الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال

مؤلف: الشيخ كاظم رهيف البهادلي
رسائل وأطاريح جامعية

الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال



الإسلام دين الوسطيّة والاعتدال

حاز هذا البحث على الجائزة الثالثة في مهرجان الشيخ الطوسي (قدس سره) العالمي للكتاب لسنة ١٤٣٠ هـ والذي تقيمه جامعة المصطفى (صلّى الله عليه وآله) العالمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قم المقدسة.

الشيخ كاظم رهيف البهادلي


قال تعالى:

( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .

[الآية ١٤٣ من سورة البقرة]


الإهداء

أهدي هذا الجهد المتواضع إلى صاحب الوسطية والاعتدال، مولى المتقين، وباب الله اليقين، وحبل الله المتين، والشافع يوم الدين، والمصلّي إلى القبلتين، ووارث المشعرين، الذي لم يشرك بالله طرفة عين، ذاك أبو السيّدين الحسن والحسين (عليهما السلام)، مولاي ومولى الخلق أجمعين، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

سائلاً المولى عزّ وجلّ أن يتقبّل الإهداء والعمل، فإنّه نعم الربّ وأنا بئس العبد.

كاظم البهادلي



تقريض تفضّل به سماحة العلاّمة الدكتور السيّد نذير الحسني (حفظه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى صفوته وعترته.

كثيرة هي البحوث وقليل منها ما هو نافع، وكثيرة هي الدعوات وقليل منها ما هو صادق، وكثيرة هي الشعارات وقليل منها ما هو صالح.

واستطيع أن أقول - وبضرس قاطع -: أنّ ما سطّّره الأخ الشيخ البهادلي هو من القليل، النافع، والصادق والصالح؛ نافع لأننا في زمن نحتاج إلى من يجلي لنا غبار الماضي عن مفاهيمنا الإسلامية، وصادق لأن الدين الإسلامي مرّ بتجربة حياة طبّق فيها مفاهيمه ضمن دولة مدنية تعايش فيها المسلم مع المسيحي واليهودي وغيرهم بشكل آمن ومطمئن ولم يظلم أحدٌ أحداً فيها، وصالح لأن الوسطية التي تحدّث عنها البحث من أروع الشعارات الصالحة لانضواء كل الطوائف والديانات تحتها.

فبوركت يراعك يا شيخ على ما قدّمت وجعله الله في ميزان حسناتك وحشرنا وإياك مع حامل لواء الأمة الوسط محمد بن عبد الله وأهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين.

السيد نذير الحسني، قم المقدسّة

١٩/٢/٢٠١٠ م، ٤/ ربيع الأول/ ١٤٣١هـ ق



تقديم تفضّل به سماحة أستاذنا العلامة الدكتور الشيخ معين دقيق العاملي (حفظه الله)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الّّذِي جعل أُمتنا أمةً وسطى، وسلك بنا الطريقة المثلى، وجعلنا على خير ملّةٍ نموت ونحياز ثمَّ الصلاة والسلام على نيّه المصطفى، وابن عمّه المرتضى، وبضعته فاطمة الزهرا، وشبليها ومن جاء بعدهما أئمّة من نسل سيّد الشهدا...

قال تعالى:( وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) [الفرقان: ٦٧].

الوسطية بحسب الاستعمال القرآني: هي الصّيرورة في حدٍّ لا يكون إِلَى جانب الإفراط والتفريط، وهي كلمةٌ وإنْ كانت لم تستعمل بلفظها ومادتها كثيراً في القرآن والسُّنة، ولكنّها بمرادفاتها فاق استعمالها حدّ الإحصاء، وأكثر هذه المرادفات شيوعاً لفظة (العدالة) بمشتقاتها المختلفة.

وهذا المعنى بألفاظه المختلفة هو الغاية من بعثة الأنبياء، قال تعالى:( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ ) [الحديد: ٢٥]، ومنه تبرز أهمية الكتابة في هذا المفهوم، وبيان مقوّماته وحدوده، والتحفيز على جعله منهجاً يسلك، في زمنٍ أحاط بالإسلام صنفان من الأعداء دأبا على التشكيك في تشريعاته وأحكامه، وآدابه وقيمه، سواء كان ذلك التشكيك بالقول واللسان أم بالفعل والعمل...

العدو الأوّل: وهو العدو الخارجي، الَّذِي بدأ منذ صدر الإسلام، متمثّلاً بمشركي مكّة تارةً ومنافقي المدينة المفضوحين أُخرى، ويهود الجزيرة ثالثة، ومعسكر الكفر والشرك في بلاد الروم وفارس رابعة.

العدو الثاني: وهو العدو المتغلل في كيان الأُمّة الإسلامية، الَّذِي يتلبّس بلباس التديُّن والإيمان، وهو في واقعه موغلٌ في البعد عن تعاليم الإسلام ومفاهيمه وقيمه. وتلبُّسه الظاهري بالصلاح والتقوى والتديُّن قد يكون عن سبق إصرار وإضمار لما هو خلاف ذلك، وهذا هو المنافق الَّذِي لم يظهر حاله لكثيرين. وقد يكوه عن جهل وبساطةٍ فكرية وقلّة وعيٍّ.

وقد استطاع النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام (عليهم السلام) وثلّةٌ من أصحابه الصالحين أن يُثبتوا للبشرية آنذاك عظمة الإسلام بشتّى الوسائل، ويبطلوا أراجيف الأعداء من كِلا الصِّنفين، خصوصاً عن طريق التجسيد الحقيقي لمفهوم العدالة والوسطية والقسط بين الناس.


ومِمَّا لا يشكّ فيه أحدٌ أَنَّ العدو الثاني أخطر على الدِّين والمتدينين من الأوّل، وتشتدّ خطورته كُلّما برّر أفعاله على أَساس أَنَّها من صميم الدين؛ بحيث تصبح أفعاله وأقواله القبيحة منسوبة إِلَى الدين، ويكون تنفّر الناس منه مستلزماً لتنفّرهم من الدين.

هذا، وقد ابتليت أُمتنا الإسلامية في العصر الحاضر بهذا الصِّنف من الأعداء هنا وهناك، ولقد كانت أعمالهم الإفراطية البعيدة عن جادة القسط والعدل والوسطية سبباً لصيرورة الدين من جراء تصرُّفاتهم موضع تساؤل عند الكثير من الأُمم والشُّعوب.

وأفضل طريق لمجابهة هذا التطرُّف المبتعد عن التعاليم والقيم الإسلامية يتمّ عن طريق المجابهة الفكرية، التي من جهةٍ تعطي الوعي والإحساس بالمسؤولية لأُولئك الَّذِين انجرفوا مع هذا النمط من الابتعاد عن نقطة الوسط إِلَى الحافة التي سرعان ما تقترب من كونها عبادة لله على حرفٍ، هذا إذا كان انجرافهم مع هذا النمط من الابتعاد عن نقطة الوسط إِلَى الحافة التي سرعان ما تقترب من كونها عبادة لله على حرفٍ، هذا إذا كان انجرافهم عن جهلٍ وبساطةٍ وقلّة وعيٍّ وتدبُّر.

ومن جهةٍ أُخرى تكون سبباً لانعكاس القيم الإسلامية في مرآةٍ ناصعة البياض أمام من يقف في الجانب الآخر من اليمّ؛ ليرى من خلال ذلك الإسلام وقيمه على حقيقتها وواقعيتها الَّذِي جاء بها التنزيل وجاهد لأجلها سيّد الأنبياء والمرسلين...

وفي هذا السياق جاء ما سُطِّر في هذا الكتاب الَّذِي بين يديك، والذي خطّته يراع من نذر نفسه في مجاهدة إبليس وجنوده، ألا وهو عزيزي وأخي الفاضل الشَّيْخ كاظم البهادلي، الَّذِي عرفته منذ أكثر من عقد من الزمن مثابراً على العلم والتحصيل، مجسّداً لقوله (عليه السلام): (علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته...)، فجزاه الله عن الدين وأهله خير الجزاء، ووفقنا وإياه للقيام بوظائفنا والعمل بأوامر ربّنا، وحشرنا بعد موتنا مع النبي وآله الطيبين الطاهرين، عليهم أفضل صلوات المصلّين.

معين دقيق العاملي

قم المقدسة

ليلة ولادة سيّدة نساء العالمين صلوات الله عليها ١٤٣١ هـ. ق.


المقدّمة

الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسلام على خير الأنام مُحمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

لا يخفى أنّ كُلَّ مفاهيم الحياة، بأصعدتها المختلفة، لها حدود ثلاثة: حدان متطرفان يرجعان إلى ما يُسمّى بالإفراط والتفريط(١) ، وآخر يُعتبر نقطة الاعتدال والتوسّط بينهما.

وعلى أساس اختلاف هذه الحدود الثلاثة تنوعت المواقف العمليّة للمسلمين في جميع المفاهيم الحياتيّة والتعاليم الإسلاميّة، ونماذج ذلك كثيرة:

____________________

(١) أفرط: تجاوز الحد في الأمر، يقولون: إياك والفرط، أي: لا تجاوز القدر، وتجاوز في الشيء أفرط فيه، وتجاوز ما حد لك. اُنظر: معجم مقاييس اللغة ٤: ٤٩٠، لسان العرب ٥: ٣٢٩، تاج العروس ٨: ٢٣٦.

وفرّط: تهاون في الأمر وتركه وضيعه وقصّر فيه حتّى فات. اُنظر: لسان العرب ٧: ٣٦٨.


منها: على صعيد الارتباط بالغير، فنرى البعض يتخذ موقفاً سلبياً من كُلِّ ما هو (غير)، فيدعو إلى قتله وإبادته، وبهذه الحجّة أُزهقت الكثير من الأرواح البريئة في عصرنا الحاضر حتى من قِبَل المسلمين أنفسهم، وفي مقابل ذلك اتخذ البعض الآخر موقف الذّل والهزيمة والانصهار بالغير، حتى على حساب قِيَمِهِ وتعاليمِهِ، وتبقى طائفة سلكت سبيل الوسطيّة، فجنحت للحرب والجهاد عند المناسبة، وسالمت عندما اقتضت الظروف ذلك.

ومنها: على صعيد الارتباط العبادي بالمعبود، فنرى جماعة ترهبنت وابتعدت عن النّاس، وأُخرى لم ترَ إلاّ الدنيا نصب عينها، وكانت الوسطيّة بين نصب الدنيا ونصيب الآخرة( وَابْتَغِ فِيَما آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا ) (١) .

فأحببت في هذه الكتاب أنّ أُسلط الضوء على طرفي الإفراط والتفريط، ليكون المؤمن منهما على حذر، وأن يجتنب كُلَّ ما فيه إفراط وتفريط.

ولذا صار من دواعي اختياري لدراسة هذا الموضوع هو ما ألمسه ويلمسه جميع الناس من حالة التعدّي والإفراط والتفريط على جميع الأصعدة أو أكثرها.

وما أكثر الذين يشاركونني في أنّ ما وصل إليه هؤلاء في الإساءة إلى

____________________

(١) القصص / ٧٧.


الدين الإسلامي لم يصل إليه غيرهم من قبل، وأصبحت الفتاوى لا تحاكي الواقع، والواقع بعيد كُلّ البعد عنها، وما ذلك إلاّ نتيجة الإعراض عن الوسطيّة وحدِّ الاعتدال وسبيل المؤمنين والصراط المستقيم، وغيرها من مفاهيم يأتي الحديث عنها مفصّلاً إن شاء الله في تضاعيف هذه الكتاب. ومن هنا يتّضح لنا أهمية هذا البحث.

هيكلية البحث:

يتكوّن هذا الكتاب من مقدّمة وأربعة فصول وخاتمة.

فأما المقدمة ، فإنَّها تتضمن بيان موضوع البحث، وسبب اختياره وأهميته، إلى غير ذلك ممّا تقدّم.

وأمّا الفصل الأوّل: فقد تناولنا فيه ثلاثة أبحاث كان الأول منها الوسطيّة لُغةً واصطلاحاً، والثاني في تعريف الحكم لُغةً واصطلاحاً، والثالث تعريف الأدب لغةً واصطلاحاً، وهذا الفصل بأبحاثه الثلاثة كان معدّاً للأبحاث التمهيديّة للرسالة.

وأمّا الفصل الثاني: فسلّطتُ الضوء فيه على العلاقة بين الوسطيّة وكون الشريعة سهلة سمحاء.

والفصل الثالث: جعلتُه خاصّاً بالأدلّة على سلوك الشارع مسلك الوسطيّة والاعتدال في الأحكام والآداب الإسلامية، وقد اشتمل هذا الفصل على ثلاثة أدلّة:

الأول: الاستدلال بالكتاب العزيز.


الثاني: الاستدلال بالسّنة الشّريفة.

الثالث: الاستدلال بالاستقراء.

وأمّا الفصل الرابع: فقد خصصته لذكر بعض النماذج التطبيقية للوسطية، وذكرت فيه ستة نماذج تطبيقية للوسطيّة.

وأمّا الخاتمة: فقد أعددتها لأخذ النتائج المترتبة على القول بالوسطيّة وعدمها.

وهذه المنهجة - كما تلاحظ عزيزي القارئ - تقتضيها طبيعة الموضوع، حيث إنّ الفصل الأوّل بمثابة شرح المبادئ التصوريّة للبحث، ثم اقتضى البحث معرفة علاقة الوسطيّة بالشّريعة الإسلاميّة المُتّصفة بالسّهولة والسّماحة، فكان الفصل الثاني.

ويُمثّل الفصل الثالث المبادئ التصديقية لنظرية الوسطيّة، ولما كانت النظرية تحتاج إلى تطبيق لتخرج من مجرّد التنظير إلى مقام العمل، وُلِدَ الفصل الرابع.

ومما ينبغي التنويه إليه أن هذا البحث كان في الأصل رسالتي في مرحلة الماجستير في(كلية الإمام الكاظم (عليه السلام) للفقه والأصول) والذي قدمته إلى جامعة المصطفى(صلّى الله عليه وآله) العالمية في مدينة قم المقدّسة، والذي نلت به شهادة الماجستير من الجامعة المذكورة بدرجة ممتاز، ثم أجريت عليه بعض التعديلات بما يناسب منهجية الكتاب.


وختاماً أتقدّم بالشكر الجزيل لكل من قدّم لي المساعدة في إتمام هذا البحث، وأخصّ بالذكر منهم، أصحاب السماحة:

١- الدكتور العلاّمة الشيخ معين دقيق العاملي.

٢- الدكتور العلاّمة السيد نذير الحسني.

٣- الدكتور الشيخ شاكر الساعدي.

٤- الأستاذ القدير الشيخ فلاح العابدي.

٥- الأستاذ القدير الشيخ سعد الغرّي.

٦- الأستاذ الجليل الشيخ باقر الساعدي.

فجزاهم الله خير الجزاء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عند الرأس الطاهر لسيدة عشّ آل محمد(صلّى الله عليه وآله) فاطمة المعصومة (عليها السلام) في قم المقدسة، ليلة ميلاد جدتها الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ٢٠ جمادى الثانية ١٤٣١هـ ق.

كاظم البهادلي



الفصل الأوّل: بحوث تمهيّديّة

وفيه ثلاثة بحوث:

* البحث الأوّل: تعريف الوسطيّة

* البحث الثاني: تعريف الحكم

* البحث الثالث: تعريف الأدب



الفصل الأول: بحوث تمهيدية

البحث الأوّل: تعريف الوسطيّة

أوّلاً: الوسطيّة لُغةً

(مادة وسط تدلُّ على معانٍ متقاربة - كما يقول ابن فارس - (الواو والسين والطاء)، بناءٌ صحيح، يدلُّ على العدل والنصف، وأعدل الشيء أوسَطه ووسْطه .

قال الله عزّ وجلّ: ( أُمّةً وَسَطاً ) ،ويقولون: ضربتُ وسَطَ رأسِه - بفتح السين - ووسْط القوم - بسكونها - وهو أوسْطهم حسباً إذا كان في واسطة قومِه وأرفعه محلاًّ )(١) .

وفي الصِحاح: (الوسط من كلّ شيءٍ أعدله، قال تعالى: ( جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً ) (٢) .

وفي لسان العرب: (التوسيط أن تجعل الشيء في الوسط ).

____________________

(١) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج ٦، ص ١٠٨.

(٢) الجوهري، الصحاح، ج ٣، ص ١١٦٧.

(٣) ابن منظور، لسان العرب، ج ٧، ص ٤٢٨.


وقال الفيروز آبادي: (الوسَط (مُحرّكة) من كل شيء أعدله )(١) .

وفي تاج العروس: (الوسط - مُحركّة - من كلِّ شيءٍ أعدله، يقال: شيءٌ وسط، أي: بين الجيّد والرديّ، ومنه قوله تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً ) (٢) .

ومن هنا صار لِزاماً علينا أن نفرّق بين الوسط (بالتحريك) والوسْط(بالتسكين)؛ لكي نعلم أيَّ واحدةٍ من الكلمتين هي محلُ كلامِنا، ومصبُّ بحثنِا.

قال في الفروق الُلغوية:

(الفرق بين الوسْط والوسَط أنَّ الوسْط لا يكون إلاّ ظرفاً، تقول: قعدتُ وسْط القوم، وثوبي وسْط الثياب، وإنّما تخبر عن شيءٍ فيه الثوب وليس به .

فإذا حركت السين كان اسماً، وكان بمعنى بعض الشيء، تقول: وسَط رأسِه صلبٌ، فترفع؛ لانَّك إنَّما تخبر عن بعض الرأس، لا عن شيءٍ فيه .

والوسْط اسم الشيءٍ الذي لا ينفك من الشيء المحيط به جوانبه كوسطِ الدارِ، وإذا حركّت السين دخلت عليه (في)، فتقول: احتجم في وسَطِ رأسه، ووسَط رأسه بموضعٍ، هذا في وسَطِ القومِ. ولا يقال: قعدتُ في وسَطِ القومِ، كما يقال: قعدتُ في بين القومِ، كما أنَّ بين لا يدخل عليه (في)، فكذلك لا تدخل على ما أدّى عنه (بين) )(٣) .

____________________

(١) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج ٢، ص ١١٤.

(٢) الزبيدي، تاج العروس، ج ٥،ص ٢٣٨.

(٣) أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، ص ٥٧٢.


وقال ابن منظور: (وسَط الشيء ما بين طرفيه. قال:

إذا رحلتُ فاجعلوني وسَطا

إنِّي كبيرٌ، لا أُطيق العندا

أي: اجعلوني وسَطاً لكم؛ ترفقون بي، وتحفظوني، فإنّي أخاف إذا كنت وحدي متقدماً لكم، أو متأخّراً عنكم أن تفرط دابتي أو ناقتي .

فإذا سُكّنت السّين من (وسْط) صار ظرفاً، وقول الفرزدق :

أتته بمجلومٍ كأنَّ جبينَه

صلاءةُ ورسٍ وسْطها قد تفلّقاً

وقول الهذلي :

ضَربٌ لهاماتِ الرّجال بسيفهِ

إذا عُجمت وسْط الشؤون شفارها)(١) .

إلى أن نقل كلاماً عن الجوهري قال فيه: (وكل موضعٍ صلح فيه (بين) فهو وسْط، وإن لم يصلح فيه(بين) فهو وسَط - بالتحريك - وقال: وربما سكن، وليس بالوجه، كقول أعصر بن سعد بن قيس عيلان:

وقالوا يالَ أشجع يوم هيجٍ

ووسْطَ الدار ضرباً واحتمايا

قال الشيخ أبو محمد بن بري (رحمه الله): هنا شَرْحٌ مفيد، قال: اعلم أنَّ الوسَط - بالتحريك - اسم لما بين طرفي الشيء، وهو منه، كقولك: قبضتُ وسَط الحبلِ، وكسرتُ وسَط الرمح، وجليت وسَط الدار، ومنه المثل: يرتعي وسَطا .

____________________

(١) أبن منظور، لسان العرب، ج٧، ص٤٢٦.


ويربض حجرة، أي: يرتعي أوسط المرعى، وخيارُه ما دام القوم في خيرٍ، فإذا أصابهم شرّ اعتزلهم وربض حجرة أي: ناحية منعزلاً عنهم. وجاء الوسط - محرّكاً أوسطه - على وزان تقتضيه في المعنى وهو الطرف...، ثم قال: فبما كان وسط الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفةً، وذلك في مثل قوله تعالى وتقدّس :( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً ) : عدلاً.

فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه، وأنّه اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه... وأما الوسْط - بسكون السين - فهو ظرف لا اسم جاء على وزان نظيره في المعنى وهو (بين)، تقول: جلستُ وسْط القوم، أي: بينهم )(١) .

أقول: لا يخفى أنَّ المؤدّى واحدٌ سواءً قلنا وسَط محركّة أم وسط ساكنة؛ لأنَّ الثاني وإن كان ظرفاً يأتي بمعنى (بين) لكن المعنى هو التوسّط بين شيءٍ وآخر كما تقدّمت الإشارة إليه عند ذكرنا لكلام صاحب الفروق اللغوية فلاحظ، ونحن هنا في كلامنا عن الوسطيّة نريد هذا المعنى، أعني: التوسّط وإن كان الوسَط بالتحريك هو الأنسب والأقرب لبحثنا؛ لدخوله في معظم الأبحاث الآتية، دون الوسْط بالسكون وسوف يتّضح ذلك جليّاً عند حديثنا عن وسطية الأحكام والآداب، وأَنّ المقصود في الغالب المعنى الاسمي الوسَط لا الظرفي الوسْط.

والخلاصة:

ما يهمنا هنا هو الحديث عن الوسط محرّكة وقد نتناول الوسْط الساكنة

____________________

(١) ابن منظور، لسان العرب، ج ٧، ص ٤٢٧ - ٤٢٨.


إذا استلزم التمثيل ببعض ما يتوقف عليه في فصل النماذج التطبيقيّة.

ومن الملفت لنظر المطالع أنّه يجد هناك معانٍ متقاربة للوسط بالتحريك استعملت في بعض المعاجم اللغوية مثل: القدْر، والقصد، والسواء، وعدم الإفراط والتفريط، والمقتدر، والمنصف، والعدل، والعفو، وعدم الشطط، وعدم الضرر والإضرار، وغير ذلك.

قال في لسان العرب: (والقدر: الوسَط من الرّحال والسروج ونحوها، تقول: هذا سرجٌ قدر )(١) .

وقال ابن الأثير - في تفسير حديث (القصد القصد تبلغوا ): (أي: عليكم بالقصد في القول والفعل وهو الوسَط من الطرفين )(٢) .

ومثله في لسان العرب(٣) - في موضع آخر - وتاج العروس(٤) .

وقال الخليل: (الجور ترك القصد في السير )(٥) .

ولو ضممنا كلام الخليل إلى كلام من تقدّمه يتضح أنَّ الجور ضد القصد، وترك، له. ومعنى هذا أنَّ الجور هو ترك الوسَط؛ لأن القصد جاء بمعنى الوسَط كما تقدم آنفاً.

____________________

(١) ابن منظور، لسان العرب، ج ٥، ص ٧٩.

(٢) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ٤، ص ٦٧.

(٣) ابن منظور، لسان العرب، ج ٣، ص ٣٥٣.

(٤) الزبيدي، تاج العروس، ج ٢، ص ٤٦٧.

(٥) الفراهيدي، العين، ج ٦، ص ١٧٦.


وقريب منه في الصّحاح، حيث قال: الجور: الميل من القصد(١) .

وقال أيضاً - في موضع آخر - السرف: ضد القصد(٢) .

ومعنى هذا أنَّ السرف ضد القصد الذي هو معنى الوسَط، فيكون معنى هذا أنَّ السرف حالة خارجة عن الوسَط.

ووردت أيضاً كلمة المقتدر تعبيراً عن معنى الوسَط.

قال في كتاب العين: (المقتدر (الوسَط) الموائم المقارب: وهو الوسَط مِنَ الأمرين، والموائم: الموافق )(٣) .

وقال ابن منظور: (وكل شيء مقتدر فهو الوسَط، والمقتدر الوسَط من كل شيء، ورجلٌ مقتدر الخلق، أي: وسَط ليس بالطويل والقصير، كذلك الوعل والظبي، ونحوها )(٤) .

وفي القاموس المحيط: (الوسَط (محرَكَة) من كل شيءٍ أعدله )(٥) .

فجاءت بمعنى العدل والأعدل.

وفي العين: (مجاوزة القدر في كلِّ شيءٍ، يقال: أعطيته ثمناً لا وكساً ولا

____________________

(١) الجوهري، الصحاح، ج ٢، ص ٦١٧.

(٢) المصدر نفسه، ج ٤، ص ١٣٧٣.

(٣) الفراهيدي، العين، ج ٨، ص ٤٢٥.

(٤) ابن منظور، لسان العرب، ج ٥، ص ٧٩.

(٥) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج ٢، ص ١١٤.


شططاً )(١) .

وفي غريب الحديث: (الشطط: مجاوزة القدر، وأشطَّ إشطاطاً إذا أجار في قضائه، قال الله تعالى: ( فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ ) (٢) .

وإذا لاحظنا هذه الكلمات لهؤلاء الأعلام يتّضح لنا المقصود، فإذا كان الشطط مجاوزة القدر، والقدر بمعنى الوسَط، يعني أنَّ الشطط ضد الوسَط.

وفي النهاية: (حتّى إذا كان بالمنصف)، قال: (أي الموضع الوسَط بين الموضعين )(٣) .

وقريب منه ما في لسان العرب مفسّراً الحديث الذي ذكره في النهاية قائلاً بعده: (ومنتصف الليل والنهار وسَطه )(٤) .

و قال في مجمع البحرين: (العفو: هو الوسط )(٥) .

وقال ابن السكيّت (رحمه الله): (السرف: ضد القصد )(٦) ، ومثله في الصحاح(٧) ،

____________________

(١) الفراهيدي، العين، ج ٦، ص ٢١٢.

(٢) الحربي، غريب الحديث، ج ٣، ص ١١٥٦.

(٣) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ٥، ص ٦٦.

(٤) ابن منظور، لسان العرب، ج ٩، ص ٣٣١.

(٥) الطريحي، مجمع البحرين، ج ٣، ص ٢١٠.

(٦) ابن السكيت، ترتيب اصطلاح المنطق، ص ١٩٦.

(٧) الجوهري، الصحاح، ج ٤، ص ١٣٧٣.


والقاموس(١) ، ومجمع البحرين(٢) .

وقال فخر الدين الطريحي (رحمه الله): (القصد في السّير كالقصد في غيره، وهو ما بين الحالتين، والقصد في الأمور ما بين الإفراط والتفريط، ومنه الدعاء (أسألُكَ القصدَ في الفقرِ والغنا ).

وفي وصفه (صلّى الله عليه وآله): (كان أبيضَ مقصداً، وفسّر بالذي ليس بطويل ولا قصير، غير مائل إلى حدِّ الإفراط والتفريط، والاقتصاد في المعيشة: هو التوسط بين التبذير والتقتير )(٣) .

ثانياً: الوسطيّة اصطلاحاً

ثُمَّ إنّه قد جاءت الوسطيّة في الاصطلاح بنفس المعنى الذي جاءت به في اللغة، ومن هنا ترى أنَّ أصحاب المعاجم اللغوية يذكرون الوسط لغةً، ثم يُمثّلون له بالأمثلة الشرعيّة تارةً، والعرفية و العادية تارةً أخرى، ممّا يكشف عن أنَّ المعنى اللغوي والاصطلاحي للوسط واحد، وليس هذا بعزيز، فدونك كتب اللغة تجد ذلك جليّاً، وإن لم يكن كثيراً.

قال في النهاية - في حديث معاد -: (واتقَّ كرائم أموالهم، أي: تجنبها لا تأخذها في الصدقة؛ لأنها تكرم على أصحابها وتعزّ، فخذ الوسط، لا العالي ولا

____________________

(١) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٥١.

(٢) الطريحي، مجمع البحرين، ج ٢، ص ٣٦٥.

(٣) الطريحي، مجمع البحرين، ج ٣، ص ٥٠٨-٥٠٩.


النازل )(١) .

