تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني الجزء 2

مؤلف: العلامة الشيخ سليمان ظاهر
تاريخ التشيع

تاريخ الشيعة

السياسيّ الثقافيّ الدينيّ

تأليف

العلاّمة الشيخ سُليمان ظاهر

عضو المجمع العلمي العربي بدمشق

حقّقه وضبطه

عبد سليمان ظاهر

المجلّد الثاني

منشورات

مؤسسة الأعلمي للمطبوعات

بيروت - لبنان

ص. ب ٧١٢٠



بسم الله الرحمن الرحيم


بسم الله الرحمن الرحيم

تاريخُ بني حَمْدان

دولة بني حمدان

قال ابن خلدون: كان بنو تغلب بن وائل من أعظم بطون ربيعة بن نزار، ولهم محلّ في الكثرة والعدد، وكانت مواطنهم بالجزيرة في ديار ربيعة، وكانوا على دين النصرانية في الجاهلية وصاغيتهم مع قيصر.

وحاربوا المسلمين مع غسّان وهرقل أيّام الفتوحات في نصارى العرب يومئذٍ من غسّان وإياد وقضاعة وزابلة وسائر نصارى العرب.

ثمّ ارتحلوا مع هرقل إلى بلاد الروم، ثمّ رجعوا إلى بلادهم، وفرض عليهم عمر بن الخطّاب الجزية، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا تذلّنا بين العرب باسم الجزية واجعلها صدقة مضاعفة. ففعل.

وكان قائدهم يومئذٍ حنظلة بن قيس بن هرير من بني مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وكان من رهطه عمرو بن بسطام صاحب أسند أيّام بني أمية، ثمّ كان منهم بعد ذلك في الإسلام ثلاثة بيوت: آل عمر بن الخطّاب العدوي، وآل هارون المغمر، وآل حمدان بن حمدون بن الحرث بن لقمان بن أسد.

ولم يذكر ابن حزم هؤلاء البيوت الثلاثة في بطون بني تغلب في كتاب الجمهرة، ووقفت على حاشية في هذا الموضع من كتابه، فيها ذكر هؤلاء الثلاثة كالاستلحاق عليه.

وقال في بني حمدان: وقيل إنّهم موالي بني أسد، ثمّ قال آخر الحاشية: إنّه من خط المصنف، يعني ابن حزم، ولمّا فشا دين الخارجية بالجزيرة أيّام مروان بن الحكم، وفرّق جموعه ومحا آثار تلك الدعوة، ثمّ


ظهر في تلك الجزيرة بعد حين أثر من تلك الدعوة، وخرج مساور بن عبد الله بن مساور البجلي من الشراة(١) أيّام الفتنة بعد مقتل المتوكل، واستولى على أكثر أعمال الموصل، وجعل دار هجرته الحديثة، وكان على الموصل يومئذٍ عقبة بن محمّد بن جعفر بن محمّد بن الأشعث الخزاعي الذي ولّى المنصور جدّه محمّداً على أفريقية ؛ وعليه خرج مساور، ثمّ ولّى على الموصل أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطّاب التغلبي سنة أربع وخمسين ومئتين، واستخلف عليه ابنه الحسن، فسار إلى مساور في جموع قومه وفيهم حمدون بن الحرث، فهزموا الخوارج وفرّقوا جمعهم.

ثمّ ولّى أيّام المهتدي عبد الله بن سليمان بن عمران الأزدي، فغلبه الخوارج، وملك مساور الموصل ورجع إلى الحديثة. ثمّ انتقض أهل الموصل أيّام المعتمد سنة تسع وخمسين ومئتين، وأخرجوا العامل وهو أساتكين الهيثم بن عبد الله بن المعتمد العدوي من بني تغلب، فامتنعوا عليه، وولّوا مكانه إسحاق بن أيوب من آل الخطّاب، فزحف معه حمدان ابن حمدون، وحاصرها مدّةً ثمّ كانت فتنة إسحاق بن كنداجق وانتفاضه على المعتمد.

واجتمع لمدافعته علي بن داود صاحب الموصل وحمدان بن حمدون وإسحاق بن أيوب، فهزمهم إسحاق بن كنداجق وافترقوا، فاتبع إسحاق بن أيوب إلى نصيبين ثمّ إلى آمد، واستجار فيها بعيسى بن الشيخ الشيباني، وبعث إلى المعز موسى بن زرارة صاحب أرزن فامتنع بإنجادهما.

ثمّ ولّى المعتمد ابن كنداجق على الموصل سنة سبع وستين ومئتين، فاجتمع لحربه إسحاق بن أيوب وعيسى بن الشيخ وأبو العز بن زرارة وحمدان بن حمدون في ربيعة وتغلب، فهزموا ابن كنداجق(٢) وحاصره هو، ولجأوا إلى آمد عند عيسى بن الشيخ الشيباني، وحاصرهم بها، وتوالت عليهم الحروب، وهلك مساور الخارجي أثناء هذه الفتن في حربه مع العساكر سنة ثلاث وستّين ومئتين.

____________________

(١) في الأصل: الشراب.

(٢) ذكرت في كامل ابن الأثير، في حوادث سنة ٢٦٧ المجلّد ٧ الصفحة ٤٥.


واجتّمَع الخوارج بعده على هارون بن عبد الله البجلي، واستولى على الموصل، وكثر تابعه، وخرج عليه محمّد بن خردان من أصحابه فغلبه على الموصل، فقصد حمدان بن حمدون مستنجداً به، فسار معه وردّه إلى الموصل، ولحق محمذد بالحديثة، ورجع أصحابه إلى هارون.

ثمّ سار هارون من الموصل إلى محمّد فأوقع به وقتله، وعاث في الأكراد الجلاليّة أصحابه، وغلب على القرى والرساتيق، وجعل رجله يأخذ الزكاة والعشر.

ثمّ زحف بنو شيبان لقتاله سنة اثنتين وسبعين ومئتين ؛ فاستنجد بحمدان بن حمدون، وانهزم قبل وصوله إليه.

ثمّ كانت الفتنة بين إسحاق بن كنداجق ويوسف بن أبي الساج، وأخذ ابن أبي الساج بدعوة ابن طولون، وغلب على الجزيرة والموصل، ثمّ عاد وملكها لابن كنداجق، وولى عليها هارون بن سيما سنة تسع وسبعين ومئتين، فطرده أهلها، واستنجد ببني شيبان فساروا معه إلى الموصل، واستمدّ أهلها الخوارج وبني تغلب، فسار لإمدادهم هارون الساري وحمدان. فهزمهم بنو شيبان، وخاف أهل الموصل من ابن سيما فبعثوا إلى بغداد، وولّى عليهم المعتمد علي بن داود الأزري. ولما بلغ المعتضد ممالئة حمدان بن حمدون لهارون الساري وما فعله بنو شيبان، وقد كان خرج لإصلاح الجزيرة وأعطاه بنو شيبان رهنهم على الطاعة، زحف إلى حمدان وهزمه فلحق بماردين وترك بها ابنه الحسين وهرب، فسار مع وصيف ونصر القسوري، ومرّوا بدير الزعفران وبه الحسين بن حمدان، فاستأمن لهم. وبعثوا به إلى المعتضد، وأمر بهدم القلعة ولقي وصيف حمدان فهزمه وعبر إلى الجانب الغربي، ثمّ سار إلى معسكر المعتصد، وكان إسحاق بن أيوب التغلبي قد سبق إلى طاعة السلطان وهو في معسكره، فقصد خيمته ملقياً بنفسه عليه، فأحضره عند المعتضد فحبسه.

ثمّ سار نصر القسوري في اتباع هارون، فهزم الخوارج ولحق بأذربيجان، واستأمن آخرون إلى المعتضد، ودخل هارون البرية، ثمّ سار المعتضد سنة ثلاث وثمانين ومئين في طلب هارون، وبعث في مقدّمته


وصيفاً وسرّح معه الحسين بن حمدان بن بكرين، واشترط له إطلاق ابنه إن جاء بهارون.

فاتبعه وأسره وجاء به إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى أخوته وطوقه، وفك القيود عن حمدان ووعده بإطلاقه.

ومات إسحاق بن أيوب العدوي وكان على ديار ربيعة، فولّى المعتضد مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمد.

مبدأ الدولة وولاية أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل:

ولمّا ولي المكتفي عقد لأبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل وأعمالها، وكان الأكراد الهدبانية قد عاثوا في نواحها ومقدّمهم محمّد بن سلال، فقاتلهم وعبر وراءهم إلى الجانب الشرقي، وقاتلهم علي الخازر وقتل مولاه سيما ورجع، ثمّ أمدّه الخليفة فسار في أثرهم سنة أربع وتسعين ومئتين، وقاتلهم على أذربيجان وهزم محمّد بن سلال بأهله وولده، واستباحهم ابن حمدان، ثمّ استأمن محمّداً وجاءه إلى الموصل واستأمن سائر الأكراد الحميدية.

واستقام أمر أبي الهيجاء، ثمّ كانت فتنة الخلع ببغداد سنة ست وتسعين ومئتين، وقتل الوزير العبّاس بن الحسن، وخلع المقتدر وبويع عبد الله بن المعتز يوماً أو بعض يوم، وعاد المقتدر.

وكان الحسين بن حمدان على ديار ربيعة، وكان ممّن تولّى كبر هذه الفتنة مع القواد، وباشر قتل الوزير مع مَن قتله فهرب، وطلبه المقتدر وبعث في طلبه القاسم بن سيما وجماعة من القواد، فلم يظفروا به.

فكتب إلى أبي الهيجاء وهو على الموصل فسار مع القاسم، ولقيهم الحسين عند تكريت، فانهزم واستأمن فأمنه المقتدر وخلع عليه وولاّه أعمال قم وقاشان، ثمّ ردّه بعد ذلك إلى ديار ربيعة.

انتقاض أبي الهيجاء ثمّ الحسين بن حمدان:

ولمّا كانت سنة تسع وتسعين ومئتين خالف أبو الهيجاء بالموصل سنة اثنتين وثلاثمئة، وكان الحسين بن حمدان على ديار ربيعة، كما قدّمناه،


فطالبه الوزير عيسى بن عيسى بحمل المال، فدافعه فأمره بتسليم البلاد إلى العمّال فامتنع، فجهّز إليه الجيش فهزمهم ؛ فكتب إلى مؤنس العجلي وهو بمصر يقاتل العساكر العلويّة ؛ بأن يسير إلى قتال الحسين بعد فراغه من أمره. فسار إليه سنة ثلاث وثلاثمئة، فارتحل بأهله إلى أرمينية، وترك البلاد. وبعث مؤنس العساكر في أثره، فأدركوه وقاتلوه فهزموه، وأسر هو وابنه عبد الوهاب وأهله وأصحابه، فأدخل على محل وقبض المقتدر يومئذٍ على أبي الهيجاء وجميع بني حمدان، فحبسهم جميعاً، ثمّ أطلق أبا الهيجاء سنة خمس وثلاثمئة بعدها، وقتل الحسين سنة ست وثلاثمئة، وولّى إبراهيم بن حمدان سنة سبع وثلاثمئة على ديار ربيعة، وولّى مكانه داود بن حمدان.

ولاية أبي الهيجاء ثانية عل الموصل ثمّ مقتله:

ثمّ ولّى المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل سنة أربع عشرة وثلاثمئة، فبعث ابنه ناصر الدولة الحسين عليها، وأقام هو ببغداد، ثمّ بلغه إفساد العرب والأكراد في نواحيها، وفي نواحي عمله الآخر بخراسان، فبعث إلى أبيه ناصر الدولة فأوقع بالعرب في الجزيرة ونكل بهم، وجاءه في العساكر إلى تكريت، فخرج ورحل بهم إلى شهر زور، وأوقع بالأكراد الجلاليّة حتّى استقاموا على الطاعة.

ثمّ كان خلع المقتدر سنة سبع عشرة وثلاثمئة بأخيه القاهر، ثمّ عاد ثاني يوم، وأحيط بالقاهرة في قصره، فتذمّم بأبي الهيجاء وكان عنده يومئذٍ، وأطال المقام يحاول على النجاة به فلم يتمكّن من ذلك.

وانقضّ الناس على القاهرة، ومضى أبو الهيجاء يفتّش عن بعض المنافق في القصر يتخلّص منه، فاتّبعه جماعة وفتكوا به، وقتلوه منتصف المحرّم من السنة سبع عشرة وثلاثمئة، وولّى المقتدر مولاه نحريراً على الموصل.

ولاية سعيد ونصر ابنَي حمدان على الموصل:

ثمّ إنّ أبا العلاء سعيد بن حمدان ضمن الموصل وديار ربيعة وما بيد ناصر الدولة، فولاّه الراضي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة، وسار إلى الموصل. فخرج ناصر الدولة لتلقّيه، وخالفه أبو العلاء إلى بيته وقعد


ينتظره، فأنفذه ناصر الدولة جماعةً من غلمانه فقتلوه.

وبلغ الخبر إلى الراضي فأعظم ذلك وأمر الوزير ابن مقلة بالمسير إلى الموصل فسار إليها، وارتحل ناصر الدولة واتبعه الوزير إلى جبل السن، ورجع عنه وأقام بالموصل. واحتال بعض أصحاب ابن حمدان ببغداد على ابن الوزير وبذل له عشرة آلاف دينار على أن يستحثّ أباه، ففعل وكتب إليه بأمورٍ أزعجته، فاستعمل على الموصل من وثق به من أهل الدولة ورجع إلى بغداد في منتصف شوّال.

ورجع ناصر الدولة إلى الموصل فاستولى عليها، وكتب إلى الراضي في الصفح وأن يضمن البلاد، فأجيب إلى ذلك واستقر في ولايته.

مسير الراضي إلى الموصل:

وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمئة تأخّر ضمان البلاد من ناصر الدولة، فغضب الراضي وسار ومدبّر دولته تحكم، وسار إلى الموصل وتقدّم تحكم إلى تكريت ؛ فخرج إليه ناصر الدولة فانهزم أصحابه، وسار إلى نصيبين وأتبعه تحكم فلحق به. وكتب تحكم إلى الراضي بالفتح، فسار في السفن يريد الموصل، وكان ابن رائق مختفياً ببغداد منذ غلبه ابن البريدي على الدولة، فظهر عند ذلك واستولى على بغداد.

وبلغ الخبر إلى الراضي، فأصعد من الماء إلى البر واستقدم تحكم من نصيبين ؛ واستعاد ناصر الدولة ديار ربيعة وهو يعلم بخبر ابن رائق، وبعث في الصلح على تعجيل خمسمئة ألف درهم فأجابه إلى ذلك.

وسار الراضي وتحكم إلى بغداد، ولقيهم أبو جعفر محمد بن يحيى ابن شريق رسولاً من ابن رائق في الصلح، على أن يولّى ديار مضر، وهي حرّان والرها والرقّة، وتضاف إليها قنسرين والعواصم فأجب إلى ذلك، وسار عن بغداد إلى ولايته، ودخل الراضي وتحكم بغداد، ورجع ناصر الدولة بن حمدان إلى الموصل.

سير المتّقي إلى الموصل وولاية ناصر الدولة إمارة الأمراء:

كان ابن رائق من بعد مسيره إلى ديار مضر والعواصم، سار إلى الشام


وملك دمشق من يد الأخشيد ثمّ الرملة. ثمّ لقيه الأخشيد على عريش مصر وهزمه ورجع إلى دمشق، ثمّ اصطلحا على أن يجعلا الرملة تخماً بين الشام ومصر، وذلك سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة.

ثمّ توفّي الراضي سنة تسع وعشرين وثلاثمئة، وولي المتّقي وقتل تحكم، وجاء البريدي إلى بغداد وهرب الأتراك التحكمية إلى الموصل وفيهم توزون وحجمج. ثمّ لحق بأبي بكر محمّد بن رائق واستحثّوه إلى العراق، وغلب بعدهم على الخلافة الأتراك الديلمية، وجاء أبو الحسن البريدي من واسط فأقام ببغداد أربعة وعشرين يوماً أمير الأمراء، ثمّ شغب عليه الجند فرجع إلى واسط، وغلب كورتكين ثمّ حجر المتقي وكتب إلى ابن رائق يستدعيه، فسار من دمشق في رمضان سنة تسع وعشرين وثلاثمئة، واستخلف عليها أبا الحسن أحمد بن علي بن حمدان على أن يحمل إليه مئة ألف دينار.

وسار ابن رائق إلى بغداد وغلب كورتكين والديلمية، وحبس كورتكين بدار الخلافة. ثمّ شغب عليه الجند، وبعث أبو عبد الله البريدي أخاه أبا الحسن إلى بغداد في العساكر فغلبوا عليها. وهرب المتّقي وابنه أبو منصور. وزاد في المسيرة، فنثر الدراهم على ابن الخليفة، وبالغ في مبرّته حتّى ركب للانصراف وأمسك ابن رائق للحديث معه فاستدعاه المتّقي وخلع عليه ولقبه ناصر الدولة وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن ولقبه سيف الدولة، وكان قتل ابن رائق لتسع بقين من رجب، وولاية ناصر الدولة مستهل شعبان من سنة ثمانين وثلاثمئة.

ثمّ سار الأخشيدي من مصر إلى دمشق فملكها من يد عامل ابن رائق، وسار ناصر الدولة مع المتّقي إلى بغداد.

أخبار بني حمدان ببغداد:

ولمّا قتل ابن رائق وولّي أبو الحسن البريدي على بغداد وقد سخطه العامّة والخاصّة، فهرب حجمج إلى المتّقي، وأجمع توزون وأصحابه إلى الموصل واستحثّوا المتّقي وناصر الدولة فأنجدوهم إلى بغداد، وولّى على الخراج والضياع بديار مضر وهي الرها وحران والرقّة أبا الحسن علي بن


خلف بن طياب وكان عليها أبو الحسن علي بن أحمد بن مقاتل من قبل ابن رائق فقاتله ابن طياب وقتله.

ولمّا قرب المتّقي وناصر الدولة من بغداد، هرب أبو الحسن بن البريدي إلى واسط بعد مقامه مئة يوم وعشرة أيّام.

ودخل المتّقي بغداد ومعه بنو حمدان، وقلّد توزون شرطة جانبي بغداد وذلك في شوّال من السنة، ثمّ سار بنو حمدان إلى واسط، فنزل ناصر الدولة بالمدائن، وبعث أخاه سيف الدولة إلى قتال البريدي وقد سار من واسط إليهم فقاتلوه تحت المدائن ومعهم توزون وحجمج والأتراك فانهزموا أولاً، ثمّ أمدّهم ناصر الدولة بمن كان معه من المدائن فانهزم البريدي إلى واسط، وعاد ناصر الدولة إلى بغداد منتصف ذي الحجّة وبين يديه الأسرى من أصحاب البريدي.

وأقام سيف الدولة بموضع المعركة حتّى اندملت جراحه وذهب وهنه، ثمّ سار إلى واسط فلحق البريدي بالبصرة واستولى على واسط، فأقام بها معتزماً على اتباع البريدي إلى البصرة. واستمدّ أخاه ناصر الدولة في المال فلم يمدّه وكان للأتراك عليه استطالة وخصوصاً توزون وحجمج.

ثمّ جاء أبو عبد الله الكوفي بالمال من قِبَل ناصر الدولة ليفرقه في الأتراك، فاعترضه توزون وحجمج وأرادا البطش به، فأخفاه سيف الدولة عنهما وردّه إلى أخيه.

ثمّ ثار الأتراك بسيف الدولة سلخ شعبان فهرب من معسكره إلى بغداد، ونهب سواده وقتل جماعةً من أصحابه.

وكان أبو عبد الله الكوفي لمّا وصل إلى ناصر الدولة وأخبره خبر أخيه أراد أن يسير إلى الموصل، فركب المتّقي إليه، واستمهله، وعاد إلى قصره فأغذّ السير إلى الموصل بعد ثلاثة عشر شهراً من إمارته.

وثار الديلم والأتراك ونهبوا داره، ولمّا هرب سيف الدولة من معسكره بواسط عاد الأتراك إلى معسكرهم وولوا توزون أميراً وحجمج صاحب جيش.

ولحق سيف الدولة ببغداد منتصف رمضان بعد مسير أخيه، وبلغه خبر توزون، ثمّ اختلف الأتراك وقبض توزون على إمارة الأمراء ببغداد.


خبر عدل التحكمي بالرحبة:

كان عدل هذا مولى تحكم ثمّ صار مع ابن رائق وأصعد معه إلى الموصل، ولمّا قتل ابن رائق صار في جملة ناصر الدولة بن حمدان فبعثه مع علي بن خلف بن طياب إلى ديار مضر، فاستولى ابن طياب عليها وقتل نائب ابن رائق وكان بالرحبة من ديار مضر رجل من قِبَل ابن رائق يُقال له مسافر بن الحين فامتنع بها وجبى خراجها واستولى على تلك الناحية، فأرسل إليه ابن طياب عدلاً التحكمي فاستولى عليها، وفر مسافر عنها.

واجتمع التحكمية إلى عدل، واستولى على طريق الفرات وبعض الخابور. ثمّ استنصر مسافر بجمع من بني نمير وسار إلى قرقيسيا وملكها، وارتجعها عدل من يده ثمّ اعتزم عدل إلى ملك الخابور، وانتصر أهله ببني نمير، فأعرض عدل عن ذلك حيناً حتّى أمنوا، ثمّ أسرى إلى فسيح سمصاب وهي من أعظم قرى خابور فقاتلها وثقب السور وملكها ثمّ ملك غيرها.

وأقام في الخابور ستّة أشهر، وجبى الأموال وقوي جمعه واتسعت حاله، ثمّ طمع في ملك بني حمدان فسار يريد نصيبين لغيبة سيف الدولة عن الموصل وبلاد الجزيرة، ونكب عن الرحبة وحران ؛ لأنّ يأنس المؤنسي كان بها في عسكر ومعه جمع من بني نمير فحاد عنها إلى رأس عين ومنها إلى نصيبين.

وبلغ الخبر إلى أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان فجمع وسار إليه فلمّا التقى الجمعان استأمن أصحاب عدل إلى ابن حمدان، ولم يبق معه إلاّ القليل، فقبض عليه وسمله وبعث به مع ابنه إلى بغداد في آخر شعبان سنة إحدى وثلاثين ومئتين (كذا).

مسير المتّقي إلى الموصل وعوده:

ولمّا انصرف ناصر الدولة وسيف الدولة عن المتّقي من بغداد، وجاء توزون من واسط واستولى على الدولة، ثمّ رجع إلى واسط، ووقعت بينه وبين ابن البريدي بالبصرة مواصلة وصهر ؛ استوحش لها المتّقي.

وكان بعض أصحاب توزون مسافراً له، فأكثر فيه السعاية عند المتّقي والوزير ابن مقلة


وخوفهما اتصال يده بابن البريدي، وقارن ذلك اتصال ابن شيرزاده بتوزون ومسيره إليه بواسط، فذكروا الخليفة بما فعل ابن البريدي معه في المرّة الأُخرى وخوّفوه عاقبة أمرهم، فكتب إلى ابن حمدان أن ينفذ إليه عسكراً يسير صحبته إليهم.

فأنفذه مع ابن عمّه الحسين بن سعيد بن حمدان، ووصلوا إلى بغداد سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة.

وخرج المتّقي معهم بأهله وأعيان دولته ومعهم الوزير ابن مقلة، وانتهى إلى تكريت. فلقيه سيف الدولة هنالك، وجاء ناصر الدولة إليها. وملك توزون الموصل، وبعث إليه المتقي يعاتبه على اتصاله بابن البريدي وأنّه إنّما استوحش من ذلك فإن آثر رضاه واصل ابن حمدان، فأجاب توزون إلى ذلك. وعقد الضمان لناصر الدولة على ما بيده من البلاد لثلاث سنين كلّ سنة بثلاثة آلاف ألف وستمئة ألف درهم.

وعاد توزون إلى بغداد، وأقام المتّقي بالرقّة، ثمّ أحسّ ابن حمدان ضجراً به، وبلغ سيف الدولة أنّ محمّد بن نيال الترجمان أغرى المتّقي بسيف الدولة وهو الذي كان قد أفسد بين المتّقي وتوزون، فقبض عليه سيف الدولة وقتله. وارتاب المتّقي بذلك فكتب إلى توزون، فقبض عليه سيف الدولة وقتله. وارتاب المتّقي بذلك فكتب إلى توزون يستصلحه، وكتب إلى الأخشيد محمد بن طغج صاحب مصر يستقدمه.

فسار إليه الأخشيد، ولمّا وصل إلى حلب وعليها من قبل سيف الدولة ابن عمّهم أبو عبد الله سعيد بن حمدان فرحل عنها.

وتخلّف عنه ابن مقاتل الذي كان بدمشق مع ابن رئق، ولمّا وصل الأخشيد إلى حلب لقيه ابن مقاتل فأكرمه واستعمله على خراج مصر، ثمّ سار إلى المتّقي بالرقّة فلقيه منتصف ثلاث وثلاثين وثلاثمئة، فبالغ المتّقي في إكرامه وبالغ هو في الأدب معه وحمل إليه الهدايا وإلى وزيره وحاشيته وسأله المسير إلى مصر أو الشام فأبى، فأشار عليه أن لا يرجع إلى توزون،


فأبى، وأشار على ابن مقلة أن يسير معه إلى مصر ليحكمه في دولته وخوفه من توزون فلم يعمل. وجاءهم رسل توزون في الصلح وأنّهم استحلفوه للخليفة والوزير، فانحدر المتّقي إلى بغداد آخر المحرم.

وعاد الأخشيد إلى مصر، ولمّا وصل المتّقي إلى هيت لقِيَه توزون فقبّل الأرض ورأى أنّه تحلّل عن يمينه بتلك الطاعة، ثمّ وكل به وسمل المتّقي، ورجع إلى بغداد فبايع للمستكفي.

ولمّا ارتحل المتّقي عن الرقّة ولّى عليها ناصر الدولة ابن عمّه أبا عبد الله بن سعيد بن حمدان وعلى طريق الفرات وديار مضر وقنسرين وجند والعواصم وحمص ؛ فلمّا وصل إلى الرقّة طمع أهلها فيه، فقاتلهم وظفر بهم، ورجع إلى حلب وكان قد ولّى على هذه البلاد قبله أبا بكر محمّد بن علي بن مقاتل.

استيلاء سيف الدولة على حلب وحمص:

ولمّا ارتحل المتّقي من الرقّة وانصرف الأخشيد إلى الشام بقي يأنس المؤنسي بحلب، فقصده سيف الدولة وملكها من يده، ثمّ سار إلى حمص فلقيه بها كافور مولى الأخشيد فهزمه سيف الدولة.

وسر إلى دمشق فامتنعوا عليه فرجع. وجاء الأخشيد من مصر إلى الشام وسار في اتباع سيف الدولة، فاصطفا بقنسرين، ثمّ تحاجزوا، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة والأخشيد إلى دمشق.

ثمّ سار سيف الدولة إلى حلب فملكها، وسارت عساكر الروم إليها فقاتلهم وظفر بهم، ثمّ بلغ ناصر الدولة بن حمدان ما فعله توزون من سمل المتّقي وبيعة المستكفي فامتنع من حمل المال وهرب إليه غلمان توزون فاستخدمهم ونقض الشروط في ذلك.

وخرج توزون والمتسكفي قاصدين الموصل، وترددت الرسل بينهما في الصلح، فتمّ ذلك آخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة.

وعاد توزون والمستكفي إلى بغداد، فتوفّي توزون أثر عوده وولي بعده ابن شيرزاده، واستعمل على واسط قائداً وعلى تكريت آخر. فأمّا الذي


على واسط فكاتب معزّ الدولة بن بويه واستقدمه، فقَدِم بغداد واستولى على الدولة، فخلع المستكفي وبايع للمطيع، وأمّا الذي على تكريت فسار إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل وسار معه وولاّه عليها من قبله.

الفتنة بين ابن حمدان وابن بويه:

ولمّا خلع معزّ الدولة بن بويه المستكفي عند استيلائه على بغداد، امتعض ناصر الدولة بن حمدان لذلك، وسار من الموصل إلى العراق.

وبعث معزّ الدولة بن بويه قوّاده، فالتقى الجمعان بعكبرا واقتتلوا، وخرج معزّ الدولة مع المطيع إلى عكبرا وكان ابن شيرزاده ببغداد وأقام بها ولحق بناصر الدولة بن حمدان، وجاء بعساكره إلى بغداد فنزلوا بالجانب الغربي، وناصر الدولة بالجانب الشرقي.

ووقع الغلاء في معسكر معزّ الدولة والخليفة لانقطاع الميرة، وبقي عسكر ابن حمدان في رخاءٍ من العيش لاتصال المسيرة من الموصل.

واستعان ابن شيرزاده بالعامة والعيارين على حرب معز الدولة والديلم. وضاق الأمر بمعزّ الدولة حتّى اعتزم على الرجوع إلى الأهواز، ثمّ أمر أصحابه بالعبور من قطربل على دجلة، وتسابق أصحاب ناصر الدولة إلى مدافعتهم ومنعهم.

وبقي في خف من الناس فأجاز إليه شجعان الديلم من أقرب الأماكن فهزموه.

وملك معزّ الدولة الجانب الشرقي، وأعاد المطيع إلى داره في محرّم سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة.

ورجع ناصر الدولة إلى عكبرا، وأرسل في الصلح، فوقف الأتراك التوزونية الذين معه على خبر رسالته، فهمّوا بقتله، فأغذّ السير إلى الموصل ومعه ابن شيرزاده، وأحكم الصلح مع معزّ الدولة.

استيلاء سيف الدولة على دمشق:

وفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة توفّي الأخشيد أبو بكر محمد بن طغج صاحب مصر والشام، فنصب للأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور،


واستولى عليه كافور الأسود وخادم أبيه، وسار بهما إلى مصر.

وجاء سيف الدولة إلى دمشق فملكها، وارتاب أهلها فاستدعوا كافوراً فجاءهم، وخرج سيف الدولة إلى حلب ثمّ اتبعوه ففرّ إلى الجزيرة. وأقام أنوجور على حلب، ثمّ اتفقوا واصطلحوا وعاد أنوجور إلى مصر وسيف الدولة إلى حلب.

وأقام كافور بدمشق قليلاً ثمّ عاد إلى مصر، واستعمل على دمشق بدراً الأخشيدي، ويعرف ببدير، ثمّ عزله بعد سنة، وولّى أبا المظفّر طغج.

الفتنة بين ناصر الدولة بن حمدان وبين تكين والأتراك:

كان مع ناصر الدولة جماعة من الأتراك أصحاب توزون، فرّوا إليه كما قدّمنا، فلمّا وقعت المراسلة بينه وبين معزّ الدولة في الصلح، ثاروا به وهرب منهم وعبر إلى الجانب الغربي، ونزل واستجار بالقرامطة فأجاروه، وبعثوا معه إلى مأمنه، وفي جملته ابن شيرزاده ؛ فقبض ناصر الدولة عليه، واجتمع الأتراك بعده فقدموا عليهم تكين الشيرازي، وقبضوا على من تخلّف من أصحاب ناصر الدولة واتبعوه إلى الموصل، فسار عنها إلى نصيبين.

ودخل الأتراك الموصل، وبعث ناصر الدولة إلى معزّ الدولة يستصرخه، فبعث إليه الجيوش مع وزيره أبي جعفر الصيمري.

وخرج الأتراك من الموصل في اتّباع ناصر الدولة إلى نصيبين، فمضى إلى سنجار ثمّ إلى الحديثة ثمّ إلى السن وهم في اتباعه. وبقي هنالك العساكر فقاتلوا الأتراك وهزموهم، وسيق قائدهم تكين إلى ناصر الدولة فسمله لوقته، ثمّ حبسه وسار مع الصيمري إلى الموصل فأعطاه ابن شيرزاده وارتحل به إلى بغداد.

ثمّ ذكر خبر انتقاض جمان بالرحبة ومهلكه وتركناه لعدم غنائه.

فتنة ناصر الدولة مع معزّ الدولة:

ثمّ وقعت الفتنة بين ناصر الدولة بن حمدان ومعزّ الدولة بن بويه. وسار إليه معزّ الدولة من بغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة، فسار هو من الموصل إلى نصيبين.


وملك معز الدولة الموصل، فظلم الرعايا وأخذ أموالهم، وأجمع الاستيلاء على بلاد ابن حمدان كلها فجاءه الخبر بأن عساكر خراسان قصدت جرجان والري. وبعث أخوه ركن الدولة، ويستمده، فصالح نصر الدولة عن الموصل والجزيرة والشام على مثانة آلاف درهم كل سنة، وعلى أن يخطب له ولأخويه عماد الدولة وركن الدولة.

وعاد إلى بغداد في ذي الحجة آخر سبع وثلاثين وثلاثمئة.

غزوات سيف الدولة:

كان أمير الثغور راجعاً إلى سيف الدولة بن حمدان، ووقع الفداء سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة في ألفين من الأسرى على يد نصر النملي. ودخل الروم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة مدينة واسرغن ونهبوها وسبوها وأقاموا بها ثلاثاً وهم في ثمانين ألفاً مع الدمستق.

ثمّ سار سيف الدولة سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة غازياً إلى بلاد الروم فقاتلوه وهزموه، ونزل الروم على مرعش فأخذوها وأوقعوا بأهل طرسوس، ثمّ دخل سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة وتوغل في بلاد الروم وفتح حصوناً كثيرة وغنم وسبا. ولمّا قفل أخذت الروم عليه المضايق وأثخنوا في المسلمين قتلاً وأسراً، واستردوا ما غنموه.

ونجا سيف الدولة في فل قليل، ثمّ ملك الروم سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة مدينة سروج واستباحوها.

ثمّ دخل سيف الدولة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة إلى بلاد الروم فأثخن فيها وغنم وقتل قسطنطين بن الدمستق فيمن قتل.

فجمع الدمستق عساكر الروم والروس وبلغار وقصد الثغور، فسار إليه سيف الدولة بن حمدان، والتقوا عند الحرث. فانهزم الروم واستباحهم المسلمون قتلاً وأسراً، وأُسر صهر الدمستق وبعض أسباطه وكثير من بطارقته.

ورجع سيف الدولة بالظفر والغنيمة، ثمّ دخل بلاد الروم النصرانية، ثمّ رجع إلى أذنه وأقام بها حتّى جاء نائبه على طرسوس، فخلع عليه وعاد إلى حلب.


وامتعض الروم لذلك فرجعوا إلى بلادهم، ثمّ غزا الروم طرسوس والرها وعاثوا في نواحيها سبياً وأسراً ورجعوا.

ثمّ غزا سيف الدولة بلاد الروم سنة ست وأربعين وثلاثمئة وأثخن فيها وفتح عدّة حصون، وامتلأت أيد العسكر من الغنائم والسبي، وانتهى إلى خرشنة، ورجع وقد أخذت الروم عليه المضيق، فقال له أهل طرسوس:

ارجع معنا فإنّ الدروب التي فصلت منها قد ملكها الروم عليك.

فلم يرجع إليهم، وكان معجباً برأيه، فظهر الروم عليه في الدروب واستردّوا ما أخذ منهم، ونجا في فلّ قليل يناهزون الثلاثمئة.

ثمّ دخل سنة خمسين وثلاثمئة، قائد من موالي سيف الدولة إلى بلاد الروم من ناحية ميا فارقين ؛ فغنم وسبا وخرج سالما.

الفتنة بين ناصر الدولة ومعزّ الدولة بن بويه:

قد تقدّم ما وقع من الصلح بين ناصر الدولة وبين معزّ الدولة بن بويه، وطالبه في المال فانتقض.

وسار إليه معزّ الدولة إلى الموصل منتصف السنة وملكها.

وفارقها ناصر الدولة إلى نصيبين وحمل نوّابه ومن يعرف وجوه المال وحمايته وأنزلهم في قلاعه مثل الزعفراني وكواشي، ودسّ إلى العرب بقطع الميرة عن عسكر معزّ الدولة، فضاقت عليهم الأقوات.

فرحل معزّ الدولة إلى نصيبين لما بها من الغلاّت السلطانية، واستخلف سبكتكين الحاجب الكبير على الموصل. وبلغه في طريقه أنّ أبا الرجاء وعبد الله ابني ناصر الدولة مقيمان بسنجار فقصدهما فهربا وخلّفا أثقالهما، وانتهب العسكر خيامهما، ثمّ عادا إلى معسكر معزّ الدولة، وهم غارّون فنالوا منهم، ورجعوا إلى سنجار.

وسار معزّ الدولة إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة إلى ميافارقين، واستأمن كثير من أصحابه إلى معز الدولة. فسار ناصر الدولة إلى أخيه سيف الدولة بحلب، فقام بخدمته وباشرها بنفسه. وأرسل إلى معزّ الدولة في الصلح بينه وبين أخيه. فامتنع معزّ الدولة من قبول ناصر الدولة لانتقاضه وإخلافه. فضمن سيف الدولة البلاد بألفي ألف وتسعمئة ألف درهم.


وأطلق معز الدولة أسرى أصحابهم، وتم ذلك في محرّم سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة.

ورجع معزّ الدولة إلى العراق وناصر الدولة إلى الموصل.

استيلاء الروم على عين زربة ثمّ على مدينة حلب:

وفي المحرّم من سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة، نزل الدمستق في جموع الروم على عين زربة وملك الجبل المطل عليها، وضيّق عليها حصارها، ونصب عليها المنجنيقات، وشرع في النقب، فاستأمنها، ودخل المدينة ثمّ ندم على تأمينهم لما رأى من اختلال أموالهم، فنادى فيهم أن يخرجوا بجميع أهاليهم إلى المسجد. فمات منهم في الأبواب بكظ الزحام خلق، ومات آخرون في الطرقات، وقتل من وجدوا آخر النهار.

واستولى الروم على أموالهم وامتعتهم، وهدموا سور المدينة، وفتحوا في نواحي عين زربة أربعة وخمسين حصناً.

ورحل الدمستق بعد عشرين يوماً بنيّة العود، وخلف جيشه بقيسارية، وكان ابن الزيّات صاحب طرسوس قد قطع الخطبة لسيف الدولة بن حمدان. واعترضه الدمستق في بعض مذاهبه فأوقع به وقتل أخاه. وأعاد أهل البلد الخطبة لسيف الدولة. وألقى ابن الزيّات نفسه في النهر فغرق.

ثمّ رجع الدمستق إلى بلاد الثغور، وأغذّ السير إلى مدينة حلب، وأعجل سيف الدولة عن الاحتشاد، فقاتله في خف من أصحابه، فانهزم سيف الدولة، واستلحم آل حمدان.

واستولى الدمستق على ما في داره خارج حلب من خزائن الأموال والسلاح، وخرّب الدار وحصر المدينة.

وأحسّ أهل حلب مدافعته فتأخّر إلى جلب جيوش، ثمّ انطلقت أيدي الدعار بالبلد على النهب، وقاتلهم الناس على متاعهم، وخربت الأسوار من الحامية، فجاء الروم ودخلوها عليهم، وبادر الأسرى الذين كانوا في حلب وأثخنوا في الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألفاً ما بين صبيٍّ وصبيّة.

واحتمل الروم ما قدروا عليه وأحرقوا الباقي. ولجأ المسلمون إلى


قصبة البلد، فامتنعوا بها. وتقدّم ابن أخت الملك إلى القلعة يحاصرها، فرماه حجر منجنيق فمات. وقتل الدمستق به من كان معه من أسرى المسلمين وكانوا ألفاً ومئتين.

وارتحل الدمستق عنهم ولم يعرض لسواد حلب، وأمرهم بالعمارة على أنّه يعود ابن عمّه عن قريب، فخيّب الله ظنه.

وأعاد سيف الدولة عين زربة وأصلح أسوارها، وغزا حاجبه مع أهل طرسوس إلى بلاد الروم فأثخنوا فيها ورجعوا. فجاء الروم إلى حصن سبة فملكوه وملكوا - أيضاً - حصن دلوكة وثلاثة حصون مجاورة له.

ثمّ نجا غلام سيف الدولة إلى حصن زياد فلقيهم جمع من الروم، فانهزم الروم وأسر منهم خمسمئة رجل.

وفي هذه السنة: أُسر أبو فراس بن سعيد بن حمدان وكان عاملاً على منبج.

انتقاض أهل حران:

كان سيف الدولة قد ولّى هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة حرّان وغيرها من ديار مضر، فساء أثره فيهم، وطرح الأمتعة على التجّار، وبالغ في الظلم. فانتظروا به غيبته عند عمّه سيف الدولة وثاروا بعمّاله ونوابه فطردوهم. فسار هبة الله إليهم وحاصرهم شهرين وأفحش في القتل فيهم، ثمّ سار سيف الدولة فراجعوا الطاعة وأدخلوا هبة الله وأفحش في القتل، واستقاموا.

انتقاض هبة الله:

وفي هذه السنة: بعث سيف الدولة الصوائف إلى بلاد الروم، فدخل أهل طرسوس من درب ومولاه نجا من درب، وأقام هو ببعض الدروب ؛ لأنّه كان أصابه الفالج قبل ذلك بسنتين، فكان يعالج منه شدّة إذا عاود وجعه.

وتوغّل أهل طرسوس في غزوتهم وبلغوا قونية وعادوا فعاد سيف الدولة إلى حلب، واشتدّ وجعه فأرجف الناس بموته، فوثب عبد الله ابن أخيه، وقتل ابن نجا النصراني من غلمان سيف الدولة.


ولمّا تيقّن حياة عمه رحل إلى حران وامتنع بها. وبعث سيف الدولة غلامه، فجاء إلى حران في طلبه، فلحق هبة الله بأبيه بالموصل، ونزل نجا على حران آخر شوال من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة وصادر أهلها على ألف ألف درهم وأخذها منهم في خمسة أيّام بالضرب والنكال، وباعوا فيها ذخائرهم حتّى أملقوا وصاروا إلى ميافارقين ونزلها شاغرة فتسلّط العيّارون على أهلها.

انتقاض نجا بميافارقين وأرمينة واستيلاء سيف الدولة عليها:

ولمّا فعل نجا بأهل حران واستولى على أموالهم فقوي بها وبطر، وسار إلى ميافارقين وقصد بلاد أرمينة، وكان قد استولى على أكثرها رجل من العراق يُعرف بأبي الورد، فغلبه نجا على ما ملك منها وأخذ قلاعه وبلاده، فملك خلاط وملاذكرد، وأخذ كثيراً من أموال أبي الورد وقتله، ثمّ انتقض على سيف الدولة، واتفق أنّ معزّ الدولة بن بويه استولى على الموصل ونصيبين، فكاتبه نجا يعده المساعدة على بني حمدان. ثمّ صالحه ناصر الدولة ورجع إلى بغداد، فسار سيف الدولة إلى نجا فهرب منه بين يديه، واستولى على جميع البلاد التي ملكها من أبي الورد، واستأمن إليه نجا وأخوه وأصحابه فأمنهم وأعاد نجا إلى مرتبته، ثمّ وثب عليه غلمانه وقتلوه في داره بميافارقين في ربيع سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة.

مسير معزّ الدولة إلى الموصل وحروبه مع ناصر الدولة:

كان الصلح قد استقر بين ناصر الدولة ومعزّ الدولة على ألف ألف درهم في كلّ سنة، ثمّ طلب ناصر الدولة دخول ولده أبي تغلب المظفر في اليمن على زيادةٍ بذلها.

وامتنع معزّ الدين من ذلك، وسار إلى الموصل منتصف ثلاث وخمسين وثلاثمئة ولحق ناصر الدولة بنصيبين، وملك معزّ الدين الموصل، وسار عنها في اتّباع ناصر الدولة بعد أن استخلف على الموصل في الجباية والحرب، فلم يثبت ناصر الدولة، وفارق نصيبين ملكها معزّ الدولة، وخالفه أبو تغلب إلى الموصل وعاث في نواحيها، وهزمه قوّاد معزّ الدولة بالموصل، فسكنت نفس معزّ الدولة وبقي يترقّب أخباره، وخالف ناصر


الدولة إلى الموصل فأوقع بأصحابه وقتلهم وأسر قوّاده، واستولى على مخلفه من المال والسلاح، وحمل ذلك كلّه إلى قلعة كواشي.

وبلغ الخبر إلى معزّ الدولة فلحق بالنوّاب، وأعيا معزّ الدولة أمرهم، ثمّ أرسلوا إليه في الصلح فأجاب، وعقد لناصر الدولة على الموصل ودير ربيعة، وجميع أعماله بمقرّها المعلوم وعلى أن يطلق الأسرى الذين عنده من أصحاب معزّ الدولة، ورجع معزّ الدولة إلى بغداد.

حصار المصيصة وطرسوس واستيلاء الروم عليها:

وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة خرج الدمستق في جموع الروم فنازل المصيصة وشدّد حصارها وأحرق رساتيقها وبلغ إلى نقب السور، فدافعه أهلها أشدّ مدافعتهم.

ثمّ رحل إلى آذنة وطرسوس وطال عيثه في نواحيها، وأكثر القتل في المسلمين، وغلت الأسعار في البلاد وقلّت الأقوات، وعاود المرض سيف الدولة فمنعه من النهوض إليهم.

وجاء من خراسان خمسة آلاف رجل غزاة فبلغوا إلى سيف الدولة فارتحل بسببهم للمدافعة، فوجد الروم انصرفوا. ففرق هؤلاء الغزاة في الثغور من أجل الغلاء، وكان الروم قد انصرفوا بعد خمسة عشر يوماً.

وبعث الدمستق إلى أهل المصيصة وآذنة وطرسوس يتهدّدهم بالعود ويأمرهم بالرحيل من البلاد، ثمّ عاد إليهم وحاصر طرسوس فقاتلهم أشدّ قتال وأسروا بطريقاً من بطارقته. وسقط الدمستق إلى أهل المصيصة ورجعوا إلى بلادهم.

ثمّ سار يعفور ملك الروم من القسطنطينية سنة أربع وخمسين وثلاثمئة إلى الثغور، وبنى بقيسارية مدينة ونزلا وجهّز عليها العساكر، وبعث أهل مصيصة وطرسوس في الصلح فامتنع.

وسار بنفسه إلى المصيصة فدخلها عنوةً واستباحها ونقل أهلها إلى بلاد الروم، وكانوا نحواً من مئتي ألف، ثمّ سار إلى طرسوس واستنزل أهلها على الأمان وعلى أن يحملوا من أموالهم وسلاحهم ما قدروا عليه، وبعث معهم حامية من الروم يبلغونهم انطاكية.


وأخذ في عمارة طرسوس وتحصينها، وجلب الميرة إليها، ثمّ عاد إلى القسطنطينة.

وأراد الدمستق بن شمسيق أن يقصد سيف الدولة في ميافارقين ومنعه الملك من ذلك.

انتقاض أهل أنطاكية وحمص:

ولمّا استولى الروم على طرسوس، لحق الرشيق الغيمي من قوّادهم، وألي الرأي فيهم بأنطاكية في عددٍ وقوّة، فاتّصل به ابن أبي الأهواز من الجباة بأنطاكية وحسن له العصيان وأراه أن سيف الدولة بميافارقين عاجز عن العود إلى الشام ما هو فيه من المرض، وأعانه بما كان عنده من مال الجباة، فأجمع رشيق الانتقاض وملك أنطاكية وسار إلى حلب وبها عرقوبة.

وجاء الخبر إلى سيف الدولة بأنّ رشيقاً أجمع الانتقاض، ونجا ابن الأهواز إلى أنطاكية فأقام في إمارتها رجلاً من الديلم اسمه وزير ولقبه الأمير، وأوهم أنّه عَلَويّ، وتسمّى هو بالأشاد، وأساء السيرة في أهل أنطاكية.

وقصدهم عرقوبة من حلب فهزموه. ثمّ جاء سيف الدولة من ميافارقين إلى حلب، وخرج إلى أنطاكية وقاتل وزيراً وابن الأهوازي أياماً. وجيء بهما إليه أسيرين، فقتل وزيراً وحبس ابن الأهوازي أياماً وقتله.

وصلح أمر أنطاكية، ثمّ ثار بحمص مروان القرمطي كان من متابعة القرامطة وكان يتقلّد السواحل لسيف الدولة، فلمّا تمكن ثار بحمص فملكها وملك غيرها في غيبة سيف الدولة بميافارقين.

وبعث إليه عرقوبة مولاه بدراً بالعساكر فكانت بينهما عدّة حروبٍ أُصيب فيها مروان بسهمٍ فأثبت وبقي أيّاماً يجود بنفسه والقتال بين أصحابه وبين بدر. وأُسر بدر في بعض تلك الحروب فقتله مروان وعاش بعده أيّاماً ثمّ مات وصلح أمرهم.

خروج الروم إلى الثغور على دارا:

وفي سنة خمس وخمسين وثلاثمئة خرجت جموع الروم إلى الثغور،


فحاصروا آمد ونالوا من أهلها قتلاً وأسراً، فامتنعت عليهم، فانصرفوا إلى دارها قريباً من ميافارقين فأخذوها، وهرب الناس إلى نصيبين وسيف الدولة يومئذٍ فيها، فهمّ بالهروب وبحث عن العرب ليخرج معهم.

ثمّ انصرف الروم، وأقام هو بمكانه، وساروا إلى أنطاكية فحاصروها مدّة وعاثوا في جهاتها فامتنعت، فعاد الروم إلى طرسوس.

وفاة سيف الدولة ومحبس أخيه ناصر الدولة:

وفي صفر من سنة خمس وخمسين وثلاثمئة توفّي سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بحلب، وحُمل إلى ميافارقين فدفن بها. وولي مكانه بعده ابنه أبو المعالي شريف، ثمّ في جمادى الأولى منها حبس ناصر الدولة أخوه بقلعة الموصل، حبسه ابنه أبو تغلب فضل الله الغضنفر، وكان كبير ولده، وكان سبب ذلك أنّه كبر وساءت أخلاقه وخالف أولاده وأصحابه في المصالح وضيّق عليهم فضجروا منه.

ولمّا بلغهم خبر معزّ الدولة بن بويه اعتزم أولاده على قصد العراق، فنهاهم ناصر الدولة وقال لهم:

(اصبروا حتى ينفق بختيار ما خلف أبوه معز الدولة من الذخيرة فتظفروا به، وإلاّ استظهر عليكم وظفر بكم).

فلجّوا في ذلك، ووثب به أبو تغلب بموافقة البطانة وحبسه بالقلعة ووكل بخدمته. وخالفه بعض أخوته في ذلك، واضطرب أمره واضطرّ إلى مداراة بختيار بن معزّ الدولة، وأرسل له في تجديد الضمان ليحتجّ به على أخوته، فضمنه بألفي ألف درهم في كل سنة.

ولاية أبي المعالي بن سيف الدولة بحلب ومقتل أبي فراس:

ولمّا مات سيف الدولة وولي بعده ابنه أبو المعالي شريف، وكان سيف الدولة قد ولّى أبا فراس بن أبي العلاء سعد بن حمدان عندما خلّصه من الأسر الذي أسره الروم في منبج، فاستفداه في الفداء الذي بينه وبين الروم سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، وولاّه على حمص.


فلمّا مات سيف الدولة استوحش من أبي المعالي بعده، ففارق حمص ونزل في صدد قريته في طرف البرية قريباً من حمص.

فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم، وبعثهم مع عرقوبة في طلبه، فجاء إلى صدد واستأمن له أصحاب أبي فراس وكان في جملتهم، فأمر به عرقوبة فقتل واحتمل رأسه إلى أبي المعالي، وكان أبو فراس خاله.

أخبار أبي ثعلب مع أخوته بالموصل:

كان لناصر الدولة بن حمدان زوجة تُسمّى فاطمة بنت أحمد الكرديّة وهي أم أبي ثعلب، وهي التي دبّرت مع ابنها أبي ثعلب على أبيه.

فلمّا حبس ناصر الدولة كاتب ابنه حمدان يستدعيه ليخلّصه ممّا هو فيه، وظفر أبو ثعلب بالكتاب، فنقل أباه إلى قلعة كواشي.

واتصل ذلك بحمدان وكان قد سار عند وفاة عمّه سيف الدولة من الرحبة إلى الرقّة فملكها. ولمّا اتصل به شأن الكتاب سار إلى نصيبين وجمع الجموع وبعث إلى أخوته في الإفراج عن أبيهم. فسار أبو ثعلب لحربه وانهزم حمدان قبل اللقاء للرقة، فحاصره أبو ثعلب أشهراً ثمّ اصطلحا وعاد كل منهما إلى مكانه.

ثمّ مات ناصر الدولة في محبسه سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة ودُفن بالموصل.

وبعث أبو ثعلب أخاه أبا البركات إلى حمدان بالرحبة، فافترق عنه أصحابه، وقصد العراق مستجيراً ببختيار فدخل بغداد في شهر رمضان من سنته وحمل إليه الهدايا، وبعث بختيار إلى أبي ثعلب النقيب أبا أحمد والد الشريف الرضي في الصلح مع أخيه حمدان فصالحه، وعاد إلى الرحبة منتصف سنة تسع وخمسين وثلاثمئة، وفارقه أبو البركات، ثمّ استقدمه أبو ثعلب فامتنع عن القدوم عليه، فبعث إليه أخاه أبا البركات ثانياً في العساكر. فخرج حمدان إلى البريّة وترك الرحبة فملكها أبو البركات، واستعمل عليها وسار إلى الرقّة ثمّ إلى عرابان، وخالفه حمدان إلى الرحبة فملكها أبو البركات، واستعمل عليها وسار إلى الرقّة ثمّ إلى عرابان، وخالفه حمدان إلى الرحبة فكبسها وقتل أصحاب أبي ثعلب بها، فرجع إليه أبو البركات وتقاتلا فضرب أبا البركات على رأسه فشجّه، ثمّ ألقاه إلى الأرض وأسره ومات من يومه، وحُمل إلى الموصل فدُفن بها عند أبيه.


وجهز أبو ثعلب إلى حمدان وقدّم أخاه أبا فراس محمّداً إلى نصيبين، ثمّ عزله عنها ؛ لأنّه داخل حمدان ومالأه عليه، فاستدعاه وقبض عليه وحبسه بقلعة ملاشي من بلاد الموصل، فاستوحش أخوه إبراهيم والحسن ولحقا بأخيهما حمدان في شهر رمضان، وساروا جميعاً إلى سنجار ؛ وسار أبو ثعلب من الموصل في أثرهم في شهر رمضان سنة ستّين وثلاثمئة ؛ فخاموا عن لقائه، واستأمن إليه أخوه إبراهيم والحسن خديعة ومكراً، فأمنهما ولم يعلم، وتبعهما كثير من أصحاب حمدان.

وعاد حمدان من سنجار إلى عرابان، واطلع أبو ثعلب على خديعة أخويه، فهربا منه. ثمّ استأمن الحسن ورجع إليه، وكان حمدان أقام نائباً بالرحبة غلامه نجا، فاستولى على أمواله وهرب بها إلى حران وبها سلامة البرقعيدي من قبل أبي ثعلب، فرجع حمدان إلى الرحبة.

وسار أبو ثعلب إلى قرقيسيا وبعث العساكر إلى الرحبة فعبروا الفرات واستولوا عليها. ونجا حمدان بنفسه ولحق بسنجار مستجيراً به ومعه أخوه إبراهيم فأكرمهما ووصلهما، وأقاما عنده.

ورجع أبو ثعلب إلى الموصل وذلك آخر سنة ستّين وثلاثمئة.

خروج الروم إلى الجزيرة والشام:

وفي سنة خمس وثمانين وثلاثمئة دخل ملك الروم الشام وعاث فيها كما عاث في الجزيرة، ولم يجد مقاومة من أبي ثعلب، وقاومه قرعويه مولى سيف الدولة، فلم يمكّن له من امتلاك حلب وسواها ما هو تحت ولايته.

وقرعويه هذا هو الذي أخذ البيعة لابن مولاه أبي المعالي بعد موت أبيه.

ولمّا كانت سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة انتقض عليه وأخرجه من حلب واستبدّ بملكها.

وسار أبو المعالي إلى حران فمنعه أهلها، فسار إلى والدته بميافارقين وهي بنت سعيد بن حمدان أخت أبي فراس.

ولحق أصحابه بأبي ثعلب وقد بلغها أنّه يريد القبض عليها، فمنعته أيّاماً من الدخول حتّى استوثقت لنفسها، وأذنت له ولمن رضيته وأطلقت لهم الأرزاق، ومنعت الباقين.


ثمّ سار أبو المعالي لقتال قرعويه بحلب فامتنع عليه. ثمّ لحق أبو المعالي بحماة وأقام بها. وبقيت الخطبة بحران له ولا والي عليهم من قبله، فقدموا عليهم من يحكم بينهم.

مسير أبي ثعلب من الموصل إلى ميافارقين:

ولمّا سمع أبو ثعلب بخروج أبي المعالي من ميافارقين إلى حلب لقتال قرعويه سار إليها. وامتنعت زوجة سيف الدولة منه، واستقرّ الأمر بينهما على أن تحمل إليه مئتي ألف درهم، ثمّ نمي إليها أنّه يحاول على ملك البلد فكبسته ليلاً، ونالت من معسكره ؛ فبعث إليها يلاطفها، فأعادت إليه بعض ما نُهب، وحملت إليه مئة ألف درهم، وأطلقت الأسارى، فرجع عنها.

استيلاء الروم على أنطاكية ثمّ حلب وسواها:

وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمئة خرج الروم إلى أنطاكية فنزلوا بجبلها ؛ وبعد شهرين أمدّهم أخو يعفور ملك الروم في أربعين ألفاً، فنازلوها وامتلكوها وسبوا منها عشرين ألفاً.

ثمّ أنفذ ملك الروم جيشاً كثيفاً إلى حلب، وأبو المعالي بن سيف الدولة قائم على حصارها، ففارقها وقصد البريّة.

وملك الروم حلب، وتحصّن قرعويه وأهل البلد بالقلعة، فحاصروها مدّةً ثمّ عقدوا الهدنة بينهم على مالٍ يحمله قرعويه، وعلى أنّ الروم إذا أرادوا الميرة من قرى الفرات لا يمنعونهم منها.

ودخل في هذه الهدنة كثير من أعمال حلب.

استيلاء أبي ثعلب على حران:

وفي منتصف سنة تسع وخمسين وثلاثمئة سار أبو ثعلب إلى حران وحاصرها نحواً من شهر، ثمّ جنح أهلها إلى مصالحته، واضطربوا في ذلك ثمّ توافقوا عليه.

وخرجوا إلى أبي ثعلب وأعطوه الطاعة. ودخل في إخوانه وأصحابه، فصلّى الجمعة ورجع إلى معسكره، واستعمل عليهم سلامة البرقعيدي وكان من أكابر أصحاب بني حمدان.


وبلغه الخبر بأنّ نميراً عاثوا في بلاد الموصل وقتلوا العامل ببرقعيد، فأسرع العود.

مصالحة قرعويه لأبي المعالي:

قد تقدّم خبر استبداد قرعويه بحلب سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة على ابن مولاه أبي المعالي وخروج أبي المعالي ولحاقه بأمّه بميافارقين، ثمّ رجوعه لحصار قرعويه بحلب ثمّ رجوعه إلى حمص ونزوله بها.

ثمّ بعد ذلك تمّ الاتفاق بين أبي المعالي وقرعويه على أن يخطب له بحلب ويخطبان جميعاً للمعزّ العلوي صاحب مصر.

مسير الروم إلى بلاد الجزيرة:

وفي سنة إحدى وستّين وثلاثمئة سار الدمستق في جموع الروم إلى الجزيرة، فأغار على الرها ونواحيها، ثمّ تنقّل في نواحي الجزيرة، ثمّ بلغ نصيبين واستباحها ودخلها، ثمّ سار في ديار بكر ففعل مثل ذلك.

ولم يكن لأبي ثعلب في مدافعتهم أكثر من حمل المال إليهم. واستفزّ ذلك مسلمي بغداد وراجعوا الطائع وبختيار، وبينما تعدّ العدّة لمقاومة أولئك الغزاة جرت أُمورٌ في بغداد حالت دون الغرض، ولما فعل الدمستق ما فعل في ديار مضر والجزيرة ولم يلاق مقاومة، طمع في فتح آمد. فسار إليه أبو ثعلب، وقدّم أخاه أبا القاسم هبة الله واجتمعا على حرب الدمستق، ولقياه في رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمئة.

وكانت الجولة في مضيق لا تتحرك فيه الخيل، وكان الروم على غير أُهبة، فانهزموا وأُخذ الدمستق أسيراً، فلم يزل محبوساً عند أبي ثعلب إلى أن مرض سنة ثلاث وستّين وثلاثمئة. وبالغ في علاجه وجمع له الأطباء فلم ينتفع بذلك ومات.

استيلاء بختيار على الموصل وما كان بينه وبين أبي ثعلب:

قد تقدّم ما كان بين أبي ثعلب وأخويه حمدان وإبراهيم من الحروب، وأنّهما سارا إلى بختيار بن معزّ الدولة مستصرخين فوعدهما بالنصرة، وشغل عن ذلك بما كان فيه فأبطأ عليهما أمره.


وهرب إبراهيم ورجع إلى أخيه أبي ثعلب، فتحرك عزم بختيار على قصد الموصل، وأغراه وزيره ابن بقيّة لتقصيره في خطابه، فسار ووصل إلى الموصل في ربيع سنة ثلاث وستّين وثلاثمئة.

ولحق أبو ثعلب بسنجار وأخلى الموصل من الميرة ومن الدواوين. وخالف بختيار إلى بغداد ولم يحدث فيها حدثاً من نهبٍ ولا غيره، وإنّما قاتل أهل بغداد، فحدثت فيها الفتنة بسبب ذلك بين عامّتها، واضطرب أمرهم وخصوصاً الجانب الغربي.

وسمع بختيار بذلك فبعث في أثره وزيره ابن بقية وسبكتكين، فدخل ابن بقية بغداد، وأقام سبكتكين في الضحية، وتأخّر أبو ثعلب عن بغداد، وحاربه يسيراً ثمّ داخله في الانتقاض واستيلاء سبكتكين على الأمر. ثمّ أقصر سبكتكين عن ذلك، وخرج إليه ابن بقية، وراسلوا أبا ثعلب في الصلح على مالٍ يضمنه ويرد على أخيه حمدان أقطاعه ما سوى ماردين. وكتبوا بذلك إلى بختيار، وارتحل أبو ثعلب إلى الموصل، وأشار ابن بقية على سبكتكين باللحاق ببختيار فتقاعد، ثم سار وارتحل بختيار عن الموصل بعد أن جهد منه أهل البلد بما نالهم من ظلمه وعسفه. وطلب منه أبو ثعلب الإذن في لقب سلطاني وأن يحط عنه من الضمان فأجابه وسار، ثمّ بلغه في طريقه أنّ أبا ثعلب نقض وقتل بعضاً من أصحاب بختيار، عادوا إلى الموصل لنقل أهاليهم. فاستشاط بختيار واستدعى ابن بقية وسبكتكين في العساكر، وعادوا جميعاً إلى الموصل.

وفارقها أبو ثعلب وبعث أصحابه بالاعتذار والحلف على إنكار ما بلغه فقبل، وبعث الشريف أبا أحمد الموسوي لاستلحاقه. وتمّ الصلح ورجع بختيار إلى بغداد فجهز ابنته إلى أبي ثعلب وقد كان عقد له عليها من قبل.

عود أبي المعالي بن سيف الدولة إلى حلب:

تقدّم خبر إخراج قرعويه أبا المعالي من حلب سنة سبع وخمسين وثلاثمئة ومسيره إلى والدته بميافارقين ثمّ نزوله بحماة. وكانت الروم قد أمنت حمص وكثر أهلها. وكان قرعويه قد استناب بحلب مولاه يكجور، فقوي عليه وحبسه في قلعة حلب وملكها سنين. فكتب أصحاب قرعويه إلى أبي المعالي واستدعوه، فسار وحاصرها أربعة أشهر وملكها، وأصلح


أحوالها وازدادت عمارتها حتّى انتقل إلى ولاية دمشق.

استيلاء عضد الدولة بن بويه على الموصل، وسائر ملوك بني حمدان:

ولمّا ملك عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه بغداد، وهزم بختيار أبن عمّه معزّ الدولة، سار بختيار في الفل إلى الشام ومعه حمدان بن ناصر الدولة أخو أبي ثعلب، فحسن له قصد الموصل على الشام. وقد كان عضد الدولة عاهده أن لا يتعرّض لأبي ثعلب لمودّةٍ بينهما، فنكث وقصدها. ولمّا انتهى إلى تكريت أتته رسل أبي ثعلب بالصلح وأن يسير إليه بنفسه وعساكره، ويعيده على ملك بغداد، على أن يسلّم إليه أخاه حمدان، فسلّمه إلى رسل أبي ثعلب فحبسه.

وسار بختيار إلى الحديثة، ولقي أبا ثعلب وسار معه إلى العراق في عشرين ألف مقاتل. وزحف نحوهما عضد الدولة، والتقوا بنواحي تكريت في شوّال سنة ستّ وستّين وثلاثمئة ؛ فهزمهما عضد الدولة وقتل بختيار ونجا أبو ثعلب إلى الموصل ؛ فأتبعه عضد الدولة وملك الموصل في ذي القعدة، وحمل معه الميرة والعلوفات للإقامة، وبثّ السرايا في طلب أبي ثعلب ومعه المرزبان بن بختيار وأخواله أبو إسحاق وظاهر ابنا معزّ الدولة ووالدتهم.

وسار لذلك أبو الوفاء ظاهر بن إسماعيل من أصحابه، وسار حاجبه أبو ظاهر ظعان إلى جزيرة ابن عمرو، ولحق أبو ثعلب بنصيبين ثمّ انتقل إلى ميافارقين فأقام بها. وبلغه مسير أبي الوفاء إليه ففارقها إلى بذليس ؛ وجاء أبو الوفاء إلى ميافارقين فامتنعت عليه ففارقها.

وطلب أبا ثعلب فخرج من أرزن الروم إلى الحسينية من أعمال الجزيرة، وصعد إلى قلعة كواشي وغيرها من قلاعه ونقل منها ذخيرته وعاد ؛ فعاد أبو الوفاء إلى يافارقين وحاصرها.

واتصل بعضد الدولة مجيئه إلى القلاع فسار إليه ولم يدركه، واستأمن إليه كثير من أصحابه. وعاد إلى الموصل وبعث قائده ظعان إلى بذليس، فهرب منها أبو ثعلب، واتصل بملكهم المعروف بورد الرومي وكان منازعاً لملكهم الأعظم في الملك. فوصل ورد يده بيد أبي ثعلب وصاهره ليستعين


به، واتبعه في مسير عسكر عضد الدولة وأدركوه فهزمهم وأثخن فيهم، ونجا فلّهم إلى حصن زياد ويُسمّى خرت برت، وأرسل إلى ورد يستمدّه فاعتذر بما هو فيه ووعده بالنصر. ثمّ انهزم ورد أمام ملك الروم. فأيس أبو ثعلب من نصره وعاد إلى بلاد الإسلام ونزل بآمد حتّى جاء بر ميافارقين.

وكان أبو الوفاء لمّا رجع من طلب أبي ثعلب حاصر ميافارقين والوالي عليها هزار مرد، فضبط البلد ودافع أبو الوفاء ثلاث أشهر ثمّ مات.

وولّى أبو علب مكانه مؤنساً من موالي الحمدانية، ودسّ أبو الوفاء إلى بعض أعيان البلد فاستماله، فبعث له في الناس رغبة، وشعر بذلك مؤنس فلم يطق مخالفتهم، فانقاد واستأمن.

وملك أبو الوفاء البلد، وكان في أيّام حصاره قد افتتح سائر حصونه، فاستولى على سائر ديار بكر، وأمن أصحاب أبي ثعلب وأحسن إليهم، ورجع إلى الموصل.

وبلغ الخبر إلى أبي ثعلب منقلبه من دار الحرب، فقصد الرحبة، وبعث إلى عضد الدولة يستعطفه، فشرط عليه المسير إليه، فامتنع. ثمّ استولى عضد الدولة على ديار مضر، وكان عليها من قبل أبي ثعلب سلامة البرقعيدي من كبار أصحاب ابن حمدان.

وكان أبو المعالي بن سيف الدولة بعث إليها جيشاً من حلب فحاروها وامتنعت عليهم. وبعث أبو المعالي إلى عضد الدولة وعرض بنفسه عليه، فبعث عضد الدولة النقيب أبا أحمد الموسوي إلى سلامة البرقعيدي، وتسلّمها بعد حروب، وأخذ لنفسه منها الرقّة، وردّ باقيها على سعد الدولة، فصارت له.

ثمّ استولى عضد الدولة على الرحبة وتفرغ بعد ذلك لفتح قلاعه وحصونه، واستولى على جميع أعماله. واستخلف أبا الوفاء على الموصل، ورجع إلى بغداد في ذي القعدة سنة ثمان وستّين وثلاثمئة.

ثمّ بعث عضد الدولة جيشاً إلى الأكراد الهاكارية من أعمال الموصل، فحاصروهم حتى استقاموا وسلموا قلاعهم، ونزلوا إلى الموصل فحال الثلج بينهم وبين بلادهم فقتلهم قائد الجيش وصلبهم على جانبي طريق الموصل.


مقتل أبي ثعلب بن حمدان:

ولمّا أيس أبو ثعلب بن مدان من إصلاح عضد الدولة والرجوع إلى ملكه بالموصل سار إلى الشام، وكان على دمشق قسام داعية العزيز العلوي، غلب عليها بعد أفتكين وقد تقدم ذلك وكيف ولي أفتكين على دمشق فخاف قسام من أبي ثعلب ومنعه من دخول البلد؛ فأقام بظاهرها وكاتب العزيز، وجاءه الخبر بأنه يستقدمه، فرح إلى طبرية بعد مناوشة حرب بينه وبين قسام.

وجاء فلٌّ من العزيز لحصار قسام بدمشق، ومرّ بأبي ثعلب ووعده عن العزيز بكلِّ جميل.

ثمّ حدثت الفتنة بين دغفل وقسام وأخرجهم، وانتصروا بأبي ثعلب فنزل بجوارهم مخافة دغفل والقائد الذي يحاصر دمشق.

ثمّ ثار أبو ثعلب في بني عقيل إلى الرملة في محرّم سنة تسع وتسعين وثلاثمئة، فاستراب به الفضل ودغفل وجمعوا لحربه، ففرّ بنو عقيل عنه. وبقي في سبعمئة من غلمانه وغلمان أبيه، وولّى منهزماً، فلحقه الطلب، فوقف يقاتل، فضُرب وأُسر وحُمل إلى دغفل.

وأراد الفضل حمله إلى العزيز، فخاف دغفل أن يصطنعه كما فعل بأفتكين فقتله، وبعث الفضل بالرأس إلى مصر. وحمل بنو عقيل أخته جميلة وزوجته بنت سيف الدولة إلى أبي المعالي بحلب، فبعث بجميلة إلى الموصل، وبعث بها أبو الوفاء إلى عضد الدولة ببغداد فاعتقلها.

مخالفة بكجور لأبي المعالي:

وفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة استوحش بكجور من أبي المعالي، وأرسل إلى العزيز يستنجزه وعده بولاية دمشق جزاءً له على حمله الأقوات لمصر وقد وقع بها الغلاء، فحال ابن كلس دون ذلك وكان بها والياً للعزيز بلكين.

وجرت أُمورٌ منها قيام الكتاميين ضد كلس اضطرّت العزيز لاستقدام بلكين لإطفاء الفتنة، وعيّن خلفاً له بكجور، ثمّ تصرّفت الأُمور ببكجور فخرج من دمشق ورحل إلى الرقّة بعد انهزامه من منير وولاية هذا على دمشق.


فاستولى بكجور على الرقّة ثمّ على الرحبة وغير ذلك، وراسل بهاء الدولة ابن عضد الدولة بالطاعة، وبادر الكردي المتغلّب على دار بكر والموصل بالمسير إليه، وأبا المعالي سعد الدولة صاحب حلب بالعود إلى طاعته، على أن يقطعه حمص، فلم يجبه أحد إلى شيء. فأقام بالرقّة يراسل موالي سعد الدولة أبي المعالي ويستميلهم في الغدر به، فأجابوه وأخبروه أنّ أبا المعالي مشغول بلذّاته.

فاستمدّ حينئذٍ العزيز، فكتب إلى نزال بطرابلس وغيره من ولاة الشام أن يمدّوه ويكونوا في تصرفه. فكتب نزال إلى بكجور يواعده بذلك في يوم معوم، وأخلفه.

وسار بكجور من الرقّة إلى حمص فلم يقبل، وكتب أبو المعالي إلى صاحب انطاكية يستمده فأمدّه بجيش الروم، وكتب إلى العرب الذين مع يكجور يرغّبهم في الأموال والأقطاع، فوعدوه خذلان بكجور عند اللقاء.

فلمّا التقى العسكران وشُغل الناس بالحرب عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه ولحقوا بأبي المعالي ؛ فاستمات بكجور وحمل على موقف أبي المعالي يريده، وقد أزاله لؤلؤ عن موقفه ووقف مكانه خشيةً عليه وحمل ذلك، فلمّا انتهى بكجور لحملته برز إليه لؤلؤ وضربه فأثبته، وأحاط به أصحابه فولّى منهزماً.

وجاء بعضهم إلى أبي المعالي فشارطه على تسليمه إليه، فقبل شرطه وأحضره فقتله.

وسار إلى الرقّة وبها سلامة الرشقي مولى يكجور وأولاده وأبو الحسن علي بن الحسين المغربي وزيره، فاستأمنوا إليه فأمنهم.

ونزلوا عن الرقّة فملكها، واستكثر ما مع أولاد بكجور، فقال له القاضي ابن أبي الحصين هو مالك وبكجور لا يملك شيئاً ولا حنث عليك، فاستصفى مالهم أجمع، وشفع فيهم العزيز فأساء إليه الرد.

وهرب الوزير المغربي إلى مشهد علي (عليه السلام).

وفي سنة أربع وسبعين وثلاثمئة كتب ابن سعدان وزير صمصام الدولة إلى أبي المعالي ابن حمدان صاحب حلب يومئذٍ بولاية ديار بكر وإدخالها في عمله ؛ فسيّر إليه أبو المعالي عسكره إلى ديار بكر فلم يكن لهم طاقة بأصحاب باد، فحاصروا ميافارقين أيّاماً ورجعوا إلى حلب.


عود بني إلى الموصل ومقتل باد:

كان أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسن ابنا ناصر الدولة بن حمدان قد لحقا بعد مهلك أخيهما أبي ثعلب، وكانا ببغداد واستقرّا في خدمة شرف الدولة بن عضد الدولة. فلمّا تولّى شرف الدولة وخواشاده في الموصل بعثهما إليها.

ثمّ أنكر ذلك عليه أصحابه، فكتب إلى خواشاده عامل الموصل فمنعهما، فكتب إليهما بالرجوع عنه، فلم يجيباه ؛ وأغذّا السير إلى الموصل حتّى نزلا بظاهرها.

وثار أهل الموصل بالديلم والأتراك الذين عندهم، وخرجوا إلى بني حمدان. وزحف الديلم لقتالهم، فانهزموا وقُتل منهم خلقٌ كثير، وامتنع باقيهم بدار الإمارة، وأراد أهل الموصل استلحاقهم فمنعهم بنو حمدان، وأخرجوا خواشاده ومن معه على الأمان إلى بغداد، وملكوا الموصل.

وتسايل إليهم العرب من كلِّ ناحية، وبلغ الخبر إلى باد وهو بديار بكر بملك الموصل، وجمع فاجتمع إليه الأكراد البثنوية أصحاب قلعة فسك، وكان جمعهم كثيراً، واستمال أهل الموصل بكتبه فأجابه بعضهم، فسار ونزل على الموصل، وبعث أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان إلى أبي عبد الله محمّد بن المسيّب أمير بني عقيل يستنصرانه، وشرط عليهما جزيرة ابن عمرو ونصيبين فقبلا شرطه.

وسار أبو عبد الله صريخا، وأقام أخوه أبو طاهر بالموصل، وباد يحاصره.

وزحف أبو الراود في قومه مع أبي عبد الله بن حمدان، وعبروا دجلة عند بدر وجاؤوا إلى باد من خلفه. وخرج أبو طاهر والحمدانية من أمامه.

والتحم القتال، ونكب بباد فرس فوقع طريحاً، ولم يطق الركوب، وجهض العدو عنه أصحابه فتركوه، فقتله بعض العرب وحمل رأسه إلى بني حمدان.

ورجعوا ظافرين إلى الموصل وذلك سنة ثمانين وثلاثمئة.

مهلك أبي طاهر بن حمدان واستيلاء بني عقيل على الموصل:

لمّا هلك باد طمع أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان في استرجاع ديار بكر. وكان أبو علي بن مروان الكردي وهو ابن أخت باد قد خلص


من المعركة ولحق بحصن كيفا وبه أهل باد وماله، وهو من أمنع المعاقل. فتزوج امرأة خاله واستولى على ماله وعلى الحصن، وسار في ديار بكر فملك ما كان لخاله فيها تليداً.

وبينما هو يحاصر ميافارقين زحف إليه أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان يحاربانه فهزمهما وأسر أبا عبد الله ثانية، إلى أن شفع فيه خليفة مصر فأطلقه، واستعمله الخليفة على حلب إلى أن هلك.

وأمّا أبو طاهر فلحق بنصيبين في فلّ من أصحابه وبها أبو الدرداء محمّد بن المسيب أمير بني عقيل.

وسار إلى الموصل فملكها وأعمالها، وبعث إلى بهاء الدولة أن ينفذ إليها عاملاً من قِبَله، فبعث إليها قائداً كان تصرّفه عن أبي الدرداء ولم يكن له من الأمر شيء.

وانقرض ملك بني حمدان من الموصل.

موت سعد الدولة بن حمدان بحلب وولاية ابنه أبي الفضائل:

ولمّا هزم سعد الدولة مولاه بكجور وقتله حين سار إليه من الرقّة رجع إلى حلب، فأصابه فالج سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة. وكان مولاه لؤلؤ كبير دولته فنصب ابنه أبا الفضائل وأخذ له العهد على الأجناد.

وتراجعت إليهم العساكر، وبلغ الخبر أبا الحسن المغربي وهو بمشهد علي (عليه السلام) فسار إلى العزيز بمصر وأغراه بملك حلب، فبعث إليه قائده منجوتكين في العساكر وحاصره. ثمّ ملك البلد واعتصم أبو الفضائل ولؤلؤ بالقلعة.

وبعث أبو الفضائل ولؤلؤ إلى ملك الروم يستنجدانه، وكان مشغولاً بقتال البلغار. فأرسل غلى نائبه بأنطاكية أن يسير إليهم، فسار في خمسين ألفاً ونزل جسر الحديد على وادي العاصي، فنفر إليه منجوتكين في عساكر المسلمين وهزم الروم إلى أنطاكية، واتبعهم فنهب بلادها وقراها وأحرقها. ونزل أبو الفضائل ولؤلؤ من القلعة إلى مدينة حلب فنقل ما فيها من الغلال وأحرق الباقي.

وعاد منجوتكين إلى حصارهم بحلب، وبعث لؤلؤ إلى أبي السن المغربي في الوساطة لهم، فصالحهم منجوتكين ورحل غلى دمشق ضجراً من الحرب وتعذر الأقوات. ولم يراجع العزيز في ذلك، فغضب العزيز


وكتب إليه يوبّخه ويأمر بالعود وبحصار حلب، فعاد وأقام عليها ثلاثة عشر شهراً. فبعث أبو الفضائل ولؤلؤ مراسلة لملك الروم، وحرضوه على انطاكية وكان قد توسط بلاد البلغار فرجع عنها وأجفل في الحشد ورجع إلى حلب.

وبلغ الخبر إلى منوتكين فأجفل عنها بعد أن أحرق خيامه وهدم مبانيه. وجاء ملك الروم، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ فشكرا له ورجعا.

ورحل ملك الروم إلى الشام ففتح حمص وشيزر ونهبهما، وحاصر طرابلس فامتنعت عليه فأقام بها أربعين ليلة، ثمّ رحل عائداً إلى بلده.

انقراض بني حمدان بحلب واستيلاء بني كلاب عليها:

ثمّ إنّ أبا نصر لؤلؤاً مولى سيف الدولة، عزل أبا الفضائل مولاه بحلب، وأخذ البلد منه ومحا دعوة العباسيّة، وخطب للحاكم العلوي بمصر ولقبّه مرتضى الدولة.

ثمّ فسد حاله معه فطمع فيه بنو كلاب بن ربيعة، وأميرهم يومئذٍ صالح بن مرداس. وقبض لؤلؤ على جماعة منهم دخلوا إلى حلب كان فيهم صالح، فاعتقله مدّةً وضيّق عليه، ثمّ فرّ من محبسه ونجا إلى أهله.

وزحف إلى حلب ولؤلؤ، وكانت بيه وبينهم حروب هزمه صالح آخرها وأسره سنة ستّين وأربعمائة.

وخلص أخوه نجا إلى حلب فحفظها، وبعث إلى صالح في فدية أخيه وشرط له ما شاء فأطلقه ورجع إلى حلب، واتهم مولاه فتحاً وكان نائبه على القلعة بالمداخلة في هزيمته فأجمع نكبته، ونمي إليه الخبر، فكاتب الحاكم العلوي وأظهر دعوته، وانتقض على لؤلؤ، فأقطعه الحاكم صيدا وبيروت، ولحق لؤلؤ بالروم في أنطاكية فأقام عندهم، ولحق فتح بصيدا، واستعمل الحاكم على حلب من قبله.

وانقرض أمر بني حمدان من الشام والجزيرة أجمع، وبقيت حلب في ملك العبيديين.

ثمّ غلب عليها صالح بن مرداس الكلابي، وكانت بها دولة له ولقومه ورثها عنهم بنوه.


ذكر ما لأوّل بني حمدان من

المكانة في دولة العبّاسيّين

(ما جاء في وفيات الأعيان للقاضي ابن خِلّكان)

قال في ترجمة ناصر الدولة - بعد أن ذكر سلسلة نسبه - هكذا:

أبو محمّد الحسن الملقّب ناصر الدولة بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحرث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحرث بن غطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة ابن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب التغلبي.

كان صاحب الموصل وما والاها، وتنقلت به الأحوال تارات إلى أن ملك الموصل بعد أن كان نائباً بها عن أبيه ؛ ثمّ لقّبه الخليفة المتّقي بالله ناصر الدولة وذلك في مستهلّ شعبان سنة ثلاثين وثلاثمئة ؛ ولقّب أخاه سيف الدولة في ذلك اليوم أيضاً، وعظم شأنهما.

وكان الخليفة المكتفي بالله قد ولّى أباهما عبد الله بن حمدان الموصل وأعمالها في سنة اثنتين وتسعين ومئتين، فسار إليها ودخلها في أوّل سنة ثلاث وتسعين ومئتين.

وكان ناصر الدولة أكبر سنّاً من أخيه سيف الدولة وأقدم منزلةً عند الخلفاء، وكان كثير التأدّب معه. وجرت بينهما يوماً وحشة، فكتب إليه سيف الدولة:

لست أجفو وإن جفوت ولا أت رك حـقّاً عـليَّ في كلِّ حالِ


إنّـما أنـت والدٌ والأب الجا في يجازى بالصبر والاحتمالِ

وكتب إليه مرةً أُخرى:

رضـيت لك العليا وإن كنت أهلها وقـلت لـهم بيني وبين أخي فرقُ

ولـم يـك بـي عنها نكولٌ وإنّما تـجافيت عـن حقّي فتمّ لي الحقُّ

ولا بـدّ لـي من أن أكون مصلّياً إذا كنت أرضى أن يكون لك السبقُ

وكان ناصر الدولة شديد المحبّة لأخيه سيف الدولة ؛ فلمّا توفّي سيف الدولة تغيّرت أحوال ناصر الدولة وساءت أخلاقه وضعف عقله إلى أن لم يبق له حرمة عند أولاده وجماعته. فقبض عليه ولده أبو تغلب فضل الله الملقب عدّة الدولة المعروف بالغضنفر بمدينة الموصل باتفاق من إخوته، وسيّره إلى قلعة اردمشت في حصن السلامة.

وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أنّ هذه القلعة هي التي تُسمّى الآن قلعة كواشي، وذلك في يوم السبت الرابع والعشرين من جمادى الأُولى سنة ستّ وخمسين وثلاثمئة.

ولم يزل محبوساً بها إلى أن توفّي يوم الجمعة وقت العصر ثاني عشر شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، ونُقل إلى الموصل ودُفن في تل توبة شرقيّ الموصل. وقيل إنّه توفّي سنة سبع وخمسين وثلاثمئة.

وقال محمّد بن عبد الملك الهمداني في كتابه (عنوان السير ) في آخر ترجمة ناصر الدولة:

ولم يزل - يعني ناصر الدولة - مستولياً على ديار الموصل وغيرها حتّى قبض عليه ابنه الغضنفر في سنة ستّ وخمسين وثلاثمئة، وكانت إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة. وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين وثلاثمئة.

وقُتل أبوه ببغداد وهو يدافع عن الإمام القاهر بالله، لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمئة.

وأمّا الغضنفر بن ناصر الدولة، فإنّه جرت له مع عضد الدولة بن بويه لمّا ملك بغداد، بعد قتله بختيار ابن عمّه، وقد كان معه في الوقعة التي قُتل فيها قضايا يطول شرحها، وحاصلها: أنّ عضد الدولة قصده بالموصل فهرب


منه إلى الشام، ونزل بظاهر دمشق والمستولي عليها قسام العيار، فكتب إلى العزيز بن المعز صاحب مصر يسأله تولية الشام، فأجابه إلى ذلك ظاهراً ومنعه باطناً. فتوجّه إلى الرملة في المحرّم سنة سبع وستّين وثلاثمئة وبها المفرّج بن الجرّاح البدوي الطائي، فهرب منه.

ثمّ جمع له جموعاً وعاد إليه، فالتقيا على بابها في يوم الاثنين لليلةٍ خلت من صفر في تلك السنة، فانهزم أصحابه وأُسر وقُتل يوم الثلاثاء ثاني صفر المذكور، ومولده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة.

ما ورد في تاريخ الطبري في أوّل أمرهم:

(جاء فيه في حوادث ٢٧٢)

وفيها: ورد الخبر من مدينة السلام بدخول حمدان بن حمدون وهارون الشاري مدينة الموصل. وصلّى الشاري بهم في مسجد الجامع.

(جاء فيه في حوادث سنة ٢٨١)

لستِّ ليالٍ بقين من ذي القعدة، خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل عامداً لحمدان بن حمدون ؛ وذلك أنّه بلغه أنّه مايل هارون الشاري الوازقي ودعا له، فورد المعتضد من كرخ جدّان على نجاح الحُرميّ الخادم بالوقعة بينه وبين الأعراب والأكراد، وكانت يوم الجمعة سلخ ذي القعدة:

(بسم الله الرحمن الرحيم: كتابي هذا وقت العتمة ليلة الجمعة، وقد نصر الله - وله الحمد - الأكراد والأعراب، وأظفرنا بعالم منهم وبعيالاتهم، ولقد رأيتنا ونحن نسوق البقر والغنم كما كنّا نسوقها عاماً أوّلا. ولم تزل الأسنّة والسيوف تأخذهم. وحال بيننا وبينهم الليل، وأوقدت النيران على رؤوس الجبال، ومن غد يومنا فيقع الاسقصاء، وعسكري يتبعني إلى الكرخ، وكان وقاعنا بهم وقتلنا إيّاهم خمسين ميلاً، فلم يبق منهم مخبرٌ والحمد لله كثيراً.

فقد وجب الشكر لله علينا والحمد له رب العالمين وصلّى الله على محمّدٍ نبيّه وآله وسلّم كثيراً، إلى أن قال:


ثمّ خرج المعتضد إلى الموصل عامداً لقلعة ماردين، وكانت في يد حمدان بن حمدون، فلمّا بلغه مجيء المعتضد هرب وخلّف ابنه ؛ فنزل عسكر المعتضد على القلعة، فحاربهم مَن كان فيها يومهم ذلك. فلّما كان من الغد ركب المعتضد فصعد القلعة حتّى وصل إلى الباب، ثمّ صاح:

يابن حمدون!... فأجابه: لبيك.

فقال له: افتح الباب... ويلك... ففتحه.

فقعد المعتضد في الباب، وأمر من دخل، فنقل ما في القلعة من المال والأثاث، ثمّ أمر بهدمها فهُدمت.

ثمّ وجّه خلف حمدان فطلب أشدّ الطلب وأخذت أموال كانت له مودعة، وجيء بالمال إلى المعتضد ثمّ ظفر به بعد.

(وجاء فيه في حوادث سنة ٢٨٢)

وفيها: كتب المعتضد من الموصل إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير إليه. فأمّا إسحاق بن أيوب فسارع إلى ذلك، وأمّا حمدان بن حمدون فتحصّن في قلاعه وغيّب أمواله وحرمه.

فوجّه إليه المعتضد الجيوش مع وصيف موشكير ونصر القشوري وغيرهما، فصادفوا الحسن بن علي كوره وأصحابه منيخين على قلعة حمدان بموضعٍ يُعرف بدير الزعفران من أرض الموصل، وفيها الحسين بن حمدان.

فلمّا رأى الحسين العسكر مقبلين طلب الأمان فأومن، وسار الحسين إلى المعتضد وسلّم القلعة، فأمر بهدمها.

وأغذّ وصيف موشكير السير في طلب حمدان، وكان قد صار في موضعٍ يُعرف بباسورين بين دجلة ونهر عظيم، وكان الماء زائداً، فعبر أصحاب وصيف إليه، ونذر بهم، فركب وأصحابه ودافعوا عن أنفسهم حتّى قتل أكثرهم ؛ فألقى حمدان نفسه في زورقٍ كان معدّاً له في دجلة ومعه كاتب له نصراني يسمّى زكرياء بن يحيى، وحمل معه مالاً وعبر إلى الجانب الغربي من دجلة من أرض دار ربيعة ؛ وقدّر اللحاق بالأعراب لمّا حيل بينه وبين أكراده الذين في الجانب الشرقي.

وعبر في أثره نفرٌ يسيرٌ من الجند، فاقتصّوا أثره حتّى أشرفوا على دير


كان قد نزله.

فلمّا بصر بهم خرج من الدير هارباً ومعه كاتبه، فألقيا نفسيهما في زورق وخلفا المال في الدير، فحمل إلى المعتضد.

وانحدر أصحاب السلطان في طلبه على الظهر وفي الماء فلحقوه، فخرج عن الزورق خاسراً إلى ضيعة له بشرقيّ دجلة، فركب دابّةً لوكيله وسار ليله أجمع إلى أن وافى مضرب إسحاق بن أيّوب في عسكر المعتضد مستجيراً به.

فأحضره إسحاق مضرب المعتضد وأمر بالاحتفاظ به، وبثّ الخيل في طلب أسبابه، فظفر بكاتبه وعدّة من قراباته وغلمانه.

وتتابع رؤساء الأكراد وغيرهم في الدخول في الأمان وذلك في آخر المحرّم من هذه السنة.

(وجاء فيه في حوادث سنة ٢٨٣)

فمن ذلك: ما كان من شخوص المعتضد لثلاث عشرة بقيت من المحرّم، منها بسبب الشاري هارون إلى ناحية الموصل فظفر به.

وورد كتاب المعتضد بظفره به إلى مدينة السلام يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول.

وكان سبب ظفره أنّه وجّه الحسين بن حمدان بن حمدون في جماعة من الفرسان والرجّالة من أهل بيته وغيرهم من أصحابه إليه.

وذكر أنّ الحسين بن حمدان قال للمعتضد: إن أنا جئت به إلى أمير المؤمنين فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين.

فقال: اذكرها... قال:

أوّلها إطلاق أبي، وحاجتان أسأله إيّاهما بعد مجيئي به إليه.

فقال له المعتضد: لك ذلك، فامض... فقال الحسين: أحتاج إلى ثلاثمئة فارس أنتخبهم.

فوجّه المعتضد معه ثلاثمئة فارس مع موشكير، فقال: أريد أن يأمر أمير المؤمنين أن لا يخالفن فيما آمره به.... فأمر المعتضد موشكير بذلك.

فمضى الحسين حتّى انتهى إلى مخاضة دجلة، فتقدّم إلى وصيف ومن معه بالوقوف على المخاضة وقال له:


ليس لهارون طريق إن هرب غير هذا... فلا تبرحنّ من هذا الموضع حتّى يمرّ بك هارون فتمنعه العبور، وأجيئك أنا أو يبلغك أنّي قد قتلت.

ومضى حسين في طلب هارون فلقيه وواقعه، وكانت بينهما قتلى. وانهزم الشاري هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامنا بهذا المكان القفر، وقد أضرّ ذلك بنا، ولسنا نأمن من أن يأخذ حسين الشاري فيكون له الفتح دوننا، والصواب أن نمضي في آثارهم فأطاعهم، ومضى، وجاء هارون الشاري منهزماً إلى موضع المخاضة فعبر، وجاء الحسين في أثره فلم ير وصيفاً وأصحابه بالموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهارون خبراً ولا رأى له أثراً. وجعل يسأل عن خبر هارون حتّى وقف على عبوره، فعبر في أثره وجاء إلى حي من أحياء العرب فسألهم عنه، فكتموه أمره، فأراد أن يوقع بهم وأعلمهم أن المعتضد في أثره، فأعلموه أنّه اجتاز بهم فأخذ بعض دوابهم وترك دوابه عندهم وكانت قد كلّت وأعيت.

واتبع أثره فلحقه بعد أيّام في نحو من مئة. فناشده الشاري وتوعده، فأبى إلاّ محاربته، فحاربه. فذكر أنّ حسين بن حمدان رمى بنفسه عليه، فابتدره أصحاب حسين فأخذوه.

وجاء به إلى المعتضد سلماً بغير عقد ولا عهد، فأمر المعتضد بحلّ قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه والإحسان إليه إلى أن يقدم فيطلقه ويخلع عليه.

فلمّا أسر الشاري وصار في يد المعتضد، انصرف راجعاً إلى مدينة السلام، فوافاها لثمانٍ بقين من شهر ربيع الأول، فنزل باب الشماسية وعبّأ الجيش هنالك.

وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان وطوّقه بطوقٍ من ذهب، وخلع على جماعةٍ من رؤساء أهله، وزيّن الفيل بثياب الديباج، واتُّخذ للشاري على الفيل كالمحفة وأُقعد فيها، وأُلبس دُرّاعة ديباج، وجُعل على رأسه برنس حرير طويل.

(وجاء في حوادث سنة ٢٩١)

شخوص المكتفي من مدينة السلام نحو صاحب الشامة لحربه


ومصيره إلى الرقّة وبثّه جيوشه فيما بين حلب وحمص، وتولّيه حرب صاحب الشامة محمّد بن سليمان الكاتب، وتصييره أمر جيشه وقوّاده إليه.

فلمّا دخلت هذه السنة، كتب وزير القاسم بن عبيد الله إلى محمّد بن سليمان، وقوّاد السلطان يأمرهم وإيّاه بمناهضة ذي الشامة وأصحابه.

فساروا إليه حتّى صاروا إلى موضعٍ بينهم وبين حماة، فيما قيل اثنا عشر ميلاً، فلقوا به أصحاب القرمطي، في يوم الثلاثاء لستّ خلون من المحرم، وجرت بينهم حروبٌ انتهت بفرار القرمطي بعدما عمل السيف في أصحابه.

وإنّا لنورد كتاب محمّد بن سليمان إلى الوزير بالفتح لتضمّنه بلاء حسين بن حمدان وعبد الله بن حمدان البلاء المشكور في هذه الموقعة:

(بسم الله الرحمن الرحيم: قد تقدّمت كتبي إلى الوزير أعزّه الله في خبر القرمطي اللعين وأشياعه بما أرجو أن يكون قد وصل إن شاء الله. ولمّا كان في يوم الثلاثاء لستّ ليالٍ خلون من المحرّم رحلت من الموضع المعروف بالقروانة نحو موضع يُعرف بالعليانة في جميع العسكر من الأولياء، وزحفنا به على مراتبهم في القلب والميمنة والميسرة وغير ذلك.

فلم أبعد أن وافاني الخبر بأنّ الكافر القرمطي أنفذ النعمان ابن أخي إسماعيل بن النعمان أحد دعاته في ثلاثة آلاف فارس وخلق من الرجّالة، وأنّه نزل بموضعٍ يُعرف بتمنع، بينه وبين حماة اثنا عشر ميلاً.

فاجتمع إليه جميع مَن كان بمعرّة النعمان وبناحية الفصيصي وسائر النواحي من الفرسان والرجّالة، فأسررت ذلك عن القوّاد والناس جميعاً ولم أظهره، وسألت الدليل الذي كان معي عن هذا الموضع وكم بينا وبينه... فذكر أنّه ستّة أميال.

فتوكّلت على الله (عزّ وجلّ) وتقدّمت إليه في المسير نحوه، فمال الناس جميعاً، وسرنا حتّى وافيت الكفرة، فوجدتهم على تعبئة، ورأينا طلائعهم.

فلمّا نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا إليهم فافترقوا ستّة كراديس وجعلوا على ميسرتهم - على ما أخبرني مَن ظفرت به من رؤسائهم


- مسروراً العُلَيصي وأبا الحمل وغلام هارون العُلَيصي وأبا العذاب ورجاء وصافي وأبا يعلى العلوي في ألف وخمسمائة فارس، وكمنوا كميناً في أربعمئة فارس خلف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا.

وجعلوا في القلب النعمان العليصي والمعروف بابن الحطي والحماري، وجماعة من بطلانهم في ألف وأربعمئة فارس وثلاثة آلاف راجل، وفي ميمنتهم كليباً العليصي وحميد العليصي، وجماعة من نظرائهم في ألف وأربعمئة فارس، وكمنوا مئتي فارس، فلم يزالوا زفاً إلينا ونحن نسير نحوهم غير متفرّقين متوكّلين على الله (عزّ وجلّ).

وقد استحثّيت الأولياء والغلمان، وسائر الناس غِيَرَهم ووعدتهم، فلّما رأى بعضنا بعضاً حمل الكردوس الذي كان في ميسرتهم ضرباً بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان وهو في جناح الميمنة، فاستقبلهم الحسين بارك الله عليه وأحسن جزاءه بوجهه وبموضعه من سائر أصحابه برماحهم فكسروها في صدورهم، فانفلّوا عنهم.

وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف واعترضوا ضرباً للوجوه، فصرع من الكفار الفجرة ستمئة فارس في أوّل وقعة، وأخذ أصحاب الحسين خمسمئة فرس وأربعمئة طوق فضّة، وولوا مدبرين مغلولين.

واتبعهم الحسين فرجعوا عليه، فلم يزالوا حملة وحملة وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة حتّى أفناهم الله (عزّ وجلّ)، فلم يفلت منهم إلاّ أقلّ من مئتي رجل.

وحمل الكردوس الذي كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويُمن الخادم ومن كان معهما من بني شيبان وبني تميم، فاستقبلوهم بالرماح حتّى كسروها فيهم.

واعتنق بعضهم بعضاً، فقتل من الفجرة جماعة كثيرة.

وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفة بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحاً لخليفة في ثلاثمئة فارس، وجميع أصحاب خليفة وهم يعاركون بني شيبان وتميم فقتل من الكفرة مقتلة عظيمة، واتبعوهم فأخذ بنو شيبان منهم ثلاثمائة فرس ومئة طوق، وأخذ أصحاب خليفة مثل ذلك.


ورجف النعمان ومَن معه في القلب إلينا، فحملت ومن معي وكنت بين القلب والميمنة، وحمل خاقان ونصر القشوري ومحمّد بن كمشجور ومَن كان معهم في الميمنة ووصيف موشكير ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وابنا كيغلغ والمبارك القمي وربيعة بن محمد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحي الكبير ووصيف البكتمري وبشر البكتمري ومحمد بن قراطُفان، وكان في جناح الميمنة جميع من حمل على مَن في القلب ومن انقطع ممّن كان حمل على الحسين بن حمدان.

فلم يزالوا يقتلون الكفّار فرسانهم ورجّالتهم حتّى قتلوا أكثر من خمسة أميال، ولمّا أن تجاوزت المصاف بنصف ميل خفت أن يكون من الكفّار مكيدة في الاحتيال على الرجّالة والسواد، فوقفت إلى أن لحقوني، وجمعتهم وجمعت الناس إليّ وبين يدي المطرد المبارك مطرد أمير المؤمنين، وقد حملت في الوقت الأوّل وحمل الناس.

ولم يزل عيسى النوشري ضابطاً للسواد من مصاف خلفهم مع فرسانه ورجّالته على ما رسمتُه له، ولم يَزُل من موضعه إلى أن رجع الناس إليّ من كلِّ موضع.

وضربت مضربي في الموضع الذي وقفت فيه حتّى نزل الناس جميعاً، ولم أزل واقفاً إلى أن صلّيت المغرب حتّى استقرّ العسكر بأهله، ووجّهت في الطلائع، ثمّ نزلت وأكثرت حمداً لله على ما هنّأنا به من النصر، ولم يبق أحد من قوّاد أمير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه الدولة المباركة في المناصحة لها إلاّ بلغوها بارك الله عليهم جميعاً.

ولمّا استراح الناس خرجت والقوّاد جميعاً لنقيم خارج العسكر إلى أن يصبح الناس خوفاً من حيلة تقع، وأسأل الله تمام النعمة وإيزاع الشكر. وأنا، أعزّ الله سيدنا الوزير، راحلٌ إلى حماة، ثمّ أشخص إلى سلمية بمنّ الله تعالى وعونه، فمَن بقي من هؤلاء الكفّار مع الكافر منهم بسلمية، فإنّه قد صار إليها منذ ثلاثة أيّام واحتاج إلى أن يتقدّم الوزير بالكتاب إلى جميع القوّاد وسائر بطون العرب من بني شيبان وتغلب وبني تميم يجزيهم جميعاً الخير على ما كان في هذه الوقعة. فما بقّى أحد منهم صغير ولا كبير غاية والحمد لله على ما تفضّل به وإيّاه أسأل تمام النعمة (الخ).


(وجاء في حوادث سنة ٣٩٣)

وفي صفر ورد الخبر أنّ أخاً للحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر، وأنّه اجتمع إليه نفرٌ من الأعراب والمتلصّصة، فسار بهم نحو دمشق على طريق البر وعاث بتلك الناحية وحارب أهلها ؛ فندب للخروج إليه الحسين بن حمدان، فخرج في جماعةٍ كثيرةٍ من الجند، وكان مصير هذا القرمطي إلى دمشق في جمادى الأُولى من هذه السنة.

ثمّ ورد الخبر أنّ هذا القرمطي سار إلى طبرية، فامتنعوا من إدخاله فحاربهم حتّى دخلها، فقتل عامّة مَن بها من الرجال والنساء ونهبها وانصرف إلى ناحية البادية.

وملخص ما ذكره في استفحال شر القرامطة واعتدائهم على بعض بلاد الشام وقتلهم النساء والأطفال بلا رحمةٍ ولا شفقة، أنّهم لم ينالوا من دمشق نيلاً ولم يطمعوا فيها ؛ وكانوا قد صاروا إليها فدافعهم أهلها عنها، فقصدوا نحو طبرية مدينة جند الأردن.

ولحق بهم جماعة افتتنت من الجند بدمشق، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي عامل أحمد بن كيغلغ على الأردن فكسروه وبذلوا الأمان له، ثمّ غدروا به فقتلوه، ونهبوا مدنية الأردن وسبوا النساء وقتلوا طائفةً من أهلها ؛ فأنفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوهاً من القوّاد.

فورد دمشق وقد دخل أعداء الله طبرية، فلمّا اتصل خبره بهم عطفوا نحو السماوة، وتبعهم الحسين يطلبهم في بريّة السماوة وهم ينتقلون من ماء إلى ماء ويعورونه حتّى لجأوا إلى المائين المعروفين بالدمعانة والحالة.

وانقطع الحسين من اتّباعهم لعدمه الماء، فعاد إلى الرحبة وأسرى القرامطة مع غاويهم المسمّى نصراً إلى قرية هيت، فصبحوها وأهلها غارون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس، فنهب ربضها وقتل من قدر عليه من أهلها، وأحرق المنازل وانتهب السفن التي في الفرات في غرضتها.

وقتل من أهل البلد فيما قيل زهاء مئتي نفس، ما بين رجلٍ وامرأةٍ وصبي، وأخذ ما قدر عليه من الأموال والمتاع، وأوقر فيما قيل ثلاثة آلاف راحلة، إلى أن قال:


وذُكر عن محمد بن داود أنّه قال: إنّ القرامطة صبحوا هيت وأهلها غارّون، فحماهم الله منهم بسورها.

ثمّ عجّل السلطان محمد بن إسحاق بن كنداجيق نحوهم، فلم يقيموا بها إلاّ ثلاثاً، حتّى قرب محمد بن إسحاق منهم، فهربوا منه نحو المائين. فنهض محمد نحوهم فوجدهم قد عوروا المياه بينه وبينهم فأُنفذت إليه من الحضرة الإبل والروايا والزاد. وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ من جهة الرحبة إليهم ؛ ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم.

فلمّا أحسّ الكلبيّون بإشراف الجند عليهم ائتمروا بعدوِّ الله المسمّى نصراً، فوثبوا عليه وفتكوا به، وتفرّد بقتله رجلٌ منهم يُقال له الذئب بن القائم، وشخص إلى الباب متقرّباً بما كان منه ومستأمناً لبقيّتهم فأسنيت له الجائزة وعرف له ما أتاه وكفّ عن طلب قومه، فمكث أياماً ثمّ هرب.

وظفرت طلائع محمد بن إسحاق برأس المسمّى بنصر فاحتزّوه وأدخلوه مدينة السلام.

واقتتلت القرامطة بعده حتّى وقعت بينهما الدماء ؛ فسار مقام بن الكيال إلى ناحية طيئ مفلتاً بما احتوى عليه من الحطام، وصارت فرقة منهم كرهت أمورهم إلى بني أسد المقيمن بنواحي عين التمر فجاوروهم، وأرسلوا إلى السلطان وفداً يعتذرون ما كان منهم ويسألون إقرارهم في جوار بني أسد، فأُجيبوا إلى ذلك، وحصلت على المائين بقيّة الفسقة المستبصرة في دين القرامطة.

وكتب السلطان إلى حسين بن حمدان في معاودتهم باجتثاث أصولهم ؛ فأنفذ زكرويه إليهم داعيةً له من أكرة أهل السواد يُسمّى القاسم بن أحمد بن علي، ويُعرف بأبي محمد من رستاق نهر تلحانا، فأعلمهم أن فعل الذئب بن القائم قد أنفره عنهم وثقل قلبه عليهم، وأنّهم قد ارتدّوا عن الدين، وأنّ وقت ظهورهم قد حضر، وقد بايع له بالكوفة أربعون ألف رجل وفي سوادها أربعمئة ألف رجل، وأنّ موعدهم الذي ذكره الله في كتابه في شأن موسى كليمه (ع) وعدوّه فرعون إذ يقول موعدكم يوم الزينة، وأنّ محشر الناس ضحى، وأن زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم، ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ويسيروا نحو الكوفة حتّى يصبحوها في غداة يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذي الحجّة سنة ٢٩٣ هـ، فإنّهم لا يمنعون منها وأنّه يظهر لهم، وينجز لهم وعده الذي كانت رُسُله


تأتيهم به، وأن يحملوا القاسم بن أحمد معهم، فامتثلوا أمره ووافوا باب الكوفة، وقد انصرف الناس عن مصلاّهم مع إسحاق بن عمران عامل السلطان بها.

وكان الذين وافوا باب الكوفة في هذا اليوم - فيما ذكر - ثمانمئة فارس أو نحوها، إلى آخر ما أطال به الطبري من أمرهم الذي انتهى بالإدانة من القرامطة في هذه الواقعة.

(وجاء في تاريخ الطبري في حوادث سنة ٢٩٥)

وفيها: وجّه الحسين بن حمدان من طريق الشام رجلاً يُعرف بالكيال مع ستّين رجلاً من أصحابه إلى السلطان، كانوا استأمنوا إليه من أصحاب زكرويه.

وفيها: كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كلب والنمر وأسد وغيرهم، اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها فهزموه، حتّى بلغوا به باب حلب.

(وجاء فيه في حوادث سنة ٢٩٦ هـ)

بما يتعلّق بالاجتماع على خلع المقتدر واستخلاف عبد الله بن المعتز، قال:

وكان الرأس في ذلك محمد بن داود بن الجراح، وأبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضي، وواطأ محمد بن داود بن الجراح جماعةً من القوّاد على الفتك بالمقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز.

وكان العبّاس بن الحسن على مثل رأيهم، فلمّا رأى العبّاس أمره مستوثقاً له مع المقتدر، بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك، فحينئذٍ وثب به الآخرون فقتلوه.

وكان الذي تولّى قتله بدر الأعجمي، والحسين بن حمدان، ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل.

وفي هذا اليوم، كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوّه إلى انتصاف النهار.


وفيها: وجّه السلطان القاسم بن سيما مع جماعةٍ من القوّاد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون، فشخص لذلك حتّى صار إلى قرقيسيا والرحبة والدالية، وكتب إلى أخي الحسين عبد الله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه.

فالتقى هو وأخوه بموضعٍ يُعرف بالأعمى، بين تكريت والسودقانية بالجانب الغربي من دجلة، فانهزم عبد الله، وبعث الحسين يطلب الأمان فأُعطي ذلك.

ولسبع بقين من جمادى الآخرة منها وافى الحسين بن حمدان بغداد فنزل باب حرب، ثمّ سار إلى دار السلطان من غد ذلك اليوم، فخلع عليه وعقد له على قم وقاشان.

(وجاء فيه في حوادث سنة ٣٠١)

وفيها: غزا الصائفة الحسين بن حمدان بن حمدون، فورد كتاب من طرسوس يذكر فيه أنّه فتح حصوناً كثيرةً، وقتل من الروم خلقاً كثيراً.

(ما جاء عن بني حمدان قديماً وحديثاً في تاريخ أبي الفداء)

في الجزء الثاني في حوادث سنة ٢٨١ فيها: سار المعتضد إلى ماردين فهرب صاحبها حمدان، وخلّى ابنه بها فقاتله المعتضد فسلّمها إليه.

(وفي هذا الجزء في حوادث سنة ٣٢٣)

كان ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان هو أمير الموصل وديار ربيعة، وكان أوّل مَن تولّى الموصل منهم أبو ناصر الدولة المذكور، وهو عبد الله وكنيته أبو الهيجاء، ولاّه عليها المكتفي، وقيل أبو الهيجاء المذكور ببغداد في المدافعة عن القاهر لمّا قبض عليه، وكان ابنه ناصر الدولة المذكور نائباً عنه بالموصل، واستمرّ بها إلى هذه السنة، فضمن عمّه أبو العلاء بن حمدان ما بيد ابن أخيه من ديوان الخليفة بمالٍ يحمله.

وسار أبو العلاء إلى الموصل فقتله ابن أخيه ناصر الدولة، فلمّا بلغ الخليفة ذلك ؛ أرسل عسكراً إلى ناصر الدولة مع ابن مقلة الوزير، فلمّا وصل إلى الموصل هرب ناصر الدولة ولم يدركه ؛ فأقام ابن مقلة بالموصل


مدّةً ثمّ عاد إلى بغداد، فعاد ناصر الدول إلى الموصل، وكتب إلى الخليفة يسأل الصفح، وضمن الموصل بمالٍ يحمله، فأُجيب إلى ذلك.

(وفي هذا الجزء في حوادث ٣٣٠)

في هذه السنة: عاد البريدي فاستولى على بغداد، وهرب ابن رائق والخليفة المقتفي إلى جهة الموصل، فخرج عنها ناصر الدولة إلى الجانب الآخر، فأرسل المقتفي (المتّقي) إليه ابنه أبا منصور وابن رائق، فأكرمهما ناصر الدولة ونثر على ابن الخليفة دنانير، ولمّا قاما لينصرفا أمر ناصر الدولة أصحابه بقتل ابن رائق فقتلوه.

ثمّ سار ابن حمدان إلى المتّقي فخلع المتّقي عليه، وجعله أمير الأمراء، وذلك في مستهلّ شعبان من هذه السنة، وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقّبه سيف الدولة.

ولمّا بلغ الإخشيد صاحب مصر قتل ابن رائق، صار إلى دمشق فاستولى عليها، ثمّ سار المتّقي وناصر الدولة إلى بغداد فهرب عنها ابن البريدي، ونهب الناس بعضهم بعضاً ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً.

ودخل المتّقي إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوشٍ كثيرةٍ في شوّال من هذه السنة.

ولمّا استقرّ ناصر الدولة ببغداد أمر بإصلاح الدنانير، وكان الدينار بعشرة دراهم فبيع الدينار بثلاثة عشر درهماً.

إنّك لترى من هذه الحالة وما سبقها وما يلحقها: كيف كان التنازع بين أمراء الدولة العبّاسيّة وولاتها، ومَن كان له من الأثر في إضعافها، وتسلُّط الغرباء الأبعدين والأقربين عليها من تُرك وديلم وفُرس وعرب، فكانت هذه الدولة كريشةٍ في مهابّ الأعاصير، ولم يبق للخلفاء سوى الاسم والرّسم، والأمر والنهي بيد غيرهم.

يقول أبو الفداء:


(في حوادث سنة ٣٢٤)

ومن حين دخل ابن رائق بطلت الوزارة من بغداد، وبقي ابن رائق هو الناظر في الأُمور جميعها، وتغلّب عمّال الأطراف عليها، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فيها لابن رائق وليس للخليفة فيها حكم.

وأمّا باقي الأطراف: فكانت (البصرة) في يد ابن رائق المذكور، و (خوزستان) في يد البريدي، و(فارس) في يد عماد الدولة بن بويه، و (كرمان) في يد أبي علي محمد بن الياس، و (الري وأصفهان والجبل) في يد ركن الدولة بن بويه وشمكير بن زياد أخي مرداويج يتنازعان عليها، و (الموصل وديار بكر ومضر وربيعة) في يد بني حمدان، و (مصر والشام) في يد الإخشيد محمد ابن طغج، و (المغرب) و (أفريقية) في يد القائم العلوي ابن المهدي، و (الأندلس) في يد عبد الرحمان بن محمد الأموي الملقّب بالناصر، و (خراسان) و (ما وراء النهر) في يد نصر بن أحمد بن سامان الساماني، و (طبرستان) و (جرجان) في يد الديلم، و (البحرين) و (اليمامة) في يد أبي طاهر القرمطي.

(وفيه في حوادث سنة ٣٢٧)

فيها سار بجكم والراضي إلى الموصل، فهرب ناصر الدولة بن حمدان عنها، ثمّ حمل مالاً واستقرّ الصلح معه.

(وفيه في حوادث سنة ٣٣١)

في هذه السنة: سار ناصر الدولة عن بغداد إلى الموصل، وثارت الديلم ونهبت داره، وكان أخوه سيف الدولة بواسط، فثار عليه الأتراك الذين معه وكبسوه ليلاً في شعبان، فهرب سيف الدولة أبو الحسن علي إلى جهة أخيه ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان، ولحق به.

ثمّ قَدِم سيف الدولة إلى بغداد، وطلب من المتّقي مالاً ليفرّقه في العسكر، ويمنع تورون والأتراك من دخول بغداد، فأرسل إليه المتّقي أربعمئة ألف دينار، ففرّقها في أصحابه.

ولمّا وصل توزون إلى بغداد هرب سيف الدولة عنها، ودخل توزون


بغداد في الخامس والعشرين من رمضان في هذه السنة، فخلع المتّقي عليه، وجعله أمير الأمراء.

(وفي حوادث سنة ٣٣٢)

فيها: سار المتّقي عن بغداد خوفاً من تورون وابن شيرزاد إلى جهة ناصر الدولة بالموصل، وانحدر سيف الدولة إلى ملتقى المتّقي بتكريت، ثمّ انحدر ناصر الدولة إلى تكريت، وأصعد الخليفة إلى الموصل.

ثمّ سار الخليفة وبنو حمدان إلى الرقّة، فأقاموا بها. وظهر للمتّقي تضجّر بني حمدان منه، وإيثارهم مفارقته، فكتب إلى توزون يطلب الصلح منه ليقدم إلى بغداد.

وفيه في حوادث هذه السنة وفي الصفحة نفسها:

وفيها: استعمل ناصر الدولة بن حمدان بن علي بن مقاتل على قنّسرين والعواصم وحمص، ثمّ استعمل بعده في السنة المذكورة ابن عمّه الحسين بن سعيد بن حمدان على ذلك.

(وفي في حوادث سنة ٣٣٣)

وفي هذه السنة: لمّا سار المتّقي عن الرقّة إلى بغداد، وسار عنها الإخشيد إلى مصر، (وكان قد حضر إليه إلى الرقّة حين خرج من بغداد مغاضباً لتورون، ليحمله معه إلى الذهاب إلى مصر، وحيث أبى ذلك أصلح الحال بينه وبين تورون)، سار سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب، وبها يانس المؤنسي، فأخذها منه سيف الدولة واستولى عليها.

ثمّ سار من حلب إلى حمص فاستولى عليها، ثمّ سار إلى دمشق فحصرها ثمّ رحل عنها.

وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام بسبب قصد سيف الدولة دمشق، وسار إليه، فالتقيا بقنّسرين ولم يظفر أحد العسكرين بالآخر.

ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلمّا رجع الإخشيد إلى دمشق عاد سيف الدولة إلى حلب فملكها، فلمّا ملكها سارت الروم حتّى قاربت


حلب، فخرج إليهم سيف الدول فهزمهم وظفر بهم.

(وفي حوادث سنة ٣٣٤)

في هذه السنة: سار ناصر الدولة إلى بغداد، وأرسل معز الدولة عسكراً لقتاله فلم يقدروا على دفعه، وسار ناصر الدولة من سامراء عاشر رمضان إلى بغداد، وأخذ معزّ الدولة المطيع معه، وسار إلى تكريت فنهبها ؛ لأنّها كانت لناصر الدولة.

وعاد معزّ الدولة بالخليفة إلى بغداد ونزل بالجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب تلك الأيّام للمطيع ببغداد.

وجرى بينهم ببغداد قتال كثير آخره أن ناصر الدولة وعسكره انهزموا، واستولى معزّ الدولة على الجانب الشرقي، وأُعيد الخليفة إلى مكانه في المحرّم سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة.

واستقرّ معزّ الدولة ببغداد وناصر الدولة بعكبرا، ثمّ سار ناصر الدولة إلى الموصل، واستقرّ الصلح بين معزّ الدولة وناصر الدولة في المحرّم من سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة.

(وفي حوادث السنة ٣٣٤)

بعد وفاة الإخشيد وولاية ابنه أبي القاسم ابنه أبي القاسم أنوجور (معناه محمود) وكان صغيراً.

واستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وبمسير كافور إلى مصر سار سيف الدولة إلى دمشق، وملكها وأقام بها.

واتّفق أنّ سيف الدولة ركب يوماً والشريف العقيقي معه، فقال سيف الدولة: (ما تصلح هذه الغوطة إلاّ لرجل واحد) فقال له العقيقي: (هي لأقوام كثير).

فقال سيف الدولة: (لو أخذتها القوانين السلطانيّة لتبرّأوا منها.

فأعلم العقيقي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه فجاءهم، فأخرجوا سيف الدول عنهم.

ثمّ استقرّ سيف الدولة بحلب، ورجع كافور إلى مصر، وولّى على دمشق بدراً الإخشيدي.


وذكر غزاته الروم في (سنة ٣٣٨، الصفحة ٩٨) وإيغاله فيها وغنمه وقتله. فلمّا عاد أخذت الروم عليه المضايق ؛ فهلك غالب عسكره وما معه، ونجا سيف الدولة بنفسه في عددٍ يسير.

(وفي حوادث سنة ٣٤٣)

في هذه السنة في ربيع الأوّل: غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم فغنم وقتل، ووقع بينه وبين الروم وقعة عظيمة قٌتل فيها من الفريقين عالمٌ كثير، وانتصر فيها سيف الدولة.

(وفي حوادث سنة ٣٤٥)

وفيها: سار سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم فغنم وسبى وفتح عدّة حصون، ورجع إلى آذنة فأقام بها، ثمّ ارتحل إلى حلب.

وفي سنة ٣٤٩ غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم في جمعٍ كثيرٍ ففتح وأحرق وقتل وغنم، وبلغ إلى خرشنة.

وفي عوده أخذت الروم عليه المضايق واستردّوا ما أخذه وأخذوا أثقاله وأكثروا القتل في أصحابه.

وتخلّص سيف الدولة في ثلاثمئة نفس، وكان قد أشار عليه أرباب المعرفة بأن لا يعود على الطريق، فلم يقبل.

وكان سيف الدولة معجباً بنفسه، يحب أن يستبدّ ولا يشاور أحداً ؛ لئلاّ يُقال إنّه أصاب برأي غيره.

(وفي حوادث سنة ٣٥١)

استولى الروم على مدينة حلب دون قلعتها، وكان قد سار إليها الدمستق، ولم يعلم به سيف الدولة إلاّ عند وصوله.

وجرت حربٌ انتهت بفوز الدمستق واستيلائه على أموال سيف الدولة وعلى أربعمئة بغل، ومن السلاح ما لا يُحصى. وجرت منهم أُمور عظيمة في حلب من قتلٍ ونهب، وحسبك أنّهم سبوا بضعة عشر ألف صبي وصبية، وغنموا ما لا يوصف كثرة.

وبعد امتلاء أيديهم من الغنائم والسبي وإعواز


الظهر لحمل البقيّة الباقية أحرقوها.

وأقام الدمستق تسعة أيام، ثمّ ارتحل عائداً إلى بلاده، ولم ينهب قرايا حلب، وأمرهم بالزراعة ليعود من قابل إلى حلب في زعمه.

وفي هذه السنة (الصفحة ١٠٤ من تاريخ أبي الفداء) في شوّال: أسرت الروم أبا فراس الحارث بن سعيد بن حمدان من منبج، وكان متقلّداً بها.

(وفي حوادث سنة ٣٥٣)

سار معزّ الدولة واستولى على الموصل ونصيبين، بعد أن انهزم ناصر الدولة من بين يديه.

ثمّ وقع بينهما الاتفاق وضمن ناصر الدولة الموصل بمالٍ ارتضاه معزّ الدولة.

ورحل معزّ الدولة ورجع إلى بغداد.

(وفي سنة ٣٥٤)

أطاع أهل انطاكية بعض المقدّمين الذين حضروا من طرسوس، وخالفوا سيف الدولة.

وكان اسم المقدّم الذي أطاعوه رشيقاً، فسار إلى جهة حلب وقاتل عامل سيف الدولة قرعويه، وكان سيف الدولة بميافارقين، فأرسل سيف الدولة عسكراً مع خادمه بشارة، فاجتمع قرعويه العامل بحلب مع بشارة وقاتلا رشيقاً فقتل رشيق وهرب أصحابه ودخلوا انطاكية.

(وفي سنة ٣٥٥)

اسْتَفَكَّ سيف الدولة بن حمدان ابن عمّه أبا فراس بن حمدان من الأسر، وكان بينه وبين الروم الفداء فخلّص عدّةً من المسلمين من الأسر.

(وفي سنة ٣٥٦)

قبض ابن ناصر الدولة أبو تغلب على أبي ناصر الدولة وحبسه، وكان سبب قبضه أن ناصر الدولة كان قد كبر وساءت أخلاقه وضيّق على أولاده وأصحابه وخالفهم في أغراضهم، فضجروا منه، حتّى وثب عليه ابنه أبو تغلب فقبضه في هذه السنة في أواخر جمادى الأولى، ووكل به من يخدمه.


ولمّا فعل أبو تغلب ذلك خالفه بعض أخوته، فاحتاج أبو تغلب إلى مداراة بختيار ليعضده، فضمن أبو تغلب البلاد لبختيار بألف ألف ومئتي ألف درهم.

وفاة سيف الدولة

(وفي سنة ٣٥٦)

مات سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بن حَمْدون التَّغلبيّ الربعيّ. وكان موته بحلب في صفر، وحُمل تابوته إلى ميافارقين فدُفن بها.

وكان مولده في ذي الحجّة سنة ثلاث وثلاثمئة، وكان مرضه عسر البول.

وهو أوّل مَن ملك حلب من بني حمدان، أخذها من أحمد بن سعيد الكلابي نائب الإخشيد.

وقيل إنّ أوّل مَن ولي حلب من بني حمدان الحسين بن سعيد وهو أخو أبي فراس الحمداني.

وكان سيف الدولة شجاعاً كريماً وله شعر.

ولمّا توفّي سيف الدولة، ملك بلاده بعده ابنه سعد الدولة شريف، وكنيه أبو المعالي بن سيف الدولة ابن حمدان.

(وفي سنة ٣٥٧)

وفي هذه السنة في ربيع الآخر: قُتل أبو فراس، وكان مقيماً بحمص، فجرى بينه وبين أبي المعالي ابن سيف الدولة وحشة. وطلبه أبو المعالي فانحاز أبو فراس إلى صدد، فأرسل أبو المعالي عسكراً مع قرعويه أحد قوّاد عسكره، فكبسوا أبا فراس في صدد وقتلوه.

وكان أبو فراس خال أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون، وهو ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة، أُسر بِمَنْبِج وحُمل إلى القسطنطينة وأقام في الأسر أربع سنين.

وله في الأسر أشعارٌ كثيرة، وكانت منبج إقطاعه.


وقال ابن خالَوَيْه:

لمّا مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلّب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام أبيه قرعويه، فأرسله إليه وقاتله فقُتل في صدد.

وقيل بقي مجروحاً أيّاماً ومات، وكان مولده سنة عشرين وثلاثمئة، وفي مقتله في صدد يقول بعضهم:

وعـلّمني الـصدّ مِن بعده عن النوم مصرعه في صدد

فَسقْياً لها إذ حوت شخصه وبـعداً لها حيث فيها ابتعد

(وفي سنة ٣٥٨)

استولى قرعَوَيْه غلام سيف الدولة على حلب، وأخرج ابن أستاذه أبا المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان منها ؛ فسار أبو المعالي إلى عند والدته بميافارقين وأقام عندها، ثمّ جرى بينهما وحشة ثمّ اتفقا بعدها.

ثمّ سار أبو المعالي فعبر الفرات وقصد حماة وأقام بها.

(وفي سنة ٣٥٩)

سار أبو تغلب إلى حرّان وحاصرها مدّةً وفتحها بالأمان، فاستعمل على حرّان البرقعيدي وهو من أكابر أصحاب بني حمدان، ثمّ عاد أبو تغلب إلى الموصل.

وفي هذه السنة: اصطلح قرعَوَيْه مع ابن أستاذه أبي المعالي وخطب له بحلب، وكان أبو المعالي حينئذٍ بحمص، وخطب أيضاً بحمص وحلب للمعزّ لدين الله الفاطمي صاحب مصر.

(وفي سنة ٣٦١)

ملك أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان قلعة ماردين، سلّمها إليه نائب أخيه حمدان، فأخذ أبو تغلب كلَّ ما لأخيه فيها من مالٍ وسلاح.

(وفي سنة ٣٦٢)

وصل الدمستق إلى جهة ميافارقين فنهب واستهان بالمسلمين، فجهّز


أبو تغلب بن ناصر الدولة أخاه هبة الله بن ناصر الدولة في جيش، فالتقوا مع الدمستق فانهزم الروم وأُخذ الدمستقُ أسيراً، وبقي في الحبس عند أبي تغلب ومرض فعالجه أبو تغلب فلم ينجع فيه، ومات الدمستق في الحبس.

(وفي سنة ٣٦٦)

عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة إلى ملك حلب، وسببه أنّه لمّا جرى بين قرعويه وبين أبي المعالي ما قدّمنا ذكره من استيلاء قرعويه على حلب، ومقام أبي المعالي بحماة، وصل إلى أبي المعالي وهو بحماة مارقطاش مولى أبيه من حصن برزية وخدمه وعمّر له مدينة حمص، بعد ما كان قد أخربها الروم.

وكان لقرعويه مولى يقال له بكجور، وقد جعله قرعويه نائبه.

فقوي بكجور واستفحل أمره وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في قلعة حلب.

واستولى بكجور على حلب.

وكاتب أهلها أبا المعالي، فسار أبو المعالي إلى حلب، وأنزل بكجور بالأمان وحلف له أن يولّيه حمص، فنزل بكجور، وولاّه أبو المعالي حمص ؛ واستقرّ أبو المعالي مالكاً لحلب.

(وفي سنة ٣٦٧)

لماّ استولى عضد الدولة على العراق وأخرج منها بَخْتِيار سار معه حمدان بن ناصر الدولة، فأطمعه حمدان في مُلك الموصل وحسّن له ذلك وهوّن عليه أمر أخيه أبي تغلب ؛ فسار بختيار إلى جهة الموصل، فأرسل أبو تغلب يقول لبَخْتيار:

إن سلَّمت إليّ أخي حمدان صرت معك وقاتلت عضد الدولة وأخرجته من العراق.

فقبض بختيار على حمدان وسلّمه إلى أخيه أبي تغلب، وارتكب فيه من الغدر أمراً شنيعاً، فحبسه أخوه أبو تغلب.

واجتمع أبو تغلب بعساكره مع بختيار وقصدا عضد الدولة، فخرج عضد الدولة من بغداد نحوهما، والتقوا بقصر الجص من نواحي تكريت، ثامن عشر شوّال من هذه السنة. فهزمهما عضد الدولة وأمسك بختيار أسيراً فقتله.


ثمّ سار عضد الدولة نحو الموصل فملكها، وهرب أبو تغلب إلى نحو ميافارقين، فأرسل عضد الدولة جيشاً في طلبه ومقدّمهم أبو الوفاء. فلمّا وصلوا إلى ميافارقين هرب أبو تغلب إلى بدليس، وتبعه عسكر عضد الدولة، فهرب إلى نحو بلاد الشام، فلحقه العسكر وجرى بينهم قتال، فانتصر أبو تغلب وهزم عسكر عضد الدولة.

ثمّ سار أبو تغلب إلى حصن زياد، ويُعرف ألآن بخرت برت، ثمّ سار إلى آمد وأقام بها.

(وفي سنة ٣٦٨)

لمّا فتح أبو الوفاء مقدّم عسكر عضد الدولة ميافارقين بالأمان، وسمع أبو تغلب بفتحها، سار عن آمد نحو الرحبة.

ولمّا سار عضد الدولة مع أبي الوفاء وفتحا آمد واستولى عضد الدولة على جميع ديار بكر، ثمّ على ديار مضر والرحبة وجميع مملكة أبي تغلب، واستخلف أبا الوفاء على الموصل وسار إلى بغداد.

سار أبو تغلب إلى دمشق، وكان قد تغلّب عليها قسام وهو شخص كان يثق إليه أفتكين.

فلمّا وصل أبو تغلب إلى دمشق قاتله قسام ومنعه من دخولها، فسار إلى طبرية.

(وفي سنة ٣٦٩)

كان أبو تغلب قد سار عن دمشق إلى طبريّة، ثمّ إلى الرملة في المحرّم من هذه السنة، وكان بتلك الجهة (دغفل بن مفرج الطائي) وقائد من قوّاد العزيز اسمه الفضل، ومعه عسكر قد جهّزه العزيز إلى الشام، فساروا لقتال أبي تغلب، ولم يبق مع أبي تغلب غير سبعمئة رجل من غلمانه وغلمان أبيه، فولّى أبو تغلب منهزماً فتبعوه، فأخذوه أسيراً، فقتله دغفل وبعث برأسه إلى العزيز بمصر، وكان معه أخته جميلة بنت ناصر الدولة وزوجته بنت عمّه سيف الدولة، فحملها بنو عقيل إلى حلب وبها ابن سيف الدولة، فترك أخته عنده وأرسل جميلة بنت ناصر الدولة إلى بغداد، فاعتُقلت في حجرةٍ في دار عضد الدولة.


(وفي سنة ٣٧٣)

سار أبو المعالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان فأخذ حلب من بكجور، وولاّه حمص إلى هذه السنة.

(وفي سنة ٣٧٩)

كان ابنا ناصر الدولة وهما أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين في خدمة شرف الدولة بن عضد الدولة ببغداد. فلمّا توفّي شرف الدولة وملك أخوه بهاء الدولة، استأذناه في المسير إلى الموصل، فأذن لهما بذلك.

فسارا إلى الموصل، فقاتلهما العامل بها واجتمع إليهما المواصلة، فاستوليا على الموصل وطردا عاملها والعسكر الذي قاتلهما إلى بغداد واستقرّا في الموصل.

(وفي سنة ٣٨٠)

طمع باد صاحب ديار بكر في ابني ناصر الدولة وهما: أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين المستوليان على الموصل، فقصدهما وجرى بينهم قتال شديد، قُتل فيه باد وحُمل رأسه إليهما.

وكان باد المذكور، خال أبي علي بن مروان، فلمّا قُتل باد سار أبو علي ابن أخته إلى حصن كيفا، وكان بالحصن امرأة خاله باد المذكور وأهله، فقال لامرأة باد: قد أنفذني خالي إليك في مهمّة، فلمّا صعد إليها أعلمها بهلاك خاله وأطمعها في التزويج بها، فوافقته على ملك الحصن وغيره.

ونزل أبو علي بن مروان وملك بلاد خاله حصناً حصناً، حتّى ملك ما كان لخاله، وجرى بينه وبين أبي طاهر وأبي عبد الله العزيز ناصر الدولة حروب.

(وفي سنة ٣٨٠)

سار بكجور إلى قتال سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، واقتتلا قتالاً شديداً، وهرب بكجور وأصحابه وكثر القتل فيهم، ثمّ أُمسك بكجور


وأُحضر أسيراً إلى سعد الدولة فقتله ولقي عاقبة بغيه وكفره إحسان مولاه. ولمّا قتله سار سعد الدولة إلى الرقّة وبها أولاد بكجور وأمواله، وحصرها فطلبوا الأمان وحلّفوا سعد الدولة على أن لا يتعرّض إليهم ولا إلى مالهم، فبذل سعد الدولة اليمين لهم، فلمّا سلّموا الرقّة إليه وخرجوا منها غدر بهم سعد الدولة وقبض على أولاد بكجور وأخذ ما معهم من الأموال وكانت شيئاً كثيراً.

فلمّا عاد سعد الدولة إلى حلب لحقه فالج في جانبه اليمين، فأحضر الطبيب ومدّ إليه يده اليسرى، فقال الطبيب: يا مولانا هات اليمين... فقال سعد الدولة: ما تركت لي اليمين يميناً.

وعاش بعد ذلك ثلاثة أيّام ومات في هذه السنة، واسم سعد الدولة المذكور شريف وكنيته أبو المعالي بن سيف الدولة بن علي بن حمدان بن حمدون التغلبي.

وقبل موته عهد إلى ولده أبي الفضائل بن سعد الدولة وجعل مولاه لؤلؤ يدبّر أمره.

(وفي سنة ٤٠٢)

ذكرنا ملك أبي المعالي شريف الملقّب بسعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان لحلب إلى أن توفّي بالفالج وهو مالكها على ما أوردناه في سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة.

ولمّا توفّي أبو المعالي سعد الدولة المذكور أُقيم أبو الفضائل ولد سعد الدولة مكان أبيه، وقام بتدبيره لؤلؤ أحد موالي سعد الدولة.

ثمّ استولى أبو نصر بن لؤلؤ المذكور على أبي الفضائل بن سعد الدولة وأخذ منه حلب واستولى عليها وخطب للحاكم العلوي بها، ولقّب الحاكم أبا نصر بن لؤلؤ المذكور مرتضى الدولة.

واستقرّ في ملك حلب، وجرى بينه وبين صالح بن مرداس الكلابي وبني كلاب وحشة وقصص يطول شرحها.

وكانت الحرب بينهم سجالاً، وانتهت الحال بإخراج ابن لؤلؤ من حلب.

ثمّ تنقّلت حلب بأيد نوّاب الحاكم، حتّى صارت بيد إنسان من الحمدانية يُعرف بعزيز الملك. وبقي المذكور نائب الحاكم بحلب حتّى قُتل


الحاكم سنة ٤١١(١) .

وممّا جاء في تاريخ أبي الفداء من ذكر آخر أمرهم:

(في حوادث سنة ٤٦٤)

استولت والدة المستنصر العلوي خليفة مصر على الأمر فضعف أمر الدولة وصارت العبيد حزباً والأتراك حزباً، وجرت بينهم حروب، وكان ناصر الدولة وهو من أحفاد ابن حمدان من أكبر قوّاد مصر والمشار إليه.

فاجتمعت إليه الأتراك، وجرى بينهم وبين العبيد عدّة وقعات. وحصر ناصر الدولة مصر وقطع الميرة عنها برّاً وبحراً، فغلت الأسعار بها وعُدم ما كان بخزائن المستنصر حتى أخرج العروض وعدم المتحصل بسبب انقطاع السبل.

ثمّ استولى ناصر الدولة على مصر وانهزمت العبيد وتفرّقت في البلاد، واستبدّ ناصر الدولة بالحكم، وقبض على والدة المستنصر وصادرها بخمسين ألف دينار.

وتفرّق عن المستنصر أولاده وأهله، وانقضت سنة أربع وستّين وما قبلها بالفتن. وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر، حتّى بقي يقعد على حصيرة لا يقدر على غير ذلك، وكان غرضه في ذلك أن يخطب للخليفة القائم العبّاسي، ففطن بفعله قائد كبير من الأتراك اسمه (الذكر)، فاتّفق مع جماعةٍ على قتل ناصر الدولة وقصدوه في داره، فخرج ناصر الدولة إليهم مطمئنّاً بقوّته فضربوه بسيوفهم حتّى قتلوه، وأخذوا رأسه.

ثمّ قتلوا فخر العرب أخا ناصر الدولة، وتتّبعوا جميع من بمصر من بني حمدان فقتلوهم

____________________

(١) وفي كتاب (الحاكم بأمر الله) لمحمد بن عبد الله عنّان المصري: وكان أمير حلب في أوائل عهد الحاكم أبو الفضائل بن حمدان الملقّب سعد الدولة، فاستمرّ في حكمها بمعاونة وزيره القويّ أبي نصر لؤلؤ ؛ ولمّا توفّي سعد الدولة وثب لؤلؤ بولديه أبي الحسن وأبي المعالي، فانتزع الولاية منهما لنفسه وحكم باسمهما مدى حين، ثمّ أخرجهما من حلب، فسار إلى مصر والتجأ إلى الحاكم، فاستقلّ لؤلؤ بالحكم، ولكنّه رأى أن يتّقي خصومه الفاطميين، فأعلن طاعة الحاكم، ودعا له حيناً، بيد أنّه عاد فنقض الدعوة، وعاد إلى موقف الخصومة والمقاومة (صفحة ١٠٤).


عن آخرهم، وكان قتلهم في سنة خمس وستّين وأربعمئة. وبقي الأمر بمصر مضطرباً.

المستدرك من أخبار أوائل بني حمدان

جاء في تاريخ ابن خلدون في أخبار مُساور الخارجي:

لمّا ولي الموصل أيّوب بن أحمد بن عمر بن الخطّاب التغلبي سنة ٢٥٤ استخلف عليها ابنه الحسن، فجمع عسكراً كان فيهم ابن حمدون بن الحرث بن لقمان جدّ الأمراء من بني حمدان، ومحمد بن عبد الله بن السيّد بن أنس، وسار إلى مُساور وعبر إليه نهر الزاب فتأخّر عن موضعه.

وسار الحسن في طلبه فالتقوا واقتتلوا، وانهزم عسكر الموصل وقتل محمد بن السيد الأزدي، ونجا الحسن بن أيّوب إلى أعمال إربل.


ما جاء في كامل ابن الأثير من أخبارهم

(في الجزء السابع من كامل ابن الأثير)

كان مُساور بن عبد الحميد قد استولى على أكثر أعمال الموصل وقوي أمره، فجمع له الحسن بن أيّوب بن أحمد بن عمر بن الخطّاب العدويّ التغلبيّ، وكان خليفة أبيه بالموصل، عسكراً كثيراً منهم حمدان بن حمدون جدّ الأمراء الحمدانية وغيره. وسار إلى مُساور وعبر إليه نهر الزاب، فتأخّر عنه مساور عن موضعه، ونزل بموضعٍ يُقال له وادي الذياب(١) ، وهو وادٍ عميق، فسار الحسن في طلبه، فالتقوا في جمادى الأولى واقتتلوا، واشتدّ القتال، فانهزم عسكر الموصل، وكثر القتل فيهم، وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى.

ونجا الحسن فوصل إلى قزّة من أعمال إربل اليوم، ونجا محمد بن علي بن السيّد، فظنّ الخوارج أنّه الحسن فتبعوه، وكان فارساً شجاعاً، فقاتلهم، فقُتل. واشتد أمر مُساور وعظم شأنه وخافه الناس(٢) .

ثمّ ذكر في حوادث سنة ٢٥٥ استيلاءه على الموصل بغير حرب(٣) .

وفي حوادث سنة ٢٦٠ الفتنة في الموصل وإخراج عاملها(٤) .

____________________

(١) وقد ذُكرت في إحدى الطبعات: (الريّات).

(٢) الكامل لابن الأثير: المجلد ٧ صفحة ١٨٨ - دار بيروت ١٩٦٥.

(٣) م ٧ ص ٢٠٥.

(٤) م ٧ ص ٢٦٩.


وفي حوادث سنة ٢٦١ قال:

كتب أساتكين إلى الهيثم بن عبد الله بن المعمر التغلبيّ، ثمّ العدويّ، في أن يتقلّد الموصل، وأرسل إليه الخِلَع واللواء، وكان بديار ربيعة، فجمع جموعاً كثيرة، وسار إلى الموصل، ونزل بالجانب الشرقيّ، وبينه وبين البلد دجلة، فقاتلوه، فعبر إلى الجانب الغربيّ وزحف إلى باب البلد.

فخرج إليه يحيى بن سليمان في أهل الموصل، فقاتلوه فقُتل بينهم قتلى كثيرة، وكثرت الجراحات وعاد الهيثم عنهم.

فاستعمل اساتكين على الموصل إسحاق بن أيّوب التغلبيّ، فخرج في جمع يبلغون عشرين ألفاً، منهم حمدان بن حمدان التغلبيّ وغيره(١) . ثمّ ذكر ابن الأثير ما جرى بينهم من القتال، وانتهاء الأمر باستقرار يحيى بن سليمان بالموصل.

ويذكر ابن الأثير في حوادث سنة ٢٦٦ مفارقة إسحاق بن گنداج أحمد بن موسى بن بُغا، وكان سبب ذلك أنّ أحمد لمّا سار إلى الجزيرة، ووليَ موسى بن أتامش ديار ربيعة، أنكر ذلك إسحاق بن گنداج، وفارق عسكره، وسار إلى بلد، فأوقع بالأكراد اليعقوبيّة فهزمهم وأخذ أموالهم، ثمّ لقي ابن مساور الخارجيّ فقتله، وسار إلى الموصل فقاطع أهلها على مالٍ قد أعدّوه.

وكان قائد كبير بِمَعْلَثايا اسمه عليُّ بن داود، وهو المخاطب له عن أهل الموصل، والمدافع، فسار ابن گنداج إليه، فلمّا بلغه الخبر فارق معلَثايا، وعبر دجلة، ومعه حمدان بن حمدون، إلى إسحاق بن أيّوب بن أحمد التغلبيّ العدويّ، فاجتمعوا كلّهم فبلغت عدّتهم نحو خمسة عشر ألفاً.

وسمع ابن گنداج باجتماعهم، فعبر إلى بلد، وعبر دجلة إليه وهو في ثلاثة آلاف، وسار إلى نهر أيّوب، فالقوا بِكَراثا، وهي التي تُعرف اليوم بتلّ موسى، وتصافّوا للحرب، فأرسلَ مقدّم ميسرة ابن أيّوب إلى ابن گنداج يقول له:

إنّني في الميسرة فاحمل عليَّ لأنهزم، ففعل ذلك، فانهزمت ميسرة ابن أيّوب، وتبعها الباقون، فسار حمدان بن حمدون، وعليّ بن

____________________

(١) الكامل، المجلد ٧ الصفحتان ٢٧٠ - ٢٧١.


داود إلى نيسابور وأخذ ابن أيّوب نحو نصيبين، فاتَّبعه ابن گنداج، فسار ابن أيّوب عن نصيبين إلى آمِد، واستولى ابن گنداج على نصيبين وديار ربيعة(١) .

(ويذكر ابن الأثير في كامله في حوادث سنة ٢٦٧)

وفي هذه السنة: كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق، وإسحاق بن أيّوب، وعيسى بن الشيخ، وأبي المغرا، وحمدان بن حمدون، ومن اجتمع إليهم من ربيعة وتغلب وبكر واليمن. فهزمهم ابن كنداجق إلى نصيبين، وتبعهم إلى آمد، وخلّف على آمِد من حصر عيسى، فكانت بينهم وقعات عند آمِد(٢) .

(ويذكر في حوادث سنة ٢٧٢)

وفي هذه السنة: دخل حمدان بن حمدون وهارون الشاري مدينة الموصل، وصلّى بهم الشاري في جامعها(٣) .

(ويذكر حوادث سنة ٢٧٩)

وفي هذه السنة: اجتمعت الخوارج، ومقدّمهم هارون، ومعهم متطوّعة أهل الموصل وغيرهم، وحمدان بن حمدون التّغلبيّ، على قتال بن شيبان.

وسبب ذلك أنّ جمعاً كثيراً من بني شيبان عبروا الزاب، وقصدوا نينوى من أعمال الموصل، للإغارة عليها وعلى البلد. فاجتمع هارون الشاري وحمدان بن حمدون، وكثير من المُتطوّعة المَواصِلة، وأعيانُ أهلها، على قتالهم ودَفْعهم.

وكان بنو شيبان نزلوا على باعشيقا، ومعهم هارون بن سليمان مولى أحمد بن عيسى بن الشيخ الشيبانيّ صاحب ديار بكر، وكان قد أنفذه محمد بن إسحاق بن گنداج والياً على الموصل.

____________________

(١) الكامل، المجلد ٧ ص٣٣٣ - ٣٣٤.

(٢) م ٧ ص٣٦٢.

(٣) م ٧ ص٤١٩.


فالتقوا وتصافّوا واقتتلوا، فانهزمت بنو شيبان، وتبعهم حمدان والخوارج، وملكوا بيوتهم، واشتغلوا بالنهب.

وكان الزّاب لمّا عبره بنو شيبان زائداً، فلمّا انهزموا علموا أن لا ملجأ ولا منجى غيرُ الصبر، فعادوا إلى القتال، والناس مشغولون بالنهب، فأوقعوا بهم، وقُتل كثير من أهل الموصل ومن معهم، وعاد الظفر للأعراب(١) .

(وفي حوادث سنة ٢٨١)

وفي هذه السنة: خرج المعتضد إلى المَوْصِل، قاصداً لحمدان بن حمدون ؛ لأنّه بلغه أنّ حمدان مال إلى هارون الشاري، ودعا له. فلمّا بلغ الأعراب والأكراد سيرُ المعتضد تحالفوا أنّهم يقاتلون(٢) على دمٍ واحد، واجتمعوا، وعبّوا عسكرهم.

وسار المعتضد إليهم في خيلٍ جريدةً، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق منهم في الزاب خلقٌ كثير.

وسار المعتضد إلى المَوْصِل يريد قلعة ماردين، وكانت لحمدان بن حمدون، فهرب حمدان منها وخلَّف ابنه بها، فنازلها المعتضد وقاتل مَن فيها يومه ذلك، فلمّا كان من الغد ركب المعتضد فصعد إلى باب القلعة، وصاح: يابن حمدان!... فأجابه، فقال: افتح الباب، ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها.

ثمّ وجّه خلف ابن حمدون، وطُلب أشدّ الطلب، وأُخذت أموال له، ثمّ ظفر به المعتضد بعد عوده إلى بغداد.

وفي عوده قصد الحسنيَّة وبها رجل كرديٌّ يقال له شدّاد، في جيش كثير، قيل كانوا عشرة آلاف رجل، وكان له قلعة، فظفر به المعتضد وهدم قلعته(٣) .

____________________

(١) الكامل، المجلد ٧، ص٤٥٣ - ٤٥٤.

(٢) يقتلون: في طبعة أُخرى.

(٣) الكامل، المجلد ٧، ص٤٦٦.


(وفي حوادث سنة ٢٨٢)

وفي هذه السنة: كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيّوب وحمدان بن حمدون، بالمسير إليه، وهو في المَوْصِل، فبادر إسحاق، وتحصّن حمدان بقلاعه، وأودع أمواله وحُرَمه. فسيّر المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير، ونصر القشوريّ وغيرهما ؛ فصادفوا الحسن بن علي كورة وأصحابه متحصّنين بموضع يُعرف بدير الزَّعفران من أرض الموصل.

وفيها: وصل الحسين بن حمدان بن حمدون، فلمّا رأى الحسين أوائل العسكر طلب الأمان، فأُمِّن، وسُيِّر إلى المعتضد، وسلّم القلعة، فأمر المعتضد بهدمها.

وسار وصيف في طلب حمدان، وكان بباسورين، فواقعه وصيف، وقتل من أصحابه جماعة، وانهزم حمدان في زورقٍ كان له في دجلة، وحمل معه مالاً كان له، وعبر إلى الجانب الغربيّ من دجلة، فصار في ديار ربيعة.

وعبر نفر من الجند، فاقتصّوا أثره، حتّى أشرفوا على ديرٍ قد نزله، فلمّا رآهم هرب، وترك ماله، فأُخذ وأُتي به المعتضد، وسار أولئك في طلب حمدان، فضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة إسحاق بن أيّوب، وهو مع المعتضد، واستجار به، فأحضره إسحاق عند المعتضد، فأمر بالاحتفاظ به(١) .

(وفي حوادث سنة ٢٨٣)

وفي هذه السنة: سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الشاري وظفر به. وسبب الظفر به أنّه وصل إلى تكريت وأقام بها، وأحضر الحسين بن حمدان التغلبيّ وسيّره في طلب هارون بن عبد الله الخارجي في جماعةٍ من الفرسان والرجّالة، فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج عند أمير المؤمنين ؛ قال: اذكرها!

قال: إحداهنّ إطلاق أبي، وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي به.

فقال له المعتضد: لك ذلك.

فانتخب ثلاثمئة فارس، وسار بهم،

____________________

(١) م ٧ ص ٤٦٩ - ٤٧٠.


ومعهم وصيف بن موشكير، فقال له الحسين: فأُمره بطاعتي، يا أمير المؤمنين. فأمره بذلك.

وسار بهم الحسن حتّى انتهى إلى مخاضة في دجلة، فقال الحسين لوصيف ولمن معه: ليقفوا هناك، فإنّه ليس له طريق إن هرب غير هذا، فلا تبرحُنَّ من هذا الموضع حتّى يمرّ بكم فتمنعوه عن العبور، وأجيء أنا، أو يبلغكم أنّي قُتلت.

ومضى حسين في طلب هارون، فلقيه، وواقعه وقُتل بينهما قتلى، وانهزم هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه:

قد طال مُقامنا، ولسنا نأمن أن يأخذ حسين هارون الشاري، فيكون له الفتح دوننا، والصواب أن نمضي في آثارهم، فأطاعهم ومضى.

وجاء هارون منهزماً إلى موضع المخاضة فعبر، وجاء حسين في أثره، فلم ير وصيفاً وأصحابه في الموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهم خبراً، فعبر في أثر هارون، وجاء إلى حيّ من أحياء العرب، فسأل عنه، فكتموه، فتهدّدهم، فأعلموه أنّه اجتاز بهم، فتبعه حتّى لحقه بعد أيّام، وهارون في نحو مئة رجل، فناشده الشاري ووعده، وأبى حسين إلاّ محاربته، فحاربه، فألقى الحسين نفسه عليه، فأخذه أسيراً وجاء به إلى المعتضد، فانصرف المعتضد إلى بغداد، فوصلها لثمان بقين من ربيع الأول.

وخلع المعتضد على الحسن بن حمدان وطوّقه، وخلع على إخوته، وأدخل هارون على الفيل، وأمر المعتضد بحلّ قيود حمدان بن حمدون، والتوسعة عليه والإحسان إليه، ووعد بإطلاقه(١) .

(وفي حوادث سنة ٢٩٠)

وفي هذه السنة: في شوّال، تحارب القرمطيُّ صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون، فانهزم القرمطيّ وقُتل من أصحابه خلقٌ كثير، ومضى مَن

____________________

(١) الكامل، المجلد ٧، ص٤٧٦، ٤٧٧.


سلم منهم نحو البادية، فوجَّه المكتفي في أثرهم الحسين بن حمدان، وغيره من القوّاد(١) .

(وفي حوادث سنة ٢٩١)

وفي هذه السنة: ذكر ابن الأثير في كامله (في أخبار القرامطة وقتل صاحب الشامة) قال: تفرق أصحابه، وأُسر من أُسر، وقُتل من قُتل، وكان أكثر الناس أثراً في الحرب الحسين بن حمدان. وكتب محمّد بن سليمان الكاتب (وهو الذي ولاّه المكتفي أمر محاربة صاحب الشّامة) يُثني على ابن حمدان وعلى بني شيبان، فإنّهم اصطلوا الحرب، وهزموا القرامطة، وأكثروا القتل فيهم والأسر، حتّى لم ينجُ منهم إلاّ قليل(٢) .

(وفي حوادث سنة ٢٩٣)

في ذكر أوّل إمارة بني حمدان بالموصل.

وفي هذه السنة: ولّى المكتفي بالله المَوْصِلَ وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي العدويَّ، فسار إليها، فقدمها أوّل المحرّم، فأقام بها يومه، وخرج من الغد لعرض الرجال الذين قدموا معه، والذين بالموصل، فأتاه الصريخ من نينوى بأنّ الأكراد الهذبانيَّة، ومقدّمهم محمد بن بلال، قد أغاروا على البلد، وغنموا كثيراً منه، فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقيّ، فلحق الأكراد بالمعروبة على الخازر، فقاتلوه، فقُتل رجل من أصحابه اسمه سيما الحمدانيُّ، فعاد عنهم، وكتب إلى الخليفة يستدعي النجدة، فأتته النجدة بعد شهور كثيرة، وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين.

ففي ربيع الأوّل منها سار فيمن معه إلى الهذبانيّة، وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت، فلمّا رأوا جدّه في طلبهم ساروا إلى البابة التي في جبل السَّلَق، وهو مضيق في جبلٍ عالٍ مشرف على شَهْرَزُور، فامتنعوا بها، وأغار مقدّمهم محمد بن بلال، وقرب من ابن حمدان، وراسله في أن

____________________

(١) م ٧ ص ٥٢٦.

(٢) م ٧ ص ٥٣١.


يطيعه، ويحضره هو وأولاده، ويجعلهم عنده يكونون رهينة، ويتركون الفساد، فقبل ابن حمدان ذلك، فرجع محمد ليأتي بمن ذكر، فحثّ أصحابه على المسير نحو أَذْرَبيجان، وإنّما أراد في الذي فعله مع ابن حمدان أن يترك الجدّ في الطلب ليأخذ أصحابه أُهبتهم ويسيروا آمنين.

