيره من المقدمين، وجمعوا السفن ليقاتلوا مهذّب الدولة، فرأوا أمراً محكماً فلم يمكنهم الدخول إليه. وكان حماد بخيلاً ومهذّب الدولة جواداً، فأرسل إلى سعيد بن حميد الإقامات الوافرة والصِلات الكثيرة، واستماله فمال إليه واجتمع به. وتقرر الأمر على أن أرسل مهذّب الدولة ابنه النفيس
إلى صدقة، فرضي عنه وأصلح بينهم وبين حماد ابن عمهم، وعادوا إلى حالة حسنة من الاتفاق وكان صلحهم في ذي الحجَّة سنة خمسمائة.
وفي هذه السنة في صَفَر عُزل الوزير أبو القاسم علي بن جهير وزير الخليفة، فقصد دار سيف الدولة صدقة ببغداد ملتجئاً إليها وكانت ملجأً لكل ملهوف، فأرسل إليه صدقة من أخذه إليه إلى الحلَّة.
وفي سنة (٥٠١) وفي رجب قتل الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دُبيس بن مزيد الأسدي أمير العرب، وهو الذي بنى الحلَّة السيفية بالعراق. وكان قد عظم شأنه وعلا قدره واتسع جاهه واستجار به صغار الناس وكبارهم فأجارهم، وكان كثير العناية بأمور السلطان محمد والتقوية ليده والشد منه على أخيه بركيارق حتى أنه جاهر بركيارق بالعداوة، ولم يبرح على مصافاة السلطان محمد وزاده محمد اقطاعاً من جملته مدينة واسط، وأذن له في أخذ البصرة. ثم أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن حيز البلخي، وقال في جملة ما قاله عنه: إن صدقة قد عظم أمره، وزاد حاله وكثر إدلاله ويبسط في الدولة حمايته على كل من يفر إليه من عند السلطان، وهذا لا تحتمله الملوك لأولادهم ولو أرسلت بعض أصحابك لملك بلاده وأمواله. ثم إنه تعدَّى ذلك حتى طعن في اعتقاده ونسبه وأهل بلده إلى مذهب الباطنية وكذب وإنما كان مذهبه التشيع لا غير، ووافق ارغون السعدي أبا جعفر العميد، وانتهى ذلك إلى صدقة وكانت زوجة ارغون بالحلَّة وأهله، فلم يؤاخذهم بشيء مما كان له أيضاً هناك من بقايا خراج ببلده، فأمر صدقة أن يخلص ذلك إليه بأجمعه ويسلم إلى زوجته. وأما سبب قتله فإن صدقة كان كما ذكرنا يستجير به كل خائف من خليفة وسلطان وغيرهما. وكان السلطان محمد قد سخط على أبي دُلف سرخاب بن كيخسرو صاحب ساوة وآبة، فهرب منه وقصد صدقة فاستجار به فأجاره، فأرسل السلطان يطلب من صدقة أن يسلمه إلى نوابه فلم يفعل. وأجاب: إنني لا أُمكِّن منه بل أُحامي عنه، وأقول: ما قاله أبو طالب لقُريش لما طلبوا منه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):
ونُسلمُه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وظهر منه أمور أنكرها السلطان، فتوجه إلى العراق ليتلافى هذا
الأمر. فلما سمع صدقة استشار أصحابه في الذي يفعله، فأشار عليه ابنه دُبيس بأن ينفذه إلى السلطان ومعه الأموال والخيل والتُحف ليستعطف له السلطان، وأشار سعيد بن حميد صاحب جيش صدقة بالمحاربة وجمع الجند وتفريق المال فيهم، واستطال في القول. فمال صدقة إلى قوله وجمع العساكر واجتمع إليه عشرون ألف فارس وثلاثون ألف راجل، فأرسل إليه المستظهر بالله يحذِّره عاقبة أمره، وينهاه عن الخروج عن طاعة السلطان، ويعرض له توسط الحال فأجابه صدقة: إنني على طاعة السلطان لكن لا آمن على نفسي في الاجتماع به. وكان الرسول بذلك عن الخليفة نَقيب النُّقباء علي بن طراد الزينبي. ثم أرسل السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي إلى صدقة يطيب قلبه ويزيل خوفه، ويأمره بالانبساط على عادته، ويعرِّفه عزمه على قصد الفرنج ويأمره بالتجهّز للغزاة معه. فأجاب: إن السلطان قد أفسد أصحابه قلبه عليّ وغيروا حالي معه وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام، وذكر سالف خدمته ومناصحته. وقال سعيد بن حُميد صاحب جيشه: لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع. وامتنع صدقة من الاجتماع بالسلطان. ووصل السلطان إلى بغداد في عشرين من ربيع الآخر ومعه وزيره نظام الملك أحمد بن نظام الملك، وسيّر البُرسقي شحنة بغداد في جماعة من الأمراء إلى صرصر. فنزلوا عليها وكان وصول السلطان جريدة لا يبلغ عساكره ألفي فارس، فلما تيقن ببغداد مكاشفة صدقة أرسل الأمراء يأمرهم بالوصول إليه والجد في السير وبتعجيل ذلك، فوردوا إليه من كل جانب. ثم وصل كتاب صدقة إلى الخليفة في جمادى الأولى يذكر أنه واقف عندما يرسم له، ويُقرر من حاله مع السلطان، ومهما أمرته من ذلك امتثله، فأنفذ الخليفة الكتاب إلى السلطان، فقال السلطان: أنا ممتثل ما يأمر به الخليفة ولا مخالفة عندي، فأرسل الخليفة إلى صدقة يعرّفه إجابة السلطان إلى ما طلب منه؛ ويأمره بإنفاذ ثقته ليستوثق له ويحلف السلطان على ما يقع الاتفاق عليه. فعاد صدقة عن ذلك الرأي، وقال: إذا رحل السلطان عن بغداد أمددته بالمال والرجال وما يحتاج إليه في الجهاد، وأمّا الآن وهو ببغداد وعسكره بنهر الملك، فما عندي مال ولا غيره وإنّ جاولي سقاوو وإيلغازي بن أرتق قد أرسلا إليّ بالطاعة لي، والموافقة معي على محاربة السلطان وغيره، ومتى أردتهما وصلا في عساكرهما، وورد إلى السلطان قرواش بن
شرف الدولة وكرماوى بن خُرسان التُّركماني، وأبو عمران فضل بن ربيعة بن حازم بن الجرّاح الطائي، وآباؤه كانوا أصحاب البلقاء والبيت المقدس، منهم حسَّان بن المفرّج الذي مدحه التهامي، وكان فضل تارة مع الفرنج وتارة مع المصريين. فلما رآه طغتكين أتابك على هذه الحال طرده من الشام، فلما طرده التجأ إلى صدقة وعاقده، فأكرمه صدقة وأهدى له هدايا كثيرة منها سبعة آلاف دينار عيناً. فلمّا كانت هذه الحادثة بين صدقة والسلطان سار في الطلائع ثم هرب إلى السلطان. فلما وصل خلع عليه وعلى أصحابه وأنزله بدار صدقة ببغداد. فلما سار السلطان إلى قتال صدقة استأذنه فضل في إتيان البريّة ليمنع صدقة من الهرب إن أراد ذلك. فأذن له، فعبر بالأنبار وكان آخر العهد به. وأنفذ السلطان في جمادى الأولى إلى واسط الأمير محمد بن بوقا التُّركماني، فأخرج عنها نائب صدقة وأمَّن الناس كلهم إلاّ أصحاب صدقة فتفرقوا ولم يُنهب أحد. وأنفذ خيله إلى بلد قوسان وهو من أعمال صدقة، فنهبه أقبح نهب وأقام عدة أيام فأرسل صدقة إليه ثابت بن سلطان وهو ابن عم صدقة ومعه عسكر، فلما وصلوا إليها خرج منها التُّرك وأقام ثابت بها وبينه وبينهم دجلة. ثم إن ابن بوقا عبَّر جماعة من الجند ارتضاهم وعرف شجاعتهم. فوقفوا على موضع مرتفع على نهر سالم يكون ارتفاعه نحو خمسين ذراعاً، فقصدهم ثابت وعسكره، فلم يقدروا أن يقربوا التُّرك من النشاب والمدد يأتيهم من ابن بوقا، وَجُرح ثابت في وجهه، وكثرت الجراح في أصحابه. فانهزم هو ومن معه وتبعهم التُّرك، فقتلوا منهم وأسروا ونهب طائفة من التُّرك مدينة واسط واختلط بهم رجّالة ثابت فنهبت معهم. فسمع ابن بوقا الخبر فركب إليهم ومنعهم، وقد نهبوا بعض البلد ونادى في الناس بالأمان، وأقطع السلطان أواخر جمادى الأولى مدينة واسط لقسيم الدولة البُرسقي وأمر ابن بوقا بقصد بلد صدقة ونهبه. فنهبوا فيه ما لا يُحد، وأما السلطان محمد فإنه سار عن بغداد إلى الزعفرانية ثاني جمادى الآخرة. فأرسل إليه الخليفة وزيره مجد الدين بن المطلب يأمره بالتوقف وترك العجلة؛ خوفاً على الرعية من القتل والنهب، وأشار قاضي أصبهان بذلك، واتِّباع أمر الخليفة فأجاب السلطان إلى ذلك. فأرسل الخليفة إلى صدقة نَقيب النُّقباء علي بن طراد وجمال الدولة مختصّاً الخادم، فسارا إلى صقة، فأبلغاه رسالة الخليفة يأمره بطاعة السلطان وينهاه
عن المخالفة فاعتذر صدقة، وقال: ما خالفت الطاعة ولا قطعت الخطبة في بلدي، وجهز ابنه دُبيس ليسير معهما إلى السلطان، فبينما الرسل وصدقة في هذا الحديث إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر السلطان قد عبروا من مطير اباذ، وان الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة قائمة على ساق، فتجلد صدقة لأجل الرسل، وهو يشتهي الركوب إلى أصحابه خوفاً عليهم، وكان الرسل إذا سمعوا ذلك ينكرونه؛ لأنهم قد تقدموا إلى العسكر عند عبورهم عليهم أنّه لا يتعرّض أحد منهم إلى حرب حتى نعود. فإن الصلح قد قاب، فقال صدقة للرسول: كيف أثق أرسل ولدي الآن وكيف آمن عليه وقد جرى ما ترون فإن تكفلتم برده إلي أنفذته، فلم يتجاسروا على كفالته، فكتب إلى الخليفة يعتذر عن انفاذ ولده بما جرى. وكان سبب هذه الوقعة أن عسكر السلطان لما رأوا الرسل اعتقدوا وقوع الصلح، فقال بعضهم: الرأي أننا ننهب شيئاً قبل الصلح، فأجاب البعض وامتنع البعض، فعبر من أجاب النهر، ولم يتأخر من لم يجب؛ لئلا ينسب إلى خوَر وجبن ولئلا يتم على من عبر وهَن فيكون عاره وأذاه عليهم. فعبروا بعدهم أيضاً، فأتاهم أصحاب صدقة وقاتلوهم فكانت الهزيمة على التُّرك، وقُتل منهم جماعة كثيرة وأُسر جماعة من أعيانهم وكثير من غيرهم وغرق جماعة منهم الأمير بن باغي سيان الذي كان أبوه صاحب انطاكية، وكان عمره نيفاً وعشرين سنة، وكان محباً للعلماء وأهل الدين، وبنى باقطاعه من اذربيجان عدة مدارس. ولم يجسر التُّرك على أن يعرفوا السلطان بما أُخذ منهم من الأموال والدواب خوفاً منه حيث فعلوا ذلك بغير أمره. وطمع العرب بهذه الهزيمة، وظهر منهم الفخر والتيه والطمع وأظهروا انهم باعوا كل أسير بدينار وأن ثلاثة باعوا أسيراً بخمسة قراريط وأكلوا بها خبزاً وهريسة وجعلوا ينادون: من يتغدى بأسير ويتعشى بآخر. وظهر من التُّرك اضطراب عظيم. وأعاد الخليفة مكاتبة صدقة بتحرير أمر الصلح. فأجاب أنّه لا يخالف ما يؤمر به. وكتب صدقة أيضاً إلى السلطان يعتذر مما نقل عنه ومن الحرب التي كانت بين أصحابه وبين التُّرك، وأن جند السلطان عبرت إلى أصحابه فمنعوا عن أنفسهم بغير علمه، وأنه لم يحضر الحرب ولم ينزع يداً من طاعة ولا قطع خطبته من بلده، ولم يكن صدقة كاتبه قبل هذا الكتاب. فأرسل الخليفة نَقيب النُّقباء وأبا سعد الهروي إلى صدقة، فقصدا السلطان أولاً وأخذا يده بالأمان لمن
يقصده من أقارب صدقة. فلما وصلا إلى صدقة وقالا له عن الخليفة: إن إصلاح قلب السلطان موقوف على اطلاق الأسرى وردّ جميع ما أُخذ من العسكر المنهزم، فأجاب أولاً بالخضوع والطاعة، ثم قال: لو قدرت على الرحيل من بين يدي السلطان لفعلت، لكن ورائي من ظهري وظهر أبي وجدي ثلاثمائة امرأة ولا يحملهن مكان، ولو علمت أنني إذا جئت السلطان مستسلماً قبلني واستخدمني لفعلت، لكني أخاف أنه لا يقيل عثرتي ولا يعفو عن زلتي. وأما ما نُهب فإن الخلق كثير وعندي من لا أعرفه، وقد نهبوا ودخلوا البر فلا طاقة لي عليهم، ولكن إن كان السلطان لا يعارضني فيما في يدي، ولا فيمن أجرته وأن يقرّ سُرخاب بن كيخسرو على إقطاعه بساوة، وأن يتقدم إلى ابن بوقا بإعادة ما نهب من بلادي، وأن يخرج وزير الخليفة يحلِّفه بما أثق به من الأيمان على المحافظة فيما بيني وبينه، فحينئذٍ أخدم بالمال وأدوس بساطه بعد ذلك. فعادوا بهذا ومعهم أبو منصور بن معروف رسول صدقة فردهم الخليفة وأرسل السلطان معهم قاضي أصبهان أبا إسماعيل، فأمّا أبو إسماعيل. فلم يصل إليه وعاد من الطريق وأصرّ صدقة على القول الأول. فحينئذٍ سار السلطان ثامن رجب من الزعفرانية، وسار صدقة في عساكره إلى قرية مطر، وامر جنده بلبس السلاح واستأمن ثابت بن سلطان بن دُبيس بن علي بن مزيد، وهو ابن عم صدقة إلى السلطان محمد، وكان يحسد صدقة، فأكرمه السلطان وأحسن إليه ووعده الاقطاع. ووردت العساكر إلى السلطان منهم بنو بُرسق وعلاء الدولة أبو كاليجار كرشاسب بن علبي بن فرامرز أبي جعفر بن كاكويه، وآباؤه كانوا أصحاب أصبهان وفرامرز هو الذي سلمها إلى طغرلبك، وقُتل أبوه مع تُتش. وعبر عسكر السلطان دجلة ولم يعبر هو، فصاروا مع صدقة على أرض واحدة بينهما نهر، والتقوا تاسع عشر رجب، وكانت الريح في وجوه أصحاب السلطان، فلما التقوا صارت في ظهورهم، وفي وجوه أصحاب صدقة. ثم إن التُّرك رموا بالنشاب فكان يخرج في كل رشقة عشرة آلاف نشابة، فلم يقع سهم إلا في فرس أو فارس، وكان أصحاب صدقة كلما حملوا منعهم النهر من الوصول إلى التُّرك والنشاب ومن عبر منهم لم يرجع، وتقاعدت عُبادة وخفاجة، وجعل صدقة ينادي يا آل خزيمة يا آل ناشرة يا آل عوف ووعد الأكراد بكل جميل لما ظهر من شجاعتهم،
وكان راكباً على فرسه المهلوب، ولم يكن لأحد مثله فجُرح الفرس ثلاث جراحات، وأخذه الأمير أحمد بك بعد قتل صدقة، فسيّره إلى بغداد في سفينة، فمات في الطريق. وكان لصدقة فرس، آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر بن تفاحة. فلما رأى الناس وقد غشوا صدقة هرب عليه فناداه صدقة فلم يجبه. وحمل صدقة على التُّرك فضربه غلام منهم على وجهه، فشوهه وجعل يقول: أنا ملك العرب أنا صدقة، فأصابه سهم في ظهره وأدركه غلام اسمه بزغش كان أشلّ فتعلَّق به وهو لا يعرفه وجذبه عن فرسه، فسقط إلى الأرض هو والغلام. فعرفه صدقة، فقال: يا بزغش ارفق. فضربه بالسيف فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى البُرسقي، فحمله إلى السلطان فلما رآه عانقه وأمر لبزغش بصلة. وبقي صدقة طريحاً إلى أن سار السلطان، فدفنه إنسان من المدائن. وكان عمره تسعاً وخمسين سنة. وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة، وحُمل رأسه إلى بغداد وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، فيهم جماعة من أهل بيته وقُتل من بني شيبان خمسة وتسعون رجلاً. وأُسر ابنه دُبيس وسرخاب بن كيخسرو الديلمي الذي كانت هذه الحرب بسببه، فأُحضر بين يدي السلطان فطلب الأمان، فقال: قد عاهدت الله أنني لا أقتل أسيراً فإن ثبت عليك أنك باطنيُّ قتلتك، وأُسر سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة وهرب بدران بن صدقة إلى الحلَّة، فأخذ من المال وغيره ما أمكنه، وسيّر أمه ونساءه إلى البطيحة إلى مهذّب الدولة أبي العباس أحمد بن أبي الجبر. وكان بدران صهر مهذّب الدولة على ابنته ونُهب من الأموال ما لا حدَّ له. وكان له من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير، ألوف مجلدات وكان يحسن القراءة ولا يكتب، وكان جواداً حليماً صدوقاً كثير البر والحسَّان ما برح ملجأً لكل ملهوف يلقي من يقصده بالبر والتفضل ويبسط قاصديه ويزورهم، وكان عادلاً والرعايا معه في أمن ودعة، وكان عفيفاً لم يتزوج على امرأته ولا تسرّى عليها. فما ظنك بغير هذا؟ ولم يصادر أحداً من نوابه ولا أخذه بإساءة قديمة، وكان أصحابه يودعون أموالاً في خزانته ويُدَلّون عليه إدلال الولد على الوالد، ولم يُسمع برعية أحبت أميرها كحب رعيته له. وكان متواضعاً محتملاً يحفظ الأشعار ويبادر إلى النادرة، رحمه الله لقد كان من محاسن الدنيا. وعاد السلطان إلى بغداد ولم يصل إلى الحلَّة وأرسل إلى البطيحة أماناً لزوجة صدقة،
وأمرها بالظهور فأصعدت إلى بغداد، فأطلق السلطان ابنها دُبيساً وأنفذ معه جماعة من الأمراء إلى لقائها. فلما لقيها ابنها بكيا بكاءً شديداً. ولما وصلت إلى بغداد أحضرها السلطان واعتذر من قتل زوجها، وقال: وددت أنه حُمل إلي حتى كنت أفعل معه ما يعجب الناس به من الجميل والحسَّان، لكن الأقدار غلبتني، واستحلف ابنها دُبيساً أنه لا يسعى بفساد.
- ما جاء في وفيات الأعيان لابن خلكان عن الأمير صدقة -
رأينا استيفاءً لأخبار هذا الأمير، وربط ما له صلة بها أن نودِّع كامل ابن الأثير إلى اللقاء القريب إلى ما استوعبه من أخبار بني مزيد أمراء الحلَّة إلى ذكر ما جاء عنه في وفيات ابن خلكان. جاء في ترجمته في المجلد الأول.
أبو الحسن صدقة الملقَّب سيف الدولة فخر الدين بن بهاء الدولة أبي كامل منصور بن دُبيس بن علي بن مَزْيد الأسدي الناشري صاحب الحلَّة السيفية. كان يقال له: ملك العرب، وكان ذا بأس وسطوة وهيبة، ونافر السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب ارسلان السلجوقي، وأفضت الحال إلى الحرب، فتلاقيا عند النعمانية وقُتل الأمير صدقة في المعركة يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة وقيل: العشرين من رجب سنة إحدى وخمسمائة، وحُمل رأسه إلى بغداد رحمه الله تعالى. وذكر عزُّ الدين أبو الحسن علي بن الأثير في استدراكاته على السمعاني في كتابه الأنساب أنه تُوفِّي سنة خمسمائة. وله نظم الشريف أبو يعلى محمد بن الهبارية كتاب الصادح والباغم، وكانت وفاة والده أبي كامل منصور في أواخر شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. وتُوفِّي جد دُبيس المذكور، ولقبه نور الدولة أبو الأغر في ليلة الأحد عاشر شوال سنة ثلاث وخمسمائة، وقيل: أربع وسبعين وأربعمائة، وكانت إمارته سبعاً وستين سنة، وُليَ الإمارة سنة ثمان وأربعمائة وعمره يوم ذاك أربع عشرة سنة. وكان أبو الحسن علي بن أفلح الشاعر المشهور كاتباً بين يديه في شبيبته. وتُوفِّي جد أبيه علي بن مزيد سنة ثمان وأربعمائة. وقال: والحلَّة - وهي بلدة بالعراق بين بغداد والكوفة - على الفرات في بر الكوفة اختطها سيف الدولة صدقة
المذكور في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، فنسبت إليه، والنعمانية بضم النون بلدة بين الحلَّة وواسط.
(إمرةُ دُبيس بن صدقة)
هو أكبر ولَدَي الأمير صدقة، قال ابن خلكان: أبو الأغر دُبيس بن سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن منصور بن دُبيس بن علي بن مزيد الأسدي الناشري الملقَّب نور الدولة ملك العرب صاحب الحلَّة المزيدية، كان جواداً كريماً عنده معرفة بالأدب والشعر، وتمكَّن في خلافة الإمام المسترشد واستولى على كثير من بلاد العراق، وهو من بيت كبير، وهو الذي عناه الحريري صاحب المقامات في المقامة التاسعة والثلاثين بقوله: الأسدي دُبيس؛ لأنه كان معاصره، فرام التقرّب إليه بذكره في مقاماته؛ ولجلالة قدره أيضاً وله نظم حسن. وذكر ابن المستُوفِّي في تاريخه أن بدران أخا دُبيس كتب إلى أخيه المذكور وهو نازح عنه:
ألا قـلْ لـمنصورٍ وقل لمسيّب وقـل لـدُبيس انـني لَـغريبُ
هـنيئاً لـكم مـاء الفرات طيبُهُ إذا لم يكن لي في الفرات نصيب
فكتب إليه دُبيس:
ألا قـل لـبدران الذي حنّ نازع إلـى ارضه والحر ليس يخيب
تـمـتع بـأيام الـسرور فـإنم عـذار الأمـاني بالهموم يَشيبُ
ولـله فـي تلك الحوادث حكمة وللأرض من كأس الكرام نصيب
وذكر غير ابن المستُوفِّي أن بدران بن صدقة المذكور لقبُه تاج الملوك، ولما قُتل أبوه تغرَّب عن بغداد ودخل الشام، فأقام بها مدة ثم توجه إلى مصر ومات بها في سنة ثلاثين وخمسمائة. وكان يقول الشعر وذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة.
وكان دُبيس في خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي. وهم نازلون على باب المراغة من بلاد آذربيجان، ومعهم الإمام المسترشد بالله. فهجموا خيمة المسترشد بالله وقتلوه يوم الخميس الثامن والعشرين وخمسمائة. وقال ابن المستُوفِّي: الرابع عشر من ذي القعدة سنة
تسع وعشرين وخمسمائة، وخاف أن تنسب القضية إليه وأراد أن تنسب إلى دُبيس المذكور فتركه إلى أن جاء إلى الخدمة وجلس على باب خيمة السلطان، وأظهر السلطان بعد ذلك أنه إنما فعل هذا انتقاماً منه بما فعل في حق الإمام. وكان ذلك بعد قتل الإمام بشهر رحمه الله تعالى. وذكر المأموني في تاريخه أنه قُتل في رابع عشر ذي الحجَّة من السنة المذكورة على باب خُويّ، وكان قد أحسَّ بتغير رأي السلطان فيه منذ قتل المسترشد، وعزم على الهرب مراراً وكانت المَنْيّةُ تُثبِّطه. وذكر ابن الأزرق في تاريخه أن قتله كان على باب تبريز، وأنه لما قتل حمل إلى ماردين إلى زوجته كهار خاتون، فدفن بالمشهد عند نجم الدين إيلغازي صاحب ماردين والد كهار خاتون المذكورة. ثم تزوج السلطان المذكور ابنة دُبيس المذكور وامها شرف خاتون ابنة عميد الدولة ابن فخر الدولة محمد بن جهير، وأم شرف خاتون المذكورة زبيدة بنت الوزير نظام الملك. والناشري نسبة إلى ناشرة بن نصر بطنٍ من أسد بن خُزيمة.
- عود إلى كامل ابن الأثير -
في سنة (٥٠٢) لما سار جاولي إلى الرحبة بعدما تقلَّبت به الأمور، وقد تفرغ إليه السلطان محمد بن مقتل الأمير صدقة، أتاه أبو النجم بدران، وأبو كامل منصور ابنا سيف الدولة صدقة، وكانا بعد قتل أبيهما بقلعة جعبر عند سالم بن مالك، فتعاهدوا على المساعدة والمعاضدة. ووعدهما أنه يسير معهما إلى الحلَّة. وعزموا أن يقدموا عليهم بكتاش بن تكش بن ألب ارسلان. فوصل إليهم وهم على هذا العزم إلا جهبذ جاوو وكان قد قصد السلطان، فأقطعه الرحبة فاجتمع بجاولي وأشار عليه أن يقصد الشام فإن بلاده خالية من الأجناد، والفرنج قد استولوا على كثير منها، وعرَّفه أنه متى قصد العراق والسلطان بها أو قريباً منها لم يأمن شراً يصل إليه. فقبل قوله وأصعد من الرحبة، فوصل إليه رسل سالم بن مالك صاحب قلعة جعبر يستغيث به من بني نمير، وكانت الرقة بيد ولده علي بن سالم، فوثب جوشن النميري ومعه جماعة من بني نمير فقتل علياً وملك الرقة، ثم جرت أمور لا علاقة لها بالموضوع فلا نعرض لها.
وفي هذه السنة عاد منصور بن صدقة بن مزيد إلى باب السلطان فتقبله وأكرمه. وقد كان هرب بعد قتل والده إلى الآن والتحق أخوه بدران بالأمير مودود الذي أقطعه السلطان الموصلَ فأكرمه وأحسن صحبته.
وفي هذه السنة لما قدم السلطان بغداد خلع على سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة وولاه الحلَّة السيفية.
في سنة (٥١٢) لما تُوفِّي السلطان محمد وملك بعده ابنه محمود، وكان الأمير دُبيس بن صدقة عند السلطان محمد مذ قتل والده كما سبق بيانه، وكان قد أقطعه إقطاعاً كثيراً، فلما تُوفِّي السلطان محمد خاطب دُبيس السلطان محموداً في العود إلى بلده الحلَّة، فأذن له في ذلك. فعاد إليها، فاجتمع عليه خلق كثير من العرب والأكراد وغيرهم.
وفي هذه السنة لما مات الإمام المستظهر بالله، وبويع المسترشد بالله واشتغل الناس بالبيعة، ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله سفينة ومعه ثلاثة نفر، وانحدر إلى المدائن وسار منها إلى دُبيس بن صدقة بالحلَّة. فكرّمه وعلم منه وفاة المستظهر بالله، وأقام له الإقامات الكثيرة. فلما علم المسترشد بالله خبره أهمه ذلك وأقلقه وأرسل إلى دُبيس يطلب منه اعادته. فأجاب بأنني عبد الخليفة، وواقف عند امره ومع هذا فقد استذمّ بي ودخل منزلي، فلا أكرهه على أمر أبداً. وكان الرسول نَقيب النُّقباء شرف الدين علي بن طراد الزينبي، فقصد الأمير أبا الحسن وتحدَّث معه في عوده وضمن له عن الخليفة كل ما يُريده. فأجاب إلى العود، وقال: إنني لم أُفارق أخي لشر أريده، وإنما الخوف حملني على مفارقته فإذا أمّنني قصدته. وتكفَّل دُبيس بإصلاح الحال بنفسه والمسير معه إلى بغداد. فعاد النَقيب وأعلم الخليفة الحال، فأجاب إلى ما طلبه منه، ثم حدث من أمر البُرسقي ودُبيس ومنكوبرس ما تقدم ذكره. فتأخر الحال، وأقام الأمير أبو الحسن عند دُبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ثم سار عن الحلَّة إلى واسط، وكثر جمعه وقوي الإرجاف بقوته، وملك مدينة واسط وخيف جانبه. فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولي عهده ولده أبي جعفر المنصور، وعمره حينئذٍ إثنتا عشرة سنة، فخُطب له ثاني ربيع الآخر ببغداد، وكتب إلى البلاد بالخطبة له وأرسل إلى دُبيس بن مزيد في معنى الأمير أبي الحسن، وأنه الآن قد فارق جواره ومد يده إلى بلاد الخليفة وما يتعلق به،
وأمره بقصده ومعاجلته قبل قُوَّته. فأرسل دُبيس العساكر إليه، ففارق واسط وقد تحيَّر هو وأصحابه. فضلوا الطريق ووصلت عساكر دُبيس، فصادفوهم عند الصِّلح فنهبوا اثقاله. وهرب الأكراد من أصحابه والتُّرك وعاد الباقون إلى دُبيس، وبقي الأمير أبو الحسن في عشرة من أصحابه وهو عطشان، وبينه وبين الماء خمسة فراسخ، وكان الزمن قيظاً فأيقن بالتلف وتبعه بدويّان، فأراد الهرب منهما فلم يقدر، فأخذاه وقد اشتد به العطش، فسقياه وحملاه إلى دُبيس، فسيره إلى بغداد وحمله إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرين ألف دينار، وقد عفى عنه أخوه وأنعم عليه.
وفي هذه السنة في جمادى الأولى برز البُرسقي، ونزل بأسفل الرقة في عسكره ومن معه، وأظهر أنه على قصد الحلَّة وإجلاء دُبيس بن صدقة عنها. وجمع دُبيس جموعاً كثيرة من العرب والأكراد وفرَّق الأموال الكثيرة والسلاح، وكان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل مع أتابكه أي ابه جيوش بك، فأشار عليهما جماعة ممن عندهما بقصد العراق، فإنه لا مانع دونه. فسارا في جيوش كثيرة ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وقسيم الدولة زنكي بن آقسنقر، ومعهم أيضاً صاحب سنجار وأبو الهيجاء صاحب اربل وكرباوي بن خراسان التُّركماني صاحب البوازيج. فلما علم البُرسقي قربهم خافهم. فلما قاربوا بغداد سار إليهم ليقاتلهم ويصدهم. فلما علم مسعود وجيوش بك ذلك ارسلوا إليه الأمير كرباوي في الصلح وأعلمه أنهم إنما إنما جاؤوا نجدة له على دُبيس، واصطلحوا وتعاهدوا واجتمعوا. ووصل مسعود إلى بغداد ونزل بدار المملكة، ووصلهم الخبر بوصول الأمير عماد الدين منكبرس في جيش كثير، فسار البُرسقي عن بغداد نحوه ليحاربه ويمنعه عنها. فلما علم به منكبرس قصد النعمانية وعبر دجلة هناك واجتمع هو ودُبيس بن صدقة. وكان دُبيس قد خاف من الملك مسعود والبُرسقي وجيوش بك. فلما وصله خبر وصول منكبرس راسله واستماله واستحلفه، واتفقا على التعاضد والتناصر واجتمعا، وكل واحد منهما قوي بصاحبه. فلما اجتمعا سار الملك مسعود والبُرسقي وجيوش بك ومن معهم إلى المدائن للقاء دُبيس ومنكبرس. فلما وصلوا المدائن أتتهم الأخبار بكثرة الجمع معهما. فعاد
البُرسقي والملك مسعود وعبرا نهر صرصر، وحفظا المخاضات عليه ونهب الطائفتان السواد نهباً فاحشاً: نهر الملك ونهر صرصر ونهر عيسى وبعض دجيل، واستباحوا النساء. فأرسل المسترشد بالله إلى الملك مسعود، والبُرسقي ينكر هذه الحال ويأمرهم بحقن الدماء وترك الفساد ويأمر بالموادعة والمصالحة. وكان الرسل: سديد الدولة بن الأنباري والإمام الأسعد الميهني مدرس النظامية، فأنكر البُرسقي أن يكون جرى منهما شيء من ذلك، وأجاب إلى العود إلى بغداد، فوصل من أخبره أن منكبرس، ودُبيساً قد جهَّزا ثلاثة آلاف فارس مع منصور أخي دُبيس والأمير حسين بن أزبك، ربيب منكبرس، وسيَّراه وعبروا عند درزيجان؛ ليقطعوا مخاضة عند ديالى إلى بغداد لخلوِّها من عسكر يحميها ويمنع عنها. فعاد البُرسقي إلى بغداد وعبر الجسر؛ لئلا يخاف الناس ولم يعلموا الخبر وخلّف ابنه عِزَّ الدين مسعوداً على عسكره بصرصر، واستصحب معه عماد الدين زنكي بن آقسنقر، فوصل إلى ديالى ومنع عسكر منكبرس من العبور، فأقام يومين فأتاه كتاب ابنه عِزِّ الدين مسعود يخبره أن الصلح قد استقر بين الفريقين. فانكسر نشاطه حيث جرى هذا الأمر ولم يعلم به. وعاد نحو بغداد وعبر إلى الجانب الغربي، وعبر منصور وحسين، فسارا في عسكرهما خلفه فوصلوا بغداد عند نصف الليل. فنزلا عند جامع السلطان. وسار البُرسقي إلى الملك مسعود فأخذ بُركه وماله وعاد إلى بغداد، فخيَّم عند القنطرة العتيقة، وأصعد الملك مسعود وجيوش بك فنزلا عند البيمارستان، وأصعد دُبيس ومنكبرس، فخيَّما تحت الرقة وأقام عز الدين مسعود بن البُرسقي عند منكبرس منفرداً عن أبيه؛ وكان سبب هذا الصلح أن جيوش بك كان قد أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك مسعود. فوصل كتاب الرسول من العسكر يذكر أنه لقي من السلطان حسَّاناً كثيراً، وأنه أقطعهما أذربيجان، فلما بلغه رحيلهما إلى بغداد اعتقد أنهما قد عصيا عليه، فعاد عما كان استقر ويقول: إن السلطان قد جهَّز عسكراً إلى الموصل، فوقع الكتاب بيد منكبرس، فأرسله إلى جيوش بك، وضمن له إصلاح السلطان له وللملك مسعود. وكان منكبرس متزوجاً بأم الملك مسعود واسمها سرجهان. وكان يؤثر مصلحته لذلك واستقر الصلح، وخافا من البُرسقي أن يمنع منه. فاتفقا على إرسال العسكر إلى درزيجان لينفذ في مقابلته البُرسقي
ليخلو العسكر منه ويقع الاتفاق. فكان الأمر في مسيره على ما تقدم. وكان البُرسقي محبوباً لدى أهل بغداد لحسن سيرته فيهم، فلما استقر الصلح ووصلوا إلى بغداد تفرَّق عن البُرسقي أصحابه وجموعه وبطل ما كان يحدِّث به نفسه من التغلُّب على العراق بغير أمر السلطان. وسار عن العراق إلى الملك مسعود، فأقام معه واستقر منكبرس في شحنكية بغداد. وودعه دُبيس بن صدقة وعاد إلى الحلَّة بعد أن طالب بدار أبيه بدرب فيروز، وكانت قد دخلت في جامع القصر ببغداد، فصولح عنها بمال.
وفي سنة (٥١٣) قُتل الأمير منكوبرس الذي كان شحنة بغداد؛ وكان سبب قتله أنه لما انهزم مع السلطان محمود وعاد إلى بغداد ونهب عدة مواضع من طريق خُراسان وأراد دخول بغداد، فسيَّر إليه دُبيس بن صدقة من منعه، فعاد وقد استقر الصلح بين السلطانين سنجر ومحمود.
وفي هذه السنة تأخر الحج، فاستغاث الناس وأرادوا كسر المنبر بجامع القصر، فأرسل الخليفة إلى دُبيس بن صدقة ليساعد الأمير نظر على تسيير الحجاج، فأجاب إلى ذلك. وكان خروجهم من بغداد ثاني عشر ذي القعدة، وتوالت عليهم الأمطار إلى الكوفة. وفيها أرسل دُبيس القاضي أبا جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي قاضي الكوفة إلى إيلغازي بن أرتق بماردين يخطب ابنته، فزوجها منه إيلغازي، وحملها الثقفي معه إلى الحلَّة واجتاز بالموصل.
سنة (٥١٤): في هذه السنة كان المصافّ بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود، ومسعود حينئذٍ له الموصل واذربيجان؛ وكان سبب ذلك أن دُبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك مسعود يحثه على طلب السلطنة للملك مسعود ويعده المساعدة، وكان غرضه أن يختلفوا فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبوه باختلاف السلطانين بركيارُق ومحمد ابني ملكشاه. وكان قسيم الدولة البُرسقي أتابك الملك مسعود قد فارق شحنكية بغداد، وقد اقطعه مسعود مراغة مضافة إلى الرحبة، وبينه وبين دُبيس عداوة محكمة، فكاتب دُبيس جيوش بك يشير عليه بقبض البُرسقي، وينسبه إلى الميل إلى السلطان محمود، وبذل له مالاً كثيراً على قبضه. فعلم البُرسقي ذلك ففارقهم إلى السلطان محمود، فأكرمه وأعلى محلَّه وزاد في تقديمه. واتصل الاستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغرائي بالملك
مسعود، فكان ولده أبو المؤيد محمد بن أبي إسماعيل يكتب الطغراء مع الملك. فلما وصل والده استوزره مسعود بعد أن عزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بباب خُوَيّ، فحسّن ما كان دُبيس يكاتب به من مخالفة السلطان محمود والخروج عن طاعته، وظهر ما هم عليه من ذلك، فبلغ السلطان محموداً الخبر فكتب إليهم يخوِّفهم إن خالفوه ويعدهم الحسَّان إن أقاموا على طاعته وموافقته، فلم يصغوا إلى قوله، وأظهروا ما كانوا عليه وما يسرونه، وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له النُّوب الخمس. وكان ذلك على تفرق من عساكر السلطان محمود، فقوي طمعهم وأسرعوا السير إليه ليلقوه وهو مُخَفَّف من العساكر. فاجتمع إليه خمسة عشر ألفاً، فسار أيضاً إليهم فالتقوا عند عقبة أسد آباذ منتصف ربيع الأول، واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار. وكان البُرسقي في مقدمة السلطان محمود وأبلى يومئذٍ بلاءً حسناً، فانهزم عسكر السلطان مسعود آخر النهار وأُسر منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ومقدميهم وأُسر الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود فأمر السلطان بقتله. وأما الملك مسعود فإنه لما انهزم أصحابه وتفرقوا قصد جبلاً بينه وبين الوقعة اثنا عشر فرسخاً، فاختفى فيه ومعه غلمان صغار، فأرسل إلى أخيه يطلب الأمان، فبذله له وأمر آقسنقر البُرسقي بالمسير إليه وتطييب قلبه واعلامه بعفوه عنه وإحضاره، فكان مسعود بعد أن أرسل يطلب الأمان قد وصل بعض الأمراء إليه وحسَّن له اللحاق بالموصل، وكانت له مع أذربيجان. وأشار عليه بمكاتبة دُبيس بن صدقة ليجتمع به، ويكثر جمعه ويعاود طلب السلطنة، فسار معه من مكانه ووصل البُرسقي فلم يره فأُخبر بمسيره فسار في أثره وعزم على طلبه ولو إلى الموصل. وجدّ في السير فأدركه على ثلاثين فرسخاً من مكانه ذلك، وعرّفه عفو أخيه عنه وضمن له ما أراد وأعاده إلى العسكر. فأمر السلطان محمود العساكر باستقباله وتعظيمه، ففعلوا ذلك. وأما دُبيس فإنه كان بالعراق، فلما بلغه خبر انهزام الملك مسعود نهب البلاد وأخربها، وفعل فيها الأفاعيل القبيحة إلى أن أتاه رسول السلطان محمود وطيَّب قلبه فلم يلتفت.
ولما كان من دُبيس ببغداد وسوادها من النهب والقتل والفساد وما لم يجر مثله أرسل إليه الخليفة المسترشد بالله رسالة ينكر عليه ويأمره بالكف.
