روائع نهج البلاغة
جورج جرداق
تقديم
الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) هو إمام البلغاء و المتكلمين، كما هو إمام المتّقين.. و آيته في ذلك «نهج البلاغة» الذي يمثّل، في أسس البيان العربي، مكانة تلي مكانة القرآن الكريم... و تتصل به أساليب العرب، في نحو ثلاثة عشر قرنا، فتبني على بنائه، و تقبس منه جذوتها، و يحيا جيّدها في نطاق من بيانه السّاحر.
كان الإمام علي (ع) يرتجل كلماته، يلقيها، في مجالس القوم، خلاصات تأمّل، و في محافلهم، خطبا تجيش في داخل الذات، فينطق بها اللّسان عفو الخاطر، فتأتي محكمة «دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق».
اختار الشريف الرضيّ أواخر القرن الرابع الهجري نماذج من خطبه و رسائله و كلماته القصار، و جمعها في كتاب سمّاه «نهج البلاغة». و الإسم يدلّ على أن هذه النّماذج المختارة تمثل نهجا في البيان و الأداء، يوصل، إن اتّخذ مثالا، إلى البلاغة، بوصفها كشفا عمّا في الذات و الواقع و إيصالا إلى المتلقي. و هذه هي غاية الأدب الخلاّق العظيم.
و منذ ذلك اليوم الذي جمع فيه الكتاب عكف العلماء و الأدباء على قراءته و شرحه، فتعدّدت الشروح و تنوّعت، و بلغ بعضها مجلّدات عديدة، يقتضي الاطلاع عليها وقتا و جهدا قد لا يملكهما المرء في هذا العصر. و من هنا جاءت الحاجة إلى كتاب ييسّر للإنسان العاديّ معرفة «النهج»، من طريق اختيار نماذج منه و شرحها.
و قد سعى الأديب المعروف جورج جرداق إلى أداء هذه المهمة، فاشتغل سنوات طوالا، ليسهّل الصعوبات أمام القارىء، فيجمع بين دفّتي كتاب روائع «نهج البلاغة» و يبوّبها وفق موضوعاتها من جهة، و وفق زمن صدورها من جهة ثانية، و يشرح الغريب و الصعب من مفرداتها.
ثم زاد على ذلك، فقدّم بين يدي الروائع التي اختارها و رتّبها و شرحها، دراسة جديدة في نوعها عن الشخصية العلوية من خلال نهج البلاغة، أضافها إلى سلسلة دراساته الخمس الشهيرة (الإمام علي صوت العدالة و الإنسانية).
يلبّي هذا الكتاب حاجة للقارىء العاديّ و لطلاب المدارس و الجامعات، و للقارىء المختصّ، أيضا، في هذا الزمن الذي لا يجد فيه المرء فرصة للقراءة، وسط المشاغل العديدة، و طغيان وسائل الاعلام المسموعة و المرئيّة.
و يسرّ مركز الغدير للدرسات أن يقدّم هذا الكتاب في حلته الجديدة هذه بعد نفاد طبعته، راجيا أن تتحقق به الفائدة التي توخّاها.
مركز الغدير للدرسات الإسلامية
في ادب الإمام
حدود العقل و القلب
و كان شديدا، قاصفا، مزمجرا، كالرعد في ليالي الويل و الينبوع هو الينبوع لا حساب في جريه لليل أو نهار من تتبّع سير العظماء الحقيقيين في التاريخ لا فرق بين شرقيّ منهم أو غربي، و لا قديم و محدث، أدرك ظاهرة لا تخفى و هي أنهم، على اختلاف ميادينهم الفكرية و على تباين مذاهبهم في موضوعات النشاط الذهني، أدباء موهوبون على تفاوت في القوة و الضعف.