وفي لسان العرب قال: (وانطوا الثبجة، أي: أعطوا الوسَط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذائله )(٢) .

وقال أيضاً - مفسّراً قوله تعالى:( وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللّهَ عَلَى‏ حَرْفٍ... ) أي: على شكٍ، فهو على طرفٍ من دينه، غير متوسّطٍ فيه، ولا متمكّن، فلمّا كان وسط الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفةً، وذلك في قوله تعالى وتقدسّ: ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً ) أي: عدلاً، فهذا تعبير الوسط وحقيقة معناه )(٣) .

وقال ابن الأثير: (... ومنه الحديث: وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه. إنّما قال ذلك؛ لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر بها القصد في الأمور )(٤) .

وفي مجمع البحرين عند ذكره لقوله تعالى:( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) : (بالكسر أي: أعدل، ولا تتجبّر فيه، ولا تدب دبيباً من القصد، وهو مشي الاعتدال.

ثم قال: (القصد يستعمل فيما بين الإسراف والتقتير، وفيه القصد من الكافور أربعة مثاقيل، قيل: أراد الوسط في ذلك )(٥) .

____________________

(١) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ٥، ص ٢١٧.

(٢) ابن منظور، لسان العرب، ج ٢، ص ٢٢٠.

(٣) ابن منظور، لسان العرب، ج ٧، ص ٤٢٨.

(٤) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ٣، ص ٣٨٢.

(٥) الطريحي، مجمع البحرين، ج ٣، ص ٥٠٨ - ٥٠٩.


ضابطة الوسطيّة:

وأمّا الضابطة في الوسطيّة، فهي انتخاب الحد الذي يكون بين حدّي الإفراط والتفريط، من دون ميلٍ إلى جانبٍ منها، وهذا هو الأصل في المقام في العقائد والأحكام والآداب إلا إذا دلَّ دليل على عكس هذا، وأنَّ الحد الأعلى - مثلاً - في الحكم الكذائي هو الأفضل والأحسن من انتخاب الوسط، فحينئذٍ نحن والدليل، وهكذا لو دلَّ الدليل على العكس تماماً وأنَّ الحد الأدنى هو الأفضل فالأمر كذلك.

والحاصل: أنَّ الضابطة في الوسطيّة هي انتخاب الحد الوسط، المعتدل بين حدَّي الإفراط والتفريط.

ومن هنا روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال لولده الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): (عليك بالحسنة بين السيئتين تمحوها، قال: وكيف ذلك يا أبه؟

قال: مثل قول الله: ( ... وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا... ) ، ولا تجهر بصلاتِك سيئة، ولا تخافت بها سيئة، (وابتغِ بين ذلك سبيلاً )حسنة، ومثل قوله تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) ،ومثل قوله: ( وَالّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) ، فأسرفوا سيئة وأقتروا سيئة، (وكان بين ذلك قواماً )حسنة، فعليك بالحسنة بين السيئتين )(١) .

وبالتدبّر في الرواية نجد أنَّ الإمام (عليه السلام) في صدد إعطاء كبرى كلية عبَّر

____________________

(١) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٣٩٧- ٣٩٨، ح٧.


عنها بالحسنة المتوسّطة بين السيئتين، ثم ذكر لها بعض التطبيقات.

وفي شرح أُصول الكافي قال: (التوسّط بين الطرفين في الأقوال والأفعال والعقائد، كالتوسّط في المشي بين الدبيب والإسراع، قال الله تعالى :( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ... ) والتوسّط في الإنفاق بين التبذير والتقتير، قال الله تعالى :( وَالّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) والتوسّط في العبادة، بحيث لا يلحق البدن مشقّة شديدة ينفر الطبع عنها ولا يتركها. قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا عليُ إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفقٍ، ولا تُبغض نفسك عبادة ربِّك؛ فإنَّ المنبت (يعني المفرط) لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فاعمل عمل مَن يرجو أن يموت هرماً، واحذر حذر من يخاف أن يموت غداً .

والتوسط في جميع الأخلاق بين الإفراط والتفريط، والتوسّط في معرفته تعالى بين التعطيل والتشبيه، والتوسّط في الكسب بين الكسالة والجد المانع من الراحة البدنية، والحقوق الدينية .

وبالجملة: التوسّط في جميع الأمور إلاّ الذنوب مطلوب وممدوح، والعدوان بمعنى التجاوز من الأوساط إلى طرف التفريط والإفراط، كما هو شأن الجاهل (الهارب) عن الصراط المستقيم مذموم )(١) انتهى كلامه.

وبالتدبر في كلامه (قدس سرّه) نجد أنّه يذكر الكبرى التي أشرنا إليها آنفاً، ولم يستثنِ من ذلك إلاّ الذنوب. فالتوسّط هو المطلوب دائماً وأبداً سواء كان ذلك في العقائد أو الأحكام أو الآداب كما سيجيءُ تفصيله في بحثٍ لاحق إنْ شاء الله تعالى.

____________________

(١) المازندراني، شرح أصول الكافي، ج ١، ص ٢٧١.


فاتضح من جميع ما تقدّم أنَّ الكون في نقطة الاعتدال بين الحدين وسطيّة مرغوب بها فيما عدا السيئة والشّر والباطل، فإنَّ المرغوب فيها هو الابتعاد عنها، والكون في طرفٍ مقابلٍ بها.

البحث الثاني: في تعريف الحكم

أوّلاً: الحكم لغةً

قال في معجم مقاييس اللغة:(حُكم) الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع مِنَ الظلم، وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يُقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمتُ السفينة، وأحكمته: إذا أخذتَ على يديه )(١) .

وقد جاءت لفظة حكيم وحكم في القرآن الكريم في أكثر من آيةٍ قال تعالى:( إِنّ اللّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) (٢) ، وقال عزّ وجلّ:( ذلِكُمْ حُكْمُ اللّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (٣) ، وقال:( فَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٤) وهما - حكم وحكيم - بمعنى واحد وهو الحاكم.

قال ابن الأثير: ((حكم) في أسماء الله تعالى: (الحكم والحكيم) هُما بمعنى الحاكم وهو القاضي، والحكيم فعيل بمعنى: فاعل، أو هو الذي يُحكم الأشياء ويُتقنها، فهو فعيل...، والحكمة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن

____________________

(١) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج ٢، ص ٩١.

(٢) غافر/٤٨.

(٣) الممتحنة/ ١٠.

(٤) البقرة/٢٠٩.


يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم )(١) .

وقد يأتي الحكم بمعنى القضاء ويستعمل في نفس ما يستعمل فيه القضاء كقوله تعالى:( وَقَضَى‏ رَبّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) (٢) حيث فسّرت بحكَمَ ربُّكَ(٣) .

قال الجوهري: (وقضى، أي: حكم، ومنه قوله تعالى :( وَقَضَى‏ رَبّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ ) (٤) .

وقد يُفرّق بينهما (بأنَّ القضاء يقتضي فصل الأمر على التمام، من قولك: قضاه إذا أتمه وقطع عمله، ومنه قوله تعالى: ( ثُمّ قَضَى‏ أَجَلٌ ) أي: فصل الحكم به ( قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ) أي: فصلّنا الأعلام به. وقال تعالى: ( قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ) أي: فصلّنا أمر موتهِ ( فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) أي: فصل الأمر به، والحكم يقتضي المنع عن الخصومة من قولك: أحكمته، إذا منعته ).

هذا ما فرق به صاحب الفروق اللغوية، ثم قال: (ويستعمل الحكم في مواضع لا يستعمل فيها القضاء، كقولك: حُكمُ هذا كحُكمِ هذا، أي: هما متماثلان في السبب أو العلّة أو نحو ذلك، وأحكام الأشياء تنقسم قسمين: حكم يرد إلى أصلٍ، وحكم لا

____________________

(١) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ١، ص ٤١٨- ٤١٩.

(٢) الإسراء/٢٣.

(٣) الشريف الرضي، حقائق التأويل، ص ٥٩.

(٤) الجوهري، الصحاح، ج ٦، ص ٢٤٦٣.


يرّد إلى أصلٍ؛ لأنَّه أوَّلٌ في بابه )(١) .

إذن هذا هو المعنى اللغوي للحكم.

ثانيا: الحكم اصطلاحاً

وأمَّا الحُكم اصطلاحاً، فهو التشريع الإلهي، فعندما يقال: الحكم في المسألة الكذائية الجواز، أو كذا، معناه: أنّه عزَّ وجلَّ شرّع هذا الحكم في هذا الموضع.

قال فخرُ المحقّقين (رحمه الله): (الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلّق بأفعال المكلّفين )(٢) .

وفي هداية المسترشدين: (الحكم الشرعي هو الحكم الثابت من الشرع للأفعال من غير مُلاحظةٍ لخصوصية الموضوعات، وأمّا التمييز بينها وإثبات الأحكام الخاصّة لها حسب ما يستكشف في، القضاء فما لا ينصرف إليه الإطلاق )(٣) .

يعني الحكم ينصب على الموضوع بملاحظة الفعل المتعلق به لا ملاحظة الموضوع بما هو وبمعزل عن الفعل كما هو واضحٌ.

ولا يخفى أن تعريف الحكم في الاصطلاح الشرعي يختلف باختلاف نظر العلماء والمحققين، فمنهم من ذهب إلى تخصيصه بالحكم التكليفي

____________________

(١) أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، ص ٤٣١ - ٤٣٢.

(٢) فخر المحققين، إيضاح الفوائد، ج ١، ص ٨.

(٣) محمّد تقي الأصفهاني، هداية المسترشدين، ج ٣، ص ٦٢٢.


دون الوضعي، فعرّفه البعض من المحقّقين ممن يرى اختصاصه بالحكم التكليفي:أنّه خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين من حيث الاقتضاء والتنجيز . والبعض الآخر ممن يرى شموله للوضعي كشموله للتكليفي عرّفه بما يعمّ الأمرين معاً، فقال:(الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين، من حيث الاقتضاء، والتنجيز، والصحة، والفساد) (١) .

فبإضافة قيد الصحة والفساد شمل التعريف الحكم الوضعي. وينقسم الحكم الشرعي - مضافاً إلى انقسامه للتكليفي والوضعي - إلى ظاهري وواقعي، والأوّل ما أخذ في موضوعه الشك في حكم شرعيٍّ سابق، والواقعي بخلافه. وينقسم إلى أقسام أخرى، بلحاظات أخرى، يكون الحديث عنها مخرجٌ لنا عن دائرة بحثنا؛ لأنَّ الحُكم الشرعي الذي يهمنا في بحثنا هذا هو الحكم الشرعي التكليفي، فلا بدَّ من تعريفه أوّلاً، ثُمَّ بيان أقسامه وما يرتبط بها ثانياً.

فنقول: الحكم الشرعي التكليفي هو: (الاعتبار الصادر من المولى من حيث الاقتضاء والتخيير )(٢) ، أوهو التشريع الصادر من الله والمتعلق بأفعال الإنسان والموجّه لسلوكه مباشرةً في مختلف جوانب حياته الشخصيّة والعباديّة والعائليّة والاجتماعيّة التي عالجتها الشريعة ونظّمتها جميعاً، كحرمةِ شرب الخُمر ووجوب الصلاة ووجوب

____________________

(١) السبزواري، وسيلة الوصول إلى حقائق علم الأصول، ص ٧٤٠.

(٢) السيد الخوئي، مصباح الأصول، ج ٣، ص ٧٨.


الإنفاق على بعض الأقارب، وإباحة إحياء الأرض، ووجوب العدل على الحاكم (١) .

وأما أقسامه، فهي خمسة أقسام، وهي كما يلي:

(١- الوجوب: وهو حُكم شرعي يبعث نحو الشيء الّذي تعلّق به بدرجة الإلزام، نحو وجوب الصلاة، ووجوب إعالة المعوزين على وليِّ الأمر.

٢ - الاستحباب: وهو حُكم شرعي يبعث نحو الشيء الذي تعلّق به بدرجة دون الإلزام، ولهذا توجد إلى جنبه دائماً رخصة من الشارع في مخالفة، كاستحباب صلاة اللّيل .

٣- الحرمة: وهي حكمٌ شرعي يزجر عن الشيء الذي تعلّق به بدرجة الإلزام، نحو حرمة الرّبا وحرمة الزنا وبيع الأسلحة من أعداء الإسلام .

٤- الكراهة: وهي حُكمٌ شرعي يزجر عن الشيء الذي تعلّق به بدرجةٍ دون الإلزام، فالكراهة في مجال الزجر كالاستحباب في مجال البعث، كما أنَّ الحرمة في مجال الزجر كالوجوب في مجال البعث، ومثال المكروه خلف الوعد .

٥- الإباحة: وهي أن يفسح الشارع المجال للمكلّف لكي يختار الموقف الذي يريدهُ، ونتيجة ذلك أن يتمتّع المكلّف بالحرّية، فله أن يفعل وله أن يترك )(٢) .

____________________

(١) الشهيد الصدر، دروس في علم الأصول، ج ١، ص ٥٣.

(٢) الشهيد الصدر، المعالم الجديدة للأصول، ص ١٠٠.


البحث الثالث: تعريف الأدب لُغةً واصطلاحاً

وأما الأدب في اللغة، فقد قال عنه ابن منظور: (الأدب، الذي يتأدب به الأديب من الناس، سمَّي أدباً لأنه يأدب الناس إلى المحامد وينهاهم من المقابح، وأصل الأدب الدعاء، ومنه قيل للصنيع يدعى إليه الناس: مُدعاة ومأدبة...، وقال أبو زيد: أَدِبَ الرجل يأدب أدباً فهو أديب...، ثم قال:الأدب: أدب النفس والدرس والأدب الظرف وحسن التناول، وأُدِبَ - بالضم - فهو أديب من قومٍ أدباء وأُدبه فتأدب...، وفلان قد استأدب: بمعنى تأدّب، ويُقال للبعير إذا رُيّض وذللّ: أديب مؤدَّب )(١) .

ومثله في الصحاح(٢) والعين(٣) .

فعلى هذا يكون الأدب بمعناه اللغوي قريباً من المعنى الاصطلاحي، وقد يتحدّ مع الحكم الشرعي التكليفي كما لو كان الأدب في مسألةٍ معيّنة جاء بمعنى الاستحباب أو الكراهة، فيقال مثلاً: آداب الوضوء: الاستنشاق، والمضمضة. وآداب التخلي: عدم استقبال قرص الشمس حال التخلي، وهكذا... ويقصدون بذلك الاستحباب في الأوَّل والكراهة في الثاني. وأحياناً يكون الأدب قد جاء بمعنى العادات والأعراف الشرعية أو العادية، مثل آداب الكتابة والكاتب وغيرها.

____________________

(١) ابن منظور، لسان العرب، ج ١، ص ٢٠٦.

(٢) الجوهري، الصحاح، ج ١، ص ٨٦.

(٣) الفراهيدي، العين، ج ٨، ص ٨٥.


قال في مجمع البحرين: (الأدب خمس الأخلاق، وقد جَمعتْ الأحاديث الفرض والسنة والأدب وظاهر العطف المغايرة )(١) .

والحاصل: أنَّ كلمات الأعلام ظاهرة في أن المعنى اللغوي للأدب والآداب إمّا أنَّه يختلف عن المعنى الاصطلاحي، أو هو قريبٌ منه كما لو فسّرناه بالمدعاة كما تقدّم في لسان العرب.

____________________

(١) الطريحي، مجمع البحرين، ج ١، ص ٥٢.


الفصل الثاني: العلاقة بين الوسطيّة وكون الشريعة سهلة سمحاء



تمهيد:

العلاقة بين الوسط والعدل، والوسطية والإنصاف، والقسط وعدم الضرر والإضرار، وعدم الإفراط والتفريط - كما تقدمت الإشارة إلى تلك المعاني وترادفها - من جهةٍ، وكون الشريعة الإسلامية سهلة سمحاء من جهةٍ أخرى وثيقةٌ للغاية، حتّى أنَّه أصبح من الوضوح بمكان التعبير عن إنَّ العدل هو روح الإسلام وأساسه وميزانه الذي توزن الأعمال به، من دون الأخذ بجهةِ الإفراط والتفريط، قال صاحب كتاب النظام السياسي في الإسلام:

(إنَّ العدل روح الإسلام وجوهره، حتّى قيل بترادف اللفظين، وقد اتصلت بقاعدة العدل كثيرٌ مِنَ القواعد العامّة الموجودة في كتب الفقه الإسلامي، كقاعدة نفي الضرر، وقاعدة نفي العسر والحرج. وقد استنبط الفقهاء منها كثيراً من الفروع الفقهيّة التي لم يرد فيها نصٌ من الشارع.

إنَّ السياسة الإسلاميّة بجميع مفاهيمها وألوانها قد تبنّت العدل في جميع مجالاته، وآمنت به إيماناً مطلقاً، فركّزت جميع أهدافها على أضوائه، ولا نحسب أنَّ هناك أيّ نظام دولي قد اعتنى بالعدل كما اعتنى به الإسلام، فقد اعتنى به في جميع أنظمته :


السياسيّة، والاقتصاديّة والاجتماعيّة )(١) .

إذن العلاقة وطيدة للغاية، ومترابطة إلى حد النهاية، وهذهِ من نِعَم الله تبارك وتعالى على هذهِ الأمّة الإسلامية، ببركة شخص النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) الذي بعثه الله عزّ وجلّ رحمةً للعالمين( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (٢) ، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إنَّ الله لم يبعثني بالرهبانية، وإنَّ خير الدين عند الله الحنفيّة السمحة )(٣) .

____________________

(١) القرشي، النظام السياسي في الإسلام، ص ٧٢.

(٢) الأنبياء/ ١٠٧.

(٣) المتقي الهنديّ، كنز العمال، ج ٣، ص ٤٧، ح ٥٤٢٢.


سهولةُ الشريعة الإسلاميّة وسماحتُها في النصوص الشرعية:

قد بيّن الله تبارك وتعالى أنَّ الشريعة الإسلامية خالية من العُسر والحرج في آيات عديدة.

منها: قوله تعالى:( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ ) (١) .

ومنها:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ ) (٢) .

ومنها:( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (٣) .

فالشريعة الإسلامية هي الشريعة التي نفى الله عنها العسر والحرج؛ حتى تكون شاهدة على الأمم التي سبقتها، وهذا ما نجده في أقرب آية في القرآن إلى بحثنا - الوسطيّة - أعني قولَه تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ ) (٤) .

فالمعلول واحد، وهو الشهادة على الناس مضموناً ولفظاً، وأما العلَّة التي من أجلها صارت الأمّة الإسلامية شاهدة على الناس، فقد عبّر القرآن الكريم عنها بالوسطيّة تارة، وبنفي العسر والحرج أُخرى؛ ولذا صارت

____________________

(١) المائدة/ ٦.

(٢) الحج/ ٧٨.

(٣) البقرة/١٨٥.

(٤) البقرة/ ١٤٣.


العلاقة بين العلّتين - الوسطية ونفي الحرج - للمعلول الواحد قويّة للغاية. فنفي العسر والحرج وعدم جعلهما في الشريعة الإسلامية دون غيرها، وهذا مما لم تتصف به الأمم السابقة، كاليهودية والنصرانيّة، وغيرهما.

قال صاحب الفصول: (إنَّ نفي الحرج لم يكن مطّرداً في جميع الأمم السابقة، بل بعضهم كُلّفوا بالتكاليف الشاقة، كما يدلّ عليه قوله تعالى :( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) (١) ،وقوله جلّ شأنه: ( لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ) (٢) ، وظاهر ما ورد من أنَّ بني إسرائيل إذا أصابهم البول قرّضوا أبدانهم بالمقاريض (٣) ، ولا ينافي ذلك أنهم كانوا أبسط منّا جسماً، وأتمَّ قوّةً، فنخرج تلك التكاليف في حقَّهم عن كونها شاقة مع ما ورد في حديث المعراج من قول موسى (عليه السلام) لنبيّنا في عدد الصلوات: (إنَّ أمتّك لا تطيق ذلك) (٤) ، فيشترك نفي الحرج بيننا وبينهم؛ لأنَّ المستفاد من الآيات والأخبار أن تلك التكاليف كانت بالنسبة إليهم شاقّة، وليس في الرواية على تقدير تسليمها ما يدلّ على طاقة غير أمته (صلّى الله عليه وآله)، ولو سلَّم فلعلَّ الوجه في عدم طاقتهم ذلك، كونهم مكلّفين بالمعاشرة، وترك الرهبانية، وتحصيل المعاش، وذلك منافٍ غالباً للقيام بوظائف الصلوات الكثيرة، بخلاف بعض الأمم السابقة، فإنَّ الرهبانية والعزلة كانت مشروعة في حقّهم، وربّما كانت أرزاقهم

____________________

(١) الأعراف/ ١٥٧.

(٢) البقرة/٢٨٦.

(٣) الطبرسي، الاحتجاج، ج١، ص ٣٢٨.

(٤) ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، ج١، ص ١٥٥.


تنزل عليهم من السماء، وكانت أبدانهم أصبر على الشدائد والبلاء، وذلك لا ينافي المقصود .

ومن هنا يظهر: أنَّ العُسرَ والحرج منفيَّان عن شريعتنا بالكلية، كما قررّناه أوّلاً، لا أنهما منفيان بالنسبة إلى أكثر الأحكام المفردة فيها، وإلاّ لم يتحقق الفرق؛ لثبوت مثله بالنسبة إلى تلك الشرائع أيضاً )(١) .

ويؤيد هذا المعنى - أعني اختصاص الأَّمة الإسلامية بنفي العسر والحرج عن شريعتها بالكليّة - ما ذكره الأعلام عند تعرّضهم لقاعدة نفي العسر والحرج، فبعد استدلالهم بالآيات والروايات استخلصوا إلى أنَّ هذا المعنى من مختصات الأمة الإسلامية وشريعتها.

قال المحقق البجنوردي: (... ويشهد بالمعنى الثاني - أي اختصاص رفع الأحكام الحرجيّة بهذه الأمّة - قوله (صلّى الله عليه وآله): (بعثت بالحنفية السمحة السهلة)، وقوله تعالى: ( رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ) والإصر: الحمل الثقيل الذي يحبس صاحبه مكانه لثقله، والمراد التكاليف الشاقة التي كلّف الله تعالى بها الأمم السابقة من التشديدات، وقد عصم الله هذهِ الأمّة من أمثال ذلك، وأنزل في شأنهم ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) ،فهذه الآية الكريمة مع الحديث الشريف تدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ رفع الأحكام الحرجية مخصوص بهذه الأمةِ؛ كرامةً لنبيّنا (صلّى الله عليه وآله) فلا يمكن أن يكون المراد من الحرج عدم القدرة والطاقة والعجز عن الامتثال بمثابةٍ يكون تكليفه في تلك الحالة

____________________

(١) الأصفهاني، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، ص ٣٣٥.


قبيحاً، أو غير ممكن، فلا شكَّ في أن المراد من التكاليف والأحكام الحرجية - ولو كانت وضعيّة - هو أن يكون الحكم المجعول من طرف الشارع موجباً للضيق والعسر على النوع أو على الشخص... والحاصل: أنّه لا شكَّ في دلالة هذهِ الآيات وهذهِ الروايات المستفيضة على عدم جعل الأحكام الحرجية في الدين الحنيف الإسلامي... )(١) .

وهذا المعنى بعينه نجده في كلمات أهل اللغة عند تفسيرهم للحنفية والأحناف.

قال في مجمع البحرين: (الحنيف: المسلم المائل إلى الدين المستقيم. والجمع حنفاء، والحنيف: المسلم لأنّه تحنّف أي: تحرّى الدين المستقيم. والحَنَف محركة: الاستقامة، ومنه قوله (دين محمَّد حنيف) أي: مستقيم لا عوج فيه، و(الحنيف) عند العرب مَن كان على دين إبراهيم (عليه السلام)، وأصل الحنف الميل، ومنه (بعثت بالحنفية السهلة) أي: المستقيمة المائلة عن الباطل إلى الحق، ومثله: (أحب دينكم إلى الله الحنفية) أي: الطريقة الحنفية التي لا ضيق فيها....

(حنفاء): يعني مائلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، مسلمين مؤمنين بالرسُلِ كلِّهم )(٢) .

وفي فيض القدير: (بعثت بالحنفية السمحة )أي: الشريعة المائلة عن كل دين باطل، قال ابن القيِّم: جمع بين كونها حنفية وكونها سمحة، فهي حنفية في التوحيد سمحة في العمل، وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال... وهما اللذان عابهما الله في

____________________

(١) البجنوردي، القواعد الفقهية، ج ١، ص ٢٥٣- ٢٥٤.

(٢) الطريحي، مجمع البحرين، ج ١، ص ٥٨٨.


كتابه على المشركين في سورة الأنعام والأعراف (ومن خالف سُنّتي) أي طريقتي بأن شدّد وعقد وتبتّل وترهّب (فليس منّي) أي: ليس من المتّبعين لي العاملين بما بعثت به، الممتثلين لما أمرت به من الرفق واللين والقيام بالحق والمتساهلة مع الخلق... )(١) .

وصاحب هذا الكلام يعرّض بمن شدّد وتبتّل وترهّب مِن عند نفسه وصريح كلام الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) (أنَّ من خالف سُنّتي فليس منّي )، وهذا يعني أنّ اللازم على جميع المسلمين مراعاة سنته (صلّى الله عليه وآله) المتمثلة بالرفق واللين والمتساهلة، وتطبيق الشريعة الحقّة من دون زيادة أو نقيصة، فأنَّ أحكام الله لا تحتاج إلى زيادةٍ من المكلَّف، فهي دواء وصفه لعباده، وليس من المعقول أن يزيد المريض على وصف الحكيم، معلّلاً ذلك بسرعة الشفاء، أو حسنه، فالإسلام هو الشريعة التي رسمها الله تبارك وتعالى لعباده بأبهى صورة وأجملها، بعيدة من التحلّل والمشين، و التزّمت المقيت، وإنما هي أمر بين أمرين.

قال صاحب كتاب في ظلال التوحيد:

(الإسلام بين التزمت والتحلّل من القيود الشرعيّة، إنَّ بين المسلمين من يريد حصر الأمور الشائعة بما هو موجود في عصر الرسول الأكرم؛ لذا يعدُّ نخل الدقيق بدعةً؛ بحجةِ أنّه لم يكن في عصره (صلّى الله عليه وآله) أي نخلٍ !!

وبين مَن يريد التحلّل من كلِّ قيد ديني في مجال العمل، فلا يلتزم في حياتهِ بشيءٍ مما جاء به الإسلام !!

____________________

(١) المناوي، فيض القدير في شرح الجامع الصغير، ج ٣، ص ٢٦٥.


فالإسلام لا هذا ولا ذلك، فهو يرفض التزمّت إذا كان العمل غير خارج من الأطر العامّة الواردة في الكتاب والسنة، كما يرفض التحلّل من كل قيّد .

فآفة الدين ليست منحصرةً بالثاني، بل آفة الأوّل ليست بأقلّ منه... علماً أنَّ من الأسباب التي أوجبت خلود الدين الإسلامي وأعطته الصّلاحية للبقاء مع اختلاف الظروف وتعاقب الأجيال، كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى المادة، والدعوة إلى الروح، وديناً وسطاً بين المادية البحتة والروحيّة المحضّة، فقد آلف بتعاليمه القيمة بينهما مؤالفة تفي بحقِ كل منهما... )(١) .

وما أكثر الفِرَق الضالة التي ألحقت الأذى بالمسلمين، ممّن يحرم ويحلل، ناسباً ذلك إلى حنيفية إبراهيم (عليه السلام)، متجاهلاً سماحتها ولينها، وهذا الظلم العظيم والرد على الله العليَّ العظيم.

فمن حرّم شيئاً ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، والدليل عليه قوله تعالى:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الّذِينَ هَادُوا حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً ) (٢) ، فالآية دلَّت على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم ابتدعوه من عند أنفسهم وأهوائهم، وكانوا يُشدّدون على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، وتجد هذا جلياً عندما تقرأ قصة البقرة(٣) . وهذا بخلاف السيرة التي جاء بها الإسلام، فقد جاء بشعار (سيروا ولا تعسروا )(٤) ،

____________________

(١) السبحاني، في ظلال التوحيد، ص ١٢١.