فلم يفعل، فأرسل إليه السلطان وطيَّب قلبه وأمره بمنع أصحابه عن الفساد، فلم يقبل وسار بنفسه إلى بغداد، وضرب سُرادقه بإزاء دار الخلافة وأظهر الضغائن التي في نفسه وكيف طيف برأس أبيه، تهدد الخليفة، وقال: إنك أرسلت تستدعي السلطان فإن أعدتموه وإلاَّ فعلت وصنعت. فأعيد جواب رسالته: أنَّ عَوْدَ السلطان - وقد سار عن هَمَذان - غير ممكن، ولكننا نصلح حالك معه. وكان الرسول شيخ الشيوخ إسماعيل، فكف على أن تسيَّر الرسل في الاتفاق بينه وبين السلطان، وعاد عن بغداد في رجب، ووصل السلطان في رجب إلى بغداد. فأرسل دُبيس زوجته ابنة عميد الدولة بن جهير إليه، ومعها مال كثير وهدية نفيسة وسأل الصفح عنه. فأُجيب إلى ذلك على قاعدة امتنع منها ولزم لجاجه ونهب جشيراً للسلطان. فسار السلطان عن بغداد في شوال إلى قصد دُبيس بالحلَّة واستصحب ألف سفينة ليعبر فيها. فلما علم دُبيس مسير السلطان أرسل يطلب الأمان فأمنه، وكان قصده أن يغالطه ليتجهَّز، فأرسل نساءه إلى البطيحة وأخذ أمواله وسار عن الحلَّة بعد أن نهبها إلى إيلغازي ملتجئاً إليه، ووصل السلطان إلى الحلَّة، فلم ير أحداً فبات بها ليلة واحدة وعاد. وأقام دُبيس عند إيلغازي وتردُّد معه. ثم إنه أرسل أخاه منصوراً في جيش من قلعة جعبر إلى العراق فنظر الحلَّة والكوفة، وانحدر إلى البصرة، وأرسل إلى يرنقش الزكوي يسأله أن يصلح حاله مع السلطان، فلم يتم أمره فأرسل إلى أخيه دُبيس يعرِّفه ذلك ويدعوه إلى العراق، فسار من قلعة جعبر إلى الحلَّة سنة خمس عشرة وخمسمائة، فدخلها وملكها وأرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر ويعد من نفسه الطاعة، فلم يُجَب إلى ذلك. وسُيرت إليه العساكر، فلما قاربوه فارق الحلَّة ودخل إلى الأزبر وهو نهر سنداد، ووصل العسكر إليها وهي فارغة قد أُجلي أهلها عنها وليس بها إقامة. فكانت الميرة تُنقل من بغداد وكان مقدم العسكر سعد الدولة يرنقش الزكوي. فترك بالحلَّة خمسمائة فارس، وبالكوفة جماعة أُخرى تحفظ الطريق على دُبيس، وأرسل إلى عسكر واسط يحفظ طريق البطيحة، ففعلوا ذلك وعبر عساكر السلطان إلى دُبيس فبقي بين الطائفتين نهر يخاض فيه مواضع. فتراسل يرنقش ودُبيس، واتفقا على أن يرسل دُبيس أخاه منصوراً رهينة ويلازم الطاعة ففعل. وعاد العسكر إلى بغداد سنة ست عشرة وخمسمائة.
وفي هذه السنة لما خرج الكُرج، وهم الخزر إلى بلاد الإسلام، فتكاتب الأمراء المجاورون لبلادهم واجتمعوا، منهم الأمير إيلغازي ودُبيس بن صدقة وكان عنده، والملك طغرل بن محمد، وأتابكه كنتفدي. وبلغ عسكر المسلمين ثلاثين ألفاً، فالتقى الفريقان، وكان فوز المعركة لِلكُرج. وانهزم المسلمون بعد أن قُتِل منهم عالم كثير، بل أكثرهم وأُسر منهم أربعة آلاف رجل ونجا السلطان طغرل وإيلغازي ودُبيس. وعاد الكُرج فنهبوا بلاد الإسلام وحصرا مدينة تِفليس ودام الحصار إلى سنة ٥١٥ وملكوها عنوة وفعلوا الأفاعيل.
وفي هذه السنة أرسل المسترشد بالله خلعاً مع سديد الدولة بن الأنباري لنجم الدين إيلغازي وشكره على ما يفعله من غزو الفرنج، ويأمره بإبعاد دُبيس عنه. وسار أبو علي بن عمار الذي كان صاحب طرابلس مع ابن الأنباري إلى إيلغازي ليقيم عنده يعبر الأوقات بما ينعم به عليه، فاعتذر عن إبعاد دُبيس ووعد به.
سنة (٥١٥): في هذه السنة أقطع السلطان محمود مدينة ميافارقين للأمير إيلغازي؛ وسبب ذلك أنه أرسل ولده حسام الدين تمرتاش، وعمره سبع عشرة سنة إلى السلطان؛ ليشفع في دُبيس بن صدقة، ويبذل عنه الطاعة، وحَمْل الأموال والخيل وغيرها، وأن يضمن الحلَّة كل يوم بألف دينار وفرس، وكان المتحدِّث عنه القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري، فتردُّد الخطاب في ذلك ولم ينفصل حال.
وفي سنة (٥١٦): قد تقدَّم في حوادث سنة ٥١٤ حال دُبيس بن صدقة، وصلحه على يد يرنقش الزكوي، ومقامه بالحلَّة وعود يرنقش إلى السلطان، ومعه منصور بن صدقة أخو دُبيس وولده رهينة. فلما علم الخليفة بذلك لم يرض به، وراسل السلطان محموداً في إبعاد دُبيس عن العراق إلى بعض النواحي، وتردُّد الخطاب في ذلك، وعزم السلطان على المسير إلى هَمَذان، فأعاد الخليفة الشكوى من دُبيس، وذكر أنه يطالب الناس بحقوده: منها قتل أبيه وأن يحضر السلطان آقسنقر البُرسقي من الموصل، ويوليه شحنكية بغداد والعراق، ويجعله في وجه دُبيس. ففعل السلطان ذلك، وأحضر البُرسقي. فلما وصل إليه زوَّجه والدة الملك مسعود، وجعله شحنة بغداد، وأمره بقتال دُبيس إن تعرَّض إلى البلاد. وسار السلطان عن بغداد إلى
هَمَذان، فلما فارق بغداد والعراق تظاهر دُبيس بأمور تأثر بها المسترشد بالله، وتقدَّم إلى البُرسقي بالمسير إليه، وإزعاجه عن الحلَّة، فأرسل البُرسقي إلى الموصل، وأحضر عساكره وسار إلى الحلَّة. وأقبل دُبيس نحوه، فالتقوا عند نهر بشير شرقي الفرات واقتتلوا، فانهزم عسكر البُرسقي؛ وكان سبب الهزيمة أنه رأى في ميسرته خللاً، وبها الأمراء البكجية، فأمر بإلقاء خيمته، وأن تنصب عند الميسرة ليقوي قلوب من بها. فلما رأوا الخيمة، وقد سقطت ظنوها عن هزيمة فانهزموا، وتبعهم الناس والبُرسقي. وقيل: بل أُعطي رقعة فيها: إنّ جماعة من الأمراء، منهم إسماعيل البكجي يريدون الفتك به، فانهزم وتبعه العسكر، ودخل بغداد ثاني ربيع الآخر، وكان في جملة العسكر نصر بن النفيس بن مهذّب الدولة المظفر بن أبي الجبر، وكان ناظراً بالبطيحة لريحان محكويه خادم السلطان؛ لأنها كانت من جملة إقطاعه. وحضر أيضاً المظفر بن حماد بن أبي الجبر وبينهما عداوة شديدة، فالتقيا عند الانهزام بساباط نهر ملك. فقتله المظفر ومضى إلى واسط مختفياً، وسار منها إلى البطيحة، وتغلَّب عليها. وكاتب دُبيساً وأطاعه. وأما دُبيس، فإنه لم يعرض لنهر ملك ولا غيره، وأرسل إلى الخليفة أنه على الطاعة، ولولا ذلك لأخذ البُرسقي وجميع من معه، وسأل أن يخرج الناظر إلى القرى التي لخاص الخليفة لقبض دخلها، وكانت الوقعة في حزيران، وحمى البلد فأحمد الخليفة، فعله وتردُّدت الرسل بينهما، فاستقرت القاعدة أن يقبض المسترشد بالله على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة ليعود إلى الطاعة. فقبض على الوزير ونهبت داره ودور أصحابه والمنتمين إليه، وهرب ابن أخيه جلال الدين أبو الرضا إلى الموصل. ولما سمع السلطان خبر الوقعة قبض على منصور بن صدقة أخي دُبيس وولده، ورفعهما إلى قلعة برحين، وهي تجاور كُرج. ثم إن دُبيساً أمر جماعة من أصحابه بالمسير إلى إقطاعهم بواسط، فساروا إليها فمنعهم أتراك واسط، فجهَّز دُبيس إليهم عسكراً مقدمهم مهلهل بن أبي العسكر، وأرسل إلى المظفر ابن أبي الجبر بالبطيحة؛ ليتفق مع مهلهل ويساعده على قتال الواسطيين. فاتفقا على أن تكون الوقعة تاسع رجب، وأرسل الواسطيون إلى البُرسقي يطلبون منه المدد، فأمدَّهم بجيش من عنده، وعجَّل مهلهل في عسكر دُبيس ولم ينتظر المظفر بن أبي الجبر ظناً منه أنه بمفرده ينال منهم ما أراد وينفرد بالفتح.
فالتقى هو والواسطيون ثامن رجب، فانهزم مهلهل وعسكره وظفر الواسطيون، وأُخذ مهلهل أسيراً وجماعة من أعيان العسكر، وقُتل على ما يزيد على ألف قتيل لم يقتل من الواسطيين غير رجل واحد. وأما المظفر بن أبي الجبر، فإنه أصعد من البطيحة ونهب وأفسد، وجرى من أصحابه القبيح. فلما قارب واسطاً سمع بالهزيمة فعاد منحدراً، وكان في جملة ما أخذ العسكر الواسطي من مهلهل تذكرة بخط دُبيس يأمره فيها بقبض المظفر بن أبي الجبر، ومطالبته بأموال كثيرة أخذها من البطيحة. فأرسلوا الخط إلى المظفر، وقالوا: هذا خط الذي تختاره، وقد أسخطتَ الله تعالى والخلق كلهم لأجله، فمال إليهم وصار معهم، فلما جرى على أصحاب دُبيس من الواسطيين ما ذكرناه شمّر عن ساعده في الشر، وبلغه أن السلطان كحل أخاه، فجزَّ شعره ولبس السواد، ونهب البلاد وأخذ كل ما للخليفة بنهر ملك، فأجلى الناس إلى بغداد، وسار عسكر واسط إلى النعمانية، فأجلوا عنها عسكر دُبيس واستولوا عليها، وجرى بينهم هنالك وقعة كان الظفر فيها للواسطيين، وتقدَّم الخليفة إلى البُرسقي بالتبريز إلى حرب دُبيس، فبرَّز في رمضان، وكان ما سيذكر قريباً.
سنة (٥١٧): في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين دُبيس بن صدقة؛ وكان سبب ذلك أن دُبيساً أطلق عفيفاً خادم الخليفة، وكان مأسوراً عنده وحمَّله رسالة فيها تهديد للخليفة بإرسال البُرسقي إلى قتاله وتقويته بالمال، وأن السلطان كحَّل أخاه وبالغ في الوعد، ولبِسَ السواد وجزَّ شعره، وحلف لينهبنَّ بغداد ويخرِّبها. فاغتاظ الخليفة لهذه الرسالة وغضب وتقدَّم إلى البُرسقي بالتبريز إلى حرب دُبيس، فبرز في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة، وتجهَّز الخليفة وبرز من بغداد واستدعى العساكر، فأتاه سليمان بن مُهارش صاحب الحديثة في عُقيل، وأتاه قرواش بن مسلم وغيرهما. وأُرسل دُبيس إلى نهر ملك فنهب، وعمل أصحابه كل عظيم من الفساد، فوصل أهله إلى بغداد، فأمر الخليفة فنودي ببغداد لا يتخلف من الأجناد أحد، ومن أحب الجندية من العامة فليحضر. فجاء خلق كثير ففرَّق فيهم الأموال والسلاح. فلما علم دُبيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه، ويسأله الرضا عنه، فلم يجيب إلى ذلك. وأُخرجت خيام الخليفة في العشرين من ذي الحجَّة من سنة ست عشرة وخمسمائة، فنادى أهل بغداد:
النفير! الغزاة! الغزاة، وكثر الضجيج من الناس وخرج منهم عالم كثير لا يُحصون كثرة. وبرز الخليفة رابع عشر ذي الحجَّة، وعبر دجلة وعليه قباء أسود وعمامة سوداء وطرحة، وعلى كتفه البُردة وفي يده القضيب وفي وسطهِ منطقة حديد صيني، ونزل الخيام ومعه وزير نظام الدين أحمد بن نظام الملك، ونَقيب الطالبيين ونَقيب النُّقباء علي بن طراد، وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل، وغيرهم من الأعيان. وكان البُرسقي قد نزل بقرية جهار طاق ومعه عسكره، فلما بلغهم خروج الخليفة عن بغداد عادوا إلى خدمته. فلما رأوا الشمسة ترجَّلوا بأجمعهم، وقبَّلوا الأرض بالبعد منه. ودخلت هذه السنة فنزل الخليفة، مستهل المحرم بالحديثة بنهر الملك. واستدعى البُرسقي والأمراء، واستحلفهم على المناصحة في الحرب، ثم ساروا إلى النَّيْل. ونزلوا بالمباركة، وعَبّأَ البُرسقي أصحابه ووقف الخليفة من وراء الجميع في خاصته، وجعل دُبيس أصحابه صفاً واحداً ميمنة وميسرة وقلباً، وجعل الرجّالة بين يدي الخيالة بالسلاح، وكان قد وعد أصحابه بنهب بغداد وسبي النساء، فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دُبيس، وبين أيديهم الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي، ولم يُرَ في عسكر الخليفة غير قارئ ومسبّح وداعٍ، فقامت الحرب على ساق. وكان مع أعلام الخليفة الأمير كرباوي بن خراسان، وفي الساقة سليمان بن مُهارش، وفي ميمنة عسكر البُرسقي الأمير أبو بكر بن إِلياس مع الأمراء البكجيّة، فحمل عنتر بن أبي العسكر في طائفة من عسكر دُبيس على ميمنة البُرسقي، فتراجعت على أعقابها وقُتل ابن أخ للأمير أبي بكر البكجي. وعاد عنتر وحمل حملة ثانية على هذه الميمنة، فكان حالها في الرجوع على أعقابها كحالها الأول. فلما رأى عسكر واسط ذلك ومقدمهم الشهيد عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ حمل وهم معه على عنتر ومن معه، وأتوهم من ظهورهم، فبقي عنتر في الوسط وعماد الدين وعسكر واسط من وارئه، والأمراء البكجية بين يديه، فأُسر عنتر وأُسر معه بريك بن زائدة، وجميع من معهما ولم يفلت أحد. وكان البُرسقي واقفاً على نشز من الأرض، وكان الأمير آق بوري في الكمين في خمسمائة فارس، فلما اختلط الناس خرج الكمين على عسكر دُبيس، فانهزموا جميعهم وألقوا نفوسهم في الماء، فغرق كثير منهم وقتل كثير. ولما رأى الخليفة اشتداد الحرب جرد سيفه وكبّر وتقدم
إلى الحرب، فلما انهزم عسكر دُبيس وحُملت الأسرى إلى بين يديه أمر الخليفة أن تُضرب أعناقهم صبراً. وكان عسكر دُبيس عشرة آلاف فارس واثني عشر ألف راجل، وعسكر البُرسقي ثمانية آلاف فارس وخمسة آلاف راجل، ولم يُقتل من أصحاب الخليفة غير عشرين فارساً. وحصل نساء دُبيس وسراريه تحت الأسر، سوى بنت إيلغازي وبنت عميد الدولة بن جهير، فإنه كان تركهما في المشهد. وعاد الخليفة إلى بغداد، فدخلها يوم عاشوراء من هذه السنة. ولما عاد الخليفة إلى بغداد ثار العامة بها.
ونهبوا مشهد باب التبن، وقلعوا أبوابه، فأنكر الخليفة ذلك، وأمر نَظَرَ أمير الحاج بالركوب إلى المشهد، وتأديب من فعل ذلك وأخذ ما نُهب، ففعل وأعاد البعض، وخفي الباقي عليه. وأما دُبيس بن صدقة، فإنما لما انهزم نجا بفرسه وسلاحه وأدركته الخيل، ففاتها وعبر الفرات، فرأته امرأة عجوز وقد عبر، فقالت له: دُبير جئت. فقال: دبير من لم يجيء. واختفى خبره بعد ذلك، وأُرجف عليه بالقتل، ثم ظهر أمره أَنه قصد غُزَيَّةَ من عرب نجد، فطلب منهم أن يحالفوه فامتنعوا عليه، وقالوا: إنّا نُسخط الخليفة والسلطان. فرحل إلى المنتفق، واتفق معهم على قصد البصرة وأخذها، فساروا إليها ودخلوها ونهبوا أهلها، وقتُل الأمير سَخْت كمان مقدّم عسكرها وأُجْلِيَ أهلها. فأرسل الخليفة إلى البُرسقي يعاتبه على إهماله أمر دُبيس حتى تمّ له من أمر البصرة ما أخربها، فتجهَّز البُرسقي للانحدار إليه، فسمع دُبيس ذلك ففارق البصرة، وسار على البر إلى قلعة جَعْبر، والتحق بالفرنج، وحضر معهم حصار حَلب وأطمعهم في أخذها، فلم يظفروا بها فعادوا عنها. ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل بن السلطان محمد، فأقام معه وحسّن له قصد العراق، كما سترى خبر ذلك في حوادث سنة تسع وعشرين وخمسمائة إن شاء الله تعالى.
سنة (٥١٧): وفيها عُزل نَقيب العلويين، وهدمت دار علي بن أفلح، وكان الخليفة يكرمه، فظهر أنهما عين لدُبيس يطالعانه بالأخبار.
سنة (٥١٨): في هذه السنة في ذي الحجَّة ملك آقسنقر مدينة حَلب وقلعتها؛ وسبب ذلك أن الفرنج لما ملكوا صور (في هذه السنة) طمعوا وقويت نفوسهم وتيقنوا الاستيلاء على بلاد الشام، واستكثروا من الجموع، ثم وصل إليهم دُبيس بن صدقة صاحب الحلَّة، فأطمعهم طمعاً ثانياً لا
سيما في حَلب. وقال لهم: إن أهلها شيعة، وهم يميلون إلي لأجل المذهب فمتى رأوني سلموا البلد، وبذل لهم على مساعدته بذولاً كثيرة. وقال: إنني أكون هاهنا نائباً عنكم ومطيعاً لكم، فساروا معه إليها وحصروها، وقاتلوا قتالاً شديداً ووطَّنوا نفوسهم على المقام الطويل، وأنهم لا يفارقونها حتى يملكوها وبنوا البيوت لأجل البرد والحر. فلما رأى أهلها ذلك ضعفت نفوسهم، وخافوا الهلاك وظهر لهم من صاحبهم تمرتاش الوهن والعجز، وقلّت الأقوات عندهم، فانتهى الرأي عندهم، إلى الاستنجاد بالبُرسقي وكان الرأي الموفَّق، فإنه لم ينجدها بالعساكر حتى رحل عنها الفرنج.
في هذه السنة وصل منصور بن صدقة أخو دُبيس إلى بغداد تحت الاستظهار فمرض بها، فأحضر الخليفة الأطباء، وأمرهم بمعالجته وأحضره عنده، وجُعل في حجرة وأُدخل أصحابه إليه، وفيها سار دُبيس من الشام بعد رحيله عن حَلب، وقصد الملك طغرل، فأغراه بالخليفة وأطمعه في العراق، وكان ما ستراه قريباً.
وفي سنة (٥١٩) لما وصل دُبيس إلى الملك طغرل، لقيه وأكرمه وأحسن إليه وجعله من أعيان خواصه وأمرائه، فحسَّن إليه دُبيس قصد العراق وهوَّن أمره عليه، وضمن له أنه يملكه، فسار معه إلى العراق فوصلوا دقوقا في عساكر كثيرة. فكتب مجاهد الدين بهروز من تكريت يخبر الخليفة خبرهما. فتجهَّز للمسير ومنعهما، وأمر يرنقش الزكوي شحنة العراق أن يكون مستعداً للحرب، وجمع العساكر والأمراء البكجية وغيرهم، فبلغت عِدَّة العساكر اثني عشر ألفاً سوى الرجالة وأهل بغداد، وفرق السلاح، وبرز خامس صفر وبين يديه أرباب الدولة رجّالة، وخرج من باب النصر، وكان قد أمر بفتحه تلك الأيام وسمّاه باب النصر، ونزل صحراء الشماسية، ونزل يرنقش عند السَّبِّيّ. ثم سار فنزل الخالص تاسع صفر، فلما سمع طغرل بخروج الخليفة عدل إلى طريق خراسان، وتفرَّق أصحابه في النهب والفساد، ونزل هو رباط جلولاء، فسار إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في عسكر كثير، فنزل الدسكرة وتوجَّه طغرل ودُبيس إلى الهارونية، وسار الخليفة، فنزل بالدسكرة هو والوزير واستقر الأمر بين دُبيس وطغرل أن يسيرا حتى يعبرا ديالي وتامّرا ويقطعا جسر النهروان. ويقيم دُبيس ليحفظ المعابر ويتقدم
طغرل إلى بغداد؛ فيملكها وينهبها. فسارا على هذه القاعدة، فعبرا تامّرا ونزل طغرل بينه وبين ديالي. وسار دُبيس على أن يلحقه طغرل، فقدّر الله تعالى أن الملك طغرل لحقه حُمّى شديدة، ونزل عليهم من المطر ما لم يشاهدوا مثله، وزادت المياه، وجاءت السيول والخليفة بالدسكرة. وسار دُبيس في مائتي فارس، وقصد معرة النهروان وهو تعب سهران. وقد لقي هو وأصحابه من المطر والبلل ما أذاهم، وليس معهم ما يأكلون ظناً منهم أن طغرل وأصحابهم يلحقونهم، فتأخروا لما ذكرناه، فنزلوا جياعاً قد نالهم البرد، وإذ قد طلع عليهم ثلاثون جملاً تحمل الثياب المخيطة والعمائم والأقبية والقلانس وغيرها من الملبوس، وتحمل أيضاً أنواع الأطعمة المصنوعة قد حُمِلت من بغداد إلى الخليفة. فأخذ دُبيس الجميع، فلبسوا الثياب الجدد ونزعوا الثياب الندية، وأكلوا الطعام، وناموا في الشمس مما نالهم تلك الليلة. وبلغ الخبر أهل بغداد، فلبسوا السلاح وبقوا يحرسون الليل والنهار، ووصل الخبر إلى الخليفة والعسكر الذي معه أن دُبيساً قد ملك بغداد، فرحل من الدسكرة، ووقعت الهزيمة على العسكر إلى النهروان، وتركوا أثقالهم ملقاة بالطريق لا يلتفت إليها أحد، ولو لا أن الله تعالى لطف بهم بحُمّى الملك طغرل وتأخره؛ لكان قد هلك العسكر والخليفة أيضاً وأُخذوا، وكانت السواقي مملوءة بالوحل والماء من السيل فتمزقوا، ولو لحقهم مائة فارس لهلكوا. ووصلت رايات الخليفة، ودُبيس وأصحابه نيام، وتقدَّم الخليفة وأشرف على ديالي، ودُبيس نازل غرب النهروان، والجسر ممدود شرق النهروان، فلما أبصر دُبيس شمسة الخليفة قبَّل الأرض بين يدي الخليفة، وقال: أنا العبد المطرود فليعفُ أمير المؤمنين عن عبده. فرق الخليفة له وهم بصلحه حتى وصل الوزير ابن صدقة، فثناه عن رأيه. وركب دُبيس ووقف بإزاء عسكر يرنقش الزكوي يحادثهم ويتماجن معهم، ثم أمر الوزير الرجالة، فعبروا ليمدوا الجسر آخر النهار. فسار حينئذٍ دُبيس عائداً إلى الملك طغرل، وسيَّر الخليفة عسكراً مع الوزير في أثره وعاد إلى بغداد فدخلها. ثم إن الملك طغرل ودُبيساً عادا وسارا إلى السلطان سنجرَ، فاجتازا بهَمَذان، فقسَّطا على أهلها مالاً كثيراً، وأخذاه وعاثا في تلك الأعمال. فبلغ خبرهما السلطان محموداً فجدَّ السير إليهما، فانهزما من بين يديه وتبعتهما العساكر، فدخلا خراسان إلى السلطان سنجر وشكيا إليه من
الخليفة ويرنقش الزكوي.
سنة (٥٢٢): في هذه السنة خرج السلطان سنجر من خراسان إلى الري في جيش كثير؛ وكان سبب ذلك أن دُبيساً بن صدقة لما وصل إليه هو والملك طغرل على ما ذكرناه لم يزل يُطمعه في العراق، ويسهل عليه قصده، ويلقي في نفسه أن المسترشد والسلطان محموداً متفقان على الامتناع منه، ولم يزل به حتى أجابه إلى المسير إلى العراق. فلما ساروا وصل إلى الري، وكان السلطان محمود بهَمَذان، فأرسل إليه السلطان سنجر يستدعيه إليه؛ لينظر هل هو على طاعته أم قد تغيّر على ما زعم دُبيس، فلما جاءه الرسول بادر إلى المسير إلى عمه. فلما وصل إليه أمر العسكر جميعه بلقائه، وأجلسه معه على التخت، وبالغ في إكرامه، وأقام عنده إلى منتصف ذي الحجَّة. ثم عاد السلطان سنجر إلى خراسان، وسلَّم دُبيساً إلى السلطان محمود، ووصّاه بإكرامه وإعادته إلى بلده. ورجع محمود إلى هَمَذان ودُبيس معه، ثم سارا إلى العراق، فلما قاربا بغداد خرج الوزير إلى لقائه، وكان قدومه تاسع المحرم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وكان الوزير أبو القاسم الانساباذي قد قبض السلطان محمود عليه، فلما اجتمع بالسلطان سنجر أمر بإطلاقه، فأطلقه وقرّره سنجر في وزارة ابنته التي زوَّجها بالسلطان محمود.
سنة (٥٢٢): في هذه السنة في المحرم قدم السلطان محمود بغداد بعد عوده من عند عمه السلطان سنجر، ومعه دُبيس بن صدقة ليصلح حاله مع الخليفة المسترشد بالله، فتأخر دُبيس عن السلطان، ثم دخل بغداد ونزل بدار السلطان واسترضى عنه الخليفة، فامتنع الخليفة من الإجابة إلى أن يُوَلاّ دُبيس شيئاً من البلاد،وبذل مائة ألف دينار لذلك. وعلم أتابك زنكي أن السلطان يريد أن يولّي دُبيساً الموصل، فبذل مائة ألف دينار، وحضر بنفسه إلى خدمة السلطان، فلم يشعر السلطان به إلا وهو عند الستر، وحمل معه الهدايا الجليلة، فأقام عند السلطان ثلاثة أيام، وخلع عليه، وأعاده إلى الموصل، وأقام السلطان إلى رابع جمادى الآخرة، وسار عن بغداد إلى هَمَذان وجعل بهروز عل شحنكية بغداد وسُلِّمت إليه الحلَّة.
وفي هذه السنة لما رحل السلطان إلى هَمَذان ماتت زوجته، وهي ابنة السلطان سنجر، وهي التي كانت تعنى بأمر دُبيس وتدافع عنه. فلما ماتت انحل أمر دُبيس. ثم إن السلطان مرض مرضاً شديداً، فأخذ دُبيس ابناً له
صغيراً وقصد العراق. فلما سمع المسترشد بالله بذلك جند الأجناد وحشد، وكان بهروز بالحلَّة فهرب منها، فدخلها دُبيس في شهر رمضان، فلما سمع السلطان الخبر عن دُبيس أحضر الأميرين قزل والأحمديلي. وقال: أنتما ضمنتما دُبيساً مني وأريده منكما، فسار الأحمديلي إلى العراق إلى دُبيس؛ ليكف شرَّه عن البلاد؛ ويحضره إلى السلطان. فلما سمع دُبيس الخبر أرسل إلى الخليفة يستعطفه، ويقول: إن رضيت عني فأنا أرد أضعاف ما أخذت، وأكون العبد المملوك. فتردّد الرسل ودُبيس يجمع الأموال والرجال، فاجتمع معه عشرة آلاف فارس، وكان قد وصل في ثلاثمائة فارس. ووصل الأحمديلي بغداد في شوال، وسار في أثر دُبيس. ثم إن السلطان سار إلى العراق، فلما سمع دُبيس بذلك أرسل إليه هدايا جليلة المقدار وبذل ثلاثمائة حصان منعَّلة بالذهب، ومائتي ألف دينار؛ ليرضى عنه السلطان والخليفة. فلم يجبه إلى ذلك، ووصل السلطان إلى بغداد في ذي القعدة، فلقيه الوزير الزينبي وأرباب المناصب. فلما تيقَّن دُبيس وصوله رحل إلى البرية وقصد البصرة، وأخذ منها أموالاً كثيراً وما للخليفة والسلطان هناك من الدخل، فسيَّر السلطان أثره عشرة آلاف فارس، ففارق البصرة ودخل البرية.
سنة (٥٢٥): في هذه السنة في شعبان أسر تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق الأمير دُبيساً بن صدقة، وسلَّمه إلى أتابك الشهيد زنكي بن آقسنقر؛ وسبب ذلك أنه لما فارق البصرة جاءه قاصد من الشام من صرخد يستدعيه إليها؛ لأن صاحبها كان خصيّاً، فتُوفِّي هذه السنة، وخلَّف جارية سُرّية له، فاستولت على القلعة وما فيها، وعلمت أنها لا يتم لها ذلك إلاّ بأن تتصل برجل له قوة ونجدة، فوُصف لها دُبيس بن صدقة وكثرة عشيرته، وذُكر لها حاله وما هو عليه بالعراق، فأرسلت تدعوه إلى صرخد لتتزوَّج به وتسلِّم القلعة ما فيها من مال وغيره إليه. فأخذ الأدلاء معه، وسار من أرض العراق إلى الشام، فضل به الأدلاّء بنواحي دمشق، فنزل بناس من كلب كانوا شرقي الغوطة، فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق، فحبسه عنده. وسمع أتابك عماد الدين زنكي الخبر، وكان دُبيس يقع فيه وينال منه، فأرسل إلى تاج الملوك، وطلب منه دُبيساً ليسلمه إليه، ويطلق وله ومن معه من الأمراء المأسورين، وإن امتنع من تسليمه سار
إلى دمشق وحصرها ونهبها. فأجاب تاج الملوك إلى ذلك، وأرسل أتابك سونج بن تاج الملوك والأمراء الذين معه، وأرسل تاج الملوك دُبيساً، فأيقن دُبيس بالهلاك. ففعل زنكي معه خلاف ما ظن، وأحسن إليه وحمل له الأقوات والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن، وقدَّمه حتى على نفسه، وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك. ولما سمع المسترشد بالله بقبضه بدمشق أرسل سديد الدولة بن الأنباري، وأبا بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر إلى تاج الملوك يطلب منه أن يسلِّم دُبيساً إليه لما كان متحققاً به من عداوة الخليفة. فسمع سديد الدولة بن الأنباري بتسليمه إلى عماد الدين وهو في الطريق، فسار إلى دمشق ولم يرجع، وذم أتابك زنكي بدمشق واستخف به. وبلغ الخبر عماد الدين، فأرسل إلى طريقه من يأخذه إذا عاد، فلما رجع من دمشق قبضوا عليه وعلى ابن بشر، وحملوهما إليه، فأما ابن بشر فأهانه وجرى في حقه مكروه. وأما ابن الأنباري فسجنه. ثم إن المسترشد بالله شفع فيه، فأُطلق ولم يزل دُبيس مع زنكي حتى انحدر معه إلى العراق.
وفي سنة (٥٢٦): لمَّا تُوفِّي السلطان محمود، سار السلطان سنجر إلى بلاد الجبال، ومعه الملك طغرل بن السلطان محمد، ثم سار منها إلى هَمَذان. فوصل الخبر إلى المسترشد بالله والسلطان مسعود بوصوله إلى هَمَذان، فاستقرت القاعدة بينهما على قتاله، وأن يكون الخليفة معهم، فتجهَّز الخليفة، وتقدَّم قراجة الساقي والسلطان مسعود وسلجوقشاه نحو السلطان سنجر، وتأخر المسترشد بالله عن المسير معهم، وسار على تريث وتوقف إلى أن بلغ خانقين وأقام بها. وقطعت خطبة سنجر من العراق جميعه، ووصلت الأخبار بوصول عماد الدين زنكي ودُبيس بن صدقة إلى قريب بغداد. فأما دُبيس، فإنه ذكر أن السلطان سنجر أقطعه الحلَّة وأرسل إلى المسترشد بالله يضَّرع ويسأل الرضا عنه. فامتنع من إجابته إلى ذلك. وأعطى سنجر على ما ذكر عماد الدين زنكي شحنكية بغداد، ثم عاد المسترشد بالله إلى بغداد، وأمر أهلها بالاستعداد للمدافعة عنها، وجرت حروب بين السلطان سنجر ومسعود خارج ذكرها عن موضوعنا.
وفي السنة نفسها لما سار المسترشد بالله من بغداد، وبلغه انهزام السلطان مسعود، عزم على العود إلى بغداد، فأتاه الخبر بوصول عماد الدين
زنكي إلى بغداد ومعه دُبيس بن صدقة، وكان السلطان سنجر قد كاتبهما وأمرهما بقصد العراق والاستيلاء عليه. فلما علم الخليفة بذلك أسرع العود إليها، وعبر إلى الجانب الغربي، وسار فنزل بالعباسيَّة ونزل عماد الدين بالمناريَّة من دُجيل، والتقيا بحصن البرامكة سابع عشرين رجب. فابتدأ زنكي، فحمل على ميمنة الخليفة، وبها جمال الدولة إقبال فانهزموا منه، وحمل نظر الخادم من ميسرة الخليفة على ميمنة عماد الدين ودُبيس، وحمل الخليفة بنفسه، واشتد القتال فانهزم دُبيس. وأراد عماد الدين الصبر فرأى الناس قد تفرَّقوا عنه، فانهزم أيضاً، وقُتل من العسكر جماعة وأُسر جماعة. وبات الخليفة هناك ليلته وعاد من الغد إلى بغداد.
وفي هذه السنة عاد دُبيس بعد انهزامه المذكور يلوذ ببلاد الحلَّة وتلك النواحي، وجمع جمعاً، وكانت تلك الولاية بيد إقبال المسترشدي، فأُمد بعسكر من بغداد، فالتقى هو ودُبيس. فانهزم دُبيس واختفى في أجمة هناك وبقي ثلاثة أيام لم يطعم شيئاً، ولم يقدر على التخلّص منها حتى أخرجه حمّال على ظهره، ثم جمع جمعاً وقصد واسط، وانضم إليه عسكرها وبختيار وشاق وابن أبي الجبر، ولم يزل فيها إلى أن دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فنفذ إليهم يرنقش بازدار، وإقبال الخاد المسترشدي في عسكر، فاقتتلوا في الماء والبر، فانهزم الواسطيون ودُبيس وأُسر بختيار وشاق وغيره من الأمراء.
- ما جاء من أخبارهم في الجزء الحادي عشر من كامل ابن الأثير -
سنة (٥٢٩): في هذه السنة كانت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان مسعود؛ وسبب ذلك أن السلطان مسعوداً لما سافر من بغداد إلى هَمَذان بعد موت أخيه طغرل وملكها، فارقه جماعة من أعيان الأمراء ومعهم عدد كثير، ومنهم دُبيس بن صدقة. وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه الأمان؛ ليحضروا في خدمته، فقيل له: إنها مكيدة لأن دُبيساً معهم. وساروا نحو خوزستان واتفقوا مع بُرسق بن بُرسق، فأرسل الخليفة إليهم سديد الدولة بن الأنباري بتوقيعات إلى الأمراء المذكورين، بتطييب نفوسهم والأمر بحضورهم. وكان الأمراء المذكورون قد عزموا على قبض دُبيس، والتقرّب إلى الخليفة بحمله إليه. فبلغه ذلك، فهرب إلى السلطان مسعود. وسار
الأمراء إلى بغداد. وانتهى أخيراً أمر الخليفة بالانكسار وانتصار السلطان مسعود، وقبض الخليفة فقتله على أيدي أربعة وعشرين رجلاً من الباطنية.
وفي هذه السنة قُتِل السلطان مسعود دُبيس بن صدقة على باب سُرادقه بظاهر مدينة خُوي، أمر غلاماً أرمنياً بقتله، فوقف على رأسه وهو ينكت الأرض بأصبعه، فضرب رقبته وهو لا يشعر، وكان ابنه صدقة بالحلَّة، فاجتمع إليه عسكر أبيه ومماليكه، وكثر جمعه واستأمن إليه الأمير قتلغ تكين، وأمر السلطان مسعود بك آبه أن يأخذ الحلَّة. فسار بعض عسكره إلى المدائن، وأقاموا مدة ينتظرون لحاق بك آبه بهم، فلم يَسِر إليهم جبناً وعجزاً عن قصد الحلَّة؛ لكثرة العسكر بها مع صدقة. وبقي صدقة بالحلَّة إلى أن قدم السلطان مسعود إلى بغداد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فقصده وأصلح حاله معه، ولزم باب السلطان. ومثل هذه الحادثة تقع كثيراً وهي قرب موت المتعاديين، فإن دُبيساً كان يعادي المسترشد بالله ويكره خلافته، ولم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا يبقون عليه؛ ليجعلوه عُدة لمقاومة المسترشد، فلما زال السبب زال المسبب.
وفي سنة (٥٣٠) لما بعث السلطان مسعود في هذه السنة يرنقش الزكوي؛ يطالب الخليفة الراشد بما كان قد استقر على المسترشد بالله من المال، وهو أربعمائة ألف دينار، وامتنع الراشد من الإجابة، ثم بلغه أن يرنقش يريد التهجُّم على دار الخلافة وتفتيشها ليأخذ المال. فجمع العساكر لمنعه، وانتهى الأمر بإخراج عسكر السلطان، واجتماع أصحاب الأطراف على الخروج عن طاعته، وفيهم صدقة بن دُبيس صاحب الحلَّة، ومعه عنتر بن أبي العسكر الجاواني، يدبِّره ويُتمِّم نقص صباه. وقدم مسعود إلى بغداد، وانتهى الأمر بخلع الراشد بالله واستخلاف المُقتفي بالله.
وفي سنة (٥٣١) في المحرم أَذِن السلطان مسعود للعساكر التي عنده ببغداد بالعود إلى بلادهم؛ لما بلغه أن الراشد بالله قد فارق أتابك زنكي من الموصل، فإنه كان يتمسَّك بالعساكر عنده خوفاً أن ينحدر به إلى العراق فيملكه عليه. فلما أراد أن يأذن للأمير صدقة بن دُبيس صاحب الحلَّة زوَّجه ابنته تمسّكاً به. ورجع إليه بعض الأمراء الذين فارقوه وبذلوا له الطاعة، فرضي عنهم وأمنهم، وتزوَّج الخليفة فاطمة أخت السلطان ووثق السلطان، حيث صار الخليفة وصدقة بن دُبيس بن صدقة صهريه.
سنة (٥٣٢): لما فارق الراشد بالله أتابك زنكي من الموصل، سار نحو أذربيجان فوصل مراغة، وكان الأمير منكبرس صاحب فارس ونائبه بخوزستان بوزابة، والأمير عبد الرحمان طغايرك والملك داود بن السلطان محمود، مستشعرين من السلطان مسعود خائفين منه، فتجمَّعوا ووافقوا الراشد على الاجتماع؛ لتكون أيديهم واحدة ويردوه إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك، إلا أنه لم يجتمع معهم. ووصل الخبر إلى السلطان مسعود وهو ببغداد باجتماعهم، فسار عنها في شعبان نحوهم، فالتقوا ببنجن كشت، فاقتتلوا فهزمهم السلطان مسعود، وأُخذ الأمير منكبرس أسيراً فقُتل بين يديه صبراً. وتفرّق عسكر مسعود في النهب واتّباع المنهزمين، وكان بوزابة وعبد الرحمان طغايرك على نشز من الأرض، فرأيا السلطان مسعوداً، وقد تفرَّق عسكره عنه، فحملا عليه وهو في قلة، فلم يثبت لهما وانهزم، وقبض بوزابة على جماعة من الأمراء، منهم صدقة بن دُبيس صاحب الحلَّة، ومنهم ولد أتابك قراسُنقر صاحب أذربيجان وعنتر بن أبي العسكر وغيرهم، وتركهم عنده، فلما بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم أجمعين، وصار العسكران مهزومين، وكان هذا من أعجب الاتفاق.