فلمّا تأخّر عود محمد عن ابن حمدان علم مراده، فجرّد معه جماعة من جملتهم إخوته سليمان وداود وسعيد وغيرهم ممّن يثق به وبشجاعته، وأمر النجدة التي جاءته من الخليفة أن يسيروا معه، فتثبّطوا، فتركهم وسار يقفو أثرهم، فلحقهم وقد تعلّقوا بالجبل المعروف بالقنديل، فقتل منهم جماعة، وصعدوا ذروة الجبل، وانصرف ابن حمدان عنهم، ولحق الأكراد بِأَذْرَبيجان، وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى الخليفة والوزير فأنجدوه بجماعةٍ صالحةٍ، وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى جبل السَّلَق، وفيه محمد بن بلال ومعه الأكراد، فدخله ابن حمدان، والجواسيس بين يديه، خوفاً من كمين يكون فيه، وتقدَّم من بين يدي أصحابه، وهم يتبعونه، فلم يتخلَّف منهم أحد، وجاوزوا الجبل، وقاربوا الأكراد، وسقط عليهم الثلج واشتدّ البرد، وقلّت الميرة والعلف عندهم.

وأقام على ذلك عشرة أيام، وبلغ الحمل من التّبن ثلاثين درهماً، ثمّ عدم عندهم وهو صابر.

فلمّا رأى الأكراد صبرهم وأنّهم لا حيلة لهم في دفعهم، لجأ محمد بن بلال وأولاده ومَن لحق به.

واستولى ابن حمدان على بيوتهم وسوادهم وأهلهم وأموالهم ؛ وطلبوا الأمان فأمَّنهم وأبقى عليهم، وردّهم إلى بلد حزّة، وردّ عليهم أموالهم وأهليهم، ولم يقتل منهم غير رجلٍ واحد، وهو الذي قتل صاحبه (سيما) الحمدانيّ، وأمنت البلاد معه، وأحسن السيرة في أهلها.

ثمّ إنّ محمّد بن بلال طلب الأمان من ابن حمدان فأمَّنه، وحضر عنده، وأقام بالموصل، وتتابع الأكراد الحميديَّة، وأهل جبل (داسن) إليه بالأمان، فأمنت البلاد واستقامت(١) .

وفي هذه السنة: (أي ٢٩٣) أنفذ زكروَيْه بن مهروَيْه، بعد قتل صاحب

____________________

(١) الكامل، المجلد ٧، ص٥٣٨ - ٥٣٩ - ٥٤٠.


الشّامة، رجلاً كان يعلّم الصبيان بالرافوفة من الفَلّوجة، يُسمّى عبد الله بن سعيد، ويُكنّى أبا غانم، فسمّي نصراً، وقيل كان المنفذ ابن زكرَوَيْه، فدار على أحياء العرب من كلب وغيرهم يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد، إلاّ رجلاً من بني زياد يسمّى مقدام بن الكيّال، واستقوى بطوائف من الأصبَغيّين المنتمين إلى الفواطم، وغيرهم من العليصيِّين، وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشام، والعامل بدمشق والأردنّ أحمد بن (كَيْغَلَغ)، وهو بمصر يحارب الخلنجيَّ، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعد، وسار إلى بُصرى و (أذرِعات) و(البثنيَّة)، فحارب أهلها، ثمّ أمَّنهم، فلمّا استسلموا إليه قتل مُقاتلتهم، وسبى ذراريَّهم وأخذ أموالهم.

ثمّ قصد (بجيشه) دمشق، فخرج إليهم نائب ابن (كَيْغَلَغ)، وهو صالح ابن الفضل، فهزمه القرامطة، وأثخنوا فيهم، ثمّ أمَّنوهم وغدروهم بالأمان، وقتلوا صالحاً، وفضُّوا عسكره.

وساروا إلى دمشق، فمنعهم أهلها، فقصدوا طبريّة. وانضاف إليه جماعة من جند دمشق افتُتنوا به، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن (بغامردي)، وهو خليفة أحمد بن كيغلغ بالأردنّ، فهزموه، وبذلوا له الأمان، وغدروا به وقتلوه، ونهبوا طبريّة، وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها وسبوا النساء.

فأنفذ الخليفةُ الحسين بن حمدان وجماعة من القوّاد في طلبهم، فوردوا دمشق، فلمّا علم بهم القرامطة رجعوا نحو السَّماوة، وتبعهم الحسين في السّماوة وهم ينتقلون في المياه ويُغوّرونها، حتّى لجؤوا إلى ماءَيْن يُعرف أحدهما بالدّمعانة، والآخر بالحبالة، وانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء، وعاد إلى الرحبة، وأسرى القرامطة مع نصر إلى (هيت) وأهلها غافلون، فهبّوا رَبْضَها، وامتنع أهل المدينة بسورهم، ونهبوا السفن، وقتلوا من أهل المدينة مئتيْ نفس، ونهبوا الأموال والمتاع، وأوقروا ثلاثة آلاف راحلة من الحنطة.

وبلغ الخبر إلى المكتفي، فسيَّر محمّدَ بن إسحاق بن (گندج)، فلم يقيموا لمحمّد، ورجعوا إلى الماءَين، فنهض محمّد خلفهم، فوجدهم قد غوَّروا المياه، فأنفذ إليهم من بغداد الأزواد والدوابّ، وكتب إلى ابن حمدان بالمسير إليهم من جهة الرّحبة ؛ ليجتمع هو ومحمّد على الإيقاع بهم، ففعل ذلك.


فلمَّا أحسَّ الكلبيّون بإقبال الجيش إليهم وثبوا بنصر فقتلوه، قتله رجل منهم يقال له الذّئب بن القائم، وسار برأسه إلى المكتفي متقرّباً بذلك، مستأمناً، فأُجيب إلى ذلك، وأُجيز بجائزة سنيَّة، وأُمر بالكفِّ عن قومه.

واقتتلت القرامطة بعد نصر حتّى صارت بينهم الدماء، وسارت فرقة كرهت أمورهم إلى بني أسد بنواحي عين التمر، واعتذروا إلى الخليفة، فقبل عذرهم، وبقي على الماءَيْن بقيّتهم ممّن له بصيرة في دينه، فكتب الخليفة إلى ابن حمدان يأمره بمعاودتهم، واجتثاث أصلهم، فأرسل إليهم زَكْرَوَيْه بن مهروَيْه داعيةً له يُسمّى القاسم بن أحمد، ويُعرف بأبي محمّد، وأعلمهم أن فعل الذّئب قد نفّره منهم، وأنّهم قد ارتدّوا عن الدين، وأنّ وقت ظهورهم قد حضر، وقد باع له من أهل الكوفة أربعون ألفاً(١) .

إلى غير ذلك من التّمويهات التي جمعت شتات القرامطة، وجرت أُمورٌ انتهت بانتصارهم على عساكر الخليفة بمكانٍ يُسمّى بالصوان من السواد.

(وفي حوادث سنة ٢٩٤)

وفي هذه السنة: يذكر ابن الأثير ما آل إليه أمر القرامطة، بعد ارتكابهم ما ارتكبوه في الحاج من الفظائع والقتل الذّريع، من تبديد جماعتهم، وقتل زكروَيْه، وتتبّع أتباعه بالقتل والحبس، وإراحة المسلمين من شرورهم.

وفي هذه السنة: كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وبين أعراب من بني كلب وَطيّ واليمن وأسد وغيرهم(٢) .

(وفي حوادث سنة ٢٩٦)

يقول ابن الأثير في (كامله ):

وفي هذه السنة: اجتمع القوّاد والقضاه والكتّاب مع الوزير العبّاس بن الحسن، على خلع المقتدر، والبيعة لابن المعتزّ، وأرسلوا إلى ابن المعتزّ

____________________

(١) الكامل، المجلد ٧، ص٥٤١ - ٥٤٢ - ٥٤٣.

(٢) م ٧ ص ٥٤٨ - ٥٥٣.


في ذلك، فأجابهم على أن لا يكون فيه سفك دم ولا حرب، فأخبروه في اجتماعهم عليه، وأنّهم ليس لهم منازعٌ ولا محارب.

وكان الرأس في ذلك العبّاس بن الحسن، ومحمّد بن داود بن الجرّاح، وأبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضي ؛ ومن القوّاد الحسين بن حمدان، وبدر الأعجميُّ، ووصيف بن صوارتكين.

ثمّ إنّ الوزير رأى أمره صالحاً مع المقتدر، وأنّه على ما يحب، فبدا له في ذلك، فوثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذي تولّى قتله منهم الحسين بن حمدان، وبدر الأعجميّ ووصيف، ولحقوه وهو سائر إلى بستانٍ له، فقتلوه في طريقه، وقتلوا معه فاتكاً المعتضديّ، وذلك في العشرين من ربيع الأوّل، وخُلع المقتدر من الغد، وباع الناس لابن المعتزّ.

وركض الحسين بن حمدان إلى الحَلْبة ظنّاً منه أنّ المقتدر يلعب هناك بالكرة فيقتله، فلم يصادفه ؛ لأنّه كان هناك، فبلغه قتل الوزير وفاتك فركب دابَّته فدخل الدار، وغُلِّقت الأبواب، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر.

وأحضروا ابن المعتزّ وبايعوه بالخلافة، وكان الذي يتولّى أخذ البيعة له محمد بن سعيد الأزرق، وحضر الناس والقوّاد وأصحاب الدواوين، سوى أبي الحسن بن الفُرات، وخواصّ المقتدر، فإنّهم لم يحضروا، ولُقِّب ابن المعتزّ المرتضي بالله، واستوزر محمد بن داود بن الجرّاح، وقلّد عليّ بن عيسى الدواوين، وكتب الكتب إلى البلاد من أمير المؤمنين المرتضي بالله أبي العبّاس عبد الله بن المعتزّ بالله، ووجّه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر، التي كان مقيماً فيها، لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه بالسمع والطاعة، وسأل الإمهال إلى الليل.

وعاد الحسين بن حمدان بُكرة غدٍ إلى دار الخلافة، فقاتله الخدم والغلمان والرجّالة من وراء الستور عامّة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار، فلمّا جنّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله وكلّ ما لَهُ إلى الموصل، لا يُدرى لِمَ فعل ذلك ؛ ولم يكن بقي مع المقتدر من القوّاد غير مُؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغريب الخال، وحاشية الدار.

فلمّا همَّ المقتدر بالانتقال عن الدار، قال بعضهم لبعض:

لا نسلّم الخلافة من غير أن نُبلي عذراً، ونجتهد في دفع ما أصابنا ؛ فأجمع رأيهم


على أن يصعدوا في الماء إلى الدار التي فيها ابن المعتزّ بالحرم يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديّات وغير ذلك، وركبوا السُّمَيريّات، وأصعدوا في الماء، فلمّا رآهم مَن عند ابن المعتزّ هالهم كثرتهم، واضطربوا، وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، وقال بعضهم لبعض: إنَّ الحسن بن حمدان عرف ما يريد أن يجري فهرب من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر، وهذا كان سبب هربه(١) .

وانتهت الحال بعودة الخلافة إلى المقتدر وقتل ابن المعتزّ.

ويقول في حوادث هذه السنة (أي ٢٩٦):

وكان في هذه الحادثة عجائب منها:

أنّ الناس كلّهم أجمعوا على خلع المقتدر والبيعة لابن المعتزّ، فلم يتمّ ذلك، بل كان على العكس من إرادتهم، وكان أمر الله مفعولاً.

ومنها أنّ ابن حمدان، على شدّة تشيّعه وميله إلى عليّ (عليه السلام)، وأهل بيته، يسعى في البيعة لابن المعتزّ على انحرافه عن عليّ وغلوّه في النصب إلى غير ذلك(٢) .

إلى أن يقول:

(وسُيّرت العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان، فتبعوه إلى الموصل، ثمّ إلى بلد، فلم يظفروا به، فعادوا إلى بغداد، فكتب الوزير إلى أخيه أبي الهيجاء بن حمدان، وهو الأمير على الموصل، يأمره بطلبه، فسار إليه إلى بَلَد، ففارقها الحسين إلى سِنجار، وأخوه في أثره، فدخل البرّيّة فتبعه أخوه عشرة أيّام، فأدركه، فاقتتلوا، فظفر أبو الهيجاء، وأسر بعض أصحابه، وأخذ منه عشرة آلاف دينار، وعاد عنه إلى الموصل، ثمّ انحدر إلى بغداد، فلمّا كان فوق تكريت أدركه أخوه الحسين، فبيّته، فقتل منهم قتلى، وانحدر أبو الهيجاء إلى بغداد.

وأرسل الحسين إلى ابن الفُرات وزير المقتدر، يسأله الرضا عنه،

____________________

(١) الكامل، المجلّد ٨، ص١٤ - ١٥ - ١٦.

(٢) الكامل، المجلّد ٨، ص١٧ - ١٨.


فشفع فيه إلى المقتدر بالله ليرضى عنه، وعن إبراهيم بن كَيْغَلَغ، وابن عمرَوْيه صاحب الشّرطة، وغيرهم، فرضي عنهم، ودخل الحسين بغداد، فردّ عليه أخوه ما أخذ منه، وأقام الحسين ببغداد إلى أن ولي قُمّ، فسار إليها، وأخذ الجرائد التي فيها أسماء من أعان على المقتدر، فخرَّقها في دجلة)(١) .

(وفي حوادث سنة ٢٩٦)

يقول: (وفي هذه السنة: (أي ٢٩٦)، سُيّر القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلب الحسين بن حمدان، فساروا حتّى بلغوا (قَرقِيسياء) والرَّحْبَة، فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وهو الأمير بالموصل، يأمره بطلب أخيه الحسين، فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت، فانهزم الحسين، فأرسل أخاه إبراهيم بن حمدان يطلب الأمان، فأُجيب إلى ذلك، ودخل بغداد، وخُلع عليه، وعُقد له على قُمّ وقاشان، فسار إليها)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٠١)

يقول: (وفي هذه السنة، في صفر: عُزل أبو الهيجاء، عبد الله بن حمدان عن الموصل، وقُلّد (يُمن) الطولونيُّ المعونة بالموصل، ثمّ صُرف عنها في هذه السنة، واستُعمل عليها (نحرير) الخادم الصغير.

وفيها: خالف أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان على المقتدر فسُيّر إليه مؤنس المظفَّر، وعلى مقدّمته (بنّيّ بن نفيس)، خرج إلى الموصل منتصف صفر ومعه جماعة من القوّاد. وخرج مؤنس في ربيع الأوّل، فلمّا علم أبو الهيجاء بذلك قصد مؤنساً مستأمناً من تلقاء نفسه، وورد معه إلى بغداد، فخلع المقتدر عليه)(٣) .

____________________

(١) م ٨ ص ١٨ - ١٩.

(٢) الكامل، المجلّد ٨ ص ٥٣ - ٥٤.

(٣) م ٨ ص ٧٦ - ٧٧.


(وفي حوادث سنة ٣٠٢)

يقول: (وفي هذه السنة: قُلِّد أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان الموصل)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٠٣)

يقول: (في هذه السنة: خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر.

وسبب ذلك أنّ الوزير عليّ بن عيسى طالبه بمالٍ عليه من ديار ربيعة، وهو يتولاّها، فدافعه، فأمره بتسليم البلاد إلى عُمّال السلطان، فامتنع.

وكان مؤنس الخادم غائباً بمصر لمحاربة عسكر المهديّ العلويّ صاحب إفريقية، فجهّز الوزير رائقاً الكبير في جيش وسيّره إلى الحسين بن حمدان، وكتب إلى مؤنس يأمره بالمسير إلى ديار الجزيرة لقتال الحسين، بعد فراغه من أصحاب العلويّ، فسار رائق إلى الحسين بن حمدان.

وجمع لهم نحو عشرين ألف فارس، وسار إليهم فوصل إلى الحبشة وهم قد قاربوها، فلمّا رأوا كثرة جيشه علموا عجزهم عنه ؛ لأنّهم كانوا أربعة آلاف فارس، فانحازوا إلى جانب دجلة، ونزلوا بموضعٍ ليس له طريق إلاّ من وجهٍ واحد، وجاء الحسين فنزل عليهم وحصرهم، ومنع الميرة عنهم من فوق ومن أسفل، فضاقت عليهم الأقوات والعلوفات، فأرسلوا إليه يبذلون له أن يولّيه الخليفة ما كان بيده ويعود عنهم، فلم يجب إلى ذلك.

ولزم حصارهم، وأدام قتالهم إلى أن عاد مؤنس من الشام، فلمّا سمع العسكر بقربه قويت نفوسهم وضعفت نفوس الحسين ومن معه، فخرج العسكر إليه ليلاً وكبسوه، فانهزم وعاد إلى ديار ربيعة، وسار العسكر فنزلوا على الموصل.

وسمع مؤنس خبر الحسين، وجدّ مؤنس في المسير نحو الحسين، واستصحب معه أحمد بن كَيْغَلَغ، فلمّا قرب منه راسله الحسين يعتذر،

____________________

(١) م ٨ ص ٩١.


وترددت الرسل بينهما، فلم يستقرّ حال، فرحل مؤنس نحو الحسين حتّى نزل بإزاء جزيرة ابن عمر، ورحل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده، وتفرَّق عسكر الحسين عنه، وصاروا إلى مؤنس.

ثمّ إنّ مؤنساً جهّز جيشاً في أثر الحسين، مقدّمهم (بُلَيق) ومعه (سيما) الجزريّ، و(جَنى) الصفوانيّ، فتبعوه إلى تلّ (فافان)، فرأوها خاوية على عروشها، قد قتل أهلها وأحرقها، فجدّوا في اتّباعه فأدركوه فقاتلوه، فانهزم من بقي معه من أصحابه، وأُسر هو ومعه ابنه عبد الوهّاب وجميع أهله وأكثر مَنْ صحِبه، وقبض أملاكه.

وعاد مؤنس إلى بغداد على طريق الموصل والحسين معه، فأُركب على جمل هو وابنه وعليهما البرانس، واللبود الطوال، وقمصان من شعرٍ أحمر، وحُبس الحسين وابنه عند زيدان القهرمانة، وقبض المقتدر على أبي الهيجاء بن حمدان وعلى جميع إخوته وحُبسوا، وكان قد هرب بعض أولاد الحسين بن حمدان، فجمع جمعاً ومضى نحو آمِد، فأوقع بهم مستحفظها، وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداد)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٠٥)

يقول: (وفي هذه السنة: أُطلق أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وإخوته، وأهل بيته من الحبس، وكانوا محبوسين بدار الخليفة، وقد تقدَّم ذكر حبسهم)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٠٦)

يقول في (ذكر عزل ابن الفُرات) وفي سببه:

(وقيل: كان سبب قبضه أنّ المقتدر قيل له: إنّ ابن الفرات يريد إرسال الحسين بن حمدان إلى ابن أبي الساج ليحاربه، وإذا صار عنده اتّفقا عليك، ثمّ إنّ ابن الفرات قال للمقتدر في إرسال الحسين إلى ابن أبي

____________________

(١) الكامل، المجلّد ٨ ص ٩٢ - ٩٣ - ٩٤.

(٢) م ٨ ص ١٠٧.


السّاج، فقتل ابن حمدان في جمادى الأولى، وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٠٧)

يقول: (وفي هذه السنة: قُلِّد إبراهيم بن حمدان ديار ربيعة)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٠٨)

ثمّ يقول: (وفي هذه السنة: خلع المقتدر على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقُلّد طريق خُراسان و (الدِّينَور)، وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا.

وفي هذه السنة: توفّي إبراهيم بن حمدان في المحرّم)(٣) .

(وفي سنة ٣٠٩)

يقول: (وفي هذه السنة: قُلّد داود بن حمدان ديار ربيعة)(٤) .

(وفي حوادث سنة ٣١٢)

يقول: (وفي هذه السنة: سار أبو طاهر القرمطيّ إلى (الهَبِير) في عسكرٍ عظيمٍ ليلقى الحاجّ سنة إحدى عشرة وثلاثمئة في رجوعهم من مكّة، فأوقع بقافلة تقدّمت معظم الحاجّ، وكان فيها خلقٌ كثيرٌ من أهل بغداد وغيرهم، فنهبهم.

واتّصل الخبر بباقي الحاجّ وهم بِفَيد، فأقاموا بها حتّى فَنِيَ زادهم، فارتحلوا مسرعين.

وكان أبو الهيجاء بن حمدان قد أشار عليهم بالعود إلى وادي القُرى، وأنّهم لا يقيمون بغيد، فاستطالوا الطريق ولم يقبلوا منه، وكان إلى أبي

____________________

(١) م ٨ ص ١١١.

(٢) م ٨ ص ١٢١.

(٣) الكامل، المجلّد ٨، ص١٢٣.

(٤) م ٨ ص١٣٠.


الهيجاء طريق الكوفة وكثير الحاجّ، فلمّا فني زادهم ساروا على طريق الكوفة، فأوقع بهم القرامطة وأخذوهم، وأسروا أبا الهيجاء وأحمد بن كشمرد ونحرير وأحمد بن بدر عمّ والدة المقتدر)(١) .

(وفي هذه السنة (أي ٣١٢): أطلق أبو طاهر مَن كان عنده من الأسرى الذين كان أسرهم من الحُجّاج، وفيهم ابن حمدان وغيره)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣١٤)

يقول: (وفي هذه السنة: أفسد الأكراد والعرب بأرض المَوْصل وطريق خراسان، وكان عبد الله بن حمدان يتولّى الجميع وهو ببغداد، وابنه ناصر الدولة بالموصل، فكتب إليه أبوه يأمره بجمع الرجال، والانحدار إلى تكريت، ففعل وسار إليها، فوصل إليها في رمضان، واجتمع بأبيه، وأحضر العرب، وطالبهم بما أحدثوا في عمله بعد أن قتل منهم، ونكّل ببعضهم، فردّوا على الناس شيئاً كثيراً، ورحل بهم إلى شَهرزور، فوطئ الأكراد الجلاليَّة، فقالتهم، وانضاف إليهم غيرهم، فاشتدّت شوكتهم، ثمّ إنّهم انقادوا إليه لمّا رأوا قوَّته، وكفّوا عن الفساد والشر)(٣) .

(وفي هذه السنة (أي ٣١٤): ضمن أبو الهيجاء عبدُ الله بن حمدان أعمال الخراج والضياع بالموصل، وقَرْدَى، وبازَبْدَى، وما يجري معها)(٤) .

(وفي حوادث سنة ٣١٥)

- في ذكر ابتداء الوحشة بين المقتدر ومؤنس:

يقول: (أمر المقتدر بالله بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفّر، وخلع المقتدر عليه، في ربيع الآخر، ليسير، فلمّا لم يبق إلاّ الوداع امتنع مؤنس من دخول دار الخليفة للوداع.

____________________

(١) م ٨ ص ١٤٧.

(٢) م ٨ ص ١٥٥.

(٣) الكامل، ٨ ص ١٦٣.

(٤) م ٨ ص ١٦٧.


وكان سببه أنّ خادماً من خدّام المقتدر حكى لمؤنس: أن المقتدر بالله أمر خواصّ خدمه أن يحفروا جُبّاً في دار الشجرة، ويغطوه بِبُراية وتراب، وذكر أنّه يجلس فيه لوداع مؤنس، فإذا حضر وقاربها ألقاه الخدم فيها، وخنقوه، وأظهروه ميّتاً، فامتنع مؤنس من دخول دار الخليفة، وركب إليه جمع الأجناد، وفيهم عبد الله بن حمدان وإخوته، وخلت دار الخليفة، وقالوا لمؤنس: نحن نقاتل بين يديك إلى أن تنبت لك لحية، فوجّه إليه المقتدر رقعة بخطّه يحلف له على بطلان ما بلغه، فصرف مؤنس الجيش، وكتب الجواب أنّه العبد المملوك، وأنّ الذي أبلغه ذلك قد كان وضعه من يريد إيحاشه من مولاه، وأنّه ما استدعى الجند، وإنّما هم حضروا، وقد فرّقهم.

ثمّ إنّ مؤنساً قصد دار المقتدر في جمعٍ من القوّاد، ودخل إليه، وقبّل يده، وحلف المقتدر على صفاء نيّته له، وودّعه وسار إلى الثغر في العشر الآخر من ربيع الآخر، وخرج لوداعه أبو العبّاس بن المقتدر، وهو الراضي بالله، والوزير عليُّ بن عيسى)(١) .

(وفي هذه السنة، لمّا ورد الخبر بعبور أبي طاهر إلى الأنبار)، بعد ما جرى بينه وبين عسكر الخليفة بالكوفة من حروب، كان الظفر فيها للقرمطيّ، (خرج نصر الحاجب في عسكر جرّار، فلحق بمؤنس المظفّر، فاجتمعا في نيِّف وأربعين ألف مقاتل، سوى الغلمان ومَن يريد النّهب، وكان ممّن معه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، ومن إخوته أبو الوليد، وأبو السرايا في أصحابهم، وساروا حتّى بلغوا نهر (زبارا)، على فرسخَيْن من بغداد، عند (عَقْرَقُوف)، فأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القنطرة التي عليه، فقطعوها.

وسار أبو طاهر ومن معه نحوهم، فبلغوا نهر زبارا، وفي أوائلهم رجل أسود، فما زال الأسود يدنو من القنطرة، والنشّاب يأخذه، ولا يمتنع، حتّى أشرف عليها، فرآها مقطوعة، فعاد وهو مثل القنفذ.

وأراد القرامطة العبور فلم يمكنهم ؛ لأنّ النهر لم يكن فيه مخاضة، ولمّا أشرفوا على عسكر الخليفة هرب منهم خلقٌ كثيرٌ إلى بغداد، من غير أن

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ١٦٩ - ١٧٠.


يلقوهم، فلمّا رأى ابن حمدان ذلك، قال لمؤنس: كيف رأيت ما أشرت به عليكم؟

فوالله لو عبر القرامطة النهر لانهزم كلُّ مَن معك ولأخذوا بغداد.

ولمّا رأى القرامطة ذلك عادوا إلى الأنبار)(١) .

وجرت وقائع كثيرة بينهم وبين عسكر الخليفة، كان الظفر حليفاً لهم في أكثرها.

ثمّ يقول:

(وقصد القرامطة (في هذه السنة أي ٣١٥) مدينة (هيت)، وكان المقتدر قد سيّر إليها سعيد بن حمدان، وهارون بن غريب، فلمّا بلغها القرامطة رأوا عسكر الخليفة قد سبقهم، فقاتلوهم على السور، فقتلوا من القرامطة جماعةً كثيرة، فعادوا عنها)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣١٦)

وفي هذه السنة: جرت أُمورٌ استوحش لها أصحاب مؤنس، من المقتدر في بغداد، يقول ابن الأثير:

(فكتبوا إلى مؤنس بذلك، وهو بالرقّة، فأسرع العود إلى بغداد، فنزل بالشمّاسيَّة في أعلى بغداد، ولم يلق المقتدر، فصعد إليه الأمير أبو العبّاس بن المقتدر، والوزير ابن مقلة، فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه له)(٣) .

(وفي حوادث سنة ٣١٧)

وفي سنة ٣١٧ يذكر ابن الأثير دخول أبي الهيجاء بن حمدان مع مؤنس في أمر خلع المقتدر، بعد ما عرفتَ مِمّا سبق من الوحشة بين المقتدر ومؤنس، وانضمام الأجناد والقوّاد، ومنهم ابن حمدان إليه.

قال ابن الأثير:

(ومضى ابن حمدان إلى دار ابن طاهر، فأحضر محمّد بن المعتضد،

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ١٧٢ - ١٧٣.

(٢) م ٨ ص ١٧٣.

(٣) م ٨ ص ١٨٨.


وبايعوه بالخلافة، ولقبَّوه القاهر بالله، وأحضروا القاضي أبا عمر عند المقتدر ليشهد عليه بالخلع، وعنده مؤنس ونازوك وابن حمدان وبنّيّ بن نفيس، فقال مؤنس للمقتدر ليخلع نفسه من الخلافة، فأشهد عليه القاضي بالخلع، فقام ابن حمدان وقال للمقتدر:

يا سيّدي يعزّ عليّ أن أراك على هذه الحال، وقد كنت أخافها عليك، وأحذرها، وأنصح لك، وأحذّرك عاقبة القبول من الخدم والنساء، فتؤثر أقوالهم على قولي، وكأنّي كنت أرى هذا، وبعد، فنحن عبيدك وخدمك.

ودمعت عيناه وعينا المقتدر، وشهد الجماعة على المقتدر بالخلع)(١) .

ثمّ عاد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين، فقد خُلع في اليوم الخامس عشر من المُحرّم، والعيد في اليوم السابع عشر منه في اليوم الذي (بكّر الناس إلى دار الخليفة ؛ لأنّه يوم موكب دولة جديدة، فامتلأت الممرّات والمراحات والرّحاب، وشاطئ دجلة من الناس.

وحضر الرجّالة المصافيَّة في السلاح الشاكّ، يطابون بحقّ البيعة، ورزق سنة، وهم حنقون بما فعل بهم نازوك، ولم يحضر مؤنس المظفّر ذلك اليوم.

وارتفعت زعقات الرجّالة، فسمع بها نازوك، فأشفق أن يجري بينهم وبين أصحابه فتنة وقتال، فتقدّم إلى أصحابه، وأمرهم أن لا يعرضوا لهم، ولا يقاتلوهم، وزاد شغب الرجّالة، وهجموا يريدون الصحن التّسعينيّ، فلم يمنعهم أصحاب نازوك، ودخل من كان على الشطِّ بالسّلاح، وقربت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله، وعنده أبو عليّ بن مقلة الوزير، ونازوك وأبو الهيجاء بن حمدان، فقال القاهر لنازوك: أخرج إليهم فسكّنهم وطيّب قلوبهم!

فخرج إليهم نازوك وهو مخمور، قد شرب طول ليلته، فلمّا رآه الرجّالة تقدّموا إليه ليشكوا حالهم إليه في معنى أرزاقهم، فلمّا رآهم بأيديهم السيوف يقصدونه خافهم على نفسه فهرب، فطمعوا فيه، فتبعوه، فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سدّه أمس، فأدركوه عنده، فقتلوه عند ذلك الباب، وقتلوا قبله خادمه عجيباً، وصاحوا: يا مقتدر، يا منصور!

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٢٠١.


فهرب كلّ مَن كان في الدار، مِن الوزير والحجّاب وسائر الطبقات، وبقيت الدار فارغة، وصلبوا نازوك وعجيباً، بحيث يراهما مَن على شاطئ دجلة.

ثمّ سار الرجّالة إلى دار مؤنس يصيحون، ويطالبونه بالمقتدر، وبادر الخدم فأغلقوا أبواب دار الخليفة، وكانوا جميعهم خدم المقتدر ومماليكه وصنائعه، وأراد أبو الهيجاء بن حمدان أن يخرج من الدار، فتعلّق به القاهر، وقال: أنا في ذمامك، فقال: والله لا أسلّمك أبداً ؛ وأخذ بيد القار، وقال: قُم بنا نخرج جميعاً، وأدعو أصحابي وعشيرتي فيقاتلون معك ودونك.

فقاما ليخرجا، فوجدا الأبواب مغلقة، فتبعهما (فائق وجه القصعة) يمشي معهما، فأشرف القاهر من سطح، فرأى كثرة الجمع، فنزل هو وابن حمدان وفائق، فقال ابن حمدان للقاهر: قف حتّى أعود إليك ؛ ونزع سواده وثيابه، وأخذ جبّة صوف لغلام هناك، فلبسها ومشى نحو باب (النوبى)، فرآه مغلقاً والناس مِن ورائه، فعاد إلى القهر، وتأخّر عنهما وجه القصعة ومَنْ معه من الخدم، فأمرهم وجه القصعة بقتلهما أخذاً بثأر المقتدر وما صنعا به، فعاد إليهما عشرة من الخدم بالسلاح، فعاد إليهم أبو الهيجاء وسيفه بيده، ونزع الجبَّة الصوف، وأخذها بيده الأُخرى، وحمل عليهم، فانجفلوا بين يديه، وغشيهم، فرموه بالنشّاب ضرورة، فعاد عنها، وانفرد عنه القاهر ومشى إلى آخر البستان فاختفى فيه.

ودخل أبو الهيجاء إلى بيتٍ مِن ساج، وتقدّم الخدم إلى ذلك البيت، فخرج إليهم أبو الهيجاء، فولّوا هاربين، ودخل إليهم بعض أكابر الغلمان الحجريّة، ومعه أسودان بسلاح، فقصدوا أبا الهيجاء، فخرج إليهم فرُمي بالسهام فسقط، فقصده بعضُهم فضربه بالسيف فقطع يده اليمنى، وأخذ رأسه فحمله بعضهم، ومشى وهو معه.

وأمّا الرجّالة فإنّهم لمّا انتهوا إلى دار مؤنس وسمع زعقاتهم ؛ قال: ما الذي تريدون؟

فقيل له: نريد المقتدر.

فأمر بتسليمه إليهم، فلمّا قيل للمقتدر ليخرج خاف على نفسه أن تكون حيلة عليه، فامتنع، وحُمل وأُخرج إليهم، فحمله الرجّالة على رقابهم حتّى أدخلوه دار الخلافة، فلمّا


حصل في الصحن التسعينيّ اطمأنّ وقعد، فسأل عن أخيه القاهر، وعن ابن حمدان، فقيل: هما حيّان ؛ فكتب لهما أماناً بخطّه، وأمر خادماً بالسُّرعة بكتاب الأمان لئلاّ يحدث على أبي الهيجاء حادث، فمضى بالخطّ إليه، فلقيه الخادم الآخر ومعه رأسه، فعاد معه، فلمّا رآه المقتدر، وأخبره بقتله، قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! مَن قتله؟

فقال الخدم: ما نعرف قاتله.

وعظم عليه قتله، وقال: ما كان يدخل عليّ ويسلّيني، ويُذهب عنّي الغمّ هذه الأيّام غيره.

ثمّ أُخذ القاهر وأُحضر عند المقتدر، فاستدناه، فأجلسه عنده وقبّل جبينه، وقال له: يا أخي قد علمت أنّه لا ذنب لك، وأنّك قُهرت، ولو لقّبوك بالمقهور لكان أولى من القاهر ؛ والقاهر يبكي ويقول: يا أمير المؤمنين! نفسي، نفسي، اذكر الرَّحِم التي بيني وبينك! فقال له المقتدر:

وحق رسول الله، لا جرى عليك سوء منّي أبداً، ولا وصل أحد إلى مكروهك وأنا حيّ، فسكن.

وأُخرج رأس نازوك ورأس أبي الهيجاء، وشُهرا، ونُودي عليهما: هذا جزاء من عصى مولاه)(١) .

وأمّا بنّيّ بن نفيس فقد هرب إلى أرمينية، وسار حتّى دخل القسطنطينية، وتنصّر.

وكذلك أبو السّرايا بن حمدان أخو أبي الهيجاء، هرب إلى الموصل.

ويقول ابن الأثير في حوادث سنة ٣١٧:

(وفي هذه السنة، منتصف المحرّم، وقعت فتنة بالموصل)(٢) ، واستفحل أمرها.

(وركب أمير الموصل وهو الحسن بن عبد الله بن حمدان الذي لُقّب بعدُ بناصر الدولة ليسكّن الناس، فلم يسكنوا ولا كفّوا)(٣) .

(وفيها: أقرّ المقتدر بالله ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على ما بيده من أعمال (قَرْدى)، وعلى أقطاع أبيه وضياعه.

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٢٠٣ - ٢٠٤ - ٢٠٥ - ٢٠٦.

(٢) م ٨ ص ٢١٢.

(٣) م ٨ ص ٢١٣.


وفيها: قُلِّد نحرير الصغير أعمال الموصل، فسار إليها، فمات بها في هذه السنة، ووليَها بعده ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان، في المحرّم من سنة ثماني عشرة وثلاثمئة)(١) .

(وفي هذه السنة (أي ٣١٧) في شعبان: ظهر بالموصل خارجيٌّ يُعرف بابن مطر، وقصد نَصيبيِن، فسار إليها ناصر الدولة بن حمدان، فقاتله، فأسره.

وظهر فيها - أيضاً - خارجيٌّ اسمه محمد بن صالح بالبوازيج، فسار إليه أبو السرايا نصر بن حمدان، فأخذه أيضاً)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣١٨)

يقول ابن الأثير في كامله:

(وفي هذه السنة (٣١٨)، في ربيع الأول: عُزل ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان عن الموصل، ووليَها عمّاه سعيد ونصر ابنا حمدان، ووليَ ناصر الدولة ديار ربيعة ونَصيبِين وسِنجار والخابور ورأس العين، ومعها مِن ديار بكر، ميّافارقين وأرزون، ضمن ذلك بمالٍ مبلغه معلوم، فسار إليها، ووصل سعيد إلى الموصل في ربيع الآخر)(٣) .

(وفي هذه السنة، في جمادى الأُولى: خرج خارجيٌّ من (بجيلة)، من أهل البوازيج، اسمه صالح بن محمود، وعبر إلى البريّة، واجتمع إليه جماعة من بني مالك، وسار إلى سِنجار، وجرت منه أُمور).

(وعبر إلى الجانب الغربيّ، وأسر أهلُ الحديثة ابناً لصالح اسمه محمّد، فأخذه نصر بن حمدان بن حمدون، وهو الأمير بالموصل، فأدخله إليها، ثمّ سار صالح إلى السنّ، فصالحه أهلها على مالٍ أخذه منهم، وانصرف إلى البوازيج، وسار منها إلى تلّ خوسا قرية من أعمال الموصل عند الزاب الأعلى، وكاتب أهلَ الموصل في أمر ولده، وتهدّدهم إنْ لم يردّوه إليه.

ثمّ رحل إلى السلاميّة، فسار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون

____________________

(١) م ٨ ص ٢١٤.

(٢) م ٨ ص ٢١٤.

(٣) الكامل، م ٨ ص ٢١٧.


من شعبان من هذه السنة، ففارقها صالح إلى البوازيج، فطلبه نصر، فأدركه بها، فحاربه حرباً شديدة قُتل فيها من رجال صالح نحو مئة رجل، وقُتل من أصحاب نصر جماعة، وأُسر صالح ومعه ابنان له، وأُدخلوا إلى الموصل، وحُملوا إلى بغداد فأُدخلوا مشهورين.

وفيها (سنة ٣١٨)، في شعبان: خرج بأرض الموصل خارجيّ اسمه الأغر بن مطرة الثعلبيّ، وكان خروجه بنواحي رأس العين، وقصد (كفَرتوثا) وقد اجتمع معه نحو ألفي رجل، ودخلها ونهبها وقَتل فيها.

وسار إلى نصيبين، فنزل بالقرب منها، فظفر بواليها، وقتل منهم مئة رجل، وأسّر ألف رجل، فباعهم نفوسهم، وصالحه أهل نصيبين على أربعمئة ألف درهم.

وبلغ خبره ناصر الدولة بن حمدان، وهو أمير ديار ربيعة، فسيّر إليه جيشاً فقاتلوه، فظفروا به وأسروه، وسيّره ناصر الدولة إلى بغداد)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣١٩)

(وفي هذه السنة (٣١٩): قصد الروم بلاد الإسلام في خلقٍ كثير، فخرَّبوا (بَزْكَرَى)، وبلاد خلاط وما جاورها، وقُتل من المسلمين خلقٌ كثير، وأسروا كثيراً منهم، فبلغ خبرهم مُفلحاً غلام يوسف بن أبي السّاج، وهو والي أذربيجان، فسار في عسكرٍ كبير، وتبعه كثير من المتطوّعة إلى أرمينية، فوصلها في رمضان)(٢) .

وجرت بينه وبين الروم حربٌ عظيمةٌ كان له فيها الانتصار والغلبة، وبالغ الناس في كثرة القتلى من الأرمن، حتّى قيل إنّهم كانوا مئة ألف قتيل.

(وسارت عساكر الروم إلى سُمَيساط فحصروها، فاستصرخ أهلها بسعيد بن حمدان، وكان المقتدر قد ولاّه الموصل وديار ربيعة، وشرط عليه غزو الروم، وأن يستنقذ مَلَطْية منهم، وكان أهلها قد ضعفوا، فألحّوا الروم، وسلّموا مفاتيح البلد إليهم، فحكموا على المسلمين، فلمّا جاء رسول أهل سُمَيْساط إلى سعيد بن حمدان تجهَّز وسار إليهم مُسرعاً،

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٢٢٠ - ٢٢١.

(٢) م ٨ ص ٢٣٤.


فوصل وقد كاد الروم يفتحونها، فلمّا قاربهم هربوا منه، وسار منها إلى مَلطْية وبها جمع مِن الروم ومِن عسكر مليح الأرمنيّ ومعهم بنّيّ بن نفيس، صاحب المقتدر، وكان قد تنصّر، وهو مع الروم، فلمّا أحسّوا بإقبال سعيد خرجوا منها، وخافوا أن يأتيهم سعيد في عسكره من خارج المدينة، ويثور أهلها بهم فيهلكوا، ففارقوها.

ودخلها سعيد ثمّ استخلف عليها أميراً، وعاد عنها، فدخل بلد الروم غازياً في شوّال، وقدَّم بين يديه سَريّتَيْن فقتلتا من الروم خلقاً كثيراً، قبل دخوله إليها)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٢٠)

لمّا خرج مؤنس المظفّر في المحرّم سنة ٣٢٠ مغاضباً للمقتدر لأسباب، وقاصداً الموصل، (سمع الحسين الوزير بمسيره، فكتب إلى سعيد وداود ابنَيْ حمدان، وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان، يأمرهم بمحاربة مؤنس، وصدّه عن الموصل.

وكان مؤنس كتب في طريقه إلى رؤساء العرب يستدعيهم، ويبذل لهم الأموال والخِلَع، ويقول لهم: إنَّ الخليفة قد ولاّه الموصل وديار ربيعة.

واجتمع بنو حمدان على محاربة مؤنس، إلاّ داود بن حمدان، فإنّه امتنع من ذلك لإحسان مؤنس إليه، فإنّه كان قد أخذه بعد أبيه، وربّاه في حجره، وأحسن إليه إحساناً عظيماً، فلمّا امتنع عن محاربته، لم يزل به إخوته حتّى وافقهم على ذلك، وذكروا له إساءة الحسين وأبي الهيجاء ابنَي حمدان إلى المقتدر مرّةً بعد مرَّة، وأنّهم يريدون أن يغسلوا تلك السيّئة، ولمّا أجابهم قال لهم:

والله إنّكم لتحملونني على البغي وكفران الإحسان، وما آمن أن يجيئني سهم عائر في نحري فيقتلني ؛ فلمّا التقوا أتاه سهمٌ كما وصف فقتله.

وكان مؤنس إذا قيل له: إنّ داود عازم على قتالك، ينكره ويقول: كيف يقاتلني وقد أخذته طفلاً وربّيْته في حجري!

ولمّا قرب مؤنس من

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٢٣٤ - ٢٣٥.


الموصل كان في ثمانمئة فارس، واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفاً، والتقوا واقتتلوا، فانهزم بنو حمدان، ولم يُقتل منهم غير داود، وكان يُلقّب بالمجفجف، وفيه يقول بعض الشعراء، وقد هجا أميراً:

لـو كنتَ في أََلْفِ ألفٍ كلُّهم بطلٌ مِـثل المُجَفْجَفِ داود بن حمدانِ

وتحتكَ الريحُ تجري حيث تأمرُها وفـي يـمينك سيفٌ غيرُ خَوّانِ

لـكنتَ أوّل فـرَّارٍ إلـى عَـدَنٍ إذا تـحرّك سـيفٌ من خُراسانِ

وكان داود هذا من أشجع الناس، ودخل مؤنس الموصل ثالث صفر، واستولى على أموال بني حمدان وديارهم، فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر، من أصناف الناس لإحسانه الذي كان إليهم، وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان، فصار معه، وأقام بالموصل تسعة أشهر، وعزم على الانحدار إلى بغداد)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٢١)

(وفي هذه السنة: اجتمع بنو ثعلبة إلى بني أسد، القاصدين إلى أرض الموصل، ومن معهم من طيّ، فصاروا يداً واحدةً على بني مالك ومَنْ معهم من تغلب، وقرب بعضهم من بعض للحرب، فركب ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان في أهله ورجاله، ومعه أبو الأغرّ بن سعد بن حمدان للصلح بينهم، فتكلّم أبو الأغرّ، فطعنه رجلٌ من حزب بني ثعلبة فقتله، فحمل عليهم ناصر الدولة ومَن معه، فانهزموا وقُتل منهم، ومُلكت بيوتهم، وأُخذ حريمهم وأموالهم، ونجوا على ظهور خيولهم، وتبعهم ناصر الدولة إلى المدينة، فلمّا وصلوا إليها لقيهم يأنس غلام مؤنس، وقد وليَ الموصل، وهو مُصعد إليها، فانضمّ إليه بنو ثعلبة وبنو أسد وعادوا إلى ديار ربيعة)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٢٢)

(وفي هذه السنة: قتل القاهرُ بالله إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ، وهو

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٢٣٩ - ٢٤٠.

(٢) م ٨ ص ٢٧٢ - ٢٧٣.


الذي أشار باستخلافه، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، قتل أيضاً أبا السرايا بن حمدان، وهو أصغر ولد أبيه ؛ وسبب قتلهما أنّه أراد أن يشتري مغنِّيتَيْن قبل أن يلي على الخلافة، فزادا عليه في ثمنهما، فحقد ذلك عليهما، فلمّا أراد قتلهما استدعاهما للمنادمة، فتزيّنا وتطيّبا وحضرا عنده، فأمر بإلقائهما إلى بئر في الدار، وهو حاضر، فتضرّعا وبكيا، فلم يلتفت إليهما وألقاهما فيها وطمّها عليهما)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٢٣)

ويقول ابن الأثير في حوادث سنة ٣٢٣:

(وفي هذه السنة: قتل ناصرُ الدولة أبو محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان عمّه أبا العلاء بن حمدان.

وسبب ذلك: أنّ أبا العلاء سعد بن حمدان ضمن الموصل وديار ربيعة سرّاً، وكان بها ناصر الدولة ابن أخيه أميراً، فسار عن بغداد في خمسين رجلاً، وأظهر أنّه متوجّه ليطلب مال الخليفة من ابن أخيه، فلمّا وصل إلى الموصل خرج ابن أخيه إلى تلقّيه، وقصد مخالفة طريقه، فوصل أبو العلاء، ودخل دار ابن أخيه، وسأل عنه فقيل: إنّه خرج إلى لقائك، فقعد ينتظره، فلمّا علم ناصر الدولة بمقامه في الدار أنفذ جماعةً من غلمانه، فقبضوا عليه ثمّ أنفذ جماعةً غيرهم فقتلوه.

لمّا علم قتل ناصر الدولة عمّه أبا العلاء واتّصل خبره بالراضي عظم ذلك عليه وأنكره، وأمر ابن مُقلة بالمسير إلى الموصل، فسار إليها في العساكر، في شعبان، فلمّا قاربها رحل عنها ناصر الدولة بن حمدان، ودخل (الزَّوَزان)، وتبعه الوزير إلى جبل (التِّنّين)، ثمّ عاد عنها وأقام بالموصل يجبي مالها.

ولمّا طال مقامه بالموصل احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير، وكان ينوب عنه في الوزارة ببغداد، فبذل له عشرة آلاف دينار ليكتب إلى أبيه يستدعيه، فكتب إليه يقول: إنّ الأُمور بالحضرة قد اختلّت،

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٢٩٥ - ٢٩٦.


وإنْ تأخّر لم يأمن حدوث ما يبطل به أمرهم، فانزعج الوزير لذلك، واستعمل على الموصل عليَّ بن خلف بن طبّاب و(ماكرد) الديلميّ، وهو من الساجيّة، وانحدر إلى بغداد منتصف شوّال.

فلمّا فارق الموصل عاد إليها ناصر الدولة بن حمدان، فاقتتل هو و (ماكرد) الديلميّ، فانهزم ابن حمدان، ثمّ عاد وجمع عسكراً آخر، فالتقوا على نصيبين في ذي الحجّة، فانهزم (ماكرد) إلى الرقّة وانحدر منها إلى بغداد، وانحدر - أيضاً - ابن طبّاب، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد، وكتب إلى الخليفة يسأله الصّفح، وأن يضمن البلاد، فأُجيب إلى ذلك واستقرّت البلاد عليه)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٢٤)

وفي هذه السنة (٣٢٤): استولى أبو بكر محمد بن رائق - وقد استدعاه الراضي من واسط - على الخلافة، ونِيطت أُمور الدولة إليه، وأصبح الكلّ في الكلّ، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم في جميعها لابن رائق.

ويقول ابن الأثير:

(وأمّا باقي الأطراف فكانت البصرة في يد ابن رائق، وخوزستان في يد البريديّ، وفارس في يد عماد الدولة بن بويه، وكرمان في يد أبي عليّ محمّد بن إلياس، والرَّيّ وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه ويد (وشمكير) أخي (مرداويج) يتنازعان عليها، والموصل وديار بكر وربيعة في يد بني حمدان ؛ ومصر والشام في يد محمد ابن طُغْج، والمغرب وإفريقية في يد أبي القاسم بأمر الله بن المهديّ العلويّ، وهو الثاني منهم، ويلقّب بأمير المؤمنين، والأندلس في يد عبد الرحمان بن محمّد الملقّب بالناصر الأموي، وخُراسان وما وراء النّهر في يد نصر بن أحمد السامانيّ، وطبرستان وجُرجان في يد الدَّيلم، والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القُرمُطيّ)(٢) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٣٠٩ - ٣١٠.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٣٢٣ - ٣٢٤.


(وفي حوادث سنة ٣٢٦)

(وفي هذه السنة (٣٢٦): سار (لشكرستان) فيمن معه إلى ناصر الدولة بن حمدان بالموصل ؛ فأقام بعضهم عنده، وانحدر بعضهم إلى بغداد.

فأمّا الذين أقاموا بالموصل فسيّرهم مع ابن عمّ أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان إلى ما بيده من أذربيجان لمّا أقبل نحوه (ديسم) ليستولي عليه، وكان أبو عبد الله مِن قِبَل ابن عمّه ناصر الدّولة على معاون أذربيجان، فقصده (ديسم) وقاتله، فلم يكن لابن حمدان به طاقة، ففارق أذربيجان واستولى عليها ديسم)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٢٧)

(في هذه السنة، في المحرّم: سار الرّاضي بالله و (بجكم) إلى الموصل وديار ربيعة.

وسبب ذلك: أنّ ناصر الدولة بن حمدان أخّر المال الذي عليه من ضمان البلاد التي بيده، فاغتاظ الراضي منه لسبب ذلك، فسار هو وبجكم إلى الموصل، ومعهما قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمّد، فلمّا بلغوا تكريت أقام الراضي بها، وسار بجكم، فلقيه ناصر الدولة بالكُحَيْل على ستّة فراسخ من الموصل، فاقتتلوا، واشتدّ القتال، فانهزم أصحاب ناصر الدولة، وساروا إلى نصيبين، وتبعهم بجكم ولم ينزل بالموصل.

فلمّا بلغ نَصيبين سار ابن حمدان إلى آمِد، وكتب بجكم إلى الراضي بالفتح، فسار من تكريت في الماء يريد الموصل، وكان مع الراضي جماعة من القرامطة، فانصرفوا عنه إلى بغداد قبل وصول كتاب بجكم، وكان ابن رائق يكاتبهم، فلمّا بلغوا بغداد ظهر ابن رائق من استتاره واستولى على بغداد، ولم يعرض لدار الخليفة.

وبلغ الخبر إلى الراضي، فأصعد من الماء إلى البرّ، وسار إلى الموصل، وكتب إلى بجكم بذلك، فعاد عن نَصيبين، فلمّا بلغ خبر عوده

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٣٥٠ - ٣٥١.


إلى ناصر الدولة، سار من آمد إلى نَصيبين، فاستولى عليها وعلى ديار ربيعة، فقلق بجكم لذلك، وتسلّل أصحابه إلى بغداد، فاحتاج أن يحفظ أصحابه، وقال: قد حصل الخليفة وأمير الأمراء على قصبة الموصل حسب.

وأنفذ ابن حمدان قبل أن يتّصل به خبر ابن رائق، يطلب الصلح ويعجل خمسمئة ألف درهم، ففرح بجكم بذلك، وأنهاه إلى الراضي، فأجاب إليه، واستقرّ الصلح بينهم، وانحدر الراضي وبجكم إلى بغداد)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٢٩)

(وفي سنة ٣٢٩، عاد أبو بكر محمّد بن رائق من الشّام إلى بغداد، وصار أمير الأمراء.

وكان سبب ذلك: أنّ الأتراك البجكميّة لمّا ساروا إلى الموصل لم يروا عند ابن حمدان ما يريدون، فساروا نحو الشام إلى ابن رائق، وكان فيهم من القوّاد (توزون) و (حجمج) و (نوشتكين) و (صيغون)، فلمّا وصلوا إليه أطمعوه في العود إلى العراق، ثمّ وصلت إليه كتب المتّقي يستدعيه، فسار من دمشق في العشرين من رمضان، واستخلف على الشّام أبا الحسن أحمد بن عليّ بن مقاتل، فلمّا وصل إلى الموصل تنحّى عن طريقه ناصر الدولة بن حمدان، فتراسلا، واتّفقا على أن يتصالحا، وحمل ابن حمدان إليه مئة ألف دينار، وسار ابن رائق إلى بغداد)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٣٠)

(وفي سنة ٣٣٠، أنفذ المتّقي لله إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمدّه على البريديّين، فأرسل أخاه سيف الدّولة عليَّ بن عبد الله بن حمدان نجدةً له في جيشٍ كثيفٍ، فلقي المتّقي وابن رائق بتكريت قد انهزما، فخدم سيف الدّولة للمتّقي خدمةً عظيمة، وسار معه إلى الموصل، ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب الشرقيّ، وتوجّه نحو (معلثايا)، وتردّدت الرسل بينه وبين ابن

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٣٥٣ - ٣٥٤.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٣٧٥.


رائق، حتّى تعاهدا واتّفقا، فحضر ناصر الدولة ونزل على دجلة بالجانب الشرقيّ ؛ فعبر إليه الأمير أبو منصور بن المتّقي وابن رائق يسلمان عليه ؛ فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتّقي، فلمّا أرادوا الانصراف من عنده ركب ابن المتّقي، وأراد ابن رائق الركوب، فقال له ناصر الدولة، تقيم اليوم عندي لنتحدّث فيما نفعله ؛ فاعتذر ابن رائق بابن المتّقي، فألحّ عليه ابن حمدان، فاستراب به، وجذب كمّه من يده فقطعه، وأراد الركوب فشبّ به الفرس فسقط، فصاح ابن حمدان بأصحابه: اقتلوه! فقتلوه، وألقوه في دجلة.

وأرسل ابن حمدان إلى المتّقي يقول: إنّه علم أنّ ابن رائق أراد أن يغتاله، ففعل به ما فعل ؛ فردّ عيه المتّقي ردّاً جميلاً، وأمره المسير إليه، فسار ابن حمدان إلى المتّقي لله، فخلع عليه، ولقّبه ناصر الدولة، وجعله أمير الأمراء، وذلك مستهلّ شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسين عليّ، ولقّبه سيف الدولة)(١) .

وفي هذه السنة (أي ٣٣٠): لمّا غدر نوشتكين بتوزون، وقد تحالفا على كبس البريدي، (وعلم توزون غدر نوشتكين به، فعاد ومعه جملة من الأتراك، وسار نحو الموصل خامس رمضان، فقوي بهم ابن حمدان، وعزم على الانحدار إلى بغداد، وتجهّز وانحدر هو والمتّقي، واستعمل على أعمال الخراج والضياع بديار مضر، وهي الرُّها وحرّان والرِّقّة، أبا الحسن عليَّ بن طيّاب، وسيّره من الموصل.

وكان على ديار مضر أبو الحسن أحمد بن عليّ بن مقاتل، خليفة لابن رائق، فاقتتلوا، فقُتل أبو الحسين بن مقاتل، واستولى ابن طيّاب عليها، فلمّا قارب المتّقي لله وناصر الدولة بن حمدان بغداد، ونهب الناس بعضهم بعضاً، وكان مقام أبي الحسين ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، ودخل المتَّقي لله إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة)(٢) .

____________________

(١) م ٨ ص ٣٨٢ - ٣٨٣.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٣٨٣ - ٣٨٤.


(ولمّا هرب أبو الحسين البريديّ إلى واسط، ووصل بنو حمدان والمتّقي إلى بغداد، خرج بنو حمدان عن بغداد نحو واسط، وكان أبو الحسن قد سار من واسط إليهم ببغداد، فأقام ناصر الدولة بالمدائن، وسيّر أخاه سيف الدّولة وابن عمّه أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان في الجيش إلى قتال أبي الحسين، فالتقوا تحت المدائن بفرسخَيْن، واقتتلوا عدّة أيّام، آخرها رابع ذي الحجّة، وكان توزون وحجمج والأتراك مع ابن حمدان، فانهزم سيف الدولة ومَن معه إلى المدائن، وبها ناصر الدولة، فردّهم وأضاف إليهم مَن كان عنده من الجيش، فعاودوا القتال، فانهزم أبو الحسين البريديّ، وأُسر جماعة من أعيان أصحابه، وقُتل جماعة، وعاد أبو الحسين البريديّ منهزماً إلى واسط، ولم يقدر سيف الدولة على اتّباعه إليها لِما في أصحابه مِن الوهن والجراح.

وكان المتّقي قد سيَّر أهله من بغداد إلى (سُرّ مَن رأَى)، فأعادهم، وكان أعيان الناس قد هربوا من بغداد، فلمّا انهزم البريديُّ عادوا إليها، وعاد ناصر الدولة بن حمدان إلى بغداد، فدخلها ثالث عشر ذي الحجَّة، وبين يديه الأسرى على الجمال، ولمّا استراح سيف الدولة وأصحابه انحدروا من موضع المعركة إلى واسط، فرأوا البريديّين قد انحدروا إلى البصرة، فأقام ومعه الجيش.

ولمّا عاد ناصر الدولة إلى بغداد نظر في العيار، فرآه ناقصاً، فأمر بإصلاح الدنانير، فضرب دنانير سمّاها (الإِبريزيّة)، عيارها خير من غيرها، فكان الدينار بعشرة دراهم، فبيع هذا الدينار بثلاثة عشر درهماً)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٣١)

(وفي هذه السنة: ظفر أبو عبد الله الحسين بن سعد بن حمدان بعدل حاجب بجكم، وسمله، وسيّره إلى بغداد.

وسبب ذلك: أنّ عدلاً صار بعد قتل بجكم مع ابن رائق، وسار معه إلى بغداد، وأصعد معه إلى الموصل، فلمّا قتل ناصر الدولة أبا بكر بن

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٣٨٤ - ٣٨٥.


رائق، صار عدل في جملة ناصر الدولة، فسيّره ناصر الدولة مع عليّ بن خلف بن طياب إلى ديار مضر، والشام الذي كان بيد ابن رائق.

وكان بالرحبة من جهة ابن رائق رجل يُقال له مسافر بن الحسن، فلمّا قُتل ابن رائق استولى مسافر هذا على الناحية، ومنع منها، وجبى خراجها، فأرسل إليه ابن طيّاب عدلاً في جيشٍ ليخرجه عن الرحبة، فلمّا سار إليها فارقها مسافر من غير قتال، وملك عدلٌ الحاجب البلد، وكاتب من ببغداد من البجكميّة، فقصدوه مستخفين، فقوي أمره بهم، واستولى على طريق الفرات، وبعض الخابور)(١) .

وهكذا أخذ ينبه أمره، ويستظهر بما كان يجيبه من الخراج بالرجال الذين يقصدونه من بغداد، (وعاد إلى الرحبة، واتسعت حاله)(٢) ، إلى أن (سار يريد نَصيبين لعلمه ببُعد ناصر الدولة عن الموصل والبلاد الجزيريّة، ولم يمكنه قصد الرّقة، وحرّان ؛ لأنّها كان بها (يأنس المؤنسيّ) في عسكرٍ ومعه جمعٌ من بني نمير، فتركها وسار إلى رأس العين، ومنها إلى نصيبين، فاتّصل خبره بالحسين بن حمدان، فجمع الجيش وسار إليه إلى نصيبين، فلمّا قرب منه لقيه عدل في جيشه، فلمّا التقى العسكران استأمن أصحابه من عدل إلى ابن حمدان، وبقي معه منهم نفرٌ يسير من خاصّته، فأسره ابن حمدان، وأسر معه ابنه، فسمل عدلاً، وسيّرهما إلى بغداد، فوصلها في العشرين من شعبان، فشهِّر هو وابنه فيها)(٣) .

ذكر حال سيف الدولة بواسط

(قد ذكرنا مقام سيف الدولة عليّ بن حمدان بواسط، بعد انحدار البريديّين عنها، وكان يريد الانحدار إلى البصرة لأخذها من البريديّ، (الذي ذهب من واسط إليها)، ولا يمكنه لقلّة المال عنده، ويكتب إلى أخيه في ذلك، فلا ينفذ إليه شيئاً، وكان توزون وحجحج يسيئان الأدب ويتحكّمان عليه.

____________________

(١) م ٨ ص ٣٩٤.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٣٩٥.

(٣) م ٨ ص ٣٩٦.


ثمّ إنّ ناصر الدولة أنفذ إلى أخيه مالاً مع أبي عبد الله الكوفيّ ليفرّقه في الأتراك، فأسمعه توزون وحجمج المكروه، وثارا به، فأخذه سيف الدولة وغيَّبه عنهما وسيّره إلى بغداد، وأمر توزون أن يسير إلى الجامدة ويأخذها وينفرد بحاصلها، وأمر حجمج أن يسير إلى قذار ويحفظها ويأخذ حاصلها.

وكان سيف الدولة يزهد بالأتراك في العراق، ويُحسّن لهم قصد الشام معه والاستيلاء عليه وعلى مصر، ويقع في أخيه عندهم، فكانوا يصدّقونه في أخيه، ولا يجيبونه إلى المسير إلى الشام معه، ويتسحّبون عليه، وهو يجيبهم إلى الذي يريدونه.

فلمّا كان سلخ شعبان، ثار الأتراك بسيف الدولة فكبسوه ليلاً، فهرب من معسكره إلى بغداد، ونُهب سواده، وقُتل جماعة من أصحابه.

وأمّا ناصر الدّولة فإنّه لمّا وصل إليه أبو عبد الله الكوفيُّ وأخبره الخبر ؛ برز ليسير إلى الموصل، فركب المتَّقي إليه، وسأله التوقّف عن المسير، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد، ثمّ سار إلى الموصل ونُهبت داره، وثار الديلم والأتراك، ودبّر الأمر أبو إسحاق القراريطيّ من غير تسميةٍ بوزارة.

وكانت إمارة ناصر الدولة أبي محمّد الحسين بن عبد الله بن حمدان ببغداد ثلاثة عشر شهراً وخمسة أيّام، ووزارة أبي العبّاس الأصبهانيّ أحداً وخمسين يوماً، ووصل سيف الدولة إلى بغداد.

ولمّا هرب سيف الدولة من واسط عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين توزون وحجحج، وتنازعا الإمارة، ثمّ استقرّ الحال على أن يكون توزون أميراً، وحجحج صاحب الجيش، وتصاهرا)(١) .

وتفرّق كلٌّ منهما إلى جهة عمله.

(ولمّا فارق سيف الدولة بغداد دخلها توزون، فخلع عليه المتّقي لله، وجعله أمير الأمراء)(٢) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٣٩٦ - ٣٩٧.

(٢) م ٨ ص ٣٩٨.


(وكان توزون قد أسر غلاماً عزيزاً على سيف الدولة، قريباً منه، يُقال له (ثمال)، فأطلقه وأكرمه وأنفذه إليه، فحسن موقع ذلك من بني حمدان)(١) .

(وفي هذه السنة (٣٣١): تزوّج الأمير أبو منصور بن المتّقي لله بابنة ناصر الدولة بن حمدان، وكان الصداق ألف ألف درهم، والحمل مئة ألف دينار.

وفيها: قبض ناصر الدولة على الوزير أبي إسحاق القراريطيّ، ورتّب مكانه أبا العبّاس أحمد بن عبد الله الأصبهانيّ)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٣٢)

(في هذه السنة: أُصعد المتّقي لله إلى الموصل)(٣) ، وقد أصبح لا يملك من الأمر شيئاً.

(وكان المتّقي قد أنفذ يطلب من ناصر الدولة بن حمدان إنفاذ جيش إليه ليصحبوه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمّه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان.

فلمّا وصلوا إلى بغداد، خرج إليهم المتّقي في حُرَمه وأهله ووزيره وأعيان بغداد)(٤) .

(وانحدر سيف الدولة وحده إلى المتّقي لله بتكريت، فأرسل المتّقي إلى ناصر الدولة يستدعيه، ويقول له: لم يكن الشرط معك إلاّ أن تنحدر إلينا، فانحدر، فوصل إلى تكريت في الحادي والعشرين من ربيع الآخر، وركب المتّقي إليه، فلقيه بنفسه، وأكرمه.

وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وسار توزون نحو تكريت، فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخَيْن، فاقتتلوا ثلاثة أيّام، ثمّ انهزم سيف الدولة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ربيع الآخر، وغنم توزون والأعراب سواده وسواد أخيه ناصر الدولة، وعادا من تكريت إلى الموصل ومعهما المتّقي لله.

____________________

(١) م ٨ ص ٣٩٩.

(٢) م ٨ ص ٤٠٤.

(٣) م ٨ ص ٤٠٦.

(٤) الكامل، م ٨ ص ٤٠٦.


وشغب أصحاب توزون فعاد إلى بغداد، وعاد سيف الدولة وانحدر، فالتقى هو وتوزون بِحَرَبَى في شعبان، فانهزم سيف الدولة مرّةً ثانية، وتبعه توزون.

ولمّا بلغ سيف الدولة إلى الموصل، سار عنها هو وأخوه ناصر الدولة والمتّقي لله ومن معهم إلى نَصيبين، ودخل توزون الموصل، فسار المتّقي إلى الرقّة، ولحقه سيف الدّولة، وأرسل المتّقي إلى توزون يذكر أنّه استوحش منه لاتّصاله بالبريديّ، وأنّهما صارا يداً واحدة، فإنْ آثر رضاه، يصالح سيف الدولة وناصر الدولة ليعود إلى بغداد، وتردّد أبو عبد الله محمّد بن أبي موسى الهاشميّ من الموصل إلى توزون في ذلك فتمّ الصلح، وعقد الضمان على ناصر الدولة لما بيده من البلاد ثلاث سنين، كلّ سنة بثلاثة آلاف ألف وستمئة ألف درهم، وعاد توزون إلى بغداد، وأقام المتّقي عند بني حمدان بالموصل، ثمّ ساروا عنها إلى الرقّة)(١) .

(وفي هذه السنة: مات أبو عبد الله البريدي، بعد أن قتل أخاه أبا يوسف)(٢) .

(وفيها: أرسل المتّقي لله إلى توزون يطلب منه العود إلى بغداد ؛ لأنّه رأى من بني حمدان تضجّراً به، وإيثار المفارقة)(٣) ، فقابل ذلك (توزون وابن شيرزاد بنهاية الرغبة فيه)(٤) .

(وفي حوادث سنة ٣٣٣)

(وفي هذه السنة: سار سيف الدّولة عليُّ بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب، فملكها واستولى عليها، وكان مع المتّقي لله بالرقّة، فلمّا عاد المتّقي إلى بغداد، وانصرف الإخشيد إلى الشام، بقي يأنس المؤنسيّ بحلب، فقصده سيف الدولة، فلمّا نازلها فارقها يأنس وسار إلى الإخشيد، فملكها سيف الدولة، ثمّ سار منها إلى حمص، فلقيه بها عسكر الإخشيد محمّد بن طُغْج، صاحب الشام ومصر، مع مولاه كافور،

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٤٠٧ - ٤٠٨.

(٢) م ٨ ص ٤١٠.

(٣) م ٨ ص ٤١١.

(٤) م ٨ ص ٤١٢.


واقتتلوا، فانهزم عسكر الإخشيد وكافور، وملك سيف الدولة مدينة حمص، وسار إلى دمشق فحصرها، فلم يفتحها أهلها له فرجع.

وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام وسار خلف سيف الدولة، فالتقيا بقِنّسرين، فلم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلمّا عاد الإخشيد إلى دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب، ولمّا ملك سيف الدولة حلب سارت الروم إليها، فخرج إليهم، فقاتلهم بالقرب منها، فظفر بهم وقتل منهم)(١) .

(وفي هذه السنة (أي ٣٣٣)، في رجب: سار توزون ومعه المستكفي بالله من بغداد يريدان الموصل، وقصد ناصر الدولة ؛ لأنّه كان قد أخَّر حمل المال الذي عليه من ضمان البلاد، واستخدم غلماناً هربوا من توزون، وكان الشرط بينهم أنّه لا يقبل أحداً من عسكر توزون.

فلمّا خرج الخليفة وتوزون من بغداد تردّدت الرسل في الصلح، وتوسّط أبو جعفر بن شيرزاد الأمر، وانقاد ناصر الدولة لحمل المال، وكان أبو القاسم بن مكرم، كاتب ناصر الدولة، هو الرسول في ذلك، ولمّا تقرّر الصلح عاد المستكفي وتوزون فدخلا بغداد)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٣٤)

وفي هذه السنة: مات توزون، (وكان ابن شيرزاد في (هَيت) لتخليص أموالها، فلمّا بلغه الخبر عزم على عقد الإمارة لناصر الدولة بن حمدان، فاضطربت الأجناد، وعقدوا الرئاسة عليهم لابن شيرزاد، فحضر ونزل بباب حرب مستهلّ صفر، وخرج عليه الأجناد جميعهم، واجتمعوا عليه، وحلفوا له، ووجّه إلى المستكفي بالله ليحلف له، فأجابه إلى ذلك، وحلف له بحضرة القضاة والعدول، ودخل إليه ابن شيرزاد، وعاد مكرّماً يخاطب بأمير الأمراء، وزاد الأجناد زيادة كثيرة، فضاقت الأموال عليه، فأرسل إلى ناصر الدولة مع أبي عبد الله محمّد بن أبي موسى

____________________

(١) م ٨ ص ٤٤٦.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٤٤٦ - ٤٤٧.


الهاشميّ، وهو بالموصل، يطالبه بحمل المال، ويعده بردّ الرئاسة إليه، وأنفذ له خمسمئة ألف درهم وطعاماً كثيراً، ففرّقها في عسكره، فلم يؤثّر، فقسّط الأموال على العمّال والكتّاب والتجّار وغيرهم لأرزاق الجند وظلم الناس ببغداد.

وظهر اللصوص، وأخذوا الأموال، وجلا التجار، واستعمل على واسط (ينال كوشة)، وعلى تكريت (اللشكريّ)، فأمّا (ينال) فإنّه كاتب معزّ الدولة بن بويه، واستقدمه، وصار معه، وأمّا الفتح اللشكريّ فإنّه سار إلى ناصر الدولة بالموصل، وصار معه، فأقرّه على تكريت)(١) .

وفي هذه السنة (أي ٣٣٤): استولى معزّ الدولة على بغداد، وخلع المستكفي بالله، واستخلف المطيع.

(وفيها، في رجب: سيّر معزّ الدولة عسكراً فيهم (موسى فيادة) و (ينال كوشة) إلى الموصل في مقدّمته، فلمّا نزلوا (عُكبرَا) أوقع (ينال) بِـ (موسى فيادة)، ونهب سواده، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة، وكان قد خرج من الموصل نحو العراق، ووصل ناصر الدولة إلى سامرّا في شعبان، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معزّ الدولة بِعُكبرَا.

وفي رمضان سار معزّ الدولة مع المطيع لله إلى عُكبرَا، فلمّا سار عن بغداد لحق ابن شيرزاد بناصر الدولة، وعاد إلى بغداد مع عسكرٍ لناصر الدولة، فاستولوا عليها، ودبّر ابن شيرزاد الأُمور بها نيابةً عن ناصر الدّولة، وناصر الدولة يحارب معزّ الدولة، فلمّا كان عاشر رمضان سار ناصر الدولة من سامرّا إلى بغداد فأقام بها، فلمّا سمع معزّ الدولة الخبر سار إلى تكريت فنهبها ؛ لأنّها كانت لناصر الدولة، وعاد الخليفة معه إلى بغداد، فنزلوا بالجانب الغربيّ ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقيّ، ولم يخطب للمطيع ببغداد.

ثمّ وقعت الحرب بينهم ببغداد، وانتشرت أعراب ناصر الدولة بالجانب الغربيّ، فمنعوا أصحاب معزّ الدولة من الميرة والعلف، فغَلَت الأسعار على الديلم، حتّى بلغ الخبز عندهم كلّ رطل بدرهم وربع، وكان

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٤٤٨ - ٤٤٩.


السعر عند ناصر الدولة رخيصاً، كانت تأتيه الميرة في دجلة من الموصل، فكان الخبز عنده كل خمسة أرطال بدرهم.

ومنع ناصر الدولة المعاملة بالدّنانير التي عليها اسم المطيع، وضرب دنانير ودراهم على سكّة، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة، وعليها اسم المتّقي لله، واستعان ابن شيرزاد بالعيّارين والعامّة على حرب معزّ الدولة، فكان يركب في الماء، وهم معه، ويقاتل الديلم.

وفي بعض الليالي عبر ناصر الدولة في ألف فارس لكبس معزّ الدولة، فلقيهم (إسفهدوست) فهزمهم، وكان من أعظم الناس شجاعة، وضاق الأمر بالديلم حتّى عزم معزُّ الدولة على العود إلى الأهواز، وقال:

نعمل معهم حيلة هذه المرة، فإن أفادت وإلاّ عُدنا ؛ فرتّب ما معه من المعابر بناحية (الثمارين)، وأمر وزيره أبا جعفر الصيمريَّ و (إسفهدوست) بالعبور، ثمّ أخذ معه باقي العسكر، وأظهر أنّه يعبر في (قُطْرَبُّل)، وسار ليلاً ومعه المشاعل على شاطئ دجلة، فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإزائه ليمنعوه من العبور، فتمكّن الصيمريُّ وإسفهدوست من العبور، فعبروا وتبعهم أصحابهم.

فلمّا علم معزُّ الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه، فعلموا بحيلته، فلقيهم (ينال كوشة) في جماعة أصحاب ناصر الدولة، فهزموه واضطرب عسكر ناصر الدولة، وملك الديلم الجانب الشرقيَّ، وأُعيد الخليفة إلى داره في المحرّم سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، وغنم الديلم ونهبوا أموال الناس ببغداد، فكان مقدار ما غنموه ونهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار، وأمرهم معزّ الدولة برفع السيف والكفّ عن النهب، وأمّن الناس فلم ينتهوا، فأمر وزيره أبا جعفر الصيمريّ، فركب وقتل وصلب جماعة، وطاف بنفسه فامتنعوا.

واستقرّ معزّ الدولة ببغداد، وأقام ناصر الدولة بعُكبَرا، وأرسل في الصلح بغير مشورة من الأتراك التوزونيّة، فهمّوا بقتله، فسار عنهم مجدّاً نحو الموصل، ثمّ استقرّ الصلح بينه وبين معزّ الدولة في المحرّم سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة)(١) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٤٥٣ - ٤٥٤ - ٤٥٥.


(وفي هذه السنة (٣٣٤)، في ذي الحجّة: مات الإخشيد أبو بكر محمّد بن طُغْج، صاحب ديار مصر، وكان مولده سنة ثمانٍ وستّين ومئتين ببغداد، وكان موته بدمشق، وقيل مات سنة خمسٍ وثلاثين وثلاثمئة، ووليَ الأمر بعده ابنه أبو القاسم (أنوجور)، فاستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وغلب أبا القاسم واستضعفه وتفرّد بالولاية ؛ وكافور هذا هو الذي مدح المتنبّي ثمّ هجاه)(١) .

(وسار كافور إلى مصر، فقصد سيف الدولة دمشق، فملكها وأقام بها، فاتّفق أنّه كان يسير هو والشريف العقيليّ بنواحي دمشق، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إلاّ لرجلٍ واحد ؛ فقال له العقيليّ: هي لأقوام كثيرة ؛ فقال سيف الدولة:

لئن أخذتها القوانين السلطانيّة لتبرّأوا منها، فأعلم العقيليُّ أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم، سنة ستّ وثلاثين وثلاثمئة، وكان أنوجور مع كافور، فتبعوا سيف الدولة إلى حلب، فخافهم سيف الدولة فعبر إلى الجزيرة، وأقام أنوجور على حلب، ثمّ استقرّ الأمر بينهما، وعاد أنوجور إلى مصر، وعاد سيف الدولة إلى حلب، وأقام كافور بدمشق يسيراً ووليَ عليها بدر الإخشيديّ، ويُعرف ببُدَير، وعاد إلى مصر)(٢) .

وفي هذه السنة (٣٣٤): كان إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل عمّ نوح صاحب خراسان بالموصل في خدمة ناصر الدولة، فخالف أبو عليّ بن محتاج على الأمير نوح، فكتب هو وجماعة إلى إبراهيم يستدعونه لولاية خُراسان، وعزل نوح، فسار إلى خُراسان، وجرت أُمورٌ انتهت بتثبيت ولاية نوح وطاعة إبراهيم له.

(وفي حوادث سنة ٣٣٥)

(وفي هذه السنة: اصطلح معزُّ الدولة وناصر الدولة، وكانت الرسل تتردّد بينهما بغير علمٍ من الأتراك التوزونيّة، وكان ناصر الدولة نازلاً شرقيَّ تكريت، فلمّا علم الأتراك بذلك ثاروا بناصر الدولة، فهرب منهم وعبر

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٤٥٧.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٤٥٧ - ٤٥٨.


دجلة إلى الجانب الغربيّ، فنزل على ملهم والقرامطة، فأجاروه، وسيّروه ومعه ابن شيرزاد إلى الموصل.

ولمّا هرب ناصر الدولة من الأتراك، ولم يقدروا عليه، اتّفقوا على تأمير تكّين الشيرازيّ، وقبضوا على ابن قرابة، وعلى كتّاب ناصر الدّولة، ومَن تخلّف مِن أصحابه.

وقبض ناصر الدولة على ابن شيرزاد عند وصوله إلى جُهَيْنة، ولم يلبث ناصر الدولة بالموصل بل سار إلى نصيبين، ودخل تكّين والأتراك إلى الموصل، وساروا في طلبه، فمضى إلى سِنجار، فتبعه تكّين إليها، فسار ناصر الدولة من سنجار إلى الحَدِيثة، فتبعه تكّين.

وكان ناصر الدولة قد كتب إلى معزّ الدولة يستصرخه، فسيّر الجيوش إليه، فسار ناصر الدولة من الحَديثة إلى السِّنّ، فاجتمع هناك بعسكر معزّ الدولة، وفيهم وزيره أبو جعفر الصَّيمريّ، وساروا بأسرهم إلى الحديثة لقتال تكّين، فالتقوا به، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم تكّين والأتراك بعد أن كادوا يستظهرون، فلمّا انهزموا تبعهم العرب من أصحاب ناصر الدولة، فأدركوهم وأكثروا القتل فيهم، وأسروا تكّين الشيرازيّ وحملوه إلى ناصر الدولة، فسمله في الوقت فأعماه، وحمله إلى قلعةٍ من قلاعه فسجنه بها.

وسار ناصر الدولة والصيمريُّ إلى الموصل، فنزلوا شرقيّها، وركب ناصر الدولة إلى خيمة الصيمريّ، فدخل إليه، ثمّ خرج من عنده إلى الموصل، ولم يعد إليه، فحُكي عن ناصر الدولة أنّه قال: ندمتُ حين دخلتُ خيمته، فبادرت وخرجت.

وحُكي عن الصيمريّ أنّه قال: لمّا خرج ناصر الدولة من عندي ندمت حيث لم أقبض عليه ؛ ثمّ تسلّم الصيمريُّ بن شيرزاد من ناصر الدولة ألف كرّ حنطةً وشعيراً وغير ذلك)(١) .

(وفي هذه السنة ٣٣٥: كان الفداء بالثغور بين المسلمين والروم، على يد نصر الثمليّ أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، وكان عدّة الأسرى ألفين وأربعمئة أسير وثمانين أسيراً من ذكر وأنثى، وفضل للروم على

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٤٦٦ - ٤٦٧.


المسلمين مئتان وثلاثون أسيراً لكثرة من معهم من الأسرى، فوفاهم ذلك سيف الدولة.

وفيها في شعبان: قبض سيف الدولة بن حمدان على أبي إسحاق محمّد القراريطيّ، وكان استكتبه استظهاراً على أبي الفرج محمد بن عليّ السّرّ مَنْ رائي، واستكتب أبا عبد الله محمّد بن سليمان بن فهد الموصليّ)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٣٦)

(وفي هذه السنة: كان جُمان من أصحاب توزون، وصار في جملة ناصر الدولة بن حمدان، فلمّا كان ناصر الدولة ببغداد، في الجانب الشرقيّ، وهو يحارب معزّ الدولة، ضمّ ناصر الدولة جمع الديلم الذين معه إلى جُمان لقلّة ثقته بهم، وقلّده الرَّحبة وأخرجه إليها، فعظم أمره هناك، وقصده الرجال، فأظهر العصيان على ناصر الدولة، وعزم على التغلّب على الرَّقّة وديار مُضر، فسار إلى الرَّقّة فحصرها سبعة عشر يوماً، فحاربه أهلها وهزموه، ووثب أهل الرّحبة بأصحابه وعمّاله، فقتلوهم لشدّة ظلمهم، وسوء معاملتهم.

فلمّا عاد من الرَّقّة وضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلةً عظيمة، فأرسل إليه ناصر الدولة حاجبه (يا روخ) في جيش، فاقتتلوا على شاطئ الفرات، فانهزم جُمان، فوقع في الفرات فغرق، واستأمن أصحابه إلى ياروخ، وأُخرج جمان من الماء فدُفن مكانه)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٣٧)

(وفي هذه السنة: سار معزّ الدولة من بغداد إلى الموصل قاصداً لناصر الدولة، فلمّا سمع ناصر الدولة بذلك سار عن الموصل إلى نصيبين، ووصل معزُّ الدولة فملك الموصل في شهر رمضان، وظلم أهلها وعسفهم، وأخذ أموال الرّعايا، فكثر الدعاء عليه.

____________________

(١) م ٨ ص ٤٦٨.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٤٧٥.


وأراد معزّ الدولة أن يملك جميع بلاد ناصر الدولة، فأتاه الخبر من أخيه ركن الدولة أنّ عساكر خُراسان قد قصدت جرجان والريّ، ويستمدّه ويطلب منه العساكر، فاضطرّ إلى مصالحة ناصر الدّولة، فتردّدت الرسل بينهما في ذلك، واستقرّ الصلح بينهما على أن يؤدّي ناصر الدولة عن الموصل، وديار الجزيرة كلّها، والشام، كلّ سنةٍ ثمانية آلاف ألف درهم، ويخطب في بلاده لعماد الدولة، وركن الدولة، ومعزّ الدولة بني بويه، فلمّا استقرّ الصلح عاد معزّ الدولة إلى بغداد فدخلها في ذي الحجّة من السنة)(١) .

(وفي هذه السنة: سار سيف الدولة بن حمدان إلى بلد الروم، فلقيه الروم، واقتتلوا، فانهزم سيف الدولة، وأخذ الروم مَرْعَش، وأوقعوا بأهل طَرَسوس)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٣٩)

(في هذه السنة: دخل سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم، فغزا، وأوغل فيها، وفتح حصوناً كثيرة، وسبى وغنم، فلمّا أراد الخروج من بلد الروم أخذوا عليه المضايق، فهلك مَن كان معه من المسلمين أسراً وقتلاً، واستردّ الروم الغنائم والسبي، وغنموا أثقال المسلمين وأموالهم، ونجا سيف الدولة في عددٍ يسير)(٣) .

(وفي حوادث سنة ٣٤٣)

(في هذه السنة: في شهر ربيع الأوّل، غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم، فقتل وأسر وسبى وغنم، وكان فيمَن قتل قسطنطين بن الدُّمسْتق، فعظم الأمر على الروم، وعظم الأمر على الدمستق، فجمع عساكره من الروم والروس والبلغار وغيرهم وقصد الثغور ؛ فسار إليه سيف الدولة بن حمدان، فالتقوا عند الحَدَث في شعبان، فاشتدّ القتال بينهم

____________________

(١) م ٨ ص ٤٧٧.

(٢) م ٨ ص ٤٨٠.

(٣) الكامل، م ٨ ص ٤٨٥ - ٤٨٦.


وصبر الفريقان، ثمّ إنّ الله تعالى نصر المسلمين، فانهزم الرّوم، وقُتل منهم وممّن معهم خلقٌ عظيم، وأُسر صهر الدمستق وابن ابنته وكثير من بطارقته، وعاد الدمستق مهزوماً مسلولاً)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٤٥)

(في هذه السنة، في رجب: سار سيف الدولة بن حمدان في جيوشٍ إلى بلاد الروم وغزاها، حتّى بلغ (خَرْشَنَة) و(صارخة)، وفتح عدّة حصون وسبى وأسر وأحرق وخرّب، وأكثر القتل فيهم.

ورجع إلى (أذنة) فأقام بها حتّى جاءه رئيس طَرَسُوس، فخلع عليه، وأعطاه شيئاً كثيراً، وعاد إلى حلب.

فلمّا سمع الروم بما فعل جمعوا وساروا إلى (ميّافارقين)، وأحرقوا سوادها ونهبوه، وخرّبوا وسبوا أهله، ونهبوا أموالهم وعادوا)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٤٦)

(في هذه السنة: تجهّز معزّ الدولة وسار نحو الموصل لقصد ناصر الدولة بسبب ما فعله، فراسله ناصر الدولة، وبذل له مالاً، وضمن البلاد منه كلّ سنة بألفَيْ ألف درهم، وحمل إليه مثلها، فعاد معزّ الدولة بسبب خراب بلاده للفتنة)(٣) .

(وفي حوادث سنة ٣٤٧)

(لمّا كان هذه السنة، أخّر ناصر الدولة حمل المال، فتجهّز معزّ الدولة إلى الموصل وسار نحوها، منتصف جمادى الأُولى، ومعه وزيره المهلّبيّ، ففارقها ناصر الدولة إلى نَصِيبين، واستولى معزّ الدولة على الموصل.

فكان مِن عادة ناصر الدولة إذا قصده أحدٌ سار عن الموصل واستصحب معه جميع الكتّاب والوكلاء ومَن يعرف أبواب المال ومنافع

____________________

(١) م ٨ ص ٥٠٨.

(٢) م ٨ ص ٥١٧.

(٣) الكامل، م ٨ ص ٥٢٠.


السلطان، وربّما جعلهم في قلاعه كقلعة كَواشي والزّعفران وغيرهما.

وكانت قلعة كواشي تسمّى ذلك الوقت قلعة (أردمُشت)، وكان ناصر الدولة يأمر العرب بالإغارة على العلاّفة ومَن يحمل الميرة، فكان الذي يقصد بلاد ناصر الدولة يبقى محصوراً مضيّقاً عليه.

فلمّا قصده معزّ الدولة هذه المرّة فعل ذلك به، فضاقت الأقوات على معزّ الدولة وعسكره، وبلغه أنّ بنصيبين من الغَلاّت السلطانيّة شيئاً كثيراً، فسار عن الموصل نحوها، واستخلف بالموصل (سبكتكين) الحاجب الكبير، فلمّا توسّط الطريق بلغه أنّ أولاد ناصر الدولة أبا المرجّى وهبة الله بسِنجار في عسكر، فسيّر إليهم عسكراً، فلم يشعر أولاد ناصر الدولة بالعسكر إلاّ وهو معهم، فعجلوا عن أخذ أثقالهم، فركبوا دوابَّهم وانهزموا، ونهب عسكر معزّ الدولة ما تركوه، ونزلوا في خيامهم، فعاد أولاد ناصر الدولة إليهم وهم غارّون، فوضعوا السيف فيهم، فقتلوا وأسروا، وأقاموا بسِنجار.

وسار معزّ الدولة إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة إلى ميّافارقين، ففارقه أصحابه وعادوا إلى معزّ الدولة مستأمنين، فلمّا رأى ناصر الدولة ذلك سار إلى أخيه سيف الدولة بحلب، فلمّا وصل خرج إليه ولقيه، وبالغ في إكرامه، وخدمه بنفسه، حتّى إنّه نزع خفّه بيديه.

وكان أصحاب ناصر الدولة في حصونه ببلد الموصل والجزيرة، يغيرون على أصحاب معزّ الدولة بالبلد، فيقتلون فيهم، ويأسرون منهم، ويقطعون الميرة عنهم.

ثمّ إنّ سيف الدولة راسل معزّ الدولة في الصلح، وتردّدت الرسل في ذلك، فامتنع معزّ الدولة في تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرّة بعد أُخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفَيْ ألف درهم وتسعمئة ألف درهم، وإطلاق من أسر من أصحابه بسنجار وغيرها، وكان ذلك في المحرّم سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة.

وإنّما أجاب معزّ الدولة إلى الصلح بعد تمكّنه من البلاد ؛ لأنّه ضاقت عليه الأموال، وتقاعد الناس في حمل الخراج، واحتجّوا بأنّهم لا يصلون إلى غلاّتهم، وطلبوا الحماية من العرب أصحاب ناصر الدولة، فاضطرّ معزّ


الدولة إلى الانحدار، وأنف من ذلك، فلمّا وردت عليه رسالة سيف الدولة استراح إليها، وأجابه إلى ما طلبه من الصلح، ثمّ انحدر إلى بغداد)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٤٨)

(في هذه السنة، في المحرّم: تمَّ الصلح بين سيف الدولة ومعزّ الدولة، وعاد معزّ الدولة إلى العراق، ورجع ناصر الدولة إلى الموصل)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٤٩)

(في هذه السنة: غزا سيف الدولة بلاد الروم في جمعٍ كثير، فأثّر فيها آثاراً كثيرة، وأحرق، وفتح عدّة حصون، وأخذ من السبي والغنائم والأسرى شيئاً كثيراً، وبلغ إلى خَرْشَنة، ثمّ إنّ الروم أخذوا عليه المضايق، فلمّا أراد الرجوع قال له مَن معه من أهل طَرَسُوس:

إنّ الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك، فلا تقدر على العود منه، والرأي أن ترجع معنا ؛ فلم يقبل منهم، وكان معجباً برأيه يحبّ أن يستبدّ ولا يشاور أحداً لئلاّ يُقال إنّه أصاب برأي غيره، وعاد في الدرب الذي دخل منه، فظهر الروم عليه واستردّوا ما كان معه من الغنائم، وأخذوا أثقاله، ووضعوا السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلاً وأسراً، وتخلّص هو في ثلاثمئة رجل بعد جهدٍ ومشقّة. وهذا من سوء رأي كل من يجهل آراء الناس العقلاء)(٣) .

(وفي حوادث سنة ٣٥٠)

(في هذه السنة، في رمضان: دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الروم من ناحية ميّافارقين غازياً، وإنّه في رمضان غنم ما قيمته قيمة عظيمة، وسبى وأسر، وخرج سالماً)(٤) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٢٢ - ٥٢٣ - ٥٢٤.

(٢) م ٨ ص ٥٢٧.

(٣) الكامل، م ٨ ص ٥٣١ - ٥٣٢.

(٤) م ٨ ص ٥٣٦.


(وفي حوادث سنة ٣٥١)

في هذه السنة: استولى الروم على (عين زَربة)، وفعلوا فيها وفي الحصون الإسلامية التي افتتحوها الأفاعيل في المسلمين من قتلٍ وسبيٍ وهتك حرمات ممّا هو مذكور في الكامل لابن الأثير.

وهنا يقول ابن الأثير في كامله:

(كان ابن الزيّات صاحب طَرَسُوس، قد خرج في أربعة آلاف رجل من الطَّرسُوسيّين، فأوقع بهم الدُّمُسْتق، فقتل أكثرهم، وقتل أخاً لابن الزيّات، فعاد إلى طرسوس، وكان قد قطع الخطبة لسيف الدولة بن حمدان، فلمّا أصابهم هذا الوهن أعاد أهل البلد الخطبة لسيف الدولة وراسلوه بذلك، فلمّا علم ابن الزيّات حقيقة الأمر صعد إلى رَوْشَن في داره فألقى نفسه منه إلى نهر تحته فغرق)(١) .

(وفي هذه السنة: استولى الروم على حلب دون قلعتها.

وكان سبب ذلك أنّ الدُّمستق سار إلى حلب، ولم يشعر به المسلمون ؛ لأنّه كان قد خلّف عسكره بقَيساريّة ودخل بلادهم كما ذكرناه، فلمّا قضى صوم النّصارى خرج إلى عسكره من البلاد جريدة، ولم يعلم به أحد، وسار بهم عند وصوله، فسبق خبرَهُ، وكبس مدينة حلب، ولم يعلم به سيف الدولة بن حمدان ولا غيره.

فلمّا بلغها وعلم سيف الدولة الخبر أعجله الأمر عن الجمع والاحتشاد، فخرج إليه فيمن معه، فقاتله فلم يكن له قوّة الصبر لقلّة من معه، فقُتل أكثرهم، ولم يبق من أولاد داود بن حمدان أحد، قُتلوا جميعهم، فانهزم سيف الدولة في نفرٍ يسير، وظفر الدمستق بداره، وكانت خارج مدينة حلب، تُسمّى الدّارين، فوجد فيها لسيف الدولة ثلاثمئة بدرة من الدراهم، وأخذ له ألفاً وأربعمئة بغل، ومن خزائن السلاح ما لا يُحصى، فأخذ الجميع، وخرّب الدار، وملك الحاضر، وحصر المدينة، فقاتله أهلها.

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٣٩.


وهدم الروم في السور ثلمة، فقاتلهم أهل حلب عليها، فقُتل من الروم كثير، ودفعوهم عنها، فلمّا جنَّهم الليل عمروها، فلمّا رأى الروم ذلك تأخّروا إلى جبل (جَوْشن).

ثمّ إنّ رجّالة الشُّرطة بحلب قصدوا منازل الناس، وخانات التجار لينهبوها، فلحق الناس أموالهم ليمنعوها، فخلا السور منهم، فلمّا رأى الروم السور خالياً من الناس قصدوه وقربوا منه، فلم يمنعهم أحد، فصعدوا إلى أعلاه فرأوا الفتنة قائمة في البلد بين أهله، فنزلوا وفتحوا الأبواب، ودخلوا البلد بالسيف يقتلون من وجدوا، ولم يرفعوا السيف إلى أن تعبوا وضجروا.

وكان في حلب ألف وأربعمئة من الأسارى، فتخلّصوا، وأخذوا السلاح، وقتلوا الناس، وسُبي مِن البلد بضعة عشر ألف صبيّ وصبيّة، وغنموا ما لا يُوصَف كثرة، فلمّا لم يبق مع الروم ما يحملون عليه الغنيمة ؛ أمر الدُّمُستق بإحراق الباقي، وأحرق المساجد، وكان قد بذل لأهل البلد الأمان على أن يسلّموا إليه ثلاثة آلاف صبيّ وصبيّة ومالاً ذكره، وينصرف عنهم، فلم يجيبوه إلى ذلك، فملكهم كما ذكرنا، وكان عدّة عسكره مئتَيْ ألف رجل، منهم ثلاثون ألف رجل بالجواشن، وثلاثون ألفاً للهدم وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل الحسك الحديد.

ولمّا دخل الروم البلد قصد الناس القلعة، فمَن دخلها نجا بحشاشة نفسه، وأقام الدُّمستق تسعة أيّام، وأراد الانصراف عن البلد بما غنم، فقال له ابن أخت الملك، وكان معه: هذا البلد قد حصل في أيدينا، وليس من يدفعنا عنه، فلأيّ سببٍ ننصرف عنه؟

فقال الدمستق: قد بلغنا ما لم يكن الملك يؤمّله، وغنمنا وقتلنا وخرّبنا وأحرقا، وخلّصنا أسرانا، وبلغنا ما لم يُسمع بمثله ؛ فتراجعا الكلام إلى أن قال له الدُّمستق، أنزل على القلعة فحاصرها، فإنّني مقيم بعسكري على باب المدينة ؛ فتقدّم ابن أخت الملك إلى القلعة، ومعه سيف وترس، وتبعه الروم، فلمّا قرب من باب القلعة أُلقي عليه حجر فسقط، ورمي بخشب فقُتل، فأخذه أصحابه وعادوا إلى الدمستق، فلمّا رآه قتيلاً قتل مَن معه من أسرى المسلمين، وكانوا ألفاً ومئتَيْ رجل، وعاد إلى بلاده، ولم يعرض لسواد حلب، وأمر أهله


بالزّراعة والعمارة ليعود إليهم بزعمه)(١) .

(وفي هذه السنة ٣٥١: أعاد سيف الدولة بناء (عين زَربة)، وسيّر حاجبه في جيشٍ مع أهل طَرَسُوس إلى بلاد الروم، فغنموا وقتلوا وسبوا وعادوا، فقصد الروم حصن سيسية فملكوه.

وفيها: سار نجا غلام سيف الدولة في جيشٍ إلى حصن زياد، فلقيه جمعٌ من الروم، فهزمهم، واستأمن إليه من الروم خمسمئة رجل.

وفيها في شوّال: أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من مَنبج، وكان متقلّداً لها)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٥٢)

(في هذه السنة، في صفر: امتنع أهل حرّان على صاحبها هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان، وعصوا عليه.

وسبب ذلك: أنّه كان متقلّداً لها ولغيرها من ديار مُضَر مِن قِبَل عمّه سيف الدولة، فعسفهم نوّابه وظلموهم، وطرحوا الأمتعة على التجار من أهل حرّان، وبالغوا في ظلمهم.

وكان هبة الله عند عمّه سيف الدولة بحلب، فثار أهلها على نوّابه وطردوهم، فسمع هبة الله بالخبر، فسار إليهم وحاربهم، وحصرهم، فقاتلهم، وقاتلوه أكثر من شهرين، فقُتل منهم خلقٌ كثير، فلمّا رأى سيف الدولة شدّة الأمر واتّصال الشرّ قرب منهم وراسلهم، وأجابهم إلى ما يريدون، فاصطلحوا وفتحوا أبواب البلد، وهرب منه العيّارون خوفاً من هبة الله)(٣) .

(وفي هذه السنة، في شوّال: دخل أهل طرسوس بلاد الروم غازين، ودخلها - أيضاً - نجا غلام سيف الدولة بن حمدان من دربٍ آخر، ولم يكن سيف الدولة معهم لمرضه، فإنّه كان قد لحقه، قبل ذلك بسنتَيْن فالج،

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٤٠ - ٥٤١ - ٥٤٢.

(٢) م ٨ ص ٥٤٤ - ٥٤٥.

(٣) م ٨ ص ٥٤٦.


فأقام على رأس درب من تلك الدروب، فأوغل أهل طرسوس في غزوتهم حتّى وصلوا إلى قونية، وعادوا، فرجع سيف الدولة إلى حلب، فلحقه في الطريق غشية أرجف عليه الناس بالموت، فوثب هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة بن حمدان بابن (دنجا) النصرانيّ، وكان خصيصاً بسيف الدولة، وإنّما قتله لأنّه كان يتعرّض لغلام له، فغار لذلك.

ثمّ أفاق سيف الدولة، فلمّا علم هبة الله أنّ عمّه لم يمت هرب إلى حرّان، فلمّا دخلها أظهر لأهلها أنّ عمّه مات، وطلب منهم اليمين على أن يكونوا سلْماً لمن سالمه، وحرباً لمن حاربه، فحلفوا له، واستثنوا عمّه في اليمين، فأرسل سيف الدولة غلامه نجا إلى حرّان في طلب هبة الله، فلمّا قاربها هرب هبة الله إلى أبيه بالموصل، فنزل نجا على حرّان في السابع والعشرين من شوّال، فخرج أهلها إليه من الغد، فقبض عليهم، وصادرهم على ألف ألف درهم، ووكّل بهم حتّى أدّوها في خمسة أيّام، بعد الضرب الوجيع بحضرة عيالاتهم وأهليهم، فأخرجوا أمتعتهم فباعوا كلّ ما يساوي ديناراً بدرهم ؛ لأنّ أهل البلد كلّهم كانوا يبيعون، ليس فيهم من يشتري ؛ لأنّهم مصادرون، فاشترى ذلك أصحاب نجا بما أرادوا، وافتقر أهل البلد، وسار نجا إلى ميّافارقين، وترك حرّان شاغرةً بغير والٍ، فتسلّط العيّارون على أهلها)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٥٣)

لمّا اجتمع لنجا ما اجتمع من الأموال التي صادرها بحرّان، قوي بها وبطر، ولم يشكر وليّ نعمته بل كفره، وسار إلى ميّافارقين، وقصد بلاد أرمينية، وكان قد استولى على كثيرٍ منها رجلٌ من العرب يُعرف بأبي الورد، فقاتله نجا، فقُتل أبو الورد وأخذ نجا قلاعه وبلاده: خِلاط وملازكرد ومُوش وغيرها، وحصل له من أموال أبي الورد شيءٌ كثير، فأظهر العصيان على سيف الدولة.

فاتّفق أنّ معزّ الدولة بن بويه سار من بغداد إلى الموصل، ونصيبين، واستولى عليها، وطرد عنها ناصر الدولة، فكاتبه نجا وراسله، وهو

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٤٧ - ٥٤٨.


بنصيبين، يعده المعاضدة والمساعدة على مواليه بني حمدان، فلمّا عاد معزّ الدولة إلى بغداد واصطلح هو وناصر الدولة، سار سيف الدولة إلى نجا ليقاتله على عصيانه عليه، وخروجه عن طاعته، فلمّا وصل إلى ميّافارقين هرب نجا من بين يديه، فملك سيف الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد، واستأمن إليه جماعة من أصحاب نجا فقتلهم، واستأمن إليه أخو نجا، فأحسن إليه وأكرمه، وأرسل إلى نجا يرغّبه ويرهّبه إلى أن حضر عنده، فأحسن إليه وأعاده إلى مرتبته.

ثمّ إنّ غلمان سيف الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميّافارقين، في ربيع الأوّل، سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، فقتلوه بين يدَيْه، فغشي على سيف الدولة، وأُخرج نجا فأُلقي في مجرى الماء والأقذار، وبقي إلى الغد ثمّ أُخرج ودُفن)(١) .

(وفي هذه السنة (٣٥٣): وصل إنسان إلى الشام من خراسان ومعه نحو خمسة آلاف رجل، وكان طريقهم على أرمينية وميّافارقين، فلمّا وصلوا إلى سيف الدولة في صفر أخذهم سيف الدولة وسار بهم نحو بلاد الروم لدفعهم عن المسلمين، فوجدوا الروم قد عادوا، فتفرّق الغزاة الخراسانية في الثغور لشدّة الغلاء)(٢) .

(وفي هذه السنة (٣٥٣) أيضاً، في رجب: سار معزّ الدولة من بغاد إلى الموصل وملكها.

وسبب ذلك: أنّ ناصر الدولة كان قد استقرّ الصلح بينه وبين معزّ الدولة على ألف ألف درهم، يحملها ناصر الدولة كلّ سنة، فلمّا حصلت الإجابة من معزّ الدولة بذل زيادة ليكون اليمين - أيضاً - لولده أبي تغلب فضل الله الغَضَنْفَر معه، وأن يحلف معزّ الدولة لهما، فلم يجب إلى ذلك، وتجهّز معزّ الدولة وسار إلى الموصل في جمادى الآخرة، فلمّا قاربها سار ناصر الدولة إلى نصيبين، ووصل معزّ الدولة إلى الموصل وملكها في رجب، وسار بطلب ناصر الدولة حادي عشر شعبان، واستخلف على

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٥١ - ٥٥٢.

(٢) م ٨ ص ٥٥٢.


الموصل أبا العلاء صاعد بن ثابت ليحمل الغلاّت ويجبي الخراج، وخلّف (بكتوزون) و (سبكتكين) العجميّ في جيش ليحفظ البلد.

فلمّا قارب معزّ الدولة نصيبين فارقها ناصر الدولة، وملك معزّ الدولة نصيبين، ولم يعلم أيّ جهةٍ قصد ناصر الدولة، فخاف أن يخالفه إلى الموصل، فعاد عن نصيبين نحو الموصل، وترك بها من يحفظها، وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة قد قصد الموصل، وحارب مَن بها من أصحاب معزّ الدولة، وكانت الدائرة عليه، فانصرف بعد أن أحرق السفن التي لمعزّ الدولة وأصحابه.

ولمّا انتهى الخبر إلى معزّ الدولة بظفر أصحابه سكنت نفسه، وأقام ببرقَعيد يتوقّع أخبار ناصر الدولة، فبلغه أنّه نزل بجزيرة ابن عُمر، فرحل عن برقعيد إليها، فوصلها سادس شهر رمضان، فلم يجد بها ناصر الدولة، فملكها، وسأل عن ناصر الدولة فقيل: إنّه بالحسنيَّة، ولم يكن كذلك، وإنّما كان قد اجتمع هو وأولاده وعساكره وسار نحو الموصل، فأوقع بمن فيها من أصحاب معزّ الدولة، فقتل كثيراً منهم، وأسر كثيراً، وفي الأسرى أبو العلاء، وسبكتكين، وبكتوزون، وملك جميع ما خلّفه معزّ الدولة من مالٍ وسلاح وغير ذلك، وحمل جميعه مع الأسرى إلى قلعة كواشى.

فلمّا سمع معزّ الدولة بما فعله ناصر الدولة سار يقصده، فرحل ناصر الدولة إلى سنجار، فلمّا وصل معزّ الدولة بلغه مسير ناصر الدولة إلى سِنجار، فعاد إلى نصيبين، فسار أبو تغلب بن ناصر الدولة إلى الموصل، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، ولم يتعرّض إلى أحدٍ ممّن بها من أصحاب معزّ الدولة، فلمّا سمع معزّ الدولة بنزول أبي تغلب بالموصل سار إليها، ففارقا أبو تغلب وقصد الزّاب فأقام عنده، وراسل معزّ الدولة في الصلح، فأجابه لأنّه علم أنّه متى فارق الموصل عادوا وملكوها، ومتى أقام بها لا يزال متردّداً وهم يغيرون على النواحي، فأجابه إلى ما التمسه، وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرّحبة وما كان في يد أبيه بمالٍ قرّره، وأن يطلق مَن عندهم من الأسرى، فاستقرّت القواعد على ذلك، ورحل معزّ الدولة إلى بغداد)(١) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٥٣ - ٥٥٤.


(وفي حوادث سنة ٣٥٤)

(وفي هذه السنة: فتح الروم المصِّيصة وطَرَسوس)(١) .

ونقلوا كلّ مَن كان بالمصّيصة مِن المسلمين إلى بلد الروم، واستولوا على طرسوس سلماً، وفي هذه السنة: خالف أهل أنطاكية على سيف الدولة لأسباب، وكان سيف الدولة بميّافارقين، ولمّا عاد إلى حلب، ذهب بنفسه إلى أنطاكية واسترجعها.

(وفي هذه السنة: ثار إنسان من القرامطة الذين استأمنوا إلى سيف الدولة، واسمه مروان وكان يتقلّد السواحل لسيف الدولة، فلمّا تمكّن ثار بحمص فملكها، وملك غيرها، فخرج إليه غلام لقرعوَيْه حاجب سيف الدولة اسمه بدر، وواقع القُرمُطيَّ عدّة وقعات، ففي بعضها رمى بدر مروان بنشّابة مسمومة، واتّفق أنّ أصحاب مروان أسّروا بدراً، فقتله مروان، ثمّ عاش بعد قتله أيّاماً ومات)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٥٥)

(وفي هذه السنة: تمّ الفداء بين سيف الدولة والروم، وسُلِّم سيف الدولة ابن عمّه أبا فراس بن حمدان، وأبا الهيثم ابن القاضي أبي الحصين)(٣) .

(وفي حوادث سنة ٣٥٦)

(وفي هذه السنة: قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه، وحبسه في القلعة ليلة السبت لستّ بقين من جمادى الأولى.

وكان سبب قبضه أنّه كان قد كبر وساءت أخلاقه، وضيّق على أولاده وأصحابه، وخالفهم في أغراضهم للمصلحة، فضجروا منه.

وكان فيما خالفهم فيه أنّه لمّا مات معزّ الدولة عزم أولاده على قصد العراق وأخذه من بختيار، فنهاهم وقال لهم: إنّ معزّ الدولة قد خلّف مالاً

____________________

(١) م ٨ ص ٥٦٠.

(٢) م ٨ ص ٥٦٦.

(٣) الكامل، م ٨ ص ٥٧٤.


يستظهر به ابنه عليكم، فاصبروا حتّى يفرّق ما عنده من المال ثمّ اقصدوه وفرّقوا الأموال، فإنّكم تظفرون به لا محالة، فوثب عليه أبو تغلب فقبضه، ورفعه إلى القلعة، ووكّل به من يخدمه ويقوم بحاجاته وما يحتاج إليه.

فلمّا فعل ذلك خالفه بعض إخوته، وانتشر أمرهم الذي كان يجمعهم، وصار قصاراهم حفظ ما في أيديهم، واحتاج أبو تغلب إلى مداراة عزّ الدولة بختيار، وتجديد عقد الضمان ليحتجّ بذلك على إخوته، ومَن خالفه، فضمّنه البلاد بألف ألف ومئتي ألف درهم كلّ سنة)(١) .

(وفي هذه السنة: توفّي سيف الدولة في حلب في صفر، وحُمل تابوته إلى ميّافارقين فدُفن بها، وكانت علّته الفالج، وقيل عُسر البول، وكان مولده في ذي الحجّة سنة ثلاث وثلاثمئة)(٢) .

ولمّا تُوفي ملك بلاده بعده ابنه أبو المعالي شريف.

(وفي حوادث سنة ٣٥٧)

(وفي هذه السنة، في ربيع الآخر: قُتل أبو فراس بن أبي العلاء سعيد ابن حمدان.

وسبب ذلك: أنّه كان مقيماً بحمص، فجرى بينه وبين أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان وحشة، فطلبه أبو المعالي، فانحاز أبو فراس إلى صدد، وهي قرية في طرف البرّيَّة عند حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم، وسيّرهم في طلبه مع قرغَوَيْه، فأدركه بصدد، فكبسوه، فاستأمن أصحابه ؛ واختلط هو بمن استأمن منهم، فقال قرغويه لغلام له: اقتله، فقتله وأخذ رأسه وتُركت جثّته في البرّيّة، حتّى دفنها بعض الأعراب.

وأبو فراس هو خال أبي المعالي بن سيف الدولة)(٣) .

____________________

(١) م ٨ ص ٥٧٩ - ٥٨٠.

(٢) م ٨ ص ٥٨٠.

(٣) الكامل، م ٨ ص ٥٨٨.


(وفي حوادث سنة ٣٥٨)

وفي هذه السنة: اختلف أولاد ناصر الدولة، (وكان سبب ذلك أنّه كان قد أقطع ناصر الدولة ولده حمدان مدينة الرّحبة وماردين وغيرهما، وكان أبو تغلب وأبو البركات وأختهما جميلة أولاد ناصر الدولة من زوجته فاطمة بنت أحمد الكرديّة، وكانت مالكة أمر ناصر الدولة، فاتّفقت مع ابنها أبي تغلب، وقبضوا على ناصر الدولة، على ما ذكرناه، فابتدأ ناصر الدولة يدبّر في القبض عليهم، فكاتب ابنه حمدان يستدعيه ليتقوّى به عليهم، فظفر أولاده بالكتاب، فلم ينفذوه، وخافوا أباهم وحذروه، فحملهم خوفهم على نقله إلى قلعة كواشى.

واتصل ذلك بحمدان، فعظم عليه، وصار عدوّاً مبايناً، وكان أشجعهم، وكان قد سار عند وفاة عمّه سيف الدولة من الرّحبة إلى الرَّقّة فملكها، وسار إلى نصيبين وجمع مَن أطاعه، وطالب إخوته بالإفراج عن والده وإعادته إلى منزله، فسار أبو تغلب إليه ليحاربه، فانهزم حمدان قبل اللقاء إلى الرَّقّة، فنازله أبو تغلب وحصره ثمّ اصطلحا على دغل وعاد كلّ واحدٍ منهما إلى موضعه.

وعاش ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبيُّ شهوراً، ومات في ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، ودُفن بتلّ توبة، شرقيّ الموصل، وقبض أبو تغلب أملاك أخيه حمدان، وسيّر أخاه أبا البركات إلى حمدان، فلمّا قرب من الرحبة استأمن إليه كثير من أصحاب حمدان، فانهزم حينئذٍ، وقصد العراق مستأمناً إلى بختيار، فوصل بغداد في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، فأكرمه بختيار وعظّمه، وحمل إليه هدايا كثيرة جليلة المقدار، ومعها كلّ ما يحتاج إليه مثله، وأرسل إلى أبي تغلب النقيب أبا أحمد الموسويَّ والد الشريف الرضي في الصلح مع أخيه، فاصطلحا، وعاد حمدان إلى الرّحبة، وكان مسيره من بغداد في جمادى الأُولى سنة تسع وخمسين وثلاثمئة.

فلمّا سمع أبو البركات بمسير أخيه حمدان على هذه الصورة، فارق الرحبة، ودخلها حمدان، وراسله أخوه أبو تغلب في الاجتماع به، فامتنع من ذلك، فعاد أبو تغلب وسيّر إليه أخاه أبا البركات، فلمّا علم حمدان


بذلك فارقها، فاستولى أبو البركات عليها، واستناب بها مَن يحفظها في طائفةٍ مِن الجيش، وعاد إلى الرَّقّة ثمّ منها إلى عَربان.

فلمّا سمع حمدان بعوده عنها، وكان ببرّيّة تدمر، عاد إليها في شعبان، فوافاها ليلاً، فأصعد جماعةً من غلمانه السور، وفتحوا له باب البلد فدخله، ولا يعلم مَن به من الجند ذلك، فلمّا صار في البلد وأصبح، أمر بضرب البوق، فبادر مَن بالرحبة من الجند منقطعين يظنّون أنّ صوت البوق من خارج البلد، وكلّ مَن وصل إلى حمدان أسره، حتّى أخذهم جميعهم، فقتل بعضاً واستبقى بعضاً، فلمّا سمع أبو البركات بذلك عاد إلى قَرْقيسيا، واجتمع هو وأخوه حمدان منفردين، فلم يستقرّ بينهما قاعدة، فقال أبو البركات لحمدان: أنا أعود إلى عربان، وأرسل إلى أبي تغلب لعلّه يجيب إلى ما تلتمسه منه.

فسار عائداً إلى عربان، وعبر حمدان الفرات من مخاضة بها، وسار في أثر أخيه أبي البركات، فأدركه بعربان وهو آمن، فلقيهم أبو البركات بغير جُنَّة ولا سلاح، فقاتلهم، واشتدّ القتال بينهم، وحمل أبو البركات بنفسه في وسطهم، فضربه أخوه حمدان فألقاه وأخذه أسيراً، فمات من يومه، وهو ثالث رمضان، فحُمل في تابوت إلى الموصل، ودُفن بتلّ تَوْبة عند أبيه.

وتجهّز أبو تغلب ليسير إلى حمدان، وقدّم بين يديه أخاه أبا الفوارس محمّداً إلى نصيبين، فلمّا وصلها كاتب أخاه حمدان ومالأ على أبي تغلب، فبلغ الخبر أبا تغلب، فأرسل إليه يستدعيه ليزيد في إقطاعه، فلمّا حضر عنده قبض عليه وسيّره إلى قلعة كواشى، من بلد الموصل، وأخذ أمواله، وكانت قيمتها خمسمئة ألف دينار.

فلمّا قبض عليه سار إبراهيم والحسين ابنا ناصر الدولة إلى أخيهما حمدان، خوفاً من أبي تغلب، فاجتمعا معه، وساروا إلى سنجار، فسار أبو تغلب إليهم من الموصل في شهر رمضان سنة ستّين وثلاثمئة، ولم يكن لهم بلقائه طاقة، فراسله أخواه إبراهيم والحسين يطلبان العود إليه خديعة منهما ليؤمنهما ويفتكا به، فأجابهما إلى ذلك، فهربا إليه، وتبعهما كثير من أصحاب حمدان، فعاد حمدان حينئذٍ من سنجار إلى عربان، واستأمن إلى أبي تغلب، صاحب حمدان وأطلعه على حيلة أخوه عليه، وهما إبراهيم والحسين، فأراد القبض عليهما، فحذرا وهربا.


ثمّ إنّ (نما) غلام حمدان ونائبه بالرحبة أخذ جميع ماله بها وهرب إلى أصحاب أبي تغلب بحرّان، وكانوا مع صاحبه سلامة البرقعيديّ، فاضطرّ حمدان إلى العود إلى الرّحبة، وسار أبو تغلب إلى قرقيسيا، وأرسل سريّةً عبروا الفرات وكبسوا حمدان بالرّحبة، وهو لا يشعر، فنجا هارباً، واستولى أبو تغلب عليها، وعمّر سورها، وعاد إلى الموصل، ودخلها في ذي الحجّة سنة ستّين وثلاثمئة.

وسار حمدان إلى بغداد، فدخلها آخر ذي الحجّة سنة ستّين وثلاثمئة ملتجئاً إلى بختيار ومعه أخوه إبراهيم، وكان أخوهما الحسين قد عاد إلى أخيه أبي تغلب مستأمناً ؛ وحمل بختيار إلى حمدان وأخيه إبراهيم هدايا جليلة كثيرة المقدار، وأكرمهما واحترمهما)(١) .

وفي هذه السنة (أي ٣٥٨): فعل الروم بالشام والجزيرة الأفاعيل، وجرى منهم من النهب والتخريب والأسر والقتل الذّريع ما هو العجب العجاب، وأقام ملكهم في الشام شهرين، ولا يمنعهم أحد.

(وأراد ملك الروم أن يحصر أنطاكية وحلب، فبلغه أنّ أهلها قد أعدّوا الذخائر والسلاح وما يحتاجون إليه، فامتنع من ذلك وعاد ومعه من السبي نحو مئة ألف رأس، ولم يأخذ إلاّ الصّبيان والصبايا والشُّبّان، فأمّا الكهول والشيوخ والعجائز، فمنهم من قتله، ومنهم من أطلقه.

وكان بحلب قرغويه، غلام سيف الدولة بن حمدان، وقد أخرج أبا المعالي بن سيف الدولة منها، على ما نذكره، فصانَع الروم عليها، فعادوا إلى بلادهم، فقيل كان سبب عودهم كثرة الأمراض والموت، وقيل ضجروا من طول السفر والغيبة عن بلادهم، فعادوا على عزم العود.

وسيّر ملك الروم سريّةً كثيرةً إلى الجزيرة، فبلغوا (كفرتوثا)، ونهبوا وسبوا وأحرقوا وعادوا، ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك نكير ولا أثر)(٢) .

(وفي هذه السنة (٣٥٨) أيضاً: استولى قرغويه غلام سيف الدولة بن

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٩٣ - ٥٩٤ - ٥٩٥ - ٥٩٦.

(٢) م ٨ ص ٥٩٧.


حمدان على حلب، وأخرج منها أبا المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، فسار أبو المعالي إلى حرّان، فمنعه أهلها من الدخول إليهم، فطلب منهم أن يأذنوا لأصحابه أن يدخلوا فيتزوّدوا منها يومين، فأذنوا لهم، ودخل إلى والدته بميّافارقين، وهي ابنة سعيد بن حمدان، وتفرّق عنه أكثر أصحابه ومضوا إلى أبي تغلب بن حمدان.

فلمّا وصل إلى والدته بلغها أنّ غلمانه وكتّابه قد عملوا على القبض عليها وحبْسها، وكما فعل أبو تغلب بأبيه ناصر الدولة، فأغلقت أبواب المدينة ومنعت ابنها من دخولها ثلاثة أيّام، حتّى أبعدت من تحبّ إبعاده، واستوثقت لنفسها، وأذنت له ولمن بقي معه في دخول البلد، وأطلقت لهم الأرزاق، وبقيت حرّان لا أمير عليها، ولكنّ الخطبة فيها لأبي المعالي بن سيف الدولة، وفيها جماعة من مقدّمي أهلها يحكمون فيها، ويصلحون من أُمور الناس.

ثمّ إنّ أبا المعالي عب الفرات إلى الشام، وقصد حماة فأقام بها)(١) .

(وفي هذه السنة (٢٥٨): سار أبو البركات بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكره إلى ميّارفارقين، فأغلقت زوجة سيف الدولة أبواب البلد في وجهه، ومنعته من دخوله، فأرسل إليها يقول: إنّني ما قصدتُ إلاّ الغزاة. ويطلب منها ما يستعين به، فاستقرّ بينها أن تحمل إليه مئتيْ ألف درهم، وتسلّم إليه قرايا كانت لسيف الدولة بالقرب من نصيبين.

ثمّ ظهر لها أنّه عمل سرّاً في دخول البلد، فأرسلت إلى مَن معه من غلمان سيف الدولة تقول لهم: ما من حق مولاكم أن تفعلوا بحُرَمه وأولاده هذا ؛ فنكلوا عن القتال والقصد لها، ثمّ جمعت رجّالةً وكبست أبا البركات ليلاً، فانهزم ونُهب سوادُه وعسكره، وقُتل جماعة من أصحابه وغلمانه، فراسلها: إنّني لم اقصد لسوء ؛ فردّت ردّاً جميلاً، وأعادت إليه بعض ما نُهب منه، وحملت إليه مئة ألف درهم، وأطلقت الأسرى، فعاد عنها.

وكان ابنها أبو المعالي بن سيف الدولة على حلب يقاتل قرغويه غلام أبيه)(٢) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٥٩٧ - ٥٩٨.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٥٩٩ - ٦٠٠.


(وفي حوادث سنة ٣٥٩)

(وفي هذه السنة: لمّا ملك الروم أنطاكية أنفذوا جيشاً كثيفاً إلى حلب، وكان أبو المعالي شريف بن سيف الدولة محاصراً لها، وبها قرغويه السيفيّ متغلّباً عليها. فلمّا سمع أبو المعالي خبرهم فارق حلب وقصد البرّيّة ليبعد عنهم، وحصروا البلد، وفيه قرغويه وأهل البلد قد تحصّنوا بالقلعة، فملك الروم المدينة، وحصروا القلعة، فخرج إليهم جماعةٌ مِن أهل حلب، وتوسّطوا بينهم وبين قرغويه، وتردّدت الرسل، فاستقرّ الأمر بينهم على هدنةٍ مؤبّدةٍ على مالٍ يحمله قرغويه إليهم، وأن يكون للروم إذا أرادوا الغزاة أن لا يمكّن قرغويه أهل القرايا من الجلاء عنها ليبتاع الروم ما يحتاجون إليه منها.

وكان مع حلب حماة وحمص وكفرطاب والمعرّة وأفامية وشيزر، وما بين ذلك من الحصون والقرايا، وسلّموا الرهائن إلى الروم، وعادوا عن حلب وتسلّمها المسلمون)(١) .

(وفي هذه السنة (٣٥٩): سار أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان إلى حرّان، فرأى أهلها قد أغلقوا أبوابها، وامتنعوا منه، فنازلهم وحصرهم، فرعى أصحابه زروع تلك الأعمال، وكان الغلاء في العسكر كثيراً، فبقي كذلك إلى ثالث عشر جمادى الآخرة، فخرج إليه نفران من أعيان أهلها ليلاً وصالحاه، وأخذا الأمان لأهل البلد وعادا.

فلمّا أصبحا أعلما أهل حرّان ما فعلاه، فاضطربوا، وحملوا السلاح وأرادوا قتلهما، فسكّنهم بعض أهلها، فكنوا، واتّفقوا على إتمام الصلح، ورجوا جميعهم إلى أبي تغلب، وفتحوا أبواب البلد ودخله أبو تغلب وإخوته وجماعةٌ مِن أصحابه، وصلّوا به الجمعة، وخرجوا إلى معسكرهم، واستعمل عليهم سلامة البرقعيديّ ؛ لأنّه طلبه أهله لحُسن سيرته، وكان إليه أيضاً عمل الرَّقّة، وهو من أكابر أصحاب بني حمدان، وعاد أبو تغلب إلى الموصل ومعه جماعة من أحداث حرّان، وسبب سرعة عوده أنّ بني نُمير عاثوا في بلد الموصل، وقتلوا العامل برقعيد، فعاد إليهم ليكفّهم)(٢) .

____________________

(١) م ٨ ص ٦٠٤.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٦٠٨ - ٦٠٩.


(وفي هذه السنة (٣٥٩)، في ربيع الآخر: اصطلح قرغويه وأبو المعالي، وخُطب لأبي المعالي بحلب، وكان بحمص، وخطب هو وقرغويه في أعمالها للمعزّ لدين الله العلويّ صاحب المغرب ومصر)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٠٦)

(وفي هذه السنة: تزوّج أبو تغلب بن حمدان ابنة عزّ الدولة بختيار، وعمرها ثلاث سنين، على صداق مئة ألف دينار ؛ وكان الوكيل في قبول العقد أبا الحسن عليّ بن عمرو بن ميمون صاحب أبي تغلب بن حمدان)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٦١)

(في هذه السنة، في المحرّم: أغار ملك الروم على الرُّها ونواحيها، وسار في ديار الجزيرة حتّى بلغوا نصيبين، فغنموا وسبوا وأحرقوا وخرّبوا البلاد، وفعلوا مثل ذلك بديار بكر، ولم يكن مِن أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة، ولا سعي في دفعه، لكنّه حمل إليه مالاً كفّه به عن نفسه.

فسار جماعةٌ من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين، وقاموا في الجوامع والمشاهد، واستنفروا المسلمين، وذكروا ما فعله الروم من النهب والقتل والأسر والسبي، فاستعظمه الناس، وخوّفهم أهل الجزيرة من انفتاح الطريق وطمع الروم، وأنّهم لا مانع له عندهم، فاجتمع معهم أهل بغداد، وقصدوا دار الخليفة الطائع لله، وأرادوا الهجوم عليه، فمُنعوا من ذلك، وأُغلقت الأبواب، فأُسمعوا ما يقبح ذكره.

وكان بختيار حينئذٍ يتصيّد بنواحي الكوفة، فخرج إليه وجوه أهل بغداد مستغيثين، منكرين عليه اشتغاله بالصيد، وقتال عمران بن شاهين وهو مسلم، وترك جهاد الروم، ومنعهم عن بلاد الإسلام حتّى توغّلوها، فوعدهم التجهّز للغزاة، وأرسل إلى الحاجب سبكتكين يأمره بالتجهّز للغزو وأن يستنفر العامّة، ففعل سبكتكين ذلك، فاجتمع من العامّة عددٌ كثير لا

____________________

(١) م ٨ ص ٦١١.

(٢) م ٨ ص ٦١٧.


يُحصون كثرة، وكتب بختيار إلى أبي تغلب بن حمدان، صاحب الموصل، يأمره بإعداد الميرة والعلوفات، ويعرّفه عزمه على الغزاة، فأجابه بإظهار الفرح، وإعداد ما طلب منه)(١) .

(وفي هذه السنة (٣٦١): أنفذ بختيار، بعد وقوع فتنة ببغداد، إلى المطيع لله يطلب منه مالاً يخرجه في الغزاة ؛ فقال المطيع:

إنّ الغزاة والنّفقة عليها، وغيرا من مصالح المسلمين، تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وتُجبى إليّ الأموال، وأمّا إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيءٌ مِن ذلك، وإنّما يلزم مَن البلاد في يده، وليس لي إلاّ الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت.

وتردّدت الرسائل بينهما، حتّى بلغوا التّهديد، فبذل المطيع لله أربعمئة ألف درهم، فاحتاج إلى بيع ثيابه، وأنقاض داره، وغير ذلك، وشاع بين الناس من العراقيّين وحجّاج خراسان وغيرهم أنّ الخليفة قد صودر، فلمّا قبض بختيار المال صرفه في مصالحه، وبطل حديث الغزاة)(٢) .

وفي هذه السنة (٣٦١)، في شوّال: ملك أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين، سلّمها إليه نائب أخيه حمدان، فأخذ أبو تغلب كلّ ما كان لأخيه فيها من أهلٍ ومالٍ وأثاثٍ وسلاح، وحمل الجميع إلى الموصل)(٣) .

(وفي حوادث سنة ٣٦٢)

(وفي هذه السنة: كانت وقعة بين هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان وبين الدُّمُسْتُق بناحية ميّافارقين.

وكان سببها ما ذكرناه من غزو الدُّمستق بلاد الإسلام، ونهبه ديار ربيعة وديار بكر، فلمّا رأى الدُّمسق أنّه لا مانع له عن مراده قوي طمعه على أخذ آمد، فسار إليها، وبا هزارمرد غلام أبي الهيجاء بن حمدان،

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦١٨ - ٦١٩.

(٢) الكامل، م ٨ ص ٦١٩ - ٦٢٠.

(٣) م ٨ ص ٦٢٦.


فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه ويستنجده، ويعلمه الحال، فسيّر إليه أخاه أبا القاسم هبة الله بن ناصر الدولة، واجتمعا على حرب الدُّمستق، وسارا إليه فلقياه سلخ رمضان، وكان الدُّمستق في كثرة، لكن لقياه في مضيق لا تجول فيه الخيل، والروم على غير أُهبة، فانهزموا، وأخذ المسلمون الدُّمستق أسيراً، ولم يزل محبوساً، إلى أن مرض سنة ثلاث وستّين وثلاثمئة، فبالغ أبو تغلب في علاجه، وجمع الأطباء له، فلم ينفعه ذلك ومات)(١) .

(وفي هذه السنة في ذي الحجّة: أرسل عزُّ الدولة بختيار الشريف أبا أحمد الموسويّ، والد الرضي والمرتضى، في رسالةٍ إلى أبي تغلب بن حمدان بالموصل، فمضى إليه، وعاد في المحرّم سنة ثلاث وستّين وثلاثمئة)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٦٣)

(وفي هذه السنة، في ربيع الأوّل: سار بختيار إلى الموصل ليستولي عليها وعلى أعمالها وما بيد أبي تغلب بن حمدان.

وكان سبب ذلك ما ذكرناه من مسير حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه إبراهيم إلى بختيار، واستجارتهما به، وشكواهما إليه من أخيهما أبي تغلب، فوعدهما أن ينصرهما وخلّص أعمالهما وأموالهما منه، وينتقم لهما، واشتغل عن ذلك بما كان منه في البطيحة وغيرها، فلمّا فرغ من جميع أشغاله عاود حمدان وإبراهيم الحديث معه، وبذل له حمدان مالاً جزيلاً، وصغّر عنده أمر أخيه أبي تغلب، وطلب أن يضمِّنه بلاده ليكون في طاعته، ويحمل إليه الأموال ويقيم له الخطبة.

ثمّ إن الوزير أبا الفضل حسّن ذلك، وأشار به ظنّاً منه أنَّ الأموال تكثر عليه فتمشي الأُمور بين يديه، ثمّ إنّ إبراهيم بن ناصر الدولة هرب من عند بختيار، وعاد إلى أخيه أبي تغلب، فقوي عزم بختيار على قصد الموصل أيضاً، ثمّ عزل أبا الفضل الوزير واستوزر ابن بقيّة، فكاتبه أبو

____________________

(١) م ٨ ص ٦٢٧.

(٢) م ٨ ص ٦٣٠.


تغلب، فقصر في خطابه، فأغرى به بختيار، وحمله على قصده. فسار عن بغداد، ووصل إلى الموصل تاسع عشر ربيع الآخر ونزل بالدير الأعلى.

وكان أبو تغلب بن حمدان قد سار عن الموصل لما قرب منه بختيار، وقصد سِنجار، وكَسر العروب، وأخلى الموصل من كلّ ميرة، وكاتب الديوان، ثمّ سار من سِنجار يطلب بغداد، ولم يعرض إلى أحد من سوادها بل كان هو وأصحابه يشترون الأشياء بأوفى الأثمان.

فلمّا سمع بختيار بذلك أعاد وزيره ابن بقيّة، والحاجب سبكتكين إلى بغداد، فأمّا ابن بقيّة فدخل إلى بغداد، وأمّا سبكتكين فأقام بحربى، وكان أبو تغلب قد قارب بغداد، فثار العيّارون بها، وأهل الشرّ بالجانب الغربيّ، ووقعت فتنة بين السنّة والشّيعة)(١) .

وكان الجانب الشرقيّ آمناً، والجانب الغربيّ مفتوناً، فأُخذ جماعة من رؤساء العيّارين وقُتلوا، فسكن الناس بعض السّكون.

وأمّا أبو تغلب فإنّه لمّا بلغه دخول ابن بقيّة بغداد، ونزول سبكتكين الحاجب بحربى، عاد عن بغداد، ونزل بالقرب منه، وجرى بينها مطاردة يسيرة، ثمّ اتّفقا في السرّ على أن يُظهرا الاختلاف إلى أن يتمكّنا من القبض على الخليفة والوزير ووالدة بختيار وأهله، فإذا فعلوا ذلك انتقل سبكتكين إلى بغداد، وعاد أبو تغلب إلى الموصل، فيبلغ من بختيار ما أراد، ويملك دولته.

ثمّ إنّ سبكتكين خاف سوء الأحدوثة، فتوقّف وسار الوزر ابن بقيّة إلى سبكتكين، فاجتمع به، وانفسخ ما كان بينهما وتراسلوا في الصلح على أنّ أبا تغلب يضمن البلاد على ما كانت معه، وعلى أن يطلق لبختيار ثلاثة آلاف كرّ غلّة عوضاً عن مؤونة سفره، وعلى أن يردّ على أخيه حمدان أملاكه وأقطاعه، إلاّ ماردين.

ولمّا اصطلحوا أرسلوا إلى بختيار بذلك ليرحل عن الموصل، وعاد أبو تغلب إليها، ودخل سبكتكين بغداد، وأسلم بختيار. فلمّا سمع بختيار بقرب أبي تغلب منه خافه ؛ لأنّ عسكره كان قد عاد أكثره مع سبكتكين، وطلب الوزير ابن بقيّة من سبكتكين أن يسير نحو بختيار، فتثاقل، ثم فكّر

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦٣١ - ٦٣٢.


في العواقب، فسار على مضض، وكان أظهر للناس ما كان همّ به.

وأمّا بختيار، فإنّه جمع أصحابه وهو بالدير الأعلى، ونزل أبو تغلب بالحصباء تحت الموصل، وبينهما عرض البلد، وتعصّب أهل الموصل لأبي تغلب، وأظهروا محبّته لما نالهم مِن بختيار من المصادرات وأخذ الأموال، ودخل الناس بينهما في الصلح، فطلب أبو تغلب من بختيار أن يلقّب لقباً سلطانيّاً وأن يسلّم إليه زوجته ابنة بختيار، وأن يحطّ عنه من ذلك القرار. فأجابه بختيار خوفاً منه، وتحالفا، وسار بختيار عن الموصل عائداً إلى بغداد، فأظهر أهل الموصل السرور برحيله ؛ لأنّه كان قد أساء معهم السيرة وظلمهم.

فلمّا وصل بختيار إلى الكُحَيْل بلغه أنّ أبا تغلب قد قتل قوماً كانوا من أصحابه، وقد استأمنوا إلى بختيار، فعادوا إلى الموصل ليأخذوا ما لهم بها مِن أهلٍ ومالٍ فقتلهم.

فلمّا بلغه ذلك اشتدّ عليه، وأقام بمكانه، وأرسل إلى الوزير أبي طاهر بن بقيّة والحاجب سبكتكين يأمرهما بالإصعاد إلي، وكان قد أرسل إليهما يأمرهما، بالتوقّف، ويقول لهما إنّ الصلح قد استقرّ، فلمّا أرسل إليهما يطلبهما أصعدا إليه في العساكر، فعادوا جميعهم إلى الموصل، ونزلوا بالدير الأعلى أواخر جمادى الآخرة، وفارقها أبو تغلب إلى تلّ (يَعْفَر)، وعزم عزُّ الدولة على قصده وطلبه أينَ سلَك، فأرسل أبو تغلب كاتبه وصاحبه أبا الحسن عليّ بن أبي عمرو إلى عزّ الدولة فاعتقله، واعتقل معه أبا الحسن ابن عرس، وأبا أحمد بن حوقل.

وما زالت المراسلات بينهما، وحلف أبو تغلب أنّه لم يعلم بقتل أولئك، فعاد الصلح واستقرّ، وحمل إليه ما استقرّ من المال، فأرسل عزُّ الدولة الشريفَ أبا أحمد الموسويّ، والقاضي أبا بكر محمّد بن عبد الرحمان، فحلَّفا أبا تغلب، وتجدّد الصلح، وانحدر عزُّ الدولة عن الموصل سابع عشر رجب، وعاد أبو تغلب إلى بلده.

ولمّا عاد بختيار عن الموصل جهّز ابنته وسيّرها إلى أبي تغلب، وبقيت معه إلى أن أُخذت منه، ولم يُعرف لها بعد ذلك خبر)(١) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦٣٢ - ٦٣٣ - ٦٣٤.


(ولمّا كانت الإدارة في ذلك العهد مختلّة معتلّة، والولاة وطلاّب الإمرة والسلطان منصرفين إلى تغلّب كلّ منهم على الآخر، بكلّ وسائل التغلّب، ومنها الاستظهار بالجند، الذي كاد يكون من الأتراك والديلم.

وكان مَنْ هو أبصر بطرق جمع الأموال - والمال كلّ شيء - هو القابض على زمام شؤون الدولة، وعلى ناصية الخليفة العباسي الاسمي.

وبغداد هي النقطة المركزيّة التي تتلاقى عندها قوّة الطّامعين بالاستيلاء على زمام السلطة، فإذا قلّ مال المتسلّط شغب عليه الجند، وإذا شدّد في تحصيل الأموال من الولاة الإقطاعيين ثاروا به، وكأنما هو في سلطانه غير المستقرّ بين عدوّين داخليّ وخارجيّ.

وقد انتهى أمر بختيار، وقد قلّ عنده المال، أن استظهر عليه حاجبه سبكتكين بجند الأتراك، ووقعت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز، ثمّ عمّ العراق واشتدّت، وكان سببها قلّة المال عند بختيار، وكثرة إدلال جنده عليه وما إلى ذلك من الأُمور، وقد تعذّر عليه المال الذي يرضي جنده الكثيف، وقد رأى سبكتكين الفرصة سانحة، فاستعان بجنده من قومه الترك، وبالشغب بين السنّة والشيعة، وله من عصبيّة إحدى الفرقتين ما يشدّ أزره، فكان من الأمور أن حصر الأتراك دار بختيار، وفيها والدته، ثمّ أحرقوا الدار وصادروا كلَّ ما فيها.

فعظم ذلك عليه وضعفت قوّته تجاه قوّة خصمه سبكتكين، وكانت والدة بختيار، بعد محاصرتها وإحراق دار ولدها ومصادرة ما فيها، طلبت إلى سبكتكين أن يأذن لها بالذهاب إلى واسط، فأذن لها.

(ثمّ إنّ بختيار سار إلى والدته وإخوته بواسط، وكتب إلى عمّه ركن الدولة وإلى ابن عمّه عضد الدولة يستنجدهما، وكتب إلى أبي تغلب بن حمدان يطلب منه أن يساعده بنفسه، وأنّه إذا فعل ذلك أسقط عنه المال الذي عليه، وأرسل إلى عمران بن شاهين بالبطيحة خِلعاً، وأسقط عنه باقي المال الذي اصطلحا عليه، وخطب إليه إحدى بناته، وطلب منه أن يسيّر إليه عسكراً)(١) .

(وأمّا أبو تغلب بن حمدان فإنّه أجاب إلى المسارعة، وأنفذ أخاه أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان إلى تكريت في عسكر، وانتظر انحدار الأتراك عن بغداد، فإن ظفروا ببختيار دخل بغداد مالكاً لها، فلمّا

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦٤٣ - ٦٤٤.


انحدر الأتراك عن بغداد سار أبو تغلب إليها ليوجب على بختيار الحجّة في إسقاط المال الذي عليه، ووصل إلى بغداد والناس في بلاءٍ عظيمٍ مع العيّارين، فحمى البلد، وكفَّ أهل الفساد)(١) .

ثمّ اشتدّت الحال، (ولم تزل الحرب بين الأتراك وبختيار متّصلة، والظّفر للأتراك في كلّ ذلك، وحصروا بختيار، واشتدّ عليه الحصار، وأحدقوا به، وصار خائفاً يترقّب، وتابع إنفاذ الرّسل إلى عضد الدولة بالحثّ والإسراع إليه)(٢) .

وجرى من الأُمور ما ليس هذا مكانه، وتراه مبسوطاً في أخبار دولة بني بويه من هذا الكتاب إن شاء الله.

(وفي حوادث سنة ٣٦٤)

(وفي هذه السنة: وصل عضد الدولة واستولى على العراق، وقبض على بختيار ثمّ عاد فأخرجه)(٣) لسبب لا حاجة لنا بذكره، وليس هذا موضعه.

(فلمّا سمع (الفتكين) بخبر وصول (عضد الدولة)، رجع إلى بغداد، وعزم على أن يجعلها وراء ظطهره، ويقاتل على دَيَالَى)(٤) .

(ولمّا بلغ الخبر إلى أبي تغلب بقرب الفتكين منه عاد عن بغداد إلى الموصل ؛ لأنّ أصحابه شغبوا عليه، فلم يمكنه المقام، ووصل الفتكين إلى بغداد، فحصل محصوراً من جميع جهاته، وذلك أنّ بختيار كتب إلى (ضبّة) بن محمد الأسديّ، وهو مِن أهل عين التّمر، فأمره بالإغارة على أطراف بغداد، ويقطع الميرة عنها، وكتب بمثل ذلك إلى بني شيبان.

وكان أبو تغلب بن حمدان من ناحية الموصل منع الميرة وينفذ سراياه، فغلا السعر ببغداد)(٥) .

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦٤٥.

(٢) م ٨ ص ٦٤٥.

(٣) م ٨ ص ٦٤٨.

(٤) م ٨ ص ٦٤٨.

(٥) الكامل، م ٨ ص ٦٤٨ - ٦٤٩.


وانتهى الأمر بانكسار الفتكين والأتراك.

ثمّ انتهى الأمر بعد ذلك إلى أن وقع الخلاف بين عضد الدولة وبختيار، وكانت بينهم حروب ووقائع ستراها في أخبار بني بويه، فلا نتعرّض لها هنا إلاّ ما له علاقة بأخبار بني حمدان.

(وفي حوادث سنة ٣٦٦)

(وفي هذه السنة: عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان إلى ملك حلب)(١) ؛ وذلك بعد أن قبض بكجور مولى سيف الدولة على قرغويه، وسجنه بقلعة حلب، (فكتب مَن بحلب مِن أصحاب قرغويه إلى أبي المعالي بن سيف الدولة ليقصد حلب ويملكها، فسار إليها وحصرها أربعة أشهر، وملكها)(٢) .

ثم سلّمه بكجور القلعة بعد حصار وعلى شروط.

(وفي حوادث سنة ٣٦٧)

(في هذه السنة: سار عضد الدولة إلى بغداد، وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى طاعته، وأن يسير عن العراق إلى أيّ جهةٍ أراد، وضمن مساعدته بما يحتاج إليه من مالٍ وسلاحٍ وغير ذلك)(٣) .

وأجابه إلى ما طلب عضدُ الدولة بعد اختلافٍ في الرأي بينه وبين أصحابه.

(ثمّ سار بُختيار عن بغداد عازماً على قصد الشام، ومعه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان، فلمّا صار بختيار بعُكبرا حسّن له حمدان قصد الموصل، وأطمعه فيها، وقال إنّها خير من الشام وأسهل.

فسار بختيار نحو الموصل، وكان عضد الدولة قد حلّفه أنّه لا يقصد ولاية أبي تغلب بن حمدان ؛ لمودّةٍ ومكاتبةٍ كانت بينهما، فنكث وقصدها،

____________________

(١) م ٨ ص ٦٨٢.

(٢) م ٨ ص ٦٨٣.

(٣) م ٨ ص ٦٨٩.


فلمّا صار إلى تكريت أتته رسل أبي تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان ويسلّمه إليه، وإذا فعل سار بنفسه وعساكره إليه، وقاتل معه عضد الدولة، وأعاده إلى ملكه بغداد، فقبض بختيار على حمدان وسلّمه إلى نوّاب أبي تغلب، فحبسه في قلعةٍ له، وسار بختيار إلى المدينة، واجتمع مع أبي تغلب، وسارا جميعاً نحو العراق، وكان مع أبي تغلب نحو من عشرين ألف مقاتل.

وبلغ ذلك عضد الدولة، فسار عن بغداد نحوهما، فالتقوا بقصر الجصّ بنواحي تكريت، ثامن عشر شوّال، فهزمهما، وأُسر بختيار، وأُحضر عند عضد الدولة، فلم يأذن بإدخاله إليه، وأمر بقتله فقُتل)(١) .

(لمّا انهزم أبو تغلب وبختيار سار عضد الدولة نحو الموصل، فملكها ثاني عشر ذي القعدة، وما يتّصل بها، وظنّ أبو تغلب أنّه يفعل كما كان غيره يفعل، يقيم يسيراً، ثمّ يضطرّ إلى المصالحة، ويعود.

وكان عضد الدولة أحزم مِن ذلك، فإنّه لمّا قصد الموصل حمل معه الميرة والعلوفات، ومَن يعرف ولاية الموصل وأعمالها، وأقام بالموصل مطمئنّاً، وبثّ السرايا في طلب أبي تغلب، فأرسل أبو تغلب يطلب أن يضمن البلاد، فلم يجبه عضد الدولة إلى ذلك، وقال: هذه البلاد أحبُّ إليّ من العراق.

وكان مع أبي تغلب المرزبان بن بختيار، وأبو إسحاق وأبو طاهر ابنا معزّ الدولة، ووالدتهما وهي أم بختيار، وأسبابهم، فسار أبو تغلب إلى نصيبين، فسيّر عضد الدولة سريّة عليها حاجبه أبو حرب طغان إلى جزيرة ابن عمر، وسيّر في طلب أبي تغلب سريّة، واستعمل عليها أبا الوفاء طاهر بن محمّد، على طريق سنجار، فسار أبو تغلب مجدّاً، فبلغ ميّافارقين، وأقام بها ومعه أهله، فلمّا بلغه مسير أبي الوفاء إليه سار نحو بدليس ومعه النساء وغيرهنّ من أهله، ووصل أبو الوفاء إلى ميّافارقين، فأُغلقت دونه، وهي حصينة منيعة من حصون الروم القديمة، وتركها وطلب أبا تغلب.

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦٩١.


وكان أبو تغلب قد عدل عن أرزن الروم إلى الحسنيّة من أعمال الجزيرة، وصعد إلى قلعة كَواشَى وغيرها من قلاعه، وأخذ ما له فيها من الأموال، وعاد أبو الوفاء إلى ميّافارقين وحصرها.

ولمّا اتّصل بعضد الدولة مجيء أبي تغلب إلى قلاعه سار إليه بنفسه، فلم يدركه، ولكنّه استأمن إليه أكثر أصحابه، وعاد إلى الموصل، وسيّر في أثر أبي تغلب عسكراً مع قائدٍ من أصحابه يُقال له طغان، فتعسّف أبو تغلب إلى بدليس، وظنّ أنّه لا يتبعه أحد، فتبعه طغان، فهرب من بدليس وقصد بلاد الروم ليتّصل بملكهم المعروف بورد الروميّ، وليس من بيت الملك، وإنّما تملّك عليهم قهراً، واختلف الروم عليه، ونصبوا غيره من أولاد ملوكهم، فطالت الحرب بينهم، فصاهر ورد هذا أبا تغلب ليتقوّى به، فقدّر أنّ أبا تغلب احتاج إلى الاعتضاد به.

ولمّا سار أبو تغلب من بدليس أدركه عسكر عضد الدولة، وهم حريصون على أخذ ما معه من المال، فإنّهم كانوا قد سمعوا بكثرته، فلمّا وقعوا عليه نادى أميرهم: لا تتعرّضوا لهذا المال، فهو لعضد الدولة ؛ ففتروا عن القتال.

فلمّا رآهم أبو تغلب فاترين حمل عليهم فانهزموا، فقتل منهم مقتلةً عظيمةً ونجا منهم، فنزل بحصن زياد، ويُعرف الآن بخرت برت، وأرسل ورد المذكور فعرّفه ما هو بصدده من اجتماع الروم عليه، واستمدّه، وقال: إذا فرغتُ عُدتُ إليك. فسيّر إليه أبو تغلب طائفةً من عسكره، فاتّفق أنّ ورداً انهزم، فلمّا علم أبو تغلب ذلك يئس من نصر، وعاد إلى بلاد الإسلام، فنزل بآمِد، وأقام بها شرين إلى أن فُتحت ميّافارقين)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٦٨)

(في هذه السنة: لمّا عاد أبو الوفاء من طلب أبي تغلب نازل ميّافارقين، وكان الوالي عليها (هزار مرد)، فضبط البلد، وبالغ في قتال أبي الوفاء ثلاثة أشهر، ثمّ مات هزارمرد، فكوتب أبو تغلب بذلك، فأمر أن يقام مقامه غلام من الحمدانية اسمه مؤنس فوليَ البلد، ولم يكن لأبي

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦٩٢ - ٦٩٣.


الوفاء فيه حيلة، فعدل عنه، وراسل رجلاً من أعيان البلد اسمه أحمد بن عبيد الله، واستماله فأجابه، وشرع في استمالة الرعيّة إلى أبي الوفاء، فأجابوه إلى ذلك، وعظم أمره، وأرسل إلى مؤنس يطلب منه المفاتح، فلم يمكنه منعه لكثرة أتباعه، فأنفذها إليه، وسأله أن يطلب له الأمان، فأرسل أحمد بن عبيد الله إلى أبي الوفاء في ذلك فأمّنه، وأمّن سائر أهل البلد، ففتح له البلد وسلّمه إليه.

وكان أبو الوفاء مدّة مقامه على ميّافارقين قد بثّ سراياه في تلك الحصون المجاورة لها، فافتتحها جميعها، فلمّا سمع أبو تغلب بذلك سار عن آمد نحو الرّحبة، هو وأخته جميلة، وأمر بعض أهله بالاستئمان إلى أبي الوفاء، ففعلوا، ثمّ إنّ أبا الوفاء سار إلى آمد فحصرها، فلمّا رأى أهلها ذلك سلكوا مسلك أهل ميّافارقين، فسلّموا البلد بالأمان، فاستولى أبو الوفاء على سائر ديار بكر، وقصده أصحاب أبي تغلب وأهله مستأمنين إليه، فأمّنهم وأحسن إليهم، وعاد إلى الموصل.

وأمّا أبو تغلب فإنّه لمّا قصد الرحبة أنفذ رسولاً إلى عضد الدولة يستعطفه، ويسأله الصفح، فأحسن جواب الرسل، وبذل له إقطاعاً يرضيه، على أن يطأ بساطه، فلم يجبه أبو تغلب إلى ذلك، وسار إلى الشام، إلى العزيز بالله صاحب مصر)(١) .

فتح ديار مضر على يد عضد الدولة:

(كان متولّي ديار مُضر لأبي تغلب بن حمدان سلامة البرقعيديّ، فأنفذ في هذه السنة (٣٦٨) إليه سعد الدولة من حلب جيشاً، فجرت بينهم حروب، وكان سعد الدولة قد كاتب عضد الدولة، وعرض نفسه عليه، فأنفذ عضد الدولة النقيب أبا حمد، والد الرضي، إلى البلاد التي بيد سلامة، فتسلّمها بعد حربٍ شديدة، ودخل أهلها في الطاعة، فأخذ عضد الدولة لنفسه الرَّقّة حسب، وردّ باقيها إلى سعد الدولة فصارت له.

____________________

(١) م ٨ ص ٦٩٥ - ٦٩٦.


ثمّ استولى عضد الدولة على الرحبة، وتفرّغ بد ذلك لفتح قلاعه وحصونه، وهي قلعة كَواشَى، وكانت فيها خزائنه وأمواله، وقلعة هَرور والمَلاسي وبُرقَى والشِّعبانيّ وغيرها من الحصون، فلمّا استولى على جميع أعمال أبي تغلب استخلف أبا الوفاء على الموصل، وعاد إلى بغداد في سلخ ذي القعدة، ولقيه الطائع لله، وجمع من الجند وغيرهم)(١) .

وفي هذه السنة (٣٦٨): بعد أن غلب عضد الدولة على بلاد أبي تغلب، وانهزم إلى بلاد الشام، وصل إلى دمشق، وكان واليها للعزيز بالله العلويّ قسام، فمنعه من دخولها وخافه على البلد أن يتولاّه، وجرى بينه وبين أصحاب قسام شيءٌ من قتال، ثمّ رحل أبو تغلب إلى طبرية، ومنها إلى بعض أنحاء فلسطين، وانتهى الأمر بمقتله سنة ٣٦٩.

ما في الجزء التاسع من كامل ابن الأثيرمن أخبار بني حمدان

(وفي حوادث سنة ٣٧٢): ذكر ولاية بكجور دمشق

(وفي هذه السنة: وقعت وحشةٌ بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة وبين بكجور، فأرسل إليه سعد الدولة بأن يفارق بلده (حمص) - التي كان عاملاً له فيها، وكان قد عمّرها - فأرسل بكجور إلى العزيز بالله يطلب نجاز ما وعده من إمارة دمشق)(٢) ، وقد أُجيب إلى طلبه.

(وفي حوادث سنة ٢٧٤): ذكر عود الديلم إلى الموصل وانهزام (باذ)

(وفي هذه السنة: لمّا استولى باذ الكردي على الموصل اهتمّ صمصام الدولة ووزير ابن سعدان بأمره، فوقع الاختيار على إنفاذ (زيار بن شهراكويه)، وهو أكبر قوّادهم، فأمره بالمسير إلى قتاله، وجهّزه وبالَغ في أمره، وأكثر معه الرجال والعُدَد والأموال، وسار إلى (باذ) فخرج إليهم، ولقيهم في صفر من هذه السنة، فأجلت الوقعة عن هزيمة باذ وأصحابه وأُسر كثيرٌ من عسكره وأهله، وحُملوا إلى بغداد فشُهِّروا بها، وملك الديلم الموصل.

____________________

(١) الكامل، م ٨ ص ٦٩٦ - ٦٩٧.

(٢) الكامل، م ٩ ص ١٧.


وأرسل (زيار) عسكراً مع سعد الحاجب في طلب باذ، فسلكوا على جزيرة ابن عمر، وأرسل عسكراً آخر إلى نصيبين، فاختلفوا على مقدّميهم، فلم يطاوعوهم على المسير إليه، وكان باذ بديار بكر قد جمع خلقاً كثيراً، فكتب وزير صمصام الدولة إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، وبذل له تسليم ديار بكر إليه، فسيّر إليها جيشاً، فلم يكن لهم قوّة بأصحاب باذ، فعادوا إلى حلب، وكانوا قد حصروا ميّافارقين، فلمّا شاهد سعد ذلك من عسكره أعمل الحيلة في قتل باذ، فوضع رجلاً على ذلك، فدخل الرجل خيمة باذ ليلاً، وضربه بالسيف، وهو يظن أنّه يضرب رأسه، فوقعت الضربة على ساقه، فصاح، وهرب ذلك الرجل، فمرض باذ من تلك الضربة، وأشفى على الموت، وكان قد جمع معه من الرجال خلقاً كثيراً، فراسل زياراً وسعداً يطلب الصلح، فاستقرّ الحال بينهم، واصطلحوا على أن تكون ديار بكر لباذ، والنصف من (طور عبدين) أيضاً، وانحدر زيار إلى بغداد، وأقام سعد بالموصل)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٧٩):

ذكر عود بني حمدان إلى الموصل

(وفي هذه السنة: ملك أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان الموصل.

