تاريخ الشيعة
السياسي الثقافي الديني
(٣)
تَاريخُ الشِّيعَةِ
السِّياسي الثقافي الدِّيني
تأليف
العَلاّمَة الشيخ سُليمان ظَاهِر
عضو المَجمع العلمي العربي بدمشق
حقّقه وضبطه
عبد الله سليمان ظاهر
المُجَلّد الثَالث
منشورات
مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات
بَيروت - لبنان
ص. ب ٧١٢٠
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحرافشة
جاء في دائرة المعارف للبستاني م٧ ص٩:
(آل حرفوش: عائلة أُمراء مِن الشيعة موطنهم بلاد بعلبك، كانوا مِن البأس والسطوة على جانب عظيم، وكانوا هُم السائدين في تلك البلاد، والمُتسلّطين على أهلها وأموالهم، ولمّا تكاثروا هُناك زادهم ذلك عُتوّاً وبغياً، فأكثروا مِن التعدي والسلب والنهب، وتمادوا في ذلك مع اجتهادات الحُكومة المركزيّة على ردعهم، فلم ينجع فيها ذلك، فأدّى الأمر إلى أن وقعوا تحت غضب الدولة، فأصدرت أوامرها بنفيهم مِن تلك البلاد، وخلعهم مِن كُلّ المناصب، ومنع استخدامهم، فانحطّوا كُلّ الانحطاط، وكادوا ينقرضون، واتّخذ بعضهم التسوّل مهنة؛ لتشريف أنفسهم عن الأشغال، وسهولة الكسب مِن الخارج.
ومن أشهر المتأخّرين مِن هذه العائلة: الأمير سلمان والأمير خنجر).
هذا ما عرّفت به الدائرة عن هذا القبيل، وكلّ ما نفحت به التاريخ مِن أخبارهم التي تكاد تشغل مجلّداً ضخماً، وأمّا ما أفاضت عليهم مِن النعوت والأوصاف حتّى كأنّهم مِن غير جِبلّة مجاوريهم، فإنّا نَكِل المطالع على ما كُتب مِن تاريخ تلك الأيّام، وما كانوا يزيدون على غيرهم مِن الحُكّام والأُمراء الإقطاعيّين مِن حيث ذلك الوصف، فكلهم في ذلك شرع، والعصر كان عصر تغلّب وتطاحن، ولرجال الدولة اليد الكُبرى في كُلّ ما كانوا يجنونه على أُمّتهم وبلادهم بما كانوا يخلقونه مِن وسائل المُنافسة: المضاربة والمزايدة على تحصل الوظائف، وهمُ الّذين مهّدوا لكلّ مَن تُحدّثه نفسه بالطموح إلى النزول في ميدان المُنافسة، والتغالي بدفع أثمان الحُكم المسلوب مِن الرعيّة، والدولة هي المُمهّدة لذلك كلّه، والمخدوعون في زخارف الحُكم كلّهم سواء.
إنّنا نُدّون ما وقفنا عليه مِن الكُتب التاريخيّة الّتي هي تحت متناولنا مِن تاريخ الأُمراء الحرافشة:
الحرافشة مِن أُمراء الشيعة الّذين تولّوا إمارة بعلبك وأعمالها، وساهموا مع أُمراء زمانهم في الحُكم الإقطاعي، وطووا حُقبة مِن الزمن في الإمرة الّتي لم تُخالف نوع الإمارات ذلك العهد، الّذي كان ميداناً واسعاً للتنافس عليها مِن كُلّ طامح إليها، طامع فيها، وكانت له عصبيّة تؤيّده، وقديم يعضده، وفطنة تُسدّده، وجرأة ترفده.
وكان الحرافشة وهُم يرجعون إلى قبيل ذي مجدٍ أثيل، وفخرٍ أصيل، وفروسيّة نادرة، ومكارم باهرة، فمَكّنت لهم هذه الخلال أن يُنشئوا إمارتهم بين إمارات محيطة بهم مِن هنا وهناك، وفي عهد دولة ودول لم تكن فيه الولايات والإيالات إلاّ سلعة مِن السلع، تُعرض في المزاد وتنتقل مِن يد إلى يد، ومن قبيل إلى قبيل، ومن فرد إلى فرد، وكان الولاة العثمانيّون، وقد انتقل حُكم البلاد الشاميّة إليهم مِن الأُمراء الجراكسة، وملوك المماليك حُكّام مصر، هُم الّذين يذكرون نار المُنافسة بين الطامحين إلى الحكم.
كان للأُمراء الحرافشة في مثل هذا الموقف المضطرب، والّذي لا يعرف الطمأنينة والاستقرار مثل ما كان لغيرهم مِن حُكم وصولة ودولة، وكلّها متشابهة متماثلة في مظاهرها.
رافقت إمارة الحرافشة إمارة المعنيّين والشهابيّين، وانتهت وإمارة الشهابيّين في عهد واحد تقريباً سَنة ١٨٦٦م.
بدء إمرة الحرافشة:
إن جَدَّ الحرافشة الأعلى الأمير حرفوش هو مَن عُقدت له راية بقيادة فرقة في حَملة أبي عبيدة بن الجرّاح على بعلبك، وإنّ الحرفوش هذا هو عمود النَسب لهذا الفرع مِن قبيلة خُزاعة العربيّة المعروفة القديمة، والّتي سبق لأوائلها أن ولوا حراسة مكّة.
أمّا الحرفوش، فلم نجد له ذِكراً في الفتوحات الشاميّة، ولا ذِكرُ تأميره على قيادة فرقة في حملة أبي عبيدة عند فتح بعلبك، ولكنّ ذلك لا ينفي صحّة هذا الخبر، فإن التاريخ - ومنه تاريخ تلك الفُتوحات - لم يُحط إلاّ بالمُهم بل الأهمّ مِن الأخبار، ولو عرض لكلّ شيء، ولمثل هذه الأُمور الّتي لا
يبخس ترك ذكرها قيمة المُهمّة التاريخيّة؛ لَنَفد القرطاس، وضاقت الطوامير عن استيعاب الحوادث كُلّيها وجُزئيها.
وإذا عرفت عظيم عناية العَرب بأنسابهم، وحرصهم على ضبط أنسابهم، وربط سلسلة حديثها بقديمها، لم يكن مِن المُستبعد أن يحفظوا مِن أسماء رجالاتهم ما لم يحفظه التاريخ الّذي لم يعنِ إلاّ بالمُهم أو الأهم مِن تلك الحوادث، ولم يُدوّن ما دوّنه مِن ذكر أمساء رجال إلاّ لعظيم ما لهم مِن البلاء، وجليل ما أتوا به مِن الأعمال.
وهكذا تجد في تاريخ أكثر الأُسر العريقة أسماء رجال لم يُدوّنها التاريخ، على أنّنا لم نجد في الكُتب التاريخيّة، ولا في كُتب اللُغة ذِكراً لاسم حرفوش قبل العُصور الأخيرة الّتي عُرف فيها اسم قبيل آل الحرفوش، ونُرجّح أن هذا الاسم محروف عن حرنفش كغضنفر، وهو الجافي الغليظ أو العظيم كما جاء في القاموس.
وكيف كان، فإنّه لم يُعرف في عهد الفُتوحات الإسلاميّة في الديار الشاميّة مَن تسمّى بهذا الاسم.
وإذا أقررنا ما يذكره الحرافشة مِن انتسابهم إلى ذلك الجدّ الأعلى، الّذي عاصر الفتح الإسلامي الشامي، وهو ما لا يُنازَع فيه، فلم نجد ذِكراً لآل حرفوش، مِن عهد القَرن الأوّل الهجري، ولا مَن وُلّي منهم إمارة مِن الإمارات، إلاّ في أواخر القرن الثامن الهجري، وهو علاء الدين الّذي ولاّه السلطان برقوق مُقاتَلة كسروان، كما عرفت.
وسكت المُؤرّخون عن ذكرهم حُقبة مِن الزمن، فلم يعرضوا لهم في مدى القرن التاسع إلى أوائل العقد الثالث مِن القرن العاشر، فقد جاء في حوادث سَنة ٩٢٤ هـ / ١٥١٧م:
(لمّا مهَّد السلطان سليم العثماني فاتح مصر وسورية الأقطار الشاميّة والمصريّة، ورجع إلى الشام، عصى عليه الأمير ناصر الدين محمّد بن الحنش صاحب صيدا والقاعين وشيخ الأعراب، ثُمّ هرب واتّهم الأمير زين الدين والأمير قرقماز والأمير عَلم الدين سليمان أنّهم مِن حزبه، فقبض عليهم الغزالي، وبعث برأس ابن الحنش ورأس ابن الحرفوش إلى السلطان سليم في حلب، وأطلق سراح هؤلاء المُعتقلين.
وفي حوادث سَنة ٩٤٠ هـ ١٥٣٣م في هذه السَنة وقعت فتنة أهليّة في جهات العاقورة وجبّة المنيطرة في لبنان، نشأت مِن خِصام بين مالك اليمني وهاشم العجمي مِن مشايخ العاقورة، وكثُرت الدسائس بين بني الحرفوش أُمراء بعلبك وآل سيفا حُكّام طرابلس.
ولمّا وقعت المُخاصمة بين مالك اليمني وهاشم العجمي العاقوري، وباغت مالك جبة المنيطرة وأحرقها، واتّفق أهل الجبّة وقيسية العاقورة على قتل مالك، وتمّ لهم قتله، شكا أخواه الأمر لنائب الشام، وكَتب هذا للأمير منصور بن سيفا طالباً منه تسليم قَتلة مالك؛ فبعث مَن يَقتل هاشماً، فانهزم هاشم إلى كرك نوح مُحتمياً ببيت حرفوش.
ثُمّ إن الأمير منصوراً وأتباعه نهبوا لاسا وأحرقوها؛ فخافت قيسية العاقورة، وهربوا إلى طرابلس، فنَهب الأمير منصور دورهم وأحرقها.
ثُمّ إنّ عبد المُنعم كاتبَ الأُمراء الحرافشة على قتل ابن عمّه، وتعهّد لهُم بقتل الأمير منصور، وأن يُسلّمهم تلك المُقاطعات الّتي بيده، فقبل الحرافشة ذلك، وغدروا بهاشم وقتلوه فوق الكرك، ورموه في بئر كنيت بئر هاشم إلى الآن.
وفي خطط الشام: (وقد بقي أرباب المُقاطعات في الدولة العثمانيّة - كما كانوا في عهد دولة المماليك - يضمنون الخراج مُقابل أموال يَتعهّدون بها، مثل: أمير عرب الشام مدلج بن ظاهر مِن آل جبّار، والأمير فخر الدين المعني، والأمير جمال الدين الإرسلاني، وبني شهاب في وادي التيم، وبَني الحرفوش في بعلبك(١) .
فترى مِن ذلك أن الحرافشة كانوا مِن أرباب المُقاطعات الّذين أقرّهم السُلطان سليم على حُكم إقطاعاتهم، وهو ما نستظهره ونُرّجحه، وإن لم يَذكر المُؤرّخون أشخاص مَن كان يلي منهم هذا الحُكم الإقطاعي، إلاّ في زمن متأخّر عن زمن الفتح العُثماني للبلاد الشاميّة والمصريّة، حتى أوائل العقد الأخير مِن القرن العاشر الهجري، وما يليه مِن القرون.
إنّ حُكّام تلك المُقاطعات لم يكن ليصفو لهم الحُكم، وكانوا أبداً عُرضة للقَلب والإبدال ما دام الحُكم في تلك العُصور سلعة مِن السِلع، تُعرض في أسواق المُساومات والمُنافسات، والظافر فيه مَن يتفوّق على مُنافسه بالمُغالاة في دفع المال، وإرضاء الولاة العثمانيّين الّذين كانوا يلون البلاد بمثل ذلك، فكان مَن يلي الحُكم اليوم يُعزل منه غداً دواليك، فكان الأُمراء الحرافشة كغيرهم في هذا المُعترك السياسي الّذي لا يعرف الاستقرار).
____________________
(١) ج٢ ص ٢٣٤.
وبعد، فإنّا نرى مِن المُفيد في تاريخ الحرافشة، الّذين لم نقف لهم على تاريخ مُستقل، بل جال ما دُوّن مِن أخبارهم نتف مُبدّدة هُنا وهناك، أن نُنظّمها في عَقد واحد مؤلّف مِن ذر رجالاتهم الّذين عُرض لهم تاريخ تلك الأزمنة، ممّن وُلّي منهم الحُكم، أو نازع فيه القريب والبعيد، ليكون أقرب إلى التناول، وأعلق بضبط تاريخ هذا القبيل الّذي استطاع أن يُكوّن أمره مِن نوع تلك الإمارات، وحُكماً إقطاعيّاً مِن سِنخ ذلك الحُكم الإقطاعي الّذي كانت تضطرب به الديار الشاميّة، وهو ميدان واسع للتنافس بين الطامحين في الحُكم، وبين الطامعين في التوسُّع، وتكاد الإقطاعات لا تنضبط في عدد، ولا تنحصر في قبيل، فأوّل مَن ذُكر مِن الحرافشة باسمه:
١- الأمير علاء الدين: مرّ ذكره.
٢- الأمير علي:
جاء في حوادث سَنة ٩٩٤ هـ ١٥٨٦م:
في هذه السَنة، أراد جماعة مِن أقارب الأمير علي الحرفوش صاحب بعلبك أن ينزعوا حكومتها مِن يد أبي علي، الشهير بالأقرع بن قنبر؛ لأنّه ليس مِن أولاد الأُمراء، وحكومة بعلبك موروثة لبني الحرفوش، فعرف ابن الأقرع ما دُبّر له، فجاءه ألف رجل جمعهم بنو الحرفوش مِن كسروان، والشوف، وعين دارة، وأرادوه على أن يخرج بعياله وبمَن يلوذ به حيث شاء، فأبى إلاّ قتالهم، واستنجد بالأمير قرقماز بن الفريخ أمير بلاد البقاع، وبغيره مِن التُركمان والعرب، فأجابه مَن طلبه؛ فخرج إليهم، فلمّا التقى بهم انتصر عليهم، وولّى الدروز هاربين، فتبعهم أهل بعلبك يقتلونهم، وقتلوا منهم ألفاً وثمانين قتيلاً في لحظة واحدة، ولم يُقتل مِن جماعته سوى شخص واحد.
البوريني قال: وكان أصلح له ولجماعته طعاماً قبل المعركة، فقاتل أعداءه ورجع والطعام لم يبرُد، وأُرسلت الرؤوس لدمشق لتُعرض فيها، ثُمّ قَتل الأمير علي بن الحرفوش ابن الأقرع، وندم على قتله، وأخذت الدولة بعد ذلك عليّاً إلى دمشق بالأمان، وغدرت به وقتلته، وقتلت معه عسّافاً الكذّاب الّذي ادّعى أنّه ابن الأمير طرباي، أمير بلاد اللجون (الخطط ج٢ ص٢٤٠)(١) .
____________________
(١) الأمير علي هذا، هو أبو الأمير موسى، وقد جاء في خلاصة الأثر م٤ ص٤٣٢ أنّ مُراد باشا قبض عليه، كما قبض على ابن الفريخ، وخنقه في قلعة دمشق في سَنة إحدى أواثنتين بعد الألف.
وفي سَنة ١٠٠٠ هـ - ١٥٩١م أمر قاضي الشام مصطفى بن سنان بقيام النوّاب كُلّهم مِن المحاكم، وإغلاق أبوابها كلّها، فأُغلقت، ثُمّ أُغلقت أسواق البلد كلّها؛ وسبب ذلك أنّ الدفتردار محموداً ارتشى مِن ابن الأقرع بخمسة عشر ألف ديناراً، وولاّه على بعلبك بدل ابن الحرفش؛ فأدّى ذلك إلى خراب بعلبك ظاهرها وباطنها، ورحل أكثر أهلها حتّى تعطّلت الأحكام الشرعيّة بها، وعتا بها ابن الأقرع وأتباعه، وصادر الناس مُصادرة عظيمة؛ ليوفي بها المال الّذي التزم به لجهة السلطنة.
٣- الأمير يونس الحرفوش:
هو على ما يظهر غير الأمير يونس الآتية ترجمته، والّذي له صفحة كبيرة في تاريخ الأُمراء الحرافشة، وورد ذكره في تاريخ بعلبك لميخائيل موسى الوف البعلبكي، حيث قال:
(وللشيعة جامع رثّ البناء، عمَّره الأمير يونس الحرفوش سَنة ٩٦٢)، ولم يَرد له ذِكر بغير هذا الموضع.
٤- الأمير موسى بن عليّ بن موسى الحرفوش:
قال المحبي في كتابه خلاصة الأثر:
(الأمير ابن الأمير، أمير بعلبك، وَلي إمارتها بعد قتل أبيه، وذلك بعد أن قُبض على أبيه، وأُرسل هو والأمير منصور بن الفريخ والأمير قانصوه إلى الروم، ثُمّ خلص هو وابن الفريخ، ثُمّ قَبض عليه مُراد باشا كما قبض على ابن الفريخ، وخنقه في قلعة دمشق سَنة إحدى أو اثنتين بعد الألف، وهؤلاء القوم مِن الغُلاة في الرفض، إلاّ أنّ صاحب الترجمة كان أقرب أهله إلى التَسنُّن، كما قال النجم في ترجمته).
وكان بطلاً شُجاعاً جواداً، وكان زحف إلى الأمير علي بن سيفا صاحب طرابلس بأمر مِن الوزير محمّد باشا، السيّد الشريف المُنفصل عن نيابة مصر، حين كان نائباً بالشام في سَنة سبع أو ثمان بعد الألف، وقَتل ابن سيفا في ناحية غزير. وقد ذكرنا عن (المحبي) خبر هذه الوقعة في ترجمة الأمير حسن بن الأعوج(١) ، وذكرنا بيتين تَمثّل بهما في صدر رسالة إلى الأمير موسى صاحب الترجمة، يحثّه فيهما على قتال ابن سيفا.
والبيتان هُما:
____________________
(١) ج٢ ص٤٥.
غزيرُ طورٌ ونار الحرب موقدة وأنت موسى وهذا اليوم ميقات
إلى آخرهما(١) فارجع إليهما ثَمّة.
وبقي الأمير موسى في إمارة بعلبك حتّى دخل الأمير عليّ بن جانبولاذ بعلبك، قاصداً دمشق، فنهض الأمير موسى إلى نواحي حمص لاستقباله، مُداراة ومُحاماة عن أرضه، فتحادثا، وتقاولا، وتشاورا فيما صدر، وتجاولا، فقال الأمير موسى:
هل تُعطيَني عهداً على الصلح وأنا أذهب إلى الشام، وآخذ لك العهد الوثيق مِن الأنام.
فقال: اذهب سليماً، وكُن يا موسى كليماً.
فحضر إلى الشام، ورُمي مِن عسكرها بغاية الملام، وأوجعوه بغليظ الكلام، ظنّاً مِن جُهلائهم أنّه عليهم، وما كان ناوياً إلاّ سَوق الخير إليهم، فلمّا حضر إلى أمير الأُمراء بدمشق، قال له: قد جئت على قدر يا موسى، فجرّدْ سيف عزمك لعلّه يذهب البوسى، فقال له:
إنّ ابن جانبولاذ يطلب أن تُعطى حوران لعمرو البدوي مِن عرب المفارجة، والشام والبقاع العزيزي لمنصور بن الفريخ، وأن يُؤذَن لكيوان بالدُخول إلى الشام والعود كما كان، ويُكتَب عرض بأنّ ابن جانبولاذ لم يدخل إلى أرض الشام، وأنّ فخر الدين بن معن يُؤدّي ما عليه مِن مال السلطان، وبلاده موصوفة بالأمان.
فعقد أمير الأُمراء ديواناً لهذه المطالب، فاتّفقوا على أنّ حوران لعمرو، ولكن في السَنة القابلة، وأمّا كيوان، فإنّ إعطاءه لمنصور غير معقول؛ لكونه عند الرعايا غير مقبول، وأمّا كيوان، فإنّه يرجع وعليه الأمان، وأنّه يُكتب عرض بما أراد مِن عدم دخوله، وبتعديل ابن معن.
ثُمّ وقع في ثاني يوم إباء مِن الشيخ محمّد بن سعد الدين لِما صمّم عليه أوّلاً، فرجع الأمير موسى إلى ابن جانبولاذ بغير المرام، فعزم ابن جانبولاذ على قصد دمشق، وهرب الأمير موسى إليها، وأخبر أنّه ترك ابن جانبولاذ على قصد دمشق، ثُمّ إنّ ابن جانبولاذ جاء إلى البقاع وخيّم بها، وانحاز إليه الأمير يونس بن حسين بن الحرفوش - ابن عم الأمير موسى - ومَن معه مِن أولاد عمّه، وقصدوا بعلبك فنهبوها، وفرّقوا أهلها، ووقع مِن ابن جانبولاذ بعد ذلك ما وقع مِن قصّته، وحوصرت الشام، وصولح ابن جانبولاذ على المال، وصولح ابن معن على أن تكون بعلبك
____________________
(١) أمّا البيت الثاني مِن البيتين فهو:
ألقِ العصا تتلقّف كُلّ ما صنعوا = ولا تَخفْ ما حبال القومِ حيّات
والبقاع للأمير يونس.
فلمّا رجع ابن جانبولاذ وعشيره، خرج الأمير موسى إلى القيروانيّة(١) ، وجمع عشيراً كبيراً لقتال ابن عمّه، وإخراجه مِن بعلبك.
ثُمّ صرف العشير، ورجع إلى دمشق مريضاً، فمات يوم الجمعة سابع وعشرين صَفر سَنة ست عشرة بعد الألف، ودُفن في مقبرة الفراديس بالقبّة المعروفة ببني الحرفوش.
وقال صاحب أمل الآمل في ترجمته:
(كان فاضلاً شاعراً أدبياً جليلاً، ومِن شعره:
كأنّ رأس جيوش الضدّ ليس له عِلم بأنّ بلادي موطن الأُسدِ
ومِن مهابة سيفي في القلوب غدت أُمّ العدو لغير الموت لم تلدِ
فليرقبوا صدمة منّي معوّدة أن لا تقرّ لها الأعداء في البلدِ
ألستُ نجلَ عليّ وهو مَن عرفوا منه المخافة في الأحشاء والكَبدِ
وإنّني أنا موسى منه قد ورثتْ كفّي سيوفاً تُذيب الأرض في الجَلدِ).
بعض وقائعه:
جاء في تاريخ الأمير حيدر الشهابي في حوادث سَنة ١٠١١ هـ - ١٦٠٢م:
(في هذه السَنة باغتَ الأمير يونس بن الحرفوش جبة بشرى، فلمّا بلغَ ذلك يوسف باشا ابن سيفا، جمع سكماته وأهل البلاد، وهاجم بعلبك، فاجتمع ببيت الحروفش في القلعة، ونَهبت بنو سيفا بلاد بعلبك، وحاصروا قلعة الحدث خمسين يوماً، وملكوها، وقُتل ابن فاطمة وابن رعد الّذي كان مع الأمير فخر الدين المعني في وقعة نهر الكلب، ثُمّ نادوا بالأمان، وقد ذَكر هذه الموقعة كُلٌّ مِن: صاحب تاريخ بعلبك ودواني القطوف، مُتردّدين بعزوها إلى الأمير يونس أو الأمير موسى، ونُرجّح أنّها كانت مع الأمير موسى؛ لأنّ إمارة بعلبك كانت له في هذا التاريخ).
وفي تاريخ بعلبك لميخائيل الوف ما يلي:
(وفي سَنة ١٦٠٢م، دهم الأمير موسى الحرفوش - وقيل الأمير يونس - جبة بشرة، ونهب بيوتها
____________________
(١) موقع القيروانيّة فوق الهضبة الجنوبيّة مِن الهرمل، يفصل بينهما وادٍ عميق، وليس فيها اليوم بيت عامر، وهي في سهل منبسط، وأمامه سهل واسع.
ومواشيها، فجمع يوسف باشا سيفا خمسة آلاف مقاتل، وزحف بهم على بلاد بعلبك، فأحرق قرية الحدث، ثُمّ نزل على بعلبك فنهبها، وقتل وشتّت أهلها، فتحصّن الحرافشة مع جماعة مِن أهل البلد في القلعة، وكانوا نحو ألف رَجل ما عدا النساء والأولاد، فشدّد يوسف باشا الحصار على القلعة مُدّة خمسين يوماً، ثُمّ ملكها وقتل جماعة مِن أعدائه، وأطلق الأمان للباقين وعاد ظافراً(١) .
ويروي عن الأمير موسى المذكور - وليس للرواية مِن سَند تاريخي -: أنّه نبذ طاعة الدولة العليّة، فأرسلت عليه الجيوش، ووقفت له بالمرصاد، ولمّا رأى أنْ لا مناص مِن التسليم، توجّه خُفية إلى الآستانة العليّة، وكانت بلدة غزير قصبة كسروان عاصية، وقد استفحل أمرها، فاستأمن الأمير موسى للدولة، وتعهّد لها بفتح غزير والتنكيل بأهلها، على أن ينال عفو الدولة، ويتولّى أحكام بعلبك فأُجيب طلبه، وعاد إلى بعلبك، وجمع نحو خمسة عشر ألف مُقاتل، وزحف بهم على غزير، وقد أنشده أحد الشُعراء قبل ذهابه هذين البيتين:
غزيرُ طورٌ ونار الحرب موقدةٌ وأنت موسى وهذا اليوم ميقات
ألقِ عصاك ولا تخشَ لما أفكوا بأمرها وحبال اليوم حيّات)(٢)
مُنازعة ابن عمّه الأمير يونس له على الإمارة:
إن مِن أعظم الأسباب الّتي أدخلت الوهن على أُمراء بني الحرفوش، ونحتت مِن أثلة قوّتهم، وأظفرت أعداءهم الكثيرين بهم في كثير مِن الوقائع،
____________________
(١) وجاء في تاريخ المطران الدبس ما يؤيّد رأينا، فقد ورد فيه ج٧ ص٣٧:
في هذه السَنة (١٦٠٢) كبس الأمير موسى بن الحرفوش مع جماعته جبة بشري، فنهبوا البيوت واستاقوا الماشية، ولمّا بلغ ذلك يوسف باشا، جمع جنوده وأهل الناحية نحو خمسة آلاف رجل، وسار فيهم، فكبس مدينة بعلبك، فهرب أهل المدينة، فنهبوا وقتلوا مَن أدركوا، واحتمى شهلوب بن سيفا مع بعض الحرافشة، وكثير مِن أهل المدينة في قلعة بعلبك فحَرق يوسف باشا قلعة الحدث في بلاد بعلبك، وحاصر القلعة خمسين يوماً، ثُمّ ملكها وقتل ابن فاطمة ورعد بن نبعا؛ لأنّه كان مع الأمير فخر الدين في وقعة نهر الكلب، وقتل ابن أخيه الأمير عليّاً، ثُمّ نادى بالأمان.
(٢) مرّت سابقاً رواية المحبّي للبيت الثاني على غير هذه الصورة، ورواية المحبّي أرجح كما هو مبيّن.
تنازعهم الذميم على الإمارة، كما كان ذلك شأن سواهم مِن الأُمراء المُجاورين، وحُكّام الإقطاعات المتاخمة لهم، وهو السلاح ذو الحدّين، المطبوع بيد الولاة العثمانيّين وغيرهم، الّذين كانوا يشهرونه عليهم بأيديهم، يحلّون به عُقد عصبيّتهم، ويُفرّقون به وحدة جماعتهم، وكان ذلك على أشدّه في هؤلاء الأُمراء كما ستراه مبسوطاً في أخبارهم، وقد مُنّيَ صاحب الترجمة بمُنازعة ابن عمّه الأمير يونس له على الإمارة.
ففي سَنة ١٠١٤هـ - ١٦٠٥م:
التجأ الأمير يونس إلى الأمير فخر الدين المعني والي جبل لبنان، خوفاً مِن ابن عمّه الأمير موسى فأجاره، وتولّى بلاد بعلبك بمدده، وعقد للأمير ابن الأمير يونس على ابنته، ومِن هذا الحين استأثر يونس بإمارة بعلبك دونه إلى أن لحق بربّه.
عطف الأمير موسى على أهل العلم:
إنّ الأمير موسى - كما عرفت أنّه كان مِن رجال العِلم والفضل - كان يعطف على رجالها، فقد جاء في خُلاصة الأثر للمحبي في ترجمة شمس الدين محمّد بن علاء الدين بن بهاء الدين البعلي، الشهير بابن الفصّي الفقيه الشافعي، مُفتي ديار بعلبك، وآباؤه كلّهم رؤساء العِلم بتلك الناحية، ودرس بالمدرسة النوريّة في بعلبك - إلى أن قال - ثُمّ لمّا مات الأمير موسى بن عليّ بن الحرفوش أمير بعلبك، واستولى عليها الأمير يونس ابن عمّه بعد فِتنة ابن جانبولاذ، رحل إلى دمشق مع مَن رحل مِن بعلبك، وسكن دمشق مدّة، ثُمّ ألجأته الضرورة إلى الرُجوع إليها، فلم يرَ مِن الأمير يونس ما كان يعهده مِن الإقبال، فصار كاتباً بمحكمة بعلبك، وأقام بها.
تُوفّي فيها سَنة ١٠٢٤ هـ - ١٦١٥م).
٥- الأمير يونس ابن الأمير حسين:
لم يُقم في الأُمراء الحرافشة مَن ولي الإمارة البعلبكيّة المدّة الطويلة الّتي قطعها هذا الأمير، ولا انبسطت يدُ أمير فيهم انبساط يده، حتّى استتبّ له أن يليَ مع إمارة بعلبك: إمارة البقاء، وسنجقية حمص، وحكم صفد، ولا مَن ساور منهم ما ساور مِن الحوادث مُدّة إمارته المُستطيلة، ولئن كانت ترتفع يده في فترات مِن الزمان عن الإمارة، فسُرعان ما كان يعود إليها.
وأوّل عهده بالإمارة كان نهاية إمارة ابن عمّه الأمير موسى، وكان ذلك في سَنة ١٠١٤ هـ كان مرَّ آنفاً، وهذه السَنة هي مبدأ حياته السياسية، ومبدأ ذكره، ولم يرد له ذِكر قبلها، وهي السَنة الّتي استعان فيها بالأمير فَخر الدين المعني على ابن عمّه الأمير موسى.
وأمّا ما ورد مِن مُباغتة الأمير المُترجَم له لجبة بشرة في تاريخ الأمير حيدر الشهابي، وتردُّد صاحب الدواني في الخبر بين المُترجَم له والأمير موسى، ونسبة الحادثة إليه إلى القيل في تاريخ بعلبك، فقد سبق ترجيحنا نسبتها للأمير موسى، وهو ما رجّحه المطران الدبس.
وجاء في تاريخ بعلبك:
(وفي سنة ١٦٠٦م - ١٠١٥ هـ جمع أحمد باشا الحافظ والي دمشق الجنود، وحمل على الأمير يونس لضغينة بينهما، فاستنجد يونس بالأمير فَخر الدين؛ فأنجده برجاله، فكفّ حينئذ أحمد باشا عنه، وكان ذلك سبب نفوره مِن فَخر الدين).
وأمّا المطران الدبس، فقد ذَكر هذه الحادثة في سَنة ١٦١١م (١٠٢٠هـ)، فقال:
(وفي هذه السَنة قَدِم نصوح باشا إلى حلب، وأرسل يطلب مِن الأمير فَخر الدين خدمة للسلطان، فأرسل له خمسة وعشرين ألف قرش أُخرى، بعد أن كان أرسل له مع كتخداه قبلها خمسة وعشرين ألفاً وخيلاً وأنسجة، مع ذلك لم يصفُ خاطره عليه، وكان مؤاخذاً له؛ لأنّه أنجد الأمير يونس الحرفوش والأمير أحمد شهاب ضدّ أحمد باشا حافظ دمشق، ولأن ما قدّمه كان أقلّ ممّا أرسله إلى مُراد باشا سلفه مع ابنه الأمير علي).
وإليك رواية الأمير حيدر:
فقد ذَكر في حوادث سَنة ٢٠٢١ هـ - ١٦١٢م لمّا كان الحافظ أحمد باشا بالشام، وأراد الزحف إلى ابن الحرفوش، أعان الأمير فَخر الدين بن الحرفوش، وكذلك أعان الأمير أحمد بن شهاب، لمّا أراد الحافظ توجيه عسكر ضدّه، ومنع الأمير فَخر الدين الحافظ عن أذيّتهما.
ورواية الأمير حيدر والمطران الدبس هي الأقرب للواقع، فإنّ أحمد باشا الحافظ لم يكن والياً على الشام في سَنة ١٦٠٦م - ١٠١٥هـ، وهي السَنة التي أرّخ فيها الحادث صاحب تاريخ بعلبك، وإنّما وُلّي كفالة دمشق، ودخلها يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الثاني سَنة ١٠١٨هـ، الموافق سَنة ١٦٠٩م، كما جاء بترجمة الحافظ في خلاصة الأثر للمحبي، وإن كان في
كلام المؤرّخين اختلاف في تحديد السَنة، والأمر في ذلك سهل.
وفي سَنة ١٠٢١ هـ - ١٦١٢م لمّا كان الحافظ أحمد باشا بالشام، وأراد الزحف إلى ابن الحرفوش، أعان الأمير فَخر الدين بن الحرفوش، وأيضاً لمّا أراد الحافظ توجيه عسكر ضدّ أحمد بن شهاب إلى وادي التيم، أرسل الأمير فَخر الدين عسكراً لإعانة الأمير أحمد، ومنع الحافظ أحمد باشا مِن أذيّتهما؛ فكان ذلك سبباً لحَنَق الحافظ على الأمير، وأضمر له السوء، فتوجّه إلى حلب لمُقابلة الوزير نصوح باشا، وبصحبته كنعان بكباشى - مِن أعيان انكشاريّة الشام، وكان للأمير مُبغضاً - وفخر بِك، فأعطاهُما سنجقية عجلون ونابلس والكرك، وعزل ابن قانصوره، وزّين الحافظ للوزير بشتّى الأساليب مُقاومة الأمير ومُحاربته، فعزم على تجريد العساكر إنفاذاً لغرض الحافظ، ورجع هذا إلى الشام والحافظ إلى الباب العالي، ثُمّ خرج أحمد باشا ابن الوزير بالعساكر مِن الشام إلى وادي التيم، ونزل في خان حاصبيا، فهرب بنو شهاب منها، فهدم دورهم، وأتلف أملاكهم، ونهب حاصبيا، وبعد خمسة أيّام عزم على المسير إلى الشوف، فخاف منه بنو مَعن، وتعهّدوا له بدفع مئة ألف قرش، وسلّموه رهناً على ذلك المُقدّم شرف الدين بن مِزهر والأمير عليّاً بن إرسلان مِن الشوفيات، ثُمّ رجع إلى الشام، فهرب الأمير خُفية، ثُمّ بعث له بنو معن ما تعهّدوا به مِن بعد هرب الأمير علي إرسلان، ثُمّ جرت أُمور.
وفي سنَة ١٠٢٢ هـ - ١٦١٣م اضطرّت الأمير فَخر الدين للركوب بمَن معه مِن الرجال إلى القنيطرة أُمورٌ لا مَحلّ لبسطها هُنا، ولمّا أخبره عسكره بخروج العسكر مِن الشام، أرسل لهم نجدة عسكراً نحو عشرة آلاف مِن السكمان، ورجال الأمير أحمد بن شهاب، ورجال الأمير يونس (في تاريخ الأمير يوسف)، ومِن رجال يوسف بن سيفا، ولمّا شكا الحافظ ذلك إلى الوزير، ألقى القبض على مصطفى كتخدا، الأمير الّذي كان أرسله إلى إسلامبول لإظهار إخلاص سيّده للدولة، وعيّن في الحال أربعة عشر بيكلربيكاً وخمسين سنجقاً، وجعل الحافظ أحمد باشا سرداراً عليهم.
ولمّا وصلت العساكر إلى الشام، وعزم الحافظ على الركوب لمُحاربة الأمير، توجّه الأمير يونس الحرفوشي والأمير أحمد الشهابي لمواجهة الحافظ، وأخذ الأمير بتحصين القلاع، وجعل في قلعة بانياس حسين اليازجي مع ألف
شخص مِن السكمان، وفي قلعة الشقيف حسين الطويل، ومعه أربعمئة شخص، ووضع حريمه في القلعتين، ولم يأخذ معه إلاّ واحدة، ثُمّ وجّه أُناساً إلى الحافظ في كُتب يسترضيه بها، ولمّا لم ينتهِ أمر بهذه الوساطة إلى ما يشتهي الأمير عزم على المُقاومة، وكان أشدّها في قلعة الشقيف، وقد زحف الحافظ للحرب بجيش كثيف، وقد أرسل مَن في القلعة رسولاً لاستنجاد الأمير يونس أخي الأمير فَخر الدين، وهو جلب حسين، فأبلغ بعض جواسيس الحافظ ذلك إليه، فأرسل الحافظ حسين باشا بن سيفا والأمير يونس بن الحرفوش، فترصّدا طريق جلب حسين، وجرى بينه وبين رجاله وبين ابن سيفا وابن الحرفوش تصادم في البقعة فوق جسر الخردلة ليلاً، فقبضا على رجلين مِن رجال جلب حسين، ونجا بالباقون.
ووقعت بينهم موقعة، وانتهى الأمر بارتحال الحافظ في العسكر عن قلعة، وأخذ معه السيدة الوالدة بكلّ إكرام.
وحين وصل الحافظ إلى نهر حاصبيا أمر خمسين مِن الانكشاريّة بالإقامة هُناك بالخان، وطلب مِن الأمير يونس الحرفوش أن يُسلّمه حِصنَي قب الياس واللبوة، وبعد دخول الحافظ إلى الشام بخمسة أيّام خرج في العسكر إلى بعلبك ليتسلّم القلعة وحصن اللبوة، فأرضاه ابن الحرفوش بخمسين ألف قرش.
وفي سَنة ١٠٢٣ هـ - ١٦١٤م خرج الحافظ مِن الشام إلى المزّة، ثُمّ انتقل إلى الديماس، ثُمّ إلى جسر ديرزنون، ومنها إلى قب الياس، وأقام بها نحو عشرين يوماً، فاجتمع إليه حُكّام صفد وصيدا وبيروت، ومحمّد باشا والي غزّة، وفروخ بك، والأمير أحمد بن طربيه، وحسين بك ابن الأعرج حاكم حماه وعشائرهم، وحضر أُمراء الغرب، وهم: الأمير يونس بن الحرفوش، وغيرهم.
ثُمّ إنّ الحافظ أرسل الشيخ مُظفّر بجمع رجال الجرد والغرب والمتن إلى الشوف، فالتقاه أهل الباروك وعين زحلتا وبعض قُرى أُخرى ممّا يُجاورها نحو ٤٠٠ شخص مِن رأس الشوف، ووقع بينهم القتال مِن أوّل النهار بقُرب الباروك، فلمّا وصل الخبر إلى الحافظ، عيّن ثلاثة باشاوات والأمير أحمد الشهابي وبيت الحرفوش، وأرسلهم مِن قب الياس بعسكر إلى معونة الشيخ مُظفّر، ووقعت وقائع انتصر بها الشيخ مظفّر أوّلاً، ثُمّ انكسر، ثُمّ جرت وقائع أُخرى لا يَتعلّق لنا بها غرض.
وفي سنة ١٠٢٤ هـ - ١٦١٥م عُزل الحافظ مِن الشام، وعُيّن مكانه
محمّد جركس باشا، الّذي بوصوله إلى الشام أطلق والدة الأمير فَخر الدين، وكَتب إلى الأمير فَخر الدين برجوعه إلى بلاده مِن توسكانا، وفيها أعطى محمّد جركس باشا مُقاطعة البقاع إلى الأمير شلهوم الحرفوش، وأخذ على ذلك اثني عشر ألف قرش خدمة له، ووجّه معه عسكراً نحو خمسمئة خيّال، وكان الأمير أحمد بن شهاب مِن حزب الأمير شلهوم، فحاصر الأمير حسين الأمير يونس في قب الياس، ولم يُسلّمها، وحضر إلى معونة الأمير شلهوم: الشيخ مُظفّر شيخ اليمنيّة، ومُقدّمي كفرسلوان، وحسن آغا مملوك حسين باشا ابن سيفا؛ لأنّ الأمير شلهوم له قرابة ببيت سيفا، واجتمع العسكر في قريبة مكسة، وحضر الأمير يونس الحرفوش إلى الكرك، وجرت مُكاتبات فيما بينهما، وطلع الأمير حسين مِن قب الياس وتوجّه إلى والده، وتسلّم الأمير شلهوم قلعة قب الياس.
ثُمّ إنّ جركس محمّد باشا أرسل صوباشي وكيلاً إلى مدينة بعلبك، فتوجّهَ الأمير يونس إلى حلب، وأصحب معه أربعين ألف ذهب خدمة للوزير وأرباب الدولة، فقرّر عليه البقاع وبلاد بعلبك ورجع، وصحبته الأوامر إلى جركس محمّد باشا برفع الأمير شلهوم مِن البقاع، فتوجّه الأمير شلهوم إلى الشام، ثُمّ إلى الهرمل - بلاد ابن سيفا - وتسلّم الأمير يونس البقاع، وأقام في قلعة قب الياس، وفي بعلبك ولده الأمير حسين.
ولمّا كان الأمير يونس في حلب تكلّم معه الوزير بخصوص تسليم قلاع ابن معن، وأنّه يتوسّط بذلك، وبعد رجوعه أرسل إلى حسين اليازجي مكاتيب يُفهمه عن ذلك، وأشار عليه أن يَعمل صالحه في زمن الوزير المومى إليه؛ لأنّه كان له ميل شديد إلى بيت معن.
وفي سَنة ١٠٢٥ هـ - ١٦١٦م في شهر المحرّم الحرام حضر عند الأمير فَخر الدين المعني الأمير يونس الحرفوش والأمير ابن الشهاب، وكان الأمير علي الشهابي مُؤمّلاً أن يخرج ولده الأمير محمّد مع الأمير علي مِن القلعة، وفي ذلك الوقت صار اتّفاق، وكتبوا كتاب الأمير عليّ بن معن على كريمة الأمير عليّ بن الشهاب، وأرسلوا يطلبون الأمير محمّداً مِن القلعة، فلم تُمكّنه طائفة السكمانيّة مِن ذلك، فامتنع الأمير علي الشهابي مِن تزويج ابنته ما لم يحضر ولده، فالتزم الأمير علي المعني بدفع خمسة آلاف قرش إلى السكمان ترضية، وأن يوفيه إيّاها الأمير علي الشهابي، وكفل ذلك الأمير يونس الحرفوش.
وفي هذه السَنة، لمّا توجّه حسين اليازجي ومصطفى كتخدا إلى حلب، مرّا على بعلبك، فصحبهما الأمير يونس الحرفوش، ولمّا دخلوا على الوزير خلع على حسين اليازجي ومصطفى كتخدا، واشترط عليهما أن يهدما القلعتين (بانياس والشقيف)، وأن يكون حُكم صيدا وصفد للأمير عليّ بن معن، ووعد ابن الحرفوش بسنجقية حمص.
ولمّا رجع حسين اليازجي والأمير يونس مِن حلب وجّه معهما وزيرها قبجي باشا - يُسمّى باكيراغا - فألبسوا الأمير يونس الخِلَع الّتي جاؤوا بها، إلاّ أنّه لم يُسر الأمير علي، ولا الأمير يونس بهدم القلاع، ولكن كان نُفذّ الأمر، وكان الأمير علي يعتمد كثيراً على رأي حسين اليازجي، ووالده الأمير فَخر الدين كان أوصاه فيه، ثم توجّه حسين اليازجي ومصطفى كتخدا وباكير بك والأمير يونس الحرفوش إلى القلاع، فأخرجوا جميع الحريم منها، ولم يتركوا في القلعة أحداً، وجيء بهم إلى صيدا، ثُمّ استحضروا بنّائين وهدموا القلاع، واستمرّوا في هذا العمل نحو ٤٠ يوماً، وبعد ذلك توجّهوا ليُعلموا الوزير بهدم القلاع، وكان مُتوجّهاً إلى بلاد العَجَم، فلحقوه في منزلة أزرنكان وأخبروه بذلك، فخلع عليهم، وأعطى الأمير يونس الحرفوش سنجقية حمص.
وفي سَنة ١٠٢٧ هـ - ١٦١٧م كفل الأمير يونس بن الحرفوش الأمير عليّ بن معن لمحمّد باشا - المُكنّى بالجوقدار - بمبلغ أربعين ألف قرش على إعادة سنجقة صفد إليه، وكانت بِيَد حسين اليازجي التزمها محمّد جركس باشا، وقد خرج على بني معن وانتهى الأمر بقتله، وعند استحقاق المال وجّه الأمير علي به إلى ابن الحرفوش، وأرسل إليه يشكره.
وفي هذه السَنة عقد الأمير علي المعني عقد ابنته (فاخرة) على الأمير أحمد بن الأمير يونس الحرفوش، فجاء وسكن في قرية مشغرة، وأسّس بها أساس بناء عظيم ليسكن هُناك، وابتدأ يُكاتب بني متوال، فحضر إليه أولاد أغر، وأولاد علي الصغير، وبيت شكر، فلمّا بلغ الأمير علي المعني ذلك أرسل إلى والده الأمير يونس أن يمنع ولده عن السُكنى في قرية مشغرة، فأرسل له جواباً:
إنّ ولدي مُراده القُرب مِنكم، وأن يكون هو وزوجته بقُربكم، وتحت أنظاركم. فلمْ يقبل الأمير علي بذلك، وألزمه بالرجوع إلى بعلبك.
وفي هذه السَنة الّتي عاد فيها الأمير فَخر الدين المعني إلى البلاد، واستقبله كلٌّ مَن هو مِن حزب بيت معن في عكّا، وقد بلغه مقابلة بني
متوال لابن الحرفوش، فلمّا حضر الحاج ناصر الدين بن منكر قَبض عليه، فأرسل الأمير يونس الحرفوش كتخدا حسين يَتشفّع به إليه في إطلاقه، فقَبِل شفاعته على أن يَدفع الحاج ناصر الدين اثني عشر ألف قرشاً كفّلها الأمير يونس.
وفي سَنة ١٠٢٨ هـ - ١٦١٨م ألحّ محمّد آغا قبجي باشى في الطلب على الأمير فَخر الدين بالأموال الأميريّة الباقية عن ثلاث سنوات، فتوجّه الأمير إلى عكّا لجمع أموال بلاد صفد وبلاد بشارة، فرحل المشايخ بيت منكر وبيت علي الصغير إلى الأمير يونس الحرفوش، كما رحل غيرهم مِن صفد، ولمّا بلغه ذلك أحرق بعضاً مِن أماكنهم وضبط أملاكهم.
وفي هذه السَنة لمّا نشبت الحرب بين الأمير فَخر الدين ويوسف باشا ابن سيفا، وكان النصر للأمير، ففي ذلك الحين توجّه الأمير يونس، وكان مِن أنصاره، وحاصر برج القيرانيّة - على هضبة الهرمل الجنوبية - الّذي كان فيه جماعة ابن سيفا مِن السكمانيّة، وتسلّمه في ثلاثة أيّام، وضبط ناحية القيرانيّة والهرمل مع كلّ غنائهما، وغنم أيضاً جميع المَعزى والمواشي الّتي انهزمت مِن بلاد عكار والحصن، ضبط ذلك كلّه واستصفاه لنفسه.
وفي زمن مُحاصرة الأمير فَخر الدين لحصن راويد في بلاد عكّا، أتى تقرير مِن محمّد باشا الوزير على يد باكير آغا لابن سيفا، فأرسل ابن الحرفوش أربعة بلوكباشية مِن سكمانيّته إلى الأمير فَخر الدين إلى الحصن لأجل المُحاصرة.
وفي سنة ١٠٢٩ هـ - ١٦١٩م بعد رجوع الأمير فَخر الدين مِن حرب ابن سيفا، وقد انتهى الأمر بفوزه عليه، ثُمّ إلى الصلح عن طريق الحدث إلى بلاد بعلبك، ونزل على المجر، فبلغ الأمير يونس الحرفوش ذلك وهو بحصن اللبوة؛ فداخله الخوف، فبلغ الأمير فَخر الدين ذلك فركب في عشرة فُرسان وتَوجّه إليه، وكان الأمير يونس في طريق اللبوة فتصادفا، ونزل الأمير يونس وسلّم على الأمير، وعاد إلى الخيام وبصحبته الأمير يونس، وثاني يوم دعا الأمير فَخر الدين إلى اللبوة، وبات تلك الليلة هُناك، وانتقل إلى الهرمل، ثُمّ إلى قرية صدارة قُرب بلاد عكار، وبعد هدمه الدُور الّتي جدّدها بيت سيفا في عكار عاد عن طريق بعلبك إلى بيروت.
وفي سَنة ١٠٣٠ هـ - ١٦٢٠م تُوفّي الأمير أحمد بن الأمير يونس الحرفوش، وكان صهر الأمير فَخر الدين، لأنّه كان متزوّجاً ابنته.
وفي سَنة ١٠٣١ هـ، ١٦٢٠م بَلغَ الأمير يونس الحرفوش توجّه الحاج كيوان إلى الأمير فَخر الدين؛ ليوسّط معه بإبقاء ابنته زوجة الأمير أحمد المُتوفّى لتربية ولدها الصغير، ويتزوّجها أخوه الأمير حسين، ويدفع له ثمانية آلاف قرش، فعُرض ذلك على الأمير فَخر الدين فقبله، وسمح له في تزويجها مِن الأمير حسين أخي الأمير أحمد، ووكّل بذلك الحاج كيوان، وطلب أنْ يُدفع المال إلى خزينة الشام، ورجع الحاج كيوان إلى بعلبك، وأبلغ الأمير يونس الحرفوش قبول الأمير فَخر الدين، وقبض منه المال.
وفي هذه السَنة بعد وصول عمر باشا إلى طرابلس، أرسل الأمير فَخر الدين يطلب منه أنْ يُسلّم حمص إلى الأمير يونس الحرفوش، وأدّى له عليها اثني عشر ألف قرش، فأصدر له أوامر بذلك.
وأرسل الأمير يونس ولده الأمير حسيناً حاكماً على حمص، فجمع منها مالاً زائداً وأدّى الاثني عشر ألف قرش إلى عمر باشا.
وفي سنة ١٠٣٢ هـ - ١٦٢٢م عُزل عمر باشا عن طرابلس وابن الحرفوش عن حمص، وتولّى عليهما عُمر بك بن يوسف باشا ابن سيفا.
وفي هذه السنة تولّى عمر باشا على طرابلس، وعُزل يوسف باشا ابن سيفا، وأرسل أوامر إلى الأمير فَخر الدين وللأمير يونس الحرفوش أنْ يكونا مُساعدين له على ضبط أملاك ابن سيفا.
واتّفق في هذه السَنة أنّ الأمير يونس بن الحرفوش أرسل كتاباً إلى كرد حمزة - مأمور سنجق حمص - يُعلمه بما توقّع للأمير فَخر الدين، وعن عزله عن بلاد صفد ونابلس وعجلون، وعن ضبط ابن قانصوه للمواشي والجمال، ويطلب منه أنْ يغتنم الفُرصة، ومِن القضاء والقدر أنّ هذا الكتاب اختلط بكُتب أرسلها كرد حمزة إلى الأمير فَخر الدين، فلمّا وقف الأمير فَخر الدين على هذا الكتاب تغيّر على ابن الحرفوش، وفي الحال رتّب وأخذ مِن عنده مِن السكمان؛ لأنّه أكثر سكمانة كانوا مِن بلاد صفد.
ولمّا وصل إلى قب الياس نزل إلى النهر، فعلم به الأمير حسين بن الحرفوش ونزل إليه، ودعاه إلى داره فقَبِل دعوته وصعد معه إلى القلعة
بجميع السكمانية، ولمّا استقرّ الأمير فَخر الدين بالقلعة أظهر صكوكاً وأوامر سلطانيّة بمشتراه قلعة قب الياس مِن تَركة الأمير منصور بن عسّاف، وأعطاها للأمير حسين الحرفوش، وقال له:
على موجب هذه الحُجج الدار هي مُلكنا، ونحن أسكنّاكم بها هذه المُدّة، والآن احتجنا إليها فتوجّه أنت إلى والدك بالأمان.
فلمّا سمع الأمير حسين الحرفوش ذلك الكلام تغيّرت أحواله، وما أمكنه أنْ يردّ جواباً، وودّع الأمير فَخر الدين وتوجّه إلى والده إلى بعلبك وأخبره بما حصل، فرحل بعياله إلى الزبداني وخربت بلاد بعلبك، ثُمّ أمر الأمير فَخر الدين بهدم دار قب الياس، وأرسل ابنته زوجة الأمير حسين الحرفوش وولدها إلى والدتها في صيدا، وأمر بنهب غلال أهل بلاد ابن حرفوش فنُهبت، ونُهبت البقاع، وأرسل الأمير بضبط جميع مواشيهم الّتي كانت في البقاع، واستدعى البنّائين وشرعوا في هدم الدار.
ولمّا بلغ الأمير يونس وصول الأمير فَخر الدين بجيشه إلى جسر المجامع، أرسل إلى كرد حمزة أنْ يُوافيه إلى الشام، واجتمعوا بمصطفى باشا، وجعل له تقدمةً على بلاد صفد ثلاثة آلاف قرش زيادة عن المال المربوط عليها، فكَتب الباشا له الأوامر بإحالة سنجقيتها إليه عن يد كرد حمزة بلوكباشية.
ولمّا بلغ الأمير فَخر الدين ذلك كَتب إلى مصطفى باشا وأغاوات الانكشارية في الشام:
(بَلغنا أنّ ابن الحرفوش زاد على سنجق صفد ألف ذهب وقبلتم ذلك منه وأحلتموه إليه، فنحن عندنا تَقدُمة إلى مولانا السلطان مئة ألف ذهب، وإنْ كان ذلك لحزازة في الصدر وقصدكم حدوث الفتنة، وما قبلتم المال يصل إليكم فالأمر لله ثُمّ إليكم).
فلمّا وصلت هذه الكُتب إلى مصطفى باشا، لم يقدر أنْ يَردّ عليها جوباً خوفاً مِن كرد حمزة، وبعد أنْ قضى ابن الحرفوش مصالحه في الشام رجع إلى بعلبك.
وفي هذه السَنة أُعيدت إليه سنجقية صفد بأمر الوزير علي باشا بواسطة الحاج درويش، ولكن والي الشام مصطفى باشا الّذي أبلغه الأمير فَخر الدين الأوامر بذلك لم يُعره التفاتاً؛ ظنّاً أنّها تزوير، وكذلك بقيّة مأموري الشام، فلمّا رجعتْ رُسل الأمير بغير جواب، وأعلموا الأمير عليّاً واقع الحال، ركب بمَن معه مِن صفد، ثُمّ أرسل إلى قب الياس، ولمّا اجتمعت العساكر في قب الياس، ووصل الأمير فَخر الدين والأمير عليّ الشهابي إلى
القرعون، وكان إذ ذاك الأمير يونس الحرفوش وابنه الأمير حسين وجميع أقاربهم في بعلبك، وعندهم الأمير عمر بن سيفا وجميع سكمانه وعربه، وبلغهم اجتماع بيت معن وعساكرهم في قب الياس، توجّهوا بعسكرهم إلى مصطفى باشا والي الشام ونزلوا على جسر دير زيتون، وبعد عَلف خيلهم ركبوا وأدركوا الديماس صباحاً، والتقوا بعسكر الشام.
وأمّا الأمير علي، فقد ركب مِن القرعون إلى قب الياس، ولم ينزل بها إلاّ ليدبّر عليق خيوله، فتابع سيره إلى الكرك بجميع الخيل، وكان في الكرك نحو مئة رجل مِن سكمان ابن الحرفوش، فلمّا هجمت الخيل دخلوا إلى مزار نوح (عليه السلام)، وأخذوا يُطلقون نيران بنادقهم على العسكر، فلمّا رأى الأمير ذلك أمر أنْ يكسروا الباب بالفؤوس، فقُتل مِن عسكر ابن معن خمسة رجال، وتسلّموا المزار، وقُتل مِن اللاجئين به نحو أربعين قتيلاً.
وعند ذلك أرسل الأمير إلى ولده الأمير علي، أنْ يَحضر في باقي عسكر الفرسان، وأنّ المُشاة تبقى مع أخيه الأمير يونس في الخيام، وحضر الجميع إلى مدينة الكرك، وعند الصباح أحرق العسكر جميع ما فيها حتّى لم يبقَ بيت، ثُمّ توجّهوا إلى قرية سرعين - الّتي كانت قديماً مَسكن بيت الحرفوش - فوجدوا أهلها قد ارتحلوا إلى الزبداني، فأخذوا منها العليق ثُمّ حرقوها، ورجعوا إلى الشرقي فأحرقوا جميع قُرى بلاد بعلبك.
وأمّا أهل بعلبك، فإنّهم لمّا علموا ذلك تحصّنوا في القلعة، ورجع الأمير إلى قب الياس.
وفي سَنة ١٠٣٣ هـ - ١٦٢٣م خرج مصطفى باشا بجيش كثيف ينيف عدده عن اثني عشر ألفاً، اجتمع مِن أعداء بيت معن، وانضم إليه سكمانية ابن سيفا وابن الحرفوش، وكان عدد جيش الأمير فَخر الدين يبلغ أربعة آلاف، ولمّا وصل عسكر الشام إلى ينبوع عنجر، انتشب القتال بينهم وبين رجال بني شهاب، فهجم عليهم عسكر الشام هجمة واحدة، فأخرجوهم مِن قرية مجدل عنجر، وملك سكمانية ابن سيفا وابن الحرفوش البلدة، وحاصر رجال بيت شهاب في البرج، وظلّ دُخان البارود صاعداً إلى السماء، وسمع الأمير فَخر الدين فَرقَعَة البارود، فغار في عساكره إلى أنْ وصل، ولمّا عَلم رجال بيت شهاب بقدوم الأمير هجموا على الّذين في القرية، واجتمعوا مع فرسانهم واصطفّ العسكر قُبالة ينبوع عنجر بزمورهم وطبولهم ونشروا الأعلام، وبقيت الساقة والذخيرة وراءهم ووقفوا لانتظار عسكر ابن معن،
فجاءت مُشاة الأمير فَخر الدين مِن جانب الشمال عند الثغرة التي تنفذ إلى ينبوع عنجر، وأتى عسكر الأمير علي مِن ناحية برج المجدل، وعسكر الأمير يونس مِن الناحية الجنوبية تحت قرية المجدل، ولمّا ظَهرت العساكر المذكورة خرج مِن عسكر الشام - نحو ألف فارس - وأغاروا على العسكر، فثبت أمامهم عساكر ابن معن، وكانت هجمتهم لنحو عسكر الأمير علي، فثبت رجال البلاد.
ولمّا رأى الأمير ميل الفرسان نحو عسكر ولده، أغار في فرسان السكمان على مُقدّمة عساكر الباشا، واجتهد مصطفى كتخدا أنْ يُنجد الأمير عليّاً بمَن معه، إلاّ أنّه لمّا ضَرب الأمير فَخر الدين مُقدمّة الجيش ولّت مِن أمامه، ونكّسوا السنجق الّذي فوق رأس الباشا، ونادى عسكر ابن مَعن بالنصر، فلمّا رأى الفرسان أنّ مُقدّمة جيش الباشا وابن سيفا وابن الحرفوش انكسرت مِن الوراء، ردّوا رؤوس خيولهم ورجعوا مُنكسرين، وتشاغلت عساكر ابن مَعن بالغنيمة والمكَسب ونهب الخيم، ولولا ذلك لهلك مِن عسكر الشام قتلاً ما لا يُحصى.
وأمّا مصطفى باشا، فلم يُمكنه الفرار، وأحاطت به خيل السمكانيّة مِن كلّ جانب وأمسكوه بأيديهم، وأتوا به أسيراً إلى الأمير فَخر الدين والأمير علي، فلمّا رأياه نزلا عن خيلهما وقبّلا ذيل ثيابه، وقدّم له الأمير فَخر الدين فرسه وأركبه عليها، وأمر محمّد بلوكباشي أنْ يتوجّه معه إلى قب الياس، ولم يبقَ معه مِن عسكره سوى مملوكَين قبَض عليهما السكمان، فأمر الأمير بردّ سلاحهم وخيلهم، والّذين أُسروا مِن العسكر أمر بإطلاقهم.
وأمّا الأمير يونس الحرفوش والأمير عمر بن سيفا ورجالهما وكرد حمزة وبلوكباشيّته، فلم يبيتوا إلاّ في مدينة بعلبك، وعند الصباح توجّه الأمير يونس إلى حصن اللبوة، وأبقى عياله في القلعة، والأمير عمر وكرد حمزة توجّها إلى حِمص، وبعد ثلاثة أيّام أرسل الأمير يونس عياله إلى قلعة حصن راويد، وتوجّه هو إلى حماة.
ولمّا دخل الأمير على مصطفى باشا في قب الياس، اعتذر له عن هذه الحرب الّتي لم تكن عن رضاه، والباشا اعتذر له أنْ هذه الحرب لم تكن بخاطره، وأنّ كرد حمزة هو الّذي سبّب ذلك مع ابن الحرفوش، وطلب الأمير مِن الباشا التوجّه إلى بعلبك ليُنظّم أحوالها، وركب الباشا والأمير والحاج كيوان ونزلوا في تمنين، ومنها ساروا إلى مدينة بعلبك فرأوها خراباً، ولم يكن فيها في قلعتها غير مئتي رجل مِن السكمانيّة، فنزل مصطفى باشا
والحاج كيوان في دار الأمير شلهوب الحرفوش، ونزل الأمير فخر الدين في دار الأمير يونس، والأمير سليمان بن سيفا في دار الأمير حسين.
وأمّا الأمير يونس الحرفوش، فإنّه لمّا بلغه أنّ الأمير فخر الدين دخل بعلبك توجّه هو وكرد حمزة إلى حلب، ونزلوا على وجاق الاسبهاتيّة وقابلوا مُراد باشا الوزير، وكان الأمير شلهوب الحرفوش قد رجع مِن حمص وقابل مصطفى باشا والأمير فخر الدين، فطَمأنا خاطره وتصرّف في أملاكه، والأمير حسين بقي في حمص عند الأمير عمر بن سيفا، وبعد ذهاب مصطفى باشا مِن بعلبك، أرسل الأمير فخر الدين إلى جبة عسال مَن ضبط معزى ابن الحرفوش، وكانت نحو عشرة آلاف رأس، فأرسل منها ألفين إلى مصطفى باشا.
وفي أواخر صفر هذه السَنة، انضمّ الأمير شلهوب الحرفوش إلى عسكر الأمير فخر الدين، الّذي قدم لإنجاد الأمير مدلج الحياري على ابن عمّه الأمير حسين، وبعد عودة الأمير فخر الدين مِن مُحاربة الأمير حسين الحياري إلى بعلبك أمر السكمان أنْ يُحيطوا بالقلعة، ويُشدّدوا عليها الحصار، وفرّق عليهم هبة، لكلّ واحد خمسة قروش، ولكنّه لمّا وجد منهم إهمالاً بأمر الحصار خرج بنفسه ونصب خيامه على الخندق، فرأى البلوكباشية أنّ الأمير تغيّر خاطره عليهم، فشرعوا في بناء المتاريس وعملوا خنادق، وشدّدوا الحصار إلى أنْ صاروا تحت حائط القلعة، فأمر البنّائين بأنْ يَفتحوا ألغاماً فلم يقدروا؛ لأنّ بناء تلك القلعة مِن عجائب الدنيا، وكان الأمير لا يُفارق المتاريس لا ليلاً ولا نهاراً، ووضعوا أخشاباً مِن الحور على حائط القلعة بحيث إذا رموا الحجارة لا يُصيبون البنّائين، وبقي الحصار مُدّة طويلة، وفي تلك الأيّام حَضر الأمير حسن بن الحرفوش في أواخر ربيع الثاني، وقابل الأمير فخر الدين عن يد خاله الأمير شلهوب، فأقام في بعلبك.
وفي هذه السَنة أوصى مراد باشا الأمير خالداً - الّذي حضر إليه مِن قِبَل الأمير مدلج - أنْ يَمرّ على معرة النعمان، ويقبض على الأمير يونس الحرفوش ويرفعه إلى القلعة، فامتثل الأمر وقبض عليه وأرسله إلى قلعة سلمية، وكان ذلك في أواخر جمادى الأُولى مِن هذه السَنة، فلمّا بلغ الأمير حسين إلقاء القبض على والده - وكان في حماة عند خاله محمّد باشا - خاف على نفسه وخرج ليلاً بسكمانيته، وجاء إلى بلاد الحصن؛ لأنّ عيالهم كانت هُناك، وأرسل إلى خاله الأمير شلهوب أنْ يتوسّط مع الأمير فخر الدين في
المُصالحة، وأنْ لا تجري منه مُراسلات إلى مُراد باشا بضرر والده، وأنْ يكون له أربعون ألف قرش، فقَبِل الأمير فخر الدين ذلك.
وفي تلك الأيام: سلّم السكمان الّذين كانوا مُحاصرين في قلعة اللبوة، وحضروا إلى بعلبك لمّا عَلموا بإلقاء مراد باشا القبض على ابن الحرفوش، فأرسلهم الأمير ليُخبروا أصحابهم الّذين في القلعة عن ذلك، ولمّا أخبروهم يئسوا مِن الفرج، وقبلوا بالتسليم شريطة أنْ يخرجوا بسلاحهم، وخرج منهم ثلاثة بلوكباشية، وحضروا عند الأمير فطيّب خواطرهم وأعطاهم الأمان، ثُمّ رجعوا وفتحوا باب القلعة، فخرج جميع مَن فيها بسلاحهم وسباياهم.
وعيّن الأمير عنده جماعة منهم، وكانت مُدّة الحصار أربعة أشهر، ولمّا تسلّم الأمير فَخر الدين القلعة أمر البنّائين بهدمها، فظلّوا مُدّةً لم يهدموا منها إلا اليسير، وبعد تسليم القلعة أرسل الأمير فخر الدين إلى الأمير مدلج يَستعلم منه عن أخبار ابن الحرفوش، فرجع الجواب أنّ مُراد باشا أحضره إلى حَلب، وحال وصوله تَوسَّط له كرد حمزة؛ فأطلقه تحت ضمانة ماليّة لم يُعرف مقدارها، ولم يزل مُقيماً في حلب.
ولم يزل الأمير فَخر الدين يُقيم الفينة بعد الفينة في بعلبك، ولمّا كان قد احتاج وهو فيها إلى مال أرسل الأمير عليّاً الحرفوش إلى أخيه الأمير حسين يطلب منه المال الّذي وقع عليه الصُلح، وعاد مِن أخيه وصحبته أخوه سيد أحمد وأقاربه ووكيل الأمير مدلج الحياري ومعه ستّة عشر ألف قرش، وأبقى الباقي إلى عيد الفطر، فتسلّم الأمير عليّ بن معن المال، ووقع الصلح بينهما، وعاد وكيل الأمير مدلج والأمير سيد أحمد مجبوريّ الخاطر.
ثُمّ في هذه السَنة رجع الأمير يونس إلى جبة عسال، وأرسل هديّة إلى مصطفى باشا عند رجوعه إلى بلاد بعلبك، على أنْ يسمح له بقتل ابن عمّه الأمير شلهوب الحاكم مِن قِبَل الأمير فخر الدين، وجعل له لقاء ذلك ثلاثين ألف قرش هديّة، فلمّا قبضَ الباشا المال بعث مَنْ قبض على الأمير شلهوب، ورفعه إلى القلعة، وضبط جميع مُقتنياته، وبعد يومين قتله، وبعد ذلك تزوّج الأمير عليّ ابن الحرفوش بزوجة الأمير شلهوب.
سَنة ١٠٣٤هـ - ١٦٢٤م في هذه السنة - بعد وصول الأمير فخر الدين إلى صيدا مِن بيروت - حضر له كتاب مِن الأمير علي الشهابي، يُخبره أنّ الأمير حسيناً الحرفوش حضرَ إلى حاصبيا، وأنّه مُستعدٌّ لتأدية المال المُتّفق
عليه، على شرط وقوع الصُلح التامّ، وأنْ تُرجع له زوجته - ابنة الأمير فخر الدين - الّتي أُخذت منه لمّا ضبط قلعة قب الياس، فردّ الأمير جواباً للأمير علي، طالباً الأمير حسيناً أنْ يحضر ويكون طيّب الخاطر، فحضرَ الأمير علي وولده الأمير قاسم، معهما الأمير حسين الحرفوش، ولمّا وصلوا إلى مدينة صيدا التقاهم الأمير فخر الدين وولده بكلّ إعزاز وإكرام إلى خارج المدينة، ومكثوا عنده عشرة أيّام، وأدّى الأمير حُسين المال الّذي تعهّد به، وأخذ زوجته ابنة الأمير، ورجع إلى بعلبك مجبور الخاطر.
وفي هذه السَنة أمر الأمير فخر الدين بإصلاح قلعة بعلبك، ووضع فيها السكمان مِن قِبَلِه.
وفي سنة ١٠٣٥هـ - ١٦٢٥م لمّا عُزل حافظ أحمد الوزير الأعظم، وتولّى مكانه خليل باشا توجّه إلى حلب لكي يُحارب الأمير فخر الدين وينهب بلاده، ولمّا بلغه ذلك، أرسل عبد الله بلوكباشي يستعطف خاطره، ويَعده بمالٍ جزيل، وتسليم قلاع: الحصن وصافيتا وسلمية وشميس والمرقب؛ فقبل الوزير ذلك، وبعد أنْ تمّ هذا الاتّفاق بين الأمير والباشا قَتل الوزير الأمير يونس الحرفوش، وتحوّلت الحملة الّتي كان يقودها لحرب الأمير إلى الشام.
وفي هذه السنة ضخمت ولاية الأمير، حيث امتدّت على بلاد العَرب بسورية، مِن حُدود حلب إلى حدود القدس، وأُعطي اسم جدّه الأمير فَخر الدين الأوّل سُلطان البر، ولمّا جدّد بناء بعض القلاع رجع إلى بعلبك وأصلح قلعتها، ووضع فيها سكمانه.
انتهت حال المُترجَم له - الأمير يونس - الّذي طالت ولايته، ولم يَعرف للاستقرار معنى في أثنائها إلى القتل على يد الوزير خليل باشا، بتدبير الأمير فخر الدين المعني، كما كانت نهاية ابن عمّه - خصمه على حُكم بلاد بعلبك - الأمير شلهوب الّذي كان قتله بتدبيره، والناس مجزيّون بأعمالهم.
٦- الأمير شلهوب:
الّذي سبقتْ ترجمته وتفاصيل أحواله في تاريخ الأمير يونس، ولم يكن بين قتلهما غير عام.
وهكذا كانت سياسة ولاية ذلك العَهد، مجموعةً مِن عناصر الأطماع وإرهاق سكّان البلاد بالضرائب والمُصادرات، وإلهابها بالحُروب المتتابعة، وإلقاء الشقاق والتفريق بين الطامحين في الولايات مِن
المجاورين البعيدين والأقربين، وبين أبناء الأعمام والإخوان والأولاد، وفي ذلك كلّه عِبرةٌ للمُعتبر، وعِظةٌ للمُتّعظ، وكفى بالتاريخ واعظاً، وهذا هو شأن المتقلّب الغريب في كلّ زمان ومكان، ولله الأمر مِن قبلُ ومِن بعدُ.
٧- الأميرُ حُسين ابن الأمير يونس ابن الأمير حسين:
في سنة ١٠٢٤هـ - ١٦١٥م وهي السنة التي عُزل فيها أحمد باشا الحافظ عن ولاية الشام، وولي مكانه محمّد جركس باشا، الّذي كان مِن باكورة أعماله إطلاق سراح والدة الأمير فَخر الدين المَعني، والكتابة له بالعود إلى بلاده، وكان مِن أعماله إرساله وكيلاً عنه إلى مدينة بعلبك، ممّا حدا بالأمير يونس إلى السفر إلى حَلب، مستصحباً معه أربعين ألف ليرة ذهباً خدمة لوزيرها، فقرّر عليه ولاية البقاع وبعلبك، وكتب إلى محمّد جركس باشا بأنْ يدفع يد الأمير شلهوب الحرفوش عن حُكم بعلبك، فتسلّم البقاع متخّذاً مقامه بقلعة قب الياس، وأقام ولده الأمير حسين - المُترجَم له - حاكماً في بعلبك كما سبق ذِكر ذلك، وهذه هي المرّة الّتي ذُكر فيها اسمه في الحُكم.
وفي سنة ١٠٣١هـ صاهر الأمير فَخر الدين على ابنته الأميرة فاخرة - زوج أخيه الأمير أحمد المُتوفّى ١٠٣٠هـ - كما سبق ذِكر ذلك في ترجمة والده الأمير يونس.
وفي هذه السَنة وليَ حُكم حمص عن والده بعد أنْ ضُمّت إلى أعماله بتوسّط الأمير فخر الدين مع عُمر باشا والي طرابلس، وبعد عزل عُمر باشا مِن ولاية طرابلس في سَنة ١٠٣٢هـ - ١٦٢٢م رُفعت يد الأمير يونس عن ولاية حمص.
وفي هذه السنة كان مقيماً في قلعة قب الياس قاعدة البقاع، فأخرجه منها الأمير فخر الدين لسبب مرّ بيانه، وأحفظ ذلك صدره على الأمير يونس.
وفي سنة ١٠٣٣هـ - ١٦٢٣م لمّا وقعت الحربُ بين الأمير فخر الدين ومصطفى باشا والي الشام انضمّ الأمير يونس إلى والي الشام، وانتهت الحرب بظَفر الأمير فخر الدين وفرار الأمير يونس وولده الأمير حسين، فذهب الوالد إلى مراد باشا في حلب، وأقام الأمير حسين في حمص عند الأمير عمر بن سيفا، وبقيّة أخباره في هذه السَنة مبسوطة في أخبار والده فلا نُعيدها.
وبعد مقتل والده سَنة ١٠٣٥هـ - ١٦٢٥م إلى سنة ١٠٤٦هـ - ١٦٣٦م، أي بعد زوال سلطان الأمير فخر الدين مِن البلاد الشاميّة بثلاث سِنين، انقطعت أخبار قومه الحرافشة، ولم نقفْ على مصير المُترجَم له.
٨- الأمير أحمد ابن الأمير يونس ابن الأمير حسين:
مَرّ خبرُ تزويجه بابنة الأمير فخر الدين، وسُكناه قرية مشغرة، واتصاله بشيعة جبل عامل، وتبرّم الأمير عليّ بن الأمير فخر الدين بذلك، وطلبَ مِن أبيه بأنْ يأمره بُمغادرتها، ثُمّ استياء الأمير فخر الدين مِن ذلك بعد عودته مِن توسكانا، وقبضه على الحاج ناصر الدين بن منكر بهذا السبب، ثُمّ خبر وفاة المُترجَم له سَنة ١٠٣٠هـ، فنقتصر على ما سبق، وهو كلّ ما اتّصل به عِلمنا بأحواله.
٩ و١٠- الأميران علي وسيّد ابنا الأمير يونس:
وردَ لهُما ذِكر سابقاً، ولم نجد لهما بعد ذلك خبراً، اللّهمّ إلاّ تزويج الأوّل بزوجة الأمير شلهوب.
١١- الأمير حسن:
ولعلّه مِن أبناء الأمير يونس، وقد ذُكر سابقاً حضوره إلى بعلبك في أثناء مُحاصرة الأمير فخر الدين المعني لقلعتها، ومُقابلته له عن يد خاله الأمير شلهوب، وإقامته في بعلبك.
أخبار الحرافشة بعد انقطاعها مُدّة إحدى عشرة سَنة:
انقطعت أخبار الحرافشة مِن سنة ١٠٣٥ إلى سَنة ١٠٤٦هـ - ١٦٣٦م، وفي هذه المُدّة كانت أيديهم مقبوضة عن حُكم بلادهم الموروث عن آبائهم.
وفي هذه السَنة جَمع آل حرفوش سكمانهم وعربانهم وأتوا يسترجعون بلاد بعلبك، فلمّا بلغَ ذلك نائب الشام خرج بعسكره ووقعت بينهم الحرب، فظفر النائب بهم، وقَتَل منهم مقتلةً عظيمة، وكان ذلك في مُدّة حُكم الأمير ملحم المعني ابن الأمير يونس ابن الأمير قرقماز وابن أخي الأمير
فخر الدين، ثُمّ انقطع خبرهم إلى سَنة ١٠٨٢هـ - ١٦٧١م، أي مُدّة ستٍّ وثلاثين سَنة.
١٢- الأمير عليّ الحرفوش:
ففي هذه السنَة ١٠٨٢هـ استنجد الأمير علي بحكومة الشام، وخرج بعسكر، فهزم أولاد عمّه الأُمراء عُمر وشديداً ويونس، فنهب أرزاقهم وحرق دورهم وتولّى بعلبك.
في سنة ١٠٩١هـ - ١٦٨٠م استأجر الأمير فارس بن الشهاب بلاد بعلبك، فتوجّه الأمير عمر إلى آل حمادة وجمع الرجال، وباغتَ الأمير في نيحا فوق الفرزل، فقتله وقتل خمسين رجلاً مِن شيوخ وادي التيم، فجمعَ الشهابيّون العساكر وساروا إلى بلاد بعلبك، فتدخّل الأمير أحمد بن مَعن بالصُلح، وجعل جزيةً على آل حرفوش، كلّ سَنة خمسة آلاف قرش، ورأسين مِن أطايب الخيل.
ولم نقف للأمير عُمر بعد هذا على خَبر.
وفي سنة ١١٠٤هـ - ١٦٩٢م أُذن لمحمّد باشا المعزول عن إيالة طرابلس بحُكم بلاد بعلبك.
وفي هذه السنة بعد مُحاربة علي باشا والي طرابلس الحماديّة وانهزامهم منه، ونيله منهم ما أراده وتصرّفه في العزل والتعيين في الأعمال استناب في بعلبك أحمد آغا الكردي ورحل بالعسكر، وكَتب أحمد آغا هذا إلى آل حمية طالباً حضورهم، وعندما حضروا غدر بهم وقتل منهم ستّة عشر رجلاً، وأرسل الحاج ياغي وأولاده إلى علي باشا فقتلهم.
١٢و١٣- الأميران شديد ويونس:
لم نجد لهما ذِكراً غير ما مرّ سابقاً، ولم نعلم ما آل إليه أمرهما وأمر الأمير عُمر.
انقطاع أخبار الحرافشة إلى سَنة ١١٦٠هـ - ١٧٤٧م:
ففي مدّة تبلغ تسعاً وستّين سَنة لم يعرض المؤرّخون لذكر الحرافشة بشيء.
وفي هذه السنة (١١٦٠هـ) ذَكر المُؤرّخون:
١٤- الأمير حيدر:
وأنّه كان في هذه السنة حاكم بعلبك، وقد ذُكر في الحرب الّتي وقعت بين أسعد باشا العظم والأمير ملحم الشهابي، وكان مع الأمير ملحم يومئذٍ الأمير حسين، والأمير حيدر أخوه مع أسعد باشا، ولمّا خرج الباشا إلى الحجّ، أرسل الأمير ملحم عسكراً إلى بلاد بعلبك فطرد الأمير حيدراً وولّى مكانه الأمير حسيناً، وخَرّبت الدروز بلاد بعلبك وقطّعت أشجارها.
وفي سنة ١١٨٨هـ - ١٧٧٤م تُوفيّ الأمير حيدر - وكان قد عَمّر كثيراً - فتولّى مكانه على بلاد بعلبك أخوه الأمير مصطفى الآتي ذِكره.
١٥- الأمير حسين أخو الأمير حيدر:
كان يُنازع أخاه الإمرة، وقد ولاّه حُكم بلاد بعلبك الأمير ملحم الشهابي سنة ١١٦٠هـ ١٧٤٧م كما مرَّ سابقاً.
١٦- الأمير مصطفى:
تولّى حُكم بلاد بعلبك بعد وفاة أخيه الأمير حيدر، وكان لأخيه هذا ولد يُقال له الأمير درويش، فحضر إلى دير القمر يلتمس مِن الأمير يوسف الشهابي الحُكم مكان أبيه، فلم يُلبِّ الأمير يوسف طلبه؛ لأنّ الأمر مصطفى كان أجدر منه بالحُكم، فتوجّه إلى عكّاء، وطلب مِن الشيخ ظاهر العمر الولاية، فكَتب الشيخ ظاهر إلى الأمير يوسف بهذا الأمر، فكان مِن نتيجة هذه الوساطة أنْ جعل حُكم بلاد بعلبك مُقتَسَماً بين الأميرين.
وفي سنة ١١٩٧هـ - ١٧٨٢م حضر الأمير محمّد الحرفوش إلى دير القمر مطروداً مِن أخيه الأمير مصطفى، فجهّز الأمير يوسف معه عسكراً وأقام عليه البعض مِن بني عمّه والبعض مِن وجهاء البلاد، وكان عدد العسكر نحو خمسة آلاف رجل، ولمّا وصلوا إلى بلاد بعلبك هرب الأمير مصطفى وأولاده إلى حمص، وتولّى الأمير محمّد بلاد بعلبك، والتقى الأمير مصطفى في طريقه بعبد الله باشا والي طرابلس وهو متوجّه إلى الحج، ووعده بخمسة وعشرين ألف قرش إذا جعل طريقه على بعلبك، فأبى وسار معه الأمير مصطفى إلى دمشق، ومكثَ هناك.
ورجع عسكر الأمير يوسف إلى البلاد، وتمهّدت ولاية بعلبك للأمير محمّد، وأقام الأمير
مصطفى في دمشق حتّى رجع عبد الله باشا مِن الحج، فرجع إلى بعلبك بعسكر مِن رجال الدولة، وهربَ الأمير محمّد بأُسرته ومعه جماعة مِن بني الحرفوش، فأقاموا في المجدل في جرد المتن، وأصلح الأمير مصطفى أمره مع الأمير يوسف، وقدّم له المُرتّب المُعتاد على الولاية مِن المال، واستقرّ حُكمه في بلاد بعلبك.
وفي سَنة ١١٩٨هـ - ١٧٨٣م بعد ولاية درويش باشا على دمشق، أرسل عسكراً لكبس الأمير مصطفى في بعلبك، فقبضوا عليه وعلى أخيه وسَبَوا حريم بني الحرفوش ونهبوا المدينة، وأخذوا الأمير مصطفى وأخاه إلى دمشق، فأمر درويش باشا بشنق الأمير مصطفى، وأرسل مِن قِبَلِه مُتسلّماً إلى بعلبك فعدل في حُكمه، وارتاحت الرعايا وارتفعت عنهم المظالم الّتي سنّها فيهم الأُمراء الحرافشة، وكان يُدعى ذلك المُتسلّم سليم آغا.
١٧- الأمير درويش ابن الأمير حيدر:
لم نجد له ما يُدوّن غير ما ذُكر مِن أمره بترجمة عمّه الأمير مصطفى، كما أنّنا لم نقف على نهاية حاله.
١٨- الأمير محمّد أخو الأمير مصطفى:
لم نقف له على غير ما دُوّن مِن خبره بترجمة أخيه الأمير مصطفى، كما أنّنا لم نقف على نهاية ما آل إليه أمره.
١٩- الأمير جهجاه ابن الأمير مصطفى:
قد سبق ذِكر الخَبر في ترجمة الأمير مصطفى عن نهاية أمره على يد درويش باشا والي دمشق، وإخراج الحُكم مِن أيدي بني حرفوش، وتعيينه مُتسلّماً على بعلبك سليم آغا.
وفي سنة ١٢٠١هـ - ١٧٨٦م بعد دخول بطال باشا إلى دمشق الشام، أرسل محمّد آغا العبدَ الّذي كان حاكماً في البقاع مُتسلّماً على بلاد بعلبك، وكان قد رجع الأمير جهجاه ابن الأمير مصطفى وجمع عسكراً، فكبس محمد آغا في بعلبك، وقتل جماعة مِن أصحابه، وهربَ محمّد آغا إلى دمشق، وكان الوزير يومئذ قد همّ بالخروج إلى الحج فلم يتمكّن مِن تجهيز حَملةٍ إلى بعلبك.
وفي سَنة ١٢٠٢هـ - ١٧٨٧م بعد رجوع بطال باشا مِن الحج عُزل عن دمشق وتولّى مكانه أظنّ إبراهيم باشا، وبعد دخوله إلى دمشق أرسل عسكره إلى بلاد بعلبك وكبس الأمير جهجاه، فانكسر عسكر الدولة وقُتل منهم جماعة، ثُمّ أرسل الأمير يوسف مُستعطفاً إبراهيم باشا على الأمير جهجاه، ورجع إلى حُكم بلاد بعلبك.
وفي سنة ١٢٠٣هـ - ١٧٨٨م وقعت الحرب بين عسكر الجزار والأمير يوسف، وكان قد انضمّ إلى عسكر الأمير يوسف الأمير جهجاه بعسكر بلاد بعلبك، وكان النصر للأمير يوسف، وبعد انتصاره تفرّق عسكره، ومِن جُملتهم عسكر الأمير جهجاه، وانتشبت حرب ثانية بين الجزار والأمير يوسف انتصر فيها الجزار.
وفي سنة ١٢٠٤هـ - ١٧٨٩م قدٍِم الأمير قاسم ابن الأمير حيدر الحرفوش مُلتجئاً إلى الأمير بشير الشهابي، فجهّز معه عسكراً يرفع الأمير جهجاه عن حُكم بلاد بعلبك، ويُولّي مكانه الأمير قاسماً، وبوصول هذا العسكر إلى بلاد بعلبك التقاهم الأمير جهجاه وكسرهم وسلبَ منهم كثيراً مِن الخيل والسلاح، ولم يُرد أنْ يقتل أحداً منهم، وأسَرَ الأمير مُراد ابن الأمير شديد أبي اللمع، ولمّا وصلَ أمامه أطلقه مُكرّماً.
ثُمّ إنّ الأمير قاسماً جمع عسكراً مِن بلاد الشوف وبلاد بعلبك، وكبس ابن عمّه الأمير جهجاه في مدينة بعلبك، فخرجَ إليه برجاله والتقوا خارج المدينة، فهجم الأمير قاسم على الأمير جهجاه إلى وسط العسكر، وقبل وصوله أصابته رصاصة فقتلته، وكان شجاعاً كريماً كوالده، ولم يكن ظالماً مثل بقيّة بني الحرفوش، وكان له مِن العُمر سبع عشرة سَنة.
وفي سنة ١٢١٤هـ - ١٧٩٩م في ١٣ كانون الأوّل رجع الأمير بشير إلى بلاد بعلبك، فقدّم له الأمير جهجاه الذخائر الوفيرة.
إلى هذه السنة انتهت أخبار هذا الأمير، ولم نقف على مصير أمره فيما بعد هذا التاريخ.
٢٠- الأمير قاسم ابن الأمير حيدر:
لم نقف له على خبرٍ غير ما دُوّن في ترجمة ابن عمّه الأمير جهجاه، وانتهاء أمره بالقتل كما سبق بيانه.
انقطاع أخبار الحرافشة إلى سنة ١٢٣٥هـ:
في هذه السَنة أرسل عبد الله باشا الخزندار والي صيدا يطلب مِن سليمان باشا العظم والي دمشق طرد المشايخ النازحين مِن جبل لبنان، فأمرَ بطردهم مِن تلك الديار، فأتوا إلى قرية (معذر) في شرقي البقاع وأقاموا مُدّة يسيرة، فأرسل عبد الله باشا يلتمس منه أنْ يطردهم مِن جميع إيالته، فأمر الأمير أفندي صاحب راشيا أنْ يسير بعسكرهم إلى طردهم مِن هناك، وكَتب إلى الأمير أمير الحرفوش أنْ يُلاقيه مِن الجهة الأُخرى، ولمّا بلغهم قدوم العساكر إليهم مِن وادي التيم وبلاد بعلبك فرّوا هاربين، ونزلوا في قارة والنبك نواحي المشرق.
٢١ - الأمير أمين:
يظهر ممّا سبق أنّ هذا الأمير كان يَحكم بلاد بعلبك قبل هذا التاريخ، وكأنّه لم يكن في أيّامه مِن الحوادث ما يستحقّ التدوين، وكأنّه لم يوجد في أُسرته مَن كان يُنازعه حُكم البلاد، ويَظهر أنّ مُدّة حُكمه قد طالت وامتدّت إلى سَنة ١٢٤٨هـ - ١٨٣١م، ففي هذه السَنة قدم إلى بتدين قاعدة الأُمراء الشهابيّين في عهد ولاية الأمير بشير الكبير ودخل السجن، فبلغ الأمير بشير ذلك فأمر بإحضاره وطيّب قلبه. ويُستدّل مِن هذا أنّ الأمير كان عليه غاضباً.
ولم يرد له بعد ذلك ذِكر ولم يُعرف مصيره.
٢٢ و ٢٣- الأميران خنجر وأخوه الأمير سلمان:
في سَنة ١٢٥٤هـ - ١٨٣٨م جمع الأمير علي اللمعي رجالاً مِن المتن وسار بهم إلى المريجات في البقاع، فقدِم إليه الأمير خنجر والأمير سلمان.
وفيها نزلَ الأمير خنجر وأخوه إلى زوق مكائيل ليجمعا رجالاً.
أمّا الأمير خنجر، فإنّه لمّا وصل إلى المعاملتين مِن كسروان، قال له البعض: خُذ معك بعضاً مِن أهل غزير، ونحن نذهب ونأتي بهم إليك، فساروا إلى الأمير عبد الله وأخبروه بما كان، فقصده الأمير عبد الله بأصحابه للقبض عليه، ولمّا رآهم الأمير خنجر مُقبلين ظنّ أنّهم مِن الأهالي، وإذ اقتربوا منه أحاطوا
به فلم يُمكنه الفرار، فقبضوا عليه وعلى أخيه وستّة أشخاص مِن الشيعيّين كانوا معهما، ورجعوا بهم إلى غزير فأمر الأمير عبد الله بوضعهم في السجن، وذاع الخبر في كسروان، فانحدر مِن أهلها ومِن الفتوح نحو مئة رجل إلى غزير بقصد تخليص الأمير خنجر ومَن معه، وأرسلوا إلى الأمير عبد الله يطلبون إخراجهم مِن السجن فأبى، فهجموا على باب السجن وكسروه، وأخرجوا الأميرين وأصحابهما، واسترجعوا أسلحتهم جميعاً وسلّموهم إياهما، وانحدروا بهم إلى جونية فانضمّ إليهم جماعة، وأتى الأمير خنجر بهم إلى المكلس لتهييج المتنيّة.
وفي ذلك الوقت نهض عبّاس باشا وسليمان باشا بالعسكر مِن بيروت إلى الحازميّة ومعهما الأمير مجيد، ثُمّ ساروا إلى حمانا، ولمّا وصلوا تجاه المكلس أطلق الأمير خنجر وجماعته الرصاص، فأرسل إليهم سليمان باشا الأرناؤوط الّذين حين قابلوهم تفرّقوا شَذر مَذر، وفرّ الأمير خنجر إلى جرد العاقورة، فنهب الأرناؤوط ما نهبوا وأحرقوا المكلس وقسماً مِن المنصوريّة وبيت مري ودير القعلة، ورجعوا إلى المُعسّكر.
وفي غضون ذلك أرسل السر عسكر إلى بيت شباب عُمر بك النمساوي ومعه الأمير خنجر الحرفوش ولبنانيّون، فوزّع على أهلها أسلحةً، فالتقاه الأمير سعود إلى عيون العلق وحاربه، فرجع إلى جونية.
ما كتبه عنهم الأُستاذ عيسى المعلوف في كتابه دواني القطوف ونهاية أمرهم:
قال: (أوّل مَن تولّى الحُكم مِن الحرافشة في بعلبك الأمير موسى (أو يونس)، في أوائل القرن السابع عشر، له وقائع مع الأمير فخر الدين المعني وغيره، وآخرهم الأمير محمّد الّذي حدّثته نفسه بالخروج عن طاعة الدولة العليّة، فجمع عسكراً مِن بعلبك ووادي العَجم وتحصّن في قرية معلولا.
وفي الخامس مِن تشرين أوّل سَنة ١٨٥٠ هجمَ عليه مصطفى باشا قائد عسكر الدولة بين معلولا وعين التين، وقتل مِن عسكره نحو ثلاثمئة، وكان زخريا مطران سلفاكية الأرثوذكسي على سطح دير مار تقلا يُشارف المُتقاتلين فأصابته رصاصة وقُتل.
وكذلك الأخ باسيلوسي في دير مارسركيس، ونُهبت معلولا والدير وأُسر تسعة مِن الحرافشة إلى الأستانة العليّة وقُتل بعضهم، ثُمّ دُخل بعلبك وفُعل فيها مثل ذلك، فبقيت فيها بقيّةٌ
منهم كانت تُلقي الفِتن، فتعقّبتهم الدولة إلى أنْ فتكت بهم سَنة ١٨٦٦، فلم يقم لهم بعد ذلك قائمة، ولا يزال منهم فئة قليلة في تمنين وسرعين وشيث وحرسته والنبي رشادة في بعلبك، ويُؤخذ عليهم الجور والاعتساف مُدّة حُكمهم هذه البقعة أربعة قُرون.
أمّا الّذين نُقلوا إلى الآستانة، فنشأ منهم نصرة باشا رئيس شورى الدولة وغيره).
وإليك أخبارهم مُرتّبة على السنين مأخوذة عن دواني القطوف:
(في سنة ١٧٦٧ أخذ الأمير يوسف بلاد جبيل مِن الحماديّين وطردهم منها، وصار يَدفع المُرتّب عليها إلى حاكم طرابلس، فالتجأ الحماديّون إلى الأمير حيدر الحرفوش، فأرسل معهم أُناساً إلى جبة المنيطرة وبلاد جبيل وأخذوا يعيثون فيها، فقام الأمير يوسف إليهم بعسكره، والتقوا في أميون (المصونة) فكسرهم إلى الهرمل، ورفع يد الأمير حرفوش عن بعلبك؛ لأنّه كان قد استولى على دير السيدة في رأس بعلبك فهرب رهبانه، وعاون الحماديّة، وولّى أخاه الأمير محمّداً فأرجع هذا الدير، وأمّن رُهبانه.
وفي سنة ١٧٧٧ أرسل الجزار قسماً مِن فرقةٍ مِن جيشه تُسمّى بالقبيسي بقيادة مصطفى آغا ابن قراملا لمُصادرة اللمعيّين وغيرهم.
ففي آخر نيسان مرّوا بقلعة قب الياس وتركوها - لمُقاومة مَن فيها لهم - إلى مدينة بعلبك، وعاثوا فيها وصادروا كبار المتاولة بالأموال، وسجنوا الأمير محمّداً الحرفوش وأخذوا منه مالاً كثيراً، وبعد قليل خرج عليهم الأمير يوسف الشهابي وثَبّت الأمير جهجاه بن مصطفى في حُكم بعلبك، فارتدّوا إلى البقاع.
ولمّا كثُر عيثُ هذه الجند في البلاد أوغرَ ذلك صدر الأمير يوسف، فجمع عسكراً فيه الأُمراء اللمعيّون والمعلوفيّون، وانضمّ إليهم الحرافشة فواقعوا الجزار وهزموا عساكره.
وفي سَنة ١٧٨١ سكن بنو شبلي المعلوف في بلاد بعلبك وتركوا موطنهم كفرعقاب، فرأى منهم الأُمراء الحرافشة بسالةً وحميّة ونشاطاً حملهم على ترغيبهم في سُكنى بلادهم، وكانت الضرائب الكثيرة قد أرهقت سُكّان لبنان، فرأوا أنّ في تلك البقاع الخصيبة موارد غزيرةً للارتزاق، وأنّ وطأة الأُمراء الحرافشة مع استبدادهم أخفّ محملاً مِن وطأة الجزار وعيثه في البلاد وتقسيمه السكّان، فسكنوا أوّلاً (لاسا)، ثُمّ أقطعهم الأمير
مصطفى الحرفوش محلّ قرية شليفة (المروج) وما يُجاورها وردين وبجامة، فبنوا تلك القرية وصاروا أغَوات الحرافشة الّذين كانوا قد تولّوا أحكام بعلبك مُنذ زمنِ الأمير يونس سَنة ١٥٣٤م، وتوالى ذلك في أعقابهم، وكان مَن أنفذهم بهذا الوقت الأُمراء حيدر ومصطفى ومحمّد، فتولّى الأمير حيدر حُكم بعلبك سنة ١٧٦٣ إلى قُرب وفاته سَنة ١٧٧٤، واشتهر بحبّه للعدل ودماثة الأخلاق، فخلّفه أخوه الأمير مصطفى قبل موته بقليل؛ لأنّه كان قد عجز عن القيام بأعباء الولاية لهرمه، فناهضه الأمير درويش بن حيدر هذا، وتولّى قسماً مِن بعلبك سنة ١٧٧٤.
ثُمّ اشتدّ الخصام بين الأميرين مصطفى ومحمّد لتنازعهما الولاية، فتولاّها محمّد سَنة ١٧٧٦، وارتفعت يد الأمير مصطفى الّذي كان يميل إلى المسيحيّين، ولا سيّما أهل زحلة وبني المعلوف بخلاف أخيه محمّد الّذي لم يكن يميل إليهم، فكانت هذه السَنة التي سَكن فيها بنو شبلي شليفة أشدّ السِنين هولاً لِما كان بين ذينك الأميرين المذكورين مِن النفرة، وكان الأمير محمّد قد شكا أخاه الأمير مصطفى أنّه يُحزّب أهل زحلة والمعلوفيّين ضدّه ويعيث في البلاد، فأرسل وزير دمشق عثمان باشا المصري ليقبض على مصطفى فلم يجده؛ لأنّه فَرّ هو وأهل زحلة فحُجزت غِلالهم، وذهب إلى رأس بعلبك والبقاع، ورفع يد الحرافشة عنهما؛ لأنّهما مِن أملاك والدة السلطان، فعاد سُكّانهما إليهما بعد أنْ تركاهما لِما سامهم الحرافشة مِن التحامل).
وفي هذه السَنة عصت قبيلة عَرب الشقيفة على الأمير محمّد الحرفوش حاكم بعلبك، وأبتْ أنْ تَدفع المكوس المُرتّبة عليها، فاستقدم الأمير محمّد موسى شبلي المعلوف المشهور بسطوته وقوّته، فأعدّ له عسكراً وسلّمه قيادتهم ليواقعوا أولئك العربان ويؤدّبوا عُصاتهم، فأبى أنْ يأخذ معه سوى نفرين، فقصد بهما العَرب وناصبهم القتال، وفي أثناء المُناوشة كانوا يرشقونه بالمقالع، وكثيراً ما كان يتلقف الحجر وهو مندفع عليهم ويرميهم به بقوّة ذراعه فيُدميهم، وهكذا دوّخ عُصاتهم وأرغمهم وتقاضاهم المُرتّبات فدفعوها، وعاد ظافراً فارتفعت منزلته لدى الأمير.
وسَنة ١٧٨٢م في شباط سار الأمير مصطفى الحرفوش إلى وزير دمشق عثمان باشا المصري، فبعد أنْ استقبله زجّه في السجن وصادره بمئتي كيس، فتشفّع به بعضُ أصدقائه أنْ يدفع مئة كيس ويُسلّم مرعي
البقداني - المتوالي الثائر مِن أهل بريتال (بريتان) - وخَلع عليه، فعاد إلى بعلبك وقبض على مرعي المذكور وخمسة مِن ذوي قُرباه بواسطة طنوس شبلي المعلوف وإخوته، ثُمّ أرسلهم إلى دمشق.
وفيها انتقلت وزارة دمشق إلى أحمد باشا العظم، وكان بعض متاولة بلاد بشارة قد هربوا مِن وجه الجزار بعد مَقتل ناصيف والقبض على ابنه وضبط بلادهم وفتكه بكثيرين منهم، فجاءوا بلاد بعلبك ولاذوا بحمى الحرافشة، فاتّصل خبرهم بالوزير، وتوسّط أمرهم عند الأمير مصطفى الحاكم فأعطاهم قريتي القاع ورأس بعلبك، ونزع الهرمل مِن يد الأمير يوسف الشهابي وولّى عليها جميعها الشيخ قبلان أحد الفارّين مِن وجه الجزار.
وفيها تغيّر الأمير مصطفى على أهل زحلة وأراد مصادرتهم، وتهدّدهم بالإغارة عليهم، فكَتب الأمير يوسف الشهابي للأمير شديد مراد اللمعي أنْ يذهب بالزحليّين وغيرهم ويُهاجم بر الياس، فهاجمها ونهبها، ثُمّ نهبَ عسكره قرية النبي إيلا (إيليا)، وقتلوا رجلاً مِن بني حمية فترك البقاعيّون بلادهم وقد خرّبوا قلعة قب الياس؛ لأنّ الأمير سيّد أحمد أخا الأمير يوسف الوالي كان يفرّ إليها ويتّخذها مَعقلاً للدفاع.
وكان الأمير محمّد الحرفوش قد جاء دير القمر فارّاً مِن وجه أخيه، فجهّز الأمير يوسف عسكراً نحو خمسة آلاف لمُساعدته، وقد تولّى قيادته نَفَر مِن بني عمّه وأعيان البلاد، فهاجموا بعلبك وانحاز إليهم المعلوفيّون؛ لأنّ الأمير مصطفى تغيّر في تلك السَنة على مسيحيّي زحلة الّذين كان بينهم بعض المعلوفيّين أنسبائهم، فدحروا مصطفى وهَرب إلى جهات حمص، واستقدم مِن نواحيها جُنداً كثيراً فلاقاه الأمير محمّد برجاله، فقتلوا مِن عسكر الأمير مصطفى عشرة رجال، ولكنّه تغلّب أخيراً لكثرة رجاله فدخل بعلبك، وهرب أخوه محمّد إلى زحلة مع رجاله ولبث فيها مدّة، ثُمّ انحاز إلى أحمد باشا الجزار فقبض عليه، ولذلك أرسل مصطفى يتهدّد الزحليّين ويُصادرهم بأموال كثيرة، وجَمع رجالاً تأهُّباً لقتالهم فرحل بعضهم تاركين البلدة، وضايق بني شبلي في شليفة فثبتوا أمامه، وأخذوا يسعون بعزله عند وزير دمشق أحمد باشا ابن العظم الّذي تُوفّي على أثر ذلك، وتولّى مكانه أحد مماليكه محمّد باشا ابن عثمان باشا الصادق الكراجي، فلم يطلْ عُمره أكثر مِن ثلاثة أشهر فخلفه
أخوه محمّد درويش باشا، فاتّفق الوزير مع الجزار على إخراج الأمير مصطفى مِن بعلبك، وأرسل عسكراً لمُهاجمته فاتّحد معه بنو المعلوف، فقبضوا عليه وعلى إخوته الخمسة، فقَتل الوزير منهم ثلاثة بينهم مصطفى هذا وسجَن الباقين، وسَبَوا حريم الحرافشة ونهبوا المدينة، ونجا ولده جهجاه مِن أيدي العساكر بواسطة المعلوفيّين؛ لأنّهم كانوا يُحبّونه، فسار إلى عرب خُزاعة - أبناء عمّ الحرفوشيّين - واستعان بهم على إرجاع بعلبك فلم يُلبّوا طلبه، ّبل اعتذروا، ولكنّهم أمدّوه بمالٍ كثيرٍ وأعطوه فَرساً صفراء كريمة فعاد إلى بلاده سَنة ١٧٨٦.
وتولّى حُكم بعلبك رمضان آغا مِن قِبَل وزير دمشق فركدت رياح الفِتن وسادَ الأمان ورُفعت المظالم، وقد أوصى الوزير ذلك الحاكم بالزحليّين والمعلوفيّين.
وفي سَنة ١٧٨٤م وَرد خطٌّ شريفٌ مِن الآستانة بإلحاق بلاد بعلبك بحُكم الجزار، فأرسلَ مِن قِبَله حاكماً اسمه سليم آغا فصارت تحتَ تصرّف الجزار.
وفي سَنة ١٧٨٦م أرسل بطال باشا وزير الشام رجُلاً زنجيّاً اسمه محمّد آغا العبد حاكم البقاع مُتسلّماً على بلاد بعلبك، فجاء الأمير جهجاه ابن الأمير مصطفى مِن عند عَرب خُزاعة أنسبائه إلى زحلة، وجَمع مئة مُقاتل وفي مُقدّمتهم بنو شبلي الّذين كانوا يميلون إليه، ولمّا تكامل عدد جيشه نعل الخيل باللباد ودخل بعسكره ليلاً وقتلوا مَن التقوا به، فهجم بنو المعلوف على العبد ورجاله المغاربة فقتلوا عدداً منهم، وكاد العبد يسقط بين يدَي موسى المعلوف، ولكنّه تمكّن مِن الفرار إلى دمشق، وكان الوزير قد همّ بالخروج إلى الحجّ، فلم يستطع إرسال عسكر إلى بعلبك للاقتصاص مِن الأمير جهجاه، وكان عمّه الأمير محمّد قد التجأ إلى الأمير يوسف الشهابي في دير القمر، فتُوفّي ودُفن في مجدل ترشيش، فصفا الجوّ لجهجاه.
وفي سنة ١٧٨٧م عاد بطال باشا مِن الحج فأرسل المنلا إسماعيل بألفٍ ومئتي فارس للاقتصاص مِن جهجاه، فالتقاه هذا هو وأخوه الأمير سلمان بأهل زحلة والمعلوفيّين وغيرهم، فكَمِن بعضهم في مضيق زحلة إلى أنْ وصلَ إليهم العسكر وأطلقوا عليهم الرصاص، والتحم الفريقان فتقهقرت عساكر المنلا، وتبعهم رجال الأمير إلى قرية السلطان إبراهيم، وأعملوا
السلاح في أقفيتهم فلم يهلك مِن رجال الأمير سوى نَفر قليلين، فعاد جهجاه إلى بعلبك وتولّى الحُكم.
وفي سَنة ١٧٨٧م عُزل بطال باشا، ونُصّب مكانه أظنّ إبراهيم باشا - نسيب وزير طرابلس الشام الّذي كان عنده - فسار مِن هناك إلى مدينة حماة، وقبض على كبارها وصادرهم بألف وأربعمئة كيس، وبعث إلى الأمير جهجاه الحرفوش بعسكر يُناصبه ويتهدّده على صنيعه الّذي مرّ وطردِهِ العبد، ففرّ الأمير جهجاه بأهل المدينة مِن مُسلمين ومسيحيّين، وخرّب الطواحين وحمل الأهلين على مُغادرة المدينة والقُرى الّتي تتبعها، ثُمّ صعد إلى قرية ضيرة وحاصرها، وفيها جماعة بينهم المعلوفيّون.
وكان وزير دمشق - أظنّ - إبراهيم المذكور قد دخل دمشق، وأسند حُكم بلاد بعلبك إلى الأمير كنج ابن الأمير محمّد الحرفوش، فأرسل كنج مغاربة ودالاتية لقتل ابن عمّه جهجاه، فاستصرخ هذا الأمير يوسف الشهابي والأمير شديد مُراد اللمعي، فأرسلا إليه عسكراً كان فيه بعض المعلوفيّين فما وصلتْ الرجل حتّى استعاد جهجاه ورجاله قوّتهم، وناهضوا عسكر ابن عمّه الأمير كنج، فقتلوا أربعين رجلاً مِن المغاربة ودحروا الباقين إلى بعلبك. وكان هذا في التاسع مِن آذار، فأوغر ذلك صدر الوزير غيظاً ففاوض الأمير يوسف وبواسطة عبّاس التل حاكم الزبداني، وانفضّ المُشكل وأُعيدت الولاية إلى جهجاه، وحمل إليه خِلَع الولاية عبّاس المذكور، على شرط أنْ يَدفع نحو مئتي كيس مصادرة، فسرّ الناس بذلك وخاصّة الزحليّين؛ لأنّ أهلها كانوا على أُهبة الرحيل، وبعد ذلك بقليل جاء الأمير جهجاه زحلةَ حيث كان عياله، ومِن ذلك الوقت ارتفع شأنُ بني شبلي المعلوف لدى الأمير جهجاه، فكانوا يده يَعتمد على آرائهم؛ فانفتح الباب لأنسبائهم فأخذوا يستعمرون بلاد البقاع وبعلبك.
وفي هذه السَنة سعى المعلوفيّون بالأمير كنج الحرفوش - عملاً بإشارة ابن عمّه جهجاه - فاستقدمه وزير الشام وطالبه بنفقات العساكر الّتي أعانته وقَدَرها خمسة عشر ألف كيس، فلمّا تعذّر عليه دفعها زجّه في السجن، ثُمّ سار لتأدية فريضة الحج، فأرسل الأمير جهجاه أحد أنسبائه فسعى بالأمير كنج لدى المُتسلّم؛ فقتله خَنقاً في سجنه.
وفي هذه السنة سار الأمير جهجاه برجاله لمُعاضدة الأمير يوسف
الشهابي على مُحاربة الجزار، ووُجد في جيشهما نَفرٌ قليلٌ مِن بني المعلوف فعاد بفوز مبين.
وفي ٢١ حزيران سنة ١٧٨٩م استغاث الأمير قاسم ابن الأمير حيدر الحرفوش بالأمير بشير الشهابي أنْ يُمدّه بعسكر لمُحاربة ابن عمّه الأمير جهجاه، فأوعز الأمير الشهابي إلى الزحليّين أنْ يُساعدوه وإلى اللمعيّين أنْ يشدّوا أزرهم، فزحف الأمير قاسم بنحو خمسمئة مُقاتل بقيادة اللمعيّين إلى تمنين حيث كان مُعسكر جهجاه، فلاقاهم هذا برجاله إلى سهل أبلح، وهناك اصطلت نيران الحرب فدُحِر الأمير قاسم ورجاله، وتقهقروا إلى زحلة بعد أنْ سُلبت خيولهم وأسلحتهم وقُتل بعض مُشاتهم، وأُسر الأمير شديد مُراد اللمعي، فطلب المعلوفيّون مِن الأمير جهجاه إطلاقه فأطلقه، وَردّ له أسلحته وجواده وأكرمه.
ولمّا بلغ الأمير بشير انهزام عسكره جرّد غيره بقيادة أخيه الأمير حسن - مُدبّره - ناصيف آغا، فلمّا وصلوا إلى مدينة بعلبك كان جهجاه قد عرف بقدومهم، فهربَ سكّانها وأتلف ما فيها، حتّى يُروى أنّه وَجد في الدار الأسقفية قنطارَي زبيب فأطعمهما لخيله. وأخلى لهم المدينة وسار إلى اللبوة، فلم يستطيعوا البقاء فيها أكثر مِن أسبوعين لقلّة الزاد.
ولمّا رأى الأمير قاسم الفشل في هاتين الموقعتين استصرخ الجزار فأمر الأمير بشيراً أن يمدّه بجيش؛ فأرسل معه عسكرَ المغاربة والدولة ومشايخ الدروز برجالهم، فانتشب القتال بينهم وبين جهجاه الّذي خرج إلى ظاهر المدينة برجاله - وبينهم المعلوفّيون - فاندحروا، وفرّ جهجاه إلى رأس بعلبك فلحقوه، فعاد إلى جهات تمنين ورياق، فأحرق بيادرها واتّصل بزحلة وأخذ بغال دير مار الياس الطوق، وأحرق بيادره ثُمّ نهب دير مار يعقوب في قارة.
وحَكَم عوضه الأمير قاسم وحدث قلقٌ واضطرابٌ ورحل كثير مِن السكّان، ولم يَطِل العهد على الأمير قاسم حتّى تغلّب عليه جهجاه وتولّى الحُكم، فقصد بلاد بعلبك الأمير يوسف الشهابي فارّاً مِن وجه أبن أخيه الأمير بشير الكبير الّذي تولّى شؤون لبنان، فأرسل الأمير جهجاه يسأله أنْ يتحوّل عن بلاده خوفاً مِن الأمير بشير، فارتبك الأمير يوسف بالجواب، فقال له فارس الشدياق - وكان بخدمته -: الجواب عندي، ثُمّ شَتم الرسول وضربه بدبّوس مِن حديد، وقال له: اذهب فقُل لأميرك: مَن أنت حتّى تمنع الأمير يوسف عن المُرور، فهو يأمرك أنْ تقوم حالاً مِن بلاد بعلبك أو
يُفاجئك برجاله، ففرّ الأمير جهجاه عند سماع كلام رسوله إلى بلاد الشرق، وظلّ الأمير يوسف سائراً إلى الزبداني فحوران.
وعاد جهجاه إلى بعلبك، وبعد ذلك طُلب المال الأميري مِن جهجاه فتأخر عن دفعه، فدهمه الحاج إسماعيل الكردي مِن حمص ومعه عسكر مِن قِبَل الوزير، فلمّا عَلِم بقدومهم - وهو في إحدى القرى خارج المدينة - فرّ مِن وجههم، فسبى الحاج إسماعيل حريمه الأربع وماله وأمتعته وعاد إلى دمشق، فرجع جهجاه إلى بعلبك وقد أخذ الغيظ منه كلّ مأخذ، وتهدّد سُكّان المدينة وحملهم على مُزايلتها، وهكذا فعل بالقُرى ففرّ السُكّان إلى زحلة ونواحي دمشق.
وفي تشرين الثاني جاء الحاج إسماعيل المذكور وتسلّم زِمام أحكام بعلبك، وتأثّر الأمير جهجاه حتّى الكرك، فهرب الأمير إلى فالوغة، ولاذ بحمى الأُمراء آل مُراد اللمعيّين مُدّةً، ثُمّ عاد إلى زحلة بكثير مِن الرجال، فنمى الخبر إلى الحاج إسماعيل فقصده بستمئة فارس ومئة راجل ولمّا دنا مِن زحلة أرسل جاويشاً يُنادي فيها بالأمان، وأنّه لا يَتعرض لأحدٍ مِن أهل المدينة، ولكنّه يطلب القبض على الأمير جهجاه، فأجابوه أنّ هذا خصمك جهجاه خارجٌ إليك فاعمل به ما تشاء، وكان جهجاه قد هجم بجماعته وبينهم الزحليّون فانهزم حاكم بعلبك برجاله، وأعملوا السلاح في أقفيتهم وقَتل نحو مئتي رجل منهم، ولم يُقتل مِن رجال جهجاه أحدٌ، وجدّ في أثرهم إلى قرب الزبداني ثُمّ عاد إلى زحلة. وكان ذلك في العاشر مِن كانون الثاني سَنة ١٧٩٠.
وقد فعل جهجاه أشياء مُنكرة فيمَن عاد إلى بعلبك ممّن حرّضهم على تركها، فزاد في الطين بلّة، وأوغر صدر الوزير حِقداً حتّى نوى أنْ يُهاجم زحلة ويَحرقها لو لا سقوط الثلج، فبلغ الزحليّين ذلك فهجروا بلدتهم، إلى أنْ توسّط الأمير عبّاس التل حاكم الزبداني فأطلق سراح حريم الأمير جهجاه، وأصلح ذات البين بينه وبين الوزير على أنْ يغرم بأربعين كيساً، ويرهن أخاه لقاء المال الأميري المتأخّر عنده، وحَمل إليه خِلَع الولاية.
وفي حُزيران مِن هذه السَنة، بعد ذهاب حاكم دمشق إلى الحج، جاء جهجاه الحرفوش إلى رأس العين في بعلبك وانضمّ إليه رجال، وبينهم المَعلوفيّون فلاقاهم ابن عمّه الأمير قاسم حيدر الحرفوش برجاله، فانتصر جهجاه؛ لأنّ رجاله هاجموا الأعداء بقلوب قُدّت مِن حديد، ثُمّ أطلق
طنوس شبلي المعلوف رصاصةً أصابت مِن الأمير قاسم مَقتلاً بينما كان مُنقضّاً على جهجاه يُريد قَتله فسقط قتيلاً، وكان ابن سبع عشرة سَنة، عادلاً كريماً مثل أبيه حيدر، وقُتل مِن رجاله اثنا عشر رجلاً، فظفر جهجاه ودخل المدينة باحتفال وإذنٍ مِن مُتسلّم الشام، ورفع منزلة طنوس شبلي.
فلمّا عاد الباشا مِن الحجّ أرسل عسكراً لمُهاجمة بعلبك والقبض على جهجاه، فلم ينل منه بطائل؛ لأنّه فرّ إلى الزبداني ثُمّ عاد إلى بعلبك بعد قليل، وبإيعاز الأمير حيدر الشهابي جمع عسكراً في آخر كانوا الأوّل نحو مئة مِن رجاله ومثلها مِن الدروز ودخل بعلبك، فقَتل نحو ثُلثي العسكر الّذي فيها، ودخل القصر (السراي)، وبعث إلى الأمير حيدر ببعض رؤوس القتلى، فأرسل يُهنّئه لانتصاره، ثُمّ أعاد العسكر الكرّة عليه فترك بعلبك.
وجاء حوش الأمير سليمان تحت زحلة فلحقوه في العشرين مِن كانون الثاني سَنة ١٧٩٢، فواقعهم وقَتل منهم خمسة عشر رجلاً، وطردهم إلى القرعون في آخر البقاع، وعاد إلى قب الياس، فصعدوا ودهموا قرية سغبين، فدافع أهلها بيأس وقتلوا منهم نحو مئة، ولم يُقتل مِن السغبيّين أكثر مِن ثمانية.
وفي شباط سَنة ١٧٩٢م كان الأمير جهجاه في قب الياس ومعه بعض الرجال بينهم المعلوفيّون، فبعث الجزار إلى عسكر الشام في البقاع أن يُناصبه القتال ويقبض عليه، ففرّ إلى الشمال، فتأثّره العسكر ونهبوا الفرزل وأبلح، وقتلوا بعض الرُعاة وبعثوا برؤوسهم إلى الجزار.
فلمّا رآها قال لهم: ما هذه الرؤوس؟ فقالوا إنّها رؤوس رُعاة المواشي، فكاد يتميّز غيظاً، وأرسل إليهم يقول: أنا أرسلتكم لتقطعوا رأس جهجاه الحرفوش وأنتم لم تستطيعوا إلاّ قتل الأولاد فاتركوا البقاع، فلبّوا أمره وعادوا إلى عكّاء، فأراحوا البلاد مِن شرّهم.
وفي هذه السَنة وهبَ الشهابيّون للأمير جهجاه الهرمل، فامتنع سُكّانها مِن تسليمها له، فاستنجد الأُمراء، فبعثوا إليه جيشاً فيه كثيرٌ مِن المعلوفيّين وبنو شبلي طليعتهم، فوصلوا في تمّوز وحاربوا سكّانها وقتلوا منهم نحو أربعين وأحرقوا البلدة فأُخليت لهم، وفيها سار طنوس شبلي المعلوف وبعض الأعيان وتوسطوا الأمر عند الجزار وأخبروه بما هو عليه جهجاه مِن البأس، وأنّه لا يُمكن لغيره أنْ يُحسن إدارة بعلبك، وأخبروه أنّ سُكّانها تركوها لمّا تَرك الحُكم، فأعاد إليه الولاية على أنْ يدفع عشرة أكياس
واستقدم الفارّين مِن رُهبانٍ وغيرهم، فعَمُرت البلاد بعد أنْ كانت خَرِبة.
وفي سنة ١٧٩٤ تشاقّ الأمير جهجاه وأولاد عمّه الأمير إبراهيم، فانتصر عليهم وقَتل الأمير داود وسَمل أعيُن إخوة الأمير عمر، فاستاء الناس مِن عمله وتحذّروا مِن غدره.
وفي سنة ١٧٩٥م غزا عسكر الشام بعلبك، فهرب الأمير جهجاه إلى رأس بعلبك فأحرق بعض بيوتها؛ فهرب الرهبان وأهلها.
وفي سنة ١٨٠٦م مرّ جرجس باز وعسكر لبنان عائدين مِن مُقاتلتهم لسكّان الضنية وظَفرهم بهم، فاحتفل بلقائهم الأمير جهجاه والمعلوفيّون بموكبٍ حافل، وفي هذه الأثناء نوى الأمير بشير أنْ يأخذ الكرك مِن الحرافشة، فتوسّط الأمير جرجس باز إكراماً لمودّة جهجاه فعدل عن نيته.
وفي سنة ١٨٠٧م عُزل إبراهيم باشا عن ولاية الشام وخلفه كنج يوسف باشا، فبينما كان يتأهّب لإرسال الخِلَع إلى الأمير جهجاه بولاية بعلبك تغيّر وعَدل عن قصده، فجمع جهجاه رجاله وألقى الفِتن ليُظهِر لذلك الوزير أنّه لا يُمكن لغيره أنْ يحفظ زمام الأحكام ويُدير شؤون تلك الجهة، فأرسل إليه الخِلَع، وكان ذلك بتوسّط الأمير بشير الكبير وجرجس باز.
ولمّا كان قد عَرف رغبة الحاكم الشهابي بأخذ الكرك، كَتب له وثيقةً (حجة) تُصرّح ببيعها لأولاده الأُمراء: قاسم وخليل وأمين، وأرسلها إليه، فوكّل فيها نعمان بلوكباشي فصارت مِن ذلك الحين مِلك الشهابيّين.
ولمّا كانت ثورة الوهابيّين، وقد استنجد سليمان باشا الأمير بشيراً لحربهم فوّض إلى الأمير بشير قبل زحفهم اختيار العمّال، فاختار الأمير الحرفوش لبعلبك، ومصطفى بربر لطرابلس، وغيرهما لغيرهما.
وفي سَنة ١٨٤٠م حصل بين الحماديّين والمعلوفييّن شِجار وتنازُع كاد يُحدث حرباً، فجاء الأمير حمد الحرفوش حاكم بعلبك وبعض أنسبائه والأميران حسن وفارس - أخو الأمير حيدر إسماعيل اللمعي الّذي كان بنو شبلي مِن عهدته - وذلك لمُصالحتهم، وكان مِن الفريقين جريحان فشُفي (أحدهما)، وانتهت المسألة بالحسنى.
ولكنّ الحرافشة كانوا يقصدون خُداع المعلوفيّين، فاكتشف مكرهم عيسى شبلي المعلوف. (ذكر ذلك: الأعيان ص١٢١).
وفي هذه السَنة ثار اللبنانيّون ضدّ الدولة المصريّة، وقرّروا انقسامهم إلى أربع فِرق، فكان في الفرقة الرابعة الأميران خنجر وسلمان الحرفوش.
وفي سنة ١٨٤٥م كان الأمير حمد الحرفوش متوليّاً حُكم بعلبك، فذهب ابن عمّه الأمير محمّد إلى دمشق وأحضر أمراً بعزله وأخذ الولاية، فأرفقه الوزير بمحمّد آغا بوظو وألف وخمسمئة مِن الجُند الأكراد، فأتوا إلى قرية قب الياس مِن قضاء البقاع، فعَلِم الأمير حمد بهم، وجمعَ جيشاً مِن بلاده بينهم كثيرٌ مِن المعلوفيّين، فخيّموا في تمنين التحتا ثلاثة أيّام ومعهم الأمير حمد، فخرج ابن عمّه الأمير محمّد برجاله مِن بر الياس إلى بعلبك، فلاقاهم حمد برجاله إلى الدلهميّة، وهناك احتدمت نيران القتال، فكانت ساعة لم يثبتْ فيها إلاّ البطل المُدرّب، فكادت فرسان الأمير حمد تتقهقر لو لا إنجاد المُشاة إيّاهم، فتمّ له الفوز وقُتل مِن عسكر الأكراد نحو ستّين ومِن رجاله ثلاثةٌ فقط، فعاد إلى بعلبك ظافراً.
ويروي الشيوخ قصيداً زحلياً قاله الأمير حمد إليك منه ما أشار به إلى بوظو (ص٢٦٧).
ولك بوظو لا تسوق جنان أنتم عشائر خصمكم فرسان
أسأل (العبد) يوم اللي أتاه سلطان بأرض الكرك، دعاه مبطحا
يا كراد يا سواقة حمارا مين اللي شار بحرب الإمارا
أسأل عجاج يوم قبلي قارا مِن يد أبي السعود دعاه ملقحا
بوظو كيف بعقلك تقول نحن خزاعاكم فختنا طبول
أنشد الهنادي يوم عين الوعول مِن يد (أبي هدلا) كم قتيل مطوحا
قال في الدواني مُعلّقاً على هذا الزجل - وحادثة العبد مرّ ذكرها - ولكنّه هُنا أشار إلى العبد الثاني الّذي حَكم بعلبك، فجاء جهجاه وسلطان الحرفوشيّان إلى زحلة، وخرجوا بسكّانها لمواقعته وبينهم المعلوفيّون، فقتلوه أمام الكرك عند مَحلّة الكروم قُرب الطريق على بُعد خمس دقائق منها إلى شماليها.
وأمّا حادثة عجاج، فكان هذا نسيب أحمد باشا اليوسف فحضر بخمسمئة فارس لمُقاومة الأمير جواد الحرفوش - المُلقّب بأبي السعود - فوقع قتيلاً، وذلك بزمَن الدولة المصريّة.
ويوم عَين الوعول يُنسب إلى تلك العين الواقعة شمالي بعلبك، وكانت العساكر المصريّة سَنة ١٨٣٢ - وعددها أربعمئة فارس - تُطارد الأمير أميناً الحرفوشي وولده الأمير قبلان
المُلقّب بأبي هدلا ومعهما أثنا عشر فارساً، فحدثت بين الفريقين موقعة أبلى فيها الأمير قبلان بلاءً حَسناً، وكرّ بفُرسانه على الهنادي وشغلهم حتّى تمكّن والده مِن الفرار، ولحقه واتّصلا بالآستانة العليّة إلى خروج الدولة المصريّة مِن سورية.
وإذ ذاك (بعد ظَفر الأمير حمد) وقعت الفتن بين الحرافشة على المُلك، فرأتْ الحكومة مِن الحِكمة أنْ تُجزّئ بلاد بعلبك وشرقي البقاع إلى مُقاطعات صغيرة يتولّى كلٌّ منهم شؤون جهة منها، إلى أنْ ارتفعت يدُهم بعد الفتك بهم سَنة ١٨٦٦، كما مَرّ.
وفي سنة ١٨٥٣م حَدَث خِصام بين الأُمراء الحرافشة والشلق - بمعنى الطويل وهو رجلٌ كرديٌ كثر عيثه - فقتلوه في تمنين التحتا، وتحامل الأكراد عليهم فقصد المُتّهمون بقتله كفر عقاب، فأكرم المعلوفيّون مثواهم نحو سَنة ونصف، وهُم الأُمراء: فدعا وأفندي وابنه فارس وولدا الأمير سليمان تامر وداود مع بعض أتباعهم وأنسبائهم.
وفي سنة ١٨٥٨م أثار محمّد الخرفان - مِن أُمراء قبيلة الموالي - الأمير سلمان الحرفوش ليُمدّه بجيش لمُناهضة عرب الحديديّة الّذين واقعوه ودحروه إلى قرية القاع على حدود قضاء بعلبك، فجمع الأمير سلمان جنداً مِن جميع قضاء بعلبك، وكان فيه جماعة مِن المعلوفيّين المعروفين، وكان حاملي العَلم الحاج سليمان وياغي الطفيلي مِن بعلبك، فلمّا بلغوا محلّ زين العابدين - على بُعد ثلاث ساعات مِن حماة في الثامن مِن تشرين الثاني - التظى سعير الحرب، فأبلى عسكر الحرفوشيّين بلاء حسناً، واشتهر إبراهيم عيسى المعلوف بهجومه على الأعداء وإصابتهم بالرصاص، وكذلك بعض ذوي قُرباه، فزهقت الأرواح وانكسر الحديديّون بعد أنْ قُتل منهم أكثر مِن ثلاثمئة نَفر، فطمع البعلبكيّون بهم واقتفوا أثرهم، ثُمّ شغلهم النهبُ عن تأثّرهم، فتقدّم محمّد الخرفان وأعطى الأمير سلمان أفخر المسلوبات، ووعده أنْ يُزوّجه ابنته على مرأى ومسمع الأمير محمّد الحرفوش، فأوغر ذلك صدره حِقداً، وكان قد أبلى بلاء حسناً فلم يَرّ مُكافأةً، فانثنى على محمّد الخرفان ورماه بالرصاص فجندله، وعندئذٍ طمعَ الأعداء بهم فأعادوا الكرّة عليهم بثبات جأش، فأثخنوهم جراحاً ودحروهم إلى قرب مدينة حماة، وهناك انكفوا عنهم، فقُتل مِن عسكر البلعلبكيّين أكثر مِن تسعين نفراً.
وفي سَنة ١٨١٩م لمّا قَتل الأمير ذباب الحرفوش مخايل بن بولس غرة وابن هلال مِن زحلة عندما كان في القطارة - محل استخراج القطران - في لبنان الغربي، فساء ذلك الزحليّين والأُمراء فانتهزوا فُرصة مَجيء الأمير الحرفوشي المذكور إلى زحلة، فقتله بولس غرة وابنه شاهين وفرّا، فاستقدمهما إليه الأمير بشير الكبير، وسعى بإصلاح ذات البين مع الحرفوشيّين فأرسلهما إليهم ليسمحوا عنهما، فكان ذلك مَدعاة للقيام عليهما وقتلهما، فأوغر هذا صدر الأمير وتغيّر على الحرفوشيّين الّذين كثُر عيثهم، فإنّ الأمير جواداً منهم قَتل على أثر ذلك كُلاًّ مِن الياس أبي خاطر ومرعي شبيب مِن زحلة إذ كانا في بريتال، فازداد حَنق الأمير وأشار إلى الزحليّين أنْ يُناصبوهم العداء ويقفوا لهم بالمرصاد.
وفي سنة ١٨٢٤م نُميَ إلى بطرس نجم المعلوف أنّ الأمير أميناً الحرفوشي في بدنايل الّتي كانت مِن أملاكه، فأخبر الأمير بشيراً بذلك، فأشار إليه أنْ يَسير مع شيوخ زحلة برجالهم ويُمسكوه ويقودوه إليه أسيراً، فجمعوا قومهم وساروا إلى بدنايل فالتقوا برجال الأمير وناصبوهم القتال ففرّ الأمير وقُتل بعض رجاله، ولم يُقتل مِن زحلة إلاّ إبراهيم قادره، ومِن ذلك الحين وقعتْ النِفرة بين الزحليّين والحرفوشيّين.
وفي سنة ١٨٤١م اشتهر الياس بن أبي الياس بموقعةٍ مع شبلي العريان في زحلة، وكان الزحليّون قد جمعوا شملهم ومعهم الأمير خَنجر الحرفوش وبعض أنسبائه ورجالهم، فانتشبتْ بينهم الحرب في شتورة وجلالا، وانتصر الزحليّون بعد أنْ قَتلوا مِن عسكره نحو سبعين عدا الجرحى الّذين كان بينهم شبلي العريان وشقيقه علي، ولم يُقتَل مِن الزحليّين سوى ثلاثة أنفار وأربعة جرحى.
ثُمّ وقعتْ موقعةٌ ثانية كان للزحليّين فيها النصر، وممَّن أبلى فيها بلاءً حسناً: الأمير خنجر الحرفوش، وبعض أنسبائه، والشيخ سليمان الحاج سليمان مِن بدنايل، وحسن حمية مِن طاريا.
وفي سنة ١٨٥٤ م في ٢٤ تمّوز تجمهر الزحليّون وقصدوا الزبداني والنبي شيث وسرعين مُفتّشين عن الأمير حسين الحرفوشي؛ لأنّه أهان رجلاً مِن بلدتهم، وكان ابن عمّه الأمير سلمان حاكم بعلبك قد كَثُر عيثه أيضاً، فتدخّل بعض الأعيان وأقنعوهم بالعودة، فعادوا يوم الاثنين إلى
بلدتهم.
ونُميَ الخَبر إلى السروود فجاء زحلة، وبعد أنْ فاوض شيوخها سار بهم يوم الخميس في ٢٩ تموز مِن تلك السَنة إلى بدنايل مِن قضاء بعلبك، واستقدَم إليها الأمير سُلمان الحرفوشي المَذكور وشقيقه الأمير خنجر وبعض أنسبائهما وأصلح ذات بينهم.
ما جاء عن الحرافشة في تاريخ أعيان لُبنان للشيخ طنوس الشدياق:
في سَنة ١٦٨١م تولّى الأمير فارس الشهابي بلاد بعلبك، وسار إلى قرية نيحا الّتي فوق الفرزل في بلاد بعلبك، فجمعَ الأمير عمر الحرفوشي بني حمادة المتاولة ودَهم الأمير فارساً ليلاً فتفرّقت جماعته عنه، فقُتل بلا عقب، وقُتل مِن جماعته خمسون رجلاً.
ولمّا بلغَ الأمير موسى ذلك نهض برجاله مِن حاصبيا، ونهض الأمير علي مِن ريشيا قاصدين أخذ الثأر، فأخذوا يمخرقون هناك ففرّ الأمير عُمر مِن بعلبك، واستغاث بالأمير أحمد المعني أنْ يجري الصُلح بينه وبين الشهابيّين، فتوجّه الأمير أحمد إلى بعلبك وأجرى الصُلح بينهم بشرط أنّ آل حرفوش يؤدّون كلّ سَنة لآل شهاب خمسة آلاف قرش وجوادين مِن جياد الخيل ديّةً عن الأمير فارس.
وفي سَنة ١٧٨٩م كَتب الأمير بشير عمر الوالي إلى الأُمراء اللمعيّين أنْ يجمعوا رجالهم، ويذهبوا بهم إلى زحلة مع الأمير قاسم الحرفوش لطرد الأمير جهجاه الحرفوش، فالتقاهم الأمير جهجاه إلى أرض أبلح فانتشبت الحرب بينهم، فانكسر الأمير قاسم وعسكره، وقُبض على الأمير مُراد شديد، فردّ له الأمير جهجاه ما سُلب منه، وأطلقه عزيزاً مُكرّماً.
وفي سنة ١٦٨٦م هَرب الأمير شديد الحرفوش مِن وجه علي عبّاس مُستغيثاً بالحماديّة، فمرّ علي باشا النكدلي على العاقورة فأحرقها وأحرق أربعين قرية مِن مُقاطعاتهم (الحماديّة)، وقطع أشجارها.
وفي سنة ١٦٠٦م قصد أحمد باشا حافظ دمشق مُحاربة الأمير يونس الحرفوش، فاستنجد الأمير يونس الأمير فخر الدين المعني فأنجده.
وفي سنة ١٦١١م تُوفّي مُراد باشا وتولّى الصدارة نصوح، فأرسل إليه الأمير بشير مُدبّره مصطفى كتخدا ومعه خمسة وعشرون ألف قرش
وخيل وثياب ثمينة، ومعه بعض الهدايا والتقدمات، فلم يُظهر للمُدبّر البشاشة؛ لقلّة الخدمة وعدم مجيء ابن الأمير معه - كما فعل مع سلفه إبراهيم مُراد باشا - ولأنّ الأمير أنجَد عسكر الشاميّين قبلاً ضدّه لمّا أخرجهم مِن حلب، ولمقاومة الحافظ حين عزم على مُحاربة الأمير يونس الحرفوش والأمير أحمد الشهابي، ثُمّ أمر نصوح باشا مُدبّر الأمير أنْ يُفهّم الأمير أنْ يفضّ السكمان مِن عنده، وأنْ يُسلّم قلعة بانياس الصبيبة وقلعة شقيف أرنون، وحينئذ يُسلّمه أوامر سلطانيّة بشأن ذلك وبقتل الأمير يونس الحرفوش.
وفي سنة ١٦١٣م رجعَ الحافظ بمَن معه إلى دمشق وتوجّه نصوح باشا إلى إسلامبول، فلمّا استقرّ الحافظ في دمشق بدأ يُحرّك الفتن، فقصد مُحاربة الأمير علي الشهابي؛ لأنّه لم يُساعده على قتال الأمير يونس الحرفوشي، فاستنجد الأمير علي بالأمير، فأرسل له عسكراً، ثُمّ اُصطلِح الحال بينهم.
وفيها انضمّ الأمير يونس الحرفوش إلى العسكر الّذي جنّده الأمير فخر الدين نَجدة لولده الأمير علي صحبة حسين اليازجي لمُحاربة العسكر الشامي الّذي قفل راجعاً إلى بلاده هَلعاً وخوفاً.
وفيها كَتب الأمير أحمد الشهابي إلى الأمير يونس أنْ يَحضر إلى دمشق ويدخل في طاعة الحافظ، وبيّن له وفرة العساكر وشدّة الاهتمام بزوال آل مَعن، فتقدّم إليه الأمير يونس الحرفوش برجاله.
وأمّا الأمير علي الشهابي، فقدّم الطاعة للحافظ لكنّه أقام مُعتزلاً عنه وعن آل مَعن - وكان الحافظ يستشير الأمير أحمد كثيراً والأمير يُسهّل له الأمر ويحثّه على النهوض - فلمّا بلغَ الأمير ذلك وجّه ولده الأمير عليّاً وأصحبه بالسكمان والشيخ حمدان والشيخ عمرو لمُحافظة جسر خان المجامع وحصن بانياس وقلعة شقيف أرنون، ووضع حسين اليازجي ومعه ألف مُقاتل في قلعة بانياس، وطويل حسين بلبكباشي ومعه أربعمئة مُقاتل في قلعة الشقيف أرنون، وأعطاهما مئة ألف قرش علايف، ووضع عياله في القلعتين.
أوّليّة الأُمراء الحرافشة:
جاء في كِتاب دواني القُطوف: وكان الأُمراء الحرافشة يتولّون بعض شؤون هذه البقعة - سرعين والبقاعين وبعلبك - في أوّل عهدهم للحُكم، ومسكنهم في بعلبك وكرك نوح. وهُم فرقة مِن الشيعة نُسبت إلى جدّها الأمير حَرفوش الخُزاعي الّذي عُقدت له رايةٌ بقيادة فرقة في حَملة أبي عُبيدة بن الجرّاح على بعلبك، قدموا أوّلاً مِن بغداد إلى غوطة دمشق، ثُمّ إلى بعلبك وسكنوها، وأقدَم مَن ذُكر منهم في تاريخ بيروت هو علاء الدين ابن الحرفوش في سنة ١٣٠٩م، وكان مع عشران البقاع يُقاتل تركمان كسروان، فقُتل سَنة ١٣٩٣م(١) .
وفي تاريخ بيروت لصالح بن يحيى، في حوادث سَنة إحدى وتسعين وسبعمئة ٧٩١هـ ١٣٧٩م:
في هذه السَنة خرج السلطان المَلك الظاهر برقوق مِن سجن الكرك، وحضر إلى دمشق وحاصرها بعد أنْ كسر نائبها جنتمر، ولمّا كان في دمشق أرسل - وهو مُحاصر - لها مَرسومه إلى أُمراء الغرب يستدعيهم بالحضور إليه.
ولمّا اعتدى تركمان كسروان على الغرب وذهبوا إلى مصر، وكان وصولهم إليها عقيب وصول السلطان برقوق، حتّى ظنّ أنّهم حضروا في جُملة العساكر معه، وأنفق عليهم مثلما أنفق على العساكر، وأعطى السلطان برقوق نيابة الشام الطبغا الجوباني.
فلمّا عاد أُمراء الغرب إلى البلاد وجدوا عليّ بن الأعمى وجماعة تركمان كسروان قد أوقعوا بأهل الغرب وكسروهم وقتلوا منهم جماعة ونهبوا عدّة قُرى، وكان في جُملة المقتولين عماد الدين موسى بن حسّان بن أرسلان - وكان المذكور خير قومه وأجودهم - فلمّا استقرّت قواعد الدولة الظاهريّة جرّدوا لمُقاتلة تركمان كسروان علاءَ الدين بن الحرفوش وعشران البقاع، فقتلوا عليَّ بن الأعمى وهزموا جماعته مِن التركمان - إلى أنْ قال - وقُتل في ذلك اليوم علاء الدين بن الحاش، وكان ذا سطوة، وكان منطاش قد قَتل أباه
____________________
(١) في تاريخ حوادث الزمان وأنبائه، ووفيات الأعيان مِن أنبائه: لمّا ركب السلطان حُسام الدين لاجين عقيب المرض، ودعوا له الناس وضجّوا فرحاً به - خصوصاً الحرافشة - وناداه واحد مِن الحرافشة وقال له: يا قضيب الذهب (أوريني أيدك) فرفع إليه يده وهو ماسك المقرعة، ثُمّ ضرب بها رقبة الحصان الّذي تحته، وكان ذلك في سنة ٧٩٧هـ.
وأخاه حيث أمسكهما في بعلبك، وكان السلطان قد أعطى علاء الدين المذكور إمرة طبلخاناة.
إنّ صالح بن يحيى لم يُصرّح بقتل علاء الدين بن الحرفوش في ذلك اليوم، وهو ما صرّح به دواني القُطوف، بل يقول ابن يحيى: إنّ المقتول علاء الدين بن الحاش، وهو ما تَعجّب منه طابع ذلك التاريخ، وصاحب الدواني يرى أنّ المقتول هو ابن الحرفوش، ونحن نُرجّح رأيه، وكأن ابن الحاش تحريف ابن الحرفوش.
وفي سنة ١٦١٦م لمّا كَتب السلطان فرمان ليوسف باشا سيفا برفع يده عن بلاد كسروان وبيروت، وعن مُساعدة الشيخ مظفّر وابن الأمير محمّد جمال الدين وبني الصواف المُقدّمين، وكَتب بهذا المضمون الصدر الأعظم لحسين باشا الجلالي والي طرابلس ولجركس باشا والي دمشق، وأرسل لهما الفرمان داخل كتابه.
وكَتب الوزيران إلى يوسف باشا كتابة طيّه الفرمان وصورةَ كتابة الصدر الأعظم عن يد رسوله، ولمّا سلّمه الرسول الكتاب، وأتى إلى بيروت أبي يوسف باشا قبول الأمر أرسل يُقوّي الشيخ مظفّراً، وعزم على قتل السفير.
ولمّا بلغ الأمير عليّاً ذلك كَتب إلى عمّه الأمير يونس بجمع رجال الشوف جميعهم ومُلاقاته بهم إلى جسر الأولي، وكَتب مِثل ذلك إلى الأمير علي الشهابي فحضرا إليه برجالهما، فبلغَ عسكره ثلاثة آلاف مُقاتل. فلمّا بلغ يوسف باشا ذلك استدعى الأمير شلهوب الحرفوش والأمير أرسلان والأمير موسى الكردي مِن رأس نحاش وغيرهم، والتقى الفريقان بقرية الناعمة، ونشبت بينهم حربٌ انتهت بفرار رجال يوسف باشا سيفا.
وفيها قَدِم إلى مشغرة في البقاع الأمير أحمد ابن الأمير يونس الحرفوش - زوج كريمة الأمير - وشرع ببناء دارٍ فيها، وكَتب إلى بعض مشايخ بلاد بشارة المتاولة أنْ يتقدّموا إليه، فأنف الأمير مِن ذلك وكَتب إلى والده إلى بعلبك أنْ يمنعه عن السُكنى في مشغرة، فأجابه وأرسل إلى ولده الأمير أحمد يَمنعه.
وفي هذه السنة بعد رجوع الأمير فخر الدين مِن توسكانا ووصوله إلى عكّاء، واستقباله فيها وفي صور وبلوغه صيدا قاعدة إمارته كان في جُملة
الوافدين إليه في الهدايا الأمير أحمد يونس الحرفوش، وقدّم له خيلاً، ولمّا أبى الأمير قبول هديّة حسن بك بن يوسف باشا سيفا وبَلغ يوسف باشا ذلك كان مِن جُملة ما تكلّم به:
ولماذا لا ينظر الأمير إلى ما فعلناه؟! ويغضّ نظره عن الأمير يونس الحرفوش الّذي قتل سكمان آل معن، وسبّب هدم القلاع!
وراسل مشايخ المتاولة حين كان ولده الأمير أحمد في مشغرة.
أمّا الأمير يونس الحرفوش، فأرسل مُدبّره يلتمس له مِن الأمير فخر الدين إطلاق الحاج ناصر الدين منكر، وكان قد أمر باعتقاله عند وصوله إلى البلاد بسبب تلبية أخيه دعوة الأمير أحمد الحرفوش له في الحضور إلى مشغرة، وكُفل عنه الأمير يونس باثني عشر ألف قرش يدفعها لأرباب الدَين في دمشق فأطلقه.
وفي أثناء ذلك طلبَ مِن الأمير تكملة مال الإرساليّة عن ثلاث سنين، فتوجّه بنفسه إلى عكاء وفرّق المحصّلين بطلب الأموال عن خمس سنين مِن حين ذهابه إلى البلاد الفرنجية إلى حين إيابه. فنزحت مشايخ بلاد بشارة - بنو منكر وبنو علي الصغير - إلى بلاد بعلبك إلى الأمير يونس الحرفوش.
وفي سَنة ١٦١٨م (ص٢٨٩)، كَتب الأمير فخر الدين إلى الأمير يونس الحرفوش أنْ يضبط ما لآل سيفا مِن المواشي والغِلال في القيرانيّة والهرمل.
وفي سَنة ١٦١٩م لمّا عاد الأمير فخر الدين مِن البترون إلى حدث بعلبك - وقد فزع للأمير سليمان سيفا على عمّه يوسف باشا - ومنها إلى المجر في بلاد بعلبك أقام الأمير يونس في حصن اللبوة هَلعاً، فقصده الأمير بعشرة فُرسان وأمّنه ودعاه إلى خيمته، فسار معه ورجع حالاً إلى حصن اللبوة مُحتجّاً بتقدمة الميرة للعسكر، ولم يرجع ولا أرسل ما وعد به.
أمّا الأمير، فارتحل إلى الهرمل، ومنها إلى معان، ومنها إلى قرية شدرا في عكار.
وفي سَنة ١٦٢١م (ص٢٩٥)، لمّا عُزل مرتضى باشا عن دمشق وتولّى مكانه مصطفى باشا، ولمّا وصل إلى المدينة أرسل الحاج كيوان إلى الأمير فخر الدين يطلب منه مالاً، فلمّا وصل الحاج كيوان إلى بعلبك خاطبه الأمير يونس الحرفوش أنْ يلتمس له مِن الأمير فخر الدين أنْ يأذن للأمير
حسين أنْ يتزوّج بامرأة أخيه الأمير أحمد المُتوفّى، فيدفع له ثمانية آلاف قرش إرضاءً لخاطره، فتوجّه الحاج كيوان إلى صيدا وخاطب الأمير بدفع عشرة آلاف ذهب سَلفاً لوالي دمشق، وخاطبه بشأن زواج ابنته مِن الأمير حسين الحرفوش، وأنّه يدفع له ثمانية آلاف قرش، فارتضى الأمير بذلك وأقام الحاج كيوان وكيلاً بالزواج، وأنّه يقبض مِن الأمير يونس خمسة آلاف قرش يدفعها خدمةَ الاستقبال، ويدفع الثلاثة آلاف قرش لأحد غُرمائه في دمشق.
وفي هذه السنة أرسل الأمير يلتمس مِن الدولة سنجقية حمص للأمير يونس الحرفوش فحضر الأمير كما طلب.
وفي سنة ١٦٢٢م كَتب الأمير يونس الحرفوش إلى كرد حمزة يُخبره بعزل الأمير عن صفد، وبما حصل لجماعته في نابلس وعجلون، وبضبطِ مواشيه، فأرسل كُرد حمزة ذلك الكتاب إلى الأمير غَلطاً مع كُتبه، فلمّا قرأه الأمير فخر الدين غضب على الأمير يونس المذكور؛ لأنّه لمّا قدِم علي باشا جانبلاط إلى دمشق قبل تاريخه بسبع عشرة سَنة، وتقدّم عنده الأمير موسى الحرفوش التجأ ابن عمّه الأمير يونس إلى الأمير؛ فوقاه مِن ضرر ابن عمّه المذكور، وتولّى بلاد بعلبك بإمداده، فلمّا اعتزَّ مَنَعَ أهل الشوف مِن الزراعة في أرض البقاع، وممّا اشتروه مِن زمن الأمير منصور فريخ، وضبط للأمير علي تلّ النمورة الّذي عند قب الياس، فنهاه ولده الأمير حسين عن ذلك فلم ينتهِ.
ثُمّ نهض الأمير برجاله مِن بيروت إلى قب الياس حيث إقامة سكمانه، فدعاه الأمير حسين الحرفوش إلى وليمةٍ في منزله في حارة قب الياس، فسار معه وأبرز له صكّاً وحُكماً سُلطانيّاً بمشترى حارة قب الياس مِن تركة الأمير منصور المذكور، وقال له: هذه الحارة مُلكنا أسكنّاك بها مُدّةً طويلة والآن احتجناها، قد قاسمتمونا على الأماكن الّتي أدخلناكم إليها فاذهب إلى والدك، فاستاء الأمير حسين وتوجّه إلى والده.
وأمّا السكمان، فإنّهم لمّا تحقّقوا ما صار نهبوا القرية، ولمّا وصل الأمير حسين إلى بعلبك وأخبر والده بما كان رحل بأهل بلاده إلى الزبداني خوفاً، فأرسل الأمير ابنته زوجة الأمير حسين وولدها مِن قب الياس إلى صيدا حيث والدتها، وأمر أهل الشوف والجرد والمتن جميعاً أنْ يأخذوا غلال آل حرفوش الّتي في البقاع وضبط مواشيهم، فبلغت ستمئة مِن البقر
والجاموس، وأمر بهدم الحارة في قب الياس.
ثُمّ أرسل الوزير أُناساً للصُلح فلم يتمّ، ولمّا بلغ الأمير يونس توجّه الأمير مِن قب الياس استدعى كرد حمزة مِن حمص واتّفقا وسارا إلى دمشق، والتمسا مِن واليها سنجقية صفد للأمير يونس، وخلع الوزير عليه، وأعطى سنجقية عجلون للأمير بشير، ودفع الأمير يونس إلى مُلاقاة الحج حسب العادة خمسة آلاف ذهب سَلفاً عن مال صفد، فلمّا بلغَ الأمير ذلك كَتب إلى وزير دمشق قائلاًُ: بلغني أنّ الأمير يونس الحرفوش زادَ على سنجقية صفد ألف ذهب وقَبِلتُم منه، فأنا أُزيد على بلاد بعلبك مئة ألف ذهب، وكَتب أيضاً إلى الدفتردار وكبير الانكشارية بمثل ذلك، فلمّا وصلتْ كُتب الأمير لم يعبأ أحدٌ بها، ثُمّ رجع الأمير يونس إلى بعلبك وجمع سكمانه ورجال بلاده.
وفي هذه السنة لمّا وصل الأمير إلى المنية أرسل إلى السكمان الّذين في صفد أنْ يُلاقوه إلى بركة الملاحة، فأتاه كتابٌ مِن والده الأمير علي ضَمّنه تقرير مِن الدولة بسنجقية صفد ونابلس وعجلون حَسب عادته، فذهب الأمير بشرذمة إلى صفد وتلا على وجوهها أوامر الدولة فأذعنوا لها، وعاد إلى منزله، وكَتب إلى مصطفى باشا يُخبره، وأرسل له صورة الأوامر وكتاب الوزير الّذي أرسله إليه مِن إسلامبول، فلم يكترث الوزير بها وادّعى أنّها مُزوّرة، وكَتب إلى الأمير يونس الحرفوش أنْ يحضر إلى جسر تل زينون برجاله ورجال آل سيفا وتُركمان لبلاد بعلبك وحِمص وعرب آل موسى فحضرَ بهم.
ثُمّ كَتب الأمير إلى ولده الأمير علي أنْ يُلاقيه بالرجال إلى قب الياس، فنهض مِن بيروت إليها بألف رجل، فالتقاه عمّه الأمير يونس والمُقدّمون اللمعيّون ومشايخ الجرد بألف رجل ودخل إلى قب الياس.
ثُمّ قدم الأمير إلى جسر القرعون ومعه الأمير علي الشهابي برجاله، وجدّد الاتّحاد بينه وبين الأمير أحمد الشهابي.
لمّا بلغَ الأمير يونس الحرفوش قُدومه فرّ تلك الليلة بعسكره إلى الديماس، ومِن الغَد قَدِم الأمير إلى قب الياس، فلاقاه ولده الأمير علي إلى المضيق، وظلّ الأمير سائراً بألف فارس إلى الكرك لأجل جلبِ العليق، فلمّا أبصرتهم جماعة الأمير يونس تحصّنوا في المزار وأخذوا يُطلقون عليهم الرصاص، فأمرَ حينئذ الأمير جماعته أنْ يَهجموا عليهم، فهجموا وقتلوا منهم ثلاثة وأربعين رجلاً، وقُتل
مِن جماعة الأمير خمسة رجال، وهرب الباقون مِن المزار إلى القرية واختبؤوا فيها، وعند ذلك أرسل الأمير إلى أخيه وولده أنْ يبقيا السكمان في الخيام ويحضرا إليه بجميع رجالهما، ولمّا حضروا توجّه بهم الأمير إلى الكرك عشاءً، وأخذوا يُفتّشون على أولئك الرجال المُختبئين فيها، وقبض عليهم - وكانوا سبعة وخمسين رجلاً - وأمر الأمير بحرق القرية، وتوجّه إلى قرية سرعين مقرّ الحرافشة ونهبها وأحرقها، وأحرق القُرى الشرقيّة في طريقه في بلاد بعلبك، ورجع إلى قب الياس وأرسل الأسرى إلى بيروت، فلمّا بلغَ الأُمراء الحرافشة ذلك تحصّنوا في قلعة بعلبك، وكتبوا إلى الأمير يونس يُخبرونه، فأرسل إليهم فُرسانه لمُحافظة البلاد.
وفي سنة ١٦٢٣م نهض وزير دمشق بجيشه منها إلى خان ميسنون (ميسلون)، والتقى بجيش الأمير في قرية عنجر، وجرتْ حرب انتهت بانكسار الوزير وأسره.
وأمّا الأمير يونس الحرفوش والأمير عمر سيفا وكرد حمزة الّذين كانوا في جيش الوزير، فإنّهم انهزموا إلى مدينة بعلبك، فأبقى الأمير يونس في القلعة مئتين وعشرة أنفار، وظلّ سائراً إلى حصن اللبوة، ثُمّ رجع الأمير إلى قب الياس ومعه الوزير، وفي اليوم الثاني قدم الأمير سلمان بخمسمئة مُقاتل نجدةً للأمير، وفي اليوم الثالث نهض إلى قرية تمنين ومعه الوزير والأمير أحمد الشهابي، ولمّا بلغَ الأمير يونس قدومه فرّ مِن اللبوة بأولاده وعياله إلى قلعة الحصن ومعه كرد حمزة، ثُمّ نهض الأمير إلى مدينة بعلبك وأذِن بنهب غلال الحرافشة، فنهبها الدروز والبقاعيّون والكسروانيّون والجبليّون وغيرهم مِن وادي التيم وعرب الفضل.
أمّا مصطفى باشا، فكَتب إلى مُتسلّمه في دمشق أنْ يقبض على جماعة كرد حمزة، وتشتّت الباقون.
وأمّا الأمير يونس الحرفوش، فتوجّه مِن قلعة الحصن إلى حماة وولده الأمير حسين أقام في حمص، وحينئذٍ قدِم الأمير شلهوب إلى حماة وولده الأمير حسين أقام في حمص، وحينئذٍ قدِم الأمير شلهوب إلى الأمير نزيلاً فطيّب خاطره، ثُمّ توجّه الأمير يونس وكرد حمزة إلى حلب وقدّما الشكوى إلى إسلامبول، وفيها أمرَ الوزير الأمير بقتل أسرى الكرك الّذين أرسلهم إلى بيروت، فأبى وتوجّه أُناس مِن جماعة الأمير إلى اللبوة وجبة عسال، فنهبوا مِن معزى الحرافشة انثني عشر ألفاً.
وفيها أرسل الأمير مدلج الحياري مُدبّره يستغيث بالأمير على آل فياض - العرب الّذين دهموه وطردوه - فذهب نجدةً له، وأبقى ولده الأمير عليّاً
والأمير أحمد الشهابي في مدينة بعلبك يمنعان سكمان الأمير يونس الحرفوش مِن الخروج مِن القلعة، ويقطعان الوارد إليهم. وتوجّه بألفي فارس وثلاثمئة رجال إلى قرية الراس مِن جبة اللبوة، ومعه مِن آل سيفا الأمير سليمان والأمير بلك، ومِن الحرافشة الأمير شلهوب، ثُمّ نهض مِن هناك إلى البرية فنَهَب عسكره وغَنِم، وعاد بعد أنْ تحالف على التناصر مع الأمير مدلج إلى قرية صرد مِن مُعاملة تدمر، ومنها إلى الزراعة في قاع بعلبك، ثُمّ إلى القُرى القريبة مِن حصن اللبوة، وأرسل رسولاً يُخاطب الّذين في الحصن بأنْ يُسلّموا، فأجابوه: نحنُ توابع الّذين في قلعة بعلبك، فإذا سلّموا سلّمنا.
فتركهم وأتى إلى مدينة بعلبك وأمر بحصار القلعة، فتقاعدت السكمان عن حصارها؛ لأنّ الّذين داخلها مِن جِنسهم، فحنق الأمير منهم ونصب خيمته في خندق القلعة الجنوبي تجاه السور، فلمّا رأت السكمان شدّة اهتمامه وبأسه تبعوه بخيامهم، وشرع بعمارة أتراس وخنادق وأسوار، ووضع جسوراً عاليةً وصناديق مملوءةً تُراباً وغطّى الخنادق بخَشب، وجعل يتنقّل إلى أنْ وصل إلى حائط القلعة، وأخذ الفعلة ينقبون الحائط وهو لا يُفارق المُحاصِرين أبداً.
وفيها قَدِم الأمير يونس الحرفوش نزيلاً على الأمير، طالباً الصفح والرضا فطيّب خاطره.
وبعد عشرة أيّام سار إلى معرّة النعمان فقبض عليه مُراد باشا ورفعه إلى قلعة سليمة، ثُمّ وجّهه إلى حلب، فلمّا بلغَ ولده الأمير حسيناً ذلك فرّ مِن حماة ليلاً إلى قلعة الحصن مذعوراً، وأرسل إلى الأمير شلهوب الحرفوش وأخيه الأمير علي أنْ يتّجها إلى بعلبك يلتمسان مِن الأمير صفو الخاطر عليه، وأنّه يَكتب إلى مُراد باشا مُلتمساً رفع الضرر عن والده، ودفع للأمير أربعين ألف قرش فارتضى منهما.
وفيها قدِم قبوجي باشي ومعه وكيل الأمير وخِلعة الولاية وتقرير المنصب، فالتقاه هو وولده فألبسهما خلعتين، وتُليت الأوامر بطلب مال إرسالية صفد وعجلون ونابلس، وأرسل القبوجي يُخاطب المُحاصَرين في القلعة وأنْ يُسلّموا فأبوا، وحينئذٍ وردَ خبرٌ يُحقّق أنّ الأمير يونس الحرفوش قد قُبض عليه، فأرسل الأمير يُخاطبهم، ولمّا يئسوا مِن النجاح أذعنوا وخرجوا بالأمان. وضَبط ما للأمير يونس فقط، وأدخل أولئك السكمان في خدمته، فقُتل مِن جماعة الأمير في مدّة الحصار أربعون رجلاً، ثُمّ أحضر
الأمير مئة وخمسين مِن البنّائين وأمرهم أنْ يهدموا القلعة، ثُمّ أرسل الأمير إلى المُحاصَرين في قلعة اللبوة أنْ يَخرجوا منها آمنين فأبوا، فحنق عليهم الأمير ونبّه على السكمان أنْ يسيروا إلى رأس العين؛ ليسير بهم إلى حصار اللبوة فوراً، ولمّا وصلوا إلى رأس العين تحالفوا أنّه إذا لم يَدفع لهم الأمير في ثلاثة أيّام ما وعدهم به ابنه يتركون خدمته، فلمّا بلغ الأمير تعصّبهم وعَزمهم هذا جَمَع مَن أبقى عنده مِن المُقدّمين وقال لهم: إنّ مطلوب السكمان كلّه يَصعب علينا دفعه الآن.
وسار إلى رأس العين يسألهم، فأجابوه طالبين منه رجلين مِن مُقدّمي عسكره إلى الميدان، فأجابهم: أقسموا لي أنّكم لا توقعون بهما ضَرَراً وأنا أحضرهما إليكم.
فعند ذلك ضجّوا وهجموا على باب المدينة مُتسابقين على مسك الرجلين، فسبقهم الأمير إلى الباب، وأخذ يتملّقهم فلم يرعووا، بل دخلوا فلم يجدوهما؛ لأنّهما اختبئا فنهبوا ما وجدوه لهما.
ثُمّ تحزّب مع الرجلين جماعةٌ وصار عسكر الأمير حِزبين، فتحيّر الأمير وولده في إطفاء تلك النار، وفي أوّل الليل جمع مشايخ العسكر الوجوه ودار بهم بين القوم، وأخذ يُعطيهم مالاً ويَعدُهم بما طلبوا، وسألهم الصُلح فأذعنوا وقطعوا حبلَ الانشقاق، وردّوا للرَجُلين ما سلبوه منهما، ثُمّ جرت أُمور لا يعنينا أمرها ولا هي مِن موضوع هذا التاريخ.
وفي اليوم الثالث نهض إلى قب الياس، ومنها إلى بعلبك، فوزّع على السكمان ما لهم وأكرمهم وأرضاهم، وكانوا أربعة آلاف وخمسمئة رَجل ورؤساؤهم ثمانين، وأطلق التنبيه عليهم أنْ يحضروا لحصار قلعة اللبوة، فلمّا بلغَ الأمير علي الحرفوش ذلك توجّه إلى بلاد الحصن - حيث أخوه الأمير حسين - ليأتي بالمال الّذي صار عليه الشرط لجهة والده الأمير يونس، ثُمّ عاد إلى أخيه ومعه الأمير سيّد أحمد - أحد أقاربه - ومُدبّر الأمير مدلج، فدفع للأمير ستّة عشر ألف قرش وصكّاً مِن الأمير حسين بالباقي عليه، والتمس منه الصُلح ورفْعِ الحصار عن قلعة اللبوة، فقبِل الأمير منه ذلك، وصفحَ وأكرم المُدبّر بخمسمئة قرش وخَلَعَ عليه، ونهض بعسكره مِن بعلبك إلى مرج عدوس ومعه ولده الأمير علي.
وفي هذه السنة لمّا كان الأمير فخر الدين في فلسطين يُرتّب أعمالها ويؤدّب الخارجين عليه وهُم آل طرباي، ورد عليه - وهو في مدينة قيسارية - خبرٌ أنّه قادم لخدمته مِن أصحاب يوسف باشا والأمير يونس الحرفوش
جماعةٌ، وأنّهم لمّا وصلوا إلى نهر التماسيح التقوا بجماعة ابن طرباي واقتتلوا، وانفكّت العرب عنهم وبقوا مُنتظرين أمر الأمير، فأجابهم أنْ يوافوه في الغد إلى الطريق، ومِن الغد نهض فالتقوه وطيّب خاطرهم.
وفي هذه السَنة ورد على الأمير كتابٌ مِن الأمير علي الشهابي يُخبره أنّه قدِم إليه الأمير حسين الحرفوش يروم أخذ زوجته ابنة الأمير، وأنّه يَدفع ما تعهّد به في بعلبك، فأجابه: فليحضر وله الإعزاز والإكرام. فحضر الأمير علي وولده الأمير قاسم بالأمير حسين إلى صيدا، فالتقاهم الأمير وأنزلهم عنده مُكرّمين، فدفع الأمير حسين العشرة آلاف قرش للأمير مهر ابنته، وكفله الأمير علي الشهابي وولده إلى شهرٍ بالعشرة آلاف الثانية الباقية عليه مِن الأربعين ألف قرش، حسبما تعهّد في بعلبك، وفي اليوم الثاني سلّمه زوجته، وسار بها إلى بعلبك.
وفي سنة ١٦٢٤م أنعم السلطان على الأمير بولايات عربستان مِن حدود حَلب إلى حدود القدس، ولقّبه سُلطان البرّ على هذه المعاملات، وأمره بإعطائه راحتها وصيانتها، وجباية أموالها الأميريّة وتأديتها إلى إسلامبول، فجمع سكمانه وسواهم مِن أبناء العرب وزحف بهم مِن بيروت - وهم يبلغون أربعة عشر ألفاً - إلى نهر إبراهيم، ثُمّ نهض إلى البترون، ثُمّ إلى جبل عكار، وهكذا إلى جهات حلب فحماة وكلّ ما هو واقع في إيالته يجمع الأموال، ويُرتّب الأعمال، ويُلقي هيبته في النفوس. ولمّا قام بعسكره إلى بعلبك وبلغَ ذلك آل حرفوش فرّوا إلى المشرق مَذعورين، فأطلق الأمان للرعايا فحضروا لديه مُسلّمين، وقدّموا له الإقامات، وتعهّدوا له بخمسةٍ وأربعين ألف قرش خدمةً.