فهم بين منتج خلاّق، و متذوّق قريب التذوّق من الإنتاج و الخلق. حتى لكأنّ الحس الأدبي، بواسع دنيواته و معانيه و أشكاله، يلزم كل موهبة خارقة في كل لون من ألوان النشاط العظيم فنظرة واحدة الى الأنبياء، مثلا، تكفي لتقرير هذه الظاهرة في الأذهان. فما داود و سليمان و أشعيا و أرميا و أيوب و المسيح و محمد إلا أدباء أوتوا من الموهبة الأدبية ما أوتوا من سائر المواهب الخاصة بهم. و هذا نابوليون القائد، و أفلاطون الفيلسوف، و باسكال الرياضي، و باستور العالم الطبيعي، و الخيّام الحسابي، و نهرو رجل الدولة، و ديغول السياسي، و ابن خلدون المؤرخ، إنهم جميعهم أدباء لهم في الأدب ما يجعلهم في مصافّ ذوي الشأن من أهله. فلكلّ منهم لون من ألوان النشاط الفكري حدّده الطبع و الموهبة، ثم رعت النزعة الجمالية ما دخل منه في نطاق التعبير، فإذا هو من الأدب الخالص.
هذه الحقيقة تتركز جلية واضحة في شخصية علي بن أبي طالب، فإذا هو الإمام في الأدب، كما هو الإمام في ما أثبت من حقوق و في ما علّم و هدى، و آيته في ذلك «نهج البلاغة» الذي
يقوم في أسس البلاغة العرب في ما يلي القرآن من أسس، و تتّصل به أساليب العرب في نحو ثلاثة عشر قرنا فتبني على بنائه و تقتبس منه و يحيا جيّدها في نطاق من بيانه الساحر.
أما البيان فقد وصل عليّ سابقه بلاحقه، فضمّ روائع البيان الجاهلي الصافي المتّحد بالفطرة السليمة اتحادا مباشرا، الى البيان الإسلامي الصافي المهذب المتحد بالفطرة السليمة و المنطق القويّ اتحادا لا يجوز فيه فصل العناصر بعضها عن بعض. فكان له من بلاغة الجاهلية، و من سحر البيان النبويّ، ما حدا بعضهم إلى أن يقول في كلامه إنه «دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق».
و لا عجب في ذلك، فقد تهيّأت لعليّ جميع الوسائل التي تعدّه لهذا المكان بين أهل البلاغة. فقد نشأ في المحيط الذي تسلم فيه الفطرة و تصفو، ثم إنه عايش أحكم الناس محمد بن عبد اللّه، و تلقّى من النبي رسالته بكل ما فيها من حرارة و قوة. أضف الى ذلك استعداداته الهائلة و مواهبه العظيمة، فإذا بأسباب التفوّق تجتمع لديه من الفطرة و من البيئة جميعا أما الذكاء، الذكاء المفرط، فتلقى له في كل عبارة من «نهج البلاغة» عملا عظيما.
و هو ذكاء حيّ، قادر، واسع، عميق، لا تفوته أغوار. إذا هو عمل في موضوع أحاط به بعدا فما يفلت منه جانب و لا يظلم منه كثير أو قليل، و غاص عليه عمقا، و قلّبه تقليبا، و عركه عركا، و أدرك منه أخفى الأسباب و أمعنها في الاختفاء كما أدرك أصدق النتائج المترتّبة على تلك الأسباب: ما قرب منها أشدّ القرب، و ما بعد أقصى البعد.
و من شروط الذكاء العلويّ النادر هذا التسلسل المنطقي الذي تراه في النهج أنّي اتجهت.
و هذا التماسك بين الفكرة و الفكرة حتى تكون كلّ منها نتيجة طبيعية لما قبلها و علّة لما بعدها. ثم إن هذه الأفكار لا تجد فيها ما يستغنى عنه في الموضوع الذي يبحث فيه. بل إنك لا تجد فيها ما يستقيم البحث بدونه. و هو، لاتّساع مداه، لا يستخدم لفظا إلا و في هذا اللفظ ما يدعوك لأن تتأمل و تمعن في التأمل، و لا عبارة إلا و تفتح أمام النظر آفاقا وراءها آفاق.
فعن أيّ رحب وسيع من مسالك التأمّل و النظر يكشف لك قوله: «الناس أعداء ما جهلوا» أو قوله: «قيمة كل امرىء ما يحسنه». أو «الفجور دار حصن ذليل».
و أيّ إيجاز معجز هو هذا الايجاز: «من تخفّف لحق» و أيّ جليل من المعنى في العبارات الأربع و ما تحويه من ألفاظ قلائل فصّلت تفصيلا، بل قل أنزلت تنزيلا ثم عن أي حدّة في الذكاء و استيعاب للموضوع و عمق في الإدراك، يشفّ هذا الكشف العجيب عن طبع الحاسد و صفة نفسه و حقيقة حاله: «ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم و قلب هائم و حزن لازم. مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملك» و يستمرّ تولّد الأفكار في «نهج البلاغة» من الأفكار، فإذا أنت منها أمام حشد لا ينتهي.