ولما قتل صدقة بن دُبيس أقر السلطان مسعود الحلَّة على أخيه محمد ابن دُبيس، وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا عنتر المقتول يُدبِّر أمره.
وفي سنة (٥٤٠): سار علي بن دُبيس إلى الحلَّة هارباً، فملكها؛ وكان سبب ذلك أن السلطان لما أراد الرحيل من بغداد وأشار عليه مهلهل أن يحبس علي بن دُبيس بقلعة تكريت، فعلم ذلك فهرب في جماعة يسيرة نحو خمسة عشر. فمضى إلى الأزيز، وجمع بني أسد وغيرهم، وسار إلى الحلَّة وبها أخوه محمد بن دُبيس فقاتله، فانهزم محمد وملك علي الحلَّة. واستهان السلطان أمره أولاً، فاستفحل وضم إليه جمعاً من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم، وكثر جمعهم. فسار إليه مهلهل فيمن معه في بغداد من العسكر، فضربوا معه مصافاً، فكسرهم وعادوا منهزمين إلى بغداد. وكان أهلها يتعصَّبون لعلي بن دُبيس، وكانوا يصيحون إذا رأوا مهلهلاً وبعض أصحابه يا علي كُلْهُ. وكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب، ومد علي يده في إقطاع الأمراء بالحلَّة، وتصرف فيها وصار شحنة بغداد ومن فيها على وجل منه، وجمع الخليفة جماعة، وجعلهم على السور لحفظه وراسل
علياً، فأعاد بأنني العبد المطيع مهما رسم لي فعلت. فسكن الناس ووصلت الأخبار بعد ذلك أن السلطان مسعوداً تفرَّق خصومه عنه، فازداد سكون الناس لذلك.
سنة (٥٤٢): في هذه السنة كثر فساد أصحاب علي بن دُبيس بالحلَّة وما جاورها، وكثرت الشكاوى منه، فأقطع السلطان مسعود الحلَّة للأمير سلاركرد. فسار إليها من هَمَذان ومعه عسكر، وانضاف إليه جماعة من عسكر بغداد وقصدوا الحلَّة. فجمع علي عسكره وحشد، والتقى العسكران بمُطيرباذ. فانهزم علي وملك سلاركرد الحلَّة، واحتاط على أهل عليّ ورجعت العساكر، وأقام هو بالحلَّة ومماليكه وأصحابه. وسار علي بن دُبيس، فلحق بالبقش كون خَر، وكان بإقطاعه في اللحف متجنّياً على السلطان، فاستنجده فسار معه إلى واسط، واتفق هو والطرنطاي، وقصدوا الحلَّة فاستنقذوها من سلاركرد في ذي الحجَّة، وفارقها سلاركرد وعاد إلى بغداد.
وفي سنة (٥٤٤) في رجب عاد البقش كون خَر والطرنطاي وابن دُبيس ومعهم ملكشاه بن السلطان محمود إلى العراق، وراسلوا الخليفة في الخطبة لملكشاه. فلم يلتفت إليهم وجمع العساكر، وحصن بغداد وأرسل إلى السلطان مسعود يعرِّفه الحال، فوعده بالوصول إلى بغداد، فلم يحضر. ولما علم البقش بمراسلة الخليفة إلى مسعود نهب النهروان، وقبض على الأمير علي بن دُبيس في رمضان. ولما وصل السلطان مسعود إلى بغداد، ورحل البقش كون خَر من النهروان أطلق علي بن دُبيس.
سنة (٥٤٥): وفيها تُوفِّي الأمير علي بن دُبيس بن صدقة صاحب الحلَّة باسدآباذ، واتُّهم طبيبه محمد بن صالح بالمواطأة عليه، فمات الطبيب بعده بقريب.
[ما جاء من أخبارهم في تاريخ ابن خلدون]
أول أمير من بني مَزْيد هو أبو الحسن علي بن مزيد. ومن أمرائهم أخوه أبو الغنائم، وقد مرَّ من أخبارهما ما يغنينا عن إعادتها.
تُوفِّي أبو الحسن بن مزيد سنة ثمانٍ وأربعمائة، وقام بالأمر مكانه ابنه نور الدولة أبو الأغر دُبيس، وقد كان أبوه عهد لأخيه في حياته، وخلع عليه
سلطان الدولة وأذن في ولايته. فلما ولي بعد أبيه نزع أخوه المقلَّد إلى بني عقيل فأقام بينهم. وكانت بسبب ذلك بين دُبيس وقرواش أميري بني عقيل فتن وحروب. وجمع دُبيس عليه بني خفاجة، وملك الأنبار من يده سنة سبع عشرة. ثم انتقض خفاجة على دُبيس وأميرهم منيع بن حسَّان، وسار إلى الجامعين، فنهبها وملك الكوفة وصار أمر دُبيس وقرواش إلى الوفاق. واستوى الأمر على ذلك، ومنعت خفاجة بني عقيل من سقي الفرات.
(استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدُبيسية)
كانت الجزيرة الدُبيسية قد استقرت لطراد بن دُبيس، وكان منصور بن الحسين من شعوب بني أسد تغلَّب عليها، وأخرج طراد بن دُبيس عنها سنة ثمان عشرة. ثم مات طراد، فسار ابنه أبو الحسن إلى جلال الدولة ببغداد، وكان منصور بن الحسين قد خطب للملك أبي كليجار، وقطع الخطبة لجلال الدولة. فسأل منه علي بن طراد أن يبعث معه عسكراً ليُخرِج منصوراً من الجزيرة، فأنفذ معه العسكر، وسار إلى واسط ثم أغذ السير، وكان منصور جمع للقائه، وأعانه بعض أمراء التُّرك، وهو أبو صالح كركير، وكان قد هرب من جلال الدولة إلى أبي كاليجار، فأعان منصوراً على شؤونه، ولقوا علي بن طراد، فهزموه وقتلوه وجماعة من التُّرك الذين بعثهم جلال الدولة لنصرته. واستقر ملك الجزيرة الدُبيسية لمنصور بن الحسين.
(فتنة دُبيس مع جلال الدولة وحروبه مع قومه)
كان المقلَّد أخو دُبيس بن مزيد قد لحق ببني عقيل، وكانت بينه وبين نور الدولة دُبيس عداوة. فسار إلى منيع بن حسَّان أمير خفاجة، واجتمعا على قتال دُبيس على خلافة جلال الدين. وخطب لأبي كليجار واستقدمه إلى العراق، فجاء إلى واسط وبها ابن جلال الدولة، ففارقها وقصد النعمانية ففجَّر عليه البثوق من بلده، وأرسل أبو كليجار إلى قرواش صاحب الموصل، والأثير عنبر الخادم أن ينحدروا إلى العراق، فانحدروا إلى الكُحيل ومات بها الأثير عنبر. وجمع جلال الدولة عساكره، واستنجد أبا الشوك صاحب بلاد الأكراد، فأنجده وانحدر إلى واسط وأقام بها. وتتابعت الأمطار والأوحال، فسار جلال الدولة إلى الأهواز بلد أبي كليجار
لينهبها، وبعث أبو كليجار إليه بأن عساكر محمود بن سبكتكين قد قصدت العراق ليرده عن الأهواز. فلم يلتفت إلى ذلك وسار ونهب الأهواز. وبلغ الخبر إلى أبي كليجار، فسار إلى مدافعته، وتخلَّف عنه دُبيس خوفاً على حلله من خفاجة. والتقى أبو كليجار وجلال الدولة، فانهزم أبو كليجار وقتل من أصحابه كثير. واستولى جلال الدولة على واسط، وأعاد إليه ابنه عبد العزيز كما كان، ولما فارق دُبيس أبا كليجار وجد جماعة من عشيرته قد خالفوا عليه، وعاثوا في نواحي الجامعين، فقاتلهم وظفر بهم وأسر منهم جماعة: منهم أبو عبد الله الحسين بن عمه أبي الغنائم، وشبيب، وسرايا، ووهب بنو عمه حماد بن مزيد، وحبسهم بالجوسق. ثم جمع المقلَّد أخوه جموعاً من العرب، واستمد جلال الدولة فأمده بعساكر، وقصدوا دُبيساً، فانهزم، وأُسِر جماعة من أصحابه، ونزل المعتقلون بالجوسق فنهبوا حلله. ولحق دُبيس بالشريد مُنهزماً، فسار به إلى مجد الدولة وضمن عنه المال المقرَّر في ولايته، فأجيب إلى ذلك وخلع عليه. واستقام حاله وذهب المقلَّد مع جماعة من خفاجة، فنهبوا مطير آباد والنيل أقبح نهب، وعاثوا في منازلها، ولم تكن الحلَّة بنيت يومئذٍ. وعبر المقلَّد دجلة إلى أبي الشوك، فأقام عنده حتى أصلح أمره.
(الفتنة بين دُبيس وأخيه ثابت)
كان أبو قوام ثابت بن علي بن مزيد متصلاً بالبساسيري سنة أربع وعشرين، وتزحزح لهم دُبيس عن البلاد، وملك ثابت النيل وأعمال دُبيس، وبعث دُبيس طائفة من أصحابه لقتال ثابت فانهزموا. فسار دُبيس عن البلاد وتركها لثابت حتى رجع البساسيري إلى بغداد، فسار في جموع بني أسد وخفاجة، ومعه أبو كامل منصور بن قراد، وتركوا حللهم بين حصنى خفان وجرى، وساروا جريدة، ولقيهم ثابت عند جرجرا، فاقتتلوا ملياً ثم تحاجزوا، واصطلحوا على أن يعود دُبيس إلى أعماله، ويُقطع أخاه ثابتاً بعض تلك الأعمال. وتحالفوا على ذلك وافترقوا، وجاء البساسيري منجداً لثابت فبلغه الخبر بالنعمانية فرجع.
الفتنة بين دُبيس وعسكر واسط
كان الملك الرحيم قد أقطع دُبيسَ بن مزيد سنة إحدى وأربعين حماية نهر الصِلَّة ونهر الفضل، وهي من أقطاع جند واسط. فسخطوا ذلك واجتمعوا، وبعثوا إليه بالتهديد، فراجعهم إلى حكم الملك الرحيم، فغضبوا وزحفوا إليه، فلقيهم وأكمن لهم، فهزمهم وأثخن فيهم، وغنِم أموالهم ودوابَّهم، ورجعوا إلى واسط يستنجدون جند بغداد، يرغبون من البساسيري في المدافعة عنهم على أن يُعطوه نهر الصلة ونهر الفضل.
إيقاع دُبيس بخفاجة
وفي سنة ست وأربعين قصد بنو خفاجة الجامعين من أعمال دُبيس، فعاثوا فيها من غربي الفرات. وكان دُبيس في شرقيِّه، فاستنجد البساسيري، فجاء بنفسه، وعبر دُبيس الفرات معه، وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين. فسلكوا البرية ورجع عنهم، ثم عادوا للفساد فعاد إليهم، فدخلوا البرية فاتَّبعهم إلى خفان، فأوقع بهم وأثخن فيهم وحاصر خفان، ثم اقتحمه وأخرجهم. ورجع إلى بغداد ومعه أُسارى من خفاجة فصُلبوا. ثم سار إلى جرى، فحاصرها ووضع عليها سبعة آلاف دينار، فالتزموها وأمّنهم.
حرب دُبيس مع الغز وخطبته لصاحب مصر العلوي
ومعاودته الطاعة
ولما انقرض أمر بني بويه، وغلب عليهم الغز، وصارت الدولة للسلطان طغرلبك سلطان السلجوقية، وجاء السلطان طغرلبك إلى بغداد، واستولى على الخليفة. وخُطب له على منابر الإسلام، وقُبض على الملك الرحيم آخر ملوك بني بويه. وكان البساسيري قد فارق الملك الرحيم قبل مسيره من واسط إلى بغداد؛ للقاء طغرلبك، مُجمعاً على الخلاف على الغز، مع قطلمش ابن عم طغرلبك جد الملوك ببلاد الروم، أولاد قلبيج أرسلان، ومعه متمِّم الدولة أبو الفتح عمر. وسار معهم قريش بن بدران صاحب الموصل، فلقيهم دُبيس والبساسيري على سنجار. وهزمهم ورجع قريش إلى دُبيس جريحاً، فخلع عليه وسار معهم، وذهب بهم إلى الموصل. وخرج دُبيس وقريش والبساسيري إلى البرية، ومعهم جماعة من بني نُمير أصحاب
حرَّان والرقَّة، واتبعهم عساكر السلطان مع هزارسب من أمراء السلجوقية. فأوقع بهم ورجع بالغنائم والأسرى، وأرسل دُبيس وقريش إلى هزارسب أن يستعطف بهم السلطان ففعل. ثم انتقض عليه أخوه نيال بهَمَذان، فسار لحربه وترك بغداد، وخالفه البساسيري إليها، وبعث الخليفة القائم عن دُبيس؛ ليُقيم عنده ببغداد، فاعتذر بأنَّ العرب لا تُقيم، وطلب الخليفة في الخروج إليه؛ حتى يجتمع عليه هو وهزارسب، ويدافعوا عن بغداد. وجاء البساسيري ودخل بغداد، ومعه قريش بن بدران، فملكها سنة خمسين وأربعمائة. وخطب فيها للعلويين واستذَّم الخليفة القائم بقريش بن بدران، فأذمَّه وبعثه إلى عانة عند مهاوش العقيلي من بني عمه. وفعل البساسيري وجموعه في بغداد الأفاعيل، وأطاعه دُبيس بن علي بن مزيد، وصدقة بن منصور بن الحسين صاحب الجزيرة الدُبيسية، وكان وُلّي بعد أبيه كما تقدم ذكره. ثم رجع السلطان من هَمَذان بعد قتل أخيه، وقضى أشغاله، فأجفل البساسيري وأصحابه من بغداد، ولحق ببلاد دُبيس، وفارقه صدقة بن منصور إلى هزارسب بواسط. وأعاد طغرلبك الخليفة إلى داره، وسار السلطان في اتِّباعه، وفي مقدمته خمارتكين الطغرائي في ألفي فارس، ومعه سرايا بن منيع الخفاجي، فصبَّحت المقدمة دُبيس بن مزيد والبساسيري، فقُتل وذلك سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. ورجع السلطان إلى بغداد، ثم انحدر إلى واسط، وجاءه هزارسب بن تنكين، فأصلح عنده حال دُبيس بن مزيد، وصدقة بن منصور بن الحسين. وحضرا عند السلطان، وجاءا في ركابه إلى بغداد، فخلع عليهما وردهما إلى عمالتهما.
وفاة دُبيس وإمارة ابنه منصور
ولم يزل دُبيس على أعماله إلى أنْ تُوفِّي سنة أربع وسبعين وأربعمائة، لسبع وخمسين سنة من إمارته، وكان ممدوحاً، ورثاه الشعراء بعد وفاته بأكثر مما مدحوه في حياته. ولما مات وُلِّيَ في أعماله، وعلى بني أسد ابنه أبو كامل منصور، ولُقِّب بهاء الدولة. وسار إلى السلطان ملك شاه، فأقره على أعماله، وعاد في صفر سنة خمس وسبعين وأربعمائة، فأحسن السيرة.
وفاة منصور بن دُبيس وولاية ابنه صدقة
ثم تُوفِّي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دُبيس بن علي بن مزيد
صاحب الحلَّة والنيل وغيرهما، في ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة. فأرسل الخليفة نَقيب العلويين أبا الغنائم إلى ابنه سيف الدولة صدقة يغريه، وسار صدقة إلى السلطان ملك شاه، فخلع عليه وولاّه مكان أبيه.
انتقاض صدقة على السلطان بركيارق
كان السلطان بركيارق قد خرج عليه أخوه محمود بن ملك شاه ينازعه في الملك، وكانت بينهما عدَّة وقعات، ولم يزل صدقة بن منصور على طاعته، ويحضر حروبه تارة بنفسه، وتارة يبعث إليه العساكر مع ابنه، إلى سنة أربع وتسعين وأربعمائة. فبعث إليه وزير السلطان بركيارق، وهو الأغر أبو المحاسن الدهساني، يطلبه فيما تخلَّف عنده من المال، وهو ألف ألف دينار، ويتهدَّده عليه، فقطع صدقة الخطبة لبركيارق، وعاد إلى بغداد في هذه السنة منهزماً أمام أخويه محمد وسنجر. فبعث الأمير أياز من أكبر أصحابه، وطرد نائب السلطان عن الكوفة واستضافها إليه.
استيلاء صدقة على واسط وهيْت
كان السلطان محمد في سنة ست وتسعين وأربعمائة مستولياً على بغداد، والخطبة بها، وشحنته فيها أبو الغازي بن أرتق، وصدقة بن دُبيس على طاعته ومظاهرته. ثم ظهر في هذه السنة بركيارق على محمد، وحاصره بأصفهان، فامتنع عليه، فأفرج عنه إلى هَمَذان. وبعث كمستكين القصيري شحنة إلى بغداد، فاستدعى أبو الغازي أخاه سقمان بن أرتق من حصن كيفا؛ يستعين به في مدافعة كمستكين، وجاء كمستكين إلى بغداد، وخطب بها لبركيارق، وخرج أبو الغازي وسقمان إلى دجيل، فأقاما به وبجر، وجاء صدقة بن مزيد إلى صرصر بعد أن جاءه رسول الخليفة في طاعة إيلغازي وسقمان، فعادا وعاثت عساكرهما في نواحي دجيل، وتقدما إلى بغداد، وبعث معهما صدقة ابنه دُبيساً، فخيَّموا بالرملة. وقاتلهم العامَّة وكَثُر الهرج. وبعث الخليفة إلى صدقة يعظِّم عليه الأمر، فأشار بإخراج كمستكين القيصري من بغداد لتصلح الأحوال، فأُخرج إلى النهروان في ربيع سنة ست وتسعين وأربعمائة، وعاد صدقة إلى الحلَّة، وأُعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد، ولحق القيصري بواسط، وخطب بها لمحمد. فسار إليه صدقة، وأخرجه وجاء إيلغازي، واتبعوا القيصري واستأمن إلى صدقة فأكرمه.
وأُعيدت خطبة السلطان محمد بواسط، وبعده لصدقة وإيلغازي، وولَّى كل واحد منهما ولده على واسط، وذهب إيلغازي إلى بغداد، وعاد صدقة إلى الحلَّة، وأرسل ابنه منصوراً مع إيلغازي إلى المستنصر؛ ليستظهر رضاه فرضي عنه. ثم استولى صدقة على هيت، وكان بركيارق أقطعها لبهاء الدولة توران بن تهيبة، وكان مقيماً في جماعة من بني عقيل عند صدقة، ثم تشاجرا، ومال بنو عقيل إلى صدقة، وحجَّ عقب ذلك ورجع، فُوكِّل به صدقة، وبعث ابنه دُبيساً ليتسلم هيت، فمنعه نائب توران بها، وهو محمد بن رافع بن منيعة بن مالك بن المقلَّد. فلما أخذ صدقة واسطاً سار إلى هيت، وبها منصور بن كثير نائباً عن عمِّه توران، فلقي صدقة وحاربه، ثم انتقض جماعة من أهل البلد، وفتحوا لصدقة فملكها، وخلع على منصور وأصحابه، وعاد إلى الحلَّة واستخلف على هيت ابن عمه ثابت بن كامل. ثم اصطلح السلطان محمد وبركيارق، وسار صدقة في شوال إلى واسط، فملكها وأخرج التُّرك الذين كانوا بها، وأحضر مهذّب الدولة بن أبي الخير، فضمنه البلد لثلاثة أشهر بقيت من السنة بخمسين ألف دينار وعاد إلى الحلَّة.
استيلاء صدقة بن مزيد على البصرة
كانت البصرة منذ سنين في ولاية إسماعيل بن أرسلان جق من السلجوقية، أقام فيها عشر سنين، وعَظُم تمكُّنه للخلاف الواقع بين بركيارق ومحمد، وكان يُظهر طاعة صدقة وموافقته. فلما صفا الأمر لمحمد رغِب إليه صدقة في إبقائه فأبقاه، وبعث السلطان محمد عاملاً على خاصة البصرة فمنعه إسماعيل، فأمر السلطان صدقة بأخذ البصرة منه، وأظهر منكبرس الخلاف، فشُغلوا عن البصرة. وبعث إليه صدقة بتسليم الشرطة إلى مهذّب الدولة بن أبي الخير، فمنع من ذلك، فسار صدقة إليه. وحصَّن إسماعيل القلاع التي استجدَّها حوالي البصرة، واعتقل وجوه البلد من العباسيين، والعلويين، والقاضي، والمدرس، والأعيان، وحاصرها صدقة وخرج إسماعيل لقتاله، وخالفه طائفة من أصحاب صدقة إلى مكان آخر من البلد. وانحدر لمهذّب بن أبي الخير في السفر، فأخذ القلعة التي كانت لإسماعيل بمطارا، ثم استأمن إسماعيل إلى صدقة، فأمنه وجاء صدقة، فأمن أهل البصرة ورتَّب عندهم شحنة، وعاد إلى الحلَّة منتصف تسع وتسعين وأربعمائة، لستة عشر يوماً من مقامه بالبصرة. وسار إسماعيل نحو فارس، فطرقه مرض في
وفاة علي بن دُبيس وانقراض بني مزيد
ثُمَّ تُوفِّي علي بن دُبيس صاحب الحلَّة عليلاً بأسد آباد، واتُّهِم طبيبه محمد بن صالح بالادِّهان فيه، فمات بعده بقليل. ثُمَّ مات السلطان مسعود آخر الملوك السلجوقية، وبويع ملك شاه بن أخيه محمود بعده. واستبدَّ المُقتفي على مُلوك السلجوقيَّة بعده وبعث السلطان ملك شاه سلاَّركرد إلى الحلَّة فملكها. ولحق به مسعود بلاك شُحنة بغداد هرب منها عند موت السلطان مسعود وأظهر لسلاَّركرد الوفاق. ثُمَّ قبض عليه وغرَّقه واستبدَّ بالحلَّة. وبعث المُقتفي إليه العساكر مع الوزير عون الدين بن هبيرة، فبرز مسعود بلاك للقائهم فانهزم وعاد إلى الحلَّة. فمنعه أهلها مِن الدخول، فسار إلى تكريت. وملك ابن هبيرة الحلَّة، وبعث العساكر إلى الكوفة وواسط فمَلكوهما. ثُمَّ جاءت عساكر السلطان ملك شاه إلى واسط وخرجت منها عساكر المُقتفي إلى واسط فملكها. ثُمَّ إلى الحلَّة كذلك، ثُمَّ عاد إلى بغداد آخر ذي القعدة سنة سبع وأربعين. ثُمَّ قبض الأُمراء على ملك شاه سنة ثمان وأربعين، وبايعوا لأخيه محمد، وطلب الخُطبة مِن المُقتفي فمُنع منها، فسار السلطان محمد بن محمود إلى العراق سنة إحدى وخمسين. واضطرب الناس ببغداد واهتمَّ المُقتفي بالاحتشاد وجاءته عساكر واسط، وبعث السلطان مهلهل بن أبي العسكر إلى الحلَّة فملكها، وحاصر السلطان محمد بغداد سنة ثنتين وخمسين وامتنعت عليه فرجع، وتُوفِّي المُقتفي سنة خمس وخمسين، وبويع ابنه المُستنجد، واستبدَّ بأمره كما كان أبوه. ومنع خُطبة السلجوقيَّة مِن بغداد، وكان في نفسه شيءٌ مِن بني أسد لإجلابهم على بغداد مع مهلهل بن أبي العسكر أيَّام حصار السلطان محمد لها، فأمر بردن بن قماج بقتالهم وإجلائهم، وكانوا مُنتشرين في البطائح ولا يقدر عليهم. وجمع عساكره وبعث عن ابن معروف مُقدَّم المُنتفق مِن أرض البصرة، فجاءه في جمعٍ كبيرٍ وحاصرهم حتَّى انحسر الماء عنهم وأبطأ أمرهم على المُستنجد، فبعث إلى بردن يعاتبه وينسبه إلى موافقتهم في التشيع. فجهد هو وابن معروف في قتالهم، وسدَّ مسالكهم في الماء واستسلموا، فقُتل منهم أربعة آلاف ونودي عليهم بالجَلاء عن الحلَّة، فافترقوا في البلاد ولم يَبقَ منهم بالعراق مَن يُعرف. وسُلِّمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن معروف والمُنتفق، وانقرضت دولة بني مزيد والبقاء لله.
ما جاء مِن أخبارهم بذيل تاريخ دمشق لحمزة بن القلانسي
سنة (٥١٤) وفيها وردت الأخبار بأنَّ السلطان محمود قصد حلَّة دُبيس بن صدقة بن مزيد في عسكره، ونهبها وهزم عسكرها، وانهزم دُبيس إلى قلعة جعبر مُستجيراً بصاحبها الأمير شهاب الدين مالك بن سالم بن مالك، فأجاره وأكرمه واحترمه، وقيل: إنَّه انعقد بينهما صهر.
سنة(٥١٥) وردت الأخبار في هذه السنة بظهور الكرج مِن الدروب، وقصدهم بلاد الملك طغرل، فاستنجد بالأمير نجم الدين إيلغازي بن أرتق صاحب حَلب، وبالتُّركمان، وبالأمير دُبيس بن صدقة بن مزيد، فأجابوا إلى ما دعاهم إليه، وبعثهم عليه وتوجَّهوا نحوه في خَلْقٍ عظيم، فانهزم جَمع الكرج خوفاً وعاد فرقاً، وضايقهم المسلمون في الدروب، فعادوا على المسلمين فهزموهم، وقتلوا منهم مَقتلةً عظيمةً، وقصدوا مدينة تفليس فافتتحوها بالسيف وقتلوا من كان فيها.
سنة (٥١٦) في هذه السنة وردت الأخبار مِن ناحية بغداد بأنَّ الأمير دُبيس بن صدقة بن مزيد جَمع واحتشد وقصد بغداد في حَشده، وعاث في أطرافها وأفسد في أكنافها. فخرج الإمام الخليفة المسترشد بالله مِن دار الخلافة، واجتمعت إليه الأجناد، وظهر إليه وحمل عليه فهزمه، وثُمَّ إلى الحلَّة فنهبها ونُهبت مقابر قريش ببغداد، وما بها مِن قناديل الفضَّة والتور والديباج. وعاد إلى بغداد ودخلها في المُحرَّم سنة (٥١٧).
سنة (٥٢٥) وفيها ورد الخبر مِن حلَّة مكتوم بن حسَّان بن سمار بأنَّ الأمير دُبيس بن صدقة بن مزيد اجتاز بالحلَّة، وكان قد انهزم مِن العراق في خواصِّ أصحابه وغُلمانه خوفاً مِن الخليفة المسترشد وضلَّ في الطريق، ولم يكن معه دليلٌ عارفٌ بالمَسالك والمَناهل. وكان قصده حلَّة ميري بن ربيعة، فهلك أكثر مَن كان معه وتفرَّق أصحابه بعد موت مَن مات بالعطش. وقد حصل في الحلَّة كالمُنقطع الوحيد في نَفرٍ يَسيرٍ مِن أصحابه، فأنهض تاج الملوك فرقةً مِن الخيل نحوه لإحضاره، فأحضرته إلى القلعة بدمشق في ليلة يوم الاثنين لستٍ خلون مِن شعبان سنة ٥٢٥، فتقدَّم تاج الملوك بإنزاله في دارٍ بالقلعة وإكرامه واحترامه والاهتمام في شَرابه وطعامه، وحمل إليه مِن المَلبوس والمفروض ما يَقتضيه محلَّه الرفيع، ومكانه المَكين الوجيه، واعتقله
اعتقال كرامة لا اعتقال إهانةٍ. وأنهى الحال في ذلك إلى الدار العزيزة الإماميَّة المسترشديَّة، فورد الجواب إليه بالتوثَّق منه والاحتياط عليه إلى حين يَصل إليه مَن يتَسلَّمه ويحمله إلى بغداد. ولمَّا عرف عماد الدين أتابك زنجي صاحب الموصل هذه الحال، نفَّذ رسولاً له إلى تاج الملوك يلتمس منه تسليمه، ويكون الجزاء عنه الخمسين الألف دينار المُقرَّرة على ولده سونج وبقية العسكر الدمشقي المُعتقَلين. فأجابه تاج الملوك إلى ذلك وتقرَّر الشرط عليه وأنْ يَصل عسكره إلى ناحية قارا ومعه المُعتقَلون. ويخرج الأمير دُبيس مع عسكر دمشق إلى هناك، فإذا تسلَّم المُعتقَلين سَلَّموا دُبيساً إلى أصحابه، فتوجَّهوا به مِن دمشق ووصلوا به إلى قارا، فتسلَّموا المُعتقلَين منهم، وسلَّموا إليهم دُبيساً في يوم الخميس الثامن مِن ذي القعدة مِن السنة، وعاد كُلٌّ مِن العسكرين إلى مكانه. ووصل سونج إلى دمشق هو والجماعة، فسُرَّ تاج الملوك بهم وزال شُغل قلبه بوصولهم. فعند ذلك خوطب تاج الملوك في الرئيس وأهله المُعتقَلين، وسُئل في إطلاقهم والمنِّ عليهم بتخلية سبيلهم. فأجاب إلى ذلك بعد أنْ قرَّر عليه مُصالحةً يقوم بها، وأُطلق وأُعيد إلى رئاسته دون وزارته وخُلِع عليه وعلى الوزير كمال الدين، كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزَّاق المزوقاني، في شهر رمضان.
وفيها وصل سديد الدولة بن الأنباري كاتب المُسترشد رسولاً منه في أمور وأسباب اقتضتها في آخر ذي القعدة منها، ويَبعث على تسليم الأمير دُبيس إلى مَن يحمله إلى بغداد. وقد فات الأمر فيه فأكرم مَثواه وسَرَّ بمقدمه وأُجيب عن رسائله، وتوجَّه عائداً وجرى عليه وهو في طريقه بناحية الرحبة مِن خَيل الأمير عماد الدين ما لا عَلاقة له بموضوعنا؛ فندعه لذلك واجتناباً للتطويل.
وعلى هامش الصفحة ٢٣٢ نقلاً عن سبط ابن الجوزي، أنَّ ذكره هكذا في تواريخ أهل الشام وأبي يعلى بن القلانسي. أما تواريخ البغداديِّين فإنَّهم قالوا: ضلَّ في طريقه فقَبض عليه مكتوم بن حسَّان الكلبي مِن أعمال دمشق، وانقطع منه أصحابه، فحُمل إلى دمشق فباعه أميرها إلى زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوَّه فظنَّ أنَّه سيُهلكه، فلمَّا وصل في قبضته أكرمه وخوَّله المال والسلاح. فلمَّا ورد الخبر إلى بغداد بعث الخليفة ابن الأنباري ليتوصَّل في أخذه، فلمَّا وصل الرحبة
قبض عليه أميرها بأمر زنكي وحصل إلى قلعة الموصل، وأنَّه لم يَخلص إلاَّ بشفاعة السلطان محمود.
سنة (٥٣٠) في المُحرَّم منها وردت الأخبار مِن ناحية العراق بقتل الأمير دُبيس بن صدقة بن مزيد، قتله السلطان مسعود بن محمد لأمور أنكرها وأسباب امتعض منها نُسبت إليه. وقيل: إنَّ هذه مُكافأة مِن الله تعالى له عمَّا كان منه في عصيان الخليفة الإمام المسترشد بالله والسعاية في دَمِه.
سنة (٥٠١) وفيها وردت الأخبار بوصول عسكر السلطان غياث الدنيا والدين محمد إلى بغداد، في آخر شهر ربيع الآخر منها، وأعلن الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد العصيان عليه خَوفاً، لِما بلغه مِن إفساد شحنة بغداد (وعمدها حاله معه، ولم يَزل السلطان مُقيماً ببغداد) إلى العشرين مِن رجب، فاجتمع إليه تقدير ثلاثين ألف فارس، واجتمع مع صدقة تقدير عشرين ألفاً في الحلَّة، وبينهما أنهار وسواحل في الحلَّة. فآثر السلطان مراسلته في تقرير أمره والصفح وإيقاع مُهادنةً تستقيم معها الأحوال وتتصلَّح بها الأعمال. فأبى ذلك كافَّة الأُمراء والمقدِّمين وامتنعوا مِن الإهمال لأمره ونهضوا إليه. فلمَّا عرِف الحال قطع الأنهار ووصل في جَمعه حتَّى صار بإزائهم، وحمل بعض الفريقين على بعض، ونشبت الحرب بينهم، وكان منزل صدقة بن مزيد كثير الوَحل عَسير المَجال، فترجَّل التُّرك عن خيلهم وحثُّوا عليهم، وأطلقوا السهام وشهروا الصفاح وشرعوا الرماح. وفعل مِثل ذلك أصحاب صدقة، والتقى الجيشان، ونظر صدقة إلى أصحابه والسهام قد شكَّت خيولهم قد أشرفوا على الهلاك، وظنَّ التُّرك أنَّهم قد انهزموا فركبوا أكتافهم رشقاً بالسهام وضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، فقتلوا منهم خَلقاً كثيراً. وقُتل الأمير صدقة بن مزيد في الجُملة، ووجوه رجاله، ولم يُفلت منهم إلا اليسير مِمَّن حماه الأجل واستطار قلبه الخوف والوَجل. وكان السلطان قد اعتمد في تدبير الجيش وترتيب الحرب على الأمير مودود المُستشهد بيد الباطنيَّة في جامع دمشق، ووصل السلطان عند يوم الوقعة ونزل الحلَّة. ولم يكن للعرب بعد صدقة مِثله في البيت والتقدُّم، وحسَّان السيرة فيهم والإنصاف لهم والإنعام عليهم، وكرم النفس وجزيل العطاء، وحُسن الوفاء والصفح عن الجرائر والتجاوز عن الجرائم والكبائر، والتعفُّف عن أموال الرعيَّة وحسَّان النية للعسكريَّة، غير أنَّه كان مع هذه الخلال
رام هرمز ومات. وكان صدقة قد استعمل على البصرة مملوك جده دُبيس، واسمه اليونشاش، ورتَّب معه مائة وعشرين فارساً. فاجتمعت ربيعة والمُتقّن وقصدوا البصرة، فدخلوها بالسيف وأسروا اليونشاش، وأقاموا بها شهراً ينهبون ويخربون. وبعث صدقة عسكراً، فوصل بعد خروجهم من البلد، فانتزع السلطان البصرة من صدقة، وبعث إليها شحنة وعميداً واستقام أمرها.
استيلاء صدقة على تكريت
كانت تكريت لبني معن من بني عقيل، وكانت إلى آخر سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن معن. فلما مات وليها ابن أخيه أبو منعة بن ثعلب بن حماد، ووجد بها خمسمائة ألف دينار، وتُوفِّي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ووليها ابنه أبو غشام إلى سنة أربع وأربعين، فوثب عليه أخوه عيسى، فحبسه وملك القلعة والأموال. فلما اجتاز به طغرلبك سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، صالحه على بعض المال فرحل عنه، ومات عيسى أثر ذلك، وخافت زوجته من عود أخيه أبي غشام إلى المُلك فقتلته في محبسه، وولَّت على القلعة أبا الغنائم بن المجلبان، فسلَّمها إلى أصحاب طغرلبك، وسارت هي إلى الموصل، فقتلها ابن أبي غشام بأبيه، وأخذ مسلم بن قريش مالها، وولَّى طغرلبك على قلعة تكريت أبا العباس الرازي، فمات لستة أشهر، فولَّى عليها المهرباط، وهو أبو جعفر محمد بن أحمد بن غشام من بلد الثغر، فأقام بها إحدى وعشرين سنة ومات. فوَليها ابنه سنتين، وأخذتها منه تركمان خاتون، وولَّت عليها كوهويين الشحنة. ثم مات ملك شاه. فملكها قسيم الدولة آقسنقر صاحب حَلب، فلما قُتل صارت للأمير كمستكين الجاندار، فولَّى عليها رجلاً يُعرف بأبي نصر المصارع. ثم عادت إلى كوهويين إقطاعاً، ثم أخذها منه محمد الملك الباسلاني، فولَّى عليها لمقا بن هزارسب الديلمي، وأقام بها اثنتي عشرة سنة، فظلم أهلها وأساء السيرة. فلما أجاز به سقمان بن أرتق سنة ست وتسعين وأربعمائة نهبها، وكان كيقباذ ينهبها ليلاً وسقمان ينهبها نهاراً. فلمّا استقر السلطان محمد بعد أخيه بركيارق، أقطعها للأمير آقسنقر البُرسقي شحنة بغداد، فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر، حتى ضاق على كيقباذ الأمر، فراسل صدقة بن مزيد ليسلِّمها إليه. فسار إليها. في صفر من هذه السنة
وتسلَّمها منه. وانحدر البُرسقي ولم يملكها، ومات كيقباذ بعد نزوله من القلعة بثمانية أيام، وكان عمره ستين سنة، واستناب صدقة بها ورام بن أبي قريش بن ورام، وكان كيقباذ ينسب إلى الباطنية.
الخلف بين صدقة وصاحب البطيحة
تقدَّم أن السلطان محمداً أقطع صدقة بن مزيد مدينة واسط، فضمنها صدقة لمهذّب الدولة بن أبي الخير، وولَّى في أعمالها أولاده، فبذَّروا الأموال. وطالبه صدقة عند انقضاء السنة بالمال وحبسه، وسعى في خلاصه بدران بن أبي صدقة، وكان صهراً لمهذّب الدولة، وأعاده إلى البطيحة. وضمن حمَّاد والمختم محمد والد مهذّب الدولة، وكانا أخوين وهما ابنا أبي الخير، وكانت لهما رياسة قومهما. وهلك المصطنع، وقام ابنه أبو السيد المظفر والد حماد مقامه. وهلك المختم محمد وقام ابنه مهذّب الدولة مقامه. ونازعا إبراهيم صاحب البطيحة حتى غلب مهذّب الدولة وقبض عليه وسلمه إلى كوهويين. فحمله إلى أصفهان فهلك في الطريق، وعظم أمر مهذّب الدولة وصير كوهويين أمير البطيحة وصارت جماعته لحكمه، وكان حماد شاباً وكان مهذّب الدولة يداريه بجهده وهو يضمر نقضه. فلما مات كوهويين انتقض حماد عن مهذّب الدولة وأظهر ما في نفسه، واجتهد مهذّب الدولة في اسنصلاحه فلم يقدر، وجمع ابنه القيسر وقصد حماد، فهرب إلى صدقة بالحلَّة وبعث معه عدداً من العسكر. وحشد مهذّب الدولة وسار في العساكر براً وبحراً. وأكمن حماد وأصحابه لهم واستطردوا بين أيديهم، ثم خرجت عليهم الكمائن فانهزموا. وأرسل حماد يستمد صدقة فبعث إليه مقدم جيشه وجمعوا السفن. وكان مهذّب الدولة جواداً، فبعث إلى مقدم الجيش بالانعامات والصلات، فمال إليه وأشار عليه أن يبعث ابن النفيس إلى صدقة. فرضي عنه وأصلح بينه وبين حماد ابن عمه وذلك آخر المائة الخامسة.