وسبب ذلك: أنّهما كانا في خدمة شرف الدولة في بغداد، فلمّا توفّي وملك بهاء الدولة استأذنا في الإصعاد إلى الموصل، فأذن لهما، فأصعدا، ثمّ علم القوّاد الغلط في ذلك، فكتب بهاء الدولة إلى (خواشاذه)، وهو يتولّى الموصل، يأمره بدفعهما عنها، فأرسل إليهما خواشاذه يأمرهما بالعود عنه، فأعادا جواباً جميلاً، وجدّا في السير حتّى نزلا بالدير الأعلى بظاهر الموصل.

وثار أهل الموصل بالديلم والأتراك، فنهبوهم، وخرجوا إلى بني حمدان، وخرج الديلم إلى قتالهم، فهزمهم المواصلة وبنو حمدان، وقُتل منهم خلق كثير، واعتصم الباقون بدار الإمارة، وعزم أهل الموصل على قتلهم والاستراحة منهم، فمنعهم بنو حمدان عن ذلك، وسيّروا خواشاذه

____________________

(١) الكامل، م ٩ ص ٣٨ - ٣٩.


ومَن معه إلى بغداد، وأقاموا بالموصل، وكثر العرب عندهم)(١) .

(وفي حوادث سنة ٣٨٠): ذكر قتل باذ

(في هذه السنة: قُتل باذ الكرديُّ، صاحب ديار بكر.

وكان سبب قتله أنّ طاهر والحسين ابْنَي حمدان لمّا ملكا الموصل طمع فيها باذ، وجمع الأكراد فأكثر، وممّن أطاعه الأكراد البشنويّة أصحاب قلعة (فَنك) وكانوا كثيراً، ففي ذلك قول الحسين البشنويّ الشاعر لبني مروان يعتدُّ عليهم بنجدتهم خالهم باذاً من قصيدة:

الـبَـشْنَويّةُ أنـصـارٌ لـدولتِكم وليس في ذا خفا في العُجم والعربِ

أنـصارُ بـاذٍ بـأرجيشٍ وشيعته بظاهر الموصِل الحدباء في العطبِ

بـبـاجُلايا جـلونا عـنه غُـمَّتَهُ ونـحن في الروع جلاّؤون للكُرَبِ

وكاتب أهل الموصل فاستمالهم، فأجابه بعضهم فسار إليهم، ونزل بالجانب الشرقيّ، فضعُفا عنه، وراسلا أبا الذوّاد محمّد بن المسيّب، أمير بني عُقَيْل، واستنصراه، فطلب منهما جزيرة ابن عمر ونصيبين و(بلداً) وغير ذلك، فأجاباه إلى ما طلب، واتّفقوا، وسار إليه أبو عبد الله بن حمدان وأقام أبو طاهر بالموصل يحارب باذاً.

فلمّا اجتمع أبو عبد الله وأبو الذوّاد سارا إلى (بلد)، وعبرا دجلة، وصارا مع باذ على أرضٍ واحدةٍ وهو لا يعلم، فأتاه الخبر بعبورهما وقد قارباه، فأراد الانتقال إلى الجبل لئلاّ يأتيه هؤلاء من خلفه وأبو طاهر من أمامه، فاختلط أصحابه، وأدركه الحمدانيّة، فناوشوهم القتال، وأراد باذ الانتقال من فرسٍ إلى آخر، فسقط واندقّت تَرقُوَته، فأتاه ابن أخته أبو علي ابن مروان، وأراده على الركوب فلم يقدر، فتركوه وانصرفوا واحتموا بالجبل.

ووقع باذ بين القتلى فعرفه بعض العرب فقتله وحمل رأسه إلى بني حمدان وأخذ جائزةً سَنيّة، وصُلبت جثّته على دار الإمارة، فثار العامّة، وقالوا: رجل غازٍ، ولا يحلّ فعل هذا به ؛ وظهر منهم محبّة كثيرة له،

____________________

(١) م ٩ ص ٦٦ - ٦٧.


وأنزلوه وكفّنوه وصلّوا عليه ودفنوه)(١) .

ذكر ابتداء دولة بني مروان:

(وفي هذه السنة (٣٨٠): لمّا قُتل باذ، سار ابن أخته أبو عليّ بن مروان في طائفةٍ من الجيش إلى حصن كيفا، وهو على دجلة، وهو من أحصن المعاقل، وكان به امرأة باذ وأهله، فلمّا بلغ الحصن قال لزوجة خاله: أنفذني خالي إليك في مهمّ، فظنّته حقّاً، فلمّا صعد إليها أعلمها بهلاكه، وأطمعها في التزوّج بها، فوافقته على ملك الحصن وغيره، ونزل وقصد حصناً حصناً، حتّى ملك ما كان لخاله، وسار إلى ميّافارقين ؛ وسار إليه أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان طمعاً فيه، ومعهما رأس باذ، فوجدا أبا عليّ قد أحكم أمره، فتصافّوا واقتتلوا، وظفر أبو عليّ وأسر أبا عبد الله بن حمدان ؛ فأكرمه وأحسن إليه، ثمّ أطلقه فسار إلى أخيه أبي طاهر، وهو بآمد يحصرها، فأشار عليه بمصالحة ابن مروان، فلم يفعل، واضطرّ أبو عبد الله إلى موافقته، وسارا إلى ابن مروان فواقعاه، فهزمهما، وأسر أبا عبد الله أيضاً فأساء إليه وضيّق عليه، إلى أن كاتبه صاحب مصر وشفع فيه فأطلقه، ومضى إلى مصر وتقلّد منها ولاية حلب، وأقام بتلك الديار إلى أن توفّي.

وأمّا أبو طاهر فإنّه لمّا وصل إلى نصيبين قصده أبو الذوّاد فأسره وعليّاً ابنه، والمُزعفَر أمير بني نمير، وقتلهم صبراً.

وأقام ابن مروان بديار بكر وضبطها، وأحسن إلى أهلها)(٢)

وكان قد تزوّج (ستّ الناس) بنت سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، فأتته مِن حلب، فعزم على زفافها بآمد)(٣) ، وتآمر عليه أهلها وقتلوه.

ذكر ملك آل المسيّب الموصل:

(وفي هذه السنة (٣٨٠): لمّا انهزم أبو طاهر بن حمدان من أبي عليّ

____________________

(١) الكامل، م ٩ ص ٧٠ - ٧١.

(٢) الكامل، م ٩ ص ٧١ - ٧٢.

(٣) م ٩ ص ٧٢.


ابن مروان، سار إلى نصيبين في قلّةٍ من أصحابه، وكانوا قد تفرّقوا، فطمع فيه أبو الذوّاد محمّد بن المسيّب، أمير بني عُقيل، وكان صاحب نصيبين حينئذٍ، فثار بأبي طاهر، فأسره وأسر ولده وعدّة من قوّادهم وقتلهم، وسار إلى الموصل فملكها وأعمالها)(١) .

وفي هذه السنة (٣٨٠): لمّا مرض أبو الفرج يعقوب بن كلّس وزير العزيز صاحب مصر، (عاده العزيز وقال: وددتُ أنّك تُباع فأبتاعك بملكي، فهل من حاجة توصي بها؟... فبكى، وقبّل يده، ووضعها على عينه، وقال:

أمّا فيما يخصّني فإنّك أرعى لحقّي من أن أوصّيك بمخلّفي، ولكن فيما يتعلّق بدولتك: سالِم الحمدانيّة ما سالموك، واقنع منهم بالدّعَة، وإن ظفرتَ بالمفرّج فلا تُبقِ عليه)(٢) .

(وفي حوادث سنة ٣٨١)

عصيان بكجور على سعد الدولة بن حمدان وقتله

لمّا أخرج سعد الدولة بكجور من حمص، استنجز بكجور العزيز وعده له بولاية دمشق، فولاّه إيّاها، ولكنّه سرى فيها بالظلم والعسف، فمقتوه وأُخرج منها.

وسار منها (إلى الرَّقّة منهزماً من عساكر مصر، واستولى على الرّحبة وما يجاور الرَّقّة، راسل الملكَ بهاء الدولة بن بويه بالانضمام إليه، وكاتب أيضاً باذ الكرديّ المتغلّب على ديار بكر والموصل بالمسير إليه، وراسل سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، صاحب حلب، بأن يعود إلى طاعته على قاعدته الأولى، ويقطعه منه مدينة حمص كما كانت له، فليس فيهم مَن أجابه إلى شيءٍ ممّا طلب، فبقي في الرَّقّة يراسل جماعةً رفقاء من مماليك سعد الدولة، ويستميلهم، فأجابوه إلى الموافقة على قصد بلد سعد الدولة، وأخبروه أنّه مشغول بلذّاته وشهواته عن تدبير الملك ؛ فأرسل حينئذٍ بكجور إلى العزيز بالله، صاحب مصر، يطمعه في حلب، ويقول له إنّها دهليز العراق، ومتى أُخذت كان ما بعدها

____________________

(١) الكامل، م ٩ ص ٧٥.

(٢) م ٩ ص ٧٧.


أسهل منها، ويطلب الإنجاد بالعساكر. فأجابه العزيز إلى ذلك وأرسل إلى نزّال والي طرابلس، وإلى وُلاة غيرها من البلاد الشاميّة يأمرهم بتجهيز العساكر مع نزّال إلى بكجور، والتصرّف على ما يأمرهم به من قتال سعد الولة وقصد بلاده.

وكتب عيسى بن نسطورس النصرانيّ وزير العزيز إلى نزّال يأمره بمدافعة بكجور، وإطماعه في المسير إليه، فإذا تورّط في قصد سعد الدولة تخلّى عنه.

وكان السبب في فعل عيسى هذا ببكجور أنّه كان بينه وبين بكجور عداوة مستحكمة، ووليَ الوزارة بعد وفاة ابن كلّس، فكتب إلى نزّال ما ذكرناه.

فلمّا وصل أمرُ العزيز إلى نزّال بإنجاد بكجور ؛ كتب إليه يعرّفه ما أُمر به من نجدته بنفسه وبالعساكر معه، وقال له بكجور: مسيرك عن الرَّقّة يوم كذا، ومسيري أنا عن طرابلس يوم كذا، ويكون اجتماعنا على حلب يوم كذا ؛ وتابع رسله إليه بذلك، فسار مغترّاً بقوله إلى (بالس) فامتنعت عليه، فحصرها خمسة أيّام فلم يظفر بها، فسار عنها.

وبلغ الخبر بمسير بكجور إلى سعد الدولة، فسار عن حلب ومعه لؤلؤ الكبير، مولى أبيه سيف الدولة، وكتب إلى بكجور يستميله ويدعوه إلى الموادعة، ورعاية حقّ الرقّ والعبوديّة، ويبذل له أن يقطعه من الرَّقّة إلى حمص، فلم يقبل منه ذلك.

وكان سعد الدولة قد كاتب الوالي بأنطاكية لملك الروم يستنجده، فسيّر إليه جيشاً كثيراً من الروم، وكاتب - أيضاً - مَن مع بكجور من العرب يرغّبهم في الإقطاع والعطاء الكثير، والعفو عن مساعدتهم بكجور، فمالوا إليه، ووعدوه الهزيمة بين يديه، فلمّا التقى العسكران اقتتلوا، واشتدّ القتال، فلمّا اختلط الناس في الحرب وشُغل بعضهم ببعض عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه، واستأمنوا إلى سعد الدولة، فلمّا رأى بكجور ذلك اختار من شجعان أصحابه أربعمئة رجل، وعزم على أن يقصد موقف سعد الدولة ويُلقي نفسه عليه، فإمّا له وإمّا عليه، فهرب واحد ممّن حضر الحال إلى لؤلؤ الكبير وعرّفه ذلك، فطلب لؤلؤ من سعد الدولة، أن يتحرّك من موقفه ويقف مكانه، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع. فحمل بكجور ومَن


معه، فوصولا إلى موقف لؤلؤ بعد قتالٍ شديدٍ عجب الناس منه واستعظموه كلّهم، فلمّا رأى لؤلؤاً ألقى نفسه عليه وهو يظنّه سعد الدولة، فضربه على رأسه، فسقط إلى الأرض، فظهر حينئذٍ سعد الدولة وعاد إلى موقفه، ففرح به أصحابه وقويت نفوسهم، وأحاطوا ببكجور وصدقوه القتال، فمضى منهزماً هو وعامّة أصحابه وتفرّقوا، وبقي منهم معه سبعة أنفس، وكثر القتل والأسر في الباقين.

ولمّا طال الشوط ببكجور ألقى سلاحه وسار، فوقف فرسه، فنزل عنه وسار راجلاً، فلحقه نفرٌ من العرب، فأخذوا ما عليه، وقصد بعضَ العرب فنزل عليه وعرّفه نفسه، وضمن له حِمل بعير ذهباً ليوصله إلى الرَّقّة، فلم يصدّقه لبُخْله المشهور عنه، فتركه في بيته وتوجّه إلى سعد الدولة فعرّفه أنّ بكجور عنده، فحكّمه سعد الدولة في مطالبه، فطلب مئَتَيْ فدّان ملكاً، ومئة ألف درهم، ومئة جمل تحمل له حنطة، وخمسين قطعة ثياباً، فأعطاه ذلك أجمع وزيادة، وسيّر معه سريّة، فتسلّموا بكجور وأحضروه عند سعد الدولة، فلمّا رآه أمر بقتله، فقُتل، ولقي عاقبة بَغْيه وكفره إحسان مولاه.

فلمّا قتله سعد الدولة سار إلى الرَّقّة فنازلها، وبها سلامة الرشيقيّ، ومعه أولاد بكجور وأبو الحسن عليُّ بن الحسين المغربيّ وزير بكجور، فسلّموا البلد إليه بأمان وعهود أكّدوها وأخذوها عليه لأولاد بكجور وأموالهم، وللوزير المغربيّ، ولسلامة الرشيقيّ، ولأموالهم، فلمّا خرج أولاد بكجور بأموالهم، رأى سعد الدولة ما معهم، فاستعظمه واستكثره.

وكان عنده القاضي ابن أبي الحصين، فقال سعد الدولة:

ما كنت أظنّ أنّ بكجور يملك هذا جميعه ؛ فقال له القاضي: لِمَ لا تأخذه؟ فهو لك لأنّه مملوك لا يملك شيئاً، ولا حَرَج عليك ولا حنث.

فلمّا سمع هذا أخذ المال جميعه وقبض عليهم، وهرب الوزير المغربيّ إلى مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وكتب أولاد بكجور إلى العزيز يسألونه الشفاعة فيهم، فأرسل إليه يشفع فيهم، ويأمره أن يسيّرهم إلى مصر ويتهدّده إن لم يفعل. فأهان الرسول، وقال له: قل لصاحبك أنا سائر إليك. وسيّر مقدّمته إلى حمض ليلحقهم.


ذكر وفاة سعد الدولة بن حمدان:

(وفي هذه السنة (٣٨١): لمّا برز سعد الدولة ليسير إلى دمشق لحقه (قُولنج)، فعاد إلى حلب ليتداوى، فزال ما به وعُوفي، وعزم على العود إلى معسكره، وحضر عند إحدى سراريه فواقعها فسقط عنها وقد فُلِج وبطل نصفه، فاستدعى الطبيب، فقال له: أعطني يدك لآخُذ مجسّك ؛ فأعطاه اليُسرى، فقال: أعطني اليمين، فقال: لا تركت لي اليمين يميناً، يعني نكثه بأولاد بكجور هو الذي أهلكه، وقد ذُكر ذلك، وندم عليه حيث لم تنفعه الندامة، وعاش بعد ذلك ثلاثة أيّام ومات بعد أن عهد إلى ولده أبي الفضائل، ووصّى إلى لؤلؤ به وبسائر أهله.

فلمّا تُوفّي قام أبو الفضائل، وأخذ له لؤلؤ العهد على الأجناد، وتراجعت العساكر إلى حلب.

وكان الوزير أبو الحسن المغربيُّ قد سار من مشهد علي (عليه السلام) إلى العزيز بمصر، وأطمعه في حلب، فسيّر جيشاً وعليهم منجوتكين أحد أمرائه إلى حلب، فسار إليها في جيشٍ كثيفٍ فحصرها، وبها أبو الفضائل ولؤلؤ، فكتبا إلى (بَسِيل) ملك الروم يستنجدانه، وهو يقاتل البلغار، فأرسل بسيل إلى نائبه بأنطاكية يأمره بإنجاد أبي الفضائل، فسار في خمسين ألفاً، حتّى نزل على الجسر الجديد بالعاصي، فلمّا سمع منجوتكين الخبر سار إلى الروم ليلقاهم قبل اجتماعهم بأبي الفضائل، وعبر إليهم العاصي، وأوقعوا بالروم فهزموهم وولّوا الأدبار إلى أنطاكية، وكثر القتل فيهم.

وسار منجوتكين إلى أنطاكية، فنهب بلدها وقُراها وأحرقها، وأنفذ أبو الفضائل إلى بلد حلب، فنقل ما فيه من الغلال، وأحرق الباقي إضراراً بعساكر مصر، وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها، فأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربيّ وغيره، وبذل لهم مالاً ليردّوا منجوتكين عنهم، هذه السنة ؛ بعلّة تعذّر الأقوات، ففعلوا ذلك، وكان منجوتكين قد ضجر من الحرب، فأجابهم إليه وسار إلى دمشق.

ولمّا بلغ الخبر إلى العزيز غضب وكتب بعود العسكر إلى حلب، وإبعاد المغربيّ، وأنفذ الأقوات من مصر في البحر إلى طرابلس، ومنها إلى العسكر، فنازل العسكر حلب، وأقاموا عليها ثلاثة عشر شهراً، فقلّت الأقوات بحلب.


وعاد إلى مراسلة ملك الروم والاعتضاد به، وقال له: متى أُخذت حلب أُخذت أنطاكية وعظم عليك الخطب.

وكان قد توسّط بلاد البلغار، فعاد وجدّ في السير، وكان الزّمان ربيعاً، وعسكر مصر قد أرسل إلى منجوتكين يعرّفه الحال، وأتته جواسيسه بمثل ذلك، فأخرب ما كان بناه من سوقٍ وحمّامٍ وغير ذلك، وسار كالمنهزم عن حلب، ووصل ملك الروم فنزل على باب حلب، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ، وعاد إلى حلب، ورحل بَسيل إلى الشام، ففتح حمص وشيزر ونهبهما، وسار إلى طرابلس فنازلها، فامتنعت عليه، وأقام عليها نيّفاً وأربعين يوماً، فلمّا أيس منها عاد إلى بلاد الروم.

ولمّا بلغ الخبر إلى العزيز عظم عليه، ونادى في الناس بالنفير لغزو الروم، وبرز من القاهرة، وحدثت به أمراض منعتْه، وأدركه الموت)(١) .

(وفي حوادث سنة ٤٠٢):

أسر صالح بن مرداس وملكه حلب وملك أولاده

(ثمّ إنّ لؤلؤاً من موالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان قوي على ولد سعد الدولة، وأخذ البلد منه، وخطب للحاكم صاحب مصر، ولقّبه الحاكم مرتضى الدولة، ثمّ فسد ما بينهما، فطمع فيه ابن مرداس، وبنو كلاب)(٢) ، واستولوا على حلب، (وتنقَّلتْ فيهم وفي غيرهم إلى أن صارت بيد إنسان من الحمدانيَّة يُعرف بعزيز الملك، فقدّمه الحاكم واصطنعه وولاّه حلب، فلمّا قُتل الحاكم ووليَ الظاهر عصى عليه)(٣) ، وقُتل بسعيٍ أخت الحاكم.

(وكان أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقّب بمعزّ الدولة بالرحبة، فلمّا بلغه موت (الدزبريّ) جاء إلى حلب فملكها تسليماً من أهلها سنة ٤٣٤، وبقي فيها إلى سنة ٤٤٠، فأنفذ المصريّون إلى محاربته أبا عبد الله بن ناصر الدولة بن حمدان، فخرج أهل حلب إلى حربه، فهزمهم، ثمّ

____________________

(١) الكامل، م ٩ ص ٨٥ - ٨٦ - ٨٧ - ٨٨ - ٨٩ - ٩٠.

(٢) م ٩ ص ٢٢٧ - ٢٢٨.

(٣) م ٩ ص ٢٣٠.


رحل عنها وعاد إلى مصر، ثمّ أنفذ المصريّون إلى قتال معزّ الدولة خادماً يُعرف برِفْق فخرج إليه في أهل حلب، فقاتلوه، فانهزم المصريّون، وأُسر رِفْق ومات عندهم.

ثمّ إنّ معزّ الدولة بعد ذلك أرسل الهدايا إلى المصريين، وأصلح أمره معهم، ونزل لهم عن حلب، فأنفذوا إليها أبا عليّ الحسن بن عليّ بن ملهم ولقّبوه مكين الدولة، فتسلّمها من ثمال في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وأربعمئة.

وسار ثمال إلى مصر، وأقام ابن ملهم بحلب، فجرى بين بعض السودان وأحداث حلب حرب.

وسمع ابن ملهم أنّ بعض أهل حلب قد كاتب محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح يستدعونه ليسلّموا البلد إليه، فقبض على جماعةٍ منهم....

ثمّ اجتمع أهل البلد، واشتدّوا، وراسلوا محموداً فجاء إلى حلب سنة ٤٥٢.

ووصلت الأخبار إلى مصر، فسيّروا ناصر الدولة أبا عليّ بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكرٍ بعد اثنين وثلاثين يوماً من دخول محمود حلب، فلمّا قارب البلد خرج محمود عن حلب إلى البرّيّة، واختفى الأحداث جميعهم، وكان عطية بن صالح نازلاً بقرب البلد، وقد كره فعل محمود ابن أخيه، فقبض ابن ملهم على مئةٍ وخمسين من الأحداث، ونهب وسط البلد، وأخذ أموال الناس.

وأمّا ناصر الدولة فلم يمكّن أصحابه من دخول البلد ونهْبه، وسار في طلب محمود فالتقيا بالغُنَيْدق في رجب، فانهزم ابن حمدان، وثبت هو فجُرح وحُمل إلى محمد أسيراً، فأخذه وسار إلى حلب فملكها، وملك القلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمئة، وأطلق ابن حمدان، فسار هو وابن ملهم إلى مصر)(١) .

ثمّ جرت هنالك عدّة معارك انتهت بتسلّم ثمال حلب، ثمّ أخيراً بخروجها من ملك بني مرداس.

____________________

(١) الكامل، م ٩ ص ٢٣١ - ٢٣٢ - ٢٣٣.


(وفي حوادث سنة ٤٥٢): ملك محمود بن شبل الدولة حلب

(لمّا حصر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس الكلابيُّ مدينةً حلب، كتب أهلها إلى مصر يستنجدون عليه المستنصر بالله، فأمر ناصر الدولة أبا محمّد الحسين بن الحسن بن حمدان الأمير بدمشق، أن يسير بمَن عنده من العساكر إلى حلب يمنعها من محمود، فسار إلى حلب)(١) .

وانتهى الأمر بانهزام ناصر الدولة.

(وفي حوادث سنة ٤٦٥): ذكر قتل ناصر الدولة بن حمدان

(في هذه السنة قُتل ناصر الدولة أبو عليّ الحسن بن حمدان، وهو من أولاد ناصر الدولة بن حمدان، بمصر، وكان قد تقدّم فيها تقدّماً عظيماً)(٢) .

(والأسباب الموجبة لقتله تُلخص عن الكامل بأُمور:

أ - انحلال أمر الخلافة، وفساد أحوال المستنصر بالله، وسببه غلبة والدته على أمره، وقد اصطنعت أبا سعيد إبراهيم التُّستَريّ اليهوديّ، وصار وزيراً لها، فأشار عليها بوزارة أبي نصر الفلاحيّ، فولته الوزارة، واتّفقا مدّةً، ثمّ صار الفلاحيُّ ينفرد بالتدبير، فوقع بينهما وحشة، فخاف الفلاحيّ أن يفسد أمره مع أمّ المستنصر، فاصطنع الغلمان الأتراك، واستمالهم، وزاد في أرزاقهم، فلمّا وثق بهم وضعهم على قتل اليهوديّ، فقتلوه، فعظم الأمر على أمّ المستنصر، وأغرت به ولدها، فقبض عليه، وأرسلت من قتله تلك الليلة)(٣) .

وأخذت تـنقل الوزارة من رجلٍ إلى آخر، واستكثرت من العبيد لتضرب بهم الأتراك، حتّى أدّى الحال ببعضهم أن ضرب المستنصر فجرحه، فعظم ذلك على الأتراك، ونشبت بينهم وبين العبيد الحرب، واستحكمت بين الفريقين العداوة، ونشطهم على الأتراك الوزير أبو عبد الله

____________________

(١) الكامل، م ١٠ ص ١١ - ١٢.

(٢) ص ١٠ ص ٨٠.

(٣) م ١٠ ص ٨٠ - ٨١.


الحسين بن البابليّ ؛ فاجتمع الأتراك إلى مقدّميهم، وقصدوا ناصر الدولة بن حمدان، وهو أكبر قائد بمصر، وشكوا إليه، واستمالوا المصامدة، وكتامة، وتعاهدوا وتعاقدوا فقوي الأتراك وضعف العبيد المحدثون، فخرجوا من القاهرة إلى الصعيد ليجتمعوا هناك، فانضاف إليهم خلقٌ كثير يزيدون على خمسين ألف فارسٍ وراجل، فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر، فأعاد الجواب أنّه لا علم له بما فعل العبيد، وأنّه لا حقيقة له، فظنّوا قوله حيلة عليهم.

ثمّ قوي الخبر بقرب العبيد منهم بكثرتهم، فأجفل الأتراك وكتامة والمصامدة، وكانت عدّتهم ستّة آلاف، فالتقوا بموضعٍ يُعرف بكَوْمِ الرّيش، واقتتلوا فانهزم الأتراك ومَن معهم إلى القاهرة، وكان بعضهم قد كمن في خمسمئة فارس، فلمّا انهزم الأتراك خرج الكمين على ساقة العبيد ومَنْ معهم، وحملوا عليهم حملةً منكرة، وضُربت البوقات، فارتاع العبيد، وظنّوها مكيدةً من المستنصر، وأنّه قد ركب في باقي العسكر، فانهزموا، وعاد عليهم الأتراك وحكّموا فيهم السيوف، فقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفاً، وكان يوماً مشهوداً.

وقويت نفوس الأتراك، وتجمّعوا وحشدوا، فتضاعفت عدّتهم، وزادت واجباتهم للإنفاق فيهم، فخلت الخزائن، واضطربت الأُمور، وتجمّع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد، فاجتمعوا مع العبيد فصاروا خمسة عشر ألف فارسٍ وراجل، وساروا إلى الجيزة، فخرج عليهم الأتراك ومَنْ معهم، واقتتلوا في الماء عدّة أيّام، ثمّ عبر الأتراك النّيل إليهم مع ناصر الدولة بن حمدان، فاقتتلوا، فانهزم العبيد إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والأتراك منصورين.

ثمّ إنّ العبيد اجتمعوا بالصعيد في خمسة عشر ألف فارسٍ وراجل، فقلق الأتراك لذلك، فحضر مقدّموهم دار المستنصر لشكوى حالهم، فأمرت أمّ المستنصر مَنْ عندها من العبيد بالهجوم على المقدّمين والفتك بهم، ففعلوا ذلك، وسمع ناصر الدولة بالخبر، فهرب إلى ظاهر البلد، واجتمع الأتراك إليه، ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد، ومَن تبعهم من مصر، والقاهرة، وحلف الأمير ناصر الدولة بن حمدان أنّه لا ينزل عن فرسه ولا يذوق طعاماً، حتّى ينفصل الحال بينهم، فبقيت الحرب ثلاثة


أيّام، ثمّ ظفر بهم ناصر الدّولة، وأكثر القتل فيهم، ومن سلم هرب، وزالت دولتهم من القاهرة.

وكان بالإسكندرية جماعةٌ كثيرةٌ من العبيد، فلمّا كانت هذه الحادثة طلبوا الأمان، فأُمّنوا وأُخذت منهم الإسكندريّة، وبقي العبيد الذين بالصعيد.

فلمّا خلت الدولة للأتراك طمعوا في المستنصر، وقلّ ناموسه عندهم، وطلبوا الأموال، فخلت الخزائن، فلم يبق فيها شيءٌ البتّة، واختلّ ارتفاع الأعمال، وهم يطالبون، واعتذر المستنصر بعدم الأموال عنده، فطلب ناصر الدولة العروض، فأُخرجت إليهم، وقوِّمت بالثمن البخس، وصُرفت إلى الجند، قيل إنّ واجب الأتراك كان في الشهر عشرين ألف دينار، فصار الآن في الشهر أربعمئة ألف دينار.

وأمّا العبيد بالصعيد فإنّهم أفسدوا، وقطعوا الطريق، وأضاقوا السبيل، فسار إليهم ناصر الدولة في عسكرٍ كثير، فمضى العبيد من بين يدَيْه إلى الصعيد الأعلى، فأدركهم، فقاتلهم، وقاتلوه، فانهزم ناصر الدولة منهم وعاد إلى الجيزة بمصر، واجتمع إليه مَن سلم من أصحابه، وشغبوا على المستنصر، واتّهموه بتقوية العبيد والميل إليهم، ثمّ جهّزوا جيشاً وسيّروه إلى طائفةٍ من العبيد بالصعيد، وقاتلوهم، فقُتلت تلك الطائفة من العبيد، فوهن الباقون، وزالت دولتهم.

وعظم أمر ناصر الدولة، وقويت شوكته، وتفرّد بالأمر دون الأتراك، فامتنعوا من ذلك، وعظم عليهم، وفسدت نيّاتهم له، فشكوا ذلك إلى الوزير، وقالوا: كلّما خرج من الخليفة مالٌ أخذ أكثره له ولحاشيته، ولا يصل إلينا منه إلاّ القليل.

فقال الوزير: إنّما وصل إلى هذا وغيره بكم، فلو فارقتموه لم يتمّ له أمر، فاتّفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة، وإخراجه من مصر، فاجتمعوا، وشكوا إلى المستنصر، وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة، فأرسل إليه يأمره بالخروج، ويتهدّده إن لم يفعل، فخرج من القاهرة إلى الجيزة، ونُهبت داره ودور حواشيه وأصحابه.

فلمّا كان الليل دخل ناصر الدولة مستخفياً إلى القائد المعروف بتاج الملوك (شاذي)، فقبّل رجله، وقال: اصطنعني! فقال: أفعل، فحالفه على


قتل مقدّم من الأتراك اسمه (الدكز)، والوزير الخطير، وقال ناصر الدولة لشاذي: تركب في أصحابك، وتسير بين القصرَيْن، فإذا أمكنتك الفرصة فيهما فاقتلهما.

وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة. وفعل شاذي ما أمره، فركب الدكز إلى القصر، فرأى شاذي في جمعه، فأنكره، وأسرع فدخل القصر، ففاته، ثمّ أقبل الوزير في موكبه، فقتله شاذي، وأرسل إلى ناصر الدولة يأمره بالركوب، فركب إلى باب القاهرة، فقال الدكز للمستنصر: إن لم تركب، وإلاّ هلكت أنت ونحن. فركب، ولبس سلاحه، وتبعه خلقٌ عظيمٌ من العامّة والجند، واصطفّوا للقتال، فحمل الأتراك على ناصر الدولة فانهزم، وقُتل من أصحابه خلقٌ كثير، ومضى منهزماً على وجهه لا يلوي على شيء، وتبعه فلُّ أصحابه، فوصل إلى (بني سِنبِس)، فأقام عندهم وصاهرهم فقوي بهم.

وتجهّزت العساكر إليه ليبعدوه، فساروا حتّى قربوا منه، وكانوا ثلاث طوائف، فأراد أحد المقدّمين أن يفوز بالظّفر وحده دون أصحابه، فعبر فيمن معه إلى ناصر الدولة، وحمل عليه فقاتله، فظفر به ناصر الدولة، فأخذه أسيراً، وأكثر القتل في أصحابه، وعبر العسكر الثاني، ولم يشعروا بما جرى على أصحابهم، فحمل ناصر الدولة عليهم، ورفع رؤوس القتلى على الرّماح، فوقع الرعب في قلوبهم، فانهزموا وقُتل أكثرهم، وقويت نفس ناصر الدولة.

وعبر العسكر الثالث، فهزمه وأكثر القتل فيهم وأسر مقدّمهم، وعظم أمره ونهب الرّيف فأقطعه، وقطع الميرة عن مصر برّاً وبحراً، فغلت الأسعار بها، وكثر الموت بالجوع، وامتدّت أيدي الجند بالقاهرة إلى النهب والقتل، وعظم الوباء حتّى إنّ البيت الواحد كانوا يموتون كلّهم في ليلةٍ واحدة)(١) .

إلى أن قال:

(وقطع ناصر الدولة الطريق برّاً وبحراً، فهلك العالم، ومات أكثر

____________________

(١) الكامل، م ١٠ ص ٨١ - ٨٢ - ٨٣ - ٨٤ - ٨٥.


أصحاب المستنصر، وتفرّق كثيرٌ منهم، فراسل الأتراك من القاهرة ناصر الدولة في الصّلح، فاصطلحوا على أن يكون تاج الملوك شاذي نائباً عن ناصر الدولة بالقاهرة، يحمل المال إليه، ولا يبقى معه لأحدٍ حكم.

فلمّا دخل تاج الملوك إلى القاهرة تعيّر عن القاعدة، واستبدّ بالأموال دون ناصر الدولة، ولم يرسل إليه منها شيئاً، فسار ناصر الدولة إلى الجيزة، واستدعى إليه شاذي وغيره من مقدّمي الأتراك، فخرجوا إليه إلاّ أقلّهم، فقبض عليهم كلّهم، ونهب ناحيتَيْ مصر، وأحرق كثيراً منهما، فسيّر إليه المستنصر عسكراً فكبسوه، فانهزم منهم ومضى هارباً، فجمع جمعاً، وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم، وقطع خطبة المستنصر بالإسكندريّة ودمياط، وكانا معه، وكذلك جميع الرّيف، وأرسل إلى الخليفة ببغداد يطلب خِلعاً ليخطب له بمصر.

واضمحلّ أمر المستنصر، وبطل ذكره، وتفرّق الناس من القاهرة، وأرسل ناصر الدولة إليه - أيضاً - يطلب المال، فرآه الرسول جالساً على حصير، وليس حوله غير ثلاثة خدم، ولم ير الرسول شيئاً من آثار المملكة، فلمّا أدّى الرسالة قال: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير؟... فبكى الرسول، وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره الخبر، فأجرى له كلّ يومٍ مئة دينار، وعاد إلى القاهرة، وحكم فيها، وأذلّ السلطان وأصحابه.

وكان الذي حمله على ذلك أنّه كان يُظهر التسنّن من بين أهله، ويعيب المستنصر، وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد، وقبض على أمّ المستنصر، وصادرها بخمسين ألف دينار، وتفرّق عن المستنصر أولاده وكثيرٌ من أهله إلى الغرب، وغيره من البلاد، فمات كثيرٌ منهم جوعاً.

وانقضت سنة أربع وستّين وأربعمئة، وما قبلها بالفتن، وانحطّ السعر سنة خمس وستّين وأربعمئة، ورخصت الأسعار، وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر، وفرّق عنه عامّة أصحابه، وكان يقول لأحدهم: إنّني أُريد أن أولّيك عمل كذا ؛ فيسير إليه، فلا يمكّنه من العمل ويمنعه من العود، وكان غرضه بذلك أن يخطب لخليفة القائم بأمر الله، ولا يمكنه مع وجودهم، ففطن لفعله قائدٌ كبيرٌ مِن الأتراك اسمه (الدكز)، وعلم أنّه متى


ما تمّ له ما أراد تمكّن منه ومن أصحابه، فأطْلع على ذلك غيره من قوّاد الأتراك، فاتّفقوا على قتل ناصر الدولة، وكان قد أمن لقوّته، وعدم قُوّةٍ عدوّه، فتواعدوا ليلةً على ذلك، فلمّا كان سَحَر الليلة التي تواعدوا فيها على قتله جاؤوا إلى باب داره، وهي التي تُعرف بمنازل العزّ، وهي على النيل، فدخلوا مِن غير استئذان، إلى صحن داره، فخرج إليهم ناصر الدولة في رداء ؛ لأنّه كان آمناً منهم، فلمّا دنا منهم ضربوه بالسيوف، فسبّهم وهرب منهم يريد الحرم، فلحقوه فضروه حتّى قتلوه، وأخذوا رأسه.

ومضى رجلٌ منهم، يُعرف بكوكب الدولة، إلى فخر العرب، أخي ناصر الدولة، وكان فخر العرب كثير الإحسان إليه، فقال للحاجب:

استأذن لي على فخر العرب، وقُل صنيعتك فلان على الباب، فاستأذن له ؛ فأذن له وقال: لعلّه قد دهمه أمر.

فلمّا دخل عليه أسرع نحوه كأنّه يريد السلام عليه. وضربه بالسيف على كتفه، فسقط إلى الأرض، فقطع رأسه، وأخذ سيفه، وكان ذا قيمةٍ وافرة، وأخذ جاريةً له أردفها خلفه، وتوجّه إلى القاهرة، وقُتل أخوهما تاج المعالي، وانقطع ذكر الحمدانيّة بمصر بالكلّيّة)(١) .

ما جاء عن بني حمدان في كتاب:

نخب تاريخية وأدبيّة جامعة لأخبار سيف الدولة الحمداني.

- لجامعه الشيخ ماريوس كانار الأستاذ بكلية الآداب بالجزائر - طبع بالجزائر سنة ١٩٣٤.

لمّا رأى الراضي وقوف الحال عنده، قلّد أبا بكر محمد بن رائق إمارة الجيش، وجعله أمير الأمراء، وولاّه الخراج والمعاون في جميع البلاد، والدواوين، وأمر بأن يُخطب له على المنابر، فأصعد ابن رائق إلى بغداد، وخلع الخليفة عليه أواخر ذي الحجّة، وبطلت الدواوين من ذلك الوقت، وبطلت الوزارة، فلم يكن الوزير ينظر في شيءٍ من الأُمور، إنّما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في الأُمور جميعها، وكذلك كل مَن تولّى إمرة

____________________

(١) الكامل، م ١٠ ص ٨٥ - ٨٦ - ٨٧.


الأمراء بعده. وصارت الأموال تُحمل إلى خزائنهم فيتصرّفون فيها كما يريدون، وبطلت بيوت الأموال وتغلّب أصحاب الأطراف، وزالت عنهم الطاعة، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم في جميعها لابن رائق، ليس للخليفة حكم، وأمّا باقي الأطراف، فكانت البصرة في يد ابن رائق، وخوزستان في يد البريدي)(١) .

إلى غير ذلك من تغلّب عمّال الدولة على ما بأيديهم ممّا تقدّم ذكره.

(قال في سنة ٣٣٠:

سار البريديّون من واسط إلى بغداد، وبها المتّقي لله وابن رائق، فكتب المتّقي كتاباً، وأنفذ رسولاً إلى ناصر الدولة يعرّفه ما أظلّه من البريديين، ويسأله الانحدار لنصرته، فكتب ناصر الدولة إلى سيف الدولة وهو بنصيبين يحثّه على المسير، وإلى أن وافى بغداد وافى ابن البريدي وقد نشبت الحرب بينه وبين ابن رائق، وانهزم ابن رائق، وتحصّن في دار الخليفة، ثمّ خرج منها ومعه الخليفة وابنه على أقبح صورةٍ على دابّتين بغير غلام، وخرج عامّة الكتّاب والقوّاد على أقبح من هذه الصّورة.

وملك البريدي بغداد، وتحكّم فيها بما أراد من القتل والسلب واستخراج الأموال والتشفّي من الأعداء، واحتوى على دار الخلافة وجميع ما فيها.

وسار الخليفة وجماعةٌ من أرباب الدولة إلى تكريت عراةً بأسوأ حال، وأكثرهم رجّالة. فلمّا سار سيف الدولة ببعض الطريق، واتّصل به ما حلّ بالسلطان، أغذّ السير، وخرج ابن رائق إليه فتلقاه وسار معه حتّى وصل إلى الخليفة، فشكا إليه ما ناله، واستخبره عن ناصر الدولة فعرفه أنّه بالأثر، ولمّا خرج سيف الدولة من عند الخليفة حمل إليه من أصناف الأموال والثياب والدواب والطيب ما يَجلّ خطره ويعظم أمره، وكذلك إلى سائر القوّاد والجند والكتّاب حتّى استقلّوا وحسنت أحوالهم، وحمل إليهم من الدقيق والشعير والتبن وجميع آلات الدوابّ والسلاح ما كفاهم وفضل عنهم.

____________________

(١) نخب تاريخية وأدبية جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة الحمداني - لجامعه الشيخ ماريوس كانار - طُبع بالجزائر سنة ١٩٣٤ - ص ٩ و ١٠.


واجتمعت الألسن على شكره، وأمر الخليفة له ولناصر الدولة مع التكْنية والتلقيب أن تكتب أسماؤهم على الدنانير والدراهم، وهذه فضيلة لم يسبقهما أحدٌ إليها. ثمّ سارا مع الخليفة متوجّهين إلى بغداد، فلمّا سمع البريدي ذلك، انحدر عن بغداد، ثمّ كانت له مع سيف الدولة وقعة هزمه سيف الدولة فيها، واستبشر الناس بما وهب الله تعالى لهم على يديه من الراحة من فتنة البريدي، وأمنوا على أنفسهم وحرمهم وأموالهم، وأكثروا الدعاء له في المساجد والطرقات.

وكتب المتّقي لله رقعةً إلى الأمير سيف الدولة عند خروجه إلى حرب البريدي نسختها:

بسم الله الرحمن الرحيم

عرفت - لا أخلاني الله منك - ما تقرّر عليه العزم في رواحك، قرنه الله بالخيرة التامّة، والمعونة الشاملة، والكافية الجامعة، ووصله بالنصر والفلح والظفر والفتح، فتعجّلت الاستيحاش لبعدك، والتحسّر لما يفوت من قربك، لا خلوت منك، وكنت أحبّ أن ألقاك وأُسرّ برؤيتك قبل نفوذك، ولمّا تعذّر ذلك دعوت الله لك بجميل الصحابة ولي عليك بحسن الخلافة، وأن يسعدنا بذلك سعادةً محمودة البدء والعاقبة ؛ إنّه سميع الدعاء لطيفٌ لما يشاء، ولا يزال قلبي متطلعاً لمعرفة خبرك إلى أن يَرِدَ عليَّ من مستقرك بما تَرُبُّه وتُمْضيه، وتُدَبِّرُه وتُمْشِيه ؛ فتعمل - لا أخلاني الله منك - على ملاحظتي من ذلك في كلِّ وقتٍ وساعةٍ بما تعلم حسن موقعه مني، والسلام.

وكتب إليه رقاعاً عدّة أمثالها.

لمّا وصل المتّقي لله وابناه ومحمّد بن رائق ومَن معهم إلى تَكْريت، وجدوا هناك، وهم مصعدون إلى الموصل بعد، أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ؛ وذلك أنّ ابن رائق لمّا قرب البريدي من بغداد كتب إلى أبي محمّد بن حمدان يسأله مدداً ومعاونة على قتاله، فأنفذ أبو محمّد أخاه، فلم يلحقهم إلاّ بتكريت، وقد انهزموا وأخذوا طريق الموصل.

فخلع عليه المتّقي وعقد له لواءً، ولقّبه ناصر الدولة، وجعله أمير الأمراء، وكنّاه، وكان ذلك مستهلّ شعبان.

وخلع على أخيه علي وعلى


أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، ودخل المتّقي بغداد مع ناصر الدولة أبي محمّد وأخيه علي وجميع الجيوش، وعملت لهم العامّة القباب.

ونزل ناصر الدولة وأخوه في البستان الشفيعي، وخلع المتّقي لله على ناصر الدولة وأخيه، وطُوِّقا وسُوِّرا بطوقين طوقين، وأربعة إسورة ذهباً، وعلى أبي عبد الله الحسين بن حمدان، وطُوِّق بطوقٍ واحدٍ وسوارين ذهباً.

ورد الخبر بأنّ أبا الحسين علي بن محمّد البريدي قد أصعد من واسط يريد الحضرة، فاضطرب الناس ببغداد، وعبر المتّقي إلى الزبيديّة ليكون مع ناصر الدولة، وقد حرمه إلى (سُرّ مَنْ رأى)، وهرب جماعةٌ من وجوه أهل بغداد، وعبر جيش ناصر الدولة من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي منها.

وسار أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان في الجيش، وكان مع أبي الحسن البريدي لمّا أصعد من واسط أبو جعفر بن شيرزاد وأبو بكر بن قرابة والديلم وجيش عظيم، فكانت الوقعة بين أبي الحسن علي بن حمدان وبين البريدي يوم الثلاثاء انسلاخ ذي القعدة ويوم الأربعاء مستهل ذي الحجّة، ويوم الخميس ويوم الجمعة لثلاث وأربع خلون من ذي الحجّة في القرية المعروفة بـ (كِيل) أسفل المدائن بفرسخَيْن، ومع ابن حمدان توزُون وحَجْمج والأتراك، فكانت أوّلاً على علي بن عبد الله بن حمدان، وانهزم أصحابه فردّهم ناصر الدولة، وكان ناصر الدولة بالمدائن.

ثمّ صارت على أبي الحسين البريدي، فانهزم واستُؤسر من أصحابه يانس غلام البريدي أبي عبد الله، وأبو افتح بن أبي طاهر، ومحمد بن عبد الصمد، ومذكّر البريدي، والفرج كاتب جيش البريدي، واستأمن إلى ابن حمدان محمد بن يَنال الترجمان، وإبراهيم بن أحمد الخراساني، وحصل له جميع الديلم الذين كانوا في عسكر البريدي.

وقتل جماعة من قوّاد البريدي، وعاد البريدي إلى واسط مهزوماً مغلولاً، ولم يبق في علي ابن حمدان وأصحابه فضل لأتباعه لعظيم ما مرّ بهم ولكثرة الجراح فيهم.

ولسبع خلون من ذي الحجّة عاد المتّقي لله من الزُبَيْدِيَّة إلى دار الخلافة على ثلاث ساعات ونصف، وعاد الحرم من (سُرّ مَنْ رأى) ومَن كان هرب إليها من بغداد.

ودخل ناصر الدولة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة بغداد، وبين يديه يانِس غلام البريدي، وأبو الفتح بن أبي طاهر، والمذكّر البريدي مشهرين على جمال، وعلى رؤوسهم برانس،


وكُتب عن المتّقي كتاب الفتح إلى الدنيا، ولقّب المتّقي لله أبا الحسن علي ابن عبد الله بن حمدان، لمّا فتح هذا الفتح سيف الدولة، وأنفذ إليه خلعاً، وكتب فيه كتاباً.

وانحدر سيف الدولة إلى واسط، فوجد البريديين قد انحدروا منها إلى البصرة، وأقام بها ومع الديلم والأتراك وسائر الجيش.

كان سيف الدولة أبو الحسن مقيماً بواسط مفكّراً في أن يسير بالجيش والأتراك إلى البصرة ليفتحها، وكان أخوه ناصر الدولة يدافعه بحمل المال، ويضايق الأتراك خاصّة.

وكان تُوزُون وحجمج يُسيئان الأدب على سيف الدولة بواسط، ويتحكّمان عليه حتّى ضاق ذرعاً بهما.

وكان ناصر الدولة قد أنفذ أبا عبد الله الكوفيّ إلى سيف الدولة أخيه، ومعه ألفا ألف درهم وخمسون ألف دينار لينفق في الأتراك، فوثب توزون وحجمج به بحضرة سيف الدولة، وأسمعاه مكروهاً، فضمّه سيف الدولة إلى نفسه، ثمّ ستره في بيتٍ، وقال لهما: أما تستحيان منّي فتجاملاني في كاتبي. ثمّ وافق سيف الدولة كاتب حجحج أن يسير حجحج إلى المَذار ويسوغه ارتفاعها إذا حماها، ووافق أبا علي المسيحي كاتب توزون على المسير بتوزون إلى الجامدة، ويوهب له ارتفاعها، وعليه حمايتها.

وانتظم هذا التدبير، وعاد الكوفيّ إلى مجلسه بحضرة سيف الدولة، ورهب أن يعود إلى منزله، وعبر حجمج إلى غربيّ واسط للمسير.

واستعدّ توزون أيضاً للمسير إلى الجامدة، فوافى أبو عمرو المسيحيّ وقت الظهر لثلاث بقين من شوّال هارباً من ناصر الدولة إلى أخيه أبي علي المسيحيّ، وكان معه توقيع من ناصر الدولة بخطّه إليه يقول فيه:

(قد اتّصل طمعك فيّ وانبساطك عليّ، وأنا مُحتمل، وأنت مُغترّ، وبلغني إدخالك يدك في وقف فلان، ووالله إن لم تخلّصها وتقصِرعن فعلك المذموم لأقطعنّ يديك ورجليك).

فزعم أبو عمرو المسيحيّ أنّه قرأه وانحدر، وذكر أنّه قال قبل ذلك بأيّام: يا مسيحيّ، أنت مجتهد في أن تجعل توزون أميراً، وعلى رأسك تحثو التراب. إن بلغ ما تؤمّله له لم يرضك كاتباً لنفسه، وطلب ابن شيرزاد أو مثله وشبهَه، فاستكتبه وأنفَ منك فصادرك، فتلافى سيف الدولة أبا عمرو


المسيحي وداراه، وراسل توزون وسكنه ؛ وكان سيف الدولة كثيراً يزهّد الأتراك في العراق ويحملهم على قصد الشام معه والاستيلاء عليه وعلى مصر، ويخرّب بينهم وبين أخيه، فكانوا يصدّقونه في أخيه، ويأبون عليه في البعد من العراق، وكانوا يتسحبون على سيف الدولة ويطالبونه باستحقاقاتهم، وينصّون على أن يوفيّهم يوم الستّين من أيّام استحقاقهم، ويستصغرونه وأخاه. فلمّا وافى أبو عمرو المسيحي قالوا له: نحتاج أن تحمل مال قائد ورجال وتوفّينا ذلك بالقَبّان وزنةً مالاً مالاً. فأجاب إلى ذلك قطعاً للحُجَّة، وساموه أن يكون الوزن بالليل والنهار، فصبر على ذلك كلِّه وأذن فيه.

وأخرج سيف الدولة أبا عبد الله الكوفيّ ليلاً، وضمّ إليه ابن عمّه أبا وليد في جماعةٍ من العرب، وأصعد معه بنفسه إشفاقاً عليه، ثمّ وصّى العرب حتّى بلغوا به المدائن، فلمّا كان ليلة الأحد انسلاخ شعبان، كبس الأتراك سيف الدولة بالليل، وهرب من معسكره، ولزم نهراً بقرب معسكره فأدّاه إلى قريةٍ تُعرف (ببُرقة)، ولزم البرّيّة حتّى وافى بغداد، وأضرم الأتراك النار في معسكره، وقد كان باقياً من المال المحمول إليه مع الكوفيّ من عند أخيه شيء لم يفرّق فيهم فنهبوه، ونهب جميع سواده)(١) .

(لمّا بلغ سيف الدولة خلاف توزون وحجحج بواسط، طمع في بغداد، فوافى (المِزْرَفَة)، وظهر المستترون من أصحابه من الجند، وخرجوا إليه.

وانحدر أبو عمرو المسيحيّ كاتب توزون إلى واسط مستتراً هارباً إلى صاحبه، وانحدر أيضاً الترجمان.

وأرجف الناس بانحدار المتّقي، واضطرب الناس وأصبحوا على خوفٍ شديد.

وجاء سيف الدولة في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان إلى باب حرب، فنزل في المضارب، وعليه وعلى أصحابه أثر الضرّ الشديد لما لحقهم في البرّيّة. وخرج إليه أصحابه ومن يريد الإثبات، وجرت بينه وبين المتّقي لله رسائل على يد أبي زكرياء السوسي، وطالب بأن يُحملَ إليه مال، ووعد أن يقاتل توزون إن ورد الحضرة، فحمل إليه المتّقي أربعمئة

____________________

(١) نخب تاريخية وأدبية... من ص ١١ إلى ص ٢١.


ألف درهم في دفعات، وانضمّ إليه كلُّ مَن بقي بالحضرة من القوّاد، وما زال يقول في مجلسه:

ما أنصفنا أبو الوفاء توزون حيث كبسنا في الليل ونحن نيام، وإلاّ فَلْيحضرْ نهاراً ونحن مستيقظون! ونحو هذا الكلام.

ولمّا بلغ توزون وصول سيف الدولة إلى بغداد خلّف بواسط (كَيْغَلَغ) في ثلاثمئة غلام، وأصعد مبادراً من واسط إلى بغداد، ولمّا اتّصل بسيف الدولة خبر إصعاده رحل من باب حرب مع مَن انضمّ إليه من قوّاد الحضرة، ومضى على وجهه.

كان المتّقي قد أنفذ إلى ناصر الدولة يطلب منه إنفاذ جيشٍ إليه ليصحبوه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمّه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، فلمّا وصلوا إلى بغداد نزلوا بباب حرب، واستتر ابن شِيرْزَاد، وخرج إليهم المتّقي في حرمه وأهله ووزيره وأعيان بغداد.

وانحدر سيف الدولة وحده إلى المتّقي لله بتكريت، فأرسل المتّقي إلى ناصر الدولة يستدعيه، ويقول له:

(لم يكن الشرط معك إلاّ أن تنحدر إلينا).

فانحدر، فوصل إلى تكريت في الحادي والعشرين من ربيع الآخر.

وركب المتّقي إليه فلقيه بنفسه، وأكرمه، وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وصار توزون نحو تكريت، فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخَيْن، فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثمّ انهزم سيف الدولة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ربيع الآخر، وغنم توزون والأعراب سواده وسواد أخيه ناصر الدولة، وعادا من تكريت إلى الموصل ومعهما المتّقي لله.

وشغب أصحاب توزون فعاد إلى بغداد، وعاد سيف الدولة وانحدر فالتقى هو وتوزون بِحَرْبَى في شعبان، فانهزم سيف الدولة مرّةً ثانية، وتبعه توزون.

ولمّا بلغ سيف الدولة إلى الموصل، سار عنها هو وأخوه ناصر الدولة والمتّقي لله ومَن معه إلى نصيبين، ودخل توزون الموصل، فسار المتّقي إلى الرَّقّة، ولحقه سيف الدولة.

ولمّا انصرف الإخشيد من حضرة المتّقي، سار سيف الدولة بن


حمدان إلى حلب وقنّسرين والثغور الشاميّة وحمص وأنطاكية وسائر الأعمال، فأخذها وأقام الدعوة فيها للمستكفي ولأخيه ولنفسه، ثمّ عزل وولّى واستخرج الأموال، وكتب الإخشيد إلى المستكفي يخبره بما سارع من إقامة الدعوة وأخذ البيعة، ويعرّفه ما عمله سيف الدولة بن حمدان، فكتب إليه المستكفي ومع الكتاب خلع الإخشيد ولابنه (أنور جور).

وبلغ الإخشيد أن سيف الدولة سار إلى حمص يريد دمشق، فجرّد الإخشيد عسكراً كبيراً، وجعل عليه أربعة، فساروا إلى دمشق وعبَّئوا عساكرهم، ثمّ ساروا إلى حمص، فالتقوا مع سيف الدولة بالرَّسْتَن من أرض حمص، فهزمهم سيف الدولة، فعادوا إلى دمشق يريدون الرملة ثمّ إلى مصر.

ثمّ سار سيف الدولة في أثرهم يريد دمشق، وكتب إلى أهل دمشق كتاباً قُرئ على منبر جامع دمشق، وحُملت نسخته إلى الإخشيد، وهو:

(بسم الله الرحمن الرحيم - من سيف الدولة أبي الحسن إلى جماعة الأشراف والعلماء والأعيان والمستورين بمدينة دمشق، أطال الله بقاكم وأدام عزّكم وسعادتكم وكفايتكم ونعمتكم، كتابنا إليكم من المعسكر المنصور بظاهر عين الجرّ عن سلامة وجميل كفاية لمولاها خالص الدعاء والشكر، وقد علمتم - أسعدكم الله - تشاغلي بجهاد أعدائي وأعداء الله الكفرة وسبيلهم، وقتلي فيهم، وأخذي أموالهم، وتخريبي ديارهم، وقد بلغكم خبر القوانين في هذه السنة، وما أولانا الله وخوَّلنَاه، وأظفرنا به، واستعملت فيهم السنّة في قتال أهل الله، فما اتّبعت مدبراً، ولا داففت على جريح، حتّى سلم من قد رأتم، وقد تقدّمنا إلى وَشّاح بن تمّام بصيانتكم وحفظكم، وحوط أموالكم، وفتح الدكاكين، وإقامة الأسواق، والتصرّف في المعاش، إلى حين موافاتنا إن شاء الله).

فلمّا وصلت نسخة هذا الكتاب للإخشيد قلق لذلك، واستخلف على مصر ابنه أبا القاسم، واستخلف له عمّه أبا المظفّر، ثمّ سار الإخشيد لا يلوي على شيء.

وحصل سيف الدولة بدمشق، ودخلها معه سائر أهله من شيخٍ وكهل، وكتب الإخشيد من الرّملة إلى عيسى كِيل وهو بدمشق مع سيف الدولة، يعده الأموال والتقليد والخلع وأضعاف الرزق، ومع الرسول خاتم الإخشيد، فوصل الرسول إلى عيسى كِيل وهو مع سيف الدولة


بالشَّماسِيَّة، فاستأذنه في الركوب إلى دمشق لدخول الحمّام، فأذن له ؛ وشرب وسكر وثار مع العصر بدمشق، ودعا الناس إلى الإخشيد، وخاتم الإخشيد في يده، وغلّق أبواب دمشق، وأفاق عيسى كِيل من سكره بالليل، وتبيّن أمره، فهرب في جوف الليل إلى الإخشيد وهو بِطبريَّة، فخلع عليه وجازاه وحمله وقاد إليه فرساً أدهم وعليه سرج ولجام مطلّىً فيه أربعة عشر ألف درهم، ما يقدر الفرس يتحرّك من ثقل ما عليه.

وسار عيسى كِيل بين يدي الإخشيد، فلمّا قرب من دمشق رفع سيف الدولة وحرق أخصاصاً كانت قد عُملت، وسار إلى نواحي حمص، ودخل الإخشيد إلى دمشق، والأمراء والقوّاد بين يديه، ثمّ سار إلى حمص، ثمّ سار غلى قنّسرين، والتقى مع سيف الدولة واقتتلا، واستظهر عليه سيف الدولة، فحسده ابن عمّه الحسين بن أبي العلاء، فانهزم، فاستظهر الإخشيد وقتل وأسر جماعةً من وجوه العجم، ولم ينصرف سيف الدولة، بل عسكر مواجهاً للإخشيد، فاختار الإخشيد المسالمة، وراسله بالحسن بن طاهر على مالٍ يحمله إليه وأن يكون لسيف الدولة من (جُوسِيَّة) إلى حمص إلى سائر أعمالها وما وراءه، ويكون للإخشيد من دمشق وما بين يدها إلى آخر أعمالها، وزوّجه ابنته فاطمة، وكان الوليّ الحسن بن طاهر بتوكيل الإخشيد ؛ فسرّ سيف الدولة بذلك، وأجاب إلى السلم، وعقد النكاح، ونثر سيف الدولة، في مضربه للحاضرين ثلاثين ألف دينار، ونثر خارج المضرب أربعمئة ألف درهم، وحمل إلى الحسن بن طاهر مالاً كثيراً وخِلَعاً.

حدّثني بعض شيوخ دمشق ممّن كان الإخشيد يأنس به ويحادثه، قال:

(سألني جماعةٌ من وجوه غلمان الإخشيد توبيخ الإخشيد على ما عمله من الصلح والمصاهرة.

فقلت له: أيّها الإخشيد؟ أيش(١) حملك على مصالحة ابن حمدان ومسالمته ومصاهرته؟... فقال: الغلمان، سألوك مسألتي.

فقلت: نعم.

قال: عليهم لعنة الله، أتراهم يعلمون من الأمر أكثر ممّا أعلم.

اعلم أنّ عليّ بن حمدان كاتبناه من الرّملة، فبذلنا له، فلم يفعل، وكاتبناه من طبريّة، فامتنع، ثمّ سرنا إليه ورزقنا الله تعالى النصر عليه وعلى أصحابه الظفر، فلم ينصرف، وخيّم حذاءنا بوجهٍ صفيق وقلّة حياء،

____________________

(١) هكذا وردت في النص.


فتوقفت عنه. فقال لي الغلمان: دعنا نمضي تلقاءه، ففكرت في قولهم، ولم أخلُ من أحد وجهين، إمّا أن يهزمنا ويُرزق علينا النصر فتكون الفضيحة، وإمّا أن نُرزق عليه النصر فنأخذه، فأيش(١) أعمل به! هلاّ هو أكثر من أن أُنزله في مضرب يشبهه، وأُنفق عليه ما يصلح له، ثمّ أُجهّزه وأردّه لأخيه وأهله ؛ لأنّهم لا يتركونه، وأقلّ ما كان يكفينا له مئتا ألف دينار. ثمّ لا أُطيق غلماني من إدلالهم والتسحّب عليّ بما عمله، ويطلبون منّي الأعمال والولايات، فرأيت أنّ مسالمته ومصالحته أفضل وأصلح ؛ وأرسلت إليه الحسن بن طاهر أعده بالأموال والخروج من أعماله ؛ فلمّا رأوا الحسن بن طاهر قد مضى ازدحموا عليه يسبّوني ويشتموني، ويسألون الله الراحة منّي).

في هذه السنة، في ذي الحجّة(٢) : مات الإخشيد أبو بكر محمّد بن طُغْج صاحب ديار مصر، وكان مولده سنة ثمانٍ وستين ومئتين ببغداد، وكان موته بدمشق، وقيل مات سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم أُنوجور، فاستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وغلب أبا القاسم واستضعفه، وتفرّد بالولاية، وكان أبو القاسم صغيراً، وكان كافور أَتابَكه، فلهذا استضعفه وحكم عليه ؛ فسار كافور إلى مصر. فقصد سيف الدولة دمشق فملكها، وأقام بها، فاتّفق أنّه كان يسير هو والشريف العقيقيّ بنواحي دمشق، فقال سيف الدولة:

ما تصلح هذه الغوطة إلاّ لرجلٍ واحد.

فقال له العقيقيّ: هي لأقوام كثيرة.

فقال سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين السلطانيّة لتبرّأوا منها.

فأعلم العقيقي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة ستة وثلاثين وثلاثمئة. وكان أنوجور مع كافور، فتبعوا سيف الدولة إلى حلب، فخافهم سيف الدولة، فعبر إلى الجزيرة، وأقام أنوجور على حلب، ثمّ استقرّ الأمر بينهما، وعاد أنوجور إلى مصر، وعاد سيف الدولة إلى حلب)(٣) .

____________________

(١) هكذا وردت في النص.

(٢) في ٢١ ذي الحجّة سنة ٣٣٤ هـ.

(٣) نخب تاريخية وأدبية جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة الحمداني، من ص ٢٢ إلى ص ٣٤.


أحوال الشّام

(أمّا (الشام) فإنّ غربيَّها بحر الروم، وشرقيّها البادية من أيْلة إلى الفرات، ثمّ من الفرات إلى حدّ الروم، وشماليّها بلاد الروم أيضاً، وجنوبيّها حدّ مصر وتيه بني إسرائيل، وآخر حدودها مِمّا يلي مصر رَفَح وممّا يلي الروم الثغور المعروفة، كانت قديماً بالجزيرة وهي:

مَلَطْية والحدث ومَرعش والهارونيّة والكَنِيسة وعين زَرْبة والمِصّيصة وأَذَنة وطَرَسُوس.

قد جمعت الثغور إلى الشام، وبعض الثغور يُعرف بثغور الشام، وبعضها يُعرف بثغور الجزيرة، وكلّها من الشام، وذلك أنّ كلّ ما كان وراء الفرات فمِن الشام ؛ وإنّما سُمّي من ملطية إلى مرعش ثغور الجزيرة ؛ لأنّ أهل الجزيرة بها كانوا يرابطون ويغزون منها، لا لأنّها من الجزيرة.

وكور الشام إنّما هي: جند فلسطين، وجند الأردنّ، وجند دمشق، وجند حمص، وجند قنّسرين، والعواصم والثغور. وبين ثغور الشام وثغور الجزيرة جبل اللُّكام وهو الفاصل بن الثّغرين، وجبل اللّكام جبل داخل في بلد الروم ويُقال إنّه ينتهي إلى حد مئتيْ فرسخ، ويظهر في الإسلام بين مرعش والهارونيّة وعين زربة فيُسمّى اللكام إلى أن يجاوز اللاذقيّة، ثمّ يُسمّى جبل بَهْراء وتَنوخ إلى حمص، ثمّ يُسمى جبل لبنان، ثمّ يمتدّ على الشام حتّى ينتهي إلى بحر (القُلْزُم) من جهة، ويتّصل بالمُقطَّم من جهةٍ أُخرى.

أمّا جند حِمص فإنّ مدينتها (حمص)، وهي مدينة في مستواة خصبة، صحيحة الهواء من أصح بلدان الإسلام، ودخلها الروم في وقتنا هذا، وأتوا على سوادها وأخربوها، وجميع طرق حمص من أسواقها، وسككها مفروشة بالحجارة والبلاط.


وأمّا (أَنْطَرْسُوس) فحصن على البحر ثغر لأهل حمص، وعليه سور من حجارةٍ يمنع أهلها من بادرة، ولقد أنجوا من الروم في حيننا هذا عند قصد نِقْفُور ساحل الشام.

وأمّا (شَيْزَر وحماة) فإنّهما مدينتان صغيرتان نزهتان كثيرتا المياه والشجر والزّروع والفواكه.

وأمّا جند قِنَّسرين فمدينتها (حلب)، وكانت عامرةً جدّاً غاصّةً بأهلها كثيرة الخيرات على طريق العراق إلى الثغور وسائر الشامات، فافتتحها الروم، وكان لها سورٌ من حجارةٍ لم يغن عنهم مِن العدوّ شيئاً، فخرّب جامعها، وسبى ذراري أهلها، وأحرقها.

وكان بها قلعةٌ غير طائلةٍ ولا حسنة العمارة، فلجأ إليها قومٌ من أهلها، فنجوا وهلك بها من المتاع والجهاز للغرباء وأهل البلد، وسبى بها وقتل من أهل سوادها ما في إعادته إرماض لمَن سمعه، ووهن على الإسلام وأهله.

وكان لها أسواق حسنة وحمّامات وفنادق ومحالّ وعِراص فسيحة، وهي الآن كالمتماسكة ولها وادٍ يعرف بأبي الحسن قوَيْق، وشرب أهلها منه، وفيه قليل طفس، ولم تزل أسعارهم في الأغذية وجميع المآكل قديماً واسعة رخيصة، وعليهم الآن للروم في كلِّ سنةٍ قانون يؤدّونه، وضريبة تُستخرج من كلّ دارٍ وضيعةٍ معلومة، وكأنّهم معهم في هدنةٍ وليست - وإن كانت أحوالها متماسكة وأمورها راضية - بحال جزءٍ من عشرين ممّا كانت عليه في قديم أوقاتها وسالف أيّامها.

(وقِنَّسرين) مدينة نسبت الكورة إليها، وهي من أضيق تلك النواحي بناءً، وإن كانت نزهة الظاهر، مغوثة في موضعها بما كان بها من الرخص، فاكتسحتها الروم، فكأنّها لم تكن إلاّ بقايا دِمَن فديتُها مِنْ دِمَن.

(ومَعَرَّةُ النُّعمان) مدينة هي وما حولها من القرى أعذاء(١) ليس بنواحيها ماءٌ جارٍ ولا عين، وكذلك جميع جند قنّسرين شربهم من السماء. وهي مدينة كثيرة الخير والسعة والتين والفستق وما شاكل ذلك من الكروم.

وأمّا (الخُناصِرة) فهي حصنٌ يُحاذي قنّسرين إلى ناحية البادية وعلى

____________________

(١) أعذاء: مفردها (عِذْيُ) الزّرع لا يسقيه إلاّ المطر.


شفيرها وسيفها، كان يسكنه عمر بن عبد العزيز، صالحة في قدرها مغوثة للمجتازين عليها في وقتنا ؛ لأنّ الطريق انقطع من بطن الشام بإتيان الروم عليه وهلاك ولاته، فلجأ الناس إلى طريق البادية وبالأَدِلاّء والخفراء.

و (العواصم) اسم الناحية وليس بمدينةٍ تُسمّى بذلك، وقصبتها (أنطاكية) وهي بعد دمشق أنزه بلدٍ بالشام، وعليها إلى هذه الغاية سورٌ من صخرٍ يحيط بها وبجبل مشرف عليها، لهم فيه مزارع وأجنّة وأرحية، وما يستقلّ به أهلها من مرافقتها.

ويُقال إنّ دَور سورها يوم تجري مياههم في أسواقهم ودورهم وسككهم ومسجد جامعهم، وكان لهم ضياع وقرى ونواحٍ خصبة حسنة استولى عليها العدو فملكها، وكانت قد اختلّت قبيل افتتاحها في أيدي المسلمين، وهي أيضاً في أيد الروم أشدّ اختلالاً. وفتحها الروم في أوّل سنة تسع وخمسين وثلاثمئة.

و(باليس) مدينة على شطّ الفرات من غربيّه، صغيرة، وهي أوّل مدن الشام من العراق، وكان الطريق إليها عامراً، ومنها سابلاً، وكانت فرضة لأهل الشام على الفرات.

و(مَنْبِج) بالقرب منها، وهي خصيبة، كثيرة الأسواق، قديمة الآثار، عظيمة الأسوار في برّيّة، الغالب عليها وعلى مزارعها الأعذاء، وهي حصينة عليها سورٌ أزليّ روميّ.

و(سَنْجَة) تقع قرب منبج، وهي مدينة صغيرة بقربها قنطرة حجار تُعرف بقنطرة سنجة، ليس في الإسلام قنطرة أحسن منها، ويُقال إنّها من عجائب الزّمان.

و(سُمَيْساط) مدينة على الفرات، وكذلك (جسر مَنْبِج) وهما مدينتان صغيرتان حصينتان، لهما زرع سقي ومباخس، وماؤهما من الفرات.

و(مَلَطْية) كانت مدينة كبيرة من أكبر الثغور وأكثرها سلاحاً ورجالاً، دون جبال اللّكام إلى ما يلي الجزيرة، ويحفّ بها جبال كثيرة فيها الجوز والكروم واللوز وسائر الثمار الشتويّة والصيفيّة، مباحة لا مالك لها. وهي من أقوى بلد الروم في هذا الوقت، يسكنها الأرمن، وفُتحت في سنة تسع عشرة وثلاثمئة، وكانت المدينة المعروفة بحصن منصور، صغيرة حصينة،


فيها منبر، وبها رستاق، وقرى برسمها أعذاء، فاستأثر القضاة بهلاكها على أيدي الروم وبني حمدان.

و(الحَدَث) و(مَرْعَش) مدينتان صغيرتان افتتحهما الروم من قبل يومنا هذا، فأعادهما سيف الدولة علي بن عبد الله، وعاد الروم فانتزعوهما ثانيةً من المسلمين.

وكان لهما زروع وأشجار كثيرة وفواكه، وكانتا ثغرين يرابط فيهما المسلمون ويجاهدون، ففسدت النيّات وافتتحت الأعمال وارتفعت البركات، وفسدت المذاهب، ولجّ الملوك في الظّلم والاستئثار بالأموال، والعامّة في الإصرار على المعاصي والطغيان، فهلك العباد، وتلاشت البلاد، وانقطع الجهاد.

وكانت (الهارونيّة) من غربيّ جبل اللكام في بعض شعابه، حصناً صغيراً بناه هارون الرّشيد، أدركته عامراً حسناً فأهلكته الروم.

وكانت (الإِسْكَنْدريّة) أيضاً حصناً على ساحل بحر الروم، ذا نخيلٍ وزرعٍ كثير، وغلة وخصب، فأتى عليه العدوّ.

وكذلك (التينات) حصن كان على شطّ البحر فيه مقطع لخشب الصنوبر الذي كان ينقل إلى الشام ومصر والثغور، وكان فيه رجالٌ فُتّاك أجلاد لهم علم بمضارّ بلد الروم ومعرفة بمخائضهم.

وكانت (الكَنِيسَة) حصناً فيه منبر، وهو ثغر في معزل من ساحل البحر يقارب حصن (المُثَقَّب) الذي استحدثه عمر بن عبد العزيز وعمّره، وكان فيه منبره ومصحفه بخطّه، وكان فيه قومٌ سراة من عبد شمس اعتزلوا الدنيا ورفضوا المكاسب، وكان لهم ما يقيم بهم من المباح.

وكانت (عين زَرْبَة)(١) بلداً يشبه مدن الغور، بها نخيل وخصب، واسعة الثمار والزّرع والمرعى، وهي المدينة التي كان وصيف الخادم همّ بالدخول منها إلى بلد الروم، فأدكه المُعْتَضِد بها.

وكانت حسنة الداخل والخارج نزهة داخل سورها، جليلة في جميع أُمورها.

____________________

(١) عين زَرْبَة: عين زَرْبَى (في معجم البلدان لياقوت) يجوز أن يكون من زَرْب الغنم وهو مأواها، وهو بلد بالثغر من نواحي مصّيصة.


وكانت (المِصِّيصَة) مدينتين، إحداهما تُسمّى (المِصّيصة) والأُخرى تُسمّى (كَفْرَبَيَّا)، على جانبَيْ جَيْحان، وبينهما قنطرة حجارة، وكانتا حصينتين جدّاً على شرف من الأرض، ينظر منها الجالس في مسجد جامعها نحو البحر أربعة فراسخ كالبقعة بين يديه خضرة نضرة، جليلة الأهل نفيسة القدر، كثيرة الأسواق، حسنة الأحوال.

و(جَيْحان) نهر يخرج من بلد الروم حتّى ينتهي إلى المِصّيصة، ثمّ إلى رستاق، يُعرف بالمَلُّون، فيقع في بحر الروم، وكان كثير الضياع غزير الكراع.

وكانت (أَذَنة) مدينة كأحد جانَبيْ المِصّيصة على نهر (سَيْحان) في غربي النهر، وسَيْحان دون جَيْحان في الكبر، عليه قنطرة عجيبة البناء، طويلة جدّاً.

ويخرج هذا النهر من بلد الروم أيضاً.

وكانت أذنة جليلة الأهل حسنة المحل في كلّ أصل وفصل، وعلى أصل طريق طرسوس.

و(طَرَسُوس) مدينة مشهورة كبيرة، عليها سوران من حجارة، كانت تشتمل على خيلٍ ورجالٍ وعدّة وعتاد وكراع. وكانت من العمارة والخصب بالغاية إلى رخصٍ عامّ على مرّ الأيّام وتعاقب الأعوام.

وكان بينها وبين حدّ الروم جبال متشعّبة من اللّكام كالحاجز بين العملين، ورأيت غير عاقل مميّز وسيّد حصيف مبرّز يُشار إليه بالدراية والفهم واليقظة والعلم، يذكر أنّ بها مئة ألف فارس، وكان ذلك عن قريب عهد من الأيّام التي أدركتُها وشاهدتُها، وكان السبب في ذلك أنّه ليس من مدينة عظيمة مِن حدّ سجستان وكِرْمان وفارس وخُوزِسْتان والجبال وطَبَرِسْتان والجزيرة وأَذَرْبيجان والعراق والحجاز واليمن والشامات ومصر والمغرب، إلاّ وبها لأهلها دار ينزلها غزاة تلك البلدة ويرابطون بها إذا وردوها، وتكثر لديهم الصلات وتَرِد عليهم الأموال والصدقات العظيمة الجسيمة إلى ما كان السلاطين يتكلّفونه وأرباب النعم يعانونه وينفذونه متطوعين متبرعين، ولم يكن في ناحيةٍ ذكرتها رئيس ولا نفيس إلاّ وله عليه وقف من ضيعة ذات مزارع وغلاّت أو مسقَّف من فنادق، فهلكوا فكأنهم لم يقطنوها، وعفوا فكأنهم لم يسكنوها، حتّى لظننتم كما قال الله تعالى:( هل تُحسّ منهم من أحدٍ أو تسمع لهم رِكْزا ) .


وكانت (أوْلاس) حصناً على ساحل البحر فيه قوم متعبّدون، وكان في آخر ما على بحر الروم من العمارة، فكانت ممّا بدأ به العدوّ.

و(بَفْراس) كان فيها منبر على طريق الثغور، وكانت فيها دار لِزُبَيْدة، ولم يكن بالشام دار ضيافةٍ كبيرة غيرها.

فأمّا المسافات بالشام فإنّ طولها من حدّ ملطية إلى رفَح، والطريق من ملطية على مَنبِج وبينهما ٤ أيّام، ومن مَنْبِج إلى حلب يومان، ومن حلب إلى حمص ٥ أيّام، ومن حمص إلى دمشق ٥ أيّام.

وعرضها في بعض المواضع أكبر من بعض، وذلك أنّ أعرضها طرفاها، وأحد طرفيها من الفرات من جسر مَنْبِج على منبج ثمّ على قُورس في حدّ قِنَّسرين، ثمّ على العواصم في حدّ أنطاكية، ثمّ يقطع جبل اللكام إلى (بَيَاس)، ثمّ إلى (التينات)، ثمّ إلى المُثَقَّب، ثمّ على المِصِّيصة، ثمّ على أذنة، ثمّ طَرَسُوس، وذلك نحو عشر مراحل، وإن سلكت من بالس إلى حلب ثمّ إلى أنطاكية ثمّ إلى الإسكندرونة، ثمّ إلى بَياس، حتّى تنتهي إلى طرسوس، فالمسافة أيضاً نحو ١٠ مراحل، غير أنّ السمت المستقيم هو الطريق الأوّل.

وجند قنّسرين، قنّسرين مدنتها ؛ غير أنّ دار الإمارة والأسواق ومجمع ناسها والعمارات بحلب، فمِن حلب إلى بالس يومان، ومن حلب إلى (الأَثارِب) يوم، ومن حلب إلى قُورُس يوم، ومن حلب إلى منبج يومان، ومن حلب إلى (الخُناصِرَة) يومان.

والعواصم قصبتها أنطاكية، وكان منها إلى أذَنة ٣ مراحل، ومنها إلى بَفْراس يوم، وإلى الأَثارِب يومان، وإلى حمص ٤ مراحل، ومنها إلى مَرْعَش يومان، وإلى الحدث ٣ مراحل.

وأمّا الثغور فلا قصبة لها، وكلّ مدينةٍ قائمة بنفسها، ومنبج مدينة قريبة من الثغور، ومن منبج إلى الفرات مرحلة خفيفة، ومن منبج إلى قُورس مرحلتان، ومن منبج إلى ملطية ٤ أيّام، ومن منبج إلى (سُمَيْساط) يومان، ومن منبج إل الحدث يومان، ومن سميساط إلى (شِمشاط) مرحلتان، ومن سُمَيْساط إلى حصن منصور يوم، ومن حصن منصور إلى ملطية يومان، ومن منصور إلى (زِبَطرة) يوم، ومن حصن منصور إلى


الحدث يوم، ومن ملطية إلى مرعش ٣ مراحل كبار، ومن مرعش إلى الحدث يوم.

فهذه مسافات الثغور الجزرية.

وأمّا الثغور الشاميّة، فمن الاسكندرية إلى بَيَاس مرحلة خفيفة، ومن بياس إلى المِصِّيصة مرحتان، ومن المِصِّيصة إلى عين زَربة مرحلة، ومن المِصِّيصة إلى أذَنة مرحلة، ومن أذَنَة إلى طَرَسوس مرحلة، ومن طرسوس إلى (أولاس) على بر الروم يومان، ومن طَرسوس إلى الحوزات مرحلتان، ومن طرسوس إلى بياس على بحر الروم فرسخان، ومن بياس إلى الكَنِيسة والهارونيّة أقلّ من يوم، ومن الهارونية إلى مرعش من ثغور الجزيرة مرحلة، فهذه جملة مسافات الثغور)(١) .

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٣٧ إلى ص ٥١.


الجزيرة

(وأمّا الجزيرة التي بين دجلة والفرات، وتشتمل على ديار ربيعة ومُضَر، فمخرج الفرات من داخل بلد الروم على ما سلكته من مَلَطْيَة على يومين، ويجري بينها وبين المدينة المعروفة بِسُمَيْساط، وكانت للمسلمين، ويمرّ عليها وعلى جسر منبج وبالِسَ إلى الرّقّة وقَرْقيسيا والرَّحْبة وهيت والأَنْبار، وينقطع حدّ الفرات ممّا يلي الجزيرة، ممّا يعود حدّ الجزيرة في سمت الشمال إلى تكْريت، وهي مدينة على دجلة، حتّى ينتهى عليها مصعداً إلى السِنّ ممّا يلي الجزيرة، وإلى الحَديثة والموصل.

ويصعد دجلة إلى جزيرة ابن عمر، ثمّ يتجاوز إلى آمِد، فينقطع حينئذ حدّ الجزيرة، وتصعد دجلة على أقلّ من يومين في حدّ أرمينية، ثمّ يعود الحدّ مغرّباً إلى سُمَيْساط، ثمّ ينتهي إلى مخرج ماء الفرات في حدّ الإسلام من حيث ابتداؤه، ومخرج دجلة، وإن كان في بلد الروم، فطالما كان في يد الإسلام، وعلى يسار دجلة وغربيّ الفرات مدن وقرى تُنسب إلى الجزيرة، وهي خارجة منها وبائنة عنها.

وأمّا حدودها ومسافاتها، فمن مخرج الفرات في حدّ مَلَطْية إلى سُمَيْساط يومان، ومن سُميساط إلى جسر منبج ٤ أيّام، ومن الجسر إلى بالِس ٤ أيّام، ومن بالِس إلى الرَّقّة يومان، ومن الرَّقّة إلى الأَنْبار ٢٠ يوماً، ومن الأنبار إلى تَكْريت يومان في نفس البرّيّة، ومن تكريت إلى الموصل ٦ أيّام، ومن الموصل إلى آمِد ١٤ يوماً، ومن آمِد إلى سُمَيْساط ٣ أيّام، ومن سُمَيْساط إلى مَلَطْية ٣ أيّام، ومن الموصل إلى (بَلَد) مرحلة، ومن بَلَد إلى نصيبين ٥ مراحل، ومن نصيبين إلى رأس عين ٣ مراحل، ومن رأس عين إلى الرَّقَّة ٤ أيّام، ومن رأس عين إلى حَرّان ٣ أيّام، ومن حرّان إلى جسر


منبج يومان، ومن حرّان إلى الرُّها يوم، ومن الرُّها إلى سُمَيْساط يوم، ومن حرّان إلى الرَّقّة ٣ أيّام.

ومدينة (آمِد) على جبلٍ من غربيّ دجلة مطلّ عليها نحو مئة قامة، وعليها سورٌ أسودٌ من حجارة الأرحية، ويُسمّى ذلك السور ميموناً من شدّة سواده، وذلك أنّه من حجارة أرحية الجزيرة، وليس لهذه الحجارة على وجه الأرض نظير، ومنها ما يساوي الخمسين ديناراً وأقلّ وأكثر بالعراق.

وآمِد كثيرة الشجر، ولها مُزْدَرَع بداخل سورها، ومياه وطواحين على عيون تنبع منها ؛ وكان لها ضياع ورساتيق وقصور ومزارع برسمها، هلكت لضعفهم، واقتدار الروم عليهم، وقلّة المغيث الناصر.

وأجلّ مدينةٍ لديار مُضَر الرَّقّة، وفي غربيّ الفرات بين الرَّقّة وبالس أرض صفّين، وبها قبر عمّر بن ياسر (رض) وأكثر أصحاب أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

ومدينة (حرّان) تليها في الكبر، وهي مدينة الصابئين، وبها سدنتهم، ولهم بها تلّ عليه مصلّى الصابئين يعظّمونه وينسبونه إلى إبراهيم، وهي من بين تلك المدن قليلة الماء والشجر، وكانت زروعها مباخس، وكان لها غير رستاق عظيم وكورة جليلة، فافتتح الروم أكثرها، وأناخت بنو نُمير وبنو عُقيل بِعَقْوتِها وبقعتها، فلم تبق بها باقية، ولا في رساتيقها ثاغية ولا راغية.

وهي مدينة في بقعة يحفّ بها جبل مسيرة يومين في مثلها مستواة.

ومدينة (الرُّها) في شمال هذه البقعة، وكانت وسطة من المدن، والغالب على أهلها النصارى، وبها زيادة على ثلاثمئة بيعة ودير وصوامع، فيها ربانهم، ولهم فيها بيعة ليس للنصرانيّة أعظم ولا أبدع صنعةً منها، ولها مياه وبساتين وزروع كثيرة نزهة، وهي أصغر من (كَفَرْثُوثا)، وكان بها منديل لعيسى بن مريم (عليه السلام)، فخرج ملك الروم في بعض خرجاته ونزل بهم وحاصرهم وطالبهم به، فسلّموه إليه على هدنةٍ وافقوه على مدّتها.

و(جِسر مَنْبِج) و(سُمَيْساط) مدينتان نزهتان، فيهما مياه وبساتين ومباخس وأشجار، وهما عن قرب من الفرات في حال اختلال ورزوح حال)(١) .

____________________

(١) نخب تاريخية وأدبية... من ص ٥١ إلى ص ٥٥.


أرْمِينية

(كانت أرمينة في قديم الأيّام لِـ (سَنْباط بن أَشُوط) ملك الأرمن وأجداده، ولم تزل في أيدي الكبراء منهم، فأزالها أبو القاسم يوسف بن أبي الساج عنهم، وأخرجها من أيدهم، وبأيديهم عهودٌ للصدر الأوّل بإقرارهم على حالهم وأخذ الجزية منهم على ما جرت به مقاطعتهم.

وكان بنو أميّة وبنو العبّاس قد أقرّوهم على سكنهم، ويقبضون الرسوم عليها من جباياتهم، فتحيّفهم وقصدهم، فلم يفلح مَنْ بعدهم ولا ارتفعت له راية.

والغالب على أرمينية النصرانيّة، وللسلطان عليهم كالخراج في كلّ سنة، وكأنّهم اليوم في عهد على حسب ما كانوا بغير حقيقة تطرَّقهم السلاطين المجاورون لهم فيسبّونهم ويؤذونهم وهم في ذمّة، وكان رقيقهم لا يُباع في بغداد، أدركته كذلك إلى سنة خمس وعشرين وثلاثمئة، ولا يجيزه أحد لأنّهم في بعض ذمةٍ معروفة ومعهم غير عهد.

وهما أرمينيتان، إحداهما تُعرف بالداخلة، والأخرى بالخارجة.

وفي بعض الخارجة مدن للمسلمين، وفي أيديهم لم تزل يلونها المسلمون، وقد قطع عليها الأرمن في غير وقت، وهي لملوك الإسلام، كأَرْجيش وخِلاَط ومنازْجِرد وقاليقلا ؛ وحدودها ظاهرة، فحدُّها من المشرق إلى بَرذَعَة، ومن المغرب إلى الجزيرة، ومن الجنوب إلى (أَذربيجان )، ومن الشمال إلى نواحي بلاد الروم من جهة (قالِيقَلا )، وكانت قاليقلا في وسط بلاد الروم ثغراً عظيماً لأهل أذربيجان والجبال والرّيّ وما والاها.

والداخلة: دَبِيل ونَشَوَى وقاليقلا وما إلى ذلك من الشمال.

والخارجة: بَرْكَرِي وخلاط وأرجيش وسَلْطان والزَوَزَان وما بين ذلك من


القلاع والنواحي والأعمال، ولهم مدخل إلى بلد الروم يُعرف بـ (أطَرابَزُنْدَة ) وهي مدينة يجتمع فيها التجّار من بلد الإسلام، فيدخلون إلى بلد الروم منها للتجارة، ويخرج إليها خليج من القُسطنطينيّة إلى البحر المحيط، ولملك الروم على صاحبه المقيم بأطرابزندة في وقتنا هذا مال جسيم، كان في الأوّل دونه كثيراً، وأكثر ما يخرج إلى بلد الإسلام من الديباج والبُزْيُون وثياب الكتّان الروميّ وثياب الصوف، والأكسية الروميّة، فمن أطرابزندة.

وليس بين نشوى وبركري وخلاط ومنازجرد وبَدْليس وقاليقلا وأَرْزن وميّافارقين كثير تفاوت ؛ لأنّ مقاديرها تتقارب، ولا يشبه دبيل في العظم والكبر منها شيء، وهي بأجمعها خصيبة كثيرة الخير عامرة، وقد نالها في وقتنا هذا ما نال سائر البلدان باختلال السلطان وتغيّر الزمان.

وأكثر العلماء بحدود النواحي يرون أنّ ميّافارقين من حدود أرمينية، وقومٌ يعدّونها من أعمال الجزيرة، وهي من شرقيّ دجلة على مرحلتين منها، فلذلك تُحسب من أرمينية.

وبهذه البلاد وأضعافها من التجارات والمجالب وأنواع المطلب من الدوابّ والأغنام والثياب المجلوبة إلى النواحي والأقطار معروفة لهم ومشهورة كالتِّكَك الأرمينيّة التي تعمل بسَلَماس (تُباع التِّكَّة من دينار إلى عشرة دنانير)، ولا نظير لها في سائر الأرض.

والأرمني المقدّم ذكره يعمل بِدَبيل ويعمل بنواحي أرمينية (مقاعد أرمني)، وأفخاخ تُعرف بالأرمني المحفور يقلّ نظيرها في جميع النواحي التي يشبهون أعمالهم بها، وكذلك السَّبَنِيّات(١) والمقارم(٢) والمنادل المعمولة بميّافارقين وبمواضع من أرمينية.

وفي جنوب بَرْكَرِي وخِلاط وأَرْجيش بحيرة آخذة من المشرق إلى المغرب تكون بضعة عشر فرسخاً، يخرج منها سمك صغار أشبار يُعرف بالطِرِّيخ يُملَّح ويُحمل إلى الجزيرة والموصل والرَّقّة وحرّان وحلب وسائر الثغور، وفي أطرافها مع البُورق المحمل إلى العراق والجزيرة للخبّازين،

____________________

(١) السّبنيّات: مفردها سبَنِيّة وهي أُزُرٌ سود للنساء منسوبة إلى سَبَن قرية في نواحي بغداد.

(٢) المقارم: مفردها قِرام السّتر الأحمر، ثوب خفيف.


وبالقرب منها مقالع الزرنيخ يُجلب إلى سائر الأرض منه الأحمر والأصفر.

ينبغي أن لا يكون المسلمون لصنوف أعدائهم أشدّ حذراً منهم للروم، فلمّا كانت الروم على ما وصفت، وجب أن نقدّم الكلام في الثغور المقابلة لبلدهم على الكلام في غيرها، فنقول:

إنّ هذه الثغور منها برّية تلقاها بلاد العدو، وتقاربه من جهة البرّ، ومنها بحرية تلقاه وتواجهه من جهة البحر، ومنها ما يجتمع فيه الأمران.

وتقع المغازي من أهله في البرّ والبحر الثغور البحرية على الإطلاق سواحل الشام ومصر كلّها، والمجتمع فيه الأمران غزو البر والبحر الثغور المعروفة بالشاميّة، فلنبدأ بذكرها وهي:

طَرَسوس وأَذَنَة والمِصِّيصة وعين زَرْبة والكَنيسة والهارونيَّة وبَياس ونقابُلس، وارتفاعها نحو المئة ألف دينار ينفق في مصالحها وسائر وجوه شأنها، وهي: المراقب والحرس والفواثير(١) والركّاضة والموكّلين بالدروب والمخائص والحصون وغير ذلك ممّا تجانس من الأُمور والأحوال، ويحتاج إلى شحنتها من الجند والصعاليك، وراتب مغازيها الصوائف والشواتي في البرّ والبحر في السنة على التقريب مئتي ألف دينار على المبالغة، وهي أن يتّسع ثلاثمئة ألف دينار، والذي تلقاها من بلاد العدوّ، ويتّصل بها إمّا من جهة البرّ فالقَبَادُق ويقرب منها الناطُلِيق، ومن جهة البحر سَلُوقِيَة.

وعواصم هذه الثغور وما وراءها إلينا من بلدان الإسلام، وإنّما سمّي كلّ واحدٍ منها عاصماً ؛ لأنّه يعصم الثغر ويمدّه في أوقات النفير، ثمّ ينفر إليه من أهل أنطاكية والجُوقة والقُورُس، ثمّ يلي هذه الثغور عن يمينها وجهة الشمال منها الثغور المعروفة بالجزريّة.

وأوّل ما يحادّ الثغور الشاميّة منها مَرْعَش، ويليها ثغر الحَدَث، وكان يلي هذه (زِبَطْرة) فخربت أيّام المُعْتصِم، وكان له عند النهوض إلى بلاد العدوّ حتّى فتح (عَمُّورية) الحديث المشهور، فلما انتهى إلى موضع زبطرة بنى مكانها وبالقرب منها حصوناً لتقوم مقامه، وهي الحصن المعروف بـ

____________________

(١) الفواثير: مفردا فاثور: الخوان من رخام، قرص الشمس، البساط، الجفنة، وعاء الخمر، الجاسوس.


(طَبارْجي)، والحصن المعروف بالحُسَينِيَّة، والحصن المعروف ببني المؤمن، والحصن المعروف بابن رَجْوان، ثمّ يلي هذه الحصون ثغر (كَيْسُوم)، ثمّ حصن منصور، ثمّ ثغر سُمَيْساط، ثمّ ثغر مَلَطْية وهو الخارج في بلد العدوّ من جميع هذه الحصون.

وكلّ واحدٍ بينه وبين بلد العدوّ درب وعقبة، وثغر ملطية مع بلد العدوّ في بقعة وأرض واحدة.

وكان يواجه هذه الثغور ويقابلها من بلد الروم خَرشَنة وعمل الخالديّة، فحدث في هذا الوقت بينهم وبين الروم والأرمن الذين في جملة مليح الأرمنيّ في بلدٍ كان يسكنه قوم يُسمّون (البَيَالِقة) وهم من الروم إلاّ أنّهم يخالفونهم في كثيرٍ من أديانهم.

وكان هؤلاء مع المسلمين يعينونهم في غزواتهم، ويتوفّر على المسلمين المعونة بهم، إلى أن رحلوا دفعةً واحدةً عن هذا الموضع ؛ بإساءة أهل الثغور معاشرتهم، وقلّة إشراف المدبّرين على أمرهم، فتفرّقوا في البلاد، وسكن مكانهم هؤلاء الأرمن، وابتنوا الحصون المنيعة.

ثمّ صارت لهم العدّة الكثيفة والمعرّة الشديدة، وارتفاع هذه الثغور مع ملطية سبعون ألف دينار، يُصرف منها في مصالحها أربعون ألف دينار، ويبقى ثلاثون ألف دنار، ويحتاج لنفقة الأولياء والصعاليك على التجزئة مئة وعشرون ألف دينار تنضاف إلى البقيّة وعلى المبالغة مئة وسبعون ألف دينا تنضاف إليها تتمّة مئتي ألف دينار سوى نفقات المغازي في أوقاتها.

وهذه الثغور هي الواسطة، ومنها كانت تقع المغازي، فإن احتيج إلى الغزو منها كانت النفقة حسب الغزاة.

وعواصم هذه الثغور (دُلوك) و(رَعْبان) و(مَنْبِج)، ويلي هذه الصغور عن يمينها أيضاً وفي جهة الشمال الثغور المسمّاة بالبكرية، وهي:

(شِمْشاط) و(حاني) و(مَلْكين)، وحصون منها (جُمح) ومنها (حوران) ومنها (الكلس) وغيرها، ثمّ ثغر (قاليقلا) في جهة الشمال عن هذه الثغور زيادة، إلاّ أنّه كالمنفرد لما بينه وبينها من المسافة البعيدة.

والذي يقابله هذه الثغور من أعمال الروم: عمل (الأرْمِنِياق) وبعض عمل (الخالدية)، ويقرب منها عمل (أَفلاغُونِيَة) المتّصل ببلاد الخَزَر، وارتفاع هذه الثغور في السنة ألف ألف وثلاثمئة ألف درهم، تحتاج نفقاتها في مصالحها وحصونها وأرزاق شحنها إلى هذا المقدار، وزيادة ألف ألف وسبعمئة ألف درهم تتمّة ثلاثة آلاف ألف درهم.


وأمّا الثغور البحريّة وهي سواحل جند حمص (أَنْطَرطُوس) و(بُلُنْياس) و(اللاذقيّة) و(جبلة) و(الهرياذة) دون الخليج أحد عشر عملاً أحدها عمل أفلاغونية وجنده عشرة آلاف رجل، ثمّ يليه نحو الغرب عمل (الأَبْطِماط) وتفسير هذه اللفظة بالعربيّة الأذن والعين ؛ لأنّ هذا العمل سرة بلاد الروم، وليس أهلها أصحاب حرب ؛ لأنّه لا يبلغ إليهم مغازي المسلمين ولا غيرهم، وحدّه الغربيّ الخليج، والشماليّ بحر الخزر، والشرقيّ عمل أفلاغونية، والجنوبيّ عمل (الأَبْسيق)، وجنده أربعة آلاف رجل ؛ ثمّ يلي (الأبطماط) عمل الأبسيق وحدّه الغربيّ الخليج، والشماليّ الأبطماط، والجنوبيّ عمل الناطُليق، والشرقيّ عمل (الطَرْقَسِيس) وجنده ستة آلاف رجل.

ثمّ يلي الأبسيق عمل الطرقسيس، وحدّه من جهة الغرب الخليج، ومن الشمال الأبسيق، ومن المشرق الناطُليق، ومن الجنوب بحر الشام، وجنده ستّة آلاف رجل.

ثمّ يليه عمل الناطُليق وتفسيره المشرقيّ، وهو أكبر أعمال الروم، له حدّ إلى الأبسيق في الغرب، ومن الجهة الجنوبية سلوقية عند بحر الشام، ومن جهة المشرق عمل (القَبادُق)، ومن الشمال (البُقُلاَّر).

وجنده خمسة عشر ألف رجل، وفيه مدينة عمّورية التي فتحها المعتصم. ويليه عمل (سلوقية) ناحية بحر الشام، وأحد حدوده من المغرب الناطُليق، ومن جنوب البحر ومن الشمال الطَرْقَسيس، ومن المشرق درب طرسوس ناحية (قَلَمِيَة) و(اللاَمِس) وجنده خمسة آلاف رجل.

ثمّ يليه عمل القبادُق، وحدّه من جهة الجنوب جبل طرسوس وأَذَنه والمِصِّيصة، ومن جهة المغرب أعمال سلوقية، ومن الشمال الناطُليق، ومن المشرق أعمال (خرشنة)، وجنده أربعة آلاف رجل.

ثمّ يلي ذلك عمل خرشنة، وأحد حدوده وهو الجنوبيّ يلي القبادق، وحدّ يلي دروب ملطية وهو الشرقيّ، وحدّ يلي عمل الأرمِنياق وهو الشماليّ، وحدّ يلي عمل البُقُلاّر وهو الغربيّ، وجنده أربعة آلاف رجل.

ثمّ يليه عمل البقلاّر فحدّ منه عمل الناطُليق والأَبْطِمالي، والثاني القبادق، والثالث خرشنة، والرابع الأرمِنياق، وجنده ثمانية آلاف رجل.

وعمل الأَرمِنياق فحدٌّ منه يلي الأفلاغونية، والثاني عمل البقلاّر، والثالث عمل خرشنة، والرابع عمل الخالدية وبحر الخزر، وجنده أربعة آلاف رجل.

ثمّ عمل الخالدية وحدٌّ منه بلاد أرمينية، والثاني بحر الخزر، والثالث أرمنياق، والرابع أيضاً من عمل الأرمنياق،


وجنده أربعة آلاف رجل. فجميع جيش الأحد عشر عملاً التي مقابلتنا سوى مَنْ لا معوّل عليه، وإنّما هو ممّن يجيش فارساً وراجلاً سبعون ألف تُسمّى الرّبيعيّة لعشرة أيّام تخلو من أيّار بعد أن يكون الناس قد أربعوا دوابّهم وحسنت أحوال خيولهم، فيقيمون ثلاثين يوماً وهي بقيّة أيّار وعشرة من حَزيران، فإنّهم يجدون الكلأ في بلد الروم ممكناً، وكأنّ دوابّهم ترتبع ربيعاً ثانياً، ثمّ يقفون فيقيمون إلى خمسة وعشرين يوماً، وهي بقيّة حزيران وخمسة من تمّوز حتّى يقوى ويسمن الظهر، ويجتمع الناس لغزوة الصائفة، ثمّ يغزون لعشر تخلو من تمّوز، فيقيمون إلى وقت قفولهم ستّين يوماً.

فأمّا الشواتي فإنّي رأيتهم جميعاً يقولون: إنْ كان لا بدّ منها فليكن ممّا لا يبعد فيه ولا يوغل، وليكن مسيره عشرين ليلة بمقدار ما يحمل الرجل لفرسه ما يكفيه على ظهره، وأن يكون ذلك في آخر شباط فيقيم الغزاة إلى أيّام تمضي من آذار، فإنّهم يجدون العدوّ في ذلك الوقت أضعف ما يكون نفساً ودوابّ، ويجدون مواشيهم كثيرة، ثمّ يرجعون ويربعون دوابّهم يتسابقون)(١) .

____________________

(١) نخب تاريخية وأدبية... من ص ٥٥ إلى ص ٧٠.


غزوات لسيف الدولة

(من جملة غزوات سيف الدولة غزاة سنة ستّ وعشرين وثلاثمئة خرج في ذي القعدة منها، حتّى صار إلى حصن (دادِم)، ووجّه الحسن بن علي القوّاس في سَريّةٍ إلى حصن التلّ. وسار سيف الدولة إلى حصن زياد فسار وفتحه، واقام عليه سبعة أيّام، ووفاه الدُمُسق في مئتي ألف، فانكفأ راجعاً يطلب شمشاط وخيول الروم تسايره، فنزل ضيعة تُعرف بـ (المُقَدَّمِيَّة)، وهمّ بمناجزة الروم، ثمّ تطير باسمها، فلمّا كان يوم النّحر، وصل إلى موضع بين حصنَيْ سَلاَم وزياد، فتفاءل بأسمائهما ووقف ؛ وأقبلت عساكر الروم، وانقطع عنها موكب قد أجاروه في نحو عشرين ألف بطريق.

ووقع القتال، وحمل سيف الدولة في غلمانه وغلامه (تمال) وعبد الأعلى بن مسلم، فهزم الله الروم، وأسر منهم سبعين بطريقاً، ولم يزل القتال والأسر فيهم إلى الليل، وأخذ سرير الدُمُستق وكرسيه.

وفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة خرج سيف الدولة من نَصِيبين غازياً، فنزل (مَنازْكَرْد) أو (تَنازْجَرْد) يريد مدينة قاليقلا، وكان الروم قد بنوا حذاءها مدينةً سمّوها (هَفْجيج)، فلمّا علم الروم بمسيره أخربوا المدينة التي بنوها وهربوا، ففي ذلك يقول النّاميّ:

ونـادى الهُدى مُستصرخاً فَأَجَبْتَه بـقالِيقلاَ إذ أَنَّـتِ الـخَيْلُ سُهَّما

ولـم تَـتَّئِدْ هَـفْجيج أيدي بُناتِها أَبَـدْتَهُمُ تـحت الـسنابك رُغَّما

لئن حسنَتْ عذراء والبحر خدرها لـقد وجـدت فـيه ثكولاً وأَيّما


قال: ولمّا هدم الروم المدينة وهربوا، رجع سيف الدولة، فأقام بأرزن حتّى انحسر الثلج، وأمكن الغزو. ثمّ خرج إلى خِلاط بلاد الروم بعد أن جاءه ملك أرمينية وخزران، وما وطئ بساط ملك قط، فأحسن إليه وخلع عليه، وتسلّم منه حصوناً كانت ضرراً على المسلمين، وردّه إلى بلده سالماً بعد أن استحلفه على الطاعة وحماية السبل.

ووردت عليه كتب ملوك أرمينية وخزران بالطاعة والانقياد، ثمّ سار إلى ابن (طُرنيق)، وأناخ على مدينة (مُوش) فخرّبها، وهدم بيعة جليلة القدر عند النصرانيّة، ودخل إلى بلد الروم، فهدم لهم حصوناً كثيرةً وفتح قلاعاً منيعة، ووطئ مواطئ لم يطأها أحدٌ من المسلمين قبله.

وورد إليه كتاب ملك الروم بما أحفظه، فأجابه عنه جواباً شديداً وأنفذه إليه، فقال الملك لرسول سيف الدولة:

يُكاتبني هذه المكاتبة كأنّه قد نزل على (قَلُونِيَة) استعظاماً لذلك، فاتّصل قوله بسيف الدولة، فعزم على قصد قلونية أو يفتحها الله على يديه، فكأنّه رأى من بعض أصحابه استعظاماً للأمر، فقال: لست أقلع عن قصد هذه المدينة، فإمّا الظّفر وإمّا الشهادة.

فسار حتّى نزل عليها، وأحرق رساتيقها، وسلب ضياعها، وكتب إلى الدمستق وهو إلى الملك كتاباً من قلونية، فاستعظم الروم هذا الفعل وخافوه خوفاً عظيماً ؛ لأنّه بلدٌ ما وطئه أحدٌ من المسلمين، ثمّ رجع سيف الدولة منها فسايره الدمستق، فأوقع به سيف الدولة وقتل من الروم مقتلةً لا يحصيها إلاّ الله تعالى.

قيل: وفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة: سار سيف الدولة من ميّافارقين إلى أرمينية، ونزل بطَيطَوانة على البحيرة، واستدعى بابن جاجيق ابن الدَيْراني وأحمد بن عبد الرحمان أبي المعزّ صاحب خِلاَط وذات الجوز وأرجيش وبَرْكَرِي وعبد الحميد صاحب منازْجِرد ودَشْت الورك والهَرَك وأشُوط بن جرجور بطريق البطارقة بأرمينية ؛ وحضروا لديه، وأخذ من ابن الديراني حصن شَهْران والحامِد وبلدانها وما جاورها، وأخذ من أحمد بن عبد الرحمان بَدْليس وما جاورها وأخذ من أشُوط بلد السَناسُنة وفتحه، وملك قلعة قُلْب وحصن سُليمان وأعمالها، وردّ ملوك أرمينية فوصلوا تحت


حكمه، وفي خدمته، وسار إلى بلد ابن المَرزُبان وبلد الخالدية فنهبه وسبى منه خلقاً عظيماً، وفتح حصونهم أجمع وذلك في مدة خمسين يوماً وعاد.

وفي سنة ثلاثين وثلاثمئة في ربيع الآخر: وصل الروم إلى قريب حلب، ونهبوا وخرّبوا البلاد، وسبوا نحو خمسة عشر ألف إنسان، وفيها دخل الثُمْلي من ناحية طَرسُوس إلى بلاد الروم، فقتل وسبى وغنم وعاد سالماً، وقد أسر عدّة من بطارقتهم المشهورين.

وفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة: وافت جيوش الروم إلى ديار بكر، وسبوا من أهلها جماعةً كثيرة، وفتحوا أرزن وأخربوا عامّة بلدها، وبلغوا قرب نصيبين، والتمسوا من أهل الرّها أن يدفعوا إليهم الأيقُونةَ المنديل الذي في كنيسة الرّها الذي كان سيدنا يسوع المسيح مسح به وجهه، فصارت صورة وجهه فيه، وبذل الروم لهم أنّهم إذا سلّموهم هذا المنديل أطلقوا من الأسرى المسلمين الذين في أيديهم عدداً ذكروه لهم، فكاتبوا المتَّقي بذلك، وعرض الوزير أبو الحسين بن مُقْلَة على المتّقي الوارد في هذا المعنى، واستأذنه فيما يعمله ؛ فأمره بإحضار القضاة والفقهاء واستبيانهم في ذلك والعمل بما يقولون.

واستحضرهم الوزير أبو الحسين بن مقلة واستحضر علي بن عيسى والوجوه من أهل المملكة، وعرّفهم ما ورد في هذا المعنى، وسألهم عمّا عندهم فيه، وجرى في ذلك خطبٌ طويلٌ ذكر فيه بعض مَن حضر حال هذا المنديل، وأنّه منذ الدهر الطويل في هذه البيعة لم يلتمسه ملكٌ من ملوك الروم، وأنّ في دفعه غضاضة على الإسلام، والمسلمون أحقّ بمنديل عيسى (عليه السلام)، وفيه صورته.

فقال علي بن عيسى: إنّ خلاص المسلمين من الأسر وإخراجهم من دار الكفر مع ما يقاسونه من الضرّ والضنك أوجب وأحقّ ؛ ووافقته جماعة مَن حضر على قوله، وأشار هو وغيره من قضاة المسلمين بتسليم الأُسارى منهم وتسليم المنديل إليهم، إذ لا طاقة للسلطان بهم ولا له حيلة في استنقاذ الأُسارى من أيديهم، وعمل في ذلك محضراً، وأخذ في ذلك خطوط الجماعة الذين حضروا، وعرض على المتّقي، وأمر بكتب الجواب بالعمل بذلك، واستقرّ الأمر بين أهل الرّها وبين الروم على أن يدفعوا


إليهم مئتي نفس من المسلمين ممّن كانوا أسروهم، وشرط أهل الرّها عليهم ألاّ يعبروا فيما بعد على بلدهم، وعقدوا بينهم هدنةً مؤبّدة.

وتسلّم الروم المنديل وحملوه إلى القسطنطينية ودُخل به إليها في اليوم الخامس عشر من آب، وخرج أصْطفان والبطريرك (ثاوْفيلَقْطُس) أخوه وقسطنطين أولاد (رومانوس) الملك إلى باب الذهب مستقبلين له، ومشى أهل الدولة بأجمعهم بين يديه بالشمع الكثير، وحُمل إلى الكنيسة (أجياصُوفْيا) ومنها إلى البلاط وذلك في السنة الرابعة والعشرين منذ ملك رومانوس الشيخ مع قسطنطين بن لاوُن، ولم تزل هذه الهدنة مستمرة بين الروم وبين أهل الرّها إلى أن نقضها سيف الدولة في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة، فإنّه ألزم أهل الرّها الغزو معه في سنة غزاة المِصّيصة فهلك فيها كثير منهم.

وعاد الروم إلى ديار بكر في هذه السنة، وفتحوا مدينة دارا يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة، ورجعوا دفعةً أُخرى ودخلوا رأس عين يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة، وأقاموا فيها يومين، وسبوا من أهلها زهاء ألف نفس، وانصرفوا.

وفي سنة ٣٣٣: غزا سيف الدولة بلاد الروم، وردّ سالماً بعد أن بدع في العدوّ، وسبب هذه الغزاة أنّه بلغ الدمستق ما فيه سيف الدولة من الشغل بحرب أضداده، فسار في جيشٍ عظيم، وأوقع بأهل بَفْراس ومَرْعَش وقتل وأسر، فأسرع سيف الدولة إلى مضيق وشعاب، فأوقع بجيش الدمستق وبينهم، واستنقذ الأُسارى والغنيمة، وانهزم الروم أقبح هزيمة، ثمّ بلغ سيف الدولة أنّ مدينةً للروم تهدّم بعض سورها وذلك في الشتاء، فاغتنم سيف الدولة الفرصة وبادر فأناخ عليها وقتل وسبى، لكن أُصيب بعض جيشه.

الفداء الثاني عشر فداء ابن حمدان في خلافة المُطيع باللامس في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، والملك على الروم قسطنطين، وكان القيّم به نصر الثُّمْلي أمير الثغور الشاميّة من قِبَل أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان صاحب جند حمص وجند قِنَّسرين وديار مُضر وديار بكر والثغور الشاميّة والجزريّة.

وكان عدّة من فودي به


من المسلمين ألفين وأربعمئة واثنين وثمانين من ذكرٍ وأنثى، وفضل للروم على المسلمين قرضاً مائتان وثلاثون لكثرة من كان في أيديهم، فوفّاهم أبو الحسن ذلك وحمله إليهم، وكان الذي شرع في هذا الفداء وابتدأ به الإخشيد محمد بن طُخْج أمير مصر والشام والثغور الشاميّة.

وكان أبو عُمير عَدِيّ بن أحمد بن عبد الباقي الأَذَنِيّ شيخ الثغر والمنظور إليه منهم، قدم إليه إلى دمشق في ذي الحجّة سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة، ونحن يومئذٍ بها، ومعه يُوَانِس الأَنْسِيبَطُوس البَطْرِيقُوس المُسْدِقُوس المُترِّهب رسول ملك الروم في إتمام هذا الفداء ؛ وكان ذا رأيٍ وفهمٍ بأخبار ملوك اليونانيّين والروم ومَن كان في أعصرهم من الفلاسفة، وقد اشرف على شيءٍ من آرائهم، والإخشيد حينئذٍ شديد العلّة فتوفّي يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجّة من هذه السنة.

وسار أبو المِسْك كافور الإخشيديّ بالجيش راجعاً إلى مصر، وحمل معه أبا عُميْر والمُسْدِقوس إلى بلاد فِلَسْطِين، فدفع إليها ثلاثين ألف دينار من مال هذا الفداء، وصار إلى مدينة صور فركبا في البحر إلى طَرَسُوس، فإلى ما(١) وصلا إليها ما كاتب نصر الثُّمْلِي أمير الثغور الشاميّة أبا الحسن بن حمدان ودعا له على منابر الثغور الشاميّة، فجدّ في إتمام هذا الفداء فعرف به ونُسب إليه.

نزل سيف الدولة على حصن (بَرْزُوَيْه)، وحاصره في سنة ستّ وثلاثين وثلاثمئة، وفيه يومئذٍ أبو تَغْلِب الكُرْدِيّ، ونزل (لاوُن بن بَرْدَس) الدمستق الفوقاس على الحدث، وحاصره، ووافى نفير الحدث إلى سيف الدولة يستعينون به ؛ فأقسم أنّه لا رحل عن حصن برزُوَيه أو يفتحه، وفتح لاوُن حصن الحدث بالأمان، وأخرب سوره، وفتح سيف الدولة حصن برزويه في سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة، وسار إلى ميّافارقين واستخلف بحلب محمد بن ناصر الدولة، ونزل لاوُن على بُوقا، وخرج محمد بن ناصر الدولة للقائه من حلب، فأوقع لاون لمحمد ولجماعة من أصحابه وقتل منهم زهاء أربعمئة رجل، وأسر خلقاً كثيراً، وذلك في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة.

____________________

(١) فإلى ما: أي فإلى أن.


وفي شهر ربيع الأوّل من هذه السنة فتح الروم مدينة قالِيقَلاَ وملكوها، وهدموا سورها، وأعطوا أهلها الأمان، وانصرفوا عنها.

وفي سنة ٣٣٩ هـ و ٩٥٠م: غزا سيف الدولة... فسار في ربيع الأوّل، ووافاه عسكر طرسوس في أربعة آلاف عليهم القاضي أبو حصين، فسار إلى قَيْساريّة ثمّ إلى (القَبَدق)، ووغل في بلاد الروم وفتح عدّة حصون، وسبى وقتل، ثمّ سار إلى (سَمَنْدو) ثمّ إلى (خَرْشنة) يقتل ويسبي، ثمّ إلى بلد (صارِخَة)، وبينها وبين قسطنطينية سبعة أيّام. فلمّا نزل عليها واقع الدمستق مقدّمته، فظهرت عليه، فلجأ إلى الحصن وخاف على نفسه، ثمّ جمع والتقى سيف الدولة، فهزمه الله أقبح هزيمة، وأُسرت بطارقته، وكانت غزاة مشهورة، وغنم المسلمون ما لا يوصف وبقوا في الغزو أشهراً.

ثمّ إن الطرسوسيين قفلوا، ورجع العربان، ورجع سيف الدولة في مضيق صعب، فأخذت الروم عليه الدروب وحالوا بينه وبين المقدّمة وقطعوا الشجر وسدّوا به الطرق ودهدهوا(١) الصخور في المضائق على الناس، والروم وراء الناس مع الدمستق يقتلون ويأسرون، ولا منفذ لسيف الدولة، ولكن معه أربعمئة أسير من وجوه الروم فضرب أعناقهم، وعقر جماله وكثيراً من دوابّه وحرق الثقل، وقاتل قتال الموت، ونجا في نفرٍ يسير.

واستباح الدمستق أكثر الجيش وأسر أمراء وقضاة.

ووصل سيف الدولة إلى حلب ولم يَكد، ثمّ مالت الروم، فعاثوا وسبوا، وتزلزل الناس، ثمّ لطف الله تعالى وأرسل الدمستق إلى سيف الدولة يطلب الهدنة، فلم يجب سيف الدولة، وبعث يتهدّده، ثمّ جهّز جيشاً، فدخلوا بلد الروم من ناحية حرّان، فغنموا وأسروا خلقاً، وغزا أهل طرسوس أيضاً في البحر والبرّ، ثمّ سار سيف الدولة من حلب إلى آمِد، فحارب الروم وخرّب الضياع وانصرف سالماً.

وأمّا الروم فإنّهم احتالوا على أخذ آمِد، وسعى لهم في ذلك نصرانيّ على أن ينقب لهم نقباَ من مسافة أربعة أميال حتّى

____________________

(١) دهدهوا: من فعل دهده الحجر أي دحرجه.


وصل إلى سورها ففعل ذلك، وكان نقباً واسعاً فوصل إلى البلد من تحت السور، ثمّ عرف به أهلها فقتلوا النصرانيّ، وأحكموا ما نقبه وسدّوه.

قال أبو الطيّب: وقد ركب سيف الدولة في بلد الروم من نزلٍ يُعرف بالسنبوس في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة، وأصبح وقد صفّ الجيش يريد (سَمَنْدُوا)، وكان أبو الطيّب متقدّماً، فالتفت فرأى سيف الدولة خارجاً من الصفوف يدير رمحاً فعرفه فردّ الفرس إليه فسايره، وأنشده:

لهذا اليوم بعد غدٍ أَريجُ ونار في العدوّ لها أَجيجُ

ومرّ سيف الدولة في هذه الغزاة بسَمَنْدُوا وعبر (آلِس) وهو نهرٌ عظيم، ونزل على صارِخَة فأحرق ربضها وكنائسها وربض خرشنة وما حولها، فأكثر القتل، وأقام بمكانه أيّاماً ثمّ رحل حتّى عبر آلِس راجعاً، فلمّا أمسى ترك السواد وأكثر الجيش وسرى حتّى جاز خرشنة، وانتهى إلى بطن اللُّقان في غدٍ ظهراً، فلقي الدمستق به، وكان الدمستق في ألفٍ من الخيل، فلمّا نظر إلى أوائل خيل المسلمين ظنّها سريّة فثبت لها وقاتل حتّى هزمهم، وأشرف عليه سيف الدولة، فانهزم الدمستق فقُتل من فرسانه خلقٌ كثير، وأُسر من بطارقته وزراوِرته وَوجوه رجاله ما يزيد على الثمانين. وأفلت الدمستق، وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده، فقفل غانماً، فلمّا وصل إلى عقبةٍ تُعرف بِمَقْطَعَةِ الأنفال صافّه العدوّ على رأسها وأخذ ساقة الناس يحميهم، فلمّا انحدر بعد عبور الناس ركبه العدوّ ؛ فجرح من الفرسان جماعة، ونزل سيف الدولة على (بَرَدا) وهذا نهر، وضبط العدوّ عقبة الشِير وهي عقبة صعبة طويلة، فلم يقدر على صعودها لضيقها وكثرة العدوّ بها ؛ فعدل متياسراً في طريق وَصَفَه له بعض الأدلّة، وأخذ ساقة الناس، وكانت الإبل كثيرة مثقلة معييّة، وجاءه العدوّ آخر النهار من خلفه فقاتله إلى العشاء، وأظلم الليل وتسلّل أصحاب سيف الدولة... سوادهم(١) ، فلمّا خفّ عنه أصحابه سار حتّى لحق السواد تحت عقبة قريبة من بُحيرة الحدث، فوقف وقد أخذ العدو الجبلين من الجانبين، وجعل سيف الدولة يستنفر الناس ولا ينفر أحدٌ منهم، ومن نجا من العقبة نهاراً لم

____________________

(١) قاصدين سوادهم.


يرجع، ومن بقي تحتها لم يكن فيه نَصْرَة.

وتخاذل الناس وكانوا قد ملّوا السفر فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة والزَراوِرَة وكلّ من كان في السلاسل، وكان فيها مئات.

وانصرف سيف الدولة، واجتاز أبو الطيّب آخر الليل بجماعةٍ من المسلمين بعضهم نام بين القتلى من التعب وبعضهم يحرّكونهم فيُجهِزون على من تُرك ؛ فلذلك قال:

وجدتموهم نِياماً في دمائكُم كـأنّ قتلاكُمُ إِيّاهم فَجَعوا

توقّف سيف الدولة في الغزاة الصائفة في جمادى الأُولى من سنة أربعين وثلاثمئة ببقعة (عَرْبَسُوس) على إحراق القرى، ثمّ أصبح صافّاً يريد (سَمَنْدُو)، وقد اتّصل أنّ العدوّ جامع معدّ في أربعين ألفاً، فتهيّب جيش سيف الدولة الإقدام عليها، وأحبّ سيف الدولة المسير إليها، فاعترضه أبو الطيّب فأنشده فلمّا بلغ قوله:

وإنْ كنتَ سيف الدولة العَضْبَ فيهم فدَعْنا نكُنْ قبلَ الضِّراب القَنا اللَّدنا

قال له سيف الدولة: قل لهؤلاء، وأومأ بيده إلى مَن حوله مِن العرب والعجم يقولون كما تقول حتّى لا ننثني عن الجيش، فما تجمّل أحدٌ منهم بكلام الخ....

(رَعْبان) مدينة بالثغور بين حلب وسُمَيْساط قرب الفرات معدودة في العواصم، وهي قلعة تحت جبل ضربتها الزلزلة سنة أربعين وثلاثمئة، فأنفذ سيف الدولة أبا فراس بن حمدان في قطعةٍ من الجيش، فأعاد عمارتها في سبعة وثلاثين يوماً، فقال أحد شعرائه يمدحه:

أرضيت ربَّك وابن عمّك والقنا وبَـذلْتَ نـفساً لم تزل بَذَّالَها

ونزلتَ (رَعْباناً) بما أَوْلَيْتَها تُـثْني عـليك سُهولها وجبالها

أوّل الثغور ممّا يلي جبل اللُّكان (مَرعش) أخْربتها الروم سنة سبع وثلاثين، فبناها سيف الدولة بن حمدان في سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة.

وجاء الدمستق ليمنع من بنائها، فقصده سيف الدولة، فولّى هارباً، وتمّم سيف الدولة عمارتها.


وفي سنة ٣٤٢ هـ (٩٥٣ - ٩٥٤م): رحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر لاضطراب البلاد بها، فنزل حرّان، فأخذ رهائن بني عُقَيل وقَشَيْر وعَجْلان، وحدث له بها رأيٌ في الغزو، فعبر الفُرات إلى (دُلوك) إلى قنطرة صَنْجَة إلى درب القلة، فشنّ الغارة على أرض عَرْقة وَمَلَطْيَة، وعاد ليعبر الفرات من درب (مَوْزار)، فوجد العدوّ قد ضبطه عليه، فرجع، وتبعه العدوّ، فعطف عليه، فقتل كثيراً من الأرمن، ورجع إلى مَلَطْية، وعبر قُباقِب وهو نهر، حتّى ورد المخاض على الفرات تحت حصن يُعرف بالمِنْشار، فعبر إلى نهر (هِنْزِيط) و(سُمْنِين)، ونزل بحصن (الران)، ورحل إلى سُمَيْساط، فورد عليه بها من خبره أنّ العدوّ في بلد المسلمين، فأسرع إلى دُلوك وعبرها، فأدركه راجعاً على (جَيْحان)، فهزمه، وأسر قسطنطين ابن الدمستق وجرح الدمستق في وجهه، وكان الإيقاع به يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأوّل، فقال أبو الطيّب يصف ما كان في جمادى الآخرة من هذه السنة:

لياليّ بعد الظاعنين شُكولُ طوالٌ وليل العاشقين طويلُ(١) )

(قال ابن شدّاد في الأَعْلاق الخطرة):

(وفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة: غزا سيف الدولة مَلَطْية وشاطئ الفرات، وقتل من الروم وسبى وأسر قسطنطين بن الدمستق، ولم يزل عنده إلى أن مات في أسره، وكان كتب إلى أبيه الدمستق، ولم يزل عنده إلى أن مات في أسره، وكان كتب إلى أبيه الدمستق بإكرام سيف الدولة، وهو الذي كان يخدمه في مرضه، فرأى منه الشفقة واللطف الذي فعله، وقيل إنّ قسطنطين المأسور كان في غاية الحسن، فبذل أبوه فيه ثمانمئة ألف دينار وثلاثة آلاف أسير، فاشتطّ سيف الدولة، فسيّر الدمستق إلى عطّارٍ نصرانيّ بحلب، وأمره أن يسقي ولده سمّاً ففعل ومات، وعُدّت هذه من غلطات سيف الدولة).

سار سيف الدولة نحو ثغر الحدث لبنائها، وقد كان أهلها أسلموها إلى الدمستق بالأمان سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة، فنزل سيف الدولة يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٧١ إلى ص ٩٩.


وثلاثمئة، وبدأ في يومه فحطّ الأساس وحفر أوّله بيده ابتغاء ما عند الله تعالى ذكره، فلمّا كان في يوم الجمعة نازله ابن الفُقاس دمستق النصرانيّة في نحو خمسين ألف فارس وراجل من جموع الروم والأرمن والروس والصَقْلَب والبلغر والخَزَرِيَّة، ووقعت المصافّة يوم الاثنين انسلاخ جمادى الآخرة، من أوّل النهار إلى وقت العصر، وإنّ سيف الدولة حمل عليه بنفسه في خمسمئة من غلمانه ورجاله، فقصد موكبه وهزمه، وأظفره الله تعالى به، وقتل نحو ثلاثة آلاف رجل من مقاتلته وأسر خلقاً من أسْخَلارِيَّتهِ وأَراخِيَتِه، فقتل أكرهم، واستبقى بعضهم، وأسر (تُودِس) الأعور بطريق سَمَنْدُوا ولُقَنْدُوا وهو صهر الدمستق، وأسر ابن ابنة الدمستق، وأقام على الحدث إلى أن بناها ووضع آخر شرافة منها بيده في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، فقال أبو الطيب المتنبّي، وأنشده إيّاها بعد الوقعة بالحدث:

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتـأتي على قدر الكرام المكارمُ

قال السري في بناء الحدث:

رفعتَ بالحَدَث الحصن الذي خَفَضَتْ مـنه الـحوادثُ حـتّى ذلّ جـانبُه

أَعـدتـه عَـدَويّـاً فـي مـناسبة مـن بـعد مـا كـان روميّاً مناسبه

فـقد وَفَى عرضُه بالبيدِ واعترضت طـولاً عـلى مَنْكِب الشِعْرَى مناكبه

مُـصغٍ إلـى الجوّ أعلاه فإن خَفَقَت زهـر الـكواكب خِـلناها تخاطبه

كـأنّ أبـراجه مـن كـلِّ نـاحيةٍ أبـراجها والـدّجى وَحْـفٌ غياهبه

ووصفها أبو الطيّب في قصيدته التي مر مستهلّها فلا نذكر ما ورد منها في الكتاب.

ورد على سيف الدولة الخبر آخر النهار، يوم الثلاثاء لستّ خلون من جمادى الأُولى سنة أربع وأربين وثلاثمئة بأنّ الدمستق وجيوش النصرانيّة قد نازلت ثغر الحدث في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدّرت أنّها فرصة لما تداخلها من القلق والانزعاج والوصم في تمام بنائه على يد سيف الدولة ؛ ولأنّ ملكهم ألزمهم قصدها وأنجدهم بأصناف الكفر من البُلْغَر والروس والصَقْلَب وغيرهم، وأنفذ معهم العدد ؛ فركب سيف


الدولة لوقته نافراً، وانتقل إلى غير الموضع الذي كان فيه، ونظر فيما يجب النظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء لسبع خلون، فنزل (رَعْبَان) وأخبار الحدث مستعجمة عليه لضبطهم الطرق وتقديرهم أن يخفى عليه خبرهم.

فلمّا أسحر، لبس سلاحه، وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفاً، فلمّا قرب من الحدث عادت إليه الطلائع بأنّ عدوّ الله لمّا أشرفت عليه خيول سيف الدولة على عقبة تُسمّى العبراني رحل ولم يستقرّ به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار بالخبر خوفاً من كمين يعترض للرسل.

فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنّهم نازلوه وحاصروه فلم يُخْلِه الله (عزّ وجلّ) من نصرة عليهم إلاّ في نقوب نقبوا في فصيلٍ كان قديماً للمدينة، وأتتهم طلائعهم بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر (رَعْبان)، فوقعت الضجّة فيهم وظهر الاضطراب، وولّى كل فريق على وجهه.

وخرج أهل الحدث، فأوقعوا ببعضم وأخذوا آلة حربهم، فأعدّوها في حصنهم فقال أبو الطَيِّب:

ذي المعالي فَلْيَعْلُوَنْ مَن تَعالَى هـكـذا هـكذا وإلاّ فَـلاَ لاَ

وفي سنة خمس وأربعين وثلاثمئة: غزا الأمير سيف الدولة ووطئ من أرض الروم موطئاً لم يطأه المسلمون منذ ثلاثين سنة، وكان قد أخذ معه سفناً مُخلعة وأطوافاً تعبر عليها نهر (أَرْسَناس)، وقصد مدينة تلّ بطريق فأحرقها، وبلغ من الروم مبلغاً عظيماً، وقتل منهم نحو أربعة آلاف رجل، وغنم ما يفوت الإحصاء من الدوابّ والديباج، وعاد سالماً إلى آمد فدخلها، وأنشد في ذلك أبو الطيّب قصيدته التي أوّلها:

الرأي قبل شجاعة الشجعانِ هو أوّلٌ وهي المحلّ الثاني

غزا سيف الدولة إلى بَطْن (هِنْزِيط) في سنة خمس وأربعين وثلاثمئة، ونزل شاطئ نهر أرْسَناس وعبر إلى الجانب الآخر في الزواريق، وكان يأنِس بن الشُمُشْقِيق في تلّ بِطْرِيق، فكبسه سيف = هكذا هكذا وإلاّ فَلاَ لاَ

وفي سنة خمس وأربعين وثلاثمئة: غزا الأمير سيف الدولة ووطئ من أرض الروم موطئاً لم يطأه المسلمون منذ ثلاثين سنة، وكان قد أخذ معه سفناً مُخلعة وأطوافاً تعبر عليها نهر (أَرْسَناس


وكان سيف الدولة قد خلّف بدلُوك أبا العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان ورسم له النزول على حصن (عرمدا) وبناه، وخرج لاوُن البطريق ابن الدمستق، ولقيه أبو العشائر، فأسره لاوُن وحمله إلى القسطنطينية ومات في الأسر.

وغزا سيف الدولة في سنة خمس وأربعين وثلاثمئة، وأنفذ سريّته إلى سمندو، فوجدوا (أَسْتَراتِيغُوس بن البَلَنْطَس) وأسروه، وقتل وأحرق وأسر وعاد.

وقصد سيف الدولة حصن زياد وحاصره، واتّصل به أنّ الدمستق متوجّه إلى الشام، فتسرّع إلى لقائه ودفعه.

وفي هذه السنة في رجب، سار سيف الدولة في جيوشٍ إلى بلاد الروم، وغزاها حتّى بلغ خَرْشَنَة وصارِخة، وفتح عدّة حصون، وسبى وأحرق وخرّب وأكثر القتل فيهم، ورجع إلى أذنة فأقام بها حتّى جاءه رئيس طَرَسُوس، فخلع عليه وأعطاه شيئاً كثيراً، وعاد إلى حلب. فلمّا سمع الروم بما فعل جمعوا وساروا إلى ميّافارقين، وأحرقوا سوادها ونهبوه وخرّبوا وسبوا أهله ونهبوا أموالهم وعادوا.

وفي هذه السنة في جمادى الآخرة، سار الروم في البحر فأوقعوا بأهل طرسوس وقتلوا منهم ألفاً وثمانمئة رجل، وأحرقوا القرى التي حولها.

قال أبو الطيّب، وقد تُحُدِّث بحضرة سيف الدولة أنّ البطريق أقسم عند ملكه أنّه يعارض سيف الدولة في الدرب، وسأله أن ينجده ببطارقته وعدَده وعُدَده ففعل، فخاب ظنّه، أنشده إياها سنة خمس وأربعين وثلاثمئة وهي آخر ما أنشده بحلب:

عُقْبَى اليَمين على عُقْبَى الوَغى نَدمُ مـاذا يَـزيدُك فـي إقدامك القَسَمُ(١) )

(نزل الدمستق على حصن الحدث وفتحه صلحاً، في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وأربعين وثلاثمئة وآمن أهله، وانصرفوا إلى حلب، وأخرب الدمستق حصن الحدث، وسار يانِس بن الشُمُشْقيق إلى ناحية آمِد وأَرْزن

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ١٠٥ إلى ص ١١٨.


وميّافارقين، ونزل على حصنٍ يُقال له اليَمَاني من عمل آمِد في سنة سبع وأربعين وثلاثمئة.

وسيّر إليه سيف الدولة غلامه (نجا الكاسكيّ) في عشرة آلاف، والتقاهم ابن الشمشقيق، وانهزم نجا، وقتل الروم من عسكره زهاء خمسة آلاف وأسروا نحو ثلاثة آلاف، واستولوا على جميع سواد نجا، وسار أيضاً (بَسِيل البارَكِمومِنس) ويانِس بن الشمشقيق ونزلا على سُمَيْساط وفتحاها في بعض يوم، ورحلا عنها إلى رعبان وحاصرها، فسار سيف الدولة وتبعه ابن الشمشقيق فأوقع بعسكره وقتل وأسر من أهله وأصحابه ووجوه غلمانه ما يكثر عدده وذلك في شعبان سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وأدخل إلى القسطنطينية من الأسرى ألف وسبعمائة فارس، وطُوِّف بهم وهم ركّاب خيولهم ولابسون سلاحهم.

وغارت الروم على قُوُرس وسبوا خلقاً من أهلها، وأسرى إليهم سيف الدولة واستخلص الأسرى(١) .

وسار لاوُن بن بردس الفقاس إلى نحو طرسوس وسبى وقتل، وفتح الهارونيّة في أوّل شوّال سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة.

وورد لاون الدمستق إلى ناحية ديار بكر في سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة.

وتوجّه سيف الدولة من حلب إلى هناك، ورحل الدمستق إلى ناحية الشام، وقتل من أهله عدداً متوافراً، وأخرب حصوناً كثيرة، وأسر محمد بن ناصر الدولة(٢) ).

(وتهيأ المسلمون للغزو إلى بلاد الروم، وركب كافور الإخشيدي إلى دار الصناعة، ووقف ليطرح مركباً حربيّاً عظيماً كان بها إلى البحر، وكان على الشطّ مركبٌ آخر مرسى، فاجتمع الناس فيه وجلسوا على حافّته وتزاحموا عليه لينظروا إلى نزول المركب إلى البحر، فانقلب ذلك المركب الذي كانوا مجتمعين فيه بهم ومال عليهم فقتلهم بأجمعهم، وغرق عدّة من المراكب الملاصقة له في البحر مملوءة ناساً، وهلك جميع مَن كان فيها، ومات من الناس زهاء خمسمئة رجل، وذلك يوم السبت لتسع خلون من صفر سنة تسع وأربعين وثلاثمئة، ولم يبق بمصر سكّة إلاّ وكان فيها مأتم(٣) ).

____________________

(١) نُخب تاريخية وأدبيّة... ص ١٢٦ و ١٢٧.

(٢) نفسه ص ١٢٨.

(٣) نفسه ص ١٣٤.


(وفي سنة ٣٤٩ هـ غزا سيف الدولة بلاد الروم في جمعٍ كثير، فأثّر فيها آثاراً كثيرةً، وأحرق وفتح عدّة حصون، وأخذ من السبي والأسرى شيئاً كثيراً، وبلغ إلى خرشنة.

ثمّ إنّ الروم أخذوا عليه المضايق، فلمّا أراد الرجوع قال له مَن معه من أهل طَرسُوس:

إنّ الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك فلا تقدر على العود منه، والرأي أن ترجع معنا. فلم يقبل منهم، وكان معجباً برأيه يحب العود منه، والرأي أن ترجع معنا.

فلم يقبل منهم، وكان معجباً برأيه يحب أن يستبدّ ولا يشاور أحداً ؛ لئلاّ يُقال إنّه أصاب برأي غيره، وعاد في الدرب الذي دخل منه، فظهر الروم عليه واستردّوا ما كان معه من الغنائم، وأخذوا أثقاله، ووضعوا السيف في أصحابه، فأتوا عليه قتلاً وأسراً.

وتخلّص هو في ثلاثمئة رجل بعد جهدٍ ومشقّة، وهذا من سوء رأي كلّ من يجهل آراء الناس العقلاء، والله أعلم بالصواب.

سار نجا من حضرة سيف الدولة في جيشٍ كيف، فنزل على حصن ذي القرنين محاصراً لأهله، ووافى ميخائيل بطريق بطن هِنْزيط وترنيق وغيرهم في جمعٍ عظيمٍ قيل إنّهم في عشرة أمثال المسلمين، فلقيهم نجا، فقتل أكثرهم وهزم باقيهم، وأسر تُرنيق وغيره، والتجأ جماعةٌ منهم إلى جبلٍ ليس له طريق، فمضى إليهم وطلعه وقتلهم فيه، ورمى أكثرهم نفسه، وطلب بعضهم الأمان فلم يؤمنهم نجا، ونظروا غرّة فخرجوا هاربين، وركبوا عليهم فقتلوا منهم وأسروا مئة وخمسين، ونجا الباقون.

وفي سنة ٣٥٠ هـ سار نجا غلام سيف الدولة إلى هِنْزِيط، فلقيه عبد الله المَلَطِيّ والروم، فهزمهم وقتل منهم مقتلةً عظيمة، وانصرف سالماً ومعه من السبي ستمئة رأس ومئتا فرس، ثمّ سار إلى بلد ابن مَسْلَمة، فسبى وقتل وانصرف، فأخذ عليه الروم الدرب، فقتل كلّ مَن معه من الأُسارى، واستقبل هو ومَن معه، وقاتل على الدرب حتّى ملكه وهزم من عليه، وخرج ومن معه سالمين.

ثمّ سار إلى قاليقلا، فأسر خمسمئة فارس وسبى وأخذ من الأبقار والأغنام ما أعجز المسلمين سَوقه، ورجع إلى حلب.

وفي هذه السنة ورد الروم عين زَرْبَة في مئة وستّين ألفاً وهي في سفح جبل، والجبل مطلّ عليها، فلمّا جاءه الدمستق في هذا الجمع العظيم، أنفذ قطعةً من جيشه إلى


الجبل، ونزل هو على بابها، فملك جيشه الجبل، فلمّا رأى أهل عين زربة أنّ الجبل قد مُلِك عليهم، وأنّ جيشاً آخر قد ورد إلى باب المدينة، وأنّ مع الدمستق دبّابات كثيرة، وأنّه قد أخذ في نقب السور، طلبوا منه الأمان، فآمنهم، وفتحوا له باب المدينة، فدخلها، فوجد خيله الذين في الجبل قد نزلوا إلى المدينة، فندم على إعطائهم الأمان، فنادى في البلد من أوّل الليل بأن يخرج جميع أهله إلى المسجد الجامع، وأنّ من تأخّر في منزله قُتل.

فخرج مَن أمكنه الخروج، فلمّا أصبح أنفذ رجّالته في المدينة، وكانوا ستّين ألف رجل وكلّ مَن وجدوا في منزله قتلوه، فقتلوا عالَماً من الرجال والنساء والصبيان والأطفال، وأمر بجمع ما في البلد من السلاح، فجُمع منه أمر عظيم، وكان في جملته أربعون ألف رمح.

وقُطع ما في البلد من النخل، فقطع نحو خمسين ألف نخلة، ونادى فيمن حصل في المسجد الجامع من الناس بأن يخرجوا من البلد إلى حيث شاؤوا وأنّ مَن أمسى ولم يخرج قُتل.

فخرج الناس مبادرين، وتزاحموا في الأبواب، فمات بالضغط جماعةٌ من الرجال والنساء والصبيان، ومرّوا على وجوههم حفاة عراة لا يدرون إلى أين يتوجّهون، فماتوا في الطرقات، ومن وُجد في المدينة آخر النهار قُتل.

وأُخذ كلّ ما خلّفه الناس من أمتعتهم وأموالهم، وهُدم السوران اللذين على المدينة، وهُدمت المنازل وبقي الدمستق مقيماً في بلدان الإسلام أحد وعشرين يوماً، وفتح حول عين زربة أربعة وخمسين حصناً، منها بالسيف ومنها بالأمان. فكان في بعض الحصون التي فُتحت بالأمان حصن أمر أهله بالخروج منه فخرجوا، فتعرّض بعض الأَرْمَن للنساء اللواتي خرجن منه، فلحق رجالهن غيرة عليهن، فجرّدوا سيوفهم، فاغتاظ الدمستق منهم وأمر بقتل الجميع، وكانوا أربعمئة رجل، وقتل النساء والصبيان ولم يترك إلاّ كلّ جارية حدثة ومَن يصلح أن يسترقّ.

فلمّا أدركه الصوم انصرف على أن يعود بعد الفطر، وزعم أنّه يخلف جيشه بقَيْساريّة.

وكان ابن الزيّات صاحب طرسوس خرج في أربعة آلاف رجل من الطرسوسيين، فأوقع بهم الدمستق وقتل جميع مَن كان معه، وقتل أخاه.

وكان ابن الزيّات قد قطع الخطبة لسيف الدولة، فلمّا أصابهم هذا الوهن أعاد أهل البلد الخطبة لسيف الدولة وراسلوه بذلك، فلمّا وقف ابن الزيّات على ذلك لبس سلاحه واعتمّ وخرج إلى رَوْشَن داره، وكانت داره على


شاطئ نهر، فرمى بنفسه من داره إلى النهر فغرق.

وفي هذه السنة أيضاً فتح الروم حصن دلوك وثلاثة حصون مجاورة له بالسيف.

وفيها في جمادى الآخرة، أعاد سيف الدولة بناء عَيْن زَرْبَة، وسيّر حاجبه في جيشٍ مع أهل طرسوس إلى بلاد الروم، فغنموا وقتلوا وسبوا، وعادوا، فقصد الروم حصن (سِيسِيَّة) فملكوه.

وفيها سار نجا غلام سيف الدولة في جيش إلى حصن زياد، فلقيه جمعٌ من الروم، فهزمهم، واستأمن إليه من الروم خمسمئة رجل.

وفيها في شوّال أسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من مَنبج، وكان متقلّداً لها.

(فصل يذكر فيه وقع نجا فتى سيف الدولة (رحمه الله) بالروم على باب حصن زياد وظفره بهم بعد خمسين حملة كانت بينهم في يوم السبت لستّ بقين من شعبان سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة)

(أيّها الناس وجب شكر مَن لم يزل شكر نعمه واجباً، وغلب حزب مَن كان حزبه أبداً غالباً، فليكن كلُّ امرئٍ منكم لربّه حامداً، وليبعث إليه من إخلاصه وافداً، على ما أنعم به عليكم من بركة هذا الشهر، وأيّد به أولياءه من جميل الصبر، ومنحهم من جليل الفتح والنصر، وأدال لهم من الكفرة أهل العناد والعذر، بعد تفاقم الأمر، وتطاول الكرّ والفرّ، وتراسل الرمي السعر، وتشاجر الطعن النَتْر، وتلاحم الضرب الهبر، واختيار الموت في حلله الحُمْر. حتى إذا أدارت رحى الحرب دوائرها، وبلغت قلوب الأبطال حناجرها، وظنّ المؤمنون أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه، وبذلوا نفوسهم ابتغاء ما لديه ؛ اطّلع الله على صدق نيّاتهم فثبّتهم وأيّدهم، وعلى خبث طويّات أعدائه فشتّتهم وبدّدهم، وأمكن إخوانكم المسلمين من نواصيهم، وألجأ من أخّره القضاء منهم إلى صياصيهم(١) نعمةً من الله عليكم تامّة، ورحمة على الإسلام والمسلمين عامّة. فأديموا رحمكم الله حمد الله يُدِم لكم مواصلة نعمه. والجأوا إليه يصرف عنكم قوارع نقمه. وابتهلوا إليه بالدعاء في حراسة من شمر في

____________________

(١) صياصي مفردها صيصية، الصياصي كلّ ما يمتنع به وهي الحصون.


حراستكم، وتمكين مَن بذل مهجته في صيانتكم، الليث الممارس، والكمي المداعس، الراغب في الجهاد المناقس، الأمير المؤيّد أبي الفوارس. تمَّم الله له ولمن معه السلامة، وهنأهم الظفر والكرامة، وجمع بهم أُلْفَة الإسلام وشمله، وشتت بهم كلمة الكفر وأهله(١) ).

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ١٣٤ إلى ص ١٤.


واقعة حلب

(قال علي بن محمد الشِمْشَاطي في تاريخه:

في ذي القعدة سنة ٣٥١ هـ أقبلت الروم، فخرجوا من الدروب، فخرج سيف الدولة من حلب، فتقدّم إلى عَزَازَ في أربعة آلاف فارس وراجل، ثمّ تيقّن أنّه لا طاقة له بلقاء الروم لكثرتهم، فردّ إلى حلب، وخيّم بظاهرها ليكون المصافّ هناك.

ثمّ جاءه الخبر بأنّ الروم مالوا نحو القَمْق، فجهّز فتاه نجا في ثلاثة آلاف لقصدهم، ثمّ لم يصبر سيف الدولة فسار بعد الظهر بنفسه.

ونادى في الرعيّة: من لحق بالأمير فله دينار، فلمّا سار فرسخاً لقيه بعض العرب فأخبره أنّ الروم لم يَبْرَحوا من (جِبْرين)، وأنّهم على أن يصبحوا في حلب، فردّ إلى حلب ونزل على نهر قُوَيْق، ثمّ تحوّل من الغد فنزل على باب اليهود وبذل خزائن السلاح للرعيّة.

وأشرف العدوّ في ثلاثين ألف فارس، فوقع القتال في أماكن شتّى، فلمّا كان العصر وافى ساقة العدو في أربعين ألف راجل بالرماح، وفيهم ابن الشمشقيق، وامتدّ الجيوش على النهر، وأحاطوا بسيف الدولة، فحمل عليهم، فلمّا ساراهم لوى رأس فرسه وقصد ناحية بالِس، وساق وراءه ابن الشمشقيق في عشرين ألفاً، فانكفأ أصحابه، وانهزمت الرعيّة الذين كانوا على النهر عندما انصرف سلطانهم وأطلّهم السيف، وازدحموا في الأبواب، وتعلّق طائفة من السور بالجبال، فقُتل منهم فوق الثلاثمئة، وقُتل من الكبار أبو طالب بن داود بن حمدان وابنه، وداود بن علي، وأُسر كاتب سيف الدولة الفيّاضي وأبو نصر إلى ابن حسن ابن حمدان.

وكان عسكر الملاعين ثمانين ألف فارس والسواد فلا يحصى.


ثمّ تقدّم من الغد مُنْتَصر حاجب الدمستق إلى السور، فقال: أخرجوا إلينا شيخين تعتمدون عليهما، فخرج شيخان إلى الدمستق فقرّبهما، وقال:

إنّي أحببت أن أحقن دماءكم فتخيّروا إمّا أن تشتروا البلد أو تخرجوا عنه بأهلكم.

وإنّما كان ذلك حيلة منه، فاستأذناه في مشاورة الناس، فلمّا كان من الغد أتى الحاجب، فقال:

لتخرج إلينا عشرة منكم لنعرف ما عمل عليه أهل البلد.

وكان رأي أهل البلد على الخروج بالأمان، فخرج العشرة وطلبوا الأمان، وتدخّل الروم.

فقال الدمستق: صحّ ما بلغني عنكم. قالوا: ما هو؟

قال: بلغني أنّكم قد أقمتم مقالتكم في الأزقّة مختفين، فإذا خرج الحرم والصبيان ودخل أصحابي للنهب اغتالوهم. فقالوا: ليس في البلد من يقاتل.

قال: فاحلفوا... فحلفوا له، وإنّما أراد أن يعرف صورة البلد، فحينئذٍ تقدّم بجيوشه إلى قبالة السور، ولجأ الناس إلى القلعة، ونصبت الروم سلالم على باب أربعين، وعند باب اليهود، وصعدوا فلم يروا مقاتلة.

فنزلوا البلد ووضعوا السيف وفتحوا الأبواب، وقُضي الأمر، وعمّ القتل والسَّبي والحريق طول النهار ومن الغد، وبقي السيف يعمل بها ستّة أيّامٍ إلى يوم الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة، فزحف الدمستق وابن شمشقيق على القلعة، ودام القتال إلى الظهر، فقُتل ابن الشمشقيق من عظمائهم ونحو مئة وخمسين من الروم، وانصرف الدمستق إلى مخيّمه ونودي: مَن كان معه أسير فليقتله، فقتلوا خلقاً كثيراً.

ثمّ عاد إلى القلعة فإذا طلائع قد أقبلت من نحو قِنَّسرين، وكانت نجدة لهم، فتوهّم الدمستق أنّهم نجدة لسيف الدولة، فترحّل خائفاً.

وفي هذه السنة، ورد الخبر بأن الدمستق ورد إلى حلب وملكها، وكان الدمستق وافاها ومعه ابن أخت الملك، ولم يعلم سيف الدولة ولا أحد بخبره لأنها كانت كبسة ؛ فلمّا علم سيف الدولة به أعجله الأمر فخرج نحوه وحاربه قليلاً، فقتل أكثر من معه، وقُتل جميع ولد داود بن حمدان وابن للحسين بن حمدان، فانهزم سيف الدولة في نفر يسير، وظفر الدمستق بداره، وهي خارج مدينة حلب، فوُجد لسيف الدولة من الورق ثلاثمئة وتسعون بدرة، فأخذها، ووُجد له ألف وأربعمئة بغل فتسلّمها، ووجد له من خزائن السّلاح ما لا يُحصى كثرةً، فقبض جميعها وأحرق الدار والربض، وقاتل أهل حلب من وراء السور، فقُتل من الروم جماعة


بالحجارة، وسقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم، وطمع الروم في تلك الثلمة، فأكبّوا عليها، ودفعهم أهل البلد عنها، فلمّا جنّهم الليل اجتمع المسلمون عليها فبنوها، وأصبحوا وقد فرغوا وعلوا عليها وكبّروا، وبعد الروم قليلاً إلى جبل هناك يُعرف بجبل (جوشن).

وذهب رجال الشرطة بحلب إلى منازل الناس، وخانات التجّار ينهبونها، وقيل للناس: الحقوا بمنازلكم فإنّها قد نُهبت. فنزلوا عن السور وأخلوه ومضوا إلى منازلهم مبادرين ليدفعوا عنها، فلمّا رأى الروم السور خالياً وطالت المدّة تجاسر الروم وصعدوا وأشرفوا على البلد، ورأوا الفتنة فيه والنهب، فنزلوا وفتحوا الأبواب ودخلوا، فوضعوا السيف في الناس، فقتلوا كلّ مَن لقيهم، ولم يرفعوا السيف إلى أن كلّوا وضجروا. وكان في البلد من أسارى الروم ألف ومائتا رجل، فتخلّصوا وحملوا السلاح على المسلمين.

وكان سيف الدولة قد أعدّ من الروم سبعمئة رجل ليفادي بهم، فأخذهم الدمستق، وسبى من البلد من المسلمين والمسلمات بضعة عشر ألف صبيّ وصبيّة، وأخذ من خزائن سيف الدولة وأمتعة التجّار ما لا يُحدّ ولا يُوصف كثرةً، فلمّا لم يبق معه شيءٌ يحمل عليه أحرق الباقي بالنار، وعمد إلى الحِباب(١) التي يُحرَز فيا الزيت فصبّ فيها الماء حتّى فاض الزيت على وجه الأرض، وأخرب المساجد، وأقام فيها تسعة أيّام.

وكان بذلك لأهل البلد قبل أن يفتحه الأمان على أن يسلّموا إليه ثلاثة آلاف صبيّ وصبيّة، ويحملوا إليه مالاً وأمتعةً حدّها، وينصرف عنهم، فلم يستجيبوا له إلى ذلك.

وذُكر أنّ عدّة رجاله كانت مئتي ألف رجل، وأنّ عدّة أصحاب الجواشن(٢) فيهم ثلاثون ألف رجل، وفيهم ثلاثون ألف صانع للهدم ولتطريق الثلج، وأربعة آلاف بغل عليها حسك الحديد، يطرحه حول عسكره بالليل وخَرْكاهات(٣) عليها لبود مغربيّة.

فمَن صعد قلعة حلب تخلّص بحشاشته.

____________________

(١) الحِباب: مفردها الحُبّ: الجرّة الكبيرة أو الخابية.

(٢) الجواشن: مفردها الجَوْشَن: الدّرع، الصدر.

(٣) خركاه: نوع من الخِيم.


فلمّا كان بعد تسعة أيّام، أراد الدمستق أن ينصرف بما فاز به وحصل في يده، فقال له ابن أخت الملك: هذا بلد قد حصل في أيدينا، وليس بإزائنا من يدفعنا عنه، ومَن كان فيه من العلويّة وبني هاشم والوزراء والكتّاب، ومَن لهم أموال مقيمون في القلعة، فبأيّ سببٍ ننصرف عنه قبل فتح القلعة؟...

فقال له الدمستق: قد وصلنا إلى ما لم نكن نقدره ولا يقدره الملك، وقتلنا وسبينا وأسرنا وأحرقنا وهدمنا وخلّصنا أُسراءنا، وأخذنا مَن أردنا أن نُفادي به بلا فدية، وغنمنا غنيمةً ما سُمع بمثلها، ومَن حصل في القلعة فهم عراة، وإذا نزلوا هكلوا ؛ لأنّهم لا يجدون قوتاً، والرأي أن ننصرف عنهم، فإنّ طلب النهايات والغايات رديء.

فأقام ابن أخت الملك على أمره، ولحّ وقال: لا أنصرف أو أفتح القلعة.

فلمّا لحّ قال له الدمستق: فانزل عليها وحاصرها، فإنّ الصورة والضرورة تقود مَن فيها إلى فتحها ؛ فقال: لا أفتحها إلاّ بالسيف... فقال له: شأنك وما تريد، فإنّي مقيم في عسكري على باب المدينة، فلمّا كان من غدٍ ترجّل وأخذ سيفاً ودرقة(١) وصعد راجلاً، والمسلك إلى باب القلعة ضيّق لا يحمل أن يسلكه أكثر من واحد، فصعد وتبعه أصحابه واحداً واحداً. وقد كان حصل في القلعة الجماعة من الدَيْلَم، فتركوه حتّى إذا قرب فتحو الباب وأرسلوا عليه حجراً فوقع عليه وانقلب، ثمّ وثب وهو مدوخ، فرماه واحد من الديلم بخشْت(٢) فأنفذ صدره، وركب رأسه، فأخذه أصحابه وانصرفوا إلى الدمستق، فلمّا رآه مقتولاً أحضر مَن كان أسر من المسلمين فضرب أعناقهم بأجمعهم.

وسار إلى بلد الروم بما معه، ولم يعرض لسواد حلب والقرى التي حولها، وقال لأهلها: هذا البلد قد صار لنا فلا تقصّروا في العمارة، فإنّا بعد قليل نعود إليكم.