و هي مع ذلك لا تتراكم، بل تتساوق و يترتّب بعضها على بعض. و لا فرق في ذلك بين ما يكتبه عليّ و ما يلقيه ارتجالا. فالينبوع هو الينبوع و لا حساب في جريه لليل أو نهار.
ففي خطبه المرتجلة معجزات من الأفكار المضبوطة بضابط العقل الحكيم و المنطق القويم.
و إنك لتدهش، أمام هذا المقدار من الإحكام و الضبط العظيمين، حين تعلم أن عليّا لم يكن ليعدّ خطبه و لو قبيل إلقائها بدقائق أو لحظات.
فهي جائشة في ذهنه منطلقة على لسانه عفو الخاطر لا عنت و لا إجهاد، كالبرق إذ يلمع و لا خبر يأخذه أو يعطيه قبل وميضه. و كالصاعقة إذ تزمجز و لا تهيّء نفسها لصعق أو زمجرة.
و كالريح إذ تهبّ فتلوي و تميل و تكسح و تنصبّ على غاية ثم إلى مداورها تعود و لا يدفعها إلى أن تروح و تجيء إلاّ قانون الحادثة و منطق المناسبة في حدودها القائمة، لا قبل و لا بعد و من مظاهر الذكاء الضابط القويّ في نهج البلاغة تلك الحدود التي كان عليّ يضبط بها بها عواطف الحزن العميق إذ تهيج في نفسه و تعصف. فإن عاطفته الشديدة ما تكاد تغرقه في محيط من الأحزان و الكآبات البعيدة، حتى يبرز سلطان العقل في جلاء و مضاء، فإذا هو آمر مطاع.
و من ذكاء علي المفرط الشامل في نهجه كذلك أنه نوّع البحث و الوصف فأحكم في كل موضوع و لم يقصر جهده الفكري على واحد من الموضوعات أو سبل البحث. فهو يتحدث بمنطق الحكيم الخبير عن أحوال الدنيا و شؤون الناس، و طبائع الافراد و الجماعات. و هو يصف البرق و الرعد و الأرض و السماء. و يسهب في القول في مظاهر الطبيعة الحية فيصف
خفايا الخلق في الخفاش و النملة و الطاووس و الجرادة و ما إليها. و يضع للمجتمع دساتير و للأخلاق قوانين. و يبدع في التحدث عن خلق الكون و روائع الوجود. و إنك لا تجد في الأدب العربي كله هذا المقدار الذي تجده في نهج البلاغة من روائع الفكر السليم و المنطق المحكم، في مثل هذا الأسلوب النادر.
أما الخيال في نهج البلاغة فمديد وسيع، خفّاق الجوانح في كل أفق. و بفضل هذا الخيال القويّ الذي حرم منه كثير من حكماء العصور و مفكري الأمم، كان عليّ يأخذ من ذكائه و تجاربه المعاني الموضوعيّة الخالصة، ثم يطلقها زاهية متحركة في إطار تثبت على جنباته ألوان الجمال على أروع ما يكون اللون. فالمعنى مهما كان عقليا جافا، لا يمرّ في مخيّلة عليّ إلاّ و تنبت له أجنحة تقضي فيه على صفة الجمود و تمدّه بالحركة و الحياة.