مقتل صدقة وولاية ابنه دُبيس
كان صدقة بن منصور بن مزيد شيعةً للسلطان محمد بن ملك شاه على أخيه بركيارق، ومِن أعظم أنصاره. ولمَّا هلك بركيارق واستبدَّ
السلطان محمد بالمُلك، رعى وسائله في ذلك وأقطعه واسطاً، وأذِن له في مُلك البصرة، وأنزله مَنزل المَصافاة حتَّى كان يُجبر عليه، وسَخط مَرَّة على سرخاب بن كيخسرو صاحب ساوة، فلجأ إليه مُستجيراً فأجاره، وطلبه السلطان فمنعه. وكان العميد أبو جعفر يستبدله السلطان لكثرة السعاية ويُغريه به ويُنكر دالَّته وتَبسطه، فتَعيَّن السلطان وسار إلى العراق، وأرسل إلى صدقة فاستشار صدقة أصحابه فأشار ابنه دُبيس بملاطفته واستعطافه بالهدايا، وأشار سعيد بن حميد جيشه بالمُحاربة فجَنَح إلى رأيه واستطال في الخِطاب، وجمع الجُند وأفاض فيهم العَطاء واعترضهم، فكانوا عشرين ألف فارس وثلاثين ألف راجل. وبعث إليه المُستظهر مع علي بن طراد الزينبي نَقيب النُّقباء يَعظه في المُخالفة ويَحضَّه على لقاء السلطان، فاعتذر بالخوف منه. ثُمَّ بعث إليه السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي ليؤمنه ويَستنفره لجهاد الفرنج في جُملته فامتنع، ووصل السلطان إلى بغداد في ربيع مِن سنة إحدى وخمسمائة، ومعه وزيره أحمد بن نظام الملك، فقدم البُرسقي شُحنة بغداد في جماعة مِن الأُمراء، فنزلوا بصرصر مُسلَّحة لقلَّة عسكر السلطان، وأنَّه إنَّما جاء في ألفي فارس للإصلاح والاستئلاف؛ فلمَّا تَبيَّن له لجِاج صدقة أرسل إلى الأُمراء بأصفهان بأنْ يستجيشوا ويَقدِموا، فكتب صدقة إلى الخليفة بالمُقاربة وموافقة السلطان. ثُمَّ رجع صدقة عن رأيه، وقال: إذا رحل السلطان عن بغداد مَددته بالأموال والرجال لجهاده، وأمَّا الآن وعساكره مُتصلة فلا وِفاق عندي. وقد أرسل إلى جاولي سكاو وصاحب الموصل وإيلغازي بن أرتق صاحب ماردين بالانتقاض على السلطان، وأيَّس السلطان مِن استقامته. ووصل إليه ببغداد، وقرواش شرف الدولة، وكروباوي بن خراسان التُّركماني، وأبو عمران فضل بن ربيعة بن خادم بن الجرج الطائي، وكان آباؤه أصحاب البلقاء وبيت المَقدس، ومنهم حسَّان ابن مفرج. وطرده كفرتكين أتابك دمشق لمَّا كان عليه مِن الإجلاب تارةً مع الفرنج وتارةً مع أهل مِصر، فلجأ إلى صدقة وقَبِله وأكرمه وأجزل له العطاء سبعة آلاف دينار. فلمَّا كانت هذه الحادثة رغب عن صدقة وسار في طلائعه، فهرب إلى السلطان؛ فخلع عليه وعلى أصحابه وسوَّغه دار صدقة عن الهروب وأذن له، فعَبر مِن الأنبار وكان آخر العهد به. ثُمَّ أنفذ السلطان في
جمادى الأولى إلى واسط الأمير محمد بن بوقا التُّركماني؛ فمَلكها وأخرج منها أصحاب صدقة، وأنفذ خيله إلى بلد قوسان مِن أعمال صدقة فنهبه. وأقام أيَّاماً حتَّى بعث صدقة ابن عمه ثابت بن سلطان في عسكرٍ؛ فخرج منها الأمير محمد، ومَلكها ثابت وأقاموا على دجلة. وخرج ثابت لقتاله فهزموه واقتحموا البلد، ومنعهم الأمير محمد مِن النهب، ونادى بالأمان. وأمر السلطان الأمير محمداً بنَهب بلاد صدقة، فسار إليها وأقطع مدينة واسط لقسيم الدولة البُرسقي. ثُمَّ سار السلطان مِن بغداد آخر رجب، ولقيه بالناشرة بالعرب ورغَّب الأكراد بالمواعد، ثُمَّ غَشيه التُّرك فحَمل عليهم وهو ينادي: أنا مَلِك العرب أنا صدقة؛ فأصابه سهم أثبته، وتَعلَّق به غلام تركي يسمى برغش فجذبه إلى الأرض، فقال: يا برغش ارفِق؛ فقتله وحمل رأسه إلى السلطان فأنفذه إلى بغداد، وأمر بدفن شلوه، وقُتِل مِن أصحابه ثلاثة آلف أو يَزيدون، ومِن بني شيبان نحو مائة وأُسر ابنه دبيس، ونجا ابنه بدران إلى الحِلَّة، ومنها إلى البطيحة عند صِهره مُهذّب الدولة، وأُسر سرجان ابن كيخسرو المُستجير بصدقة على السلطان، وسعيد بن حميد العمدي صاحب الجيش. وكان مَقتل صدقة لإحدى وعشرين سنة مِن إمارته، وهو الذي بنى الحِلَّة بالعراق. وكان قد عظُم شأنه، وعلا قدره بين المُلوك، وكان جَواداً حليماً صدوقاً عادلاً في رعيَّته، وكان يَقرأ ولا يكتب وكانت له خُزانة كتب مَنسوبة الخطِّ ألوف مُجلَّدات. ورجع السلطان إلى بغداد مِن دون الحِلَّة، وأرسل أماناً لزوج صدقة، فجاءت إلى بغداد. وأمر السلطان الأُمراء بتلقِّيها وأطلق لها ولدها دُبيساً، واعتذر لها مِن قتل صدقة، واستحلف دُبيساً على الطاعة وأنْ لا يُحدِث حَدثاً وأقام في ظلِّه وأقطعه إقطاعاً كثيراً. ولم يَزل دُبيس مُقيماً عند السلطان محمد إلى أنْ تُوفِّي، وملك ابنه محمود سنة إحدى عشرة، فرغب دُبيس مِن السلطان محمود أنْ يُسرِّحه إلى بلده؛ فسرَّحه وعاد إليها فمَلكها. واجتمع عليه خَلق كثير مِن العرب والأكراد واستقام أمره.
خبر دُبيس مع البُرسقي ومع الملك مسعود
لما تُوفِّي الخليفة المستظهر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وبويع ابنه
المسترشد، خاف ابنه الآخر مِن غائلة أخيه، وانحدر في البحر إلى المدائن وسار منها إلى الحلَّة، فأبى أنْ يكرهه، فتلطَّف علي بن طراد لأخي الخليفة، فأجاب وتكفَّل دُبيس بما يطلبه. وبينما هو في خلال ذلك برز البُرسقي من بغداد مُجلِباً على دُبيس الجموع، وسار أخو الخليفة إلى واسط فملَكها في صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة؛ وقوي أمره وكثُرت جموعه، فبعث الخليفة إلى دُبيس في شأنه وأنَّه خرج عن جِواره؛ فلقي أمره بالطاعة؛ وبعث إليه وهو باسط عسكراً مِن قبله فتلقَّاه، وقبض عليه وبعثه إلى أخيه المسترشد. وكان مسعود أخو السلطان محمد بالموصل ومعه اتابكه جيوس بك فاعتزما على قصد العراق لغيبة السلطان محمود عنه. فسار لذلك ومعه وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وقسيم الدولة زنكي بن أَقسنقر أبو المعالي أبو الملك العادل وكروباوي بن خراسان التُّركماني صاحب البوازيج وأبو الهيجاء صاحب أربل وصاحب سنجار. فلما قاربوا بغداد خاف البُرسقي شأنهم وبعث إليه الملك مسعود وجيوس بك انهم إنما جاءوا نجدة على دُبيس. وكان البُرسقي إنَّما ارتاب مِن جيوس بك فصالحهم. ودخل مسعود بغداد ونزل دار المَملكة، وجاء منكبرس في العساكر، فسار البُرسقي مِن بغداد لمحاربته ودفاعه، فمال إلى النعمانية وعبر دجلة واجتمع مع دُبيس بن صدقة وكان دُبيس قد صانع مسعوداً وصاحبه بالهدايا والألطاف مدافعة عن نفسه، فلما لقيه منكبرس اعتضد به. وسار الملك مسعود والبُرسقي وجيوس بك إلى المدائن للقائهما، ثم خاموا عن لقائهما لكثرة جموعهما، ونكبوا عن المدائن وعبروا نهر صرصر، وأكثروا النهب في تلك النواحي مِن الطائفتين. وبعث إليهما المسترشد بالمَوعظة، ويأمرهم بالموادعة والمصالحة، فأجابوا إلى ذلك. ثُمَّ بلغهم أنَّ دُبيساً ومنكبرس قد بعثا العساكر مع منصور أخي دُبيس حسين بن أوزبك ربيب منكبرس ليخالفوهم إلى بغداد، فخلوها من الحامية. فأغذ البُرسقي السير إلى بغداد وترك ابنه عز الدين مسعود على العسكر، وصحبه عماد الدين زنكي بن آقسنقر وانتهى إلى ديالي، ومنع العسكر مِن العبور. ثُمَّ جاءه الخبر ليومين بصِلح الفريقين كما أشار الخليفة، ففتر نشاطه وعبر إلى الجانب الغربي مِن بغداد، وجاء في أثره منصور أخو دُبيس وحسين ربيب منكبرس، فنزلا في الجانب الشرقي مِن بغداد. وأغار البُرسقي على نعم
الملك مسعود فأخذها، وعاد فخيَّم بجانب آخر مِن بغداد، وخيَّم مسعود وجيوس بك مِن جانبٍ آخر، ودُبيس ومنكبرس مِن جانبٍ ومعهما عِزُّ الدولة بن البُرسقي مُنفرداً عن أبيه. وكان جيوس بك قد بعث إلى السلطان مَحمود بطلب الزيادة له وللملك مسعود، فجاء كتاب مع رسوله يذكر أنَّ السلطان كان اقطعهم آذربيجان حتَّى إذا بلغه مَسيرهم إلى بغداد تثاقل عن ذلك، وقد جهَّز العساكر إلى الموصل. ووقع الكتاب بيد منكبرس؛ فبعث إلى جيوس بك وضَمن له إصلاح الحال وكان يؤثِر مصلحته؛ إذ كان مُتزوِّجاً بأمِّه. فتَمَّ الصلح وافترق عن البُرسقي أصحابه، وبطل ما كان يحدّث به نفسه مِن الاستبداد بالعراق، وصار مع الملك مسعود واستقرَّ منكبرس شحنة ببغداد، ورجع دُبيس إلى الحلَّة.
فتنة دُبيس مع السلطان محمود
كان دُبيس بن صدقة كثيراً ما يُكاتب جيوس بك أتابك الملك مسعود، ويغريهم بطلب السلطنة ويعدهم بالمساعدة ليحصل له بذلك علوُّ اليد كما كان لأبيه مع بركيارق ومحمد ابني ملك شاه، وكان قسيم الدولة البُرسقي شحنة بغداد قد سار للملك مسعود وأقطعه مراغة مع الرحبة، وكانت بينه وبين دُبيس عداوة مُستحكمة، فأغراهم دُبيس بالقبض عليه، ففارقهم البُرسقي إلى السلطان محمود فأكرمه. ثُمَّ اتصل الاستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصفهاني الطغرائي بالملك مسعود، وكان ولده أبو المؤيَّد محمد يكاتب الطغرائي عن الملك مسعود. فلمَّا وصل أبوه عزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس واستوزره، وحسن لهم ما أشار به دُبيس، فعزموا عليه، ونُمي الخبر إلى السلطان محمود، فكاتبهم بالوعيد، فأظهروا أمرهم وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له النوب الخمس، وبلغهم أنَّ عساكر محمود مُتفرِّقة، فأغذُّوا السير لمُحاربته والتقوا عند عقبة استرآباد في ربيع سنة أربع عشرة وأبلى البُرسقي وكان في مقدَّمته. ثُمَّ انهزم مسعود وأُسر كثير مِن أصحابه وجيء بالوزير أبي إسماعيل الطغرائي فأمر بقتله لسنةٍ مِن ولايته. وسار مسعود يَطلب الموصل بعد أنْ استأمن البُرسقي، وأدركه فرده إلى أخيه وعفا عنه وعطف عليه. ولحق جيوس بك بالموصل، ثُمَّ بلغه فعل السلطان محمود ومعه ألف سفينة لعبوره، فبادر دُبيس لطلب الأمان
بعد أنْ أرسل حُرَمه إلى البطيحة، وسار بأمواله عن الحلَّة وأمر بنهبها ولحق بإيلغازي بن أرتق بماردين. ووصل السلطان إلى الحلَّة؛ فوجدها خاويةً على عروشها فرجع عنها. وأرسل دُبيس أخاه منصوراً مِن قلعة صَفد في عسكر إلى العراق بالحلَّة والكوفة، وانحدر إلى البصرة وبعث إلى يرنقش الزكوي في صلاح حالهما مع السلطان محمود، فقبض على منصور أخي دُبيس وولده، وحبسهما ببعض القلاع حِذاء الكرخ، ثُمَّ أذِنَ دُبيس لجماعةٍ مِن أصحابه بالمسير إلى أقطاعهم بواسط، فمنعهم أتراك واسط، فبعث إليهم عسكراً مع مهلهل بن أبي العسكر. وأمر مظفر بن أبي الخير فساعده واستمد أهل واسط البُرسقي فأمدهم بعسكر. وسار مهلهل للقائهم قبل مجيء المظفر، فهُزِم وأُخِذ أسيراً في جماعةٍ مِن أصحابه، وأصعد المظفر مِن البطيحة يَنهب ويُفسد حتَّى قارب واسط. وسمع بالهزيمة فأسرع مُنحدراً ووقع على كتاب بخط دُبيس إلى مهلهل يأمره بالقبض على مظفر بن أبي الخير ومطالبته بالأموال. فبعثوا به إلى المظفر وسار معهم، وبلغ دُبيساً أنَّ السلطان كحل أخاه؛ فلبس السواد ونهب البلاد وأخذ للمسترشد بنهر الملك. وأجفل الناس إلى بغداد، وسار عسكر واسط إلى النعمانيَّة فأوقعوا بمن هنالك مِن عساكر دُبيس وأجلوهم عنها. وكان دُبيس قد أُسر في واقعة البُرسقي عفيفاً خادم الخليفة فأطلقه وحمله إلى المسترشد عقاباً ووعيداً على كحل أخيه، فغضب الخليفة وتقدم إلى البُرسقي بالخروج لحرب دُبيس، وخرج بنفسه في رمضان سنة عشرة وأربعمائة وأتاه سليمان بن مُهارش مِن الحديثة في جماعة مِن بني عقيل وقريش بن مسلّم صاحب الموصل في كافَّة بني عقيل، وأمر المسترشد باستنفار الجند كافَّة، وفرَّق فيهم الأموال والسلاح. وجاء دُبيساً ما لم يَكُن يحتسبه، فرجع إلى الاستعطاف، وبرز الخليفة آخر ذي الحجَّة، وعبر دجلة وهو في أكمل زيِّه ومعه وزيره نظام الدين أحمد بن نظام الملك ونَقيب الطالبيين ونَقيب النُّقباء علي بن طراد وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل. وبلغ البُرسقي سَيرَ المسترشد؛ فعاد إلى خدمته ونزل معه بالحديثة، ثُمَّ سار إلى الموصل على سبيل التعبيَّة، والبُرسقي في المقدِّمة، وعبئ دُبيس أصحابه صفَّاً واحداً وجعل الرجَّالة بين يدي الخيَّالة، وقد كان وَعَد أصحابه بنهب بغداد وسبي حريمها. فالتقى الفريقان، فانهزم عساكر دُبيس وأسر جماعة مِن أصحابه فقُتِلوا صبراً
وسُبيت حرمه، ورجع المسترشد إلى بغداد يوم عاشوراء مِن سنة سبع عشرة وخمسمائة، ونجا دُبيس وعبر الفرات وقصد غزنة مِن عرب نَجد مُستنصراً بهم، فأبوا عليه؛ فسار إلى المُنتفق وحالفهم على أخذ البصرة، فدخلوا ونهبوا أهلها وقتل مُقدَّم عسكرها. وبعث المسترشد إلى البُرسقي بالعِتاب على إهمال أمر البصرة، فتجهَّز البُرسقي للانحدار إليها، ففارقها دُبيس ولحق بقلعة جعبر، وصار مع الفرنج وأطمعهم في حَلب، وسار معهم لحصارها سنة ثمان عشرة وخمسمائة، فامتنعت عليهم، فعادوا عنها، ولحق هو بالملك طغرلبك ابن السلطان محمد، فأغراه بالمسير إلى العراق.
مسير دُبيس إلى الملك طغرل
لمَّا سار دُبيس مِن الشام إلى الملك طغرل بأذربيجان تلقَّاه بالمبرَّة والتكرمة، وأنظمه في خواصِّه ووزرائه، وأغراه دُبيس بالعراق وضَمن له مُلكه؛ فسار معه لذلك وانتهوا إلى دقوقا في عساكر كثيرة. وكتب مجاهد الدين بهروز صاحب تكريت إلى المسترشد بالخبر؛ فتجهَّز لمدافعتهم وجمع العساكر فبلغوا اثني عشر ألف فارس، وبرز مِن بغداد في صَفَر سنة تسع عشرة وخمسمائة وفي مقدِّمته برتقش الزكوي ونزل الخالص. وانتهى إلى طغرل خروج المسترشد، فعدل إلى طريق خراسان، ونزل جلولاء وتفرَّق أصحابه للنهب. وبرز إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في عساكر كثيرة، فنزل الدسكرة ولحقه المسترشد وكان معه. ورحل طغرل ودُبيس إلى الهارونيَّة، ثُمَّ سارا إلى تامرا ليَقطعا جِسر النهروان، فحفظ دُبيس المعابر، وتقدَّم طغرل إلى بغداد وتَملَّكها ونهبها. ثُمَّ رحل دُبيس مِن تامرا، وأقام طغرل لحُمَّى أصابته وحالت بينهما الأمطار والسيول، ثُمَّ أخذ دُبيس ثِقلاً جاء للخليفة فيه ملبوس وطعام كثير، وكان لحِقه الجوع والتعب والبرد، فأخذ مِن ذلك الملبوس ولبسه، وأكل مِن الطعام كثيراً واستقبل الشمس فأخذه النوم ورقد. وأما الخليفة لمَّا بلغه الخبر بأخذ الثقل رجع إلى بغداد، ففي حال سيره عثر على دُبيس وهو نائم فوقف وأيقظه، فحلَّ عينيه ورأى الخليفة؛ فبادر بتقبيل الأرض على العادة وسأل العفو، فرقَّ له الخليفة، وثناه الوزير ابن صدقة عن ذلك. ووقف دُبيس إزاء عسكر برتقش يحادثهم، ثُمَّ مدُّوا الجسر آخر النهار للعبور، فتسلَّل دُبيس عنهم ولحق
بالملك طغرل، وسار معه إلى عمِّه الملك سنجر. وعاثوا في أعمال هَمَذان، واتبعهم السلطان محمود فلم يظفر بهم.
مسير دُبيس إلى السلطان سنجر
لمَّا أيَّس طغرل مِن مُلك العراق عندما سار إليه مع دُبيس عاد منه، وسار هو ودُبيس إلى السلطان سنجر، وهو يومئذٍ صاحب خراسان والمُتقدِّم على بني ملك شاه، فشكى إليه طغرل ودُبيس مِن المسترشد وبرتقش الشُّحنة ووعدهم النصفة منهم. ثُمَّ داخله دُبيس وأطمعه في مُلك العراق، وخَيَّل له أنَّ المسترشد والسلطان محموداً مُتَّفقان على مباعدته، ولم يَزل يَفتِل له في الذروة والغارب حتَّى حَرَّك حفيظته لذلك، وسار إلى العراق سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة، فوصل إلى الري واستدعى السلطان محموداً مِن هَمَذان يَختبر ما خَيَّل له دُبيس. فجاء محمود مُبادراً وأكذب دُبيساً فيما خَيَّل، وأمر السلطان سنجر العساكر بتلقِّي السلطان محموداً، وأجلسه معه على التخت وأقام عنده إلى آخر سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة. ثُمَّ عاد إلى خراسان وأوصاه بإعادة دُبيس إلى بلده، فرجع السلطان محمود إلى هَمَذان ودُبيس معه. ثُمَّ سار إلى بغداد في مُحرَّم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وأنزل دُبيس بداره واسترضى له الخليفة، فرضي عنه، وامتنع مِن ولايته. وبذل دُبيس مائة ألف دينار لذلك فلم يَقبله. وعاد السلطان محمود إلى هَمَذان مُنتَصف السنة.
فتنة دُبيس مع محمود وأسره
كانت زوجة السلطان محمود وهي ابنة عمِّه سنجر تُعنى بأمر دُبيس، فماتت عند رحيل السلطان إلى هَمَذان، فانحلَّ أمره ثُمَّ مَرِض السلطان، فأخذ دُبيس ابنه الصغير وقصد العراق. فجمع المسترشد لمدافعته وكان بهروز شُحنة بغداد بالحلَّة، فهرب عنها، ومَلكها دُبيس في رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وبلغ الخبر إلى السلطان محمود؛ فأحضر الأمير ابن قزل والأحمديلي، وكانا ضَمنا دُبيساً فطالبهما بالضَمان، فسار الأحمديلي في أثره. وجاء السلطان إلى العراق، فبعث إليه دُبيس بهدايا عظيمة كان فيها مائتا ألف دينار وثلاثمائة فرس بسروج مُثقلَّة بالذهب. ثُمَّ
جاء إلى البصرة، ونهبها وأخذ ما في بيوت الأموال، وبعث السلطان في أثره العساكر، فدخل البرية وجاءه عند مُفارقته البصرة قاصداً مِن صرصر يستدعيه. وكان صاحبها خِصيَّاً. فتُوفِّي في هذه السنة وخلف سَريَّةً له، فاستولت على القلعة، وأرادت أنْ تُتِمَّ أمرها برجل له قوَّة ونَجدة، فوصف لها دُبيس وحاله في العراق وكَثرة عشيرته. فكتبت تستدعيه لتتزَّوج به وتُملِّكه القلعة بما فيها، فلحقه الكتاب بعد مُفارقته البصرة، وقَفل مِن العراق إلى الشام ومعه الأدلاَّء، ومَرَّ بدمشق فحبسه واليها عنده، وبعث فيه عماد الدين زنكي وكان عدوه، وكان عنده ابن تاج الملوك مأسوراً في واقعةٍ كانت بينهما. فطلب أنْ يَبعث إليه دُبيساً ويفادي به ابنه والأمراء الذين معه؛ ففعل ذلك تاج الملوك. وحصل دُبيس في يد زنكي وقد أيقن بالهلاك، فأطلقه زنكي وحمل له الأموال والدواب والسلاح وخزائن الأمتعة كما يَفعل مع أكابر الملوك. وبلغ المسترشد خبره؛ فبعث سديد الدين ابن الانباري يطلبه مِن تاج الملوك؛ فسار لذلك مِن جزيرة ابن عمر، وبلغه في طريقه أنَّه بعثه إلى زنكي وأنَّه فاته القصد منه.
مسير دُبيس إلى بغداد مع زنكي وانهزامهما
لمَّا تُوفِّي السلطان محمود سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وولي بعده داود، ونازعه عمومته مسعود وسلجوق. ثُمَّ استقرت السلطنة لمسعود، وكان أخوهما طغرل عند عمِّه سنجر بخراسان، وكان كبير بيت أهل السلجوقيَّة وله الحُكم على مُلوكهم. فنكَّر على السلطان محمود لقتاله سلجوق وطغرل، وسار به إلى العراق وانتهى إلى هَمَذان، وبعث إلى عماد الدين زنكي، فولاَّه شُحنة بغداد وإلى دُبيس بن صدقة، وهو عند زنكي فأقطعه الحلَّة. وتجهَّز السلطان محمود لقتال سنجر وطغرل، واستدعى الخليفة للحضور معه، فخرج مِن بغداد وعاجلهم. ورجع المسترشد إلى بغداد. وقد سمع بوصول زنكي ودُبيس، فلقيهم بالعباسيَّة فهزمهم وقتل مِن عسكرهم ودخل بغداد. وسار دُبيس إلى بلاد الحلَّة وكانت بيد إقبال المسترشد، فبعث إليها بالمَدد، فهزموا دُبيساً ونَجا مِن المعركة. ثُمَّ جمع جَمعاً وقصد واسط وانضمَّ إليه عسكرها وابن أبي الخير صاحب البطيحة، ومَلكها إلى سنة سبع وعشرين، فبعث إقبال الخادم وبرتقش الشُّحنة العساكر
إلى دُبيس، فلقيهم في عسكر واسط، وانهزم وسار إلى السلطان مسعود فأقام عنده.
مقتل دُبيس وولاية ابنه صدقة
لم يَزل دُبيس مُقيماً عند السلطان مسعود إلى أنْ حدثت الفتنة بينه وبين المسترشد، ومات أخوه طغرل. وسار مسعود إلى هَمَذان بعد موت أخيه طغرل، فمَلكها وفارقه جماعة مِن أعيان أُمرائه ومعهم دُبيس بن صدقة مُستوحشين منه، واستأمنوا الخليفة، فحذَّر من دُبيس ولم يَقبلهم، فمضوا إلى خوزستان واتَّفقوا مع بُرسق بن بُرسق. ثُمَّ تدارك الخليفة رأيه وبعث إلى الأُمراء الذين مع دُبيس بالأمان، وكانوا لمَّا ردَّهم الخليفة بسبب دُبيس أجمعوا القَبض عليه وخدمة الخليفة به، وشَعَرَ بهم وهرب إلى السلطان مسعود، وبرز الخليفة مِن بغداد في رجب مِن سنة تسع وعشرين وخمسمائة لقتال مسعود، وكتب إليه أكثر أهل الأعمال بالطاعة. وأرسل إليه داود بن السلطان محمود مِن أذربيجان بأنْ يَقصد المُسترشد الدينور ليَحضر داود حربه أبى، وسار على التعبئة حتَّى بلغ وأعرج، فالتقوا هنالك، وانهزمت عساكر المسترشد، وأُخذ أسيراً، ومعه وزيره شرف الدين علي بن طراد، وقاضي القُضاة، وابن الأنباري، وجماعة مِن أعيان الدولة، وغَنِم ما في عسكره وعاد السلطان إلى بغداد. وبعث الأمير بكاية شُحنة إلى بغداد وكَثُر العويل والبكاء والضجيج ببغداد على الخليفة، وجعل الخليفة في خَيمة ووكَّل به. وراسله السلطان مسعود في الصلح وشرط عليه مالاً يؤديه، ولا يَجمع العساكر، ولا يَخرج من داره ما بقي. وانعقد ذلك بينهما. وبينما هما في ذلك وصل رسول السلطان سنجر، فركب السلطان مسعود للقائه وافترق المتوكِّلون بالمسترشد، فدخل عليه خيمته آخر ذي القعدة مِن سنة تسع وعشرين جماعة الباطنيَّة وقتلوه، وقتلوا معه جماعة مِن أصحابه. ولمَّا قُتل المُسترشد اتَّهم السلطان مسعود أنَّ دُبيس بن صدقة دس أولئك النفر عليه فأمر بقتله، وقصده غُلام فوقف على رأسه عند باب خيمته وهو يَنكث الأرض بأصبعه، فأطار رأسه وهو لا يَشعر. وبلغ الخبر إلى ابنه صدقة وهو بالحلَّة، فاجتمعت عليه عساكر أبيه ومماليكه واستأمن إليه الأمير قطلغ تكين، وأمر السلطان مسعود الشُّحنة بك أبه بمُعاجلته، وأخْذِ الحلَّة مِن
يده، إلى أن قدم السلطان بغداد سنة إحدى وثلاثين. فقصده صدقة وأصلح حاله معه ولزم بابه.
مَقتل صدقة وولاية ابنه محمد
ولمَّا قُتِل المسترشد ولي ابنه الراشد بإشارة السلطان مسعود، ثُمَّ حدثت الفتنة بينه وبين السلطان مسعود. واغراه بها عماد الدين زنكي صاحب الموصل ومعه الراشد، وبايع السلطان مسعود للمُقتفي سنة ثلاثين وخمسمائة. وخَلع الراشد، ففارق الموصل وسار الأُمراء الذين كانوا مع داود إلى بلادهم وتَمسَّك بصدقة بن دُبيس وزوَّجه ابنته. وسار الراشد مِن الموصل إلى أَذربيجان قاصداً المُلك، واجتمع إليه صاحب فارس وخوزستان وجماعة الأُمراء. فسار إليهم السلطان مسعود وهزمهم، وأخذ صاحب فارس الأمير منكبرس فقتله صبراً، وتسلَّل صاحب خوزستان وعبد الرحمان طغايرك صاحب خلخال إلى السلطان مسعود وهو في خف مِن الناس، فحَملوا عليه وهزموه، وقبضوا على جماعة مِن الأُمراء الذين معه، فقتلهم منكبرس: فيهم صدقة بن دُبيس، وعنبر بن أبي العسكر. وذهب داود إلى هَمَذان فمَلكها واستقال السلطان مسعود مِن عثرته، وولَّى على الحلَّة محمد بن دُبيس وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا عنبر بربره، واستقام أمره بالحلَّة.
تغلُّب علي بن دُبيس على الحلَّة ومِلكه إيَّاها مِن أخيه محمد
لمَّا خرج سنة ست وأربعين وخمسمائة بوزاية صاحب فارس وخوزستان على السلطان مسعود، وبايع للسلطان محمد بن السلطان محمود، وسار معهم عباس صاحب الري، وملكوا كثيراً مِن البلاد سار السلطان مسعود إليهم مِن بغداد، واستخلف بها الأمير مهلهل بن أبي العسكر ونظر الخادم. وأشار مهلهل على السلطان مسعود عند رحيله مِن بغداد أنْ يَحبس علي بن دُبيس بقلعة تكريت، ونُمي إليه الخبر فهرب في نَفرٍ قليلٍ، ومضى إلى بني أسد، فجمعهم وسار إلى الحلَّة فبرز إليه محمد أخوه، فهزمه علي وملك الحلَّة. واستهان السلطان أمره أوَّلاً فاستفحل وضمَّ إليه جمعاً
من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم وكثر جمعهم، فسار إليه مهلهل فيمَن معه في بغداد مِن العسكر، وضربوا عليه مَصافَّاً وكسرهم. وعادوا مُنهزمين إلى بغداد، وكان أهلها يتعصَّبون لعلي بن دُبيس، فكانوا يُعيِّطون إذا ركب مهلهل أو بعض أصحابه: يا علي كُلْه، فكَثُر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل مِن الركوب، ويَدُ عليٍّ فوق كُلِّ يد في أوضاع الأُمراء بالحلَّة، وتصرَّف فيها وصار شُحنة بغداد، ومَن فيها على وَجَلٍ منه، ووضع الخليفة الحامية على الأسوار، وأرسل إلى علي يَحضُّه على الاستقامة، فأجاب بالطاعة، فسكن الناس.
أخذ السلطان الحلَّة مِن يَد علي وعَوْده إليها
كان علي بن دُبيس كثير العَسف بالرعيَّة والظلم لهم، وارتفعت شكوى الرعيَّة به إلى السلطان مسعود سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة، فأشكاهم وأقطع الحلَّة سلاَّركرد، فسار إليها مِن هَمَذان وجمع عسكراً مِن بغداد وقَصد الحلَّة، واحتاط على أهل علي، وأقام بالحلَّة في مماليكه وأصحابه، ورجعت عنه العساكر، ولحق علي بن دُبيس بالتقشكنجر، وكان في أقطاعه باللحف مُتجنِّياً على السلطان مسعود، فاستنجده علي فأنجده، وسار معه إلى واسط وسار معهما الطرنطاي صاحب واسط، فانتزعوا الحلَّة مِن سلاَّركرد، ورجع إلى بغداد آخر ثنتين وأربعين وخمسمائة، واستولى علي على الحلَّة.
نكبة علي بن دُبيس
ثُمَّ انتقض على السلطان مسعود سنة أربع وأربعين وخمسمائة جماعة مِن الأُمراء منهم التقشكنجر والطرنطاي وعلي بن دُبيس، وبايعوا ملك شاه بن السلطان محمود، وساروا به إلى العراق، وراسلوا المُقتفي في الخُطبة له. فامتنع وجمع العساكر، وحَصَّن بغداد وأرسل إلى السلطان مسعود بالخبر، فشُغل عنهم بلقاء عمِّه السلطان سنجر، كان سار إليه بالري. ولمَّا علم التقشكنجر بذلك نهب النهروان وقبض على علي بن دُبيس، وهرب الطرنطاي إلى النعمانيَّة، ثُمَّ وصل السلطان مسعود إلى بغداد، فرحل التقشكنجر مِن النهروان، وأطلق علي بن دُبيس فسار إلى بغداد، فرحل التقشكنجر مِن النهروان، وأطلق علي بن دُبيس، فسار إلى السلطان مسعود، فلقيه ببغداد واستعطفه فرضي عنه.
الجميلة والمآثر الحميدة مُطرحاً لفرائض الشريعة، مُتغافلاً عن ارتكاب المَحارم الشنيعة مُستحسناً لسبِّ الصحابة رضي الله عنهم. فكان ما نزل به عليه عاقبة هذه الأفعال الذميمة، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا يعملون.
ابن خلكان في تَرجمة السلطان محمد بن ملكشاه ج٢ ص٦٧
لمَّا تُوفِّي ملكشاه، اقتسم مَملكته أولاده الثلاثة، وهم: بركيارق، وسنجر، ومحمد، ولم يَكُن لمحمد وسنجر وهما مِن أُمٍّ واحدة مع وجود بركيارق حديث؛ لأنَّه كان السلطان المُشار إليه، وهما كالأتباع له. ثُمَّ اختلف محمد وبركيارق، فدخل محمد وأخوه سنجر إلى بغداد، وخَلع عليهما الإمام المستظهر بالله. وكان محمد قد التمس مِن أمير المؤمنين أنْ يجلِس له ولأخيه سنجر، فأُجيب إلى ذلك وجلس لهما في قُبَّة التاج وحضر أرباب المَناصب وأتباعهم. جلس أمير المؤمنين على سدَّته، ووقف سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلَّة عن يمين السدَّة، وعلى كَتفه بُردة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وعلى رأسه العِمامة وبين يديه القضيب. وأُفيض على محمد الخُلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها. وأُلبس الطوق والتاج والسوارين، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلَّده سيفين وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها، وخلع على أخيه سنجر خُلعة أمثاله، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد، كجاري عادتهم في ذلك الزمان، وتركوا الخُطبة لبركيارق.
ابن الطقطقي في كتابه الفخري قال في ذِكر خلافة المسترشد:
لمَّا بويع المسترشد بالخِلافة، هرب أخوه الأمير أبو الحسن وأخفى نفسه ومضى إلى الحلَّة مُستجيراً بدُبيس بن صدقة صاحب الحلَّة، وكان دُبيس بن صدقة مِن أجواد الدنيا، كان صاحب الدار والجار، والحِمى والذِّمار، وكانت أيَّامه أعياداً، وكانت الحلَّة في زمانه مَحطَّ الرحال، ومَلجأ بني الآمال، ومأوى الطريد، ومُعتصم الخائف الشريد، فأكرمه دُبيس إكراماً زائداً عن الحدِّ وأفرد له داراً، وأكرمه إكراماً كثيراً. ومَكث عنده مُدَّة على أحسن حال. فلمَّا عَلِم أخوه المسترشد بالله أنَّه عند دُبيس قلق لذلك
وخاف مِن أمرٍ يَحدِث مِن ناحيته؛ فبعث نَقيب النُّقباء علي بن طراد الزينبي إلى الحلَّة بخاتمه وأمانه، وأمره أنْ يأخذ البيعة على دُبيس، ويَطلب منه أنْ يُسلِّم إليه الأمير أبا الحسن. فقال دُبيس: أمَّا البيعة فالسمع والطاعة لأمير المؤمنين وبايع. وأمَّا تسليم جاري فلا والله لا أُسلِّمه إليكم وهو جاري ونزيلي، ولو قُتِلت دونه إلاَّ إنْ اختار. فأبى الأمير أبو الحسن التوجُّه صحبة النَقيب إلى أخيه، فمضى النَقيب وحده، ثُمَّ بعد ذلك ظفر به المسترشد، فسجنه في بعض دوره على حالة جميلة.
إمارة بني مقن فرع المقلَّد مِن آل المسيب العقيليين
أوَّل مَن ذُكِر مِن هذا الفرع محمد أبو عبد الله بن مقن بن جعفر بن عمرو بن المهيَّا المهنى، والمقن أخو المقلَّد بن جعفر، وابن المقلَّد رافع، وابن رافع المسيب، وابن محمد بن مقن الأوَّل رافع والثاني غريب.
ما جاء في كامل ابن الأثير الجزء التاسع من أخبارهم
حوادث سنة (٣٨٧): تَقدَّم ذِكر الخِلاف بين المقلَّد وأخيه علي بن المسيب على الإمارة، وإعماله الحيلة على قبض أخيه، واحضاره عسكره مِن الديلم والأكراد، وإعلامهم أنَّه يُريد قصد دقوقا. وقد حلَّفهم على الطاعة، وكانت داره مُلاصقة دار أخيه، فنَقب الحائط ودخل إليه وهو سكران، فأخذه وأدخله الخَزانة وقبض عليه، وأرسل إلى زوجته يأمرها بأخذ ولديه قرواش وبدران واللِّحاق بتكريت قبل أنْ يسمع أخوه الخبر، ففعلت ذلك وخَلَّصت، وكانت في الحلَّة التي له على أربعة فراسخ مِن تكريت، وسمع الحسن الخبر؛ فبادر إلى الحلَّة ليقبض أولاد أخيه فلم يَجدهم، وأقام المقلَّد بالموصل يستدعي رؤساء العرب ويَخلع عليهم، واجتمع عنده زهاء ألفي فارس. وسار الحسن في حلل أخيه علي ومعه أولاده وحرمه، ويستنفرهم على المقلَّد، واجتمع معه نحو عشرة آلاف، وراسل المقلَّد يؤذنه بالحرب؛ فسار عن الموصل وبقي بينهم مَنزلٌ واحدٌ. ونزل بإزاء العلْت، فحضره وجوه العرب واختلفوا عليه، فمنهم مَن أشار بالحرب منهم رافع بن محمد بن مقن، ومنهم مَن أشار بالكفِّ عن القتال وصلة الرحم منهم غريب بن محمد بن مقن؛ وانتهى الأمر بالحرب وفوز المقلَّد.
سنة (٣٩٧): كان أبو الفتح بن عنّاز التجأ إلى رافع بن محمد بن مقن، ونزل عليه حين أخذ بدر بن حسنويه منه حلوان وقرميسين، فأرسل بدر إلى رافع يذُكِّره مودَّة أبيه وحقوقه عليه، ويَعتب عليه حيث آوى خَصمه، ويَطلب إليه أنْ يُبعده ليدوم له على العهد والودِّ القديم، فلم يفعل رافع ذلك فأرسل بدر جيشاً إلى أعمال رافع بالجانب الشرقي مِن دجلة فنهبها، وقصدوا داره بالمطيرة فنهبوها وأحرقوها، وساروا إلى قلعة البردان وهي لرافع أيضاً ففتحوها قهراً واحرقوا ما كان بها مِن الغَلاَّت وطمّوا بئرها. فسار أبو الفتح إلى عمي الجيوش ببغداد، فَخلع عليه وأكرمه ووعده نصره.
في هذه السنة، لما في نفس بهاء الدولة مِن الحِقد على بدر بن حسنويه، أمر عميد الجيوش بالمسير إلى بلاده. فجمع عسكراً وسار يُريد بلاده، فنَزل (جُند يسابور) فأرسل إليه بدر: إنَّك لم تَقدر على أنْ تأخذ ما تَغلَّب عليه بنو عقيل مِن أعمالكم وبينهم وبين بغداد فرسخ حتَّى صالحتهم، فكيف تَقدر على أخذ بلادي وحِصوني منِّي؟ ومعي مِن الأموال ما ليس معك مِثلها، وأنا معك بين أمرين، إنْ حاربتك فالحرب سِجال، ولا نعلم لمَن العاقبة، فإنْ انهزمت أنا لم يَنفعك ذلك لأنِّي احتمي بقلاعي ومعاقلي وأُنفق أموالي، وإذا عجزت فأنا رجل صحراوي صاحب عَمَد أبعُد ثُمَّ أقرب، وإنْ انهزمت أنت لم تَجتمع، وتَلقى مِِن صاحبك العَتب، والرأي أنْ أحمل إليك مالاً تُرضي به صاحبك، ونَصطلح؛ فأجابه إلى ذلك.
سنة (٤٠١): وفيها تُوفِّي أبو عبد الله محمد بن مقن بن مقلَّد بن جعفر بن عمرو بن المهيا العقيلي. وفي مقلد يَجتمع آل المسيب وآل مقن، وكان عُمره مائة وعشر سنين، وكان بَخيلاً شديد البُخل. وشَهِد مع القرامطة أخذ الحَجر الأسود سنة ٤١٧، نذكر هنا ما جاء مِن أخبار بَني مقن ص١٥٦ و١٥٧ يَنقلان ما ذُكِر هنا مِن غريب بن مقن في بني مقن.