(٢) النساء/١٦٠.

(٣) سورة البقرة/ ٦٧-٧١.

(٤) الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص ٥٥٠.


(ودين الله يُسر )(١) ، (وبعثت بالحنفيّة )(٢) ، وما شاكل ذلك ممّا أطلعناك على جملة منه(٣) .

وهذه البدع والزوائد التي أضافها البعض في الفرق الضالة، هو ما ترفضه الفطرة السليمة والعقول النيّرة، وبخلافه الأوامر الإلهية الحقّة، فهو تفرضه الفطرة والعقل السليم.

قال صاحب كتاب دراسات في ولاية الفقيه:

(المعروف ما تعرفه الفطرة والعقول السليمة وأمر به الشرع لذلك، والمنكر ما تنكره العقول السليمة ونهى عنه الشريعة المطهرة... ولعلَّ المراد بالأغلال هو الأعم من الرسوم والقيود الخرافية الطائفية، ومن الأحكام الصعبة المشروعة في شريعة اليهود، أو التي حرمّها إسرائيل على نفسه. وفي الحديث عن أبي أمامة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (إنّي لم أُبعث باليهوديّة ولا بالنصرانيّة ولكن بُعثتُ بالحنفية السمحة) )(٤) .

واستشهد ابن العربي لهذا المعنى قائلاً:

(تعديل الأخلاق بالاقتصار على الأوساط والاعتدالات من الرياضات والمخالفات لصفاء الاستعداد وشرف النفس ونجابة جوهرها دون الإفراط فيها. والأخذ بالعزائم.

كما قال (صلّى الله عليه وآله): (بعثت بالحنفية السمحة السهلة) )(٥) .

____________________

(١) ابن حجر، فتح الباري، ج ١، ص ٨٧.

(٢) ابن حنبل، مسند أحمد، ج ٥، ص ٢٦٦.

(٣) انظر: ابن عطية الأندلسي، المُحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج ١، ص ٤٧٣- ٤٧٤.

(٤) المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه، ج ٢، ص ٨.

(٥) ابن العربي، تفسير ابن العربي، ج ٢، ص ١٨٢.


وهذا ما نجده جليّاً في أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّهم لم يأتوا بشيءٍ إلاّ وأقاموا عليه البرهان والدليل، حتى صار شعارهم: (نحن أبناء الدليل حيث ما مال نميل )، فالدليل هو القاضي فيما يريدون، فإن وافق و إلاّ فلا عمل من دونه. ولو أنَّ جميع المسلمين اتبعوا هذا المعين الصافي لاهتدوا إلى لُباب هذا القمح، ومصفى هذا العسل، ونسائج هذا القزّ، لكن غلب على هواههم، وقادهم عنادهم(١) إلى ما فيه الخسران المبين.

قال الشيخ السبحاني:

(آلف القرآن بتعاليمه القيّمة بينهما - أي المادة والروح - مؤالفةً تفي بحقِ كل منهما، حيث يُفسح للإنسان أن يأخذ قسطه من كلٍّ منهما بقدر ما يصلحه، لقد غالت المسيحية (الغابرة) بالاهتمام بالجانب الروحيّ من الإنسان، حتى كادت أن تجعل كل مظهر من مظاهر الحياة المادّية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانيّة والتعزّب وترك ملاذ الحياة، والانعزال عن المجتمع والعيش في الأديرة وقلل الجبال والتسامح مع المعتدين.

كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة، حتّى نسيت كُلَّ قيمة روحيّة وجعلت الحصول على المادة بأيِّ وسيلةٍ كانت المقصد الأسنى، ودعت إلى القوميّة الغاشمة .

لكن الإسلام أخذ ينظر إلى واقع الإنسان بما هو كائن ذو بعدين، فبالبعد المادي لا يستغني عن المادة ،وبالبعد الرّوحي لا يستغني من الحياة الرّوحية، فأولاهما عنايته، فدعا إلى المادة والالتذاذ بها، بشكل لا يُؤثِرُها على حياته الروحيّة، كما دعا إلى الحياة

____________________

(١) اقتباس من كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج٣، ص ٧١.


الروحيّة بشكلٍ لا يصادم فطرته وطبيعته .

وهكذا، فقد قرن بين عبادة الله وطلب الرزق وترفيه النفس، فندب إلى القيام بالليل وإقامة النوافل، وفي الوقت نفسه ندب إلى طلب المعاش وتوخّي اللذّة، قال سبحانه: ( وَالّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً ) (١) ،وقال أيضاً: ( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ ) (٢) ،وقال عليٌّ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): (للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يرمُّ معاشه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها) (٣) ... إنَّ من ملامح التشريع القرآني مرونته وقابليته للانطباق على جميع الحضارات الإنسانية، وما ذلك إلاّ لأنّه جاء بتشريعات خاصة لها دور التحديد والرقابة على سائر تشريعاته، وهذا التشريع أعطى للدين مرونةً ومنعطفاً جديداً .

قال سبحانه: ( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٤) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لا ضرر ولا ضرار) (٥) .

فحدّد كلَّ تشريع بعدم استلزامه الضرر والضرار، فأوجب التيمم مكان الوضوء إذا كان استعمال الماء مضرّاً...، وجاء في الحديث عن الصّادع بالحقِّ أنّه قال : (بعثت

____________________

(١) الفرقان/ ٦٤.

(٢) الأعراف/ ٣٢.

(٣) الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج ٤، ص ٩٣، خ ٣٩٠.

(٤) المائدة/ ٦.

(٥) البيهقي، السنن الكبرى، ج ٦، ص ٧٠.


بالحنيفية السمحة )(١) .

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (إنَّ هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفقٍ لا تكرهوا عبادة الله لعباد الله) (٢) .

... ومن ملامح التشريع القرآني العدالة، حيث تراها متجليّة في كافة تشريعاته، خاصة فيما يرجع إلى القانون والحقوق .

قال سبحانه :( وَلاَ تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ ) (٣) ... إلى غير ذلك من الآيات التي تدلُّ على أنَّ هيكل التشريع الإسلامي بُني على أساس العدل والقسط )(٤) .

ومحصَّل هذا الكلام:

أنَّ الدين الإسلامي - بكل تشريعاته - اِتخذ المسامحة وعدم العسر والحرج، وعدم الضرر والإضرار شعاراً له، فصارت الوسطيّة هي الحق الذي ندب إليه؛ ولذا قال رسول (صلّى الله عليه وآله): (إنّي لم أُبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بعثتُ بالحنيفية السمحة )(٥) .

____________________

(١) الطوسي، الأمالي، ص ٥٢٨.

(٢) الكليني، الكافي، ج ٢، ص ٨٦، ح ١.

(٣) البقرة/ ١٩٠، المائدة/ ٨٧.

(٤) السبحاني، رسائل ومقالات، ص ٤٨٩ - ٤٩٥، مقالة بعنوان: (واقع التشريع الإسلامي). ألقيت في المؤتمر العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية المنعقد في طهران عام ١٤١٩ هـ.

(٥) ابن حنبل، مسند أحمد، ج ٥، ص ٢٦٦.


وقال أيضاً: (إنَّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلاَّ غلبه، فسَدّدوا وقاربوا )(١) .

وقال (صلّى الله عليه وآله): (يسّروا ولا تُعسّروا )(٢) .

إشكال ودفع:

بقي هنا إشكال يستحق الذكر والتعرّض له، والإجابة عليه، ذكره العلماء - قديماً وحديثاً - وأجابوا عنه.

وحاصله:

أنَّ هناك أشياء شاقّة وصعبة، بل بعضها بالغ إلى درجةٍ العُسرِ والحرج موجودة في الدين الإسلامي، مع أنَّ الآيات والروايات المتقدمة نفت العسر والحرج بكلّيته، فكيف يجمع بين هذه الأدلّة، وبين ما هو موجود في الواقع الخارجي من صعوبة بعض التكاليف؛ فإنَّ التعبير بمثل: (السماحة واليسر والحنيفية) لهذا الدين يتنافى مع عسر بعض التكاليف.

وليس المراد من هذه الأحاديث أنَّ في هذا الدين أشياء سهلة وأشياء صعبة بالغة حد الحرج؛ فأنّ (الدين) إن كان اسماً لكل فردٍ من التكاليف قضى بكون كلٍ منها سهلة، وإن كان اسماً للمجموع المُركّب يقتضي ذلك أيضاً؛ لأنَّ وجود الحرج في الدين يجعل المجموع المركب صعباً؛ إذ انضمام التكاليف السهلة للشديدة، لا يوجب سهولة الشديدة بل تبقى

____________________

(١) البخاري، صحيح البخاري، ج ١، ص ١٥.

(٢) الشافعي، كتاب الأم، ج ١، ص ٦٩.


الشديدة على شدتها، والسهلة السمحة على سماحتها وسهولتها، وحينئذٍ لا يصدق أمثال (إنَّ هذا الدين يُسر وسمح، وأنَّ الشريعة سهلة سمحاء )(١) .

فإنْ قُلتَ:

إنَّا لا نسلّم بالصغرى، أعني: وجود أحكام شاقّة فيها عسر وحرج.

كان الجواب:

إنَّ إنكار وجود أحكام شاقة وحرجية في الدين الإسلامي مكابرةٌ واضحة؛ فإنَّ مثل الصوم في اليوم الحار جدّاً، والثبات أمام العدو في الجهاد، والوضوء بالماء البارد، والحج مع كثرة الزّحام، كُلُّها مصاديق واضحة لما ندّعي.

إذن الإشكال على حاله فلا بدَّ من الجواب.

والجواب عنه:

إما بالتخصيص كما أجاب عنه المحقّق النراقي، ولم يقبله حيث قال: (فإنَّه كما لا إشكال في تخصيص سائر العمومات، حتى قيل: ما من عامٍّ إلاَّ وقد خُصَّ، فكذا هنا وإن كان جارياً في جميع التكاليف، مثل الزكاة والخمس والأنفاق وأمثالها وقلنا بكونها ضرراً، ولكن هذا التخصيص الكثير... بعيدٌ غاية البُعد )(٢) .

ومقصوده أنَّ الأدلة التي دلّت على نفي العسر والحرج بإطلاقها أو

____________________

(١) انظر: المراغي، العناوين الفقهية، ج ١، ٢٩٠.

(٢) النراقي، عوائد الأيام، ص ٦٣.


عمومها مُخصصَّة، أو مقيدة بأدلّة أخرى على وجود أحكام فيها عسر وحرج، وليس المقصود من الأدلة أنَّ الدين بكلّيته لا عسر فيه ولا حرج، بل المقصود أن أكثره كذلك، وهذا لا ينافي وجود عسر وحرج في بعض التكاليف.

وقد اِختار هذا المحقّقُ جواباً غير المتقدّم قائلاً: (والحاصل أنا نقول: إنَّ المراد أنَّ الله تعالى لا يريد بعباده العسر والحرج والضرر، إلاّ من جهة التكاليف الثابتة بحسب متعارف الأوساط وهم الأغلبون، فالباقي منفي، سواء لم يثبت أصله أصلاً، أو يثبت، ولكن على نهجٍ لا يستلزم هذهِ الزيادة )(١) .

أو الجواب عنه: بأنّ التكاليف الشاقّة ظاهراً الموجودة في شريعتنا ترتفع مشقتها بما وعد الله عباده من الأجر الجميل، والثواب الجزيل (٢) .

ومقصوده:

أنَّ أمثال هذهِ التكاليف كأمثال صعود الجبال بأجرةٍ عالية ووعد جميل، فأنَّ مثل هذا العمل الشاق يصير سهلاً يسيراً لوجود العوض الخطير في قباله، ويؤيّدُ هذا المعنى ما رُوي عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (من أنَّ امرأة حضرت عند الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فقالت: إنَّ لي والدة ضعيفة، وقد عَسُر عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليكِ أسألُكِ فأجابتها فاطمة الزهراء(عليها السلام) عن ذلك، ثم ثنّت فأجابت، ثم ثلّثت [فأجابت] إلى أن عشّرت فأجابت، ثم خجلت من

____________________

(١) المصدر نفسه، ص ٦١.

(٢) المصدر نفسه، ص ١٩٠.


الكثرة، فقالت فاطمة الزهراء(عليها السلام): هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيتِ من أكترى يوماً يصعد إلى سطحٍ بحملٍ ثقيل، وكراؤه مائة ألف ديناراً أيثقل عليه؟ فقالت: لا، فقالت: أكتريت أنا لكلِّ مسألةٍ بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرشِ لؤلواً، فأحرى أن لا يثقل عليَّ... ) الخبر(١) .

فالرواية صريحة بأنَّ الذي خفّف الحمل والمشقة والعسر إنّما هو الأجر المترتب عليه، وما أوعد المكلف به، فهكذا الأمر هنا.

أو يجاب عنه:

بأنَّ أدّلة قاعدة نفي الحرج حاكمة على غيرها من أدلّة الاحتياط؛ لأنَّ أدلّة نفي الحرج أو الضرر ليس نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، على ما ذكره صاحب الكفاية(٢) ، بل لسانها نفي نفس الحكم الضرري، ونفي نفس الحكم الحرجي في الشريعة، وهذا المعنى هو الظاهر من أدلّة نفي الحرج والضرر، بقرينة ما في بعض الروايات من أنَّه: لا ضرر في الإسلام أو في الدين، فإنَّه ظاهر في نفي تشريع الحكم الضرري في دين الإسلام. وذهب إلى هذا الرأي الشيخ الأعظم الأنصاري(قدس سره)(٣) ، وتبعه على ذلك السيّد الخوئي (قدس سره)(٤) .

____________________

(١) الحر العاملي، الفصول المهمة في أُصول الأئمة، ج ١، ص ٦٠٠، ح ٥.

(٢) الآخوند الخراساني، كفاية الأصول،ص٧٢، ص٣١٣.

(٣) الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول، ج ١، ص ٤٠٨.

(٤) السيد الخوئي، مصباح الأصول، ج ٢، ص ٢٢٨- ٢٣١.


والإنصاف:

إنَّ ما ذهب إليه العلمان - الشيخ الأعظم والسيّد الخوئي (رحمهما الله) - هو الأنسب للسان الأدلة.

والخلاصة:

أنَّ كُلَّ حكمٍ يلزم من امتثاله العسر والحرج يكون مرفوعاً في الشريعة الإسلامية، بل غير مجعول من أساسه.

ومن هنا تتضح لنا العلاقة بين الوسطيّة وسماحة الشريعة؛ وذلك لأنَّ الدين يُسرٌ - كما تقدّم - واليُسر من الأمور ما كان بين حديِّ الإفراط والتفريط، أو هو الخفيف الليّن، أو الواسع(١) ، أو ما يكون نقيض العسر، أو ضده(٢) .

وقال ابن الأثير: ((يسر) فيه (إنَّ هذا الدين يسر): ضد العسر. أراد أنَّه سهل سمح قليل التشديد )(٣) .

واليسر هو الوسط، فالدين وسط، والأمة وسط، كما نطق به القرآن الكريم:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (٤) .

____________________

(١) الخليل الفراهيدي، كتاب العين، ج ٧، ص ٢٩٥ - ٢٩٦.

(٢) الجوهري، الصحاح، ح٢، ص ٨٥٧.

(٣) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ٥، ص ٢٩٥.

(٤) البقرة/ ١٤٣.



الفصل الثالث: الأدلة على الوسطيّة

* الدليل الأول: القرآن الكريم

* الدليل الثاني: السنة الشريفة

* الدليل الثالث: الاستقراء



الفصل الثالث:الأدلة على سلوك الشارع طريقة الوسطيّة

وأمّا الأدلة على أن الشارع سلك الوسطيّة في الأحكام والآداب، فيمكن الاستدلال عليه:

الدليل الأول: الكتاب الكريم

وقد استدل بآياتٍ كثيرة، منها:

الآية الأولى:

وهي قوله تعالى:( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً لِّتكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيكُونُ الرَّسول عَليكُم شَهيداً ) (١) .

ومفاد هذه الآية - كما في كثير من تفاسير الفريقين، وهو ما سنوافيك بنقل آراء البعض منهم - أنّ الله سبحانه وتعالى جعل الأمّة الإسلاميّة أمّة وسطاً بين اليهود والنصارى، أو وسطاً بمعنى عدلاً بين الإفراط والتفريط في الأمور، وليس المقصود فيها أن يكون كُلُّ واحدٍ من أفرادها موصوفاً بالعدالة؛ لأنّ واقع الأمر والموجود في الخارج يكذّب هذا المعنى، ومَن

____________________

(١) البقرة/ ١٤٣.


الّذي يلتزم بأنّ كل فردٍ من أفراد الصحابة (كان خير أمةٍ أخرجت للناس)( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) ، أي عدلاً، ومن يلتزم بهذا؟!

إذن لا علاقة للآية المباركة بالأفراد، وإنّما المقصود منها مجموع الأمّة من حيث المجموع(١) ، ومن هنا يبطل الاستدلال بها على عدالة الصحابة، كما عن غير واحد من علماء الجمهور(٢) .

وينحصر الاستدلال بها على مجموع الأمّة بالنسبة إلى الأمّم السابقة، وهذا الوصف مستمر إلى يوم القيامة، فالآية الكريمة جعلت المسلمين أُمّةً وسطاً، وهذهِ الوسطيّة والعدليّة ممتدةٌ مع امتداد الأُمّة الإسلاميّة في كُلِّ عصرٍ وزمان، فالأمّة الإسلاميّة في مراحل لاحقة هي أمّة وسط في عقيدتها وشريعتها وتطبيقها للمنهج الإسلامي.

وفي مرحلتنا الراهنة، حينما نقول: إنّ الأمّة الإسلاميّة أمّة وسطاً، وأمّة عادلة، يصح إذا كان المقصود مجموع الأمّة، أمّا سراية الوسطيّة والعدليّة للأفراد فرداً فرداً فلا يصح(٣) .

وهذا الرأي ليس من مختصّات المذهب الإمامي، بل هناك مَن ذهب إليه من علماء الجمهور، فقد قال ابن زمنين في تفسيره:( أُمّة وسطاً ) :أي: عدلاً،

____________________

(١) اُنظر: الميلاني، عليّ، الصحابة في القرآن والسنة والتاريخ، ص٣١ - ٣٢.

(٢) اُنظر: الكاشاني، أبو بكر، بدائع الصنائع، ج٦، ص٢٧٠.

(٣) اُنظر: الميلاني، الصحابة في القرآن والسنة والتاريخ، ص٣٠.


يعني أمّة مُحمّد (صلّى الله عليه وآله))(١) .

وفي تفسير السّمعاني:( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) ، وفي الخبر أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله)قال: إنّكم توفون سبعين أُمّة أنتم خيرها وأعدلها. وقد ورد في الخبر عنه أنّه قال: (خير الدين النمط الأوسط) يعني الّذي ليس فيه غلو ولا تقصير، وذلك دين الإسلام؛ لأنّ النصارى غلوا في دينهم، واليهود قصّروا، أمّا المسلمون أخذوا بالنمط الأوسط )(٢) .

ومن التفاسير المتأخّرة ما جاء في كتاب تيسير الكريم الرَّحمان في كلام المنّان، حيث قال صاحبه:( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) أي: عدلاً خياراً، وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمّة وسطاً في كُلِّ أمور الدين، وسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود؛ بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطاً في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى، وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلاّ في بِيَعِهِم وكنائسهم، ولا يطهّرهم الماء من النجاسات، وقد حرّمت عليهم طيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجّسون شيئاً ولا يحرّمون شيئاً، بل أباحوا ما دبّ من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرّم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمّة من الدين أكملُه، ومن الأخلاق أجلّها، ومن الأعمال أفضلها، ووهبهم الله مِن العلم والحكم والعدل والإحسان ما لم يهبه لأُمّةٍ سواهم؛ فلذلك كانوا ( أمّةً وسطاً ) )(٣) .

____________________

(١) ابن زمنين، تفسير ابن زمنين، ج١، ص١٨٤.

(٢) السمعاني، تفسير السمعاني، ج١، ص١٤٩.

(٣) السعدي، تيسير الكريم الرحمان في كلام المنّان، ص٧٠.


والحاصل:

فالاستدلال بالآية على عدالة الصحابة والأفراد بعيد للغاية، ويكذّبه الشرع والعقل بالضرورة.

وقد يقال: (إنّ الآية في صدد الحديث عن القبلة، حيث يقول الباري عزّ وجلّ: ( سَيَقُولُ السّفَهَاءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للّهِ‏ِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداءَ على الناس ويكون الرّسول عليكم شهيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مِن يَتّبِعُ الرّسُولَ ) (١) الآية .

فالكلام - صدراً وذيلاً - حول القبلة، ولا علاقة له بوسطيّة الأمة الإسلاميّة في سائر الموارد، فالقدر المتيقّن هو أن قبلة المسلمين هي القبلة الوسط. ويؤيّدُ هذا المعنى ما وقف عليه الباحثون أخيراً من أنَّ الكعبة المشرّفة هي المركز لدائرة العالم كلّه بحيث لو أردنا رسم دائرة للعالم لكان لزاماً وضع السن على الكعبة المشرّفة؛ ليمكن رسم هذه الدائرة )(٢) .

إذن الكلام حول وسطيّة قبلة المسلمين، ولا علاقة لها بما نحن فيه من توسّط الأمّة الإسلاميّة في أحكامها وآدابها!

والجواب على هذا الإشكال:

أوّلاً: إنّ الروايات وأقوال المفسّرين دلّت على استفادة المعنى الكُلّي للوسطيّة؛ وذلك عن طريق الاستدلال بنفس ألفاظ الآيتين المباركتين.

____________________

(١) البقرة/ ١٤٢ - ١٤٣.

(٢) اُنظر: هامش كتاب أساليب الغزو الفكري للمؤلِفَينِ (جريشة - الزيبق) ص٧.


أمّا الروايات، فقد روي عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) تفسير الآية بالأعم، كما قال بذلك الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان)، حيث قال: (( أُمَّةً وسطاً ) ،أي: عدلاً، وهو قول مجاهد وقتادة والربيع وابن عبّاس، وأكثر المفسّرين )(١) .

وروى الطبري، قال: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد: (في قوله ( فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا ) ، للإسلام واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يُصلّي إلى المشرق، ومنهم من يُصلّي إلى بيت المقدس، فهدانا الله للقبلة، واختلفوا في الصّيام، فمنهم من يصوم بعض يوم ومنهم بعض ليلة، وهدانا الله له، واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت، وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فبرأه الله من ذلك وجعله حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين الذين يدعونه من أهل الشرك، واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفريةٍ وجعلته النصارى ربّاً، فهدانا الله للحق فيه، فهذا الّذي قال جلَّ ثناؤه: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.

قال: فكانت هداية الله، جلَّ ثناؤه ( الّذِينَ آمَنُوا ) بمحمّد، وبما جاء به لما اختلف فيه من الحق بإذنه، أن وفّقهم لإصابة ما كان عليه من الحق، مَن كان قبل المختلفين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية إذ كانوا أُمّةً واحدة، وذلك هو دين إبراهيم الحنيف المسلم خليل الرحمان فصاروا بذلك أُمّةً وسطاً كما وصفهم بربهم ليكونوا شهداء على الناس )(٢) .

وهذا الكلام صريح بإرادة الأعم من القبلة، بل شمل الصلاة والصوم

____________________

(١) اُنظر: الطوسي، مُحمّد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، ج٢، ص٦.

(٢) الطبري، جامع البيان، ج٢، ص٤٦١، ح٣٢٣.


والعقيدة في أنبياء الله، كإبراهيم وعيسى (عليهم السلام)، ويوم الجمعة.

إذن، لا كلام من ناحية الروايات في إرادة الأعم.

وأمّا بالنسبة لأقوال المفسّرين، فالأمر فيها كذلك، قال القُرطبي: (المعنى: وكما أنّ الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أُمّةً وسطاً، أي: جعلناكم دون الأنبياء وقوة الأمم، والوسط: العدل، وأصل هذا أنّ أحمد الأشياء أوسطها، وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في قوله تعالى: ( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) .

قال: ((عدلاً)... ولمّا كان الوسط مُجانباً للغلو والتقصير كان محموداً، أي: هذه الأمّة لم تَغلُ غُلوَّ النصارى في أنبيائهم، ولا قصّروا تقصير اليهود في أنبيائهم، وفي الحديث: (خير الأمور أوسطها)، وفيه عن عليّ (رضي الله عنه): (عليكم بالنمط الأوسط)، فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل )(١) .

وثانياً: مع التنزل عن الجواب الأوّل والوقوف على ظاهر الآية، وهو: أنّ المراد بالوسط في القبلة دون غيرها، إلاّ أنّ هذا مدفوع بنفس الآية، حيث عبّرت بـ (كذلك)، والتي جاءت بمعنى (كما أنّ) أو (وأيضاً)، وكلاهما يفيد التمثيل والتشبيه، ومعنى هذا أنّ الأمر ليس مختصّاً في وسطيّة قبلة المسلمين، بل هو أعم من ذلك، ومن هنا نجد أنّ الطبرسي يقول: (ومثل ذلك الجعل العجيب والإنعام بالهداية ( جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) أي: خياراً، وهو وصف بالاسم الّذي هو وسط الشيء؛ ولذلك استوى في الواحد والجمع والمذكّر

____________________

(١) القرطبي، تفسير القرطبي، ج٢، ص١٥٣ - ١٥٤.


والمؤنّث )(١) .

ومثله في تفسير الأمثل، حيث قال:( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) أي: كما جعلنا القبلة وسطاً، كذلك جعلناكم أمّة في حالة اعتدال لا يشوبها إفراط ولا تفريط في كل جوانب حياتها.

أمّا سبب كون قبلة المسلمين قبلة وسطاً؛ فلأنّ النصارى - الذين يعيش مُعظمهم في غرب الكرة الأرضية - يولُّون وجوهَهم صوب الشرق تقريباً حين يتّجهون إلى قبلتهم في بيت المقدس، حيث مسقط رأس المسيح. واليهود - الذين يتواجدون غالباً في الشامات وبابل - يتجهون نحو الغرب تقريباً حين يقفون تجاه بيت المقدس .

أمّا الكعبة فكانت بالنسبة للمسلمين في المدينة تجاه الجنوب، وبين المشرق والمغرب، وفي خط وسط، وهذا ما يفهم من عبارة (وكذلك)... إلى أن قال: القرآن يؤكد أّنَّ المنهج الإسلامي في كُلِّ أبعاده - لا في بُعد القبلة فقط - يقوم على أساس التوازن والاعتدال، والهدف من ذلك لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً، وشهادة الأُمّة المسلمة على الناس وشهادة النبي على المسلمين، وقد تكون إشارة إلى الأسوة والقدوة؛ لأنّ الشاهد يُنتخب من بين أزكى الناس وأمثلهم؛ فيكون معنى هذا التعبير القرآني: أنّ الأمّة المسلمة نموذجية بما عندها من عقيدة ومنهج، كما أنّ النبي(صلّى الله عليه وآله) فرد نموذجي بين أبناء الأمّة المسلمة بعملها وتطبيقها المنهج الإسلامي )(٢) .

ونحن إذا لاحظنا هذا الكلام نجد فيه جملتين مُهمّتين هما: (في كُلِّ

____________________

(١) الطبرسي، جوامع الجامع، ج١، ص١٥٨.

(٢) مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، ج١، ص٤٠٧.


جوانبِ حياتها )، و(لا في بُعْد القبلة فقط )، وقد دلتا على التعميم الّذي نثبته في المقام.

والحاصل:

أنّ الآية تامّة الدلالة على أنّ الشارع اختارنا أُمّةً وسطاً، وشرّع لنا الوسطية في جميع مجالات حياتنا، العبادية وغيرها، ومنها: القبلة.

ولا يرد إشكال حصر الوسطية، في خصوصها، بعد ما أطلعناك على الجواب عنه.

الآية الثانية:

وهي قوله تعالى:( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَتَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ ) (١) .