فخيال عليّ نموذج للخيال العبقري الذي يقوم على أساس من الواقع، فيحيط بهذا الواقع و يبرزه و يجلّيه، و يجعل له امتدادات من معدنه و طبيعته، و يصبغه بألوان كثيرة من مادته و لونه، فإذا الحقيقة تزداد وضوحا، و إذا بطالبها يقع عليها أو تقع عليه و قد تميّز عليّ بقوة ملاحظة نادرة، ثم بذاكرة واعية تخزن و تتّسع. و قد مرّ من أطوار حياته بعواطف جرّها عليه حقد الحاقدين و مكر الماكرين، و مرّ منها كذلك بعواطف كريمة أحاطه بها وفاء الطيبين و إخلاص المخلصين. فتيسّرت له من ذلك جميعا عناصر قوية تغذّي خياله المبدع. فإذا بها تتعاون في خدمة هذا الخيال و تتساوق في لوحات رائعة حيّة، شديدة الروعة و الحيوية، تتركز على واقعية صافية تمتدّ لها فروع و أغصان، ذات أوراق و أثمار و من ثمّ يمكنك، إذا أنت شئت، أن تحوّل عناصر الخيال القويّ في نهج البلاغة الى رسوم مخطوطة باللون، لشدّة واقعيّتها و اتّساع مجالها و امتداد أجنحتها و بروز خطوطها. أ لا ما أروع خيال الإمام إذ يخاطب أهل البصرة و كان بنفسه ألم منهم بعد موقعة الجمل، قائلا: «لتغرقنّ بلدتكم حتى كأنني أنظر الى مسجدها كجؤجؤ طير في لجّة بحر)(١) »
____________________
(١) الجؤجؤ: الصدر.
أو في مثل هذا التشبيه الساحر: «فتن كقطع الليل المظلم».
أو هذه الصورة المتحركة: «و إنما أنا كقطب الرحى: تدور عليّ و أنا بمكاني» أو هذه اللوحة ذات الجلال التي يشبّه فيها امتدادات بيوت أهل البصرة بخراطيم الفيلة، و تبدو له شرفاتهن كأنها أجنحة النسور: «ويل لسكككم العامرة، و الدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور و خراطيم كخراطيم الفيلة» و من مزايا الخيال الرحب قوة التمثيل. و التمثيل في أدب الإمام وجه ساطع بالحياة. و إن شئت مثلا على ذلك فانظر في حال صاحب السلطان الذي يغبطه الناس و يتمنون ما هو فيه من حال، و لكنه أعلم بموضعه من الخوف و الحذر، فهو و إن أخاف بمركوبه إلاّ أنه يخشى أن يغتاله. ثم انظر بعد ذلك الى عليّ كيف يمثّل هذا المعنى يقول: «صاحب السلطان كراكب الأسد: يغبط بموقعه، و هو أعلم بموضعه.» و إن شئت مثلا آخر فاستمع اليه يمثّل حالة رجل رآه يسعى على عدوّ له بما فيه إضرار بنفسه، فيقول: «إنّما أنت كالطاعن نفسه ليقتل ردفه» و الرّدف هو الراكب خلف الراكب. ثم إليك هذا النهج الرائع في تمثيل صاحب الكذب: «إياك و مصادقة الكذّاب فإنه كالسراب: يقرّب عليك البعيد و يبعد عنك القريب» أما النظرية الفنيّة القائلة بأن كل قبيح في الطبيعة يصبح جميلا في الفن، فهي إن صحّت فإنما الدليل عليها قائم في كلام ابن أبي طالب في وصف من فارقوا الدنيا. فما أهول الموت و ما أبشع وجهه. و ما أروع كلام ابن أبي طالب فيه و ما أجمل وقعه. فهو قول آخذ من العاطفة العميقة نصيبا كثيرا، و من الخيال الخصب نصيبا أوفر. فإذا هو لوحة من لوحات الفن العظيم لا تدانيها إلاّ لوحات عباقرة الفنون في أوروبا ساعة صوّروا الموت و هوله لونا و نغما و شعرا.
فبعد أن يذكّر عليّ الأحياء بالموت و يقيم العلاقة بينهم و بينه، يوقظهم على أنهم دانون من منزل الوحشة بقول فيه من الغربة القاسية لون قائم و نغم حزين: «فكأنّ كل امرىء منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته، فيا له من بيت وحدة، و منزل وحشة، و مفرد غربة» ثم يهزّهم بما هم مسرعون إليه و لا يدرون، بعبارات متقطّعة متلاحقة و كأنّ فيها دويّ طبول تنذر تقول «ما أسرع الساعات في اليوم، و أسرع الأيام في الشهر، و أسرع
الشهور في السنة، و أسرع السنين في العمر» بعد ذلك يطلق في أذهانهم هذه الصورة الرائعة التي يأمر بها العقل، و تشعلها العاطفة، و يجسّم الخيال الوثّاب عناصرها ثم يعطيها هذه الحركات المتتابعة و هي بين عيون تدمع و أصوات تنوح و جوارح تئنّ، قائلا: «و إنما الأيام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم». ثم يعود فيطلق لعاطفته و خياله العنان فإذا بهما يبدعان هذه اللوحة الخالدة من لوحات الشعر الحيّ: «و لكنهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنطق خرسا، و بالسمع صمما، و بالحركات سكونا.
فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات(١) .
جيران لا يتآنسون، و أحبّاء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف، و انقطعت منهم أسباب الإخاء. فكلّهم وحيد و هم جميع، و بجانب الهجر و هم أخلاّء، لا يتعارفون لليل صباحا، و لا لنهار مساء. أيّ الجديدين(٢) ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا(٣) ».
ثم يقول هذا القول الرهيب: «لا يعرفون من أتاهم، و لا يحفلون من بكاهم، و لا يجيبون من دعاهم» فهل رأيت الى هذا الإبداع في تصوير هول الموت و وحشة القبر و صفة سكّانه في قوله: «جيران لا يتآنسون و أحبّاء لا يتزاورون» ثم هل فطنت إلى هذه الصورة الرهيبة لأبدية الموت التي لا ترسمها إلا عبقرية عليّ: «أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا» و مثل هذه الروائع في «النهج» كثير.
هذا الذكاء الخارق و هذا الخيال الخصب في أدب الإمام يتحدان اتحاد الطبيعة بالطبيعة، مع العاطفة الهادرة التي تمدّهما بوهج الحياة. فإذا الفكرة تتحرك و تجري في عروقها الدماء سخيّة حارّة. و إذا بها تخاطب فيك الشعور بمقدار ما تخاطب العقل لانطلاقها من عقل تمدّه العاطفة بالدفء. و قد يصعب على المرء أن يعجب بأثر من آثار الفكر أو الخيال في
____________________
(١) ارتجال الصفة: وصف الحال بلا تأمل، فالواصف لهم بأول النظر يظنهم صرعى من السبات، أي النوم.
(٢) الجديدان: الليل و النهار.
(٣) سرمد: أبدي.
ميادين الأدب و سائر الفنون الرفيعة، إن لم تكن للعاطفة مشاركة فعّالة في إنتاج هذا الأثر. ذلك ان المركّب الإنساني لا يرضيه، طبيعيا، إلا ما كان نتاجا لهذا المركّب كله. و هذا الأثر الأدبي الكامل، هو ما نراه في نهج البلاغة. و إنك لتحس نفسك مندفعا في تيّار جارف من حرارة العاطفة و انت تسير في نهج البلاغة من مكان إلى آخر.
أ فلا يشيع في قلبك الحنان و العطف شيوعا و أنت تصغي إلى عليّ يقول: «لو أحبّني جبل لتهافت» أو «فقد الأحبّة غربة» أو «اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم قد قطعوا رحمي و أكفأوا إنائي، و قالوا: «أ لا إنّ في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما أو مت متأسفا فنظرت فإذا ليس لي رافد و لا ذابّ و لا مساعد إلاّ أهل بيتي» و اليك كلاما له عند دفن السيدة فاطمة، يخاطب به ابن عمّه الرسول: «السلام عليك يا رسول اللّه عني و عن ابنتك النازلة في جوارك، و السريعة اللحاق بك قلّ، يا رسول اللّه، عن صفيّتك صبري، و رقّ عنها تجلّدي، إلاّ أن لي في التأسّي بعظيم فرقتك و فادح مصيبتك موضع تعزّ» و منه «أمّا حزني فسرمد، و أمّا ليلي فمسهّد، إلى أن يختار اللّه لي دارك التي أنت بها مقيم» ثم إليك هذا الخبر: روى أحدهم عن نوف البكالي بصدد إحدى خطب الإمام علي قال: خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السلام، و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، و عليه مدرعة من صوف، و حمائل سيفه ليف، و في رجليه نعلان من ليف، فقال عليه السلام، في جملة ما قال: «ألا إنه أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، و أقبل منها ما كان مدبرا. و أزمع الترحال عباد اللّه الأخيار، و باعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم و هم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص، و يشربون الرّنق؟ قد، و اللّه، لقوا اللّه فوفّاهم أجورهم و أحلّهم دار الأمن بعد خوفهم أين إخواني الذين ركبوا الطريق و مضوا على الحق؟ أين عمّار؟ و أين ابن التيهان؟ و أين ذو الشهادتين؟ و أين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على النيّة؟»
قال: ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة فأطال البكاء و أخبر ضرار بن حمزة الضابىء قال: فأشهد لقد رأيته يقصد الإمام في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله و هو قائم في ظلامه قابض على لحيته يتململ و يبكي بكاء الحزين و يقول: «يا دنيا يا دنيا، اليك عني أ بي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ لا حان حينك، هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة فيها فعيشك قصير، و خطرك يسير، و أملك حقير آه من قلّة الزاد و طول الطريق و بعد السفر و عظيم المورد» هذه العاطفة الحارّة التي عرفها الإمام في حياته، تواكبه أنّي اتّجه في نهج البلاغة، و حيث سار. تواكبه في ما يحمل على الغضب و السخط، كما تواكبه في ما يثير العطف و الرضا.