ملك الروم دار سيف الدولة بظاهر حلب، وذرعها ستّة آلاف ذراع، وأخذ له منها ما لا يُحصى من أموال، شرح ذلك ثلاثمئة بدرة، مئة عين ومئتين ورق، وثلاثمئة وحمل من البزّ الفاخر، ومن الديباج الفاخر ممّا كان ادّخره من عهد رومانوس خمسون حملاً من أواني الذهب والفضّة مالا

____________________

(١) دَرَقَة: الترس من جلود ليس فيه خَشَب ولا عَقَب.

(٢) خِشْت: حربة.


يُحصى، ومن الخيل ثمانمئة رأس، ومن السلاح والمناطق والتجافيف والسيوف مئة حمل، ومن الجمال نحو ألفي جمل، ونقل سقوف الدار معه ؛ لأنّها كانت مذهّبة(١) ).

(استنصرت الروم على الإسلام بكائنة حلب، فضعف أمر سيف الدولة بعد تلك الملاحم الكبار التي طيّر فيها لبّ العدوّ ومزّقهم، ولله الأمر وما شاء الله كان.

ففي سنة ٣٥٢ هـ ٩٦٣م: عبرت الروم الفرات لقصد الجزيرة، وأغلق أهل الموصل الأسواق، واجتمعوا في المسجد الجامع لذلك، ومضوا إلى ناصر الدولة، فضمن لهم الغزو. ووردت الكتب من بغداد: أنّ الرعيّة أغلقت الأسواق، وذهبوا إلى باب الخلافة ومعهم كتاب بشرح مصيبة حلب، وضجّوا فخرج إليهم الحاجب، وأوصل الكتاب إلى الخليفة فقرأه، ثمّ خرج إليهم فعرّفهم أنّ الخليفة بكى وأنّه يقول: قد غمّني ما جرى، وأنتم تعلمون أنّ سيفي معزّ الدولة، وأنا أرسله إلى هذا.

فقالوا: لا نقنع إلاّ بخروجك أنت، وأن تكتب إلى سائر الآفاق، وتجمع الجيوش، وإلاّ فانعزِل لنولّي غيرك. فغاظه كلامهم، ثمّ وجّه إلى دار معزّ الدولة، فركب ومعه الأتراك فصرفهم صرفاً قبيحاً.

ثمّ لطف الله وجاءت الأخبار بموت طاغية الروم، وأنّ الخلف واقع بينهم في مَن يملّكونه، فطمع عسكر طرسوس، ودخلوا أرض الروم في عدّة وافرة، وأوقعوا بالروم ونصروا عليهم، وعادوا بغنائم لَمْ يُرَ من دهرٍ مثلها، فلمّا ردّوا إلى الدرب إذا هم بابن الملائني على الدرب، فاقتتلوا طول النهار، ونُصر المسلمون.

وبلغ سيف الدولة - أيضاً - اختلاف الروم ؛ فبادر ودوّخ الأعمال، وأحرق، وحصل من السبي أكثر من ألفين، ومن المواشي مئة ألف رأس، وفرح المؤمنون بالنصر والاستظهار على العدوّ، ثمّ بعد شهر أو شهرين توجّه سيف الدولة غازياً، فسار على حرّان وعطف على ملطْيَة فملأ يديه سبياً وغنائم، ثمّ خرج إلى آمد.

كانت موافاتهم يوم الاثنين لعشرٍ خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة، وذلك لليلة بقيت من تشرين الآخر، وعدّتهم ثمانية

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ١٤٥ إلى ص ١٥٤.


آلاف فارس وراجل في أحسن ما يكون من العدّة والجهازات والبنود التي كان فيها ما طوله خمسون ذراعاً في الهواء والبخت والعدد التي لَمْ يُرَ مثلها، ونزل بعد ذلك في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، وهو أوّل كانون الأوّل نجا فتى الأمير سيف الدولة في أربعة آلاف فارس وراجل في أعظم ما يكون من العدّة ؛ وذلك على فاقةٍ شديدةٍ من أهل ديار بكر إلى الغوث، وإشفاق وخوف من العدوّ(١) ) وخذله الله.

وفي سنة ٣٥٣ هـ ٩٥٤ م: ورد الخبر من حرّان بأنّه اجتاز بهم الغازي الوارد من خراسان، في نحو خمسة آلاف رجل ماضين إلى حلب إلى سيف الدولة.

وهذا الرجل وافى من خراسان على طريق أذربيجان، ثمّ إلى أرمينية، ثمّ إلى ميّافارقين، ثمّ إلى حرّان، ثمّ إلى حلب.

ثمّ ورد بأنّ هذا الغازي اجتمع مع نجا غلام سيف الدولة، فلم يلتفت نجا إلى حديث الغزو ولا إلى الخراساني. ومضى الغازي الخراساني إلى سيف الدولة، فلمّا اجتمع معه نفر إلى المِصِّيصة، وقد ورد الخبر بنزول الروم على المِصِّيصة في جيش ضخم، وفيه الدمستق، وأنّه أقام عليها سبعة أيّام، ونقب في سورها نيّفاً وستّين نقباً، ولم يصل إليها، ودفعه أهلها عنها، ثمّ انصرف لمّا ضاقت به المِيَر(٢) وغلا السعر، وبعد أن أقام في بلاد الإسلام خمسة عشر يوماً، وأحرق رستاق المِصِّيصة وأذنة وطرسوس ؛ وذلك لمعاونتهم أهل مصِّيصة فظفر بهم الروم، وقُتل منهم خمسة آلاف رجل، وقتل أهل أذنة من الروم عدداً قليلاً، وكذلك أهل طرسوس.

ولمّا مضى سيف الدولة والخراساني إلى المِصِّيصة وجدَ جيش الروم قد انصرف عنها، وتفرّقت جموع الخراساني لشدّة الغلاء في الثغور وبحلب، ورجع أكثرهم إلى بغداد، وعادوا منها إلى خراسان، وقبل انصراف الدمستق من المِصِّيصة وجّه إلى أهلها: بأني منصرف عنكم، لا لعجزٍ عنكم وعن فتح مدينتكم ولكن لضيق العلوفة، وأنا عائد إليكم بعد هذا الوقت، فمَن أراد منكم الانتقال إلى بلدٍ آخر قبل رجوعي فلينتقل، ومَن وجدته بعد عودي قتلته.

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ١٦٥ إلى ص ١٦٧.

(٢) المير: مفردها: ميرة: الطعام الذي يدّخره الإنسان.


وفي هذه السنة أيضاً (٣٥٣ هـ): نزل ملك الروم على طرسوس وحصرها، وجرى بينهم وبين أهلها حروبٌ كثيرةٌ، سقط في بعضها الدمستق ابن الشمشقيق إلى الأرض وكاد يُؤسر، فقاتل عليه الروم وخلّصوه، وأسر أهل طرسوس بطريقاً كبيراً من بطارقة الروم، ورحل الروم عنهم، وتركوا عسكراً على المصِّيصة مع الدمستق، فحصرها ثلاثة أشهر لم يمنعهم منها أحد، فاشتدّ الغلاء على الروم وكان شديداً قبل نزولهم ؛ فلهذا طمعوا في البلاد لعدم الأقوات عندهم، فلمّا نزل الروم زاد شدّةً، وكثر الوباء أيضاً، فمات من الروم كثير، فاضطرّوا إلى الرحيل(١) ).

(وفي سنة ٣٥٤ هـ ٩٦٥ م: ورد الخبر بأنّ نِقْفور ملك الروم، بنى بقيساريّة مدينة، وهي تقرب من بلدان الإسلام، وأنّ أهل المصِّيصة وطرسوس أنفذوا إليه رسولاً يسألونه أن يقبل منهم أتاوةً يؤدّونها إليه، على أن ينفذ إليهم صاحباً له ليقيم فيهم، فعمل على إجابتهم إلى ذلك، فورد عليه الخبر بأنّ أهل هذه البلدان قد ضعفوا جدّاً، وأنّه لا ناصر لهم ولا دافع له عنها، وأنّه لم تبق أقوات، وأنّه قد آل الأمر بأهل طرسوس إلى أكل الكلاب والميتة، وأنّه يخرج منها في كل يوم ثلاثمئة جنازة، فانصرف رأيه عمّا كان عمل عليه، وأحضر رسولهم وضرب له مثلاً، وقال:

مَثَلُكم مثل الحيّة في الشتاء، إذا لحقها البرد وذبلت وضعفت حتّى يقدّر من رآها أنّها قد ماتت، فإن أخذها إنسان وأحسن إليها وأدفأها انتعشت ولدغته، وأنتم إنّما بخَعْتُم بالطاعة لمّا ضعفتم، وإن تركتكم حتّى تستقيم أحوالكم تأذّيت بكم.

وأخذ الكتاب الذي أورده فأحرقه على رأسه فاحترقت لحيته، وقال:امضِ إليهم وعرّفهم أنّه ليس عندي إلاّ السيف. فانصرف، وجمع الملك جيوشه وعمل على أن ينفذ جيشاً إلى الشام، وجيشاً إلى الثغور، وجيشاً إلى ميّافارقين. وكان سيف الدولة بميّافارقين قد تخلّص البطارقة الذين في يد نجا، وكان بميّافارقين نحو ألف كُرّ حنطة فمزّقها وفرّقها لئلاّ تأخذها الروم.

ثمّ إنّ ملك الروم أنفذ إلى المصِّيصة قائداً من قوّاده، فأقام عليها يحارب أهلها، ثمّ جاء الملك بنفسه، فأقام عليها وفتحها عنوةً بالسيف،

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ١٧٣ إلى ص ١٧٦.


ووضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلةً عظيمةً، ثمّ رفع السيف، وأمر أن يساق مَن بقي في المدينة من الرجال والنساء والصبيان إلى بلد الروم، وكانوا نحو مئتي ألف إنسان، ثمّ سار عنها إلى طرسوس فحاصرها، فأذعن أهلها بالطاعة، فأعطاهم الملك الأمان، وفتحوا له أبوابها، فدخلها ولقي أهلها بالجميل، ودعا رؤوسهم إلى طعامه، فأكلوا معه، وأمرهم بالانتقال عنها، وأن يحمل كلّ واحدٍ من ماله وسلاحه ما أطاق حمله، ويخلّف الباقي، ففعلوا، وساروا، وسيّر معهم ثلاثة نفرٍ من البطارقة يحمونهم ؛ فعرض لهم قومٌ من الأرمن، فأوقع الملك بهم وعاقبهم، وقطع آنافهم لمخالفتهم أمره، ولم يزل طول طريقهم يتعّرف أخبارهم بكتبه ورسله، إلى أن عرف سلامتهم وحصولهم بأنطاكية، وحُمل بعضهم في البحر في (شَلَنْديَّات)(١) له إلى حيث أرادوا.

ثمّ جعل الملك المسجد الجامع بطرسوس اصطبلاً لدوابه، ونقل ما كان فيه من قناديل إلى بلده، وأحرق المنبر، وقلّد البلد بطريقاً من بطارقته في خمسة آلاف رجل، وقلّد المصّيصة بطريقاً آخر، وتقدّم بعمارة طرسوس وتحصينها، وجلب الميرة إليهم من كلّ جهة، فعُمّرت، ورخص السعر بها حتّى صار الخبز بها رطلين بدانق، فتراجع أهلها إليها، ودخلوا في طاعة الملك، وتنصّر بعضهم، وعمل الملك على أن يجعلها حصناً، ومعقلاً له لحصانتها، وليقرّب عليه ما يريد من بلدان الإسلام.

كان السبب في فتح المصِّيصة أنّهم هدموا سورها بالنقوب، فأشار عليهم رجل بحيث أن يخرجوا الأسارى ليعطف عليهم الملك نقفور، فأخرجوهم، فعرّفه الأُسارى بعدم الأقوات، وأطمعوه في فتحها، فزحف عليها، ولقد قاتل أهلها في الشوارع حتّى أبادوا من الروم أربعة آلاف، ثمّ غلبوهم بالكثرة وقتلوهم، وأخذوا من أعيانهم مئة ضربوا رقابهم بإزاء طرسوس، فأخرج أهل طرسوس مَن عندهم من الأُسارى، فضربوا أعناقهم على باب البلد، وكانوا ثلاثة آلاف.

وفيها اشتدّ الحصار كما ذكرنا على مدينة طرسوس، وتكاثرت عليهم

____________________

(١) شَلَنْدِيّات: سفن كبيرة مسطّحة لنقل البضائع.


جموع الروم، وضعفت عزائمهم بأخذ المصِّيصة، وبما هم فيه من القلّة والغلاء، وعجز سيف الدولة عن نجدتهم، وانقطعت الموادّ عنهم، وطال الحصار وخُذلوا، فراسلوا نِقْفور ملك الروم في أن يسلّموا إليه البلد بالأمان على أنفسهم وأموالهم، واستوثقوا منه بأيمان وشرائط.

ودخل طائفةٌ من وكلاء الروم، فاشتروا منهم من البزّ الفاخر والأواني المخروطة، واشتروا من الروم دوابّ كثيرةً تحملهم ؛ لأنّه لم يبق عندهم دابّةٌ إلاّ أكلوها، وخرجوا بحريمهم وسلاحهم وأموالهم، فوافى فتح الثَمَلي من مصر في البحر في مراكب، فاتّصل بملك الروم خبره، فقال لأهل طرسوس: غدرتم.

فقالوا: لا والله، ولو جاءت جيوش الإسلام كلّها.

فبعث إلى الثملي: يا هذا... لا تُفسد على القوم أمرهم، فانصرف، ثمّ عمل نقفور دعوةً لكبار أهل البلد، وخلع عليهم وأعطاهم جملةً، وخفرهم بجيشٍ حتّى وصلوا بِبَغْراس، وحصل منهم خمسة آلاف بأنطاكية، فأكرمهم أهلها، ثمّ دخلت الروم مدينة طرسوس، فأحرقوا المنبر وجعلوا المسجد إصطبلاً.

وأمّا سيف الدولة، فإنّه سار إلى أرزن وأرمنية، وحاصر بَدْليس وخِلاط وبها أخوا نجا غلامه، عصيا عليه، فتملّك المواقع وردّ إلى ميّافارقين، وعمد أهل أنطاكية فطردوا نائب سيف الدولة عنهم، وقالوا: نُداري ببَيْت المال ملك الروم أو نبرح عن أنطاكية، فلا مقام لنا بعد طرسوس ؛ ثمّ إنّهم أمّروا عليهم رشيق النسيمي الذي كان على طرسوس، فكاتب ملك الروم على عمل الخراج إليه عن أنطاكية، فتقرّر الأمر على حمل أربعمئة ألف درهم في السنة، وجعل على كلّ رأسٍ من المسلمين (النصارى) ثلاثين درهماً والأمر لله.

لم تزل [ طرسوس ] مع المسلمين في أحسن حال، وخرج منها جماعةٌ من أهل الفضل، إلى أن كان سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، فإنّ نِقفور ملك الروم استولى على الثغور وفتح المصِّيصة، ثمّ رحل عنها ونزل على طرسوس، وكان بها من قبل سيف الدولة ابن الزيّات، ورشيق النسيمي مولاه، فسلّما إليه المدينة على الأمان والصلح، على أنّ مَن خرج منها من المسلمين وهو يحمل من ماله مهما قدر عليه، لا يعترض من عين وورق أو خُرْثِي(١) ، وما لم يُطق حمله فهو لهم مع الدّور والضياع، واشترط تخريب

____________________

(١) الخُرْثيّ: أردأ المتاع وسقطه.


الجامع والمساجد، وإنّه من أراد المقام في البلد على الذمّة وأداء الجزية، فعل، وإن تنصّر فله الحِباء والكرامة، وتقرّ عليه نعمته.

قال: تنصّر خلقٌ فأُقرّت نعمهم عليهم، وأقام نفر يسير على الجزية، وخرج أكثر الناس يقصدون بلاد الإسلام، وتفرّقوا فيها.

وملك نقفور البلد فأحرق المصاحف، وخرّب المساجد، وأخذ من خزائن السلاح ما لم يُسمع بمثله ممّا كان جُمع من أيّام بني أميّة إلى هذه الغاية.

وحدّث أبو القاسم التَنوخي، قال:

أخبرني جماعةٌ ممّن جلا عن ذلك الثغر: أنّ نقفور لمّا فتح طرسوس نصب في ظاهرها عَلَمَيْن، ونادى مناديه: مَن أراد بلد الملك الرحيم، وأحبّ العدل والنَّصَفَة، والأمن على المال والأهل والنفس والولد، وأمن السُبُل وصحّة الأحكام والإحسان في المعاملة، وحفظ الفروج وكذا وكذا - وعدّ أشياء جميلة - فلْيَصِر تحت هذا العَلَم ليقفل مع الملك إلى بلاد الروم.

ومَن أراد الزنا واللواط والجور في الأحكام والأعمال، وأخذ الضرائب وتملّك الضياع عليه، وغصْب الأموال - وعدّ أشياء من هذا النوع غر جميلة - فليحصل تحت هذا العلم إلى بلاد الإسلام، فصار تحت علم الروم خلقٌ من المسلمين ممّن تنصّر وممّن صبر على الجزية.

ودخل الروم إلى طرسوس، فأخذ كلّ واحدٍ منهم، دار رجل من المسلمين بما فيها، ثمّ يتوكّل ببابها ولا يطلب لصاحبها إلاّ حمل الخفّ، فإن رآه قد تجاوز منعه، حتّى إذا خرج منها صاحبها دخلها النصرانيّ فاحتوى على ما فيها، وتقاعد بالمسلمين أُمّهات أولادهم لمّا رأيْن أهاليهنّ، وقالت: أنا الآن حُرَّة لا حاجة لي في صحبتك، فمنهنّ من رمت بولدها على أبيه، ومنهنّ من منعت الأب من ولده فنشأ نصرانيّاً ؛ فكان الإنسان يجيء إلى عسكر الروم فيُوَدّع ولده ويبكي ويصرخ وينصرف على أقبح صورة، حتّى بكى الروم رقّةً لهم، وطلبوا مَن يحملهم فلم يجدوا غير الروم، فلم يُكْرُوهم إلاّ بثُلث ما أخذوه على أكتافهم أُجْرَةً حتّى سيّروهم إلى أنطاكية.

هذا، وسيف الدولة حيٌّ يُرزق بميّافارقين، والملوك كلّ واحدٍ مشغول بمحاربة جاره من المسلمين، وعطّلوا هذا الفرض، ونعوذ بالله من الخيبة والخذلان، ونسأله الكفاية من عنده.


وفي سنة أربع وخمسين وثلاثمئة: ورد الخبر بإجابة نِقْفُور إلى ما طلبه منه سيف الدولة من الهدنة والفداء، على أن يخرج بدل أبي الفوارس محمّد بن ناصر الدولة، ومَن معه من بني عمّه جماعة من البطارقة، وأن يفادي بغلمان سيف الدولة عدّة من الروم، وأن يبتاع ما يفضل من الأسرى ببلد الروم كلّ واحدٍ بثمانين ديناراً ؛ فأحضر سيف الدولة أمان ألفيْ رأس وذلك مئة وستّون ألف دينار، فعاينها الرسول، وجاءت كُتُب الطرسوسيّين إلى سيف الدولة ليأخذ منهم الأُسارى ؛ فإنّهم عجزوا من أقواتهم للغلاء.

ثمّ جاء من بلد الروم كتاب أبي فراس بن حمدان من الأسر بتصحيح أمر الفداء، ونفّذ شرائط ملك الروم، وفيه خطُّ ملك الروم بالأحمر، وخطوط بطارقته على أن يأخذوا عندهم ستّة من بني حمدان، ويأخذ سيف الدولة عنده ستّة من البطارقة. ووردت الأخبار: أنّ ملك الروم أرسل إلى أهل طرسوس يهادنهم على أن يخرّبوا سور المدينة، وأن يبنوا بيعة كانت لهم تخرّبت، فلم يجيبوه، فسار حتّى نزل عليهم وحاصرهم، فبذلوا له ثلاثمئة ألف دينار، وإطلاق ما عندهم من الأسرى، فأبى إلاّ أن يخرجوا بالأمان بما قدروا على حمله، وأن يكونوا في طاعته، ويخرّبوا سورهم، فامتنعوا، وأخذت الروم ثغر المصِّيصة، وقتلوا كلّ الرجال فلم يفلت منهم إلاّ سبعة نفر.

التمس سيف الدولة من نقفور الملك المفاداة من أسرى المسلمين بمَن عنده من أسرى الروم، فأجابه إلى ذلك، وسار سيف الدولة من ميّافارقين إلى سُميساط، وأقام الفداء على شاطئ نهر الفرات في يوم الخميس، مستهلّ رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، وفادى بمحمد بن ناصر الدولة، وبأبي فراس، وغيرهما من بني حمدان، وبالقاضي أبي الهيثم بن أبي الحصين، وزهير، وقطاس، وغيرهم من غلمانه، ممّن أسره الروم من بلاده.

وكان أبو العشائر قد مات في القسطنطينية في الحبس، ودفع لهم أعور حرم وابن بلنطس، وجميع مَن كان عنده من أُسارى الروم، ولمّا لم يبق عند سيف الدولة من الروم مَن يفادي به ؛ اشترى من الروم بقيّة أُسارى المسلمين، وكان عددهم ثلاثة آلاف نفس بمئتين وأربعين ألف دينار روميّة، وأجحف ذلك به، وقصد جماعة ممّن فادى بهم من المسلمين وزير الديلمي وساروا في جملته.

في سنة خمس وخمسين وثلاثمئة: قَدِم أبو الفوارس محمد بن ناصر


الدولة من الأسر إلى ميّافارقين، كانت أخت ملك الروم أخذته لتفادي به أخاها، فنفّذ سيف الدولة أخاها في ثلاثمئة إلى حصن (الهَتَّاخ)، فلمّا شاهد بعضهم بعضاً سرّح المسلمون أسيرهم في خمسة فوارس، وسرّح الروم أسيرهم أبا الفوارس في خمسة، فالتقيا في وسط الطريق وتعانقا، ثمّ صار كلّ واحدٍ إلى أصحابه، فترجّلوا له وقبّلوا الأرض، واحتفل سيف الدولة ابن حمدان لقدوم ابن أخيه، وعمل الأسمطة الهائلة، وقدّم له الخيل والمماليك والعدد التامّة، فمِن ذلك مئة مملوك بمناطقهم وسيوفهم وخيولهم.

حدّثني أبو الفرج الببّغاء، قال:

لمّا أقام سيف الدولة الفداء بشاطئ الفرات، في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، لزم عليه خمسمئة ألف دينار في شراء الأُسارى والأموال التي وصلهم، ورمّ بها أحوالهم، وأخرج جميع ذلك من ماله صبراً واحتساباً، وطلباً للثواب والذكر، من غير أن يعاونه أحدٌ من الملوك عليه ولا غيرهم، وكان ذلك خاتم أعماله الحسنة، وأفعاله الشريفة التي تجاوز الوصف، وتفوق العدّ. فلمّا فرغ من ذلك، تقدّم إلى كلّ مَن بحضرته في الوقت، من أهل الكتابة، أن ينشئ كلّ واحدٍ منهم نسخة كتاب ليكتب عنه إلى مَن في البلدان من الجيش والرعيّة بخبر تمام الفداء، ووصف الحال فيه فكُتبت عنه في ذلك.

وفي هذه السنة: سار طاغية الروم بجيوشه إلى الشام، فعاث وأفسد، وأقام به نحو خمسين يوماً، فبعث سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة، يقول:

إنّ نقفور قد عسكر بالدرب، ومنع رسولنا ابن المغربي أن يكتب بشيء، فقال لا أجيب سيف الدولة إلاّ من أنطاكية، ليذهب من الشام فإنّه لنا، ويمض إلى بلده ويهادن عنه، وإنّ أهل أنطاكية راسلوا نقفور وبذلوا له الطاعة، وأن يحملوا إليه مالاً، وإنّه التمس منهم يد يَحْيَى بن زكريّا (عليهما السلام) والكرسي، وأن يدخل بيعة أنطاكية ليصلّي فيها، ويسير إلى بيت المقدس، وكان الذي جرّ خروجه وأحنقه إحراق بيت المقدس في هذا العام، وكان البطرك كتب إلى كافور، صاحب مصر، يشكو قصور يده عن استيفاء حقوق البيعة، فكاتب متولّي القدس بالشدّ على يده، فجاءه من الناس ما لم يطق دفعه، فقتلوا البطرك، وحرقوا البيعة وأخذوا زينتها، فراسل كافور طاغية الروم بأن يردّ البيعة إلى أفضل ما كانت.

فقال: بل أنا أبنيها


بالسيف. وأمّا ناصر الدولة فكتب إلى أخيه: إنْ أحبّ سيره إليه سار، وإن أحبّ حفظ ديار بكر سار إليها، وبثّ سراياه، وأصعد سيف الدولة الناس إلى قلعة حلب وشحنها، وانجفل الناس، وعظم الخطب، وأُخليت نصيبين، ثمّ نزل عظيم الروم بجيوشه على منبج، وأحرق الربض، وأخرج إليه أهلها فأقرّهم ولم يؤذهم، ثمّ سار إلى وادي بطنان، وسار سيف الدولة متأخّراً إلى قنّسرين ؛ ورجاله والأعراب قد ضيّقوا الخناق على الروم، فلا يتركون لهم علوفة تخرج إلاّ أوقعوا بها، وأخذت الروم أربع ضياع بما حوت، فراسل سيف الدولة ملك الروم، وبذل له مالاً يعطيه إيّاه في ثلاثة أقساط ؛ فقال:

لا أجيبه إلاّ أن يعطيني نصف الشام فإنّ طريقي إلى ناحية الموصل عى الشام.

فقال سيف الدولة: لا أعطيه ولا حجراً واحداً. ثمّ جالت الروم بأعمال حلب، وتأخّر سيف الدولة إلى ناحية شَيْزَر، وأنكى العربان في الروم غير مرّة، وكسبوا ما لا يُوصف، ونزل عظيم الروم على أنطاكية يحاصرها ثمانية أيّام ليلاً ونهاراً، وبذل الأمان لأهلها، فأبوا ؛ فقال: أنتم كاتبتموني ووعدتموني بالطاعة.

فأجابوا: إنّما كاتبنا الملك، حيث كان سيف الدولة في أرمينية بعيداً عنّا، وظننّا أن لا حاجة له في البلد، وكان السيف بين أظهرنا، فلمّا عاد سيف الدولة لم يُوبه(١) على ضبط أدياننا وبلدنا شيئاً. فناجزهم الحرب من جوانبها، فحاربوه أشدّ حرب، وكان عسكره مُعوزاً من العلوفة. ثمّ بعث نائب أنطاكية محمد بن موسى إلى قَرغَوَيْه، متولّي نيابة حلب، بفاصيل الأُمور، وبثبات الناس على القتال: وأنا ليلي ونهاري في الحرب لا أستقرّ ساعة، وإنّ اللعن قد ترحّل عنّا ونزل الجسر.

خرج الروم إلى آمِد وقتلوا وأسروا عدداً كثيراً، وانصرفوا إلى دارا، وقربوا من نصيبين، وهرب أهلها خوفاً منهم، وتوجّه نقفور الملك نحو الشام، وسار سيف الدولة إلى شيزر، ونزل نقفور على منبج يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوّال سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، واستدعى من أهلها القِرْمِيدة فأخرجوها إليه، فأخذها منهم وأكرمهم، ولم يعرض لهم بمكروه، ورحل عنها إلى وادي بطنان، وأخذ منه من الأُسارى عدداً كبيراً،

____________________

(١) لم يُوبه: لم يُبال.


وجاءت سريّةٌ إلى بالِس وأخذت من المدينة زهاء ثلاثمئة نفس، وسار الملك إلى قِنّسرين ونزل على (تِيزين) ففتحها وسبى أهلها، وفتح حصن (أرتاح) وعبر بأنطاكية، ونزل عليها عشيّة يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة، وأرسل إلى أهلها في أن يسلّموا إليه المدينة، ويؤمنهم على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم، وأن يواصلوا إلى حيث أحبّوا آمنين، ولا يحوجوه إلى مقاتلتهم، فلم يجيبوه إلى ما عرضه عليهم، وحاربهم سبعة أيّام، وضاقت به العلوفة، ورحل في اليوم الثامن من نزوله عليها، وعاد إلى بلد الروم قافلاً.

وفي هذه السنة في شوّال: خرجت الروم، فقصدوا مدينة آمِد، ونزلوا عليها وحصروها، وقاتلوا أهلها، فقُتل منهم ثلاثمئة رجل وأُسر نحو أربعمئة أسير، ولم يمكنهم فتحها، فانصرفوا إلى دارا وقربوا من نصيبين، ولقيتهم قافلة واردة من ميّافارقين فأخذوها، وهرب الناس من نصيبين خوفاً منهم حتّى بلغت أجرة الدابّة مئة درهم.

وراسل سيف الدولة الأعراب ليهرب معهم، وكان في نصيبين، فاتّفق أنّ الروم عادوا قبل هربه، فأقام بمكانه، وساروا من ديار الجزيرة إلى الشام فنزلوا أنطاكية، فأقاموا عليها مدّةً طويلةً يقاتلون أهلها فلم يمكنهم فتحها، فخرّبوا بلدها، ونهبوا وعادوا إلى طرسوس)(١) .

(قال ابن شداد: فأوّل أبواب حلب ممّا يلي القبلة باب قنّسرين، وسُمّي بذلك ؛ لأنّه يخرج منه إلى جهة قنّسرين، ويمكن أن يكون من بناء سيف الدولة بن حمدان ؛ لأنّه إلى جانبه برج كان مكتوباً عليه اسمه ؛ (باب أنطاكية، وسُمّي بذلك لكونه يخرج منه إلى جهة أنطاكية، وكان نقفور ملك الروم قد خرّب هذا الباب لمّا استولى على حلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة، فلمّا عاد إليها سيف الدولة بناه).

قال ابن شدّاد: لمّا خُرّبت حلب بمحاصرة نقفور ملك الروم بها في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة، وخرج منها سيف الدولة هارباً، واستولى عليها نقفور، وقتل كل مَن بها، ثمّ لمّا رجع إليها سيف الدولة جدّد أسوارها سنة ثلاث وخمسين وثلاثمئة، وكان اسمه مكتوباً على بعض

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ١٨٢ إلى ص ٢٠٠.


الأبرجة، ولحقت بها برجاً كان إلى جانب باب قنّسرين من جهة الغرب.

قال ابن المُلاّ: ومن حينئذٍ اهتمّ الملك بعمارة القلعة، وتحصينها، فبنى سيف الدولة مواضع لمّا بنى سور المدينة، ولمّا ولي ابنه سعد الدولة بنى شيئاً آخر وسكنها ؛ وذلك لمّا أتمّ ما بناه والده سيف الدولة من الأسوار منها [ من القصور التي كانت لملوك حلب ] قصر بناه سيف الدولة بن حمدان بالحَلْبة عظيماً، وأجرى إليه نهر قُوَيْق وأطافه به، والحَلْبة محلّة من ضواحي حلب من جهة الغرب، وهي مكان صحيح الهواء حسن التربة مشرف على النهر، وبه كروم وميدان بل ميدانان، تقام فيهما حلبة السباق، ويتّصل بها مكانٌ يُقال له الفيض.

مُدّ نهر قويق فأحاط بدار سيف الدولة، وخرج أبو الطيّب من عنده فبلغ الماء إلى صدر فرسه ؛ فقال:

حجَّب ذا البحر بحارٌ دونه يـذمّها الـناس ويحمدونَهُ

يـا ماء هل حسدتنا معينهُ أم اشتهيتَ أن تُرَى قرينَهُ

أمِ انـتجعتَ للغنى يمينَهُ أم زُرْتَـه مُـكَثِّراً قَطِينَهُ

مشهد الدكّة: هو غربيّ حلب، وسُمّي بهذا الاسم ؛ لأنّ سيف الدولة كان له دكّة على الجبل المطلّ على المشهد، يجلس عليها لينظر إلى حلبة السباق، فإنّها كانت تجري بين يديه في ذلك الوطاء الذي فيه المشهد.

قال يحيى بن أبي طيّ في تاريخه: وفي هذه السنة - يعني سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة - ظهر مشهد الدكّة، وكان سبب ظهوره أنّ سيف الدولة عليّ بن حمدان كان في أحد مناظره بداره التي بظاهر المدينة، فرأى نوراً ينزل على المكان الذي فيه المشهد عدّة مرار، فلمّا أصبح ركب بنفسه إلى ذلك المكان، وحفر فوجد حجراً عليه كتابة: هذا المُحسّن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (رضوان الله تعالى عليهم)، فبنى عليه هذا المشهد.

قال وقال بعضهم: إنّ سبي نساء الحسين لمّا وردوا هذا المكان طرح بعض نسائه هذا الولد، فإنّا نروي عن آبائنا أنّ هذا المكان يُسمّى بالجَوْشَن ؛ لأنّ شمر بن ذي الجوشن نزل عليه بالسبي والرؤوس ؛ وأنّه كان معدناً يعمل منه الصفر، وأنّ أهل المعدن فرحوا بالسبي، فدعت عليهم زينب بنت علي ففسد المعدن من يومئذ.


وقال بعضهم: إنّ هذه الكتابة التي على الحجر قديمة، وأثر هذا المكان قديم، وإنّ هذا الطرح الذي زعموا لم يفسد، وبقاؤه دليل على أنّه ابن الحسين. فشاع بين الناس هذه المفاوضة التي جرت، وخرجوا إلى هذا المكان وأرادوا عمارته ؛ فقال سيف الدولة: هذا موضع قد أذن الله لي في عمارته على اسم أهل البيت.

قال يحيى بن أبي طيّ: ولحقت هذا المشهد، وهو باب صغر من حجر أسود عليه قنطرة مكتوب عليها بخطّ أهل الكوفة كتابة عريضة: عمّر هذا المشهد المبارك ابتغاءً لوجه الله وقربةً إليه، على اسم مولانا المُحسّن بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) الأمير الأجلّ سيف الدولة أبو الحسن بن عبد الله بن حمدان.

قيل: ولمّا ملك سيف الدولة ميّافارقين أحسن إلى أهلها وخفّف عنهم كل ثقل، وعمّرها وعمّر سورها مواضع كثيرة ظاهراً وباطناً، واسمه عليه إلى اليوم بتولّي القاضي عبد الله بن الخليل، قيل: ولم يكن على باب الوسطاني باب، وكان يغلق عليه المشط كما ذكرنا، فعمد القاضي عبد الله إلى المشط فكسره وزاد عليه، وضرب هذا الباب الوسطاني الذي عليه الآن وركّبه عليه سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة، وزن المصراعين ثلاثة آلاف وثلاثمئة رطل بالظاهري وهو مكتوب على الباب حفراً في الحديد. وكان على الباب الوالي باب الفصيل باب خشب مصفّح بالحديد، وأخذه القاضي عبد الله وكسره، وزاد عليه وضرب له هذين المصراعين اللذين هما الآن وزنهما ألفان وأربعمئة وستّون رطلاً بالظاهري، وزنهما، واسم سيف الدولة، والقاضي عبد الله، والتاريخ: مكتوب على خَرَزَتَي الباب حفراً في الحديد. وقيل: إنّهم لمّا عملوا الأبواب ضربت في بيعة اليعاقبة، وقيل إنّ ذلك كان سبب تفسّخها واضطرابها.

قيل: وبنى سيف الدولة في سور ميّافارقين مواضع كثيرة، فبنى القصر العتيق داخل مدينة ميّافارقين عند برج علي بن وَهْب، وأحكمه وأحسن بنيته، وعمل القناة التي يسوق فيها الماء، عملها من رأس المعين بالربض، ودخل بها في باب الربض، وساقها إلى القصر العتيق، وغرم عليه من ماله، وهي أوّل قناة دخلت إلى المدينة، وكان الناس يشربون من الأبيار والنهر عند وصوله من السور.


كان من أجلّ بقاع الجزيرة وأحسن مدنها، وأكثرها فواكه ومياهاً ومنتزهات وخضرة ونضرة، إلى سعة غلاّت من القمح والشعير نصيبين، وهي مدينة كبيرة في مستواة من الأرض، ومخرج مائها على شِعْب جبلٍ يُعرف ببالوسا، وهو أنزه مكان بها، حتّى ينبسط في بساتينها ومزارعها، ويدخل إلى كثيرٍ من دورها، وكان لهم مع ذلك فيما تقدّم من المدينة ضياع... مباخس كثيرة جليلة عظيمة السائمة، دارّة الغلاّت والنتاج، معروفة الفرسان مشهورة الشجعان، وديارات نصارى تُقصد للنزهة، ولم تزل على ما ذكرته من أوّل الإسلام تضمّن بمئة ألف دينار إلى سنة ستّين وثلاثمئة، فأكبّ عليها بنو حمدان بصنوف الجور، وتجديد الكلف إلى أن حمل ذلك بني حبيب، وهم بنو عمّ بني حمدان على أن خرجوا بذراريّهم ومواشيهم وثقلهم في اثني عشر ألف فارس على فرس عتيق، وسلاح شاكّ من درع وجوشن مُذهّب، ومغفر مدبّج وسيف فارد، ورمح خطّيّ، وآلة وعدّة، إلى بلد الروم مطلّة، فقمع بها شوكتهم، ويسبون بها ذراريّهم ويخرّبون حصونهم، ويخوضون ديارهم تتقدّمهم كهذه العدّة لهم من جنائب عتاق، وبغال فرّه عليها الخدم والموالي فتنصّروا بأجمعهم، وأوثقوا ملك الروم من أنفسهم بعد أن أحسن لهم النظر في إنزالهم على كرائم الضياع ونفائس الحباء والمتاع، وتخييرهم في القرى والمواشي، ورفدهم بالنواحي والمواشي العوامل، وعادوا بلد الإسلام على بصيرة بمضارّه، وعلم بأسباب فساده، وخبرة بطرقه، ومعرفة بدقّه وجلّه، وقلوبهم تضطرم حقداً وتفور كيداً، وقد كاتبوا من خلّفوه ولا طفوا من عرفوه بقصد آل حمدان له في ماله وضياعه، فأطمعوهم فيما نالوه، وعرّفوهم ما رجعوا إليه، وجاؤوا فيه من قصد بلد الإسلام واجتياحه، واصطلام بقاعه ونواحيه، وأنّ الملك أيّدهم وقوّاهم وأنعم عليهم وآواهم، فلحق بهم كثير من المخلّفين عنهم، وانتمى إليهم من لم يك منهم، فشنّوا الغارات على بلد الإسلام، وافتتحوا حصن منصور وحصن زياد وصاروا إلى كَفَرْثُوثَا، ودَارَا، فأتوا عليها بالسبي والقتل، وألحقوا أسوارها بالأرض، وصارت لهم تلك عادةً ودَيْدَناً، يخرجون كلّ سنة عند أوان الحصاد إلى أن أتوا على ربض نصيبين بنفسها والغربيّ من ضياعها، وتعدّوا ذلك إلى أن وصلوا إلى جزيرة ابن عمر فأهلكوا ظاهرها، وسحقوا رأس عين وأعمالها، وساروا إلى الرقّة وبالِس، وعادوا إلى ميّافارقين


وأرْزَن، فأخربوا قراها وضياعها، وأحرقوا أشجارها وزروعها إلى أن جعلوها كالخاوية على عروشها، وتزايدت ثقة الملك بهم وبالروم إلى أن جعلوا لهم الأرزاق، والأعطية وصاروا خاصّة الملك، وفتحوا له المضايق وتقدّموا في المسالك، وأطمعوه على مرّ الأيّام وتعاقب الأعوام، وهلاك السلطان والإسلام في أنطاكية، والمِصّيصة وحلب وطرسوس فدار لهم عليها ما كان القضاء قد سبق به والمقدار قد نفذ فيه.

وعمد المعروف كان بناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى نصيبين، فاكتسح أشجارها وبذل ثمارها وغوّر أنهارها واستصفاها عمّن دخل إلى بلد الروم، واشترى من بعض قوم، واغتصب آخرين فملكها إلاّ القليل، وجعل مكان الفواكه الغلاّت والحبوب: كالقطن والسمسم والأرزّ، فصار ارتفاعها أكثر ممّا كانت عليه، وزادت ربوعها فسلّمها إلى مَن بقي من أهلها، ولم يمكّنهم النهوض عنها، وآثروا فطرة الإسلام ومحبّة المنشأ ؛ حيث قضوا أيّام الشباب على مقاسمة النصف من غلاّتها على أي نوعٍ كانت، وعلى أن يقدّر الدخل ويقوّمه عيناً إن شاء، أو ورقاً ويعطى الجواب لمَن وجب له حقّ المقاسمة فيكون دون الخمس، فلم يزالوا على ذلك معه إلى أن ألحقه الله بسلفه:( فما بَكَتْ عَلَيْهمُ السّماءُ والأرضُ وما كانُوا مُنْظَرِين ) وأهلها مع ولده في وقتنا هذا، على أقبح ما كانوا عليه مع والده، من تقديرٍ يستغرق أكثر الغلّة، وتقويم ما يبقى من سهم المزارع بثمن يرونه، ويحمل إلى مخازنهم وأهرائهم إصابته فيقبض منه ما يحتاج لبذره، ويرضخ له ما يقدّره ممسّكاً لرمقه وعيش بالجهد.

وأعمال نصيبين أربع قِسَم لها أربعة من العمّال وحَضَرْتُها في سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، وقد رفع تقريرها عن توسّط إلى ابي تغلب بن عبد الله بن حمدان، فكان حاصلها من حنطةٍ وشعيرٍ وأرزّ وحبوب عشرة آلاف كرّ، فأخرج تقوم أسعارها على خمسمئة درهم الكرّ، فكان المال على التقرّر المذكور خمسة آلاف ألف درهم، ورفع لها من الجماجم عن جواليها ولوازمها مع الزيادات فيها خمسة آلاف دينار، ورفع لها عن عشور اللطف وهي ضرائب الخمر خمسة آلاف دينار، وارتفاع عَرَصات القوانين المأخوذة عن الغنم والبقر والدوابّ والبقول خمسة آلاف دينار، ورفع ما يقبض من الطواحين في القصبة والضياع المقبوضة، والمشتراة وغلاّت العقار


والمسقّف من الحمّامات والدكاكين سبعة عشر ألف دينار.

وكانت أعمال دارا في الربع الشمالي، وطور عَبْدِين - أيضاً - وهو أعظم رساتيقها، ورفع تقرير رستاق أَبْنَين وهو بجوار طور عبدين، كان لسيف الدولة بألفي كرّ حبوب، قوّمت على السعر المذكور ألف ألف درهم، ورفع عصيرها وأسقاؤها وجماجمها وعرصاتها وطواحينها بثلاثين ألف دينار، هذا على أن جُلّ البلد قد خُرِّب، وناسه قد هلكوا ؛ ليوبق الله مُتَّلِيَ ذلك بما يمْلي له، ويزيد كربه من تثمير الظلم وتوفيره، ولكلّ شيءٍ آخر.

أجلّ مدينة لديار مضر الرقّة، وهي والرافقة مدينتان كالمتلاصقتين، وكلّ واحدةٍ بائنةٍ من الأُخرى بأذرع كثيرة، وفي كلّ واحدةٍ منهما مسجد جامع، وهما على شرقيّ الفرات، وكان لهما عمارة وأشجار وأعمال ومياه ورساتيق وكور، وقلّ حظّهما من كلّ حال، وضعفت بما حمَّلها سيف الدولة أخو ناصر الدولة - تجاوز الله عنه - من الكُلَف والنوائب، وصادر أهلها مرّةً بعد أُخرى، وكانت خصبة، رخيصة الأسعار، حسنة الأسواق، وفي أهلها ولاء لبني أميّة.

(بالِس) مدينة على شطّ الفرات من غربيّه صغيرة، وهي أوّل مدن الشام من العراق، وكان الطريق إليها عامراً ومنها سابلاً، وكانت فرضة لأهل الشام على الفرات، فعفت آثارها ودرست قوافلها وتجّارها بعد سيف الدولة، وهي مدينة عليها سور أزليّ، ولها بساتين فيما بينها وبين الفرات، وأكثر غلاّتها القمح والشعير.

ومن مشهور أخبارها: أن المعروف بسيف الدولة عليّ بن حمدان عند انصرافه عن لقائه صاحب مصر، وقد هلك جميع جنده، أنفذ إليه المعروف بأبي حَصِين القاضي، فقبض من تجّار كانوا بها معتقلين عن السفر، ولم يطلق لهم النفوذ مع خوفٍ نالهم فأخرجهم عن أحمال بزّ، وأطراف زيت، إلى ما عدا ذلك من متاجر الشام في دفعتين، بينهما شهور قلائل وأيّام يسيرة ألف ألف دينار.

في سنة ستّ وثلاثين وثلاثمئة: ظفر الأمير سيف الدولة بالقرمطي الملقّب بالهادي، واستنقذ أبا وائل، وكان أبو وائل تغلب بن داود بن حمدان يتولّى حِمْص لابن عمّه سيف الدولة، فخرج في طلب أعراب عاثوا في عمله، واعتصموا بقريةٍ يُقال لها الحدث، واتّفق خروج القرمطي


صاحب الخال، ومعه قبائل طيّئ وكلب، فلقي أبا وائل وأسره في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة من شعبان من السنة المقدَّم ذكرها.

وورد الخبر إلى حلب ؛ فسار سيف الدولة إلى أن نزل مَعرَّةَ النُّعمان، على ستّة وثلاثين ميلاً من حلب، ورحل في ثاني يوم نزوله، فنزل حماة، على اثنين وسبعين ميلاً من حلب، ورحل في ثالثة، فنزل حمص، وركب في ثلاث ساعات من الليلة الرابعة، فصبح القرمطي وجموعه بوادي العرب على ماء يُقال له (أَمْهين) عل نحو خمسين ميلاً من حمص، فانهزم القرمطي، وقُتل وأُخذ رأسه، واستجدّ القتل من أصحابه، واستنقذ أبا وائل بعد أن كان بذل في نفسه مالاً وخيلاً، منها: فرس يُقال لها (العروك) وولدها، وانصرف سيف الدولة، فهدم القرية التي يُقال لها الحدث، وأغرم أهلها خمسة آلاف دينار، ونحّلها أبا وائل فكانت غيبته تسعة أيّام.

كان ظهر رجل في العرب يُعرف بالمُبَرقَع، يدعو الناس إلى نفسه، والتفّتْ عليه القبائل، وافتتح مدائن من أطراف الشام، وأسر أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان، وهو خليفة سيف الدولة على حمص، وألزمه شراء نفسه بعددٍ من الخيل وجملةٍ من المال، فأسرى سيف الدولة من حلب يُغِذُّ السير حتّى لحقه في اليوم الثالث بنواحي دمشق، وأوقع به فقتله، ووضع السيف في أصحابه، فلم ينجُ إلاّ مَن سبق به فرسه.

وعاد سيف الدولة إلى حلب ومعه أبو وائل، وبين يديه رأس الخارجيّ على رمح.

في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة: استهدى الهَجَرِيّون من سيف الدولة حديداً، فقلع سيف الدولة أبواب الرقّة، وهي من حديد، وسدّ مكانها وأخذ حديداً بديار مضر حتى أخذ سَنَجات الباعة والبقّالين، ثمّ كتبوا إليه: إنّا قد استغنينا عن الحديد، فأخذ القاضي أبو حَصِين الأبواب فكسرها وعمل منها أبواباً لداره، ثمّ كتب الهجريّون يلتمسون الحديد، فأخذ الأبواب التي عملها أبو حَصِين وسائر ما قدر عليه من الحديد، وحمله في الفرات إلى هيت ثمّ منها إليهم في البريّة.

أحدثت بنو كلاب حدثاً بنواحي بَالِس، وسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيّب معه، فأدركهم بعد ليالٍ بين مائين يُعرفان بالغُبّارات والحرّارات من جبل البِشر، فأوقع بهم ليلاً فقتل وملك الحريم، فأبقى وأحسن إلى


الحرم، فال أبو الطيّب بعد رجوعه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة:

بـغيرك راعياً عَبث الذئابُ وغيرك صارماً ثَلَمَ الضِرابُ

تجمّعت عامر بن صَعْصَة عُقَيْل وقُشير والعجلان وأولاد كعب بن ربيعة بن عامر بمروج سلمية، وكلاب بن ربيعة بن عامر ومن ضامّها بماء يُقال لها الزرقاء بين خناصرة وسورية، وتشاكوا ما يلحقهم من سيف الدولة، وتوافقوا على التذامّ فيما بينهم، وشغله من كلّ ناحية، والتضافُر إن قصد طائفةً منهم، وبلغه ما عملوا عليه وتراسلوا به، فأقَلَّ الفكرَ فيهم وأطغاهم كثرة عددهم، وسوّلت لهم أنفسهم الأباطيل، واستولى على تدبير كعب عقيليّها وقشيريّها وعجلانيّها إلى المُهَنَّا، تفرَّد بذلك محمد بن بُزَيْغ ونَديّ بن جعفر، وحسّن ذلك لهم قوّاد كانوا في عسكر سيف الدولة من كعب متدوّنين في عِدّة وعُدَّة، وركضوا على أعماله فقتلوا صاحبه بِزَعْريا يُعرف بالمربوع من بني تغلب، وقتلوا الصبّاح بن عمارة والي قِنَّسرين، واشتغل عن النهوض إليهم بوفود أتوه من طرسوس ومعهم رسول ملك الروم، يسألونه إقامة الفداء والهدنة، فتمادت أيّام مسيره، وزاد ذلك في طمع البوادي.

ثمّ قدّم سيف الدولة مقدّمة إلى قنسرين، في يوم السبت لليلةٍ خلت من صفر سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، فأقامت أحد عشر يوماً تأنّياً استظهاراً في أمر البادية، وتقديراً أن يستقيموا فلا يكشف لهم عن عَوْرَة.

وبرز سيف الدولة إلى ضيعةٍ له يُقال لها الرامُوسة على ميلين من حلب، في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وسار عنها في يوم الأربعاء، فنزل ماء تل ماسح، وراح منه واجتاز بمياه الحِيَار فطواها، وتلقّته مشيخة بني كلاب، فطرحوا نفوسهم بين يديه، وسألوه قبول تسليمهم إليهم، ففعل، وسارت خيلهم معه، ومرّ إلى ماءٍ يُقال له البَدِيَّة، فصبَّح يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، ونزل به وراح منه إلى ظاهر سَلَمْيَة، فوجد الأعراب قد أجفلوا في غداة يومه فنزل بها ؛ فلمّا كان في سحر يوم الجمعة تجمّعت كعب ومن ضامنها من اليمن في عِدّتها وعُدّتها، وحبسوا ظعنهم بماء يُقال له حيران على نحو رحلة من سلمية، وبعضهم بماء يُقال له (الفُرْقُلْس) وراءه، ووافت خيولهم مشرفةً على عسكر سيف الدولة من كلّ ناحية، فتركَّب لهم ووقع الطراد، فلم تمض إلاّ ساعات حتّى


منحه الله أكتافهم وولّوا، واستحرّ القتل والأسر بآل المهنّا ووجوه عقيل وقوّادها، ورحل سيف الدولة ضحوة نهار يوم الجمعة متّبعاً لهم، ونفذوا طائرَيْنِ فرحّلوا بيوتهم، فوافى الماء الذي يُقال له حِيران بعد الظهر فوجد آثار جَفْلتهم، وسار إلى ماء الفرقلس، وأمر بالنزول عليه، ثمّ عنّ له رأي في اتّباعهم، فرحل لوقته إلى ماء يُقال له (الغُنْثُر) وقدّم خيلاً فلحقت مالَهم وحازت، فنزل على الغُنْثُر قبل نصف الليل، وقد امتلأت الأرض من الأغنام والجمال والهوادج والرجال، وأتاه خبر عَزْمهم على الاجتماع بتدمُر، فسار في السحر يوم الأحد إلى ماء يُقال له الجَبَات، وتفرّقت خيله في طلب الفلول ؛ فردّت مالاً وقتلت عدّة، وراح منه قاطعاً الصَحْصَحان والمعاطش، واجتاز بِرَكايا الغُوَيْر ونِهْيَا والبُيَيْضة وغُدّر والجِفار، فوجد جميعها قد نزفته البادية المغلولة، وصبّحت أوائل خيله تدمر، يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر، ووجدوا جموعهم قد كانت بظاهرها للتشاور والتدبير، وهم لا يظنّون أنّ سيف الدولة يتبعهم، فنُذِروا به فرحلوا في نصف النهار، وتعلّقت بهم خيوله، ووافى سيف الدولة تدمر على نصف ساعة من النهار، وعرف الخبر فسار لطيّته في طلب أكثر الجماعات، والشِقِّ الذي سار فيه آل المُهَنّا وحَوْتَه وعامر بن عقيل، وقد كانوا قصدوا طريق السماوة قِبْلةً ويميناً، وجدّ في الطلب فلحق بالقوم، وقتل وأسر وحوى المال، وصفح عمّا ملكه من الحريم، ورجع في طفّ السماوة مُشفقاً من الإمضاء عليهم، لما وجدهم يموت حريمهم وذراريّهم عطشاً، وتفرّقوا أيدي سبأ، فقصدت طائفة منهم كبد السماوة فضاع أكثرها، وطائفة موضعاً من السماوة يُعرف بالماءين سُعادة ولؤلؤة لا يُروي ماؤهما إلاّ اليسير، وهلك كثيرٌ منهم، وطائفة منهم قصدت القَلْمون ممّا يلي غوطة دمشق.

وعاد سيف الدولة في آخر النهار إلى معسكره ظافراً غانماً، ومنَّ على جماعةٍ منهم أسروا وعجزوا عن الهرب، وبرّهم وزوّدهم، ووجد مَن كان أنفذه شدالاً قد حوى المال، وقتل وأسر وعفّ عن الحريم، وأقام بتدمر يومي الثلاثاء الأربعاء، ورحل نحو (أَرَك) فنزلها ثمّ رحل نحو (السُخْنَة) فنزلها، ورحل فنزل عُرْض، ورحل فنزل الرُصافة، ورحل فنزل الرّقّة يوم الاثنين، فتلقّاه أهلها، وسأل عن خبر نُمَيْر فعُرِّف أنّهم أجفلوا، فلم يستقرّ بهم دار دون عين الخابور.


ووردت وفود نُمير يوم الثلاثاء مستعيذين بعفوه، فعفا عنهم وقبلهم، وسار نحو حلب، وكان وصوله إليها لستّ خلون من شهر ربيع الأوّل، فقال أبو الطيّب يذكر ما جرى ويمدحه:(تذكّرتُ ما بين العُذَيْب وبارِق) .

قال يصف إيقاعه بهذه القبائل (وكان أبو الطيّب لم يحضر الواقعة فشرحها له سيف الدولة):

طِـوالُ قَـنىً تُطاعِنُها قِصارُ وقَطْركَ في ردىً ووغىً بِحارُ

(القصيدة)(١) .

(تجمّعت نزار وعشائرهم وتشاكت ما لحقها، وتراسلت واتّفقت على الاجتماع بسَلَمِيّة لمقابلته، وأوقعت بعامله بقنّسرين وهو الصبّاح بن عمارة، فنهض سيف الدولة ومعه ابن عمّه أبو فراس حتّى أوقع بهم، وعليهم يومئذٍ النَّدي بن جعفر ومحمد بن بُزَيْع العقيليّان من آل المُهَنّا، فهزمهم وقتل وجوههم وسراتهم، واتّبع فلّهم، وقدّم أبا فراس في قطعة من الجيش، فلم يزل يتبعهم ويقتل ويَأسر حتّى لحقهم بالغُوَيْر، فلم ينجُ منهم إلاّ مَن سبق فرسه.

واتبعهم سيف الدولة حتّى لحقهم بتَدْمُر، ثمّ انكفّ سائراً إلى بني نُمَير وهي بالجزيرة، فوجدها قد أخذت المهل ولحقته خاضعة ذليلة، تعطي الرضا وتنزل على الحكم، فصفح عنهم وأحلّهم بالجزيرة ؛ فقال أبو فراس يذكر الحال والمنازل، ويصف مواقفه فيها:

وقد عِلِمَتْ رَبيعةُ بل نِزارُ بِأنَّا الرَأْسُ والناسُ الذُنابَى

(القصيدة)(٢) .

(وقد ذكرنا صلح معزّ الدولة مع ناصر الدولة على ألفي ألف درهم كلّ سنة، فلمّا كان سنة سبع وأربعين وثلاثمئة أخّر ناصر الدولة حمل المال، فتجهّز معزّ الدولة إلى الموصل وسار نحوها منتصف جمادى الأُولى، ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، واستولى معزّ الدولة على الموصل...، وسار معزّ الدولة إلى نصيبين ففارقها ناصر الدولة إلى

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص٢٠٣ إلى ص ٢٣٣.

(٢) نفس: ص ٢٣٨ - ٢٣٩.


ميَّافارقين، ففارقه أصحابه، وعادوا إلى معزّ الدولة مستأمنين، فلمّا رأى ناصر الدولة ذلك سار إلى أخي سيف الدولة بحَلَب، فلمّا وصل خرج إليه، ولقيه وبالغ في إكرامه، وخدمه بنفسه حتّى إنّه نزع خُفّه بيدَيْه.

ثمّ إنّ سيف الدولة راسل معزّ الدولة في الصلح، وتردّدت الرسل في ذلك فامتنع معزّ الدولة من تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرّةً بعد أُخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفي ألف درهم وتسعمئة ألف درهم... ثمّ انحدر إلى بغداد... ورجع ناصر الدولة إلى الموصل.

(فصل يذكر فيه ولاية الأمير أبي المكارم ديار بكر خطب به يوم إقامة الدعوة له، وهو يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة).

(أيّها الناس ارأبوا بالتقوى صدوع أعمالكم، وارغبوا عمّا يوبقكم يوم مآلكم، واعلموا أنّ مطايا النعم وحشيّة، فاجمعوا بإعلان الشكر نوادَّها، وأنّ رزايا النقم مخشيّة، فاقطعوا بإدمان الذكر موادّها، ولا تجعلوا نعم الله قوّةً لكم على عصيانه، وأحسنوا معاملة من عمّكم بإحسانه، فما مِن نعمةٍ جلّلتموها سابقة، إلاّ شفعها لكم بأُخرى لاحقة، مَنّاً منه قديماً لم يزل دَيْدَنَه وإجْرِيّاه، فواصلوا حمده ولا تعبدوا إلاّ إيّاه، فمن سَنِيّ عوارفه ومشهور نعمائه، وخفيّ لطفه ومأثور آلائه، حراستكم بحارس الدنيا والدين، وكفايتكم بسيفه المنقطع القرين، الذائد عن التوحيد وأهله، والجامع شمل الإسلام بتبديد شمله، الأمير سيف الدولة أبي الحسن، الكاشف عنكم غيابة الآفات والفِتَن، ومن تمام إحسانه إليكم، وعامّ امتنانه عليكم، تشريفكم بإيداع مهجته، وردِّ أُموركم إلى سَليلِه وصفوته، الأمير أبي المكارم بن سيف الدولة الصارم، فأبشروا عباد الله بالعزِّ المؤَبَّد، والسلطان المجدّد والخصب السَرْمَد، بطلوع هذا الكوكب الأسعد، فهو جوهرة من ذلك البحر، وثمرة من ذلك النَجْر، وصباح من ذلك الفجر، وغِطْريف من ذلك الصقر، وشِنْشِنَةٌ تُعرف من أخزمها، ونعمةٌ واجب شكرُ مُنْعِمها، فاشكروا الله عباد الله على ما خوّلْتُموه واذكروا كما علمكم ما لم تعلموه، وأقدموا على عدوّكم بالجهاد قبل إقدامه، وأخرسوا بحقّ زأركم باطل بُغامه، فقد أمدّكم الله بضَيْغَمِه وابن حسامه، فارغبوا إليه جميعاً في حراسة دولته ودوام أيّامه.

اللّهمّ اشدد ببقائه عِصَمَ أهل التوحيد، وعرّفه وسائر المسلمين بركة هذا التقليد، وألبسه جُنَنَ التقوى


والبأس الشديد، وبلّغ به مبالغ آبائه الجَحاجِحة(١) الصِيد، واطرِف عن دولته عين كلّ باغٍ وحسود، وأمتع الإسلام وأهله بسترك عليه يا ذا الجود.

في هذه السنة (٣٥٢ هـ) في صفر: امتنع أهل حرّان على صاحبها هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان وعصوا عليه،وسبب ذلك: أنّه كان متقلّداً لها ولغيرها من ديار مضر من قِبَل عمّه سيف الدولة، فعسفهم نُوّابُه وظلموهم وطرحوا الأمتعة على التجّار من أهل حرّان، وبالغوا في ظلمهم، وكان هبة الله عند عمّه سيف الدولة بحلب، فثار أهلها على نوّابه وطردوهم، فسمع هبة الله بالخبر، فسار إليهم وحاربهم وحصرهم، فقاتلهم وقاتلوه أكثر من شهرين، فقُتل منهم خلقٌ كثير.

فلمّا رأى سيف الدولة شدّة الأمر واتّصال الشرّ ؛ قرب منهم وراسلهم، وأجابهم إلى ما يريدون ؛ فاصطلحوا وفتحوا أبواب البلد، وهرب منهم العَيَّارون خوفاً من هبة الله.

في هذه السنة، في شوّال: دخل أهل طرسوس بلاد الروم غازين، ودخلها أيضاً نجا غلام سيف الدولة بن حمدان من دربٍ آخر، ولم يكن سيف الدولة معهم لمرضه، فإنّه كان قد لحقه قبل ذلك بسنتين فالج، فأقام على رأس دربٍ من تلك الدروب، فأوغل أهل طرسوس في غزوتهم حتّى وصلوا إلى قونية وعادوا. فرجع سيف الدولة إلى حلب، فلحقه في الطريق غشية أرجف عليه الناس بالموت، فوثب هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة بن حمدان بابن (دَنْما) النصرانيّ فقتله وكان خصيصاً بسيف الدولة وإنّما قتله ؛ لأنّه كان يتعرّض لغلامٍ له فغار لذلك.

ثمّ أفاق سيف الدولة، فلمّا علم هبة الله أنّ عمّه لم يمت هرب إلى حرّان، فلمّا دخلها أظهر لأهلها أنّ عمّه مات، وطلب منهم اليمين على أن يكونوا سِلْماً لمن سالمه، وحرباً لمن حاربه، فحلفوا له واستثنوا عمّه في اليمين، فأرسل سيف الدولة غلامه نجا إلى حرّان في طلب هبة الله، فلمّا قاربها هرب هبة الله إلى أبيه بالموصل، فنزل نجا حرّان في السابع والعشرين من شوّال، فخرج أهلها إليه من الغد، فقبض عليهم وصادرهم على ألف ألف درهم، ووكّل بهم حتّى أدّوها في خمسة أيّام بعد الضرب الوجيع بحضرة عيالاتهم وأهليهم، فأخرجوا أمتعتهم فباعوا كلّ ما يساوي

____________________

(١) الجحاجحة: مفردها جَحْجَح، وهو السيّد المُسارِع إلى المكارم.


ديناراً بدرهم ؛ لأنّ البلد كلّهم كانوا يبيعون ليس فيهم مَن يشتري ؛ لأنّهم مصادرون، فاشترى ذلك أصحاب نجا بما أرادوا، وافتقر أهل البلد.

وسار نجا إلى ميّافارقين، وترك حرّان شاغرةً بغير والٍ، فتسلّط العيّارون على أهلها... فلمّا اجتمعت عند نجا هذه الأموال قوي بها وبَطِر، ولم يشكر وليّ نعمته بل كفره، وسار إلى ميّافارقين، وقصد بلاد أرمينية، وكان قد استولى على كثيرٍ منها رجل من العرب يُعرف بأبي الورد، فقاتله نجا، فقُتل أبو الورد، وأخذ نجا قلاعه وبلاده: خِلاط وملازْكِرْد ومُوش وغيرها، وحصل له من أموال أبي الورد شيء كثير، فأظهر العصيان على سيف الدولة، فاتّفق أنّ معزّ الدولة بن بُوَيْه سار من بغداد إلى الموصل ونصيبين، واستولى عليها وطرد عنها ناصر الدولة.... فكاتبه نجا وراسله، وهو بنصيبين يعده المعاضدة والمساعدة على مواليه بني حمدان، فلمّا عاد معزّ الدولة إلى بغداد، واصطلح هو وناصر الدولة سار سيف الدولة إلى نجا ليقاتله على عصيانه عليه وخروجه عن طاعته، فلمّا وصل إلى ميّافارقين هرب نجا من بين يديه، فملك سيف الدولة بلاده وقلاعه التي أخذها من أبي الورد، واستأمن إليه جماعة من أصحاب نجا فقتلهم، واستأمن إليه أخو نجا فأحسن إليه وأكرمه، وأرسل إلى نجا يرغّبه ويرهبه إلى أن حضر عنده، فأحسن إليه وأعاده إلى مرتبته.

ثمّ إنّ غلمان سيف الدولة وثبوا على نجا في دار سيف الدولة بميّافارقين، في ربيع الأوّل سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، فقتلوه بين يديه، فغشي على سيف الدولة، وأُخرج نجا فأُلقي في مجرى الماء والأقذار، وبقي إلى الغد، ثمّ أُخرج ودُفن.

جاء أبو الحسين بن دنحا إلى هبة الله بن ناصر الدولة ليسلّم عليه ويهنئه بعيد الفطر، وكان هبة الله راكباً فاستجرّ أبا الحسين بن دنحا الحديث إلى إزاء صخر، ثمّ رماه بخشت كان في يده فوقع في لبته، ومضى يركض يريد الهرب، فلحقه هبة الله، وإنّما فعل ذلك لغيرة لحقته من تعرّض ابن دنحا لغلام من غلمانه، وبلغ هبة الله أنّ عمّه لم يمت وأنّه أفاق من غشيته، فخافه واستوحش ممّا فعل بابن دنحا فجدّ في السير إلى حرّان.... فتبع نجا غلام سيف الدولة هبة الله فلم يلحقه، ولحق سواده فأخذه وانصرف به إلى سيف الدولة، ودخل هبة الله حرّان وأوهم أهله أنّ عمّه قد مات، فإنّه كتب إلى أبيه ناصر الدولة يستنجده لينجده بالرجال


ويقيم بحرّان ويدفع كلّ مَن نازعه عليها، وطلب أهل حرّان بأن يحلفوا له: أن يكونوا معه حرباً لمن حاربه وسلماً لمن سالمه.

وظنّ أهل حرّان أنّ الذي خبّرهم به صحيح ؛ فحلفوا له على ما أراد، واستثنوا في يمينهم، إلاّ أن يكون الذي يحاربه عمّه سيف الدولة فإنّهم لا يحاربونه، ورضي بذلك منهم، فلمّا كان بعد أيّام وافى نما أخو نجا غلام سيف الدولة، فأغلق هبة الله وأهل حرّان أبواب حرّان في وجوههم، وعلم نما أنّه لا يمكنه فيهم حيلة، فأظهر أنّه لم يرد أبواب حرّان، وإنّما أراد قصد أرزن وميّافارقين، فانصرف عن حرّان إليها، وكتب إلى أخيه نجا يعرّفه ما جرى ويُغْرِيه بأهل حرّان ؛ فسار نجا وخرج إليه وجوه أهلها وأشرافها، وهم سبعون شيخاً، ليسلّموا عليه، فوكل بهم وتهدّدهم بالقتل، وطالبهم عن البلد بألف ألف درهم أَرْش(١) ، ما عملوه من غلق الأبواب في وجه أخيه، ولم يسمع لهم عذراً، وجرت لهم معه خطوب إلى أن قنع منهم بثلاثمئة ألف درهم وعشرين ألف درهم، ووجّه معهم بالفرسان والرجّالة، وألزمهم الأجعال الثقيلة، ورسم أن يُستخرج له المال في يوم واحد، وبعد الجهد أجاب إلى أن تكون المدّة خمسة أيّام، وقسّط المال على أهل البلد، وأدخل فيهم الملّيّ والذمّيّ والسوقة والنساء والأرامل وغيرهم، ووضع عليهم العصيّ والضرب في دورهم بحضرة حرمهم وعيالاتهم، فأخرجوا أمتعتهم وباعوا ما يساوي ديناراً بدرهم ولم يجدوا مَن يشتري ؛ لأنّ أهل البلد كلّهم كانوا يبيعون، فاشترى أصحاب نجا الأمتعة والحُلي بحكمهم وبما أرادوا.

ولزم أهل البلد من الأجعال أمر عظيم، وخرب بذلك وافتقر أهله، وانصرف عنهم نجا إلى ميّافارقين بعد أن استوفى جميع المال، وترك البلد شاغراً بلا سلطان، فتسلّط عليهم العيّارون.

وأظهر نجا الخلاف على مولاه سيف الدولة والخروج عن طاعته، ولم يزرع في هذه السنة أحد بديار مُضَر كبير شيء(٢) ؛ للجور الذي كانوا فيه(٣) ).

(وسار سيف الدولة إلى ميّافارقين، وأرسل إلى نجا يأمره بالمسير

____________________

(١) أرْشَ: هو الذي يأخذه المشتري من البائع إذا اطّلع على عيب في المبيع، تعويض، غرامة.

(٢) مبتذل.

(٣) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٢٤٢ إلى ص ٢٥٤.


إليه، وآمنه على نفسه وماله، وسار نجا إليه فصفح عنه، وأقام عنده وشرب بين يديه، فلمّا سكر شتم الغلمان وغلظ عليهم في القول، فاغتاظوا عليه، وكانت حرمة سيف الدولة أشدّ غيظاً له ؛ لحصاره لها وشتمه إيّاها، فصاح سيف الدولة على نجا وأمر بأن يُقام من بين يديه، فوثب الغلمان إليه بالسيوف فقتلوه.

قيل: وفي ذي الحجّة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة وصل الخبر: أنّ أبا الورد صاحب خِلاط وما يليها، وقع من السور وهلك، وملك البلاد جميعها نجا غلام سيف الدولة وفتاه)(١) .

(قيل: وفي يوم الثلاثاء من صفر حضر نجا في سنة أربع وخمسين وثلاثمئة في مجلس سيف الدولة، وعنده جماعة على الشراب، فكلّم سيف الدولة في شيءٍ وحاجّه، وخرج عليه بكلامٍ قبيحٍ، فوثب عليه غلامٌ لسيف الدولة يُسمّى نجاح فضربه على رأسه بسيف فقتله، فحُمل إلى ميّافارقين ودُفن بها.

وندم سيف الدولة على قتله، وصار ملك خِلاط وتلك الولاية بأسرها.

قيل: ولمّا ملك سيف الدولة قلعة خِلاط، أخذ صَفْوان وبُنا أخوي نجا وعاد بهما إلى ميّافارقين، واتّفق وصوله وقد جاء أبو الفوارس ابن ناصر الدولة من الروم بالمفاداة، وكان وصوله يوم السبت ثاني صفر سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمئة)(٢) .

(وفي سنة أربع وخمسين وثلاثمئة: صاهر سيف الدولة أخاه ناصر الدولة، فزوَّج ابنيه أبا المكارم وأبا المعالي بابنتي ناصر الدولة، وزوّج أبا تغلب بابنته ستّ الناس، وضرب دنانير في كلّ دينار ثلاثين ديناراً وعشرين وعشرة عليها مكتوب:

(لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله - أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - فاطمة الزهراء - الحسن - الحسين - جبريل - عليهم السلام -)، وعلى الجانب الآخر:

(أمير المؤمنين - المطيع لله - الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف الدولة - الأمير أبو تغلب وأبو المكارم).

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... ص ٢٥٦ و ٢٥٧.

(٢) نفسه: ص ٢٥٨.


وجاد بما لم يجد به أحد، يُقال: إنّ مبلغ ما جاد به سبعمئة ألف دينار.

وفي هذه السنة: توفّي أبو المكارم أبنه في النصف من شهر ربيع الآخر)(١) .

(كان سيف الدولة قلّد رَشِيقاً النسيميّ، وهو من وجوه أهل طرسوس، فلمّا حصل سيف الدولة بدار بكر وسلّم رشيق هذا طرسوس في جملة من سلّما إلى ملك الروم، خرج إلى أنطاكية، فالتصق به إنسان صغير القدر يُعرف بابن الأهوازيّ كان يتضمّن الأرحاء بأنطاكية، وكان قد اجتمع عنده مال، فأغوى رشيقاً وسلّم إليه ما اجتمع عنده من المال، وأطمعه في أنّ سيف الدولة لا يعود إلى الشام، وخرج معه إلى حلب، وجرت بينه وبين قرعَوَيْه حروب كثيرة، وصعد قرعويه إلى قلعة حلب فتحصّن فيها، فأنفذ سيف الدولة خادماً له أسود يُعرف ببشارة ليكون مع قرعَويْه في القلعة، فنزل هذا الخادم في بعض الأيّام، وانضمّت إليه قطعة من الأعراب كانوا قد وافوه وجماعة من الجند والغلمان، فلمّا أحسّ بهم رشيق انهزم وسقط عن دابّته ؛ فنزل إليه رجل من الأعراب، من بني معاوية، عرفه فحزّ رأسه، وسار به إلى قرعويه وبشارة.

وانهزم أصحاب رشيق وتركوا كلّ ما لهم في ظاهر حلب، وهرب ابن الأهوازي إلى أنطاكية، وكان أخوه مقيماً بها، فنصب رجلاً من الديلم اسمه (دِزْبَر) وسمّاه الأمر، واعتضد برجل عَلَوِيّ أَفْطَسِيّ، ووعده العلويّ إنْ تمّ له الأمر أن يجعله الرئيس والمدبّر، وتَسَمَّى بالأُستاذ، فظلم الناس بأنطاكية، وجمع الأموال، وقصده قرعويه إلى أنطاكية، وجرت بينها وقعة فكانت على الأهوازي أكثر الليل وقطعة من النهار، ثمّ صارت له على قرعويه ؛ لأنّ أهل البلد عاونوه.

وقد كان سيف الدولة كتب إلى قرعويه أن لا يخرج إلى أنطاكية، فانهزم قرعويه وعاد إلى حلب، وانصرف سيف الدولة من الفداء ودخل حلب وأقام بها ليلة، وخرج من غد، فواقع دِزبَر وابن الأهوازي في ضيعةٍ في طريق بالس تُعرف بِسَبْعِين، فانهزم أصحاب دِزْبَر، ومضى ابن الأهوازي فطرح نفسه في بيوت بني كلاب، فوجّه إليهم سيف الدولة يطالبهم به

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... ص ٢٦٣.


ووهب لهم ثلاثين ألف درهم، فسلّموه إليه.

وقُتل دزبر واعتُقل ابن الأهوازي مدّة، ثمّ خرج ملك الروم إلى الشام، واشتغل سيف الدولة به، وأمر بإحضار ابن الأهوازي فقُتل بحضرته.

قد عزم دِزْبَر صاحب أنطاكية على منازلة حلب، فقصده سيف الدولة ثمّ حمل عليه، فهرب دزبر، وقاتل دَيْلَمُه ورجالته أعظم قتال، وسيف الدولة قد شهر سيفه يصيح في الناس، فانتصر وأسر طائفة، وغنم جنده شيئاً كثيراً، وردّ إلى حلب وصادر أعيان الأُسراء الأنطاكيين، وأخذ خطوطهم بأموال عظيمة، وهرب دزبر الديلمي إلى بني كلاب، فأسلموه، فوسّطه سيف الدولة وأحرقه وقتل وزراءه وأعيانه، وقطع أيدي جماعة حتّى قيل إنّه قتل نحو الخمسة آلاف رجل.

ثم كاتب سيف الدولة أبا المعالي بنصره على دِزْبَر يقول:

(قد أنجز الله وعده، وأعزّ جنده، ونصر عبده، وأظفر بمن كان استشرى بالشام أمره، وعمّ أهله غَشْمه وظُلْمه، دِزْبَر الديلمي ومحمد بن أحمد بن الأهوازي قد استوليا على مدن الشام، وكاتبا الديلم من كل صقع، وتجمّع لهما عدد كثير من العرب، وخلق من الثغريّين، وجبيا الأموال، واشتغلتُ بأمر الفداء مدّة حتّى لم يبق بأيدي الكفرة أسير ولله الحمد.

ثمّ عبرتُ الفرات ونظرتُ في التقويم فوجدت الكسوف، فتأمّلته على حسب ما أوجبه علم النجوم والمولد، فكان غشاءً على أعدائنا، فقصدتهم وهم على مرحلة من حلب بالناعورة، إلى أن ذكر هزيمتهم، ثمّ قال:

(ولا شهدت عسكراً على كثرة شهادي للحرب استولي على جميع رؤسائه وأتباعه مثل هؤلاء، ولا غُنم من عسكر مثل ما غُنم منهم، وقد كنت ناديت بأنّ من جاء بدِزَبْر والأهوازي فله كذا وكذا، فتعاقد طوائف على ذلك، وجعلوا لهما وَكْدهم فأسروهما، وقُيّدا)، إلى أن قال:

(ولا شكّ عندي في أنّ ما أُنفق على الفداء نحو ثلاثمئة ألف دينار فكّ الله بها ثلاثة آلاف وخمسمئة إنسان)(١) .

(وقصد اخرسطفورس بطريرك أنطاكية يف الدولة إلى حلب،

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٢٦٥ إلى ص ٢٦٩.


فأحسن قبوله وشكر له ما فعله من بُعده عن الخالفين عليه، وقدّمه وتخصّص به، ونقم سيف الدولة على شيوخ أنطاكية بسبب إخراجهم فتح غلامه، وتسليمهم المدينة إلى رشيق النسيمي، وقبض عليهم وصادرهم، وتشفّع البطريرك إليه في بعضهم وتواسط أمرهم معه، فأجاب مسألته فيهم، وتولّد في نفوسهم ممّا شاهدوه من تمكّن حاله عند سيف الدولة حسد له وحقد عليه.

في سنة خمس وخمسين وثلاثمئة: أوقع تقي الدين السيفي بسريّة للروم فاصطلمها، ثمّ خرج الطاغية من الدروب وذهب.

ثمّ جاء الخبر بأن نائب أنطاكية محمد بن موسى الصلحي أخذ الأموال التي في خزائن أنطاكية، وخرج بها كأنّه متوجّه إلى سيف الدولة، فدخل بلد الروم مرتدّاً، وقيل إنّه عزم على تسليم أنطاكية إلى الروم، فلم يمكنه ذلك لاجتماع أهل البلد على ضَبْطِه، فخشي أن يُنَمَّ خبره إلى سيف الدولة فيقتله، فرب بالأموال.

مات سيف الدولة بن عبد الله بن حمدان يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ستّ وخمسين وثلاثمئة، وسار غلامه تقي المقيم بأنطاكية إلى حلب، وأخذ تابوت سيف الدولة إلى ميّافارقين.

ولمّا خرج تقي من أنطاكية اجتمع رأي أهلها على أن لا يمكِّنوا أحداً من الحمدانيّة من الدخول إليها، وولّوا أمرهم علوش الكردي)(١) .

ثمّ ذكر مقتل البطريرك - المارّ ذكره - بسعي ابن مانك الذي استجار به، وأنّ قاتليه هم أهل خراسان الذين جاؤوا نجدة لسيف الدولة، وقائدهم محمد بن عيسى.

(قيل: وفي يوم الجمعة، على أربع ساعات من النهار، وقيل: ثلاث ساعات لخمس بقين من صفر سنة ستّ وخمسين وثلاثمئة توفّي الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن حمدان، وكان الثامن من شباط، ومات بحلب، وكان مرضه عسر البول، وكان عمره أربعاً وخمسين سنة قمريّة، وثلاث وخمسين شمسيّة، وتولّى أمره أبو الهيثم ابن القاضي أبي حصين،

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٢٧١ إلى ص ٢٧٣.


وكان صديقه ؛ وغسله عبد الحميد بن سهل المالكي قاضي الكوفة، وغسله ثمان غسلات بالماء أوّلاً، ثمّ بالسِدْر، ثمّ بالصَنْدَل، ثمّ بالذُريرة، ثمّ بالعنبر، ثمّ بالكافور، ثمّ بماء الورد، ثمّ بماء القَراح أخراً غسلين، ونُشفَ بثوب دَبيقِيّ سَعِيديّ ثمنه نيّف وخمسمئة دينار، وأخذ الغاسل مع ما أخذ منه، وصُبِّرَ برطلين صَبر ورطل مُرّ ومنّين كافور، وجعل في لحيته ونحره مئة مثقال كافور، وكُفِّن في تسعة أثواب تساوي ألف دينار، منها قميص قَصَب أُدْرجَ فيه بالكافور، ورداءان مُغمدان خزّ يَمانيّ وثوب شَرْب(١) وعمامة شَرْب، وجعل في التابوت مُضَرَّبَة دَبيقيّة سَعيديّة ومخدّتان، وجعل في الفراش كافور، وحُمل، وصلّى عليه أبو عبد الله النسائي إمام الشام وكان من الكوفة، وكبّر عليه خمساً، وحمل فراشه إلى الأفطس العلوي بوصيّة.

قيل: واجتمع الناس بحلب إلى أبي الحسن علي بن عَمْرو الحاجب، وعقدوا الأمر والإمارة للأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة، ويُلقّب سعد الدولة.

قيل: وتسلّم تابوت سيف الدولة غلام له اسمه تَقِي، وحمله وسار به إلى ميّافارقين، في شهر ربيع الآخر من السنة، فوصلها ودخل به إلى البلد، ومضى به ونزل إلى التربة التي بناها، وأخرجه من التابوت ووضعه في القبر بوصيّة أوصى بها، وترك تحت خدّه في قبره لبنة صغيرة من ترابٍ كان جمعه من نفض غبار درعه عند عودته من الغزاة، فاجتمع وجعل لبنة بقدر الكفّ، وجُعلت تحت رأسه، وقيل تحت خدّه، ودُفن عند أُمّه وأُخته.

قيل: واجتمع عند سيف الدولة من أهله جماعة كثيرة، وكانوا عنده في جملته، وتحت كنفه، بحيث يُقال إنّ أخت سيف الدولة صعدت يوماً إلى برج علي بن وهب، وكان قد أُضيف إلى القصر، فاطلعت على الميدان الذي هو الآن بستان الميدان، فرأت بالميدان من أهلها ما يقارب عشرين ألف فارس، فقالت: لا إله إلاّ الله، يوشك أن تقوم الساعة على آل حمدان، هذا سوى ما كان عند ناصر الدولة من أهله وأولاده، ومَن كان بالشام مقيماً منهم.

قيل: فما مرّ بهم غير ستّين أو سبعين سنة حتّى ماتوا

____________________

(١) شرب: نوع من القماش.


بأسرهم، ولم يبق منهم مَن يقول: (أنا من آل حمدان) في هذا الزمان.

وبقي منهم جماعة من أولاد ناصر الدولة انتقلوا إلى الساحل، وملكوا صور وما حولها، فانقرضوا فلم يبق منهم إلى الآن أحد)(١) .

(اجتمع لسيف الدولة بن حمدان ما لم يجتمع لغيره من الملوك، كان خطيبه ابن نُباتة الفارقي، ومعلّمه ابن خالَوَيْه، ومطربه الفارابي، وطبّاخه كُشاجِم، وخُزّان كتبه الخالِدِيّان والصَّنَوْبرِي، ومُدَّاحه: المُتَنَبّي والسَلامِي والوَأْوَاء الدمشقي والرفّاء والناميّ وابن نُباتة السعدي والصنوبري وغير ذلك)(٢) .

متفرّقات عن أخبار بني حمدان مختارة من هذا الكتاب

من ترجمة أبي فراس الحمداني:

(وكانت الروم قد أسرت أبا فراس في بعض وقائعها، وهو جريح قد أصابه سهمٌ بقي نصله في فخذه، ونقلته إلى خَرْشَنَة ثمّ منها إلى قسطنطينية، وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة. وفداه سيف الدولة في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، قلت: هكذا قال أبو الحسن علي بن الزرّاد الديلمي، وقد نسبوه في ذلك إلى الغط، وقالوا:

أُسر أبو فرس مرّتين، فالمرّة الأُولى بمغارة الكُحْل في سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة، وما تعدّوا به خرشنة وهي قلعة ببلاد الروم والفرات تجري من تحتها، وفيها يُقال إنّه ركب فرسه وركضه برجله فأوى به من أعلى الحصن إلى الفرات والله أعلم، والمرة الثانية أسره الروم على منبج في شوّال سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة، وحملوه إلى قسطنطينية، وأقام في الأسر أربع سنين، وكانت مدينة منبج إقطاعاً له.

في سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة خرج ابن أعور في جيش الروم يريد الغارة على نواحي مَنْبِج، فوافق خروج أبي فراس الحارث بن سعيد في عدّة يسيرة من غلمانه، وكان العدو في لف وثلاثمائة فارس، وقد

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٢٧٦ إلى ص ٢٨٠.

(٢) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... ص ٢٨٣.


استاقوا مواشي من ضيعةٍ يُقال لها بترك، فهمهم أبو فراس واستنقذ ما بأيديهم، وتبعهم، ثمّ انصرف عنهم وقد أجهد خيله وأعطشها، فنزل أصحابه وتفرّقوا يسقون، وتبعهم الروم، فانهزموا(١) ، وركب أبو فراس وقصد البلد إدلالاً بنفسه وفرسه، فسلكت غير طريق أصحابه، فأسره الروم.

كان سيف الدولة قلّده مَنْبِج وحرّان وأعمالهما، فجاء خلق من الروم فخرج إليهم في سبعين نفساً من غلمانه وأصحابه يقاتلهم، ففتك فيهم وقتل، وقدّر أنّ الناس يلحقونه، فما اتبعوه. وحملت الروم بعددها عليه فأُسر، فأقام في أيديهم أسيراً سنين يكاتب سيف الدولة أن يفديه بقوم كانوا عنده من عظماء الروم، منهم: البطريق المعروف باغورج، وابن أخت الملك، وغيرهم، فيأبى سيف الدولة ذلك مع وجده عليه ومكانه من قلبه، ويقول: لا أفدي ابن عمّي خصوصاً وأدع باقي المسلمين، ولا يكون الفداء إلاّ عامّاً للكافّة، والأيّام تتدافع، إلى أن وقع الفداء قُبيل موت سيف الدولة في سنة خمس وخمسين وثلاثمئة، فخرج فيه أبو فراس ومحمد بن ناصر الدولة ؛ لأنّه كان أسيراً - أيضاً - في أيديهم، والقاضي أبو الهيثم عبد الرحمان ابن القاضي أبي حصين علي بن عبد الملك ؛ لأنّهم كانوا أسروه - أيضاً - من حرّان قبل ذلك بسنين، وخرج من المسلمين عدد عظيم.

قال: ولأبي فراس كلّ شيءٍ حسن من الشعر في معنى أسره، فمِن ذلك أنّ كتب سيف الدولة تأخّرت عنه، وبلغه أنّ بعض الأُسراء قال: إنّ ثقل هذا المال على الأمير سيف الدولة كاتبنا فيه صاحب خراسان، فاتّهم أبا فراس في هذا القول ؛ لأنّه كان ضمن للروم وقوع الفداء وأداء ذلك المال العظيم. فقال سيف الدولة: ومن أين يعرفه أهل خراسان، فكتب إليه قصيدة أوّلها:

أسيف الهُدى وقريعَ العرب إِلامَ الـجفاء وفيمَ الغضب

وأُخرى:

ألا مَن مُبلِغٌ سَرَوات قومي وسيف الولة الملكَ الهُماما(٢)

____________________

(١) انهزم.

(٢) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٣١٢ إلى ص ٣١٦.


(وذكر (الافليلي) أنّ المتنبّي أنشد سيف الدولة بن حمدان في الميدان القصيدة التي أوّلها:

لـكلّ امـرئٍ مـن دهره ما تعوّدا وعادة سيف الدولة الطعن في العِدَى

فلمّا عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إيّاها فأنشدها قاعداً، فقال بعض الحاضرين (يريد أن يكيد أبا الطيّب): لو أنشدها قائماً لأسمع، فإنّ أكثر الناس لا يسمعون ؛ فقال أبو الطيّب: أما سمعت أوّلها: (لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا) .

وهذا من مستحسن الأجوبة، وبالجملة: فسموّ نفسه، وعلوّ همّته وأخباره وماجريّاته كثيرة، والاختصار أولى)(١) .

(حُكي أنّ سيف الدولة لمّا ورد إلى بغداد وقت تُوزُون، اجتاز وهو راكب فرسه وبيده رمحه وبين يديه عبد له صغير، وقصد الفرجة وأن لا يُعرف، فاجتاز بشارع دار الرقيق على دور بني خاقان وفيها فتيان، فدخل وسمع وشرب معهم وهم لا يعرفونه وخدموه، ثمّ استدعى عند خروجه الدواة فكتب رُقْعةً وتركها فيها ثمّ انصرف، ففتحوا الدواة فإذا في الرقعة ألف دينار على بعض الصيارف فتعجّبوا، وحملوا الرقعة وهم يظنّونها ساذجة، فأعطاهم الصيرفي الدنانير في الحال والوقت، فسألوه عن الرجل، فقال: ذاك سيف الدولة بن حمدان)(٢) .

(أخبرني طلحة بن عبيد الله بن قناش، قال:

كنت يوماً على مجلس حديث وأُنس، بحضرة سيف الدولة أنا وجماعة من ندمائه فأُدخل عليه رجل وخاطبه، ثمّ أمر بقتله، فقُتل في الحال. فالتفت إلينا فقال: ما هذا الأدب السَيِّئ وما هذه المعاشرة القبيحة التي نعاشر ونجلس بها!!! كأنّكم ما رأيتم الناس، ولا سمعتم أخبار الملوك، ولا عشتم في الدنيا، ولا تأدّبتم بأدب دين ولا مروءة. قال: فتوهّمنا أنّه قد شاهد من بعضنا حالاً يوجب هذه ؛ فقلنا: كلّ الأدب، إنّما يُستفاد من مولانا (أطال الله بقاءه) - وهكذا كان يُخاطب في وجهه - وما علمنا أنّا عملنا ما يوجب هذا، فإن رأى أن ينعم بتبيينها، فعل.

فقال: ما رأيتموني وقد

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... ص ٣٣٧، ٣٣٨.

(٢) نفسه: ص ٣٤٥، ٣٤٦.


أمرتُ بقتل رجلٍ مسلم لا يجب عليه القتل، وإنّما حملتني السطوة والسياسة لهذه الدنيا النكرة على الأمر به طمعاً في أن يكون فيكم رشيد، يسألني العفو عنه فأعفو، وتقوم الهيبة عنده وعند غيره، فأمسكتم حتّى أُهرق دم الرجل وذهب هدراً. قال: فأخذنا نعتذر إليه وقلنا: لم نتجاسر على ذلك. وقال: ولا في الدماء، ليس هذا بعذر. فقلنا: لا نعاود. واعتذرنا حتّى أمسك).

عاد الإخشيد من الرقّة إلى حلب، وصار إلى مصر، وولّى بحلب من قِبَله أبا الفتح عثمان بن سعيد بن العبّاس بن وليد الكلابي، وولّى أخاه أنطاكية، فحسد أبا الفتح أخوته الكلابيّون، وراسلوا سيف الدولة بن حمدان ليسلّموا إليه حلب، وقد كان طلب سيف الدولة من أخيه ناصر الدولة ولاية، فقال له ناصر الدولة: الشام أمامك وما فيه أحد يمنعك منه.

وعرف سيف الدولة اختلاف الكلابيّين وضعف أبي الفتح عن مقاومته، فسار إلى حلب، فلمّا وصل إلى الفرات، خرج إخوة أبي الفتح عثمان بن سعد بأجمعهم للقاء سيف الدولة، فرأى أبو الفتح أنّه مغلوب إن جلس عنهم وعلم حسدهم له، فخرج معهم، فلمّا قطع سيف الدولة الفرات أكرم أبا الفتح دون إخوته، وأركبه معه في العمارية، وجعل سيف الدولة يسأله عن كلّ قرية يجتاز بها ما اسمها؟

فيقول أبو الفتح: هذه الفلانية، حتّى عبروا بقريةٍ يُقال لها أَبْرَم، وهي قريبة من الغايا. فقال له سيف الدولة: ما اسم هذه القرية؟

فقال أبو الفتح: أَبْرَم. فظنّ سيف الدولة أنّه قد أكربه بالسؤال، فقال له: أَبْرَم من الإبرام. فسكت سيف الدولة عن سؤاله، فلمّا عبروا بقرى كثيرة ولم يسأله عنها علم أبو الفتح بسكوت سيف الدولة ؛ فقال له أبو الفتح: يا سيدي يا سيف الدولة، وحقّ رأسك إنّ القرية التي عبرنا عليها اسمها أبرم، واسأل عنها غيري، فعجب سيف الدولة من ذكائه.

فلمّا وصل حلب أجلسه معه على السرير، ودخل سيف الدولة حلب يوم الإثنين لثمانٍ خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة، وكان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل، فعزله وولّى أبا حُصَيْن علي بن عبد الملك بن بدر بن الهيثم الرقّي، وكان ظالماً، فكان إذا مات إنسان أخذ ترْكَته لسيف الدولة، وقال: كلّ مَن هلك فلسيف الدولة ما ترك، وعلى أبي حصين الدرك.


ثمّ إنّ الإخشد سيّر عسكراً إلى حلب مع كافور ويانس المؤنسي، وكان الأمير سيف الدولة غازياً بأرض الروم، قد هتك بلد الصفصاف وعَرْبَسُوس، فغنم ورجع، فسار لطيّته إلى الإخشيديّة، فلقيهم بالرَسْتَن، فحمل سيف الدولة على كافور، فانهزم وازدحم أصحابه في جسر الرستن ؛ فوقع في النهر منهم جماعة، ورفع سيف الدولة السيف فأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحداً منهم وقال: (الدم لي والمال لكم). فأسر منهم نحو أربعة آلاف من الأُمراء وغيرهم، واحتوى على جميع سواده، ومضى كافور هارباً إلى حمص، وسار منها إلى دمشق، وكتب إلى الإخشيد يعلمه بهزيمته، وأطلق سيف الدولة الأُسارى جميعهم، فمضوا وشكروا فعله.

ورحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق، ودخلها في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة، وأقام بها ؛ فكاتبه الإخشيد يلتمس منه الموادعة والاقتصار على ما في يده، فلم يفعل.

وخرج سيف الدولة إلى الأعراب، فلمّا عاد منعه أهل دمشق من دخولها، فبلغ الإخشيد ذلك، فسار إلى الرَمْلَة وتوجّه يطلب سيف الدولة، فلمّا وصل طَبَريَّة عاد سيف الدولة إلى حلب بغير حرب ؛ لأنّ أكثر أصحابه وعسكره استأمنوا إلى الإخشيد، فاتّبعه الإخشيد إلى أن نزل مَعَرة النُعمان في جيشٍ عظيم، فجمع سيف الدولة ولقيه بأرض قنّسرين في شوّال سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة.

وكان الإخشيد قد جعل مطارده وبوقاته في المقدّمة، وانتقى من عسكره نحو عشرة آلاف وسمّاهم الصابريّة، فوقف بهم في الساقة، فحمل سيف الدولة على مقدّمة الإخشيد فهزمها، وقصد قبّته وخيمه وهو يظنّه في المقدمة. فحمل الإخشيد ومعه الصابريّة، فاستخلص سواده، ولم يقتل من العسكرين غير مُعاذ بن سعيد والي معرّة النعمان من قِبَل الإخشيد، فإنّه حمل على سيف الدولة ليأسره، فضربه سيف الدولةِ بمُسْتوفيّ(١) كان معه فقتله.

وهرب سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيد، وسار على حاله إلى الجزيرة فدخل الرقّة، وقيل إنّه أراد دخول حلب فمنعه أهلها.

ودخل الإخشيد، حلب، وأفسد أصحابه في جميع النواحي، وقُطعت الأشجار التي كانت في ظاهر حلب، وكانت عظيمةً جدّاً، وقيل إنّها كانت

____________________

(١) عمود حديد طول ذراعين، مربّع الشكل له مقبض مدوّر.


من أكثر المدن شجراً، وأشعار الصَّنَوْبَري تدلّ على ذلك.

ونزل عسكر الإخشيد على الناس بحلب، وبالغوا في أذى الناس لميلهم إلى سيف الدولة، وعاد الإخشيد إلى دمشق بعد أن تردّدت الرسل بينه وبين سيف الدولة، واستقرّ الأمر على أن أفرج الإخشيد له عن حلب وحمص وأنطاكية، وقرّر عن دمشق مالاً يحمله إليه في كلّ سنة.

وتزوّج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيد عبيد الله بن طُغْج، وانتظم هذا الأمر على يد الحسن بن طاهر العَلَوِيّ وسفارته، في شهر ربيع الأوّل سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة، فسار الإخشيد إلى دمشق وعاد سيف الدولة إلى حلب، وتوفّي الإخشيد بدمشق في ذي الحجّة من سنة أربع وثلاثين، وقيل في المحرّم من سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، وملك بعده ابنه أبو القاسم أنجور، واستولى على التدبير أبو المسك كافور الخادم، وكان سيف الدولة فيما ذكر قد عمل على تخلية الشام.

فلمّا مات الإخشيد سار كافور بعساكر مولاه إلى مصر من دمشق، وكان قد استولى على مصر رجل مَغْرِبيّ، فحاربه كافور وظفر به، وخلت دمشق من العساكر، فطمع فيها سيف الدولة، وسار إليها فملكها، واستأمن إليه يانس المؤنسي في قطعة من الجيش، وأقام سيف الدولة بدمشق، وجبى خراجها، ثمّ أتته والدته نُعْم أم سيف الدولة إلى دمشق ؛ وسار سيف الدولة إلى طبريّة، وكان في بعض الأيّام يساير الشريف العقيقي بدمشق في الغوطة بظاهر البلد، فقال سيف الدولة للعقيقي: ما تصلح هذه الغوطة أن تكون إلاّ لرجل واحد.

فقال له الشريف العقيقي: هي لأقوام كثيرة.

فقال له سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين ليتبرؤون منها.

فأسرّها الشريف في نفسه وأعلم أهل دمشق بذلك، وجعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق بودائع الإخشيد وأسبابه ؛ فكاتبوا كافوراً، فخرج في العساكر المصريّة ومعه أنوجور بن الإخشيد، فخرج سيف الدولة إلى اللجون، وأقام أيّاماً قريباً من عسكر الإخشيد باكْسال، فتفرّق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة، فعلم به الإخشيديّة، فزحفوا إليه، وركب سيف الدولة يتشرّف، فرآهم زاحفين في تعبئة، فعاد إلى عسكره فأخرجهم، فنشبت الحرب، فقُتل من أصحابه خلق وأُسر كذلك، وانهزم سيف الدولة إلى دمشق، فأخذ والدته ومَن كان بها من أهله وأسبابه، وسار من حيث لم يعلم أهل دمشق بالوقعة، وكان ذلك في


جمادى الآخرة من سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة.

وجاء سيف الدولة إلى حمص وجمع جمعاً لم يجتمع له قط مثله من بني عُقَيْل وبني نُمَيْر وبني كلب وبني كلاب، وخرج من حمص، وخرجت عساكر ابن طُغْح من دمشق، فالتقوا بمرج عذراء(١) ، وكانت الوقعة أوّلاً لسيف الدولة ثمّ آخرها عليه، فانهزم وملكوا سواده، وتقطّع أصحابه في ذلك البلد فهلكوا، وتبعوه إلى حلب، فعبر إلى الرقّة وانحاز يانس المؤنسي من عساكر سيف الدولة إلى انطاكية، ووصل ابن الإخشيد حلب في ذي الحجّة من سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، فأقام بها وسيف الدولة في الرقّة، فراسل أنوجور يانس المؤنسي وهو بأنطاكية، وضمن هو وكافور ليانس أن يجعلاه بحلب، ويعطيهم ولده رهينة على ذلك، فأجابوه.

وانصرف كافور وأنوجور بالعسكر عن حلب إلى القبلة، وأتاها يانس فتسلّمها.

وقيل إنّ الاخشيدية عادوا، وأقام سيف الدولة بحلب، فخالف عليه يانس والسَاجِيّة وأرادوا القبض عليه، فهرب وكتّابه وأصحابه إلى الرقّة، وملك يانس حلب، ولم يقم يانس بحلب إلاّ شهراً حتّى أسرى عليه سيف الدولة إلى حلب في شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وثلاثمئة، فكبسه، فانهزم يانس إلى سَرْمِين يريد الاخشيد، فأنفذ سيف الدولة في طلبه سَريّة مع إبراهيم بن البارد العُقَيْلي، فأدركته عند ذاذيخ، فانهزم وخلّى عياله وسواده وأولاده وانهزم إلى أخيه بميافارقين، وكان ابن البارد قد وصل إلى سيف الدولة في سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة، وكان في خدمة أخيه ناصر الدولة ففارقه وقَدِم على سيف الدولة.

ثمّ إنّ الرسل ترددت بين سيف الدولة وابن الاخشيد، وتجدد الصلح بينهما على القاعدة التي كانت بينه وبين أبيه دون المال المحمول عن دمشق، وعمّر سيف الدولة داره بالحلبة، وقلّد أبا فراس ابن عمّه منبج وما حولها من القلاع، واستقرت ولاية سيف الدولة لحلب من سنة ستّ وثلاثين وثلاثمئة، وهذه هي الولاية الثالثة.

وجرى بينه وبين الروم وقائع أكثرها له وبعضها عليه، فمنها أنّه فتح حصن بَرْزُويه في سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة من ابن أخت أبي الحجر الكردي، ووقعت بينه وبين الروم وقعة فكانت الغلبة للروم، وملكوا مرعش

____________________

(١) في الغوطة، على بعد ٢٥ كلم شمالي شرقي دمشق قرب طريق دمشق - حمص.


ونهبوا طرسوس وسار إلى ميافارقين واستخلف على حلب ابن أخيه محمد بن ناصر الدولة، وخرج لاوُن الدُمُسْتُق إلى بُوقا من عمل أنطاكية، وخرج إليه محمد فكسره الدمستق وقتل من عسكره خلقاً في سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاثمئة.

ومنها أنّه غزا سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة ومعه خلقٌ عظيمٌ فظفر فيها وغنم غنيمة كثيرة، فلمّا رجع إلى درب الجوزات وفارقه أهل الثغور، فاجتمع الروم في الدرب على سيف الدولة فقُتل خلقٌ عظيمٌ من المسلمين وأُسر كذلك، وما سلم إلاّ سيف الدولة على ظهر فرسه فطلبوه ولزّوه إلى جبل عظيم وتحته وادٍ، فخاف أن يأسروه إن وقف أو رجع فضرب فرسه بالمِهْماز وقبله الوادي لكي يقتل نفسه ولا يأسروه، فوقع الفرس قائماً وخرج سيف الدولة سالماً.

وسُمّيت هذه الغزاة غزاة المُصِيبَة، وأخذ له من الآلات والأموال ما لا يُحصى حتّى أنّه ذكر أنّه هلك منه من عُرض ما كان معه في صحبته خمسة آلاف ورَقة بخطّ أبي عبد الله بن مُقْلَة (ره)، وكان منقطعاً إلى بني حمدان، وكان قد بلغ سيف الدولة إلى سَمَنْدو وأحرق صارِخَة وخَرْشَنَة.

ومنها أنّ سيف الدولة بنى مرعش في سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة، وأتاه الدمستق بعساكر الروم لمنعه منها، فأوقع به سيف الدولة الوقعة العظيمة المشهورة.

ومنها أنّ سيف الدولة دخل بلاد الروم في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة، وأغار على زِبَطْرة، والتقاه قُسْطَنْطِين بن بَرْدَس الدمستق على درب مَوْزار وقُتل من الفريقين خلق، ثمّ قام سيف الدولة إلى الفرات وعبره وقصد بَطْن هِنْزِيط، ودخل سيف الدولة سُمَيْساط، فخرج الدمستق إلى ناحية الشام، فرجع سيف الدولة وراء مرعش، فأوقع به وهزم جيشه وقتل لاون البطريق في الحرب، وأسر قسطنطين ولد الدمستق وحمّله الإبريق إلى بيت الماء وكان أمرد، فخرج فوجده قائماً يبكي، ولم يزل عنده حتّى مات من علّةٍ اعتلّها، وكان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة ورحل(١) فترهّب ولبس المسوح ؛ ففي ذلك يقول المتنبي:

فإن كان يُنْجِي من عليّ تَرَهُّبُ تَرَهَّبتِ الأملاكُ مَثْنى ومَوْحَدا

فقال أبو العبّاس أحمد بن محمد النامي:

____________________

(١) وفي روايةٍ أُخرى (دخل).


لكنّه طلب التَرَهُّب خيفةً ممّن له تتقاصرُ الأعمارُ

فـمكان قائم يفه عكّازه ومكان ما يتمنطق الزنّارُ

وبنى سيف الدولة الحدث، وقصده الدمستق بردس، فاقتتلا سحابة يومهما، وكان النصر للمسلمين، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة، وأسر صهر الدمستق على ابنته (اعورجوم) بعد أن سلّمها أهلها إلى الدمستق.

ومنها أنّ سيف الدولة غزا سنة خمسة وأربعين وثلاثمئة بطن هِنْزِيط، ونزل شاطئ ارسناس، وكبس يانس بن شُمُشْقيق على تل بطريق، فهزمه وفتحها وقتل في هذه الوقعة رومانوس بن البلنطس صهر ابن شمشقيق، وأسر ابن قلموط، وانثنى سيف الدولة قافلاً إلى درب الخيّاطين فوجد عليه كذو بن الدمستق، فأوقع به وهزمه، وخلّف ابن عمّه أبا العشائر الحسين بن علي عمارة عرنداس، فقصده ليون بن الدمستق فهزمه وأسره وحمله إلى القسطنطينية، فمات بها. وغزا في هذه السنة في جمادى الآخرة مع أهل الثغور، وضرب مواضع من بلاد الروم مثل خرشنة وصارخة، وأسر الرست بن البلنطس، وأسر لاون بن الأسْطَرَطِيغوس وابن غُزال بطريق مقدونية ؛ وهرب الدمستق وبركيل بطريق الخالديات، فلمّا قفل سيف الدولة فكّ قيود الأُسارى وخلع عليهم وأحسن إليهم.

وفي جمادى الأُولى من سنة ستّ وأربعين وثلاثمئة كاتَبَ الرومُ جماعةً من غلمان سيف الدولة للقبض عليه وحمله إلى الدمستق عند شخوصه لمحاربته، وبذل لهم مالاً عظيماً على ذلك، فخرج سيف الدولة عن حلب، وقد عزموا على ذلك فصار بعض الفرّاشين إلى ابن كَيْغَلَغ فأخبره بما عزموا عليه، فأعلم سيف الدولة، فجمع الأعراب والديلم وأمرهم بالإيقاع بهم، عند إعلامه إيّاهم بذلك فأوقعوا بهم وقُتل منهم مئة وثمانون غلاماً وقُبض على زُهاء مئتي غلام، فقطع أيديهم وأرجلهم وألسنتهم، وهرب بعضهم.

وعاد إلى حلب وقتل مَن بها من الأسرى وكانوا زهاء أربعمائة أسير، وضيّق على ابن الدمستق وزاد في قيده وصيّره في حجرةٍ معه في داره وأحسن إلى ذلك الفرّاش وقلّد ابن كيغلغ أعمالاً، وتنكّر على سائر غلمانه.

ومنها أنّ يانس بن شمشقيق خرج إلى ديار بكر، ونزل على حصن


اليماني ؛ وعرف سيف الدولة خبره، فسيّر إليه نجا الكاسكي في عشرة آلاف فارس، فالتقاه فانهزم نجا، وقتل من أصحابه خمسة آلاف فارس وأسر مقدار ثلاثة آلاف راجل واستولى على سواد نجا كله.

وسار ابن شمشقيق والبراكموس إلى حُصن سُميساط وفتحاه، ثمّ سارا إلى رعبان وحاصراها.

وسار سيف الدولة إليهما ولقيهما، فاستظهر الروم عليه استظهاراً كثيراً، وعاد سيف الدولة منهزماً، وتبعه الروم وقتلوا وسبوا من عشيرته وقوّاده ما يكثر عدده، وذلك في سنة سبع وأربعين وثلاثمئة.

وفي هذه السنة قدم ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان أخو سيف الدولة، مستنجداً بأخيه سيف الدولة إلى حلب ومعه جميع أولاده، عندما قصد مُعِزّ الدولة الموصل، وتلقّاه سيف الدولة على أربع فراسخ من حلب، ولمّا رآه ترجّل له، وأنفق سيف الدولة عليه وعلى حاشيته وقدّم لهم من الثياب الفاخرة والجوهر ما قيمته ثلاثمئة ألف دينار، وكان يجلس ناصر الدولة على السرير ويجلس سيف الدولة دونه.

ولمّا دخل دار سيف الدولة وجلس على السرير ؛ جاء سيف الدولة لينزع خفّه من رجله فمدّهما إليه فنزعهما بيده، وصعب على سيف الدولة ؛ لأنّه قدّر أنّه إذا خفّض له نفسه إلى ذلك رفعه عنه فلم يفعل ذلك ؛ إظهاراً لمن حضر أنّه وإن ارتفعت حاله فهو كالولد والتبع.

وكان يعامله بأشياء نحو ذلك قبيحة كثيرة فيحتملها على دغل، وتحمّل عنه سيف الدولة لمعزّ الدولة مئتي ألف درهم حتى انصرف عنه.

وفي هذه السنة مات قسطنطين بن لاوي ملك الروم، وصيّر نقفور ابن الفقاس دمستقاً على حرب المغرب، وأخاه ليون بن الفقاس دمستقاً على حرب المشرق، فتجهّز ليون إلى نواحي طرسوس وسبى وقتل وفتح الهارونية ؛ وسار إلى ديار بكر، وتوجّه إليه سيف الدولة، فرحل الدمستق راجعاً إلى الشام، وقتل من أهله عدداً متوافراً، وأخرب حصوناً كثيرةً من حصون المسلمين، وأسر محمد بن ناصر الدولة.

ومنها غزوة مغارة الكحل، غزا سيف الدولة في سنة ثمانٍ وقيل تسع وأربعين وثلاثمئة بلاد الروم، فقتل وسبى وعاد غانماً يريد درب مغارة


الكحل، فوجد ليون بن الفقاس الدمستق قد سبقه إليه، فتحاربا، فغُلب سيف الدولة وارتجع الروم ما كان أخذه المسلمون، وأخذوا خزانة سيف الدولة وكُراعه، وقُتل فيها خلقٌ كثيرٌ، وأُسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان، ونُزل بخرشنة، وأُسر علي بن منقذ بن نصر الكناني فلم يوجد له خبر، وأُسر مطر بن البلدي وقاضي حلب أبو حُصَيْن الرقّي، وقيل إنّ أبا حُصين قُتل في المعركة فداسه سيف الدولة بحصانه، وقال: لا رضي الله عنك، فإنّك كنت تفتح لي أبواب الظلم، وقيل إنّهم لمّا أخذوا الطرق على سيف الدولة وثب به حصانه عشرين ذراعاً وقيل أربعين، فنجا في نفرٍ قليل. وولّى سيف الدولة بعد قتل أبي حُصين أحمد بن محمد بن ماثل قضاء حلب، وكان قد عزله بأبي حصين حين ملك ؛ وذلك أنّه لمّا قدم حلب خرج للقائه أبو طاهر بن ماثل فترجل له أهل حلب ولم يترجل القاضي لأحد، فاغتاظ سيف الدولة وعزله، ثم قَدِم سيف الدولة من بعض غزواته فترجّل له ابن ماثل مع الناس، فقال له: ما الذي منعك أوّلاً وحملك ثانياً؟ فقال له: تلك المرّة لقيتك وأنا قاضي المسلمين، وهذه الدفعة لقيتك وأنا أحد رعاياك.

فاستحسن منه ذلك، فلمّا قُتل أبو حُصين أعاده إلى القضاء، وولّى سيف الدولة - أيضاً - قضاء حلب أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن محمد بن يزيد الحلبي المعروف بالجرذ، وكان حنفي المذهب.

ونقل الملك رومانوس إلى حرب المشرق نقفور بن الفقاس الدمستق، فسار إليه نقفور، فقاتله، وانهزم رشيق، وقتل من المسلمين زهاء تسعة آلاف رجل.

وعاد نقفور فضايق عين زربة وفتحها بالأمان في ذي القعدة سنة خمسين وثلاثمئة، وهدم سورها ؛ فانهزم أهلها إلى طرَسُوس، وفتح حصن دُلُوك ومَرْعَش ورَعْبان في سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة.

ثمّ إنّ نقفور بن الفقاس الدمستق ويانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في هذه السنة وسيف الدولة بها، وكان موافاتهما كالكبسة.

وقيل إنّ عدّة رجاله مئتا ألف فارس وثلاثون ألف راجلٍ بالجواشن، وثلاثون ألف صانعٍ للهدم وتطريق الثلج، وأربعة آلاف بغل عليها حسك الحديد يطرحه حول عسكره ليلاً.

ولم يشعر سيف الدولة بخبرهم حتّى قربوا منه، فأنفذ إليهم سيف الدولة غلامه نجا في جمهور عسكره بعد أن


أشار عليه ثقاته ونصحاؤه بأن لا يفارق عساكره، فأبى عليهم، ومضى نجا بالعكسر إلى الأثارب، ثمّ توجّه منها داخلاً إلى أنطاكية، فخالفه عسكر الروم، ووصل إلى دُلُوك، ورحل منها إلى تلِّ حامِد ثمّ إلى تِبِّل، واتّصل خبره لسيف الدولة فعلم أنّه لا يطيقه مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج إلى ظاهر حلب وجمع الحلبيين وقال لهم:

عساكر الروم تصل اليوم، وعسكري قد خالفها، والصواب أن تغلقوا أبواب المدينة وتحفظوها، وأمضي أنا ألتقي عسكري وأعود إليكم وأكون من ظاهر البلد وأنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء.

فأبى عامّة الحلبيين وغوغاؤهم، وقالوا: لا تحرمنا أيها الأمير الجهاد، وقد كان فينا من يعزّ عن المسير إلى بلد الروم للغزو، وقد قربت علينا المسافة.

فلمّا رأى امتناعهم عليه قال لهم: اثبتوا فإنّي معكم، وكان سيف الدولة على بانَقُوسا.

ووردت عساكر الروم إلى الهزّازة فالتقوا، فانهزم الحلبيون، وقُتل وأُسر منهم جماعة كثيرة، وقُتل أبو طالب بن داود بن حمدان وأبو محمد الفيّاض كاتب سيف الدولة، وبُشرَى الصغير غلام سيف الدولة، وكان أسند إليه الحرب ذلك اليوم وجعله تحت لوائه، ومات في باب المدينة المعروف: باب اليهود ناسٌ كثيرٌ لفرط الزحمة، وكان سيف الدولة راكباً على فرس له يُعرف بالفحيّ، فانهزم مشرقاً حتّى بعد عن حلب، ثمّ انحرف إلى قنّسرين فبات بها.

وأقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام محاصرين لها، فخرج شيوخ حلب إلى نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: تسلِّمون إليّ ابن حمدان.

فحلفوا أن ابن حمدان ما هو في البلد. فلمّا علم أنّ سيف الدولة غائب عنها طمع فيها وحاصرها.

وقيل إنّ نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاءٍ منه لهم يوم الاثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة، وكان نزوله على المدينة يوم السبت العشرين من ذي القعدة، وجرى بينه وبينهم خطابٌ آخره على أن يؤمّنهم ويحملوا إليه مالاً ويمكنوا عسكره أن يدخل من باب ويخرج من آخر، وينصرف عنهم عن مقدرة، فقالوا له: تمهلنا الليلة حتّى نتشاور ونخرج غداً بالجواب، ففعل، ومضوا وتحدثوا وخرجوا بكرة الثلاثاء إليه فأجابوه إلى ما طلب، فقال لهم نقفور: أظنكم قد رتّبتم مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح، حتّى إذا دخل مِن أصحابي مَن يمكنكم أن تطبقوا عليه وتقتلوه فعلتم ذلك.


فحلف له بعضهم من أهل الرأي الضعيف أنّه ما بقي بالمدينة مَن يحمل سلاحاً وفيه بطش.

فكشفهم نقفور عند ذلك، فقال لهم: انصرفوا اليوم وقال نقفور لأصحابه: قد علمتم أنّه ما بقي بالمدينة مَن يحمل سلاحاً وفيه بطش.

فكشفهم نقفور عند ذلك، فقال لهم: انصرفوا اليوم واخرجوا إليّ غداً.

فانصرفوا، وقال نقفور لأصحابه: قد علمتم أنّه ما بقي عندهم مَن يدفع فطوفوا البلد بالأسوار ومعكم الآلة، فأيّ موضعٍ رأيتموه ممكناً فتَسَوَّروا إليه فإنّكم تملكون الموضع ؛ فطافوا وكتموا أمرهم وأبصروا أقصر سورٍ فيها ممّا يلي الميدان بباب قنّسرين فركبوه وتجمّعوا عليه، وكان وقت السحر وصاحوا ودخلوا المدينة.

وقيل إنّ أهل حلب قاتلوا من وراء السور فقُتل جماعة من الروم بالحجارة والمقاليع، وسقطت ثلمة من السور على قومٍ من حلب فقتلتهم ؛ وطمع الروم فيها فأكبوا عليها ودفعهم الحلبيون عنها، فلمّا جنّهم الليل اجتمع عليها المسلمون فبنوها، فأصبحوا وقد فرغت فَعَلَوْا عليها وكبّروا ؛ فَبَعُدَ الروم عن المدينة إلى جبل جوشن، فمضى رجّالة الشرط وعوامّ الناس إلى منازل الناس وخانات التجّار لينهبوها، فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور ولحقوا منازلهم، فرأى الروم السور خالياً فتجاسروا ونصبوا السلالم على السور وهدموا بعض الأبدان، ودخلوا المدينة من جهة برج الغنم، ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من ذي القعدة من سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة، وقيل يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة في السحر، وأخذ الدمستق منها خلقاً من النساء والأطفال، وقتل معظم الرجال، ولم يسلم منه إلاّ مَن اعتصم بالقلعة من العلويّين والهاشميّين والكتّاب وأرباب الأموال، ولم يكن على القلعة يومئذٍ سورٌ عامرٌ فإنّها كانت قد تهدّمت وبقي رسومها ؛ فجعل المسلمون الأُكُف والبراذع بين أيديهم، وكان بها جماعة من الديلم الذين ينسب إليهم درب الديلم بحلب، فزحف إليها ابن أخت الملك فرماه ديلميٌّ فقتله، فطلبه من الناس فرموه برأسه ؛ فقتل عند ذلك من الأسرى اثني عشر ألف أسير، وقيل أكثر من ذلك وقيل أقل.

وأقام نقفور بحلب ثمانية أيّامٍ ينهب ويقتل ويسبي باطناً وظاهراً، وقيل إنّه أخرب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة وتناهى في حسنه وعمل له أَسْواراً وأجرى نهر قويق فيه من تحت الخناقية يمرّ من الموضع المعروف بالساقيات حتّى يدخل في القصر من جانب ويخرج من آخر فيصبّ في المكان المعروف بالفيض، وبنى حوله اصطبلاً ومساكن


لحاشيته، فقيل إن ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ثلاثمئة وتسعين بدرة دراهم، ووجد له ألفاً وأربعمائة بغل فأخذها، ووجد له من خزائن السلاح ما لا يُحصى كثرة، فقبض جميعها وأحرق الدار فلم تعمّر بعد ذلك وآثارها إلى اليوم ظاهرة.

ويُقال إنّ سيف الدولة رأى في المنام أنّ حيّةً تطوقت على داره، فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسّرين: الحيّة في النوم ماء، فأمر بحفيرٍ يُحفر بين داره وبين قويق حتّى أدار الماء حول الدار، وكان في حمص رجلٌ ضرير من أهل العلم، يفسّر المنامات، فدخل على سيف الدولة، فقال له كلاماً معناه: أنّ الروم تحتوي على دارك.

فأمر به وأُخرج بعنف، وقضى الله سبحانه أنّ الروم خرجوا وفتحوا حلب واستولوا على دار سيف الدولة ؛ فذكر معبّر المنام أنّه دخل على سيف الدولة بعد ما كان من أمر الروم، فقال له ما كان من أمر ذلك المنام الملعَّن.

وكان المعتصمون بالقلعة والروم بالمدينة تحت السماء ليس لهم ما يظلّهم من الهواء والمطر ويتسلّلون في الليل إلى منازلهم فإن وجدوا شيئاً من قوتٍ أو غيره أخذوه وانصرفوا.

ثمّ إنّ نقفور أحرق المسجد الجامع وأكثر الأسواق والدار التي لسيف الدولة وأكثر دور المدينة، وخرج منها سائراً إلى القسطنطينية بعد أن ضرب أعناق الأُسارى من الرجال حين قتل ابن أخت الملك وكانوا ألفاً ومائتي رجل، وسار بجامعه ولم يعرض لسواد حلب والقرى التي حولها، وقال:

هذا البلد قد صار لنا فلا تُقصّروا في عمارته فإنّا بعد قليل نعود إليكم.

وكان عدّة من سبي من الصبيان والصبايا بضعة عشر ألف صبي وصبيّة وأخذهم معه.

وقيل إنّ جامع حلب كان يُضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفُسَيْفساء ذي الفصّ المذهّب إلى أن أحرقه الدمستق.

وإنّ سليمان بن عبد الملك اعتنى به كما اعتنى أخوه الوليد بجامع دمشق.

وسار الدمستق عنها يوم الأربعاء مستهلّ ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة.

واختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب، فقيل إنّه ورد إليه الخبر أنّ رومانوس الملك وقع عن ظهر فرسه في الصيد بالقسطنطينية، وأنّهم يطلبونه ليملّكوه عليهم، وقيل سبب رحيله أنّ نجا عاد بجمهور العسكر إلى الأمير سيف الدولة فاجتمع به وجعل يواصل الغارات


على عسكر الروم، وتبلغ غاراته إلى السَعْدِي، وأنّه أخذ جماعةً من متعلقة الروم ؛ واستنجد سيف الدولة بأهل الشام، فسار نحوه ظالم بن السلال العقيلي في أهل دمشق، وكان يليها من قبل الاخشيدية، فكان ذلك سبباً لرحيله عن حلب، وكان هذا نقفور بن الفقاس الدمستق قد دوّخ بلاد الإسلام، وانتزع من أيدي المسلمين جملةً من المدن والحصون والمعاقل، فانتزع الهارونية وعين زربة كما ذكرناه وكذلك دُلوك وأذنة وغير ذلك من الثغور، ونزل على أذنة في ذي الحجة من سنة اثنتن وخمسين وثلاثمئة، ولقيه نفير طرسوس فهزمهم وقتل منهم مقدار أربعة آلاف، وانهزم الباقون إلى تل بالقرب من أذنة، فأحاط الروم بهم وقاتلوهم وقتلوهم بأسرهم، وهرب أهل أذنة إلى المصيصة.

وحاصرها نقفور مدّة فلم يقدر عليها بعد أن نقب في سورها نقوباً عدّة، وقلّت الميرة عندهم، فانصرف بعد أن أحرق ما حولها.

وورد في هذا الوقت إلى حلب إنسان من أهل خراسان، ومعه عسكرٌ لغزو الروم، فاتّفق مع سيف الدولة على أن يقصد نقفور، وكان سيف الدولة عليلاً، فحُمل في قبّةٍ فأَلْفَياه وقد رحل عن المصيصة وتفرّقت جموع الخراساني ؛ لشدّة الغَلاء في هذه السنة بحلب والثغور، وعظم الغلاء والوباء في المصيصة وطرسوس حتّى أكلوا الميتة.

وعاد نقفور إلى المصيصة وفتحها بالسيف في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، وفتح أيضاً كَفَرْبَيّا في هذه السنة ومرش وفتح طرسوس من أيدي المسلمين، في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، وكان المسلمون يخرجون في كلِّ سنة، ويزرعون الزرع فيأتي بعساكره فيفسده، فضعفت وتخلّى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها، وكان فيها فيما ذُكر أربعون ألف فارس وفي عتبة بابها أثر الأسنّة إلى اليوم، فلمّا رأى أهلها ذلك راسلوا نقفور المذكور فوصل إليهم وأجابوه إلى التسليم، وقال لهم:

إنّ كافوراً الخادم قد أرسل إليكم غلّةً عظيمةً في المراكب، فإن اخترتم أن نأخذها وأنصرف عنكم في هذه السنة فعلتُ، فقالوا: لا، واشترطوا عليه أن يأخذوا أموالهم.

فأجابهم إلى ذلك إلاّ السلاح، ونصب رمحين جعل على أحدهما مصحفاً وعلى الآخر صليباً، ثمّ قال لهم: مَن اختار بلد الإسلام فليقف تحت المصحف، ومَن اختار بلد النصرانية فليقف تحت الصليب ؛ فخرج المسلمون فحزروا بمئة ألف ما بين رجلٍ وامرأة


وصبي، وانحازوا إلى أنطاكية.

ودخل نقفور إلى طرسوس وصعد منبرها وقال لمن حوله: أين أنا؟

فقالوا: على منبر طرسوس.

فقال: لا، ولكنّي على منبر بيت المقدس، وهذه كانت تمنعكم من ذلك.

واستولى بعد موت سيف الدولة في سنة سبع وخمسين وثلاثمئة على كَفَرْ طَاب وشَيْزَر وحَماة وعِرْقة وجَبَلَة ومعرة النعمان ومعرة مصرين وتِيزين، ثمّ فتح أنطاكية في سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى.

وصارت وقعاته للروم والنصارى كالنُزَه والأعياد، وحكم في البلاد حكم ملوك الروم.

ولمّا رجع عن حلب سار إلى القسطنطينية مُغِذّاً فدخلها في صفر سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة، فوجد رومانوس قد مات، وليس في الملك ولداه بَسِيل وقُسْطَنْطين وهما صبيّان ووالدتهما (تفانوا) تدبرهما.

فلمّا وصل نقفور سلّموا الأمر إليه فدبّرهما مدّةً، ثمّ رأى أنّ استيلائه على الملك أصوب وأبلغ في الهيبة ؛ فلبس الخف الأحمر ودعا لنفسه بالملك وتحدّث مع البطرك في ذلك، فأشار عليه أن يتزوج (تفانوا) أم الصبيّين وأن يكون مشاركاً لهما في الملك، فاتفقوا على ذلك وألبسوه التاج، ثمّ خافت على ولديها منه فأعملت الحيلة ورتبت مع يانس بن شمشقيق أن تتزوج به.

وبات نقفور في البلاد في موضعه الذي جرت عادته به، فلمّا ثقل في نومه أدخلت يانس ومعه جماعة وشكلت رجل نقفور، فلما دخل يانس قام نقفور من نومه ليأخذ السيف فلم يستطع فقتله، ولم يتزوج بها يانس خوفاً منها.

ونعود إلى بقيّة أخبار سيف الدولة، فإنّه لمّا رحل الروم عن حلب عاد إليها، ودخلها في ذي الحجّة سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة، وعمّر ما خُرّب منها، وجدّد عمارة المسجد الجامع، وأقام سيف الدولة إلى سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، وسار إلى ديار بكر بالبطارقة الذين كانوا في أسره ليفادي بهم، وأخذهم نجا وسار إلى ميافارقين فاستولى عليها، فلمّا وصل سيف الدولة، قال:

أروني نجا، فأروه إيّاه على برج، فوقف تحته وقال: يا نجا.

فقال: لبيك يا مولانا.

فقال: انزل.

فنزل في الوقت على رسمه، وخلع عليه وسلّم إليه البلد والبطارقة.

وقُتل نجا، قتله غلام سيف الدولة اسمه


(قبجاج)(١) بحضرته، وكان سيف الدولة عليلاً فأمر به وقُتل قبجاج في الحال.

وسار سيف الدولة بالبطارقة إلى الفداء، ففدى بهم أبا فراس ابن عمّه وجماعةً من أهله وغلامه رقطاش ومَن كان بقي مِن شيوخ الحمصيين والحلبيين، ولمّا لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى بقيّة المسلمين من العدوّ، كلّ رجلٍ باثنين وسبعين ديناراً حتّى نَفِدَ ما كان معه من المال، فاشترى الباقين ورهن عليهم بدَنَته الجوهر المعدومة المثل، وكاتبه أبو القاسم الحسين بن علي المغربي جدّ الوزير، وبقي في أيدي الروم إلى أن مات سيف الدولة، فحمل بقيّة المال وخلّص ابن المغربي.

ولمّا توجه سيف الدولة إلى الفداء ولّى في حلب غلامه وحاجبه قرعويه في سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، فخرج على أعمال سيف الدولة مروان العُقَيْلي وكان من مستأمنة القرامطة، وكان مروان مع سيف الدولة حين توجّه إلى آمِد، وأقام سيف الدولة بكل ما يحتاج إليه عسكره، وأنفذ إليه ملك الروم هديّةً سَنيّة، فقتل مروان القرمطي رجلاً من أصحاب الرسول، فتلافى سيف الدولة ذلك وسيّر إلى ملك الروم هديّة سَنيّة وأفرد ديّة المقتول، واعتذر أنّ مروان فعل ذلك عن سُكر، فردّ الهديّة والتمس إنفاذ القاتل ليقيّده به أو يصفح عنه، فلم يفعل.

وانتقضت الهدنة وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة.

وولّى بعد ذلك مروان السواحل، فلمّا توجّه سيف الدولة إلى الفداء، سار إلى ناحية حلب، فأنفذ إليه قرعويه غلاماً له اسمه بدر، فالتقيا غربي كفرطاب، فأخذه مروان أسيراً وقتله صبراً، وكسر العسكر، وملك حلب، وكتب إلى سيف الدولة بأنّه من قِبَله، فسكن إلى ذلك، وأخذ مروان في ظلم الناس بحلب ومصادرتهم فلم تطل مدّته وتوفي سنة أربع وخمسين وثلاثمئة من ضربة ضربه بها بدر حين التقيا بِلَتٍّ في وجهه، وعاد الحاجب قرعويه إلى خلافة سيف الدولة.

وكان بأنطاكية رجلٌ يُقال له الحسن بن الأهوازي يضمن المستغَلاَّت لسيف الدولة، فاجتمع برجلٍ من وجوه أهل الثغر يُقال له رشيق النسيمي، وكان من القوّاد المقيمين بطرسوس، فاندفع إلى أنطاكية حين أخذ الروم

____________________

(١) نجاح كما جاء في (ابن الأزرق).


طرسوس، وتولّى تدبير رشيق وأطمعه في أنّ سيف الدولة لا يعود إلى الشام، فطمع، فاتفق مع ملك الروم على أن يكون في حيّزه ويحمل إليه عن أنطاكية في كلّ سنةٍ ستمئة ألف درهم، وكان بأنطاكية من قبل سيف الدولة (تنج اليمكي) أو الثملي، فسار رشيق نحوه، فوثب أهل أنطاكية على تنج فأخرجوه وسلموا البلد إلى رشيق، فأطمع ابن الأهوازي رشيقاً بملك حلب لعلمه بضعف سيف الدولة واشتغاله بالفداء، وعمل له ابن الأهوازي كتاباً ذكر أنّه من الخليفة ببغداد، وبتقليده أعمال سيف الدولة، فقرئ على منبر أنطاكية، واجتمع لابن الأهوازي جملة من مال المُسْتَغَلّ، وطالب قوماً بودائع ذكر أنّها عندهم، واستخدم بتلك الأموال فرساناً ورجّالة، واستأمن إليه دِزْبَر بن أُوَيْنِم الديلمي وجماعة من الديلم الذين كانوا مع الحاجب قرعويه بحلب، فحصل مع رشيق نحو خمسة آلاف رجل، فسيّر إليه الحاجب غلامه يُمن في عسكر، فخرج إليه رشيق من أنطاكية، والتقوا بأرْتَاح، فاستأمن يُمن إلى رشيق، ومضى عسكره إلى حلب، وتوجّه رشيق إلى حلب ونازل حلب، وزحف على باب اليهود، فخرج إليه بشارة الخادم في جماعة، فقاتل إلى الظهر وانهزم بشارة، ودخل من باب اليهود، ودخلت خيل رشيق خلفه، واستولى رشيق على المدينة في اليوم الأوّل من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وثلاثمئة، ونادوا بالأمان للرعيّة وقرأوا كتاباً مختلقاً عن الخليفة بتقليد رشيق أعمال سيف الدولة. وأقام رشيق يقاتل (بالقرب من باب القلعة) ثلاثة أشهر وعشرة أيّام، وفتح باب الفَرَج.

ونزل غلمان الحاجب من القلعة فحملوا على أصحاب رشيق فهزموهم وأخرجوهم من المدينة ؛ فركب رشيق ودخل من باب أنطاكية فبلغ إلى القلانسيين وخرج من باب قنّسرين ومضى إلى باب العراق، فنزل غلمان الحاجب وخرجوا من باب الفَرَج وهو الباب الصغير، ووقع القتال بينهم وبين أصحاب رشيق، فطعن ابن يزيد الشيباني رشيقاً فرماه، وكان ممّن استأمن من عسكر سيف الدولة إلى رشيق، وأخذ رأسه ومضى به إلى الحاجب قرعويه، وعاد الحاجب إلى حالته في خلافة الأمير سيف الدولة، وعاد عسكر رشيق إلى أنطاكية، فرأسوا عليهم دِزْبَر بن أُوَيْنِم الديلمي وعقدوا له الإمارة، واستوزر أبا علي بن الأهوازي، وقبل كلّ مَن وصل إليه من العرب والعجم.

وسار إليه الحاجب قرعويه إلى أنطاكية فأوقع به


دزبر ونهب سواده، وانهزم قرعويه وقد استأمن أكثر أصحابه إلى دزبر، فتحصّن بقلعة حلب، وتبعه دزبر فملكها في جمادى الأُولى سنة خمس وخمسين وثلاثمئة.

وأقام بها وابن الأهوازي بعسكره في حاضر قنّسرين، وجمع إليه بني كلاب وجبى الخراج من بلاد حلب وحمص، وفوّض إلى القضاة والولاة والشيوخ والعمّال الأعمال والولايات.

وجاء سيف الدولة فدخل حلب، وعسكره ضعيف، فبات بها، وخرج إلى دزبر وابن الأهوازي، وكان سيف الدولة قد فُلج وبطل شقّه الأيسر، فالتقوا شرقيّ حلب بسبعين، فغدرت بنو كلاب بدزبر وابن الأهوازي حين نظروا إلى سيف الدولة واستأمنوا إليه فآمنهم، ووضع السيف في عسكر دزبر وضع مُحْنَق مغيظ، فقتل جمعاً كثيراً وأسر خلقاً فقتله صبراً، وكان فيهم جماعة ممّن اشتراهم بماله من الروم فسبقوه إلى الشام وقبضوا الرزق من ابن الأهوازي وجعلوا يقاتلونه، فما أبقى على أحدٍ منهم.

وحصل دزبر وابن الأهوازي في أسره، فأمّا دزبر فقتله ليومه، وأمّا ابن الأهوازي فاستبقاه أيّاماً ثمّ قتله.

ثمّ إنّ سيف الدولة قويت علّته بالفالج وكان بشيْزَر فوصل إلى حلب فأقام بها يومين أو ثلاثة، وتوفّي يوم الجمعة العاشر من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمئة، وقيل توفي بعسر البول، وحمل تابوته إلى ميافارقين فدفن بها في تربته، وكان على قضاء حلب إذ ذاك في غالب ظنّي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن محمد بن يزيد الحنفي، بعد أحمد بن محمد بن ماثل.

ويُنسب إلى سيف الدولة أشعار كثيرة لا يصح منها له غير بيتين، ذكر أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كاتبه وهو جد الوزير أبي القاسم المغربي أنّهما لسيف الدولة، ولم يعرف له غيرهما وكتب بهما إلى أخيه ناصر الدولة، وقد مدّ يده إلى شيءٍ من بلاده المجاورة له من ديار بكر وكانت في يد أخيه:

لَسْتُ أَجْفُو وإن جُفِيتُ ولا أت رك حـقّاً عـليّ في كلِّ حالِ

إنّـما أنـت والدٌ والأب الجا في يُجازى بالصبرِ والاحتمالِ

ووزر لسيف الدولة أبو إسحاق القراريطي ثمّ صرفه، وولّى وزارته أبا


عبد الله محمد بن سليمان بن فهد، ثمّ غلب على أمره أبو الحسين علي بن الحسين المغربي أبو الوزير أبي القاسم ووزر له)(١) .

(حدّثني أبو يعلى محمد بن يعقوب البريدي الكاتب، قال: لمّا قصدتُ سيف الدولة أكرمني وأنس بي وأنعم عليّ، وكنت أحضر ليلاً في جملة مَن يحضر.

قال: فقال لي ليلة من الليالي: كان قتلُ أبيك أبرك الأشياء عليّ.

فقلت: كيف ذاك أطال الله بقاء مولانا.

قال: لمّا رجعنا من بغداد اقتصر بي أخي ناصر الدولة على نصيبين فكنت مقيماً فيها، ولم يكن ارتفاعها يكفيني فكن أدافع الأوقات وأصبر على مضض من الإضاقة مدّة.

ثمّ بلغتني أخبار الشام وخلوّها إلاّ من يانس المونسي، وكون ابن طغْج بمصر بعيداً منها ورضاه بأن يجعل يانس عليها، ويحمل إليه الشيء اليسير منها، ففكّرت في جمع جيشٍ وقصدها وأخذها وطرد يانس ومدافعة ابن طغْج إن سار إليّ بجهدي، فإن قدرت على ذلك وإلاّ كنت قد تعجلت من أموالها ما تزول به إضاقتي مدّة، ووجدت جمع الجيش لا يمكن إلاّ بالمال، وليس لي مال، فقلت أقصد أخي وأسأله أن يعاونني بألف رجلٍ من جيشه يزيح هو علّتهم، ويعطيني شيئاً من المال، وأخرج بهم، فيكون عملي زائداً في عمله وعزّه.

قال: وكانت تأخذني حمّى ربع، فرحلت إلى الموصل على ما بي ودخلت إلى أخي وسلّمت عليه، فقال: (ما أقدمك؟

فقلت: أمر أذكره بعد... فرحّب، وافترقنا ؛ فراسلته في هذا المعنى، وشرحت له، فأظهر من المنع القبيح واردّ الشديد غير قليل. ثمّ شافهته، فكان أشدّ امتناعاً، وطرحت عليه جميع مَن كان يتجاسر على خطابه في مثل هذا فيردّهم، قال: وكان لجوجاً إذا منع من الأوّل شيئاً يُلتمس منه أقام على المنع، قال: ولم يبق في نفسي مَن يجوز أن أطرحه عليه وأقدّر أنّه يجيبه إلاّ امرأته الكرديّة والدة أبي تغلب.

قال: فقصدتها وخاطبتها في حاجتي، وسألتها مسألته، فقالت: أنت تعلم خلقه وقد ردّك، وإن سألته عقيب ذلك ردّني أيضاً، فأخرق جاهي عنده، ولكن أقم أيّاماً حتّى أظفر منه في خلال ذلك بنشاطٍ أو سببٍ أجعله طريقاً للكلام والمشورة عليه والمسألة له.

قال: فعلمت صحّة قولها فأقمت، قال: فإنّي

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٣٦٣ إلى ص ٤٠٢.


جالس بحضرته يوماً إذ جاءه برّاج بكتاب طائر عرّفه سقوطه من بغداد. فلمّا قرأه اسودّ وجهه واسترجع، وأظهر قلقاً وغمّاً، وقال:

إنّا لله وإنّا إليه راجعون... يا قوم، المتعجرف الأحمق الجاهل المبذّر السخيف الرأي الرديء التدبير الفقير القليل الجيش يقتل الحازم المرتفق العاقل الوثيق الرأي الضابط الجيّد التدبير الغني الكثير الجيش.

فرمى الكتاب وقال: قف عليه، فإذا هو كتاب خليفته ببغداد بتاريخ يومين، يقول: إنّ في هذه الساعة تناحرت الأخبار وصحت بقتل أبي عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف واستيلائه على البصرة.

قال: فلمّا قرأت ذلك مع ما سمعته من كلامه متّ جزعاً وفزعاً، ولم أشكّ أنّه يعتقدني كأنّي أبو عبد الله البريدي في الأخلاق التي وصفه بها، ويعتقد في نفسه أنّه كأبي يوسف، وقد جئتُه في أمر جيشٍ ومال، ولم أشكّ أنّ ذلك سيولّد له أمراً في القبض عليّ وحبسي، فأخذت أداريه وأسكّن منه وأطعن على أبي عبد الله البريدي، وأزد في الاستقباح لفعله وتعجيز رأيه إلى أن انقطع الكلام.

ثمّ أظهرت له أنّه ظهرت الحمّى التي تجيئني وأنّه وقتها، وقد جاءت، فقمت.

فقال: يا غلمان بين يده، فركبت دابتي وحركت إلى معسكري، وقد كنت منذ وردتُ وعسكري ظاهر البلد، ولم أنزل داراً.

قال: فحين دخلت إلى معسكري، وكان بالدير الأعلى، ولم أنزل، وقلت لغلماني: ارحلوا الساعة ولا تضربوا بوقاً، واتبعوني.

وحركت وحدي، فلحقني نفرٌ من غلماني، وكنت أركض على وجهي خوفاً، من مبادرة ناصر الدولة إليّ بمكروه. قال: فما عقلت حتّى وصلت إلى بلد في نفرٍ قليلٍ من أهل معسكري، وتبعني الباقون، فحين وردوا نهضت للرحيل، ولم أدعهم أن يريحوا وخرجنا.

فلمّا صرنا على فرسخ من البلد إذا بأعلام وجيش لاحقين بنا، فلم أشكّ أنّ أخي أنفذهم للقبض عليّ، فقلت لمن معي: تأهّبوا للحرب ولا تبدأوا وحثوا السير.

قال: فإذا بأعرابيّ يركض وحده حتى لحق بي، وقال: أيّها الأمير ما هذا السير المحث؟ خادمك (دَنْحا) قد وافى برسالة الأمير ناصر الدولة، ويسألك أن تتوقف عليه حتّى يلحقك.

قال: فلمّا ذكر دَنْحا، قلت: لو كان شرّاً ما ورد دنحا فيه، فنزلت وقد كان السير كدّني والحمّى قد أخذتني، فطرحت نفسي لما بي، ولحقني دنحا وأخذ يعاتبني على شدّة السير، فصدقته عمّا كان في نفسي. فقال: اعلم أنّ الذي ظننته انقلب وقد تمكّنت لك في نفسه هيبة بما


جرى، وبعثني إليك برسالةٍ يقول لك: إنّك قد كنت جئتني تلتمس كيت وكيت فصادفت منّي ضجراً وأجبتك بالردّ. ثمّ علمت أنّ الصواب معك، فكنت منتظراً أن تعاودني في المسألة فأُجيبك ؛ فخرجت من غير معاودة ولا توديع.

والآن إن شئت فأقم بسِنْجار أو بنَصيبِين، فإنّي منفذٌ إليك ما التمست من المال والرجال لتسير إلى الشام.

قال فقلت لِدَنْحا: تشكره وتجزيه الخير وتقول كذا وكذا - أشياء وافقته عليها - وتقول: إنّي خرجت من غير وداع لخبرٍ بلغني في الحال من طروق الأعراب لعملي، فركبت لألحقهم وتركت معاودة المسألة تخفيفاً.

فإذا كان قد رأى هذا فأنا ولده وإن تمّ لي شيء فهو له، وأنا مقيمٌ بنصيبين لأنتظر وعده.

قال: وسررت ورجع دنحا، فما كان إلاّ أيّام يسيرة حتّى جاءني دنحا ومعه ألف رجلٍ، قد أزيحت عللهم وأعطوا أرزاقهم ونفقاتهم، وعرضت دوابّهم وبغالهم، ومعهم خمسون ألف دينار، فقال: هؤلاء الرجال وهذا الحال فاستخر الله وسر.

قال: فسرت إلى حلب وملكتها، وكانت وقائعي مع الاخشيدية - بعد ذلك - المعروفة.

ولم يزل بيني وبينهم الحرب إلى أن استقرّت الحال بيننا على أن أفرجوا لي عن هذه الأعمال، وأفرجت لهم عن دمشق واستغنيت عنه.

وكلّ ذلك فسببه قتل عمّك لأبيك)(١) .

____________________

(١) نُخب تاريخيّة وأدبيّة... من ص ٤٠٤ إلى ص ٤٠٩.


تاريخ بني زهرة الحلبيّين

تمهيد

قِدَم التشيّع في حلب

لمّا كان بنو زهرة - الذين أفردت للبحث عنهم هذا المقال - من سلالة البيت النبويّ الكريم، ومن عظماء أشراف حلب القدماء، الذين جمعوا إلى رئاسة الدين فيها نقابة أشرافها، وتوارثوها كابراً عن كابر.

وهم من أعلام الشيعة الإماميّة، ومنهم غير واحدٍ انتهت إليه رئاسة المذهب، فقد رأيت أن أتكلّم في هذا التمهيد عن قِدَم التشيّع في حلب قبل الدخول في الموضوع ؛ جمعاً بين بحثين لم يعقد لهما أحدٌ من الكتّاب - قديماً وحديثاً - فصلاً مستقلاًّ ؛ وما الغاية التي أتوخّاها إلاّ خدمة التاريخ.

كان القرن الرابع الهجري مبدأ هبوب ريح الشيعة بعد سكونها المستطيل حيث قامت لهم في هذا العهد بآجال متقاربة دول وإمارات نبه شأنها، وضخم سلطانها، وسما مكانها، فالدولة البويهيّة وعلويو طبرستان وإمارة بني حمدان وبني صدقة وغيرها في المشرق، ودولة الأدارسة والدولة الفاطميّة في المغرب ومصر وبعض ديار الشام.

فكانت حلب إحدى عواصم الإمارة الحمدانيّة الشيعيّة.

تنفّس الشيعة الصعداء في عهد تلك الدول والإمارات، بعد أن ضربها الدهر ضرباته الأليمة، وشرّدها في الآفاق، وفرّقها في بلدان الله الواسعة الشاسعة شذر مذر، محتجبة عن امتداد أيدي الظلمة إليها بحجب التقيّة.


أصبحت حلب من بدء ذلك العهد وهي عاصمة الحمدانيّين، بعد أن غلبوا عليها الإخشيديين ملوك مصر والشام، مثابة الشيعيين ومختلف رجالاتهم ومستناخ رواحل الطارئين عليها من أمّهات البلدان القريبة والسحيقة ينسلون إليها من كلّ حدب، حيث يستمرئون المرعى الخصيب، وينتجعون نجعة الراحة، ويعتبقون عبق الحريّة المذهبيّة، فعمرت بهم بيوت العلم، وراجت فيهم سوقه، ونفدت سلعه.

ولم تكن الرحلة إلى حلب - وإن كانت قد أصبحت عاصمة الشيعة - وقفاً على الشيعيّين فقط، بل كانت مشرعاً عذباً عامّاً ومورداً مشاع المنهل بين الواردين إليه منهم ومن إخوانهم السنّيين بفضل ترفيه الأمير سيف الدولة الحمداني على العلماء كافّة من أيّ مذهبٍ كانوا ولأية ملّةٍ انتسبوا وانبساط كفّه إليهم بالأعطيات، واتساع صدره الرحيب إلى كلّ من يؤم حضرته، ويتوسّط فناءه لكسب مغنم أو فك مغرم ؛ فكانت أيّامه على الشيعة وعلى الخاصّة منها ومن غيرها، وعلى المملكة الحلبيّة غرّاً محجّلة، وعلى بلاد الإسلام معقلاً منيعاً، وعلى العلم والآداب العربية بيضاء نقيّة مباركة، لا كما زعمه بعض الكتّاب المتأخّرين إذ قال:

(ولم تكن حكومة سيف الدولة مباركة على حلب بقدر ما صوّرها شعراؤه الذين كان يغدق عليهم هباته ليقطع ألسنتهم ويشغلهم عنه).

وليس من الإنصاف أن ندفع المستفيض أو المتواتر من روايات مناقبه وأعماله الحسان، برواية الآحاد خبراً أو خبرين إن برّرناهما من التزوير والاختلاق ؛ فلا نراهما بمحبطين حسناته التي لا تحصى.

وهل من العدل أن نضرب بما كتبه الإمام أبو منصور الثعالبي من غرر آثاره وأخباره وغيره من الأئمّة عرض الجدار وجلّهم يكتب للتاريخ، وأن نصمَ الجمّ الغفير منهم ومن شعرائه بوصمة الدهان والرياء، ونتمسّك بخبرٍ إن صحّ فلم يكن ليسلم منه متآمر مهما كان محلّه من العدل.

ومَن يطلب الاستزادة من معرفة أيادي ذلك الأمير العربي الجليل البيضاء على حلب وعلى العلم والعلماء فما عليه إلاّ أن يتصفّح ما دوَّنه منها الإمام الثعالبي في يتيمته، وناهيك بها معرّفاً بفضله، ومنوّهاً بقدره، ولم نعقد هذا الفصل لهذا البحث الذي تخرجنا الإفاضة فيه عن الغرض المقصود.

وبعد فقد تمتّع الشيعة في هذا العهد بحريّتهم المذهبيّة، وأصحروا


بمعتقدهم غير موجسين خيفة من سلطان قاهر، ولا متهيبين فتكة من ذي أبّهةٍ قادر، وحسبك أن يسيّر الأمير أبو فراس ابن عم سيف الدولة الحمداني قصيدته الميمية التي مستهلها:

الدين مخترم والحق مهتضم وفيء آل رسول الله مقتسمُ

يسيّرها في البلاد ردّاً على ابن سكرة الهاشمي العبّاسي وفيها من النعي على بني العبّاس مثالب أوائلهم وهو لا يتهيّب سلطان أواخرهم ولهم الخلافة والإمامة في بغداد، والبقيّة الباقية من السلطان والصولجان، وفيها من بيان مناقب العلويين والفاطميين ممّا لا يدانيهم فيه مدانٍ من العبّاسيين، ما تبهر حجّته، ويستطع برهانه، ويذر آخرهم متعثّراً بأذيال الخجل ممّا جناه أولهم، ويدع ابن سكرة المنحرف عن الفاطميين والمتهجّم بخطل قوله، وباطل شعره على ثلبهم قيد الإحجام والإفحام مسجّلاً عليه عار ذمّه أهل بيتٍ أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وإذا لم تكن الإمارة الحمدانية السبب التام في ظهور أمر الشيعة في حلب وما إليها ؛ فهي ولا مراء من أقوى الأسباب التي أيّدت الشيعة ونشرت التشيّع.

قال بعض أفاضل كتّاب العصر:

(وكانت حلب في المذاهب الإسلامية تختلف باختلاف الدول عليها شأنها في ذلك شأن دمشق، فتارة توالي عليّاً وأصحابه وأُخرى توالي غيره.

وكان أهل حلب كلّهم سنيّة حنفيّة حتّى قَدِم شخصٌ إلى حلب فصار فيهم شيعيّة وشافعيّة وهو الشريف أبو إبراهيم الممدوح.

وكان بنو حمدان - وهم شيعة - من جملة الأسباب التي نشرت التشيّع في حلب وجوارها.

هذا ملخّص كلامه وفيه ما لا يخفى من التهافت.

هل كان الشريف أبو إبراهيم، وهو الذي ينتهي إليه نسب بني زهرة، وهو شيعي من دعاة مذهبي الشيعة والشافعية. فإن أراد هذا فذلك قول طريف وإن أراد أن في دعوته إلى التشيّع تمهيداً للدعوة الشافعية وظهورها فكأنّه بذلك كان داعية المذهبين فهو حسن إن ساعد عليه كلامه.


وماذا يريد من اختلاف حلب في موالاة علي وغيره باختلاف الدول عليها، فهل يريد بذلك اتحاد الموالاة واندغام أحد المذهبين بالآخر واضمحلاله البتّة وانقلاب عقيدته إلى عقيدة صاحب مذهب المتغلّب فهذا ممّا نربأ بالكاتب عنه.

وإن أراد أنّ الكلمة النافذة والحريّة الكاملة والصراحة التامّة بإظهار تلك الموالاة كانت تكون في جانب أصحاب مذهب الغالب فذلك حق وإلاّ فإنّ حلب لم تتمحّض في عهد المتسلّطين عليها لموالاة مذهب أحدهم.

وسترى أنّ تلك الصراحة بالموالاة كانت لهم حتّى اليوم الذي لم تكن لهم فيه الإمارة الحلبيّة.

وأمّا قوله إنّ أهل حلب كانوا كلّهم سنيّة حنفيّة قبل قدوم الشريف أبي إبراهيم حلب فذلك ما لا نوافقه عليه ؛ لأنّ الشريف لم يقدم حلب إلاّ في عهد الإمارة الحمدانية الشيعية، وفيه ظهر أمر الشيعة وتقدّم قدومه إليها كما هو الظاهر والمعقول.

وإليك ما كتبه بعض علماء الشيعة عن قِدَم التشيّع في حلب.

قال صاحب رياض العلماء بعد كلامٍ عن حلب ووصفها:

وكانت من القديم محطّاً لرجال علماء الشيعة الإماميّة، وأهلها أيضاً من أسلم أهالي الشامات قلباً، وأجودهم ذكاءً وفضلاً وفهماً.

وقال المولى محمد طاهر القمّي الفاضل الثقة فيما نقل عن كتابه الموسوم بالفوائد الدينية:

(إنّ من البلاد القديمة التشيع مدينة حلب).

وقال العلاّمة المجلسي في أحد مجلّدات بحاره، في ترجمة الإمام رشيد الدين بن شهرآشوب السروي، من أعيان أعلام الشيعة في القرن السادس الهجري ومن الطارئين على حلب:

وكان انتقاله إلى حلب من جهة كونها في ذلك الزمان محطّ رحال علمائنا الأعيان، بل كون الغالب على عامّتها المماشاة مع الإماميّة الحقّة في طريقتهم وسلوكهم لكون مملكتهم إذ ذاك بأيدي آل حمدان.

وفي كلام المجلسي نظر ؛ فإنّه إن أراد أنّ المملكة الحلبيّة كانت حتّى عهد ابن شهرآشوب بأيديهم ففيه مخالفة صريحة لنص التاريخ ولإجماع المؤرّخين ؛ فإنّه لم يقل مؤرّخ بامتداد ملكهم إلى هذا العهد، بل المحقّق أنّ


دولتهم في حلب انتهت قبل انتهاء القرن الرابع الهجري، وإن أراد غير ذلك فكلامه لا يفيده ولا يحتمله.

أمّا استفحال أمر الشيعة في حلب وما إليها فقد دام مؤيّداً بقوّة الاستمرار الطبيعية لا بتأييدِ دولة منهم، حتّى سنة تسع وسبعين وخمسمئة للهجرة، وهي السنة التي تسلّم فيها حلب سلماً السلطان صلاح الدين الأيّوبي من صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر(١) .

بل كان للشيعة الكلمة النافذة في حلب وإمرتها بأيدي مخالفيهم ومناهضيهم.

إنّ صاحب حلب اضطرّ في مقاومته صلاح الدين يوم جاء حلب فاتحاً إلى إجابة ما شرطه عليه الشيعة.

قال ابن كثير الشامي لمّا جاء صلاح الدين إلى حلب ونزل بظاهره اضطرب واليه، وطلب أهل حلب إلى ميدان العراق، وأظهر لهم المودة والملائمة، وبكى بكاءً شديداً ورغّبهم في حرب صلاح الدين، فعاهده جميعهم في ذلك، وشرط عليه الروافض أُموراً، منها: إعادة حيّ على خير العمل، ومنها: أن يفوّض عقودهم وأنكحتهم إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني الذي كان مقتدى شيعة حلب، فقبل منهم الوالي جميع تلك الشروط.

ولمّا أراد بدر الدولة أبو الربيع سليمان بن عبد الجبّار بن ارتق صاحب حلب بناء أوّل مدرسةٍ للشافعيّة في هذه المدينة لم يمكّنه الحلبيون ؛ إذ كان الغالب عليهم حينئذ التشيع(٢) .