وهذه الآية واضحة الدلالة على إرادة الله تبارك وتعالى لاتّباع الصّراط المستقيم ونبذ ما وراءه من سُبُل، وأنَّ اتّباعه هو الوصيّة الإلهية لأجل الوصول إلى التقوى.

قال في تفسير الأمثل: (تقول هذه الآية: إنّ طريق الله واحد، بينما طرق المنحرفين والبعيدين عن الله متعددة ومتناثرة؛ وذلك لورود الصراط المستقيم بصيغة المفرد وسبل المنحرفين بصيغة الجمع )(٢) .

____________________

(١) الأنعام/ ١٥٣.

(٢) مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، ج٢، ص٤٢٦.


وروى أحمد في مسنده، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: (خطّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، خطّاً بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً، قال: ثم خطّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ) (١) .

وروى في موضع آخر، عن جابر أنّه قال:

(كُنا جلوساً عند النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) فخطّ خطّاً هكذا أمامه، فقال: هذا سبيل الله عزّ وجلّ وخطّين عن يمينه، وخطّين عن شماله [و] قال: هذا سبيل الشّيطان، ثم وضع يده في الخط الأوسط ثم تلا هذه الآية: ( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً... ) (٢) .

ومثله في سُنن ابن ماجة(٣) ، ومجمع الزوائد(٤) ، ومنتخب مسند عبد بن حميد(٥) ، وكتاب السنّة(٦) ، وصحيح ابن حبان(٧) .

وعليه، فالآية تامّة الدلالّة على أنّ المطلوب من الأمّة الإسلاميّة اتّباع السبيل الأوسط، كما هو صريح ما في مُسند أحمد أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وضع يده في الخط الأوسط تاركاً السبل التي على جانبيه، وأنّ هذا الخطّ هو

____________________

(١) ابن حنبل، مسند أحمد، ج١، ص٤٦٥.

(٢) ابن حنبل، مسند أحمد، ج٣، ص٣٩٧.

(٣) اُنظر: ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج١، ص٦، ح١١.

(٤) اُنظر: الهيثمي، نور الدين، مجمع الزوائد، ج٧، ص٢٢.

(٥) اُنظر: الكشي، عبد بن حميد، منتخب مسند عبد بن حميد، ص٣٤٥ - ٣٤٦، ح١١٤١.

(٦) اُنظر: ابن أبي عاصم، كتاب السنّة، ص١٣، ح١٦.

(٧) اُنظر: ابن حبّان، صحيح ابن حبّان، ج١، ص١٨١.


الصراط المستقيم الّذي يراد للمسلمين اتّباعه دون غيره.

قال صاحب كتاب المسترشد: (فمن سلك صراط الله المستقيم واتبع نوره المنير؛ خرج من الشبهات والأخلاق والحيرة والضلالة، وصار إلى مستقر الأمن وضياء القوم، ومعدن الخير وموضع الرسالة، ومقر الرحمة والرأفة والهدى، وأمان الأمة وسفينة النجاة، ودار السلامة والإسلام وولاية المهتدين، واتّباع الصادقين وأحساب العالمين والتمسك بحبل المؤمنين )(١) .

وقد فسّرت السُبل المنهي عن اتّباعها بالأديان السابقة كاليهودية والنصرانية، أو ما كان من غير ملّة الإسلام.

ففي تفسير السمرقندي قال: (( فَاتّبِعُوهُ وَلاَتَتّبِعُوا السّبُلَ... ) يعني: لا تتبعوا دين اليهودية والنصرانية )(٢) ، وأضاف ابن زمنين: وما كان من غير ملّة الإسلام(٣) ، وأضاف الثعلبي: المجوسية وسائر البدع والضلالات(٤) .

وقال الواحدي: (اليهودية والنصرانية وعبادة الأوثان )(٥) ، وقريب منه السمعاني في تفسيره(٦) ، ومثل الثعلبي في تفسيره(٧) .

____________________

(١) الطبري الإمامي، المسترشد، ص٥٧٩ - ٥٨٠.

(٢) السمرقندي، تفسير المسرقندي، ص٥١٢.

(٣) اُنظر: ابن زمنين، تفسير ابن زمنين، ص١٠٦.

(٤) اُنظر: الثعلبي، تفسير الثعلبي، ج٤، ص٢٠٥.

(٥) الواحدي، تفسير الواحدي، ج١، ص٣٨٢.

(٦) اُنظر: السمعاني، تفسير السمعاني، ج٢، ص١٥٧.

(٧) اُنظر: الثعلبي، تفسير الثعلبي، ج١، ص٣٥٣.


والحاصل:

أنّ الآية دالة على أنّ الله تبارك وتعالى يريد منا اتّباع الصراط المستقيم دون غيره، لكن نحتاج إلى إتمام دعوى ما نروم إليه، وهي الوسطية إلى ضم أدلة أخرى من آيات وروايات، مثل قوله تعالى:( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (١) ، أو قوله تعالى:( وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ ) (٢) ، حتى نفهم معنى الصراط المراد لنا سلوكه دون غيره.

قال صاحب كتاب البيان: (إنّ للقرآن في أنظمته وتعاليمه مسلكاً يتمشى مع البراهين الواضحة وحكم العقل السليم، فقد سلك سبيل العدل وتجنب عن طرفي الإفراط والتفريط فتراه في فاتحة الكتاب يطلب عن لسان البشر من الله الهداية إلى الصراط المستقيم بقوله: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ...وقد أمر القرآن بالعدل وسلوك الجادة الوسطى في كثير من آياته...

ثم قال:والقرآن بسلوكه طريق الاعتدال وأمره بالعدل والاستقامة قد جمع نظام الدنيا إلى نظام الآخرة، وتكفّل بما يصلح الأولى وبما يضمن السعادة في الآخرة، فهو الناموس الأكبر، جاء به النبيّ الأعظم [صلّى الله عليه وآله] ليفوز به البشر بكلتا السعادتين، وليس تشريعه دنيوياً محضاً لا نظر فيه إلى الآخرة، كما تجده في التوراة الرائجة، فإنّها مع كبر حجمها لا تجد فيها مورداً تعرّضت فيه لوجود القيامة، ولم تخبر عن عالم آخر للجزاء على الأعمال الحسنة والقبيحة... (٣) .

____________________

(١) الفاتحة/ ٦.

(٢) النحل/ ٩.

(٣) الخوئي، أبو القاسم علي أكبر، البيان في تفسير القرآن، ص٦٠ - ٦٢.


وقال أيضاً في موضع آخر من كتابه:...إنّ الطريق التي يسلكها البشر في أعمالهم وإيمانهم ثلاثة:

أحدها: الطريق الّذي مهّده الله لعباده يسلكه من هداه الله إليه بفضله وإحسانه .

ثانيها: الطريق الّذي يسلكه الضالّون .

ثالثها: الطريق الّذي يسلكه المغضوب عليهم، وقد بيّن الله مغايرة الطريق المستقيم للطريقين الآخرين، ببيان أنَّ سالكي هذا الطريق غير سالكي ذينك الطريقين، وبذلك بيّن أن من اجتنب الطريق المستقيم؛ فلا مناص له من الخذلان، إما بضلاله فحسب وإما بضلاله مع استحقاقه الغضب الإلهي (١) .

وقال في اللُمعة البيضاء: (روُيَ عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلوّ، وارتفع عن التقصير واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنّة )(٢) .

وجاء في معاني الأخبار، عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً أنّه قال: (... والصراط المستقيم هو صراطان: صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة، وأمّا الصراط المستقيم في الدنيا، فهو ما قصر عن الغلوّ وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل. وأمّا الطريق الآخر، فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة الّذي هو مستقيم لا يعدلون عن الجنّة إلى النار، ولا إلى غير النار سوى الجنّة )(٣) .

وقال العلاّمة الطباطبائي: (... الاستقامة تقال في الطريق الّذي يكون على خطٍ

____________________

(١) الخوئي، أبو القاسم علي أكبر، البيان في تفسير القرآن، ص٤٨٩.

(٢) التبريزي الأنصاري، الُلّمعة البيضاء، ص٤٦٥.

(٣) الشّيخ الصّدوق، معاني الأخبار، ص٣٣، ح٤.


مستوٍ وبه شبه طريق الحق نحو ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ...،واستقامة الإنسان لزومه المنهج المستقيم، نحو قوله: ( إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا ) ...،فالمراد بقول ( ثُمّ اسْتَقَامُوا ) لزوم وسط الطريق من غير ميل وانحراف، والثبات على القول الّذي قالوه )(١) .

وجاء في مجمع البحرين: (( الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) :الطريق المستوي عن الاعوجاج )(٢) .

وخلاصة الكلام في هذا المقام:

أنّه يستفاد من جميع الآيات والأحاديث المذكورة وما يشبهها، أنّ الصورة المادية البشرية تقتضي الجهل؛ ولذلك لا يقنع الإنسان بالتصرف في الأمور الخارجية والتمتع بها بكل عضوٍ من أعضائه على حسب ما تقتضيه الصورة البشريّة على حدّ الاعتدال، بل يريد الوصول إلى ما يهواه ويشتهيه فيتبع شهواته، سواء أضره أم لا، فيفسد بذلك حياته الماديّة والمعنوية، الفرديّة والاجتماعية، فيختل بذلك النظام والاجتماع، ومن أجل ذلك جعل الله تعالى للإنسان حجتين:

حُجّة ظاهرة، وهم الأنبياء (عليهم السلام)، وحجّة باطنة وهو العقل؛ حتى لا يبتلي بالإفراط والتفريط في إرضاء الغرائز ومتابعة الهوى والشهوات، فهداه الله تعالى بهما إلى الصراط المستقيم وطريق الاعتدال في الأمور كُلها، فمن

____________________

(١) الطباطبائي، تفسير الميزان، ج١٧، ص٣٨٩.

(٢) الطريحي، مجمع البحرين، ج٢، ص٣٦٣.


تابعهما نجي من ظلمة الإفراط والتفريط والضلالة إلى نور القسط والعدالة، إلاّ أنّ غير الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) لا يرجعون إلى الاعتدال التام؛ لتلبسهم بالجهل الناشئ عن عالم البشرية؛ ولذلك يكون فيهم شيء من الحمق، وإن كان من أهل الخير والسعادة والفوز بالنجاة في الآخرة(١) .

وعليه فمن مجموع ما تقدم من الآية والآيات التي ضممناها إليها يتضح تمام دلالتها على المطلوب، وهو اتّباع الوسط في جميع مجالات حياتنا العبادية والاجتماعية وغيرها.

الآية الثالثة:

وهي قوله تعالى:( وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَى‏ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّى‏ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) (٢) .

لقد جاءت كلمة سبيل وسبل في القرآن الكريم مرات عديدة، فكلمة (سبيل) جاءت أكثر من ثمانين مرّة، تارة مضافة إلى الله، مثل قوله تعالى:( وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَ تَشْعُرُونَ ) (٣) .

وأخرى مضافة إلى الطاغوت، كما في قوله تعالى:( وَالّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ ) (٤) .

____________________

(١) اُنظر: سعادت پرور، سرّ الإسراء في شرح حديث المعراج، ج١، ص٣٣٢ - ٣٣٣.

(٢) النساء/ ١١٥.

(٣) البقرة/ ١٥٤.

(٤) النساء/ ٧٦.


وثالثة للمجرمين، مثل قوله عزّ وجلّ:( وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) (١) .

ورابعة للمفسدين، مثل قوله تبارك وتعالى:( وَلاَتَتّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (٢) .

وخامسة وسادسة للرشد والغي، كما في قوله تبارك وتعالى:( وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرّشْدِ لاَيَتّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيّ يَتّخِذُوهُ سَبِيلاً ) (٣) .

وسابعة إلى الذين لا يعلمون، كما في قوله عزّ وجلّ:( وَلاَ تَتّبِعَانّ سَبِيلَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) (٤) .

وثامنة إلى المنيب إليه تبارك وتعالى، كما في قوله جلَّ جلالُه:( وَاتّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ ) (٥) .

وتاسعة إلى المؤمنين، كما في الآية محل الكلام، حيث يقول عزّ من قائل:( وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَى‏ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّى‏ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) (٦) .

وأمّا كلمة (سبل) - بالجمع - فقد وردت في القرآن الكريم مرتين،

____________________

(١) الأنعام/ ٥٥.

(٢) الأعراف/ ١٤٢.

(٣) الأعراف/١٤٦.

(٤) يونس/ ٨٩.

(٥) لقمان/ ١٥.

(٦) النساء/ ١١٥.


مضافة تارة إلى السلام، كما في قوله تعالى:( يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلاَمِ ) (١) .

وأخرى إليه عزّ وجلّ، كما في قوله تبارك وتعالى:( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلَاً ) (٢) .

وأكثر ما جاءت كلمة (سبيل) مضافة إلى الله تبارك وتعالى، فقد وردت في تسع وستين مورداً.

أمّا (السبيل) لغةً:

قال ابن الأثير: (فهو الطريق يذكّر ويؤنّث والتأنيث فيها أغلب )(٣) .

وأما السبيل في الاستعمال الشرعي:

فهو ما كان وصلةً إلى ما يضاف إليه، فسبيل الله: ما كان وصلةً إلى الخير والثواب، وطريقاً إليه من أنواع القرب، كالصدقة على الفقراء، ومعونة الحاج والزائر والغازي وطالب العلم وعمارة المسجد أو مدرسة أو رباط أو طريق، أو نحو ذلك من وجوه القرب(٤) .

ولا يمكن أن يكون طريقاً حقيقاً؛ لاستحالة التحيّز عليه جلَّ شأنُه، فصار

____________________

(١) المائدة/ ١٦.

(٢) النحل/ ٦٩.

(٣) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٢، ص٣٣٨.

(٤) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج١١، ص٣٦٩.


بمعناه المعنوي، أعني: وصلة الخير إلى رضوانه وثوابه الشامل لجميع ما يتقرب به إلى الله تعالى، فيجب حمل اللفظ عليه، حيث لا مخصّص من شرعٍ أو عرفٍ(١) .

وعليه فيكون المعنى اللغوي والاصطلاحي واحداً إذا لم يستحل حمله كما في (سبيل الله )، وأمّا بقية الإضافات، فيحمل الطريق فيها على الوجهة والمنهج والفكر، فيقال: إنَّ فلاناً سبيلُه سبيلَ المجرمين، أي: منهجه وفكره وطريقته، وهكذا كما هو واضح جدّاً.

ولنرجع إلى الآية الشريفة وأقوال علماء التفسير فيها، فنقول: إنّ هناك من ادعى دلالة الآية على حجيّةِ الإجماع(٢) ، لكنّه كما ترى؛ لأنّ الخروج عن الإجماع ليس خروجاً عن سبيل المؤمنين، بل الاجتهاد لأجل الوصول إلى فتوى معناه إرادة تحصيل سبيل المؤمنين.

قال الشوكاني:( وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي: غير طريقهم، وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسّك بأحكامه. ولا دلالة فيها على الإجماع ولا حجّةَ في ذلك عندي؛ لأنَّ المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره، كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب (أي سبب النزول)، فلا يصدق على عالم من علماء هذه المسألة الإسلاميّة اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام فأداه اجتهاده إلى مخالفة مَن

____________________

(١) اُنظر: البحراني، الحدائق الناضرة، ج٢٢، ص٤٧٣.

(٢) اُنظر: النووي، المجموع، ج١٠، ص٤٢. حيث نسب طريقة الاستدلال بالنصوص إلى جماعة منهم الشافعي وكثير من أصحابه وأبي حامد الغزالي ومن تبعه مستدلين على ذلك بالآيات منها هذه الآية.


بعصره من المجتهدين، فإنّه إنّما رام السلوك في سبيل المؤمنين، وهو الدين القويم والملّة الحنيفيّة ولم يتبع غير سبيلهم )(١) .

ومثله ما نقله في فلك النجاة(٢) .

إذن لا دلالة فيها أصلاً على حُجيّة الإجماع، ولو دلّت فلا يمكن لعاقل أن يقبل بالنتيجة المترتبة على المخالفة، حيث تقول الآية:( نُوَلّهِ مَا تَوَلّى‏ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) !!

أفهل يمكن لفقيه أن يلتزم بأنّ مخالفة الإجماع تؤدّي إلى جهنّم وبئس المصير؟!

وإنّما المعروف بين المفسرين أنَّ سبيل المؤمنين هو شيء آخر في مقابل السبل الأخرى، التي تكون بين الإفراط والتفريط، فاتّباع سبيل المؤمنين هو اتّباع الهدى الذي جاء به الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، واتّباع غير سبيلهم يعني الخروج عن هُداه (صلّى الله عليه وآله).

فيكون من الطبيعي جدّاً أن تكون عاقبته جهنّم وساءت مصيراً.

فالآية تقول:( وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَى‏ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) فبعدما تبيّن له الهدى خالفه وشاقَقَ مَن جاء به واتّبع سبيلاً آخر، فصارت النتيجة تنتظره.

____________________

(١) الشوكاني، فتح القدير، ج١، ص٥١٥.

(٢) اُنظر: الحنفي، فتح الدين، فلك النجاة في الإمامة والصلاة، ص١١١.


قال في جامع البيان - عند تفسيره للآية -: (يتّبع طريقاً غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجاً غير منهاجهم؛ وذلك هو الكفر بالله؛ لأنّ الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم )(١) .

وقريب منه السمرقندي، حيث قال: يتبع ديناً غير دين المؤمنين، أو مذهباً غير طريق المؤمنين(٢) . وفي تفسير ابن زمنين(٣) والثعلبي(٤) والنسفي(٥) والبغوي(٦) ، واتّبع غير دين المؤمنين وطريقهم أو غير الدين الحنيفي، وفي تفسير الرازي(٧) ، والواحدي(٨) ، غير دين الموحّدين.

وعليه نعرف أنّ الشاذ من هذا السبيل يكون حاله حال الشاة التي شذّت من قطيعها، فإنّها لا سبيل لها سوى انتظار الذئب لها كما نطقت به النصوص والآثار.

ففي النهج الشريف، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (وسيهلك فيَّ صنفان: مُحبٌّ مفرط يذهب به الحُبُّ إلى غير الحقِّ، ومبغض مفرّط يذهب به البغض إلى غير الحقِّ، وخير الناس حالاً النمط الأوسط، فألزموه وألزموا السواد الأعظم، فإنَّ يدَ الله على

____________________

(١) الطبري، جامع البيان، ج٥، ص٣٢٦.

(٢) اُنظر: السمرقندي، تفسير السمرقندي، ج١، ص٣٦٣.

(٣) اُنظر: ابن زمنين، تفسير ابن زمنين، ج١، ص٤٠٦.

(٤) اُنظر: الثعلبي، تفسير الثعلبي، ج٣، ص٣٨٥.

(٥) النسفي، تفسير النسفي، ج١، ص٤٨٠.

(٦) البغوي، تفسير البغوي، ج١، ص٤٨٠.

(٧) اُنظر: الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج١١، ص٤٢.

(٨) اُنظر: الواحدي، تفسير الواحدي، ج١، ص٣٨٩.


الجماعة. وإيّاكم والفرقة، فإنَّ الشاذ من الناس للشيطان كما أنَّ الشاذَّ من الغنم للذئب )(١) .

ولذا نرى أنّ الكثير من المُنصفين ردّ على من شذّ من سبيل المؤمنين، كالشيخ ابن سليمان الكردي أكبر مشايخ ابن عبد الوهاب - مؤسس الفرقة الضالة الوهابية - قال في ردٍّ له عليه: (يا ابن عبد الوهاب إنِّي أنصحُك لله تعالى أن تكفّ لسانك عن المسلمين، فإنْ سمعت من شخصٍ أن يعتقد تأثير ذلك المستغاث به من دون الله، فعرّفه الصواب وأبِنْ له الأدلة على أنَّه لا تأثير لغير الله، فإنْ أبى فكفّره حينئذٍ بخصوصه، ولا سبيل لك إلى تكفير السواد الأعظم من المسلمين وأنت شاذ عن السواد الأعظم، فنسبة الكفر إلى من شذّ عن السواد الأعظم أقرب؛ لأنّه اتبع غير سبيل المؤمنين.

قال تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَى‏ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّى‏ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) .وإنّما يأكل الذئب من الغنم القاصية )(٢) .

وقال ابن عثيمين في تفسيره في تفسير هذه الآية: (وسبيلهم هو طريقهم في عقائدهم وأعمالهم )(٣) .

وقريب منه الآلوسي، حيث قال:( غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي: غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل: فيعم الأصول والفروع والكل والبعض )(٤) .

____________________

(١) الإمام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج٢، ص٨.

(٢) دحلان، فتنة الوهابيّة، ص٩.

(٣) السعيدي، تيسير الكريم الرحمان في كلام المنّان، ص٢٠٢.

(٤) الآلوسي، تفسير الآلوسي، ج٥، ص١٤٦.


وأضاف أبو السعود في تفسيره - على عبارة الآلوسي -: (وهو الدين القيّم )(١) .

فتحصّل من جميع ما تقدّم:

أنّه يجب على الأمّة الإسلاميّة أن تتبع سبيل المؤمنين وطريقهم دون غيره من السُبل، فتكون دلالتها تامّة ومضمونها كمضمون الآية السابقة، أعني: قوله تعالى:( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَتَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) . وسبيل الله هو الصراط المستقيم الذي نسأله في حلنا وترحالنا( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) .

يعني الطريق الوسط لا طريق المغضوب عليهم ولا طريق الضالّين المنحرفين الذين هم بين إفراط وتفريط، فاهدنا إلى سواء الطريق، وإلى الجادة الوسطى، ولا تجعلنا ممّن يتأخّر عن أحكام دينك القويم وشرعك المبين، ولا من الذين يغالون في دينهم ويشدّدون على أنفسهم بغير ما أنزل الله، فيَضلّون ويُضلّون، وكل ذلك تحت شعار توحيد الذات والصفات، فإنّا لِلِّه وإنّا إليه راجعون.

قال ابن كثير: (إنّما أحدثه من قد اتّبع غير سبيل المؤمنين وحاد عن طريقهم، ورغبت نفسه عنهم، ولقد تكلّموا عن ما يكفي ووصفوا منه ما يشفي، فأين لا أين، فمن دونهم مقصّر، ومن قوتهم غير محسن، ولقد نصر أقوام دينهم فحقوا، وطمح

____________________

(١) أبو السعود، تفسير أبي السعود، ج٢، ص٣٣٢.


عنهم آخرون فغلوا )(١) .

الآية الرابعة:

وهي قوله تعالى:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى‏ وَيَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) (٢) .

ومن الآيات التي يمكن الاستدلال بها على سلوك الشارع مسلك الوسطية في الأحكام والآداب، هو هذا المقطع من الآية المباركة، والتي يأمر الله فيها - بالصراحة - جميع البشر أن يعدلوا.

وقبل الشروع في التعرّض لأقوال المفسّرين نودّ أن نتعرّفَ على معنى العدل في كلمات اللغويين، فإنّه وإن كان من الوضوح بمكان إلاّ أنّه لأجل زيادة الاطمئنان.

قال ابن فارس: ((عدل) العين والدال واللام أصلان صحيحان لكنّهما متقابلان كالمتضادين أحدهما يدل على استواء والآخر يدلّ على اعوجاج. فالأوّل: العدل من الناس المرضي المستوي الطريقة يقال: هذا عدل )(٣) . إلخ.

وقال في موضع آخر:القسط هو العدل (٤) . وقريب منه ما في النهاية(٥) ،

____________________

(١) ابن كثير، البداية والنهاية، ج٩، ص٢٤٢.

(٢) النحل/ ٩٠.

(٣) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج٤، ص٢٤٦.

(٤) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج٥، ص٨٥.

(٥) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٤، ص٦٠.


ولسان العرب(١) .

فعلى هذا لا يكون هناك فرق بين هذه الآية:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) وبين قوله تعالى:( قُلْ أَمَرَ رَبّي بِالْقِسْطِ ) (٢) ؛ لأنّهما بمعنى واحد، فإذا تمَّ الاستدلال بها، معناه تمَّ الاستدلال بالأخرى، ويأتي الحديث عنه في آخر هذا البحث.

هذا، إلاّ أنّ صاحب كتاب الفروق اللغويّة فرَّقَ بين العدل والقسط بما لا يرجع إلى محصّل في تأثيره على الاستدلال، حيث يقول: الفرق بين القسط والعدل: (إنّ القسط هو العدل البيّن الظاهر، ومنه سُمّي المكيال قسطاً والميزان قسطاً؛ لأنه يصوّر لك العدل في الوزن، حتى تراه ظاهراً، وقد يكون من العدل ما يخفى، ولهذا قلنا: إنّ القسط هو النصيب )(٣) .

وكيف ما كان، فالعدل مفهوم واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان كما ذكرنا آنفاً.

وأمّا كلمات علماء التفسير - وهو المهم في المقام - فقد ذكروا أنّ العدل هو الإنصاف، كما عن غير واحد منهم، وإليك بعضها:

قال في مجمع البيان:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) وهو الإنصاف بين الخلق والتعامل بالاعتدال الذي ليس فيه ميل ولا عوج )(٤) .

____________________

(١) ابن منظور، لسان العرب، ج٧، ص٣٧٧.

(٢) الأعراف/ ٢٩.

(٣) أبو هلال العسكري، معجم الفروق اللغوية، ص٤٢٨.

(٤) الطبرسي، مجمع البيان، ج٦، ص١٤٠.


وقال الجصّاص: (العدل هو الإنصاف، وهو واجب في نظر العقول قبل ورود السمع، وإنما ورد السمع بتأكيد وجوبه )(١) .

ومثلهما البغوي(٢) وابن العربي(٣) في تفسريهما.

وأوضح من الجميع ما ذكره في زبدة البيان، حيث يقول:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) وهو الإنصاف والتوسط في جميع الاعتقادات والأفعال والأقوال، وعدم التفريط والإفراط والميل إلى أحد الجانبين فلا يكون اعتقاده في حق الله ناقصاً ولا فرق في ما لا يجوز، بأن يعتقد الشركة والإفراط. والاتصاف بالصفات الناقصة واتصاف النبي بالألوهيّة، وكذا في الإمامة، وكذا في العبادات لا يجعلها ناقصة عن الوظيفة ولا يخترع فيها فوق ما عيّنه الشارع.

وبالجملة: لا يخرج من الشرع الشريف )(٤) .

وبالتدبّر في كلامه نعرف أنَّه (رحمه الله) يريد سلوك الصراط المستقيم، وعدم سلوك السبل الأخرى التي هي بين حدي الإفراط والتفريط، ولذا قال: (لا يخرج من الشرع الشريف ) ويؤيّده، بل يدلُّ عليه كلام السّيوطي حيثُ قال:

(( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) فإنَّ العدل هو الصراط المستقيم المتوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط المشار به إلى جميع المخلوقات في الاعتقاد والأخلاق

____________________

(١) الجصّاص، أحكام القرآن، ج٣، ص٢٤٧.

(٢) اُنظر: البغوي، تفسير البغوي، ج٣، ص٨١.

(٣) اُنظر: ابن العربي، أحكام القرآن، ج٣، ص١٥٣.

(٤) المقدس الأردبيلي، زبدة البيان، ص٣٣٢.


والعبودية )(١) .

وأصرح من كلام السيوطي كلام البيضاوي والشوكاني، حيث يقول الأول منهما:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) بالتوسّط في الأمور اعتقاداً كالتوحيد المتوسّط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسّط بين محض الجبر والقدر، وعملاً كالتعبّدية بأداء الواجبات المتوسّط بين البطالة والترهّب، وخلقاً كالجود المتوسّط بين البخل والتبذير )(٢) .

وقال الشوكاني - بعد ذكره لعدّة أقوال -: (والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي وهو المتوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمعنى أمره سبحانه بالعدل أن يكون عباده في الدين على حالة متوسّطة ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغُلوّ المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط، وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين )(٣) .

ومثله مختصراً الآلوسي(٤) وابن كثير(٥) .