حتى إذا رأى تخاذل أنصاره عن مساندة الحق فيما يناصر الآخرون الباطل و يحيطونه بالسلاح و بالأرواح، تألّم و شكا، و وبّخ و أنّب، و كان شديدا قاصفا، مزمجرا، كالرعد في ليالي الويل و يكفيك أن تقرأ خطبة الجهاد التي تبدأ بقوله: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصمّ الصّلاب الخ»، لتدرك أية عاطفة متوجّعة ثائرة هي تلك التي تمدّ هذه الخطبة بنبض الحياة و جيشانها و إنه لمن المعيي أن نسوق الأمثلة على تدفّق العاطفة الحية التي تبث الدفء في مآثر الإمام.
فهي في أعماله، و في خطبه و أقواله، مقياس من المقاييس الأسس. و ما عليك إلاّ أن تفتح هذا الكتاب، كي تقف على ألوان من عاطفة ابن أبي طالب، ذات القوة الدافقة و العمق العميق
الوحدة الوجوديّة
و كان ما تباعد منها مضموما في وخدة طرفاها الأزل و الأبد الأدب اصالة في الفكر و الحس و الخيال و الذوق، تربط بين صاحبها و جملة الكائنات في وحدة وجودية مطلقة. ثم تعبّر عن نفسها بحياة تحيا على أصول من هذه الوحدة، و بأسلوب جماليّ هو تجسيم حيّ للتفاعل بين الأديب و الكون.
و لما كان العلم تجزئة كان الفنّ توحيدا. و لما كان العلم ينظر إلى الأشياء من حيث هي كائنات وجب فكّها و تذريرها، كان الفن ينظر إلى الأشياء من حيث هي كائنات مجزّأة في ظاهرها، موحّدة في أصولها و حقيقتها، مما يؤول الى فكرة الشمول الكوني و الارتباط الكامل بين مختلف مظاهر الوجود و ما كان الأدب إلا بهذا الشمول و إذا كان الفلاسفة قد فطنوا الى وحدة الوجود في العصور المتأخرة، فإن الأديب قد فطن لها منذ كان الانسان و كانت في أعماقه بذور الفن و أحاسيس الأدب. ذلك لأن دليل الفيلسوف عقله و قياسه، و كلاها محدود بالنسبة للمركّب الانساني الحيّ. و دليل الأديب شعوره و إلهامه، و هما انبثاق عاجل و امض عن جملة كيانه.
ثم إن نظرة الفيلسوف الى الكون كوحدة متفاعلة متكاملة، إن هي إلاّ نظرة تظلّ سطحية إذا ما قيست بنظرة الأديب. فالفيلسوف يشاهد و يراقب و يقيس ثم يسجّل. و أداته في ذلك العقل وحده، و العقل شيء من الانسان الحي بل قل هو جانب منه. و الأديب
يتفاعل مع الكون و الحياة تفاعلا مباشرا مستمرا إذ يحس و يستلهم بعقله و شعوره و خياله و مزاجه و ذوقه جميعا، أي بجملة كيانه. و هو، إلى ذلك، أسبق و أعمق. فالأديب أستاذ الفيلسوف: أستاذه و دليله منذ كان، و أستاذه و دليله إلى الأبد و إذا كان هذا هو الأمر، و هو كذلك، فإنّ عليّ بن أبي طالب عظيم من عظماء هذه الطائفة من حيث النظرة و الأسلوب: طائفة الأدباء الخالدين الذين ينظرون إلى نجوم السماء و رمال الصحراء و مياه البحار و كساء الطبيعة فإذا هي أشياء من نفوسهم، هذه النفوس التي تستشعر في الكون قوة وجودية واحدة جامعة كانت منذ الأزل و تبقى الى الأبد.