قال العلاّمة الفاضل محمد كرد علي في الجزء العاشر من المجلد السادس من مجلّة المقتبس:

____________________

(١) عن أبي الفدا.

(٢) وكان ابتداء إمرة سليمان بن عبد الجبّار على حلب سنة ٥١٥ وانتهاؤها سنة ٥١٧ ؛ وذلك بطريق الاستنابة من عمّه إيلغازي بن أرتق واستردّها منه لعجزه عن حفظ بلاده ؛ وذلك بتسليمه حصن الأتارب إلى الفرنج.


(وقد أتى صلاح الدين يوسف بن أيّوب وخلفاؤه على التشيع في حلب وكان المؤذّنون في جوامعها يؤذّنون بحيّ على خير العمل.

وحاول السلجوقيون الأتراك مراتٍ القضاء على التشيّع في هذه الديار (الحلبيّة)، فلم يوفّق لذلك إلاّ الملك الناصر صلاح الدين، كما ضرب على التشيّع في مصر، وكان على أشدّه فيها على عهد الفاطميين بحيث لا يكاد عالمٌ مصريّ يصرّح بمذهبه إذ ذاك.

أمّا قول صديقنا:

(وكان على أشدّه فيها على عهد الفاطميين إلخ)

فإنّا لا نوافقه عليه، وحسبك برهاناً على تمكين الفاطميّين مخالفيهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم ما جاء في الجزء الثالث من صبح الأعشى للعلاّمة القلقشندي:

وأمّا سيرتهم (الفاطميّين) في رعيّتهم واستمالة قلوب مخالفيهم، فكان لهم الإقبال على مَن يفد عليهم من أهل الأقاليم جلّ أو دقّ ويقابلون كلّ أحدٍ بما يليق به من الإكرام، ويعوّضون أرباب الهدايا بإضعافها.

وكانوا يتألّفون أهل السنّة والجماعة ويمكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم، ولا يمنعون من إقامة صلاة التراويح في الجوامع والمساجد على مخالفة معتقدهم في ذلك (بياض بالأصل) بذكر الصحابة (رضوان الله عليهم)، ومذهب مالك والشافعي وأحمد ظاهرة الشعار في مملكتهم بخلاف مذهب أبي حنيفة، وراعون مذهب مالك، ومَن سألهم الحكم به أجابوه.

وأمّا قوله: (بحيث لا يكاد عالم مصري يصرّح بمذهبه إذ ذاك) فيكفي في ردّه قول عمارة اليمني، وهو الذي قُتل في حبّهم، وفي سبيل الوفاء لهم بعد انقراض دولتهم:

أفاعيلهم في الجود أفعال سنة وإن خالفوني في اعتقاد التشيّعِ

وهل يطلب صديقنا برهاناً على منح الفاطميّين مخالفيهم حريّة التصريح بمذاهبهم أنصع من هذين البرهانين اللذين أوردهما القلقشندي في صبحه.

وأمّا السبب في استمرار قوّة التشيّع في حلب مع زوال دولتهم منها فالذي يظهر لي أنّه مستندٌ إلى أُمور:


(الأوّل ): أنّ الإمرة الحلبيّة لم تتمحّض إلى متغلّبة مذهب دون مذهب، بل كانت بعد انقراض دولة بني حمدان مرة تقع في أيد خلفاء مصر الشيعيّين، وأُخرى في أيدي مخالفيهم، متداولة بينهم بأزمنة متقاربة، بحيث لا يتّسع المجال لواحدٍ منهما مناهضة أبناء المذهب الآخر.

(الثاني) : أنّ الحرب كانت عليها سجالاً بين المتغلّبين السنّيين، فلم يخل جوّها لمتغلّبٍ ليصرف إلى مناهضة أهل مذهبٍ هو أحوج إلى تألّفهم وضمّ قوّتهم إلى قوّته لردّ عادية الطامعين في الاستيلاء عليها.

(الثالث ): تخوّف المتغلّب من قوّات الدول الشيعيّة المحيطة بالمملكة الحلبية من المشرق والمغرب إذا امتدت يده بسوء إلى أهل مذهبهم.

وبعد، فإنّا نكتب ما نكتب لمحض العبرة وفلسفة التاريخ لا لغرضٍ آخر، وإنّه ليؤلمنا وأيم الحق تذكّر تلك المنازعات المذهبيّة التي لم يسلم منها بلد في تلك القرون الخالية، ولا كانت حربها الضروس محصورة بين الشيعة والسنّة.

وحسبنا ما يؤلم حديثه ما كان يقع من المشاحنة ؛ فإهراق الدماء بين أبناء السنّة أنفسهم من الشافعية والحنابلة في بغداد وغيرها من بلاد الإسلام، وبين المالكيّة وغيرهم في الديار المغربية.

إنّ تلك العصبيّة على المخالف هي التي خلّفت لنا إلى اليوم آثار الانحطاط وذهبت للمسلمين بكلّ ريحٍ وقوّةٍ، فصيّرتهم خولاً بعد أن كانوا دولاً، والله غالبٌ على أمره.

آل أبي شعبة الحلبيّون

اعلم أنّ آل أبي شعبة الحلبي من علماء الشيعة القدماء، لهم فضل الصحبة بأئمّة أهل البيت الذين عاصروهم من القرن الأوّل إلى القرن الثالث، منسوبون إلى حلب، وأبو شعبة مولى بني تيم الله بن ثعلبة أو مولى بني عجل في روايةٍ أُخرى.

وسبب نسبتهم إلى حلب ذكره غير واحدٍ من علماء الرجال الشيعة.

قال أبو العبّاس أحمد بن علي النجاشي(١) في ترجمة عبيد الله بن علي بن أبي شعبة(٢) :

____________________

(١) تخرّج بالشيخ المفيد (ره) عاصر شيخ الطائفة الطوسي (ره) والشريف المرتضى (رض) ولد سنة ٣٧٢ وتوفي سنة ٤٥٠.

(٢) في كتابه أسماء مصنّفي علماء الشيعة ص ١٥٩.


(أبو علي كوفيٌّ كان يتّجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب فغلبت عليهم النسبة إلى حلب.

وآل أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور في أصحابنا.

روى جدهم أبو شعبة عن الحسن والحسين (عليهما السلام).

وكانوا جميعهم ثقات مرجوعاً إليهم فيما يقولون).

وأورد ذلك بالحرف الواحد الميرزا محمد الاستربادي(١) في الجزء الثاني من كتابه: منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال(٢) وإليك من التعريف بأسماء رجالهم المعروفين ما تكمل به الفائدة ولا يشذّ عن الموضوع:

١ - أبو شعبة الحلبي هو الجدّ الأعلى الذي تحدّر منه أولئك الرجال وعنه تسلسلوا وإليه انتسبوا.

وقد مرّ بك آنفاً أنّه روى عن الحسن والحسين (عليهما السلام).

٢ - ولده الأوّل علي، قال الأستراباي في منهج المقال: علي بن أبي شعبة ثقة صه (الخلاصة) وفي جش (النجاشي) وكش (الكشي) ما تقدّم في ابن ابنه أحمد بن عمر(٣) .

٣ - ولده الثاني عمر، قال الاسترابادي عمر بن أبي شعبة الحلبي ق (أي من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر (ع)).

٤ - أحمد بن عمر الحلبي، قال النجاشي:

(أحمد بن عمر بن أبي شعبة الحلبي ثقة، روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وعن أبيه من قبل، وهو ابن عمّ عبيد الله وعبد الأعلى وعمران ومحمد الحلبيّين، روى أبوهم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وكانوا ثقات. لأحمد كتاب يرويه عنه جماعة... إلخ).

وذكره الكشّي في رجاله، وأورد خبراً له عن الرضا (عليه السلام) ونقل العلاّمة الاسترابادي في منهج المقال ما جاء في كتابي الكشي والنجاشي برمّته، واستظهر من الرواية التي ذكرها الكشي أنّه روى عن الرضا وأبي جعفر الجواد (عليهما السلام).

____________________

(١) المتوفّى سنة ١٠٣٣ بمكّة المكرّمة.

(٢) ص ١١٨.

(٣) لا يخفى أنّ أحمد بن عمر هو ابن أخي علي لا ابن ابنه فتأمّل.


٥ - عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي.

قال النجاشي: (عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي، مولى بني تيم اللاّت بن ثعلبة إلى أن قال:

(وكان عبيد الله كبيرهم ووجيههم. وصنف الكتاب المنسوب إليه. وعرضه على أبي عبد الله (عليه السلام) وصحّحه. قال عند قراءته أترى لهؤلاء مثل هذا، والنسخ مختلفة الأوائل والتفاوت فيها قريب.

وقد روى هذا الكتاب خلق من أصحابنا عن عبيد الله والطرق إليه كثيرة إلخ).

وذكره الاسترابادي في منهجه، ونقل أقوال علماء الرجال فيه، ومنهم العلاّمة الحلّي (ره) في خلاصته، وعقب روايته عرض كتابه على أبي جعفر (عليه السلام) بقوله وهو أوّل كتابٍ صنّفه الشيعة، ومنهم البرقي قال في حقّه: (كوفي، وكان متجره إلى حلب، فغلب عليه هذا اللقب، مولى ثقة صحيح، له كتاب وهو أوّل ما صنّفه الشيعة)(١) .

٦ - أخوه محمد بن علي بن أبي شعبة.

قال النجاشي (ره) في رجاله:

(محمد بن علي بن أبي شعبة. الحلبي أبو جعفر وجه أصحابنا وفقيههم والثقة الذي لا يطعن عليه هو وإخوته عبيد الله وعمران وعبد الأعلى له كتاب التفسير، قال: وله كتاب مبوّب في الحلال والحرام.

وجاء نحو هذا في الفهرست والخلاصة، وهو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).

٧ - أخوه عبد الأعلى بن علي بن أبي شعبة.

قال الاسترابادي: (عبد الأعلى بن علي بن أبي شعبة أخو محمد بن علي الحلبي، ثقة لا يطعن عليه صه (الخلاصة) وفي جش (النجاشي) في أخيه محمد).

وقد مرّ ما أورده النجاشي فيه وفي إخوته في أخيه محمد كما عرفت قريباً.

____________________

(١) جاء في فهرست النجاشي ما يستفاد منه أنّ في رجال الشيعة مَن سبق المترجم بالتصنيف، وجاء في كتاب الشيعة وفنون الإسلام في هذا الموضوع ما فيه زيادة للمستزيد.


٨ - عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي.

تقدّم ذكر النجاشي له مع إخوته في أخيه محمد، وأمّا الأسترابادي فقد قال في حقّه: (ثقة لا يطعن عليه، وكنيته أبو الفضل صه (الخلاصة)، وفي ق (أصحاب الإمام الصادق - عليه السلام -) عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي الكوفي انتهى).

٩ - ولده أحمد قال العلاّمة الاسترابادي في منهج المقال (أحمد بن عمران الحلبي (قر) ذكره في رجال الباقر (عليه السلام) ويحتمل أن يكون نشأ من الكنية بأبي جعفر (عليه السلام) فإنّ المعروف من عمران الحلبي أنّه من رجال الصادق (عليه السلام).

١٠ - يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة، قال النجاشي (ره) (يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليه السلام)، ثقة صحيح الحديث له كتاب يرويه جماعة).

وذكر في أصحاب الصادق، والشيخ والأسترابادي ذكراه في كتابيهما الفهرست ومنهج المقال.

وبعد، فإنّا لم نستطرد الكلام إلى ذكر هؤلاء الأعلام إلاّ لمناسبة نسبتهم إلى حلب، وإن لم يكونوا حلبيين مغرساً ومنبتاً.

والنسبة كالإضافة تصدق بأقل مناسبة، مضافاً إلى إزالة ما لعلّه يعلق في بعض الأذهان من الأوهام من أنّهم حلبيو المغرس والمنبت، وأن يتّخذ عهدهم بدء تاريخ التشيّع الحلبي القديم، على أنّا إن كنّا لا نثبت ذلك لعدم وجود الدليل عليه، فإنّا لا ننفيه لجواز أن يكون قد دخل حلب في ذلك العهد أو قبله ولكن بطريقة الكتمان ؛ فإنّ الشيعة لم يكن لديهم من حريّة المجاهرة بمذهبهم ما يمكّنهم من الإصحار به، بل كانوا يكونون في كلّ بلادٍ إسلاميةٍ مستترين بحجب التقيّة ؛ وذلك يعمي على المؤرّخ تحقيق بدء دخول التشيّع حلب أو غيرها من بلاد الشام حاشى (جبل عامل الذي ثبت من بعض النصوص التاريخية الإماميّة دخول التشيّع فيه في عهد نفي الصحابي الجليل أبي ذر إلى الشام).


استدراك

اعلم أنّ الحلبي في مصطلح أهل الرجال: هو الشيخ الفقيه الثقة الصدوق عبيد الله بن علي بن شعبة الحلبي، وهو الخامس من رجال آل أبي شعبة الذي ترجمناه في هذا الفصل. وإذا أطلق في كلام الشهيد الأوّل فالمراد منه أبو الصلاح لا غير، وهو الذي ستعرفه قريباً.

(العلماء المنسوبون إلى حلب من عهد دولة التشيّع فيها وما بعده من غير بني زهرة)

اعلم أنّ فريقاً من علماء الشيعة الحلبيّين الذين خدموا العلم والآداب والمذهب لم تحفل بهم معاجم إخوانهم السنيّين على كثرتها، وفيها العامّة التي لم توضع لرجالهم خاصّة، وهي لم تبخس كثيراً من غير الحلبيّين الشيعة حقّهم، وقد حفلت بهم كتب رجال الشيعة، فقد رأينا خدمةً للتاريخ والآداب وسدّاً لهذا النقص أن نلمّ بذكرهم بما يتّسع له المجال ولا نرى مع توخّي هذه الفائدة خروجاً عن موضوع المقال ؛ فنقول:

١ - أبو الصلاح تقيّ الدين بن نجم بن عبيد الله الحلبي.

قرأ على الشيخ الطوسي والمرتضى (ره)(١) وقد ذكره الأوّل في كتاب رجاله المسمّى بالفهرست، فقال:

(تقي الدين بن نجم الدين الحلبي، ثقة، له كتب قرأ علينا وعلى المرتضى، يكنّى بأبي الصلاح) وفي رياض العلماء أنّ ذكر الشيخ له هكذا

____________________

(١) هو كما قال فيه الأسترابادي:

(محمد بن الحسن بن علي بن الطوسي أبو جعفر (قدّس الله روحه) شيخ الإماميّة، ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة عين صدوق عارف بالأخبار والرجال والفقه والأُصول والكلام والأدب، جميع الفضائل تُنسب إليه. صنّف في كلّ فنون الإسلام، وهو المهذِّب للعقائد في الأُصول والفروع، الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل، وكان تلميذ الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان، ولد سنة ٣٨٠ وتوفّي سنة ٤٦٠ قال ابن الأثير في الكامل في حوادث هذه السنة، وفي المحرّم - أيضاً - توفّي أبو جعفر الطوسي فقيه الإماميّة بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكان في بغداد وهاجر منها إلى النجف خوفاً من الفتن التي تجدّدت ببغداد، وأُحرقت كتبه وكرسيّ كان يجلس عليه للكلام.


في كتابه مع كونه تلميذاً له دليل على غاية جلالة الرجل وعلوّ منزلته في العلم والدين.

وذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته، وابن شهراشوب في معالمه، وابن داود في رجاله، وقال الاسترابادي فيه في الجزء الأوّل من منهج المقال:

تقي بن نجم الحلبي أبو الصلاح (ره) ثقة عين، له تصانيف حسنة، ذكرناها في الكتاب الكبير.

قرأ على الشيخ الطوسي (ره) وعلى المرتضى (قدّس الله روحهما) صه (الخلاصة) وفي لم (معالم العلماء) تقي بن نجم الحلبي ثقة له كتب قرأ علينا وعلى المرتضى يُكنّى أبا الصلاح.

وفي أمل الآمل:

(تقي الدين بن نجم الحلبي أبو الصلاح يروي عنه ابن البراج معاصر للشيخ الطوسي.

كان ثقةً عالماً فاضلاً فقيهاً محدّثاً، له كتب رأيت منها كتاب: تقريب المعارف، حسن جيد.

وذكره الشيخ في رجاله (وأورد ما نقلناه عنه آنفاً) ونقله ابن داود وغيره.

ووثّقه العلاّمة في الخلاصة وأثنى عليه.

وقال ابن داود: تقي بن نجم الدين الحلبي أبو الصلاح عظيم الشأن من عظماء مشايخ الشيعة انتهى.

وقال منتجب الدين: الشيخ التقي بن النجم الحلبي فقيه عين ثقة قرأ على الأجلّ المرتضى علم الهدى، وعلى الشيخ أبي جعفر، وله تصانيف منها: الكافي، أخبرنا به غير واحدٍ من الثقات عن الشيخ المفيد عبد الرحمان بن أحمد النيسابوري انتهى.

(وقال ابن شهرآشوب في معالم العلماء تقي بن نجم الحلبي من تلامذة المرتضى، له البداية في الفقه، شرح الذخيرة للمرتضى (رض) انتهى.

وفي روضات الجنّات:

(الشيخ الفقيه النبيه الوجيه الشامي أبو الصلاح تقي الدين بن نجم بن عبيد الله الحلبي الثقة العين الفاضل الإمامي، كان من مشاهير فقهاء حلب، ومنعوتاً بخليفة المرتضى في علومه لكونه منصوباً في البلاد الحلبيّة من قِبَل أُستاذه السيّد المرتضى (رضي الله عنه) كما أنّ ابن البرّاد المتقدّم ذكره في باب الأحمدين كان خليفة الشيخ الطوسي (ره) في البلاد الشاميّة. ولنيابته عنه في التدريس حيث إنّ كليهما منصوص عليه.


وفي رياض العلماء:

(وإذا أطلق الحلبي في كلام الشهيد يُراد منه أبو الصلاح لا غير، كما أنّ الحلبيّين بصيغة التثنية يراد منهما أبو الصلاح الحلبي إلى أن قال: (والشاميّين جمعاً عن الحلبيّين مع الشيخ محمود الحمصي وابن زهرة وابن البراج كالقاضي للأخير).

وفيه أيضاً: (أنّ الشاميّين مقيّداً بالثلاثة عبارة عن الحلبي، وابن البراج وابن زهرة، ومطلقاً عن الثلاثة مع الحمصي.

أمّا تاريخ وفاة المترجم، فلم نجد تصريحاً به في كلمات العلماء الذين نرجع إلى كتبهم في ترجمته وترجمة غيره في هذا المقال، ولا غرو فإنّهم جروا في ذلك على عادتهم من إغفال تاريخ الولادة والوفاة في أكثر كتب الرجال، اللّهمّ إلاّ القليل، ولعلّ عذرهم أنّهم في صدد الجرح والتعديل، ومقام ربط سليلة الرواة والمحافظة على عنعناتها وأسانيدها، وليسوا في صدد التاريخ والبحث عن السير.

وفي بيان محلّ الرجال من الوثاقة والعدالة والقوّة والضعف غنية عن الإفاضة في الترجمة والتعرّض لتاريخ ولادة المترجمين ووفاتهم، والبحث في أحوالهم دقيقها وجليلها، اللّهمّ إلاّ ما له علاقة في الجرح والتعديل.

إنّ عذرهم في ذلك مَن هو في موقف المحافظ على ربط سلسلة الرواة، فلا يعذرهم مَن هو في موقف المؤرّخ المنقِّب الذي يُعنى بأمر الرجال عنايةً لا يغادر بها من أُمورهم صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها.

وحسبك أنّ ابن خلكان قد جعل ضبط تاريخ الولادة والوفاة ركناً من أركان معجمه (الوفيات ).

وكيف كان، فإنّ المترجم هو من رجال القرن الخامس الهجري ومِن عليّة علمائه.

وقد ذكره الشيخ يوسف البحراني من أعيان العلماء في القرن الثاني عشر الهجري في لؤلؤة البحرين، ولم يزد على ما ذكرناه.

٢ - الحسن بن حمزة الحلبي.

قال صاحب أمل الآمل في حقه: (كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليل القدر).


وقال صاحب روضات الجنّات نقلاً عن رياض العلماء:

(ومنهم (فقهاء حلب) الشيخ العالم الفاضل الفقيه الجليل القدر الشيخ حسن بن حمزة الحلبي).

ولعلّه المذكور في بعض إجازات المحقّق الشيخ علي بن عبد العالي (ره) وقد ذكره صاحب الروضات بما هذا نصّه:

(فمن فقهاء حلب الشيخ الأجل الفقيه هبة الله بن حمزة صاحب الوسيلة، وقد رويت جميع مصنّفاته ومرويّاته بالأسانيد الكثيرة والطرق المتعدّدة.

٣ - الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي.

في أمل الآمل: (محمد بن علي بن الحسن، فقيه صالح، أدرك الشيخ أبا جعفر الطوسي (ره) وروى عنه وعن ابن البراج.

وقرأ عليه السيّد الإمام أبو الرضا والشيخ الإمام قطب الدين أبو الحسين الراوندي (ره)، قاله منتجب الدين، وفي رياض العلماء كما نقله عنه صاحب الروضات ما هذا نصّه:

(ومنهم (فقهاء حلب) الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الفقيه الصالح الراوي عن الشيخ وابن البراج كما نصّ على ذلك كلّه الشيخ منتجب الدين في فهرسته، وهو أحد رجال سلسلة الرواية للعلاّمة رشيد الدين ابن شهرآشوب المتصلة بشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) نصّ على ذلك في مقدّمة كتابهالمناقب.

٤ - الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الحلبي.

كان محقّقاً مدقّقاً فاضلاً صالحاً عابداً، يروي عن الشيخ الطوسي، وعن ابن البراج، هكذا جاء في أمل الآمل.

٥ - الشيخ وثاب بن سعد بن علي الحلبي.

(فقيه دين أديب قاله منتجب الدين) أورد ذلك صاحب أمل الآمل.

٦ - الشيخ أبو علي الحسن بن الحسين بن الحاجب الحلبي.

في أمل الآمل: (الحسن بن الحسين بن الحاجب فاضل جليل، روى عنه أبو المكارم حمزة بن زهرة).


وفي الروضات نقلاً عن رياض العلماء ومنهم (فقهاء حلب) الشيخ العفيف الزاهد القاري أبو علي حسن بن حسين بن الحاجب الحلبي وهو الفاضل الذي يروي عنه ابن زهرة).

٧ - الشيخ ثابت بن أحمد بن عبد الوهّاب الحلبي.

(فقيه صالح قرأ على الشيخ التقي (ره)، قاله منتجب الدين) هكذا جاء في أمل الآمل.

٨ - عبد الملك بن الفذة الحلبي.

(فقيه ثقة، قاله منتجب الدين) عن أمل الآمل.

٩ - المظفّر بن طاهر بن محمد الحلبي.

قال في أمل الآمل: (فقيه صالح، قاله منتجب الدين).

١٠ - الشيخ أبو الحسن علي بن منصور بن أبي الصلاح الحلبي.

قال في الروضات: ثمّ إن من جملة علماء سلسلة صاحب الترجمة (أبي الصلاح، المصدَّر باسمه أسماء العلماء الحلبيين) هو سبطه ونافلته، الفاضل الفقيه الجليل إلخ، ولم يذكره صاحب أمل الآمل.

١١ - كتائب بن فضل الله بن كتائب الحلبي.

قال في أمل الآمل: فقيه دين ورع، قاله منتجب الدين.

١ - ثابت بن أسلم بن عبد الوهّاب أبو الحسن الحلبي النحوي.

قال السيوطي في الطبقات قال الذهبي كان من كبار النحاة شيعيّاً، صنّف كتاباً في تعليل قراءة عاصم. وتولّى خزانة الكتب بحلب لسيف الدولة، فقالت الإسماعيليّة هذا يفسد الدعوة ؛ لأنّه صنّف كتاباً في كشف عوارهم وابتداء دعوتهم، فحُمل إلى مصر فصُلب في حدود سنة ستّين وأربعمئة.

هكذا أورد ترجمته صاحب كتاب الشيعة وفنون الإسلام.

وأورد ذلك بعينه صاحب كتاب روضات الجنّات إلاّ أنّ تاريخ صلبه في الروضات هو في حدود سنة العشرين لا الستّين وهو الأصح كما لا يخفى.

وفي الروضات هذا التعقيب على ترجمته: (والعجب أنّ الشيعة لم يذكروا ترجمة هذا الرجل في شيءٍ من كتب رجالهم ولا يبعد كونه مِن


جملة علماء حلب المشهورين في ذلك الزمان).

وجاء فيه - أيضاً - نقلاً عن رياض العلماء، ومنهم (فقهاء حلب) أيضاً في الظاهر الشيخ ثابت بن أسلم الحلبي النحوي الإمامي.

٢ - يحيى بن أبي طيّ الحلبي.

قال العلاّمة المحقّق السيّد حسن الصدر في كتاب الشيعة وفنون الإسلام:

ومنهم (النحاة) يحيى بن أبي طي أحمد بن ظاهر الطائي الكلبي الحلبي أبو الفضل النحوي.

قال ياقوت أحد من يتأدّب ويتفقّه على مذهب الإماميّة، وصاحب التصانيف في أقسام العلوم وكان في حدود ستمئة، قلت: قال في كشف الظنون (أخبار الشعراء السبعة) لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٣٣٥ خمس وثلاثين وثلاثمئة رتّب على الحروف انتهى.

وأظنّه وهم، والصحيح أنّ تولّده في شوّال سنة خمس وسبعين وخمسمئة.

قلت الذي رأيته في هذا المحل من كشف الظنون(١) هو ما يلي (أخبار الشعراء السبعة) لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٦٣٠ ثلاثين وستمئة، وهكذا أورد تاريخ وفاته تحت اسم كلّ كتاب أورده له، اللّهمّ إلاّ في مورد ذكره كتابه (معادن الذهب في الطب)(٢) فإنّه قال بعد ذكره (لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٢٣٠ ثلاثين ومئتين، وهو تاريخ كبير وذيله له أيضاً).

وفي هذا الكلام من الخلط والتهافت ما لا يخفى: -الأوّل - أنّ هذا التعريف بالكتاب لا ينطبق على المعرّف الذي هو كتاب طبي، والتعريف بكتاب تاريخي والتعريف يصدق على كتاب (معادن الذهب ) في تاريخ حلب وهو الذي أورده له في علم التاريخ حيث قال هناك(٣) (ومن تواريخه معادن الذهب لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٦٣٠ ثلاثين وستمئة، وهو تاريخ كبير وذيله له أيضاً). -الثاني - الاختلاف العظيم بين

____________________

(١) ج ١ ص ٦١.

(٢) ج ٢ ص ٤٥٧.

(٣) ج ١ ص ٢٢٤.


تاريخ وفاته هنا وفي الموارد التي عرف فيها بكتبه الأُخرى.

أمّا نسبة صاحب الشيعة وفنون الإسلام الوهم إليه بتاريخ وفاته عند التعريف بكتاب المترجم (أخبار الشعراء السبعة) فناشئة على ما أرى من ذكره بعد هذا الكتاب (كتاب أخبار الشعراء) لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفّى سنة ٣٣٥ خمس وثلاثين وثلاثمئة، وهو الكلام الذي سبق إلى قلم العلاّمة صاحب كتاب الشيعة أنّه يحيى بن حميدة.

وإليك أسماء كتبٍ في مختلف العلوم للمترجم غير كتابه أخبار الشعراء السبعة، ومعادن الذهب أخرجتها من كشف الظنون.

١ - جاء فيه تحت (الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد الله القرطبي وهذّبه ابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي)(١) .

٢ - (تاريخ ابن أبي طي ) يحيى بن حميدة الحلبي رُتّب على السنين(٢) .

٣ - (حوادث الزمان ) لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٦٣٠ وهو في خمسة مجلّدات على ترتيب الحروف(٣) .

٤ - طبقات العلماء لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٦٣٠(٤) .

٥ - مناقب الأئمّة الاثني عشر لابن أبي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفّى سنة ٦٣٠، وفيها زجر البشر في مناقب الأئمّة الاثني عشر، وكتاب الآل والعذب الزلال، والذخائر العقبى، وبيان المعالم(٥) .

٣ - أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل.

قال القاضي ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان: أبو المحاسن يوسف

____________________

(١) ج ١ ص ٤٣.

(٢) ج ١ ص ٢١٤.

(٣) ج ٢ ص ٤٥٥.

(٤) ج ٢ ص ٩٤.

(٥) ج ٢ ص ٥٣٤.


ابن إسماعيل بن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم المعروف بالشوا، الملقّب شهاب الدين الكوفي الأصل الحلبي المولد والمنشأ والوفاة.

كان أديباً فاضلاً متقناً لعلم العروض والقوافي، شاعراً يقع له في النظم معان بديعة في البيتين والثلاثة، وله ديوان شعرٍ كبير، يدخل في أربعة مجلّدات.

وبعد أن سرد له أخباراً، وأورد له شعراً مختاراً، وذكر شيوخه في الأدب ومتّه بأسباب صداقته منذ أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستمئة إلى حين وفاته، قال وكان من المغالين في التشيّع إلى أن قال وكان مولده تقريباً في سنة اثنتين وستّين وخمسمئة. وتوفّي يوم الجمعة تاسع عشر المحرّم سنة خمس وثلاثين وستمئة بحلب، ودُفن ظاهرها بمقبرة باب انطاكية غربيّ البلد، ولم أحضر الصلاة عليه لعذرٍ عرض لي في ذلك، رحمه الله فلقد كان نعم الصاحب.

وفي كشف الظنون(١) تحت عنوان: (قصيدة فيما يُقال بالياء والواو للأديب أبي المحاسن إسماعيل بن الشواء الحلبي المتوفّى سنة (كذا) أوّلها: (قل(٢) إن نسبت عزوته وعزيته) إلخ، والظاهر أنّه والد المترجم، وكلاهما يكنّى بأبي المحاسن، وبعد، فهو من بيت علمٍ وأدبٍ كما يظهر.

علماء الشيعة وأدباؤها الطارئون على حلب

كانت حلب في عهد الأمير سيف الدولة الحمداني الرحلة يؤمّها المسترشدون والمسترفدون من مختلف البلدان القاصية والدانية، فأفنية الكرم فيها آهلة، وأندية الشعر حافلة، ومجالس العلم والتعليم معمورة، وحضرة سيف الدولة كما قال الثعالبي في يتيمته: مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحطّ الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء، ويقال إنّه لم يجتمع بباب أحدٍ من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع به من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر، وإنمّا السلطان سوق يجلب إليها، ما ينفق لديها، وكان أديباً شاعراً محبّاً لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يُمتدح به.

وكان كلّ من أبي محمد بن عبد الله بن محمد القاضي الكاتب وأبي الحسين علي بن محمد

____________________

(١) ج ٢ ص ٢٣٢.

(٢) في الأصل مل.


الشمشاطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشر آلاف بيت(١) .

وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء، خصوصاً مع المتنبّي والسريّ الرفّاء والنامي والببغاء والوأواء وتلك الطبقة وفي تعدادهم طول.

ولقد كان له مجلس يحضره العلماء كلّ ليلة فيتكلّمون بحضرته(٢) .

إنّ ذلك الأمر الجليل وهو معدود في طبقة الشعراء والأدباء والنقدة الجهابذة باعتراف خرّيت الآداب العربية الثعالبي وهو الأديب الذي يشهد له ابن خالويه باعتلاقه بأهداب الأدب، واطّلاعه على أسرار كلام العرب(٣) والذي يعزو أبو الطيّب المتنبّي وهو الشاعر الفحل تراجع شعره في آخر أيّامه لمّا عوتب على ذلك إلى مفارقة فِنائه(٤) ومن يعز على ابن جني فيعاتب أستاذه المتنبي، وقد قرأ عليه ديوانه وقوله في كافور القصيدة التي أولها:

أغـالب فـيك الشوق والشوق أغلبُ وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجبُ

أن يكون هذا الشعر في مدح غيره(٥) .

إن ذلك الأمير وهو على ما وصفناه يبعد أن يلتف حواليه، وينتظم في سلك حاشيته، إلاّ أمثال المتنبّي والنامي والزاهي والناشي وابن نباتة السعدي البغداديّين والخالديّين والوأواء الدمشقي والصنوبري والتنوخي والببغا والجرجاني والخليع الشامي، إلى كثيرين من طبقتهم من الشعراء.

وأمثال أبي بكر الخوارزمي، وأبي الحسن الشمشاطي، وأبي علي الفارسي، وأبي عبد الله الحسين بن خالويه، إلى كثيرٍ من رجال طبقتهم من رجال العلم والأدب.

إنّ ذلك الأمير في حجره رَبَي ابن عمّه أبو فراس الحمداني، الذي قال

____________________

(١) اليتيمة الجزء الأوّل ص ٩.

(٢) الوفيات م ١ ص ٥١ و ٥٢.

(٣) الوفيات م ١.

(٤) اليتيمة الجزء الأوّل ص ٦٢.

(٥) الوفيات ص ٥٢.


فيه الصاحب بن عبّاد: فُتح الشعر بملك وخُتم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس، ذلك الأمير هو الذي أتاه زائراً فيلسوف الإسلام أبو نصر الفارابي، وقضى في كنف دولته وبما فرض له من النفقة بقيّة حياته.

وهو الذي قصده إمام الأدب أبو الفرج الأصبهاني بإهدائه إليه كتابه الأغاني فتقبّله قبولاً حسناً، ونفحه بألف دينار جزاء هديّته، إلى كثيرٍ غيرهما ممّن يطول بتعدادهم الكلام.

وبالجملة: فإنّك لا تكاد تذكر من خدم لغة القرآن الكريم وآدابها إلاّ مع ذكر سيف الدولة في رأس الجريدة، ولا تستحضر أسماء من أحسنوا إلى العلم والعلماء إلاّ بضمّ اسمه إليهم، ولا تعجب بالشعر والشعراء إلاّ ترى سيف الدولة أحقّ بالإعجاب، وهو الذي بإغداقه عليهم هباته فتّق أذهانهم فجاءوا بالمعجب المطرب، ولو لم يكن من حسناته إلاّ أبو الطيّب المتنبّي الذي ولج من أبواب الإبداع والاختراع ما لم يلجه غيره، وحفلت برواية شعره محافل الأدب، وعمرت بحل معانيه محافل العلم، لكفى، دع مآثره الأُخرى التي وصفها الثعالبي بقوله(١) :

(وكان رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنّة مأواه، غرّة الزمان، وعماد الإسلام، ومَن به سداد الثغور، وسداد الأُمور، وكانت وقائعه في عصاة العرب يكفّ بأسها، وتُفلّ أنيابها، وتُذلّ صعابها، وتكفي الرعيّة سوء آدابها، وغزواته تدرك من طاغية الروم الثأر، وتحسم شرّهم المثار وتسنّ في الإسلام الآثار).

وبعد فقد جمح بنا اليراع فأخرجنا باستطراداته عن الموضوع، ولكنّ اتصال ما نكتبه من هذه الاستطرادات تاريخ قِدَم التشيّع الحلبي، وآداب الشيعة، شفيع تزحزحنا القليل عن دائرة البحث.

وإلى القارئ الكريم أسماء طائفة من مشاهير الشيعة الوافدين على أمير حلب الحمداني والطارئين عليها في عهده وغير عهده ممّا تكمل به الفائدة:

١ - أبو بكر الخوارزمي:

هو محمد بن العبّاس الخوارزمي الشاعر المشهور، وهو ابن أخت أبي

____________________

(١) اليتيمة ج ١ ص ٨ و ٩.


جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ.

أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير.

كان إماماً في اللغة والأنساب أقام بالشام مدّةً، وسكن بنواحي حلب، وكان يُشار إليه في عصره(١)

وكان في ريعان عمره، وعنفوان أمره، قد دوّخ بلاد الشام، وحصل من حضرة سيف الدولة بحلب في مجتمع الرواة والشعراء، ومطرح الغرباء الفضلاء، فأقام ما أقام بها على أبي عبد الله بن خالويه، وأبي الحسن الشمشاطي وغيرهما من أئمّة الأدباء، وأبي الطيّب المتنبّي، وأبي العبّاس النامي وغيرهما من فحول الشعراء بين علمٍ يدرسه، وأدبٍ يقتبسه، ومحاسن ألفاظ يستفيدها، وشوارد أشعار يصيدها، وانقلب عنها وهو أحد أفراد الدهر، وأمراء النظم والنثر، وكان يقول ما فتق قلبي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حدّ لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلاّ تلك الطرائف الشاميّة، واللطائف الحلبيّة، التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي وغصن الشباب رطيب، ورداء الحداثة قشيب(٢) .

أصله من طبرستان، ومولده ومنشأه خوارزم، وكان يتسمّ بالطبري ويُعرف بالخوارزمي، ويُلقّب بالطبر خزمي.

فارق وطنه ريعان عمره، وحداثة سنّه وهو قويّ المعرفة، قويم الأدب نافذ القريحة، حسن الشعر، ولم يزل يتقلّب في البلاد، ويدخل كور العراق والشام، ويأخذ عن العلماء، ويقتبس من الشعراء ويستفيد من الفضلاء، حتّى تخرّج وخرج فرد الدهر في الأدب والشعر.

ولقي سيف الدولة وخدمه واستفاد من يمن حضرته، ومضى على غلوائه في الاضطراب والاغتراب، وشرّق بعد أن غرّب(٣) .

وأطال الثعالبي الكلام في ذكر تنقّلاته ورحلاته، وختمه بحديث ابتلائه بأبي الفضل بديع الزمان الهمذاني وما مُني به من مساجلته التي ركدت بها ريح شهرته، وكان في تلك السنة انقضاء أجله، وقال إنّ وفاته كانت في

____________________

(١) الوفيات م ١ ص ٧٤٧.

(٢) اليتيمة ج ١ ص ٨.

(٣) اليتيمة ج ٤ ص ١٢٣، ١٧٢.


شوّال سنة ثلاث وثمانين وثلاثمئة، ومولده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة.

وقال القاضي ابن خلكان في الوفيات:

ولمّا رجع من الشام سكن نيسابور، ومات بها في منتصف شهر رمضان، قال وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أنّه توفّي سنة ثلاث وتسعين.

قلت الذي رأيته في الكامل هو أنّه ذكر وفاته مرّةً في حوادث ثلاث وتسعين، وأُخرى في حوادث ثلاث وثمانين.

تشيّعه:

لم أجد في كتب رجال الشيعة التي تحضرني ذكراً له البتّة، اللّهمّ إلاّ صاحب كتاب الشيعة وفنون الإسلام، فإنّه عدّه في طبقة كتّاب الشيعة، وأورد له البيتين الدالّين على تشيّعه، اللذين وردا في لفظة آمل في معجم البلدان.

ومَن يتصفّح كتاب رسائله يرى فيها تصريحه غير مرّةٍ بتشيّعه ؛ ففي كتابه إلى أبي محمد العلويّ ما هذا موضع الحاجة منه(١) :

فنجمنا معاشر الشيعة أنحس، وحظّنا من الإقبال أبخس، من أن يفلح في الدنيا طالبي، أو يشقى فيها ناصبي.

وحسبك دليلاً على تشيّعه كتابه الذي كتب به إلى جماعة الشيعة بنيسابور لمّا قصدهم محمد بن إبراهيم واليها، وترى ذلك الكتاب في رسائله(٢) .

٢ - أبو علي الفارسي:

هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي النحوي.

قال ابن خلكان في الوفيات(٣) :

(ولد بمدينة نسا، واشتغل ببغداد ودخل إليها سنة سبع وثلاثمئة.

وكان إمام وقته في علم النحو ودار البلاد.

____________________

(١) رسائل الخوارزمي ص ٢٢.

(٢) ص ٧٦.

(٣) م ١ ص ٤٨١.


وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدّةً، وكان قدومه عليه في سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة.

وجرت بينه وبين أبي الطيّب مجالس، ثمّ انتقل إلى بلاد فارس، وصحب عضد الدولة بن بويه وتقدّم عنده وعلت منزلته ؛ حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي في النحو. وصنّف له كتاب الإيضاح والتكملة في النحو).

وله التصانيف الممتعة في علوم العربية وآدابها، وبه تخرّج ابن أخته أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي. ومنه أخذ وعليه درس حتّى استغرق علمه واستحقّ مكانه، وكان أبو علي أوفده على الصاحب ؛ فارتضاه وأكرم مثواه وقرّر مجلسه(١) .

وذكره صاحب (كتاب الشيعة وفنون الإسلام ) في طبقة نحاة الشيعة، وقال وهو من الشيعة الإمامية كما في رياض العلماء وغيره، وقد وهم من نسبه إلى الاعتزال، وكان مولده في سنة ثمان وثمانين ومئتين، وتوفّي سنة سبع وسبعين وثلاثمئة ببغداد(٢) .

٣ - ابن خالويه:

أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي اللغوي، أصله من همذان ولكنّه دخل بغداد وأدرك جلّة العلماء بها وانتقل إلى الشام واستوطن حلب.

وصار بها أحد أفراد الدهر في كلِّ قسمٍ من أقسام الأدب.

وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وآل حمدان يكرّمونه، ويدرسون عليه ويقتبسون منه.

وهو القائل: دخلت يوماً على سيف الدولة فلّما مثلت بين يديه، قال لي اقعد ولم يقل اجلس فتبيّنت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب، واطّلاعه على أسرار كلام العرب.

وهو الذي وقع بينه وبين المتنبّي في بعض مجالس سيف الدولة - التي كانت تُعقد كلّ ليلةٍ للمذاكرة في العلم - كلام فوثب على المتنبّي فضرب وجهه بمفتاحٍ كان معه فشجّه، وخرج ودمه يسيل على ثيابه فغضب وخرج إلى مصر(٣) .

____________________

(١) عن اليتيمة الجزء الرابع ص ٢٨٠.

(٢) هكذا أرّخ وفاته ابن خلكان، وأمّا ابن الأثير فقد أرّخ وفاته في كامله سنة ستّ وسبعين.

(٣) ملخّص من الوفيات.


ولابن خالويه مصنّفات ممتعة، منها: كتاب ليس في الأدب وكتاب الآل وذكر فيه الأئمة الاثنا عشر وتاريخ مواليدهم ووفيّاتهم وأمّهاتهم، وكتاب الاشتقاق وكتاب المقصور والممدود، وقد استوفى عدّها صاحب كشف الظنون، وذكر أكثرها صاحب الوفيات.

وذكره النجاشي في رجاله فقال: سكن حلب ومات بها. وكان عارفاً بمذهبنا مع علمه بعلوم العربية واللغة والشعر، وأورد له بعض كتبه.

وذكر مثل ذلك الاسترابادي في كتابه منهج المقال، والشيخ والعلاّمة ذكراه في الفهرست والخلاصة، والعلاّمة السيّد حسن الصدر في كتابه الشيعة وفنون الإسلام.

وممّا يستدرك أنّ ما صدّر به ترجمته القاضي ابن خلكان هو بعينه ما صدّر به الثعالبي في اليتيمة ترجمة أبي عبد الله الحسن بن خالويه، وهذا شافعي المذهب يروي عن الشافعي بواسطتين، وهو صاحب كتاب الطارقة والأوصاف التي ذكرها الثعالبي في ترجمة هذا أشدّ انطباقاً على المترجم.

ولابن خالويه مع أبي الطيّب المتنبّي مجالس ومباحث عند سيف الدولة ولولا خوف الإطالة لذكرت شيئاً منها وكانت وفاته بحلب في سنة سبعين وثلاثمائة.

٤ - أبو الحسن علي بن محمد الشمشاطي(١) .

لم يترجمه الثعالبي في اليتمية بل ذكره مرّةً في مجمع الرواة والشعراء الغرباء الفضلاء من حضرة سيف الدولة بحلب، بهذه الكنية المصدّرة بها ترجمته ولم يسمّه، ومرّة بكنية أبي الحسين مع التسمية.

وأمّا أبو العبّاس النجاشي، فقد ذكره في رجاله فقال: علي بن محمد بن العدوي الشمشاطي أبو الحسنين عدي بن تغلب عدي بن عمرو بن عثمان بن تغلب، كان شيخنا بالجزيرة، وفاضل أهل زمانه وأديبهم، له كتب كثيرة ؛ وذكر زهاء الأربعين كتاباً في فنون من العلم، ومنها: كتاب له مختصر تاريخ الطبري حذف منه الأسانيد والتكرار وزاد عليه من سنة ثلاث وثلاثمئة إلى وقته. تمم كتاب

____________________

(١) نسبة إلى شمشاط وهي من الجزيرة الفراتيّة، ونقل القلقشندي في صبحه عن العزيزي ضبطها هكذا.


الموصل لأبي زكريّا زيد بن محمد وكان فيه إلى إحدى وعشرين وثلاثمئة فزاد عليه من هذا التاريخ إلى وقته، ومنها رسائل عدّة إلى سيف الدولة.

وقال النجاشي: ورأيت في فهرست كتبه بخطّ أبي نصر بن ريان (رحمه الله) كتباً زائدة على هذه الكتب.

وترجمه العلاّمة الاسترابادي في منهجه ولم يزد على ما ذكره النجاشي.

وذكره صاحب كتاب الشيعة وفنون الإسلام مرّتين: مرّة في طبقة جغرافيي الشيعة، ومرّة في طبقات نحاتهم، وتسامح بعدّه في علماء المئة الثالثة، مع أنّه عاصر سيف الدولة الحمداني فهو من رجال المئة الرابعة، أمّا تاريخ ولادته ووفاته فلم نقف عليه.

ولم أجد له ذكراً في كشف الظنون مع كثرة تصانيفه الممتعة.

٥ - أبو الحسن علي بن عبد الله بن وصيف المعروف بالناشئ الأصغر.

قال القاضي ابن خلكان في وفياته(١) وهو من الشعراء المحسنين، وله في أهل البيت قصائد كثيرة.

وكان متكلّماً بارعاً، أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت المتكلّم.

وكان من كبار الشيعة، وله تصانيف كثيرة، وكان جده وصيف مملوكاً وأبوه عبد الله عطاراً.

ومضى إلى الكوفة في سنة خمس وعشرين وثلاثمئة، وأملى شعره بجامعها، وكان المتنبّي وهو صبيّ يحضر مجلسه بها وكتب من إملائه من قصيدة:

كـأنّ سـنان ذابله ضمير فليس عن القلوب له ذهابُ

وصـارمه كـبيعته بـخمٍّ معاقدها من الخلق الرقابُ

وكان قد قصد حضرة سيف الدولة بن حمدان بحلب، ولمّا عزم على مفارقته وقد غمره بإحسانه كتب إليه يودّعه:

أودّع لا أنّـي أودّع طـائـعاً وأعطي بكرهي الدهر ما كنت مانعا

____________________

(١) منقول هذا الكلام عن الوفيات م ١ ص ٥٠٤ و ٥٠٥.


وأرجع لا ألفي سوى الوجد صاحباً لـنفسيَ إِن ألـفيت بالنفس راجعا

تـحملّت عـنّا بـالصنائع والعلا فـنستودع الله الـعلا والـصنائعا

رعـاك الـذي يرعى بسيفك دينه ولقَّاك روض العيش أخضر يانعا

وذكره النجاشي في رجاله إلاّ أنّه كنّاه أبا الحسين لا أبا الحسن، وكذلك وردت كنيته في اليتيمة، وذكره الشيخ الطوسي وابن النديم وصاحب (الشيعة وفنون الإسلام ) في طبقة متكلّمي الشيعة وشعرائها، والسمعاني وابن كثير الشامي.

وقال السمعاني كما نقله عنه صاحب كتاب الشيعة ناشي بفتح النون وآخره شين معجمة يقال لمن نشأ في فن من فنون الشعر واشتهر به. قال المشهور بهذه النسبة علي بن عبد الله الشاعر المشهور، وقال وهو بغدادي الأصل سكن مصر.

وقال ابن الأثير في الكامل في حوادث ست وستين وثلاثمئة:

(وفي صفر منها توفي أبو الحسن علي بن وصيف الناشي المعروف بالخلال(١) صاحب المراثي الكثيرة في أهل البيت).

وقيل إنّه توفّي سنة خمس وستّين ببغداد ومولده في سنة إحدى وتسعين ومئتين(٢) .

٦ - أبو القاسم الزاهي.

هو علي بن إسحاق بن خلف البغدادي المعروف بالزاهي الشاعر المشهور.

قال الثعالبي(٣) وصّاف محسن كثير المُلَح والظرف.

وقال ابن خلكان(٤) كان وصّافاً كثير المُلَح، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد، فقال: إنّه حسن الشعر في التشبيهات وغيرها.

وشعره في أربعة أجزاء، وأكثر شعره في أهل البيت، ومدح سيف الدولة والوزير المهلبي وغيرهما من رؤساء وقته، وقال في جميع الفنون.

____________________

(١) الذي في الوفيات الحلاء لا الخلال بفتح الحاء المهملة وتشديد اللاّم ألف، وإنّما قيل له ذلك ؛ لأنّه كان يعمل حليةً من النحاس.

(٢) عن الوفيات م ١ ص ٥٠٥.

(٣) ج ٢ ص ١٧٣.

(٤) م ١ ص ٥٠٥.


وذكره صاحب كتاب الشيعة وفنون الإسلام، مبيّناً سبب نسبته إلى الزاهي التي شكّك فيها السمعاني(١) ، فقال: وأوّل من زها في جميع فنون الشعر، حتّى لُقّب بالزّاهي علي بن إسحاق بن خلف الشاعر البغدادي.

وُلد سنة ثماني عشرة وثلاثمئة، وتوفّي سنة إحدى وسبعين وثلاثمئة.

هذا ما رأينا إثباته في هذا القسم، من تراجم الطارئين على حلب، والوافدين على أميرها الحمداني من معاصريه، وبقي كثيرون غيرهم من رجال طبقتهم، ومَن يفوقهم وينحطّ عنهم في الشهرة، أضربنا عن ذكرهم مخافة التطويل الممل والخروج عن موضوع البحث.

ونختم هذا القسم بذكر بعض أعلام الشيعة الذين طرأوا على حلب في الأزمنة المتأخّرة عن زمان أمراء حلب الحمدانيّين ؛ تتمّةً للبحث:

١ - الشيخ كردي بن عكبري بن كردي الفارسي:

قال صاحب كتاب روضات الجنات نقلاً عن كتاب رياض العلماء: (ومن جملة فقهائهم (فقهاء حلب) المعروفين المنسوب إليهم القول بعينيّة وجوب الاجتهاد، وعدم جواز التقليد لأحدٍ من الناس في فروع الشريعة مثل أصولها، هو الشيخ كردي بن عكبري الفارسي الفقيه الثقة الصالح ؛ الذي قرأ على شيخنا الطوسي وبينهما مكاتبات وسؤالات وجوابات).

٢ - أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب بن أبي نصر بن أبي الجيش السروي المازندراني:

وهو كما يظهر من رجال المئة الخامسة، هكذا ساق نسبه صاحب روضات الجنات، وقال كان عالماً فاضلاً ثقةً محدّثاً محقّقاً عارفاً بالرجال والأخبار، أديباً شاعراً جامعاً للمحاسن، له كتب ثمّ أورد أسماءها وترجمه غير واحدٍ من رجال المعاجم السنّة والشيعة، وكلّهم أجمعوا على مدحه بالعلم والتحقيق، وممّن ترجمه من الشيعة السيّد مصطفى التفرشي والعلاّمة

____________________

(١) نقل عنه صاحب الوفيات ما يلي: قال السمعاني هذه النسبة إلى قريةٍ من قرى نيسابور نسب إليها جماعة، ثمّ قال وأمّا أبو الحسن علي بن إسحاق بن خلف البغدادي المعروف بالزّاهي فلا أدري ينسب إلى هذه القرية أم لا غير أنّه بغدادي.


المجلسي والعلاّمة الاسترابادي والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في أمل الآمل، والسيّد الداماد في الرواشح وابن أبي طي في تاريخه.

ومن علماء رجال السنّة ذكره العلاّمة شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداوودي تلميذ السيوطي في كتابه طبقات المفسّرين، وقال بعد التعريف به ووصف علمه وفضله: وكان إمام عصره، وواحد دهره في التأليف غلب عليه علم القرآن والحديث، وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنّة.

وابن حجر العسقلاني في كتابه لسان الميزان، ومجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي في كتاب البلغة، وجلال الدين عبد الرحمان السيوطي في كتاب بغية الوعاة.

والصفدي في تاريخه الوافي بالوفيات وكلّهم وصفه بالعلم والزهد والتحقيق وجميع المحاسن.

وجاء في كشف الظنون عند ذكر كتابه (أسباب النزول ) للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن شعيب المازندراني فأنت ترى أنّه ذكر بدل شهراشوب شعيباً وهو ما تفرّد به.

توفي (رحمه الله) ليلة الثاني والعشرين من شعبان المعظّم سنة ثمان وثمانين وخمسمئة ٥٨٨ ودُفن بظاهر حلب في سفح جبل هناك يُقال له جوشن.

قال العلاّمة المجلسي: وكان انتقاله إلى حلب من جهة كونها في ذلك الزمان محط رحال علمائنا الأعيان.

٣ - الشريف جمال الدين النيسابوري عبد الله بن محمد بن أحمد الحسين نزيل حلب.

قال العلاّمة صاحب كتاب (الشيعة وفنون الإسلام ) وقد عدّه في طبقة متكلّمي الشيعة: كان الإمام في علم الكلام. ذكره ابن حجر في (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) قال كان بارعاً في الأُصول العربية درس بالأسديّة بحلب، وكان أحد أئمّة المعقول، حسن الشيبة يتشيّع مات سنة ستّ وسبعين وسبعمئة.

هذا ما رأيت إثباته بمقدّمة موضوع مقالي (بنو زهرة الحلبيون) ولا أُبرّئ نفسي من استعمال الفضول الأدبي فيما كتبت، ولعلّ ما جمعته من الفوائد يغفر لي عند القرّاء ذنب هذا الفضول، وأستغفر الله من أن أكون فضوليّاً في غير ذلك.


عودة إلى بني زهرة

أفضنا في المقدّمة إفاضةً خشينا معها ملال القرّاء وملامهم، ولهم علينا العتبى عذروا أو عذلوا.

أمّا شهرة هذا القبيل الفاطمي ببني زهرة ؛ فهي من عمود نسبهم الثالث زهرة أبي الحسن بن أبي المواهب علي بن أبي سالم.

وأمّا العمودان قبله فالثاني منهما الشريف محمد أبو إبراهيم ممدوح أبي العلاء والأوّل إسحاق المؤتمن، وهم بحلب سادة نقباء علماء فقهاء متقدّمون كثّرهم الله تعالى(١) .

وفي القاموس للفيروزابادي (وبنو زهرة شيعة بحلب) ومنه يعلم أنّهم كانوا معروفين إلى زمان مؤلّفه لقباً وموطناً ومذهباً، وفي روضات الجنات بعد أن ذكر فريقاً منهم بالعلم والفضل والجلالة والشرف (وبالجملة فهم بيت جليل من أجلاّء بيوتات الأصحاب قلَّ ما يوجد له نظير).

عمود نسبهم الأوّل إسحاق

هو إسحاق المؤتمن ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم).

وهو الخامس من ولد جعفر الصادق المعقّبين ويكنّى أبا محمد ويلقب المؤتمن وولد بالعريض(٢) وكان من أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمّه أم أخيه موسى الكاظم، وكان محدّثاً جليلاً.

وادّعت طائفة من الشيعة فيه الإمامة.

وكان سفيان بن عيينة إذا روى عنه يقول حدّثني الثقة الرضى إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين هكذا جاء في عمدة الطالب.

وقال الإمام الشيخ المفيد (رضي الله عنه) في إرشاده: وإسحاق ومحمد لأمّ ولد، وكان إسحاق بن جعفر من أهل الفضل والصلاح والورع والاجتهاد، وروى عنه الناس الحديث والآثار.

وكان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول حدّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان إسحاق يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام).

____________________

(١) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب.

(٢) العريض قرية على أربعة أميال من المدينة.


وقال المقريزي في خططه(١) وتزوّج بنفيسة (رضي الله عنها) إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وكان يقال له إسحاق المؤتمن، وكان من أهل الصلاح والخير والفضل والدين، روي عنه الحديث.

وكان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول حدّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر.

وكان له عقب بمصر منهم بنو الرقي، وبحلب بنو زهرة.

وولدت نفيسة من إسحاق ولدين هما: القاسم وأم كلثوم لم يعقبا.

دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق (رضي الله عنه) وقيل دخلت مع أبيها الحسن وإنّ قبره بمصر، لكنّه غير مشهور وإنّه كان والياً على المدينة من قبل أبي جعفر المنصور، وأقام بالولاية مدّة خمس سنين ثمّ غضب عليه فعزله، واستصفى كلّ شيءٍ له وحبسه ببغداد فلم يزل محبوساً حتّى مات المنصور وولي المهدي فأخرجه من محبسه وردّ عليه كلّ شيءٍ ذهب له(٢) .

أمّا خبر تزويج إسحاق بالسيّدة نفيسة فقد رواه ابن خلكان في الوفيات، والصلاح الكتبي في الفوات، والمقريزي في الخطط، وأرسلوه إرسال المسلّمات حيث لم يشيروا إلى وجود المخالف فيه، ولكنّ صاحب عمدة الطالب روى هذا الخبر بغير ما رووه ورجّح خلاف روايتهم كما ترى مِن نقلنا كلامه بالحرف الواحد، قال:

وكان لزيد ابنة اسمها نفيسة، خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان فولدت منه وماتت بمصر.

وقد قيل إنّها خرجت إلى عبد الملك بن مروان وإنّها ماتت حاملاً منه والأصح الأوّل، وقد قيل إنّ صاحبة القبر بمصر نفيسة بنت الحسن بن زيد وإنّها كانت تحت إسحاق بن جعفر الصادق، والأوّل هو الثبت المروي عن ثقات النسابين.

وأمّا الطبري فقد جاء في المنتخب من كتابه ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين ما يلي: وحسن بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)

____________________

(١) الجزء الرابع ص ٣١٤.

(٢) الوفيات.


وكان الحسن بن زيد يكنّى أبا محمد وولد الحسن بن زيد محمداً والقاسم وأم كلثوم بنت حسن تزوّجها أبو العبّاس أمير المؤمنين، فولدت له غلامين هلكا صغيرين، وعليّاً وزيداً وإبراهيم وعيسى وإسماعيل وإسحاق الأعور وعبد الله، فأنت ترى أنّه لم يذكر نفيسة، مع أنّه ذكر ولده وذكر فيهم أمّ كلثوم.

وبالجملة: فإنّي لم أجد في المصادر التاريخية التي أرجع إليها في هذا البحث ما يبعث على الركون إليه في تحقيق زواج إسحاق بهذه السيّدة الجليلة، وإثبات أبيها هل هو زيد أو ابنه الحسن.

وفي عمدة الطالب والإرشاد شيء من الاختلاف، فقد جعل في الأوّل أم إسحاق أم موسى وفي الثاني أمّه أمّ محمد(١) وفي الأوّل المحدّث عنه ابن عيينة وفي الثاني ابن كاسب كما في الخطط.

وأعقب (إسحاق) من ثلاثة رجال محمد والحسين والحسن، فمن ولد محمد بن إسحاق المؤتمن بنو الوارث بالرّي.

ومن ولد الحسن بن إسحاق المؤتمن.

وأعقب جماعةً تفرّقوا بمصر ونصيبين.

وأمّ الحسين بن إسحاق المؤتمن فوقع إلى حران وولده بالرقّة وحلب، وجمهور عقب إسحاق المؤتمن ينتهي إلى الشريف أبي إبراهيم العالم الشاعر ممدوح أبي العلاء المعري(٢) .

الشريف أبو إبراهيم عمود نسبتهم الثاني

هو محمد الحراني بن أحمد الحجازي بن محمد بن الحسين بن إسحاق المؤتمن، هكذا أورد نسبه صاحب عمدة الطالب، وصاحب أمل الآمل في ترجمة بعض أحفاده السيّد علاء الدين أبي الحسين علي بن إبراهيم.

وأمّا صاحب لؤلؤتي البحرين فقد أورد ما جاء في إجازة العلاّمة الحسن بن المطهّر (رحمه الله) من نسبة السيّد المشار إليه، وهو مطابق لما في عمدة الطالب وأمل الآمل، وزاد عليهما كنى آبائه وكنى عمود النسب الأوّل إسحاق المؤتمن بأبي إبراهيم وقد عرفت ممّا سبق أنّه كان يكنّى أبا محمد، ولا يبعد أن تكون كنيته بأبي إبراهيم مقارنة لاسمه وكنيته بأبي محمد

____________________

(١) وفي المناقب لابن شهراشوب وموسى الإمام ومحمد الديباج وإسحاق لأم ولد ثلاثتهم.

(٢) عمدة الطالب.


حادثة من اسم ولده محمد الذي هو أكبر ولده، ووقفت على سلسلة نسب لبعض أعقابه من بني زهرة الفوعيين في هذه الأيّام سقط منها اسم محمد بن الحسين(١) .

قال في عمدة الطالب: قال الشيخ أبو الحسن العمري: كان أبو إبراهيم لبيباً عاقلاً، ولم تكن حاله واسعة، فزوّجه الحسين الحرّاني بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن علي الطيّب العلوي العمري(٢) بنته خديجة المعروفة بأمِّ سلمة.

وكان أبو عبد الله الحسين العمري متقدّماً بحرّان مستولياً عليها، وقوي أمر أولاده حتّى استولوا على حران وملكوها على آل وثاب، قال فأمدّ أبو عبد الله الحسين العمري أبا إبراهيم بماله وجاهه، وتبعه أبو إبراهيم وتقدّم، وخلّف أولاداً سادة فضلاء، هذا كلامه.

أمّا زمن انتقاله من حران إلى حلب فغير معلوم تاريخه ؛ لأنّا لم نرَ في المصادر التاريخية التي نعتمدها في كتابة هذا المقال تعرّضاً له، ولم نجد في معاجم السنّة والشيعة مَن أفرد للمترجم ترجمةً مع شهرته بالعلم والشعر والجاه والدعوة إلى التشيّع في حلب، كما زعمه البعض.

وجلّ ما جاء في التعريف به: هو ممدوح أبي العلاء المعرّي، كما في عمدة الطالب، وذيل المختصر في أخبار البشر لابن الوردي والممدوح كما في المجلد السادس من مجلة المقتبس.

والظاهر أنّ انتقاله إلى حلب لم يتقدّم عهد أبي المعالي سعد الدولة شريف بن سيف الدولة الحمداني، بدليل أنّه لم يرد له ذكرٌ بين مذكور شعراء عهد سيف الدولة ورجال عصره العلماء الأعلام، وهو كما عرفت من رجال العلم والشعر أوّلاً، وثانياً: أنّه اشتهر بممدوح أبي العلاء، وأبو العلاء وُلد بعد وفاة سيف الدولة بسبع سنين ؛ لأنّ سيف الدولة مات سنة

____________________

(١) في شجرة نسب الشريف الفوعي ما يلي: (محمد الأوّل أمير المدينة المنوّرة ابن أحمد المدني المنتقل إلى مدينة حران ابن الحسين المدني أمر المدينة المنورة ابن إسحاق المؤتمن) وفي هذا النسب ما لا يتّفق مع النصوص التاريخية، فإنّا لم نجد فيها مَن ولي إمارة المدينة مِن بني إسحاق المؤتمن، والقلقشندي ذكر طبقات أمرائها من صدر الإسلام إلى عهده، ولم يذكر بين ولاتها أحداً من بني إسحاق.

(٢) في عمدة الطالب ابن الطيّب بن عبد الله، وعبد الله بن محمد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب. وللحسين الحراني عدّة أولاد ومن عقبه الحرانيّون الذين ملكوا على آل وثاب كما عرفت في المتن.


٣٥٦ وأبو العلاء وُلد سنة ٣٦٣، وثالثاً: أنّ أبا العلاء رجع إلى المعرّة ولزم منزله وشرع في التصنيف، وأخذ عنه الناس، وسار إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار، وكان ذلك كلّه في أوائل المئة الخامسة.

والشريف أبو إبراهيم هو ممّن كاتبه من العلماء وذوي الأقدار وراسله بقصيدةٍ من بارع شعره (ستقف على ما عثرنا به منها قريباً) استورى بها زند قريحته، واستخرج فيها من بحر أدبه من الدرر المنظومة بسلك الاختراع والإبداع ما اقترنت به شهرته بشهرته على تمادي القرون وتوالي الأحقاب.

وأمّا قصيدة أبي العلاء التي افتتح بها ديوانه سقط الزند ومدح بها أبا الفضائل سيف الدولة ولم ينفذها إليه ؛

ومستهلّها:

أعن وَخْدِ القِلاص كشفتِ حالا ومـن عند الظلام طلبتِ مالا

فمن المقطوع (بعد ما عرفت) أنّها ليست في مدح سيف الدولة، وهو لم يُكنّ بأبي الفضائل وإنّما كنيته أبو الحسن ولقبه سيف الدولة، والظاهر أنّها في مدح ولد ولده أبي الفضائل سعد وهو الذي انقرض بموته عقب سيف الدولة.

وكأن في قوله في سقط الزند وقال أيضاً وهي قصيدة قد امتدح بها أحد بقايا بني حمدان ملوك حلب ما يؤيّد ذلك.

أبو إبراهيم وأبو العلاء

قال العلاّمة البهائي العاملي في كشكوله ممّا كتبه الشريف جمال النقباء أبو إبراهيم محمد بن علي(١) بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وهو أبو الرضا والمرتضى(٢) (رحمه الله) إلى أبي العلاء المعري:

غـير مستحسنٍ وصال الغواني بـعـد سـتّين حـجةٍ وثـمانِ

فصنِ النفس عن طِلاب التصابي وازجرِ القلب عن سؤال المغاني

____________________

(١) نسبته هنا مطابقة لما ورد في عمدة الطالب وأمل الآمل، إلاّ زيادة اسم علي فإنّه ابن أحمد كما عرفت لا ابن علي.

(٢) لم يعرف بهذه الكنية وإنّا لنربأ بالعلاّمة البهائي على تحقيقه ومعرفته بالرجال أن يظن المترجم أبا المرتضى والرضي الموسويّين.


إنّ شـرخ الـشباب بدَّله شي بـاً وضـعفاً مـقلِّب الأعيانِ

فـانفض الكفّ من حياء المحيّا وامعن الفكر في اطّراح المعاني

وتـيمّن بـساعة البين واجعل خـير فـالٍ تـناعب الغربانِ

فالأديب الأريب يعرف ما ضم ن طيّ الـكتاب بـالعنوانِ

أتـرجي مـالاً رحـيباً واسعا د سـعادٍ وقـد مضى الأطيبانِ

غـلّف القلب عارضيك بشيبٍ أنـكرت عرفه أنوف الغواني

وتحامت حماك نافرة الغيد(١) نـفار الـمها مـن الـسرحانِ

وردّ الـغائب(٢) البغيض إلي هـنّ وولّـى حبيبهنّ المداني

وأخـو الحزم مغرمٌ بحميد الذ كـر يـوم الندى ويوم الطعانِ

هـمّه المجد واكتساب المعالي ونـوال الـعاني وفك المعاني

لا يـعير الزمان طرفاً ولا يح مـل ضـيراً بطارق الحدثانِ

قال البهائي بعد إيراد هذه الأبيات: وهذه قصيدة طويلة جدّاً أوردها جميعها جدّي (رحمه الله) في بعض مجموعاته(٣) وفي تذييل تاريخ ابن الورد على مختصر أبي الفدا، جاء بعد المستهلّ هذا البيت:

كلُّ علمٍ مفرّقٍ في البرايا جـمعته مـعرّةُ النعمانِ

وهذا بعض جواب أبي العلاء المعرّي على القصيدة، قال في ديوانه سقط الزند(٤) (وقال يجيب الشريف أبا إبراهيم موسى(٥) بن إسحاق عن قصيدة أرسلها إليه):

عـلّلاني فـإِنّ بيض الأماني فـنيت والـزمان لـيس بفانِ

إن تـنـاسيتما وداد أُناسِ فاجعلاني مِن بعض مَن تذكرانِ

____________________

(١) في الأصل عند.

(٢) لعلّه العازب فإنّه الأنسب معنىً وسبكاً.

(٣) الكشكول ص ٩٢.

(٤) ص ٢٦.

(٥) كيف تتّفق تسميته بموسى هنا مع تسميته في مديح القصيدة بمحمد في قوله وافق اسم ابن محمد، وفي البيت الذي يليه وسجايا محمد...


رُبَّ ليلٍ كأنّه الصبح في الحس ن وإِن كـان أسـود الطيلسانِ

قـد ركـضنا فيه إلى اللهو لمّا وقـف الـنجم وقـفة الحيرانِ

كـم أردنـا ذاك الزمان بمدحٍ فـشغلنا بـذمّ هـذا الـزمانِ

فـكأنّ مـا قـلت والبدر طفل وشـباب الـظلماء في عنفوانِ

لـيلتي هـذه عروسٌ من الز نـج عـليها قـلائدٌ من جمانِ

هـرب النوم عن جفوني فيها هـرب الأمن عن فؤاد الجبانِ

ومنها:

وبـلاد وردتـها ذنب السر حـان بين المهاة والسرحانِ

وعيون الركاب ترمق عيناً حـولها مـحجرٌ بلا أجفانِ

وعلى الدهر من دماء الشهيد يـن عـليٍّ ونجلِه شاهدانِ

فـهما في أواخر الليل فجرا ن وفـي أولـياته شـفقانِ

ومنها من المديح:

يابن مستعرض الصفوف ببدرٍ ومـبيد الـجموع من غطفانِ

أحـد الخمسة الذين هم الأغر اض فـي كلّ منطقٍ والمعاني

والشخوص التي خلقن ضياءاً قـبل خـلق المرّيخ والميزانِ

قبل أن تخلق السماوات أوتؤ مر أفـلاكهنّ بـالدورانِ

ومنها:

أنت كالشمس في الضياء وإن جا وزت كـيوان فـي علوّ المكانِ

وأفـق اسـم ابن أحمد اسم رس ول الله لـمّا تـوافق الغرضانِ

وسـجايا محمدٍ أعجزت في ال وصـف لطف الأفكار والأذهانِ

وجـرت في الأنام أولاده السبعة جـري الأرواح فـي الأبـدانِ

فـهم السبعة الطوالع والأصغر مـنهم فـي رتـبة الـزبرقانِ

ومنها:

وإذا الأرض وهي غبراء صارت مـن دم الـطعن وردة كـالدهانِ


اقبلوا حاملي الجداول في الأغ مـاد مـستلئمين بـالغدرانِ

قـد أجبنا قول الشريف بقولٍ وأثـبنا الحصى عن المرجانِ

أطـربتنا ألـفاظه طرب الع شّـاق لـلمسمعات بالألحانِ

فاغتبقنا بيضاء كالفضّة المح ض وعفنا حمراء كالأرجوانِ

إلى أن قال بعد إبداع في الوصف:

فـاقتنع بالرويّ والوزن منّي فـهـمومي ثـقيلة الأوزانِ

يا أبا إبراهيم قصّرَ عنك الش عـر لـمّا وصـفت بالقرآن

أُشـرب العالمون حبّك طبعاً فـهو فرضٌ في سائر الأديانِ

بـأن لـلمسلمين منه اعتقادٌ ظـفروا منه بالهدى والبيانِ

وحـدود الإيمان يقبسها منك ويـمـتاحها أولـو الإيـمانِ

ومـحيّاك لـلذي يعبد الدهر واهـباء طرفك الفتيانِ(١)

وإلـه المجوس سيفك إن لم يـرغبواعن عـبادة النيرانِ

حَـلَباً حجّت المطيُّ ولو ان جـمت عنها مالت إلى حرّانِ

وقال يجيبه عن قصيدةٍ(٢) مستهلّها:

ألاح وقـد رأَى بـرقاً مُـليحا سرى فأتى الحمى نضواً طليحا

ومنها بعد تفنّنٍ عجيبٍ ووصفٍ غريب:

وأرباب الـجياد بـنو عـليٍّ مـزيروها الـذوابل والـصفيحا

وخـير الـخيل مـا ركبوا فجنّب غـرابـاً والـنـعامة والـجموحا

وأحـمى الـعالمين ذمـار مـجدٍ بـنـو إسـحاق إن مـجدٌ أُبـيحا

ومـعـرفة ابـن أحـمد أمّـنتني فلا أخشى الحقيب ولا النطيحا(٣)

____________________

(١) الاهباء إثارة الهباء وهو الغبار، والفتيّان الليل والنهار.

(٢) سقط الزند ص ١٦ وعنون اسمه فيه كما عنونه بالقصيدة السابقة، وهنا صرّح فيها باسمه موسى ولم نجد في نسب بني إسحاق الذين ينتمي إليه المترجم من معاصريه من سُمّي بهذا الاسم فليتأمّل.

(٣) الحقيب من يأتيك من خلفك والنطيح من يأتيك من أمامك.


ومنها:

تـبوح بفضلك الدنيا لتحظى بـذاك وأنت تكره أن تبوحا

ومـا للمسك في أَن فاح حظٌّ ولـكن حـظّنا في أن يفوحا

وقـد بـلغ الضراح وساكنيه ثناك وزار من سكن الضريحا

وقـد شرَّفتني ورفعت إسمي بـه وأنـلتني الحظّ الربيحا

أجل ولو أنّ علم الغيب عندي لـقلت أفـدتني أجلاً فسيحا

وكون جوابه في الوزن ذنب ولـكن لم تزل مولى صفوحا

وذلك أنّ شعرك طال شعري فـما نلت النسيب ولا المديحا

ومن لم يستطع أعلام رضوى لـينزل بعضها نزل السفوحا

شـققت البحر من أدبٍ وفهمٍ وغرَّق فكرك الفكر الطموحا

لـعبت بسحرنا والشعر سحرٌ فـتبنا مـنه توبتنا النصوحا

فلو صحّ التناسخ كنت موسى وكـان أبوك إسحاق الذبيح

اوفي سقط الزند قصائد أُخرى، لا أستبعد أنّها في ممدوحه فتركت الاختيار منها ؛ لأنّها لم تعنون باسمه ولم يلقّب بالمرتجم بممدوح أبي العلاء إلاّ لمدحه له بأكثر من القصيدتين اللتين اخترنا منهما ما اخترناه. وبعد فإنّا نختم هذا الفصل بإيراد ما يتّسع له المجال من قصيدته التي رثاه بها، قال:

بني الحسب الوضّاح والشرف الجمِّ لـسانيَ إن لم أرثِ والدكم خصمي

شـكوت مـن الأيّـام تبديل غادرٍ بـوافٍ ونـقلاً من سرورٍ إلى همِّ

وحـالاً كـريش النسر بينا رأيته جـناحاً لشهم آض ريشاً على سهمِ

فـيا دافـنيه فـي الثرى إنّ لحده مـقرّ الـثريّا فـادفنوه عـلى علمِ

ويـا حـاملي أعـواده إنّ فـوقها سـماوي سـر فاتقوا كوكب الرجمِ

ومـا نـعشه إلاّ كـنعشٍ وجـدته أبـاً لـبناتٍ لا يـخفن مـن اليتمِ

ومنها:

فـيا قـلب لا تـلحق بـثكل محمد سـواه لـيبقى ثـكله بـيّن الـوسمِ

فـإنّي رأيـت الحزن للحزن ماحياً كما خُطّ في القرطاس رسمٌ على رسمِ


كـريم حـليم الجفن والنفس لا يرى إذا هو أغفى ما يرى الناس في الحلمِ

فـتـىً عـشـقته الـبابلية حـقبةً فـلم يـشفها مـنه بـرشفٍ ولا لثمِ

كـأنّ حـباب الـكأس وهي حبيبة إلى الشرب ما ينفي الحباب من السمِّ

تـسـور إلـيه الـراح ثـمّ تـهابه كـأنّ الـحميّا لـوعة في ابنة الكرمِ

دعـا حـلباً أخـت الغريّين مصرع بـسيف قـويق لـلمكارم والـحزمِ

أبـي الـسبعة الشهب التي قيل إنّها مـنفّذة الأقـدار فـي العرب والعجمِ

فـإن كـنت مـا سـمّيتهم فـنباهة كـفتني فـيهم أن أعـرّفهم باسمي

فـهذا وقـد كـان الـشريف أبوهم أمـير الـمعاني فارس النثر والنظمِ

إذا قـيل نـسك فـالخليل ابن آزر وإن قـيل فـهم فـالخليل أخو الفهمِ

أقـامت بـيوت الـشعر تحكم بعده بـناء المراثي وهي صور إلى الهدمِ

فـيا مـزمع الـتوديع إن تمس نائياً فـإِنّك دان فـي الـتخيّل والـوهمِ

تـقرّب جـبريل بـروحك صاعداً إلـى الـعرش يـهديها لجدّك والأمِّ

فلا تنسني في الحشر والحوض حوله عـصائب شـتّى بـين غرٍّ إلى بهمِ

لـعلّك فـي يـوم الـقيامة ذاكـري فـتسأل ربّـي أن يـخفف من اثمي

أعقابه:

قال في عمدة الطالب: وعقب أبي إبراهيم المذكور المعروف الآن من رجلين: أبي عبد الله جعفر نقيب حلب، وأبي سالم محمد ابني إبراهيم ولأعقابهما توجّه وعلم وسيادة، فمن بني أبي سالم محمد بنو زهرة، ومن أبي عبد الله جعفر بن إبراهيم بنو حاجب الباب، وهو شرف الدين أبو القاسم الفضل بن يحيى بن أبي علي بن عبد الله نقيب حلب ابن جعفر بن أبي تراب زيد بن جعفر المذكور، وهو السيّد العالم حافظ كتاب الله كان حاجباً لباب الفتوى(١) بدار الخلافة ببغداد.

والذي ظهر من قول أبي العلاء المعرّي في القصيدة الأولى:

(وجرت في الأنام أولاده السبعة جري الأرواح في الأبدان)

ومن قوله في مرثيّته:

____________________

(١) في الأصل الفنوني.


أبي السبعة الشهب التي قيل إنّها منفّذة الأقدار في العرب والعجمِ

إنّه تخلّف بسبعة، ولكنّ المعقّبين منهم اثنان، كما ورد في عمدة الطالب.

عمود نسبهم الثالث زهرة

هو أبو المحاسن زهرة بن أبي المواهب علي بن أبي سالم محمد بن أبي إبراهيم محمد النقيب بن أبي علي أحمد بن أبي جعفر محمد بن أبي عبد الله الحسين بن أبي إبراهيم إسحاق المؤتمن ابن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام).

هكذا أورد نسبه صاحب لؤلؤتي البحرين، عن العلاّمة جمال الملّة والدين الحسن بن المطهّر الحلّي في المنقول من إجازته لبني زهرة.

وفيها بعض الاختلاف عن رواية عمدة الطالب، فقد جاءت كنيته فيه (بأبي الحسن) لا بأبي المحاسن.

وفي عمدة الطالب ابن أبي سالم محمد بن (إبراهيم) بإسقاط (أبي) والصواب ما جاء عن العلاّمة ؛ لأنّه لا يوجد في سلسلة آبائه اسم إبراهيم.

وقد رأينا فيما سبق من هذا المقال(١) أنّ شهرة هذا القبيل الفاطمي ببني زهرة هي منه، أمّا ترجمة أحواله فلم نقف على شيءٍ منها في المعاجم وكتب الرجال التي نعوّل عليها في كتابة هذا المقال ؛ فوقفنا عند ما نعلم.

وبعد، فلمّا كان من المستصعب بل المتعذّر علينا ربط رجال العلم وذوي الأقدار من أعقابه بسلسلته، وضمّ كلّ فرع منهم إلى أصله المتحدّر منه مثل تعذّر تنسيق أسمائهم وتراجمهم مرتّبةً على السنين، رأينا الاقتصار على سردها خلواً من الترتيب، ولئن فاتنا في ذلك رواء العقد منظوماً، فلن يفوتنا رواء درّه منثوراً.

____________________

(١) العرفان م ٧ ج ٨ ص ٤٥٧.


١ - الشريف زهرة (١)

هو الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الإسحاقي الحسيني، لم يذكره صاحب أمل الآمل ولا صاحب روضات الجنات، وأعتمد في ترجمته على ما كتبه العالم الأديب الشيخ محمد راغب طباخ الحلبي المعروف في جريدة الحقيقة(٢) تحت عنوان (حول افتتاح المدرسة الخسروانية)، قال:

وأوّل مدرسة بُنيت في مدينة حلب هي المدرسة الزجاجيّة، أنشأها بدر الدولة أبو الربيع سليمان بن عبد الجبّار أرتق صاحب حلب، ابتدأ في عمارتها سنة عشر وخمسمئة، وعلى حائطها مكتوب سنة سبع عشرة(٣) .

ولمّا أراد بناءها لم يمكنّه الحلبيّون إذ كان الغالب عليهم التشيّع ؛ فكان كلّما بُني فيها شيء نهاراً أخربوه ليلاً، إلى أن أعياه ذلك ؛ فأحضر الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الإسحاقي الحسيني، والتمس منه أن يباشر بناءها فيكفّ العامّة عن هدم ما يُبنى ؛ فباشر الشريف البناء ملازماً له حتّى فرغ منها.

أمّا خبر معارضة الشيعة بناء هذه المدرسة فقد رويناه في القسم الأوّل من هذا المقال عن مجلّة المقتبس بغير هذا التفصيل.

٢ - علي بن الحارث بن زهرة

أورد صاحب الروضات اسمه نقلاً عن ابن شهراشوب، ونسب له كتاب قبس الأنوار.

وقد عد هذا الكتاب في مصنفات السيّد أبي المكارم حمزة بن زهرة، كما سترى ذلك قريباً.

____________________

(١) العدد ١٥٤٥.

(٢) الشريف بن زهرة بن علي بن إبراهيم الإسحاقي الحسيني، كما قال الشيخ محمد راغب طباخ الحلبي في جريدة الحقيقة.

(٣) إذا كان باني المدرسة بدر الدولة وهو لم يستنب من عمّه إيلغازي على حلب إلاّ سنة ٥١٥، وسنة ٥١٧ انتزعها منه ابن عمّه يلك بن بهرام بن أرتق، كما ترى خبر ذلك مبسوطاً في كامل ابن الأثير، ومختصر أبي الفداء، فكيف يصحّ القول بعد هذا بأنّه ابتدأ في عمارتها سنة ٥١٠ هـ.


٣ - السيّد أبو المكارم حمزة بن زهرة الحلبي

هو عزّ الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن أبي المحاسن زهرة بن الحسن بن زهرة الحسيني الحلبي.

قال في الروضات: ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) باثنتي عشرة واسطة، سادات أجلاّء.

وهو من كبار فقهائنا الأصفياء النبلاء، وكذا أبوه الفاضل الكامل الذي يروي هو عنه. وجدّه السيّد أبو المحاسن وأخوه الفقيه الكامل الأديب السيّد أبو القاسم عبد الله وكذا ابن أخيه السيّد محيي الدين محمد بن عبد الله، بل وسائر أولاده وأحفاده وبنو عمومته الذين من جملتهم السيّد الفاضل الفقيه الكامل علاء الدين، إلى أن قال:

فالسيّد أبو المكارم المعظّم من أجلاّء علمائنا المشار إلى خلافاته في كلمات الأصحاب، وأكثر أهل ذلك البيت المكرّم فقهاً وعلماً وشهرةً بين الطائفة، وغيرها بالسيّد ابن زهرة بحيث لا ينصرف الإطلاق منه إلاّ إليه(١) .

روى عنه ابن أخيه محمد بن عبد الله بن زهرة ومحمد بن إدريس.

وهو الذي أجاب صاحب حلب مقترح الشيعة بتفويض عقودهم ونكحتهم إليه، وإعادة حيّ على خير العمل في الأذان ؛ حيث اشترطوا ذلك عليه يوم استنفرهم لمقاومة صلاح الدين حين جاء حلب فاتحاً، وقد ذكرنا ذلك في تضاعيف هذا المقال.

وقال صاحب أمل الآمل في حقّه: فاضل عالم ثقة جليل القدر عظيم المنزلة، له مصنّفات كثيرة.

وبعد إيراده أسماءها قال: ويروي عنه شاذان بن جبريل ومحمد بن إدريس وغيرهما.

وذكره ابن شهراشوب وقال: له قبس الأنوار في نصر العترة الأطهار وغنية النزوع، حسن.

____________________

(١) في آخر أمل الآمل أنّ ابن زهرة يطلق على حمزة المترجم ويأتي لمحمد بن عبد الله، ومحمد بن إبراهيم، وغيرهما.


وقد عرفت آنفاً نسبة كتاب قبس الأنوار إلى علي بن الحارث بن زهرة.

ولد أبو المكارم سنة ٥١١ وتوفّي سنة ٥٨٥.

٤ - الشريف زهرة (١)

لم أجد له ذكراً في غير الخطط للمقريزي(٢) وهذا نصّ ما جاء فيه.

أنشد الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني وقد اجتاز به (المعشوق)(٣) يريد الحج:

قد رأيت المعشوق وهو من اله جـر بحالٍ تنبو النواظر عنه

أثَّـر الـدهر فـيه آثار سوءٍ قـد أدالـت يد الحوادث منه

والظاهر أنّه أخو الشريف أبي المكارم حمزة الآنف الذكر.

٥ - الشريف عبد الله

هو أبو القاسم عبد الله بن علي بن زهرة أخو أبي المكارم الشريف حمزة، قال في حقّه صاحب أمل الآمل:

فاضل عالم فقيه محقّق ثقة، يروي عنه ولده السيّد محيي الدين وجماعة جميع تصانيفه، ثمّ عدّ أسماءها وقد تقدّم ذكره في ترجمة أخيه أبي المكارم كما نقلناه عن الروضات.

٦ - ابن أخيه السيّد محمد

هو محمد بن عبد الله بن علي بن زهرة الحلبي.

قال في أمل الآمل: فاضل عالم جليل، يروي عنه المحقّق، ويروي هو عن أبيه، عن ابن شهراشوب أيضاً، وقد تقدّم أنّه روى هو وابن إدريس عن عمّه الشريف أبي المكارم.

____________________

(١) الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني، كما جاء في خطط المقريزي.

(٢) ج ٣ ص ٢٥٩.

(٣) اسم لمكان فيه أشجار بظاهر مصر.


٧ - السيّد محمد بن زهرة

هو محيي الدين محمد بن زهرة أبو حامد الحسيني الحلبي الإسحاقي، هكذا نسبه صاحب أمل الآمل، وقال في وصفه: فاضل فقيه علاّمة يروي الشهيد عن الحسن بن نما عنه.

٨ - السيّد جمال الدين أبو الحسن علي بن زهرة الحلبي

هو كما في أمل الآمل علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن زهرة بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق المؤتمن بن جعفر (عليه السلام).

كان عالماً ثقةً جليل القدر، استجاز العلاّمة فأجازه، وأجاز ولده وأخاه وولديه إجازةً طويلةً مفصّلةً كثيرة الفوائد، وأثنى عليهم ثناءاً بليغاً، وهذا ما جاء منها في لؤلؤتي البحرين مع كلمةٍ للمؤلّف:

وأمّا السيّد ابن زهرة فهو السيّد الأجلّ الأنبلّ علاء الملّة والحق والدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن زهرة الحلبي، قال العلاّمة (رحمه الله تعالى) في إجازته له:

(وبلغنا في هذه الأعصار ورود الأمر الصادر عن المولى الكريم، والسيّد الجليل الحسيب النسيب نسل العترة الطاهرة، وسلالة الأنجم الزاهرة، المخصوص بالنفس القدسية، والرياسة الأُنسية، الجامع بين مكارم الأخلاق، وطيب الأعراق، أفضل أهل العصر على الإطلاق، علاء الملّة والحق والدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن محمد(١) بن أبي الحسن زهرة بن أبي المواهب علي بن أبي سالم محمد بن أبي إبراهيم محمد النقيب بن أبي علي أحمد بن أبي جعفر محمد بن أبي عبد الله الحسين بن إسحاق المؤتمن(٢) بن أبي عبد الله جعفر الصادق لبن أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام) ابن أبي الحسن علي زين العابدين (عليه السلام) ابن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) السبط الشهيد ابن علي (عليه السلام):

نسبٌ تضاءلت المناسب دونه فـضياؤه كصباحه في فجرِهِ

____________________

(١) في الأصل إبراهيم محمد بحذف (ابن).

(٢) في الأصل ابن (إبراهيم) إسحاق.


أيّده الله بالعنايات الإلهية، وأمدّه بالسعادات الربّانيّة، وأفاض على المستفيدين جزيل كماله، كما أنبع عليهم من فواضل نواله، تتضمّن طلب إجازة صادرة من العبد له ولأقاربه السادات الأماجد، المؤيّدين من الله تعالى في المصادر والموارد، وأجوبة عن مسائل دقيقة رقيقة لطيفة، ومباحث عميقة شريفة، فامتثلت أمره، رفع الله قدره، وبادرت إلى طاعته، وإن التزمت سوء الأدب المغتفر في جنب الاحتراز عن مخالفته، وإلاّ فهو معدن الفضل والتحصيل، وذلك عن حجّةٍ ودليل، وقد أجزت له أدام الله أيّامه ولولده المعظّم، والسيّد المكرّم، شرف الملّة والدين أبي عبد الله الحسين، ولأخيه الكبيرين المعظّمين أبي طالب أحمد شهاب الدين وأبي محمد عز الدين حسن عضدهم الله تعالى بدوام مولانا أن يروي هو وهم عنّي جميع ما صنّفته في العلوم العقليّة والنقليّة، أو أنشأته وأفتيت به، أو أُجيز لي روايته، أو سمعت من كتب أصحابنا السابقين وجميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم، واستفدت من أنفاسهم إلى آخره، ثمّ ساق طريقه إليهم.

٩ - ولده أبو عبد الله الحسين

قد عرفت أنّه من رجال إجازة العلاّمة، كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليل القدر روى عن العلاّمة واستجازه فأجازه، كذا جاء في أمل الآمل.

١٠ - أخوه السيّد بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن زهرة

هو من رجال إجازة العلاّمة، قال في أمل الآمل: كان من علماء السادات وسادات العلماء، من تلامذة العلاّمة.

١١ - ابن أخيه أبو طالب شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن زهرة

هو من رجال إجازة العلاّمة لعمّه وأبيه، قال في أمل الآمل: فاضل جليل، يروي عن العلاّمة وله منه إجازة مع أبيه وعمّه وأخيه وابن عمّه، وقد بالغ فيها في الثناء عليهم.


١٢ - ابن أخيه أبو محمد عز الدين حسن بن محمد بن إبراهيم بن زهرة

هو من رجال تلك الإجازة، قال في أمل الآمل: كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليل القدر، روى عن العلاّمة واستجازه فأجازه.

١٣ - أبو طالب أحمد بن القاسم بن زهرة الحسيني

عالم فاضل جليل يروي عن الشهيد. كذا في أمل الآمل.

١٤ - علي بن محمد بن زهرة الحسيني الحلبي

قال في أمل الآمل، ونقله عنه صاحب لؤلؤتي البحرين، فاضل فقيه جليل القدر روى عن الشيخ طمان بن أحمد العاملي.

١٥ - النقيب بدر الدين محمد بن زهرة

ذكره ابن الوردي في ذيل مختصر أبي الفداء في أخبار الأمير بدر الدين لولو القندشي حين دخل إلى حلب شادّاً(١) على المملكة وعلى يده تذاكر، وصادر المباشرين وغيرهم.

قال ومنهم النقيب بدر الدين جرى ذلك في حوادث سنة ٧٣٣ وقال في حوادث سنة ٧٣٦ فيها في المحرّم باشر السيّد النقيب الشريف بدر الدين محمد ابن السيّد شمس الدين بن زهرة الحسيني وكالة بيت المال بحلب مكان شيخنا القاضي فخر الدين أبي عمر وعثمان بن الخطيب زين الدين علي الجويني.

وقال في حوادث سنة ٧٣٩ وفيها في العشر الأوسط من ربيع الآخر تُوفّي السيّد الشريف بدر الدين محمد بن زهرة الحسيني نقيب الأشراف وكيل بيت المال بحلب.

(ومن الاتفاق أنّه مات يوم ورد الخبر بعزل ملك الأُمراء علاء الدين الطنبغا عن نيابة حلب، وكان بينهما شحناء في الباطن ؛ قلت:

____________________

(١) الشادّ: العامل على المكوس.


قد كان كلٌّ منهما يرجو شفا أضغانه

فـصار كلُّ واحدٍ مـشتغلاً بـشانه

وكان السيّد (رحمه الله) حسن الشكل، وافر النعمة، معظّماً عند الناس شهماً ذكيّاً، وجدّه الشريف أبو إبراهيم هو ممدوح أبي العلاء المعرّي.

١٦ - الأمير شمس الدين حسن بن السيّد بدر الدين محمد بن زهرة

كذا جاءت نسبته في ذيل المختصر لابن الوردي، ذكره مع ابن عمّه السيّد علاء الدين في حوادث سنة ٧٤٧، قال وفيها ورد البريد بتولية السيّد علاء الدين علي بن زهرة الحسيني نقابة الأشراف بحلب مكان ابن عمّه الأمير شمس الدين، وأُعطي هذا إمارة الطبلخانات بحلب.

أمّا السيّد علاء الدين فأظنّه صاحب إجازة العلاّمة والذي سبقت ترجمته.

هذا جلّ ما استطعنا تجريده في هذا المقال من أسماء مشهوري (بني زهرة)، ونعلم أنّنا لم نبلغ حاجةً في نفوس قرّاء العرفان الأدباء، ولا في نفسنا، وعذرنا انطماس آثارهم.

وعجيب أن لا تفسح المعاجم مجالاً لذكرهم وأن لا يكون لهم حظ منها، وهي قد تعرّضت لترجمة كثيرين ممّن ينحطّون عنهم في مراتب العلم والشرف، ولا يوازونهم في موازين الفضل والجاه، ولا نرتاب بأنّ هناك رجالاً من تلك الأسرة الكريمة غير مَن سردنا أسماءهم في هذا القسم دَرَست آثارهم، وطُمست أخبارهم، وعميت علينا أنباؤهم.

وبعد، فأنّى لنا بإيفاء الموضوع حقّه من التمحيص، وأن نحيط بما لرجال تلك الأسرة الأعلام من الآثار، وكلّ ما نستمدّ به مادّتنا في الكتابة من المعاجم لا يعدو طريقة الفهارس، على أنّ في انقطاع العلم منهم بضعة قرون وبعد شقّة الاتصال بيننا وبين أعقابهم ما يحول دوننا ودون ما نتوخّاه من التحقيق.

وكيف كان، فقد جرينا فيما كتبناه مع قول الشاعر:

إذا لم تستطع أمراً فدعْه وجاوزْهُ إلى ما تستطيعُ


أعقاب بني زهرة اليوم

لبني زهرة أعقاب متفرّقون في البلاد، وجمهرتهم في الفوعة، ونرى أن سياسة الغالب من غير أبناء مذهبهم أخرجتهم من حلب، وهم لا يُعرفون في هذه الأيّام ببني زهرة، ومنهم على ما روى لنا بعض الأعلام أسرة المرحوم نايف آغا الزعيم الشيعي في تلك الناحية، والمظنون أن أسرة بدر الدين في النبطيّة تتّصل نسبتها بسلسلة نسبهم الكريم، وفي قرية شحور أسرة تحمل نسباً كما أخبرني بعض العلماء الأجلاّء متّصلاً ببني زهرة.

وظنّ بعضهم أنّ نسبة الزهراوي أُسرة العلاّمة المرحوم الشهيد السيّد عبد الحميد الزهراوي إلى بني زهرة ولكن الذي يرويه ذلك العلاّمة أنّ النسبة إلى الزهراء (عليها السلام) وذلك الأصوب ؛ لأنّه أعرف بنسبه أوّلاً ؛ ولأنّ النسبة إلى زهرة الزهري لا الزهراوي ثانياً.

ولقد وقفت على صورة نسب لشريف فوعي يتّصل ببني زهرة ؛ ألمحت إليه في تضاعيف المقال.

والحمد لله في البدء والختام.


تاريخ بني عمار

أحمده تعالى على تواتر نعمائه وترادف آلائه، وأُصلي على صفوة أنبيائه والخيرة من أوليائه.

وبعد، فإنّي مُدوِّنٌ بهذه الصفحات ما بلغه علمي وأدركه جهدي من مظانّ كتبٍ تاريخيّةٍ من متناولي من تاريخ بني عمّار قضاة طرابلس الشام، من منتصف القرن الخامس الهجري إلى أوائل القرن الخامس، حيث غلب عليها الفرنج في غزواتهم الصليبيّة، وأصابها ما أصاب البلاد الشاميّة من التدمير والتنكيل بالسكّان الذين أوقعهم القدر في سلطانهم العاثر، وكانت نكبة هذا البلد التي تزيد على نكبة تقويض عمرانه وشامخ بنيانه، بالقضاء المجرم على دور العلم فيه ومكتبته الحافلة بنفائس الكتب التي ذهب بصنّاعها عصارة ما أنتجته الأدمغة العربية الإسلامية من علوم وآداب وفنون.

ندبت نفسي لهذا العمل الشاق القليلة مصادره خدمةً للتاريخ، وإقراراً بفضل بن عمّار على العلم، وبما أسدوه للإسلام من جميل، وعمل رافع في سبيل الوقوف بإتيّ الغزو الصليبي الجارف الحامل في ثناياه، إلى روح التعصّب الديني الممقوت، كلّ أدوات التخريب والقضاء على المدنيّة الإسلامية.

وأراني إن لم أفِ الموضوع حقّه فقصاراي أن قمت بالمستطاع، وفتحت باباً مغلقاً لمن يفتحه، ويكمل ما نقص من استيفاء الموضوع، والله من وراء القصد.



المقدّمة الأُولى

بنو عمّار قضاة طرابلس:

١ - أغفل التاريخ أخبار هؤلاء القضاة الذين كان لهم دورٌ مهمٌ في طرابلس وفي السياسة الفاطميّة، ولقبيلهم سعيٌ عظيمٌ في إنشاء دولتها في إفريقية، ولم يرد لهم ولقبيلهم فيما دوّنه من حوادث تلك الأيّام إلاّ نتف يسيرة مغمورة في التيّار الأعظم من تلك الحوادث، حتّى لا يكاد يبين لها شبح يشخص ما كان لهم من مكانةٍ في سياسة الدولة الفاطميّة، وعمل خطير في طرابلس أيّام ولايتهم عليها، التي سلخت زهاءَ قرن ونصف من مدّة تلك الأزمان الحافلة بالأحداث، سواء أكان ذلك في عملهم العمراني بطرابلس وما إليها، أم كان في خدمتهم الجلّى للعلم والعرفان، أم كان في مكتبتهم العظمة التي احتوت من الكتب ما اختلف المؤرّخون والرواة في تقديره بالملايين أو الألوف أو بمئة ألف كتاب.

وكنت في أثناء مراجعتي لتاريخ تلك القرون، وأنا أرى كيف تقتضب أخبارهم اقتضاباً، ولا تُذكر فيه إلاّ استطراداً على ما كان لهم من أثرٍ نافع وعمل رافع، آسف جدّ الأسف كيف لا تكون لهم فيه صفحة لامعة تليق بعملهم السياسي والعمراني والعلمي، وحدثتني نفسي أن أتولّى البحث عنهم، وأراجع مختلف الكتب التاريخية التي هي في متناولي، وأدوّن ما أبلغه من نتيجة بحثي في تضاعيف تلك الكتب، وما أظفر به من شذرات مبدّدات هنا وهناك، فأنظمها بعد التأليف ما بينها في سمط كتابٍ واحدٍ لعلّي أؤدّي به رسالة الاعتراف بما لهذا القبيل المبخوس حقّه التاريخي من الفضل، على أنّني لا أضمن لنفسي الإصابة في التنسيق التاريخي المنتظم، والمظانّ مفقودة والمراجع لا تكاد


تفي ببعض الحاجة، والمصادر أعزّ من بيض الأنوق، ولكن ما على المجتهد حرج إن أخطأ الصواب إذا كان حسن النية حافزه، ونشدان الحقيقة دافعه، وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم.

٢ - إن لم يؤدّ التاريخ رسالته في سرد أحوالهم وترجمة رجالهم ومبدأ أُمورهم إلى زمن ظهورهم ومشاركتهم ذوي السلطان في النفوذ والسلطان، ولم يُعن على الأقل بأصول أنسابهم، كما لم يُعن بأحسابهم، فإنه لم يسكت عما يستفزّ الباحث إلى استطلاع شؤونهم بذكره في عرض حوادثه الكبرى طرفاً من بلائهم، سواء أكان في تأسيس الخلافة الفاطمية في افريقية، ومصاحبة فريق منهم أوّل مستولٍ من الفاطميّين على الدار المصريّة ثمّ الديار الشاميّة، أم كان من بلاء آخرهم فخر الملك بن عمّار في الدفاع عن طرابلس وصدّ الغارات الصليبيّة عنها، أم كان فيما أسدوه إلى هذا البلد وما إليه من الأعمال: من نشر علم واستبحار عمران وبذل عناية في ترقية مرافق حياة هذا البلد، من حيث إتقان الزراعة وتفوّق الصناعة.

وذكر مثل هذا البلاء من بني عمّار ومثل تلك العناية، ممّا يزيد الباحث شوقاً إلى دراستهم والوقوف على تراجمهم.

وإليك طرفاً ممّا أجمل المؤرّخون من سيرتهم: ففي خطط الشام (وممّا يذكر في هذا القرن (الخامس) أنّ القاضي جلال الملك أبا الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمّار جدّد في طرابلس دار العلم ودار الحكمة، وذلك في سنة ٤٧٢ هـ لتكون مركزاً من مراكز التشيّع، فنُشرت العلوم والآداب وأصبحت طرابلس مباءة علمٍ ودرسٍ ومباراة في التعلّم. وجهّز هذه الجامعة الدينية بمئة ألف مجلّد، وربّما كانت على عهده قبل استيلاء الصليبين عليها أوّل بلدة علميّة في الشام على ما رأى (فان برشم)).

وفي مكانٍ آخر من الخطط:

(وكان لابن عمّار البلاء الحسن، بل الأحسن في دفع عادة الصليبيّين عن بلده. لم يترك باباً من أبواب الخلاص ليصدهم عن طرابلس إلاّ طرقه، حتّى دفعهم بعقله وحسن إدارته عن تملّكها عشر سنين.

وكان في طريق رجعتهم كالحسكة في الحلق، وفي معاملة ملوك الأطراف نموذج الدهاء السياسي، وهو على صغر جرم مملكته


يطاول ويحاول وينازل ويصاول ويلين ويقسو ؛ لأنّ مع الكثرة تخاذلاً ومع القلّة تماسكاً).

وجاء فيها فيما يتعلّق بمكتبة بني عمّار:

(ومن أهم النكبات التي أُصيبت بها الكتب في الشام نكبة طرابلس لمّا فتحها الصليبيّون، وإحراق صنجيل أحد أمرائهم كتب دار العلم فيها.

وأخذ الصليبيّون بعض ما طالت أيديهم إليه من دفاترها وكتبها الخاصّة في بيوتهم.

واختلفت الروايات في عدد المجلّدات التي كانت في خزانة دار بني عمّار أو دار حكمتهم في طرابلس، وعلى أصح الروايات أنّها ما كانت تقلّ عن مئة ألف مجلّد، وأوصلها بعضهم إلى ألف ألف وبعضهم إلى أكثر.

ووقفها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمّار، وجاء بعدهم الأمير علي بن محمد بن عمّار الذي جدّد دار العلم سنة ٤٧٢ هـ، ثمّ فخر الملك عمّار بن محمد، حتّى صارت طرابلس كما قال ابن الفرات في زمن آل عمّار جميعها دار علم، وكان في تلك مئة وثمانون ناسخاً ينسخون لها الكتب بالجراية والجامكية، فضلاً عمّا يُشترى لها من الكتب المنتخبة من البلاد.

وابن الفرات هو ممّن يقول بأنّ عدد ما كان في دار العلم هذه من الكتب نحو ثلاثة ملايين كتاب عندما أحرقها الصليبيّون سنة ٥٠٣ هـ.

والغالب أنّه كان في طرابلس من الكتب الموقوفة غير دار العلم، وقفت قبل بني عمّار، وأراد ابن الفرات بهذه الثلاثة آلاف الألف عدد الكتب التي كانت في مكاتب طرابلس كلها).

إنّ فيما جاء في الخطط لَدليلاً كبيراً ناصعاً على تفوّق طرابلس العلمي في عهد بني عمّار، وإليك دليلاً آخر على تفوّقها العمراني والاقتصادي في عهدهم الزاهر، جاء في تاريخ سورية للأستاذ المحقّق جرجي يني الطرابلسي ما يلي:

(وكانت طرابلس في ذلك الحين (الحروب الصليبيّة) مشهورة بغنى طبيعته وحسن رونقها ونجاحها، وكانت حاصلاتها غزيرة جدّاً، حتّى أنّ السهول والتلال والأكم المجاورة كانت مصدراً لكثير من الغلال الفاخرة والزيتون والحرير، فضلاً عمّا هنالك من قصب السكّر والكرم وأنواع


الفاكهة والأشجار، وحسبنا بذلك شهادة المؤرّخ (ميسود) الذي تبع قوله بقوله:

(إنّ في المدينة أكثر من أربعة آلاف نول لنسج الأقمشة الصوفيّة والحريريّة والقطنيّة، غير أنّ قسماً كبيراً من هذا الغنى بات طعاماً لانتقام الإفرنج أو معطّلاً من جرّى حروبهم وحصارهم الطويل ؛ فإنّهم كانوا في زمان الحصار قد أضرّوا بجوار البلدة، ولما تملّكوها لم يعتنوا بما فيها من المعامل الصناعيّة، فانحطّت انحطاطاً عظيماً ولم يكن ما ذكر لكلّ ما اشتهرت به طرابلس من الغنى في ذلك الزمن، فإنّ خزائنها كانت مُلئت من الكتب المفيدة، التي أحالها الافرنج رماداً، فخسر العالم بفقدها كنزاً عظيماً.

(فإنّ بين مجلّداتها كثيراً من كتب الفرس والعرب واليونان، وكان فيها عديد من الكتبة يشتغلون على الدوام بنسخ كتب الخط.

وقال ابن طي المؤرّخ العربي: (إنّ عدد هذه الكتب كان ثلاثة ملايين من المجلّدات).

غير أنّ مؤرّخاً آخر يقول: إنّ عددها لم يتجاوز مئة ألف مجلّد، وإنّ جامعها القاضي أبو الحسن طالب وهو نفسه قد ألّف كثيراً، وإنّه كان متولّياً البلدة، وقد بعث برسائل إلى الأقطار مفتّشاً على الكتب النادرة مهما كان ثمنها عظيماً.

وقد ندب مؤرّخو العرب فقدان تلك المكتبة، على أنّ المؤرّخين الصليبيّين القدماء لم يذكروا عنها شيئاً ليستروا زلّة قومهم).

وإنك لتعلم مبلغ ما بلغه هذا البلد من الغنى والثروة، بذل ابن عمّار أبي الحسن علي ثلاثمئة ألف دينار للملك دقاق بن تُتُش على تسليمه له ابن مليحة صاحب جبلة عرياناً، كما سترى ذلك مبسوطاً في مكانه من هذا الكتاب.

وإليك دليلاً آخر على ما كان لهذا البلد من رُقي وتفوّق عمرانيّ وسابغ نعمة، ما ورد في تاريخ ابن القلانسي في حوادث سنة ٥٠٢ هـ لمّا امتلك الإفرنج طرابلس عنوة بعد حصارها الطويل:

(وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر علمها وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يُحدّ عدده ولا يُحصر فيذكر).

وفي كامل ابن الأثير في حوادث سنة ٥٠٣ هـ: وسدّ الفرنج القتال عليها (طرابلس) من الأبراج والزحف، فهجموا على البلد وملكوه عنوة


وقهراً يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة من السنة (٥٠٣ هـ)، ونهبوا ما فيها وأسروا الرجال وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة ودور كتب العلم الموقوفة ما لا يُحدّ ولا يُحصى، فإنّ أهلها كانوا أكثر أهل البلاد أموالاً وتجارة، وسلم الوالي الذي كان بها وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى دمشق وعاقب الفرنج أهلها بأنواع العقوبات، وأُخذت دفائنهم وذخائرهم من مكامنها.

وما لنا والإكثار من التدليل على عظمة هذا البلد، وفي ثباته على مقاومة القوّات الصليبيّة الهائلة مدّة عشر سنين بإدارة ابن عمّار الرشيدة، ما يغني عن الإسهاب في هذا الباب، وستراه جليّاً في تضاعيف هذا الكتاب.


المقدمة الثانية

نبذة وجيزة من تاريخ طرابلس

موقعها في طول شرقي ٢٠ ً ٤٤ َ ٣٥ ْ وعرض شمالي ٦٦ ً ٢٦ َ ٣٤ ْ على بعد ميل من البحر.

هي من مدن فينيقية وتُعرف باسمها اليوناني واسمها الفينيقي مجهول، وطرابلس أو أطرابلس مبدوءة بالألف تمييزاً لها عن طرابلس الغرب، وهي تعريب عن تريبوليس أي المدن الثلاث(١) سُمّيت بذلك ؛ لأنّ الأرواديّين سكّان جزيرة أرواد التي هي منها إلى الشمال على بضعة أميال، والصيداويّين والصوريّين (لا السوريّين) كما جاء في تاريخ سورية للمطران يوسف الدبس، بنوا هناك ثلاثة أحياء لكلّ فريق حيّاً منفصلاً عمّا سواه ؛ فسمّيت باليونانية تريبوليس أي المدن الثلاث، فنقلها العرب إلى طرابلس تمييزاً لها عن طرابلس الغرب و بالعكس، ويميّزها بعضهم عن تلك بطرابلس الشام.

وجاءت في شعر أبي الطيّب المتنبّي محذوفة الألف في قوله:

اكـارم تحسد الأرض السماء بها وقصرّت كلّ مصر عن طرابلس

قال القلقشندي في كتابه صبح الأعشى (وهي أَطْرابُلُس) بفتح الهمزة

____________________

(١) تاريخ لبنان. ونجد لأوّل مرّةٍ في أخبار هذه الحروب أسماء ثلاث مدن لبنانيّة هي (١) مخلات (٢) وميسة (٣) وكاية ذُكرت فيما بعد باسم (المدينة المثلثة) أو (المدن الثلاث) أو (طرابلس) ص ٢٠.


وسكون الطاء وفتح الراء المهملتين ثمّ ألف وباء موحّدة ولامٍ مضمومتين وسين مهملة في الآخر.

قال السمعاني: وقد تسقط الألف فرقاً بينها وبين طرابلس التي في الغرب.

وأنكر ياقوت في المشترك سقوطها وعاب على المتنبّي حذفها منها في شعره.

قال في الروض المعطار: ومعنى أطرابلس فيما قيل ثلاث مدن.

وقيل مدينة الناس، وهي مدينة من سواحل حمص واقعة في الإقليم الرابع.

قال في كتابه الأطوال: طولها تسع وخمسون درجة وأربعون دقيقة، وعرضها أربع وثلاثون درجة.

وكانت في الأصل من بناء الروم، فلمّا فتحها المسلمون في سنة ثمان وستمئة في الأيّام الأشرفيّة (خليل بن قلاوون) خرّبوها وعمّروا مدينة على نحو ميلٍ منها وسمّوها باسمها وهي الموجودة الآن، إلى أن قال:

وهي الآن مدينة متمدّنة كثيرة الرخام، وبها مساجد ومدارس وزوايا وبيمارستان وأسواق جليلة وحمّامات حسان، وجميع بنائها بالحجر والكلس مبيّضاً ظاهراً وباطناً، وغوطتها محيطة بها، وتحيط بغوطتها مزروعاتها وهي بديعة المشرف ولها نهر يحكم على ديارها وطباقها، يتخرق الماء في مواضع من أعالي بيوتها التي لا يرقى إليها إلاّ بالدرج العليّة، وحولها جبال شاهقة صحيحة الهواء خفيفة الماء ذات أشجار وكروم ومروج ومواشٍ، وميناها مينا جليلة تهوى إليها وفود البحر الرومي، وترسو بها مراكبهم وتباع فيها بضائعهم، وهي بلد متجرٍ وزرعٍ كثيرة الفائدة.

وصفها:

وصفها المؤرّخ الأستاذ جرجي يني في تاريخه (سورية) بقوله: (فطرابلس الشام بلدة من أحسن مدن سورية جمالاً وأبهجها منظراً وأكثرها رياضاً، وهي قائمة على ضفتي نهر أبي علي المعروف عند الأقدمين بنهر قاديشا أي المقدس، وتحفّها البساتين والغياض، وتكثر فيها المياه والأثمار، فتزيدها نضارة وحسناً.

وتظهر طرابلس للرائي كالحمامة البيضاء فإنّ أكثر جدرانها وسطوحها مبيّضة بالكلس الأبيض، ناهيك عمّا يرى فيها من جمال الطبيعة، ذلك ما وصفه ابن مامية الرومي بقوله:

بـأربـعةٍ سـادت وسـاد مـقامها على سائر الأمصار في البحر والبرِّ

بـأبيض ثـلجٍ واحـمرار كـثيبها وخـضرة مرج قد جلا زرقة البحرِ


أمّا المياه فتأتيها من لبنان بأقنيةٍ قديمةٍ، يُظنّ أنّها من بقايا الصليبيّين، بدليل تسميتها حتّى الآن باسم قناطر البرنس، وتتوزّع في كلّ أنحاء البلدة وشوارعها، وتدخل دورها وبناياتها، وتتّصل إلى الطبقة الثالثة على ارتفاعٍ أكثر من خمسة عشر ذراعاً. ومخرج الماء من ينبوعٍ عذبٍ يُقال له رشعين في ناحية الزاوية من قائمقاميّة البترون التابعة لمتصرّفية لبنان.

(أمّا النهر فمخرجه من جبل لبنان فوق قرية بشري تحت الأرز الشهير، من مكان يُقال له الدواليب، ويجري إلى الجنوب الغربي قليلاً، فيتّحد معه جدولان يُقال لأحدهما رشعين وللآخر المخاضة، ومن ثمّ يدخل طرابلس ويخرقها من الشرق إلى الغرب فيشطرها شطرين غير متساويين ويخرج منها فيمرّ في أرضٍ كثيرة الجنائن والبساتين، ويصبّ في بحر الروم إلى الشمال من المينا على مسافة ميلٍ عنها.

وغزارة الماء وخصب تربة البلاد حملا الأهلين على الرغبة في حراثة الأرض، فأتقنوها حتّى صارت طرابلس أوّل بلدان سورية تقدّماً في الزراعة، وأمست أرضها ذات ثمار كثيرة مشهورة عنها أخصّها الليمون بأنواعه ؛ ذلك ما أصبح مصدراً لتجارةٍ متّسعةٍ فيه.

أمّا التجارة فهي متّسعة في تصدير الحاصلات ضيّقة في إيراد البضائع الأوروبية، وأخصّ الأصناف الصادرة: الحرير والحبوب والليمون والزيت والصابون وغير ذلك.

(أمّا الصناعة فقاصرة جداً، مع أنّها اشتهرت في الزمن السالف كما شهد بذلك مؤرّخو الافرنج الذين كتبوا وقائع الحرب الصليبيّة).

ثمّ وصف ترقّيها في العلم ومدارسه، وفضلها على أكثر المدن السورية في هذه الناحية، ولم يقصّر ومَن أولى به بإيفائها حقّها، وهو ابنها البار، وهي أوّل بلد مسّ جسمه ترابها.

وإذا عرفت أنّ هذا الوصف لها كان منذ سبع وخمسين سنة: أي في عهد مبدأ النهضة السورية العمرانية والعلمية في بلاد الشام، وبعد تراجعها العظيم يتبين لك أنّها قد بلغت في هذه الأيّام شأواً بعيداً في كلّ ناحيةٍ من نواحي العمران والاقتصاد والعلم والآداب والسياسة والوطنيّة الصحيحة، لمرافقتها النهضة التي شملت أكثر المدن السورية، دع ما أعان هذه النهضة من الوسائل التي كانت تكاد تكون مفقودة في ذلك العهد، ومنها صعوبة المواصلات وقلّة المطابع وندرة الكتب.


وطرابلس ضربت الرقم القياسي السوري الساحلي في جهادها الوطني والسياسي في سبيل إحقاق حقّها بالالتحاق في الوحدة السورية، وأبلت بلاءً حسناً في كلّ مرحلةٍ من مراحل القضيّة السورية الخاصّة والعربية العامّة، منذ بدء الاحتلال وإلقاء الحرب العامّة أوزارها إلى يومنا هذا.

ولولا أن التبسّط في تاريخ هذا البلد الراقي قديماً وحديثاً يطول به الخطب ويخرجنا عن صدد موضوع كتابنا، لما اقتصرنا على إيراد هذه الجملة غير الوافية بقدرها، وبما لها من المكانة في نفوسنا، وبما نضمره لها من إجلال وإكبار، ولرجالها المخلصين المجاهدين من إعجابٍ وإعظام.

تاريخها القديم:

قال المؤرّخ جرجي يني الطرابلسي في تاريخ سوية:

(أمّا تاريخ البلدة فقديم جدّاً، ومع أنّ ذكرها لم يرد في الكتاب المقدّس يعتقد بعض المدقّقين بكيانها منذ حين قديم.

أمّا ما يعلم عنها تاريخاً فهو أنّه بعد أن أخذت بلاد فينيقية بالتقدّم الحي والمعنوي، وكانت ولايات مستقلّة تنضمّ إلى بعضها برباط الدين والجنسيّة، على أنّها منفصلة عن بعضها في الأحكام الداخلية والخارجية، خلا الحلقة الوطنية بالدفاع والهجوم، رأت أمّهات الممالك وهي: صيدا وصور وارواد وجوباً لإقامة دار شورى ترى في المصالح العامّة للبلاد. فأُنشئ المجلس المذكور في مدينة طرابلس، ومع أنّ التاريخ لم يذكر زمان إنشائه، ولا أوّل زمان عُرفت به طرابلس بلدة ؛ نرى أنّ المجلس لم يقم يومئذٍ في بلدةٍ معروفةٍ بل إنّ عدم قبول تلك الدول الكبيرة قيام ندوتها في بلدة إحداهن لمغايرة الأخرى، وتحذّراً من استبدادها بالقوة وعدم رغبة جميعها بإعطاء تلك المنحة العظيمة للدول الثانوية، حمل القوم على انتخاب أرض محايدة أو قرية صغيرة يشيدون فيها مجلسهم، فكانت حينئذٍ نشأة طرابلس وهي غير ذات اسم عام، بل ربّما أطلق على قسمٍ منها، ومع أنّه عرف تماماً أنّ هذا المجلس كان مركّباً من أعضاء صوريّين وصيدونيّين وارواديّين، لم يعرف إن كانت الولايات الأُخرى الفينيقية قد اشتركت بالعضويّة، كاشتراكها بقبول أحكامه ممّا برهنته بعض الحوادث التاريخية.

وهذا التخمين يقارب الواقع ؛ لأنّه حتّى الآن لم يُعرف للبلدة اسم فينيقي، مع أنّ دار الشورى قد ذُكرت


مراراً في تاريخ تلك البلاد، ولو وجدت أقل مشابهة بين الكلمة اليونانية التي تركّب منها اسم طرابلس وهي تريبوليس، واللغة الفينيقية لحكم القوم المدقّقون بالاشتقاق، ولا جرم أنّ التاريخ يقول إن أعضاء ذلك المجلس كانوا مئة عضو من الصيدونيين، وبما أنّ صيدا لم تكن أكثر أهمّيّة وإشغالاً من معاصرتيها صور وارواد، لا يظن أنّ أعضاء تينك البلدتين كانوا أقلّ عدداً.

ولا يخفى أنّ وجود ثلاثمئة عضو كافٍ لبناء ثلاث حلل ؛ لأنّ أكثر الأعضاء كانوا يلتزمون بإحضار نسائهم معهم. وكرّ الزمان فكثرت الذكور والمهاجرون فعمرت البلدة بهم.

والظاهر أنّ حكومتها استمرّت بيد الثلاث الدول ؛ ذلك أنّ كلاًّ منها كانت تحكم حلّتها بشرائعها الخصوصيّة ؛ فكان بين كلّ حلّة وأُخرى مسافة ستاديا وهي نحو فرسخ، يؤيّد ذلك الآثار المستمرّة حتّى يومنا، دليلاً على مواقع الحلل حيث كانت الأُولى في محل الميناء الحالية، والثانية في السلفتانية، وهي الآن مدفن للروم الأرثوذكس.

وهنالك بقايا قناة ماء، يظهر أنّها كانت تأتي تلك الحلّة من الضنية حيثما تمرّ في أراضي مجدليا، فتظهر آثارها عند طواحين السكر، والثالثة غربيّ المدينة الحاليّة عند البحصاص.

(ولقد قلنا إنّ التاريخ لم يكشف لنا عن زمان بنائها، إلاّ أنّ من الأدلّة ما يُظهر شيئاً من ذلك، فنقول:

إنّ تشكيل المجلس لم يتم إلاّ بعد مجيء نبوخذ نصّر لسورية، ولا يخفى أنّ ذلك الفاتح أتى البلاد غازياً في سنة (٦٠٦ ق. م) وأخذ أورشليم وجلا اليهود، فاستمرّوا في الأسر سبعين سنة.

وسنة (٥٧٣ ق. م) أخذ صور بعد أن حصرها ثلاث عشرة سنة، فإن كان تشكيل الديوان في تلك الأثناء فيكون بناؤها إذاً في أوساط الجيل السادس قبل المسيح، على أنّنا لا نجزم في ذلك حكماً ؛ لأنّنا ضمَّنا المقدّمات فأنتجنا هذه النتيجة.

أمّا الأدلّة التاريخية فقاصرة في هذا الصدد، ولم نعثر على ذكر لطرابلس إلاّ في أواسط الجيل الرابع قبل الميلاد، ولا يستبعد عدم امتداد قديمتها لأكثر من ذلك، على أنّ المجلس الذي عقد سنة ٣٠٢ ق. م للمفاوضة في أعمال الفرس المغايرة، وتسلّطهم على البلاد بعنفٍ كان في مدينة طرابلس، وعليه قر القرار على رفع راية العصيان ضد الفرس الظالمين.

(ووجود المجلس في ذلك دليل يدحض رأي مَن زعم بأنّ الإسكندر


المكدوني هو الذي أمر ببنائها، حال كونها قد ذكرت بصراحة قبل زمانه بعشرين سنة كما تقدّم.

ولم يكن لطرابلس موقع مهم في التاريخ ؛ ولذلك كان يمرّ عليها مرّ السحاب، على أنّه بزوال دار شورى الفينيقيين منها حطّت أهمّيّتها إلى أن تداولت عليها الدول.

فلمّا صارت سورية مملكة يونانية مستقلّة بعد وفاة الإسكندر، واستبدّ السلوقيّون بالسلطة حتّى جرت بين انتيغونوس وسولوقس بعض الملاحم والمعارك الشديدة، فأخذ انتيغونوس وسولوقس بعض الملاحم والمعارك الشديدة، فأخذ انتغونوس يهتم ببناء السفن، فكانت طرابلس أيضاً من المدن التي رَمّمها ولذلك أمر بالأخشاب فجيء بها من لبنان على ألف نير كناية عن ألفين من الثيران.

وبنيت السفن فيها لخدمته على أنّه لم يحز نصراً فتسلّط السلوقيّون على البلاد.

ولم يكن لطرابلس أهمّيّة تذكر غير أنّها بعد حين ذكرت في أخبار المكابيين، حيث قيل إنّ ديمتريوس بن سولوقس باتر العاشر من الملوك السلوقيين (جلس سنة ١٦٢ ق. م) كان في رومية ففرّ عن حدوث المشاغب في سورية بعد أن أبت ندوة رومية (السناتو) أن تسمح له بالرجوع ليتبوّأ تخت ملكه. وأتى بجمعٍ عظيمٍ وسفن ميناء طرابلس وسار إلى المحلاّت الواجبة (٢ مك - ص ٨ و ١٤ عدد ١)، وقد ذكر صاحب سفر الأخبار قوله:

(وروى بونتانوس أن طرابلس سجدت في أيّام السلوقيين للمشتري الاطرابلسي. ذكره مؤلّف كتاب سورية المقدّسة، وروى لاكوبان في مجلد ٣ صحيفة ٩٩ أنّه توجد معاملات عديدة لأنطونيوس مع قلوبطرة ثمّ لاغوسطس وينرون وتريانوس عليها اسم طرابلس.

وفي دائرة المعارف للبستاني من مقالة للأستاذ جرجي يني في تاريخ هذا البلد: (وفي الفتح الروماني مرّ عليها بومبيوس وكان فيها قوم من الأيطوريين، فخضد شوكتهم وقتل زعيمهم حتّى دانت للرومان، وظلّت على ولائهم إلى أن فتحها المسلمون بخدعة يوقنا، ولكن تردّدت عليها غزوات الروم ومردة لبنان، وتقلّبت على السيادة فيها الدول الإسلامية).

تاريخ طرابلس الإسلامي:

لما استخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق وسار إلى فحل، سار يزيد إلى مدينة صيدا وعرقة وجبيل وبيروت، وهي سواحل


دمشق على مقدّمته أخوه معاوية ففتحها فتحاً يسيراً، وجلا كثيراً من أهلها.

وتولّى معاوية بنفسه في ولاية يزد. ثمّ إنّ الروم غلبوا على بعض هذه السواحل في آخر خلافة عمر وأوّل خلافة عثمان، فقصدهم معاوية ففتحها ثمّ رمّمها وشحنها بالمقاتلة وأعطاهم القطائع.

ولمّا ولي عثمان الخلافة وجمع لمعاوية الشام، وجّه معاوية سفيان بن مجيب الأزدي إلى طرابلس، وهي ثلاث مدن مجتمعة.

ثمّ بنى في مرج على أميال منها حصناً سُمّي حصن سفيان، وقطع المادة عن أهلها من البرّ والبحر وحاصرهم، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا إلى ملك الروم يسألونه أن يمدّهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى بلاد الروم.

فوجه إليهم بمراكب كثيرة، ركبوا فيها ليلاً وهربوا، فلمّا أصبح سفيان، وكان يبيت هو والمسلمون في حصنه ثمّ يغدو على العدو، فوجد الحصن خالياً فدخله وكتب بالفتح إلى معاوية، فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود، وهو الذي فيه المينا اليوم، ثمّ بناه عبد الملك بن مروان وحصّنه، ثم نقض أهله أيّام عبد الملك ففتحه ابنه الوليد في زمانه.

دخلت طرابلس في السلطان الإسلامي مع المدن الساحليّة التي افتتحت، ولما خاف عليها معاوية من غزوات الروم استدعى قوماً من الفرس ليستوطنوا تلك السواحل ويحموها من اعتداء الغازين، يؤيّد ذلك ما ذكره اليعقوبي في كتابه البلدان ؛ فقال عند ذكره جند دمشق:

(ولجند دمشق من الكور على الساحل كورة عرقة فيها قوم من الفرس.

ومدينة اطرابلس وأهلها قوم من الفرس.

وجبيل وصيداء وبيروت وأهل هذه الكور كلها قوم من الفرس نقلهم إليها معاوية بن أبي سفيان).

وقال البلاذري في فتوح البلدان: (نقل معاوية في سنة ٤٩ أو سنة ٥٠ إلى السواحل قوماً من زُط البصرة والسباتجة وأنزل بعضهم أنطاكية).

وفي تاريخ ملوك الروم(١) : (في السنة العاشرة لملك قسطنطينوس بن قسطنطين (٣٢٧) جاء إلى نواحي طرابلس فينيقية وبنى بلاداً سمّاها باسمه.

وجاء الإسلام، ففتحوا أنطاكية، وهرب القيصر هراكليوس منها فلم يقتصر

____________________

(١) تاريخ سورية الجرجي بني ص ٣٧٧.


يوكنا الذي أسلم واتّحد مع الفاتحين على الحيل الأُولى التي سلم بها المدن الحصينة، بل إنّه أتى مدينة طرابلس الشام ولم تكن قد أُخذت مع بعض الثغور، فلمّا دنا من البلدة بفرقته، وكانوا من الرومان الذين أسلموا، خرج لملاقاته الرومان الذين في طرابلس ظانّين أنّه لم يزل مخلصاً لدولتهم غير عارفين بالذي جرى، وفتحوا له أبواب المدينة فدخلها، وأقام فيها منتظراً الزمان المسمّى لمجيء الإسلام. فلمّا حان الأجل حمل على القلعة فأخذها بلا ممانعة).

على أنّا لا نعلم المقصود بالقلعة ؛ لأنّ القلعة الحالية إنّما هي من بناء الصليبيين، فلا يبعد أن تكون القلعة المأخوذة يومئذٍ من حصون الرومان.

وأقام يوكنا فيها ناشراً راية الصليب الرومانية، إلاّ أنّه أرسل خبراً إلى أبي عبيدة بما كان. وبعد حين وصلت ميناء طرابلس سفن كثيرة، من قبرص وكريت مشحونة بالسلاح والمؤن لنجدة جنود قسطنطين، وهي غير عالمة بحالة طرابلس. فلمّا رست أقبل يوكنا عليها واعتقلها وأخذ رجالها أُسراء حرب، وكان أبو عبيدة قد بعث شرذمة من جنده إلى طرابلس فسلّمها يوكنا إلى العسكر، وركب السفن بمن معه ورفع الراية الرومانية وسار إلى صور).

وقامت الحكومة الإسلامية في طرابلس، إلاّ أنّ صاحب سفر الأخبار يقول إنّ الدولة الإسلامية لم تستقرّ فيها، والظاهر أنّ ذلك كان لأنّ مردة لبنان كانوا يتملّكونها.

(ولمّا ولي عثمان الخلافة(١) وجمع لمعاوية الشام، وجّه معاوية سفيان بن مجيب الأزدي إلى طرابلس، وهي ثلاث مدن مجتمعة.

ثمّ بنى في مرج على أميال منها حصن سُمّي حصن سفيان، وقطع المادّة عن أهلها من البرّ والبحر، وحاصرهم، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا إلى ملك الروم يسألونه أن يمدّهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى بلاد الروم، فوجّه إليهم بمراكب كثيرة ركبوا فيها ليلاً وهربوا، فلمّا أصبح سفيان وكان يبيت هو والمسلمون في حصنه، ثمّ يغدو على العدو، وجد الحصن خالياً فدخله، وكتب بالفتح إلى معاوية فأسكنه معاوية، جماعة كثيرة من اليهود، وهو الذي فيه المينا اليوم. ثمّ بناه

____________________

(١) تاريخ الدبس مجلد ٥ ص ٩.


عبد الملك بن مروان وحصّنه، ثمّ نقض أهله أيّام عبد الملك، ففتحه ابنه الوليد في زمانه)(١) .

وقد ذكر طرابلس أبو القاسم عبيد الله بن ضرداويه من رجال أوائل القرن العاشر في كتابه المسالك والممالك، فيما ذكره من إقليم في جملة كور دمشق، فذكر كورة جونيه وكورة طرابلس وكورة جبيل، ثمّ بيروت وصيداء.

والمقدسي ذكر من المدن الساحلية بيروت وطرابلس وعرقة ؛ قال:

(وصيداء وبيروت مدينتان على الساحل حصينتان وكذلك طرابلس إلاّ أنّها أجل).

وذكرها الاصطخري وابن حوقل، ووصفها كلاهما بأنّها: فرضة دمشق في زمنهما، وأنّها وافرة الغلات، يقيم فيها جند الشام ومنها يخرجون لغزو الروم، ويثنيان على لين عريكة أهلها ووفرة مرافقها.

وقال ابن رسته:

ومدينة اطرابلس وأهلها قوم من الفرس، كان معاوية بن أبي سفيان نقلهم إليها، ولها مينا عجيب يحتمل ألف مركب.

وفي شعبان سنة ٤٣٨ هـ ١٠٠٤م تجوّل في سواحل الشام ناصر خسرو الفارسي فوصف المدن الساحليّة في رحلته وصفاً مستجاداً، وقال:

(إنّه مرّ أوّلاً بطرابلس سائراً إليها من حلب، فوصف حدائقها ومزارعها من قصب السكّر والنارنج والموز والنخيل. وكان مروره فيها يوم عصرهم قصب السكر.

وتوسّع في وصف أسوارها من نحيت الحجارة ذات بابٍ واحدٍ في شرقيّها وخنادقها ومناجيقها لردّ غارات الروم، وأسواقها شبه القصور غاية في النظافة، ودورها ذات أربعة إلى ستة طوابق.

ثمّ وصف فواكهها اللذيذة المتوفّرة وجامعها الجميل الهندسة، ومياهها النميرة.

وكان أهلها حينئذٍ على مذهب الشيعة ٢٠٠٠٠ ومن معاملهم: معمل لورق الكتابة كمعمل كاغد سمرقند.

وكانت في ذلك الوقت في حوزة ملوك مصر الفاطميّين أعفوها عن أداء الضرائب لأمانة أهلها في واقعة سابقة انهزم فيها الروم).

____________________

(١) عن ابن الأثير ج ٢ ص ٢١٠.


منيت طرابلس كما منيت المدن الساحلية بغزوات الروم المتتابعة.

ففي سنة ٣٥٧ هـ ٩٦٨م حاصرها نيقيفور ملك الروم ليلةً واحدةً وأحرق ربضها.

كما ذكر ذلك يحيى بن سعيد الأنطاكي ؛ وقال في حوادث سنة ٣٦٤هـ ذاكراً غزوة الملك يوحنّا زيميسيس الذي يدعوه العرب ابن الشمشقيق، إنّه نزل على طرابلس وقاتلها ولم يتمّ له فيها شيء.

وقال ابن القلانسي:

(إنّه نزل عليها وأقام حاصراً لها تقديراً أربعين يوماً يقاتل أهلها ويقاتلونه، فبينما هو في ذلك إذ دس إليه خال بسيل وقسطنطين سمّاً، فاعتلّ منه وتوجّه إلى القسطنطينية وتوفّي).

وذكرها الشريف الإدريسي المتوفّى سنة ١١٨٧م حيث قال في وصفها:

(مدينة عظيمة عليها سور من حجرٍ منيع ولها رساتيق وكور وضياع جليلة، وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكّر وأنواع الفواكه وضروب الغلاّت الشيء الكثير.

والوارد والصادر إليها كثير، والبحر يأخذها من ثلاثة أوجه، وهي معقل من معاقل الشام مقصود إليها لضروب التجارات، ينضاف إليها عدّة حصون ومنها في جهة الجنوب حصن بناه ابن صنجيل الافرنجي ومنه افتتح أطرابلس، وبينهما أربعة أميال وهو حصن منيع جدّاً وهو بين واديين).

إنّ المدن الساحليّة وهي باب المدن الداخلية، كانت معرّضةً لغزوات الروم، ومَن يتغلّب عليها يسهل عليه امتداد يده إلى داخل البلاد، فكان من المحتّم أنّ على مَن يمتلك البلاد الشاميّة: ساحلها وداخلها وسهلها وجبلها، أن تحصّن بالقلاع وتصان بالأسوار وتُشحن بالرجال لتقيها تلك الغزوات المتتابعة، وتحمي بها البلاد كافّة.

ولم يهمل هذا الأمر ملوك العرب والمسلمين الذين تعاقبوا على حكمها من عهد الخلفاء الراشدين ؛ فالأمويّين والعبّاسيّين وعمّالهم الذين استقلّوا بحكمها، ولم يبقوا للخلفاء العبّاسيّين سوى الخطبة والسكّة والتقليد والخلع للمستأثر بالحكم.

فكانت مدينة طرابلس وهي ثغرٌ من أهمّ الثغور البحرية الشامية، وهي منفذ لأهمّ الأعمال والكور من جند دمشق من المدن التي امتدّ إليها التحصين، وقد أصبحت في حوزة بني طولون أُمراء مصر، وقسم كبير من الديار الشامية، ثمّ انتقلت إلى خلفاء الفاطميين المصريين الذين استولوا على بلاد الشام، وكان يليها عمّالهم.

وأكثر مَن وليها في عهدهم من الأمراء رجال من كتامة الذين ابلوا


البلاء الحسن في تأسيس دولتهم في المغرب، وكانوا سيوفهم في الاستيلاء على الديار المصرية والشامية، وفاتحها جعفر بن فلاح من شيوخ كتامة، إلى أن انتهت النوبة في حكمها إلى قضاة بني عمر من كتامة.

قبيلة كتامة:

لقد سبق في الصفحة الأُولى من هذا المؤلّف بحثنا عن إغفال المؤرّخين البحث عن قضاة بني عمّار حكام طرابلس، كما أهملوا سلسلة اتصال نسبهم بكتامة، حتّى لقد أدّى هذا الإهمال إلى توهّم بعض الباحثين أنّهم وبدر بن عمّار ممدوح المتنبّي، وحاكم طبرية من قبيل واحد، مع أنّ بدر بن عمّار هو أبو الحسن محمد بدر بن عمّار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني، وكان عاملاً على طبرية لأبي بكر بن رائق حسام المتّقي لله الخليفة العبّاسي، وهو أسديٌّ منسوبٌ إلى طبرستان. وبنو عمّار من المغاربة، وقد أنشده أبو الطيّب المتنبّي لمّا قصده قصيدته:

أحلماً نرى أم زماناً جديدا

وهو يومئذٍ يتولّى حرب طبرية من قبل ابن رائق(١) سنة ٣٢٨ هـ.

وأمّا نسبة بدر هذا إلى بني أسد فتظهر من قول أبي الطيّب فيه مادحاً له:

حسامٌ لابن رائقٍ المرجّى حـسام المتّقي أيّام صالا

سـنان في قناة بني معدٍّ بني أسدٍ إذا دعوا النزالا

وقال مادحاً له لمّا أضاف ابن رائق إلى عمله الساحل:

تُـهـنّا بـصور أم نـهنئها بـكا وقـلّ الـذي صور وأنت له لكا

ومـا صغر الأردّن والساحل الذي رجـيت بـه إلاّ إلى جنب قدركا

تـحاسدت الـبلدان حتّى لو أنها نفوسٌ لسار الشرق والغرب نحوكا

وأصـبح مـصرٌ لا تكون أميره ولـو أنّـه ذو مـقلةٍ وفـمٍ بكى

____________________

(١) انتزع محمد بن رائق دمشق سنة (٣٢٨) من بدر الأخشيدي الذي كان نائباً عليها من قبل الأخشيد محمد بن طغج بن جف، الذي كان والياً عليها من قِبَل الراضي سنة ٣٢٣ هـ.


على أنّ بدر بن عمّار كان عامل طبرية قبل استيلاء الفاطميين على مصر وبلاد الشام باثنتين وثلاثين سنة.

إنّ هذا الوهم وتقصير مؤرّخي عصر أولئك القضاة عن التعريف بهم كما جرت عادتهم بالتعريف بكلّ دولةٍ ناشئةٍ وبرجالٍ صنعوا بعض ما صنع هؤلاء في تأسيس الدول الناشئة، وأثّروا ما أثّروا في تأييد سلطان غالب أو في عمل نافع من أثر، قد يقلّ كثيراً عن آثار هذا القبيل، سواء في إقامتهم خلافة فاطميّة بين أمم برابرة، ثمّ بسط سلطان تلك الخلافة إلى أن تغلّبت على ديار مصر واليمن والحجاز، في بعض العصور، وديار الشام.

وكان ما كان لهم من خدمةٍ في رفع منار العلم، وفي مدافعة غزاة الصليبيين عن أمنع ثغرٍ من ثغور سواحل الشام، لا جرم أنّ ذلك كلّه حملنا على الاستقصاء والتتبّع والتوسّع والبحث، والرجوع إلى كتب المؤرّخين الذين أرّخوا الدولة الفاطمية، لعلّنا نعثر في زواياها على ما ينير بحثنا هذا وكلّ ما له علاقة في تاريخهم.

ومن أهم ما يصل بنا إلى اللباب: بحث نسبهم، والاستطراد إلى ذكر رجالٍ لهم صلةٌ بذلك النسب، وكانت لهم الخدمة الجليلة في تأسيس دولة الفاطميين.

اختلاف النسّابين في نسبهم، أهم عرب أم بربر؟

قال ابن خلدون:

(هذا القبيل (كُتامة) من قبائل البربر بالمغرب وأشدّهم بأساً وقوّة، وأطولهم باعاً في الملك عند نسّابة البربر من ولد كتام بن برنس).

ويقال كتم ونسّابة الغرب يقولون إنّهم من حِمْيَر ؛ ذكر ذلك ابن الكلبي والطبري.

وأوّل ملوكهم فريقش بن صيفي من ملوك التبابعة، وهو الذي افتتح افريقية، وبه سُمّيت، وقتل ملكها جرجير وسمّي البربر بهذا الاسم.

ويُقال أقام في البربر من حِمْيَر صنهاجة وكتامة، فهم إلى اليوم فيهم. وتشعّبوا في المغرب وانبثّوا في نواحيه، إلاّ أن جمهورهم كان لأوّل الملّة بعد تهييج الردّة.

وطفئت تلك الفتن بأرياف قسطنطينية إلى تخويف بجاية غرباً إلى جبل أوراس من ناحية القبلة.

وكانت بتلك المواطن بلاد مذكورة أكبرها لهم، وبين ديارهم ومجالات ثقلهم، مثل: ايكجان وسطيف وباغاية وفاس وتلزمة وتبكست وميلة وقسطنطينة والسنسكيرة والقل وجيجل، من حدود جبل أوراس إلى سيف البحر ما بين بجاية ولوتة.

وكانت بطونهم كثيرة يجمعهم كلّها غرسن ويسودة بن كتم بن يوسف من يسودة فالسيّد


وذلهاجة ورسبن، كلّهم بنو يسودة بن كتم، وإلى ذلهاجة ينسب قصور كتامة بالمغرب لهذا العهد (عهد ابن خلدون) ومن غرسن، مصالة وقلات وما وطن ومعاذ بنو غرسن بن كتم وكهيفة وجيجلة وسالتة وبنو بناوة بن غرسن وملوسة من ايان غرسن بن غرسن، ومن ملوسة هؤلاء بنو زيدوي أهل الجبل المطل على قسطنطينة لهذا العهد.

وبعد البرابرة من كتامة بنو يستيتن وهشتيوة ومصالة وبنو قنسيلة، وعدّ ابن حزم منهم زوادة بجمع بطونهم وهو الحق على ما تقدّم.

وكان من هذه البطون بالمغرب الأقصى كثير منتبذون عن مواطنهم، وهم بها إلى اليوم، ولم يزالوا بهذه المواطن وعلى هذه الحال منذ لدن ظهور الملّة وملك المغرب إلى دولة الأغالبة، ولم تكن الدولة تسومهم بهضيمة، ولا ينالهم تعسّف لاعتزازهم بكثرة جموعهم، كما ذكره ابن الرقيق في تاريخه، إلى أن كان من قيامهم في دعوة الشيعة ما ذكرناه في دولتهم عند ذكر دولة الفاطميين أثر دولة بني العبّاس.

وقد أطال الكلام في ما يتعلق بهذا القبيل وبطونهم مما يطول بنقله البحث وذكر انتساب بعض بطونهم إلى سليم من قبائل مضر، وأنكر ذلك وأرجع زوادة إلى كتامة وكتامة وصنهاجة إلى البرانس. وقال: ((إن بطون صنهاجة كما يذكر بعض مؤرخي البربر تبلغ سبعين بطناً وقال: إن لصنهاجة ولاء لعلي (عليه السلام) كما أن لمغراوة ولاء في عثمان (رض) وقال: إننا لا نعرف سبب هذه الولاية ولا أصلها.

وقال ياقوت في معجم البلدان: (البربر اسم يشمل قبائل كثيرة في جبال المغرب، أوّلها برقة ثمّ إلى آخر المغرب والبحر المحيط، وفي الجنوب إلى بلاد السودان.

وهم أممٌ وقبائل لا تُحصى، نسب كلّ موضع إلى القبيلة التي تنزله، ويقال لمجموع بلادهم بلاد البربر.

وقد اختلف في أصل نسبهم، فأكثر البربر تزعم أنّ أصلهم من العرب، وهو بهتان منهم وكذب.

وأبو المنذر فإنّه قال: البربر من ولد فاران بن عمليق.

وقال الشرقي: هو عمليق بن بلعم بن عامر بن اشليخ بن لاود بن سام بن نوح، والأكثر الأشهر في نسبهم أنّهم بقيّة قوم جالوت لمّا قتله طالوت، هربوا إلى المغرب فتحصّنوا في جبالها، وقاتلوا أهل بلادها، ثمّ صالحوهم على شيءٍ يأخذونه من أهل البلاد، وأقاموا هم في الجبال الحصينة.


وقال أحمد بن يحيى بن جابر: حدّثني بكر بن الهيثم، قال: سأل عبد الله بن صالح عن البربر، فقال: هم يزعمون أنّهم من ولد بر بن قيس بن عيلان. وما جعل الله لقيس من ولد اسمه بر. وإنّما هم من الجبّارين الذين قاتلهم داود وطالوت. وكانت منازلهم على الدهر ناحية فلسطين، وهم أهل عمود، فلّما أُخرجوا من أرض فلسطين أتوا المغرب فتناسلوا وأقاموا في جباله، وهذه من أسماء قبائلهم التي سُمّيت بها الأماكن التي نزلوا بها، وهي:

(١) هواره (٢) متاهة (٣) ضريسة (٤) مغيلة (٥) رفجومة (٦) لطَيَّة (٧) مطماطة (٨) صنهاجة (٩) نفزة (١٠) كتامة (١١) لواتة (١٢) مزانة (١٣) ربوحة (١٤) نفوسة (١٥) لمطة (١٦) صدنية (١٧) مصمودة (١٨) غُمارة (١٩) مكناسة (٢٠) قالبة (٢١) دارية (٢٢) أُتينة (٢٣) كومية (٢٤) سنحور (٢٥) أمكنة (٢٦) خرزبانة (٢٧) قططة (٢٨) جير (٢٩) براثن واكلان (٣٠) قصدران (٣١) زرنجي (٣٢) بَرغُواطة (٣٣) لُواطة (٣٤) زواوة (٣٥) كزولة.

وذكر هشام بن محمد أن جميع هؤلاء عمالقة، إلاّ صنهاجة وكتامة فإنّهم بنو افريقس بن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر، كانوا معه لمّا قدم المغرب وبنى افريقية، فلمّا رجع إلى بلاده تخلّفوا عنه عمّالاً على تلك البلاد، فبقوا إلى الآن وتناسلوا.

ومَن حكم بعروبتهم وانتسابهم إلى حِمْيَر يرجعهم إلى كلب إحدى بطون قضاعة، فإنّ قضاعة كما ذكر النسّابون ابن مالك بن حِمْيَر بن سبأ.

قال ابن عبد ربّه في كتابه العقد الفريد:

(ومن بني صيفي بن سبأ الحرث بن قيس بن سبأ الأصغر، ومنهم حِمْيَر التبابعة، إلى أن قال: ومنهم أبو فريقيش بن قيس بن صيفي الذي افتتح افريقية، فسُمّيت به.

ويومئذ سُمّيت البرابرة وذلك أنّهم قالوا: أنّه قال لهم: ما أكثر بربرتكم).

وذكر قضاعة فقال: قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرّة بن زيد بن مالك بن حِمْيَر واسم قضاعة عمرو.

فمن قبائل قضاعة وبطونها وجماهيرها كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.


وأمّا ابن قتيبة فقد قال في معارفه:

(فولد سبأ حِمْير بن سبأ وكهلان بن سبأ وعمرو بن سبأ والأشعر بن سبأ وانمار بن سبأ وعاملة ومر).

وحِمْير بن سبأ، ولد مالكاً وعامراً وعمراً وسعداً ووائلة.

ومالك بن حِمْير ولد قضاعة ومن قبائل قضاعة كلب بن وبرة.

وإنّك لترى ابن قتيبة يجعل مالكاً ابن حمير، بيتاً يجعله ابن عبد ربّه الجدّ الأعلى له.

ولسنا بصدد البحث عن اختلاف النسّابين في مَن أعقب حِمْير، فإنّ فيه اختلافاً يخرج بنا إن عرضنا له عن موضوع الكلام.

وسواءٌ أصحّ انتساب بني عمّار وذوي قرباهم من كتامة إلى العرب وإلى حِمْيَر منهم، وإلى قضاعة من قبائلهم، وإلى كلب من بطونهم، أم لم يصحّ، فإنّهم قد انتسبوا إلى كلب من قضاعة.

وجاراهم على هذا الانتساب مَن أرّخ بعض رجالاتهم، فتجد ابن خلدون ينسب أُمراء صقلية وولاتها عن الفاطميين إلى بني كلب، وكذلك المقريزي، تراه في تعليقه على خط قصر ابن عمّار يقول:

(هو أبو محمد الحسن بن عمّار بن علي بن الحسن الكلبي من بني أبي الحسن، أحد أمراء صقلية وأحد شيوخ كتامة).

وقال القلقشندي في صبح الأعشى:

إنّ افريقش هو ابن أبرهة ذي المنار بن الحارث بن ذي شدد بن الملطاط بن عمرو بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عريب بن زهير بن الغوث بن أمن بن الهميسع بن حِمْيَر بن سبأ. وسُمّي الحارث بالرائش ؛ لأنّه لما ملك الناس راشهم بالعطاء. والطبري وصف سبأ بالأصغر.

والطبري يذكر البربر تارةً أنّهم من ولد حسام من معرايم الذي ولدهم وولد القبط ص ١٠٤، وتارةً من ولد سام حيث قال ص ١٠٥ وعمليق بعد أن ذكره في ولد سام هو أبو العمالقة ومنهم البربر، وهم بنو ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صنهاجة وكتامة فإنّهما بنو فريقيش بن قيس بن صيفي بن سبأ.

وقال في ص ١٠٦:

(ولد حام القبط والسودان والبربر.

وإذا صح أن صنهاجة وكتامة ساميّان، وأنّهما من ولد لوذ بن سام، فكيف تنسبان إلى


حِمْيَر، بعد قوله إنّهما بنو فريقيش بن قيس بن صيفي بن سبأ؟

وأمّا بنو حمير ففي عدّهم اختلاف لا محلّ لذكره.

وقال ابن قتيبة ص ٢١٠:

(ثمّ ملك بعده (أبرهة) ابنه افريقيش بن أبرهة بن الرائش، فغزا نحو المغرب في أرض بربر، حتّى انتهى إلى طنجة، ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم، وكانت البربر بقيّة مَن قتل يوشع بن نون).

وترى ابن الخيّاط الشاعر المعروف، المتوفّى سنة ٥١٧ هـ ينسبهم إلى طيئ في إحدى قصائده في مدائحهم، يمدح بها فخر الملك أبا علي عمّار بن محمد بن عمّار فيقول:

زاكي العروق له من طيّءٍ حسبٌ لو كان لفظاً لكان النَّظْم والخُطَبا

رهـط السماح وفيهم طاب مولده إنّ الـسماح يـمانٍ كـلّما انتسبا

فإن صحّ هذا النسب، فلا تكون نسبتهم إلى حِمْيَر ولا إلى قضاعة ولا إلى كلب من قبائلها، بل إلى كهلان أخي حِمْير، فإنّ طيء هو ابن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ.

وقال في صبح الأعشى:

(طيء (أخذاً من الطاءة على وزن الطاعة، وهي الإيغال في المرعى) بن أُدَدَ بن زيد بن يشجب بن عَرِيب بن زيد بن كهلان).

وقال القلقشندي في صبح الأعشى ج ١ ص ٣٦٠:

(من العرب الموجودين المتردّد في عروبتهم البربر، وقد اختلف في نسبهم اختلافاً كثيراً ؛ فذهبت طائفة من الناسبين إلى أنّهم من العرب، ثمّ اختلف في ذلك، فقيل أوزاع من اليمن.

وقيل من غسّان وغيرهم وتفرقوا عند سيل العرم، قاله المسعودي.

وقيل خلّفهم أبرهة ذو المنار أحد تبابعة اليمن حين غزا المغرب.

وقيل من ولد لقمان بن حِمْيَر بن سبأ بعث سريّةً من بنيه إلى المغرب ليعمّروه فنزلوا وتناسلوا فيه.

وقيل من لخم وجّذام كانوا نازلين بفلسطين من الشام إلى أن أخرجهم منها بعض ملوك فارس فلجئوا إلى مصر، فمنعهم ملوكها من نزولها فذهبوا إلى المغرب فنزلوه.

وذهب قومٌ إلى أنّهم من ولد لقشان بن إبراهيم الخليل (عليه السلام).

وذكر الحمداني أنّهم من


ولد بربر بن قيذار بن إسماعيل (عليه السلام) وأنّه ارتكب ذنباً ؛ فقال له أبوه: البر البر اذهب بابر فما أنت ببر.

وقيل هم من ولد بربر بن ثميلا بن مازيع بن كنعان بن حام بن نوح (عليه السلام). وقيل من ولد بربر بن كسلاجيم بن حام بن نوح.

وقيل من ولد ثميلا بن مارا بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح.

وقيل من ولد قبط بن حام بن نوح.

وقيل اخلاط من كنعان والعماليق.

وقيل من حِمْيَر ومصر والقِبط.

وقيل من ولد جالوت ملك بني إسرائيل، وأنّه لمّا قتله داود تفرّقوا في البلاد، فلما غزا افريقش البلاد نقلهم من سواحل الشام إلى المغرب، وهو الذي رجّحه صاحب العبر.

وبالجملة: فأكثر الأقوال جانحة إلى أنّهم من العرب، وإن لم نتحقّق من أيّ عرب، وهم قبائل متشعّبة وبطون متفرّقة، وأكثرهم ببلاد المغرب، وبديار مصر منهم طائفة عظيمة، قال في العبر: وهي على كثرتها لاحقة إلى أصلين لا تخرج عنهما:

أحدهما: البَرانس وهم بنو برنس بن بربر.

والثاني: البُتْر، وهم بنو مادغش الأبتر بن بربر، وبعضهم يقول إنّهم يرجعون إلى سبعة أصول، وهي أردواحة ومصمودة، وأَوْرَبَّة، وعجيبة، وكُتَامَة، وصَنهاجة وأوريفة، وزاد بعضهم لمطة، وهسكورة، وكزولة، ثمّ ذكر منهم طوائف لخّصها عن عبر ابن خلدون، لا يتعلّق لنا غرض بنقلها.

ومن غريب ما ورد في نسب هنتاتة من مصمودة انتسابها إلى فارس، وذكر سلسلة النسب الراجع إليه، وذكر قولاً بانتسابها إلى حِمْير وهو زعم نسّابة زِناتة، وقولاً وكانت بها إلى العمالقة، وكلّ ذلك يخرج بنا عن الاستطراد الذي دعانا إليه التعريف بمَن أفردنا لهم هذا التأليف.


تأييدهم الدعوة الفاطميّة وتشيّعهم

ورد في الجزء الرابع الصفحة ٣٠ من العبر ما محصّله:

أنّ محمد الحبيب بن جعفر المصدّق، بعث داعيةً إلى اليمن أبا عبد الله الملقّب بالشيعي، فلمّا بلغه عن محمد بن يعفر ملك صنعاء أنّه أظهر التوبة والنسك، وتخلّى عن الملك، قَدِم اليمن ووجد بها شيعةً يُعرفون ببني موسى في عدن لاعة. وكان علي بن الفضل من أهل اليمن ومن كبار الشيعة، وظاهر بن حوشب على أمره، وكتب له الإمام محمد بالعهد لابنه عبد الله، وأذن له في الحرب، فقام بدعوته وبثها في اليمن، وجيّش الجيوش وفتح المدائن وملك صنعاء وأخرج منها بني سبعين، وفرّق الدعاة في اليمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر والمغرب، وكان يظهر الدعوة للرضا من آل محمد، ويبطن محمد الحبيب تستراً إلى أن استولى على اليمن.