ثُمّ أمرَ بترميم القلعة، ومكث هُناك شهراً إلى أنْ تمّ ترميمها، فوضع فيها عسكراً وعلايف، وبعد انتهائه مِن هذه الجولة في البلاد الشماليّة انتقل إلى جنوبيها، وصفا له الزمان على هذا السلطان مُدّة تسع سنوات إلى أنْ أوثقه الكجك أحمد مع أولاده الثلاثة، وأرسلهم إلى إسلامبول.
وفي سنة ١٦٢٦م حَضر الأمير حسين يونس الحرفوش إلى حاصبيا مستشفعاً بالأمير علي الشهابي أنْ يسترضي خاطر الأمير عنه، فكَتب الأمير علي يسأله بشأنه فأجابه، ودعاه إليه فنهض الأمير علي لولده الأمير قاسم إلى صيدا، ومعهما الأمير حسين المَذكور، فالتقاهم الأمير بأحسن اللقاء
وطيّب قلبَ الأمير حسين، فرجع إلى بلاده مسروراً.
وفي سَنة ١٦٣٣م قادَ الكجك أحمد باشا الحافظ العساكرَ العُثمانيّة لمُحاربة الأمير، وذلك بأمر خليل باشا الصدر الأعظم؛ لأنّه بلغَ السلطان مُراد أحمد ما عَزم عليه الأمير مِن تقليد السلطنة إلى أُمور أُخرى، وأخذ الكجك بجمع العساكر مِن حدود بلاد الروم إلى حدود بلاد مصر.
وفي سنة ١٦٣٤م نهضَ بالعساكر إلى خان سعسع، واستدعى الأمير عليّاً اليمني والأمير حسين سيفا والأمير محمّد الحرفوش وأخاه الأمير حُسيناً، وولّى كُلاً منهم على بلاده، وهكذا ضمّ الكجك إليه كلّ مَن كان خصماً للأمير.
ولمّا بلغَ الأمير ذلك أخذ يجمعُ رجاله، ويبعث بها إلى أطراف البلاد، وسار الكجك بجُيوشه يدوخ البلاد، وفرّ منه أُمراء آل شهاب - أُمراء وادي التيم ومرج عيون - ووقعتْ معركةٌ قُرب خان حاصبيا انتهت بمقتل الأمير علي ابن الأمير، وشاء القَدر أنْ يُؤسر الأمير وولده، ويُبعث بهم إلى دمشق، ومنها إلى إسلامبول، ثُمّ يُقتل ويَذهب سُلطانه.
وفي سنة ١٦٨٠م فرّ الأمير عُمر الحرفوش إلى الأمير أحمد ابن الأمير ملحم المَعني، مُستغيثاً به في أمرِ الصُلح بينه وبين الأُمراء الشهابيّين بسبب قتل الأمير فارس الشهابي، فتوجّه الأمير إلى بعلبك، وأجرى الصُلح بينهم بشرط تأدية الأُمراء آل حرفوش لآل شهاب خمسة آلاف قرش وجواداً مِن جياد الخيل كُلّ سَنة.
وفي سنة ١٧٤٨م ولّى أسعد باشا العظم الأمير مِلحماً الشهابي على بلاد بعلبك، فسَيّر الأمير إليها أخويه الأمير أحمد والأمير منصور نائبَين عنه فيها، ولانكسار مالٍ على الأمير نَفَرَ منه أسعد باشا، وسار أليه بجيش فالتقى بجيش الأمير مِلحم في بر الياس، ونشبتْ بينهما حَرب انتهت بفوز الأمير مِلحم، وعاد أسعد باشا إلى دمشق مُنكسراً والأمير ملحم إلى بلاده مُنتصراً، وبعدَ مسيره وجّه الأمير عسكراً إلى بلاد بعلبك فنهبها وأزاح عنها واليها الأمير حيدر الحرفوش؛ لأنّه كان مع عسكر الوزير، وولّى مكانه أخاه الأمير حُسيناً؛ لأنّه كان معه في الوقعة.
وفي سنة ١٧٨٧م لمّا اتّفق مماليك الجزار عليه، وساعدهم على ذلك سليم باشا، وطلب النجدة مِن الأمير يوسف الشهابي فأنجده بأُمراء البلاد،
ولمّا غُلب المتآمرون على الجزار، وشرع في الانتقام ممَّن ساعدهم عليه مِن أُمراء البلاد استنجد الأمير يوسف بأُمراء البلاد لمُدافعة الجزار، وقد انضمّ إلى المُدافعين الأمير جهجاه الحرفوش برجاله في قب الياس، وجرت أُمور ووقائع انتهتْ بفوز الجزار وبعزل الأمير يوسف وقيام ابن أخيه الأمير بشير الكبير مكانه في الولاية، ورجعَ الأمير جهجاه الحرفوش إلى بعلبك.
وفي سنة ١٧٨٩م طلبَ الأمير قاسم الحرفوش مِن الأمير بشير أنْ يُساعده على خَلع ابن عمّه الأمير جهجاه مِن الولاية والتولّي مكانه، فأجابه وأرسل لهُ عسكراً إلى زحلة، وأمرَ أهلها أنْ يتوجّهوا مع العسكر، وأرسل أمراً إلى الأُمراء اللمعيّين أنْ يَجمعوا رجالهم ويذهبوا بهم إلى زحلة فذهبوا، فزحفَ الأمير قاسم إلى تمنين، فلمّا علِم الأمير جهجاه بقدومه خرج للقائه في أرض أبلح، وانتشب بينهم القتال، فانكسر الأمير قاسم بمَن معه وسُلبت خيلهم وأسلحتهم، وقُبض على الأمير مُراد شديد أبي اللمع، فأمر له الأمير جهجاه بردّ سلاحه وجواده وأطلقه مُكرّماً، ولمّا رجع عسكر البلاد إلى زحلة مُنهزماً جهّز الأمير عسكراً آخر وأرسل معه أخاه الأمير حسيناً وبعض مناصب البلاد، ولمّا وصلوا إلى بعلبك فرّ الأمير جهجاه مِن المدينة، فدخلوها فلم يجدوا فيها قوتاً فرجعوا.
ولمّا لم ينجح حال الأمير قاسم التمس له الأمير مِن الجزار عسكراً فأرسل له، فوجّهه الأمير إلى بعلبك وأصحبه بمشايخ الدروز ورجالهم لطرد الأمير جهجاه، وحينما وصلوا إلى بعلبك فرّ الأمير جهجاه إلى رأس بعلبك، فقصدوه فرجع إليها مِن طريق آخر ونهبها، ثُمّ توجّه إلى نواحي يبرود فرجع الأمير حسين بعسكره إلى البلاد.
وفي سنة ١٧٩٠م استدعى الأمير جهجاه الحرفوش خمسمئة مُقاتل مِن زحلة، وزحف بهم على بعلبك، فدهموا عسكر الجزار ليلاً، وقَتل منهم خَلقاً كثيراً ثُمّ رجعوا إلى زحلة غانمين، فقصدهم الملاّ إسماعيل بألف ومئتي فارس، فالتقاه أهلها والأمير جهجاه وأخوه الأمير سلطان، وكمُن فرقةٌ منهم في خليج القرية، ولمّا وصلت الفرسان إلى الخليج أطلقوا عليهم الرصاص، فانهزموا إلى قرية السلطان إبراهيم مخذولين، وأعلموا في أقفيتهم السلاح فقُتل منهم خلقٌ كثير، ومِن أهالي زحلة عددٌ قليل.
وفي سنة ١٧٩٩م قدِم يوسف باشا ضياء الصدر الأعظم بالجيوش العثمانيّة إلى حَلب، فكَتب إليه الأمير بشير كتاباً، وأرسل له خيلاً جياداً تقدمة صحبة رجلين مِن خواصّه، فالتقياه إلى (قره مرط) وقدّما له الخيل، واستماحا منه صفو خاطره على الأمير، وردع الجزار عن المظالم في جبل لبنان، فأجاب سؤالهما وصرفهما راضين.
ولمّا دخل إلى حماة أرسل له الأمير مئة ألف قرش خدمة، وبعد دخوله إلى دمشق كَتب إلى الأمير كتاباً يُطيّب به خاطره، ويأمره بإرسال ألف غرارة قمحاً وشعيراً، فبادر الأمير بجمعها وأرسلها إلى دمشق، فأنعم عليه الصدر الأعظم بخِلَع الولاية على جبل لبنان ووادي التيم وبلاد بعلبك وبلاد البقاع وبلاد المتاولة، واعداً إيّاه بأنْ يبقى عليها والياً دائماً بأمر الدولة، وأنّه لا يكون للوزراء عليه تَسلّط، وأنّ إيراد أموالها يكون مِن يده إلى خزينة الدولة كما كان في عهد الأُمراء المعنيّين، ولكنّ الأمر لم يطلْ حتّى كثُر الخارجون عليه، ومِن ورائهم الجزار الحاكم المُطلق في الديار الشاميّة، وعُزل عن الولاية وقَصد حوران.
وفي سنة ١٨١٠م قرّر سليمان باشا الأمير جهجاه الحرفوش على بلاد بعلبك.
وفي سنة ١٨١٩م كَتب عبد الله باشا خزندار إلى نائب دمشق أنْ يطرد المشايخ اليزبكية وأحزابهم الّذين سخطَ عليهم الأمير بشير، فكَتب النائب إلى الأمير أفندي صاحب ريشيا والأمير أمين الحرفوش صاحب بعلبك أنْ يسيرا بعسكرٍ ويطردا المشايخ مِن إيالة دمشق، ولمّا بلغَهم ذلك فرّوا إلى قرية قارة والنبك.
وفي سنة ١٨٢٠م عاد الأمير بشير إلى الولاية، وعَزل منها الأميرين حسناً وسلمان، وفرّا مِن وجهه إلى بعلبك ثُمّ إلى الزبداني، وقد أرسل الأمير بشير الأمير ملحم حيدر والأمير أفندي صاحب ريشيا والشيخ علي العياد ومعهم أربعمئة فارس لطرد الأميرين مِن بعلبك، ولمّا وصلوها التقاهم الأمير نصوح الحرفوش واليها أحسن لقاء.
ولمّا بلغ الأمير ملحم خلوَّ بعلبك مِن الأُمراء سار هو والأمير نصوح الحرفوش لطرد الأمير سلطان وأخيه الأمير أمين الحرفوشيَّين والشيخ حمود حمادة لتعصّبهم للمشايخ الحماديّة، ففرّ الأميران الحرفوشيّان مِن الهرمل، وحضر الشيخ حمود إلى الأمير ملحم مسلّماً فأمّنه.
ولمّا نهض الأمير بشير إلى إهدن
ومنها إلى بشري قدِم إليه الأمير ملحم راجعاً مِن بعلبك، ومعه الأمير أفندي والأمير نصوح الحرفوش والشيخ حمود حماده، فرحّب بهم وطيّب خاطر الشيخ حمود وأكرمه.
وفي سَنة ١٨٢١م قدِم إبراهيم باشا إلى سورية غازياً، وقد اتّفق معه الأمير بشير على ذلك سنة ١٨٣١، وجرت حروب بين إبراهيم باشا وولاة الدولة العُثمانية كان النصر في جُلّ المواقع خدين إبراهيم باشا.
وفي سنة ١٨٣٢م وقد أحرز إبراهيم باشا النصر على الوزراء العُثمانيّين، وقد سقط في أيدي الّذين مالؤوهم مِن أُمراء البلاد ومشايخها قدِم في هذه الأثناء الأمير أمين الحرفوش مُترامياً على الأمير بشير، فطيّب الأمير قلبه ووعده بأنّه يلتمس له الأمان مِن الوزير، وكَتب إلى الوزير بشأنه، فأجابه طالباً حضور الأمير إليه وعليه الأمان، فلمّا بلغَ الأمير ذلك فرّ هارباً إلى القِفار، فأرسل إليه الوزير شرذمة للقبض عليه فلم يُدركوه.
وفي غضون هذه السنة قدِم الأمير أمين الحرفوش إلى بتدين ودخل الحبس، وبلغَ الأمير ذلك فأمر بحضوره إليه، فطيَّب قلبه.
ولمّا سار الأمير بشير في هذه السنة إلى دمشق وأقام عند شريف باشا لحقه الأمير أمين المذكور، فأمره شريف باشا أنْ يُقيم عند عيلته في المدينة آمناً.
وفي سنة ١٨٤٠م تمّ الاتّفاق بين السلطان عبد المجيد العُثماني ومُلوك النمسا والمسكوب والإنكليز وبروسيا على استخلاص سورية مِن يد محمّد علي باشا عزيز مصر - الّذي كان قد انضمّ إليه كثير مِن الأُمراء إلى الجيش العُثماني - ولمّا جمع الأمير علي اللمعي رجالاً مِن المتن وسار بهم إلى المريجات قدِم إليه الأمير خنجر الحرفوش وأخوه الأمير سلمان، وانضمّ إليه سواهما، فنهضوا مِن الحازميّة والدكوانة لقتال العساكر المصريّة، فالتقوا بعساكر الأرناؤط في الأشرفيّة، ولمّا أطلقوا عليهم الرصاص ولّوا مُدبرين، فجدّ الأرناؤط في طلبهم، فانهزموا وتبدّدوا وقُتل منهم رجُلان.
وجرتْ معارك مُتتابعة بين الجيش المصري وأُمراء البلاد ومشايخها مِن أنصار الجيش العُثماني، وكان الظهور في أكثرها للمصريّين، وقدم الأمير محمود ثُمّ الأمير فاعور قعدان الشهابيان إلى الحازميّة، ثُمّ الأمير خنجر الحرفوش وأخوه الأمير سلمان وأجمع رأيهم مع الأمير فارس والأمير يوسف الشهابيَّين على الانفضاض، ثُمّ تفرّقوا كلٌّ إلى جهة،
والأمير خنجر وأخوه ذهبا إلى زوق مكايل يجمعان رجالاً، وتشتّت الأُمراء اللمعيّون.
ولمّا وصل الأمير خنجر إلى المعاملتين قال له بعض رفقائه: خُذ معك عامية غزير ونحن نذهب ونأتي بهم إليك. فساروا إلى الأمير عبد الله فأخبروه بما كان، فقصده الأمير عبد الله بأصحابه للقبض عليه، ولمّا رآهم الأمير خنجر مُقبلين ظنّ أنّهم العامية، وإذ دنوا منه أحاطوا به فلم يُمكنه الهرب، فقبضوا عليه وعلى أخيه وعلى ستّة أنفار متاولة كانوا معهما ورجعوا بهم إلى غزير، فأمر الأمير عبد الله بوضعهم في الحبس، وذاع الخبر في كسروان، فانحدر إلى غزير نحو مئة رجل مِن قرى كسروان والفتوح، واتّفقوا مع عامية غزير على تخليص الأمير خنجر ومَن معه، فأرسلوا إلى الأمير عبد الله يطلبون إخراجهم مِن الحبس فأبى، فحينئذ هجموا على باب الحبس وكسروه وأخرجوا الأميرين وأصحابهما، واسترجعوا أسلحتهم جميعاً وسلّموها لهم، وانحدروا بهم إلى جونية فاجتمع إليهم جماعة، وأتى الأمير خنجر بهم إلى المكلس لهياج المتنية.
وفي ذلك الوقت نهض عبّاس باشا وسليمان باشا بالعسكر مِن بيروت إلى الحازمية ومعهما الأمير مجيد، ثُمّ نهضوا قاصدين حمانا، ولمّا وصلوا تجاه المكلس أطلق الأمير خنجر وجماعته الرصاص، فأرسل إليهم سليمان باشا الأرناؤط، ولمّا قابلوهم تفرّقوا شذر مذر، وفرّ الأمير خنجر إلى جرد العاقورة، فنهبت الأرناؤط وحرقت المكلس وبعض المنصورية بيت مري ودير القلعة وعادوا إلى المعسكر.
ثُمّ جرتْ مواقع بين الجيش المصري والجيش العثماني والمُنضمّين إليه مِن البلاد يطول بذكرها الخَطب، ولا يتعلّق به غرضٌ في تاريخنا هذا طوينا دونها صفحاً.
ولمّا أرسل السرعسكر إلى بيت شباب عمر بك النمساوي العثماني ومعه الأمير خنجر الحرفوش ولبنانيّون وزّع على أهلها أسلحةً، فالتقاه الأمير مسعود إلى عيون العلق وحاربه فرجع إلى جونية، وما زالتْ عساكر الدولة وحلفائها مجدّين في مُحاربة المصريّين، وكان الأمير بشير مِن أنصارهم هو وأحلافه مِن الأُمراء والمشايخ، إلى أنْ انتهى الأمر بانتصار العثمانيّين وبالقبض على الأمير بشير وأولاده، وإبعادهم إلى مالطة وانتهاء حُكمه.
ولم نقف في خلال تدوين هذه الوقائع على ذِكر للأمير خنجر وأخيه، ولكنّه ورد خبر لإقبال الأمير محمّد الحرفوش بجماعته مُنهزمين مِن خان سعسع، وانضمّوا إلى الأميرين عبد
الله والأمير قيس في قرية الصوبرة، وفي اليوم الثالث نهضا إلى بلاد بعلبك، ومنها إلى الزبدانة فالتقاهما الأمير خنجر الحرفوش بفرسانه وانضاف إليهما، ومِن الغد انطلق إلى قرية الهامة، وفيما هُما في الطريق بلغهما قيام إبراهيم باشا بعساكره مِن دمشق فباتا تلك الليلة في الهامة، ووضعا أرصاداً خوفاً مِن أنْ تدهمهما الأعداء، وكانت عساكرهما في نحو ألفي فارس.
ولا كبير فائدة لنا ولموضوع كتابنا في تتبّع الأحداث الّتي حصلت بعد نهاية حُكم الأمير بشير وطرد المصريّين واستقرار الأمر للعُثمانيّين، كما أنّنا لم نجد في أثنائها ما يُدوَّن مِن أخبار الحرافشة إلى سنة ١٨٤١م حيث وقعت الحرب بين الدروز والنصارى، فإنّ الأمير أحمد سلمان ومعه الأمير عبد الله شديد مُراد والأمير مصطفى قايدبيه اللمعيّين لمّا زحف بعسكره إلى زحلة التقاه أهلها إلى ثعلبايا بأولئك الأُمراء ومعهم أُمراء مِن آل حرفوش، ولمّا زحف الدروز مِن البقاع على زحلة - وكانوا نحو ستة آلاف مُقاتل - التقاهم العربان بألفي فارس، ولمّا أقبلوا عليها وأحدقوا بها مِن الجنوب والشرق والأمير خنجر بجماعته إلى جهة الفرزل متأهّباً للهرب إنْ ظفرتْ الدروز، وانتهت المعركة بانكسار الدروز، وكان ذلك في ولاية عُمر باشا العُثماني.
ما كَتب المطران يوسف الدبس عنهم في تاريخ سورية:
ج٧ سنة ١٦٠٢م في هذه السنة كبس الأمير موسى بن الحرفوش مع جماعته جبة بشري، فنهبوا البيوت واستاقوا الماشية، ولمّا بلغَ ذلك يوسف باشا جمعَ جنوده وأهل الناحية نحو خمسة آلاف رجُل، وسار فيهم فكبس مدينة بعلبك فهرب أهل المدينة، فنهبوا وقتلوا مَن أدركوا، واحتمى شلهوب بن النبعة مع بعض الحرافشة وكثير مِن أهل المدينة في قلعة بعلبك، فأحرق يوسف باشا قرية الحدث في بلاد بعلبك وحاصر القلعة خمسين يوماً، ثُمّ ملكها وقَتل ابن فاطمة ورعد بن نبعا؛ لأنّه كان مع الأمير فخر الدين في وقعة نهر الكلب، وقَتل ابن أخيه الأمير علي، ثُمّ نادى بالأمان.
وفي سنة ١٦١١م قدم نصوح باشا إلى حلب وأرسل يطلب مِن الأمير فخر الدين خدمة للسلطان، فأرسل له خمسة وعشرين ألف قرش
أُخرى بعد أنْ كان أرسل مع كتخداه قبلها ٢٥ ألفاً وخيلاً وأسلحة، ومع ذلك لم يصفُ خاطره عليه، وكان مؤاخذاً له؛ لأنّه أنجد الأمير يونس الحرفوش والأمير أحمد شهاب ضدّ أحمد باشا حافظ دمشق، ولأنّ ما قدّمه كان أقلّ ممّا أرسله إلى مُراد باشا سلفه مع ابنه الأمير علي.
وفي سنة ١٦٢٢م عزل والي دمشق جماعة الأمير فخر الدين عن ولاية نابلس وعجلون، وبلغَ الأمير فخر الدين أنّ ذلك كان بدسيسةٍ مِن الأمير يونس الحرفوش فساءه ذلك، ونهض مِن بيروت إلى قب الياس، وطلب إليه الأمير حسين ابن الأمير يونس الحرفوش فحضر لديه، فادّعى عليه الأمير فخر الدين بأنّه اشترى مِن الأمير منصور بن فريخ دار قب الياس وأرض تل نحرا وغيرهما مِن العقار في البقاع، وقد غصبَ هو وأبوه هذه الأملاك فيلزمهما أنْ يرفعا يدهما عنها، فأنكر ذلك الأمير حسين وفرّ إلى بعلبك، وتوجّه هو وأبوه إلى الزبداني، فأمر الأمير فخر الدين بنهب البقاع، فنهبها رجاله وضبطوا ماشيتها، وأخذوا كلّ ما وصلت أيديهم إليه إلى لبنان وهدموا دار قب الياس، فتوجّه الأمير يونس الحرفوش إلى دمشق، ودفع لواليها ألف ذهب زيادةً في المال المُرتّب على صفد وعجلون، فولاّه سنجق صفد، وولّى على عجلون الأمير بشير قانصوه حليف الأمير يونس، وتعصّب لهما الأمير أحمد طربيه والشيخ أحمد الكناني - مِن حكّام تلك النواحي - فأرسل الأمير فخر الدين إلى الأمير علي الشهابي وإلى حسن الطويل أنْ يُحرقوا قُرى عجلون، فأحرقوا منها فارا وحلاوة والخربة، وأحرق كيوان آغا ناظر عكا جميع قُرى الهرمل.
وسار الأمير فخر الدين في ألفين وخمسمئة سكماني لغزو بلاد الأمير أحمد طربيه والأمير بشير قانصوه، وترك الرجّالة في جنين وزحف بألف وخمسمئة فارس إلى نهر العوجاء فنهبوا المواشي والأثاث، فاجتمع عليهم العرب وقاتلوهم واسترجعوا ما نهبوا، وقُتل مِن الفريقين جماعةٌ، ونكص الأمير في فُرسانه إلى خان جلجولية، وكذلك قَتل الأمير أحمد طربيه نصوحا بوكباشي الأمير فخر الدين في ساحل عكّا، واستردّ ما كان انتهبه مِن الماشية، وسعى الشيخ درويش وكيل الأمير فخر الدين بالآستانة، فنال أمراً بتقرير سنجق صفد على الأمير علي بن فخر الدين، ولمّا بلغَ ذلك الأمير فخر الدين توجّه إلى صفد، فهرب الأمير يونس الحرفوش مِن أمامه، فرتّب أُمور صفد
وعرج عند عودته على الكرك، فقَتل رجاله ثلاثين رجلاً مِن أتباع الأمير يونس الحرفوش، وأحرقوا الكرك وسرعين وغيرهما مِن قُرى بيت الحرفوش.
ويُقال: إنّ السبب في ذلك هو أنّ الأمير موسى الحرفوش كان قبلاً يُسلّم قسماً مِن أملاكه لمُزارعين مِن الشوف، ولمّا تولّى بلاد بعلبك استفحل أمره، واقتنى نحو أربعين قطيعاً مِن المَاعز، وأشغل نحو ألف فدّان في حراثة الأرض لحسابه، ومنع أهل الشوف مِن الزراعة بالبقاع.
وفي سنة ١٦٢٣م وقعتْ نِفرة بين مصطفى باشا والي دمشق وبين الأمير فخر الدين، فنهض الوزير المذكور مِن دمشق في عشرة آلاف مُقاتل وانضمّ إليه الأمير يونس الحرفوش وآل سيفا، والتقاه الأمير فخر الدين ومعه الأمير علي الشهابي وأخوه الأمير أحمد، والتحم القتال عند نبع عنجر في لبنان الشرقي، وكان الظَفر للأمير فخر الدين، فشتّت رجالُه عسكرَ الوزير وقَتل وأسَر، وبقي مصطفى باشا وليس حوله إلاّ عشرة رجال مِن خواصّه، ووصل إليه الأمير فخر الدين، ولمّا عرفه ترجّل عن جواده، وقبّل ذيله، وأكرم رجاله، وأركبه جواده، وأرسل بعض حاشيته بخدمته إلى قب الياس، وسار الأمير فخر الدين في أثره إلى هُناك، ودخل على الوزير مُعتذراً له عمّا كان، فاعتذر له الوزير أيضاً عن نهوضه إليه ونسبَ ذلك إلى الأمير يونس الحرفوش، وخَلَع الوزير على الأمير، وقرّر عليه وعلى جماعته سناجق عجلون وصفد ونابلس والبقاع العزيز.
ثمّ سار الوزير والأمير إلى بعلبك ففرّ الأمير يونس الحرفوش إلى معرة النعمان، وغَنِم عسكر الأمير غلال آل حرفوش - وكانت نحو ثلاثين هريا (حاصلاً) - فانتفع بها القوم مِن وادي التيم إلى جبة بشري، وحاصر الأمير القلعة وقُتل مِن جماعته وممّن كانوا ينقبون في جدرانها نحو أربعين رجلاً، وورد الخبر أنّ مُراد باشا صاحب حلب قَبض على الأمير يونس الحرفوش وسجنه في قلعة سلمية، فقطع رجاله الّذين كانوا بالقلعة رجاءهم، وسلّموها إلى الأمير فخر الدين فأمر بهدمها.
وفي سنة ١٦٢٥م أقرّتْ الدولة الأمير فخر الدين على ولاية بعلبك، فهرب الأمير حسين ابن الأمير يونس الحرفوش إلى حلب، وأخذ يسعى عند وزيرها على الأمير فخر الدين، وممّا قاله: فليطلب الوزير رفعَ يدِ الأمير فخر الدين عن القلاع الّتي بيده، فإنْ رفعها اِقطع رأسي، فأمسكه الوزير في قلعة حَلب تحت هذا الشرط.
وفي سنة ١٦٢٦م بعد تولّي خليل باشا الصدارة بعد عزل الحافظ أحمد باشا عنها، وكان عازماً على مُحاربة الأمير فخر الدين، فأرسل الأمير إليه بكباشه عبد الله يعده بخزائن كثيرة، وتسليم قلعة الحصن وصافيتا وشميسة والمرقب إليه، فارتضى بذلك وقَتل الأمير حسين يونس، وتحوّلت العساكر إلى بغداد لمُحاربة العَجم.
وفي سنة ١٦٣٦م جعل مصطفى باشا والي طرابلس مرضي آغا متسلّماً تدبير شؤونها، فولّى على عكار الأمير عساف سيفا، وعلى جبيل البترون الشيخ عليّاً والشيخ أحمد ابني قانصوه حمادة، وجمعَ الأُمراء الحرافشة العَرب والسكمان وقصدوا استرداد ولايتهم على بعلبك، وعلِم بذلك والي دمشق فأرسل إليهم عسكراً، فقتلوا مِن الحرافشة خَلقاً كثيراً.
وفي سنة ١٦٧١م استنجد الأمير علي الحرفوش والي دمشق على أولاد عمّه الأمير عُمر والأمير شديد والأمير يونس، فأنجده وهزم أولاد عمّه المذكورين، ونهبَ أموالهم وأحرق دورهم وتولّى على بلاد بعلبك.
وفي سنة ١٦٨٠م تولّى الأمير فارس الشهابي بلاد بعلبك، وسار إلى قرية نيحا الّتي فوق الفرزل، فجمع الأمير عُمر الحرفوش الحماديّة ورجالهم، ودهمه ليلاً فقتله وقتل مِن جماعته خمسةً وعشرين رجلاً، ولمّا بلغَ ذلك الأمير موسى نهض برجاله مِن حاصبيا وصحبه الأمير علي مِن راشيا قاصدين أخذ الثأر، ففرّ الأمير عُمر الحرفوش مِن بعلبك واستغاث بالأمير أحمد المعني لإجراء الصُلح بينه وبين الأُمراء الشهابيّين، فسار الأمير أحمد إلى بعلبك وعَقد الصُلح بينهم على شرط أنْ يدفع الحرافشة لآل شهاب كلّ سَنة خمسة آلاف قرش وجوادين مِن جياد الخيل ديّةَ الأمير فارس.
وفي سنة ١٦٨٦م صدرَ الأمر العالي إلى علي باشا النكدلي والي طرابلس أنْ يُحارب الأمير شديد الحرفوش؛ لأنّه نهب قرية رأس بعلبك وأحرق قلعتها، فاستحضر المُقدّم قيدبيه بن الشاعر وأبا فاضل رعد مِن الضنية وابن دندش مِن عكار، وكَتب إلى الأمير بشير الشهابي أنْ يُنجده بالرجال فأنجده، وزحف الوزير إلى بعلبك، فهربَ الأمير شديد إلى بلاد جبيل مُستجيراً بالمشايخ الحماديّة، فنزلَ الباشا على العاقور فأحرقها وأحرق أربعين قريةً مِن قُرى المتاولة، وقطعَ أشجارها ودكّ إلى الأرض دار الشيخ
حسين في ايليج، ونقض قبرَ الأمير عُمر في طيرزيا، واهتدى عسكره إلى خباياهم في مَغارة قنات ففتحوها.
وفي سنة ١٧٤٧م تولّى الأمير ملحم بلاد بعلبك، وسيَّر إليها أخوَيه الأمير أحمد والأمير منصوراً يُديران شؤونها، فأبطئا في أداء بعض مالها، فكَتب إليه الوزير يطلبُ المال وشُدّد عليه الطَلب وأغلظ له الخطاب، وكان أسعد باشا يبغض الأمير ملحماً لالتحامه مودّة مع أخيه سعد الدين باشا العظم والي صيدا - وكانت بين الأخوين نِفرة - فوجس الأمير ودعا أعيان بلاده إلى اجتماع بالباروك للتشاور والاهتمام بجمع المال الباقي، وبلغَ أسعد باشا هذا الاجتماع فوجّه رسولاً لطلب المال في الظاهر وأسرَّ إليه أنْ يتجسّس أعمال الأمير وما ينويه، ففطن الأمير لِما أبطن؛ فأظهر للرسول البأس والشدّة وصرفه غير راضٍ. ولمّا بَثَّ لأسعد باشا بعد عوده ما رآه عزم الوزير على أنْ يَدهم الأمير على غفلةً، فسار مُسرعاً بعسكرٍ إلى صحراء بر الياس قاصداً قتال الأمير، وكان الأمير يَقِظاً فنهض عاجلاً مِن الباروك بجحفلٍ كبير وحلّ في المغيشة، فلمّا بلغَ الوزير بر الياس مساءً وجد نيران الأمير تسطع على المغيشة، فعَلم أنّه يَقظٌ حَذِر، فعدل عمّا نواه مِن المُداهمة وتلبّث ثلاثة أيّام، وفي اليوم الرابع زحف الأمير بجيشه إلى صحراء بر الياس، فكانت وقعة تغلّب فيها العسكر اللبناني على العسكر الدمشقي، وتتبّعه إلى الجديدة وأهلك منه خَلقاً كثيراً، وعاد الأمير بعسكره إلى البقاع، فنهب ما في قُراه وأحرقها، ووجّه فريقاً مِن عسكره إلى بلاد بعلبك فنهبها وأزاح واليها الأمير حيدر الحرفوش - لأنّه كان مع عسكر الوزير - وولّى مكانه أخاه الأمير حُسيناً؛ لأنّه كان معه.
ولمّا عاد أسعد باشا مِن الحج بلغه ما فعله الأمير ببلاد بعلبك، فاحتدم غيظاً وحنقاً، وأخذ يجمع العساكر لقتال الأمير، ولكنْ لم يطل الوقت إلى أنْ نفذ الأمر السلطاني بضرب عُنقه، وتولّى مكانه ابن عمّه سليمان باشا العظم، وتوفّي سعد الدين باشا العظم والي صيدا وتولّى مكانه عثمان باشا المعروف بالمحصل.
ما كَتب الشيخ أحمد الخالدي في تاريخ لبنان في عَهد الأمير فخر الدين المعني عن الحرافشة:
في سنة ١٠٢٣هـ - ١٦١٤م لمّا ساق حافظ باشا الجيوش إلى الأمير علي ابن الأمير فخر الدين في مُدّة غياب والده في توسكانا مِن أعمال إيطالية، ولمّا بلغَ قب الياس وأقام فيه نحو عشرين يوماً اجتمعت عنده عساكر حسن باشا حاكم صفد وصيدا وبيروت، ومحمّد باشا حاكم غزّة، وفروخ بك أمير الحج، والأمير أحمد بن طرباي، وحسين بك ابن الأعوج حاكم حماه بجميع عشائرهم وأتباعهم، ولم يترك واحدٌ منهم أحداً مِن أتباعه، وجميع أُمراء أولاد العرب كالأمير يونس بن الحرفوش، وكان ممّن عيّنه لمُناصرة الشيخ مظفّر على مقاومة ابن معن أُمراء بيت الحرفوش.
وفي سنة ١٠٢٧هـ - ١٦١٧م وقبل هذه الأحوال كان قد صار نصيب للأمير أحمد ابن الأمير يونس بن الحرفوش في مصاهرة الأمير فخر الدين بن معن، وعقد عقدة نكاحه على كريمته، فعزّه الطَمع بتدبير والده وحيله، فجاء وسكن قرية مشغرة، وأسّس بها أساس بُنيان ليُعمّر فيها مَسكناً له فيه يُقيم، وصار يُراسل ويُكاتب بني متوالي مِن المشايخ المتعينين، فطلع إليه مِن شيعته ومِلّته بهدايا: أولاد داغر وأولاد علي صغير وابن منكر الحاج ناصر الدين، بحجّة أنّهم يُسلّمون على قرابتهم الحاج علي بن منكر؛ لكونه كان نازحاً عنهم مُذ رجع الأمير علي إلى البلاد وحَكمها ونازلاً عند ابن الحرفوش الأمير يونس، فلمّا رأى الأمير علي ذلك وعَلِم أنّ مجيء الأمير أحمد المذكور إلى مشغرة مبنيٌّ على فساد، وأنّه ما مراده المجيء إلى هذه القرية إلاّ استمالة بني متوال إليه واجتماعهم عليه، وإنْ كان ظاهره أنّ مُراده بالبناء في مشغرة أنْ يُسكن شقيقه الأمير علي بها، فأرسل الأمير علي لأبيه الأمير يونس بن الحرفوش مع السيّد نور الدين - مِن قرية جبع - يذكر له: إنْ كان مُرادكم محبّتنا وصداقتنا فامنعوا ولدكم الأمير أحمد مِن البناء في قرية مشغرة، ومِن السُكنى بها أيضاً، فإنّه ما يتأتّى مِن ذلك إلاّ العداوة بيننا والبغضاء.
فأرسل جواباً يوهم أنّه صحيح، وقال: نحن ما مُرادنا إلاّ التقرُّب إلى جنابكم بالمليح، وإنّ الّذي خطرَ في بالكم لم يَخطر ببالنا.
وذكر أعذاراً
على هذا المنوال غير مقبولة ولا معقولة، فأرسل الأمير علي مرّةً ثانية مع السيّد نور الدين المذكور أنّه: لا بُدّ مِن منع ذلك إنْ قصدّتم صداقتنا على اليقين، وإنْ كان لكم نيّة غير ذلك فعرّفونا بها لنكُن على بصيرة.
فأرسل قرايبه أمير حاج إلى الأمير علي لينوب عنه في الاحتجاج، ويُبيّن الأعذار ويوضّح الأخبار، وأرسل إلى ابنه يمنعه مِن العمارة، ومع هذا كلّه ما انقطعتْ حكاياتهم ومُراسلاتهم إلى مشايخ بني متوالي، وهُم لم يمتنعوا عن التردّد إليه، ويظهر أنّ هذا الأمر أهمّ الأمير عليّاً، وبعث في نفسه سوء الظنّ بالأمير أحمد، فجمعَ جمعاً كان سببه أحوال بيت الحرفوش ومسكنهم قرية مشغرة ليطردهم عنها.
وفي هذه السنة لمّا عاد الأمير فخر الدين مِن توسكانا بعد غيبةٍ دامت خمس سنين وشهرين ووصل إلى عكاء، كان مِن جُملة مُستقبليه جميع مشايخ صفد وبشارة والشقيف وبلاد صيدا حضروا إلى عكاء، وكان قد بلغته أحوال مشايخ بني متوالي ومُقابلتهم لابن الحرفوش في قرية مشغرة، فحين وقعتْ عينه على الحاج ناصر الدين بن منكر مسكه؛ لأنّه مِن أعيانهم، ولمّا وصل إلى صيدا ووفَدَ عليه المُستقبلون مِن الأُمراء والأعيان كان مِن جُملتهم الأمير أحمد بن الحرفوش ومعه تَقدمةً مِن الخيل، ولمّا قبِل كلّ ما تقدّم إليه مِن الهدايا، ورفض قبول هديّة بيت سيفا، مُعاتباً على حرق حسين باشا بن سيفا داره في الدير، في كتابٍ كتبه الأمير علي الشهابي بأمر الأمير إلى يوسف باشا ابن سيفا، فكان جواب ابن سيفا:
إنّ جماعتنا في الحقيقة استدانوا مِن جماعته، ولكنْ كان في ظنّنا أنّه وهبها لنا نظير غِلال مُلكنا الّذي ضبطه في مدينة بيروت وانطلياس وكسروان، وسبحان الله دائماً ما ينظر الأمير فخر الدين إلاّ عداوتنا، والأمير يونس بن الحرفوش قَتل السكمانية الّذين جاؤوا مِن عند ولده مِن البرية، وراح عند الوزير، وتسبّب في هدم القلاع، وأمس أرسل ولده الأمير أحمد إلى قرية مشغرة، وصار يكُاتب بني متوالي وينصحهم ويفسخهم، وأرسل أعذاراً واستطال وكلاماً على هذا المنوال.
ثمّ إنّ الأمير يونس بن الحرفوش أرسل حسين الشارب مع كتخداه إلى الأمير فخر الدين ليتكلّما في مصلحة الحاج ناصر الدين بن منكر الّذي أمسكه الأمير في عكا حين طلعَ مِن البحر؛ لأنّ أخاه الحاج علي بن منكر
نزح مِن بلاده إلى بلاد ابن الحرفوش المذكور، وهو يُحسّن لهم بعض أحوال ويعظهم مِن مفاسده بأقوال، فعملوا على الحاج ناصر الدين اثني عشر ألف قرش، وكفلها الأمير يونس، واحتال بها على أرباب الديون الشوّام وصحت الحوالة بواسطة الكفالة، فأطلق الأمير فخر الدين سبيل الحاج ناصر الدين بعد أنْ أخذ التمسك مِن ابن الحرفوش على المنوال المذكور.
ولمّا توجّه الأمير فخر الدين مِن مقرّه صيدا إلى عكّا، وفرّق القُصّاد على سائر البلاد لجمعِ المال المتأخّر مِن الضرائب - وذلك في أواخر هذه السَنة - فرّتْ مشايخ بلاد بشارة: بيت شكر وأولاد علي صغير إلى الأمير يونس ابن الحرفوش، ولمّا بلغَ الأمير هَياج مشايخ بلاد بشارة أرسل فهُدّمت بيوت آل شكر في عيناثا، والحاج علي بن شامة في بنت جبيل، وفرحات بن داغر في قرية أنصار، والحاج ناصر الدين بن منكر في قرية الزريرية، وولده في قرية حومين الفوقا، وضبطَ جميع غلاّتهم.
في سنة ١٣٢٨هـ - ١٦١٨م جمعَ الأمير فخر الدين الجيوش لمُحاربة ابن سيفا، وكان الأمير يونس بن الحرفوش مِن مُناصريه، ولمّا كان الأمير فخر الدين مُحاصِراً برجاله الحصن، وتقرّرت طرابلس لابن سيفا مِن قِبَل محمّد باشا الوزير على يد باكير آغا، وفي خلال هذه المُدّة توجّه الأمير يونس وحاصر برج القيرانية - الّذي فيه جماعة ابن سيفا مِن السكمانية - وتسلّمه في ثلاثة أيّام، وضبط ناحية القيرانيّة والهَرمل في هذه الغفلة، ولو اتكل الأمير إليه لما حصل له ذلك، وجميع المَعز والطرش الّذي انهزم مِن بلاد عكار والحصن ضبطه وأخذه لنفسه.
وأرسل ابن الحرفوش أربع بلوكباشية مِن سكمانيته إلى الحصن لأجل المُحاصرة، وتضايقَ جميع مَن في القلعة مِن الحصار والعَزق، لأنّهم دخلوا القلعة على حين غَفلة.
وفي سنة ١٠٣٠هـ - ١٦٢٠م في المُحرّم الحرام قدِم الأمير حسين ابن الأمير يونس بن الحرفوش وكواخي والده وجماعته عند الأمير فخر الدين بيروت خاطبين كريمةَ الأمير للأمير أحمد ابن الأمير، فتوجّه الأمير إلى مدينة صيدا وقضى لهم مُرادهم، وعاد كلٌّ منهم بما حصل له في المُجابرة، وأرسل كريمته مع المتعيّنين مِن أعيان جماعته، وتوجّهوا إلى قب
الياس، وجاء الأمير يونس ولاقاهم بها وراعى جميع الّذين توجّهوا مِن قِبَل الأمير فخر الدين حقّ رعايتهم.
وفي شهر رمضان مِن هذه السنة توفّي الأمير أحمد ابن الأمير يونس بن الحرفوش الّذي كان مُتأهّلاً بكريمة الأمير فخر الدين، كما ذكرناه سابقاً.
وفي سنة ١٠٣١هـ - ١٦٢١م عُيّن مصطفى باشا خَلفاً لمرتضى باشا، فبوصوله للشام عَين الحاج كيوان ليذهب إلى عند الأمير فخر الدين بطلب مالٍ دفعه إلى خزينة الشام في نفقات العسكر وخدمة الاستقبال، فتوجّه الحاج كيوان على طريق بعلبك، واجتمع به الأمير يونس بن الحرفوش، وتكلّم معه أنْ يكون واسطةً عند الأمير فخر الدين في إبقاء كريمته الّتي كان تأهّل بها ولده الأمير أحمد ومات عنها، فوصل إلى مدينة صيدا وتكلّم مع الأمير فخر الدين بسبب عشرة آلاف ذهب يدفعها لخزينة الشام سلفاً فدفعها إليه، وكذلك كلّمه بسبب مصلحة الأمير يونس بن الحرفوش، وأنّه يُعطي ثمانية آلاف قرش، فقبل سؤاله وجعله وكيلاً هو والسيّد نور الدين مِن جبع في إجراء النكاح للأمير حسين على كريمة الأمير فخر الدين فأجروه عليه.
وفي سنة ١٠٣٢هـ - ١٨٢٢م وبالتقدير كان الأمير يونس ابن الحرفوش أرسل مَكتوباً إلى كرد حمزة بلوكباشي يُعلمه فيه بعزل ابن معن عن صفد، وعمّا صار في جماعته في نابلس وعجلون، وضبطِ الأمير بشير جميع الطرش والمواشي، وأظهر فيه البُغض، وشدّد على كرد حمزة باغتنام هذه الفرصة؛ لأنّها في كلّ وقت لا تَقع، فاختلط هذا المكتوب مع المكاتيب الّتي أراد كرد حمزة إرسالها للأمير فخر الدين؛ لأنّه أُمّي لا يقرأ ولا يَكتب، ولو عَلم بذلك لَما أرسله، فلمّا اطّلع الأمير فخر الدين على ذلك تغيّر خاطره على بيت الحرفوش، لأنّه كان السبب في رفعتهم بعد أنْ كانوا رُذّلاً، وذلك لأنّه لمّا جاء علي باشا بن جنبلاط إلى مملكة الشام - في أثناء سَنة خمس عشرة وألف - توجّه الأمير موسى بن الحرفوش إلى دولة الشام، وأفرق عنه ابن عمّه الأمير لعند الأمير فخر الدين، وما معه سوى مقدار عشرة خيّالة حتّى قيل: إنّ الأمير موسى كان يُقسّم على فدادينه الّتي كان يشدها في بلاد بعلبك والبقاع بسوية واحد مِن جماعته، فوقّفه الأمير فخر
الدين في بلاد بعلبك والبقاع لوفاة الأمير موسى بالشام، لأنّه لم تطل مدّته بها، وظل الأمير يونس حاكماً بالبلاد المذكورة مِن ذلك الحين وإلى هذا الحين، وتقوّى في شدد الفدادين حتّى قيل: كان له ولأولاده مقدار ألف فدّان وأربعون قطيعاً مِن المَعز، وتوسّعت عليه الأرزاق ولم يَشكر عليها المولى الرزّاق، وباع في سنة الغلاء بأغلى الأسعار فما رعى النعمة الّتي كان فيها مِن قوّة نفسه على ابن مَعن وغيره مِن أُمراء أولاد العَرب، وصار يمنع أهل الشوف مِن الزراعة في أرض البقاع، فأضرّ ذلك بالزُرّاع، وأيضاً كانوا اشتروا بعض أملاك في تلك البقاع مِن زمن الأمير منصور بن الفريخ ولم يُمكّنُهم مِن التَصرّف فيها، وضَبطها كلّها لنفسه. وكذلك كان للأمير علي بن معن بعض تيمار قريب مِن قب الياس يُسمّى تل النمورة، فأرسل إليها مُباشراً مِن قِبَله، فمنعه الأمير حسين بن الحرفوش، فراجعه بمكتوبين بسببها فما أمكن، فلمّا ظهرتْ مِن بيت الحرفوش هذه الأحوال ركبَ الأمير فخر الدين مِن بيروت في أوائل شهر ذي القعدة الحَرام مِن السَنة المَذكورة، وصحبته بلوكباشيان بنفرٍ بعضهم خيّالة وبعضهم مُشاة، لأنّه كان أرسل جميع سكمانيته إلى صفد، ونزل عند سكمانيته الّذين كانوا عند الأمير مدلج، ونزلوا تحت حارة قب الياس، واجتمع بهم وأعطاهم علوفتهم وبخشيشهم - لكلّ نفرٍ ثلاثة قروش علوفة وقرشان بخشيش - فطلعَ الأمير حسين مِن حارة قب الياس واجتمع بالأمير فخر الدين، وعزمه إلى ضيافته فقبل منه، وتوجّه بصحبته ومعه بعض سكمانيته، ودخل الجميع إلى حارة قب الياس، فلمّا استقرّ بالأمير فخر الدين الجلوس في الحارة أبرز مِن يده تمسكات وحُججاً وحُكماً سلطانيّاً بمشترى الأمير فخر الدين حارة قب الياس مِن تركة الأمير منصور بن الفريخ، وعَرضَها على حسين وقال له:
على موجب هذه الحُجج الحارة مُلكنا، أسكنّاك بها هذه المدّة الطويلة والآن احتجنا إلى موضعنا، تَوجّه غداً إلى والدك بالأمن والأمان.
فلمّا سمع الأمير حسين هذا الكلام تغيّر حاله، وما أمكنه ردّ الجواب، وودّع الأمير فخر الدين، فقال له:
قلْ لوالدك الأمير يونس لا تُنافسونا على موضع نحن أدخلناكم إليه، ولا مُرادنا حُكم بلاد البقاع، وإنّما قصدنا أخذ حارتنا وهدمها، ونفس صداقتنا لكم أنفع مِن كلِّ شيء.
فلمّا سمعُ السكمانيّة النازلون تحت حارة قب الياس بالّذي صار نهبوا البلد، وكان في هذا المحلّ الحاج كيوان حاضراً،
لخروجه مِن الشام بسبب ما صار بينه وبين عسكرها مِن مُنافرةِ الخواطر.
وأمّا الأمير حسين بن الحرفوش، لمّا وصل عند والده الأمير يونس وأعلمه بما صار ارتبك بحاله، وجميع أهالي بعلبك وبلادها أخلوها وراحوا إلى الزبدانة وغيرها، ولو كان للأمير فخر الدين قصدٌ في ضَررهم لمشى عليهم بالموجودين عنده في قب الياس، ولكنّه لم يقصد ذلك، وإنّما قصد هَدم الحارة، لأنّها مُشتراه كما عَلمت، وأراد أيضاً توطية نفوسهم عمّا كانوا عليه.
وأمّا أهل بيت الأمير حسين - كريمة الأمير فخر الدين - فاستمرّت في الحارة عند والدها، وبعد ذلك أرسل الأمير فخر الدين كريمته إلى والدتها بصيدا، وأعطى إجازة لجميع أهل الشوف والجرد والمتن مِن مشايخ ومقدمين وفلاّحين بأخذ غلال بيت الحرفوش الّتي في البِقاع، وظلّوا شهر زمان ينقلونه ليلاً ونهاراً حتّى خلّصوه، لأنّه كان ذلك في أيّام دياسة البيادر، وكذلك جميع طرشهم الّذي كان عند عرب البقاع أرسل الأمير فخر الدين مَن ضبطه، وكان أزيد مِن ستمئة رأس مِن جاموس وبقر غير الّذي أخذه الناس، وأرسل خَلف المعلمين والقلاعين مِن مدينة صيدا وبيروت وشرعوا في هَدم الحارة.
وأمّا الأمير يونس الحرفوش، فإنّه لمّا بلغه توجُّه الأمير فخر الدين مِن قب الياس أرسل إلى كرد حمزة بلوكباشي، وأتى به مِن حمص واتّفق معه وطلعا مَعاً إلى الشام، واجتمعا بمصطفى باشا الشام وباقي عساكرها، وذلك لأنّه بعد أنْ طلعَ الحاج كيوان مِن الشام بقي بيد كرد حمزة بلوكباشي جميع الأخذ والعطاء، ولا فوق يده يد، ولا فوق كلامه كلام، وجعلوا للباشا خدمةً ومالاً، ومهّدوا أُمورهم على أتمّ منوال، وبالتقدير توفّي بوستانجي باشا الّذي كان جاء ليتسلّم سنجق صفد، فكتبوا سنجقها مِن عند باشا الشام على الأمير يونس بن الحرفوش بزيادة ألف ذهب، وألبسه الباشا خِلعةً، وكَتب عليه المُقاطعة وأعطاه حُكم التحويل، وكذلك كتبوا أيضاً على الأمير بشير سنجق عجلون، ودفعَ الأمير يونس مالَ مُلاقاة الحج المُعتاد على بلاد عجلون خمسة آلاف ذهب، ودفع أيضاً عشرة آلاف ذهب بطريق السَلف مِن مال بلاد صفد راجياً أنْ يضبطها، ويجد لماله خَلفاً، فلمّا بلغَ الأمير فخر الدين نزول ابن الحرفوش إلى الشام وأخذه لسنجق صفد كَتب مكاتيب مِن المنية لباشا الشام وأوجاق اليكجرية والدفتردار: إنّه بلغنا أنّ
ابن الحرفوش زاد على سنجق صفد ألف ذهب وقبلتم منه ذلك، فنحن عندنا خدمةً لحضرة مولانا السُلطان على بلاد بعلبك مئة ألف ذهب، وإنْ كان عندكم غَرضٌ نفسيٌّ وهوى يصير فتنة، وقال: وقيل ولكلّ امرئ ما نوى، وإنْ قبِلتم زيادة ألف ذهب ولم تقبلوا مئة ألف ذهب تَحضر لديكم فالأمر إلى الله تعالى ثُمّ إليكم، فلمّا وصلتْ هذه المكاتيب إلى الشام لم يلتفت أحدٌ إليها، وصار الّذي يقوله كرد حمزة بلوكباشي هو الّذي يكون، وما لأحد قدرةٌ على ردّ كلامه.
وبعد أنْ أتمّ الأمير يونس أعماله بمدينة الشام عاد إلى مدينة بعلبك بجميع سكمانيته ورجالاً وأقواماً بعد أقوام، ويعطيهم البخشيش.
وفي هذه السنة لمّا رفضَ والي الشام العمل بالأوامر الصادرة مِن السُلطان بضمّ صفد وعجلون ونابلس إلى الأمير فَخر الدين، وتعيين ولده الأمير حسين عليها؛ ظنّاً مِن الوالي أنّها مُزوّرة، أدّى ذلك إلى اهتمام الأمير بطرد العُمّال على تلك المُقاطعات، ثُمّ إلى حربٍ نشبتْ بين جيشه وجيش الوالي ومَن انضمّ إليه.
يقول الخالدي:
وأمّا الأمير علي بن معن، فقد ظلّ في بيروت غير مُهتمّ بالأمر، غير أنّه لمّا بلغه طلوع باشا الشام وجمعيّة الأمير يونس بن الحرفوش للرجال، وكذلك جمعيّة يوسف باشا بن سيفا عنده في طرابلس، وإرساله ولده الأمير عمر سنجق حمص بجميع خيّالته وعشيره وسكمانيته إلى الأمير يونس بن الحرفوش لبعلبك وسواهم، وكانت الأخبار تجيء أنْ الجمعيّة في بلاد بعلبك ثلاثة آلاف خيّال مِن عرب وسكمانية وأهل البلاد.
وفي هذه السَنة - بعد رفض الوالي مصطفى باشا العمل بمضمون الأوامر كما سبق - أخذ الأمير فَخر الدين في حشدِ رجال البلاد الّذين هُم مِن حزبه مع جيشه، كما أخذ يَنضمّ إلى والي الشام خُصوم الأمير، ومنهم الأمير يونس بن الحرفوش.
قال الخالدي:
وليلة الأحد في السابع والعشرين مِن ذي الحجّة كان الأمير يونس بن الحرفوش وابنه الأمير حسين وجميع أقاربه ورجال بلاده وسكمانيته، والأمير عمر بن سيفا بجميع رجاله وسكمانيته، والأمير عباس وعَربه وتركمان بلاد بعلبك وحمص، وعرب آل موسى جاؤوا مِن مدينة بعلبك، ونزلوا على جسر دير زينون مِن معاملة البقاع متوجّهين إلى الشام للاجتماع بالباشا وعسكرها المُجتمع في
تلك البقاع، وفي تلك الليلة أيضاً كان وصل الأمير فَخر الدين بجميع سكمانيته والعشير، والأمير علي بن الشهاب بجميع رجال بلاده الّذين كانوا مع الأمير فَخر الدين في الجانب القبلي، ونزلا على جسر القرعون مِن تلك المُعاملة، فعَلِم الأمير فَخر الدين بهم وعزم على أنْ يسري تلك الليلة ويربط عليهم وادي المجدل، ويكون لهم في المُقابلة ويجعل الموقعة معهم في المكان المَذكور؛ لأنّه محلٌّ وَعِر، فصار الخُلْف مِن السكمانية الّذين معه واختاروا على الحرب الدِعة، وما صار نصيبٌ؛ لأمر يُريده الله تعالى القريب المُجيب.
وأمّا الأمير يونس بن الحرفوش والأمير عُمر، فما أكحلوا ليلتهم في دير زينون، بل سَروا ليلاً على ضوء المشاعل، وما أصبحوا إلاّ وهُم في الديماس نازلون.
وفي نهار الاثنين الثامن والعشرين مِن الشهر المذكور توجّه الأمير علي ولاقى والده في أرض المضيق، وعادوا إلى قب الياس، ووصلوا إلى الخيام ضحوة النهار، ولم ينزل الأمير فَخر الدين عن جواده ونبّه على جميع الخيّالة أنّهم يتوجّهون معه إلى بيادر قرية كرك نوح ليجلبوا منها الشعير للعليق، لكونه بلا دراهم ولا فتوح، فسار بهم وأبقى الرَجّالة مُقيمين في الخيام، وكانت الخيّالة تَزيد عن ألفَي خيّال مِن غير السيّاس والبِغال، وكان الأمير يونس بن الحرفوش قد عيّن في الكرك أزيد مِن مئة بندقيّة مِن أهلها وغيرها، وعيّن عليهم مملوكه سوباشي البلد وابن الغتمي، فلمّا رأوا كثرة الخيل وهجومها عليهم دخلوا إلى مزار سيدنا نوح (على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام)، وصاروا يرمون بالبنادق مِن طاقات المزار، فلمّا رأى الأمير فَخر الدين منهم ذلك حثّ الناس، فنزلوا إليهم وكسروا الباب بالفؤوس والأطبار، وهجموا عليهم ليمنعوهم مِن الهزيمة والخلاص، وقُتل في تلك الساعة مِن جماعة ابن معن خمسة رجال بالرصاص، وقَتل مِن أولئك مقدار ثلاثين أو أربعين قتيلاً، والّذين سَلِموا منهم مقدارهم، فطلعوا إلى المأذنة واحتموا بها، فعند ذلك أرسل الأمير فَخر الدين إلى ولده الأمير علي وأخيه الأمير يونس أنْ يحضروا إليه بجميع رجالهما، ما عدا الطائفة السكمانية فإنّهم يبقون في الخيام لحفظها مِن الأذيّة، فتوجّهوا جيمعاً إلى الكرك، ودخلوا إليها وقت العشاء لينصبوا لمَن في المأذنة الشَرك، فوجدوهم نزلوا على يد الأمير علي بن الشهاب بالأمان، فبات الجميع تلك الليلة بها، ثُمّ أصبحوا نهار الثلاثاء أرسلوا إلى
بيروت المرابيط، فكان يغلق عليهم السجن بالليل، وحرق العشير جميع البلد حتّى لم يُبقوا بها بيتاً واحداً بلا حريق، وتوجّهوا منها مُسرعين إلى قرية سرعين الّتي كانت قديماً مسكناً لبيت الحرفوش، فوجدوا أهلها طالعين بأهلهم صوب الزبدانة، فلحقهم بعض العشير وكسبوا منهم مكاسب، واستمر الأمير فَخر الدين بالبلد إلى قُرب الظُهر حتّى أتمّ العشير حرقها، ولم يُبقوا بها شيئاً مِن البيوت العامرة أصلاً بلا حرق، وكانت هي وقرية الكرك مِن أحسن البلاد، بهما مياهٌ جاريةٌ وفواكه وبساتين وأعناب وتين، وجميع بساتين سرعين للأمير يونس بن الحرفوش وأولاده وأقاربه.
فلمّا سَمعَ أولاد الأمير يونس بن الحرفوش وجماعته الّذين في بعلبك بالّذي صار في سرعين والكرك مِن القتل والحريق ضاقت نفوسهم بهم أيّ ضيق، وأرسلوا أعلموا والدهم الأمير يونس بالشام، وتحصّنوا بمدينة بَعلبك، ولو أراد الأمير التوجّه إليهم في ذلك الوقت لكان ذلك عليه سهلاً، ولكنّه عاد مِن سرعين في ذلك النهار على الجبل الشرقي، وأحرق العشير القُرى الّتي وجدوها في طريقهم مِن بلاد بعلبك، ووصلوا إلى نبع عنجر بعد العصر بساعتين وظلّوا سائرين، وما باتَ الأمير وغالب العشير إلاّ في قب الياس، وبعض الناس مِن العشير باتوا في قرية بر الياس مِن بلاد البقاع وهُم نَفرٌ يسير، فأرسل الأمير يونس بن الحرفوش خيّالة بلاد بعلبك وخيّالة سكمانيّته لأجل حراسة بعلبك وبلادها.
واستمرّ الأمير فَخر الدين وولده الأمير علي مُقيمين في قب الياس وعندهما جميع رجالهما.
وفي سنة ١٠٣٣هـ - ١٦٢٣م وصل محمّد بلوكباشي العثابي - الّذي كان توجّه مِن الملاحة إلى الشام - بصور أحكام التقارير، وما معه جواب ولا كِتاب ولا خطاب - هي الّتي تقرّر حُكم صَفد وعجلون ونابلس إلى الأمير عليّ ابن الأمير فَخر الدين - وأخبر أنّ مُصطفى باشا الشام وكرد حمزة وجميع عساكر الشام والأمير يونس بن الحرفوش والأمير عُمر بن سيفا نقلوا الأوثاق إلى خان ميسنون، فجمع الأمير رجاله وعند وصولهم إلى البرج الخراب الّذي على التلّ تجاه نبع عنجر أطلّ عليهم مِن وادي المجدل أوائل العسكر، وكان مِثل البحر الزاخر؛ لأنّه كان أزيد مِن اثني عشر ألف نَفر، تُجمع مِن عسكر الشام عموماً ورجال بيت سيفا ورجال بيت ابن الحرفوش والأمير عبّاس والأمير حسين بن نجم وسكمانية وعرب
وتركمان، ولم يتركوا أحداً ممَّن يقدرون على جمعه.
وقد نشبتْ حَربٌ بين الجيوش العثمانيّة ومَن انضمّ إليها وجيش الأمير فَخر الدين، ظفر بها في الأوّل الأوّلون - الجيوش العثمانيّة ومَن انظمّ أليها - ثُمّ ظَفر الأمير فَخر الدين وانهزم جيش والي الشام، وأمعن جيش الأمير في النهب وأسروا مِن عسكر الشام أكثر مِن مئة رجل، وقُتل منهم مَن قُتل، وما ألهى الناس عنهم غير الأوتاق، لأنّه كان عظيماً نحواً مِن ألفي خيمة، وغنمت عساكر ابن معن أثقالهم وجمالهم وبغالهم.
وأمّا مصطفى باشا بكلربكي الشام، فما أمكنه الانهزام مع المُنهزمين، فمُسك قبضاً باليد، فلمّا وصل الأمير فَخر الدين وولده الأمير علي نزلا عن خيلهما وقبّلا ذيله، وعيّنوا معه محمّد بلوكباشي القزار ليوصله إلى قب الياس، وليس معه مِن جماعته وآغاواته سوى مقدار عشرة رجال.
وأمّا الأمير يونس بن الحرفوش والأمير عُمر بن سيفا ورجالهما وكرد حمزة بلوكباشي والأمير عبّاس وعربه، فكلّهم ما باتوا تلك الليلة إلاّ في مدينة بعلبك مُنهزمين، وفي الحال توجّه الأمير يونس وأولاده وعياله إلى حصن اللبوة بعد أنْ أبقى سكمانيّته بقلعة بعلبك، ولمّا وصل إلى اللبوة بلغهُ أنْ الأمير مصطفى بن أبي زيد كان جاء إلى قريب اللبوة قاصداً معاونته، فلمّا بلغه ما صار على عسكر الشام مِن الكسرة والهزيمة عاد على أثره إلى بلاده، وكان الأمير يونس قد أرسل إليه ألف قرش خدمةً فما لحقته، ورجعت الدراهم إلى ابن الحرفوش، وما تعوق الأمير يونس في اللبوة سوى ثلاثة أيّام حتّى أرسل أولاده وعياله إلى قلعة الحصن، وتوجّه هو إلى بلاد حماة وحلب، على ما سنذكره أنْ شاء الله سبحانه وتعالى.
ثُمّ بعدَ انتهاء الحرب رحل الأمير فَخر الدين مِن قب الياس هو ومصطفى باشا والحاج كيوان، ونزلوا في قرية تبنين (تمنين)، ومنها رحلوا إلى مدينة بعلبك، ودخلوها في نهار الأحد ثاني عشر المُحرّم مِن شهور سَنة ثلاث وثلاثين وألف فلم يجدوا بها مِن أُمرائها ولا سُكّانها أحداً غير السكمانيّة الّذين انحصروا في قلعتها، وكانوا تسعة مِن البلوكباشية، ومعهم أزيد مِن مئتي نَفر توفكجية وسردارهم أحمد بلوكباشي بن حرب، أصله القديم مِن قرية الدوير مِن معاملة الشقيف، فنزل مصطفى باشا في دار الأمير شلهوب، والأمير فَخر الدين وولده الأمير علي في دار الأمير يونس بن الحرفوش، والأمير أحمد بن الشهاب والأمير سليمان بن سيفا في دار
سيّد أحمد المتأهّل ببنت الأمير يونس بن الحرفوش، وباقي الطائفة والبلوكباشيّة تفرّقوا في المدينة، ولم يجدوا بها غير حواصل الحنطة والشعير، وكانت أزيد مِن ثلاثين حاصلاً لبيت الحرفوش، وتلك غير الحواصل التي وُجدت لهم في قُرى بعلبك والبيادر، فجاء الدور إلى أهالي بلاد كسروان وجبيل والبترون وبشرى في نقل الغِلال وكذلك أهل البقاع، وصاروا ينقلونها بالليل والنهار حتّى أهالي بلاد وادي التيم وعرب آل فضل وغيرهم مِن العربان.
وأمّا الأمير يونس بن الحرفوش وأولاده، فبعد أنْ أبقى سكمانيّته في حصن اللبوة وبرج القيرانيّة، وأرسل عياله مع بعض أولاده إلى الأمير محمود بن سيفا، وهو بنفسه مع كرد حمزة توجّه إلى مدينة حلب، وأرسلوا أُناساً إلى الباب العالي يشتكون، ونزلوا في أوجاق السباهيّة وقابلوا مُراد باشا، وأمر ولده الأمير حسيناً أنْ يبقى في حمص عند الأمير عمر، فلمّا وصل مصطفى باشا إلى بعلبك كَتب إلى مُتسلّمه باشا الشام وإلى كُبرائها وأعيانها أنْ يُلقوا القبض على البلوكباشية واليكجريّة الّذين هُم مِن هوى كرد حمزة، فقُبض على فريق منهم وتفرّق فريق في الأقطار، وفارق الأمير شلهوب ابن عمّه الأمير يونس بن الحرفوش، وقابل الأمير فَخر الدين ومصطفى باشا في بعلبك، فطيّب خاطره وردّ عليه عقله المدهوش.
وبعد أنْ ولّى مصطفى باشا الأمير وأولاده الأُمراء عليّاً وحُسيناً ومنصور، وجرى ما جرى مِن مراسيم وتشاريف سافر إلى الشام، وفي هذه الأثناء جاء الأمير مُستنجداً الأمير مدلج الحياري على ابن عمّه فأنجده، وذهب لنجدته بنفسه وأبقى ولده الأمير عليّاً والأمير أحمد بن الشهاب وجميع رجال الطائفة والعشير في مدينة بعلبك، وأوصاهم أنْ يمنعوا سكمانيّة ابن الحرفوش الّذين في القلعة مِن الطلوع منها لأجل الميرة، ولا يدعوهم يأخذون لهم ذخيرةً ولا حَطباً ولا غيره، وتوجّه الأمير فَخر الدين بجميع خيّالته السكمانيّة الّذين كانوا جاؤوا سابقاً مِن عند الأمير مدلج مِن البرية، وصحب معه ثلاثمئة رجل، وتوجّه معه الأمير سليمان بن سيفا والأمير بلك بن يوسف باشا بن سيفا والأمير شلهوب بن الحرفوش، وظفرَ الأمير بعدو الأمير مدلج، ولمّا وصل في عودته إلى الزراعة الّتي في قاع بعلبك افترق عنه هُناك الأمير بلك إلى عكار، ورحل الأمير إلى القُرى
القريبة مِن حصن اللبوة العامرة، وأرسل إلى مرجان بلوكباشي الّذي في حصن اللبوة في التسليم فقال:
نحن تبعٌ للّذين في قلعة بعلبك، فإذا أخذتموهم فنحن في قبضتكم بلا تحكيم، فرحلَ الأمير ووصل إلى بعلبك حادي وعشرين مِن صفر، وفي الحال أمر البلوكباشية والطائفة أنْ يتفرّقوا ويُحيطوا بالقعلة ويُحاصروا مَن بها، فوجد منهم التراخي والإهمال بعد أنْ وعدهم بخمسة قروش بخشيش لكلّ واحد منهم، فاغتاظ عليهم وقاتلهم وبالجفاء عاملهم فأصبح في نهار السبت الرابع والعشرين مِن صفر، ونصب خيمته في الخندق الّذي بجانب السور مِن الجانب القبلي مِن القعلة ليقطع دابر العدو ويقمعه، فلمّا رأتْ البلوكباشية والسكمانية منه ذلك انتشطوا وطلعَ كلٌّ منهم بخيمة ونصبها، ومنهم مَن قعد بالخان (أو الخلف)، ومنهم بالمواضع العامرة الكائنة بُقرب القلعة مِن كلّ وجهة ومكان، وشرعَ في عمل المتاريس والمُحاصرة، وجعل صناديقاً مِن الألواح وملأها تُراباً ووضعها فوق بعضها بعضاً، وجعلها كالحيطان لأجل سترة مَن يجلس وراءها، وحفر أيضاً في الأرض خنادق ودروباً وغطّاها بخشبٍ مِن الحور؛ حتّى إذا مشى فيها أحدٌ لا يراه أحدٌ مِن القلعة فيضربه بالبندق أو الحجارة، وكلّما تخلّص مِن عَمل المتاريس في مكان بدأ في عمل متاريس أُخر إلى جهة الداخل مِن صوب القلعة، واستمر هكذا حتّى وصل إلى حائط القلعة بمقدار عشرين ذراعاً مِن الجانب الغربي، وعيّن تحت الخشب معلمين ينقبون حائطها نقراً بالأزاميل بالليل والنهار لكونها مبنيّة بالحجر الصلد، وصار مَن في القلعة يرمون المعلمين بالحجارة الكبار آناء الليل وأطراف النهار، وكلّ حَجر زِنَته أكثر مِن قنطار مِن الحجارة الّتي على شراريف القلعة، وصار الخَشب الموضوع على الحائط يمنع عنهم وهي مِن الموانع الجسام، وجميع هذه الأفعال مِن عَمل المتاريس والدروب وصفِّ الخَشب باشره الأمير فَخر الدين بنفسه، وكان مُقيماً عندهم بالليل والنهار بحيث أنّ غداءه وعشاءه يُؤتى به إليه في المتاريس، ولا يُفارقهم مقدار شِبر مِن الأشبار، وكان يُقتل بجانبه بالرصاص مِن القلعة الرجل والرجلان ولا يرجع عن المتاريس وتداركه إيّاها ولا يوماً مِن الأيام، بل يستمر راسخاً في ذلك المكان، وكان حوالي القلعة حيطان للبساتين صَفّ عليها الأمير فَخر الدين خشب الحور وجعلها مأوى للسكمانيّة المُجاهرين، لأنّ الأوان
كان أوان البرد والكوانين، ومدينة بعلبك لا تخلو مِن الثلوج في هذه الشُهور.
وفي هذه السنة عُزل مصطفى باشا عن الشام، ووصل محمّد باشا إلى حماه ومعه كرد حمزة بلوكباشي وأحكام بكلربكية الشام، وأرسل محمّد باشا مُتسلّمه وتبعه مَن معه إلى القطيفة، وأرسل إلى الأمير فَخر الدين بمنع مُساعدته لمصطفى باشا مع صور الأحكام بتوليته، فأجاب بعدم تدخُّله بينهما إلاّ بالمليح، وجرت بعض أُمورٍ لا يتعلّق بها غرضُ لتاريخنا فأعرضنا عنها.
بقيَ الأمير فَخر الدين وولده الأمير علي مُقيمين على بعلبك وحصارها، وفي العشرين مِن ربيع الأوّل طلب مصطفى كتخدا مِن الأمير فَخر الدين إجازة، وتوجّه إلى الشام وصار كلامه نافذاً عند مصطفى باشا الشام.
وفي هذه السَنة قَدِم الأمير قاسم ابن الأمير علي بن الشهاب على الأمير علي بن معن وهو في بعلبك، يتوسّطه أنْ يُفاوض باشا بتوليته مقاطعة الزبدانة بوجه الإجارة، ويضمن له الدرك، فكَتب الأمير علي ووالده الأمير فَخر الدين بذلك إلى مصطفى باشا، فرفض هذا الطلب بسبب انحرافه عن الأُمراء الشهابيّة بما كانوا يتعرّضون له مِن الاعتداء على القُرى القريبة مِن الشام، وتعرّضهم لمَن يسلك بتلك المسالك، وبسبب أنّهم فتّشوا على طرش بيت الحرفوش وفلاّحي بلاد بعلبك فوجدوه موزّعاً في ناحية بلاد الزبداني وضبطوه لأنفسهم.
وورد الجواب بأنّه: لا يُمكن كَتب المُقاطعة عليهم في هذا الزمان لأنّه زمان اضطراب، ولكنّ إلحاح الأمير قاسم على الأميرين بمراجعة مصطفى باشا انتهت بتوليته المُقاطعة.
وفي نصف شهر ربيع الثاني مِن هذه السنة جاء الأمير يونس بن الحرفوش - وفي نسخةٍ علي ابن الأمير يونس - إلى بعلبك، وقابل الأمير فَخر الدين على يد خاله الأمير شلهوب، زاعماً أنّه جاء مِن عند أقاربه بغير رضاهم أجمعين، فأقام في بعلبك.
وفي هذه السنة لمّا عاد مُراد باشا والي حَلب - بعد الإيقاع بالأمير مصطفى بن أبي زيد في أنطاكية إلى حلب - وصّى الأمير خالد بن عجاج
الّذي هو مِن قِبل الأمير مدلج أنّه يمرّ على معرة النعمان؛ لأنّ بها الأمير يونس بن الحرفوش، ليمسكه ويرفعه إلى قلعة سلمية، فامتثل الأمر ومسكه مِن المعرة وتوجّه به إلى سلمية ورفعه إلى قلعتها، وكان ذلك في أواخر جُمادى الأُولى، وخاب أملُ ابن الحرفوش، فلمّا بلغَ ذلك ولده الأمير حسيناً - وقد كان في حماة عند محمّد باشا - خاف على نفسه فخرج ليلاً بسكمانيّته، وجاء إلى مدينة الحصن؛ لأنّ عيالهم كانت بقلعتها، ونزل بها في ساعته، وراسل خاله الأمير شلهوب وأخاه الأمير علي - الّذي عند الأمير فَخر الدين في بعلبك - يطلب منهما أنْ يتكلّما مع الأمير فَخر الدين في الصُلح، ولا يصير منه مُراسلات إلى الأمير مدلج، ولا إلى مراد باشا في ضرورة والده الأمير يونس، وجعلا له في مُقابلة ذلك أربعين ألف قرش مِن مالهم وتردّدت في ذلك المُراسلات، وانتهى الأمر على هذا المنوال.
قَدِم إلى بعلبك - في أواخر جُمادى الأُولى مِن هذه السَنة - موفداً مِن الباب العالي الحاج درويش باشا لتعاطي مصالح الأمير فَخر الدين، يصحبه فريقٌ مِن أرباب الولايات المُعيّنين لها، فخرج الأمير فَخر الدين وولده الأمير علي للقاء الباشا وإبراهيم أفندي المعين دفتر دار الشام إلى خارج المدينة، ولبسا الخِلَع التي جاؤوا بها مِن الباب العالي وبتقرير المَناصب، وطلبَ مال إرسالية صفد وعجلون ونابلس إلى أُمور أُخر، ويوم وصولهم أرسل الأمير فَخر الدين عثمان آغا والحاج درويش ليتكلّما مع البلوكباشية المنحصرين في قلعة بعلبك، فبادروا إلى التسليم فلم يُجدِ معهم الكلام، وقد قالوا لهم أنّ بلاد بعلبك كَتبت على بيت مَعن وتطويل الحصار لا يأتي بنتيجة، فأجابوا أنّهم لا يُمكن أنْ يُسلّموا وفيهم روح، ولو مَكثوا في هذه القلعة عُمر نوح، والحال أنّهم كانوا في غاية الضيق مِن أمر العازق؛ لأنّه لم يبقَ عندهم شيءٌ يُؤكل غير حبّة القمح والمِلح، ولهم مدّة تزيد على شهر ونصف شهر يَجرشون الحِنطة بالجواريش، ويخبزونها على زبل الخيل ويقتاتون بها بالليل والنهار، لأنّ ابن الحرفوش ما كان يظنّ أنّ أحداً يلقاه، فلم يُلق باله إلى وضع العازق في القلعة حتّى إنّ السكمانيّة الّذين في القلعة ظلّوا يَرمون أنفسهم منها لأجل سرقة الحَطب، مع أنّهم كان يُقتل منهم بهذا السبب أُناس، وكان قُدّام باب القلعة جُنينة بها أشجار فواكه، فعيّن الأمير فَخر الدين رجالاً حتّى يقطعوا أشجارها بالليل لحرمان مَن في القلعة مِن
الحَطب، وبينا هُم في هذه المُضايقة الشديدة وصل الحاج حسن بلوكباشي مِن جماعة الأمير فَخر الدين الّذي كان أرسله إلى حماه، وأخبر بتأكيد قبضِ الأمير يونس بن الحرفوش، فأرسله الأمير ليكلّم السكمانيّة الّذين في القلعة مِن سطح الخان لكونه قريباً إليها، فأخبرهم بذلك، وقال لهم: ماذا يُفيدكم الحصار الآن؟
وكان لهم عِلمٌ بالقبض على الأمير يونس، اتّصل بهم عن طريقٍ خفيٍ مِن رِفاقهم الّذين هُم في اللبوة، فتأكّد عندهم القَبض عليه، وخافوا عليه مِن الهلاك وحسبوا أنّه لا يُمكن إطلاقه، فأذعنوا للتسليم بعد اشتراط خروجهم بعددهم، وأنْ لا يُؤخذ لهم شيء، ولا يوضع أحدٌ منهم في الترسيم، فنزل منهم نهار الثلاثاء سادس جُمادى الآخرة مِن السنة المذكورة (١٠٣٣) ثلاثة بلوكباشية، وجاؤوا إلى الأمير فَخر الدين وولده الأمير علي، فلاطفاهم وعادوا إلى مواضعهم ولم تحصل لهم أذيّة، وتُركت المتاريس والضَرب بالبندق والرصاص، وذلك بعد أنْ قُتل مِن جماعة ابن معن في مُدّة الحصار كلّها نحو أربعين رجلاً مِن المُعلمين والسكمانيّة.
وفي نهار الخميس ثامن مِن الشهر المذكور فتحوا باب القلعة، وتوجّه الأمير فَخر الدين بنفسه، وقعد في الباب ومعه بلوكباشيته وبعض الطائفة ليخرج مَن بها مِن غير قَتل ولا طَعن ولا ضَرب، وكان بها بعض حريمٍ لهم، لم يتعرّض أحدٌ إليهم، نعم كان لابن الحرفوش بها بعض حوائج وأسباب ما أمكنه نقلها إلى اللبوة فأبقاها، فضبطها الأمير فَخر الدين وما أحد مِن جماعته عارض أحداً، وجميع مَن طلعَ مِن القلعة مِن السكمانية دفع لهم الأمير فَخر الدين علوفتهم مِن الشهر الّذي خرجوا فيه والجامكية وخدموا عنده وصاروا لمَن كانوا في خدمته أوّلاً ضدّه.
وفي ثالث يوم بعد تَسلّم القلعة عيّن الأمير فَخر الدين جميع مَن كان في المتاريس مِن الفعلة والمعلمين والقلاعين، وكانوا مقدار مئة وخمسين، وأمرهم أنْ يهدموا القلعة، فشرعوا في هدمها بالآلات وفي نقبها بالدبورة، وكانت قلعةً عظيمةَ الشأن قويّة البُنيان، حتّى إنّ حائطها القبلي جميعه مبنيٌّ بثلاثة أحجار بحيث لم يوقف على مِثل ذلك، لا في قلعة ولا في دير، كلّ حَجر مِن هذه الأحجار أزيد مِن مئة شبر طولاً، وأكثر مِن ثلاثين شبراً عرضاً، وأقلّ حجارة بقيّة حيطانها طوله ذراعان، وأكثروا بها عواميد، طول كلّ واحد منها قريب مِن ثلاثين ذراعاً، ودوره لا يُحيط به إلاّ باعان، وكان
في القديم مبنيّاً على رؤوسها قلعة رفيعة البنيان لتحكُم على جميع الجوانب بضرب كلّ مَن يُحاصرها مِن أي مكان كان، ولكنّها هُدِمت مِن طول المُدّة وما بقي إلاّ العواميد، وهكذا بقيت واقفةً وما وقعت، وعدّتها نحو خمسين عموداً، والنقب الّذي كان عيّنه الأمير فَخر الدين استمرّوا فيه بالأزاميل مِن نصف الحصار إلى هذا الحين، وما نقبوا غير حَجر واحد، وبعد أنْ تمّ تسليم القلعة أرسل الأمير فَخر الدين مملوكه سرور أغا إلى الأمير مدلج بارمغان وهديّةً؛ ليكشف خبرَ الأمير يونس بن الحرفوش، هل هو عنده باقٍ أو أرسله إلى حلب ويأتي بالخبر الصحيح، فلمّا وصل إليه لم يجد إلاّ الأمير يونس في ذلك البلد لكون جماعة مراد باشا كانوا جاؤوا إليه وأخذوه إلى حلب في الترسيم، وحين وصلوا به إلى مراد باشا ارتضى منه بالمال، ولم يَعلم أحدٌ في تعيين ذلك حقيقة الحال، فأطلقه وأقام في مدينة حَلب، لأنّ الطائفة السباهيّة بوجود كرد حمزة بلوكباشي ساعدوه في كلّ شيءٍ طَلب، فلم يُمكّنوا مراد باشا مِن حَبسه في قلعة حَلب.
وفي عاشر جُمادى الآخرة دفع الأمير علي بن معن علوفة السكمانيّة عن شهر جُمادى الأُولى ووعدهم أنْ يخيلهم بالبخشيش الّذي جرى عليه القول على مَن له عليه استحقاقات، فبعد أنْ قبضوا العلوفة نبّه عليهم الأمير فَخر الدين أنْ يذهبوا إلى راس العين ليتوجّه بهم إلى مُحاصرة اللبوة على الفور، وذلك لأنّه كان أرسل إلى مرجان بلوكباشي:
إنّكم وعدتمونا أنّا إذا أخذنا قلعة بعلبك تُسلّمونا قلعة اللبوة.
فردّ الجواب أنّه: لا يُمكننا أنْ نُسلّم بلا مُحاصرة؛ لأنّا إنْ فعلنا ذلك ما يبقي لنا خبزٌ بين السكمانيّة، ولا يُمكن أنْ نجلس بينهم في المُحاصرة، فلذلك اعتمد الأمير فَخر الدين على المُحاصرة، ثُمّ جرتْ بينه وبين السكمانيّة أُمور تقدّم ذِكرها عن غير هذا الكتاب، فلا نُطيل الكلام بإعادتها.
وفي عشرين مِن جُمادى الأُولى مِن هذه السنة ورد الخبر أنّ محمّد باشا الّذي في حماه توجّه منها إلى بعلبك، ولمّا بلغها استقبله الأمير فَخر الدين وولده الأمير علي في رأس العين أعظم استقبال، وكان مِن أعماله تجديد المُقاطعات التي كان قرّر مصطفى باشا أعمالها للأمير فَخر الدين وأولاده وأعطى بها تحاويل، وكذلك كَتب مقاطعة بلاد بعلبك على الأمير علي الحرفوشي الموجود إذ ذاك عند الأمير فَخر الدين، وأنّ مئة ألف
قتيلاً، ودُفن الأمير فارس في محلٍّ هناك لم يزل يُدعى حتّى الآن بقلعة فارس، فلمّا بلغَ الأمير موسى شهاب ذلك نهض برجاله مِن حاصبيا، ونهض الأمير علي نجم مِن راشيا ثائرين لقتيلهم، وبدؤوا يغزون أطراف بلاد بعلبك، فذهب عندئذٍ الأمير عُمر الحرفوش إلى الشوف، واستغاث بالأمير أحمد المعني، والتمس منه إقرار الصُلح بين الحرافشة والشهابيّين، فتوجّه الأمير أحمد إلى بعلبك وأصلح ذات بينهم على أنْ يُؤدّي الحرافشة لآل شهاب كُلّ سَنة خمسة آلاف قرش وجوادين مِن أطائب الخيل ديّةً عن الأمير فارس.
وفي سنة ١٦٨٦م ورد الأمر لعلي باشا النكدلي مُتولّي إيالة طرابلس أنْ يَقتصّ مِن الأمير شديد الحرفوش لتخريبه قرية راس بعلبك وهدمه حصنها، فكَتب إلى الأمير أحمد بن مَعن أنْ يُوافيه بالرجال، فلجأ الأمير شديد إلى المشايخ الحماديّة، فأحرق علي باشا قرية العاقورة وأربعين قريةً مِن قُرى بني حمادة، ثُمّ نزلَ عسكر الباشا على عين الباطية، فباغته ليلاً آل حمادة والحرافشة وقتلوا منهم خمسة وأربعين رجلاً، وانهزم العسكر وعاد علي باشا إلى طرابلس.
وكان حاكم بعلبك في سنة ١٧٠٢م الأمير حسين الحرفوش، وهو الّذي التجأ إليه الشيخ يوسف الدحداح، وصار له مكانةً عظيمةً عنده.
وقيل إنّ الأمير حُسيناً المذكور قُتل بثورة مِن أهالي بعلبك في جنينة اللطامة في سنة ١٧٢٤، وخلّفه ابن عمّه الأمير إسماعيل، ثُمّ تولّى بعده الأمير حيدر - وهو الّذي ارتحل إليه في سنة ١٧٤١م الشيخ منصور الشدياق - وكان هذا الأمير عاتباً، فهجر كثيرون المدينة والبلاد لثقل وطأة الأُمراء عليهم.
وفي سنة ١٧٤٨م أناط أسعد باشا وزير دمشق أُمور بعلبك وإدارتها بالأمير ملحم شهاب؛ ليكفي شرّ ثورات الحرافشة، ويصون خراج البلاد، ولكنّه ما لبثَ أنْ نَقِم على الأمير مِلحم؛ لتأخُّره عن دفع المُرتّبات الأميريّة فحاربه، وانضمّ إليه الأمير حيدر الحرفوش، وبعد ذلك سار أسعد باشا إلى الحج، فانتهز الأمير ملحم فرصة غيابه، فأرسل عسكراً إلى بلاد بعلبك فنهبها، وأزاح الأمير حيدراً عن الحُكم، وولّى مكانه أخاه الأمير حُسيناً، فلمّا عاد أسعد باشا مِن الحج بلغهُ ما فعل الأمير ملحم في بعلبك، فأخذ يُعبّئ العساكر للتنكيل به، ولكن الأيّام خانته إذ نقمت عليه الدولة، ونفذ الأمر السلطاني بضرب عُنقه، فبقي الأمير حسين متولّياً على بعلبك، وانسحب
الأمير حيدر إلى بلاد القلمون شرقي بعلبك.
وفي سنة ١٧٥١م زارها - بعلبك - المُهندسان وود ودوكنس الإنكليزيّان، فرسما هياكلها رسماً مُدقّقاً أظهر للعالم الأوروبي أهميّة خرابات بعلبك ومكانها مِن العظمة والفخامة، ووضعا تقريراً مُسهباً عظيم الفائدة عن تاريخ بعلبك القديم، وذكرا في بدء كتابهما أنّهما قدِما إلى بعلبك بإذن سُلطاني، وكان وقتئذٍ الحاكم في بعلبك ومقاطعتها الأمير حسين المذكور آنفاً، وأنّ أخاه الأمير حيدر كان لم يزل في مُقدّمة عُصابة، وأنّه دهم قرية عرسال قبل مرورهما فيها وخرّبها، وذكرا أيضاً بأنّ المُرتّب على مقاطعة بعلبك كان وقتئذٍ مئة كيس، وأنّهما بعد الفراغ مِن شغلهما في بعلبك وسفرهما منها بزمنٍ يسيرٍ تلقّيا خبر مَقتل الأمير حسين، وأنّ القاتل أخوه حيدر الّذي تولّى مكانه.
وفي سنة ١٧٥٩م ضبط الأمير إسماعيل ابن الأمير شديد الحرفوش مدينة بعلبك وإيالتها مِن قِبل والي طرابلس بمقطوع مئة كيس وهي خمسون ألف قرش.
وفي تلك السنة توفّي الأمير ملحم شهاب، فنَبَذ الحرافشة سيادة خَلَفه، وأخذوا يعتدون على لبنان، فاستأذن الأمير يوسف بن ملحم وزير دمشق وضرب الحرافشة في سنة ١٧٦٣، ومكّن الأمير حيدر الحرفوش مِن القبضِ على أزمّة الأحكام، وبقي سائداً إلى أنْ تُوفّي سَنة ١٧٧٤م، وكان قد هَرم كثيراً، فتولّى مكانه أخوه الأمير مصطفى، فقصد الأمير درويش ابن الأمير حيدر ابن الأمير يوسف الشهابي طالباً مساعدته ليكون حاكماً مكان أبيه، فخيّب طَلبه، فقصد الشيخ ظاهر العمر فطيّب خاطره، وسأل الأمير يوسف فيه فولاّه على قِسمٍ مِن قُرى بعلبك.
وفي سَنة ١٧٧٦م أرسل أحمد باشا الجزار قائد عسكره قرامنلا إلى بعلبك، فاستولى عليها بعد أنْ طَرد منها الأمير جهجاه ابن الأمير مصطفى، غير أنّه عاد فأخلاها لخروج الأمير يوسف الشهابي عليه، فرجع الأمير جهجاه إليها.
وفي سنة ١٧٧٨م انضمّ الأمير جهجاه برجاله إلى الأمير يوسف شهاب، وحاربوا عساكر الجزار فهزموها.
وفي سنة ١٧٨٢م التجأ إلى الأمير يوسف الأمير محمّد الحرفوش -
وكان قد طرده أخوه الأمير مصطفى المذكور - فجهّز معه خمسة آلاف رجلٍ، وأرسلهم إلى بعلبك بزعامة أبناء عمّه مِن آل شهاب، فلمّا بلغوها هرب الأمير مصطفى وأولاده إلى حمص، وتولّى الأمير محمّد على بعلبك، ثُمّ توجّه الأمير مصطفى إلى الشام ووعد واليها عبد الله باشا أنْ ينقده خمسة وعشرين ألف قرش، فأرسل معه عسكراً نظاميّاً فأتى بعلبك، وهرب الأمير محمّد وأُسرته وأحزابه مِن أبناء عمّه، فأقاموا في مجدل المتين، ومات فيها الأمير محمّد سنة ١٧٨٦م.
وأمّا الأمير مصطفى، فإنّه صادق الأمير يوسف الشهابي ونقده المُرتّب المُعتاد، وظلّ حاكماً في بعلبك إلى أنْ تولّى بعد سنةٍ مِن حُكمه درويش باشا بن عثمان باشا الصادق إيالة دمشق، فأرسل عسكره لكبس الأمير مصطفى في بعلبك بسبب مظالمه وطُغيانه، فقبضوا عليه وعلى أحد أخوته وسَبَوا حريم بني الحرفوش، ونهبوا المدينة وساقوا الأمير مصطفى وأخاه إلى دمشق، فأمر درويش باشا بشنق الأمير مصطفى، وأرسل إلى بعلبك حاكماً مِن عنده يُدعى سليم آغا.
وأمّا الأمير جهجاه بن مصطفى الّذي نجا مِن يد العسكر، فقد سار إلى عرب خُزاعة أبناء عَم بني الحرفوش - لأنّ هؤلاء يزعمون بأنّهم فخذ مِن أفخاذهم - فاستعان بهم على استرجاع بعلبك، فاعتذروا إليه وأمدّوه بمالٍ وفير، وأعطوه فَرساً صفراء كريمة الأصل، فعاد إلى بلاد بعلبك في سنة ١٧٨٦م، وعَلم أنّ بطال باشا والي دمشق أرسل حاكماً زنجيّاً بدلاً مِن سليم آغا يُدعى محمّد آغا، فذهب الأمير جهجاه إلى زحلة، وجمع فيها مئة مُقاتل تأهّباً لاسترجاع بعلبك مِن الزنجي، ولمّا فرغ مِن تنظيمها تَقدّم بها إلى المدينة وقد فرّ الخيل بلباد، فدخلوها تحت جُنح الليل، وقتلوا كلّ مَن صادفوه في طريقهم حتّى جرت الدماء كالسواقي، وانهزم محمّد آغا إلى دمشق، وكان الوزير يومئذ قد همّ بالخُروج إلى الحجّ، فلم يتمكّن مِن إرسال عسكر إلى بعلبك، ولمّا عاد في سنة ١٧٨٧م أرسل المنلا إسماعيل بألفٍ ومئتي فارس فالتقاه الأمير جهجاه وأخوه الأمير سلطان بأهل زحلة، وكمنِت فرقة منهم في مضيق القرية، فلمّا وصل الفرسان إلى المضيق أطلقوا عليهم الرصاص، وخرجوا إليهم وتلاحم الفريقان، فانهزمت عساكر المنلا، وتبعهم رجال الأمير إلى قرية السلطان إبراهيم وأثخنوا فيهم، ولم يُؤذَ مِن رجال الأمير إلاّ نفرٌ قليل، ورجع الأمير جهجاه إلى بعلبك، وقبض على أزمّة الأحكام.
وفي تمّوز مِن سنة ١٧٨٨م انضمّ الأمير جهجاه برجاله إلى الأمير يوسف الشهابي لمُقاتلة عساكر أحمد باشا الجزار، ففازوا بها فوزاً مُبيناً، وعاد جهجاه إلى بلاده.
وفي سنة ١٧٨٩م خرج على الأمير جهجاه ابن عمّه الأمير قاسم ابن الأمير حيدر؛ يُريد انتزاع حكومة بعلبك مِن يده، فطلب مِن الأمير بشير الكبير المُساعدة فلبّاه، وأرسل له عسكراً إلى زحلة، وأمر أهلها أنْ يتوجّهوا مع العسكر، وأرسل أمراً إلى الأُمراء اللمعيّين أنْ يشدّوا برجالهم أزرَ العسكر المُجتمع في زحلة فأطاعوا، فزحف إذ ذاك الأمير قاسم بالعسكر إلى بعلبك، فلاقاه الأمير جهجاه برجاله في أرض أبلح، وانتشب بينهم القتال فدُحِر الأمير قاسم ومَن معه، وارتدّ راجعاً إلى زحلة بعد أنْ سُلبت خيولهم وأسلحتهم، وقُبض على الأمير مراد اللمعي، فأمر جهجاه بردِّ أسلحته وجواده وأطلقه مُكرّماً.
ولمّا بلغَ الأمير بشير انهزام عسكره جرّد جيشاً آخر بقيادة أخيه الأمير حسن، ولمّا وصلوا إلى بلاد بعلبك أخلى لهم الأمير جهجاه المدينة فدخلوا، ولكنْ ما لبثوا أنْ خرجوا منها لقلّة الزاد فيها، ولمّا لم ينجح الأمير قاسم بأمره التجأ إلى أحمد باشا الجزار، فأمر الأمير بشيراً أنْ يُسعفه ثانيةً، فوجّه الأمير إلى بعلبك وأصحبه بمشايخ الدروز ورجالهم، فلمّا وصلوا إلى بعلبك خرج إليهم جهجاه إلى ظاهر المدينة، فهجم الأمير قاسم على الأمير جهجاه وهو في وسط معسكره، فأصابته رصاصة قبل أنْ يصل إليه فخرّ صريعاً، وكان قاسم شُجاعاً كريماً كوالده عادلاً بخلاف غيره مِن ذويه، ولمّا قُتل الأمير قاسم عاد العسكر الشهابي إلى حيثُ أتى دون قتال.
وفي سنة ١٧٩٤م قَتل الأمير جهجاه ابن عمّه الأمير داود، وسمَل أعيُن إخوة الأمير عُمر.
وفي سنة ١٨٠٦م وقعت النِفرة بين الأمير جهجاه وأخيه الأمير سُلطان، فظاهر جمهور الحرافشة سلطاناً؛ لاستبداد جهجاه فيهم، فحنق هذا ونزح إلى بلاد عكار، وبقي هناك إلى أنْ أصلحَ ذات بينهما الأمير بشير الكبير سنة ١٨٠٧، فتولّى جهجاه على بعلبك وأعمالها إلى أنْ تُوفّي بعد سنين قليلة - وكان بطلاً شُجاعاً ومُقداماً مذكوراً - فحكم بعده أخوه الأمير أمين.
وفي سنة ١٨١٩م كَتب نائب دمشق إلى الأمير أمين في طرد المشايخ النكدية مِن بلاده فهرب هؤلاء.
وفي سنة ١٨٢٠م سوّلت للأمير نصوح ابن الأمير جهجاه نفسه الخروج على عمّه أمين، فاستنجد الأمير بشير على طرد عمّه مِن بعلبك، فأنجده بعسكرٍ يرأسه الأمير ملحم حيدر شهاب، فلمّا عَلم أمين بذلك فرّ مع أخيه سلطان إلى الهرمل، وعند وصول العسكر المذكور إلى بعلبك وافاه الأمير نصوح، وخرج معه لطرد عميّه مِن الهرمل، ففرّ الأميران عندما علما بذلك، ورجع الأمير ملحم إلى بلاده، وعاد الأمير أمين الكرّة على بعلبك، ففرّ الأمير نصوح إلى زحلة.
وفي تلك السنة، بينما كان الأمير أمين في قرية بدنايل دهمه الأمير نصوح بأهل زحلة، فانهزم الأمير أمين وانقلب إلى بعلبك، وإذ رأى نصوح أنّ مُعاندة عمّه لا تُجديه نفعاً، وأنّ أهل البلاد لا تميل إليه؛ لأنّ عمّه أحقّ منه بالحُكم، أتاه مستسمحاً منه طالباً المَغفرة، فطيّب الأمير أمين خاطره، ولكنّه طوى قلبه على الضغينة، وبينما كان الأمير نصوح نائماً في قرية مجدلون أوعز الأمير أمين إلى مكباشي درزي عنده فخنقه، ولبث الأمير أمين حاكماً إلى أنْ أتى إبراهيم باشا بن محمّد علي باشا المصري إلى البلاد السوريّة، وكان الأمير أمين لم يزل خاضعاً للدولة مُنكراً لنفوذ المصريّين، فأوغر ذلك صدر إبراهيم باشا حقداً عليه، فحضر بعساكره سَنة ١٨٣١ إلى بعلبك فأخذها دون أدنى مُقاومة، وفرّ الأمير أمين بعياله مِن مكان إلى آخر، فوضع إبراهيم باشا في بعلبك عسكراً، وبنى لهم ثكنةً كبيرة، وجعل البلدة كنقطة حَربيّة لجيشه نظراً لموقعها الحربي، وحَكم البلدة الأمير جواد الحرفوش.
وفي سنة ١٨٣٢م ذهب الأمير أمين إلى بيت الدين مستجيراً بالأمير بشير، فطيّب خاطره ووعده صداقة إبراهيم باشا. وأمّا رفاقه، فلم يوافقوه على ذلك وخوّفوه شرّ استئمانه، فرجع إلى ما كان عليه، وكانت عساكر إبراهيم باشا تطارده، وما زال مُنهزماً مِن مكان إلى آخر إلى أنْ لحقته يوماً فُرسان الهنادي في عين الوعول شمالي بعلبك - وكانوا نحو أربعمئة فارس - فلم يكن معه سوى ولده الأمير قبلان واثني عشر فارساً، فوقف الأمير أمين مع الحريم وكرّ قبلان بفُرسانه على الهنادي واخترق بسيفه جمعهم وأعوانه تحمي ظهره، فشغل الهنادي مدّةً حتّى استوعر الأمير أمين في الجبل، فارتدّ ابنه إليه ولم يتمكّن الهنادي مِن اللحاق به فعادوا على
أعقابهم.
وأمّا الأمير أمين، فإنّه سار مِن هناك إلى شعرة الدنادشة وأودع حريمه آل دندش، ثُمّ طلبا الآستانة العليّة حيثُ أُنزلا في أرفع مَنزلةٍ، ولبثا هناك إلى أنْ زايل إبراهيم باشا سورية، ولمّا استولى إبراهيم باشا على بعلبك ولّى عليها الأمير جواد الحرفوش، ثُمّ عزله وعيّن عوضه أحمد آغا الدزوار، فكان ذلك سبب عصيانه على الدولة المصريّة، فأخذ يُحرّك الفِتن عليها، ويجول مِن مكان إلى مكان إلى أنْ أدركه يوماً بقُرب يبرود مئتا فارس مِن الأكراد أرسلهم عليه شريف باشا المصري حاكم دمشق، وكان مع الأمير جواد أبناء عمّه الأُمراء محمّد وعساف وعيسى وسعدون وثلاثون فارساً، فهجم بعضهم على بعض وحمى وطيس الوغى، وأتى الأُمراء الحرافشة مِن ضروب الفروسيّة ما هو جدير بهم، فارتدّ الأكراد، وقُتل منهم أحد أُمرائهم وهو عجاج آغا، وذهب بعد ذلك الأمير جواد إلى بلاد حمص وقد تفرّقت عنه أصحابه، وبينما كان في مجلس يُدعى الحرشية دهمته كتيبةٌ مِن الهنادي تُريد القبض عليه، فملكوا عليه جسر التل المنصوب على العاصي الّذي لا بدّ له مِن المُرور منه للتخلّص منهم، فهجم حينئذٍ عليهم هجمةً قَسوريّة، ففرّق جمعهم بحدّ الحُسام، وأفلت منهم بعد أنْ قَتل بضعة فُرسان وفرّ هارباً، غير أنّه لم يأمن الغدر، ولمّا رأى أنّ العصيان لا يُجديه نفعاً، وأنْ لا مناص له مِن يد أعدائه استأمن للأمير بشير، وطلب إليه أنْ يأخذ له الأمان مِن إبراهيم باشا، ولكنّ هذا كان يكرهه، فخانه وسلّمه إلى شريف باشا حاكم دمشق، فأماته شرّ ميتة.
ثُمّ عُزل أحمد آغا الدزوار فعُين عوضه خليل آغا وردة، ثُمّ الأمير حمد الحرفوشي، ولمّا رجع إبراهيم باشا لبلاده سنة ١٨٤٠م خلّف الأمير حمد الأمير خنجر، وكان عدوّاً لإبراهيم باشا.
وفي السنة المذكورة، قدِم مِن حلب إلى بعلبك عثمان باشا بثمانية آلاف جندي لمُحاربة العساكر المصريّة، وبعد أنْ احتلّ الثكنة الّتي بناها إبراهيم باشا ذهب إلى البقاع، وفي تلك الأثناء جمعَ الأمير خنجر وأخوه الأمير سلمان نحو أربعمئة فارس، وانضمّوا للأمير علي اللمعي، وأخذوا يقتفون آثار إبراهيم باشا ويغزون أطراف عسكره، وبعد مُناوشاتٍ عديدةٍ ذهب الأمير خنجر وأخوه إلى زوق مكايل ليجمع رجالاً مِن الثائرين على الحكومة المصريّة، فلمّا وصل إلى المعاملتين قال له بعض رُفقائه: خُذ معك عامية غزير ونحن نذهب ونأتي بالرجال إليك، وساروا إلى الأمير عبد
الله شهاب حليف إبراهيم باشا وأخبروه بما كان، فقصده الأمير عبد الله بأصحابه للقبض عليه، ولمّا رآهم الأمير خنجر مُقبلين ظنّهم العامية، حتّى إذا دنوا منه أحاطوا به ومنعوه مِن الهرب، وقبضوا عليه وعلى أخيه وعلى ستّة أنفار متاولة كانوا معهما، ورجعوا بهم إلى غزير، فأمر الأمير عبد الله بوضعهم في السجن، وذاع الخبر في كسروان فانحدر إلى غزير نحو مئة رجلٍ مِن قُرى كسروان والفتوح، واتّفقوا مع عامية غزير على تخليص الأمير خنجر ومَن معه، فأرسلوا إلى الأمير عبد الله أنْ يُطلق سبيلهم فأبى، فهجموا حينئذٍ على السجن وكسروا بابه، وأخرجوا الأميرَين وأصحابهما وسلّموهم أسلحتهم وانحدروا إلى جونية، فاجتمع إليهم جماعة، وأتى الأمير خنجر بهم إلى المكلس لهياج المتنيّة.
وفي خلال ذلك نهض عبّاس باشا وسليمان باشا بالعسكر المصريّ قاصدين حمانا، ولمّا وصلوا تجاه المكلس أطلق الأمير خنجر الرصاص عليهم، فأرسل إليه سليمان باشا بفرقة الأرناؤط ففرّقت شملهم، وفرّ الأمير خنجر إلى جرد العاقورة، وفي تلك الأثناء كانت فرقة مِن العسكر المصري مُخيّمةً في عيناتا - مِن أعمال بعلبك - فجمعَ الشيخ أبو سمرا البكاسيني أربعة آلاف رجل وسار بهم إلى اليمونة، ثُمّ إلى عيناتا، والتحم القتال بينه وبين العسكر المصري مدّة ثلاثة أيّام، ثُمّ دهمه العسكر بغتةً، وقَتل مِن جماعته ستّين نفراً، فانهزم إلى جبة بشري وجمع رجالاً مِن نواحيها ورجع إلى عيناتا، وأضرم نار الوغى فانهزم العسكر المصري، وقُتل منه سبعون نفراً، ثُمّ أمدّه بعدئذٍ عزّت باشا - سر عسكر الجيش العثماني - بنجدةٍ، فهجم على العسكر المصري وأجلاه عن عيناتا.
أمّا الأمير خنجر، فإنّه انضمّ بعد انهزامه إلى عزة باشا، فأرسله مع عمر بك لمُحاربة الأمير مسعود شهاب، وما برح الأمير خنجر مُخلصاً الطاعة للدولة العليّة، ومُنجداً العسكر العثماني إلى أنْ تمّ إخراج إبراهيم باشا مِن البلاد السوريّة، فأنعمت عليه الدولة بحُكم بعلبك والبقاع.
وفي سنة ١٨٤١م عاد الأمير أمين مع ابنه قبلان مِن الآستانة إلى بيرت مصحوباً بأمر شاهاني بتولّي بعلبك، فتوفّي الأمير أمين بوصوله إلى بيروت - وكان مُهاباً مُطاعاً سفّاكاً للدماء - فذهب ابنه الأمير قبلان إلى دمشق ليُصادق على الأمر المُعطى له ولأبيه، ولبث فيها مُدّةً إلى أنْ تمّ له ذلك، وكان في أحد الأيّام في قصرٍ نزله فرأى الشخاصيّة - كالجاوبشيّة
والأنفار العسكريّة - يَجرون مُسرعين نحوه ليُبشّروه بذلك طَمعاً في إنعامه، فتوهمّ الأمير أنّهم يَرومون القبض عليه؛ فجنّ مِن ساعته وامتطى جواده وهرب، وبقيَ مجنوناً إلى أنْ تُوفّي سنة ١٨٦٤م في الثمانين مِن العُمر.
وفي السنة المذكورة حدثت الفتن بين الدروز والنصارى، فتوجّه الأمير خنجر وأولاد عمّه بأتباعهم إلى زحلة، وأنجدوا أهلها، وحاربوا العريان قائد الدروز في تعلبايا فهزموه، ثُمّ جَمع الدروز شملهم وزحفوا على زحلة بثمانية آلاف مُحارب فالتقاهم الأُمراء وأهلها، وانتشب القتال بين الفريقين فانهزم الدروز شرّ انهزام، ورجع الأمير خنجر إلى بعلبك، وبقي حاكماً إلى سنة ١٨٤٢ حيث انطلق إلى الشام الأُمراء بشير وسعدون وشديد وفدعم، وأخرجوا أمراً بقائمقاميّة بعلبك للأمير حسين ابن الأمير قبلان، وإذ كان صغير السنّ أقاموا له وصيّاً الأمير سعدون، وبعد سَنة توفّي هذا، فاستولى على أعنّة الأحكام الأمير حمد المارّ ذكره سابقاً، وبقي حاكماً إلى سنة ١٨٤٥ حيث ذهب الأمير محمّد إلى دمشق، وأخذ أمراً بولايته على بعلبك، ثُمّ أتى إليها ومعه محمّد آغا بوظو وعساكر مِن الأكراد يبلغون خمسمئة فارس لإعانة الأمير محمّد على طرد ابن عمّه، فأتوا إلى قرية بر الياس مِن أعمال البقاع.
ولمّا بلغَ ذلك الأمير حمد جمعَ جيشاً مِن أهالي البلاد وذهب بهم لمُلاقاة الأمير محمّد، وأتى قرية تمنين التحتا، ولبث فيها ثلاثة أيّام حتّى بلغه أنّ الأمير محمّد وبوظو خرجا مِن بر الياس بجموعهما إلى بعلبك ليملكاها، فقابلهم الأمير حمد بعساكره عند قرية الدلهمية، فهجمت الرجال واشتدّ القتال وسالت الدماء وتقهقرت فُرسان الأمير حمد في بادئ الأمر، فأنجدهم حالاً بالمُشاة، وكانت إذ ذاك ساعة هائلة، وتمّ الفوز للأمير حمد وولّى عسكر الأكراد هارباً بعد أنْ ترك نحو ستّين قتيلاً في ساحة القتال، وقُتل مِن فريق الأمير حمد ثلاثةٌ فقط منهم الشيخ شبلي حيدر، ووقع منهم عدّة جرحى، ورجع الأمير حمد ظافراً إلى بعلبك، ولبث على منصّة الأحكام ستّة أشهر، غير أنّ محمّداً ما زال يسعى في دمشق حتّى أخذ أمراً ثانياً بحكم بعلبك، فهرع الأُمراء يوسف بن حمد وشديد وخنجر إلى الشام ساعين بإفساد ما ناله محمّد، فشاءت حِكمة الحكومة السَنيّة تجزئة بعلبك وشرقي البقاع إلى مُقاطعاتٍ صغيرةٍ يتولاّها هؤلاء الأُمراء.
وفي سنة ١٨٥٠م حدّثتْ الأميرَ محمّداً نفسُه بالخروج عن طاعة الدولة
العليّة، فعصى وجمعَ عسكراً مِن بلاد بعلبك ووادي العَجم، فأرسلتْ عليه إذ ذاك الدولة عسكراً بقيادة مصطفى باشا، فانهزم أمامه الأمير إلى قرية معلولا، فتحصّن بها مع إخوته الأُمراء عساف وعيسى وخليل وأولاد عمّه آل حسن - فخذ مِن الحرافشة - فحصرتهم العساكر الشاهانيّة إلى أنْ دخلتها بوسيلة مِن أهلها، فهربَ الأمير خليل وأولاد عمّه، وبقي محمّد وعيسى وعساف، فتحصّنوا ضمن كهفٍ هنالك، ولبثوا مُحاصرين فيه لا يُذعنون للقوّة، فهجمت إذ ذاك العساكر وقتلت عيسى وأسرت محمّداً وعسافاً.
ثُمّ حضرَ مصطفى باشا قائد العساكر الشاهانيّة بثلاثة آلاف جندي إلى بعلبك، ودخلَ المدينة وقد طوّقتها العساكر، فأقبل عليه الأُمراء مُسلّمين، فأمر بالقبض عليهم وأرسل زُعماءهم الأُمراء حمداً وابنه يوسف وخنجراً وسلمان فاعور وشديداً وسليمان إلى الشام، ومِن هناك نُفوا مع الأمير محمّد وعساف إلى جزيرة كريت، فاستتبّت الراحة وتولّى قائمقاميّة بعلبك تيمور بك، وكان قد بقي في البلاد فريقٌ مِن الحرافشة لم تَطله يد مصطفى باشا، منهم الأمير محمود ابن الأمير حمد المذكور آنفاً، فعصى وأخذ ينهب البلاد إلى أنْ أمّنته الدولة فأتى بعلبك مُطيعاً، ثُمّ عُزل تيمور باشا وأتى عوضه فرحات باشا، وهو الّذي رمّم الجامع الحالي للسُنّة، وهو جامعٌ قديمٌ جدّد بناءه السلطان قلاوون سنة ٦٥٢ هجريّة.
وفي سنة ١٨٥٢م قُتل الأمير محمود في قرية العين، واتّهم ابن عمّه الأمير سلمان أخو الأمير خنجر بقتله، فجدّتْ الحكومة في طلبه ففرّ، وجمع إليه بعض الأتباع، وأخذ يطوف البلاد مُخلاًّ بالراحة العموميّة.
وفي السنة ذاتها، عُزل فرحات باشا، وعُيّن القومندان صالح زاكي بك وكيلاً للقائمقاميّة، وأتى مصحوباً بعسكر شاهاني، وفي مُدّة وكالته ذهب الأمير منصور - عمّ الأمير محمود - والشيخ أحمد حمية إلى الشام، وأخذا أمراً بقيادة مئتي خيّال بعد أنْ تعهّدا للدولة بالقبض على الأمير سلمان قتيلاً أو أسيراً، فصار الأمير سلمان ينهب البلاد، وجمعَ إليه خمسين فارساً يأتمرون بأمره، وأخذ الأمير منصور وأحمد حمية يُطاردانه إلى أنْ التقيا به يوماً في أراضي قرية طاريا، فتناوشوا هناك وأسفرتْ المعركة عن انهزام الأمير منصور ومَن معه، وعرف القومندان صالح بك بذلك فسيّر العساكر مُتّبعاً آثار سلمان، ففرّ هذا إلى القُرى الشماليّة ورجع العسكر إلى بعلبك، وإذ رأى سلمان أنّ العصيان لا يُجديه نفعاً، وأنّ الدائرة لا بدّ أنْ تدور عليه خَضع للدولة العليّة
في الشام واسترسل إلى الطاعة سنة ١٨٥٤م، فتكرّمت عليه بقيادة مئتي خيّال وشرّفته (سرهزار)، وكان قد تولّى القائمقامية وقتئذٍ مصطفى راشد أفندي.
وفي السَنة ذاتها قَتل الأمير منصور غدراً أحمد حمية؛ إذ قد ظهرَ له أنّه هو قاتل الأمير محمود لا الأمير سلمان.
وفي السنة المذكورة هربَ الأمير محمّد المشهور وأخوه عساف مِن منفاهما في جزيرة كريت وأتيا بلاد بعلبك، ولبثا مُستترين إلى أنْ استرضيا الدولة.
وفي سنة ١٨٥٥م أحرق أهالي زحلة قرية بريتال بسبب قتيلٍ لهم.
ثُمّ أبدل مصطفى راشد أفندي بمحمّد آغا، ثُمّ هذا بعبد الرحمان بك، ثُمّ بعبد الله بك العظم.
وفي ٨ تشرين الثاني سَنة ١٨٥٨م كانت موقعة الحديدية، وذلك أنّ محمّد الخرفان - أحد أُمراء قبيلة الموالي - وقعتْ بينه وبين العرب الحديدية عداوةٌ شديدةٌ انجلت عن انهزامه مِن وجه خصومه الّذين تتبّعوا آثاره حتّى قرية القاع على حدود بعلبك، فاستنجد إذ ذاك محمّد الخرفان الأمير سلمان عليهم فلبّاه، وجمعَ الجموع العديدة مِن جميع بلاد بعلبك، وسار بهم لملاقاة العدو الّذي سار أمامه حتّى مقام زين العابدين على مسافة ثلاث ساعات مِن حماة، وابتدأت الموقعة هناك في ٨ تشرين الثاني، وهجم بعضهم على بعضٍ واقتتل الفريقان قتالاً شديداً انكسرت على أثره عَرب الحديدية، وقد قُتل منهم نحو ثلاثمئةٍ فانهزموا، غير أنّهم عادوا فلمّوا شَعثهم، وقد اشتغلت عساكر سلمان بالنهب والسَلب، وإذا بجموع الأعادي قد فاجأتهم بعزمٍ شديدٍ مستميتين وأثخنوا فيهم الضرب والقتل، فانهزمتْ عساكر سلمان شرّ هزيمة، وتبعتهم العربان إلى مدينة حماه، ورجع سلمان وجيوشه إلى بعلبك مُنهزمين، وقد قُتل منهم نحو تسعين نَفراً.
ثُمّ عُزل عبد الله بك العظم وأتى عوضه فارس آغا قدرو، وفي أيّامه عصى الأمير سلمان على الدولة ثانية بعد وقائعه مع الحديدية، فأرسلت حسني باشا لكبحه والقبض عليه، ففرّ الأمير وذهب يوماً إلى زحلة فنام فيها ليلتين، فأعلم أهلها حسني باشا به فأتى وقبض عليه، وذلك في ١٥ شباط سنة ١٨٦٠م، وأتى به إلى بعلبك، ومنها أرسله إلى الشام فسُجن، فلم يلبث أنْ جمع أخوه الأمير أسعد وابن عمّه الأمير محمّد المذكور سابقاً جمعاً مِن
أتباعهما، وهجما في إحدى الليالي عند انبثاق الفجر على بيت القائمقام فارس آغا قدرو يُريدان القبض عليه، ولكنّه اختبأ فلم يجداه، فقتلا أربعةً مِن أتباعه ونهبا ما تملكه يداه مِن الأسلحة والخيل والنقود، وفرّا إلى قرية نحلة، وأخذا ينهبان ويُقلقان الراحة.
وأمّا فارس آغا قدرو، فإنّه سار إلى الشام، ثُمّ رجعَ مصحوباً بخمسمئة جندي، وقائدهم حسن آغا اليازجي أقامهم على توطيد الأمن والراحة، وكانت في السنة المذكورة فتنة الدروز والنصارى، فتوجّه نفرٌ مِن نصارى بعلبك إلى زحلة، فأنجدوا إخوانهم وحضروا بعض المعارك القليلة الأهميّة، ثُمّ رجعوا إلى بعلبك لحماية عيالهم، وجلت نصارى بعلبك جميعها بعيالها إلى قرية بشري - مِن أعمال جبل لبنان - وقد حافظ عليهم حسني باشا وفارس آغا في مسيرهم ولم يُقلقهم مسلمو البلد، بل أكرموهم غاية الإكرام، فلم يحدث بحمد الله ما يُقلق البال، إلاّ أنّ مَحلّتهم نهبها عسكر اليازجي، ولمّا سكن هذا الاضطراب الناشئ عن تلك الفتنة المشؤومة عُوّض للنصارى ما خسروه بنهب أمتعتهم وأشيائهم.
ثُمّ عُزل فارس آغا قدرو وآتى عوضه محمّد راغب أفندي، وفي أيّامه استأمن الأمير أسعد للدولة العليّة، فعيّنته مأموراً على جمعِ المسلوب، ثُمّ جعلته يوزباشيّا على مئتي خيّال.
وأمّا الأمير سلمان، فبعد أنْ أقام في السجن نحو سبعة أشهرٍ هرب منه، وأمّ وطنه واختفى، ثُمّ شاع خبره فطلب العفو مِن حسني باشا فأمّنه، إلاّ أنّه عاد فعصى ثالثةً، وذلك لأنّه طلب مِن الدولة ليذهب مع جردة الحج الشريف بفرسانه فأبى، وخاف حوادث الدهر فعصى، فحضر حسني باشا لجمع القرعة العسكريّة - وهي أوّل قرعة جرتْ في بلاد بعلبك - فاستأمن إليه الأمير سلمان، ثُمّ عاد فعصى مع أخيه الأمير أسعد للمرّة الرابعة بإغراء ذويه وأتباعه - وذلك سنة ١٨٦٤م - وسلب مِن أهالي يونين خمسة آلاف قرش، ثُمّ جمعَ أتباعه وأخذوا يطوفون البلاد سالبين ناهبين، فركب حسني باشا بعسكره واقتفى أثرهم، فالتقى بهم في أراضي قرية الشعيبة، فأمر العساكر الشاهانيّة فحملتْ عليهم وردّتهم على أعقابهم؛ فولّوا هاربين طالبين للنجاة، حتّى وصلوا إلى قرية الفاكية وحسني باشا يقتصّ آثارهم، وبينما كانوا في عين ارغش يتناولون الطعام إذا بالعساكر المظفرة قد دهمتهم، فجرتْ بينهم معركةٌ أسفرت عن انهزام العُصاة وأسرِ
الأمير حسين ابن الأمير قبلان وياغي بن موسى ياغي - الفارس الشهير - وخادمهم المُخلص، فأُتي بهم إلى بعلبك حيث شُنق فيها ياغي بعد أربعة أيّام مِن يوم المعركة، وذلك في سنة ١٨٦٤م، ثُمّ قُبض على الأُمراء فارس وتامر وداود، وأُرسلوا مع الأمير حسين إلى الشام، ونُفي الجميع إلى مدينة أدرنة مع حريم سائر آل حرفوش.
وأمّا الأمير سلمان وأخوه الأمير أسعد، فما زالا فارّيَن حتّى سئم ذلك أسعد فأطاع وَحده، فأُرسل منفيّاً إلى أدرنة، وانحاز الأمير سلمان إلى يوسف بك كرم الّذي كان عاصياً وقتئذ في جبل لبنان فصار مِن أكبر أنصاره، ثُمّ افترق عنه سنة ١٨٦٦م وذهبَ إلى بلاد حمص فارّاً، فوشى بمَقرّهم للمرحوم هولو باشا رجلٌ يُسمّى حسن درويش، وكان قد ربّاه الأمير سلمان مِن صِغره، ففاجأه بالعساكر وقُبض عليه، وأرسله إلى دمشق فسُجن، وذلك سنة ١٨٦٦م، وتوفّي في السجن بعد ثلاثة أيّام مِن حبسه، وجرى ذلك في أيّام القائمقام محمّد بك اليوسف، وهكذا كان انقراض حُكم هذه العائلة الشهيرة الّتي مَثّلت دوراً مهمّاً في تاريخ بعلبك بعد أنْ حكمت فيها نحو أربعة قرون، وبقي مِن هذه العائلة بعض أفرادٍ ساكنين في القُرى لا أهميّة لهم.
إلى هُنا تمّ ما كَتب مخايل موسى ألوف في كتابهتاريخ بعلبك المطبوع سنة ١٩٠٤م.
ما جاءَ في نكباتِ الشام عن مُساعدة الحرافشة للزحليّين عند قصدِ مُهاجمة الدروز لها سنة ١٨٤١م:
عندما انتهى الدروز مِن دير القمر قرّروا التوجّه لمُحاربة زحلة، وقد كان أهلها احتاطوا بمُعاهدة الأُمراء الحرافشة على مُساعدتهم لردّ غارة الدروز عنهم، ووعدوهم بأنْ تكون زحلة حِمى لهم عند الحاجة، وقد تمّ هذا الأمر بواسطة البحمدوني المشهور بالشجاعة والإقدام، وكان إذ ذاك الأمير سلمان الحرفوش فأتى إليهم الأمير سلمان وبعض بني عمّه مَرفوقاً بخيله ورجله مِن البعلبكيّة الشُجعان، فكسر أهالي زحلة بمُساعدتهم الدروز شرّ كسرة، ولو لم يخشَ أهالي زحلة مِن أنْ تكون كسرةَ الدروز خُدعةٌ لهم لنالوا منهم أكثر ممّا يظنّ، وقد رجع الدروز لمحلاّتهم والخوف ملء قلوبهم.
وبالحقيقة إنّ للحرافشة الفضل ليس على زحلة فقط، بل على كافة
النصرانيّة في جنوبي لبنان؛ لأنّه لو لا انكسار الدروز في زحلة لكانوا أذلّوا النصرانيّة لدرجةً مُتناهيةً بعد فوزهم السابق على أهالي دير القمر. (المُلحق: ص٤٣).
المقتطف (المجلد الـ ٣٠: ص٩٠٣):
ثُمّ شرَعت الحكومة المصريّة تمنع الأُمراء والمشايخ مِن الاستقلال في حُكم بلادهم، وجعلتهم مأمورين مِن قِبلها برواتب معلومة لا تُساوي عشر ما كانوا يجمعونه مِن بلادهم، ثُمّ صارت تَعزلهم منها وتُولّي غيرهم، لكنّ الأمير بشيراً استصدر أمراً مِن محمّد علي باشا إلى شريف باشا ليتركه مُستقلاًّ في إمارة لبنان، فاستثقل شريف باشا ذلك، ولبث يتحيّن الفُرص لنزع هذا الامتياز مِن الأمير بشير، فنزع أوّلاً استقلال الأُمراء الحرافشة في بلاد بعلبك ورتّب لهم معاشاً، وفعل مِثل ذلك بأُمراء حاصبيا وراشيا، وذلك سنة ١٢٥٠هـ.
ولمّا تمادى المصريّون في تغيير عادات العشائر، وفرضِ الأموال الطائلة على الأهالي، نفرتْ القُلوب منهم وصار سكّان البلاد يتمنّون رجوع حُكم الأتراك، وجاهر بعضهم بالعصيان.
إلى أنْ جاء فيه (في ص٩٠٧):
ثُمّ إنّ الأُمراء بيت الحرفوش أصحاب بعلبك كانوا حُكّامها مُنذ قرون كثيرة، فلمّا أخرجهم إبراهيم باشا مِن حُكمها رتّب لهم رواتب لا تقوم بمعيشتهم، فشقّوا عصا الطاعة، وكان الأمير جواد الحرفوش أعلاهم مقاماً وأشدّهم بأساً، لكنّه ملّ مِن الفرار أمام رجال الحكومة، فالتجأ إلى الأمير بشير واستأمن إليه، فأمّنه ووعده بالسعي لدى الحكومة للعفو عنه، وكَتب إلى شريف باشا فأتاه الجواب بأنْ يُرسل الأمير جواداً وأتباعه إلى دمشق، ولمّا وصل إلى دمشق، قطع رأسه وطرحه أمام باب السراي، فهذه الأعمال آلمت الأمير بشيراً، وأضعفت ثقتَه بالمصريّين، وصار ينتظر زوال نعمته عن يدهم كما أزالوا نعمة غيره.
تاريخُ بني حَمادة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله مالك الملك، مُجري الفلك، مُقلّب الليل والنهار، مُدبّر الأُمور، مُصرّف الأحوال، رافع مَن يشاء إلى أسمى الدرجات، خافض مَن أراد إلى أسفل الدركات، إليه مَرجع العباد في المبدأ والمعاد، والصلاة على رسوله سيّد الكائنات المبعوث رحمةً للعالمين، والناسخ بشرعه شرائع النبيّين، وعلى آله الطاهرين وصحبه المُنتجبين.
وبعد، فهذه صفحات مِن صفحات تاريخ الشيعة السياسي، نُؤرّخ به طائفةً مِن رجال الشيعة قامت لهم إماراتٌ صغيرة في بعض أجزاء الأرض، وساهموا حكّام الإقطاع في عصور مكّنت لهم مِن تلك المُساهمة، وقد أوتوا عصبيّةً مِن أقوامهم، وقوّةً فسحت لهم المَجال، والمجال في ذلك الحين واسع، وكان مِن هذا الفريق(بنو حمادة) الّذين قام لهم حُكمٌ لا بأس به، وسياسةٌ مِن نوع سياسة أبناء زمانهم لم تختلف عنها في الكم والكيف، إنْ اختلفتْ في الأشخاص والأُسر العريقة وغير العريقة.
بنو حمادة
جاء في دائرة المعارف للبستاني: (بنو حمادة، هُم عائلةٌ مِن المتاولة مِن أعيان جبل لبنان، يُنسبون إلى حمادة العجمي الّذي كان قد خرج على شاه العَجم، فسيّر إليه الشاه جيشاً فَقَتل أصحابه، ففرّ بعشيرته وأخيه أحمد إلى جبل لبنان، ونزل الحصين، ثُمّ ذهب إلى قمهز، ومِن هناك تفرّقت عشيرته في جبة المنيطرة ووادي علمات، وسار أولاد أخيه إلى بلاد بعلبك، وتولّوا قرية الهرمل.
ووُلد لحمادة سرحال وأحمد، ويُكنّى أحمد
بأبي زعزوعة، وأولاده نزلوا جبة بشرة، ووُلد لحمادة أيضاً وَلدٌ اسمه ذئب، فولّى أولاده مقاطعة الظنية، وزوّج ابنتيه لمُقدّمي جاجّ المسلمين اللّذين توليا بلاد جبيل، وكانا عاصيين على الأمير عساف والي غزير، فاستدعى الأمير عساف أحمد وذئباً وخاطبهما سرّاً أنْ يقتلا هذين المُقدّمين فأبيا. وعرف أخوهما الصغير سرحال، فسار إلى غزير وضمِن للأمير عساف قتلهما، وأخذ منه صكّاً بولاية بلاد جبيل، وأخبر أخويه بذلك وحثّهما على مُساعدته فمضيا معه، فقتلوا المُقدّمين المذكورين، فولّى الأمير عساف سرحالاً بلاد جبيل وأخويه بلاد جاج.
وُلد لسرحال ولده حسين، ثُمّ ارتحلوا إلى فرحة في وادي علمات، فثقّلوا على بني الشاعر في تولا، فارتحلوا إلى بلاد المرقب وصاروا فيها ولاةً.
ووُلد لحسين أربعة أولاد: سرحال وإسماعيل وإبراهيم وعيسى، فتولّى إبراهيم وعيسى بلاد البترون، وإسماعيل بلاد جبيل ووادي علمات والفتوح وجبة المنيطرة، وانتقل إلى لاسا فبنى فيها داراً.
وأخذتْ الحماديّة مزارع في الكورة والزاوية سمّوها بكاليك.
ووُلد لإسماعيل ثلاثة أولاد: عبد السلام وعبد الملك وأبو النضر، فأخذوا قرية شمسطار في بعلبك، ولمّا توفّي أبوهم اقتسموا البلاد، وظلموا الناس فقاموا ضدّهم.
وسنة ١٤٦٨م نهض أولاد الشيخ زعزوعه - ولاة بشناتا - برجال الظنية وقصدوا إهدن، فلمّا بلغَ أهلها قدومهم أقاموا لهم كميناً وأهلكوهم في مرجة تولا.
وسنة ١٤٧٤م اتّفق حمادة مع ستِّ الملوك زوجة كمال الدين مُقدّم ايطو على قتل قاتل زوجها، وهو عبد المنعم مُقدّم بشرة، فمضى إليه وكمن له سَحَراً خارج قصره، فلمّا خرج قتله ودخل القصر وقتل أولاده، فهجم أصحابه على حمادة وضربوه بالسيوف فجرحوه، فأدركه أصحابه واحتملوه، فخرج وراءهم أهل بشرة حتّى أدركوهم فقتلوا حمادة وجماعةً مِن أصحابه.
وسنة ١٦٠٠م بَعث يوسف باشا سيفا يوسف وقانصوه ابني أحمد يقتلان مُقدِّمِي جاج؛ لأنّهم أحلاف الأمير فخر الدين، فوجدا المُقدّمين الأربعة عند البيادر فقتلاهم وسلبا أموالهم، وخلّفاهم في مشيخة بلاد جبيل.
ثُمّ كانت لبني حمادة عدّة مواقع في ولاية جبيل وولاية البترون.
وسنة ١٥٤١م غضب عليهم وزير طرابلس، ففرّوا مِن وادي علمات وبلاد جبيل.
وسنة ١٦٥١م طرد الشيخ سرحال حسن آغا مِن عكار.
وسنة ١٦٥٤م ولّى محمّد البكرلي الشيخ أحمد محمّد جبة بشرة،
واستخدم الحاج سعد بن علي، ثُمّ طرد الحماديّة إلى أطراف الزاوية لتعدّيهم، فقتلوا عبد الله بن قمر العاقوري في أرض عردات.
وسنة ١٦٥٩م هدم قبلان باشا دورهم وفرّوا إلى كسروان.
وسنة ١٦٧٣م ولاّهم حسن باشا مُقاطعاتهم ورفع عنهم أكلاف المال، فطمعوا وتصرّفوا بالمال نفسه، وقتلوا أُناساً ونهبوا القطائع.
وسنة ١٦٧٥م أرسل حسن باشا عسكراً لطرد بني حمادة لتصرّفهم بالمال الأميري، فطردوهم إلى عين النقير الّتي فوق أفقا حتّى فصل بينهم الظلام، ثُمّ أحضر الشيخ أحمد بن محمّد قانصوه وابن حسن ذئب، وأمر أولاد عمّهما أنْ يقتلوهما فقتلوهما، فلمّا عرف قومهما بذلك وثبوا على بلاد جبيل، فنهبوا وقتلوا وأحرقوا حصرايل، ونهبوا قُرى البترون وحواشي حصرون.
وسنة ١٦٧٦م أحرق لهم حسن باشا قُرى وادي علمات وقرى جبة المنيطرة لتطاولهم، فأحرقوا قصوبا وتولا وعبدلى وبسبينا وشفار وشبطين.
ولمّا عُزل محمّد باشا مِن طرابلس هجموا على القلعة وأخرجوا رهائنهم، ودهموا عشقوت ليلاً وقتلوا أحد عشر رجلاً مِن أهلها، فحنق عليهم والي طرابلس، وجعل الأمير أحمد المعني على قطعاتهم، فدهمهم بخمسة آلاف مُقاتل ففرّوا إلى بعلبك، فأحرق بعض قُراهم وقطع أشجارها، ثُمّ صفحَ عنهم وعاد إلى الشوف دون قبول خِلعَة مِن والي طرابلس على قطعاتهم.
وسنة ١٦٨٦م لجأ إليهم الأمير شديد الحرفوش، فأحرق علي باشا العاقورة وأربعين قريةً مِن قطيعتهم وقطعَ أشجارها، ثُمّ دهم الحماديّة العساكر عند عين الباطية وقتلوا منهم خمسةً وأربعين رجلاً وغنموا أسلابهم، فحمل على جبيل ونكبها، ولمّا عاد إلى طرابلس انحدر حزب الحماديّة وأحرق قلعة جبيل، ونهب ما في المدينة.
وسنة ١٦٩١م ولّى محمّد باشا الحماديّة، فسلّم الشيخ حسين سرحال بلاد جبيل والبترون، وابنه الشيخ إسماعيل الكورة، والحاج موسى حمد الجبة، وأولاد حسن ذئب الظنية، وقويت شوكتهم بوفاة الشيخ أبي قانصوه فيّاض الخازن، فقتلوا يوحنّا الأسود في الكورة، ونهبوا العاقورة ومستغلات الكسروانيّين مِن مينا جبيل.
وسنة ١٦٩٢م أمر علي باشا اللقيس بالنهوض إليهم، فانهزموا إلى بلاد بعلبك، فطاردهم الرِجال وهلك مِن قومهم بالثلج نحو مئة وخمسين نفساً، ولمّا بلغوا قرية كفردان التمست الخوازنة مِن الباشا أنْ
يكفّ فكفّ، ثُمّ أحرق قرية نيحا ونهب ١٣ ألفاً مِن ماعزهم، ثُمّ أمر بهم فقُتل الشيخ حسين سرحال وثمانيةٌ مِن رفاقه.
وسنة ١٦٩٨م أرسل ارسلان باشا عسكراً لقتال الحماديّة لامتناعهم عن أداء المال الأميري، فقبض العسكر على بعضهم بغتةً وسُجنوا في طرابلس، وفرّ مَن بقيَ منهم إلى دير القمر يستغيثون بالأمير بشير حسين الشهابي فأغاثهم، والتمس إطلاق المأسورين منهم، وكفل المتأخر والّذي ترتّب عليهم عقاباً، فردّهم الباشا وفوّض توليتهم إلى الأمير بشير، فولاّهم وقبضَ المال منهم.
وسنة ١٧٥٩م طردَ أهل جبة بشرة أولاد الشيخ أحمد، فخلفهم فيها المشايخ يوحنّا الظاهر وعيسى الخوري، وفي إهدن جرجس بولس الدويهي، وفي حصرون أبو سليمان عوّاد، وغيرهم في غيرها، فأتى أولاد الشيخ أحمد إلى بلاد جبيل، فضبط الأمير يوسف الشهابي جميع أرزاقهم.
وسنة ١٧٦١م سارتْ الحماديّة بألفَي مُقاتل إلى الجبة، فالتقاهم أهلها إلى بشرة وقاتلوهم ثماني ساعات، فكسروهم وقتلوا منهم اثني عشر رجلاً.
وسنة ١٧٦٢م دهمت المتاولة بقرقاشا ونهبوها ثُمّ هربوا.
وسنة ١٧٧٠م قَبض الأمير يوسف الشهابي الوالي على بعض الحماديّة، فالتجأ أقاربهم إلى وزير طرابلس فأمدّهم بعسكر فأتوا إلى بزيزا، فسار إليهم الأمير برجاله وانتشب القتال بينه وبينهم في أمون، فانكسروا وحضر فرقةٌ منهم في برجٍ أسفل القرية، وقتل منهم جماعةً ثُمّ سلّموا، وكان الباشاوات والأُمراء يُطاردونهم ويؤدّبونهم على أعمالهم؛ فتلاشت قوّتهم.
ما كتُبَ عن المشايخ الحماديّة في كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان للشيخ طنوس الشدياق المطبوع سنة ١٨٥٩:
حمادة العجمي وَلدَ ثلاثة أولاد، وهم: سرحال وأحمد المُكنّى أبا زعزوعة وذيب. فسرحال ولد حُسيناً، وحسين ولد أربعة أولاد: سرحال وإسماعيل وإبراهيم وعيسى. فإسماعيل ولد ثلاثة أولاد: عبد السلام وعبد الملك وأبا النصر.
هؤلاء المشايخ يُنتسبون إلى رجل يُسمّى حمادة مِن نجار العجم، فهذا لمّا أراد الخروج على شاه العجم وجّه له الشاه جيشاً فقَتل مَن تعصّب له، ففرّ بأخيه أحمد وأهله وعشيرته إلى جبل لبنان ونزل الحصَين، ثُمّ ذهب إلى قهمز، ومِن هناك تفرّقت عشيرته في جبة المنيطرة ووادي علمات، وسار أولاد أخيه إلى بلاد بعلبك، ونزلوا قرية الهرمل.
فحمادة وُلد له وَلدان: سرحال، وأحمد المُكنّى أبا زعزوعة الّذي تولّى أولاده جبة بشرة، ووُلد لحمادة أيضاً وَلدٌ آخر يُقال له ذيب، وهو الّذي تولّت أولاده مُقاطعة الظنية، وزوّج ابنتيه لمُقدّمي جاج المسلمين اللذَين توليا بلاد جبيل، وكانا عاصيين على الأمير عساف والي غزير، فاستدعى الأمير عساف أحمد وذيباً وخاطبهما سرّاً أنْ يقتلا مُقدّمي جاج فيولّيهما عوضهما، فأبيا، ولمّا رجعا سألهما أخوهما الصغير فكاشفاه بذلك، فتوجّه سرّاً إلى غزير، وتعهّد للأمير بقتل المُقدّمين المذكورين، وأخذ منه صكّاً بولاية بلاد جبيل، وعاد إلى أخَويه فأخبرهما فارتضيا، وتوجّهوا جميعاً إلى جاج فقتلوا مُقدّميها وأتوا برأسيهما إلى غزير، فولّى الأمير الشيخ سرحال بلاد جبيل، ومكث أخواه في جاج، فوُلد للشيخ سرحال ولدٌ سمّاه حسيب، ثُمّ ارتحلوا إلى فرحة في وادي علمات، ولمّا ثقلوا على بني الشاعر في تولا ارتحلوا إلى بلاد المرقب، وصاروا فيها ولاةً.
وتولّت الحماديّة بلاد البترون، وحسين ولد سرحالَ ثُمّ ولد إسماعيلَ وإبراهيم وعيسى، فأخذ إبراهيم وعيسى بلاد البترون، وأخذ إسماعيل بلاد جبيل ووادي علمات والفتوح وجبة المنيطرة، وانتقل إلى لاسا فبنى فيها داراً، وأخذت الحماديّة مزارع في الكورة والزاوية سمّوها بكاليك، فأخذ أولاده قرية شمسطار في بلاد بعلبك فصارت بكليكاً لهم، ولمّا توفّي إسماعيل اقتسموا البلاد وأخذوا يظلمون الرعايا، فنهضوا ضدّهم سنة ١٤٨٨م.
نهض أولاد الشيخ زعزوعة ولاة بشناتا برجال الظنية وقصدوا إهدن، فلمّا بلغَ أهلها قدومهم أقاموا لهم كميناً في مكان يُسمّى حمينا، فلمّا جانبوهم وثبوا عليهم فأهلكوهم في مرجة تولا.
وسنة ١٤٧٤م اتّفق حمادة مع ستّ الملوك على أخذ ثار زوجها كمال الدين عجرمة مُقدّم ايطو مِن قاتله عبد المُنعم مُقدّم بشرة، فكَمن حمادة لعبد المنعم خارج برجه في بشرة، فلمّا سحرا وثب عليه وقتله، ثُمّ دخل البرج فقتل أولاده، فلمّا رأى أصحاب عبد المنعم ذلك هجموا على حمادة وضربوه بالسيوف فجرحوه، فحمله أصحابه وفرّوا به هاربين، فبادر إليهم أهل بشرة فأدركوهم في أرض الحرايص فقتلوا حمادة ومَن أدركوه مِن أصحابه.
وسنة ١٥٨٤م أحضرَ الأمير محمّد الشيخ أبا قانصوه محمّداً بن همام ووهبه داراً في غزير.
وسنة ١٦٠٠م أرسل يوسفُ باشا سيفا يوسفَ وقانصوه ابني أحمد يقتلان مُقدّمي جاج؛ لأنّهم أحلاف الأمير فَخر الدين، فوجدا المُقدّمين الأربعة عند البيادر فقتلاهم، وسلبا أموالهم، وأخذا مشيخة بلاد جبيل عوضهم.
وسنة ١٦٣٦م ولّى مصطفى باشا كانا جاج الشيخ عليّاً وأخاه الشيخ أحمد قانصوه بلاد جبيل والبترون، وفيها قَتَل الأُمراء آل سيفا الشيخ أحمد، وفيها كانت الواقعة بين الحماديّة والأمير إسماعيل، ومحمّد بن يوسف آغا في أرض أهمج لأجل ولاية بلاد جبيل، ولم يفوزوا بها.
وسنة ١٦٣٨م ظهرَ الشيخ سرحال قانصوه.
وسنة ١٦٤٠م توفّي الشيخ علي قانصوه فقام عوضه الشيخ أبو محمّد سرحال.
وسنة ١٦٤١م غضبَ وزير طرابلس على الحماديّة ففرّوا مِن وادي علمات وبلاد جبيل.
وسنة ١٦٥١م طرد الشيخ سرحال حسن آغا مِن عكار.
وسنة ١٦٥٤م ولّى محمّدُ باشا الكبرلي الشيخ أحمدَ محمّد جبة بشرة، واستخدم عنده الحاج سعد بن علي، ثُمّ طرد الحماديّة إلى أطراف الزاوية لتعدّيهم، فقتلوا عبد الله بن قمر العاقوري في أرض عروات، وسلبوا عمائم القواسة واسلحتهم.
وسنة ١٦٥٩م تولّى قبلان باشا على طرابلس، فلمّا بلغَ الحماديّة أنّه مأمور بقصاصهم فرّوا إلى كسروان بعيالهم، فهدم الباشا دورهم وقُرى وادي علمات.
وسنة ١٦٧٣م ولّى حسن باشا الحماديّة مقاطعاتهم ورفع عنهم أكلاف المال، فطمعوا وتصرّفوا بالمال نفسه، وقتلوا أُناساً عند نهر رشعين، ونهبوا تلك المُقاطعات.
وسنة ١٦٧٤م ولّى حسن باشا الشيخ سرحال بلاد جبيل والبترون، ولمّا حضر الشيخ أحمد قانصوه ليولّيه جبة بشرة قبض عليه؛ لأنّه أخربَ
البلاد، وقبضَ على الشيخ محمّد بن حسن ذيب؛ لأنّه تصرّف بمال الظنية.
وسنة ١٦٧٥م جهّز حسن باشا عسكراً لطرد بني حمادة لتصرّفهم بالمال الأميري، فأرسل مُدبّره فطردهم إلى عين النقير الّتي فوق أفقا حتّى فصل بينهم الظلام، ثُمّ أحضر الشيخَ أحمد بن محمّد قانصوه وابن حسن ذيب وأمر أولاد عمّهما أنْ يقتلوهما فقتلوهما، ولمّا ذاعَ الخبر وثب جماعتهما على بلاد جبيل فنهبوا وقتلوا واحرقوا حصرايل، ونهبوا قُرى البترون ومواشي حصرون.
وسنة ١٦٧٦م لمّا رجع حسن باشا مِن حَرب تركمان البكدلة، وبلغه مطاولة الحماديّة أحرق لهم قُرى وادي علمات وقرى جبة المنيطرة، ولمّا رجعَ إلى طرابلس أحرقوا قصوبا وتولا وعبدلّى وبسبينا وشفار وشبطين.
وسنة ١٦٧٧م ولّى مصطفى باشا الشيخَ سرحال بلاد جبيل، وولده الشيخ حسيناً بلاد البترون، والشيخ حسين أحمد جبة بشرة، وأمرهم أنْ يُعطوا الأمان ويردّوا النُزّاح.
وسنة ١٦٨٤م قَتل الحماديّة أبا نادر شيخ مزرعة عكار وابن أُخت محمّد باشا في حلبا، ولمّا عُزل محمّد باشا مِن طرابلس هجمتْ الحماديّة على القلعة وأخرجوا رهائنهم، ودهموا عشقوت ليلاً وقتلوا مِن أهلها أحد عشر رجلاً، فتقدّمت الشكوى عليهم لوالي طرابلس، فحنق منهم وولّى الأمير أحمد المعني على مُقاطعاتهم جميعها، فتوجّه الأمير أحمد إلى غزير بخمسة آلاف مُقاتل ودهمهم، ففرّوا إلى بلاد بعلبك، فأحرق ايلج ولاسا وافقا والمغرة وقطع أشجارهم، فالتمس خواصّ الأمير الصَفح عنهم، وقفل راجعاً إلى الشوف مِن دون قبول خِلعةٍ مِن والي طرابلس على مُقاطعاتهم.
وسنة ١٦٨٦م لمّا توجّه علي باشا النكدلي لمُحاربة عَرب البكدلة هاجت الحماديّة، وقتلوا أبا داغر شيخ حردين وابن رعد شيخ الضنية وغيرهما، فقبض المُدبّر على اثني عشر رجلاً مِن أتباعهم ورفعهم على الخازوق، وفيها هربَ الأمير شديد الحرفوش مِن وجه علي باشا مستغيثاً بالحماديّة، فمرّ ذلك الباشا على العاقورة فأحرقها، واحرق أربعين قرية مِن مُقاطعاتهم وقطع أشجارها، وهدم حارة الشيخ حسين في ايليج وقبر الأمير
عُمر في طورزيا، ولمّا كان العسكر نازلاً عند عين الباطية دهمته الحماديّة ليلاً وقتلوا منه خمسةً وأربعين رجلاً، وغنموا أسلابهم، فانحدر الباشا إلى جبيل ونكبها، ثُمّ قفل راجعاً إلى طرابلس، ولمّا انتشر خبرُ رجوعه انحدر حزب الحماديّة، فاحرقوا قلعة جبيل، ونهبوا ما وجدوه في المدينة.
وسنة ١٦٩١م ولّى محمّد باشا الحماديّة، فسلّم الشيخ حسين سرحال بلاد جبيل والبترون، وابنه الشيخ إسماعيل الكورة، والحاج موسى حمد الجبة، وأولاد حسن ذيب الضنية. وفيها لمّا توفّي الشيخ أبو قانصوه فيّاض الخازن قَويَت شوكة الحمايّة فقتلوا يوحنّا الأسود في الكورة، ونهبوا العاقورة وغلال الكسروانيّين مِن مينا جبيل.
وسنة ١٦٩٢م ولّى علي باشا اللقيس الحماديّة، فكَتب إليه محمّد باشا سالفه أنْ ينهض على الحماديّة ويُرسل له منهم ثلاثة عشر رأساً، وصرفه في بلاد بعلبك، فكَتب علي باشا إلى الأمير أحمد المعني يستنجده على قتال الحماديّة، وقَدَمت إليه الخوازنة بألف راجل إلى جبيل، فلمّا شعر الحماديّة انهزموا إلى بلاد بعلبك، فجدّت الرجال في طلبهم، فهلك مِن الحماديّة بالثلج نحو مئةٍ وخمسين نفساً، ولمّا وصلوا إلى قرية كفر دان التمست الخوازنة مِن الباشا أنْ يكفّ العساكر عنهم فكفّها، ثُمّ استأذنوا منه الرجوع فرجعوا، فأحرق الباشا قرية نيحا ونهب ثلاثة عشر ألفاً مِن ماعزهم، وسلّم بلاد جبيل لحسن آغا النوري، ثُمّ أرسل الباشا أُناساً لإهلاك الحماديّة، فقبضوا على الشيخ حسين سرحال وحسن ذيب وسبعةً مِن رفاقهم فقتلوهم.
وسنة ١٦٩٣م ولّى علي باشا الصدر الأعظم الأميرَ حسين بن صعب الكردي على بلاد جبيل، والمُقدّم قيدبيه الشاعر على بلاد البترون، ففرّ أولاد الشيخ حسن إلى بتاتر، وسار علي باشا إلى إسلامبول، ولمّا تولّى أرسلان باشا عوضه أرسل مُدبّره يَطرد الحماديّة على طريق الجرد، وأمر الأكراد ومُقدّمي بني الشاعر أنْ يتوجّهوا على ساحل جبيل، فلمّا وصلوا إلى عين قبعل في الفتوح نزلوا هناك للمبيت، فبلغَ أولاد الشيخ حسين المُختبئين في بتاتر ذلك، فجمعوا نحو مئتي رجلٍ مِن تلك المقاطعة ودهموا العسكر ليلاً فقتلوا منه نحو أربعين رجلاً، منهم الأمير موسى
الكردي وأولاد عمّه الأمير يونس مُحافظ قلعة جبيل والأمير أحمد قلاوون والأمير عبد الخالق وابن الأمير موسى عَلم الدين، ومِن بني الشاعر المُقدّم منصور وابن أخيه مصطفى بن قيدبيه، وما زالوا يطردونهم حتّى وصلوا إلى نهر إبراهيم، فقدّم الشكوى أرسلان باشا للسلطان أحمد أنّ الأمير أحمد المعني وجّه جيشاً فأهلك عسكره.
وسنة ١٦٩٨م أرسل ارسلان باشا عسكراً لقتال الحماديّة لتردّدهم عن أداء المال الأميري، فقبضَ العسكر على بعضهم بغتةً وأحضرهم إلى طرابلس وسجنهم، وفرّ مَن بقي منهم إلى دير القمر يستغيثون بالأمير حسين الشهابي الوالي، فأغاثهم وأرسل إلى الباشا يلتمس منه إطلاق المأسورين منهم، وكفل له المال الباقي عليهم والمال الّذي ترتّب عليهم لأجل ذنبهم، فبلغ مئتين وخمسين ألف قرش، فأطلقهم الباشا وأبقاهم حسب عوائدهم، وفوّض توليتهم للأمير بشير فولاّهم، وأرسل مستورد المال منهم فأدّوه، فدفعه الأمير للباشا.
وسنة ١٧٥٩م طرد أهل جبة بشرة أولاد الشيخ أحمد، فتولّى عوضهم عليها المشايخ يوحنّا الظاهر وعيسى الخوري في بشرة، وجرجس بولس الدويهي في إهدن، وأبو سليمان عوّاد في حصرون، وأبو يوسف الياس في كفر صغاب، وأبو خطار الشدياق في عين طورين، وأولادهم مِن بعدهم حتّى الآن، فأتى أولاد الشيخ أحمد إلى بلاد جبيل، فضبط الأمير يوسف الشهابي الوالي جميع أرزاقهم.
وسنة ١٧٦١م توجّهت الحماديّة بألفي مُقاتل إلى الجبة، فالتقاهم أهلها إلى بشرة وقاتلوهم ثُمّاني ساعات، فكسروهم وقتلوا منهم اثني عشر رجلاً، وقُتل مِن بشرة ثلاثة أنفار.
وسنة ١٧٦٢م دهمت المتاولة بقرقاشا ونهبوها ثُمّ هربوا.
وسنة ١٧٦٤م اختلفت الحماديّة ومشايخ الري، فأرسلهم الوزير إلى الأمير منصور الشهابي فتعاطى أمر الصلح بينهم فأبوا.
وسنة ١٧٧٠م قبض الأمير يوسف الشهابي الوالي على بعض الحماديّة، فالتجأ أقاربهم إلى وزير طرابلس، فأمدّهم بعسكر فأتوا إلى بزيزا، فسار إليهم الأمير برجاله وانتشب القتال بينه وبينهم في أميون فانكسروا، وحضر فرقة منهم في برج أسفل القرية، وقُتل منهم جماعة ثُمّ سلّموا.
إلى هُنا انتهى ما كَتب عنهم الشدياق.
وانتهى نقلَهُ ضُحى يوم الأربعاء في اليوم الثاني أو الثالث مِن جُمادى الآخرة سنة ١٣٦١هـ، ١٧ حزيران سنة ١٩٤٢م.
أوّلُ عَهدِ الحماديّةِ بالحُكم الإقطاعي:
يظهر أنّ قدوم الحماديّين إلى البلاد اللبنانيّة كان في عهد الملوك الجراكسة، وأنّهم أقدم عهداً في الحُكم الاقطاعي مِن الأُمراء العسافيّين التُركمان(١) الّذي أوّل عهدهم في الحُكم على كسروان وجبيل كان في أوّل استيلاء السلطان سليم العثُمّاني على بلاد الشام سنة ١٥١٦م سنة ٩٢٢هـ، فإنّ أوّل مَن ولاّه منهم الحُكم على هاتين المُقاطعتين هو الأمير عساف، وهو الّذي استدعى إليه مِن الحماديّة الّذين كانت لهم الولاية على الهرمل والضنية - وهُم أولاد حمادة وأحمد وذيب - ليقتلا مُقدّمَي جاج لعصيانهما عليه، وكانا حاكمَي جبيل ووعدهما بولايتها فأبيا، ولكنّ أخاهما سرحال الّذي قبِل بإجابة طلب الأمير عساف، وحَمل أخَوَيه على مُشاركته في إنفاذ هذه المؤامرة كما مرّ بيان ذلك فيما سبق.
ما كَتبَ عن الحماديّة الأُستاذ عيسى اسكندر المعلوف في كتابه دواني القطوف:
(ص ١٥٨): أمّا المتاولة، فطُرِدوا مِن الساحل وخصوصاً مِن طرابلس الّتي كثروا فيها، وانتشروا في الجبل وكان معظمهم في الكورة، وذلك في القرن الخامس عشر، وامتدّوا إلى المنيطرة، واقطع التركمان جهاتهم ولا سيّما كسروان ليُحافظوا عليها، ومعنى اسمهم شبيه الأتراك، أصلهم مِن التتر، نزلوا في جهات عكار والكورة منذ عهد الصليبيّين، واشتهر منهم بنو العساف الّذين أمرهم المَلك الناصر أنْ يتركوا الكورة وينزلوا ساحل كسروان ليُحافظوا عليه مِن رجوع الإفرنج.
____________________
(١) الّذي تحقّق لنا بعد ذلك أنّ الأُمراء بني عساف التركمان كانوا أقدم عهداً مِن الحماديّة؛ لأنّ العسافيّين سكنوا غزير منذ سنة ١٣٠٦م بعد جلاء الصليبيّين، فكانت ولايتهم مئتين وأربعٍ وثُمّانين سنة، حيث انقرضوا سنة ١٥٩٠ م٧ ص٣٤.
أمّا الموارنة، فامتدّوا في تلك البقعة الّتي تشمل قضائي جبيل والبترون، وكانوا بين المتاولة في المنيطرة والتركمان في كسروان، ولم تتعدَّ ابنيتهم نهر إبراهيم.
(الصفحة ١٨٠): إنّ البلاد عمرت بالفتح العثُمّاني، قدِم إليها الناس مِن كلّ جانب، وجاء المتاولة مِن جهة بعلبك وسكنوا في فاريا (المثُمّر) وحراجل وبقعاتة، وقدِم السنية مِن البقاع واستوطنوا فتقا وساحل علما (ساحل العالم) وفيترون وافقع - أي المشقوق وهي القليعات - والجديدة، وجاء الدروز مِن المتن والجرد وسكنوا في برمانا (بيت الإله رمان) ومزارع كسروان، وكذلك رجع النصارى النازحون مِن بلاد طرابلس، فإنّ أهالي المجدل (القلعة) توجّهوا إلى عرامون (التليلة)، وأهالي يانوح قرب المغيرة ذهبوا إلى كفور الفتوح، وذهب حبيش جدّ الحبيشيّين منها إلى غزير (بمعنى المقطوع).
ولا يخفى أنّ كسروان قد خُرِّبت نحو سنة ١٢٩٠م بأمر حسام الدين لاجين نائب دمشق، دهمها عسكره بقيادة سنكر المنصوري - لأنّ سكّانها كانوا أنصار الإفرنج - فقَتل مُعظمهم، ومَن أفلتْ منهم تشتّت فخربتْ، ثُمّ سكنَ الإسلام سواحلها في الأزواق وغدير وساحل علما وغزير وغيرها، وامتدّ المتاولة إلى جرد البلاد مثل حراجل وميروبة وفارية، وبقيت أوساط البلاد خراباً مدّةً مستطيلة.
(ص١٨٥) ولمّا هاجم الحماديّون عشقوت سنة ١٦٨٤م وقتلوا مِن سكّانها أحد عشر رجلاً كان بعض الكريديّين مِن القتلى فتشتّت شملهم.
ولمّا تولّى الأمير أحمد المعني مُقاطعات الحماديّين - في تلك السنة قصاصاً له - توجّه إلى غزير بشأن حادثة عشقوت ومعه خمسة آلاف مُقاتل، وأرسل رجالاً مِن الخازنيّين والحبشيّين فيهم عدد مِن بني الكريدي وبني المعلوف أبناء عمّهم وغيرهم، فدهموهم في جبة المنيطرة ففرّوا إلى بلاد بعلبك، فأحرق ايليجَ ولاسة وأفقة والمغيرة وميفوق وقطع أشجارهم، ولو لا شفاعة بعض خواصّه لَما عفا عنهم، وبقيت القطائع بين الكسروانيّين والحماديّين تتوالّى حتّى كانت سنة ١٦٩١م فقتلوا منهم أبا موسى بن زعرور في وطا الجوز، وذلك في ٢٨ أيلول، وكان هذا يعتدي برجاله على المارّة، فردّ غاراته بني المشايخ أولاد أبي نوفل الخازن ببرجا في مرزعة كفردبيان
بطبقتين: السفلى لصيانة المواشي، والعُليا لهم ولأعوانهم، واتّخذوا فيها مرامي للرصاص، فلمّا كثرَ عيثُ ابن زعرور المذكور أرسل إليه الشيخ أبو قانصوه فيّاض الخازن أحدَ أولاده يصحبه شرذمةٌ مِن الشجعان، وكان فيهم بعض بني الكريدي بقيادة شهوان مِن بني شهوان، فقتل شهوان المذكور ابن زعرور الآنف الذِكر عند عين العبيد قُرب وطا الجوز وشتّت شمل أعوانه، فبثّ المتاولة الأرصاد عليه فسار إلى وادي التيم، وعلى أثر قتلِ ابن زعرور توفّي الشيخ قانصوه فيّاض الخازن، فقويتْ شوكة الحماديّين، وقتلوا يوحنّا الأسود في الكورة، ونهبوا العاقورة وغلال أهل كسروان مِن ميناء جبيل.
وهكذا كثرتْ الفِتن، فإنّ عليّاً باشا اللقيس والي طرابلس - الّذي خلفَ محمّد باشا سَنة ١٦٩٢م - كَتب إليه سلفه هذا لحنقه مِن الحماديّة الّذين عبثوا بالراحة مُدّة مُلكه أنْ يوقِع بهم، فعزلهم بعد أنْ كان قد أقرّهم على إقطاعهم، وولّى هزيم آغا دندش على عكار والهرمل، وحسين آغا الحسامي على جبيل، والمُقدّم قائد بيه ابن الشاعر على البترون، والشيخ مخايل بن نحلوس الأهدني ابن أُخت أبي كرم على الزاوية وجبة بشراي، والشيخ أبا فاضل رعد على الضنية، واتّفق مع الأمير أحمد المعني على قتال الحماديّة، وكان الخوازنة ورجال كسروان نحو ألفٍ، بعضهم مِن بني الكريدي، فانهزم الحماديّة على طريق العاقورة إلى بلاد بعلبك، فأهلك منهم الثلج نحو مئة وخمسين رجلاً، ولمّا وصلوا كفردان - وقيل الفرزل - حيث تنتهي إيالة طرابلس الشام لم يشاؤوا أنْ يتخطّوها إلى ولاية بعلبك، فأحرق علي باشا نيحة (المستريحة) ونهبَ معزى الحماديّة، وسلّم بلاد بعلبك إلى أحمد آغا الكردي، وجبيل إلى حسين آغا النوري، ورجع عن بعلبك إلى إيالته، ففتك أحمد آغا الكردي بياغي حمية المتوالي وأقربائه؛ لأنّهم مالَؤوا الحماديّين، وقتل منهم سبعة عشر رجلاً، وأرسل ياغي وولده حيدر إلى علي باشا فقتلهما عند مخاضة رشعين (راس العين)، وفتك ببني حمادة وقتل منهم تسعةً بين قهمز ولاسة.
وسنة ١٧٦٧م (ص٢٠٧): أخذ الأمير يوسف الشهابي بلاد جبيل مِن الحماديّين المتاولة وطردهم منها، وصار يدفع المُرتّب عليها إلى حاكم طرابلس، فالتجأ الحمايّون إلى الأمير حيدر الحرفوش، فأرسل معهم أُناساً إلى جبة المنيطرة وبلاد جبيل، فأخذوا يُعيثون فيها، فقام إليهم الأمير
يوسف بعسكره والتقوا في أميون (المصونة) فكسرهم إلى الهرمل، ورفع يد الأمير حيدر الحرفوش عن بعلبك؛ لأنّه كان قد استولى على دير السيدة في رأس بعلبك، فهرب رُهبانه وعاون الحماديّة، وولّى أخاه الأمير محمّد، فأرجع هذا الدير وأمّن رُهبانه فعادوا إليه بواسطة مخايل ابن الحاج فرح البعلبكي، وحدث بأثناء ذلك الشَغب أنّ متاولة المنيطرة قتلوا في قرية أفقة جبور شديد المعلوف - مِن كفر عقاب - وأخذوا أمتعته وماله، فلمّا نمي خبر قتله إلى أنسبائه في كفر عقاب أنفذوا اثنين منهم، وهُما: مخايل بدر مِن فرع أبي عسوس ونجم عبده مِن فرع أبي مدلج للتحرّي، فلمّا وصلا إلى شواية قرية لاسة التقيا ببعض المتاولة في الحقل، فسألاهم عن نسيبهم المقتول فأنكروا أمره، فقرّراهم فأقرّ ولدٌ صغير منهم أنّه قتلوه طَمعاً بدراهمه، فكرّا على أولئك الأشخاص واثخناهم جراحاً، ثُمّ قتل مخايل بدر رجُلاً منهم، والتفت إلى رفيقه نجم فرآه قد وقع بيد أحدهم وهو يحاول قتله، فعاجله بضربة جندلته فوقع المتوالي قتيلاً بلا حراك، ولكنّ نجماً كان قد أُصيب بضربةٍ على رأسه فأُغمي عليه، فاضطرّ رفيقه مخايل أنْ يحمله ويُبعده عنهم ثُمّ يعود إلى مُناصبتهم، ولم يطلْ الوقت حتّى كثرَ المتاولة وأحدقوا بهما ففرّق مخايل شملهم وخلّص رفيقه بحمله على ظهره إلى أنْ بعدا عنهم، وكان قد لحقهما بعض أنسبائهما مِن كفر عقاب، فعاد المتاولة عنهم بصفقةِ المغبون، وقد خسروا قتيلين وجُرح كثيرٌ منهم.