وأمّا تطبيقات العدل والقسط والإنصاف في حياتنا اليوميّة وأحكام الشريعة وآدابها - والذي هو محل الكلام - فقد ذكر صاحب كتاب التحفة السنيّة ما فيه الكفاية، حيث يقول: (إنَّ الجمال المُطلق هو الاستواء التام والخلوص عن الزيادة والنقصان، والاعتدال الحقيقي، ومن ثُمَّ ورد إنَّ الله جميل يحب الجمال ،

____________________

(١) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج٢، ص١٤٦ - ١٤٧.

(٢) البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج٣، ص٤١٦.

(٣) الشوكاني، فتح القدير، ج٣، ص١٨٧.

(٤) اُنظر: الآلوسي، تفسير الآلوسي، ج١٤، ص٢١٧.

(٥) اُنظر: ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج٢، ص٦٠٣.


فالأخلاق الحسنة هي الملكات المتوسّطة العادلة، وبأزانها الأخلاق السيئة هي الملكات المائلة عن الوسط والعدل الذي هو خير الأمور كما في الحديث النبوي المشهور، وقد وقع الأمر به في قوله عزّ وجلّ: ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) .

ثُمَّ قال:الصّراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع من التقصير واستقام. وميلها عنه إمّا إلى الإفراط كالشَرَه - بفتحتين - وهو غلبة الحرص بحيث لا يتعبّد بناموس الشرع في القوة الشهوية مُطلقاً، ويخص في الفرجية باسم الهتك والفجور كما تقدّم. والتهوّر وهو الهجم من غير مُبالاة في القوّة الغضبية، والجُربُزَة - بضم الجيم وسكون الراء وضم الباء وفتح الرّاء المعجمة - وهي الاسترسال في القوة العقليّة لاستنباط الحيل والمكايد إلى حد النكر أو الشيطنة، أو إلى التفريط كالخمود في مقابلة الشره، والجُبن في مقابلة التهوّر، والبله الاختياري وهو قلة الالتفات في مغامض الأمور أو تركه ...)(١) .

والكلام بمجموعه مُنصبّ على اتخاذ الوسطية في جميع الحالات انطلاقاً من قوله تعالى:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) ، أي بالتوسّط في جميع الحالات سواء العبادية منها أم الأخلاقية، وهذا ما نروم إليه من دلالة الآية على سلوك الشارع مسلك الوسطيّة في الأحكام والآداب.

وأيضاً ذكر السيّد الخوئي (رحمه الله) في البيان هذا المعنى، حيث يقول: (( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) ...نعم، قد أمر القرآن بالعدل، وسلك في تعاليمه مسلك الاستقامة، فنهى عن الشح في عدّة مواضع، وعرّف الناس مفاسده وعواقبه. ( وَلاَ

____________________

(١) الجزائري، التحفة السنيّة، ص٤٠.


يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللّهِ‏ِ مِيرَاثُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (١) .

بينما قد نهى عن الإسراف والتبذير ودلّ الناس على مفاسدهما:

( وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ ) (٢) ، و( إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ ) (٣) ،( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) (٤) إلخ(٥) .

وقال العلاّمة الطباطبائي - بعد ذكره لكلام الراغب الأصفهاني -: (وما ذكره على ما فيه من التفصيل يرجع إلى قولهم: إنَّ العدل هو لزوم الوسط والاجتناب عن جانب الإفراط والتفريط في الأمور، وهو من قبيل التفسير بلازم المعنى؛ فإنَّ حقيقة العدل هي إقامة المساواة والموازنة بين الأمور بأن يُعطى كل من السهم ما ينبغي أن يُعطاه، فيتساوى في أنَّ كلاً منها واقع موضعه الذي يستحقّه، فالعدل في الاعتقاد أن يؤمن بما هو الحق، والعدل في فعل الإنسان في نفسه أن يخلّ ما فيه سعادته ويتحرّز مما فيه شقاؤه باتّباع هوى النفس، والعدل في الناس وبينهم أن يوضع كل موضعه الذي يستحقه في العقل أو في الشرع أو في العرف، فيثاب المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، وينتصف المظلوم من الظالم، ولا يبغض في إقامة القانون ولا يستثني )(٦) .

____________________

(١) آل عمران/ ١٨٠.

(٢) الأنعام/ ١٤١.

(٣) الإسراء/ ٢٧.

(٤) الإسراء/ ٢٩.

(٥) السيّد الخوئي، أبو القاسم علي أكبر، البيان في تفسير القرآن، ص٦٠ - ٦١.

(٦) الطباطبائي، مُحمّد حسين، تفسير الميزان، ج١٢، ص٣٣١.


وفي تفسير الأمثل:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) وهل يمكن تصور وجود قانون أوسع وأشمل مِنَ العدل؟! فالعدل هو القانون الّذي تدور حول محوره جميعُ أنظمة الوجود، وحتى السماوات والأرض، فهي قائمة على أساس العدل (بالعدل قامت السماوات والأرض)، والمجتمع الإنساني الّذي هو جزء صغير في كيان هذا الوجود الكبير لا يقوى أن يخرج عن قانون العدل، ولا يمكن تصوّر مجتمع ينشد السلام يحظى بذلك أن تستند أركان حياته على أُسس العدل في جميع المجالات، ولمّا كان المعنى الواقعي للعدل يتجسّد في جعل كلّ شيء في مكانه المناسب، فالانحراف والإفراط والتفريط وتجاوز الحد والتعدّي على حقوق الآخرين ما هي إلاّ ضرر بخلاف أصل العدل. فالإنسان السليم هو ذلك الّذي تعمل جميع أعضاء جسمه بالشكل الصحيح (بدون أي زيادة أو نقصان)، ويحل المرض فيه بمجرّد تعطيل أحد الأعضاء، أو تقصيره في أداء وظيفته.

ويمكن تشبيه المجتمع ببدن إنسان واحد، فإنّه سيمرض ويعتل إن لم يراع فيه العدل )(١) .

والحاصل:

إنّ الآية تامّة الدلالة على إرادة الشارع من العباد أن يسلكوا الوسطيّة في جميع مجالات الحياة: العبادية، العقائدية، بل وحتى الاجتماعية، وإرادته لنا هذا المسلك معناه تشريعه (عزّ وجلّ) له في حقنا وسلوكه (تبارك وتعالى) هذا المسلك معنا؛ لأنه لا يطلب منّا إلا ما شرعه هو لنا.

وقد تقدّم أنّ الآية لو تمّت دلالتها، فهي تغني عن البحث في قوله تعالى:

____________________

(١) الشيرازي، ناصر مكارم، تفسير الأمثل، ج٨، ص٢٩٦ - ٢٩٧.


( قُلْ أَمَرَ رَبّي بِالْقِسْطِ ) (١) ؛ وذلك لأنّ القسط والعدل بمعنى واحد وإن تقدّم أنّ صاحب الفروق اللغوية فرّق بينهما بما لا يؤثر على الاستدلال، ويرشدك إلى هذا المعنى - مضافاً إلى كلام أهل اللغة المتقدّم - كلامُ المفسّرين لهذه الآية، كما جاء عن القُمّي في تفسيره(٢) ، والطبرسي في جوامع الجامع(٣) ، والكاشاني في التفسير الأصفى(٤) ، والصافي(٥) ، والطبري في جامع البيان(٦) ، والنّحاس(٧) ، والسمرقندي(٨) ، وغيرهم الكثير أنَّ القسط هو العدل، فكل ما جاء هناك من الاستدلال يأتي هنا حذو القذّة بالقذّة، فالبحث فيها ونقل أقوال العلماء والمفسرين لا يكون إلاّ تكراراً.

ومثل هذا الكلام يأتي في قوله تعالى:( كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ ) (٩) .

بل يمكن القول بأنه يأتي في الآيات المشابهة لها المشتملة على أمرٍ من هذا القبيل مثل قوله تعالى:( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ) (١٠) ، وقوله عزّ

____________________

(١) الأعراف/ ٢٩.

(٢) اُنظر: القُمّي، تفسير القُمّي، ج١، ص٢٢٦.

(٣) اُنظر: الطبرسي، جوامع الجامع، ج١، ص٦٥٠.

(٤) اُنظر: الفيض الكاشاني، التفسير الأصفى، ج١، ص٣٦٧.

(٥) اُنظر: الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، ج٢، ص١٨٨.

(٦) اُنظر: الطبري، جامع البيان، ج٨، ص٢٠٣.

(٧) اُنظر: النّحاس، معاني القرآن، نج٣، ص٢٥.

(٨) اُنظر: السمرقندي، تفسير السمرقندي، ج١، ص٥٢٦.

(٩) النساء/ ١٣٥.

(١٠) المائدة/ ٤٢.


وجلّ:( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ) (١) ، وقوله تبارك وتعالى:( لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ) (٢) .

وغيرها من الآيات الشريفة.

وبهذا تمَّ الاستدلال ببعض الآيات المباركة على سلوك الشارع مسلك الوسطية، وهناك آيات اُخر تركناها لتقاربها في كيفية الاستدلال.

الدليل الثاني: السُنة الشريفة

تقدّم الاستدلال بمجموعة من الآيات الشريفة على أنَّ الشارع سلك مسلك الوسطيّة في أحكامه وآدابه، ويأتي الدور الآن للاستدلال بعدل القرآن الكريم وهو السُنّة الشّريفة، وذلك بروايات، منها:

الأول: الحديث المشهور المروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله)(٣) تارة، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)(٤) أخرى، وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) ثالثة(٥) وهو: (خير الأمور أوسطها )، أو (أوساطها )(٦) ، أو (خيار الأمور أوساطها )، أو (خيار الأمور أوسطها ). فَصِيغُه أربع والمعنى واحد.

____________________

(١) الأنعام/ ١٥٢.

(٢) يونس/ ٤.

(٣) اُنظر: العجلوني، كشف الخفاء، ج١، ص٣٩١.

(٤) اُنظر: الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص٢٤٠.

(٥) اُنظر: الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٢٣٤.

(٦) الكاشاني، أبو بكر بدائع الصنائع، ج١، ص٩٤.


وما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، وجدته في بعض المجامع الحديثيّة أنَّ الإمام (عليه السلام) استشهد به ناسباً إيّاه لجده رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كما في جامع أحاديث الشّيعة أنَّه: لمّا حجَّ الرشيد استقبله موسى بن جعفر (عليه السلام) بالمدينة على بغلٍ، فقال له الرشيد: يا أبا الحسن عزّت بك الخيل حتى ركبت بغلاً! فقال له موسى (عليه السلام):أنّه يتّضع عن خيلاء الخيل، ويرتفع عن ذلة العسير، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (خيار الأمور أوسطها )(١) .

والحديث واضح الدلالة، بل أنَّ كلمات أهل اللغة لم تتجاوز فيه حد الشرح بالمصاديق. قال في مجمع البحرين: (وفي الحديث (خير الأمور أوسطها) قال بعض الأعلام: كُلّ خصلة محمودة لها طرفان مذمومان، كالسخاء مثلاً فإنّه وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة فإنها وسط بين الجبن والتهوّر، والإنسان مأمور أن يتجنّب كل وصفٍ مذموم ويتعرى عنه، وكُلّما ازداد بعداً ازداد تعرّياً، وأبعد الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين وسطهما، وهو غاية البعد عنهما، فإذا كان في الوسط فقد بَعُدَ عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان )(٢) .

وقال ابن الأثير: ((خير الأمور أوساطها): كُلّ خصلة محمودة لها طرفان مذمومان؛ فإنَّ السخاء وسط... )(٣) .

وكلامه وكلام صاحب مجمع البحرين واحد لم يختلف إلاّ ببعض الحروف، بل قوله - أي صاحب مجمع البحرين - (قال بعض الأعلام) معناه

____________________

(١) السيّد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج١٦، ص٨٥٥.

(٢) اُنظر: الطريحي، مجمع البحرين، ج٤، ص٤٩٨.

(٣) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج٥، ص١٨٤.


بأنّه أخذه منه.

وقال ابن منظور في شرح (فرط):الفارط، المتقدّم السابق، فرط يفرط فروطاً. قال أعرابي للحسن: يا أبا سعيد، علّمني ديناً وسطاً لا ذاهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً، أي ديناً متوسّطاً لا متقدّماً بالغلوّ ولا متأخراً بالغلو، قال له الحسن، أحسنت يا أعرابي: (خير الأمور أوسطها )وفرط غيره .

وقال في موضع آخر - بعد أن ذكر الحديث نفسه -:فإنَّ الأوسط هاهنا المتوسّط بين الغالي والتالي، ألا تراه قال: لا ذاهباً فروطاً؟ أي: ليس ينال وهو أحسن الأديان، ألا ترى قول عليٍّ (عليه السلام): (خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي ))(١) .

وقال الزمخشري: (قال مطرف (رحمه الله)لابنه لمّا اجتهد في العبادة: خير الأمور أوسطها، والحسنة بين السيئتين، وشر السير الحقحقة، السيئتان: الغلو والتقصير، والحسنة بينهما هي الاقتصاد (الحقحقة، أرفع السير وأتعبه للظهر، وذلك أن يلحَّ في شدّة حتى لا تقوم عليه راحلته فيبقى منقطعاً به )(٢) .

والحاصل:

فمفردات الحديث واضحة.

وقبل الشروع في ذكر كلمات الأعلام في الحديث وتطبيقاته لا بدّ من طرح هذا السؤال التالي:

____________________

(١) ابن منظور، لسان العرب، ج٧، ص٣٦٦ وص٤٣٠ - ٤٣١.

(٢) اُنظر: الزمخشري، جار الله، الفايق في غريب الحديث، ج٢، ص١٧.


أليس من الإنصاف أن يُبحث أولاً عن إثبات صدور الحديث، ثُمَّ البحث عن دلالته؟

أليس أنّ البحث في دلالة الحديث وظهوره فرع ثبوت طريقه إلى الشارع؟ والحال أنّه لم نرَ لذلك عيناً ولا أثراً مع أنّ ذلك هو مقتضى صناعة أهل الفن.

ويمكن الجواب عنه:

أوّلاً: إنّ شهرة الحديث هي التي جعلتنا نطوي صفحاً عن البحث السندي، حتى أنّ مجموعة من العلماء أسندوه للنبي (صلّى الله عليه وآله) على نحو: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، المشعر بثبوت صدوره، منهم: أبو بكر الكاشاني(١) ، والعلاّمة المجلسي(٢) ، وابن حجر(٣) . وغيرهم.

وثانياً: إنّ الحديث موافق جدّاً لمضامين الآيات القرآنية؛ ولذا ترى مجموعة من العلماء استدلوا به جنباً إلى جنب مع الآيات المباركة التي تقدّم الاستدلال بها، مثل قوله تعالى:( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) (٤) ، وهذا التوافق يكفي في صحة مثل هكذا حديث؛ لأنّه يوجد المقتضي لإثبات صدوره ولا مقتضي لعدم الصدور، فمن هنا أغنانا لهذا التوافق من البحث

____________________

(١) اُنظر: أبو بكر الكاشاني، بدائع الصنائع، ج١، ص٢٣.

(٢) اُنظر: العلاّمة المجلسي، مُحمّد باقر، بحار الأنوار، ج٧، ص٢٧٠.

(٣) اُنظر: ابن حجر، فتح الباري، ج١١، ص٢٣٤.

(٤) البقرة/ ١٤٣.


في إثبات صدوره.

قال السّيوطي: (قال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن فضل فقلت: إنك تُخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، تجد في كتاب الله: (خير الأمور أوسطها )؟ قال: نعم، في أربعة مواضع: قوله تعالى: ( لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانُ بَيْنَ ذلِكَ ) (١) ،وقوله تعالى: ( وَالّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) (٢) ،وقوله تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ ) (٣) ، وقوله تعالى:( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً ) (٤) ،(٥) .

إذن فمضمون الحديث تام الموافقة لآيات القرآن الكريم التي ضربت الأمثال لحقيقة الوسطيّة.

وأمّا من جمعها - أعني الحديث إلى جانب الآيات - فمجموعة من العلماء، منهم:

الثعلبي في تفسيره، حيث يقول: (ووسط الشيء خيره وأعدله؛ لأن خير الأمور أوسطها، قال الله تعالى: ( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) )(٦) ، ومعنى هذا أنّ مضمون

____________________

(١) البقرة/ ٦٨.

(٢) الفرقان/ ٦٧.

(٣) الإسراء/ ٢٩.

(٤) الإسراء/ ١١٠.

(٥) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج٢، ص٣٤٦.

(٦) الثعلبي، تفسير الثعلبي، ج٢، ص١٩٤ - ١٩٥.


الحديث لا يختلف عن مضمون الآية والشاهد على ذلك أنَّ الثعلبي جاء بالآية كتعليل لإثبات حقيقة ومضمون الحديث كما هو واضح.

ومثله القُرطبي في هذا الجمع، فإنَّه بعد أن استدلَّ بالآية ذكر الحديث، فإنه وإن عكس، لكن ما نروم إليه موجود وهو أنَّ المضمون واحد.

وقال صاحب كتاب الشفاء الرّوحيّ: (والعدل يُقابله الظلم، وحقيقتُه هي إقامة المساواة والموازنة في الأمور، وإعطاء كلّ ذي حق حقّه بقدر ما يستحق، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً... فالعدل عبارة عن تعديل جميع الصفات والأقوال الصادرة عن الإنسان، وردّ الزائد والناقص والكثير والقليل إلى الوسط كما يُقال: لا إفراط ولا تفريط، ويقال: خير الأمور أوسطها. ويقول تعالى: ( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) ،وهذا أمر واجب الرعاية على الإنسان في أداء الحقوق الواجبة عليه بحيث لا يتصف الإنسان بالعدل والعدالة حقيقةً، إلا إذا قام بتأديةِ تلك الحقوق، وهي كثيرة تكاد أن لا تحصى ولا تحصر )(١) .

وعليه، فخلاصة الجواب الثاني أنَّ مضمون هذا الحديث موافق لمضامين الآيات التي استدل بها على مسلك الوسطيّة، والتي تقدّم الحديث عنها مفصّلاً في هذا الفصل فلاحظ.

وثالثاً: ولو تنزّلنا عن الجواب الأوّل والثاني، فيمكن القول: إنّنا نستطيع القول بصدور الحديث اعتماداً على القرائن الموجودة في المقام، من أمثال كثرة استشهاد العلماء به، وعدم وجود مَن خدش بسنده بضرس قاطع،

____________________

(١) البغدادي، عبد اللطيف، الشفاء الروحي، ص١٧٢.


وموافقته لمضامين الآيات المبحوثة، بل ونقله من قبل العلماء في المجاميع الحديثيّة، كل ذلك يورث الاطمئنان في المقام بأنَّ هكذا حديث صادر عن الشارع، ولأجل هذه الأجوبة الكامنة في صقع النفس أعرضنا عن البحث في سند الحديث، ومن ثُمَّ بحثنا في الدلالة.

وأمّا دلالة الحديث على سلوك الشارع مسلك الوسطيّة في الأحكام والآداب، فقد استدل به مجموعة كبيرة من العلماء لذلك.

قال أبو بكر الكاشاني: (فصل في آداب الوضوء... ومنها: أن لا يسرف في الوضوء ولا يقتر، والأدب فيما بين الإسراف والتقتير؛ إذ الحقّ بين الغُلو والتقصير. قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (خير الأمور أوسطها )(١) .

وقال القُرطبي: (ولمّا كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً، أي: هذه الأمة لم تغلُ غلوّ النصارى في أنبيائهم، ولا قصّروا تقصير اليهود في أنبيائهم، وفي الحديث: (خير الأمور أوسطها ).

وقال في موضع آخر: إنَّ الوسط بمعنى الأعلى والخيار، وهو هنا بمنزلة بين منزلتين، ونصفاً بين طرفين، ومنه الحديث: (خير الأمور أوسطها ))(٢) .

وقال الحر العاملي - في صدد ردّه على بدع الصوفية -: (اعلم أنَّ كل أمرٍ من أمور الدين له ثلاث مراتب؛ إفراط وتفريط وعدل بمعنى الزيادة والنقصان والتوسّط، ولا شكَّ أنَّ الأولين مذمومان قبيحان عقلاً وشرعاً، فهما محرمان في الأمور الدينية والأحكام الشرعيّة؛ لاستلزامهما مخالفة الشرع، وكذا في أمور الدنيا؛ لأنَّ لها

____________________

(١) أبو بكر الكاشاني، بدائع الصنائع، ج١، ص٢٣.

(٢) القرطبي، تفسير القرطبي، ج٢، ص١٥٤، وج٦٠، ص٢٧٦.


أحكاماً شرعية، فإذا حصلت مخالفتها ثبت التحريم، والطرف الثالث - أعني التوسّط والعدل - هو الممدوح شرعاً المحمود عقلاً، بل هو الواجب وقد قال (عليه السلام): الجاهل: إمّا مُفرّط، وإمّا مفرط. وقال (عليه السلام): خير الأمور أوسطها. والشواهد على ذلك كثيرة.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنَّ الصوفية قد خرجوا في جميع ما سلكوا واختصوا به إلى حد الإفراط أو التفريط، وفي هذا الباب قد خرجوا إلى الحدين معاً، فتارةً يرفعون أصواتهم بالذكر حتى يتجاوز حدَّ العلو لفرط المبالغة والغلو مع الوصول إلى حد الفناء، وتارةً يخفونه في أنفسهم على وجه لم يرد به شرع بل هو مخترع مبتدع )(١) .

وفي سُبُل السّلام: (العجلة: هي السرعة في المشي، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناءة، محمودة فيم يطلب تعجيله في المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يُقال: لا منافاة بين الإناءة والمسارعة؛ فإن سارع بتؤدة وكان فيم له الأمران، والضابط: أنَّ خيار الأمور أوسطها )(٢) .

وقال صاحب كتاب جامع السعادات - في بحث العفّة -: (قد عرفت أنَّ ضد الجنسين (العفّة) وهو انقياد قوة الشهوة للعقل في الإقدام على ما يأمرها به من المأكل والمنكح - كمّاً وكيفاً - والاجتناب عمّا ينهاها عنه، وهو الاعتدال الممدوح عقلاً وشرعاً، وطرفاً من الإفراط والتفريط مذمومان، فإنَّ المطلوب في جميع الأخلاق والأحوال هو الوسط؛ إذ خير الأمور أوسطها، وكل طرفيها ذميم.

فلا تظننّ مما ورد في فضيلة الجوع أنَّ الإفراط فيه ممدوح؛ فإنَّ الأمر ليس كذلك، بل أسرار حكمة الشريعة أن كُلّما يطلب الطبع فيه طرف الإفراط بالغ الشرع في المنع عنه على وجه يتوهم الجاهل منه أنَّ المطلوب طرف التفريط ،والعالم يدرك أنَّ

____________________

(١) الحر العاملي، الإثنا عشرية، ص١٤٨.

(٢) الكحلاني، سُبُل السلام، ج٤، ص٢٠١.


المقصود هو الوسط، فإنَّ الطبع إذا طلب غاية الشبع، فالشرع ينبغي أن يطلب غاية الجوع، حتى يكون الطبع باعثاً والشرع مانعاً فيقاومان ويحصل الاعتدال. ولما بلغ النبي (صلّى الله عليه وآله)في الثناء على قيام الليل وصيام النهار، ثُمَّ علم من حال بعضهم أنَّه يقوم الليل كُلَّه ويصوم الدهر كله، فنهى عنه )(١) .

وتمام كلام جامع السعادات ما ذكره المولى المازندراني عند شرحه لقوله (عليه السلام): (لا تكرهوا إلى أنفسكم العبادة ) قال: (زجر بهذا الكلام المبالغين في الجد والاجتهاد وتحمل مشاق العبادات، فربما كرهت النفس العبادة وذهب أجرها، وندبهم إلى أخف العبادات على النفوس وأسهلها ليعملها بخفةٍ ونشاط وطواعية لا بعسر وكراهية، فيكون ذلك أنشط لها في عبادة الله، وأبلغ في حضور القلب مع الله، واجتماع الهم بين يديه، فيُقبل الله عليه ويوصله إليه.

وبالجملة: أحاديث الباب ظاهرة في الأمر بالرفق في العبادة وترك طلب النهاية فيها؛ إذ (خير الأمور أوسطها ).

فلا يستحسن قيام جميع الليالي وصيام جميع الأيام فإنَّ لنفسك عليك حقاً ولعينك عليك حقاً )(٢) .

وقال العلاّمة المجلسي: (وأمّا الاعتدال، فهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحميّة وينطفي حيث يحسن الحُلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله تعالى به عباده، وهو الوسط الّذي وصفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)حيث قال: (خير الأمور أوسطها )، فمن مال غضبه إلى العثور أحسّ من نفسه ضعف الغيرة وخسة النفس واحتمال الذّل والظيم في غير محلّه؛ فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى

____________________

(١) اُنظر: المحقق النراقي، جامع السعادات، ج٢، ص١٢.

(٢) المازندراني، شرح أصول الكافي، ج٨، ص٢٧٢.


غضبه ومن ماله غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهوّر واقتحام الفواحش؛ فينبغي أن يعالج نفسه ليسكن من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين فهو الصراط المستقيم )(١) .

وقال صاحب كتاب رياض السالكين: (إنّ الفضائل كُلَّها ملكات متوسّطة بين طرفي إفراط وتفريط، فالمتوسط منها هو العدل، كالحكمة النظرية المتوسّطة بين الجُربُزة والعبادة، والعفة المتوسطة بين خمود الشهوة والفجور، والشجاعة المتوسطة بين الجبن والتهوّر، والسخاء بين التبذير والبخل، والحلم بين المهانة والبطش، والتواضع بين الكبر والذل، والاقتصاد بين الإسراف والتقصير، والإنصاف بين الظلم والانظلام، وقس على ذلك سائر الأخلاق الفاضلة، فالأوساط بين هذه الأطراف المتضادة هي الفضائل، ولكل منها طرفا تفريطٍ وإفراط وهما مذمومان، والخروج إلى أحدهما هو الجور الّذي هو ضد العدل، والأطراف المتضادة هي الرذائل، ومن هنا قيل: (خير الأمور أوسطها ). ثم هذا الحكم في العدل جارٍ في باب العقائد أيضاً، كالتوحيد المتوسّط بين التعطيل والشرك، والتعويل على الأمرين بين الجبر والتعويض، وفي باب الأعمال، كأداء الواجبات والسنن المتوسط بين البطالة والترهب، وفي باب الأقوال، كالبلاغة المتوسّطة بين العيّ والقدر. فيتبين أنّه لا يخرج شيء من الفضائل عنه قولاً وعملاً واعتقاداً، ولذلك قالوا: هو ميزان الله المبتري من كل ذلة، وصراطه المستقيم المؤدي سالكه إليه، وبه ينسب أمر العالم )(٢) .

والكلام طويل يعدد فيه مصاديق كثيرة للوسط وتفسير ذلك، وكلامه قريب من كلام صاحب جامع السعادات المتقدم؛ ولذا تركناه.

____________________

(١) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج٧٠، ص٢٧٠.

(٢) المدني، علي خان، رياض السالكين، ج٣، ص٣٣٧ - ٣٣٨.


وقريب منهما ما في حاشية عوالي اللئالي(١) ، فلا داعي لإعادته.

والمتحصّل من جميع ما تقدّم:

أنّ الحديث تام الدلالة على أنَّ الشارع المُقدّس شرّع الوسطيّة في الأحكام والآداب في حقّنا. مضافاً إلى ما تقدّم من الاستدلال بمجموعة من الآيات الشريفة.

ونحن اقتصرنا في استدلالنا بالحديث على بعض كلمات الأعلام، وإلاّ فهناك جملة من الكلمات المهمة في المقام وما ذكرته كان عصارتها، أو هو الأصل لمن تأخّر في ذكره لها، فيكون ذكر المتقدّم هو الأصل فيها.

وقد يُقال: إنّ الاستدلال بهذا الحديث تتوقف تماميته على عدم المعارضة بحديث آخر، والحال أنّ حديث (خير الأعمال أحمزها )، أو (أفضل الأعمال أحمزها )، أو (أفضل العبادة )، أو (العبادات ) يعارضه، ولا مرجّح في البين فيتساقطان حينئذٍ.