وكان من دعاته أبو عبد الله الشيعي صاحب كتامة، ومن عنده سار إلى إفريقية فوجد في كتامة من الباطنيّة خلقاً كثيراً، وكان هذا المذهب هنالك من لدن الدعاة الذين بعثهم جعفر المصدق إلى المغرب، أقاموا بإفريقية وبثوا فيها الدعوة وتناقله من البرابرة، وكان أكثرهم من كتامة. فلما جاء أبو عبد الله الشيعي داعية المهدي ووجد هذا المذهب في كتامة قام على تعليمه وبثّه وإحيائه حتّى تمّ الأمر وبويع لعبد الله.

وجاء في هذا الجزء من العبر ص ٥١:

(وكان أصل ظهورهم بإفريقية دخول الحلواني وأبي سفيان من شيعتهم إليها أنفذهما إليها جعفر الصادق (عليه السلام) وقال لهما: بالمغرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتّى يجيء صاحب البذر. فنزل أحدهما ببلد مرغة والآخر ببلد سوق جمار


وكلاهما من أرض كتامة، ففشت هذه الدعوة في تلك النواحي، وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص، وكان شيعتهم يتعاهدونهم بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين، فجاء محمد بن الفضل من عدن لاعة من اليمن لزيارة محمد الحبيب، فبعث معه رستم بن الحسن بن حوشب من أصحابه لإقامة دعوته باليمن، وأنّ المهدي خارج في هذا الوقت، فسار وأظهر الدعوة للمهدي من آل محمد بنعوته المعروفة عنده، واستولى على أكثر اليمن، وسُمّي بالمنصور، وفرّق الدعاة في اليمن والبحرين والسند والهند ومصر والمغرب، وكان أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب وكان محتسباً بالبصرة، وأبو عبد الله هذا يُعرف بالمعلم ؛ لأنّه كان يعلّم مذهب الإماميّة.

فاتّصل أبو عبد الله بمحمد الحبيب ورأى ما فيه من الأهليّة فأرسله إلى ابن حوشب باليمن ليأخذ عنه، ثمّ يذهب إلى المغرب ويقصد بلد كتامة فيظهر بينهم الدعوة.

فجاء أبو عبد الله إلى ابن حوشب ولزمه وشهد مجالسه وأفاد علمه، ثمّ خرج مع حاج اليمن إلى مكّة فلقي بالموسم رجالات كتامة ورؤساءهم، وفيهم من لقي الحلواني وابن بكار، وأخذوا عنهما فقصدهم أبو عبد الله في رحالهم، وكان منهم موسى بن حريث كبير بني سكان من جملة أحد شعوبهم، وأبو القاسم الورنجومي من أحلافهم، ومسعود بن عيسى بن ملاك المساكتي وموسى بن تكاد.

فجلس إليهم وسمعوا منه مذاهبهم ورأوا ما هو عليه من العبادة والزهد، فعلق بقلوبهم وصار تعهّدهم في رحالهم فاغتبطوا به واغتبط بهم.

ولمّا أرادوا الرحلة إلى بلادهم سألوه الصحبة فوفاقهم طاوياً وجه مذهبه عنهم بعد أن سألهم عن قومهم وعصابتهم وبلادهم وملكة السلطان فيهم، فكشفوا له علم ذلك وأنّهم إنّما يعطون السلطان طاعة معروفة، فاستيقن تمام أمره وخرج معهم إلى المغرب، وسلكوا طريق الصحراء وعدلوا عن القيروان إلى أن وصلوا إلى بلد سوماتة وبها محمد بن حمدون بن سماك الأندلسي من بجاية الأندلس نزلاً عندهم.

وكان قدارورك الحلواني وأخذ عنه، فنزل أبو عبد الله الشيعي عليه فأكرمه وفاوضه وتفرّس ابن حمدون فيه أنّه صاحب الدولة، ثمّ ارتحلوا وصحبهم ابن حمدون، ودخلوا بلد كتامة منتصف ربيع سنة ثمان وثمانين ومئتين،


فنزل على موسى بن حريث بلده اتكحان في بلد بني سكتان من جبيلة، وعيّن له مكان منزله بفجّ الأخيار، وأنّ النص عنده من المهدي بذلك وبهجرة المهدي، وأنّ أنصار الأخيار من أهل زمانه، وأنّ اسمهم مشتقٌّ من الكتمان، واجتمع إليه الكثير من أهل كتامة، ولقي علماءهم واشتمل عليه الكثير من أهوائهم، فجاهر مذهبه وأعلن بإمامة أهل البيت ودعا للرضا من آل محمد، واتبعه أكثر كتامة وكانوا يسمّونه بأبي عبد الله الشيعي والمشرقي، وانتهى أمره بفوز دعوته وتأسيس الدولة الفاطميّة في بلاد المغرب وما إلى ذلك ممّا فصّلنا حديثه، واستوعبنا خبره في تاريخ الدولة الفاطميّة من تاريخ دول الشيعة في القسم السياسي، فارجع إليه.

مساهمة كتامة قبيل بني عمّار في أعمال الدولة الفاطميّة في المغرب:

عرفت بلاء الكتاميين في تأسيس الدولة الفاطميّة في افريقية، وما كان لهم من الأثر العظيم في ظهورها، وهبوب ريحها، وهم أوّل مَن لبّى الدعوة، وهم أشدّ قبائل البربر مراساً وأكثرهم عدداً وأكبرهم نفوذاً، فلا جرم إذا قدّر لهم الخلفاء الفاطميّون هذا البلاء الحسن، وأشركوا كبار رجالاتهم في الجليل من أعمالهم والدولة في إبّان تنظيمها، وهي أحوج إليهم في هذا التنظيم.

إمارة الكلبيّين الكتاميّين أجداد بني عمّار في صقلية وتداولهم لها صقلية وموقعها:

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان في التعليق على افريقية: اسمٌ لبلادٍ واسعةٍ ومملكةٍ كبيرةٍ قبالة جزيرة صقلية، وينتهي آخرها إلى قبالة جزيرة الأندلس، والجزيرتان في شماليّها، فصقلية منحرفة إلى الشرق، والأندلس عنها إلى جهة المغرب.

وفي مراصد الاطلاع: (صقلية) من جزائر بحر المغرب مقابلة افريقية مثلثة الشكل، بين كلّ زاويةٍ والأُخرى مسيرة سبعة أيّام.

وقيل دورها خمسة عشر يوماً بينها وبين ريو، وهي مدينة في البرّ الشمالي الشرقي الذي عليه


مدينة قسطنطينة بحار (٤) تُسمّى القار، وفي طول جهة الساعة عرض ميلين، وعليه من جهتها مدينة تُسمّى مسيبي، وبين الجزيرة وافريقية مئة وأربعون ميلاً إلى أقرب المواضع بإفريقية، وهو الموضع المسمّى قليلية وهو يومان للريح الطيبة إذا قل، وهي جزيرة حصينة كثيرة البلدان والقرى والأمطار، قيل إنّ لها ثلاثاً وعشرين مدينة وثلاثة عشر حصناً.

وفي صبح الأعشى، الجزء الخامس في ذكر جزائر بحر الروم:

وهو البحر الشامي والمعروف بالبحر المتوسط والأبيض - السابعة - (جزيرة صقلية) قال في (اللباب): بفتح الصاد المهملة والقاف ولام وياء مثناة من تحتها وهاء في الآخر. وموقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة، وبين ذينها الغربي وبين تونس مجرىً وستّون ميلاً، ودورها خمسمئة ميل وهي على صورة شكل مثلّث حادّ الزوايا، فالزاوية الأُولى شماليّة وهناك المجاز الضيّق إلى الأرض الكبيرة (يعني التي وراء الأندلس) وهو نحو ستّة أميال، والزاوية الثانية جنوبيّة، وهي تقابل بر طرابلس من افريقية من بلاد الغرب، والزاوية الثالثة غربيّة. وهناك (بركان النار) في جزيرة صغيرة منقطعة شمالي الزاوية المذكورة. وشمالي صقلية بلاد قلفرية.

قال في تقويم البلدان:

وصاحب صقلية في زماننا هذا فَرَنجي من الكيتلان اسمه الريدا فريك، وقاعدتها مدينة (بَلْزْم) بفتح الباء الموحدة واللام وسكون الزاي المعجمة وميم في الآخر.

قال ابن سعيد:

وهي حيث الطول خمس وثلاثون درجة، والعرض ستّ وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة.

وبها عدّة مدن غير هذه القاعدة منها مدينة (مازَر) ومنها قَصْريانَّة بلفظ قصر المعروف ويانة بفتح الياء المثنّاة تحت وألف ونون مشدّدة، وهي مدنية كبيرة على سن جبل.

وفي معجم لاروس سنة ١٩٢٥ سيسيلة (صقلية) جزيرة كبيرة في البحر المتوسط، مساحتها (٢٥٧٤٠) كيلو متراً مربعاً ونفوسا ٣٧٩٣٠٠٠، أرضها خصبة، عاصمتها بليرم، وأهمّ مدنها كاتان ومسينا وليباري (ترانبي)(١) .

____________________

(١) وهي اليوم من أجزاء المملكة الإيطالية امتلكتها سنة ١٨٦٠.


وفي الجغرافية العمومية للأُستاذ الصباغ: أرضها جبلية، تتخللها الأودية والسهول المخصبة، التي يجود فيها البرتقال والزيتون والعنب والحبوب، وفيها بركان (اتنا) الذي تكسو سطحه حدائق البرتقال والحامض, فتكسبه منظراً بديعاً يفوق منظر (فيزوف) جمالاً. وأكبر مدنها بالرمو بليرم. وجاء فيدائرة المعارف للبستاني عنأتْنا ما يلي:

(يسمّيه أهل الجزيرة مونجيبلُّو, وهي مركبة من مونتي بالإيطالية معناها جبل. وجبل بالعربية ؛ لأنّ العرب كانوا يدعونه الجبل أو جبل النار، يرتفع عن شاطئ الجزيرة الشرقي، وهو متوسط بين طرفها الشمالي وطرفها الجنوبي بين ٣٧ درجة و٤٣ دقيقة و٣١ ثانية من العرض الشمالي، و١٥ درجة من الطول الشرقي ومحيط أسفله ١٨ كيلومتراً، ومعدل ارتفاعه نحو ٣٢٥٠ متراً.

وكانت صقلية عمالة من عملات مراكش التي هي إلى جنوبي الأوقيانوس الاتلانتيكي وبوغاز جبل طارق والبحر المتوسط، وإلى غربي تلمسان وشمالي الصحراء وشرقي الأوقيانوس المذكور, وهي عبارة عن ثلاثمئة ألف ميل مربع، وتقسّم إلى أربع عمالات وصقلية الرابعة منها كما عرفت.

هذا ما جاء في كتب التقاويم القديمة والحديثة عنها.

تاريخ فتح المسلمين لصقلية وملكهم لها إلى أن وقعت في نوبة الكلبيين

بعد أن افتتح المسلمون بلاد الشام ومصر غزوا في سنة ٢٥ هـ في خلافة عثمان بن عفان أفريقية، واُفتتحت على يد عبد الله بن أبي سرح، ثمّ أغزى معاوية بن أبي سفيان ابن خديج السكوني افريقية سنة أربع وثلاثين , وكان عاملاً على مصر ونازل جلولاء وقاتل مدد الروم الذي جاءها في قسطنطينية , لقيهم بقصر الأحمر فغلبهم أقلعوا إلى بلادهم , وافتتح جلولاء وغنم وأثخن وقفل.

ثمّ ولى معاوية سنة خمس وأربعين عقبة بن نافع بن عبد الله بن قيس الفهري عليها، واقتطعها عن معاوية بن خديج , فبنى القيروان وقاتل البربر وتوغل في أرضهم، ثمّ تعاقب عليها الولاة إلى أن ولي الخلافة الوليد بن عبد الملك , فكتب إلى عمه عبد الله


وهو على مصر، ويقال عبد العزيز، أن يبعث بموسى بن نصر إلى افريقية، وكان أبوه نصير من حرس معاوية، ولمّا سار معاوية إلى صفّين لم يسر معه ؛ فقال له: ما يمنعك عن المسير معي إلى قتال عليّ ويدي عندك معروفة.

فقال: لا أُشركك بكفر من هو أولى بالشكر منك وهو الله عزّ وجلّ، فسكت عنه معاوية. فبعث عبد الله موسى بن نصير وقدم القيروان سنة ٨٩ وبها صالح خليفة حسان، فعقد له، ورأى البربر قد طمعوا في البلاد، فوجّه البعوث في النواحي، وبعث ابنه عبد الله في البحر إلى جزيرة ميورقة، فغنم بها وسبى وعاد.

ثمّ بعثه إلى ناحية أُخرى وابنه مروان كذلك، وتوجّه هو إلى ناحيةٍ فغنم منها وسبى وعاد، وبلغ الخمس من المغنم سبعين ألف رأس من السبي.

ثمّ غزا طنجة وافتتح درعة وصحراء فيلالت وأرسل ابنه إلى السوس، وأذعن البربر لسلطانه ودولته، وأخذ رهائن المصامدة وأنزلهم بطنجة وولى عليها طارق بن زياد الليثي، ثمّ أجاز طارق إلى الأندلس.

فكان فتحها سنة تسعين، وتعاقب عليها ولاة المسلمين إلى أن انتهى أمرها إلى الأغالبة، وجدّهم إبراهيم بن الأغلب وهو الذي تولاّها من قِبَل الرشيد مع الأندلس.

وفي سنة ٢١٩ هـ فتح أسد بن الفرات صقلية وكانت من عمالات الروم وأمرها راجع إلى صاحب قسطنطينية، وولّى عليها سنة إحدى عشر ومئتين بطريقاً اسمه قسنطيل، واستعمل على الأسطول قائداً من الروم حازماً شجاعاً فغزا سواحل افريقية وانتهبها.

ثمّ بعد مدّةٍ كتب ملك الروم إلى قسنطيل يأمره بالقبض على مقدّم الأسطول وقتله، ونُميَ الخبر إليه بذلك فانتقض وتعصّب له أصحابه، وسار إلى مدينة سرقوسة من بلاد صقلية فملكها، وقاتله قسنطيل فهزمه القائد ودخل مدينة تطانية، فأتبعه جيشاً أخذوه وقتلوه.

واستولى القائد على صقلية فملكها وخُوطب بالملك، وولّى على ناحية من الجزيرة رجلاً اسمه بلاطة.

وكان ميخائيل ابن عمّ بلاطة على مدينة بليرم، فانتقض هو وابن عمّه على القائد واستولى بلاطة على مدينة سرقوسة.

وركب القائد في أساطيله إلى إفريقية مستنجداً بزيادة الله فبعث معهم العساكر، واستعمل عليهم أسد بن الفرات قاضي القيروان، فخرجوا في ربيع سنة اثنتي عشرة فنزلوا بمدينة مازر، وساروا إلى بلاطة، ولقيهم القائد وجميع الروم الذين بها استمدّهم فهزموا


بلاطة والروم الذين معه وغنموا أموالهم. وهرب بلاطة إلى فلونرة، فقتل واستولى المسلمون على عدّة حصون من الجزيرة، ووصلوا إلى قلعة الكرات وقد اجتمع بها خلقٌ كثير، فخادعوا القاضي أسد بن الفرات في المراودة على الصلح وأداء الجزية حتّى استعدّوا للحصار، ثمّ امتنعوا عليه فحاصرهم وبعث السرايا في كلّ ناحيةٍ وكثرت الغنائم.

ثمّ حاصروا سرقوسة برّاً وبحراً، وجاء المدد من افريقية وحاصروا بليرم.

وزحف الروم إلى المسلمين وهم يحاصرون سرقوسة، قد بعثوهم واشتدّ حصار المسلمين لسرقوسة، ثمّ أصاب معسكرهم الفناء، وهلك كثيرٌ منهم ومات أسد بن الفرات أميرهم ودُفن بمدينة قَصريانَّة. ومعهم القائد الذي جاء يستنجدهم فخادعه أهل قصريانة وقتلوه.

وجاء المدد من القسطنطينية فتصافوا مع المسلمين، وهزموهم ودخل فلّهم إلى قصريانة.

ثمّ توفّي محمد بن الحواري أمير المسلمين وولي بعده زهير بن عوف.

ثمّ محّص الله المسلمين فهزمهم الروم مرّات، وحصروهم في معسكرهم حتّى جهدهم الحصار وخرج مَن كان في كبركيب من المسلمين بعد أن هدموها وساروا إلى مازر، وتعذّر عليهم الوصول إلى إخوانهم، وأقاموا كذلك إلى سنة أربع عشرة إلى أن اشرفوا على الهلاك. فوصلت مراكب إفريقية مدداً وأسطول من الأندلس، خرجوا للجهاد واجتمع منهم ثلاثمئة مركب فنزلوا الجزيرة، وأفرج الروم عن حصار المسلمين وفتح المسلمون مدينة بليرم بالأمان سنة سبع عشرة. ثمّ ساروا سنة تسع عشرة إلى مدينة قصريانة وهزموا الروم عليها سنة عشرين.

ثمّ بعثوا إلى طرميس، ثمّ بعث زيادة الله الفضل بن يعقوب في سريّة إلى سرقوسة فغنموا، ثمّ سارت سريّةٌ أُخرى واعترضها بطريق صقلية فامتنعوا منه في وعر وخمل من الشعراء، حتّى يئس منهم وانصرف على غير طائل. فحمل عليهم أهل السريّة وانهزموا، وسقط البطريق عن فرسه فطُعن وجرح.

وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودوابّ ومتاع، ثمّ جهّز زيادة الله إلى صقلية إبراهيم بن عبد الله بن الأغلب في العساكر وولاّه أميراً عليها، فخرج منتصف رمضان وبعث أسطولاً، فلقي أسطولاً للروم فغنمه، وقتل مَن كان فيه وبعث أسطولاً آخر إلى قصوره فلقي أسطولاً فغنمه، وسارت سريّةٌ إلى جبل النار والحصون التي في نواحيها، وكثر


السبي بأيدي المسلمين، وبعث الأغلب سنة (٢١) أسطولاً نحو الجزائر فغنموا وعادوا، وبعث سريّةً إلى قطلبانة وأُخرى إلى قصريانة كان فيهما التمحيص على المسلمين.

ثمّ كانت وقعة أُخرى كان فيها الظفر للمسلمين، وغنم المسلمون من أسطولهم تسع مراكب.

ثمّ عثر بعض المسلمين على عورة من قصريانة فدلّ المسلمين عليها ودخلوا منها البلد، وتحصّن المشركون بحصنه حتّى استأمنوا، وفتحه الله، وغنم المسلمون غنائمه وعادوا إلى بليرم، إلى أن وصلهم الخبر بوفاة زيادة الله، فوهنوا أوّلاً، ثمّ أنشطوا وعادوا إلى الصبر والجهاد. وكانت وفاة زيادة الله منتصف سنة ثلاث وعشرين ومئتين لإحدى وعشرين سنة ونصف من ولايته، وولي مكانه أخوه أبو عقال الأغلب.وبعث سنة أربع وعشرين ومئتين سريّةً إلى صقلية، فغنموا وعادوا ظافرين.

وفي سنة خمس وعشرين ومئتين استأمن للمسلمين عدّة حصون من صقلية، فأمنوهم وفتحوها صلحاً.

وسار أسطول المسلمين إلى قلورية، ففتحوها ولقوا أسطول القسطنطينية فهزموهم.

وفي سنة ستّ وعشرين ومئتين سارت سرايا المسلمين بصقلية إلى قصريانة، ثمّ حصن القيروان وأثخنوا في نواحيها.

ثمّ توفّي الأغلب بن إبراهيم في ربيع من سنة ستّ وعشرين ومئتين لسنتين وسبعة أشهر من إمارته، وولي مكانه ابنه أبو العبّاس محمد بن الإغلب، وتوفّي سنة اثنتين وأربعين ومئتين، فولي مكانه ابنه أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب.

وفي أيّامه افتتحت قصريانة من مدن صقلية في شوال سنة تسع وأربعين ومئتين لثمان سنين من ولايته.

وفي أيّام ولاية أبي الغرانيق محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب تغلّب الروم على مواضع من جزيرة صقلية.

بقيّة أخبار صقلية

وفي سنة ثمان وعشرين ومئتين سار الفضل بن جعفر الهمداني في البحر، ونزل مرسى مسينة وحاصرها ؛ فامتنعت عليه، وبثّ السرايا في نواحيها فغنموا.

ثمّ بعث طائفةً من عسكره وجاؤوا إلى البلد من وراء جبلٍ مطلٍّ عليه وهم مشغولون بقتاله، فانهزموا وأعطوا باليد ففتحها.

ثمّ حاصر سنة ثنتين وثلاثين ومئتين مدينة لسى.

وكاتب أهلها بطريق صقلية


يستمدّونه ؛ فأجابهم وأعطاهم العلامة بإيقاد النار على الجبل. وبلغ ذلك الفضل بن جعفر فأوقد النار على الجبل، وأكمن لهم من ناحيةٍ فخرجوا، واستطرد لهم حتّى جاوزوا الكمين فخرجوا عليهم فلم ينج منهم إلاّ القليل، وسلّموا البلد على الأمان.

وفي سنة ثلاث وثلاثين ومئتين أجاز المسلمون إلى أرض انكبردة من البرّ الكبير، وملكوا منها مدينةً وسكنوها.

وفي سنة أربع وثلاثين ومئتين صالح أهل رغوس وسلّموا المدينة للمسلمين، فهدموها بعد أن حملوا جميع ما فيها.

وفي سنة ثلاث وثلاثين ومئتين توفّي أمير صقلية محمد بن عبد الله بن الأغلب، واجتمع المسلمون بعده على ولاية العبّاس بن الفضل بن يعقوب بعد موت أميرهم.

وكتب له محمد بن الأغلب، بعهده على صقلية، وكان من قبل يغزو ويبعث السرايا وتأته الغنائم، ولمّا جاءه كتاب الولاية خرج بنفسه وعلى مقدّمته عمّه رياح، فعاث في نواحي صقلية وردّد البعوث والسرايا إلى قطانية وسرقوسة وبوطيف ورغوس، فغنموا وخربّوا وحرقوا، وافتتح حصوناً جمّة، وهزم أهل قصريانة وهي مدينة ملك صقلية، وكان الملك قبله يسكن سرقوسة فلمّا فتحها المسلمون انتقل الملك إلى قصريانة.

وخبر فتحها أنّ العبّاس كان يردّد الغزو إلى نواحي سرقوسة وقصريانة شاتية وصائفة، فيصيب منهم ويرجع بالغنائم والأسارى. فلما كان في شاتية منها أصاب منهم أسارى وقدّمهم للقتل، فقال له بعضهم - وكان له قدر وهيبة - استبقني وأنا أملك قصريانة، ودلّهم على عورة البلد ؛ فجاؤوها ليلاً ووقفهم على بابٍ صغيرٍ فدخلوا منه، فلمّا توسّطوا البلد وضعوا السيف وفتحوا الأبواب ودخل العبّاس في العسكر فقتل المقاتلة وسبى بنات البطارقة وأصاب فيها ما يعجز الوصف عنه.

وذل الروم بصقلية من يومئذٍ، وبعث ملك الروم عسكراً عظيماً مع بعض بطارقته، وركبوا البحر إلى مرسى سرقوسة، فجاءهم العبّاس من بليرم، فقاتلهم وهزمهم وأقلع فلّهم إلى بلادهم، بعد أن غنم المسلمون من أسطولهم ثلاثة أو أكثر، وذلك سنة سبع وثلاثين ومئتين.

وافتتح بعدها كثيراً من قلاع صقلية، وجاء مدد الروم من القسطنطينية وهو يحاصر قلعة الروم فنزلوا سرقوسة ورجف إليهم العبّاس من مكانه وهزمهم.

ورجع إلى قصريانة فحصنها وأنزل بها الحامية، ثمّ سار سنة سبع وأربعين


ومئتين إلى سرقوسة فغنم، ورجع فاعتلّ في طريقه، فهلك منتصف سنته ودُفن في نواحي سرقوسة، وأحرق النصارى شلوه وذلك إحدى عشرة سنة من إمارته.

واتّصل الجهاد بصقلية والفتح، وأجاز المسلمون إلى عدوة الروم في الشمال، وغزوا أرض قلورية وانكبردة، وفتحوا فيها حصوناً وسكن بها المسلمون.

ولمّا توفّي العبّاس اجتمع الناس على ابنه عبد الله، وكتبوا إلى صاحب افريقية.

وبعث عبد الله السرايا ففتح القلاع، وبعد خمسة أشهر من ولايته وصل خفاجة بن سفيان من افريقية على صقلية في منتصف ثمان وأربعين ومئتين، وأخرج ابنه محموداً في سريّةٍ إلى سرقوسة، فعاث في نواحيها وخرج إليهم الروم فقاتلهم وظفر ورجع، ثمّ فتح مدينة نوطوس سنة خمس وخمسين ومئتين إلى سرقوسة وجبل النار، واستأمن إليه أهل طرميس. ثمّ غدروا فسرّح ابنه محمداً في العساكر، وسبى أهلها ثمّ سار خفاجة إلى رغوس، وافتتحها وأصابه المرض، فعاد إلى بليرم، ثمّ سار سنة ثلاث وخمسين ومئتين إلى سرقوسة وقطانية فخرب نواحيها، وأفسد زرعها، وبعث سراياه في أرض صقلية فامتلأت أدهم من الغنائم.

وفي سنة أربع وخمسين ومئتين وصل بطريق من القسطنطينية لأهل صقلية، فقاتله جمع من المسلمين وهزموه، وعاث خفاجة في نواحي سرقوسة ورجع إلى بليرم، وبعث سنة خمس وخمسين ومئتين ابنه محمداً في العساكر إلى طرميس، وقد دلّه بعض العيون على بعض عوراتها فدخلوها وشرعوا في النهب.

وجاء محمد بن خفاجة من ناحيةٍ أُخرى فظنوه مدداً للعدو فأجفلوا ورآهم محمد مجفلين فرجع.

ثمّ سار خفاجة إلى سرقوسة في حرّها وعاث في نواحيها، ورجع فاغتاله بعض عسكره في طريقه وقتله، وذلك سنة خمس وخمسين ومئتين.

وولّى الناس عليهم ابنه محمداً، وكتبوا إلى محمد بن أحمد أمير افريقية فأقرّه على الولاية، وبعث إليه بعهده.

وفي سنة سبع وثمانين ومئتين بعث إبراهيم بن أحمد أخي أبي الغرانيق ابنه أبا العبّاس عبد الله على صقلية، فوصل إليها في مئة وستّين مركباً وحصر طلاية، وانتقض عليه بليرم وأهل كبركيت وكانت بينهم فتنة، فأغراه كلّ واحدٍ منهم بالآخرين، ثمّ اجتمعوا لحربه وزحف إليه أهل بليرم في البحر فهزمهم واستباحهم.

وبثّ جماعةٌ من وجوهها إلى أبيه وفرّ


آخرون من أعيانهم إلى القسطنطينية، وآخرون إلى طرميس فاتّبعهم وعاث في نواحيها.

ثمّ حاصر أهل قطانية فامتنعوا عليه فأعرض عن قتال المسلمين، وتجهّز سنة ثمان وثمانين للغزو، فغزا ميسنى ثمّ مسينة، ثمّ جاء في البحر إلى ريو ففتحها عنوةً، وشحن مراكبه بغنائمها.

ورجع إلى مسينة فهدم سورها، وجاء مدد القسطنطينية في المراكب فهزمهم وأخذ له ثلاثين مركباً.

ثمّ أجاز إلى عدوة الروم وأوقع بأمم الفرنجة من وراء البحر ورجع إلى صقلية.

وجاء في هذه السنة رسول المعتضد بعزل الأمير إبراهيم لشكوى أهل تونس به، فاستقدم ابنه أبا العبّاس من صقلية وارتحل هو إليها.

وذكر ابن الأثير أنّ فتح سرقوسة كان في أيّامه على يد جعفر بن محمد أمير صقلية، وأنّه حاصرها تسعة أشهر، وجاءهم المدد من قسطنطينية في البحر فهزمهم، ثمّ فتح البلد واستباحها.

واتفقوا كلّهم على أنّه ركب البحر من افريقية إلى صقلية، فنزل طرانية ثمّ تحوّل عنها إلى بليرم، ونزل على دمشق وحاصرها سبعة عشر يوماً، ثمّ فتح مسينة وهدم سورها، ثمّ فتح طرميس آخر شعبان من سنة تسع وثمانين، ووصل ملك الروم بالقسطنطينية ففتحها.

ثمّ بعث حافده زيادة الله ابن ابنه أبي العبّاس عبد الله إلى قلعة بيقض فافتتحها، وابنه أبو محرز إلى رمطة فأعطوه الجزية، ثمّ عبر إلى عدوة البحر وسار في برّ الفرنج ودخل قلورية عنوة، فقتل وسبى ورهب منه الفرنجة.

ثمّ رجع إلى صقلية ورغب منه النصارى في قبول الجزية فلم يجب إلى ذلك.

ثمّ سار إلى كنسة في حرّها، واستأمنوا إليه فلم يقبل ثمّ هلك وهو محاصر لها آخر تسع وثمانين لثمان وعشرين سنة من إمارته، فولّى أهل العسكر عليهم حافده أبا مضر ليحفظ العساكر والأمور، إلى أن يصل ابنه أبو العبّاس وهو يومئذٍ بافريقية. فأمن أهل كنسة قبل أن يعلموا بموت جدّه، وقبل منهم الجزية، وأقام قليلاً حتّى تلاحقت به السرايا من النواحي، ثمّ ارتحل وحمل جدّه إبراهيم فدفنه في بليرم، وقال ابن الأثير حمله إلى القيروان فدفنه بها.

وفي أيّامه ظهر أبو عبد الله الشيعي بكتامة يدعو للرضا من آل محمد ويبطن الدعوة لعبيد الله المهدي من أبناء إسماعيل الإمام، واتبعه كتامة وهو من الأسباب التي دعته للتوبة والإقلاع والخروج إلى صقلية. وبعث إليه موسى بن عياش صاحب صلته بالخبر، وبعث إبراهيم رسوله إلى الشيعي بانكجان يهدّده ويحذّره فلم يقبل، وأجابه بما يكره. فلمّا


قربت أُمور أبي عبد الله وجاء كتاب المعتضد لإبراهيم أظهر التوبة ومضى إلى صقلية، وكانت بعده بإفريقية حروب أبي عبد الله الشيعي مع قبائل كتامة حتّى استولى عليهم واتّبعوه.

وكان إبراهيم قد أسرّ لابنه أبي العبّاس في شأن الشيعي، ونهاه عن محاربته وأن يلحق به إلى صقلية إن ظهر عليه.

ولمّا هلك إبراهيم سنة تسع وثمانين وولي مكانه ولده أبو العبّاس عبد الله، ولأُمورٍ بلغته عن ولده زيادة الله من اعتكافه على اللّذات واللهو، وعزمه على التوثّب عليه ؛ اعتقله وولّى على صقلية مكانه محمد بن السرقوسي، ثمّ ولي زيادة الله أبو مضر بعد مقتل أبيه أبي العبّاس.

وجرت حروب بينه وبين أبي عبد الله الشيعي، كان فيها الظهور للشيعي واستيلاؤه على بلاده فخروج زيادة الله من المغرب إلى المشرق سنة ستّ وتسعين.

ثمّ تفرّق بنو الأغلب وانقطعت أيّامهم، وأصبحت افريقية وصقلية في حكم عبيد الله المهدي ودانت له، وبعث العمّال في نواحيها وأصبحت صقلية في ولاية الكلبيّين ؛ فكان أول والٍ عليها من قبل المهدي الحسن بن محمد بن أبي خنزير(١) من رجالات كتامة، فوصل إلى مازر سنة سبع وتسعين في العساكر، فولّى أخاه على كبركيت، وولّى على القضاء بصقلية اسحق بن المنهال.

ثمّ سار سنة ثمان وتسعين في العساكر إلى دمشق فعاث في نواحيها ورجع، ثمّ شكى أهل صقلية سوء سيرته وثاروا به وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي معتذرين، فقبل عذرهم وولّى عليهم أحمد بن قهرب، وبعث سريّةً إلى أرض قلورية فدوّخوها ورجعوا بالغنائم والسبي.

ثّم أرسل سنة ثلاثمئة ابنه عليّاً إلى قلعة طرمن المحدثة ليتخذها حصناً لحاشيته وأمواله حذراً من ثورة أهل صقلية. فحصرها ابنه ستّة أشهر، ثمّ اختلف عليه العسكر فأحرقوا خيامه وأرادوا قتله فمنعه العرب، ودعا هو الناس إلى طاعة المقتدر فأجابوه.

وقطع خطبة المهدي وبعث الأسطول إلى افريقية، ولقوا أسطول المهدي وقائده الحسن ابن أبي خنزير فقتلوه وأحرقوا الأسطول.

وسار أسطول ابن قهرب إلى صفاقس فخرّبوها، وانتهوا إلى طرابلس، وانتهى الخبر إلى القائم بن المهدي، ثمّ وصلت الخِلَع

____________________

(١) وفي تاريخ أبي الفداء ابن أبي حفترير.


والألوية من المقتدر إلى ابن قهرب، ثمّ بعث الجيش في الأسطول إلى قلوية، فعاثوا في نواحيها ورجعوا، ثمّ بعث ثانيةً أسطولاً إلى افريقية فظفر به أسطول المهدي فانتقض أمره وعصى عليه أهل كبركيت، وكاتبوا المهدي، ثمّ ثار الناس بابن قهرب آخر الثلاثمئة وحبسوه وأرسلوه إلى المهدي فأمر بقتله على قبر خنزير في جماعةٍ من خاصّته.

وولّى على صقلية أبا سعيد بن أحمد، وبعث معه العساكر من كتامة، فركب إليها البحر فنزل في طرانية، وعصى عليه أهل صقلية بمَن معه من العساكر فامتنعوا عليه وقاتله أهل كبركيت وأهل طرانية، فهزمهم وقتلهم، ثمّ استأمن إليه أهل طرانية فأمنهم وهدم أبوابها.

وأمره المهدي بالعفو عنهم، ثمّ ولّى المهدي على صقلية سالم بن راشد، وأمدّه سنة ثلاث عشرة بالعساكر، فعبر البحر إلى أرض انكبردة فدوّخها، وفتحوا فيها حصوناً ورجعوا، ثمّ عادوا إليها ثانية وحاصروا مدينة أدرنت أيّاماً، ورحلوا عنها، ولم يزل أهل صقلية يغيرون على ما بأيدي الروم من جزيرة صقلية وقلورية ويعيثون في نواحيها.

وبعثّ المهدي سنة ثنتين وعشرين جيشاً في البحر مع يعقوب بن إسحاق فعاث في نواحي جنوة. ولمّا كانت سنة خمس وعشرين انتقض أهل كبركيت على أميرهم سالم بن راشد، وقاتلوا جيشه، وخرج إليهم سالم بنفسه فهزمهم وحصرهم ببلدهم واستمدّ القائم فأمده بالعساكر مع خليل بن اسحاق، فلمّا وصل إلى صقلية شكا إليه أهلها من سالم بن راشد، واسترحمته النساء والصبيان، وجاءه أهل كبركيت وغيرها من أهل صقلية بمثل ذلك، فرقّ لشكواهم ودسّ إليهم سالمٌ بأنّ خليلاً إنّما جاء للانتقام منهم بمَن قتلوا من العسكر. فعاودوا الخلاف واختطّ خليل مدينةً على مرسى المدينة وسمّاها الخالصة.

وتحقق بذلك أهل كبركيت ما قال لهم سالم، واستعدّوا للحرب، فسار إليهم خليل منتصف ستّ وعشرين وحصرهم ثمانية أشهر يغاديهم بالقتال ويراوحهم. حتى إذا جاء الشتاء رجع إلى الخالصة واجتمع أهل صقلية على الخلاف، واستمدّوا ملك القسطنطينية فأمدّهم بالمقاتلة والطعام، واستمدّ خليل القائم فأمدّه بالجيش فافتتح قلعة أبي ثور وقلعة البلّوط وحاصر قلعة بلاطنو إلى أن انقضت سنة سبع وعشرين ؛ فارتحل عنها وحاصر كبركيت ثمّ حبس عليها عسكراً للحصار مع أبي خلف بن هارون، ورحل عنها وطال حصارها إلى سنة


تسع وعشرين. فهرب كثيرٌ من أهل البلد إلى بلد الروم واستأمن الباقون فأمنهم على النزول عن القلعة، ثمّ غدر بهم فارتاع لذلك سائر القلاع وأطاعوا.

ورجع خليل إلى أفريقية آخر سنة تسع وعشرين، وحمل معه وجوه أهل كبركيت في سفينة، وأمر بخرقها في لجّة البحر فغرقوا أجمعين.

ثمّ ولّى على صقلية عطاف الأزدي.

ثمّ كانت فتنة أبي يزيد، وشُغل القائم والمنصور بأمره، فلمّا انقضت فتنة أبي يزيد عقد المنصور على صقلية للحسن بن أبي الحسن الكلبي من صنائعهم ووجوه قوّاده، وكنيته أبو الغنائم، وكان له في الدولة محلٌّ كبير في مدافعة أبي يزيد عناء عظيم.

وكان سبب ولايته أنّ أهل بليرم كانوا قد استضعفوا عطافاً، واستضعفهم العدو لعجزه ؛ فوثب به أهل المدينة يوم الفطر من سنة خمس وثلاثين.

وتولّى كبروبك بنو الطير منهم، ونجا عطاف إلى الحصن وبعث للمنصور يعلمه ويستمدّه، فولّى الحسن بن علي على صقلية، وركب البحر إلى مازر وأرسى بها فلم يلقه أحدٌ منهم، وأتاه في الليل جماعة من كتامة واعتذروا إليه عن الناس بالخوف من بني الطير، وبعث بنو الطير عيونهم عليه واستضعفوه وواعدوه أن يعودوا إليه، فسبق ميعادهم ودخل المدينة ولقيه حاكم البلد وأصحاب الدواوين.

واضطرّ بنو الطير إلى لقائه وخرج إليهم كبيرهم إسماعيل، ولحق به من انحرف عن بني الطير فكثر جمعه، ودسّ إسماعيل بعض غلمانه فاستغاث بالحسن من بعض عبيده أنّه أكره امرأته على الفاحشة، يعتقد أنّ الحسن لا يعاقب مملوكه فتخشن قلوب أهل البلد عليه. وفطن الحسن لذلك فدعا الرجل واستحلفه على دعواه وقتل عبده. فسرّ الناس بذلك ومالوا عن الطير وأصحابه وافترق جمعهم. وضبط الحسن أمره وخشي الروم بادرته فدفعوا إليه جزية ثلاث سنين، وبعث ملك الروم بطريقاً في البحر في عسكرٍ كبيرٍ إلى صقلية واجتمع هو والسردغرس.

واستمدّ الحسن بن علي المنصور فأمدّه بسبعة آلاف فارس وثلاثة آلاف وخمسمئة راجل، وجمع الحسن مَن كان عنده وسار برّاً وبحراً وبعث السرايا في أرض قلورية، ونزل على أبراجه فحاصرها. وزحف إليه الروم، فصالحه على مالٍ أخذه، وزحف إلى الروم ففرّوا من غير حرب.

ونزل الحسن على قلعة قيشانة فحاصرها شهراً وصالحهم على مال، ورجع بالأسطول إلى مسينة فشتى بها.

وجاءه أمر


المنصور بالرجوع إلى قلورية، فعبر إلى خراجة فلقي الروم والسردغرس، فهزمهم وامتلأ من غنائمهم، وذلك يوم عرفة سنة أربعين وثلاثمئة.

ثمّ سار إلى خراجة في حرّها حتّى هادنه ملك الروم قسطنطين.

ثمّ عاد إلى ربو وبنى بها مسجداً وسط المدينة، وشرط على الروم أن لا يعرضوا له، وأنّ مَن دخله من الأسرى أمن.

ولمّا توفّي المنصور وملك ابنه المعز سار إليه الحسن واستخلف على صقلية ابنه أحمد، وأمره المعز بفتح القلاع التي بقيت للروم بصقلية، فغزاها وفتح طرمين وغيرها سنة إحدى وخمسين، وأعيته رمطة فحاصرها، فجاءها من القسطنطينية أربعون ألفاً مدداً.

وبعث أحمد يستمدّ المعز، فبعث إليه المدد بالعساكر والأموال مع أبيه الحسن، وجاء مدد الروم فنزلوا بمرسى مسينة ورجفوا إلى رومطة، ومقدّم الجيش على حصارها الحسن بن عمّار وأبن أخي الحسن بن علي. فأحاط الروم بهم وخرج أهل البلد إليهم، وعظم الأمر على المسلمين فاستماتوا وحملوا على الروم وعقروا فرس قائدهم منويل فسقط عن فرسه، وقُتل جماعة من البطارقة معه، وانهزم الروم وتتبّعهم المسلمون بالقتل، وامتلأت أيديهم من الغنائم والأسرى والسبي.

ثم فتحو رمطة عنوة وغنموا ما فيها، وركب فلّ الروم من صقلية وجزيرة رفق في الأسطول ناجين بأنفسهم، فأتبعهم الأمير أحمد في المراكب، فحرقوا مراكبهم وقتل كثير منهم، وتُعرف هذه الوقعة بوقعة المجاز وكانت سنة أربع وخمسين، وأسر فيها ألف من عظمائهم ومئة بطريق، وجاءت الغنائم والأُسارى إلى مدينة بليرم حضرة صقلية، وخرج الحسن للقائهم فأصابته الحمّى من الفرح فمات وحزن الناس عليه، وولي ابنه أحمد باتفاق أهل صقلية بعد أن ولّى المعزّ عليهم يعيش مولى الحسن، فلم ينهض بالأمر ووقعت الفتنة بين كتامة والقبائل وعجز عن تسكينها. وبلغ الخبر إلى المعزّ فولّى عليها أبا القاسم علي بن الحسن نيابةً عن أخيه أحمد، ثمّ توفّي أحمد بطرابلس سنة تسع وخمسين، واستبدّ بالإمارة أخوه أبو القاسم علي، وكان مدلاًّ محيّاً.

وسار إليه سنة إحدى وسبعين ملك الفرنج في جموع عظيمة، وحصر قلعة رمطة وملكها وأصاب سرايا المسلمين. وسار الأمير أبو القاسم في العساكر من بليرم يريدهم فلمّا قاربهم خام عن اللقاء ورجع.

وكان الإفرنج في الأسطول يعاينونه فبعثوا بذلك للملك بردويل فسار في أتباعه وأدركه، فاقتتلوا وقُتل


أبو القاسم في الحرب، وأهمّ المسلمين أمرهم فاستماتوا وقاتلوا الفرنج فهزموهم أقبح هزيمة. ونجا ردويل إلى خيامه برأسه وركب البحر إلى رومة. وولّى المسلمون عليهم بعد الأمير أبي القاسم ابنه جابراً فرحل بالمسلمين لوقته راجعاً ولم يعرّج على الغنائم.

وكانت ولاية الأمير أبي القاسم اثنتي عشرة سنة ونصفاً، وكان عادلاً حسن السيرة، ولمّا ولي ابن عمّه جعفر بن محمد بن علي بن أبي الحسن، وكان من وزراء العزيز وندمائه استقامت الأمور وحسنت الأحوال، وكان يحب أهل العلم ويجزل الهبات لهم. وتوفّي سنة خمس وسبعين، ووُلِّي أخوه عبد الله فاتّبع سيرة أخيه إلى أن توفّي سنة تسع وسبعين.

ووُلِّي ابنه ثقة الدولة أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي الحسن فأنسى بجلائله وفضائله مَن كان قبله منهم إلى أن أصابه الفالج وعطّل نصفه الأيسر سنة ثمان وثمانين.

وولي ابنه تاج الدولة جعفر بن ثقة الدولة يوسف، فضبط الأمور وقام بأحسن قيام وخالف عليه أخوه علي سنة خمس وأربعمئة أنّه مع البربر والعبيد ؛ فزحف إليه جعفر فظفر به وقتله ونفى البربر والعبيد واستقامت أحواله. ثمّ انقلبت حاله واختلت على يد كاتبه ووزيره حسن بن محمد الباغاني، فثار عليه الناس بسببها وجاؤوا حول القصر، وأخرج إليهم أبو الفتوح في محفّة، فتلطّف بالناس وسلّم إليهم الباغاني فقتلوه وقتلوا حافده أبا رافع، وخلع ابنه ابن جعفر ورحل إلى مصر وولّى ابنه ابن جعفر سنة عشرة، ولقبّه بأسد الدولة بن تاج الدولة ويُعرف بالأكحل ؛ فسكن الاضطراب واستقامت الأحوال وفوّض الأمور إلى ابنه ابن جعفر وجعل مقاليد الأمور بيده، فأساء ابن جعفر السيرة وتحامل على صقلية ومال إلى أهل افريقية، وضجّ الناس وشكوا أمرهم إلى المعز صاحب القيروان وأظهروا دعوته ؛ فبعث الأسطول فيه ثلاثمئة فارس مع ولديه عبد الله وأيّوب.

واجتمع أهل صقلية وحصروا أميرهم الأكحل، وقُتل وحُمل رأسه إلى المعز سنة سبع عشرة وأربعمئة.

ثمّ ندم أهل صقلية على ما فعلوه، وثاروا بأهل افريقية وقتلوا منهم نحواً من ثلاثمئة وأخرجوهم، وولّوا الصمصام أخا الأكحل. فاضطربت الأمور وغلب السفلة على الأشراف.

ثمّ ثار أهل بليرم على الصمصام وأخرجوه، وقدّموا عليهم ابن الثمنة من رؤوس الأجناد، وتلقّب القادر بالله واستبدّ بمازر... ابنه عبد الله قبل


الصمصام، وغلب ابن الثمنة على ابن الأكحل فقتله واستقلّ بملك الجزيرة إلى أن أُخذت من يده. ولمّا استبدّ ابن الثمنة بصقلية تزوّج ميمونة بنت الجراس، فتخيّل له منها شيء فسقاها السمّ، ثمّ تلافاها وأحضر الأطباء فأنعشوها وأفاقت، فندم واعتذر، فأظهرت له القبول، واستأذنته في زيارة أخيها بقصريانة، وأخبرت أخاها فحلف أن لا يردّها.

ووقعت الفتنة وحشد ابن الثمنة فهزمه ابن جراس، فانتصر ابن الثمنة بالروم وجاء القمص، وجاء ابن ينقر بن خبرة ومعه سبعة من أخوته وجمع من الفرنج ووعدهم بملك صقلية، وقصد قصريانة وحكموا على مروا من المنازل، وخرج ابن جراس فهزمه ورجع إلى افريقية عُمر بن خلف بن مكّي فنزل تونس ووُلِّي قضاؤها، ولم يزل الروم يملكونها حتّى لم يبق إلاّ المعاقل.

وخرج ابن الجراس بأهله وماله صلحاً سنة أربع وستين وأربعمئة. وتملّكها رجار كلّها وانقطعت كلمة الإسلام منها، ودولة الكلبيين وهم عشرة ومدتهم خمس وتسعون سنة.

ومات رجار في قلعة مليطو من أرض قلورية سنة أربع وتسعين، وولي ابنه رجار الثاني وطالت أيامه، وله ألف الشريف أبو عبد الله الإدريسي كتاب: نزهة المشارق(١) في أخبار الآفاق.

وممّن شارك من الكتاميين في تأسيس الدولة الفاطميّة ومَن ساهم في أعمالها

١ - كان الكتاميّون أوّل من لبّى الدعوة الفاطميّة وأيّدوا داعيها أبا عبد الله الشيعي، وقد عرفت في تضاعيف البحث عنهم وفيما سبق في تاريخ الدولة الفاطميّة، ما كان لهم من المكانة والمنزلة في بلاد المغرب، وبنصرتهم مهدّ أبو عبد الله الأمر لأوّل خلفائهم أبي عبيد الله الملقّب بالمهدي، وبهم انتصر المهديُّ على بني الأغلب وبني مدرار، واستولى على سلطانهم الذي طوى قروناً وقد عرف لهم بلاءهم وقسّم على وجوههم الأعمال سنة ٢٩٧.

وفي خطط المقريزي:

وما زالت كتامة هي أهل الدولة مدّة خلافة المهدي عبيد الله وخلافة ابنه القاسم القائم بأمر الله وخلافة المنصور بنصر الله إسماعيل بن القاسم وخلافة معدّ بن

____________________

(١) المعروف المشتاق بدل المشارق.


المنصور، وبهم أخذ ديار مصر لمّا سيّرهم إليها مع القائد جوهر في سنة ٣٥٨ وهم أيضاً كانوا أكابر من قَدِم معه من الغرب في سنة ٣٦٢، فلمّا كان في أيّام ولده العزيز بالله نزار اصطنع الديلم والأتراك وقدمهم وجعلهم خاصّته، فتنافسوا وصار بينهم وبين كتامة تحاسد إلى أن مات العزيز بالله، وقام من بعده أبو علي المنصور الملقّب بالحاكم بأمر الله فقدّم ابن عمّار الكتامي وولاّه الوساطة ج ٣ ص ١٨.

ولمّا انحرف أبو عبد الله وأخوه أبو الفضل أحمد عن المهدي لاستبداده دونهما بالأمر، وحاولا الانتقاض عليه وائتمرا على قتله، وأرسلا شيخ مشايخ كتامة لامتحان المهدي وتوهين أمره بزعمهما، بعد أن هبّت ريحه واشتدّت عصبته وقويت بالكتاميين أنفسهم شوكته، فخدعا ذلك الكتاميّ الذي جُوزي بالقتل، أعادا المؤامرة على المهدي وكان من الكتاميّين في المؤتمرين أبو زاكي تمّام بن معارك، ولكنّ المهدي تعجّل تنفيذ المؤامرة بقتلهما، ولمّا علم بمداخلة أبي زاكي في المؤامرة بعثه والياً على طرابلس وأمر واليها بقتله فقتله.

وظهرت فتنة سكنها المهدي، ورجعت كتامة إلى بلادها بعد أن استقرّ له الأمر.

٢ و ٣ - عروبة وأخوه حباسة:

لمّا قوي أمر الشيعي والتقى جيشه وجيش زيادة الله وقد بلغ عدده مئة ألف، وقد زحف لقتال الشيعي وكتامة إبراهيم بن جيش من صنائع زيادة الله وقد تلقّته كتامة بإجانة فانهزمت عساكره وتقهقر إلى باغاية ثمّ إلى القيروان.

وكان ممّن توجّه لقتال زيادة الله عروبة بن يوسف من أمراء كتامة وأوقع بباغاية.

ولمّا فرّ زيادة الله إلى الشرق حضر الشيعي وفي مقدّمته عروبة بن يوسف وحسن بن أبي جفترير (خنزير) وهما اللذان أمرهما المهديُّ بقتل الشيعي وأخيه سنة ٢٩٧، وبعد قتلهما ولّى حباسة على برقة وعلى المغرب عروبة، وأنزله باغاية إلى تاهرت وافتتحها.

وفي سنة ٣٠٠ هـ لمّا أغزى المهدي ابنه أبا القاسم الإسكندرية بعث أسطولاً مؤلّفاً من مئتي مركب، عقد لواءه على حباسة، فملكوا برقة ثمّ الاسكندرية والفيّوم، ثمّ عاد حباسة بعد أن بعث المقتدر العبّاسي سبكتكين ومؤنساً الخادم سنة ٣٠٢.

وقد قتل المهدي حباسة فشقّ ذلك على أخيه عروبة فانتقض عليه، وتبعه جموع من كتامة والبربر،


فأرسل إليهم المهدي مولاه غالباً فهزمهم وقتل عروبة وبني عمّه وكثيراً من أشياعهم.

٤ - يعقوب الكتامي:

لما جهّز المهدي سنة ٣٠٧ ابنه أبا القاسم على مصر ثالثةً فملك الإسكندرية والجزيرة والأشمونين، فأرسل المقتدر مؤنساً، وبعد عدّة مواقع انتصرت مراكب الخليفة القادمة من طرسوس وكانت خمسة وعشرين مركباً على أسطول افريقية المؤلّف من ثمانين مركباً، وقد سيّر نجدةً لأبي القاسم يقوده سليمان الخادم ويعقوب الكتامي وقد أُسرا، أمّا سليمان فقد مات في السجن، ويعقوب فقد هرب من حبس بغداد وكان قد سيّر إليها.

٥ - الحسن بن هارون الكتامي:

جمع هذا الرجل كلمة قبيلة كتامة لتأييد دعوة أبي عبد الله الشيعي، وذلك أنّه لمّا بلغ ابن الأغلب خبره كتب إلى عامله على ميلة يسأله عنه فصغّره، وذكر أنّه يلبس الخشن ويأمر بالخير والعبادة فسكت عنه.

ثمّ قال الشيعي للكتاميين: أنا صاحب البذر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني، فازدادت محبتهم له وتعظيمهم لأمره، وتفرقت كلمة البربر وكتامة بسببه، فأراد بعضهم قتله فاختفى ووقع بينهم قتال شديد، واتصل الخبر بالحسن بن هارون وهو من أكابر كتامة فأخذ أبا عبد الله إليه ودافع عنه، ومضيا إلى مدينة ناصرون فأتته القبائل من كلّ مكانٍ وعظم شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هارون، وسلّم إليه أبو عبد الله أعنّة الخيل، وظهر من الاستتار وشهر الحروب فكان له الظفر فيها، وغنم الأموال وانتقل إلى مدينة ناصرون وخندق عليها، فزحفت قبائل البربر إليها واقتتلوا ثمّ اصطلحوا ثمّ أعادوا القتال، وكان بينهم وقائع كثيرة ظفر بهم وصارت إليه أمولهم، فاستقام له أمر البربر وكتامة.

٦ - ريحان الكتامي:

ولاّه موسى بن أبي العافية على فاس سنة ٣٠٩ هـ.

وفي سنة ٣١٣ ثار عليه الحسن بن محمد بن القاسم الإدريسي الملقّب بالحجام ونفاه عن فاس.

٧ - عبد الله بن يخلف الكتامي:

ولاّه المعزّ على طرابلس سنة ٣٦١ هـ. وهي السنة التي عزم على المسير فيها إلى مصر، وقد مهّد له


جوهر ملكها، وأبقى صقلية في يد ابن الكلبي أبي القاسم علي بن الحسن بن علي بن أبي الحسين.

وفي سنة ٣٦٥ أقرّه العزيز نزار على طرابلس وأضاف إلى ولايته سرت وجرابية.

٨ و ٩ - من رؤساء كتامة الذين رافقوا أبا عبد الله الشيعي من مكّة إلى مصر فافريقية وأيّدوا دعوته: حريث الجميلي وموسى بن مكاد.

١٠ - جعفر بن فلاح الكتامي:

كان أحد قوّاد المعز أبي تميم معدّ بن المنصور العبيدي، وجهّزه مع القائد جوهر لمّا توجّه لفتح الديار المصريّة، فلمّا أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام فتغلّب على الرملة سنة ٣٥٨، ثمّ غلب على دمشق وملكها في المحرّم سنة ٣٥٩ بعد أن قاتل أهلها، ثمّ أقام بها إلى سنة ٣٦٠، ونزل إلى الدكّة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق، فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم فخرج إليه جعفر وهو عليل فظفر به القرمطي، وقتله وقتل خلقاً كثيراً من أصحابه سنة ٣٦١.

وقد ترجم له القاضي ابن خلّكان في وفياته ؛ فقال: كان أحد قوّاد المعز أبي تميم معدّ بن المنصور العبيدي صاحب افريقية، وجهّزه مع القائد جوهر لمّا توجّه لفتح الديار المصرية، فلمّا أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام فغلب على الرملة في ذي الحجّة سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، ثمّ غلب على دمشق فملكها في المحرّم سنة ٣٥٩ بعد أن قاتل أهلها، ثمّ أقام بها إلى سنة ستّين، ونزل إلى الدكّة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم فخرج إليه جعفر وهو عليل، فظفر به القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقاً كثيراً، وذلك في يوم الخميس لستّ خلون من ذي القعدة سنة ٣٦٠ (ره).

وقال بعضهم: قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوباً:

يا منزلاً عبث الزمانُ بأهله فـأبادهم بـتفرّقٍ لا يجمعُ

أيـن الذين عهدتهم بك مرّةً كان الزمان بهم يضر وينفعُ


وكان جعفر المذكور رئيساً جليل القدر ممدوحاً، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هاني الأندلسي:

كـانت مساءلة الركبان تخبرني عن جعفر بن فلاح أطيب الخبرِ

حـتّى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري

١١ - سليمان بن جعفر بن فلاح:

قال القلانسي:

(وكان هذا القائد مشهوراً بالكفاية والغناء وتوقّد اليقظة في أحواله والمضاء، ويكنّى بأبي تميم، بعثه العزيز بالله والياً على دمشق سنة ٣٦٩ فنزل بظاهرها، ولم يمكّنه قسّام الحارثي من دخولها وقوتل وأزعج من مكانه).

وفي سنة ٣٨٦ جهّزه الحاكم بأمر الله إلى الشام لقتال برجوان، وقد انتقض عليه بسبب تغلّب ابن عمّار وكتامة على الشام، فبعث سليمان هذا أخاه عليّاً إلى دمشق، فامتنع أهلها عليه فكاتبهم وتهددهم وأذعنوا ودخل البلد ففتك بهم، ثمّ قدم أبو تميم فأمن وأحسن. وبعث أخاه عليّاً إلى طرابلس وعزل عنها جيش بن الصمصامة، فسار إلى مصر. وبعد قتل ابن عمّار وإظهار برجوان الحاكم وتجديد البيعة له انتقض برجوان على أبي تميم بن فلاح.

قال المقريزي في خططه:

(وفي سنة ٣٨٦ هـ ندب الحسن بن عمّار أبا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح وقدّمه وجعله اسفهلاّر الجيش، وأمره بالمسير إلى الشام، فسار من مصر ورحل منجوتكين إلى الرملة فملكها وأخذ أموالها.

وجرى بينه وبين سليمان حرب في عسقلان انتهت بهزيمة منجوتكين، ولمّا انجلت فتنة ابن عمّار بتجديد البيعة للحاكم بأمر الله، وكتب بذلك إلى دمشق وفيه ما يبعث على الوثوب على سليمان، ولمّا كان مع ما عُرف به من الكفاية واليقظة والمضاء، مستهتراً بشرب الراح واستماع الغناء والتوفّر على اللذة، ولمّا وردت المطلقات المصريّة بما اشتملت عليه في حقّه وهو منهمك في القهوة، لم يشعر إلاّ بزحف العامّة والمشارقة إلى قصره وهجومهم عليه، فخرج هارباً على ظهر فرسه. (انتهى ملخّصاً عن تاريخ ابن القلانسي).


وكان برجوان ألدّ أعداء ابن عمّار وهو الذي عمل على إسقاطه والاستئثار دونه بأمر الخلافة. وفي هذه السنة اصطنع جيش بن محمد بن الصمصامة، وقدّمه وجهّز معه ألف رجلٍ وسيّره إلى دمشق وأعمالها، وبسط يده في الأموال وردّ إليه تدبير الأعمال، فسار جيش ونزل على الرملة، والوالي عليها وحيد الهلالي، ومعه خمسة آلاف رجل، ووافاه ولاة البلد وخدموه. وصادف القائد أبا تميم سليمان بن فلاح فقبضه قبضاً جميلاً.

وسار جيش بن الصمصامة على مقدّمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح وطلبه، فهرب بين يديه حتّى لحق بجبلي طيئ وتبعه حتّى كاد يأخذه، ثمّ عفى عنه واستحلفه على ما قرّره معه وعاد إلى الرملة. وستجد أخباره في غير هذا المكان.

وفي خطط المقريزي ج ٤ ص ٦٨:

وفي سنة ٣٨٦ هـ ولي الحاكم بأمر الله الخلافة بعد أبيه العزيز بالله نزار، وجعل أبا محمد الحسن بن عمّار وساطة ولقّب بأمين الدولة وقلّد سليمان بن فلاح الشام. فخرج بنجوتكين من دمشق وسار منها لمدافعته، فبلغ الرملة وانضمّ إليه ابن الجراح الطائي في كثيرٍ من العرب، وواقع ابن فلاح فانهزم وفرّ ثمّ أُسر فحمل إلى القاهرة.

وفي سنة ٣٨٧ صرف عن ولاية الشام بجيش بن الصمصامة.

١٢ - علي بن جعفر بن فلاح الكتامي:

الملقّب بقطب الدولة كذا في خطط الشام، تقدّم شيء من خبره في أخبار أخيه سليمان، فقد ولي دمشق من قبل أخيه ثمّ طرابلس.

وفي سنة ٣٩٠ ولي(١) دمشق بعد وفاة واليها فحل بشهور.

وفي سنة ٣٩٢ في شهر رمضان قلد ولايتها تموصلت (طرفلة) عوضاً عن ابن فلاح.

وفي سنة ٣٩٨ مات منجوتكين وولّي علي بن فلاح دمشق. وفي هذه السنة ولّي ولاية طرابلس.

وفي سنة ٣٩٩ ولّي دمشق القائد حامد بن ملهم لست بقين من رجب، وكان القائد علي بن جعفر بن فلاح مستولياً على الجند نافذ الأمر

____________________

(١) وفي سنة ٣٩٧ كان من قوّاد الجيش الشامي الحاكمي لقتال أبي ركوة الذي خرج على الحاكم واستفحل أمره، وانضمّ إليه بنو قرّة وبعض كتامة لمّا نالهم جميعاً من اضطهاد الحاكم وسوء سياسته، وانتهى أمر أبي ركوة بالانكسار والقتل، ولم يذكر في الكامل خروجه لحرب أبي ركوة.


في البلد، فورد كتاب عزله في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان.

وكانت مدّة مقامه في الولاية إلى انصرافه ومسيره سنة واحدة وأربعة أشهر ونصف شهر.

وفي سنة ٤٠٩ جاء في الخطط ج ٤ ص ٧٤:

وأقام (الحاكم) ذا الرياستين قطب الدولة أبا الحسن علي بن جعفر بن فلاح في الوساطة والسفارة.

١٣ - القائد أبو محمود بن إبراهيم بن جعفر:

هكذا نسبه في ذيل تاريخ دمشق (ابن القلانسي).

وفي خطط الشام: أبو محمود بن جعفر بن فلاح.

وفي تاريخ ابن خلدون: أبو محمود بن إبراهيم.

وفي الخطط في مكان آخر: وجيش بن محمد بن الصمصامة أبو الفتوح القائد المغربي هو ابن أخت أبي محمود الكافي أمير أمراء جيوش المغرب ومصر والشام المتوفّى سنة ٣٩١.

وفي خطط المقريزي: أبو محمود إبراهيم بن جعفر.

وأبو محمود من شيوخ كتامة كان من قوّاد المعز وابنه العزيز، ففي سنة ٣٦٣ جرّد في خمسة عشر ألف رجل في طلب القرمطي، وقد فرّ من مصر مغلولاً، فاتبعه وتثاقل في سيره خوفاً من رجوعه عليه. ولمّا علم أبو محمود ارتحاله من أذرعات إلى الأحساء رحل ونزل بها مكانه. وفي هذه السنة وصل بجيشه إلى دمشق، وكان والياً عليها ظالم بن موهوب العقيلي، فخرج لتلقّيه ولمّا نزل على دمشق في جيشه اضطرب الناس وجرت أمورٌ عظام بين الجيش والدمشقيين لم تنفرج إلاّ بعد شهرين ونصف شهر. وتقرّرت الموادعة والمصالحة إلى أن ولي جيش بن الصمصامة البلد من قبل خاله أبي محمود. ولمّا استقرّ الصلح والموادعة بين أهل دمشق وأبي محمود، وخمدت نار الفتنة بعض الخمود، وركدت ريحها بعض الركود، وسكنت نفوس أهل البلد واطمأنت القلوب بين الفريقين، اعتمد أبو محمود على ابن أخته جيش في ولاية دمشق وحمايتها. ولكن لم يطل الأمر حتّى عادت الفتنة، ممّا حدا بالمعز أن يولّي ريّان الخادم عقيب هذه الفتنة والياً عليها، ويستقدمه من طرابلس فيصرف أبو محمود عن دمشق. ولكن أهل دمشق لم تطب نفوسهم لحكم المغاربة والفاطميّين وصادف أن كان قد نزل ضاحية دمشق الفتكين المغربي، فحملوه على ولاية حكم بلدهم. وقد جرت حروب بين جيوش المعز والفتكين. وقد استنجد بالقرمطي، استدعت أخيراً أن يتولّى المعز


بنفسه القيادة العامّة للجيوش المصرية، وينتهي الأمر بفوزها على الفتكين والقبض عليه، ثمّ العفو عنه وحمله إلى مصر معزّزاً مكرّماً.

ثمّ غلب قسام الحارثي من قرية تلفيت ومن خواص أصحاب الفتكين على دمشق سنة ٣٦١ بعد أن كانت في ولاية حميدان.

ووليها بعده القائد أبو محمود في نفرٍ يسير، وهو ضميمة لقسام وما زال على هذه الحال إلى سنة ٣٧٠ حيث هلك فيها.

١٤ - أبو الفتوح جيش بن محمد بن صمصامة:

القائد المغربي ابن أخت أبي محمود الكافي أمير أمراء جيوش المغرب ومصر والشام. تولّى نيابة دمشق غير مرّة وكان ظالماً سفّاكاً للدماء.

قالوا: وعمّ الناس في ولايته البلاء من القتل وأخذ المال، حتّى لم يبق بيت في دمشق ولا بظاهرها إلاّ امتلأ من جوره. توفي سنة ٣٩١.

ولي دمشق سنة ٣٦٤ بعد إخراج ظالم منها، وسكن الناس إليه بعد فتنة. ولمّا عاد المغاربة إلى الجيش وعاد العامّة إلى الثورة وقصدوا القصر الذي فيه جيش، هرب ولحق بالعسكر.

وزحف إلى البلد فقاتلهم وأحرق ما كان بقي، وقطع الماء عن البلد، فضاقت الأحوال وبطلت الأسواق وبلغ الخبر إلى المعز فنكر ذلك على أبي محمود واستعظمه، وبعث إلى ريان الخادم في طرابلس يأمره بالمسير إلى دمشق لاستكشاف حالها وأن يصرف القائد أبا محمود عنها، فصرفه إلى الرملة وبعث إلى المعز بالخبر، وأقام بدمشق إلى أن وصل افتكين (هفتكين) والياً عليها.

وبعد وفاة المعز سنة ٣٦٥ وولاية ابنه العزيز والظفر بافتكين والقبض عليه وولاية قسام الحارثي، كان مع قسام جيش وأقام بعده في ولايته، وقد زحف بلتكين إلى دمشق وأظهر لقسام أنّه جاء لإصلاح البلد، فخرج إلى بلتكين فأمره بالنزول في ظاهر البلد هو وأصحابه.

واستوحش قسام وتجهّز للحرب ثمّ قاتل وانهزم أصحابه، ودخل بلتكين أطراف البلد فنهبوا وأحرقوا، واعتزم أهل البلد على الاستئمان إلى بلتكين وشافهوه بذلك فأذن لهم.

وسمع قسام فاضطرب وألقى ما بيده واستأمن الناس إلى بلتكين لأنفسهم ولقسام فأمن الجميع.

وولّي على البلد أمير اسمه خطلج، فدخل البلد في المحرم سنة اثنتين وستّين، ثمّ اختفى قسام بعد يومين فانتهبت دوره ودور أصحابه، وجاء ملقياً بنفسه على بلتكين فقبله وحمله إلى مصر فأمنه العزيز.


ولمّا توفّي العزيز سنة ٣٨٦ هـ. وولي بعده ولده الحاكم بأمر الله، وكان برجوان الخادم قد استولى على دولته كما كان لأبيه العزيز بوصيته بذلك، وكان مدبّر دولة، وكان رديفه في ذلك أبو محمد الحسن بن عمّار، ولُقّب بأمين الدولة. وقد تغلّب ابن عمّار وانبسطت أيدي كتامة في أموال الناس وحرمهم.

ونكر منجوتكين تقديم ابن عمّار في الدولة وكاتب برجوان بالموافقة على ذلك، فأظهر الانتقاض.

وجهّز ابن عمّار العساكر لقتاله مع سليمان بن جعفر بن فلاح، فلقيهم بعسقلان وانهزم منجوتكين وأصحابه، وسيق أسيراً إلى مصر فأبقى عليه ابن عمّار واستماله للمشارقة.

وعقد على الشام لسليمان بن فلاح، فبعث من طبرية أخاه عليّاً على دمشق. ولمّا جرى منه فيها أُمور لم ترضه وقدم إليها بعث عليّاً إلى طرابلس وعزل عنها جيش ابن الصمصامة، فسار إلى مصر وداخل برجوان في الفتك بالحسن بن عمّار وأعيان كتامة وكان معهما في ذلك شكر خادم عضد الدولة. نزع إلى مصر بعد مهلك عضد الدولة ونكبة أخيه شرف الدولة إياه، فخلص إلى العزيز فقرّبه وحظي عنده فكان مع برجوان وجيش بن الصمصامة.

وثارت الفتنة واقتتل المشارقة والمغاربة، فانهزمت المغاربة واختفى ابن عمّار، وأظهر برجوان الحاكم وجدّد له البيعة، وكتب إلى دمشق بالقبض على أبي تميم بن فلاح.

ولمّا زحف الدوقش ملك الروم على حصن افامية محاصراً لها، جهّز برجوان العساكر مع جيش بن الصمصامة فسار إلى عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان وأسطولاً في البحر.

ثمّ سار جيش إلى المفرج ابن دغفل، فهرب أمامه ووصل إلى دمشق وتلقّاه أهلها مذعنين فأحسن إليهم وسكنهم ورفع أيدي العدوان عنهم.

ثمّ سار إلى افامية وصافّ الروم عندها فانهزم أوّلاً هو وأصحابه، وثبت بشارة اخشيدي بن قرارة في خمس عشرة فارساً، ووقف الدوقش ملك الروم على رابيةٍ في ولده وعدّة من غلمانه ينظر فعل الروم في المسلمين، فقصد كردي من مصاف الاخشيدي وبيده عصا من حديد يسمّى الخشت، وظنّه الملك مستأمناً، فلمّا دنا منه ضربه بالخشت فقتله وانهزم الروم، واتبعهم جيش بن الصمصامة إلى انطاكية يغنم ويسبي ويحرق.

ثمّ عاد مظفّراً إلى دمشق، فنزل بظاهرها ولم يدخل، واستخلص رؤساء الأحداث واستحجبهم، وأقيم له الطعام في كلّ يوم، وأقام على ذلك برهة ثمّ أمر أصحابه إذا دخلوا للطعام أن يغلق باب


الحجرة عليهم ويوضع السيف في سائرهم، فقتل منهم ثلاث آلاف، ودخل دمشق وطاف بها، وأحضر الأشراف فقتل رؤساء الأحداث بين أيديهم، وبعث بهم إلى مصر، وأمن الناس، ثمّ إنّه توفي.

وفي ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي في حوادث سنة ٣٨٧:

بعد انجلاء فتنة ابن عمّار والكتابة بالوثوب في القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الذي كان قد ندبه ابن عمّار لقتال منجوتكين، حين أظهر الانتقاض عليه، وكان أهل صور في هذه السنة قد عصوا وأمَّروا عليهم رجلاً ملاّحاً من البحريّة يُعرف بالعلاقة، وقتلوا أصحاب السلطان. واتفق أنّ المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة ونهب ما كان في السواد وأطلق يد العبث في البلاد.

وانضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدُوقُس عظيم الروم في عسكرٍ كثيرٍ إلى الشام ونزوله على حصن افامية، فاصطنع برجوان القائد جيش بن الصمصامة وقدّمه وجهّز معه ألف رجل، وسيَّره إلى دمشق وأعمالها وبسط يده في الأموال، وردّ إليه تدبير الأعمال.

فسار جيش ونزل على الرملة، والوالي عليها وحيد الهلالي ومعه خمسة آلاف رجل، ووافاه ولاة البلد وخدموه وصادف القائد أبا تميم سليمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه قبضاً جميلاً، وندب أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة وياقوت الخادم ومَن معه من عبيد الشرا لقصد صور ومنازلتها وفتحها. وكان قد ولّى جماعةً من الخدم السواحل وأُنفذوا إليه وأنفذ في البحر تقدير عشرين مركباً من الحربيّة المشحونة بالرجال إلى ثغر صور، وكتب إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير إليه في أسطوله، وإلى ابن الشيخ والي صيدا بمثل ذلك وإلى جماعةٍ من الجهات، بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور.

ووقعت الحرب بينها وبين أهلها واستجار العلاقة بملك الروم وكاتب يستنصره ويستنجده، وأنفذ إليه عدّة مراكب في البحر مشحونة بالرجال المقاتلة، والتقت هذه المراكب مراكب المسلمين، فاقتتلوا في البحر قتالاً شديداً.

فظفر المسلمون بالروم وملكوا مركباً من مراكبهم وقتلوا مَن فيه، وكان عدّتهم مئة وخمسين رجلاً، وانهزمت بقيّة المراكب، فضعفت نفوس أهل صور ولم يكن لهم طاقة بمن اجتمع عليهم من العساكر برّاً وبحراً، ونادى المغاربة (من أراد الأمان من أهل الستر والسلامة فليلزم منزله)، فلزموا ذلك. وفتح البلد وأسر العلاقة وجماعة


من أصحابه، ووقع النهب وأخذ من الأموال والرجال الشيء الكثير.

وكان هذا الفتح أوّل فتحٍ على يد برجوان الحاكمي.

وحُمل العلاقة وأصحابه إلى مصر فسُلخ حيّاً وصُلب بظاهر المنظر بعد أن حشي جلده تبناً وقتل أصحابه.

وولي أبو عبد الله الحسين بن ناظر الدولة بن حمدان صور وأقام بها، وسار جيش بن الصمصامة على مقدّمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن جراح، وطلبه فهرب بين يديه حتّى لحق بجبلي طيء وتبعه حتّى كاد يأخذه. ثمّ رماه ابن جراح بنفسه وعجائز نسائه وعاذ منه بالصفح وطلب الأمان فأمنه، وشرط عليه ما التزمه وعفا عنه جيش وكفّ عنه واستحلفه على ما قرّره معه، وعاد إلى الرملة ورتّب فيها والياً من قبله، وانكفأ إلى دمشق طالباً لعسكر الروم النازل على افامية.

فلمّا وصل إلى دمشق استقبله أشرافها ورؤساء أحداثها مذعنين له بالطاعة، فأقبل على رؤساء الأحداث وأظهر لهم الجميل ونادى في البلد برفع الكُلَف واعتماد العدل والإنصاف وإباحة دم كلّ مغربي يتعرّض لفساد. فاجتمع إليه الرعية يشكرونه ويدعون له وسألوه دخول البلد والنزول فيه بينهم، فأعلمهم أنّه قاصد الجهاد في الروم.

وأقام ثلاثة أيّام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص.

ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوّعة من عامّتها، وتوجّه إلى الدوقس وظهر على الروم وكان له الظفر، وامتلأت يده من السبي ويد أصحابه من الغنائم.

وعاد منكفئاً إلى دمشق وقد عظمت هيبته، فاستقبله اشرافها ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له، فتلقّاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد، وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق، وقد كانوا زيّنوها إظهاراً للسرور به والتقرّب إليه، فلم يفعل. وقال:

معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم آمن أن يمدّوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قريةً على باب دمشق تُعرف ببيت لهيا، ليكون نزوله بها، فأجابوه إلى ذلك.

لمّا تقرّر الحال بمصر مع برجوان الحاكمي على تجهيز جيش بن الصمصامة إلى الشام لتلافي ما حدث فيه، وتدبير الأعمال وتسديد الأحوال، والرفع لشر الروم الواصلين إلى أعماله، اقتضت الحال والسياسة


ردَّ ولاية دمشق بعد إخراج القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن فلاح منها إلى القائد بشارة الأخشيدي، في يوم الاثنين النصف من شوّال سنة ٣٨٨ هـ.

وتوجّه مع جيش بن الصمصامة إلى الجهاد في الروم، فلمّا أظفر الله بهم ونصر عليهم وانكفأ المسلمون منصورين ظافرين مسرورين وعاد بشارة الوالي في الجملة، صادف الأمر قد ورد من مصر بصرفه عن ولاية دمشق، وإقرارها على القائد جيش بن محمد بن الصمصامة.

واتفق ذلك وقد قوّض الصيف خيامه، وطوى بعد النشر أعلامه، والشتاء قد أقبل بصره وهريره، وقرّة زمهريره، فالتمس من أهل دمشق على ما تقدّم ذكره إخلاء بيت لهيا، فأجيب إلى ما طلب، فنزل فيها وشرع في التوفر على استعمال العدل ورفع الكُلَف وإحسان السيرة والمنع من الظلم، وأشخص رؤساء الأحداث وقدّمهم واستحجب جماعة منهم وجعل يعمل لهم السُمَط في كلّ يوم يحضرهم للأكل عنده ويبالغ في تأنيسهم واستمالتهم بكلّ حال. فلمّا مضت على ذلك بُرهة من الزمان أحضر قوّاده ووجوه أصحابه وتقدّم إليهم بالكون على أهبة واستعداد لما يُريد استخدامهم وتوقُع لما يوصل إليهم من رقاعه المختومة بخاتمه والعمل به.

وقسّم البلد وكتب إلى كلّ قائدٍ يذكر الموضع الذي دخل فيه، ويضع السيف في مفسديه، ثمّ رتّب في حمام داره مئتي راجلٍ من المغاربة بالسيوف، وتقدّم إلى المعروف بالناهري العلوي وكان من خواصّه وثقاته بأن يراعي حضور رؤساء الأحداث الطعام، فإذا أكلوا وقاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم فيه أغلق عليهم بابه، وأمر مَن رتّب في الحمّام بوضع السيف في أصحابهم.

وكان كلّ رجلٍ منهم يدخل ومعه جماعة من الأحداث معهم السلاح، وحضر القوم على رسمهم فبادر جيش بالرقاع إلى قوّاده وجلس معهم للأكل.

فلمّا فرغوا نهض فدخل في حجرته ونهضوا إلى المجلس وأغلق الفرّاشون بابه، وكانت عدّتهم اثني عشر رجلاً يقدمهم المعروف بالدُهَقين وخرج مَن بالحمّام فوضعوا السيف في أصحابهم فقتلوهم بأسرهم وكانوا تقدير مئتي رجل. وركب القوّاد ودخلوا البلد وقتلوا فيه قتلاً ذريعاً وثلموا السور من كلّ جانبٍ ومحوا ألوانه ورموها، وأنزل المغاربة دور الدمشقيين، وجرّد إلى الغوطة والمرج قائداً يُعرف بنصرون وأمره بوضع السيف في مَن بها مِن الأحداث، فيُقال


إنّه قل ألف رجلٍ منهم ؛ لأنّهم كانوا كثيرين.

ودخل دمشق فطافها فاستغاث الناس وسألوا العفو والإبقاء، فكفّ عنهم ورتّب أصحاب المصالح في المحال والمواضع وعاد إلى القصر في وقته، فاستدعى الأشراف استدعاءً حسن معه ظنّهم فيه. فلمّا حضروا أخرج رؤساء الأحداث فضرب رقابهم بين أيديهم، وأمر بصلب كلّ واحدٍ منهم في محلّته، حتّى إذا فرغ من ذلك قبض عليهم وحملهم إلى مصر وأخذ أموالهم ونعمهم ووظّف على أهل البلد خمسمئة ألف دينار.

وجاءه أمر الله الذي لا يدفع نازله، ولا يُردّ واصله، فهلك، وكانت مدّة هذه الولاية والفتنة تسعة شهور.

وقيل إنّ عدّة مَن قتل من الأحداث ثلاثة آلاف رجل.

١٥ - محمد بن جيش بن محمد بن الصمصامة: وكانت ولايته تسعة أشهر.

لمّا انتهى الخبر إلى مصر بمهلك جيش قُلّد ولده محمد هذا مكانه.

أمّا هلاك جيش فكان في يوم الأحد لتسع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ٣٩٠، وكانت مدّة ولايته التي هلك فيها على ما صحّ في هذه الرواية دون ما تقدّم ذكره ستّة عشر شهراً وستّة عشر يوماً (ابن القلانسي)، ويظهر أنّ ولاية محمد هذا كانت موقوتة حتّى يعين غيره خلفاً لأبيه جيش فإنّ ابن القلانسي وغيره من المؤرّخين يذكرون والياً بعده.

١٦ - القائد تميم بن إسماعيل المغربي الكتامي نسبة إلى كتامة (المقريزي في ج ٤ ص ٦٨) الملقّب بفحل.

قال ابن القلانسي في كتابه (ذيل تاريخ دمشق ):

وانتهى الخبر (بمهلك جيش) إلى مصر فوقع الارتياد لمَن يختار لولايتها بعده، فوقع الاختيار على القائد تميم بن إسماعيل المغربي الملقّب بفحل، فوصل إليها وأقام بها وأمر ونهى وبقي شهوراً من سنة ٣٩٠، وعرضت له علّة هلك بها ومضى لحال سبيله.

وعاد بعده إلى ولايتها القائد علي بن جعفر بن فلاح كما مرّ ذلك في أخباره.

وكان فحل هذا والياً على صور سنة ٣٨٦.

١٧ - ابن دواس الكتامي:

كان من كبار قوّاد الحاكم وكان يخافه.

قال ابن الأثير: ثمّ أوحش (الحاكم) أخته وأرسل إليها


مراسلات قبيحة يقول فيها:

بلغني أنّ الرجال يدخلون إليك، وتهدّدها بالقتل، فأرسلت إلى ابن دواس هذا تقول له: إنّني أريد أن ألقاك، فحضرت عنده، وقالت له: قد جئت إليك في أمرٍ تحفظ فيه نفسك ونفسي، وأنت تعلم ما يعتقده أخي فيك، وأنّه متى تمكّن منك لا يبقي عليك وأنا كذلك، وقد انضاف إلى هذا ما تظاهر به ممّا يكرهه المسلمون ولا يصبرون عليه، وأخاف أن يثوروا به هو ونحن معه وتنقلع هذه الدولة، فأجابها إلى ما تريد ودبّر على قتله وكان ذلك في سنة ٤١١.

وفي الكامل ج ٩ ص ١٣٢، في حوادث سنة ٤١١، لمّا قتل الحاكم بقي الجند خمسة أيّام ثمّ اجتمعوا إلى أخته وأسمها ستّ الملك وقالوا: (قد تأخّر مولانا ولم تجر عادته بذلك).

فقالت: (قد جاءتني رقعة بأنّه يأتي بعد غد. فتفرقوا، وبعثت الأموال إلى القوّاد على يد ابن دواس، فلمّا كان اليوم السابع ألبست أبا الحسن علي بن أخيها الحاكم أفخر الملابس، وكان الجند قد حضروا للميعاد فلم يرعهم إلاّ وقد أخرج أبو الحسن وهو صبي والوزير بين يديه، فصاح يا عبيد الدولة، مولاتنا تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلِّموا عليه. فقبّل ابن دواس الأرض والقوّاد الذين أُرسلت إليهم الأموال ودعوا له، فتبعهم الباقون ومشوا معه، ثمّ بويعوا من الغد.

وكتبت الكتب إلى البلاد بأخذ البيعة له، وجمعت أخت الحاكم الناس ووعدتهم وأحسنت إليهم، ورتّبت الأمور ترتيباً حسناً وجعلت الأمر بيد ابن دواس، وقالت له:

إنّنا نريد أن نردّ جميع أحوال المملكة إليك، ونزيد في أقطاعك ونشرّفك بالخلع فاختر يوماً لذلك).

فقبل الأرض ودعا وظهر الخبر بين الناس، ثمّ أحضرته وأحضرت القوّاد معه وأغلقت أبواب القصر، وأرسلت إليه خادماً، وقالت له: قل للقوّاد: إنّ هذا قتل سيّدكم واضربه بالسيف، ففعل ذلك وقتله فلم يختلف رجلان.

هذه رواية ابن الأثير في مقتل الحاكم، وأمّا المقريزي فإنّه ينكرها ونسبها للمشارقة، ويبرّئ أخت الحاكم من التآمر على قتل أخيها.

١٨ - ابن ثعبان وقيل ابن شعبان الكتامي:

كان والياً على حلب سنة ٤١٤ أيّام الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي.

وفي هذه السنة قصد حلب صالح بن مرداس، وكان بقلعتها خادم يعرف بموصوف فأما أهل البلد فسلّموه إلى صالح لإحسانه إليهم ولسوء سيرة المصريّين معهم.

وصعد ابن


ثعبان إلى القلعة فحصره صالح في القلعة فغار الماء الذي بها فلم يبق لهم ما يشربون فسلم الجند القلعة إليه.

١٩ - الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان الكتامي:

قال ابن القلانسي:

لمّا انصرف أمير الجيوش بدر عن ولاية دمشق هارباً، ندب لولايتها الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان والياً عليها، ووصل إليها في شهر رمضان من سنة ٤٥٦ وأقام بها وأمر ونهى على عادة أمثاله من الولاة. ثمّ اقتضى الرأي المستنصر صرفه عنها لشهاب الدولة دُرِي المستنصري.

٢٠ - الأمير حصن الدولة مُعَلى بن حيدرة بن منزو الكتامي:

ولي دمشق قهراً وغلبةً وقسراً من غير تقليد، في يوم الخميس الثامن من شوّال سنة ٤٦١ بحيل نمقها، ومحالات اختلقها ولفّقها، وذكر أنّ التقليد بعد ذلك وافاه فبالغ في المصادرات حينئذٍ، وارتكب من الظلم ومصادرة المستورين الأخيار ما هو مشهور من العنت والجور ما هو شائع بين الأنام مذكور، ولم يلق أهل البلد من التعجرف والظلم والعسف بعد جيش بن الصمصامة في ولاته ما لقوه من ظلمه وسوء فعلته وقاسوه من اعتدائه ولؤم أصله، ولم تزل هذه أفعاله إلى أن خربت أعمالها، وخلا عنها أهلها، وهان عليهم مفارقة أملاكهم، وسلوّهم عن أوطانهم، بما عانوه من ظلمه ولابسوه من تعدّيه وعَشَمه، وخلت الأماكن من قاطنيها، والغوطة من فلاّحيها، وما برح لقاء الله على هذه القضيّة المنكرة والطريقة المكروهة، إلى أن أجاب الله وله الحمد والشكر دعاء المظلومين، ولقّاه عاقبة الظالمين وحقّق الأمل فيه بالراحة منه، وأوقع بيه وبين العسكريّة بدمشق الشحناء والبغضاء، فخاف على نفسه الهلاك والبوار، فاستشعر الوبال والدمار، فلم يكن له إلاّ الهرب منهم، والنجاة من فتكهم ؛ لأنّهم عزموا على الإيقاع به، والنكاية فيه، وقصد ناحية بانياس فحصل فيها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة ٤٦٧، فأقام بها وعمرها عمره من الحمام وغيره فيها ثمّ خرج منها في أوائل سنة ٤٧٢ خوفاً من العسكر المصري أن يدركه فيها فيأخذه منها وحصل بثغر صور عند ابن عقيل القاضي المستولي عليها.

ثمّ سار من صور إلى طرابلس وأقام بها عند زوج أخته جلال الملك بن عمّار مدّةً، وأطلع إلى مصر فهلك في الاعتقال في سنة ٤٨١


وذلك جزاء الظالمين وما الله بغافلٍ عمّا يعملون. انتهى عن ابن القلانسي(١) .

وإليك ملخّص ما جاء في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي من أخبار حيدرة:

لمّا ولي بدر الجمالي دمشق سنة ٣٥٨، وجرى منه أُمور مع ذوي الجاه والنفوذ، ومنهم الشريف أبو طاهر ابن أبي الجن المنفذ معه خادم لإفساد أمر بدر بالشام وإثارة أهل دمشق عليه، ولما فعل بدر بالمذكورين ما فعل ثار أهل دمشق عليه وأغلقوا أبوابها وحاربوه وساعدهم حصن الدولة (حيدرة) بن منزو وراسلهم سمار بن سنان الكلبي وراسلوه وحالفوه.

وجاء عرب سمار فأغارت على قصر السلطنة بدمشق بظاهرها، وعاد بدر الجالي وراوحوه فأنفذ ثقله وأهله إلى صيدا ومضى خلفهم إليها.

وجمع ابن منزو عسكره وعسكر دمشق لقصد بدر، فلمّا عرف ذلك رحل إلى صور وحاصرها ومتولّيها القاضي الناصح ثقة الثقات عين الدولة أبو الحسن محمد بن عبد الله بن أبي عقيل، فحاصرها أيّاماً، وقرب منه ابن منزو فسار إلى عكاء وأقام أيّاماً دخل فيها بزوجته بنت رقطاش التركي ومضى إلى عسقلان.

وجاء الشريف ابن أبي الجن من مصر إلى دمشق، وكان أهلها هدموا قصر السلطنة ودرسوه، وكان عظيماً يسع ألوفاً من الناس.

وأقام على دمشق سبعة وعشرين يوماً ومعه حازم وحميد ابنا جرّاح اللذان اتفقا مع الشريف على الفتك ببدر.

ولمّا عجز بدر عن دمشق عاد إلى عكاء ؛ لأنّ الشريف والعساكر دفعوا عنها.

ولمّا رحل عن دمشق اختلف العسكر وأحداث البلد فنهب العسكر بعض البلد ونادوا بشعار بدر الجمالي، واستدعوا منهم صاحباً يكون عندهم، فأنفذ إليهم رجلاً يُعرف بالقطيان في جماعةٍ من أصحابه فدخل دمشق وهرب الشريف وولدا ابن منزو، وكان أبوهما قد مات على صور في هذه السنة، فنزل ابنا منزو على الكلبيين وسار الشريف طالباً مصر. وجرى بعد ذلك أمور لا علاقة لها بموضوع الكتاب فتركنا ذكرها.

٢١ - سنان الدولة بن حيدرة بن منزو الكتامي:

____________________

(١) في كامل ابن الأثير من أخباره ما خلاصته أن اتسز بن أوق الخوارزمي من أمراء السلطان ملكشاه قصد في سنة ٣٦٣ بلد الشام.


قد تقدّم في أخبار حيدرة بن منزو خروجه على بدر، وظفر بدر أخيراً بخصومه ورجوعه إلى ولاية دمشق، وفرار الشريف ابن أبي الجن وولدي ابن منزو من بدر، ونذكر هنا ما جاء في مرآة الزمان لسبط بن الجوزي عقيب استتباب الأمر لبدر.

من خبر سنان هذا قال:

ومضى سنان الدولة ولد ابن منزو إلى أمير الجيوش، وصالحه، وصاهره على أخته، وعاد إلى دمشق والياً عليها من قبل أمير الجيوش، وأطاعته المغاربة وسلّموها إليه فدخلها. أورد ذلك في حوادث سنة ٣٦٢.

٢٢ - القفي أخو حيدرة بن منزو:

قال سبط ابن الجوزي:

إنّ فيها يعني سنة ٣٦٢ استولى القفي مختص ابن أبي الجن أخو حيدرة المقتول على دمشق، وطرد نواب أمير الجيوش، واستولى على صور ابن أبي عقيل وعلى طرابلس قاضيها ابن عمّار (أبو طالب) وعلى الرملة والساحل ابن حمدان، ولم يبق لأمير الجيوش غير عكّا وصيدا.

هذه خلاصة أخبار رجال كتاميين مارسوا الولايات في عهد الخلافة الفاطميّة، وهم كما قال المقريزي في خططه:

(كانوا أصل دولة الخلفاء الفاطميّين) لم تكن أسماؤهم مجموعة في كتاب تاريخي ولا انتساب كثير منهم لكتامة معروفاً، وإنّما استخرجناها وجمعناها كما ترى بعد تتبّعٍ وتمحيصٍ وبعد مراجعة أمّهات الكتب التاريخية فكانت أخبارهم مبدّدةً نتفاً هنا وهناك، على أنّنا لا نضمن لأنفسنا أنّا أصبنا الغرض كلّه، ولكن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، ولقد يكون منهم من عمي علينا خبره، وهم كما سبق مادّة الدولة الفاطميّة وأصلها فلم ينتظم في عقد مجموعهم ولكنّنا بذلنا في ذلك أقصى المستطاع وغاية ما وصل إليه بحثنا، ولا يُكلّف المرء غير الطاقة، وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم.

وقد تبيّن من تضاعيف أخبارهم أنّ منهم مَن ساهم في الولايات الفاطميّة منذ تأسيسها في المغرب، وفي عهد بسط سلطانها في المشرق في مصر وبلاد الشام إلى أوائل العقد الثامن من القرن الخامس.

وقد تركنا أخبار بني عمّار أحد بطون كتامة إلاّ ما جاء عرضاً من ذلك حرصاً على نظم أخبارهم في سلكٍ واحدٍ وعقد بابٍ خاصٍّ بهم لنخلص منه إلى


قضاتهم الذين استمرّت ولايتهم على طرابلس إلى أوائل القرن السادس حيث انتزع سلطانها منهم الصليبيّون.

١ - الحسن بن عمّار بن علي بن أبي الحسين الكلبي

وفي الخطط: الحسن، بعد علي.

هو ابن أخي الحسن بن علي بن أبي الحسين الذي وُلِّي صقلية بعد رجال من كتامة وُلّوا إمارتها من بدء استخلاف أبي عبيد الله المهدي الفاطمي، كما عرفت ذلك من أخبارهم فيما سبق.

وُلِّي الحسن بن علي إمارة صقلية عقيب انتهاء فتنة أبي زيد الخارجي سنة ٣٣٦ هـ، وسبب ولايته، بعد أن مرّت فترة قصيرة على خروج إمارتهم عن قبيلهم، هو أنّ عطافاً الأزدي الذي كان والياً عليها استضعفه أهل بليرم واستضعفهم العدو لعجزه، ووثب به أهل المدنية يوم الفطر من سنة ٣٣٥.

ونجا عطاف إلى الحصن وبعث إلى المنصور يعلمه ويستمدّه، فولّى الحسن بن علي على صقلية وساسها أحسن سياسة، وخشي الروم بادرته فدفعوا إليه ثلاث سنين.

ثمّ بعث ملك الروم بطريقاً في البحر في عسكر إلى صقلية، فهزمهم الحسن وامتلأت يده من غنائمهم، وذلك في يوم عرفة سنة ٣٤٠.

ثمّ ملك خراجة وهادنه ملك الروم، ولمّا مات المنصور وملك ابنه المعزّ سار إليه الحسن واستخلف على صقلية ابنه أحمد، وأمره المعزّ بفتح القلاع التي بقيت للروم بصقلية، فغزاها وفتح طرمين سنة ٣٥١، ولمّا حاصر رمطة وأعيته وقد جاءها من القسطنطينية مددٌ عظيمٌ بعث يستمدّ المعزّ، فبعث إليه المدد بالعساكر والأموال مع والده الحسن.

وجاء مدد الروم فنزلوا مرسى مرسينة، وزحفوا إلى رمطة، ومقدّم الجيوش على حصارها الحسن بن عمّار وابن أخي الحسن بن علي بن أبي الحسين، فأحاط الروم بها وخرج أهل البلد إليهم وعظم الأمر على المسلمين، فاستماتوا في سبيل دفع الروم وكان من مشيئة الله تعالى أن هبّت عليهم ريح النصر على الأعداء فظفروا بهم وشتتوا شملهم.

وفي تاريخ أبي الفداء ج ٢ ما محصّله:

وفي سنة ٣٧٥ هـ: تولّى صقلية بعد عبد الله بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي الحسين ولده أبو الفتوح يوسف بن عبد الله، وبقي على ولايته وبات العزيز خليفة مصر


وتولّى الحاكم واستوزر ابن عمّ يوسف المذكور وهو حسن بن عمّار بن علي بن أبي الحسين، وبقي حسن وزيراً بمصر وابن عمّه يوسف أميراً بصقلية.

وإليك ما جاء في الخطط عن الحسن هذا وما كان له من المكانة في الدولة ونهاية أمره:

قال في ج ٣ في التعليق على خط قصر ابن عمّار:

(هو أبو محمد الحسن بن عمر بن علي بن الحسن الكلبي من بني أبي الحسين، أحد أمراء صقلية وأحد شيوخ كتامة، وصّاه العزيز بالله نزار بن المعزّ لدين الله لمّا احتضر هو والقاضي محمد بن النعمان على ولده أبي علي المنصور، فلمّا مات العزيز بالله واستخلف من بعده ابنه الحاكم بأمر الله، اشترط الكتاميّون وهم يومئذٍ أهل الدولة أن لا ينظر في أمورهم غير أبي محمد بن عمّار بعد ما تجمعوا وخرج منهم طائفة نحو المصلّى، وسألوا صرف عيسى ابن نسطورس وأن تكون الوساطة لابن عمّار، فندب لذلك وخلع عليه في ثالث شوّال سنة خمس وسبعين وثلاثمئة، وقُلّد بسيف من سيوف العزيز بالله، وحُمل على فرسٍ بسرج ذهب، ولُقب بأمين الدولة، وقيد بين يده عدة دواب وحمل معه خمسون ثوباً من سائر البز الرفيع، وانصرف إلى داره في موكبٍ عظيم، وقُرئ سجلّه، فتولّى قراءته القاضي محمد بن النعمان بجلوسه للوساطة وتلقيبه بأمين الدولة، وألزم سائر الناس بالترجّل إليه فترجّل الناس بأسرهم له من أهل الدولة، وصار يدخل القصر راكباً ويشق الدواوين ويدخل من الباب الذي يجلس فيه خدم الخليفة الخاصّة، ثمّ يعدل إلى باب الحجرة التي فيها أمير المؤمنين الحاكم، فينزل على بابها ويركب من هناك.

وكان الناس من الشيوخ والرؤساء على طبقاتهم يبكرون إلى داره فيجلسون في الدهاليز بغير ترتيب، والباب مغلق ثمّ يفتح فيدخل إليه جماعة من الوجوه، ويجلس في قاعة الدار على حصير وهو جالس في مجلسه، ولا يدخل له أحد ساعة ثمّ يأذن لوجوه مَن حضر: كالقاضي ووجوه شيوخ كتامة والقوّاد، فتدخل أعيانهم، ثمّ يأذن لسائر الناس فيزدحمون عليه بحيث لا يقدر أحد أن يصل إليه فمنهم من يومي بتقبيل الأرض، ولا يرد السلام على أحد، ثمّ يخرج فلا يقدر أحدٌ على


تقبيل يده سوى أناس بأعيانهم إلاّ أنّهم يومئون إلى تقبيل الأرض، وشرف أكابر الناس بتقبيل ركابه وأجلّ الناس من يقبل ركبته.

وقرّب كتامة وأنفق فيهم الأموال وأعطاهم الخيول وباع ما كان بالاصطبلات من الخيل والبغال والنجب وغيرها، وكانت شيئاً كثيراً، وقطع أكثر الرسوم التي كانت تطلق لأولياء الدولة من الأتراك، وقطع أكثر ما كان في المطابخ، وقطع أرزاق جماعة، وفرّق كثيراً من جواري القصر وكان به من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم، فباع من اختار البيع وأعتق من سأل العتق طلباً للتوفير، واصطنع أحداث المغاربة، فكثر عتيُّهم وامتدّت أيديهم إلى الحرام في الطرقات وشلّحوا الناس ثيابهم، فضجّ الناس منهم واستغاثوا إليه بشكايتهم. فلم يبد منهم كبير نكر، فأفرط الأمر حتّى تعرّض جماعةٌ منهم للغلمان الأتراك وأرادوا أخذ ثيابهم، فثار بسبب ذلك شر قُتل فيه غلام من الترك وحدث من المغاربة، فتجمّع شيوخ الفريقين واقتتلوا يومين آخرهما يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمئة، فلمّا كان يوم الخميس ركب ابن عمّار لابساً آلة الحرب وحوله المغاربة، فاجتمع الأتراك واشتدت الحرب وقتل جماعة وجرح كثير فعاد إلى داره وقام برجوان بنصرة الأتراك، فامتدت الأيدي إلى دار ابن عمّار واصطبلاته ودار رشا غلامه فنهبوا منها ما لا يُحصى كثرةً، فصار إلى داره بمصر في ليلة الجمعة لثلاث بقين من شعبان واعتزل عن الأمر فكانت مدّة نظره أحد عشر شهراً إلاّ خمسة أيّام.

فأقام بداره في مصر سبعة وعشرين يوماً ثمّ خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة، فعاد إلى قصره هذا ليلة الجمعة الخامس والعشرين من رمضان.

فأقام به لا يركب ولا يدخل إليه أحدٌ إلاّ أتباعه وخدمه، وأطلقت له رسومه وجراياته التي كانت في أيّام العزيز بالله ومبلغها من اللّحم والتوابل والفواكه خمسمئة دينار في كلّ شهر، وفي اليوم سلّة فاكهة بدينار وعشرة أرطال شمع ونصف حمل ثلج.

فلم يزل بداره إلى يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين وثلاثمئة فأذن له الحاكم في الركوب إلى القصر، وأن ينزل موضع نزول الناس، فواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشرة، فحضر عشيّةً إلى القصر وجلس مع مَن حضر فخرج إليه الأمر بالانصراف، فلمّا انصرف ابتدره جماعةٌ من الأتراك وقفوا له فقتلوه واحتزّوا رأسه ودفنوه مكانه، وحُمل


الرأس إلى الحاكم، ثمّ نُقل إلى ترتبه بالقرافة فدُفن فيها.

وكانت مدّة حياته بعد عزله إلى أن قتل ثلاث سنين وشهراً واحداً وثمانية وعشرين يوماً وهو من جملة وزراء الدولة المصرية ووُلي بعده برجوان.

وقال ابن خلدون في تاريخه:

(في سنة ٣٨٦ ولي الحاكم بعد وفاة أبيه العزيز ولقّب بالحاكم بأمر الله، واستولى برجوان الخادم على دولته كما كان لأبيه العزيز بوصيّته بذلك، وكان مدبّر دولته وكان رديفه في ذلك أبو محمد الحسن بن عمّار ويلقّب بأمين الدولة. وتغلّب ابن عمر وانبسطت أيد كتامة في أموال الناس وحرمهم، ونكر منجوتكين تقديم ابن عمّار في الدولة وكاتب برجوان بالموافقة على ذلك، فأظهر الانتقاض وجهّز العساكر لقتاله مع سليمان بن جعفر بن فلاح، فلقيهم بعسقلان وانهزم منجوتكين وأصحابه، وقتل منهم ألفين وسيق أسيراً إلى مصر، فأبقى عليه ابن عمّار واستماله للمشارقة، وعقد على الشام لسليمان بن فلاح ويكنّى أبا تميم، فبعث منطبرية أخاه عليّاً إلى دمشق فامتنع أهلها فكاتبهم أبو تميم وتهدّدهم وأذعنوا ودخل على البلد ففتك فيهم.

ثمّ قدم أبو تميم فأمن وأحسن وبعث أخاه عليّاً إلى طرابلس وعزل عنها جيش بن الصمصامة، فسار إلى مصر وداخل برجوان في الفتك بالحسن بن عمر وأعيان كتامة، ثمّ ثارت الفتنة واقتتل المشارقة والمغاربة فانهزمت المغاربة واختفى ابن عمار، وأظهر برجوان الحاكم وجدّد له البيعة وكتب إلى دمشق بالقبض على أبي تميم بن فلاح، فنهب ونُهبت خزائنه واستمرّ القتل في كتامة واضطربت الفتنة بدمشق واستولى الأحداث، ثمّ أذن برجوان لابن عمّار في الخروج من استتاره وأجرى له أرزاقه على أن يقيم بداره.

وذكر أبو يعلى بن القلانسي في كتابه: (ذيل تاريخ دمشق ) بعد ذكره خروج العزيز إلى بلاد الشام بعساكره الجرّارة لمحاربة الفتكين (هفتكين) والحسن القرمطي اللذين تغلّبا على جوهر وتخلّص منهما بدهائه، وانتهى الأمر بانتصار العزيز وفرار القرمطي والقبض على الفتكين وإكرام العزيز له بنصب دست خاصٍّ به ليجلس عليه، وامتناعه من الجلوس فيه وقعوده بين يديه ؛ قال:

(وأتاه بعد ساعة أمين الدولة الحسن بن عمّار وهو أجلّ كتّابه، وجوهر ومعهما عدّة من الخدم على أيديهم الثياب، فسلّما عليه وأعلماه رضى العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة الواقعة منه، وألبسه جوهر دستاً من


ملابس العزيز كان في جملة الثياب ؛ وقال له: (أمير المؤمنين يقسم عليك بحقّه ألاّ طرحت سوء الاستشعار وعدت إلى حال السكون والانبساط، فجدّد الدعاء وتقبيل الأرض)

وشكر جوهراً على ما ظهر منه في أمره، وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه، وكان ذلك في سنة ٣٦٥ ومن هذا يظهر أن ابن عمر كان من المقدّمين في دولة العزيز ومن كبار كتّابه وكان ملقّباً في عهده بأمين الدولة لا في خلافة الحاكم وكيف يوفق بين هذا وبين ما سبق في ما نقلناه عن أبي الفداء في سنة ٣٧٥ من تولّي أبي الفتوح يوسف بن عبد الله صقلية في هذه السنة).

١ - في الخطط جزء ٢:

قال ابن زولاق في كتاب سيرة المعز:

في يوم عاشوراء من سنة ٣٦٣ انصرف خلف من الشيعة وأشياعهم إلى المشهدين: قبر كلثوم ونفيسة، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالاتهم بالنياحة والبكاء على الحسين، وكسروا أواني السقّائين في الأسواق وشقّقوا، إلى أن مات العزيز وتولّى الحاكم واستوزر ابن عمّ يوسف حين بلغو مسجد الريح، وثارت عليهم جماعة من رعيّة أسفل، فخرج أبو محمد الحسين بن عمّار، وكان يسكن هناك في دار محمد بن أبي بكر، وأغلق الدرب ومنع الفريقين، ورجع الجميع فحسن موقع ذلك عند المعز، ولولا ذلك لعظمت الفتنة.

الحسن بن عمّار(١) :

وجاء في تاريخ ابن القلانسي في حوادث سنة ٣٨٦ التي توفّي فيها العزيز، وقام بعده ولده الحاكم وكان عمره عشر سنين (وغير ابن القلانسي يقول إحدى عشرة سنة ونيّف): وتقدّم أبو محمد الحسن بن عمر وكان شيخ كتامة وسيّدها ولُقّب بأمين الدولة وهو أوّل من لُقّب

____________________

(١) وفي خطط المقريزي ج ٢ ص ٢٠٧: لمّا ظفر العزيز بهفتكين واصطنعه سنة ٣٨٠ والقائد جوهر وابن عمر ومن دونهما من أهل الدولة مشاة في ركابه وكانت يد جوهر في يد ابن عمّار فزفر ابن عمّار زفرة كاد أن ينشقّ لها، وقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فنزع جوهر يده منه، وقال: قد كنت عندي يا أبا محمد أثبت من هذا فظهر منك إنكار في هذا المقام لأحدثنّك حديثاً عسى سيسليك عمّا أنت فيه، والله ما وقف على هذا الحديث أحدٌ غيري إلخ.


في دولة مصر، واستولى على الأمر وبسط يده في الإطلاق والعطاء والصلات بالأموال والثياب والخباء وتفرقة الكراع، وكان في القصر عشرة آلاف جارية وخادم، فبيع منهم مَن اختار البيع وأعتق مَن سأل العتق، ووهب مِن الجواري لمَن أحبّ وآثر.

وانبسطت كتامة وتسلّطوا على العامّة ومدّوا أيديهم إلى حُرمهم وأولادهم، وغلب الحسن بن عمّار على الملك وكتامة على الأمور، وهمّ الحسن بقتل الحاكم وحمله على ذلك شيوخ أصحابه، وقالوا: لا حاجة لنا إلى إمامٍ نقيمه ونتعبّد له. فحمله صغر سنّه والاستهانة بأمره على إقلال الفكر فيه وإن قال لمن أشار عليه بقتله وما قدّر هذه الوزغة حتّى يكون منها ما نخاف (يعني بذلك برجوان سمّاه الحاكم بذلك)، وبرجوان في أثناء ذلك يحرس الحاكم ويلازمه ويمنعه من الركوب ولا يفسح له في مفارقة الدور والقصور.

وقد كان شكر العضدي اتفق مع برجوان وعاضده في الرأي والفعل وصارا على كلمةٍ سواء في كلّ ما ساء (و) سرّ ونفع وضرّ، وتظاهرا على حفظ الحاكم في وصاة والده العزيز به، إلى أن تمّت السلامة لهما فيه.

وأمّا منجوتكين وما كان منه بعد نوبة الروم فإنّه أقام بدمشق على حاله في ولايتها، وزاد أمر الحسن بن عمّار وكتامة وقلّت مبالاتهم بالسلطان، فكتب برجوان إلى منجوتكين يعرّفه استيلاء المذكورين على الأمور، وغلبتهم على الأموال، وتعدّيهم إلى الحرم والفروج وقبيح الأعمال، ورفعهم المراقبة للخالق والحشمة من المخلوقين، وإبطالهم رسوم السياسة وإضاعة حقوق الخدمة، وإنّهم قد حصروا الحاكم في قصره وحالوا بينه وبين تدبير أمره، ويدعوه إلى مقابلة نعمة مولاه العزيز عنده بحفظ ولده والوصول إلى مصر وقمع هذه الطائفة الباغية.

وقال: إنّ الديلم والأتراك والعبيد الذين على الباب، يساعدونه على ما يحاول فيهم ويكونون معه أعواناً عليهم، فامتثل منجوتكين ما في الكتاب عند وقوفه عليه، وسارع إليه وركب إلى المسجد الجامع في السواد، وجمع القوّاد والأجناد ومشايخ البلد وأشرافه، وفيهم موسى العلوي، وله التقدّم والخيرة وأذكرهم بحقوق العزيز وما كان منه من الإحسان إلى الخاص والعام، وحسن السيرة في الرعيّة واعتقاد الخير للكافّة، وخرج من ذلك إلى ذكر ما له عليه من حقوق الاصنطاع


والتقدّم والاصطفاء والتعديد للتنويه (في الأصل التمويه) باسمه، وما يلزمه في خدمته حيّاً وميتاً ومناصحته معدوماً ومفقوداً وموجوداً، وقال:

(وإذ قبضه الله إليه ونقله إلى ما اختاره له وارتضاه وحكم به وأفضاه، فإنّ حقوقه قد انتقلت إلى نجله وسليله الحاكم بأمر الله أمين المؤمنين، وهو اليوم والي النعمة وكالقائم مقامه العزيز بالله (رحمه الله) في استحقاق الطاعة والمناصحة والخدمة.

وقد تغلّب على الملك الحسن بن عمّار وكتامة وصار إخواننا المشارقة بينهم كالذّمة بين المسلمين وما يسعنا الصبر على هذه الصورة، وتسليم الدولة إلى هذه العصابة المتسلّطة، وخرق ثيابه السود وبكى البكاء الشديد فاقتدى الناس به في تخريق الثياب والبكاء ؛ ثمّ قالوا: ما فينا إلاّ سامع لك مطيع لأمرك ومؤثر ما تؤثر وباذل مهجته في طاعة الحاكم وخدمته وخدمتك، ومهما رسمت لنا من خدمة وبذل نفس كنّا إليه مسارعين، ولأمرك فيه طائعين، إلى أن تبلغ مُناك وترك مبتغاك في نصرة مولانا.

فشكرهم على هذا المقال وقوّى عزائمهم وآراءهم على المتابعة له والعمل بما يوافقه، وعاد إلى داره ووضع العطاء في الرجال وبرَّز إلى ظاهر دمشق.

وقد اشتملت جريدة الإثبات على ستّة آلاف من الأجناد السائرين معه خيلاً ورجالاً، وكتب إلى الحسن بن عمّار على أجنحة الطيور ومع أصحاب البريد بشرح ذلك الحال، فلمّا وقف على الخبر عظم عليه وقلق وجمع وجوه كتامة، وأعاد عليهم ما ورد من خبر منجوتكين وما هو مجمع عليه في بابهم، وقال: ما الرأي عندكم؟

قالوا: نحن أهل طاعتك والمسارعون إلى العمل بإشارتك، وأظهر أنّ منجوتكين قد عصى على الحاكم وجرى مجرى الفتكين المعزي البويهي، وندب الناس قتاله، وتقدّم إلى الخزّان في خزائن أموال العزيز بإطلاق الأموال، وإلى العرّاض بتجريد الرجال والإنفاق فيهم، وأحضر البرجوان وشكر العضدي، وقال لهما:

أنا رجل شيخ وقد كثر الكلام عليّ والقول فيَّ، وما لي غرض إلاّ حفظ الأمر للحاكم، ومقابلة اصطناع العزيز وإحسانه إليّ، وأريد مساعدتكما ومعاضدتكما وأن تحلفا لي على صفاء النيّة، وخلوص العقيدة والطويّة، فدعتهما الضرورة إلى الانقياد له والإجابة إلى ما سأله منهما، واستأنف معهما المفاوضة والمشاورة والإطلاع لهما على مجاري الأُمور، ووجوه


التدبير في الجمور واستمالة المشارقة، وندب أبا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح وقدّمه وجعله (اسفسكو) الجيش وأمره بالمسير إلى الشام وأطلق له كل ما التمس من المال والعدد والرجال والسلاح والكراع، وأسرف في ذلك إلى حدّ لم يقف عنده، وجرّد معه ستّة عشر ألف رجلٍ وبرز إلى عين شمس، وكان عيسى بن نسطورس الوزير على حاله في الوزارة، فبلغ ابن عمر عنه ما أنكره فقبض عليه ونكبه وقتله.

وسار سليمان بن فلاح من مصر ودخل منجوتكين إلى الرملة فملكها وأخذ أموالها، فتقوّى بها وكان معه المفرج بن دغفل بن الجراح وسنان بن عُليان، ونزل سليمان عسقلان وسار منجوتكين حتّى نزل بظاهرها، وتقاتل الجيشان فلمّا كان بعد ثلاثة أيّام من تقاربهما وتقاتلهما، ضرب كلّ واحدٍ منهما مصاف عسكره وعمل على مناجزة صاحبه.

واستأمنت العرب من أصحاب ابن جراح وابن عُليان إلى سليمان، فاستظهر وقتل من أصحاب منجوتكين أربعة قوّاد في وقتٍ واحدٍ، وانهزم منجوتكين وقتل من الديلم عدّة كثيرة ؛ لأنّهم لجأوا عند الهزيمة إلى شجر الجمِّيز واختفوا به، فكان المغاربة ينزلونهم منها ويقتلونهم تحتها، وأُحصيت القتلى فكانوا من أصحاب منجوتكين ألفي رجل.

وسار سليمان إلى الرملة وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم والأموال والكراع، وبذل لمَن يحضر منجوتكين عشرة آلاف دينار ومئة ثوب، فانبثّت العرب في طلبه، وأدركه عليّ بن جراح فأسره وحمله إلى سليمان فأخذه منه وأعطاه ما بذل له، وحمله مع رؤوس القتلى من أصحابه إلى مصر، فشهرت الرؤوس وأبقى على منجوتكين الحسن بن عمّار واصطنعه واستمال المشارقة به ونزل سليمان طبريّة.

وكان أهل دمشق قد أثاروا الفتنة ونهبوا دار منجوتكين وخزائنه، وما فيها من مال السلطان وعدده، فأنفذ أخاه عليّاً إليها في خمسة آلاف رجل، فلمّا وصلها ناوش أهلها وناوشوه واعتصموا بالبلد ومنعوا الدخول إليه، وكتب إلى سليمان أخيه يعلمه مخالفتهم وعصيانهم، ويستأذنه في منازلتهم وقتالهم، فأذن له في ذلك وأعلمه مسيره إليّ، وكتب إلى موسى العلوي والأشراف والشيوخ بالإنكار عليهم بتسلّط العامّة فيما ارتكبوا من النهب والإفساد، وتقاعدهم عن الأخذ على أيديهم والردع لهم، والتوعّد بالمسير إليهم والمقابلة لهم


بما يقتضيه الرأي، فلمّا وقفوا على ما ذكره خافوا، وخرجوا إلى أخيه عليّ ولقوه وأعلموه أنّهم على الطاعة والإنكار لمّا أُجري إليه الجهّال، فركب عليٌّ وحارب أهل دمشق وزحف إلى باب الحديد والنفّاطون معه فانهزموا منه، وملك البلد وطرح النار في الموضع المعروف بحجر الذهب، وهو أجلّ موضعٍ في البلد، وقتل خلقاً كثيراً من رجاله، وعاد بعد ذلك إلى معسكره، ووافى من غدٍ أخاه سليمان في عسكره، فأنكر عليه إحراق ما أحرق وبلوغه في الإفساد ما بلغ.

وتلقاه الأشراف والشيوخ والناس وشكوا إليه ما لحقهم وتلف من دورهم وأملاكهم وأموالهم، فأمنهم وكف المغاربة عنهم وأظهر اعتقاده الجميل فيهم، وكتب المناشير بالصفح عن الجناة وإيمان الكبير والصغير منهم، ورفع الكلف والمؤن عنهم وإفاضة العدل والإنصاف فيهم، وكوتب في المسجد الجامع على رؤوس الإشهاد، فسكنت إلى ذلك النفوس واطمأنّت به القلوب ورجعوا إلى ما كانوا عليه واختلط المغاربة بهم.

وركب القائد سليمان إلى الجامع في يوم الجمعة بالطيلسان على البغل السندي، وخرق في البلد بالسكينة والوقار وبين يديه القرّاء وقوم يفرّقون قراطيس دراهم الصدقات على أهل المسكنة والحاجة، وكان لهذا القائد نفس واسعة، وصدر رحب وقدَم في الخير متقدِّمة، ورغبة في الفعل الجميل مشهورة ومقاصد في الصلاح مشكورة بعد الحسن بن عمر.

ولمّا صلَّى عاد إلى القصر الذي بني بظاهر البلد، ونزل فيه وقد استمال قلوب الرعية والعامّة بما فعله، وأظهره من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه، وإطلاق جماعة كانت في الحبوس من أرباب الجرائم المتقدّمة والجنايات السالفة.

واستقام له الأمر واستقرّت على الصلاح الحال، وصلحت أحوال البلد وأهله بما نشر فيه من العدل، وحكم به من الإنصاف، وأحسنه من النظر في أمور السواحل، بصرف من صرفه من ولاتها الجائرين، واستبدل بهم من شيوخ كتامة وقوّادها، وردَّ إلى عليٍّ أخيه ولاية طرابلس الشام، وصرف عنها جيش بن الصمصامة، فمضى جيش إلى مصر من غير أن يقصد القائد سليمان ويجتمع معه، وكان جيش هذا من شيوخ كتامة - أيضاً - إلاّ أنّ سليمان كان سيئ الرأي فيه لعداوةٍ بينه وبينه، فلمّا حصل جيش بمصر قصد برجوان سرّاً وطرح


نفسه عليه واعلمه بغض أهل الشام للمغاربة واستيحاشهم منهم، فأولاه برجوان الجميل قولاً ووعداً وبذل له المعونة على أمره، وتأمّل برجوان ما يلي به في الأحوال من الحسن بن عمّار وكتامة، وما خافه على نفسه منهم وأنّ مصر والقاهرة قد خلتا إلاّ من العدد الأقلّ منهم، وأمكنته الفرصة فيما يريده منهم، فراسل الأتراك والمشارقة، وقال لهم:

قد عرفتم صورتكم، وصورة الحاكم مع هؤلاء القوم وأنّهم قد غلبوا على المال وغلبوكم، ومتى لم تنتهز الفرصة في قلّة عددهم وضعف شوكتهم، سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد التفريط فيه واستدراك الغاية منه.

وأوثقهم على الطاعة والمساعدة فبذلوها له، ووثقوا له في كلّ ما يريده وأحسّ الحسن بن عمّار بما يريد برجوان وشرع فيه وفي الفتك به، وسبقه إلى ما يحاوله فيه، ورتّب له جماعة في دهليزه وواقفهم على الإيقاع به وبشكر إذا دخلا داره، وكان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمّار، فصاروا إليه واعلموه ما قد عمل عليه، واجتمع برجوان وشكر وتفاوضا الرأي بينهما في التحرّز ممّا بلغهما، وقرّرا أن يركبا ويركب على أثرهما من الغلمان جماعة (فإن أحسّوا وأحسسنا على باب الحسن ما يريبنا رجعنا وفي ظهورنا مَن يمنع منّا)، فرتّبا هذا الأمر وركبا إلى دار الحسن وكانت في القاهرة ممّا يلي الجبل، فلمّا قربا من الباب بانت لهما شواهد ما أُخبرا به، فحذرا وعادا مسرعين، وجرّد الغلمان الذين كانوا معهما سيوفهم، ودخلا إلى قصر الحاكم يبكيان لديه ويستصرخان به.

وثارت الفتنة واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وعبيد الشرا بالسلاح على باب القصر، وبرجوان يبكي، ويقول لهم: يا عبيد مولانا احفظوا العزيز في ولده وارعوا فيه ما تقدّم من حقّه، وهم يبكون لبكائه، وركب الحسن بن عمّار في كتامة ومَن انضاف إليهم من القبائل وغيرهم، وخرج إلى الصحراء وتبعوه وتبعه وجوه البلد، فصار في عددٍ كثير، وفتح برجوان خزائن السلاح وفرّقه على الغلمان والرجال وأحدقوا ومَن معهم بالقصر من المشارقة والعامّة بقصر الحاكم، وعلى أعلاه الخدم والجواري يصرخون، وبرز منجوتكين وبارجكتن وينال الطويل وخمسمئة فارس من الغلمان، ووقعت الحرب بينهم وبين الحسن إلى وقت الظهر، وحمل الغلمان عليه فانهزم، وزحفت العامّة إلى داره فانتهبوها وفتحوا


خزائنه وفرّقوا ما فيها.

والتجأ الحسن إلى بعض العامّة فاستتر عنده، وتفرّق جميع مَن كان معه، وفتح برجوان باب القصر وأجلس الحاكم وأوصل إليه الناس، وأخذ له بيعة مجددة على الجند، فما اختلف عليه أحد، وكتب الأمانات لوجوه كتامة وقوّاد الدولة وراسلهم بما تطيب به نفوسهم من إقامة عذرهم فيما كان منهم، فحضرت الجماعة وأعطت أيمانها على السمع والطاعة ؛ فاستقام الأمر لبرجوان، وكتب الكتب إلى اشراف دمشق ووجوه أهلها ويأمرهم بتطييب نفوسهم، وبعثهم على القيام على القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن فلاح، والإيقاع به، وكتب إلى مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على المذكور والإعانة لهم عليه.

أمّا ما كان من أثر لما كتبه برجوان لدمشق بشأن ابن فلاح فقد تقدّم ذكره في أخباره فلا نعيده.

٢ - رئيس الرؤساء أبو الحسن عمّار بن محمد الكلبي الكتامي:

في الخطط للمقريزي ج ٢ في ترجمة الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله الذي بُويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه الحاكم، يوم عيد النحر سنة ٤١١ وهو ابن ستّ عشرة سنة، قال:

(ووزر له الخطير رئيس الرؤساء أبو الحسن عمّار بن محمد، وكان يلي ديوان الإنشاء وغيره، واستوزره الحاكم إلى أن فقد فتولّى البيعة للظاهر، ثمّ قُتل بعد سبعة أشهر في ربيع الأوّل سنة ٤١٢).

وهذا هو ممدوح عبد المحسن الصوري الشاعر المعروف، ففي مفتتح ديوانه يقول: قال يمدح الأمير رئيس الرؤساء عمّار بن محمد مستهلّ القصيدة:

أرأيت ما صنع القريب النائي أيّـام أعرب في حديث بكائي

وقال في آخرها يمدحه:

إن لا تكن نلت الوزارة ناشئاً فـلقد نـشأت مدبّر الوزراءِ

في نور مكرمةٍ ونار عزيمةٍ يـتناهبان غـياهب الظلماءِ

٣ - القاضي جلال الدين بن عمار الكلبي الكتامي:


ذكر السيوطي في كتابه (حسن المحاضرة ) في قضاة مصر من بني عمّار القاضي جلال الدولة أبا القاسم علي بن أحمد بن عمّار، قال: ولي القضاء سنة ٤٧٢ ثمّ صُرف، وولي بعده سنة ٤٧٥ أبو الفضل هبة الله بن الحسين بن عبد الرحمان بن نباتة، وذكره محمد بن دانيال الموصلي بين مَن ولوا قضاء مصر في أرجوزته، فقال:

ثـمّ جلال الدولة ابن القاسم عاد فأضحى وهو خير حاكم

وفي كامل ابن الأثير ج ١٠ في حوادث سنة ٤٨٧، وهي السنة التي مات فيها المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله العلوي.

ولمّا مات ولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي بالله، وكان قد عهد في حياته بالخلافة لابنه نزار، فخلعه الأفضل وبايع المستعلي بالله، وكان لهذا الخلع سببه ؛ فإنّ نزاراً أساء للأفضل في حياة أبيه إساءةً أحفظه بها وحقدها عليه، فلمّا مات المستنصر خلعه خوفاً منه على نفسه، وبايع المستعلي، فهرب نزار إلى الاسكندرية إلى ناصر الدولة افتكين، وتسلّم المستعلي نزاراً وبنى عليه حائطاً، فمات، وقتل القاضي جلال الدولة بن عمّار ومَن أعانه.

٤ - في الخطط للمقريزي ج ٢ في ترجمة أمير الجيوش أبي النجم بدر الجمالي:

كان مملوكاً أرمنياً لجمال الدولة بن عمّار، فلذلك دُعي بالجمالي، ارتقت به الحال حتّى ولي إمارة دمشق من قِبَل المستنصر، في يوم الأربعاء ثالث عشرين ربيع الآخر سنة ٤٦٥.

أمّا القلانسي فيقول:

إنّ إمارته على دمشق كانت في الشهر، إلاّ أنّها كانت سنة ٤٥٥، وفي السنة التي يؤرّخ المقريزي بها ولايته على دمشق هي السنة التي استولى فيها على الوزارة في مصر.

هؤلاء أربعة رجال من بني عمّار ممّن ساهموا في بعض الولايات في مصر، أفردناهم بالذكر عن ذوي قراباتهم ولاة طرابلس وقضاتها، وهم الذين خصصناهم بهذا التأليف، وما كان كلّ ما أطلنا به الكلام إلاّ مقدّمة - وإن طالت - لتاريخ هؤلاء القضاة، وتعريفاً بهم وبقديمهم، وما إخال أنّ


القارئ يضجر ويتبرم مِن مثل هذا البحث التاريخي الذي كانت حوادثه متقطعة غير مرتبطة بصلة، وقد بذلنا غاية المستطاع في ربطها وفي رجوع مَن أفرد التأليف لهم إلى نسبهم الكتامي، وهذا ما يشفع للإسهاب والإطالة، ويعذرني من الوقوع في الخطأ، فما أخذت ذلك عن كتابٍ مؤلّف منفرد، وما أضمن لنفسي أنّني قد استوفيت ذكر كلّ الرجال الكتاميين المساهمين في الدولة الفاطميّة، فقد يكون قد فاتني منهم رجال ولكنّني قد أسّست تاريخاً لهم، فإن لم أفِ به كلّ أخبارهم فقد فتحت باباً للباحثين المولعين بدقائق التاريخ فلعلّهم يتمّون ما لعلّه نقص ولم يصل إليّ علمه، فإنّ المصادر التي اعتمدتها محصورة، وقد يكون هناك مصادر أُخرى يعثر عليها غيري فيتمّ ما نقص من بحثي، وبيده تعالى التسديد والتأييد وهو نعم المعين والنصير.


عهد سكنى بني عمّار طرابلس وولايتهم إمارتها وقضاءها

ليس لدينا مصدر تاريخي يمكننا الرجوع إليه في تحديد العهد الذي سكن فيه بنو عمّار طرابلس، والعهد الذي تولّوا به إمارتها وقضاءها، وذلك ما أغفله كما أغفل كلّ ما يتعلّق بهم مؤرخو عصرهم، وهم لم تُذكر أسماء مَن ذُكر منهم إلاّ عرضاً، فكان المهم عند مؤرّخي أزمانهم ذكر الحوادث فحسب.

ومع ما للأشخاص من المكانة في المجتمع والتأثير في السياسة من علاقة في تاريخ الحوادث، فلم يكن ذلك ممّا يُعنى به أولئك المؤرّخون، فلم يتركوا لمَن كتب بعدهم تاريخ تلك الأيّام إلاّ رسوماً عافية لا تبلغ غرضاً ولا تخرج بهم عن الرجم في الظن، وهو لا يُغني من الحق شيئاً، ولا هو من مصادر التاريخ الذي من أقصى أهدافه: تقييد الوقائع الحادثة المتجدّدة وتسجيل أسماء رجالها وعلاقتهم بها وبحال مجتمعاتهم، ولكنّ ذلك إن درج عليه مؤرّخو عصرنا الحاضر ودعاهم ذلك الإهمال السابق إلى الإهمال اللاحق لبطل التاريخ.

وحسب المؤرّخ أن يكون في مثل هذا الموقف معتمداً على الاستنتاج ممّا يمرّ به من المدوّنات وما لا يبعد عن الواقع، بعرضه على أُمور تجعل لذلك الاستنتاج قيمةً تاريخيّةً.

إنّ البحث عن قضاة طرابلس يرجع إلى أمرين بل إلى ثلاثة:

الأوّل: تحديد زمن سكناهم لها.

الثاني: ولا يتهم قضاءها.

الثالث: ولاية الإمرة مع القضاء.

أمّا تحديد زمن سكناهم، فإن لم يعرض له المؤرّخون، فإنّا نستنتج من تأليف العلاّمة الرحّالة أبي الفتح محمد بن علي الكُراجكي المتوفّى سنة (٤٤٩) كتباً بأسماء رجال من بني عمّار، أنّهم كانوا في طرابلس قبل هذا التاريخ بمدّة، فقد ألّف كتاباً باسم أبي الكاتب بطرابلس، وكتاباً


باسم القاضي الجليل أبي طالب عبد الله بن محمد بن عمّار، وكتاباً آخر باسم أبي الكتائب.

وأمّا ولايتهم القضاء فيستدلّ - أيضاً - من ذكر الكراجكي لأبي طالب موصوفاً بالقاضي الجليل، أنّ منهم مَن ولي قضاء طرابلس قبل تاريخ وفاة الكراجكي بمدّة.

وأمّا الإمرة، فيظهر أنّ أوّل مَن وليها منهم مع القضاء هو أبو طالب في سنة ٤٦٣ ؛ حيث يقول المؤرّخون إنّه استولى على طرابلس قاضيها أبو طالب، كما استولى غيره على غيرها، وإنّما كانت ولايتهم على ما بأيديهم كانت بطريق الغلبة لا بطريق الانتداب، وإنّما كان ذلك في عهد ضعف الدولة العلويّة، وغلبة المستبدّين على الأطراف، وفي عهد استيلاء وزراء الدولة على مقاليد الحكم، ونزع كلّ سلطة من الخليفة المصري العلويّ، كما كان الأمر في الخلافة العبّاسية والخلفاء العبّاسيّين، الذين لم يكن لهم من الحكم والسلطان شيء، بل كانوا أنفسهم محكومين للسلطان المتغلّب أو الوزير النافذ.

وممّا يدلّ على أنّ ولايتهم في طرابلس كانت محصورةً في القضاء: أنّه في سنة ٤٥٩ لمّا بعث المستنصر إلى محمود بن الروقلية المتغلّب على حلب، يطالبه بحمل المال وغزو الروم وصرف ابن خاقان ومَن معه مِن الغز، فلم يجبه، وقال: إنّه لا مال له وإنّه هادن الروم وأعطى ولده رهينة على مالٍ اقترضه منهم، فندب المستنصر بدراً الجمالي أمير الجيوش إلى محاربته، فدخل ابن عمّار صاحب طرابلس بينهما وأصلح الحال.

وبعد هذا البحث والتمهيد نعود إلى سرد أسماء مَن عرفنا من قضاة بني عمّار.

١ - أبو طالب بن عمّار:

هكذا ردّد اسمه المؤرّخون، واسمه كما عند الكراجكي عبد الله بن محمد بن عمّار، ومثل ذلك ذكر في ديوان ابن الخيّاط الشاعر المعروف المتوفى سنة ٥٩٧، وذكر اسمه في قصيدةٍ أنشدها شمس الملك أبا الفرج محمد بن أمين الدولة أبي طالب في طرابلس، حيث قال:

وكـأنّ عبد الله عبد الله في حركات همّته وفضل سكونه

أي: كأنّ عبد الله ابن الممدوح عبد الله أبو الممدوح وهو أبو


طالب، وفي خطط الشام: أبو طاب الحسن بن عمّار.

قد استبدّ كما عرفت بإمرة طرابلس مع القضاء في سنة ٤٦٣، وكان ذلك في عهد ولاية أمير الجيوش بدر الجمالي على ديار الشام.

وقد جاء عنه في تاريخ ابن عساكر بترجمة الأمير أبي الحسن علي بن المقلد بن منقذ، صاحب حصن شيزر المتوفّى سنة ٤٧٩ أو ٤٧٥ ما ملخّصه: كانت بينه وبين ابن عمّار صاحب طرابلس مودّة وكيدة ومكاتبات.

وسببه أنّه كان له مملوك يُسمّى رسلان، وكان زعيم عكسره، فبلغه عنه ما يكره ؛ فقال له: اذهب عنّي وأنت آمن على نفسك.

فقصد ابن عمّار إلى طرابلس، وسأله أن يسأل أبا الحسن في ماله وحرمه، فسأله، فأمر بإطلاقهم وكان قد اقتنى مالاً كثيراً.

فلمّا خرج الرسول بالمال والحريم لحقه أبو الحسن فظنّ أنّه قد بدا له.

فقال: غدرت بعبدك ورغبت في ماله، فقال له: لا والله ولكن لكلّ أمرٍ حقيقة، حطّوا عن الجمال والبغال أحمالها، فحطّوا، فقال: أبصروا ما عليها، فنظروا فإذا في قدور النحاس خمسة وعشرون ألف دينار، ومن المتاع ما يساوي مثلها وزيادة، فقال أبو الحسن للرسول: أبلغ ابن عمّار سلامي وعرّفه بما ترى ؛ لئلاّ يقول رسلان إنّني أخذت ماله.

ثمّ إنّ أبا الحسن زار ابن عمّار وأقام عنده مدّةً.

تقريبه للعلماء ومحبّته العلم

جاء في ترجمة العلاّمة أبي الفتح الكراجكي المتوفّى سنة ٤٤٩ أنّه أقام مدّةً في طرابلس، فقد ألّف فيها وباسم بعض قضاتها الذين عاصرهم وعاصروه ستّة كتب، ومنها: كتاب سمّاه البستان في الفقه، وهو معنى لم يُطرق وسبيل لم يُسلك، قسّم فيه أبواباً من الفقه وفرّع كلّ فنٍّ منها، حتّى حصل كل باب شجرة كاملة، يكون نيّفاً وثلاثين شجرة، صنّفه للقاضي الجليل أبي طالب عبد الله بن محمد بن عمّار أدام الله سلطانه وكبت شانيه وأعداءه، توفّي سنة ٤٦٤ بعد استبداده بالأمر في طرابلس بسنة، وخلفه في القضاء والإمارة ابن أخيه.

٢ - جلال الملك أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمار الكتامي.


قال ابن الأثير - بعد ذكر وفاة أبي طالب وقيام ابن أخيه هذا بالأمر في طرابلس -: فضبط البلد أحسن ضبط، ولم يظهر لفقد عمّه أثرٌ لكفايته.

ويدلّ على منعته وجلالة قدره وتفكّكه من سلطة الدولة الفاطميّة حمايته لمعلّى بن حيدرة بن منزو - الذي سبقت ترجمته - حين فرّ إليه هارباً من بانياس بعد إقامته بها مدّة.

وقد هرب من دمشق، وكان والياً عليها إلى بانياس، فرّ من المعسكر المصري خوفاً أن يدركه في بانياس، فأقام عنده مدّة، وكان زوّج أخته ثمّ أطلع إلى مصر، فهلك فيها في الاعتقال في سنة ٤٨١.

ملك في سنة ٤٧٣ حصن جبلة، وكان قد غلب على تلك البلاد سنين، وعجز بدر الجمالي أمير الجيوش عن مقاومته(١) (٢) .

قال ابن خلدون:

(كانت جبلة من أعمال طرابلس، وكان الروم قد ملكوها وولّوا على المسلمين بها ابن رئيسهم منصور بن صليحة يحكم بينهم، فلمّا صارت للمسلمين، رجع أمرها لجمال الدولة أبي الحسن علي بن عمّار المستبد بطرابلس، وبقي منصور بن صليحة على عادته فيها، ثمّ توفّي منصور، فقام ابنه أبو محمد عبد الله مقامه وأظهر الشماتة فارتاب به ابن عمّار وأراد القبض عليه، فعصى هو في جبلة وأقام بها الخطبة العبّاسية، واستنجد عليه ابن عمّار دقاق بن تتش، فجاءه ومعه أتابك طغرتكين فامتنع عليهم، ورجعوا، ثمّ جاء الإفرنج فحاصروها، فامتنعت عليهم أيضاً، وشاع أنّ بركيارق جاء إلى الشام، فرحلوا ثمّ عادوا وأظهروا أنّ المصريّين جاؤوا لإنجاده، فرحلوا ثمّ عادوا فتقدّم للنصارى الذين عنده أن يداخلوا الإفرنج في نقب البلد من بعض أسواره، فجهّزوا إليهم ثلاثمئة من أعيانهم، فرفعهم بالحبال واحداً بعد واحد وهو قاعد على السور، حتّى قتلهم أجمعين فرحلوا عنه ثمّ عادوا إليه، فهزمهم وأسر ملكهم كندا صطيل، وفادى نفسه منه بمالٍ عظيم.

____________________

(١) عن خطط الشام.

(٢) في خطط المقريزي ج ٢ ص ٢١١ أمر الجيوش أبو النجم بدر الجمالي، كان مملوكاً أرمنيّاً لجلال الدولة بن عمّار، فلذلك عُرف بالجمالي، ارتقت به الحال إلى أن ولّي دمشق من قِبَل المستنصر سنة ٤٦٥، ووليها ثانياً فيما بعد.


ولمّا جهد ابن صليحة الحصار، أرسل إلى طغرتكين صاحب دمشق وبعث ابن عمّار في طلبه إلى الملك دقاق، على أن يدفعه إليه بنفسه دون ماله، ويعطيه ثلاثين ألف دينار، فلم يفعل.

وسار ابن صليحة إلى بغداد فوعده إلى وصول رحله من الأنبار، فبعث الوزير مَن استولى عليها، فوجد فيها ما لا يُحصى من الملابس والعمائم والمتاع وانتزع ذلك كلّه.

ولمّا ملك تاج الملوك جبلة أساء فيها السيرة، وآل أمرها إلى ما سيُذكر في ترجمة فخر الدولة بن عمّار.

وفي سنة ٤٨٥ سار تاج الدولة تُتُش - صاحب دمشق - إلى طرابلس فنازلها، فرأى صاحبها جلال الملك بن عمّار جيشاً لا يدفع إلاّ بحيلة ؛ فأرسل إلى الأمراء الذين مع تاج الدولة وأطمعهم ليصلحوا حاله، فلم ير فيهم مطمعاً، وكان مع قسيم الدولة أقسنقر وزير له اسمه زرين كمر، فراسله ابن عمّار، فرأى عنده ليناً فأتحفه وأعطاه، فسعى مع صاحبه قسيم الدولة في إصلاح حاله ليدفع عنه، وحمل له ثلاثين ألف دينار وتحفاً بمثلها، وعرض عليه المناشير التي بيده من السلطان بالبلد والتقدّم إلى النوّاب بتلك البلاد بمساعدته والشدّ معه، والتحذير من محاربته ؛ فقال أقسنقر لتاج الدولة تتش: لا أقاتل مَن هذه المناشير بيده ؛ فأغلظ له تاج الدولة، وقال: هل أنت إلاّ تابعٌ لي؟

فقال أقسنقر: أنا أتابعك إلاّ في معصية السلطان، ورحل من الغد عن موضعه، فاضطرّ تاج الدولة إلى الرحيل، فرحل غضبان وعاد بوزان - أيضاً - إلى بلاده، فانتقض هذا الأمر.

وإليك ما جاء في تاريخ كامل ابن الأثير عن حال قاضي جبلة وجلال الملك بن عمّار في حوادث ٤٩٤ قال:

(هو أبو محمد عبيد الله بن منصور المعروف بابن صليحة، وكان والده رئيساً بها، أيّام كان الروم مالكين لها على المسلمين، يقضي بينهم، فلمّا ضعف أمر الروم وملكها المسلمون وصارت تحت حكم جلال الملك أبي الحسن علي بن عمّار - صاحب طرابلس - كان منصور على عادته في الحكم فيها.

فلمّا توفّي منصور قام ابنه أبو محمد مقامه، وأحبّ الجنديّة واختار الجند، فظهرت شهامته، فأراد ابن عمر أن يقبض عليه فاستشعر منه وعصى عليه وأقام الخطبة العباسيّة، فبذل ابن عمّار لدقاق بن تُتُش مالاً ليقصد ويحصره، ففعل وحصره فلم يظفر منه بشيء، وأُصيب صاحبه


أتابك طغتكين بنشّابةٍ في ركبته وبقي أثرها وبقي أبو محمد بها مطاعاً إلى أن جاء الفرنج فحصروها، فأظهر أنّ السلطان بركيارق قد توجّه إلى الشام، وشاع هذا فرحل الفرنج.

فلمّا تحقّقوا اشتغال السلطان عنهم عاودوا حصاره، فأظهر أنّ المصريّين قد توجّهوا لحربهم، فرحلوا ثانياً ثمّ عادوا فقرّر مع النصارى الذين بها أن يراسلوا الفرنج، ويواعدوهم إلى برجٍ من أبراج البلد ليسلّموه إليهم ويملكوا البلد.

فلمّا أتتهم الرسالة جهّزوا نحو ثلاثمئة رجل من أعيانهم وشجعانهم، فتقدّموا إلى ذلك البر، فلم يزالوا يرقون في الحبال واحداً بعد واحد، وكلّما صار عند ابن صليحة وهو على السور رجل منهم قتله، إلى أن قتلهم أجمعين.

فلمّا أصبحوا رمى الرؤوس إليهم، فرحلوا عنه وحصروه مرّةً أُخرى، ونصبوا على البلد برج خشبٍ وهدموا برجاً من أبراجه، وأصبحوا وقد بناه أبو محمد، ثمّ نقب في السور نقوباً وخرج من الباب وقاتلهم، فانهزم منهم وتبعوه فخرج أصحابه من تلك النقوب، فأتوا الفرنج من ظهورهم فولّوا منهزمين، وأسر مقدّمهم المعروف بكندا صطيل، فافتدى نفسه بمالٍ جزيل.

ثمّ علم أنّهم لا يقعدون عن طلبه، وليس له مَن يمنعهم عنه ؛ فأرسل إلى طغتكين أتابك يلتمس منه إنفاذ مَن يثق به ليسلّم إليه ثغر جبلة، ويحميه ليصل هو إلى دمشق بماله وأهله، فأجابه إلى ما التمس وسيّر إليه ولده تاج الملوك بوري فسلّم إليه البلد ورحل إلى دمشق، وسأله أن يسيّره إلى بغداد ففعل، وسيّره ومعه مَن يحميه إلى أن وصل إلى الأنبار. ولمّا صار بدمشق أرسل ابن عمّار صاحب طرابلس إلى الملك دقاق، وقال: سلّم إليّ ابن صليحة عرياناً وخذ ماله أجمع، وأنا أعطيك ثلاثمئة ألف دينار، فلم يفعل.

وهذا ما جاء في ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي في حوادث هذه السنة.

وفي شعبان منها أرسل القاضي ابن صُلَيحة المتغلّب على ثغر جبلة إلى الأمير ظهير الدين أتابك يلتمس منه إنفاذ مَن يراه من ثقاته ليسلّم إليه ثغر جبلة، ويصل إلى دمشق بماله وحاله ويسيّره إلى بغداد تحت الحوطة والأمان والحماية وجميل الرعاية ؛ فأجابه إلى ما اقترحه ووعده بتحقيق أمله، وندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير تاج الملوك بوري، وكان الملك شمس الملوك دقاق غائباً عن دمشق في ديار بكر، فعاد منها ودخل إلى دمشق في أوّل شوّال من السنة، وتقرّرت الحال على ما التمس ابن صليحة


عنها، ووصل إلى دمشق بأصحابه وأسبابه وكراعه ودوابّه وكلّ ما تحويه يده من مالٍ وأثاثٍ وحال، فأكرم مثواه وأحسن لُقياه، وأقام ما أقام بدمشق، وسُيِّر إلى بغداد مع فرقةٍ وافرةٍ من الأجناد بجميع ما يملكه وحصل بها، واتفق له مَن وشى بماله وعظَّم سعة حاله إلى السلطان ببغداد، فنهب واشتمل على ما كان يملك.

وفي معجم البلدان لياقوت الحموي في التعليق على جبلة: قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال حلب قرب اللاذقيّة، ولم تزل بأيدي المسلمين بعد فتحها سنة ١٧ على أحسن حال حتّى قوي الروم وافتتحوا ثغور المسلمين، فكان فيما أخذوا جبلة في سنة ٣٥٧ بعد وفاة سيف الدولة بسنة، ولم تزل بأيديهم إلى سنة ٤٧٣، فإنّ القاضي أبا محمد عبد الله بن منصور بن الحسين التنوخي المعروف بابن ضليعة قاضي جبلة وثب عليها، واستعان بالقاضي جلال الدين بن عمّار - صاحب طرابلس - فتقوّى بها على مَن بها مِن الروم، فأخرجهم منها ونادى بشعار المسلمين، وانتقل مَن كان بها مِن الروم إلى طرابلس، فأحسن ابن عمّار إليهم، وصار إلى ابن ضليعة منها مالٌ عظيم القدر، وبقيت بأيدي المسلمين.

ثمّ ملكها الفرنج سنة ٥٠٢ في الثاني والعشرين من ذي القعدة من يد فخر الملك، إلى أن استردّها الملك صلاح الدين يوسف بن أيّوب في سنة ٥٨٤، تسلّمها بالأمان.

قال القلقشندي في كتابه صبح الأعشى: وأمّا أطرابلس فكان قد تغلّب عليها قاضيها أبو علي بن عمّار وملكها وطالت مدّته فيها.

وهو (كما جاء في خطط الشام) الذي جدّد في طرابلس دار العلم ودار الحكمة، وذلك في سنة ٤٧٢ ؛ لتكون مركزاً من مراكز التشيّع، وإنّنا لندع البحث عن مكتبة طرابلس وما جرى فيها بعد استيلاء الصليبيّين عليها من التحريق والتمزيق إلى فصلٍ مخصوص، سيكون إن شاء الله ختام تاريخ بني عمّار.

أمّا وفاة المترجَم له فلم نقف - في كتب التاريخ التي اتّخذناها مصدراً لتاريخ بني عمّار - على تاريخها، ولعلّها كانت بعد التسعين والأربعمئة، وكذلك لم يتبيّن بالتحديد بدء ولاية القاضي فخر الملك أبي علي بن عمّار بن محمد بن عمّار الكتامي.


في سنة ٤٩٤ في شعبان، أرسل القاضي ابن صليحة المتغلّب على ثغر جبلة إلى الأمير ظهير الدين أتابك يلتمس منه إنفاذ مَن يراه من ثقاته ليسلّم إليه ثغر جبلة، ويصل إلى دمشق بماله وحاله، ويسيَّره إلى بغداد تحت الحوطة والأمان والحماية وجميل الرعاية، فأجابه إلى ما اقترحه ووعده بتحقيق أمله، وندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير تاج الملوك بوري، وكان الملك شمس الملوك دقاق غائباً عن دمشق في ديار بكر، فعاد منها ودخل إلى دمشق في أوّل شوّال من السنة، وتقرّرت الحال على ما التمس ابن صليحة، وتوجّه تاج الملوك في أصحابه إلى جبلة فتسلّمها وانفصل ابن صليحة عنها، ووصل إلى دمشق بأصحابه وأسبابه وكراعه ودوابّه، وكلّ ما تحويه يده من مالٍ وأثاثٍ وحال، فأكرم مثواه وأحسن لقياه وأقام ما أقام بدمشق وسيّر إلى بغداد، مع فرقةٍ وافرةٍ من الأجناد بجميع ما يملكه وحصل بها.

واتّفق له مَن وشى بماله وعظم سعة حاله إلى السلطان ببغداد، فنهب واشتمل على ما كان يملك.

وأمّا تاج الملوك، فإنّه لمّا ملك ثغر جبلة وتمكّن هو وأصحابه فيها، أساؤوا إلى أهله وقبحوا السيرة فيهم، وجروا على غير العادة المرضية من العدل والإنصاف، فشكوا حالهم فيما نزل بهم إلى القاضي فخر الملك أبي علي بن محمد بن عمّار المتغلّب على ثغر طرابلس لقربها منهم، فوعدهم المعونة على مرادهم وإسعادهم بالإنفاذ لهم، وأنهض إليهم عدّة وافرة من عسكره فدخلت الثغر واجتمعت مع أهله على الأتراك، فقهروهم وأخرجوهم منه وملكوه، وقبضوا على تاج الملوك وحملوه إلى طرابلس، فأكرمه فخر الملك وأحسن إليه وسيّره إلى دمشق، وكتب إلى والده أتابك يعرِّفه صورة الحال ويعتذر إليه ممّا جرى.

وفي سنة ٤٩٥ هـ وردت مكاتبات فخر الملك بن عمّار، صاحب طرابلس يلتمس فيها المعونة على دفع ابن صنجيل النازل في عسكره من الإفرنج على طرابلس، ويستصرخ بالعسكر الدمشقي ويستغيث بهم، فأجيب إلى ما التمس ونهض العسكر نحوه، وقد استدعى الأمر جناح الدولة صاحب حمص فوصل أيضاً في عسكره. فاجتمعوا في عددٍ كبيرٍ وقصدوا ناحية انطرسوس، ونهد الإفرنج إليهم في جمعهم وحشدهم، وتقارب الجيشان والتقيا هناك، فانتقم عسكر المسلمين من عسكر المشركين، وقتل


منهم الخلق الكثير، وقفل مَن سلم إلى دمشق وحمص بعد فقد مَن فُقد منهم، ووصلوا في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة.

وفي رجب سنة ٤٩٧ وردت الأخبار بوصول الإفرنج في البحر من بلادهم إلى ظاهر اللاذقيّة مشحونة بالتجّار والأجناد والحجّاج وغير ذلك، وأنّ صنجيل المنازل لطرابلس استنجد بهم عليها في مضايقتها والمعونة على ملكها، وأنّهم وصلوا إليه فاجتمعوا معه على منازلتها ومضايقتها، فقاتلوها أيّاماً ورحلوا عنها.

وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية طرابلس بظهور فخر الملك بن عمّار صاحبها في عسكره وأهل البلد وقصدهم الحصن الذي بناه صنجيل، وأنّهم هجموا عليه على غرّة ممّن فيهم، فقتل مَن به ونهب ما فيه وأحرق وأخرب، وأخذ منه السلاح والمال والديباج والفضّة الشيء الكثير، وعاد إلى طرابلس سالماً غانماً في التاسع عشر من ذي الحجّة.

وفي سنة ٤٩٨ وردت الأخبار بهلاك صنجيل مقدّم الإفرنج النازلين على ثغر طرابلس في رابع جمادى الأُولى، بعد أن كان استقرّ الأمر بينه وبين فخر الملك بن عمّار صاحب طرابلس من المهادنة، على أن يكون ظاهر طرابلس لصنجيل، بحيث لا يقطع الميرة عنها ولا يمنع المسافرين منها.

وفي رجب خرج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب وجمع خلقاً كثيراً، وعزم على قصد طرابلس لمعونة فخر الملك بن عمّار على الإفرنج النازلين عليه.

وكان الأرمن الذين في حصن ارتاح قد سلّموا إليه الحصن لمّا شملهم من جور الإفرنج وتزايد ظلمهم، فلمّا عرف طنكري ذلك خرج من انطاكية لقصد ارتاح واستعادتها، وجمع مَن في أعماله من الإفرنج، ونزل عليها وتوجّه نحو فخر الملك في عسكره لإبعاده عنها.

وقد جمع وحشد مَن أمكنه مِن عمل حلب، والأحداث الحلبيّين لقصد الجهاد، فلمّا تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين فثبت راجل المسلمين وانهزمت الخيل، ووقع القتل في الرجّالة، ولم يسلم منهم إلاّ من كتب الله سلامته، ووصل الفلّ إلى حلب، وأحصي المفقود من الخيل والرجال فكان تقدير ثلاثة آلاف نفس.

وحين عرف ذلك مَن كان في ارتاح من المسلمين هربوا بأسرهم منها، وقصد الإفرنج بلد حلب فأجفل أهله منه ونُهب مَن نُهب وسُبي مَن سُبي.


وفي سنة ٥٠٠ هـ تتابعت المكاتبات إلى السلطان غياث الدين والدنيا محمد بن ملكشاه من ظهير الدين أتابك وفخر الملك بن عمّار صاحب طرابلس، بعظيم ما ارتكبه الإفرنج من الفساد في البلاد، وتملّك المعاقل والحصون بالشام والساحل، والفتك في المسلمين ومضايقة ثغر طرابلس، والاستغاثة إليه والاستصراخ والحضّ على تدارك الناس بالمعونة ؛ فندب السلطان لمّا عرف هذه الحال الأمير چاولي سقاوة وأميراً من مقدّمي عسكره كبيراً في عسكرٍ كثيفٍ من الأتراك. وكتب إلى بغداد وإلى الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد، وإلى جكرمش صاحب الموصل بتقويته بالمال والرجال على الجهاد والمبالغة في إسعاده وإنجاده، وأقطعه الرحبة وما على الفرات فثقل أمره على المكانين، ولكنّ اشتغاله بالمحاربة مع أمراء جواره واختلافهم لم يُجدِ المستصرخين نفعاً.

وفي شعبان سنة ٥٠١ اشتدّ الأمر بفخر الملك بن عمّار، من حصار الإفرنج، وتطاول أيّامه، وتمادي الترقّب لوصول الأنجاد، وتمادي تأخّر الأسعاد، فأنفذ إلى دمشق يستدعي وصول الأمير ارتق بن عبد الرزّاق أحد أمراء دمشق إليه ليتحدث معه بما في نفسه، فأجابه إلى ذلك واستأذن ظهير الدين في ذلك، فأذن له وتوجّه نحوه.

وكان فخر الملك خرج من طرابلس في البرّ في تقدير خمسمئة فارسٍ وراجلٍ، ومعه هدايا وتحف أعدّها للسلطان عند مضيّه إليه إلى بغداد، فلمّا وصل ارتق إليه واجتمع معه تقرّرت الحال بينهما على وصوله إلى دمشق في صحبته، فوصل إليها وأنزل في مرج باب الحديد بظاهرها، وبالغ ظهير الدين في إكرامه وتناهى في احترامه وحمل إليه أمراء العسكريّة ومقدّموه من الخيل والبغال والجمال، وغير ذلك ما أمكنهم حمله وإتحافه به.