سنة (٤٢١): في هذه السنة في جمادى الأولى اختلف قرواش وغريب بن مقن، وكان سبب ذلك أنَّ غريباً جَمع جَمعاً كثيراً مِن العرب والأكراد، واستمدَّ جلال الدولة فأمدَّه بجُملةٍ صالحةٍ مِن العسكر. فسار إلى تكريت فحاصرها، وهي لأبي المسيب رافع بن الحسين، وكان قد توجَّه إلى الموصل، وسأل قرواشاً النجدة، فجمعا وحشدا وسارا مُنحدرين
فيمَن معهما فبَلغا الدكَّة، وغريب يُحاصر تكريت، وقد ضَيَّق على مَن بها، وأهلها يَطلبون منه الأمان فلم يُؤمِّنهم، فحفظوا نفوسهم وقاتلوا أشدَّ قتالٍ. فلمَّا بلغه وصول قرواش ورافع، سار إليهم فالتقوا بالدكَّة واقتتلوا، فغَدر بغريب بعض مَن معه، ونهبوا سَواده وسَواد الأجناد الجلاليَّة. فانهزم وتبعهم قرواش ورافع، ثُمَّ كفُّوا عنه وعن أصحابه، ولم يتعرَّضوا إلى حلَّته وماله فيها، وحفظوا ذلك أجمع. ثُمَّ إنَّهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه مِن الوِفاق.
سنة (٤٢٥): وفيها تُوفِّي أبو سنان غريب بن محمد بن مقن في شهر ربيع الآخر في كرخ سامرا، وكان يُلقَّب سيف الدولة، وكان قد ضرب دراهم سمَّاها السيفيَّة، وقام بالأمر بعده ابنه أبو الريّان، وخَلَّف خمسمائة ألف دينار، وأمر فنودي: قد أحللْتُ كُلَّ مَن لي عنده شيء فحلِّلوني كذلك، فحلَّلوه وكان عمره سبعين سنة.
سنة (٤٢٧): في هذه السنة ثار الجُند ببغداد بجلال الدولة، وأرادوا إخراجه منها، فاستنظرهم ثلاثة أيَّام فلم يُنظروه، ورموه بالآجر فأصابه بعضهم. واجتمع الغُلمان فردُّوهم منه، فخرج مِن باب لطيف في سُميْريّة مُتنكِّراً، وصعد راجلاً منها إلى دار المرتضى بالكرخ، وخرج مِن دار المرتضى وسار إلى رافع بن الحسين بن مقن بتكريت، وكَسر التُّرك أبواب داره ودخلوها ونهبوها وقلعوا كثيراً مِن ساجها وأبوابها. فأرسل الخليفة إليه وقرَّر أمر الجُند، وأعاده إلى بغداد سنة ٤٤٤ جرى تسليم نُوَّاب الملك الرحيم الجانب الغربي مِن أوانا ونهر بيطر إلى أبي الهندي بلال بن غريب.
وفي سنة ٤٤١ جرى إقطاع أبي كامل أخي قرواش بلال بن غريب بن مقن حربى وأوانا، ولمَّا اصطلح الأخوان أرسلا إلى حربى مِن مَنع بلالاً عنها.
سنة (٤٤٤): في هذه السنة ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش مِن عند السلطان طغرلبك إلى نواحي العراق، وعاث في البلاد فَساداً بعد انتصاره على أبي دُلف الجاواني، وفرار هذا منه بمُهجته. ثُمَّ قَصد البندنيجين وبلغ خبره إلى خاله خالد بن عمر، وهو نازل على الزرير ومطر ابني علي بن مقن العقيليين، فأرسل إليه ولده مع أولاد الزرير ومطر يَشكون إليه ما
عاملهم به عمُّه مهلهل وقريش بن بدران، فلقوه بحلوان وشكوا إليه حالهم. فوعدهم المسير إليهم وإنقاذهم مِمَّن قصدهم، فعادوا مِن عنده، فلقيهم نَفر مِن أصحاب مهلهل فواقعوهم، فظفر بهم العقيليون واسروهم. وبلغ الخبر مهلهلاً، فسار إلى حلُل الزرير ومطر في نحو خمسمائة فارس، فأوقع بهم على تَلِّ عَكبرا، ونهبهم وانهزم الرجال، فلَقي خالد ومطر والزرير سعدي بن أبي الشوك على تامرا، فأعلموه الحال وحَملوه على قتال عمِّه، فتَقدَّم إلى طريقه والتقى القوم وكان سعدي في جَمعٍ كثير فظفر بعمِّه وأسره، وانهزم أصحابه في كُلِّ جِهة، وأُسِر أيضاً مالك ابن عمِّه مهلهل، وأعاد الغنائم التي كانت معهم على أصحابها وعاد إلى حلوان، ووصل الخبر إلى بغداد فارتجَّ الناس بها وخافوا، وبَرز عسكر الملك الرحيم ليقصدوا حُلوان لمُحاربة سعدي، ووصل إليهم أبو الأغر دُبيس بن مزيد الأسدي، ولم يَصنعوا شيئاً.
وفي هذه السنة قَبض عيسى بن خميس بن مقن على أخيه أبي غشام صاحب تكريت بها، وسجنه في سرداب بالقلعة، واستولى على تكريت.
وفي سنة (٤٤٨) لمَّا سار السلطان طغرلبك إلى الموصل، ووصل إلى تكريت حَصرها، وبها صاحبها نصر بن علي بن خميس، فنَصب على القلعة عَلماً أسود وبَذل مالاً، فقبله السلطان ورحل عنها إلى البوازيج ينتظر جَمع العساكر ليَسير إلى الموصل، فلمَّا رحل عن تكريت تُوفِّي صاحبها وكانت أُمُّه أميرة بنت غريب بن مقن، فخافت أنْ يَملك البلد أخوه أبو الغشان فقتلته. وسارت إلى الموصل، فنزلت على دُبيس بن مزيد، فتزوَّجها قريش به بدران. ولمَّا رحلت عن تكريت استخلفت بها أبا الغنائم بن المحَلبان، فراسل رئيس الرؤساء واستعطفه، فصَلَح ما بينهما وسلَّم تكريت إلى السلطان، ورحل إلى بغداد.
سنة (٥٠٠): في هذه السنة في صَفَر تَسلَّم الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد قلعة تكريت، وقد عرفتَ أَنَّها كانت لبني مقن العُقيليين، وكانت إلى آخر سنة سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن مقن، فمات ووليها ابن أخيه أبو منعة خميس بن تغلب بن حماد، ووجد بها خمسمائة ألف دينار سِوى المُصاغ. وتُوفِّي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، ووليها ولده أبو غشام، فلمَّا كان سنة أربع وأربعين وأربعمائة
وَثب عليه عيسى فحبسه وملك القلعة والأموال. فلمَّا اجتاز به طغرلبك نحو سنة ثمان وأربعين وأربعمائة صالحه على بعض المال فرحل عنه. وخافت زوجته أميرة بعد موته أنْ يَعود أبو غشام ويملك القلعة، فقتلته. وكان قد بَقي في الحَبس أربع سنين، واستنابت في القلعة أبا الغنائم بن المحَلبان، فسلَّمها إلى أصحاب السلطان طغرلبك. فسارت إلى الموصل، فقتلها ابن أبي غشام بأبيه، وأخذ شرف الدولة مسلم بن قريش مالها، وردَّ طغرلبك أمر القلعة إلى إنسان يُعرف بأبي العباس الرازي، فمات بها بعد ستة أشهر. ثُمَّ تداولت مُلكها الأيدي إلى أنْ امتلكها صدقة بن مزيد في هذه السنة.
بنو دُبيس الأسديون
كان بنو مزيد، وهم مِن بَني أسد، وكانت مَحلاَّتهم مِن بغداد إلى البصرة إلى نَجْد، وكانت لهم النعمانية. وكانت بنو دُبيس مِن عشائرهم في نواحي خوزستان في جزائر مَعروفة بهم، وكان كبير بني مزيد أبو الحسن علي بن مزيد وأخوه أبو الغنائم. وقد مَرَّ في أخبار بني مزيد أنَّ أبا الغنائم كان قد سار إلى بني دُبيس وأقام عندهم، ثُمَّ فَرَّ وقد قَتل منهم رجلاً فلم يُدركوه. ولحِق بناحية أخيه، فسار إليهم أبو الحسن، واستمدَّ عميد الجيوش فأمدَّه بعسكر مِن الديلم في البحر، ولقيهم فانهزم أبو الحسن، وقُتِل أخوه أبو الغنائم، وذلك في سنة إحدى وأربعمائة.
وإليك ما جاء في كامل ابن الأثير من أخبارهم
في سنة (٤٠١) كان أبو الغنائم، محمد بن مزيد مُقيماً عند بني دُبيس في جزيرتهم بنواحي خوزستان لمُصاهرة بينهم، فقتل أبو الغنائم أحد وجوههم ولحِق بأخيه أبي الحسن علي بن مزيد، فتبعوه فلم يُدركوه. وانحدر إليهم سند الدولة أبو الحسن بن مزيد في ألفي فارس، واستنجد عميد الجيوش، فانحدر إليه عَجِلاً في زَبْزَبة في ثلاثين دَيلمياً، وسار ابن مزيد إليهم فلقيهم، واقتتلوا فقُتل أبو الغنائم وانهزم أبو الحسن بن مزيد. فوصل الخبر بهزيمته إلى عميد الجيوش وهو مُنحدرٌ فعاد.
سنة (٤٠٥): في هذه السنة في المُحرَّم، كانت الحرب بين أبي الحسن بن مزيد، وبين مضر ونبهان وحسَّان وطراد بني دُبيس؛ وسببها أنَّهم
كانوا قد قتلوا أبا الغنائم بن مزيد أخا أبي الحسن في حرب بينهم كما تَقدَّم ذكر ذلك. وحالت الأيام بينه وبين الأخذ بثأره، فلمَّا كان الآنَ تَجهَّز لقصدهم وجَمع العرب والشاذنجان والجوانيَّة وغيرهما مِن الأكراد، وسار إليهم. فلمَّا قرب منهم خرجت زوجته ابنة دُبيس، وقَصدت أخاها مُضر بن دُبيس ليلاً، وقالت له: قد أتاكم ابن مزيد فيما لا قِبَل لكم به، وهو يقنع منكم بإبعاد نبهان قاتل أخيه فأبعدوه، وقد تفرَّقت هذه العساكر. فأجابها أخوها مضر إلى ذلك. وامتنع أخوه حسَّان، فلمَّا سمع ابن مزيد بما فعلته زوجته أنكره وأراد طلاقها، فقالت له: خفت أنْ أكون في هذه الحرب بين فقد أخٍ حميمٍ أو زوجٍ كريمٍ، ففعلتُ ما فعلتُ رجاء الصلاح؛ فزال ما عنده منها. وانتهت الحرب بظفر أبي الحسن بن مزيد كما ذكرنا لك في أخبار بني مزيد، فلا نعيده هنا.
سنة (٤٠٩): في هذه السنة عرض سلطان الدولة على الرُّخَّجي ولاية العراق، فقال: ولاية العراق تَحتاج إلى مَن فيه عَسفٌ وخَرقٌ، وليس غير ابن سهلان وأنا أخلفه هاهنا. فولاَّه سلطان الدولة العراق في المُحرَّم، فسار مِن عند سلطان الدولة، فلمَّا كان ببعض الطريق تَرك ثِقله والكتاب وأصحابه، وسار جريدة في خمسمائة فارس مع طراد بن دُبيس الأسدي يَطلب مُهارش ومُضر ابني دُبيس. وكان مُضر قد قبض قديماً عليه بأمر فخر الدولة، فكان يَبغضه لذلك، وأراد أنْ يأخذ جزيرة بني أسد منه ويُسلِّمها إلى طراد. فلمَّا علم مُضر ومُهارش قصده لهما، سارا عن المذار فتبعهما والحَرُّ شديدٌ؛ فكاد يَهلك هو ومَن معه عطشاً. فكان مِن لُطف الله به أنَّ بَني أسد اشتغلوا بجَمع أموالهم وإبعادها، وبقي الحسن بن دُبيس فقاتل قِتالاً شديداً، وقُتل جماعة مِن الديلم التُّرك. ثُمَّ انهزموا ونهب ابن سهلان أموالهم وصان حَرمهم ونساءهم. فلمَّا نزل في خيمته قال: الآن ولدتني أُمِّي، وبذل الأمان لمُهارش ومُضر وأهلهما، وأشرك بينهم وبين طراد في الجزيرة ورحل، وأنكر على سلطان الدولة فِعله ذلك، ووصل إلى واسط.
سنة (٤١٢): في هذه السنة قُطعت خطبة سلطان الدولة مِن العراق، وخُطب لمُشّرف الدولة، فطلب الديلم مِن مشرف الدولة أنْ يَنحدر إلى بيوتهم بخوزستان، فأذِنَ لهم، وأمر وزيره أبا غالب بالانحدار معهم. فقال له: إنْ فَعلت خاطرت بنفسي، ولكن أبذلها في خدمتك، ثُمَّ انحدر في
العساكر، فلمَّا وصل إلى الأهواز نادى الديلم بشعار سلطان الدولة، وهجموا على أبي غالب فقتلوه. فسار التُّرك الذين كانوا معه إلى طراد بن دُبيس الأسدي بالجزيرة التي لبني دُبيس، ولم يَقدروا أنْ يَدفعوا عنه.
وفي سنة (٤١٩) كان منصور بن الحسين الأسدي قد ملك الجزيرة الدُبيسيَّة، وهي تُجاوز خوزستان، ونادى بشعار جلال الدولة، وأخرج صاحبها طراد بن دُبيس الأسدي سنة ثمان عشرة وأربعمائة. فمات طراد عن قريب، فلمَّا مات سار ابنه أبو الحسن علي إلى بغداد يسأل أنْ يُرسِل جلال الدولة معه عسكراً إلى بلده ليُخرج منصوراً منه، ويُسلِّمه إليه. وكان منصور قد قَطع خُطبة جلال الدولة وخطب للملك أبي كاليجار، فسيَّر معه جلال الدولة طائفةً مِن التُّرك، فلمَّا وصلوا إلى واسط لم يَقف علي بن طراد حتَّى تَجتمع معه طائفة مِن عسكر واسط، وسار عَجِلاً واتَّفق أنَّ أبا صالح كوركير كان قد هرب مِن جلال الدولة، وهو يُريد اللِّحاق بأبي كاليجار. فسمع هذا الخبر، فقال لمَن معه: المَصلحة أنَّنا نُعين منصوراً ولا نُمكِّن عَسكر جلال الدولة مِن إخراجه، ونَتَّخذ بهذا الفعل يداً عند أبي كاليجار، فأجابوه إلى ذلك، فسار إلى منصور واجتمع معه، والتقوا هم وعسكر جلال الدولة الذين مع علي بن طراد ببسبروذ، فاقتتلوا فانهزم عسكر جلال الدولة، وقُتِل علي بن طراد وجماعة كثيرة مِن التُّرك، وهَلك كثير مِن المُنهزمين بالعطش، واستقرَّ مُلك منصور بها.
سنة (٤٥٠): وفيها مات شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين الأسدي صاحب الجزيرة عند خوزستان، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة، ومنصور هذا هو الذي ملك الجزيرة الدُبيسية على طراد بن دُبيس.
وجاء ذكر صدقة هذا، وهو ابن منصور في حوادث سنة (٤٥١) مِن الجزء العاشر مِن الكامل، قال: في هذه السنة انحدر السلطان طغرلبك إلى واسط بعد فُراغه مِن أمر بغداد، فرآها قد نُهِبت، وحضر عنده هزارسب بن بنكير، وأصلح معه حال دُبيس بن مزيد، واحضره معه إلى خدمة السلطان وأصعد في صحبته إلى بغداد، وكذلك صدقة بن منصور بن الحسين، إلى أنْ قال: وأصعد السلطان إلى بغداد في صَفَر سنة اثنتين وخمسين ومعه جماعة منهم صدقة المذكور.
بنو خَفاجة أُمراء الكوفة
يَنتسبون لكعب بن ربيعة بن صعصعة بن معاوية، ومِن فروعهم: بنو حزن، وبنو كعب كان لهم شأن في عهد تَنازع أُمراء الأطراف مِن العرب والكُرد والتُّرك والدَّيلم إمارة الخِلافة العباسيَّة التي أصبحت في القرون الرابع والخامس والسادس نَهباً مُقسَّماً.
وإليك ما جاء مِن أخبارهم مِن كامل ابن الأثير
سنة (٣٧٤): في هذه السنة قُلِّد أبو طريف عليان بن ثمال الخفاجي حماية الكوفة، وهي أوَّل إمارة بني ثمال، وهناك حوادث مُتقطِّعة في بعض السنين ذكرت كان يَستعين فيها المُحاربون ببَني خفاجة، لا فائدة مِن ذِكرها فتركناها.
وفي سنة (٣٩٧) لمَّا هَزم أبو غالب وزير بهاء الدولة أبا العباس بن واصل صاحب البصرة، ركب أبو العباس مع حسَّان بن ثمال الخفاجي هارباً إلى الكوفة.
وفي هذه السنة في المُحرَّم جرت وقعة بين معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلَّد العقيلي، وبين أبي علي بن ثمال الخفاجي؛ وكان سببها أنَّ قرواش جَمع جَمعاً كثيراً، وسار إلى الكوفة وأبو علي غائب عنها، فدخلها ونزل بها. وعرف أبو علي الخبر، فسار إليه فالتقوا واقتتلوا فانهزم قرواش وعاد إلى الأنبار مَفلولاً. وملك أبو علي الكوفة وأخذ أصحاب قرواش فصادرهم.
سنة (٣٩٩): في هذه السنة قَتل عيسى بن خلاط العقيلي أبا علي بن ثمال الخفاجي بالرحبة. وكان قد ولاَّه الحاكم بأمر الله صاحب مِصر عليها ومَلكها، ثُمَّ أخذها منه بدران بن المقلَّد العقيلي، وانتقلت إلى أيدٍ إلى أنْ آل أمرها إلى صالح بن مرداس الكِلابي صاحب حَلب.
وفي سنة (٤٠٢) لمَّا فتح الملك فخر الدولة دير العاقول، أتاه سلطان وعلوان ورجب أولاد ثمال الخفاجي ومعهم أعيان عشائرهم، وضَمنوا حِماية سَقي الفرات، ودَفْع عقيل عنها. وساروا معه إلى بغداد؛ فأكرمهم وخَلع عليهم وأمرهم بالمسير مع ذي السعادتين الحسن بن منصور إلى
الانبار فساروا، فلمَّا صاروا بنواحي الأنبار أفسدوا وعاثوا، فقبض ذو السعادتين على نَفرٍ منهم، ثُمَّ أطلقهم واستحلفهم على الطاعة والكَفِّ عن الأذى. فأشار كاتب نَصراني مِن أهل دَقوقا على سلطان بن ثمال بالقبض على ذي السعادتين، وأنْ يُظهِر أنَّ عُقيلاً قد أغاروا، فإذا خرج عسكر ذي السعادتين انفرد به فأخذه. فوصل إلى ذي السعادتين الخبر.
ثُمَّ إنَّ السلطان أرسل إليه يقول: إنَّ عُقيلاً قد قاربوا الأنبار، ويطلب منه انفاذ العسكر. فقال ذو السعادتين: أنا أركب وآخذ العساكر، ثُمَّ دافعه إلى أنْ فات وقت السير. فانتقض على سلطان ما دبَّره، فأرسل يقول: قد أخذت جماعة مِن عُقيل.
ثُمَّ إنَّ ذا السعادتين صَنع طعاماً كثيراً، وحضر عنده سلطان وكاتبه النصراني وجماعة مِن أعيان خَفاجة، فأمر أصحابه بقتل كثير منهم، وقبض على سلطان وكاتبه وجماعته، ونهب بيوتهم وما فيها، وحَبس سلطاناً ومَن معه ببغداد حتَّى شَفع فيهم أبو الحسن بن مزيد وبذل مالاً عنهم فأُطلقوا.
وفي هذه السنة سارت خفاجة إلى واقصة، ونزحوا ماء البرمكي والريان وألقوا فيهما الحنظل. ووصل الحُجَّاج مِن مكة إلى العقبة، فلقيهم خفاجة ومنعوهم الماء، ثُمَّ قاتلوهم فلم يَكُن فيهم امتناع، فأكثروا القتل وأخذوا الأموال. ولم يَسلم مِن الحُجَّاج إلاَّ اليسير. فبلغ الخبر فَخْر الملك الوزير ببغداد؛ فسيَّر العساكر في أثرهم، وكتب إلى أبي الحسن علي بن مزيد يأمره بطلب العرب، والأخذ منهم بثأر الحاج والانتقام، فسار خلفهم فلحِقهم وقد قاربوا البصرة، فأوقع بهم فقتل منهم وأسر جمعاً كثيراً، وأخذ مِن أموال الحُجَّاج ما رآه، وكان الباقي قد أخذه العرب، وتَفرَّقوا وأرسل الأسرى وما استردَّه مِن أمتعة الحُجّاج إلى الوزير، فحسُن مَوقعه منه.
سنة (٤٠٤): في هذه السنة جاء سلطان بن ثمال، واستشفع بأبي الحسن بن مزيد إلى فخر الملك ليرضى عنه. فأجابه إلى ذلك فأخذ عليه العُهود بلزوم ما يُحمَد أمره. فلمَّا خرج وصلت الأخبار بأنَّهم نَهبوا سواد الكوفة، وقتلوا طائفة مِن الجُند، وأتى أهل الكوفة مُستغيثين؛ فسيَّر فَخْر الملك إليهم عسكراً، وكتب إلى ابن مزيد وغيره بمُحاربتهم. فسار إليهم وأوقع بهم بنهر الرمَّان، وأُسر محمد بن ثمال وجماعة معه ونجا سلطان. وأُدخل الأسرى إلى بغداد مُشهَّرين وحُبسوا. وهبَّ على المُنهزمين مِن بني خفاجة ريح شديدةٌ حارَّة، فقتلت منهم نحو خمسمائة رجل، وأفلت منهم جماعة
مِمَّن كانوا أُسروا مِن الحُجَّاج، وكانوا يرعون إبلهم وغَنمهم، فعادوا إلى بغداد، فوجد بعضهم نساءهم فقد تَزوَّجْنَ وولدْنَ واقتُسِمت تَركاتهم.
سنة (٤١٧): في هذه السنة اجتمع دُبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وأبو الفتيان منيع بن حسَّان أمير بني خفاجة، وجمعا عشائرهما وغيرهما، وانضاف إليهم عسكر بغداد على قتال قرواش بن المقلَّد؛ وكان سببه أنَّ خفاجة تَعرَّضوا إلى السواد وما بيد قرواش بن المقلَّد، فانحدر مِن الموصل لدفعهم، فاستعانوا بدُبيس، فسار إليهم. واجتمعوا فأتاهم عسكر بغداد فالتقوا بظاهر الكوفة وهي لقرواش. فجرى بين مُقدَّمته ومُقدَّمتهما مُناوشة، وعلم قرواش أنَّه لا طاقة له بهم، فسار ليلاً جَريدة في نَفرٍ يَسيرٍ، وعلم أصحابه بذلك فتبعوه مُنهزمين فوصلوا إلى الأنبار. وسارت أسد وخفاجة خلفهم فلمَّا قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حِلله فلم يمُكنهم الإقدام عليه واستولوا على الأنبار ثُمَّ تفرقوا.
في هذه السنة سار منيع بن حسَّان أمير خفاجة إلى الجامعيْن، وهي لنور الدولة دُبيس فنهبها. فسار دُبيس في طَلبه إلى الكوفة ففارقها، وقصد الأنبار وهي لقرواش كان استعادها. فلمَّا نازلها منيع قاتله أهلها فلم يَكُن لهم بخفاجة طاقة، فدخل خفاجة الأنبار ونهبوها واحرقوا أسواقها، وكان ما سَبق في أخبار بني المسيِّب فليُرجع إليه.
سنة (٤٢٠): في هذه السنة أصعد الملك أبو كاليجار إلى المدينة واسط فمَلكها، وكان ابتداء ذلك أنَّ نور الدولة دُبيس بن علي بن مزيد صاحب الحلَّة والنيل - ولم تَكُن الحلَّة بنيت ذلك الوقت - خطب لأبي كاليجار في أعماله؛ وسببه أنَّ أبا حسَّان المقلَّد بن أبي الأغر الحسن بن مزيد كان بينه وبين نور الدولة عَداوة، فاجتمع هو ومنيع أمير بني خفاجة، وجرى ما عرفت خبره في أخبار بني صدقة.
وفي سنة (٤٢٥) كان مِن بني خفاجة نَجدةً لدُبيس بن علي بن مزيد على أخيه أبي قوام ثابت بن علي بن مزيد كما مَرَّ ذلك في أخبار بني صدقة.
سنة (٤٢٦): وفيها في ذي الحجَّة وثب الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي بعمِّه علي بن ثمال أمير بَني خفاجة فقتله، وقام بإمارة بني
خفاجة، وفيها قصدت خفاجة الكوفة ومُقدَّمهم الحسن المذكور، فنهبوها وأرادوا تَخريبها، ومنعوا النخل مِن الماء؛ فهلك أكثره.
وفي سنة (٤٢٨) كانوا نَجدةً لجلال الدولة على بارسطغان مِن كِبار القوَّاد.
سنة (٤٤٦): في هذه السنة في رجب قصد بنو خفاجة الجامعَيْن وأعمال نور الدولة دُبيس، وفتكوا في أهلها. وكان نور الدولة شرقي الفرات وخفاجة غربيها. وجرى ما هو مبسوط في أخبار بني صدقة. وفي هذه الصفحة والتي تَليها شيءٌ مِن أخبارهم، وقد ذُكِر في أخبار بني صدقة.
سنة (٤٤٧): وفيها خطب محمود الخفاجي للمستنصر العلوي بشفاثا والعين، وصار في طاعته.
سنة (٤٤٩): وفيها أصلح دُبيس بن علي بن مزيد ومحمود بن الأخرم الخفاجي حالهما مع السلطان.
وفي سنة (٤٥٠) أنفذ السلطان طغرلبك، بعد استقرار الخليفة في داره، جيشاً عليهم خمارتكين الطغرائي في ألفي فارس نَحو الكوفة، فأضاف إليهم سرايا ابن منيع الخفاجي، وكان قد قال للسلطان: أرسِل معي هذه العُدَّة حتَّى أمضي إلى الكوفة وأمنع البساسيري مِن الإصعاد إلى الشام. وسار السلطان طغرلبك في أثرهم فلم يَشعُر دُبيس بن مزيد والبساسيري إلاَّ والسريَّة قد وصلت. وانتهى الأمر بفوز عسكر السلطان، وقُتِل البساسيري وحُمل رأسه إلى السلطان.
سنة (٤٥٢): في هذه السنة خَلع السلطان طغرلبك على محمود بن الأخرم الخفاجي، ورُدَّت إليه إمارة بني الخفاجي وولاية الكوفة وسَقي الفرات، وضَمن خواصّ السلطان هناك بأربعة آلاف دينار كُلَّ سنة، وصرف عنها رجب بن منيع.
وفي سنة (٤٨٥) سار الحُجَّاج هذه السنة مِن بغداد، فقَدِموا الكوفة ورحلوا منها. فخرجت عليهم خفاجة. وقد طمعوا بموت السلطان (ملكشاه)، وبُعْدِ العسكر فأوقعوا بهم، وقتلوا أكثر الجُند الذين معم وانهزم باقيهم، ونهبوا الحُجَّاج، وقصدوا الكوفة فدخلوها وأغاروا عليها، وقتلوا في
أهلها، فرماهم الناس بالنشَّاب فخرجوا بعد أنْ نَهبوا وأخذوا ثِياب مَن لقوه مِن الرجال والنساء. فوصل الخبر إلى بغداد فسُيِّرت العساكر منها، فلمَّا سمع بنو خفاجة انهزموا. فأدركهم العسكر، فقُتل منهم خَلقٌ كثيرٌ، ونُهبت أموالهم وضعفت خفاجة بعد هذه الوقعة.
سنة (٤٨٩): وفيها أغارت خفاجة على بلد سيف الدولة صدقة بن مزيد، فأرسل في أثرهم عسكراً مُقدَّمه ابن عمِّه قريش بن بدران بن دُبيس بن مزيد، فأسرته خفاجة وأطلقوه، وقصدوا مَشهد الحسين بن علي (عليهما السلام) فتظاهروا فيه بالفَساد والمُنكر، فوجَّه إليهم صدقة جيشاً، فكبسوهم وقتلوا منهم خَلقاً كثيراً في المَشهد حتَّى عند الضريح، وألقى رَجل منهم نفسه وهو على فرسه مِن على السور فسَلِم هو والفرس.
سنة (٤٩٨): وفيها أقطع السلطان محمد الكوفةَ للأمير قايماز، وأوصى صدقة أنْ يَحمي أصحابه مِن خفاجة، فأجاب إلى ذلك.
سنة (٤٩٩): في هذه السنة كانت حرب شَديدة بين عُبادة وخفاجة؛ وسببها أنَّ رَجلاً مِن عُبادة أخذ منه جماعة خفاجة جَمَلين، فجاء إليهم وطالبهم بهما، فلم يُعطوه شيئاً. فأخذ منهم غارة أحد عشر بَعيراً، فلحقته خفاجة، وقتلوا مِن أصحابه رَجُلاً وقطعوا يَد آخر. وكان ذلك بالمَوقف مِن الحلَّة السيفيَّة، ففرَّق بينهم أهلها، فسمعت عُبادة الخبر فتواعدت وانحدرت إلى العراق للأخذ بثأرها. وساروا مع جماعة مِن أُمرائهم، فبلغت عِدَّتهم سبعمائة فارس، وكانت خفاجة دون هذه العِدَّة. فراسلتهم خفاجة يبذلون لهم الديَّة ويصطلحون، فلم تُجِبهم إلى ذلك عُبادة. وأشار به سيف الدولة صدقة فلم تَقبل عُبادة فالتقوا بالقرب مِن الكوفة، ومع عبادة الإبل والغنم بين البيوت، فكمُنت لهم خفاجة ثلاثمائة فارس وقاتلوهم مُطاردةً مِن غير جِدٍّ في القتال، فداموا كذلك ثلاثة أيَّام.
ثُمَّ إنَّهم اشتدَّ بينهم القتال واختلطوا حتَّى تركوا الرماح وتضاربوا بالسيوف. فبينما هم كذلك وقد أعيا الفريقان مِن القتال إذ طَلع كمين خفاجة وهم مُستريحون، فانهزمت عُبادة، وانتصرت عليهم خفاجة، وقُتل مِن وجوه عُبادة اثنا عشر رجلاً، ومِن خفاجة جماعة. وغَنمت خفاجة الأموال مِن الخيل والإبل والغنم والعبيد والإماء، وكان الأمير صدقة بن مزيد قد أعان خفاجة سِرَّاً، فلمَّا وصل المُنهزمون
إليه هنَّأهم صدقة بالسلامة، فقال له بعضهم: ما زِلتُ أقاتل وأضارب، وأنا طامع في الظَفَر بهم حتَّى رأيت فرسك الشقراء تحت أحدهم فعلِمت أنَّهم أجلبوا علينا بخيلك، وأنَّنا لا طاقة لنا بهم، فنُصروا علينا بمعونتك وفلّونا بحدّك. فلم يُجبه صدقة.
سنة (٥٠٠): في هذه السنة في ربيع الأوَّل كانت حرب بين عُبادة وخفاجة، ظَفرت عبادة وأخذت بثأرها مِن خفاجة؛ وكان سبب ذلك أنَّ سيف الدولة صدقة أرسل ولده بدران في جيش إلى طرف بلاده، مِمَّا يَلي البطيحة ليحميها مِن خفاجة؛ لأنَّهم يؤذون أهل تلك النواحي. فقربوا منه وتهدَّدوا أهل البلاد، فكتب إلى أبيه يَشكو منهم ويُعرِّفه حالهم. فأحضر عبادة، وكانت خفاجة قد فعلت بهم العام الماضي ما سبق بيانه. فلمَّا حضروا عنده قال لهم: ليتجهَّزوا مع عسكره ليأخذوا بثأرهم مِن خفاجة، فساروا في مُقدَّم عسكره، فأدركوا حلَّة مِن خفاجة مِن بَني كُليب ليلاً، وهم غارّون لم يَشعروا بهم، فقالوا: مَن أنتم؟ فقالت عبادة: نحن أصحابٌ لِديِّون؛ فعلموا أنَّهم عبادة فقاتلوهم، وصبرت خفاجة، فبينما هم في القتال إذ سُمع طبل الجيش فانهزموا، وقَتلت منهم عبادة جماعة وكان فيهم عشرة مِن وجوههم وتَركوا حُرمهم. فأمر صدقة بحراستهنَّ وحمايتهنَّ، وأمر العسكر أنْ يُؤثروا عُبادة بما غَنِموه مِن أموال خفاجة خَلَفاً لهم عَمَّا أُخذ منهم في العام الماضي، وأصاب خفاجة مِن مُفارقة بلادها، ونهب أموالها، وقَتل رجالها أمرٌ عظيم، وانتزحت إلى نواحي البصرة. وأقامت عُبادة في بلاد خفاجة، ولمَّا انهزمت خفاجة وتَفرَّقت ونُهبت أموالها جاءت امرأة منهم إلى الأمير صدقة، فقالت له: أنت سبيتنا، وسلبتنا قُوَّتنا وغرَّبتنا، وأضعت حُرمتنا، قابلك الله في نفسك، وجعل صورة أهلك كصورتنا، فكَظَم الغيظ واحتمل لها ذلك، وأعطاها أربعين جَملاً ولم يَمض غير قليل حتَّى قابل الله صدقة في نفسه وأولاده، فإنَّ دعاء الملهوف عند الله بمكانٍ.
سنة (٥٣٦): وفيها أفسد بنو خفاجة بالعراق، فسيَّر السلطان مسعود سَرَّية إليهم مِن العسكر، فنَهبوا حلَّتهم وقتلوا مَن ظفروا به منهم وعادوا سالمين.
سنة (٥٥٦): في هذه السنة في شهر رمضان اجتمعت خفاجة إلى الحلَّة والكوفة، وطالبوا برسومهم مِن الطعام والتمر وغير ذلك، فمنعهم أمير
الحاج أرغش وهو مُقطِع الكوفة، ووافقه على مَنعه الأمير قيصر شُحنة الحلَّة، وهما مِن مَماليك الخليفة؛ فأفسدت خفاجة. ونهبوا سواد الكوفة والحلَّة. فأسرى إليهم الأمير قيصر شُحنة الحلَّة في مائتين وخمسين فارساً، وخرج إليه أرغش في عسكر وسلاح، فانتزحت خفاجة مِن بين أيديهم، وتَبعهم العسكر إلى رَحبة الشام، فأرسل خفاجة يَعتذرون ويقولون: قد قنعنا بلَبن الإبل وخُبز الشعير، وأنتم تَمنعونا رسومنا، وطلبوا الصُّلح، فلم يُجبهم أرغش وقيصر، وكان قد اجتمع مع خفاجة كثير مِن العرب، فتصافّوا واقتتلوا، وأرسلت العرب طائفة إلى خيام العسكر ورحالهم، فحالوا بينهم وبينها. وحمل العرب حملة منكرة، فانهزم العسكر وقتل كثير منهم، وقُتل الأمير قيصر، وأُسرت جماعة أُخرى، وجُرِح أمير الحاج جِراحة شديدة. ودخل الرحبة فحماه شُحنتها وأخذ له الأمان، وسيَّره إلى بغداد ومَن نَجا مات عطشاً في البرية. وكان إماء العرب يَخرجنَ بالماء ويَسقينَ الجَرحى، فإذا طلبه منهن أحدٍ مِن العسكر أجهزنَ عليه. وكَثُر النواح والبكاء ببغداد على القتلى. وتَجهَّز الوزير عون الدين بن هبيرة والعساكر معه، فخرج في طلب خفاجة، فدخلوا البرَّ وخرجوا إلى البصرة. ولمَّا دخلوا البرَّ عاد الوزير إلى بغداد، وأرسل بنو خفاجة يَعتذرون، ويقولون: بُغي علينا، وفارقنا البلاد، فتبعونا واضطررنا إلى القتال، وسألوا العفو عنهم فأُجيبوا إلى ذلك.
سنة (٥٦٨): وفيها أغار بَنو حَزْن مِن خفاجة على سواد العراق؛ وسبب ذلك أنَّ الحماية كانت لهم لسواد العراق، فلمَّا تَمكَّن يزدن مِن البلاد وتَسلَّم الحلَّة أخذها منهم وجعلها لبني كعب مِن خفاجة. وأغار بنو حزن على السواد؛ فسار يزدن في عسكر ومعه الغضبان الخفاجي، وهو مِن بني كعب لقتال بَني حَزْن. فبينما هم سائرون ليلاً رمى بعض الجُند الغضبان بسهم فقتله لفساده. وكان في السواد. فلمَّا قُتل عاد العسكر إلى بغداد وأُعيدت خِفارة السواد إلى بَني حزن.
ما ذكره ابن خلدون في تاريخه عن خفاجة
ج٤ ص٤٧٥ كان هؤلاء خفاجة، وهم مِن بَني عمرو بن عُقيل موطِّنين بضواحي العراق ما بين بغداد والكوفة وواسط والبصرة، وأميرهم بهذه العصور منيع بن حسَّان، وكانت بينه وبين صاحب الموصل مُنافسات
جرتها المناهضة والجوار، فتردَّدت الرُّسل بين السلم والحرب، وسار منيع بن حسَّان سنة سبع عشرة إلى الجامعين مِن أعمال دُبيس فنهبها، وسار دُبيس في طَلبه، ففارق الكوفة وقصد الأنبار مِن أعمال قرواش، فحاصرها أيَّاماً، ثُمَّ افتتحها وأحرقها، جاء قرواش لمُدافعته ومعه غريب بن مقن فلم يَجدوه، فمضوا إلى القصر، فخالفهم منيع إلى الأنبار، فعاث فيها ثانية، فسار قرواش إلى الجامعين، واستنجد دُبيس بن صدقة، فسار معه في بني أسد، ثُمَّ خاموا عن لِقاء منيع فافترقوا، ورجع قرواش إلى الأنبار فأصلحها ورمَّم أسوارها. وكان دُبيس وقرواش في طاعة جلال الدولة، فسار منيع بن حسَّان إلى أبي كاليجار بالأهواز، فأطاعه وخلع عليه، ورجع إلى بلده يَخطب له بها.
ثُمَّ إنَّ نور الدولة دُبيس خَطب لأبي كاليجار في أعماله لمَّا بلغه أنَّ ابن عمه المقلَّد بن الحسن ومنيع بن حسَّان أمير خفاجة سارا مع عساكر بغداد إليه، فخطب هؤلاء لأبي كاليجار، واستدعاه فسار مِن الأهواز إلى واسط، ولمَّا سار جلال الدولة إلى الأهواز، وقد خالف أبا كليجار، تَخلَّف عنه دُبيس خَشية على أحيائه مِن خفاجة.
دولة بني شاهين ملوك البطيحة
ابن خلدون ج٤ ص٤٣٧: كان عمران بن شاهين مِن أهل المُصامدة، وكان يتصرَّف في الجِباية، وحصل منها بيده مال فصرفه وهرب إلى البطيحة مُمتنعاً مِن الدولة، وأقام هنالك بين القصب والآجام يقتات بسَمك الماء وطيره ويأخذ الرِّفاق التي تمُرُّ به، واجتمع إليه لصوص الصيَّادين، فقوي وامتنع على السلطان، وتَمسّك بطاعة أبي القاسم بن البريدي بالبصرة، فقلَّده حماية الجامدة وحماية البطائح ونواحيها، فعَزَّ جانبه وكَثُر جَمعه وسلاحه، واتَّخذ مَعاقل على التلال بالبطيحة، وغلب على تلك النواحي. وأهمَّ مُعزُّ الدولة أمره، وبعث وزيره أبا جعفر الصيمري في العساكر سنة ثمان وثلاثين وحصره، وأيقن بالهَلاك وما نَفَّس عن مَخنقه إلاَّ وصول الخبر بوفاة عماد الدولة بن بويه، ومُبادرة الوزير الصيمري إلى شيراز بعد أنْ كتب إليه مُعزُّ الدولة بأنْ يَترك مُحاربة ابن شاهين ويَسير إلى شيراز مَدداً لعَضد الدولة. فعاد عمران إلى حاله وقَوي أمره. وجاء في الصفحة
٥٠٥ في الخبر عن بني شاهين ما لا يَخرج عن هذا.