والجواب:

أولاً: أنّني لم أعثر على حديث بلفظ (الأمر) أو (الأمور)، أعني مثل: (خير الأمور أحمزها)، أو (أفضل الأمور أحمزها) ليكون معارضاً للحديث الّذي استدللنا به في المقام؛ فالحديث الّذي يُدّعى معارضته لاستدلالنا قد ورد بألفاظ أخرى كما ذكرناه آنفاً فهو تارةً مرويً بلفظ: (خير الأعمال

____________________

(١) اُنظر: الاحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي، ج٤، ص١١٠.


أحمزها ) كما في بدائع الصنائع(١) ، ولم أجده في غيره، وأخرى مروي بلفظ: (أفضل الأعمال )(٢) ، وثالثة بلفظ: (أفضل العبادة )(٣) ، ورابعة: (العبادات )(٤) .

أما اللفظ الثالث والرابع - أعني: العبادة أو العبادات - فهو لا يعارض حديثنا، وإنما يخصصه في خصوص العبادة، وبالجمع يكون المؤدى (خير الأمور أوسطها إلاّ العبادة فخيرها أحمزها)، فيكون معنى ذلك: أنَّ المكلف لو اختار في عبادته الكيفية التي فيها مشقة كأن يحج ماشياً بدل أن يركب دابة يكون قد اختار الأفضل، بشرط أن لا تكون هذه المشقة قد وصلت إلى درجة تتنافى وأدلة نفي العسر والحرج، وإلاّ فلا يحصل المراد.

وأمّا الأوّل والثاني، فإنّهما وإن جاءا بلفظ الأعمال إلاّ أنّه يمكن أن يراد بهما العبادات؛ فيرجع إلى الثالث والرابع، فيسقط عن المعارضة حينئذٍ ويرجع إلى التخصيص كما هو واضح. ولا أقل من الإجمال المسقط للاستدلال.

وثانياً: إننا ذكرنا في أثناء استدلالنا بحديث (خير الأمور أوسطها) أنّّ المقصود ليس هو المصاديق الخارجية بما هي هي، وإنّما المراد من ذلك هو نفس الشريعة، ونمطها وذوقها والخط العام لها، ومن المعلوم أنّ مثل هذا لا يُعارض بمثل الألفاظ الأربعة المذكورة؛ فنحن لا ندّعي عدم إمكان

____________________

(١) اُنظر: الكاشاني، أبو بكر، بدائع الصنائع، ج٢، ص٧٩.

(٢) اُنظر: الإيجي، المواقف، ج٣، ص٤٥٤.

(٣) اُنظر: الشهيد الأول، القواعد والفوائد، ج١، ص١٠٨.

(٤) اُنظر: الحلي، معارج الأصول، ص٢١٥.


وجود تخصيص في الشريعة الإسلاميّة لكي يقال بوجود المعارض، وإنّما بنينا استدلالنا على أن المتصيّد من الآيات والروايات هو الوسطيّة دون حَدَّي الإفراط والتفريط.

وبهذا يتم الاستدلال في الحديث الأول.

ومنها:

الثاني: حديث النمرقة الوسطى، الوارد بأكثر من تعبير، منه ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله)، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: (يا معشر الشّيعة - شيعة آل مُحمّد - كونوا النُمرقة الوسطى؛ يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي، فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد: جُعلت فداك ما الغالي؟ قال: قوم يقولون فينا ما لا نقول في أنفسنا، فليس أولئك منّا ولسنا منهم )(١) ... الخبر.

وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (نحن النمرقة الوسطى بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي )(٢) .

وقبل الاستدلال بالحديث ينبغي الإشارة إلى معنى النُمرقة المأمور بها في الروايتين.

قال في مجمع البحرين: (وفي حديث الأئمة (عليهم السلام): (نحن النُمرقة الوسطى، بنا يلحق التالي وإلينا يرجع الغالي ). استعار (عليه السلام)لفظ النمرقة بصفة الوسطى له ولأهل بيته باعتبار كونهم أئمة العدل، يستند الخلق إليهم في تدبير معاشهم ومعادهم، ومن حقِّ

____________________

(١) الكليني، الكافي، ج٢، ص٧٥، ح٦.

(٢) الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج٤، ص٢٦، خط١٠٩.


الإمام العادل أن يلحق به التالي المفرط المقصّر في الدين ويرجع إليه الغالي المفرّط المتجاوز في طلبه حدَّ الاعتدال، كما يستند إلى النمرقة المتوسطة مَن على جانبيها )(١) .

ويتّضح من كلامه (رحمه الله) أن النمرقة شيء يستند إليه، فإذا كانت وسطاً صح الاستناد إليها من الجانبين.

فهي تحتاج إلى بيان لغوي أصرح كمثل الذي وضّح به الشيخ مُحمّد عبده في شرحه على نهج البلاغة حيث قال: (النُمرقة - بضمٍ فسكون فضم ففتح -: الوسادة، وآل البيت أشبه بها؛ للاستناد إليهم في أمور الدين، كما يستند إلى الوسادة لراحة الظهر، واطمئنان الأعضاء. ووصفها بالوسطى لاتصال سائر النمارق بها، فكأنّ الكُلَّ يعتمد عليها إمّا مُباشرةً أو بواسطة ما بجانبه. وآل البيت على الصراط الوسط العدل، يلحق بهم من قصّر ويرجع إليهم من غلا وتجاوز )(٢) .

وقريب منه في شرح أُصول الكافي حيث يقول: (النُمْرُقة وسادة، وهي بضم النون والراء وبكسرها وبغيرها، وجمعها نمارق، ولعلَّ المراد: كونوا بين الناس كالنمرقة الوسطى بين النمارق في الشرف والحسن؛ لأنَّ النُمْرُقة الوسطى أشرف النمارق وأحسنها ).

ثم قال: (فأمر (عليه السلام)بالوسطى؛ لأنَّ من استقرَّ عليها وتمسّك بها اطمأنّ على الحقّ واستقر دينه على الهُدى وأمن من الضلال والردى، كما أنَّ من اتكأ على النمرقة الوسطى استقر بها ووثق بالراحة مطمئناً آمناً من التعب )(٣) .

____________________

(١) الطريحي، مجمع البحرين، ج٤، ص٣٧٥.

(٢) مُحمّد عبده، شرح نهج البلاغة (في هامش النهج) ج٤، ص٢٦.

(٣) المازندراني، شرح أصول الكافي، ح٨، ص٢٤١.


وفي شرح نهج البلاغة: (والمعنى: أنَّ كُلّ فضيلة فإنها مجنّحة بطرفين معدودين من الرذائل... والمراد: أنَّ آل مُحمّد (عليهم السلام)هم الأمر المتوسّط بين الطرفين المذمومين، فكل من جاوزهم فالواجب أن يلحق بهم. ثُمَّ قال:ويجوز أيضاً أن تكون لفظة (الوسطى) يراد بها الفضلى، يقال، هذه هي الطريقة الوسطى، والخليفة الوسطى أي: الفضلى، ومنه قوله تعالى: (قال أوسطهم )أي: أفضلهم. ومنه (جعلناكم أُمّةً وسطاً )(١) .

والحديثان واضحا الدلالة جدّاً، فهما يأمران الناس كافة والشيعة على نحو الخصوص بأن يكونوا كالوسادة الوسطى، والمثال الّذي يقتدى به ويُحذى حذوه.

وقد يقال: إنَّ الأمر في حديث الإمام الباقر (عليه السلام)، موجّه لخصوص الشّيعة، فكيف يمكن الاستدلال به على أن هذا الطلب لعموم المسلمين؟

والجواب:

أوّلاً: إنّ من عقائد الشّيعة - والتي شاركهم فيها الكثير من المنصفين من غيرهم - أنّ اللازم على المسلمين الاقتداء بأهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله)، فلذا الإمام عبّر بهذه الطريقة؛ لأنّه من المعلوم أنَّ غير الشّيعة أو قل غير المنصفين من المسلمين لا يعتبرون أهل البيت (عليهم السلام) قدوة لهم ولا حجة عليهم، فلا معنى لأن يُخاطب الإمام عموم المسلمين، فاكتفى بخطابه للشيعة الّذي يدخل معهم كل من اعتقد بعقيدتهم وسار على نهجهم.

____________________

(١) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج١٨، ص٢٧٣.


وثانياً: إنّ هَمَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو إصلاح المجتمع الإسلامي بكل طوائفه، إلا أنّ هذا المشروع لا يمكن القيام به إلاّ عن طريق الأقرب فالأقرب، فلذا لا يمكن لصاحب العيال أن ينصح الآخرين أن يقتدوا به وعياله على غير الصراط المستقيم، فلابد أوّلاً من وضع الإمام شيعته على النمرقة الوسطى، وهم بدورهم يضعون الناس عليها.

ويُؤيّد هذا المعنى - وهو عموم الأمر بالكون على النمرقة الوسطى لا لخصوص الشيعة - ما رواه الشيخ الطوسي: عن الإمام الصّادق (عليه السلام)، عن أبيه الإمام الباقر (عليه السلام): أنَّ عليّاً (عليه السلام) وفد إليه رجل من أشراف العرب، فقال له عليٌّ (عليه السلام)...: (فهل في بلادك قوم يجترحون السيئات ويكتسبون الحسنات؟ قال: نعم. قال: تلك خيار أمة مُحمّد (صلّى الله عليه وآله)، تلك النمرقة الوسطى، يرجع إليهم الغالي، وينتهي إليهم المقصّر )(١) .

فيصير شيعة أهل البيت (عليهم السلام) القدوة المعتدلة للحياة الدنيا والآخرة، ولا شكَّ أنَّ من يتقدّمهم عصى أو ظلم، ومن تأخّر عنهم هوى، حيث لا ينفع الندم( وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) ، وأما من اقتدى بهم فقد اهتدى وسلم(٢) .

(فالضلال العقائدي الّذي وقع فيه المسلمون كلّه قد جاءهم من الطرق الخاطئة التي تصوّروا أنَّها تحقق التنزيه أو الإثبات، فهم بين جانح في التنزيه متجه نحو التعطيل...، أو جانح في الإثبات يتجه نحو التشبيه، ولا نجاة لهم إلاّ بالتمسك بالثقلين - كما

____________________

(١) الطوسي، الأمالي، ص٦٤٨، ح٨.

(٢) اُنظر: الخليلي، الإمام علي (عليه السلام)، ص٢١٠.


أمرهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله)- فأهل البيت هم المفسّرون الشرعيون للكتاب، وطريقتهم في التنزيه والإثبات هي الوحيدة الصحيحة والحمد لله، وهذا معنى قوله (صلّى الله عليه وآله): نحن الصراط، ونحن النمرقة الوسطى )(١) .

فسيرتهم (عليهم السلام) هي الطريق السليم، والدين القويم، والصراط المستقيم، وهم سبيل المؤمنين، والحنيفيّة السمحاء التي يثبت الشرائع عليها، ونوديت كافة الناس باتّباعها، فهم الذين قاموا بخلوص الفطرة وأسّسوا تعاليمهم عليها، ولم يتأثّروا بأيّةِ عاطفة اعتياديّة أو تعليمات بشريّة وإن قلّ؛ فلذا من غلا في دينه وتجاوز بالإفراط حدود الجادة الإلهية فإنما نجاته بالرجوع إلى سيرتهم والتفيؤ في ظلالهم(٢) .

فأمْرُ الإمام (عليه السلام) للشيعة بالكون على النمرقة الوسطى لأجل أن يكونوا خطّاً بارزاً ومثلاً في الاستقامة والسير على المخطّط الإسلامي؛ ليرجع إليهم كل من فرّط أو أفرط، فيكون المستقيم من اتخّذ الجادّة الوسطى، والطريقة المثلى، وهي لا شكَّ في النُمرقة الوسطى(٣) .

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله): (وكأنّ التشبيه بالنمرقة باعتبار أنها محل الاعتماد، والتقييد بالوسطى لكونهم واسطة بين الإفراط والتفريط، أو بالتشبيه بالنمرقة الوسطى باعتبار أنها في المجالس صدرٌ ومكان لصاحبه يلحق به ويتوجّه إليه مَن على الجانبين.

وقيل :المراد كونوا أهل النمرقة الوسطى، وقيل: المراد أنَّه كما كانت الوسادة التي

____________________

(١) الكوراني، الانتصار، ج٢، ص٢١٩ - ٢٢٠.

(٢) اُنظر: مركز المصطفى، علي (عليه السلام) إمام الثابتين على الفطرة، ص١١٦.

(٣) الحسني، هاشم معروف، دراسات في الحديث والمحدّثين، ص٣٠٤.


يتوسّد عليها الرجل إذا كانت دقيقة جدّاً أو خفيفة جدّاً لا تصلح للتوسّد بل لابدّ لها من حدٍّ من الارتفاع والانخفاض حتى يصلح لذلك، كذلك أنتم في دينكم وأئمتكم لا تكونوا غالين يتجاوزون بهم عن مرتبتهم التي أقامهم الله عليها أو جعلهم أهلاً لها، وهي الإمامة والوصاية النازلتان عن الألوهيّة والبنوّة، كالنصارى الغالين في المسيح المعتقدين فيه الألوهيّة أو البنوّة للإله، ولا تكونوا أيضاً مقصّرين فيهم تنزلونهم عن مرتبته، بل كونوا كالنمرقة الوسطى وهي المعتضدة للتوسد؛ يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي )(١) .

فتحصّل من جميع ما تقدّم: أنَّ الحديث - بمضمونيه - تام الدلالة على أنَّ المراد من عموم المكلفين اتّخاذ الحدّ الأوسط في جميع أمور دينهم ودنياهم؛ لكي يحصلوا على ما أعدّه الله لهم من الثواب الجزيل، والخير الوفير، وأن يتّخذوا غير الاتكاء على النمرقة الوسطى.

____________________

(١) العلاّمة المجلسي، مُحمّد باقر، بحار الأنوار، ج٦٧، ص١٠١.


الدليل الثالث: الاستقراء

ويمكن لنا أن نستدل على أنَّ الشارع سلك مسلك الوسطية في الأحكام والآداب - مضافاً إلى استدلالنا بالكتاب والسُنّة - بدليل الاستقراء، وقبل أن نُبيّن كيفية الاستدلال به ينبغي أوّلاً بيان معنى الاستقراء.

فنقول: عُرّف الاستقراء في كلمات غير واحدٍ من العلماء بأنّه: (الاستدلال بحال الجزئيات على حالٍّ كلّي )(١) .

أو (استنتاج قانون عام من تتبع حالات جزئية كثيرة. ومثال ذلك: أن نلاحظ هذه القطعة من الحديد فنراها تتمدد بالحرارة، ونلاحظ تلك فنراها تتمدد بالحرارة، وهكذا الثالثة والرابعة؛ فنستنتج من تتبع هذه الحالات الجزئية قانوناً عامّاً، وهو أنَّ كُلَّ حديد يتمدّد بالحرارة... وكل حالة بمفردها تُعتبر قرينة إثبات ناقصة: أي أنَّها لا تؤدّي بنا إلى القطع بالقانون العام، ولكن حين نضيف إليها حالةً جُزئيةً أخرى مماثلة يقوى في ظننا أنَّ ظاهرة التمدد بالحرارة عامة، فإذا لاحظنا التمدد في حالة ثالثة مماثلةٍ أيضاً تأكّد ظننا بالتعميم نتيجةً لتجمّع ثلاث قرائن، وهكذا تزداد القرائن كلما ازدادت الحالات التي نستقرؤها، وبالتالي يزداد ظننا بالقانون العام حتى نصل إلى القطع به ونحن نسمي كل دليل يقوم على أساس القرائن الناقصة ويستمد قُوتَه من تجمع تلك القرائن دليلاً استقرائياً )(٢) .

____________________

(١) الأنصاري، علي، الموسوعة الفقهيّة الميسّرة، ج٣، ص٤٧٠.

(٢) الشهيد الصدر، مُحمّد باقر، المعالم الجديدة للأصول، ص١٦١.


وقد تقول: ما هو الفرق - إذن - بين الاستقراء والقياس؟ أليس الأمر فيهما واحداً؟

والجواب:

إنّ حقيقة الاستقراء تختلف تماماً عن القياس، بل الأمر في الاستقراء على عكس القياس؛ إذ الاستقراء هو الاستدلال بالخاص على العام، كما في مثال الحديدة التي تمددت بالحرارة، فاستطعنا أن نحصل على قانون عام عن طريق الجزئيات، أو قل الأمثلة الخاصّة الخارجية، وبالتتبع تشكّل عندنا القانون العام، بينما الأمر في القياس على عكس، ذلك فهو أن نستدل بالعام على الخاص؛ لأنَّ القياس لابدَّ أن يشتمل على مقدّمةٍ كلية، الغرض منها تطبيق حكمها العام على موضوع النتيجة(١) .

والاستقراء على قسمين: الاستقراء التام والاستقراء الناقص، أمّا الاستقراء التام، ففي المثال المتقدم لابدّ أن يتفحّص المستقرئ جميع جزئيات الكُلي، أعني جميع جزئيات الحديد ومصاديقه الخارجية، وبعد أن يتبيّن اشتراكها في أمرٍ واحدٍ وهو التمدّد في المثال يعطي عندئذٍ الحكم العام والقانون الكُليّ.

وأمّا الاستقراء الناقص، فهو أن يتتبعّ المستقرئ بعض أفراد الكُليّ ويُرتّب على الجميع حكماً عامّاً، وأمثلته كثيرة جدّاً، مثل أن يتفحّص الإنسان بعض

____________________

(١) اُنظر: المظفّر، مُحمّد رضا، المنطق، ص٣١٠.


أفراد القبيلة الكذائية، فيراهم زرق العيون ثم يحكم على الجميع بأنّهم كذلك(١) .

وأمّا كيّفيّة الاستدلال بالاستقراء لإثبات سلوك الشارع مسلك الوسطيّة في الأحكام والآداب، فذلك عن طريق تتبع الحالات الكثيرة(٢) ، التي وضعنا أيديَنا عليها فوجدنا أنَّ مسلك الوسط هو المتعيّن فيها إمّا على نحو اللزوم، أو على نحو الأفضلية، وكل حالة من الحالات شكّلت لدينا قرينةَ إثبات ناقصة، لكن بازدياد هذه الحالات وتكثّرها أصبح الاحتمال يزداد، وهكذا إلى أن يزداد ظننا بأنَّ الشارع سلك هذا المسلك حتّى تشكّل لدينا القطع بحصول قانون عام عن طريق تتبع واستقراء الحالات الخارجية التي سلك الشارع فيها مسلك الوسطية.

وحينئذٍ - وبعد القطع نتيجة لاستقراءِ الكثير من الحالات - نتمكّن أنْ نقولَ: إنّنا - وعن طريق الاستقراء - نقطع بأنَّ الشارع المقدّس سلك مسلك الوسطيّة في أحكامه وآدابه.

وقد تقول:

إنّك لم تَتَبعّ كُلَّ الحالات، حالةً بعد حالة حتى تُعطي هذا القانون العامّ؟!

____________________

(١) اُنظر: الأنصاري، علي، الموسوعة الفقهية الميسرة، ج٣، ص٤٦٩ - ٤٧٠.

(٢) سنوافيك في الفصل اللاحق ببعض النماذج التطبيقية سلك فيها الشارع مسلك الوسطيّة.


والجواب:

قد ذكرنا - فيما تقدّم - أنَّ الاستقراء على قسمين: التام والناقص. وما سلكناه هو الاستقراء الناقص لكن كل حالة من الحالات تُشكّل - بحسب حساب الاحتمالات - قرينةَ إثباتٍ ناقصةٍ فإذا ازدادت الحالات يزداد الإثبات تبعاً لها، إلى أن يصل إلى درجة من الإثبات يمكننا أن نعطي قانوناً عامّاً لها، فاستدلالنا بالاستقراء الناقص لا التام لاستحالة أو عسر الاستقراء التام في هكذا موارد.

وبهذا قد وصلنا إلى تمام الكلام في هذا الفصل.



الفصل الرابع: نماذج تطبيقيّة للوسطيّة

* النموذج الأول: الصلاة

* النموذج الثاني: الإنفاق

* النموذج الثالث: آداب المشي

* النموذج الرابع: المحبة والصداقة

* النموذج الخامس: الأكل والشرب

* النموذج السادس: طلب الدنيا وابتغاء الآخرة



تمهيد:

بقي الكلام في التعرّض لبعض النماذج التطبيقية للوسطيّة على ضوء ما تقدّم ذكره وبيانه في الفصول السابقة، وسوف يرى المطالع أنَّ ما نذكره من نماذج ما هو إلاّ عبارة عن انتخاب عشوائي لأجل طمأنة القارئ الكريم بأنَّ حالة الوسطيّة هي حالة عامّة، ولم تختص بموردٍ دون آخر إلاّ ما خرج بالدليل.

النموذج الأوّل: الصلاة

قال الله تعالى في كتابه الكريم:( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً ) (١) .

وهذه الآية الشريفة في غاية الصراحة بالنهي عن الجهر بالصلاة وعن المخافتة فيها، وإنّما المطلوب هو السبيل، وهو شيءٌ بين الجهر الشديد والمخافتة كذلك، على ما سيأتي بيانه في الروايات وكلمات الأعلام.

ولو رجعنا إلى الروايات وكلمات الأعلام في كتبهم الحديثة والفقهية

____________________

(١) الإسراء/ ١١٠.


لوجدنا هذا المعنى واضحاً.

ففي كتاب من لا يحضره الفقيه روى عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (واجهر بجميع القراءة في المغرب والعشاء الآخرة والغداة من غير أن تجهد نفسك، أو ترفع صوتك شديداً وليكن ذلك وسطاً لأنَّ الله عزّ وجلّ يقول: ( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً ) (١) .

فالإمام (عليه السلام) أمر الراوي بالجهر في الصلوات الثلاث: المغرب والعشاء والصبح، ثُمَّ بيّن له - انطلاقاً من الآية الشريفة - أن يتَّخذ في قراءته حدّاً وسطاً بين حدّي الجهر الشديد والاخفات المطبق، ثُمَّ أمره بأن يكون هذا الجهر على نحو الوسط.

وقريب منه ما رواه الطبّرسي عن الإمام الصّادق (عليه السلام) في بيان الآية، قال (عليه السلام): (الجهر بها رفع الصوت شديداً، والمخافتة ما لم تسمع أُذنيَك، واقرأ قراءة وسطاً ما بين ذلك، وابتغ بين ذلك سبيلاً، أي: بين الجهر والمخافتة )(٢) .

وقال المحقّق السبزواري - بعد ذكر الآية -: (إذ ليس المراد - والله تعالى أعلم -: النهي عن حقيقة الإجهار والإخفات؛ إذ لا واسطة بينهما، بل المراد بها النهي عن الجهر العالي والإخفات الشديد، والأخذ بالمتوسّط بينهما وهو شامل للجهر والإخفات بالمعنى الذي هو محل البحث )(٣) .

____________________

(١) الصدوق، مُحمّد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه، ج١، ص٣٠٨.

(٢) الطبرسي، مجمع البيان، ج٦، ص٣٠٤.

(٣) السبزواري، ذخيرة المعاد، ج٢، ص٢٧٤.


وقال السيّد الخوئي (رحمه الله): (فالعمدة إذاً الروايات الواردة في المقام التي منها موثّقة سماعة قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ) ، قال:(المخافتة ما دون سمعك، والجهر أن ترفع صوتك شديداً)، فكأنّه استصعب سماعة فَهْمَ المراد من الآية الشريفة، حيث إنّ الجهر والإخفات من الضدّين الذّين لا ثالث لهما، فكيف نهى سُبحانه عنهما وأمر باتخاذ الوسط بينهما بقوله تعالى: ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً ) ، فأجاب (عليه السلام):بأنَّ الخفت الممنوع ما كان دون السمع، والجهر كذلك ما تضمّن الصوت الشديد. وما بينهما هو الوسط المأمور به الذي ينقسم أيضاً إلى الجهر والإخفات حسب اختلاف الصلوات كما فصّل في الروايات )(١) .

وفي فتح الباري قال:( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً ) ،أي: طريقاً وسطاً )(٢) .

ومثله في تحفة الأحوذي بإضافة كلمة بين الجهر والإخفاء(٣) .

فتلخّص من جميع ما تقدّم:

أنّ الشارع المقدّس سلك مسلك الوسطيّة لحال القراءة في الصّلاة دون حدّي الإفراط والتفريط بحسب ما بينته الروايات الشريفة وفهمه علماء المسلمين.

____________________

(١) الخوئي، أبو القاسم علي أكبر، كتاب الصلاة، ج٣، ص١٣١.

(٢) ابن حجر، فتح الباري، ج٨، ص٣٠٧.

(٣) اُنظر: المباركفوري، تحفة الأحوذي، ج٨، ص٤٦٢.


النموذج الثاني: الإنفاق

وذلك في آيات منها:

قوله تعالى:( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) (١) .

والمروي في تفسيره أنّه الوسط، فعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (وليكن نفقتك على نفسك وعلى عيالك قصداً فإنَّ الله يقول:

( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) والعفو الوسط (٢) .

وفي الكافي عن الإمام الصّادق (عليه السلام) قال في ذيل الآية المذكورة:

(العفو: الوسط )(٣) . ومثله في تفسير العيّاشي(٤) .

ومثل الروايات كلمات الأعلام في فتاواهم وتفاسيرهم للآية المباركة، ففي التذكرة قال: (والعفو الوسط )(٥) ، ومثله في عوائد الأيّام(٦) .

ونسب الجصّاص للحسن وعطاء أنّهما فسّرا العفو بـ (الوسط من غير إسرافٍ )(٧) .

____________________

(١) البقرة/ ٢١٩.

(٢) ابن بابوية، فقه الرضا (عليه السلام)، ص٢٥٥.

(٣) الكليني، الكافي، ج٤، ص٥٢، ح٣.

(٤) اُنظر: العيّاشي، تفسير العيّاشي، ج١، ص١٠٦، ح٣١٤.

(٥) العلاّمة الحلّي، تذكرة الفقهاء، ح٢، ص٤٢٦.

(٦) النراقي، عوائد الأيام، ص٦٣١.

(٧) اُنظر: الجصّاص، أحكام القرآن، ج١، ص٣٨٨.


وقريب منه قول ابن العربي(١) .

ومنها: قوله تعالى:( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ ) (٢) .

والمروي في تفسيرها عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال للإمام أبي عبد الله الصّادق (عليه السلام): (عليك بالحسنة بين السيئتين تمحوها، قال: وكيف ذلك يا أبه؟ قال: مثل قوله الله :( وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ) ،ولا تجهر بصلاتك سيئة، ولا تخافت بها سيئة، ( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً ) حسنة. ومثل قوله تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ ) ،فعليك بالحسنة بين السيئتين )(٣) .

والرواية صريحة بأنَّ كُلَّ طرفٍ من الطرفين المذكورين - أعني: غل اليد وبسطها - يُعدّان مثالاً حيّاً للسيئة، وعليه لابدَّ من اجتنابهما واختيار الوسط لأجل تلافي الوقوع في الحسرة والملامة.

قال المازندراني: (السادس في آدابه - أي: آداب المعروف - وهي: اختيار المتوسّط بين الإفراط والتفريط.

قال الله تعالى:( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) (٤) .

وأما تفسير الآية المباركة في كلمات الأعلام، فهو واضح جدّاً.

____________________

(١) اُنظر: ابن العربي، أحكام القرآن، ج١، ص٢١٤.

(٢) الإسراء/ ٢٩.

(٣) اُنظر: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج٨، ص٣٩٧ - ٣٩٨.

(٤) المازندراني، شرح أصول الكافي، ج١، ص٢٦٥.


قال الرازي في تفسيره: (اعلم أنَّه تعالى لمّا أمره بالإنفاق في الآية المتقدّمة علّمه في هذه الآية أدب الإنفاق، واعلم أنّه تعالى شرح وصف عباده المؤمنين في الإنفاق في سورة الفرقان، فقال: ( وَالّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) ،فهاهُنا أمر رسوله بمثل ذلك الوصف فقال: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ ) أي: لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيّق على نفسك وأهلك في وجوه صلة الرحم، وسبيل الخيرات. والمعنى: لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط ( وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ ) أي: ولا تتوسّع في الإنفاق توسّعاً مفّرطاً بحيث لا يبقى في يدك شيء.