يقول ميخائيل نعيمة الذي يمثل طاقة الفنان على الاحساس العميق بوحدة الوجود في أدبنا العربي المعاصر: «بل كيف يكون أديبا من لا يحسّ جذوره في الأزل و الأبد، و لا يحسّ ما مضى و ما سيأتي» إن هذا الإحساس بالجمال الأسمى الذي يلف الكائنات جميعا، على تباين مظاهرها، بوشاح واحد، هو ما تراه في آثار عباقرة الأدب مهما تنوّعت موضوعات هذه الآثار، و مهما اختلفت ظروفها. فإذا أنت سمعت صوت الشاعر العظيم ينطق بلسان المسيح قائلا: «تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو، و لكن أقول لكم إنه و لا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها» سمعت صوتا من أعظم ما سمع الكون، و أدركت أمتع نظرة تخترق أعماق الجمال الكلّي، و تساءلت: أنّى للتراب و الصخر و سحب السماء أن تأتي بمثل هذه الروعة و هذا الجمال، جمال زنابق الحقل و هي تنمو، لو لم تكن وحدة الوجود هذه و لو لم يكن الجمال مدار الوجود الواحد، و رابطة أجزائه منذ البداية حتى النهاية؟ و هو، في الوقت ذاته، مدار الفكرة و الشعور لدى الفنان: الخالق الصغير و من ذلك قول المسيح الرائع و قد جاؤوه بزانية جعلت على نفسها سبيلا بحكم شرائعهم: «من كان منكم بلا خطيئة فليرجم هذه الزانية بحجر» و إذا أنت سمعت قول الشاعر العظيم ينطق بلسان سليمان بن داود: «جيل يمضي و جيل يأتي و الأرض قائمة مدى الدهر. و الشمس تشرق و الشمس تغرب
ثم تسرع الى موضعها الذي طلعت منه. تذهب الريح الى الجنوب و تدور الى الشمال، تدور و تطوف في مسيرها ثم الى مداورها تعود الريح جميع الأنهار تجري الى البحر و البحر ليس بملآن ثم الى الموضع الذي جرت منه الأنهار الى هناك تعود لتجري أيضا» و إذا سمعته أيضا يقول: «أنا وردة الشارون و سوسنة الأودية، كالسوسنة بين الشوك كذلك خليلتي بين البنات.
كالتفاحة في أشجار الغابة كذلك حبيي بين البنين. قد اشتهيت فجلست في ظله و ثمره حلو في حلقي. قد ظهرت الزهور في الأرض و وافى أوان القضب و سمع صوت اليمامة في أرضنا.
«يا حمامتي التي في نخاريب الصخر و في خفايا المعاقل أريني محيّاك، أسمعيني صوتك فإن صوتك لطيف و محيّاك جميل، إلى أن ينسم النهار و تنهزم الظلال. عد يا حبيي و كن كالظبي أو كغفر الأيلة على جبال باتر.
«جميلة أنت يا خليلتي جميلة أنت و عيناك كحمامتين من وراء نقابك، و شعرك كقطيع معز يبدو من جبل جلعاد.
شفتاك كسمط من القرمز و نطقك عذب. خدّاك كفلقة رمانة من وراء نقابك.
عنقك كبرج داود المبني للسلاح الذي علق فيه ألف مجنّ، جميع تروس الجبابرة. الى أن ينسم النهار و تنهزم الظلال أنطلق إلى جبل المرّ و الى تلّ اللبّان. هلمّي معي من لبنان أيتها العروس. معي من لبنان انظري من رأس أمانة من رأس حرمون من مرابض الأسود من جبال النمور. شفتاك تقطران شهدا أيتها العروس و تحت لسانك عسل و لبن و عرف ثيابك كعرف لبنان.
«عين جنّات و بئر مياه حية و أنهار من لبنان، هبّي يا شمال و هلمّي يا جنوب انسمي على جنّتي فتنسكب أطيابها» إذا أنت سمعت ذلك و وعيته وعيا صحيحا، أدركت ان سليمان ينهل شعره من المنهل ذاته الذي ارتوى منه المسيح و إن اختلف الموضوع.