ولمَّا انصرف الصيمري عن عمران وعاد إلى حاله، بعث مُعزُّ الدولة لقتاله روزبهان مِن أعيان الديلم في العساكر، فتَحصَّن منه في مَضايق البطائح، فطاوله فضجر روزبهان واستعجل قتاله، فهزمه عمران وغَنِم ما معهم. فاستفحل وقَوي وأفسد السابلة، وكان أصحابه يَطلبون الخِفارة مِن جُند السلطان إذا مَرُّوا بهم إلى ضياعهم ومعايشهم بالبصرة، فبعث مُعزُّ الدولة بالعساكر مع المهلبي، وزحف إلى البطائح سنة أربعين، ودخل عمران في مَضايقه، وأشاروا عليه بالهجوم فلم يَفعل، فكتب إليه مُعزُّ الدولة بذلك بإشارة روزبهان، فدخل المهلبي المَضايق بجميع عسكره، وقد أكمن لهم عمران، فخرج عليهم الكمين وتَقسَّموا بين القتل والغَرق والأسر. ونجا المهلبي سابِحاً في الماء، وكان روزبهان مُتأخراً في الزحف فسَلِم. وأسر عمران كثيراً مِن قوَّادهم الأكابر، ففاداه مُعزُّ الدولة بمَن في أسره مِن أهله وأصحابه، وقلَّده ولاية البطائح. فاستفحل أمره. ثُمَّ انتقض سنة أربع وأربعين لخبرٍ بلغه عن مَرضٍ طَرَقَ مُعزَّ الدولة، وأرجف أهل بغداد بموته. ومَرَّ به مال مِن الأموال يُحمَل إلى مُعزِّ الدولة، ومعه جماعة مِن التُّجار، فكبسهم وأخذ جميع ما معهم ثُمَّ رَدَّ ذلك بعد إبلال معز الدولة مِن مَرضه. وفَسد ما بينهما مِن الصُّلح، ثُمَّ سار مُعزُّ الدولة إلى واسط سنة خمس وخمسين، فبعث العساكر مِن هنالك لقتال عمران مع أبي الفضل العباس بن الحسن، وقَدِم عليه نافع مولى ابن وجيه صاحب عُمان يَستنجده عليها، فانحدر إلى الأُبلَّة، وبعث معه المراكب إلى عُمان، وسارت عساكره إلى البطائح فنزلوا الجامدة، وسدُّوا الأنهار التي تَصبُّ إليها، ثُمَّ رجع مُعزُّ الدولة مِن الأُبلَّة وطَرقه المَرض، فجهَّز العساكر لقتال عمران. وعاد إلى بغداد فهلك، وولي بعده ابنه عِزُّ الدولة بختيار، فأعاد العساكر المُجمَرة على عمران وعقد معه الصلح، فاستمرَّ حاله. ثُمَّ زحف بختيار إليه سنة تسع وخمسين، وأقام بواسط يتصيَّد شهراً، ثُمَّ بعث وزيره إلى الجامِدة وطُرق البطيحة، فسدَّ مَجاري الماء وقلبها إلى أنهارها وهي الجسور إلى العراق، ثُمَّ جاء المَدُّ مِن دجلة وخَرَّب جميع ذلك، ثُمَّ انتقل عمران إلى مَعقل آخر، ونقل ماله إليه حتَّى إذا حَسر المياه، وانتهجت الطرق فقدوا عمران مِن مكانه وطال عليهم الأمر، وشغب الجُند إلى الوزير، فأمر بختيار بمصالحته على
ألف ألف درهم. ولمَّا رحل العسكر عنه ثار أصحابه في أطراف الناس، فنهبوا كثيراً مِن العساكر، ووصلوا إلى بغداد سنة إحدى وستين.
وفاة عمران بن شاهين وقيام ابنه الحسن مقامه
ثُمَّ تُوفِّي عمران بن شاهين فَجأة في مُحرَّم سنة تسع وستين لأربعين سنة مِن ثورته، بعد أنْ طلبه المُلوك والخُلفاء وردَّدوا عليه العساكر، فلم يَقدروا عليه. ولمَّا هلك قام بعده ابنه الحسن، فطَمع عضد الدولة فيه وجهز العساكر مع وزيره، وسدُّوا عليه الماء وأنفق فيها أموالاً، وجاء المَدُّ فأزالها، وبقوا كلمَّا سدُّوا فَوهةً فَتَقَ الحسن أُخرى وفتح الماء أمثالاً لها، ثُمَّ وافقهم في الماء فاستظهر عسكر الحسن، وكان معه المظفَّر أبو الحسن، ومحمد بن عمر العلوي الكوفي، فاتَّهمه بمُراسلة الحسن وإفشاء سِرِّه إليه. وخاف أنْ تَنقص مَنزلته عند عَضد الدولة، فطَعن نفسه فمات، وأُدرِك بآخر رَمق، فقال: محمد بن عمر حَمَلني على هذا، وحُمِل إلى ولده بكازرون. فدُفِن هنالك، وأَرسل عَضد الدولة إلى العسكر مَن رجَّعه إليه، وصالح الحسن بن عمران على مالٍ يَحمله وأخذ رهنه بذلك.
مَقتل الحسن بن عمران وولاية أخيه أبي الفرج
كان الحسن بن عمران آسفاً على أخيه أبي الفرج وحَنقاً عليه، ولم يَزل يَتحيَّل عليه إلى أنْ دعاه إلى عِيادة أُختٍ لهما مَرضت، وأكمن في بيتها جماعة أعدَّها لقتله. فدخل الحسن مُنفرداً عن أصحابه، فأغلقوا الباب دونهم وقتلوه. وصعد أبو الفرج إلى السطح فأعلمهم بقتله ووعدهم. فسكتوا، ثُمَّ بذل لهم المال فأقرُّوه. وكتب إلى بغداد بالطاعة، فكتب له بالولاية وذلك لثلاث سنين مِن ولاية الحسن.
مقتل أبي الفرج وولاية أبي المعالي بن الحسن
ثُمَّ إنَّ أبا الفرج لمَّا قَتل أخاه الحسن قَدَّم الجماعة الذين قتلوه على أكابر القوَّاد، وكان الحاجب المظفَّر بن علي كبير قوَّاد عمران والحسن. فاجتمع إليه القوَّاد وشكوا إليه، فسكَّنهم فلم يَرضوا، وحملوه على قتل أبي الفرج فقتله، ونَصَّب أبا المعالي بن أخيه الحسن مَكانه لأشهُر مِن ولايته،
ثم تولى تدبيره بنفسه لصغره، وقتل من كان يخالفه من القواد، واستولى على أموره كلها.
استيلاء المظفَّر وخلع أبي المعالي
ثُمَّ إنَّ المظفَّر بن علي الحاجب القائم بأمر أبي المعالي طَمع في الاستقلال بأمر البطيحة، فصنع كتاباً على لسان صمصام الدولة سلطان بغداد بولايته، وجاء به رِكابيٌّ عليه أثر السَفر، وهو بدست إمارته فقرأه بحضرتهم وتلقَّاه بالطاعة، وعزل أبا المعالي وأخرجه مع أُمِّه إلى واسط، وكان يَصلهما بالنَّفقة. وأحسن السيرة بالناس، وانقرض بيت عمران بن شاهين.
ما جاء في الكامل من أخبار بني شاهين
ج ٨ ص١٩٠ سنة (٣٣٨) في هذه السنة استفحل أمر عمران بن شاهين، وقوي شأنه، وكان ابتداء حاله أنَّه مِن أهل الجامدة فجبى جِبايات، فهرب إلى البطيحة خَوفاً مِن السلطان، وأقام بين القصب والآجام واقتصر على ما يصيده مِن السمك وطيور الماء قوتاً، ثُمَّ صار يَقطع الطريق على مَن يَسلك البطيحة، واجتمع إليه جماعة مِن الصيَّادين وجماعة مِن اللُّصوص. فقوي بهم وحمى جانبه مِن السلطان، فلمَّا خاف أنْ يُقصد استأمن إلى أبي القاسم البريدي، فقلَّده حِماية الجامدة ونواحي البطائح. وما زال يَجمع الرجال إلى أنْ كَثُر أصحابه وقوي، واستعدَّ بالسلاح واتَّخذ مَعاقل على التلول التي بالبطيحة، وغلب على تلك النواحي. فسار إليه في الجيوش وحاربه مرَّةً بعد مرَّةً، واستأمر أهله وعياله. وهرب عمران بن شاهين واستتر، وأشرف على الهَلاك، فاتَّفق أنَّ عماد الدولة بن بويه مات واضطرب جيشه بفارس، فكتب مُعزُّ الدولة إلى الصيمري بالمُبادرة إلى شيراز لإصلاح الأمور بها. فترك عمران وسار إلى شيراز، فلمَّا سار الصيمري عن البطائح ظهر عمران بن شاهين مِن استتاره، وعاد إلى أمره، وجَمع مَن تفرَّق عنه مِن أصحابه وقوي أمره. وعاد الصيمري في هذه السنة مِن فارس، وأقام يُحاصر عمران بن شاهين، فأخذته حُمَّى مات منها بأعمال الجامدة.
سنة (٣٣٩) تَقدَّم أنَّ عمران بن شاهين قد ازداد قوَّة وجُرأة بعد مَسير الصيمري عنه، فأنفذ مُعزُّ الدولة إلى قتاله روزبهان وهو مِن أعيان عسكره، فنازله وقاتله فطاوله عمران وتَحصَّن منه في مَضايق البطيحة. فضجر روزبهان وأقدم عليه طالباً للمناجَزة، فاستظهر عليه عمران وهزمه وأصحابه، وقَتل منهم وغَنِم جميع ما معهم مِن السلاح وآلات الحرب، فقوي بها وتَضاعفت قوَّته، فطَمع أصحابه في السلطان، فصاروا إذا اجتاز بهم أحد مِن أصحاب السلطان يَطلبون منه البَذرقة والخِفارة، فإنْ أعطاهم، وإلاَّ ضربوه واستخفُّوا به وشتموه. وكان الجُند لابُدَّ لهم مِن العبور عليهم إلى ضياعهم ومعايشهم بالبصرة وغيرها، ثُمَّ انقطع الطريق إلى البصرة إلاّ على الظَهر؛ فشكا الناس ذلك إلى مُعزِّ الدولة؛ فكتب إلى المهلبي بالمسير إلى واسط لهذا السبب، وكان بالبصرة، فأصعد إليها وأمدَّه مُعزُّ الدولة بالقوَّاد والأجناد والسلاح، وأطلق يده في الإنفاق، فزحف إلى البطيحة، وضيَّق على عمران وسَدَّ المَذاهب عليه، فانتهى إلى المَضايق لا يَعرِفها إلاَّ عمران وأصحابه، وأحبَّ روزبهان أنْ يُصيب المهلبي ما أصابه مِن الهزيمة ولا يَستبدَّ بالظَفر والفتح، وأشار على المهلبي بالهجوم على عمران، فلم يَقبل منه. فكتب إلى مُعزِّ الدولة يُعجِّز المهلبي، ويقول: إنَّه يُطاول ليُنفق الأموال ويَفعل ما يُريد؛ فكتب مُعزُّ الدولة بالعَتب والاستبطاء. فترك المهلبي الحَزْم وما كان يُريد أنْ يفعله، ودخل بجميع عسكره، وهَجم على مكان عمران، وكان قد جعل الكُمناء في تلك المضايق، وتأخَّر روزبهان ليَسلَم عند الهزيمة، فلمَّا تَقدَّم المهلبي خرج عليه وعلى أصحابه الكُمناء، ووضعوا فيهم السلاح، فقُتلوا وغَرِقوا وأُسروا. وانصرف روزبهان سالماً هو وأصحابه. وألقى المهلبي نفسه في الماء فنجا سِباحة، وأسر عمران القوَّاد والأكابر. فاضطرَّ مُعزُّ الدولة إلى مُصالحته، وإطلاق مَن عنده مِن أهل عمران وإخوته. فأطلق عمران مَن في أسره مِن أصحاب مُعزِّ الدولة، وقلَّده مُعزُّ الدولة البطائح، فقوي واستفحل أمره.
سنة (٣٤٤) كان قد عَرض لمُعزِّ الدولة مَرض، سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وكان خوّاراً في أمراضه، فأرجف الناس به واضطربت بغداد، فاضطرَّ إلى الركوب على ما به مِن شِدَّة المرض. فلمَّا كان في المُحرَّم مِن
هذه السنة أوصى إلى ابنه بختيار، وقلَّده الأمر بعده وجعله أمير الأُمراء، وبلغ عمران بن شاهين أنَّ مُعزَّ الدولة قد مات، واجتاز عليه مالٌ يُحمَل إلى مُعزِّ الدولة مِن الأهواز، وفي صحبته كثير مِن التُّجَّار. فخرج عليهم فأخذ الجميع، فلمَّا عوفي مُعزُّ الدولة راسل ابن شاهين في المعنى، فردَّ عليه ما أخذه له، وحصّل له أموال التُّجَّار، وانفسخ الصلح بينهما، وكان ذلك في المُحرَّم.
سنة (٣٤٩)، وفيها استأمن أبو الفتح المعروف بابن العريان، أخو عمران بن شاهين صاحب البطيحة إلى مُعزِّ الدولة بأهله وماله، وكان خاف أخاه فأكرمه مُعزُّ الدولة وأحسن إليه.
سنة (٣٥٠)، وفيها وصل أبو القاسم أخو عمران بن شاهين إلى مُعزِّ الدولة مستأمناً.
سنة (٣٥٥)، وفيها سار مُعزُّ الدولة إلى واسط؛ لأجل قَصد ولاية عمران بن شاهين بالبطائح؛ ولإرسال جيش إلى عمان. فلمَّا وصل إلى واسط قَدِم عليه نافع الأسود الذي كان صاحب عمان، فأحسن إليه، وأقام للفُراغ مِن أمر عمران، فأنفذ الجيش إليه مع أبي الفضل العباس بن الحسن، فنزلوا الجامدة وشرعوا في سَدِّ الأنهار التي تَصبُّ إلى البطائح. وسار مُعزُّ الدولة إلى الأُبلَّة، وأرسل الجيش إلى عمان، وعاد إلى واسط لإتمام حرب ابن عمران ومِلك بَلده. فأقام بها، فمَرِض وأصعد إلى بغداد لليلتين بقيتا مِن ربيع الأوَّل سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وهو عَليل. وخلَّف العسكر بها ووعدهم أنَّه يَعود إليهم، فلمَّا وصل إلى بغداد تُوفِّي، فدعت الضرورة إلى مُصالحة عمران والانصراف عنه.
سنة (٣٥٦) لمَّا تُوفِّي مُعزُّ الدولة في هذه السنة وولي ابنه عِزُّ الدولة بختيار، كتب إلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين، ففعلوا وعادوا.
سنة (٣٥٩) في هذه السنة، في شوال انحدر بختيار إلى البطيحة؛ لمُحاصرة عمران بن شاهين، فأقام بواسط يتَصيَّد شهراً. ثُمَّ أمر وزيره أبا الفضل أنْ يَنحدر إلى الجامدة وطفوف البطيحة، وبَنى أمره على أنْ يَسدَّ أفواه الأنهار ومَجاري المياه إلى البطيحة، ويردَّها إلى دجلة والفاروث وربع طير، فبنى المُسنَّيات التي يُمكِن السلوك عليها إلى العراق، فطالت الأيَّام
وزادت دجلة، فخرَّبت ما عمِلوه، وانتقل عمران إلى مَعقل آخر مِن مَعاقل البطيحة، ونقل كُلَّ ماله إليه. فلمَّا نَقصت المياه واستقامت الطُرق وجدوا مكان عمران بن شاهين فارغاً. فطالت الأيَّام وضَجر الناس مِن المَقام، وكرهوا تلك الأرض مِن الحر والبَقِّ والضَّفادع، وانقطاع الموادِّ التي ألِفوها، وشَغب الجُند على الوزير وشتموه، وأبوا أنْ يُقموا، فاضطرَّ بختيار إلى مُصالحة عمران على مالٍ يأخذه منه، وكان عمران قد خافه في الأوَّل، وبذل له خمسة آلاف ألف درهم، فلمَّا رأى اضطراب أمر بختيار بذل ألفي ألف درهم في نجوم، ولم يُسلِّم إليهم رهائن ولا حلف لهم على تأدية المال. ولمَّا رحل العسكر تَخطَّف عمران أطراف الناس، فغَنِم منهم، وفَسد عسكر بختيار، وزالت عنهم الطاعة والهَيبة. ووصل بختيار إلى بغداد في رجب سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
سنة (٣٦٣) لمَّا اضطرب أمر بختيار، وعصى عليه مَن كان يُخلص له الطاعة؛ وكان مِن أسباب ذلك اختلاف الديلم والتُّرك في الأهواز، اضطر وهو في مِثل هذه الحال المُضطرِبة، اضطر إلى الاستنجاد بعمِّه ركن الدولة، وابن عمِّه عضد الدولة لإطفاء النائرة، وكاتب أبا تغلب بن حمدان يطلب مساعدته، ويُسقِط عنه المال الذي عليه. وكان مِمَّن كتب إليه عمران بن شاهين بالبطيحة، وأرسل إليه خُلَعاً، وأسقط عنه باقي المال الذي اصطلحا عليه، وخطب إليه إحدى بناته، وطلب منه أنْ يُسيّر إليه عسكراً، فأجابه: أمَّا إسقاط المال فنحن نَعلم أنَّه لا أصل له وقد قبلته، وأمَّا الوِصلة فإنَّني لا أتزوج أحداً إلاَّ أنْ يكون الذكر مِن عندي، وقد خطب إلي العَلويون وهم مَوالينا فما أجبتهم إلى ذلك، وأمَّا الخُلَع والفرس فإنَّني لست مِمَّن يلبس مَلبوسكم وقد قبلها ابني. وأمَّا إنفاذ عسكر فإنَّ رجالي لا يَسكنون إليكم لكَثرة ما قتلوا منكم. ثُمَّ ذكر ما عامله به هو وأبوه مَرَّة بعد أُخرى، وقال: ومع هذا فلابُدَّ أنْ يَحتاج إلى أنْ يَدخل بيتي مُستجيراً بي والله لأُعاملنَّه بضِدِّ ما عاملني به هو وأبوه، فكان كذلك.
سنة (٣٦٦) في هذه السنة تَجهَّز عضد الدولة، وسار يَطلب العراق؛ لِما كان يَبلغه عن بختيار وابن بقية مِن استمالة أصحاب الأطراف: كحسنويه الكردي، وفخر الدولة بن ركن الدولة، وأبي تَغلُب بن حمدان، وعمران بن شاهين وغيرهم، والاتِّفاق على مُعاداته؛ ولِما كانا يقولانه مِن الشتم القبيح
له؛ ولِما رأى مِن حُسن العراق وعظم مملكته إلى غير ذلك. وانحدر بختيار إلى واسط على عَزم مُحاربة عضد الدولة، ولمَّا التقوا بالأهواز واقتتلوا، وخامر على بختيار بعض عسكره انهزم بختيار، وأخذ ماله ومال ابن بقية. ونُهبت الأثقال وغيرها، ولمَّا وصل بختيار إلى واسط حمل إليه ابن شاهين صاحب البطيحة مالاً وسلاحاً وغير ذلك مِن الهدايا النفيسة، ودخل بختيار إليه فأكرمه وحمل إليه مالاً جليلاً وأعلاقاً نفيسة. وعَجب الناس مِن قول عمران: إنَّ بختيار سيَدخل مَنزلي ويَستجير بي، فكان كما ذكر.
سنة (٣٦٩) في هذه السنة تُوفِّي عمران بن شاهين فجأة في المُحرَّم، وكانت ولايته بعد أنْ طَلبه المُلوك والخُلفاء وبذلوا الجُهد في أخذه وأعملوا الحِيل أربعين سنة، فلم يُقدِرهم الله عليه. ومات حَتف أنفه، فلمَّا مات وَلي مكانه ابنه الحسن، فتجدَّد لعضد الدولة طَمع في أعمال البطيحة، فجهَّز العساكر مع وزيره المطهر بن عبد الله، فأمدَّهم بالأموال والسلاح والآلات، وسار المطهر في صَفَر. فلمَّا وصل شَرع في سَدِّ أفواه الأنهار الداخلة في البطائح، فضاع فيها الزمان والأموال وجاءت المدود، وبَثق الحسن بن عمران بعض تلك السُّدود. فأعانه الماء فقلعها، وكان المطهر إذا سَدَّ جانباً انفتحت عِدَّة جوانب. ثُمَّ جرت بينه وبين الحسن وقعة في الماء استظهر عليه الحسن، وكان المطهر سريعاً قد ألِف المُناجزة ولم يألَف المُصابرة؛ فشقَّ ذلك عليه وكان معه في عسكره أبو الحسن محمد بن عمر العلوي الكوفي، فاتَّهمه بمراسلة الحسن وإطلاعه على أسراره. وخاف المطهر أنْ تَنقص منزلته عند عضد الدولة، ويَشمت به أعداؤه كأبي الوفاء وغيره، فعَزم على قتل نفسه، فأخذ سِكِّيناً وقَطع شرايين ذِراعه، فخرج الدَّمُ منه، فدخل فرَّاش فرأى الدم فصاح فدخل الناس فرأوه، وظنُّوا أنَّ أحداً فعل به ذلك. فتكلَّم وكان بآخر رَمق، وقال: إنَّ محمد بن عمر أحوجني إلى هذا، ثُمَّ مات، وحُمِل إلى بلده كازرون فدُفِن فيها. وأرسل عضد الدولة مِن حفظ العسكر وصالح الحسن بن عمران على مالٍ يؤدِّيه، وأخذ رهائنه.
سنة ٣٧٢ في هذه السنة قُتِل الحسين بن عمران بن شاهين صاحب البطيحة، قَتله أخوه أبو الفرج، واستولى على البطيحة؛ وكان سبب قتله أنَّه حَسده على ولايته، ومَحبَّة الناس له، فاتَّفق أنَّ أُختاً لهما مَرِضت، فقال أبو الفرج لأخيه الحسن: إنَّ أُختنا شفيَِّة، فلو عُدتها، ففعل وسار إليها، ورتَّب أبو
الفرج في الدار نَفراً يُساعدونه على قتله. فلمَّا دخل الحسن الدار تَخلَّف عنه أصحابه، ودخل أبو الفرج معه وبيده سيف، فلمَّا خلا به قتله ووقعت الصيحة، فصعد إلى السطح، وأعلم العسكر بقتله ووعدهم الحسَّان. فسكتوا وبذل لهم المال فأقرُّوه في الأمر، وكتب إلى بغداد يُظهِر الطاعة، ويَطلب تقليده الولاية، وكان مُتهِّوراً جاهلاً.
سنة (٣٧٣) في هذه السنة قُتِل أبو الفرج محمد بن عمران بن شاهين صاحب البطيحة، ووَلي أبو المعالي ابن أخيه الحسن؛ سبب قتله أنَّ أبا الفرج قَدَّم الجماعة الذين ساعدوه على قَتل أخيه، ووضع مِن حال مُقدَّمي القوَّاد. فجمعهم المظفر بن علي الحاجب، وهو أكبر قوَّاد أبيه عمران وأخيه الحسن، وحذَّرهم عاقبة أمرهم. فاجتمعوا على قتل أبي الفرج، فقتله المظفر، وأجلس أبا المعالي مكانه وتولَّى تَدبُّره بنفسه، وقَتل كُلَّ مَن كان يَخافه مِن القُوَّاد، ولم يَترك معه إلاَّ مَن يَثق به، وكان أبو المعالي صغيراً.
ولمَّا طالت أيَّامٌ على المظفر بن علي الحاجب وقَوي أمره، طمع في الاستقلال بأمر البطيحة، فوضع كتاباً عن لسان صمصام الدولة إليه يتَضمَّن التعويل عليه في ولاية البطيحة، وسلَّمه إلى ركابيٍّ غَريب، وأمره أنْ يأتيه إذا كان القُوَّاد والأجناد عنده. ففعل ذلك وأتاه وعليه أثر الغبار، وسلَّم إليه الكتاب، فقبَّله وفتحه وقرأه بمَحضر مِن الأجناد وأجاب بالسمع والطاعة. وعزل أبا المعالي، وجعله مع والدته، وأجرى عليهما جِراية، ثُمَّ أخرجهما إلى واسط. وكان يَصلهما بما يُنفقانه. واستبدَّ عليهما جِراية ثُمَّ أخرجهما إلى واسط. وكان يَصلهما بما يُنفقانه. واستبدَّ بالأمر، وأحسن السيرة، وعَدل في الناس مُدَّة، ثُمَّ إنَّه عَهد إلى ابن أُخته أبي الحسن علي بن نصر المُلقَّب بمُهذَّب الدولة، ثُمَّ بعده إلى أبي الحسن علي بن جعفر، وهو ابن أُخته الأُخرى. وانقرض بيت عمران بن شاهين، وكذلك الدنيا دول.
سنة (٤١٢) في هذه السنة مَرض صدقة صاحب البطيحة، فقصدها أبو الهيجاء محمد بن عمران بن شاهين في صَفَر ليملكها. وكان أبو الهيجاء بعد موت أبيه قد تَمزَّق في البلاد، تارة بمِصر، وتارة عند بدر بن حسنويه، وتارة بينهما. فلمَّا وَلي الوزير أبو غالب أنفق عليه لأدبٍ كان فيه، فكاتبه بعض أهل البطيحة ليسلّموا إليه، فسار إليهم، فسمع به صدقة قبل موته بيومين، فسيَّر إليه جيشاً، فقاتلوه فانهزم أبو الهيجاء وأُخذ أسيراً، فأراد استبقاءه، فمنعه سابور بن المرزبان بن مروان، وقتله بيده.
بنو مرداس ملوك حَلب
- أوليتهم -
قال ابن خلدون ج٤ ص٢٧١: كان ابتداء أمر صالح بن مرداس ملك الرحبة، وهو مِن بَني كِلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ومجالاتهم بضواحي حَلب. وقال ابن حزم: إنَّه مِن وِلد عمرو بن كِلاب، وكانت مدينة الرحبة لأبي علي بن ثمال الخفاجي، فقتله عيسى بن خلاط العقيلي، وملكها مِن يده وبقيت له مُدَّة، ثُمَّ أخذها منه بدران بن المقلَّد، وزحف لؤلؤ الساري نائب الحاكم بدمشق، فملك الرِّقة ثُمَّ الرحبة مِن يد بدران، وعاد إلى دمشق. وكان رئيس الرحبة ابن مجلكان، فاستبدَّ بها وبعث إلى صالح بن مرداس يَستعين به على أمره، فأقام عنده مُدَّة، ثُمَّ فَسد ما بينهما وقاتله صالح، ثُمَّ اصطلحا وزوَّجه ابن مجلكان ابنته. ودخل البلد ثُمَّ انتقل ابن مجلكان إلى عانة بأهله وماله بعد أنْ أطاعوه وأخذ رهنهم. ثُمَّ نقضوا وأخذوا ماله، وسار إليهم ابن مجلكان مع صالح، فوضع عليه صالح مَن قتله وسار إلى الرحبة، فملكها واستولى على أموال ابن مجلكان، وأقام دعوة العلويِّين بمصر صالح مؤسس دولة بَني مرداس أو بَني صالح.
جاء في وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمته ما يلي: (أسد الدولة، أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس بن نصير بن حميد بن مُدرك بن شداد بن عبيد بن قيس بن ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كِلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الكِلابي).
كان مِن عرب البادية، وقصد مدينة حَلب، وبها مرتضى الدولة بن لؤلؤ بن الجراحي، غلام أبي الفضائل بن سعد الدولة، نصر بن سيف الدولة بن حمدان، نيابة عن الظاهر بن الحاكم العبيدي صاحب مصر. فاستولى عليها وانتزعها منه، وكان ذا بأس وعزيمة، وأهل وعشيرة وشوكة. وكان تَملُّكه لها في ثالث عشر ذي الحجَّة سنة سبع عشر وأربعمائة، واستقرَّ بها ورتَّب أمورها، فجهَّز إليه الظاهر المذكور أمير الجيوش انوشتكين الدزبري في عسكر كثيف، وكان بدمشق نائباً عن الظاهر، وكان ذا شَهامة وتَقدُمة
ومَعرفة بأسباب الحرب. فخرج متوجِّهاً إليه، فلمَّا سمع صالح الخبر خرج إليه وتَقدَّم حتَّى تلاقيا على الأقحوانة فتصافّا، وجرت بينهما مَقتلة انجلت عن قتل أسد الدولة صالح المذكور، وذلك في جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة، وقيل: تسع عشر وأربعمائة. وهو أوَّل ملوك بني مرداس المتملِّكين بحَلب.
ما جاء عنهم في تاريخ العِبر لابن خلدون ج٤
قد سَبق في أخبار بَني حمدان استبداد لؤلؤ، مولى أبي المعالي بن سيف الدولة بحَلب على ابنه أبي الفضائل، وأخذه البلد منه، ومَحوه الدعوة العبَّاسيَّة والخُطبة للحاكم العلوي بمِصر، ثُمَّ فساد حاله معه وطمع صالح بن مرداس في مُلك حَلب، وتَقدَّم هنالك خبر ما كان بين صالح ولؤلؤ مِن الحروب، وأنِّه كان له مولى اسمه فتح وضعه في قلعة حَلب حافظاً لها، فاستوحش وانتقض على لؤلؤ بممالأته صالح بن مرداس، وبايع للحاكم على أنْ أقطعه صيدا وبيروت وسوَّغه ما كان في حَلب مِن الأموال. ولحق لؤلؤ بانطاكية وأقام عند الروم، وخرج فتح بحرم لؤلؤ وأُمِّه وتركهَنَّ في منبج، وترك حَلب وقلعتها إلى نواب الحاكم. وتداولت في أيديهم حتَّى وليها بعض بني حمدان مِن قِبل الحاكم يُعرَف بعزيز الملك اصطنعه الحاكم وولاَّه حَلب، ثُمَّ عصى على ابنه الظاهر، وكانت عمَّته بنت الملك مُدبِّرة لدولته، فوضعت على عزيز الملك مَن قتله، وولُّوا على حَلب عبد الله بن علي بن جعفر الكتامي، ويُعرف بابن شعبان الكتامي، وعلى القلعة صفي الدولة موصوفاً الخادم.
استيلاء صالح بن مرداس على حَلب
ولمَّا ضعف أمر العُبيِّديِّين بمِصر مِن بعد المائة الرابعة، وانقرض أمر بَني حمدان مِن الشام والجزيرة، تَطاولت العرب إلى الاستيلاء على البلاد. فاستولى بَنو عقيل على الجزيرة، واجتمع عرب الشام، فتقاسموا البلاد على أنْ يكون لحسَّان بن مفرج بن دغفل وقومه طَي مِن الرملة إلى مِصر، ولصالح بن مرداس ولقومه بَني كِلاب مِن حَلب إلى عانة، ولحسَّان بن عليان وقومه دمشق وأعمالها. وكان العامل على هذه البلاد مِن قِبل الظاهر
خليفة مِصر انوشتكين إلى عسقلان، ومَلكها ونَهبها حسَّان، وسار صالح بن مرداس إلى حَلب، فمَلكها مِن يد ابن شعبان، وسلَّم له أهل البلد ودخلها، وصعد ابن شعبان القلعة. فحصرهم صالح بالقلعة حتَّى جهدهم الحصار واستأمنوا. ومَلك القلعة، وذلك سنة أربع وعشرين وأربعمائة، واتَّسع مُلكه ما بين بَعلبك وعانة.
مَقتل صالح وولاية ابنه أبي كامل
ولم يَزل صالح مَالكاً لحَلب إلى سنة عشرين وأربعمائة، فجهَّز الظاهر العساكر مِن مِصر إلى الشام لقتال صالح وحسَّان، وعليهم انوشتكين الدريدي. فسار لذلك ولقيهما على الأردن بطبريَّة وقاتلهما فانهزما، وقُتِل صالح وولده الأصغر، ونجا ولده الأكبر أبو كامل نصر بن صالح إلى حَلب، وكان يُلقَّب شبل الدولة. ولمَّا وقعت هذه الواقعة طَمع الروم أهل انطاكية في حَلب، فزحفوا إليها في عَدد كثير يَبلُغ ثلاثمائة ألف مُقاتل، ووُقيت حَلب شَرَّ هذه الغزوة، بسبب مُخالفة الدوقس مِن أكابر الروم لمَلك الروم ورجوعه عنها.
مَقتل نصر بن صالح واستيلاء الوزيري على حَلب
وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة زحف الوزيري مِن مِصر في العساكر إلى حَلب، وخليفتهم يومئذٍ المُستنصر. وبرز إليه نصر. فالتقوا عند حماة، وانهزم نصر وقُتِل، وملك الوزيري حَلب في رمضان مِن هذه السنة.
مَهلك الوزيري وولاية ثمال بن صالح
ولمَّا مَلك الوزيري حَلب واستولى على الشام، عَظُم أمره واستكثر مِن التُّرك في الجُند، ونُميَ عنه إلى المُستنصر بمِصر وزيره الجرجاني أنَّه يَروم الخِلاف، فدسَّ الجرجاي إلى جانب الوزيري والجُند بدمشق في الثورة به، وكَشف لهم عن سوء رأي المُستنصر، فثاروا به وعَجز عن مُدافعتهم، فاحتمل أثقاله، وسار إلى حَلب ثُمَّ إلى حَلب ودخلها، وتُوفِّي سنة ثلاث وثلاثين. ولمَّا تُوفِّي فَسد أمر الشام وانحلَّ النظام
وتزايد طَمع العرب. وكان مُعزُّ الدولة ثمال بن صالح بالرحبة مُنذ مَهلك أبيه وأخيه، فقصد حَلب وحاصرها، فملك المدينة وامتنع أصحاب الوزيري بالقلعة واستمدُّوا أهل مِصر، وشُغل الوالي بدمشق بعد الوزيري، وهو الحسين بن حمدان لحرب حسَّان بن مفرج صاحب فلسطين، فاستأمن أصحاب الوزيري إلى ثمال بن صالح بعد حصاره إيَّاها حولاً فأمنهم، وملكها في صَفَر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. فلم يَزل مُملَّكاً عليها إلى أنْ زَحفت العساكر إليه مِن مِصر مع أبي عبيد الله بن ناصر الدولة بن حمدان، وبَلغت جموعهم خمسة آلاف مُقاتل. وقاتلهم وأحسن دفاعهم وأصابهم سَيل كاد يَذهب بهم. فأفرجوا عن حَلب وعادوا إلى مِصر. ثُمَّ عادت العساكر ثانية مِن مِصر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة مع رفق الخادم، فقاتلهم ثمال وهزمهم، وأسر الخادم رفقاً ومات عنده.
رغبة ثمال عن حَلب ورجوعها لصاحب مصر
لم تَزل العساكر تَتردَّد مِن مِصر إلى حَلب، وتُضيَّق عليها حتَّى سَئِم ثمال بن صالح إمارتها، وعجز عن القيام بها، فبعث إلى المُستنصر بمِصر وصالحه على أنْ يَنزل له عن حَلب. فبعث عليها مكين الدولة أبا علي الحسن بن ملهم، فتسلَّمها آخر سنة تسعة وأربعين وأربعمائة. وسار ثمال إلى مِصر، ولحق أخوه عطيَّة بن صالح بالرحبة، واستولى ابن ملهم عليها.
ثورة أهل حَلب بابن ملهم وولاية محمود بن نصر بن صالح
وأقام ابن ملهم بحَلب سنتين أو نحوها، ثُمَّ بلغه عن أهل حَلب أنَّهم كاتبوا محمد بن نصر بن صالح، فقبض عليه. فثار به أهل حَلب وحصروه بالقلعة، وبعثوا إلى محمود، فجاء مُنتصف ثنتين وخمسين وأربعمائة وحاصره معهم بالقلعة. واجتمعت معه جُموع العرب، واستمدَّ ابن ملهم المُستنصر، فكتب إلى أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان أنْ يَسير إليه في العساكر. فسار إلى حَلب. وأجفل محمود عنها، ونزل ابن ملهم إلى البلد، ودخلها ناصر الدولة ونهبتها عساكره وابن ملهم. ثُمَّ تواقع محمود وناصر الدولة بظاهر حَلب، فانهزم ناصر الدولة بن حمدان وأُسر، فرجع به
محمود إلى البلد ومَلكها، ومَلك القلعة في شعبان مِن هذه السنة، وأطلق أحمد بن حمدان وابن ملهم، فعادا إلى مِصر.
رجوع ثمال بن صالح إلى مُلك حَلب وفرار محمود بن نصر عنها
لمَّا هَزم محمود بن حمدان وأخذ القلعة مِن يد ابن ملهم، وكان مُعزُّ الدولة ثمال بن صالح بمِصر مُنذ سلَّمها للمُستنصر سنة تسع وأربعين وأربعمائة، فسرَّحه المُستنصر الآن، وأذِنَ له في مِلك حَلب مِن ابن أخيه، فحاصره في ذي الحجَّة سنة ثنتين وخمسين وأربعمائة، واستنجد محمود بخاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري صاحب حرّان، فأمدَّه بنفسه وجاء لنصره. فأفرج ثمال عن حَلب، وسار إلى البرية في مُحرَّم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ثُمَّ عاد منيع إلى حرَّان، وملك ثمال حَلب في ربيع سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وغزا بلاد الروم فظَفر وغَنِم.
وفاة ثمال وولاية أخيه عطيَّة
ثُمَّ تُوفِّي ثمال بحَلب قريباً مِن استيلائه، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وعهد بحَلب لأخيه عطيَّة بن صالح، وكان بالرحبة مِن لدُن مَسير ثمال إلى مِصر، فسار ومَلكها.
عَود محمود إلى حَلب ومِلكه إيَّاها مِن عطيَّة
ولمَّا مَلك عطيَّة حَلب، وكان ذلك عند استيلاء السلجوقيَّة على مَمالك العراق والشام، وافتراقهم على العَمالات، ونزل به قوم منهم فاستخدمهم وقَوي بهم. ثُمَّ خَشي أصحابه غائلتهم فأشاروا بقَتلهم؛ فسلَّط أهل البلد عليهم؛ فقتلوا منهم جماعة ونَجا الباقون، فقصدوا محمود بن نصر بحرَّان فاستنهضوه لمِلك حَلب. وجاءهم فحاصرها ومَلكها في رمضان سنة خمس وخمسين وأربعمائة، واستقام أمره، ولحِق عطيَّة عمَّه بالرقَّة فملكها إلى أنْ أخذها منه شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستين. فسار إلى بلد الروم سنة خمس وستين وأربعمائة، واستقام أمر محمود بن نصر في حَلب، وبعث التُّرك الذين جاؤوا في خدمته مع أميرهم ابن خان سنة ستِّين وأربعمائة إلى بعض قِلاع الروم فحاصروها ومَلكها، وسار محمود
إلى طرابلس، فحاصرها، وصالحوه على مالٍ، فأفرج عنهم. ثُمَّ سار إليه السلطان البارسلان بعد فُراغه مِن حصار ديار بكر وآمد والرُها، ولم يَظفر بشيءٍ منها. وجاء إلى حَلب وحاصرها وبها محمود بن نصر، وجاءت رسالة الخليفة القائم بالرجوع إلى الدعوة العبَّاسيَّة. فأعادها وسأل مِن الرسول أزهر أبي الفوارس طراد الزينبي أنْ يَعفيه السلطان مِن الحضور عنده، فأبى السلطان مِن ذلك، واشتدَّ الحِصار على محمود وأضربهم حجارة المنجانيق، فخرج ليلاً ومعه والدته منيعة بنت وثاب مُتطارحين على السلطان، فخَلع على محمود في حَلب آخر ثمان وستِّين وأربعمائة، وعهد لابنه شبيب إلى التُّرك الذين مَلَّكوا أباه وهم بالحاضر. وقد بلغه عنهم العَبث والفَساد، فلمَّا دنا مِن حللهم تلقُّوه، فلم يُجبِهم وقاتلهم، وأُصيب بسَهم في تلك الجولة ومات.
مَهلك نصر بن محمود وولاية أخيه سابق
ولمَّا هَلك نصر مَلك أخوه سابق. قال ابن الأثير: وهو الذي أوصى له أبوه بالمُلك، فلم يُنفَّذ عهده لصغره، فلمَّا وَلي استدعى أحمد شاه مُقدَّم التُّركمان الذين قتلوا أباه، فخَلع عليه وأحسن إليه، وبَقي فيها مُملَّكاً.
استيلاء مسلم بن قريش على حَلب مِن يد سابق
ولمَّا كانت سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة زحف تُتُش بعد أنْ مَلك دمشق إلى حَلب فحاصرها أيَّاماً. ووجل أهل حَلب مِن ولاية التُّرك؛ فبعثوا إلى مسلم بن قريش ليُملِّكوه. ثُمَّ بدا لهم في أمره ورجع مِن طريقه. وكان مُقدَّمهم يُعرف بابن الحسين العبَّاسي، وخرج ولده مُتصيِّداً في ضَيعةٍ له، فأرسل له بعض أهل القِلاع بنواحي حَلب مِن التُّركمان وأسره، وأرسله إلى مسلم بن قريش. فعاهده على تَمكينه مِن البلد، وعاد إلى أبيه فسَلَّم البلد إلى مسلم بن قريش، ومَلكها سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ولحِق سابق بن محمود وأخاه وثَّاب إلى القلعة واستنزلهما بعد أيَّامٍ على الأمان. واستولى على نواحيها؛ وبعث إلى السلطان ملك شاه بالفتح؛ وأنْ يَضمن البلد على العادة، فأجابه إلى ذلك. وصارت في ولاية مسلم بن قريش إلى أنْ مَلكها السلطان مِن بعده.