وحاصل الكلام: أن الحكماء ذكروا في كتب (الأخلاق) أنَّ لكُلِّ خلقٍ طرفي إفراط وتفريط، وهما مذمومان، والخلق الفاضل هو العدل والوسط، كما قال تعالى: ( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً ) )(١) .

وفي تفسير الآلوسي - بعد ذكره للآية المباركة - قال: (تمثيلان لمنع الشّحيح وإسراف المبذّر زجراً لهما عنهما وحملاً على ما بينهما من الاقتصاد والتوسّط بين الإفراط والتفريط، وذلك هو الجود الممدوح، فخير الأمور أوسطها )(٢) .

فاتّضح من خلال ما تقدّم أنَّ آداب الإنفاق وتوازنه هو الحسنة بين السيئتين، المشار إليه في الروايات الشريفة، وكل طرف من الطرفين يُعدُّ سيئة وفاقداً لتوازن الإنفاق الشرعي وآدابه.

____________________

(١) الفخر الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج٢، ص١١٤.

(٢) الآلوسي، روح المعاني، ج١٥، ص٦٥.


قال في شرح رسالة الحقوق - بعد ذكره للآية الشريفة -: (فإنَّ التوازن هو القاعدة الكبرى في المنهج الإسلامي، والغلو - كالتفريط - يخل بالتوازن، والتعبير هنا يجري على طريقة التصوير، فيرسم البخل يداً مغلولة إلى العنق، ويرسم الإسراف يداً مبسوطة كُلَّ البسط لا تملك شيئاً، ويرسم نهاية البخل ونهاية الإسراف قعدة كقعدة الملوم المحسور.

والحسير في اللغة، الدّابة تعجز فتقف ضعفاً وعجزاً، فكذلك البخيل يحسره بخله فيقف وكذلك المسرف ينتهي به سرفه إلى وقفة الحسير، ملوماً في الحالتين، على البخل وعلى السرف وخير الأمور الوسط .

وبتعبير أبسط وأوضح ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ ) أي: لا تجعل يدك في انقباضها وبخلها بالإنفاق كاليد المغلولة الممنوعة من الانبساط. ( وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ ) أي: ولا تتوسّع في الإنفاق توسعاً مفرطاً حتّى لا يبقى بيدك شيء. وقد بيّن سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة عاقبة الإفراط والتفريّط المذمومين بقوله: ( فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) : تصير معنّفاً مُوبّخاً عند الله وعند الناس وعند نفسك بسبب البخل، نادماً على الإسراف ومنقطعاً من الخير بسبب الفقر )(١) .

ومنها: قوله تعالى:( وَالّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) (٢) .

والآية صريحة باختيار الإنفاق المتوسّط بين الإسراف والإقتار، والذي

____________________

(١) القبانچي، حسن، شرح رسالة الحقوق، ص١٨٩ - ١٩٠.

(٢) الفرقان/ ٦٧.


عبّرت عنه بـ (القوام).

قال المقدّس الأردبيلي: (وكان بين ذلك قواما) أي: وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار، لا إسرافاً فيدخلون في المبذر، ولا تضيّقاً فيصيرون به في المانع لما يجب، وهذا هو المحدود، والقوام من العيش: ما أقامك وأغناك ) -وقال أبو عبد الله (عليه السلام): (القوام هو الوسط )(١) .

وقال صدر المتألّهين في الأسفار: (حسن الخلق في جميع أنواعها الأربعة وفروعها، هو التوسّط بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير، فخير الأمور أوسطها .

(وكلا طرفي قصد الأمور ذميمٌ )

ومهما انحرف بعض هذه الأمور عن الاستقامة إلى أحد الجانبين: فبعدُ لم تتم مكارم الأخلاق )(٢) .

وفي سُبُل السلام: (فخيار الأمور أوسطها )(٣) .

وفي تفسير الرازي قال: (إنَّ الله وصفهم بالقصد الّذي هو بين الغلو والتقصير )(٤) .

وفي تفسير البيضاوي قال: (وسطاً عدلاً سُمّي به لاستقامة الطرفين )(٥) .

____________________

(١) الأردبيلي، زبدة البيان، ص ٤١٠.

(٢) صدر المتألهين، الحكمة المتعالية، ج٥، ص٩١.

(٣) الكحلائي، سبل السلام، ج٤، ص١٨٥.

(٤) الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج٢٤، ص١٠٩.

(٥) البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج٤، ص٢٢٨.


فتحصّل من جميع ما تقدّم:

أنَّ الإنفاق المطلوب هو الإنفاق البعيد عن حدي الإفراط والتفريط، وهو القوام والعفو وهو الوسط، وما عداه فهو مذموم مبغوض سيّء العاقبة والمنتهى.

النموذج الثالث: آداب المشي

قال تعالى:( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) (١) .

قال في شرح أُصول الكافي: (... القصد أيضاً العدل، وهو التوسّط في الأمور بين الإفراط والتفريط.. )، ثم قال: (أو المقصود أنَّ التوسط بين الطرفين في الأقوال والأفعال والعقائد كالتّوسّط في المشي بين الدبيب والإسراع، قال الله تعالى: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) )(٢) .

(والاقتصاد لُغة: التوسّط في الأمور واستقامة الطريقة وعدم مجاوزة الحد فيها، ومنه القصد في المعيشة أي: الاعتدال وعدم الإسراف والتقصير فيها. والقصد في المشي: الاعتدال فيه، كما في قوله تعالى: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) ،واصطلاحاً المعنى اللغوي نفسه... إنَّ الإسراف مذموم ومرغوب عنه شرعاً وعقلاً، والاقتصاد والاعتدال مرغوب فيه، وقد حثَّ الإسلام عليه في جميع شؤون الحياة حتى في العبادة )(٣) .

____________________

(١) لقمان/ ١٩.

(٢) المازندراني، شرح أصول الكافي، ج١، ص٢٧١.

(٣) الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة، ج٤، ص٣٣٣.


وفي زبدة البيان:( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) في الكشّاف، أي، اعدل فيه حتّى يكون مشياً بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين أي: الميّتين الذّين لا حدّة لهم أو الضعيفين لكثرة العبادة، ولا تثب وثبَ الشطار )(١) .

وقال النحّاس: (( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) أي: يكون متوسّطاً )(٢) ، وقال الواحدي في تفسيره: (ليكن مشيك قصداً لا بخيلاء ولا بإسراع )(٣) .

ومثله ابن الجوزي في زاد الميسر(٤) .

وقال الرازي في تفسيره - بعد ذكره الآية -: (أي كن وسطاً بين الطرفين المذمومين )(٥) .

والحاصل: إنّ المشي المرغوب فيه شرعاً هو المشي المتوسّط بين حدّي الإسراع والبطء. والأمر في غاية الوضوح.

النموذج الرابع: المحبّة والصداقة

النموذج الرابع في المحبّة والصداقة، والتي هي إكسير السعادة وروح نزع الوجادة، والتي بها تعمر البلدان بعمارة القلوب والأبدان. إلاّ أنّ لها حدوداً ودستوراً بيّنته لنا الشّريعة المقدّسة، فعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

____________________

(١) الأردبيلي، زبدة البيان، ص٣٥٨.

(٢) النّحاس، معاني القرآن، ج٥، ص٢٨٨.

(٣) الواحدي، تفسير الواحدي، ج٢، ص٨٤٩.

(٤) ابن الجوزي، زاد الميسر، ج٦، ص١٦٤.

(٥) الرازي، التفسير الكبير، ج٥، ص١٥٠.


(أحبب حبيبَك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضَك يوماً ما، وأبغض بغيضَك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما )(١) .

ورواه العامّة عنه (عليه السلام) أيضاً في أكثر من مصدر من مصادرهم(٢) .

وكلام الإمام (عليه السلام) في غاية الصراحة والوضوح؛ فهو (عليه السلام) يبيّن لنا قانون المحبّة والصداقة بأن يكون على النحو اللّين والرفق، وفي نفس الوقت بيّن لنا قانون الكراهة والبغض بأن يكون على نحو اللين والرفق كذلك، وهذا معناه أن ننتخب حدّ الاعتدال في الأمرين معاً.

قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله) في البحار: (بيان: في النهاية: الهون، الرفق واللين والتثّبت ومنه الحديث، أحبب حبيبّك هوناً ما، أي حبّاً مقتصداً، لا إفراط فيه )(٣) .

وأوضح منه ما في تحفة الاحوذي حيث قال: (أحببه حباً قليلاً... وقال في المجمع: أي حُبّاً مقتصداً لا إفراط فيه، ولفظ (ما) للتقليل (عسى أن يكون بغيضك يوماً ما). قال المناوي في شرح الجامع الصغير: إذ ربّما انقلب ذلك بتغيير الزمان والأحوال بغضاً، فلا تكون قد أسرفت في حُبّه فتندم إذا أبغضته، أو حُبّاً فلا يكون قد أسرفت في بغضه فتستحي منه إذا أحببته؛ ولذلك قال الشاعر :

فهونك في حُبٍّ وبغضٍ فربّما

بدا صاحبّ من جانبٍ بعد جانب)(٤)

____________________

(١) الإمام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج٤، ص٦٤، ح٢٦٨.

(٢) اُنظر الترمذي، سنن الترمذي، ج٣، ص٣٤٣، والبخاري، الأدب المفرد، ص٢٨٠.

(٣) العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار، ج٧٧، ص١٨٥.

(٤) المباركفوري، تحفة الاحوذي، ج٦، ص١١٣ - ١١٤.


وقال صاحب كتاب المعجم الموضوعي لنهج البلاغة: (ذم الإفراط والتفريط في حب الأصدقاء وبغض الأعداء. وإن أردت قطيعة أخيك فاستبقِ له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوماً ما. أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضَك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبَك هوناً ما )(١) .

والحديث عن هذا الموضوع يُصدّقه الواقع الخارجي، فلطالما رأينا إفراطاً في محبّةٍ وصداقة انقلبت إلى عداوةٍ شديدةٍ وخلاف لا يرجى له علاج، وفي نفس الوقت نرى خلافاً شديداً وبغضاً أكيداً انقلب بعدها إلى محبّةٍ وصداقةٍ.

وعليه ينبغي لنا أن نستفيد من هذين الأمرين المتوسط في الحالتين ففيه النجاة والخلاص من الملامة والندامة، فلا الحب المفرط ولا البغض كذلك، وإنّما أمر بين أمرين.

النموذج الخامس: الوسطيّة في الأكل والشرب

ومن موارد وتطبيقات الوسطيّة: ما نطق به القرآن الكريم والسنة الشريفة في الأكل والشرب وعدم الإسراف فيهما، فقد جاء في القرآن الكريم:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ ) (٢) .

وقال تعالى:( كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ

____________________

(١) أويس كريم، المعجم الموضوعي لنهج البلاغة، ص٣٧٢، رقم (٥١٦).

(٢) الأعراف/ ٣١.


لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ ) (١) .

وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في بعض أدعيته أنّه قال: (اللَّهُمَّ صلِّ على مُحمّد وآله، واحجبني عن السّرف والازدياد، وقوّمني بالبذل والاقتصاد، وعلمني حُسنَ التقدير، واقبضني بلطفك عن التبذير )(٢) .

وبالرجوع إلى الآية الأولى نرى أنَّ الكلام صورته صورة الأمر ومعناه إباحة الأكل والشرب ثم نهى عن الإسراف (الّذي هو الخروج عن حد الاستواء في زيادة المقدار... فالإسراف والإقتار مذمومان )(٣) .

وهذا معناه أنَّ الإنسان له الحق في أن يأكل ما يشاء ويشرب ما يشاء، من غير ما حرّم الله عزّ وجلّ، بشرط أن لا يخطأ الحد الوسط المعتدل، فعن ابن عبّاس قال: (كُلْ ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان، سرف ومخيلة )(٤) .

والسبب في نهي الباري عزّ وجلّ عباده عن السّرف يعود إلى طبيعةِ هذا المخلوق العجيب الّذي يحرص - بحكم طبيعته البشرية - على الزيادة، والتي تصل في كثير من الأحيان إلى الإساءة في الاستخدام، فبدل أن يستفيد من الأكل والشرب بالشكل المعقول والمعتدل يسلك سبيل الإسراف والتبذير والبذخ؛ ولهذا قال الباري عزّ وجلّ مباشرة:( وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ

____________________

(١) الأنعام/ ١٤١.

(٢) الإمام زين العابدين (عليه السلام) الصحيفة السجادية، ص١٥٤. دعاؤه في المعونة.

(٣) الطوسي، التبيان، ج٤، ص٣٨٦.

(٤) الطبرسي، جوامع الجامع، ج١، ص٦٥٢.


الْمُسْرِفِينَ ) .

ومن الواضح أنَّ كلمة الإسراف كلمة جامعة جدّاً بحيث تشمل كُلَّ إفراطٍ في الكم والكيف، وكذا الأعمال العاتية والإتلاف وما شابه ذلك، وهذا هو أسلوب القرآن خاصة، فهو عند الحث على الاستفادة من مواهب الحياة والطبيعة يُحذّر فوراً من سوء استخدامها ويوصي برعاية الاعتدال(١) .

والإسراف المنهي عنه في الآية المباركة هو تجاوز حد الاعتدال والوسط على ما فسره جماعة من العلماء.

ففي تفسير الصافي(٢) والأصفى(٣) فسّره بالإفراط والإتلاف، وهو نفس معنى تجاوز قانون العدالة الّذي صرح به ابن عربي في تفسيره(٤) . وقريب منه ما في تفسير الثعالبي حيث قال: (الإسراف تعدّي الحدّ )(٥) .

وقد أشار بعض علماء الطب إلى أنَّ هذه الآية:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا ) فيها أقوى دلالة على إعجاز القرآن العلمي، فهي تُحذّر النّاسَ من ضرر الإكثار من الأكل والشرب؛ لأنَّ الطب يقول: إنَّ للجسم حاجتَه المحدودة من الطعام والشراب والكافية لعملياته الحيويّة، فإن زادت عن ذلك؛ زادت

____________________

(١) اُنظر: مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، ج٥، ص٢٠.

(٢) الفيض الكاشاني، الصافي ج٢، ص١٩٠.

(٣) الفيض الكاشاني، الأصفى ج١، ص٣٦٨.

(٤) ابن عربي، تفسير ابن عربي ج١، ص٢٥٧.

(٥) الثعالبي، تفسير الثعالبي، ج٣، ص٢٥.


أعباء الجهاز الهضمي وإرهاقه، وزادت فضلاته ومخلّفاته التي قد تتراكم في الجسم وتلقي عبئاً على الأجهزة الأخرى المختلفة؛ فتجهد الكبد والقلب والكلى، كما أنَّ الإفراط في الأكل يسبّب التُخمةَ التي تساعد على ظهور أمراض كثيرة، مثل: تصلّب الشرايين، وارتفاع ضغط الدم، والنقرس، والروماتزم، وأمراض القلب(١) .

وقال صاحب كتاب مع الطب في القرآن: (لقد كان الاعتدال واقعاً في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحياة صحابته، فلم تقتصر توجيهاته على عدم الإفراط في الطعام، بل حذّر أيضاً من التقتير فيه )(٢) .

فاتّضح من جميع ما تقدّم أنَّ الكتاب والسُنّة الشريفين يشيران معاً إلى اتخاذ الحد الوسط وعدم الإفراط والتعدي في الأكل والشرب، وهذا ما يجعلنا نفتخر بكتابنا المجيد وسُنّتنا الشريفة التي ما أبقت للطب شيئاً كما نقل ذلك عن الرشّيد العبّاسي أنَّه كان له طبيب نصراني حاذق، فقال ذات يوم لعليِّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان؟!

فقال له عليٌّ: (قد جمع الله الطب كُلّه في نصف آية من كتابه وهو قوله: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا ) ،وجمع نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) الطب في قوله: المعدة بيت الداء، والحميّة رأس كُلّ دواء، وأعط كل بدن ما عوّدتَه )، فقال له الطبيب:ما ترك كتابُكم

____________________

(١) مُحمّد إسماعيل إبراهيم، القرآن وإعجازه العلمي، ص١٦٠.

(٢) عبد الحميد دياب، أحمد قرقوز، مع الطب في القرآن، ص١٢٨.


ولا نبيُّكم لجالينوس طبّاً )(١) .

النموذج السادس: الوسطيّة في طلب الدنيا وابتغاء الآخرة

قال تعالى:( وَابْتَغِ فِيَما آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا ) (٢) .

ومن التطبيقات الكلية للوسطية هو العدل في طلب الدنيا، وعدم الغرور والتعدي والإفراط فيها، ولا الزهد الكامل وترك العمل، والعزلة عن المجتمع والتفرغ بالكلية للعبادة، والاستجداء من الناس في سد رمق من تجب نفقهم عليه، فهذا مما لم يعمل به نبيُّ ولا وصي.

فقد رُويَ أنَّ رجُلاً ذُكِرَ عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالخير، فقال قوم: (يا رسول الله خرج معنا هذا الرجل حاجّاً فإذا نزلنا لم يزل يُهلّل حتّى نرتحل، فإذا ارتحلنا لم يزل يذكر الله حتى ننزل، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): فمن كان يكفيه علف ناقته وصنع طعامه؟ قالوا: كُلُّنا، فقال (صلّى الله عليه وآله): (كُلّكُم خيرٌ منه ))(٣) .

وما أكثر هؤلاء - قديماً وحديثاً - الذّين ينظرون للدنيا وكأنّها خُلقت دار عبادة فقط، ولاحظّ للإنسان فيها لطلب الحلال والسعي والجد.

وممّا يؤثر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده، فلمّا رأى سعة داره، قال: (ما كُنْتَ تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت

____________________

(١) الطبرسي، مجمع البيان، ج٤، ص٢٤٤.

(٢) القصص/ ٧٧.

(٣) الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص٢٦٥.


إليها في الآخرة كنت أحوج؟ بلى إن شئت بلغتَ بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع فيها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة. فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وماله؟ قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا، قال: عليَّ بهِ، فلما جاء قال: يا عَدِي نفسَك لقد استهام بك الخبيث (١) ! أما رحمت أهلَك وولْدَك؟! أترى الله أحلَّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك .

قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك، قال: ويحك، إنّي لستُ كأنتَ، إنَّ الله تعالى فرض على أئمة العدل (الحقِّ) أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقرُه )(٢) .

فالإمام (عليه السلام) في نفس الوقت الّذي نهى صاحب الدار الواسعة جدّاً عن سعتها وعلّمه الطريق الموصل للآخرة عن طريقها، في نفس هذا الوقت نهى الأخ الآخر عن الزهد الكُلّي في الدنيا، وعلَّم هذين الأخوين الوسطيّة والاعتدال.

فالشّريعة المقدّسة قد اهتمّت بالحياة الماديّة والمعنوية، كُلٌّ بحسب قيمته؛ وذلك بمقتضى العدل والحكمة، وترابط الدنيا والآخرة، وترابط الجسد والرَّوح( وَابْتَغِ فِيَما آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا ) (٣) .

والمقصود من الآية المباركة هو اتخاذ العدل والوسط، فلا الإفراط في

____________________

(١) يعني الشيطان.

(٢) الإمام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج٢، ص١٨٧.

(٣) الوحيد الخراساني، مقدمة في أصول الدين، ص٥٤٦.


طلب الدنيا المؤدّي للُطغيان ونسيان الآخرة بالكُلّية، ولا الزهد فيها بالكُلّية، بل أن نأخذ منها ما يكفينا ويبلغ بنا إلى درجات الحياة الأخروية الأبدية.

قال السلمي: (قال بعضهم: أن يأخذ من ماله قدر عيشه، وأن يُقدّم ما سوى ذلك لآخرته )(١) .

وقال العلاّمة الطباطبائي:( وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا ) أي: لا تترك ما قسم الله لك ورزقك من الدنيا ترك المنسي واعمل فيه لآخرتك؛ لأنَّ حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا هو ما يعمل به لآخرته، فهو الّذي يبقى له .

وقيل: معناه لا تنس أن نصيبك من الدنيا - وقد أقبلت عليك - شيء قليل ممّا أوتيت، وهو ما تأكله وتشربه وتلبسه مثلاً، والباقي فضل فتتركه لغيرك، فخذ منها ما يكفيك، وأحسن بالفضل. وهذا وجه جيد )(٢) .

ولعلَّ هذا التطبيق من التطبيقات الكُلّية المهمّة؛ لأنَّ باقي التطبيقات الأخرى كالأكل والشرب واللباس، وما شاكل ذلك، ما هو إلا جزء من تطبيقات هذا التطبيق الكُلّي.

____________________

(١) السلمي، تفسير السلمي، ج٢، ص١١٠.

(٢) الطباطبائي، مُحمّد حسين، تفسير الميزان، ج١٦، ص٧٦.


خلاصة البحث

إنّ مفهوم (الوسطية) من المفاهيم التي أولته الشريعة الإسلامية بالاهتمام الخاص؛ إذ لا يخفى أنّها واحد من المفاهيم الحياتية، التي تمثّل نقطة الاعتدال والتوسّط بين الإفراط والتفريط المذمومين في الشريعة الإسلامية، كما أنّها تمثل لسالكها الطريق المستقيم على ما تقتضيه طبيعة الدعوة الإسلامية بما يُؤمِّن للإنسان السعادة الكبرى في الدارين، قال تعالى:( وَابْتَغِ فِيَما آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا ) (١) .

ولقد كان من مهمة هذا الكتاب هو تسليط الضوء على طرفي الإفراط والتفريط؛ ليكون المؤمن منهما على حذر، وأن يجتنب كُلَّ ما فيه إفراط وتفريط؛ وذلك لما نلمسه من حالة التعدّي والتجاوز عن الحد المعمول به في هذين الجانبين على جميع الأصعدة أو أكثرها.

ولأجل تحقيق ذلك تناولنا في البحث عن هذا الموضوع جميع ما يتعلق به تحليلاً ونقداً، بعد أن قسّمنا البحث في هذا الكتاب إلى أربعة فصول،

____________________

(١) القصص/٧٧.


جاء في الأول منها، بيان معنى الوسطية أولاً، ثمّ بيان الضابطة في معرفتها، وبيان بعض المفردات المرتبطة بها من قبيل الحكم والأدب، وبيّنا في الفصل الثاني العلاقة بين الوسطية وكون الشريعة سهلة سمحاء، بينما تطرّقنا في الفصل الثالث إلى بيان النصوص الشرعية وكيفية الاستدلال بها على إثبات هذه العلاقة، ومن ثم القيام بالردّ على بعض الإشكالات المطروحة في المقام، وأدلتنا عبارة عن: القرآن الكريم والسنة الشريفة ودليل الاستقراء، وأنّ الشارع المُقدّس قد أمر بسلوك الوسطية في مختلف أصعدة الحياة ومجالاتها، أمّا الفصل الرابع، فقد خصصناه إلى ذكر بعض النماذج الحيّة الداعية إلى سلوك الوسطية، من قبيل الصلاة، والإنفاق، والحب، وآداب المشي والمحبّة والصداقة، وفي الأكل والشرب، وفي طلب الدنيا وابتغاء الآخرة.

وفي ختام هذا البحث أودّ أن أشير إلى مجموعة من النتائج التي توصلّت إليها. والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

١- إنَّ القرآن الكريم والسُنّة الشريفة قد حثّا على الوسطيّة والالتزام بها إلزاماً تارةً وتأكيداً تارةً أخرى.

٢- إنَّ مفهوم الوسطية تارة يؤخذ بما هو مفهوم عامّ أي: بلحاظ الشريعة الإسلاميّة قياساً بالشرائع السابقة، وأُخرى بلحاظ بما هو في شريعتنا الإسلاميّة المقدّسة، والنتيجة واحدة، وهي أنَّ الدين الإسلامي بلحاظ الديانات السابقة هو دين وسط، وأنَّ تشريعاتِهِ بما هي هي معتدلة بعيدة عن


حدي الإفراط والتفريط.

٣ - إنَّ الوسطية والاعتدال مما عمل به النبيُّ العظيم (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين. وأكّدوا عليه.

٤ - إنَّ النجاح في جميع مجالات الحياة سبيله الأوّل هو المصير إلى الوسطيّة.

٥ - وما نراه اليوم من تعيير تارةً، واستخفاف تارة أخرى بالإسلام والمسلمين، ما هو إلاّ نتاج طبيعي لترك العمل بالاعتدال والوسطية.

ليلة ميلاد الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ٢٠ جمادى الثانية ١٤٣١هـ ق.

قم المقدّسة

كاظم البهادلي



الفهارس الفنية

* فهرست الآيات

* فهرست مصادر الكتاب

* فهرست المحتويات



(١)

فهرست الآيات

الحمد (١)

( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ٦٩، ٧١، ٧٩

البقرة (٢)

( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانُ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ) ٩٢

( سَيَقُولُ السّفَهَاءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للّهِ‏ِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ٦٢

( وَكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أمّةً وسطاً لِّتكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيكُونُ الرَّسول عَليكُم شَهيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مِن يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلّا عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٧، ٤١، ٥٥، ٥٩، ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤، ٦٥، ٩١، ٩٢، ٩٣، ١١٨

( وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَ تَشْعُرُونَ ) ٧٢

( شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى‏ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدّةَ وَلِتُكَبّرُوا اللّهَ عَلَى‏ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ٤١

( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ ) ٥٠

( فَإِن زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ٣٠

( فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ٦٣

( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ ) ١١٦


( لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) ٤٢، ٤٣

آل عمران (٣)

( وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللّهِ‏ِ مِيرَاثُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ٨٥

النساء (٤)

( الّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) ٧٢

( وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَى‏ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّى‏ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) ٧٢،٧٣،٧٥، ٧٦، ٧٨

( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ... ) ٨٧

( فَبِظُلْمٍ مِنَ الّذِينَ هَادُوا حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً ) ٤٦

المائدة (٥)

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطّهّرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى‏ أَوْ عَلَى‏ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ٤١، ٤٩

( يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ٧٤

( سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسّحْتِ فَإِن جَاؤوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ ) ٨٧

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ ) ٥٠


الأنعام (٦)

( هُوَ الّذِي خَلَقَكُم مِن طِينٍ ثُمّ قَضَى‏ أَجَلٌ مُسَمّىً عِندَهُ ثُمّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ) ٣١

( وَكذلِكَ نُفَصّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) ٧٣

( وَهُوَ الّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنّخْلَ وَالزّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزّيْتُونَ وَالرّمّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ ) ٨٥، ١٢٥

( وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى‏ يَبْلُغَ أَشِدّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَنُكَلّفُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى‏ وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) ٨٨

( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَتَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ ) ٦٦، ٦٧، ٦٨، ٧٩

الأعراف (٧)

( قُلْ أَمَرَ رَبّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ٨١، ٨٧

( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنّهُ لاَيُحِبّ الْمُسْرِفِينَ ) ١٢٤، ١٢٦، ١٢٧

( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِيَ لِلّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ٤٩

( وَوَاعَدْنَا مُوسَى‏ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمّ مِيقَاتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى‏ لْأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَتَتّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) ٧٣

( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الّذِينَ يَتَكَبّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَإِن يَرَوْا كُلّ آيَةٍ لاَيُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرّشْدِ لاَيَتّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيّ يَتّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَذّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) ٧٣

( الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ٤٢، ٤٣


يونس (١٠)

( إِلَيْهِ مَرْجِعِكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ) ٨٨

( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيَما وَلاَ تَتّبِعَانّ سَبِيلَ الّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) ٧٣

النحل (١٦)

( وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) ٦٩

( ثُمّ كُلِي مِن كُلّ الثّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلَاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنّاسِ إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ ) ٧٤

( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى‏ وَيَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٤

الإسراء (١٧)

( وَقَضَيْنَا إِلَى‏ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الْأَرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً ) ٣١

( وَقَضَى‏ رَبّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) ٣١

( إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ وَكَانَ الشّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُوراً ) ٨٥

( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) ٢٨، ٨٥، ٩٢، ١١٧، ١١٩

( قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرّحْمَانَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنَى‏ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً ) ٢٨، ٩٢، ١١٣، ١١٤، ١١٥، ١١٧، ١١٨

الأنبياء (٢١)

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ٤٠


الحج (٢٢)

( وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللّهَ عَلَى‏ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى‏ وَجْهِهِ خَسِرَ الدّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ٢٧

( وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ‏ِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى‏ وَنِعْمَ النّصِيرُ ) ٤١

الفرقان (٢٥)

( وَالّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً ) ٤٩

( وَالّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) ٢٨، ٢٩، ٩٢، ١١٨، ١١٩

القصص (٢٨)

( وَابْتَغِ فِيَما آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ ) ١٢، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١

لقمان (٣١)

( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى‏ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ٧٣

( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) ٢٧، ٢٩، ١٢١، ١٢٢

سبأ (٣٤)

( فَلَمّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلّهُمْ عَلَى‏ مَوْتِهِ إِلّا دَابّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمّا خَرّ تَبَيّنَتِ الْجِنّ أَن لّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) ٢١

ص (٣٨)

( كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ) ١٠٣

( إِذْ دَخَلُوا عَلَى‏ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمانِ بَغَى‏ بَعْضُنَا عَلَى‏ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى‏ سَوَاءِ الصّرَاطِ ) ٢٥


غافر (٤٠)

( قَالَ الّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلّ فِيهَا إِنّ اللّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) ٣٠

فصلت (٤١)

( فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى‏ فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيّنّا السّماءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ٣١

( إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ٧١

الأحقاف (٤٦)

( إِنّ الّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ٧١

الحديد (٥٧)

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ ) ٩

الممتحنة (٦٠)

( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ لاَ هُنّ حِلّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلّونَ لَهُنّ وَآتُوهُم مَا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ٣٠



(٢)

فهرست المصادر

*القرآن الكريم .