وكان فخر الملك المذكور قد استناب عنه في حفظها أبا المناقب ابن عمّه ووجوه أصحابه وغلمانه، وأطلق لهم واجب ستّة أشهر، واستحلفهم وتوثّق منهم، فأظهر عمّه الخلاف له والعصيان عليه، ونادى بشعار الأفضل ابن أمير الجيوش بمصر، فلمّا عرف فخر الملك ما بدا منه كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمله إلى حصن الخوابي، ففعل ذلك. وتوجّه فخر الملك إلى بغداد ومعه تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك، وقد كان أتابك عرف أنّ جماعةً ممّن يحسده في باب السلطان، ويقع فيه بالسعاية ويقصده بالأذيّة وإفساد الحال عند السلطان،


فأصحب ولده المذكور من الهدايا والتحف من الخيول والثياب، وغير ذلك ممّا يحسن إنفاذ مثله، واستوزر له أبا النجم هبة الله بن محمد بن بديع، الذي كان مستوفياً للسلطان الشهيد تاج الدولة، وجعله مدبّراً لأمره وسفيراً بينه وبين مَن أنفذ إليه، وتوجّه في الثامن من شهر رمضان سنة ٥٠١، فلمّا وصل إلى بغداد لقي فخر الملك مِن السلطان مِن الإكرام والاحترام ما زاد على أمله، وتقدّم إلى جماعةٍ مِن أكابر الأمراء بالمسير معه لمعونته، وإنجاده على طرد محاصري بلده والإيقاع بهم والإبعاد لهم، وقرّر مع العسكر المجرد معه الإلمام بالموصل وانتزاعها من يد جاولي سقوة، ثمّ المسير بعد ذلك إلى طرابلس، ولكنّه جرى ما جرى من الخلاف بين الأُمراء ما أخفقت معه به مهمّة ابن عمّار وطال مقامه طولاً ضجر معه، وعاد إلى دمشق في نصف المحرّم سنة ٥٠٢.

وأقام فخر الملك في دمشق بعد وصوله إليها أيّاماً، وتوجّه منها مع خيل من عسكر دمشق، جردت معه إلى جبلة فدخلها وأطاعه أهلها.

وأنفذ أهل طرابلس إلى الأفضل بمصر يلتمسون منه إنفاذ والٍ يصل إليهم في البحر ومعه الغلّة والميرة في المراكب لتسلّم إليه البلد ؛ فوصل إليهم شرف الدولة بن أبي الطيّب والياً من قِبَل الأفضل، ومعه الغلّة، فلمّا وصل إليها وحصل فيها قبض على جماعة فخر الملك بن عمّار وأصحابه وذخائره وآلاته وأثاثه، وحمل الجميع إلى مصر في البحر.

وفي سنة ٥٠٢ في شعبان، نزل الإفرنج بمجموعهم وحشدهم على طرابلس وشرعوا في قتالها ومضايقة أهلها، منذ أوّل شعبان إلى الحادي عشر من ذي الحجّة، وشاء الله أن تعاكس الريح السفن المصريّة الحاملة إليها الميرة والنجدة وتضعف عزيمة حاميتها عن الدفاع، فيملكها الإفرنج عنوة، في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة، ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر علمها، وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يُحد عدده ولا يُحصر فيُذكر(١) .

وتقرّر بين الإفرنج والجنويين على أن يكون للجنويين الثلث من البلد وما نُهب منه والثلثان لريمند بن صنجيل، وأفردوا للملك بغدوين من

____________________

(١) عن القلانسي.


الوسط ما رضي به وكان طنكري لمّا لم ينل ما أراد من نصرة الرواني قد عاد ونزل بانياس (ص: ١٦٣ القلانسي). وجرى على أهلها منهم البلاء العظيم، وسُلّم الوالي بها وجماعة من جنده كانوا التمسوا الأمان، والله غالبٌ على أمره.

ثمّ نزل طنكري على ثغر جبيل في شوّال، وفيه فخر الملك بن عمّار، والقوت فيه نزر قليل.

فلم يزل مضايقاً له ولأهله إلى يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجّة، فراسلهم وبذل لهم الأمان فأجابوه إلى ذلك، فتسلّمه بالأمان وخرج منه فخر الملك بن عمّار سالماً، وقد وعده بإحسان النظر والإقطاع.

وفي سنة ٥٠٣ لمّا تأخّرت العساكر السلطانيّة من بغداد، لنجدة الديار الشاميّة على غزوات الإفرنج وأفاعيلهم العجيبة في المسلمين، حملت ظهير الدين أتابك الحميّة الإسلامية على التأهّب للمسير بنفسه إلى بغداد ولخدمة الدار العزيزة النبويّة المستظهرية والمواقف السلطانية الغياثيّة، والمثول بها والشكوى لما نزل بالمسلمين، وتأهّب للمسير واستصحب معه فخر الملك ابن عمّار وخواص أصحابه وما أمكنه من الخيول العربية السبق، وطرف مصر من أجناس اللباس وما يصلح لتلك الجهات من التحف والهدايا من كلّ فنٍ له قيمة وافرة.

وتوجّه في البريّة على طريق السماوة، فاستناب في دمشق ولده تاج الملوك بوري ووصّاه بما يجب عمله من استعمال اليقظة في الذب والحماية وإحسان السيرة في الرعيّة.

فلمّا سار وحصل في الوادي المعروف بوادي المياه من البريّة، وافى الخبر بما شاع من المرجفين ببغداد من الحديث بتقليد السلطان بلاد الشام لأمراء عيّن عليهم، ووقعت الإشارة في ذلك إليهم، فأحدث هذا الخبر وحشة أوجبت عوده من طريقه، واعتمد على فخر الملك بن عمّار، ومَن عوّل عليه مِن ثقاته في الإتمام إلى بغداد بما صحبه من التحف والهدايا، والمناب عنه في إنهاء ما دعاه إلى العود من طريقه، فوصل فخر الملك إلى بغداد بما صحب، فصادف من الابتهاج بمقدمه والتأسّف على عود أتابك، ولم يصل ويشاهد ما زاد على الأمل وظهور بطلان تلك الأراجيف بالمجال الذي لا حقيقة له(١) .

____________________

(١) عن ابن القلانسي ص ١٦٦.


وفي الجزء الخامس من تاريخ ابن خلدون ص ٣٨ و ٣٩، يذكر قدوم ابن عمّار صاحب طرابلس على السلطان محمد شاه بن ملكشاه، قال: كان فخر الدولة أبو علي بن عمّار - صاحب طرابلس - استبدّ بها على العبيديّين، فلمّا ملك الإفرنج سواحل الشام ردّدوا عليها الحصار فضاقت أحوالها، فلمّا انتظم الأمر للسلطان محمد واستقام ملكه، قصده فخر الملك بن عمّار صريخاً للمسلمين، بعد أن استخلف على طرابلس ابن عمّه ذا المناقب، وفرّق في الجند عطاءهم لستّة أشهر، ورتّب الجامكية في مقاعدهم للقتال، وسار إلى دمشق، فلقيه طغتكين أتابك، وخيّم بظاهرها أيّاماً، ورحل إلى بغداد، فأركب السلطان الأمراء لتلقّيه، ولم يدّخر عنه بِرّاً ولا كرامةً وكذلك الخليفة، وأتحف السلطان بهدايا وذخائر نفيسة، وطلب النجدة وضمن النفقة على العسكر، فوعده بالنصر وأقام، ثمّ لقي الأمر حسين بن أتابك طغتكين ليسير بالعساكر إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال صدقة وچاولي، ثمّ يسير معه إلى الشام.

ثمّ رحل السلطان عن بغداد سنة إحدى وخمسمئة لقتال صدقة، واستدعى ابن عمّار وهو بالنهروان فودّعه وسار معه الأمير حسين إلى دمشق. وكان ابن عمار لمّا سار عن طرابلس استخلف ابن عمّه ذا المناقب، فانتقض واجتمع مع أهل طرابلس على إعادة الدولة العلويّة، وبعثوا إلى الأفضل ابن أمير الجيوش المستبدّ على الدولة بمصر بطاعتهم ويسألون الميرة ؛ فبعث إليهم شرف الدولة بن أبي الطيّب والياً معه الزاد من الأقوات، فدخل البلد وقبض على أهل ابن عمّار وأصحابه واستصفى ذخائرهم، وحمل الجميع إلى مصر في البحر.

وفي هذا الجزء: ثمّ سار طغركين سنة ٥٠٢ إلى طبريّة، ووصل إليها ابن أخت بقدوين (بغدوين) ملك القدس من الإفرنج فاقتتلوا، فانهزم المسلمون أوّلاً، فنزل طغركين ونادى بالمسلمين فكرّوا، وانهزم الإفرنج وأُسر ابن أخت بغدوين، وعرض عليه طغركين الإسلام فامتنع فقتله بيده، إلى أن قال:

وسار بعدها طغركين إلى حصن غزّة في شعبان من السنة، وكان بيد مولى القاضي فخر الملك بن علي بن عمّار صاحب طرابلس، فعصى عليه، وحاصره الإفرنج وانقطعت عنه الميرة، فأرسل إلى طغركين صاحب دمشق أن يمكّنه من الحصن ؛ فأرسل إليه إسرائيل من أصحابه، فملك الحصن وقتل صاحبه مولى ابن عمّار غيلة ليستأثر بمخلفه، فانتظر طغركين دخول الشتاء


وسار إلى الحصن لينظر في أمره، وكان أسرداني من الإفرنج يحاصر طرابلس، فلمّا سمع بوصول طغركين حصن الأكمة وأغذّ السير إليه فهزمه وغنم سواده، ولحق طغركين بحمص ونازل أسرداني غزّة فاستأمنوا إليه، وملكها وقبض على إسرائيل فادى به أسيراً كان لهم بدمشق منذ سبع سنين.

وفيه: كان صنجيل من ملوك الإفرنج المذكورين، قيل قد لازم حصار طرابلس، وزحف إليه قلج أرسلان صاحب بلاد الروم فظفر به، وعاد صنجيل مهزوماً، فأرسل فخر الدولة بن عمّار صاحب طرابلس إلى أميرٍ آخر جناح الدولة بحمص إلى دقاق بن تُتُش يدعوه إلى معالجته، فجاء تاج الدولة بنفسه وجاء العسكر مدداً من عند دقاق واجتمعوا على طرابلس، وفرّق صنجيل الفلّ الذي معه على قتالهم، فانهزموا كلّهم وفتك هو في أهل طرابلس، وشدّ حصارها وأعانه أهل الجبل والنصارى من أهل سوادها، ثمّ صالحوه على مالٍ وخيل.

ورحل عنهم إلى طرسوس من أعمال طرابلس، فحاصرها وملكها عنوة واستباحها إلى حصن الطومار، ومقدّمه ابن العريض فامتنع عليهم، وقاتلهم صنجيل فهزموا عسكره وأسروا زعيماً من زعماء الإفرنج، بذل صنجيل فيه عشرة آلاف دينار وألف أسير ولم يعاوده، وذلك كان سنة خمس وتسعين وأربعمئة.

وجاء في غير تاريخ ابن خلدون عن هذه الموقعة: في هذه السنة (٤٩٥) ما يلي:

لمّا دخل صنجيل ببعض فلوله بعد تنكيل قلج ارسلان بن قتلمش صاحب قونية به وبجيشه البالغ عدده مئة ألف مقاتل إلى الشام، وفلوله تبلغ ثلاثمئة، أرسل فخر الملك بن عمّار صاحب طرابلس إلى الأمير ياخز جناح الدولة على حمص فإلى الملك دقاق بن تُتُش، يقول:

من الصواب أن عاجل صنجل إذ هو في العدّة القريبة، فخرج الأمير ياخز بنفسه، وسيّر دقاق ألفي مقاتل وأتتهم الامداد من طرابلس، فاجتمعوا على باب طرابلس وصافوا صنجيل هناك فأخرج مئة من عسكره إلى أهل طرابلس، ومئة إلى عسكر دمشق وخمسين إلى عسكر حمص، وبقي هو في خمسين، فأنكر عسكر حمص وعسكر دمشق عند ملاقاة عسكر صنجيل لهم، وأمّا أهل طرابلس فإنّهم قاتلوا المئة الذين قاتلوهم، فلمّا شاهد ذلك صنجيل حمل في المئتين الباقية، فكسروا أهل طرابلس وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل، ونازل صنجل طرابلس وحصرها، وأتاه أهل الجبل فأعانوه على


حصارها، وكذلك أهل السواد وأكثرهم نصارى فقاتل مَن بها أشدّ قتال فقتل من الإفرنج ثلاثمئة، ثمّ إنّه هادنهم على مال وخيل، فرحل عنهم إلى مدينة انطرسوس وهي من أعمال طرابلس، فحصرها وفتحها وقتل مَن بها من المسلمين، ثمّ ما زال صنجيل محاصراً طرابلس إلى سنة ٤٩٦، وكانت تأتي طرابلس المواد، وبها فخر الدولة بن عمّار، وكان يرسل أصحابه في المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الإفرنج ويقتلون مَن وجدوا، وقصد بذلك أن يخلوا السواد ممّن يزرع لتقلّ المواد عن الفرنج فيرحلوا عنه.

شدّد صنجيل الحصار على طرابلس، وقد استعان بقوّات الفرنج المحمولة على مراكبهم إلى اللاذقيّة برّاً وبحراً، وضايقها بجنده أيّاماً فلم يروا فيها مطمعاً، فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل فحصروها وقاتلوا عليها قتالاً شديداً، ولمّا رأى المحاصرون عجزهم عن الفرنج سلّموهم البلد أماناً بعد أن أعطوه، ولكنّ الفرنج لم يفوا لهم بذلك وأخذوا أموالهم واستنفدوها بالعقوبات وأنواع العذاب.

وكان فخر الملك بن عمّار قد كاتب، لمّا شدّد عليه الفرنج الحصار، سقمان بن ارتق يستدعيه إلى نصرته على الفرنج، وبذل له المعونة بالمال والرجال، فبينما هو يتجهّز للمسير أتاه كتاب طغتكين - صاحب دمشق - يخبره أنّه مريض قد أشرف على الموت، وأنّه يخاف إن مات وليس بدمشق مَن يحميها أن يملكها الفرنج، ويستدعيه ليوصي إليه وبما يعتمده في حفظ البلد، فلمّا رأى ذلك أسرع في المسير عازماً على أخذ دمشق، وقصد الفرنج طرابلس وإبعادهم عنها.

وكان صنجيل قد أقام ابن أخته على حصار طرابلس، وقد أوقع بعسكره طغتكين المقيم بحصن رفتية، فملكه طغتكين وقتل به خمسمئة رجل من الفرنج.

وفي سنة ٤٩٩ شدّد صنجيل الحصار على طرابلس بعد امتلاكه جبلة، وحيث لم يقدّر أن يملكها بنى بالقرب منها حصناً وبنى تحته ربضاً وأقام راصداً لها ومنتظراً وجود فرصةٍ فيها، فخرج فخر الملك أبو علي بن عمّار فأحرق ربضه، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المنحرقة ومعه جماعة من القمامصة والفرسان فانخسف بهم، فمرض صنجيل من ذلك عشرة أيّام ومات، وحُمل إلى القدس فدُفن فيه.

ثمّ إنّ ملك الروم أمر أصحابه باللاذقيّة ليحملوا الميرة إلى هؤلاء الفرنج الذين على طرابلس فحملوها في البحر،


فأخرج إليها فخر الملك بن عمّار أسطولاً، فجرى بينهم وبين الروم قتالٌ شديد، فظفر المسلمون بقطعةٍ من الروم فأخذوها وأسروا مَن كان بها، ولم تزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت، فعدمت الأقوات به وخاف أهله على نفوسهم وأولادهم وحرمهم، فجلا الفقراء وافتقر الأغنياء، وظهر من ابن عمّار صبرٌ عظيمٌ وشجاعةٌ ورأيٌ سديد، وممّا أضرّ بالمسلمين فيها: أنّ صاحبها استنجد سقمان بن ارتق فجمع العساكر وسار إليه فمات في الطريق.

وأجرى ابن عمّار الجرايات على الجند والضعفاء، فلمّا قلّت الأموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد، فأخذ من رجلين من الأغنياء مالاً مع غيرهما، فخرج الرجلان إلى الفرنج وقالا إنّ صاحبنا صادرنا فخرجنا إليكم لنكون معكم، وذكرا له أن تأتيه الميرة من عرقة والجبل، فجعل الفرنج جمعاً على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيءٍ إلى البلد، فأرسل ابن عمّار وبذل للفرنج مالاً كثيراً ليسلّموا الرجلين إليه فلم يفعلوا، فوضع عليهما مَن قتلهما غيلة.

وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجمّلاً وثروة ؛ فباع أهلها من الحلي والأواني ما لا حدّ عليه حتّى بيع كلّ مئة درهم نقرة بدينار(١) .

وفي كامل ابن الأثير الجزء ١٠: في هذه السنة ٥٠١ في شهر رمضان ورد القاضي فخر الملك أبو علي بن عمّار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد قاصداً باب السلطان محمد مستنفراً على الفرنج طالباً لتسيير العساكر لإزاحتهم، والذي حثّه على ذلك أنّه لمّا طال حصر الفرنج لمدينة طرابلس ضاقت عليه الأقوات وقلت واشتدّ الأمر عليه وعلى أهل البلد ؛ فمنَّ الله عليهم سنة خمسمئة بميرة في البحر من جزيرة قبرس وانطاكية وجزائر البنادقة، فاشتدت قلوبهم وقووا على حفظ البلد بعد أن كانوا استسلموا، فلمّا بلغ فخر الملك انتظام الأمور للسلطان محمد وزوال كلّ مخالفٍ، رأى لنفسه وللمسلمين قصده والانتصار به، فاستناب بطرابلس ابن عمّه ذا المناقب وأمره بالمقام بها، ورتّب معه الأجناد براً وبحراً، وأعطاهم جامكية ستّة أشهر سلفاً وجعل كلّ موضعٍ إلى مَن يقوم بحفظه، بحيث إنّ ابن عمّه لا يحتاج إلى فعل شيءٍ من ذلك، وسار إلى

____________________

(١) كامل ابن الأثير الجزء العاشر الصفحة ١٧٠.


دمشق فأظهر ابن عمّه الخلاف له والعصيان عليه ونادى بشعار المصريين، فلمّا عرف فخر الملك ذلك كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمله إلى حصن الخوابي، ففعلوا ما أمرهم، وكان ابن عمّار قد استصحب معه من الهدايا ما لا يوجد عند ملكٍ مثله من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة والخيل الراضقة، فلمّا وصلها لقيه عسكرها وطغتكين أتابك وخيّم على ظاهر البلد، وسأله طغتكين الدخول إليه فدخل يوماً واحداً إلى الطعام وأدخله حمامه، وسار عنها ومعه ولد طغتكين يشيّعه، فلمّا وصل إلى بغداد أمر السلطان كافّة الأمراء بتلقّيه وإكرامه، وأرسل إليه شبارته وفيها دسته الذي يجلس عليه ليركب فيها، فلمّا نزل إليه قعد بين يدي موضع السلطان، فقال له مَن بها من خواص السلطان:

قد أمرنا أن يكون جلوسك في دست السلطان، فلمّا دخل على السلطان أجلسه وأكرمه وأقبل عليه يحدّثه. وسيّر الخليفة خواصّه وجماعة أرباب المناصي فلقوه، وأنزله الخليفة وأجرى عليه الجراية العظيمة، وكذلك فعل السلطان وفعل معه ما لم يفعل مع الملوك الذين معهم أمثاله.

وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا ولأجر الآخرة أكبر.

ولمّا اجتمع بالسلطان قدّم هديته، وسأله السلطان عن حاله وما يعانيه في مجاهدة الكفّار، ويقاسيه من ركوب الخطوب في قتالهم، فذكر له حاله وقوّة عدوّه وطول حصره، وطلب النجدة، وضمن أنّه إذا سُيّرت العساكر معه أوصل إليهم جميع ما يلتمسونه، فوعده السلطان بذلك، وحضر دار الخلافة وذكر - أيضاً - نحواً ممّا ذكره عند السلطان، وحمل هديةً جميلةً نفيسةً، وأقام إلى أن رحل السلطان عن بغداد في شوّال، فأحضره عنده بالنهروان، وقد تقدّم إلى الأمر حسين بن اتابك قتلغتكين ليسيّر معه العساكر التي سيّرها إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال چاولي سقاوه، وليمضوا معه إلى الشام، وخلع عليه السلطان خلعاً نفيسة وأعطاه شيئاً كثيراً، وودّعه وسار ومعه الأمير حسين فلم يُجدِ ذلك نفعاً، ثمّ إنّ فخر الملك بن عمّار عاد إلى دمشق منتصف المحرّم سنة اثنتين وخمسمئة، فأقام بها أيّاماً وتوجّه منها مع العسكر من دمشق إلى جبلة، كما تقدّم ذلك سابقاً.

وفي هذه السنة في شعبان انهزم اتابك طغتكن من الفرنج، وسبب ذلك أنّ حصن عرقة وهو من أعمال طرابلس كان بيد غلامٍ للقاضي فخر


الملك أبي علي بن عمّار صاحب طرابلس، وهو من الحصون المنيعة، فعصى على مولاه فضاق به القوت وانقطعت عنه الميرة ؛ لطول مكث الفرنج في نواحيه، فأرسل إلى اتابك طغتكين صاحب دمشق، وقال له:

أرسل مَن يتسلّم هذا الحصن منّي، قد عجزت عن حفظه، ولأن يأخذه المسلمون خير لي دنيا وآخرة من أن يأخذه الفرنج. فبعث إليه طغتكين صاحباً له اسمه إسرائيل في الأخلاط بسهمٍ فقتله، وكان قصده بذلك أن لا يطلع اتابك طغتكين على ما خلّفه بالقلعة من المال.

وأراد طغتكين قصد الحصن للاطلاع عليه وتقويته بالعساكر والأقوات وآلات الحرب، فنزل الغيث والثلج مدّة شهرين ليلاً ونهاراً فمنعه، فلمّا زال ذلك، سار في أربعة آلاف فارس ففتح حصوناً للفرنج منها حصن الأكمة، فلمّا سمع السرداني الفرنجي بمجيء طغتكين وهو على حصار طرابلس توجّه في ثلاثمئة فارس، فلمّا أشرف أوائل أصحابه على عسكر طغتكين، انهزموا وخلّوا ثقلهم ورحالهم ودوابّهم للفرنج، فغنموا وقووا به وزاد في تجمّلهم.

ووصل المسلمون إلى حمص على أقبح حالٍ من التقطّع، ولم يُقتل منهم أحد ؛ لأنّه لم تجر حرب.

وقصد السرداني إلى عرقة، فلمّا نازلها طلب مَن كان بها الأمان فأمنهم على نفوسهم، وتسلّم الحصن فلمّا خرج مَن فيه قبض على إسرائيل، وقال لا أطلق عنه إلاّ بإطلاق فلان - وهو أسير كان بدمشق من الفرنج منذ سبع سنين - ففُودي به وأُطلقا معاً.

ولمّا وصل طغتكين إلى دمشق بعد الهزيمة، أرسل إليه ملك القدس يقول له: لا تظن أنّني أنقض الهدنة للذي تمّ عليك من الهزيمة، فالملوك ينالهم أكثر ممّا نالك ثمّ تعود أمورهم إلى الانتظام والاستقامة.

وكان طغتكين خائفاً أن يقصده بعد هذه الكسرة فينال من بلده كلّ ما أراد.

وفي هذا الجزء في حوادث سنة ٥٠٣:

ملك الفرنج طرابلس وسواها من الشام

في حادي عشر ذي الحجّة ملك الفرنج طرابلس، وسبب ذلك: أنّ طرابلس كانت قد صارت في حكم صاحب مصر ونائبه فيها، والمدد يأتي إليها منه، كما تقدّم ذكر ذلك سنة (٥٠١)، فلمّا كان هذه السنة أوّل شعبان


وصل أسطولٌ كبيرٌ من بلاد الفرنج في البحر، ومقدّمهم قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل، ومراكبه مشحونة بالرجال والسلاح والميرة، فنزل على طرابلس، وكان نازلاً عليها قبله السرداني ابن أخت صنجيل وليس بابن أخت ريمند هذا، بل هو قمص آخر، فجرت بينهما فتنةٌ أدّت إلى الشرّ والقتال ؛ فوصل طنكري صاحب انطاكية إليها معونةً للسرداني، ووصل الملك بغدوين صاحب القدس في عسكره فأصلح بينهم.

ونزل الفرنج جميعهم على طرابلس، وشرعوا في قتالها ومضايقة أهلها، من أوّل شعبان، وألصقوا أبراجهم بسورها، فلمّا رأى الجند وأهل البلد ذلك سقط في أيديهم، وذلّت نفوسهم، وزادهم ضعفاً تأخّر الأسطول المصري عنهم بالميرة والنجدة، وكان سبب تأخّره أنّهم فرغوا منه ومن البحث عليه واختلفوا فيه أكثر من سنة، وسار فردَّته الريح فتعذّر عليهم الوصول إلى طرابلس( ليقضيَ الله أمراً كان مفعولاً ) .

وسدّ الفرنج القتال عليها من الأبراج والزحف، فهجموا على البلد وملكوه عنوةً وقهراً، يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة من السنة، ونهبوا ما فيها وأسروا الرجال وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة، وكتب دور العلم الموقوفة ما لا يُحد ولا يُحصى ؛ فإنّ أهلها كانوا من أكثر أهل البلاد أموالاً وتجارة.

وسلم الوالي الذي كان بها وجماعةٌ من جندها، كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى دمشق.

وعاقب الفرنج أهلها بأنواع العقوبات، وأخذت دفائنهم وذخائرهم من مكامنهم.



امتلاك الفرنج بعض أعمال طرابلس ومصير فخر الملك

لمّا فرغ الفرنج من طرابلس، سار طنكري صاحب أنطاكية إلى بانيس وحصرها وافتتحها، وأمن أهلها، ونزل مدينة جبيل، وفيها فخر الملك ابن عمّار الذي كان صاحب طرابلس، وكان القوت فيها قليلاً، فقاتلها إلى أن ملكها في الثاني والعشرين من ذي الحجّة من السنة بالأمان.

وخرج فخر الملك بن عمّار سالماً، ووصل عقيب ملك طرابلس الأسطول المصري بالرجال والمال والغلال وغيرها ما يكفيهم سنة، فوصل إلى صور بعد أخذها بثمانية أيّام، للقضاء النازل بأهلها، وفرّقت الغلال التي فيه والذخائر في الجهات المنفذة إليها صور وصيداء وبيروت.

وأمّا فخر الملك ابن عمّار فإنّه قصد شيزر ؛ فأكرمه صاحبها الأمير سلطان بن علي بن منقذ الكناني واحترمه، وسأله أن يقيم عنده فلم يفعل، وسار إلى دمشق فأنزله طغتكين صاحبها وأجزل له في الحمل والعطيّة وأقطعه أعمال الزبداني، وهو عمل كبير من أعمال دمشق، وكان ذلك في المحرّم سنة اثنتين وخمسمئة.

وفي ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي: كان ذلك في محرّم سنة ٥٠٣، وكان سفر فخر الملك بن عمّار مع ظهير الدين اتابك إلى بغداد في جمادى الأُولى من هذه السنة، أي بعد امتلاك الفرنج لطرابلس.

ولم يرد ذكرٌ لفخر الملك بن عمّار من هذه السنة إلى سنة ٥١٤ في المصادر التي نعتمدها، فقد جاء في الجزء العاشر من كامل ابن الأثير في أحداث هذه السنة:


وفي هذه السنة سار أبو علي بن عمّار - الذي كان صاحب طرابلس - مع سديد الدولة ابن الأنباري إلى إيلغازي، وكان قد أرسل المسترشد بالله خلعاً معه إليه، وشكره على ما فعله من غزو الفرنج، ليقيم عنده يعبر الأوقات بما ينقم به عليه، وكان إيلغازي هذا صاحب حلب توفّي سنة ٥١٦.

وجاء قبل هذا في الجزء العاشر من كامل ابن الأثير في حوادث سنة ٥١٤ ما يتعلّق بابن عمّار ما يلي:

واتّصل الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغرائي بالملك مسعود، فكان ولده أبو المؤيّد محمد بن أبي إسماعيل يكتب الطغراء مع الملك، فلمّا وصل والده استوزره مسعود بعد أن عزل أبا علي بن عمّار - صاحب طرابلس - سنة ثلاث عشرة بباب خوي.

وبعد هذا لم نجد لابن عمّار ذكراً، وانقطعت أخباره، والظاهر أنّه صرف أُخريات أيّامه في حلب، وقد لجأ إلى صاحبها نجم الدين إيلغازي بصحبة سديد الدولة بن الأنباري، الذي أوفده المسترشد بالله إليه كما سبق بيانه.

قرأت في الجزء ١٨٢ من مجلّة الجديد مقالاً تحت عنوان: ابن عمّار أبي علي بطل طرابلس، بقلم لحد خاطر، فرأيت الإفادة بضمّه إلى سلسلة تاريخه.. قال:

(كان أبو علي فخر الملك ابن عمّار حاكماً لطرابلس من قِبَل ظهير الدين طغتكين نائب الدولة السلجوقية في دمشق، وهذه الدولة من الترك ظهرت في العجم واستولت على العراق ودمشق، ولم تلبث أن استولت على بعض المدن الساحليّة والإقطاعات الجنوبيّة من لبنان، منتزعة إيّاها من الدولة الفاطميّة التي نشأت في المغرب، وجعلت قاعدة حكمها القاهرة، وبسطت سلطانها على أنحاء كثيرة من الشرق الأدنى منها: سورية وبعض جهات لبنان.

كانت طرابلس في ذلك العهد أهم عمل على الشاطىء اللبناني، وقد أسند طغتكين ولايتها إلى ابن عمّار، لما كان قد خبره فيه من الألمعيّة


والدهاء، وقوّة الشكيمة، عاهداً إليه في أن يواصله بالتقارير عن حالة لبنان، يشبعها درساً ويبثّ إليه بالخطّة الواجب سلوكها لتطهيره من أحلاف الفاطميّين، ووضعه نهائيّاً تحت السيطرة السلجوقيّة.

وكان لبنان بلداً مقسّماً لا حدود ثابتة له ؛ لوفرة ما كان يحيط به من المطامع، وقصارى ما يمكن قوله عنه: إنّه كان يتألّف من عدّة إقطاعات، على كلٍّ منها أمير أو مقدّم يكاد يكون مستقلاًّ تمام الاستقلال في أعماله.

ومن أخصّ الإقطاعات في الساحل اللبناني بذلك العهد: طرابلس وجبيل وبيروت وصيدا وصور، وهي إقطاعات كان يتنازعها يومئذٍ السلجوقيّون والفاطميّون، فبينا هي اليوم لهؤلاء إذا بها في اليوم الثاني لأولئك.

وكان السلجوقيّون يتقوّون عليها بجيشهم البرّي، بينما كان الفاطميّون يحرزونها بقوّة أسطولهم البحريّ المؤلّف من مئات المراكب الحسنة التنظيم المشحونة بالمقاتلة وأنواع الأسلحة والذخائر.

أمّا الإقطاعات الجبليّة، فكانت الشماليّة منها من أقصى لبنان إلى حمانا ونهر الجعماني، فكانت بأيدي أمراء الموارنة وبني فوارس جدود آل أبي اللمع المعروفين بالأمراء الجرديّين.

وأمير النصيريّين الملقّب بشيخ الجبل، فكان هؤلاء على تباينهم في الدين، يؤلّفون حلفاً قوميّاً فيما بينهم يعمل بكلّ وسيلةٍ على صيانة استقلالهم، والوقوف في وجه كلّ طامعٍ يبسط أيّة سيطرةٍ عليهم.

أمّا الإقطاعات الجنوبيّة من حمانا وما حاذاها شرقاً وغرباً فقد كانت بأيدي أمراء الغرب التنوخيين، وكان هؤلاء نزلوا مواطنهم بأمر العبّاسيين، فاضطرّوا إلى مماشاتهم، ثمّ ماشوا من بعدهم الفاطميّين والسلجوقيّين، على أنّ تلك المماشاة كانوا يقصرونها على ما يرون فيه منفعتهم وتقوية نفوذهم.

وممّا يُؤسف له أنّهم أطاعوهم مراراً في مهاجمة الشماليّين وقتالهم لنزع استقلالهم، فنشأت بسبب ذلك بين اللبنانيين دهراً عصبيّة ممقوتة دهتهم بالفواجع وزادت في تخاذلهم وإيهان قوّتهم.

درس أبو علي حالة لبنان تلك، ورفع عنها التقارير إلى مولاه طغتكين،


فوردته الأوامر بالاستعداد لتدويخ لبنان برمّته، وطرد الأحزاب الفاطميّة منه، وإرغامه على الخضوع للدولة السلجوقيّة وجعله عملاً من أعمالها، على أن يكون هو العامل الأعلى من قِبَلها، ولكن حدث له حينئذٍ ما صرفه عن نيّته تلك واضطرّه إلى تحويل جهوده إلى ناحيةٍ أُخرى بُلي فيها بالخذلان على ما أبداه من البطولة والشدّة في المقاومة، وكان خذلانه ذلك وسيلة علويّة لصيانة لبنان.

ذلك أنّ جموع الإفرنج المستنفرين إلى الشرق من جميع ممالك أوروبة إثر ما سمعوه عنه من الأحاديث ذات الشجون، تحوّلوا عن بعلبك والبقاع في طريقهم إلى بيت المقدس، ومالوا إلى الغرب وساروا على سيف البحر جنوباً، يكتسحون البلدان ويفتحون المدن، ممّا دلّ على الصولة والبطش.

وكان أبو علي حادّ الذهن ذكيّاً ؛ فعرف أنّهم واصلون إليه، ولا ريب، وشيكاً فلم يجبن إزاء هذا الاستنتاج، ولا تردّد بل نهض في الحال - بما عُرف به من همّةٍ عاليةٍ ونيّرة وقّادة - إلى حشد الجنود وجمع المؤن وترميم الحصون والأسوار، ولكنّ الفرنجة فاجأُوه قبل أن يستكمل معدّات دفاعه، وفيما كان يفكّر في أمره جاءه مَن أخبره أنّ أُمراء الجبال الشمالية لاقوا الفرنجة مرحبين، وقد نالوا لديهم حظوة، وكانت له صلة ولاء بأحد نبلائهم الأمير موسى حاكم بشراي، فرأى توسيطه في صرفهم بالحسنى عن المدينة، ريثما يتيّسر له إنجاز ما بدأ به.

وكان الأمير موسى يحب في أبي عليٍّ شجاعته وسموّ مؤهّلاته، ولكنّه كان ينكر عليه أشياء منها: تضييقه أحياناً على بعض الضعفاء من سكّان المدينة، وتسامحه في إرهاق بعض العامّة من اللبنانيين المختلفين إليها، فلمّا جاء يكلّفه التوسّط، وعده بإجابة طلبه على أن يرجع عمّا كان يؤاخذه عليه من أعماله، فأسمعه هو أيضاً أحسن المواعد.

نجح الأمير موسى في مهمّته، وصالح الإفرنج ابن عمّار، على أن يقدّم لهم بعض المؤن والذخائر بثمنٍ عادل ؛ فتابعوا طريقهم في الساحل دون أن يدخلوا المدينة، وبعد رحيلهم عاد أبو علي إلى استعداداته، لا يعرف فيها ليناً ولا هوداة، وبعد مدّةٍ جعل يعتقل بعض الأبرياء، خصوصاً ممّن أصلهم من الجبال التابعة للأمير موسى بناءً على وشاياتٍ كاذبةٍ، ويودعهم السجن، وأمر بإقفال الأسوار.

وكان من المعتقلين أسرة بشراويّة


الأصل فيها فتاة أحبّها الأمير موسى منذ صغره تُدعى جميلة، وكان ينوي الاقتران بها، فلمّا بلغه الخبر كتب إلى صديقه ابن عمّار يسأله إطلاق سراحها مع أُسرتها وإرسالهم إلى بشراي، فلم يردّ عليه الوالي جواباً ؛ فأظلمت الدنيا في عينيّ الأمير، وبينما كان يفكّر فيما يعمله لإنقاذ هذه الأسرة المسكينة، إذا بريموند كونت دي تولوز المعروف عند العرب بصنجيل الفرنجي يصل في سنة ١١٠٢م ويقيم عليها الحصار، وكانت جموعه قليلة، فاشتدّ ابن عمّار في مغالبته، فلم يفز من طرابلس بطائل، وبعث ابن عمّار مَن أقنعه أنّ طرابلس لا تُؤخذ وفيها أبو علي، فتحوّل صنجيل عنها لقاء مبلغ من المال، وسار يحاصر طرطوس وغيرها، وعاد الأمير موسى يكتب إلى ابن عمّار، ويذكّره بوعوده، طالباً الإفراج عن مَن سجنهم وفيهم من يحب، فلم يلق إلاّ إعراضاً.

وفتح ريموند طرطوس وحمص وعاد في سنة ١١٠٤م إلى طرابلس، فحاصرها ثانيةً برّاً وبحراً، مستعيناً ببعض النجدات من الإفرنج والوطنيّين الناقمين على ابن عمّار، لكنّ هذا الرجل الفولاذي العزيمة كان يحسن البلاء في الدفاع عنها، مستخدماً تارةً البطش وطوراً الحيلة في مماطلة الإفرنج، إلى أن أغراهم ببعض المال، فتركوه وساروا إلى جبيل، وكانت واهنة فتسلّموها سلماً، ولم يلبثوا أن عادوا إلى طرابلس، وكان صاحبها تنفّس الصعداء زمناً واستطرد التحصّن، فاشتدّ في قتالهم عهداً مديداً لا يقلّ عن خمس سنين، حتّى لقد أصبح اسمه (أبو علي) مثلاً ما زال يُضرب في لبنان حتّى اليوم لكلّ (قبضاي) متفوّق بشجاعته واستهتاره بالأخطار.

وبنى ريموند دي صنجيل على جبل الحجّاج وراء طرابلس حصناً دعي باسمه (حصن صنجيل) وأقام تحته ربضاً، فخرج فخر الملك أبو علي إليه فأحرق الربض، وكان صنجيل واقفاً على بعض سقوفه المحروقة، فانخسف به السطح ومات بعد عشرة أيّام، فحلّ ابنه برتران محلّه وواصل الحصار، وأظهر ابن عمّار صبراً عظيماً في مجالدته إلى أن قلّت الأقوات، ووفّرت الويلات فانسلّ من طرابلس ليلاً، وقصد إلى بغداد مستفزّاً صاحبها الملك السلجوقي لمعونته على إزاحة خصومه، حاملاً إليه الهدايا النفيسة، وذلك بعد أن استناب عنه ابن عمّه (أبا المناقب)، ورتّب معه الأجناد لمواصلة الحرب برّاً وبحراً، وأعطاهم (جامكية) ستّة أشهر سلفاً، فانقلب


ابن عمّه في غيابه ونادى بشعار الفاطميّين، ولكنّ أصحاب أبي عليٍّ اعتقلوه وأودعوه السجن في حصن (الخوابي) حيث سُجنت الأميرة اللبنانية وأُسرتها.

ورأى أهل طرابلس أنّهم أضحوا بدون رئيس يتولّى قيادتهم، فراسلوا الأفضل أمير الجيوش في دولة المستعلي بالله ملك مصر الفاطمي، يلتمسون منه والياً يكون عليهم ومعه الميرة والذخيرة في البحر، فسيَّر إليهم شرف الدولة ابن أبي الطيّب ومعه الأعتدة والمؤن، وغيرها ممّا يحتاجون إليه في الحصار، فلمّا صار بينهم قبض على جماعةٍ من أهل ابن عمّار وأصحابه، فقتل بعضهم وسجن آخرين، وأخذ ما وجد من ذخائره وآلاته، وحملها كلّها إلى مصر في البحر.

وشعر المحاصرون بضعف المدينة بعدما صارت إليه في غياب ابن عمّار، فساروا إليها من كلّ جهة، واضطرّ الأمير جرجس وأحلافه اللبنانيّون إلى نجدتهم لإنقاذ أسراهم.

وأرسل ملك مصر إليها أسطولاً، ولكنّ ريحاً عاصفاً ثارت على الأسطول فصدّته عن الوصول، فملكها الإفرنج بعد أن طلب أهلها الأمان فأمنوهم، وأذن لهم بالخروج منها حاملين من أموالهم وأمتعتهم ما أمكنهم حمله.

جعلت طرابلس بعد هذا الحصار الطويل عملاً رابعاً من أعمال الإفرنج في الشرق، وولّى عليها برتران بن ريموند صنجيل، ووُجدت الأسرة البشراوية في دهليز من دهاليز حصن الخوابي على آخر رمق من الحياة فزفّت فتاتها (جميلة) إلى الأمير موسى، واضطرّ ابن عمّار بعد عوده من بغداد وضياع منصبه أن يلجأ إلى لبنان، فارّاً من وجه الإفرنج مستجيراً بالأمير موسى، فأحلّه هذا الأمير عنده على الرحب والسعة.

٤ - ذو المناقب ابن عمّ فخر الملك بن عمّار:

وهو الذي استنابه على ولاية طرابلس سنة ٥٠١، حين سافر إلى بغداد يستنجد السلطان محمد بن ملك شاه على الفرنج، وقد عرفت عصيانه أمر ابن عمّه ومناداته بشعار الأفضل ابن أمير الجيوش بمصر.

وهذا كلّ ما وقفنا عليه من خبره في المصادر التاريخية التي بأيدينا، ولعلّه هو أبو المناقب ممدوح بن الخيّاط.


٥ - أبو الكتائب أحمد بن محمد بن عمّار:

هو معاصر لأبي الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي الملقّب بالرحّالة الإمامي، المتوفّى سنة ٤٤٩ هـ، وبأمره ألّف له كتاب: نهج البيان في مناسك النسوان، وكتاب: عدّة البصير في حجّ يوم الغدير.

٦ - القاضي أبو طالب عبد الله بن محمد بن عمّار:

ألّف الكراجكي المذكور باسمه كتاب البستان في الفقه، وهو معنى لم يطرق وسبيل لم يُسلك، قسّم فيه أبواباً من الفقه وفرّع كلّ فنٍّ منها، حتّى حصل كلّ باب شجرة كاملة يكون نيّفاً وثلاثين شجرة.

٧ - شمس الملك أبو الفرج محمد بن أمين الدولة عبد الله بن عمّار، وهو كما يظهر ابن المترجَم له الخامس من أبناء عمار.

لم نجد له ذكراً في غير ديوان الشاعر ابن الخيّاط الدمشقي، وهو من ممدوحيه كما جاء في هذا الديوان.

وقال في مدح شمس الملك إلى آخر نسبه المصدّرة به (ترجمته) يهنّئه بولده وأنشده إيّاها بطرابلس، مستهلّها:

أترى الهلال أنار ضوء جبينه حـتّى أبان الليل عن مكنونه

٨ - شرف الدولة بن فخر الملك بن عمّار:

هو ابن فخر الملك أبي علي محمد بن عمّار المترجَم له الخامس، وهو الذي مرّت ترجمته مفصّلة، وما أبلاه في الدفاع عن طرابلس ونهاية أمره، ورد له ذكر في ديوان ابن الخيّاط الشاعر الدمشقي الآنف الذكر، وله فيه قصيدة يمدحه بها ويهنّئه بعيد الفطر والبرء، مستهلّها:

لنا كلّ يومٍ هناء جديد وعيد محاسنه لا تبيد

وهذا شرف الدولة هو الذي هنّأ أباه فخر الملك ارتجالاً بظهوره يوم ركوبه، مستهلّها:

ألا هكذا تستهلّ البدور محلٌ عليٌ ووجه منير

وقد جاء في مجلّة المباحث الطرابلسيّة للمؤرّخ المحقّق جرجي يني


ذكر لقاضيين من قضاة بني عمّار لم نجده في المصادر التاريخية التي اعتمدناها في مباحث هذا الكتاب، ولعلّه استقى ذلك من مصادر تاريخية افرنجية، فرأينا أن نعتمده في ذكرهما حتّى لا يفوتنا شيءٌ ممّا يتعلّق بهؤلاء القضاة:

الأول: القاضي الحسن بن عمّار هو القاضي أبو طالب، وهو أوّل من استبدّ بإمرة طرابلس، وهو أوّل مَن ذكرناه مِن ولاة طرابلس، وقام بعده على إمارتها ابن أخيه جلال الملك الثاني أمين الدولة، فإنّه يقول:

كرّت على البلدة (طرابلس) العصور وتقلّبت الأحوال ؛ حتّى بدأ القرن الثاني عشر للمسيح فظهرت كأنّ الحيّين البحريّين قد انضمّا فصارا حيّاً ممتدّاً من الموضع المسمّى الآن فوق الريح إلى البحصاص، وثمّت حيٌ آخر عند سفح الأكمة على بعد نحو ميلين عن البحر، وبينهما مدى فسيح مملوء بالجنائن والحقول، وكان الأهلون يشغلون منه مقداراً عظيماً من قصب السكر، يقول بوركارد: إن ريعه ناهز ٣٠٠ ألف ذهب، ومنه نقل الزراعة إلى أوروبة، وكانت المدينة يومئذٍ منيعة الجانب ذات أسوار وخنادق وحصون، وقد قام فيها منذ القرن السابق قاضيها حسن بن عمّار، فامتلكها وحسّنها فارتقت واغتنت، وصارت مستودعاً كبيراً للتجارة، وداراً للعلم بمدارسها ومكاتبها، فلمّا مات سنة ١٠٧١م اختلف نسيباه جلال الملك وأمين الدولة، مع أنّ الإفرنج كانا على قرب وقد جاؤوا سورية يكتسحونها، وقد طمحت عيونهم لامتلاك طرابلس مدينة العلم والعلماء ومستودع التجارة والصناعة.

وإنّا لنستدرك هنا ما جاء في المباحث من أخبار مهاجمة الإفرنج لطرابلس، ومدافعة فخر الملك لهم، لما فيه من زيادة تفصيل عمّا أوردناه من فتح هذا البلد وانتهاء أمر حكم بني عمّار، قال: ولمّا اقترب ريمون سان جيل كونت دي تولوز، وهو المسمّى في التواريخ العربية باسم صنجيل خرج الطرابلسيّون، فحاربوه فما نال منهم إرباً بل ارتدّ عنهم ولكنّه عاد عليهم سنة ١١٠٢م فخاب - أيضاً - ولم يظفر بفتح البلد، فاكتفى بأن يضرب عليها مالاً، ثمّ ملك ذروة المرتفع من الأرض على عدوة نهر قاديشا، وأنشأ فيها محلّةً وحصّنها وأقام فيها برجاً له، فأطلق على الموضع اسم تل الغرباء أو الحجّاج، كأنّ التسمية مستفادة من الحال الذي صار إليه


الموضع باحتلال قوم ريمون فيه، غير أنّ المرتفع فوق حي من البلدة وقريب منه، ولذلك أخذ ريمون بتحصينه حذراً وحيطةً، وجعل يزيد الحصن منعة حتّى صار قلعةً يأوي إليها رجاله فتشدّدت بها عزائمه، وشرع يعيد الكرّة على البلدة، ويعبث في أطرافها، ولكنّه لا يجدها إلاّ أعزّ مِن أن تُنال، وكان يستعين بسفن جنوا ولكن من غير طائل ؛ لأنّ المدد كان يأتي البلدة ويعين حماتها على دفع العدو.

وفي ذات مرّة تكاثر المدد في طرابلس فاشتدّ بهم ساعد فخر الدولة ابن عمّار، وخرج على الإفرنج في محلّتهم فامتلكها وهدم القلعة، ولكن لم يمض زمنٌ طويلٌ حتّى كرّ عليه ريمون، واسترجع الموقع وزاده تحصياً وأقام فيه يُواثب الطرابلسيين مرّةً بعد أُخرى ويزعجهم، حتّى أوشك ابن عمّار أن يعاقده على تسليم أرباض المدينة على أن تبقى المدينة له، ولكنّه قبل أن يتمّ الاتفاق حمل على الأعداء ليلاً، واعتلى تلّ الغرباء فأحرق منازل الإفرنج، فارتاعوا لاعتلاق النار في دورهم، وأسرع ريمون من القلعة بمَن معه من الرجال، وأجهدوا أنفسهم فردّوا الهاجمين على الأعقاب، إلاّ أنّ النار علقت بريمون فآذته وأفضت به إلى الموت متأثّراً منها.

وفي روايةٍ أُخرى آثرها العلاّمة سوبرنهايم عن ريمون أنّه أصابته النار من نوافذ البيوت المحترقة، فأحدثت في جسمه حروقاً ذات شأن أفضت به إلى الموت بعد أيّام فقضى في ١٠ جمادى الآخرة سنة ٥٩٨ هـ - ٢٧ شباط سنة ١١٠٥م، عاهداً بالإمارة من بعده لابن أخيه الكونت كليوم جوردان دي سرداين، فأقام على مثاغرة البلدة وزادها ضغطاً وبلاءً سيّما إذ حاول منع أخذها الميرة والزاد من عرقة إلاّ أنّ حصانة البلدة وشدّة بأس أهليها حالا دون تمكّن الأعداء منها، ولم يضرّها إلاّ ما وقع بين زعمائها من التضغّن والخلاف، لأسباب لا يسعنا بسطها لضيق المجال، فأفضى بها ذلك إلى التخاذل وإلى الوهن، على أنّ المحاصرين لم يسلموا أيضاً من دبيب المطامع والتحاسد إليهم ؛ لأنّهم فيما كانوا على وشك أخذ طرابلس، جاءهم من أوروبة الكونت برتران دي تولوز وهو ابن ريمون مطالباً بالإمارة خلفاً لأبيه، فعارضه ابن عمّه بوصاية ريمون واعتصب لكلٍّ من الفريقين حزبٌ من قومهم، فكان أمير أنطاكية من أنصار كليوم، وكان ملك القدس طهيراً لابن ريمون، ولو لم يتدارك هؤلاء الأنصار الأمر لوقع الخلف والشقاق


ولكنّهم اتفقوا على العهد بإمارة طرابلس وجبيل للكونت برتران بن ريمون وإعطاء طرطوس حتّى عرقة لابن عمّه كليوم.

وبهذا فضّ الخلاف واتّفق الجميع فشدّدوا الحصارعلى المدينة، واستطالوا عليها برّاً وبحراً، حتّى فازوا بفتحها صلحاً(١) في (٣ ذي الحجّة سنة ٥٠٢هـ) ٤ تموز سنة ١١٠٩م بعد إذ جرت على قتالهم سبعة أعوام أو تزيد.

____________________

(١) قد تقدّم فيما ذكر أكثر المؤرّخين فتحها عنوةً، وممّن ذكر ذلك ابن خِلّكان في ترجمة الأمير بأحكام الله الفاطمي، وأنّ فتحها كان لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ٥٠٢ وفي تاريخ فتحها خلاف سنعرض له في مكانٍ آخر إن شاء الله.


نكبة مكتبة بني عمّار من الفرنج وأقوال المؤرِّخين

رأينا أن نفرد فصلاً خاصّاً في هذا الكتاب للبحث عن مكتبة بني عمّار التي تُعد من أعظم آثارهم، إلى ما كان لهم من مآثر عمرانيّة في مدينة طرابلس، ونفي استبعاد محتوياتها كما أحصاها المؤرّخ ابن فرات، ونفي استبعاد وحرق الفرنج لها وهذا تتمّة ما سبق إجماله وما يليها من هذا الكتاب.

أمّا محتويات هذه المكتبة والاختلاف في عددها، فقد عرفت ممّا سبق أنّ هناك مَن يقول كابن الفرات بمناهزتها ثلاثة ملايين، ومَن يقول بنزولها إلى مئة ألف، وهما بين إفراط وتفريط، ونرجّح أنّ العدد هو دون ما يقول ابن الفرات، وأكثر ممّا يقوله الآخر، ولا نستبعد أن يكون عددها قد بلغ زهاء نصف المليون، وهذا العدد هو أقرب إلى المعقول، فإنّ عناية المسلمين في التأليف وجمع الكتب في عصر ازدهار العلوم والعرفان في البلاد الإسلامية بلغ مبلغاً عظيماً، فقد نقل المؤرّخون عن طائفةٍ من العلماء مَن جمعوا على انفرادهم ما يزيد على مئة ألف مجلّد، فقد رووا أنّ الشريف المرتضى احتوى مكتبةً كان عدد كتبها مئة ألف وعشرين ألف مجلّد، وأنّه تخلّف بعد إهداء ما أهداه منها عن ثمانين ألف مجلدٍ، وأنّ الصاحب بن عبّاد كان يحتاج إلى ثلاثمئة جمل لحمل كتبه، وقد استقرب صاحب خطط الشام أن يكون ما أحصاه ابن الفرات قريباً من الواقع، بأن تكون ثلاثة الملايين هو كلّ ما في مكاتب طرابلس مع مكتبة بني عمّار، كما نقلنا ذلك سابقاً، وقال دافعاً الاستبعاد:

(ولا ينبغي أن يذهب عن الخاطر أنّ ما كانوا يسمّونه جزءاً أو مجلداً


أو مجلّدة لا يتجاوز بضع كراريس من كرّاساتنا، والكرّاسة قد لا تكون أكثر من ثمان صحائف، بمعنى أنّ ألف المجلّدة أو المجلّد لا تبلغ في مصطلحنا أكثر من خمسين أو ستّين أو سبعين كتاباً، فكان المجلّد في تلك العصور قليل الأوراق ؛ لأنّ الورق أو الرق غليظ، فإذا جعل كلّ مجلّد مئتين أو ثلاثمئة أو أربعمئة أو خمسمئة ورقة يصعب تناوله وحمله ونقله، ولا يصحّ ما قاله ابن الفرات من أنّه كان في دار العلم في طرابلس ثلاثة آلاف ألف يوم نكبتها، إلاّ على هذه الصورة، أي: أنّ كتبها كانت بين مئتين وثلاثمئة ألف، ومنها أجزاء صغيرة ورسائل، وقد يكون الجزء من كتاب لا تتجاوز سطوره سطور مقالةٍ من مقالاتنا، أو إملاءة من أمالينا، أو محاضرة أو مسامرة من محاضراتنا ومسامراتنا اليوم).

وقد عرفت فيما سبق في مبحث تاريخ طرابلس، أنّ الرحّالة الفارسي ناصر خسرو قد ذكر في رحلته أنّه مرّ بها سنة ٤٣٨ هـ، ووصفها في رحلته وصفاً دقيقاً، وذكر من معاملها الكثيرة لمختلف الصناعات معمل لورق الكتابة كمعمل كاغد سمرقند، وكانت في ذلك العهد في حوزة ملوك مصر الفاطميّين، وأنّهم أعفوها من أداء الضرائب ؛ لأمانة أهلها في واقعة سابقة، انهزم فيها الروم، وفي وجود مثل هذا المعمل للورق ما يسهل على المؤلّفين والناسخين: التأليف والنسخ وصناعة الوراقة، التي كانت تشبه مهنة الصحافة والطباعة في هذه الأيّام، أضف إلى ذلك انصراف الهمم في تلك العصور إلى الرغبة في العلم والتعليم، وتوفّر العزائم على جمع الكتب، وإذا علمت أنّ بلاد الشام كانت في ذلك العهد من البلاد التي كان يرتحل إليها في طلب العلم، وكانت طرابلس من قواعد البلاد الشامية، وكان لها شأو رفيع في العمران، وقد دخلت في حكم الفاطميّين سنة ٣٦٠.

وقد كان عصرهم منذ افتتحوا الديار المصريّة والشاميّة عصر علم وعصر منافسة في العلم، وحسبهم في ذلك أثرهم الخالد (الجامع الأزهر) الذي كان وما يزال إلى اليوم الجامعة الكبرى للعلوم الإسلامية، وغيرها من مختلف العلوم والفنون، فلا يستبعد والحالة هذه أن تكون طرابلس وقد أصبحت قاعدةً من قواعد مدنهم الساحليّة، ولها مكانها من حيث الموقع ومن حيث تهيئة أسباب استبحار العمران فيها، أن تساهم مساهمةً عظيمةً في هذه الناحية من نواحي الحياة، وأن يكون لبني عمّار قضاتها منذ حلوّها وأقاموا فيها، وأصبحوا


أمراءها والمستبدّين بأحكامها، وقد امتدّت سكناهم فيها مدّةً طويلةً منذ سنة ٤٤٠ أو ما يتقدّم هذا التاريخ إلى أن سقطت من أيديهم.

وهل يُستبعد، وقد أصبحت بلداً علميّاً، أن تحتوي مكاتبها العدد الذي أحصى ابن الفرات به كتبها، أو ما يزيد على تقدير مَن قدّره بمئة ألف.

وكيف ينكر على بلدٍ بلغ ما بلغ من العمران والترفيه، وحوى من معامل الحرير خاصّةً، دون دخول الإفرنج إليها أربعة آلاف معمل دع المعامل الأُخرى، وأصبح محجّة للعلماء يغشونه من كلّ صوب، فقد قيل إنّ أبا العلاء المعرّي كان ممّن قصدوه للاستفادة من مكاتبه، وعرفت أنّ الرحّالة الكراجكي كان ممّن غشيه وألف عدّة مؤلّفات باسم بعض قضاته وأهله، وكان ذلك في العقد الرابع والخامس من القرن الخامس الهجري، كيف نكر على مثل هذا البلد، وهو على الحال التي وصفناها، أن تحتوي مكتباته العامّة ومكتبة بني عمّار العدد الكثير من الكتب.

إنّ غير ابن الفرات من المؤرّخين إن لم يعرض لإحصاء عدد ما حوته مكتبة بني عمّار من الكتب وغيرها من المكتبات، فقد جاء في عرض كلامهم عند استيلاء الفرنج على طرابلس عنوةً ما يدلّ على الكثرة التي تتجاوز أقلّ الإحصاء الذي اعتمده بعض المؤرّخين وهو مئة ألف مجلد، فيقول ابن الأثير:

ونهبوا (الإفرنج) ما فيها (طرابلس) وأسروا الرجال، وسبوا النساء والأطفال، ونبهوا الأموال، وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة، وكتب دور العلم الموقوفة ما لا يُحد ولا يُحصى.

وقال ابن القلانسي:

(وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر علمها وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يُحد عدده ولا يُحصر فيُذكر).

وقال ابن خِلّكان في ترجمة الآمر بأحكام الله:

(وأخذوا طرابلس الشام بالسيف، يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة سنة ٥٠٢، وكان أخذهم لها بالسيف، ونهبوا ما فيها واسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيدهم من أمتعتها وذخائرها وكتب دار علمها، وما كان في خزائن أربابها ما لا يُحد ولا يُحصى).

جاء في خطط الشام:

وكان الحسن بن عمّار قاضي طرابلس للفاطميّين والمتغلّب عليها، أقام في طرابلس دار حكمة أو شبه مدرسة جامعة، على نحو دار الحكمة التي أنشأها الحاكم بأمر الله في مصر سنة ٤٠٠.


وفيه: ولم تعهد الشام دار حكمةٍ إلاّ في القرن الخامس، أنشأها بنو عمّار في طرابلس.

وكان في كلّ من كفر طاب والمعرّة، في زمن أبي العلاء المعري، خزانة كتب، وقد زارهما كما زار خزانة طرابلس. وهذه الخزانة كانت قبل بني عمّار خلافاً لما وهم بعض المؤرّخين المعاصرين ؛ لأنّ القضاة بني عمّار لم يستولوا على طرابلس إلاّ بعد الأربعين وأربعمئة، وكان أبو العلاء المعرّي زار طرابلس قبل هذا التاريخ، أي في أواخر القرن الرابع، وانتفع بخزانتها وكتبها الموقوفة، وأوّل مَن حكم من قضاة بني عمّار: أبو طالب عبد الله بن محمد بن عمّار في دولة المستنصر الفاطمي، في حدود سنة ٤٤٠.

وقد تقدّم سابقاً عن أوّل مَن وقف مكتبة بني عمّار من قضاة بني عمّار هو أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمّار ثمّ تجديد الأمير علي بن محمد بن عمّار لدار العلم سنة ٤٧٢، ثمّ طبع الأمير فخر الملك عمّار بن محمد بن عمّار على غرارهم.

وقد تقدّم ما نقلناه عن المؤرّخ جرجي يني ما احتوته هذه المكتبة من مختلف العلوم والفنون.

أمّا حرق الإفرنج لهذه المكتبة ن فقد أنكره البعض من متأخّري المؤرّخين، وحجّتهم أنّ متقدّمي مؤرّخي المسلمين لم يذكروه، وأنّه قد تفرّد بذكره ابن طي، وأنّ مؤرّخي الفرنج لم يعرضوا له، ولكنّ شيئاً من ذلك لا ينهض بحجّة النافي، وما كان سكوت مَن سكت عن ذكر حرق هذه المكتبة من مؤرّخي المسلمين دليلاً على العدم، وأمّا سكوت مؤرّخي الصليبيّين فلعلّه كان كما استظهر المؤرّخ يني ستراً لزلة قومهم، ولعلّ ذكر ابن طي خبر الحرق الذي لم يذكره مَن تقدّمه من المؤرّخين، مبنيٌّ على اطّلاعه من خبره ما لا يطلع عليه أولئك، ومََن يعرف سيرة مؤرّخي المسلمين مِن البحث والتحرّي عمّا يدوّنونه، لا يرمي هذا المؤرّخ الثبت بالاختلاق والافتراء.

على أنّ مِن مؤرّخي الإفرنج وبعض أهل الاستشراق، منهم مَن ذكر خبر حرق الصليبيين لهذه المكتبة ؛ فقد جاء في كتاب لغة التاريخ والجغرافية الذي نشره مسيو بويه أن الصليبيين أحرقوا تلك المكتبة الثمينة.

وذكر المستشرق (رونه دوسو) في مقالته التي كتبها برسم انسيقلوبه دي الكبير، وبحث فيه عن أحوال طرابلس الشام العامّة: (أنّ مستخلصي


القدس من النصارى أحرقوا تلك المكتبة العربية الطائرة الصيت).

ثمّ إنّنا لا نعرف وجهاً لاستبعاد حرق الصليبيين لهذه المكتبة، وهم كانوا كما وصف روبرنسون المؤرّخ الإنكليزي، وغير أهل أوروبا بما هذا خلاصته:

(هو أنّه في الزمن الذي كان يتدارس به العرب هذه العلوم، وينشرونها في بلادهم، كانت أهالي أوروبا في حالة لا زالوا هم ذواتهم يندبونها حتى اليوم، ولم يستفيقوا من ذلك الجهل المفرط، والنوم العميق إلاّ بواسطة شروعهم في تلك الغزوات الصليبية الوحشيّة، التي أجروها مع المسلمين، بقصد استخلاص الأراضي المقدّسة من أيديهم، حيث مرّوا في غزواتهم هذه، وسيرهم جهة بلاد أورشليم بأراض نضرة ؛ لحسن زراعتها أكثر من أراضيهم، وبدول متمدّنة أكثر من تمدّن دولهم)(١) .

وما يمنع قوماً هذه صفتهم، وهم لا يعرفون قيمة الكتب وقيمة هذه المكتبة، وقد دخلوا طرابلس بعد محاولة دخولها بضع سنين دخول الثائر المنتقم، وهو لا يتحرّج عن قتل النفوس البريئة، وهدم معالم العمران ودك القصور على الحضيض، وإعفاء ما في هذا البلد من آثار عمرانيّة، أن ينتقم غمار جيشه المتغلّب في جملة ما انتقم من تلك المكتبة بحرقها، وهو لا يعرف قيمتها، بل قد يرى في حرقها وهي عزيزة على أهلها أبرز آثار إرواء غليل المنتقم الحاقد، يقول صاحب صنّاجة الطرب:

أمّا العرب، فإنّه لم يبق عندهم من تلك المكاتب التي أشرنا إليها بأنّهم جمعوها، والمدارس التي شيّدوها، حتّى ولا ذكرها، فكأنّ دولة علومهم كانت مرتبطةً بدولهم السياسيّة، التي منذ أضاعوها أضاعوا كلّ هذه العلوم والمعارف معها ؛ إذ إنّه لم تسقط دولة من دولهم، سواء كانت في المغرب أو في المشرق، إلاّ وهدمت جيوش أعدائهم مدارسها، وأشعلوا نيران حقدهم في مكاتبها.

وفي مجلّة المقتطف:

لمّا افتتح الأسبانيّون تلاد البلاد (الأندلس) واستخلصوها من يد العرب على ما رواه بعض المؤلّفين، فإنّ كردينالهم المسمّى شيمنز أمر بحرق ثمانين ألف كتاب في ساحات مدينة غرناطة بعد

____________________

(١) صنّاجة الطرب.


استظهارهم عليهم في سنة ٨٩٨ للهجرة سنة ١٤٩٢م، إلى أن قال نقلاً عن مؤرّخ إسباني يُقال له ربلس: بأنّ الأسبانيّين أفنوا ألف ألف وخمسة آلاف مجلّد، كلّها خطّتها أقلام العرب، وأنّهم ظفروا بثلاث سفن كانت مشحونةً بالمجلّدات العربية الضخمة طالبة ديار سلطان مراكش، فسلبوها وألقوا كتبها في قصر الأسكوريال إلى سنة ١٦٧١م ١٠٨٢هـ حيث لعبت بها النيران فأكلت ثلاثة أرباعها، ولم يستخلصوا منها إلاّ الربع الأخير، حين استفاقوا من غفلتهم، ففوّضوا إلى رجلٍ ماروني من أهالي طرابلس يُقال له ميخائيل القيصري، فكتب لهم أسماء ألف وثمانمئة وإحدى وخمسين كتاباً منها.

هذا ما جرى من الأسبان في عصر بدء يقظة أوروبا من غفلتها، وفي زمن تطلّعها إلى الأخذ من علوم العرب واحتذاء مدنيّة العرب، فما بالك فيما سبق هذا العصر بقرون على غفلة أوروبا وتسكّعها في مجاهل جهلها، فلا جرم أن يكون ما نُقل عن حرق مكتبة بني عمّار ومكتبات طرابلس صحيحاً.

على أنّ تناول أيدي الفاتحين المتغلبين ولا سيّما مَن كانوا على شاكلة الإفرنج ين غزواتهم البلاد الإسلامية، من حيث الانغماس في الجهل والارتطام في حمأة الحقد والانتقام، إلى تدمير معالم العمران وثل صروح العلم وإتلاف محتويات مكتباتها، ممّا درج عليه أولئك المتغلّبون، وكان عظيم بلائهم منصبّاً على العلم، انصبابه على مَن أوقعه القدر في قبضة سلطانهم وتحت حكم سيفه، فكان أمثال هذا البلاء منصبّاً على مدارس بغداد وكتب علومها، من هولاكو وتيمورلنك ومَن سلفه جنكيزخان على مدارس سمرقند وبخارى وإيران.

وهكذا الحال في كلّ بلدٍ تمكّن منه الغالب، من حيث الجناية على العلوم وكتبها ومدارسها، وحسبنا فيما ذكرناه من هذه الجملة - وهي غيضٌ من فيض وقطر من بحر - ما يكفي في التدليل على عدم استبعاد حرق الإفرنج لمكتبة بني عمّار ومكتبات طرابلس، بل وعلى وقوع ذلك كما يذكره ابن طي.


حدود إمارة طرابلس في عهد القضاة بني عمّار

أمّا تحديد هذه الإمارة في عهد قضاتها بني عمّار، فلم نجد فيه كلاماً واضحاً تطمئنّ إليه نفس الباحث، فهو كغيره من الأبحاث المتعلّقة بالأمراء بني عمّار من عدم الوضوح، إلاّ أنّه يمكننا الاستنتاج من تضاعيف كلمات المؤرّخين أنّها كانت على شيءٍ من الاتّساع، وإن لم تحدّد تخومها.

فقد عرفت ممّا سبق في ما نقلناه عن الشريف الإدريسي المتوفّى سنة ١١٨٧، حيث وصفها بقوله: مدينة عظيمة، عليها سور من حجرٍ منيع، ولها رساتيق وأكوار وضياع جليلة.

ولعلّ ما يذكره القلقشندي في صبحه في تحديدها ما يمكننا معه استصحاب أنّها كانت في عهد الأمراء بني عمّار مشتملة على ذلك التحديد أو ما يقرب منه، فقد قال:

(وحدُّها من القبلة جبل لبنان، ممتدّاً على ما يليه من مرج الأسد، حيث يمتد النهر العاصي، وحدُّها من الشمال قلاع الدعوة، وحدُّها من الغرب البحر الرومي.

وأعمالها على قسمين (الأعمال الكبار ) التي يكاتب نوّابها من الأبواب السلطانية، وهي على ضربين:

الضرب الأوّل: مضافاتها نفسها، وهي ستّ نيابات:

الأوّل: حصن الأكراد

الثاني: عمل حصن عكار

الثالث: عمل بلاطُنُس

الرابع: عمل صهيون

الخامس: عمل اللاذقية

السادس: عمل المرقب.

(الضرب الثاني : قلاع الدعوة، وهي سبع قلاع عظيمة الشأن، رفيعة المقدار، لا تُسامى منعةً ولا تُرام حصانةً، وكانت أوّلاً كلّها مضافة إلى طرابلس، ثمّ نُقلت مصياف منها إلى دمشق، والبقيّة على ما كانت عليه من إضافتها إلى طرابلس، وهي ستّة أعمال.


(الأوّل: عمل الرُصافة.الثاني: عمل الخوابي.الثالث: عمل القَدَمُوس.الرابع: عمل الكهف.الخامس: عمل المنَقة.السادس : عمل العُلّيقة.

(القسم الثاني: الأعمال الصغار.

الأوّل: عمل انطرطوس. الثاني: عمل جُبة المنِيطَرة. الثالث: عمل الظنيين. الرابع: عمل بَشَرّيه. الخامس: عمل جَبَلة. السادس: عمل أَنَفة).

ولا مراء أنّ هذه الحدود كانت تضيق وتتّسع، وكان يُضاف إليها بعض الأعمال، ويتغلّب على البعض الآخر تبعاً لتقلّبات ذلك الزمن، الذي كان الاستبداد فيه بالأعمال من ذوي الأعمال سنّة متّبعة، وقوّة الغالب هي كلّ شيءٍ في عرف متغلّبي تلك الأيّام، والبلاد كالأُكرة في يد اللاعب، والخلافة الفاطميّة في أدوار التقهقر، والغزوات على بلادها متدفقة من هنا وهناك. ومثلها كانت الخلافة العبّاسية، مقطّعة الأوصال، تقوم سلطنةٌ على أنقاض أُخرى وإمارة على تقليص ظلّ إمارة، ووراء ذلك طموح الروم إلى اجتياح البلاد، ثمّ الغزو الصليبي، قال ابن الأثير في كامله الجزء العاشر ص ٢٠٩ / ١:

(على أنّ إمارة طرابلس التي استطاعت في عهد بعض قضاتها، وخاصّةً في عهد آخرهم فخر الملك: أن تقف في أتي الغزو الصليبي سبع سنين وما يزيد، وتنفق ما تنفق من الأموال والأعتدة في سبيل ذلك الموقف، من المستبعد حقّاً إن لم يكن من المستحيل عادةً وعرفاً، أن تقوم بتلك المقاومة، وسلطانها محصور في البلد وأرباضها منها فحسب، وقد عرفت من تضاعيف هذه المباحث: أنّ انطرطوس وجبلة والخوابي وجبيل وعرقة(١) ، كانت داخلةً في سلطان إمارتها في عهد بني عمّار(٢) .

وكيف كان، فإنّا لا نستبعد أن يكون ما حدّده صاحب صبح الأعشى هو القريب من الواقع في عهدة إمارة بني عمّار.

____________________

(١) قال المؤرّخ جرجي يني: والظاهر من بعض الروايات أنّ عرقة وجبيل كانتا إذ ذاك من أميريتها (طرابلس).

(٢) ويظهر أنّ حصن أوتاج قد ضُمّ إلى إمارة طرابلس في عهد فخر الملك سنة ٤٩٧ (القلانسي ص ١٤٨) ينظر تاريخ ابن الأثير ج ١٠ ص ١٦٤.


تاريخ طرابلس بعد استيلاء الفرنج عليها إلى العصر الحاضر

قد رأينا بعد كتابة هذه الفصول، وقد احتوت مع تاريخ بني عمّار قسماً كبيراً من تاريخ طرابلس، أن نستوفي تاريخها من العهد الصليبي، فتخليصها منهم إلى العصر الحاضر، ليجيء تاريخنا هذا تاريخاً لبني عمّار، وتاريخاً لهذا البلد الخالد ؛ لتكون الفائدة أعم والبحث أتم.

تراجع مدينة طرابلس في عهد حصار الفرنج لها واستيلائهم عليها

كانت طرابلس في عهد بني عمّار مشهورة: بغنى طبيعتها، وحسن رونقها، ونجاحها، وكانت حاصلاتها غزيرة جدّاً، حتّى أنّ السهول والتلال والأكم المجاورة كانت مصدر الكثير من الغلال الفاخرة والزيتون والحرير، بالإضافة إلى ما كان هنالك من قصب السكّر والكرْم وأنواع الفاكهة والأشجار.

وحسبنا بذلك شهادة المؤرّخ ميشود الذي تبع قوله بقوله:

إنّ في المدينة أكثر من أربعة آلاف نول لنسج الأقمشة الصوفية والحريرية والقطنية، غير أنّ قسماً كبيراً من هذا الغنى بات طعاماً لانتقام الإفرنج، أو معطّلاً من جرّاء حروبهم وحصارهم الطويل، فإنّهم كانوا في زمان الحصار قد أضرّوا بجوار البلدة، ولمّا تملّكوها لم يعتنوا بما فيها من المعامل الصناعية، فانحطّت انحطاطاً عظيماً.

ولم يكن ما ذكر لكلّ ما اشتهرت به طرابلس من الغنى في ذلك الزمن، فإنّ خزائنها كانت قد مُلئت من الكتب المفيدة، التي أحالها الإفرنج رماداً(١) .

____________________

(١) تاريخ سورية ليني.


وفي كتاب تتبعات (بيروت ) بعد ذكره غلبة المسلمين للرومان على طرابلس، وازدهارها في أيّامهم زراعةً وتجارةً وعلماً، قال: ولكن لم يطل هذا الفيض العلمي، بل رمت أوروبا هذه البلاد بشرذمةٍ من جهلائها الصليبيّين الذين هم أعداء العلم والمعرفة، فكانوا المانعين لبقاء تلك النعمى العظمى، وقد كان موجوداً في طرابلس إبّان هجومهم زهاء أربعة آلاف من مصانع الحرير والصوف، فلم يدرك أولئك الإفرنجيّون قيمة تلك الثروة البشريّة والطبيعيّة، بل كانوا يخرّبون كلّ ما وصلت أيديهم إليه من آثار العمران، فقطعوا أشجار الزيتون بقصد نكاية المسلمين، ثمّ عمدوا إلى الرياض المحيطة بالبلدة على مسافة بضعة كيلومترات، فأبادوها قطعاً وقلعاً وجعلوها خاويةً على عروشها ؛ ولذلك فإنّ الزراعة والصناعة تقهقرت بعد استيلائهم على البلدة حتى أشفت على العدم.

ازدهارها بعد استيلاء الفرنج عليها

قال المؤرّخ جرجي يني في مباحثه م ٢:

ولمّا امتلك الفرنجة البلد حصّنوها وزادوها منعةً، بما بنوا فيها من الأسوار والأبراج، وبمَن جعلوا على حراستها مِن قومهم. ولم يمض على المدينة بعد فتحها إلاّ زمنٌ قصير حتّى عادت إلى الازدهار بتجارتها وغِناها وعظم مبانيها، حتّى أنّها امتدت واتصلت من الساحل حتّى تلّ الغرباء والمرتَفع الآخر على العدوة اليمنى من النهر (القبّة)، وأُقيم بينهما جسرٌ أُطلق عليه يومئذٍ: جسر تلّ الغرباء، وهو المعروف حتّى اليوم بالجسر العتيق.

[ الأحداث المتجدّدة عليها في العهد الصليبي ]

وجاء في تاريخ سورية لجرجي يني:

(ومذ صارت طرابلس بلدة صليبيّة ضمّ إليها بعض المدن المجاورة: كجبيل وعرقا وطرطوس وما بينها، فتشكّلت إمارة باسمها، كان يتأمّرها أوّلاً برتران بن رايموندكونت دوتولوس، ثمّ نسله من بعده: وكانت تلك الأميريّة متعلقة رأساً بحكومة ملك بيت المقدس).

لم يغفل أمراء المسلمين عن هذه المدينة، فلم تستتبّ لأمرائها الفرنج راحة وهي تُغزى من المسلمين المرّة بعد المرّة، فكانت حالها كحال البلاد


الشاميّة - التي غلب الفرنج عليها المسلمين - عُرضةً للهجوم المتواصل، ولكنّها ثبتت على كلّ هجومٍ استهدفها وهي مستعصمة بأسوارها وأبراجها، وتستمدّ إلى قوّتها قوّة مِن ملك بيت المقدس، ومِن قوى البحر التي كانت منها على قاب قوسين أو أدنى. وبعد فكان لأمراء الفرنج الذين تقاسموا ما افتتحوه من البلاد الشاميّة الساحليّة عناية خاصّة بإنجادها، وهي ثغرٌ من أهمّ الثغور التي وقعت في سلطانهم، ففي حفظها حفظ ما بأيديهم ممّا غلبوا عليه المسلمين.

في سنة ٥٠٣ هـ جرت الموادعة بين بغدوين ملك بيت المقدس وظهير الدين أتابك، حين عزم بغدوين على العيث والإفساد في ناحية البقاع، ولكنّ بغدوين نقض الهدنة في سنة ٥٠٤، وكتب إلى ابن صنجيل صاحب طرابلس يلتمس منه الوصول إليه في عسكره ليجتمع معه في طبرية.

وجمع وحشد ووصل إلى ناحية بيت المقدس لتقرير أمرٍ كان في نفسه، فحدث له في طريقه مرضٌ أقام به أيّاماً ثمّ أبلّ منه، ولم يبق في عينه أمرٌ مهمٌ يحفل به من جهتهم، فنهض ظهير الدين عند معرفته قصده في عسكره ونزل في المنزل المعروف برأس الماء، ثمّ رحل عنه إلى اللجاة.

ونهض الإفرنج في أثره إلى الضمين، ففرّق أتابك العسكر عليهم من عدّة جهات، وبثّ في المعابر والمسالك خيلاً يمنع من حمل الميرة إليهم، وضايقهم مضايقةً ألجأتهم إلى الدخول في حكم المسالمة والموادعة إلى أن استقرّت بينهما الحال على شروط ؛ ورحل كلٌّ منهما منكفئاً إلى عمله.

وقد كان تقرّر مع السلطان غياث الدين والدنيا على إنهاض العساكر عقيب تلك الاستغاثة للجهاد، فتأهّبوا لذلك، وكان أوّل مَن نهض منهم إلى أعمال الإفرنج: الأمير الاسفهلاّر شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره، وافتتح عدّة حصون، وانضمّ إليه الأمير أحمد بك في عسكرٍ كثيفٍ، وتلاه الأمير قطب الدين سقمان القطبي من بلاد ارمينية وديار بكر، فاجتمعوا في أرض حرّان، وكتب إليهم سلطان بن علي بن منقذ صاحب شيزر يعلمهم نزول طنكري صاحب أنطاكية أرض شيزر وشروعه في بناء تل باشر، وحمل الغلال إليهم، ويستصرخهم ويبعثهم على الوصول إلى جهته، فحين عرفوا ذلك رحلوا إلى الشام وقطعوا الفرات في النصف من المحرّم سنة ٥٠٥، ونزلوا على تلّ باشر وأقاموا


ينتظرون وصول الأمير برسق بن برسق صاحب همذان.

وجرت أُمورٌ أدّت إلى تفرّق الأمراء ورحيل العساكر، وعدم جدوى تحريض أتابك على قصد طرابلس، ولم يتخلّف معه إلاّ الأمير مودود، فرحلا عن المعرّة ونزلا على العاصي.

ولمّا عرف الإفرنج رحيل العساكر وتفرّقهم اجتمعوا ونزلوا أفامية بأسرهم: بغدوين وطنكري وابن صنجيل، بعد التباين والمنافرة والخلف، وصاروا يداً واحدةً وكلمة متّفقةً على الإسلام وأهله، ورجفوا إلى البلاد التي لم تقع بعد في حوزتهم، فقصدوا ثغر صور وحاصروه حصاراً شديداً، ودافع الصوريّون دفاعاً ردّ عن ثغرهم الغزاة.

وكان لمقدّم من مقدّمي البحريّة عارف بالصنعة من أهل طرابلس يدٌ مشكورةٌ في الدفاع ؛ فترك الإفرنج صور إلى عكاء.

وفي الثاني من شعبان من هذه السنة، ورد الخبر بهلاك بدران بن صنجيل صاحب طرابلس، بعلّةٍ لحقته، وأقام ابنه في الأمر من بعده وهو طفل صغير، كفله أصحابه ودبّروا أمره مع طنكري صاحب أنطاكية، وجعلوه من قِبَله، وأقطعه انطرطوس وصافيتا ومرقية وحصن الأكراد.

وفي سنة ٥٠٦ انتقضت الموادعة بين ظهير الدين أتابك وبغدوين.

وحرص هذا وقد ضايقه على إعادتها، فلم يجبه أتابك، وكان الواسطة في مراسلة أتابك جوسلين الذي غاضب بغدوين الرويس صاحب الرُها واتفق مع بغدوين ملك القدس، وبذل جوسلين لأتابك المصافاة والمودّة، ورغبة في الموادعة والمسالمة وسلّم إليه حصن ثمانين وجبل عاملة، ويتعوّض عن ذلك بحصن الحبيس في السواد ونصف السواد، وتضمن عن بغدوين الوفاء بذلك والثبات، وترك التعرّض لشيءٍ من أعمال دمشق، ولا يعرض هو لشيء من أعمال الإفرنج فلم يجب إلى ذلك.

ولمّا يئس من إجابة أتابك واصل الغارات والفساد في الشام، إلى أن وصل عسكر السلطان إلى عمله، وبالغ أتابك فيما حمله إلى الأمير مودود وإعظامه وإكرامه وما حمله إليه وإلى مقدّمي عسكره وخواصّه، ثمّ نهضوا مُعلمين على النزول على الأقحوانة، ووصل إلى بغدوين (سرخاله) صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس، وأجمعوا رأيهم على النزول غربيّ جسر الضبرة، ثمّ يقطعون الأقحوانة للقاء المسلمين، وقد احتاطوا على أثقالهم وراء الجسر والمسلمون لا يعلمون بذلك، وأنّهم قد عارضوهم في المسير إلى هذا المنزل، فسبق الأتراك إلى


نزولهم في الأقحوانة، وقُطع بعد عسكر الأتراك الجسر لطلب العلوفات والزرع، فصادفوا الإفرنج قد خرّبوا خيامهم، وقد تقدّم بغدوين للسبق إلى هذا المنزل، ونزل صاحب انطاكية وصاحب طرابلس وراءه يتبعونه إليه.

ونشبت الحرب بين المتعلّقة وبين الإفرنج، وصاح الصائح ونفر الناس، وقطعوا الجسر وهم يظنّون أنّه جوسلين ؛ لأنّه صاحب طبرية، فوقف أتابك على الجسر وتسرّع خلقٌ كثير من العسكر إلى قطع الجسر، وقطع الأمير تميراك بن أرسلانتاش في فريقٍ وافرٍ من العسكر.

ونشبت الحرب بين الفريقين من غير تأهّبٍ للقاء ولا ضرب خيام ولا استقرار في منزل ولا محالّ، واختلط الفريقان فمنح الله الكريم - وله الحمد - المسلمين النصر بعد ثلاث كرّات، فقُتل فيها من الإفرنج تقدير ألفي راجل من الأعيان ووجوه الأبطال والشجعان، وملكوا ما كان نصب من خيامهم والكنيسة المشهورة، وأفلت بغدوين بعد ما قُبض وأُخذ سلاحه ومُلكت دواب الرجّالة وما كان لهم، وغرق منهم خلقٌ كثيرٌ في البحيرة واختلط الدم والماء، وامتنع الناس من الشرب منها أيّاماً حتّى صفت منه وراقت، والتجأ مَن نجى مِن الإفرنج إلى طبرية وأكثرهم جرحى، وذلك في يوم السبت الحادي عشر من المحرّم سنة ٥٠٧.

وبعد انفصال الأمر وصل باقي الإفرنج أصحاب طنكري وابن صنجيل، فلاموه على التسرّع وفنّدوا رأيه (القلانسي).

وفي سنة ٥١٠ ورد الخبر بأنّ بدران بن صنجيل صاحب طرابلس جمع وحشد وبالغ واجتهد ونهض إلى ناحية البقاع لإضرابه بالعيث والفساد والإضرار والعناد. وكان الاصفهلاّر سبط الدين البرسقي صاحب الموصل قد وصل إلى دمشق في بعض عسكره لمعونة ظهير الدين أتابك على الإفرنج والغزو فيهم، وبالغ أتابك في الإكرام له والتعظيم لمحلّه، وصادف ورود هذا الخبر بنهضة الإفرنج إلى البقاع، فاجتمع رأيهما على القصد لهما جميعاً، وأغذّا السير ليلاً ونهاراً بحيث هجموا عليهم وهم غارّون في مخيّمهم قارّون لا يشعرون فأرهقهم العسكر فلم يتمكّنوا من ركوب خيلهم ولا أخذ سلاحهم ؛ فمنحهم الله النصر عليهم وأطلقوا السيف فيهم قتلاً وأسراً ونهباً فأتوا على الراجل وهم خلقٌ كثيرٌ قد جمعوا من أعمالهم وأسروا وجوه فرسانهم ومقدّميهم وأعيان شجعانهم وقتلوا الباقين منهم، ولم يفلت منهم غير مقدّميهم بدران بن صنجيل والمقدّم كند اصطبل ونفر


يسير معهما ممّن نجا به جواده وحماه أجله. واستولى الأتراك على العُدد الجمة والخيول والكراع (القلانسي).

وفي ذي الحجّة من سنة ٥٢٧ وردت الأخبار بوصول عسكر وافر من التركمان إلى ناحية الشمال، وأنّهم غاروا على طرابلس وأعمالها من معاقل الإفرنج، فظفروا بخلقٍ كثيرٍ منهم قتلاً وأسراً، وحصل لهم من الغنائم والدواب الشيء الكثير، وإنّ صاحب طرابلس نبض طلولا بن بدران الصنجيلي خرج فيمن حشده من أعماله، ولقي عسكر التركمان فكسروه، وأظفرهم الله بحشده المفلول وجمعه المخذول، وقُتل أكثر رجاله وحمل حماته وأبطاله، وانهزم في نفرٍ قليلٍ من الحصن المعروف ببرين، فالتجأوا إليه وتحصّنوا به، ونزل عسكر الأتراك عليه وأقاموا محاصرين له أيّاماً كثيرةً حتى نفد ما فيه من القوت والماء بحيث هلك منهم ومِن خيلهم الأكثر، فأعملوا الحيلة واستغنموا الغفلة وانتهزوا الفرصة، وحرصوا في تقدير عشرين مع المقدّم، فنجوا ووصلوا إلى طرابلس.

وكاتب ملك نبض طلولا صاحبها ملك الإفرنج بعكّا يستصرخ به وبمَن في أعماله ويبعثهم على نصرته، فاجتمع إليه من الإفرنج خلقٌ كثير، ونهضوا إلى التركمان لترحيلهم عن حصن برين واستنقاذ مَن بقي فيه منهم. فلمّا عرفوا عزمهم وقصدهم زحفوا إلى لقائهم فقتلوا منهم جمعاً كثيراً، وأشرف التركمان على الظفر بهم والنكاية فيهم لولا أنّهم اندفعوا إلى ناحية رفتيه، فاتّصل بهم رحيلهم عنها وعودهم على طريق الساحل، فشقّ ذلك عليهم، وأسفوا على ما فاتهم من غنائمهم، وتفرّقوا في أعمالهم (القلانسي).

وفي رجب سنة ٥٣١ نهض الأمير (بزاوش) في فريقٍ وافرٍ من العسكر الدمشقي من التركمان إلى ناحية طرابلس، فظهر إليه قومصها في عسكره والتقيا، فكسره (بزاوش) وقتل منهم جماعةً وافرةً، وملك حصن وادي ابن الأحمر وغيره(١) .

وفي رجب - أيضاً - نهض (بزاوش) في العسكر ومَن حشده وجمعه من التركمان إلى ناحية طرابلس في الرابع منه، فظهر إليه صاحبها في خيله من

____________________

(١) القلانسي.


الإفرنج، فكمن لهم في عدّة مواضع، فلمّا حصلوا بالموضع المعروف بالكورة ظهرت عليهم الكمناء فهزموهم، ووقع السيف في أكثرهم، ولم يفلت منهم إلاّ اليسير، وهجم على الحصن الذي هناك فنهبه وقتل مَن فيه من المقدّمين والأتباع، وأسر مَن بذل في نفسه المال الكثير، وحصل له ولعسكره القيمة الكثيرة. (القلانسي).

وفي سنة ٥٤٦ وفي هذه الأيّام ورد الخبر بوصول الأسطول المصري إلى الثغور: ثغور الساحل في غاية من القوّة وكثرة العُدّة والعدد، وذكر أنّ عدد مراكبه سبعون مركباً حربيّاً مشحونةً بالرجال، ولم يخرج مثله في السنين الخالية، وقد أنفق عليه على ما حُكي ثلاثمئة ألف دينار، وقرب من يافا من ثغور الإفرنج، فقتلوا وأسروا وأحرقوا ما ظفروا به، واستولوا على عدّةٍ وافرةٍ من مراكب الروم والإفرنج، ثمّ قصدوا ثغر عكّا وفعلوا فيه مثل ذلك، وحصل في أيديهم عدّة وافرة من المراكب الحربيّة الفرنجية، وقتلوا من حجاج وغيرهم خلقاً عظيماً، وأنفذوا ما أمكن إلى ناحية مصر، وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وطرابلس وفعلوا فيها مثل ذلك.

ووعد نور الدين بمسيره إلى ناحية الأسطول المذكور لإعانته على تدويخ الإفرنج، واتّفق اشتغاله بأمر دمشق وعوده إليها لمضايقتها، وحدّث نفسه بملكها لعلمه بضعفها وميل الأجناد والرعيّة إليهم وإشارتهم لولايته وعدله. (القلانسي).

ما جاء بعد هذا التاريخ من حوادث طرابلس في العهد الصليبي من الجزء الحادي عشر من كامل ابن الأثير:

في رجب سنة ٥٥٢ كان بالشام زلازل كثيرة قويّة، خرّبت كثيراً من البلاد وهلك فيها ما لا يُحصى كثرةً ؛ فخرب منها بالمرّة: حماة وشيزر وكفر طاب والمعرّة وأفامية وحمص وحصن الأكراد وعرقة واللاذقية وطرابلس وأنطاكية.

وفي سنة ٥٥٨ انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج، وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة تحت حصن الأكراد، محاصراً لها وعازماً على قصد طرابلس ومحاصرتها. فبينما الناس يوماً في خيامهم وسط النهار لم يرعهم إلاّ ظهور صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد، وذلك


أنّ الفرنج اجتمعوا واتّفق رأيهم على كبسة المسلمين نهاراً ؛ فإنّهم يكونون آمنين، فركبوا من وقتهم ولم يتوقّفوا، حتّى تجمّعت عساكرهم وساروا مجدّين، فلم يشعر بذلك المسلمون إلاّ وقد قربوا منهم، فأرادوا منعهم فلم يطيقوا ذلك، فأرسلوا إلى نور الدين يعرّفونه الحال، فرهقهم الفرنج بالجملة فلم يثبت المسلمون وعادوا يطلبون معسكر المسلمين والفرنج، فوصلوا معاً إلى العسكر النوري، فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح إلاّ وقد خالطوهم فأكثروا القتل والأسر. وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي، فإنّه كان قد خرج من بلاده إلى الساحل في جمعٍ كثيرٍ من الروم، فقاتلوا محتسبين في زعمهم فلم يبقوا على أحد، وقصّوا خيمة نور الدين، وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه.

وفي سنة ٥٥٩ لمّا انهزم نور الدين في وقعة البقيعة - كما عرفت - وعاد بعسكره كأنّهم لم يصابوا، وأخذ في الاستعداد للجهاد والأخذ بثأره، واتّفق مسير بعض الفرنج مع ملكهم إلى مصر، أراد أن يقصد بلادهم ليعودوا عن مصر، فأرسل إلى أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وديار الجزيرة، وإلى فخر الدين قرا إرسلان صاحب حصن كيفا، وإلى نجم الدين صاحب ماردين وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم. وقد لبّى دعوته البعض وتخلّف البعض، ولمّا اجتمعت العساكر سار نحو حارم فحصرها، ونصب عليها المجانيق، وتابع الزحف إليها.

فاجتمع مَن بقي بالساحل من الفرنج فجاوا في حدّهم وحديدهم وملوكهم وفرسانهم وقسوسهم ورهبانهم، وأقبلوا إليه من كلّ حدبٍ ينسلون، وكان المقدّم عليهم الرئيس بيمند صاحب أنطاكية، وقمص صاحب طرابلس وأعمالها، وابن جوسلين وهو من مشاهير الفرنج، والدوك وهو مقدّم كبير من الروم.

وجمعوا الفارس والراجل، فلمّا قاربوه رحل عن حارم إلى (ارتاح) طمعاً بأن يتبعوه فيتمكّن منهم، ويبعدهم عن بلادهم إذا لقوه، فساروا فنزلوا على غمر ثمّ علموا عجزهم عن لقائه، فعادوا إلى حارم. فلمّا عادوا تبعهم نور الدين في أبطال المسلمين على تعبئة الحرب، فلمّا تقاربوا اصطفّوا للقتال، فبدأ الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن، فانهزم المسلمون وتبعهم الفرنج، فقيل كانت تلك الهزيمة من الميمنة على اتفاق ورأيٍ دبروه وهو: أن يتبعهم الفرنج فيبعدوا عن راجلهم


فيميل عليهم مَن بقي مِن المسلمين بالسيوف، فإذا عاد فرسانهم لم يلقوا راجلاً يلجئون إليه، ولا وزيراً يعتمدون عليه، ويعود المنهزمون في آثارهم فيأخذهم المسلمون: من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، فكان الأمر على ما دبّروه. فإنّ الفرنج لمّا تبعوا المنهزمين، عطف عليهم زين الدين علي في عسكر الموصل على راجل الفرنج فأفناهم قتلاً، وأسراً، وعاد خيّالتهم ولم يمعنوا في الطلب خوفاً على راجلهم.

فعاد المنهزمون في آثارهم، فلمّا وصل الفرنج رأوا رجالهم قتلى وأسرى، فسقط في أيديهم ورأوا أنّهم قد هلكوا، وبقوا في الوسط، قد أحدق بهم المسلمون من كلّ جانب، فاشتدّت الحرب وقامت على قدمٍ وساق، وكثر القتل في الفرنج، وتمّت عليهم الهزيمة، فعدل حينئذٍ المسلمون عن القتل إلى الأسر فاسروا ما لا يُحدّ ؛ وفي جملة الأسرى صاحب أنطاكية، والقمص صاحب طرابلس.

وكان شيطان الفرنج وأشدّهم شكيمةً على المسلمين الدوك مقدّم الروم وابن جوسلين، وكان عدّة القتلى تزيد على عشرة آلاف قتيل، وأشار المسلمون على نور الدين بالمسير إلى أنطاكية، وتملّكها لخلوّها مِن محامٍ يحميها ومقاتلٍ يذبّ عنها.

فلم يفعل وقال: أمّا المدينة فأمرها سهل، وأمّا القلعة فمنيعة، وربّما سلّموها إلى ملك الروم ؛ لأنّ صاحبها ابن أخيه، ومجاورة بيمند أحبّ إليّ من مجاورة صاحب قسطنطينية.

وبثّ السرايا في تلك الأعمال، فنهبوها وأسروا أهلها وقتلوهم، ثمّ إنّه فادى برنس بيمند صاحب أنطاكية، واشترى من المسلمين خلقاً كثيراً فأطلقهم.

وفي سنة ٥٦٧: في هذه السنة خرج مركبان من مصر إلى الشام، فأرسيا بمدينة اللاذقية، فأخذهما الفرنج وهما مملوءان من الأمتعة والتجارة.

وكان بينهم وبين نور الدين هدنة، فنكثوا وغدروا، فأرسل نور الدين إليهم في المعنى وإعادة ما أخذوه من أموال التجارة، فغالطوه واحتجّوا بأُمورٍ منها: أنّ المركبين كانا قد انكسرا ودخلهما الماء. وكان الشرط أنّ كلّ مركبٍ ينكسر ويدخله الماء يأخذونه.

فلم يقبل مغالطتهم، وجمع العساكر وبثّ السرايا في بلادهم: بعضها نحو أنطاكية وبعضها نحو طرابلس، وحصر هو حصن عرقة وخرّب ربضه، وأرسل طائفةً من العسكر إلى حصن صافيتا وعريمة فأخذهما عنوةً، ونهب وخرّب، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، وعادوا إليه وهو


بعرقة، فسار في العساكر جميعها إلى أن قارب طرابلس ينهب ويخرّب ويحرق ويقتل، وأمّا الذين ساروا إلى أنطاكية ففعلوا في ولايتها مثل ما فعل في ولاية طرابلس، فراجعه الفرنج وبذلوا جميع ما أخذوه من المركبين، وتجديد الهدنة معهم. فأجابهم إلى ذلك، وأعادوا ما أخذوا وهم صاغرون، وقد خُرّبت بلادهم وغُنمت أموالهم.

حضر إلى السلطان صلاح الدين وهو مقيم في بيروت بيمند الفرنجي صاحب طرابلس وأنطاكية، وكان حضوره إلى بيروت ثلاث مرّاتٍ، الأُولى: كانت على سبيل الغارة، والثانية: لما فتحها، والثالثة: هذه المرة.

أمّا بيمند، فيقول ناشر الكتاب في هامش هذه الصفحة: هو بوهيمند الثالث دي بواتيه وسيّد أنطاكية.

قال ابن الأثير في تاريخ سنة ٥٨١ هـ ١١٩٢م:

ولمّا وصل السلطان صلاح الدين إلى بيروت أتاه بيمند صاحب أنطاكية وأعمالها وطرابلس وأعمالها، واجتمع به وخدمه. فخلع عليه صلاح الدين، وعاد إلى بلاده، وزاد ابن شدّاد أنّه أقطعه العمق واغزرات ومزارع تعمل ١٥ ألف دينار.

ومنه افتتح السلطان الملك المنصور قلاوون الألفي في جملة ما افتتحه من السواحل طرابلس وما يليها، وأخرب طرابلس ونقلها إلى سفح الجبل، وكان فتوحها في أوّل ربيع الآخر سنة ٦٨٨ هـ ١٢٨٩م.

وفي سنة ٥٨٢ كان القمص صاحب طرابلس واسمه ريمند بن ريمند الصنجيلي، قد تزوّج بالقومصة صاحبة طبريّة، وانتقل إليها وأقام عندها بطبرية.

ومات ملك الفرنج بالشام، وكان مجذوماً، وأوصى بالملك إلى ابن أختٍ له وكان صغيراً فكفله القمص.

وقام بسياسة الملك وتدبيره ؛ لأنّه لم يكن للفرنج ذلك الوقت أكبر منه شأناً ولا أشجع ولا أجود رأياً منه، فطمع في الملك بسبب هذا الصغير، فاتّفق أنّ الصغير توفّي فانتقل المُلْك إلى أمّه، فبطل ما كان القمص يحدّث نفسه به. ثمّ إنّ هذه الملكة هويت رجلاً من الفرنج الذين قدموا الشام من الغرب اسمه كي، فتزوّجته ونقلت المُلْك إليه، وجعلت التاج على رأسه وأحضرت البطرك والقسوس والرهبان والاسبتارية والداوية والبارونية، وأعلمتهم أنّها قد ردّت الملك إليه وأشهدتهم عليها بذلك، فأطاعوه ودانوا له. فعظم ذلك على القمص وسقط في يديه، وطولب بحساب ما جبى من الأموال مدّة ولاية الصبي، فادّعى أنّه


أنفقه عليه، وزاده ذلك نفوراً وجاهر بالمشاقّة والمباينة، وراسل صلاح الدين وانتمى إليه واعتضد به، وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج ؛ ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك، ووعده النصرة والسعي له في كلّ ما يريد، وضمن له أنّه يجعله ملكاً مستقلاًّ للفرنج قاطبة، وكان عنده جماعة من فرسان القمص فأطلقهم. فحل ذلك عنده أعظم محل وأظهر طاعة صلاح الدين ووافقه على ما فعل جماعة من الفرنج، فاختلفت كلمتهم وتفرّق شملهم.

وكان ذلك من أعظم الأسباب الموجبة لفتح بلادهم، واستنقاذ البيت المقدّس منهم.

لمّا كان البرنس (ارناط) صاحب الكرك من أعظم الفرنج وأشدّهم عداوةً للمسلمين وأعظمهم ضرراً عليهم، ولمّا رأى صلاح الدين ذلك منه، قصده بالحصر مرّةً بعد مرّة، وبالغارة على بلاده كرةً بعد أُخرى، حتّى ذلّ وخضع وطلب الصلح من صلاح الدين، فأجابه إلى ذلك وهادنه.

وتحالفا وتردّدت القوافل من الشام إلى مصر ومن مصر إلى الشام، فلمّا كان هذه السنة اجتاز به قافلةً عظيمة غزيرة الأموال كثيرة الرجال، ومعها جماعة صالحة من الجند، غدر بهم وأخذهم عن آخرهم، وغنم أموالهم ودوابّهم وسلاحهم، وأودع السجون مَن أسره منهم.

فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويُقبّح فعله وغدره ويتوعّده إن لم يطلق الأسرى والأموال.

فلم يجب إلى ذلك، وأصرّ على الامتناع، فنذر صلاح الدين نذراً أن يقتله إن ظفر به. ولم يكتف (ارناط) بنقضه تلك المعاهدة حتّى حاول في سنة ٥٨٣ أمراً آخر، وهو أن يقصد الحُجّاج ليأخذهم من طريقهم، حتّى إذا فرغ من أخذهم يرجع إلى طريق العسكر المصري يصدهم عن الوصول إلى صلاح الدين.

وكان في هذه السنة قد كتب إلى جميع البلاد يستنفر الناس للجهاد، وكتب إلى الموصل وديار الجزيرة وإربل وغيرها من بلاد الشرق، وإلى مصر وسائر بلاد الشام، يدعوهم إلى الجهاد ويحثّهم عليه ويأمرهم بالتجهّز له بغاية الإمكان.

ثمّ خرج من دمشق أواخر المحرّم في عسكرها وحلقتها الخاص، فسار إلى رأس الماء وتلاحقت به العساكر الشاميّة، فلمّا اجتمعوا جعل عليهم ولده الملك الأفضل عليّاً ليجتمع إليه مَن يردّ إليه منها، وسار هو إلى بصرى جريدة ليمنع البرنس (ارناط) من طلب الحُجّاج، وكان من الحُجّاج جماعة من أقاربه منهم محمد بن لاجين وهو ابن أخت صلاح الدين وغيره. فلما


سمع (ارناط) بقرب صلاح الدين من بلده لم يفارقه، وانقطع عمّا طمع فيه ووصل الحُجّاج سالمين. فلمّا اطمأنّت نفسه إلى سلامتهم سار إلى الكرك، وبثّ سراياه من هناك على ولاية الكرك والشوبك وغيرهما، فنهبوا وخرّبوا وأحرقوا، والبرنس محصور لا يقدر على المنع عن بلده، وسائر الفرنج قد لزموا طريق بلادهم خوفاً من العسكر الذي مع ولده الأفضل.

وأرسل صلاح الدين إلى ولده الأفضل يأمره أن يرسل قطعةً صالحةً من الجيش إلى بلد عكّا ينهبونه ويخرّبونه، فسيّر مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين، وهو صاحب حرّان والرُّها، وأضاف إليه قايماز النجمي ودلدرم الياقوتي وهما من أكابر الأمراء وغيرهما، وساروا ليلاً وصبّحوا صفورية أواخر صفر، فخرج إليهم الفرنج في جمعٍ من الداوية والاسبتارية وغيرهما، فالتقوا هناك، وجرت بينهم حرب تشيب لها المفارق السود، ثمّ أنزل الله نصره على المسلمين، فانهزم الفرنج وقُتل منهم جماعة وأُسر الباقون، وفيمن قُتل مقدّم الاسبتارية وكان من فرسان الفرنج المشهورين.

ونهب المسلمون ما جاورهم من البلاد، وغنموا وسبوا وعادوا سالمين، وكان عودهم على طبرية وبها القمص، فلم ينكر ذلك.

ولمّا أتت صلاح الدين البشارة بهزيمة الاسبتارية والداوية، وقتل مَن قُتل منهم وأسر من أُسر منهم، عاد عن الكرك إلى العسكر الذي مع ولده الملك الأفضل، وقد تلاحقت سائر الأمراء والعساكر، واجتمع بهم وساروا جميعاً، وعرض العسكر فبلغت عدّتهم اثني عشر ألف فارس ممّن له الإقطاع والجامكية سوى المتطوّعة.

فعبّى عسكره قلباً وجناحين وميمنةً وميسرةً وجاليشية وساقة، وعرف كلّ منهم موضعه وموقفه وأمره بملازمته وسار على تعبئة، فنزل بالأقحوانة بقرب طبرية، وكان القمص قد انتمى إلى صلاح الدين، وكتبه متّصلة إليه يعده النصرة ويمنّيه المعاضدة.

فلمّا رأى الفرنج العساكر الإسلامية، وتصميم العزم على قصد بلادهم، أرسلوا إلى القمص البطرك والقسوس والرهبان وكثيراً من الفرسان، فأنكروا عليه انتماءه إلى صلاح الدين وقالوا له: لا شكّ أسلمت وإلاّ لم تصبر على فعل المسلمين أمس بالفرنج: يقتلون الداوية والاسبتارية ويأسرونهم، ويجتازون بهم عليك وأنت لا تنكر ذلك ولا تمنع عنه، ووافقهم على ذلك مَن عنده من عسكر طبرية وطرابلس، وتهدّده البطرك أنّه يحرّمه ويفسخ عليه نكاح زوجته إلى غير


ذلك من التهديد.

فلمّا رأى القمص شدّة الأمر عليه خاف واعتذر وتنصّل وتاب، فقبلوا عذره وغفروا زلّته، وطلبوا منه الموافقة على المسلمين والموآزرة على حفظ بلادهم، فأجابهم إلى المصالحة والانضمام إليهم والاجتماع بهم.

وسار معهم إلى ملك الفرنج، واجتمعت كلمتهم بعد فرقتهم وجمعوا فارسهم وراجلهم، ثمّ ساروا من عكّا إلى صفورية وهم يقدّمون رِجْلاً ويؤخّرون أُخرى قد ملئت قلوبهم رعباً.

لمّا اجتمع الفرنج وساروا إلى صفورية، جمع صلاح الدين أمراءه واستشارهم، فأشار أكثرهم بترك اللقاء وبعضهم بالمناجزة والمطاولة، ولكنّه رجّح هو لقاءهم بالمسلمين المجتمعين كلّهم، ونفّذ خطّته فتمّ له فتح طبرية.

ومثل ذلك فعل الفرنج في الاستشارة، وكان رأي القمص ترك لقاء المسلمين والرضى باستيلاء صلاح الدين على طبرية، ولكنّ البرنس ارناط خالفه، وعدّ رأيه بترك اللقاء خدمةً لصلاح الدين. ثمّ نشبت حرب انتهت بنصرة صلاح الدين في حطّين وبقتل ارناط وقد وفى بقتله نذره.

وأمّا القمص صاحب طرابلس، فإنّه لمّا رأى شدّة الأمر، علم أنّهم لا طاقة لهم بالمسلمين، فاتّفق هو وجماعته وحملوا على مَن يليهم، وكان المقدّم من المسلمين في تلك الناحية تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين، فلمّا رأى حملة الفرنج حملة مكروب، علم أنّه لا سبب إلى الوقوف في وجوههم، فأمر أصحابه أن يفتحوا لهم طريقاً يخرجون منه.

ولمّا انهزم القمص سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون، ولمّا نجا من المعركة وصل إلى صور، ثمّ قصد طرابلس ولم يلبث إلاّ أيّاماً قلائل حتّى مات غيظاً وحنقاً.

لمّا انهزم القمص صاحب طرابلس من حطّين إلى مدينة صور، أقام بها، وهي أعظم بلاد الشام حصانةً، وأشدّ امتناعاً على مَن رامها، فلمّا رأى السلطان قد ملك تبنين وصيدا وبيروت، خاف أن يقصد صلاح الدين صور، وهي فارغة ممّن يقاتل فيها ويحميها ويمنعها، فلا يقي على حفظها وتركها.

وسار إلى مدينة طرابلس فبقيت صور شاغرة. (الكامل، الجزء ١١).

سنة ٥٨٤ الصفحة الأُولى من الجزء الثاني عشر من الكامل:

رحل صلاح الدين في هذه السنة من دمشق إلى حمص، فنزل على بحيرة قدس،


وجاءته العساكر من مختلف البلاد الشاميّة والجزيرة والموصل، واجتمعت عليه وكثُرت عنده، فسار حتّى نزل حصن الأكراد من الجانب الشرقي فأقام يومين، وسار جريدة وترك أثقال العسكر موضعها تحت الحصن، ودخل إلى بلد الفرنج فأغار على صافيتا والعُريمة ويحمور وغيرها من البلاد والولايات، ووصل إلى قرب طرابلس، وأبصر البلاد وعرف من أين يأتيها.

لمّا أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد، وأتاه قاضي جبلة وهو منصور بن نبيل يستدعيه إليه ليسلّمها إليه، فسار صلاح الدين معه فنزل بأنطرطوس، فرأى الفرنج قد أخلوها، وبعد أن خرّبها رحل عنها، وأتى مرقية وقد أخلاها أهلها، وسار إلى المرقب وهي من حصونهم التي لا ترام، واتّفق صاحب صقلية من الفرنج قد سيّر نجدةً إلى فرنج الساحل في ستّين قطعة من الشواني، وكانوا بطرابلس، فلمّا سمعوا بمسير صلاح الدين جاؤوا ووقفوا في البحر تحت المرقب في شوانيهم ليمنعوا من يجتاز بالسهام، ولكنّ صلاح الدين اتّخذ خطّةً اجتاز بواسطتها المسلمون عن آخرهم، حتّى عبروا المضيق ودخلوا إلى جبلة، وتسلّمها واستسلم المحاصرون من الفرنج بالقلعة بعد الاستئمان.

في هذه السنة: لمّا فتح صلاح الدين بغراس، عزم على التوجّه إلى انطاكية وحصرها، فخاف البيمند صاحبها من ذلك وأشفق منه، فأرسل إلى صلاح الدين يطلب الهدنة، وبذل إطلاق كلّ أسيرٍ عنده من المسلمين، فأجابه إلى ذلك بعد موافقة مستشاريه من القوّاد على ذلك، واصطلحوا ثمانية أشهر أوّلها أوّل تشرين الأوّل وآخرها آخر أيّار، وسيّر رسوله إلى صاحب أنطاكية يستحلفه، ويطلق من عنده من الأسرى.

وكان صاحب أنطاكية في هذا الوقت أعظم الفرنج شأناً، وأكثرهم ملكاً فإنّ الفرنج كانوا قد سلّموا إليه طرابلس بعد موت القمص، وجميع أعمالها مضافاً إلى ما كان له ؛ لأنّ القمص لم يخلَّف ولداً. فلمّا سُلّمت إليه طرابلس جعل ولده الأكبر فيها نائباً عنه، وأمّا صلاح الدين فإنّه عاد إلى حلب ومنها إلى دمشق.

سنة ٥٩٧:

تزلزلت الأرض في هذه السنة بالموصل وديار الجزيرة كلّها والشام


ومصر وغيرها، فأثّرت في الشام آثاراً قبيحةً، وخرّبت كثيراً من الدور بدمشق وحمص وحماة، وانخسفت قريةٌ من قرى بصرى، وأثّرت في الساحل الشامي أثراً كثيراً، فاستولى الخراب على طرابلس وصور وعكّا ونابلس وغيرها من القلاع.

سنة ٦٠٤:

في هذه السنة: كثر الفرنج الذين بطرابلس وحصن الأكراد، وأكثروا الإغارة على بلد حمص وولاياتها، ونازلوا مدينة حمص.

وكان جمعهم كثيراً، فلم يكن لصاحبها أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بهم قوّة، ولا يقدر على دفعهم ومنعهم، فاستنجد الظاهر غازي صاحب حلب وغيره من ملوك الشام، فلم ينجده أحد، إلاّ الظاهر فإنّه سيّر له عسكراً أقاموا عنده ومنعوا الفرنج عن ولايته، ثمّ إنّ الملك العادل خرج من مصر بالعساكر الكثيرة وقصد مدينة عكّا فصالحه صاحبها على قاعدة. ثمّ سار إلى حمص فنزل على بحيرة قدس، وجاءته عساكر الشرق وديار الجزيرة، ودخل إلى بلاد طرابلس وحاصر موضعاً يُسمّى القليعات وأخذه صلحاً وأطلق صاحبه وغنم ما فيه من دوابّ وأسلحة وخرَّبه، وتقدّم إلى طرابلس فنهب وأحرق وسبى وغنم وعاد إلى بحيرة قدس. وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح، فلم تستقرّ قاعدة ودخل الشتاء.

وفي سنة ٦٣٣: جمع البرنس الفرنجي صاحب أنطاكية جموعاً كثيرةً وقصد الأرمن، وكانت بينهم حروب شديدة، وجرت أُمور أدّت إلى تدخّل البابا الذي أرسل إلى الفرنج بالشام، يعلمهم أنّه قد حرّم البرنس. فكان الداوية والاسبتارية وكثير من الفرنج لا يحضرون معه ولا يسمعون قوله، وكان أهل بلاده - وهي أنطاكية وطرابلس - إذا جاءهم عيد يخرج من عيدهم، فإذا فرغوا من عيدهم دخل البلد.

ثمّ إنّه استعطف البابا واعتذر له بقبض الأرمن ولده ؛ فكتب إليهم بإطلاق ولده وإلاّ فإنّه يبح له دخول بلادهم.


ما جاء في تاريخ أبي الفدا ملك حماة من أخبار طرابلس بعد وفاة ابن الأثير

- وهو ما تنتظم به سلسلة تاريخها -

سنة ٦٦٤:

خرج في هذه السنة الملك الظاهر بعساكره المتوافرة من الديار المصريّة، وسار إلى الشام، وجهّز عسكراً إلى ساحل طرابلس، ففتحوا القليعات وحلباً وعرقة.

سنة ٦٦٦:

في هذه السنة في مستهلّ جمادى الآخرة توجّه الملك الظاهر بيبرس بعساكره المتوافرة إلى الشام، وفتح يافا وأخذها من الفرنج، ثمّ سار إلى أنطاكية ونازلها مستهلّ رمضان، وزحفت العساكر الإسلامية على أنطاكية، فملكوها بالسيف في يوم السبت رابع شهر رمضان من هذه السنة، وقتلوا أهلها وسبوا ذراريهم وغنموا منهم أموالاً جليلة.

وكانت أنطاكية للبرنس بيمند بن بيمند وله معها طرابلس، وكان مقيماً بطرابلس لمّا فُتحت أنطاكية.

سنة ٦٨٨:

طرابلس في حكم المماليك الترك

في أوّل ربيع الآخر فُتحت طرابلس الشام، وصورة ما جرى: أنّ السلطان الملك المنصور خرج بالعساكر المصريّة في المحرّم من هذه السنة، وسار إلى الشام، ثمّ سار بالعساكر المصريّة والشاميّة، ونازل طرابلس الشام يوم الجمعة مستهلّ ربيع الأوّل من هذه السنة، ويحيط البحر بغاب هذه المدينة، وليس عليها قتال في البرّ إلاّ من جهة الشرقي، وهو مقدار قليل.

ولمّا نازلها السلطان نصب عليها عدّةً كثيرةً من المجانيق الكبار والصغار ولازمها بالحصار، واشتدّ عليها القتال حتّى فتحها يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر من هذه السنة بالسيف، ودخل العسكر عنوةً فهرب أهلها إلى المينا، فنجا أقلّهم في المراكب، وقٌتل غالب رجالها وسُبيت ذراريهم، وغنم منهم المسلمون غنيمةً عظيمةً.

وحصار طرابلس هو ممّا شاهدْتُه (أبو الفداء)


وكنتُ حاضراً فيه مع والدي الملك الأفضل وابن عمّي الملك المظفّر صاحب حماة.

ولمّا فرغ المسلمون مِن قتل أهل طرابلس ونهبهم، أمر السلطان فهُدمت ودُكّت إلى الأرض، وكان في البحر قريباً من طرابلس جزيرة وفيها كنيسة تُسمّى كنيسة سنطمان، وبينها وبين طرابلس المينا.

فلمّا أُخذت طرابلس هرب إلى الجزيرة المذكورة وإلى الكنيسة التي فيها عالَمٌ عظيمٌ من الفرنج والنساء، فاقتحم العسكر الإسلامي البحر وعبروا بخيولهم سباحةً إلى الجزيرة المذكورة فقتلوا جميع مَن فيها من الرجال، وغنموا ما بها من النساء والصغار.

ولمّا فرغ السلطان من فتح طرابلس وهدمها، عاد إلى الديار المصريّة، وأعطى صاحب حماة الدستور فعاد إلى بلده.

وكان الفرنج قد استولوا على طرابلس في سنة ٥٠٣ في (ذي الحجّة، فبقيت بأيديهم إلى أوائل هذه السنة أعني: سنة ٦٨٨، فتكون مدّة لبثها مع الفرنج نحو مئة سنة وخمس وثمانين سنة وشهور.

ولم يطل العهد على هدمها بعد الاستيلاء عليها حتّى أُعيد إليها عمرانها ومركزها من الولايات ؛ فقد جاء في تاريخ أبي الفداء في حوادث سنة ٧١٦:

في هذه السنة: مرض الأمير سيف الدين كستاي نائب السلطنة بطرابلس والقلاع، في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر الموافق لثامن أيلول، فولّى السلطان موضعه الأمير شهاب الدين قرطاي الذي كان نائباً بحمص.

ويظهر أنّها جُعلت قاعدةً من قواعد الجيوش الإسلامية، كما يظهر أنّ مَن كان يليها من نوّاب السلطان، كان يحكم البلاد الساحلية. فإنّ أبا الفداء يذكر في حوادث هذه السنة خروج رجلٍ ادّعى أنّه محمد بن الحسن ثاني عشر الأئمّة عند الإماميّة، وتبعه من النصيريّة تقدير ثلاثة آلاف نفر، وهاجم مدينة جبلة ونُهبت أموال أهلها وسلبهم ما عليهم.

وجُرّد إليه عسكر من طرابلس، فلمّا قاربوه تفرّق جمعه، وهرب واختفى في تلك الجبال، فتُتبّع وقُتل.

ويذكر في حوادث سنة ٧٢٠ في هذه السنة تقدّمت مراسيم السلطان


بإغارة العساكر على بلاد سيس، ورسم لمَن عيّنه من العساكر الإسلامية الشاميّة، فسار من دمشق تقدير ألفي فارس، وسار شهاب الدين قرطاي (نائب السلطنة بطرابلس) بعساكر الساحل.

ولمّا اجتمع العسكر بحلب خرج بصحبة نائب الشام، وبلغوا نهر جيحون، وقد تغلّب العسكر على سيس، وغنموا وخرّبوا وعادوا.

في أوائل جمادى الآخرة من هذه السنة، عزل السلطان الأمير شهاب الدين قرطاي من نيابة السلطنة بالسواحل، وولّى مكانه الأمير سيف الدين طنيال الحاجب، ومن ذلك ترى أنّ نائب السلطنة بطرابلس كان يُطلق عليه نائب سلطنة بالسواحل أيضاً.

سنة ٧٣٤:

مات بطرابلس نائبها الأمير شهاب الدين قرطاي المنصوري من كبار الأمراء، حجّ وأنفق كثيراً في سبيل الخير.

ومن ذلك يظهر أنّه أُعيد إلى نيابة طرابلس بعد عزله عنها، وبقي فيها إلى هذا العهد، وفي هذه السنة ص ١١١ في ربيع الآخر، وصل جمال الدين أقوش نائب الكرك إلى طرابلس نائباً بها عِوَضاً عن قرطاي.

سنة ٧٣٥:

وفيها قدّم على نيابة طرابلس سيف الدين طنيال الناصري عوضاً عن أقوش الكركي، وحبس الكركي بقلعة دمشق، ثمّ نُقل إلى الإسكندريّة.

سنة ٧٤٢:

وفيها جهّز قوصون مع الأمر قطلبغا الفخري الناصري عسكراً لحصار السلطان أحمد بن الملك الناصر بالكرك.

وسار الطنبغا نائب دمشق والحاج ارقطاي نائب طرابلس بإشارة قوصون إلى قتال طشتمر بحلب ؛ لكونه أنكر على قوصون ما اعتمده في حقّ أخيه المنصور بن أبي بكر.

سنة ٧٤٤:

وفي ربيع الأوّل من هذه السنة وصل عسكران من حماة وطرابلس للدخول إلى بلاد السيس لتمرّد صاحبها كنداصطبل ولمنعه الحمل، ومقدّم


عسكر طرابلس الأمير صلاح الدين يوسف الدواندار. وفي شعبان من هذه السنة توفّي طرغاي نائب طرابلس.

سنة ٧٤٥:

في جمادى الأُولى من هذه السنة توفّي بطرابلس الأمير الفاضل صلاح الدين يوسف بن الأسعد الدواندار أحد الأمراء بطرابلس، وهو واقف المدرسة الصلاحية، وكان من أكمل الأمراء، ذكيّاً فطناً، تقلّب في وظائف آخرها أميراً بطرابلس.

سنة ٧٤٦:

بعد وفاة الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقيام أخيه السلطان الملك الكامل شعبان، أسند نيابة طرابلس إلى قمارى، ثمّ قبض عليه وولّى مكانه بيدمر البدري.

سنة ٧٤٧:

في هذه السنة في شعبان: وصل إلى حلب الأمير سيف الدين بيدمر البدري نُقل إليها من طرابلس ووُلِّي مكانه.

وهذا البدري عنده حدّة وفيه بدرة، ويكتب على كثيرٍ من القصص بخطّه وهو خطٌّ قويّ.

سنة ٧٤٨:

لما قتل السلطان الملك المظفّر، وأُقيم مكانه أخوه السلطان الملك الناصر، وكان الملك المظفّر قد أعدم أخاه الأشرف كجك، وفتك بالأمراء وقتل مِن أعيانهم نحو أربعين أميراً مثل: بيدمر البدري نائب حلب، ويلبغا نائب الشام، وطقتمر النجمي الدواندار، واقسنقر الذي كان نائب طرابلس.

هذا ما جاء من أخبار طرابلس في تاريخ أبي الفداء وذيله لابن الوردي.

ولاستفاء أخبارها وما تقلّب عليها من الحوادث بعد الذي دوّنه ذانك المؤرِّخان منها، ندوّن هنا ما جاء في تاريخ الأمير حيدر الشهابي من تاريخ هذا البلد، ليجيء مستكملاً منتظم العقد محكم السرد ومتقن النسج.


تتمّة أخبار طرابلس في عهد سلاطين المماليك الأتراك بمصر وديار الشام

سنة ٧٥٠ هـ ١٣٤٩م:

في هذه السنة حضر إلى دمشق الأمير سيف الدين نائب طرابلس وبيده أوامر، فقبض على أرغون شاه نائب دمشق، وضبط حواصله وأمواله ورجع به إلى طرابلس، فأرسل أعيان الشام يعرضون للسلطان في أمره، ويرجون رفع الحِجْر عنه، فحضر لهم الجواب أن لا علم له بما توقّع ؛ فاجتمع أمراء دمشق وسادات طرابلس، فقتلوا نائب طرابلس وخلّصوا سيف الدين أرغون منه.

سنة ٧٥٣ هـ ١٣٥٢م:

في هذه السنة اتّفق نوّاب الديار الشاميّة على السلطان للخروج عن طاعته، وبينهم تكماس نائب طرابلس، ولم يوافقهم أرغون نائب دمشق على الخروج، وكتب إلى السلطان يعلمه بما توقّع من الأمراء. ثمّ إنّ نائب دمشق جمع الأُمراء واستحلفهم بطاعة السلطان الملك الصالح صلاح الدين، فحلفوا واتّفقوا على الطاعة، ثمّ إنّ النوّاب اجتمعوا في جيوشٍ عظيمة وقصدوا دمشق. فلم يطق أرغون مقاومتهم، وخرج من دمشق وجرت أُمورٌ من جيوش النوّاب قبيحة. ثمّ تفرقوا بعد إرهاقهم دمشق وقد علموا بقدوم السلطان وانجلت الغمّة.

وعاد السلطان إلى مصر بعد أن قتل ستّة قوّاد، وأمير مقدّم ألف، ونائب صيدا، وتشفّع في الباقين.

سنة ٧٥٥ هـ ١٣٥٤م:

في هذه السنة اتفق جمهور الأمراء على عزل الملك الصالح، وأعادوا أخاه الملك الناصر حسناً، فولّى على طرابلس الأمير منجك.

سنة ٧٧٧ هـ ١٣٧٥ م:

توفّي الأمير سيف الدين منجك وهو نائب مصر، وكان وُلِّي على نيابة صفد وطرابلس وحلب ودمشق ومصر، وله آثارٌ كثيرةٌ من البنايات.


أخبار طرابلس في عهد ملوك المماليك الجراكسة سلاطين مصر والشام

سنة ٧٨٨ هـ ١٣٨٦ م:

في هذه السنة عصى يلبغا الناصري نائب حلب، وخرج عن طاعة السلطان برقوق الظاهر، فجهّز الملك برقوق العساكر المصريّة، وقدّم عليهم جركس الخليلي أمير ياخور، ووجّههم لمحاربة يلبغا الناصري والعربان والتركمان وأهل طرابلس وأهل كسروان والجرديين وأهل بلاد الغرب. وجرت بينهم حروبٌ كثيرة، فانتصر الناصري نائب حلب ومنطاش نائب طرابلس على عساكر السلطان برقوق، وقتلوا جركس قائد الجيش، واستولوا على الديار المصريّة ؛ وذلك لخيانة الجيش المصري للسلطان. ولمّا تحقّق خيانة العسكر اختفى، ثمّ اتّفق النوّاب وأخرجوا الملك الصالح المخلوع، وولّوه على المُلْك ولقّبوه بالملك المنصور.

سنة ٧٩١ هـ ١٣٨٨ م:

في هذه السنة كان القتال بين أمراء الغرب التنوخيّة وبين أهل كسروان والتركمان، فإنّ الأمراء التنوخيّة كانوا من حزب الملك الظاهر برقوق، وأهل كسروان والتركمان من حزب منطاش نائب طرابلس وبيروت، فاستظهر أهل كسروان على أمراء الغرب وقتلوا منهم نحو تسعين رجلاً وأسروا عدداً غفيراً، ثمّ امتدت أيديهم إلى بيروت وبلاد الغرب بلاد التنوخيين، ولكنّهم استجمعوا أمرهم وردّوا الكسروانيين والتركمان والجرديين على الأعقاب.

وفي هذه السنة ظهر الملك الظاهر برقوق عند الطنبغا نائب دمشق، وجمع العساكر الشاميّة قاصداً دخول مصر، فلم يطاوعه الناصري نائب حلب لاتحاده مع الملك المنصور.

ثمّ إنّ الملك الظاهر سار إلى الكرك، ولمّا ظهر الملك الظاهر لم يعرف الناصري بظهوره، فوقع الاختلاف بينه وبين منطاش، وقبض منطاش على الناصري والجونالي وأرسلهما إلى الإسكندرية، وكتب إلى الكلكي نائب الكرك أن يقتل الملك الظاهر، فلم يرضَ بقتله، بل أفرج عنه، وخرج الملك الظاهر كدرويس يستعطي من الناس.

ثمّ اجتمع إليه مماليكه وعسكر الكرك، فركب قاصداً باكيش نائب غزة، فقتله ونهب داره


وتوجّه إلى الشام فالتقى بجتكمر نائب الشام، ولمّا تواقعا ظفر الملك برقوق، واستمرّ على حصار دمشق، ثمّ حضر إليه كتبغا نائب حلب ومعه جموع كثيرة، فقوي عليه الملك الظاهر وظفر به، ثمّ إنّ العساكر الظاهرية قصدوا طومان شيخ التركمان حاكم كسروان فتواقعا في الساحل بالقرب من زوق ميكائيل، وقتلوا من الأكراد الأمير عليّاً وأخاه الأمير عمر وجماعة كثيرة ونهبوا زوق التركمان. ثمّ إنّ كتبغا منطاش خرج من مصر والسلطان المنصور في العساكر المصريّة، والتقى الفريقان وجرت بينهما حروبٌ شديدةٌ انتصر بها الملك الظاهر برقوق، وقُبض على منطاش وعلى السلطان الصالح المنصور.

سنة ٧٩٢ هـ ١٣٨٩ م:

حدثت وقعة بين الملك الظاهر ومنطاش والملك المنصور، فاستظهر الملك الظاهر عليهما وفرّ منطاش وانتهى الأمر بإعادة الملك الظاهر إلى المُلْك، ومطاردة منطاش وفراره من سلطانه إلى الشرق.

سنة ٨٢٨ هـ ١٤٢٤ م:

قدمت مراكب قبرصيّة إلى ناحية شطوط مصر وملكوا مركباً كبيراً، فأمر السلطان الأشرف أبو السعادات بأن تخرج العمارة من ميناء طرابلس، وأرسل ثلاثة أمراء من مصر، وأميراً من الشام، وأمير حلب، وأمير صفد، مع أمير طرابلس، بأربعين مركباً إلى قتال ملك قبرص، وانتهى الأمر بالظفر عليه.

ثمّ لم يرد ذكرٌ لطرابلس، ولا لنوّابها، ولا شيءٍ من خبرها من هذه السنة إلى سنة ٩٠٥ هـ ١٤٩٩ م:

ففي هذه السنة أُقيم على السلطنة الملك الأشرف خان، فنقل من نيابة طرابلس إلى حلب، ونقل قصرون من نيابة حلب إلى دمشق ؛ فخالف قصرون الأمر السلطاني، فأظهر العصاوة ؛ فجهّز السلطان العساكر المصريّة لمقاتلته.

سنة ٩٠٩ هـ ١٥٠٣ م:

في هذه السنة فاضت الأنهر فيضاناً عظيماً على أثر سيلٍ عظيمٍ دام ٢٧ يوماً لم تَبِنْ فيه الشمس والقمر أثناءها، وفاض نهر طرابلس (أبو علي) فأخرب بناياتٍ كثيرةً من المدينة.


طرابلس في العهد التركي العثماني

سنة ٩٢٢ هـ ١٥١٦ م:

في هذه السنة استولى السلطان سليم العثماني على ديار الشام وبلاد مصر، وتداولت سلاطينهم الحكم عليها إلى نهاية الحرب العامّة سنة ١٩١٨م، فخرجت من حكمهم، وانطوت صفحة زهاء أربعة قرون على هذا الحكم، كادت لا تستقر سفينة فيها على شاطئ الاستقرار والاطمئنان.

وكانت تلك الصفحة مملوءة بالعبر والمثلات، والبلاد أثناءها في تنازع مستمرّ، وتطاحن دائم وتزاحم على الولايات، ولم تكن لكفاءة الولاة على إدارة الحكم قيمة، بل كان يصل إليه كلّ مَن يحدّث به نفسه ويعتز بقوّةٍ وعصبيّةٍ وجرأة، ويصانع ولاة الأُمور بالأموال، وحكم البلاد سلعة من السلع تُطرح في أسواق المزايدة في ذلك الحين، والظافر في الحكم الإقطاعي مَن هو أكثر بذلاً للمال ؛ فكم من خامل جاهل استطاع أن يلي ولاية واسعة، وهو لا يُحسن من سياستها إلاّ ضروب التحيّل لجمع الضرائب ليرضي بها الولاة، وكم من أُمّيٍّ مكّنت له أساليب ذلك الحكم الذي كادت تكون قوانينه ونظمه مزيجاً من الظلم والقهر والنهب، وأمشاجاً من المكايد والحيل والغدر، وعلى هذا النمط، كانت في ذلك العهد تساس الدولة العثمانية، وللولاة العثمانيين سلطة مطلقة لا تحد، يصطنعون من رجال البلاد التي يتولونها من يشاؤون شريطة أن يغدقوا عليهم الأموال التي يجبونها بشتى الأساليب غير المشروعة، فكانت طرابلس كغيرها من البلاد الشاميّة، تُساس في ذلك النوع من الحكم ويتزاحم عليه طلاّبه من هنا وهناك، فلا تكاد تعرف للاستقرار وجهاً ولا سبباً.

وفي هذا الوسط المضطرب، كان الخوف من سلطان الغالب شاملاً، وكان للطائفيّة الممقوتة أثرها غير المستحب، وكانت تساس بها البلاد ؛ ومن جرّاء ذلك كثر نزوح الأقليات من بلدٍ إلى بلد، حيث تلجأ إلى الأكثريّة منها.

يقول الأمير حيدر في حوادث سنة ٩٢٢ هـ ١٥١٦ م، ص ٥٦٢:

سكن في هذه السنة (التي ملك بها السلطان سليم بلاد الشام) النازحون من نصارى طرابلس عرمون كسروان.

سنة ٩٢٣ هـ ١٥١٧ م:


رجع السلطان سليم من مصر بعد استيلائه عليها إلى دمشق، وقرّر نيابتها إلى جان بردي الغزالي، وأضاف إليه القدس وصفد وغزة والكرك، وأمّا حمص وطرابلس والمدن البحرية فجعلها بأيدي عمّاله.

سنة ٩٣٠ هـ ١٥٢٣ م:

وأمّا طرابلس فكانت بأيدي النوّاب.

سنة ٩٤٠ هـ ١٥٣٣ م:

جرت خصومة بين القيسيّة واليمنيّة في لبنان، انتهت بالتجاء قيسية العاقورة إلى طرابلس وسكنوا بلادها.

سنة ٩٥٨ هـ:

كان استيلاء المسلمين على طرابلس. ويُفهم من ذلك أنّها خرجت من حكمهم.

سنة ٩٧٥ هـ ١٥٦٧ م:

قدم مصطفى باشا بباقي المراكب من طرابلس، وسار إلى نيقوسيا، واجتمع هنالك عساكر لا تُحصى وتملّكوها وأجروا فيها أموراً عظاماً.

سنة ٩٧٨ هـ ١٥٧٠ م:

أمر السلطان سليم بتوجّه العساكر إلى جزيرة قبرص، فخرجت المراكب من طرابلس، وملكوا الملاحة وانتقلوا إلى الأفقسيّة، وشدّدوا عليها الحصار أربعة أشهر وكان لهم الظفر.

سنة ٩٨٨ هـ ١٥٨٠ م:

تولّي بني سيفا إمارة طرابلس

خرج أمر شريف باشا بجعل طرابلس باشاويّة، وتولّى عليها يوسف بن سيفا، وحضرت له الباشاويّة من الباب العالي، ثمّ عُزل عنها بعد شهرين، وتولاّها جعفر باشا الطواشي.

سنة ٩٩٣ هـ ١٥٨٥ م:


كانت الخزينة متوجّهةً من طرابلس - حسب العادة - فلمّا وصلت إلى جون عكار اعترضها أناس ونهبوها ؛ فصدر أمرٌ من الباب العالي إلى باشا طرابلس، بجمع العساكر لمحاربة يوسف باشا بن سيفا ؛ فسار إليه باشا طرابلس وأحرق بلاد عكار.

ثمّ تقدّمت الشكايات، من جعفر باشا الطواشي والي طرابلس ضدّ الأمير محمد بن الأمير منصور بن عساف، وضدّ أمراء بلاد الدروز، أنّهم هم الذين سلبوا الخزينة ؛ فخرج إبراهيم باشا الذي كان والياً على مصر، وجمع العساكر.

ولمّا وصل إلى مرج عشر موش ارتعبت منه جميع بلاد الغرب، وأرسل يطلب من الأمير قرقماز معن نفقةً للعساكر، وأمر بقطع الطرق عن الساحل والبقاع عن الدروز، فحضر إلى الوزير الأمير محمد بن جمال الدين اليمني من عرمون الغرب، وابن عمّه الأمير منذر بن تنوخ من عبيه، والأمير محمد بن عساف من غزير.

وأمّا الأمير قرقماز المعني، فلمّا تحقّق أنّ الجميع صاروا أعداءه ؛ هرب إلى مغارةٍ في بلاد الشوف تحت جزين، واختفى هناك مدّةً، فحدث له مرض ومات. وكان له ولدان هما فخر الدين ويونس.

وأمّا الوزير، فلمّا بلغه هرب الأمير قرقماز، قدم بالعساكر إلى عين صوفر، فحضرت إليه عقال الدروز فغدر بهم، وقتل منهم نحو ستمئة رجل، وتوجه إلى طرابلس، وصحبه الأمراء الذين حضروا إليه، فمضى بهم إلى إسلامبول.

سنة ١٠١٢ هـ ١٦٠٣ م:

في هذه السنة انعقد الصلح بين يوسف باشا بن سيفا وبين علي باشا ابن جنبلاط والي طرابلس واتحدا معاً.

سنة ١٠٢١ هـ ١٦١٢ م:

جرّد الوزير مراد باشا جيشاً على ابن سيفا يوسف باشا بيكلربك طرابلس، فهرب منه ولاقاه الأمير فخر الدين، ولم يمكّنه من الدخول إلى طرابلس.

سنة ١٠٢٤ هـ ١٦١٥ م:

في هذه السنة: توجّه الأمير محمد بن يوسف باشا بن سيفا إلى محمد باشا الوزير، فأعطاه سنجقية جبلة ؛ لأنّ خاطره كان منحرفاً على يوسف باشا، وعزله عن ولاية طرابلس، وأعطاها إلى جلالي حسين باشا.


سنة ١٠٢٥ هـ ١٦١٦ م:

حدثت في هذه السنة موقعة بالناعمة انكسر فيها اليمنية، وكان الأمير حسين بن سيفا في قرية غزير، فلمّا بلغته أخبار الكسرة في عين الناعمة انهزم في عيال أخيه حسين باشا، وتوجّه إلى عكار، فعلم به حسين باشا والي طرابلس ؛ فأرسل رجالاً وقطعوا عليه الطريق. ولمّا وصل خرجوا إليه فانهزم في جماعته ؛ فأخذت الدولة حريمه وكلّ ما كان معه. ولمّا وصل إلى بلاد عكار أرسل أباه يوسف باشا عماراً بتقدمة إلى حسين باشا الجلالي، واستخلص الحريم لا غير.

سنة ١٠٢٨ هـ ١٦١٨ م:

في هذه السنة: حضر للأمير كتابات من عمر باشا التوتنجي والي طرابلس، يخبره عن أحوال يوسف باشا بن سيفا، وأنّه ضبط بلاد طرابلس ولم يرسل عنها شيئاً للخزينة، وطلب من الأمير أن يركب بعسكره، وأنّ الباشا يوافيه فيها جمان يوسف باشا. ثمّ جرت محاصرة الأمير فخر الدين لابن سيفا في قلعة حصن راويد، ووافاهم بعد ثلاثة أيّام من هذا الحصار عمر باشا والي طرابلس.

وفي خلال هذه المحاصرة أتى تقرير طرابلس من قِبَل محمد باشا الوزير على يد باكيراغا لابن سيفا ؛ فأرسل ابن حرفوش أربع بلوكياشية من سكمانيته إلى الأمير فخر الدين إلى الحصن لأجل المحاصرة. وجرت بعد ذلك أُمور انتهت بالاتفاق بين الأمير فخر الدين وابن سيفا وعمر باشا على مال ؛ فارتحلا عن القعلة، ونزلا في البقيعة، ثمّ انتقلا إلى طرابلس.

وأقام الأمير ثلاثة أيّام، ثمّ ودّع الباشا وتوجّه إلى بيروت. وبقي مصطفى كتخدا والسكمان عند الباش في طرابلس.

وفي هذه السنة: في ربيع الثاني، حضر قبيجي من الباب العالي بأوامر شريفة بتقرير ولاية طرابلس على يوسف باشا بن سيفا، فخرج عمر باش من طرابلس وتوجّه إلى الباب العالي، ورجع مصطفى كتخدا والسكمان إلى الأمير فخر الدين.

وفي هذه السنة (ص ٦٦٥): في جمادى الآخرة، وصل قبج اغا باش السلطان بن عثمان مطالباً يوسف باشا بمال إيالة طرابلس، فتكلّم معه يوسف باشا أن يكون واسطة في الصلح بينه وبين الأمير فخر الدين ؛ فأرسل مصطفى اغا الأمير موسى من راس نحاش، ولمّا وصل إلى


الأمير فخر الدين قبل كلامه، وسلّمه الأمير محمد بن حسين باشا ووالدته، وجميع الأحمال والأثقال التي لهما. ولمّا وصل إلى طرابلس أخرج يوسف باشا أوامر بمقاطعة بلاد البترون، وبلاد جبيل مدّة أربع سنوات للأمير فخر الدين، وأن يكون المال المطلوب عليها من أصل الذي تعهّد له وهو محاصر في قلعة الحصن.

سنة ١٠٢٩ هـ ١٦١٩ م:

في هذه السنة: حضر الأمير محمد ابن أخي يوسف باشا بن سيفا إلى الأمير فخر الدين طالباً الصلح بينهم، وأنّ الذي مضى لا يعاد، وطلب إلى الأمير أن يرفع يده عن بلاد جبيل والبترون، ويتصرّف بحارة غزير فتحصل المصافاة، فلمّا سمع الأمير هذا الكلام نفر منه، وقال:

أنتم أرسلتم شكوتم إلى الباب العالي، وعمّك أفرغ جهده في الشكايات، والآن يرسل لنا هذا الكلام، ولكن أخبره أنا أؤدّي مئة ألف قرش زيادةً في إيالة طرابلس، وإمّا أن ينزع نعمتي أو أنزع نعمته. وعاد الأمير محمد غير راضٍ من الأمير فخر الدين. ثمّ إنّ الأمير فخر الدين وجّه كتخدا مصطفى إلى اسلامبول ؛ ليقدّم على إيالة طرابلس زيادةً وإن لم يمكن إعطاؤها له فلتكتب إلى حسين باشا الجلالي الذي كان بها سابقاً.

ولمّا وصل مصطفى كتخدا إلى اسلامبول ووجد علي باشا القبطان صار وزيراً ؛ تكلّم معه في أمر طرابلس، وأنّ يوسف باشا بن سيفا متأخّر في دفع المال، ومتأخّر عنده مبلغ، وأفهمه عن الزيادة، فقبل الوزير بذلك، وكتب إيالة طرابلس مع الزيادة المذكورة على حسين باشا الجلالي، وكتب سنجقية جبلة واللاذقية على مصطفى كتخدا حرمةً وإكراماً لمولاه الأمير فخر الدين. ثمّ طلب أن يؤدّي دراهم سلفاً للخزينة ؛ فاستدان مصطفى كتخدا أربعين ألف قرش ونقدها.

وكان الأمير علي مرسلاً مركباً من الصابون فباعه وقدّم تقدمة إلى الوزير: خمسة آلاف قرش، ومال البلاد عن سنة ١٠٢٩.

واستخرج أوامر بهدم قلاع ابن سيفا، وضبط أرزاقه وأرزاق رجاله، وأن يكون الأمير فخر الدين مباشراً مع حسين باشا الجلالي إتمام ذلك.

ولمّا وصل حسين باشا الجلالي إلى طرابلس، أرسل يوسف باشا بن سيفا ولده إلى الأمير فخر الدين ليلتجئ إليه في الصلح، فقبله الأمير، وتعهّد له أن ترجع له إيالة طرابلس بشرط أن يعقد زواج ابنته بابنه الأمير علي المعني ؛ فرجع الأمير حسن إلى عكا (عكار) وتكلّم مع


والده فقبل ذلك، وطلب أخت الأمير علي إلى ولده الأمير بلك، وعقد زواجهما بالمبادلة، ووقع الصلح بينهما، ثمّ إنّ الأمير فخر الدين أرسل عرضحالات صحبة كواخي ابن سيفا إلى الباب العالي، وإلى الوزير علي باشا، وقبل ابن سيفا الزيادة ونقدها إلى علي باشا الوزير ثلاثين ألف قرش، وتقرّر عليه حكم إيالة طرابلس، وعزل حسين باشا الجلالي، ثمّ حضر الخواجه مقصود في طلب الأربعين ألف قرش التي استدانها الأمير فخر الدين (بواسطة مصطفى كتخدا) ؛ لأنّه بعد عزل حسين باشا وتقرير يوسف باشا على طرابلس صارت مستحقةً على ابن سيفا ؛ فأرسل الأمير كتخداه مصطفى إلى عكار، ولمّا وصل ردّ له جواباً: أنّه يرسل إلى الباب العالي ليجلب له الوصل من الخزينة، وعيّن الأمير موسى من راس نحاش أن يردّ جواباً على الأمير، فلمّا وصل إليه، وفهم أنّ قصد يوسف باشا المماطلة، ألقى القبض على الأمير موسى، ووضعه في قلعة بيروت. فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك استدعى كتخدا الأمير موسى، وأرسل معه خمسة عشر ألف قرش، ورهن حلي في الباقي، فأرسل الأمير موسى المبلغ إلى الخواجة مقصود، ورجع إلى اسملابول مجبور الخاطر.

ويظهر أنّ الصلح الذي عُقد بين الأمير فخر الدين وابن سيفا لم يغيّر ممّا في نفس كلٍّ منهما على الآخر من ضغنة، ولا غرو، فإنّ كلاًّ منهما رائد سلطان وتغلّب واستئثار، وكلاهما يرى أنّ تغلّبه لا يكون إلاّ من تقلّص نفوذ الآخر. فإنّ يوسف باشا جمع في هذه السنة عسكراً بقيادة ولده الأمير حسن وجّه به إلى صافيتا لطرد ابن أخيه الأمير سليمان بحجّة تأخير مال عليه للدولة، ولكنّ الحقيقة هي أنّ له هوى مع الأمير فخر الدين. ولمّا وصل العسكر إلى تل عبّاس أبقى الأمير سليمان حريمه في برج صافيا، وتوجّه إلى بلاد جبلة إلى مقدّمي الكلبيّين من معاملة قدموس، وأرسل يستنجد بالأمير فخر الدين ؛ فجمع الأمير رجال البلاد والسكمانية وتوجّه إلى البترون، فلمّا علم يوسف باشا بقدوم الأمير فخر الدين أمر ولده بالرجوع من تل عبّاس، ووجّه كتخدا الأمير موسى من راس نحاش ليعتذر للأمر: أنّه لم يقصد بهذه الحملة على ابن أخيه، إلاّ ليضطرّه إلى دفع المال المتأخّر عليه للدولة، لكثرة مطالبة الوزير الأعظم له به. ثمّ إنّه أرسل خلعة لابن أخيه بمقاطعة سافيا، ورجع الأمير موسى إلى طرابلس وأخبر يوسف


باشا أنّ الأمير صرف رجاله، والحقيقة أنّه صرف البعض منهم، وبعد ثلاثة أيّام ركب الأمير فخر الدين وتوجّه على طريق الحدث إلى بلاد بعلبك، ونزل على المجر، فبلغ الأمير يونس الحرفوش ذلك، وهو بحصن اللبوة فأوجس منه خيفة، فبلغ الأمير فخر الدين ذلك، فركب في عشرة فرسان، وتوجّه إليه، وكان الأمير يونس في طريق اللبوة، فتصادفا ونزل الأمير يونس وسلّم على الأمير، وعاد إلى الخيام وصحبته الأمير يونس، وثاني يوم دعا الأمير فخر الدين إلى اللبوة، وبات تلك الليلة هناك، وانتقل إلى الهرمل، ثمّ إلى معان، ومنها إلى قرية صدارة قرب بلاد عكار، وحضر إليه الأمير سليمان فتوجّه معه الشيخ أبو نادر الخازن والسكمان ليحاصروا سكمانية عمّه في حصن عكار.

وكان يوسف باشا بنى حاراتهم في عكار، وبقي الحصار على عكار عشرين يوماً، ففرغت مؤونتهم، وطلبوا الأمان، وسلّموا وتوجّهوا إلى يوسف باشا إلى طرابلس، فهدم الأمير فخر الدين جميع الدور التي جدّدها بيت سيفا في عكار. وما بقي غير دار الأمير محمد فسكنها الأمير سليمان، وبعد ذلك رجع الأمير فخر الدين إلى بعلبك على طريق المسقية إلى مدينة بيروت.

سنة ١٠٣٠ هـ ١٦٢٠ م:

في هذه السنة: حضر مصطفى آغا قبجي باشا، مطالباً يوسف باشا بن سيفا بالمال المتأخّر عنده، وأقام عنده مدّة وهو يماطل. وكان معه مكاتيب من الوزير إلى الأمير فخر الدين، تتضمّن أنّه إذا لم يؤدّ ابن سيفا المال الذي عليه يكون الأمير مطالباً له، وكان هذا الأمر طبق مطلوب الأمير. ثم جمع الأمير عسكره وتوجّه إلى البترون فهرب يوسف باشا إلى جبلة، وأبقى ولده الأمير حسناً في قلعة طرابلس، وانتقل الأمير فخر الدين إلى برج البحصاص، وأقام فيه عشرة أيّام وهو يكاتب الأمير حسناً في طلب توريد المال فلم يورد شيئاً. وطلب منه أن يبيع بالوكالة عن بيروت وانطلياس وغزير، وهو يفي عنه المال الذي عليه ؛ فردّ عليه جواباً أنّه يرسل يشاور والده في ذلك، وبعد يومين حضر الجواب من يوسف باشا مع وكالةٍ إلى ولده الأمير حسن في المبيع، فكتب عقداً عند قاضي طرابلس بحضور أعيان البلد بجميع أملاك بيت سيفا، وثمنها خمسون ألف قرش، وأرسل الأمير العقد


إلى اسلامبول، وصادق عليه ونقد المال، ثمّ طلب من ابن سيفا الاثني عشر ألف الباقية عنده من دراهم الخواجه مقصود، ومال البترون وبلاد جبيل في زمان حسين باشا، وأنّه لا يقوم المطالب عن طرابلس إلاّ بإيراد المال، وأنّه لمّا تحقّق من ابن سيفا أنّه مماطل ولا يرغب في إيراد المال ؛ أمر السكمان أن يهجموا على طرابلس، فتوجّهوا وقربوا من السور فأطلقوا عليهم البنادق من الداخل فقتل منهم أربعة أشخاص. وكان بين هؤلاء السكمان رجل يُسمّى قندقجي مصطفى، فتعلّق بحائط السور وعلاه ورمى بنفسه إلى داخل البلد، وتبعه عشرة أشخاص أيضاً، ولمّا صاروا داخل السور هرب بيت حمادة الذين من قِبَل ابن سيفا على الباب، فكسر السكمان الباب، ودخل باقي العسكر، ووصلوا إلى دار حسن باشا الذي بقرب القلعة، فأطلقوا عليهم البنادق من القلعة، فقتل منهم ثلاثة أشخاص.

ووصل الخبر إلى الأمير فركب ودخل المدينة، ولم يسمح لأحد من العسكر أن يأخذ شيئاً من الرعايا، وأرسل للأمير سليمان بن سيفا فحضر إليه هو ومَن معه من السكمان، وأقاموا الحصار على القلعة، وكان داخلها الأمير حسن وأولاد عمّه جميع بيت سيفا وحريمهم. واستمرّ الحصار عليهم مدّةً ؛ فقاتل سكمانية بيت سيفا من داخل القلعة.

وفي أحد الأيّام نزل جماعةٌ من سكمانية الأمير إلى الميناء، وجرت الحرب بينهم وبين الذين في البرج من سكمان بيت سيفا، فقتل من جماعة ابن معن عشرة رجال، ومثلها من الخيل، وطال عليهم الأمر وتضايق جماعته ضيقاً شديداً، فلمّا سمع الأمير فخر الدين ذلك ركب وتوجّه إليهم، ولمّا وصل هجم على المتاريس وتبعه مَن معه، وكان يوماً عظيماً، وحالوا بين الذين في المتاريس وبين الذين في البرج. وما سلم منهم إلاّ القليل، وفعل الأمير فخر الدين في ذلك اليوم فعلاً تعجز عنه الأبطال، وفتك بيده وسيفه فتكاً ذريعاً، وما كان سبب هذه النصرة إلاّ هجمة الأمير فخر الدين على القوم، وعاد بعد ذلك إلى طرابلس مع جماعته ظافرين جذلين.

وأمّا الأمير محمد أخو الأمير علي وأولاد أخي يوسف باشا، فاستمرّوا مقيمن في بناية سير من أعمال الضنية، وأرسل الأمير المذكور ولده الأمير عليّاً إلى الأمير فخر الدين إلى طرابلس مع هدايا سَنيّة، وكان الأمير فخر الدين نازلاً في دار حسين باشا بن يوسف باشا، وهي دار جليلة


كلّفت نفقة بنائها خمسين ألف قرش، فنزل أحد الأيّام الأمير موسى من راس نحاش من القلعة إلى الأمير فخر الدين ؛ ليتكلم معه في أمر الصلح، ورفع القتال من بينهم. فتكلم معه وعاد إلى القلعة، وذكر لهم عن الأمير فخر الدين أنّه يجلس في الإيوان المعرّض لمدافع القلعة، وقال لهم: إذا أخربتموه حبستموه. وكان ذلك في شهر رمضان، وفي وقت الإفطار أطلقوا ثلاثة مدافع على الإيوان المذكور دفعةً واحدةً ؛ فتهدّم جانب من ترس الإيوان. ومن حسن الحظ أنّه لم يكن الأمير فخر الدين، ولا أحد من جماعته في الديوان. فلمّا بلغ الأمير ما حدث ؛ قال: لا بُدّ من هدم دارهم، وانتقل في اليوم الثاني إلى مكانٍ آخر، وعيّن بنّائين وقلاعين، فهدموها إلى الأرض، فندم مَن في القلعة على ذلك العمل الذي فعلوه.

أمّا يوسف باشا بن سيفا فإنّه لمّا كان في جبلة أرسل عرض حالات إلى الدولة، يشكو بها ابن معن لحصاره طرابلس، وكان السلطان عثمان في تلك الأيّام مسافراً إلى بلاد اسكوب. فلمّا وصلت إليه العرضحالات أمر مصطفى ابن أحد أقرباء مفتي اسلامبول أن يتوجّه بخمسة مراكب ليمنع ابن معن عن حصار طرابلس.

وكان يوسف باشا بعد إرساله تلك العرائض جمع أولاده: عمر والأمير قاسماً اللذين في قلعة الحصن، وجمع عسكراً من تلك النواحي إلى البقيعة، وحضر إليه أرسلان بك بن علي باشا بن علوان، والأمير نصيف بن دندن من آل أبي ريشا، وتركمان السويدية والعرب، وتوجّه بهم إلى جو عكار. وكان جماعة من عسكر ابن معن نازلين في البداوي خارج طرابلس، فوصلت إليهم مقدّمة عسكر ابن سيفا، وثارت الحرب بينهم، فوصل الخبر إلى الأمير فركب وخرج العسكر من طرابلس، فهربت من أمامهم فرسان ابن سيفا، وتبعتهم جماعة ابن معن إلى النهر البارد، وأمسك عليهم الطريق أرسلان بك الذي كان مع جماعته الكمين، وكسرهم إلى المينا، فالتقوا بالأمير فخر الدين، ولمّا نظر أرسلان بك وجماعة ابن سيفا قدوم الأمير رجعوا إلى الجوف.