وسنة ١٧٧١م (ص٢٠٩): اجتمع المشايخ الحماديّون على الأمير بشير ابن الأمير حيدر الشهابي المُلقّب بالسمين، عمّ الأمير يوسف - الوالي الّذي أقامه حاكماً على بلاد جبيل، وكان إذ ذاك في العاقورة - واستعرت بينهم نار القتال مِن مطلع الشمس إلى مغيبها، وكان مع الأمير رجال جبة بشري، فدحروا المتاولة الّذين قُتل منهم ثُمّانية، ومِن رجال الأمير ثلاثة. وفي اليوم الثاني جاءتهم نجدةٌ مِن الجبة فكثُر المقاتلون، وخشي المتاولة بأسهم، فقاموا ليلاً بعيالهم مِن جبة المنيطرة ووادي علمات (وادي الصبية) حتّى دار بعشتار (الجبل الوعر) في الكورة، فلاقاهم رجال الجبة إلى دير مار جرجس حما طورة، وكان الخبر قد نميَ إلى الأمير يوسف الشهابي الوالي وهو في بيروت، فنهض برجاله إلى جبيل، فبلغه أنّ الحماديّين نزحوا مِن بلادهم، فأرسل مُدبّره الشيخ سعد الخوري ومعه عسكر المغاربة الّذين
كانوا مع مُدبّر وزير دمشق، فواقعهم في دار بعشتار مِن الظُهر إلى غروب الشمس، فقُتِل مِن عسكر المغاربة خمسةَ عشر قتيلاً، ومِن المتاولة قتيلان، ورجع تلك الليلة إلى بزيزة (بيت عزيز) فبات فيها، وأرسل يستقدم أهل الجبة فلبّاه مَن كان منهم مُخيّماً في حماطورة والعاقورة، فوصلوا إلى بزيزة نصف الليل، ولمّا رأى المتاولة كثرة جيش الأمير هربوا مِن وجوههم إلى الساحل - وكانوا نحو ألف نفس - فلحقهم الشيخ سعد بعسكره في اليوم الثاني، وبدأ القتال مِن هناك إلى قرب أنفة، واشتدّ العراك إلى قُرب القلمون، فقُتِل مِن المتاولة نحو مئة، ومِن عسكر الشيخ سعد نفران، ثُمّ خرج أهل القلمون وشفعوا لهم عنده فرجع عنهم وانكفّ عن قتالهم، وذهب المتاولة إلى طرابلس، وعاد الشيخ سعد إلى صرود (جرود) جبيل واستولى على غنائم كثيرة، وسُمّيت هذه الموقعة باسم (هوشة العاقورة)، والهوشة في اللغة العاميّة بمعنى المُناوشة.
وسنة ١٧٧٩م (ص٢١٣): وقعتْ نزغةٌ بين محمّد باشا والي طرابلس والأمير يوسف الشهابي، بسبب قتيلٍ قتله ابن عمّ الأمير في دارية (الدور) الّتي كانت مِن إقطاع الشيخ إسماعيل حمادة في بلاد البترون، فقصد الباشا أنْ يُغرّم أهل القرية بديّته فلم يقبل الأمير بذلك، فاستقدم الباشا الحماديّين ليُسلّمهم ولاية جبيل، وجمعَ الأمير عسكراً مِن جميع مُقاطعاته فيهم عددٌ مِن المعلوفيّين، وذهب الشيخ سليمان أحمد إلى جبيل يُثير أهلها ضدّ الأمير يوسف، فالتقاه رجاله في كفر عقة (قرية الحلي) مِن الكورة وقبضوا عليه وعلى مَن معه، وأرسلوه إلى عين الحمام في اللقلوق بجرود كسروان حيث كان الأمير مُخيّماً بعسكره البالغ عشرة آلاف، فلمّا مَثَلوا أمامه شنقهم وهجم برجاله إلى مُقاطعة طرابلس، فالتقى بالتفكجيّة في أميون - وكانوا مِن رجال الباشا، يبلغُ عددهم نحو ثلاثمئة، أرسلهم بقيادة الحاج عبيد إلى هناك للمحافظة - فانتشب بينهم القتال مِن قَبل انبثاق الفجر إلى الساعة الثانية ليلاً، وحاصرهم عسكر الأمير في البرج الّذي في وسط القرية فقَتل منهم كثيراً، وضويقوا فطلبوا الأمان، فأمّنهم ورجع عنهم، فسار إلى طرابلس مَن بقيَ منهم حيّاً وهم قليلون.
وفي اليوم الثاني سار الأمير بعسكره إلى أرض الزاوية فوق نهر جوعيت (الصحية) فغصّت تلك البلاد بعسكره حتّى قرب نهر البارد في عكار، فبعث الباشا يسترضيه فعاد إلى دير
القمر منصوراً، ونُسبتْ هذه الحادثة إلى التفكجيّة - حملة البنادق - الّذين حاربوا فيها.
وسَنة ١٨٤٠م (ص٢٤١): سار الشيخ أبو علي بشير حمادة مِن بوديه (بعلبك) هو وخمسةٌ مِن أتباعه يصطادون على عَجَلٍ، في دار الواسعة بين اليمونة وشليفة في محلّة الشعراء قُرب مراحات (مراح) الجعافرة، وكان سعد بن جرجس شبلي المعلوف - مِن فرع أبي عسوس في شليفة - يصطاد هُناك، فرأى الحجّل مِن بعيد يُزقزق فرماه وقتله؛ ظانّاً أنّه مِن الحجال الآبدة - البريّة - فتكدّر الشيخ بشير، وبعد أيّام عاد ليصطاد فرأى أحد رُعاة الخيل مِن شليفة في تلك الجهة، فأوسعه ضرباً وشتماً هو ورجاله بحجّة أنّ خيله داست الأشراك الّتي نصبها للحجال، فنميَ الخبر إلى المعلوفيّين في شليفة فسار بعضهم وفي مُقدّمتهم قبلان بن صليبي شبلي وابن عمّه طنوس بن جرجس شبلي المعلوف، فلمّا رآهم الشيخ مُقبلين عليه أطلق عليهم النار فأصاب ركبة طنوس، وانهزم في وادي فلاوي - المعروف الآن بوادي ناصيف - فقابله قبلان بالمثل فأصاب كتف الشيخ بشير وهو فارٌّ فوقع صريعاً، وفرّ رفاقه فقَبض المعلوفيّون على الشيخ المَذكور، وجاؤوا به إلى شليفة مُهاناً على قصد أنّه إذا مات طنوس على أثر جرحه يقتلونه، وإلاّ يُطلقون سراحه، فتكدّر ابن عمّهم شبلي بن طنوس المعلوف مِن عملهم هذا ولاقاهم وأخذ الشيخ أبا علي مِن أيديهم وأنزله في بيته، واستدعى له ابن عطيّة الطبيب فعالجه.
ولكنّ المشايخ الحماديّة جمعوا مِن قومهم نحو ألفي رَجلٍ ونزلوا في بوديه، وفعل بنو المعلوف مثلهم فاجتمع عندهم مِن أنسبائهم في شليفة أكثرَ مِن ذلك، وكان عيسى شبلي في كفر عقاب فحضر مع أبناء عمّه وحَمّل ثلاثة بغالٍ باروداً ورصاصاً وصواناً - لأنّ الكبسول لم يكن قد عُرف فكان الزناد (الديك) مِن فولاذ وصوان - وجاء الأمير حمد الحرفوش حاكم بعلبك وبعض أنسبائه والأميران حسن وفارس أخوا الأمير حيدر إسماعيل اللمعي الّذي كان بنو شبلي مِن عهدته؛ وذلك لمُصالحتهم، فشُفي الجريحان وانتهت المسألة بالحُسنى، ولكنّ الحرافشة كانوا يقصدون خُداع المعلوفيّين، فاكتشف مكرهم عيسى شبلي المعلوف.
ثُمّ بلغَ الشيخ رشيد غالب الدحداح - الّذي أنفذه الأمير بشير إلى زحلة ليُحذّر أهلها مِن مُشاركة اللبنانيّين - أنّ بعضاً مِن مشايخ الحماديّة قد
اجتمعوا عند جريحٍ لهم في إحدى قُرى بعلبك، فظنّ أنّ اجتماعهم للتحزّب فسار إليهم بحُجّة عيادة الجريح.
وفي سنة ١٦٤٠م لمّا ثار اللبنانيّون ضدّ إبراهيم باشا - وهم الّذين كانوا مِن حزبِ العثُمّانيّين - كان الحماديّون مع الثائرين.
وفي حُكمِ الشهابيّين الّذي انتهى سنة ١٨٤٢م كانت مُقاطعة جبيل بتولية الحماديّين، وفي حُكم الأمراء الشهابيّين، فكانت في التزامهم مع المُقاطعات الأُخرى مِن صفد إلى الجبة على حدود طرابلس وما بينهما، كما كانوا تابعين فيما وُلّوا مِن المقاطعات: مَرّةً للأمراء بني عساف التركمان حُكّام كسروان، وحيناً لبني سيفا حُكّام طرابلس، وطوراً للأمراء المعنيّين. وقد مرّ بيان المقاطعات التي كانت في ولايتهم.
وفي (الصفحة ٢٤٩) بعد ذكره الاصطلاحات الكتابيّة بين الأُمراء والمُقدّمين والمشايخ: وأمّا الشايخ، فمنهم مَن يُكتَب إليه كالأُمراء، وهُم الحماديّون فإنّهم بمنزلة اللمعيّين، ثُمّ تأتي طبقاتهم على هذا الترتيب، وهم: الجنبلاطيّون، والعماديّون، والنكديّون، والتلحقيّون، والمُلكيّون، وبنو العيد.
أمّا الورق، فيُكتب على نصف طَبق (طلحية) منه إلى الأُمراء الشهابيّين واللمعيّين والمشايخ الحماديّين، والباقون يُكتب إليهم في رُبع طَبق فقط.
إلى غير ذلك مِن الاصطلاحات الّتي لا كبير فائدة لنا في نقلها في هذا المكان.
ما كَتبه عنهم الشدياق في كتاب الأعيان أيضاً:
في سنة ١٦٠٥م (ص٨٣): قلّد الأمير يونس المعني الشيخ أبا نادر (الخازن) ولاية كسروان ومعه مملوك الأمير ذي الغفار، وأمَره بالإقامة في كسروان، وفوّض إليه أمر الشوف وبلاده، وولّى الأمير سليمان سيفا بلاد البترون ووضع عنده أُناساً مِن المشايخ، فأشار الحماديّة والشاعريّة على الأمير سليمان أنْ يطرد الخوازنة مِن عنده فطردهم، ولمّا بلغَ يوسف باشا ذلك زحفَ عليه برجاله وحاصره في برج تولا، فكَتب الأمير سليمان إلى الأمير علي المعني يستغيث به، فجمعَ الأمير علي رجاله حالاً وزحف بهم إلى نهر إبراهيم لمُساعدته. فأمّا يوسف باشا فشدّد الحصار على الأمير سليمان، وتسلّمه عنوةً وسار به إلى عكار، وإذ بلغَ الأمير عليّاً ذلك أمر
بنهب قُرى الحماديّة والشاعريّة وإحراقها؛ لأنّهم خدعوا الأمير سليمان بطردِ الخوازنة مِن عنده.
وفي سنة ١٦٩٢م (ص٨٨): كَتب علي باشا اللقيس والي طرابلس إلى الأمير أحمد المعني يستنجده لطرد الحماديّة ضابطي الصيد عليه، فقدِمتْ إليه الخوازنة بنحو ألف رجُل إلى ما فوق جبيل، فلمّا علمتْ الحماديّة بهم فرّوا هاربين إلى بلاد بعلبك، فمدتْ الرجال في أثرهم، فهلك منهم في الثلج نحو مئةٍ وخمسين رجُلاً، ولمّا وصلوا إلى قرية كفردان التمس الخوازنة مِن الوزير أنْ يكفّ العساكر عنهم فكفّها، فرجع المشايخ إلى كسروان.
وفي سنة ١٧٢٥م (ص٩٠): بينما كان الشيخ عبد الله بن فاضل بن خطّار ابن أبي خطّار راجعاً مِن دير قزحيا إلى وطنه التقاه نحو ثلاثين رجُلاً مِن المشايخ الحماديّة وأتباعهم يُريدون إهانته؛ لأنّه تولّى ناحية بلاد عكار وهم يَدّعون أنّ لهُم حقّ الولاية عليها، فخرج الرُهبان إليهم وصدّوهم عنه، فشكتْ الخوازنة إلى والي طرابلس، فأرسل عسكراً فطرد الحمايّة مِن البلاد، ونهبَ عسكره بلاد جبيل والبترون.
وفي سنة ١٧٧١م (ص١٠٤): لمّا دهمتْ الحماديّة الأمير بشير حيدر الشهابي في العاقورة وهو يَجبي المال الأميري أرسل الأمير يوسف الشهابي مُدبّرَه الشيخ سعد بعساكر مِن المغاربة ومِن رجال بلاده، فأدرك المتاولة في دير بعشتار، فغار عليهم بمَن اجتمع إليه مِن تلك البلاد، وحاربهم مِن الظُهر إلى المساء فظفرَ بهم وفرّ الباقون بالذلّ، فسار خَلفهم يطرهم إلى القلمون، فأهلك فيهم نحو مئة رجلٍ، وقبضَ على الشيخ أبي النصر حمادة وعاد راجعاً، فقُتل مِن عسكره نَفَران.
وفي سنة ١٧٠٢م (ص١٠٩): ارتحل يوسف الدحداح إلى بعلبك وخدم عند الأمير حسين الحرفوشي الوالي مُكرّماً، وبلغَ عماد الهاشم ذلك فخشيَ مِن رجوعه - وهو له خصمٌ - إلى العاقورة وتأييده، فاستغاث بالشيخ إسماعيل حمادة طالباً منه مشيخة القرية وإهلاك يوسف، فأبى الشيخ قائلاً: لا أعمل شيئاً ضدّ خاطر الأمير؛ لأنّه قد انعمَ عليَّ بقرية العاقورة وجعلها مِن إقطاعي، لكنْ سأنظر له تهلُكة. وبعد أيّام توجّه الشيخ إسماعيل
إلى بعلبك، وعندما قابل يوسف وشاهد آدابه وحضر حُسن تصرّفه ونجابته عَدل عمّا كان أضمر له مِن السوء، والتمس مِن الأمير أنْ يسمح له بإقامة يوسف عنده ليُرتّب له الأحكام ثُمّ يرجع فأجابه الأمير، ورجع يوسف مع الشيخ فأحبّه الشيخ جداً لحُسن تصرّفه وخطّه وإنشائه وأمانته، وجعله شيخاً على العاقورة.
وسنة ١٧٠٣م انعمَ الشيخ إسماعيل على يوسف بعقارات في الفتوح، وهي: عين ساع وعين الدلبا وعين جويا وعين الحصري وعين الغارا، وكتب له صكّاً.
وسنة ١٧٠٤م ارتحل يوسف بأولاده مِن العاقورة إلى؛ لحفد لاشتداد العداوة بين القيسيّة، فكَتب له الشيخ إسماعيل صكّاً ثانياً يتضمّن رفعَ جميع الأموال عن عقاراته في بلاد جبيل، ورفعِ الجزية عن خَدَمه وشُركائه، ورفعِ المُرتّبات عن مواشيه ومواشي شُركائه، وفوّض إليه جمعَ مالِ الفتوح وسياسة أهله خاصّة.
وفي سنة ١٧٦١م لمّا مرضَ الشيخ إسماعيل أقام الشيخ يوسف وصيّاً على أولاده وأميناً على دخلهم وخَرجهم.
وفي سنة ١٧٦٢م تُوفّي يوسف هذا وبقي ولداه سليمان ومنصور مُدبّرين عند أولاد الشيخ إسماعيل، وكان لسليمان ومنصور هذين دَين على أولاد الشيخ إسماعيل، فاشتروا به مِن المشايخ قَريتي فتقا والكفور في الفتوح واقتسموهما.
وأمّا بعض المشايخ أولاد الشيخ إسماعيل، فتقاعدوا عن دفعِ الأموال الأميريّة لوالي طرابلس، وتمادوا في ظُلم الرعايا وسفكِ الدماء، ولم يُذعنوا لرأي الشيخ منصور مُدبّرهم، فلمّا يئس مِن إصلاحهم أوعز إلى إخوتهم المشايخ قاسم وحسين ويوسف أولاد السريّة الّذين كانوا مُحبّي السلامة أنْ يتعهّدوا لوالي طرابلس بدفع المال الأميري وراحة الرعايا، فيولّيهم بلاد جبيل ومقاطعاتها، فكتبوا إلى ذلك الوالي يلتمسون منه الولاية، وأرسلوا إليه الشيخ منصور يوسف، فأجابه الوالي طالباً خمسة وعشرين ألف قرش إلى أجل مُعيّن بكفالته، فارتضى وكفل هو وأخَوه سليمان فتولّت المشايخ المذكورون، فغدرَ بهم إخوتهم وقتلوهم، وتسلّموا الولاية جَبراً عن الوالي، واستدعوا منصور يوسف لخدمتهم مُدبّراً كما كان فوعدهم، ثُمّ فرّ إلى
بيروت بابن الشيخ حسين أحد المقتولين، ولمّا تُوفّي الولد توجّه إلى قبرس فأقام بها نحو نصف سَنة، وفي غضون ذلك طلب والي طرابلس مِن المشايخ أولاد الشيخ إسماعيل دفع ذلك المال الّذي تكفّل به منصور وأخوه سليمان فاعتذروا، فأرسل الوالي يطلب ذلك المال مِن الشيخين الكافلين وثقّل عليهما، فباعا أملاكهما وبعض أملاك أخيهما موسى ودفعا للوالي.
وفي سنة ١٧٧١م (ص١١٣): كَتب الأمير يوسف صكّاً لبني الدحداح بمُقاطعة الفتوح عهدة لهم، وسلّمهم محاصيل أرزاق المشايخ الحماديّة في تلك المقاطعة، ورفع ولاية المشايخ الخوازنة عن خدمهم وشُركائهم في كسروان.
وفي سنة ١٨٤٢م (ص١٢٣): لمّا أطلقت الدولة الحريّة للنصارى بأنْ يختاروا لهم والياً، مُسلماً كان أو نصرانيّاً منهم، اختار أكثرهم والياً نصرانيّاً شهابيّاً يُرضي الدولة، فلمّا حانَ الموسم قدِم رسولٌ مِن وزير بيروت ومعه بعض المشايخ الحماديّة يُخاطبون الرعايا أنْ يرضوا بولاية مُسلمٍ عليهم، فأبى الشيخ رشيد ذلك - غالب الدحداح، وكان ذلك في عهد ولاية عمر باشا لبنان بعد المذابح النصرانيّة والدروز - ظنّاً منه بأنّ الدولة لم تأمر بذلك، وإنّما رخّصت للرعايا أنْ تختار مَن شاءت مُسلماً كان أو نصرانيّاً، فتهدّده بعض أولئك، فاضطرّ إلى الفرار مع عشرةٍ مِن أولئك الفُرسان الّذين عيّنَ له عُمر باشا منهم عشرين فارساً مِن نصارى الشوف ومثلهم مِن رجال مُقاطعته، وترك أمتعته والمال الّذي كان يحقّ له حتّى لا يرتكب خيانةً في صالح أبناء جِنسه، فأغار حينئذٍ المشايخ المذكورون على البكاليك واستغلّوها.
وفي سنة ١٦٤١م (ص١١٥): لمّا فرّت المشايخ الحماديّة مِن وادي علمات وبلاد جبيل تولّى الأمير علي (عَلَم الدين) عوضهم.
وسنة ١٦٤٢م دهمَ الأميرُ علي الشيخَ سرحال وأقاربه في غبالة مِن الفتوح، فقَتل خمسةً مِن أولاد الشيخ سرحال وأقاربه، ونهب القرية وطرد الحماديّة مِن إيالة طرابلس.
وسنة ١٦٩٣م (ص١١٧): لمّا سار علي باشا الصدر الأعظم مِن
طرابلس إلى إسلامبول سار معه الأمير موسى (علم الدين)، ولمّا تولى ارسلان باشا عوضه أرسل مُدبّره لطرد الحماديّة وأمر ابن الأمير موسى أنْ يسير معه، ولمّا وصلوا إلى عين قبعل في الفتوح دهمتهم الحماديّة ليلاً بمئتي رجلٍ مِن بتاتر وقتلوا ابن الأمير موسى وتسعةً وثلاثين رجلاً.
وفي سنة ١٦٩٣م (ص١٦٥) لمّا تولّى ارسلان باشا أمَرَ الأُمراء الأكراد - أُمراء راس نحاش - أنْ يسيروا مع مُدبّره لطرد الحماديّة، ولمّا وصلوا إلى عين قبعل في الفتوح دهمتهم الحماديّة ليلاً بمئتي مُقاتل اصحبوها معهم مِن بتاتر، فقتلوا مِن الأُمراء الأمير موسى، وبني عمّه الأمير يوسف حافظ قلعة جبيل والأمير أحمد قلاون والأمير عبد الخالق، وستّة وثلاثين رجلاً غيره.
وسنة ١٧٧١م أمَر الأمير يوسف الشهابي الوالي بحرق عفصديق قرية الأمير أحمد؛ لكونه كان مِن حزب الحماديّة.
وسنة ١٦٠٠م (ص١٧٨) لمّا ولّى يوسف باشا سيفا وزير طرابلس الشيخَ يوسف وأخاه الشيخ قانصوه ابنَي الشيخ أحمد حمادة على بلاد جبيل جزاءً لقتلهما مُقدّمي جاج الأربعة فرَّ يونان (صعب) بابنَي أخيه جرجس وفرح مِن تولا إلى المُتَين واستوطنها.
وسنة ١٧٧١م (ص١٧٩): لمّا هاجت المشايخ الحماديّة على الأمير بشير الشهابي وحاربوه في العاقورة نهض أبو صعب برجاله مع مشايخ جبة بشرة لمعونته، فانهزمت المتاولة، ولمّا كان الأمير يوسف في حدث الجبة استحسن الشيخ كليب النكدي والشيخ سعد الخوري إرجاع الحماديّة إلى الولاية، فأنكر أبو صعب يشدد مشايخ جبة بشرة على عزمهم بعدم القبول برجوع الحماديّة إلى الولاية، واقنع الأمير يوسف بعدم الالتفات إلى رأي الشيخ كليب، فأجابه الأمير مُعتمداً على رأيه؛ لأنّه كان مِن خواصّه، وكان سفيره إلى عكاء في أُموره المهمّة عند الجزار الوالي.
وسنة ١٧٥٦م (ص١٨٨): اشترى منصور (الشدياق) مِن الشيخ جهجاه حمادة المتوالي نصف جبل موسى في مُقاطعة الفتوح بأربعمئة قرش.
وفي سنة ١٦١٦م (ص٢٧٥): لمّا سلّم الأمير سليمان سيفا لعمّه
يوسف باشا عُنوةً وأخذه إلى عكار أمر بنهب قُرى الحماديّة والشاعريّة وحريقها؛ وذلك لأنّهم كانوا قد غشّوا الأمير سليمان بطرد الخوازنة مِن عنده، واعلموا يوسف باشا بذلك.
وفي سنة ١٦٢٠م (ص٢٩٠): بينا كان بعض فرسان الأمير فخر الدين يغسلون ثيابهم عند النهر خرج إليهم فُرسان مِن الأبراج - أبراج قلعة طرابلس - وخطفوا خيلهم، واتّصل ذلك إلى القتال، فقُتل مِن كلّ فِرقة أربعة أنفار، فلمّا تحقّق الأمير ذلك العصيان أمر مُدبّره وطويل حسين أن يهجما على المدينة بثلاثمئة مِن السكمان، فهجموا ولمّا وصلوا إلى القرب مِن باب المدينة أطلقت عليهم سكمان الأبراج الرصاص، فقُتل منهم أربعة فُرسان، فتسلّق أحد الفرسان الأبطال السور ثُمّ نزل إلى المدينة، وتبعه تسعةٌ مِن الفرسان مثله، فانهزم أولاد حمادة حافظو باب المدينة، وتحصّنوا في القلعة، ثُمّ انحدر عسكر الأمير وكسروا الأقفال وفتحوا الباب، فدخل باقي السكمان وهجموا على دار حسين باشا سيفا بقُرب القلعة، فأطلق مَن فيها عليهم الرصاص فقَتل منهم قائداً وثلاثة أنفار، ثُمّ دخل الأمير إلى المدينة، واستدعى إليه الأمير سليمان سيفا والسكمان الّذين كان قد أبقاهم عنده في عكار، وشرع يُحاصر حسين باشا وإخوته في القلعة، واستدعى مركبين فرنساوييّن مِن صيدا، فحضرا فوضع فيهما خمسين رجُلاً مِن السكمان ليمنعوا عن المدينة الوارد مِن الميرة، وفي بعض الأيّام خرج سكمان يوسف باشا مِن الأبراج يرومون القتال، وتحصّنوا في الأتراس فهجم عليهم سكمان الأمير بدون عِلمه، واضطرمت نارُ الحرب عند طرابلس العتيقة، فتقلقلت سكمان الأمير وكادوا يولّون الأدبار، وقُتل منهم عشرة أنفار، ولمّا بلغَ الأمير ذلك نهض حالاً بخمسين فارساً وشنّ الغارة، فلمّا أقبل على القوم جرّد سيفه وهجم بالفُرسان هجمةً هائلة، وتبعه باقي السكمان لا يلوون على عنان، فلمّا أبصرتهم فرسان الأتراس ولّوا الأدبار نحو الأبراج، فسُدّت عليهم أبواب الهرب، وأُعمل في أقفيتهم السلاح فقُتل منهم نحو خمسين رجلاً، وتشتّت الباقون.
وفي سنة ١٦٦٠م فرّ الأميران أحمد وقرقماس ابنا الأمير مِلحم المعني مِن أحمد باشا الكبرلي والي دمشق وحزبَهُم مِن الأُمراء الشهابيّين إلى كسروان، واجتمعوا عند المشايخ الحماديّة، وصمّموا على تفريق رجالهم
والفرار مِن وجه الكبرلي، وعزموا على الاختفاء في تلك الديار، وفي الحال أمروا أصحابهم أنْ ينفضّوا عنهم إلى أوطانهم، واختبؤوا في بلاد جبيل، ولمّا طمس خبرهم كَتب مشايخ البلاد ووجوهها إلى الكبرلي يخبرونه أنّ الأُمراء المعنيّين والشهابيّين قد فرّوا مِن البلاد، وطلبا منه العفو عن البلاد فأجابهم إلى ذلك، بشرط أنْ يدفعوا له نَفَقة العساكر، فدفعوا له ما طلب.
وأمّا العساكر، فطفقوا يجولون في بلاد جبيل وكسروان، ويدهمون المواضع الّتي يُظنّ أنّ الأُمراء مختبئون فيها، واحرقوا دور اللمعيّين والخوازنة والحماديّة والمعنيّة ومُدبّريهم، وقطعوا أشجارهم، وعاثوا في تلك الديار وأخربوها، وانتهى أمر الأميرين بقتل قرقماس وجرح أخيه الأمير أحمد جرحاً غير مُميت، ورجع إلى مخبئه واختفى سنتين.
وسنة ١٦٧٥م صدر الأمر السلطاني بقصاص الحماديّة لعدم دفعهم المال الأميري، فكَتب الوزراء إلى الأمير أحمد المعني أن يُسلّمهم العُصاة، وكتب إليه إسماعيل باشا والي صيدا كتاب الأمان، فاجتمع وجوه البلاد في دير القمر، وكتبوا إلى إسماعيل باشا أنّ الأمير أحمد يكفل العشرة آلاف قرش الباقية عند الحماديّة، بشرط أنْ يطلق لهم حسن باشا والي طرابلس رهائنهم، فارتضى وانفضّت العساكر.
وسنة ١٦٨٤م جَعل والي طرابلس الأميرَ أحمد والياً على جميع مقاطعات الحماديّة لقبائحهم وبغيهم، فتوجّه الأمير أحمد إلى غزير بخمسة آلاف مُقاتل ودهم الحماديّة، ففرّوا إلى بلاد بعلبك، فأحرق لهم ايليج أي ميفوق ولاسا وافقا والمغيرة، وقطع أشجارهم، فالتمس خواصّه العفو عنهم، فتركهم وقفل راجعاً إلى الشوف غير راضٍ مِن والى طرابلس بقبول خِلعة ولايته على تلك المُقاطعات.
وسنة ١٦٩٢م (ص٣٤٣): عُزل محمّد باشا عن ولاية إيالة طرابلس وتولّى عوضه علي باشا اللقيس، فقرف الحماديّة في مُقاطعاتهم، فكَتب إليه محمّد باشا أنْ ينهض على الحماديّة ويُرسل له ثلاثة عشر رأساً منهم عيّنها له، فكَتب علي باشا إلى الأمير أنْ يُنجده بالرجال لقتال الحماديّة، فكَتب الأمير إلى الخوازنة أنْ يُنجدوه بألف رجُل، فأنجدوه وساروا إلى جبيل، فلمّا شعرتْ بهم الحماديّة انهزموا في طريق العاقورة، فهلك منهم بالثلج مئةٌ وخمسون نفساً، ثُمّ التمستْ الخوازنة مِن علي باشا أنْ يكفّ عن الحماديّة
فأجابهم، والتمسوا أيضاً منه أنْ يأذن لهم بالرجوع إلى بلادهم - لأنّ الأمير أحمد لم يأذن لهم بالخروج عن حدود إيالة طرابلس - فأذن لهم.
وسنة ١٦٩٣م (ص٣٤٤): عُزل علي باشا عن إيالة طرابلس وأُقيم وزيراً للصدارة، وتولّى عوضه ارسلان باشا المطرجي، فأرسل علي باشا رسولاً مِن حلب إلى الأمير يعرض عليه ولاية مُقاطعات الحماديّة، وأنّه يمنع أذاهم عن إيالة طرابلس فلم يقبل، فولّى الوزير على تلك المُقاطعات واليَين مِن غير الحماديّة ففرّ بنو حَمادة، فتوجّه أولاد الشيخ حسين إلى بتاتر واختبأ الباقون في بلادهم، فأرسل ارسلان باشا مُدبّره بعسكرٍ للفحص عنهم في تلك الديار فعاثوا فيها، ولمّا بلغَ أولاد الشيخ حسين ذلك جمعوا مئتي رجُل مِن مقاطعة الجرد ودهموا المُدبّر في عين قبعل في الفتوح، فانهزم بعسكره إلى نهر إبراهيم، وقتلوا منه أربعةً مِن أُمراء الأكراد النحاشية، وابن الأمير موسى اليمني، واثنين مِن بني الشاعر المُقدّمين، ومعهم ثلاثةً وثلاثين رجُلاً، فقدّم ارسلان باشا الشكوى للسلطان أحمد بأنّ الأمير أحمد المعني وجّه جيشاً فأهلك عسكره، فصدرت الأوامر إلى ولاة دمشق وصيدا وغزّة وحلب بأنْ ينهضوا مع ارسلان باشا على الأمير أحمد المعني، ويُعطوا الأمير موسى اليمني ما كان بيده مِن المُقاطعات فصدعوا بالأمر، وجرى ما لا يهمّنا ذِكره.
في سنة ١٦٣٣م (ص٣٥٥): لمّا قدم الكجك أحمد لمُحاربة الأمير فخر الدين وخيّم جعفر باشا وزير البحر في حرش بيروت انضمّ إليه آل سيفا فولاّهم الكجك إيالة طرابلس، ففي سنة ١٦٣٤ تولّى قاسم باشا ابن يوسف باشا إيالة طرابلس، فحضر له أمرٌ سلطانيٌّ أنْ يتوجّه لمُحاربة العَجم، فأمر بتجهيز العساكر فلم يُطاوعه مُدبّره، فلم ينثنِ عن عزمه، فسار مرحلتين فاعتراه الخوف، فتظاهر بالجنون وانفرد عن عسكره مُختفياً فرجع عسكره إلى طرابلس، فأقاموا عوضه ابن أُخته الأمير عليّاً ابن الأمير محمّد فساس الولاية شهرين، ثُمّ قصد الأمير عساف بن يوسف باشا وحاربه، فانهزم مِن طرابلس إلى بيروت ملتجئاً إلى الأمير علي اليمني، وصار يداً واحدة مع حسن آغا مُدبّر قاسم باشا، فجمع الأمير علي المذكور عسكراً فنهض به وبالأمير علي وحسن آغا، وذهب عن طريق الجرد فاستولوا على بلاد جبيل والمنيطرة، ولمّا بلغَ الأمير عساف ذلك جمعَ المشايخ الحماديّة ونهض بهم لمُحاربتهم، فأحرق المنيطرة وقتل أبا جمال الدين سيالة وابن أخيه
المستراحيّين.
ثُمّ إنّ المُقدّم زين الدين الصواف اتّحد مع الأمير علي فسارا برجالهما إلى قرية ايعال الّتي على نهر رشعين، فلمّا بلغَ الأمير عساف ذلك جمع المشايخ الحماديّة ودهمهما، فظفرا به وقتلا الشيخ كنعان بن قانصوه حمادة وجمعاً كثيراً، وأخذا رؤوسهم إلى طرابلس، وتولّى الأمير على طرابلس وجبيل والبترون.
وفي سنة ١٦٣٧م (ص٣٥٧): لمّا ذاعتْ الأخبار بعزل أحمد باشا وتولية شاهين باشا، وتقدّمت إليه الشكايات على آل سيفا، وانتهى الأمر بعد أنْ أعطى شاهين باشا الأمان للأمير عساف وخَلعَ عليه رفعه إلى قلعة الحصن وشنقه على بابها، وقتل أتباعه فلم ينجُ منهم إلاّ القليل، ثُمّ استخدم الأمير إسماعيل موسى الكردي مِن رأس نحاش والشيخ علي حمادة وأصحابهما بعسكرٍ لمُقاصّة آل سيفا وأتباعهم، فقبضا على قاسم باشا والأولاد والنساء مِن آل سيفا، وفتّشوا في القُرى والديورة على أموالهم، فهرب الأمير علي مُلتجئاً إلى الأمير علي اليمني وتشتّتَ آل سيفا مِن إيالة طرابلس.
وفي سنة ١٧٠٠م (ص٣٦٠): لمّا أرسل قبلان باشا والي طرابلس عسكراً لقصاص بني حمادة مشايخ بلاد جبيل والبترون؛ لتردُّدهم في أداء المال الأميري الباقي عندهم، فقبض العسكر على جماعةٍ منهم بغتةً وأرسلهم إلى طرابلس، فسجنهم الوزير وفرّ مَن بقيَ إلى دير القمر يلتجئون إلى الأمير ملحم الشهابي، فقبلهم وأرسل إلى قبلان باشا يلتمس منه إطلاق المأسورين منهم، وكفل له المال الباقي عليهم وما ترتّب عليهم لأجل ذنبهم، فبلغَ مئتين وخمسين ألف قرش، فأطلقهم الوزير وأبقاهم حَسب عادتهم، وفوّضه تولية مَن يختاره منهم على مُقاطعاتهم، فأرسل بعض خواصّه فاستورد المال منهم ودفعه للوزير.
وفي سنة ١٧٦٣م (ص٣٨٢): أتى الأمير يوسف مِن اللاذقية إلى جبيل واستقرّ فيها والياً، وكان عُمره إذ ذاك ستَّ عشرةَ سَنة، وجعل يَقدم إليه حزبه مِن جبل الشوف وتوابعه، فكثرت أصحابه وأعوانه وارتفع أمره وشأنه، ومال إليه أهل بلاد جبيل، واستظهر على المشايخ الحماديّة ولاة تلك البلاد، فحاربهم مِراراً وكسرهم حتّى أضعفهم عن طلب الولاية بمعونة أهل البلاد.
وفي سنة ١٧٦٦م (ص٣٨٤): قبض الأمير يوسف على جُملةٍ مِن الحماديّة، فالتجأ قومهم إلى وزير طرابلس، فأمدّهم بعسكرٍ فحضروا إلى بزيزا، فسار إليهم الأمير يوسف وانتشب القتال بينهم في أميون، فانكسر عسكر طرابلس، وحاصر منه فئةً في البرج الّذي في أسفل القرية وقَتل منهم جُملةَ أنفار، ثُمّ سلّموا وانصرفوا إلى طرابلس، ورجع الأمير إلى جبيل ظافراً.
وفي سنة ١٧٧٠م (ص٣٩٢): تجمّع الحماديّة أصحاب بلاد جبيل ودهموا الأمير بشير نائب الأمير في بلاد جبيل - وهو يومئذٍ في العاقورة يجبي الأموال الأميريّة، ومعه شيخا بشري واهدن - ودام القتال بينهم نهاراً، فاستظهر الأمير عليهم وقَتل منهم ثمانيةً، وأبعدهم عن القرية، وقُتل مِن جماعته ثلاثةَ أنفار، ثُمّ حضرتْ رجال الجبة لنجدة الأمير؛ فخافتْ المتاولة، فقاموا بعيالهم مِن جبة المنيطرة ووادي علمات إلى الكورة، فلحقتهم رجال الجبة، فبلغَ الأمير ذلك وهو في بيروت فوجّه مُدبّره الشيخَ سعداً، وأصحبه بعسكرِ المغاربة الّذين كانوا مع مُدبّر وزير دمشق، وجمع عسكراً وسار به إلى نبع افقا، ولمّا بلغَ مُدبّر الأمير جبيل بلغه أنّ المتاولة انهزموا بأهلهم، فسار خلفهم فأدركهم في دير بعشتار، فغار عليهم بمَن اجتمع إليه مِن تلك البلاد، وحاربهم مِن الظُهر إلى المساء، فظفر بهم وفرّ الباقون بالذلّ، فسار خلفهم يطردهم إلى القلمون، فأهلك منهم نحو مئة رجلٍ، وقبض على الشيخ علي أبي النصر وعاد راجعاً، وقُتل مِن عسكره نفران، ثُمّ التمس الشيخ ميلان الخازن إطلاق الشيخ علي فأُطلق، وسار المُدبّر بالعسكر إلى نبع افقا.
وسنة ١٧٨٨م (ص٤٢١): لمّا بلغ الجزار اتّفاق الأمير يوسف والأمير بشير غضب الجزار جدّاً وجهّز عسكراً. أمّا الأمير، فأرسل يطلب عكسراً مِن الجزار، فلمّا رأى الأمير يوسف إلحاح الأمير عليه جمعَ المشايخ الحماديّة ومشايخ جبة بشرة برجالهم، وأرسلهم مع عسكره إلى وادي الميحان يمنعون الأمير وعسكره مِن العبور، فكمنوا له هناك، وعندما تبطّن سُبّاق عسكر الأمير ذلك الوادي اندفقتْ عليهم الرجال اندفاق السيل، فانكسر عسكر الجزار وأركن إلى الفرار، وقُتل منه نحو مئة رجلٍ، حينئذٍ حمل الأمير عليهم كالرئبال وجرّد سيفه وهجم بالعسكر، فانكسر عسكر الأمير يوسف كسرةً عظيمة.
وسنة ١٨١٩م (ص٥١٧): لمّا بلغَ الأمير ملحم خلوَّ بلاد بعلبك مِن الأُمراء سار هو والأمير نصوح الحرفوش لطرد الأمير سلطان وأخيه الأمير أمين الحرفوشيّين والشيخ حمود حمادة لتعصّبهم للمشايخ الحماديّة، ففرّ الأميران الحرفوشيّان مِن الهرمل، وحضر الشيخ حمود إلى الأمير ملحم مسلّماً فأمّنه، ونهضَ الأمير إلى إهدن، ومنها إلى بشري، فقدِم إليه الأمير ملحم راجعاً مِن بعلبك ومعه الأمير أفندي والأمير نصوح الحرفوش والشيخ حمود حمادة، فرحّب بهم وطيّب خاطر الشيخ حمود وأكرمه.
أمّا الأميران سلكان وأخيه أمين الحرفوشيّين، فارتحلا مِن صيدنايا إلى قرية التل، وفي غضون ذلك ورد مِن عبد الله باشا إلى الأمير يمدحه ويشدّ عزائمه ويعده بالمساعدة، وكَتب لرعايا كسروان وبلاد جبيل والمشايخ الحماديّة يتهدّدهم ويأمرهم أنْ يرجعَ كلٌّ إلى مَحلّه.
وفي سَنة ١٨٤٠م لمّا انقسم اللبنانيّون حزبين: حزبٌ للمصريّين، وزعيمه الأمير بشير، وحزبٌ للدولة العثمانية، وقد قَوي الحزب الثاني لسببين:
الأوّل ، لفرض المصريّين التجنيد على اللبنانيّين كما فرضوه على أهل البلاد مِن الديار الشاميّة الّتي وقعت في سلطانهم.
الثاني ، لفرضهم جمعَ الأسلحة، يُضاف إلى ذلك سببان آخران مُهمّان: إثارة خصوم الأمير بشير الأهلين ضدّه، الثاني اتّفاق الدول الأربع مع الدولة على إخراج المصريّين مِن بلاد الشام، ولمّا اتّفق رأي خصوم الأمير والمصريّين على قطعِ الطريق عن العساكر المصريّة، وتوجّه أبو سمرا غانم البكاسيني إلى جهة طرابلس بمئة فارس، ولمّا بلغَ جبة المنيطرة تبعه المشايخ الحماديّة بمئتي نَفرٍ مِن جماعتهم المتاولة، فانحدر بهم إلى جبيل، وانضمّ إليه رجالٌ كثيرون مِن المشايخ الخوازنة وبني الصالح والدحادحة إلى غيرهم، ولمّا بلغَ برجاله إلى زغرتا وبلغَ ذلك والي طرابلس أرسل إليهم أربعة آلاف عسكريٍ بأسلحتهم ومدافعهم، وانتشبتْ الحرب بين الفريقين، فانكسر أبو سمرا إلى ايعال، وقُتل مِن جماعته سبعة أنفار، ولكنّه في اليوم الثالث أعاد الكرّة عليهم فكان له النصر، وكان الأُمراء الحرافشة ومشايخ جبل عامل مِن آل الصغير وصعب ومنكر مِن أحزاب الدولة، وبعد هذا لم يرد ذِكرٌ للحماديّة، فنقف مِن تاريخ تلك الأيّام وتاريخهم إلى هُنا.
ما كَتبهُ المطران يوسف الدبس في تاريخ سورية عن الحماديّة:
في سنة ١٥١٧م - وهي السنة الّتي فتح فيها السلطان سليم العثماني بلاد الشام - قصدت الناس لبنان مِن كلّ جهة، فأتى فريقٌ مِن المتاولة مِن بلاد بعلبك وتوطّنوا في فاريا وحرابل وبقعاتا، وتوطّن غيرهم مِن المسلمين الدروز في بلاد أُخرى مِن كسروان.
هذا ما رواه البطريرك الدويهي وعنه نقله المطران، ولكنّه قد سبقَ ما يدلّ على أنّ الشيعة - وفي المقدّمة الحماديّة - كانوا قد سكنوا بعض البلاد الكسروانيّة وامتدّوا إلى جبيل والبترون وعكار والضنية، ونُرجّح أنّ سكّان طرابلس الّذين كانوا مِن الشيعة في عهد قُضاة طرابلس إلى سنة ٥٠٣هـ وهي السنة الّتي استولى فيها الصليبيّون على طرابلس، وانجلى أهلها إلى مُختلف البلاد، فكان مِن المعقول أنْ تكون كسروان مِن البلاد الّتي استوطنوها، ومَن كان داخلاً في أعمال طرابلس منهم، كما تَدبّر قسم منهم البلاد البعلبكية، فنرى أنّ التشيّع في شمالي لبنان قديمٌ ومُتقدّمٌ على هذا التاريخ.
على أنّ مِن المعقول أنْ يكون مُلوك المسلمين في مصر وبلاد الشام قد أسكنوا مِن مشايخ الشيعة الأشدّاء كالتُركمان والأكراد في السواحل لمُناهضة الصليبيّين وأحزابهم، كما أُسكنوا مِن القديم سواحل جنوب البحر في عهد الخلافة العباسيّة لصدّ غارات الإفرنج.
وكيف كان، فإنّ الظاهر أنّ الحماديّة كانت لهم أحكام إقطاعية في عهد المماليك، وأنّ السلطان سليم أقرّهم عليها كما أقرّ غيرهم مِن حكّام الإقطعات الأُخرى في الديار الشاميّة.
(م ٧ ص٣٤ سنة ١٥٩٠م) بعد انقراض الأُمراء العسافيّين التركمان على يد الأمير يوسف باشا سيفا، واستيلائه على أملاكهم وأخذه أموالهم، وتزوّجه بأرملة الأمير محمّد آخر أُمرائهم، وقبضه على أبي يونس وأبي سعد منصور حبيش وقتلهما ونهب دارهما أقام بالنيابة عوضهما أبناء حمادة، فانتقلوا مع يوسف باشا مِن غزير إلى طرابلس، وأوجس يوسف باشا مِن آل حمادة فألقى الفتنة بينهم وبين المستراحيّة الّذين كانوا بجبة المنيطرة، وكانوا مِن انساب آل حمادة، فقَتل قانصوه حمادة أُناساً مِن المستراحيّة في طرابلس، ثُمّ قَتل منهم بعضاً كانوا يسكنون بكفر صلدا، وصعد إلى المنيطرة
بعسكر يُريد إهلاك أحدهم المُسمّى جمال الدين سيالة، فأصابته رصاصة فقُتل وحملته جماعته إلى كفتين فدُفن فيها.
وفي سنة ١٦١٩م (ص١١١): وهي السنة الّتي توفّي فيها المُقدّم إلياس، ولم يكن له إلاّ ولدٌ قاصر اسمه يوحّنا، فغلب على المُقدميّة كمال الدين بن عبد الوهّاب المعروف بابن عجرمة مِن قيطو، وتزوّج بستّ الملوك ابنة الشيخ علوان بن قمر مِن بشري - وكانت ذات ثروة عظيمة - فبنى بُرجاً بقيطو، وحَكم الجهة الشماليّة مِن البلاد. ويظهر أنّ بشري والجهة الجنوبيّة لبثت بعُهدة المُقدّم يوحنّا، وسُمّي عبد المنعم أيضاً، ففي سنة ١٥٣٧م كان اجتماع ببلوزا، ولمّا قدم بشري يوحنّا المذكور لم يُرد ابن عجرمة أنْ يُلاقيه أو يقف عند دخوله، فطعنه المُقدّم يوحنّا بالرمح فقتله، ودُفن بقيطو.
وفي سنة ١٥٤٧م كان مَقتل المُقدّم عبد المنعم يوحنّا، فإنّ ستّ الملوك أرملة ابن عجرمة رغبتْ في أخذ ثأر زوجها، فاستدعت إليها حمادة رئيس الحماديّة الّذين أتوا مِن بلاد العجم إلى قهمز بلبنان، واتفقت مع نصارى ملكية مِن عين حليا، فكمنوا للمُقدّم في خارج داره، ولمّا خرج سَحراً وثبوا عليه وقتلوه، ودخل الملكية الدار وقتلوا أولاده، ولمّا انتشر الخبر أسرع أهل بشري في طلب القاتلين، فأدركوهم في محلٍّ يُسمّى الحرائص فقتلوا حمادة وبعضاً مِن رفاقه.
وفي سنة ١٦٢٥م أقرّت الدولة الأمير فخر الدين المعني على ولاية بعلبك، فهرب الأمير حسين ابن الأمير يونس الحرفوش إلى حلب، ثُمّ اجتمع الأمير قاسم سيفا - الّذي كان والياً على طرابلس - والشيخ علي بن حمادة وأحزابهما في قلعة المرقب، فنهض إليهم مصطفى باشا والي طرابلس في عسكره، فدفعوا له عشرين ألف قرش استعطافاً لخاطره فعاد إلى طرابلس، وكَتب إلى الأمير فخر الدين يستنجده على آل سيفا، فحشّد الأمير عسكراً ضخماً مِن سكمان وعرب وأهل بلاده، وانتهى الأمر بتسليم آل سيفا قلعَتَي الحصن والمرقب للأمير، فرضي عنهم ومنع صاحب طرابلس عن السطو عليهم.
وفي سنة ١٦٣٤م وُلّي إيالة طرابلس الأمير علي ابن الأمير محمّد سيفا ابن أُخت الأمير قاسم سيفا - الّذي تظاهر بالجنون عندما طُلب لمُحاربة العَجم، ومسيره مرحلتين واستحواذ الخوف عليه، وتظاهر بالجنون؛ هرباً مِن
السفر لمُحاربة العَجم - وبعد ولاية الأمير علي ولاية طرابلس مُدّة شهرين نهض عليه الأمير عساف بن يوسف باشا سيفا وحاربه، فانهزم الأمير علي إلى بيروت والتجأ إلى الأمير علي عَلَم الدين اليمني، واتّفقا مع حسن آغا مُدبّر قاسم باشا سيفا، فجمع الأمير علي عَلَم الدين عسكراً، وصَحِبَه الأمير علي سيفا وحسن آغا وساروا على طريق الجرد، فاستولوا على بلاد جبيل، وجبة المنيطرة، فجمع الأمير عساف سيفا المشايخ الحماديّة وهبّ لمناوأتهم، فأحرق جبة المنيطرة وقتل أبا جمال الدين سيالة وابن أخيه مِن المستراحيّين المتاولة، واتّفق المُقدّم زين الدين الصواف مع الأمير علي سيفا، وسارا برجالهما إلى قرية ايعال بزاوية طرابلس، فجمعَ الأمير عساف سيفا المشايخ الحماديّة وكبس الأمير علي وزين الدين المذكورَين، فظفرا به، وقُتل مِن أتباع الأمير عساف الشيخ كنعان بن قانصوه حمادة وجماعة كثيرة، وقطعوا رؤوسهم وأرسلوها إلى طرابلس، وعاد الأمير علي بن محمّد سيفا إلى ولاية طرابلس، وضمّ إليها ولاية جبيل والبترون.
وفي سنة ١٦٣٦م (ص١٩٠): جعل مصطفى باشا والي طرابلس مرضي آغا متسلّماً تدبير شؤونها، فولّى على عكار الأمير عساف سيفا، وعلى جبيل والبترون الشيخ عليّاً والشيخ أحمد ابنَي قانصوه، وجمعَ الأُمراء الحرافشة العرب والسكمان وقصدوا استرداد ولايتهم على بلاد بعلبك، وعَلم بذلك والي دمشق فأرسل إليهم عسكراً، فقتلوا مِن الحرافشة ورجالهم خلقاً كثيراً، ثُمّ أرسل الباب العالي متسلّماً إلى طرابلس، وإذا بلغَ ذلك مصطفى باشا أرسل رجالاً أرجعوه مِن طريقه إلى حماة، وبعث مُدبّره وبعض حاشيته ليجتمعوا بالأُمراء آل سيفا وبالمشايخ بني حمادة في قرية بقرزلا، فلم يُذعن آل سيفا لرأيه في مُخالفة الدولة، ووقع الخلاف بين الفريقين، فقَتل آل سيفا الشيخ أحمد حمادة ومُدبّر مصطفى باشا وحاشيته، ولمّا بلغ ذلك إلى مصطفى باشا، انهزم ليلاً مِن طرابلس، ودخل المُتسلّم المُرسَل مِن الباب العالي إلى المدينة مع الأمير عساف والأمير علي سيفا.
وفي هذه السنة كانت وقعةٌ في أرض اهمج بين الّذين تولّوا - كما مرّ - على بلاد جبيل والبترون، وبين الأمير إسماعيل الكردي - مِن أُمراء رأس نحاش - ومحمّد بن يوسف آغا، فانتصر الأمير إسماعيل على الحماديّة، وتولّى محمّد بن يوسف آغا على بلاد جبيل والبترون.
وفي سنة ١٦٣٧م استَخدَم شاهين باشا الّذي عُيّن والياً على طرابلس الأميرَ إسماعيل الكردي مِن راس نحاش والشيخ علي حمادة وأمرهما بالقبض على الأُمراء آل سيفا، وقد كثرت الشكايات عليهم، فقبضوا على الأمير قاسم الّذي كان قد تولّى طرابلس ثُمّ تظاهر بالجنون - كما مرّ - وعلى أبناء آل سيفا ونسائهم وأخذوا يُفتّشون في القُرى والأديار على أموالهم، وفرّ الأمير علي سيفا إلى الأمير علي عَلَم الدين، وتشتّت آل سيفا مِن إيالة طرابلس.
وفي سنة ١٦٤٠م (ص١٩٥): توفّي الشيخ علي بن قانصوه حمادة، ودُفن في طورزيا (ببلاد جبيل)، وقام بعده الشيخ أبو محمّد مرجان شيخاً على بيت حمادة.
وفي سنة ١٦٤١م (ص١٩٥): غضب والي طرابلس على المشايخ الحماديّة، ففرّوا مِن وادي علمات وبلاد جبيل، وقَتل منهم محمّد ياغي بن قمر الدين وصعب بن حيدر وبعض جماعته، وتولّى بلادهم الأمير علي عَلَم الدين اليمني.
وفي سنة ١٦٤٢م كان الأمير ملحم معن ببلاد الشوف، والأمير علي عَلَم الدين بقرية بشتودار مِن أعمال البترون، فكبس الأمير علي الشيخ سرحال حمادة بقرية غبالة مِن عمل فتوح كسروان، فنهب القرية وقتل خمسة أنفار مِن أولاد سرحال وأقاربه، وطرد الحماديّة مِن إيالة طرابلس، وكان مع الأمير علي الأمير إسماعيل الكردي مِن راس نحاش والمُقدّم علي بن الشاعر وبعض مِن بيت حمادة.
وفي سنة ١٦٤٩م عُزل محمّد باشا الأرنأوطي عن ولاية طرابلس، وتولاّها مكانه صهره عُمر بك - وسُمّي عمر باشا - فوقّف أوّلاً حسن ذيب بن علي حمادة الّذي كان مُدبّراً لسالفه، ثُمّ عزله عن منصبه.
وفي سنة ١٦٥١م (ص٢٠٢): عُزل عمر باشا عن إيالة طرابلس، وتولاّها عوضه حسن باشا، واتّخذ مُدبّراً له الشيخ أبا رزق البشعلاني، فاتّفق هذا مع الأمير إسماعيل الكردي مِن رأس نحاش والمُقدّم على بن الشاعر على المشايخ الحماديّة المتاولة، وعهد إلى حسن آغا بأن يُجبي المال مِن بلاد عكار ويدفعه إلى الأمير ملحم المعني، ثُمّ تقوّى على هؤلاء مُصطفى باشا الصهيوني، الّذي كان قبلاً مُدبّراً لولاية طرابلس، وعاد إلى
تدبيرها فسلّم جبة بشري إلى أبي شاهين علي بن العجال مِن بشناتا (بالضنية)، وانكسرت شوكة أبي رزق البشعلاني وأحزابه، وطَرد الشيخ سرحال حمادة مِن عكار حسن آغا الّذي كان البشعلاني أرسله لجباية المال منها.
وفي سنة ١٦٥٤م (ص٢٠٤): قدم محمّد باشا الكوبرلي والياً على طرابلس مكان قره حسن باشا، فولّى أحمد بن محمّد حمادة على جبة بشري، واستخدم عنده الأمير إسماعيل الكردي والحاج سعد بن علي حمادة، فأخذ أتباعهما يعتدون على الناس في الأسواق، فطردهما مع أتباعهما ابن محمّد باشا الوالي إلى أطراف الزاوية.
وفي سنة ١٦٥٥م قصد محمّد باشا والي طرابلس مُحاربة الأمير إسماعيل الكردي والحاج سعد حمادة؛ بسبب عدم أدائهما المال، فالتقى بهما عند حريشة الهري في كورة طرابلس، فانكسر وانهزم الأمير إسماعيل بعياله مِن إيالة طرابلس إلى الأمير أحمد المعني، فولاّه على صور.
وفي سنة ١٦٥٩م (ص٢٠٥): تولّى قبلان باشا إياله طرابلس، وأعطته الدولة أمراً بالاقتصاص مِن المشايخ آل حمادة؛ بسبب مخرقاتهم وسطوهم، ولمّا علموا ذلك فرّوا إلى كسروان بعيالهم ومواشيهم، فهدم الوزير بيوتهم وقرى وادي علمات، ونزل بعسكره إلى جبيل فضبط ما كان لأهل كسروان مِن الحنطة، وقرّر بلاد عكار على المُقدّم فارس اللمعي بكفالة روم أحمد، وبلاد جبيل على كاور أوغلي، وجبة بشري على المُقدّم علي قيدبيه بن الشاعر، ثُمّ قبض على كاور أوغلي وقتله لعدم دفعه المال، وأمسك روم أحمد كفيل المُقدّم فارس اللمعي وأخذ منه ثلاثة عشر ألف قرش مُستهلكة عنده مِن مال بلاد عكار.
وفي سنة ١٦٦٠م (ص٢٠٦): رُفعت الشكوى إلى الباب العالي على الأمير علي والأمير منصور الشهابيَّين، وعلى آل حمادة بأنّهم يسطون على حقوق والي دمشق، فأرسل محمّد باشا الكوبرلي الصدر الأعظم ابنه أحمد باشا والياً على دمشق ومحمّد باشا الأرنأوطي والياً على صيدا وبيروت، وقرّر قبلان باشا على إيالة طرابلس، ولمّا وصل أحمد باش الكوبرلي إلى دمشق كَتب إلى ولاة طرابلس والقدس وغزّة وصاحب سنجق صفد وابن
طربيه البدوي أن يحضروا إليه لمُحاربة القيسيّة، وتوجّه إليه الأمير علي عَلَم الدين المني وولداه الأمير محمّد والأمير منصور وأنصارهم اليمنيّة والمُقدّم علي الشاعر، وزحف أحمد باشا الكوبرلي بجيش يبلغ نحو خمسة عشر ألف مُقاتل وحلّ بسعسع. وبلغ الأُمراء الشهابيّين قدومه، فكتبوا إليه يسترضونه بمال فأبى إلاّ تذليلهم، فقاموا بعيالهم ومعهم ستمائة رجل إلى كسروان، ونزلوا على المشايخ الحماديّة في قمهز، فسار أحمد باشا إلى وادي التيم، وهدم دور الأُمراء الشهابيّين بحاصبيا وراشيا، وأمر بقطع أشجارهم بوادي التيم ومرج عيون والبقاع، وولّى على وادي التيم الأمير محمّد والأمير منصور ابني الأمير علي عَلَم الدين ومعهما المُقدّم زين الدين وابن أخيه عبد الله.
ثُمّ سار بعسكره إلى سهل قب الياس، وكتب إلى الأمير أحمد والأمير قرقماس ابنَي الأمير ملحم المعني يأمرهما بإحضار الأُمراء الشهابيّين، فأجاباه أن الأُمراء المذكورين ما نزلوا بلاده قطّ، وانتقلا حينئذٍ مِن بعقلين إلى عين زحلتا بنحو سبعة آلاف نفس، فأرسل أحمد باشا يطلب منهما أربعمائة ألف قرش نفقة عساكره، وإلاّ يحتل ديارهما بعساكره ويُهلكهما، فأذعنا لطلبه وتعهّدا بعد المُراجعة بأداء مئتين وخمسين ألف قرش مُنجمّة على أربعة أشهر، ووضعا عنده رهناً على ذلك الأمير قاسم أرسلان أمير الشويفات وشرف الدين مُقدّم حمانا، فارتضى بذلك، وقفل راجعاً إلى دمشق ومعه والي غزّة، فقتله هُناك وغرّم عياله بمائة وخمسين ألف قرش، وأخذ مِن ابن طربيه البدوي نحو خمسين ألف قرش، وتوجّه قبلان باشا والي طرابلس إلى الهرمل ثُمّ إلى طرابلس، وكَتب إلى الأمير إسماعيل الكردي كتاب الأمان، فاغترّ به وانتقل مِن صور إلى طرابلس بعياله، ولمّا بلغ أحمد باشا الكوبرلي قدومه إلى طرابلس أمر بالقبض عليه وقتله؛ لأنّه اجتمع بالمعنيّة بعين زحلتا.
أمّا الأميران أحمد وقرقماس المعنيّان، فلم يتيسّر لهما دفع المبلغ الّذي تعهّدا به كاملاً، وبلغ أحمد باشا أنّ الأُمراء الشهابيّين مختفون عندهما، فنهض ثانية مِن دمشق وحلّ بقب الياس، وقدم إليه والي غزّة الجديد ووالي طرابلس والأُمراء آل عَلَم الدين والأمراء آل طربيه، فكثر جحفله واشتدّ عزمه، واجتمع الأُمراء آل معن والأمراء الشهابيّون مع
المشايخ الحماديّة في قهمز بكسروان، وقرّ رأيهم على تفريق رجالهم والفرار مِن وجه الكبرلي والاختفاء، وأمروا أصحابهم أن ينفضّوا عنهم، وأرسل الأمير أحمد والأمير قرقماس السكمان واللاوند الّذين كانوا معهما إلى الأمير كنعان مِن آل عساف الحياري، واختفيا في بلاد جبيل، واختفى الأمير منصور والأمير علي الشهابيّان في بعض كهوف تلك البلاد.
وفي رواية أنّهما سارا بخمسين رجلاً إلى جهات حلب، ولمّا انقطع الخبر عن هؤلاء الأُمراء اجتمع مشايخ البلاد ووجوهها، وكتبوا إلى أحمد باشا مع الشيخ سرحال العماد - شيخ الباروك - بأن الأُمراء المعنّيين والشهابيّين فرّوا ولا يُعلم لهم خبر، والتمسوا منه العفو عن البلاد وتأمين أهلها، فأجابهم إلى ذلك وأطلق لهم الأمان، وقسّم ولايات البلاد على رجال، ثُمّ بلغه أنّ الأُمراء المعنيّين والشهابيّين مُختفون بكسروان، فوجّه إليهم خمسة آلاف مُقاتل، يصحبهم بعض اليمنيّة للبحث عنهم، وكَتب إلى قبلان باشا والي طرابلس أن ينهض لمُساعدتهم، فطفقوا يجولون بلاد جبيل وكسروان ويكبسون المواضع الّتي يظنّونهم فيها، فأحرقوا دور اللمعيّين والخوازنة والحَماديّة والمعنيّة وقطعوا أشجارهم.
وأرسل الأمير محمّد والأمير منصور عَلَم الدين أُناساً فعلوا كذلك في وادي علمات، وعاثت العساكر في تلك البلاد، وأهلكت مال أهلها وأرزاقهم، وفرّ الأميران الشهابيّان إلى الجبل الأعلى، واستمرّ الأميران المعنيّان في بلاد جبيل، ثُمّ انتهى الأمر سنة ١٦٦٢م (ص٢٠٨) بخديعة الأميرين المعنيّين بواسطة محمّد باشا الّذي عينه الكبرلي والياً على صيدا بالقبض عليهما، وقتل الأمير قرقماس وجرح الأمير محمّد.
وفي سنة ١٦٦٤م:
بعد عزل محمّد باشا عن إيالة صيدا سنحت الفرصة المُلائمة للأمير أحمد المعني واجتمع عليه حزبه القيسي، فقهر الحزب اليمني وانتهت إليه ولاية الشوف والغرب والجرد والمتن وكسروان، واستقدم الأميرين منصور وعلي الشهابيّين إليه في الشوف، فتلقاهما بالتجلّة والتكريم، وأمدهما بالخيل والسلاح وعادا إلى بلاديهما حاصبيا وراشيا.
وفي سنة ١٦٧٣م (ص٢١٠): عُزل محمّد باشا عن إيالة طرابلس، وتولاها بعده حسن باشا، فولّى المشايخ الحماديّة على الأعمال الّتي كانوا بها قبلاً، ورفع عنهم بعض التكاليف، فطمعوا وتصرّفوا بمال التكاليف
المذكورة، وقتلوا أُناساً في عشاش عند نهر رشعين بالزاوية، ونهبوا كثيراً مِن القُرى فخربت.
وفي سنة ١٦٧٤م ولّى حسن باشا والي طرابلس الشيخ سرحال على جبيل والبترون، ولمّا حضر إليه الشيخ أحمد بن قانصوه حمادة ليولّيه على جبة بشري قبض عليه بسبب التعدّيات المارّ ذكرها، وعلى الشيخ محمّد بن حسن ذيب؛ بسبب عدم أدائه مال الضنية، وولّى إبراهيم آغا على جبة بشري.
وفي سنة ١٦٧٥م بينما كان حسن باشا والياً على طرابلس وإسماعيل باشا على صيدا وحسين باشا على دمشق جهّز حسن باشا عسكراً لطرد بني حمادة مِن إقطاعاتهم لعدم أدائهم المال، وأرسل مُدبّره، فطردهم إلى عين النقير فوق افقا، وفصل بينهم الظلام، ثُمّ احضر حسن باشا أحمد بن محمّد قانصوه وابن حسن ذيب وأمر أبناء عمّهما أن يقتلوهما فقتلوهما، ووثب جماعتهما على بلاد جبيل، فنهبوا وقتلوا واحرقوا قرية حصرائيل، ونهبوا قُرى البترون وماشية حصرون، وقبض المُقدّم قيدبيه بن الشاعر وأصحاب الإقطاعات على مشايخ القُرى، وسجنوهم بجبيل ليدفعوا المال المُرتّب على القُرى، وصدر في هذه الأثناء الأمر السلطاني إلى واليَي صيدا ودمشق ليُنجدا والي طرابلس على العُصاة، فاجتمع نوّاب هؤلاء الولاة في سهل قب الياس ومعهم نحو خمسة آلاف مُقاتل، وكتبوا إلى الأمير أحمد المعني أن يُسلّمهم العُصاة، وكاتبه والي صيدا أن لا يختشي مِن هذا الطلب لتيقُّنه حُسن مسلكه واستقامته، واجتمع حينئذٍ أهل البلاد والأُمراء الشهابيّون في دير المقر، وكانوا نحو أربعة آلاف رجل، وكتبوا إلى نوّاب الوزراء المذكورين، أنّ المشايخ الحماديّة اجتازوا ببلادهم ولم يَستقرّوا بها، وكتبوا إلى إسماعيل باشا والي صيدا:
إنّ دعوى حسن باشا على الحماديّة هي تأخّرهم عن دفع عشرة آلاف قرش، وإنّ الأمير أحمد المعني يكفل دفعها بشرط أنّ حسن باشا يُطلق رهائنهم المسجونين بقلعة طرابلس.
فأرسل حسن باشا الرهائن إلى صيدا إلى إسماعيل باشا، فتسلّمهم ودفع له العشرة آلاف قرش الباقية عند الحماديّة وانفضّت.
وفي سنة ١٦٧٦م (ص٢١١): ولّى حسن باشا بعد تثبّته في ولاية طرابلس جماعة على بلاد جبيل والبترون وجبة بشري، ووزّع الأعلام على
جميع الأعمال احتياطاً مِن سطو الحماديّة، ولمّا عاد حسن باشا مِن مُقاتلة التُركمان عملاً بالأمر السلطاني - وقد بلغه حدوث أُمور في بعض الأنحاء الكسروانيّة وتعدّيات - زحف بعسكره إلى بلاد جبيل، فقتل شيخ البربارة والحاج حسن الحسامي الّذي كان قد ولاّه، وقبض على مشايخ قريتي غزوز وبخعاز فغرّمهم بمال؛ لأنّهم مِن حزب الحماديّة، وأمر بحرق قُرى وادي علمات، فحرق منها فرحت وعلمات ومشان وطرزيا والحصن واهمج وجاج، وحرق مِن قُرى جبة المنيطرة: كفرحيال، والمغيرة، ولاسا، والمنيطرة، وافقا، وبعد أن عاد حسن باشا بعسكره، وثب بعض الحماديّة فأحرقوا قصوبا وتولا وعبدلى وبسبينا وشفار وشبطين.
وفي سنة ١٦٧٧م (ص٢١٢): تُوفّي أحمد باشا الكوبرلي الصدر الأعظم، وتولّى منصب الصدارة مصطفى باشا، ففرّ النوّاب في جميع الولايات، فأرسل محمّد باشا إلى طرابلس، فولّى الشيخ سرحال حمادة على بلاد جبيل، وولده الشيخ حسيناً على البترون، والشيخ حسين بن أحمد حماة على جبة بشري، وأمرهم أن يُؤمّنوا الرعايا ويردّوا النازحين.
وفي سنة ١٦٧٩م تولّى خليل باشا ابن كيوان إيالة صيدا، ثُمّ عُزل عنها سنة ١٦٨٠م، وانتقل إليها محمّد باشا والي طرابلس، وقام بطرابلس عوضه وزير آخر يُسمّى محمّد باشا، فقرّر الحماديّة في إقطاعاتهم.
وفي هذه السنة تولّى الأمير فارس الشهابي بلاد بعلبك، وسار إلى قرية نيحا الّتي فوق الفرزل، فجمع الأميرُ عمرُ الحرفوش الحماديّةَ ورجالَهم، ودهمه ليلاً فقتله، وقَتل مِن جماعته خمسة وعشرين رجلاً، ولمّا بَلغ ذلك الأمير موسى الشهابي نهض برجاله مِن حاصبيا، وصحِبه الأمير علي مِن راشيا قاصدين أخذ الثأر، ففرَّ الأمير عمر الحرفوش مِن بعلبك، واستغاث بالأمير أحمد المعني لإجراء الصُلح بينه وبين الأُمراء الشهابيّين، فسار الأمير أحمد إلى بعلبك، وعقد الصُلح بينهم على شرط أن يدفع الحرافشة لآل شهاب كلّ سنة خمسة آلاف قرش وجوادين مِن جياد الخيل ديّة الأمير فارس.
وفي سنة ١٦٨٤م قَتل المشايخ الحماديّة أبا نادر شيخ مزرعة عكار، وابن أُخت محمّد باشا في قرية حلبا بعكار، ولمّا عُزل محمّد باشا عن إيالة طرابلس هجم الحماديّة على قلعة طرابلس، وأخرجوا رهائنهم منها عُنوة، ثُمّ كبسوا قرية عشقوت بكسروان، وقتلوا منها أحد عشر رجلاً، ورُفعت
الشكوى بهم إلى والي طرابلس، فولّى الأمير أحمد المعني على جميع إقطاعات الحماديّة، فتوجّه الأمير أحمد إلى غزير بخمسة آلاف مُقاتل، وأرسل رجالاً دهموا الحماديّة ففروا إلى بلاد بعلبك، فأحرق وادي ايليج ولاسا وافقا والمغيرة وقطع أشجارهم، وشفّعَ بهم لديه بعض خواصّه، فعفا عنهم وقفل راجعاً إلى الشوف، ولم يقبل خلعة والي طرابلس على إقطاعات الحماديّة.
وفي سنة ١٦٨٦م (ص٢١٣): تولّى علي باشا النكدلي إيالة طرابلس، وصدر له الأمر السُلطاني بأن يقمع قبيلة مِن العرب تُسمّى البغدلة فسار لذلك، ولمّا عَلِم الحماديّة بغيابه ثاروا، فقتلوا الشيخ أبا داغر شيخ حردين وابن رعد شيخ الضنية وغيرهما، فقبض نائب الوزير على اثني عشر رجلاً مِن أتباعهم وأماتهم على الخازوق، ولمّا زحف الوزير على بعلبك لقتال الأمير شديد الحرفوش - بسبب حرقه قرية رأس بعلبك وقريتها - هرب الأمير شديد إلى بلاد جبيل مُستجيراً بالمشايخ الحماديّة، فنزل الباشا على العاقورة وأحرقها، وأحرق أربعين قرية مِن قُرى المتاولة وقطع أشجارها، ودكَّ إلى الأرض دار الشيخ حسين في ايليج، ونقض قبر الأمير عمر في طرزيا، واهتدى عسكره إلى خباياهم في مغارة قنات ففتحوها، وبينما كان العسكر نازلاً عند عين الباطية في جرد تنورين كبسهم الحماديّة ليلاً، فقتلوا منهم نحو خمسة وأربعين رجلاً، وغنموا بأسلابهم، وانهزم يوسف أغا مع جماعته إلى بعلبك، وانفضّ الدروز والعرب والتركمان إلى مواطنهم، وهرب ابن الحسامي بعياله إلى بيروت.
أمّا الوزير، فانحدر إلى جبيل ونكبها، وقفل راجعاً إلى طرابلس، فنزل بعده الحماديّة وأحزابهم وأحرقوا قلعة جبيل ونكبوا المدينة.
وفي سنة ١٦٩١م (ص٣١٦): تولّى طرابلس محمّد باشا، وصرف المشايخ الحماديّة في إقطاعاتهم، فسَلّم جبيل والبترون إلى الشيخ حسين سرحال حمادة، والكورة إلى الشيخ إسماعيل ابنه، وجبة بشري إلى الحاج موسى بن أحمد حمادة، والضنية إلى أولاد حسن ذيب.
وفي سنة ١٦٩٢م عُزل محمّد باشا عن إيالة طرابلس، وتولّى عوضه علي باشا، وقدِم إلى طرابلس في آخر السنة فسمّوه اللقيس، وقرّر المشايخ الحماديّة على إقطاعاتهم، وصيّر محمّد باشا المعزول قائمقام وكاتباً للصدر
الأعظم، وكَتب إلى علي باشا خليفته لينهض على الحماديّة، ويُرسل له ثلاثة عشر رأساً مِن أعيان بيت قانصوه حمادة، وأمره أن يكون مُتصرّفاً ببعلبك أيضاً، فيُقرّ علي باشا الحكّام، وسلم عكار والهرمل إلى هزيم أغا دندش، وجبيل إلى حسين آغا الحسامي، والبترون إلى المُقدّم قيدبيه بن الشاعر، والزاوية وجبة بشري إلى الشيخ ميخائيل بن نحلوس الإهدني، والضنية إلى الشيخ أبي فاضل رعد، وكتب إلى الأمير أحمد معن أن يُنجده بالرجال لقتال الحماديّة، فقدم إليه المشايخ الخوازنة ومعهم نحو ألف رجل إلى فوق جبيل، ولمّا شَعر بهم الحماديّة انهزموا على طريق العاقورة إلى بلاد بعلبك، فتبعهم الرجال، وهلك منهم بالثلج نحو مائة وخمسون رجلاً، ولمّا وصلوا إلى قرية كفردان التمس الخوازنة مِن علي باشا أنْ يكفّ العسكر عنهم فكفّه، وطلب الخوازنة العَود إلى أوطانهم؛ مُعتذرين بأنّ الأمير أحمد معن لم يأذنهم بالخروج عن إيالة طرابلس، وأحرق علي باشا قرية نيحا، ونهب ثلاثة عشر ألف رأس مِن معزى الحماديّة، وسلّم بلاد بعلبك إلى أحمد آغا الكردي، وجبيل إلى حسين آغا النوري، ورحل بالعساكر عن بعلبك، وكتب أحمد آغا والي بعلبك إلى الحاج ياغي بن حمية مِن المتاولة وأقربائه أن يحضروا إليه، ولمّا حضروا غدر بهم، وقتل منهم سبعة عشر رجلاً، وأرسل الحاج ياغي المذكور وولده حيدر إلى علي باشا فقتلهما عند مخاضة نهر رشعين، ثُمّ جهّز حسن آغا وأحمد آغا الكردي وإسماعيل آغا دندش، وأرسلهم إلى بلاد جبيل، فقبضوا على الشيخ حسين بن سرحال وحسن ذيب وسبعة رجال مِن رفاقهم فقتلوهم بين قهمز ولاسا.
وفي سنة ١٦٩٣م (ص٢١٧): قلّدَ السلطان أحمد منصب الصدارة إلى علي باشا والي طرابلس، وأقام مكانه أرسلان باشا بن أحمد آغا المطرجي، وأنفذ رسولاً إلى الأمير أحمد معن يعرض عليه تولّية الإقطاعات الّتي كانت بيد الحماديّة، وأن يمنع سطوهم عن إيالة طرابلس، فلم يقبل الأمير أحمد ذلك، فسلّم أرسلان باشا بلاد جبيل إلى الأمير حسن بن صعب الكردي، وبلاد البترون إلى المُقدّم قيدبيه الشاعر، ولمّا توجّه علي باشا إلى الأستانة سار معه الأمير أحمد الكردي والأمير موسى بن عَلَم الدين اليمني، وأرسل أرسلان باشا مُدبّره محرم آغا يطرد الحماديّة على طريق الحرد، وولّى الأُمراء الأكراد والمُقدّمين بني الشاعر على ساحل جبيل، فلما وصلوا إلى
عين قبعل في الفتوح نزلوا هناك للمبيت، فبلغ ذلك أولاد الشيخ حسين حمادة المُختفين في تلك الجهة، فجمعوا نحو مائتي رجل ودهموا العسكر ليلاً، فقتلوا منه نحو أربعين رجلاً، في جُملتهم الأمير موسى الكردي، وأولاد عمّه الأمير يوسف حافظ قلعة جبيل، والأمير أحمد قلاوون، والأمير عبد الخالق، وابن الأمير موسى عَلَم الدين، والمُقدّم منصور، وابن أخيه مصطفى قيدبيه مِن بني بالشاعر، وما انفكّوا يطردون الباقين إلى نهر إبراهيم، فقدّمَ ارسلان باشا الشكوى إلى السلطان أحمد بأنّ الأمير أحمد معن وجّه عسكراً فأهلك رجاله، وبقي مُدبّر الوزير مع العسكر في نهر إبراهيم نحو شهرين، فبلغه الأمر السلطاني بأنْ يُزيل الأمير أحمد معن عن الإقطاعات الّتي بيده، وأنْ يُولّى عليها الأمير موسى عَلَم الدين، وصدرت الأوامر إلى ولاة البلاد الشاميّة بأن ينهضوا مع ارسلان باشا لقتال الأمير أحمد معن، وإزاحته عن الأعمال اللبنانيّة، وانتهى الأمر بما سبق ذكره، فلا نُعيده.
وفي سنة ١٦٩٨م (ص٢٢٤): بعد انقراض الحُكم المعني بسنة، واستيلاء الأمير بشير الشهابي الأوّل على الحُكم، وكان ارسلان المارّ ذكره لا يزال والياً على طرابلس وأخوه قبلان باشا والياً على صيدا أرسل ارسلان باشا في هذه السَنة عسكراً لمُحاربة الحماديّة مشايخ بلاد جبيل والبترون؛ لتقاعدهم عن دفع المال السلطاني، فقَبض العسكر على بعض أكابرهم وغيرهم وأحضرهم إلى طرابلس، فسُجنوا بها، وفرّ مَن افلت منهم إلى دير القمر مُستجيرين بالأمير بشير، فأرسل إلى ارسلان باشا يسأله إطلاق المسجونين منهم، وكفل له المال الباقي عليهم، فأطلقهم وأبقاهم على ما كانوا، فكان المتوجب عليهم مائتين وخمسين ألف قرش، وفوَّض ارسلان باشا الأمير بشير بالولاية على بلاد جبيل والبترون، فولاّهُم الأمير عليها، وأرسل بعض خواصّه، فجمع المال منهم ودفعه إلى الوزير.
وفي سنة ١٧٦٢م (ص٣٨٨): نهض الأمير يوسف الشهابي إلى دمشق، وكان واليها عثمان باشا الكرجي طالباً مُساعدته على مُزاحمه في الولاية الأمير منصور، فكَتب إلى ولده محمّد باشا والي طرابلس أنْ يولّيه بلاد جبيل، فعاد الأمير يوسف وكَتب إلى بعض محازبيه أن يُلاقوه إلى جبيل، فلاقاه أكثر مشايخ البلاد، ثُمّ سار إلى محمّد باشا والي طرابلس، وكان وقتئذٍ في اللاذقيّة، فولاّه على بلاد جبيل والبترون، وأتى سَنة ١٧٦٣م إلى
جبيل، واستقرّ فيها والياً، وكان الحمايّة يتولّون بلاد جبيل والبترون، فحاربهم الأمير وكسرهم في عدّة وقعات حتّى أضعفهم عن طلب الولاية، وأحبه أهل هذه البلاد، وعاونوه على رغائبه.
وفي سنة ١٧٦٦م قَبض الأمير يوسف على جماعة مِن الحماديّة لتعدّياتهم، فالتجؤوا إلى والي طرابلس، فأمدّهم بعسكر وحضروا إلى بزيزا بكورة طرابلس القرية، وقَتل منهم عدّة رجال، ثُمّ سلّموا وانصرفوا إلى طرابلس، ورجع الأمير إلى جبيل.
وفي سنة ١٧٧١م (ص٣٩٩): تجمّع المشايخ الحماديّة ودهموا الأمير بشير صدر نائب الأمير يوسف ببلاد جبيل، وهو يومئذٍ في العاقورة، ومعه شيخا بشري وإهدن، ودام القتال نهاراً كاملاً، فظهر الأمير عليهم وقتل ثمانية رجال منهم، وأبعدهم عن القرية، وقُتِل مِن جماعته ثلاثة أنفار، ثُمّ حضر رجال الجبة لنجدة الأمير بشير، فخاف المتاولة، وقاموا بعيالهم مِن جبة المنيطرة ووادي علمات إلى الكورة، ولحقهم رجال بشري، وبلغ الأمير يوسف ذلك، فوجّه مُدّبره الشيخ سعد الخوري وصحبه بعسكر مغاربة كانوا مع والي دمشق، ولمّا بَلَغَ الشيخ سعد إلى جبيل بَلَغه أنّ المتاولة انهزموا إلى الكورة، وأدركهم في دير بعشتار، فأغار عليهم بمَن اجتمع إليه مِن أهل تلك البلاد فظفر بهم، وانذعر مَن بقي منهم، وظلّ يُطردهم إلى القلمون، وأهلك منهم نحو مائة رجل، وقبض على الشيخ أبي النصر، ثُمّ التمس الشيخ ميلاد الخازن إطلاقه فخلّى سبيله.
وفي سنة ١٧٧٣م (ص٤٠٠): جمع الأمير يوسف عسكراً مِن بلاده وسار به إلى الضنية قاصداً قتال المشايخ آل رعد ولاتها؛ لمُحاماتهم عن المشايخ الحماديّة، وخيّم بعفصديق بالكورة، فورد له كتاب مِن والي طرابلس يقول:
إنّ المشايخ آل رعد لجؤوا إليه وأرسلوا كبيرهم يلتمسون منه التدخّل في الصلح، فأجابه الأمير إلى ما طلب، وقام مِن عفصديق، وأمر بحرقها؛ لأنّ صاحبها الأمير أحمد الكردي كان يميل إلى الحماديّة.
وفي سنة ١٧٨٨م لمّا وقعت الفِتنة بين الأمير بشير والأمير يوسف كان الحماديّة مَن انضمّ إلى عسكر الأمير يوسف، الّذين أرسلهم إلى الميحان
ليمنعوا الأمير بشيراً وعسكر الجزار عن العبور، فانتصر عسكر الأمير يوسف على عسكر الجزار، واركنوا إلى الفرار، ولكنّ الأمير بشير ظَفَر أخيراً بعسكر الأمير يوسف، وفرّ هذا بجماعته إلى بلاد بعلبك.
ما كَتبه المطران الدبس عن الحماديّة في المُجلّد الثامن مِن تاريخه:
(ص٣٦٦) وقد أهانه (البطريرك اسطفانوس الدويهي) قبل وفاته الشيخ عيسى حمادة، إذ جاءه مع بعض أقاربه إلى قنوبين طالبين منه مبلغاً مِن المال، فكَتب إلى الشيخ حصن الخازن عمّا جرى له، فجهّز رِجالاً مِن كسروان مع أخيه الشيخ ضرغام (وهو الّذي صير بعد بطريركاً) إلى قونبين، ولمّا عَلِم بذلك الشيخ عيسى أتى متواقعاً متذللاً أمام البطريرك ليَغفر له ويَعدل عن السفر إلى كسروان، وأراد المشايخ الخوازنة أن يبطشوا به فنهاهم البطريرك عنه، وسار معهم إلى كسروان، ثُمّ عاد إلى كرسيه في ١٩ حزيران سنة ١٧٠٤م بتوسّط والي طرابلس.
وفي سنة ١٧٢٥م (ص٤٠٨): تولّى الشيخ عبد الله بن فاضل بن خطار الخازن ناحية عكار، ولمّا كان راجعاً مِن دير قزحيا إلى كسروان التقاه نحو ثلاثين رجلاً مِن المشايخ الحماديّة وأتباعهم، وأرادوا إهانته؛ لأنّه تولّى الناحية المذكورة، وهم يدّعون أنّ لهم حقّ الولاية عليها، فعاونه عليهم الرُهبان، فتملّص منهم، وشكا آل خازن الحماديّة إلى والي طرابلس سليمان باشا العظم، فأرسل عسكراً فنكّل بالحماديّة، ونَهبَ عسكره بلاد جبيل والبترون.
وفي سنة ١٧٧١م (ص٤١٣): مرّ ذِكر هذه الحادثة.
وفي (ص٤٢٠): قد رأيت فيما مرّ أنّ مشايخ آل حمادة المتاولة تولّوا مرّات بلاد جبيل والبترون وجبة بشرى، وعُزلوا أو طُردوا مِن هذه الولاية، إلاّ أنّه في أواخر القرن السابع عشر، أي سنة ١٦٩١م قرّر محمّد باشا والي طرابلس المشايخ الحماديّة على إقطاعاتهم، فتولّى الشيخ حسين بن سرحال على بلاد البترون، وابنه الشيخ إسماعيل عل الكورة، والحاج موسى بن أحمد حمادة على الجبة، وأولاد حسن ذيب على الضنية، ولكنْ في سنة ١٦٩٢م غَيّر والي طرابلس مَن كان سالفه قد ولاّهم، فنَصّب في بلاد جبيل حسين آغا بن الحسامي، وفي البترون المُقدّم قيدبيه ابن الشاعر، وفي
الزاوية والجبة الشيخ ميخائيل بن نحلوس مِن إهدن ابن أُخت أبي كرم بشارة، وهو مَن قيل عنه في الأغاني الشعبيّة:
يحرس دينك يا نحلوس حميت الضيعة بالدبوس
جامع رشعين هديته وفي زغرتا دقيت ناقوس
إلى أن اغتال رجل متوال اسمه ابن الشقراني الشيخ المذكور في الضنّية، وعادت الولاية على الجبة إلى بيت أحمد حمادة، فكانت فتنة بينهم وبين الشيخ عبد السلام بن الشيخ إسماعيل حمادة، فهزمهم الشيخ إسماعيل إلى الهرمل سَنة ١٧٠٣م، وأقام في الجبة نحو أربعين يوماً، وحضر عليه بعض وجوهها خيفة مِن شرّه، وفرّ بعضهم، وفرض ضريبة على قُرى الجبة، ومَن لم يدفع ما أصابه منها أَخذ رجال طاسات النساء وسلاح الرجال والمُؤن، وكَتب إلى طرابلس يلتمس الولاية على الجبة، فلم يُعطَها حينئذ.
وفي سنة ١٧١٥م (ص٤٢١): حَكمَ جبة بشري أولاد أبي محمّد عيسى، وأولاد عمّهم حسين المشطوب مُشتركين، ثُمّ قسّموا البلاد مُناصفة، فأخذ حسين مِن أبي محمّد: عيسى بشري، وقنوبين، وقيطو، وبزعون. وأسعد ابن أخيه موسى أخذ: حصرون، وكفر صفان، وبلوزا، وتولا، وكرمدي، وراسكيفا. وأخذ أولاد حسين المشطوي النصف الآخر، وكانوا ثلاثة، وهم: أبو ناصيف، وأبو قاسم، فأخذ أبو ناصيف إهدن وحدها. وأبو حسين صالح أخذ: عين طورين، ومزرعة التفاح، وبنشعي، وقنات، وبرحليون، وحماطورا، وكفر صارون، وبيت زعيتر في بان. وأخذ أخوهما أبو قاسم: ديرقزحيا، وحدشيت، وبقاعكفرا. وكان في حُكومتهم شيء مِن العَدل والاستقامة، واقتنوا أملاكاً سمّوها بـ: كاليك مزيارا، وسبعل، وسرعل، ووطا الرامات، وكفرفر، وبات، وحوقا، وثلث سرعل، ودير نهرا، والحدث، وطرفا، وبقرقاشا، ونيحا، وبنهران، ومتريت. على أنّ أولاد هؤلاء المشايخ لم يسلكوا مسلك آبائهم، بل عكفوا على السَلب والنهب والجَور حتّى القتل.
وفي سنة ١٧٥٠م إلى سنة ١٧٥٩م سلبوا راحة الأهلين، ونكّدوا عيشهم، وقتلوا كثيرين، وكان حينئذ مِن مشايخ القُرى المشهورين: الشيخ جرجس بولس مِن إهدن، والشيخ عيسى الخوري، والشيخ حنّا ظاهر كيروز
مِن بشري، والشيخ أبو سليمان عواد مِن حصرون، والشيخ أبو يوسف الياس مِن كفر صغاب، والشيخ أبو خطار مِن عين طورين، والشيخ أبو طاهر مِن حدشيت. فائتمر المشايخ المتاولة على قتلهم، فقتلوا منهم الشيخ أبا ظاهر مِن حدشيت، واغتالوا كثيرين مِن وجوه الأهلين، وحملتهم الجسارة على أن يُرسلوا ليقبضوا على المطران يواكيم يمين مِن إهدن، فلم يكن أهل الجبة ليُطيقوا هذا الجور، ولا ليتحمّلوا هذا الذلّ والعار، فالتقى أهل إهدن برجال المتاولة الآتين للقبض على المطران، وأوقدوا عليهم النار، واشغلوا بهم السيوف، وطردوهم وتتبّعوا أثرهم إلى درج قنوبين، وخيّم الظلام بينهم، وفي النهار التالي غصّت إهدن بالآتين إليها مِن باقي القُرى، وقدس المطران يواكيم بكنيسة القديس جرجس بإهدن، وحلف جميعهم يمين الأمانة وعدم الخيانة، وقبضوا على رجل متوال، واشتركوا في قتله جميعاً، وجعلوا مشايخ القُرى المارّ ذِكرهم مشايخ لهم، وحُكّاماً عليهم مكان المشايخ المتاولة، وأبقوا قسمة قُرى البلاد كما كانت في أيّام المتاولة، ونَزَلَ هؤلاء المشايخ إلى طرابلس، وكان واليها حينئذٍ عثمان باشا الكرجي، فالتزموا - أي استأجروا منه - قُرى بلادهم، ودفعوا المال المُرتّب عليها، وكان ذلك سَنة ١٧٥٩م، وأقام هؤلاء المشايخ ثلاثة بكباشية مِن البلاد، وعيّنوا رجالاً مِن البلاد للمحافظة، وكان عثمان باشا يُشجّعهم ويمدّهم بالمُساعدات لكثرة ما كان المتاولة يَقدمون عليه مِن التعدّيات في الزاوية وحدود طرابلس، ولذلك كانوا يُسمّونهم مُلتزمي جبة بشري.
وسنة ١٧٦١م (ص٤٢٢): هاجم المتاولة قرية بشري آتين مِن بعلبك، إذ كان بعض المشايخ والأهلين في الساحل، فدخلوها وقتلوا منها: أبا ظاهر الفرز البكباشي، وجبور أصيلة، وأبا انطونيوس، وأبا رزق جعجع، وجبور رحمة. ونهبوا القرية، ثُمّ رجع المتاولة ثانية مِن بلاد بعلبك وبلاد جبيل بنحو ألفي رجل، فالتقاهم مشايخ الجبة في أرض بشري، وانتشب القتال بين الفريقين نحو ثماني ساعات، ودارت الدائرة على المتاولة فانذعروا، وقُتِل منهم اثنا عشر قتيلاً.
وفي سنة ١٧٦٣م (ص٤٢٢): سَيّر عليهم والي طرابلس محمّد باشا ابن عثمان باشا المذكور عسكراً إلى جبة المنيطرة، وقَسّمه إلى قسمين، أرسل فريقاً على طريق الجبل، وكان معهم بشارة كرم البكباشي ورجاله، وفريقاً
على طريق الساحل، وكان معهم الشيخ ظاهر حاكم الزاوية، ويوسف الشمر مِن كفر حانا، فعسكر الجبل شتّت المتاولة، فهرب بعضهم إلى ناحية بعلبك، وفرّ بعضهم في وادي المسيحان نحو الساحل، فالتقاهم العسكر الآتي مِن الساحل، فنكّل بهم، واحرق مزارعهم الّتي كانت بساحل جبيل، ولكنْ بينما كان بشارة كرم عائداً مع رجاله تحت المغيرة كَمِنَ له بعض المتاولة فقتلوه وستّة مِن رجاله.
وفي سنة ١٧٦٤م (ص٤٢٣): توجّه مشايخ الجبة إلى الأمير منصور الشهابي، فولاّهم على بلادهم، وأمدهم أيضاً بمُحافظين لردع المتاولة عن التعدّي، فلم يكن ذلك كافياً لكبتهم عن إقلاق أهل البلاد، إلى أن كان ما ذكرناه في عدد ١٠٤٢ مِن أن المشايخ الحماديّة دهموا الأمير بشير حيدر نائب الأمير يوسف في بلاد جبيل (تقدّم ذِكر ذلك).
وفي سنة ١٨٦١م وضع المشايخ المذكورون يدهم على بكاليك المتاولة واستمروا على ذلك إلى أن صالح المشايخ أهل القرى البكاليك على حقوقهم بها أو باعوهم هذه الحقوق.
ما كتبه الخالدي في تاريخه: لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني عن المشايخ الحماديّة:
في سنة ١٠٢٦هـ ١٦١٧م: وصل إلى الأمير علي - ابن الأمير فخر الدين المعني - وهو بصيدا خبر أنّ الأمير سليمان بن سيفا في برج تولا انحصر؛ وسبب ذلك أنّ أولاد حمادة وأولاد الشاعر وقفوا عند الأمير سليمان لمّا حَكَمَ البلاد، وجعلوا يُحسّنون له إبعاد جماعة ابن معن عنه، وقالوا له:
لا ينالك منهم إلاّ الكُلفة عليهم، ونحن لا نُحوجك إليهم. فأعطى إجازة لمَن كان عنده منهم، وهم أولاد الخازن والكساردة، وما بقي عنده أحد منهم يُناظر المذكورين، فعند ذلك كاتب أولاد حمادة وأولاد الشاعر يوسف باشا، فعين رجالاً كبسوا الأمير سليمان في تولا وحصروه في البُرج، فأرسل الأمير سليمان يُعلم الأمير عليّ بن معن بما كان، وفي الحال عيّن الأمير علي رجال بلاد صيدا مع مصطفى كتخدا، ورجال الغرب والجرد مع الأمير ناصر الدين، ورجال المتن مع بيت أبي اللمع المُقدّمين،
ورجال كسروان مع طويل حسين بلوكباشي، فتوجّه الجميع برجالهم، وأرسل أيضاً إلى حسين اليازجي أن يتّجه إلى صيدا برجال بلد صفد وبلاد بشارة والشقيف حتّى لو احتاج الأمر يتوجّه الأمير علي نفسه ويأخذهم معه، فمع وصول حسين اليازجي - وكان وصوله لصيدا في شهر ربيع الثاني - بالرجال وصلت الأخبار أنّ الأمير سليمان سَلّم؛ لعدم وجود العازق، وقلّة وجوده عنده، وأخذوه إلى عمّه بترسيم حَشَمه إلى عكار، وكان ذلك في شهر جمادى الآخر مِن السَنة المذكورة، ولمّا واجه حسين باشا الجلالي سابقاً أرسل عمّه يوسف باشا دفع على سكّ الأمير سليمان خمسة وعشرين ألف قرش، وكان مصطفى كتخدا وصل بالرجال الّذين معه إلى نهر إبراهيم، فتشاور الأمير علي مع حسين اليازجي فاعتمد أريهما أنّهما يأمران العساكر الّذين تَقدّموهم أن يصلوا إلى قُرى أولاد حمادة وأولاد الشاعر لينهبوهم ويُحرقوهم، ففعلوا ذلك، وعاد كُلّ منهم إلى موضعه.
وفي سنة ١٠٣٠هـ ١٦٢٠م: وقد تقدّم ذِكر هذه الحادثة الّتي يذكرها الخالدي في هذه السَنة فلا يُفيد ذكرها.
هذا كُلّ ما كَتبه الخالدي عن الحماديّة.
ونقف فيما وقفنا عليه مِن المصادر عند هذا الحدّ، باحثين عن مصادر تاريخيّة أُخرى نعرض لذكرهم وذكر أواخرهم، والله المُوفّق والمُسدّد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
صار الانتهاء مِن كتابة هذا التاريخ عن هذه الأُسرة الّتي لعبت دوراً مُهمّاً في عهد الأحكام الإقطاعيّة صبيحة يوم الأحد في ١٣ جمادى الآخرة سنة ١٣٦١، و٢٨ حزيران سنة ١٩٤٢.
إنّ ما دونْتُهّ مِن تاريخ هذه الأُسرة هو ما رواه مَن عزوته إليهم مِن المُؤرِّخين، ولم نعلم مصادره، وهو لا يختلف عمّا كتبوه عن غير هذه الأُسرة مِن الأُسر اللبنانية غير معزوّة في جُلّها إلى مصادر معروفة، وكان واجبهم التاريخي يُحتّم عليهم أنْ يستمدّوا معلوماتهم مِن رجالات الأُسر، ولكنّهم لم يفعلوا ذلك.
وإنّ مَن يدّعي انتسابه إلى عشيرة، فالعادة المُتّبعة في الأنساب أن تُقرّ دعواه إلى أنْ يَعرض ما يُفسدها بدليل مقبول، والحماديّون معروف عندهم متناقل لديهم أنّهم عَرَبٌ أقحاح ينتسبون إلى هاني بن عروة المذحجي، وإنّ
أوائلهم كأوائل كثيرين مِن العرب الّذين كانوا يُهاجرون مِن بلادهم إلى البلاد الّتي انضوت تحت لواء السُلطان العربي الإسلامي لدوافع وعوامل كثيرة، وما زال في بلاد الفُرس، وفي غيرها مِن بلاد الأعاجم مَن هو مُحتفظ بنَسَبِه العربي.
ولمّا وقع بينهم وبين شاه إيران ما وقع، هجروا إيران بعشائرهم البالغة ثلاثين أُسرة إلى البلاد الشاميّة، فأقاموا في بعض جهات حلب مُدّة ثلاثة أشهر، ولمّا كانت لهم قواعد خاصّة في الزواج فلا يُصاهرون غير ذوي أرحامهم، فأراد بعض رجال عرب الموالي مُصاهرتهم على كريمة مِن كرائمهم، فأبوا ذلك عليه تَمسّكاً بتلك العادة، وأدّى ذلك إلى نزاع فحرب بين الفريقين، انتهى بفوز الموالي لكثرة عددهم، ولانضمام الكثير مِن القبائل العربيّة في تلك البوادي إليهم، فاضطرّوا للنزوح إلى لبنان وسُكنى القُرى الّتي دخلت في إقطاعهم، وامتدّ حُكمهم فيها إلى العهد الّذي ألغت فيه الدولة العثمانية الحُكم الإقطاعي مِن البلاد الشامية.
أمّا الأُسر الثلاثون المُنتمية إلى الحماديّة، فهي كما تلقيت ذلك في الهرمل عن الزعيم الكبير المرحوم محمّد سعيد باشا:
١ - شريف، ٢ - الحاج يوسف، ٣ - مِلحم، ٤ - زعيتر، ٥ - شمص، ٦ - ناصر الدين، ٧ - عواد، ٨ - دندش، ٩ - علّوه، ١٠ - جعفر، ١١ - المقداد، ١٢ - حجولا، ١٣ - قمهز، ١٤ - خير الدين، ١٥ - النمر، ١٦ - نون، ١٧ - الحاج حسن، ١٨ - جنبلاط، ٢٠ - بلوط، ٢١ - المستراح، ٢٢ - الحجل، ٢٣ - صفوان، ٢٤ - علام، ٢٥ شقير، ٢٦ - بدير، ٢٧ - حيدر أحمد، ٢٨ - عمرو، ٢٩ - أبو حيدر، ٣٠ - همدر.
تاريخُ البويهِيّين
الحمد لمَن له الحمد، ومَن إلى جلاله ينتهي كلُّ مجد، المخصوص بالكبرياء والجبروت، والمُلك والملكوت، مُصرّف الأُمور مِن حال إلى حال، ومُقلّب القُلوب والأبصار، يَعزّ مَن يشاء ويُذل مَن يشاء، بيده الأُمر وإليه مرجع العباد، والصلاة على أفضل مبعوث خُتمتْ بنبوّته النبوّات، وانتهت إليه الباقيات الصالحات، وعلى آله المخصوصين بالكرامات، وأصحابه القادة الهُداة.
وبعد، فإنّا نُدوِّن بهذا الجُزء مِن أجزاء تاريخ الشيعة السياسي أخبار مُلوك بني بويه، الّذين بلغوا مِن النُفوذ والسلطان في عهدِ تراجُع الخلافة العباسيّة ما سَتَراه مبسوطاً في هذا الجُزء إن شاء الله.
أوَّليَّتُهُم:
لم يكن لأوَّلهم سابق إمرة، ولا عهد في ولاية، بل ولا مَرفق مِن مَرافق الحياة يَدرُّ عليهم بالثروة، ويُمتّعهم بالرخاء، ويرفه عليهم ولو بعض الترفيه، بل اتّفق مَن أرّخ أوَّليتهم أنّ بويه - مُنجِب المُلوك البويهيّين ومَن إليه ينتسبون - كان يرتفق مِن كُلِّ مرافق الحياة، ويحترف مِن كُلِّ ما فيها مِن حِرف، لا لتحصيل دُنيا واسعة أو ثروة طائلة أو مُلك ثابت، بل لبُلوغ أيسر بلغة يبلغ بها الكَفاف، فحسب حِرفة صيد السمك، ويَحتطب بنوه الحَطب على رؤوسهم، حتّى كان مُعزّ الدولة بعد تَملُّكه البلاد يَعترف بنعمة الله تعالى، ويقول: كُنتُ أحتطب الحطب على رأسي.
وأمّا ابن خلدون، فإنّه يقول: إنّ بويه كان مِن رجالات الدَيلَم.
رُؤيا بويهٍ وتَأَويلُ المُنجِّمِ لها:
ذَكرَ هذه الرُؤيا غير واحد مِن المؤرّخين، ومنهم: ابن الأثير في كامله، وابن كثير في بدايته، وابن الطقطي في الآداب السلطانية. وسكت عن روايتها ابن خلدون وأبو الفداء، ولا نذكرها؛ لأنّه لا يَتعلّق بها كبيرُ أمر.
ومُلخّص تأويل المُنجّم لها بامتلاك أولاده الثلاثة وأعقابهم، وهُم: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة علي أبو الحسين، ومعز الدولة أبو الحسن أحمد. وهذه هي الحال في كلّ دولة ناشئة أن تكثر لها الرؤى ويَرهص لها المُرهّصون.
جيلُهُم:
إن البويهيّين لم يكونوا مِن جيل الدَيلم، وإنّما قيل لهم الديالمة؛ لأنّهم جاوروا الديلم وكانوا بين أظهرهم مدة.
العظاميّة بعد العصاميّة:
لا مُشاحّة أنّ دولة البويهيّين لم تَقم على أساس النَسَب العالي والقبيلة وعَصَبيّتها القاهرة، بل قامت على العبقريّة والعصاميّة والطموح، وتمكين أطراف المُلك العبّاسي الواسع المُضطرب والمُنتقص مِن الأيدي الغاصبة مِن ذلك الطموح، فالتَوثّب على غرار المشوبين مِن هُنا وهناك، ولا سيّما في البلاد النائية عن عاصمة الخلافة، على هذا الطموح وتلك العصاميّة، وما يحمل مؤسّس المُلك البويهي مِن جُرأة نادرة، إلى تدبير حكيم، وفطنة نافذة هي الّتي مكّنَتْ له مِن الأمر، وأدركوا بها ما صبَت إليه نفوسُهم.
أمّا العظاميّة وعصبيّة القبيلة والعنعنات النسبيّة الأُسريّة، فلم يكن لها مِن أثر في ذلك، ولا كان يُعنى بها العَجم عناية العَرب، ولعلّ انبساط سلطانهم في العرب، وامتداد أيديهم إلى أكبر زعامة تُمثّل سلطان العرب، مِن أكرم أُسرهم وأعرقها شَرَفاً ونَسباً، وهي تقبض على زمام الخلافة الإسلاميّة، ولها عصبيّتها العربيّة، كان مِن أسباب عنايتهم باتّصالهم بسلسلة نَسب عريق يرتفع بهم إلى الأُسر المالكة بلاد إيران القديمة، فقد نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتابه، فقال:
إنّ أبا شُجاع بويه - أبا مؤسِّسي الدولة - ابن قبا خسرو بن تمام بن كوهي بن شيرزيل الأصغر بن شيركيده بن
شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرويه بن سيسان شاه بن سيس بن فيروزين شيرزيل بن سيسان بن بهرام جور الملك بن يزدجرد الملك بن سابور الملك بن سابور ذي الأكتاف الفارسي.
ثُمّ ارتفع بعضهم بنَسب بويه مِن واحد إلى واحد مِن مُلوك الفرسان حتّى يتّصل بيهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وكذا إلى آدم أبي البشر.
وأمّا أبو الفداء، فإنّه لم يعرض لنَسبهم، وابن خلدون قد شكّ في هذا النَسب، ورجّحه ابن الأثير.
وكيف كان، فقد أُسّست هذه الدولة ولم تتّخذ العظاميّة أساساً لها، ولئن ظهرت لمُؤسّسيها هذه السلسلة العريقة في النَسب، فقد كان ظهورها بعد التمكين لهم مِن المُلك، بل ومِن وضع الخُلفاء العباسيّين تحت نُفوذ سُلطانهم المُطلق.
اتّصالهم بمُلوك بلادهم:
رأى الأُخوة الثلاثة مصير المُلك العبّاسي الّذي انتهى إليه، ورأوه كيف يَنتقص مِن أطرافه كلُّ توثّب يملك أدوات التغلّب وأسبابها، وهُم لم يملكوا شيئاً مِن تلك الأدوات والأسباب.
أمّا المال، فقد عرفتَ أوّليتهم، وأنّهم لم يملكوا مِن مرافق الدُنيا شيئاً، وأنّهم كانوا يتكفّفون في معيشتهم مِن أحمز الطُرق وأشقّها: صيد السمك، والاحتطاب.
وأمّا العصبيّة، فقد كانوا غُرباء بين الديالمة، وهُم ليسوا مِن جيلهم، فلا يعتزّون بعشيرة ولا بقبيل.
وأمّا الجاه، فمِن أين يأتي به مَن لا يملك المال وما إليه، وليس له عشيرة يعتزُّ بها؟ فلم يبقَ أمامهم غير الشجاعة، وهي رأس مالهم، وغير التدبير والحِكمة وهُما كلّ شيء، وهل يظهر لها مِن أثر إذا لم تُستعمَل فيما يُظهِر كوامنها؟ وهل لذلك غير التَقرّب مِن الأُمراء والملوك؟ وهُم كثيرون في بلادهم وبلاد إيران عامّة، وميدان التنافس فيما بينهم جميعاً مُتّسع المجال، وهل يرى الأُخوة بعد فقد أدوات الزعامة والرئاسة والإمارة والمُلك فرصة يهتبلونها أقرب مِن هذه الفُرصة السانحة، ومُلوك تلك الأطراف المُتنازعون أحوج إلى تقريب هذه الأُخوة للاستعانة بهم على الخُصوم، ولتأييد سُلطانهم، وحسبك بُرهاناً على ما آل إليه أمر خُلفاء بغداد، ومُلوك الشرق والغرب بالأمس ما ذكره غير واحد مِن المُؤرِّخين بعد تسلّط ابن رائق على بغداد والخليفة:
(ولم يَبقَ للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحُكم فيها لابن رائق، وليس للخليفة فيها حُكم.
وأمّا باقي الأطراف، فكانت: البصرة في يد ابن رائق المذكور، وخوزستان في يد البريدي، وفارس في يد عماد الدولة بن بويه، وكرمان في يد أبي علي محمّد بن الياس، والري وأصفهان والجبل في يد رُكن الدولة بن بويه ويد وشمكير بن زيار أخي مرداويج يتنازعان عليها، والموصل وديار بكر ومُضر وربيعة في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد الأخشيد محمّد بن طغج، والمغرب وإفريقية في يد القائم العلوي بن المهدي، والأندلس في يد عبد الرحمان بن محمّد الأُموي المُلقّب بالناصر، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد بن سامان الساماني، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القُرمطي.
الأُخوة في خدمة ماكان بن كاني مَلِك طَبرستان ثُمّ في خِدمة مرداويج فخروجهم عليه:
قال ابن كثير:
إنّ هؤلاء الأُخوة الثلاثة كانوا عند ملكٍ يُقال له (ماكان بن كاني) في بلاد طبرستان، فتسلّط عليه مرداويج، فضَعُف ماكان، فتشاوروا في مُفارقته حتّى يكون مِن أمره ما يكون، فخرجوا عنه ومعهم جماعة مِن الأُمراء فصاروا إلى مرداويج، فأكرمهم واستعملهم على الأعمال في البُلدان، فأعطى عماد الدولة علي بويه نيابة الكرج، فأحسن فيها السيرة والتفَّ عليه الناس وأحبّوه، فحسده مرداويج، وبعث إليه يعزله عنها ويستدعيه إليه، فامتنع مِن القُدوم عليه، وصار إلى أصبهان، فحاربه نائبها، فهزمه عماد الدولة هزيمة مُنكرة واستولى على أصبهان، وإنّما كان معه سبعمائة فارس، فقهر بها عشرة آلاف فارس، وعَظُم في أعيُن الناس، فلمّا بلغ ذلك مرداويج قلِق منه، فأرسل إليه جيشاً فأخرجوه مِن أصبهان، فقصد أذربيجان فأخذها مِن نائبها، وحصل له مِن الأموال شيء كثير جدّاً، ثُمّ أخذ بُلداناً كثيرة، واشتهر أمرُه، وبعد صيته، وحسُنت سيرته؛ فقصده الناس مَحبّة وتعظيماً، فاجتمع إليه مِن الجُند خَلقٌ كثير وجمعٌ غفير، فلم يزل يترقّى في مراقي الدُنيا حتّى آل به وبأخَوَيه الحال إلى أن ملكوا بغداد مِن أيدي الخُلفاء العباسيّين، وصار لهم القطع والوصل، والولاية والعزل، وإليهم
تُجبى الأموال، ويُرجع إليهم في سائر الأُمور والأحوال.
رواية ابن الأثير:
بعد أن ذكر خُروج جماعة مِن الديلم لتملك البلاد، منهم: ماكان بن كاني، وليلى بنت النُعمان، وأسفار بن شيرويه، ومرداويج بن زيار، قال:
وخرج مع كلّ واحد منهم خلق كثير مِن الديلم، وخرج أولاد أبي شجاع في جُملة مَن خرج، وكان مِن جُملة قوّاد ماكان بن كاني، فلمّا كان مِن أمر ماكان ما ذكرناه مِن الاتّفاق تمّ الاختلاف بعد قتل أسفار واستيلاء مرداويج على ماكان بيد ماكان مِن طبرستان وجرجان، وعود ماكان مرَّة أُخرى إلى جُرجان والدامغان، وعوده إلى نيسابور مهزوماً، فلمّا رأى أولاد بويه ضعفه وعجزه قال له عماد الدولة وركن الدولة:
نحن في جماعة، وقد صُرنا ثقلاً عليك وعيالاً، وأنت مضيق والأصلح لك أن نُفارقك لنُخفّف عنك مؤنتنا، فإذا صلح أمرنا عدنا إليك، فأذِن لهما فسارا إلى مرداويج، واقتدى بهما جماعة مِن قوّاد ماكان وتبعوهما، فلمّا صاروا إليه قبلهم أحسن قبول، وخلع على ابنَي بويه وأكرمهما، وقلّد كلَّ واحد مِن قوّاد ماكان الواصلين إليه ناحية مِن نواحي الجبل، فأمّا عليّ بن بويه، فإنّه قلّده كرج.
الأُخوة الثلاثة المالكون وأعقابهم المُلوك:
رأينا أنّ مِن الفائدة لجعل تاريخ هذه الأُسرة - الّذي ملأ صفحةً كبيرةً مِن تاريخ العَرب والإسلام مِن متناول الأفهام - إفراد كلِّ واحد مِن الأُخوة الثلاثة مُؤسّسي هذه الدولة البويهيّة الفتيّة وأعقابهم بالترجُمة، وإن كان الكثير مِن أخبارهم مُتداخلاً بعضه في بعض، ولئن استقلّ كلُّ واحد منهم بمملكة، فهم كانوا جدّ مُتضامنين، ولا سيّما هؤلاء الأُخوة الّذين كان لتضامنهم الأثر الكبير في تكوين دولهم.
الأول: عماد الدولة أبو الحسن عليّ بن بويه:
هو أكبر الأُخوة سنّاً، وأعلاهم هِمّة، وأسدّهم تدبيراً، وأولاهم بالتقديم، بل يكاد يكون بمظاهرة الأَخوين هو الرِكن الأعظم في تكوين دولتهم.
قال ابن الأثير في كامله: كان السبب في ارتفاع عليّ بن بويه مِن بينهم بعد
الأقدار أنّه كان سَمِحاً حليماً شُجاعاً، فلمّا قلّده مرداويج كرج، وقلّد جماعة القوّاد المُستأمنة معه الأعمال، وكَتب لهم العُهود، ساروا إلى الري وبها وشمكير بن زيار أخو مرداويج، ومعه الحُسين بن محمّد المُلقّب بالعميد، وهو والد أبي الفضل الّذي وزر لركن الدولة بن بويه، وكان العميد يومئذٍ وزير مرداويج، وكان مع عماد الدولة بَغلة شَهباء مِن أحسن ما يكون، فعرضها للبيع فبلغ ثمنها مئتي دينار، فعُرضت على العميد فأخذها وأنفذ ثمنها، فلمّا حَمل الثمن إلى عِماد الدولة أخذ منه عشرة دنانير وردّ الباقي، وجعل معه هديّة جميلة.
ثُمّ إنّ مرداويج نَدِم على ما فعل مِن تولية أولئك القوّاد البلاد، فكَتب إلى أخيه وشمكير، وإلى العميد يأمرهما بمنعهم مِن المسير إلى أعمالهم، وإن كان بعضهم قد خرج فيردّ، وكانت الكُتب تصل إلى العميد قبل وشكمير، فيقرؤها ثُمّ يعرضها على وشكمير، فلمّا وقف العميد على هذا الكتاب أنفذ إلى عماد الدولة يأمره بالمسير مِن ساعته إلى عمله ويطوي المنازل، فسار مِن وقته وكان المَغرب.
وأمّا العميد، فلمّا أصبح عرض الكتاب على وشمكير، فمنع سائر القوّاد مِن الخُروج مِن الري، واستعاد التوقيعات الّتي معهم بالبلاد، وأراد وشكمير أن ينفذ خَلفَ عماد الدولة مَن يَردّه، فقال العميد:
إنّه لا يرجع طوعاً، وربّما قاتل مَن يقصده، ويخرج عن طاعتنا فتركه، وسار عماد الدولة إلى كرج، وأحسن إلى الناس، ولطُفَ بعمّال البلاد، فكتبوا إلى مرداويج يشكرونه، ويَصِفون ضبطه البلد وسياسته. وافتتح قلاعاً كانت للخرميّة، وظفر منها بذخائر كثيرة صرفها جميعها إلى استمالة الرِجال والصِلات والهبات، فشاع ذِكره وقصده الناس وأحبّوه، وكان مرداويج ذلك الوقت بطبرستان، فلمّا عاد إلى الري أطلق مالاً لجماعة مِن قوّاده على كرج، فاستمالهم عماد الدولة ووصلهم، وأحسن إليهم حتّى مالوا إليه وأحبّوا طاعته، وبلغ ذلك مرداويج فاستوحش وندِم على إنفاذ أولئك القوّاد إلى كرج، فكَتب إلى عماد الدولة وأولئك يستدعيهم إليه وتَلطّف بهم، فدافعه عماد الدولة، واشتغل بأخذ العُهود عليهم وخوَّفهم مِن سطوة مرداويج، فأجابوه جميعهم، فجبى مال كرج، واستأمن إليه شيرزاد - وهو مِن أعيان قوّاد الديلم - فقويت نفسه بذلك، وسار بهم عن كرج إلى أصبهان، وبها المُظفّر بن ياقوت في نحو عشرة آلاف مُقاتل، وعلى خراجها أبو علي بن رستم، فأرسل عماد الدولة إليهما يستعطفهما
ويستأذنهما في الانحياز إليهما، والدُخول في طاعة الخليفة ليمضي إلى الحضرة ببغداد، فلم يُجيباه إلى ذلك، وكان أبو علي أشدّهما كراهة، فاتّفق للسعادة أنّ أبا علي مات في تلك الأيّام، وبرز ابن ياقوت عن أصبهان ثلاثة فراسخ، وكان في أصحابه جيل وديلم مقدار ستمئة رجل، فاستأمنوا إلى عماد الدولة؛ لِما بلغهم مِن كرمه، فضعُف قلب ابن ياقوت، وقويَ جنان عماد الدولة فواقعه واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم ابن ياقوت واستولى عماد الدولة على أصبهان، وعظُم في عيون الناس؛ لأنه كان في تسعمائة رَجل هزم بهم ما يُقارب عشرة آلاف رجل، وبلغ ذلك الخليفة فاستعظمه، وبلغ خبر هذه الوقعة مرداويج فأقلقه، وخاف على ما بيده مِن البلاد، واغتمّ لذلك غمّاً شديداً.
استيلاؤه على أرجان وغيرها وملك مرداويج أصبهان:
لمّا بَلَغَ خبر الوقعة مرداويج خاف عماد الدولة بن بويه، فشرع في إعمال الحيلة، فراسله يُعاتبه ويستميله، ويطلب منه أن يُظهر طاعته حتّى يمدّه بالعساكر الكثيرة ليفتح بها البلاد، ولا يُكلّفه سوى الخطبة له في البلاد الّتي يَستولي عليها، فلمّا سار الرسول جهّز مرداويج أخاه وشمكير في جيش كثيف ليكبس ابن بويه، وهو مطمئن إلى الرسالة الّتي تقدّمت، فعلم ابن بويه بذلك، فرحل عن أصبهان بعد أن جباها شهرين، وتوجّه إلى أرجان، وبها أبو بكر بن ياقوت فانهزم أبو بكر مِن غير قتال، وقصد رامهُرمُز، واستولى ابن بويه على أرجان في ذي الحجّة، ولمّا سار عن أصبهان دخلها وشمكير وعسكر أخيه مرداويج وملكوها، فلمّا سَمِع القاهر أرسل إلى مرداويج قبل خلعه ليمنع أخاه عن أصبهان، ويُسلّمها إلى محمّد بن ياقوت ففعل ذلك ووليها محمّد.
وأمّا ابن بويه، فإنّه لمّا مَلك أرجان استخرج منها أموالاً فقويَ بها، ووردت عليه كُتب أبي طالب زيد بن علي النوبند جاني يستدعيه، ويُشير إليه بالمسير إلى شيراز، ويُهوّن عليه أمر ياقوت وأصحابه، ويُعرّفه تهوّره واشتغاله بجباية الأموال، وكثرة مؤنته ومؤنة أصحابه، وثِقل وطأتهم على الناس مع فشلهم وجُبنهم، فخاف ابن بويه أن يقصد ياقوتاً مع كثرة عساكره وأمواله، ويحصل بين ياقوت وولده، فلم يَقبل مشورته فلم يبرح مِن مكانه، فعاد أبو طالب وكَتب إليه يُشجّعه ويُعلِمه أنّ مرداويج قد كَتب إلى ياقوت
يطلب مُصالحته، فإنْ تمّ ذلك اجتمعا على مُحاربته ولم يكن له بهما طاقة، ويقول له:
(إنّ الرأي لِمَن كان في مثل حاله أن يُعاجل مَن بين يديه، ولا ينتظر بهم الاجتماع والكثرة أن يُحدقوا به مِن كلّ جانب، فإنّه إذا هَزم مَن بين يديه خافه الباقون، ولم يَقدموا عليه.
ولم يزل أبو طالب يُراسله إلى أن سار نحو النوبندجان في ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وقد سبقه إليهما مُقدّمة ياقوت في نحو ألفي فارس مِن شُجعان أصحابه، فلمّا وافاهم ابن بويه لم يثبتوا له لمّا لقيهم، وانهزموا إلى كركان، وجاءهم ياقوت في جميع أصحابه إلى هذا الموضع، وتقدّم أبو طالب إلى وكلائه بالنوبندجان بخدمة ابن بويه، والقيام بما يحتاج إليه، وتنحّى هو عن البلد إلى بعض القُرى حتّى لا يُعتقد فيه المواطأة له، فكان مَبلغ ما خسر عليه في أربعين يوماً مقدار مئتي ألف دينار، وأنفذ عماد الدولة أخاه رُكن الدولة الحسن إلى كازرون وغيرها مِن أعمال فارس، فاستخرج منها أموالاً جليلة، فأنفذ ياقوت عسكراً إلى كازرون، فواقعهم ركن الدولة فهزمهم وهو في نفر يسير، وعاد غانماً سالماً إلى أخيه، ثُمّ إنّ عماد الدولة انتهى إليه مُراسلة مرداويج وأخيه وشمكير إلى ياقوت ومراسلته إليهما، فخاف اجتماعهم فسار مِن النوبندجان إلى اصطخر، ثُمّ إلى البيضاء وياقوت يتبعه، وانتهى إلى قنطرة على طريق كرمان فسبقه ياقوت إليها ومنعه مِن عُبورها، واضطر إلى الحرب، وذلك في آخر سَنة إحدى وعشرين ودخلت سَنة اثنتين وعشرين.
استيلاء عِماد الدولة على شيراز:
في هذه السنة ظفر عِماد الدولة بن بويه بياقوت وملك شيراز، وقد مرَّ ذِكر مسير عماد الدولة بن بويه إلى القنطرة، وسِبْق ياقوت إليها وصَدّه عن عبورها، وأنّه اضطرّ بسبب ذلك إلى مُحاربة ياقوت، وقد وقعت الحرب بينهما في جمادى الآخرة، وأحضر عليّ بن بويه أصحابه، ووعدهم أنّه يترجّل معهم عند الحرب ومنّاهُم ووعدهم الإحسان، وكان مِن سعادته أنّ جماعة مِن أصحابه استأمنوا إلى ياقوت فحين رآهم ياقوت أمر بضرب رقابهم، فأيقن مَن مع ابن بويه أنّهم لا أمان لهم عنده، فقاتلوا قتال مُستقتل.
ثُمّ إنّ ياقوتاً قدّم أمام أصحابه رَجّالة كثيرة يُقاتلون بقوارير النفط، فانقلبت الريح
في وجوههم واشتدّت، فلمّا ألقوا النار عادت النار عليهم، فعلقت بوجوههم وثيابهم فاختلطوا، وأكبَّ عليهم أصحاب ابن بويه فقتلوا أكثر الرجّالة، وخالطوا الفرسان فانهزموا، فكانت الدائرة على ياقوت وأصحابه، فلمّا انهزم صعد على نشز مُرتفع، ونادى في أصحابه الرجعة فاجتمع إليه نحو أربعة آلاف فارس، فقال لهم:
اثبتوا فإنّ الديلم يشتغلون بالنهب، ويتفرّقون فنأخذهم. فثبتوا معه، فلمّا رأى ابن بويه ثباتهم نهى أصحابه عن النهب، وقال:
إنّ عدوّكم يرصدكم لتشتغلوا بالنهب فيعطف عليكم، ويكون هلاككم، فاتركوا هذا وافرغوا مِن المنهزمين، ثُمّ عودا إليه ففعلوا ذلك. فلمّا رأى ياقوت أنّهم على قصده ولَّى مُنهزماً وأتبعه أصحاب ابن بويه يقتلون ويأسرون ويغنمون الخيل والسلاح - وكان مُعزّ الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه في ذلك اليوم مِن أحسن الناس أثراً، وكان صبيّاً لم تنبت لحيته، وكان عُمره تسع عشرة سنة - ثُمّ رجعوا إلى السواد فغنموا، ووجدوا في سواده برانس لبود عليها أذناب الثعالب، ووجدوا قيوداً وأغلالاً، فسألوا عنها، فقال أصحاب ياقوت:
إنّ هذه أُعدّت لكُم لتُجعل عليكم ويُطاف بكم في البلاد، فأشار أصحاب ابن بويه أن يُفعل بهم مِثل ذلك فامتنع، وقال:
إنّه بغيٌ ولؤم ظفر، ولقد لقيَ ياقوتُ بغيه. ثُمّ أحسن إلى الأُسارى وأطلقهم، وقال:
هذه نعمة، والشُكر عليها واجب يقتضي المزيد. وخَيَّر الأُسارى بين المُقام عنده واللحوق بياقوت، فاختاروا المقام عنده، فخلع عليهم وأحسن إليهم، وسار مِن موضع الوقعة حتّى نَزلَ شيراز، ونادى في الناس بالأمان وبثّ العدلَ، وأقام لهم شحنته يمنع مَن ظلمهم، واستولى على تلك البلاد، وطلب الجُند أرزاقهم فلم يكن عنده ما يُعطيهم، فكاد يَنحلُّ أمره.
الأقدارُ والحظوظُ تَخدم بني بويه:
فقعد في غُرفة في دار الإمارة بشيراز يُفكّر في أمره، فرأى حيّةً خرجت مِن موضع في سقف تلك الغُرفة، ودخلت في ثقب هناك، فخافَ أن تَسقط عليه فدعا الفرّاشين، ففتحوا الموضع فرأوا وراءه باباً، فدخلوا إلى غُرفة أُخرى وفيها عشرة صناديق مملوءة مالاً ومصوغاً، وكان فيها ما قيمته خمسمئة ألف دينار فأنفقها، وثبتَ مُلكه بعد أن كان قد أشرف على الزوال.
وحُكيَ أنّه أراد أن يُفصّل ثياباً، فدلّوه على خيّاط كان لياقوت
فأحضره، فحضر خائفاً وكان أصمّ، فقال له عماد الدولة:
لا تخف، فإنّما أحضرناك لتُفصّل ثياباً. فلم يَعلم ما قال، فابتدأ وحلف بالطلاق والبراءة مِن دين الإسلام أنّ الصناديق الّتي عنده لياقوت ما فتحها، فتعجّب الأمير مِن هذا الاتّفاق، فأمره بإحضارها، فأحضر ثمانية صناديق فيها مال وثياب قيمته ثلاثمائة ألف دينار، ثُمّ ظهر له ودائع ياقوت وذخائر يعقوب وعمر وابني الليث جُملة كثيرة فامتلأت خزائنه وثبت مُلكه.
اتّصاله بالراضي بالله وخُدعته رسوله:
فلمّا تمكّن مِن شيراز وفارس كَتب إلى الراضي بالله - وكانت الخلافة قد أفضت إليه - وإلى وزيره أبي علي بن مقلة يُعرفهما أنّه على الطاعة، ويطلب منه أن يُقاطع على ما بيده مِن البلاد، وبَذَل ألف ألف درهم، فأُجيب إلى ذلك فأنفذوا له الخلع، وشرطوا على الرسول أن لا يُسلّم إليه الخلع إلاّ بعد قبض المال، فلمّا وصل الرسول خرجَ عماد الدولة إلى لقائه، وطلب منه الخلع واللواء، فذكر له الشرط فأخذهما منه قهراً، ولبس الخلع ونشر اللواء بين يديه، ودخل البلد وغالط الرسول بالمال، فمات الرسول عنده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وعظُم شأنه وقصده الرجال مِن الأطراف، ولمّا سمع مرداويج بما ناله مِن ابن بويه قام لذلك وقعد، وسار إلى أصبهان للتدبير عليه، وكان بها أخوه وشمكير، لأنّه لمّا خُلع القاهر وتأخّر محمّد بن ياقوت عنها عاد إليها وشمكير بعد أنْ بقيتْ تسعة عشر يوماً خالية مِن أمير، فلمّا وصلها مرداويج ردّ أخاه وشمكير إلى الري.
تَعليقٌ على ما سَبَق لا بُدّ مِنه:
لقد أقام عماد الدولة بن بويه البُرهان على تدبير في الحُروب سديد، وعلى حَذَر ويقظة وذكاء هي مِن أهم ّصفات القوّاد بصرفه جيشه الديلمي عن نهب أسلاب جيش ياقوت المُنهزم، وأمرِه بالثبات، وقد ظهرت له خِدعة ياقوت المُنهزم بجيشه حيث يجمع إليه مِن فُلوله أربعة آلاف، وهو على نشز مُرتفع، ويأمرهم بالثبات ليأخذ الجيش الديلمي على غرّة، وهو على غير النظام باشتغاله في النهب، فلم يترك حَذَر عماد الدولة ياقوتاً يَتمكّن مِن إتمام خدعته، كما أقام البُرهان الآخر على جدارته بالمُلك وهو يَجمع أنبل
صفات المالكين، ومَن يبنون على دعائمها الراسخة مُلكهم العتيد، حيث أبَتْ نفسه أن يَحذو حذو ياقوت في التشهير بالمغلوبين فيما إذا أُتيحت له الغلبة قائلاً:
إنّ ذلك بغيٌ ولؤمٌ. كما أحسن إلى الأُسارى بإطلاقهم، ثُمّ بتخييرهم بين المُقام عنده واللحاق بياقوت، وهو يَعلم أنّ في لحاقهم بخصمه قوّةٌ لخصمه، فكان مِن سداد سياسته وجميل إحسانه أن قادَهُم إليه، وقيّدهم عن قُيود الحديد بقُيود المعروف والإحسان، (ومَن وَجَدَ الإحسانَ قيداً تقيّدا).
بمثل هذا التدبير السديد، وبمثل هذا الإحسان، وبمثل تلك اليقظة في ميادين النِزال والقتال ظَهَرَ أمرُ بني بويه، وهبَّتْ لهم ريح النصر، وأسلس لهم المُلك مِن قياده فراضوا صِعابه.
وقد يُؤاخذ عماد الدولة بخُلفه وَعدَ الراضي بالله بالطاعة، وبذل المال بعد إنفاذ الخلع عليه واللواء، ولكن مَن يعلم ما آلت إليه حال الخلفاء العباسيّين مِن خَلعِ خليفة وتنصيب آخر وقتل ثالث ما بين عشيّة أو ضُحاها، وهُم كالريشةِ في مهبّ العواصف، قد يجد له عُذراً في هذا الخُلف، وإبقاء المال الكثير الّذي وَعدَ به الخليفة لصرفه في مهامّ أُموره، وفي ترسيخ بُنيان مُلكه، وهو مُحاط بالأعداء مِن هُنا وهُناك، وحَسبُهُ بخصمه مرداويج الشديد ودع خصومه الآخرين، وقد يدّخر هذا المال أو ما يَخلفه لمُصانعة خليفة آخر قد تصير إليه الخلافة في الوقت القريب.
وبعد، فإنّ للسياسة وجوهاً وألواناً ولا سيّما في ذلك العهد المُضطرب، وعماد الدولة مؤسّس الدولة بها جدّ عليم.
وممّا اتّفق له في شيراز، وهو ممّا لم يذكره ابن الأثير، وذكره ابن كثير، (وهو أنّه رَكِب ذات يوم يَتفرّج في جوانب البلد، وينظر إلى ما بَنَتْه الأوائل، ويتّعظ بمَن كان فيه قبله، فانخسفت الأرض مِن تحت قوائم فرسه، فأمَر فحُفِر هُنالك فوجد مِن الأموال شيئاً كثياً أيضاً).
استيلاء مرداويج على الأهواز:
لمّا بَلَغَ مرداويج استيلاء عليّ بن بويه على فارس اشتدّ ذلك عليه، فسار إلى أصبهان للتدبير على ابن بويه، فرأى أن ينفذ عسكراً إلى الأهواز ليستولي عليها، ويسدّ الطريق على عماد الدولة بن بويه إذا قصده، فلا يبقى له طريق إلى الخليفة، ويقصده هو مِن ناحية أصبهان، فلا يثبت لهم، فسارت
عساكر مرداويج في شهر رمضان حتّى بلغت اميزج، فخاف ياقوت أنْ يَحصل بينهم وبين ابن بويه، فسار إلى الأهواز ومعه ابنه المُظفّر، وكتب إلى الراضي ليُقلّده أعمال الأهواز فقلده ذلك، وصار أبو عبد الله بن البريدي كاتبه مُضافاً إلى ما بيده مِن أعمال الخراج بالأهواز، وصار أخوه أبو الحسين يَخلفه ياقوتاً ببغداد، ثُمّ استولى عسكر مرداويج على رامهرمز أوّل شوال مِن هذه السنة، وساروا نحو الأهواز، فوقف لهم ياقوت على قنطرة الربق فلم يُمكنْهم مِن العبور لشدّة جري الماء، فأقاموا بإزائه أربعين يوماً، ثُمّ رحلوا فعبروا على الأطواف نهر المسرقان، فبلغ الخبر إلى ياقوت وقد أتاه مَدَدٌ مِن بغداد قبل ذلك بيومين، فسار بهم إلى قرية الريخ، وسار منها إلى واسط، وبها حينئذ محمّد بن رائق، فأخلى له غربي واسط فنزل فيه ياقوت، ولمّا بَلغَ عماد الدولة استيلاء مرداويج على الأهواز كاتب نائب مرداويج يستميله، ويطلب منه أن يتوسّط الحال بينه وبين مرداويج، ففعل ذلك، وسعى فيه فأجابه مرداويج إلى ذلك على أن يُطيعه ويَخطب له، فاستقرَّ الحال بينهما، وأهدى له ابن بويه هديّة جليلة، وأنفذ أخاه رُكن الدولة رهينة، وخطب لمرداويج في بلاده فرضي مرداويج منه، واتّفق أنّه - مرداويج - قتل فقويَ أمر ابن بويه، وكان قتل مرداويج في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة بعد ذلك الاتّفاق بسَنة، وكان قتله لأُمور نَقَمَها عليه أتباعه، وتولّى ذلك جماعة مِن الأتراك، ولمّا قُتل كان رُكن الدولة بن بويه رهينة عنده كما سبق بيانه، فبذل للموكّلين مالاً فأطلقوه، فخرج إلى الصحراء ليفكّ قيوده، فأقبلت بغال عليها تبن وعليها أصحابه وغُلمانه، فأُلقي التبن، وكَسر أصحابه قُيوده، وركبوا الدواب ونجوا إلى أخيه عماد الدولة بفارس.
ولمّا قَتل الأتراك مرداويج سارت فرقة منهم إلى عماد الدولة بن بويه مع فخجج الّذي كان له شأن مَذكور في الدولة.
ظَفَرَ عِماد الدولة بياقوت مَرّة أُخرى:
لمّا انهزم ياقوت مِن الأهواز وقويَ بها أمرَ البريدي - وكان يَتولّى الكتابة إلى ياقوت ويتصرف في أعمال أسافل الأهواز - سار إليه، فأقام معه بواسط، فلمّا قبُض على ابنيه كَتبَ ابن مُقلة إلى ابن البريدي يأمره أن يُسكن ياقوتاً، ويُعرّفه أنّ الجُند اجتمعوا وطلبوا القبض على ولديه، فَقُبِضا
تسكيناً للجُند، وأنّهما يسيران إلى أبيهما عن قريب، وأنّ الرأي أنْ يسير هو لفتح فارس، فسار ياقوت مِن واسط على طريق السوس، وسار البريدي على طريق الماء إلى الأهواز، وكان إلى أخَوَيه أبي الحسين وأبي يوسف ضمان السوس وجنديسابور، وادَّعَيا أنّ دَخْلَ البلاد لسَنة اثنتين وعشرين أخذه عسكر مرداويج، وأنّ دَخْلَ سنة ثلاث وعشرين لا يَحصل منه شيء؛ لأنّ نواب مرداويج ظلموا الناس فلم يبقَ لهم ما يزرعونه، وكان الأمرُ بضدّ ذلك في السَنتين، فبلغ ذلك الوزير ابن مقلة، فأنفذ نائباً له ليُحقّق الحال، فواطأ ابني البريدي وكتب بصدقهم، فحصل لهم بذلك مال عظيم، وقَويتْ حالهم، وكان مَبلَغ ما أخذوه أربعة آلاف ألف دينار، وأشار ابن البريدي على ياقوت بالمسير إلى أرجان لفتح فارس، وأقام هو بجباية الأموال مِن البلاد، فحصل منها ما أراد، فلمّا سار ياقوت إلى فارس في جموعه لقيه ابن بويه بباب أرجان، فانهزم أصحاب ياقوت، وبقي إلى آخرهم ثُمّ انهزم، وسار ابن بويه خَلفه إلى رامهرمز، وسار ياقوت إلى عسكر مكرم، وأقام ابن بويه برامهرمز إلى أن وقع الصُلح بينهما.
استيلاءُ عِمادِ الدَولةِ على أصبهان وغيرها:
في هذه السَنة (سَنة ٣٢٣هـ) جهّز عماد الدولة بن بويه أخاه رُكن الدولة الحسن إلى بلاد الجبل، وسَيَّر معه العساكر بعد عوده لمَّا قُتل مرداويج، فسار إلى أصبهان فاستولى عليها، وأزال عنها وعن عدّة مِن بلاد الجبل نوّاب وشمكير، وأقبل وشمكير وجهّز العساكر نحوه، وبقي هو ووشمكير يتنازعان تلك البلاد، وهي: أصبهان، وهَمذان، وقُم، وقاجان، وكرج، والري، وكنكور، وقزوين وغيرها.
ظَفَرُهُ بطاهر الجبلي الخارج عن طاعته:
اتّصل طاهر هذا بياقوت - وهو مِن كِبار أصحاب ابن بويه - في ثمانمئة رجُل، وهو مِن أرباب المَراتب العالية، ومِمَن يسمو إلى مَعالي الأُمور، وسَبَب اتّصاله به خوفه مِن ابن بويه أن يقبض عليه خوفاً منه، فلمّا رأى حال ياقوت انصرف عنه إلى غربي تستر، وأراد أنْ يَتغلّب على ماء البصرة، وكان معه أبو جعفر الصيمري، وهو كاتبه، فسَمِع به عماد الدولة بن بويه
فكبسه، فانهزم هو وأصحابه، واستولى ابن بويه على عسكره وغنمه، وأسر الصيمري فأطلقه الخيّاط وزير عماد الدولة بن بويه، فمضى إلى كرمان، واتصل بالأمير مُعزّ الدولة بن بويه، وكان ذلك سبب إقباله.
تجهيزُ عِمادِ الدولةِ وأخيه رُكن الدولة أخاهما الأصغر مُعزّ الدولة بالجيوش لفتح كرمان:
في هذه السنة سَيَّر عِماد الدولة وركن الدولة أخاهما مُعزّ الدولة الأصغر بالجيوش لفتح كرمان ليستَبدّ بمُلكها، وقد جرى ما ستراه في غير هذا المكان مِن تَرجمة مُعزّ الدولة.
التجاءُ البريدي إلى عِماد الدولة:
لمّا انهزم البريدي أمام بجكم وابن رائق سار مِن جزيرة أوال إلى عماد الدولة بن بويه واستجار به، وأطمعه في العراق وهون عليه أمْرَ الخليفة وابن رائق، فَنَفَذ معه أخاه مُعزّ الدولة، فلمّا سَمِع ابن رائق بإقبالهم مِن فارس إلى الأهواز سيَّر بجكم إليها، فامتنع مِن المسير إلاّ أن يكون إليه الحرب والخراج، فأجابه إلى ذلك وسيّره إليها، ثُمّ إنّ جماعة مِن أصحاب البريدي قصدوا عسكر ابن رائق ليلاً فصاحوا في جوانبه، فانهزموا فلمّا رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلاّ يغنمه البريدي، وسار إلى الأهواز جريدة، فأشار جماعة على بجكم بالقبض عليه فلم يفعل، وأقام ابن رائق أيّاماً وعاد إلى واسط، وكان باقي عسكره قد سبقه إليها.
تَسيير عِماد الدولة أخاه مُعزّ الدولة مع البريدي لفتح العراق:
في سنة ٣٢٦هـ سار مُعزّ الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه إلى الأهواز وتلك البلاد فملكها، وكان سبب ذلك ما تقدّم ذِكره مِن مسير أبي عبد الله البريدي إلى عماد الدولة، فلمّا وصلَ إليه أطمعه في العراق والاستيلاء عليه، فسيّر معه أخاه مُعزّ الدولة إلى الأهواز، وترك أبو عبد الله البريدي ولديه أبا الحسن محمّداً وأبا جعفر القاضي عند عِماد الدولة بن بويه رهينة وساروا، فبلغ الخبر إلى بجكم بنزولهم أرجان فسار لحربهم، فانهزم مِن بين أيديهم، وكان سبب الهزيمة أنّ المطر اتّصل أيّاماً كثيرة،
فعُطّلت أوتار قُسي الأتراك، فلم يقدروا على رمي النشّاب، فعاد بجكم وأقام بالأهواز، وجعل بعض عسكره بعسكر مكرم، فقاتلوا مُعزّ الدولة بها ثلاثة عشر يوماً، ثُمّ انهزموا إلى تستر، فاستولى مُعزّ الدولة على عسكر مكرم، وسار بجكم إلى تستر مِن الأهواز، وأخذ معه جماعة مِن أعيان الأهواز، وسار هو وعسكره إلى واسط، وأرسل مِن الطريق إلى ابن رائق يُعلِمه الخبر، ويقول له:
إنّ العسكر مُحتاج إلى المال، فإنْ كان مَعَك مئتا ألف دينار فتُقيم بواسط حتّى نصل إليك وتُنفق فيهم المال، وإن كان المال قليلاً فالرأي أنّك تعود إلى بغداد لئلاّ يجري مِن العسكر شَغَب.
فلمّا بلغَ الخبر إلى ابن رائق عاد مِن واسط إلى بغداد، ووصل بجكم إلى واسط، فأقام بها، واعتَقل مَن معه مِن الأهوازيّين، وطالبهم بخمسين ألف دينار، وكان فيهم أبو زكريّا يحيى بن سعيد السوسي، قال أبو زكريا:
أردّتُ أنْ أعلم ما في نفس بجكم، فأنفذتُ إليه أقول: عندي نصيحة فأحضرني عنده، فقلتُ: أيّها الأمير أنتَ تُحدّث نفسك بمملكة الدنيا، وخدمة الخلافة وتدبير أعمالك كيف يجوز أنُ تعتقل قوماً منكوبين قد سُلبوا نِعمتهم، وتُطالبهم بمالٍ وهم في بَلد غربةٍ، وتأمُر بتعذيبهم، حين جُعل أمس طشت فيه نار على بطن بعضهم، أمْا تعلم أنّ هذا إذا سُمِع عنك استوحش مِنك الناس، وعاداك مَن لا يعرفك، وقد أنكرت على ابن رائق إيحاشه لأهل البصرة؟ أتراه أساء إلى جميعهم؟ لا والله، بل أساء إلى بعضهم فأبغضوه كلّهم، وعوام بغداد لا تَحتمل أمثال هذا، وذَكرتُ له فِعل مداويج.
فلمّا سمع ذلك، قال: قد صدقتني ونصحتني، ثُمّ أمر بإطلاقهم.
ولمّا استولى ابن بويه والبريدي على عسكر مكرم سار أهل الأهواز إلى البريدي يُهنّئونه، وفيهم طبيب حاذق، وكان البريدي يَحمُّ بِحُمّى الربع، فقال لذلك الطبيب: أمّا ترى يا أبا زكريا حالي وهذه الحُمّى؟ فقال له: خَلطٌ، يعني في المأكول. فقال له: أكثر مِن هذا التخليط قد رهجت الدُنيا.
ثُمّ ساروا إلى الأهواز فأقاموا بها خمسة وثلاثين يوماً، ثُمّ هرب البريدي مِن ابن بويه إلى الباسيان، فكاتبه بِعَتَب كثير ويذكر عُذره في هربه، وكان سبب هربه أنّ ابن بويه طَلبَ عسكره الّذين بالبصرة ليسيروا إلى أخيه رُكن الدولة بأصبهان معونة له على حرب وشمكير، فأحضر منهم أربعة آلاف فلمّا حضروا، قال لمُعز الدولة:
إنْ أقاموا وقع بينهم وبين الديلم فتنة، والرأي أن يسيروا إلى السوس، ثُمّ يسيروا إلى أصبهان. فأذِن له
في ذلك، ثُمّ طالبه بأنْ يُحضر عسكره الّذين بحصن مهدي ليُسيّرهم في الماء إلى واسط، فخاف البريدي أن يُعمَل به مِثل ما عَمِل هو بياقوت، وكان الديلم يُهينونه ولا يَلتفتون إليه، فهرب وأمر جيشه الّذين بالسوس فساروا إلى البصرة، وكاتب مُعزّ الدولة بالإفراج له عن الأهواز حتّى يتمكّن مِن ضمانه، فإنّه كان قد ضَمِن الأهواز والبصرة مِن عماد الدولة بن بويه كُلّ سَنة بثمانية عشر ألف ألف درهم، فرحل عنها إلى عسكر مكرم خوفاً مِن أخيه عماد الدولة بن بويه؛ لئلا يقول له: كسرت المال.
فانتقل البريدي إلى بناباذ، وأنفذ خليفته إلى الأهواز، وأنفذ إلى مُعزّ الدولة يَذكر له حاله وخوفه منه، ويطلب أن ينتقل إلى السوس مِن عسكر مكرم ليَبعُد عنه، ويأمَن بالأهواز، فقال له أبو جعفر الصيمري وغيره:
إنّ البُريدي يُريد أنْ يفعل بك كما فعل بياقوت، ويُفرّق أصحابك عنك، ثُمّ يأخذك فيتقرّب بكَ إلى بجكم وابن رائق، ويستعيد أخاك لأجلك.
فامتنع مُعزّ الدولة مِن ذلك، وعلم بجكم بالحال فأنفذ جماعة مِن أصحابه، فاستولوا على السوس وجنديسابور، وبقيت الأهواز بيد البريدي، ولم يبقّ بيد مُعزّ الدولة مِن كوَر الأهواز إلاّ عسكر مكرم، فاشتدَّ الحال عليه، وفارقه بعض جنده، وأرادوا الرجوع إلى فارس فمنعهم أصفهووست وموسى قياذه - وهُما مِن أكابر القوّاد - وضمنا لهم أرزاقهم ليُقيموا شهراً فأقاموا، وكَتب إلى أخيه عِماد الدولة يُعرفه حاله فأنفذ له جيشاً فقَويَ بهم، وعاد استولى على الأهواز، وهرب البريدي إلى البصرة واستقرّ فيها، فاستقرَّ ابنُ بويه بالأهواز، وأقام بجكم بواسط طامعاً في الاستيلاء على بغداد ومكان ابن رائق، ولا يُظهر له شيئاً مِن ذلك.
وأنفذ ابنُ رائق عليَّ بن خلف بن طياب إلى بجكم ليسير معه إلى الأهواز، ويُخرج منها ابن بويه، فإذا فعل ذلك كانت ولايتها لبجكم والخراج إلى عليّ بن خلف، فلمّا وصل علي إلى بجكم بواسط استوزره بجكم، وأقام معه، وأخذ بجكم جميع مال واسط، ولمّا رأى أبو الفتح الوزير ببغداد إدبار الأُمور أطمع ابن رائق في مصر والشام، وصاهره، وعقد بينه وبين ابن طغج عهداً وصهراً، وقال لابن رائق:
أنا أُجبي إليك مال مصر والشام إن سيّرتني إليهما، فأمره بالتجهّز للحركة ففعل، وسار أبو الفتح إلى الشام.
موتُ عمادِ الدولة بن بويه:
في جمادى الآخرة سَنة ٣٣٨هـ مات عماد الدولة في شيراز، وكانت عِلّته الّتي مات بها قرحة في كلاه طالت به، وتوالت عليه الأسقام والأمراض، فلمّا أحسَّ بالموت أنفذ إلى أخيه رُكن الدولة يَطلب منه أن ينفذ إليه ابنه عَضُد الدولة فناخسرو؛ ليجعله وليَّ عهده، ووارث مملكته بفارس؛ لأنّ عماد الدولة لم يكن له وَلَد ذَكر، فأنفذ رُكن الدولة ولده عَضُد الدولة فوصل في حياة عمّه قبل موته بسَنة، وسارَ في جُملة ثقات أصحاب رُكن الدولة، فخَرج عماد الدولة إلى لقائه في جميع عسكره، وأجلسه في داره على السرير، ووقف هو بين يديه، وأمر الناس بالسلام على عَضُد الدولة والانقياد له، وكان يوماً عظيماً مشهوداً، وكان في قوّاد عِماد الدولة جماعة مِن الأكابر يخافهم، ويعرفهم بطلب الرياسة، وكانوا يَرون أنفسهم أكبر منه نَفساً وبيتاً، وأحقّ بالتَقدّم، وكان منهم قائد كبير يُقال له شيرنحين، فقبض عليه، فتشفع فيه أصحابه وقوّاده، فقال لهم:
إنّي أُحدّثكم عنه بحديث، فإن رأيتم أن أُطلقه فعلت. فحدّثهم أنّه كان في خُراسان في خدمة نصر بن أحمد، ونحن شرذمة قليلة مِن الديلم ومَعنا هذا، فجلس يوماً نصر، وفي خدمته مِن مماليكه ومماليك أبيه بضعة عشر ألفاً سوى سائر العسكر، فرأيت شيرنحين هذا قد جرّد سليناً معه ولفّه في كسائه، فقلت: ما هذا؟ فقال: أُريد أن أقتل هذا الصبي - يعني نصراً - ولا أُبالي بالقتل بعده، فإنّي قد أنِفَتْ نفسي مِن القيام بخدمته. وكان عُمر نصر بن أحمد يومئذ عشرين سَنة، وقد خرجت لحيته، فعلمت أنّه إذا فعل ذلك لم يُقتل وحده، بل نُقتَل كُلّنا، فأخذت بيده وقلت له: بيني وبينك حديث، فمَضيتُ به إلى ناحية، وجمعت الديلم وحدّثتهم حديثه، فأخذوا منه السكين، فتريدون منّي بعد أن سمعتم حديثه في معنى نصر أن أُمكّنه مِن الوقوف بين يدَي هذا الصبي، يعني ابن أخي.
فأمسكوا عنه وبقي محبوساً حتّى مات في مَحَبسِه، ومات عماد الدولة وبقي عضد الدولة بفارس، فاختَلف أصحابه، فكَتب مُعزّ الدولة إلى وزيره الصيمري بالمسير إلى شيراز، وتَرْك مُحاربة عمران بن شاهين، فسار إلى فارس ووصل رُكن الدولة أيضاً، واتفقا على تقرير قاعدة عضُد الدولة، وكان رُكن الدولة قد استخلف على الري عليّ بن كامة، وهو
مِن أعيان أصحابه، ولمّا وصل رُكن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه باصطخر، فمشى حافياً حاسراً، ومعه العساكر على حاله ولزم القبر ثلاثة أيّام إلى أن سأله القوّاد الأكابر ليرجع إلى المدينة، فرجع إليها وأقام تسعة أشهر، وأنفذ إلى أخيه مُعزّ الدولة شيئاً مِن المال والسلاح وغير ذلك، وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأُمراء، فلمّا مات صار أخوه رُكن الدولة أمير الأُمراء، وكان مُعزّ الدولة هو المُستولي على العراق والخلافة وهو كالنائب عنهما، وكان عِماد الدولة كريماً حليماً عاقلاً حَسِن السياسة للمُلك والرعيّة.
وقد ترجم له ابن خلكان، وترجم لأخَويه رُكن الدولة ومُعزّ الدولة، وقال في ترجمته:
وكان عِماد الدولة سبب سعادتهم التامّة, وانتشار صيتهم، واستولوا على البلاد، ومَلَكوا العراقين والأهواز وفارس، وساسوا أُمور الرعيّة أحسن سياسة، وقال:
وكانت وفاته يوم الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت مِن جمادى الأولى سَنة ثمان وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين وثلاثمئة بشيراز، ودُفن في دار المَملكة، وأقام في المملكة ستّ عشرة سنة، وعاش سبعاً وخمسين سَنة، ولم يُعقب رحمه الله تعالى، وأتاه في مرضه أخوه رُكن الدولة واتّفقا على تسليم بلاد فارس إلى عضد الدولة بن رُكن الدولة فتسلّمها.
وفي رواية ابن الأثير ورواية ابن خلكان اختلاف في الشهر الّذي تُوفّي فيه، فالأوّل يُؤرّخها في جمادى الآخرة، والثاني في جمادى الأولى، وهذا الاختلاف هو الّذي دعانا لنقل رواية ابن خلكان في تاريخ وفاته.
وقال المؤرّخ ابن كثير في ترجمته في حوادث سنة ٣٣٨هـ ما هذا مُلخّصه:
وهو أكبر أولاد بويه وأول مَن تملك مِنهم، وكان عاقلاً حاذقاً حميد السيرة رئيساً في نفسه، كان أوّل ظُهوره في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة، فلمّا كان هذا العام قويت عليه الأسقام، وتواترت عليه الآلام، فأحسّ مِن نفسه بالهلاك، ولم يُفاده ولا دَفَعَ عنه أمر الله ما هو فيه مِن الأموال، ولا ردّ عنه جيشه مِن الديالم والأتراك والأعجام، مع كثرة العدَد والعُدد، بل تخلّوا عنه أحوج ماكان إليهم، إلى أنْ قال: وكان مِمَّن حاز قصب السبق دون أقرانه، وكان هو أمير الأُمراء، وبذلك كان يكُاتبه
الخُلفاء، ولكنّ أخوه مُعزّ الدولة كان يَنوب عنه في العراق والسواد.
وبالجملة فإنّ كلّ مَن ذَكرَ الدولة البويهيّة مِن المًؤرِّخين وأوليتها أشاد بفضائل عميدها عِماد الدولة، وجَمْعِه لكلِّ مُقوّمات المُلك والسياسة مِن نُهى وحزم وتدبير وسياسة وكياسة وعدل وبذل نَدَى ومُساعدة الأقدار له الخلال الّتي مهّدت له لتأسيس الدولة البويهيّة، وإقامة بنيانها على هذه القواعد، فكانت لها وللقائمين بأُمورها المكانة الرفيعة في التاريخ الإسلامي.
الثاني: أبو عليّ الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي المُلقّب بركن الدولة:
قال ابن خلكان في وفياته:
وكان رُكن الدولة صاحب أصبهان والري وهمذان وجميع عراق العجم، وهو والد عضد الدولة فناخسرو، ومُؤيّد الدولة أبي منصور بويه وفخر الدولة أبي الحسن علي، وكان مَلِكاً جليل المقدار عالي الهِمّة، وكان أبو الفضل بن العميد وزيره، ولمّا تُوفّي استوزر ولده أبا الفتح عليّاً.
أوائل أمره:
إنّ أوّل أمره مُرتبط بأوّل أمر الأُخوة الثلاثة بني بويه: عماد الدولة وقد عرفت في ترجمته انضمامهم إلى ماكان بن كالي الديلمي، ثُمّ إلى مرداويج ابن زيار - مِن ملوك الجبل - بعد ظفره بماكان، ثُمّ استبدادهم بالأمر بعد تنكّر مرداويج لهم، وقلبه لهم ظهر المجن، وعدوله عن تولية أخيهم الأكبر عِماد الدولة الكرج، وتولية مَن كان في اللاجئين معه مِن القوّاد غيرهما، وقد أحسَّ منهم الطُموح إلى الاستبداد بالمُلك، إلى غير ذلك ممّا استوفينا خَبره في تَرجمة عِماد الدولة فلا نُعيده هُنا، وكان هو وأخوه مُعزّ الدولة ظهيريه وسيفيه المُرهفين على خُصومه لتأسيس دولتهم الفتيّة، وكانوا نِعم الأُخوة إخلاصاً واتّفاقاً يدوخون معه البلاد، ويخوضون لُجج الحُروب ببسالة نادرة، وشجاعة فائقة، وتدبير سديد، حتّى انتهى إليهم ما انتهى مِن سعة مُلكٍ ونُفوذ سلطان.
وكان لمّا استولى عماد الدولة على أرجان وغيرها، ومَلَك على مرداويج المذاهب واقض مضجعه قد بعث بأخيه رُكن الدولة إلى كازرون وغيرها مِن أعمال فارس في سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، فاستخرج مِنها أموالاً جليلة، فأنفذ ياقوت عسكراً إلى كازرون، فواقعهم رُكن الدولة فهزمهم وهو في نَفَر يسير، وعاد غانماً سالماً إلى أخيه.
وفي سَنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة بعد استيلاء مرداويج على الأهواز وعَقْد عماد الدولة الصُلح معه على أن يُطيعه ويَخطب له - وهو ماكان يَطلبه مرداويج منه وقد ظهر أمره، واستقرار الأمر بينهما على هذه القاعدة - أهدى له عِماد الدولة هدية جليلة، وأنفذ أخاه رُكن الدولة رهينة، وكانت بذلك قوّة لعماد الدولة، وبعد مَقتل مرداويج بَذلَ رُكن الدولة للموكّلين مالاً فأطلقوه، ونجا إلى أخيه عِماد الدولة بفارس.
استقلال رُكن الدولة بالمُلك:
إنّ الخطّة القويمة الّتي سلكها بنو بويه بعد تظافُرهم واتّفاقهم - والّتي مَكّنت لهم مِن امتلاك ناصية البلاد، وظُهور الأمر والتَغلُّب على مُنافسيهم - تكاد ترجع إلى سَدّهم أبواب التنازُع فيما بينهم على الاستقلال بالمُلك، وهو ماكان ولا يزال مثارة كلّ شِقاق بين كلّ طامح إليه مِن بعيد وقريب، وبين الأب وابنه، والأخ وأخيه، وبين كلّ ذوي قرابة، فقد تناسى الأُخوة عاطفة الاستئثار، بل قضوا عليها القضاء المُبرم ولم تجد أنانيّة المُلك وأُبّهة التفرُّد به إلى نفوسهم سبيلاً، فتَمشّوا على قاعدة لم يَسبقهم لها سابق مٍن كلّ ذي إمرة وسُلطان، حيث عملوا مُجتمعين على تمكين كلّ واحد منهم بمملكة مُستقلّة لا يطمع منهم طامع فيها، ولا يَمدُّ ببصره إليها في ريبة، وقد عرفتَ وسَتَعرف أنّ الأخَوين عِماد الدولة ورُكن الدولة المُترجَم له كيف اشتورا بينهما في أمر إنشاء دولة مستقلة لأخيهما الأصغر مُعزّ الدولة، بهذا التدبير الحكيم، وهذا الإنصاف العجيب، وهذه الغيرية الرائعة قضوا على أسباب النزاع فيما بينهم، وحسموا العلّة قبل سريان العلّة، بل حصّنوا نفوسهم بمناعة تُبعد عنها شبح العلّة، فكان لهم بهذه الحكمة ذلك الظُهور، وكان كلّ منهم ظهيراً لأخيه على ردّ كيد كلّ مَن تُحدّثه نفسه بالاعتداء على مملكته، فما استقرّ في سَنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة مُلك عِماد الدولة
لفارس حتّى كانت الري وأصبهان والجبل في يد رُكن الدولة ويد وشمكير ابن زيار أخي مرداويج يتنازعان عليها.
وفي هذه السَنة وُلد وَلده عضُد الدولة أبو شجاع فناخسرو بأصبهان، وهو الّذي انتهى إليه كلّ ما شاد بنو بويه مِن الممالك ومِن الأُبّهة والمَجد والعَظَمة، وما استجدّه في مُدّته مِن الممالك الأُخرى، وما بَلَغه مِن القوّة والنُفوذ على عاصمة الخلافة بغداد وخلفائها، كما ستراه مبسوطاً في ترجمته.
غَلَبة وشمكير لرُكن الدولة على أصبهان:
في سنة سبع وعشرين وثلاثمئة:
أرسل وشمكير بن زيار أخو مرداويج جيشاً كثيفاً مِن الري إلى أصبهان، وبها رُكن الدولة فأزالوه عنها، واستولوا عليها، وخطبوا فيها لوشمكير، ثُمّ سار رُكن الدولة إلى بلاد فارس فنزل بظاهر اصطخر، وسار وشمكير إلى قلعة ألموت فملكها وعاد عنها.
مسيره إلى واسط:
في سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة:
سار رُكن الدولة إلى واسط، وكان سَبب ذلك أنّ أبا عبد الله البريدي أنفذ جيشاً إلى السوس، وقتل قائداً مِن الديلم، فتحصّن أبو جعفر الصيمري بقلعة السوس، وكان على خراجها، وكان مُعزّ الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه بالأهواز فخاف أن يسير إليه البريدي مِن البصرة، فكَتب إلى أخيه رُكن الدولة وهو بباب اصطخر قد عاد مِن أصبهان بعد غلبة جيش وشمكير عليها، فلمّا أتاه كتاب أخيه سار إليه مُجدّاً يَطوي المنازل حتّى وصل إلى السوس، ثُمّ سار إلى واسط ليستَولّي عليها، إذ كان قد خرج عن أصبهان وليس له مُلك ليستقلّ به، فنزل بالجانب الشرقي، وكان البريديون بالجانب الغربي، فاضطرب رجال ابن بويه فاستأمن منهم مئة رجل إلى البريدي.
استرداد رُكن الدولة أصبهان:
عاد رُكن الدولة مِن واسط في هذه السَنة، واستولى على أصبهان، وسار مِن رامهرمز فاستولى عليها وأخرج عنها أصحاب وشمكير، وقتل منهم
وأسر بضعة عشر قائداً، وكان سَبَب ذلك أنّ وشمكير كان قد أنفذ عسكره إلى (ماكان) نجدة له، فخلت بلاد وشمكير مِن العساكر، وسار رُكن الدولة إلى أصبهان وبها نَفَرٌ يسير مِن العساكر فهزمهم واستولى عليها.
مُحالفة رُكن الدولة وأخيه عماد الدولة لأبي عليّ بن محتاج.
ومدّ رُكن الدولة له بالجيش لمحاربة ماكان ووشمكير، وكاتب هو وأخوه عِماد الدولة أبا عليّ بن محتاج يُحرّضانه على ماكان ووشمكير ويَعدانه المُساعدة عليهما، فصار بذلك بينهما مودّة، وكان قصدهما مِن هذا التحريض والوعد بالمساعدة أنْ تُؤخذ الري مِن وشمكير، فإذا أخذها أبو علي لا يُمكنه المُقام بها لسعة ولايته بخُراسان، فيُغلبان عليها، وبَلغَ أمرُ اتّفاقهم إلى وشمكير، وكاتب ماكان بن كالي يستخدمه ويُعرّفه الحال، فسار ماكان بن كالي مِن طبرستان إلى الري، وسار أبو علي وأتاه عسكر رُكن الدولة بن بويه، فاجتمعوا معه باسحاقاباذ والتقوا هُم ووشمكير، ووقف ماكان بن كالي في القلب وباشرَ الحرب بنفسه، وعبّئ أبو علي أصحابه كردايس، وأمرَ مَن بإزاء القلب أنْ يُلحّوا عليهم في القتال، ثُمّ يتطاردوا لهم ويَستجرّوهم، ثُمّ وصّى مَن بإزاء الميمنة والميسرة أنْ يُناوشوهم مُناوشة بمقدار ما يشغلونهم عن مُساعدة مَن في القلب ولا يُناجزوهم، ففعلوا بذلك، وألحّ أصحابه على قلب وشمكير بالحرب، ثُمّ تطاردوا لهم فطمع فيهم ماكان ومَن معه، فتبعوهم وفارقوا مواقفهم، فحينئذ أمرَ أبو علي الكراديس الّتي بإزاء الميمنة والميسرة أنْ يَتقدّم بعضهم ويأتي مَن في قلب وشمكير مِن ورائهم، ففعلوا ذلك، فلمّا رأى أبو علي أصحابه قد أقبلوا مِن وراء ماكان ومَن معه مِن أصحابه أمَرَ المُتطاردون بالعَود والحملة على ماكان وأصحابه، وكانت نفوسهم قد قَويت بأصحابهم، فرجعوا وحملوا على أولئك وأخذهم السيف مِن بين أيديهم ومِن خَلفهم، فولّوا مُنهزمين، فلمّا رأى ماكان ذلك ترجّل وأبلى بلاء حسناً، وظهرتْ منه شجاعة لم يَرَ الناس مثلها، فأتاه سَهم غرب فوقع في جبينه، فنفذ في الخوذة والرأس حتّى طلع مِن قفاه وسقط ميّتاً، وهرب وشمكير ومَن سَلِم معه إلى طبرستان.
استيلاء رُكن الدولة على الري:
وفي سنة ثلاثين وثلاثمئة لمّا سمِع رُكن الدولة وأخوه عِماد الدولة
بملك وشمكير الري طمعا فيه؛ لأنّ وشمكير كان قد ضعُف، وقلّتْ رجاله وماله بتلك الحادثة مع أبي علي، فسار رُكن الدولة إلى الري واقتتل هو ووشمكير، فانهزم وشمكير، واستأمن كثير مِن رجاله إلى رُكن الدولة، فسار وشمكير إلى طبرستان، فقصده الحَسن بن الفيرزان فاستأمن إليه كثير مِن عسكره أيضاً، فانهزم وشمكير إلى خُراسان.
ثُمّ إنّ الحسن بن الفيرزان راسل رُكن الدولة وواصله، فتزوّج رُكن الدولة بنتاً للحسن، فولدت له ولده فَخر الدولة عليّاً.
مُحاولة أبي عليّ بن محتاج مُلْك الريّ وعوده قبل مُلكها:
لمّا استقرّ الأمير نوح في ولايته بما وراء النهر وخُراسان أمَرَ أبا عليّ بن محتاج أنْ يَسير في عساكر خُراسان إلى الريّ ويستنقذُها مِن يدِ رُكن الدولة، فسار في جمع كثير فلقيه وشمكير بخُراسان وهو يَقصد الأمير نوحاً فسيّره إليه، وكان نوح حينئذ بمرو، فلمّا قَدِم عليه أكرمه وأنزله وبالغ في إكرامه والإحسان إليه.