رواج الأدب والشعر في دولتهم
قال القاضي ابن خلكان في وفياته في ترجمة أبي الفتيان محمد بن حويس الشاعر: وكان مُنقطعاً إلى بني مرداس أصحاب حَلب، وله فيهم القصائد الأنيقة، وقصَّته مشهورة مع الأمير جلال الدولة، وصمصامها أبي المظفر نصر بن محمود بن شبل الدولة، نصر بن صالح بن مرداس الكِلابي صاحب حَلب، فإنَّه كان قد مَدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار. فلمَّا مات وقام مَقامه ولده نصر المَذكور قصده ابن حيِّوس المذكور بقصيدته الرائيَّة يمدحه بها ويُعزِّيه عن أبيه، وهي:
كفى الدين عِزَّاً ما قضاه لك الدهر فمَن كان ذا نَذر فقد وَجب النَذر
ومنها ثمانية لم تَفترِق مُذ جمعته فلا افترقت ما ذَبَّ عن ناظر شَفر
يقينك والتقوى وَجودك والغِنى ولفظك والمَعنى وعَزمك والنصر
ويذكر فيها وفاة أبيه، وتوليته الأمر بعده بقوله:
صَبرنا على حُكم الزمان الذي سطا عـلى أنَّـه لولاك لم يَكُن الصبر
غـزانا بـبؤسى لا يُماثلها الأسى تُـقارِن نُـعمى لا يَقوم بها الشكر
ومنها:
تـباعَدتُ عـنكم حِـرقةً لا زَهادةً وسِـرت إلـيكم حـين سني الضُّرُّ
فـلاقيت ظِـلَّ الأمن ما عنه حاجِزٌ يَـصدُّ وبـاب الـعِزِّ ما دونه سِتر
وطـال مَـقامي فـي أَسار جَميلكم فـدامت مَـعاليكم ودام لـي الأسر
وأنـجز لي ربُّ السماوات وعده ال كـريم بـأنَّ الـعُسر يَـتبعه اليُسر
فـجاد ابن نصر لي بألفٍ تَصرَّمت وإنِّـي عـليم أنْ سـيَخلفها نَـصر
لـقد كـنت مـأمولاً تَـرجَّى لمِثله فـكيف وطوعاً أمرك النهي والأمر
وما بيْ إلى الإلحاح والحِرص حاجة وقـد عرف المُبتاع وانفصل السعر
وإنِّي بـآمـالي لـديك مُـخيِّمٌ وكـمْ فـي الورى ثاوٍ وآماله سفر
وعـندك مـا أبـغي بقولي تَصنُّعاً بـأيسر مـا تـوليه يَـستعبد الحرُّ
فلمَّا فرغ مِن إنشادها قال الأمير نصر: والله، لو قال عوض قوله:
سيخلفها نصر، سيَضعُفها نَصر لأضعفتها له. وأعطاه ألف دينار في طَبق فِضَّة. وكان قد اجتمع على باب نصر المذكور جماعة مِن الشعراء، وامتدحوه وتأخَّرت صلته عنهم. ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني، وكانت له عادة بغشيان مَنزله وعَقد مَجلس الأُنس عنده. فجاءت الشعراء الذين تأخرت جوائزهم إلى باب بولص، وفيهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن الدويدة المعرِّي الشاعر المعروف، فكتبوا ورقة فيها أبيات اتَّفقوا على نظمها، وقيل: بَلْ نظمها ابن الدويدة المذكور، وسيَّروا الورقة إليه، والأبيات المذكورة هي:
على بابك المَحروس مِنَّا عِصابة مَفاليس فانظر في أمور المَفاليس
وقـد قَـنعتْ منك الجماعة كُلُّها بعُشر الذي أعطيته لابن حيُّوس
ومـا بـيننا هـذا التفاوت كُلُّه ولـكنْ سعيد لا يُقاس بمَنحوس
فلمَّا وقف عليها الأمير نصر، أطلق لهم مائة دينار، فقال: والله، لو قالوا بمِثل الذي أعطيته لابن حيُّوس لأعطيتهم مِثله. ثُمَّ قال:
وكان الأمير نَصر سَخيَّاً واسع العَطاء، مَلَك حَلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستِّين وأربعمائة، ولم تَطُل مُدَّته حتَّى ثار عليه جماعة مِن جُنده فقتلوه في ثاني شوَّال سنة ثمان وستِّين وأربعمائة، وداره بها هي الدار المَعروفة الآن بدار الأمير عَلَم الدين سليمان بن حيدر. ومِن مَحاسن شعر ابن حيُّوس القصيدة اللاميَّة التي مَدح بها أبا الفضل سابق بن محمود، وهو أخو نَصر المذكور، ومِن مَديحها قوله:
طـالما قلتُ للمُسائِل عنكم واعـتمادي هِداية الضُّلال
أنْ تَرد عِلم حالهم عن يَقين فـالقهم في مَكارم أو نِزال
ثُمَّ أورد للرستمي في الصاحب بن عباد مِمَّا يَنطبق على مَعنى هذه الأبيات، ويَتفوَّق عليها في حُسن التقسيم، وإنْ كان ابن حيُّوس قد ألمَّ بها:
مِن النَّفر العالين في السِّلم والوَغى وأهـل الـمَعالي والعوالي وآلها
إذا نَزلوا اخضرَّ الثرى مِن نُزولهم وإنْ نـازلوا احمرَّ القَنا مِن نزالها
قال: وكان ابن حيوس قد أثرى وحصلت له نِعمة ضَخمة مِن بَني
مرداس، فبَنى داراً بمدينة حَلب، وكتب على بابها مِن شِعره:
دار بَـنيناها وعِـشنا بها فـي نِعمة مِن آل مرداس
قوم نَفوا بؤسي ولم يَتركوا عـليَّ لـلأيام مِـن باس
قـل لبني الدنيا ألا هكذا فليَصنع الناس مع الناس
وقيل: إنَّ هذه الأبيات للأمير الجليل أبي الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبار الحَلبي، المَعروف بابن أبي حصينة، وهو الصحيح.
ما جاء من أخبارهم في كامل ابن الأثير ج٩
سنة (٣٩٩) لما قَتل عيسى بن خلاط أبا علي بن ثمال بالرَّحبة ومَلكها، أقام فيها مُدَّة. ثُمَّ قصده بدران بن المقلَّد العُقيلي، فأخذ الرَّحبة منه وبقيت لبدران، فأمر الحاكم بأمر الله نائبه بدمشق لؤلؤاً البشاري بالمسير إليها. فقصد الرُّقة أوَّلاً ومَلكها، ثُمَّ سار إلى الرَّحبة ومَلكها، ثُمَّ عاد إلى دمشق. وكان بالرحبة رجل مِن أهلها يُعرَف بابن مُحكان، فمَلك البلد واحتاج إلى مَن يَجعله ظَهره ويَستعين به على مَن يَطمع فيه، فكاتب صالح ابن مرداس الكِلابي، فقدِم عليه وأقام عنده مُدَّة. ثُمَّ إنَّ صالحاً تَغيَّر عن ذلك، فسار إلى ابن محكان وقاتله على البلد وقطع الأشجار، ثُمَّ تَصالحا وتزوَّج ابنة محكان. ودخل صالح البلد إلاَّ أنَّه كان أكثر مَقامه بالحلَّة، ثُمَّ إنَّ ابن محكان راسل أهل عانة فأطاعوه، ونَقل أهله وماله إليهم وأخذ رهائنهم، ثُمَّ خرجوا عن طاعته وأخذوا ماله، واستعادوا رهائنهم وردُّوا أولاده، فاجتمع ابن محكان وصالح على قَصد عانة، فسار إليها فوضع صالح على ابن محكان مَن يَقتله. فقُتل غِيلةً: وسار صالح إلى الرَّحبة فمَلكها، وأخذ أموال ابن محكان، وأحسن إلى الرعيَّة واستمرَّ على ذلك، إلاَّ أنَّ الدعوة للمِصريين.
وفي هذه السنة قُتل أبو علي بن ثمال الخفاجي. وكان الحاكم بأمر الله صاحب مِصر قد ولاَّه الرَّحبة. فسار إليها. فخرج إليه عيسى بن خلاط العقيلي، فقَتله ومَلك الرَّحبة ثُمَّ مَلكها بعده غيره. فصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكِلابي صاحب حَلب.
سنة (٤٠٢) في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر لؤلؤ صاحب
حَلب، وبين صالح بن مرداس. وكان ابن لؤلؤ مِن مَوالي سعد الدولة ابن سيف الدولة بن حمدان، فقَوي على ولد سعد الدولة، وأخذ البلد منه، وخَطب للحاكم صاحب مِصر، ولقَّبه الحاكم مرتضى الدولة. ثُمَّ فَسد ما بينه وبين الحاكم فطَمع فيه ابن مرداس وبَنو كِلاب، وكانوا يُطالبونه بالصِّلات والخُلع. ثُمَّ إنَّهم اجتمعوا هذه السنة في خمسمائة فارس، ودخلوا مدينة حَلب. فأمر ابن لؤلؤ بإغلاق الأبواب والقَبض عليهم، فقَبض على مائة وعشرين رَجلاً، منهم صالح بن مرداس، وحَبسهم وقَتل مائتين، وأطَلق مَن لم يَفكر به. وكان صالح قد تزوَّج بابنة عمٍّ له يُسمّى جابراً، وكانت جميلة فوصِفت لابن لؤلؤ فخَطبها إلى إخوتها وكانوا في حَبسه، فذكروا له أنَّ صالِحاً قد تزوَّجها. فلم يَقبل منهم وتزوَّجها، ثُمَّ أطلقهم. وبَقي صالح بن مرداس في الحَبس فتوصَّل حتَّى صَعد مِن السور وألقى بنفسه مِن أعلى القلعة إلى تَلِّها. واختفى في مَسيل ماء. ووقع الخبر بهَربه، فأرسل ابن لؤلؤ الخَيل في طَلبه، فعادوا ولمَ يَظفروا به. فلمَّا سكن عنه الطَلب سار بقَيده ولُبنة حَديد في رُجليه حتَّى وصل قرية تُعرف بالياسريَّة، فرأى ناساً مِن العرب فعَرفوه وحملوه إلى أهله بمرج دابق. فجَمع ألفي فارس، فقصد حَلب وحاصرها اثنين وثلاثين يوماً، فخرج إليه ابن لؤلؤ فقاتله، فهزمهم صالح وأسر ابن لؤلؤ وقيَّده بقيده الذي كان في رُجله ولبنته. وكان لابن لؤلؤ أخٌ فنَجا وحَفظ مدينة حَلب. ثُمَّ إنَّ ابن لؤلؤ بَذل لابن مرداس مالاً على أنْ يُطلقه. فلمَّا استقرَّ الحال بينهما أخذ رهائنه وأطلقه. فقالت أم صالح لابنها: قد أعطاك الله ما لا كنت تؤمَّله، فإنْ رأيت أنْ تُتِم صَنيعك بإطلاق الرهائن فهو المَصلحة؛ فإنَّه إنْ أراد الغَدر بك لا يَمنعه مَن عندك، فأطلقهم. فلمَّا دخل البلد حمل ابن لؤلؤ إليه أكثر مِمَّا استقرَّ، وكان قد تَقرَّر عليه مائتا ألف دينار ومائة ثَوب، وأطلق كُلَّ أسيرٍ عنده مِن بَني كِلاب. فلمَّا انفصل الحال، ورحل صالح أراد ابن لؤلؤ قَبض غلامه فتح، وكان دزدار القلعة لأنَّه اتَّهمه بالمُمالأة على الهزيمة وكان خِلاف ظَنِّه. فأطلع على ذلك غُلاماً له اسمه سرور، وأراد أنْ يَجعله مكان فتح، فأعلم سرور بعض أصدقائه ويُعرَف بابن غانم؛ وسبب إعلامه أنَّه حضر عنده، وكان يَخاف ابن لؤلؤ لكَثرة ماله، فشكا إلى سرور ذلك، فقال له: سيكون أمرٌ تأمنُ معه. فسأله فكَتمه، فلم يَزل يَخدعه حتَّى أعلمه الخبر. وكان بين ابن
غانِم وبين فتح مودَّة، فصعد إليه بالقلعة مُتنكِّراً فأعلمه الخبر، وأشار عليه بمُكاتبة الحاكم صاحب مِصر. وأمر ابن لؤلؤ أخاه أبا الجيش بالصعود إلى القلعة بحُجَّة افتقاد الخزائن، فإذا صار فيها قبض على فتح، وأرسل إلى فتح يُعلِمه أنَّه يُريد افتقاد الخزائن ويأمره بفتح الأبواب. فقال فتح: إنني قد شرِبت اليوم دواءً، وأسأل تأخير الصعود في هذا اليوم؛ فإنَّني لا أثِق في فتح الأبواب لغيري، وقال للرسول: إذا لقيته فاردُده. فلمَّا علم ابن لؤلؤ الحال أرسل والدته إلى فتح؛ ليَعلم سبب ذلك، فلمَّا صعدت إليه أكرمها وأظهر لها الطاعة، فعادت وأشارت على ابنها بترك مُحاقَّته، ففعل وأرسل إليه يَطلب جوهراً كان له بالقلعة. فغالطه فتح ولم يُرسله، فسكت على مَضَضٍ؛ لعلمه أنَّ المُحاقَّة لا تُفيد لحَصانة القلعة، وأشارت والدة ابن لؤلؤ عليه بأنْ يَتمارض، ويُظهِر شِدَّة المرض، ويستدعي فَتحاً ليَنزل إليه ليَجعله وصيَّاً، فإذا حضر قبضه. ففعل ذلك فلم يَنزل فَتح واعتذر وكَاتَبَ الحاكم، وأظهر طاعته وخَطب له، وأظهر العِصيان على أُستاذه وأخذ مِن الحاكم صيدا وبيروت وكُلَّ ما في حَلب مِن الأموال. وخرج ابن لؤلؤ مِن حَلب إلى انطاكية وبها الروم فأقام عندهم. وكان صالح بن مرداس قد مالأ فَتحاً على ذلك، فلمَّا عاد عن حَلب استصَّحب معه والدة ابن لؤلؤ ونساءه وتَركهنَّ بمنبج، وتَسلَّم حَلب نواب الحاكم وتَنقلت بأيديهم حتَّى صارت بيد إنسان مِن الحمدانيَّة يُعرف بعزيز المُلك، فقدَّمه الحاكم واصطنعه وولاَّه حَلب. فلمَّا قُتل الحاكم ووَلي الظاهر عصى عليه، فوضعت ستُّ المُلك أخت الحاكم فَرَّاشاً له على قتله فقتله. وكان للمِصريين بالشام نائب يُعرف بانوشتكين البربري، وبيده دمشق والرملة وعسقلان وغيرها. فاجتمع حسَّان أمير بَني طَي، وصالح بن مرداس أمير بَني كِلاب، وسنان بن عليان، وتَحالفوا واتَّفقوا على أنْ يكون مِن حَلب إلى عانة لصالح بن مرداس، ومِن الرَّملة إلى مِصر لحسَّان، ودمشق لسنان. فسار حسَّان إلى الرَّملة فحصرها وبها انوشتكين، فسار عنها إلى عسقلان واستولى عليها حسَّان ونهبها وقَتل أهلها، وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة، أيَّام الظاهر لإعزاز دين الله خليفة مِصر، وقصد صالح حَلب وبها إنسان يُعرف بابن ثُعبان يتولَّى أمرها للمِصريين وبالقلعة خادم يُعرف بموصوف. فأمَّا أهل البلد فسلَّموه إلى صالح؛ لإحسانه إليهم ولسوء سيرة المِصريين معهم، وصَعد ابن ثُعبان إلى القلعة فحصره صالح بالقلعة فغار
الماء الذي بها، فلم يَبق لهم ما يَشربون؛ فسَلَّم الجند القلعة إليه، وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة. ومَلك مِن بَعْلَبك إلى عانة، وأقام بحَلب ستَّ سنين. فلمَّا كانت سنة عشرين وأربعمائة جهَّز الظاهر صاحب مِصر جيشاً وسيَّرهم إلى الشام لقتال صالح وحسَّان، وكان مُقدَّم العسكر أنوشتكين البربري، فاجتمع صالح وحسَّان على قتاله، فاقتتلوا بالأقحوانة على الأردن عند طبريَّة؛ فقُتل صالح ووَلده الأصغر وأُنقذ رأسهما إلى مِصر، ونَجا وَلده أبو كامل نصر بن صالح، فجاء إلى حَلب ومَلكها، وكان لقبه شِبل الدولة، فلمَّا عَلِمت الروم بانطاكية الحال تجهَّزوا إلى حَلب في عالَمٍ كثيرٍ، فخرج أهلها فحاربوهم؛ فهزموهم ونهبوا أموالهم وعادوا إلى أنطاكية، وبَقي شِبل الدولة مالِكاً لحَلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فأرسل إليه الدزبري العساكر المِصريَّة، وصاحب مِصر حينئذٍ المُستنصر بالله، فلقيهم عند حماة، فقُتل في شعبان، وملك الدزبري حَلب في رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ومَلَك الشام جميعه، وعَظُم أمره وكَثُر ماله، وأرسل يستدعي الجند التُّرك مِن البلاد، فبَلغ المِصريين عنه أنَّه عازم على العِصيان؛ فتقدَّموا إلى أهل دمشق بالخروج عن طاعته ففعلوا، فسار عنها نحو حَلب في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتُوفِّي بعد ذلك بشهرٍ واحدٍ. وكان أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس، المُلقَّب بمُعزِّ الدولة بالرَّحبة، فلمَّا بلغه موت الدزبري جاء إلى حَلب فمَلكها تسليماً مِن أهلها، وحصر امرأة الدزبري وأصحابه بالقلعة أحد عشر شهراً، ومَلكها في صَفَر سنة أربع ثلاثين وأربعمائة، فبَقي فيها إلى سنة أربعين وأربعمائة، فأنفذ المِصريون إلى مُحاربته أبا عبد الله بن ناصر الدولة بن حمدان، فخرج أهل حَلب إلى حربه فهزمهم، واختنق منهم بالباب جماعة. ثُمَّ إنَّه رحل عن حَلب وعاد إلى مِصر، وأصابهم سَيل ذهب بكثير مِن دوابهم وأثقالهم. فأنفذ المِصريون إلى قتال مُعزِّ الدولة خادماً يُعرَف برفق؛ فخرج إليه في أهل حَلب فقاتلوه، فانهزم المِصريون وأُسر رفق ومات عندهم. وكان أسره سنة إحدى وأربعين وأربعمائة في ربيع الأوَّل، ثُمَّ إنَّ مُعزَّ الدولة بعد ذلك أرسل الهدايا إلى المِصريين وأصلح أمره معهم، ونزل لهم عن حَلب، فأنفذوا إليها أبا علي الحسن بن علي بن ملهم، ولقَّبوه مكين الدولة فتَسلَّمها مِن ثمال ذي القعدة سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وسار ثمال إلى مِصر في ذي الحجَّة وسار أخوه أبو ذؤابة عطيَّة بن صالح
إلى الرَّحبة، وأقام ابن ملهم بحَلب، فجرى بين بعض السودان وأحداث حَلب حرب، وسمع ابن ملهم أنَّ بعض أهل حَلب قد كاتب محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح، يَستدعونه ليُسلِّموا البلد إليه، فقبض على جماعة منهم، وكان منهم رَجل يُعرَف بكامل بن نباتة فخاف؛ فجلس يَبكي، وكان يقول لكُلِّ مَن سأله عن بكائه: إنَّ أصحابنا الذين أُخذوا قد قُتلوا وأخافُ على الباقين. فاجتمع أهل البلد واشتدُّوا، وراسلوا محموداً وهو منهم على مَسير يوم يَستدعونه، وحصروا ابن ملهم، وجاء محمود وحصره معهم في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ووصلت الأخبار إلى مِصر؛ فسيَّروا ناصر الدولة أبا علي بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكر بعد اثنين وثلاثين يوماً مِن دخول محمود حَلب، فلمَّا قارب البلد خرج محمود عن حَلب إلى البرية، واختفى الأحداث جميعهم. وكان عطيَّة بن صالح نازلاً بقُرب البلد، وقد كَرِه فعل محمود ابن أخيه، فقبض ابن ملهم على مائة وخمسين مِن الأحداث، ونَهب وسط البلد، وأخذ أموال الناس، وأمَّا ناصر الدولة فلم يُمكِّن أصحابه مِن دخول البلد، ونهبه وسار في طلب محمود، فالتقيا بالغُنيدق في رجب؛ فانهزم أصحاب ابن حمدان وثبت هو، فجُرِح وحُمِل إلى محمود أسيراً. فأخذه وسار إلى حَلب فمَلكها، ومَلك القلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وأُطلق ابن حمدان فسار هو وابن ملهم إلى مِصر، فجهَّز المِصريون مُعزَّ الدولة ثمال بن صالح إلى ابن أخيه، فحصره في حَلب في ذي الحجَّة من السنة فاستنجد محمود خاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري صاحب حرَّان فجاء إليه، فلمَّا بلغ ثمالاً مجيئه سار عن حَلب إلى البرية في المُحرَّم سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وعاد منيع إلى حرَّان، فعاد ثمال إلى حَلب وخرج إليه محمود ابن أخيه، فاقتتلوا وقاتل محمود قتالاً شديداً، ثُمَّ انهزم محمود فمضى إلى أخواله بَني نُمير بحرَّان، وتسلَّم ثمال حَلب في ربيع الأوَّل سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وخرج إلى الروم فغزاهم، ثُمَّ تُوفِّي بحَلب في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وكان كريماً حليماً، وأوصى بحَلب لأخيه عطيَّة بن صالح فمَلكها ونزل بها قوم مِن التُّركمان مع ابن خان التُّركمان فقَوي بهم، فأشار أصحابه بقتلهم، فأمر أهل البلد بذلك فقَتلوا منهم جماعة، ونَجا الباقون فقصدوا محموداً بحرَّان واجتمعوا معه على حصار حَلب،
فحصرها، وملكها في رمضان سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وقصد عمُّه عطيَّة الرِّقة فملكها، ولم يَزل بها حتَّى أخذها منه شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستِّين، وسار عطيَّة إلى بلد الروم فمات بالقِسْطَنْطِينيّة سنة خمس وستِّين وأربعمائة، وأرسل محمود التُّركمان مع أميرهم ابن خان إلى ارتاح فحصرها، وأخذها من الروم سنة ستِّين وأربعمائة. وسار محمود إلى طرابلس فحصرها، وأخذ مِن أهلها مالاً وعاد، وأرسله محمود في رسالة إلى السلطان ألب أرسلان، ومات محمود في حَلب سنة ثمان وستين وأربعمائة في ذي الحجَّة. ووصَّى بها بعده لابنه شبيب، فلم يُنفِّذ أصحابه وصيَّته لصغره، وسلّموا البلد إلى وَلده الأكبر واسمه نصر، وجدُّه لأُمِّه الملك العزيز بن الملك جلال الدولة بن بويه، وتزوَّجها عند دخولهم مِصر لمَّا ملك طغرلبك العراق. وكان نصر يُدمِن شِرب الخمر؛ فحمله السُّكر على أنْ خرج إلى التُّركمان الذين مَلَّكوا أباه البلد وهم بالحاضر يوم الفطر، فلقوه وقبَّلوا الأرض بين يديه، فسبَّهم وأراد قتلهم فرماه أحدهم بنشابَّة فقتله. وملك أخوه سابق، وهو الذي كان أبوه أوصى له بحَلب، فلمَّا صعد القلعة استدعى أحمد شاه مُقدَّم التُّركمان وخَلع عليه، وأحسن إليه، وبقي فيها إلى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. فقصده تُتُش بن ألب أرسلان فحصره بحَلب أربعة أشهر ونصفاً، ثُمَّ رَحل عنه ونازله شرف الدولة فأخذ البلد منه.
سنة (٤٢٠) وفي هذه السنة سَيَّر الظاهر جيشاً مِن مِصر مُقدَّمهم أنوشتكين البريدي، فقَتل صالح بن مرداس، ومَلك نصر بن صالح مدينة حَلب.
سنة (٤٢١) في هذه السنة خرج مَلك الروم مِن القِسْطَنْطِينيّة في ثلاثمائة ألف مُقاتل إلى الشام، فلم يَزل يَسير بعساكره حتَّى بلغوا قريب حَلب، وصاحبها شِبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا على يوم منها فلحقهم عَطش شَديد، وكان الزمان صيفاً، وكان أصحابه مُختلفين عليه، فمنهم مَن يَحسده، ومنهم مَن يَكرهه، ومِمَّن كان معه ابن الدوقس، وهو مِن أكابرهم، وكان يُريد هَلاك المَلك ليَملك بعده، فقال الملك: الرأي أنْ نُقيم حتَّى تجيء الأمطار، وتَكثُر المياه، فقبَّح ابن الدوقس هذا الرأي، وأشار بالإسراع؛ قَصداً لشَرٍّ يَتطرَّق إليه؛ ولتدبيرٍ كان قد دبَّره عليه فسار، ففارقه ابن
الدوقس وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس، وسلكوا طَريقاً آخر؛ فخَلا بالمَلك بعض أصحابه وأعلمه أنَّ ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رَجلاً هو أحدهم على الفتك به؛ فاستشعر مِن ذلك، وخاف ورحل مِن يومه راجعاً. ولحقه ابن الدوقس وسأله عن السبب الذي أوجب عَوده، فقال له: قد اجتمعت علينا العرب، وقَربوا منَّا، وقَبض في الحال عليه وعلى ابن لؤلؤ وجماعة معهما؛ فاضطرب الناس واختلفوا، ورحل الملك وتَبِعهم العرب وأهل السواد حتَّى الأرْمَن يَقتلون ويَنهبون، وأخذوا مِن الملك أربعمائة بَغل مُحمَّلة مالاً وثياباً، وهلك كثير مِن الروم عطشاً، ونَجا الملك وحده، ولم يَسلم معه مِن أمواله وخزائنه شيء ألبتَّة، وكفى الله المؤمنين القتال. وقيل في عَوده غير ذلك: وهو أنَّ جَمعاً مِن العرب ليس بالكثير عَبر على عَسكره، وظَنَّ الروم أنَّها كَبسة؛ فلم يَدروا ما يَفعلون حتَّى إنَّ مَلكهم لَبس خِفَّاً أسود، وعادة مُلوكهم لِبس الخِفَّ الأحمر، فتركه ولبس الأسود ليَعمي خبره على مَن يُريده وانهزموا، وغَنِم المسلمون جميع ما كان معهم.
سنة (٤٢٦) وفيها جَمعت الروم وسارت إلى ولاية حَلب، فخرج إليهم صاحبها شِبل الدولة بن صالح بن مرداس فتصافّوا واقتتلوا، فانهزمت الروم وتَبِعهم إلى عزّاز، وغَنِم غنائم كثيرة وعاد سالِماً.
سنة (٤٣٢) في هذه السنة كانت الوقعة بين عسكر المِصريين سيَّره الدزبري وبين الروم. فظَفر المسلمون؛ وكان سبب ذلك أنَّ مَلك الروم قد هادنه المُستنصر بالله العلوي صاحب مِصر، فلمَّا كان الآن شرع يُراسل ابن صالح بن مرداس ويَستميله، وراسله قبله صالح ليتقوَّى به على الدزبري خَوفاً أنْ يأخذ منه الرِّقة، فبلغ ذلك الدزبري فتهدَّد ابن صالح، فاعتذر وجَحد، وانتهت الوقعة بانتصار المسلمين على الروم.
سنة (٤٣٣) في هذه السنة فَسد أمر أنوشتكين الدزبري نائب المُستنصر بالله صاحب مِصر بالشام، وقد كان كبيراً على مَخدومه بما يَراه مِن تَعظيم المُلوك له وهَيبة الروم منه، وكان الوزير أبو القاسم الجرجرائي يَقصده ويَحسده، إلاَّ أنَّه لا يَجد طريقاً إلى الوقيعة فيه. ثُمَّ اتَّفق أنَّه سعى بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد، وقيل عنه: إنَّه يَستميل صاحبه إلى غير جهة المِصريِّين فكوتب الدزبري بإبعاده فلم يَفعل، وما زال يَسعى به الجرجرائي حتَّى أفسد عليه الجُند وكَثُر عليه الشَّغَب في دِمشق، وقصدوا قَصره وهو بظاهر البلد
وتبعهم مِن العامَّة مَن يُريد النهب فاقتتلوا. فعلم الدزبري ضُعفه وعَجزه، ففارق مَكانه واستصَّحب أربعين غُلاماً له وما أمكنه مِن الدَّواب والأثاث والأموال، ونُهِب الباقي وسار إلى بَعلبك، فمنعه مُستحفظها، وأخذ ما أمكنه أخذه مِن مال الدزبري، وتبعه طائفة مِن الجند يَقْفون أثره وينهبون ما يَقدرون عليه، وسار إلى مدينة حماه، فمُنِع عنها وقُوتِل وكاتب المقلَّد بن مُنقذ الكناني الكفر طابي واستدعاه؛ فأجابه وحضر عنده في نَحو ألفي رَجل مِن كفر طاب وغيرها، فاحتمى به وسار إلى حَلب، ودخلها وأقام بها مُدَّة وتُوفِّي في مُنتصَف جمادى الأولى مِن هذه السنة، فلمَّا تُوفِّي فَسد أمر الشام وزال النظام وطمعت العرب، وخرجوا في نواحيه فخرج حسَّان بن المفرج الطائي بفلسطين، وخرج مُعزُّ الدولة بن صالح الكِلابي بحَلب وقصدها وحصرها وملك المدينة، وامتنع أصحاب الدزبري بالقعلة، وكتبوا إلى مِصر يَطلبون النَّجدة فلم يفعلوا. واشتغل عساكر دمشق ومُقدَّمهم الحسين بن أحمد الذي وَلي أمر دِمشق بعد الدزبري بحرب حسَّان، ووقع الموت في الذين في القلعة، فسلَّموها إلى مُعزِّ الدولة بالأمان.
سنة (٤٤٠) في جمادى الآخرة وَصلت عساكر مِصر إلى حَلب في جَمعٍ كثيرٍ، فحصروها وبها مُعزُّ الدولة أبو علوان ثمال بن صالح الكِلابي، فجَمع جَمعاً كثيراً بلغوا خمسة آلاف فارس وراجل، فلمَّا نزلوا على حَلب خرج إليهم ثمال، وقاتلهم قتالاً شديداً صَبر فيه لهم إلى اللَّيل، ثُمَّ دخل البلد. فلمَّا كان الغَد اقتتلوا إلى آخر النهار، وصَبر أيضاً ثمال، وكذلك أيضاً اليوم الثالث. فلمَّا رأى المِصريون صَبر ثمال وكانوا ظنُّوا أنَّ أحداً لا يَقوم بين أيديهم رحلوا عن البلد، فاتَّفق أنَّ تلك الليلة جاء مَطر عظيم لمْ يَرَ الناس مِثله فجاءت المدود إلى منزلهم، فبلغ الماء ما يُقارب قامتين ولو لم يَرحلوا لغرِقوا ثُمَّ رحلوا إلى الشام الأعلى.
سنة (٤٤١) وفيها وصل عسكر مِن مِصر إلى حَلب، وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس، فخافهم لكَثرتهم، فانصرف عنها فمَلكها المِصريُّون.
سنة (٤٥٢) في هذه السنة في جمادى الآخرة حَصر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس الكِلابي مدينة حَلب، وضَيَّق عليها، واجتمع مع جَمع كثير مِن العرب، فأقام عليها فلم يَتسهلَّ له فَتحها فرحل عنها. ثُمَّ عاودها فحصرها فملك المدينة عِنوة في جمادى الآخرة بعد أنْ حصرها
وامتنعت القلعة عليه، وأرسل مَن بها إلى المُستنصر بالله صاحب مِصر ودمشق يَستنجدونه، فأمر ناصر الدولة أبا محمد الحسين بن الحسن بن حمدان الأمير بدمشق أنْ يَسير بمَن عنده مِن العساكر إلى حَلب يَمنعها مِن محمود. فسار إلى حَلب، فلمَّا سَمع محمود بقربه منه خَرج مِن حَلب، ودخلها عَسكر ناصر الدولة فنهبوها. ثُمَّ إنَّ الحرب وقعت بين محمود وناصر الدولة بظاهر حَلب واشتدَّ القتال بينهم، فانهزم ناصر الدولة، وعاد مقهوراً إلى مِصر. وملك محمود حَلب، وقَتل عمَّه مُعزَّ الدولة واستقام أمره بها، وهذه الوقعة تُعرَف بوقعة الفُنيدق وهي مشهورة.
سنة (٤٥٤) وفيها مات أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس، المُلقَّب عِزَّ الدولة بحَلب، وقام أخوه عطيَّة مَقامه.
سنة (٤٦٢) في هذه السنة أقبل ملك الروم مِن القِسْطَنْطِينيّة في عسكر كثيف إلى الشام، ونزل على مدينة منبج، ونهبها وقتل أهلها وهزم محمود بن صالح بن مرداس، وبَني كِلاب، وابن حسَّان الطائي ومَن معهما مِن جموع العرب. ثم إنَّ مَلك الروم ارتحل وعاد إلى بلاده ولم يُمكِنه المَقام لشِدَّة الجوع.
سنة (٤٦٣) في هذه السنة خَطب محمود بن صالح بن مرداس بحَلب لأمير المؤمنين القائم بأمر الله، وللسلطان ألب أرسلان؛ وسبب ذلك أنَّه رأى إقبال دولة السلطان وقوَّتها وانتشار دعوتها، فجَمع أهل حَلب، وقال: هذه دولة جديدة ومَملكة شَديدة، ونحن تَحت الخوف منهم، وهم يستحلُّون دِماءكم لأجل مَذاهبكم، والرأي أنْ نُقيم الخُطبة قبل أنْ يأتي وقت لا يَنفعنا فيه قولٌ ولا بَذلٌ. فأجاب المشايخ إلى ذلك ولبِس المؤذِّنون السواد، وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان، فأخذت العامَّة حُصر الجامع، وقالوا: هذه حُصر علي بن أبي طالب، فليأت أبو بكر بحُصر يصلّي عليها بالناس. وأرسل الخليفة إلى محمود الخُلع مع نَقيب النُّقباء طراد بن محمد الزينبي، فلبِسها ومدحه ابن سنان الخفاجي وأبو الفتيان بن حيّوس. وقال أبو عبد الله بن عطيَّة يَمدح القائم بأمر الله، ويَذكر الخُطبة بحَلب ومَكَّة والمدينة:
كـم طائعٍ لك لم تَجلب عليه ولم تَـعرف لـطاعته غير التُّقى سَببا
هـذا الـبَشير بإذعان الحِجاز وذا داعي دِمشق وذا المَبعوث مِن حَلبا
وفي هذه الصفحة: في هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حَلب، وقد وَصلها نَقيب النُّقباء أبو الفوارس طراد بالرسالة القائميَّة والخُلع، فقال له محمود صاحب حَلب: أسألك الخروج إلى السلطان واستعفاءه لي مِن الحضور عنده، فخرج نَقيب النُّقباء، وأخبر السلطان بأنَّه قد لبِس الخُلع القائمة، وخطب. فقال: أيُّ شيءٍ تُساوي خُطبتهم وهم يُؤذّنون (حي على خَير العَمل) ولابُدَّ مِن الحضور ودَوس بِساطي، فامتنع محمود من ذلك. فاشتدَّ الحصار على البلدت الأسعار وعظم القتال. وزحف السلطان يوماً وقَرب مِن البلد فوقع حَجر مَنجنيق على فرسه، فلمَّا عَظُم الأمر على محمود خرج ليلاً ومعه والدته مَنيعة بنت وثاب النميري، فدخلا على السلطان، وقالت له: هذا وَلدي فافعل به ما تُحِب فتلقَّاهما بالجميل، وخَلع على محمود وأعاده إلى بلده، فأنفذ إلى السلطان مالاً جَزيلاً.
سنة (٤٦٨) في هذه السنة مَلك نصر بن محمود بن مرداس مدينة مَنبج وأخذها مِن الروم.
سنة (٤٦٩) وفيها مات محمود بن مرداس صاحب حَلب وملك بعده ابنه نصر، فمدحه ابن حيُّوس بقصيدة، وقد أورد هنا ما أوردناه عن ابن خلكان وما أوردناه هناك أوفى تَفصيلاً.
سنة (٤٧٢) في هذه السنة مَلك شرف الدولة مسلم بن قريش العُقيلي صاحب الموصل مدينة حَلب؛ وسَبب ذلك أنَّ تاج الدولة تُتُش بن ألب أرسلان حصرها مَرَّة بعد أُخرى، فاشتدَّ الحصار بأهلها، وكان شرف الدولة يواصلهم بالغَلاَّت وغيرها. ثُمَّ إنَّ تُتُش حصرها هذه السنة وأقام عليها أيَّاماً، ورحل عنها وملك بزاعة والبيرة وأحرق ربض عزاز، وعاد إلى دمشق. فلمَّا رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلِّموها إليه فلمَّا قاربها امتنعوا مِن ذلك، وكان مُقدَّمهم يُعرَف بابن الحُتَيْتى العباسي، فاتَّفق أنَّ وَلده خرج يتصيَّد بضَيعةٍ له فأسره أحد التُّركمان، وهو صاحب حصن بنواحي حَلب، وأرسله إلى شرف الدولة، فقرَّر معه أنْ يُسلِّم البلد إليه إذا أطلقه فأجاب إلى ذلك. فأطلقه فعاد إلى حَلب واجتمع بأبيه وعَرَّفه ما استقرَّ، فأذعن إلى تَسليم البلد ونادى بشِعار شرف الدولة وسلَّم البلد إليه، فدخله سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وحصر القلعة واستنزل منها سابقاً ووثاباً ابني محمود بن مرداس. فلمَّا مَلك البلد أرسل ولده وهو ابن عمَّة السلطان
إلى السلطان يُخبِره بمِلك البلد، وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المُعدِّلين بحَلب بضمانها، وسأل أنْ يُقرِّر عليه الضمان، فأجابه السلطان إلى ما طلب، وأقطع ابن عمَّته مدينة بالس، وكانت في هذه السنة نهاية مُلك بَني مرداس.