ووصل الأمير إلى النهر البارد، ورجع إلى طرابلس، وكان قد قُتل من جماعته نحو أربعين رجلاً. وأمّا الذين في الحصار فلم يخرج منهم أحد. ولمّا رجع الأمير إلى طرابلس وصل الحاج كيوان، وكرد حمزة من الشام مُرسَلين من سليمان باشا لأجل المصالحة، وفي ذلك الوقت، دخلت ميناء طرابلس الخمسة المراكب المرسلة مع مصطفى آغا الذي خرج إلى الأمير


وبيده خلعة شريفة من السلطان إلى الأمير، وأوامر لكي يقوم من طرابلس، فلبس الخلعة وامتثل للأمر العالي، وقال لمصطفى آغا: إنّ ابن سيفا لا يخشى الفضيحة، وإذا ارتددنا عنه لا يؤدّي المال، ثمّ إنّه تمّ الاتفاق كما سبق أنّ الأملاك التي أعطاها ابن سيفا لابن معن في بيروت وغزير تكون بدل المال الذي عنده للخواجه مقصود، وبدل مال جبيل والبترون، واتفقوا أيضاً أنّه بعد ثلاثة أيّام من رجوع ابن معن ينقد ابن سيفا المال المطلوب منه للباب العالي.

وبعد ذلك الاتفاق رحل الأمير بمَن معه عن طرابلس، وأعطى مصطفى آغا لأجل خدمته ألفين وخمسمئة قرش، وكان ذلك في ٧ ذي القعدة من هذه السنة. ولمّا وصل الأمير إلى بيروت، وصحبته الحاج كيوان وكرد حمزة وجماعتهما، أكرمهما غاية الإكرام، وأعطى كلّ واحدٍ منهم ألف قرش فتوجّهوا إلى الشام.

وأمّا يوسف باشا بن سيفا فقد أخذ يماطل مصطفى آغا في إيراد المال، حتّى دخل موسم الحرير فقدّم له شيئاً يسيراً ممّا يطلب منه.

سنة ١٠٣١ هـ ١٦٢١ م:

في هذه السنة: حضر خليل باشا إلى ميناء بيروت، فأرسل إليه الأمير فخر الدين ولده الأمير حسيناً، وكان عمره نحو ستّ سنين، واعتذر أنّه لا يقدر على النزول إلى البحر من المرض ؛ فخلع الباشا على الولد، وقبل التقدمة، وأعطى الأمير حسيناً أوامر بسنجقية عجلون. ثمّ توجه الباشا إلى ميناء طرابلس، فحضر إليه يوسف باشا وطلب منه التوسّط بالمصالحة بينه وبين الأمير فخر الدين، ويسأله أن يسلّمه ابنته المخطوبة لولده الأمير بلك ؛ فأرسل الوزير أحمد آغا وصحبته سليمان الاسكندري كتخدا ابن سيفا، ولمّا وصلا إلى الأمير فخر الدين وكلّماه، قبل الكلام ورجعا بكلّ إكرام، وانتهى الأمر بتسليم ابنته للأمير أحمد أخي الأمير يوسف باشا بن سيفا.

وفي هذه السنة: وصل إلى طرابلس متسلّماً عمر باشا الكتمانجي، فلم يمكّنه ابن سيفا من تسلّم البلد، ولا دخولها، وكان معه مكاتيب من عمر باشا إلى الأمير فخر الدين: بأنّه إذا لم يسلّمه ابن سيفا المدينة يساعده الأمير على تسلّمها. فأرسل المكاتيب إلى الأمير، فلمّا وصلته جمع أهالي البلاد، وعزم على التوجّه إلى طرابلس، ولمّا علم يوسف باشا بن سيفا بذلك قام من طرابلس بجميع أهله وتابعيه إلاّ الأمير بلك فلم يرافق والده، ولكنّه حضر


إلى الأمير فخر الدين ؛ لأنّه صهره. ولمّا بلغ الأمير قيام ابن سيفا من طرابلس بقي مكانه في بيروت، وأرسل الشيخ أبا نادر الخازن وأهالي كسروان، فطردوا جماعة ابن سيفا من جبة بشرة وضبطوا برج بشرة وكلّ ما فيه، وأبقى الشيخ أبا صافي الخازن متسلّماً في الجبة. ولمّا وصل عمر باشا إلى طرابلس ؛ أرسل الأمير يطلب منه أن يسلّم حمص للأمير يونس الحرفوش، وأدّى له عليها اثني عشر ألف قرش.

سنة ١٠٣٢ هـ ١٦٢٢ م:

في هذه السنة: عُزل عمر باشا عن طرابلس وابن الحرفوش عن حمص، وتولّى عليهما عمر بك بن يوسف باشا بن سيفا.

وفيها: تولّى عمر باشا على طرابلس، وعُزل يوسف باشا بن سيفا، وأمر الوزير بسجن جماعة ابن سيفا الذين في اسلامبول بسبب المال الباقي عندهم، وأرسل أوامر إلى الأمير فخر الدين، وللأمير يونس الحرفوش، أن يكونا مساعدين لأحمد بك بن شريدال حاكم حماة، وجعفر أفندي حاكم جبلة على ضبط أملاك ابن سيفا. وقبل خروج عمر باشا من اسلامبول طلب من جماعة ابن سيفا بأن يدبّرا كفيلاً عنهما بالعشرة الآلاف قرشاً المطلوبة منهما، وأن يحضرا معه لدفع المبلغ.

وحضر عمر باشا إلى طرابلس وصحبته جماعة ابن سيفا، فلمّا علم يوسف باشا بأخذ الوظيفة منه أرسل بتدبير أخيه الأمير محمد بن الأمير علي إلى اسلامبول، وصحبته سليمان الاسكندري طالباً تقرير حكم طرابلس عليه، ولمّا وصلوا إلى مدينة أيقونية حصل للأمير محمد مرض وتوفّي هناك، وضبط ما معه إلى الخزينة.

وأرسل عمر باشا الأوامر للأمير فخر الدين، وللأمير يونس طالباً مساعدتهما إيّاه على ابن سيفا ؛ فأجابه بالسمع والطاعة، وأرسل الأمير فخر الدين مع الرسوم مملوكه سرور آغا حاكم بلاد كسروان، فكتب عمر باشا مقاطعة بلاد جبيل والبترون وجبة بشرة وعكار إلى الأمير فخر الدين، بشرط أن يؤدّي عليها عشرة آلاف قرش سلفاً، فأدّى الأمير المبلغ المطلوب، وجمع رجال البلاد والسكمانية، والأمير محمد بن شهاب، ورحل من بيروت إلى مدينة طرابلس، ولمّا وصل إلى قربها خرج عمر باشا وأعيان المدينة لملاقاته، فدخلها في ١١ جمادى الأُولى من هذه السنة، وثاني يوم خلع الباشا على الأمير فرواً ثميناً، وشقّة نفيسة، وخلع خِلَعاً أُخرى على الأمير


محمد بن الشهاب وعلى الأمير بلك بن يوسف باشا بن سيفا صهر الأمير فخر الدين، ثمّ خرجوا إلى بركة البداوي، ومكثوا هناك يومين فوردت أوامر شريفة بعزل عمر باشا عن طرابلس، وتقريرها على يوسف باشا بن سيفا، وسبب ذلك أنّ محمد باشا الوزير عُزل عن الوزارة، ورجع إليها حسين باشا.

وفي هذه السنة (ص ٦٨١): أرسل يوسف باشا بن سيفا يستعطف خاطر الأمير فخر الدين، طالباً منه أن يردّ له ولده الأمير بلك، فقبل الأمير سؤاله، وردّه مع جماعته وعياله إلى أبيه مكرّماً، وأعطاه حكم عكار وأعمالها.

وفيها: جمع يوسف باشا بن سيفا السكمان من نواحي حلب، فالتقاهم ابن أخيه الأمير سليمان في الطريق، وقتل منهم نحو ستّين رجلاً، فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ركب لمحاربة ابن أخيه إلى بلاد جبلة، فقام الأمير سليمان إلى الضنية، وأرسل إلى الأمير فخر الدين يطلب منه النجدة، فأرسل في الحال إليه جميع السكمانية، وجمع جميع أهالي البلاد. وكان يوسف باشا قد وصل إلى صافيتا وحاصر جماعة الأمير سليمان في البرج. ولما بلغه أنّ الأمير فخر الدين أرسل السكمان ومراده أن يركب بنفسه ؛ أرسل معتمد الأمير مدلج الحياري، وكان نازلاً في سليما، وطلب منه أن يكون واسطةً في الصلح بينه وبين ابن أخيه. فحضر الأمير مدلج إلى صافيتا وأصلح بينهما، ورجع ابن سيفا إلى طرابلس وابن أخيه إلى صافيتا، ورجعت السكمان إلى الأمير فخر الدين.

وفي هذه السنة: ارتكب يوسف باشا بن سيفا مع مركبين فرنسيين تجاريين أمراً، قطع عن ميناء طرابلس عودة المراكب الفرنجيّة التجارية إليها، ولم يكن سببه إلاّ الطمع فيما بالمركبين من أموال.

وفيها: اتّفق ابنه الأمير بلك بتدبير كتخدا منصور البلوكباشي هو وابن عمّه الأمير سليمان، على إخراج سكمانية يوسف باشا من عكار، وأن يكون الأمير بلك مستقلاًّ بأحكامها. فأرسل الأمير سليمان من جماعته بلوكباشية وسكماناً بحجّة أنّهم مغتاظون منه، فلمّا وصلوا إلى عكار استقبلهم الأمير بلك وأدخلهم إلى الدار، وبعد أن استقرّ به المكان أعطى الأمير بلك


سكمانية والده الإجازة، ووجّههم من عنده، وصار يُكاتب الأمير فخر الدين، وكذلك الأمير سليمان، قائلاً: إنّنا ما فعلنا ذلك إلاّ لأجلك، واعتماداً عليك.

سنة ١٠٣٣ هـ ١٦٢٣ م:

في هذه السنة: حضر من اسلامبول بحراً درويش آغا الذي كان مقيماً من قِبَل الأمير وصحبته عثمان آغا قبجي الوزير علي باشا، ومعهما أحمد آغا متسلّم عمر باشا على طرابلس.

وفي هذه السنة (ص ٧٠٣): في رجب حضر للأمير فخر الدين مكاتيب من عمر باشا، أنّه قَدِم إلى ميناء طرابلس، فمنعه ابن سيفا عن الدخول، فرجع وذهب إلى البترون ومعه أوامر من الباب العالي: أن يكون الأمير فخر الدين مساعداً له. ولمّا وصلت هذه المكاتيب إلى الأمير فخر الدين، ركب بخمسين خيّالاً حالاً، وأبقى العسكر وولده الأمير عليّاً هناك، وتوجّه إلى البترون على طريق المسقية، واجتمع بعمر باشا فوجد معه أوامر بولاية طرابلس. ولمّا بلغ يوسف باشا بن سيفا حضور الأمير فخر الدين إلى البترون أرسل يلتمس منه عدم مساعدة عمر باشا، ويطلب منه توسّط الباب العالي بتقرير الإيالة عليه، وكان بينهما في ذلك الوقت محبّة ومودّة، فوعده لاضطراره إلى تدبير ما يطلب منه من المال.

ثمّ في هذه السنة: جمع الأمير فخر الدين من البلاد جيشاً بلغ ثمانية آلاف، عازماً على مساعدة عمر باشا على ابن سيفا، فحضر له مكاتيب منه وهو في بعلبك، ومعها عشرة آلاف قرش، وهي القيمة التي صار الاتفاق بينهما على دفعها، مهر ابنة الأمير زوجة الأمير حسين المتوفّى ابن يوسف باشا. فلمّا وصلت الدراهم عدل عن عزمه، وأرسل يعتذر إلى عمر باشا.

سنة ١٠٣٤ هـ ١٦٢٤ م:

كان عمر باشا الذي حضر إلى إيالة طرابلس مقيماً في بيروت، منتظراً الأمير فخر الدين ليرجع من سفره، ويكون له مساعداً، وكان مع عمر باشا الصكّ الذي كان على يوسف باشا بخمسين ألف قرش، لمّا كان محاصراً في قلعة الحصن. وبعد رجوع الأمير فخر الدين أعطاه عمر باشا الصكّ المذكور مقابل ما يتكلّفه في قيامه معه، فردّ له الجواب معتذراً له وأنّه


يعطي مقابل ذلك مقاطعة بلاد جبيل والبترون , وطلب من الأمير أن يتمهّل عليه بتسليم الإيالة نصف شهر، حتّى يأتيه جواب العرضحالات، وطالت بينهما المفاوضات، وأخيراً حضر الجواب من اسلامبول بتقرير عمر باشا على طرابلس، وطلب من الأمير أن يقوم معه. فعند ذلك أرسل الأمير جميع السكمان، وأرسل إلى أخيه الأمير يونس أن يجمع رجال الشوف، وإلى بقيّة الأمراء بحشد الجنود، فاجتمع الجميع في بيروت. ولمّا تكاملت الرجال رحل الأمير وصحبته عمر باشا إلى نهر إبراهيم، ومنه إلى البترون ؛ فوصلت إليه صورة الأوامر بتقرير إيالة طرابلس على يوسف باشا ابن سيفا، ومع صورة الأوامر مكاتيب من الوزير الأعظم إلى الأمير فخر الدين أن لا يعارضه في ذلك، فلمّا وصلت تلك الأوامر رجع الأمير من البترون إلى بيروت ومعه عمر باشا.

وفي منتصف شوّال هذه السنة (ص ٧١٤): توفّي يوسف باشا بن سيفا التركماني، وهو أوّل باشا تقرّر على مدينة طرابلس، وكان أمراً جليلاً، وقد احتمل في حياته مشقّاتٍ عظيمةً من ابن معن. وعند وفاته حضر أولاده: الأمير قاسم من جبلة، والأمير محمود من حصن الأكراد، والأمير بلك من عكار، ورجع الباقون إلى مواطنهم. وبعد موته بسبعة أشهر نُهبت المدينة ؛ لأنّ الأمير فخر الدين قَدِم في الجيوش إلى بعلبك، ثمّ إلى جبة بشرى، ونزل إلى طرابلس، ونهب المدينة وبقي فيها إلى أن دخل والي حلب إليها، ثمّ إنّه حضر مصطفى باشا ابن اسكندر من قبل الصدر الأعظم حافظ أحمد، وتولّى على طرابلس، وكان ظالماً فكتب عكاراً إلى الأمير سليمان، وطرد أولاد عمّه إلى الحصن.

وفيها اجتمع الأمير قاسم بن سيفا والشيخ علي بن حمادة ويوسف آغا صاحب قلعة المرقب في المرقب، فركب لحربهم مصطفى باشا بعسكر طرابلس، فقدّموا له عشرين ألف قرش، وطيبوا خاطره، ورجع إلى طرابلس. ثمّ إنّه أرسل إلى الأمير فخر الدين وطلب منه النجدة، فجمع الأمير العسكر من سكمان وعرب وأهل البلاد، ولحقوهم من بيروت إلى البقاع ثمّ إلى بعلبك ثمّ إلى الهرمل. وكان الأمير سليمان بن سيفا في صافيتا، ومعه نحو أربعمئة رجل، فلمّا بلغه قدوم الأمير فخر الدين أطلق جماعته وهرب إلى سلمية من أعمال حوران، ونزل على الأمير مدلج البدوي، فكان الأمير


مدلج راكباً مع الوزير حافظ أحمد لتخليص مدينة بغداد، ولمّا رجع إلى سلمية قبض على الأمير سليمان، وألقاه في نهر الفرات، ثمّ إنّ بني سيفا طلبوا رضا الأمير فخر الدين، وسلّموه قلعة الحصن وقلعة المرقب، فطاب خاطره عليهم، ومنع عنهم باشا طرابلس.

سنة ١٠٣٥ هـ ١٦٣٥ م:

في هذه السنة: أرسل حافظ أحمد الوزير الأعظم وعزل مصطفى باشا عن ولاية طرابلس، وولّى عليها عمر باشا الدفتردار، واستدعى مصطفى باشا إليه، وحال وصوله إلى ديار بكر قتله وأخذ ماله. ثمّ تقدّمت شكايات ضدّ ابن معن بأنّه ظلم الرعايا، ونهب مدينة طرابلس. ولمّا عُزل حافظ أحمد عن الوزارة، تولّى عليها خليل باشا، فتوجّه إلى حلب في العسكر لكي يحارب الأمير فخر الدين وينهب بلاده، وحال وصوله عزل عمر باشا عن ولاية طرابلس، وأعطاها لإبراهم باشا، واسترضاه الأمير فخر الدين فكفّ عن محاربته.

ولمّا وردت في هذه السنة الأوامر السلطانية بإقرار حكم بلاد عربستان من حدود حلب إلى حدود القدس، على الأمير فخر الدين مع لقب سلطان البرّ الذي لُقّب به جده السلطان سليم العثماني، دخلت طرابلس في حكمه.

سنة ١٠٤٠ هـ ١٦٣٠ م:

لمّا قَدِم في هذه السنة الأمير فخر الدين من صيدا إلى طرابلس، خرج الناس لملتقاه، وطلبوا منه أن يمنع القشلاق عنهم. وكانت المدينة تُساس منذ خمس سنين بالمتسلّمين.

سنة ١٠٤٣ هـ ١٦٣٣ م:

خرجت في هذه السنة عساكر كثيرة من الشام، وباغتوا وادي التيم بلاد ابن الشهاب، وفيها قَدِم جعفر باشا الريان بالمراكب إلى طرابلس ثمّ إلى بيروت، فتجمّع بنو سيفا وأصحاب الأحزاب بعسكرٍ وافرٍ، ومشوا مقابل المراكب على طريق البرّ ؛ فانهزم بيت معن من بيروت وصيدا وتشتّتوا في البلاد، وانتهى الأمر بالإدالة منهم والقبض على الأمير فخر الدين وأولاده،


وتسييرهم إلى اسلامبول، وتقليص ظل سلطانهم.

سنة ١٠٤٤ هـ ١٦٣٤ م:

في هذه السنة تولّى على إيالة طرابلس قاسم باشا بن يوسف باشا بن سيفا، ولمّا حضر له الأمر بالسفر إلى بلاد الفرس، وعزم على التوجّه لم يوافقه مدبّروه، وكبر عليه الوهم فتظاهر بالجنون وانهزم من المدينة، فاجتمع الأعيان وحكّموا ابن أخته الأمير عليّاً ابن الأمير محمد، وبقي شهرين ؛ فركب لحربه خاله الأمير عساف بن يوسف باشا، وطرده من طرابلس إلى بيروت. فاتّفق الأمير علي بن سيفا مع الأمير علي بن علم الدين الدرزي اليمني، وصارا يداً واحدةً مع حسن آغا، وساروا بالعكسر إلى الجرد فحكموا بلاد جبيل والمنيطرة، فركب لحربهم الأمير عساف وبيت حمادة، وأحرقوا بلاد جبيل والمنيطرة، وقتلوا أبا جمال الدين وابن أخيه. ثمّ إنّ المقدّم زين الدين بن الصواف اتّحد مع الأمير علي بن سيفا، وسارا برجالهما إلى قرية ايعال التي على نهر رشين، فباغتهم الأمير عساف والمشايخ الحمادية، فظفر بهم الأمير علي، وقتل الشيخ كنعان ابن الشيخ قانصوه حمادة، وجماعةً كثيرةً من تابعيهم ؛ فانهزم الأمير عساف، ونزل الأمير علي بن سيفا، وتسلّم طرابلس وتولّى حكم المدينة وجبيل والبترون، وكثرت الحكّام والأحزاب، وظلموا الرعايا، وأخذوا المال الأميري مرّتين، وقبضوا على رؤساء القرى، وشدّدوا عليهم لينجرّوا عن أرزاق بيت معن وبيت الخازن.

سنة ١٠٤٥ هـ ١٦٣٥ م:

في هذه السنة: تولّى إيالة طرابلس مصطفى باشا البستاني، ففوّض حكم جبيل والبترون إلى الأمير علي بن سيفا، وعكار وصافيتا والحصن إلى عساف بن سيفا، وجبة بشرة إلى يعقوب الحدثي وإلى الشيخ أبي جبرائيل الإهدني، وكان حكم الأمير عساف عادلاً.

سنة ١٠٤٦ هـ ١٦٣٦ م:

حضر في هذه السنة قبجي يطلب ذخيرةً إلى السلطان مراد، فأُقفلت أبواب طرابلس لشدّة الغلاء، ودخل مرتضى آغا المتسلّم من قِبَل مصطفى باشا ونادى بالأمان، وقرّر بلاد عكار على الأمير عساف وجبيل والبترون


على الشيخ أحمد والشيخ علي ولدي قانصوه، وفيها قدم المتسلّم أحمد باشا إلى إيالة طرابلس، فلمّا بلغ ذلك نائب الشام أرجعه من الطريق إلى حماة، وأرسل علي آغا المدبّر، والبعض من تابعيه إلى قرية بقرزلا ليجتمع مع الأمراء بيت سيفا والحمادية. ولمّا تقابلوا لم يقبل بيت سيفا بالخروج على الدولة، وأرسلوا واستحضروا المتسلّم محمد باشا، فلمّا بلغ ذلك مصطفى باشا هرب من طرابلس ليلاً، ودخل المتسلّم المدينة مع الأمير عساف سيفا والأمير علي.

سنة ١٠٤٧ هـ ١٦٣٧ م:

في هذه السنة انتقل الأمير عساف إلى بلاد جبيل، وصار الاتفاق بينه وبين الأمير ملحم ابن الأمير يونس بن معن، وأرسلوا رجالهم ورجال مدلج الحيادي إلى عكار، فطردوا الأمير عليّاً بن علم الدين، والأمير عليّاً بن سيفا، وظلّوا وراءهم حتّى جبال الكلبيّة. ولمّا وصلوا إلى كفر طاب بلغهم أنّ محمد باشا عُزل عن إيالة طرابلس، وحضر بدله شاهين باشا، فرجعت عساكر ابن معن والأمير عساف، ورجع الأمير ملحم إلى الشوف، والأمير عساف إلى البقيعة. وحين وصول شاهين باشا أرسل الأمير عساف له التقادم والهدايا ؛ فأرسل له جواب الرضى والقبول، وأمّنه، وطلب أن يحضر إليه، وكان قد تقدّمت شكايات كثيرة على بيت سيفا أنّهم أخربوا البلاد.

ولمّا عزم الأمير عساف بن يوسف باشا سيفا على الحضور نصحه رفاقه أن لا يحضر، فما قبل ذلك. ولمّا وصل أمام شاهين باشا أمر برفعه إلى قلعة الحصن، وفي اليوم الثاني شنقه على البوّابة، وقتل مَن كان معه. ثمّ عيّن لخدمته الأمير إسماعيل بن موسى الكردي من راس نحاش، والشيخ عليّاً حمادة، وأمرهم بالنهوض لحرب بيت سيفا ؛ فقبضوا على قاسم باشا المجدوب، وعلى الأولاد والنساء، ووقع التفتيش على أرزاق بيت سيفا. وهرب الأمير علي وتشتّت بنو سيفا، وهربوا من إيالة طرابلس.

دولة بني سيفا في طرابلس:

قد رأينا أن نجمع من أخبارهم ما لا تراه مستقصىً منها في تضاعيف ما كتبناه في تاريخ طرابلس، وقد جاء فيها مبدّداً. فإليك ما كتبه عنهم المحبي مبدّداً في خلاصته:


(١) الأمير يوسف باشا:

ابن سيفا أمير طرابلس وأوحد المشاهير بالكرم والإنعام، ولي حكومة طرابلس مدّةً طويلة، واشتهر عنه عزّة عظيمة، ونعمة جزيلة، وقصده الشعراء بالمدائح، وأهدوا إليه أنفس بداية المدائح.

وكان في نفس الأمر ممّن تفرّد بالهبات الطائلة، ورغب في ادّخار الثناء الحسن بالعطايا الشاملة، واقتدى به أخوه الأمير علي، وابنه الأمير حسين، وابن أخيه الأمير محمد، فكانت دولتهم السيفيّة اليوسفيّة، كما سمعت عن الدولة البرمكيّة والمعتمديّة، جمعوا للمعالي شملاً، وأصبحوا للمكارم أهلاً، وكانت لهم بلاد طرابلس صافية، ووعود الزمان بالمراد لمن قصدها وافية، وكان الأمير يوسف أكبر القوم سناً، وأحدهم في النجدة والبأس سناً، وهو الذي أسّس لهم الدولة ؛ فبنوا على أساسه، واقتدوا به في أمر الحكومة مستضيئين بنبراسه.

وله من الآثار مسجد بناه بطرابلس ؛ فقيل في تاريخه:

بنى ابن سيفا يوسف مسجدا دام أمـيراً لـلعلا راقـيا

ومَـن بـنى لـله بيتاً يكن عـليه فـي تاريخه راضيا

وقد جاء في خلاصة الأثر في ترجمة الأمير علي بن أحمد بن جانبولاذ بن قاسم الكردي القصيري، ما يتعلّق بابن سيفا ما خلاصته:

لمّا استفحل أمر ابن جانبولاذ، وبسط نفوذه وسلطانه على كثير من البلاد الشاميّة الشماليّة، ومنها حلب، وقد عمل على قتل نائبها حسين باشا، أرسل الأمير يوسف بن سيفا صاحب عكار إلى باب السلطنة رسالة يطلب فيها أن يكون أميراً على عساكر الشام، والتزم بإزالة الأمير علي عن حلب ؛ فجاءه الأمر على ما التزم.

وأرسل إلى عسكر دمشق وأمراء ضواحيها، يطلبهم إلى مجتمع العساكر وهو بمدينة حماة ؛ فتجمعوا هناك من كلّ ناحية. وجاء ابن جانبولاذ إلى حماة وتلاقيا وتصادما، فما هو إلاّ أن كان اجتماعهم بمقدار نحر جزور ؛ فانكسر ابن سيفا وأتباعه ورجع بأربعة أنفار، واستولى ابن جانبولاذ على مخيّمه ومخيّم عسكر الشام.

ثمّ إنّه راسل الأمير فخر الدين بن معن أمير الشوف وبلاد صيدا، وأظهر له أنّه قريبه مع بعد النسبة، فحضر إليه. واجتمعا عند منبع العاصي، وتشاورا على أن يقصدا طرابلس الشام لأجل الانتقام من ابن سيفا ؛ فسار ابن سيفا في البحر وأخلى لهم طرابلس


وعكار، وأرسل أولاده وعياله إلى دمشق، وأجلس مملوكه يوسف في قلعة طرابلس، فتحصّن بها، وبعث ابن جانبولاذ الأمير درويش بن حبيب بن جانبولاذ إلى طرابلس ؛ فضبطها، واستولى على غالب أموال مَن وجد هناك، واستخرج دفائن كبيرة لأهلها، ولم يستطع أن يملك قلعتها.

وسار الأمير علي ومعه ابن معن إلى ناحية البقاع العزيزي من نواحي دمشق، ومرّا على بعلبك، وخرّبا ما أمكن تخريبه منها، واستقرّا في البقاع، وأظهرا أنّهما يريدان مقاتلة عسكر الشام، ولم تزل العساكر الشاميّة ترد إلى دمشق ؛ حتّى استقرّ في وادي دمشق الغربي ما يزيد على عشرة آلاف.

وتزاحف العسكران حتّى استقرّ ابن جانبولاذ وابن معن في نواي العراد، وزحف العسكر الدمشق إلى مقابلتهما.

وكان ابن سيفا وصل إلى دمشق، وأظهر التمارض، ولم يرحل مع العسكر الشامي، واستمرّت الرسل متردّدة بين الفريقين ليصطلحا، فلم يُقدّر لهم الاصطلاح، وتزاحف الجيشان، فتوهّم ابن جانبولاذ من صدمة العسكر الشامي ؛ فشرع في تفخيذ أكابر العسكر عن الإتفاق، وأوقع بينهم، ثمّ إنّه أرسل لطائفة من أكابرهم، فوردوا عليه في مخيّمه ليلاً، وألبسهم الخِلَع وتوافقوا معه على أنّهم ينكسرون عند المقابلة.

وكان في جانب ابن جانبولاذ ابن معن وابن الشهاب أمير وادي التيم ويونس بن الحرفوش، فطابت أنفسهم لملاقاة الشاميّين. وتلاقى الفريقان في يوم السبت من أواسط جمادى الآخرة سنة خمس عشرة بعد الألف. ولم يقع قتال فاصل بين الفريقين، ثمّ في صبيحة نهار الأحد وقف العسكر الشامي في المقابلة، واقتتلا. فما مر مقدار جلسة خطيب إلاّ وقد انفلّ العسكر الشامي، حتّى قال ابن جانبولاذ: العسكر الشامي ما قاتلنا وإنّما قابلنا للسلام علينا.

فلمّا ولَّى عسكر دمشق زحف ابن جانبولاذ حتّى نزل بقرية المزة، وكان نزوله في الخيام، وأمّا ابن معن فإنّه كان ضعيف الجسد في هاتيك الأيّام، وكان نزوله في جامع المزة.

وأصبحت أبواب البلدة يوم الاثنين مقفلة، وقد خرج منها ابن سيفا وجماعته ليلاً، بعد أن اجتمع به قاضي القضاة بالشام المولى إبراهيم بن علي الازنيقي، وحسن باشا الدفتري، ولم يمكّناه من الخروج حتّى دفع إليهما مئة ألف قرش ؛ ليفتدوا بها الشام من ابن جانبولاذ، ثم خرج ومعه الأمير موسى بن الحرفوش.

ولمّا بلغ الأمير ابن جانبولاذ خروجه غضب، وقال: يا أهل دمشق لو أرادوا السلامة منّي ما مكّنوا ابن


سيفا من الخروج، وهم يعرفون أنّني ما وردت بلادهم إلاّ لأجله، ونادى عند ذلك بالسكبانية أن يذهبوا مع الدروز جماعة ابن معن لنهب دمشق، فوردت السكبانية والدروز أفواجاً إلى خارج دمشق، وشرعوا في نهب المحلاّت الخارجيّة، فلمّا اشتدّ الكرب والحرب على المحلاّت، وتلاحم القتال، خاف العقلاء في دمشق، فخرج جماعة إلى ابن جانبولاذ، وقالوا له: إنّ ابن سيفا قد وضع لك عند قاضي القضاة مئة ألف قرش، وتداركوا له خمسة وعشرين ألف قرش أُخر، كما وقع عليه معه الاتفاق، من مال بعض الأيتام التي كانت على طريق الأمانة في قلعة دمشق. وبعد ذلك أدّاها - أيضاً - ابن سيفا كالمئة ألف، فلمّا تكلّم الناس في الصلح طلب ابن جانبولاذ المال الذي وقع عليه الصلح على يد الدفتري، وقال إن جاءني المال في هذا الوقت رحلت. فحملوا له مئة وخمسة وعشرين ألف قرش، ونادى بالرحيل عن المزة في اليوم الرابع من نزوله.

واستمرّ النهب في أطراف دمشق ثلاثة أيّام متوالية، وكانوا يأخذون الأموال والأولاد الذكور، ولم يتعرّضوا للنساء.

ولمّا فارق ابن جانبولاذ دمشق سار على طريق البقاع، وفارق ابن معن هناك، ورحل إلى أن وصل إلى مقابلة حصن الأكراد، وأقام هناك، وأرسل إلى ابن سيفا يطلب منه الصلح والمصاهرة ؛ فأجابه وأعطاه ما يقرب من ثلاث كرات من القروش، وزوّجه ابنته، وتزوّج منه أخته لابنه الأمير حسين.

ورحل ابن جانبولاذ من هناك إلى جانب حلب، وجاءته الرسل من جانب السلطنة، تقبّح عليه ما فعل بالشام، فكان تارةً ينكر فعلته، وتارةً يحيل الأمر على عسكر الشام.

وشرع يسدّ الطرقات، ويقتل مَن يعرف أنّه سائر إلى طرف السلطنة لإبلاغ ما صدر منه، حتّى أخاف الخلق، ونفذ حكمه من أدنة إلى نواحي غزّة.

وكان ابن سيفا ممتثّلاً لأمره غير تارك مداراة السلطنة، واتّفق معه على أن تكون حمص تحت حكم ابن سيفا.

وكانت حماة وما وراءها من الجانب الشمالي إلى أدنة في تعلّق ابن جانبولاذ.

وانقطعت أحكام السلطنة عن البلاد المذكورة نحو سنتين، ثمّ تقلّبت على ابن جانبولاذ أُمور انتهت بقتله في سنة ١٠٢٠ هـ.

هذا ما مُني به ابن سيفا من ابن جانبولاذ، ولكنّ ذلك لا يُعدّ شيئاً مذكوراً في جنب ما لاقاه من الأمير فخر الدين المعني. على أنّ مدّة ولايات ابن جانبولاذ في الديار الشاميّة - وإن ضخمت - فلم يمتدّ في أجله ما


يمتدّ به أجلها، كما كانت الحال في ولاية الأمير فخر الدين، وطول مدّتها، فكان عضباً مشهوراً على يوسف باشا بن سيفا، وعوناً للولاة العثمانيين عليهم، ولا يدع فرصةً في خضد شوكتهم من أيّ متغلّبٍ إلاّ وانتهزها، ولم تلطّف المصاهرة التي انعقدت بين المعني وأبناء سيفا شيئاً من حدّة المعني.

قال المحبي في خلاصة الأثر في ترجمة الأمير فخر الدين بن معن:

وكان وقع بين فخر الدين وبين بني سيفا حكّام طرابلس الشام حروب شديدة، ودهمهم مرّةً فنهب طرابلس، وأباد كثيراً من ضواحيها، وكان سبباً لخراب هاتيك البلاد.

ولقد عرفت الشيء الكثير في تضاعيف أخبار طرابلس في العهد العثماني، ممّا مُني به بنو سيفا، وخاصّةً كبير أمرائهم، ومنشئ دولتهم يوسف باشا.

(٢) علي باشا أخو الأمير يوسف باشا بن سيفا ولم يترجم له المحبي.

(٣) الأمير حسين بن يوسف بن سيفا الأمير ابن الأمير:

ولي في حياة والده كفالة طرابلس الشام، ثمّ عزل عنها، ثمّ ولي كفالة الرُّها، ثمّ تركها من غير عزل.

وقَدِم حلب وكافلها محمد باشا قرة قاش، فحضر الأمر حسين لديه مسلّماً عليه ؛ فأكرمه واحترمه، ثمّ دعاه إلى وليمة، فجاء مع جماعةٍ قليلة فاحتاطت به جماعة قرة قاش، وأمرهم أستاذهم بالقبض عليه، فمسكوه، ورفعوه إلى القلعة مسجوناً. ووُضع في مسجد المقام يحتاط به الحرسة، فبعث قرة قاش إلى السلطان يخبره ذلك.

وبلغ والده الخبر فبعث جماعته، ووعد السلطان بمئة ألف قرش إن عفا عنه، فلم يجبه إلى ذلك، وبعث أمراً بقتله فجاء الجلاد، فقال بقلبٍ جريء وجَنان قويّ: أيليق أن أكون من الباشوات ويقتلني الجلاّد، ثمّ إنّه أشار إلى رجلٍ معظّمٍ من أتباع قرة قاش أن يقتله، وقال له: إصبر علي حتّى أكتب مكتوباً إلى والدي وأوصه بعض وصايا، فكتب ورقةً أوصاه بأولاده وعزّاه في نفسه، ثمّ صلّى ركعتين، واستغفر الله، وقال: ربِّ أني ظلمت نفسي وعملت سوءاً بجهالة فتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم. ووضع محرمة نفسه في عنقه، وأمر ذلك


الرجل بخنقه، فخنقه.

وبكى عليه جماعة كثيرة لحسنه وكونه شابّاً، وكان شجاعاً بطلاً، إلاّ أنّه كان يبالغ في ظلم العباد. ثم أُخرجت أمعاؤه ودُفنت بتربة القلعيين، وجرت جثّته وأُرسلت إلى والده ؛ فاستقبلها النساء والرجال، بالبكاء والصراخ، والويل والثبور، وصار يوم دخوله كيوم مقتل الحسين.

حكى قرة قاش: إنّي كنت في خدمة السلطان أحمد، وقد خرج إلى الصيد، فعرضوا عليه طيور الصيد، ثمّ جاؤوه بطيرٍ عظيمٍ لا نظير له.

فتعجّب منه، وقال: من بعث هذا؟

قالوا: عبدك حسين باشا بن سيفا أمير الأمراء بطرابلس.

فقال السلطان آه آه آه من خيانة مماليكي الأمر لله إلى هذا الحسين هذا الكافر بالحياة، فأسرّها قرة قاش في نفسه، وصاده بطيره.

وكان قتله في رابع عشر ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين وألف، وعمره قريب من الثلاثين (رحمه الله تعالى).

(٤) الأمير محمد بن علي السيفي الطرابلسي:

أحد أمراء بن سيفا حكّام طرابلس الشام، وولاتها المشهورين بالكرم والأدب.

كان هؤلاء القوم في هذا العصر كبني برمك في عصرهم: فضلاً وكرماً ونُبلاً، ما برحوا في طرابلس لهم العِزّة الزاهرة والحرمة الباهرة، والدولة الظاهرة، وهم مقصد كلّ شاعر، ومورد كلّ مادح، ومدحهم شعراء كثيرون قصدوهم.

وكانوا يعطون أعظم الجوائز، وكان الأمير محمد بينهم كالفضل في بني برمك، وكان من أهل الأدب الظاهر، والفضل السامي، أديباً فاضلاً بليغاً. وُلِّي حكومة طرابلس بعد الأمير يوسف السيفي، وبذل العطايا وكانت إحساناته تستغرق العدّ. ويُحكى عنه من ذلك ما يبعد وقوعه ؛ فمن ذلك ما حكاه الأديب الشاعر محمد بن ملحة العكاري، وكان من شعراء الأمير المختصّين به، قال: لمّا دهم الأمراء بني سيفا الخطب من فخر الدين بن معن، وركب عليهم وحاربهم، وكنت إذ ذاك في خدمة الأمير محمد، فما برحت أدافع عنه بالمقاتلة حتى لقيني من عسكر ابن معن، فضربني على رجلي بسيفٍ فجرحها، فبعث بي الأمير إلى منزله، وأمر بمعالجة رجلي حتّى برأت.

وكان أمرهم انتهى إلى الصلح والمصافاة، فخرج الأمير يوماً إلى التنزّه وأنا معه، وكان الفصل فصل الربيع وقد أزهرت الأشجار، فجلست إلى جانب شجرةٍ مزهرة، فسألني عن رجلي، فقلت: قد برأت، وأريد أن أريك قوّتها، ثمّ ضربت بها تلك الشجرة فتناثر من نوّارها


شيءٌ كثير ؛ فسرّ بذلك، وأمر لي بجائزةٍ من الدنانير بمقدار ما سقط من النوّار، وكان شيئاً كثيراً.

واختصّ به جماعةٌ من الشعراء: كحسين بن الجزري الحلبي وسرور بن سنين، وكان يقع بينهما محاورات بحضرته.

وكانت وفاته في سنة اثنتين وثلاثين وألف بمدينة قونية مسموماً، وكان متوجّهاً إلى الروم، هكذا روى خبر وفاته الأديب عبد الكريم الطاراني.

ولمّا بلغ ابن الجزري خبر وفاته قال يرثيه:

ولـمّا احـتوت أيدي المنايا محمّداً أمير ابن سيفا ظاهر الروح والبدن

تعجّبت كيف السيف يُغمد في الثرى وكيف يُوارى البحر في طيّة الكفن

حُكي أنّ أُختاً للأمير محمد سمعت بهذين البيتين، فبعثت إلى ابن الجزري بسبعمئة قرش وفرس.

وكان الأمير المذكور نظام البيت السيفي ومَن بعده تقلّب بهم الزمان، وخرجت عنهم الحكومة، وتفرّقوا أيادي سبأ.

وحكى لي بعض الأدباء، قال: أخبرني بعض الإخوان أنّه جاور منهم امرأةً بدمشق، وكانت تعرف الشعر حقّ المعرفة. قال: فسألتها يوماً عن دولتهم، وما كانوا فيه من النعمة ؛ فتنهدت وأنشدت:

كان الزمان بنا غرّاً فما برحت بـه الليالي إلى أن فطّنته بنا

سنة ١٠٤٩ هـ ١٦٣٩ م:

في هذه السنة عزل شاهين باشا عن إيالة طرابلس، وخلفه محمد باشا الأرناؤط، وكان مدبّره مصطفى بك بن الصهيوني.

وفي هذه السنة (ص ٧٢٥):

ركب باشا طرابلس لحرب الأمير سليمان بن سيفا، فظفر به ونهب عكاراً.

وهرب الأمير سليمان، وكان صحبته حمدان بن الشاعر من قرية فاريا الذي هو من أنسباء الشيخ علي حمادة.

سنة ١٠٥١ هـ ١٦٤١ م:

في هذه السنة وقع الاضطهاد على بيت حمادة من والي طرابلس، فطردهم من وادي علمات ومن بلاد جبيل، وقتل محمد ياغي بن قمر الدين


وصعباً بن حيدر، وبعض تابعيهم، وتولّى على بلادهم الأمير علي بن علم الدين.

وفي هذه السنة حضرت أوامر شريفة من الباب العالي إلى محمد باشا الأرناؤط والي طرابلس، أن تكون صيدا وبيروت في تسليمه ؛ فأرسل مدبّره زلفة آغا متسلّماً.

سنة ١٠٥٤ هـ ١٦٤٤ م:

في هذه السنة عزل محمد باشا الأرناؤط عن إيالة طرابلس، وتولاّها حسن باشا، وكان مدبّره الشدياق رزق البشعلاني، وقُدّمت الشكايات إلى الباب العالي ضده، فحضر كاتبٌ ليعدّ الأشجار والرجال والبيوت والمنازل، وبعد ما سافر المحرّر أبطل الباشا جميع ذلك، وأعاد الأحوال إلى ما كانت عليه. وكانت الناس لكثرة المظالم تبيع كلّ ثلاثة سنابل قمح بقرش.

وفي آخر هذه السنة عُزل محمد باشا الأرناؤط، وتولّى إيالة طرابلس محمد باشا الصوفي، وقيل إنّه في تلك السنة رجع محمد باشا الأرناؤط.

سنة ١٠٦٢ هـ ١٦٥١ م:

في هذه السنة عُزل محمد باشا عن إيالة طرابلس وتولاّها حسن باشا، وسلّم أُمورها إلى الشيخ أبي رزق البشعلاني، واتّفق المذكور مع الأمير إسماعيل الكردي والمقدّم علي بن الشاعر ضدّ بيت حمادة.

وفي هذه السنة: رجع محمد باشا الأرناؤط إلى إيالة طرابلس، وأقام أبا رزق مدبّراً له.

وبعد مدّةٍ أخبروه أنّ مراده أن يخرج من طرابلس، فقبض عليه وعلى عياله وضبط بيته وأرزاقه.

وبعد خمسة أشهرٍ وردت الأخبار: بأنّ محمد باشا الأرناؤط معزول، وأُقيم على طرابلس مكانه قرا حسن باشا ؛ فأخذ محمد باشا أبا رزق والمقيّدين معه إلى حماة، وعندما وصل قرا حسن باشا إلى حماة أطلق سراح أبا رزق وأولاده، تحت تسعة أكياس التي نقدها عنه ابن الصهيوني، ورجع إلى خدمة قرا حسن باشا.

وبعد وصول محمد باشا الأرناؤط إلى إسلامبول، حضر أمر شريف مع قبجي مخصوص بقطع رأس أبي رزق جيش، فطلب منه قرا حسن باشا بأن يسلم ليعفي


عنه، فقبل ذلك ونطق بالشهادة أمام القاضي وأعيان طرابلس، ورجع القبجي إلى إسلامبول.

سنة ١٠٦٥ هـ ١٦٥٤ م:

في هذه السنة دخل إيالة طرابلس محمد باشا الكبير، فأعطى حكم البترون إلى المقدّم علي بن الشاعر، وجبّة بشرة إلى الشيخ أحمد.

سنة ١٠٦٦ هـ ١٦٥٥ م:

في هذه السنة استقرّت إيالة طرابلس على ابن الكبرللي، فعيّن إسماعيل الكردي مدبّراً له، ولمّا رأى أنّه لا يركن إليه ؛ هرب بعياله إلى بلاد ابن معن فأسكنه في مدينة صور.

وفي هذه السنة عُزل مراد باشا عن الوزارة، وتسلّم أختامها محمد باشا الذي كان على ايالة طرابلس سابقاً، فتولّى طرابلس محمد آغا الطباج.

سنة ١٠٦٩ هـ ١٦٥٨ م:

في هذه السنة تثبت الطباج على ايالة طرابلس، فأعطى عكار والجبة للمقدّم فارس بن أبي اللمع، وبلاد البترون للمقدّم علي بن الشاعر، ويكون استيفاء مالها على يد ابن معن.

وفي هذه السنة: حضر إلى إيالة طرابلس قبلان باشا وبيده أوامر شريفة ضدّ بيت حمادة، فهربوا إلى كسروان بعيالهم، فهدم الباشا بناياتهم في وادي علمات، ونزل إلى جبيل بالعسكر، وضبط الحنطة التي كانت لأهالي كسروان. ثمّ قرر عكار على المقدّم فارس بن مراد أبي اللمع، وبلاد جبيل على جاور آغا، وجبة بشرة على المقدّم قائدبيه بن الشاعر.

وبسبب فساد بيت حمادة واختلاف بعضهم مع البعض ؛ تضعضعت أحوال الرعايا وأنفق المال، فقبض على جاور آغا وقتله.

سنة ١٠٧١ هـ ١٦٦٠ م:

في هذه السنة تقدّم عرضحالات إلى الباب العالي من مرتضى باشا والي الشام، أنّ بيت شهاب وبعض أغاوات الشام منعوه عن الدخول


والتصرّف ؛ فأرسل محمد باشا الوزير ابن الكبرللي ولده أحمد باشا إلى نيابة الشام، ومحمد باشا الأرناؤط إلى صيدا وبيروت، وقرّر قبلان باشا على طرابلس. وعند وصول ابن الوزير إلى الشام، كاتب باشا القدس وقبلان باشا والي طرابلس وباشا غزّة، وابن طربيه البدوي، بالركوب لحرب بني قيس.

وجرت أُمورٌ لا تتعلّق بهذا التاريخ فأغفلنا ذكرها.

سنة ١٠٨٢ هـ ١٦٧١ م:

في آخر هذه السنة عُزل محمد باشا عن إيالة طرابلس، وتولّى مكانه حسن باشا، فأعطى مشايخ بيت حمادة قطيعتهم، ولم يكلّفهم سفراً أو تكاليف أُخر عليها.

سنة ١٠٨٥ هـ ١٦٧٤ م:

وفي هذه السنة استمرّ حسن باشا على إيالة طرابلس، فأعطى الشيخ سرحان بلاد جبيل والبرتون.

ولمّا نزل إليه الشيخ أحمد بن قانصوه ليأخذ حكم الجبة، قبض عليه بسبب الخراب الذي بدا فيه، وقبض على الشيخ محمد بن حسن ذيب لتأخّر مال الضنية.

سنة ١٠٨٦ هـ ١٦٧٥ م:

وفي هذه السنة استمرّت إيالة طرابلس بيد حسن باشا، فركب مدبّره لمحاربة بيت حمادة، وطردهم حتّى إلى عين التقير فوق أفقا. ثمّ إنّ المدبّر أحضر الشيخ أحمد وابن محمد عيادة وابن حسن ذيب، وأمر أولاد عمّهم أن يقتلوهم. فلمّا شاع خبر قتلهم، وثب رفاقهم على بلاد جبيل، ونهبوا وحرقوا قرىً كثيرةً في البترون. فمسكوهم وسجنوهم في جبيل، وتضعضعت أحوال الرعايا، فعرض حسن باشا للباب العالي عن عصاوة البلاد، فحضر أمر إلى باشا الشام وباشا صيداء أن ينجدا باشا طرابلس على العصاة.

وفي أوّل تشرين الأوّل اجتمعت النوّاب والعساكر، نحو خمسين ألفاً إلى بلاد البقاع، ونزلوا في قب الياس، وكاتبوا ابن معن كي يسلّمهم العصاة.

وكان إسماعيل باشا صيدا يحب الأمير أحمد بن معن، فأرسل إليه سرّاً أن لا يكبر الوهم عليه ؛ فجمع الأمراء آل شهاب من وادي التيم، ومشايخ البلاد في دير القمر، وكانوا نحو أربعة آلاف شخص، وأجابوا أنّ آل حمادة ليسوا في بلادهم، وكتبوا إلى إسماعيل باشا أنّ ابن


معن يكفل المال المتأخّر على بيت حمادة، بشرط أن يرجعوا المسجونين المرهونين في قلعة طرابلس. فتعاطى باشا صيدا صرف أمرهم، وأحضروا الرهون إليهم، وقدّم الباشا العشرين ألفاً التي كانت عليهم.. وانصرفت العساكر، ورجع باشا طرابلس وعسكر الشام.

سنة ١٠٨٧ هـ ١٦٧٦ م:

في هذه السنة حضرت أوامر تثبيت إلى حسن باشا على إيالة طرابلس، فولّى الحاج حسين بن الحسامي، وأبا حيدر على بلاد جبيل، والحاج باز بن رعد، ومرعب بن الشاطر على البترون، وأبا كرم على جبة بشرة.

ووزع السكمان على جميع القطائع، خوفاً من آل حمادة، ثمّ جاء الأمر بالسفر لمحاربة تركمان البغدلة، فمات مرعب بن الشاطر في القلعة، والشيخ حسين بن أحمد قتل الحاج بازاً في أرض كغد، ولمّا رجع حسن باشا من السفر، وأخبروه بقتل الحاج باز والخراب الذي حدث بغيابه، سار بالرجال إلى بلاد جبيل، فقتل شيخ قرية البربارة، وقبض على ابن الحسامي وعلى مشايخ غرزوز، وغرّمهم ؛ لأنّهم صرفوا إلى حمادة في أملاكه، ثمّ أمر بحرق قرى وادي علمات وقرى جبة المنيطرة. وبعد ما رجعت الدولة حضر آل حمادة وأحرقوا بلاد جبيل وبلاد البترون، فخربت جميع البلاد، ونزح الرعايا إلى بلاد ابن معن، وتفرّقوا في جميع البلاد، واستوطنوا بها، ولم يرجع أحد منهم إلى بلاد جبيل.

سنة ١٠٨٩ هـ ١٦٧٨ م:

في هذه السنة: استولى على الوزارة مصطفى باشا، بعد وفاة ابن الكبرللي محمد باشا، فغيَّر النوّاب في جميع الأيالات وأرسل محمد باشا إلى طرابلس، فأعطى بلاد جبيل إلى الشيخ سرحال، والبترون إلى ولده الشيخ حسن، وجبة بشرة إلى الشيخ حسن بن أحمد، وأمرهم أن يحملوا الرعايا على الطمأنينة ويردّوا النازحين.

سنة ١٠٩١ هـ ١٦٨٠ م:

في هذه السنة صرف محمد باشا آل حمادة في قطائعهم، وفيها انتقل محمد باشا من طرابلس إلى مدينة صيداء.

وتولّى طرابلس باشا آخر اسمه كاسمه، فصرف آل حمادة في مقاطعاتهم.


سنة ١٠٩٢ هـ ١٦٨١ م:

في هذه السنة قتل المشايخ آل حمادة ابن أخت باشا حلب في بلاد عكار.

وبعد عزل الباشا عن طرابلس، نزلوا وأخرجوا رهونهم من القلعة بالسيف، وباغتوا قرية عشقوت من كسروان وقتلوا بعضاً من أهلها، وعند ذلك حضر فرمان إلى الأمير أحمد أن يتولّى على جميع قطائع آل حمادة ؛ فتوجّه الأمير بالعسكر إلى غزر، وأرسل قوماً ليباغتوهم ؛ فهربوا إلى بلاد بعلبك.

فأحرق القرى وقطع أملاكهم، ثمّ رجع إلى الشوف، ولم يقبل أن يتولّى مقاطعاتهم كما أمره باشا طرابلس.

سنة ١٠٩٨ هـ ١٦٨٦ م:

في هذه السنة استقرّت إيالة طرابلس على علي باشا النكدي، وجاء الأمر له في الركوب ضد عرب البكدلة.

ولمّا توجّه ؛ هاجت آل حمادة على البلاد فقتلوا أخا داغر شيخ حردين، وعليّاً بن رعد شيخ الضنية.

ولمّا رجع الباشا قبض على اثني عشر رجلاً من تابعيهم وقتلهم، ثمّ حضر أمرٌ إلى الباشا أن يركب لحرب الأمير شديد الحرفوش ؛ لأنه خرّب قرية الراس وهدم قلعتها.

فجمع الباشا المقدّم قائد بيه ابن الشاعر، وأخا علي الرعد، وابن دندش، وكتب إلى الأمير أحمد بن معن أن يلاقيه في رجاله، فلاقاه، وهرب الأمير شديد إلى بلاد جبيل إلى آل حمادة، فنقل الباشا إلى العاقورة وحرقها، وحرق قرى غيرها، وقطع أملاك آل حمادة، وهدم دار الشيخ حسن، وضبط ودائعهم.

وعندما كان عسكر الباشا نازلاً على عين الباطية باغتهم آل حمادة، فقتلوا منهم خمسة وأربعين رجلاً، ففرّوا، وانهزم العسكر إلى بعلبك، ورجع كلٌّ إلى بلاده، ورجع الباشا إلى طرابلس.

فنزل آل حمادة وحرقوا قلعة جبيل، ونهبوا المدينة ؛ فهرب ابن الحسامي بعياله إلى مدينة بيروت.

سنة ١٠٩٩ هـ ١٦٨٧ م:

في هذه السنة حضر إلى إيالة طرابلس حسين باشا، فقبض على الشيخ يونس وأخيه عبد الله وأولادهما، بسبب دعوى والدهم على أبي رزق البشعلاني، فهربوا ليلاً إلى بلاد كسروان تحت حماية ابن معن، وعصوا على الباشا.


سنة ١١٠٣ هـ ١٦٩١ م:

في هذه السنة حضر إلى إيالة طرابلس محمد باشا، فصرف مشايخ آل حمادة في قطائعهم، وأعطى الشيخ حسين بن سرحان بلاد جبيل والبترون، وأعطى ابنه الشيخ إسماعيل الكورة، والشيخ موسى بن أحمد الجبة، وأعطى أولاد حسن ذيب الضنية.

سنة ١١٠٤ هـ ١٦٩٢ م:

في هذه السنة عُزل محمد باشا عن إيالة طرابلس، وحضر مكانه علي باشا، فقرّر آل حمادة في مقاطعاتهم، ثمّ أخرجوا في هذه السنة عن إقطاعاتهم. وجرت عليهم اضطهادات، وقُتل منهم عدد كثير.

وهكذا كانت الأُمور تتبدّل من حالٍ إلى حالٍ ما بين عشيّةٍ وضحاها.

سنة ١١٠٦ هـ ١٦٩٤ م:

في هذه السنة أرسل السلطان أحمد أختام الوزارة إلى علي باشا، وقلّد الحكم مكانه على إيالة طرابلس مملوكه أرسلان باشا المطرجي ؛ فأرسل إلى الأمير أحمد بن معن، يعرض عليه القطائع التي كانت لآل حمادة، فلم يقبل ذلك، وأجاب أنّه لا يمكنه قبولها بسبب خراب البلاد.

ثمّ وزّع الباشا الأعمال على رجالٍ من زعماء البلاد، وأرسل مدبّراً للتفتيش على آل حمادة على طريق الجرد، وأرسل الأُمراء الأكراد مقدّمي بيت الشاعر على طريق الساحل، فلمّا صعدوا إلى الفتوح، ونزلوا إلى عين قبعل، قصدهم أولاد الشيخ حسين حمادة، وكانوا مختبئين في بتاتر. ومشى معهم من الجرد (جرد الشوف) نحو مئتي رجل، وباغتوا الذين أرسلهم أرسلان باشا ليفتشوا عليهم ليلاً ؛ فظفروا بهم وقتلوا منهم نحو أربعين رجلاً، وكان من جملة القتلى الأمير حسن الكردي، وابن الأمير أحمد قلاوون، والمقدّم نصور من بيت الشاعر ابن قائد بيه.

وما زالوا يطاردونهم حتّى نهر إبراهيم. ولمّا بلغ أرسلان باشا ذلك، أرسل عرضحالات إلى الباب العالي يشتكي فيها على ابن معن أنّه مرسل رجاله مع آل حمادة.

وخرج الباشا في العسكر إلى نهر إبراهيم، وبقي ينتظر الجواب. ولمّا وصلت الشكايات للباب العالي أصدر أوامر في عزل ابن معن، وإعطاء الأمر موسى اليمني ابن علم الدين السبع


المقاطعات التي بيد ابن معن، وانتهت الحال بالانتقام من ابن معن.

ولم يطل الأمر حتّى عاد إليهم حكم مقاطعاتهم في هذه السنة نفسها، وفي سنة ١١٠٨ هـ ١٦٩٦ م زاد أرسلان باشا والي طرابلس في طلب المال، فتشتّت كثيرٌ من الرعايا من مواضعهم من شدّة الغلاء والظلم.

سنة ١١٠٩ هـ ١٦٩٧ م:

في هذه السنة: أنعم بإمارة الحجّ على أرسلان باشا، وتولّى إيالة طرابلس أخوه قبلان باشا.

سنة ١١١٠ هـ ١٧٩٨ م:

في هذه السنة: تولّى إيالة طرابلس أرسلان باشا، وإيالة صدا أخوه قبلان باشا، وكان أرسلان باشا قد غضب على المشايخ الحمادية، ونزع من أيديهم ولاية بلاد جبيل، فتشفّع فيهم الأمير بشير الأوّل الشهابي، وكفل كلّ ما يحدث منهم، وأعادهم إلى ولايتهم.

وفي سنة ١١١٢ هـ ١٧٠٠ م، ص ٧٥٠: تقرّرت في هذه السنة: إيالة طرابلس على أرسلان باشا، وإيالة صيدا على قبلان باشا.

سنة ١١٢٧ هـ ١٧١٥ م:

في هذه السنة تولّى على دمشق يوسف باشا، وعزل قبلان باشا عن طرابلس، وتولّى مكانه بشير باشا الذي كان والياً على صيدا.

سنة ١١٤٧ هـ ١٧٣٤ م:

في هذه السنة انتقل أسعد باشا العظم من إيالة صيدا إلى إيالة دمشق، وتولّى إيالة صيداء أخوه سعد الدين باشا والي طرابلس، وتولّى طرابلس سليمان باشا العظم، وقويت شوكة بني العظم في البلاد، وعظمت دولتهم.

سنة ١١٧٣ هـ ١٧٥٩ م:

فيها حصلت زلازل شديدة في برّ الشام، فأخربت طرابلس.

سنة ١١٧٧ هـ ١٧٦٣ م:

وكان في تلك الأيّام نائباً على دمشق عثمان باشا الكرجي الصادق.


وكان ولده محمد باشا نائباً على طرابلس، فأعطى عثمان باشا للأمير يوسف كتاباً إلى ولده محمد باشا أن ينعم عليه بحكم بلاد جبيل، فتوجّه الأمير يوسف إلى طرابلس، ووافاه الشيخ كليب من حاصبيا، فالتقى به في الطريق.

وبعد وصول الأمير يوسف إلى جبيل، أتى إليه أكثر مشايخ بلاد الدروز، وكان له من العمر اثنتا عشرة سنة.

سنة ١١٨٣ هـ ١٧٦٩ م:

في هذه السنة قبض الأمير يوسف على جملة من مشايخ آل حمادة، فالتجأوا إلى وزير طرابلس، وأتوا بعسكرٍ إلى قرية بززا، فسار إليهم الأمير يوسف.

ووقع القتال بينهم في قرية اميون فانكسر عسكر طرابلس وحاصر البعض منهم في البرج الذي في أسفل القرية. وقتل جملة أشخاص، ثم سلموا وساروا إلى طرابلس، ورجع الأمير يوسف إلى مدينة جبيل.

سنة ١١٨٨ هـ ١٧٧٤ م:

في هذه السنة عزل عثمان باشا المصري عن دمشق، وتولاها محمد باشا العظم، وحضر ولده يوسف باشا إلى طرابلس.

سنة ١١٩١ هـ ١٧٧٧ م:

في هذه السنة أرسل يوسف باشا والي طرابلس نائبه عثمان بك الشدد، فكبس الأمير حيدر أخا الأمير يوسف الشهابي في قرية إهدن من مقاطعة جبة بشرة، وحاصره بها يومين. فأتت الرجال من بلاد جبيل والمشايخ بنو الرعد من الضنية. ولما تكاثرت الرجال على عسكر طرابلس انقلب راجعاً إلى اميون، وبلغ الأمير يوسف ذلك، فمدّ أخاه بعسكرٍ وكبس به عسكر طرابلس في اميون فكسره، ورجع إلى طرابلس، وقتل منه جملة أشخاص، ورجع الأمير حيدر إلى مكانه.

سنة ١٢٠٣ هـ ١٧٨٨ م:

وفي ٢٥ تشرين الثاني من هذه السنة التي فرّ فيها الأمير يوسف الشهابي من الجزّار، وقد أرسل الجزّار له ألف خيّال على ساحل البر، ووصلت إلى البترون، وكان الأمير يوسف في جبة بشرة، فورده كتاب من


محمد الأسعد متسلّم طرابلس، وكان صديقاً له ينذره بأنّ عمّه عثمان باشا الشديد وزير طرابلس، أمره أن يسير بالعسكر من طرابلس ليكبس الأمير يوسف في قرة إهدن، فلمّا وصل كتاب محمد الأسعد إلى الأمير يوسف قام صباحاً بمَن عنده من إهدن على طريق جبل المسقية إلى بلاد بعلبك.

سنة ١٢٠٧ هـ ١٧٩٢ م:

في هذه السنة عُزل خليل باشا عن إيالة طرابلس، وتولاّها حسين باشا.

سنة ١٢١٠ هـ ١٧٩٥ م:

في هذه السنة: فرّ أولاد الأمير يوسف من الأمير بشير حتّى دخلوا طرابلس، وكان متسلّمها الشيخ فاضل الرعد حاكم الضنية، وكان صديقاً لهم من أيّام أبيهم، فأكرمهم وقدّم لهم الذخائر، ثمّ إنّ الأمير بشيراً أرسل عسكر الدولة مع أخيه الأمير حسن إلى قرية زغرتا وحاضر طرابلس، بعد رجوع الأمير بشير ومعهم عسكرهم إلى عمشيت، فخرج عسكر الدولة من جبيل نحو ألف فارس وراجل وعسكر البلاد ؛ فانكسر عسكر طرابلس، ورجع أولاد الأمير يوسف إلى طرابلس، ويُقال إنّ محمد بك الأسعد حاكم عكار كان السبب في انكسار عسكر طرابلس، لما بينه وبين الأمير بشير من المودّة.

وفي هذه السنة: حدثت زلزلة عظيمة في جهة الشمال، فهدّمت أكثر الأبنية، وهُدم في طرابلس جملة أماكن.

سنة ١٢١١ هـ ١٧٩٦ م:

أرسل عبد الله باشا والي دمشق إلى ولده خليل باشا والي طرابلس: أن يوجّه الأمير حسيناً ابن الأمير يوسف لملاقاة العسكر في البقاع، ويوجّه عسكراً من طرابلس إلى بلاد جبيل.

والتحم القتال بين جيش الجزار وجيش الأمير بشير، فانتهى بانكسار العسكر الشامي.

سنة ١٢١٢ هـ ١٧٩٧ م:

في أيّام هذه السنة تكاثرت الأخبار بقدوم الإفرنج إلى الاسكندرية.


وكان في ذلك شغل للجزار شاغل، وكان مثل ذلك للدولة العثمانية.

ولمّا تمّ الاتفاق بين الإنكليز والسلطان سليم، على مقاومة الحملة التي كان يقودها نابليون بونابرت، وحضرت عمارة الإنكليز، وأحرقت أربعة عشر مركباً للفرنساويّين كانت راسيةً في أبي قير. ثمّ حضرت مراكب إنكليزية إلى الشام بمضمون هذا الاتفاق، ويحثّهم على مقاومة الفرنساويّين، وحسن معاملة الحلفاء الإنكليز، وكتب بمثل ذلك إلى أهل طرابلس وقاضيها.

سنة ١٢١٤ هـ ١٧٩٩ م:

حضر أمر من عبد الله باشا العظم إلى البلاد، يأمرهم به بطاعة الأمير بشير، ولكنّ الأمير لم يكترث به لعلمه بأنّه لا يُفيده، ولكنّه إكراماً لعبد الله باشا أرسله إلى البلاد، فلم يعبأ به أحدٌ ؛ لأنّه لا يقدر أهلها على مقاومة الجزار مع ما بين أهلها من الاختلاف.

وبعد ذلك توجّه الأمير بشير من كسروان إلى بلاد جبيل، ثمّ إلى الكورة إلى رأس كيفا، وكان ذلك في ٢٥ تشرين الثاني، وكان والي طرابلس رحبون بك من ابن عمّ عبد الله باشا العظم، فأرسل إلى الأمير بشير خلعة بلاد جبيل.

سنة ١٢١٥ هـ ١٨٠٠ م:

في هذه السنة: حضر يوسف باشا أخو عبد الله باشا العظم إلى طرابلس، فما قبلوه، وكان أخوه كرهه، فقاموا عليه وأخرجوه إلى الميناء.

ودام القتال بينه وبينهم عدّة أيام، وقتلوا من عسكره جماعة، ثمّ نزل في البحر وسافر إلى اللاذقية.

وأقام عبد الله باشا مكانه إبراهيم سلطان من أهل البلد، وجعل مصطفى بربر دزداراً (محافظاً) على القعلة، وضبط إبراهيم آغا خزينة يوسف باشا، ورجعت أهالي طرابلس الذين كانوا قد نزحوا إلى بيروت.

سنة ١٢٢٣ هـ ١٨٠٨ م:

في هذه السنة كان الأمير حسن أخو الأمير بشير مريضاً في غزير ؛ فسار الأمير بشير إلى هناك يعوده، وكان ذلك في أوائل المحرّم، فأقام عنده أيّاماً، ولمّا كان قد وقع اختلاف بين مصطفى آغا بربر وأصحاب مقاطعات طرابلس، ركب الأمير إلى جبيل وتوسّط بينهم، وأصلح ذات بينهم.


سنة ١٢٢٥ هـ ١٨١٠ م:

كان في هذه السنة علي بك الأسعد والياً على طرابلس.

وفي هذه السنة: لمّا استقرّ حكم دمشق الشام على سليمان باشا والي عكاء خَلَفاً ليوسف باشا الذي عصى أوامر الدولة، ولم يشأ تسليم الحكم إليه، واستعان سليمان باشا بالأمير بشير وبحكّام المقاطعات، وظفر بأعدائه وبيوسف باشا.

وحضر إليه فريقٌ من أصحاب المقاطعات، أرسل مصطفى آغا بربر متسلّما على مدينة طرابلس الشام قبل تسلّم القلعة.

سنة ١٢٣٥ هـ ١٨١٩ م:

في هذه السنة وجّهت الدولة العلِيّة الحكم على جميع الإيالات التي كان تولاّها سليمان باشا على عبد الله باشا، ومن جملتها إيالة طرابلس.

وحضر من عبد الله باشا مرسوم إلى الأمير بشير الشهابي، في معنى هذا التوجيه عليه بهذا المنصب العالي.

وفي هذه الأيّام من هذه السنة: كتب علي بك الأسعد متسلّم طرابلس إلى عبد الله باشا أنّ مصطفى آغا بربر يعمل تشويشاً في الإيالة، وهو يراسل درويش باشا وزير دمشق ؛ فحضر إليه الجواب أن يلقي القبض عليه.

وكان مصطفى آغا ساكناً في الدار التي بناها في قرية ايعال بالقرب من طرابلس، وكان شديد البأس، متّخذاً كثيراً من الإخوان والحلفاء. فلم يجسر على مهاجمته، حتّى أرسل يجمع إليه أقواماً من عكار وصافيتا.

ولمّا بلغ مصطفى آغا ذلك، فرّ إلى الجبة، وكتب إلى عبد الله باشا يتوسّل إليه ويستعطفه، وأرسل ذلك الكتاب ضمن كتاب الأمير بشير، وسأله أن يوجّه كتابه إلى الوزير طي كتاب منه يشفع فيه به، وفي الحال كتب الأمير إلى عبد الله باشا يلتمس منه العفو عن مصطفى آغا، فرجع الجواب بالإجابة إكراماً لخاطره، وفي طيّه كتاب لمصطفى آغا يتضمّن العفو وصفو الخاطر ؛ فبادر الأمير بإرساله إليه، ولمّا وصل الكتاب إلى مصطفى آغا سُرّ به سروراً لا يُوصف، وطابت نفسه وحضر على الفور إلى الأمير يشكر سعيه ومنّته عليه، وكان ذلك في ١٢ رجب. وبعد حضوره أرسل الأمير إلى عبد الله باشا أنّ مصطفى آغا بربر قد حضر إليه، وسأله أن يجبر كسر قلبه بما يدفع الشماتة عنه، فأنعم عليه بالرجوع إلى متسلّمية طرابلس، وعزل علي بك


الأسعد عنها، وأرسل له خِلْعة الرضى والولاية، فنهض مصطفى آغا وصحب معه المباشر الذي حضر بالخلعة ؛ لأجل محاسبة علي بك، واسترجاع ما سلب من أمتعته ؛ فاضطر علي بك أن يردّ إليه كلّ ما كان قد أخذه، وكان بعد فرار مصطفى آغا قد حضر إلى ايعال، وسلب كلّ ما كان هناك لمصطفى آغا من أثاث وحلي وأمتعة وغلال، وباع أكثر ذلك السلب فاغترم ثمنه.

وفي ١٤ شعبان من هذه السنة: حضر كتاب من درويش باشا إلى الأمير بشير، يخبره أنّه في رابع شعبان حضر إليه خبر من الباب الهمايوني بتوجيه ولاية صيدا ويافا وطرابلس، وبقيّة الإيالة التي بيد عبد الله باشا إليه، وقد كتب إمضاءه هكذا: الحاج درويش باشا أمير الحج، ووالي دمشق وصيدا ويافا وطرابلس الشام حالاً، ولقّب نفسه بذلك بناءً على الإنعام الصادر له.

ولمّا وصل الكتاب إلى الأمير بشير أرجع الرسول من غير جواب، وأرسل الكتاب إلى عبد الله باشا، فحضر الجواب إليه أن يطلق التنبيه على أهالي بلاده، ويسير بعسكر إلى جسر بنات يعقوب، وقد كتب إمضاءه هكذا: السيّد عبد الله باشا أمير الحج، ووالي دمشق وصيداء ويافا وطرابلس الشام حالاً، ولبّى الأمير بشير طلب عبد الله باشا، وجمع الجموع كما جمع عبد الله جموعه، وجرت حرب بين عسكر عبد الله باشا ورويش، انتهت بانتصار جيوش عبد الله باشا.

وجرت بعد ذلك أُمورٌ لا يتعلّق ذكرها بهذا التاريخ فتركناها، وكان آخرها فوز عبد الله باشا بالولاية، بتوسّط الأمير بشير الذي سافر إلى مصر، مستشفعاً عزيز مصر محمد علي باشا.

سنة ١٢٤١ هـ ١٩٢٥ م:

حضر في هذه السنة كتاب من علي باشا المرعب، يبشّر الأمير بإسناد منصب طرابلس إليه، ويعرض عليه إرسال عساكر لإسعافه، معتذراً بأنّ إقامة الشيخ بشير (جنبلاط) عنده كانت بأمر والي طرابلس سابقاً ؛ فأكرم الأمير الرسول بخمسمئة قرش، وكتب إليه يهنّئه بالمنصب.

سنة ١٢٤٨ هـ ١٨٣١ م:

أمر إبراهيم أن يتوجّه الأمير خليل بن الأمير بشير بألف مقاتل لبنانيّين إلى طرابلس، للمحافظة عليها من عسكر السلطان ؛ فنهض من المعسكر إلى الشويفات، وأحضر إليه الشيخ حمود النكدي، والشيخ حسين تلحوق، والشيخ يوسف الملكي، وبعض أقربائهم، ومعهم ألف


مقاتل، وسار بهم وبالأمير عبد الله حسن إلى طرابلس، ولمّا كتب الأمير خليل إلى إبراهيم باشا يخبره بجمع مدبر عثمان باشا عسكراً ومجيئه من اللاذقية إلى عكار، نهض إبراهيم باشا حالاً من المعسكر بأربعة آلاف، وزحف بها إلى طرابلس، أمّا مدبّر عثمان باشا، فلمّا قدم بفرسانه من عكار نحو طرابلس، خرج إليه الأمير خليل بعسكر، وانتشبت الحرب بينهم فقتل من أهل عكار ثلاثة رجال، ومن عسكره رجل واحد، وانهزم المدبّر بعسكره.

وأمّا أهل طرابلس، فقد كتبوا إلى عثمان باشا أن يحضر بعسكره، وهم يسلّمونه المدينة ؛ فأرسل لهم جواباً يخبرهم أنّه قادم إليهم، فوقع ذلك الجواب بيد مصطفى بربر، فقتل أولئك الرسل، وقبض على القاضي والمفتي وبعض الأعيان، ووضعهم في القلعة.

ثمّ قَدِم عثمان باشا إلى قرية المنية وبصحبته أربعة آلاف مقاتل أرناؤوط وهوارة وغيرهم من تلك المقاطعات، وبنى متاريس على تلٍّ هناك تجاه المدينة ؛ فخرج إلى قتاله مصطفى بربر بمئتي مقاتل طرابلسيين، ومئتين من العسكر النظامي. واشتعلت نار الحرب بينهم، فانكسر عسكر طرابلس، فلمّا رأى الأمير خليل ذلك زحف برجاله، وهجم على عثمان باشا هجمةً هائلةً، وصدم عسكره نحو التلّ عند الأرناؤوط، فهجم عليهم الستمئة المذكورون، فارتدّ عليهم نحو ألف وخمسمئة فارس من عسكره، ففصلوا منهم نحو خمسين شخصاً، فقتلوا بعضهم وقبضوا على الباقين.

فلمّا رأى الأمير خليل ذلك هجم بعسكره عليهم فكسر الفرسان من السهل، والأرناؤوط من التل، وجدَّ في أثرهم إلى البداوي فقتل منهم خمسة أشخاص، ثمّ عاد إلى المدينة ظافراً.

وقُتل من عسكر عثمان باشا ثلاثون رجلاً وشيخ صافيتا، أمّا إبراهيم باشا، فإنّه لمّا أقبل على طرابلس خرج لملاقاته الأمير خليل والأمير عبد الله. ولمّا بلغ عثمان باشا قدومه فرّ هارباً ليلاً نحو حماة، ثمّ أرسل إبراهيم باشا الأمير عبد الله إلى المنية ليضبط ما تركه عثمان باشا، ونهض بعسكره في أثره إلى حمص.

سنة ١٢٤٩ هـ ١٨٣٣ م:

في هذه السنة: قَدِم إبراهيم باشا من طرابلس إلى بيروت، فوافاه الأمير أمين.

وفيها: لمّا وصل الأمير خليل إلى طرابلس التقاه سليم بك ؛ فأمر بالقبض على خمسة وعشرين رجلاً من الطرابلسيّين الذين ظهرت خيانتهم


وسجنهم في القلعة، وكان منهم ثمانية رجال من الأعيان. أمّا مصطفى بربر فقد خاف أن يُتّهم بالتعصّب على إبراهيم باشا ؛ فتوجّه إلى بتدين يبرئ نفسه. ثم نهض الأمير خليل وسليم بك برجالهما إلى عكار فقبضا على أسعد بك المرعب وأسعد بك، وعلى اثنين من أولاد محمد بك القدور، ثمّ أمرا بالقبض على ثلاثين رجلاً وبعض وجوه عكار، ثمّ رجع الأمير خليل إلى طرابلس لمرضٍ اعتراه ومنها إلى بتدين.

أمّا مصطفى بربر فالتمس من الأمير أن يستميح له من الوزير صفو الخاطر والأمان، فعرض الأمير ذلك إلى الوزير فأجابه، وأمر برجوعه آمناً إلى وطنه في قرية ايعال فرجع.

سنة ١٢٥٦ هـ ١٨٤٠ م:

في هذه السنة اتّفق الباب العالي مع دول النمسا والروسية والانكليز وبروسيا على استخلاص سورية من يد محمد علي باشا عزيز مصر. ولمّا كان الأمير بشير من أكبر أعوان ولده إبراهيم باشا على امتلاك سورية، وكان فريق من أُمراء البلاد اللبنانيّة وشيوخهم على خلاف رأي الأمير، وخاصّةً الدروز.

ولمّا علم إبراهيم باشا باتّفاق الباب العالي مع تلك الدول، وتحقّق أن مخالفي الأمير بشير سينضمّون إلى الجانب العثماني، كتب إلى الأمير بشير بجمع السلاح من النصارى، فأهاج هذا الطلب النصارى، وقام اجتماع من العامّة والخاصّة قرّر مطاليب، وطلب أن يحقّقها الأمير، وكان قد سبق ذلك ترك جمع السلاح وإرجاع ما جُمع منه. ثمّ قرر فريقٌ من الأُمراء الشهابيّين، واللمعيّين، وغيرهم، أن يقطعوا الطريق على العساكر المصريّة لئلاّ يدخلوا البلاد، فوجّهوا الأمير حمود إلى جهة صيدا، والأمير علي منصور إلى جهة البقاع، وأبا سمرا إلى جهة طرابلس، وغيرهم من الشيوخ في جهات أُخرى.

وقَدِم علي بك عسكره إلى طرابلس، وكان الأمراء الشهابيّون واللمعيّون يشدّدون العامّة سرّاً، ويحثّونهم على الثبات، وكذلك كان يفعل قناصل الدولة المتّفقة مع الباب العالي ضد المصريين.

توجّه أبو سمرا إلى جهة طرابلس بمئة رجل، أبقاهم محافظين في انطلياس ونهر الكلب وجونية، وتبعه وهو ذاهب إلى طرابلس بعض شيوخ الحبيشيّة والدحادحة والخوازنة والحمادية.

ولمّا بلغ والي طرابلس قدومه أرسل إليه نحو أربعة آلاف عسكري بمدافع، فالتقاهم، ونشبت الحرب بينهم فتقهقر أبو سمرا إلى ايعال، وقتل من جماعته سبعة أشخاص ومن


العسكر المصري نحو عشرين رجلاً، وعاد العسكر إلى طرابلس، ثمّ جمع أبو سمرا رجالاً إلى ايعال وفي اليوم الثالث قصد عسكر طرابلس إلى ايعال، فالتقاهم بمن معه، وشنّ الغارة عليهم فانكسروا إلى طرابلس فأعمل اللبنانيّون في أقفيتهم السلاح وأخذوا منهم مدفعاً، فقتل منهم نحو خمسين رجلاً ومن اللبنانيين نحو عشرين، ثمّ انفضّ اللبنانيّون عن أبي سمرا.

وسار بعشرين رجلاً من المتاولة إلى الضنية، ولمّا وصل أبو سمرا إلى الضنية، استقبله المشايخ بنو الرعد، وحالاً جمعوا رجالهم وقاموا على متسلّم الدولة المصريّة وقتلوه، واستلموا مقاطعتهم.

فبلغ والي طرابلس ذلك فأرسل عسكراً لمحاربتهم. فالتقوه إلى قرية نجعة وحاربوه هناك، فانكسر العسكر المصري، وتقهقر إلى قرية مرياطا، وقتل منهم جماعة.

وفي اليوم التالي رجع إليهم العسكر وحاربهم فتبدّدوا، وقٌتل منهم ثلاثون رجلاً وأُسر عشرة، ثمّ توجّه أبو سمرا بالمتاولة إلى وادي موسى، فاجتمع إليه هناك ١٥٠ رجلاً، فقصد متسلّم عكار فقتله وسلبه، وأخذ منه أربعة من خيله، وحاصر جماعته في قرية الريحانيّة على شاطئ البارد، ثمّ انهزموا فنهبها أبو سمرا، وانطلق إلى جرد عار وانصرفت جماعته عنه، ثمّ توجّه إلى مزيارا فاختبأ فيها.

ما جاء في أخبار الأعيان في جبل لبنان للشدياق من أخبار طرابلس:

جاء فيه في الصفحة الثامنة في ذكر المدن الفينيقيّة الثمان الأُولى:

طرابلوس: وهي لفظة يونانية مركّبة معناها مدن ثلاث: وهي مدينة في الشمال يمرّ في وسطها نهر أبي علي، فيها قلعة حصينة بناها ريموند الفرنسوي سنة ١١٠٢، وسنة ١١٠٩ استولى عليها الإفرنج بعد محاصرتها خمس سنين، وسنة ١٢٨٧ حاصرها الملك المنصور قلاوون ستّة وعشرين يوماً، ففتحها بالسيف فهرب منها الإفرنج إلى جزيرة بين المدينة والمينا ؛ فهجمت عليهم الفرسان سابحين على خيولهم في البحر، وقتلوا كبارهم وسبوا الصغار والنساء.

ثمّ أمر الملك بهدم المدينة فدكّوها إلى الأرض. ولها ميناء بعيدة عنها نحو ميل، وسكّانها إسلام ونصارى، وهم من الظرف والكرم والشجاعة على جانبٍ عظيمٍ، وخارجها بساتين وحدائق كثيرة.

وجبل لبنان معاملتان: الأُولى معاملة طرابلس وأوّلها شرقيّ


طرابلوس، وآخرها جسر المعاملتين بين جونية وجبيل، وفي هذه المعاملة ثماني مقاطعات:

الأُولى: الزاوية. الثانية: الكورة. الثالثة: القويطع. الرابعة: جبة بشرة أي جبة القاعدة. الخامسة: بلاد البترون. السادسة: عبرين أي المجاز. السابعة: بشعلة ودوما وسورات أي صورة. الثامنة: الفتوح، ومنتهى حدود هذه المعاملة جسر المعاملتين، وعندها ينتهي الخطّ الحديدي الممتدّ من بيروت.

نسبة الأمراء بني سيفا:

المقدّم جمال الدين الملقّب بسيفا ولد عبد الله، وعبد الله ولد أولاداً فولد أحد أولادهم محمداً، ومحمد ولد ولدين يوسف وحسيناً. فيوسف ولد سبعة أولاد وهم حسين وحسن وعمر وقاسم ومحمود وبلك وعساف.

فحسين ولد سليمان وسليمان ولد عليّاً.

هؤلاء الأمراء ينتسبون إلى المقدّم جمال الدين المذكور ابن أحد مماليك الجراكسة، وعمّالهم في طرابلس وعكار وحصن الأكراد وما والاها. ثم توفّي فتولّى بعده ولده المقدّم عبد الله، ثمّ تولّى بعده من ذرّيّته محمد باشا، ثمّ توفّي وله ولدان الأمير يوسف والأمير حسين، وتولّى ولده يوسف باشا.

وفي سنة ١٦٣٧: استخدم شاهين باشا الأمير إسماعيل (من أُمراء راس نحاش الأكراد) والشيخ علي حمادة، وأرسلهما بعسكرٍ لقتال آل سيفا وتابعهم، فقبضوا على قاسم باشا سيفا والأولاد والنساء، وبحثا عن أموالهم فتبدّدت آل سيفا.

وسنة ١٦٢٢، لمّا كان الأمير فخر الدين محاصراً يوسف باشا في طرابلس، حضر الأمير موسى إلى منزل الأمير فخر الدين متجسّساً، وأظهر أنّه آتٍ لتوسّط الصلح، ولمّا رجع أخبر حسين باشا أنّ الأمير جلس في الإيوان، فأطلق الباشا المدافع على ذلك الإيوان إلى القلعة فانهدم جانب من الترس ولم يكن حينئذٍ هناك أحد ؛ فانتقل الأمير تلك الدار، وأمر بهدمها.

وفي سنة ١٦٤١: غضب وزير طرابلس على الحماية ففرّوا من وادي علمات وبلاد جبيل.

سنة ١٦٥٩: تولّى قبلان باشا على طرابلس، فلمّا بلغ الحمادية أنّه مأمور بقصاصهم، فرّوا إلى كسروان بعيالهم ؛ فهدم الباشا دورهم وقرى وادي علمات.


وسنة ١٦٧٣: وَلّى حسن باشا الحمادية مقاطعاتهم، ورفع عنهم أكلاف المال، فطمعوا وتصرّفوا بالمال نفسه، وقتلوا أُناساً عند نهر رشعين، ونهبوا تلك المقاطعات.

وسنة ١٦٧٤: وَلّى حسن باشا الشيخ سرحال بلاد جبيل والبترون.

ولمّا حضر الشيخ أحمد قانصوه ليلويه جبة بشرة قبض عليه ؛ لأنّه أخرب البلاد، وقبض على الشيخ محمد بن حسن ذيب ؛ لأنّه تصرّف بمال الضنية.

وسنة ١٦٧٥م: جهّز حسن باشا عسكراً لطرد بني حمادة لتصرّفهم بالمال الأميري، فأرسل مدبّره فطردهم إلى عين النقير التي فوق أفقا، حتّى فصل بينهم الظلام، ثمّ أحضر الشيخ أحمد بن محمد قانصوه وابن حسن ذيب، وأمر أولاد عمّهما أن يقتلوهما فقتلوهما.

ولمّا ذاع الخبر، وثب جماعتهما على بلاد جبيل، فنهبوا وقتلوا وأحرقوا حصرايل، ونهبوا قرى البترون، ومواشي حصرون.

وسنة ١٦٧٦م: لمّا رجع حسن باشا من حرب تركمان البكدلة، وبلغه مطاولة الحمادية، أحرق لهم قرى وادي علمات وقرى جبة المنيطرة، ولمّا رجع إلى طرابلس أحرقوا قصوبا وتولا وعبدلَّى وبسبينا وسفار وشبطين.

وسنة ١٦٧٧م: ولّى مصطفى باشا الشيخ سرحال بلاد جبيل، وولده الشيخ حسيناً بلاد البترون، والشيخ حسين أحمد جبة بشرة. وأمرهم أن يعطوا الأمان ويردّوا النزاح.

وسنة ١٦٨٤م: قتل الحمادية أبا نادر شيخ مزرعة عكار وابن أخت محمد باشا في حلبا، ولمّا عزل محمد باشا من طرابلس هجمت الحمادية على القلعة، وأخرجوا رهائنهم، ودهموا عشقوت ليلاً، وقتلوا من أهلها أحد عشر رجلاً. فتقدّمت الشكوى عليهم لوالي طرابلس، فحنق منهم، وولّى الأمير أحمد المعني على مقاطعاتهم جميعها. فتوجّه الأمير أحمد إلى غزير بخمسة آلاف مقاتل ودهمهم، ففرّوا إلى بلاد بعلبك ؛ فأحرق إِبلج ولاسا وأفقا والمغيرة وقطع أشجارهم ؛ فالتمس خواص الأمير الصفح عنهم فصفح، وقفل راجعاً إلى الشوف، من دون قبول خلعة من والي طرابلس على مقاطعاتهم.

وسنة ١٦٨٦م: لمّا توجّه علي باشا النكدلي لمحاربة عرب البكدلة، هاجت الحمادية وقتلوا باد اغر شيخ حردين، وابن رعد شيخ الضنية، وغيرهما، فقبض المدبّر على اثني عشر رجلاً من أتباعهم، ورفعهم على الخازوق.

وفيها: هرب الأمير شديد الحرفوش من وجه علي باشا مستغيثاً بالحمادية ؛ فجرّ ذلك الباشا على


العاقورة فأحرقها، وأحرق أربعين قرية من مقاطعاتهم، وقطع أشجارها، وهدم حارة الشيخ حسين في ايليج، وقبر الأمير عمر في طورزيا.

ولمّا كان العسكر نازلاً عند عين الباطية دهمته الحمادية ليلاً، وقتلوا منه خمسة وأربعين رجلاً، وغنموا أسلابهم، فانحدر الباشا إلى جبيل، ونكبها ثمّ قفل راجعاً إلى طرابلس.

ولمّا انتشر خبر رجوعه انحدر حزب الحمادية، فأحرقوا قلعة جبيل، ونهبوا ما وجدوه في المدينة.

وفي سنوات ١٦٩١ و ١٦٩٢ و ١٦٩٣ م: جرت أُمور ومنازعات ومحاربات بين الحمادية وولاة طرابلس لا يتعلّق بذكرها غرض مهم لبحثنا فتركناها.

وفي سنة ١٦٩٨م: أرسل أرسلان باشا عسكراً لقتال الحمادية لتمنّعهم عن أداء المال الأميري، فقبض العسكر على بعضهم بغتةً، وأحضرهم إلى طرابلس وسجنهم، وفرّ مَن بقي منهم إلى دير القمر يستغيثون بالأمير بشير حسين الشهابي الوالي، فأغاثهم، وأرسل إلى الباشا يلتمس منه إطلاق المأسورين منهم، وكفل له المال الباقي عليهم والمال الذي ترتّب عليهم لأجل ذنبهم، فبلغ مئتين وخمسين ألف قرش ؛ فأطلقهم الباشا وأبقاهم بحسب عوائدهم، وفوّض توليتهم للأمير بشير فولاّهم، وأرسل يستردّ المال منهم فأدّوه، فدفعه الأمير للباشا.

وفي السنوات ١٧٦١ و ١٧٦٢ و ١٧٧٠م: جرت أحداث جلّها يتعلّق بالحمادية مع مجاوريهم وولاة طرابلس، ليس لها كبير فائدة ؛ فأعرضنا عنها.

سنة ١٦٠ م:

في هذه السنة: ولّى يوسف باشا سيفا وزير طرابلس الشيخ يوسف وأخاه الشيخ قانصوه، ابني الشيخ أحمد حمادة، على بلاد جبيل، جزاءً لقتلهما مقدّمي جاج الأربعة.

سنة ١٥٨٤:

لمّا نُهبت خزنة السلطان مراد في جون عكار، أمر السلطان إبراهيم باشا والي مصر أن يجمع العساكر من مصر وقبرس ودمشق وحلب، ويحضر لمقاصّة آل سيفا وأمراء لبنان.

فحضر بالعساكر ونزل في مرج


عرجموش تحت زحلة، وأرسل يطلب الغرماء من الأمير قرقماس، ومسك طريق البحر والبقاع على الدروز، وقتل خلقاً كثيراً ؛ فخاف الأمير قرقماس وفرّ إلى مغارة تيرون، وتوفّي فيها.

وجرت منه أُمور قبيحة، وقتل ستّمئة رجل وأخذ جماعة من الشيوخ إلى إسلامبول، فأعيدوا بعد تبرئة أنفسهم ممّا عُزي إليهم.

وسنة ١٥٩٨م: كانت الواقعة في نهر الكلب، بين الأمير فخر الدين ويوسف باشا سيفا والي طرابلس، بسبب ولاية كسروان، فانكسر يوسف باشا، وقتل ابن أخيه الأمير علي وتشتّت عسكره. فتولى الأمير فخر الدين بيروت وكسروان سنةً واحدةً، ثمّ تركهما له برضاه، وسار إلى الشوف.

وفي سنة ١٦٠٥م: كانت الواقعة في جونية بين الأمير فخر الدين وبين يوسف باشا سيفا، فانهزم يوسف باشا.

وسنة ١٦٠٧م: جرت حروب شديدة بين علي باشا جانبلاط والي حلب، ويوسف باشا والي طرابلس، فاستنجد علي باشا بالأمير، فنجده، وجمع رجال بلاده والتقاه بها إلى أرض عراد في حماة.

ووقعت الحرب بين الفريقين فانكسر يوسف باشا والي طرابلس، وتولّى علي باشا حلب، ومرق من طاعة السلطان أحمد.

وأمّا الأمير فتبع أثر يوسف باشا برجاله، ولم يمكّنه من الدخول إلى طرابلس، فانهزم بحراً إلى بلاد حارثة، مستغيثاً بالأمير أحمد طربيه فأغاثه وأرسله إلى دمشق. فلمّا بلغ علي باشا ذلك وجّه له عسكراً، وكتب إلى الأمير يستنجده، وحاصروه في دمشق. ولمّا ضاق به الحال دفع لعلي باشا مئة ألف قرش ؛ فرضي عنه، وخصص الأمير بأخذ شيءٍ منها فأبى.

ثمّ خرج يوسف باشا بالأمان، وسار إلى حصن الأكراد، فلمّا بلغ السلطان عصيان علي باشا ؛ أرسل إليه مراد باشا الصدر الأعظم بالعساكر العثمانية، فخرج إليه علي باشا من حلب بثمانين ألف مقاتل وحاربه ؛ فانكسر ؛ وولّى الأدبار منهزماً إلى حلب، فحصن القلعة، وأدخل إليها عياله ورجاله وماله، وولّى على المدينة والياً.

وانطلق يطلب النجدة من شاه العجم، ولمّا خرج من المدينة وصل مراد باشا بالعساكر، ومعه أحمد باشا الحافظ، ويوسف باشا سيفا سردار العساكر، فشدّد الحصار على حلب ففتحها، ثمّ فتح القلعة بالأمان، ولم ينج منهم إلاّ القليل، وباع عيال علي باشا بيد الدلاّل فبيعت والدته بثلاثين قرشاً، وطرد السكمان من المدينة، وحنق على الأمير لمساعدته علي باشا قبلاً.


سنة ١٦١٣:

أرجع أحمد باشا الحافظ ولاية بيوت وكسروان إلى يوسف باشا سيفا.

في هذه السنة: كان رجال يوسف باشا سيفا مع الأمير علي ابن الأمير فخر الدين في حصاره دمشق، وفيها ظهرت النفرة بين الأمير وأحمد باشا الحافظ. فقدّم أصحاب الحافظ في دمشق الشكوى بأمره إلى الدولة: أنّ الأمير فخر الدين تغلّب على بلاد حوران وعجلون وغيرهما وحاصر دمشق. فقبل السلطان سليم الشكوى وأمر بالقبض على مدبّر الأمير، وسلب كلّ ما له وأنفذ أربعة عشر باشا من ذوي الطوخي، وخمسين سنجقاً، وأصحبهم بخمسين ألف مقاتل لإبادة آل معن، وجعل الحافظ مقدّماً عليهم.

ولمّا وصلوا إلى بانياس، توجّه الأمير أحمد الشهابي إلى دمشق، وكتب إلى الأمير يونس الحرفوش أن يحضر إلى دمشق، ويدخل في طاعة المحافظ، وبيَّن له وفرة العساكر وشدّة الاهتمام بزوال آل معن. ثمّ نهضت العساكر من بانياس إلى دمشق، فنهض بهم الحافظ إلى المفقر. فقدم إليه الأمير يونس الحرفوش برجاله، وأمّا الأمير علي الشهابي فقدّم الطاعة للحافظ لكنّه، أقام معتزلاً عن الحافظ وآل معن. فلما بلغ الأمير ذلك وجّه ولده الأمير عليّاً وأصحابه بالسكمان، والشيخ حمدان والشيخ عمرو لمحافظة خان المجامع، وحصن بانياس، وقلعة شقيف أرنون، وجرت تدابير حربيّة دفاعيّة من الأمير.

وكان في هذه الأثناء إرجاع الحافظ ولاية بيروت وكسروان إلى يوسف باشا سيفا، كما سبق بيان ذلك.

وجرت وقائع بين عسكر الأمير وعسكر الحافظ، ومنها: وقعة حيال قلعة شقيف أرنون التي حاصرها الحافظ، وكان في عسكره رجال الأمير أحمد سيفا، واشتدّ على القلعة الحصار والحرب مدّة شهرين نهاراً وليلاً، إلى أن وصلوا إلى خندقها وقد ثبت أهلها في الجلاد، ولمّا طالت عليهم المدّة أرسلوا يستنجدون الأمير يونس وبالسكمان الذين عنده.

فلمّا وصل الرسول إليه أمر السكمان أن يتوجّهوا فأبوا خوفاً من كثرة رجال الحافظ المحدقين بالقلعة، ثمّ أخذت النخوة جلب حسين والي غزير ؛ فانتخب له الأمير يونس مئةً وخمسين رجلاً يسيرون معه نجدةً لأهل القلعة.

ولمّا تحقّقوا أنّ دخولهم إليها أمرٌ لازم كما أمرهم الأمير ؛ انفضّ أكثرهم فلم يبق منهم إلاّ أحد


وخمسون رجلاً سار بهم جلب حسين ؛ فكتب بعض السكمان الذي في دير القمر إلى الحافظ يخبرونه بذلك، فلمّا بلغه الكتاب، أرسل حسين باشا سيفا والأمير يونس الحرفوش بجماعتهما يمسكون الطريق عليهم، ولمّا وصلوا إلى العقبة فوق جسر الخردلة، التقوا بهم ليلاً، وانتشبت الحرب بينهم فقبض عسكر الحافظ على رجلين، وهرب اثنا عشر رجلاً، فبقي مع جلب حسين سبعة وثلاثون رجلاً فظلّوا سائرين ليلاً إلى أن بلغوا أتراس عسكر الحافظ ؛ فاستلّوا سيوفهم وهجموا عليهم، فانهزم أصحاب الأتراس فحل الرعب في قلوب المجاورين، فأخذ منهم اللبنانيّون بيرقين، ثمّ هجموا على أتراس رجال الأمير أحمد سيفا فانهزموا، وجُرح الأمير أحمد وأخذوا منهم بيرقين.

وقُتل من اللبنانيّين رجل وأسّر رجلان، وقتل من عسكر الحافظ جماعة، ثمّ نزلوا إلى الخندق واستداروا إلى جانب المزحلق، ففتح لهم أهل القلعة باب السر فدخلوا، وكانوا أربعة وثلاثين رجلاً، وعند الصباح نشروا الأربعة البيارق على شرفات القلعة، فحنق الحافظ، فأمر حسن باشا سيفا أن يتوجّه إلى بلاده، ويجمع رجاله كلّها ويحضر بهم إلى الدامور، وأمر الشيخ مظفّر اليمني أن يجمع رجال الغرب والجرد والمتن ويحضر بهم إلى تجاه رأس الشوف، وأرسل إلى نهر صيدا بعض مقدّم العساكر وسناجق من عسكر الروم، والأمير أحمد الشهابي، والأمير أحمد طرباي، ووالي صفد. فلمّا بلغوا ذلك النهر توجّه فريق منهم ليحرقوا غريفة، فالتقاهم رجال القرى القريبة إليها فصدّوهم، فانكسروا، وقُتل منهم جماعة.

أمّا الأمير منذر التنوخي فاختبأ، ولمّا اشتدّ الحال على الأمير يونس، وأحدقت به العساكر من كلّ جانب، جمع عقلاء أصحابه وأكابر بلاده وخاطبهم بذلك، فأشاروا عليه بالتوسّل إلى الحافظ، وأنّه يدخل تحت طاعته على أيّ وجهٍ كان، وأنّه يرسل والدته تتشفّع به، فأرسلها ومعها ثلاثون رجلاً من وجوه عقلاء الديار، وخمسة وعشرون ألف قرش، وأربعة من الخيل الجياد. ولمّا بلغه مراسلة السكمان الحافظ قام إلى بعقلين ثمّ إلى نيحا وأقام فيها بمَن بقي معه.

وأمّا السكمان، فقد فرّوا من دير القمر ليلاً إلى قلعة الشقيف، وسلّموا للحافظ، فلمّا بلغ حسين باشا ذلك ؛ نهض برجاله من الدامور إلى دير القمر، وأحرق بعض بيوت منها قاصداً إحراق السرايا.

وأمّا والدة الأمير يونس، فقد انتهت شفاعتها بولدها للحافظ بالنجاح على قواعد، ولمّا لم تتحقّق كما يريد الحافظ عادت


الأُمور سيرتها الأُولى، وانتهت إلى وقائع واضطرابات في البلاد، وإلى سفر الأمير فخر الدين إلى إيطاليا.

وسنة ١٦١٤م: عُزل أحمد باشا الحافظ عن دمشق، وتولّى مكانه ركس باشا، وأرسل نادي بالأمان، ولمّا قَدِم حلب أمر بإطلاق والدة الأمير يونس ومَن معها، وسلّمها كتاب الأمان لولدها الأمير فخر الدين بأن يرجع إلى بلاده آمناً، فأرسله الأمير يونس إلى أخيه.

وفيها: أرسل الأمير يونس الشيخ أبا نادر الخازن بجماعةٍ إلى كسروان خفيةً ؛ ليقتل علي بن سكيكر القاطع في فقيع أي القليعات ؛ لأنّ يوسف باشا كان سلّمه مداخيل الخوازنة حين غضب عليهم لمّا نزحوا من بلادهم. فصادفه الشيخ عند عجلتون فقتله.

فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ أحرق دور الخوازنة في عجلتون، وقطع أشجارهم فيها وفي كفر ذبيان وغيرهما ؛ فانهزمت عيالهم وأتباعهم إلى بيروت، وتعيّنوا عند واليها.

وسنة ١٦١٦ م ص ٢٧١ فيها: كتب السلطان فرماناً ليوسف باشا سيفا أن يرفع يده عن بلاد كسروان وبيروت، وعن مساعدة الشيخ مظفّر، وابن الأمير محمد جمال الدين، وبني الصواف المقدّمين، وكتب الصدر الأعظم لحسين باشا الجلالي والي طرابلس، ولجركس باشا والي دمشق، وأرسل لهما ذلك الفرمان داخل كتابه صحبة رجل يُسمّى مصطفى جاويش ؛ فكتب الوزيران إلى يوسف باشا كتاباً، وأرسلا له ذلك الفرمان، وصورة كتابة الصدر إليهما ضمّنه صحبة ذلك الرجل السفير، فسلّمه الكتاب وأتى إلى بيروت، فأبى يوسف باشا قبول الأمير، وأرسل يقوّي الشيخ مظفّراً، وعزم على قتل السفير في بيروت.

ولمّا بلغ الأمير عليّاً ذلك ؛ كتب إلى عمّه الأمير يونس أن يجمع رجال الشوف قاطبةً، ويلاقيه بهم إلى جسر الأولي، وكتب إلى الأمير علي الشهابي بمثل ذلك ؛ فحضرا إليه برجالهما فبلغ عسكره ثلاثة آلاف مقاتل، فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ استدعى الأمير شلهوب الحرفوش، والأمير أرسلان، والأمير موسى الكردي من راس نحاش، وحسن آغا ومعه عشرون بلكباشيّاً من السكمان، وأكثر رجال بلاده، لحفظ بيروت، ولمساعدة الشيخ مظفّر.

فحضروا ثمّ نهض الأمير علي بمَن معه إلى الدامور، وأرسل شرذمةً إلى الناعمة لطرد يوسف باشا من الحارة، فحاصروهم إلى المساء، وأحرقوا القرية ثمّ رجعوا ؛ فأرسل أولئك الرجال


يخبرن الشيخ مظفّر بما كان ؛ فنهض الشيخ من فوره برجاله إلى الناعمة، وكانوا نحو ألفي مقاتل، وعمل أتراساً عند العين، وصفّ عسكره من العين إلى الحارة.

وعندما بلغ الأمر عليّاً ذلك ؛ نهض من الغد بالعسكر إلى الناعمة، وقسّم العسكر ثلاثة أقسام فتوجّه بالسكمان المشاة في القلب، وتوجّه عمّه الأمير يونس برجال الشوف في الميمنة بجانب الجبل، وتوجّه الأمير علي الشهابي برجاله وفرسان السكمان ورجال بلاد بشارة والشقيف وصيدا في الميسرة ناحية البحر. وهجم جمعهم معاً، وتقابل الجيشان واصطدم الفريقان، وهجمت الأمراء بالفرسان متسابقين على الميمنة، فلمّا أبصروهم منقضّين عليهم كالبزاة ولّوا الأدبار ؛ فقبض العسكر على السكمان الذين في المتاريس، وتبعوا أعقاب المنهزمين إلى أرض قرتية قرب الشويفات، وأخذوا منهم ثلاثة عشر برقاً وقتلوا نحو مئتي رجل، وقُتل من عسكر الأمراء نحو ثلاثين رجلاً.

ثمّ رجع الأمير بالعسكر إلى الدامور، أمّا الشيخ مظفّر فظلّ سائراً إلى الضنية، وتوطّن في قرية شدرا.

ولمّا بلغ الأمير حسن بن يوسف باشا ذلك ؛ فرّ من غزر بعيال أخيه حسين باشا إلى بلاد عكار.

ولمّا بلغ حسين باشا الجلالي والي طرابلس انهزام الأمير حسن سيفا إلى عكار ؛ أرسل رجالاً يمسكون عليه الطريق، فلمّا أقبل عليهم انهزم بفرسانه، فقبضت الرجال على مَن معه، ونهبوا ما وجدوه للأمير، ورجعوا بهم إلى طرابلس، فأخذ الوزر أمتعتهم. فلمّا بلغ والده يوسف باشا ذلك ؛ أرسل ولده الأمير عمر يطلب من والي طرابلس العفو عن المعتقلين، وقدّم له مالاً أرضاه به فأمر بإطلاقهم.

وفيها: كتب الأمير سليمان سيفا إلى الأمير علي يخبره: بأنّ يوسف باشا محاصر إيّاه في برج تولا، ويستغيث به ؛ فجمع الأمير رجال صيدا وأمرهم بالمسير إلى تولا صحبة مدبّره، وأمر الأمير ناصر الدين التنوخي أن يتوجّه برجال الجرد والغرب والمقدّمين اللمعيين أن يتوجّهوا برجال المتن، وطويل حسين أن يتوجّه برجال كسروان، وكتب إلى حسن اليازجي أن يجمع رجال بلاد صفد وبلاد بشارة والشقيف، ويحضر بهم إلى صيدا منتظراً الطلب. ثمّ نهض الأمير بالعسكر إلى نهر إبراهيم، فبلغه أنّ الأمير سليمان سلّم لعمّه يوسف باشا عنوة وأخذه إلى عكار، فأمر بنهب قرى الحمادية والشاعرية وحرقها ؛ وذلك لأنهم كانوا قد غشوا الأمير سليمان بطرد


الخوازنة من عنده، وأعلموا يوسف باشا بذلك، ثمّ رجع الأمير بالعسكر إلى البلاد وصرفه.

وفيها: لمّا رجع الأمير فخر الدين من مسينا (إيطاليا) بعد غياب خمس سنين وقُدّمت إليه الهدايا، وكان ممّن أرسل إليه بهدية ومعها جوادان، حسن بك بن يوسف باشا، فقبل الأمير الهدايا كلّها والخيل وخلع على مُقدّمها، إلاّ هدايا ابن سيفا أرجعها قائلاً: نتاج عوضها أخشاباً نعمّر بها دارنا التي أحرقها حسين باشا في دير القمر، ولو أرسل إلينا الاثنين وعشرين ألف قرش، التي اقترضتها جماعته من جماعتنا في إسلامبول، لكان أوفق له، وكان يجب عليه أن يردّ المواشي التي أودعناها نحن وجماعتنا عنده في أيّام الحافظ، ويعوّض على مَن صادره من جماعتنا، وكفى ما فعله في أيّام الحافظ، فهذان الجوادان اللذان أرسلهما لا ينسياننا ما ذكرناه.

والتمس من الأمير علي الشهابي أن يكتب إلى يوسف باشا، طالباً منه ما اقترضته جماعته في إسلامبول فكتب.

فأجابه يوسف باشا: إن هذا القرض ينظر ما ضبطه الأمير من غلّة أملاكنا في بيروت وكسروان وانطلياس. ولماذا لا ينظر الأمير إلاّ ما فعلناه، ويغضّ نظره عن الأمير يُونس الحرفوش الذي قتل سكمان آل معن، وسبّب هدم القلاع وراسل مشايخ المتاولة حين كان ولده الأمير أحمد في مشغره.

سنة ١٦١٨:

في هذه السنة: كتب الأمير إلى عمر باشا الكتنجي والي طرابلس يشكو أعمال يوسف باشا، فأجابه إذا شئت أن تحاربه فأنا أكون مساعداً لك، وأضمن لك غضب الدولة، فسرّ الأمير بذلك الجواب، وكتب إلى الأمير علي الشهابي يستنهضه لإنجاده.

وقام من صيدا إلى بيروت، وكتب إلى مدبّره الشيخ أبي نادر الخازن: أن يُرسل رجالاً يمسكون جسر نهر إبراهيم على الذاهبين إلى الجهة الشماليّة، لئلاّ يدري به يوسف باشا، واستدعى إليه رجال الشوف والغرب والجرد والمتن وكسروان، وكتب إلى ولده الأمير علي: أن يجمع رجال بلاد صفد وبلاد بشارة والشقيف وصيدا، ويذهب بهم إلى غزير، وكتب إلى الأمير يونس الحرفوش أن يضبط ما لآل سيفا من المواشي والغلال في القرانية


والهرمل. ثمّ نهض من بيروت بمَن اجتمع عنده إلى نهر إبراهيم، ثمّ إلى جبيل، فخاطب المحافظين الذين وضعهم يوسف باشا في القلعة أن يسلّموا فأبوا، ثمّ خاطب المحافظين الذين في قلعة سمر جبيل فأبوا، فتركهم لاشتغاله بما هو أهمّ.

ونهض إلى أميون، ومنها إلى قلعة بخعون في الضنية، وحينئذٍ توجّه بعضٌ من عسكره من أهل دير القمر للكسب، فصادفوا الأمير محمد بن حسن بن يوسف باشا، فلمّا أبصرتهم جماعته فرّوا عنه هاربين، فقبض عليه أهل دير القمر وأحضروه إلى الأمير، وعمره خمس سنين. فأرسل الأمير يخبر والدته بسلامة ابنها لتطمئنّ، ونقلها من سير إلى عكار، وفي غضون ذلك قدم إلى غزير الأمير علي بعسكره، ومعه الأمير علي الشهاب بعسكره.

أمّا الأمير علي فنهض بعسكره من قلعة بخعون إلى قرية تولا. ولمّا بلغ يوسف باشا قدومه فرّ منهزماً، فأرسل حريمه ومثمّناته الخفيفة قدّامه في طريق، ونهض برجاله إلى قلعة الحصن في طريقٍ آخر، ثمّ أخذ الأمير علي ثلاثمئة فارس من عسكره، وجدّ مسرعاً إلى عكار.

وفي أوّل الليل ظهرت عشرة مشاعل خارجة من عكار على طريق الحصن، فجدّ السير في أثرهم وإذا النساء والأحمال سائرة قدّامه، فاستحلف فرسانه ألاَّ يمدّوا أيديهم إلى النساء بل يشتغلوا بالكسب، فلمّا سمع يوسف باشا الضوضاء ؛ أطفأ المشاعل، وأسرع بعسكره إلى قلعة الحصن، ولم يدافع عن حريمه وماله.

أمّا الأمير علي فترجّل لصعوبة المسالك، واستولى عسكره على الأحمال، ثمّ توجّه إلى قرية شدرا قاصداً اعتقال الشيخ مظفّر اليمني المقيم هناك بعد فراره من واقعة الناعمة، ولمّا علم بقدوم الأمير فرّ هارباً إلى قلعة الحصن، فرجع الأمير إلى عكار ليجمع عسكره، فرآه قد دخلها وغنم ما فيها. وعند الصباح شنّ الغارة إلى الحصن فتبعه ألف فارس من عسكره، ولمّا أقبل على قلعة الحصن وجد جميع أمراء آل سيفا متهيّئين برجالهم للقتال، وعنده بنو الصواف مقدّمو المتن برجالهم. فندم الأمير على إقدامه غير مصحوب بكلّ عسكره. ثمّ عوّل على الحرب محرِّضاً قومه على القتال، وانقضّ هو وفرسانه على القوم. فانهزم يوسف باشا بقومه متسابقين إلى تلك القلعة للتحصين فيها فدخلوها.

وفرّ الأمير محمد وأخوه الأمير سليمان سيفا إلى بلاد جبيل، وقُتل من عسكر آل سيفا خلق كثير. ثمّ


قَدِم باقي عسكر الأمير من عكار، وأحاطوا القلعة من كلّ جانب، فكتب يوسف باشا إلى وزير دمشق ووزير حلب يستغيث بهما، وكتب الأمير إلى ولده الأمير علي أن يبقى في غزير، ويرسل إليه عسكره صحبة الأمير علي الشهابي، ثمّ أمر الشيخ أبا نادر الخازن أن يذهب ليلاً بعشرة أنفار لهدم الجسر الذي عند باب القلعة، فربطوه وجذبوه بالحبال فلم يمكنهم هدمه، وفي غضون ذلك قَدِم عمر باشا والي طرابلس إلى الأمير، ولمّا ضاق بيوسف باشا الحال أرسل ابنة الأمير إليه تستغيث به لأجله. وبينما كان الأمير في خيمته، وإذا ابنة داخلة إليه ومعها نساء، فالتمست منه العفو عن آل سيفا ؛ فطيّب قلبها ووعدها بإجابة سؤالها، بشرط أنّ يوسف باشا يدفع له مئتي ألف قرش، ويسلّمه صكّاً برفع الضبط عن أرزاق آل عساف من انطلياس إلى بيروت.

وحينئذٍ قدم الأمير علي الشهابي بالعسكر، فرجع الأمير ببعض العسكر إلى عكار، ونقل حجارة السرايا إلى شاطئ البحر ومنه إلى بيروت بحراً، ومنها إلى دير القمر.

ولمّا تضايق يوسف باشا ولم ينجده الوزيران ؛ أرسل يطلب من الأمير الصلح، فطلب منه الأمير ثلاثمئة ألف قرش، منها خمسة وعشرون ألف قرش وفاء صكّ دينٍ عليه للأمير، ومنها مئة وخمسة وعشرون ألف قرش عوض ما ضبطه من مواشي الأمير، التي أودعها عنده حين سافر إلى البلاد الإفرنجيّة، ومن محصول بيروت وغزير والبلاد مدّة ثمانية أشهر، والنصف الثاني لوالي طرابلس عوض ما ضبطه عليه من أموال مقاطعات طرابلس. فارتضى بذلك وأرسل ولده الأمير بلك، وفي أثناء ذلك توجّه الأمير بمئة فارس إلى عكار، فأرسل الأمير محمد سيفا ووالدته بنت جانبلاط إلى حارة الناعمة، وأحرق بيوت عكار جميعها مع السرايا، وهدم دار يوسف باشا ودور أصحابه نظير إحراق حسين باشا سيفا حارات آل معن في دير القمر في زمن الحافظ، ورجع إلى الحصن وتسلّم قلعة جبيل، وقلعة سمر جبيل بالأمان، فأطلق مقدّميهم وفرّق رجالهم في عسكره، وكتب إلى ولده الأمير علي أن يهدم قلعة جبيل فهدمها، ووضع رجالاً في قلعة سمر جبيل، ولمّا تعذّر الفرار على يوسف باشا لكِبَر سنّه، أرسل يعرض على الأمير قبض المال الذي تعهّد به.

وفي غضون ذلك قَدِم وزير دمشق بعسكره إلى القُصَيْر، ونهض وزير


حلب بعسكره إلى حماة، وأرسلا إلى والي طرابلس والأمير أن يرفعا الحصار عن يوسف باشا، فلم يُجيباهما إلى ذلك، بل شدّدا الحصار. فلمّا رأى الوزيران تصلّب والي طرابلس والأمير وقوّتهما، وأنّهما لا يقدران على مقاومتهما توسّطا الصلح وحكما على يوسف باشا بدفع مئة ألف قرش أُخرى لوالي طرابلس والأمير، وكتبها إليه أن يدفعها ليَد وكيلهما، فلمّا تحقّق يوسف باشا ضعف الوزيرين ؛ أحضر المال وسلّمه لولده الأمير حسين لدفعه للأمير، فلمّا دفعه تبارأوا.

ثمّ قال الأمير لعمر باشا فلنرسل هذا المبلغ مع المحصّل المقيم عندك ممّا علينا للدولة فارتضى، فدفعاه وكتبا معه كتباً وصرفاه إلى الدولة. فكتبت الدولة إلى الأمير جواباً تمدحه به.

ثمّ أرجع الأمير كلّ ما ضبطه ليوسف باشا وللشيخ مظفّر. ورجع بعسكره إلى البقيعة ومنها إلى طرابلس وكانت مدّة الحصار ثلاثين يوماً. فولاّه عمر باشا بلاد البترون وبلاد جبيل فدفع له المال سلفاً وأبقى عنده السكمان محافظين. وبعد أن ولّى على المقاطعتين بعض رجاله عاد إلى بيروت.

وأما يوسف باشا، فقد أرسل ولده الأمير حسناً إلى دمشق، يلتمس من واليها ووالي حلب أن يلتمسا له من الدولة ولاية طرابلس، وأرسل لوالي حلب عشرة آلاف قرش ولمدبّره ألفين، فالتمسا له ذلك، فأرسلت له الدولة ما طلب، وتوجّه إلى طرابلس، وفي أثناء ذلك سار الأمير إلى بلاد جبيل للصيد، فخاف أهل طرابلس وتحصّن بعضهم في القلعة والأبراج، ولمّا عاد إلى بيروت اطمأنّوا.

وفيها: قدم قبوجي باشي يطلب المال من يوسف باشا، فالتمس منه أن يكون وسيطاً بينه وبين الأمير، فيرد له حفيده الأمير محمد بن حسين باشا ووالدته بنت علي باشا جانبلاط ؛ فأرسل القبوجي الأمير موسى الكردي إلى بيروت، فسلّمه حفيد يوسف باشا ووالدته بنت علي باشا جانلاط ومَن كان معهما، فرجع بهم إلى طرابلس، ثمّ عاد إلى الأمير ومعه كتاب له أن يتسلّم بلاد جبيل والبترون مدّة أربع سنين.

سنة ١٦١٩ م:

وقعت في هذه السنة المراسلة بين الأمير وبين يوسف باشا، فأرسل ابن أخيه الأمير محمداً إلى صيدا، يلتمس من الأمير رجوع بلاد البترون


وجبيل له، وأنّه يضع ولده في غزير لجمع المال. فلمّا خاطبه الأمير محمد بذلك غضب جدّاً، وتهدّد الأمير محمداً ووبّخه على شكوى عمّه للدولة، ووعده بالزيادة للدولة على إيالة طرابلس مئة ضعف، ثمّ صرفه ووجّه مدبّره حالاً إلى إسلامبول بطلبها، وأرسل مع ولده الأمير علي مركبين موسوقي صابوناً ليبيعه المدبّر هناك، ويدفع ثمنه سلفاً على مطلوب ولاية طرابلس مضعفاً. فلمّا وصل المدبر عرض لعلي باشا الصدر الأعظم الجديد فأجابه ؛ فباع المدبّر الصابون، ودفع ثمنه لعلي باشا عن مال تلك السنة، واقترض المدبّر عشرة آلاف قرش وقدّمها لعلي باشا خدمةً، واقترض اثنين وأربعين ألف قرش وسلّمها لحسين باشا الجلال، فدفعها حسين باشا للصدر سلفاً عن إيالة طرابلس، فأنعم الصدر على المدبّر بولاية جبلة واللاذقيّة، وأخرج أوامر سلطانيّة بهدم قلاع يوسف باشا، وضبط أرزاقه وأرزاق أصحابه.

ورجع المدبّر إلى البلاد، ثمّ زاد يوسف باشا على إيالة طرابلس، فأرجعتها الدولة له.

وأمّا المدبّر فقدم إلى عكار، وطلب من يوسف باشا الصكّ الذي على الأمير، فوعده بإحضاره من إسلامبول، وأرسل الأمير موسى الكردي مع المدبّر بهذا الجواب للأمير، فلمّا عرض له الجواب ظنّه محاولة فقبض على الأمير موسى وسجنه في قلعة بيروت رهناً على قبض المال. فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ أرسل خمسة عشر ألف قرش وحلياً رهناً على عشرة آلاف قرش، وطلب المهلة بالباقي، فكتب إليه الأمير صكّاً بما قبضه وأطلق الأمير موسى.

وفيها: أرسل يوسف باشا عسكراً مع ولده الأمير حسن لقتال ابن أخيه الأمير سليمان في بلاد صافيتا، أوّلاً لمحبّته الأمير، ثانياً لعدم أدائه المال المرتّب عليه. فلمّا وصل الأمير حسن إلى تل عبّاس ؛ فرّ الأمير سليمان وحده هارباً إلى بلاد جبلة نزلاً على مقدّم الكلبيّين من معاملة القدموس، وأرسل يستغيث بالأمير، فجمع الأمير رجال بلاده وتوجّه بهم إلى البترون.

فلمّا بلغ يوسف باشا قدومه، أمر ولده الأمير حسناً أن يجمع الرجال الذين معه في تل عبّاس ويستكن، وأرسل الأمير موسى الكردي إلى الأمير يعتذر له عن قتال ابن أخيه، أنّه إنّما كان توهيماً عليه لكي يؤدّي ما عليه من المال.

وأرسل مع الأمير موسى خلعة للأمير سليمان على مقاطعة صافيتا، فأرسلها إلى الأمير سليمان فتقبلها، ورجع إلى صافيتا. ولمّا سار


الأمير من البترون بفرسانه إلى حدث بعلبك، ومنها إلى المجر في بلاد بعلبك، ثمّ إلى الهرمل، ومنها إلى معان ومنها إلى قرية شدرا في عكار، قَدِم إليه الأمير سليمان من صافيتا بالهدايا، وأخبره بما كان من عمّه، فاغتاط الأمير وأمر بحصار سكمان يوسف باشا في داره في عكار التي عمّرها بعد ما هدمها الأمير يوم حاصره.

فأرسل الشيخ أبا نادر الخازن مع الأمير سليمان إلى حصار أولئك السكمان، ونهض بالعسكر لمعونتهما، فحاصروا السكمان شهراً، ثمّ سلّموا طالبين الأمان، وساروا إلى طرابلس يخبرون يوسف باشا، فأمر الأمير بهدم كلّ ما جدّد يوسف باشا من الأبنية هناك، وأبقى الأمير سليمان ومعه خمسة بلكباشية في دار الأمير محمد، ثمّ رجع الأمير بمَن معه إلى بيروت وصرفهم سنة ١٦٢٠.

كتب الصدر الأعظم في هذه السنة كتاباً إلى الأمير صحبة قبوجي باشا، مضمونة الحوالة على يوسف باشا بتحصل ما عليه من الأموال السلطانيّة، فجمع الأمير جلا بلاده وقصد طرابلس، وأرسل يطلب منه الأموال، فأبى، فوضع ولده الأمير حسناً في القلعة والسكمان في الأبراج.

وتوجّه نحو جبلة، وكتب إلى الدولة يشكو الأمير بأن ليس مراده بحصار القلعة تحصيل المال، بل امتلاك القلعة، والتمس أمراً برفع حوالته عنه وهو يدفع ما عليه، وأرسل إلى ولده الأمير عمر، والأمير قاسم، وأقاربه أن يجمعوا العساكر في قرية البقيعة، فجمعوها وأرسلوها إلى جون عكار.

ثمّ وصل الأمير إلى برج البحصاص، وأقام فيه عشرة أيّام يراسل الأمير حسناً بدفع المال فأبى، ثمّ طلب منه أن يبيع بالوكالة عن أبيه جميع ما اشتراه من تركة الأمير محمد العساف في بيروت وانطلياس وحارة غزير وأملاكها، ويدفع المال الباقي عليه من الاثنين والأربعين ألف قرش التي دفعت في إسلامبول من مال بلاد جبيل والبترون، فأبى، وأرسل يخبر والده بذلك، فكتب له كتاباً يوكّله به ببيع ما ذكر، فكتب الأمير حسن صكّ البيع لدى القاضي والمفتي والأعيان بجميع أملاك آل سيفا المذكورة بخمسين ألف قرش، وأرسله إلى الأمير ؛ فأرسله الأمير إلى إسلامبول إلى قاضي عسكر، وأخذ يلحّ بطلب مال السلطان، فأبى يوسف باشا وولده الأمير حسن الأداء. واتّفق أن كان بعض فرسان الأمير يغسلون في يومٍ ثيابهم عند النهر، فخرج إليهم فرسان من الأبراج وخطفوا خيلهم، وأدّى ذلك إلى القتال فقُتل من كلّ فرقةٍ أربعة أنفار، فلمّا تحقّق


الأمير ذلك العصيان، أمر مدبّره وطويل حسين أن يهجما على المدينة بثلاثمئة من السكمان فهجموا.

ولمّا وصلوا إلى القرب من باب المدينة، أطلقت عليهم سكمان الأبراج الرصاص، فقُتل منهم أربعة فرسان، فتسلّق أحد الفرسان الأبطال السور، ثمّ نزل إلى المدينة وتبعه تسعة من الفرسان مثله، فانهزم أولاد حمادة حافظو باب المدينة، وتحصّنوا في القلعة.

ثمّ انحدر عسكر الأمير، وكسروا الأقفال وفتحوا الباب، فدخل باقي السكمان وهجموا على دار حسين باشا سيفا بقرب القلعة، فأطلق مَن فيها عليهم الرصاص فقتل منهم قائداً وثلاثة أنفار، ثمّ دخل الأمير إلى المدينة واستدعى إليه الأمير سليمان سيفا والسكمان الذين كان قد أبقاهم عنده في عكار، وشرع يحاصر حسين باشا وأخوته في القلعة، واستدعى مركبين فرنساويين من صيدا فحضرا، فوضع فيهما خمسين رجلاً من السكمان ليمنعوا عن المدينة الوارد من الميرة.

وفي بعض الأيّام خرج سكمان يوسف باشا من الأبراج يرومون القتال، وتحصّنوا في الأتراس، فهجم عليهم سكمان الأمير بدون علمه، واضطرمت نار الحرب عند طرابلس العتيقة، فتقلقلت سكمان الأمير وكادوا يولّون الأدبار، وقتل منهم عشرة أنفار. ولمّا بلغ الأمير ذلك ؛ نهض حالاً بخمسين فارساً وشنّ الغارة، فلمّا أقبل على القوم جرّد سيفه وهجم بالفرسان هجمةً هائلةً وتبعه باقي السكمان لا يلوون على عنان. فلمّا أبصرتهم فرسان الأتراس ولّوا الأدبار نحو الأبراج، فسُدّت عليهم أبواب الهرب وأعمل في أقفيتهم السلاح فقُتل منهم نحو خمسين رجلاً وتشتّت الباقون.

أمّا الشيخ أبو نادر الخازن، فقد صادف أبا جمال الدين غبروش المعرابي الكسرواني صاحب يوسف باشا فقتله، ثمّ رجع الأمير بفرسانه إلى منزله. فلمّا بلغ الأمير محمد سيفا ذلك، أرسل من قرية سير ولده الأمير عليّاً إلى الأمير بهدايا.

وفي يومٍ حضر الأمير موسى الكردي إلى الأمير يلتمس منه أن يصالح يوسف باشا، ورجع إلى القلعة فأخبر حسين باشا أنّ الأمير فخر الدين يجلس في الإيوان، وعند المساء أمر حسين باشا أن يطلقوا المدافع على ذلك الإيوان، وعند المساء أمر حسين باشا أن يطلقوا المدافع على ذلك الإيوان، فأطلقوا عليه ثلاثة مدافع فانهدم جانب من الترس، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد في الإيوان، وبلغ الأمير ذلك ؛ فقال: إذا كان مرادهم هدم دارهم فأنا أولى بذلك، ومن الغد انتقل منها، وأمر بهدمها فهُدمت. وعند ذلك قدم كرد


حمزة والحاج كيوان بمئة فارس من قِبَل سليمان باشا والي دمشق، لأجل توسّط الصلح، ورفْع الحصار عن طرابلس.

وكانت فرقة من عسكر الأمير في بركة البداوي، فقصدهم العسكر الذي في جون عكار.

واستعرت نار الحرب بين الفريقين. فلما بلغ عسكر الأمير ذلك تسابقوا لمساعدة أصحابهم دون ترتيب، فلمّا أقبلوا انهزم عسكر يوسف باشا خداعاً، وأكمن بعضهم، فتبعهم عسكر الأمير وعبروا النهر وهم يطردونهم، فثار القوم الكامنون بوجوههم، وأطلقوا عليهم الرصاص فانكسروا وولّوا هم وأصحابهم مدبرين، فلمّا بلغ الأمير وقوع الحرب، اندفع إليهم بباقي الفرسان، واندفق كالماء المنهمر، وسطا سطوة النمر. فلمّا عرفوه ولّوا الأدبار، مزدحمين على الفرار، وتوغّلوا في القفار، فجمع الأمير عسكره ورجع إلى المدينة، فقتل من عسكره نحو أربعين رجلاً، ومن عسكر يوسف باشا خمسة عشر رجلاً.

وفيما هم على هذه الحال قدم قبوجي باشا بخمسة مراكب، ومعه أوامر برفع الحصار عن طرابلس، وتحصيل المال من يوسف باشا، حسبما التمس من الدولة وخلعة للأمير. فلمّا أقبلت المراكب، خاف سكمان الأمير الذين في المركبين الفرنساويّين وفرّوا إلى المدينة، فقابل القبوجي الأمير وأعطاه الأمر السلطاني وألبسه الخلعة ؛ فامتثل الأمير الأمر السلطاني، وقال:

إنّ يوسف باشا لا يبالي بنقضه العهد معك، فمتى ارتفعنا عنه لا يدفع لك المال السلطاني، كما تعهّد لنا قبلاً ونقض، فخذ منه المال بحضورنا. فأجابه القبوجي أنّه تعهّد بدفع المال بعد ثلاثة أيّام من توجّهك، وأنت فلا جناح عليك اذهب بسلام. فأكرمه الأمير بألفين وخمسمئة قرش، ونهض بعسكره راجعاً إلى بيروت ومعه كرد حمزة والحاج كيوان، فأكرمهما بألفي قرش وجماعتهما بثلاثة آلاف قرش، فذهبا بهم إلى دمشق.

وأمّا يوسف باشا، فحاول القبوجي عن دفع المال مدّة طويلة.

وفي هذه السنة: أرسل السلطان مصطفى خليل باشا قبطان البحر بالمراكب، فوصل إلى صيدا، ثمّ توجّه بالمراكب إلى بيروت، ثمّ توجّه إلى طرابلس، فتوسّل إليه يوسف باشا بأن يكون وسيطاً بالصلح بينه وبين الأمير فخر الدين، وأنّه يسمح بإعطاء كريمته خطيبة ولده الأمير بلك، فأرسل الوزير يخاطب الأمير بذلك الشأن فأجابه، فأرسل يوسف باشا أخاه الأمير محمداً إلى صيدا ؛ فأعطاه الأمير كريمته الخطيبة، ورجع بها إلى طرابلس جَذِلاً.


وفيها: أرسل عمر باشا متسلّماً إلى طرابلس، مصحوباً بكتاب إلى الأمير يطلب منه أن يكون مسعفاً متسلّمه إذا عارض يوسف باشا. ولمّا وصل المتسلّم إلى المدينة منعه يوسف باشا عن تنفيذ أوامره، فكتب المتسلّم إلى الأمير يخبره، وأرسل له كتاب عمر باشا، فلمّا وصل إليه جمع السكمان حالاً وأرسلهم إلى حارة غزير، وأمر بجمع رجال بلاده جميعها. فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك ؛ جمع أقاربه والسكمان وخرج من المدينة إلى عكار، وأرسل ولده الأمير بلك إلى بيروت متظاهراً بالحرد من والده. ولمّا بلغ الأمير ذهاب يوسف باشا إلى عكار ؛ أرسل الشيخ أبا نادر الخازن برجال كسروان وبلاد جبيل وبلاد البترون إلى جبة بشرة، لطرد جماعة يوسف باشا وضبط المقاطعة. فلمّا وصل إلى بشرة انهزمت جماعة يوسف باشا منها، ودخل البرد وعرض إلى الأمير، فولّى أخاه الشيخ أبا صافي على تلك المقاطعة، فأقام في ذلك البرّ برجاله سنة ١٦٢٢.

في هذه السنة: عُزل باشا عن طرابلس، وتولّى مكانه عمر باشا، فكتب إلى الأمير طلب منه المساعدة حسب أمير الدولة بتحصيل المال الباقي على يوسف باشا، فأجابه وأرسل إليه مملوكه سرور آغا والي كسروان، يسأله كيف يريد، فأنعم على الأمير بولاية جبيل والبترون وبشرة والضنية وعكار، بشرط أن يدفع له سلفاً عشرة آلاف قرش ؛ فأرسل له ذلك مع أربعة آلاف قرش خدمةً، وألف قرش لأحد خواصّه، وحالاً جمع السكمان ورجال بلاده عامّةً، وكتب إلى الأمير محمد الشهابي أن يوافيه برجاله، وسار إلى طرابلس، فلمّا أقبل على المدينة لقيه عمر باشا وقاضي المدنية وأعيانها إلى برج البحصاص بموكبٍ عظيمٍ ودخلوا المدنية.

وفي اليوم الثاني دعاه عمر باشا للوليمة، ودعا معه جميع الأعيان، وخلع عليه وعلى الأمير محمد الشهابي والأمير بلك بن يوسف باشا، وعلى جميع المناصب.

وفي اليوم الثالث خرج الأمير إلى بِرْكة السمك وأقام بها، وحينئذٍ قدم قبوجي ومعه أمر بتقرير يوسف باشا على طرابلس.

سنة ١٦٢٣:

جرت في هذه السنة حوادث بين الأمير فخر الدين ووالي الشام، انتهت بانتصار الأمير وبانهزام من كان في جيش الوالي من أُمراء الحرافشة، وهو الأمير يونس ومن أمراء آل سيفا الأمير عمر وكرد حمزة


وباسر الوالي.

وقد لخّصنا ذلك فيما نقلناه عن تاريخ الأمير حيدر، فلا نعيده.

ثمّ انتهت الحال بالتصافي بين الوزير والأمير، وإنعام الوزير عليه بأعمال ومقاطعات وعلى ولده وأخوه.

ولمّا رجع الأمير وولده الأمير علي، قَدِم الأمير بلك بن يوسف باشا فاستقبلاه بالإعزاز، وخلع الأمير عليه الخلعة التي خلعها الوزير عليه، وأكرم الأمير علي بخلعته على الأمير سليمان سيفا.

وبلغه وهو في جهات بعلبك: أنّ حسن باشا سيفا زوج ابنته توفّي في طرابلس، فأرسل إلى يوسف باشا رسولاً يطلب منه أن يُرجع له ابنته.

وفيها: قَدِم من إسلامبول قبوجي باشي ومعه خلعة، وأمر بتقرير الأمير على ولايته كما كان، وأمر بطلب مال الإرساليّة، وبتحصيل المال الباقي عند يوسف باشا، فأكرمه الأمر بخمسمئة قرش، قائلاً: متى حصلت من يوسف باشا أؤدّي لك مال الإرساليّة، فانطلق القبوجي إلى طرابلس.

وفيها: قَدِم عمر باشا إلى طرابلس والياً، فمنعه يوسف باشا عن الدخول إليها، فأتى إلى البترون. فلمّا بلغ الأمير ذلك توجّه بخمسين فارساً إلى البترون، ولمّا قابل عمر باشا، أعطى الأمير أمراً من الدولة بأن يكون مساعداً عمر باشا على يوسف باشا. فلمّا بلغ يوسف باشا قُدوم الأمير ؛ أرسل يلتمس منه عدم مساعدة عمر باشا، وأنّه كتب إلى الدولة يرجو تقرير المنصب عليه، ووعده بإرسال الاثني عشر ألف قرش، التي تمّ عليها الرضى بزواج بنت الأمير للأمير عمر، فأذعن له الأمير وأتى إلى غزير، ثمّ إلى بيروت.

ثمّ في هذه السنة: كتب إلى رؤساء عسكر دمشق أن يرسلوا خمسمئة فارس لمساعدة عمر باشا بحسب الأمر السلطاني، فأجابوه أنّ مصطفى باشا حضر له تقرير على إيالة دمشق فرجع إليها فلا يمكنهم إرسال الفرسان.

وعزم الأمير على النهوض إلى طرابلس ليسلِّمها لعمر باشا، فنبّه على العسكر بالقيام. وحينئذٍ وصل جماعةٌ من قِبَل يوسف باشا، وأخبروا الأمير أنّ ثلاثة من خواصّ الوزير قادمون ومعهم المال الذي انعقد عليه الصلح.


فحضر رؤساء العساكر إلى الأمير يلتمسون منه أن لا يقوم بالعسكر صباحاً إلى أن يصل أولئك المرسلون، فارتضى، وعند الصباح وصلت الرسل ودفعوا له الاثني عشر ألف قرش مهر ابنته التي تعهّد بها يوسف باشا، والتمسوا منه أن لا ينهض بالعسكر إلى طرابلس، فلم يرتض منهم ما لم يدفعوا له خمسة عشر ألف قرش نفقة العساكر، فتعهّدوا له بها إلى أجلٍ معلومٍ وحرّروا بها صكّاً ؛ فخلع على كبيرهم، وأكرم مَن معه، وكتب إلى أحد خواصّه أن يتوجّه من بعلبك إلى طرابلس ليقبض المال من يوسف باشا، ويجري عقد بنت الأمير على الأمير عمر سيفا.

وفيها حضر إلى الأمير من إسلامبول أوامر بطلب مال الإرساليّة، أمّا عمر باشا، فطلب من الأمير أن يتوجّه معه من بيروت إلى طرابلس، ليسلّمه إيّاها، ووهبه الخمسين ألف قرش التي له في ذمّة يوسف باشا لينفق منها على العسكر، وسلّمه صكّها الذي سلّمه إيّاه يوسف باشا حين كان محاصراً إيّاه في قلعة الحصن، وأمر الدولة بحصوله فأرسل الأمير ليوسف باشا صورة ذلك الصكّ، وأمر الدولة بحصوله، طالباً منه المال فأجابه طالباً مهلة نصف شهر إلى أن يأتيه جواب الدولة بتقرير المنصب عليه، وإلاّ فيسلّم طرابلس لعمر باشا.

ثمّ حضر لعمر باشا تقرير على طرابلس، فطلب من الأمير المعونة على تسليم إيالة طرابلس، فأحضر الأمير السكمان من صيدا واستدعى أخاه الأمير يونس أن يحضر برجال الشوف إلى بيروت، وجمع الأمير رجال الغرب والجرد والمتن وكسروان ونهض بالجميع مع عمر باشا إلى نهر إبراهيم، ثمّ إلى البترون.

وفي اليوم الثاني وفدت الأخبار بتقرير إيالة طرابلس على يوسف باشا. فلمّا تحقّق الأمير ذلك رجع بالعسكر إلى بيروت.

سنة ١٦٢٤:

في هذه السنة: تعهّد مدبّر الأمير للدولة بدفع مئتي ألف ذهب من مولاه الأمير، فأنعم السلطان على الأمير بولايات عرب استان من حدود حلب إلى حدود القدس، ولقّبه سلطان البرّ على هذه المعاملات.

ولمّا تمّ له هذا الأمر، أمر بجمع السكمان الذين عنده، وعند ولده فحضروا، وكانوا تسعة آلاف نفر، وجمع خمسة آلاف مقاتل من أبناء العرب، وزحف بهم من بيروت إلى نهر إبراهيم، ثمّ نهض إلى البترون ومنها إلى جبل عكار، وأرسل إلى يوسف باشا يطلب منه الخمسين ألف قرش


التي أحاله بها عمر باشا بموجب الصكّ الذي كتبه عليه يوسف باشا، فأداها له حالاً.

ولم تطل سنة ١٦٣٣ حتّى تنكّرت الأحوال بالأمير فخر الدين، فقاد الكجك أحمد باشا الحافظ العساكر العثمانية إلى محاربته بأمر خليل باشا، الصدر الأعظم ؛ لأنّه بلغ السلطان مراد أحمد ما عزم عليه الأمير من تقليد السلطنة.

وورد له شكوى من دولة حلب: أنّ الأمير فخر الدين بنى قلعتين عند حلب وانطاكية، فنخشى بأن يوقع بنا ضرراً بسببهما. وتقدّم عليه شكوى أُخرى: أنّه قبلاً نهب طرابلس وأغلب القرى الشامية.

أمّا الكجك فقَدِم إلى دمشق أوّل فصل الشتاء، وأخذ يجمع العساكر من حدود بلاد الروم إلى خان سعسع، وأرسل يدعو المناصب إليه، فاستدعى الأمير عليّاً اليمني، والأمير حسين سيفا، والأمير محمد الحرفوش، وأخاه الأمير حسيناً، وولَّى كلاً منهم على بلاده.

ووقعت بين الأمير وعساكر الكجك حروبٌ انتهت بقتل الأمير علي ابن الأمير فخر الدين، وبفرار الأمير فخر الدين إلى قلعة شقيف بترون قرب نيحا، وتحصّنه فيها بأولاده ونسائه وجواريه وبعض مدبّريه ورجاله، ثمّ بمحاصرة الكجك له وقبضه عليه وإرساله مع أولاده الأمراء: منصور وحيدر وبلك إلى إسلامبول.

سنة ١٦٣٥:

فيها ارتحل الأمير عساف سيفا إلى جبيل، واتّفق مع جماعة الأمير ملحم المعين على محاربة الأمير علي سيفا، فطردوا اليمنيّة إلى بلاد الكلبيّة، ورجع الأمير ملحم إلى الشوف.

سنة ١٦٥٠:

في هذه السنة: ولّى عمر باشا والي طرابلس على بلاد البترون الأمير ملحماً.

وسنة ١٦٥١ أرسل حسن باشا والي طرابلس إلى بلاد عكار رجلاً يُقال له حسن آغا، وكتب إلى الأمير ملحم أن يأمره بجباية أموالها.

وسنة ١٦٥٨: ولّى محمد آغا الطباخ والي طرابلس المقدّم فارس بن مراد اللمعي جبة بشرة، والمقدّم علي بن الشاعر البترون، وأمرهما أن يكونا تحت يد الأمير ملحم المعني.


سنة ١٦٦٠:

كتب أحمد باشا الكبرلي والي دمشق إلى الأمير أحمد وأخيه الأمير قرقماس، يطلب منهما إحضار الأُمراء الشهابيّين لظنّه أنّهم نزلوا عندهما، فأجاباه أنّ الأُمراء المذكورين لم ينزلوا بلادهما، وأنّهما انتقلا من بعقلين إلى عين زحلتا بنحو سبعة آلاف نفس، فكتب إليهما ثانيةً طلب منهما أربعمئة ألف قرش نفقة العساكر، وإلاّ فيطأ ديارهما بعساكره ويخرّبها. فخضعا لذلك وتعهّدا له بأداء مئتين وخمسين ألف قرش منجّمةً على أربعة أشهر، ووضعا عنده رهناً على ذلك الأمير قاسماً الأرسلاني أمير الشويفات، وشرف الدين مقدّم حمانا، فارتضى ونهض راجعاً إلى دمشق.

وأمّا الأميران، فبعد أن تعهّدا للكبرلي تقاعدا عن الأداء، ثمّ بلغه أنّ الأُمراء الشهابيّين عند الأميرين المذكورين، فنهض من دمشق ثانيةً إلى قب الياس، فقَدِم إليه والي غزّة، ووالي طرابلس، وغيرهما من الأُمراء. واشتدّت قوّته فنهض الأمير أحمد، والأمير قرقماس، والأُمراء الشهابيّون إلى كسروان، واجتمعوا عند المشايخ الحمادية، وصمّموا على تفريق رجالهم والفرار من وجه الكبرلي، وعزموا على الاختفاء في تلك الديار. ولما بلغه أنّ الأمراء المعنيّين والشهابيّين مختفون في كسروان ؛ وجّه إليهم خمسة آلاف من عسكره، ومعهم جماعة من اليمنيّة لأجل الفحص عنهم، وكتب إلى قبلان باشا والي طرابلس أن ينهض إليهم بذلك السبب فنهض.

ولمّا بلغ الأُمراء ذلك فرّ الأميران الشهابيّان إلى الجبل الأعلى عند حلب، وأمّا العساكر فطفقوا يجولون في بلاد جبيل وكسروان، ويدهمون المواضع التي يظنّ أنّ الأمراء مختبئون فيها، وأحرقوا دور اللمعيّين والخوازنة والحمادية والمعنية ومدبّريهم، وقطعوا أشجارهم وعاثوا في تلك الديار وأخربوها.

سنة ١٦٧٥:

في هذه السنة: صدر الأمر السلطاني بقصاص الحمادية لعدم دفعهم المال الأميري، فكتب الوزراء إلى الأمير (أحمد المعني) أن يسلّمهم العصاة، وكتب إليه إسماعيل باشا والي صيدا كتاب الأمان، فاجتمع وجوه البلاد في دير القمر، وكتبوا إلى إسماعيل باشا: أنّ الأمير أحمد يكفل العشرة الآلاف قرش الباقية عند الحمادية، بشرط أنّ حسن باشا والي طرابلس يطلق لهم رهائنهم، فارتضى وانفضّت العساكر.


سنة ١٦٨٠:

في هذه السنة: جعل والي طرابلس الأمير والياً على جميع مقاطعات الحمادية لقبائحهم وبغيهم، فتوجّه الأمير إلى غزير بخمسة آلاف مقاتل، ودهم الحمادية ففرّوا إلى بلاد بعلبك، فأحرق لهم ايليج أي ميفوق، ولاسا وأفقا والمغيرة وقطع أشجارهم، فالتمس خواصّه العفو عنهم فتركهم، وقفل راجعاً إلى الشوف غير راضٍ من والي طرابلس بقبول خلعة ولاية على تلك المقاطعات.

سنة ١٦٩٢:

في هذه السنة: عُزل محمد باشا عن إيالة طرابلس، وتولّى عوض علي باشا اللقيس فصرّف الحماية في مقاطعاتهم، فكتب إليه محمد باشا أن ينهض على الحمادية، ويرسل له ثلاثة عشر رأساً منهم عينها له، فكتب علي باشا إلى الأمير أن ينجده بالرجال لقتال الحمادية ؛ فكتب الأمير إلى الخوازنة أن ينجدوه بألف رجل، فأنجدوه وساروا إلى جبيل، فلمّا شعرت بهم الحمادية انهزموا في طريق العاقورة، فهلك منهم بالثلج مئة وخمسون نفساً.

ثمّ التمست الخوازنة من علي باشا أن يكفّ عن الحمادية فأجابهم، والتمسوا أيضاً منه أن يأذن لهم بالرجوع إلى بلادهم ؛ لأنّ الأمير أحمد لم يأذن لهم بالخروج عن حدود إيالة طرابلس، فأذن لهم.

وسنة ١٦٩٣: عُزل علي باشا عن إيالة طرابلس، وأُقيم وزيراً للصدارة، وتولّى عوضه أرسلان باشا المطرجي، فأرسل علي باشا رسولاً من حلب إلى الأمير، يعرض عليه ولاية مقاطعات الحمادية، وأنّه يمنع أذاهم عن إيالة طرابلس، فلم يقبل، فولّى الوزير على تلك المقاطعات والبيت من غير الحمادية، ففرّ بنو حمادة، فتوجّه أولاد الشيخ حسين إلى بتاتر، واختبأ الباقون في بلدهم، فأرسل أرسلان باشا مدبّره بعسكر للفحص عنهم في تلك الدار، فعاثوا فيها.

ولمّا بلغ أولاد الشيخ حسين ذلك، جمعوا مئتي رجل من مقاطعة الجرد، ودهموا المدبّر في عين قبعل في الفتوح، فانهزم بعسكره إلى نهر إبراهيم، وقتلوا منه أربعةً من أمراء الأكراد النحاشية، وابن الأمير موسى اليمني، واثنين من بني الشاعر المقدّمين ومعهم ثلاثة وثلاثين رجلاً، فقدّم أرسلان باشا الشكوى للسلطان أحمد: بأنّ الأمير أحمد المعني وجّه جيشاً فأهلك عسكره ؛ فأصدر السلطان أمراً إلى ولاة دمشق وصيدا وغزة وحلب أن


ينهضوا مع أرسلان باشا على الأمير أحمد المعني، ويعطوا الأمير موسى اليمني ما كان بيده من المقاطعات، وهي الشوف والجرد والمتن والغرب وكسروان وإقليم جزين وإقليم الخروب. فنهض ارسلان باشا واجتمع إليه المأمورون المذكورون، ونزل بهم في مرج عرجموش في البقاع، وكانوا ثلاثة عشر ألفاً، وقد انضمّ إليهم جماعة اليمنيّة وأحزابهم وبعض من القيسيّة.

وأمّا ما جاء في الأعيان من أخبار آل سيفان، وهو فصلٌ مستقلٌّ، فيراجع عند نقل هذا الكتاب من المسودّة إن شاء الله، رأينا أن نقف إلى هنا عن نقل ما ورد في الأعيان من تاريخ طرابلس ؛ لأنّه لا يختلف في الجوهر عمّا نقلناه عن تأريخ الأمير حيدر الشهابي، وسنقابل ما جاء في الكتابين عند تمحيص هذا التاريخ وإخراجه من مسودّته مهذّباً مشذّباً مرتّباً إن شاء الله.

مصطفى بربر أحد حكّام طرابلس عن دواني القطوف:

هو مصطفى بن يوسف القرق من سكّان طرابلس الشام، ولد سنة ١٧٦٧، فأخذته أُمّه بعد موت أبيه وهو صغير إلى برسة في الكورة، فخدم موسى مالك عامل الكورة السفليّة والمشايخ بن زخريا عمال القويطع.

ولمّا جمع ثمن حصانٍ وسلاح خدم الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان، ولمّا عاد مرّة إلى وطنه سنة ١٧٨٨ انتظم في سلك الانكشارية برئاسة زعيمها مصطفى آغا الدلية. ثمّ اتّصل إلى الاستيلاء على القلعة إلى أن تولّى الجزّار، فنصّبه متسلّماً على طرابلس، وزاحم عمّالها السابقين ولا سيّما علي بك الأسعد المرعبي، الذي كان عدوّه الألدّ، واشتدّ الخلاف بينه وبين الشيخ أسعد الصعبي عامل القلع من قِبَل الأمير حسن سنة ١٨٠٤، وبين الشيخ صقر المحفوظ حاكم صافيتا سنة ١٨٠٧، ثمّ ابتنى داراً في قرية ايعال في الزاوية، ثمّ أعيد إلى تولّي طرابلس، وآل به الأمر إلى اتّصاله بالأمير بشير الكبير ؛ فسكن الشوفات، ثمّ سار إلى مصر، وعاد مع إبراهيم باشا لمّا جاءها فأرجعه إلى طرابلس متسلّماً، ثمّ وشي به فاعتزل في داره في ايعال، وتوفّي فجأةً سنة ١٨٣٣.

وجاء فيه وفي: سنة ١٨٠٩: عاد كنج باشا وزير الشام عن حصار قلعة طرابلس الشام، التي امتلكها وطرد منها مصطفى بربر.

وكتب المؤرِّخ جرجي يني الطرابلسي في كتابه تاريخ سورية فصلاً


كبيراً في تاريخ طرابلس بلده من الصفحة ٣٧١ إلى الصفحة ٤٢٣، تركناه إلى حين مقابلته مع ما كتبه الأمير حيدر والشدياق، عند نقل هذه المسودّة من تاريخنا إن شاء الله.

وبعد، فإنّا نحبس القلم عند هذا الحدّ، وندع ما كتب عن تاريخها، وهو الشيء الكثير، إلى إخراج المسودّة إلى المبيضّة، ونلخِّص ما جاء عنها في تتبّعات بيروت، وكتاب لبنان، وسمير الليالي، وغيرها ؛ ليجيء تاريخنا هذا وافياً بالمرام، إن شاء الله.

والحمد لله أوّلاً وآخراً، وفي البدء والختام، والصلاة على نبيّه وآله.


الفهرس

تاريخُ بني حَمْدان ٤

دولة بني حمدان ٤

مبدأ الدولة وولاية أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل: ٧

أخبار بني حمدان ببغداد: ١٠

استيلاء سيف الدولة على حلب وحمص: ١٤

استيلاء سيف الدولة على دمشق: ١٥

غزوات سيف الدولة: ١٧

استيلاء الروم على عين زربة ثمّ على مدينة حلب: ١٩

انتقاض هبة الله: ٢٠

حصار المصيصة وطرسوس واستيلاء الروم عليها: ٢٢

وفاة سيف الدولة ومحبس أخيه ناصر الدولة: ٢٤

عود أبي المعالي بن سيف الدولة إلى حلب: ٢٩

استيلاء عضد الدولة بن بويه على الموصل، وسائر ملوك بني حمدان: ٣٠

موت سعد الدولة بن حمدان بحلب وولاية ابنه أبي الفضائل: ٣٥

ذكر ما لأوّل بني حمدان من ٣٧

المكانة في دولة العبّاسيّين ٣٧

ما ورد في تاريخ الطبري في أوّل أمرهم: ٣٩

وفاة سيف الدولة ٥٦

ما جاء في كامل ابن الأثير من أخبارهم ٦٤

ذكر حال سيف الدولة بواسط ٩٦

فتح ديار مضر على يد عضد الدولة: ١٣٣

ذكر عود بني حمدان إلى الموصل ١٣٥

عصيان بكجور على سعد الدولة بن حمدان وقتله ١٣٨

ذكر وفاة سعد الدولة بن حمدان: ١٤١

أسر صالح بن مرداس وملكه حلب وملك أولاده ١٤٢


أحوال الشّام ١٥٩

الجزيرة ١٦٦

أرْمِينية ١٦٨

غزوات لسيف الدولة ١٧٤

واقعة حلب ١٩١

متفرّقات عن أخبار بني حمدان مختارة من هذا الكتاب ٢٢٣

من ترجمة أبي فراس الحمداني: ٢٢٣

تاريخ بني زهرة الحلبيّين ٢٤٥

تمهيد ٢٤٥

قِدَم التشيّع في حلب ٢٤٥

آل أبي شعبة الحلبيّون ٢٥١

(العلماء المنسوبون إلى حلب من عهد دولة التشيّع فيها وما بعده من غير بني زهرة) ٢٥٥

علماء الشيعة وأدباؤها الطارئون على حلب ٢٦٢

أعقاب بني زهرة اليوم ٢٩١

تاريخ بني عمار ٢٩٢

المقدّمة الأُولى ٢٩٤

بنو عمّار قضاة طرابلس: ٢٩٤

المقدمة الثانية ٢٩٩

نبذة وجيزة من تاريخ طرابلس ٢٩٩

تاريخ طرابلس الإسلامي: ٣٠٤

قبيلة كتامة: ٣٠٩

تأييدهم الدعوة الفاطميّة وتشيّعهم ٣١٦

إمارة الكلبيّين الكتاميّين أجداد بني عمّار في صقلية وتداولهم لها صقلية وموقعها: ٣١٨

تاريخ فتح المسلمين لصقلية وملكهم لها إلى أن وقعت في نوبة الكلبيين ٣٢٠

الحسن بن عمّار ٣٥٣


عهد سكنى بني عمّار طرابلس وولايتهم إمارتها وقضاءها ٣٦٢

امتلاك الفرنج بعض أعمال طرابلس ومصير فخر الملك ٣٨٢

نكبة مكتبة بني عمّار من الفرنج وأقوال المؤرِّخين ٣٩٢

حدود إمارة طرابلس في عهد القضاة بني عمّار ٣٩٨

تاريخ طرابلس بعد استيلاء الفرنج عليها إلى العصر الحاضر ٤٠٠

تراجع مدينة طرابلس في عهد حصار الفرنج لها واستيلائهم عليها ٤٠٠

ازدهارها بعد استيلاء الفرنج عليها ٤٠١

طرابلس في حكم المماليك الترك ٤١٥

أخبار طرابلس في عهد ملوك المماليك الجراكسة سلاطين مصر والشام ٤٢٠

طرابلس في العهد التركي العثماني ٤٢٢

تولّي بني سيفا إمارة طرابلس ٤٢٣

ما جاء في أخبار الأعيان في جبل لبنان للشدياق من أخبار طرابلس: ٤٥٩


تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني الجزء ٢

تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني

مؤلف: العلامة الشيخ سليمان ظاهر
الناشر: مؤسسة الأعلمي
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 486