وأمّا أبو علي، فإنّه سار نحو الري، فلمّا نزل ببسطام خالف عليه بعض مَن معه، وعادوا عنه مع منصور بن قراتكين - وهو من أكابر أصحاب نوح وخواصه - فساروا نحو جرجان وبها الحسن بن الفيرزان، فصدّهم الحسن عنها فانصرفوا إلى نيسابور، وسار أبو علي نحو الري فيمَن بقي معه، فخرج إليه رُكن الدولة مُحارباً فالتقوا على ثلاثة فراسخ مِن الري، وكان مع أبي عليّ جماعة كثيرة مِن الأكراد، ففرّوا منه واستأمنوا إلى رُكن الدولة، فانهزم أبو علي وعاد نحو نيسابور، وغنموا بعض أثقاله.
استيلاءُ أبي عليّ على الري:
ثُمّ سار أبو عليّ في هذه السنة - وهي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة - مِن نيسابور إلى نوح وهو بمرو، فاجتمع به فأعاده إلى نيسابور، وأمدّه بجيش كثير فعاد إلى نيسابور، وسار منها إلى الري في جمادى الآخرة وبها رُكن الدولة، فلمّا عَلِم رُكن الدولة بكثرة جموعه سار عن الري، واستولى أبو عليّ عليها وعلى سائر أعمال الجبال، وأنفذ نوّابه إلى الأعمال، وذلك في شهر رمضان مِن هذه السَنة.
ثُمّ إنّ الأمير نوحاً سار مِن مرو إلى نيسابور
فوصل إليها في رجب، وأقام بها خمسين يوماً، فوضع أعداء أبي علي جماعة مِن الغوغاء والعامّة فاجتمعوا واستغاثوا عليه، وشكوا سوء سيرته وسيرة نوّابه، فاستعمل الأمير نوح على نيسابور إبراهيم بن سيمجور، وعاد عنها إلى بُخارى في رمضان، وكان مُرادهم بذلك أنْ يَقطعوا طمع أبي علي عن خُراسان ليُقيم بالري وبلاد الجبل، فاستوحش أبو عليّ لذلك؛ فإنّه كان يَعتقد أنه يُحسن إليه بسبب فتح الري وتلك الأعمال، فلمّا عُزل شقَّ عليه ذلك، ووجّه أخاه أبا العبّاس الفضل بن محمّد إلى كور الجبال وولاّه همذان، وجعله خليفة على مَن معه مِن العساكر، فقصدَ الفضل نهاوند والدينور وغيرهما واستولى عليها، واستأمن إليه رُؤساء الأكراد مِن تلك الناحية، وأنفذوا إليه رهائنهم.
اختلافُ أبي عليّ والأمير نوح ثُمّ مُصالحتهما وانتهاز عِماد الدولة الفُرصة لاستعادة رُكن الدولة الري:
ما كانَ لعمادِ الدولةِ مِن التدبير لاستعادة رُكن الدولة الري:
استقرّ الصُلح بين الأمير نوح وأبي علي بعد الخلاف، وكان ذلك في سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة.
لمّا سار أبو علي نحو الري في عساكر خُراسان، كَتب رُكن الدولة إلى أخيه عِماد الدولة فأرسل إليه يأمره بُمفارقة الري والوصول إليه لتدبير له في ذلك، ففعل رُكن الدولة ذلك، ودخل أبو علي الريَّ فكَتب عماد الدولة إلى نوح سِرّاً يبذل له في الري في كُلّ سَنة زيادة على ما بذله أبو علي مئة ألف دينار، ويُعجّل ضمان سَنة، ويَبذل مِن نفسه مُساعدته على أبي علي حتّى يَظفر به وخوفه منه، فاستشار نوح أصحابه - وكانوا يحسدون أبا علي ويُعادونه - فأشاروا عليه بإجابته، فأرسل نوح إلى ابن بويه مَن يُقرّر القاعدة ويَقبض المال، فأكرم الرسول ووصله بمال جزيل، وأرسل إلى أبي علي يُعلمه خبر هذه الرسالة، وأنّه مُقيم على عهده وودّه وحذره مِن غدر الأمير نوح، فأنفذ أبو علي رسوله إلى إبراهيم وهو بالموصل يستدعيه ليُملّكه البلاد، فسار إبراهيم، فلقيه أبو علي بهمذان وساروا إلى خُراسان، وكَتب عِماد الدولة إلى أخيه رُكن الدولة يأمره بالمُبادرة إلى الريّ، فعاد إليه
واضطربت خُراسان، وردّ عماد الدولة رسول نوح بغير مال، وقال:
أخاف أنْ أنفذ المال فيأخذه أبو علي، وأرسل إلى نوح يُحذّره مِن أبي علي ويَعده بالمُساعدة عليه، وأرسل إلى أبي علي يعده بإنفاذ العساكر نجدة له، ويُشير عليه بسُرعة اللقاء. وإنّ نوحاً سار فالتقى هو وأبي علي بنيسابور، فانهزم نوح وعاد إلى سمرقند، واستولى أبو علي على بُخارا.
إنّ هذا الخلاف بين أبي علي ونوح وعودة أبي علي إلى خُراسان مكّنا لرُكن الدولة مِن الرُجوع إلى الري والاستيلاء عليها وعلى سائر أعمال الجبل، وأزال عنها الخُراسانيّة، دع ذلك، الدهاء العظيم الّذي أوقع به عِماد الدولة بين خَصميه وخَصمَي أخيه نوح وأبي علي، فكانت منه الفرصة وانتهازها لعَودة أخيه رُكن الدولة إلى الري، وانتهى ضعف خُصوم البويهيّين إلى قوّتهم وعِظَم مُلكهم، حتّى صار بأيديهم أعمال الري والجبل وفارس والأهواز والعراق، ويُحمل إليهم ضمان الموصل وديار بَكر وديار مُضر مِن الجزيرة.
مُلك رُكن الدولة طبرستان وجُرجان:
في ربيع الأوّل سنة ستّ وثلاثين وثلاثمئة اجتمع رُكن الدولة والحسن بن الفيرزان، وقصدا بلاد وشمكير فالتقاهما وانهزم منهما، ومَلك رُكن الدولة طبرستان وسار منها إلى جُرجان فملكها، واستأمن مِن قواد وشمكير مئة وثلاثة عشر قائداً، فأقام الحسن بن الفيرزان بجُرجان، ومضى وشمكير إلى خُراسان مُستجيراً ومستنجداً لإعادة بلاده.
مُلك مُعزّ الدولة الموصل على ناصر الدولة والصُلح بينهما على قاعدة ميل، والخطبة في بلاده له ولأخَويه عِماد الدولة ورُكن الدولة:
في سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة قصد مُعزّ الدولة مِن بغداد ناصر الدولة بن حمدان، فلمّا سمع ناصر الدولة بذلك سار عن الموصل إلى نصيبين، ووصل مُعزّ الدولة فمَلك الموصل، ولمّا همَّ أنْ يملك جميع بلاد ناصر الدولة أتاه الخبر مِن أخيه رُكن الدولة بقصد عساكر خُراسان جرجان
والري، ويطلب منه العساكر نجدةً فاضطرّ إلى مُصالحة ناصر الدولة، واستقرار الحال بينهما على مالٍ والخُطبة له في بلاده ولأخَويه عِماد الدولة وناصر الدولة.
وسار في هذه السَنة منصور بن قراتكين في جيوش خُراسان إلى جُرجان وبصُحبته وشمكير، فتمّ لهما امتلاك جُرجان صُلحاً مع الحسين بن الفيرزان عامل رُكن الدولة عليها، وبقي وشمكير بجُرجان.
مسير المرزبان إلى الري:
في هذه السنة سار المرزبان محمّد بن مسافر صاحب أذربيجان إلى الري؛ وسبب ذلك أنّه بلغه خُروج عساكر خُراسان إلى الري، وأنّ ذلك يُشغل رُكن الدولة عنه.
ثُمّ إنّه كان أرسل رسولاً إلى مُعزّ الدولة، فحَلق مُعزّ الدولة لحيته، وسبّه وسبّ صاحبه وكان سفيهاً، فعظُم ذلك على المرزبان، وأخذ في جمع العساكر، واستأمن إليه بعض قوّاد رُكن الدولة وأطمعه في الري، وأخبره أنّ مَنْ وراءه مِن القوّاد يُريدونه، فطمع لذلك، وراسله ناصر الدولة يَعدُه المُساعدة، ويُشير عليه أنْ يَبتدئ ببغداد، فحالفه ثُمّ أحضر أباه وأخاه وهسوذان، واستشارهما في ذلك، فنهاه أبوه عن قصد الري فلم يقبل، فلمّا ودّعه بكى أبوه، وقال:
يا بُني، أين أطلبك بعد يومي هذا، قال: إمّا في دار الإمارة بالري، وإمّا بين القتلى، فلمّا عرف رُكن الدولة خبره كَتب إلى أخَوَيه عِماد الدولة ومُعزّ الدولة يَستمدّهما، فسَيّر عِماد الدولة ألفَي فارس، وسير إليه مُعزّ الدولة جيشاً مع سبكتكين التركي، وأنفذ عهداً مِن المُطيع لله لركن الدولة بخُراسان، فلمّا صاروا بالدينور خالف الدَيلم على سبكتكين وكبسوه ليلاً، فركب فرس النوبة ونجا، واجتمع الأتراك عليه، فعلم الديلم أنّهم لا قوّة لهم به، فعادوا إليه وتضرّعوا فقبِل عُذرهم، وكان رُكن الدولة قد شَرع مع المرزبان في المُخادعة وإعمال الحيلة، فكَتب إليه يتواضع له ويُعظّمه، ويَسأله أن ينصرف عنه على شرط أن يُسلّم إليه رُكن الدولة زنجان وأبهر وقزوين، وتردّدت الرُسل في ذلك إلى أنْ وصله المَدد مِن عِماد الدولة ومُعزّ الدولة، وأحضر معه محمّد بن عبد الرزّاق، وأنفذ له الحسن بن الفيرزان عسكراً مع محمّد بن ماكان، فلمّا كَثُر جمعه قبض على جماعة ممَّن كان يتّهمهم مِن قوّاده، وسار إلى قزوين فعلم المرزبان عجزه
عنه، وأنِفَ مِن الرُجوع فالتقيا، فانهزم عسكر المرزبان، وأُخذ أسيراً وحُمل إلى سميرم فحُبس بها، وعاد رُكن الدولة ونزل محمّد بن عبد الرزاق بنواحي أذربيجان.
وأمّا أصحاب المرزبان، فإنّهم اجتمعوا على أبيه محمّد بن مسافر وولّوه أمرهم، فهرب منه ابنه وهسوذان إلى حصنٍ له، فأساء محمّد السيرة مع العسكر، فأرادوا قَتْله فهرب إلى ابنه وهسوذان، فقبض عليه وضيّق عليه حتّى مات، ثُمّ تحيّر وهسوذان في أمره، فاستدعى ديسم الكردي لطاعة الأكراد له، وقوّاه وسيّره إلى محمّد بن عبد الرزّاق، فالتقيا فانهزم ديسم وقوي ابن عبد الرزّاق، فأقام بنواحي آذربيجان يجبي أموالها، ثُمّ رجع إلى الري.
مسير الخراسانيّين إلى الري:
في سَنة تسع وثلاثين وثلاثمئة سار منصور بن قراتكين مِن نيسابور إلى الري في صَفر، أمَرَه الأمير نوح بذلك، وكان رُكن الدولة بفارس في شيراز مُستخلفاً على الريّ عليّ بن كامة، فوصل منصور إلى الري، وبها عليّ بن كامة خليفة رُكن الدولة، فسار عنها علي إلى أصبهان، ودخل منصور الري واستولى عليها، وفرق العساكر في البلاد، فملكوا بلاد الجبل إلى قرميسين، وأزالوا عنها نوّاب رُكن الدولة، واستولوا على همذان وغيرها، فبلَغَ الخبر إلى رُكن الدولة وهو بفارس، فكَتب إلى أخيه مُعزّ الدولة يأمره بإنفاذ عسكر يَدفع تلك العساكر عن النواحي المُجاورة للعراق، فسَيَّر سبكتكين الحاجب في عسكر ضخم مِن الأتراك والديلم والعَرب، فلمّا سارَ سبكتكين عن بغداد خَلّف أثقاله وأسرى جريدة إلى مَن بقرميسين مِن الخُراسانيّين، فكبسوهم وهُم غارون فقَتل فيهم، وأسر مُقدّمهم مَن الحمام واسمه بجكم الخمار تكيني، فأنفذه مع الأسرى إلى مُعزّ الدولة، فحبسه مُدّة ثُمّ أطلقه، فلمّا بَلغَ الخراسانيّة ذلك اجتمعوا إلى همذان، فسار سبكتكين نحوهم، ففارقوا همذان ولم يُحاربوه، ودخل سبكتكين همذان، وأقام بها إلى أن وَرَد عليه رُكن الدولة، فلمّا بقيَ بينهما مقدار عشرين فَرسخاً عَدَلَ منصور إلى أصبهان، ولو قصد همذان لانحاز رُكن الدولة عنه، وكان مَلَك البلاد بسبب اختلافٍ كان في عسكر رُكن الدولة، ولكنّه عَدَلَ عنه لأمرٍ يُريده الله تعالى.
وتَقدّم رُكن الدولة إلى سبكتكين بالمسير في مُقدّمته، فلمّا أراد المسير
شغب عليه بعض الأتراك مَرّة بعد أُخرى، فقال رُكن الدولة:
هؤلاء أعداؤنا ومعنا، والرأي أنْ نبدأ بهم فواقعهم واقتتلوا فانهزم الأتراك، وبلَغَ الخبر إلى مُعزّ الدولة، فكَتب إلى ابن أبي الشوك الكُردي وغيره يأمرهم بطلبهم والإيقاع بهم، فطلبوهم وأسروا منهم وقُتلوا، ومضى مَن سَلِمَ منهم إلى الموصل.
وسار رُكن الدولة نحو أصبهان، ووصل ابن قراتكين إلى أصبهان، فانتقل مَن كان بها مِن أصحاب رُكن الدولة وأهله وأسبابه، وركبوا الصعب والذلول حتّى البقر والحمير، وبلغ كراء الثور والحمار إلى خان لنجان مئة درهم، وهي على تسعة فراسخ مِن أصبهان، فلم يُمكنهم مُجاوزة ذلك الموضع، ولو سار إليهم منصور لغنمهم وأخذ ما معهم وملك ما وراءهم، إلاّ أنّه دخل أصبهان وأقام بها، ووصل رُكن الدول فنَزَل بخان لنجان، وجرت بينهما حُروب عدّة أيام وضاقت الميرة على الطائفتين، وبلغ بهم الأمر إلى أن ذبحوا دوابهم، ولو أمكن رُكن الدولة الانهزام لفعل، ولكنّه تَعذّر عليه ذلك، واستشار وزيره أبا الفضل بن العميد في بعض الليالي في الهرب، فقال له:
لا ملجأ لكَ إلاّ الله تعالى، فانوِ للمسلمين خيراً، وصمِّم العَزم على حُسن السيرة والإحسان إليهم، فإنّ الحِيَل البشريّة كُلّها تَقطّعت بنا، وإنْ انهزمنا تبعونا وأهلكونا، وهم أكثر مِنّا فلا يفلت منّا أحد.
فقال له: قد سبقتُك إلى هذا، فلمّا كان الثُلث الأخير مِن الليل أتاهم الخبر أنّ منصوراً وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم؛ وكان سببُ ذلك أنّ الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضاً، إلاّ أنّ الديلم كانوا يَصبرون ويَقنعون بالقليل مِن الطعام، وإذا ذبحوا دابّة أو جَمَلاً قسّمه الخَلْق الكثير منهم، وكان الخُراسانيّة بالضدِّ منهم - لا يصبرون ولا يكفيهم القليل - فشغبوا على المَنصور واختلفوا وعادوا إلى الري، فكان عودهم في المُحرّم سنة أربعين وثلاثمئة، فأتى الخبر رُكن الدولة فلم يُصدّقه حتّى تواتر عنده، فركب هو وعسكره واحتوى على ما خلّفه الخُراسانيّة.
حكى الفضل بن العميد، قال:
استدعاني رُكن الدولة تلك الليلة الثُلث الأخير، وقال لي: قد رأيت الساعة في منامي كأنّي على دابّتي فيروز، وقد انهزم عدوّنا وأنت تسير إلى جانبي وقد جاءنا الفَرَج مِن حيث لا نَحتسب، فمددّتُ عيني فرأيت على الأرض خاتماً فأخذته فإذا فصّه من فيروزج، فجعلته في أصبعي وتَبرّكت به، وانتبهت وقد أيقنت بالظَفَر؛ فإنّ
الفيروزج مَعناهُ الظَفَر، ولذلك لقّبَ الدابّة فيروز.
قال ابن العميد:
فأتانا الخبر والبشارة بأنّ العدوّ قد رَحَل فما صدّقنا حتّى تواترت الأخبار، فركبنا ولا نعرف سَبَبَ هَرَبهم، وسُرنا حذرين مِن كمين، وسرتُ إلى جانب رُكن الدولة وهو على فرسه فيروز، فصاح رُكن الدولة بغُلام بين يديه: ناولني ذلك الخاتم، فأخذ خاتماً مِن الأرض فناوله إيّاه فإذا هو فيروزج فجعله في إصبعه، وقال: هذا تأويل رؤياي، وهذا الخاتم الّذي رأيت مُنذ ساعة، وهذا مِن أحسن ما يُحكى وأعجبه.
مسير أبي علي إلى الري:
لمّا كان مِن أمر وشمكير ورُكن الدولة ما مرّ ذِكره في مُلك رُكن الدولة طبرستان وجرجان، في ربيع الأوّل سَنة سبعٍ وثلاثين وثلاثمئة، وانهزام وشمكير ومضيّه إلى خُراسان مُستجيراً ومستنجداً لإعادة بلاده كَتب وشمكير إلى الأمير نوح يستمدّه، فكتب نوح إلى أبي عليّ بن محتاج يأمره بالمسير في جيوش خُراسان إلى الري، وقتال ركن الدولة، فسار أبو علي في جيوش كثيرة واجتمع معه وشمكير، فسار إلى الري في شهر ربيع الأوّل مِن سَنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة، وبلغَ الخبر رُكن الدولة، فعلم أنّه لا طاقة له بمَن قصده، فرأى أن يحفظ بَلدَه ويُقاتل عدوّه مِن وجه واحد، فحارب الخُراسانيّين بطبرك، وأتاهم الشِتاء وملّوا فلم يصبروا، فاضطرّ أبو علي إلى الصُلح فتراسلوا في ذلك، وكان الرسول أبا جعفر الخازن، وكان المُشير به محمّد بن عبد الرزّاق فتصالحا، وتقرّر على رُكن الدولة كلّ سَنة مائتا ألف دينار، وعاد أبو علي إلى خُراسان، وكَتبَ وشمكير إلى الأمير نوح يُعرّفه الحال، ويَذكُر له أنّ أبا علي لم يَصدُق في الحرب، وأنّه مالأ رُكن الدولة، فاغتاظ نوح مِن أبي علي.
وأمّا رُكن الدولة، فإنّه لمّا عاد عنه أبو علي سار نحو وشمكير، فانهزم وشمكير مِن بين يديه إلى اسفراين، واستولى رُكن الدولة على طبرستان.
عَزلُ نوح أبا علي عن خُراسان والتجاء أبي علي إلى رُكن الدولة:
لمّا اتّصل خَبر عود أبي علي عن الري إلى الأمير نوح ساءه ذلك، وكَتب وشمكير إلى نوح يُلزم الذنب أبا علي كما سبق بيانه، فكَتب نوح إلى
أبي علي يعزله عن خُراسان، وكَتب إلى القوّاد يُعرّفهم ذلك، وأقام قائداً على الجيوش أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني، فأنفذ أبو علي يعتذر، وأرسل جماعة مِن أعيان نيسابور يُقيمون عُذره، ويسألون أنْ لا يُعزَل عنهم، فلم يُجابوا إلى ذلك، ولمّا عُزل أبو علي عن خُراسان أظهر الخلاف، وخطبَ لنفسه بنيسابور، وكَتب نوح إلى وشمكير والحسن بن الفيرزان يأمرهما بالصُلح، وأنْ يتساعدا على مَن يُخالف الدولة ففعلا ذلك، فلما عَلِمَ أبو علي باتّفاق الناس مع نوح عليه كاتب رُكن الدولة في المصير إليه؛ لأنّه عَلِمَ أنّه لا يُمكنه المقام بخُراسان، ولا يُقدر على العود إلى الصغانيان، فاضطرّ إلى مُكاتبة رُكن الدولة في المصير إليه، فأذِن له في ذلك، فسار في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة إلى الري، فلقيه رُكن الدولة وأكرمه، وأقام له الأنزال والضيافة له ولمَن معه، وطلب أبو علي أن يكتُب له عهداً مِن جهة الخليفة بولاية خُراسان فأرسل رُكن الدولة إلى مُعزّ الدولة في ذلك، فسيَّر له عهداً بما طلب، وسيَّر له نجدة مِن عسكره، فسارَ أبو علي إلى خُراسان واستولى على نيسابور، وخطب للمُطيع بها وبما استولى عليه مِن خُراسان، ولم يكن يَخطب له بها قبل ذلك.
ثُمّ إنّ نوحاً مات في خلال ذلك، وتولّى بعده ولَدَه عبد المَلك، فلمّا استقرّ أمره سيّر بكر بن مالك إلى خُراسان مِن بُخارى، وجعله مُقدّماً على جيوشها، وأمره بإخراج أبي علي مِن خُراسان، فسار في العساكر نحو أبي علي فتفرّق عنه أصحابه وعسكره، وبقيَ معه مِن أصحابه مئتا رجل سوى مَن كان عنده مِن الديلم نجدة له، فاضطرّ إلى الهرب، فسار نحو رُكن الدولة فأنزله معه في الري، واستولى ابن مالك على خُراسان، فأقام بنيسابور وتتبّع أصحاب أبي علي.
خُروج الخُراسانيّة إلى الري وأصبهان وانهزامهم بعد ظَفَرهم:
في سَنة أربع وأربعين وثلاثمئة خَرج عَسكر خُراسان إلى الري، وبها رُكن الدولة كان قد قَدمها من جُرجان أوّل المُحرّم، فكَتب إلى أخيه مُعزّ الدولة يستمدّه، فأمدّه بعسكر مُقدّمهم الحاجب سبكتكين، وسيّر مِن خُراسان عسكراً آخر إلى أصبهان على طريق المفازة وبها الأمير أبو منصور بويه بن رُكن الدولة، فلمّا بَلَغَه خبرهم سار عن أصبهان بالخزائن والحُرم الّتي لأبيه، فبلغوا خان لنجان، وكان مُقدّم العسكر الخُراساني محمّد بن ماكان، فوصلوا
إلى أصبهان فدخلوها، وخرج ابن ماكان منها في طلب بويه، فأدرك الخزائن فأخذها وسار في أثره، وكان مِن لُطف الله به أنّ الأُستاذ أبا الفضل بن العميد وزير رُكن الدولة اتّصل بهم في تلك الساعة، فعارض ابن ماكان وقاتله، فانهزم أصحاب ابن العميد عنه، واشتغل أصحاب ابن ماكان بالنهب.
قال ابن العميد:
فبقيت وحدي وأردت اللحاق بأصحابي، ففكّرت وقلت: بأي وجه ألقى صاحبي وقد أسلمت أهله وأولاده وأمواله ومُلكه ونجوت بنفسي، فرأيت القتلَ أيسر عليَّ مِن ذلك، فوقفت وعسكر ابن ماكان يَنهب أثقالي وأثقال عسكري، فلحق بابن العميد نفر مِن أصحابه ووقفوا معه، وأتاهم غيرهم، فاجتمع معهم جماعة، فحمل على الخُراسانيّين وهُم مشغولون بالنهب وصاحوا فيهم، فانهزم الخُراسانيّون، فأُخذوا مِن بين قتيل وأسير، وأُسر ابن ماكان وأُحضر عند ابن العميد، وسار ابن العميد إلى أصبهان فأخرج مَن كان بها مِن أصحاب ابن ماكان، وأعاد أولاد رُكن الدولة وحَرمه إلى أصبهان واستنقذ أمواله.
ثُمّ إنّ رُكن الدولة أرسل بكر بن مالك صاحب جيوش خُراسان واستماله، فاصطلحا على مال يَحمله رُكن الدولة إليه ويكون الري وبلد الجبل مع رُكن الدولة، وأرسل رُكن الدولة إلى أخيه مُعزّ الدولة يَطلب خلعاً ولواء بولاية خُراسان لبكر بن مالك فأرسل إليه ذلك.
استيلاء رُكن الدولة على طبرستان وجُرجان:
في المُحرّم سَنة إحدى وخمسين وثلاثمئة سار رُكن الدولة إلى طبرستان وبها وشمكير، فنزل على مدينة سارية فحصرها وملكها، ففارق حينئذٍ وشمكير طبرستان وقصد جُرجان، فأقام رُكن الدولة بطبرستان إلى أن ملكها كلّها وأصلح أمورها، وسار في طلب وشمكير إلى جُرجان، فأزاحه عنها واستولى عليها، واستأمن إليه مِن عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجُل، فازداد قوّة وازداد وشمكير ضعفاً ووهناً، فدخل بلاد الجبل.
التجاء إبراهيم بن المرزبان إلى رُكن الدولة:
في سَنة خمس وخمسين وثلاثمئة سيّر أبو القاسم بن مسيكي مِن وهسوذان بالجيوش إلى إبراهيم بن المرزبان، وانهزم وتبعه الطلب فلم
يُدركوه، وسار وحده حتّى وصل إلى الري إلى رُكن الدولة، فأكرمه وأحسن إليه، وكان زوج أخت إبراهيم فبالغ في إكرامه، وأجزل له الهدايا والصلات.
الغُزاة الخُراسانيّة مع رُكن الدولة:
في هذه السنة في شهر رمضان خرج مِن خُراسان جمعٌ عظيم يبلغون عشرين ألفاً إلى الري بنيّة الغُزاة، فَبلغَ خبرهم إلى رُكن الدولة وكثرة جَمعهم وما فعلوه في أطراف بلاده مِن الفساد، وأنّ رؤساءهم لم يمنعوهم عن ذلك، فأشار عليه الأستاذ أبو الفضل بن العميد - وهو وزيره - بمنعهم مِن دُخول بلاده مُجتمعين، فقال:
لا، تتحدّث المُلوك أنّني خِفت جمعاً مِن الغُزاة. فأشار عليه بتأخيرهم إلى أن يجمع عسكره، وكانوا مُتفرّقين في أعمالهم، فلم يقبل منه، فقال له:
أخاف أنْ يكون لهُم مع صاحب خُراسان مواطأة على بلادك ودولتك. فلم يلتفت إلى قوله، فلمّا وردوا الري اجتمع رؤساؤهم وفيهم القفال الفقيه، وحضروا مجلس ابن العميد، وطلبوا مالاً يُنفقونه، فوعدهم فاشتطّوا في الطَلَب، وقالوا:
نُريد خراج هذه البلاد جيعها فإنّه لبيت المال، وقد فعل الروم بالمسلمين ما بَلغكم، واستولوا على بلادكم، وكذلك الأرمن، ونحن غُزاة وفقراء، وأبناء سبيل، فنحن أحقّ بالمال منكم. وطلبوا جيشاً يَخرج معهم واشتطّوا في الاقتراح، فعلم ابن العميد حينئذٍ خُبث سرائرهم، وتيقّن ما كان ظنّه فيهم فرفق بهم وداراهم، فعَدلوا عنه إلى مُشاتَمة الديلم ولعنهم وتَكفيرهم، ثُمّ قاموا عنه وشرعوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويُسلّبون العامّة بحُجّة ذلك.
ثُمّ إنّهم أثاروا الفتنة وحاربوا جماعة مِن الديلم إلى أنْ حَجز بينهم الليل، ثُمّ باكروا القتال ودخلوا المدينة ونهبوا دار الوزير ابن العميد وجرحوه وسَلِمَ مِن القتل، وخرج رُكن الدولة إليهم في أصحابه وكان في قلّة، فهزمه الخُراسانيّة، فلو تبعوه لأتوا عليه وملكوا البلد منه، لكنّهم عادوا عنه؛ لأنّ الليل أدركهم، فلمّا أصبحوا راسلهم رُكن الدولة ولطُف بهم؛ لعلّهم يَسيرون مِن بلده فلم يفعلوا، وكانوا ينتظرون مَدداً يأتيهم مِن صاحب خُراسان، فإنّه كان بينهم مواعدة على تلك البلاد.
ثُمّ إنّهم اجتمعوا وقصدوا البلد ليملكوه، فخرج رُكن الدولة إليهم فقاتلهم، وأمر نَفَراً مِن أصحابه أنْ يسيروا إلى مكانِ سيرهم، ثُمّ يُثيروا غُبرة شديدة ويُرسلوا إليه مَن يُخبره أنّ الجيوش قد أتته، ففعلوا ذلك، وكان
أصحابه قد خافوا لقلّتهم وكثرة عدوّهم، فلمّا رأوا الغُبرة وأتاهم مَن أخبرهم أنّ أصحابهم لحقوهم قويَت نفوسهم، وقال لهم رُكن الدولة:
احملوا على هؤلاء لعلّنا نَظفر بهم قبل وصول أصحابنا فيكون الظَفَر والغنيمة لنا، فكَبّروا وحملوا حملة صادقة، فكان لهم الظَفر، وانهزم الخُراسانيّة، وقُتل منهم خَلق كثير، وأُسر أكثر ممَّن قُتل، وتَفرّق الباقون، فطلبوا الأمان فأمّنهم رُكن الدولة، وكان قد دخل البلد جماعة منهم يُكبّرون كأنّهم يُقاتلون الكفار، ويقتلون كلّ مَن رأوه بزيِّ الديلم، ويقولون هؤلاء رافضة، فبلغهم خبر انهزام أصحابهم، وقصَدَهُم الديلم ليقتلوهم فمنعهم رُكن الدولة، وأمّنهم، وفتح لهم الطريق ليعودوا، ووصل بعدهم نحو ألفَي رجل بالعدّة والسلاح، فقاتلهم رُكن الدولة فهزمهم، وقتل فيهم ثُمّ أطلق الأُسارى، وأمر لهم بنفقات وردّهم إلى بلادهم، وكان إبراهيم بن المرزبان عند رُكن الدولة، فأثّر فيهم آثاراً حَسنة.
عود إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان ومعه ابن العميد نجدة:
في هذه السَنة عاد إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان واستولى عليها، وكان سبب ذلك أنّه لمّا قصد رُكن الدولة لاجئاً إليه بعد انهزامه مِن أبي القاسم بن مسيكي، جهّز العساكر معه، وسيّر معه الأُستاذ أبا الفضل بن العميد ليردّه إلى ولايته، ويُصلح له أصحاب الأطراف، فسار معه إليها، واستولى عليه، وأصلح له جستان بن شرمزن وقاده إلى طاعته، وغيره مِن طوائف الأكراد ومكّنه مِن البلاد، وكان ابن العميد لمّا وصل إلى تلك البلاد، ورأى كثرة دخلها وسعة مياهها، ورأى ما يَتحصّل لإبراهيم منها، فوجده قليلاً لسوء تدبيره، وطمع الناس فيه لاشتغاله بالشُرب والنساء، فكَتب إلى رُكن الدولة يُعرّفه الحال، ويُشير بأنْ يُعوّضه مِن بعض ولايته بمقدار ما يَتحصّل له مِن هذه البلاد، ويأخذها منه، فإنّه لا يَستقيم له حال مع الّذين بها، وأنّها تُؤخذ منه، فامتنع رُكن الدولة مِن قبول ذلك منه، وقال:
لا يتحدّث الناس عنّي أنّي استجارَ بي إنسان وطمعت فيه. وأمر أبا الفضل بالعود عنه، وتسليم البلاد إليه ففعل، وعاد وحكى لرُكن الدولة صورة الحال، وحذّره خروج البلاد مِن يد إبراهيم، وكان الأمر كما ذكره حتّى أُخذ إبراهيم وحُبس.
إنّك لَتَرى مِن سداد تدبيره في الغَلبَة على الغُزاة الخُراسانيّة ومِن مُعاملته
أُساراهم ومَن وقع في قبضته مِن الرِفق بهم، وردّهم إلى بلادهم مُزوَّدين بالنفقات، ومِن عفّة نفسه عن امتلاك آذربيجان وأخذها مِن إبراهيم بن المرزبان العائذ به، ومِن استعادتها بتدبير وزيره ابن العميد وقوّة جيشه، وملكها على طرف التمام، وأبى على وزيره المُشار إليه مشورته عليه بالاستيلاء عليها، إنّك لَترى مِن ذلك حِكمة هذا الرجل العظيم، وعِفّة نفسه وبُعده عن الطمع في توسيع مُلكه مِن أيّ طريق اتّفق، كما هو شأن المُلوك والأُمراء، وبِمَِثل هذه الحال استطاع أنْ يحتفظ بِمملكته المُضطربة اضطراب السفينة في البحر الهائج، حيث لا يَعرف الاستقرار والطمأنينة مِن كثرة الطامعين فيها مِن هُنا وهُناك، وطلب المُلك مِن كلّ طامع في المُلك في ذلك العهد، سواء كان ممَّن لهُم سابقة فيه، أم كان مِن المستحدثين، والباب مفتوح إليهم جميعاً على مصراعيه مِن أعظم ما مُني به ذلك العصر وأهله مِن البلاء العظيم، وسترى مُضافاً إلى هذا وما يماثله لهذا الرجل الكبير مِن الفضائل ما تقف عليه في خروج عساكر خُراسان إلى بلاده الري في هذا العام.
خُروج عساكر خُراسان إلى الري:
في سَنة ستّ وخمسين وثلاثمئة جهّز الأمير منصور بن نوح - صاحب خُراسان وما وراء النهر - الجيوش إلى الري، وكان سَبب ذلك أنّ أبا علي بن إلياس سار مِن كرمان إلى بُخارا مُلتجئاً إلى الأمير منصور، فلمّا ورد عليه أكرمه وعظّمه، فأطمَعَه في ممالك بني بويه، وحسَّنَ له قصدها، وعرّفه أنّ نوّابه لا يُناصحونه، وأنّهم يأخذون الرُشا مِن الديلم، فوافق ذلك ما كان يَذكره له وشمكير، فكاتب الأمير منصور وشمكير والحسن بن الفيرزان يُعرّفهما ما عَزم عليه مِن قصْد الري، ويأمرهما بالتجهُّز لذلك ليسيرا مع عسكره، ثُمّ إنّه جهّزَ العساكر وسيّرها مع صاحب جيوش خُراسان، وهو أبو الحسن محمّد ابن إبراهيم بن سيمجور الدواني، وأمره بطاعة وشمكير والانقياد له والتَصرّف بأمره، وجعله مُقدّم الجيوش جميعها، فلمّا بلغَ الخبر إلى رُكن الدولة أتاه ما لم يكن في حِسابه، وأخذه المُقيم المقعد، وعَلِمَ أنّ الأمر قد بَلغ الغاية، فسيّر أولاده وأهله إلى أصبهان، وكاتب ولده عضُد الدولة يَستمدّه، وكاتب ابن أخيه عِزّ الدولة بختيار يستنجده أيضاً، فأمّا عضُد الدولة، فإنّه جهَّز العساكر وسيّرهم إلى طريق خُراسان، وأظهر أنّه يُريد قَصد
خُراسان لخُلوّها مِن العساكر، فبَلَغ الخَبر أهل خُراسان، فأحجموا قليلاً ثُمّ ساروا حتّى بَلغوا الدامغان، وبرز رُكن الدولة في عساكره مِن الريّ نحوهم، فاتّفق موت وشمكير، فكان سَبب موته أنّه وصله مِن صاحب خُراسان هدايا مِن جملتها خيل، فاستعرض الخيل واختار أحدها وركبه للصيد، فعارضه خنزير قد رُمي بحربة وهي ثابتة فيه، فحمل الخنزير على وشمكير وهو غافل، فضرب الفرس فشبّ تحته فألقاه إلى الأرض، وخرج الدم من أُذنيه وأنفه فحُمِل ميّتاً، وذلك في المُحرّم مِن سَنة سبع وخمسين، وانتقض جميع ما كانوا فيه وكفى الله رُكن الدولة شرّهم، ولمّا مات وشمكير قام ابنه بيستون مقامه، وراسل رُكن الدولة وصالحه، فأمدّه رُكن الدولة بالمال والرِجال.
ومِن أعجب ما يُحكى ممّا يُرغِّب في حُسن النيّة وكرم المَقدرة أنّ وشمكير لمّا اجتمعت معه عساكر خُراسان وسار كَتب إلى رُكن الدولة يتهدّده بِضروب مِن الوعيد والتهديد، ويقول:
والله لئن ظفرتُ بك لأفعلنَّ بكَ ولأصنعنَّ - بألفاظ قبيحة - فلم يتجاسر الكاتب أنْ يقرأه، فأخذه رُكن الدولة فقرأه، وقال للكاتب:
اكتب إليه أمّا جمعُك وأحشادك، فما كُنت قط أهون منك عليَّ الآن، وأمّا تهديدك وإيعادك، فوالله لئن ظفرتُ بك لأُعاملنَّك بضدّه ولأُحسننَّ إليك ولأُكرمنّك، فلقي وشمكير سوء نيّته ولقي رُكن الدولة حُسن نيّته.
وكان بطرستان عدوٌّ لرُكن الدولة يُقال له نوح بن نصر، شديد العداوة له، لا يزال يَجمع له ويقصد أطراف بلاده، فمات الآن.
وعصى عليه بهمذان إنسان يُقال له أحمد بن هارون الهمذاني - لمّا رأى خُروج عساكر خُراسان - وأظهر العصيان، فلمّا أتاه خبر موت وشمكير مات لوقته، وكفى الله رُكن الدولة همّ الجميع.
مَسير ابن العميد إلى حسنويه الكُردي:
في سَنة تسع وخمسين وثلاثمئة جهّز رُكن الدولة وزير أبا الفضل بن العميد في جيش كَثيف، وسيّرهم إلى بلد حَسنَويه بن الحسين الكُردي، وسَبب ذلك أنّه كان قد قويَ واستفحل أمرُه؛ لاشتغال رُكن الدولة بما هو أهمُّ منه؛ ولأنّه كان يُعين الدولة على جيوش خُراسان إذا قصدتهم، فكان رُكن الدولة يُراعيه لذلك، ويُغضي على ما يبدو منه، وكان يَتعرّض إلى
القوافل وغيرها بخفارة، فبلغ ذلك رُكن الدولة فسكت عنه، فلمّا كان الآن وقع بينه وبين سهلان بن مُسافر خلاف أدّى إلى أنْ قصده سهلان وحاربه، وهزمه حسنويه، فانحاز هو وأصحابه إلى مكان اجتمعوا فيه، فقصدهم حسنويه وحصرهم فيه، ثُمّ إنّه جمع مِن الشوك والنبات وغيره شيئاً كثيراً، وفرّقه في نواحي أرض سهلان، وألقى فيه النار، وكان الزمان صيفاً فاشتدَّ عليهم الأمر حتّى كادوا يَهلكون، فلمّا عاينوا الهلاك طلبوا الأمان فأمّنهم، فأخذهم عن آخرهم، وبلغَ ذلك رُكن الدولة فلم يحتمله له، فحينئذٍ أمَر ابن العميد بالمسير إليه، وكان ابن العميد مريضاً، فتجهّز وسار في المُحرّم ومعه ولده أبو الفتح، وكان شابّاً مَرِحاً قد أبطره الشباب والأمر والنهي، وكان يَظهَر منه ما يَغضب بسببه والده، وازدادت علّته، وكان به نقرس وغيره مِن الأمراض، فلمّا وصل إلى همذان تُوفّي بها، وقام ولده مقامُه، فصالح حسنويه على مال أخذه منه، وعاد إلى الريّ إلى خدمة رُكن الدولة، وكان والده يقول عند موته:
ما قتلني إلاّ ولدي، وما أخاف على بيت العميد أنْ يَخرب ويهلكوا إلاّ منه، فكان على ما ظن، وكان أبو الفضل بن العميد مِن محاسن الدُنيا وبه تَخرّج عضُد الدولة، ومنه تعلّم سياسة المُلك ومحبّته العِلم والعُلماء.
الصُلح بين الأمير منصور بن نوح ورُكن الدولة وعضُد الدولة:
في سَنة إحدى وستين وثلاثمئة تمَّ الصُلح بين الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب خُراسان وما وراء النهر، وبين رُكن الدولة وابنه عضُد الدولة على أنْ يَحمل رُكن الدولة وعضُد الدولة إليه كلَّ سَنة مئة ألف وخمسين ألف دينار، وتزوّج نوح بابنة عضُد الدولة، وحَمل إليه مِن الهدايا والتُحف ما لم يَحمل مثله، وكُتب بينهم كتاب صلح، وشهّد فيه أعيان خُراسان وفارس والعراق، وكان الّذي سعى في هذا الصُلح وقرّره محمّد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جُيوش خُراسان مِن جِهة الأمير منصور.
مَزيّة جليلة مِن مزايا رُكن الدولة:
قد مرّ في تضاعيف أخبار الأُخوة الثلاثة بني بويه كلام في معنى تضامنهم العجيب، وحُرصهم على أنْ يكونوا كلّهم مُلوكاً لا يدخل الحسد في قلب واحد منهم على أخيه، وإنّ ذلك مِن أسباب فوزهم جميعاً بالمُلك،
وتجد هذه المزيّة ظاهرة كمال الظُهور في رُكن الدولة، حين كَتب له المرزبان ابن بختيار ابن أخيه مُعزّ الدولة بقبض عضُد الدولة وأبي الفتح بن العميد على والده وعَمّيه سَنة أربع وستّين وثلاثمئة، ويذكر له الحيلة الّتي تمّت عليه، فألقى بنفسه عن سريره إلى الأرض وتمرّغ عليها، وامتنع مِن الأكل والشُرب عدّة أيّام، ومَرِض مرضاً لم يستقلّ منه باقي حياته، ولمّا كاتب ابن بقية رُكن الدولة بحاله وحال بختيار كَتب رُكن الدولة إليه وإلى المرزبان وغيرهما ممَّن احتمى لبختيار يأمرهم بالثبات والصبر، ويُعرّفهم أنّه على المسير إلى العراق لإخراج عضُد الدولة وإعادة بختيار، فاضطربت النواحي على عضُد الدولة، وتجاسر عليه الأعداء حيث علموا إنكار أبيه عليه، وانقطعت عنه مواد فارس والبحر، وسترى ذلك مبسوطاً في ترجمة عضُد الدولة - إن شاء الله - وجواب رسول عضُد الدولة الّذي أرسله لوالده يدلي إليه بعُذره ويُبيّن له أسباب قبضه على بختيار، فردّ رُكن الدولة الرسول ردّاً قبيحاً ولم يقبل لابنه عُذراً، وكان الرسول أبا الفتح بن العميد الّذي اتخذ شتّى الوسائط لاسترضائه عليه، وما ذنبه إلاّ أداؤه رسالة ابنه، ولم يرضَ إلاّ بإعادة عضُد الدولة إلى فارس مملكته وتقرير العراق لبختيار، فأنت ترى أنّ رُكن الدولة عرّض مملكة ولده، بل حياته للخطر في سبيل صلته لرحمِه، ومُراعاته لابن أخيه مُعزّ الدولة الّذي كان يُحبّه محبّة شديدة؛ لأنّه رباه فكان عنده بمنزلة الولد.
وفاة رُكن الدولة ومُلك عضُد الدولة:
في المُحرّم سَنة ستّ وستّين وثلاثمئة تُوفّي رُكن الدولة أبو علي الحسن بن بويه واستخلف على ممالكه ابنه عضُد الدولة، وكان ابتداء مرضه حين سمع بقبض بختيار ابن أخيه مُعزّ الدولة، وكان ابنه عضُد الدولة قد عاد مِن بغداد بعد أن أطلق بختيار على الوجه الّذي قد تقرّر، وظهر عند الخاصّ والعامّ غَضَب والده عليه، فخاف أنْ يموت أبوه وهو على حال غضبه فيختلّ مُلكه، وتزول طاعته، فأرسل إلى أبي الفتح بن العميد وزير والده يطلب منه أنْ يتوصّل مع أبيه وإحضاره عنده، وأنْ يعهد إليه بالمُلك بعده، فسعى أبو الفتح في ذلك فأجابه إليه رُكن الدولة، وكان قد وجد في نفسه خِفّة، فسار مِن الريّ إلى أصبهان، فوصلها في جمادى الأُولى سنة خمس وستّين وثلاثمئة،
وأحضر ولده عضُد الدولة مِن فارس، وجمع عنده أيضاً سائر أولاده بأصبهان، فعمِل أبو الفتح بن العميد دعوة عظيمة حضرها رُكن الدولة وأولاده والقوّاد والأجناد، فلمّا فَرِغوا مِن الطعام عهِد رُكن الدولة إلى ولده عضُد الدولة بالمُلك بعده، وجعل لولده فَخر الدولة أبي الحسن علي همذان وأعمال الجبل، ولولده مؤيّد الدولة أصبهان وأعمالها، وجعلهما في هذه البلاد بحُكم أخيما عضُد الدولة، وخلع عضُد الدولة على سائر الناس ذلك اليوم الأقبية والأكسية على زيّ الديلم، وحيّاه القوّاد وإخوته بالريحان على عادتهم مع مُلوكهم، وأوصى رُكن الدولة أولاده بالاتّفاق، وترك الاختلاف وخلع عليهم، ثُمّ سار عن أصبهان في رجب نحو الريّ فدام مرضه إلى أنْ تُوفّي فأُصيب به الدين والدُنيا جميعاً لاستكمال جميع خلال الخير فيه، وكان عُمره قد زاد على سبعين سَنة، وكانت إمارته أربعاً وأربعين سَنة.
بعض سيرته:
قال ابن الأثير:
بعد هذا الّذي نقلنا عن تاريخه الكامل - ذاكراً بعض سيرته - كان حليماً، كريماً، واسع الكرم، كثير البذل، حَسِن السياسة لرعاياه وجُنده، رؤوفاً بهم، عادلاً في الحُكم بينهم، وكان بعيد الهمّة، عظيم الجدّ والسعادة، مُتحرّجاً مِن الظُلم، مانعاً لأصحابه منه، عفيفاً عن الدِماء، يرى حقنها واجباً، إلاّ فيما لا بُدّ مِنه، وكان يُحامي على أهل البيوتات، أو كان يُجري عليهم الأرزاق، ويصونهم عن التبذل، وكان يَقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة، وينتصب لردِّ المظالم، ويتعهّد العلويّين بالأموال الكثيرة، ويتصدّق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات، ويُلين جانبه للخاصّ والعام.
قال له بعض أصحابه في ذلك، وذَكر له شدّة مرداويج على أصحابه، فقال:
انظر كيف اخترم ووثب عليه أخصّ أصحابه به وأقربهم منه؛ لعُنفه وشدّته، وكيف عمرتُ وأحبّني الناس للين جانبي. وحُكي عنه أنّه سار في سفر، فنزل في خركاه قد ضُربت له قِبَل أصحابه، وقُدّم إليه طعام، فقال لبعض أصحابه:
لأيّ شيء قيل في المثل: خيرُ الأشياءِ في القريةِ الإمارة.
فقال صاحبه: لقعودك في الخركاه وهذا الطعام بين يديك، وأنا لا خركاه ولا طعام، فضحك وأعطاه الخركاه والطعام.
فانظر إلى هذا الخُلُق ما
أحسنه ما أجمله، وفي فعله في حادثة بختيار ما يَدلّ على كمال مروءته وحُسن عهده وصلته لرحمه، رضي الله عنه وأرضاه، وكان له حُسن عهد ومودّة وإقبال.
قال ابن خلكان في وَفَياته:
وكان مسعوداً ورُزق السعادة في أولاده الثلاثة، وقَسّم عليهم الممالك، فقاموا بها أحسن قيام، وتُوفّي رُكن الدولة ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت مِن المُحرّم سَنة ستّ وستّين وثلاثمئة بالري، ودُفن في مشهده، ومولده تقديراً في سَنة أربع وثمانين، قال أبو إسحاق الصابي: ومَلك أربعاً وأربعين سَنة وشهراً وتسعة أيّام، وتولّى بعده ولده مؤيّد الدولة رحمهما الله تعالى.
وقال ابن كثير في حوادث سنة ٣٥٦:
فيها قَسّم رُكن الدولة بن بويه ممالكه بين أولاده (الثلاثة) عندما كَبُرت سِنّه، فجعل لولده عضُد الدولة بلاد فارس وكرمان وأرجان، ولولده مؤيَّد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدينور، وجعل ولده أبا العبّاس في كنف عضُد الدولة وأوصاه به.
أمّا ذكره بلاد فارس فيما اختص به ولده عضُد الدولة، فإنّ بلاد فارس لم تكن مِن ممالكه، بل كانت مملكة أخيه عِماد الدولة الّذي لم يُرزق وَلداً ذَكراً يرثها منه، بل عهِد بها لعضُد الدولة كما مرّ بيان ذلك في ترجمة عِماد الدولة.
وقال في حوادث سنة (٣٦٦):
فيها توفّي رُكن الدولة بن علي بن بويه، وقد جاوز التسعين سَنة، ثُمّ ذَكر بعد ذلك قَصد عضُد الدولة العراق ليأخذها مِن ابن عمّه بختيار، والتقائه به في الأهواز، وانهزامه منه، واستظهاره عليه وإذلاله، ثُمّ القبض على وزيره ابن بقية إلى أنْ قال: وكذلك أمرُ رُكن الدولة بالقبض على وزير أبيه أبي الفتح بن العميد لموجدة تقدّمت منه إليه.
وفي ذلك أغلاط نربأ بابن كثير أنْ يرتكبها:
الأول: جعله عليّاً أباً لرُكن الدولة، وعلي وهو عماد الدولة أكبر الأُخوة الثلاثة أخو رُكن الدولة.
الثاني: قوله: إنّ رُكن الدولة قد جاوز التسعين، وقد عرفتَ ممّا نقلناه عن ابن الأثير وابن خلكان، أمّا الأوّل فيقول إنّ عُمره قد زاد على السبعين، والثاني يُقدّر عُمره باثنتين وثمانين سَنة، فقول ابن كثير قولاً ثالث، إنْ كانت التسعين غير مُحرّفة عن السبعين.
الثالث: قوله: إنّ رُكن الدولة أمرَ بالقبض
على وزير أبيه أبي الفتح، فإنّ أبا رُكن الدولة وهو بويه لم يكن مَلكاً ليستوزر، وإنّما كان أولاده الثلاثة مُلوكاً، وأوسطهم سِنّاً رُكن الدولة، وأبو الفتح كان وزير رُكن الدولة بعد أبيه أبي الفضل بن العميد، والآمر بالقبض عليه هو عضُد الدولة، وكان ذلك بعد وفاة أبيه رُكن الدولة، وإنّنا لَنَحسَب هذه الأغلاط مِن تحريف الناسخين؛ لأنّه مِن المُستبعد أنْ تقع مِن هذا المؤرّخ الكبير.
الثالث: أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بويه مُعزّ الدولة:
هو أصغر الأُخوة الثلاثة مُؤسّسي الدولة البويهيّة، وقد كنّاه بعضُ المُؤرّخين بأبي الحسن، وهي كُنية أخيه عماد الدولة والحسن اسم رُكن الدولة.
قال ابن خلكان:
وهو عمُّ عضُد الدولة وأحد مُلوك الديلم، كان صاحب العراق والأهواز، وكان يُقال له الأقطع؛ لأنّه كان مقطوع اليد اليُسرى وبعض أصابع اليُمنى.
مولده ووفاته:
وُلد في سَنة ثلاث وثلاثمئة، وتُوفّي يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الآخر سَنة ستّ وخمسين وثلاثمئة ببغداد، ودفن في داره، ثُمّ نُقل إلى مشهد بُني له في مقابر قُريش.
أوّل عهده في المُلك:
قال ابن خلكان في سبب تلقيبه بالأقطع:
إنّه كان في مَبدأ عُمره وحداثة سِنّه تَبَعاً لأخيه عِماد الدولة، وكان قد توجّه إلى كرمان بإشارة أخَويه عِماد الدولة ورُكن الدولة، فلمّا وصلها سمِع به صاحبها، فتركها ورَحل إلى سجستان مِن غَير حَرب فملكها، وكان بتلك الأعمال طائفة مِن الأكراد قد تغلّبوا عليها، وكانوا يحملون لصاحب كرمان في كلّ سَنة شيئاً مِن المال بشرط أنْ لا يطأوا بِساطه، فلمّا وصلَ مُعزّ الدولة سَيّر إليه رئيس القوم، وأخذ عُهوده ومواثيقه بإجرائهم على عادتهم، ففعل ذلك، ثُمّ أشار عليه كاتبه بنقض العهد، وأنْ يسري إليهم على غَفلة، ويأخذ أموالهم وذخائرهم ففعل
مُعزّ الدولة ذلك، وقصدهم في الليل في طريق مُتوعّرة فأحسّوا به، فقعدوا له على مَضيق، فلمّا وصل إليهم بعسكره ثاروا عليهم مِن جميع الجوانب، فقتلوا وأسروا، ولم يَفلُت منهم إلاّ اليسير، ووقع بمُعزّ الدولة ضربات كثيرة، وطاحت يدُه اليُسرى وبعض أصابع يده اليمنى، وأُثخن بالضرب في رأسه وسائر جسده، وسقط بين القتلى، ثُمّ سَلُم بعد ذلك.
قال ابن الأثير في حوادث سنة ٣٢٤:
في هذه السَنة سار أبو الحُسين أحمد بن بويه المُلقَّب بمُعزّ الدولة إلى كرمان، وسببُ ذلك أنّ عِماد الدولة بن بويه وأخاه رُكن الدولة لمّا تمكّنا مِن بلاد فارس وبلاد الجبل، وبقي أخوهما الأصغر أبو الحسين أحمد بغير ولاية يستبدّ بها، رأيا أنْ يُسيّراه إلى كرمان ففعلا ذلك، وسار إلى كرمان في عسكرٍ ضَخم شثجعان، فلمّا بَلغَ السيرجان استولى عليها وجبى أموالها وأنفقها في عسكره، وكان إبراهيم بن سيمجور والدواني يُحاصِر محمّد بن غلياس بن اليسع بقلعة هُناك بعساكر نصر بن أحمد صاحب خُراسان، فلمّا بَلغَه إقبال مُعزّ الدولة سار عن كرمان إلى خُراسان، ونَفّس عن محمّد بن إلياس، فتَخلّص مِن القلعة، وسار إلى مدينته بَم، وهي على طرف المفازة بين كرمان وسجستان، فسار إليه أحمد بن بويه، فرَحل مِن مكانه إلى سجستان بغير قتال، فسار أحمد إلى جيرفت - وهي قصبة كرمان - واستخلف على بَم بعض أصحابه، فلمّا قارب جيرفت أتاه رسول عليّ بن الزنجي المعروف بعلي كلويه، وهو رئيس القفص والبلوص، وكان هو وأسلافه مُتغلّبين على تلك الناحية، إلاّ أنّهم يُجاملون كلّ سلطان يَرِد البلاد، ويُطيعونه ويَحملون إليه مالاً مَعلوماً ولا يطؤون بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع أحمد مِن قبوله إلاّ بعد دُخول جيرفت، فتأخّر عليّ بن كلويه نحو عشرة فراسخ، ونَزل بمكان صَعِب المَسلك، ودخل أحمد بن بويه جيرفت، واصطلح هو وعلي وأخذ رهائنه وخَطَب له، فلمّا استقرّ الصُلح وانفصل الأمر أشار بعضُ أصحاب ابن بويه عليه بأنْ يَقصد عليّاً ويَغدر به، ويَسري إليه سرّاً على غَفلة، وأطمعه في أمواله وهوّن عليه أمره بسكونه إلى الصُلح، فأصغى الأمير أبو الحسين أحمد إلى ذلك لحداثة سِنّه، وجمع أصحابه وأسرى نحوهم جريدة، وكان عليّ مُحترزاً، ومَن معه قد وضعوا العيون على ابن بويه، فساعة تَحرّك بلغته الأخبار، فجمع أصحابه ورتَبَهُم بمضيق على الطريق، فلمّا اجتاز بهم ابن بويه ثاروا به ليلاً مِن
جوانبه، فقتلوا في أصحابه وأسروا، ولم يُفلِت منهم إلاّ اليسير، ووقعت بالأمير أبي الحسين ضربات كثيرة، ووقعت ضربة منها في يَده اليُسرى فقطعتها مِن نصف الذراع، وأصاب يده اليُمنى ضَربة أُخرى سقط منها بعض أصابعه، وسقط مثخناً بالجراح بين القتلى، وبلغ الخَبر بذلك إلى جيرفت فهرب كلّ مَن بها مِن أصحابه، ولمّا أصبح علي كلويه تتبّع القتلى، فرأى الأمير أبا الحسين قد أشرف على التلف، فحمله إلى جيرفت، وأحضر له الأطبّاء، وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، وأنفذ رُسله يَعتذر إلى أخيه عماد الدولة بن بويه، ويُعرّفه غدر أخيه، ويَبذل مِن نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله، واستقرّ بينهما الصُلح، وأطلق عليّ كلّ مَن عنده مِن الأسرى وأحسن إليهم، ووصل الخبر إلى محمّد بن إلياس بما جرى على أحمد بن بويه، فسار مِن سجستان إلى البلد المعروف بجنابة، فتوجّه إليه ابن بويه وواقعه، ودامت الحرب بينهما عِدّة أيّام، فانهزم ابن إلياس، وعاد أحمد بن بويه ظافراً، وسار نحو علي كلويه لينتقم منه، فلمّا قاربه أسرى إليه في أصحابه الرجّالة، فكبسوا عسكره ليلاً في ليلة شديدة المَطر ن فأثّروا فيهم، وقتلوا ونهبوا وعادوا، وبقي ابن بويه باقي ليلته، فلمّا أصبح سار نحوهم فقَتَل منهم عدداً كثيراً، وانهزم علي كلويه، وكتب ابن بويه إلى أخيه عِماد الدولة بما جرى له مَعه ومع ابن إلياس وهزيمته، فأجابه أخوه يأمره بالوقوف بمكانه ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائداً مِن قوّاده يأمره بالعودة إلى فارس ويُلزمه بذلك. فعاد إلى أخيه، وأقام عنده باصطخر إلى أن قصدهم أبو عبد الله البريدي منهزماً مِن ابن رائق وبجكم، فأطمع عماد الدولة في العراق وسهّل عليه مُلكه.
استيلاء مُعزّ الدولة على الأهواز:
كان مِن نتيجة إطماع البريدي عِماد الدولة في العراق، وتسهيله عليه مُلكه أنْ سار مُعزّ الدولة في سَنة ستّ وعشرين إلى الأهواز وتلك البلاد، فملكها واستولى عليها ومعه البريدي، وترك البريدي ولديه أبا الحسن محمّداً وأبا جعفر الفياض عند عماد الدولة رهينة وساروا، فبلغ الخبر إلى بجكم بنزولهم أرجان، فسار لحربهم فانهزم مِن بين أيديهم، وكان سَبَب الهزيمة أنّ المطر اتّصل أيّاماً كثيرة، فعطلت أوتار قُسي الأتراك، فلم يقدروا على رمي
النشّاب، فعاد بجكم وأقام بالأهواز، وجعل بعض عسكره بعسكر مكرم، فقاتلوا مُعزّ الدولة بها ثلاثة عشر يوماً، ثُمّ انهزموا إلى تستر، فاستولى مُعزّ الدولة على عسكر مكرم، وسار بجكم إلى تستر مِن الأهواز، وأخذ معه جماعة مِن أعيان الأهواز، وسار هو وعسكره إلى واسط، وأرسل مِن الطرق إلى ابن رائق يُعلمه الخبر، ويقول له:
إن العسكر مُحتاج إلى المال، فإن كان معك مائتا ألف دينار فتُقيم بواسط حتّى نَصل إليك ونُنفق فيهم المال، وقد مرّ تفصيل ذلك كلّه في أخبار عِماد الدولة، فليُرجَع إليها.
مُخالفة البريدي على مُعزّ الدولة:
في أخبار عِماد الدولة في تلك الصفحات - الّتي ذَكر فيها استيلاء مُعزّ الدولة - خبر خلاف البريدي عليه بعد تمهيده لأخيه عِماد الدولة، وله أمر الاستيلاء على العراق وإبقاء ولديه رهينة عند عماد الدولة، واستقرار البريدي أخيراً في البصرة، وبقاء مُعزّ الدولة في الأهواز، ثُمّ تقلّبت على البريدي أُمور وأحوال، وهو لم يكن يَثبُت على حال، ولا يُبرم عهداً إلاّ، وهو يَضمر في دخيلة نفسه نقضه.
ذهاب مُعزّ الدولة إلى البصرة وعوده منها على غير ما يُريد:
في المُحرّم سَنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة وصل مُعزّ الدولة إلى البصرة، فحارب البريدييّن وأقام عليهم مدّة، ثُمّ استأمن جماعة مِن قوّاد إلى البريديّين، فاستوحش مِن الباقين فانصرف عنهم.
وصول مُعزّ الدولة إلى واسط وعوده عنها:
في آخر رجب سنة ٣٣٣هـ وصل مُعزّ الدولة إلى مدينة واسط، فسمع تورون به، فسار هو والمُستكفي بالله مِن بغداد إلى واسط، فلمّا سَمِع مُعزّ الدولة بمسيرهم إليه فارقها سادس رمضان.
استيلاء مُعزّ الدولة على بغداد:
لمّا مات تورون ووُلّي مكانه شيرزاد، وزاد هذا الأجناد زيادة ضاقت عليه الأموال بسببها، فكثر الظُلم والاعتداء على الناس كَاتبَ ينال كوشة - وكان يلي لشيرزاد عمل واسط - مُعزّ الدولة وهو بالأهواز يَستقدِمه، ودخل
في طاعته، فسار مُعزّ الدولة نحوه، فاضطرب الناس ببغداد، فلمّا وصل إلى باجسرى اختفى المُستكفي بالله وابن شيرزاد، فلمّا استَتر شيرزاد سار الأتراك إلى الموصل، فلمّا أبعدوا ظهر المُستكفي، وعاد إلى بغداد إلى دار الخلافة، وقدم أبو محمّد الحسن بن محمّد المهلبي صاحب مُعزّ الدولة إلى بغداد، فاجتمع بابن شيرزاد بالمكان الّذي استتر فيه، ثُمّ اجتمع بالمُستكفي، فأظهر المُستكفي السُرور بقدوم مُعزّ الدولة، وأعلمه أنّه إنّما استَتَر مِن الأتراك ليتَفرّقوا فيحصل الأمر لمُعزّ الدولة بلا قِتال، ووصل مُعزّ الدولة إلى بغداد حادي عشر جمادى الأولى سنة ٣٣٤، فنزل بباب الشماسيّة، ودخل مِن الغد إلى الخليفة المُستكفي وبايعه وحَلف له المُستكفي، وسأله مُعزّ الدولة أنْ يأذن لابن شيرزاد بالظُهور، وأنْ يأذن أنْ يَستكتبه، فأجابه إلى ذلك، فظَهر ابن شيرزاد، ولقي مُعزّ الدولة فولاّه الخراج وجباية الأموال، وخَلعَ الخليفة على مُعزّ الدولة، ولقّبه ذلك اليوم مُعزّ الدولة، ولقّب أخاه عليّاً عِماد الدولة، ولقّب أخاه الحسن رُكن الدولة، وأمَر أنْ تُضرب ألقابهم وكُناهم على الدنانير والدراهم، ونَزَل مُعزّ الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور الناس، فلحِق الناس مِن ذلك شدّة عظيمة، وصار - نزول الجيش في دور الناس - رسماً عليهم بعد ذلك، وهو أوّل مَن فعله ببغداد، ولم يُعرف بها قبله، وأُقيم للمُستكفي بالله كلّ يوم خمسة آلاف درهم لنفقاته، وكان ربما تأخرت عنه، فأُقرّت له مع ذلك ضياع سُلّمت إليه تولاّها أبو أحمد الشيرازي كاتبه.
خَلْعُ المُستكفي بالله:
وفي هذه السنة خُلِعَ المُستكفي بالله لثمان بقين مِن جمادى الآخرة؛ وكان سبَبُ ذلك أنّ علم القهرمانة صنعتْ دعوةً عظيمةً حضرها جماعةٌ مِن قوّاد الديلم والأتراك، فاتّهمها مُعزّ الدولة أنّها فعلت ذلك لتأخذ عليهم البيعة للمُستكفي، ويُزيلوا مُعزّ الدولة، فساء ظنّه لذلك لمّا رأى مِن إقدام عَلَم، وحضر اسفهدوت عند مُعزّ الدولة، وقال:
قد راسلني الخليفة في أنْ ألقاه مُتنكّراً، فلمّا مضى اثنتان وعشرون يوماً مِن جمادى الآخرة حضر مُعزّ الدولة والناس عند الخليفة، وحضر رسول صاحب خُراسان، ومُعزّ الدولة جالس، ثُمّ حَضَر رجلان مِن نُقباء الدَيلم يصيحان، فتناولا يد المُستكفي بالله، فظّن أنّهما يُريدان تقبيلهُا، فمدّها إليهما فجذباه عن سريره
وجعلا عِمامته في حَلقه، ونهض مُعزّ الدولة، واضطرب الناس، ونهبت الأموال، وساق الديلميّان المُستكفي بالله ماشياً إلى دار مُعزّ الدولة، فاعتُقل بها، ونُهبت دار الخلافة حتّى لم يبقَ بها شيء، وقُبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المُستكفي، وأُخذت عَلَم القهرمانة فقُطع لسانها.
خلافة المُطيع واستيلاء مُعزّ الدولة على أُمور الخلافة:
لمّا وُلّي المُستكفي بالله الخلافة خافه المُطيع واستَتَرَ منه، فطلبه المُستكفي أشدّ الطَلَب، فلم يظفر به، فلمّا قدِم مُعزّ الدولة بغداد قيل إنّ المطيع انتقل إليه واستتر عنده، وأغراه بالمُستكفي حتّى قبض عليه وسَمله، فلمّا قُبِض المُستكفي بويعَ للمُطيع لله بالخلافة، ولقُب المطيع لله، وأُحضر المُستكفي عنده فسلّم عليه بالخلافة، وأُشهد على نفسه بالخَلع، وازداد أمر الخلافة إدباراً، ولم يبقَ لهم مِن الأمر شيء البتّة، وكانوا يُراجَعون ويؤخذ أمرهم فيما يُفعل والحرمةُ قائمةٌ بعض الشيء، فلمّا كان أيّام مُعزّ الدولة زال ذلك جميعه، بحيث إنّ الخليفة لم يبقَ له وزير، إنّما كان له كاتب يُدير إقطاعه وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمُعزّ الدولة يستوزر لنفسه مَن يريد، وكان مِن أعظم الأسباب في ذلك أنّ الديلم كانوا يتشيّعون ويُغالون في التشيّع، ويعتقدون أنّ العباسيّين قد غصبوا الخلافة وأخذوها مِن مُستحقّيها، فلم يكنْ عِندهم باعث ديني يَحثّهم على الطاعة، حتّى لقد بلغني أنّ مُعزّ الدولة استشار جماعة مِن خواصّ أصحابه في إخراج الخلافة مِن العباسيّين، والبيعة للمُعزّ لدين الله العلوي، أو لغيره مِن العلويّين، فكلّهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصّه، فإنّه قال :
ليس هذا برأي، فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنّه ليس مِن أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مُستحلّين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك مَن تعتقد أنت وأصحابك صحّة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه، فأعرض عن ذلك، وتسلم مُعزّ الدولة العراق بأسره، ولم يبقَ بيد الخليفة منه شيء البتة، إلاّ ما أقطعه مُعزّ الدولة ممّا يقوم ببعض حاجته.
هذا ما جاء في كامل ابن الأثير، أمّا ما جاء مِن تعليله عَدم إخلاص الديلم الطاعة للعباسيّين، واستشارة مُعزّ الدولة خواصّ أصحابه في إخراج الخلافة منهم إلى المُعزّ لدين الله العلوي أو لغيره مِن العلويين، ففي ذلك
بَعْد:
(١) إنّ الديلم مِن الشيعة الإماميّة، والإماميّة كما لا يَرون صحّة الخلافة العباسيّة ووجوب طاعة الخُلفاء العباسيّين، لا يرون وجوب طاعة مَن يليها مِن العلويّين أيضاً، سواء أكانوا سُنّة أم شيعة، ومذهبهم في الإمامة والخلافة مَعروف، وهي أنّها لا تكون إلاّ بالنصّ.
(٢) إنّ مُعزّ الدولة الّذي يَركن إليه أخوه عِماد الدولة، وهو مؤسّس الدولة البويهيّة، والداهية المُحنّك في الاستيلاء على العراق، ويفوض إليه هذا الأمر، وهو جدّ عليم أنّ ذلك لا يَتطلّب الشجاعة وقوّة الجيش وكثرة العدد فحسب، بل يَتطلّب الحكمة والتدبير وبراعة السياسة، ولا سيّما في قُطر كقُطر العراق، والطامحون في الاستيلاء عليه والنُفوذ على سُلطان الخلافة مِن التُرك والأكراد والعرب والديلم كثيرون، فهل يخفى على مُعزّ الدولة أنّ مِثل هذه المُحاولة لا تتمّ له إنْ قصد إليها، وهل يَجهل أنّ صرف الخلافة عن العباسيّين ليست مِن الأُمور الهيّنة، وحتّى مِن الشيعة العَرب مَن يتعصّب لها، دع ما لها مِن العصبيّة السنيّة مِن مُختلف العناصر، على أنّه لا يجهل أنّ إفريقيا قاعدة الخُلفاء العلويّين لا تَزيد في نُفوذ سلطانه، بل هي أحوج إلى مَن يردّ عنها أيدي المُتغلّبين، دع ما بين ممالك أخَويه وبين العراق مِن قُرب المسافات، والبُعد ما بينها وبين إفريقية، ولِقُربِ المواصلات وبُعدها أثرها البيِّن في سَوق الجيوش، ونقل العَتاد إذا احتاج إلى نجدتهم.
(٣) على افتراض صحَّة الخلافة العلويّة عند الإماميّة الاثني عشريّة، ومُعزّ الدولة والديالمة منهم، فهل يَرون صحّة خلافة مَن لم يكن على طريقتهم ومَذهبهم؟ فهل والحالة هذه لا يرون خلافة العلوي الإسماعيلي أو غيره أصحّ مِن خلافة العبّاسي السُنّي؟
فأنت ترى أنّ مُحاولة مِثل هذا الأمر لا تنطبق على المذهب الإماميّ، ولا على السياسة الملكيّة الرشيدة، وهُما ممّا لا يجهلهما مُعزّ الدولة ومُستشاروه.
الحربُ بين مُعزّ الدولة وناصر الدولة الحمداني:
في رجب سنة ٣٣٤ جرت حربٌ بين مُعزّ الدولة وناصر الدولة الحمداني انتهت بفوز مُعزّ الدولة في المُحرّم سَنة ٣٣٥ فاستقرار الصُلح بينه وبين ناصر الدولة. وقد بسطنا ذلك في تاريخ بني حَمدان وأخبار ناصر الدولة.
إقطاع البلاد وتخريبها واضطراب الأُمور:
وفي هذه السَنة شَغَبَ الجُند على مُعزّ الدولة وأسمعوه المكروه، فضمن لهم إيصال أرزاقهم في مُدّة ذكرها لهم، فاضطرّ إلى خبط الناس وأخذ الأموال مِن غير وجوهها، وأقطع قوّاده وأصحاب القُرى جميعها الّتي للسلطان وأصحاب الأملاك، فبطل لذلك أكثر الدواوين، وزالت أيدي العُمّال، وكانت البلاد قد خَرِبَت مِن الاختلاف والغلاء والنَهب، فأخذ القوّاد القُرى العامرة، وزادت عِمارتها معهم، وتَوفّر دخلها بسَبَب الجاه، فلم يُمكن مُعزّ الدولة العود عليهم بذلك.
وأما الأتباع، فإنّ الّذي أخذوه ازداد خَراباً فردّوه، وطلبوا العوض عنه فعُوّضوا، وترك الأجناد الاهتمام بمشارب القُرى وتسوية طُرقها، فهلكت وبطل الكثير منها، وأخذ غُلمّان المُقطعين في ظُلم وتحصيل العاجل، فكان أحدُهم إذا عجز الحاصل تمّمه بمُصادراتها.
ثُمّ إنّ مُعزّ الدولة فوّض حماية كلّ موضع إلى بعض أكابر أصحابه، فاتّخذه مُسكناً وأطمعه، فاجتمع إليهم الأُخوة وصار القوّاد يَدّعون الخسارة في الحاصل، فلا يقدر وزيره ولا غيره على تحقيق ذلك، فإنْ اعترضهم مُعترض صاروا أعداءً له، فتُركوا وما يُريدون، فازداد طَمعهم ولم يقِفوا عند غاية، فتَعذّر على مُعزّ الدولة جَمعُ ذخيرة تكون للنوائب والحوادث، وأكثَرَ مِن إعطاء غُلمانه الأتراك والزيادة لهم في الإقطاع، فحسدهم الديلم، وتولّد مِن ذلك الوحشة والمُنافرة، فكان منهُما البلاء على مُعزّ الدولة.
صُلح مُعزّ الدولة وأبي القاسم البريدي:
في هذه السنة اصطلح مُعزّ الدولة وأبو القاسم البريدي، وضَمِن أبو القاسم مدينة واسط وأعمالها منه.
استقرار مُعزّ الدولة ببغداد وإعادة المُطيع إلى دار الخلافة وصُلح مُعزّ الدولة وناصر الدولة:
في المُحرّم سَنة ٣٣٥ استقرّ مُعزّ الدولة ببغداد، وأعاد المُطيع لله إلى دار الخلافة بعد أن استوثق منه، وفيها اصطلح مُعزّ الدولة وناصر الدولة
كما سبق بيان ذلك، وكانت الرُسل تَتردّد بينهما بغير عِلمٍ مِن الأتراك التورونيّة.
اختلاف مُعزّ الدولة وأبي القاسم البريدي:
في هذه السَنة اختلف مُعزّ الدولة وأبو القاسم بن البريدي والي البصرة، فأرسل مُعزّ الدولة جيشاً إلى واسط، فسيَّر إليهم ابن البريدي جيشاً مِن البصرة في المّاء وعلى الظَهر، فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب البريدي، وأُسِر مِن أعيانهم جماعة كثيرة.
استيلاء مُعزّ الدولة على البصرة:
في سنة ٣٣٦ سار مُعزّ الدولة ومعه المُطيع لله إلى البصرة؛ لاستنقاذها مِن يد أبي القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي، وسلكوا البريّة إليها، فأرسل القرامطة مِن هَجَر إلى مُعزّ الدولة يُنكرون عليه مسيره إلى البريّة بغير أمرهم وهي لهم، فلم يُجبهم عن كتابهم، وقال للرسول:
قل لهم: مَن أنتم حتّى تستأمروا، وليس قصدي مِن أخذ البصرة غيركم، وستعلمون ما تقولون منّي.
ولمّا وصل مُعزّ الدولة إلى الدرهميّة استأمن إليه عساكر أبي القاسم البريدي، وهرب أبو القاسم في الرابع والعشرين مِن ربيع الآخر إلى هَجَر والتجأ إلى القرامطة، ومَلَك مُعزّ الدولة البصرة، فانحلّت الأسعار ببغداد انحلالاً كثيراً، وسار مُعزّ الدولة مِن البصرة إلى الأهواز ليلقى أخاه عِماد الدولة، وأقام الخليفة وأبو جعفر الصيمري بالبصرة، وخالف كوركير - وهو مِن أكابر القوّاد - على مُعزّ الدولة، فسيّر إليه الصيمري فقاتله فانهزم كوركير، وأُخذ أسيراً فحبسه مُعزّ الدولة بقلعة رامهرمز، ولقي مُعزّ الدولة أخاه عِماد الدولة بأرجان في شعبان، وقبَّلَ الأرض بين يديه، وكان يقف قائماً عنده فيأمره بالجلوس فلا يفعل، ثُمّ عاد إلى بغداد، وعاد المُطيع أيضاً إليها، وأظهر مُعزّ الدولة أنّه يُريد أنْ يسيرَ إلى الموصل، فتردّدت الرُسل بينه وبين ناصر الدولة واستقر الصُلح، وحَمل المّال إلى مُعزّ الدولة فسكت عنه.
مِلكُ مُعزّ الدولة الموصل وعوده منها:
في سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة سار مُعزّ الدولة مِن بغداد إلى الموصل
قاصداً ناصر الدولة، وانتهى الأمر مَعه إلى ما مرَّ في ترجمة رُكن الدولة.
حرب الصيمري وزير مُعزّ الدولة لعِمران بن شاهين وعوده بأمر مُعزّ الدولة بعد تَضييقه على عِمران:
في سنة ٣٣٨ استفحل أمرُ عِمران بن شاهين وقوي شأنه، وخافته القوافل حتّى انتهى الأمر بتسيير مُعزّ الدولة وزيره أبي جعفر الصيمري لمُحاربته، فعودته بأمره مِن محاربته، بسبب موت أخيه عماد الدولة، واضطراب جيشه بفارس، وإرسال الصيمري إلى شيراز لإصلاح الأُمور فيها، وقد ذكرنا ذلك في تاريخ بني عِمران بن شاهين، كما استوفينا جميع أخبارهم مِن مُبتدأ أمرهم إلى انتهائه، فليُطلَب في موضعه مِن هذا التاريخ.
وفي سنة ٣٣٩ توفّي أبو جعفر محمّد بن أحمد الصيمري بأعمال الجامدة الّتي كانت تحت سلطة عِمران بن شاهين، وكان قد عاد مِن فارس مُحاصِراً لابن شاهين، فاستوزر مُعزّ الدولة بعده أبا محمّد الحسن بن محمّد المهلبي، وكان يَخلُف الصيمري بحضرة مُعزّ الدولة، فعرف أحوال الدواوين، فامتحنه مُعزّ الدولة، فرأى فيه ما يُريد مِن الأمانة والكفاية والمَعرفة بمصالح الدولة وحُسن السيرة، فاستوزره ومكّنه مِن وزارته فأحسن السيرة، وأزال كثيراً مِن المظالم خُصوصاً بالبصرة، فإنّ البريديّين كانوا قد أظهروا فيها كثيراً مِن المظالم، فأزالها وقرّب أهل العِلم والأدب وأحسن إليهم، وتنقّل في البلاد لكشف ما فيها مِن المظالم وتخليص الأموال، فحَسُن أثره رحمه الله.
مُعاودة مُعزّ الدولة حرب عِمران بن شاهين:
في هذه السنة بعد موت الصيمري ازداد ابن شاهين قوّة وجُرأة، فسيّر إليه مُعزّ الدولة جيشاً يقوده المهلبي، فانهزم جيش المهلبي، وجرتْ أُمور انتهت بمُصالحة مُعزّ الدولة لابن شاهين، وتقليده له أعمال البطائح ممّا زاد في استفحال أمره، ولا يُفيد تفاصيل هذه الأخبار؛ لأنّها مبسوطة في تاريخ دولة بني شاهين مِن هذا الكتاب.
حِصار يوسف بن وجيه البصرة وانهزامه:
في سنة ٣٤١ سار يوسف بن وجيه صاحب عمان في البحر والبرّ إلى البصرة فحصرها، وكان سَبَب ذلك أنْ مُعزّ الدولة لمّا سلك البريّة إلى البصرة، وأرسل القرامطة يُنكرون عليه ذلك، وأجابهم بما سبق ذِكره في غير هذا المكان، عَلِم يوسف بن وجيه استيحاشهم مِن مُعزّ الدولة، فكَتب إليهم يُطمعهم في البصرة، وطلب منهم أنْ يَمدّوه مِن ناحية البر، فأمدّوه بجمع كثير منهم، وسار يوسف في البحر فبلغَ الخبر إلى الوزير المهلبي، وقد فرغ مِن الأهواز والنظر فيها، فسار مُجدّاً في العساكر إلى البصرة، فدخلها قَبل وصول يوسف إليها وشحنها بالرجال، وأمدَّه مُعزّ الدولة بالعساكر وما يحتاج إليه، وتحارب هو وابن وجيه أيّاماً، ثُمّ انهزم ابن وجيه وظَفرَ المهلبي بمراكبه وما معه مِن سلاح وغيره.
ضَربُ مُعزّ الدولة وزيره المهلبي بالمقارع:
وفي هذه السنة في ربيع الأوّل ضَربَ مُعزّ الدولة وزيره أبا محمّد المهلبي بالمقارع مئةً وخمسين مقرعة، ووكّل به في داره ولم يَعزله مِن وزارته، وكان نَقِم عليه أُموراً ضربه بسببها.
الخطبة لمُعزّ الدولة في مكة:
في سنة ٣٤٢ سيَّر الحجّاج الشريفين أبا الحسن محمّد بن عبد الله وأبا عبد الله أحمد بن عمر بن يحيى العلويّين، فجرى بينهما وبين عساكر المصريّين مِن أصحاب ابن طغج حَرب شديدة، وكان الظفر لهُما فُخطِب لمُعزّ الدولة بمكّة، فلمّا خرجا مِن مكّة لحقهما عسكر مصر فقاتلهما، فظفرا به أيضاً.
وفي سنة ٣٤٣ وقعت الحرب بمكّة بين أصحاب مُعزّ الدولة، فخُطب بمكة والحجاز لرُكن الدولة ومُعزّ الدولة وولده عزّ الدولة بختيار وبعدهم لابن طغج.
إرسالُ مُعزّ الدولة سبكتكين في جيش لشهرزور:
وفي هذه السَنة أرسل مُعزّ الدولة سبكتكين في جيش إلى شهرزور في رجب، ومعه المنجنيقات لفتحها، فسار إليها وأقام بتلك الولاية إلى المُحرّم مِن سَنة أربع وأربعين وثلاثمئة، فعاد ولم يُمكنه فتحها؛ لأنّه اتّصل به خروج عساكر خُراسان إلى الري.
مَرض مُعزّ الدولة وانتقاض ابن شاهين:
في سنة ٣٤٣ في ذي القعدة عرض لمُعزّ الدولة مَرض، وهو دوام الإنعاظ - يُسمى فريافسمس - مع وجع شديد في ذَكَرِه مع تَوتُّر أعصابه، وكان مُعزّ الدولة خوّاراً في أمراضه، فأرجف الناس به، واضطربت بغداد، فاضطرّ إلى الرُكوب فركب في ذي الحجّة على ما به مِن شِدّة المرض، فلمّا كان في المُحرّم مِن سنة ٣٤٤ أوصى إلى ابنه بختيار، وقلَّده الأمر بعده وجعله أمير الأُمراء، وبلغَ عِمران بن شاهين أنّ مُعزّ الدولة قد مات، فجرتْ منه أُمور أدّت إلى انفساخ الصُلح، وقد ذُكِر هذا في دولة بني شاهين.
إنجاده أخاه رُكن الدولة بعسكر لمُدافعة الخُراسانيّة:
وفي هذه السَنة استمدّ أخوه رُكن الدولة لمُدافعة الخُراسانيّة الخارجين إلى مملكته في الري، فأمدّه بعسكر مُقدّمهم الحاجب سبكتكين، وقد مرَّ خَبر ذلك في ترجمة رُكن الدولة.
عصيان روزبهان على مُعزّ الدولة:
في سَنة ٣٤٥ خَرج روزبهان بن ونداد خرشيد الديلمي على مُعزّ الدولة، وعصى عليه، وخرج أخوه بلكا بشيراز، وخرج أخوهما أسفار بالأهواز، ولحق به روزبهان إلى الأهواز، وكان يُقاتل عِمران بالبطيحة، فعاد إلى واسط وسار إلى الأهواز في رَجب وبها الوزير المهلبي، فأراد مُحاربة روزبهان فاستأمن رجاله إلى روزبهان، فانحاز المهلبي عنه، وورد الخبر بذلك إلى مُعزّ الدولة فلم يُصدّق به، لإحسانه إليه، لأنّه رفعه بعد الضِعَة ونَوّه
بذِكره بعد الخُمول، فتجّهز مُعزّ الدولة إلى محاربته، ومال الديلم بأسرهم إلى روزبهان، ولقوا مُعزّ الدولة بما يَكره، واختلفوا عليه وتتابعوا على المسير إلى روزبهان، وسار مُعزّ الدولة عن بغداد خامس شعبان، وخرج الخليفة المُطيع لله مُنحدراً إلى مُعزّ الدولة؛ لأنّ ناصر الدولة لمّا بَلغه الخبر سيَّر العساكر مِن الموصل مع ولده أبي المرجا جابر لقصد بغداد والاستيلاء عليها، فلمّا بَلغَ ذلك الخليفة انحدر مِن بغداد، فأعاد مُعزّ الدولة الحاجب سبكتكين وغيره ممَّن يثقُ بهم مِن عسكره إلى بغداد، فشَغبَ الديلم الّذين ببغداد، فوُعِدوا بأرزاقهم فسكنوا، وهُم على قنوط مِن مُعزّ الدولة.
وأمّا مُعزّ الدولة، فإنّه سار إلى أنْ بلغ قنطرة أدبق فنزل هُناك، وجعل على الطرق مَن يحفظ أصحاب الديلم مِن الاستئمان إلى روزبهان؛ لأنّهم كانوا يأخذون العطاء منه ثُمّ يهربون عنه، وكان اعتماد مُعزّ الدولة على أصحابه الأتراك ومماليكه ونَفَرٌ يسيرٌ مِن الديلم، فلمّا كان سلخ رمضان أراد مُعزّ الدولة العُبور هو وأصحابه الّذين يثقُ بهم إلى مُحاربة روزبهان، فاجتمع الديلم وقالوا لمُعزّ الدولة:
إنْ كُنّا رجالك فأخرجنا معك نقاتل بين يديك، فإنّه لا صبر لنا على القعود مع الصبيان والغُلمّان، فإنْ ظفرت كان الاسم لهؤلاء دوننا، وإنْ ظفرَ عدوّك لَحِقنا العار. وإنّما قالوا هذا الكلام خديعة ليُمكّنهم مِن العبور معه فيتمكّنون منه، فلمّا سمع قولهم سألهم التوقّف، وقال:
إنّما أُريد أنْ أذوق حَربهم ثُمّ أعود، فإذا كان الغد لقيناهم بأجمعنا وناجزناهم. وكان يُكثر لهم العطاء فأمسكوا عنه، وعبر مُعزّ الدولة وعبر أصحابه كراديس تتناوب الحملات، فما زالوا كذلك إلى غروب الشمس، ففني نشّاب الأتراك وتعبوا، وشكوا إلى مُعزّ الدولة ما أصابهم مِن التَعب، وقالوا:
نَستريح الليلة ونعود غَداً، فعلِم مُعزّ الدولة أنّه إنْ رجِع رجف إليه روزبهان والديلم، وثار معهم أصحابه الدَيلم يهلُك ولا يُمكنه الهَرب، فبكى بين يَدَي أصحابه وكان سريع الدمعة، ثُمّ سألهم أنْ تُجمع الكراديس كلّها ويحملوا حَملة واحدة، وهو في أوّلهم فإمّا أنْ يَظفروا، وإمّا أنْ يُقتل أوّل مَن يُقتل، فطالبوه بالنشاب، فقال:
قد بقيَ مع صغار الغُلمّان نشّاب فخذوه واقسّموه، وكان جماعة صالحة مِن الغُلمّان الأصاغر تحتهم الخيل الجياد وعليهم اللبس الجيّد، كانوا سألوا مُعزّ الدولة أنْ يأذن لهم في الحرب فلم يَفعل، وقال:
إذا جاء وقت يَصلح لكم أذنت لكُم في القتال، فوجّه إليهم
تلك الساعة مَن يأخذ منهم النشّاب، وأومأ مُعزّ الدولة إليهم بيده أنْ اقبلوا منه، وسلّموا إليه النشّاب، فظنّوا أنّه يأمرهم بالحملة، فحملوا وهُم مستريحون، فصدموا صفوف روزبهان فخرقوها، وألقوا بعضها فوق بعض فصاروا خَلفهم، وحمل مُعزّ الدولة فيمَن معه باللتوت، فكانت الهزيمة على روزبهان وأصحابه، وأُخذ روزبهان أسيراً وجماعة مِن قوّاده، وقتَل مِن أصحابه خَلق كثير، وكَتب مُعزّ الدولة بذلك، فلمْ يُصدِق الناس لما علموا مِن قُوّة روزبهان وضعف مُعزّ الدولة، وعاد إلى بغداد ومَعَه روزبهان يراه الناس، وسَيَّر سبكتكين إلى أبي المرجا بن ناصر الدولة، وكان بعكبرا فلم يَلحقه؛ لأنّه لمّا بلغه الخبر عاد إلى الموصل، وسَجن مُعزّ الدولة روزبهان، فبلغه أنْ الديلم قد عزموا على إخراجه قهراً، والمُبايعة له فأخرجه ليلاً وغَرّقه.
وأمّا أخو روزبهان الّذي خرج بشيراز، فإنّ الأُستاذ أبا الفضل بن العميد سار إليه في الجيوش فقاتله فظفرَ به، وأعاد عضُد الدولة بن رُكن الدولة إلى مُلكه، وانطوى خبَر روزبهان وأخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النار، فقَبض مُعزّ الدولة على جماعة مِن الديلم وترك مَن سواهم، واصطنع الأتراك وقدّمهم، وأمرهم بتوبيخ الديلم والاستطالة عليهم، ثُمّ أطلق للأتراك إطلاقات زائدة على واسط والبصرة، فساروا لقبضها مُدلين بما صنعوا، فأخربوا البلاد ونهبوا الأموال، وصار ضرَرُهم أكثر مِن نفعهم.
استيلاء مُعزّ الدولة على الموصل:
لم يكن ناصر الدولة يَثبت مع مُعزّ الدولة على عَهد وصلح، فما يَبرم معه عهداً وصُلحاً حتّى يُنقضه ما بين عشيّة، كلمّا لاحت له فرصة الخروج فقد اختلفا كثيراً، وانتهى اختلافهما إلى اتّفاق وسُرعان ما يعود ناصر الدولة فينسخ ذلك الاتّفاق، وقد عرفت في خَبر خُروج روزبهان وأخَوَيه أنْ ناصر الدولة انتهزها فُرصة فسيّر ولده أبا المرجا إلى بغداد، وكان ذلك بعد صُلح معقود على ألفَي ألف درهم كلّ سَنة، ولكنّ ناصر الدولة أخّر حمل المال مُضافاً إلى ما أساء إليه في وقت الشدّة، وكان ذلك في سنة ٣٤٧، ممّا اضطرّ مُعزّ الدولة للتجهُّز إلى الموصل، فسار نحوها في مُنتصف جمادى الأولى ومعه وزيره المهلبي، وانتهى الأمر بعد مواقع وحُروب بينهما إلى فِرار ناصر الدولة إلى أخيه سيف الدين في
حلب، وتوسّط سيف الدولة في الصُلح وكفالته المال المُرتّب عليه، إلى غير ذلك ممّا بسطناه في تاريخ الحمدانيّين أحد أجزاء هذا الكتاب.
زواجُ مُؤيّد الدولة بن رُكن الدولة بابنة عمّه مُعزّ الدولة:
في سنة ٣٤٨ سار مؤيّد الدولة بن رُكن الدولة مِن الريّ إلى بغداد، فتَزوّج بابنة عمّه مُعزّ الدولة، ونقلها معه إلى الري، ثُمّ عاد إلى أصبهان.
بِناءُ مُعزّ الدولة دورَه ببغداد بعد إبلاله مِن مرض أقلقه:
في المُحرّم سنة ٣٥٠هـ مرض مُعزّ الدولة وامتنع عليه البول، ثُمّ كان يبول بعد جُهد ومشقّة دماً، وتبعه البول والحصار، فاشتدّ جَزعه وقلقه، وأحضر الوزير المهلبي والحاجب سبكتكين، فأصلح بينهما ووصّاهما بابنه بختيار، وسلّم جميع ماله إليه، ثُمّ إنّه عوفي، فعَزِم على المسير إلى الأهواز؛ لأنّه اعتقد أنّ ما اعتاده مِن الأمراض إنّما هو بسبب مقامه ببغداد، وظنّ أنّه إنْ عاد إلى الأهواز عاوده ما كان فيه مِن الصحّة ونَسيَ الكِبَر والشباب، فلمّا انحدر إلى كلواذا ليتوجّه إلى الأهواز أشار عليه أصحابه بالمَقام، وأنْ يُفكّر في هذه الحَركة ولا يَعجل، فأقام بها، ولم يُؤثِر أحدٌ مِن أصحابه انتقاله لمُفارَقة أوطانهم، وأسَفَاً على بغداد كيف تَخرب بانتقال دار المَلك عنها، فأشاروا عليه بالعود إلى بغداد، وأنْ يبني بها له داراً في أعلى بغداد لتكون أرقّ هواء وأصفى ماء ففعل، وشَرع في بناء داره في موضع المسناة المُعزيّة، فكان مَبلَغ ما خَرَجَ عليها إلى أنْ مات: ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج بسَبَب ذلك إلى مُصادرة جماعة مِن أصحابه.
تَوليتهُ القضاءِ بالضمان:
في هذه السَنة تولّى قضاء القضاة أبو العبّاس بن عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب، وضَمِن أنْ يؤدّي كلّ سَنة مئتي ألف دِرهم، وهو أوّل مَن ضَمِن القضاء، وكان ذلك أيام مُعزّ الدولة، ولم يُسمع بذلك قبله، فلم يأذن له الخليفة المُطيع لله بالدخول عليه، وأمر بأنْ لا يحضر الموكب لِما ارتكبه مِن ضمان القضاء، ثُمّ ضُمِنَت بعدُ الحُسبة والشَرطة ببغداد.
استئمانُ أبي القاسم أخي عِمران بن شاهين إلى مُعزّ الدولة:
في هذه السَنة وصل أبو القاسم أخو عِمران بن شاهين إلى مُعزّ الدولة مُستأمِناً.
ما كُتِبَ على مساجد بغداد بأمر مُعزّ الدولة:
في ربيع الآخر مِن سنة ٣٥١هـ كَتب عامّة الشيعة ببغداد بأمر مُعزّ الدولة على المساجد ما هذه صورته:(لُعِن معاوية بن أبي سفيان، ولُعِن مَن غَصب فاطمة (رضي الله عنها) فَدكاً، ومَن مَنع مِن أنْ يُدفن الحسن عند قبر جدّه (عليه السلام)، ومَن نفى أبا ذرٍّ الغفاري، ومَن أخرج العبّاس مِن الشورى).
فأمّا الخليفة، فكان مَحكوماً عليه لا يقدر على المَنع، وأمّا مُعزّ الدولة، فبأمره كان ذلك، فلمّا كان الليل حكّه بعضُ الناس، فأراد مُعزّ الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير أبو محمّد المهلبي بأنْ يَكتب مكان ما مُحي:(لعن الله الظالمين لآل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)) ، ولا يَذكر أحداً في اللعن إلاّ معاوية، ففعل ذلك.
وفاةُ المهلبي وأُمور غريبة صدرت مِن مُعزّ الدولة:
في جمادى الآخرة سن ٣٥٢هـ سار الوزير المهلبي وزير مُعزّ الدولة في جيش كَثيف إلى عُمان ليفتحها، فلمّا بلغَ البحر اعتلّ واشتدّت عِلّته فأُعيد إلى بغداد فدُفن بها، وقبضَ مُعزّ الدولة أمواله وذخائره وكلّ ما كان له، وأخذ أهله وأصحابه وحواشيه حتّى ملاّحه ومَن خدمه يوماً واحداً، فقبض عليهم وحبسهم، فاستعظم الناس ذلك واستقبحوه، وكانت مُدّة وزارته ثلاث عشرة سَنة وثلاثة أشهر، وكان كريماً فاضلاً ذا عقل ومروءة فمات بموته الكرم، ونظر في الأُمور بعده أبو الفضل العبّاس بن الحسين الشيرازي، وأبو الفَرَج محمّد بن العبّاس بن فسانجس مِن غير تسمية لأحدهما بوزارة.
أمرُ مُعزّ الدولة الناس بإبطال أعمالهم وإقامة عزاء الحسين بن علي (عليه السلام):
في عاشر المُحرّم مِن هذه السَنة أمر مُعزّ الدولة الناس أنْ يُغلقوا دكاكينهم، ويُبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأنْ يُظهروا النياحة ويلبسوا قباباً
عملوها بالمسوح، وأنْ يَخرُج النساء مُنشرات الشُعور، مُسودّات الوجوه، قد شققنَ ثيابهنّ، يَدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي رضي الله عنهما، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسُنّة قُدرة على المنع منه؛ لكثرة الشيعة، ولأنّ السلطان معهم.
ومُعزّ الدولة هو أوّل مَن سنَّ هذه السُنّة، وألزم الناس بها في كلِّ يوم عاشر مِن مُحرّم كلّ سَنة، وكانت مَثارة فِتن بين السُنّة والشيعة.
مِلكُ مُعزّ الدولة الموصل وعوده منها:
وفي رجب سنة ٣٥٣هـ سار مُعزّ الدولة مِن بغداد إلى الموصل وملكها، وبعد تضييقه على ناصر الدولة وفراره منه أعاده إليه، وقرّر بينهما الصُلح، وقد استوفينا خَبر ذلك في أخبار الحمدانيّين فلا نُعيده.
طاعةُ أهل عُمان مُعزّ الدولة وما كان مِنهم:
وفي سنة ٣٥٤هـ سيَّر مُعزّ الدولة عسكراً إلى عُمان، فلقوا أميرها وهو نافع مولى يوسف بن وجيه، وكان يوسف قد هَلك ومَلكَ نافع البلد بعده، وكان أسود، فدخل نافع في طاعة مُعزّ الدولة، وخطب له وضرب له اسمه على الدينار والدرهم، فلمّا عادَ العسكر عنه وثب به أهل عُمان فأخرجوه عنهم، وأدخلوا القرامطة الهَجريّين إليهم، وتَسلّموا البَلد فكانوا يُقيمون فيها نهاراً ويَخرجون ليلاً إلى مُعسكرهم، وكتبوا إلى أصحابهم بهَجَر يُعرّفونهم الخبر ليأمروهم بما يفعلون.
ما تَجدّد لعُمان واستيلاء مُعزّ الدولة عليها:
بعد هرب نافع عن عُمان واستيلاء القرامطة عليها، كان معهم كاتب يُعرَف بعلي بن أحمد ينظر في أُمور البلد، وكان بعُمان قاضٍ له عشيرة وجاه، فاتّفق هو وأهل البلد أنْ يَنصبوا في الإمرة رجلاً يُعرف بابن طغان، وكان مِن صِغار القوّاد بعُمان وأدناهم مَرتبة، فلمّا استقرّ في الإمرة خافَ ممَّن فوقه مِن القوّاد، فقبضَ على ثمانين قائداً، فقتل بعضهم وغَرّق بعضهم، وقَدِم البلد ابنا أُخت رجُل ممَّن قد غرَّقهم فأقاما مُدّة، ثُمّ إنّهما دخلا على طغان يوماً مِن أيّام السلام، فسلما عليه فلمّا تقوّض المجلس قتلاه، فاجتمع
رأي الناس على تأمير عبد الوهّاب بن أحمد بن مروان، وهو مِن أقارب القاضي، فوُلّي الإمارة بعد امتناع منه، واستكتب عليّ بن أحمد الّذي كان مع الهجريّين، فأمر عبد الوهّاب كاتبه عليّاً أنْ يُعطي الجُند أرزاقهم صِلة، ففعل ذلك، فلمّا انتهى إلى الزنج - وكانوا ستّة آلاف رجُل، ولهم بأس وشدة - قال لهم عليّ:
إنْ الأمير عبد الوهّاب أمَرني أنْ أُعطي البيض مِن الجُند كذا وكذا، وأمرَ لكُم بنصف ذلك. فاضطربوا وامتنعوا، فقال لهم:
هلْ لكُم أنْ تُبايعوني فأُعطيكم مثل سائر الجُند، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، وأعطاهم مِثل البيض مِن الجُند، فامتنع البيض مِن ذلك، ووقعت بينهم حَرب، فظَهَر الزنج عليهم، فسكتوا واتّفقوا مع الزنج، وأخرجوا عبد الوهّاب مِن البَلد، فاستقرّ في الإمارة عليّ بن أحمد.
ثُمّ إنّ مُعزّ الدولة سار إلى واسط لحربِ عِمران بن شاهين، ولإرسال جيش إلى عُمان في سنة ٣٥٥هـ، فلمّا وصل إلى واسط قَدِم عليه نافع الأسود - الّذي كان صاحب عُمان - فأحسن إليه وأقام للفراغ مِن أمرِ عِمران ابن شاهين، وانحدر مِن واسط إلى الأبلة في شهر رمضان، فأقام بها يُجّهز الجيش والمراكب ليَسيروا إلى عُمان ففرغ منه، وساروا مُنتصف شوّال، واستعمل عليهم أبا الفرج محمّد بن العبّاس بن فسانجس، وكانوا في مئة قطعة، فلمّا كانوا بسيراف انضمّ إليهم الجيش الّذي جهّزه عَضُد الدولة مِن فارس نجدة لعمّه مُعزّ الدولة، فاجتمعوا وساروا إلى عُمان، ودخلها تاسع ذي الحجّة، وخَطبَ لمُعزّ الدولة فيها، وقَتل مِن أهلها مَقتلة عظيمة، وأُحرقت مَراكبهم وهي تسعة وثمانون مَركباً.
ما جرى لمُعزّ الدولة مع عِمران بن شاهين:
في هذه السَنة اعتلَّ مُعزّ الدولة في واسط بعد أنْ استولى جيشه على عُمان لإتمام حرب عِمران ومِلك بَلده، فأقام بها فمَرِض، وأُصعد إلى بغداد لليلتين بقيتا مِن ربيع الأوّل سَنة ستّ وخمسين، وهو عليل، وخلّف العسكر بها، ووعدهم أنْ يعود إليهم، فلمّا وصل إلى بغداد تُوفّي فدعت الضرورة إلى مُصالحة عِمران والانصراف عنه.
مَوت مُعزّ الدولة وولاية ابنه بَختيار:
في ثالث عشر ربيع الآخر سَنة ٣٥٦هـ تُوفّي مُعزّ الدولة بعلّة الذرب
بعد أنْ أُصعد به مِن واسط وهو شديد المرض إلى بغداد، ولمّا أحسَّ بالموت عَهِد إلى ابنه عِزّ الدولة بختيار، وأظهر التوبة، وتَصدّق بأكثر ماله، وأعتق مماليكه، وردّ شيئاً كثيراً على أصحابه، ودُفن بباب التبن في مقابر قُريش، فكانت إمارته إحدى وعشرين سَنة وأحد عشر شهراً ويومين، وكان حليماً كريماً عاقلاً، ولمّا ماتَ مُعزّ الدولة وجلس ابنه عِزّ الدولة في الإمارة مَطر الناسُ ثلاثة أيّام بلياليها مَطراً دائماً مَنع الناس مِن الحركة، فأرسل إلى القوّاد فأرضاهم ولم يُتحرك أحدٌ، وكَتب عِزّ الدولة إلى العسكر بمُصالحة عِمران بن شاهين ففعلوا.
ما كَتَبَ عنه المُؤرّخون:
إنّ ما كتبناه عن مُعِزّ الدولة جُلّه مَنقول عن كامل ابن الأثير بعبارته إلاّ القليل، وإليك ما كَتَبَ عنه غيرُ ابن الأثير:
ففي وَفَيات الأعيان للقاضي ابن خلكان في ترجمته له:
وكان وصوله - مُعِزّ الدولة - إلى بغداد مِن جهة الأهواز، فدخلها مُتملّكاً يوم السبت لإحدى عشرة ليلةً خَلت مِن جُمادى الأُولى سَنة أربع وثلاثين وثلاثمئة، في خلافة المُستكفي وَملكها بلا كُلفة.
وذَكَر أبو الفرج بن الجوزي في كتاب شذور العقود: أنّ مُعِزّ الدولة المَذكور كان في أوّل أمره يَحمل الحَطب على رأسه، ثُمّ مَلك هو وإخوته البلاد وآل أمرُهم إلى ما آل، وكان مُعِزّ الدولة أصغر الأُخوة الثلاثة، وكانت مُدّة مُلكه العراق إحدى وعشرين سَنة وأحد عشر شهراً، وتُوفّي يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الآخر سَنة ستٍّ وخمسين وثلاثمئة ببغداد - إلى أنْ قال - ومولده في سَنة ثلاث وثلاثمئة رَحمه الله.
قال أبو الحسن العلوي:
بينا أنا في داري على دجلة بمشرعة القصب، في ليلةٍ ذات غيمٍ ورعدٍ وبرقٍ سمعت صوتَ هاتف يقول:
لمّا بَلغتَ أبا الحُس ين مُراد نفسك في الطَلَبِ
وأمنتَ مِن حَدَث الليا لي واحتجبت عن النوبِ
مُدّتْ إليك يدُ الردى وأُخذتَ مِن بيت الذَهبِ
فإذا بمُعِزّ الدولة قد توفّي في تلك الليلة.
وقال ابن كثير في حوادث سنة ٣٥٠هـ - بعد أنْ ذَكر قَلق مُعِزّ الدولة
مِن مرضه، وإصلاحه بين سبكتكين والوزير المهلبي، ووصيّته لهُما بولده بختيار خيراً، ثُمّ مُعافاته وعزمه على الانتقال إلى الأهواز، ثُمّ تحويل عزمه عن ذلك، وإشارة أصحابه عليه بالبقاء في بغداد، وأنْ يبني داراً في أعلاها -: فبنى له داراً غَرَمَ عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج لذلك أنْ يُصادر بعض أصحابه.
ويُقال: أنفق عليها ألفَي ألف دينار، ومات وهو يبني فيها ولم يَسكنها، وقد خَرّب أشياء كثيرة مِن معالم الخُلفاء ببغداد في بنائها، وكان ممّا خَرّب: المعشوق مِن سرِّ مَن رأى، وقلع الأبواب الحديديّة الّتي على مدينة المنصور والرصافة وقصورها، وحَوّلها إلى داره هذه.
وقال عن تَولّيته القضاء بالضمان إلى أبي عبد الله الحسين بن أبي الشوارب: وضَمِن أنْ يؤدّي في كلّ سَنة إلى مُعزّ الدولة مئتي ألف درهم، فخلع عليه مُعزّ الدولة، وسار ومعه الدبابات والبوّقات إلى منزله، وهو أوّل مَن ضمِن القضاء ورُشيَ عليه والله أعلم، ولمّا عُزل ابن أبي الشوارب عن القضاء نُقضتْ سِجلاّته، وأُبطلت أحكامه مُدّة أيّامه، وذلك في سَنة (٣٥٢).
وقال في حوادث سنة ٣٥٦هـ عند ذِكر وفاته: ولمّا كان ثالث عشر ربيع الأوّل منها توفّي أبو الحسن أحمد بن بويه الديلمي الّذي أظهر الرَفض، ويقال له مُعزّ الدولة، ولمّا أحسّ بالموت أظهر التوبة وأناب إلى الله عز وجل، وردّ كثيراً مِن المظالم، وتصدّق بكثير مِن ماله، وأعتق طائفة كثيرة مِن مماليكه، وعهد بالأمر إلى ولده بختيار عِزّ الدولة، وقد اجتمع ببعض العُلماء فكلّمه في السُنّة، وأخبره أنّ عليّاً زوّج ابنته أُمّ كُلثوم مِن عمر بن الخطّاب، فقال:
والله ما سمعت بهذا قط. ورجع إلى السُنّة ومُتابعتها، ولمّا حَضر وقت الصلاة خرجَ عنه ذلك الرجل العالِم، فقال له مُعزّ الدولة: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الصلاة، فقال له: ألا تُصلي هاهُنا؟ قال: لا، قال: ولِمَ؟ قال: لأنّ دارك مَغصوبة. فاستحسن منه ذلك، وكان مُعزّ الدولة حليماً كريماً، وهو أوّل مَن أجرى السُعاة بين يديه ليُبعثَ بأخباره إلى أخيه رُكن الدولة سريعاً إلى شيراز، وحظيَ عنده أهل هذه الصناعة، وكان عنده في بغداد ساعيان ماهران، وهُمّا فضل وبرغوش، يَتعصّب لهذا عوامُّ أهلِ السُنّة ولهذا عوامّ أهلُ الشيعة، وجرتْ لهُما مناصف ومواقف.
أوّليّاتُه:
(١) هو أوّل مَلكٍ مِن بني بويه بسط سُلطانه على الأهواز والعراق، ونُفوذه على الخلافة العباسيّة، وظفر مِن الخليفة لنفسه ولأخويه عِماد الدولة ورُكن الدولة بأسمى الكُنى والألقاب.
(٢) أوّل مَن أجرى السُعاة بين يديه بصورةٍ مُنظّمة لإبلاغ أخباره إلى أخيه.
(٣) أوّل مَن أبطل الأعمال في بغداد في العاشر مِن مُحرّم كُلَّ سَنة لذِكرى مَقتل الحسين بن عليّ (عليه السلام) برُسوم خاصّة، ومثال ذلك: إعلانه السُرور في اليوم الثامن عشر مِن ذي الحجّة في كلِّ عام لذكرى يوم غدير خُم.
(٤) أوّل مَن ضمن القضاء والحُسبة والشحنة، ولم يكن لذلك سابقة في الإسلام.
حُكْمُ التاريخِ لهُ وعَليه:
وَصَفَهُ المؤرّخون بالكَرم والحِلم والعقل والتدبير في الحُروب والشجاعة، وحسبُك تدليلاً على استعداده للنُهوض بأعباء أثقل مُهمّة، واستجماعه لأدواتها انتداب أخَويه عِماد الدولة ورُكن الدولة، وهُما مَن هَمّا في جمع المزايا المَلكيّة السامية لأخيهما هذا إلى الاستيلاء على الأهواز والعراق، وهُما لا يجهلان أنّهما لم ينتدباه لمُلك مُمهَّد، وسُلطان سهل المنال، والبَلَدان تَحوم حولهما أنظار الطامحين مِن هُنا وهُناك مِن مُختلَف الشعوب، فلو لم يتحقّق فيه الكفاية لهذه المُهمّة لَمَا تركاه يُغامر هذه المُغامرة العظيمة، والأُخوة الثلاثة مؤسِّسو الدولة البويهيّة مِن أشدّ مَن قام بأُمور المُلك مَحبّة وإخلاصاً بعضهم لبعض، وأقومِهم بكلّ ما يَشدّ عُرى الرَحِم الماسّة والقرابة القريبة، وهُم مع ذلك في عهد إقامة دولة على أساطينها مُستجمَعَةٌ كلّ أسباب القوّة والمنعة، لا يَهِنُ لها رُكن، ولا ينصدع لها عزم، ولا تهي لها بيضة، فلا جَرَمَ أنّ مُعزّ الدولة كان ممَّن لا ينقصه شيء مِن دربة وسياسة وكياسة وشجاعة في تحقيق أمانيه، وأماني أخَوَيه في الاستيلاء على هذين البلدين.
وممّا يُمكن أنْ يَنتقده عليه الناقدون:
(١) تضييقه على الخَليفة، ورفعُ يَده عن كلّ شيء مِن أُمور الخلافة بَلْهَ الدولة، ولكنْ مَن يعلم ما مُنّيت به الخلافة مِن تزاحُم العباسيّين أنفسهم على ما لها مِن سُلطان ضئيل، ورسوم هزيلة وأُبّهة وَهميّة، وتزاحم كلّ طامع بالاستيلاء على قوّة الخلافة والدولة على اصطناع مَن يرفعه بسعيه وقوّته إليها يَعلم أنّ مُعزّ الدولة لم يكن يستطيع أنْ يَخرج عن هذه الخُطّة المُتّبعة الّتي كانت نتيجة طبيعيّة لسياسات المتغلّبين عليها مُنذ عهد المُعتصم، ومِن بعده إلى خليفة عصره، والخُلفاء العباسيّون أنفسهم أقرّوا هذه الأُمور على ما آلت إليه مِن الأوضاع مُكرهين لا طائعين، ومجبرين لا مُخيّرين، فلا مندوحة له إذاً إلاّ أنْ يسير على الخُطة الّتي سار عليها غيره.
(٢) وممّا يُؤاخَذ به ما نُقل عنه مَن أمَره لكتابة سبِّ السلفِّ على المساجد في بغداد، وإنّني لأستبعد أنْ يصدر منه مِثل هذا العَمل، وهو مِن ضرورة مذهب الإماميّة، وهو منهم أنْ يُعلنوا مِثل هذا السَبّ بمثل الصورة التي نقلها المؤرِّخون، أو أنّهم يَستحلّونه، وما كان أئمّة أهل البيت وهم مَتبوعو الإماميّة ممَّن أُثِر عنهم مِثل ذلك، فأيّة خدمة للمذهب يَرمي إليها مِن وراء هذا العَمل، وهبْ أنّ مِثل هذا مِن المشروع، فهل مِن العقل والسياسة أنْ يَعمد مُعزّ الدولة إلى مثل هذا العمل، فيُسيء إلى جمهرة كبيرة مِن المسلمين - وهو يَطمع في ولاية أمرهم - وإلى الخليفة نفسه، وهو مِن السُنّة مهما بلغتْ حاله مِن التجريد مِن كلّ قوّة؟ وهل كان مُعزّ الدولة ينهج غير منهج أخيه الأكبر عِماد الدولة؟ فقد مرّ بكَ مِن أخباره مِن الغُزاة الخُراسانيّين الّذين دخلوا بلده همذان مُعلنين سبّ الروافض، يقتلون الشيعة ويسلبونهم، ويَستحلّون منهم كلّ مُحرّم، فهل جازاهم بشيء مِن سِنخ عَملهم، بل عاملهم بكلِّ رِفق، وردّهم بعد ظَفره بهم وأسره لهم إلى بلادهم مُزوّدين بالنفقات.
وكأنّ ابن خُلدون - وهو لم يكن رفيقاً بالشيعة - قد استبعد وقوع ذلكَ مِن مُعزّ الدولة، حيث ذَكر هذا الحادث مُعقّباً له بقوله: ونُسِب ذلك إلى مُعزّ الدولة. ومَن يَعلم ما كان يحوكه الطامعون في المُلك والولايات حول الخلافة، وحول القابضين على كلّ ما لها مِن نُفوذ وسُلطان مِن الدسائس لا يُستبعَد أنْ يكون قد صَدر ذلك منهم، وبتدبيرهم إلقاء للفتنة
بين السُنّة والشيعة، وتنفيراً للقُلوب مِن الديلم ومِن مُعزّ الدولة، وانتهازاً لفُرصةٍ تُمكّن لهم مِن مُزاحمته ومِن ولاية وسلطان.
(٣) وممّا يُؤاخذ عليه حقّاً ما جرى منه مِن الأُمور بعد موت وزيره المهلبي مِن قبض أمواله وذخائره، وكلّ ما كان له، وما إلى ذلك ما مرّ ذِكره.
الرابع: أبو شُجاع فناخسرو المُلقَّب عَضُد الدولة بن رُكن الدولة أبي عليّ الحسن بن بويه الديلمي:
مَولدُهُ ولايتُهُ عَهد عَمّه على فارس:
وُلد في أصفهان سَنة أربع وعشرين وثلاثمئة، وفي السَنة الّتي توفّي فيها عَمّه عِماد الدولة وهي سنة ٣٣٨هـ، وقد أحس بالموت، ولم يكن له وَلد ذَكر يُولّيه العهد بالمُلك بعده أنفذ إلى أخيه رُكن الدولة بإنفاذ ابنه عَضُد الدولة ليجعله وليّ عَهده ووارث مملَكته بفارس، فأجابه إلى ما طلب، وسار مِن الري هو وولده إلى فارس بعد أنْ استخلف على الري ابن أُخته عليّ بن كامة، ومِن أعيان أصحابه، واتّفق هو وأخوه على تقرير قاعدة عَضُد الدولة، وكان له مِن السِن إذ ذاك أربع عشرة سَنة. وقد تقدّم خبر ذلك في وفاة عِماد الدولة.
سِعةُ مملكَتِه وما ضُمّ إليها مِن الممالك ونُفوذ سُلطانه وبعض أوليائه:
قال ابن خَلكان بعدَ ذِكره لعَمَّيه عِماد الدولة ومُعزّ الدولة وأبيه رُكن الدولة:
وهؤلاء كُلّهم مِن عِظم شأنهم، وجلالة أقدارهم لم يبلغ أحدٌ منهم ما بلغه عَضُد الدولة مِن سِعة المملكة، والاستيلاء على المُلوك وممالكهم، فإنّه جمع بين مَملكة المذكورين كلّهم، وضمّ إلى ذلك الموصل وبلاد الجزيرة وغير ذلك، ودانت له البلاد والعباد، ودخل في طاعته كلّ صعب القياد، وهو أوّل مَن خوطب بالمُلك في الإسلام، وأوّل مَن خُطب له على المنابر ببغداد بعد الخَليفة، وكان مِن جُملة ألقابه تاج الدولة، ولمّا صَنّفَ
له أبو إسحق كتاب التاجي في أخبار بني بويه أضافه إلى هذا اللقب.
ألقابه:
أوّلُ لَقب لُقِّب به: عَضُد الدولة، لقّبه به المُطيع لله العبّاسي سنة ٣٥١هـ، وهو ملك شيراز وفي حياة أبيه رُكن الدولة، وفي سنة ٣٦٤ زادَ الخليفة الطائع على لقبه هذا لقب تاج المِلّة، وذلك في السَنة الّتي وَرَدَ فيها بغداد، وكان عوناً على استخلافه وأمنه بعد خوفه، وخَلَع المطيع لله وأصدر بذلك كتاباً أو تقليداً بإنشاء أبي إسحاق الصابي مذكوراً في رسائله المطبوعة، ومنه يتبيّن ما له مِن المِنّة على الطائع (وقد أظهر عَضُد الدولة مِن تعظيم الخلافة ما كان دارساً، وجدّد دار الخلافة حتّى صارَ كلّ محلّ منها آنساً، وأرسل إلى الخليفة بالأموال والأمتعة الحَسنة العزيزة) كما جاء في تاريخ ابن كثير، فكان تلقيب الطائع لعَضُد الدولة بتاج المِلّة في سَنة أربع وستّين، وهي السَنة الّتي أُفرِج فيها عن الطائع واستُخلِف، كما ترى ذلك واضحاً في تقليده لعَضُد الدولة، وشُكره وتلقيبه لا في سَنة تسع وستّين كما جاء في تاريخ ابن كثير، حيث قال في حوادث هذه السنة:
ثُمّ سأل عَضُد الدولة مِن الطائع أنْ يُجدّد عليه الخلع والجواهر، وأنْ يزيد في إنشائه تاج الدولة (المِلّة)، فأجابه إلى ذلك، وخَلعَ عليه مِن أنواع الملابس ما لم يَتمكّن معه مِن تقبيل الأرض بين يَدي الخليفة، وفوّض إليه ما وراء بابه مِن الأُمور ومصالح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
قال ابن كثير: وهو أوّل مَن تَسمّى شاهنشاه، ومعناه مَلك المُلوك، وقد أورد أبو الطيّب المُتنبّي بقصيدة يَمدح بها عَضُد الدولة في شيراز كُنيته ولقبه واسمه، ولقّب شاهنشاه بقوله:
وقد رأيتُ المُلوك قاطبةًً وسرتُ حتّى رأيتُ مولاها
ومَن مناياهُمُ بِراحَتِه يأمرها فيهم وينهاها
أبا شُجاع بفارس عَضُد ال دولة فنَّاخُسرو شهنشاها
عَضُد الدولة المُتعلِّم والعالِم ومُحبّ العُلماء والأُدباء:
إنّ عَضُد الدولة لم يكن المُتفوّق على مُلوك بني بويه بسعة سُلطانه، وامتداد مُلكه، وغَلبته مُلوك الأطراف فحسب، بل كان يَتفوّق عليهم بعد هذا التفوّق بشغَفِه في العِلم، وانصرافه إلى التعلُّم، ومحبّته العُلماء والفضلاء
، وتقريبه الأُدباء والشُعراء، فصاحبَ أكابر العُلماء، ورحلَ إليه غيرُ واحد منهم يُهدي إليه ما صنّفه باسمه مِن الكُتب، كما يقصده مشاهير الشُعراء كأبي الطيّب المُتنبّي وإضرابه بروائع شِعرهم في مديحه، فيُجزل لكِلا الفريقين العطيّة، ويُحلّهم أسمى محلٍّ مِن الكرامة، ويَبسط لهم أسبغ ظلّ مِن الوفادة، وأضفى مُتعة مِن مُتع الضيافة والرفادة.
أمّا في حلقات التعليم، فقد أخذ السياسة وأساليبها عِلماً وعَملاً، ومَحبّة العِلم والعُلماء عن كاتب عصره، وزير أبيه رُكن الدولة أبي الفضل بن العميد، ولمّا انتقل أبو علي الفارسي إلى بلاد فارس صحبَ عَضُد الدولة، وتقدّم عنده وعَلَتْ منزلته، حتّى قال عَضُد الدولة:
أنا غُلام أبي علي الفسوي في النحو، وصنّفَ له كتاب الإيضاح والتَكمُلة في النحو، ويُحكى أنّه كان يوماً في ميدان شيراز يُساير عَضُد الدولة، فقال له:
لِمَ انتصب المُستثنى في قولنا قامَ القومُ إلاّ زيداً؟ فقال الشيخ: بفعلٍ مُقدَّر، فقال له: كيف تقديره؟ فقال: استثني زيداً، فقال له عَضُد الدولة: هلاّ رفعته وقدّرت الفعل امتنع زيدُ؟ فانقطع الشيخ وقال له: هذا الجواب ميداني.
ثُمّ إنّه لمّا رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاماً حَسناً، وحمله إليه فاستحسنه، وذَكر في كتاب الإيضاح أنّه انتصِب بالفعل المُتقدّم بتقوية إلاّ.
وقيل إنّ السبب في استشهاد أبي عليّ في باب كان مِن كتاب الإيضاح ببيت أبي تمّام الطائي، وهو:
مَن كان مرعى عزمه وهُمومه روض الأماني لم يزل مهزولا
ولم يكن ذلك مِن عادته؛ لأنّ أبا تمّام لم يكن مَن يستشهد بشعره، لكنّ عَضُد الدولة كان يُحبُّ هذا البيت ويُنشده كثيراً، فلهذا استشهد به في كتابه.
قال ابن الأثير: وكان مُحبّاً للعُلوم وأهلها، مُقرّباً لهم مُحسناً إليهم، وكان يَجلس معهم يُعارضهم في المسائل، فقصده العُلماء مِن كلّ بَلد وصنَفوا له الكُتب، ومنها: الإيضاح في النحو، والحجّة في القراءات، والملكي في الطب، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك.
وقال ابن كثير: وحكى ابن الجوزي أنّه كان يُحبّ العِلم والفضيلة.
وكان يُقرأ عنده كتاب اقليدس، وكتاب النحو لأبي عليّ الفارسي وهو الإيضاح والتَكملة.
عَضُد الدولة الشاعر:
لم تشغل عَضُد الدولة مهامُّ المُلك - وهي ثقيلةُ الأعباء - عن العناية بالعِلم وصرف وقت ثمين مِن أوقاته في طَلَبه ومُساجَلَة أهله، وعن الاهتمام بالأدب والشِعر ونظمه، فمِن شِعره لمّا أرسل إليه أبو تَغلب بن حمدان يَعتذر عن مُساعدته بَختيار، ويطلب لمّان، فقال عَضُد الدولة:
أأفاقَ حينَ وطأتُ ضيقَ خِناقه يبغي لمّانَ وكانَ يبغي صارما
فلأركَبنَّ عزيمة عَضديّة تاجيّة تَدعُ الأُنوف رواغما
وقال أبياتاً منها بيت لم يُفلح بعده، وهي هذه:
ليس شُرب الكأس إلاّ في المَطر وغناءٌ مِن جوارٍ في السَحرِ
غانيات سالباتٍ للنهم ناغمات في تضاعيف الوَتَرِ
مُبرزات الكاس مِن مطلعها ساقيات الراح مِن فاق البَشَرِ
عَضُد الدولة وابن رُكنها مَلك الأملاك غَلاّب القَدَرِ
وهذا البيت هو المُشار إليه، ويُنقل مِثل هذا عن ابن دُريد، فإنّه قد أُصيب وهو في رأس التسعين مِن عُمره بفالج مَرّتين، عُوفيَ في الأُولى ورجع إلى إسماع تلامذته وإملائه عليهم، وفي المرّة الثانية كان يُحرّك يَديه حَركة ضعيفة، وبَطلَ مِن مَحزمه إلى قَدميه، فكان إذا دخل عليه الداخل ضَجّ وتألم لدخوله، وإن لم يصل إليه.
قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي المعروف بالبغدادي، فكنت أقول في نفسي: إنّ الله عزّ وجل عاقبه بقوله في قصيدته المقصورة الّتي مدح بها الشاه ابن ميكال وولدَيه، وهُما عبد الله بن محمّد بن ميكال وولده، وأبو العبّاس إسماعيل بن عبد الله.
مارست مَن لو هَوتْ الأفلاك مِن جوانب الجوّ عليه ما شكا
وكان يصيح لذلك صياح مَن يُمشى عليه أو يُسلّ بالمسال، والداخل بعيد منه.
عَضُد الدولة الناثر البليغ:
كَتب إليه أبو منصور أفتكين التُركي مُتولّي دمشق - وكان مِن مواليه - كتاباً مضمونه: إنّ الشام قد صفا وصار في يَدي، وزال عنه حُكم صاحب مِصر، وإنْ قَوّيتني بالأموال والعدد حاربت القوم في مُستقرّهم.
فكتبَ عَضُد الدولة جوابه هذه الكلمّات، وهي مُتشابهة في الخطّ، لا تُقرأ إلاّ بعد الشِكل والنُقَط والضبط، وهي:
(غَرّك عِزُّك، فصارَ قِصارُ ذَلكَ ذُلّك، فاخشَ فاحِشَ فعلِك، فَعَلّك بهذا تَهدى).
قال ابن خَلّكان:
ولقد أبدع فيها كلّ الإبداع، وإنّ مِن الغَلط نِسبة هذه الكلمّات لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنّ فيها مِن الصناعة البديعيّة والتَعمُّل ما لم يكن مِن طَبْع ذلك الإمام، إمام الفُصحاء والبُلغاء والحُكماء، والّذي لم يكن كلَّ ما أُثِر له مِن كلام مُطوّل، أو موجزٍ مِن خُطب وكُتب إلاّ جارياً مجرى الطَبع، بعيداً كلّ البُعد عن الكُلفة والصِنعة الكلامية، ولا كان مِثل هذا مِن طابع عصره صلوات الله وسلامه عليه.
وأمّا ما نُسِب له مِن كلام أو خُطب كُلّه أسجاع، وبعضه مِن كَلِم مُهملة لا عُجمَة فيها، أو ما أُسقط منها حَرف الألف، فهو أشبه أنْ يكون موضوعاً.
عَضُد الدولة السياسي المُحنّك والإداري اليَقِظ:
قال ابن الأثير:
وكان عاقلاً فاضلاً، حَسِن السياسة، كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهِمّة، ثاقب الرأي، مُحبّاً للفضائل وأهلها، باذلاً في مواضع العطاء، مانعاً في أماكن الحَزم، ناظراً في عواقب الأُمور.
وحُكيَ عنه أنّه كان في قصره جماعة مِن الغُلمّان يَحمل إليهم مشاهراتهم مِن الخزانة، فأمر أبا نصر خواشاذه أنْ يَتقدّم إلى الخازن بأنْ يُسلّم جامكية الغُلمّان إلى نقيبهم في شهر قد بقي منه ثلاثة أيّام، قال أبو نصر: فأنسيت ذلك أربعة أيام، فسألني عَضُد الدولة عن ذلك، فقلت: أنسيته، فأغلظ لي، فقُلت: أمس استهلّ الشهر، والساعة نحمل لمّال، وما هاهنا ما يوجب شُغل القَلب، فقال: المُصيبة ما لا تَعلمه مِن الغلط أكثر منها في التفريط، ألا تعلم أنّا إذا أطلقنا لهم مالهم قبل مَحلّه كان الفضل لنا عليهم، فإذا أخّرنا ذلك عنهم حتّى استهلّ الشهر الآخر حضروا عند عارضهم وطالبوه فيعدهم، فيحضرونه في اليوم الثاني فيعدهم ثُمّ يحضرونه
في اليوم الثالث، ويَبسطون ألسنتهم فتَضيع المِنّة، وتحصل الجرأة، ونكون إلى الخسارة أقرب مِنّا إلى الربح.
وهذا مِن الحزم، ومِن حُكم التدبير، ومِن أسباب انتظام أُمور الدولة، فإنّ التفريط يجرّ إلى التفريط، واحتجان لمّال وقبضه، ولو قبضاً يسيراً عن الّذين هُم مادّة الدولة ومكان القوّة منها، والّذين إنّما يُخلصون الطاعة، ويقومون بالأعمال المُسندة إليهم بإسناء العَطاء، وبقبض الراتب المُقنّن لهم، وإنّما يُصطَنع الرجال بلمّال، وتُستخلص منهم الطاعة ببذله في وقت الحاجة إليه، وقد دلّت التجارب والأختبار أنّ حَجب لمّال - ولو إلى حين - عن الباذلين راحتهم، بل وأرواحهم في سبيل الدولة وصاحب الدولة كثيراً ما أدّى إلى اضطراب أُمور الدولة والقابضين على زمامها، وتلك سياسة رشيدة ويَقِظة عَضُديّة قلَّ نظيرها في المُلوك والأُمراء.
وكان لا يُعوّل في الأُمور إلاّ على الكُفاة، ولا يجعل للشفاعات طريقاً إلى مُعارضة مَن ليس مِن جنس الشافع، ولا فيما يَتعلّق به، حُكيَ عنه أنّ مُقدّم جيشه أسفار بن كردويه شَفع في بعض أبناء العدول، ليَتقدّم إلى القاضي ليسمع تزكيته ويعدله، فقال: ليس هذا مِن أشغالك، إنّما الّذي يَتعلّق بكَ الخِطاب في زيادة قائد، ونقل مَرتبة جندي، وما يَتعلّق بهم، وأمّا الشهادة وقبولها، فهي إلى القاضي، وليس لنا ولا لك الكلام فيه، ومتى عَرف القُضاة مِن إنسان ما يجوز معه قبول شهادته فعلوا ذلك بغير شفاعة.
وهذا منه كسابقه في وضع الأُمور موضعها، وفي منع التدخُّل بمصلحة مِن مصالح الدولة، ممَّن ليست تلك المصلحة مِن اختصاصه، وفي سدّ باب التأثير على صاحب عَمل مِن أعمال الدولة، ممّن ليس له شيء مِن المشاركة في ذلك العمل، ثُمّ فيه وراء ذلك كلّه استقلال القُضاة بقضائهم، والقضاء هو ميزان العَدل في الدولة، وهو مظهر العدل كلّه، وفيه إحقاق الحقِّ وإزهاق الباطل، فهل يرجع إلى هذه الحِكمة العالية القابضون على أعمال الدولة في هذه الأيّام، والّذين يتدخّل كلّ عامل منهم في أعمال مَن لا اختصاص له فيها بأنواع الشفاعات، فيقبل ذلك التَدخّل وتلك الشفاعات مِن غير تأثُّم ولا تحرّج؟
إصابة بر عَضُد الدولة وصدقاته مواقعها:
قال ابن الأثير:
وكان يُخرج في ابتداء كلّ سَنة شيئاً كثيراً مِن الأموال للصدقة والبرّ في سائر بلاده، ويأمر بتسليم ذلك إلى القُضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مُستحقّيه، وكان يوصل إلى العُمّال المُتعطلّين ما يقوم بهم، ويُحاسبهم به إذا عملوا.
وهذا تدبير لم يقُم به غير عَضُد الدولة مِن المُلوك، ومَن نَظر نَظره الحكيم إلى مُتعطّلي الأعمال، فأسلفهم لمّال في وقت ضيقهم وحاجتهم إلى وقت التوسعة عليهم يوم يعملون، فقد أصاب بهذا التدبير غرَضين:
الأوّل : التفريج عن هذه الطَبقة مِن طبقات الأُمّة العاملة للأُمّة، وقد تعطّلت عن العمل، وهو مَرفق ارتزاقها الوحيد، فلم يتركها تَنشب فيها مَخالب الفقر، أو تصبح عالةً على الناس، فتفقد أشرف عاطفة إنسانيّة وهي عِزّة النفس.
والثاني: - وهو أسمى الفرضين - أنُ لا يدعها تَسعى إلى الارتزاق مِن غير طُرقه المشروعة، فتَفسد أخلاقها، وتُفسد على الأُمّة راحتها، بل حياتها الاجتماعية.
إنّ الشباب والفراغ والجده مُفسدة للمرء أيُّ مَفسده
وهل أدعى إلى الفساد والإفساد مِن البطالة والفراغ مِن الأعمال؟ فهل مِن قابضٍ على زِمام دولة في هذه الأيّام مِن العَرب والمسلمين مَن يَعمد إلى مثل هذا التدبير، فيُحسن إحسانه إلى مُتعطّلي الأعمال، ولا سيّما الّذين تَحكُم عليهم الحُروب المُتتابعة في مثل هذه الأيّام أنْ يَتخلّوا عمّا يُحسنون مِن الأعمال مُضطرّين لا مُختارين؟
قال في الكامل:
وأَطلق الصِلات لأهل البيوتات والشرف، والضعفاء المُجاورين بمكّة والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهد عليٍّ والحسين (عليهما السلام)، وسكن الناس مِن الفِتن، وأجرى الجرايات على الفُقهاء والمُحدّثين والمتُكلّمين والمُفسّرين والنُحاة والشُعراء والنسّابين والأطبّاء والحُسّاب والمهندسين، وأذِن لوزيره نَصر بن هارون - وكان نصرانيّاً - في عِمارة البِيَع والديرة، وإطلاق الأموال لفُقرائهم.
أعماله في مصالح البلاد وآثاره:
مِن أثاره: بناؤه سوراً على مدينة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وبناؤه القناطر، وتشييده
البيمارستانات (المصاح)، ومِنها البيمارستان العَضُدي المَنسوب إليه، وقد اجتهد في عِمارة بغداد وتعبيد الطُرقات، ومِن آثاره تجديد عِمارة مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام).
قال ابن الأثير في حوادث سنة ٣٦٩هـ:
في هذه السنة شرع عَضُد الدولة في عِمارة بغداد، وكانت قد خَربت بتوالي الفتن فيها، وعَمّر مساجدها وأسواقها، وأدرّ الأموال على الأئمّة والمُؤذّنين والعُلمّاء والقُرّاء والغُرباء والضُعفاء الّذين يأوون إلى المساجد، وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدّد ما دُثِر مِن الأنهار، وأعاد حفرها وتسويتها، وأطلق مكوس الحجّاج، وأصلح الطريق مِن العراق إلى مَكّة شرّفها الله تعالى.
وقال ابن خَلّكان:
والبيمارستان العَضُدي ببغداد مَنسوب إليه، وهو في الجانب الغربي، وغَرمَ عليه مالاً عظيماً، وليس في الدنيا مثل ترتيبه، وفَرِغ مِن بنائه سَنة ثمان وستّين وثلاثمئة، وأعدّ له مِن الآلات ما يقصر الشرح عن وصفه، وهو الّذي أظهر قبرَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بالكوفة، وبنى عليه المَشهد الّذي هُناك، وغَرَم عليه شيئاً كثيراً، وأوصى بدفنه فيه، وللناس في هذا القبر اختلاف كثير حتّى قيل إنّه قبر المَغيرة بن شعبة الثقفي، فإنّ عليّاً رضي الله عنه لا يُعرف قبره، وأصحّ ما قيل فيه: إنّه مدفون بقصر لمّارة بالكوفة والله أعلم.
أمّا قول ابن خَلّكان - إنّ عَضُد الدولة هو الّذي أظهر قبر عليٍّ (عليه السلام) - ففيه أنّ القبر ظَهر في عهد هارون الرشيد، وهو أوّل مَن بَنى عليه قُبّة، وجعل لها أربعة أبواب، وهي مِن طين أحمر، وطرح على رأسها جَرّة خضراء.
وأمّا الضريح، فإنّه بناه بحجارة بيضاء، كما جاء ذلك في إرشاد القلوب للديلمي، وكان ذلك سنة (١٥٥) كما في رياض السياحة لزين العابدين الشيرواني.
وفي نُزهة القُلوب لحمد الله المستوفي أنّه كان في سنة (١٧٠) هـ، وعضُد الدولة جدّد عِمارته.
وأمّا كلام ابن خَلّكان في الاختلاف في هذا القبر إلخ ما أورده فحسبه دافعاً أنّ أئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم هُم الّذين عيّنوا موضع قبر جدّهم، وقصدوه في عهد الأُمويّين على حال مُخافة بالزيارة، وكَثُر زائروه بعد إظهار الرشيد وبنائه له، وقام إجماع أتباع الأئمّة وشيعتهم على أنّه هو المقصود بالزيارة، والمبني أعظم بناء في النجف الأشرف، ولا يوجد قائل في الشيعة لمّاميّة يخُالف ذلك، وعمل الأئمّة
وشيعتهم مِن حيث زيارة هذا القبر الشريف في مكانه المُعيّن في النَجف حجّة، لا يعارضها المُخالف الّذي لا يُعنى عنايتهم في هذا الأمر، وصاحب البيت أدرى بالّذي فيه، وقد رأينا أنْ نختم هذه الكَلمة بما أورده ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة:
وقبره بالغري، وما يدّعيه أصحاب الحديث مِن الاختلاف في قبره، وأنّه حُمِل إلى المدينة، أو أنّه دُفن في رحبة الجامع، أو عند باب قصر الإمارة، أو ندّ البعير الّذي حُمل عليه فأخذته الأعراب باطل كلّه لا حقيقة له، وأولاده أعرف بقبره، وأولاد كلّ الناس أعرف بقبور آبائهم مِن الأجانب، وهذا القبر الّذي زاره بنوه لمّا قدموا العراق، منهم جعفر بن محمّد (عليه السلام) وغيره مِن أكابرهم وأعيانهم، وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبيّين، بإسنادٍ ذكره هناك أنّ الحسين (عليه السلام) لمّا سُئل: أين دَفنتم أمير المؤمنين، فقال:(خرجنا به ليلاً مِن مَنزله بالكوفة حتّى مَررنا به على مسجد الأشعث، حتّى انتهينا به إلى الظُهر بجنب الغري) .
عَضُد الدولة في المُلك والسلطان وفتح البلدان
بِدء أمره في المُلك:
قد ذكرنا عند وفاة عمّه عِماد الدولة عهده إليه بولاية عهده على مملكته شيراز بحفلة عظيمة، كما أعدنا حديث ذلك في مُبتدأ ترجمة المُترجَم له، فكان هو مَلِك شيراز، وهو في الرابعة عشرة مِن سِنّه، وأبوه مَلك الري والجبال وأصفهان، وعمّه مُعزّ الدولة المُستولي على العراق والخلافة، وهو كالنائب عن أخَوَيه عِماد الدولة في حياته ورُكن الدولة.
عَضُد الدولة وظُهور أمره بعد عقدين مِن السنين إلاّ ثلاثة أعوام:
طوى التاريخ صفحات سبعة عشر عاماً خالية مِن ذِكر عَضُد الدولة، اللّهمّ إلاّ في السَنة الثامنة عشرة مِن مُلكه شيراز، حيث ورد له ذِكر بعد وفاة عَمّه مُعزّ الدولة ولاية وَلده بختيار المُلقّب بِعزّ الدولة، فإن مُعزّ الدولة لمّا حضرته الوفاة كان في جُملة ما أوصاه به طاعة عَضُد الدولة ابن عمّه؛ لأنّه أكبر مِنه سِنّاً، وأقوم بالسياسة، وبأُمور أُخرى ستُذكَر في أخباره إنْ شاء الله، فكان مِن نتيجة مُخالفة بختيار وصايا أبيه، ومنها إيحاشه لكاتِبَيه ولبعض القوّاد العِظام والنوّاب أنْ سَلّم أحد كاتِبَيه المُستوصى بهما، وهو
أبو الفرج محمّد بن العبّاس الّذي كان مُتولياً أمْرَ عُمان، ولايته هذه إلى نوّاب عَضُد الدولة، هذه أُولى خطيئات بختيار وسوء سياسته الّتي أطمعت فيه الخوارج عليه مِن هُنا وهُناك، والعراق قِبلة أنظار الطامعين، وأطمعت به ابن عَمّه عَضُد الدولة كما سترى ذلك مبسوطاً في موضعه مِن هذا التاريخ، وتَرى كيف أدّى ذلك إلى التنازع ما بينهما، وكيف انتهى بذلك أمر بختيار بسوء اختياره.
نجدة عَضُد الدولة أباه رُكن الدولة على عساكر خُراسان:
في هذه السنة نفسها - سَنة ستٍّ وخمسين وثلاثمئة - استمدّ رُكن الدولة وَلده عَضُد الدولة، كما استنجد ابن أخيه بختيار عِزّ الدولة على مُقاومة العساكر الخُراسانيّة الزاحفة إلى الري، بقيادة منصور بن نوح صاحب خُراسان، فَلبّى عَضُد الدولة نداء أبيه وسار بالجيش، وانتهى الأمر - كما مرّ في أخبار رُكن الدولة - بموت وشمكير خصمه الألَد، وانتقاض جميع ما دَبّر لرُكن الدولة.
التجاء حبشي بن مُعزّ الدولة إلى عَضُد الدولة:
في سَنة سبع وخمسين وثلاثمئة عصا حبشي بن مُعزّ الدولة على أخيه بختيار، وكان بالبصرة لمّا مات والده فحَسّن له بعض أصحابه الاستبداد بالبصرة، فانتهى الأمر بالظَفر به، وأخذه أسيراً وحبسه برامهرمز، وتخليص عمّه رُكن الدولة له، ومسيره إلى عَضُد الدولة، فأقطعه إقطاعاً وافراً، وأقام عنده إلى أنْ مات، وسَنَذكر تفصيل ذلك في أخبار بختيار إنْ شاء الله.
استيلاء عَضُد الدولة على كِرمان:
في هذه السَنة مَلَك عَضُد الدولة بلاد كِرمان، وكان سَبب ذلك أنّ أبا عليّ بن إلياس كان صاحبها مُدّة طويلة، ثُمّ إنّه أصابه فالج خاف منه على نفسه، فجمع أكابر أولاده وهم ثلاثة: اليسع وإلياس وسُليمان، فاعتذر إلى اليسع مِن جفوةٍ كانت مِنه له قديماً، وولاّه الأمر، ثُمّ بعده أخاه إلياس، وأمرَ سُليمان بالعود إلى بلادهم، وهي بلاد الصفد، وأمره بأخذ الأموال له هناك، وقصد إبعاده عن اليسع لعداوة كانت بينهما، فسار مِن عند أبيه واستولى
على السيرجان، فلمّا بَلغَ أباه ذلك أنفذ إليه اليسع في جيش، وأُمِرَ بمُحاربته وإجلائه عن البلاد، ولا يُمكنه مِن قَصد الصفد إنْ طَلبَ ذلك، فسار إليه وحصره واستظهر عليه، فلمّا رأى سليمان ذلك جَمع أمواله وسار نحو خُراسان، واستقرّ أمرُ اليسع بالسيرجان وملكها، وأمر بنهبها فنُهبت، فسأله القاضي وأعيان البلد العفو عنهم فعفا.
ثُمّ إنّ جماعة مِن أصحاب والده خافوه، فسعوا به إلى أبيه فقَبضَ عليه وسجنه في قلعة له، فمشتْ والدته إلى والدة أخيه إلياس وقالت لها:
إنّ صاحبنا فَسخ ما كان عقده لولدي، وبعدَه يفعل بولدك مِثله، ويخرج المُلك عن آل إلياس، والرأي أنْ تُساعديني على تخليص ولَدي ليعود الأمر إلى ما كان عليه، وكان والده أبو علي تأخذه غشية في بعض الأوقات، فيمكث زماناً طويلاً لا يَعقِل، فاتّفَقت المرأتان، وجمعتا الجواري في وقت غشيته، وأخرجن اليسع من حبسه، ودلَّينَه مِن ظَهر القلعة إلى الأرض، فَكَسر قيده، وقصد العسكر فاستبشروا به وأطاعوه، وهرب منه مَن كان أفسدَ حاله مع أبيه، وأخذ بعضهم ونجا بعضهم، وتَقدّم إلى القلعة ليَحصرها، فلمّا أفاق والده وعرف الصورة راسل ولده، وسأله أنْ يكفَّ عنه، ويُؤمّنه على ماله وأهله حتّى يُسلّم إليه القلعة وجميع أعمال كرمان، ويَرحل إلى خُراسان، ويكون عوناً له هُناك، فأجابه إلى ذلك وسلّم إليه القلعة وكثيراً مِن لمّال، وأخذَ مَعه ما أراد وسار إلى خُراسان، وقصد بخارا فأكرمه الأمير منصور بن نوح، وأحسن إليه وقَرّبه منه، فحَمل منصوراً على تجهيز العساكر إلى الري، وقصد بني بويه، وأقام عنده إلى أنْ توفّي سَنة ستٍّ وخمسين وثلاثمئة بعلّة الفالج، وكان ابنه سليمان ببُخارا أيضاً.
وأمّا اليسع، فإنّه صَفَت له كرمان، فحمله تَرف الشباب وجهله على مُغالبة عَضُد الدولة على بعض حدود عَمَله، وأتاه جماعة مِن أصحاب عَضُد الدولة وأحسن إليهم، ثُمّ عاد بعضهم إلى عَضُد الدولة، فاتّهم اليسع الباقين فعاقبهم ومثّل بهم.
ثُمّ إنّ جماعة مِن أصحابه استأمنوا إلى عَضُد الدولة، فأحسن إليهم وأكرمهم ووصلهم، فلمّا رأى أصحابه تباعُد ما بين الحالين تألّبوا عليه وفارقوه مُتسلِّلين إلى عَضُد الدولة، وأتاه منهم في دُفعة واحدة نحو ألف رجل مِن وجوه أصحابه، فبقي في خاصّته وفارقه مُعظم عسكره، فلمّا رأى ذلك أخذ أمواله وأهله وسار بهم نحو بخارا، لا يلوي على شيء، وسار عَضُد الدولة إلى كرمان فاستولى عليها وملكها، وأخذ ما بها مِن أموال آل
إلياس، وكان ذلك في شهر رمضان، وأقطعها ولده أبا الفوارس، وهو الّذي لُقّب بعد ذلك شَرَف الدولة، ومَلَك العراق واستخلف عليها كورتكين بن جستان، وعاد إلى فارس، وراسله صاحب سجستان وخطب له بها، وكان هذا أيضاً مِن الوهن على بني سامان، وممّا طَرق الطَمع فيهم.
فأنت ترى العِبرة ظاهرة، فإنّ اليسعَ في سوء سياسته، وفي تنفير وجوه أصحابه وعسكره الّذي هو سياج دولته عنه - دَعْ عقوقه بأبيه وما إلى ذلك - كان مِن أعظم الأسباب لزوال مُلكه ومُلك آبائه، كما أنّ ما كان مِن حِكمة عَضُد الدولة وسياسته الرشيدة أنْ غَلَبَ على كرمان عفواً صفواً بدون إهراق مَحجَم دَم، فكان اليسع عَديّ نفسه، والساعي إلى حتفه بظلفه، وتلك عواقب سوء التدبير، وقِصر النظر في مصاير الأُمور.
قتلُ سُليمان بن أبي عليّ بن إلياس في خروجه على عامل عَضُد الدولة بكرمان:
في سنة تسع وخمسين وثلاثمئة قُتِل سُليمان بن أبي عليّ بن إلياس الّذي كان والده صاحب كرمان، وسَبب ذلك أنّه ذَكر للأمير منصور بن نوح صاحب خُراسان أنّ أهل كرمان مِن القفص والبلوص معه وفي طاعته، وأطمَعه في كرمان، فسيّر معه عسكراً إليها، فلمّا وصل إليها وافقه القفص والبلوص وغيرهما مِن الأُمم المُفارقة لطاعة عَضُد الدولة، فاستفحل أمره، وعظُم جمعه، فلقيه كوركير بن جستان خليفة عَضُد الدولة بكرمان وحاربه، فقُتلَ سليمان وابنا أخيه اليسع، وهُما بكر والحسين، وعدد كثير مِن القوّاد والخُراسانيّة، وحُملَت رؤوسهم إلى عَضُد الدولة بشيراز، فسَيّرها إلى أبيه رُكن الدولة، وأخذ منهم جماعة كثيرة أسرى.
عصيان أهل كرمان على عَضُد الدولة:
لمّا مَلَك عَضُد الدولة كرمان اجتمع القفص والبلوص، وفيهم أبو سعيد البلوصي وأولاده على كَلمة واحدة في الخلاف، وتحالفوا على الثبات والاجتهاد، فضَمّ عَضُد الدولة إلى كوركير بن جستان عابد بن علي، فسارا إلى جيرفت فيمَن معهما مِن العساكر، فالتقوا عاشر صفر سَنة ستّين وثلاثمئة، فاقتتلوا وصبر الفريقان، ثُمّ انهزم القفص ومَن معهم، فقُتِل منهم
خمسة آلاف مِن شُجعانهم ووجوههم، وقُتلَ ابنان لأبي سعيد، ثُمّ سار عابد بن علي يَقصّ آثارهم ليستأصلهم، فأوقع بهم عِدّة وقائع وأثخن فيهم، وانتهى إلى هرموز فملكها، واستولى على بلاد التيز ومكران، وأسَر ألفَي أسير، وطلب الباقون الأمان، وبذلوا تسليم معاقلهم وجبالهم على أنْ يدخلوا في السِلم، وينزعوا شعار الحرب، ويُقيموا حدود الإسلام مِن الصلاة والزكوة والصوم، ثُمّ سار عابد إلى طوائف أُخرى يُعرفون بالجروميّة والحاسكيّة، يُخيفون السبيل في البحر والبر، وكانوا قد أعانوا سليمان بن عليّ بن إلياس فأوقع بهم وقتل كثيراً منهم، وأنفذهم إلى عَضُد الدولة فاستقامتْ تلك الأرض مُدّةً مِن الزمان.
ثُمّ لم يلبث البلوص أنْ عادوا إلى ما كانوا عليه مِن سفكِ الدم وقطع الطريق، فلمّا فعلوا ذلك تَجهّز عَضُد الدولة وسار إلى كرمان في ذي القعدة، فلمّا وصل إلى السيرجان رأى فسادهم وما فعلوه مِن قطع الطريق بكرمان وسجستان وخراسان، فجَرّد عابد بن علي في عَسكر كثيف وأمره باتّباعهم، فلمّا أحسّوا به أوغلوا في الهَرب إلى مضايق ظنّوا أنّ العسكر لا يتوغّلها فأقاموا آمنين، فسار في آثارهم، فلم يشعروا إلاّ وقد أطلّ عليهم، فلم يُمكنهم الهَرب، فصبروا يومهم وهو تاسع عشر ربيع الأوّل مِن سَنة إحدى وستّين وثلاثمئة، ثُمّ انهزموا آخر النهار، وقُتل أكثر رجالهم المُقاتلة، وسُبيَ الذراري والنساء، وبقي القليل وطلبوا الأمان فأُجيبوا إليه، ونُقلوا عن تلك الجبال، وأسكن عَضُد الدولة مكانهم الأكرة والزراعين حتّى طبقوا تلك الأرض بالعمل، وتتبّع عابد تلك الطوائف بَرّاً وبحراً حتّى أتى عليهم وبدّد شَملهم.
الصُلح بين الأمير منصور ورُكن الدولة وعَضُد الدولة:
في سَنة إحدى وستّين وثلاثمئة تمّ الصُلح بين الأمير منصور بن نوح الساساني ورُكن الدولة وولده عَضُد الدولة، وقد ذَكرنا ذلك في أخبار رُكن الدولة مُفصّلاً فلا نُعيده.
مُلك عَضُد الدولة عُمان:
في سَنة ٣٦٣هـ استولى الوزير أبو القاسم المُطهّر بن محمّد وزير عَضُد الدولة على جبال عُمان، ومَن بها مِن الشراة في ربيع الأوّل، وسبب ذلك أنّ مُعزّ الدولة لمّا توفّي وبعمان أبو الفرج بن العبّاس نائب مُعزّ الدولة
وأمرَ بختيار أنّ يَسير في الجانب الغربي، ولمّا بلغَ الخَبر إلى أبي تغلب بقرب الفتكين منه عاد عن بغداد إلى الموصل؛ لأنّ أصحابه شغبوا عليه، فلم يُمكنه المقام، ووصل الفتكين إلى بغداد فحصل محصوراً مِن جميع جهاته، وذلك أنّ بختيار كَتب إلى ضبة بن محمّد الأسدي - وهو مِن أهل عين التمر، وهو الّذي هجاه المُتنبّي - فأمره بالإغارة على أطراف بغداد وبقطع الميرة عنها، وكَتب بمثل ذلك إلى بني شيبان، وكان أبو تغلب بن حمدان مِن ناحية الموصل يَمنع الميرة، وينفذ سراياه ببغداد، وسار العيارون والمُفسدون فنهبوا الناس ببغداد، وامتنع الناس مِن المعاش لخوف الفتنة، وعَدم الطعام والقوت بها، وكَبس الفتكين المنازل في طَلب الطعام، وسار عَضُد الدولة نحو بغداد، فلقيه الفتكين والأتراك بين ديالى والمدائن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم الأتراك فقُتِل منهم خَلق كثير، ووصلوا إلى ديالى فعبروا على جسور كانوا عملوها، فغَرق منهم أكثرهم مِن الزحمة، وكذلك قُتل وغَرق مِن العيارين الّذين أعانوهم مِن بغداد واستباحوا عسكرهم، وكانت الوقعة برابع عشر جمادى الأُولى.
وسار الأتراك إلى تكريت، وسار عَضُد الدولة فنَزل بظاهر بغداد، فلمّا عَلِم وصول الأتراك إلى تكريت دخل بغداد، ونزل بدار المَملكة، وكان الأتراك قد أخذوا الخليفة معهم كارهاً، فسعى عَضُد الدولة حتّى ردّه إلى بغداد، فوصلها ثامن رجب في الماء، وخرج عَضُد الدولة فلقيه في الماء أيضاً، وامتلأت دجلة بالسميريات والزبازب، ولم يبقَ ببغداد أحد، ولو أراد إنسان أنّ يعبر دجلة على السميريات مِن واحدة إلى أُخرى لأمكنه ذلك لكثرتها، وسارَ عَضُد الدولة مع الخليفة، وأنزله بدار الخلافة، وكان عَضُد الدولة قد طمعَ في العراق واستضعف بختيار، وإنّما خاف أباه رُكن الدولة، فوضع جُند بختيار على أنّ يثوروا به ويشغبوا عليه ويُطالبوه بأموالهم والإحسان لأجل صبرهم، فقابل الأتراك ففعلوا ذلك وبالغوا، وكان بختيار لا يَملك قليلاً ولا كثيراً، وقد نُهب البعض وأخرج هو الباقي، والبلاد خراب فلا تصل يده إلى أخذ شيء منها، وأشار عَضُد الدولة على بختيار بترك الالتفات إليهم، والغلظة لهم وعليهم، وأنْ لا يَعدهم بما لا يقدر عليه، وأنْ يُعرّفهم أنّه لا يُريد لإمارة والرياسة عليهم، ووعده أنّه إذا فعل ذلك توسّط الحال بينهم على ما يُريده، فظنّ بختيار أنّه ناصح له مُشفق عليه، ففعل ذلك واستعفى مِن الإمارة، وأغلق باب داره وصَرف كُتّابه وحُجّابه، فراسله عَضُد
الدولة ظاهراً بمحضر مِن مُقدّمي الجُند يُشير عليه بمُقاربتهم وتَطييب قلوبهم، وكان أوصاه سرّاً أنّ لا يقبل منه، فعمل بختيار بما أوصاه، وقال:
لستُ أميراً لهم، ولا بيني وبينهم معاملة، وقد برئتُ منهم، فتَردّدت الرُسل بينهم ثلاثة أيّام، وعَضُد الدولة يُغريهم به والشغب يَزيد، وأرسل بختيار إليه يطلب إنجاز ما وعده به، ففَرّق الجُند على عدّة جميلة، واستدعى بختيار وإخوته إليه، فقبض عليهم ووكّل بهم، وجمع الناس وأعلمهم استعفاء بختيار مِن الأمارة عجزاً عنها، ووعدهم الإحسان والنظر في أُمورهم، فسكنوا إلى قوله، وكان قبضه على بختيار في السادس والعشرين مِن جمادى الآخرة، وكان الخليفة الطائع لله نافراً عن بختيار؛ لأنّه كان مع الأتراك في حُروبهم، فلمّا بلغه قبضه سَرّه ذلك، وعاد إلى عَضُد الدولة، فأظهر عَضُد الدولة مِن تعظيم الخلافة ما كان قد نُسي وتُرك، وأمر بعمارة الدار والإكثار مِن الآلات، وعِمارة ما يَتعلّق بالخليفة وحماية إقطاعه، ولمّا دخل الخليفة إلى بغداد ودخل دار الخلافة أنفذ إليه عَضُد الدولة مالاً كثيراً وغيره مِن الأمتعة والفرش وغير ذلك.
عود بختيار إلى مُلكه بواسطة عَمّه رُكن الدولة:
لمّا قُبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة مُتولّياً لها، فلمّا بلغه قبض والده امتنع فيها على عَضُد الدولة، وكَتبَ إلى رُكن الدولة يشكو ما جرى على والده وعَمّيه مِن عَضُد الدولة، ومِن أبي الفتح بن العميد، ويذكر له الحيلة الّتي تَمّت عليه، فلمّا سَمع رُكن الدولة ذلك جرى به ما ذكرناه، وكان محمّد بن بقية بعد بختيار قد خَدم عَضُد الدولة، وضمن منه مدينة واسط وأعمالها، فلمّا صار إليها خَلع طاعة عَضُد الدولة، وخالف عليه وأظهر الامتعاض لقبض بختيار، وكاتب عِمران بن شاهين، وطلب مُساعدته قد ضمن سهل بن بشر وزير الفتكين بلد الأهواز، وأخرجه مِن حبس بختيار، فكاتبه محمّد بن بقية واستماله فأجابه، فلمّا عصى ابن بقية أنفذ إليه عَضُد الدولة جيشاً قويّاً، فخرج إليهم ابن بقية في الماء ومعه عسكر قد سيّره إليه عِمران، فانهزم أصحاب عَضُد الدولة أقبح هزيمة، وكاتب رُكنَ الدولة بحاله وحال بختيار، فكَتب رُكن الدولة إليه وإلى المرزبان وغيرهما ممَّن احتمى
لبختيار يأمرهم بالثبات والصبر، ويُعرّفهم أنّه على المسير إلى العراق لإخراج عَضُد الدولة وإعادة بختيار، فاضطربت النواحي على عَضُد الدولة، وتجاسر عليه الأعداء حيث علموا إنكار أبيه عليه، وانقطعت عنه مواد فارس والبحر، ولم يبقَ إلاّ قَصَبة بغداد، وطمع فيه العامّة وأشرف على ما يَكره، فرأى إنفاذ أبي الفتح بن العميد برسالة إلى أبيه يُعرّفه ما جرى له، وما فَرّق مِن الأموال، وضَعْفِ بختيار عن حِفظ البلاد، وأنّه إنْ أُعيد إلى حاله خرجت المَملكة والخلافة عنهم وكان بوارهم، ويسأله ترك نُصرة بختيار، وقال لأبي الفتح:
فإنْ أجاب إلى ما تُريد منه، وإلاّ فقُل له: إنّني أضمن مِنك أعمال العراق، وأحمل إليك منها كلّ سَنة ثلاثين ألف ألف درهم، وأبعث بختيار وأخَويه إليك لتجعلهم بالخيار، فإنْ اختاروا أقاموا عندك، وإنْ اختاروا بعض بلاد فارس سلّمته إليهم ووسّعت عليهم، وإنْ أحببت أنت أنْ تَحضر في العراق لتلي تدبير الخِلافة، وتنفذ بختيار إلى ما ذَكرت له، وإلاّ فقل له: أيّها السيّد الوالد، أنتَ مقبول الحُكم والقول، ولكنْ لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد مكاشفتهم، وإظهار العداوة، وسيُقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه فتنتشر الكلمة، ويختلف أهل هذا البيت أبداً، فإنْ قبلت ما ذَكرته فأنا العبد الطائع، وإنْ أبيت وحَكمتَ بانصرافي، فإنّي سأقتل بختيار وأخَويه، وأقبض على كلّ مَن أتِّهمه بالميل إليهم، وأخرج عن العراق، وأترك البلاد سائبة ليُدبّرها مَن اتّفقت له.
فخاف ابن العميد أنْ يسير بهذه الرسالة، وأشار أنْ يسير بها غيره، ويَسير هو بعد ذلك، ويكون كالمُشير على رُكن الدولة بإجابته إلى ما طلب، فأرسل عَضُد الدولة رسولاً بهذه الرسالة، وسَيّر بعده ابن العميد على الجمازات، فلمّا حَضر الرسول عند رُكن الدولة وذَكر بعض الرسالة وثَبَ إليه ليقتله، فهرب مِن بين يديه، ثُمّ ردّه بعد أنْ سَكن غَضبه، وقال:
قلْ لفلان - يعني عَضُد الدولة، وسمّاه بغير اسمه، وشتمه - خَرجتُ إلى نُصرة ابن أخي وللطمع في مملكته، أمَا عرفت أنّي نصرت الحسن بن الفيرزان وهو غريب منّي مِراراً كثيرة أُخاطر فيها بمُلكي ونفسي، فإذا ظَفرتُ أعدّتُ له بلاده، ولم أقبل منه ما قيمته درهم واحد، ثُمّ نصرت إبراهيم بن المرزبان وأعدّته إلى آذربيجان، ونفذتُ وزيري وعساكري في نُصرته، ولم آخذ منه درهماً واحداً، كلّ ذلك طلباً لحُسن الذِكر ومُحافظة على الفتوّة،
تُريد أنْ تَمنّ أنت عليّ بدرهَمين أنفقتهما أنتَ عليّ وعلى أولاد أخي، ثُمّ تطمع في ممالكهم وتُهدّدني بقتلهم.
فعاد الرسول، ووصل ابن العميد فحجبه عنه، ولم يَسمع حديثه، وتهدّده بالهلاك، وأنفذ إليه يقول له:
لأتركنّك وذلك الفاعل - يعني عَضُد الدولة - تجتهدان جهدكما - ثُمّ لا أخرج إليكما إلاّ في ثلاثمئة جمازة وعليها الرِجال، ثُمّ اثبتوا إنْ شئتم، فوالله لا قاتلتكما إلاّ بأقرب الناس إليكما.
وكان رُكن الدولة يقول:
إنّني أرى أخي مُعزّ الدولة كلّ ليلة في المنام يعضّ على أنامله، ويقول: يا أخي، هكذا ضَمنت لي أنْ تخلفني في ولدي، وكان رُكن الدولة يُحبّ أخاه مَحبّة شديدة؛ لأنّه ربّاه فكان عنده بمنزلة الولد.