ما أورده ابن القلانسي مِن أخبارهم
لمَّا اقتضت الآراء وصواب التدبير تَجريد العساكر المِصريَّة إلى الشام، ووقع الاختيار في ذلك على الأمير مُنتَجب الدولة، وذلك عقيب وفاة الحاكم وخِلافة الظاهر لإعزاز دين الله، استدعاه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي، وقال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام ودمشق؟. فقال: فرسي البرذعيَّة وخَيمة أستظل بها. فعَجب الوزير مِن مَقاله واستعاد فرسه المذكورة مِن سعيد السُّعداء وردَّها إليه، وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظراً في الأموال ونَفقة الرجال، وجُرِدت العساكر معه ولُقِّب بالأمير مُظفر مُنتجب الدولة، وخُلِع عليه وخرج إلى مُخيَّمه وجملة مَن جُرِد معه سبعة آلاف فارس وراجل سِوى العرب. وسار في ذي القعدة وودَّعه الإمام الظاهر لإعزاز دين الله وعَيَّد بالرملة عِيد النحر، وسار إلى بَيت المَقدس، وجَمع العساكر، وقصد صالح بن مرداس، وحسَّان بن مفرج، وجموع العرب عند مَعرفته بتَجميعهم. ووقع اللِّقاء في القحوانة (الأقحوانة) والتقى الفريقان فهُزِمت جموع العرب وأخذتهم السيوف وتَحكَّمت فيهم، وكان صالح بن مرداس على فَرسه المشهور، فوَقف به مِن كَدِّ الهَزيمة ولم يَنهض به فلَحِقه رَجل مِن العرب يُعرَف بطريف بن فزارة، فضربه بالسيف على رأسه، وكان مَكشوفاً فصاح ووقع ولم يَعرِفه. وتَمَّ في طلب فرسه فمَرَّ به رَجل مِن البادية فعَرفه، فقطع رأسه وعاد يَرقص به، فلقيه الأمير عِزُّ الدولة رافع، فأخذه منه وجاء به إلى الأمير المُظفَّر، فلمَّا رآه نَزل عن فرسه وسجد لله شُكراً على ما أولاه مِن الظَّفر، وركب وأخذه بيده وجعله على رُكبته وأطلق للزبيدي الذي جاء به ألف دينار، ولعِزِّ الدولة رافع خمسة آلاف دينار، وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه وجوشنه وألف دينار، وأخذ الغُلمان التُّرك الذين لصالح لنفسه وأحسن إليهم. وتَقدَّم بجمع الرؤوس وأنفذ جُثَّة صالح إلى صيدا لتُصلَب على بابها، وأوصل رأسه إلى الحَضرة وخَلع على الواصلين به وأُعيدوا ومعهم الخُلع وزيادة الألقاب
للأمير المُنتجب، وقُرِيء سِجلُّه عليه، وقال فيه الأمير أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيّوس مِن قَصيدة امتدحه بها:
فكمْ ليلة نام عنِّي الرَّقيب ونـبَّهني الـقمر المُرتقب
جمعت بها بين ماء الغمام وماء الرضاب وماء الغَب
لجود المظفَّر سيف الإمام وعُدَّته المصطفى المنتخب
ولمَّا توجَّه عَقيب ذلك إلى حَلب، ونزل عليها ظَفر بشِبل الدولة نصر بن صالح، وكان قد انهزم ولحِقه رَجل فرماه بخشت في كَتفه فأنفذه ووقع عن فرسه، ومَرَّ به أحد التُّرك فقطع رأسه وسلَّمه إلى رافع وأنفذ مَن يُسلِّم جُثَّته إلى حماة فصُلِبت على الحِصن. وأمر أمير الجيش بعد ذلك بإنفاذ ثيابٍ وطَيبٍ وتَكفين الجُثَّة في تابوتٍ، ودفنها في المسجد، وبقيت فيه إلى سنة ٤٣٩ ونقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى قلعة حَلب وأنفذ الرأس والتُّركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة في نصف شعبان سنة ٤٢٩. وعاد أمير الجيوش إلى دمشق، ونزل في القصر وأقام فيها ما أقام، وسار منها إلى حَلب، ونزل على السعدي، وفُتِحت له أبواب البلد ودخله، وأحسن إلى أهله وردَّ ما كان صالح اغتصبه مِن الأملاك إلى أربابها، وأمر بقتال القعلة فقوتلت وهو قائم. وراسله مُقلد بن كامل المُقيم بها وسلَّمها إليه وأقطعه عِدَّة مَواضع وسَكن في دار عزيز الدولة، وجاء في الهامش نَقلاً عن هلال بن الصابي ما يلي: في هذه السنة يَعني العشرين بعد الأربعمائة جَهَّز صاحب مِصر جيشاً مع القائد أنوشتكين الدزبري التُّركي أمير الجيوش لقتال صالح (وهو صالح بن مرداس أسد الدولة، ويُعرَف بابن الروقليَّة)، وحسَّان بن المفرج بن الجراح، وكانا قد جَمعا واستوليا على الأعمال وانتهيا إلى غَزَّة، فلمَّا بلغهما خبر الدزبري انصرفا مِن بين يديه وتبعهما إلى الأقحوانة أسفل عقبة فيق واقتتلوا؛ فانهزم حسَّان بن المفرج، وقتل صالح وابنه الأصغر. وبعث الدزبري برأس صالح إلى مِصر وأفلت نصر بن صالح الأكبر إلى حَلب. واستولى الدزبري على الشام ونزل بدمشق، وكتب إلى صاحب مِصر كتاباً مَضمونه: إلى سيِّدنا ومولانا، ويُوضِّح للعلوم الشريفة أنَّه كان قد عَرف اصطناع الدولة لأجل الجِراح، ومُقابلتهم حَسَّانها بسوء الاجتراح، وكان أخلقهم بالشُّكر لما أوليه حسَّان، وأحقَّهم بالكَفِّ عن
الإساءة؛ إذ لم يَكُن منه في الطاعة حسَّان، ولكنْ أبى إلاّ طَبعه اللئيم، ومُعتَقده الذميم، وكمْ له مِن غَدرةٍ في الدين واضحة، ورِئة في أموال المُستضعَفين قارِحة، وأمَّا صالح بن مرداس زَعيم بَني كِلاب فإنَّه اتَّفق مع حسَّان مُدلاَّ ًبحَدِّه وحديده، مُحلِئاً على الدولة بعد حسَّانها إليه بعَدِّه وعَديده، فتآمرا على الفَساد، وتوازرا على الفَساد ونَهب البلاد، وكان صالح أشدَّهما كُفراً، وأعظمهما أمراً ومَكراً، ووافى الملعونان الأقحوانة الصغرى عند شاطئ نهر الأردن ووقعت الحرب، واشتدَّت بالطعن والضرب، فانهزم حسَّان مَغلولاً والعاقبة للمُتَّقين، ومَن أصدق مِن الله قِيلاً، وأمَّا الخائن صالح، فلم يَزل يُواصل الحَملات حتَّى أتعس الله جِدَّه، وأخذ سيف الله منه حَدَّه، فخَرَّ صريعاً قد أزهق الله نفسه، وأخبث مَغرسه، وغَنِم المُجاهدون سيفه وفرسه. وقد نُفذِّ إلى الحضرة رأسه، وقُتِل عامَّة أصحابه مِمَّن كَفر النعمة وفجر، ولم يُقتَل مِن الأولياء التامِّين عليه غير ثلاثة نَفر (والدزبري انوشتكين لقَبه مُنتَجب الدولة، وقيل: مُصطفى الدولة مُظفَّر الدين)، ولمَّا انهزم شِبل الدولة نصر بن صالح إلى حَلب طَمع صاحب انطاكية في حَلب، فجَمع الروم وسار إليها وأحاط بها، فكَبسه نصر وأهل البلد، فقتلوا مُعظَم أصحابه وانهزم هو إلى أنطاكية في نَفرٍ يَسيرٍ، وغَنِم أموالهم وعسكرهم، وقيل: كبسه على إعزاز فغَنِم منه أموالاً عظمية.
ونقل عن مُؤرِخ آخر، وهو محمد بن مؤيّد الملك: كان أبو صالح شِبل الدولة صاحب حَلب قد أنفذ إلى مِصر رَجلاً يُقال له: الأيسر بعدما هَزِم الروم على إعزاز، وبَعث مِن غَنائمهم شَيئاً كثيراً مِن الصياغات والآلات والأواني والخيل والبغال، فأعجب ذلك الجرجرائي الوزير، وأكرم رسوله، وخَلع عليه وبَعث معه الخُلع الجليلة لشِبل الدولة. وكان انوشتكين الدزبري صاحب الشام مُقيماً بدمشق فلم يَزل رَجل يقال له: ابن كليد يُغري بين الدزبري وشِبل الدولة حتَّى أوقع بينهما، وكان ابن كليد بحمص، فبعث الدزبري رافع بن أبي الليل أمير الكلبيِّين إلى قتال نصر بن صالح إلى حَلب. فخرج شِبل الدولة نصر بن صالح لقتالهم فاقتتلوا فقُتِل نصر في المَعركة وذلك في شعبان. وسار الدزبري فنَزل على جبل جوشن ظاهر حَلب، وأغلق أهل حَلب أبوابها وقاتلوه فاستمالهم وأمّنهم ففتحوا له الأبواب فدخلها، وكان في القلعة المقلَّد بن كامل ابن عم شبل الدولة
فتراسلا واستقرَّ الأمر على أنَّ المُقلَّد يأخذ مِن القلعة ثمانين ألف دينار وثياباً وأواني ذَهب وفِضَّة، ويُسلِّمها إلى الدزبري، وكانت خديعةً فأجاب الدزبري، فأخذ جيمع ما كان في القلعة مِن الأواني والذخائر والجواهر، وما تَرك إلاَّ ما ثَقل حمله. ومضى إلى حلَّته وحصل جمهور ما كان في القلعة المُقلَّد وأخذ عِزُّ الدولة ثمال بن صالح أخو نصر، وكان قد انهزم إلى القلعة يوم الوقعة، وأراد أنْ يَعصي فلم يَتوفَّق فأخذ خمسين ألف دينار وانصرف. وبلغ الوزير بمِصر فعَزَّ عليه قَتل نَصْر، وما جرى في أموال القلعة مِن التفريط، وكان ذلك مُضافاً إلى سوء رأي الدزبري فكانت ولاية شِبل الدولة نصر على حَلب تسع سنين.
سنة (٤٤٩) في هذه السنة وردت الأخبار بتَسلم الأمير مكين الدولة قلعة حَلب مِن مُعزِّ الدولة، وحصل فيها في الخميس لثلاث بقين مِن ذي القعدة منها، وأقام بها مُدَّة أربع سنين يَخطب فيها للمُستنصر بالله صاحب مِصر.
في هذه الصفحة سنة (٤٥٠) فيها وصل الأمير ناصر الدولة وسيفها ذو المَجدين أبو محمد الحسين بن الحسن بن حمدان إلى دمشق والياً عليها، دَفعة ثانية بعد أولى في يوم الاثنين النصف مِن رَجب منها، وأقام يَسوس أحوالها ويَستخرج أموالها إلى أنْ وَرد عليه الأمر مِن الحضرة بمِصر بالمَسير في العسكر إلى حَلب، فتوجَّه إليها في العسكر في السادس عشر مِن شهر ربيع الأوَّل. سنة ٤٥٢ واتَّفقت الوقعة المَشهورة المَعروفة بوقعة الفُنيدِق بظاهر حَلب في يوم الاثنين مُستهَل شعبان مِن السنة، بين ناصر الدولة المذكور وعسكره وبين جميع العرب الكِلابيِّين ومَن انضمَّ إليهم. فكَسرت العرب عسكر ناصر الدولة، واستولوا عليهم ونكَّلوا فيهم، وأفْلت ناصر الدولة مُنهزماً مَجروحاً مَغلولاً وعاد إلى مِصر.
سنة (٤٥٢) وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شِبل الدولة بن صالح بن مرداس على حَلب مُحاصراً لها، ومُضيِّقاً عليها وطامِعاً في تَملُّكها، ومعه منيع بن سيف الدولة، فأقام عليها مُدَّة فلم يَتسهلَّ له فيها أرَب، ولا تَيسَّر طلب فرحل عنها، ثُمَّ حَشَّد بعد مُدَّة وجمع وعاد مُنازلاً لها، ومُضايقاً عليها لأهلها ومُراسلاً لهم، وتَكرَّرت المُراسلات منهم إلى أنْ تَسهَّل أمرها، وتَيسَّر خَطبها، فتسلَّمها في يوم الاثنين مِن جمادى الآخرة، وضايق القَلعة
إلى أنْ عرف وصول الأمير ناصر الدولة بن حمدان في العساكر المِصريَّة لإنجادها، فخرج منها في رجب، ونَهب حَلب بعسكر ناصر الدولة واتَّفقت وقعة الفنيدق المشهورة وانفلال ناصر الدولة، وعَوده إلى مِصر مُنهزماً مَخذولاً. فعاد محمود بجَمعه إلى حَلب وحصل بها، وقتل عمَّه مُعزَّ الدولة واستقام أمره فيها. وفي هذه السنة قصد الأمير عطيَّة فيمَن جَمعه وحَشَّده مدينة الرَّحبة، ولم يَزل نازلاً عليها ومُضايقاً لأهلها ومُراسلاً لهم إلى أنْ تَسهَّل الأمر فيها وسُلِّمت إليه، وحصل بها في صَفَر مِن السنة.
سنة (٤٥٣) وفي هذه السنة استقرَّ الصلح والموادعة بين مُعزِّ الدولة صاحب حَلب وابن أخيه محمود بن شِبل.
سنة (٤٥٦) وفي هذه السنة عاد محمود بن شِبل الدولة بن صالح إلى حَلب مُضايقاً لها ولعطيَّة عمَّه، فاستصرخ بالأمير ابن خان التُّركي فأنجده عليه، فلمَّا أحسَّ بوصوله رَحل عنها مُنهزماً، ثُمَّ خاف عطيَّة مِن الأمير ابن خان؛ فأمر أحداث حَلب بنَهب عسكره فنَهبوه، ورحل ابن خان منهزماً، وأنفذ إلى الأمير محمود يَعتذر إليه مِن المُساعدة عليه، وتوجَّه معه إلى طرابلس، وعاد معه إلى حَلب لحصرها في هذه السنة.
سنة (٤٥٧) في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شِبل الدولة بن صالح على حَلب ثالث دَفعة ومعه الأمير ابن خان التُّركي، وأقام عليها إلى انتصاف شهر رمضان، ولم يَزل مُضايقاً لها إلى أنْ تَسهَّل أمرها ومَلكها، فلمَّا حصل بها فارقه ابن خان بعسكره نحو العراق، ولم يَدخلها إشفاقاً مِن أحداث حَلب لِما فعلوه في تلك النَّوبة مِن القيام عليه والنَّهب لأصحابه.
وفي هامش الصفحة ٩٩ و ١٠٠ نقلاً عن الفارقي أحمد بن علي الأزق، أنَّ السلطان ألب أرسلان لمَّا نزل على الفرات بعد هَزيمته جيوش الروم في رابع عشر ربيع الآخر، ولم يَخرج إليه محمود صاحب حَلب، غاظه ذلك. وعَبر الفرات وأخربت العساكر بلد حَلب ونهبوه، ووصلوا إلى القَريتين مِن أعمال حَمص، ونهبوا بَني كِلاب، وعادوا بغنائم عظيمة. وهَربت العرب إلى البرية. وراسل محموداً وطلب منه الحضور فامتنع، وحمل إليه الأموال التي قسَّطها على بلاده، فقال: ما أعرف لامتناعك مِن قَصد خدمتي مع إقامتك الخُطبة لي، واتِّصال مُكاتبتك وَجهاً وقد عَلمت إحساني إلى كُلِّ
مَن حَضر عندي مِن مُلوك الأطراف. فأرسل محمود والدته وولده بخِدمة قليلة فازداد غَيظ السلطان. واتَّفق أنَّ الخليفة بَعث لمحمود الخُلع التي طلبها لمَّا خطب للقائم مع نَقيب النُّقباء منها: الفرجيَّة، والعمامة، وفرس بمَركب ثَقيل، ولواء، ولوالدته فرسين وثياباً، ولبني عمِّه خَيلاً وثياباً، وخرج محمود والتقى النَقيب فسلَّم عليه عن الخليفة، فنزل وقبَّل الأرض ولبِس الخُلع وركب الفرس، ودخل إلى حَلب. وأقام النَقيب يومين لم يَرَ مِن محمود فيهما ما ظَنَّ، فركب إليه (و) قال محمود: أنا أُطيعكم، وهذا السلطان على بُعد، وطلبت حِراستي وحِراسة بلادي، فأمَّا البلاد فقد شاهدت خَرابها ونَهبها وأنا مُطالب بالخروج إليه والأموال التي تفقدني ومُهدَّد بالحصار والبَوار، وهذا كتاب السلطان عندي بالإعفاء مِن دَوس البساط. فقال النَقيب: هات الكتاب لأمضي إليه. فأعطاه إيَّاه، فخرج إليه وكان نازلاً على الفندق، فلمَّا وصل بعث السلطان إليه بفَرس النوبة وأكرمه واستدعاه وبلَّغه عن الخليفة ما حمله إليه؛ فقام وقبَّل الأرض وشَكر ودعا، وقال له: ما الذي أخرجك؟ فقال: جِئت لأُخرج محمود إلى خِدمتك، فأخرجَ إليَّ هذا الكتاب. فقال: صحيح أنا كَتبته تَطييباً لقلبه مع بُعدي عنه، فأمَّا إذا قَربت منه فما أقنع منه، وأيُّ عُذرٍ لنا إذا كان مُنتَمياً إلينا وقد عصى علينا، ونَصب المَجانيق ليَستعدَّ للحصار؟! وأيُّ حُرمة تَبقى لنا عند الملوك؟! ويَجب أنْ تَرجع إليه وتَضمن له عنِّي كُلَّ ما يُريد. قال النَقيب: فقلت: سَمعاً وطاعة. وثَقل عليَّ ما بَعث له الخليفة، فقال بعض الحُجَّاب: ما فعل هذا إلاّ بأمرك فسَكَن. واجتمعت بنظام الملك، وقلت: محمود يَخدم بعشرين ألف دينار للسلطان وخمسة آلاف دينار لك، ويَدفع باللِّقاء إلى حين عَود السلطان مِن دِمشق. وعُدت إلى حَلب، وأخبرت محموداً، فقال: أمَّا المال فما عندي حَبَّة، وأمَّا الخروج فلا سَبيل إليه. ونزل السلطان على حَلب يوم الأحد لليلة بَقيت مِن جمادى الآخرة فقاتلهم؛ فذلُّوا، فأرسل محمود يَطلب المُوادعة، وخرج إليه في الليل ومعه والدته، فأخذت بيده ودفعته إلى السلطان، وقالت: هذا وَلدي قد سلَّمته إليك فاحكم فيه بما تَراه، فتلقَّاه بما أُحبًّ وأكرِمه. وقال: عُدْ إلى قلعتك وتَرجع إلينا في غَد؛ ليَظهر مِن إكرامنا ما تَستحقُّه. فرجع إلى القلعة وعاد مِن الغَد وتلقَّاه نظام الملك والحُجَّاب والخواصُّ، ولم يَتخلَّف غير السلطان، ودخل على السلطان، فخَلع عليه الخُلع الجليلة، وأعطاه الخيل
بمراكب الذهب والفِضَّة والكوسات والأعلام وعتبه، فقال محمود: والله ما كنت إلاَّ على نيَّة تلقيك حتَّى خُيِّفت منك، فعلم السلطان مَن فَعَل ذلك؛ فكاسر...
سنة (٤٦٤) وفيها نَهض محمود بن صالح فيمَن حَشَّد مِن العرب، وقصد ناحية إعزاز في يوم السبت الثاني والعشرين مِن رجب للقاء الروم، فاندفعت الروم بين أيدي العرب، والعرب في عُدَّة قليلة تُناهز ألف فارس وقَصدوا أنطاكية واجتمعوا بها وعادت العرب إلى حَلب.
سنة (٤٦٥) فيها هَرب الأمير أبو الجيوش علي بن المقلَّد بن منقذ مِن حَلب خَوفاً مِن صاحبها الأمير محمود بن صالح حين عرف عَزمه على القبض عليه، وقصد المَعرَّة، ثُمَّ قصد كفر طاب. وفيها ورد نفي الأمير عَطيَّة عَمَّ الأمير محمود بن صالح مِن القِسْطَنْطِينيّة في ذي الحجَّة. وفيها ورد سائراً الأمير محمود بن صالح مِن حَلب فيمَن جمعه وحشَّده مِن عسكره إلى الرَّحبة.
وفي هذه الصفحة سنة (٤٦٦) فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر.
سنة (٤٦٧) وفي هذه السنة وردت الأخبار مِن ناحية حَلب بوفاة صاحبها الأمير محمود بن شِبل الدولة بن صالح بحَلب في جمادى الأولى: وقام في مَنصبه ولده الأمير نصر بن محمود، وهنَّأه بعد التَّعزية الأمير أبو الفِتيان بن حيّوس بالقصيدة الألفيَّة المشهورة التي يقول فيها:
وقد جادت محمود بألف تَصرَّمت وإنِّي سأرجو أنْ سيَخلفها نَصر
فأطلق له ألف دينار، وقال له: لو كنت قلت: سيضعفها نصر لفعلت.
سنة (٤٦٨) وفي هذه السنة وردت الأخبار مِن حَلب بأنَّ الأمير نصر بن محمود بن صالح صاحبها قُتِل بها في يوم الأحد عيد الفِطر، قتله قَوم مِن أتراك الحاضر؛ وذلك أنَّه قَبض على مُقدَّمهم المَعروف بالأمير أحمد شاه، وخرج إليهم ليَنهبهم فرماه أحدهم بسَهم فقتله، وقام في مَنصبه مِن بعده أخوه سابق بن محمود بن صالح.
سنة (٤٧١) وفي هذه السنة قَتل أحمد شاه مُقدَّم التُّرك في الشام.
وفيها برز تاج الدولة مِن دمشق، وقصد حَلب في عسكره ونزل عليها وأقام عليها أيَّاماً، ورحل عنها في شهر ربيع الأوَّل، وعَبر الفرات مَشرقاً ثُمَّ عاد إلى دمشق.
سنة (٤٧٢) فيها تسلَّم شرف الدولة مسلم بن قريش حَلب.
سنة (٤٧٥) فيها توجَّه السلطان تاج الدولة إلى ناحية الشام مِن دِمشق، ومعه في خِدمته الأمير وثاب بن محمود بن صالح، ومنصور بن كامل، وقصد ناحية الروم وأقام هناك مُدَّة.
سنة (٤٨٦) في هذه السنة وصل قسيم الدولة إلى حَلب، ومعه جماعة مِن بَني عقيل وبعض عسكر السلطان بركيارق، وانتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة، فنَهض في العسكر مِن ناحية الرَّحبة إلى الفرات، وقصد بلد أنطاكية وأقام بها، وورد عليه الخبر بانكفاء السلطان مِن الرحبة إلى بغداد، وأنَّ عَزمه أنْ يَشتو بها. وأقام تاج الدولة بأنطاكية مُدَّة، فقلَّت الأقوات، وارتفعت الأسعار، وخوطب في العَود إلى الشام فلم يَفعل، وعاد إلى دِمشق آخر ذي الحجَّة مِن السنة، وفي جُملته الأمير وثاب بن محمود بن صالح، وبَنو كامل وجماعة مِن العرب لم يَجسروا على الإقامة بالشام خَوفاً مِن قَسيم الدولة صاحب حَلب.
سنة (٤٨٧) وفي شهر ربيع الآخر مِن هذه السنة برز السلطان تاج الدولة مِن دِمشق في العسكر، وتوجَّه إلى الشام وقطع العاصي، وتَقدَّم إلى العسكرية برعي الزراعات ونَهب المواشي والعوامل. ولمَّا اتَّصل الخبر بذاك إلى قسيم الدولة صاحب حَلب شرع في الجَمع والاحتشاد والتأهُّب لدَفعه والاستعداد، وأجمع على لقائه، وانتهى الخبر إلى تاج الدولة بذلك، ووصول بوزان صاحب الرُها إليه في عَسكره لإسعاده عليه وإنجاده وسَوَّاه مِن أُمراء الأطراف ووصول الجميع في حَلب لمعونته ومؤازرته. فرحل مِن مَنزله بكفر حمار، وأخذت جيوشه في الغارة على المواشي وإحراق الزرع، ورحل قَسيم الدولة في جَمعه مِن العسكر وتَقديره نَحو من عشرين ألفاً وزيادة على ذلك، قاصداً مِن حَلب تاج الدولة، والتقى الفريقان، وكان الظَفر لتاج الدولة. وأسر قسيم الدولة أق سنقر صاحب حَلب وأكثر أصحابه، وحين أُحضِروا بين يدي السلطان تاج الدولة أمر بضَرب عُنق قسيم الدولة ومَن اتَّفق
مِن أصحابه فقُتلوا. وتوجَّه أكثر الفل إلى حَلب، واجتمعوا بأهل البلد والأحداث وتقرَّر بينهم الاعتصام بحَلب والاستنجاد بالسلطان بركيارق، فوصل تاج الدولة في الحال إلى حَلب، وقد اختلفت الآراء بينهم وصاروا فيما يعملون عليه، فوثب جماعة منهم لم يؤبه لهم، وكسروا باب البلد ونادوا بشعار تاج الدولة، فدخل الأمير وثاب بن محمود بن صالح البلد في مقدَّميه، وبادر إلى المُقيم بقَلعة الشريف التي قبلي حَلب بالظهور إلى تاج الدولة، ومِن باب منها دخل تاج الدولة، وعادا إليه وأعلماه بما كان مِن تقرير الحال، وأخذ الأمان فسلَّمها إليه وحصل بها، ولمَّا قَويت شوكته ونبَّه شأنه واجتمع إليه الأجناد ودُعي له على مَنابر بغداد ووصل إلى هَمَذان، وكاتب ولده فخر الملوك وضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في مَن بَقي مِن الأجناد في الشام؛ فسار إلى حَلب ومِن حَلب إلى العراق، ومعه نجم الدين إيلغازي بن أرتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة مِن أُمراء العرب وأتراك حَلب القسيميَّة، وتوجَّه صوب بغداد على الرَّحبة في أوَّل سنة ٤٨٧.
يقول صالح بن يحيى في تاريخ بيروت
إنَّ المستنصر بالله خليفة مِصر أقطع سنة ٤٤٨هـ ١٠٥٦م عَكَّة، وبيروت، وجُبيل لمُعزِّ الدولة ثمال بن مرداس صاحب حَلب عِوضاً عن حَلب التي تنزل عنها للخليفة، لكنَّ أقاربه لم يُوافقوه على ذلك، فاسترجعوا حَلب مِن عُمَّال المُستنصر واستعاد المُستنصر المُدن الثلاث الساحليَّة.
ما جاء مِن أخبارهم في صبح الأعشى ج٤ ص١٦٩
ثُمَّ تَغلَّب على حَلب صالح بن مرداس (وكان عاملاً عليها مِن قِبَل الظاهر رَجل يُقال له: ابن شعبان) أمير بَني كِلاب في سنة أربع وعشرين وأربعمائة، ثُمَّ قُتِل في أيَّام الظاهر الفاطمي، فمَلكها بعده شِبل الدولة نصر بن صالح، ثُمَّ انتزعها منه انوش تكين الدزبري بأمر المُستنصر العلوي في شعبان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وبَقي حتَّى تُوفِّي في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وملكها بعده مُعزُّ الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، ثُمَّ ملك قلعتها بعد ذلك في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ثُمَّ تَسلَّمها منه مكين الدولة (الحسن بن علي بن ملهم) في سنة تسع وأربعين وأربعمائة بصلح
وقع بينه وبين الفاطميين على ذلك، ثُمَّ انتزعها منه (محمود بن شِبل الدولة) بن صالح، ومَلك قلعتها في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ثُمَّ انتزعها منه (مُعزُّ الدولة ثمال بن صالح) في ربيع الأوَّل سنة ٤٥٢، وبَقي بها حتَّى تُوفِّي في ذي القعدة سنة ٤٥٤، وملكها بعده أخوه (عطية بن صالح) في السنة المذكورة. ثُمَّ انتزعها منه ابن أخيه (محمود بن شِبل الدولة) المُقدَّم ذكره في رمضان سنة ٤٥٤، وبَقي بها حتَّى تُوفِّي في ذي الحجَّة سنة ٤٦٨. وملكها بعده ابنه (نصر بن محمود) ثُمَّ قتله التُّركمان. ومَلكها بعده أخوه (سابق بن محمود) ثُمَّ انتزعها منه شرف الدولة (مسلم بن قريش) صاحب الموصل، وقُتِل في صَفَر سنة ٤٧٧، ومَلكها بعده أخوه (إبراهيم بن قريش)، ثُمَّ انتزعها منه تُتُش بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب دمشق في السنة المذكورة.
الفهرس
مقدمة ٧
نبذة عَن حيَاة المؤلف ١٣
نسبه ومولده ونشأته: ١٣
نشأته الأدبية: ١٦
مؤلفاته: ١٦
حياته السياسية: ١٨
في الجمعيات والمؤتمرات: ١٨
رحلاته: ١٩
في التجارة والوظائف: ١٩
أعماله: ١٩
وفاته: ٢٠
مقدّمةالمؤلّف ٢١
الفكرة الشيعية ٢٥
أسبابها - انتشارها ٢٥
نشاط الشيعة لتنظيم الدعوة ونشرها ضد الأمويين ٣٧
العصبية بين النِّزاريّة واليَمانية: ٣٩
مغزى هذه القصة والعبرة منها: ٤٢
الإِرهاص بخلافة بني العباس وزوالها عن بني أمية ٤٥
تاريخ الفاطميين دول الشيعة العلويين في المغرب ٦٣
الخبر عن خروج الفاطميين بعد فتنة بغداد ٦٧
الأدارسة في المغرب ٧٤
مبدأ دولتهم وانقراضها ٧٤
وفي كامل ابن الأثير: ٨٢
الأدارسة في صبح الأعشى ٨٤
قيام دولة بني حمود من الأدارسة ٨٥
الأسباب الممكنة لهم من الظهور: ٨٦
ملوك بني عباد ملوك اشبيلية وغربي الأندلس ٩١
رجع إلى ملك الأدارسة وأول أمرهم بالمغرب ٩٢
رجع إلى بني حمّود ٩٣
ولاية القاسم بن حمود المأمون: ٩٦
دولة يحيى بن عليّ بن حمود وما كان منه ومن عمّه ٩٧
رجوع قرطبة إلى بني أمية: ٩٩
ولاية محمد بن عبد الرحمن: ٩٩
عودة ولاية قُرطُبة إلى يحيى العلويّ: ٩٩
أخبار أولاد يحيى وأولاد أخيه وغيرهم: ١٠٠
ملخص ما ذكره المقري عن بني حمّود بقايا الأدارسة في الجزء الأول من نفح الطيب ١٠٥
ما جاء من أخبارهم في تاريخ الأندلس المسمى بـ (المعجب في تلخيص أخبار المغرب) ١٠٩
ولاية علي بن حمّود: ١١٠
ولاية القاسم بن حمود المأمون: ١١٠
ولاية يحيى بن علي المعتلي: ١١٢
أعقاب الأدارسة الذين قامت لهم دول في المغرب: ١٢٦
الدولة العُبْيدية وخلفاؤها في القيروان ومصر ١٢٧
ابتداء هذه الدولة: ١٢٧
وصول المهدي إلى المغرب واعتقاله وخروجه من الاعتقال وبيعته: ١٣٢
مقتل أبي عبد الله الشيعي وأخيه: ١٣٦
رجع إلى أخبار المهدي: ١٣٧
وفاة عبيد الله المهدي وولاية ابنه أبي القاسم: ١٤١
أخبار أبي يزيد الخارجي ١٤٢
وفاة القائم وولاية ابنه المنصور: ١٤٥
بقية أخبار أبي يزيد ومقتله: ١٤٥
بقية أخبار المنصور ١٤٨
وفاة المنصور وولاية ابنه المُعزّ: ١٤٩
فتح مصر: ١٥٢
فتح دمشق: ١٥٣
مسير المُعزّ إلى مصر ونزوله بالقاهرة: ١٥٥
حروب المُعزّ مع القرامطة واستيلاؤه على دمشق: ١٥٦
وفاة المُعزّ وولاية ابنه العزيز: ١٥٨
بقية أخبار أفتكين: ١٥٨
أخبار الوزراء ١٦٣
أخبار القضاة ١٦٣
وفاة المُعزّ وولاية ابنه الحاكم: ١٦٤
خروج أبي ركوة ببرقة والظفر به: ١٦٦
بقية أخبار الحاكم: ١٦٧
وفاة الحاكم وولاية الظاهر ١٧٠
وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر ١٧١
مَسيرُ العرب إلى أفريقية ١٧٢
مقتل ناصر الدولة بن حمدان بمصر ١٧٣
استيلاء بدر الجمالي على الدولة: ١٧٤
استيلاء الغز على الشام وحصارهم مصر: ١٧٥
وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي: ١٧٧
استيلاء الفرنج على بيت المقدس: ١٧٨
وفاة المستعلي وولاية ابنه الآمر: ١٨٠
هزيمة الفرنج لعساكر مصر: ١٨٠
استيلاء الفرنج على طرابلس وبيروت: ١٨١
مقتل الأفضل: ١٨١
ولاية ابن البطائحي: ١٨٢
مقتله: ١٨٣
مقتل الآمر وخلافة الحافظ: ١٨٤
ولاية أبي علي بن الأفضل الوزارة ومقتله: ١٨٤
قيام حسن بن الحافظ بأمر الدولة ومكره بأبيه ومهلكه: ١٨٥
وزارة بهرام ورضوان بعده: ١٨٦
وفاة الحافظ وولاية ابنه الظافر: ١٨٧
وزارة ابن مضيال ثم ابن السلار: ١٨٧
مقتل الظافر وأخويه وولاية ابنه الفائز: ١٨٩
وزارة الصالح بن رُزِّيك: ١٨٩
وفاة الفائز وولاية العاضد: ١٩٠
مقتل الصالح بن رزّيك وولاية ابنه رزّيك: ١٩١
وزارة شاور ثم الضرغام من بعده: ١٩١
مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى مصر: ١٩٢
فتنة أسد الدين مع شاور وحصاره: ١٩٢
رجوع أسد الدين إلى مصر ومقتل شاور ووزارته: ١٩٣
وفاة أسد الدين وولاية صلاح الدين الوزارة: ١٩٤
حصار الفرنج دمياط: ١٩٥
واقعة الخصيان وعمارة: ١٩٥
قطع الخطبة للعاضد وانقراض الدولة العلوية بمصر: ١٩٧
ما جاء في خطط المقريزي في الجزء الثالث في مبدأ أمر الفاطميين إلى عهد المستنصر الفاطمي ١٩٩
ذِكْرُ أبي عبد الله الشيعي: ١٩٩
تاريخ بني المصيّب دولة بني عقيل ٢٠٣
ابتداء أمرها: ٢٠٣
مهلك أبي الذوّاد وولاية أخيه المقلَّد: ٢٠٤
فتنة المقلَّد مع بهاء الدولة: ٢٠٤
القبض على علي بن المسيب: ٢٠٥
استيلاء المقلَّد على دقوقا: ٢٠٦
مقتل المقلَّد وولاية ابنه قرواش: ٢٠٦
قبض قرواش على وزرائه: ٢٠٧
حروب قرواش مع العرب وعساكر بغداد: ٢٠٨
استيلاء الغز على الموصل: ٢٠٩
استيلاء بدران بن المقلَّد على نصيبين: ٢١١
الفتنة بين قرواش وغريب بن معن: ٢١١
فتنة قرواش وجلال الدولة: ٢١١
الوحشة بين قرواش والأكراد: ٢١٢
خلع قرواش بأخيه أبي كامل ثم عوده: ٢١٢
خلع قرواش ثانية واعتقاله: ٢١٣
وفاة أبي كامل وولاية قريش بن بدران: ٢١٣
وفاة قرواش: ٢١٣
استيلاء قريش على الأنبار: ٢١٣
حرب قريش بن بدران والبساسيري ثم اتفاقهما: ٢١٤
استيلاء طغرلبك على الموصل وولاية أخيه نيال عليها: ٢١٤
مفارقة نيال الموصل وما كان لقريش فيها: ٢١٥
وفاة قريش بن بدران وولاية ابنه مسلم: ٢١٦
استيلاء مسلم بن قريش على حَلب: ٢١٦
حصار مسلم بن قريش دمشق وعصيان أهل حران عليه: ٢١٧
حرب ابن جهير مع مسلم بن قريش واستيلاؤه على الموصل ثم عودها إليه: ٢١٧
مقتل مسلم بن قريش وولاية ابنه إبراهيم: ٢١٩
تنازع محمد وعلي ابني مسلم على ملك الموصل بعد إبراهيم: ٢٢٠
عود إبراهيم إلى ملك الموصل ومقتله: ٢٢٠
ولاية علي بن مسلم على الموصل ثم انتزاعها منه وانقراض أمر بني المسيب من الموصل: ٢٢١
ما جاء من أخبارهم بتاريخ أبي الفداء الجزء الثالث: ٢٢١
ما جاء في كامل ابن الأثير من أوليتهم وأخبارهم ٢٢٨
ظهور الخلاف بين قرواش وأخيه أبي كامل وصلحهما: ٢٣٧
ما جاء من أخبارهم بذيل تاريخ دمشق لأبي يعلى حمزة بن القلانسي: ٢٥١
دولة بني مزيد الأسديين ملوك الحلَّة ٢٥٦
ابتداء أمرهم ٢٥٦
من أخبار بهاء الدولة منصور بن دُبيس بن مزيد: ٢٦٥
- ما جاء في وفيات الأعيان لابن خلكان عن الأمير صدقة - ٢٨٥
(إمرةُ دُبيس بن صدقة) ٢٨٦
- عود إلى كامل ابن الأثير - ٢٨٧
- ما جاء من أخبارهم في الجزء الحادي عشر من كامل ابن الأثير - ٣٠٤
[ما جاء من أخبارهم في تاريخ ابن خلدون] ٣٠٧
(استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدُبيسية) ٣٠٨
(فتنة دُبيس مع جلال الدولة وحروبه مع قومه) ٣٠٨
(الفتنة بين دُبيس وأخيه ثابت) ٣٠٩
الفتنة بين دُبيس وعسكر واسط ٣١٠
إيقاع دُبيس بخفاجة ٣١٠
حرب دُبيس مع الغز وخطبته لصاحب مصر العلوي ٣١٠
ومعاودته الطاعة ٣١٠
وفاة دُبيس وإمارة ابنه منصور ٣١١
وفاة منصور بن دُبيس وولاية ابنه صدقة ٣١١
انتقاض صدقة على السلطان بركيارق ٣١٢
استيلاء صدقة على واسط وهيْت ٣١٢
استيلاء صدقة بن مزيد على البصرة ٣١٣
وفاة علي بن دُبيس وانقراض بني مزيد ٣١٤
ما جاء مِن أخبارهم بذيل تاريخ دمشق لحمزة بن القلانسي ٣١٥
استيلاء صدقة على تكريت ٣١٨
الخلف بين صدقة وصاحب البطيحة ٣١٩
مقتل صدقة وولاية ابنه دُبيس ٣١٩
خبر دُبيس مع البُرسقي ومع الملك مسعود ٣٢١
فتنة دُبيس مع السلطان محمود ٣٢٣
مسير دُبيس إلى الملك طغرل ٣٢٥
مسير دُبيس إلى السلطان سنجر ٣٢٦
فتنة دُبيس مع محمود وأسره ٣٢٦
مسير دُبيس إلى بغداد مع زنكي وانهزامهما ٣٢٧
مقتل دُبيس وولاية ابنه صدقة ٣٢٨
مَقتل صدقة وولاية ابنه محمد ٣٢٩
تغلُّب علي بن دُبيس على الحلَّة ومِلكه إيَّاها مِن أخيه محمد ٣٢٩
أخذ السلطان الحلَّة مِن يَد علي وعَوْده إليها ٣٣٠
نكبة علي بن دُبيس ٣٣٠
ابن خلكان في تَرجمة السلطان محمد بن ملكشاه ج٢ ص٦٧ ٣٣١
ابن الطقطقي في كتابه الفخري قال في ذِكر خلافة المسترشد: ٣٣١
إمارة بني مقن فرع المقلَّد مِن آل المسيب العقيليين ٣٣٢
ما جاء في كامل ابن الأثير الجزء التاسع من أخبارهم ٣٣٢
بنو دُبيس الأسديون ٣٣٦
وإليك ما جاء في كامل ابن الأثير من أخبارهم ٣٣٦
بنو خَفاجة أُمراء الكوفة ٣٣٩
وإليك ما جاء مِن أخبارهم مِن كامل ابن الأثير ٣٣٩
ما ذكره ابن خلدون في تاريخه عن خفاجة ٣٤٥
دولة بني شاهين ملوك البطيحة ٣٤٦
وفاة عمران بن شاهين وقيام ابنه الحسن مقامه ٣٤٨
مَقتل الحسن بن عمران وولاية أخيه أبي الفرج ٣٤٨
مقتل أبي الفرج وولاية أبي المعالي بن الحسن ٣٤٨
استيلاء المظفَّر وخلع أبي المعالي ٣٤٩
ما جاء في الكامل من أخبار بني شاهين ٣٤٩
بنو مرداس ملوك حَلب ٣٥٥
- أوليتهم - ٣٥٥
ما جاء عنهم في تاريخ العِبر لابن خلدون ج٤ ٣٥٦
استيلاء صالح بن مرداس على حَلب ٣٥٦
مَقتل صالح وولاية ابنه أبي كامل ٣٥٧
مَقتل نصر بن صالح واستيلاء الوزيري على حَلب ٣٥٧
مَهلك الوزيري وولاية ثمال بن صالح ٣٥٧
رغبة ثمال عن حَلب ورجوعها لصاحب مصر ٣٥٨
ثورة أهل حَلب بابن ملهم وولاية محمود بن نصر بن صالح ٣٥٨
رجوع ثمال بن صالح إلى مُلك حَلب وفرار محمود بن نصر عنها ٣٥٩
وفاة ثمال وولاية أخيه عطيَّة ٣٥٩
عَود محمود إلى حَلب ومِلكه إيَّاها مِن عطيَّة ٣٥٩
مَهلك نصر بن محمود وولاية أخيه سابق ٣٦٠
استيلاء مسلم بن قريش على حَلب مِن يد سابق ٣٦٠
رواج الأدب والشعر في دولتهم ٣٦١
ما جاء من أخبارهم في كامل ابن الأثير ج٩ ٣٦٣
ما أورده ابن القلانسي مِن أخبارهم ٣٧٣
يقول صالح بن يحيى في تاريخ بيروت ٣٨١
ما جاء مِن أخبارهم في صبح الأعشى ج٤ ص١٦٩ ٣٨١