*نهج البلاغة ، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ت٤٠هـ.

*الصّحيفة السّجادية ، الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، ت٩٥هـ.

- حرف الألف -

١. إبراهيم، مُحمّد إسماعيل، معاصر، القرآن وإعجازه العلمي، منشورات دار الفكر، بيروت - لبنان.

٢. ابن أبي الحديد، (ت٦٥٦هـ)، شرح نهج البلاغة، تحقيق: مُحمّد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى ١٣٧٨هـ، منشورات دار إحياء الكتب العربية.

٣. ابن أبي زمنين، (ت٣٩٩هـ)، تفسير ابن زمنين، تحقيق: أبو عبد الله حسين بن مكاشة، مُحمّد بن مصطفى الكنز، الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ، منشورات الفاروق الحديثة.

٤. ابن أبي عاصم، (ت٢٨٧هـ)، كتاب السُنّة، تحقيق: مُحمّد ناصر الألباني، الطبعة الثالثة ١٤١٣هـ، منشورات المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان.


٥. ابن الأثير، (ت٦٠٦هـ)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الراوي، محمود الضاحي، الطبعة الرابعة ١٣٦٤هـ ش، مؤسّسة إسماعيليان، قم - إيران.

٦. ابن الجوزي، (ت٥٩٧هـ)، زاد المسير، تحقيق: مُحمّد بن عبد الرحمان عبد الله، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، منشورات دار الفكر، بيروت - لبنان.

٧. ابن العربي، (ت٦٣٨هـ )، تفسير ابن العربي، تحقيق: عبد الوارث مُحمّد علي، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

٨. ابن حبّان، (ت٣٥٤هـ)، صحيح ابن حبّان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ، منشورات مؤسّسة الرسالة.

٩. ابن حجر، (ت٨٥٢هـ)، فتح الباري، الطبعة الثانية، منشورات دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.

١٠. ابن خُزيمة، (ت٣١١هـ)، صحيح ابن خُزيمة، تحقيق: الدكتور مُحمّد مصطفى الأعظمي، الطبعة الثانية ١٤١٢هـ، منشورات المكتب الإسلامي.

١١. ابن سلام، (ت٢٢٤هـ)، غريب الحديث، تحقيق: مُحمّد عبد المعيد خاب، الطبعة الأولى ١٣٨٤، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.

١٢. ابن عربي، (ت٥٤٣هـ)، أحكام القرآن، تحقيق: مُحمّد عبد القادر


عطا، منشورات دار الفكر، بيروت - لنبان.

١٣. ابن كثير، إسماعيل الدمشقي (ت٧٧٤هـ)، البداية والنهاية،، تحقيق: علي شيري، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

١٤. ابن كثير، (ت٧٧٤هـ)، تفسير ابن كثير، تحقيق: يوسف عبد الرحمان المرعشلي، سنة الطبع ١٤١٢هـ، منشورات دار المعرفة، بيروت - لبنان.

١٥. ابن منظور، (ت٧١١هـ)، لسان العرب، سنة الطبع ١٤٠٥هـ، نشر أدب الحوزة، قم - إيران.

١٦. أبو الحسين، أحمد بن فارس، (ت٣٩٥هـ)، معجم مقاييّس اللغة، تحقيق: عبد السلام مُحمّد هارون، سنة الطبع ١٤٠٤هـ، مكتبة الأعلام الإسلامي.

١٧. أبو السعود، (ت٩٥١هـ)، تفسير أبي السعود، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت - لنبان.

١٨. الأحسائي، ابن أبي جمهور (ت٨٨٠هـ)، عوالي اللئالي، تحقيق: مجتبى العراقي، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، المطبعة: سيّد الشهداء (علیه السلام) قم - إيران.

١٩. أحمد بن حنبل، (ت٢٤١هـ)، مسند أحمد، منشورات دار صادر، بيروت - لبنان.

٢٠. الأردبيلي، (ت٩٩٣هـ)، زبدة البيان، تحقيق: مُحمّد باقر البهبودي،


منشورات المكتبة المرتضوية، طهران.

٢١. الأصفهاني، مُحمّد حسين، (ت١٢٥٠هـ)، الفصول الغروية، سنة الطبع ١٤٠٤هـ، منشورات إحياء العلوم الإسلاميّة، قم - إيران.

٢٢. الآلوسي، (ت١٢٧٠هـ)، تفسير الآلوسي، بدون تاريخ.

٢٣. الأندلسي، ابن عطية، (ت٥٤٦هـ)، المحرّر الوجيز، تحقيق: عبد السّلام عبد الشافي مُحمّد، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ، طباعة ونشر: دار الكتب العلمية.

٢٤. الأنصاري، (ت١٢٨١هـ)، فرائد الأصول، منشورات مجمع الفكر الإسلامي، قم.

٢٥. الاهوازي، ابن السكيّت، (ت٢٤٤هـ)، ترتيب إصلاح المنطق، ترتيب وتقديم وتعليق: الشّيخ مُحمّد حسن بكائي، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ، منشورات مجمع البحوث الإسلاميّة، مشهد - إيران.

٢٦. الإيجي، (ت٧٥٦هـ)، المواقف، تحقيق: عبد الرحمان عميرة، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ، منشورات دار الجيل، بيروت - لبنان.

- حرف الباء -

٢٧. البجنوردي، (ت١٣٩٥هـ)، القواعد الفقهيّة،تحقيق: مهدي المهريزي، أحمد حسين الدرايتي، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ. نشر الهادي، قم - إيران.

٢٨. البحراني، يوسف، (ت١١٨٦هـ)، الحدائق الناضرة، منشورات جماعة المُدرّسين، قم المقدّسة.

٢٩. البخاري، الأدب المفرد، (ت٢٥٦هـ)، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ،


منشورات مؤسّسة الكتب الثقافية، بيروت - لبنان.

٣٠. البخاري، (ت٢٥٦هـ)، صحيح البخاري، سنة الطبع ١٤٠١هـ، منشورات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

٣١. البروجردي، (ت١٣٨٣هـ)، جامع أحاديث الشّيعة، سنة الطبع ١٣٩٩هـ المطبعة العلمية، قم المقدّسة.

٣٢. البغدادي، عبد اللطيف (معاصر)، الشفاء الروحي، غير مؤرّخة.

٣٣. البغوي، (ت٥١٠هـ)، تفسير البغوي، تحقيق: خالد عبد الرحمان العك، منشورات دار المعرفة، بيروت - لبنان.

٣٤. البهسودي، (ت١٤١١هـ)، مصباح الأصول، تقرير بحث السيّد الخوئي، الطبعة الخامسة ١٤١٧هـ، منشورات مكتبة الداوري، قم - إيران.

٣٥. البيضاوي، (ت٦٨٢هـ)، تفسير البيضاوي، منشورات دار الفكر، بيروت - لبنان.

٣٦. البيهقي، (ت٤٥٨هـ)، السُنن الكبرى، منشورات دار الفكر.

- حرف التاء -

٣٧. التبريزي، (ت١٣١٠هـ)، اللمعة البيضاء، تحقيق: السيّد هاشم الميلاني، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ منشورات دار الهادي، قم - إيران.

٣٨. الترمذي، (ت٢٧٩هـ)، سنن الترمذي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ منشورات دار الفكر، بيروت - لبنان.

- حرف الثاء -


٣٩. الثعالبي، (ت٨٧٥هـ)، تفسير الثعالبي، تحقيق: الدكتور عبد الفتّاح أبو سنة، الشيخ علي مُحمّد معوّض، الشيخ عادل عبد الموجود، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

٤٠. الثعلبي، (ت٤٢٧هـ) تفسير الثعلبي، تحقيق: مُحمّد بن عاشور، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

- حرف الجيم -

٤١. جريشة، الزيبق، معاصران، أساليب الغزو الفكري، الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ منشورات دار الاعتصام.

٤٢. الجزائري، السيّد عبد الله، (ت١١٨٠هـ)، التحفة السّنية (مخطوط)، مخطوطة آستانة قدس.

٤٣. الجصّاص، أحكام القرآن، (ت٣٧٠هـ)، تحقيق: عبد السّلام شاهين، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان.

٤٤. الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، (ت٣٩٣هـ)، الصّحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور العطّار، الطبعة الرابعة ١٤٠٧هـ منشورات دار العلم للملايين، بيروت - لبنان.

- حرف الحاء -

٤٥. الحر العاملي، الاثنا عشرية، (ت١١٠٤هـ)، تحقيق: السيّد مهدي اللاذوردي، الشيخ مُحمّد درودي، منشورات دار الكتب العلمية، قم - إيران.

٤٦. الحُرُّ العاملي، (ت١١٠٤هـ) الفصول المهمة، تحقيق: مُحمّد بن مُحمّد


الحسين القائيني، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ.

٤٧. الحُرُّ العاملي، (ت١١٠٤هـ)، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ.

٤٨. الحُسيني، هاشم معروف، (معاصر)، دراسات في الحديث والمحدّثين، الطبعة الثانية ١٣٩٨هـ، منشورات دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان.

٤٩. الحميدي، عبد الله بن الزبير، (ت٢١٩هـ)، مسند الحميدي، تحقيق عبد الرحمان الأعظمي، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

٥٠. الحنفي، فتح الدين، (ت١٣٧١هـ)، فلك النجاة، تحقيق: الشيخ ملا أصغر، الطبعة الثانية ١٤١٨هـ، منشورات دار الإسلام.

- حرف الخاء -

٥١. الخليلي، الدكتور جعفر، (معاصر)، الإمام علي (علیه السلام)، تحقيق: الشيخ حسن السعيد، غير مؤرّخة.

٥٢. الخوئي، أبو القاسم علي أكبر، (ت١٤١١هـ)، التنقيح في شرح العروة الوثقى، الطبعة الثالثة ١٤١٠هـ، منشورات دار الهادي، قم - إيران.

٥٣. الخوئي، أبو القاسم علي أكبر، (ت١٤١١هـ)، البيان في تفسير القرآن، الطبعة الرابعة ١٣٩٥هـ، منشورات دار الزهراء، بيروت - لبنان.

- حرف الدال -


٥٤. دحلان، أحمد زيني، (ت١٣٠٤هـ)، فتنة الوهابيّة، الطبعة الأولى، منشورات المكتبة الحقيقية، إسلامبول - تركيا.

- حرف الراء -

٥٥. الرازي، فخر الدين، (ت٦٠٦هـ)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، الطبعة الثالثة، غير مؤرّخة.

- حرف الزاي -

٥٦. الزبيدي، مرتضى، (ت١٢٠٥هـ)، تاج العروس، تحقيق: علي شيري، سنة الطبع ١٤١٤هـ، منشورات دار الفكر، بيروت - لبنان.

٥٧. الزمخشري، جار الله (ت٥٣٨هـ)، الفائق في غريب الحديث، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ، منشورات دار الكتب العلّميّة، بيروت - لبنان.

- حرف السين -

٥٨. السبحاني، جعفر، معاصر، رسائل ومقالات، منشورات مؤسّسة الإمام الصّادق (عليه السلام)، قم - إيران.

٥٩. السبحاني، معاصر، في ظلال التوحيد، منشورات: شؤون التعليم والبحوث الإسلاميّة في الحج، سنة الطبع ١٤١٢هـ.

٦٠. السبزواري، (ت١٠٩٠هـ)، ذخيرة المعاد، منشورات: مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.

٦١. السبزواري، (ت١٣٦١هـ)، وسيلة الوصول، تقرير بحث الأصفهاني، الطبعة الأولى ١٤١٩، منشورات: جماعة المُدرّسين.

٦٢. سعادت برو، معاصر، سر الإسراء في شرح حديث المعراج، الطبعة


الأولى ١٤١٦هـ، منشورات: مكتبة التشيّع.

٦٣. السّعدي، (ت١٣٧٦هـ)، تيسير الكريم الرّحمان، تحقيق: ابن عثيمين، سنة الطبع ١٤٢١هـ، منشورات مؤسّسة الرسالة، بيروت - لبنان.

٦٤. السّلمي، (ت٤١٢هـ)، تفسير السلمي، تحقيق: السيّد عمران، الطبعة الأولى ١٤٢١هـ، المطبعة والنشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

٦٥. السّمرقندي، أبو الليث، (ت٣٨٣هـ)، تفسير السمرقندي، تحقيق: الدكتور محمود مطرجي، منشورات: دار الفكر، بيروت - لبنان.

٦٦. السّمعاني، (ت٤٨٩هـ)، تفسير السّمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، غنيم بن عباس بن غنيم، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، منشورات: دار الوطن، الرياض - السعودية.

٦٧. السّيوطي، (ت٩١١هـ،)، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: سعيد المندوب، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، منشورات دار الفكر، بيروت - لبنان.

- حرف الشين -

٦٨. الشّافعي، (ت٢٠٤هـ)، كتاب الاُم، الطبعة الثانية ١٤٠٣، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

٦٩. الشّريف الرضي، (ت٤٠٦هـ)، حقائق التأويل، تحقيق: مُحمّد رضا آل كاشف الغطاء، منشورات: دار المهاجر، بيروت - لبنان.

٧٠. الشّهيد الأول، (ت٧٨٦هـ)، القواعد والفوائد، تحقيق: السيّد عبد الهادي الحكيم، منشورات: مكتبة المفيد، قم - إيران.


٧١. الشّهيد الثاني، (ت٩٦٦هـ)، مسالك الأفهام، تحقيق ونشر: مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ، قم - إيران.

٧٢. الشّوكاني، (ت١٢٥٥هـ)، فتح القدير، طباعة ونشر: عالم الكتب.

٧٣. الشّيخ المفيد، مُحمّد بن مُحمّد بن النعمان، (ت ٤١٣هـ)، الإرشاد، تحقيق: مؤسّسة آل البيت (علیهم السلام)، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ، منشورات: دار المفيد، بيروت - لبنان.

٧٤. الشّيخ مُحمّد تقي الأصفهاني، (ت١٢٤٨هـ)، هداية المسترشدين، منشورات: جماعة المُدرّسين، قم المقدّسة.

٧٥. الشّيخ مُحمّد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسّرة، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، منشورات مجمع الفكر الإسلامي.

٧٦. الشّيرازي، صدر الدين، (ت١٠٥٠هـ)، الحكمة المتعالية، الطبعة الثالثة ١٩٨١م، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

- حرف الصاد -

٧٧. الصّدر، مُحمّد باقر، (ت١٤٠٠هـ)، المعالم الجديدة، الطبعة الثانية ١٣٩٥هـ، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، منشورات: مكتبة النجاح، طهران.

٧٨. الصّدر، مُحمّد باقر، (ت١٤٠٠هـ)، دروس في علم الأصول، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ، دار الكتاب اللبناني، بيروت - لبنان.

٧٩. الصّدوق، (ت٣٨١هـ)، معاني الأخبار، تحقيق: علي أكبر الغفاري، سنة الطبع ١٣٧٩هـ، منشورات: جماعة المُدرّسين، قم المقدّسة.


٨٠. الصّدوق، (ت٣٨١هـ)، من لا يحضره الفقيه، تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الثانية، مؤسّسة النشر الإسلامي بقم المقدّسة.

٨١. الصّدوق، مُحمّد بن علي (ت٣٨١هـ)، الأمالي، تحقيق ونشر: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ، قم - إيران.

- حرف الطاء -

٨٢. الطباطبائي، مُحمّد حسين، (ت١٤٠١هـ)، تفسير الميزان، منشورات: جماعة المُدرّسين، قم المقدّسة.

٨٣. الطبرسي، (ت٥٤٨هـ)، الاحتجاج، تحقيق: السيّد مُحمّد باقر الخرسان، سنة الطبع ١٣٨٦ - ١٩٦٦م، دار النعمان، النجف الأشرف.

٨٤. الطبرسي، (ت٥٤٨هـ)، تفسير جوامع الجامع، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، قم المقدّسة.

٨٥. الطبرسي، (ت٥٤٨هـ)، تفسير مجمع البيان، تحقيق: لجنة من العلماء، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، منشورات: مؤسّسة الأعلمي، بيروت - لبنان.

٨٦. الطبري، مُحمّد بن جرير (الإمامي)، المتوفى في القرن الرابع الهجري، المسترشد، تحقيق: الشيخ أحمد المحمّودي، الطبعة الأولى المحقّقة ١٤١٥هـ، منشورات: مؤسّسة الثقافة الإسلاميّة لكوشانبور.

الطبري، مُحمّد بن جرير، (ت٣١٠هـ)، تفسير جامع البيان، تحقيق: الشيخ خليل الميسر، صدقي جميل العطّار، سنة الطبع ١٤١٥هـ، منشورات: دار الفكر، بيروت - لبنان.


١. الطريحي، فخر الدين، (ت١٠٨٥هـ)، مجمع البحرين،تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية ١٤٠٨هـ، مكتب نشر الثقافة الإسلاميّة.

٢. الطوسي، (ت٤٦٠هـ)، تفسير البيان، تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، منشورات: مكتب الإعلام الإسلامي.

٣. الطوسي، مُحمّد بن الحسن، (ت٤٦٠هـ)، الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، منشورات دار الثقافة، قم - إيران.

- حرف العين -

٤. عبد الحميد دياب، أحمد قرقوز، معاصران، مع الطب في القرآن، تقديم: الدكتور محمود ناظم نسيمي، الطبعة الثانية ١٤٠٢هـ، منشورات: مؤسّسة علوم القرآن، دمشق.

٥. العجلوني، (ت١١٦٢هـ)، كشف الخفاء، الطبعة الثالثة ١٤٠٨هـ، منشورات دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان.

٦. العسكري، أبو هلال، (ت٣٩٥هـ)، الفروق اللغوية، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، مؤسّسة جماعة المُدرّسين، قم المقدّسة.

٧. العلاّمة الحلي، الحسن بن يوسف، (ت٧٢٦هـ)، تذكرة الفقهاء، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت (علیهم السلام)، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ، قم المقدّسة.

٨. العيّاشي، مُحمّد بن مسعود، (ت٣٢٠هـ)، تفسير العيّاشي، تحقيق: السيّد هاشم الرسولي المحلاّتي، منشورات: المكتبة العلمية


الإسلاميّة، طهران.

- حرف الفاء -

٩. فخر المحققّين، ابن العلامة مُحمّد بن الحسن، (ت٧٧٠هـ)، إيضاح الفوائد، تحقيق: السيّد حسين الموسوي الكرماني، الشيخ علي پناه الاشتهاردي، الشيخ عبد الرحيم البروجردي، الطبعة الأولى ١٣٨٧، المطبعة العلمية، قم.

١٠. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، (ت١٧٠هـ)، العين، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي، الطبعة الثانية ١٤٠٩هـ، مؤسّسة دار الهجرة.

١١. الفيروز آبادي، (ت٨١٧ هـ)، القاموس المحيط، مجهولة.

١٢. الفيض الكاشاني، (ت١٠٩١هـ)، التفسير الأصفى، تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، منشورات مركز النشر، قم - إيران.

١٣. الفيض الكاشاني، (ت١٠٩١هـ)، التفسير الصافي، الطبعة الثانية ١٤١٦هـ، منشورات مكتبة الصدر، طهران.

- حرف القاف -

١٤. القبانجي، السيّد حسن، شرح رسالة الحقوق، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ، منشورات إسماعيليان، قم المقدّسة.

١٥. القرشي، باقر شريف، معاصر، النظام السياسي في الإسلام، الطبعة الثانية ١٣٩٨هـ، منشورات دار التعارف، بيروت - لبنان.


١٦. القرطبي، (ت٦٧١هـ)، تفسير القرطبي، تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني، منشورات: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

١٧. القزويني، مُحمّد بن يزيد، (ت٢٧٣هـ)، سنن ابن ماجة، تحقيق: مُحمّد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت - لبنان.

١٨. القُمّي، عليّ بن إبراهيم، (ت٣٢٩هـ)، تفسير القُمّي، تحقيق: السيّد طيب الموسوي الجزائري، الطبعة الثالثة ١٤٠٤هـ، منشورات: دار الكتاب، قم - إيران.

١٩. القُمّي، عليّ بن بابويه، (ت٣٢٩هـ)، فقه الرضا (عليه السلام)، تحقيق: مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، الناشر: المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام)، مشهد المقدّسة.

- حرف الكاف -

٢٠. الكاشاني، أبو بكر، (ت ٥٨٧هـ)، بدائع الصنائع، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، منشورات: المكتبة الحبيبية، باكستان.

٢١. الكحلاني، (ت١١٨٢هـ)، سبل السلام، تحقيق: مُحمّد عبد العزيز الخوئي، الطبعة الرابعة ١٣٧٩هـ، منشورات: مصطفى البابي وأولاده، مصر.

٢٢. الكليني، (ت٣٢٩هـ)، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الخامسة ١٣٦٣هـ ش، منشورات: دار الكتب الإسلاميّة، طهران.

٢٣. الكوراني، علي (معاصر)، الانتصار، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، منشورات: دار السيرة، بيروت - لبنان.


- حرف اللام -

٢٤. اللّيثي الواسطي، المتوفى في القرن السادس، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، الطبعة الأولى، منشورات دار الحديث.

- حرف الميم -

٢٥. المازندراني، (ت١٠٨١هـ)، شرح أصول الكافي، الطبعة الأولى ١٤٢١هـ منشورات: إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.

٢٦. المباركفوري، (ت١٢٨٢هـ)، تحفة الاحوذي، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ، منشورات: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

٢٧. المتّقي الهندي، (ت٩٧٥هـ)، كنز العمال، تحقيق: الشيخ بكري حيّاني، مؤسّسة الرسالة، سنة الطبع ١٤٠٩هـ، بيروت - لبنان.

٢٨. المجلسي، مُحمّد باقر، (ت ١١١١هـ)، بحار الأنوار،، الطبعة الثانية المصحّحة ١٤٠٣هـ، منشورات: مؤسّسة الوفاء، بيروت - لبنان.

٢٩. المحقّق الحلي، (ت٦٧٦هـ)، معارج الأصول، تحقيق: مُحمّد حسين الرضوي، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، منشورات: مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).

٣٠. المحقّق النراقي، مُحمّد مهدي، (ت١٢٤٤هـ)، عوائد الأيام، تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ منشورات: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.

٣١. مُحمّد، أويس كريم، معاصر، المعجم الموضوعي لنهج البلاغة، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ، منشورات: مجمع البحوث الإسلاميّة، مشهد -


إيران.

٣٢. المدني، علي خان، (ت١١٢٠هـ)، رياض السالكين، تحقيق: السيّد محسن الحسيني الأميني، الطبعة الرابعة ١٤١٥هـ منشورات: مؤسّسة النشر الإسلامي.

٣٣. المراغي، الحسين، (ت١٢٥٠هـ)، العناوين الفقهية، تحقيق: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ، منشورات: جماعة المُدرّسين، قم المقدّسة.

٣٤. مركز المصطفى، عليٌّ إمام الثابتين على الفطرة، نشر وتحقيق: مركز المصطفى، قم المقدّسة.

٣٥. المظفّر، مُحمّد رضا، (ت١٣٨٨هـ)، المنطق، منشورات: جماعة المُدرّسين بقم المقدّسة.

٣٦. مكارم الشيرازي، معاصر، تفسير الأمثل، بدون تاريخ.

٣٧. المناوي، (ت١٠٣١هـ)، فيض القدير في شرح الجامع الصغير، تحقيق: أحمد عبد السلام، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، منشورات: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

٣٨. المنتظري، حسين، معاصر، دراسات في ولاية الفقيه، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ، منشورات: المركز العالمي للدراسات الإسلاميّة، قم - إيران.

٣٩. الميلاني، علي، (معاصر)، الصحابة، الطبعة الأولى ١٤٢١هـ، منشورات: مركز الأبحاث العقائدية، قم - إيران.


٤٠. النحّاس، (ت٣٢٩هـ)، معاني القرآن، تحقيق: الشّيخ مُحمّد علي الصابوني، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ. منشورات: جامعة أم القرى، السعودية.

- حرف النون -

٤١. النراقي، مُحمّد مهدي، (ت ١٢٠٩هـ)، جامع السعادات، تحقيق: السيّد مُحمّد كلانتر، تقديم: الشّيخ مُحمّد رضا المظفر. منشورات: مطبعة النعمان، النجف الأشرف.

٤٢. النسفي، (ت٥٣٧هـ)، تفسير النسفي، بدون تاريخ.

٤٣. النووي، (ت٦٧٦هـ)، المجموع، منشورات: دار الفكر، بيروت - لبنان.

- حرف الهاء -

٤٤. الهيثمي، نور الدين، (ت٨٠٧هـ)، مجمع الزوائد، سنة الطبع ١٤٠٨هـ، منشورات: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

- حرف الواو -

٤٥. الواحدي، (ت٤٦٨هـ)، تفسير الواحدي، تحقيق: صوفان داودي، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، منشورات: دار القلم، الدار الشّاميّة.

٤٦. الوحيد الخراساني، معاصر، مُقدّمة في أُصول الدين، غير مؤرّخة.


الفهرس

المقدّمة ١١

الفصل الأوّل: بحوث تمهيّديّة ١٧

البحث الأوّل: تعريف الوسطيّة ١٩

البحث الثاني: في تعريف الحكم ٣٠

البحث الثالث: تعريف الأدب لُغةً واصطلاحاً ٣٥

الفصل الثاني: العلاقة بين الوسطيّة وكون الشريعة سهلة سمحاء ٣٧

تمهيد: ٣٩

الفصل الثالث: الأدلة على الوسطيّة ٥٧

الدليل الأول: الكتاب الكريم ٥٩

الدليل الثاني: السُنة الشريفة ٨٨

الدليل الثالث: الاستقراء ١٠٦

الفصل الرابع: نماذج تطبيقيّة للوسطيّة ١١١

تمهيد: ١١٣

النموذج الأوّل: الصلاة ١١٣

النموذج الثاني: الإنفاق ١١٦

النموذج الثالث: آداب المشي ١٢١

النموذج الرابع: المحبّة والصداقة ١٢٢

النموذج الخامس: الوسطيّة في الأكل والشرب ١٢٤

النموذج السادس: الوسطيّة في طلب الدنيا وابتغاء الآخرة ١٢٨

خلاصة البحث ١٣١