ثُمّ أنّ الناس سعوا لابن العميد، وتوسّطوا الحال بينه وبين رُكن الدولة، وقالوا:
إنّما تَحمّل ابن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقاً للخلاص مِن عَضُد الدولة، والوصول إليك لتأمر بما تراه، فأذِنَ له بالحُضور عنده، فاجتمع به، وضمِنَ له إعادة عَضُد الدولة إلى فارس، وتقرير بختيار بالعراق، فردّه إلى عَضُد الدولة وعَرّفه جَليّة الحال، فلمّا رأى عَضُد الدولة انحراف الأُمور عليه مِن كلّ ناحية أجاب إلى المسير إلى فارس، وإعادة بختيار فأخرجه مِن مَحبَسه وخَلعَ عليه، وشَرطَ عليه أنْ يكون نائباً عنه بالعراق، ويخطب له، ويجعلْ أخاه أبا إسحاق أمير الجيش لضعف بختيار، وردّ عليهم عَضُد الدولة جميع ما كان لهم، وسار إلى فارس في شوّال مِن هذه السَنة، وأمر أبا الفتح بن العميد وزير أبيه أنْ يَلحقه بعد ثلاثة أيّام، فلمّا سار عَضُد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار متشاغلاً باللّذات وبما بختيار مُغرىً به مِن اللعب، واتّفقا باطناً على أنّه إذا مات رُكن الدولة سار إليه ووزر له، واتّصل ذلك بعَضُد الدولة، فكان سبب هلاك ابن العميد، واستقرّ بختيار ببغداد، ولم يقفْ لعَضُد الدولة على العهود، فلمّا ثبتَ أمر بختيار أنفذ ابن بقية مَن خَلّفه له، وحضر عنده وأكّد الوحشة بين بختيار وعَضُد الدولة، وثارت الفتنة بعد مسير الدولة، واستمال ابن بقية الأجناد وجبى كثيراً مِن الأموال إلى خُزانته، وكان إذا طالبه بختيار بالمال وضع الجُند على مُطالبته، فثقل على بختيار، فاستشار في مكروه يُوقعه به، فبَلغَ ذلك ابن بقية فعاتب بختيار عليه، فأنكره وحلف له، فاحترز ابن بقية منه.
اضطرابُ كِرمان على عَضُد الدولة وعودها له:
في هذه السَنة خالف أهل كرمان على عَضُد الدولة؛ وذلك أنّ رجلاً مِن الجرومية - وهي البلاد الحارّة - يُقال له طاهر بن الصمة ضَمِن مِن عَضُد الدولة ضمانات، فاجتمع عليه أموال كثيرة فطمع فيها، وكان عَضُد الدولة قد سار إلى العراق وسيَّر وزيره المُطهّر بن عبد الله إلى عُمان ليستولي عليها، فخلت كرمان مِن العساكر، فجمع طاهر الرجال الجرومية وغيرهم، فاجتمع له خَلقٌ كثير، واتّفق أنّ بعض الأتراك السامانية واسمه يوزتمر كان قد استوحش مِن أبي الحسن محمّد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جيش خُراسان للسامانية، فكاتبه طاهر وأطمعه في أعمال كرمان، فسار إليه واتّفقا، وكان يوزتمر هو الأمير، فاتّفق أنّ الرجال الجرومية شغبوا على يوزتمر، فظنّ أنّ طاهراً وضعهم، فاختلفا واقتتلا فظفر يوزتمر بطاهر، وأسَره وظفر بأصحابه، وبلغَ الخبر إلى الحُسين بن أبي عليّ بن إلياس وهو بخراسان، فطَمِع في البلاد فجمع جمعاً وسار إليها، فاجتمع عليه بها جُموع كثيرة، ثُمّ إنّ المُطهّر بن عبد الله استولى على عُمان وجبالها، وأوقع بالشراة فيها وعاد، فوصله كتاب عَضُد الدولة مِن بغداد يأمره بالمسير إلى كرمان، فسار إليها مُجدّاً، وأوقع في طريقه بأهل العَبَث والفساد وقتلهم وصلبهم ومَثّل بهم، ووصل إلى يوزتمر على حين غَفلة منه، فاقتتلوا بنواحي مدينة بَم، فانهزم يوزتمر ودخل المدينة، وحَصره المُطهّر في حِصن في وسط المدينة، فطلب الأمان فأمّنه فخرج إليه ومعه طاهر، فأمر المُطهّر بطاهر فشُهر ثُمّ ضُربَ عُنقه.
وأما يوزتمر، فإنّه رفعه إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد به، وسار المُطهّر إلى الحسين بن إلياس، فرأى كثرة مَن معه فخاف جانبهم، ولم يجد مِن اللِقاء بُدّاً، فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم الحسين على باب جيرفت، وانهزم عَسكره فمَنعهم سور المدينة مِن الهرب، فكَثُر فيهم القتل، وأُخذ الحسين أسيراً، وأُحضر عند المُطهّر فلم يُعرف له بعد خبر، وصَفتْ كرمان لعَضُد الدولة.
اتّساع مُلك عَضُد الدولة بعد وفاة أبيه:
قد تَقدّم في وفاة رُكن الدولة عهده بالمُلك بعده إلى وَلده عَضُد الدولة بعد صُلح ما بينهما، وتخصيص ولديه فَخر الدولة ومُؤيّد الدولة ببعض الأعمال، على أنّ يكونا في هذه البلاد بحُكم أخيهما عَضُد الدولة.
مسيرُ عَضُد الدولة إلى العراق:
تَجهَز في هذه السَنة عَضُد الدولة، وسار يَطلب العراق؛ لِما كان يبلغه عن بختيار وابن بقية مِن استمالة أصحاب الأطراف كـ: حسنويه الكردي، وفخر الدولة بن رُكن الدولة، وأبي تغلب بن حمدان، وعِمران بن شاهين وغيرهم، والاتّفاق على معاداته، ولِما كانا يقولانه مِن الشتم القبيح له، ولِما رأى مِن حُسن العراق، وعِظم مملكته إلى غير ذلك، وانحدر بختيار إلى واسط على عزم مُحاربة عَضُد الدولة، وكان حسنويه وَعَده أنّه يَحضر بنفسه لنُصرَته، وكذلك أبو تغلب بن حمدان، فلم يفِ له واحد منهما، ثُمّ سار بختيار إلى الأهواز - أشار بذلك ابن بقية - وسار عَضُد الدولة مِن فارس نحوهم، فالتقوا في ذي القعدة واقتتلوا، فخامر على بختيار بعض عسكره، وانتقلوا إلى عَضُد الدولة، فانهزم بختيار وأُخذ ماله ومال ابن بقية، ونُهِبت الأثقال وغيرها.
ولمّا وصل بختيار إلى واسط حَمل إليه ابن شاهين صاحب البطيحة مالاً وسلاحاً وغير ذلك من الهدايا النفيسة، ودخل بختيار إليه، فأكرمه وحمل إليه مالاً جليلاً وأعلاقاً نفيسة وعَجِب الناس مَن قول عِمران: أنّ بختيار سيدخل منزلي ويستجير بي، فكان كما ذَكر، ثُمّ أصعد بختيار.
وأمّا عَضُد الدولة، فإنّه سَيّر إلى البصرة جيشاً فملكوها؛ وسبب ذلك أنّ أهلها اختلفوا، وكانت مُضر تهوى عَضُد الدولة وتميل إليه، لأسباب قرّرها مَعهم، وخالفتهم ربيعة ومالت إلى بختيار، فلمّا انهزم ضعفوا وقويت مُضر، وكاتبوا عَضُد الدولة، وطلبوا منه إنفاذ جيش إليهم، فسيَّر جيشاً تسلّم البلد وأقام عندهم، وأقام بختيار بواسط، وأحضر ما كان له ببغداد والبصرة مِن مال وغيره ففرّقه في أصحابه، ثُمّ إنّه قَبض على ابن بقية؛ لأنّه اطرحه واستبدّ بالأُمور دونه، وجبى الأموال إلى نفسه، ولم يوصل إلى بختيار منها شيئاً، وأراد أيضاً التقرُّب إلى عَضُد الدولة بقبضه؛ لأنّه هو الّذي كان يُفسد الأحوال بينهم، ولمّا قَبض عليه أخذ أمواله ففرّقها، وراسل عَضُد الدولة في الصُلح وتردّدت الرُسل بذلك، وكان أصحاب بختيار يَختلفون عليه فبعضهم يُشير به وبعضهم ينهى عنه، ثُمّ إنّه أتاه عبد الرزّاق وبدر ابنا حسنويه في نحو ألف فارس معونة، فلمّا وصلا إليه أظهر المقام بواسط، ومُحاربة عَضُد الدولة، فاتّصل بعَضُد الدولة أنّه نقض الشرط، ثُمّ بدا لبختيار في المسير، فسار إلى بغداد، فعاد عنه ابنا حسنويه إلى أبيهما، وأقام بختيار ببغداد، وانقضتْ السَنة وهو بها، وسار عَضُد الدولة إلى واسط
ثُمّ سار منها إلى البصرة، فأصلح بين ربيعة ومضر، وكانوا في الحروب والاختلاف نحو مئة وعشرين سَنة، ومِن عجيب ما جرى لبختيار في هذه الحادثة: أنّه كان له غلام تُركي يميل إليه، فأُخذ في جُملة الأسرى وانقطع خبره عن بختيار، فحَزِن لذلك وامتنع مِن لذّاته والاهتمام بما رُفع إليه مِن زوال مِلكه وذهاب نفسه، حتى قال على رؤوس الأشهاد:
إنّ فجيعتي بهذا الغلام أعظم مِن فجيعتي بذهاب مُلكي.
ثُمّ إنّه سمع أنّه في جُملة الأسرى، فأرسل إلى عَضُد الدولة يبذل له ما أحبّ في ردّه إليه، فأعاده عليه، وسارت هذه الحادثة عنه فازداد فضيحة وهواناً عند المُلوك وغيرهم.
قَبضُ عَضُد الدولة على أبي الفتح بن العميد:
وفي هذه السنة قَبض عَضُد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه، وسمل عينه الواحدة وقطع أنفه، وكان سبب ذلك أنّ أبا الفتح لمّا كان ببغداد مع عَضُد الدولة، وسار عَضُد الدولة نحو فارس، تَقدّم إلى أبي الفتح بتعجيل المسير عن بغداد إلى الري فخالفه وأقام، وأعجبه المقام ببغداد، وشرب مع بختيار، ومالَ في هواه، واقتنى ببغداد أملاكاً ودُوراً على عَزم العود إليها إذا مات رُكن الدولة، ثُمّ صار يُكاتب بختيار بأشياء يَكرهها عَضُد الدولة، وكان له نائب يَعرضها على بختيار، فكان ذلك النائب يُكاتب بها عَضُد الدولة ساعة فساعة، فلمّا مَلك عَضُد الدولة بعد موت أبيه، كَتب إلى أخيه فخر الدولة بالري يأمره بالقبض عليه وعلى أهله وأصحابه ففعل ذلك، وانقلع بيت العميد على يَده كما ظنّه أبوه أبو الفضل، وكان أبو الفتح ليلة قُبض قد أمسى مسروراً، فأحضر النُدماء والمُغنّين، وأظهر مِن الآلات الذهبيّة والُزجاج المليح، وأنواع الطيب ما ليس لأحد مِثلُه، وشربوا وعمل شعراً، وغُني له فيه، وهو:
دَعوتُ المُنى ودَعوتُ العُلا فلمّا أجابا دَعوتُ القَدح
وقُلتُ لأيّامِ شرخِ الشبابِ إليَّ فهذا أوان الفَرَح
إذا بلغَ المرء آماله فليس له بعدها مقترح
فلمّا غُنّي في الشعر استطابه، وشرب عليه إلى أنْ سكر، وقام وقال لغُلمانه:
اتركوا المَجلس على ما هو عليه لنصطبح غداً، وقال لنُدَمائه: بَكّروا إليّ غداً لنصطبح ولا تتأخّروا، فانصرف النُدماء ودخل هو إلى بيت
منامه، فلمّا كان السَحر دعاه مُؤيّد الدولة فقبض عليه، وأرسَل إلى داره فأخذ جميع ما فيها، ومِن جُملته ذلك المجلس بما فيه.
استيلاء عَضُد الدولة على العراق:
في سَنة سبع وستّين وثلاثمئة سار عَضُد الدولة إلى بغداد، وأرسل إلى بختيار يدعوه إلى طاعته، وأنْ يسيرَ عن العراق إلى أيّ جهة أراد، وضَمِن مُساعدته بما يحتاج إليه مِن مال وسلاح وغير ذلك، فاختلف أصحاب بختيار عليه في الإجابة إلى ذلك، إلاّ أنّه أجاب إليه لضعف نفسه، فأنفذ له عَضُد الدولة خلعة فلبسها، وأرسل إليه يطلب منه ابن بقية، فقَلعَ عينيه وأنفذه إليه، وتجّهز بختيار بما أنفذه إليه عَضُد الدولة، وخرج عن بغداد عازماً على قصد الشام، وسار عَضُد الدولة فدَخل بغداد، وخطب له بها، ولم يكن قبل ذلك يُخطب لأحد ببغداد، وضرب على بابه ثلاثة نوب، ولم تَجرِ بذلك عادة مَن تقدّمه، وأمر بأنْ يُلقى ابن بقية بين قوائم الفِيَلَة لتقتله، فَفُعل به ذلك، وخبطته الفِيَلَة حتّى قتلته، وصُلب على رأس الجسر في شوّال مِن هذه السَنة، فرثاه أبو الحسين الأنباري بقصيدة مِن بارع الشعر مُستهلّها:
علو في الحياة وفي المَماتِ لَحَقٌّ أنت إحدى المُعجزاتِ
عَضُد الدولة وبنو حَمدان:
كان لبني حمدان سُلطان نافذ في العراق والجزيرة وبلاد الشام، وبأس مَرهوب الجانب عند المُتنازعين على الاستئثار بالسُيطرة على العراق وعلى الخلافة، وإدلال على خليفة بغداد الّذي لم يكن يملك شيئاً مِن سُلطانها المادّي، فكان الحمدانيّون بما لهم مِن عصبيّةٍ، ومِن جُرأةٍ نادرة، ومِن حصون منيعةٍ، ومِن بلاد بمِلك ذَوي قراباتهم تحمي اللاجئ منهم إذا تَغلّب على بلاده مُتغلّب، فلا جَرَمَ أنّهم كانوا - وهُم في مكانتهم - يطمحون إلى ما يَطمح به مَن لم يكُن جامعاً ما جمعوا مِن قوّة ومِنعة مِن الغُرباء، وهُم أهل البلاد، وأنّهم كانوا كالحِسكة في لهوات الطامعين في التَغلّب على البلاد، فالحمدانيّون لم يكونوا يعرفون الاستقرار، والطامعون في امتلاكها لا يُحصى عددهم، كما أنّ الطامعين أنفسهم أجدر بأنْ يُحرَموا ذلك الاستقرار، فكانوا مع كلّ غريب يُحاول اجتياح العراق، وبسط سُلطانه فيه في تنازع مُستمر،
وكان بينهم وبين البويهيّين حُروبٌ ومُنازعات وسياسات مُختلفات، فتارةً يكونون فيها غالبين، وأُخرى مغلوبين، وطوراً تنتهي باتّفاقات ثُمّ تُنقَض دواليك، وقدموا مِن عَضُد الدولة الفتي الطامح بالمقيم المقعد - وقد بسطنا أخبار هذا التنازع المُستطيل في أخبار الحمدانيّين، فليُطلَب هناك فإنّا لا نُعيده - وقد كان هوى الحمدانيّين مع بختيار ابن عَمّ عَضُد الدولة وخصيمه، فكانت لهم معه وقائع في سَنة ٣٦٧ وفيها قُتِل بختيار، واستولى عَضُد الدولة على مُلك بني حمدان في الموصل وما إليها مِن أعمال الجزيرة.
وفي سَنة ٣٦٨ حيث استولى عَضُد الدولة على ميافارقين وآمد وغيرهما مِن ديار بَكر، وفَتَحَ ديار مُضر وفرّ منه أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة بن حَمدان، وقُتل سنة ٣٦٩.
عَضُد الدولة وبنو عِمران بن شاهين أُمراء البطيحة:
استوفينا أخبار هذه الإمارة الناشئة في العراق، وما كان بين رجالها مِن التنازُع وبين بعض المُلوك البويهيّين، وعَضُد الدولة منهم في تاريخ بني شاهين، فلا نُعيدها فلِتُطَلب مِن مكانها في هذا الكتاب.
الحَرب بين بني شيبان وعَضُد الدولة:
في سَنة ٣٦٩ في رجب سَيَّر عَضُد الدولة جيشاً إلى بني شيبان، وكانوا قد أكثروا الغارات على البلاد والفساد، وعَجزَ المُلوك عن طلبهم، وكانوا قد عقدا بينهم وبين أكراد شهرزور مُصاهرات، وكانت شهرزور مُمتنعة على المُلوك، فأمر عَضُد الدولة عسكره بمُنازلة شهرزور؛ لينقطع طمع بني شيبان عن التَحصّن بها، فاستولى أصحابه عليها وملكوها، فهرب بنو شيبان، وسار العسكر في طلبهم، وأوقعوا بهم وقعة عَظيمة، وقُتِل مِن بني شيبان فيها خَلقٌ كثير، ونُهِبت أموالهم ونساؤهم، وأُسر منهم ثمانمئة أسير، وحُملوا إلى بغداد.
استجارة ورد الرومي بعَضُد الدولة:
في هذه السَنة وصل ورد الرومي إلى ديار بكر مستجيراً بعَضُد الدولة، وأرسل إليه يستنصره على مُلوك الروم، ويبذل له الطاعة إذا مَلك وحَمْل الخراج، وكانت لذلك أسباب لا يَتعلّق بها غَرض لتاريخنا، وجرتْ حُروب
انتهت بانهزام ورد إلى بلاد الإسلام، فنزل بظار ميافارقين مِن ديار بكر، وراسل عَضُد الدولة وأنفذ إليه أخاه يبذل الطاعة والاستنصار به، فأجابه إلى ذلك ووعده به.
ثُمّ أنّ مَلِكَي الروم راسلا عَضُد الدولة واستمالاه، فقويَ في نفسه ترجيح جانب المَلِكَين، وعاد عن نُصرة ورد، وكاتب أبا عليّ التميمي - وهو حينئذ ينوب عنه بديار بكر - بالقبض على ورد وأصحابه، فشرع يُدبر الحيلة عليه، واجتمع إلى ورد أصحابه، وقالوا له:
أنّ مُلوك الروم قد كاتبوا عَضُد الدولة وراسلوه في أمرنا، ولا شكّ أنّهم يُرغّبونه في المال وغيره فيُسلمنا إليهم، والرأي أنْ تَرجع إلى بلاد الروم على صُلح إنْ أمكننا، أو على حَرب نبذل فيها أنفسنا، فإمّا ظفرنا أو مِتنا كراماً.
فقال: ما هذا رأيٌ، ولا رأينا مِن عَضُد الدولة إلاّ الجميل، ولا يجوز أن ننصرف عنه قبل أن نعلم ما عنده، ففارقه كثير من أصحابه، فطمع فيه أبو علي التميمي، وراسله في الاجتماع، فأجابه إلى ذلك، فلمّا اجتمع به قبض عليه وعلى وَلَده وأخيه وجماعة مِن أصحابه واعتقلهم بميافارقين، ثُمّ حَمَلهم إلى بغداد فبقوا في الحبس إلى أن فرّج الله عنهم، وكان قَبضه سَنة ٣٧٠هـ.
عِمارةُ عَضُد الدولة بغداد:
في هذه السنة شَرع عَضُد الدولة في عِمارة بغداد، وقد تَقدّم خبر ذلك في(أعمال عَضُد الدولة في مصالح البلاد وآثاره) في القسم الأوّل مِن تاريخ بني بويه.
التجاءُ بعض أولاد حسنويه الكردي بعد وفاته إلى عَضُد الدولة:
وفي سنة ٣٦٩هـ تُوفّي حسنويه بن الحسين الكردي البرزيكاني بسرماج، وكان أميراً على جيشٍ مِن البرزيكان يُسمّون البرزينيّة، وكان خالاه ونداد وغانم ابنا أحمد أميرين على صنف آخر منهم يُسمّون العيشانيّة، وغلبا على أطراف نواحي الدينور وهمذان ونهاوند والصامغان، وبعض أطراف أذربيجان إلى حدِّ شهر زور نحو خمسين سنة، وكان يقود كلّ واحد منهما عدّة أُلوف، فتُوفّي غانم سَنة خمسين وثلاثمئة، فكان ابنه أبو سالم ديسم بن غانم مكانه بقلعته قسنان إلى أن أزاله أبو الفتح بن العميد، واستصفى قلاعه المُسمّاة قسنان وغانم أباذ وغيرهما، وتُوفّي ونداد بن
أحمد سَنة تسع وأربعين، فقام مقامه ابنه أبو الغنائم عبد الوهّاب إلى أنْ أسَرَه الشاذنخان، وسلّموه إلى حسنويه فأخذ قلاعه وأملاكه، وكان حسنويه مجدوداً أحسن السياسة والسيرة، ضابطاً لأمره، ومنع أصحابه مِن التَلصّص، وبنى قلعة سرماج بالصخور المُهندمة، وبنى بالدينور جامعاً على هذا البناء، وكان كثير الصدقة بالحَرمين إلى أنْ مات في هذه السَنة، وافترق أولاده مِن بعده، فبعضهم انحاز إلى فَخر الدولة، وبعضهم إلى عَضُد الدولة، وهم: أبو العلاء، وعبد الرزاق، وأبو النجم بدر، وعاصم، وأبو عدنان، وبختيار، وعبد المَلك. وكان بختيار بقلعة سرماج ومعه الأموال والذخائر، فكاتب عَضُد الدولة ورغب في طاعته، ثُمّ تلوّن عنه وتغيّر، فسيّر عَضُد الدولة إليه جيشاً فحصره، وأخذ قلعته وكذلك قلاع غيره مِن إخوته، واصطنع مِن بينهم أبا النجم بدر بن حسنويه، وقوّاه بالرجال فضبط تلك النواحي، وكفّ عادية مَن بها مِن الأكراد، واستقام أمره وكان عاقلاً.
قَصدُ عَضُد الدولة أخاه فَخر الدولة وأخذ بلاده:
لم يكن مَن أعقب الأُخوة الثلاثة مؤسّسي المُلك البويهي طابعين على غرارهم، مِن حيث المَحبّة الصادقة، والأُلفة الوثيقة العُرى، والوفاق المُستحكَم الحلقات، والعمل يداً واحدة في امتداد ممالكهم، ومُعاضدة بعضهم بعضاً على دفع عادية الأعداء، ومجابهة الطوارئ والمفاجآت مِن هنا وهناك، حتّى تمكّنوا مِن غير سابقة في المُلك وقدم راسخة في النُفوذ والسلطان أنْ يمتلكوا الممالك الواسعة، وأنْ يُتاح لهم مُلك العراق فالقبض على أزمّة الخلافة، بل جرى مَن أعقبوه على غير طريقتهم، وقد عَرفتَ في أخبار ركن الدولة استعظامه ما كان مِن أكبر ولده ومن خليفة أخيه عماد الدولة على مملكة فارس مع ابن عمه بختيار بن مُعزّ الدولة، وكيف هَمَّ على سِنِّه العالية أنْ يقود الجيش بنفسه مِن الريّ إلى العراق ليطرد منها وَلده عَضُد الدولة، ويُعيد مُلكها إلى ابن أخيه، وعَرفتَ ما كان لهذه الحادثة مِن الأثر العظيم عنده، وكيف كانت سبباً في مَرضه الّذي تُوفّي فيه، ولم يَقرَّ له قرار إلاّ بإخراج عَضُد الدولة مِن العراق، ولكنّ عَضُد الدولة استسلم لإرادة أبيه، وقد عَلِم بكلّ ما عزم عليه مِن أمرٍ بشأنه، وتحقّق أنّه إنْ أصرّ على البقاء في
العراق مُخالفاً أباه سيواجه انتقاض أمرِ العراق عليه؛ فحرمانه ولاية عهده على مُلكه سَلّمَ بالأمر الواقع، ولكنّ ما في نفسه مِن الطموح إلى مِلك العراق لم يذهب منه شيء، وهو ينتهز له فرصة موت أبيه، فكان موت أبيه في السَنة الّتي خَرج منها مِن العراق، وكان له ولاية العهد على ملك أبيه، وولاية أخَويه فَخر الدولة ومُؤيّد الدولة على بعض الأعمال، على أنْ يكونا في طاعته، وكان له العود إلى العراق فانتهاء أمر ابن عمّه بختيار مِن الخروج مِن سُلطانه، فقَتله بعد ذلك بسَنة، ثُمّ انتهى الأمر باختلافه وأخيه فَخر الدولة كما تراه مبسوطاً في ذكر الأخبار الآتية.
في سنة ٣٦٩هـ سار عَضُد الدولة إلى بلاد الجبل فاحتوى عليها، وكان سَبب ذلك أنّ بختيار بن معز الدولة كان يُكاتب ابن عمّه فَخر الدولة بعد موت رُكن الدولة، ويدعوه إلى الاتّفاق معه على عَضُد الدولة، فأجابه إلى ذلك واتّفقا، وعَلِم عَضُد الدولة به فكتم ذلك إلى الآن، فلمّا فرغ مِن أعدائه كأبي تغلب وبختيار وغيرهما، ومات حسنويه بن الحسين ظنّ عَضُد الدولة أنّ الأمر يصلح بينه وبين أخيه، فراسل أخَويه فَخر الدولة ومؤيّد الدولة، وقابوس بن وشمكير.
فأمّا رسالته إلى أخيه مُؤيّد الدولة، فيشكره على طاعته وموافقته له، فإنّه كان مُطيعاً له غير مُخالف، وأمّا إلى فَخر الدولة، فيُعاتبه ويستميله ويَذكر له ما يُلزمه به الحُجّة.
وأمّا إلى قابوس، فيُشير عليه بحفظ العُهود الّتي بينهما، فأجاب فَخر الدولة جواب المُناظر المناوئ، ونسي كِبَر السنِّ وسعة المُلك وعهد أبيه.
وأمّا قابوس، فأجاب جواب المُراقب، وكان الرسول خواشاده مِن أكابر أصحابه، فاستمال أصحاب فَخر الدولة، فضمن لهم الإقطاعات، وأخذ عليهم العهوداً، فلمّا عاد الرسول بَرزَ عَضُد الدولة مِن بغداد على عزم المسير إلى الجبل وإصلاح تلك الأعمال، وابتدأ فقَدِم العساكر بين يديه يتلو بعضها بعضاً، منهم أبو الوفاء على عسكر خواشاده، وأبو الفتح المُظفّر بن محمّد في عسكر، فسارتْ هذه العساكر، وأقام هو بظاهر بغداد، ثُمّ سار عَضُد الدولة فلقيه البشائر بدخول جيشه همذان، واستئمان العَدد الكثير مِن قوّاد فَخر الدولة ورجال حسنويه، ووصل إليه أبو الحسن عبيد الله بن محمّد بن حمدويه وزير فَخر الدولة، ومعه جماهير أصحابه فانحلّ أمرُ فَخر الدولة، وكان بهمذان فخاف مِن
أخيه، وتَذكّر قتل ابن عمّه بختيار فخرج هارباً، وقصد بلد الديلم، ثُمّ خرج منها إلى جرجان فنزل على شمس المعالي قابوس بن وشمكير، والتجأ إليه فأمّنه وآواه، وحمل إليه فوق ما حَدّثتْ به نفسه، وشَرّكه فيما تحت يده مِن مُلك وغيره، ومَلك عَضُد الدولة ما كان بيد فَخر الدولة: همذان والري وما بينهما مِن البلاد، وسلمها إلى أخيه مُؤيّد الدولة بويه، وجعله خليفته ونائبه في تلك البلاد، ونزلَ الريَّ واستولى على تلك النواحي، ثُمّ عرج عَضُد الدولة إلى ولاية حسنويه الكردي، فقصد نهاونذ وكذلك الدينور وقلعة سرماج، وأخذ ما فيها مِن ذخائر حسنويه، وكانت جليلة المقدار، ومَلك معها عِدّة مِن قلاع حسنويه، ولَحِقَه في هذه السَفرة صَرَع، وكان هذا قد أخذه بالموصل، وحدث به فيها فكتمه وصار كثير النسيان، لا يذكر الشيء إلاّ بعد جُهد، وكتم ذلك أيضاً، وهذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد، وأتاه أولاد حسنويه، فقبض على عبد الرزاق وأبي العلاء وأبي عدنان، وأحسن إلى بدر بِن حسنويه، وخلع عليه وولاّه رعاية الأكراد.
مُلك عَضُد الدولة الهكارية وما معها:
في هذه السَنة سيَّر عَضُد الدولة جيشاً إلى الأكراد الهكارية مِن أعمال الموصل، فأوقع بهم وحصر قلاعهم، وطالَ مقام الجُند في حصرها، وكان مَن بالحصون مِن الأكراد ينتظرون نُزول الثلج لترحل العساكر عنهم، فقّدرَ الله تعالى أنّ الثلج تأخّر نُزوله في تلك السَنة، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأُجيبوا إلى ذلك وسلّموا قلاعهم، ونزلوا مع العسكر إلى الموصل، فلم يُفارقوا أعمالهم غير يوم واحد حتّى نزل الثلج، ثُمّ إنّ مُقدّم الجيش غَدَرَ بهم، وصلبهم على جانبي الطريق مِن معلثايا إلى الموصل نحو خمسة فراسخ، وكفَّ الله شَرّهُم عن الناس.
مُفردات عن عَضُد الدولة:
في هذه السَنة وَرَد رسول العزيز بالله صاحب مِصر إلى عَضُد الدولة برسائل أدّاها، وفيها قَبَضَ عَضُد الدولة على محمّد بن عمر العلوي وأُنفذ إلى فارس، وكان سبب قبضه ما تَكلّم به المُطهّر في حقّه عند موته، وأرسل إلى الكوفة فقَبض أمواله، فوَجد له مِن المال والسلاح والذخائر ما لا يُحصى.
واصطنع عَضُد الدولة أخاه أبا الفتح وولاّه الحجّ بالناس، وفيها تَجدّدت وُصلَة بين الطائع لله وبين عَضُد الدولة، فتزوّج الطائع ابنته، وكان غرض عَضُد الدولة أنْ تلد ابنته وَلداً ذَكراً فيجعله وليّ عهده، فتكون الخلافة في وَلَدٍ لهم فيه نَسَب، وكان الصداق مئة ألف دينار، وفيها كانت فتنة عظيمة بين عامّة شيراز مِن المسلمين وبين المَجوس، نُهبت فيها دور المجوس، وضُربوا وقُتل منهم جماعة، فسمع عَضُد الدولة الخبر، فسيّر إليهم مِن جمع كلّ مِن له أثر في ذلك، وضربهم وبالغ في تأديبهم وزجرهم، وفيها قَبض عَضُد الدولة على النقيب أبي أحمد الحسين الموسوي والد الشريف الرضي، وعلى أخيه أبي عبد الله، وعلى قاضي القُضاة أبي محمّد وسير إلى فارس.
إقطاع عَضُد الدولة أخاه مُؤيّد الدولة همذان:
في سَنة ٣٧٠هـ أرسل الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد إلى عَضُد الدولة بهمذان رسولاً مِن عند أخيه مُؤيّد الدولة يبذل له الطاعة والموافقة، فالتقاه عَضُد الدولة بنفسه، وأكرمه وأقطع أخاه مُؤيّد الدولة همذان وغيرها، وأقام عند عَضُد الدولة إلى أنْ عاد إلى بغداد فردّه إلى مُؤيّد الدولة، فأقطعه إقطاعاً كثيرة، وسيّر معه عسكراً يكون عند مُؤيّد الدولة في خدمته.
قتل أولاد حسنويه سوى بدر:
لمَّا خلعَ عَضُد الدولة على بدر وأخَوَيه عاصم وعبد الملك، وفضّل بدراً عليهما، وولاّه الأكراد حَسَده أخواه، فشقا العصا وخرجا عن الطاعة، واستمال عاصم جماعة الأكراد المُخالفين فاجتمعوا عليه، فسيّر إليه عَضُد الدولة عسكراً، فأوقعوا بعاصم ومَن معه فانهزموا، وأُسر عاصم وأُدخل همذان على جَمل، ولم يُعرف له خبر بعد ذلك اليوم، وقُتل أولاد حسنويه، إلاّ بدراً فإنّه تُرك على حاله وأُقرّ على عمله، وكان عاقلاً لبيباً حازماً كريماً حليماً.
مِلكُ عَضُد الدولة قلعة سندة وغيرها:
وفيها استولى عَضُد الدولة على قلاع أبي عبد الله المري بنواحي الجبل، وكان مَنزله بسندة وفيها مساكن نفيسة، وكان قديم البيت، فقبض عليه وعلى أولاده واعتقلهم، فبقوا كذلك إلى أنْ أطلقهم الصاحب بن عبّاد فيما
بعد، واستخدم ابنه أبا طاهر واستكتبه، وكان حَسن الخطّ واللفظ.
استيلاءُ عَضُد الدولة على جرجان:
في جمادى الآخرة سنة ٣٧١هـ استولى عَضُد الدولة على بلاد جرجان وطبرستان، وأجلى عنها صاحبها قابوس بن وشمكير، وسبب ذلك أنّ عَضُد الدولة لمّا استولى على بلاد أخيه فَخر الدولة انهزم فَخر الدولة، فلحق بقابوس، وبلغَ ذلك عَضُد الدولة، فأرسل إلى قابوس يَبذل له الرغائب مِن البلاد والأموال والعهود وغير ذلك ليُسلّم إليه أخاه فَخر الدولة، فامتنع قابوس عن ذلك ولم يُجب إليه، فجَهّز عَضُد الدولة أخاه مُؤيّد الدولة وسيّره ومعه العساكر والأموال والعدد إلى جرجان، وبلغَ الخبر قابوساً فسار إليه، فلقيه بنواحي استراباذ فاقتتلوا مِن بُكرة إلى الظُهر، فانهزم قابوس وأصحابه في جمادى الأولى، وقصد قابوس بعضَ قلاعه التي فيها ذخائره وأمواله، فأخذ ما أراد وسار نحو نيسابور، فلمّا وردها لحق به فَخر الدولة وانضمّ إليها مَن تَفرّق مِن أصحابهما، وكان وصولهم إليها عند ولاية حُسام الدولة أبي العبّاس تاش خُراسان، فكَتب حُسام الدولة إلى الأمير أبي القاسم نوح بن منصور يُعرّفه خبر وصولهما، وكَتب أيضاً إلى نوح يُعرّفه حالهما، ويستنصره على مُؤيّد الدولة، فوردت كُتب نوح على حُسام الدولة يأمره بإجلال مَحلّهما وإكرامهما وجمع العساكر، والمسير معهما وإعادتهما إلى مِلكهما، وكَتب وزيره أبو الحسين بذلك.
مسيرُ حُسام الدولة وقابوس إلى جرجان:
فلمّا وردت الكُتب مِن الأمير نوح على حُسام الدولة بالمسير بعساكر خُراسان جميعها مع فَخر الدولة وقابوس جَمع العساكر وحشد، فاجتمع بنيسابور عساكر سَدّت الفضاء، وساروا نحو جُرجان فنازلوها وحصروها، وبها مُؤيّد الدولة ومعه مِن عساكره وعساكر أخيه عَضُد الدولة جمع كثير، إلاّ أنّهم لا يُقاربون عساكر خُراسان، فحصرهم حُسام الدولة شهرين يُفاديهم القتال ويراوحهم ن وضاقت الميرة على أهل جرجان حتّى كانوا يأكلون نخالة الشعير مَعجونة بالطين، فلمّا اشتدّ عليهم الأمر خرجوا مِن جرجان في شهر رمضان على عَزم قصد القتال إمّا لهم وإمّا عليهم، فلمّا رآهم أهل خراسان
ظنّوها كما تقدّم مِن الدُفعات يكون قتال ثُمّ تحاجز، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً فرأوا الأمر خلاف ما ظنّوه، وكان مُؤيّد الدولة قد كاتب بعض قوّاد خُراسان يُسمّى فائق الخاصّة وأطمعه ورغّبه، فأجابه إلى الانهزام عند اللقاء، فلمّا خَرج مُؤيّد الدولة هذا اليوم حمل عسكره على فائق وأصحابه، فانهزم هو ومَن معه وتَبِعه الناس، وثبت فَخر الدولة وحُسام الدولة في القلب، واشتدّ القتال إلى آخر النهار، فلمّا رأوا تلاحق الناس في الهزيمة لحقوا بهم، وغنم أصحاب مُؤيّد الدولة منهم ما لا يَعلمه إلاّ الله تعالى، وأخذوا مِن الأقوات شيئاً كثيراً، وعاد حُسام الدولة وفخر الدولة وقابوس إلى نيسابور، وكتبوا إلى بُخارا بالخبر، فأتاهم الجواب يُمنّيهم ويَعِدهم بإنفاذ العساكر والعود إلى جرجان والري، وأمر الأمير نوح العساكر بالمسير إلى نيسابور، فأتوها مِن كلّ حَدب ينسلون، فاجتمع بظاهر نيسابور مِن العساكر أكثر مِن المرّة الأُولى، وحُسام الدولة ينتظر تلاحُق الإمداد ليسير بهم، فأتاهم الخبر بقتل الوزير أبي الحسين القسي، فتفرّق ذلك الجَمع وبطل ذلك التَدبير.
مُتفرّقاتٌ عن عَضُد الدولة:
في هذه السنة قبضَ عَضُد الدولة على القاضي أبي عليّ المحسن بن عليّ التنوخي، وألزمه منزله وعَزله عن أعماله التي كان يتولاّها.
وفيها أفرج عن أبي إسحق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب، وكان القبضُ عليه سَنة سبع وستّين، وكان سبَب قبضه أنّه كان يَكتب عن بختيار كتباً في معنى الخُلف الواقع بينه وبين عَضُد الدولة، فكان ينصح صاحبه، فممّا كَتبه عن الخليفة الطائع إلى عَضُد الدولة - في المعنى -: وقد لَقّب عزّ الدولة بشاهنشاه فتزحزح له عن سُنن المساواة، فنَقِم عليه عَضُد الدولة ذلك.
قال ابن الأثير بعد ذلك:
وهذا مِن أعجب الأشياء، فإنّه كان ينبغي أنْ يَعظُم في عينه لنُصحه لصاحبه.
فلمّا أطلقه أمره بعمل كتاب يتضمّن أخبارهم ومحاسنها، فعمل التاجي في دولة الديلم.
وفيها أرسل عَضُد الدولة القاضي أبا بكر محمّد بن الطيّب الأشعري
المعروف بابن البلاقلاّني إلى مَلك الروم في جواب رسالة وردت منه، فلمّا وصل إلى الملك قيل له: ليُقبّل الأرض بين يديه فلم يفعل، فقيل: لا سبيل إلى الدُخول إلاّ مع تقبيل الأرض، فأصّر على الامتناع، فعَمِل المَلك باباً صغيراً يدخل منه القاضي مُنحنياً ليوهم الحاضرين أنّه قبّل الأرض، فلمّا رأى القاضي الباب عَلِم ذلك، فاستدبره ودخل منه، فلمّا جازه استقبل المَلك وهو قائم، فعَظُم عندهم محلّه.
وفيها فتح المارستان العضُدي غربي بغداد، ونقل إليه جميع ما يُحتاج إليه مِن الأدوية(١) .
أمّا ما يتعلّق بالصابي ممّا جاء في هذه المُتفرّقات، فإنّه يدلّ على أمر عَضُد الدولة له بعمل الكتاب في أخبارهم بعد إطلاقه والإفراج عنه سَنة ٣٧١هـ، ولكن ما جاء في ترجمة ابن خُلّكان له ما يَدلّ على أنّ الأمر بعمل الكتاب كان قبل اعتقاله، وأنّ ما وشى به إلى عَضُد الدولة بشأن الكتاب كان مِن جُملة ما أحفظه عليه، ومنه ما يلي:
وكانت تصدر عنه مُكاتبات إلى عَضُد الدولة بن بويه بما يؤلِمه فحَقدَ عليه، فلمّا قُتِل عِزّ الدولة، ومَلك عَضُد الدولة بغداد اعتقله في سَنة سبع وستّين وثلاثمئة، وعزم على إلقائه تحت أيدي الفِيَلَة فشفعوا فيه، ثُمّ أطلقه في سَنة إحدى وسبعين، وكان قد أمره أنْ يَصنع له كتاباً في أخبار الدولة الديلميّة، فعَمِل الكتاب التاجي، فقيل لعَضُد الدولة:
إنّ صديقاً للصابي دخل عليه، فرآه في شُغل شاغل مِن التعليق والتسويد والتبييض، فسأله عمّا يعمل، فقال: أباطيل أُنمّقُها وأكاذيب أُلفّقها، فحرّكت ساكنه وهيّجت حِقده، ولم يَزل مُبعداً في أيّامه.
وفاةُ عَضُد الدولة:
هذا المُلك العظيم الّذي تَمّ له ما لم يَتمّ لأبيه وعمّيَه مِن عُموم السلطان، وسِعة المُلك وامتداد النُفوذ، هذا المَلك الّذي لم يكن لطُموحه مدى ولمّا يُحاوله مِن الاستزادة حدّ، والذي قطع مِن سِنيِّ حياته إلى سَنة أربع وستّين وثلاثمئة ستّاً وعشرين سَنة مِن حين تَملّكه شيراز، وهو ابن أربع عشرة سَنة، قَطعَ هذه المُدّة مِن حياته هادئاً ساكناً مُطمئناً لم يُمارس الحرب ولم يُقارع الخُصوم، اللّهمّ إلاّ ما لا يُكدّر عليه معين الراحة، ولكنّه مِن سنة أربع وستّين إلى سنة اثنتين وسبعين انتقل إلى الشطر الأخير مِن حياته، وكلّ
____________________
(١) وفي إخبار العُلماء بأخبار الحُكماء للقفطي:... لمّا عَمَرَ عَضُد الدولة البيمارستان ببغداد جَمَع الأطبّاء مِن الآفاق، فاجتمع فيه ٢٤ طبيباً.
ما فيه جهاد وتنازُع مع الغريب ومع ذَوي رَحمه، وقد اتّسع له أُفق الأطّماع في توسيع دائرة مُلكه الّذي كان يَضيق عن طُموحه بضمّ مملكة ابن عمّه بختيار بن مُعزّ الدولة، وهي الأهواز والعراق، وما لم يتمّ فتحه مِن بعض أجزاء العراق والجزيرة وديار مُضر وربيعة، ورأى مِن ضعف مُعزّ الدولة عن إدارة هذه المَملكة، وإدارة أمرَ الخلافة العبّاسية والخليفة معها، وهي تضطرب بالفِتن وبالخارجين الأقوياء الطامحين بالاستقلال في العراق كلّه أو في بعض أجزائه رأى مِن ذلك ما يُمكِّن له بلوغ حاجةٍ في نفسه، فكان مِن ضعف ابن عمّه ومِن انقسام جيشه المُؤلّف مِن التُرك والديلم قبيل البويهيّين، ومِن استنجاد ابن عمّه به لدفع عادية أعدائه انتهاز الفرصة والتمكين له مِن الوصول إلى الهدف الجائل في خاطره، فتألّف الخليفة الطائع لله والساخط على مُعزّ الدولة ووسّع عليه بعد الضيق ونفّسَ عليه الخناق وخلّى بينه وبين ما كان ممنوعاً منه مِن الأُبّهة وبلهنية العيش، وبدر مِن ابن عمّه بوادر اتّخذها حجّة للقبض على دفّة سفينتي المملكة والخلافة معاً، فقبضَ على ابن عمّه، وكان مِن أمرِ ذلك ما عرفته مِن سُخط أبيه فانتهائه إلى استرضاء أبيه ليفوز أخيراً بالمَملكتين: مَملكة أبيه ومَملكة العراق، فكان اخترام أجل أبيه بعد عامين مُمَكِّناً له مِن ذلك، وكان ما أراد، وتَخلّص مِن ابن عمّه بقتله، وبقتل أعوانه وكَبيري وُزرائه ابن بقية وأبي الفتح بن العميد في سَنة ستّ وستّين وسبع وستّين، ولكنّه إنْ خلص له مُلك أبيه ومُلك العراق فلم تصفُ له الأيّام، فكان في العراق في حُروب متواصلة مع الخارجين عليه، ومع مَن كان له هوىً وضلع مع ابن عمّه، وفي إيران في شيراز والري والجبال، وما إليها في مثل ما كان فيه في العراق مِن سَوق الجيش تلو الجيش لردّ عادية الطامعين في مُلكه، والخارجين على سلطانه، ومنهم أخوه فَخر الدولة الّذي انضمّ إلى قابوس وابن نوح الساماني، وإنْ كان له الظَفر والفوز في تلك الميادين والملاحم، ولكنّه لم يكن في راحته، ولا على شيء مِن الطمأنينة.
هذا المُلك العظيم ألقى عصا الجهاد والتنازع المُستمر لا إلى راحة الحياة الفانية، بل إلى السكون الأبدي إلى الموت، غاية كلّ حي، مُتعباً مثقلاً بالهموم والهِمات، ومساورة علّة الصرع الّذي كان يعتاده، فضعُفت قوّته عن دفعه فخنقه، فمات منه ثامن شوّال ببغداد سَنة اثنتين وسبعين وثلاثمئة، وحُمل إلى مشهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فدُفن به.
وكان قد أوصى بدفنه به بجواره، وكُتب على لوح قبره: (هذا قبر عَضُد الدولة وتاج الملّة أبي شُجاع ابن رُكن الدولة، أحبّ مُجاورة هذا الإمام المعصوم لطمعه في الخلاص يوم تأتي كلّ نفس تُجادل عن نفسها وصلاته على محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة).
وممّا رواه له ابن شهرآشوب في مناقبه في مدح أهل البيت (عليهم السلام) قوله:
سقى الله قبراً بالغري وحوله قُبور بمثوى الطُهر مشتملات
ورمساً بطوس لابنه وسميّه سقته السحاب الغرّ صفو فُرات
وأُمّ القُرى فيها قبور منيرةٌ عليها مِن الرحمان خير صلاة
وفي أرض بغداد قبور زكيّة وفي سرّ مَن رأى معدن البركات
مُدّة ولايته بالعراق وعُمره:
كانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفاً، ولمّا توفّي جلس ابنه صِمصام الدولة كاليجار للعزاء، فأتاه الطائع لله مُعزّياً، وكان عُمر عضُد الدولة سبعاً وأربعين سَنة، وقال ابن خُلّكان:
وعُمره سبع وأربعون سَنة وأحد عشر شهراً وثلاثة أيّام، وكان قد سيّر ولده شرف الدولة أبا الفوارس إلى كرمان مالكاً لها قبل أنْ يشتدّ مَرضه، وقيل أنّه لمّا احتضر لم ينطلق لسانه إلاّ بتلاوة:( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ) .
تأبينُ فريقٍ مِن العُلماء له:
قال ابن الأثير:
قيل لمّا ماتَ عَضُد الدولة بلغَ خبره بعضُ العُلماء، وعنده جماعة مِن أعيان الفضلاء، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحُكماء عند موت الإسكندر، فقال بعضهم: لو قُلتم أنتم مثلها لكان ذلك يُؤثَر عنكم.
فقال أحدكم: لقد وزن هذا الشخص الدُنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها، وطلب الربح فيها فخسر روحه فيها.
وقال الثاني: مَن استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومَن حَلم فيها فهذا انتباهه.
وقال الثالث: ما رأيت غافلاً في عقله، ولا غافلاً في غفلته مِثله، لقد كان ينقض جانباً وهو يظنّ أنّه مُبرم، ويَغرم ويظنّ أنّه غانم.
وقال الرابع: مَن جدّ للدنيا هَزلت به، ومَن هزل راغباً عنها جدّت له.
وقال الخامس: ترك هذه الدنيا شاغرة
ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة.
وقال السادس: إنّ ماءً أطفأ هذه النار لعظيم، وإنّ ريحاً زعزعت هذا الرُكن لعَصوف.
وقال السابع: إنّما سَلَبَك مَن قَدر عليك.
وقال الثامن: أمَا إنّه لو كان مُعتبراً في حياته لمَا صار عبرة في مماته.
وقال التاسع: الصاعد في درجات الدُنيا إلى استفال، والنازل في درجاتها إلى تعالٍ.
وقال العاشر: كيف غفلتَ عن كيد هذا الأمر حتّى نفذ فيك؟ وهلاّ اتّخذ دونه جُنة تقيك؟ إنّ في ذلك لعِبرة للمُعتبرين، وإنّك لآية للمُستبصرين.
أولياته:
قال ابن كثير:
هو أوّل مَن سُمي شاهنشاه - ومعناه مَلك المُلوك - وأوّل مَن ضُربت له الدبادب ببغداد، وأوّل مَن خُطب له بها مع الخليفة.
ما تَمثّل به عند موته مِن الشعر:
قال ابن كثير في تاريخهالبداية والنهاية :
وقد تمثل عند موته بهذه الأبيات، وهي للقاسم بن عبيد الله:
قتلتُ صناديدَ الرجالِ فلم أدَعْ عدوّاً ولم أُمهل على ظنّه خلقا
وأخليتُ دارَ المُلك مَن كان باذلاً فثروتُهم غَرباً وثروتهم شرقا
فلمّا بلغتُ النجمَ عزّاً ورِفعةً وصارت رِقاب الخَلق أجمع لي رقّا
رماني الرَدى سَهماً فأخمد جمرتي فها أنا في حُفرتي عاطلاً مُلقى
فأذهبتُ دُنياي وديني سفاهةً فمَن ذا الّذي مَن بمصرعه أشقى
وابن الأثير وابن خُلّكان وأبو الفداء لم يذكروا تَمثّله بهذه الأبيات عند موته.
تزاحُم العُلماء والأُدباء والشُعراء على بابه:
كانت رِحلة العُلماء والأُدباء والشُعراء إليه، وتزاحُمهم على بابه، وانتجاعهم مِنَحِه وعطاياه، وهُم في مملكته وهو في شيراز أكثر منهم وهو في بغداد، ولا غُروّ فإنّه لم يكن وهو في عاصمة مملكته الأُولى مُضطلعاً بالأعباء التي اضطلع بها وهو في بغداد، حيث في الأُولى كان مُطمئنّاً ساكناً
وفي الثانية مُضطرباً ينتقل مِن نصب إلى نصب، ومِن مُنافحة عدوّ ومُدافعته إلى مُنافحة عدو آخر ومدافعته، فلم يَكن عنده مِن الفراغ في بغداد ما كان في شيراز، ولا مِن المُتّسع ما يشغل معه قسماً مِن وقته في غير أُمور مُلكه الجديد، ومُعظمهُ مَصروف في التدبير ومُنافحة الأعداء والخصوم، ما كان عنده مِن المُتّسع وهو في شيراز مِن مُطمئن، وإنّما ينفد سرّ العِلم والفضل، وتعمر سوق الأدب والشعر حيث توجد الراحة وحيث يكون الفَراغ، فأبو عليّ الفارسي قَصده إلى شيراز، وأهدى إليه كتابهالإيضاح والتكملة وقرأه عليه، وهو في هذه العاصمة بروائع قصائده الخالدات، وأبو الحسن محمّد بن عبد الله السلامي ببدائع شعره، وكثير غيرهم ممَّن لا يُحصون عدّاً.
قال الثعالبي في يتيمته:
كان على ما مكّن له في الأرض، وجعل إليه مِن أزمّة البسط والقبض، وخُصّ به مِن رفعة الشأن، وأوتي مِن سعة السُلطان تَفرّغ للأدب، وتَشاغل بالكُتب، ويُؤثِر مُجالسة الأُدباء على مُنادمة الأُمراء، وكان وهو في بغداد يُعظّم الشيخ المُفيد غاية التَعظيم، وصَنّف له الرئيس الفاضل أبو الحسن عليّ بن العبّاس المجوسي الفارسي كتابهكامل الصناعة الطبية المُسمّىالمَلكي .
ما يُحمَد مِنْ أمرِه وما يُذم:
يُحمد منه: عقله، وفضله، وحُسن سياسته، ومحبّته للعِلم والعُلماء، وما سبقَ بيانه مِن اهتمامه بالعِمارة، وتعبيد الطرق، وبناء المارستان العَضُدي، وحفر الأنهار، وإدارة السور على مدينة الرسول، وتمهيده الطريق بين العراق والحِجاز للتسهيل على الحُجّاج لبيت الله الحرام، وزيارة قبر سيّد الأنام، وعمارته قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإجراء النفقات على المساكين والمحاويج، وما إليها ممّا مرَّ ذِكره، وحُسن معاملته للخليفة.
ويُذم منه: أنه كان أوّل مَن أحدث الفِرقة بين أبناء البيت البويهي المالك، وهو البيت الذي اتّجه مُؤسّسوه ومُشيدوه أنْ يُبتنى على الأُلفة والمحبّة، فقد حَدَث منه مع ابن عمّه بختيار ما قد عرفتَ مِن مُخادعة له وتغرير به، إلى أنْ أوقع الانقسام في صُفوف قوّاده وأتباعه، وإلى أنْ قَتله، ثُمّ خلافه مع أخيه فَخر الدين، وكان له مِن ذكائه وباهر فِطنته وبارع سياسته ما لا يَعجز معه مِن إبقائه في طاعته، وهو يملك وسائل إرضائه، ولا يَدعه يستعين عليه بأعدى أعدائه مِن آل
سامان وزيار، ثُمّ قبضه على مِثل كاتب الدُنيا في عصره، ومالئها أدباً وفضلاً ونبلاً ووفاءً أبي إسحاق الصابئ ولماذا؟ لأنّه وفّى لصاحبه بختيار، ومِثل ذلك قبضه على محمّد بن عمر العلوي، ونفيه إلى فارس، ومُصادرة أمواله وذخائره، وقبضه النقيب الشريف أبي أحمد الحسين والد الشريفين المُرتضى والرضي، وعلى أخيه أبي عبد الله وعلى قاضي القُضاة أبي محمّد.
أمّا السَبب الّذي قَبض به النقيب الشريف أبو أحمد، فقد أورده ابن كثير في تاريخه، فقال:
وفي صَفر، قَبض على الشريف أبي أحمد الحسين [ في الأصل الحسن ] بن موسى الموسوي نقيب الطالبيّين، وقد كان أمير الحجّ مدّة سنتين، اتُّهم بأنّه يُفشي الأسرار، وأنّ عِزّ الدولة أودع عنده عُقداً ثميناً، ووجدوا كتاباً بخطّه في إفشاء الأسرار، فأنكر أنّه خطّه وكان مُزوّراً عليه، واعترف بالعُقد فأُخذ منه، وعِزّل عن النقابة وولّوا غيره، قال ابن كثير: وكان مظلوماً.
ومِن ذلك، ولم يذكره ابن الأثير وابن خُلّكان وابن خُلدون ومَلك حماة، بل ذكره ابن كثير، قال:
وبَلغه أنّ غُلاماً له أخذ لرَجل بطّيخة، فضربه بسيفه فقطعه نصفين، وقبل ذِكر هذه الحادثة كان يُحبّ جارية، فألهته عن تدبير المملكة، فأمر بتغريقها.
وفي الحادثتين مجال للشكّ في قتله الجارية وفي قَتله الغلام؛ فإنّهما تدلاّن على ضعف في الطبيعة ونزق وطيش، وكان يُؤثر عنه العقل وحُسن السياسة، فأيّ ذنب جنته الجارية لتُجازى بالغرق؟ وهل يجهل ما لمثل هذا مِن سوء السُمعة، وقبح الأحدوثة؟ ومَن كان مثله في عقله وفضله ونُبله يُستبعد أنْ يحدث في تاريخه مثل هذا الحَدث.
وأمّا قتل الغلام على مثل ارتكاب ذلك الذنب الضعيف، فمِن المُستبعد حصوله مِن عَضُد الدولة، ولو كان في مثل هذا النزق، ومثل هذه البوادر والنزوات، وكانت نخزة فيه لروى الراوون له أمثالها مئات الحادثات، وإننّا لنشكّ في الحادثتين، وهما أقرب أنْ تكونا موضوعتين عليه مِن أنْ تكونا واقعتين، وله خُصوم وله أعداء، وكان في سكوت مَن ذكرناهم مِن المؤرّخين عن روايتهما ما يُشعر بضعف الرواية.
وممّا يُذم: أمره بالقبض على ورد الرومي اللاجئ إليه بعد تأمينه ووعده بالمُساعدة على خُصومه، وحبسه في بغداد، وما إلى ذلك ممّا رُوي عنه، وممّا لم يَسلم منه مَلك ولا سُلطان ولا أمير، بل ولا وجيه في قومه، بل إنّ ما رُوي عنه قد يُعد مِن الحسنات في جنب ما يُذكر لمَن مُنيَ ببعض ما مُنيَ
مِن هؤلاء مِن السيئات، وما عَضُد الدولة إلاّ بشرٌ يُخطئ ويُصيب، ومَلك يَعدل ويجور ويَرحم ويَظلم، وقد يكون أقلّ المُلوك الّذين هُم على شاكلته أوزاراً.
وكيف كان، فـ (كفى المرءَ نُبلاً أنْ تُعدّ معايبه).
عَضُد الدولة وابن سمعون الواعظ:
قيل لعَضُد الدولة - كما روى ابن كثير -: إنّ أهل بغداد قد قلّوا كثيراً بسبب الطاعون، وما وقع بينهم مِن الفِتن بسبب الرفض والسُنّة، وأصابهم حريق وغريق.
فقال: إنّما يهيج الشرّ بين الناس هؤلاء القُصّاص والوعّاظ. ثُمّ رَسم أنّ أحداً لا يقصّ ولا يَعظ في سائر بغداد، ولا يسأل سائل باسم أحد مِن الصحابة، وإنّما يقرأ القرآن فمَن أعطاه أخذ منه، فعُمل بذلك في البلد، ثُمّ بلغه أنّ أبا الحسين بن سمعون الواعظ - وكان مِن الصالحين - لم يترك الوعظ، بل استمرَّ على عادته، فأرسل إليه مَن جاءه به، وتحول عَضُد الدولة مِن مجلسه، وجلس وحده؛ لئلاّ يَبدر مِن ابن سمعون إليه بين الدولة كلام يكرهه، وقيل لابن سمعون: إذا دخلت على المَلك فتواضع في الخطاب، وقبّل التراب، فلمّا دخل دار المَلك وجده قد جلس وحده؛ لئلاّ يبدر مِن ابن سمعون في حقّه كلام بحضرة الناس يُؤثَر عنه، ودخل الحاجب بين يديه يستأذن له، ودخل ابن سمعون وراءه، ثُمّ استفتح القراءة:
( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) ، ثُمّ التفت بوجهه نحو دار عِزّ الدولة، ثُمّ قرأ:
( ثُمّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ ) ، ثُمّ أخذ في مُخاطبة المَلك وَوَعظِهِ، فبكى عَضُد الدولة بكاء كثيراً، وجزّاه خيراً، فلمّا خرج مِن عنده، قال للحاجب:
اذهب فخذ ثلاثة آلاف درهم وعشرة أثواب وادفعها له، فإنْ قَبِلها جئني برأسه.
قال الحاجب: فجئته فقلت، هذا أرسل به المَلك إليك، فقال: لا حاجةّ لي به، هذه ثيابي مِن عهد أبي مُنذ أربعين سَنة كلّما خرجتُ إلى الناس لبستُها فإذا رجعت طويتها، ولي دار آكل مِن أُجرتها تركها لي أبي، فأنا في غنية عمّا أرسل به المَلك، فقلت: فَرّقها في فُقراء أهلك، فقال: فقراء أهله أحقّ بها.
الخامس: عِزّ الدولة بختيار بن مُعِزّ الدولة أحمد بن بويه
الديلمي (أبو منصور)
مَولدهُ وولايتُهُ ومُخالفتُه وصيّة أبيه:
وُلد سَنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة للهجرة، وُلّي المِلك بعد وفاة أبيه مُعِزّ الدولة سَنة ستٍّ وخمسين وثلاثمئة، ولمّا حضرته الوفاة وصّى بختيار بطاعة عمّه رُكن الدولة، واستشارته في كلّ ما يفعله، وبطاعة عَضُد الدولة ابن عمّه؛ لأنّه أكبر منه سِنّاً وأقوم بالسياسة، ووصّاه بتقرير كاتبيه أبي الفضل العبّاس بن الحسين، وأبي الفرج محمّد بن العبّاس لكفايتهما وأمانتهما، ووصّاه بالديلم والأتراك، وبالحاجب سبكتكين، فخالف هذه الوصايا جميعها، واشتغل باللهو واللعِب وعِشرة النساء والمساخر والمُغنين، وشرع في إيحاش كاتبيه وسبكتكين، فاستوحشوا، وانقطع سبكتكين عنه فلم يحضر داره، ونفى كبار الدَيلم عن مَملكته شَرَهاً إلى إقطاعاتهم وأموالهم وأموال المُتّصلين بهم، فاتّفق أصاغرهم عليه وطلبوا الزيادات، واضطر إلى مرضاتهم، واقتدى بهم الأتراك، فعملوا مِثل ذلك، ولم يتمّ له على سبكتكين ما يُريد لاحتياطه، واتّفق الأتراك معه، وخرج الديلم إلى الصحراء، وطالعوا بختيار بإعادة مَن أسقط منهم، فاحتاج أنْ يُجيبهم لتغيّر سبكتكين عليه، وفعل الأتراك أيضاً مِثل فعلهم، واتصل خَبر موت مُعِزّ الدولة بكاتبه أبي الفرج محمّد بن العباس - وهو مُتولّي أمر عُمان - فسلّمها إلى نوّاب عَضُد الدولة، وسار نحو بغداد، وكان سَببُ تسليمها إلى عَضُد الدولة أنّ بختيار لمّا مَلك بعد
موت أبيه تفرّد أبو الفضل بالنظر في الأُمور، فخاف أبو الفرج أنْ يستمرّ انفراده عنه، فسَلّم عُمان إلى عَضُد الدولة؛ لئلاّ يُؤمَر بالمَقام فيها لحفظها وإصلاحها، وسار إلى بغداد فلم يتمكّن مِن الذي أراد، وتفرّد أبو الفضل بالوزارة.
ما كَتبَ عنه المُؤرّخون:
قال ابن خُلّكان:
وُلّي عِزّ الدولة مملكة أبيه يوم موته، وتزوّج الإمام الطائع ابنته شاه زمان على صداقٍ مبلغه مئة ألف دينار، وخطب خطبة العَقد القاضي أبو بكر بن فريعة، وذلك سَنة أربع وستّين وثلاثمئة، وكان عِزّ الدولة مَلكاً سرياً شديد القوى يُمسك الثور العظيم بقرنيه فيصرعه، وكان متوسّعاً في الإخراجات والكُلَف والقيام بالوظائف.
حكى بشر الشمعي ببغداد، قال:
سُئِلنا عند دخول عَضُد الدولة بن بويه - وهو ابن عمّ عِزّ الدولة - إلى بغداد لمّا ملكها بعد قتله عِزّ الدولة عن وظيفة الشمع الموقد بين يدي عِزّ الدولة، فقُلنا: كانت وظيفة وزيره أبي الطاهر محمّد بن بقية ألف مَنٍّ في كلّ شهر، فلم يُعاودوا التقصّي استكثاراً لذلك.
وقال ابن كثير:
مَلك بعد أبيه وعُمره فوق العشرين سَنة بقليل، وكان حَسُن الجسم، شديد البطش، قويّ القلب، يُقال إنّه كان يأخذ بقوائم الثور فيُلقيه على الأرض مِن غير أعوان، ويقصد الأُسود في أماكنها، ولكنّه كان كثير اللهو واللعب والإقبال على اللذّات، ولمّا كسره ابن عمّه ببلاد الأهواز كان في جُملة ما أُخذ منه أمرد، وكان يُحبّه حبّاً شديداً لا يهنأ بالعيش إلاَّ معه، فبعث يترفّق في ردّه إليه، وأرسل إليه بتُحف كثيرة وأموال جزيلة وجاريتين عوّادتين لا قيمة لهما، فردّ عليه الغلام المذكور، فكُثر تعنيف الناس له عند ذلك، وسقط مِن أعيُن الملوك، فإنّه كان يقول:
ذهاب هذا الغُلام منّي أشدّ عليَّ مِن أخذ بغداد مِن يدي، بل وأرض العراق كلّها، فأنت ترى ممّا ذَكره هذان المُؤرّخان، وابن الأثير في كامله، وغيرهم مِن ضعف سياسة عِزّ الدولة، وسوء سيرته، وانصرافه إلى كلّ لذائذ الشباب، وهو يَملك منها الشيء الكثير ما يُمهّد لابن عمّه عَضُد الدولة، وهو على غير هذه السيرة يسير في سياسة المِلك، ويقوم له بالعُذر في إنقاذ المملكة العراقيّة منه، وهي على شفا الخطر، والطامعون فيها كثيرون.
عصيان أخيه حبشي عليه:
في السنة الثانية مِن مِلك عِزّ الدولة - وهي سَنة سبعٍ وخمسين وثلاثمئة - عصا حبشي بن مُعِزّ الدولة على أخيه بختيار، وكان بالبصرة لمّا مات والده، فحَسّن له مَن عنده مِن أصحابه الاستبداد بالبصرة، وذكروا له أنّ أخاه بختيار لا يَقدر على قصده فشرع في ذلك، فانتهى الخبر إلى أخيه، فسيّر وزيره أبا الفضل العبّاس بن الحسين إليه، وأمره بأخذه كيف أمكن، فأظهر الوزير أنّه يُريد الانحدار إلى الأهواز، ولمّا بلغَ واسط أقام بها ليُصلح أمرها، وكَتب إلى حبشي يَعده أنّه يُسلّم إليه البصرة سِلماً، ويصالحه عليها ويقول له:
إنّني قد لزمني مال على الوزارة ولا بدّ مِن مُساعدتي، فنفذ إليه حبشي مائتي ألف درهم، وتيقّن حصول البصرة له، وأرسل الوزير إلى عسكر الأهواز يأمرهم بقصد الأُبُلّة في يوم ذَكره لهم، وسار هو مِن واسط نحو البصرة، فوصلها هو وعسكر الأهواز لميعادهم، فلم يتمكّن حبشي مِن إصلاح شأنه وما يحتاج إليه، فظفروا به وأخذوه أسيراً وحبسوه برامهرمز، فأرسل عمّه رُكن الدولة وخلّصه، فسار إلى عَضُد الدولة فأقطعه إقطاعاً وافراً، وأقام إلى أنْ مات في آخر سنَة تسعٍ وستّين وثلاثمئة، وأخذ الوزير مِن أمواله بالبصرة شيئاً كثيراً، ومِن جُملة ما أخذ له خمسة عشر ألف مُجلّد، سوى الأجزاء والمَسرس وما ليس له جلد.
بَعضُ تصرّفات عِزّ الدولة في عَزل بعض وزرائه وتَعيين آخر ونفي بعض رجاله:
وفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، قبض بختيار على وزيره أبي الفضل العبّاس بن الحسين وعلى جميع أصحابه، وقبض أموالهم وأملاكهم، واستوزر أبا الفرج محمّد بن العبّاس، ثُمّ عزل أبا الفرج وأعاد أبا الفضل، وفيها نفى شيرزاد، وكان قد غلب على أمر بختيار، فصار يُحكّم على الوزير والجُند وغيرهم، فأوحش الأجناد، وعِزّم الأتراك على قَتله، فمنعهم سبكتكين وقال لهم:
خوّفوه ليهرب، فهرب مِن بغداد، وعهد إلى بختيار ليحفظ ماله ومِلكه، فلمّا سار عن بغداد قبضَ بختيار أمواله وأملاكه ودوره، وكان هذا ممّا يُعاب به بختيار.
ثُمّ إنّ شيرزاد سارَ إلى رُكن الدولة ليصلح أمره مع بختيار، فتوفّي بالري عند وصوله إليها.
حصر بختيار لعِمران بن شاهين:
في شوال سَنة تسعٍ وخمسين وثلاثمئة انحدر بختيار إلى البطيحة لمُحاصرة عِمران بن شاهين، وقد ذكرنا ذلك في أخبار ابن شاهين فلا نُعيده.
تزويج بختيار ابنته لأبي تغلب بن حمدان:
في سَنة ٣٦٠ تزوّج أبو تغلب بن حمدان ابنة عِزّ الدولة بختيار، وعُمرها ثلاث سنين على صداق مئة ألف دينار، وكان الوكيل في قبول العقد أبا الحسن عليّ بن عمر بن ميمون صاحب أبي تغلب بن حمدان، ووقع العقد في صَفر.
الفتنة في بغداد وبختيار والمُطيع لله:
في سنة إحدى وستّين وثلاثمئة وقعت ببغداد فتنة عظيمة، وأظهروا العصبيّة الزائدة، وتحزّب الناس، وظهر العيارون وأظهروا الفساد وأخذوا أموال الناس، وكان سَبب ذلك ما ذكرناه مِن استنفار العامّة للغُزاة، وقد بلغهم ما فعل الروم بالجزيرة، وسكوت أُمراء الأطراف كالحمدانيّين وغيرهم عن دفعهم، ومسير جماعة مِن أهل تلك البلاد مُستنفرين، وقاموا في الجوامع والمشاهد واسنفروا المسلمين، وذكروا ما فعله الروم مِن النهب القتل والأسر والسبي، فاستعظمه الناس وخَوّفهم أهل الجزيرة مِن انفتاح الطريق وطمع الروم، وأنّهم لا مانع لهم عندهم، فاجتمع معهم أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة الطائع لله، وأرادوا الهُجوم عليه، فمُنعوا مِن ذلك وأُغلقت الأبواب، فأُسمعوا ما يقبح ذِكره، وكان بختيار حينئذ يتصيّد بنواحي الكوفة، فخرج إليه وجوه أهل بغداد مُستغيثين، مُنكرين عليه اشتغاله بالصيد وقتال عِمران بن شاهين وهو مسلم، وتَرْك جهاد الروم ومنعهم عن بلاد الإسلام حتّى توغّلوها، فوعدهم التجّهز للغُزاة، وأرسل إلى الحاجب سبكتكين يأمره بالتجّهز للغزو، وأنْ يستنفر العامّة ففعل سبكتكين ذلك، فاجتمع مِن العامّة عدد كثير لا يُحصون كثرة، وكَتب بختيار إلى أبي تغلب بن حمدان صاحب الموصل يأمره بإعداد الميرة والعلوفات، ويُعرفه عَزمه على الغزاة، فأجابه بإظهار الفرح وإعداد ما طلب منه، ولمّا اجتمع عامّة
بغداد وكثروا، وتولّد بينهم مِن أصناف البنوية والفتيان والسُنّة والشيعة والعيارين، فنُهبت الأموال وقُتل الرجال وأُحرقت الدور، وفي جُملة ما احترق محلّة الكرخ، وكانت معدن التجّار والشيعة، وجرى بسبب ذلك فتنة بين النقيب أبي أحمد الموسوي والوزير أبي الفضل الشيرازي وعداوة.
ثُمّ إنّ بختيار أنفذ إلى المُطيع لله يطلب منه مالاً يُخرجه في الغُزاة، فقال المطيع:
إنّ الغزاة والنفقة عليها وغيرها مِن مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت الدُنيا في يدي وتُجبى إليّ الأموال، وأمّا إذا كان حالي هذه، فلا يلزمني شيء مِن ذلك، وإنّما يلزم مَن البلاد في يده وليس له إلاّ الخطبة، فإنْ شئتم أنْ أعتزل فعلت.
وتردّدت الرسائل بينهما حتّى بلغوا إلى التهديد، فبذل المُطيع لله أربعمئة ألف درهم، فاحتاج إلى بيع ثيابه وأنقاض داره وغير ذلك، وشاع بين الناس مِن العراقيين وحجافج خُراسان أنّ الخليفة قد صودر، فلمّا قبضَ بختيار المال صرفه في مصالحه وبطل حديث الغُزاة.
عزل أبي الفضل مِن وزارة عِزّ الدولة ووزاة ابن بقية:
وفي سنة ٣٦٢هـ عُزِل الوزير أبو الفضل العبّاس بن الحسين من وزارة عِزّ الدولة بختيار في ذي الحجّة، واستوزر محمّد بن بقية، فعجب الناس لذلك؛ لأنّه كان وضيعاً في نفسه مِن أهل أوانا، وكان أبوه أحد الزرّاعين لكنّه كان قريباً مِن بختيار، وكان يتولّى له المطبخ، ويُقدّم إليه الطعام ومنديل الخوان على كتفه إلى أنْ استوزر، وحُبس الوزير أبو الفضل فمات عن قريب، فقيل: إنّه مات مسموماً، وكان في ولايته مُضيّعاً لجانب الله، فمِن ذلك أنّه أحرق الكرخ ببغداد فهلك فيه مِن الناس والأموال ما لا يُحصى، ومِن ذلك أنّه ظلَم الرعيّة، وأخذ الأموال ليُفرّقها على الجُند ليَسلُم فما سلّمه الله تعالى ولا نفعه ذلك، وكان ما فعله مِن ذلك أبلغ الطرق التي سلكها أعداؤه مِن الوقيعة فيه والسعي به، وتمشّى لهم ما أرادوا لِما كان عليه مِن تفريطه في أمر دينه وظُلم رعيّته، وعقبَ ذلك أنْ ماتت زوجته وهو محبوس وحاجبه وكاتبه، فخربتْ داره وعفا أثرها.
وأمّا ابن بقية، فإنّه استقامت أُموره، ومشت الأحوال بين يديه بما أخذه مِن أموال أبي الفضل وأموال أصحابه، فلمّا فني ذلك عاد إلى ظُلم الرعيّة، فانتشرت الأُمور على يده، وخربت النواحي، وظهر العيارون وعلموا ما أرادوا، وزاد الاختلاف بين
الأتراك وبين بختيار، فشرع ابن بقية في إصلاح الحال مع بختيار وسبكتكين، فاصطلحوا وكانت هدنة على دخن، وركب سبكتكين إلى بختيار ومعه الأتراك فاجتمع به، ثُمّ عاد الحال إلى ما كان عليه مِن الفساد، وسَبب ذلك أنّ ديلميّاً اجتاز بدار سبكتكين وهو سكران، فرمى الروشن بزوبين في يده فأثبته فيه، وأحسّ به سبكتكين فصاح بغلمانه فأخذوه، وظنّ سبكتكين أنّه قد وضع على قتله، فقرّره فلم يعترف، وأنفذه إلى بختيار، وعرّفه الحال فأمر به فقُتل، فقوي ظنّ سبكتكين أنّه كان وضعه عليه وإنّما قتله لئلاّ يُفشي ذلك، وتحرّك الديلم لقتله وحملوا السلاح، ثُمّ أرضاهم بختيار فرجعوا.
استيلاءُ بختيار على الموصل:
في ربيع الأول سنة ٣٦٣هـ سار بختيار إلى الموصل ليستولي عليها وعلى أعمالها وما بيد أبي تغلب بن حمدان، وقد ذكرنا ذلك في أخبار بني حمدان فلا نُعيده.
الفِتنةُ بينَ بختيار وأصحابه:
في هذه السنَة ابتدأت الفتنة بين الأتراك والديلم بالأهواز، فعمّت العراق جميعه واشتدّت، وكان سبَب ذلك أنّ عِزّ الدولة بختيار قلّتْ عنده الأموال، وكثر إدلال جنده عليه واطّراحهم لجانبه وشَغبهم عليه، فتعذّر عليه القرار، ولم يجد ديوانه ووزيره جهة يحتال منها بشيء، وتوجّهوا إلى الموصل لهذا السبب فلم ينفتح عليهم، فرأوا أنْ يتوجّهوا إلى الأهواز، ويتعرّضوا لبختكين آزادرويه وكان مُتولّيها، ويعملوا له حجّة يأخذون منه مالاً ومِن غيره، فسار بختيار وعسكره وتَخلّف عنه سبكتكين التُركي، فلمّا وصلوا إلى الأهواز خَدَم بختيار، وحَمل له أموالاً جليلة المقدار، وبذل له مِن نفسه الطاعة، وبختيار يُفكّر في طريق يأخذه به، فاتّفق أنّه جرى فتنة بين الأتراك والديلم، وكان سببها أنّ بعض الديلم نزلوا داراً بالأهواز، ونزل قريباً منه بعض الأتراك، وكان هُناك لِبْن موضوع، فأراد غُلام الديلمي يبني منه مَعلفاً للدواب، فمنعه غلام التركي فتضاربا، وخرج كلّ واحد مِن التُركي والديلمي إلى نُصرة غُلامه، فضعُف التركي عنه، فركب واستنصر بالأتراك، فركبوا وركب الديلم، وأخذوا السلاح فقُتِل بينهم بعضُ قوّاد الأتراك، وطلب الأتراك بثأر
صاحبهم، وقتلوا به مِن الديلم قائداً أيضاً، وخرجوا إلى ظاهر البلد، واجتهد بختيار في تسكين الفتنة فلم يُمكنه ذلك، فاستشار الديلم فيما يفعله - وكان أُذناً يَتبع كلّ قائل - فأشاروا عليه بقبض رؤساء الأتراك لتصفو له البلاد، فأحضروا آزادرويه وكاتبه سهل بن بشر وسباشى الخوارزمي يكتيجور - وكان حِماً لسبكتكين - فحضروا فاعتقلهم وقيّدهم، وأطلق الديلم في الأتراك، فنهبوا أموالهم ودوابهم، وقُتل بينهم قتلى، وهرب الأتراك، واستولى بختيار على إقطاع سبكتكين فأخذه، وأمر فنودي بالبصرة بإباحة دمِ الأتراك.
حيلةٌ لبختيار عادتْ عليه:
كان بختيار قد واطأ والدته وإخوته أنّه إذا كَتب إليهم بالقبض على الأتراك يُظهرون أنّ بختيار قد مات ويجلسون للعِزّاء، فإذا حضر سبكتكين عندهم قبضوا عليه، فلمّا قَبض بختيار على الأتراك، كَتب إليهم على أجنحة الطيور يُعرفهم ذلك، فلمّا وقفوا على الكُتب وقع الصُراخ في داره، وأشاعوا موته ظنّاً منهم أنّ سبكتكين يَحضر عندهم ساعة يبلغه الخَبر، فلمّا سَمع الصُراخ أرسل يسأل عن الخَبر، فأعلموه، فأرسل يسأل عن الذي أخبرهم، وكيف أتاهم الخبر؟ فلم يجد نَقلاً يَثق القلب به، فارتاب بذلك ثُمّ وصله رُسله الأتراك بما جرى، فعَلِم أنّ ذلك كان مكيدة عليه، ووعّاه الأتراك إلى أنْ يتآمر عليهم فتوقف، وأرسل إلى أبي إسحاق بن مُعِزّ الدولة يُعلمه أنّ الحال قد انفسد بينه وبين أخيه، فلا يُرجى صلاحه، وأنّه لا يرى العُدول عن طاعة مواليه وإنْ أساؤوا إليه، ويدعوه إلى أنْ يَعقد الأمر له، فعَرض قوله على والدته فمنعته، فلمّا رأى سبكتكين ذلك ركب في الأتراك، وحصر دار بختيار يومين ثُمّ أحرقها، ودخلها وأخذ أبا إسحاق وأبا طاهر ابني مُعِزّ الدولة ووالدتهما ومَن كان معهما، فسألوه أنْ يُمكّنهم مِن الانحدار إلى واسط ففعل، وانحدروا وانحدر مَعهم المُطيع لله في الماء، فأنفذ سبكتكين فأعاده وردّه إلى داره، وذلك تاسع ذي القعدة، واستولى على ما كان لبختيار جميعه ببغداد، ونزل الأتراك في دور الديلم، وتتبّعوا أموالهم وأخذوها، وثارت العامّة مِن أهل السُنّة ينصرون سبكتكين؛ لأنّه كان يتسنّن، فخلع عليهم وجعل لهم العرفاء والقوّاد، فثاروا بالشيعة وحاربوهم، وسُفكتْ بينهم الدماء، وأُحرقت الكرخ حريقاً ثانياً، وظهرت السُنّة عليهم.
وفي هذه السنة خُلع المطيع لله ووُلّي الخلافة مكانه ولده الطائع لله، واسمه أبو الفضل عبد الكريم.
حال بختيار بعد قبض الأتراك:
لمّا فَعل بختيار ما مَرّ ذِكره مِن قبض الأتراك ظفرَ بذخيرة لآزادرويه بجنديسابور فأخذه، ثُمّ رأى ما فعله الأتراك مع سبكتكين، وأنّ بعضهم بسواد الأهواز قد عصوا عليه، واضطرب عليه غُلمانه الّذين في داره، وأتاه مشايخ الأتراك مِن البصرة فعاتبوه على ما فعل بهم، وقال له عقلاء الديلم:
لا بدَّ لنا في الحرب مِن الأتراك يدفعون عنّا بالنشّاب، فاضطرب رأي بختيار ثُمّ أطلق آزادرويه، وجعله صاحب الجيش موضع سبكتكين، وظنّ أنّ الأتراك يأنسون به، وأطلق المُعتقلين وسار إلى والدته وإخوته بواسط، وكَتب إلى عمّه رُكن الدولة وابن عمّه عَضُد الدولة يسألهما أنْ يُنجداه، ويكشفا ما نزل به، وكَتب إلى أبي تغلب بن حمدان يطلب منه أنْ يُساعده بنفسه، وأنّه إذا فعل ذلك أسقط عنه المال الّذي عليه، وأرسل إلى عِمران بن شاهين بالبطيحة خِلَعاً وأسقط عنه باقي المال الّذي اصطلحا عليه، وخطب إليه إحدى بناته، وطلب منه أنْ يُسيِّر إليه عسكر.
فأمّا رُكن الدولة عمّه، فإنّه جهّز عسكراً مع وزيره أبي الفتح بن العميد، وكتب إلى ابنه عَضُد الدولة يأمره بالمسير إلى ابن عمّه، والاجتماع مع ابن العميد، فأمّا عَضُد الدولة، فإنّه وَعَد بالمسير وانتظر ببختيار الدوائر طَمعاً في مُلك العراق، وأمّا عِمران بن شاهين، فإنّه قال:
أمّا إسقاط المال، فنحن نَعلم أنّه لا أصل له وقد قبلته، وأمّا الوصلة، فإنّني لا أتزوج أحداً إلاّ أنْ يكون الذِكر مِن عندي، وقد خطب إليَّ العلويّون وهم موالينا فما أجبتهم إلى ذلك، وأمّا الخِلع والفرس، فإنّي لست ممَّن يلبس ملبوسكم وقد قبلها ابني، وأمّا إنفاذ عسكر، فإنّ رجالي لا يسكنون إليكم لكثرة ما قتلوا منكم.
ثُمّ ذَكر ما عامَله به هو وأبوه مرّة بعد أُخرى، وقال: ومع هذا فلا بد أنْ يحتاج إلى أنْ يدخل بيتي مُستجيراً بي والله لأُعاملنّه بضدّ ما عاملني به هو وأبوه فكان كذلك.
وأمّا أبو تغلب بن حمدان، فإنّه أجاب إلى المُسارعة، وأنفذ أخاه أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان إلى تكريت في عسكر، وانتظر انحدار الأتراك عن بغداد فإنْ ظفروا ببختيار دخل بغداد مالكاً له، فلمّا انحدر الأتراك عن بغداد
سار أبو تغلب إليها يوجب على بختيار الحجّة في إسقاط المال الّذي عليه، ووصل إلى بغداد والناس في بلاء عظيم مع العيارين، فحمى البلد وكفّ أهل الفساد.
وأمّا الأتراك، فإنّهم انحدروا مع سبكتكين إلى واسط، وأخذوا معهم الخليفة الطائع لله والمُطيع أيضاً وهو مخلوع، فلمّا وصلوا إلى دير العاقول تُوفّي بها المُطيع لله، ومَرض سبكتكين فمات بها أيضاً، فحُملا إلى بغداد، وقدِم الأتراك عليهم الفتكين، وهو مِن أكابر قوّادهم وموالي مُعزّ الدولة، وفرح بختيار بموت سبكتكين، وظنّ أنْ أمرَ الأتراك ينحلّ وينتشر بموته، فلمّا رأى انتظام أُمورهم ساءه ذلك.
ثُمّ إنّ الأتراك ساروا إليه وهو بواسط، فنزلوا قريباً منه، وصاروا يُقاتلونه نوائب نحو خمسين يوم، ولم تزل الحرب بين الأتراك وبختيار مُتّصلة، والظَفر للأتراك في كلّ ذلك، وحصروا بختيار واشتدّ عليه الحصار وأحدقوا به، وصار خائفاً يترقّب، وتابع إنفاذ الرُسل إلى عَضُد الدولة بالحثّ والإسراع، وكَتب إليه:
فإنْ كُنتُ مأكولاً فكنْ أنت آكلي وإلاّ فأدرُكني ولمّا أُمزّق
فلمّا رأى عَضُد الدولة ذلك، وأنّ الهمّ قد بلغَ ببختيار ما كان يرجوه سارَ نحو العراق نجدة له وباطنه بِضدّ ذلك.
استيلاءُ عَضُد الدولة على العراق وقَبضُ بختيار:
تقدّم الخَبر عن ذلك في أخبار عَضُد الدولة مِن هذا الجُزء، وذلك في سنة ٣٦٤هـ فراجعه.
عودُ بختيار إلى مُلكه:
مرّ خبر عوده إلى مُلكه بواسطة عَمّه رُكن الدولة والد عَضُد الدولة في هذه السَنة في أخبار عَضُد الدولة، فراجعه.
مَسيرُ عَضُد الدولة إلى العراق والحرب بينه وبين بختيار وانهزام بختيار:
قد عرفتَ ممّا سَبقَ تركُ عَضُد الدولة العراق في سَنة أربع وستّين وثلاثمئة بعد مِلكها، وقبضه على بختيار واستياء رُكن الدولة مِن وَلده عَضُد
الدولة، وإلجائه أخيراً إلى الرجوع إلى مملكته فارس، والتَخلّي عن العراق لبختيار تَركَ عَضُد الدولة العراق مُكرهاً مُلجأً مِن والده، وهو يضمر العودة إليه، وما كان ذلك إلاّ لأجَلٍ هو بالغه قريباً، وما بين والده والموت إلاّ أنْ يَنزُل به، وهو الذي أناف على السبعين أو الثمانين، وما مضى على تخليته العراق قِبلَة أنظاره سوى العام وبعض العام، ودخلت سَنة ستّ وستّين والأُمور عن بختيار في إدبار، وهو في جيش مُنقسم على نفسه مِن قبيلين مُختلفين مُتنازعين على السلطة: الديلم والترك، دعْ نضوب المال مِن خُزانته، وهو عَصب الدولة، بل كلّ عَمل في الدنيا، ممّا اضطرّه لاستنصار ابن عمّه عَضُد الدولة الطامع في مُلكه، وهو يستشهد في استنصاره وقد ضاق به الخِناق، وفسدت عليه العراق بالبيت المشهور:
فإنْ كُنتُ مأكولاً فكنْ أنتَ آكلي وإلاّ فأدرُكني ولمّا أُمزّق
فكان مِن طموح عَضُد الدولة وطمعه في العراق واستنجاد مَلكها المستضعف الفارّ مِن سلطة الأتراك مِن بغداد ما هيّأ له تحقيق آماله، كما عرفت الخَبر عن ذلك في أخبار عَضُد الدولة مِن هذا الجُزء.
استيلاء عَضُد الدولة على العراق ومَقتل بختيار:
دخلتْ سَنة سبع وستّين، ودخل عَضُد الدولة بغداد، وأخرج منها بختيار بعد أنْ خيره في المسير إلى الجهة التي يختارها على أنْ يَضمن له المُساعدة بما يحتاج إليه مِن مال وسلاح وغير ذلك، وبعد أنْ أجاب ولبس خلعته وغادر بغداد مؤكّداً لابن عمّه العمل بما أخذ عليه مِن العهود والمواثيق أنْ لا يقصد ولاية أبي تغلب بن حمدان، ولكنّه نَكث تلك العهود والمواثيق، وقصد ابن حمدان وجَرّد حملة، وسار هو وابن حمدان نحو العراق لمُقاتلة عَضُد الدولة، فانتهى الأمر بقتله - كما مَرّ الخبر عن ذلك في أخبار بني حمدان وعَضُد الدولة في سنة ٣٦٧ - ثُمّ باستيلاء عَضُد الدولة على مُلك بني حمدان الموصل وأعمالها، وفي سنة ٣٦٨ على ميافارقين وديار مضر، وفرار أبي تغلب إلى بلاد الشام وقتله سنة ٣٦٩، وقد بسطنا الخبر عن ذلك كلّه في أخبار الحمدانيّين فلا نُعيده.
قال ابن خُلّكان:
وكان بين عزّ الدولة وابن عمّه عَضُد الدولة مُنافسات في الممالك أدّت إلى التنازع، وأفضتْ إلى التصاف والمُحاربة،
فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر شوال سنة سبعٍ وستّين وثلاثمئة، فقُتِل عِزّ الدولة في المصاف، وكان عُمره ستّاً وثلاثين سَنة، وحُمل رأسه في طست ووُضع بين يَدَي عَضُد الدولة، فلمّا رآه وضع منديله على عينيه وبكى.
تَناقضٌ في خَبر ابن كثير بيِّنٌ:
قال: مَلكَ [ بختيار ] بعد أبيه وعُمره فوق العشرين سَنة بقليل، ثُمّ قال بعد ذلك بقليل: فكانت مُدّة حياته ستّاً وثلاثين سَنة، ومُدّة دولته منها إحدى وعشرين سنَة وشُهور، وعلى هذا فإنْ كان عُمر بختيار عند مِلكه فوق العشرين، وكانت مُدّة دولته إحدى وعشرين سَنة وشهور، فإنّ مُدّة حياته تكون إحدى وأربعين سَنة ونيّف، وقال: وهو الذي أظهر الرفض ببغداد، وجرى بسبب ذلك شُرور، وقد ذَكر في خبر وفاة والده مُعزّ الدولة أنّه هو الذي أظهر الرفض ونَصر عليه.
السادس: أبو مَنصور بويه المُلقّب مُؤيّد الدولة بن رُكن الدولة بن بويه الدَيلمي:
مولده : وُلد في جمادى الآخرة سَنة ثلاثين وثلاثمئة.
تزوّجه: في سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة سار مُؤيّد الدولة مِن الري إلى بغداد، فتزوج بابنة عمّه مُعزّ الدولة ونقلها معه إلى الري، ثُمّ عاد إلى أصبهان.
أبو منصور بويه في الولاية:
إنّ بويهاً كان في عهد أبيه رُكن الدولة يلي بعض بلاده ولعلّها خُراسان، فإنّ ابن الأثير يقول في أخبار سَنة ستّين وثلاثمئة:
وفيها استوزر مُؤيّد الدولة بن رُكن الدولة الصاحب أبا القاسم بن عبّاد، وأصلح أُموره كلّها.
وقال ابن خُلّكان في ترجمة الصاحب هذا نقلاً عن كتاب التاجي للصابئ:
أنّه إنّما قيل له الصاحب؛ لأنه صحب مُؤيّد الدولة بن بويه مُنذ الصبا، وسمّاه الصاحب فاستمرّ عليه هذا اللقب واشتهر به، ثُمّ سُميّ به كلّ مَن وُلّي الوزارة بعده، وكان أوّلاً وزير مُؤيّد الدولة أبي منصور بويه بن
رُكن الدولة بن بويه الديلمي تولّى وزارته بعد أبي الفتح عليّ بن الفضل بن العميد.
وعلى هذا، فيكون الصاحب ثاني مَن استوزر لأبي منصور، ويَظهر ممّا جاء في كامل ابن الأثير - كما هو المعروف - أنّ أبا الفتح كان وزير أبيه رُكن الدولة، وَليها له بعد أبيه أبي الفضل بن العميد.
وفي سنة ٣٦٣ جهّز معه عسكراً لنجدة ابن أخيه بختيار في فتنة الأتراك في العراق، وإخراجهم له مِن بغداد ومُحاربتهم له كما مرّ ذلك في أخبار بختيار.
ولايته بعد وفاة أبيه رُكن الدولة:
وفي سنة ٣٦٥هـ بعد ترك عَضُد الدولة العراق إلى ابن عمّه بختيار بعد قبضه والاستيلاء على مُلكه، واستياء أبيه رُكن الدولة منه كما عرفت ذلك، خاف عَضُد الدولة - بعد أنْ شاع غَضب أبيه عليه عند الخاصّ والعام - أنْ يموت أبوه وهو على حال غَضبه، فيختلّ مُلكه وتزول طاعته، فأرسل إلى أبي الفتح بن العميد وزير أبيه يَطلب وساطته للحضور عند أبيه، وأنْ يُمهّد له بالمُلك بعده، فسعى أبو الفتح بذلك وأجابه رُكن الدولة إليه، وسار مع ضعفه ومَرضه وكِبَر سِنّه، وقد وجد مِن نفسه خِفّة مِن الريّ إلى أصبهان، وجمع عنده سائر أولاده وقوّاده وأجناده، وبعد الفراغ مِن طعام وليمة أولَمها لهم أبو الفتح عَهِد إلى ولده عَضُد الدولة بالمُلك بعده، وجعل لولده فَخر الدولة أبي الحسن على همذان وأعمال الجبل، ولولده مُؤيّد الدولة أصبهان وأعماله، وجعلهما في هذه البلاد بحُكم أخيهما عَضُد الدولة، وبعد الخَلع على عَضُد الدولة وسائر الناس في ذلك اليوم، وإجراء المراسيم والتقاليد المعروفة في ذلك العهد، والإيصاء إلى أولاده بالاتّفاق وتَرْك الاختلاف عادَ إلى الري، ولازمه المرض إلى أنْ توفّي في المحرّم سنة ٣٦٦، ولكن ما أوصى به مِن الاتّفاق وترك الاختلاف بين الإخوة، وما أهمّه وأمرضه وأرمضه مِن طَمع وَلده عَضُد الدولة بمملكة ابن أخيه بختيار، ومُلك عَضُد الدولة لها في حياته، ثُمّ تخلّيه عنها اجتناباً لغَضب والده، وما أعقبه ويُعقبه عليه ذلك الغَضب، لم يكن ذلك إلاّ موقوتاً لأجَلٍ وموصولاً حبله بحبل حياة والده، ولم يقضِ نَحبه حتى عاد عَضُد الدولة إلى تنفيذ خُطّته مِن امتلاك العراق على ابن عمّه بختيار، فكان له ما أراد وكانت النهاية ما عرفت.
قبضُ مُؤيّد الدولة على ابن العميد:
وفي هذه السَنة لمّا مَلك عَضُد الدولة بعد موت أبيه كَتب إلى أخيه فَخر الدولة بالري يأمره بالقبض على أبي الفتح بن العميد، وعلى أهله وأصحابه؛ لأُمور نقمها عليه - وقد سبق بيانه - ففعل فَخر الدولة ما أُمر به.
ذَكر هذا ابن الأثير، وأن القابض على ابن العميد هو فخر الدولة، ولكنّه يقول بعد ذلك في مكان واحد: أنّ المُتولّي لقبضه هو مُؤيّد الدولة، وهذا هو الأصحّ، فقد جاء في وفيات الأعيان:
ولم يزل أبو الفتح في وزارة رُكن الدولة إلى أنْ تُوفّي، وقام بالأمر ولده مُؤيّد الدولة فاستوزره أيضاً، وأقام إلى ذلك مدّة مديدة، وكانت بينه وبين الصاحب بن عبّاد مُنافرة، ويُقال إنّه أغرى قلب مُؤيّد الدولة عليه، فظهر له منه التَنكّر والإعراض، وقبض عليه في بعض شهور سَنة ٣٦٦هـ.
وقال الثعالبي: اجتاح ماله وقَطع أنفه وجزّ لحيته.
وقال غيره: وقطع يديه، فلمّا أيس مِن نفسه، وعَلِم أنّه لا مَخلص له ممّا هو فيه ولو بذل جميع ما تحتوي عليه يَده، فشقّ جيب جُبّة كانت عليه، واستخرج منها رقعة فيها تَذكرة بجميع ما كان له ولوالده مِن الذخائر والدفائن وألقاها في النار، فلمّا عَلِم أنّها قد احترقت، قال للمُتوكّل به:
افعل ما أُمرت به فوالله لا يصل إلى صاحبك مِن أموالنا درهم واحد، فلم يزل يعرضه على أنواع العذاب حتّى تَلف.
قصدُ عَضُد الدولة أخاه فَخر الدولة وأخذه بلاده وتسليمها إلى أخيهما مُؤيّد الدولة:
وهذه الثانية مِن مُخالفة عَضُد الدولة لوصيّة والده له ولأخَويه، فإنّه في هذه السنة سار إلى بلاد الجبل فاحتوى عليه، وكان سَبب ذلك - كما سبق بيانه - ما كان قد جرى مِن المُكاتبة بين بختيار وفخر الدولة مِن الاتفاق على عَضُد الدولة، وحاول عَضُد الدولة أنْ يُصلح هذا الأمر، فراسل أخويه فخر الدولة ومُؤيّد الدولة وقابوس بن وشمكير يُشير عليه بحفظ العُهود.
أمّا جواب فخر الدولة، فكان جواب المناظر المناوئ، ناسياً كِبَر سنّ أخيه وسعة مُلكه وعهد أبيه، وجواب قابوس جواب المُراقب، وجواب مُؤيّد الدولة البقاء على الطاعة، ثُمّ انتهاء الأمر - كما سَبق في أخبار عَضُد الدولة - بمُلك عَضُد الدولة ما كان بيد فَخر الدولة: همذان والري وما بينهما، وتسليمها إلى
أخيه مُؤيّد الدولة، وجعله خليفته ونائبه في تلك البلاد، ثُمّ نزوله الريّ واستيلاؤه على تلك النواحي.
إقطاع عَضُد الدولة أخاه مُؤيّد الدولة همذان:
وفي سنة ٣٧٠هـ أرسل الصاحب بن عبّاد إلى عَضُد الدولة بهمذان رسولاً مِن عند أخيه مُؤيّد الدولة يبذل له الطاعة والموافقة، فالتقاه عَضُد الدولة بنفسه، وأكرمه وأقطع أخاه مُؤيّد الدولة همذان وغيره، وأقام عند عَضُد الدولة إلى أنْ عاد إلى بغداد فردّه إلى مُؤيّده الدولة، فأقطعه أقطاعاً كثيرة، وسيّر معه عسكراً يكون عند مُؤيّد الدولة في خدمته.
استيلاءُ عَضُد الدولة على جرجان بواسطة مُؤيّد الدولة:
وفي سَنة ٣٧١هـ استولى عَضُد الدولة على بلاد جرجان وطبرستان، وأجلى عنها قابوس بن وشمكير؛ لاحتماء فَخر الدولة، ورَفضه طَلبه بتسليم أخيه مع ما بَذله له لقاء ذلك مِن رغائب في البلاد، ومن أموال وعُهود، فجهّز أخاه مُؤيّد الدولة، وسَيّر معه العساكر والأموال والعدد إلى جرجان والتقوا باستراباذ، فاقتتلوا فانهزم قابوس وأصحابه، وجرت حُروب أُخرى بعد انضمام نجدات إلى فَخر الدولة انتهت كلّها بظَفر مُؤيّد الدولة، كما سبقَ تفصيل ذلك في أخبار عَضُد الدولة.
وفاة مُؤيّد الدولة:
وفي شعبان سَنة ٣٧٣هـ توفي مُؤيّد الدولة بجرجان، وكانت علّته الخوانيق، وقال له الصاحب بن عبّاد: لو عهدت إلى أحد، فقال: أنا في شُغل عن هذا، ولم يَعهد بالمُلك إلى أحد، وكان عُمره ثلاث وأربعين سَنة، وجلس صمصام الدولة للعزاء ببغداد، فأتاه الطائع لله مُعزّياً فلقيه في طيارة.
قال ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية:
وممَّن توفّي مِن الأعيانبويه مُؤيّد الدولة بن رُكن الدولة ، وكان مَلكاً على بعض ما كان أبوه يَملكه، وكان الصاحب بن عبّاد وزيره، وقد تزوّج مُؤيّد الدولة هذا ابنة عمّه مُعزّ الدولة، فغَرم على عرسه سبعمئة ألف دينار، وهذا أمرٌ عظيم.
السابع: أبو الحسن عليّ بن رُكن الدولة بن بويه المُلقّب فَخر الدولة الديلمي:
مولده: هو ثالث الأخوة مِن أولاد رُكن الدولة، وُلد سَنة إحدى وأربعين وثلاثمئة.
أوّل عهده في المُلك:
لم نجد له ذِكراً في ولايةٍ أو مُلك في عهد أبيه رُكن الدولة، وقد سبق أنّ أباه رُكن الدولة قبل وفاته عَهِد إلى أكبر أخَويه عَضُد الدولة بالمُلك، ولأخيه مُؤيّد الدولة بأصبهان بأعماله، ولهذا بهمذان وأعمال الجبل، على أنْ يكون هو وأخوه في هذه البلاد بحُكم أخيهم، وبعد وفاة رُكن الدولة قبضَ كلّ واحد منهم على عَمله، وذلك في سنة ٣٦٦هـ.
مُخالفته على أخيه عَضُد الدولة:
لقد ذكرنا خَبر مُخالفته على أخيه عَضُد الدولة، ومسيره إلى بلاد الجبل واحتواءه عليه، وتسليمها إلى أخيه مُؤيّد الدولة، وأسباب ذلك الاختلاف في أخبار عَضُد الدولة ومُؤيّد الدولة فلا نُعيده، وكان ذلك في سنة ٣٦٩ و٣٧١، ولم يرد له ذِكر بعد هذا إلى سَنة ٣٧٣.
عودُهُ إلى مَملكته:
في هذه السنة التّي مات فيها أخوه مُؤيّد الدولة، ولم يعهد بالمُلك لأحد كما سبق بيانه، تشاور أكابر دولته فيمَن يقوم مقامه، فأشار الصاحب بن عبّاد بإعادة فَخر الدولة إلى مَملكته إذ هو كبير البيت، ومالك تلك البلاد قبل مُؤيّد الدولة، ولمِا فيه مِن آيات الإمارة والمَلك، فكَتب إليه واستدعاه وهو بنيسابور، وأرسل الصاحب إليه واستخلفه لنفسه، وأقام في الوقت خسرو فيروز بن رُكن الدولة ليُسكّن الناس إلى قُدوم فَخر الدولة، فلمّا وصلت الأخبار إلى فَخر الدولة سار إلى جرجان، فلقيه العسكر بالطاعة، وجلس في دست ملكي في رمضان بغير منّة لأحد، فسُبحان مَن إذا أراد أمراً كان، ولمّا عاد إلى مَملكته، قال له الصاحب:
يا مولانا، قد بلغك الله
وبلغني فيه ما أمّلته، ومِن حُقوق خدمتي لك إجابتي إلى ترك الجُنديّة، ومُلازمة داري، والتوفّر على أمر الله.
فقال: لا تقلْ هذا، فما أُريد المَلك إلاّ لك، ولا يستقيم لي أمرٌ إلاَّ بك، وإذا كَرهتَ مُلابسة الأُمور كَرهتُها أنا أيضاً وانصرفتُ.
فقبّل الأرض وقال: الأمر لك، فاستوزره وأكرمه وعظّمه، وصدر عن رأيه في جليل الأُمور وصغيرها، وسُيّرت الخِلع مِن الخليفة إلى فَخر الدولة والعهد، واتّفق فَخر الدولة وصمصام الدولة فصارا يداً واحدة.
استجارة أبي العبّاس تاش بفَخر الدولة:
لمّا عُزل أبو العبّاس عن خُراسان بابن سيمجور، عادَ عن بخارا إلى نيسابور، استوزر الأمير نوح عبد الله بن عزيز - وكان ضدّاً لأبي الحُسين العتبي وأبي العبّاس - فلمّا وُلّي الوزارة بدأ بعزل أبي العبّاس عن خُراسان، وإعادة أبي الحسن سيمجور إليه، فكَتب مَن بخُراسان مِن القوّاد إليه يسألونه أنْ يُقرّ أبا العبّاس على عمله، فلم يُجبهم إلى ذلك، فكَتب أبو العبّاس إلى فَخر الدولة بن بويه يستمدّه، فأمدّه بمال كثير وعَسكر، فأقاموا بنيسابور وأتاهم أبو محمّد عبد الله بن عبد الرزاق مُعضِداً لهم على ابن سيمجور، وكان أبو العبّاس حينئذ بمرو، فلمّا سمع أبو الحسن بن سيمجور وفائق بوصول عسكر فخر الدولة إلى نيسابور قصدوهم، فانحاز عسكر فَخر الدولة وابن عبد الرزاق وأقاموا ينتظرون أبا العبّاس، ونزل ابن سيمجور ومَن معه بظاهر نيسابور، ووصل أبو العبّاس فيمَن معه، واجتمع بعسكر الديلم ونزل بالجانب الآخر، وجرى بينهم حروب عدّة أيام، وتحصّن ابن سيمجور بالبلد، وأنفذ فَخر الدولة إلى أبي العبّاس عسكراً آخر أكثر مِن ألفي فارس، فلمّا رأى ابن سيمجور قوّة أبي العبّاس انحاز عن نيسابور، فسار عنها ليلاً، وتبعه عسكر أبي العبّاس فغنموا كثيراً مِن أموالهم ودوابهم، واستولى أبو العبّاس على نيسابور، وأرسل الأمير نوح بن منصور يستميله ويستعطفه، ولجّ ابن عزيز في عَزله، ووافقه على ذلك والدة الأمير نوح - وكانت تَحكم في دولة ولدها - وكانوا يصدرون عن رأيه، ولمّا انهزم ابن سيمجور أقام أبو العبّاس بنيسابور يستعطف الأمير نوحاً ووزيره ابن عزيز، وترك اتّباع ابن سيمجور وإخراجه مِن خراسان، فتراجع إلى ابن سيمجور أصحابه المنهزمون، وعادت قوّته وأتته الأمداد مِن بخارا، وكاتب شرف الدولة أبا
الفوارس بن عَضُد الدولة وهو بفارس يستمدّه، فأمدّه بألفَي فارس مُراغمة لعمّه فَخر الدولة، فلمّا كثف جمعه قصد أبا العبّاس، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً إلى آخر النهار، فانهزم أبو العبّاس وأصحابه، وأُسر منهم جماعة كثيرة، وقَصد أبو العبّاس جرجان وبها فخر الدولة، فأكرمه وعظّمه وترك له جرجان ودهستان واستراباذ صافية له ومَن معه، وسار عنها إلى الري وأرسل إليه الأموال والآلات ما يحيل عن الوصف، وأقام أبو العبّاس بجرجان هو وأصحابه وجميع العساكر، وسار نحو خُراسان فلم يصل إليها، وعاد إلى جرجان وأقام فيها إلى أنْ مات سَنة ٣٧٧ مدّة ثلاث سِنين.
عصيان محمّد بن غانم على فَخر الدولة:
وفي هذه السنة (٣٧٣) عصا محمّد بن غانم البرزيكاني بناحية كوردر مِن أعمال قُم على فَخر الدولة، وأخذ بعض غَلاّت السلطان، وامتنع بحصن الهفتجان، وجمع البرزيكاني إلى نفسه فسارت إليه العساكر في شوّال لقتاله فهزمها، وأُعيدت إليه مِن الريّ مرّة أُخرى فهزمها، فأرسل فَخر الدولة إلى أبي النجم بدر بن حسنويه يُنكر ذلك عليه، ويأمره بإصلاح الحال معه ففعل، وراسله فاصطلحوا أوّل سَنة أربع وسبعين، وبقي إلى سَنة خمسٍ وسبعين، فسار إليه جيش لفخر الدولة فقاتله، فأصابه طعنة وأُخذ أسيراً فمات مِن طعنته.
التجاءُ أبي الحسين أحمد بن عَضُد الدولة إلى عمّه فَخر الدولة ثُمّ أمره بقَتله:
في سنة ٣٦٥هـ سار شرف الدولة أبو الفوارس بن عَضُد الدولة مِن فارس يطلب الأهواز، وأرسل إلى أخيه أبي الحسين وهو بها يُطيّب نفسه ويَعده الإحسان، وأنْ يُقرّه على ما بيده مِن الأعمال، وأعلمه أنّ مَقصده العراق، وتخليص أخيه الأمير أبي نصر مِن مَحبَسِه، فلم يثق أبو الحسين إلى قوله، وعزم على منعه وتجهّز لذلك، فأتاه الخبر بوصول شَرف الدولة إلى أرجان، ثُمّ إلى رامهرمز فتسلل أجناده إلى شَرف الدولة ونادوا بشعاره، فهرب أبو الحسين نحو الريّ إلى عمّه فَخر الدولة، فبلغ أصبهان وأقام بها، واستنصر عمّه فأطلق له مالاً ووعده بنَصره، فلمّا طال عليه الأمر قصد
التَغلّب على أصبهان، ونادى بشعار أخيه شَرف الدولة، فثار به جُندها وأخذوه أسيراً، وسيّروه إلى الري، فحبسه عمّه وبقي محبوساً إلى أنْ مَرض عمّه فَخر الدولة مَرض الموت، فلمّا اشتدّ مرضه أرسل إليه مِن قتله، وكان يقول شِعراً، فمِن قوله:
هبِ الصَّبر أرضاني وأعتب صرفُه وأعقب بالحسنى مِن الحَبس والأسرِ
فمَن لي بأيام الشَّباب التي مضتْ ومَن لي بما أنفقتُ في الحبس مِن عُمري
ابن الأثير ج٩ ص١٨.
الخُطبة في الأهواز والبصرة لفَخر الدولة:
في سنة ٣٧٤هـ خَطب أبو الحسين بن عَضد الدولة بالأهواز لفَخر الدولة، وخطب له أبو طاهر بن عَضد الدولة بالبصرة ونقش اسمه على السكّة.
إهداءُ الصاحبِ له ديناراً زِنته ألف مِثقال مَكتوباً عليه أبياتٌ مِن الشعر:
في أوّل المُحرّم سنة ٣٧٨ أهدى الصاحب بن عَبّاد إلى فَخر الدولة ديناراً وزنُه ألفَ مثقال، وكان على أحد جانبيه مَكتوب:
وأحمر يحكي الشمس شكلاً وصورةً فأوصافه مُشتقّة مِن صفاته
فإنْ قيل دينار فقد صدَق اسمه وإنْ قيل ألفٌ كان بعض سِماته
بديعٌ ولم يُطبع على الدهر مثله ولا ضربتْ أضرابه لسراته
فقد أبرزته دولة فَلكيّة أقام بها الإقبال صدر قناته
وصار إلى شاهانشاه انتسابه على أنّه مُستصغر لعفاته
يخبر أنْ يبقى سنين كوزنه لتستبشر الدُنيا بطول حياته
تأنّق فيه عبده وابن عبده وغرس أياديه وكافي كفاته
وكان على الجانب الآخر سورة الإخلاص، ولَقَب الخليفة الطائع لله، ولَقَب فَخر الدولة واسم جُرجان؛ لأنّه ضُرب بها.
وقوله دولة فَلكيّة يعني أنّ لقب فَخر الدولة كان فَلك الأُمّة، وقوله كافي كفاته، فإنّ الصاحب كان لَقبه كافي الكفاة.
عصيانُ أبي منصور بن كوريكنج على فَخر الدولة وعَوده إلى الطاعة:
في سنة ٣٧٧هـ عصى الأمير أبو منصور كوريكنج صاحب قزوين على فَخر الدولة، فلاطفه فَخر الدولة وبذل له الأمان والإحسان فعاد إلى طاعته.
عصيانُ ابن الفيرزان على فَخر الدولة ومُعاودته الطاعة:
في سنة ٣٧٨هـ عصا نَصر بن الحسن بن الفيرزان بالدامغان على فَخر الدولة، واجتاز به أحمد بن سعيد الشبيبي الخُراساني مُقبلاً مِن الري ومعه عسكر مِن الدَيلم لمُحاربته، فلمّا رأى الجدّ في أمره راسل فَخر الدولة وعاود طاعته، فأجابه إلى قبول ذلك منه وأقرّه على حاله.
مسيرُ فَخر الدولة إلى العراق وطَمعه في مُلكه وما كان منه:
في سنة ٣٧٩هـ سار فَخر الدولة مِن الري إلى همذان عازماً على قصد العراق والاستيلاء عليها، وكان سَبب حركته أنّ الصاحب بن عَبّاد كان يُحبّ العراق لا سيما بغداد، ويُؤثر التقدّم بها، ويَرصُد أوقات الفُرصة، فلمّا توفّي شَرف الدولة عَلمَ أنّ الفرصة قد أمكنت، فوضع على فَخر الدولة مَن يُعظّم عنده مُلك العراق، ويُسهّل أمرها عليه، ولم يباشر هو ذلك خوفاً مِن خَطر العاقبة، إلى أنْ قال له فَخر الدولة:
ما عندك في هذا الأمر؟ فأحال على أنّ سعادته تُسهّل كلّ صَعب وعظم البلاد، فتَجّهز وسار إلى همذان، وأتاه بدر بن حسنويه، وقصده دبيس بن عفيف الأسدي، فاستقر الأمر على أنْ يَسير الصاحب بن عَبّاد وبدر إلى العراق على الجادّة، ويسير فَخر الدولة على خوزستان، فلمّا صار الصاحب حَذر فَخر الدولة مِن ناحيته، وقيل له: ربّما استماله أولاد عَضُد الدولة فاستعاده إليه، وأخذه مَعه إلى الأهواز فملكها، وأساء السيرة مع جندها، وضيّق عليهم ولم يَبذل المال، فخابت ظُنون الناس فيه واستشعر مِنه أيضاً عَسكره، وقالوا: هكذا يفعل بِنا إذا تمكّن مِن إرادته فتخاذلوا، وكان الصاحب قد أمسك نفسه تأثّراً بما قيل عنه مِن اتّهامه فالأُمور بسكوته غير مُستقيمة، فلمّا سَمع بهاء الدولة بوصولهم إلى
الأهواز سَيّر إليهم العساكر، والتقوا هُم وعساكر فَخر الدولة، فاتّفقَ أنّ دِجلة الأهواز زادت ذلك الوقت زيادة عظيمة، وانفتحت البثوق منها فظنّها عسكر فَخر الدولة مكيدة فانهزموا، فقلق فَخر الدولة مِن ذلك، وكان قد استبدّ برأيه فعاد حينئذ إلى رأي الصاحب، فأشار ببذل المال واستصلاح الجُند، وقال: إنّ الرأي في مثل هذه الأوقات إخراج المال وترك مُضايقة الجُند، فإنْ أطلقتَ المال ضمنتُ لك حُصول أضعافه بعد سَنة، فلم يفعل ذلك، وتَفرّق عنه كثير مِن عسكر الأهواز، واتّسع الخرق عليه، وضاقت الأُمور به فعاد إلى الري، وقَبض في طريقه على جماعة مِن القوّاد والرازيّين، ومَلك أصحابُ بهاء الدولة الأهواز.
التجاءُ بعضِ آل سيمجور إلى فَخر الدولة:
لمّا قُبض أبو علي بن سيمجور مِن الأمير نوح وحَبسه وزيره سبكتكين إلى أنْ مات في الحبس كان ابنه أبو الحسن قد لَحِق بفَخر الدولة بن بويه، فأحسن إليه وأكرمه، فسار عنه سرّاً إلى خُراسان لهوى كان له بها، وظنّ أنّ أمره يَخفى فظهر حاله فأُخذ أسيراً وسُجن عند والده.
وأمّا أبو القاسم أخو أبي علي، فإنّه أقام في خدمة سبكتكين مدّة يسيرة، ثُمّ ظهر منه خلاف الطاعة، وقَصد نيسابور فلم يتمّ له ما أراد، وعاد محمود بن سبكتكين إليه فهرب منه، وقصد فَخر الدولة وبقي عنده (الكامل: ج٩ ص٤٥).
استدعاءُ فَخر الدولة خواشاذه لخِدمته:
كان قد هرب أبو نصر خواشاذه إلى البطائح، وكاتبه بهاء الدولة وفَخر الدولة وصمصام الدولة وبدر ابن حسنويه، كلٌّ منهم يستدعيه ويبذل له ما يُريده، وقال له فَخر الدولة:
لعلك تُسيء الظنّ بما قدّمته في خدمة عَضُد الدولة، وما كُنّا لنؤاخذك بطاعة مَن قدّمك ومناصحته، وقد علمتَ ما عملتُه مع الصاحب بن عَبّاد وتركنا ما فعَله مَعنا، فعزم على قصده فأدركه الأجل.
وفاة الصاحب بن عَبّاد وأُمور جرتْ مِن فَخر الدولة ذُمَّ عليها:
في سنة ٣٨٥هـ مات الصاحب بن عَبّاد وزير فَخر الدولة بالري، وولي له الوزارة بعده أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم الضبي المُلقّب بالكافي.
ولمّا حضره الموت، قال لفخر الدولة:
قد خدمتُك خِدمةً استفرغتُ فيها وسعي، وسِرتُ سيرةً جلبتُ لك حُسن الذِكر، فإنْ أجريتَ الأُمور على ما كانتْ عليه نُسِبَ ذلك الجميل إليك وتُركتُ أنا، وإنْ عدلتَ عنه كنتُ أنا المشكور ونُسبتْ الطريقة الثانية إليك، وقَدَح ذلك في دولتك.
فكان هذا نُصحه له إلى أنْ مات، فلمّا توفّي أنفذَ فَخرَ الدولة مِن احتاط على ماله وداره، ونقل جميع ما فيها إليه فقبّحَ الله خِدمة المُلوك، هذا فِعلَهم مع مَن نَصحَ لهم فكيف مع غيره؟
ونُقِل الصاحب بعد ذلك إلى أصبهان، وكان الصاحب بن عَبّاد قد أحسن إلى القاضي عبد الجبّار بن أحمد المُعتزلي، وقدّمه وولاّه قضاء الريّ وأعمالها، فلمّا توفّي، قال عبد الجبّار:
لا أرى الترحّم عليه؛ لأنّه مات مِن غير توبة ظهرت منه، فنُسب عبد الجبّار إلى قِلّة الوفاء.
ثُمّ إنّ فَخر الدولة قَبض على عبد الجبّار وصادره، فباع في جُملة ما باع ألف طيلسان وألف ثوب صوف رفيع، فلِمَ لا ينظر إلى نفسه وتاب عن أخذ مِثل هذا وادّخاره مِن غير حِلِّه.
ثُمّ إنّ فَخر الدولة قبض على أصحاب ابن عَبّاد، وأبطل كلّ مُسامحة كانت منه، وقرّر هو ووزراؤه المُصادرات في البلاد، فاجتمعَ له منها شيءٌ كثير، ثُمّ تمزّق بعد وفاته في أقرب مُدّة، وحَصل بالوزر وسوء الذِكر(١) .
وفاةُ فَخر الدولة:
في شعبان سنة ٣٨٧هـ توفّي فَخر الدولة بقلعة طبرق، وكان سبَب وفاته أنّه أكلَ لحماً مشويّاً وأكل بعده عِنباً، فأخذه المَغص، ثُمّ اشتدّ مَرضه فمات منه، فلمّا ماتَ كانت مفاتيح الخزائن بالريّ عند أُمّ ولده مَجد الدولة، فطلبوا له كَفناً فلم يجدوه، وتعذّر النزول إلى البلدة لشدّة شَغب الدَيلم، فاشتروا له مِن قَيِّمِ الجامع ثوباً كفّنوه فيه، وزاد شَغب الجُند فلم يُمكنهم دفنه، فبقي حتّى أنتن، ثُمّ دفنوه، وحين تُوفّي قام بمُلكه بعده ولده مَجد
____________________
(١) قال ابن كثير: ولم يكن في وزراء بني بويه مِثله، ولا قريب منه في مجموع فضائله، وقد كانت دولة بني بويه مئة وعشرين سَنة وأشهُر، وفتح خمسين قلعة لمخدومه مُؤيَّد الدولة وابنه فَخر الدولة بصرامته وحُسن تدبيره وجودة رأيه اهـ.
أمّا قول ابن كثير: (وأخيه) فَخر الدولة، فهو غلط؛ فإنّه أخو مُؤيّد الدولة، ومَن كان هذا إبلاؤه في الدولة البويهيّة وهذه خدماته لمخدوميه، فكيف يُجازى بعد موته مِن فَخر الدولة بما جوزي؟!
الدولة أبو طالب رستم وعُمره أربع سنين أجلسه الأُمراء في المُلك، وجعلوا أخاه شمس الدولة بهمذان وقرميسين إلى حدود العراق، وكان المَرجع إلى والدة أبي طالب في تدبير المُلك، وعن رأيها يُصدرون، وبين يديها في مُباشرة الأعمال أبو طاهر صاحب فَخر الدولة، وأبو العبّاس الضبي الكافي.
قال ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية:
توفّي عن ستٍّ وأربعين سَنةً، منها مدّة مُلكه ثلاث عشرة سَنة وعشرة أشهر وسبعة عشر يوماً، وتركَ مِن الأموال شيئاً كثيراً: مِن الذهب ما يُقارب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومِن الجواهر نحواً مِن خمسة عشر ألف قطعة يُقارب قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار ذهباً، وغير ذلك مِن أواني الذَهب زِنته ألف ألف دينار، ومِن الفضة زِنته ثلاثة آلاف حِمل، ومِن الفراش ألف وخمسمئة حِمل، ومِن الأمتعة ممّا يَليق بالمُلوك شيئاً كثيراً لا يُحصر، ومع هذا لم يَصلوا ليلة موته إلى شيء مِن المال، ولم يحصل له كَفن إلاّ ثوب مِن المُجاورين في المسجد، واشتغلوا عنه بالمُلك حتّى تَمّ لولده رستم مِن بعده فأنتن المَلِك، ولم يتمكّن أحد مِن الوصول إليه، فربطوه في حبال وجرّوه على درج القلعة مِن نتن ريحه فتقطّع جزاءً وفِاقاً.
استطرادٌ وهو تَعليقٌ على ما تفوّه به القاضي عبد الجبّار بتركه التَرحّم على الصاحب:
قد ذكرنا في وفاة الصاحب ترْكَ عبد الجبّار قاضي الري الترحم عليه؛ لأنه مات مِن غير توبة، ومَرّ تعليق ابن كثير على كلامه هذا، ولكنْ جاء في تاريخ ابن كثير في ترجمته للصاحب ما هو صريح في توبته والإشهاد عليها، وكان ذلك على مرأى ومسمع وبمشهد مِن عبد الجبّار.
قال ابن كثير ما مُحصلّه: أنّ الصاحب كان قد مَرض بالإسهال وطال مرضه، ولمّا عوفي أباح للفُقراء نَهب داره، وكان فيها ما يُساوي نحواً مِن خمسين ألف دينار مِن الذهب، وقد سَمع الحديث مِن المشايخ الجياد العوالي الإسناد، وعُقد له في وقت مجلس للإملاء فاحتفل الناس لحُضوره، وحضره وجوه الأُمراء، فلمّا خرجَ إليه لبَسَ زيَّ الفُقهاء، وأشهدّ على نفسه بالتوبة والإنابة ممَّا يُعانيه مِن أُمور السُلطان، وذَكر للناس أنّه كان يأكل مِن حين نشأ إلى يومه
هذا مِن أموال أبيه وجدّه ممّا ورثه منهم، ولكنْ كان يُخالط السُلطان، وهو تائب ممّا يُمارسونه، واتّخذ بناءً في داره سمّاه بيت التوبة، ووضع العُلماء خطوطهم بصحّة توبته، وحين حدَّثَ استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان في جُملة مَن يكتب عنه ذلك اليوم القاضي عبد الجبّار الهمداني، وأضرابه مِن رؤوس الفُضلاء وسادات الفُقهاء والمُحدّثين، فهل بعد هذا المَجلس الحافل، وبعد هذا الإشهاد على توبته، وبعد تبرئة نفسه مِن أكله مِن ماله الموروث له مِن أبيه وجدّه، وتعفُّفه على أكل مال السُلطان، واطّلاع عبد الجبّار على ذلك كلّه، وهو كاتبه في ذلك اليوم المشهود يتسنى له إنكار توبته؟!
أمّا ما يؤاخذ به فَخر الدولة:
إنّ لفَخر الدولة هَفوات تبيّنت مِن خلال أخباره، منها:
مُخالفته على أخيه عَضُد الدولة، واستظهاره عليه بخصومه حتّى انتهى الأمر به إلى الخُروج مِن مملكته مُدّة حياة أخيه، ثُمّ طَمعه في مُلك العراق على بهاء الدولة ابن أخيه عَضُد الدولة، ومسيره إلى العراق بجُند لم يحسن سياسته ولا تألّفه بالمال، وهو يقوده إلى الفتح والتَغلّب، ثُمّ إساءته الظنَّ بمَن أخلص له ولأخيه مِن قبله كلّ الإخلاص، وكان له ولأخيه مُربّياً ومُدّرباً، وهو الذي مهّد له المُلك على مَملكة أخيه مُؤيّد الدولة، ثُمّ الطامّة الكبرى مِن أعماله ما جرى منه مِن المُصادرة على ما ترك الصاحب، ثُمّ مصادرة أصحابه، فهذا وما إليه كان ممّا يُؤاخَذ عليه أشدّ المؤاخذة، ولكن الدول إذا أشفت على الزوال مُنيَتْ برجالٍ يقودونها إليه سِراعاً، وكان فَخر الدولة أحد معاول التهديم في ممَالك لم يَطلْ العهد على تأسيسها، ولله عاقبة الأُمور.
الثامن: مَجدُ الدولة أبو طالب رستم بن فَخر الدولة بن بويه:
مولده: ولد مَجد الدولة أبو طالب رستم بن فَخر الدولة بن ركن الدولة سنة ثلاث وثمانين وثلاثمئة.
انتهاءُ مُلك أبيه إليه:
انتهى مُلك فَخر الدولة إلى ابنه مَجد الدولة حين وفاته، وهو ابن أربع سنين لا في عهد أبيه إليه، بل لإجلاس الأُمراء له على منصّته، وقيام
والدته في تدبير المَملكة، كما سبق بيانه في خبر وفاة أبيه.
أبو القاسم السيمجوري عند مَجد الدولة وعوده إلى نيسابور:
قد تقدّم ذِكر مسير أبي القاسم أخي أبي عليّ بن سيمجور إلى جرجان ومقامه بها عند فَخر الدولة، فلمّا مات فَخر الدولة أقام عند ولده مَجد الدولة، واجتمع عنده جماعة كثيرة مِن أصحاب أخيه، وكان قد أرسل إلى شمس المعالي يستدعيه مِن نيسابور ليُسلّمها إليه، فسار إليه حتّى وافى جرجان، فلمّا بلغها رأى أبا القاسم قد سار عنها، فعاد شمس المعالي إلى نيسابور، وجرت بعد ذلك أُمور لا نعرض لها؛ لأنّها خارجة عن موضوع تاريخنا، وكان ذلك في سَنة ولاية مَجد الدولة الأُولى.
عود قابوس إلى جُرجان:
في هذه السنَة عاد شمس المعالي قابوس بن وشمكير إلى جرجان ومَلكها، ولمّا مَلك فَخر الدولة بن بويه جرجان والري أراد أنْ يُسلّم جرجان إلى قابوس، فردّه الصاحب بن عَبّاد عن ذلك وعظّمها في عينه، فأعرض عن الذي أراده، ونَسي ما كان بينهما مِن الصُحبة بخُراسان، وأنّه بسببه خرجتْ البلاد عن يدِ قابوس والمُلك عقيم، وقد تقدّم كيف أُخذت منه ومقامه بخُراسان، وإنفاذ المُلوك السامانيّة الجيوش في نُصرته مرّة بعد أُخرى، فلم يُقدّر الله تعالى عود مُلكه إليه، ولمّا وَليَ سبكتكين خُراسان اجتمع به، ووعده أنْ يُسيِّر معه الجيوش ليردّه إلى ممَلكته، فمضى إلى بلخ ومَرض ومات، فلمّا كانت هذه السَنة بعد موت فَخر الدولة سَيّر شمس المعالي قابوس الأصبهبذ شهريار بن شروين إلى جبل شهريار، وعليه رُستم بن المرزبان خال مَجد الدولة بن فَخر الدولة، فاقتتلا فانهزم رُستم واستولى أصبهبذ على الجبل، وخطب لشمس المعالي، وكان باتي بن سعيد بناحية الأستندارية - وله ميل إلى شمس المعالي - فسار إلى آمل وبها عَسكر لمَجد الدولة، فطردهم عنها واستولى عليها، وخَطب لقابوس وكَتب إليه بذلك.
ثُمّ إنّ أهل جرجان كتبوا إلى قابوس يستدعونه، فسار إليهم مِن نيسابور، وسار أصبهبد وباتي بن سعيد إلى جرجان، وبها عسكر لمَجد الدولة، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر مَجد الدولة إلى جرجان، فلمّا بلغوها صادفوا مُقدّمة
قابوس قد بلغتها، فأيقنوا بالهلاك وانهزموا مِن أصحاب قابوس هزيمة ثانية، وكانت قرحاً على قرح، ودَخل شمس المَعالي إلى جرجان في شعبان مِن هذه السَنة، وبلغَ المُنهزمون الريّ، فجُهّزت العساكر مِن الري نحو جرجان فساروا وحصروها، فغلتْ الأسعار بالبلد، وضاقت الأُمور بالعسكر أيضاً، وتوالت عليه الأمطار والرياح فاضطرّوا إلى الرحيل، فتبعهم شمس المعالي، فلحقهم وواقعهم فاقتتلوا، وانهزم عسكر الريّ وأُسر مِن أعيانهم جماعة كثيرة وقُتل أكثرَ منهم، فأطلق شمس المعالي الأسرى، واستولى على تلك الأعمال ما بين جرجان واستراباذ.
ثُمّ إنّ الإصبهبد حَدّث نفسه بالاستقلال والتفرُّد عن قابوس، واغترّ بما اجتمع عنده مِن الأموال والذخائر، فسارت إليه العساكر مِن الريّ وعليها المرزبان خال مَجد الدولة، فهُزموا مِن مَجد الدولة، وكَتب إلى شمس المعالي بذلك وانضافت مَملكة الجبل جميعها إلى مَمالك جرجان وطبرستان، فولاّها شمس المعالي ولده منوجهر، ففتح الرويان وسالوس، وراسل قابوس يمين الدولة محموداً، وهاداه وصالحه واتّفقا على ذلك.
فِرار وزير مَجد الدولة أبي العبّاس الضبي إلى بدر بن حسنويه:
هربَ الوزير أبو العبّاس الضبي وزير مَجد الدولة مِن الريّ إلى بدر ابن حسنويه فأكرمه، وقام بالوزارة بَعده لمَجد الدولة الخطير أبو علي، وكان ذلك في سنة ٣٩٣هـ، أمّا سبب فراره، فيقول ابن الأثير:
إنّ أُمّ مَجد الدولة اتّهمته أنّه سمّ أخاه فمات، فلمّا توفّي أخوه طلبت منه مئتي ألف دينار لتُنفقها في مأتمه، فلم يُعطها فأخرجته فقَصد بروجرد - وهي مِن أعمال بدر بن حسنويه - فبذل بعد ذلك مئتي ألف دينار ليعود إلى عَمله فلم يقبل منه، فأقام بها إلى أنْ توفّي سنة ٣٩٨.
القبض على مَجد الدولة ثُمّ عوده إلى مُلكه:
في سنة ٣٩٧هـ قبضت والدة مَجد الدولة عليه وكان سَبب ذلك أنّ الحُكم كان إليها في جميع أعمال ابنها، فلمّا وزر له الخطير أبو عليّ بن القاسم استمال الأُمراء ووضعهم عليها، والشكوى عليها، وخَوّف ابنها منها
فصار كالمَحجور عليه، فخرجتْ مِن الريّ إلى القلعة، فوضعَ عليها مَن يحفظها، فعملتْ الحيلة حتّى هربت على بدر بن حسنويه، واستعانت به في ردّها إلى الري، وجاءَها ولدها شمس الدولة وعساكر همذان، وسار معها بدر إلى الري فحصروها، وجرى بين الفريقين قتال كثير مدّةً، ثُمّ استظهر بدر ودخل البَلد وأسر مَجد الدولة، فقيّدته وسجنته بالقلعة، وأجلست أخاه شمس الدولة في المُلك، وصار الأمر إليها، وعاد بدر إلى بلده، وبقي شمس الدولة في المُلك نحو سَنة فرأت والدته منه تنكّراً وتغيّراً، وأنّ أخاه مَجد الدولة أليَن عريكة وأسلم جانباً، فأعادته إلى المُلك وسار شمس الدولة إلى همذان، وكره بدر هذه الحالة، إلاّ أنّه اشتغل بولده هلال عن الحَركة فيها، وصارت هي تُدبّر الأمر، وتسمع رسائل المُلوك وتُعطي الأجوبة، وأرسل شمس الدولة إلى بَدر يستمدّه فسيّر إليه جُنداً، فأخذهم وسار بهم إلى قُم فحصرها فمنعه أهلها.
ثُمّ إنّ العساكر دخلوا طُرقاً منها واشتغلوا بالنهب، فأكبّ عليهم العامّة وقتلوا منهم نحو سبعمئة رجل، وانهزم الباقون إلى مُعسكرهم، ثُمّ قَبض هلال بن بدر على أبيه فتفرّق ذلك الجمعُ كلّه.
مُلك شمس الدولة الريّ على أخيه مَجد الدولة وعوده عنها:
لمّا مَلك شمس الدولة ولاية بدر بن حسنويه، وأخذ ما في قلاعه مِن الأموال والذخائر - كما سنبسط خبر ذلك في أخباره - عظُم شأنه واتّسع مُلكه، فسار إلى الري وبها أخوه مَجد الدولة، فرحل عن الريّ ومعه والدته إلى دنباوند، وخَرجت عساكر الريّ إلى شمس الدولة مُذعنة بالطاعة، ودخل الريّ ومَلكها، وخرج منها يطلب أخاه ووالدته، فَشَغب الجند عليه وزاد خطبهم، وطالبوه مُطالبات اتّسع الخرق بها فعادَ إلى همذان، وأرسل إلى أخيه ووالدته يأمرهما بالعودة إلى الريّ فعادا، وكان ذلك في سَنة ٤٠٥.
غَلبة جيشُ مَجد الدولة على منوجهر في الري:
لمّا ظَفر علاء الدين بن كاكويه بأصبهبد ومَن معه وبلولكين في نهاوند، وكانا قد استنجدا بمنوجهر بن قابوس، أطمع لولكين منوجهر في الري، وهَوّنَ عليه أمر البلاد، لا سيّما مع اشتغال علاء الدولة بمُحاصرة عليّ بن عمران، فسار إليها ومعه عساكره وعساكر منوجهر حتّى نزلوا على الريّ،
وقاتلوا مَجد الدولة ومَن معه، وجرى بين الفريقين وقائع استظهر فيها أهل الري، وكان ذلك سنة ٤١٨هـ.
مِلك يمين الدولة الري وبلد الجبل:
في سَنة ٤٢٠هـ سار يمين الدولة محمود بن سبكتكين نحو الري، فانصرف منوجهر بن قابوس مِن بين يديه، وهو صاحب جرجان وطبرستان، وحَمل إليه أربعمئة ألف دينار وأنزالاً كثيرة، وكان مَجد الدولة صاحب الريّ قد كاتبه يشكو إليه جُنده، وكان مُتشاغلاً بالنساء ومُطالعة الكُتب ونَسخها، وكانت والدته تُدبّر مملكته، فلمّا تُوفّيت طَمع جُنده فيه واختلّت أحواله، فحين وصلت كُتبه إلى محمود سَيّر إليه جيشاً، وجعل مُقدّمهم حاجبه، وأمره أنْ يقبض على مَجد الدولة، فلمّا وصل العسكر إلى الريّ ركب مَجد الدولة يلتقيهم، فقبضوا عليه وعلى أبي دلف وَلده، فلمّا انتهى الخبر إلى يَمين الدولة بالقبض عليه سار إلى الري، فوصلها في ربيع الآخر ودخلها، وأخذ مِن الأموال ألف ألف دينار، ومِن الجواهر ما قيمته خمسمئة ألف دينار، ومِن الثياب ستّة آلاف ثوب، ومِن الآلات وغيرها ما لا يُحصى، وأحضر مَجد الدولة وقال له:
أمَا قرأت شانامه - وهو تاريخ الفرس - وتاريخ الطبري - وهو تاريخ المسلمين؟ قال: بلى، قال: ما حالك حال مَن قرأها، أمَا لعِبت بالشطرنج؟ قال: بلى، قال: فهل رأيت شاهاً يدخل على شاه؟ قال: لا، قال فما حَملك على أنْ سَلّمت نفسك إلى مَن هو أقوى منك.
ثُمّ سَيّره إلى خُراسان مقبوضاً، ثُمّ مَلك قزوين وقلاعها ومدينة ساوه وآبه ويافت، وقبض على صاحبها ولكين بن وندرين وسَيّره إلى خُراسان، ولمّا مَلك محمود الريّ كَتب إلى الخليفة القادر بالله يَذكر أنّه وجد لمَجد الدولة مِن النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة، ولدن له نيّفاً وثلاثين وَلداً، ولمّا سُئل عن ذلك قال: هذه عادة سلفي، وصَلب مِن أصحابه الباطنيّة خَلقاً كثيراً، ونفى المُعتزلة إلى خُراسان، وأحرق كُتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال والنُجوم، وأخذ مِن الكُتب ما سوى ذلك مئة حِمل.
ما انتقص مِن مملكة أبيه في عهده:
كان السالار إبراهيم بن المرزبان بن إسمعيل بن وهسوذان بن محمّد
ابن مُسافر الديلمي قد استولى مِن بلاد فَخر الدولة بعد وفاته وولاية وَلده مَجد الدولة على: سرجهان وزنجان وأبهر وشهرزور وغيرها، واستولى عليها يَمين الدولة بعد مِلكه الري.
كيفَ انتهتْ حياةُ مَجدِ الدولة:
لم نجد المؤرّخين عرضوا لذِكر مَجد الدولة، بعد استيلاء يَمين الدولة على بلاده، وقبضه وتسييره إلى خُراسان، ولا لذِكر ولده أبي دلف وما آل إليه أمرهما، ولا عَجب في ذلك، وماذا يَذكر التاريخ لمَجد الدولة وقد انتهت حياته السياسيّة، بل انتهت بانتهاء حياته، هذه دولة بني بويه في بلاد إيران، وتلك عُقبى التفريط والإهمال والانصراف عن سياسة المُلك إلى شهوات النفوس ولذائذ العيش، والاشتغال بما لا يتّصل بوجهٍ ولا بسَبب في تدبير الأُمور، وتصريفها على مُقتضى الحِكمة والتخلّي عن الحَذر واليقظة لحِفظ الثُغور، حيث المتحفّزون للوثوب والطامعون في الاستيلاء على المملكة، سواء أكان مِن ولاة الأطراف ومَن لهم قَدمٌ راسخةٌ في المُلك، أم مِن الذين يطمعون في تأسيس مُلكٍ جديد.
وماذا يكون مِن أمر مَن انتهى إليه المُلك وهو ابن أربع سِنين، والوصيّة عليه والقائمة عنه بالتدبير امرأة استهوتها أُبّهة المُلك ولذّة الأمر والنهي، فلم يكن مِن همّها شيءٌ وراء ذلك - ممّا تُعنى به مِن إعداد ولدها لهذه المهمّة العظيمة التي تتطلّب تثقيفاً وتدريباً وعِلماً وعَملاً - غير العِلم النَظري الصَرف الذي أخذ منه بقسط، وغير العناية بمحض جميع الكُتب، وما إلى ذلك ممّا لا اتّصال له بسياسة المملكة التي انتهت إليه، وهل أدلّ على استئثار أُمّه مِن عملها على إجلاس ولدها شمس الدولة على منصّة المُلك، مُستعينة ببدر بن حسنويه على ذلك حين آنست مِن ولدها مَجد الدولة قيامه بأمر مُلكه دونها، ثُمّ سعيها بعد ذلك على إسقاط شمس الدولة وإعادة مَجد الدولة، إذ لم تجد مِن شمس الدولة ما يُحقّق لها آمالها بالاستبداد بالدولة، وما كان موت أُمّه سَنة ٤١٩هـ واستقلاله بالأمر وهو لم يَتدرّب على الاستقلال به وبمقتضياته، بل انصرف إلى ما وراءه ليَسير به سيراً حكيماً، ويَسوسه سياسة رشيدة، بل ما انفكّ جارياً على ما تعود عليه مِن الإهمال والتضييع، فانطبق عليه قول ابن زريق البغدادي:
أُوتيتَ مُلكاً لم تُحسن سياسته وكُلّ مَن لا يسوس المُلك يخلعه
وقد مرّ بك ما انتقده عليه سالبه مُلكه يمين الدولة مِن التفريط والإهمال اللذَين أدّيا به إلى سَلبه سُلطانه الذي لم يستقل به غير سَنة واحدة بعد وفاة أُمّه ثُمّ استلبه.
ابن سينا عند مَجد الدولة:
في كتابإخبارُ العُلماءِ بأخبارِ الحُكماء ، وفي كتابطبقات الأطباء أنّ أبا علي بن سينا انتقل إلى الري، واتّصل بخدمة السيّدة وابنها مَجد الدولة، وعرّفوه بَسبب كُتب وصلت معه تتضمّن تعريف قَدره، وكان بمَجد الدولة إذ ذاك غلبة السوداء، فاشتغل بمداواته، وصنّف هُناك كتاب المعاد، وأقام بها إلى أنْ قصد شَمس الدولة بعد قتل هلال بن بدر بن حسنويه وهزيمة عسكر بغداد.
التاسع: شمسُ الدولة أبي طاهر ابن فَخر الدولة.
تقدّم في وفاة أبيه فَخر الدولة أنّه أجلس بعده على أريكة المملكة ولده أبو طالب رستم المُلقّب بمَجد الدولة، وأنّ شمس الدولة أخاه هذا وُلّي همذان وقرميسين إلى حدود العراق، وأنّ مَجد الدولة انتقل إليه المُلك وهو ابن أربع سنين، وأنّ والدته هي التي كانت تُدبر أُمور المُلك، وكان المُلك انتقل إلى أصغر الأخَوين سنّاً، وإلاّ فكيف يتمكّن - إنْ كان شمس الدولة أصغر مِن مَجد الدولة - مِن سياسة ولاية مُتّسعة الأطراف كهمذان وقرميسين إلى حدود العراق؟ وكيف يستطيع القيام بها مُنفرداً إذا لم يكن في سنٍّ أعلى مِن سنّ أخيه؟ إنّ ذلك ممّا سكتَ عنه المُؤرّخون، وإذا كان هو الأكبر سنّاً، والأجدر بالاضطلاع بأعباء المُلك، فكيف لم ينتهِ إليه؟
مِلكُ شَمسِ الدولة الريَّ على أخيه وعَوده عنها بعد سَنة:
تقدّم في أخبار مَجد الدولة استيلاء أخيه شمس الدولة على بلاده الري بسعي أُمّهما، واستظهارها على ذلك ببدر بن حسنويه، ثُمّ انقلابها على شمس الدولة بعد سَنة وعزله مِن مملكة الرعب، فلا نُعيد خبره فيُرجَع إليه.
مِلك شمس الدولة بعض بلاد هلال بن بدر والحرب بينه وبين طاهر بن هلال:
في سَنة خمسٍ وأربعمئة بعد قَتل طائفة الجورقان بدر بن حسنويه أمير الجبل هرب الجورقان إلى شمس الدولة أبي طاهر بن فَخر الدولة فدخلوا في طاعته، وكان طاهر بن هلال بن بدر هارباً مِن جده بنواحي شهرزور، فلمّا عَرف بقتله بادر بطلب مُلكه، فوقع بينه وبين شمس الدولة حَرب، فأُسر طاهرٌ وحُبس، وأُخذ ما كان قد جمعه بعد أنْ مَلك نائباً عن أبيه هلال، وكان عظيماً، وحَمله إلى همذان، وسار اللذرية والشاذنجان إلى أبي الشوك فدخلوا في طاعته، وحين قُتل كان ابنه هلال محبوساً عند المَلك سلطان الدولة، فلمّا قُتل بدر استولى شمس الدولة على بعض بلاده، فلمّا عَلِم سلطان الدولة بذلك أطلق هلالاً، وجهّزه وسيّره ومعه العساكر؛ ليستعيد ما مَلكه شمس الدولة مِن بلاده، فسار إلى شمس الدولة، فالتقيا في ذي القعدة واقتتل العسكران، فانهزم أصحاب هلال وأُسر هو فقُتل أيضاً، وعادت العساكر التي كانت معه إلى بغداد على أسوأ حال، وكان ممَّن أُسر معه أبو المُظفّر أنوشتكين الآرامي، وكان في مملكة بدرسابورخواست والدينور وبروجرد ونهاوند وأسدأباذ، وقطعة مِن أعمال الأهواز، وما بين ذلك مِن القلاع والولايات.
مِلك شمس الدولة الريّ ثانية وعوده عنها:
وفي هذه السَنة - كما مرّ في أخبار مَجد الدولة - مَلك شمس الدولة الريّ على أخيه مَجد الدولة وأُمّهما، وعاد عنها وأمرهُما بالعودة إليها.
الفِتنةُ بين الأتراك والأكراد بهمذان وشَغبٌ على شَمس الدولة:
في سَنة ٤١١هـ زاد شغبُ الأتراك بهمذان على صاحبهم شمس الدولة ابن فَخر الدولة، وكان قد تقدّم ذلك منهم غير مرّة وهو يحلُم عنهم بل يعجز، فقويَ طَمعهم فزادوا في التوثّب والشغب، وأرادوا إخراج القوّاد القوهية مِن عنده، فلم يُجبهم إلى ذلك، فعزموا على الإيقاع بهم بغير أمره، فاعتزل الأكراد مع وزيره تاج المُلك أبي نصر بن بهرام إلى قلعة برجين،
فسار الأتراك إليهم فحصروهم، ولم يلتفتوا إلى شمس الدولة، فكَتب الوزير إلى أبي جعفر بن كاكويه صاحب أصبهان يستنجده، وعيّن له ليلة يكون قُدوم العساكر إليه فيها بغتة؛ ليخرج هو أيضاً تلك الليلة يكبسوا الأتراك، ففعل أبو جعفر ذلك وسيّر ألفَي فارس، وضبطوا الطرق لئلاّ يسبقهم الخَبر، وكبسوا الأتراك سَحراً على غفلة، ونزل الوزير والقوهية مِن القلعة، فوضعوا فيهم السيف فأكثروا القتل وأخذوا المال، ومَن سَلم مِن الأتراك نجا فقيراً، وفعل شمس الدولة بمَن عنده في همذان كذلك وأخرجهم، فمضى ثلاثمئة منهم إلى كرمان، وخدموا أبا الفوارس بن بهاء الدولة صاحبها.
انقطاعُ أخبارِ شمسِ الدولةِ بعدَ هذا التاريخ:
لم نجد ذِكراً لشمس الدولة بعد هذا التاريخ في الكُتب التاريخيّة التي نَعتمد عليها في تدوين أخبار البويهيّين، ولم نقف على ما يُعرف ما آل إليه أمره، وهكذا مصير رجال الدول المُشرفة على الزوال، ومصير الدول عند هرمها، وما استقلّ البويهيّون في بلاد إيران في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس وفي بلاد خوزستان والعراق إلاّ انتقاص أطراف مُلكهم، وإلاّ الصراع المُستمر مع الطامعين فيه، سواء أكان مِن قبيلهم أم مِن سواهم، وإلاّ آيات الانحلال والاضمحلال، وإذ لم يكن لهم بعد هذا التاريخ في بلاد إيران إلاّ أخبار متقطّعة لفلولهم، فإنّنا نُدوّنها في كتابنا كيلا يفوتنا منها شيء، ثُمّ نعود بعد ذلك إلى تدوين أخبار مُلوكهم في العراق وما إليها وخوزستان وبعض بلاد إيران.
العاشر: سماءُ الدولةِ أبو الحسن بن شَمس الدولة بن فَخر الدولة بن بويه صاحب همذان.
أمّا مولده وكيفية تَملكّه همذان وما إلى ذلك مِن أخباره، فلم نقف له على أثر، وكُلّ ما عرض له المُؤرّخون منه أُمور مُقتضبة لا تَروي للمؤرّخ غلة، فقد جاء في كامل ابن الأثير في حوادث سَنة أربع وعشرين وأربعمئة ما يلي:
استيلاءُ علاءِ الدينِ على همذان:
قال: في هذه السَنة استولى أبو جعفر بن كاكويه على همذان ومَلكها، وكذلك غيرها ممّا يُقاربها، وسَبب ذلك أنّ فرهان بن مرداويج الديلمي مقطع بروجرد قصده سماء الدولة أبو الحسن بن شمس الدولة بن بويه صاحب همذان وحصره، فالتجأ فرهاد إلى علاء الدولة فحماه ومنع عنه، وسارا جميعاً إلى همذان فحصراها وقطعا الميرة عنها، فخرجَ إليهما مَن بها مِن العسكر فاقتتلوا، فرحل علاء الدولة إلى جهباذقان، فهلك مِن عسكره ثلاثمئة رجل مِن شدّة البَرد، فسار إليه تاج المُلك القوهي مُقدّم عسكر همذان فحصره بها، فصانع علاء الدولة الأكراد الذين مع تاج المُلك فرحلوا عنه، فخَلُص مِن الحصار وشرع يتجهّز ليعاود حصار همذان، فأكثر مِن الجُموع وسار إليها، فلقيه سماء الدولة في عساكره ومعه تاج المُلك، وتقدّم علاء الدولة إلى سماء الدولة، فترجّل له وخدمه، فأخذه وأنزله في خيمته، وحمل إليه المال وما يحتاج إليه، وسار وهو معه إلى القلعة التي بها تاج المُلك، فحصره وقُطع الماء عن القلعة، فطلب تاج المُلك الأمان فأمّنه، فنَزل إليه ودخل معه همذان، ولمّا مَلك علاء الدولة همذان سار إلى الدينور فملكها، ثُمّ سار إلى سابورخواست فملكها أيضاً وجميع تلك الأعمال، وقبض على أُمراء الديلم الذين بهمذان، وسجنهم بقلعة عند أصبهان، وأخذ أموالهم وإقطاعهم، وأبعد كُلّ مَن فيه شرّ مِن الديلم، وتركَ عنده مَن يعلم أنّه لا شرّ فيه، وأكثر القَتل فقامت هيبته، وخافه الناس وضبط المَملكة.
وقال المؤرّخ ابن خُلّدون:
كان شمس الدولة بن بويه صاحب همذان قد توفّي ووَليَ مكانه ابنه سماء الدولة، وكان فرهاد بن مردوايج بقطع يزدجرد، فسار إليها سماء الدولة وحاصره، فاستنجد بعلاء الدولة بن كاكويه، فأنجده بالعساكر، ودفع سماء الدولة عن فرهاد، ثُمّ سار علاء الدولة وفرهاد إلى همذان وحاصراها، وخرجت عساكر همذان مع عساكر تاج الدولة القوهي قائد سماء الدولة، فدفعهم ولحِق علاء الدولة بجرباذقان فهلك الكثير مِن عسكره بالبرد، وسار تاج الدولة القوهي إلى جر باذقان، فحاصر بها علاء الدولة حتى استمال بها قوماً مِن الأتراك الذين مع تاج المُلك، وخلُص مِن الحصار وعاود المسير إلى همذان، فهزم عساكرها وهرب القائد
تاج المُلك، واستولى علاء الدولة على سماء الدولة، فأبقى عليه رسم المُلك، وحمل إليه المال وسار، فحاصر تاج المُلك في حِصنه حتى استأمن إليه فأمّنه، وسار به وبسماء الدولة إلى همذان فملكها وملك سائر أعمالها، وقبض على جماعة مِن أُمراء الديلم فحبسهم وقَتل آخرين، وضبط المُلك، وكان ذلك سَنة أربع عشرة وأربعمئة.
انقطاعُ خَبرِ سماءِ الدولة:
هذا كُلّ ما وقفنا عليه في الكُتب التاريخيّة التي بين أيدينا مِن خَبر سماء الدولة، ولا نَعلم نهاية أمره ومصير حاله.
الحادي عشر: فناخسرو بن مَجد الدولة بن فَخر الدولة بن رُكن الدولة بن بويه.
أوائلُ أمرِه:
لم يُدوِّن المؤرّخون شيئاً مِن أوائل أمرِ فناخسرو، ولم يأتِ له ذِكرٌ عند استيلاء يمين الدولة محمود بن سبكتكين على بلاد أبيه مَجد الدولة سنة ٤٢٠هـ، وما ذَكر هُناك إلاّ القبض على أبيه وأخيه أبي دلف بعد الاستيلاء على مملكته والشُخوص فيهما إلى خُراسان، وإنّما ورد له ذِكر في تاريخ ابن خُلّدون في السَنة التي قُبض بها على أبيه، وهو أنّه ظاهر الغزو الذين حاصروا الريّ على علاء الدولة بن كاكويه، وانتهت بفرار علاء الدولة ودُخول المُحاصِرين الري، وإجرائهم فيها الأفاعيل العظيمة، وكان معهم في مُهاجمتهم همذان ص٤٧٠ ج٤.
وفي كامل ابن الأثير في حوادث سنة (٤٢١)، وهو أنّه لمّا مات محمود بن سبكتكين طَمِع فناخسرو بن مَجد الدولة بن بويه في الري، وكان قد هَرب منها لمّا ملكها عسكر يمين الدولة محمود، فقصد قصران وهي حصينة فامتنع بها، فلمّا توفّي يمين الدولة وعاد ابنه مسعود إلى خُراسان، جمع هذا فناخسرو جمعاً مِن الديلم والأكراد وغيرهم وقصدوا الريّ، فخرج إليه نائب مسعود بها ومَن معه مِن العسكر، فقاتلوه فانهزم منهم وعاد إلى بلده، وقُتل جماعة مِن عسكره، وورد له ذِكر في الصفحات: ١٥٩ و١٦٠ و١٦٨ مِن ج٩ مِن الكامل.
انقطاعُ أخبارِ فناخسرو إلى سنة ٤٣٩هـ واستيلاؤه في هذه السَنة على آمِد:
سكتَ المُؤرَخون عن خبر فناخسرو إلى هذه السَنة التي يَذكر فيها ابن الأثير ما يلي:
وفيها جمعَ الأمير كاليجار فناخسرو بن مَجد الدولة بن بويه جَمعاً، وسار إلى آمد فدخلها، وساعده أهلها وأوقع بمَن كان فيها مِن أصحاب طغرلبك، فقَتل وأسر، وعرف طغرلبك ذلك، فسار عن الري قاصداً إليه ومتوجهاً إلى قِتاله.
ثُمّ انقطع بعدَ ذلك خَبره، ولم نعثر له على شيء بعد بذل الجُهد ونهاية الاستقصاء ما نُدوّنه، وفي انقطاع خَبره نهاية أخبار بني بويه مُلوك الريّ والجبل وما إليه وأصبهان في بلاد إيران، فنعود إلى استقصاء أخبارهم في العراق وخوزستان وفارس وما إليها.
تمهيد:
وقفنا في جمع أخبار بني بويه في العراق عند وفاة عَضُد الدولة، وانتقلنا بعد ذلك إلى تدوين أخبار أخويه مُؤيّد الدولة وفَخر الدولة وأعقابهما، في الريّ والجبل وفارس وأصبهان، وغرَضنا في ذلك جعل تاريخ البويهيّين مُنسّقاً قريب التناول، وها نحن الآن شارعون في تدوين أخبارهم في العراق وسواها إلى مُنتهى مُدّة مُلكهم مُستمدّين مِن الله التوفيق.
البويهيّون في العراق:
قد عرفتَ أنّ أوّل مَن مَلك العراق مُعزّ الدولة ثالث الأُخوة مؤسّسي الدولة البويهيّة، ثُمّ ابنه عِزّ الدولة بختيار، ثُمّ عَضُد الدولة فناخسرو بن رُكن الدولة.
أمّا بختيار، فقد كان انضمّ إليه أخواه أبو إسحاق وأبو طاهر، وخالف عليه أخوه حبشي، وقد سبقَ خَبر فراره بعد اعتقاله مِن الأهواز إلى عمّه
عَضُد الدولة ووفاته.
وأمّا أخواه أبو إسحاق وأبو طاهر، فقد انهزما مِن عَضُد الدولة وبختيار وأبو تغلب بن حمدان، ثُمّ انتهى أمر بختيار إلى القتل، وأبي تغلب إلى الفرار لبلاد الشام وقتِله في الرملة، ولم نقف على ما آل إليه أمرُ أبي إسحاق وأبي طاهر أخَوي بختيار وابني مُعزّ الدولة.
الثاني عشر مِن مُلوك بني بويه والرابع مِن مُلوكهم في العراق أبو كاليجار المرزبان بن عَضُد الدولة:
لمّا توفّي عَضُد الدولة سنة ٣٧٢هـ اجتمع القوّاد والأُمراء على ولده أبي كاليجار المرزبان، فبايعوه وولّوه الإمارة ولقّبوه صمصام الدولة، فلمّا وَلي خلع على أخوَيه أبي الحسين أحمد وأبي طاهر فيروز شاه، وأقطعهما فارس وأمرهما بالجدّ في السَير ليسبقا أخاهما شَرف الدولة أبا الفوارس شيرزيل إلى شيراز، فلمّا وصلا إلى أرجان أتاهما خَبر وصول شَرف الدولة إلى شيراز، فعادا إلى الأهواز، وكان شَرف الدولة بكرمان، فلمّا بَلغه خَبر وفاة أبيه سارَ مُجدّاً إلى فارس فملكها، وقبض على نصر بن هارون النصراني وزير أبيه وقتله؛ لأنّه كان يُسيءُ صحبته أيّام أبيه، وأصلح أمرَ البلاد، وأطلق الشريف أبا الحسين محمّد بن عمر العلوي، والنقيب أبا أحمد الموسوي والد الشريف الرضي، والقاضي أبا محمّد بن معروف، وأبا نصر خواشاذه، وكان عَضُد الدولة حبسهم وأظهر مُشاققة أخيه صمصام الدولة، وقطع خطبته وخطب لنفسه، وتلقّب بتاج الدولة، وفرّق الأموال وجمع الرجال، ومَلك البصرة وأقطعها أخاه أبا الحسين، فبقي كذلك ثلاث سنين إلى أنْ قَبض عليه شَرف الدولة، فلمّا سمِع صمصام الدولة بما فعله شَرف الدولة، فجّهز تاج الدولة عسكراً واستعمل عليه الأمير أبا الأغر دبيس بن عفيف الأسدي، فالتقيا بظاهر قرقوب واقتتلوا، فانهزم عسكر صمصام الدولة، وأُسر دبعش فاستولى حينئذ أبو الحسين بن عَضُد الدولة على الأهواز، وأخذ ما فيها وفي رامهرمز، وطمعَ في المُلك، وكانت الوقعة في ربيع الأوّل سَنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة.
باذ الكردي وصمصام الدولة:
إنّ باذ هذا مِن الأكراد الحميديّة، واسمه عبد الله الحسن بن دوستك، كان في ابتداء أمره يغزو بثغور ديار بكر، وكان عظيم الخِلقة له بأس وشدّة، فلمّا مَلك عَضُد الدولة الموصل حَضر عنده، فلمّا رأى عَضُد الدولة خافه، وقال: ما أظنّه يُبقي عليّ، فهرب حين خرج مِن عنده، وطلبه عَضُد الدولة بعد خُروجه ليقبض عليه، وقال: له بأس وشدّة وفيه شرّ، ولا يجوز الإبقاء على مِثله، فأُخبر بهربه فكفّ عن طلبه، وحصل بثغور ديار بكر وأقام بها إلى أنْ استفحل أمرُه، وقَويَ ومَلك ميافارقين وكثيراً مِن ديار بكر بعد موت عَضُد الدولة، ووَصل بعض أصحابه إلى نصيبين فاستولى عليها، فجّهز صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعد بهرام بن أردشير فواقعه، فانهزم بهرام وأُسر جماعة مِن أصحابه، وقويَ أمرُ باذ فأرسل صمصام الدولة إليه أبا القاسم سعد بن محمّد الحاجب في عسكر كثير، فالتقوا بباجلايا على خابور الحسينيّة مِن بلد كواشي، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم سعد وأصحابه، واستولى باذ على كثير مِن الديلم فقَتل وأَسر، ثُمّ قَتل الأسرى صبراً، وفي هذه الوقعة يقول أبو الحسين البشنوي:
بباجلايا جلونا عنه غمغمة ونحن في الروع جلاّؤن للكرب
ولمّا هَزم باذ الديلم وسعداً، وفعل بهم ما فعل سبقه فدخل الموصل، وسار باذ في أثره، فثار العامّة بسعد لسوء سيرة الديلم فيهم، فنجا منهم بنفسه، ودخل باذ إلى الموصل واستولى عليها وقويت شوكته، وحَدّث نفسه بالتغلّب على بغداد وإزالة الديلم عنها، وخرج مِن حدّ المتطرّفين وصار في عِداد أصحاب الأطراف، فخافه صمصام الدولة وأهمّه وشغله عن غيره، وجمع العساكر ليُسيّرها إليه فانقضت السَنة.
وفي سنة ٣٧٤هـ وقع اختياره واختيار وزيره ابن سعد على إنفاذ زيار بن شهر اكويه - وهو أكبر قوادّهم - فأمره بالمسير إلى قتاله، وجهّزه وبالغ في أمره، وأكثر معه الرجال والعدد والأموال، وسار إلى باذ، فخرج إليهم ولقيهم في صَفر مِن هذه السَنة، فأجلت الوقعة عن هزيمة باذ وأصحابه، وأُسر كثير مِن عسكره وأهله، وحُملوا إلى بغداد فشُهّروا بها، ومَلك الديلم الموصل، وأرسل زيار عسكراً مع سعد الحاجب في طلب باذ، فسلكوا على جزيرة ابن
عمر، وأرسل عسكراً آخر إلى نصيبين، فاختلفوا على مُقدمهم فلم يُطاوعوهم على المسير إليه، وكان باذ بديار بكر قد جمع خَلقاً كثيراً، فكَتب وزير صمصام الدولة إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان، وبذل له تسليم ديار بكر إليه، فسيّر إليها جيشاً، فلم يكن لهم قوّة بأصحاب باذ، فعادوا إلى حَلب وكانوا قد حصروا ميافارقين، فلمّا شاهد سعد الدولة ذلك مِن عسكره أعمل الحيلة في قَتل باذ، فوضع رجُلاً على ذلك، فدخل الرجل خيمة باذ وضربه بالسيف، وهو يظنّ أنّه يَضرب رأسه، فوقعت الضربة على ساقه فصاح، وهربَ ذلك الرجُل فمَرض باذ مِن تلك الضَربة وأشفى على الموت، وكان قد جَمع معه مِن الرجال خَلقاً كثيراً، فراسل زيار وسعداً يطلب الصُلح فاستقرّ الحال بينهم واصطلحوا على أنْ تكون ديار بكر لباذ والنصف مِن طور عبدين أيضاً، وانحدر زيار إلى بغداد، وأقام سعد بالموصل.
اضطراب الأمر في بغداد على صمصام الدولة ثُمّ استقراره:
في سنة ٣٧٥هـ جرت فتنة بغداد بين الديلم، وكان سببها أنّ أسفار بن كردويه - وهو مِن أكابر القوّاد - استنفر مِن صمصام الدولة، واستمال كثيراً مِن العسكر إلى طاعة شَرف الدولة، واتّفق رأيهم على أنْ يولّوا الأمير بهاء الدولة أبا نصر بن عَضُد الدولة العراق نيابة عن أخيه شَرف الدولة، وكان صمصام الدولة مَريضاً فتمكّن أسفار مِن الذي عَزم عليه، وأظهر ذلك وتأخّر عن الدار، وراسله صمصام الدولة يستميله ويُسكنه، فما زاد إلاّ تمادياً، فلمّا رأى ذلك مِن حاله راسل الطائع يطلب منه الركوب معه، وكان صمصام الدولة قد أبل مِن مرضه، فامتنع الطائع مِن ذلك، فشرع صمصام الدولة واستمال فولاذ رماندار، وكان موافقاً لأسفار، إلاّ أنّه كان يأنف مِن مُتابعته لكبر شأنه، فلمّا راسله صمصام الدولة أجابه واستحلفه على ما أراد، وخرج مِن عنده وقاتل أسفار فهزمه فولاذ، وأُخذ الأمير أبو نصر أسيراً، وأُحضر عند أخيه صمصام الدولة فرَقّ له، وعَلِم أنّه لا ذنب له فأعتقهُ مُكرَّماً، وكان عمره حينئذٍ خمسَ عشرة سَنة.
وثبت أمرُ صمصام الدولة، وسُعيَ إليه بابن سعدان - الذي كان وزيره - فعزله.
وقيل: إنّه كان هواه مَعهم فقُتل، ومضى أسفار إلى الأهواز واتّصل بالأمير أبي الحسين بن عَضُد الدولة وخدمه، وسار باقي العسكر إلى شَرف الدولة.
إطلاق صمصام الدولة لورد الرومي:
مرّ في أخبار عَضُد الدولة القبض على ورد الرومي اللاجئ إليه وأصحابه سنة ٣٦٩هـ، واعتقاله وسَجْنه وأصحابه في بغداد، وفي هذه السنَة أفرج عنه صمصام الدولة وأطلقه، وشرط عليه إطلاق عدد كثير مِن أُسارى المسلمين، وأنْ يُسلّم إليه سبعة حُصون مِن بلد الروم برساتيقها، وأنْ لا يقصد بلاد الإسلام، لا هو ولا أحد مِن أصحابه ما عاش، وجهّزه بما يَحتاج إليه مِن مال وغيره، فسار إلى بلاد الروم، واستمال في طريقه خَلقاً كثيراً مِن البوادي وغيرهم، وأطمعهم في العطاء والغنيمة، وسار حتّى نزل بملطية فتسلّمها وقَويَ بها وبما فيها مِن مال وغيره، وانتهى أمره إلى أنْ مات.
مِلك شَرف الدولة الأهواز:
في هذه السَنة سار شَرف الدولة أبو الفوارس بن عَضُد الدولة مِن فارس يَطلب الأهواز، وأرسل إلى أخيه أبي الحسين - وهو بها - يُطيّب خاطره ويَعده الإحسان، وأنْ يقرّه على ما بيده مِن الأعمال، وأعلمه أنّ مقصَده العراق وتخليص أخيه الأمير أبي نصر مِن محبسه، فلم يثق أبو الحسين إلى قوله، وعزم على منعه، وتَجهّز لذلك فأتاه الخبر بوصول شَرف الدولة إلى أرجان ثُمّ إلى رامهرمز، فتسلّل أجناده إلى شَرف الدولة ونادوا بشعاره، فهَرب أبو الحسين نحو الريّ إلى عمّه فَخر الدولة، فبلغ أصبهان وأقام بها واستنصر عمّه، فأطلق له مالاً ووَعده بنصره، فلمّا طال عليه الأمر قصدَ التَغلّب على أصبهان، ونادى بشعار أخيه شَرف الدولة فثار به جندها، وأخذوه أسيراً وسيّروه إلى الريّ فحبسه عمّه، وبقيَ محبوساً إلى أنْ مرض عمُّه فَخر الدولة مرض الموت، فلمّا اشتدّ مرضه أرسل إليه مَن قتله، وكان يقول شعراً، فمِن قوله:
هبِ الدَهر أرضاني وأعتب صرفه وأعقب بالحُسنى وفك مِن الأسرِ
فمَن لي بأيّام الشباب الّتي مَضت ومَن لي بما قد فات في الحَبس مِن عُمري
وأمّا شَرف الدولة، فإنّه سار إلى الأهواز ومَلكها، وأرسل إلى البصرة فمَلكها وقَبض على أخيه أبي طاهر، وبلغَ الخَبر إلى صمصام الدولة فراسله
في الصُلح، فاستقرّ الأمر على أنْ يَخطب لشَرف الدولة بالعراق قبل صمصام الدولة، ويكون صمصام الدولة نائباً عنه، ويُطلق أخاه الأمير بهاء الدولة أبا نصر ويُسيّره إليه، وصلُح الحال واستقام، وكان قوّاد شَرف الدولة يُحبّون الصُلح؛ لأجل العود إلى أوطانهم، وخُطب لشرف الدولة بالعراق، وسُيّرت إليه الخِلَع والألقاب مِن الطائع لله إلى أنْ عادت الرُسل إلى شَرف الدولة ليحلفوه ألقت إليه البلاد مقاليدها كواسط وغيرها، وكاتبه القوّاد بالطاعة، فعاد عن الصُلح، وعَزم على قصد بغداد والاستيلاء على المُلك، ولم يَحلف لأخيه، وكان معه الشريف أبو الحسين محمّد بن عمر يُشير عليه بقصد بغداد، ويَحثّه عليه، ويُطمعه فيه، فوافقه على ذلك، وترى لصمصام الدولة أخباراً وأحداثاً كثيرة، وقعت بينه وبين بهاء الدولة مُدوّنة في أخبار بهاء الدولة، وقد ساعدته الأقدار على امتلاك فارس وغيرها، وعلى مُناهضة بهاء الدولة وكُلّ ذلك، وما آل إليه أمرُه مبسوط في أخبار بهاء الدولة(١) .
الثالث عَشر مِن مُلوك بني بويه والخامس مِن مُلوكهم في العراق: شَرف الدولة.
في سَنة ٣٧٦ سار شَرف الدولة أبو الفوارس ابن عَضُد الدولة مِن الأهواز إلى واسط فمَلكها، فأرسل إليه صمصام الدولة أخاه أبا نصر يستعطفه بإطلاقه - وكان محبوساً عنده - فلم يَتعطف له، واتّسع الخَرق على صمصام الدولة، وشَغب عليه جنده، فاستشار أصحابه في قصدِ أخيه والدخول في طاعته، فنهوه عن ذلك، وقال بعضهم:
الرأي أنّنا نصعد إلى عكبرا لنَعلم بذلك مَن هو لنا ممَّن هو علينا، فإنْ رأينا عدّتنا كثيرة قاتلناهم وأخرجنا الأموال، وإنْ عَجزنا سِرنا إلى الموصل فهي وسائر بلاد الجبل لنا فيقوى أمرنا، ولا بدّ أنّ الديلم والأتراك تَجري بينهم مُنافسة ومُحاسدة، ويحدث اختلال فنبلغ العرض..
وقال بعضهم: الرأي أنّنا نسير إلى فرميسين نُكاتب عمّك فَخر الدولة ونستنجده، ونسير على طريق خُراسان وأصبهان إلى فارس، فنتغلّب عليها على خزائن شَرف الدولة وذخائره، فما
____________________
(١) لمّا استولى عَضُد الدولة على كرمان سنة ٣٥٧ أقطعها ولده أبا الفوارس هذا، الذي لُقّب بعد ذلك شَرف الدولة ومَلك العراق. الكامل م٥٨ ص٢٣١.
هُناك مُمانع ولا مُدافع، فإذا فعلنا ذلك لا يقدر شَرف الدولة على المُقام بالعراق فيعود، حينئذٍ يقع الصُلح، فأعرض صمصام الدولة عن الجميع وسار في طيار إلى أخيه شَرف الدولة في خواصّه، فوصل إليه فلقيه وطيّب قلبه، فلمّا خرجَ مِن عنده قبض عليه، وأرسل إلى بغداد مَن يحتاط على دار المملكة، وسار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان، فنزل بالشفيعي وأخوه صمصام الدولة معه تحت الاعتقال، وكانت إمارته بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهراً.
الفِتنةُ بين الأتراك والدَيلم:
في هذه السَنة جرت فتنة بين الديلم والأتراك الذين مع شَرف الدولة ببغداد؛ وسببها أنّ الديلم اجتمعوا مع شَرف الدولة في خَلقٍ كثير بلغت عِدّتهم خمسة عشر ألف رجل، وكان الأتراك في ثلاثة آلاف، فاستطال عليهم الدَيلم، فجرت مُنازعة بين بعضهم في دار واصطبل، ثُمّ صارت إلى المُحاربة فاستظهر الديلم لكثرتهم، وأرادوا إخراج صمصام الدولة وإعادته إلى مَلكه، وبلغَ شَرف الدولة الخَبر، فوكّل بصمصام الدولة مَن يقتله إنْ همّ الديلم بإخراجه.
ثُمّ إنّ الديلم لمّا استظهروا على الأتراك تبعوهم فتشوشت صفوفهم، فعاد الأتراك عليهم مِن أمامهم وخَلفهم فانهزموا، وقُتل منهم زيادة على ثلاثة آلاف، ودخل الأتراك البلد فقتلوا مَن وجدوه منهم، ونهبوا أموالهم وتفرّق الديلم، فبعضهم اعتصم بشَرف الدولة وبعضهم سار عنه، فلمّا كان الغَد دخل شَرف الدولة بغداد والديلم المُعتصمون به معه، فخرج الطائع لله ولقيه وهنأه بالسلامة، وقبّل شَرف الدولة الأرض، وأخذ الديلم يذكرون صمصام الدولة.. فقيل لشَرف الدولة اقتله، وإلاّ مَلّكوه الأمر.
ثُمّ إنّ شَرف الدولة أصلح بين الطائفتين وحَلف بعضهم لبعض، وحمل صمصام الدولة إلى فارس فاعتُقِل في قلعة هناك، فرَدَّ شَرف الدولة على الشريف محمّد بن عمر جميع أملاكه وزاده عليها، وكان خراج أملاكه كُلّ سَنة ألفَي ألف وخمسمئة درهم، وردّ على النقيب أبي أحمد الموسوي أملاكه، وأقرّ الناس على مراتبهم ومنع الناس مِن السعايات ولم يقبلها، فأمِنوا وسكنوا ووزر له أبو منصور بن صالحان.
الحربُ بين بدر بن حسنويه وعسكر شَرف الدولة:
في هذه السَنة جهَّز شَرف الدولة عسكراً كثيفاً مع قراتكين الجهشياري - وهو مُقدّم عسكره وكبيرهم - وأمرهم بالمسير إلى بدر بن حسنويه وقتاله، وسبب ذلك أنّ شَرف الدولة كان حَنِقاً على بدر؛ لانحرافه عنه وميله إلى عمّه فَخر الدولة، فلمّا استقرّ مُلكه ببغداد وأطاعه الناس شرع في أمرِ بدر، وكان قراتكين قد جاوز الحدّ في التَحكّم والإدلال وحماية الناس على نوّاب شَرف الدولة، فرأى أنْ يُخرجه في هذا الوجه فإنْ ظَفر ببدر شفى غيظه منه، وإنْ ظفرَ به بدر استراح منه، فساروا نحو بدر، وتجهّز بدر وجمع العساكر، وتلاقيا على الوادي بقرميسين، فلمّا اقتتلوا انهزم بدر حتّى توارى عنه، وظنّ قراتكين وأصحابه أنّه مضى على وجهه، فنزلوا عن خيولهم وتفرّقوا في خيامهم، فلم يلبثوا إلاّ ساعة حتّى كرَّ بدر راجعاً إليهم، وأكبّ عليهم وأعجلهم عن الركوب، وقتل منهم مَقتلة عظيمة، واحتوى على جميع ما في عسكرهم، ونجا قراتكين في نَفر مِن غُلمانه، فبلغ جسر النهروان وأقام به حتّى اجتمع عليه المُنهزمون ودخل بغداد، واستولى بدر بعدَ ذلك على أعمال الجبل وما والاها، وقَويَت شوكته.
وأمّا قراتكين، فإنّه لمّا عاد مِن الهزيمة زاد إدلاله وتجنّيه، وأغرى العسكر بالشَغب والتوثّب على الوزير أبي منصور بن صالحان، فلقوه بما يكره فلاطفهم ودفعهم، وأصلح شَرف الدولة بين الوزير وبين قراتكين، وشرع في إعمال الحيلة على قراتكين، فلم تمضِ أيّام حتّى قَبض عليه وعلى جماعة مِن أصحابه وكُتّابه، وأخذ أموالهم وشَغب الجند لأجله، فقتله شَرف الدولة فسكنوا، وقَدّم عليهم طغان الحاجب فصلُحت طاعته.
طَمع باذ الكردي بالموصل:
في هذا السَنة تجدد لباذ الكُردي طَمعٌ في بلاد الموصل وغيرها، وسبب ذلك أنّ سعداً الحاجب توفّي بالموصل، فسَيّر إليها شَرف الدولة أبا نصر خواشاذه، وجهّز إليه العساكر، وكَتب يستمدّ مِن شَرف الدولة العساكر والأموال، فتأخّرت الأموال عنه، فأحضر العَرب مِن بني عقيل وأقطعهم البلاد ليمنعوا عنها، وانحدر باذ فاستولى على طور عبدين، ولم يقدر على النزول إلى الصحراء، وأرسل أخاه في عسكر فقاتلوا العَرب فقُتل أخوه
وانهزم عسكره، وأقام بعضهم مُقابل بعض، فبينما هُم كذلك إذ أتاهم الخَبر بموت شَرف الدولة، فعاد خواشاذه إلى الموصل وأظهر موته، وأقامت العَرب بالصحراء تمنع باذ مِن النزول إليها وباذ بالجبل، وكان خواشاذه يصلح أمره ليُعاود حرب باذ، فأتاه إبراهيم وأبو الحسين ابنا ناصر الدولة.
جُلوس الطائع لله جلوساً عامّاً لشَرف الدولة:
في هذه السَنة جَلس الطائع لله لشَرف الدولة جُلوساً عامّاً، وحضره أعيان الدولة وخَلع عليه، وحَلَف كُلّ واحد منهما لصاحبه.
القبض على شكر الخادم:
في هذه السَنة قَبض شَرف الدولة على شكر الخادم، وكان أخصّ الناس عند والده عَضُد الدولة وأقربهم إليه، يرجع إلى قوله ويعول عليه، وكان سَبب قَبضه أنّه كان في أيّام والده يَقصد شَرف الدولة ويُؤذيه، وهو الّذي تولّى إبعاده إلى كرمان مِن بغداد، وقام بأمر صمصام الدولة فحَقد عليه شَرف الدولة ذلك، فلمّا مَلك شَرف الدولة العراق اختفى شكر، فطلبه أشد الطلب فلم يوجد، وكان له جارية حبشيّة قد تزوّجها، فطلبها إليه فأقامت عنده مدّة تَخدمه، وكان قد عَلق بقلبها غيره، فصارت تأخذ المأكول وغيره وتحمله إلى حيث شاءت، فأحسّ بها شكر فلم يحتملها فضربها، فخرجت غضبى إلى باب دار شَرف الدولة فأخبرت بحال شكر، فأخذه وأُحضر عند شَرف الدولة، فأراد قتله فشفع فيه نحرير الخادم، فوهبه له واستأذنه في الحج فأذن له، فسار إلى مكّة ثُمّ منها إلى مصر، فنال هُناك منزلة كبيرة.
سَملُ صمصام الدولة:
سَنة ٣٧٩هـ كان نحرير الخادم يُشير على شَرف الدولة بقتل أخيه صمصام الدولة، وشرف الدولة يُعرض عن كلامه، فلمّا اعتلَّ شَرف الدولة واشتدّت علّته ألحّ عليه نحرير...، وقال له:
الدولة معه على خَطر، فإنْ لم تقتله فأسمله، فأرسل في ذلك محمّد الشيرازي الفراش، فمات شَرف الدولة قبل أنْ يَصل الفراش إلى صمصام الدولة، فلمّا وصل الفراش إلى القلعة التي بها صمصام الدولة لم يُقدِم على سمله، فاستشار أبا القاسم العلاء بن
الحسن الناظر هناك فأشار بذلك، فسَمله وكان صمصام الدولة يقول:
ما أعماني إلاّ العلاء؛ لأنّه أمضى في حُكم سلطان قد مات.
وفاة شَرف الدولة:
في مُستهلّ جمادى الآخرة سَنة ٣٧٩هـ توفّي المَلك شَرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن عَضُد الدولة مُستسقياً، وحُمِل إلى مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فدُفن به، وكانت إمارته بالعراق سنتَين وثمانية أشهُر، وكان عُمره ثمانياً وعشرين سَنة وخمسة أشهُر، ولمّا اشتدّت عِلّته سيَّر ولده أبا علي إلى بلاد فارس، وأصحبه الخزائن والعِدد وجماعة كثيرة مِن الأتراك، فلمّا أيسَ أصحابه منه اجتمع إليه أعيانُهم، وسألوه أنْ يُملّك أحداً..، فقال:
أنا في شُغل عمّا تدعونني إليه..، فقالوا له: ليأمُر أخاه بهاء الدولة أبا نصر أنْ ينوب عنه إلى أنْ يُعافى؛ ليحفظ الناس لئلاّ تثور فتنة، ففعل ذلك وتوقّف بهاء الدولة ثُمّ أجاب إليه، فلمّا مات جلس بهاء الدولة في المَملكة، وقعد للعزاء ورَكب الطائع لله أمير المؤمنين إلى العزاء في الزبزب فتلقّاه بهاء الدولة وقبّل الأرض بين يديه، وانحدر الطائع لله إلى داره وخَلع على بهاء الدولة خِلَع السَلطنة، وأقرّ بهاء الدولة أبا منصور بن صالحان على وزارته.
الرابع عشر مِن مُلوك بني بويه والسادس مِن مُلوكهم في العراق: أبو نَصر بهاءُ الدولة بن عَضُد الدولة
نابَ بهاء الدولة مناب أخيه شَرف الدولة في إدارة المَملكة في مَرضه - كما سبق بيان ذلك - وحين وفاته في سنة ٣٧٩هـ خلع عليه الطائع لله خِلَع السَلطنة، واستقرّت له ورسخت فيها قدمه، فكان السادس مِن مُلوك بني بويه في العراق.
مسير أبي عليّ بن شَرف الدولة إلى فارس وما كان منه مع صمصام الدولة:
لمّا اشتدّ مرضُ شَرف الدولة جهّز ولده الأمير أبا علي، وسيّره إلى فارس ومعه والدته وجواريه، وسَيّر معه مِن الأموال والجواهر والسلاح
أكثرها، فلمّا بَلغ البصرة أتاهم الخَبر بموت شَرف الدولة، فسيّر ما مَعه في البحر إلى أرجان، وسار هو مُجدّاً إلى أنْ وصل إليها، واجتمع معه مَن بها مِن الأتراك وساروا نحو شيراز، وكاتبهم مُتولّيها وهو أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ليُسلّمها إليهم، وكان المرتّبون في القلعة التي بها صمصام الدولة وأخوه أبو طاهر قد أطلقوهما ومعهما فولاذ، وساروا إلى سيراف واجتمع على صمصام الدولة كثير مِن الدَيلم، وسار الأمير أبو علي إلى شيراز، ووقعت الفتنة بها بين الأتراك والدَيلم، وخرج الأمير أبو علي مِن داره إلى معسكر الأتراك فنزل معهم، واجتمع الدَيلم وقصدوا ليأخذوه ويُسلّموه إلى صمصام الدولة، فرأوه قد انتقل إلى الأتراك، فكشفوا القِناع ونابذوا الأتراك، وجرى بينهم قتال عِدّة أيّام، ثُمّ سار أبو علي والأتراك إلى نسا فاستولوا عليها، وأخذوا ما بها مِن مال وقتلوا مِن بها مِن الدَيلم، وأخذوا أموالهم وسلاحهم فقووا بذلك، وسار أبو علي إلى أرجان، وعاد الأتراك إلى شيراز فقاتلوا صمصام الدولة ومَن معه مِن الدَيلم، ونهبوا البَلد وعادوا إلى أبي علي بأرجان، وأقاموا معه مديدة، ثُمّ وصل رسول مِن بهاء الدولة إلى أبي علي، وأدّى الرسالة وطيّب قَلبه ووعده، ثُمّ إنّه راسل الأتراك سِرّاً واستمالهم إلى نفسه وأطمعهم، فحسّنوا لأبي عليّ المسير إلى بهاء الدولة، فسار إليه فلقيه بوسط مُنتصف جمادى الآخرة سَنة ثمانين وثلاثمئة، فأنزله وأكرمه وتركه عِدّة أيام، وقبض عليه ثُمّ قتله بعد ذلك بيسير، وتجهّز بهاء الدولة للمسير إلى الأهواز لقصدِ بلاد فارس.
الفِتنة ببغداد بين الدَيلم والأتراك:
في هذه السَنة وقعت الفتنة ببغداد بين الأتراك والدَيلم، واشتدّ الأمرُ ودام القتال بينهم خمسة أيّام، وبهاء الدولة في داره يُراسلهم في الصُلح، فلم يسمعوا قوله وقُتل بعض رُسله.
ثُمّ إنّه خرج إلى الأتراك وحضر القِتال معهم، فاشتدّ حينئذ الأمر وعظم الشرّ، ثُمّ إنّه شَرع في الصُلح ورفق بالأتراك، وراسل الدَيلم فاستقرّ الحال بينهم، وحَلَف بعضهم لبعض، وكانت مُدّة الحَرب اثني عشر يوماً.
ثُمّ إنّ الدَيلم تفرّقوا فمضى فريق بعد فريق، وأخرج بعضهم وقبض على البعض، فضعُف أمرهم وقويت شوكة الأتراك واشتدّت حالهم.
مَسيرُ فَخر الدولةِ إلى العراق:
في هذه السَنة سار فَخر الدولة بن رُكن الدولة مِن الريّ إلى همذان عازماً على قصد العراق والاستيلاء عليها، وقد مرَّ الخَبر عن ذلك في أخبار فَخر الدولة فلا نعيده.
مُفردات بهاء الدولة:
في هذه السنة قَبض بهاء الدولة على أبي الحسن محمّد بن عمر العلوي الكوفي، وكان قد عظُم شأنه مع شَرف الدولة، واتسع جاهه وكثرت أمواله، فلمّا ولي بهاء الدولة سعى به أبو الحسن المُعلّم وأطمعه في أمواله ومُلكه، وعظم ذلك عنده وقبض عليه.
وفيها أسقط ما كان يُؤخذ مِن المراعي مِن سائر السَواد.
وفي سنة ٣٨٠هـ تغلّب أبو الذوّاد محمّد بن المسيّب بن عقيل على أبي طاهر بن حمدان بعد انهزامه مِن أبي عليّ بن مروان، واستولى على الموصل نائباً عن بهاء الدولة اسماً وله فيها الأمر والنهي دونه، وقد مرَّ ذلك في أخبار بني حمدان وبني المسّيب.
مسيرُ بهاءِ الدولةِ إلى الأهواز وما كان منه ومِن صمصام الدولة:
في هذه السنة ٣٨٠هـ سار بهاء الدولة عن بغداد إلى خوزستان عازماً على قصد فارس، واستخلف ببغداد أبا نصر خواشاذه، ووصل إلى البصرة ودخلها، وسار عنها إلى خوزستان، فأتاه نعيُ أخيه أبي طاهر فجلس للعزاء به، ودخل أرجان فاستولى عليها، وأخذ ما فيها مِن الأموال فكان ألف ألف دينار، وثمانية آلاف ألف درهم، ومِن الثياب والجواهر ما لا يُحصى، فلمّا عَلِم الجُند بذلك شَغبوا شغباً مُتتابعاً، فأُطلِقت تلك الأموال كلّها، لم ولم يبقَ منها إلاّ القليل، ثُمّ سارت مُقدّمته وعليها أبو العلاء بن الفضل إلى النوبنداجان وبها عساكر صمصام الدولة، فهزمهم وبثّ أصحابه في نواحي فارس، فسيّر إليهم صمصام الدولة عسكراً وعليهم فولاذ زماندار فواقعهم، فانهزم أبو العلاء وعاد مهزوماً، وكان سبب الهزيمة أنّه كان بين العسكرين وادٍ وعليه قنطرة، وكان أصحاب أبي العلاء يعبرون القنطرة ويَغيرون على
أثقال الدَيلم عسكر صمصام الدولة، فوضع فولاذ كميناً عند القنطرة، فلمّا عَبر أصحاب بهاء الدولة خرجوا عليهم فقتلوهم جميعاً، وراسل فولاذ أبا العلاء وخدعه، ثُمّ سار إليه وكَبسه فانهزم مِن بين يديه، وعاد إلى أرجان مهزوماً، وغلت الأسعار، ولمّا بلغَ الخبر إلى صمصام الدولة سار عن شيراز إلى فولاذ، وتردّدت الرُسل في الصُلح، فتمّ على أنْ يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان ولبهاء الدولة خوزستان العراق، وأنْ يكون لكلّ واحدٍ منها إقطاع في بَلد صاحبه، وحَلف كلُ واحد منهما لصاحبه، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز.
ولمّا سار بهاء الدولة عن بغداد ثارَ العيّارون بجانبي بغداد، ووقعت الفتن بين أهل السُنّة والشيعة وكثُر القتَل بينهم، وزالت الطاعة وأُحرقت عدّة محالّ ونُهبت الأموال وأُخرِبت المساكن، ودامَ ذلك عدّة شُهور إلى أنْ عادَ بهاءُ الدولة إلى بغداد.
قبضُ بهاءِ الدولةِ على الطائع لله:
في سنة ٣٨١هـ قبضَ بهاء الدولة على الطائع لله أبي بكر عبد الكريم، وكان سببُ ذلك أنّ الأمير بهاء الدولة قلّت عنده الأموال، فكثُرَ شغبُ الجُند، فقبض على وزيره سابور، فلم يُغنِ عنه ذلك شيئاً، وكان أبو الحسن بن المُعلّم قد غَلب على بهاء الدولة، وحَكم في مملكته، وحسَّن له القَبض على الطائع وأطمعه في ماله، وهوّن عليه ذلك وسهّله، فأقدم عليه بهاء الدولة، وأرسل إلى الطائع وسأله الإذن في الحُضور في خدمته ليُجدّد العهد به، فأذن له في ذلك، وجلس له كما جرتْ العادة، فدخل بهاء الدولة ومَعه جَمع كثير، فلمّا دخل قبّل الأرض وأُجلس على كُرسي، فدخل بعض الدَيلم كأنّه يُريد أنْ يُقبّل يدَ الخليفة، فجذبه فأنزله عن سريره، والخليفة يقول:
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وهو يَستغيث ولا يُلتفت إليه، وأُخذ ما في دار الخليفة مِن الذخائر، فمشوا به في الحال، ونَهب الناس بعضُهم بعضاً، وكان مِن جُملتهم الشريف الرضي، فبادر بالخُروج فسَلُم، وقال أبياتاً مِن جملتها:
مِن بَعد ما كان ربُّ التاج مُبتسم إلى أدنوه في النجوى ويُدنيني
أمسيتُ أرحمُ مَن قد كُنتُ أغبِطه لقد تقارب بين العزّ والهون
ومَنظرٌ كان بالسراءِ يُضحكني يا قرب ما عاد بالضرّاء يُبكيني
هيهات أغترُّ بالسلطان ثانيةً قد ضلَّ ولاّج أبواب السلاطين
ولمّا حُمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهدَّ عليه بالخلع، وبويعَ بعده للقادر بالله.
عودِ الدَيلم إلى الموصل:
كان بهاء الدولة قد أنفذ أبا جعفر الحجّاج بن هرمز في عسكر كثير إلى الموصل، وكان قد استقرّ حُكمها في يد أبي الذواد محمّد بن المسيّب، وأقرّه بهاء الدولة على ذلك بعد أنْ قَدّم له أبو الذواد الطاعة، فملكها آخر سَنة ٣٨١هـ، وقد ذكرنا خَبر ذلك في أخبار بني المسيّب فاطلبه هناك.
وجرت أُمور مِن بهاء الدولة على وُزرائه لم يكن فيها شيء مِن الحِكمة والتدبير، وكان كما قال ابن الأثير: أُذناً يسمع ما يُقال له ويفعل به، وحَسبه معرّة ما عامل به الطائع لله مِن الاحتقار والخلع على غير سَبب سوى الطَمع في أمواله، وفي ذِكر ذلك كلّه ما يَطول به الخطب.
مُلك صمصام الدولة خوزستان:
في سنة ٣٨٣هـ مَلك صمصام الدولة خوزستان، وكان سَبب نقض الصُلح أنّ بهاء الدولة سيّر أبا العلاء عبد الله بن الفضل إلى الأهواز، وتقدّم إليه بأنْ يكون مُستعدّاً لقصد بلاد فارس، وأعلمه أنّه يُسيّر إليه العساكر مُتفرّقين، فإذا اجتمعوا عنده سار بهم إلى بلاد فارس بغتة، فلا يَشعر صمصام الدولة إلاّ وهُم معه في بلاده، فسار أبو العلاء ولم يتهيّأ لبهاء الدولة إمداده بالعساكر وظَهر الخبر، فجّهز صمصام الدولة عسكره وسيّرهم إلى خوزستان، وكتبَ أبو العلاء إلى بهاء الدولة بالخَبر، ويطلب إمداده بالعساكر، فسيَّر إليه عسكراً كثيراً، ووصلتْ عساكر فارس فلقيهم أبو العلاء فانهزم هو وأصحابه، وأُخذ أسيراً وحُمل إلى صمصام الدولة، فأُلبس ثياباً مُصبّغة وطيف به، وسألت فيه والدة صمصام الدولة فلم يقتله واعتقله.
ولمّا سمع بهاء الدولة بذلك أزعجه وأقلقه وكانت خزانته قد خلت مِن الأموال فأرسل وزيره أبا نصر بن سابور إلى واسط ليحصل ما أمكنه وأعطاه رهوناً مِن الجواهر والأعلاق النفيسة ليقترض عليها مِن مُهذّب الدولة صاحب البطيحة، فلمّا وصل إلى واسط تَقرّب منها إلى مُهذّب الدولة، وترك ما معه مِن الرهون بحاله، وأرسل بهاء الدولة ورَهنها وأقرض عليها.
عَقدُ نِكاح القادر على بِنتِ بهاء الدولة:
في هذه السنة عقد النكاح للقادر على بنت بهاء الدولة، بصداق مَبلغه مئة ألف دينار، وكان العَقد بحضرة والولي النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى والد الرضي، وماتتْ قبل النقلة.
عودُ الأهواز إلى بهاء الدولة:
في سَنة ٣٨٤هـ مَلك بهاء الدولة الأهواز، وكان سَببه أنّه أنفذ عسكراً إليها عِدّتهم سبعمئة رجل، وقَدّم عليهم طغان التركي، فلمّا بَلغوا السوس رحل عنها أصحاب صمصام الدولة، فدخلها عسكر بهاء الدولة وانتشروا في أعمال خوزستان، وكان أكثرهم مِن التُرك، فعلت كَلمتهم على الدَيلم، وتوجّه صمصام الدولة إلى الأهواز ومعه عساكر الدَيلم وتميم وأسد، فلمّا بلغ تستر رحل ليلاً ليكبس الأتراك مِن عسكر بهاء الدولة، فَضَلّ الأدلاّء في الطريق فأصبح على بُعد منهم، ورآهم طلائع الأتراك فعادوا بالخَبر، فحَذِروا واجتمعوا واصطفّوا، وجعلوا مُقدّمهم واسمه طغان كميناً، فلمّا التقوا واقتتلوا خَرج الكمين على الدَيلم فكانت الهزيمة، وانهزم صمصام الدولة ومَن معه مِن الدَيلم، وكانوا أُلوفاً كثيرة استأمَن منهم أكثر مِن ألفَي رجُل، وغنم الأتراك مِن أثقالهم شيئاً كثيراً، وضَرب طغان للمُستَأمنة خِيَماً يسكنونها، فلمّا نزلوا اجتمع الأتراك وتشاوروا وقالوا:
هؤلاء أكثر مِن عدّتنا ونحن نخاف أنْ يثوروا بنا، واستقرّ رأيهم على قتلهم، فلم يَشعر الدَيلم إلاّ وقد أُلقيت الخيام عليهم، ووقع الأتراك فيهم بالعَمَد حتى أتوا عليهم فقتلوا كُلّهم، وورد الخَبر على بهاء الدولة وهو بواسط قد اقترض مالاً مِن مُهذّب الدولة، فلمّا سَمع ذلك سار إلى الأهواز، وكان طغان والأتراك قد مَلكوها قبل وصوله إليها.
وأمّا صمصام الدولة، فإنّه لبس السواد وسار إلى شيراز فدخلها، فغيّرت والدته ما عليه مِن السواد، وأقام يتجهّز للعود إلى أخيه بهاء الدولة بخوزستان.
الصهر بين بهاء الدولة ومُهذّب الدولة:
في هذه السَنة عقد النكاح لمُهذّب الدولة على ابنة بهاء الدولة، والأمير أبي منصور بويه بن بهاء الدولة على ابنة مُهذّب الدولة، وكان الصداق مِن كلّ جانب مئة ألف دينار.
عودُ صمصام الدولة إلى الأهواز:
في سنة ٣٨٥هـ جَهّز صمصام الدولة عساكره مِن الدَيلم، وردّهم إلى الأهواز مع العلاء بن الحسن، واتّفق أنّ طغان نائب بهاء الدولة بالأهواز عوفي، وعَزم مَن معه مِن الأتراك على العودة إلى بغداد، وكَتب مَن هناك إلى بهاء الدولة بالخبر فأقلقه ذلك وأزعجه، فأرسل أبا كاليجار المرزبان بن شهيفروز إلى الأهواز نائباً عنه، وأنفذ أبا محمّد الحسن بن مكرم إلى الفتكين وهو برامهرمز قد عاد مِن بين يَدي عسكر صمصام الدولة إليها يأمره بالمقام بموضعه، فلم يفعلْ وعاد إلى الأهواز، فكَتب إلى أبي محمّد بن مكرم بالنظر في الأعمال، وسار بَعدهم بهاء الدولة نحو خوزستان، فكاتبه العلاء وسلك طريق اللين والخداع، ثُمّ سار على نهر المسرقان إلى أنْ حصل بخان طوق، ووقعت الحرب بينه وبين أبي محمّد بن مكرم والفتكين، وزحف الدَيلم بين البساتين حتّى دخلوا البلد، وانزاح عنه ابن مكرم والفتكين، وكَتبا إلى بهاء الدولة يُشيران عليه بالعبور إليها فتوقّفَ عن ذلك ووعدهما به، وسيّر إليهما ثمانين غُلاماً مِن الأتراك، فعبروا وحملوا على الدَيلم مِن خَلفهم فأفرج لهم الدَيلم، فلمّا توسّطوا بينهم أطبقوا عليهم فقتلوهم، فلمّا عرف بهاء الدولة ذلك ضَعُفت نفسه، وعزم على العود ولم يُظهر ذلك، فأمر بإسراج الخيل وحَمل السلاح فَفُعل ذلك، وسار نحو الأهواز يسيراً ثُمّ عاد إلى البصرة فنزل بظاهرها، فلمّا عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عادَ إلى عسكر مكرم، وتبعهم العلاء والدَيلم فأجلوهم عنها، فنزلوا براملان بين عسكر مكرم وتستر.
وتَكرّرت الوقائع بين الفريقين مُدّة، وكان بيَد الأتراك أصحاب بهاء الدولة مِن تستر إلى رامهرمز، ومع الدَيلم منها إلى أرجان وأقاموا ستّة أشهر، ثُمّ رجعوا إلى الأهواز ثُمّ عبر بهم النهر إلى الدَيلم، واقتتلوا نحو شهرين، ثُمّ رحل الأتراك وتبعهم العلاء فوجدهم قد سلكوا طريق واسط، فكفّ عنهم وأقام بعسكر مكرم.
استيلاء صمصام الدولة على البصرة:
في سنة ٣٨٦هـ سار قائد كبير مِن قوّاد صمصام الدولة اسمه لشكرستان إلى البصرة، فأجلى عنها نوّاب بهاء الدولة، وسَبب ذلك أنّ الأتراك لمّا عادوا عن العلاء كان هذا لشكرستان مع العلاء، فأتاهم مِن
الدَيلم مع بهاء الدولة أربعمئة رجل مستأمنين، فأخذهم لشكرستان وسار بهم وبمَن معه إلى البصرة فكثر جَمعه، فنَزلوا قُرب البصرة بين البساتين يُقاتلون أصحاب بهاء الدولة، ومال إليهم بعض أهل البصرة، ومُقدّمهم أبو الحسن بن أبي جعفر العلوي، وكانوا يحملون إليهم الميرة، وعَلم بهاء الدولة بذلك فأنفذ مَن يَقبض عليه، فهرب كثير منهم إلى لشكرستان فقويَ بهم، وجمعوا السُفن وحملوه فيها ونزلوا إلى البصرة، فقاتلوا أصحاب بهاء الدولة بها وأخرجوهم عنها، ومَلك لشكرستان البصرة، وقتل مِن أهلها كثيراً وهربَ كثير منهم، وأخذ كثيراً مِن أموالهم، فكَتب بهاء الدولة إلى مُهذّب الدولة صاحب البطيحة يقول:
أنتَ أحقّ بالبصرة، فَسَيَّرَ إليها جيشاً مع عبد الله بن مرزوق..، وقيل إنّما فارقها فأجلى لشكرستان عن البصرة..، وقيل إنّه سار عن البصرة بغير حَرب، ودخلها ابن مرزوق..، وقيل إنّما فارقها بعد أنْ حارب فيها وضَعُف عن المقام بين يديه، وصفت البصرة لمُهذّب الدولة.
ثُمّ إنّ لشكرستان عَمل على العود إلى البصرة، فهجم عليها في السُفن، ونزل أصحابه بسوق الطعام، واقتتلوا فاستظهر لشكرستان، وكاتبَ بهاء الدولة يطلب المُصالحة، ويبذل الطاعة ويخطب له بالبصرة، فأجابه مُهذّب الدولة إلى ذلك، وأخذَ ابنه رهينة، وكان لشكرستان يُظهر طاعة صمصام الدولة وبهاء الدولة ومُهذّب الدولة، وعسفَ أهل البصرة مدّة فتفرّقوا، ثُمّ إنّه أحسن إليهم وعدل فيهم فعادوا.
وفي هذه السنة مَلك المقلد بن المسيّب الموصل، وقد مرّ خَبر ذلك في أخبار بني المسيّب.
وفي سنة ٣٨٧هـ خَرج أبو الحسن عليّ بن مزيد عن طاعة بهاء الدولة، وسبقَ الخَبر عن ذلك في مكانه فلا نُعيده.
مسيرُ بهاءِ الدولةِ إلى واسط:
في سنة ٣٨٨هـ عاد أبو عليّ بن إسماعيل إلى طاعة بهاء الدولة وهو بواسط، فوزرَ له ودبّر أمره، وأشار عليه بالمسير إلى أبي محمّد بن مكرم ومَن معه مِن الجُند ومساعدتهم ففعل ذلك، وسار على كُره وضيق فنزل بالقنطرة البيضاء، وثبت أبو عليّ بن أستاذ هرمز وعسكره، وجرى لهم معه وقائع كثيرة، وضاق الأمر ببهاء الدولة وتعذّرت عليه الأقوات، فاستمدّ بدر بن حسنويه فأنفذ إليه شيئاً قام ببعض ما يُريده، وأشرف بهاء الدولة على الخَطر،
وسعى أعداء أبي عليّ بن إسماعيل به حتّى كاد يبطش به، فتجدّد مِن أمر ابنَي بختيار وقتل صمصام الدولة ما أتاه به الفرج مِن حيث لم يحتسب، وصَلح أمرُ أبي علي عنده واجتمعت الكلمة عليه.
مَقتل صمصام الدولة:
في هذه السنة في ذي الحجّة قُتِل صمصام الدولة بن عَضُد الدولة، وسَبب ذلك أنّ جماعة كثيرة مِن الدَيلم استوحشوا مِن صمصام الدولة؛ لأنّه أمرَ بعرضهم وإسقاط مَن ليس بصحيح النَسب، فأسقط منهم مقدار ألف رجل، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون، واتّفق أنّ أبا القاسم وأبا نصر ابنَي عِزّ الدولة - بختيار - كانا مقبوضين، فخدعا الموكّلين بهما في القلعة، فأفرجوا عنهما، فجمعا لفيفاً مِن الأكراد، واتّصل خبرهما بالّذين أُسقطوا مِن الدَيلم فأتوهم، وقصدوا إلى أرجان فاجتمعت عليها العساكر، وتحيّر صمصام الدولة ولم يكن عنده مَن يُدبّره، وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مُقيماً بنسا، فأشار عليه بعض مَن عنده بتفريق ما عنده مِن المال في الرجال، والمسير إلى صمصام الدولة وأخذه إلى عسكره بالأهواز، وخوف إنْ لم يفعل ذلك فشحّ بالمال، فثار به الجُند ونهبوا داره وهربوا، فاختفى فأُخذ وأُتي به إلى ابنَي بختيار فحُبس ثُمّ احتال فنجا.
وأمّا صمصام الدولة، فإنّه أشار عليه أصحابه بالصعود إلى القلعة التي على باب شيراز، والامتناع بها إلى أنْ يأتي عسكره ومَن يمنعه، فأراد الصُعود إليها فلم يُمكّنه المستحفظ بها، وكان معه ثلاثمئة رجل فقالوا له:
الرأي أنّنا نأخذك ووالدتك ونسير إلى أبي عليّ بن أستاذ هرمز، وأشار بعضهم بقصد الأتراك وأخذهم والتَقوّي بهم ففعل ذلك، وخرج معهم بخزائنه وأمواله فنهبوه، وأرادوا أخذه فهَرب، وسار إلى الدودمان على مرحلتين مِن شيراز، وعَرف أبو نصر بن بختيار الخبر فبادر إلى شيراز، ووثبَ رئيس الدودمان - واسمه طاهر - بصمصام الدولة فأخذه، وأتاه أبو نصر بن بختيار وأخذه منه فقتله في ذي الحجّة، فلمّا حُمل رأسه إليه قال:
هذه سُنّة سنّها أبوك - يعني ما كان مِن قتل عَضُد الدولة بختيار - وكان عُمر صمصام الدولة خمساً وثلاثين سَنة وسبعة أشهر، ومُدّة إمارته بفارس تسع سنين وثمانية أيّام، وكان كريماً حليماً.
وأمّا والدته، فسُلّمت إلى بعض قوّاد الدَيلم، فقتلها وبنى عليها دكّة في داره، فلمّا مَلك بهاء الدولة فارس أخرجها ودفنها في تربة بني بويه.
مِلكُ بهاءِ الدولةِ فارس وخوزستان:
في سنة ٣٨٩هـ دخلَ الدَيلم مع أبي عليّ بن أستاذ هرمز بالأهواز في طاعة بهاء الدولة، وكان سَبب ذلك أنّ ابنَي بختيار لمّا قَتلا صمصام الدولة ومَلكا بلاد فارس كَتبا إلى أبي عليّ بن أستاذ هرمز بالخَبر، ويُذكر أنّ تعويلهما عليه واعتضادهما به، ويأمرانه بأخذ اليمين لهما على مَن معه مِن الدَيلم والمُقام بمكانه والجدّ بمحاربة بهاء الدولة، فخافهما أبو علي لِما كان أسلفه إليهما مِن قبل أخويهما وأسرِهما، فجَمعَ الدَيلم الذين معه وأخبرهم الحال واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا بطاعة ابني بختيار ومُقاتلة بهاء الدولة، فلم يوافقهم على ذلك، ورأى أنْ يُراسل بهاء الدولة ويستميله ويحلفه لهم، فقالوا:
إنّا نخاف الأتراك وقد عرفتَ ما بيننا وبينهم، فسكت عنهم وتفرّقوا، وراسله بهاء الدولة يستميله ويبذل له وللديلم الأمان والإحسان، وتردّدت الرُسل، وقال بهاء الدولة:
إنّ ثاري وثاركم عند مَن قتل أخي فلا عُذر لكم في التَخلّف عن الأخذ بثاره، واستمال الدَيلم فأجابوه إلى الدُخول في طاعته، وأنفذوا جماعة مِن أعيانهم إلى بهاء الدولة فحلفوه واستوثقوا منه، وكتبوا إلى أصحابهم المُقيمين بالسوس بصورة الحال، وركب بهاء الدولة مِن الغد إلى باب السوس رجاء أنْ يَخرج مَنْ فيه إلى طاعته، فَخرجوا إليه في السلاح وقاتلوه قتالاً شديداً لم يُقاتلوا مثله فضاق صدره، فقيل له:
إنّ هذه عادة الدَيلم، أنْ يشتدّ قتالهم عند الصُلح؛ لئلاّ يُظنّ بهم، ثُمّ كفّوا عن القتال وأرسلوا مَن يُحلفه لهم، ونزلوا إلى خِدمته، واختلط العسكران وساروا إلى الأهواز، فقرّر أبو عليّ بن إسماعيل أمورها وقسّم الإقطاعات بين الأتراك والدَيلم، ثُمّ ساروا إلى رامهرمز فاستولوا عليها وعلى أرجان وغيرها مِن بلاد خوزستان، وسار أبو عليّ بن إسماعيل إلى شيراز فنزل بظاهرها، فَخرج إليه ابنا بختيار في أصحابهما فحاربوه، فلمّا اشتدّت الحرب مال بعضُ مَن معهما إليه، ودخل بعضُ أصحابه البلد ونادوا بشعار بهاء الدولة، وكان النقيب أبو أحمد الموسوي بشيراز قد وردها رسولاً مِن بهاء الدولة إلى صمصام الدولة، فلمّا قَتل صمصام الدولة كان بشيراز، فلمّا سَمع النداء بشعار بهاء الدولة ظنّ أنّ الفتح قد تَمّ، فقصد الجامع - وكان يوم الجمعة - وأقام الخُطبة لبهاء الدولة، ثُمّ عاد ابنا بختيار واجتمع إليهما أصحابهما، فخاف النقيب فاختفى، وحُمِل في سَلّة إلى أبي
الحسن الناظر هناك فأشار بذلك، فسَمله وكان صمصام الدولة يقول:
ما أعماني إلاّ العلاء؛ لأنّه أمضى في حُكم سلطان قد مات.
وفاة شَرف الدولة:
في مُستهلّ جمادى الآخرة سَنة ٣٧٩هـ توفّي المَلك شَرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل بن عَضُد الدولة مُستسقياً، وحُمِل إلى مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فدُفن به، وكانت إمارته بالعراق سنتَين وثمانية أشهُر، وكان عُمره ثمانياً وعشرين سَنة وخمسة أشهُر، ولمّا اشتدّت عِلّته سيَّر ولده أبا علي إلى بلاد فارس، وأصحبه الخزائن والعِدد وجماعة كثيرة مِن الأتراك، فلمّا أيسَ أصحابه منه اجتمع إليه أعيانُهم، وسألوه أنْ يُملّك أحداً..، فقال:
أنا في شُغل عمّا تدعونني إليه..، فقالوا له: ليأمُر أخاه بهاء الدولة أبا نصر أنْ ينوب عنه إلى أنْ يُعافى؛ ليحفظ الناس لئلاّ تثور فتنة، ففعل ذلك وتوقّف بهاء الدولة ثُمّ أجاب إليه، فلمّا مات جلس بهاء الدولة في المَملكة، وقعد للعزاء ورَكب الطائع لله أمير المؤمنين إلى العزاء في الزبزب فتلقّاه بهاء الدولة وقبّل الأرض بين يديه، وانحدر الطائع لله إلى داره وخَلع على بهاء الدولة خِلَع السَلطنة، وأقرّ بهاء الدولة أبا منصور بن صالحان على وزارته.
الرابع عشر مِن مُلوك بني بويه والسادس مِن مُلوكهم في العراق: أبو نَصر بهاءُ الدولة بن عَضُد الدولة
نابَ بهاء الدولة مناب أخيه شَرف الدولة في إدارة المَملكة في مَرضه - كما سبق بيان ذلك - وحين وفاته في سنة ٣٧٩هـ خلع عليه الطائع لله خِلَع السَلطنة، واستقرّت له ورسخت فيها قدمه، فكان السادس مِن مُلوك بني بويه في العراق.
مسير أبي عليّ بن شَرف الدولة إلى فارس وما كان منه مع صمصام الدولة:
لمّا اشتدّ مرضُ شَرف الدولة جهّز ولده الأمير أبا علي، وسيّره إلى فارس ومعه والدته وجواريه، وسَيّر معه مِن الأموال والجواهر والسلاح
أكثرها، فلمّا بَلغ البصرة أتاهم الخَبر بموت شَرف الدولة، فسيّر ما مَعه في البحر إلى أرجان، وسار هو مُجدّاً إلى أنْ وصل إليها، واجتمع معه مَن بها مِن الأتراك وساروا نحو شيراز، وكاتبهم مُتولّيها وهو أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ليُسلّمها إليهم، وكان المرتّبون في القلعة التي بها صمصام الدولة وأخوه أبو طاهر قد أطلقوهما ومعهما فولاذ، وساروا إلى سيراف واجتمع على صمصام الدولة كثير مِن الدَيلم، وسار الأمير أبو علي إلى شيراز، ووقعت الفتنة بها بين الأتراك والدَيلم، وخرج الأمير أبو علي مِن داره إلى معسكر الأتراك فنزل معهم، واجتمع الدَيلم وقصدوا ليأخذوه ويُسلّموه إلى صمصام الدولة، فرأوه قد انتقل إلى الأتراك، فكشفوا القِناع ونابذوا الأتراك، وجرى بينهم قتال عِدّة أيّام، ثُمّ سار أبو علي والأتراك إلى نسا فاستولوا عليها، وأخذوا ما بها مِن مال وقتلوا مِن بها مِن الدَيلم، وأخذوا أموالهم وسلاحهم فقووا بذلك، وسار أبو علي إلى أرجان، وعاد الأتراك إلى شيراز فقاتلوا صمصام الدولة ومَن معه مِن الدَيلم، ونهبوا البَلد وعادوا إلى أبي علي بأرجان، وأقاموا معه مديدة، ثُمّ وصل رسول مِن بهاء الدولة إلى أبي علي، وأدّى الرسالة وطيّب قَلبه ووعده، ثُمّ إنّه راسل الأتراك سِرّاً واستمالهم إلى نفسه وأطمعهم، فحسّنوا لأبي عليّ المسير إلى بهاء الدولة، فسار إليه فلقيه بوسط مُنتصف جمادى الآخرة سَنة ثمانين وثلاثمئة، فأنزله وأكرمه وتركه عِدّة أيام، وقبض عليه ثُمّ قتله بعد ذلك بيسير، وتجهّز بهاء الدولة للمسير إلى الأهواز لقصدِ بلاد فارس.
الفِتنة ببغداد بين الدَيلم والأتراك:
في هذه السَنة وقعت الفتنة ببغداد بين الأتراك والدَيلم، واشتدّ الأمرُ ودام القتال بينهم خمسة أيّام، وبهاء الدولة في داره يُراسلهم في الصُلح، فلم يسمعوا قوله وقُتل بعض رُسله.
ثُمّ إنّه خرج إلى الأتراك وحضر القِتال معهم، فاشتدّ حينئذ الأمر وعظم الشرّ، ثُمّ إنّه شَرع في الصُلح ورفق بالأتراك، وراسل الدَيلم فاستقرّ الحال بينهم، وحَلَف بعضهم لبعض، وكانت مُدّة الحَرب اثني عشر يوماً.
ثُمّ إنّ الدَيلم تفرّقوا فمضى فريق بعد فريق، وأخرج بعضهم وقبض على البعض، فضعُف أمرهم وقويت شوكة الأتراك واشتدّت حالهم.
مَسيرُ فَخر الدولةِ إلى العراق:
في هذه السَنة سار فَخر الدولة بن رُكن الدولة مِن الريّ إلى همذان عازماً على قصد العراق والاستيلاء عليها، وقد مرَّ الخَبر عن ذلك في أخبار فَخر الدولة فلا نعيده.
مُفردات بهاء الدولة:
في هذه السنة قَبض بهاء الدولة على أبي الحسن محمّد بن عمر العلوي الكوفي، وكان قد عظُم شأنه مع شَرف الدولة، واتسع جاهه وكثرت أمواله، فلمّا ولي بهاء الدولة سعى به أبو الحسن المُعلّم وأطمعه في أمواله ومُلكه، وعظم ذلك عنده وقبض عليه.
وفيها أسقط ما كان يُؤخذ مِن المراعي مِن سائر السَواد.
وفي سنة ٣٨٠هـ تغلّب أبو الذوّاد محمّد بن المسيّب بن عقيل على أبي طاهر بن حمدان بعد انهزامه مِن أبي عليّ بن مروان، واستولى على الموصل نائباً عن بهاء الدولة اسماً وله فيها الأمر والنهي دونه، وقد مرَّ ذلك في أخبار بني حمدان وبني المسّيب.
مسيرُ بهاءِ الدولةِ إلى الأهواز وما كان منه ومِن صمصام الدولة:
في هذه السنة ٣٨٠هـ سار بهاء الدولة عن بغداد إلى خوزستان عازماً على قصد فارس، واستخلف ببغداد أبا نصر خواشاذه، ووصل إلى البصرة ودخلها، وسار عنها إلى خوزستان، فأتاه نعيُ أخيه أبي طاهر فجلس للعزاء به، ودخل أرجان فاستولى عليها، وأخذ ما فيها مِن الأموال فكان ألف ألف دينار، وثمانية آلاف ألف درهم، ومِن الثياب والجواهر ما لا يُحصى، فلمّا عَلِم الجُند بذلك شَغبوا شغباً مُتتابعاً، فأُطلِقت تلك الأموال كلّها، لم ولم يبقَ منها إلاّ القليل، ثُمّ سارت مُقدّمته وعليها أبو العلاء بن الفضل إلى النوبنداجان وبها عساكر صمصام الدولة، فهزمهم وبثّ أصحابه في نواحي فارس، فسيّر إليهم صمصام الدولة عسكراً وعليهم فولاذ زماندار فواقعهم، فانهزم أبو العلاء وعاد مهزوماً، وكان سبب الهزيمة أنّه كان بين العسكرين وادٍ وعليه قنطرة، وكان أصحاب أبي العلاء يعبرون القنطرة ويَغيرون على
أثقال الدَيلم عسكر صمصام الدولة، فوضع فولاذ كميناً عند القنطرة، فلمّا عَبر أصحاب بهاء الدولة خرجوا عليهم فقتلوهم جميعاً، وراسل فولاذ أبا العلاء وخدعه، ثُمّ سار إليه وكَبسه فانهزم مِن بين يديه، وعاد إلى أرجان مهزوماً، وغلت الأسعار، ولمّا بلغَ الخبر إلى صمصام الدولة سار عن شيراز إلى فولاذ، وتردّدت الرُسل في الصُلح، فتمّ على أنْ يكون لصمصام الدولة بلاد فارس وأرجان ولبهاء الدولة خوزستان العراق، وأنْ يكون لكلّ واحدٍ منها إقطاع في بَلد صاحبه، وحَلف كلُ واحد منهما لصاحبه، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز.
ولمّا سار بهاء الدولة عن بغداد ثارَ العيّارون بجانبي بغداد، ووقعت الفتن بين أهل السُنّة والشيعة وكثُر القتَل بينهم، وزالت الطاعة وأُحرقت عدّة محالّ ونُهبت الأموال وأُخرِبت المساكن، ودامَ ذلك عدّة شُهور إلى أنْ عادَ بهاءُ الدولة إلى بغداد.
قبضُ بهاءِ الدولةِ على الطائع لله:
في سنة ٣٨١هـ قبضَ بهاء الدولة على الطائع لله أبي بكر عبد الكريم، وكان سببُ ذلك أنّ الأمير بهاء الدولة قلّت عنده الأموال، فكثُرَ شغبُ الجُند، فقبض على وزيره سابور، فلم يُغنِ عنه ذلك شيئاً، وكان أبو الحسن بن المُعلّم قد غَلب على بهاء الدولة، وحَكم في مملكته، وحسَّن له القَبض على الطائع وأطمعه في ماله، وهوّن عليه ذلك وسهّله، فأقدم عليه بهاء الدولة، وأرسل إلى الطائع وسأله الإذن في الحُضور في خدمته ليُجدّد العهد به، فأذن له في ذلك، وجلس له كما جرتْ العادة، فدخل بهاء الدولة ومَعه جَمع كثير، فلمّا دخل قبّل الأرض وأُجلس على كُرسي، فدخل بعض الدَيلم كأنّه يُريد أنْ يُقبّل يدَ الخليفة، فجذبه فأنزله عن سريره، والخليفة يقول:
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وهو يَستغيث ولا يُلتفت إليه، وأُخذ ما في دار الخليفة مِن الذخائر، فمشوا به في الحال، ونَهب الناس بعضُهم بعضاً، وكان مِن جُملتهم الشريف الرضي، فبادر بالخُروج فسَلُم، وقال أبياتاً مِن جملتها:
مِن بَعد ما كان ربُّ التاج مُبتسم إلى أدنوه في النجوى ويُدنيني
أمسيتُ أرحمُ مَن قد كُنتُ أغبِطه لقد تقارب بين العزّ والهون
ومَنظرٌ كان بالسراءِ يُضحكني يا قرب ما عاد بالضرّاء يُبكيني
هيهات أغترُّ بالسلطان ثانيةً قد ضلَّ ولاّج أبواب السلاطين
ولمّا حُمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهدَّ عليه بالخلع، وبويعَ بعده للقادر بالله.
عودِ الدَيلم إلى الموصل:
كان بهاء الدولة قد أنفذ أبا جعفر الحجّاج بن هرمز في عسكر كثير إلى الموصل، وكان قد استقرّ حُكمها في يد أبي الذواد محمّد بن المسيّب، وأقرّه بهاء الدولة على ذلك بعد أنْ قَدّم له أبو الذواد الطاعة، فملكها آخر سَنة ٣٨١هـ، وقد ذكرنا خَبر ذلك في أخبار بني المسيّب فاطلبه هناك.
وجرت أُمور مِن بهاء الدولة على وُزرائه لم يكن فيها شيء مِن الحِكمة والتدبير، وكان كما قال ابن الأثير: أُذناً يسمع ما يُقال له ويفعل به، وحَسبه معرّة ما عامل به الطائع لله مِن الاحتقار والخلع على غير سَبب سوى الطَمع في أمواله، وفي ذِكر ذلك كلّه ما يَطول به الخطب.
مُلك صمصام الدولة خوزستان:
في سنة ٣٨٣هـ مَلك صمصام الدولة خوزستان، وكان سَبب نقض الصُلح أنّ بهاء الدولة سيّر أبا العلاء عبد الله بن الفضل إلى الأهواز، وتقدّم إليه بأنْ يكون مُستعدّاً لقصد بلاد فارس، وأعلمه أنّه يُسيّر إليه العساكر مُتفرّقين، فإذا اجتمعوا عنده سار بهم إلى بلاد فارس بغتة، فلا يَشعر صمصام الدولة إلاّ وهُم معه في بلاده، فسار أبو العلاء ولم يتهيّأ لبهاء الدولة إمداده بالعساكر وظَهر الخبر، فجّهز صمصام الدولة عسكره وسيّرهم إلى خوزستان، وكتبَ أبو العلاء إلى بهاء الدولة بالخَبر، ويطلب إمداده بالعساكر، فسيَّر إليه عسكراً كثيراً، ووصلتْ عساكر فارس فلقيهم أبو العلاء فانهزم هو وأصحابه، وأُخذ أسيراً وحُمل إلى صمصام الدولة، فأُلبس ثياباً مُصبّغة وطيف به، وسألت فيه والدة صمصام الدولة فلم يقتله واعتقله.
ولمّا سمع بهاء الدولة بذلك أزعجه وأقلقه وكانت خزانته قد خلت مِن الأموال فأرسل وزيره أبا نصر بن سابور إلى واسط ليحصل ما أمكنه وأعطاه رهوناً مِن الجواهر والأعلاق النفيسة ليقترض عليها مِن مُهذّب الدولة صاحب البطيحة، فلمّا وصل إلى واسط تَقرّب منها إلى مُهذّب الدولة، وترك ما معه مِن الرهون بحاله، وأرسل بهاء الدولة ورَهنها وأقرض عليها.
عَقدُ نِكاح القادر على بِنتِ بهاء الدولة:
في هذه السنة عقد النكاح للقادر على بنت بهاء الدولة، بصداق مَبلغه مئة ألف دينار، وكان العَقد بحضرة والولي النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى والد الرضي، وماتتْ قبل النقلة.
عودُ الأهواز إلى بهاء الدولة:
في سَنة ٣٨٤هـ مَلك بهاء الدولة الأهواز، وكان سَببه أنّه أنفذ عسكراً إليها عِدّتهم سبعمئة رجل، وقَدّم عليهم طغان التركي، فلمّا بَلغوا السوس رحل عنها أصحاب صمصام الدولة، فدخلها عسكر بهاء الدولة وانتشروا في أعمال خوزستان، وكان أكثرهم مِن التُرك، فعلت كَلمتهم على الدَيلم، وتوجّه صمصام الدولة إلى الأهواز ومعه عساكر الدَيلم وتميم وأسد، فلمّا بلغ تستر رحل ليلاً ليكبس الأتراك مِن عسكر بهاء الدولة، فَضَلّ الأدلاّء في الطريق فأصبح على بُعد منهم، ورآهم طلائع الأتراك فعادوا بالخَبر، فحَذِروا واجتمعوا واصطفّوا، وجعلوا مُقدّمهم واسمه طغان كميناً، فلمّا التقوا واقتتلوا خَرج الكمين على الدَيلم فكانت الهزيمة، وانهزم صمصام الدولة ومَن معه مِن الدَيلم، وكانوا أُلوفاً كثيرة استأمَن منهم أكثر مِن ألفَي رجُل، وغنم الأتراك مِن أثقالهم شيئاً كثيراً، وضَرب طغان للمُستَأمنة خِيَماً يسكنونها، فلمّا نزلوا اجتمع الأتراك وتشاوروا وقالوا:
هؤلاء أكثر مِن عدّتنا ونحن نخاف أنْ يثوروا بنا، واستقرّ رأيهم على قتلهم، فلم يَشعر الدَيلم إلاّ وقد أُلقيت الخيام عليهم، ووقع الأتراك فيهم بالعَمَد حتى أتوا عليهم فقتلوا كُلّهم، وورد الخَبر على بهاء الدولة وهو بواسط قد اقترض مالاً مِن مُهذّب الدولة، فلمّا سَمع ذلك سار إلى الأهواز، وكان طغان والأتراك قد مَلكوها قبل وصوله إليها.
وأمّا صمصام الدولة، فإنّه لبس السواد وسار إلى شيراز فدخلها، فغيّرت والدته ما عليه مِن السواد، وأقام يتجهّز للعود إلى أخيه بهاء الدولة بخوزستان.
الصهر بين بهاء الدولة ومُهذّب الدولة:
في هذه السَنة عقد النكاح لمُهذّب الدولة على ابنة بهاء الدولة، والأمير أبي منصور بويه بن بهاء الدولة على ابنة مُهذّب الدولة، وكان الصداق مِن كلّ جانب مئة ألف دينار.
عودُ صمصام الدولة إلى الأهواز:
في سنة ٣٨٥هـ جَهّز صمصام الدولة عساكره مِن الدَيلم، وردّهم إلى الأهواز مع العلاء بن الحسن، واتّفق أنّ طغان نائب بهاء الدولة بالأهواز عوفي، وعَزم مَن معه مِن الأتراك على العودة إلى بغداد، وكَتب مَن هناك إلى بهاء الدولة بالخبر فأقلقه ذلك وأزعجه، فأرسل أبا كاليجار المرزبان بن شهيفروز إلى الأهواز نائباً عنه، وأنفذ أبا محمّد الحسن بن مكرم إلى الفتكين وهو برامهرمز قد عاد مِن بين يَدي عسكر صمصام الدولة إليها يأمره بالمقام بموضعه، فلم يفعلْ وعاد إلى الأهواز، فكَتب إلى أبي محمّد بن مكرم بالنظر في الأعمال، وسار بَعدهم بهاء الدولة نحو خوزستان، فكاتبه العلاء وسلك طريق اللين والخداع، ثُمّ سار على نهر المسرقان إلى أنْ حصل بخان طوق، ووقعت الحرب بينه وبين أبي محمّد بن مكرم والفتكين، وزحف الدَيلم بين البساتين حتّى دخلوا البلد، وانزاح عنه ابن مكرم والفتكين، وكَتبا إلى بهاء الدولة يُشيران عليه بالعبور إليها فتوقّفَ عن ذلك ووعدهما به، وسيّر إليهما ثمانين غُلاماً مِن الأتراك، فعبروا وحملوا على الدَيلم مِن خَلفهم فأفرج لهم الدَيلم، فلمّا توسّطوا بينهم أطبقوا عليهم فقتلوهم، فلمّا عرف بهاء الدولة ذلك ضَعُفت نفسه، وعزم على العود ولم يُظهر ذلك، فأمر بإسراج الخيل وحَمل السلاح فَفُعل ذلك، وسار نحو الأهواز يسيراً ثُمّ عاد إلى البصرة فنزل بظاهرها، فلمّا عرف ابن مكرم خبر بهاء الدولة عادَ إلى عسكر مكرم، وتبعهم العلاء والدَيلم فأجلوهم عنها، فنزلوا براملان بين عسكر مكرم وتستر.
وتَكرّرت الوقائع بين الفريقين مُدّة، وكان بيَد الأتراك أصحاب بهاء الدولة مِن تستر إلى رامهرمز، ومع الدَيلم منها إلى أرجان وأقاموا ستّة أشهر، ثُمّ رجعوا إلى الأهواز ثُمّ عبر بهم النهر إلى الدَيلم، واقتتلوا نحو شهرين، ثُمّ رحل الأتراك وتبعهم العلاء فوجدهم قد سلكوا طريق واسط، فكفّ عنهم وأقام بعسكر مكرم.
استيلاء صمصام الدولة على البصرة:
في سنة ٣٨٦هـ سار قائد كبير مِن قوّاد صمصام الدولة اسمه لشكرستان إلى البصرة، فأجلى عنها نوّاب بهاء الدولة، وسَبب ذلك أنّ الأتراك لمّا عادوا عن العلاء كان هذا لشكرستان مع العلاء، فأتاهم مِن
الدَيلم مع بهاء الدولة أربعمئة رجل مستأمنين، فأخذهم لشكرستان وسار بهم وبمَن معه إلى البصرة فكثر جَمعه، فنَزلوا قُرب البصرة بين البساتين يُقاتلون أصحاب بهاء الدولة، ومال إليهم بعض أهل البصرة، ومُقدّمهم أبو الحسن بن أبي جعفر العلوي، وكانوا يحملون إليهم الميرة، وعَلم بهاء الدولة بذلك فأنفذ مَن يَقبض عليه، فهرب كثير منهم إلى لشكرستان فقويَ بهم، وجمعوا السُفن وحملوه فيها ونزلوا إلى البصرة، فقاتلوا أصحاب بهاء الدولة بها وأخرجوهم عنها، ومَلك لشكرستان البصرة، وقتل مِن أهلها كثيراً وهربَ كثير منهم، وأخذ كثيراً مِن أموالهم، فكَتب بهاء الدولة إلى مُهذّب الدولة صاحب البطيحة يقول:
أنتَ أحقّ بالبصرة، فَسَيَّرَ إليها جيشاً مع عبد الله بن مرزوق..، وقيل إنّما فارقها فأجلى لشكرستان عن البصرة..، وقيل إنّه سار عن البصرة بغير حَرب، ودخلها ابن مرزوق..، وقيل إنّما فارقها بعد أنْ حارب فيها وضَعُف عن المقام بين يديه، وصفت البصرة لمُهذّب الدولة.
ثُمّ إنّ لشكرستان عَمل على العود إلى البصرة، فهجم عليها في السُفن، ونزل أصحابه بسوق الطعام، واقتتلوا فاستظهر لشكرستان، وكاتبَ بهاء الدولة يطلب المُصالحة، ويبذل الطاعة ويخطب له بالبصرة، فأجابه مُهذّب الدولة إلى ذلك، وأخذَ ابنه رهينة، وكان لشكرستان يُظهر طاعة صمصام الدولة وبهاء الدولة ومُهذّب الدولة، وعسفَ أهل البصرة مدّة فتفرّقوا، ثُمّ إنّه أحسن إليهم وعدل فيهم فعادوا.
وفي هذه السنة مَلك المقلد بن المسيّب الموصل، وقد مرّ خَبر ذلك في أخبار بني المسيّب.
وفي سنة ٣٨٧هـ خَرج أبو الحسن عليّ بن مزيد عن طاعة بهاء الدولة، وسبقَ الخَبر عن ذلك في مكانه فلا نُعيده.
مسيرُ بهاءِ الدولةِ إلى واسط:
في سنة ٣٨٨هـ عاد أبو عليّ بن إسماعيل إلى طاعة بهاء الدولة وهو بواسط، فوزرَ له ودبّر أمره، وأشار عليه بالمسير إلى أبي محمّد بن مكرم ومَن معه مِن الجُند ومساعدتهم ففعل ذلك، وسار على كُره وضيق فنزل بالقنطرة البيضاء، وثبت أبو عليّ بن أستاذ هرمز وعسكره، وجرى لهم معه وقائع كثيرة، وضاق الأمر ببهاء الدولة وتعذّرت عليه الأقوات، فاستمدّ بدر بن حسنويه فأنفذ إليه شيئاً قام ببعض ما يُريده، وأشرف بهاء الدولة على الخَطر،
وسعى أعداء أبي عليّ بن إسماعيل به حتّى كاد يبطش به، فتجدّد مِن أمر ابنَي بختيار وقتل صمصام الدولة ما أتاه به الفرج مِن حيث لم يحتسب، وصَلح أمرُ أبي علي عنده واجتمعت الكلمة عليه.
مَقتل صمصام الدولة:
في هذه السنة في ذي الحجّة قُتِل صمصام الدولة بن عَضُد الدولة، وسَبب ذلك أنّ جماعة كثيرة مِن الدَيلم استوحشوا مِن صمصام الدولة؛ لأنّه أمرَ بعرضهم وإسقاط مَن ليس بصحيح النَسب، فأسقط منهم مقدار ألف رجل، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون، واتّفق أنّ أبا القاسم وأبا نصر ابنَي عِزّ الدولة - بختيار - كانا مقبوضين، فخدعا الموكّلين بهما في القلعة، فأفرجوا عنهما، فجمعا لفيفاً مِن الأكراد، واتّصل خبرهما بالّذين أُسقطوا مِن الدَيلم فأتوهم، وقصدوا إلى أرجان فاجتمعت عليها العساكر، وتحيّر صمصام الدولة ولم يكن عنده مَن يُدبّره، وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مُقيماً بنسا، فأشار عليه بعض مَن عنده بتفريق ما عنده مِن المال في الرجال، والمسير إلى صمصام الدولة وأخذه إلى عسكره بالأهواز، وخوف إنْ لم يفعل ذلك فشحّ بالمال، فثار به الجُند ونهبوا داره وهربوا، فاختفى فأُخذ وأُتي به إلى ابنَي بختيار فحُبس ثُمّ احتال فنجا.
وأمّا صمصام الدولة، فإنّه أشار عليه أصحابه بالصعود إلى القلعة التي على باب شيراز، والامتناع بها إلى أنْ يأتي عسكره ومَن يمنعه، فأراد الصُعود إليها فلم يُمكّنه المستحفظ بها، وكان معه ثلاثمئة رجل فقالوا له:
الرأي أنّنا نأخذك ووالدتك ونسير إلى أبي عليّ بن أستاذ هرمز، وأشار بعضهم بقصد الأتراك وأخذهم والتَقوّي بهم ففعل ذلك، وخرج معهم بخزائنه وأمواله فنهبوه، وأرادوا أخذه فهَرب، وسار إلى الدودمان على مرحلتين مِن شيراز، وعَرف أبو نصر بن بختيار الخبر فبادر إلى شيراز، ووثبَ رئيس الدودمان - واسمه طاهر - بصمصام الدولة فأخذه، وأتاه أبو نصر بن بختيار وأخذه منه فقتله في ذي الحجّة، فلمّا حُمل رأسه إليه قال:
هذه سُنّة سنّها أبوك - يعني ما كان مِن قتل عَضُد الدولة بختيار - وكان عُمر صمصام الدولة خمساً وثلاثين سَنة وسبعة أشهر، ومُدّة إمارته بفارس تسع سنين وثمانية أيّام، وكان كريماً حليماً.
وأمّا والدته، فسُلّمت إلى بعض قوّاد الدَيلم، فقتلها وبنى عليها دكّة في داره، فلمّا مَلك بهاء الدولة فارس أخرجها ودفنها في تربة بني بويه.
مِلكُ بهاءِ الدولةِ فارس وخوزستان:
في سنة ٣٨٩هـ دخلَ الدَيلم مع أبي عليّ بن أستاذ هرمز بالأهواز في طاعة بهاء الدولة، وكان سَبب ذلك أنّ ابنَي بختيار لمّا قَتلا صمصام الدولة ومَلكا بلاد فارس كَتبا إلى أبي عليّ بن أستاذ هرمز بالخَبر، ويُذكر أنّ تعويلهما عليه واعتضادهما به، ويأمرانه بأخذ اليمين لهما على مَن معه مِن الدَيلم والمُقام بمكانه والجدّ بمحاربة بهاء الدولة، فخافهما أبو علي لِما كان أسلفه إليهما مِن قبل أخويهما وأسرِهما، فجَمعَ الدَيلم الذين معه وأخبرهم الحال واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا بطاعة ابني بختيار ومُقاتلة بهاء الدولة، فلم يوافقهم على ذلك، ورأى أنْ يُراسل بهاء الدولة ويستميله ويحلفه لهم، فقالوا:
إنّا نخاف الأتراك وقد عرفتَ ما بيننا وبينهم، فسكت عنهم وتفرّقوا، وراسله بهاء الدولة يستميله ويبذل له وللديلم الأمان والإحسان، وتردّدت الرُسل، وقال بهاء الدولة:
إنّ ثاري وثاركم عند مَن قتل أخي فلا عُذر لكم في التَخلّف عن الأخذ بثاره، واستمال الدَيلم فأجابوه إلى الدُخول في طاعته، وأنفذوا جماعة مِن أعيانهم إلى بهاء الدولة فحلفوه واستوثقوا منه، وكتبوا إلى أصحابهم المُقيمين بالسوس بصورة الحال، وركب بهاء الدولة مِن الغد إلى باب السوس رجاء أنْ يَخرج مَنْ فيه إلى طاعته، فَخرجوا إليه في السلاح وقاتلوه قتالاً شديداً لم يُقاتلوا مثله فضاق صدره، فقيل له:
إنّ هذه عادة الدَيلم، أنْ يشتدّ قتالهم عند الصُلح؛ لئلاّ يُظنّ بهم، ثُمّ كفّوا عن القتال وأرسلوا مَن يُحلفه لهم، ونزلوا إلى خِدمته، واختلط العسكران وساروا إلى الأهواز، فقرّر أبو عليّ بن إسماعيل أمورها وقسّم الإقطاعات بين الأتراك والدَيلم، ثُمّ ساروا إلى رامهرمز فاستولوا عليها وعلى أرجان وغيرها مِن بلاد خوزستان، وسار أبو عليّ بن إسماعيل إلى شيراز فنزل بظاهرها، فَخرج إليه ابنا بختيار في أصحابهما فحاربوه، فلمّا اشتدّت الحرب مال بعضُ مَن معهما إليه، ودخل بعضُ أصحابه البلد ونادوا بشعار بهاء الدولة، وكان النقيب أبو أحمد الموسوي بشيراز قد وردها رسولاً مِن بهاء الدولة إلى صمصام الدولة، فلمّا قَتل صمصام الدولة كان بشيراز، فلمّا سَمع النداء بشعار بهاء الدولة ظنّ أنّ الفتح قد تَمّ، فقصد الجامع - وكان يوم الجمعة - وأقام الخُطبة لبهاء الدولة، ثُمّ عاد ابنا بختيار واجتمع إليهما أصحابهما، فخاف النقيب فاختفى، وحُمِل في سَلّة إلى أبي
عليّ بن إسماعيل.
ثُمّ إنّ أصحاب ابنَي بختيار قصدوا أبا عليّ وأطاعوه، فاستولى على شيراز وهَرب ابنا بختيار، فأمّا أبو نصر، فإنّه لَحِق ببلاد الدَيلم، وأمّا الثاني وهو أبو القاسم فلَحِق ببدر بن حسنويه ثُمّ قصد البطيحة.
ولمّا مَلك أبو علي شيراز كَتب إلى بهاء الدولة بالفَتح، فسار إليها ونزلها، فلمّا استقرّ بها أمرَ بنهب قرية الدودمان وإحراقها وقَتلِ كلّ مَن كان بها مِن أهلهم فاستأصلهم، وأخرج أخاه صمصام الدولة وجدّد أكفانه، وحُمل إلى التربة بشيراز فدُفن بها، وسيّر عسكراً مع أبي الفتح أستاذ هرمز إلى كرمان، فملكها وأقام بها نائباً عن بهاء الدولة.
قَتلُ ابن بختيار بكرمان واستيلاءُ بهاءِ الدولةِ عليها:
في سنة ٣٩٠هـ في جمادى الآخرة قُتلَ الأمير أبو نصر بن بختيار الّذي كان قد استولى على بلاد فارس، وسببُ قتله أنّه لمّا انهزم مِن عسكر بهاء الدولة بشيراز سار إلى بلاد الدَيلم، وكاتب الدَيلم بفارس وكرمان مِن هناك يستميلهم وكاتبوه واستدعوه، فسار إلى بلاد فارس واجتمع عليه جَمعٌ كثير مِن الزط والديلم والأتراك، وتردّد في تلك النواحي، ثُمّ سار إلى كرمان فلم يقبله الدَيلم الّذين بها، وكان المُقدّم عليهم أبو جعفر بن أستاذ هرمز، فجَمعَ وقصد أبا جعفر فالتقيا فانهزم أبو جعفر إلى السيرجان، ومضى ابن بختيار إلى جيرفت فمَلكها ومَلك أكثر كرمان، فعَظُم الأمرُ على بهاء الدولة، فسَيّر أليه الموفّق عليّ بن إسماعيل في جيش كَثير، وسار مُجدّاً حتّى أطلّ على جيرفت، فاستأمَن إليه مَن بها مِن أصحاب ابن بختيار ودخلها، فأنكر عليه مَن معه مِن القوّاد سُرعة سيره وخَوّفوه عاقبة ذلك فلم يُصغِ إليهم، وسأل عن حال ابن بختيار، فأُخبر أنّه على ثمانية فراسخ مِن جيرفت، فاختار ثلاثمئة رجل مِن شُجعان أصحابه وسار بهم، وترك الباقين مع السواد بجيرفت، فلمّا بلغَ ذلك المكان لم يجده، ودُلّ عليه فلم يزل يَتبعه مِن مَنزل إلى مَنزل حتّى لحِقه بدارزين، فسار ليلاً وقُدّر وصوله إليه عند الصبح فأدركه، فركب ابن بختيار واقتتلوا قتالاً شديداً، وسار الموفّق في نفر مِن غلمانه فأتى ابن بختيار مِن ورائه، فانهزم ابن بختيار وأصحابه، ووَضع فيهم السيف فقَتل منهم الخَلق الكثير، فغَدر بابن بختيار بعض أصحابه وضَربه بلتٌ، فألقاه وعاد إلى الموفّق ليُخبره بقتله، فأرسل معه مَن يَنظر إليه فرآه وقد
قَتله غيره، وحُمل رأسه إلى الموفّق، وأكثرَ الموفّق القَتل في أصحاب ابن بختيار، واستولى على بلاد كرمان، واستعمل عليها أبا موسى بن هيجل، وعادَ إلى بهاء الدولة فخَرج بنفسه ولقيَه وأكرمه وعَظّمه، ثُمّ قَبض عليه بعد أيّام.
ومِن أعجب ما يُذكر أنّ الموفّق أخبره مُنجّمٌ أنّه يَقتل ابن بختيار يوم الاثنين، فلمّا كان قبل الاثنين بخمسة أيّام قال للمُنجّم:
قد بقيَ خمسة أيّام وليس لنا عِلم به، فقال له المُنجّم:
إنّ لم تَقتله فاقتلني عَوّضه وإلاّ فأحسن إلي، فلمّا كان يوم الاثنين أدركه وقَتله، وأحسن إلى المُنجّم إحساناً كثيراً.
أمّا المُوفّق هذا، فبعد أنْ أكرمه بهاء الدولة ولقيه بنفسه استعفى مِن الخِدمة، فلم يُعفِه بهاء الدولة، فألح كلّ واحد منهما فأشار أبو محمّد بن مكرم على الموفق بترك ذلك فلم يَقبل، فقبضَ عليه بهاء الدولة وأخذ أمواله، وكَتب إلى وزيره سابور ببغداد بالقبض على أنساب الموفّق فعرفهم ذلك سِرّاً، فاحتالوا لنفوسهم وهربوا، ثُمّ إنّ بهاء الدولة قَتل المُوفّق سَنة ٣٩٤هـ.
الحَرب بين قرواش وعَسكر بهاء الدولة:
جرتْ حربٌ بين قرواش وعسكر بهاء الدولة سَنة ٣٩٢هـ، وقد دُوّنَت في أخباره في تاريخ بني المُسيّب.
الفِتنةُ بينَ السُنّة والشيعة:
اشتدّت الفِتنة بين السُنّة والشيعة ببغداد سَنة ٣٩٣هـ، وانتشر العيّارون والمُفسدون، فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا عليّ بن أستاذ هرمز إلى العراق ليُدبّر أمره، فوصل إلى بغداد، فزينتْ له وقَمع المُفسدين، ومنع السُنّة والشيعة مِن إظهار مَذاهبهم، ونفى بعد ذلك ابن المُعلّم فقيه الإماميّة، فاستقام البَلد.
استيلاء أبي العبّاس على البطيحة ومخاوف بهاء الدولة:
في شعبان سَنة ٣٩٤هـ غَلب أبو العبّاس بن واصل على البطيحة، وأخرج منها مُهذّب الدولة، واستولى على خزائنه وأمواله، ولمّا سَمع بهاء الدولة بحال أبي العبّاس وقوّته خافه على البلاد، فسارَ مِن فارس إلى
الأهواز لتلافي أمره، وأحضر عنده عميد الجيوش مِن بغداد، وجهّز معه عَسكراً كثيفاً وسيّرهم إلى أبي العبّاس، فأتى إلى واسط وعمل ما يحتاج إليه مِن سُفن وغيرها، وسار إلى البطائح، وفرّق جُنده في البلاد لتقرير قواعدها، وسمع أبو العبّاس بمسيره إليه فأصعد إليه مِن البصرة، وأرسل يقول له:
ما أحوجك تتكلّف الانحدار وقد أتيتك فخُذ لنفسك، ووصل إلى عَميد الجيوش وهو على تلك الحال مِن تَفرّق العسكر عنه، فلقيه فيمَن معه بالصليق، فانهزم عميد الجيوش ووقع مَن معه بعضهم على بعض، ولقيَ عميد الجيوش شِدّة إلى أنْ وصل إلى واسط، وذهب ثقله وخيامه وخزائنه، فأخبره خازنه أنّه قد دَفن في الخيمة ثلاثين ألف دينار وخمسين ألف درهم، فأنفذ فأحضرها فقويَ بها ولكنّه بعد أنء تَقوّى جَمع العساكر واستدعى مُهذّب الدولة مِن بغداد في سنة ٣٩٥هـ، وغلب على أبي العبّاس، ثُمّ قويَ أمرُ أبي العبّاس وسار إلى الأهواز، ولكنّ بهاء الدولة جهّز إليه جيشاً في الماء، وبعد أنْ دخل إلى دار المَملكة واستولى على ما فيها لم يُمكنه المُقام؛ لأنّ بهاء الدولة كان قد جهّز عَسكراً ليسير مِن البحر إلى البصرة، فخاف أبو العبّاس مِن ذلك وراسل بهاء الدولة وصالحه وزاد في إقطاعه، وحَلفَ كلّ واحد منهما لصاحبه، وعاد إلى البصرة.
حصرُ أبي جعفر الحجّاج بغداد:
في سنة ٣٩٧هـ جمع أبو جعفر الحجّاج جمعاً كثيراً، وأمدّه بدر بن حسنويه بجيش كثير، فسار بالجمع وحصر بغداد، وسببُ ذلك أنّ أبا جعفر كان نازلاً على قلج حامي طريق خُراسان، وكان قلج مُبايناً لعميد الجيوش فاجتمعا لذلك، فتوفّي قلج هذه السُنّة فجَعَلَ عميدُ الجيوش على حماية الطريق أبا الفتح بن عناز، وكان عدوّاً لبدر بن حسنويه، فحقد ذلك بدر فأستدعى أبا جعفر الحجّاج وجمع له جمعاً كثيراً، منهم الأمير هندي بن سعدي وأبو عيسى شاذي بن محمّد وورام بن محمّد وغيرهم، وسيّرهم إلى بغداد، وكان الأمير أبو الحسن عليّ بن مزيد الأسدي قد عاد مِن عند بهاء الدولة بخوزستان مُغضباً، فاجتمع معهم فزادت عِدّتهم على عشرة آلاف فارس، وكان عميد الجيوش عند بهاء الدولة لقتال أبي العبّاس بن واصل، فسار أبو جعفر ومَن اجتمع معه إلى بغداد، ونزلوا على فرسخ منها وأقاموا
شهراً، وببغداد جمعٌ مِن الأتراك ومعهم أبو الفتح بن عناز فحفظوا البَلد، فبينما هُم كذلك أتاهم خَبر انهزام أبي العبّاس وقوّة بهاء الدولة، ففتّ ذلك في أعضاد أبي جعفر العبّاس ومَن معه فتفرّقوا، فعادَ ابن مَزيد إلى بلده وسار أبو جعفر وأبو عيسى إلى حلوان، وراسل أبو جعفر في إصلاح حاله مع بهاء الدولة فأجابه إلى ذلك، فحضر عنده بتستُّر، فلم يَلتفتْ إليه؛ لئلا يَستوحش عميد الجيوش.
قتل أبي العبّاس بن واصل:
سبقَ مِن خبر أبي العبّاس هذا ما انتهى به إلى مُصالحة بهاء الدولة وعوده إلى البصرة، ثُمّ تجدّد ما أوجب عوده إلى الأهواز، فعادَ إليها في جيشه وبهاء الدولة مُقيم بها، فلمّا قاربها رحلَ بهاء الدولة عنها؛ لقلّة عسكره وتَفرُّقهم بعضهم بفارس وبعضهم بالعراق، وقطعَ قنطرة اربق وبقي النهر يحجز بين الفريقين، فاستولى أبو العبّاس على الأهواز، وأتاه مَدَد مِن بدر ابن حسنويه ثلاثة آلاف فارس فقويَ بهم، وعَزم بهاء الدولة على العودِ إلى فارس فمَنعه أصحابه، فأصلح أبو العبّاس القنطرة، وجرى بين العسكرين قِتال شديد دام إلى السَحر، ثُمّ عَبر أبو العبّاس على القنطرة بعد أنْ أصلحها، والتقى العسكران واشتدّ القتال، فانهزم أبو العبّاس وقُتِل مِن أصحابه كثير، وعاد إلى البصرة مهزوماً مُنتصف رمضان سَنة ٣٩٦، فلمّا عادَ مُنهزماً جهّز بهاء الدولة إليه العساكر مع وزيره أبي غالب، فسار إليه ونزل عليه مُحاصراً له، وجرى بين العسكرين القتال، وضاق الأمر على الوزير وقلّ المال عنده، واستمدّ بهاء الدولة فلم يُمده، ثُمّ إنّ أبا العبّاس جمع سُفنه وعساكره وأصعد إلى عسكر الوزير وهجم عليهم، فانهزم الوزير وكاد يتمّ على الهزيمة، فاستوقفه بعضُ الدَيلم وثبّته، وحملوا على أبي العبّاس فانهزم هو وأصحابه، وأخذ الوزير سُفنه فاستأمن إليه كثير مِن أصحابه، ومضى أبو العبّاس مُنهزماً، وركب مع حسّان بن ثمال الخفاجي هارباً إلى الكوفة، ودخل الوزير البصرة وكَتب إلى بهاء الدولة بالفتح.
ثُمّ إنّ أبا العبّاس سارَ مِن الكوفة وقَطع دجلة، ومضى عازماً على اللحاق ببدر بن حسنويه، فبلغ خانقين وبها جعفر بن العوام في طاعة بدر، فأنزله وأكرمه وأشار عليه بالمسير في وقته وحذّره الطَلب، فاعتلّ بالتعب وطَلب الاستراحة ونام، وبلغ
خَبرُه إلى أبي الفتح بن عناز - وهو في طاعة بهاء الدولة، وكان قريباً منهم - فسارَ إليهم بخانقين وهو بها، فحصره وأخذه وسار به إلى بغداد، فسَيّره عميد الجيوش إلى بهاء الدولة، فلقيهم في الطريق قاصدٌ مِن بهاء الدولة يأمره بقتله، فقُتل وحُمل رأسه إلى بهاء الدولة، وطيفَ به بخوزستان وفارس وكان بواسط عاشر صفر.
مسيرُ عَميدِ الجُيوشِ إلى حَرب بدر وصُلحه معهُ:
كان في نفسِ بهاء الدولة على بدر بن حسنويه حقدٌ لمّا اعتمده في بلاده؛ لاشتغاله عنه بأبي العبّاس بن واصل، فلمّا قُتل أبو العبّاس أمرَ بهاء الدولة عميد الجيوش بالمسير إلى بلاده، وأعطاه مالاً أنفَقَهُ في الجند، فجمع عسكراً وسار يُريد بلاده فنزل جنديسابور، فأرسل إليه بدر: إنّك لم تَقدر على أنْ تأخذ ما تَغلّب عليه بنو عقيل مِن أعمالهم، وبينهم وبين بغداد فرسخ حتى صالحتهم، فكيف تقدُر على أخذ بلادي وحصني مِنّي ومعي مِن الأموال ما ليس معك مثلها؟! وأنا معك بين أمرين: إنْ حاربتُك فالحرب سِجال، ولا نَعلم لمَن العاقبة، فإنْ انهزمتُ أنا لم ينفعْك ذلك؛ لأنّني أحتمي بقلاعي ومعاقلي وأُنفق أموالي، وإذا عجزتُ فأنا رجلٌ صحراويٌّ صاحب عَمد أبعد ثُمّ أقرب، وإنْ انهزمتَ أنت لم تجتمع، وتلقى مِن صاحبك العسف، والرأي أنْ أحمل إليك مالاً تُرضي به صاحبك ونصطلح، فأجابه إلى ذلك وصالحه، وأخذ منه ما كان أخرجه على تجهيز الجيش وعاد عنه.
في تاريخ ابن كثير.. ج١١ ص٣٥٢:
في يوم الخميس غُرّة ربيع الأوّل سَنة ٤٠٤ منها جلس الخليفة القادر في أُبّهة الخلافة، وأحضر بين يُديه سُلطان الدولة والحجّة فخَلع عليه سبع خِلَع على العادة، وعَمّمه بعمامة سوداء، وقلّده سيفاً وتاجاً مُرصّعاً وسوارين وطوقاً، وعَقد له لوائين بيده، ثُمّ أعطاه سيفاً وقال لخادم: قلّده به فهو شَرف له ولعَقِبه يفتح شرق الأرض وغَربها، وكان ذلك يوماً مشهوداً حضره القُضاة والأُمراء والوزراء.
وفاة بهاء الدولة:
في خامس جمادى الآخرة سَنة ٤٠٣ توفّي بهاء الدولة أبو نصر بن عَضُد الدولة بن بويه، وهو المَلك حينئذٍ بالعراق، وكان مَرضه تتابُع الصَرَع
مثل مرض أبيه، وكان موته بأرجان وحُمل إلى مشهد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) فدُفِن عند أبيه عَضُد الدولة، وكان عُمره اثنتين وأربعين سَنة وتسعة أشهُر ونصفاً، ومُلكه أربعاً وعشرين سَنة.
الخامس عشر مِن مُلوك بني بويه: سُلطان الدولة(١) أبو شُجاع مَلك العراق:
وهو ابن أبي نصر بهاء الدولة بن عَضُد الدولة، الخامس عشر مِن مُلوك بني بويه، والسابع مِن مُلوكهم في العراق، وليَ المُلك بعد أبيه، وسار مِن أرجان إلى شيراز، وولّى أخاه جلال الدولة أبا طاهر بن بهاء الدولة البصرة، وأخاه أبا الفوارس كِرمان.
في هذه السُنّة خَلعَ سُلطان الدولة على أبي الحسن بن مزيد الأسدي، وهو أوّل مَن تقدّم مِن أهل بيته، وفيها قَلّد الرضي الموسوي - صاحب الديوان المشهور - نقابة العلويّين ببغداد وخلعَ عليه السواد، وهو أوّل طالبيٍّ خُلع عليه السواد.
الحربُ بينَ سُلطان الدولة وأخيه أبي الفوارس:
لمّا ولّى سُلطان الدولة - بعد انتقال ملك أبيه إليه - أخاه أبا الفوارس كرمان اجتمع إليه الدَيلم، وحسّنوا له مُحاربة أخيه وأخذِ البلاد منه، فتَجهّز وتَوجّه إلى شيراز، فلم يَشعر سُلطان الدولة حتّى دخل أبو الفوارس إلى شيراز، فجمع عساكره وسار إليه فحاربه، فانهزم أبو الفوارس وعاد إلى كرمان، فتبعه إليها فخرج منها هارباً إلى خُراسان، وقصد يمين الدولة محمود بن سبكتكين وهو ببست، فأكرمه وعَظّمه وحمل إليه شيئاً كثيراً، وأجلسه فوق دارا بن قابوس بن وشمكير، فقال دارا:
نحن أعظم محلاًّ منهم؛ لأنّ أباه
____________________
(١) في تاريخ ابن كثير ج١١ ص٣٥٢ في يوم الخميس غرة ربيع الأول سنة ٤٠٤هـ منها جلس الخليفة القادر في أبهة الخلافة، وأحضر بين يديه سُلطان الدولة فخلع عليه سبع خلع على القادة، وعمّمه بعمامة سوداء، وقلّده سيفاً وتاجاً مرصعاً، وسوارين وطوقاً، وعقد له لواءين بيده، ثُمّ أعطاه سيفاً، وقال الخادم: قلّده به فهو شرف له ولقبه، بفتح شرف الأرض وغر بها. وكان ذلك يوماً مشهوداً، حضره القضاة والأُمراء والوزراء.
وأعمامه خدموا آبائي، فقال محمود: لكنّهم أخذوا المُلك بالسيف، أراد بهذا نُصرة نفسه حيث أخذ خُراسان مِن السامانية، ووعد محمود أنْ يَنصره.
ثُمّ إنّ أبا الفوارس باع جوهرتين كانتا على جبهة فَرسه بعشرة آلاف دينار، فاشتراهما محمود وحملهما إليه وقال له:
مِن غلطكم تتركون هذا على جبهة الفرس وقيمتا ستّون ألف دينار، ثُمّ إنّ محموداً سيّر جيشاً مع أبي الفوارس إلى كرمان مُقدّمهم أبو سعيد الطائي وهو مِن أعيان قوّاده، فسارَ إلى كرمان فملكها، وقصد بلاد فارس وقد فارقها سُلطان الدولة إلى بغداد فدخل شيراز، فلمّا سَمع سُلطان الدولة عاد إلى فارس، فالتقوا هُناك واقتتلوا فانهزم أبو الفوارس، وقُتِل كثير مِن أصحابه وعادوا بأسوأ الحال، ومَلك سُلطان الدولة بلاد فارس، وهرب أبو الفوارس سَنة ثمان وأربعمئة إلى كرمان، فسيّر سُلطان الدولة الجيوش بإثره فأخذوا كرمان منه، فلحق بشمس الدولة بن فَخر الدولة بن بويه صاحب همدان، ولم يُمكنه العود إلى يمين الدولة؛ لأنّه أساء السيرة مع أبي سعيد الطائي، ثُمّ فارق شمس الدولة ولَحق بمُهذّب الدولة صاحب البطيحة، فأكرمه وأنزله داره، وأنفذ إليه أخوه جلال الدولة مِن البصرة مالاً وثياباً، وعَرضَ عليه الانحدار إليه فلم يفعل، وتَردّدت الرُسل بينه وبين سُلطان الدولة، فأعاد إليه كرمان وسُيّرت إليه الخِلَع والتقليد بذلك، وحُملت إليه الأموال فعاد إليها.
وفاة أمير البطيحة مُهذّب الدولة ومِلك سُلطان الدولة:
في جمادى الأولى مِن هذه السُنّة توفّي مُهذّب الدولة أمير البطيحة، وتحدّث الجُند بإقامة وَلده أبي الحسين مقامه، فبلغ ابن أُخت مُهذّب الدولة أبو محمّد عبد الله بن بنى، فتَوثّب على أبي الحسين بممالئة الدَيلم، واستولى على البطيحة وقَتل ابن خاله، ولم يَمكث في الإمارة إلاّ أقل مِن ثلاثة أشهر، وتوفّي فوليها بعده أبو علي عبد الله الحسين بن بكر الشرابي - وكان مِن خواصّ مُهذّب الدولة - فصار أمير البطيحة، وبذل للمَلك سُلطان الدولة بذولاً فأقرّه عليها، وبقي إلى سَنة عشر وأربعمئة، فسيّر إليه سُلطان الدولة صدقة بن فارس المازياري، فمَلك البطيحة وأسر أبا عبد الله الشرابي فبقي عنده أسيراً إلى أنْ توفّي، وبقيت البطيحة في إمارة صدقة إلى أنْ توفّي سَنة ٤١٢ فوليها سابور بن المرزبان، وأقرّه مُشرّف الدولة.
ثُمّ إنّ
أبا نصر شيرزاد بن الحسن ابن مروان زاد في المُقاطعة فلَم يَدخل سابور فيها، فوليها أبو نصر وفارقها سابور.
ولاية ابن سهلان العراق لسُلطان الدولة:
في سَنة ٤٠٩ عرضَ سُلطان الدولة على الرخيمي ولاية العراق، فقال:
ولاية العراق تحتاج إلى مَن فيه عسف وخرف، وليس غير ابن سهلان، وأنا أخلفه هاهُنا، فولاّه سُلطان الدولة العراق في المحرّم، فسار مِن عنده فلمّا كان ببعض الطريق تركَ ثقله وأصحابه، وسار جريدة في خمسمئة فارس مع طراد ابن دبيس الأسدي يطلب مهارش ومضر ابني دبيس، وجرى ما ذُكر في مكانه مِن تاريخ بني دبيس فاطلبه هناك.
السادس عشر مِن مُلوك بني بويه والثامن مِن مُلوكهم في العراق: مُشرّف الدولة بن بهاء الدولة:
في ذي الحَجّة سَنة ٤١١ عَظُم أمرَ أبي علي مُشرّف الدولة بن بهاء الدولة وخوطب بأمير الأُمراء، ثُمّ مَلك العراق وأزال عنه أخاه سُلطان الدولة، وكان سَببه أنّ الجُند شغبوا على سُلطان الدولة ومنعوه مِن الحركة، وأراد ترتيب أخيه مُشرّف الدولة في المُلك، فأُشير على سُلطان الدولة بالقبض عليه فلم يُمكنه ذلك، وأراد سُلطان الدولة الانحدار إلى واسط، فقال الجند:
إمّا أنْ تجعل عندنا وَلدك أو أخاك مُشرّف الدولة، فراسل أخاه بذلك فامتنع ثُمّ أجاب بعد مُعاودة، ثُمّ إنّهما اتّفقا واجتمعا ببغداد واستقرّ بينهما أنّهما لا يستخدمان ابن سهلان، وفارق سُلطان الدولة بغداد وقصد الأهواز، واستخلف أخاه مُشرّف الدولة على العراق، فلمّا انحدر سُلطان الدولة ووصل إلى تستر استوزر ابن سهلان، فاستوحش مُشرّف الدولة، فأنفذ سُلطان الدولة وزيره ابن سهلان ليُخرج أخاه مُشرّف الدولة مِن العراق، فجمع مُشرّف الدولة عسكراً كثيراً منهم أتراك واسط وأبو الأغر دبيس بن عليّ بن مزيد، ولقي ابن سهلان عند واسط فانهزم ابن سهلان وتحصن بواسط، وحاصره مُشرّف الدولة وضيّق عليه، فغلت الأسعار حتّى بلغَ الكرّ مِن الطعام ألف دينار قاسانية، وأكلَ الناس الدواب حتّى الكلاب، فلمّا رأى ابن سهلان إدبار أموره سلّم البلد واستخلف مُشرّف
الدولة وخرج إليه، وخوطب حينئذ مُشرّف الدولة بشاهنشاه، وكان ذلك في آخر ذي الحجّة، ومضت الدَيلم الّذين كانوا باسط في خدمته، وساروا معه فحلف لهم وأقطعهم، واتّفق هو وأخوه جلال الدولة أبو طاهر، فلمّا سمع سُلطان الدولة ذلك سار عن الأهواز إلى أرجان، وقُطعتْ خُطبته مِن العراق وخطب لأخيه ببغداد آخر المُحرّم سَنة اثنتي عشرة وأربعمئة، وقُبضَ على ابن سهلان وكحل، ولمّا سَمع سُلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه، وسار إلى الأهواز في أربعمئة فارس، فقلّت عليهم الميرة فنهبوا السواد في طريقهم، فاجتمع الأتراك الّذين بالأهواز وقاتلوا أصحاب سُلطان الدولة ونادوا بشعار مُشرّف الدولة، وساروا منها فقطعوا الطريق على قافلة وأخذوها وانصرفوا.
قتلُ أبي غالب وزير مُشرّف الدولة:
لمّا قُطعت في هذه السَنة الخُطبة لسُلطان الدولة وخُطب لمُشرّف الدولة في العراق طلبَ الدَيلم منه أنْ ينحدروا إلى بيوتهم بخوزستان، فأذن لهم وأمر وزيره أبا غالب بالانحدار معهم، فقال:
إنّي إنْ فعلتُ خاطرتُ بنفسي، ولكن أبذلها في خدمتك، ثُمّ انحدر في العساكر، فلمّا وصل إلى الأهواز نادى الدَيلم بشعار سُلطان الدولة، وهجموا على أبي غالب فقتلوه.
الصُلح بين سُلطان الدولة ومُشرّف الدولة:
في سَنة ٤١٣ اصطلح سُلطان الدولة وأخوه مُشرّف الدولة، وحَلف كلّ واحد منهما لصاحبه، وكان الصُلح بسعي مِن أبي محمّد بن مكرم ومُؤيّد الدولة الرخجي وزير مُشرّف الدولة، على أنْ يكون العراق جميعه لمُشرّف الدولة، وفارس وكرمان لسُلطان الدولة.
وزارة أبي القاسم المغربي لمُشرّف الدولة:
في سَنة ٤١٤ قَبض مُشرّف الدولة على وزيره مُؤيّد الدولة المَلك الرخجي في شهر رمضان، وكانت وزارته سنتين وثلاثة أيّام، وكان سَبب عزله أنّ الأثير الخادم تغيّر عليه؛ لأنّه صادر ابن شعيا اليهودي على مئة ألف دينار، وكان متعلّقاً بالأثير فسعى وعزله، واستوزر بعده أبا القاسم الحسين بن عليّ بن الحسين المغربي، ومولده بمصر سَنة سبعين وثلاثمئة
وكان أبوه مِن أصحاب سَيف الدولة بن حمدان، فسار إلى مصر فتولّى بها فقَتَله الحاكم، فهرب وَلده أبو القاسم إلى الشام، وقصد حسّان بن المفرج بن الجرّاح الطائي، وحمله على مُخالفة الحاكم والخروج عن طاعته ففعل ذلك، وحسّن له أنْ يُبايع أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكّة فأجابه إليه، واستقدمه إلى الرملة وخوطب بأمير المؤمنين، فأنفذ الحاكم إلى حسّان مالاً جليلاً وأفسد معه حال أبي الفتوح، فأعاده حسّان إلى وادي القُرى، وسار أبو الفتوح منه إلى مكّة، ثُمّ قصد أبو القاسم العراق واتّصل بفَخر المُلك، فاتّهمه القادر بالله؛ لأنّه مِن مصر، فأبعده فَخر المُلك فقصد قرواشاً بالموصل، فكَتب له ثُمّ عاد عنه، وتنقلت به الحال إلى أنْ وُزر بعد مؤيّد المُلك الرخجي.
قدوم مُشرّف الدولة إلى بغداد ولقاء القادر بالله:
في هذه السُنّة في المُحرّم قَدم مُشرّف الدولة إلى بغداد، ولقيه القادر بالله في الطيار وعليه السواد، ولم يلقَ قبله أحداً به مِن مُلوك بني بويه.
الوحشةُ بينَ مُشرّف الدولةِ والأتراك وعَزل المَغربي:
في سنة ٤١٥ تأكّدت الوحشة بين الأثير عنبر الخادم ومعه الوزير ابن المَغربي وبين الأتراك، فاستأذن الأثير والوزير ابن المغربي المَلك مُشرّف الدولة، فحبس في الانتزاح إلى بلد يأمنان فيه على أنفسهما، فقال: أنا أسير معكما، فساروا جميعاً ومَعهم جماعة مِن مُقدّمي الدَيلم إلى السنديّة وبها قرواش، فأنزلهم ثُمّ ساروا كلّهم إلى أوانا، فلمّا عَلم الأتراك عُظم ذلك عليهم وانزعجوا منه، وأرسلوا المُرتضى وأبا الحسن الزينبي وجماعة مِن قوّاد الأتراك يعتذرون ويقولون: نحن العبيد، فكَتب إليهم أبو القاسم المَغربي:
إنّني تأملّت ما لكم مِن الجامكيات فإذا هي ستمئة دينار، وعلمتُ دَخل بغداد فإذا هو أربعمئة ألف دينار، فإنْ أسقطتم مئة ألف دينار تحمّلت بالباقي.
فقالوا: نحن نُسقطها، فاستشعر منهم أبو القاسم المغربي فهرب إلى قرواش، فكانت وزارته عَشرة أشهُر وخمسة أيّام، فلمّا أُبعد خرج الأتراك، فسألوا المَلك والأثير الانحدار معهم، فأجابهم إلى ذلك وانحدروا جميعهم.
وفاةُ سُلطان الدولة ومِلك وَلده أبي كاليجار:
في هذه السَنة في شوّال توفّي سُلطان الدولة أبو شجاع ابن بهاء الدولة أبي نصر ابن عَضد الدولة بشيراز، وكان عُمره اثنتين وعشرين سَنة وخمسة أشهر، وكان ابنه أبو كاليجار بالأهواز، فطلبه الأوحد أبو محمّد ابن مكرم ليَملك بعد أبيه، وكان هواه معه، وكان الأتراك يُريدون عمّه أبا الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان، فكاتبوه يَطلبونه إليهم أيضاً، فتأخّر أبو كاليجار عنها فسبقه عمّه أبو الفوارس إليها فمَلكها، وكان أبو المكارم بن أبي محمّد بن مكرم قد أشار على أبيه - لمّا رأى الاختلاف - أنْ يسير إلى مكان يأمَن فيه على نفسه، فلم يقبل قوله فسار، وتَركه وقصد البصرة فندِم أبوه حيث لم يكن معه، فقال له العادل أبو منصور بن مافنه:
المصلحة أنْ تقصد سيراف وتكون مالك أمرك، وابنك أبو القاسم بعمان، فتحتاج الملوك إليك.
فرَكب سفينة ليمضي إليها، فأصابه بَرد فبطل عن الحركة، وأرسل العادل بن مافنة إلى كرمان لإحضار أبي الفوارس، فسار إليه العادل وأبلغه رسالة ابن مكرم باستدعائه، فسار مُجدّاً ومعه العادل فوصلوا إلى فارس، وخرج ابن مكرم يلقى أبا الفوارس ومعه الناس، فطالبه الأجناد بحقّ البيعة فأحالهم على ابن مكرم، فتضجّر ابن مكرم، فقال له العادل:
الرأي أنْ تبذل مالك وأموالنا حتّى تمشي الأُمور، فانتهره فسكت، وتلوّم ابن مكرم بإيصال المال إلى الأجناد، فشكوه إلى أبي الفوارس، فقبض عليه وعلى العادل بن مافنة، ثُمّ قَتل ابن مكرم واستبقى ابن مافنة، فلمّا سَمع ابنه أبو القاسم بقتله صار مع المَلك أبي كاليجار وأطاعه، وتجّهز أبو كاليجار وقام بأمره أبو مُزاحم صندل الخادم - وكان مُربيه - وساروا بالعساكر إلى فارس، فسيّر عمّه أبو الفوارس عسكراً مع وزيره أبي منصور الحسن بن عليّ الفسوي لقتاله، فوصل أبو كاليجار والوزير متهاونٌ به لكثرة عسكره، فأتوه وهو نائم وقد تفرّق عسكره في البَلد يبتاعون ما يحتاجون إليه، وكان جاهلاً بالحرب، فلمّا شاهدوا أعلام أبي كاليجار - وهم على اضطراب - انهزموا، وغَنم أبو كاليجار وعسكره أموالهم ودوابهم وكلّ ما لهم، فلمّا انتهى خَبر الهزيمة إلى عمّه أبي الفوارس سار إلى كرمان، ومَلك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز.
عودُ أبي الفَوارس إلى فارس:
ولمّا مَلك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز، جرى على الدَيلم الشيرازيّة مِن عسكره ما أخرجهم عن طاعته، وتمنّوا معه أنّهم كانوا قُتلوا مع عمّه، وكان جماعة مِن الدَيلم بمدينة فسا في طاعة أبي الفوارس، وهُم يريدون أنْ يُصلحوا حالهم مع أبي كاليجار ويَصيروا معه، فأرسل إليهم الدَيلم الّذين بشيراز يُعرّفونهم ما يَلقونه مِن الأذى، ويأمرونهم بالتمسّك بطاعة أبي الفوارس ففعلوا ذلك.
ثُمّ إنّ عسكر أبي كاليجار طالبوه بالمال وشغبوا عليه، فأظهر الديلم الشيرازيّة ما في نفوسهم مِن الحقد، فعجز عن المقام معهم فسار عن شيراز إلى النوبندجان - ولقيَ شدّة في طريقه - ثُمّ انتقل عنها لشدّة حرّها وخاصّة هوائها، ومرِض أصحابه، فأتى شُعب بوان فأقام به، فلمّا سار عن شيراز أرسل الديلم الشيرازيّة إلى عمّه أبي الفوارس يحثّونه على المجيء إليهم ويُعرّفونه بُعد أبي كاليجار عنهم، فسار إليهم فسلّموا إليه شيراز، وقصد إلى أبي كاليجار بشُعب بوان ليحاربه ويُخرجه عن البلاد، فاختار العسكران الصُلح فسفروا فيه، فاستقرّ لأبي الفوارس كرمان وفارس، ولأبي كاليجار خوزستان، وعاد أبو الفوارس إلى شيراز، وسار أبو كاليجار إلى أرجان.
ثُمّ إنّ وزير أبي الفوارس خبط الناس وأفسد قلوبهم وصادرهم، واجتاز به مالٌ لأبي كاليجار والدَيلم الّذين معه فأخذه، فحينئذ حثّ العادلُ ابن مافنة صندلاً الخادم على العود إلى شيراز، وكان قد فارق بها نعمة عظيمة وصار مع أبي كاليجار، وكان الديلم يُطيعونه، فعادتْ الحال إلى أشدّ ما كانت عليه، فسار كلّ واحد مِن أبي كاليجار وعمّه أبي الفوارس إلى صاحبه والتقوا واقتتلوا، فانهزم أبو الفوارس إلى دارا بجرد ومَلك أبو كاليجار فارس، وعاد أبو الفوارس فجمع الأكراد فأكثر، فاجتمع معه منهم نحو عشرة آلاف مُقاتل، فالتقوا بين البياء واصطخر فاقتتلوا أشدّ مِن القتال الأوّل، فعاود أبو الفوارس الهزيمة، فسار إلى كرمان، واستقرّ مُلك أبي كاليجار بفارس سَنة سبع عشر وأربعمئة، وكان أهل شيراز يكرهونه.
السابع عَشر مِن مُلوك بني بويه والتاسع مِن مُلوكهم في العراق: أبو كاليجار
في سَنة ٤١٨ توفّي في ربيع الأوّل المَلك مُشرّف الدولة أبو عليّ بن بهاء الدولة، وهو ابن ثلاث وعشرين سَنة وثلاثة أشهر، وكان مُلكه خمس سنين وخمسة وعشرين يوماً، وكان كثير الخير قليل الشرّ عادلاً حَسِن السيرة، ولمّا توفّي خُطبَ ببغداد بعد موته لأخيه أبي طاهر جلال الدولة، وهو بالبصرة وطُلب إلى بغداد فلم يصعدْ إليها، وإنّما بلغَ إلى واسط وأقام بها ثُمّ عاد إلى البصرة، فقُطعتْ خُطبته وخُطب لابن أخيه المَلك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة في شوّال، وهو حينئذ صاحب خوزستان والحرب بينه وبين عمّه أبي الفوارس صاحب كرمان بفارس، فلمّا سمع جلال الدولة بذلك أصعد إلى بغداد، فانحدر عسكرها ليردّوه عنها، فلقوه بالسيب - مِن أعمال النهروان - فردّوه فلم يَرجع فرموه بالنشّاب ونهبوا بعض خزائنه، فعاد إلى البصرة، وأرسلوا إلى المَلك أبي كاليجار ليَصعد إلى بغداد ليُملّكوه فوعدهم الإصعاد، ولم يُمكنه لأجل صاحب كرمان، ولمّا أصعد جلال الدولة كان وزيره أبا سعد بن ماكولا.
مُتفرّقات عن أبي كاليجار:
في سَنة ٤١٧ أحرق خفاجة الأنبار بعد نهبها، وأظهروا الطاعة لأبي كاليجار وخطبوا له بالكوفة.
وفيها كثُر تسلّط الأتراك ببغداد، وأكثروا مصادرات الناس وأخذوا الأموال حتّى إنّهم قسطوا على الكرخ خاصّة مئة ألف دينار، وعظُم الخَطب وزاد الشرّ وأُحرقت المنازل والدروب والأسوق، ووقعتْ الحرب بين العامّة والجُند مما أدّى إلى نَظر القوّاد وعقلاء الجُند في هذا الأمر، ولمّا رأوا أنّ أبا كاليجار لا يَصل إليهم، وأنّ البلاد قد خربت، وطَمع فيهم المُجاورون مِن العَرب والأكراد راسلوا جلال الدولة في الحُضور إلى بغداد، فحَضر، كما سَنذكر ذلك فيما بعد.
وفيها عَصت البطيحة على أبي كاليجار، ومُقدّم أهلها أبو عبد الله الحسين بن بكر الشرابي الّذي كان قديماً صاحب البطيحة، وكان سَبب هذا الخلاف أنّ المَلك أبا كاليجار سيّر وزيره أبا أحمد بن بابشاذ إلى البطيحة، فعسف الناس وأخذ أموالهم، وأمر الشرابي
فوضع على كلّ دارٍ بالصليق قسطاً، وكان في صحبته ففعل ذلك، فتفرّقوا في البلاد وفارقوا أوطانهم، فعَزم مَن بقيَ على أنْ يستدعوا مَن يَتقدّم عليهم في العصيان على أبي كاليجار وقتل الشرابي، فعَلِم الشرابي بذلك فحضر عندهم واعتذر إليهم، وبذل مِن نفسه مُساعدتهم على ما يُريدونه فرضوا به، وحَلفوا له وحَلف لهم وأمرهم بكتمان الحال، وعاد إلى الوزير فأشار عليه بإرسال أصحابه إلى جهاتٍ ذكرها ليحصلوا الأموال فقبل منه، ثُمّ أشار عليه بإحدار سُفنه إلى مكان ذَكره ليُصلح ما فَسَد منها ففعل، فلمّا تمّ له ذلك وثبَ هو وأهل البطيحة عليه وأخرجوه مِن عندهم، وكان عندهم جماعة مِن عَسكر جلال الدولة في الحَبس، فأخرجوهم واستعانوا بهم واتّفقوا معهم، وفتحوا السواقي وعادوا إلى ما كانوا عليه أيّام مُهذّب الدولة، وقاتلوا كلّ مَن قصدهم وامتنعوا فتمّ لهم ذلك، ثُمّ قصدوا ابن المعيراني، فاستولى على البطيحة وفارقها الشرابي إلى دبيس بن مزيد فأقام عنده مُكرماً، وكان ذلك سنة ٤١٨.
الصُلح بينَ أبي كاليجار وعمّه أبي الفوارس:
في هذه السَنة استقرّ الصُلح بين أبي كاليجار وعمّه أبي الفوارس صاحب كرمان، وكان أبو كاليجار قد سار إلى كرمان لقتال عمّه وأخذِ كرمان منه، فاحتمى منه بالجبال، وحَميَ الحرُّ على أبي كاليجار وعسكره فكثُرت الأمراض، فتراسلا في الصُلح فاصطلحا على أنْ تكون كرمان لأبي الفوارس، وبلاد فارس لأبي كاليجار ويَحمل إلى عمّه كلّ سَنة عشرين ألف دينار، ولمّا عاد أبو كاليجار إلى الأهواز جَعل أُمور دولته إلى العادل بن مافنة، فأجابه بعد امتناع.
الخُطبةُ ببغداد لجلال الدولة وهو الثامِن عَشر مِن مُلوك بَني بويه والعاشر مِن مُلوكهم في العراق
في جُمادى الأُولى مِن هذه السَنة خُطب للمَلك جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة ببغداد، وأصعد إليها مِن البصرة، فدخلها ثالث شهر رمضان، وكان سَبب ذلك أنّ الأتراك لمّا رأوا أنّ البلاد تَخرب، وأنّ العامة والعرب والأكراد قد طمعوا، وأنّهم ليس عِندهم سلطان يجمع كلمتهم
قصدوا دار الخلافة، وأرسلوا يعتذّرون إلى الخليفة مِن انفرادهم بالخُطبة لجلال الدولة أوّلاً، ثُمّ بردّه ثانياً وبالخطبة لأبي كاليجار، ويَشكرون الخليفة حيث لم يُخالفهم في شيء مِن ذلك، وقالوا:
إنّ أمير المؤمنين صاحب الأمر ونحن العبيد، وقد أخطأنا ونسأل العفوَ، وليس عندنا الآن مَن يجمع كلمتنا، ونسأل أنْ تُرسل إلى جلال الدولة ليصعد إلى بغداد ويَملك الأمر، ويَجمع الكَلمة ويُخطب له فيها، ويسألون يُحلفه الرسول السائر لإحضاره لهم، فأجابهم الخَليفة إلى ما سألوا، وراسله هو وقوّاد الجُند في الإصعاد واليمين للخليفة والأتراك، فحَلف لهم وأصعد إلى بغداد، وانحدر الأتراك إليه فلقوه في الطريق، وأرسل الخَليفة إليه القاضي أبا جعفر السمناني، فأعاد تجديد العَهد عليه للخليفة والأتراك ففعل.
ولمّا وصل إلى بغداد ونَزل النجمي فركب الخَليفة في الطيار وانحدر يلتقيه، فلمّا رآه جلال الدولة قبّل الأرض بين يديه، وركب في زبزبه ووقف قائماً، فأمره الخَليفة بالجلوس فقَدم وجلس، ودَخل إلى دار المَملكة بعد أنْ مضى إلى مَشهد موسى بن جعفر فزار، وقصد الدار فدخلها وأمرَ بضرب الطبل أوقات الصلوات الخمس، فراسله الخليفة في منعِه فقطعه غَضباً حتّى أذِن له في إعادته ففعل، وأرسل جلال الدولة مُؤيّد المُلك أبا علي الرخجي إلى أثير عنبر الخادم - وهو عند قرواش - يُعرّفه اعتضاده به واعتماده عليه ومحبته له، ويَعتذر إليه عن الأتراك فعَذرهم، وقال: هُم أولاد وإخوة.
شَغبُ الأتراكِ ببغداد على جلالِ الدولة:
في سَنة ٤١٩ ثارَ الأتراك ببغداد على جلال الدولة وشغبوا، وطالبوا الوزير أبا عليّ بن ماكولا بما لهم مِن العلوفة والادرار، ونهبوا داره ودور كُتّاب المَلك وحواشيه حتّى المُغنّين والمُخنّثين، ونَهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لتُضرب دنانير ودراهم وتُفرّق فيهم، وحصروا جلال الدولة في داره ومنعوه الطعام والماء، حتّى شَرب أهله ماء البئر، وأكلوا ثَمرة البستان، فسألهم أنْ يُمكّنوه مِن الانحدار، فاستأجروا له ولأهله وأثقاله سُفناً فجعل بين الدار والسُفن سرادقاً لتجتاز حَرمه فيه؛ لئلاّ يراهم العامّة والأجناد، فقصد بعض الأتراك السرادق، فظنّ جلال الدولة أنّهم يُريدون الحُرم، فصاح بهم يقول لهم:
بلغَ أمرُكم إلى الحُرم، وتقدّم إليهم وبيده طبر، فصاح صغار
الغُلمان والعامّة: جلال الدولة يا منصور، ونَزل أحدهم عن فَرسه وأركبه إيّاه، وقبّلوا الأرض بين يديه، فلمّا رأى قوّاد الأتراك ذلك هربوا إلى خيامهم بالرملة وخافوا على نفوسهم، وكان في الخوانة سلاح كثير، فأعطاه جلال الدولة أصاغر الغُلمان وجعلهم عِنده، ثُمّ أرسل إلى الخَليفة يُصلح الأمر مع أُولئك القوّاد، فأرسل إليهم الخليفة القادر بالله فأصلح بينهم وبين جلال الدولة وحلفوا، فقبّلوا الأرض بين يديه ورجعوا إلى منازلهم، فلم يمضِ غير أيّام حتّى عادوا إلى الشَغب، فباع جلال الدولة فَرشه وثيابه وخيمه وفرّق ثمنها فيهم حتّى سكنوا.
الاختلاف بينَ الدَيلم والأتراك بالبصرة:
في هذه السنة وليَ النفيس أبو الفتح بن أردشير البصرة، استعمله عليها جلال الدولة، فلمّا وصلَ إلى المسّان مُنحدراً إليها وقع بينه وبين الدَيلم الّذين بالمسّان وقعة استظهر عليهم وقَتل منهم، وكانت الفِتن بالبصرة بين الأتراك والديلم، وبها المَلك العزيز أبو منصور بن جلال الدولة فقويَ الأتراك بها، فأخرجوا الديلم فمضوا إلى الأُبُلّة وصاروا مع بختيار بن علي، فسار إليهم المَلك العزيز بالأُبُلّة ليُعيدهم ويَصلح بينهم وبين الأتراك، فكاشفوه وحملوا عليه ونادوا شعار أبي كاليجار، فعاد مُنهزماً في الماء إلى البصرة، ونَهب بختيار نهر الدير والأُبُلّة وغيرهما مِن السواد وأعانه الدَيلم، ونهبَ الأتراك أيضاً وارتكبوا المحظور ونهبوا دار بِنت الأوحد بن مكرم زوجة جلال الدولة.
استيلاءُ أبي كاليجار على البصرة:
لمّا بلغَ المَلك أبا كاليجار ما كان بالبصرة سَيّر جيشاً إلى بختيار، وأمره أنْ يقصد البصرة فيأخذها، فساروا إليها وبها المَلك العزيز بن جلال الدولة، فقاتلهم ليمنعهم فلم يكن له بهم قوّة فانهزم منهم، وفارق البصرة وكاد يَهلك هو مَن معه عَطشاً، فمَنّ الله عليهم بمطرِ جودٍ فشربوا منه وأصعدوا إلى واسط، ومَلك عسكر أبي كاليجار البصرة، ونهبَ الديلم أسواقها وسَلِم منها البعض بمال بذلوه لمَن يحميهم، وتتبّعوا أموال أصحاب جلال الدولة مِن الأتراك وغيرهم، فلمّا بلغَ جلال الدولة الخبر أراد الانحدار إلى واسط
، فلم يوافقه الجُند وطلبوا منه مالاً يُفرّق فيهم، فلم يكن عنده، فمدّ يَده في مُصادرات الناس وأخذ أموالهم، لا سيّما أرباب الأموال فصادر جماعة.
وفاةُ أبي الفوارس صاحبِ كرمان واستيلاءُ أبي كاليجار عليها:
في ذي القعدة مِن هذه السنة تُوفّي قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان، وكان قد تجهّز لقصد بلاد فارس وجمعَ عسكراً كثيراً، فأدركه أجلُه، فلمّا توفّي نادى أصحابه بشعار المَلك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه يطلبونه إليهم، فسار مُجدّاً ومَلك البلاد بغير حَرب ولا قتال، وأمِن الناس معه، وكانوا يكرهون عمّه أبا الفوارس؛ لظُلمه، وسوء سيرته، وكان إذا شَرِب ضَربَ أصحابه، وضرب وزيره يوماً مائتي مقرعة، وحلفه بالطلاق أنّه لا يتأوه ولا يُخبر بذلك أحداً، فقيل إنّه سَمّوه حتّى مات.
استيلاءُ منصور بن الحسين على الجزيرة الدبيسيّة:
كان منصور بن الحسين الأسدي قد مَلك الجزيرة الدبيسية - وهي تُجاور خوزستان - ونادى بشعار جلال الدولة، وأخرج صاحبها طراد بن دبيس الأسدي سَنة ثماني عشرة وأربعمئة، فمات طراد عن قريب، فلمّا مات طراد سار ابنه أبو الحسن علي إلى بغداد، يسأل أنْ يُرسِل جلال الدولة معه عسكراً إلى بلده ليُخرج منصوراً له ويُسلّمه إليه - وكان منصور قد قَطع خُطبة جلال الدولة، وخطب للمَلك أبي كاليجار - فسيّر معه جلالُ الدولة طائفةً مِن الأتراك، فلمّا وصلوا إلى واسط لم يقف عليّ بن طراد حتّى تجمّع معه طائفة مِن عسكر واسط وسار عَجِلاً، واتّفق أنّ أبا صالح كوركير كان قد هَرب مِن جلال الدولة، وهو يُريد اللحِاق بأبي كاليجار، فسَمع هذا الخبر، فقال لمَن معه:
المصلحة أنّنا نُعين منصوراً، ولا نُمكّن عسكر جلال الدولة مِن إخراجه، ونتّخذ بهذا الفعل عَهداً عند أبي كاليجار.
فأجابوه إلى ذلك، فسار إلى مَنصور واجتمع معه، والتقاهم وعسكر جلال الدولة الّذين مع عليّ بن طراد ببسيرود، فاقتتلوا فانهزم عسكر جلال الدولة، وقُتل عليّ بن طراد وجماعة كثيرة مِن الأتراك، وهَلك كثير مِن المُنهزمين بالعَطش، واستقرّ مُلك منصور بها.
مِلك أبي كاليجار واسط وسير جلال الدولة إلى الأهواز:
في سَنة ٤٢٠ مَلك أبو كاليجار واسط، وجرت أُمور مرّ ذِكرها في أخبار دولة بني دبيس فلا نُعيدها، وهناك أحداثٌ أُخرى تتعلّق بأبي كاليجار وجلال الدولة والغز مرّت في تاريخ بني المسيّب وبني دبيس وخفاجة لا نُعيدها، فلتُطلب مِن مكانها مِن تاريخهم.
الحَربُ بينَ عسكر جلال الدولة وأبي كاليجار:
في شوال سَنة ٤٢١ سيّر جلال الدولة عسكراً إلى المذار وبها عسكر أبي كاليجار، واستولى أصحاب جلال الدولة على المذار، وعملوا بأهلها كلّ محظور، فلمّا سَمع أبو كاليجار الخَبر سَيّر إليهم عسكراً كثيفاً فاقتتلوا بظاهر البلد، فانهزم عسكر جلال الدولة وقُتل أكثرهم، وثار أهل البلد بغُلمانهم فقتلوهم ونهبوا أموالهم؛ لقبيح سيرتهم كانت معهم. وعاد مَن سَلم مِن المعركة إلى واسط.
مسيرُ ابن ماكولا إلى البصرة وقتلِه:
لمّا استولى المَلك جلال الدولة على واسط، جعل وَلَده فيها، وسيّر وزيره أبا عليّ بن ماكولا إلى البطائح والبصرة ليملكها، فمَلك البطائح وسار إلى البصرة في الماء، وأكثَرَ مِن السُفن والرجال، وكان بالبصرة أبو منصور بختيار بن علي نائباً لأبي كاليجار، فجّهز جيشاً في أربعمئة سفينة، وجعل عليهم أبا عبد الله الشرابي الذي كان صاحب البطيحة وسيّره، فالتقى هو والوزير أبو علي، فعند اللقاء والقتال هبّت ريحُ شمال كانت على البصريّين ومعونة للوزير، فانهزم البصريّون وعادوا إلى البصرة، فعزم بختيار على الهرب إلى عبّادان، فمنعه مَن سَلم عنده مِن عسكره فأقام مُتجلّداً.
وأشار جماعة على الوزير أبي علي أنْ يَعجل الانحدار، ويغتنم الفُرصة قبل أنْ يعود بختيار يَجمع، فلمّا قاربهم وهو في ألف وثلاثمئة عدد مِن السُفن سَيّر بختيار ما عنده مِن السُفن وهي نحو ثلاثين قطعة وفيها المُقاتلة، وكان قد سيّر عسكراً آخر في البَر، وكان له في فَمِ نهر أبي الخصيب نحو خمسمئة قطعةٍ، فيها ما له ولجميع عَسكره مِن المال والأثاث ما لا يُحصر، فلمّا تقدّمت سُفنه صاح مَن فيها وأجابه مَن في السُفن التي فيها أهلوهم
وأموالهم، وورد عليهم العسكر الّذين في البر، فقال الوزير لمَن أشار عليه بمعركة بختيار:
ألستُم زعمتم أنّه في خفّ مِن العسكر، وأنّ مُقاتلته أولى، وأرى الدُنيا مملوءةً عساكر.
فهوّنوا عليه الأمر، فغضِب وأمر بإعادة السُفن إلى الشاطئ إلى الغَد ويعود إلى القِتال، فلمّا أعاد سُفنه ظنّ أصحابه أنّه قد انهزم، فصاحوا الهزيمة فكانت هي.
وقيل: بل لمّا أعاد سُفنه لَحقهم مَن في سُفن بختيار، وصاحوا الهزيمة وأجابهم مَن في البرّ مِن عسكر بختيار ومَن في سُفنهم التي فيها أموالهم، فانهزم أبو عليٍّ حقاً، وتبعه أصحاب بختيار وأهلُ السواد، ونزل بختيار في الماء واستصرخ الناس، وسار في آثارهم يَقتل ويأسر وهُم يغرقون، فلم يَسلَم مِن السفن كلّها أكثر مِن خمسين قطعة، وسار الوزير أبو عليٍّ مُنهزماً، فأُخذ أسيراً وأُحضر عند بختيار، فأكرمه وعظّمه وجلس بين يديه، وقال له:
ما الذي تشتهي أنْ أفعل معك؟ قال: تُرسلني إلى المَلك أبي كاليجار، فأرسله إليه فأطلقه.
فاتفقَ أنّ غُلاماً له وجاريةٍ اجتمعا على فسادٍ فعَلِم بهما، وعرفا أنّه قد عَلم حالهما، فقتلاه بعد أسره بنحو مِن شهر.
وكان قد أحدث في ولايته رُسوماً جائرة وسنَّ سُنناً سيّئة منها: جباية سوق الدقيق ومقالي الباذنجان وسميريات المشارع، ودلالة ما يُباع مِن الأمتعة، وأجر الحمّالين الذين يرفعون التُمور إلى السُفن، وبما يُعطيه الذبّاحون لليهود، فجرى في ذلك مُناوشة بين العامّة والجُند.
استيلاءُ عسكرِ جلالِ الدولة على البَصرة:
لمّا انحدر الوزير أبو عليّ بن ماكولا إلى البصرة لم يستصحب مَعه مِن الأجناد البصريّين الّذين مع جلال الدولة؛ تأنيساً للدَيلم الّذين بالبصرة، فلمّا أُصيب - على ما مرّ ذِكره - تجهّز هؤلاء البصريّون وانحدروا إلى البصرة، فوصلوا إليها وقاتلوا مَن بها مِن عسكر أبي كاليجار، ودخل عسكر جلال الدولة البصرة في شعبان، واجتمع عسكر أبي كاليجار بالأُبُلة مع بختيار فأقاموا بها يستعدون للعود، وكتبوا إلى أبي كاليجار يستمدّونه، فسيّر إليهم عسكراً كثيراً مع وزيره ذي السعادات أبي الفرج بن فسانجس، فقدِموا إلى الأُبُلة واجتمعوا مع بختيار، ووقعَ الشروع في قتال مَن بالبصرة مِن أصحاب جلال الدولة، فسيّر بختيار جمعاً كثيراً في عِدّة مِن السُفن فقاتلوهم، فنُصر أصحاب جلال الدولة عليهم وهزموهم، فوبّخهم بختيار وسار مِن وقته في
العدَد الكثير والسُفن الكثيرة فاقتتلوا واشتدّ القتال، فانهزم بختيار وقُتل مِن أصحابه جماعة كثيرة، وأُخذ هو فقُتل مِن غير قَصد لقَتله، وأخذوا كثيراً مِن سُفنه، وعاد كلّ فريق إلى موضعه.
وعزمَ الأتراك مِن أصحاب جلال الدولة على مُباكرة الحَرب وإتمام الهزيمة، وطالبوا العامل الّذي على البصرة بالمال، فاختلفوا وتنازعوا في الإقطاعات، فأصعد أبن المعبراني صاحب البطيحة، فسار إليه جماعة مِن الأتراك الواسطيّين ليردّوه فلم يرجع، فتبعوه وخافَ مَن بقي بعضُهم مِن بعض أنْ لا يُناصحوهم ويُسلموهم عند الحرب، فتفرّقوا واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات - وقد كان خائفاً منهم - فجاءه ما لم يُقدّره مِن الظَفر، ونادى مَن بقي بالبصرة بشعار أبي كاليجار، فدخلها عسكره وأرادوا نهبها فمنعهم.
فتنةٌ في بغدادِ وشغبُ الجندِ على جلالِ الدولةِ:
وفي سَنة ٤٢٢ وقعتْ فِتنة بين السُنّة والشيعة في بغداد، واستفحل أمرُها، وأظهر الجُند كراهة المَلك جلال الدولة، وأرادوا قطع خُطبته، ففرّق فيهم مالاً وحَلف لهم فسكتوا، ثُمّ عاودا الشكوى إلى الخليفة منه، وطلبوا أنْ يأمر بقطع خُطبته فلم يُجبهم إلى ذلك، فامتنع حينئذٍ جلال الدولة مِن الجُلوس وضَربِهِ النوبةِ أوقات الصلوات، وانصرف الطالبون لانقطاع الجاري لهم، ودامت هذه الحال إلى عيد الفطر، فلم يَضرب بوق ولا طبل، ولا أُظهرت الزينة وزاد الاختلاط.
الوحشةُ بينَ بارسطفان وجلال الدولة:
اجتمع أصاغر الغُمان هذه السَنة إلى جلال الدولة، وقالوا له:
قد هَلكنا فَقراً وجوعاً، وقد استبدّ القوّاد بالدولة والأموال عليك وعلينا، وهذا بارسطفان ويلدرك قد أفقرانا وأفقراك أيضاً، فلمّا بلغهما ذلك امتنعا مِن الركوب إلى جلال الدولة واستوحشا، وأرسل إليهما الغُلمان يُطالبونهما بمَعلومهم، فاعتذرا بضيق أيديهما عن ذلك وسارا إلى المدائن، فنَدِم الأتراك على ذلك، وأرسل إليهما جلال الدولة مؤيّد الدين الرخجي المُرتضى وغيرهما فرجعا، وزاد شَغبُ الغُلمان على جلال الدولة إلى أنْ نَهبوا مِن داره فُرشاً وآلاتٍ ودوابٍ وغير ذلك، فركب وقت الهاجرة إلى دار الخلافة
ومعه نَفَر قليل مِن الركابيّة والغُلمان، وجَمع كثيرٌ مِن العامّة وهو سكران، فانزعج الخليفة مِن حضوره، فلمّا عَلِم الحال أرسل إليه يأمره بالعود إلى داره ويُطيّب قلبه، فقبّل قربوس سَرجه ومَسح حائط الدار بيده وأمرّها على وجهه، وعاد إلى داره والعامّة معه.
وثوبُ الأجنادِ بجلالِ الدولةِ وإخراجه مِن بَغداد:
في ربيع الأوّل مِن سَنة ٤٢٣ تجدّدت الفِتنة بين جلال الدولة والأتراك فأغلق بابه، فجاءت الأتراك ونهبوا داره، وسلبوا الكُتّاب وأرباب الديوان ثيابهم، وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهيلي، فهرب إلى حلّة كمال الدولة غريب بن محمّد، وخرج جلال الدولة إلى عُكبرا في شهر ربيع الآخر.
وخَطبَ الأتراك ببغداد للمَلك أبي كاليجار، وأرسلوا إليه يَطلبونه وهو بالأهواز، فمنعه العادل بن مافنة عن الإصعاد إلى أنْ يَحضر بعض قوّادهم، فلمّا رأوا امتناعه مِن الوصول إليهم أعادوا خُطبة جلال الدولة، وساروا إليه وسألوه العود إلى بغداد واعتذروا إليه، فعاد بعد ثلاثةٍ وأربعين يوماً، ووزر له أبو القاسم بن ماكولا ثُمّ عُزل، ووزر بعده عميد الدولة أبو سعد بن عبد الرحيم، فبقي وزيراً أيّاماً ثُمّ استتر، وسَبب ذلك أنّ جلال الدولة تقدّم إليه بالقبض على أبي المُعمّر إبراهيم بن الحسين البسامي طَمعاً في ماله، فقبض عليه وجعله في داره، فثار الأتراك وأرادوا منعه، وقصدوا دار الوزير وأخذوه وضربوه وأخرجوه مِن داره حافياً، ومَزّقوا ثيابه وأخذوا عِمامته وقطّعوها، وأخذوا خواتيمه مِن يده فدَمِيَت أصابعه، وكان جلال الدولة في الحَمّام فخرج مُرتاعاً، فركب وظَهر لينظر ما الخَبر، فأكبّ الوزير يُقبّل الأرض ويَذكر ما فُعل به، فقال جلال الدولة:
أنا ابن بهاء الدولة وقد فُعل بي أكثر مِن هذا، ثُمّ أخذ مِن البسامي ألف دينار وأُطلق واختفى الوزير.
استيلاءُ جلالِ الدولة على البَصرة وخروجها عن طاعته:
في سَنة ٤٢٤ سارت عساكر جلال الدولة مع وَلده المَلك العزيز فدخلوا البصرة في جمادى الأولى، وكان سبَب ذلك بختيار مُتولّي البصرة توفّي، فقام بعده ظهير الدين أبو القاسم خال ولده؛ لجَلدٍ كان فيه
وكفاية، وهو في طاعة المَلك أبي كاليجار، ودام كذلك فقيل لأبي كاليجار:
إنّ أبا القاسم ليس لك مِن طاعته غير الاسم، ولو رِمتَ عَزلِه لتعذّر عليك، وبلغَ ذلك أبا القاسم فاستعدّ للامتناع، وأرسل أبو كاليجار إليه ليَعزِله فامتنع، وأظهر طاعة جلال الدولة وخَطب له، وأرسل إلى ابنه وهو بواسط يَطلبه، فانحدر إليه في عساكر أبيه الّتي كانت معه بواسط، ودخلوا البصرة وأقاموا بها، وأخرجوا عساكر أبي كاليجار منها، وبقيَ المَلك العزيز بالبصرة وأقاموا بها، وأخرجوا عساكر أبي كاليجار منها.
وبقيَ المَلك العزيز بالبصرة مع أبي القاسم إلى أنْ دَخلتْ سَنة خمسٍ وعشرين وليس له مَعه أمرٌ والحُكم إلى أبي القاسم.
ثُمّ إنّه أراد القبضَ على بعض الديلم فهرب، ودخل دارَ المَلِك العزيزِ مُستجيراً، فاجتمع الديلم إليه وشَكوا مِن أبي القاسم، فصادفتْ شكواهم صَدراً موغراً حَنقاً عليه لسوء صُحبته، فأجابهم إلى ما أرادوه مِن إخراجه عن البصرة واجتمعوا، وعَلم أبو القاسم بذلك فامتنع بالأُبُلّة وجَمع أصحابه، وجرى بين الفريقين حُروب كثيرة أجلتْ عن خُروج العزيز عن البصرة وعوده إلى واسط، وعود أبي القاسم إلى طاعة أبي كاليجار.
إخراجُ جلالِ الدولة مِن دار المَملكة وإعادته إليها:
في هذه السَنة في شَهر رمضان شَغب الجُند على جلال الدولة وقبضوا عليه، ثُمّ أخرجوه مِن داره، ثُمّ سألوه ليعود إليها فعاد، وسَبب ذلك إنّه استقدم الوزير أبا القاسم مِن غير أنْ يَعلموا، فلمّا قَدِم ظنّوا إنّه إنّما ورد للتَعرّض إلى أموالهم ونِعَمهم، فاستوحشوا واجتمعوا إلى داره وهجموا عليه وأخرجوه إلى مسجد عناك فوكلوا به فيه.
ثُمّ إنّهم أسمعوه ما يَكره ونهبوا بعض ما في داره، فلمّا وكلوا به جاء بعض القوّاد في جماعةٍ مِن الجُند ومَن انضافَ إليه مِن العامّة والعيّارين، فأخرجه مِن السَمجد وأعاده إلى داره، فنقل جلال الدولة وُلدَه وحُرمه وما بقيَ له إلى الجانب الغربي، وعَبر هو في الليل إلى الكرخ، فلقيه أهل الكرخ بالدُعاء فنَزل بدار المُرتضى، وعَبَر الوزير أبو القاسم معه.
ثُمّ إنّ الجُند اختلفوا، فقال بعضهم: نُخرجه مِن بلادنا ونُملّك غيره، وقال بعضهم: ليس مِن بني بويه غيره وغير أبي كاليجار، وذلك قد عاد إلى بلاده ولا بدّ مِن مُداراة هذا، فأرسلوا إليه يقولون له:
نُريدُ أنْ تَنحدر عنّا إلى واسط وأنت مَلِكُنا، وتَترك عِندنا بعض أولادك الأصاغر.
فأجابهم إلى ذلك، وأرسل سرّاً إلى الغُلمان الأصاغر فاستمالهم،
وإلى كلّ واحد مِن الأكابر، وقال: إنّما أثقُ بكَ وأسكُن إليك، واستمالهم أيضاً، فعبروا إليه وقَبّلوا الأرض بين يديه، وسألوه العودَ إلى دار المُلك فعاد، وحَلف إليهم على إخلاص النيّة والإحسان إليهم، وحَلفوا له على المُناصحة واستقرّ في داره.
حالُ الخِلافةِ والسَلطنة ببغداد:
في سَنة ١٤٢٦ انحلّ أمرُ الخلافة والسَلطنة ببغداد، حتّى إنّ بعض الجُند خرجوا إلى قرية يحيى، فلقيهم أكرادٌ فأخذوا دوابهم، فعادوا إلى قراح الخَليفة القائم بأمر الله فنهبوا شيئاً مِن ثَمرته، وقالوا للعاملين فيه:
أنتم عَرفتهم حال الأكراد ولم تُعلمونا، وسَمِع الخليفة الحال فعظُم عليه، ولم يَقدر جلال الدولة على أخذِ أولئك الأكراد لعجزه ووَهنه، واجتهد في تسليم الجُند إلى نائب الخليفة فلم يُمكنه ذلك، فتَقدّم الخليفة إلى القُضاة بترك القضاء والامتناع عنه، وإلى الشُهود بترك الشهادة، وإلى الفُقهاء بترك الفتوى، فلمّا رأى جلال الدولة ذلك سأل أولئك الأجناد ليُجيبوه إلى أنْ يَحملهم إلى ديوان الخلافة ففعلوا، فلمّا وصلوا إلى دار الخلافة أُطلقوا، وعظُم أمر العيّارين، وصاروا يأخذون الأموال ليلاً ونهاراً ولا مانع لهم؛ لأنّ الجُند يَحمون على السُلطان ونوّابه، والسلطان عاجز عن قهرهم، وانتشر العَرب في البلاد، فنهبوا النواحي وقطعوا الطريق، وبلغوا إلى أطراف بغداد حتّى وصلوا إلى جامع المَنصور، وأخذوا ثياب النساء في المقابر.
وثوبُ الجُندِ بجلال الدولة:
في سَنة ٤٢٧ ثارَ الجُند ببغداد بجلال الدولة وأرادوا إخراجه منها، فاستنظرهم ثلاثة أيّام فلم يُنظروه، ورموه بالآجر فأصابه بعضُهم، واجتمع الغُلمان فردّوهم عنه، فخرج مِن باب لطيف في سماريته مُتنكّراً، وصعد منها راجلاً إلى دار المُرتضى بالكرخ، وخرج مِن دار المُرتضى وسار إلى رافع بن الحسين بن مقن بتكريت، وكسر الأتراك أبواب داره ودخلوها ونهبوها، وقلعوا كثيراً مِن ساجها وأبوابها، فأرسل الخليفة إليه وقرّر أمرَ الجُند وأعاده إلى بغداد.
الفِتنَةُ بين جلال الدولة وبارسطفان:
في سنة ٤٢٨ كانت الفِتنة بين جلال الدولة وبارسطفان، وهو مِن أكابر الأُمراء ويُلقّب حاجب الحُجّاب، وكان سبَب ذلك أنّ جلال الدولة نسبه إلى فساد الأتراك، والأتراك نَسبوه إلى أخذِ الأموال، فخاف على نفسه فالتجأ إلى دار الخلافة في رجب مِن السَنة الخالية، وتردّدت الرُسل بين جلال الدولة والقائم بأمر الله في أمره، فدافع الخَليفة عنه وبارسطفان يُراسل المَلك أبا كاليجار، فأرسل أبو كاليجار جيشاً فوصلوا إلى واسط، واتّفق معهم عَسكر واسط وأخرجوا المَلك العزيز بن جلال الدولة فأصعد إلى أبيه، وكَشفَ بارسطفان القِناع فاستتبع أصاغر المماليك، ونادوا بشعار أبي كاليجار، وأخرجوا جلال الدولة مِن بغداد فسار إلى أوانا ومعه البساسيري، وأخرج بارسطفان الوزير أبا الفضل العبّاس بن الحسن بن فسانجس، فنظرَ في الأُمور نيابة عن المَلك أبي كاليجار، وأرسل بارسطفان إلى الخليفة يَطلب الخُطبة لأبي كاليجار فاحتجّ بِعُهود جلال الدولة، فأكره الخُطباء على الخُطبة لأبي كاليجار ففعلوا.
وجرى بين الفريقين مُناوشات، وسار الأجناد الواسطيّون إلى بارسطفان ببغداد فكانوا معه، وتنقّلت الحال بين جلال الدولة وبارسطفان، فعاد جلال الدولة إلى بغداد ونزل بالجانب الغربي، ومَعه قرواش بن المقلد العقيلي ودبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وخُطِب لجلال الدولة به، وبالجانب الشرقي لأبي كاليجار، وأعان أبو الشوك وأبو الفوارس منصور ابن الحسين بارسطفان على طاعة أبي كاليجار، ثُمّ سار جلال الدولة إلى الأنبار وسار قرواش إلى الموصل، وقَبض بارسطفان على ابن فسانجس، فعاد منصور بن الحسين إلى بلده، وأتى الخَبر إلى بارسطفان بعود المَلك أبي كاليجار إلى فارس، ففارقه الدَيلم الذين جاؤوا نَجدةً له فضَعُف أمره، فدفع ماله وحُرمه إلى دار الخلافة وانحدر إلى واسط، وعاد جَلال الدولة إلى بغداد، وأرسل البساسيري والمُرشد وبني خفاجة في أثره، فتَبعهم جلال الدولة ودبيس بن عليّ بن مزيد، فلحقوه بالخيزرانيّة فقاتلوه فسقط عن فرسه، فأُخذ أسيراً وحُمل إلى جلال الدولة فقتله وحَمل رأسه، وكان عُمره نحو سبعين سَنة.
وسار جلال الدولة إلى واسط فمَلكها، وأصعد إلى بغداد فضعُف أمر الأتراك، وطمعَ فيهم الأعراب واستولوا على إقطاعاتهم فلم يقدروا على كفّ أيديهم عنها.
وكانت مُدّة بارسطفان مِن
حين كاشف جلال الدولة إلى أنْ قُتل ستّة أشهر وعشرة أيّام.
الصُلحُ بينَ جلال الدولة وأبي كاليجار والمُصاهرة بينهما:
في هذه السنَة تردّدت الرُسل بين جلال الدولة وابن أخيه أبي كاليجار سُلطان الدولة في الصُلح والاتّفاق وزال الخُلف، وكان الرُسل: أقضى القُضاة أبا الحسن الماوردي، وأبا عبد الله المردوستي وغيرهما، فاتّّفقا على الصُلح وحَلف كلّ واحد مِن المَلكين لصاحبه، وأرسلَ الخليفةُ القائم بأمر الله إلى أبي كاليجار الخِلَع النفيسة، ووقعَ العَقد لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنة جَلال الدولة، وكان الصَداق خمسين ألف دينار قاسانية.
مُخاطبة جلال الدولة بمَلك المُلوك:
في هذه السنة ٤٢٩هـ سأل جلال الدولة الخليفَة القائم بأمر الله ليُخاطَب بمَلك المُلوك، فامتنع ثُمّ أجاب إليه إذا أفتى الفُقهاء بجوازه، فكَتب فتوى إلى الفقهاء في ذلك، فأفتى القاضي أبو الطيّب الطَبري، والقاضي أبو عبد الله الصيمري، والقاضي ابن البيضاوي، وأبو القاسم الكرخي بجوازه، وامتنع منه قاضي القُضاة أبو الحسن الماوردي، وجرى بينه وبين مَن أفتى بجوازه مُراجعات، وخُطِب لجلال الدولة بمَلك المُلوك.
وكان الماوردي مِن أخصّ الناس بجلال الدولة، وكان يَتردّد إلى دار المَملكة كلّ يوم، فلمّا أفتي بهذه الفُتيا انقطع ولزم بيته خائفاً، وأقام مُنقطعاً مِن شهر رمضان إلى يوم عيد النحر، فاستدعاه جَلال الدولة فحَضر خائفاً، فأدخله وَحدَه وقال له:
قد عَلِم كلّ أحد أنّك مِن أكثر الفُقهاء مالاً وجاهاً وقُرباً منّي، وقد خالفتهم فيما خالف هواي، ولم تَفعل ذلك إلاّ لعدم المُحاباة منك واتّباع الحق، وقد بانَ لك موضعك مِن الدين ومكانك مِن العِلم، وجعلتُ جزاء ذلك إكرامك بأنْ أُدخلتك إليّ وحدك، وجعلتُ إذنَ الحاضرين إليك؛ ليتحقّقوا عودي إلى ما تُحب، فشكره ودعا له وأذِنَ لكلّ مَن حَضر بالخدمة والانصراف.
مِلك أبي كاليجار البصرة:
في سَنة إحدى وثلاثين وأربعمئة سيّر المَلك أبو كاليجار عساكره مع العادل أبي مَنصور بن مافنة إلى البصرة، فمَلكها في صَفر وكانت بيَد الظهير
أبي القاسم، وقد وَليها بعد بختيار، وكان قد عصى على أبي كاليجار مَرّة وصار في طاعة جلال الدولة، ثُمّ فارق طاعته وعاد إلى طاعة المَلك أبي كاليجار، وكان يَترُك محاققته ومُعارضته فيما يفعله، ويضمن الظهير أنْ يَحمل إلى أبي كاليجار كلّ سَنة سبعين ألف دينار، وكثُرت أمواله ودامت أيّامه وثبتَ قَدمه وطار اسمه، واتّفق إنّه تعرّض إلى أملاك أبي الحسن بن أبي القاسم بن مكرم - صاحب عُمان - وأمواله، وكاتب أبو الحسن المَلك أبا كاليجار وبَذل له زيادة ثلاثين ألف دينار في ضمان البصرة كلّ سَنة، وجرى الحديث في قصد البصرة، فصادفَ قلباً موغراً مِن الظهير فحصلت الإجابة، وجهّز المَلك العساكر مع العادل أبي منصور فسار إليها وحصرها، وسارت العساكر مِن عُمان أيضاً في البحر، وحُصرتْ البصرة ومُلكت، وأُخذ الظهير وقُبض عليه وأُخذ جميع ماله، وقُرر عليه مئة ألف وعشرة آلاف دينار يحملها في أحدَ عشرَ يوماً، بعد تسعين ألف دينار أُخذت منه قَبلها.
ووصل المَلك أبو كاليجار إلى البصرة فأقام بها، ثُمّ عاد إلى الأهواز وجعل وَلده عِزّ المُلوك فيها ومعه الوزير أبو الفَرج بن فسانجس، ولمّا سار أبو كاليجار عن البصرة أخَذ معه الظهير إلى الأهواز.
شَغب الأتراك على جلالِ الدولةِ ببغداد:
في هذه السَنة شَغب الأتراك على المَلك جلال الدولة ببغداد، وأخرجوا خيامهم إلى ظاهر البلد، ثُمّ أوقعوا النَهب في عدّة مواضع، فخافهم جَلال الدولة فعَبر خيامه إلى الجانب الغربي، وتردّدت الرُسل بينهم في الصُلح، وأراد الرحيل عن بغداد فمنعه أصحابه، فراسل دبيس بن مزيد وقرواشاً - صاحب الموصل - وغيرهما، وجَمع عِنده العساكر فاستقرّت القواعد بينهم، وعاد إلى داره، وطَمع الأتراك وآذوا الناس ونَهبوا وقَتلوا، وفَسَدت الأُمور بالكُليّة إلى حدٍّ لا يُرجى صَلاحه.
الخِلافُ بينَ جلال الدولة وقرواش صاحب الموصل:
في هذه السَنة اختلف جلال الدولة مَلك العراق وقرواش بن المقلد العقيلي صاحب الموصل، وقد ذُكر هذا الحادث في أخباره مِن تاريخ بني المسيّب العقيليّين بإيجاز فرأينا بسطه هُنا.
كان سَبب هذا الاختلاف أنّ قرواشاً كان قد أنفذ عَسكراً سَنة إحدى وثلاثين، فحصروا خميس بن ثعلب بتكريت، وجرى بين الطائفتين حَرب شديدة في ذي القعدة منها، فأرسل خميس وَلده إلى الَملك جلال الدولة، وبَذل بذولاً كثيرة ليكفّ عنه قرواشاً فأجابه إلى ذلك، وأرسل إلى قرواش يأمره بالكفّ عنه فغالط ولم يَفعل، وسار بنفسه ونَزل عليه يُحاصره، فتأثّر جلال الدولة منه.
ثُمّ إنّه أرسل كِتباً إلى الأتراك ببغداد يُفسدهم، وأشار عليهم بالشَغب على المَلك وإثارة الفِتنة معه، فوصل خبرها إلى جلال الدولة - وأشياء أُخر كانت هذه هي الأصل - فأرسل جلال الدولة أبا الحرث أرسلان الفساسيري في صَفر سَنة اثنتين وثلاثين ليقبضَ على نائب قرواش بالسنديّة، فسار ومعه جماعة مِن الأتراك وتَبعه جَمع مِن العَرب، فرأى في طريقه جِمالاً لبني عيسى، فتسرّع إليها الأتراك والعرب فأخذوا منها قطعة.
وأوغل الأتراك في الطَلب، وبلغَ الخَبر إلى العَرب وركبوا وتبعوا الأتراك، وجرى بين الطائفتين حَرب انهزم فيها الأتراك وأُسر منهم جماعة، وعادَ المُنهزمون فأخبروا الفساسيري بكثرة العَرب، فعادَ ولم يصل إلى مَقصده.
وسار طائفة مِن بني عيسى، فكمنوا بين صرصر وبغداد ليُفسدوا في السواد، فاتّفق أنْ وصلَ بعض أكابر القوّاد الأتراك، فخرجوا عليه فقتلوه وجماعة مِن أصحابه، وحُملوا إلى بغداد فارتجّ البَلد، واستحكمت الوحشة بين جلال الدولة وقرواش، فجَمع جلال الدولة العساكر وسار إلى الأنبار - وهي لقرواش على عَزم أخذها منه وغيرها مِن إقطاعه بالعراق - فلمّا وصلوا إلى الأنبار أُغلقت وقاتلهم أصحاب قرواش، وسار قرواش مِن تكريت إلى خصة على عزم القتال، فلمّا نَزل المَلك جلال الدولة على الأنبار قَلّت عليهم العلوفة، فسارَ جماعة مِن العسكر والعَرب إلى الحديثة ليمتاروا منها، فخرجَ عليهم عندها جَمعٌ كثيرٌ مِن العَرب فأوقعوا بهم، فانهزم بعضُهم وعادوا إلى العسكر، ونَهبت العربُ ما معهم مِن الدواب التي تَحمل الميرة، وثَبت معه جماعة، ووصل الخَبر إلى جَلال الدولة أنّ المُرشد أبا الوفاء يُقاتل، وأُخبر سلامته وصَبره للعرب، وأنّهم يقاتلونه وهو يطلب النجدة، فسار المَلك إليه بعسكر، فوصلوا وقد عَجزَ العرب عن الوصول إليه، وعادوا عنه بعد أنْ حَملوا عليه وعلى مَن معه عِدّة حَملات صبر لها في قلّة مَن مَعه.
ثُمّ اختلفت عقيل على قرواش، فراسل جلال الدولة وطَلب رضاه وبَذل له بذلاً
أصلحه به، وعادَ إلى طاعته فتحالفا وعاد كلٌّ منهما إلى مكانه.
الوحشةُ بينَ القائم بأمر الله وجَلال الدولة:
في سَنة ٤٣٤ افتُتحت الجوالي في المُحرّم ببغداد، فأنفذ جلال الدولة فأخذ ما تحصّل منها، وكانت العادة أنْ يُحمَل ما يَحصل منها إلى الخُلفاء لا تُعارضهم فيها المُلوك، فلمّا فعل جَلال الدولة ذلك عَظُم الأمر فيه على القائم بأمر الله واشتد عليه، وأرسل مع أقضى القُضاة أبي الحسن الماوردي في ذلك، وتكرّرت الرسائل فلم يُصغِ جلال الدولة لذلك، وأخذ الجوالي، فجمعَ الخليفةُ الهاشميّين بالدار والرجالة، وتقدّم بإصلاح الطيار والزبازب، وأرسل إلى أصحاب الأطراف والقُضاة بما عَزم عليه، وأظهر العَزم على مُفارقة بغداد فلم يتمّ ذلك، وحدثت وحشة مِن الجِهتين، فاقتضت الحال أنّ المَلك يَترك مُعارضة النوّاب الإماميّة فيها في السَنة الآتية.
وفاةُ جلالِ الدولةِ ومُلك أبي كاليجار:
في سادس شعبان سَنة ٤٣٥ توفّي المَلك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عَضد الدولة بن بويه ببغداد، وكان مَرضه وَرماً في كَبده، وبقي عدّة أيّام مريضاً وتوفّي، وكان مَولده سَنة ثلاث وثمانين وثلاثمئة، ومُلكه ببغداد ستّ عشرة سَنة وأحد عشر شهراً، ودُفن بداره.
ومَن عَلِم سيرته وضَعفه واستيلاء الجُند والنوّاب عليه، ودوام مُلكه إلى هذه الغاية عَلم أنّ الله على كلّ شيءٍ قدير، يُؤتي مُلكه مَن يشاء وينزعه ممَّن يشاء.
وكان يَزور الصالحين ويَقرب منهم، وزار مرّة مَشهدَي عليٍّ والحسين (عليها السلام)، وكان يَمشي حافياً قبلَ أنْ يَصل إلى مَشهد كلٍّ منهما نحو فَرسخ، يفعل ذلك تَديّناً.
ولمّا تُوفّي انتقل الوزير كمال المُلك بن عبد الرحيم وأصحاب المَلك الأكابر إلى باب المَراتب وحريم دار الخلافة؛ خوفاً مِن نَهب الأتراك والعامّة دُورهم، فاجتمع قوّاد العَسكر تحت دارِ المَملكة ومنعوا الناس مِن نهبها.
ولمّا توفّي كان وَلده الأكبر المَلك العزيز أبو منصور بواسط على عادته، فكاتبه الأجناد بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت به العادة مِن حقّ البيعة، فتردّدت المُراسلات بينهما في مقداره وتأخيره لفقده، وبَلغَ مَوته إلى المَلك أبي كاليجار بن سُلطان الدولة بن بهاء
الدولة، فكاتب القوّاد والأجناد ورَغّبهم في المال وكثرته وتعجيله، فمالوا إليه وعَدلوا عن المَلك العزيز.
وأمّا المَلك العزيز، فإنّه أصعد إلى بغداد لمّا قَرُبَ المَلك أبو كاليجار منها - على ما يأتي في سَنة ستّ وثلاثين - عازماً على قَصد بغداد ومعه عَسكره، فلمّا بَلغَ النُعمانية غدرَ به عسكره، ورجعوا إلى واسط وخَطبوا لأبي كاليجار، فلمّا رأى ذلكَ مضى إلى نورِ الدولة دبيس بن مزيد؛ لأنّه بَلغه ميلُ جُند بغداد إلى أبي كاليجار، وسار مِن عند دبيس إلى قرواش بن المقلد، فاجتمع به بقرية خصة - مِن أعمال بغداد - وسار مَعه إلى الموصل، ثُمّ فارقه وقصد أبا الشوك؛ لأنّه حَموه، فلمّا وصل إلى أبي الشوك غَدر به، وألزَمه بطلاق ابنته ففعل، وسار عنه إلى إبراهيم ينال أخي طغرلبك، وتنقّلت به الأحوال حتّى قَدِم بغداد في نَفَرٍ يسيرٍ عازماً على استمالة العَسكر وأخذِ المُلك، فثارَ به أصحاب المَلك أبي كاليجار فقُتل بعضُ مَن عنده، وسار هو مُختفياً فقصد نَصر الله بن مروان، فتوفّي عنده بميافارقين، وحُمل إلى بغداد ودُفن عند أبيه بمقابر قُريش في مشهد باب التِبن سَنة إحدى وأربعين وأربعمئة، وقد ذَكر الشيخ أبو الفَرج بن الجوزي إنّه آخر مُلوك بني بويه، وليس كذلك؛ فإنّه مَلك بعده أبو كاليجار ثُمّ المَلك الرحيم بن أبي كاليجار، وهو آخرهم على ما نراه.
وأمّا المَلك أبو كاليجار، فلم تَزل الرُسل تتردّد بينه وبين عَسكر بغداد حتّى استقرّ الأمر له، وحَلفوا وخَطبوا له ببغداد في صَفَر سَنة ستٍّ وثلاثين وأربعمئة على ما تراه فيما بعد.
الخُلف بين أبي كاليجار وفرامرز بن علاء الدولة:
في هذه السَنة نكثَ الأمير أبو منصور فرامز بن علاء الدولة بن كاكويه صاحب أصبهان العَهد الّذي بينه وبين المَلك أبي كاليجار، وسَيَّر عسكره إلى نواحي كِرمان فملكوا منها حِصنين وغنموا ما فيهما، فأرسل المَلك أبو كاليجار إليه في إعادتهما وإزالة الأعراض عنهما فلم يَفعل، فجهّز عَسكراً وسيّره إلى أبرقوه، فحصرها وملكها، فانزعج فرامز لذلك وجهّز عسكراً كثيراً وسيّره إليهم، فسَمع المَلك أبو كاليجار بذلك فسيّر عسكراً ثانياً مَدَداً لعسكره الأوّل، والتقى العسكران فاقتتلوا وصبروا، ثُمّ انهزم عسكر أصبهان وأُسر مُقدّمهم الأمير إسحاق بن ينال، واستردّ نوّاب أبي كاليجار ما كانوا أخذوه مِن كرمان.
توسّط الخَليفة في الصُلح بين جَلال الدولة وأبي كاليجار وطغرلبك:
في هذه السَنة جَرت حَربٌ بين ابن الهيثم صاحب البطيحة وبين الأجناد مِن الغزّ والديلم، فأحرق الجامدة وغيرها وخَطب الجُند للمَلك أبي كاليجار، وفيها أرسل الخَليفةُ القائم بأمر الله أقضى القُضاة أبا الحسن عليّ بن محمّد بن حبيب الماوردي الفقيه الشافعي إلى السُلطان طغرلبك قبل وفاة جَلال الدولة، وأمره أنْ يُقرّر الصُلح بين طغرلبك والمَلك جَلال الدولة وأبي كاليجار، فسار إليه وهو بجرجان، فلقيه طغرلبك على أربعة فراسخ إجلالاً لرسالة الخَليفة، وعاد الماوردي سَنة ستٍّ وثلاثين وأربعمئة وأخبر عن طاعة طغرلبك للخَليفة وتَعظيمه لأوامره ووقوفه عندها.
مُتَفَرِقات:
في هذه السَنة نَزلَ الأمير أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة مِن كنكور، وقصد همذان فمَلكها وأزاح عنها نوّاب السلطان طغرلبك، وخطب للمَلك أبي كاليجار وصار في طاعته.
وفيها أمرَ المَلك أبو كاليجار ببناء سورِ مدينة شيراز، فبُني وأُحكم بناؤه، وكان دَوره اثني عشر ألف ذراع، وعُرضه ثمانية أذرُع وله أحد عشر باباً، وفَرغ منه سَنة أربعين وأربعمئة.
وفيها نُقِل تابوت جلال الدولة مِن داره إلى مشهد باب التبن إلى تربة له هُناك.
في المُحرّم سَنة ٤٣٧ خُطب للمَلك أبي كاليجار بأصبهان وأعمالها، وعاد الأمير أبو منصور بن علاء الدولة إلى طاعته، وكان سَبب ذلك إنّّه لمّا عَصى على المَلك أبي كاليجار، وقصد كرمان - على ما سبق ذِكره - والتجأ إلى طاعة طغرلبك لم يَبلغِ ما كان يُؤمّله مِن طغرلبك، فلمّا عادَ طغرلبك إلى خُراسان خاف أبو منصور مِن المَلك أبي كاليجار، فراسله في العود إلى طاعته، فأجابه إلى ذلك واصطلحا.
صُلح المَلك أبي كاليجار والسلطان طغرلبك:
في سنَة ٤٣٩ أرسل المَلك أبو كاليجار إلى السلطان رُكن الدولة
طغرلبك في الصُلح، فأجابه إليه واصطلحا، وكَتب طغرلبك إلى أخيه ينال يأمُره بالكفّ عمّا وراء ما بيده، واستقرّ الحال بينهما أنْ يتزوّج طغرلبك بابنة أبي كاليجار، ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة المَلك داود أخي طغرلبك، وجرى العَقد في شهر ربيع الآخر مِن هذه السَنة.
استيلاء أبي كاليجار على البطيحة:
في هذه السَنة اشتدّ الحِصار مِن عَسكر المَلك أبي كاليجار على أبي نصر بن الهيثم صاحب البطيحة، فاشتطّ عليه أبو الغنائم ابن الوزير ذي السعادات، ثُمّ استأمن نَفرٌ مِن أصحاب أبي نَصر وملاّحيه إلى أبي الغنائم، وأخبروه بضَعف أبي نصر وعَزمه على الانتقال مِن مكانه، فحفظ الطُرق عليه، فلمّا كان خامس صَفر جرت وقعةٌ كبيرةٌ بين الفريقين واشتدَّ القِتال، فظَفر أبو الغنائم وقُتل مِن البطائحيّين جماعة كثيرة، وغَرق منهم سُفن كثيرة وتفرّقوا في الآجام، ومضى أبن الهيثم ناجياً بنفسه في زبزب، ومُلكت داره ونُهب ما فيها.
مَوتُ المَلكِ أبي كاليجار ومُلك ابنه المَلك الرحيم، وهو التاسع عَشر مِن مُلوك بني بويه والحادي عشر مِن مُلوكهم في العراق:
في سَنة ٤٤٠ هـ توفّي المَلك أبو كاليجار المرزبان بن سُلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عَضُد الدولة بن بويه رابع جُمادى الأُولى بمدينة جناب مِن كرمان، وكان سَبب مسيره إليها إنّه كان قد عوّل في ولاية كرمان حَرباً وخراباً على بهرام بن لشكرستان الديلمي وقرّر عليه مالاً، فتراخى بهرام في تحرير الأمر وأخلد إلى المُغالطة والمُدافعة، فشرعَ حينئذ أبو كاليجار في إعمال الحيلة عليه، وأخذَ قلعة بردسير مِن يَده - وهي مَعقله الذي يَحتمي به ويُعوّل عليه - فراسلَ بعض مَن بها مِن الأجناد وأفسدهم، فعلم بهم بهرام فقتلهم، وزاد نُفوره واستشعاره وأظهر ذلك، فسار إليه المَلك أبو كاليجار في ربيع الآخر فبلغَ قصر مشاجع، فوجد في حَلقهِ خُشونة فلم يُبالِ بها، وشرب وتصيّد وأكل مِن كَبد غزالٍ مشويٍ، واشتدّت عِلّته ولَحِقه حُمّى وضَعف عن الرُكوب، ولم يُمكنه المُقام لعَدم الميرة بذلك المَنزل، فحُمِل في مَحفة على أعناق الرجال إلى مدينة جناب فتُوفّي بها.
وكان عُمره
أربعين سنةٍ وشهوراً، وكان مُلكه بالعراق بعد وفاة جَلال الدولة أربع سِنين وشهرين ونيفاً وعشرين يوماً.
ولمّا توفّي نَهبَ الأتراك مِن العسكر الخزائن والسلاح والدواب، وانتقل وَلده أبو منصور فلاستون إلى مُخيّم الوزير أبي منصور، وكانت مُنفردة عن العسكر فأقام عِنده.
وأراد الأتراك نهبَ الوزير والأمير فمنعهم الديلم، وعادوا إلى شيراز فمَلكها الأمير أبو منصور، واستشعر الوزير فصعد إلى قَلعة خرمة فامتنع بها، فلمّا وصلَ خبرُ وفاته إلى بغداد وبها وَلده المَلك الرحيم أبو نصر خره فيروز أحضر الجُند واستحلفهم، وراسل الخَليفة القائم بأمرِ الله في مَعنى الخُطبة وتلقيبه بالمَلك الرحيم، وتردّدت الرُسل بينهما في ذلك إلى أنْ أُجيب إلى مُلتَمسه، سوى المَلك الرحيم، فإنّ الخَليفة امتنع مِن إجابته وقال:
لا يجوز أنْ يُلقب بأخصّ صفات الله تعالى واستقرّ مُلكه بالعراق وخوزستان والبصرة، وكان بالبصرة أخوه أبو عليّ بن أبي كاليجار، وخَلّف أبو كاليجار مِن الأولاد: المَلك الرحيم، والأمير أبا منصور فلاستون، وأبا طالب كامرو، وأبا المُظفر بهرام، وأبا علي كيخسرو، وأبا سعد خسروشاه، وثلاثة بنين أصاغر. فاستولى ابنه أبو منصور على شيراز، فسيّر إليه المَلك الرحيم أخاه أبا سعد في عَسكر فمَلكوا شيراز وخَطبوا للمَلك الرحيم وقَبضوا على الأمير أبي منصور ووالدته وكان ذلك في شوّال.
في هذه السَنة سارَ المَلك الرحيم مِن بغداد إلى خوزستان، فلقيَه مَن بها مِن الجُند وأطاعوه، وفيهم كرشاسف بن علاء الدولة الّذي كان صاحب همذان، وكنكور فإنّه كان انتقل إلى المَلك أبي كاليجار بعد أنْ استولى ينال على أعماله، ولمّا مات أبو كاليجار سارَ المَلك العزيز بن المَلك جلال الدولة إلى البصرة طَمعاً في مِلكها، فلقيه مَن بها مِن الجُند وقاتلوه وهزموه، فعاد عنها، وكان قبلَ ذلك عند قرواش ثُمّ عند ينال، ولمّا استمع باستقامة الأُمور للمَلك الرحيم انقطع أمَله، ولمّا سار المَلك الرحيم عن بغداد كَثُرَة الفِتن بها، ودامت بين أهل باب الأزج والأساكفة وهَم السنية فأحرقوا عقاراً كثيراً.
مَسيرُ المَلك الرحيم إلى شيراز وعَوده عنها:
في المُحرّم سنة ٤٤١ سارَ المَلك الرحيم مِن الأهواز إلى بلاد فارس فوصلها، وخرج عسكر شيراز إلى خدمته ونَزل بالقُرب منها ليدخل البلد.
ثُمّ إنّ الأتراك الشيرازيّين والبغداديّين اختلفوا، وجرى بينهم مُناوشة استظهر فيها البغداديّون وعادوا إلى العراق، فاضطرّ المَلك الرحيم إلى المَسير معهم؛ لأنّه لم يكن يَثق إلى الأتراك الشيرازيّة، وكان دَيلم بلاد فارس قد مالوا إلى أخيه فولاستون، وهو بقلعة اصطخر فهو أيضاً مُنحرف عنهم، فاضطرّ إلى صُحبة البغداديّين، فعاد في رَبيع الأوّل مِن هذه السَنة إلى الأهواز، وأقام بها واستخلَف بأرجان أخَويه أبا سعد وأبا طالب.
ووقعَ الخُلف بفارس، فإنّ الأمير أبا منصور فلاوستون كان قد خَلص وصار بقلعة اصطخر، واجتمع معه جماعة مِن أعيان العسكر الفارسي، فلمّا عادَ المَلك الرحيم إلى الأهواز انبسط في البلاد، وقَصَدهُ كثيرٌ مِن العساكر واستولى على بلاد فارس، ثُمّ سار إلى أرجان عازماً على قصدِ الأهواز وأخذها.
انهزامُ المَلك الرحيم مِن عَسكر فارس:
في هذه السَنة عاد المَلك الرحيم مِن الأهواز إلى رامهرمز في ذي القعدة، فلمّا وصل إلى وادي الملح لقيهُ عسكر فارس واقتتلوا قِتالاً شديداً، فغَدر بالمَلك الرحيم بعضُ عسكره، وانهزم هو وجميع العَسكر، ووصل إلى بصنى ومعه أخواه أبو سعد وأبو طالب، وسار منها إلى واسط، وسار عسكر فارس إلى الأهواز فمَلكوها وخيّموا بظاهرها.
عودُ عساكر فارس مِن الأهواز وعود الملك الرحيم إليها:
في المُحرّم سَنة ٤٤٢ عادتْ عساكر فارس - الّتي مع الأمير أبي مَنصور صاحبها - عن الأهواز إلى فارس، وسبب هذا العود أنّ الأجناد اختلفوا وشَغبوا واستطالوا، وعادَ بعضُهم إلى فارس بغيرِ أمرِ صاحبهم، وأقام بعضُهم معه، وسار بعضهم إلى المَلك الرحيم وهو بالأهواز يطلبونه ليعودَ إليهم، فعادَ فيمَن عنده مِن العساكر، وأرسل إلى بغداد يأمر العساكر التي فيها بالحضور عنده ليسير بهم إلى فارس، فلمّا وصلَ إلى الأهواز لقيهُ العساكر مُقرّين بالطاعة، وأخبروه بطاعة عساكر فارس وأنّهم ينتظرون قُدومه، فدخل الأهواز في شَهر ربيع الآخر فتوقّف بالأهواز ينتظر عساكر بغداد، ثُمّ سار عنها إلى عسكر مكرم فملكها وأقام بها.
مِلك المَلك الرحيم رامهرمز:
في المُحرّم سَنة ٤٤٣ اجتمعَ جَمعٌ كثيرٌ مِن العَرب والأكراد، وقصدوا سَرق مِن خوزستان ونهبوها ونهبوا دورقَ مُقدّمِهم مطارد بن منصور، ومذكور بن نزار، فأرسل إليهم المَلك الرحيم جيشاً، ولقوهم بينَ سَرق ودورق فاقتَتلوا، فقُتل مطارد وأُسر ولده وكُثر القتل فيهم، واستنقَذوا ما نهبوه، ونجا الباقون على أقبح صورة مِن الجُراح والنَهب، فلمّا تمّ هذا الفَتح للمَلك الرحيم انتقل مِن عسكر مكرم مُتقدّماً إلى قنطرة أدبق، ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما.
ثُمّ إنّ الأمير أبا مَنصور صاحب فارس، وهزارسب بن بنكير ومنصور بن الحسين الأسدي ومَن معهما مِن الدَيلم والأتراك ساروا مِن أرجان يطلبون تستر فسبقهم المَلك الرحيم إليها، وحال بينهم وبينها، والتَقَت الطلائع فكان الظَفر لعسكر الرحيم.
ثُمّ إنّ الإرجاف وقع في عسكر هزارسب بوفاة الأمير أبي منصور ابن المَلك أبي كاليجار بمدينة شيراز، فسقط في أيديهم وعادوا، وقصدَ كثيرٌ منهم المَلك الرحيم فصاروا معه، فسيّر قطعة مِن الجيش إلى رامهرمز وبها أصحاب هزارسب، وقد أفسدوا في تلك الأعمال، فلمّا وصلَ إليها عَسكر الرحيم خرجَ أولئك إلى قِتالهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً أُكثر فيه القتل والجراح، ثُمّ انهزم أصحاب هزارسب فدخلوا البَلد وحُصروا فيه، ثُمّ مُلك البَلد عَنوة، ونُهب وأُسر جماعةٌ مِن العساكر التي فيه، وهَرب كثير منهم إلى هزارسب وهو بأيذج، ومَلك المَلك الرحيم البلد في ربيع الأوّل مِن هذه السَنة.
مُلك المَلك الرحيم اصطخر وشيراز:
في هذه السَنة سيّر المَلك الرحيم أخاه الأمير أبا سعد في جيش إلى بلاد فارس، وكان سَبب ذلك أنّ المُقيم في قلعة اصطخر - وهو أبو نصر بن خسرو - كان له أخَوَان قَبَض عليهما هزارسب بن بنكير بأمر الأمير أبي منصور، فكَتب إلى المَلك الرحيم يَبذل له الطاعة والمُساعدة، ويَطلب أنْ يُسيِّر إليه أخاه ليُملّكه بلاد فارس، فسيّر إليه أخاه أبا سعد في جيش، فوصل إلى دولتا باذ فأتاه كَثير مِن عساكر فارس - الدَيلم والتُرك والعَرب والأكراد - وسار منها إلى قلعة اصطخر، فنزل إليه صاحبها أبو نصر فلقيه وأصعده إلى القلعة، وحَمل له وللعساكر التي معه الإقامات والخِلَع وغيرها،
ثُمّ ساروا منها إلى قلعة بهندر فحصرها، وأتاه كُتب بعض مُستحفظي البلاد الفارسيّة بالطاعة، منها مُستحفظ داربجرد وغيرها، ثُمّ سار إلى شيراز فمَلكها في رمضان، فلمّا سَمع أخوه الأمير أبو منصور وهزارسب ومنصور بن الحسين الأسدي ذلك ساروا في عسكرهم إلى المَلك الرحيم فهزموه، وفارق الأهواز إلى واسط، ثُمّ عطفوا مِن الأهواز إلى شيراز؛ لإجلاء الأمير أبي سعد عنها، فلمّا قاربوها لقيَهم أبو سعد وقاتلهم فهزمهم، فالتجؤوا إلى جبل قلعة بهندر، وتكرّرت الحُروب بين الطائفتين إلى مُنتصَف شوّال، فتقدّمت طائفة مِن عسكر أبي سعد فاقتتلوا عامّة النهار ثُمّ عادوا، فلمّا كان الغَد التقى العسكران جميعاً واقتتلوا فانهزم عسكر الأمير أبي منصور، وظَفر أبو سعد وقَتل منهم خَلقاً كثيراً واستأمن إليه كثيرٌ منهم، وصعد أبو منصور إلى قلعة بهندر واحتمى بها، وأقام إلى أنْ عادَ إلى مُلكه على ما سَيُذكَر بعد إنْ شاء الله.
ولمّا فارقَ الأمير منصور الأهواز أُعيدت الخُطبة للمَلك الرحيم، وأرسل مَن بها مِن الجُند يستدعونه إليهم.
انهزام المَلك الرحيم مِن الأهواز:
لمّا انصرف الأمير أبو منصورَ وهزارسب ومَن معهما مضوا إلى أيذج، وأقاموا فيها وخافوا المَلك الرحيم واستَضعَفوا نفوسهم عن مُقاومته، فاتّفق رأيهم على أنْ راسلوا السلطان طغرلبك، وبذلوا له الطاعة وطلبوا منه المُساعدة، فأرسل إليهم عسكراً كثيراً، وكان قد مَلك أصبهان وفرغَ باله منها، وعرفَ المَلك الرحيم ذلك، وقد فارقه كثيرٌ مِن عسكره منهم: البساسيري ونور الدولة دبيس بن مزيد والعَرب والأكراد، وبقي في الديلم الأهوازيّة وطائفة قليلة مِن الأتراك البغداديّين كانوا وصلوا إليه أخيراً، فقرّر رأيه على أنْ عاد مِن عسكر مكرم إلى الأهواز؛ لأنّها أحصن، وينتظر بالمُقام فيها وصول العساكر، ورأى أنْ يُرسل أخاه الأمير أبا سعد إلى فارس حيث طلب إلى اصطخر، وسَيّر معه جمعاً صالحاً مِن العساكر؛ ظنّاً منه أنّ أخاه إذا وصل إلى فارس انزعج الأمير أبو منصور وهزارسب ومَن معهما، واشتغلوا بتلك النواحي عنه، فازداد قَلقاً وضعفاً، فلم يلتفت أُولئك إلى الأمير أبي سعد، بل ساروا مُجدّين إلى الأهواز فوصلوها أواخر ربيع الآخر، ووقَعت الحَرب بين الفريقين يومين مُتتابعين كَثُر فيهما القتال واشتدّ، فانهزم المَلك الرحيم، وسار في نَفر قليل إلى واسط ولقيَ في طريقه مَشقّة، وسَلُم واستقرَّ بواسط فيمَن
لَحِق به مِن المُنهزمين، ونُهبت الأهواز وأُحرق فيها عدّة محال، وفُقِد في الوقعة الوزير كمال المُلك أبو المعالي بن عبد الرحيم وزير الملك الرحيم، فلم يُعرَف له خَبر.
استيلاء المَلك الرحيم على البصرة:
في شعبان سَنة ٤٤٤ سَيّر المَلك الرحيم جيشاً مع الوزير والبساسيري إلى البصرة، وبها أخوه أبو عليّ بن أبي كاليجار، فحصروه بها فأخرج عسكره في السُفن لقتالهم فاقتتلوا عدّة أيّام، ثُمّ انهزم البصريّون في الماء إلى البصرة، واستولى عسكر الرحيم على دجلة والأنهُر جميعاً، وسارت العساكر على البرّ مِن المنزلة بمطارا إلى البصرة، فلمّا قاربوها لقيَهم رُسل مُضر وربيعة يطلبون الأمان، فأجابوهم إلى ذلك، وكذلك بذلوا الأمان لسائر أهلها، ودخلها المَلك الرحيم فسُرّ به أهلها وبَذل لهم الإحسان.
فلمّا دخل البصرة وَرَدت إليه رُسل الديلم بخوزستان يبذلون الطاعة، ويذكرون أنّهم ما زالوا عليها فشكرهم على ذلك، وأقام بالبصرة ليُصلح أمرها.
وأمّا أخوه أبو عليٍّ صاحب البصرة، فإنّه مضى إلى شطّ عثمان، فتحصّن به وحَفرَ الخندق، فمضى المَلك الرحيم إليه وقاتلهم فمَلك الموضع، ومضى أبو عليٍّ ووالدته إلى عبادان، وركبوا البَحر إلى مهروبان، وخرجوا مِن البحر واكتَروُا دَواباً، وساروا إلى أرجان عازمين على قصد السُلطان طغرلبك، وأخرج المَلك الرحيم كلّ مَن بالبصرة مِن الديلم أجناد أخيه وأقام غيرهم.
ثُمّ إنّ الأمير أبا عليٍّ وصل إلى السلطان طغرلبك وهو بأصبهان، فأكرمه وأحسن إليه وحَمل إليه مالاً وزوّجه امرأة مِن أهله، وأقطعه إقطاعاً مِن أعمال جرباذقان، وسَلّم إليه قطعتين مِن تلك الأعمال أيضاً، وسَلّم المَلك الرحيم البصرة إلى البساسيري ومضى إلى الأهواز، وتَردّدت الرُسل بينه وبين مَنصور بن الحسين وهزارسب حتى اصطلحوا، وصارت أرجان وتستر للمَلك الرحيم.
استيلاءُ المَلك الرحيم على أرجان ونواحيها:
في جمادى الأُولى سَنة ٤٤٥ هـ استولى المَلك الرحيم على مدينة أرجان، وأطاعه مَن كان بها مِن الجُند، وكان المُقدّم عليهم فولاذ بن خسرو
الديلمي، وكان قد تَغلّب على ما جاورها مِن البلاد إنسان مُتغلّب يُسمّى خُشنام، فأنفذ إليه فولاذ جيشاً فأوقعوا به وأجلَوه عن تلك النواحي، واستضافوا إلى طاعة الرحيم، وخاف هزارسب بن بنكير مِن ذلك؛ لأنّه كان مُبايناً للمَلك الرحيم - على ما مرَّ ذكره - فأرسل يتضرّع ويتقرّب ويسأل التَقدّم إلى فولاذ بإحسان مُجاورته، فأُجيب إلى ذلك، ثُمّ هَرب هزارسب بن بنكير بن عبّاس صاحب ايذج - بعد استيلاء المَلك الرحيم على البصرة وأرجان - إلى السُلطان طغرلبك، وكان قد وصلَ إليه الأمير أبو عليّ ابن المَلك أبي كاليجار فأحسن ضيافتهما، ووعدهما النُصرة والمَعونة.
مُتَفرّقات:
في هذه السَنة خالفَ سعدي بن أبي الشوك على السُلطان طغرلبك لأسباب، وبذل الطاعة للمَلك الرحيم.
وفيها في شوّال عادَ أبو منصور فولاستون بن الملك أبي كاليجار إلى شيراز مُستولياً عليها، وفارقها أخوه الأمير أبو سعد، وكان سبَب ذلك أنّ الأمير أبا سعد كان قد تَقدّم معه في دولته إنسان يُعرفُ بعميد الدين أبي نصر ابن الظهير، فتَحكّم معه وأطرح الأجناد واستخفَّ بهم، وأوحش أبا نصر ابن خسرو صاحب قلعة اصطخر الّذي كان قد استدعى الأمير أبا سعد ومَلّكه، فلمّا فَعل ذلك اجتمعوا على مُخالفته وتألبوا عليه، وأحضَر أبو نصر ابن خسرو الأمير أبا منصور بن أبي كاليجار إليه، وسعى في اجتماع الكَلمة عليه، فأجابه كثير مِن الأجناد لكَراهتهم لعميد الدين، فقبضوا عليه ونادوا بشعار الأمير أبي منصور، وأظهروا طاعته وأخرجوا الأمير أبا سَعد عنهم، فعاد إلى الأهواز في نَفرٍ يسير، ودخل الأمير أبو منصور إلى شيراز مالكاً لها مُستولياً عليها، وخَطب فيها لطغرلبك وللمَلك الرحيم ولنفسه بعدهما.
استيلاءُ المَلك الرحيم على شيراز وقطعُ خُطبة طغرلبك فيها:
في المُحرّم سَنة ٤٤٧هـ سار قائدٌ كبيرٌ مِن الديلم يُسمّى فولاذ - وهو صاحب قلعة اصطخر - إلى شيراز فدخلها، وأخرج عنها الأمير أبا منصور فولاستون بن المَلك أبي كاليجار، فقصد فيروز آباذ وأقام بها، وقطع فولاذ خُطبة السُلطان طغرلبك في شيراز، وخَطب للمَلك الرحيم ولأخيه أبي سعد
وكاتبهما يُظهر لهما الطاعة، فعَلما أنّه يَخدعهما بذلك، فسار إليه أبو سعد وكان بأرجان ومعه عساكر كثيرة، واجتمع هو وأخوه الأمير أبو منصور على قصد شيراز ومُحاصرتها، على قاعدةٍ استقرّت بينهما مِن طاعة أخيهما المَلك الرحيم، فتوجّها نحوها فيمَن معهما مِن العساكر وحصرا فولاذ فيها، وطال الحصار إلى أنْ عُدِم القوتُ فيها وبلغَ السعر سبعة أرطال حنطة بدينار، ومات أهلها جوعاً، وكان مَن بقي فيها نحو ألف إنسان، وتعذّر المُقام في البلد على فولاد، فَخرج هارباً مع مَن في صُحبته مِن الديلم إلى نواحي البيضاء وقلعة اصطخر، ودخل الأمير أبو سعد والأمير أبو منصور شيراز وعساكرهما وملكوها وأقاموا بها.
وصولُ طغرلبك إلى بغداد والخُطبة له بها:
في تاريخ القلانسي يَذكر سَبب مجيء طغربك إلى بغداد ما خُلاصته:
وهو إنّه لمّا استفحل أمرُ الفساسيري وعَزم على نهبِ دار الخِلافة والقبضِ على الخليفة كاتَب الخليفة - وهو القائم بأمر الله - السلطان طغرلبك بن ميكال وهو بنواحي الري يُعرّفه صورة حال الفساسيري، ويبعثه على العودِ إلى العراق ويَدّارك أمرَ هذا الخارجي قبل تزايد طَمعه وإعضال خَطبه، وعاد الفساسيري مِن واسط وقصد دار الخِلافة في بغداد، وهي بالجانب الغربي في الموضع المَعروف بدار إسحاق، فهجمها ونَهبها وأحرقها ونقضَ أبنيتها واستولى على كلّ ما فيها، ووصلَ السُلطان طغرلبك إلى بغداد في شهر رمضان سَنة ٤٤٧، وتوجّه الفساسيري إلى الرحبة حين عَرف وصوله على الفرات، وكاتب المُستنصر بأمر الله صاحب مِصر يَذكر له كونه في طاعته وإخلاصه في موالاته، وعَزمه على إقامة الدعوة له في العراق، وأنّه قادر على ذلك، فأنجده وساعده بالأموال، وكَتب له بولاية الرحبة.
شاءَ القَدر أنْ تَضعُف خلافة بغداد والخَليفة، وأنْ يتجاذب سُلطانه الوهمي وقوّته الاسميّة كلّ مُتغلّب، وأنْ يكونَ له مِن الأمر ما تَفرضه عليه القوّة الغالبة مِن تقاليد ومراسيم، وإغداق ألقاب لم يَكن يعرفها الخُلفاء في عَهد عُنفوانهم وقبضهم على زمام المُلك والخلافة، وكان المُتغلّبون أيضاً في زَمن انحطاط الخِلافة وإسفاف الخُلفاء يَصرفون قوّتهم في خَضد شوكة الطامعين والطامحين إلى السلطة، والاستيلاء على الأطراف والاستبداد به،
مِن ذلك المُلك الواسع في حُروب مُستمرّة مع القريب والغريب مِن هُنا وهُناك، والمجال مُتّسع لكلّ مَن تُحدِّثه نفسه باقتطاع قِسم مِن أقسام الدولة التي أصبحت نَهباً مُقسّماً.
فكان لمُلوك البويهيّين في بلاد إيران ثُمّ في العراق التغلّب على الخلافة بعد أنْ غلبوا على دولٍ كثيرةٍ في بلاد إيران ومنهم بنو سامان، ونشأت أيضاً في بلاد إيران وما وراء النهر، الدولة التركيّة السبكتكينيّة، تُنازع بني بويه سُلطان إيران.
والدولة السلجوقية بعد ذلك تُنازع دولة آل سبكتكين وآل بويه الأمر، وهكذا كانت المُنازعات الدائمة تُضعِف مِن رُكن القوي، فيقوم مَن هو مُتمتّع بأشدّ منه قوّة فيُنزعه سُلطانه، دواليك.
وكان قد ضُعف المَلك الرحيم واستفحلت قوّة طغرلبك السلجوقي(١) ، فحدّثته نَفسه بالتغلّب على العراق وانتزاع سُلطان المَلك الرحيم آخر مُلوك بني بويه منه، وكان الأمر عليه هيّناً وهو في عُنفوان قوّته، والمَلك الرحيم في مُدّة انحلال قوّته، وما مَلك العراق إلاّ بمُلك عاصمته بغداد، حيث الاستيلاء على قاعدة السُلطان والخلافة معاً، فبعد أنْ فرغ طغرلبك مِن الريّ عاد إلى همذان في المُحرّم سَنة ٤٤٧، وأظهر إنّه يُريد الحجّ وإصلاح طريق مَكّة ومصر، وإزالة المُستنصر العلوي، وكاتب أصحابه بالدينور وقرميسين وحلوان وغيرها، فأمرهم بإعداد الأقوّات والعلوفات، فعَظُم الإرجاف ببغداد وفتّ في أعضاد الناس، وشغَب الأتراك ببغداد وقَصدوا ديوان الخلافة، ووصل السُلطان طغرلبك إلى حلوان، وانتشر أصحابه في طريق خُراسان، فأجفل الناس إلى غَربي بغداد، وأخرج الأتراك خيامهم إلى ظاهر بغداد، وسَمع المَلك الرحيم بقُرب طغرلبك مِن بغداد، فأصعد مِن واسط إليها، وفارقه البساسيري في الطريق؛ لمُراسلة وَرَدت مِن القائم في معناه إلى المَلك الرحيم:
أنّ البساسيري خَلعَ الطاعة وكاتب الأعداء - يعني المصريين - وأنّ الخليفةَ له على المَلك عُهود، وله على الخليفة مِثلها، فإنْ آثره فقد قَطع ما بينها، وإنْ أبعده وأصعد إلى بغداد تولّى الديوان تدبير أمرِه.
فقال المَلك الرحيم ومَن معه:
نحن لأوامر الديوان مُتّبعون وعنه مُفصلون، وكان سَبب ذلك ما ذُكر، وسار البساسيري إلى بلد نور الدولة دبيس بن مزيد لمُصاهرة بينهما، وأصعد المَلك الرحيم إلى بغداد،
____________________
(١) ابن ميكائيل بن سلجوق.
وأرسل طغرلبك رسولاً إلى الخَليفة يُبالغ في إظهار الطاعة والعُبودية، وإلى الأتراك البغداديّين يَعدُهم الجميل والإحسان، فأنكر الأتراك ذَلك وراسلوا الخليفة في المعنى وقالوا:
إنّنا فَعلنا بالبساسيري ما فَعلنا وهو كبيرنا ومُقدّمنا بتَقدّم أمير المؤمنين، ووعدنا أمير المؤمنين بإبعاد هذا الخَصم عنّا، ونراه قد قَرب منّا ولم يُمنع مِن المجيء، وسألوا التَقدّم عليه في العود فغولطوا في الجواب، وكان رئيس الرُؤساء يُؤثِر مَجيئه، ويختار انقراض الدولة الديلميّة.
ثُمّ إنَّ المَلك الرحيم وصل إلى بغداد مُنتصف رمضان، وأرسل إلى الخَليفة يُظهر له العبوديّة، وأنّه قد سَلّم أمرَه إليه ليفعل ما تقتضيه العواطف معه في تقرير القواعد مع السُلطان طغرلبك، وكذلك قال مَن مع الرحيم مِن الأُمراء، فأُجيبوا بأنّ المصلحة أنْ يَدخل الأجناد خيامهم مِن ظاهر بغداد وينصبوها بالحريم، ويُرسلوا رسولاً إلى طغرلبك يبذلون له الطاعة والخُطبة، فأجابوا إلى ذلك وفعلوه، وأرسلوا رسولاً إليه فأجابهم إلى ما طلبوا ووعدهم الإحسان إليهم.
وتَقدّم الخليفة إلى الخُطباء بالخُطبة لطغرلبك بجامع بغداد، فخُطب له يوم الجمعة لثمان بقينَ مِن رمضان مِن السَنة، وأرسل طغرلبك يستأذن الخَليفة في دُخول بغداد فأذن له، فوصل إلى النهروان، وخرجَ الوزير رئيس الرُؤساء إلى لقائه، في موكب عَظيم مِن القُضاة والنُقباء والأشراف والشُهود والخَدم وأعيان الدولة، وصَحِبه أعيان الأُمراء مِن عسكر الرحيم، فلمّا عَلِم طغرلبك بهم أرسل إلى طريقهم الأُمراء ووزيره أبا نصر الكندري، فلمّا وصل رئيس الرُؤساء إلى السُلطان أبلغه رسالة الخَليفة، واستحلفه للخليفة وللمَلك الرحيم وأُمراء الأجناد، وسارَ طغرلبك ودخل بغداد يوم الاثنين لخمسٍ بقينَ مِن الشهر، ونَزل بباب الشماسية ووصل إليه قريش بن بدران صاحب الموصل، وكان في طاعته قبل هذا الوقت.
وثوبُ العامّة ببغداد بعَسكر طغرلبك وقبض الرحيم:
لمّا وصلَ السُلطان طغرلبك بغداد، ودخل عسكره البلد للامتيار وشراء ما يُريدونه مِن أهلها وأحسنوا مُعاملتهم، فلمّا كان الغد - وهو يوم الثلاثاء - جاء بعضُ العسكر إلى باب الأزج وأخذ واحداً مِن أهله ليطلب منه تبناً، وهو لا يَفهم ما يُريدون، فاستغاث عليهم، وصاح العامّة بهم ورجموهم وهاجوا عليهم، وسَمِع الناس الصياح فظنّوا أنّ المَلك الرحيم وعسكره قد
عزموا على قِتال طغرلبك، فارتج البَلد مِن أقطاره وأقبلوا مِن كلّ حَدَب ينسلون يَقتلون مِن الغزّ مَن وُجد في محالّ بغداد، إلاّ أهل الكرخ فإنّهم لم يتعرّضوا إلى الغزّ، بل جمعوهم وحفظوهم.
وبلغَ السُلطان طغرلبك ما فعله أهل الكرخ مِن حماية أصحابه، فأمرَ بإحسان مُعاملتهم، فأرسل عَميد المُلك الوزير إلى عدنان بن الرضي نقيب العلويّين يأمره بالحُضور فحضر، فشكره عند السُلطان وتَرك عنده خيلاً بأمر السُلطان تَحرسه وتَحرس المَحلّة.
وأمّا عامّة بغداد، فلم يَقنعوا بما عَملوا حتّى خرجوا ومعهم جماعة مِن العسكر إلى ظاهر بغداد، يقصدون العَسكر السُلطاني، فلو تَبعهم المَلك الرحيم وعسكره لبلغوا ما أرادوا، لكنْ تخلّفوا ودخل أعيان أصحابه إلى دار الخلافة، وأقاموا بها نفياً للتُهمة عن أنفسهم؛ ظنّاً منهم أنّ ذلك ينفعهم.
وأمّا عسكر طغرلبك، فلمّا رأوا فِعل العامّة وظهورهم مِن البلد قاتلوهم، فقُتل بين الفريقين جَمع كثير وانهزمت العامّة، وجُرح فيهم وأُسر كثير، ونَهب الغزّ دربَ يحيى ودرب سليم وبه دور رئيس الرؤساء ودور أهله، فنُهب الجميع ونُهبت الرصافة، وترب الخُلفاء، وأُخذ منها مِن الأموال ما لا يُحصى؛ لأنّ أهل تلكَ الأصقاع نقلوا إليها أموالهم اعتقاداً منهم أنّها مُحترمة.ووصل النهبُ إلى أطراف نهر المعلى، واشتدّ البلاء على الناس وعظم الخوف، ونَقل الناس أموالهم إلى باب الثوبي وباب العامّة وجامع القصر، فتعطلّت الجُمُعات لكثرة الزحمة، وأرسل طغرلبك مِن الغد إلى الخليفة يَعتب، ونَسبَ ما جرى إلى المَلك الرحيم وأجناده، ويقول:
إنْ حضروا بَرئت ساحتُهم، وإنْ تأخّروا عن الحُضور أيقنت أنّ ما جرى إنّما كان بوضع منهم.
وأرسلَ للمَلك الرحيم وأعيان أصحابه أماناً لهم، فتقدّم إليهم الخليفة بقصده، فركبوا إليه وأرسل الخَليفة معهم رسولاً يُبرّئهم مما خامر خاطر السُلطان، فلمّا وصلوا إلى خيامه نهبهم الغزّ ونهبوا رسول الخليفة معهم، وأخذوا دوابهم وثيابهم، ولمّا دخل المَلك الرحيم إلى خيمة السُلطان أمرَ بالقبض عليه وعلى مَن معه، فقُبضوا كلّهم آخر شَهر رمضان وحُبسوا، ثُمّ حُمل الرحيم إلى قلعة السيروان، وكانت ولاية المَلك الرحيم على بغداد ستّ سنينَ وعشرة أيّام، ونُهب أيضاً قريش ابن بدران صاحب الموصل ومَن معه مِن العَرب، ونجا مسلوباً فاحتمى بخيمة بدر بن المهلهل، فألقوا عليه الزلالي حتّى أخفوه بها عن الغزّ، ثُمّ عَلِم السُلطان ذلك فأرسل إليه وخَلَع عليه
وأمره بالعود إلى أصحابه وحلله تسكيناً له، وأرسل الخليفةُ إلى السُلطان يُنكر ما جرى مِن قَبض الرحيم وأصحابه، ونهبِ بغداد، ويقول:
إنّهم إنّما خرجوا إليك بأمري وأماني، فإنْ أطلقتَهم، وإلاّ فأنا أُفارق بغداد، فإنّي إنّما اخترتُك واستدعيتك اعتقاداً منّي أنّ تعظيمَ الأوامر الشريفة تزداد، وحُرمة الحريم تعظُم، وأرى الأمر بالضدّ.
فأطلقَ بعضَهم وأخذ جميع إقطاعات عسكر الرحيم، وأمرهم بالعسيّ في أرزاق يُحصّلونها لأنفسهم، فتوجّه كثير منهم إلى البساسيري ولزموه، فكثُر جمعه ونفق سوقه.
وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديّين، وأرسل إلى نور الدولة دبيس يأمره بإبعاد البساسيري عنه ففعل، فسار إلى حبة مالك بالشام، وكاتبَ المُستنصر صاحب مصر بالدخول في طاعته، وخَطب نور الدولة لطغرلبك في بلاده، وانتشر الغزّ السلجوقيّة في سواد بغداد، فنهبوا مِن الجانب الغربي مِن تكريت إلى النيل، ومن الشرقي إلى النهروانات وأسافل الأعمال، وأسرفوا في النَهب حتَى بلغَ ثَمن الثور ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة، والحمار بقيراطين إلى خمسة، وخربَ السواد وأجلى أهله عنه، وضَمن السُلطان طغرلبك البصرة والأهواز مِن هزارسب بن بنكير بن عياض بثلاثمئة ألف وستّين ألف دينار، وأقطعه أرجان وأمره أنْ يَخطب لنفسه بالأهواز دون الأعمال الّتي ضَمنها، وأقطع الأمير أبا عليّ بن أبي كاليجار الملك قرميسين وأعمالها.
وقد انتهت دولة بني بويه في العراق بغَلبة طغرلبك على المَلك الرحيم التاسع عَشر مِن مُلوكهم والحادي عشر مِن مُلوكهم في العراق سنة ٤٤٧هـ، كما انقرضت في إيران، وفي سَنة ٤٥٠ توفّي المَلك الرحيم آخر مُلوك بني بويه بقلعة الري، وكان طغرلبك سَجنه أوّلاً بقلعة السيروان، ثُمّ نَقله إلى قلعة الري فتوفّي بها (سُبحانك اللّهمّ مالِك المُلك، تُؤتي المُلك مَن تشاء، وتَنزع المُلك ممَّن تشاء).
هذا ما استخرجته مِن أخبار الدولة البويهيّة، وجُلّه مِن كامل ابن الأثير، وهو أوثق مؤرّخ وأطول المُؤرّخين نَفساً في إيراد دقائق الأخبار وجليلها، وسَنضمّ إلى ذلك ما نقفُ عليه مِن أخبارهم في كُتب التاريخ الأُخرى، ومنه تعالى نَستمدُّ العونَ والعِصمة مِن الخطأ والزلل، وهو وليُّ الأمر كُلّه.
مُتفرّقات عن فلول بَني بويه:
قد تقدّمَ أنّ السُلطان طغرلبك بعد أنْ استولى على بغداد وقَبض المَلك الرحيم أقطع الأمير أبا عليّ ابن المَلك أبي كاليجار قرميسين وأعمالها، فكان أبو علي مِن عُمّال طغرلبك ومِن المُقرّبين له، ولا غروّ فإنّه كان خَصماً لَدوداً للمَلك الرحيم.
ولمّا انحدر السُلطان إلى واسط سَنة إحدى وخمسين وأربعمئة بعد فَراغه مِن أمر بغداد ومكّن سُلطانه مِن البطائح، ونَهب عسكره ما بين واسط والبصرة والأهواز، أصعد إلى بغداد في صَفر سَنة ٤٥٢ هـ ومعه مِن جُملة حاشيته ومُقرّبيه أبو عليّ ابن المَلك كاليجار المَذكور.
وفي سَنة ٤٥٥ بعد أنْ عُقدَ للسُلطان طغرلبك على ابنة الخَليفة(١) توجّه مِن أرمينية إلى بغداد في المُحرّم، وكان مِن مُصاحبيه الأمير أبو عليّ ابن المَلك كاليجار، كان هذا آخرُ العَهد به ثُمّ انقطعت أخباره وأخبار بني بويه، فلم نَقفْ لهم على ذِكر بعد ذلك، والله غالبٌ على أمره وهو وحده مالِك المُلك وإليه مرجعُ الأمور.
إنّ للبويهيّين كغيرهم مِن الدول حَسنات وسيّئات، وكان لهم في خِدمة الشيعة وظُهور أمرهم بعد الخُفاء وإعلاء كَلمتهم ما هو مُسطّر لهم في تاريخ الشيعة والتَشيّع.
دارُ المَملكة التي بأعلى المخرم: (٢)
عن تاريخ بغداد ج١ ص١٠٥:
حدّثني هلال بن المحسن، قال: كانت دار المَملكة التي بأعلى المخرم مُحاذيةً الفرضة قديماً لسبكتكين غُلام مُعزّ الدولة، فنقضَ عَضُد الدولة أكثرها، ولم يستَبق إلاّ البيت السوسني الذي
____________________
(١) قال ابن الأثير: وهذا ما لم يَجز للخُلفاء مثله، فإنّ بني بويه مع تحكّمهم ومخالفتهم لعقائد الخُلفاء لم يَطمعوا في مثل هذا ولا ساموهم فِعله.
(٢) سُميَت مخرم بغداد بمخرم بن شريح بن مخرم بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب بن عمرو، وكانت له أقطعها أيّام نَزلت العَرب في عهد عُمر بن الخطّاب.
هو في وسط أروقة مِن ورائها أروقة، في أطرافها قباب معقودة، وتتفتّح أبوابه الغربية إلى دِجلة وأبوابه الشرقيّة إلى صحن، مِن خلفه بُستان ونخل وشَجر، وكان عَضُد الدولة جعل الدار التي هذا البيت فيها دار العامّة، والبيت برسم جلوس الوزراء، وما يتّصل به مِن الأروقة والقباب مواضع للدواوين، والصحن مناماً لديلَم النوبة في ليالي الصيف.
قال هلال: وهذه الدار وما تَحتوي عليه مِن البيت المَذكور والأروقة خراب. ولقد شاهدّتُ مَجلس الوزراء في ذلك ومَحفل مَن يقصدهم ويَحضرهم، وقد جعله جلال الدولة اصطبلاً أقام فيه دوابه وسواسه.
وأمّا ما بناه عَضُد الدولة وَولده بعده في هذه الدار فهو مُتماسك على تَشعّثه.
قال الشيخ أبو بكر: ولمّا ورد طغرلبك الغُزي بغداد واستولى عليها عَمّر هذه الدار وجدّد كثيراً ممّا كان، وَهى منها في سَنة ثمانٍ وأربعين وأربعمئة، فمَكثَ كذلك إلى سَنة خمسين وأربعمئة، ثُمّ أُحرقت وسُلب أكثر آلاتها، ثُمّ عُمّرت بعد وأُعيد ما كان أُخذ منها.
حدثني القاضي أبو القاسم عليّ بن المحسّن التنوخي قال، سمعت أبي يقول: ماشيتُ الملك عَضُد الدولة في دار المَملكة بالمخرم التي كانت دار سبكتكين حاجب مُعزّ الدولة مِن قبل، وهو يتأمّل ما عُمل وهُدم منها، وقد كان أراد أنْ يترك في الميدان السبكتكيني أذرُعا ليجعله بُستاناً، ويردّ بَدل التُراب رملاً، ويطرح التُراب تحت الروش على دجلة، وقد ابتاع دوراً كثيرةً كِباراً وصِغاراً، ونقضها ورمى حيطانها بالفيلة تخفيفاً للمُؤنة، وأضاف عَرصاتها إلى الميدان، وكانت مِثل الميدان دُفعتين وبنى على الجميع مُسنّاة، فقال لي في هذا اليوم - وقد شاهد ما شاهد ممّا عُمل وقَدّر ما قَدّر لِما يُعمل -:
تدري أيّها القاضي كمْ أُنفق على قَلع ما قُلع مِن التُراب إلى هذه الغاية، وبناء هذه المُسنّاة السَخيفة مع ثَمن ما ابتيع مِن الدور واستُضيف؟
قُلت: أظنّه شيئاً كثيراً، فقال هو إلى وقتنا هذا تسعمئة ألف درهم صحاحاً، وتحتاج إلى مِثلها دُفعة أو دُفعتين حتّى يتكامل قَلع التُراب، ويحصل موضعه الرمل موازياً لوجه البستان، فلمّا فَرغ مِن ذلك وصار البُستان أرضاً بيضاء لا شيء فيها مِن غَرس ولا نبات، قال:
قد أُنفق على هذا حتّى صار كذا أكثر مِن ألفي ألف درهم صحاحاً، ثُمّ فكّر في أنْ يجعل شُرب البستان مِن دواليب ينصبها على دجلة، وعَلِم أنّ الدواليب لا
تكفي فأخرج المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب الشرقي مِن مدينة السلام ليستخرجوا منها نهراً يسبح ماؤه إلى داره، فلم يَجدوا ما أرادوه إلاّ في نهر الخالص، فَعلّى الأرض بين البَلد وبينه تَعلية أمكَن معها أنْ يجري الماء على قَدر، مِن غير أنْ يَحدث به ضَرر، وعَمل تَلّين عَظيمين يُساويان سطح ماء الخالص ويرتفعان عن أرض الصحراء أذرُعاً، وشقّ في وسطهما نهراً جعل له خورين مِن جانبيه، وداس الجميع بالفيَلة دَوساً كثيراً حتّى قويَ واشتدّ وصَلُب وتلبد، فلما بلغَ إلى منازل البَلد وأراد سَوق النَهر إلى داره، عَمد إلى درب السلسلة فدكَّ أرضه دكّاً قويّاً، ورفع أبواب الدور وأوثقها، وبنى جوانب النهر طول البلد بالآجر والكلس والنورة حتّى وصل الماء إلى الدار، وسقى البُستان.
قال أبي: وبَلغتْ النَفقة على عَمل البُستان وسَوق الماء إليه، على ما سمعته مِن حواشي عَضُد الدولة، خمسة آلاف ألف درهم، ولعله قد أنفق على أبنية الدار على ما أظنّ مِثل ذلك.
وكان عَضُد الدولة عازماً على أنْ يَهدم الدور التي بين داره وبين الزاهر ويصل الدار بالزاهر، فماتَ قبلَ ذلك.
تاريخُ الدَولَةِ الصَفَويّة
بسم الله الرحمن الرحيم، حمداً للمُتفرّد بالمُلك تفرّده بالجبروت والملكوت، مَن له البداية وإليه النهاية، المُتوحّد بعزّه وسُلطانه تَوحُّده بالكبرياء والجلال، لا إله إلاّ هو وحده لا شريك له، وصلاةٌ على مَظهر لُطفه وآلائه، محمّد خاتم أنبيائه، مُبلّغ رسالته إلى خلقه كاملةً لا نقصَ فيها ولا خداج، خالدةً في الأرض خُلود ذِكره المجيد، وشريعته السمحة الغرّاء، وعلى آله المقتفين آثاره، والسالكين مناهجه.
وبعد، فإنّي سأُثبّت في هذه الصحائف تاريخ الدولة الصفويّة العلويّة، مِن دول الشيعة التي قامَ لها في أوائل المئة العاشرة سُلطان في البلاد الإيرانيّة عامٌّ امتدَّ إلى العراق، وثبتَ زهاء ثلاثة قرون، كان للشيعة منه خَير كثير ووردوا منه أعذب نمير.
مُقدّمة لا بُدّ منها:
امتدّت فُتوحات المسلمين في عَهد الخليفة عُمر بن الخطاب (رض) حتّى بلغت جيوشهم بلاد المَغرب، وحُدود الهِند شرقاً، إلى بلاد سيبيريا شمالاً، ففُتِحت مصر وبلاد الشام والعراق وإيران وبُخارى ومرو، وزالت مَملكة الأعاجم بعد انهزام يزدجرد آخر مُلوك بني ساسان، كما فُتحت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفّان(رض) افريقية وتونس والجزائر ومراكش، وتمّ غَزو بلاد الأندلس وجزيرة قبرص، وانتظمت هذه المَمالك وسواها ممّا تمّ مِن فَتح المَمالك الأُخرى مِن الشرق والغرب في تاج الخلافة الإسلامية الفتيّة مُتّحدة في ذلك التاج وإليها وحدها الورد والصدر على بُعد مقرّها عن قواعد تلك المَمالك مِن ولاة أطرافها، لا
يُبرمون مِن دون أمرها أمراً، ولا يَنقضون مِن دون استشارتها حُكماً، حتّى إذا دبّت الفُرقة وانقسمت الأُمّة أحزاباً وأشياعاً، وخَرجت عن طبيعة الخلافة إلى طبيعة المُلك، وكان لذلك أثره البَيّن بعد المئة والثلاثين مِن عهد تلك الفتوحات، أخذ الطموح في نفوس الولاة الذين مَكّن لهم الانقسام مِن الفرصة السانحة باستقلال مَن يلي عَملاً مِن تلك الأعمال الواسعة بذلك العَمل، وبَلغَ نهايته في عَهد الخلافة العباسيّة التي استشرى فيها داء التنافس بالأمر والنهي، وقد أمكنهم منه بُعد دار الخلافة عن ولاياتهم، وامتداد نُفوذ الغريب على سُلطانها مِن الفُرس والتُرك والأكراد وما إليهم، فكانت البلاد الإيرانيّة غنيّة لكلّ طامح في الاستقلال، فكانت أوّل دولة نشأت الدولة الفارسيّة الصفاريّة، ثُمّ الدولة الغزنويّة فالسلجوقيّة فالمغوليّة، وقد قامت على انقاض السلجوقيّة، وانتهت هذه الدولة بخروج المَلك مِن يد أبي سعيد مِن آل تيمور إلى الدولة الصفويّة.
لَمحةٌ عن إيران
المُقتطف م٦٧ ص٥٤٠:
مساحة إيران ٦٢٨ ألف ميل مُربّع - أي أكثر مِن ثلاثة أضعاف فَرنسا وستّة أضعاف انكلترا - وعَدد سُكّانها يتراوح بين ثمانية ملايين نفس وعشرة ملايين - آخر إحصاء نفوسها يبلغ خمسة عشر مليوناً -، فهي أقل سُكّاناً مِن القُطر المصري، وإيراد حكومتها السَنوي نحو مليون جُنيه ونصف مليون حَسب ميزانيّة ١٩١٤، والأرض كثيرة الخَيرات، شديدة الخصب حيث توجد المياه لريّها، لكنّ وسائل الريّ قليلة، ولذلك فالجانب الأكبر منها قاحل، ويُزرع فيما يُروى منها القمح والشعير وسائر الحبوب والأرز والسكّر والتبغ والقُطن والفوة والخشاخش والحنّاء، ويُربّى فيها دود الحرير، ويكثر فيها الكَرم والزيتون، وأثمارها يُضرب المَثل بجودتها، ومواشيها كثيرة مِن البَقر والغَنم والمَعزى والجِمال والخيل والبغال، وفيها غابات واسعة جدّاً، ومعادنها كثيرة منها: الرصاص والنُحاس والقصدير والانتيمون والنيكل والكوبلت والمنغتيس والحديد والفَحم الحجري والملح والكبريت والبترول
والفيروز.
وقد بَلغت قيمة وارداتها سَنة ١٩٢٢ - ١٩٢٣ ما يَزيد على ١١ مليون جُنيه، وبلغتْ صادراتها في تلك السَنة ١٣١٠٦٨٣٦ جنيهاً.
وفي المُجلّد الـ ٢٨، ص٥٢٧:
مساحة بلاد الفُرس نحو ٦٣٠٠٠٠ ميل مُربّع - أي أكثر مِن ثلاثة أضعاف فرنسا وستّة أضعاف انكلترا - وعدد سُكّانها غير مَعروف تماماً، ولكنّه يُقدّر تقديراً بنحو تسعة ملايين ونصف مليون، فهي أقلّ سكّاناً مِن القُطر المَصري، وإيراد حُكومتها السَنوي نحو مليون وستمئة ألف جُنيه، أي نحو عُشر إيراد القُطر المصري، ومع ذلك لا يزال الشاه يُلقّب نفسه ويُلقّبه رعاياه بكلّ ألقاب التفخيم والتمجيد الموروثة مِن العُصور الغابرة كـ: شاهنشاه، وظلّ الله، وكعبة العالم، وينبوع العالم، وصراط السماء، والسُلطان الأعظم الّذي علمه الشمس وجنوده كالنجوم عَدّاً، إلى غير ذلك مِن الطنطنات الفارغة التي نَودّ أنْ يترفّع جلالته عنها، ويعود إلى مَعنى كَلمة مَلك الحقيقي وهو خادم الرعيّة لا مَعبودها.
وكانت بلاد الفرس في سالف عُهدها مِن أعظم ممالك الشرق، وقام فيها مُلوكٌ عِظامٌ مِثل قورش وكمبيس وداريوس، قادوا الفيالق ودوّخوا الممالك، وفي جُملة ما امتلك عُنوة القُطر المصري كلّه، وذلك مُنذ ألفين خمس مئة سَنة، وامتدّ مُلكهم مِن بلاد الهِند شَرقاً إلى أقصى آسيا غرباً وإلى جانبٍ كبيرٍ مِن شمالي أفريقية، والبلاد التي انجبتْ مِثل قورش وداريوس في القرون الغابرة، وكسرى في القرن السادس، وشاه عبّاس في القرن السابع عشر، لا يُستغرَب أنْ تَصير مِن المَمالك العظيمة، لا سيّما وأنّ الشعبَ الفارسي مِن أُرومة الشُعوب الأوروبيّة، وهو أصل لها في رأي كثيرين مِن الباحثين في أصل الأُمم.
والأرض كثيرة الخيرات، شديدة الخصب حيث توجد المياه لريّها، لكنّ وسائل الريّ قليلة، ولذلك فالجانب الأكبر منها قاحل، ويُزرع فيما يُروى منها القمح والشعير وسائر الحبوب والأرز والسكر والتبغ والقطن والفوة والخشخاش والحنّاء، ويُربّى فيها دود الحرير، وكان يصدر منها الحرير ما ثمنه سَبع مئة ألف جُنيه، ويكثر فيها الكَرْم والزيتون، وأثمارها يُضرب فيها المَثل بجودتها كالتُفّاح والإجاص والبُندق والجوز والخوخ
والدراق والشمام، ومواشيها كثيرة مِن البقر والغَنم والمعزى والجِمال والخيل والبغال، وفيها غابات واسعة جدّاً.
نَسَبُ الصَفَويّين العلوي:
في كتاب الكُنى والألقاب تأليف المَرحوم المُحدّث الشيخ عبّاس القمّي في ترجمة صَفيّ الدين المُنتَسب إليه الصفويّون، قال:
هو قُطب الأقطاب بُرهان الأصفياء الكاملين الشيخ صَفيّ الدين أبو الفتح إسحاق ابن السيد أمين الدين جبرئيل الأردبيلي الموسوي، ينتهي نَسبه إلى حمزة بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، توفّي سَنة ٧٣٥ في أردبيل ودُفن فيها، ودُفن عنده جماعة كثيرة مِن أولاده وأحفاده، كالشيخ صَدر الدين والشيخ جنيد والسُلطان حيدر وابنه الشاه إسماعيل والشاه محمّد خدابنده والشاه عبّاس الأوّل وغيرهم، يُنسب إليه السلاطين الصفويّة.
وفي خُلاصة الأثر للمُحبّي بترجمة (الشاه عبّاس) وساق نسبه هكذا:
ابن السُلطان محمّد خدابنده بن طهماسب بن شاه إسماعيل بن سُلطان حيدر بن سُلطان شيخ جنيد بن سُلطان الشيخ صدر الدين إبراهيم بن سُلطان خواجه عليّ بن شيخ صدر الدين موسى بن سُلطان شيخ صفيّ الدين أبي إسحاق بن شيخ أمين الدين جبريل بن السيّد صالح بن السيّد قُطب الدين أحمد بن السيّد صلاح الدين رشيد بن السيّد محمّد الحافظ كلام الله ابن السيّد عوض الخواص بن السيّد فيروز شاه درين كلاه بن محمّد شَرف شاه بن محمّد بن أبي حسن بن محمّد بن إبراهيم جعفر بن محمّد بن إسماعيل بن محمّد بن أحمد العراقي بن محمّد قاسم بن أبي القاسم حمزة بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمّد الباقر بن الإمام عليٍّ زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام عليّ بن أبي طالب (رضوان الله تعالى عليهم). هذا نَسب سلاطين العَجم الّذين منهم صاحب التَرجُمة.
وفي تاريخ إيران لشاهين مكاريوس:
لم يَقُمْ في بلاد إيران دولةٌ أشرف مِن هذه الدولة أصلاً، ولا أطيَب فرعاً، ولا أكرم مَبدءاً، فقد كانت العائلة الصفويّة مِن عهد مؤسّسها الشيخ صفيّ الدين عائلة عُلماءٍ أعلام، وأئمّةٍ كِرام، وأصحاب تقوى يُوقّرهم الأنام، وقبورهم تُزار الآن مثِل قُبور
الأولياء والكرام، وكان لهذا الشيخ الفاضل أعوان يَصدعون بأمره، وهو لا يأمر بغير الطيب والإحسان، وخَلفه ابنه صدر الدين وعَقِبه مِن الأولياء مشاهير مثل: خواجه علي وجنيد وحيدر ممَّن اشتهروا بالفضل والعِلم والتقوى، وكان صَدر الدين في أيّام تيمور وقد أخذ له مقرّاً في مدينة أردبيل مِن أعمال آذربيجان مثل أبيه، فزاره يوماً هذا البَطل العظيم، وسأله أنْ مُرْ بما تُريد أقضِهِ في الحال.
قال: أُريد مِنك أنْ تُطلق سبيل الأسرى الذين أتيتَ بهم مِن بلاد الأتراك، ففعل تيمور بإشارته، وحفظ الأتراك هذا الجميل لصدر الدين وعائلته، وكانوا بعدئذ هُم السَبب في توليتها المُلك.
وأشهر ما يُذكر عن خواجه عليّ أنّه حجّ إلى القُدس الشريف ومات فيه(١) ، وخَلَفه حفيده جنيد فاجتمع لديه خَلقٌ كثير، حتى خاف الأتراك شرّه وحارب أحد رؤسائهم، فاضطرّه إلى الفِرار إلى ديار بَكر حيث قابله حاكمها الأمير حسن بالإكرام وزوّجه أُخته، وقصد جنيد بعد ذلك بلاد شيروان فحاربه حاكمها وقتله، فخَلفه السُلطان حيدر وكان أمير أوزون حَسن حَليفه، فتقّوى بنصرته على الأعداء، وصار بالتدريج حاكماً على كلّ بلاد إيران في مُدّة السُلطان أبي سعيد، ومات فدُفن في أردبيل، فخَلفه ابنه السُلطان علي، ولكنّ القلاقل كَثُرت في أيّامه، وظلّت عائلة صفيّ الدين في خَطر دائم، يوماً تصعد إلى الأوج ويوماً تنحطّ إلى الحضيض، حتّى قامَ السُلطان إسماعيل ابن السُلطان عليّ ومَلك البلاد، وهو في اعتبار المؤرّخين أوّل مُلوك الدولة الصفويّة.
أوّلُ عَهدِهم بالسُلطان وتأسيس دولتِهم:
إنّ هذه الأُسرة كان لها في أوّل أمرها سُلطان دينيٍّ مُعظّم، وطريقة صوفيّة مُحترمة - كما عرفت قريباً - مضافاً إلى عَراقتها في الشَرف واتّصالها بسلسلة النَسب العلويّ الموسويّ القصير، فكان لها مِن هذه العناصر ما يُسهّل لها طريق الإمرة والسُلطان، ويَهيب بمَن يصبو إليهما مِن رجالها بالسعيّ لهما في عَهدٍ كان يَطمح فيه إليهما مَن لم يتوفر فيه ما توفّر فيهم
____________________
(١) والخواجة علي هذا مشهور بسياه پوش، تُوفّي في بيت المَقدس سَنة ٨٣٣. عن الكُنى والألقاب.
مِن المزايا المؤهّلة للمُلك، فكان أوّل ناهض بالمُطالبة كما مرّ آنفاً جنيد، ثُمّ السُلطان حيدر الذي استتبّ له أنْ يَحكم بلاد إيران كلّها في زَمن أبي سعيد، وأنْ يقوم بعد موته ابنه السُلطان علي على حال مُتقلّبة قَلقة، ولم يَنتظم لهم أمرُ الحُكم إلاّ في عهده الذي يُعتبر مؤسّس قواعد دولتهم التي طَوت أحقاباً، واستوت على سوقها مَنضوية تحت لواء حُكمها المَملكة الإيرانيّة.
١ - السُلطان إسماعيل:
قال مكاريوس:
ولا يُعرف عن الشاه إسماعيل في أيّام صِغَره غير القليل، إلاّ أنّه تسلّم قيادة الأعوان في الرابعة عَشرة مِن عُمره، فحارب عدوّ عائلته حاكم شيروان وقَتله، ثُمّ هَجَم عليه الأتراك والتُركمان مِن ناحية الأناضول، ففرّق شَملهم وانتصر على كلّ أعدائه، فنوديَ به سُلطاناً على مَملكة إيران وما يَتبعها وهو في الخامسة عشرة مِن عُمره.
وكان إسماعيل صوفيّاً مِثل أفرادِ عائلته، وليس له أعداء وأعوانه كُثار، فرأى بعد الإمعان أنْ يَدخل مَذهب الشيعة الاثني عشريّة الجعفريّة إلى إيران، ويجعلها مَذهب السُلطنة، فَفعل ذلك وفاز بمُراده، ولم يَلقَ مُعارضة تُذكر؛ لأنّ الإيرانيّين عَدّوا الانفصال عن بَقيّة المُسلمين استقلالاً لَهُم، وفضّلوا مَذهب القائلين بتكريم الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، ومِن ذلك اليوم صارت بلاد إيران مقرّ الشيعة بين المسلمين.
وعَصتْ خراسان وبلخ وغيرها مِن الولايات أمرَ السُلطان إسماعيل في بِدء حُكمه على عادتها، فحاربها كلّها وانتصر عليها، وامتدّ نُفوذ هذا السُلطان امتداداً عَظيماً حتّى رُزق عدوّاً كبيراً لم يَقدر عليه، هو السُلطان سليم العثماني الشهير، قصد بلاد إيران بخيله ورِجله البالغ عددها مئة وخمسين ألف ومئتي مَدفع، وذلك بَغتة دون مُخابرات دوليّة معمولة لدى الحُكومات، وقام إسماعيل لمُحاربته بكلّ ما لديه مِن القوّة وهو يؤمئذٍ بهمذان يَطلب الصيد والقنص ودافع عن بلاده في جالدران بخمسة عشر ألف نفس بأذربيجان، فتقهقر أمامه وكُسِرَ شرَّ كَسرة مع إنّه أظهر في الحرب بَسالةً غريبة، وكان الأتراك يُحاربون بالمدافع، والإيرانيّون بالسلاح القديم، غير أنّ انتصار الأتراك لم يؤثّر في إيران؛ لأنّهم اضطرّوا إلى الرجوع في
الشتاء لشدّة البرد وقلّة الزاد، ولكنّ إسماعيل ظلّ حزيناً مِن بعدِ تلك الكسرة إلى آخر أيّامه، ويُروى أنّه لم يَضحك مِن بَعد ذلك اليوم، ولم يَترك لبس السواد أيضاً، ولمّا ماتَ السُلطان سليم تقدّم إسماعيل على بلاد الأتراك للأخذ بالثأر، فأخضع بلاد الجركس وهي يومئذٍ تابعة للأتراك، وعاد عنها فعرج على أردبيل ليزور قبور أجداده فقضى نَحبه هُناك ودُفن فيها مأسوفاً عليه.
إنّ مكاريوس يقول كما نقلنا عنه قريباً:
إنّ صاحب التَرجمة هو الذي أدخل التَشيّع في إيران، فإنْ كان يُريد أنّ التَشيّع قبل ذَلك لم يكن في إيران فهو خلاف الواقع، فإنّ التَشيّع كان مُنتشراً فيها، وخاصّة في الدَيلم ونواحي طبرستان وفي قُم وقزوين وسواهما قَبل الشاه إسماعيل بقُرون مُتطاولة، ويَمتدّ إلى زمن الدعوة العباسيّة في أواخر العَهد الأُموي، وإنْ كان يُريد أنّ عُموم التَشيّع واتّخاذ المَذهب الشيعي ديناً للحُكومة فذلك غيرُ بَعيد عن الصواب.
وأمّا المحبي، فإنّه يقول في خلاصة الأثر: إنّ أوّل مَن بالغ في التَشيّع وأظهره هو السُلطان حيدر جدّ صاحب الترجمة، وكان ذلك في سَنة ستٍّ وتسعمئة.
وقيل في تاريخه: مذهبنا حقٌّ، ويُروى أنّ بعض أهل السنّة سَمع هذا التاريخ فقال:
مذهبنا حقٌّ على النفي، فإنّ (نا) في الفارسي أداة نَفي، ومِن ذلك العهد هاجر كثير مِن البلاد، وتغلّبت سلاطين بلادنا العثامنة على مُلوكهم مِن عهد السُلطان سَليم الأوّل، فإنّه قَصد شاه إسماعيل وأخذ منه بلاداً وقهره، وفي هذا التاريخ - أي سَنة ٩٠٦هـ - كان بدء سَلطنة المُترجَم له.
وقد انتشر التَشيّع قبل عهد الصفويّة بسَبب تَشيّع السُلطان محمّد المُلقّب شاه خدابنده، على يد العلاّمة الحسن بن المُطهّر الحلّي المتوفّى سنة ٧٢٦هـ.
وفي تاريخ الدولة العثمانيّة لمحمّد فريد بك المصري:
هو إسماعيل ابن الشيخ حيدر - وقد سبق أنّه ابن علي - وينتهي نَسبه إلى الشيخ صفيّ الدين بن جبرائيل العلوي الحَسني - الصحيح الحسني الموسوي - وإسماعيل هذا هو مؤسّس الدولة الصفويّة الفارسيّة، وكان أبوه حيدر (جدّه) قد حارب صاحب شروان فانهزم، وقَتل صاحب شروان أولاده إلاّ إسماعيل وأخاه بار علي، فاستمرّ إسماعيل مُختفياً عند الأُمراء المُحازبين لأبيه حتّى اجتمع
لنَجدته كثير فظَهر وحارب صاحب شروان وقَتله، واستمرّ في فتوحاته حتّى هزمه السُلطان ياوز سليم الغازي، وتوفّي إسماعيل شاه الصفوي سنَة ٩٣٠ هجرية عن ٣٨ سَنة وأربعة شهور ومَلك أربعاً وعشرين سَنة.
أمّا الحَرب بين السُلطان سَليم العثماني والشاه إسماعيل الصَفوي:
إنّنا نرويها كما رواها محمّد فريد بك في تاريخه قال:
ولمّا عَصى السُلطان سَليم وإخوته والدهم السُلطان بايزيد الثاني، ساعد الشاه إسماعيل الأمير أحمد على والده، ثُمّ على أخيه مِن بعده، وقَبِلَ مَن فرّ مِن أولاده عنده، وزيادة على ذلك أرسل وفداً إلى سُلطان مصر يَطلب منه التحالف لإيقاف سير الدولة العثمانيّة؛ مبيّناً له أنّه إنْ لم يتّفقا حاربت الدولة كُلاًّ منهما على حِدة، وقَهرته وسلبته أملاكه.
ولإيجاد سَبب للحَرب أمرَ السُلطان سَليم بحصر عدد الشيعة المُنتشرين في الولايات المُتاخمة لبلاد العَجم بطريقة سريّة، ثُمّ أمرَ بقتلهم جميعاً، ويقال: إنّ عددهم كان يَبلغ نحو الأربعين ألفاً، وبعد ذلك أعلن السُلطانُ سليم الشاهَ إسماعيل بالحرب، وسافر بجيوشه مِن مدينة ادرنة في ٢٢ مِن المُحرّم سَنة ٩٢٠هـ الموافق ١٩ مارس سَنة ١٥١٤م، وفي أثناء سَيره تبادل مع الشاه إسماعيل رسائل مُفعمة بالسُباب.
وسار الجيش العثماني تَحت قيادة السُلطان سَليم نفسه - كما جَرت به العادة - قاصداً مدينة تبريز عاصمة العَجم، وكانت الجيوش الفارسيّة تتقهقر أمامه خُدعةً منهم؛ ليُنهك التَعَب الجُيوش العثمانيّة فينقضّوا عليهم، واستمرّوا في تَقهقرهم إلى ارباض تبريز، فوقع القِتال بين الجيشين في وادي جبال دران في ٢ رَجب سَنة ٩٢٠هـ، الموافق ٢٤ أغسطس سَنة ١٥١٤م، فانتصرت الجُيوش العُثمانيّة نَصراً مُبيناً لمُساعدة الطوبجية لها، وفرَّ الشاه بما بقيَ مِن جُيوشه ووقع كثير مِن قوّاده في الأسر، وأُسرت أيضاً إحدى زوجاته، ولم يَقبل السُلطان أنْ يَردّها إلى زوجها، بل زوّجها لأحد كُتّابه انتقاماً مِن الشاه، وفَتحت المدينة أبوابها ودَخلها السُلطان مَنصوراً في ١٤ رجب سنة ٩٢٠هـ، الموافق ٤ سبتمبر سَنة ١٥١٤م، واستولى على خزائن الشاه وأرسلها إلى القسطنطينية، وكذلك أرسل إليها أربعين شَخصاً مِن أمهَر صُنّاع هذه المَدينة، الأمر الذي يدلّ على عدم إغفاله تقدّم الصنائع أثناء اشتغاله بالحروب، وبعد أنْ استراح ثمانية أيّام قام بجيوشه
وأخلى مدينة تبريز؛ لعدم وجود المُؤنة الكافية بها، مُقتفياً أثرَ الشاه إسماعيل حتّى وصل إلى شاطئ نهر الرس، وعندها امتنع الانكشاريّة عن التقدّم لاشتداد البَرد، وعدم وجود الملابس والمؤنة اللازمة لهم، فقَفل راجعاً إلى مدينة أماسيا بآسيا الصُغرى للاستراحة زمَن الشتاء، والاستعداد للحَرب في أوائل الربيع، وعندما أقبل الربيع بنَضارته رجعَ السُلطان إلى بلاد العَجم، ففتح قلعة كوماش الشهيرة وإمارة ذي القدر سَنة ١٥١٥ م، ثُمّ رَجع إلى القسطنطينية تاركاً قوّاده لإتمام فَتح الولايات الفارسيّة الشرقيّة، ولمّا وصلَ إليها أمرَ بقَتل عَدد عَظيم مِن ضبّاط الانكشاريّة الذين كانوا سَبب الامتناع عن التقدّم في بلاد فارس - كما سبقَ الذِكر - خشيةً مِن امتداد الفَساد وعَدم الإطاعة في الجيوش، وأمرَ بقتل قاضي عَسكر هذه الفئة واسمه جعفر چلبي؛ لأنّه كان مِن أكبر المُحرّكين لهذا الامتناع، وخوفاً مِن حصول مِثل ذلك في المُستقبل جعلَ لنفسه حقّ تعيين قائدهم العام، ولو لم يكنْ مِن بينهم؛ ليكونَ له بذلك السيطرة عليهم، وكان النظام السابق يقتضي بتعيينه مِن أقدم ضبّاط الانكشاريّة.
وبعد انتهائه مِن مُحاربة الشيعة أخذ في الاستعداد لفتح سَلطنة مصر، بسبَب مُحالفة سُلطانها للشاه إسماعيل، وانتهى الأمر بفَتح مصر وسورية، ومَقتل السُلطان قانصوه الغوري سَنة ٩٢٢هـ - ١٥١٦م، ولمّا أراد أنْ يُراجع الكرّة لمُحاربة الشيعة الإيرانيّين وعبّأ لذلك الجيوش وبلغَ أدرنه، فاجأه الموت، وذلك في ٩ شوّال سَنة ٩٢٦هـ - ٢٢ سبتمبر سَنة ١٥٢٠م.
أمّا ما يُؤاخذ به السُلطان سَليم:
فالأّول : كان عليه وهو في عنفوان قوّته أنْ لا يَصرفها في مُحاربة دولة إسلاميّة ناشئة، مُتاخمة حدودها لحدود دولته، ويربطها بعد رابطة الإسلام في عامّة شعوبها رابطة اللُغة في القسم الكبير مِن رعاياها، وأنْ يَعقد بدلاً مِن ذلك حِلفاً معها يزيد إلى قوّة كلّ منهما قوّةً، يُذودان كلاهما بها كلّ طامح غريب فيهما، وهُما مع ذلك دولتان شرقيّتان ويَعلمان أنّ للغرب ودوله مطامع في بلادهما وفي بلاد الشَرق، ولم يَطلْ العَهد كثيراً على ما جرّته الحُروب الصليبيّة على بلاد الشرق الأدنى مِن المآسي، فالسُلطان سَليم أضاع الفُرصة وفَتح الباب على مِصراعيه لطبع مَن خلفه على غراره في مُحاربة المُلوك الصفويّين، ممّا لم تجنِ منه الدولتان إلاّ الوهن واستفحال داء التَعصّب المَذهبي الممقوت
، والتفريق بين فرقتين لم تَكن الهوّة بينهما قبل ذلك بعيدة الغور إلى الحدّ الّذي بلغته، وتوارثه الأخلاف عن الأسلاف.
والثاني: ارتكابه ذلك الإثم العَظيم بأمره بقتل نحو أربعين ألف شيعي مِن رعاياه على غير ذنب، إلاّ مُشاركتهم الإيرانيّين في المَذهب.
والثالث: ارتكابه موبقة تزويج زوج الشاه إلى أحد كُتّابه، وهو مُخالف للشرع الإسلامي وللعُرف المُتّبع قديماً وحديثاً بين الدول المُتحاربة، فإنّ ذلك ممّا تُحرّمه سياسة الحُروب كما يُحرّمه الدين.
وهناك أُمورٌ لا تتعلّق بتاريخنا تنتقد على سياسة السُلطان سليم لا نتعرّض لها؛ لأنّها ليست مِن غَرضه.
٢ - الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل:
تولّى بعد أبيه وهو في العاشرة مِن عُمره، فانتهزت بلاد خُراسان هذه الفرصة للعصيان على عادتها، وأخضعها بغير عناء كثير، ثُمّ وقعت المُنافسة بين فئات الأتراك الذين ساعدوا هذه الدولة على المُلك، وكَثُر الخصام بين الطائفتين منهم فانحاز طهماسب إلى أحدهما، ونجحت الأُخرى فطلبت القَبض عليه، وعند ذلك هاج الدَم في عروقه واستغاث بمرءة جنوده وأعوانه الإيرانيّين، فأغاثوه وتقدّموا معه لمُحاربة هؤلاء الأتراك فنكلّوا بهم وانتصروا عليهم...
وفي تاريخ الدولة العثمانيّة :... وقد حصل في أثناء اشتغال السُلطان العثماني سليمان بمُحاربة النمسا بعض اضطرابات على حُدود بلاد العَجم، وساعد على ذلك خيانة شريف بك خان مدينة بدليس الواقعة على حدود المملكتين، وانحيازه إلى مَملكة العَجم، ولذلك أرسل السُلطان وزيره إبراهيم باشا لمُحاربة هذا العاصي ظن والسير بعد ذلك إلى مدينة تبريز عاصمة العَجم لفتحها، فسافر إبراهيم باشا وقبل وصوله إلى قونية وصل إليه في ٢ ربيع الآخر سَنة ٩٤٠هـ الموافق ٢١ اكتوبر سَنة ١٥٣٣م شمس الدين ابن حاكم آذربيجان الذي كان تابعاً لمَلك العَجم، وانضمّ إلى السلطنة العُثمانية ومعه رأس شريف بك الذي حاربه والده وقتله، ولذلك سار إبراهيم باشا إلى مدينة حَلب لإمضاء فصل الشتاء بها، وفي أوائل ربيع سَنة ١٥٣٤م قام منها بجيوشه قاصداً مدينة تبريز ففتح في طريقه جميع الحُصون والقلاع المُجاورة لبحيرة (وان)، ووصل بدون كبير معارضة إلى
تبريز ودخلها بسلام في غُرّة مُحرّم الحرام سَنة ٩٤١هـ، الموافق ١٣ يوليو سنة ١٥٣٤م، وبنى قلعة وجعل في وسطها حامية عُثمانية لمنع السُكان عن إتيان كلّ ما يُمكن أنْ يُكدّر صفو الراحة العامّة.
وفي ٢٧ سبتمبر مِن السَنة المذكورة، الموافق ١٦ صفر سَنة ٩٤١هـ، وصل السُلطان سليمان الغازي إلى تبريز فقابله الأهالي بكلّ تبجيل وتَعظيم، وبعد أنْ عيّن السُلطان ابن الأمير شروان قائداً لحامية مدينة تبريز، وقبل خُضوع أمير كيلان المدعو مَلك مضفّرخان وغيره مِن أُمراء الفُرس الذين تركوا لواء الشاه طهماسب مَلك العجم، وانحازوا إلى ظلّ الخليفة الأعظم، سار السُلطان بجيوشه إلى مدينة سُلطانيّة التي تقهقر إليها الشاه بجيوشه، لكنْ لصعوبة الطُرق واستحالة مُرور المَدافع الضخمة وعربات النقل بها لكثرة الأمطار والأوحال، تركها السُلطان وقصد مدينة بغداد لفتحها، فلمّا اقترب منها تقدّم إبراهيم باشا الصدر الأعظم وسرّ عسكر الجيوش العثمانيّة لاحتلالها قبل قُدوم السُلطان، فدخلها في يوم ٢٤ جمادى الآخرة سَنة ٩٤١هـ، الموافق ٢١ ديسمبر سَنة ١٥٣٤م، ووجدها خاوية مِن الجنود؛ إذ تركها حاكمها بكلّ جنوده هَرباً مِن الوقوع في قبضة الجنود العثمانيّة فيُذيقونه الحِمام.
وبعد أنْ أقام السُلطان في مدينة بغداد مُدّة أربعة أشهر ورتّب الإدارة الداخليّة في خلالها، زار قُبور الأئمّة العِظام، وقبر الإمام علي رابع الخُلفاء الراشدين كرّم الله وجهه في مدينة النجف، وقبر ابنه الحسين في كربلاء، وأرسل الخطابات إلى البندقية وويانه إعلاناً بانتصاره على الشاه طهماسب، وافتتاحه مدائن تَبريز وبغداد(١) .
ففي تاريخ الدولة العثمانيّة وتاريخ إيران لمكاريوس أنّ استيلاء السُلطان سليمان العثماني على العراق كان في عَهد سَلطنة الشاه طهماسب، ولكن صاحب تاريخ الحلّة الشيخ يوسف كركوش الحلّي يقول: إنّ ذلك كان في عهد سَلطنة خدابنده الصفوي. ولا نعلم مُستنده.
____________________
(١) في سَنة ٩١٤هـ زَحف الشاه إسماعيل على العراق، وألقى الحصار على عاصمته بغداد وفتحها وأعمل السيف في مُناهضيه، وقتل آخر مُلوك الخروق الأبيض أحمدخان، وبعد فَتحها أخضع باقي المُدن العراقيّة كالحلّة والموصل والبصرة وغيرها، وظلّت في الحُكم الصفوي بلا مُنازع إلى سَنة ٩٤١هـ فجرى ما ذُكر في الأصل.
ويقول صاحب تاريخ إيران:
وتقدّم السُلطان سليمان التركي على بلاد إيران ليَملُك آذربيجان والعراق وبغداد وغيرها مِن الأراضي الغربيّة التي كانت لإيران، وعاد في آخر الأمر إلى الآستانة ظافراً منصوراً، مِن بعدما فتك بأهالي البلاد فتكاً ذريعاً يُحاكي تعدّي تيمور وجنكيز خان، لمّا عَلِم طهماسب برجوعه جَمع جيشاً كبيراً وتقدّم به على بلاد الأتراك ومَلك أرمينية وما يُجاورها، ولكنّه اضطرّ أيضاً إلى الرُجوع لمّا بَلغه أنّ القلاقل كَثرت في بلاده؛ بسبب قيام قبائل ازبك مِن التَتر على حكومته في الشرق بإيعاز مِن السُلطان سليمان العثماني، وعصيان أخيه القاص ميرزا، وهو الذي التجأ إلى السُلطان سليمان التركي، واتّفق معه على اقتسام إيران، وكان لهذا الأمير أعوان كثيرون في إيران، فخشي طهماسب العاقبة سيّما بعد أنْ فتح جيش الأتراك تبريز، وتقدّم على السُلطانية، ولكن التقادير سلّمت إيران بخصام القاص والسُلطان العثماني وفرار الأوّل ورجوع الثاني مِن بعد أنْ فَقَدَ معونة أعوان الأمير الإيراني، وفر القاص إلى ديار بكر، فقَبضَ عليه حاكمها وسلّمه إلى أخيه، فأمر بإعدامه، وقضى طهماسب كلّ أيّامه في مُحاربة الأتراك مِن ناحية والتتر مِن ناحية، وجعل مدينة قزوين عاصمة مُلكه.
ومات في الرابعة والستّين مِن عُمره بعد أنْ حَكم نحو ٥٣ - وقيل ٥٤ - سَنة في مُنتصف صَفر سَنة ٩٨٤هـ.
أمّا حادث خروج أخي طهماسب عليه، فقد ذُكر في تاريخ الدولة العثمانيّة كما يلي:
... وفي سنة ١٥٤٧م قَبْل إتمام الصُلح مع النمسا أتى إلى الباب العالي أخٌ لشاه العَجم يُدعى (القاضي ميرزا)، وطلب مِن السُلطان إنجاده ضدّ أخيه الذي اهتضم له حُقوقاً، فانتهز السُلطان هذه الفُرصة لتجديد الإغارة على بلاد العَجم، وانتظر ريثما يتمّ الصُلح بأُوروبا ويهدأ باله مِن جِهتها.
وفي أوائل سَنة ١٥٤٨م سار بجيوشه قاصداً مدينة تبريز، فدخلها ثالث دفعة، وفتح في طريقه الجُزء التابع للعَجم مِن بلاد الكُرد وقلعة (وان) الشهيرة، وعاد يحف به النَصر والظَفر إلى القسطنطينية في دسمبر سَنة ١٥٤٩م.
أمّا القاصي مرزا فأخذه أسيراً في إحدى الوقائع الحربيّة بعد أنْ سار مع جيش مِن الأكراد إلى قُرب مدينة أصفهان.
وفي سنة ١٥٥٣م بينا كان رستم باشا يقود جيشاً لمُحاربة العَجم،
وكان مصطفى ابن السُلطان سليمان ضِمن قوّاد الجيش، كَتب رستم باشا إلى أبيه سليمان بمؤامرة مع زوجة السُلطان في قَتله؛ لأنّه الأكبر، ولأنّه مِن زوج غيرها، لتنحصر ولاية العَهد بولدها سليم، كَتب رستم باشا للسُلطان بأنّ ولده يُحرّض الانكشاريّة على عَزله وتنصيبه، كما فَعل السُلطان سليم الأوّل مع أبيه السُلطان بايزيد الثاني، فلمّا وصلَ هذا الخَبر إلى السُلطان - وكانت والدة سَليم قد تمكّنت مِن تغيير أفكاره نحوه - قام في الحال قاصداً بلاد العَجم مُتظاهراً بأنّه يُريد أنْ يتولّى قِيادة الجيش، ولمّا وصلَ إلى المعسكر استدعى وَلده المسكين إلى سرادقه في يوم ١٢ شوّال سَنة ٩٦٠هـ الموافق ٢١ سبتمبر، وبمجرّد وصوله إلى الداخل خَنَقه بعضُ الحجّاب المنوط إليهم تَنفيذ مِثل هذه الأوامر، فقُتل شهيد الدسائس ظُلماً وعُدواناً، وبعد قتل هذا البريء توجّهت الجيوش إلى بلاد العَجم، ولم يَحصل في هذه المرّة وقائع مهمّة، بل بعد أنْ غَزت الجيوش العثمانيّة بلاد شروان بدون فائدة تُذكر، مالَ الفريقان للصُلح، فتمّ بينهما في ٨ رجب سَنة ٩٦٢هـ الموافق ٢٩ مايو سَنة ١٥٥٥م، على أنْ يُباح للأعاجم الحجّ إلى بيت الله الحَرام، ويُزاولوا مذهبهم بدون تعرّض.
كان مِن مُعاصري هذا الشاه المُحقّق الكركي والشيخ حُسين بن عبد الصمد والد العلاّمة البهائي مِن العُلماء العامليّين.
وفي تاريخ إيران لمكاريوس:... وكان (طهماسب) فَطِناً حكيماً شديد الميل إلى الإسلام على الطريقة الشيعيّة، وهو أوّل مَن زاره سُفراء الافرنج مِن مُلوك إيران في أيّام الدول الإسلاميّة، جاءه انكليزي اسمه جنكنس مِن قِبَل المَلكة اليصابات مَلكة انكلترا يومئذٍ، فسأله حالَ وقوع نَظره عليه - بعد أنْ ظلّ يستأذن بالمُثول لديه ستّة أشهر -: هل أنتَ مُسلمٌ أو كافر؟
وقال: إنّي لستُ مُسلماً ولا كافراً، بل أنا نصراني، قال: ليس لي مِن حاجة إلى مُحاربة الذين على غير ديني، فرُحْ في سَبيلك. وخرج الرَجل وقد تبعه إيراني يرشّ الرمل مِن ورائه في القَصر؛ حتّى يَعرف محلّ وقوع أقدامه ويُنظّف الدار بعد خروجه.
وإنّا لنَستبعد هذه الرواية.
الأوّل: لمُخالفتها لسيرة المُلوك المسلمين، بل لسيرة نبيّ المسلمين، فأنّه كان يَفدُ عليه وُفود اليهود والنصارى - ومنهم وفود نصارى نجران - فكان يَحتفي بهم ويُكرم وفادتهم، وعلى هذه السُنّة
درج خُلفاء المسلمين وسلاطينهم، فكيف يَصدر مِثل هذه الغلظة مِن سُلطان وُصف بالفطنة والحِكمة وليس مِثل هذا الردّ مِن سُنّة الإسلام، ولا مِن مذهب الشيعة الجعفريّة، وهو على صِلة تامّة، إذ ذاك بأساطين عُلمائه كالمُحقّق الكركي وأمثاله ممَّن لم يشذّوا عن سُنّة نبيّهم وطريقة أئمّتهم الذين كانوا يَجتمعون باليهود والنصارى، ورُويَ لهم بعض المُناظرات مع عُلماء الفَريقين؟!
والثاني: لم نَفقه لرشّ الرَمل في القَصر لمعرفة مواقع أقدام ذلك النصراني الإنكليزي ولتنظيفه بعد خُروجه معنى، فإنّ التنظيف والتطهير إنّما يكونان لإزالة القذر، فأيّة قذارة حلّت في القَصر مِن دخول الانكليزي فيه؟ وهذه الرواية أشبه بالأُسطورة منها بالأمر الواقع، ولعلّ الدافع إليها حذر الشاه مِن هذا الوافد الذي قد يكون لوفوده ما يبعث في نفس الشاه الريبة، فصدّه وأقصاه خوفاً مِن أنْ يكون عيناً لأعدائه، وكمْ للأجنبي إذ لم يَظفر بأُمنيةٍ في صدره مِن سُلطانٍ مُسلم مِن مثل هذه الفرية.
على أنّ هذه الرواية لم نرَها في غير هذا التاريخ.
٣ - الشاه حيدر ميرزا:
كان لطهماسب أولادٌ كثيرون، أبعد أكثرهم عنه مُدّة حياته، أو عيّنهم في الولايات القاصية، ما خلا حيدر ميرزا المُترجَم له وهو ابنه الثالث، أبقاه عنده وأظهر له الميل الكثير، ولمّا توفّي استولى هذا على خزائن أبيه وعرشه، ولكنّه لم يُحسن التدبير فضاع منه المُلك بعد حين بدسيسة امرأة ظنّ فيها الأمانة فعملت على قَتله، وهي أُخت أمير قبيلة جركس، وكان أخوها ميّالاً إلى إسماعيل ميرزا رابع أبناء طهماسب.
هذا ما جاء في تاريخ إيران لمكاريوس.
وجاء في تاريخ الدولة العثمانيّة لمحمّد فريد بك:
لمّا توفّي الشاه طهماسب سَنة ٩٨٤هـ الموافقة سنة ١٥٧٦م، تولّى بعده ابنه حيدر، وقُتل بعد بِضع ساعات قبل دفن أبيه ودُفنا معاً، ثُمّ تولّى بعده ابنه.
٤ - الشاه إسماعيل:
هو رابع أبناء الشاه طهماسب، استولى على المُلك مِن بعد أخيه، ولم تَطل أيّام حُمكه - التي قضّاها في اتّباع الشهوات - حتّى قام أهل خراسان
ونادوا بمحمّد ميرزا سلطاناً عليهم، وكان هو أكبر أولاد طهماسب، وبه ضَعف في النظر أوجب إهماله وتعيينه والياً على خُراسان، وعدّ ذلك بمثابة النفي له، فأرسل إسماعيل أمراً بقتل محمّد ميرزا وأولاده، وفي جُملتهم عبّاس ميرزا - وهو أصغر أولاد محمّد، وكان بالاسم حاكم خراسان - فنجوا بطريقةٍ غريبةٍ، وذلك أنّ الجلاّد لم يشأ قَتلهم في شهر رمضان، وقبل أنْ ينصرم الشهر جاءت الأخبار بوفاة الشاه إسماعيل، فنجا محمّد ميرزا ونجا معه الطفل عبّاس الذي صار بعد حين أشهَر مُلوك هذه الدولة، ولم يحصل في أيام الشاه إسماعيل وسابقه أخيه حيدر ميرزا مِن الأحداث ما يُدوّن؛ لأنّ مُدّتهما كانت قصيرة، فقد توفّي الشاه إسماعيل في سنة ٩٨٥هـ.
وفي تاريخ الدولة العثمانيّة: ثُمّ تولّى (بعد حيدر ميرزا) إسماعيل بن طهماسب، وتوفّي مسموماً سَنة ٩٨٥هـ وأخلفه أخوه.
٥ - الشاه محمّد خدابنده:
وكانت البلاد مُنقسمة عليه، فأُرسلت الجيوش السُلطانيّة - في عهد السُلطان مُراد الثالث العثماني - لمُحاربته وفتح ما تَيسّر مِن بلاده، وجُعل مصطفى باشا قائداً لها، فسار بجيوشه قاصداً إقليم الكَرج مِن بلاد الجركس في أواخر سَنة ١٥٧٧م، وكانت تابعة لمَملكة العَجم، وافتتحها واحتلّ مدينة تفليس عاصمة الكَرج بعد أنْ انتصر على جنود الشاه، وتغلّب على قائدهم المُسمّى دقماق بالقُرب مِن حصن (جلدر) في ١٨ أغسطس سَنة ١٥٧٧م، وعيّن أُمراء الكرج حكاماً (سناجق) مِن قِبَل الدولة، وبعد أنْ قَهر ثانياً جيوش العَجم في ٨ سبتمبر مِن السَنة المذكورة، عاد مصطفى باشا وجيوشه إلى مدينة طرابزون لتمضية فصل الشتاء الذي لا يُمكن الاستمرار في القتال فيه؛ لشدّة البَرد وتراكُم الثلوج في هذه الأصقاع.
وقُسمت بلاد الكرج إلى أربعة أقسام، وهي: شروان وتفليس، وتكوّن القسمان الباقيان مِن بلاد الكرج الأصليّة، وحُصّنت مدينة قارص بكيفيّة جعلتها امنع مَعاقل الدولة على الحدود، وما فتئت كذلك حتّى احتلّها الروس سَنة ١٨٧٧م.
وفي أواسط الشتاء أتت أربعة جُيوش جرّارة تحتَ إمرة الأمير حمزة مرزا، وهاجمت بلاد شروان مِن كلّ فجّ، حتّى اضطرّ حاكمها عثمان باشا إلى إخلاء مدينة شروان، والاحتماء بمدينة (دربند)، وكذلك حاصر الأعجام
مدينة تفليس نفسها، ولم يقووا على استرجاعها لثبات حاميتها العثمانيّة، حتّى أتى إليها المَدد ورُفع عنها الحصار عُنوة سَنة ١٥٧٩م، وفي غَضون ذلك قُتل الصدر الأعظم محمّد باشا صقيلي الذي حافظ على نُفوذ الدولة بعد موتِ السُلطان سليمان، وتمكّن بسياسته ودهائه مِن إبرام الصُلح مع دول أوربا المعادية لها.
أمّا عثمان باشا حاكم إقليم شروان، فسار إلى فَتح بلاد (طاغتانه) على شاطئ بحر الخزر، وبعد أنْ أتمّ فتحها عَقِب موقعة عظيمة انتصر فيها على الأعجام نصراً مُبيناً في ٩ مايو سَنة ١٥٨٣م، سار بطريق البرّ إلى بلاد القرم مُخترقاً جبال (قاف) أو القوقاز وسهول روسيا الجنوبيّة لعَزل خانها؛ عقاباً له على امتناعه عن إرسال المَدد إلى الدولة العليّة لمُحاربة العَجم، فوصل إليها بعد أنْ عانى مِن المشقّات أقصاها، ومِن الصعوبات مُنتهاها لوعورة الطريق ومُناوشة الروس له إلى مدينة (كافا) عاصمة الخان محمّد كراي، فجَمع الخان جيشاً عظيماً مِن الفُرسان القوزاق المشهود لهم بالبسالة والإقدام، وحاصر عثمان باشا وجيوشه التي أضناها التَعب وأنهكها السير، ولو لا عصيان أخيه إسلام كراي عليه لوعده بالإمارة مِن قبل الدولة العليّة، وتفرّق جيوشه مِن حوله، وقَتله غدراً بدسيسة أخيه لانتصر على العثمانيّين، لكنْ خانه أخوه ودسّ إليه مَن قَتله طَمعاً في الإمارة سَنة ١٥٨٤م.
وبعد ذلك رجِع عثمان باشا إلى الآستانة وقوبِل بكلّ تكريم وإعظام، وبعد أيّام قلائل عُيّن صَدراً أعظم بَدل (سياوس باشا) المجري وسَر عسكر لجيش الكرج، فسار في جيش عَرمرم مؤلّف مِن مئتين وستّين ألف مُقاتل قاصداً بلاد أذربيجان، فاخترقها بدون كثير مُقاومة، ثُمّ قصد مدينة تبريز عاصمة العَجم فدخلها بعدَ أنْ انتصر على حمزة مرزا وترك فيها حامي قوية، وبعد أنْ استمرّت الحَرب سجالاً بين الدولتين نحو ستّ سنوات توفّي في خلالها الصَدر الأعظم عثمان باشا سَر عسكر الجيش تَمّ الصُلح وأُمضي بينهما في ٢١ مارس سَنة ١٥٨٥م، على أنْ تتنازل العَجم للدولة العثمانيّة عن إقليم الكرج وشروان ولورّستان وجُزء مِن أذربيجان ومدينة تبريز(١) .
وفي تاريخ إيران لمكاريوس: وكان السُلطان محمّد ضعيف الرأي،
____________________
(١) تُراجع ص٤٢، ٣م مِن خلاصة الأثر وما بعدها.
قليل الإدراك يَعلم ذلك مِن نفسه، ففوّض الأمر إلى وزيرٍ عاقلٍ اسمُه سُليمان، ورأى منه كلّ ما يُحمد في أوّل الأمر، ولكنّ هذا الوزير شدّد الوطأة على بَعض القبائل التي ثارت على السُلطان، ودخل رؤساؤها على ميرزا محمّد، فقالوا له إنّهم يُريدون تَسليم الوزير أو يُخربون السَلطنة، فخاف السُلطان شرّهم وسلّمهم وزيره فَقتلوه، ثُمّ شقّ أهل خُراسان الطاعة ونادوا بالأمير عبّاس سلطاناً عليهم.
٦ - الشاه عبّاس ابن الشاه محمّد خدابنده:
قال صاحب كتاب الكُنى والألقاب:
إنّ الشاه محمّداً المكفوف قام بأمر السلطنة إلى سَنة ٩٩٦هـ ثُمّ فَوّض الأمر إلى ابنه الشاه عبّاس الأوّل.
وفي تاريخ الدولة العثمانيّة:
لُقّب هذه الشاه بالكبير وأخلف محمّد ميرزا في المُلك سَنة ١٥٨٥م، ونودي به مَلكاً في خُراسان، ثُمّ سار إلى مدينة مشهد التي كانت قد احتلّتها قبائل الأُزبك فاستخلصها منهم، وانتصر عليهم بقُرب مدينة هرات سَنة ١٥٩٧م، ثُمّ حارب التُرك واستخلص منهم الولايات التي سَبق أخذها مِن مملكة العَجم، واحتلّ مدائن بغداد والموصل وديار بكر، ثُمّ اتّحد مع شركة الهند الانكليزيّة وطَرد البرتغاليّين مِن ثغر هرمز.
وتوفّي سَنة ١٠٣٧هـ الموافقة سنة ١٦٢٨م، بعد أنْ حَكم البلاد بغاية الحِكمة والسداد مُدّة ثلاثة وأربعين سَنة.
وفي خلاصة الأثر:
وتغلّبت سلاطين بلادنا العثامنة على مُلوكهم - الصفويّين - مِن عهد السُلطان سليم الأوّل، فإنّه قَصد شاه إسماعيل وأخذ منه بلاداً وقَهره، وكذلك فَعل السُلطان سليم الثاني، فإنّه جهّز عليهم جيشاً فأخذوا منهم تبريز وشروان وكيلان وروان وكثيراً مِن القصبات والولايات، واستمرّوا مَغلوبين إلى أنْ ظهر شاه عبّاس فولي السَلطة بخُراسان في سَنة خمسٍ وتسعين وتسعمئة مكان والده في حياته، وكان جُلوسه بقزوين لكون والده كان أعمى، وقد استولت في أيّامه أُمراء قزلباش على الدولة واتّخذوها حصصاً، فسفك فيهم واستقلّ بالأمر، وكان في ابتداء أمره يُداري طرف آل عُثمان، ويُرسل ابن أخيه حيدراً بالهدايا والتُحف، إلى أنْ مات مَلك الأوزبك أوزبك خان وولده عبد المؤمن في سَنة عشر بعد الألف، وكان ملوكٌ أخذوا مِن خُراسان بلاداً فاستخلصها واحدة بعد
واحدة، ثُمّ قصد جدّ آل عثمان؛ لِما كان وقع مِن الاختلال بِسَبب الجلاليّة الّذين ظهروا في زمن السُلطان أحمد، ونقضَ العهد الذي بينه وبينهم، وحاصر مَملكة تبريز وروان واستولى عليهما، ثُمّ أخذ قندهار مِن بلاد الهِند، واستولى على خوارزم وكيلان وسجستان ثلاثةً وأربعين سَنة، وكان سُلطاناً صاحب جأشٍ وقوةٍ ومَكر غَداراً مُحتالاً، فاسترّد بعض البلاد وتقوّى في العسكر والعِدّة فأخذ بغداد مِن آل عثمان، وكان أخذه لها في ثالث شهر ربيع الثاني سَنة اثنتين وثلاثين وألف، واستمرّت في يده إلى سَنة ثمانٍ وأربعين، فأخذها مِن يده السُلطان مُراد، ومِن ذلك العَهد لزِم شاه عبّاس حدّهم الأصلي الذي كان في زَمن الشاه إسماعيل، ولم يتجاوزه لا هو ولا أبناؤه، وطال عُمره في السَلطنة، وبلغ مِن العِزّ والحُرمة نهاية أمانيه، وخَدمه أجلاّء العُلماء في مناصبه، منهم الشيخ الأُستاذ محمّد بهاء الدين بن الحسين الحارثي الهمداني الشامي، فإنّه كان مُفتيه ومُشيّد أركان دولته، وباسمه ألّفَ كثيراً مِن كُتبه ورسائله ونوّه به.
وللشاه عبّاس في سياسة الرعيّة والرعاية لجانبهم والذبّ عنهم وإكرام التُجّار الواردين إلى بلاده مِن أهل السُنّة أحوال مستفيضة شائعة.
وبالجُملة فلم يَجئ مِن سلسلتهم مِثله، وكانت وفاته في جُمادى الأُولى سَنة ثمانٍ وثلاثين وألف بدار مُلكه مدينة أصفهان، ودُفن بأردبيل في تُربة الشيخ صفيّ الدين، وكان عُمره ينيف عن السبعين.
وإليك ما ذَكره المحبّي في خلاصته مِن مُحاربة السُلطان مُراد العثماني - الذي لقّبه بفاتح بغداد - للشاه عبّاس بنصّه:
وتوجّه هو - مُراد - بنفسه في سَنة أربعٍ وأربعين لغزو العَجم، وكان سُلطانها الشاه عبّاس (خذله الله) قد تَمكّنت في السُلطنة قواعده، وخلا له الوقت مُدّة، وأخذ كثيراً مِن البُلدان التي كانت مُضافة لبلاد آل عثمان، فجرّد السُلطان مُراد عزمه لمُحاربته وإذلاله، وتوجّه إلى بلاده بعساكر يضيق عنها الفضاء، وحاصر مِن بلدانه روان وافتتحها، ثُمّ توجّه في سَنة ثمان وأربعين لفتح بغداد ونازلها بجنده، وكان الشاه عبّاس حصّنها بالعدد والعسكر، فأمَر السُلطان بحفر لغمٍ عظيمٍ، ووَضَع فيه البارود، وأطلقت فيه النار فهدّم جانباً عظيماً مِن جدار السور، بحيث قيل: إنّه لم يرم لغم مثله في مُحاصرة قلعة مِن القلاع، فصار يُرى مِن هَدم اللغم ما في مدينة بغداد مِن البيوت والدور؛ لأنّه صار في ذلك
الجانب جدار السور سَهلاً مُستوياً مع سطح الأرض، فلمّا رأى أهل بغداد ما دهمهم ممّا لم يعرفوه قط، تلاشوا وبعثوا إلى الشاه عبّاس المَراسيل يُريدون التسليم، وكان عَسكر السُلطان قد توانوا في الهجوم وتثبّطت همّتهم، وفي أثناء ذلك أرسل الشاه رسولاً يَطلب الصُلح، وكان الرسول المذكور مِن أعيان عَسكر الشاه يُسمى جانبك سلطان، وفي يوم الجُمعة ثالث عشر رَجب بكرة النهار، اجتمع الوزير الأعظم في ديوانٍ عظيم، ودَفع إليه كتاب الشاه بالصُلح، فقُرئ بمَسمع مِن الناس، وفَهِم الكلّ منه ما قَصده الشاه مِن الحيلة، فأبى السُلطان وجميع الوزراء والأركان الصُلح.
ولقد رأيتُ الواقعة بخطّ الأديب رامي الدمشقي، وذكر أنّه تفاءل حالة اجتماع الرسول في مصحف كان معه، فجاء في أوّل الصفحة قوله تعالى:
( قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنّهُ لَكَبِيرُكُمُ الّذِي عَلّمَكُمُ السّحْرَ فَلأُقَطّعَنّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِن خِلاَفٍ وَلأُصَلّبَنّكُمْ فِي جُذُوعِ النّخْلِ وَلَتَعْلَمُنّ أَيّنَا أَشَدّ عَذَاباً وَأَبْقَى )
ثُمّ أطلق السُلطان الأمر بالمُحاصرة وشدّد في ذلك، فلمّا كان يوم الجُمعة ثامن عشر شعبان يسّر الله فتحها، وكانت مُدّة الحصار أربعين يوماً، ودخلها العسكر والسُلطان في أثرهم، وقتلوا مِن العَجم أكثر مِن عشرين ألفاً، وأسَروا مِن رؤسائهم وأهل شوكتهم جماعة، وضعُفت شوكتهم، وزالت قوّتهم؛ لأنّ معتمديهم كانوا بها.
وصَرف السُلطان همّته إلى إزالة ما كان أحدثه الأرفاض (خذلهم الله تعالى) في مرقد الإمام الأعظم ومَرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني (رضي الله عنهما)، وأمر بتجديد عِمارة محلّهما، وأحكم أمرهما غاية الإحكام، وبنى ما كان تهدّم مِن سور القلعة وشحنها بالعسكر والعدد، وعين لكفالتها وزيراً.
وقد أكثر الناس مِن نظم الشعر والتواريخ لفتحها، ووقفتُ بمكّة المشرّفة على تاريخ للقاضي تاج الدين المالكي:
خليفة الله مُراد غزا قلعة بغداد فأرداها
وعندما حاصرها جيشه اندكّ للأسفل أعلاها
وأصبح الشاه ذبيحاً لِما أُخبر مِن كثرة قتلاها
هذا اختصار القول فيها فإنْ قيل لقد أجملت ذكراها
فلشرّ مِن فعل مراد بها مؤرّخاً قد ذبح الشاها
وفي تاريخ الدولة العثمانية ما محصله:
تولّى السُلطان الغازي أحمد خان المُلك ولم تتجاوز سنّه الرابعة عشرة إلاّ بقليل، وكانت أركان الدولة غير ثابتة في بلاد آسيا كافّة، ونارُ الحرب مُستعرة على حدود العَجم شرقاً والنمسا غَرباً، وكانت الحرب مع العَجم شديدة الوطأة في هذه المرّة لتولّي الشاه عبّاس الشهير قيادتها، وممّا جعل لها أهميّة أعظم مِن الحُروب السابقة، اضطراب الأحوال في الولايات الشرقيّة عامّة، وسعيّ كلّ أُمة مِن الأُمم المُختلفة النازلة بها للحصول على الاستقلال، وانتهز الشاه عبّاس هذه الفُرصة لاسترجاع بلاد العراق العجمي، واحتلّ مدائن تبريز ووان وغيرهما، ولمناسبة اضمحلال جيوش الدولة في هذه الحُروب التي استمرّت عِدّة سنوات متوالية، وموتِ أهمّ قوّادها الصدر، وتمّ الأمر بينهما في سَنة ١٦١٢م بمساعي نصوح باشا الذي تولّى مَنصب الصدارة بعد موت قويوجي مراد باشا، على أنْ تترك الدولة العليّة لمملكة العَجم جميع الأقاليم والبُلدان والقلاع والحصون التي فتحها العثمانيّون مِن عهد السُلطان الغازي سُليمان الأوّل القانوني، بما فيها مدينة بغداد، وهذه أوّل مُعاهدة تركتْ فيها الدولة بعض فتوحاتها.
ثُمّ انتهز الشاه عبّاس فرصة اضطراب الدولة وقيام سلطان وخَلع سلطان، فقتل السُلطان عثمان خان الثاني، فتولية السُلطان الغازي مُراد خان الرابع - وهو صغير السنّ - لتوسيع أملاكه مِن جهة حدود الدولة العليّة، فكان الأمر بعكس ما كان عليه أيّام الغازي السُلطان سليمان القانوني؛ وذلك أنّ رئيس الشرطة في مدينة بغداد واسمه بكير اغا ثار على الوالي وقَتله، واستبدّ في الأحكام، فأرسلت له الدولة قائداً يُدعى حافظ باشا حاربه وحصره في دار السلام، فسوّلت لبكير أغا نفسه أنْ يَخون الدولة، وراسل الشاه عبّاساً وعرض عليه تسليم المدينة، فسار الشاه بجنوده لاحتلالها، وفي الوقت نفسه عَرض بكير اغا على القائد العُثماني أنْ يردّ المدينة للعثمانيّين إن أقرّته الدولة على ولايتها، فقَبِل ذلك واحتلّتها الجنود المظفرة قبل وصول شاه العجم، وهو لمّا وصلها حاصرها ثلاثة أشهر ثُمّ فتحها بخيانة ابن بكير اغا الذي سلّمها له بشرط تعيينه حاكماً عليها مِن قِبَلهم، لكن خاب سعيه، فقد قَتله الشاه جزاءَ خيانته كما قَتل أباه، وبمناسبة سقوط
بغداد في أيدي العَجم وعدم إخباره السُلطان بذلك، سعى المنافقون بالصدر الأعظم وأفهموه أنّها لم تسقط إلاّ لخيانته، فحنق عليه وأمر بقتله وولّى مكانه جركس محمّد باشا، ولم يَلبث هذا أنْ توفّي، وعُيّن بعده حافظ أحمد باشا سَنة ١٠٣٣هـ الموافق سَنة ١٦٢٤م، فسار حافظ باشا الصدر الجديد إلى مدينة بغداد لاستردادها، وحاصرها في أوائل سنة ١٦٢٤ وضيّق عليها الحصار، ولمّا استمرّ الحصار مُدّةً بدون أنْ تنثني عزيمة المحصورين تذمّر الانكشارية، واظهروا عَدم الرغبة في الحَرب بكيفيّةٍ اضطرّته لرفع الحِصار عن المدينة والرجوع إلى الموصل ومنها إلى دياربكر، حيث ثارَ الجُند ثانية فعُزل السُلطان حافظ باشا سنة ١٠٣٤هـ الموافقة سنة ١٦٢٤، وعُيّن بدله خليل باشا الذي تقلّد هذا المنصب في عَهد السلاطين أحمد الأوّل ومصطفى الأوّل وعثمان الثاني، وكان فاتحة أعماله أنّه استدعى أباظه باشا إلى معسكره، فظن أنّه يُريد الغَدر به، فرفع راية العصيان، وقتل حامية ارضروم مِن الانكشارية، وانتصر على القائد حسين باشا.
٦ - الشاه ميرزا صفيّ الأوّل:
وجرت أُمور عثمانيّة بحتة لا يتعلّق بها غرضنا.
قال: ثُمّ توفّي الشاه عبّاس وتولّى مكانه ابنه شاه ميرزا وكان حَدِث السِن، فدخل الأمل في أفئدة القوّاد العثمانيّين، وسار خسرو باشا مِن حينه إلى بلاد العَجم رغماً عن تذمّر جنوده، ووَصلَ بعد العناء الشديد إلى مدينة همذان، فدَخلها فجأة في أواخر شوّال سنة ١٠٣٩هـ، الموافق ١٨ يوليو سنة ١٦٣٠م(١) ، ثُمّ قصد مدينة بغداد، وانتصر أثناء عودته إليها ثلاث دفعات متواليات على جيوش العَجم، ووصل إليها وابتدأ في مُحاصرتها في سبتمبر مِن السَنة المَذكورة، فدافع عنها قائد حاميتها دفاعاً شديداً وصدّ هجوم العثمانيّين عنها في ٧ ربيع الثاني سَنة ١٠٤٠، الموافق ١٤ نوفمبر سنة ١٦٣٠، ولهجوم الشتاء رفع خسرو باشا عنها الحصار ورجع إلى مدينة الموصل لقضاء فصل
____________________
(١) عرفتَ أنّ المحبي قد ذَكر أنّ وفاته كانت سَنة ٩٣٧، والذي في الكُنى والألقاب أنّ وفاته كانت في ٢٤ جُمادى الأُولى سَنة ١٠٣٨.
الشتاء، وفي الربيع الثاني أراد مُعاودة الكرّة على مدينة بغداد فلم تمتثل الجنود أوامره، ولذلك اضطرّ إلى التقهقُر إلى مدينة حَلب؛ خوفاً مِن وصول العدوّ إليه بالموصل وهو غير واثق مِن جنوده.
ثُمّ حدثَت حوادث داخليّة في العاصمة العثمانيّة أخّرتها عن مُعاودة الحَملة على بغداد مِن هذه السَنة إلى سنة ١٠٤٥هـ، ١٦٣٥م، حيث سار السُلطان مُراد الرابع بنفسه إلى بلاد العَجم لاسترجاع فتوحات السُلطان الغازي سُليمان الأوّل القانوني، ففتح مدينة اريوان في ٢٥ صفر، الموافق ١٠ أغسطس مِن السَنة الهجريّة والميلادية المذكرة، وأرسل السُلطان رسولين إلى الآستانة لتزيين المدينة مُدّة سبعة أيّام، ثُمّ قصد مدينة تبريز ففتحها عُنوة في ٢٨ ربيع الأوّل سَنة ١٠٤٥هـ، الموافق ١٠ سبتمبر سَنة ١٦٣٥ ثُمّ عاد إلى الآستانة للاستراحة مِن عناء السَفر ومشقّات الحَرب.
وممّا يدلّ على أنّ وجود السُلطان مع جيوشه له أهميّة عظيمة، ويبعث فيهم روحاً جديدة أنّه بمجرّد رجوع السُلطان اشتدّ عَزم العَجم، ووقفوا أمام الجيوش العثمانيّة، بعد أنْ كانوا يفرّون مِن أمامهم أينما التقوا بهم والسُلطان قائدهم، ثُمّ تغلّبوا عليهم واستردّوا مدينة (اريوان)، وفازوا بالغَلبة في واقعة منتظمة في وادي مهربان سنة ١٦٣٦.
فلمّا وصل خَبر انتصار العَجم على الجنود العثمانيّة إلى مسامع السُلطان أراد إذلالهم وكَسر شوكتهم، فسار بجيش عَظيم كامل العدد والعِدد إلى مدينة دار السلام، وابتدأ حصارها بكيفيّة مُنتظمة في ٨ رجب سَنة ١٠٤٨هـ، الموافق ١٥ نوفمبر سَنة ١٦٣٨، وكان يشتغل بنفسه في أعمال الحصار الشاقّة تنشيطاً للجُند، وسلّط على أسوارها المَدافع الضخمة التي نقلها إليها، ولمّا فَتحتْ المدافع فيها فتحة كافية للهجوم أصدر السُلطان أوامره بذلك، فهجمت الجيوش كالليوث الضواري في صبيحة ١٨ شعبان سنة ١٠٤٨هـ، الموافق ٢٥ أغسطس ديسمبر سَنة ١٦٣٨م، ولم يُثنها قتل الصر الأعظم طيار محمّد باشا، بل استمرّت الحرب ثماني وأربعين ساعة متوالية، خُتمت بانتصار الجنود العثمانيّة نصراً مُبيناً، ودخولهم المدينة وإرجاعها إلى المَملكة العثمانيَة.
وبعد ذلك رَغب شاه العَجم بعدم استمرار القتال، وعَرض الصُلح على الدولة العليّة بأنْ يترك لها مدينة بغداد بشرط أنْ تترك هي إليه مدينة
اريوان، ودارت المُخابرات بين الدولتين نحو عشرة أشهر كاملة، وفي ٢١ جُمادى الأُولى سنة ١٠٤٩هـ، الموافق ١٩ سبتمبر سنة ١٦٣٩م تمّ الصُلح على ذلك، وانقطعت أسباب العدوان مِن بينهما، وكان يؤمل في السُلطان مُراد الرابع أنْ يضارع السُلطان الغازي سُليمان الأوّل القانوني في الفتوحات، وبعد الصيت لو لا أنْ قصفت المَنون عود حياته الرطيب وهو في مقتبل الشباب.
أمّا ما في الكُنى والألقاب عن هذا الشاه فإنّه يقول: إنّه ابن ابن الشاه عبّاس.
وكَتب عنه مكاريوس في تاريخه ما يلي:
واستلم شاه صفيّ الثاني(١) زِمام المُلك مِن بعد عبّاس الكبير، وهو حفيد هذا السُلطان العظيم، ومَلك ١٤ سَنة، وكان ظالماً عاتياً سفّاكاً للدماء، لا هَمّ له غير الاشتغال بقتل الأبرياء، حتى لم يبقَ لكبيرٍ أو أمير في كلّ بلاد إيران أمانٌ على نفسه في مُدّة هذا الظالم، وقَتل مِن أعضاء العائلة المالكة ما بين نساء ورجال حوالي ثلاثين شخصاً بلا ذنب يُعرف غير خوفه منهم، وانتهز الأعداء فُرصة موت عبّاس، فعاد قبائل التتر إلى الهجوم على خُراسان ونهبِ أموالها، ولكنّ جيوش هذا السُلطان ردّتهم خاسرين.
وتقدّم السُلطان مُراد العثماني على آذربيجان بجيش عظيم ومَلك تبريز ونواحيها، وقامت بلاد كيلان على شاه صفي فنجح في ردّها إلى الطاعة، وأظهر في الحرب شيئاً مِن البسالة، ولكنّ الأمر الذي اشتهر فيه هو الفتك بأُمراء بلاده وقوّادها، وقتل الرجل بلا موجب، حتى إنّ بعضَ المُؤرّخين يذهبون إلى أنّه كان يفعل ذلك عن سياسة أخذها عن والده، هي أنّه يُهلك الأكابر الذين يَخشى بأسهم، ويولّي مكانهم أُناساً مِن عبيده ومماليكه، وانغمس هذا المَلك الخامل في الشهوات، وسلّم الإدارة كلّها إلى وزرائه الذين كان يأمر بقتلهم لأقل عِلّة، ثُمّ مات في مدينة كاشان.
وكانت وفاته كما في الكُنى والألقاب في صَفر سَنة ١٠٥٢هـ، ودُفن بقُم وخلّفه على السَلطنة ابنه.
____________________
(١) في الكُنى والألقاب (الأوّل).
٧ - الشاه عبّاس الثاني:
وهو في العاشرة مِن عُمره.
وتولّى الأمر في مُدّة صِغره الوزراء، وكانوا مِن أصحاب العَقل والذمّة واشتهروا بالفضائل والتقوى، فأمروا بإبطال شُرب الخمر مِن القصر، وشدّدوا في عِقاب الذين كانوا يَسكرون، وكان السُكر رذيلة عمّت في أيّام عبّاس شاه وحفيده، وأُعطي الناس حريّة الأديان إلى درجة لم يَسبق لها نظير فيما مرّ، وتمتّع الأُوروبيّون بنعمة السُلطان، فكان تجّارهم يَحضرون مجلسه ويروون الأمور عنه، ومُعظم ما قيل في تاريخ إيران مِن بعد أيّام عبّاس شاه منقول مِن كُتب الإفرنج.
ولمّا بَلغ عبّاس الثاني أشدّه تولّى الأمرَ بيده، فأفرط في التمتّع باللذات وعاد إلى المسكر، فارتكب الهفوات الكثيرة واسقط مقام المَلك، ولكنّه لم يَصل إلى درجة أبيه في ذلك، وكان وديعاً طيّب القَلب لم يأتِ أمراً نَكِراً إلاّ في مدّة استيلاء الخَمرة على عَقله، واسترجع الإيرانيّون في أيّام هذا المَلك مدينة قندهار، وكان صفي شاه قد أضاعها في أيّامه المَعيبة، وأظهر عبّاس الثاني سياسة واقتداراً في مُعاملة قبائل التتر التي كانت تغزو خُراسان عاماً بعدَ عام، ذلك أنّ أحد الأُمراء مِن القوم التجأ إليه فأكرمه عبّاس، وأنعم عليه بالمال الكثير ونَصَره على خصمه، فجعله وأهل بيته عبيداً للدولة الصفويّة، وأراح البلاد مِن غزواتهم مُدّة طويلة.
وعَقد عبّاس الصُلح مع الأتراك مِن أوّل حُكمه، فلم تَحدُث الحَرب بين البلدين كلّ مُدّة مُلكه السعيد، ونمت المتاجر، وتقدّمت العلوم والصنائع، ورتعت البلاد في بحبوحة الأمن والراحة كلّ أيّام هذا المَلك، وتقاطر الإفرنج على البلاد، وجاءها سُفراء الهند والدول الأوروبيّة مِن كلّ صَوب بنفيس الهدايا، وكانت علاقة الدولة الإيرانيّة حَسنة مع كلّ هذه الدول، وأعمالها في رواج ونجاح.
ومات عبّاس الثاني في الرابعة والثلاثين مِن عُمره، بعد أنْ حَكم إيران نحو ٢٥ سَنة كانت كُلّها أعوام صفاء ورخاء، لم تَرَ البلاد أفضل منها، ولم يكن لعبّاس عَيب غير الإفراط في شُرب الخمر بعض الأحيان، إلاّ أنّ ذلك لم يُؤثر في بلاده، ولم يَتعب منه غير بعض الأخصّاء، واشتهَر بشيء مِن القسوة في معاملة الوزراء والقواد، وبالشفقة والحنو الكَثيرَين في معاملة الفقراء والبُسطاء مِن الأهالي، وفي احترام الأجانب واعتبار حريّة الأديان إلى درجة لم تُرَ عند غَيره مِن مُلوك هذه الدولة العظيمة.
وكانت وفاته كما في الكُنى والألقاب سَنة ١٠٧٨هـ ودفن بقُم، وكان له ابنان، أحدهما صَفي ميرزا، والثاني حمزة ميرزا، وهو يومئذٍ طفل في السابعة مِن عُمره، فلمّا تُوفّي عَقد أكابر سلطنته مجلساً، وأقرّوا فيه على تنصيب حمزة ميرزا الصغير بدعوى أنّ صفي ميرزا كان فاقد البَصر لا يليق للمُلك.
والصحيح أنّهم أرادوا بذلك أنْ يكون السلطان في قبضة يَدهم، فسمعَ بذلك خِصيّ اسمه مُبارك آغا كان هو المُوكّل بتربية حمزة ميرزا وظنّ الناس أنّ ارتقاء مولاه إلى سرير المُلك أحبّ الأُمور إليه، إلاّ أنّ هذا الخِصيّ أظهر مُروءةً وشهامةً مَحتْ ما لطائفة الخِصيان مِن العيوب، ذلك بأنّه اجتمع بهؤلاء الأشراف وخَطب فيهم خِطاباً بَليغاً بالغاً منتهى الفصاحة والحماسة، وأظهر لهم أنّهم حادوا عن جادّة الحَق والإنصاف، وأتوا ما لا يُرضي الله ولا يوافق العدل في قرارهم هذا، وأنّه لا يُسلّم معهم بهذا الظُلم وحِرمان وليّ العهد مِن السَلطنة بلا داع، غير حُبّ الاستيلاء على عَقل المَلك، ثُمّ حذّرهم مِن العواقب، وأعلنهم أنّهم إذا لم يَنقضوا قرارهم اضطرّوه إلى خَنق الطفل، وقتل نفسه مِن بعد ذلك، فيصير المُلك إلى صاحبه الشَرعي وينتقم صفي ميرزا مِن كلّ أميرٍ خانه، وانسحب آغا مُبارك بعد ذلك مِن الجلسة، فذُهل الأُمراء لهذا الأمر ذهولاً وخافوا العاقبة، ثُمّ قام رئيس الوزراء فخطب فيهم بما معناه:
إنّ صفي ميرزا ليس بفاقد البصر كما كانوا يتوهّمون، فهُم مضطرّون شرعاً إلى تسليمه المُلك ووافقه الباقون على ذلك، فانتهت الدسيسة ورَقي هذا الأمير عرش أجداده العِظام بسعي أحد الخِصيان وشهامته، فأراد أنْ يُكافئه في الحال، ورفض الخصيّ المناصب حتّى لا يُزاحم الأُمراء عليها، وأفضل ما يُروى عن هذا السُلطان أنّه لم ينتقم مِن الأشراف على خيانتهم ودسيستهم هذه.
٨ - الشاه صفي ميرزا الثاني ابن الشاه عبّاس الثاني:
عرفتَ سابقاً ما ائتمر عليه الأشراف مِن السعي لحِرمانه عَرشه الشرعي، وكيف أبطل بعض الخصيان هذه المؤامرة، وكيف انتظم له أمرَ المُلك وأنّه لم يُعاقب مُرتكبي تلك الجناية (جناية صَرفه عنه إلى أخيه الطفل).
ولمّا ارتقى العرش الإيراني اتّخذ اسم شاه سُليمان، ولم يَحدُث في
أيّامه ما يَستحق الذِكر، وكان خاملاً ضعيف الرأي مُنغمساً في المَلذّات والشهوات، شأنَ كلّ أمير رُبّي في قُصور الحريم مِثله، وعَلم الناس منه ذلك فصاروا يتقرّبون إليه بإهداء الخُمور والمُسكرات، وعادتْ القلاقل والثورات على أطراف المَملكة، لم يدفع غوائلها غير كَلمة علي قلي خان وزيره الحكيم، وكان هذا الوزير جليل القَدر مُهاباً كثير الفضائل شديد التقوى، وقد نهى الشاه عن شُرب المُسكر مراراً فلم ينتهِ.
وحدثَ أنّ الشاه كان في أحد الأيّام يَسكر، فجاء بوزيره الجليل وأمره بالجلوس بين النُدماء ومُشاركتهم في السُكر، فرفض الوزير الأمر، وأصرَّ السُلطان على إنفاذه حتّى أنّه ناوله شيئاً مِن الأفيون بيده، فاضطرّ إلى الطاعة وأخذ الأفيون فسكَر منه، ووقعَ إلى الأرض وقد فقَدَ الشعور، وفَرِح الشاه والنُدماء بحاله هذه وسرّوا وطربوا لها، ثُمّ جاءوا بموسى وحلقوا ذِقنه وهو لا يَشعر بذلك، فلمّا أفاقَ وعَلِم أنّ الذي أصابه بأمرِ الشاه اشتدّ غيظه وتركَ الوزارة، فأرسل إليه الشاه يدعوه مِراراً وهو لا يُطيع الأمر، ويُؤثر القتل على العودِ إلى مُجالسة هذا الشاه حتّى وقعتْ البلاد في الاضطراب، ورأى الوزير أنّ الذمّة تُوجب عليه إعطاء الرأي، فعادَ إلى الشاه فقامَ له هاشّاً باشّاً، وأقسم لديه أنّه لن يَتعاطى المُسكر بعد ذلك، ولكنّه حنث بأيمانه وعاد إلى سابق أُموره، إلاّ أنّ البلاد كانت في أيّامه في نجاح، سائرةً في سبيل الارتقاء، والأهالي في هَناء وراحة مُدّةً طويلة، وكَثُر اختلاطهم بالإفرنج مِن سائر الأجناس.
ومات وهو في الثالثة والأربعين مِن عُمره، وفي (الكُنى والألقاب) تُوفّي سنة ١١٠٥هـ، ودُفن بقُم في بُقعة متّصلة ببقعة الشاه عبّاس وخَلّفه وَلده.
٩ - الشاه سلطان حسين:
هو آخر السلاطين الصفويّة، وكان - كما في تاريخ إيران - طيّب القلب، سليم النيّة، كثير الفضائل، شديد التمسّك بدينه، وقد أمرَ بإبطال السُكر وتحطيم آنية الخَمر التي وجدها في قُصوره، وقرّب المشايخ والعُلماء فأعطاهم المَناصب العالية، وحَرَم الأُمراء والقوّاد منها، ولم يكن له همٌّ غير أنْ يعيش في راحة وصفاء، فظلّت البلاد عشرين سَنة في أيّامه مُتمتّعة بالراحة، وقد كانت إيران في عِزٍّ ومأمن مِن بوائق الأيّام حتى عَهْد هذا
الشاه الذي كانت فضائله واسطة في إماتة البسالة والشهامة مِن صدور الإيرانيّين، وأدت إلى سقوطِ دولتهم ووقعِ بلادهم في قبضة شرذمة مِن البرابرة وأهل الغِلظة، حيث تمكّن الأفغان مِن امتلاكها بقوّة يسيرة.
نحن لا نرى رأي هذا المؤرّخ بانحصار سقوط البلاد الإيرانيّة في أيدي الأفغان، فسقوط الدولة الصفويّة فيما علّله، فإنّ الفضائل لم تكن في يوم مِن الأيام واسطة في سقوط الدول، بل هي واسطة عقد ارتقاء الأُمم والشعوب، وكيفَ تُميت الفضائل البسالة والشهامة، ومِن أُمّهات الفضائل الشجاعة التي هي وسط بين الجُبن والتهوّر، اللَّهمّ إلاّ إذا كان يُريد مِن الفضائل انصرافه بالكليّة عن مُقتضيات سياسة المُلك وتدبير المَملكة وانتقاء الكُفاة لذلك، على أنّ ذلك إنْ كان يُعد جُزءَ سبب فليس هو السبب كُلّه، وليس مِن الإنصاف أنْ يُحمّل آخر سلطان لكلّ دولة مِن الدول التي بلغت دور الهرم أوزار ذلك السقوط.
ماذا كان يصنع مروان الجعدي وقد انتهى إليه المُلك الأُموي، وكلّ ما اقترفه مَن سَبقه مِن المُلوك الأُمويّين مِن خطيئات، ومكّنوا لدُعاة العباسيّين مِن نفوذ دعوتهم في خُراسان، وما كان الجعدي بواهي العزم ولا بواهن الرأي، وقل مثل ذلك في آخر خليفة عباسي وخليفة فاطمي، وكان مصير هذا الشاه كمصائرهم مِن حيث اجتماع كلّ أسباب سقوط الدولة في عهده، وماذا يُداوي مِن أدواء انتقاض الأُمور على السلطان الصفوي وهي على طرف الثمام مِن انتهاز المنتقضين، أو مُحاولي الانتقاض فرصتها، وما هي إلاّ كالجمر الكامن تحت الرماد، مملكة مُتّسعة الأرجاء، مُتباعدة الأطراف، مجموعة لغاتٍ شتّى وعُنصريات متعادية ومذاهب متشاكسة، ودولة فتيّة، وهي الدولة العثمانيّة التركيّة، وفي المملكة الإيرانية العدد الأكبر مِن عنصرها التركي ثُمّ الهند فالإمارات الأفغانيّة، وقد انطوت الأُولى في صفحتها وانتزع الإيرانيّون قِسماً مِن الثانية.
ثُمّ هناك خطيئات سياسيّة وإداريّة ارتكبها مَن تقدّم هذا الشاه مِن السلاطين الصفويّة، وفي الحقّ فإنّ سقوط الدولة الصفويّة مُسبّب مِن مجموع تلك الأسباب وما هو مِن نوعها وجنسها، على أنّ ما في التعادي المتوارث في تلك العصور ما بين الشيعة والسُنّة - والصفويّون هُم مِن الشيعة - كبير أثرٍ في التَحفّز للخروج مِن حُكمهم وسلطانهم، فليس مِن الإنصاف أنْ يُعرض المؤرّخ عن كلّ هذه الاعتبارات والأسباب وما إليها،
ويتشبّث بمثل هذا السبب - الفضائل - فيجعله العلّة للسُقوط.
وكيف كان، فإنّ هذا الشاه قد استقبل ما استقبله غيره مِن مُلوك الدول التي جاءت ساعة زوالها وانقراضها، ولم يكن ذلك الزوال والانقراض مِن صُنعهم، والله غالب على أمره، يُؤتي المُلك مَن يشاء وينزعه عمَّن يشاء.
امتلاكُ الأفغانِ إيران
تَمهيدٌ:
الأفغان: بلاد جبليّة إلى الجنوب الشرقي مِن إيران، متاخمة للنهر المسمّى (پنجاب)، وكانت في أكثر الأحيان تابعةً لإحدى المملكتين المُجاورتين لها، ولم تستقلَّ بنفسها إلاّ في ما ندر.
وأهلها يختلفون في شكلهم وهيئتهم عن الأُمّتين الهنديّة والإيرانيّة، ويذهب أكثر مؤرّخي الإسلام أنّ أصلهم يهودٌ مِن بقايا سبي نبوخذ نصر إلى بابل، ثُمّ أراد إبعادهم إلى أقصى ممالكه فأرسلهم إلى هذه البلاد القاصية، إلاّ أنّ ذلك غير مُثبت بالأدلة، بل هُم بقايا قوم (البرثة)، وبلادهم قطعة مِن ولاية خُراسان.
وكان الأفغانيّون في أيّام الشاه عبّاس وما بعده قِسمين أو حِزبين: الحزب الفليجائي والحزب الإبدالي، ولمّا ملكهم هذا الفاتح العظيم لم يرَ منهم مُقاومة تُذكر إلى أنْ اشتدّت وطأة الحاكم الذي عيّنه عليهم، فذهب أحد أُمراء الإبدالية واسمه (سدو) إلى أصفهان ليلقي أمر بلاده إلى عبّاس شاه، ويحاول إنقاذها مِن ظُلم الولاة، وحظيَ بمُقابلة هذا الشاه العظيم، فشرح له قضيّة بلاده، والتمس منه تخليصها مِن أيدي الظالمين، ووعده بخضوع الأهلين بلا مُعارضة لكلّ حاكم يولّيه عليهم، على شرط أنْ يكون مِن أهل الإنصاف والذمّة فأصغى الشاه إلى شكواه هذه، وأمر بإنصاف بلاده، ثُمّ سرّ مِن فصاحة سدو في المُقابلات الأُخرى ومِن نبالة مقاصده، فعيّنه والياً على الأفغان، وأعطاه فرمان (منشوراً) جعله في مقام الأُمراء المستقلّين تحت سيادة سلاطين إيران، وفرح أهل الأفغان بذلك فَرحاً عظيماً، فجعلوا طاعة (سدو) وأولاده مِن بعده فرضاً واجب الأداء عليهم، وساد السِلم والطمأنينة في بلاد الأفغان كلّ مُدّة عباس شاه الطويلة، ولكن
القلاقل كثُرت مِن بعده بسبب الحُروب المتواصلة بين سلاطين الهند وإيران على امتلاك هذه الإمارة، وكان أهلها يميلون إلى الإيرانيّين أكثر مِن الهنود، ولكنْ على أنْ يكون استقلالهم مصوناً مِن الجانبين.
وأمّا الفيلجائية مِن أهل الأفغان، فكانوا أشدّ ميلاً مِن الإبدالية إلى الاستقلال، وهم الذين استوطنوا قندهار وما يليها مِن تلك البلاد، وظلّوا مُنابذين الدولة الإيرانيّة حتّى حار وزراء إيران في أمرهم، وقرّ رأيهم في أيّام الشاه حسين على تعيين والٍ شديد العزم كثير الإقدام ليحكم بلادهم، فانتدبوا لذلك گرگين خان - وكان أميراً باسلاً مقداماً لا نظير له بين قوّاد تلك الأيام - وهو مسيحي، وكان والي گرجستان (بلاد الكرج)، فحاول الاستقلال بتلك الإمارة فلم ينجح، ثُمّ اعتنق الدين الإسلاميّ فصفح الشاه عنه، وعيّنه لهذا المنصب لمّا عرفَ عن إقدامه، فتقدّم گرگين خان على هذه البلاد بعشرين ألف مُقاتل مِن الإيرانيّين، ونخبة مِن أبطال أهل بلاده، وكان لقدومه أُبّهة وهيبة جعلت الخضوع لأمره مُحتّماً، فلم يُبد أقل معارضة مِن الأفغانيّين له، ولكنّه أساء مُعاملتهم في الحال، واعتبرهم كلّهم مِن العُصاة والمارقين، فأطلق السراح لعساكره ومَن معه في ابتزاز المال منهم وظُلمهم، فاستغاث الأهالي مِن ظُلمه بالسلطان، وبعثوا الوفود مِن مشايخهم إلى أصفهان ليعرضوا حال البلاد وما صارت إليه على حسين شاه، ووجد هؤلاء المندوبون أنّ الوصول إليه أصحاب گرگين خان قد سبقوهم إلى القصر، وافهموا السلطان أُموراً غيّرته عليهم، فلمّا سَمع شكواهم أجابهم بما معناه: أنّهم عُصاةٌ كاذبون وأنّ ثقته بالوالي عظيمة، وتهدّدهم بكلّ عِقاب صارم إذا عادوا إلى مثل هذه الشكوى، فعاد المندوبون إلى بلادهم وقد امتلأت صدورهم حنقاً وغيظاً، وبسطوا الحال لإخوانهم، فكُثر الحقد وتعاظم الشرّ، وعزم الأفغانيّون مِن ذلك اليوم على الخلاص مِن الحُكم الإيراني.
ولمّا عَلم گرگين خان بما كان مِن الأهالي وقيامهم للشكوى عليه عزم على البطش بهم والانتقام منهم، فوجّه همّه في أوّل الأمر إلى إذلال أُمرائهم وكبرائهم، وكان أشهرهم يومئذٍ الأمير (ويس)، وكان شابّاً جميلاً كثير الرقّة والذَكاء، وهو مِن أشهر أُسَر الأفغان، يُعد عندهم حاكم قندهار
الشرعي، والناس كلّهم يجلّون قدره؛ لِما اتّصف به مِن الخصال الحميدة، وما ظَهر مِن اقتداره وقوّة تدبيره، فعزم گرگين على التخلّص منه؛ لأنّه كان زعيم القوم، وله بأس وسطوة عظيمة، فقبضَ عليه في إحدى الليالي بدعوى تآمره على سلامة السلطنة، وأرسله مُكبّلاً بالقيود إلى أصفهان، وكَتب إلى الشاه يقول:
إنّ هذا الأمير هو زعيم العُصاة الذين يُدبّرون للملكة المكايد، وأنّه ما دام في أصفهان فلا خوف على البلاد مِن أعوانه، وأمّا إذا عاد إلى الأفغان، فلا بد مِن الثورة.
وأخطأ گرگين في إرساله هذا الذكي البارع إلى أصفهان؛ لأنّه تمكّن بدهائه مِن معرفة الأحوال حال وصوله إلى أصفهان، ورأى أنّ المُقرّبين إلى الشاه قسمان: قسم يميل إلى گرگين خان، وقسم عليه، فاتّفق في الحال وأعداء گرگين، وتمكّن بواسطتهم مِن اكتساب نفوذٍ عظيمٍ وقُربٍ كثيرٍ مِن الشاه، وفوز بمقابلته بعدَ أنْ استمال الوزراء بالرشوة أو باللطف، فبسط له أُمور گرگين وظُلمه، وشكا مُرّ الشكوى ممّا أصابه وأصاب أهل بلاده.
وكان ويس فصيحاً طَلق المحيا، فسحر الشاه واستماله إليه، وصار هذا الأمير الأفغاني مِن أشهر المُقرّبين إليه بدلاً مِن أنْ يكون أسيراً يُعامل معاملة الأعداء، ومِن ثُمّ أخذ هذا الأمير في تدبير ما يُريد، وكان في أوّل الأمر يُفكّر في الاستقلال بإمارة بلاده، ولو أنّه شاء ذلك لتمكّن مِن مُراده بما نال مِن الحظوة، ولكنّه كان سريع النظر بعيده، فلحظ أنّ بلاد إيران صارت مُتداعية إلى السقوط، وأنّ الدولة الصفويّة هرمت، وعوّل مِن ذلك الحين على السعي في قَلب الدولة وامتلاك إيران، وبدأ بگرگين خان فطفق يسعى على قتله أو خَلعه، ولكنّه لم يتعجّل الأمر، وكان كثير التأنّي في أعماله، حكيماً في تدابيره، فخطر له أنّه لا يقوى على مِثل ما يُريد مِن غير الطريقة الدينيّة، فطلب مِن حسين شاه أنْ يسمح له بالحجّ لأداء الفريضة، وهو ينوي غير ذلك، ولم يفطَن الشاه لِما يضمره هذا الأمير، فأذِن له بما يُريد، حتى إذا وصل إلى استامبول، واجتمع بالوزراء والعُلماء، وشرح لهم الحالة وما يُقاسيه أهل السُنّة مِن إلغاء، كلّ ذلك دَهاءً منه ليستصدر فتوى شرعيّة بإباحة دم الفُرس، ورفع نير بيعتهم عن أعناقهم، فنجح في هذا الأمر، ثُمّ رحل إلى مكّة المُكرّمة، واجتمع بأكابر الأعيان والعُلماء مِن أهل السنّة فيها، فأفتوا له أنّ الشيعيّين لا يليقون بالأحكام وأنّه يجب خلعهم، وأخفى الأمير
ويس هذه الفتوى إلى حين الحاجة، ثُمّ عاد إلى أصفهان وهو موقن بالظَفر، ولكنْ لا يعلم غيره ما في ضميره، وهذا سرّ نجاح هذا الأمير؛ لأنّ بلاده في تلك الأيّام كانت مأهولة بأهل السنّة، وهُم في غاية التعصُّب، وفيما عدا تلك الولاية فإنّ سكّان البلاد الإيرانيّة كانوا على مَذهب الشيعة الاثني عشريّة الجعفريّة.
ولمّا وصل الأمير ويس إلى أصفهان ساعدته الأقدار على ما يُريد، وذلك أنّ قيصر الروس عيّن يومئذٍ سفيراً له في أصفهان اسمه إسرائيل أوروبي، عيّنه بطرس الأكبر لهذه الوظيفة؛ لأنّه كان أرمنيّاً مِن أصحاب الاطّلاع على أحوال الممالك الشرقيّة، وله معرفة باللغة الإيرانيّة وغيرها، فجاء هذا السفير بأُبّهة عظيمة ومعه الأعوان يُعدّون بالمئات، وأشاع في الحال أنّه مِن أبناء مُلوك أرمينيا القُدماء، وكان الإيرانيّون يومئذٍ يحسبون لدولة الروس ومطامع بطرس الأكبر حساباً، فهالهم أمرَ هذا السفير، وشاع بينهم أنّه سيصير ملكاً، فخافوا أنْ يصير ملك بلادهم، ووصلت الإشاعة إلى الأمير ويس فُسرّ بها سروراً عظيماً، وقام في الحال إلى الشاه حسين وقد أظهر الاهتمام العظيم، وقال له:
إنّ قيصر الروس ينوي ضمّ هذه البلاد إلى أملاكه، وإنّ أهل كرجستان وأرمينية يُساعدونه على ذلك، بدليل أنّ هذا السفير أرمنيّ، وهو مِن أبناء المُلوك ينتسب إلى گرگين خان وأصله نصراني، وأنّ گرگين ما فتئ يُفكّر في الاستقلال والعود إلى بلاده حاكماً وأميراً، وبدأ يَسرد للشاه حسين الأدلّة على ذلك، ويُبين له قوّة گرگين وغاياته حتى صدّق الشاه كلّ ذلك، وأوجس منه خيفة، فعزم على خلعه في الحال، ولكنّه خاف عاقبة التهوّر، فشاور وزراءه فأشاروا عليه بإرجاع الأمير ويس إلى الأفغان وجعله رقيباً على گرگين، وقَبِل الشاه بهذا الرأي الأخير، فأوعز إلى ويس بالقيام إلى وطنه، وقام ويس وصدره قد امتلأ فَرحاً وحبوراً على حين أنّه كان يُظهر عدم الرضا بهذا الأمر.
ولمّا وصل ويس إلى قندهار وعرف گرگين خان بالحكاية بلغَ الغيظ منه مبلغاً عظيماً، حتى إنّه عوّل على الفتك به في الحال، ولو أدى ذلك إلى أوخم العواقب، وكان للأمير ويس ابنةً بارعة في الجمال، نادرة المثال، فسمع گرگين برائع جمالها وتمنّى أنْ تكونَ زوجةً له، فخطر في باله أنْ يقترن بالفتاة قسراً فينال منها غايته ويُذلّ أباها، وبعثَ إلى الأمير ويس أمراً لا
يقبل الردّ ولا التردّد بإرسال ابنته إليه في الحال، فعظُم الأمرُ على الأمير، واجتمع برجال طائفته وأكابر عشيرته، وبسط لهم الحكاية، فهاجوا وماجوا وأكثروا مِن التهديد والوعيد، والأفغانيّون لهم غيرة مُفرطة على العِرض ويعتبرون البنات الأحرار، فاتّفقت آراؤهم على البطش بالحاكم الذي أراد إذلال أميرهم وهتكِ عِرضه، واقسموا أغلظ الأيمان أنّهم يموتون في سبيل الدفاع عن أميرهم وابنته، ولكنّ الأمير أوصاهم بالتعقّل والصبر، وأفهمهم أنّه ينوي الانتقام مِن هذا الحاكم ومِن كلّ واحد سواه مِن أعداء بلادهم، غير أنّه يتّخذ في ذلك الحكمة، ويتّبع طريقة التأنّي، فعاهدوه على الولاء، واقسموا له بالخبز والمِلح وبالقرآن الشريف وبالطلاق أنّهم يثبتون على ولائه حتى يموتوا عن آخرهم، ثُمّ صرفهم وهو يوصيهم بالحرص وكتمان السِرّ، وبعث الأعوان في كلّ جهة يُخبر أهل بلاده بعزمه، ويوصي أبطالهم بالتجمهُر في نواحي قندهار، والتربّص ريثما يرى ما الذي يكون مِن گرگين خان بعد ذلك الأمر.
فلم تمضِ أيّام حتى أرسل إليه الوالي أمراً ثانياً بإرسال الصبيّة مع التهديد والوعيد، فأظهر ويس الطاعة وأخفى الكمد، وصرف أعوان گرگين على أنّ الصبيّة تصل في ذلك المساء.
وكان في قصر هذا الأمير خادمة تشبه ابنته في جمالها وقامتها وهي في سنّها، فألبسها الملابس الفاخرة وأمرها أنْ تدّعي أنّها ابنته، وتقترن بالوالي ولا تبوح بالسرّ، فرضيت الخادمة بهذا النصيب، وهي لا تعلم ما الذي يتمّ مِن ورائه، ثُمّ أرسلها الأمير ويس بأفخر الحلل وأُبّهة عظيمة إلى بيت الوالي وزفّت إلى گرگين، ففرح بها فرحاً كبيراً وسرّه أيضاً خضوع ويس لأمره، فأظهر الرضا عنه وقرّبه، ولم يمضِ إلاّ القليل حتى صار الأمير ويس مِن أخصّاء گرگين وأصحابه، يجتمع به كلّ يوم ويتحدّث معه في مهامّ الأُمور، وظلّ على ذلك زماناً وگرگين لا يحسب للشرّ حِساباً، ولمّا أحسّ ويس بإتمام الأمر دعا خصمه إلى وليمة فاخرة في إحدى جنائنه، ودعا معه الاخصّاء والأعوان مِن الحُكّام الذين كان الأفغانيّون يكرهونهم، فقبلوا الدعوة وجاؤوا الحديقة، وأكلوا وشربوا وطربوا، حتى إذا دارتْ الخَمرة في الرؤوس أشار ويس إلى أصحابه بالذي كان ينويه، وكان قد أحاط البلدة كلّها بأعوانه وجاء بنخبة مِن الأبطال فأخفاهم في أنحاء الحديقة، فلمّا سكر الوالي ومَن معه، وصدرتْ لهم الإشارة مِن ويس هجموا على ضيوفهم وقتلوهم عن آخرهم،
ثُمّ اتردوا بملابس القتلى وذهبوا ليلاً إلى دار الحكومة وقلعتها، فدخلوها والحُرّاس يظنّونهم گرگين وأصحابه، ثُمّ نادوا في أعوانهم ممَّن كانوا في قندهار وحولها، فأعملوا السيف في عساكر الشاه حسين وقتلوا أكثرهم في مُدّة يومين، ثُمّ شرعوا بقتل مَن استوطنوا في الولاية مِن الفرس ومَن تمذهَب مِن الأفغانييّن بمذهب الشيعة وكانوا جمهوراً كبيراً.
وهكذا تمّ انسلاخُ الأفغان عن بلاد إيران، وبدأ أُمراء هذه البلاد الصغيرة يُفكّرون في ضمّ بلاد إيران إلى إمارتهم، ولم ينجُ مِن كلّ جيش گرگين غير ستمئة جركسي أتوا بالمُعجزات في مُحاربة الأفغانيّين ومُكافحتهم حتى تمكّنوا مِن الفرار إلى بلاد خُراسان.
وبدأ ويس بعد ذلك باتّخاذ الطُرق التي تُمكّنه مِن حِفظ مَقامه واستقلال بلاده، حتى أنّه نادى في قومه يُحرّضهم على النخوة والبسالة وصرّح لكّل مَن أراد العود منهم إلى الخضوع لحُكم الإيرانيّين أنْ يرحل عن البلاد بلا مُعارضة.
ثُمّ إنّه أحسن مُعاملة الأهالي والغُرباء الساكنين في مدينة قندهار وما يليها، وجعل يستعدّ للهجوم على بلاد إيران، فلمّا بلغَ الشاه حسين وحاشيته ما كان مِن أمره تردّدوا في إعلان الحرب، ثُمّ أرسلوا إلى الأمير سفيراً ليحضّه على ترك العداء، فلمّا وصل السفير إلى قندهار أُلقي القبض عليه حتّى يتّسع الخرق بين إيران والأفغان، ويُمنع السفير مِن مواجهة الأهالي وتدبير الدسائس، وكان ويس قد نشرَ على الناس تلك الفتاوى التي جاء بها مِن مكّة والقسطنطينيّة ضدّ الشيعيّين وزُعمائهم، فلمّا عَلِم رجال البلاط في أصفهان بذلك وبسجنه للسفير أرسلوا إليه سفيراً آخر كان صديقه ورافقه في سياحته - هو محمّد خان حاكم هرات - فلمّا وصل هذا المُعتمَد إلى ويس رأى منه العَزم التامّ على العدوان، وخاطبه الأمير بما معناه: أنْ لو لم تكن صديقاً لي لأذقتك العذاب المهين على هذه الرسالة التي جئت بها إلي، فإنّك تعرض علينا أنْ نعود إلى الرقِّ والخُضوع لنير الإيرانيّين، ولكنْ اعلم أنّ سيوفنا سُلّت للحرب، وهي لا تُردّ إلى أغمادها حتى تكون مَملكة إيران كلّها في قبضتنا، ثُمّ ألقى القبض عليه وسجنه، ولكنّه لم يُسئ معاملته.
ولمّا رأى الشاه حسين وأعوانه أنْ لا بُدّ مِن القتال أوعزوا إلى حاكم خُراسان أنْ يبدأ بمُقاتلة الأفغانيّين، فصدع الحاكم بالأمر، ولكنّه لقيَ ما لم
يكن في الحساب مِن جُرأة الأعداء واستعدادهم للحرب، وكُسر في موقعة جرتْ له معهم.
وبلغَ الخبر أصفهان، فأمر الشاه بجمعِ كلّ قوّات السلطنة، وجيّش جيشاً عظيماً جعله تحت قيادة خسروخان والي كرجستان، وهو ابن أخي گرگين خان - الذي قتله ويس على ما مرّ - وكان هذا الوالي بَطلاً مُقداماً يتمنّى مُحاربة الأفغانيّين حتّى ينتقم منهم لعمّه، وتقدّم هذا الجيش الجرّار على مواقع الأفغانيّين، فطردهم منها وبان له وجه النصر، فزحف على مدينة قندهار وحاصرها زماناً حتّى إذا أحسّ أهلها بقُرب الخَطر عرضوا التسليم لعساكر الشاه على أنْ تُحفظ أرواحهم وأملاكهم، فلم يرضَ خسروخان بذلك، وأمرهم أنْ يُسلّموا بلا شرط، فكبُر ذلك عليهم، ورأوا أنّ الإيرانيّين ينوون إعدامهم عن آخرهم، وثار الدم في عروقهم، فتجدّدت قوّتهم، وعاد إلى نفوسهم الرجاء بعد اليأس، ودافعوا عن مدينتهم دفاع الأبطال، ثُمّ جعلوا يَهجمون على المُحاصرين مِن كلّ انب ويُضيّقون عليهم، حتى اضطر خسروخان إلى الانسحاب، ولحظ الأفغانيّون منه ذلك، فتأثّروه وحاربوه حرباً عنيفة كان النصر في آخرها لهم، وقُتل في هذه المعركة خسروخان و٢٥ ألفاً مِن رجاله.
ثُمّ أرسل الشاه جيشاً آخر تحت قيادة محمّد رستم خان، فأصابه ما أصاب الجيوش السابقة، واستقلّ ويس استقلالاً تامّاً بإمارة قندهار، وبينا هو يستعدّ للتقدّم على امتلاك بلاد إيران عاجلته المنيّة، فحَزن الأفغانيّون عليه حُزناً عظيماً، وله عندهم شُهرة في البسالة والعظمة يذكرونه بها.
وكان لويس وَلَدان أكبرهما في الثامنة عشرة مِن عُمره يوم وفاة هذا الأمير، فاختلس الإمارة منهما عمّهما الأمير عبد الله، وكان جباناً فاسقاً يختلف عن أخيه في كلّ أمرٍ، فما عتم أنْ استلم زمام الأمر حتّى بدأ بمُخابرة أصفهان في إعادة الإمارة إلى حُكم الشاه حسين، وعارضه قومه في ذلك مُعارضةً شديدة، فلم يرجع عن قصده، وأرسل نوّاباً مِن قِبله إلى عاصمة إيران لعرض شروط الصُلح، وأهمّها أنْ تعود الولاية إلى الخضوع للدولة الإيرانيّة على شرط أنْ تُرفع عنها الجزية التي كان عُمّال الشاه يتقاضونها مِن قندهار كلّ عام، وأنْ لا تُرسل جيوش أجنبيّة إلى الإمارة، وأنّ يَعترف الشاه للأمير عبد الله ولأولاده مِن بعده بالإمارة على قندهار، فعظُم الأمر على أكابر الأفغانيّين مِن جرّاء ذلك، ورأوا أنّ مطامعهم في
الاستقلال بعد أنْ ذاقوا حلاوته وفي الفتوح والامتلاك قد ضاعت مِن سوء تصرّف هذا الأمير، واجتمع بعضهم على الشابّ محمود - وهو بكر أولاد ويس - فاتّفقوا معه على المُجاهرة بالعصيان والمناداة به أميراً على قندهار قبل أنْ تعود البلاد إلى قبضة أهل إيران، وكان محمود عاقلاً نجيباً وباسلاً مُقداماً، فتروّى في الأمر على صِغر سنّه، وصرف قومه على أنْ ينظر في الأمر، ثُمّ انتخب أربعين بطلاً مِن أصدقائه وأخبرهم بعزمه على قَتل عمّه، فوافقوه على ذلك، وذهبوا في إحدى الليالي إلى قصره فعرفهم الحُجّاب، ورأوا الأمير محموداً معهم فلم يُعارضوهم في الدُخول، ودخل هؤلاء الرجال على عبد الله فوجدوه خالي البال وقتلوه في الحال، ثُمّ أمروا رجال الموسيقى أنْ تُعزف باللحن الأميري والأمير محمود واقف في وسطهم، ونادوا به حاكماً عليهم، فلمّا عرف الأهالي بالذي تمّ سروا به سُروراً عظيماً، وأيدوا محموداً على سرير الإمارة.
وبذلك عاد الأفغانيون إلى آمالهم الأُولى، وقُدّر لهم أنْ يفوزوا بتحقيقها على يدِ الأمير محمود.
وابتدأ محمود حُكمه على قندهار وسلطنة إيران في أسوأ حال، فإنّها كانت مثال الفساد والضَعف، وقد استولى حبّ التَرف والخمول على أهلها، وحدثَ يومئذٍ أنّ الأكراد قاموا على الدولة في بلاد العراق بإيعاز مِن العُثمانيّين، وأنّ قبائل التَتر الأُزبكيّة المشهورة عادت إلى شنّ الغارة على خُراسان طَمعاً في الغزو والنَهب، وأنّ القسم الآخر مِن بلاد الأفغان - وهو هرات وما يليها - قام أيضاً على عساكر الشاه، وقويَ أمير هرات - واسمه أسد الله - حتى إنّه صار أعظم مِن أمير قندهار، واضطّرت حُكومة إيران يومئذٍ أنْ تترك الأعداء وشأنهم، وتحوّل همُّها إلى إخضاع هذا الأمير وقومه وهُم الأفغانيّون الإبداليّة، فجرّدت جيشاً لا يَقل عن ثلاثين ألف مُقاتل تحت قيادة صفي قولي خان، وأرسلته لمُقاتلة أسد الله، فلاقاه أسد الله بخمسة عشر ألف وقاتله قتالاً هائلاً في مَعركة دامت مِن شروق الشمس إلى غروبها، ولو لا أنْ يحدث أمرٌ غريبٌ لانتصر الإيرانيّون على عدوّهم وامتلكوا هرات، ولكنّ الأقدار ساعدت الأفغانيّين على طريقة غريبة، ذلك أنّ جيش إيران كان فيه حوالي عشرين مِدفعاً مِن المدافع المعروفة في تلك الأيّام، فحدث عند غروب الشمس أنّ فرقةً مِن خيّالة الإيرانيّين وصلوا إلى موضع كان الأفغانيّون فيه في أوّل النهار، فظنّهم رفاقهم مِن الأعداء وبدؤوا
يرمونهم بالقنابل حتى قتلوا عدداً كبيراً منهم، ولمّا عرفوا خطأهم قامت الصيحة ونُسبت الخيانة إلى فريق المدفعيّة، فكثر الخلاف، ووقع الفشل في صفوف الإيرانيّين، وانتهز الأفغانيّون تلك الفُرصة، فهجموا بكلّ قوّتهم على جيش الشاه وفرّقوه أيدي سبا، وملكوا منه كلّ الزاد والذخيرة والمدافع، وقتلوا قائد الجيش الإيراني وابنه وثمانية آلاف رجل وغيرهما، وقُتل مِن الأفغانيّين ثلاثة آلاف رجل، ولكنّ النصر كان في جانبهم.
وقام العرب أيضاً في نواحي خليج العَجم على دولة إيران وحاربوا عساكرها، وحدث يومئذٍ في بلاط الشاه الشيء الكثير مِن الدسائس، فمِن ذلك أنّ وزيره فتح علي خان كان عاقلاً كثير الأمانة، فحسده الناس على ما نعلم، واتّحد شيخ المشايخ ورئيس الأطبّاء على الوشاية به، وجاءوا في إحدى الليالي إلى غُرفة الشاه وقد أظهروا الاهتمام الكثير، فأيقظوه مِن نومه، وأخبروه أنّ وزيره قد اتّحد مع الأعداء على تسليم البلاد لهم وخلع الشاه وقتله، وأتوا بالأدلّة على ذلك، فصدّقهم الشاه وخافَ على نفسه، وأمرَ في الحال بالقبض على الوزير فقبضوا عليه وفقأوا عينيه، وكانت هذه العادة شائعة في الدوائر العالية في إيران يومئذٍ، يَفقأ الأمير أو الكبير عينَي خصمه حتّى يمنعه مِن مُزاحمته، ويُصيّره عالةً لا قدرة له على شيء.
ثُمّ بلغَ الشاه أنّ الوزير لم يقترف وزراً، فأمرَ بعقد مجلس لمُحاكمته وإظهار الحق، ودافع الوزير عن نفسه بفصاحة، وأتى بالأدلّة المُقنعة على خيانة الذين وشوا به، فرأى حسين شاه أنّه أساء التصرّف وظلم وزيره، وبكى مِن أجل ذلك بُكاءً مُراً، وكثرت أمثال هذه الدسيسة في ذلك الحين.
هذا هو الزمان الذي اختاره محمود صاحب قندهار وفاتح إيران للهجوم على هذه السلطنة، وهذه هي الأحوال التي ساعدته على نيل بغيته، وتقدّم محمود بجيشه عن طريق الصحراء، فوصل مدينة كرمان وبدأ بمحاصرتها، ولكن السعد لم يساعده يومئذٍ؛ لأنّ جيش إيران وصل لإغاثة المدينة تحت قيادة البطل الشهير لطف علي خان - وهو أخو الوزير الذي مرّ ذِكره - فحارب محموداً وانتصر عليه، واضطرّ الأمير الأفغاني إلى الفِرار والعودِ إلى بلاده، ثُمّ دخل جيش الشاه مدينة كرمان فأساء مُعاملة الأهالي، وأكثر مِن الظُلم والفُحش حتّى تمنّى الأهالي أنْ يعود الأفغانيّون ويملكون مدينتهم، وعادَ لطف علي خان بعد هذا النصر إلى شيراز ونواحيها ليُجيّش
جيشاً كبيراً يُقاتل به أعداء السلطنة، فأطلق السراح لعساكره في نهب الأهالي وظُلمهم على عادته، وشكاه الناس إلى الشاه فأمر بعزله، ولم تقمْ للجيش الإيراني قائمةٌ بعد عزل هذا البطل.
وأمّا محمود، فإنّه أقام أشهُراً قليلةً في مدينة قندهار، لمّ في خلالها شَعَثَ جيشه، وزاد قوّاته، وجمع الذخائر والمؤن، ثُمّ زَحف على بلاد إيران بجيش لا يقلّ عن عشرين ألف مُقاتل، في الشهر الأوّل مِن سنة ١٧٢١م، عن طريق الصحراء أيضاً، وسَمِع الإيرانيّون، فاضطربت بقدومه نفوسهم مِن الخوف، وتمشّت فيها بعض الوساوس، أشاعها بعض ضعفاء العقول على أثر حدوث كسوف الشمس واحمرارها، ورُجوم بعض المُنجّمين بخراب أصفهان بزلزلة أو بنار، ممّا أصاخ له مسامعهم فريق كبير مِن الناس، وممّا أدّى إلى خروج الشاه حسين بحريمه وخصيانه مِن المدينة، وسكنى المضارب في ضواحيها، وفعل فعله الأكابر والأشراف، وجاء إلى ذلك خَبر تَقدّم محمود بجيشه الجديد، فكان ذلك ضغثاً على أبالة، وكان منه اعتقاد العارفين أنّ النصر سيتمّ للأفغانيّين، وأنّ دولة إيران قد والت.
ولمّا تقدّم محمود على مسافة أربعة أيّام مِن أصفهان، ولم يُقاومه مُقاوم أرسل إليه الشاه حسين رسولاً يعرض عليه المال الكثير والمُصالحة على شرط أنْ يعود إلى بلاده، فلم يُصغِ محمود لقول هذا الرسول، وظل سائراً في سبيله في طول البلاد وعرضها، حيث لا يَشهر رجل إيرانيّ في وجهه السلاح، حتى صار على أبواب أصفهان، واستعدّ لمُحاصرتها والهجوم عليها مع أنّه لم يكن معه شيء مِن أدوات الحِصار، ولكنّ ضَعف الحكومة الإيرانيّة وعجزها عن مُقاومته سهّل له كلّ أمرٍ صعب، وكثرة الدسائس في بلاط الشاه مع ما كانت البلاد فيه مِن الخطر مهّدت للأمير الأفغاني طُرق النصر.
وأصفهان مدينة كبيرة واقعة على ضفاف نهر اسمه (نهر زاينده رود)، كانت يومئذٍ كثيرة الأبراج والحُصون مُحاطة بسور منيع، وإلى جانبها الضواحي الجميلة، مثل بلدة عبّاس آباد، وبلدة جلفا، وهي مُستعمرة للأرمَن، أنشأها عبّاس شاه للصُنّاع وأصحاب الحِرف مِن الأرمن، وأنعم عليها بالامتيازات الكثيرة.
وكان في أصفهان جيش لا يقلّ عدَده عن خمسين ألف مُقاتل كامل العِدّة والسلاح، ولو لا أنْ تكون الحُكومة الإيرانيّة يومئذٍ في ضعف وفساد عظيمين لَما أمكن للجيش الأفغاني على قلّة العدد
والسلاح وعدم وجود آلات الحصار معه أنْ يهاجم هذه العاصمة المنيعة.
وخاف الشاه حسين خوفاً شديداً مِن وصول محمود إلى أبواب عاصمته، فجمع الوزراء والأعيان واستشارهم في الأمر، فأشار عليه محمّد قلي خان بالامتناع داخل الأسوار، ومُحاربة الأفغانيّين بالصبر إلى أنْ يضجر رجالهم أو يُقتل بعضُهم على طول المدّة، ويعودون عن المدينة، وعزّز رأيه بالأدلّة على ضعفِ الأفغانيّين في الحصار، وقوّتهم في الهُجوم والحرب بالسلاح الأبيض، وكان مُصيباً في رأيه، إلاّ أنّ والي بلاد العَرب مِن الأُمراء المُحيطين بحسين شاه رأى غير هذا الرأي، وقام في المجلس مُحرّضاً للقوم على البسالة والقتال، ذامّاً قول مَن يقول باتّخاذ خطّة الدفاع، والتساهل مع الأفغانيّين إلى هذا الحدّ، واحتدّ الأمير في كلامه، وأشار بالإسراع في مُهاجمة القادمين والتنكيل بهم وقطع دابرهم، فثارتْ الحميّة مِن كلامه في عروق المُجتمعين ووافقوه على رأيه، فاعتمد الشاه على الخروج بعسكره لطرد المُعتدين، وكان مُعظم رجاله مِن أهل أصفهان الذين تعوّدوا البطالة والتَرف، ولا يُمكن لهم الوقوف في وجه أبطال محمود، المعروفين بالتفاني في سبل الانتصار على العدو الذي ظلمهم زماناً طويلاً.
ولمّا اتّفق رأي الشاه وأعوانه على الهجوم أتى حسين شاه أمراً أضاع عليه الأمل بالنصر، ذلك أنّه قسّم الجيش قسمين: جعل قائد أحدهما وزيره محمّد قلي خان، وجعل قائد القسم الثاني والي بلاد العرب، وكان الاثنان خصمين، فتشاءم العُقلاء مِن هذا الأمر، وصدق تشاؤمهم؛ لأنّ المعركة انجلت عن انكسار الإيرانيّين شرّ كسرة، وكان جيش الشاه كثير الزخارف والأُبّهة، وجيش الأفغانيّين بلا زينة غير الرماح والسيوف، فلمّا ابتدأ القتال هَجم الأفغانيّون هُجوماً عنيفاً على قسم الوزير الإيراني وشتّتوا شمله، ودار بعض فرسانهم مِن وراء العسكر الإيراني، فوجدوا ٢٥ مِدفعاً تتأهّب لإطلاق القنابل عليهم، فأكبّوا على الرجال في الحال وقتلوهم، واستولوا على المدافع وصوّبوها إلى جيش إيران، فأطلقوا منها بعض القنابل فقُتل عددٌ مِن جيش الشاه.
ولمّا رأى الإيرانيّون ذلك ذُعروا وتفرّقوا، فتبعهم جيش محمود مِن كلّ جانب، ونهبوا منهم ذهباً كثيراً، وغنموا مالاً وفيراً لم يروا مثله مِن قبل ذلك اليوم، ففرحوا به وسمعوا أنّ في أصفهان أضعاف أضعاف هذا القدر يستولون عليه إذا فتحوا المدينة،
فصمّموا النيّة على القتال المُستمر إلى أنْ تقع في قبضة يدهم، ونال محمود غاية ما يتمنّى بعد ذلك، ولم يبقَ لديه غير إخضاع العاصمة، والجلوس محلّ الشاه حسين.
وأمّا جيش إيران، فقد تفرّق بعد هذه المعركة، وعاد كلّ قائد منهم إلى بلاده، فلم يبقَ عند الشاه حسين غير المُجنّدين مِن أهل أصفهان، وكانوا كما تقدّم لا يصلحون لقتال أبطال الأفغان.
ووقع الرعب في قلوب الأهالي الإيرانيّين حتّى انحلّت عزائمهم وخارت قواهم، فعمِد الشاه حسين إلى جمعِ الأشراف واستشارتهم في الأمر، وكان مِن رأيه الرحيل عن أصفهان إلى جهة امنع حيث يُمكن اجتماع الأنصار والأعوان حوله، ووافقه العُقلاء ما خلا والي جزيرة العرب، فإنّه هزأ بهذا القصد وعدّه خيانة، وأشار بالحرب والقتال، فانصاع السلطان لرأيه - وكان البعض يظنّون أنّ هذا الأمير العربي خائن مُتّفقٌ سِرّاً مع أمير الأفغان على قلبِ الدولة، والذي سيُذكرُ مِن فِعاله بعد هذا يؤيّد القول بخيانته.
ثُمّ ابتدأ الحصار الشديد، ووقع أعظمه على ضواحي مدينة أصفهان، وفي مُقدّمتها بلدة جلفا الأرمنيّة، وكان أهل هذه القرية يُريدون الإخلاص لدولة إيران ومُقاتلة الأفغانيّين ما استطاعوا، مع كلّ ما رأوا مِن وزراء الشاه حسين مِن الاحتقار، فجمعوا قواهم وبدأوا بمُحاربة الأعداء، وأرسلوا يطلبون المَدد مِن والي العَرب الذي كان وقتئذٍ القائد العام للجيوش، فلم يُنجدهم، ولهذا تمكّن الأفغانيّون مِن فَتح بلدتهم بعد أنْ قتلوا العدد الكثير منهم.
فلمّا رأى الأرمن أنّ القتال لا يُفيد سلّموا للعدو على شرط أنْ يدفعوا إليه غرامة حربيّة وخمسين فتاة مِن عذارى قومهم الأرمن، وكان هؤلاء القوم يغارون غيرة شديدة على عرضهم، ويمتازون عن جيرانهم الإيرانيّين بالعفّة والاجتهاد، فكبُر عليهم هذا الشرط، وما قاموا به إلاَّ لأنّ سلامتهم تتوقّف عليه، ورأى الأمير محمود وأمراؤه الذين وُزّعت عليهم الفتيات أنّ الأمر كبير جداً على القوم مِن هذه الفضيحة، وأنّ بعضَ هؤلاء الفتيات انتحرن تخلّصاً مِن العار، وأنّ أهلهن ملؤوا البرّ بالصياح والنواح، فردّوهن إلى أهلهنّ واظهروا أنّ الرحمة موجودة في الفِطرة الطبيعيّة، وأنّهم لم يفقدوا الشَرف والفضيلة، وظلّ الحصار والأمير الأفغاني ثمِل بخمرَة النصر لا يدري ماذا يفعل، ولا يأمر بشيء حتّى إنّ بعض الإيرانيّين طمعوا فيه وعادوا إلى مناوشة قومه، فاسترجعوا شيئاً مِن السلاح الذي فقدوه، ومحمود لا يدري ماذا
يفعل حتى أفاق مِن ذهوله يوم عَلم أنّ خصيّاً مِن خصيان الشاه حسين - واسمه أحمد آغا - أغار على فرقة مِن جيشه وحطّمها وطرد الأفغانيّين مِن بعض المواقع، فخاف العاقبة وحسبَ أنّ العزّ لا يدوم له، فخابر الشاه حُسيناً في الصِلح وطلب أنْ تكون بلاد قندهار وكرمان وخُراسان مُلكاً له ولأولاده مِن بعده، وأنْ يُعطى خمسين ألف تومان - خمسة وعشرين جُنيهاً -، فيعود عن المدينة ويخطب ابنة الشاه ويصير حليفه، فلمّا جاء الرسول إلى حضرة الشاه أشار عليه قومه برفض الطلب؛ لأنّهم أمّلوا بالفوز مِن بعد ما ظهر مِن بسالة أحمد أغا والذين حاربوا معه، فعاد الرسول بالخيبة إلى مولاه، ومِن ذلك الحين ابتدأت مصائب أصفهان؛ لأنّ محموداً عوّل على إيصال الأذى إليها بكلّ واسطة مُمكنة، وأصرّ على إخضاعها وقتلِ كلّ مَن فيها.
وبعد هذا تشاور محمود وأعوانه في الأمر، فقرّروا إتلاف كلّ المزروعات والقُرى والعمائر المُحيطة بأصفهان مِن كلّ جانب؛ حتّى يتعذّر وصول المَدد والزاد إليها أو يستحيل، وبدأ الأفغانيّون بهذا العمل الشنيع، فخرّبوا في أيّام قليلة كلّ ما صنعه الإيرانيّون في ألوف مِن السنين، وأصبحت تلك الديار قاعاً صفصفاً تدلّ على الويل والثبور، ولم تزل آثار ذلك الخراب الهائل ظاهرة في ضواحي أصفهان إلى هذا اليوم، ولمّا رأى أهالي البلاد هذا فرّوا مِن أماكنهم، وقصد بعضهم الأنحاء القاصية، والبعض لاذ بمدينة أصفهان، ففتحَ لهم الشاه أبوابها ظنّاً منه بأنّ كثرة العدد تُفيد في الحصار وتزيده قوّة، ولكنّه عَلم بعد هذا أنّه زاد مركزه صعوبة وضعفاً بقبولهم.
وشدّد الأفغان بعد هذا الحصار، وتقدّموا على أصفهان مِن كلّ جانب ولم يبقَ في وجههم مُعاند غير أهل قرية صغيرة هي أصفهانك كانت على مقربة مِن العاصمة، هؤلاء القوم أظهروا بسالةً وإقداماً غريبين، حتى إنّهم هجموا على قافلةٍ أفغانيّةٍ كانت تنقل الزاد إلى جيش محمود وملكوها، فلمّا عَلِم الأمير الأفغاني بذلك أرسل عليهم فرقة مِن جنوده لتقطع دابرهم وتقتلِهِم عن آخرهم، وكان أهل أصفهانك على استعداد لمُقاتلتهم فكسروهم شرّ كسرة، ورأى محمود ذلك فسار بنفسه وأكابر أعوانه للانتقام مِن هؤلاء الأشدّاء، ولكنّه لقيَ مِن بسالتهم ما لم يكن يَخطر له ببال، واضطرّ إلى القهقرى بعد أنْ قُتل عددٌ كبيرٌ مِن رجاله، وأُسر عمّه وأخوه وابن عمّه في ساعة واحدة، وفرّ المُحاربون بهؤلاء الأسرى، فلم يُمكن لمحمود أنْ
يُخلصهم.
ورأى بعد الإمعان الكثير أنّه إذا لم يُسرع إلى إنقاذ أقاربه ذبحهم أعداؤه عن آخرهم، فاستغاث بعدوّه الشاه حسين ورجاه أنْ يأمر الأهالي بالإفراج عنهم، وفرِح الشاه فرحاً لا يوصف بذلك؛ لأنه كان يؤمّل أنْ يكون هذا سبباً في خلاصه وخلاص أصفهان مِن الضيق، فبعث بالأوامر إلى أهالي القرية يأمرهم بالإفراج عن الأسرى، ولكنّ أوامره وصلت بعد أنْ قُضي الأمرُ وضُربت أعناق الأفغانيّين، فاشتدّ أسَف الشاه حسين، وغيظ الأمير محمود حتّى إنّ الأمير أمر رجاله بقتل كلِ أسير في قبضتهم، وضيّق على أهالي أصفهانك بكلّ قوّته حتّى اضطرّهم إلى الفرار، وقَتَل كلّ مَن وقع في يده منهم.
وأراد أهل أصفهان - بعد الذي سمعوه عن أهل قرية أصفهانك، والذي رأوه مِن شهر مِن بسالة أحمد آغا ونجاحه في طرد الأفغانيّين - أنْ يهبّوا للحرب ويجاهدوا في ردّ الأعداء عن مدينتهم، وكان الشاه هذه المرّة على رأيهم، إلاّ أنّ قائد العساكر - وهو العربي الذي ذكرناه غير مرّة - ظلّ يُحاول ويُماطل ويَختلق الأسباب والحيل لمنعِ القتال؛ حتى خَمدت شجاعة الأهالي وعدلوا عن المُطالبة بالحرب، فرأى الشاه منهم ذلك وغيّر رأيه، فمكثَ في مدينته مُنتظراً نتيجة الحصار، وأرسل ابنه طُهماسب ميرزا إلى قزوين حتى يَجمع له العساكر ويُثير الأهالي على الأفغانيّين، فتمكّن هذا الأمير مِن الفرار إلى تلك الأنحاء، وجاهدَ على قدر استطاعته في استجلاب الخواطر وإنهاض الهِمَم، فرأى مِن الناس فُتوراً ونُفوراً، وعَلمَ أنّ دولة أبيه زالت، وكتبَ إليه بذلك مُشيراً عليه بترك أصفهان، وكان الشاه حسين يُفكّر في ذلك إلا أنّ الأمر صار مُستحيلاً ساعة أراد إتمامه.
وكثُر الضيق والجوعُ في أصفهان، وانقطع عنها الزاد مِن الخارج انقطاعاً تامّاً، فعادَ الأهالي إلى الإلحاح على الشاه بإخراجهم خارج الأسوار لمُحاربة الأعداء، ولم يجب طلبهم، ولكنّهم رأوا أنّهم إذا لم يموتوا في ساحة القتال ماتوا في مدينتهم جوعاً، فأصرّوا على القتال وتجمهروا حول قصر الشاه يصيحون ويصخبون ويقولون: هات لنا السلاح، ومُرْ العساكر أنْ تُرافقنا إلى مُحاربة الأعداء، فأمرهم بالانصراف فلم ينصرفوا، واضطر إلى أمرِ حُراسه أنْ يطلقوا النار عليهم، فعظُم الخطب، وكان الأهالي على وشك أنْ يهجموا على دار الحكومة ومَن فيها
، ويُخرّبوا دولتهم بأيديهم بدل أنْ يُخرّبها الأفغانيّون لو لا أنْ يتدارك أحمد الذي مرّ ذِكره الأمر بحكمته، ويُنقذ سلطانه بشجاعته وأمانته؛ ذلك أنّه نهى بعض الحُرّاس عن إطلاق النار على الناس، ووقف بين جمهور منهم وصاح بهم: أنْ هيا بنا لمُحاربة الأفغانيّين، فعرفه القوم وداروا به مِن كلّ جانب، وتبعوه إلى خارج الأسوار فهجموا على الأفغانيّين هُجوماً عنيفاً ونكّلوا بفريق كبير منهم، وردّوهم عن بعض المواقع وغنموا منهم سلاحاً وزاداً، ولولا قلّة عَددهم لتمكّنوا مِن طردهم وإنقاذ المدينة منهم.
ومِن أغرب أُمور هذا التاريخ أنّ الوالي العربي لم يُرقه عمل أحمد آغا هذا، فوشى به للشاه، وأفهمه أنّ هذا البطل الأمين أتى أمراً فريّاً، وصدّقه الشاه على عادته، فوبّخ أحمد آغا توبيخاً عنيفاً على صنيعه، وأنذره بالعقاب في حين أنّ الأهالي عن بكرة أبيهم كانوا يحلفون باسمه ويشكرونه على بسالته وأمانته، ورأى الخصيُّ ما كان مِن مولاه، فلم يفه ببنت شفة، ولكنّه سار إلى منزله توّاً وبات ليلته، فلمّا قام الناس في الصباح الثاني جاءوا إليه ليرأس جماعةً منهم تُريد القتال فرأوه ميّتاً في سريره، وعلموا أنّه تجرّع السمّ عَمداً ممّا لحق به مِن الغيظ بسبب توبيخ مولاه له بعد إذكائه هِمَم الأهالي، وانتصاره على الأعداء مرّتين، فشقّ خبرُ موته على الأهالي، واظهروا تأثيراً خارقَ العادة، وكان بعضهم يُريد الهجوم على سرايا السلطان وقتله مع ذلك الوالي العربي، آخذاً بثأر أحمد آغا، فردّهم العُقلاء.
ومِن ذلك الحين لم يبقَ لأهل أصفهان أملٌ بالخلاص، واشتدّ عليهم الضيق والجوع اشتداداً هائلاً حتى أنّهم صاروا يشترون الرغيف بنحو ألف غرش، ولمّا نفدَ الخُبز كلّه جعلوا يقتاتون بلَحوم الحيوانات فأكلوها عن آخرها، فعمدوا إلى جُذور الأشجار وبدأ بعضهم يأكل بعضاً حتّى إنّ الأب كان يقتل ابنه والأُم ولدها طلباً للقوت، ووصل الأهالي كُلّهم إلى درجة الجنون التي تُعرف عن الناس في ساعة الجوع الهائل، وكثُر أكل الآدميّين للآدميّين، وزاد عدد القتلى والموتى عن كلّ حدٍ، حتى امتلأ النهر بالجُثث ووهنت القوى، وضاعت العقول، واستولى الذهول والجنون على المدينة، كلّ هذا والأمير محمود يُطيل الحصار وهو عالمٌ بالنتيجة، حتى رأى الشاه حسين وأعوانه أنّ الفساد بعد الذي تمّ لا يُفيد، وعزمَ الشاه على التسليم فلبس السواد حِداداً على عزّه الزائل، ودار في المدينة بأعوانه وهُم مثله لابسون السواد مِن قمّة الرأس إلى
أخمص القَدم يُودّع الأهالي ويَعظهم ويُبشّرهم بقُرب الفَرج؛ لأنّه عزم على التسليم للأعداء، وكان الناس مع كلّ ما أصابهم مِن الأهوال التي تُفقد الرشد إلا أنّهم [ يُريدون ] سُلطانهم واستقلالهم، ولا يرضون لمَلِكهم بهذا الذل، فكبُر الأمر عليهم وأكثروا مِن البُكاء والنحيب، ولكنّهم رأوا أنّ التسليم أولى بهم مِن الموت جوعاً، وبهذا قُضي الأمر.
وفي اليوم التالي جاءتْ الرُسل تُخبر الأمير محمود بعزمِ الشاه على التسليم، فجلس في قصر مِن جُملة القصور التي مَلكها في ضواحي أصفهان ينتظر وصول الشاه حسين، فلمّا وصل استقبله بالخُيلاء والفُتور وخاطبه الشاه حسين بما معناه:
يا ولدي، إن إله الكائنات لا يُريد أنْ أملك زماناً أكثر مِن هذا، وقد جاءتْ ساعة صعودك على عرش إيران، فأنا أتنازل لك عنه وعن السلطنة، جعل الله حلمك سعيداً.
ثُمّ نزع عمامة الملوكيّة عن رأسه، ووضعها على رأس الأمير محمود، وقال له:
إنْ حكمت احكُمْ بسلام، فتأثّر الأمير الأفغاني لهذا المَنظر الذي يُفطّر الفؤاد، وطيّب قلب الشاه ووعده باعتباره اعتبار الابن لوالده، وبإصلاح حال الرعيّة.
ولبسَ التاج في حضرة الشاه المُتنازل وأكابر دولته، وهكذا انتهت أيّام الدولة الصفَويّة، وكان ذلك في ٢٢ اكتوبر سَنة ١٧٢٢م، وحَكم الشاه حسين ٢٨ سَنة وهو مِن أشهر مُلوك إيران بسلامة النيّة وضعف الرأي، وهذه نتيجة الإفراط في الإشفاق في المُلك.
ما ارتكبه محمود مِن الفظائع بعد ارتقائه عَرش إيران:
لم يحكُم إيران مِن الأفغان غير اثنين: محمود وأشرف وهو الذي خَلّفه، ولكنّ مُدّة حكمهما كانت ملأى بالحوادث الخطيرة، وكان محمود قاسي القلب مُتقلّب الطبع، فقد أظهر في أوائل حُكمه على إيران فطنةً ورغبة في إصلاح حال الرعيّة لم يكن ينتظرها منه الناس، ولمّا دخل أصفهان بعد ذلك الحصار الطويل جعل همّه الأوّل إنقاذ أهلها المساكين مِن غائلة الجوع، فسّهل طُرق المواصلة والتجارة، وبعثَ الجنود في البلاد تحثّ الناس على جلبِ الحنطة والماشية إلى المدينة، حتى زال الضيق منها وعادت إلى سابق حالها، فشكره الأهالي على هذا الصنيع، ثُمّ انصرف إلى الاهتمام بإصلاح الحكومة وتسليم مُهمّاتها إلى أعوانه مع إبقاء ثقة الأهالي
به وبقومه، ورأى بعد الإمعان الطويل الخوف مِن الموظّفين الإيرانيّين أنْ ينقبلوا عليه، كما لاح له شبح الاختلال في الإدارة إذا وليها أهل بلاده؛ لعدم خبرتهم في الأحكام، وجهلهم حاجات إيران، فأبقى كلّ موظفٍ إيرانيٍّ في مكانه، وعين معه أفغانيّاً مِن أعوانه بصفة مُساعدٍ أو مُراقب فضمنَ بذلك أمانة الأفغانيّين وخبرة الإيرانيّين في الأحكام، وأظهرَ مقدرةُ كبيرةً في هذا التنظيم الحكيم، وأظهر كرهةً لذوي الدسائس والخائنين الذين ساعدوه على النصر؛ لأنّه ظنّ أنّهم سيخونونه كما خانوا حسين شاه مِن قبله، فنكّل بهم وأقصاهم كلّهم - مع أنّهم كانوا الواسطة في فوزه - ولم يُبقِِ على أحد منهم غير الوالي العربي، ولكنّه جرّده مِن رُتبه وأهمله، ففرح أهل إيران لصنيعه هذا، ومالوا إليه؛ لأنّهم كانوا يكرهون أولئك الخائنين.
وأظهر محمود اعتباراً كبيراً لوزير الشاه حسين، وهو الرجل العاقل الأمين محمّد قلي خان الذي أبى الخضوع للفاتح الأفغاني، إلاّ على شرط أنْ لا يضطرّ إلى مُحاربة طُهماسب ميرزا ابن مولاه الشاه حسين، ورضيَ محمود بهذا الشرط، وأظهر الإعجاب به، وهكذا جرى محمود على هذا الطريق وأشباهه، ممّا أولع الناس به وحمدوا أمره، على أنّ الصفاء لم يدُم له إلاّ أشهراً قليلة، ثُمّ تجهّم وجهه؛ لأنّه ما عتم أنْ جلس على العرش حتى وصلت بلاده كوكبة مِن الفرسان، مُرسلةً مِن قيصر الروس بطرس الأكبر لطلب التعويض عمّا لحقَ ببعض الروسيّين مِن الإهانة والخسائر في شمالي البلاد، فأجاب محمود هؤلاء الرُسل أنْ لا قصد له على مقاصة قبائل التَتر على ما يقولون عنها، فعادت بهذا الجواب إلى مولاها، وأظهر بطرس الأكبر غيظاً وميلاً إلى الفتح ومُحاربة الأفغانيّين، وتقدّم على أنحاء قزوين فمَلك بعضها.
وبينا محمود يستعدّ لتجريد الحَملة على الروس بلغه خَبر أعظم وأهم: وهو أنّ سُلطان الأتراك سمع بالذي أصاب إيران، فأراد انتهاز الفرصة للانتقام مِن تلك البلاد، وضمَّ بعض ولاياتها إلى سلطنته، وخاف محمود خوفاً شديداً مِن ذلك، وكأن كلّ هذا لم يكفِ الأمير الأفغاني حتى جاهرت بعض المدن بالعصيان، فحار الأمير في أمره، وضاقت الدنيا في وجهه، لأنّ الذين كانوا حوله مِن الأفغانيّين لم يزيدوا عن خمسة عشر ألف مقاتل، ولاح له أنّ أهل أصفهان يُريدون الغدر به والانضمام إلى أعدائه، فأخذ يُفكّر في الخلاص منهم قبل سواهم، ودعا أكابرهم إلى وليمة حضرها ثلاثمئة مِن
أشرافهم، فلمّا جلسوا في موضعهم هجمَ الأفغانيّون عليهم بإشارة محمود وقتلوهم عن آخرهم، وعرضوا جُثثهم في إحدى ساحات المدينة حتى يُرهبوا بقيّة أهلها، ثُمّ جمع محمود أولاد هؤلاء الأشراف وذبحهم أيضاً عن آخرهم، وكان يصحبه ثلاثة آلاف رجل مِن جيش الشاه حسين، فأولمَ لهم أيضاً وليمة وأمر قومه بالهجوم عليهم على حين غرّة فقتلوهم عن آخرهم، كلّ ذلك أراد به إرهاب الإيرانيّين وتقليل عَدد مَن يخافُ منهم في إيران فيُمكّن له على حسب رأيه الفاسد أنّه يتقدّم بعد ذلك إلى مُقاتلة غيرهم مِن الأعداء وهو لا يحسب للخيانة في مدينة أصفهان حِساباً.
وأمر محمود رجاله أيضاً أنْ يقتلوا كلّ واحد كان في خدمة الشاه حسين، فكثُر القتل والذبحُ، واضطرّ سكّان المدينة إلى تركها، فأقفرتْ مِن أصحابها، وخلا الجوّ فيها للأفغانيّين، وجرى على هذا الأُسلوب مِن الظُلم والإرهاب حتى لم يهنأ له عيشٌ بغير القَتل والمجازر، ووقع أكثرُ هذا الظُلم على أهل أصفهان وما يُجاورها، حتى إنّه وصل إلى الأجانب الذين كان لهم المعامل في تلك الأنحاء، مثل: الانكليز والهولانديّين والهنود وغيرهم.
فلمّا أقفرتْ خُراسان مِن أهلها جاء محمود بقبائل مِن الأكراد وأسكنها تلك المنازل الخالية، وهو يؤمّل الفوز بواسطتها، وجنّد مُعظم رجال الأكراد الذين أسكنهم المدينة، وحارب بهم بعضَ مُدن العراق، فأخضعها وقتل مَن قدر على قتله فيها، وهو يَزعم أنّ هذه المَذابح خيرُ واسطةٍ للخلاص مِن أعدائه.
وأرسلَ هذا الفاتح قِسماً مِن جيشه إلى مدينة شيراز فأخضعها بعد عناء كبير وأعمل السيف في أهلها، ثُمّ تقدّم بنفسه إلى بعض الأنحاء المُجاورة لجزيرة العَرب فعاد عنها خائباً مدحوراً، ولم يشأ عند عودته أنْ يدخل عاصمته على هذه الصفة، فدخلها في الليل مُتنكراً، وجعل ينتظر قدوم النجدات مِن بلاده، وهي التي قضّى مُدّة وجوده في إيران ينتظرها، فوصلت في آخر الأمر وخيّبت آماله؛ لأنّ العدد كان قليلاً والهمّة فاترة، وكان أعداؤه قد أشاعوا في بلاده أخبار جوره وظُلمه، واتّهموه بالميل إلى تغيير اعتقاده وغير ذلك مِن الأُمور التي أضرّت به وأخّرت الأفغانيّين عن نجدته.
واشتهر بعد ذلك أنّ رؤساء الجيش الأفغاني غير راضين عن محمود، وأشهرهم يومئذٍ أشرف ابن عمّ محمود، وأحد أصحاب النفوذ الكبير بين
قومه، فلمّا أحسّ محمود بذلك استرضى قريبه، ولكنه لم يسترح بهذا مِن القلق والهمّ، فصار معظم خوفه مِن جيشه وأهل بلاده لا مِن الإيرانيين الذين هالهم ظُلمه، وقطعت فعاله قلوبهم حتى قيل:
إنّ الجندي الواحد مِن الأفغانيين كان يسوقُ الخمسة والعشرة أمامه مِن أهل أصفهان سوقَ الأنعام للذبح، ولا يجسر أهل هذه المدينة على الاعتراض.
وأمّا بقيّة الإيرانيّين، فقد أظهروا بسالة وإقداماً كثيرَين خلافاً لأهل مدينة أصفهان، ولعلّ السبب في ذلك أنّ أهل هذه المدينة اعتادوا الترَف في مدّة الدولة السابقة ونسوا أُمور القتال، واشتدّ القَلق والجَزع على محمود حتى اعتراه الهوس أو أُصيب بمسٍّ مِن الجُنون، فهزل جسمه وغارت عيناه وتغيّرت سحنته وتبدّلت أطواره ولم يَرَ الراحة، لا في الليل ولا في النهار، وصار الفتك بالأبرياء أقرب الأُمور إليه، حتى أصبح حُكمه مِن أكبر المصائب على مَن ألقاهم القدر في حُكمه وسلطانه.
وحدث أنّه سمع في تلك الأثناء بأنّ أحد أولاد السُلطان السابق - حسين شاه - فرّ مِن أصفهان، فاشتد خوفه وحقده إلى درجة الجنون المُفرط، حتّى إنّه أمر بجمع حسين شاه وأولاده كُلّهم في إحدى الحدائق، وكانوا يزيدون عن أربعين أميراً، فلمّا صاروا في ذلك المحلّ أحاط بهم الجنود، وتقدّم بنفسه والسيف مسلول في يده فجعل يقتل أولئك الأبرياء ويُقطّع أجسامهم، ومنظر والدهم حسين شاه يُفتّت الأكباد، والأعوان مِن حوله مَلكهم الإشفاق والسَخط مِن تلك القسوة الوحشيّة، وهو هائج لا يكتفي بالقتل وشُرب الدماء حتّى قتل الأُمراء عن آخرهم بيده، ولم يُبقِ منهم غير طِفلين صغيرين فرّا إلى والدهما حسين شاه ليُخلّصا مِن القتل، فأمسك ذلك الشاه المنكود الحظ بالولدين وظلّلهما بيديه وهو يرجو محموداً أنْ يقتله قبل أنْ يقتلهما، فلم يُصغِ ذلك الظالم المجنون لقوله، وطعنَ أحد الوالدين بخنجره فتلقى الشاه حسين الطعنة بيده وسال دمه، فصاح مِن ألم الجُرح وألم الحُزن الكثير، وكأن محموداً أفاق مِن جنونه لمّا رأى ما أصاب حسين شاه - الذي رُبّي على اعتباره وإكرامه - فرجع عن غيّه، وأبقى على مُهجة الولدين.
وكان تأثير هذا العمل الفظيع شديداً، فأوصل محموداً إلى آخر درجات الجنون الخطر، ولم يَبقَ أملٌ بشفائه؛ لأنّه أصبح يهيج ويضرب نفسه كلّ يوم وفقدَ وعيه، فلمّا رأى أعوانه ما انتهى إليه أمرُه - وكانوا يرون أنّ طهماسب ميرزا ابن الشاه حسين، الذي مَرَّ خبرُ فِراره مِن
أصفهان قد عَزم على مُهاجمتهم - اجتمعوا وقرّروا تنصيب أشرف على عرش إيران بدلَ محمود؛ لئلاّ تتضعضع أحوالهم، فقَبِل أشرف السلطنة، وأمر في الحال بقتل محمود؛ لأنّه كان يكرهه كُرهاً شديداً.
وقيل: إنّ أُم محمود أمرتْ بخنقه في سريره؛ تخفيفاً لآلامه التي أصبحت لا تُطاق في آخر أيامه، ولم يُصب ظالمٌ بمثل ما أُصيب به هذا الطاغية الأفغاني مِن العذاب الهائل والألم القاتل والعاقبة الخاسرة، وحَكم السلطنة الإيرانيّة ثلاثة أعوام، ولم يفتح إيران مَلك مِن قَبله بجيش صغير واستعداد قليل مِثله.
وكان السببُ الأكبر في فوزه انحلال الدولة الصفويّة وضعفها في أيّام الشاه حسين، وتَفوّق الأفغانيّين على أهل أصفهان بالشجاعة والإقدام، وكثرة الدسائس، والانقسام في بلاد إيران.
ومات محمود في سنَة ١٧٢٥م.
١ - طهماسب ميرزا الثاني ابن الشاه حسين:
لم نذكره في عِداد مَن ارتقوا عرش إيران مِن الصفويّين لأنه ظفر بالعرش والتاج الإيراني، بل ذكرناه إتماماً لتنظيم حلقات سلسلتهم، ولسرد ما آل إليه أمرهم وأمر إيران، وما استقبلته مِن الحوادث الجسام والنوب العظام في هذا العهد الذي كُلّه عِبَر ومثلاث، ولمنع تداخل الأخبار بعضها ببعض، ولتسهيل ما يتطلّبه التاريخ مِن تنسيق الحوادث.
قد سبقَ أنّ هذا الأمير قد تمكّن مِن الفرار مِن أصفهان وهي ضمن إطار مِن الحصار الأفغاني، واستيلاء الفشل على الجيش الإيراني في هذه العاصمة، وما كان قليل العدد ولكنّه فَقد رُشد القوّاد وحِكمة ذَوي الأمر، فكان طهماسب هذا يسعى مِن يوم فِراره مِن أصفهان بردّ المُلك إلى أُسرته المالكة، فلم ينجح في أوّل الأمر، وكان على وشكِ الانزواء حتّى إذا عَلِم بتقدّم الأتراك في بلاد إيران في أيام محمود الأفغاني، وسمع بهجوم الروس مِن ناحية أُخرى، خَطر له أنْ يوالي هاتين الدولتين وأنّ يُوافقهما على اقتطاع ما تُريدان مِن السَلطنة، على شرط أنْ تسعيا بردّ الباقي منها إليه، ففاوض سُلطان الأتراك فلم يفلحْ في الأمر.
وأمّا إسماعيل بك سفيره في بطرس برج، فقد نجح وعقد باسم مولاه مُعاهدة مع القيصر مؤدّاها أنْ تتنازل إيران عن ولاياتها الشماليّة لروسية وفي جملتها: دربند وداغستان وشيروان وگيلان ومازندران واسترآباد، وأنْ يسعى قيصر الروس لقاء ذلك في طرد الأفغانيّين
مِن إيران وردّها إلى الأُسرة الصفويّة، وكان الأتراك وقتئذٍ يفتحون البلُدان المُجاورة لأملاكهم ويضيفون الولايات الإيرانيّة إليها، ففتحوا بلاد كُردستان وخوي وتحجوان وايروان ومراغة وأرمينية ومُعظم آذربيجان.
وتَفرّد أهلُ تبريز في وسط هذه الحروب ببسالة وأقدام عَجيبين لم يُسمع بمثلهما في إيران، فإنّ هؤلاء الأبطال - مع قلّة عددهم وخلوّ مدينتهم مِن القلاع والحصون - تمكّنوا مِن ردّ الأتراك على أعقابهم وقتلِ العدد الوافر منهم، وحاول قائد جيش الأتراك دخول مدينتهم مِراراً فلم ينجح، وفرّ بمَن بقيَ مِن جيشه، فتعقّبه أهلُ تبريز ونكّلوا بالأُلوف مِن رجاله.
ولمّا بلغَ أهل تبريز أنّ بقيّة جيش الأتراك هذه جعلتْ همّها الانتقام مِن أهل آذربيجان على ما لقيتْ مِن الكسر أمام مدينتهم قصدوا الأعداء ليردّوهم عن مواطنيهم، ففرح الأتراك بذلك؛ لأنّهم كانوا يظنّون أنّ التبريزيّين سعوا إلى حتفهم بظلفهم بمثل هذا البُعد عن مدينتهم، وهجموا عليهم بثمانين ألف مُحارب، فأهلكهم التبريزيّون عن آخرهم وعادوا إلى مدينتهم غانمين، فلمّا بلغتْ هذه الأخبار مسامع أهل الدولة في الأستانة قاموا لها وقعدوا، وأرسلوا جيشاً جرّاراً لا يقلّ عن مئة وخمسين ألفاً مِن أبطال الحرب لمُقاتلة أهل تبريز وقتلهم، فلمّا عَلم القوم بذلك نقلوا عيالهم وأمتعتهم إلى جبال گيلان، وظلّ الرجال داخل أسوار المدينة للدفاع والحرب، فلمّا جاءهم الأتراك - وكانوا أضعاف عددهم، ومعهم ما لا يوجد في تبريز مِن الأسلحة والمدافع - أظهر الإيرانيّون بسالتهم العجيبة في الدفاع، وقتلوا مِن أعدائهم خَلقاً كثيراً، ولكنّهم لم يروا إلى النصر سبيلاً مع مثل هذا العدد الكبير بعد أنْ حُصروا ستّة أشهر، فرضوا بعد الحصار بالتسليم على شرط أنْ يَسمح لهم الأتراك بالرحيل مِن مدينتهم بعيالهم وأمتعتهم، فقِل الباشا التركي بذلك، وجاز هؤلاء الأبطال في وسط الأعداء مُتقلّدين السلاح وهُم راحلون عن مدينتهم بعد أنْ قُتل منهم نحو ثلاثين ألف في مُدّة الحرب الأخيرة، وقُتل مِن الأتراك مثل هذا العدد.
كلّ هذا حدث في أيّام محمود، بينما كان الروس يملكون الأراضي الشماليّة على ما تقدّم، وكانت روسية وتركية مُتّفقتين على تقسيم إيران على هذا الشكل، وتركِ القليل الباقي منها لطهماسب ميرزا إذا رضيَ بذلك.
وأمّا إذا لم يرضَ بهذا الاتّفاق فإنّ عرش إيران يصيرُ إلى مُلك غيره مِن أُسرته، واتّفقت الدولتان على مُقاومة الأفغانيّين وطردهم مِن إيران،
فلمّا رقيَ أشرف عرش إيران ظنّ أعوانه مِن الأفغانيّين أنّه يقوى بِحكمته المعهودة على التخلّص مِن تلك المتاعب، والتغلّب على جميع الأعداء وكانت ثقتهم به عظيمة.
وأمّا هو، فكان يخشى أولئك الأعيان، ويظنّ بهم سوءاً أكثر مِن سائر أعدائه، وجعل همّه الأوّل التخلّص منهم، فقتل بعض أكابرهم وقوّادهم في الحال؛ لأنّهم أخلصوا الولاء لابن عمّه محمود مِن قَبله، وكان في جُملة الذين قتلهم جماعة مِن الذين ساعدوه على ارتقاء العرش، والذين جمعوا الشيء الكثير مِن ثروة إيران، فضمّ مالهم إلى ماله، وظنّ أنّه استراح بذلك مِن القلاقل والدسائس الداخليّة، وسرّ أهل أصفهان مِن بطش أشرف بأصحابه وقتله لجماعته الظالمين، فلمّا آنس منهم هذا بدأ يستعمل الحِيَل لاستمالتهم واسترضائهم، وأعلنَ أنّه ساخط على محمود وغيره مِن الذين أظهروا القسوة والتوحُّش في معاملة الإيرانيّين.
ثُمّ إنّه استدعى الشاه حسين، وعرضَ عليه ردّ المُلك إليه، ففهِم الشاه أنّها حيلة لاكتساب رضى القوم، وامتنع عن قبول المُلك شاكراً فضل أشرف، وكان أشرف قُبيل ارتقائه يُراسل طهماسب ميرزا ابن الشاه حسين في أمر الصُلح، ويدعوه للقُدوم إلى أصفهان، ففَرِح طهماسب ميرزا بهذا الخلاف بين أعدائه وقبِلَ دعوة أشرف، فقام قاصداً أصفهان وبلغهُ في الطريق أنّ محموداً قُتل وأنّ أشرف خَلّفه على السلطنة، فزاد فرحه؛ لأنّ الوفود كانت تأتيه كلّ يوم مِن الأمير الجديد تدعوه إلى زيارته، وكاد أشرف ينجح في حيلته، ويقبض على طهماسب بأهون سبيل لو لا أنْ يُسرع بعض المُخلصين إلى طهماسب ويعلمه بِنيّة أشرف، وكيفية مُعاملته للذين يخشى مُزاحمتهم، فارتدّ الأمير الإيراني على الأعقاب إلى مازندران، وعاد إلى السعي في تأليف جيش يُحارب به الأفغانيّين.
وجعل أشرف همّه الخلاص مِن عداء الروس والأتراك بعد أن فتك بمن فتك مِن قومه، وعمد في ذلك إلى الحيلة والسياسة، فأرسل الرُسل إلى الأستانة يطلب المفاوضة في الصُلح، وبثّ بين عُلماء الأستانة شكوى العُلماء السُنيّين مِن مُحاربة الدولة التركيّة الإسلاميّة لدولة إسلاميّة، واتّحادها مع دولة نصرانيّة على خَرابها، ومِن تفضيل السُلطان التركي الأُسرة الصفويّة الشيعيّة على الأُسرة الأفغانيّة السُنيّة مثله ومثل قومه، فتمسّك عُلماء الأستانة بهذا الرأي، واقلقوا حكومتهم بالمُجاهرة فيه، حتى رأت الحكومة التركيّة أنّ
عداءها لأشرف وقومه سيجرُّ عليها المتاعب، ولكنّها لم تَعدل عن مقاصدها في مُحاربة الأفغانيّين، وادّعت أنّ سببَ الحَرب هو عدم انقياد محمود وأشرف إلى سيادة السلطان الدينيّة على جميع المُسلمين، وعدم اعترافهم له بالخلافة، وعلى هذا فقد وجد أشرف أنّّ كلّ مساعيه لم تُجدِ نفعاً وأنّ الحرب مع الأتراك لا بُدّ منها، وسمع بعد قليل أنّ جيشاً كبيراً مِن الأعداء قادم لمُحاربته والاستيلاء على عاصمته، فبنى حصناً كبيراً في وسط أصفهان نقل إليه أُسرته وذخائره، وعزمَ على نقل كلّ الأفغانيّين إليه في ساعة الشدّة.
ثُمّ أمر بتدمير كلّ القرى المُحيطة بأصفهان حتّى يصعب على الأتراك الوصول إليها ومُهاجمتها، ولمّا قرُب الأتراك مِن أصفهان استعدّ أشرف للقتال، وكانت إحدى فِرقهم قد انفردت عن بقيّة الجيش فعلِم بها أشرف وهاجمها بكلّ قوّته وقَتل كلّ أفرادها، ولكنّه رأى منهم بسالة هائلة فعاد إلى دس الدسائس، ونقل إلى العساكر التركية ومَن كان معها مِن الأكراد أنّ صنيع الحكومة التركيّة حرام مُنافٍ للشرع الشريف؛ لأنّ الأفغانيّين مُسلمون سنيّون مثل الأتراك، والسُلطان يحاربهم لغير داعٍ غير نُصرة النصارى والشيعيّين عليهم، فمال إليه مُعظم الأكراد وفريقٌ كبير مِن الأتراك، حتى أنّهم عوّلوا على عَدم مُقاتلته.
ثُمّ أرسل أشرف وفداً مِن المشايخ الذين جلّلهم الشيب إلى وسط العسكر التُركي ليُقابلوا القائد ويُفاوضوه في الكفّ عن القتال، فدخل هؤلاء المشايخ معسكر الأتراك وهيئة السكينة والوقار عليهم وخاطبوا الباشا التركي في شأن ما تقدّم، والناس مِن حولهم يَسمعون، فأجابهم أحمد باشا - وهو قائد جيش الأتراك - أنّه جاء ليُحاربهم بأمر مولاه سلطان المسلمين؛ لأنّ أُمراء الأفغان لا يعتبرونه رئيساً دينياً عليهم ولم يَسمع لهم قولاً.
ولمّا قرعَ أذان المؤذّن وقتئذٍ الأسماع قام المشايخ الأفغانيّون للصلاة، وصلّوا مع الأتراك وهُم يُظهرون التقوى ويطلبون إلى الله بصوت عالٍ أنْ يمنع الحرب مِن بين المسلمين، وأنْ يهدي القلوب إلى الاتّحاد، ولا يجعل خراب المسلمين على يد المسلمين، فأثّرت هيئتهم تأثيراً كبيراً في جنود الدولة التركيّة، وتبعهم جمعٌ غفيرٌ مِن الأكراد والأتراك يَعِدونهم بالامتناع عن مُحاربتهم، فرأى أحمد باشا أنّ هذا الروح سوف يسري بين جنوده، وأسرع إلى ابتداء القتال في الحال، وكانت قوّته تَقرب مِن ستّين ألف مُقاتل وسبعين مِدفعاً، ولم يكن مع الأمير الأفغاني
أكثر مِن نصف هذا العدد، ولكنّ المعركة انجلت عن انتصار الأفغانيّين وتقهقُر الأتراك، وكان في إمكان أشرف أنْ يقتل عدداً كبيراً مِن أعدائه، ويطردهم مِن البلاد طرداً بعد تلك المعركة، ولكنّه استعمل الحِكمة المعروفة عنه، ونهى رجاله عن الفتك بالأسرى ومُطاردة الفارّين بحُجّة أنّهم إخوان لهم في الدين، وأنّ اللوم في الحرب على الرؤساء لا على الجنود، والحقيقة أنّه كان يعلم قوّة الأتراك ويخشى بأسهم، وكان يُريد التفرّغ مِن مُحاربتهم أو الاتّحاد معهم لمُحاربة الروس، فأتى ما يأتيه أصحاب الفطنة في مثل هذه الأحوال.
وفرّ القائد التركي إلى كرامانشاه ومنها إلى بغداد، بعد أنْ تركَ كلّ مدافعه وذخائره الحربيّة غنيمةً للأعداء، فأرسل إليه أشرف يقول:
إنّه لا يُريد اغتنام مالِ المُسلمين، ويرغب إليه في إرجاع ما لديه مِن مال الأتراك ما خلا السلاح إذا أراد أحمد باشا استرجاعها.
فبعث إليه أحمد باشا مَن يتسلّم ذلك، وقام أشرف بوعده وأطلق سبيل الأسرى وهو يُظهر لهم الإخاء، واستمال قلوبهم بذلك حتّى عمّ اعتباره وحبّه بين جنود الأتراك.
ورأت الدولة العثمانية أنّ رجالها لا يُقدمون بعد كلّ ذلك على مُحاربة أشرف، فاضطرّت إلى عقدِ الصُلح معه على أنْ يرضى أشرف باستيلاء الأتراك على الأراضي التي فتحوها في مُدّة السلطان محمود، ويعترف بالخلافة للسلطان التُركي، وأنّ يقرّ السلطان له بالمُلك على إيران، ويمتنع عن مُحاربته أو مُحالفة الروس عليه، ولم يمكن أنْ يُعقد صُلح أكثر مِن هذا نفعاً للأفغانيّين، ففاز أشرف بمُنيته وظهر للملأ أنّه تفوّق أهل زمانه بالدهاء والذكاء، وكما أنّه تفرّد بالإقدام والبسالة.
هذا ما تمّ لأشرف مِن استرضاء الأتراك وكسب صداقتهم وعقد الصُلح معهم، وكأنّه كان غير متخوّف مِن وارث عرش إيران، فلم يصرف مِن التفكير في أمره بعض ما صرفه في إرضاء الأتراك، وهذا الوارث الموتور والمسلوب عرشه وعرش آبائه - وهو طهماسب ميرزا - لا ينفك يسعى وراء إرجاع مُلكه المغصوب، وكأنّ السعد أراد خدمته فقيّض له اثنين مِن مشاهير الرجال ومِن رؤساء العشائر الإيرانيّة، وهما: فتح علي خان جدّ الأسرة القاجاريّة التي انتهى إليها مُلك إيران فيما بعد، ونادر قلي خان، وهو نادر شاه الذي صار مِن أعظم مُلوك زمانه، وتمكّن طهماسب ميرزا مِن فتح
مدينة نيشابور بقود نادر قائده الباسل، ومِن ثُمّ زادت قوّته وعظمتْ آماله فأرسل هذا القائد الشهير لإخضاع خُراسان وما يُجاورها مِن البلدان، فأخضعها بعد أنْ قَتل خصمه فتح علي خان اغتيالاً، ولم يُعاقبه طهماسب شاه على هذا الجرم؛ لأنّه كان سيفه القاطع، ثُمّ أخضع مدينة هرات ومدينة مشهد، وعظمت قوّة طهماسب شاه بعد ذلك ولكنّ الفضل في ذلك كان كلّه لنادر.
فلمّا سمعَ أشرف بهذا الخَصم الشديد - وكان قد انتهى مِن حرب الأتراك وعقدَ الصُلح معهم - علمَ أنّ الخطر كلّه قد نجم قرنه مِن هذه الناحية، فجمعَ كل قوّته - وهي يومئذٍ لا تَزيد عن ثلاثين ألف مُحارب نصفهم مِن الأفغانيّين - واستعد لمُحاربة طهماسب شاه والبطش به، غير أنّه أتى أمراً أضاع منه المُلك ودل على غير ما اشتهر عنه مِن الحِكمة والذكاء، وذلك أنّه لمّا خرج للقتال ورأى أنّ جنوده لا تكفي لحفظ المُدن الكبرى وللهجوم وضع في كلّ مدينة حَرساً قليل العدد وأظهر خوفه مِن الأهالي، فأمرَ الرجال منهم بالابتعاد عن هذه المُدن مدّة الحرب أو يُعاقبون بالقتل، فاضطر رجال الإيرانيّين إلى تركِ مُدنهم وعائلاتهم وأعمالهم، ولم يروا أمامهم غير الانضمام إلى جيش طهماسب شاه ونادر، وكانوا هُم السبب في سقوط أشرف؛ لأنّهم حاربوا مع قوّاد بلادهم حَرب المُستقتل المُدافع عن نفسه وأهله وماله، وتقدّم أشرف بباقي رجاله إلى خراسان، فالتقى بنادر ورجاله على مقربةٍ مِن مدينة دامغان.
وتحارب الفريقان حرباً عنيفةً دامت عدّة ساعات كان النصر المُبين في آخرها للإيرانيّين، وفرّ الأفغانيّون بعد أنْ قُتل منهم عدد غفير،وفقدوا كلّ ذخائرهم ومُعظم أسلحتهم، وقصدوا مدينة أصفهان حيث جَمع أشرف ذخائره وأهله في الحصن الذي بناه، وكان ذلك في ٢ أُكتوبر سنة ١٧٢٩.
ولمّا رأى طهماسب شاه أنّ النصر تمّ له، ولم يبقَ عنده ريب في أنّ المُلك قد عاد إلى أُسرته أراد الإسراع إلى مدينة أصفهان، وكان يعتقد أنّ كلّ الإيرانيّين يُساعدونه على الخلاص مِن أشرف وقومه؛ لأنّهم كانوا يَفِدون عليه ألوفاً، غير أنّ نادراً كان ينوي النيّات البعيدة التي حقّقتها الأيّام بعد هذا، ولم يُحارب الأفغانيّين إلاّ لمهد السبيل لنفسه حتى يرقى عرش إيران، فخاف أنْ تَعظم سطوة طهماسب شاه ويشتدّ تعلّق الناس به إذا هو دخل أصفهان بعد ذلك النصر، فيّعسر عليه إتمام قصده، ولهذا اقنع مولاه بكلّ
حيلة أنْ يبقى في موضعه، وتقدّم نادر إلى أصفهان لمُحاربة العدو حتّى إذا تمّ طرده منها بعثَ إليه بالخبر، وتقدّم طهماسب شاه إلى عاصمة آبائه وأجداده، فرضي طهماسب شاه بهذا على كُره منه، وتقدّم نادر على أصفهان فوجد أنّ امتلاكها بعد الذي تمّ ليس بالأمر السهل، ولم تطلْ عليه الحال حتى عَلِم أنّ الأفغانيّين ينوون الفرار، ولكنّه لم يَسعَ إلى قطعِ الطريق عليهم، فتمكّن أشرف وقومه مِن ترك أصفهان بما معهم مِن المال والذخائر، وكانوا ينوون قتل أهل أصفهان عن آخرهم قبل هذا الفرار، فلم يُمكن لهم ذلك، غير أنّ أشرف ارتكب إثماً فظيعاً، وهو أنّه قتل الشاه حسين قبل فراره فسوّد صحيفته بهذا الفعل الشنيع، ومات الشاه حُسين بعد أنْ رأى مِن المصائب وسوء الطالع ما لم يَره مَلك مِن مُلوك إيران قبله(١) .
ودخل نادر مدينة أصفهان فوجد فيها الخراب شاملاً والويل عامّاً، وتوارد عليه الإيرانيّون مِن كلّ جانب يُهنئونه بالنصر وهُم في حال يُرثى لها مِن الذلّ والويل، فطمأنهم وشرع يبحث عمّن تَخلّف في المدينة مِن الأفغانيّين فقتلهم ما خلا بعض الذين اشتهروا بالإنصاف وحبّ المُسالمة منهم، وسمع طهماسب شاه بوقوع أصفهان في قبضة رجاله فأسرع إليها، ودخلها عقب فرار الأفغانيّين منها، فرأى آثار الظُلم والقسوة باديةً في كلّ مكان وعلى كلّ وجه، وبكى لمصاب قومه، وكان يظنّ أنّ أُسرته انقرضت كلّها، ولكنّه لقيَ والدته حيّة، وكانت قد تنكّرت مُدّة وجود الأفغانيّين، وخدمتْ أعيانهم خدمة الجواري، فلم يعلموا بها وأبقوها حيّة، حتى إذا عاد ابنها إلى أصفهان جاءتْ إليه وعانقته وفَرحت به، وكان سرور طهماسب بوالدته عظيماً.
ثُمّ تقدّم نادر وراء الفارّين مِن الأعداء فلَحق بهم في مدينة شيراز وحاصرهم، ولمّا فاوضوه بالصُلح لم يسمع لهم قولاً، فانقسم الأفغانيّون بأمر أشرف إلى عدّة فِرق، وفرّت كلّ فرقة مِن ناحية، وكان أكثرهم يقتلون النساء والعاجزين منهم حتّى لا يقعوا في يد الإيرانيّين، وهبّ الإيرانيّون في وجه هؤلاء الفارّين مِن كلّ ناحية حتى قتلوا أكثرهم وأذاقوهم البلاء
____________________
(١) في الكُنى والألقاب.. أُخذ السلطان حسين أسيراً وحُبس في سنة ١١٣٧، وقُتل في محبسه ٢٢ المُحرّم سَنة ١١٤٠ فحُمل نعشه إلى قم، ودُفن عند آبائه في جوار الحضرة الفاطميّة.
الأكبر، وكان أشرف على وشك الوصول إلى بلاده لو لا أنْ يقدّم عليه بعض البلخيّين في الطريق ويضطرّوه إلى الفرار بنفسه، ولكنّ هذا الأمير القليل الحظ ظلّ يدور وحده في القفار حتّى عثر به واحد مِن أهل بلوخستان وعرفه فقتله في الحال، وأرسل رأسه وجوهرةً كبيرةً وُجدت معه إلى طهماسب شاه في أصفهان، وبذلك تلاشت قوّة الأفغانيّين، وسقطتْ دولتهم بعد أنْ حكمت إيران حوالي ثمانية أعوام، وذلك في عام ١٧٢٩.
تقسيمُ مَملكة إيران بينَ العُثمانيّين والروس:
في تاريخ الدولة العثمانيّة لمحمّد فريد بك: لمّا تولّى داماد إبراهيم باشا مَنصب الصدارة سنة ١١٣٠هـ أراد أنْ يستعيض عمّا فقدته الدولة مِن ولايات أوروبا بفتح بلاد جديدة في آسية، ولقد أتاح له الحظ حصول انقلابات ببلاد العَجم بسبب تنازل الشاه حسين عن المُلك جبراً إلى ميرمحمّد أمير أفغانستان، فأسرع الصدر إبراهيم باشا باحتلال أرمينية وبلاد الكرج، لكنْ كان قد سبقه بطرس الأكبر واجتاز جبال القوقاز التي كانت تحدّ بلاده مِن جهة الجنوب، واحتلّ إقليم طاغستان مع كافّة سواحل بحر الخزر الغربيّة، فكادت الحربُ تقوم بين الدولة والروس، ولعدم إمكان الروس مُقاومة الجيوش العثمانيّة، وتحقّق بطرس الأكبر مِن عدم اقتداره على مُحاربتها طلب مِن سفير فرنسة بالأستانة المسيو (دوبو) أنْ يتوسّط بينهما، فقبِل هذه المأموريّة ووفّق بين الطرفين بأنْ يمتلك كلّ منهما ما احتلّه مِن البلاد، وقبِلت الدولتان بذلك وأمضتا بهذه الشروط مُعاهدة بتاريخ ٢ شوّال سَنة ١١٣٦هـ، الموافق ٢٤ يونيو سنة ١٧٢٤م.
أمّا الفُرس، فلَم يُقبلوا هذا التقسيم المُزري بشرفهم والقاضي بضياع جُزء ليس بقليل مِن بلادهم، بل قاموا كرجل واحد لمُحاربة الأجانب وإخراجهم مِن ديارهم، لكنْ لم تكن شجاعتهم كافيةً لصدّ هجمات العُثمانيّين الذين فتحوا في سنة ١٧٢٥ عدّة مُدن وقلاع، أهمها مدائن: همذان واريوان وتبريز، وساعد ذلك تسلطن الفوضى في داخليّة إيران وتنازع كلّ مِن الشاه أشرف الذي قَتل مير محمّد أمير أفغانستان والشاه طهماسب مَلك ساسان، وانتهت هذه الحرب بالصُلح مع الشاه أشرف في ٢٥ صَفر سَنة ١١٤٠هـ، الموافق ١٢ أُكتوبر سَنة ١٧٢٧م إنّما لمّا ماتَ الشاه أشرف وانفرد
طهماسب بالمَلك طلبَ مِن الدولة العليّة أنْ تردَّ إليه كلّ ما أخذته مِن بلاد أجداده فلم تُجبه الدولة، ولذا أغار على بلادها ولعَدم ميل السلطان إلى العَرب ورغبته في الصُلح ثارَ الانكشاريّة وأثاروا الأهالي فأطاعوهم طلباً للسَلب والنهب في ١٥ بيع الأوّل سنة ١١٤٣هـ، الموافق ٢٨ سبتمبر سنة ١٧٣٠م، وطلب زعيم هذه الثورة - بترونا خليل - مِن السلطان قتل الصَدر الأعظم والمُفتي وقبودان باشا أي أميرال الأساطيل البحريّة بحجّة أنّهم مائلون لمُسالمة العجم، فامتنع السلطان عن إجابة طلبهم، ولمّا رأى منهم التصميم على قتلهم طوعاً أو كرهاً فخوفاً مِن أنْ يتعدّى أذاهم إلى شخصه سلّم لهم بقتل الوزير والأميرال دون المُفتي، فقبلوا وألقوا جُثثهم إلى البحر، لكنْ لم يمنعهم انصياع السلطان لطلباتهم مِن التطاول إليه، بل جرّأهم تساهله معهم على العصيان عليه جهاراً، فأعلنوا بإسقاطه في مساء اليوم المَذكور عن مَنصّة الأحكام، ونادوا بابن أخيه السلطان محمود الأوّل خليفةً للمسلمين، فأذعن السلطان أحمد الثالث وتنازل عن المُلك بدون مُعارضة.
وبعد استتباب الأمن استأنفت الدولة الحرب مع مملكة الفُرس وتغلّبت على جنود الشاه طهماسب في عدّة وقائع أُهرقت فيها الدماء مدراراً، فطلب الشاه الصُلح وتمّ بين الدولتين الأمر في ١٢ رجب سنة ١١٤٤هـ، الموافق ١٠ يناير سنة ١٧٣٢ على أنْ تَترك مملكة العَجم للدولة العليّة كلّ ما فتحته ما عدا مدائن تبريز واردهان وهمذان وباقي إقليم لورستان، لكنْ عارض نادر خان أكبر ولاة الدولة في هذه المُعاهدة وسار بجيوشه إلى مدينة أصفهان، وعزل الشاه طهماسب وولّى مكانه ابنه الرضيع عبّاس الثالث.
١٢ - عبّاس الثالث ابن الشاه طهماسب:
بعد عزلِ الشاه طهماسب - لأسباب ستراها مبسوطةً في أخبار نادر شاه - عُين مكانه ابنه القاصر عبّاساً، وبعد أربع سنوات توفّي عبّاس هذا وكان نادر شاه وصيّه، بل كان هو المُمهّد المُلك لنفسه والمالك لإيران، وإنْ كان غير مُتوّج في عهد أبيه الشاه طهماسب، وكانت نهاية انقراض المُلك الصفوي بعد موت هذا الوليد في سنة ١١٤٨، وقامت على أنقاضه دولة نادر شاه في زمنٍ كانت الفوضى ضاربةً فيه أطنابها في البلاد الإيرانيّة، والطامعون
في سلطانها لا يُحصى لهم عدد، وفي مثل هذا المضطرب وفي مثل هذه الفوضى تقوم دولٌ وتسقط أُخرى، والمُلك الدائم الذي لا زوال له ولا انقراض هو لله الواحد القهار جلّ جلاله.
ما جاءَ في تاريخِ جودت باشا عن الدولة الصفويّة:
قال بعد أنْ ذكر تنازل السلطان بايزيد عن السلطنة سنة ٩١٨ لولده السلطان سليم خان وتوجّهت الأنظار في عهده إلى الفتوحات، وقد بلغتْ شوكة الإسلام الذروة العالية:
وذلك إنّه بعد الأمير تيمور قام أولاده وقره قويونلير واق قيونلير واوز بكلر، وأقاموا حكومة في بلاد العَجم مدّة قليلة، وبهذه الأثناء ظَهرَ بعض مشايخٍ يُقال لهم الصفويّة في مظهر الإرشاد، فكان مُرامهم تحويل الأمر مِن المشيخة إلى السَلطنة، فكانوا يجمعون الناس في هيئة المُريدين والدراويش حتى كثُرت أتباعهم يوماً فيوماً وقويَ عُنصرهم، وكان فيهم الشيخ إسماعيل الصفوي ابن أحد المشايخ، فانتحل لنفسه لقب شاه إيران، وسار بجماعته على البلاد الشرقيّة بدعوى اشتهار مَذهب الشيعة فاقتحما واستولى عليها، فاستمر مذهب (تيمور) في فساده، وعزم على دخول بلاد الروم والاستيلاء على الأناطولي والوصول إلى اسكدار، ولم يدرِ أنّ الدولة العليّة قد استتبّ لها المُلك وتمكّنت مِن أريكتها، ولا يعلم أنّ هُناك شهِماً هُماماً وبطلاً مُقداماً وهو السلطان سليم (ياوز) الذي لمّا بلغه خبره سافر إليه في عساكره العثمانيّة، مُتولّياً قيادتها بنفسه، وهزمه أقبح هزيمة وفرّق جُيوشه، وجال في تلك الأقطار فدخل إيران وكردستان وكرجستان، وشنّ الغارة على تلك النواحي ودوخها بالخيل والرجل.
ثُمّ لمّا عَلِم الشاه إسماعيل أنّه يتعذّر على حكومة إسلامية أنْ تبقى في جوار دولة إسلاميّة أُخرى عظيمة أبديّة القرار إلاّ باختلاف المذهب أقبل على بثّ مذهب الشيعة في ديار إيران وأقام الدولة الصفويّة على أساسه، فتمكن مِن القاء الشقاق وتحريك الإحَن بين أهل الملّة الإسلاميّة.
ولمّا عَلِم السلطان سليم أنّ دولة الجراكسة في مصر كانت ميّالة إلى الشاه إسماعيل أثناء الحُروب التي جرتْ بينه وبين الدولة العليّة قرّر وجوب تأديبهم بالذهاب إلى مصر، ثُمّ بلغه أنّ الغوري سلطان مصر أعدّ الأموال والذخيرة واستعدّ للاستيلاء على ديار الروم وحصرِ الأستانة كما
خطرَ ذلك للشاه إسماعيل فلم يَنجح كما عرفت، فخرجَ السلطان سليم بعساكره فلاقى جيوش الجراكسة في أرباض حَلب، واشتبك القتال بين الفريقين، ثُمّ دارت الدائرة على الغوري وصُرع في ميدان القتال، وانهزمت جيوشه وتفرّقت شذر مذر.
ثُمّ ذَكر أُموراً هي أعلق بتاريخ الدولة العثمانيّة منها بالدولة الصفويّة أعرضنا عنها، إلى أنْ قال:
ثُمّ إنّ السلطان سليم خان (ياوز) لمّا جمع بين الخلافة والسَلطنة اقتضت الأحوال أنْ جميع الموحّدين يعدون أعظم أجزاء عنصر هذه الدولة الإسلاميّة، غير أنّ أهل إيران استمرّوا خارجين عن هذا العُنصر، حيث سرى فيهم سمّ النفاق الذي بثّه إسماعيل شاه بين المُسلمين، فكانوا لذلك حاجزاً منيعاً بين المسلمين السنيّين القاطنين فيما وراء النهر وبين الدولة العليّة في بلاد الروم، فلم يتيسّر لأولئك السنيّين أنْ ينالوا شرف التابعيّة، فبناءً على ذلك رأت الدولة حينئذٍ أنْ تجمع بوحدة الخلافة تحت لوائها جميع الأُمم التي تعدّ مِن عناصرها الأصليّة في الشرق والغرب والهند والسند، هذا الذي يُخالج صدر السلطان سليم خان (ياوز)، حتى إنّه كان يُريد المسير ثانياً إلى إيران ليُقوّض بنيان مذهب الشيعة، ويمحو آثار الدولة الصفويّة التي كانت مؤيّدة له وجادّة في نشره، غير أنّ عُمره كان قصيراً.
وجاء فيه في موضع آخر (ص٧١): في عهد السلطان أحمد خان الثاني...، وفي أثناء هذا الدور أفاد دري أفندي بعد رجوعه مِن سفارة العَجم أنّ بعض عُقلائهم قالوا:
إنّ حال إيران سيّئة، وإنّه وإن كان يوجد بيننا رجالٌ مِن ذَوي التدبير والدربة فإنّ السفهاء ما تركوا لهم نفوذاً، وإذا بقيت الأحوال على هذا المنوال تزول الدولة في مدّة سنتين لا مَحالة، فكان الأمر كذلك، فإنّه لم يمرّ على ما قالوه سنتان حتّى غلبهم الأفغانيذون واستولوا على أصفهان، ولمّا اتّصل بالدولة العليّة خبر اضمحلال هذه الدولة الصفويّة رأت مِن المُناسب أنْ تستولي على بعض الأيالات التي كانت قديماً في حوزتها ثُمّ دخلت في يد العجم مِن أنْ يبتزّها غيرها، فاستولت على عدّة أيالات كهمذان وكنجه وروان وشيروان وكورجستان، وحيث لم يكن لوكلاء الدولة مَعرفةً بتدريب العساكر اللازمة لمُحافظة الإيالات المذكورة فعندما قام بعد ذلك نادر شاه في إيران استردّ الولايات التي كانت في يد الدولة العليّة والروس، وذهب ما أُنفق في هذا السبيل مِن
العساكر والذهب سدىً، واستولى الخراب على الأناطولي في هذه الحروب، فندِم إبراهيم باشا وعمّ الكَدر جميع الناس.
وجاء في مكان آخر (ص٧٣): وكان ينبغي القيام بدفع فساد نادر شاه، ولكنّ ذلك يقتضي قوّةً عظيمة، ولمّا كانت الدولة مُنقسمةً في بحر اللهو والخلاعة نشوانة بخمر اللذات لم يتأتَ لها ذلك.
وعندما ظهر الأفغانيّون واستولوا على أصفهان، وخلعوا الشاه حسين الصفوي - الذي كان آخر المُلوك الصفويّة - طلبه أحمد باشا والي بغداد إليه، فلم يكن مِن الأفغانيّين إلاّ أنّهم قطعوا رأسه وأرسلوه إليه، وعليه انقرضت الدولة الصفويّة، فلم يبقَ منها إلاّ طهماسب بن حسين شاه الذي كان في جهة قزوين حين الاستيلاء على أصفهان، فتسلطن هناك.
وفي أثناء ذلك ظَهر مِن عسكره رجلٌ جسورٌ مِن قبيلة أفشار اسمه نادر علي، فاشتهر بالإقدام والقوّة شيئاً فشيئاً، فعيّنه رئيساً لحُجّابه، وتغلّب على الأفغانيّين واستخلص منهم أصفهان؛ فنال بذلك عِند المَلك نُفوذاً تامّاً، وعُيّن وكيلاً مُطلقاً ولُقّب (اعتماد الدولة)، وسار إلى الأفغانيّين لاسترجاع إيران مِن حوزتهم، وفي أثناء ذلك انهزم الشاه طهماسب في حربه مع سرّ عسكر روان علي باشا ابن الحكيم، كما انهزم في حربه مع أحمد باشا والي بغداد في صحراء همذان، فاضطرّ إلى طلبِ الصُلح فعُقِدت المُعاهدة معه على أنْ تبقى كنجه وتفليس وروان وشروان في حوزة الدولة العليّة، ويستمر في يد طهماسب همذان وكرامان شاهان لا غير. على أنّ نادر علي لمّا بلغهُ خبرُ الصُلح الذي عقده الشاه طهماسب امتعض لذلك، وخلعه وأجلس ابنه عبّاساً مكانه، وكان عُمره ثمانية أشهر ثُمّ خلعه أيضاً ولبسَ هو الخلعة الملوكيّة، فصارت ممالك إيران مُسخّرةً لأمره، واستولى بغتة على الأيالات المذكورة؛ لأنها كانت خاليةً ممَّن يُحافظ عليها بسبب الصُلح المعقود، وأخذ يشنّ الغارات على الحدود الخاقانيّة، فنشأ مِن ذلك في الأستانة أقوال كثيرة وأراجيف مُتنوّعة، وأنكر جماعةٌ مِن الصالحين هذه الأحوال السيّئة على إبراهيم باشا، وقدحوا فيه لسوء أفعاله...
إلى كلامٍ لا غرضَ لنا بنقله هُنا، فندعه إلى مكان مِن هذا التاريخ لدولة نادر شاه.
تاريخُ نادر شاه الإيراني
بسم الله الرحمن الرحيم ، حمداً لمَن يهبُ المُلك لمَن يشاء وينزعه عمَّن يشاء، وهو مالك الأمر ومُدبّر العباد، ومُجري أحكامه على مقتضى الحِكمة والمُسبّبات على أسبابها، وصلاة على نبيّ الهُدى، الجامع شرعه بين حاجة الروح وحاجة الجسد، ومصلحة الدين ومصلحة الدُنيا، وعلى آله وصحبه الطيّبين الطاهرين.
وبعد، فإنّي مُثبّتٌ في هذا الجُزء تاريخنادر شاه الذي بلغَ مِن الشُهرة مكاناً قصيّاً، ومِن اتباع السلطان وبسطة المُلك شأناً عليّاً، ونال ما نال بعصاميّته لا بعظاميّته، ومَكّن له مِن إدراك الأمر هوي نجم الدولة الصفويّة للأُفول، وقد تضافرت عليها عوامل الانحلال، وطمعَ فيها الغريب مِن هُنا وهناك، ومهّد له ذلك كلّه مَلِك صفويّ مُشرّد غلبَ الأفغان أباه على مُلكه، ثُمّ انتهى قائدين عظيمين مُنقذين لإيران، وفي نيّة كلٍ منهما الطموح إلى امتلاك ذلك العرش المُتضعضع مِن وارثه الذي لا يملك قوّةً يسترجعه بها، ولا رأياً حصيفاً يجمع به عليه القلوب ويخفض مِن غلواء كلّ طامع في مُنازعته وانتزاع سلطانه.
أمّا هذان القائدان، فهما: فتح علي خان جدّ الأُسرة القاجاريّة التي آل إليها مُلك إيران، ونادر قلي خان الذي كان اغتياله لقرينه فتح علي خان مِن أوّل ما مهّده لنفسه مِن امتلاك إيران، فأزاحه مِن طريقه، وهان عليه فيما بعد أنْ يخلعَ طهماسب، ويُجلس طفله على العرش ويكون هو الوصي، ثُمّ يموت الطفل فيخلو له المجال.
قد تقدّم في تاريخ الدولة الصفويّة - وإنْ شئت فقل: في تاريخ آخر مَلكٍ منها لم ينعم بشيء مِن المُلك - قسم غير قليل مِن أخبار نادر وأوائل ظهوره، وها نحن نورد بقيّة أخباره:
تَمهيدٌ:
لمّا طُرد الأفغانيّون مِن إيران، واستتبّ الأمر - وإنْ شئتَ فقُل ظهرت بوادره لطهماسب - انتهت القوّة كلّها إلى مَن كان العامل في طرد الأفغانيّين، وكان قائد جيش إيران كلّه وهو نادر، ولم يَبقَ لطهماسب في الواقع غير الاسم، وخاصّةً بعد أنْ غُلبَ على العاصمة أصفهان وعُين حاكماً على خُراسان وخوارزم وسيستان (سجستان) وكرمان وهي أكبر الولايات الإيرانيّة، حتى أُعطي نادر كلّ ما يُؤهّله للمُلك مِن سكّ النقود باسمه وجمعِ الجيوش تحت رايته وهكذا تنظيمها، حتى ظهرَ أنّه سوف يؤول إليه مصير سُلطان إيران بالاسم والفعل، وهو إلى ذلك يسعى بكلّ ما أُوتي مِن فِطنة وتدبير إلى ما أوتي مِن قوّة ينتظر ساعة ارتقاء العَرش، وهو منه كقاب قوسين أو أدنى.
عشيرةُ نادر وأوائل أمره:
هو مِن أُسرة أفشار في بلاد خُراسان، كان والده مِن عامّة الناس، وظلّ هذا الرَجل العظيم إلى آخر أيّامه لا يَنكر أصله الحقير ولا يدّعي الشرف، ولا يُريد التباهي إلاّ ببسالته، يدلُّك على ذلك أنّه لمّا سأله البعض مِن حاشية سُلطان الهند - حين فَتح دلهي عاصمة الهند - عن حَسبه ونَسبه وقد أراد تزويج ابنه مِن ابنة سُلطانهم حَسب العادة عندهم، قال لمَن جاءه بهذا السؤال: أخبروا هؤلاء القوم أنَّ ابني ابن نادر شاه ابن السيف ابن السيف إلى الجيل السبعين.
فأنت ترى أنّ نادراً لم يتّخذ غير عصاميّته وغير ما أُوتي مِن قوّةٍ وبسالةٍ سبباً للفوز بالمُلك، غير لاجئٍ إلى ما لجأ إليه الكثيرون ممَّن أسّسوا لهم مُلكاً وسلطاناً، وشيّدوا دولةً إلى اختراع نَسبٍ عريقٍ يتّصل به بسبب وثيق أو لصيق.
وُلد هذا العصاميّ في ١١ نوفمبر سنة ١٦٨٧م، ولمّا شبّ رأى بلاده في حالة فوضى مِن ضعف الحكومة، ومِن هجوم قبائل التتر عليها حيناً بعد
حين آخر - على ما روينا خبره في تاريخ أواخر الحكم الصفوي - والأحوال تتقلّب عليه، وهو يُؤخذ أسيراً تارةً ويَخدم عُمّال السلطان تارةً أُخرى، وحيناً ينظر فرقة مِن قُطّاع الطُرق واللصوص تسطو على البلاد وتنهب الأموال، حتى اشتهر أمره مِثل أكثر اللصوص والخارجين على النظام والسلطان المعروفين، واستدعاه حاكم خُراسان إليه فجاءه ولقيَ منه الإكرام، واستعان به الحاكم على مُحاربة التَتر مُدّة، ثُمّ ظهرتْ منه أُمور اقتضت عزله مِن وظيفته وإهانته، فعظُم ذلك عليه وعاد إلى سابق سيرته، فألّف عصبةً مِن اللصوص وأحسن قيادتها، فانضم إليه الأُلوف حتّى بلغَ عدد جيشه ثلاثة آلاف مُحارب ونيّفاً، وخافت الحكومة سطوته فسعى بعض ذَوي قُرباه في ضمّ قوّته إلى قوة طهماسب ميرزا يوم كان يُحاول هذا الأمير طرد الأفغانيّين مِن بلاد إيران، وتمّ الأمر على ذلك، فأصبح نادر مِن ذلك اليوم مِن أعظم أعوان طهماسب، وكان منه ما عُرف في أخبار طهماسب.
وظلّ هذا البطل يَترقّب سنوح الفُرصة لخَلع طهماسب والجلوس على عرش إيران، حتى تمّ له ذلك بواسطة الحرب مع الأتراك، وذلك أنّ الأتراك كانوا في ذلك الحين يُحاربون الأنحاء الغربيّة مِن إيران، وقد استولوا على قِسم عظيم منها، فتقدّم نادر لمُحاربتهم، والتقى بجموعهم في أنحاء تبريز وأردبيل ففرّقها وحطّمها وانتصر عليها انتصاراً تامّاً، ثُمّ تقدم منها إلى مدينة إيروان وبدأ بمحاصرتها، فجاءه ساعة الحِصار خبرٌ مِن أخيه في خُراسان يقول له:
إنّ الأفغانيّين شنّوا الغارة على البلاد، وإنّ الثورة عمّت أنحاءها. ولمّا كانت خُراسان مِن الولايات الخاصّة به اضطرّ إلى الإسراع إليها وُمقاصّة الجانين فيها، فتركَ الأتراك في مواضعهم وسار إلى خراسان فنكّل بالأفغانيّين وأعاد الراحة إلى تلك البلاد.
ولمّا كان نادر في الحرب مع الأفغانيّين في خُرسان زيّنَ البعض لطهماسب أنْ يزحف على الأتراك ويُحاربهم، ويُتمّم الذي شرع فيه نادر مِن أمر طردهم، فسمع رأي القائلين به مِن أهل أصفهان، وقام في الحال بمَن لديه إلى ساحة القتال، وأعاد الكرّة على جيوش الأتراك، ولكنّه لم يكن مِن أصحاب الدراية والقيادة فكُسر شرّ كسرة، وخسرَ كلّ الذي رَبحه نادر في الحُروب السابقة، حتى إنّه اضطرّ إلى عقدِ الصُلح مع والي بغداد على أنْ يترك للأتراك الأراضي الواقعة وراء نهر أركس، ولم يشترط على الأتراك ردّ الأسرى الإيرانيّين الذين كانوا في
قبضتهم، فلمّا رَجع نادر مِن حرب خُراسان وسمع بهذا الصُلح المعيب استشاط غيظاً، وبعث إلى طهماسب شاه يُوبّخه على القبول به، وأرسل الكُتب إلى كلّ الحُكّام في الولايات يُعلمهم بأنّه لا يرضى لبلاده وقومه مثل هذا الصُلح، وأنّه عازمٌ على مُحاربة الأتراك ومصالحتهم على شروط أنسبَ مِن هذه أو إخضاعهم، وطلب مُساعدة الحكّام، فأثار بهذا المنشور الخواطر على طهماسب ميرزا، ولاح له مِن ذلك أنّه صار على وشكِ الوصول إلى العرش.
ثُمّ تقدّم نادر إلى مدينة أصفهان، وحالما وقعَ نَظره على مولاه طهماسب شاه بدأ يُوبّخه على مَسمع مِن الخدّام والأعوان، ثُمّ تظاهر بالصفح عمّا فاتَ، ودعا الشاه إلى وليمةٍ في حديقة قصره، فلبّى الشاه الدعوة في ذلك المساء، فألقى نادر القبض عليه ونفاه إلى خُراسان بعلة عدم كفاءته، وولّى مكانه عبّاس ميرزا - ابنه - وهو يومئذٍ طفلٌ صغير، كلّ ذلك لأنّه كان يخافُ التعدّي الظاهر واختلاس المُلك قبلَ أنْ يَعدَّ لذلك الأفكار إعداداً تامّاً.
ولمّا تمّ تتويج الطفل عبّاس شاه، وأقام نادر نفسه وصيّاً عليه رجف بكلّ قوّته لمُحاربة الأتراك في بغداد، فوصل إليها وجعل يُحاصرها، وكان على وشكِ أنْ يفتحها لو لا أنْ تصل نجدة مِن الأتراك تحت قيادة أحد مُشيريهم وتردّه عنها، وكان جيش الأتراك يزيد عن جيشه زيادةً كبيرةً في العَدَد والعِدد، فتقهقر الإيرانيّون مع أنّ نادراً فعل فِعال الأبطال، واضطرّ هذا البطل العظيم إلى الرجوع عن بغداد ونواحيها بعد أنْ دامت المَعركة ثماني ساعات، وتفرّق الإيرانيّون أيدي سبا، وبلغ عدد قتلاهم ٤٠ ألفاً.
ولم يؤثّر هذا الفَشل الكبير بنادر شاه، بل أذكى همّته وشدّد عزيمته، فإنّه حال وصوله إلى همذان شَرع في لمِّ شعثه، ودفع الرواتب إلى عساكره ومواساة أهل المُصابين منهم وتشجيع الباقين وحضهم على أخذ الثأر، فاجتمع لديه خَلقٌ كثيرٌ منهم، وبدأ يُنظّم الجنود الجديدة ويُدرّبها وهو ينوي البطش بالأتراك، حتى إذا جاءت الساعة وسَمع الأتراك بكلّ هذا الاستعداد أرسلوا جيشاً عظيماً لمُحاربته تحت قيادة المشير طوبال عثمان باشا وكان بطلاً مَغواراً، إلاّ أنّ الحظّ لم يُساعده؛ لأنّ نادراً التقى طلائع جيشه فهزمها ووصل المُنهزمون إلى مركز الجيش والإيرانيّون يُطاردونهم، حتّى إذا التقى الجيشان وانتشب القتال فاز الإيرانيّون فوزاً عظيماً، وقُتل مِن الأتراك عددٌ عظيمٌ وفي جملتهم قائد الحَملة، وجاء به قاتله إلى نادر شاه، فأظهر هذا
الرجل العظيم مُروءة الأبطال، وأظهر كلّ احترامٍ لجُثّة خصمه الباسل، وبذلك عَظُم قدره ولم يبقَ له مُعاند في كلّ إيران بعد هذا النصر المُبين.
وعقدَ نادر الصُلح مع والي بغداد بعد هذه الحَرب، ثُمّ زحفَ على بعض الولايات الثائرة في جنوب إيران ليُخضعها وتمّ له ذلك، ولكنّه عَلِم حال انتصاره على الثائرين أنّ سلطان الأتراك أبى التسليم بالصُلح على ما أتاه والي بغداد مع نادر، فأرسل جيشاً آخر تحت قيادة عبد الله باشا لمُحاربته والفوز عليه، فلمّا تحققّ نادر هذا الخبر عاد بكلّ قوّته إلى مُحاربة الأتراك، والتقى جموعهم في سهول أرمينية - وكان الأتراك أكثر عدداً مِن رجاله - فقام نادر في قومه مُحرّضاً لهم على الجهاد وبذلك المستطاع، ثُمّ هجم على الأعداء هُجوم الأسد الضاري، واستمرّ القتال مدّة طويلةً وجيش إيران يبطش بالأعداء أينما حَوّل نادر وجهه، حتّى عمّ الرُعب قلوب الأتراك بعد أنْ قُتل منهم أربعة عشر ألفاً، وبدأوا بالتقهقر فوصل بعض الإيرانيّين إلى عبد الله باشا وقتلوه، وكان نادر يظنّ أنّ القتال انتهى بذلك، فلمّا ثبتَ له أنّ قوّة الأتراك لم تَزل عظيمة وأنّهم معوّلون على النزال رفع رأس عبد الله باشا على حَربة يراها الكلّ، فتحقّق الأتراك أنّ قائدهم قُتل فذُعروا وفرّوا، وكان انتصار الإيرانيّين عليهم عظيماً، واستولى نادر بعد هذا على مدينتي گنجه وتفليس وجميع بلاد القوقاس، ثُمّ عقد صُلحاً مع الأتراك مِن مُقتضاه إعادة إيروان والقارص والممالك الإيرانيّة السابقة كافّة إلى شاه إيران، واضطرّ الأتراك إلى القبول بالمُعاهدة التي عقدها مع والي بغداد.
وعاد هذا الفاتح العظيم بعد النصر إلى أصفهان سالماً غانماً، فكان لدُخوله يومٌ عظيمٌ احتفل فيه الإيرانيّون احتفالاً باهراً.
ولمّا انتهى نادر مِن كلّ هذا عوّل جعلِ نفسه مَلكاً لإيران بالاسم والفعل أيضاً، وكان الطفل عبّاس شاه الذي أقامه شاهاً قد مات، فأرسل نادر الكُتب إلى كُبراء إيران وأُمرائها يدعوهم إلى حُضور الاحتفال بعيد النوروز، فجاء منهم نحو مئة ألف رجل في صحراء مغان بأذربيجان، ولمّا تكامل عددهم وانقضى دور الاحتفال قام نادر بين جموعهم وأعلن وفاة مَلكهم عبّاس، وطلب إليهم أنْ ينتخبوا لهُم ملكاً غيره يَقدر على حِفظ كرامة المَملكة، مُتظاهراً بالتَعب مِن إدارة الأحكام والميل إلى الراحة بعد أنْ أراح البلاد مِن الأفغانيّين والأتراك والروس، وانسحب إلى خيمته ليتداول
الأُمراء في غيابه، ولم يمضِ إلاّ القليل حتّى بعثَ الأُمراء يطلبونه، وأعلنوه أنّهم أجمعوا على تنصيبه مَلكاً دون سواه، فتظاهر بعدمِ الرضا وتمنّع كثيراً حتّى إنّه ظلّ شهراً كاملاً يأبى قبول هذا الشرف العظيم، إلى أنْ عَلِم أنّ الأفكار كلّها استعدّت لِما يُريد، فجاهر بالقبول ولكنّه اشترط على أهل بلاده لقاء ذلك أنْ يتّحدوا قلباً وقالباً مع السُنيّين، وشدّد في ذلك فتبعه بعض الناس ولم يرَ مُقاومة في هذا الأمر، وعلى ذلك تُوّج نادر شاه مَلكاً في إيران باحتفالٍ كبيرٍ، وأصدر أمراً مُطوّلاً يدعو فيه الإيرانيّين إلى استعمال السلاح وتعلّم المعارف ومؤاخاة السنّيين، وذلك في صفر سنة ١١٤٩هـ، الموافق سنة ١٧٣٦م.
وأمّا هدف نادر شاه مِن هذا الانقلاب، فكان الخلاص مِن الأُسرة الصفويّة؛ لأنّ جدّها إسماعيل شاه أدخل المبادئ الشيعيّة إلى إيران كما تَقدّم، ولعلّه كان يُريد التقرّب مِن السُنيّين في الأنحاء الأُخرى وتسهيل الفتح، وضمّ الممالك على نفسه حتّى أتى هذا الأمر الغريب، ولكنّه لم يَنجح في هذا إلاّ نجاحاً ظاهراً مُوقّوتاً، وظلّ الإيرانيّون على اعتقادهم المعروف.
ودخل نادر شاه مدينة أصفهان بعد تتويجه بأُبّهة كبيرة، وبدأ يستعدّ لفتح الممالك، فأراد التخلُّص قبلَ كلّ شيءٍ مِن الأفغانيّين وسحقِ قوّتهم، وجمعَ جيشاً لا يقلّ عن ثمانين ألف مُحارب قصد منه إخضاع إمارة قندهار، وهي يومئذ لأخي السلطان محمود الفاتح الأفغاني الشهير، ورأى قبل التقدّم على تلك البلاد أنّ في جوار عاصمته قوماً مِن البدو يُعرفون باسم البختياريّن يُكثرون مِن قَطع الطُرق وتخطف الماشية وإقلاق راحة الناس، فإذا وافتهم جنود الحكومة امتنعوا في كهوف حَصينة لهُم في الجبال، وحاولتْ الحكومة مِراراً ردّ شرّهم فأخفقت سعياً، حتى اعتقد الناس أنّ إخضاع هؤلاء القوم مِن الأُمور المُستحيلة، ولكنّ نادر شاه لم يكنْ ممَّن يسكت عن عدوٍ له أو يعود عن عَزم، فصمَّم النيّة على تأديب هؤلاء العُتاة، وظلّ يحاولهم ويُطاردهم في الجبال حتّى قهرهم وأذلّهم وردّ عن الناس شرّهم، وأخذ منهم عدداً كبيراً مِن الرجال أدخلهم في جيشه، وظهرَ مِن الحوادث المُتتابعة أنّه أحسن صُنعاً في ذلك؛ لأن هؤلاء اللصوص كانوا أشهر جنوده في البسالة، وهُم الذين مكّنوه مِن فتح مدينة قندهار.
وأمّا قندهار هذه، فكانت حصينةً جدّاً ولأهلها بسالةٌ وعزمٌ شديد على المُقاومة،
فحاصرها نادر وبنى حولها الحُصون والقلاع، ومكثَ حولها حولاً كاملاً يُحاول امتلاكها وهي لا تخضع، حتّى أعيا وملّ طول الحصار، فأشار إلى جنوده بالهجوم العنيف، فهجمت في مُقدّمتهم فرقة البختياريّين وافتتحت البلدة عُنوة، فسلّم حاكمها المدينة لمّا لم يبقَ له أملٌ في الخلاص، وعامله نادر شاه بالرفق والمودّة، وضمّ بعضَ الفِرق الأفغانيّة إلى جيشه، وكان هو ينوي استخدام الأفغانيّين في جيشه مِن عهدٍ بعيد حتّى يكون في مأمَن مِن قيام الإيرانيّين عليه، وساعده الأفغانيّون مُساعدةً كبيرة على فتح الهند والبُلدان الأُخرى التي أخضعها مدّة حُكمه الطويل.
وكان رضا قلي ميرزا ابن نادر شاه بَطلاً مقداماً مِثل أبيه، وله جُنود وأعوان يُساعد بها والده على النصر، فكان يُحارب بقيّة بلاد الأفغان بينا كان والده مُحاصراً قندهار، وتقدّم منها على بلاد التَتر فدوّخ البُلدان وفلّ الجيوش وامتلك المواقع، فلمّا سمِعَ نادر شاه بفعال ابنه بعث ينهاه عن مُحاربة التتر؛ بعلّة أنّهم مِن أقوام جنكيز وتيمور يجب احترامهم، فرجع رضا قلي ميرزا عنهم، واكتسب نادر شاه ودادهم مِن ذلك اليوم، فلم يلقَ منهم ما لقيه غيره مِن الهجوم المُستمر على حدود مملكته، وتمكّن بذلك مِن التفرّغ لإخضاع البُلدان الأُخرى وأهمّها الهند.
وأمّا إخضاع الهند، فكان في بال نادر شاه مِن زمان بعيد، وساعده الزمان على الإسراع إلى امتلاكها بعد فتح قندهار، وذلك أنّه كَتب إلى سلطان دلهي - وهي يومئذٍ عاصمة الهند، وصاحبها سليل بابر وتيمور المشهورين - يرجوه ألاَّ يسمح لحُكّام بلاده بمُساعدة أعدائه الأفغانيّين الذين يفرّون مِن وجهه إلى بلاد الهند، وكرّر الكِتابة إليه في هذا الشأن فلم يتنازل محمّد شاه سلطان الهند إلى إجابته، وأوجد بذلك سبباً للضغينة وعلّةٍ للتقدّم على بلاد الهند بالجيوش، وكان ذلك طبق رغائب نادر شاه.
وزحفَ نادر شاه سَنة ١٧٤٠م بكلّ ما لديه مِن القوّة على بلاد الهِند، ولم يلقَ في طريقه إلى دلهي مُمانعةً تُذكر؛ لأنّ السلطان كان لاهياً بملذّاته، ووزراؤه وأعيان دولته مِثله لا يهتمّون بغير حظوظهم ومسرّاتهم، وهُم لا يحسبون لغوائل الدَهر حِساباً، ويظنّون أنّ نادر شاه لا يقدر على هزّ دولتهم، ولكنّ نادراً كان يسيرُ بسُرعة لا تُصدّق إلى عاصمة الهند، وكلّما مرّ بولاية أو مدينة أخضعها والحكّام يؤدّون له الإكرام والخضوع بلا عناء كبير؛ لأنّ
مُعظمهم كان يَعلم حال السلطان وأعوانه، ويؤكّدون أنّ مملكتهم لا تقوى على ذلك البطل العظيم، على أنّ محمّد شاه أفاق مِن غفلته لمّا قربَ الفاتح مِن عاصمته، فجمع جيشاً كبيراً ولاقى الإيرانيّين به وبدأ القتال بين السُلطانين في الحال، فدارت الدائرة على الهنود بعد قتال عنيف استمرّ عدّة ساعات، وقُتل مِن جيش سلطان دلهي نحو عشرين ألفاً وأُسر عددٌ أكبر مِن هذا وفرّ الباقون هاربين، فلم يبقَ لسلطان الهند بعد هذه الكسرة مَطمع في النجاة مِن يد الفاتح، ولهذا عوّل على مُصالحته، وأرسل إليه الوزراء والأُمراء ليُفاوضوه في أمر الصُلح، ثُمّ حضر هو بنفسه إلى خيمة نادر شاه فاحتفل سلطان إيران بقدومه احتفالاً عظيماً، وأكرمه إكراماً فائقاً، حتى إنّه جعل نفسه خادماً لزميله سلطان الهند، وقدّم له ختم مملكة إيران علامة الخضوع، كلّ ذلك وهو صاحب الأمر، وما جاءه سلطان الهند إلاّ لطلب رضاه والتخلّص مِن غَضبه، ولكنّ نادر شاه كان يحترِم ذوي الأقدار، ويجلّ ذِكر تيمور فأكرم محمّد شاه؛ لأنّه كان مِن سلالة.
وعقد نادر شاه صُلحاً مع السلطان محمّد، فأقرّه على سَلطنة الهند وجعله حليفاً له يصدع بأمره، وضم إلى مملكته قسماً مِن الولايات الهنديّة المُتاخمة للحدود الإيرانيّة، وجمع مِن خزائن السلطان شيئاً كثيراً جداً مِن المال والتحف، وكان محمّد شاه يُريد الإعراب عن عرفانه لجميل نادر، فلم يُبقِ في خزائنه شيئاً مِن التحف والجواهر النادرة والذهب الذي لا حصر لقيمته حتى وهبه لهذا الفاتح العظيم، واقتدى الأُمراء والأغنياء وكلّ ذَي وجاهة وثروة بالسلطان فجمعوا مالاً لا يُحصى وأعطوه لنادر شاه ثَمن رقابهم وإقراراً بالخضوع لسيفه، وبلغتْ قيمة هذه الأموال مَبلغاً هائلاً لا تقلّ عن أربعين مليون جنيه، وكان نادر شاه مُغرماً بجمع الحجارة الكريمة والجواهر، فتمّ له بعد فتح الهند ما يُريد ونال فوق ما يؤمّل، ولهذا اكتفى بالذي أخذه منها: تخت الطاوس الشهير، وجوهرة (درماي نور) وجوهرة (كوه نور) اللتان ليس لهما نظير في العالم، وأصدر منشوراً عامّاً بالصُلح وإقرار محمّد شاه على السلطنة في دلهي، وجاد على جنوده بالرواتب الطائلة والهدايا الكثيرة، واسقط عن إيران ضرائب مُدّة ثلاثة أعوام، وكان على وشك الرجوع إلى بلاده مِن بعد جَمع هذا المال الوافر، فحدثت فتنة في مدينة دلهي وقام جُهلاء الأهالي على جنود نادر شاه فقتلوا بعضهم وساعدهم في ذلك أُناس مِن الأعيان
والأُمراء، فاشتدّ غيظ نادر وأقسم أنْ لا يتركنَّ المدينة حتّى ينتقم لرجاله مِن أهلها، ولذلك جَمع رجاله وأمرهم بقتل كلّ مَن وجدوه مِن أهالي دلهي، فثار الجنود في كلّ جهة يقتلون ويذبحون، ونادر شاه قاعد في غرفة مُظلمة وقد تولاّه الغيظ والقلق، وظلّ الإيرانيّون يشتغلون في الذبح زماناً طويلاً حتى هلكَ مِن أهل دلهي المساكين نحو خمسين ألف نفس، وقيل أكثر - وفي رواية بعض المؤرّخين ثمانية آلاف - فلم يبقَ لمحمّد شاه صبرٌ على هذه الأهوال، فقام إلى قصر نادر، ودخل غُرفته وهو يصيح ويستغيث، ويرجوه أنْ يُبقي على أهل مدينته، فقام له نادر شاه وأكرمه، وأمر في الحال أنْ يُجاب سؤاله وأنْ يمتنع الجنود عن القتل والذبح، وصدع الرجال بأمر مليكهم في الحال.
ومِن غرائب الأُمور أنّ ابن نادر شاه الثاني اقترن بابنة محمّد شاه، واحتُفل بزفافهما احتفالاً باهراً في مدينة دلهي بعد هذه الحوادث الهائلة بأيّام قليلة، ثُمّ غادر نادر شاه عاصمة الهند بعد أنْ أقام فيها ثمانيةً وخمسين يوماً.
وكان احتفال الإيرانيّين بعود سُلطانهم الفاتح عظيماً، واندهاشهم ممّا جمعه مِن المال وما أتى به مِن الغرائب أعظم، وظلّ نادر شاه أشهراً في أصفهان لا همّ له غير إيلام الولائم والتمتّع بلذّة المُلك بعد الفتح والنصر، حتى خاف أنْ يستولي الخمول على عساكره، فقام بجيشه وسار لمُحاربة مَلك بخارى واسمه أبو الفيض خان، وتمكّن مِن إخضاعه ومُحالفته على مثل ما سار مع أمير أفغانستان وسلطان الهند.
ثُمّ تقدّم على بلاد خوارزم وبلاد خيوه وقهر حاكمها البرز، وولّى مكانه أحد أقارب أبي الفيض مَلك بخارى بعد أنْ صاهره ووالاه، وتقدّم مِن بعد هذا لمُحاربة أهل داغستان وردّ غاراتهم عن الأنحاء المُجاورة لهم، ولكنّه لم يلقَ النجاح الذي تعوّده في حروبه السابقة، وحدث له في أثناء هذه الحرب الأخيرة حادثٌ أقلقه، وذلك أنّ أحد الأعداء كمن له ولو لا القليل لتمكّن مِن الفتك به، إلاّ أنّ ابنه رضا قلي ميرزا أسرع لإنقاذه، ولكنْ مِن غريب الأُمور أنّ نادر شاه أساء الظنّ بابنه الباسل بعد هذه الحادثة، وظلّ يزيد كُرهاً له يوماً بعد يوم حتّى أمر بإطفاء بصره، وخسر بهذا الصنيع أكبر عضُد له في مملكته، وندم نادر شاه على هذه القسوة الوحشيّة بعد حين، ولكنّه على ما يظهر أُصيب بمرض الوهم
والقسوة، مثل غيره مِن الذين رقوا سُلّم المَجد بالإقدام والجُرأة فصار عدوّاً لأهل بيته، ونشأ عن ذلك تأخّر أحواله فإنّه اشتبك بعد ذلك بحرب مع الأتراك لم يُظهر فيها شيئاً مِن بسالته المعهودة، وانتصر عساكره في موقعة واحدة لمُجرّد توهّم الأتراك أنّهم لا يقدرون على الوقوف في وجه نادر شاه.
وجعل نادر شاه مدينة مشهد طوس عاصمة مُلكه، وعوّل بعد الاختبار على العدول عن مضادّة أهل المذهب الشيعي، ولكنّه رأى أنّ مُجاهرته بالعدوان لمذهب الإيرانيّين يُسبّب نفور القوم منه، فشدّد في اضطهاد بعض المشايخ والأئمّة، وكان ذلك داعياً إلى انتشار الثورة، فعصته ولايات فارس وشيروان ومازندران وسيستان (سجستان).
وظهر أنّ الإيرانيين كلّهم بدأوا يكرهونه؛ لأنّه كان يُسيء الظنّ بهم، ويُقدّم جنوده الأفغانيّين عليهم، ولهذا زاد العتوّ في صدر نادر شاه، وصار يقتُل الناس بالجماعات ولا يشفى غليله، حتى خاف الأُمراء شرّ الآخرة وتآمروا على قَتله، وفي جُملتهم بعضُ القوّاد ورئيس الحَرس وهُم مِن قبيلة الأفشار التي نشأ منها نادر، فدخلوا مَخدعه في إحدى الليالي وقتلوه سَنة ١٧٤٧م، وأخذَ أحدُ الأفغانيّين مِن تاجه الجوهرة المُسمّاة بكوه نور التي تقدّم ذكرها، ثُمّ انتقلت إلى تاج مَلكة إنكلترا.
وكان نادر شاه مِن أعظم مُلوك الأرض، واشتهر بحبّه للجواهر والمال، وبدهائه في استمالة الشعوب التي أخضعها، وبكرهه للأديان حتّى إنّه تَرجم بعض أسفار الإنجيل ليرى إذا كانت أقرب إلى ذوقه مِن القرآن، وجمعَ أرباب الأديان الثلاثة يوماً وباحثهم في الأديان، ثُمّ صرفهم ولم تزل آثاره العظيمة في كلّ أنحاء إيران إلى اليوم.
ولمّا أُتيح لي في عام ١٣٥٣ للهجرة و١٩٣٤م للميلاد السفر إلى العراق وإيران لزيارة المقامات المُقدّسة فيهما، وللتعرّف بأحوال هاتين المملكتين، ولإمتاع النفس بما فيهما مِن الذكريات الخالدة، وألقيت عصا السير في مدينة مشهد - طوس - حيث مرقد الإمام الثامن الضامن عليّ بن موسى الرضا (عليه وعلى آبائه وأبنائه أفضل التحيّة والتسليم) قصدّتُ مَرقد هذا الشاه العظيم، المدفون غربي مشهد في بُقعة لا تقلّ المسافة إليها في شارع مسمّى باسم نادر شاه - خيابان نادري - عن ثلاث كيلومترات، يقع قبره
إلى الشمال مِن هذا الشارع في بناية تقوم عليه قبّة شاهقة، وفيها شقّتان تقوم بإحداهما مكتبةٌ باسم: مكتبة نادر شاه، والأُخرى إلى الجنوب وقد جُعلت مقرّاً للشرطة (النظيميّة)، والبقعة القائمة فيها هذه البناية رَحبةٌ فسيحةٌ مُتنزّه بما فيها مِن الحدائق والأشجار الشاهقة، وصادف ذهابي لزيارة مَرقده يوم إقفال المَكتبة، وهو يوم الثلاثاء، وفيه تُقفل المكتبة الرضويّة وتُفتح المكتبتان في بقيّة أيام الأُسبوع، اللّهمّ إلاّ في أيّام الأعياد.
أمّا مذهب نادر شاه، فهو المذهب الشيعي، وكان حكيماً مُدبّراً بعيد النظر في سعيه للتقريب بين السنّة والشيعة، وهو جدّ عليم ما يجني مِن هذا التقريب مِن فوائد تعود إلى ترسيخ قواعد مُلكه، وهو ينتظم أجزاء غير قليلة مِن البلدان سكّانها مِن أهل السنّة، وقد كان له مِن هذا التقرّب الذي سعى له - وإن لم يثمر ثُمره كُلّه ويؤتي وأُكله ويقلّل مِن مسافة الخف بين أتباع المَذهبين - أنْ استفاد منه إخلاص الأفغانيّين، واصطفى منهم مَن فضّله على الإيرانيّين أنفسهم مِن قوّاده والمُقرّبين له، ولو أنّه سلك طريق الاعتدال والقصد فيما قصد إليه - سواء أكان يرمي إلى مصلحة أبناء المذهبين العامّة، أم إلى مصلحته الخاصّة - لكان لسعيه نصيبه مِن النجاح، ولم يفقد إخلاص أبناء مَذهبه، ومِن ذلك ولا ريب اتّخذ خصومه السياسيّون ومُزاحموه على الصولجان والسلطان ذريعةً لتنفير الإيرانيّين منه.
وكيف كان، فإنّا نودّ إنْ فات الهدف نادراً فلم يصل إليه في ذلك العهد مِن مُلوك الفَرقتين وذَوي الرأي والعِلم لتحقيق هذا التقريب الذي هو هدفُ المُصلحين منهما جميعاً ومنه الخير كلّه للمسلمين كافّة، وقد مهّد له حكيما الإسلام: السيد جمال الدين الأفغاني، والأُستاذ الإمام الشيخ محمّد عبدة المصري، وتلامذتهما، ومَن طبع على غرارهما طريقه القويم وصراطه المستقيم، ولعلّ ما فاتَ نادراً وفات هؤلاء الأعاظم الغير يمسي على طرف الثمام للمسلمين المُخلصين مِن المذهبين في هذا العصر.
وبعد مقتل نادر شاه وانطواء صفحة جلاده وجهاده، استدعى القوّاد علي شاه ابن أخي نادر شاه فأجلسوه على عرش إيران وألبسوه التاج، ولمّا ظهرَ ضعف هذا وأنّه لم يقوَ على الحُكم زماناً جاء أخوه الذي حَكم باسمه ثُمّ عَزله.
وكان علي قد سمّى نفسه عادل شاه، وقتل كلّ آل نادر ما
خلا حفيده شاهرُخ، وهو يؤمئذٍ وَلدٌ صغير، ولمّا أسره أخوه إبراهيم وجلس مكانه مات في السجن.
ثُمّ إنّ أخاه هذا لم يذق طعم العِزِّ، وقام عليه حراسه وقتلوه وولّوا مكانه شاهرُخ، وكان هذا صغيراً يوم رُقّي العرش، وله خصم عنيد وهو ميرزا سيّد محمّد - أحد قوّاد نادر شاه - فتمكّن هذا الخصم مِن أسرِ شاهرُخ وإطفاء بصره والجلوس على العرش، ولكنّه لقيَ في الحال ما يلقاه الظالمون؛ لأن يوسف علي خان وهو رئيس جيش إيران يومئذٍ أسرع إلى الانتقام مِن ظالم شاهرخ، فأسره وقتله وأعاد شاهرخ إلى العرش، على أنّ الطامعين في العرش كثروا في تلك الأثناء واضطرّ شاهرخ بعد العناء الكثير أنْ يرضى ببلاد خُراسان، فنُقل إليها وظلّ حاكماً عليها زماناً، وصارت إيران إلى قبضة كريم خان زند، كما ترى ذلك مبسوطاً في تاريخ الدولة الزنديّة.
هذا ما جاء في تاريخ إيران لمكايوس عن أوّليّة نادر شاه وآخر أيّامه.
وإليك ما أوجزه عنه محمّد فريد بك في تاريخ الدولة العثمانيّة قال في هامش الصفحة (١٤٧):
لم يكن هذا القائد مِن إحدى العائلات المعلومة، بل غاية ما يُعلم عنه أنّه وُلد في بلاد خُراسان سنة ١٦٨٨م تقريباً، وبعد أنْ اشتغل في مِهن كثيرة مُختلفة ألّف عصابة متسلّحة للسلب والنهب، واستولى على خُراسان واستبدّ بها أثناء الاضطرابات التي أعقبت موت الشاه حسين في سَنة ١٧٢٢م، ثُمّ دخل في خدمة الشاه طهماسب وحارب معه مُغتصبي المُلك مِن الأفغان، ثُمّ لمّا قَبِل الشاه المَذكور مُعاهدة ١٢ رجب سنة ١٤٤هـ عزله نادر خان وأقام مكانه ابنه الرضيع عبّاس الثالث، وبعد أربع سنوات توفّي عباس هذا واغتصب نادر المَلك وحارب المغول في الهند، وفتح مدينة دلهي، وأخيراً قتله قوّاد جيوشه سنة ١٧٤٧م لظُلمه واعتسافه.
وقال في الأصل في الصفحة المذكورة: وبعد استتباب الأمن استأنفت الدولة الحرب مع مملكة الفُرس، وتغلبت الجيوش العثمانيّة على جنود الشاه طهماسب في عدّة وقائع أُهرقت فيها الدماء مدراراً، فطلب الشاه الصُلح، وتمّ الأمر بين الدولتين في ١٢ رجب سنة ١٤٤هـ، والموافق ١٠ يناير سنة ١٧٣٢م على أنْ تَترك مملكة العَجم للدولة العليّة كلّ ما فتحته ما عدا مدائن تبريز وأردهان وهمذان وباقي إقليم لورستان، لكنْ عارض
نادر خان (شاه) أكبر ولاة الدولة في هذه المُعاهدة، وسار بجيوشه إلى مدينة أصفهان وعَزل الشاه طهماسب وولّى مكانه ابنه القاصر عبّاس الثالث، وأقام نفسه وصيّاً عليه، ثُمّ قصد البلاد العثمانيّة، وبعد أنْ انتصر على جنود الدولة حصر مدينة بغداد فأسرع الوزير طوبال (أي الأعرج) عثمان باشا إلى مُحاربته، وجرت بينهما عِدّة وقائع قُتل فيها عثمان باشا المذكور، فطلبت الدولة الصُلح، وبعد مُخابرات طويلة اتّفق مندوب الدولة مع نادر خان في ١٨ جمادى الأُولى سنة ١١٤٩هـ، الموافق ٢٤ سبتمبر سنة ١٧٣٦م في مدينة تفليس، حيث نودي بنادر خان مَلكاً على العجم، على أنْ تردَّ الدولة إلى العَجم كلّ ما أُخذ منها، وأنْ تكون حدود الدولتين كما تقرّر بمُعاهدة سنة ١٦٣٩م المُبرمة في زمن السلطان مُراد الرابع.
وإليك ما جاء عنه في تاريخ جودت باشا: وفي عصر السلطان محمود خان الأوّل - صاحب الغيرة والإقدام والشأن العظيم - فُتحت فُتوحات عظيمة، وجرت وقائع جسيمة، فإنّه ساق العساكر إلى الشرق والغرب، وأتى بأعمال كبيرة تدلّ على ما عنده مِن الغيرة وعلوّ الهمّة، وذلك أنّه حارب نادر شاه عدّة حروب أوّلاً وآخراً، فعيّن عثمان باشا الأعرج سر عسكراً لجهة المشرق، فغلب نادر شاه وظفر به بعد امتداد المُحاربة في صحراء كركوك نحو تسع ساعات، ففرّ نادر شاه مجروحاً، وأمسى أكثر بلاد إيران خراباً، ثُمّ جرت بين نادر شاه والعثمانيّين حروبٌ عديدة كانت بينهما سجالاً، وذلك ناشئ عن إنكار المذهب الخامس الذي انتحله نادر شاه، وفي آخر الأمر في عصر السلطان مراد الرابع عُقد الصُلح على الحدود بين الفريقين، فأخذ بعد ذلك نجم نادر شاه في الأُفول، وخرجت خانات إيران عن طاعته واحداً بعد واحد آخر، ولم يمضِ قليلٌ مِن الزمن حتّى قتله ذووه وانتهى أمره.
وفيما قصّه جودت باشا مِن أخبار نادر شاه نظر مِن وجوه:
الأول : إنّ مَن أرّخ نادراً ممَّن وقفنا على تواريخهم لم يَذكر أحدٌ منهم أنّ نادر شاه فرّ مِن عثمان باشا مجروحاً ومُنكسراً، بل عرفت آنفاً أنّه انتصر على عثمان باشا، وأنّ هذا قُتل في إحدى الوقائع التي وقعت بينه وبين نادر، وأنّ النصر كان لنادر بسبب مَقتله، وأنّ الدولة هي التي طلبت الصُلح مِن نادر شاه.
الثاني : إنّ عقد الصُلح ووقوع هذه الحرب في عهد السلطان محمود لا السلطان مُراد الرابع الذي لم يكن مُعاصراً لنادر شاه، وبينهما مدّة طويلة،
وتوهّم وقوع الصُلح بين نادر شاه والسلطان مُراد الرابع ناشئ مِن تضمّن مُعاهدة الصُلح بين السلطان محمود ونادر شاه أنْ تكون حدود الدولتين العثمانيّة والإيرانيّة كما تقرّر في مُعاهدة سنة ١٦٣٩م، وبين المُعاهدتين كما ترى زهاء قرن.
الثالث: وهو أغرب الوجوه، تعليله السَبب في نشوء الحروب التي تواترت بين العثمانيّين والإيرانيّين - وإنْ شئت فقل بين العثمانيّين ونادر شاه - هو إنكار العثمانيّين المذهب الخامس الذي انتحله نادر شاه، فإنْ أُريد بذلك أنّ نادراً لم ينشأ نشأةً شيعيّة وإنّما كان يدين بغير التشيّع فإنّ ذلك مُخالف للواقع ولم يقل به مؤرّخ. على أنّ الذي ظهر منه هو عكس ذلك، فقد كان يظهر الحرص كلّه على التقريب بين السنّة والشيعة وسعى لذلك جهد طاقته، وحسبك دليلاً على هذا جمعه بين فريق مِن علماء السنّة والشيعة للمُناظرة في العراق، وعقدِ اتّفاقٍ على وحدة المذهبين، وقد كَتب في ذلك الآلوسي كتاباً، وقد جرّ ذلك عليه كما ذكرنا في أخباره انصراف وجوه الشيعة عنه، وخاصّة بعد إظهاره كلّ ما تطمئنّ إليه نفوس السنّة مِن عنايته بأمر هذه الوحدة المذهبيّة، ومنه استخلاصه خاصّة قوّاده ورجال بطانته مِن الأفغانيّين وهُم مِن السنّة في الصميم، وبمكان الذروة منه والغارب.
وبعد، فإنّ مِن العجيب وقوع مثل هذا المؤرّخ التُركي المعروف في مثل هذه الأغلاط التي يُبددها قليل مِن النظر وقليل مِن التفكير الصحيح، ولكنّ العِصمة لله وحده ولأهل العصمة.
على أنّ الذي كان يرمي إليه نادر شاه مِن هذه السياسة - سياسة التقريب بين أبناء المذهبين - قد بسطناها فيما سبق، ومنها أنّه كان يحاول إزالة ما نُسب إلى الشاه عبّاس الأوّل مِن التنطّع في شيعيّته مِن أذهان السنّة، فيحلّ التقارب محلّ التباعد بينهما، ويجتثّ أُصول تلك العصبيّة التي كان يتّخذها دُعاة السوء ذريعة للحُروب المُتتابعة بين دولتين إسلاميّتين كبيرتين مُتجاورتين، تزهق فيها النفوس وتفسح للعدوّ في الدين والطامع في الاستيلاء على مملكتيهما المجال، وإضعاف الدولتين، ولو أنصف المؤرّخون نادراً لأكبروا له سعيه ولجرَوَا على سُنّته ولطرزوا على آثاره، ولعلموا أنّه أعظم مِن ضرب سهم وافر في عملٍ إسلاميٍّ مجيد حميد الأثر مشكور الورود والصدور.
الدولة الزنديّة الإيرانيّة
تقدّم في تاريخ نادر شاه ما آل إليه أمره بعد تدويخه الممالك واسترداده لمجد إيران، ومصير المُلك إلى الشاهرخ، وهو مِن بني علي أخي نادر، وغلبة كريم خان عليه، وهو مُؤسّس الدولة الزنديّة، فقد رأينا أنّ نُدّون أخبار هذه الدولة الناشئة على أنقاض الدولة النادريّة إنْ صحّت هذه التسمية، ثُمّ نُدوّن تاريخ الدولة القاجاريّة التي انتهى إليها بعد هذه الدولة المُلك الإيراني؛ لينتظم مِن مجموع تاريخ هذه الدول التي كانت سريعة الفوز بمهام الدولة والظَفر بالمُلك سريعة التدهور عقدٌ مُستحكم الحَلقات.
لمّا كَثُرت القلاقل بعد مقتل نادر شاه، وتداعى الطامعون في المُلك إلى نيله أدّى ذلك إلى التنازع والمُشاحنات التي لم تنتهِ إلاّ بقيام كريم خان زند بالأمر، وهو أشهر مَن حَكم إيران مِن هذه الدولة القصيرة العُمر، وله شُهرة في حُسن الإدارة والعدل والأناة، وهذا أهمّ ما يُروى عنه.
بينما كان أحمد خان يسعى في إخضاع خُراسان - كما سبقَ الخبرُ عن ذلك - انتهز محمّد حسن خان الفرصة ونادى باسمه أميراً على استرآباد وما يليها مِن بلاد مازندران، ومحمد حسن خان هذا هو جدّ الأُسرة القاجاريّة التي آل إليها مصير المملكة الإيرانيّة، ومازندران هو موطن قبيلته الباسلة، وكان نادر شاه قد نكّل بكثير مِن رؤسائها، فنفّر أفرادها منه ومِن قبيلته وعوّلوا على مُناهضة دولته؛ ولذلك انضمّ أكثرهم إلى محمّد حسن خان حتى عمّت سطوته، وخشي أحمد خان شرّه فبعث جيشاً لمُحاربته ولامتلاك مازندران عليه، ولكنّه لم يُكتب لجيشه النجاح، فزاد بذلك هذا الأمير القاجاري قوةً، وكانت الولايات تستقلّ الواحدة بعد الأُخرى، حتى إنّ
أذربيجان وگيلان وبلاد الجراكسة أصبحت ممالك مُنفردةً لا سُلطة لصاحب إيران عليها، وكانت أصفهان بلا قائدٍ شهيرٍ يُعرف، فتمّ لأحد المشاهير واسمه علي مردان خان - وأصله مِن القبيلة القاجاريّة التي سبقَ لها ذِكر - أنْ يحكم هذه العاصمة، وفكّر في أنْ يُنصّب أحد رجال الأُسرة الصفويّة مَلكاً عليها، ويكون هو صاحب القوّة، ولكنّه رأى أنّه لا يقدر على القيام بهذا الأمر الخطير وحده، فاستدعى بعض الأُمراء لمُساعدته، وكان أشهرهم شيخ قبيلة الزنديّة - مِن الأُسر الفارسيّة الأصلية - واسمه كريم خان، ولم يشتهر بالحَسب والنَسب، ولكنّه عُرف بالبسالة والصبر الغريب على الشدائد، وفاقَ أُمراء عَصره بالحِلم والإنصاف وحبّ الرعيّة، وقد يَعسر على المُنصف أنْ يجد حاكماً أعدل منه وأكثر حِلماً مِن كلّ الذين تولّوا إيران قبله مِن بعد الفتح الإسلامي.
واتّفق علي مردان خان وكريم خان على اقتسام البلاد بينهما، وإقامة مَلك يحكم بالاسم مِن الأُسرة الصفويّة، وظلاّ على ذلك مدّةً، وكانت القوّة والشُهرة في أوّل الأمر كلّها لعلي مردان خان، إلاّ أنّ كريم خان اجتذب القلوب إليه حيثما حلّ بحِلمه وعَدله، وكأن عساكره اقتدت به فلم تُؤذِّ الأهالي، وسادَ الأمن والعدل في البلاد التي حكمها هذا الأمير العادل حتى تعلّقت به القلوب، وبدأ علي مردان خان يخشى شرّ هذه الشُهرة، ويُظهر لزميله نُفوراً وعداءً، حتى اشتهر أمر هذا العداء، وأصبح الأميران عدوّين مَعروفين، ولكن كريم خان امتاز على خصمه بحبّ الذين يحكمهم له ونفور أهل أصفهان مِن علي مردان، وكانت مزايا كريم خان هذه مِن أكبر أسباب نجاحه. وانتشب القتال بين الأميرين يوماً فلم تطل مدّته حتّى قامَ أعوان علي مردان على رئيسهم وقتلوه، فخلا الجوّ لكريم خان، وأصبح هو صاحب أصفهان والحاكم المُطلق على جميع الولايات الإيرانيّة الجنوبيّة.
ولكنّ الأمر لم يتمّ لكريم خان على ما يُريد عند قَتل خصمه؛ لأنّ غيره مِن الأعداء الطامعين في المُلك كانوا كثيرين، وفي جُملتهم أسد خان صاحب أذربيجان، فتحارب الأميران ودارت الدائرة على كريم وقومه فاضطرّ إلى الفرار وتركِ أصفهان وشيراز وغيرها لعدوّه، ولمّا كان جيش أسد خان يُطارده ورأى أنّ قوّته لا تكفي لمُقاومته عَزم على الرحيل إلى
الهند، والبقاء فيها إلى آخر العُمر بعيداً عن مَتاعب المُلك والقتال، ولكنّه لحُسن حظّه التقى في طريقه رجُلاً باسلاً اسمه رستم خان - كان شيخاً على مدينة خشت وما يليها على حدود إيران وبلوخستان - فأشار رستم عليه أنْ يتربّص للعدوّ في تلك الناحية حتّى إذا جاءه جيش خصمه تركه يتقدّم إلى وادٍ شهير يُسمّى وادي كوماردج، ومتى صار الجيش إلى هذا الوادي أمكن لعدد قليل مِن المُحاربين أنْ يحصروه فيه مِن الجانبين ويقتلوا رجاله عن آخرهم، فسمع كريم رأي صديقه واستعدّ للمُخاطرة بحياته وحياة الذين تبعوه مِن الأعوان الأُمناء في ذلك المضيق، وتعهّد له رستم خان بالمُساعدة وتحقيق الأماني، وصدق ظنّ الأمير المقدام فإنّ أسد خان جاء وجيشه تلك البقعة، ودخل ذلك الوادي بعينه، وكان رستم خان قد وزّع الرجال في الجبال مِن الناحيتين، ووضعهم بين الأشجار والصخور حتّى يمنعوا الأعداء مِن الفرار ساعة القتال، وأقام على طرفي الوادي في موضع لا يُبصره العدو قوّة، حتى إذا دخل كلّ ناحية وأعملوا فيهم السيوف، وقاتل جيش أسد خان قتال الأبطال ولكنّ الموقع كان في قبضة أعدائهم، فقَتلوا منهم عدداً كبيراً وأوقعوا الفشل فيهم، ولم يتمكّن الباقون مِن الفرار فقُتلوا عن أخرهم، ولكنّ أسد خان تمكّن مِن الفرار، وقصدَ بلاد العراق فحارب فيها بعض الأُمراء، ودار في جوانب البلاد يوماً ينتصر ويوماً يرى الأهوال حتى كَرِه الحياة وسلّم نفسه إلى كريم خان طالباً منه الصَفح، فصفح كريم عنه وأحسن معاملته، وجعله صديقاً له ممّا أنساه كلّ عداءٍ قديم كان بينهما، وصار مِن أعوان كريم وأخصّائه.
على أنّ أكبر أعداء كريم خان كان محمّد حسن خان رئيس قبيلة قاجار الشهيرة، وكانت هذه القبيلة ولم تزل قويّة جدّاً، فتعب كريم خان تعباً لا يوصف في إخضاعها، ولم يكن نجاحه في ذلك إلاّ موقوتاً؛ لأنّ أمير هذه القبيلة مَلكَ البلاد مِن بعده وأسس الدولة القاجاريّة، وظلّ محمّد حسن خان يزيد قوّته في الأنحاء الشماليّة؛ حتى إذا سمع بخضوع أسد خان لكريم خان استعدّ للقتال؛ لأنّه لم يبقَ في البلاد غيره وغير كريم، فأراد قتلَه والتخلّص منه لتصبح بلاد إيران كلّها في سلطانه، وتقدّم بجيش جرّار إلى أصفهان، فاضطرّ كريم خان أنْ يهجرها ويلجأ إلى شيراز، فجاء محمّد
حسن خان ومَلك أصفهان بلا مقاومة، وكأنّ الفوز الأخير لاح له؛ فشمخ بأنفه وغيّر طباعه وشدّد الوطأة على أهل أصفهان، فنفروا منه وكان نفورهم هذا مِن أسباب سقوطه، ولا سيّما وأنّه بعد هذه الأُمور سار بجيشه لمُحاربة شيراز والقبضِ على كريم خان الذي كان مُحاصراً فيها، فأظهر كريم خان في هذا الحصار بسالةً غريبة وتأنّياً عجيباً؛ لأنّه كان يدور في المدينة دائماً بوجهٍ باسمٍ ومُحيَّا طلق، فينشط الأهالي على الحصار، ويُنصف في كلّ أمر عُرض عليه، واستمرّ على إرسال الجواسيس إلى جيش خصمه كلّ يوم ليُلقوا بذور الفساد بينهم، ويُحسّنوا لهم تركه والانضمام إلى جيش كريم خان، ونجح في ذلك نجاحاً تامّاً، فاضطرّ محمّد حسن خان إلى الرجوع عن شيراز والعود إلى أصفهان، ورأى في هذه المدينة أيضاً أنّ الناس خصومه وأنّ قوّته قلّت، فتركها وعاد إلى مازندران وهي بلاده الأصليّة.
وعاد كريم خان إلى أصفهان، فلاقاه أهلها بالترحاب والإكرام، وسَمِعت المدائن الأُخرى بفوزه فأظهرت له الخضوع وبه السرور، وكثر عدد جيشه والمتطوّعين لخدمته، فأرسل جيشاً بقيادة أحد زُعماء قوّاده لمُحاربة محمّد حسن خان واسترجاع مازندران منه، وقام هذا الأمير لمُحاربة أعدائه بقلبٍ قوي إلاّ أنّ الدهر خانه، وكبا به الجواد فتمكّن الأعداء مِن قتله، وأمر قائدهم أنْ يُرفع رأسه على حربة، فلمّا رآه الجنود هلعت قلوبهم وفرّوا مِن أمام أعدائهم، فتمّ النصر بذلك لكريم خان وأصبح هو مَلك إيران الفرد لا ينازعه فيه منازع.
واستراح كريم خان بعد هذا مِن القلاقل، فحَكم مُدّةً طويلة حُكماً لم يُسمع في إيران بأحسن منه، واطمأنّت قلوب الأهالي، وذهب شبح الأهوال وانتهت المذابح مِن بلادهم ومُنعت المظالم والمغارم، وراجت الصناعة والتجارة والزراعة، وتحسنت حال الأهالي تحسّناً بيّناً، وكثُرت موارد الثروة، واقبل تجّار الإفرنج على إنشاء المعامل والمُتاجرة في كلّ أنحائها، ولم يَشبْ حُكم كريم خان شائبةً غير ظُلم زكي خان ابن عمّه، وكان زكي هذا ظالماً عاتياً يُرسله كريم خان في المُلمّات لبسالته وإقدامه، وله شهرة واسعة في القسوة الوحشيّة والظُلم الرائع، ولعلّ كريماً أعطاه هذه السُلطة لأنّه كان يَعلم منه الإقدام والقسوة، ويُريد أنْ يكون في البلاد عاتياً مَرهوباً، ومِثله يُخيف الأعداء وأصحاب النفوس الأمّارة بالسوء؛ لأنّ حالة البلاد
تقتضي مِثل هذا الإرهاب؛ ولأنّ كريم خان نفسه كان يكره الظُلم ولا يُريد أنْ يُنسب إليه.
وحارب كريم خان الأتراك بعد أنْ استراح مِن كلّ أعدائه، وكان السببُ في الحرب أنّ والي البصرة أساء مُعاملةِ بعض الإيرانيّين، فطلبَ كريم خان أنْ يُقطع رأس هذا الوالي، ولم يجب سلطان الأتراك طلبه، فأرسل كريم أحد إخوته وأشهر قوّاده صادق خان لإخضاع البصرة وقتلِ واليها، وتمّ له ذلك بعد عناءٍ كبيرٍ وحصارِ ثلاثة عشر شهراً، وضمّ مدينةَ البصرة إلى أملاك إيران، والغريبُ أنّ سلطان الأتراك لم يهتمّ كثيراً لهذا الأمر ولم يجمع كلّ قوّته لاسترجاع هذه المدينة العظيمة، واستراح كريم خان بعد هذا راحةً تامّة، وكانت البلاد كلّها راضيةً بحُكمه، وجعل شيراز عاصمةَ مُلكه، وبنى فيها أبنيةً فخمة مِثل الأسواق والحمّامات والجوامع التي لا تزال باقيةً إلى الآن وأنشأ فيها البساتين؛ لأنّ أكثر أعوانه كانوا فيها وعلى مَقربة منها، وأحسن إلى الأُمناء مِن أهل دولته وشدّد على الظالمين، وأتى كلّ ما في وسعه لنشر الأمنِ والعدل في البلاد، فتَمّ له ذلك كلّه، إلى أنْ مات وهو في الخامسة والسبعين مِن عُمره، بعد أنْ حَكم إيران حُكماً مُطلقاً نحو ٢٦ سنة، وكانت وفاته في سنة ١١٩٣ للهجرة، وترك له في نفوس الإيرانيّين أجمل ذكرٍ وأطيبه.
وعدا على المُلك بعده ابن عمّه زكي خان، ولكنّ الناس كانوا يكرهونه فلم يتمتّع بالسلطة طويلاً، مع أنّه نَصّب ولداً مِن أولاد كريم مَلكاً وجعل نفسه وصيّاً عليه، وكان أشهر خُصومه صادق خان أخو كريم خان، وهو الذي أخضع البصرة كما مرّ خبر ذلك قريباً، فتقدّم لخَلع زكي وسمع أنّ هذا الأمير استبدّ ببقيّة الأُمراء مِن أُسرة كريم خان وقتلهم عن آخرهم، وخاف أنْ يقرب منه فظلّ يُحاربه عن بُعد، ولم ينجح في أوّل الأمر فاضطر إلى الفرار وظلّ زكي خان حاكماً حتّى قام له خصمٌ عنيدٌ قويٌّ وهو آغا محمّد خان جدّ الأُسرة القاجاريّة، وكان هذا الأمير أسيراً في قبضة كريم خان مُدّة حياته، فلمّا سمع بوفاته فرّ إلى مازندران وألّف جيشاً قويّاً مِن قومه كسر القاجاريّة به شوكة زكي، واضطرّه إلى القيام بنفسه لمُحاربته، وحدث أنّ زكي خان أكثرَ مِن الظُلم والعَسف فقام عليه عساكره فقتلوه.
وملك بعده صادق خان، إلاّ أن خصومه مِن أُسرته كانوا كثيرين، وأشهرهم علي مراد خان - وكان قائداً باسلاً - فوجّه إليه صادق ابنه نقي خان لمُحاربته ونجح في أوّل الأمر، ولكنّ علي مراد خان ظلّ يترقّب الفُرص حتّى رأى ضعفاً مِن صادق وميلاً إلى التمتّع باللذّات، وتركَ الحُكم إلى أولاده يُديرونها حسب أهوائهم وطيشهم، فقام لمُحاربتهم وحاصرهم في شيراز، وكان الأهالي يميلون إليه فنصروه على صادق ودخل علي مراد المدينة فتسلّمها، واضطرّ صادق وأولاده أنْ يخضعوا له فقتلهم عن آخرهم، ما خلا جعفر خان؛ لأنه أظهر له ميلاً قليلاً. وكان ذلك في ١٨ ربيع الأول سنة ١١٩٨هـ.
ومِن ذلك اليوم صار علي مراد خان حاكم إيران ومليكها المُطلق، فنقل عاصمة مُلكه إلى أصفهان بدل شيراز التي جعلها كريم خان قاعدة المملكة، وبدأ يوجّه كلّ همّه إلى إخضاع خصمه الوحيد آغا محمّد خان رئيس القاجاريّة، ولكنّه لقي خصماً غيره لم يكن ينتظر منه الضَرر وهو جعفر بن صادق خان، عصى على مراد خان، فقام المَلك لمُحاربته بنفسه، وكان مريضاً فاشتدّ عليه المرض في الطريق وقتله في ١١ فبراير سنة ١٧٨٥م، الموافق ٢٥ صَفر سَنة ١١٩٩ في قريةٍ صغيرةٍ على مَقربة مِن أصفهان.
وكان جعفر خان حليماً عادلاً يُحبّ ترقية البلاد، ولكنّ الدهر عانده، لأنّ جلوسه على العرش مدّةً طويلةً لم يكنْ مِن الأُمور المُمكنة؛ لكثرة خصومه، حتّى أنّ كلّ أقاربه كانوا يُحاولون خلعه، وثارت عليه ولاياتٌ كثيرة، هذا إلى مُنازعه في المُلك آغا محمّد خان الشهير الذي كان يترقّب موته بذاهب الصبر حتى يُقدم على فتح الطرق، وتمّ له ذلك في مُدّة جعفر، وكان قواد جيشه ناقمين عليه لأسباب شتّى، فتآمر بعضهم عليه ودسّوا له السُمّ في طعامه، وبينا هو يتألّم مِن عذاب سُمّه هجموا عليه وقتلوه وطرحوا رأسه في أحد شوارع شيراز، فانقضى حُكمه وآل الأمر إلى ابنه لُطف علي خان في سنة ١٧٨٦م الموافقة سنة ١٢٠٠هـ، وكان لطف علي خان بطلاً مقداماً، ولو أُتيح له الحظّ وساعدته الأقدار لتمّت على يده العظائم، وكان مِن جُملة سلاطين الشرق الذين لا يزال ذِكرهم دائمُ الترداد، مثل تيمور وعباس ونادر وغيرهم، ولكنّ هذا
الأمير ارتقى إلى المُلك في أحرج الأوقات وأتعسها، وكان له خصمٌ شديدٌ ليستْ مقاومته مِن الهيّن، وهو مؤسّس قواعد الدولة القاجاريّة، فلم يتهيّأ له الوقوف في وجهه وهو يبثّ له الدسائس والعُيون والأرصاد لإسقاطه مِن كلّ جانب.
وكان له صديق وهو الحاج إبراهيم مولى شيراز يُساعده على رغائبه في أوّل الأمر؛ لأنّه صنيعة أبيه، وله نفوذ كبير على قبائل العرب في شيراز ونواحيها، ولكنّ هذا الرجل رأى على ما يُقال ميلاً مِن لُطف علي خان إلى الإعراض عنه أو خَلعه مِن منصبه، فخانه وسلّم مدينة شيراز إلى خصمه آغا محمّد خان؛ ففرّ لطف علي خان وظلّ أعواماً يُقاتل خصمه القويّ، ويُظهر مِن غرائب البسالة والإقدام ما لم يرو عن غيره مِن أبطال الأزمان، فقد كان يُحارب عشرين ألفاً مِن أبطال آغا محمّد خان وليس معه غير بضع مئات ولا يفرّ مِن أمامهم، ولطالما أخرق الصفوف واجتاز الأُلوف والحُسام مسلولٌ بيده، وهو وحيدٌ يُقاتل الأبطال هُنا وهناك، حتّى هجره الخِلاّن وخانه الزمان، فلم يبقَ معه غير أربعة رجال حافظوا على ولائه، فاضطرّ إلى الاختفاء والبُعد عن الأعداء، وكان يختفي ويعود حيناً بعد حين ومعه ما لا يتجاوز المئات مِن المُقاتلين، فيفوز ويظفُر، ولكن تأنّي خصمه وكثرة مُعداته تغلّبتْ على بسالته، وكان خصمه باسلاً جَسوراً أيضاً وحكيماً فَطِناً.
وفي آخر الأمر، فرّ لطف علي خان مِن كرمان بعد أنْ أخضعها؛ لأنّ آغا محمّد خان تقدّم إليها وفتحها عُنوةً وظلّ سائراً وَحده حتّى وصل مدينة نرما شير على مَقربة مِن أفغانستان، فقابله حاكمها بالترحاب واستراح ليلةً عنده، إلاّ أنّ هذا الحاكم طمعَ في الجائزة فغدرَ بضيفه وهَجم عليه مع بضع أعوانه، فقاتل علي لطف خان مُدافعاً عن نفسه قِتال الأُسود الضارية، وقتلَ كثيرين مِن أعدائه، ولكنّ العدو تغلّب عليه وأثخنه جِراحاً فسقط مِن ألم الجراح، وأوثقه القوم وساقوه على هذه الحال إلى آغا محمّد خان، فأمرَ أنْ تُفقأ عيناه وزجّه في السجن، ثُمّ أمرَ بقتله بعد قليل. وهكذا انتهت دولة كريم خان وآله وصارت إيران مُلكاً للدولة القاجاريّة سنة ١٧٨٨م.
هذا ما عثرنا عليه مِن تاريخ الدولتين النادريّة والزنديّة مِن المصادر التاريخيّة التي هي تحت مُتناولنا.
تاريخُ مُلوك القاجاريّين
مُلوك إيران
بسم الله الرحمن الرحيم، نحمد الله تعالى وبه نستعين على تذليل الصعاب، ونستهديه إلى نهج الصواب، ونُصلّي على خاتم رُسله المُؤيّد بالمُعجزَين: الكتاب وفصل الخِطاب، وعلى أطايب عترته وخيرة الأصحاب.
وبعدُ، فإنّا ندوّن بهذه السلسلة مِن تاريخ الشيعة السياسي تاريخ مُلوك القاجاريّين الذين انتهى إليهم مُلك إيران، واضطلعوا بأعبائه حُقبةً مِن الزمن، وقد انتقل إليهم بعد جهاد وجلاد، وظهور على الطامحين بالاستيلاء على منصّته وهُم كُثُر مِن العشائر الإيرانيّة الباسلة، حتى استتبّ لهُم الأمر، وقضوا على كلّ مُنازع لهم سلطان تلك المملكة الواسعة التي هي مطمح للطامع فيها مِن الداخل والخارج والقريب والبعيد، مِن الروس والعُثمانيّين والأفغانيّين المتاخمة حدودها لحدود ممالكهم، فكان لهم فضل الاحتفاظ بكيانها وجمع وحدتها، إلى أنْ أصابها ما أصاب الدول الشرقيّة التي تُساس بسياسة الاستبداد، والسلطان مُقدّس غير مسؤول مِن الهرم والفوضى، ولم يكن الحُكم الشعبي الذي انتهت إليه في عهد الشاه مُظفر إلاّ كمَثَل الحُكم العثماني، فكان مصير القائمين على سلطان المملكتين ضياع السلطان مِن أيديهما، وانتهى الحُكم العثماني إلى الحُكم الجمهوري، والقاجاري إلى رضا شاه الفهلوي، فانطوت صفحتا الأُسرتين في وقتٍ مُتقاربٍ، كما انطوت صفحة سُلطان رضا شاه - الذي لم يكن فيه الحُكم الشعبي إلاّ بصورةٍ شكليّة - إلى الزوال. وهكذا مصير كلّ مَن يجرؤ على تحمّل كلّ ما للدولة مِن المسؤوليّات فيُستهدَف للوقوع في مهاوي التَهلكة ولسوءِ المصير.
القاجاريّة:
هي قبيلةٌ مِن قبائل التركمان التي كانت تُقيم في إيران، فهُم والحالة هذه مِن عُنصرٍ غريبٍ عن العنصر الإيراني، ولكنّ ما جمعوه مِن كثرة عَدد ومِن شجاعة، ومِن اضطرابٍ قائم في البلد الإيراني، وتكاثر الطامعين في المُلك مِن مُختلف العشائر الإيرانيّة مهدت لهم أسباب السُلطان.
أوّليّتهُم:
قد ذكرنا في تاريخ نادر شاه أنّ الله قيّض للشاه طهماسب الثاني قائدَين عظيمين، وهما: فتح علي خان جد القاجاريّين ونادر قلي خان، وكلاهما طامح في المُلك، واستتب لنادر خان اغتيال فتح علي خان فأمِن مِن مُنافسه ومهّد له ذلك ما آل إليه مِن امتلاك إيران، ودار الفَلَك دورته وشاء القدر أنْ يُقتل نادر ويُفسح المجال لامتلاك ابن فتح علي خان الثائر على نادر والآخذ بثار أبيه منه، وهو(١) :
(١) محمّد حسن خان مُؤسّس الدولة القاجاريّة في إيران سنة ١٧٦٠م(٢) .
أسّس المُلك في جيلان ومازندران، وجرى التقليد عند هذه الأُسرة المالكة أنْ يجعلوا ولي عهد المملكة والياً على أذربيجان المسكونة بالتُرك والتُركمان؛ ليكونَ على صِلة وثيقة بالعُنصر الذي يَمتّ إليه بالقرابة القريبة، جرياً على عادة هذه القبائل بالإسراع لنجدة كلّ شاه عند وقوع ثورة أو اضطراب وصيانة عرشه، ولكنّ هذا الشاه المؤسّس للمُلك القاجاري لم يطلْ به الأمر حتّى قَتله أحد أعدائه في السَنة عينها، فقام مقامه ابنه:
(٢) آغا محمّد خان:
الذي هاجمه نادر شاه مُهاجماتٍ وحشيّة، وكان آغا محمّد خان هذا كفوءاً فعّالاً، على ما فيه مِن شناعة ودمامة مَنظر تمنع الإنسان مِن أنْ يُطيل إليه النظر، فقد أمرّ يوم فتح كرمان في سنة ١٨٩٥م باقتلاع عيون خمسةٍ وثلاثين ألف أسيرٍ قُبض عليهم، وقد وُضعتْ عيون
____________________
(١) عن المُقتطف: م٦٧، ص٥٣٩ بتصرّف وزيادات.
(٢) قد تَقدّم في تاريخ الزنديّة أنّ ابتداء المُلك القاجاري سَنة ١٧٨٨.
الأسرى في صحاف قُدّمت إليه، وأصدَر أمراً آخر بأنْ تُبنى رؤوس أعدائه بشكلِ هَرمٍ تَمتّع بمُشاهدته.
وتَفنّن في تعذيب الشاه لطف علي ليخبره عن الأماكن التي أخفى فيها الخزائن، ثُمّ أمر بخنقه مع جميع أفراد أُسرته، وقبض في مشهد على الشاه رُخ آخر رقيبٍ له، فمات وهو يُعذَّب، ونقلَ العاصمة مِن أصفهان إلى طهران، وتوّج شاهاً لإيران بعد حربٍ داميةٍ انتهت بفتح باكو، وقد فتك به عبيده بعد سَنة مِن تتويجه وامتهنوا جُثّته فخلفه ابنه:
(٣) بابا خان: الذي لُقّب بلقب الشاه فتح علي بعد مُحاربةٍ قليلة، وكان ظالماً ولكنّه مُعتدل في جنب أبيه، فقُتل على فراشه فخلفه ابنه:
(٤) الشاه محمّد: وهو أول شّاه أدخل الخصيان السود إلى قصور مُلوك فارس وجعلهم رؤساء للحَرم، وقد اتّبع خطّة أسلافه مِن ظُلم وإرهاق، وكان وزراؤه يرتعشون بين يديه؛ لأنه أمر بإعدام أحدهم فأُعدم خنقاً. وخلفه ولده:
(٥) الشاه ناصر الدين: قَتل كثيراً مِن العُصاة والمتآمرين، وقد انتحر أحد رؤساء وزرائه ليتخلّص مِن خَطر الإعدام.
وقد سافر إلى أوربا بعد ما أرعب إيران وأرهبها، فزار لندن سنة ١٨٧٣م وطلب - حينما كان فيها - إعدام أحد رجال حاشيته ليعرف كيف يَعدم الانكليز المحكوم عليهم، فلقوا صعوبةً كبيرةً في حمله على العدول عن هذه الفكرة.
وفي سنة ١٨٩٦م قُتل مِن يد أحد فدائيّي البابيّة - الذين ظهرتْ نِحلتهم في أيّامه، ولقيتْ منهم إيران خطراً عظيماً انتهى بقتل مؤسّس تلك النِحلة الباب وجملةٍ مِن أتباعه، وبنفي خليفته البهاء وولديه العبّاس وصبح أزل - وخلفه ولده:
(٦) مُظفّر الدين: وهو الذي منح الدستور لإيران، ولم يكن مفتاح خيرٍ لها، بل أدّى انقسامات وأحزاب، وكان لرجال الدين الإيرانيّين القسط الأكبر مِن هذا الانقسام بين مُحبّذ وساخط، ولا غَروَ فقد أعلن هذا النوع مِن الحُكم الشعبي والأُمّة الإيرانيّة لم تستعدّ له، والحُكم الإقطاعي
ونفوذ أشباه العُلماء وأبنائهم وأبناء الأُسر الشريفة الملقّبين بالأغايين ممّا تعاف نفوسهم مِثل هذا النوع مِن الأحكام، وفيه القضاء على ميزاتهم على العامّة والدهماء مِن الشعب الإيراني، أضف إلى ذلك فريقاً مِن عُلماء الدين الذين شُبّه عليهم أنّ هذا الدستور حربٌ على الدين وسيفٌ ذو حدّين للمُلحدين، وشبّت مِن جرّاء ذلك فِتن في البلاد الإيرانيّة انتهت بضحايا كثيرين، وفتحت الباب على مصراعيه للطامعين الأجانب في تلك البلاد، وللطامحين في السلطان مِن أبناء إيران.
وهكذا أخذَ الأمر في الاستفحال والفوضى والاضطراب إلى أنّ كانت الأُسرة القاجاريّة المالكة مِن أعظم ضحاياه.
مات مُظّفر شاه على فراشه سنة ١٩٠٧م فخلفه ابنه:
(٧) محمّد علي شاه: ولم يستكمل السنتين مِن مُلكه حتّى خُلِع سنة ١٩٠٩م، ومات في السنة عينها فخلفه ابنه:
(٨) أحمد شاه: وهو في التاسعة مِن عُمره، وقد نودي به في سنة ١٩٠٩م ثُمّ أُخرج مِن بلاده في سنة ١٩٢٣، فأقام في نيس مِن أعمال فرنسة ومات مُشرّداً عن وطنه.
الجمهورية الإيرانية:
مهّدت مجلّة المقتطف (المجلّد السابع والستّين، الصفحة الـ ٥٣٩): للانقلاب الإيراني بمُقدّمةٍ وجيزةٍ لانقلابات دولية بعد الحرب العامّة، انقرضت فيها ممالك وأُنشئتْ دولٌ جديدةٌ مِن حيث تغيير نوع الحُكم إلى أنْ تخلّصتْ إلى ما طرأ على المملكة الإيرانيّة مِن هذا التغيير فقالت:
وآخر ما حدثَ مِن هذا القبيل انقلاب إمبراطوريّة إيران لتصير جمهوريّة، فقد نشرنا في مقطم الجمعة في ٦ نوفمبر بلاغاً رسميّاً مِن مفوضيّة إيران في القاهرة يقال فيه: أنّها تلقّت مِن وزارة الخارجيّة في طهران التلغراف التالي وهو:
ما فتئ الرأي العامّ في جميع أنحاء البلاد في العهد الأخير يُعلن سَخطه على أُسرة قاجار المالكة، وما برح هياج الشعب يتفاقم يوماً فيوماً حتّى أوشكَ أنْ يُهدّد سلامة البلاد الداخليّة، ولو لا أنّ الحكومة أخذت هذه
الحركات في الحال بيدِ الحزم لأدّت إلى ثورةٍ عامةٍ تجرّ مِن عواقب الدمار والخراب مالا يُحصيه عدٌّ.
(ولمّا كان البرلمان واقفاً على حقائق الحالة، فلكي يقي البلاد شرّ الثورة ويضعَ حدّاً لهياج الجمهور المُتفاقم، ولأنّه مِن جهةٍ أُخرى يُعبّر عن رأي الأُمّة - رأيه صدىً لميلها - قرّر باتّفاق الآراء تقريباً في جلسته المُنعقدة في ٩ ربيع الأوّل سَنة ١٣٤٤هـ، ٣١ أكتوبر سنة ١٩٢٥م خلعَ أُسرة قاجار المالكة، وعيّن سموّ رضا خان بهلوي الرئيس الأعلى لجميع الجيوش الإيرانيّة رئيساً مؤقّتاً للحكومة، إلى حين اجتماع الجمعيّة الوطنيّة التي تبتّ نهائيّاً في شكل الحكومة الجديدة).
وجاء في تلغراف رويتر قبل ذلك: (إنّ مجلس النوّاب الفارسي وافق باتّفاق ٨٥ صوتاً على ٥ أصوات على قرار يقضي بخلعِ أُسرة قاجار لخير الأُمّة الفارسيّة، وألّف حكومةً وقتيةً دستوريّةً برئاسة السردار رضا خان رئيس الوزارة الحاضرة).
وقد شرح المكاتب السياسي الشرقي ذلك في المقطم الصادر في ٣ نوفمبر، حيث قال - يذكر قُرّاء المقطم -:
(إنّنا تتبّعنا الأزمة الدستوريّة الإيرانيّة في مراحلها وأدوارها، وعالجناها مُعالجةَ خبيرٍ يَعرفُ نشأتها، وقلنا غير مرّة:
إنّه لا بُدّ في آخر الأمر مِن فوز حزبِ الإصلاح والتجديد، وفشلِ المُعارضين مِن أنصار القديم الذين قاوموا إعلان الجمهوريّة بحجّة أنّها مخالفة لمبادئ الدين الإسلامي، ووقفوا مُدّة سنتين أو أكثر في وجه رئيس الحكومة الحاضرة، يُنادون بضرورة دعوة الشاه إلى العودة إلى بلاده والاحتفاظ بالنظام القديم مهما طال الأمر.
وبالفعل وقع بين الحزبين - حزب رئيس الوزارة وحزب أنصار الملكيّة - نضالٌ عنيفٌ في خلال السنتين الماضيتين، هجم فيها الأخيرون مرّتين على دار مجلس النوّاب الفارسي، فكانوا يُقابلون كلّ مرّة بالطرد، وتتغلّب قوى الحكومة عليهم وتردّهم على أعقابهم.
وربّما كان أشدّ هذه الحوادث هو ما وقع يوم ٢١ مارس سنة ١٩٢٤ - هو يوم عيد النيروز عند الفرس - فقد شاع وذاع أنّ البرلمان الفارسي قرّر المُناداة بالجمهوريّة في ذلك اليوم وإسقاط الملكيّة؛ مُتخذاً لذلك فرصة
اشتغال الناس بالعيد، ولكن أنصار الملكيّة جمعوا جموعهم برئاسة الشيخ الخالصي - مِن كبار مجتهدي الفرس - وهاجموا دار مجلس النوّاب ونزعوا الإعلام واعتدوا على بعض النوّاب، فعرقل ذلك مساعي الحكومة ورئيسها، وحملها على التربّص والتريّث، فأذاعت إعلاناً رسميّاً قالت فيه:
إنّها أحالت مسألة درس نظام الحُكم إلى لجنةٍ خاصّة أُلّفت لذلك، وأنّه لا يُنتظر تبديل ما قبل استشارة الجمهور.
وعلى أثر هذا الفوز أرسل ٤٠ مِن كبار العُلماء وغيرهم برقيّةً إلى الشاه المُقيم في فرنسة يَطلبون إليه العودة إلى بلاده بعد ما زالت العراقيل التي كانت تحول دون ذلك، ولكنّ الشاه تردّد في الأمر ولم يُجبهم جواباً حاسماً؛ لأنّه اعتقد أنّ له مِن رئيس وزرائه القابض على زمام الأمر في ديار الفرس والمسيطر على جميع شؤونها ما يبعث على التريّث والتروّي، واستقرّت الأُمور على أثر هذه الحوادث، وظهرَ الحزبان بمظهر الراغب في السكينة، وانصرف كلٌّ منهما يعمل في الخَفاء لإدراك غايته.
والظاهر أنّ سكوتَ الحُكومة أطمعَ دُعاة الملكيّة فازدادوا نشاطاً وأرسلوا الكُتب والرسائل إلى الشاه يُلحّون عليه في العودة إلى بلاده، حتّى قيل: إنّه وافق على الرجوع وقرّر النزول في بيروت يوم ٣ أُكتوبر الماضي - أي قبل شهر - وفيها يستقبله وفدٌ يأتي مِن طهران فيعود به إلى بلاد آبائه وأجداده، فيدخلها دخول الفاتح الظافر. وهكذا يقضي على فِكرة الجمهوريّة فتصير في خبرِ كان.
وبينما كان هؤلاء يُفاوضون الشاه قام أنصارهم بحركةٍ في داخل بلادهم تَرمي إلى إسقاط حكومة السردار، فجمعوا جُموعهم وهجموا يوم ٢٣ سبتمبر على دار مجلس النوّاب بحجّة نفاد الخُبز، فحطّموا الأبواب والنوافذ وجرحوا بعض أعضاء المجلس وهُم يحاولون النجاة، وعجز ولاة الأُمور العسكريّون في أوّل الأمر عن إخماد هذه الحركة، ولكنّهم استعانوا بقوّات جاؤوا بها مِن الأقاليم، فقضوا على الفِتنة وقبضوا على عددٍ مِن الثوار.
وجاء في بلاغٍ رسميٍّ نُشر في طهران وأذاعته السفارة الفارسيّة في القاهرة:
(إنّ مسألة نفاد الخبز ليست إلاّ وسيلة توسّل بها المعارضون لإسقاط الحكومة).
وممّا جاء في هذا البلاغ: (إنّ بعضاً مِن أعضاء حِزبٍ سياسيٍّ شرعوا في تنفيذ مؤامرةٍ دبّروها، فقُمعتْ على وجه السرعة، وإنّ لهذا الحزب آراء رجعيّة) الخ.
وامتدّت على أثرِ ذلك حركاتُ المظاهرات في البلاد الفارسيّة، فقام أنصار الجمهوريّة بمظاهراتٍ عديدةٍ يحتجّون ويطالبون بعدم السماح بعودة الشاه، فاضطرّت الحكومة في آخر الأمر إلى إذاعة بلاغٍ قالت فيه:
(لا يُسمح للشاه بعد الآن بالعودة إلى بلاد فارس)، فسكنت الحالة وأدرك الناس أنّه لا بدّ مِن انقلاب جديد كانت وقائع أوّل نوفمبر إحدى نتائجه.
ولا نُسهب في التعليق على هذه الحركة الاجتماعيّة الكُبرى - التي يحاول بها أحرار الفرس أنْ يتشبّهوا بالتُرك ويقتفوا خطواتهم، وما يكون لها مِن أثرٍ في حياة الشرق عامّة، وفي داخليّة إيران خاصّة، وكيف يُقابلها الحزب المَلكي الذي أثبت حتّى الآن أنّه قوّةٌ لا يُستهان بها - بل نترك ذلك للحوادث، فهي أبلغُ في الدلالة والتعبير.
هذا ما كتبته مَجلّة المقتطف عن الانقلاب الإيراني وما رافقه مِن أحداث استمدّته مِن منطق الحوادث، وتركتْ الآتي للحوادث نفسها لتُعبّر عنه، ولكنّ الأمر لم يطلْ حتّى انتهى مِن جمهوريّة إيران أو مِن حُكم حاكمها المُطلق السردار رضا خان إلى تمليكه وتتويجه مَلكاً دستوريّاً وبه ابتدأت الملكيّة.
وقد حكمت إيران الأُسرة البهلويّة، وقد كانت على أنقاض المملكة القاجاريّة التي انتهتْ بخلع آخر مُلوكها الشاه أحمد الذي انتهت حياته بالخَلعِ والتشريد عن موطن آبائه وأجداده، فموته في ديار الغربة.
الفهرس
الحرافشة ٥
بدء إمرة الحرافشة: ٦
١- الأمير علاء الدين: مرّ ذكره ٩
٢- الأمير علي: ٩
٣- الأمير يونس الحرفوش: ١٠
٤- الأمير موسى بن عليّ بن موسى الحرفوش: ١٠
٥- الأمير يونس ابن الأمير حسين: ١٤
٦- الأمير شلهوب: ٢٧
٧- الأميرُ حُسين ابن الأمير يونس ابن الأمير حسين: ٢٨
٨- الأمير أحمد ابن الأمير يونس ابن الأمير حسين: ٢٩
٩ و١٠- الأميران علي وسيّد ابنا الأمير يونس: ٢٩
١١- الأمير حسن: ٢٩
١٢- الأمير عليّ الحرفوش: ٣٠
١٢و١٣- الأميران شديد ويونس: ٣٠
١٤- الأمير حيدر: ٣١
١٥- الأمير حسين أخو الأمير حيدر: ٣١
١٦- الأمير مصطفى: ٣١
١٧- الأمير درويش ابن الأمير حيدر: ٣٢
١٨- الأمير محمّد أخو الأمير مصطفى: ٣٢
١٩- الأمير جهجاه ابن الأمير مصطفى: ٣٢
٢٠- الأمير قاسم ابن الأمير حيدر: ٣٣
٢١ - الأمير أمين: ٣٤
٢٢ و ٢٣- الأميران خنجر وأخوه الأمير سلمان: ٣٤
ما جاء عن الحرافشة في تاريخ أعيان لُبنان للشيخ طنوس الشدياق: ٤٨
ما كَتب المطران يوسف الدبس عنهم في تاريخ سورية: ٦٤
ما كَتب الشيخ أحمد الخالدي في تاريخ لبنان في عَهد الأمير فخر الدين المعني عن الحرافشة: ٦٩
تاريخُ بني حَمادة ٩٩
بنو حمادة ٩٩
أوّلُ عَهدِ الحماديّةِ بالحُكم الإقطاعي: ١٠٨
ما كَتبه عنهم الشدياق في كتاب الأعيان أيضاً: ١١٤
تاريخُ البويهِيّين ١٤٥
أوَّليَّتُهُم: ١٤٥
رُؤيا بويهٍ وتَأَويلُ المُنجِّمِ لها: ١٤٦
جيلُهُم: ١٤٦
العظاميّة بعد العصاميّة: ١٤٦
اتّصالهم بمُلوك بلادهم: ١٤٧
الأُخوة في خدمة ماكان بن كاني مَلِك طَبرستان ثُمّ في خِدمة مرداويج فخروجهم عليه: ١٤٨
الأُخوة الثلاثة المالكون وأعقابهم المُلوك: ١٤٩
الأول: عماد الدولة أبو الحسن عليّ بن بويه: ١٤٩
استيلاؤه على أرجان وغيرها وملك مرداويج أصبهان: ١٥١
استيلاء عِماد الدولة على شيراز: ١٥٢
الأقدارُ والحظوظُ تَخدم بني بويه: ١٥٣
اتّصاله بالراضي بالله وخُدعته رسوله: ١٥٤
تَعليقٌ على ما سَبَق لا بُدّ مِنه: ١٥٤
استيلاء مرداويج على الأهواز: ١٥٥
ظَفَرَ عِماد الدولة بياقوت مَرّة أُخرى: ١٥٦
استيلاءُ عِمادِ الدَولةِ على أصبهان وغيرها: ١٥٧
ظَفَرُهُ بطاهر الجبلي الخارج عن طاعته: ١٥٧
تجهيزُ عِمادِ الدولةِ وأخيه رُكن الدولة أخاهما الأصغر مُعزّ الدولة بالجيوش لفتح كرمان: ١٥٨
التجاءُ البريدي إلى عِماد الدولة: ١٥٨
تَسيير عِماد الدولة أخاه مُعزّ الدولة مع البريدي لفتح العراق: ١٥٨
موتُ عمادِ الدولة بن بويه: ١٦١
الثاني: أبو عليّ الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي المُلقّب بركن الدولة: ١٦٣
استقلال رُكن الدولة بالمُلك: ١٦٤
غَلَبة وشمكير لرُكن الدولة على أصبهان: ١٦٥
مسيره إلى واسط: ١٦٥
استرداد رُكن الدولة أصبهان: ١٦٥
مُحالفة رُكن الدولة وأخيه عماد الدولة لأبي عليّ بن محتاج ١٦٦
استيلاء رُكن الدولة على الري: ١٦٦
مُحاولة أبي عليّ بن محتاج مُلْك الريّ وعوده قبل مُلكها: ١٦٧
استيلاءُ أبي عليّ على الري: ١٦٧
اختلافُ أبي عليّ والأمير نوح ثُمّ مُصالحتهما وانتهاز عِماد الدولة الفُرصة لاستعادة رُكن الدولة الري: ١٦٨
مُلك رُكن الدولة طبرستان وجُرجان: ١٦٩
مُلك مُعزّ الدولة الموصل على ناصر الدولة والصُلح بينهما على قاعدة ميل، والخطبة في بلاده له ولأخَويه عِماد الدولة ورُكن الدولة: ١٦٩
مسير المرزبان إلى الري: ١٧٠
مسير الخراسانيّين إلى الري: ١٧١
مسير أبي علي إلى الري: ١٧٣
عَزلُ نوح أبا علي عن خُراسان والتجاء أبي علي إلى رُكن الدولة: ١٧٣
خُروج الخُراسانيّة إلى الري وأصبهان وانهزامهم بعد ظَفَرهم: ١٧٤
استيلاء رُكن الدولة على طبرستان وجُرجان: ١٧٥
التجاء إبراهيم بن المرزبان إلى رُكن الدولة: ١٧٥
الغُزاة الخُراسانيّة مع رُكن الدولة: ١٧٦
عود إبراهيم بن المرزبان إلى أذربيجان ومعه ابن العميد نجدة: ١٧٧
خُروج عساكر خُراسان إلى الري: ١٧٨
مَسير ابن العميد إلى حسنويه الكُردي: ١٧٩
الصُلح بين الأمير منصور بن نوح ورُكن الدولة وعضُد الدولة: ١٨٠
مَزيّة جليلة مِن مزايا رُكن الدولة: ١٨٠
وفاة رُكن الدولة ومُلك عضُد الدولة: ١٨١
بعض سيرته: ١٨٢
الثالث: أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بويه مُعزّ الدولة: ١٨٤
مولده ووفاته: ١٨٤
أوّل عهده في المُلك: ١٨٤
استيلاء مُعزّ الدولة على الأهواز: ١٨٦
مُخالفة البريدي على مُعزّ الدولة: ١٨٧
ذهاب مُعزّ الدولة إلى البصرة وعوده منها على غير ما يُريد: ١٨٧
وصول مُعزّ الدولة إلى واسط وعوده عنها: ١٨٧
استيلاء مُعزّ الدولة على بغداد: ١٨٧
خَلْعُ المُستكفي بالله: ١٨٨
خلافة المُطيع واستيلاء مُعزّ الدولة على أُمور الخلافة: ١٨٩
الحربُ بين مُعزّ الدولة وناصر الدولة الحمداني: ١٩٠
إقطاع البلاد وتخريبها واضطراب الأُمور: ١٩١
صُلح مُعزّ الدولة وأبي القاسم البريدي: ١٩١
استقرار مُعزّ الدولة ببغداد وإعادة المُطيع إلى دار الخلافة وصُلح مُعزّ الدولة وناصر الدولة: ١٩١
اختلاف مُعزّ الدولة وأبي القاسم البريدي: ١٩٢
استيلاء مُعزّ الدولة على البصرة: ١٩٢
مِلكُ مُعزّ الدولة الموصل وعوده منها: ١٩٢
حرب الصيمري وزير مُعزّ الدولة لعِمران بن شاهين وعوده بأمر مُعزّ الدولة بعد تَضييقه على عِمران: ١٩٣
مُعاودة مُعزّ الدولة حرب عِمران بن شاهين: ١٩٣
حِصار يوسف بن وجيه البصرة وانهزامه: ١٩٤
ضَربُ مُعزّ الدولة وزيره المهلبي بالمقارع: ١٩٤
الخطبة لمُعزّ الدولة في مكة: ١٩٤
إرسالُ مُعزّ الدولة سبكتكين في جيش لشهرزور: ١٩٥
مَرض مُعزّ الدولة وانتقاض ابن شاهين: ١٩٥
إنجاده أخاه رُكن الدولة بعسكر لمُدافعة الخُراسانيّة: ١٩٥
عصيان روزبهان على مُعزّ الدولة: ١٩٥
استيلاء مُعزّ الدولة على الموصل: ١٩٧
زواجُ مُؤيّد الدولة بن رُكن الدولة بابنة عمّه مُعزّ الدولة: ١٩٨
بِناءُ مُعزّ الدولة دورَه ببغداد بعد إبلاله مِن مرض أقلقه: ١٩٨
تَوليتهُ القضاءِ بالضمان: ١٩٨
استئمانُ أبي القاسم أخي عِمران بن شاهين إلى مُعزّ الدولة: ١٩٩
ما كُتِبَ على مساجد بغداد بأمر مُعزّ الدولة: ١٩٩
وفاةُ المهلبي وأُمور غريبة صدرت مِن مُعزّ الدولة: ١٩٩
أمرُ مُعزّ الدولة الناس بإبطال أعمالهم وإقامة عزاء الحسين بن علي (عليه السلام): ١٩٩
مِلكُ مُعزّ الدولة الموصل وعوده منها: ٢٠٠
طاعةُ أهل عُمان مُعزّ الدولة وما كان مِنهم: ٢٠٠
ما تَجدّد لعُمان واستيلاء مُعزّ الدولة عليها: ٢٠٠
ما جرى لمُعزّ الدولة مع عِمران بن شاهين: ٢٠١
مَوت مُعزّ الدولة وولاية ابنه بَختيار: ٢٠١
ما كَتَبَ عنه المُؤرّخون: ٢٠٢
أوّليّاتُه: ٢٠٤
حُكْمُ التاريخِ لهُ وعَليه: ٢٠٤
الرابع: أبو شُجاع فناخسرو المُلقَّب عَضُد الدولة بن رُكن الدولة أبي عليّ الحسن بن بويه الديلمي: ٢٠٦
الخامس: عِزّ الدولة بختيار بن مُعِزّ الدولة أحمد بن بويه ٢٤٢
الديلمي (أبو منصور) ٢٤٢
السادس: أبو مَنصور بويه المُلقّب مُؤيّد الدولة بن رُكن الدولة بن بويه الدَيلمي: ٢٥٢
السابع: أبو الحسن عليّ بن رُكن الدولة بن بويه المُلقّب فَخر الدولة الديلمي: ٢٥٦
التاسع: شمسُ الدولة أبي طاهر ابن فَخر الدولة ٢٧٠
العاشر: سماءُ الدولةِ أبو الحسن بن شَمس الدولة بن فَخر الدولة بن بويه صاحب همذان ٢٧٢
الحادي عشر: فناخسرو بن مَجد الدولة بن فَخر الدولة بن رُكن الدولة بن بويه ٢٧٤
تمهيد: ٢٧٥
البويهيّون في العراق: ٢٧٥
الثالث عَشر مِن مُلوك بني بويه والخامس مِن مُلوكهم في العراق: شَرف الدولة ٢٨٠
الرابع عشر مِن مُلوك بني بويه والسادس مِن مُلوكهم في العراق: أبو نَصر بهاءُ الدولة بن عَضُد الدولة ٢٨٤
الرابع عشر مِن مُلوك بني بويه والسادس مِن مُلوكهم في العراق: أبو نَصر بهاءُ الدولة بن عَضُد الدولة ٢٩٤
الخامس عشر مِن مُلوك بني بويه: سُلطان الدولة(١) أبو شُجاع مَلك العراق: ٣٠٩
السادس عشر مِن مُلوك بني بويه والثامن مِن مُلوكهم في العراق: مُشرّف الدولة بن بهاء الدولة: ٣١١
السابع عَشر مِن مُلوك بني بويه والتاسع مِن مُلوكهم في العراق: أبو كاليجار ٣١٦
الخُطبةُ ببغداد لجلال الدولة وهو الثامِن عَشر مِن مُلوك بَني بويه والعاشر مِن مُلوكهم في العراق ٣١٧
مَوتُ المَلكِ أبي كاليجار ومُلك ابنه المَلك الرحيم، وهو التاسع عَشر مِن مُلوك بني بويه والحادي عشر مِن مُلوكهم في العراق: ٣٣٤
تاريخُ الدَولَةِ الصَفَويّة ٣٥٠
لَمحةٌ عن إيران ٣٥١
١ - السُلطان إسماعيل: ٣٥٥
٢ - الشاه طهماسب ابن الشاه إسماعيل: ٣٥٩
٣ - الشاه حيدر ميرزا: ٣٦٣
٤ - الشاه إسماعيل: ٣٦٣
٥ - الشاه محمّد خدابنده: ٣٦٤
٦ - الشاه عبّاس ابن الشاه محمّد خدابنده: ٣٦٦
٦ - الشاه ميرزا صفيّ الأوّل: ٣٧٠
٧ - الشاه عبّاس الثاني: ٣٧٣
٨ - الشاه صفي ميرزا الثاني ابن الشاه عبّاس الثاني: ٣٧٤
٩ - الشاه سلطان حسين: ٣٧٥
امتلاكُ الأفغانِ إيران ٣٧٧
تَمهيدٌ: ٣٧٧
ما ارتكبه محمود مِن الفظائع بعد ارتقائه عَرش إيران: ٣٩٢
تقسيمُ مَملكة إيران بينَ العُثمانيّين والروس: ٤٠٣
١٢ - عبّاس الثالث ابن الشاه طهماسب: ٤٠٤
ما جاءَ في تاريخِ جودت باشا عن الدولة الصفويّة: ٤٠٥
تاريخُ نادر شاه الإيراني ٤٠٨
تَمهيدٌ: ٤٠٩
الدولة الزنديّة الإيرانيّة ٤٢٢
تاريخُ مُلوك القاجاريّين ٤٢٩
مُلوك إيران ٤٢٩
القاجاريّة: ٤٣٠
الجمهورية الإيرانية: ٤٣٢