و من ذلك قول فيكتور هيغو، أحد عظماء الفنانين الذين نبغوا بعد الثورة الفرنسية، و هو
حوار بين الكواكب يرينا الشاعر به الانسان و قد ضاع و كاد يختفي هو و الأرض التي يسكنها، لضآلتهما في سعة الكون الواحد العجيب: ما هذا الصوت التافه الضعيف الذي يهمس؟
أيتها الأرض، ما الغاية من دورانك، في أفقك الضيق المحدود؟
و هل أنت سوى حبّة من الرمل مصحوبة بذرّة من رماد؟
أما أنا، ففي السماء الزرقاء الشاسعة أرسم إطارا هائلا فترى المسافة المكانية، و هي فزعة مرعوبة، جمالي مشوّها و هالتي، التي تحيل شحوب الليالي الى حمرة قانية ككرات من الذهب تعلو و تهبط متقاطعة في يد الحاوي، تبعد، و تجمع، و تمسك سبعة من الأقمار الضخمة الهائلة و ها هي الشمس تجيب: سكوتا، هناك في زاوية من السماوات، ايتها الكواكب، أنتم رعاياي هدوءا أنا الراعي و أنتم الرعية.
إنكما كعربتين تسيران جنبا الى جنب للدخول من الباب.
في أصغر بركان عندي، المريخ مع الأرض يدخلان دون أن يلمسا جوانب المدخل و ها هي ذي نجوم الدب الأصغر تضيء مثل سبع أعين حيّة لها بدل الحبّات شموس و ها هو ذا طريق المجرّة يرسم غابة ناضرة جميلة مليئة بنجوم السماء أيتها الكواكب السفلى، إن مكاني من مكانكم في درجة من البعد حتى أن نجومي المضيئة الثابتة الشبيهة بمجاميع الجزائر المتناثرة في الماء، و شموسي الكثيرة، ليست بالنسبة لنظركم الضعيف القاصر،
في زاوية بعيدة من السماء شبيهة بصحراء حزينة يتلاشى الصوت فيها، سوى قليل من الرماد الأحمر قد انتثر في جوف الليل» و ها هي ذي نجوم مجرّة أخرى تصوّر عوالم لا تقلّ عن تلك العوالم، متناثرة في الأثير، ذلك المحيط الذي لا رمال فيه و لا حصباء في جوانبه، تذهب أمواجه و لكن لا تعود أبدا إلى شواطئه.
و أخيرا ها هو الإله يتحدث: «ليس لديّ إلا أن أنفخ، فيصبح كل شيء ظلاما(١) » و إليك ما يقوله عليّ بن أبي طالب في صفة الطاووس(٢) : «و من أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل، و نضّد ألوانه في أحسن تنضيد. بجناح أشرح قصبه. و ذنب أطال مسحبه. إذا درج إلى الأنثى نشره من طيّه، و سما به مظلاّ على رأسه. تخال قصبه مداري من فضّة، و ما أنبت عليه من عجيب داراته و شموسه خالص العقيان و فلذ الزبرجد. فإن شبّهته بما أنبتت الأرض قلت: جنى جني من زهرة كل ربيع. و إنّ ضاهيته بالملابس فهو كموشّى الحلل أو مونق عصب اليمن. و إن شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان قد نطّقت باللجين المكلّل: يمشي مشي المرح المختال، و يتصفّح ذنبه و جناحيه فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله و أصابيغ و شاحه «فإذا رمى ببصره الى قوائمه زقا معولا يكاد يبين عن استغاثته، و يشهد بصادق توجّعه، لأن قوائمه حمش كقوائم الدّيكة الخلاسية. و له في موضع العرف قنزعة خضراء موشّاة.
و مخرج عنقه كالإبريق، و مغرزها الى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال
____________________
(١) نظرية الأنواع الادبية، ترجمه عن الفرنسية الدكتور حسن عون.
(٢) ما تحتاج اليه من شرح المفردات و التعابير الواردة في هذه القطعة، تجده في فصل «خلقة الطاووس» بهذا الكتاب.
«و مع فتق سمعه خطّ كمستدقّ القلم في لون الأقحوان أبيض يقق، فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق. و قلّ صبغ إلاّ و قد أخذ منه بقسط و علاه بكثرة صقاله و بصيص ديباجه و رونقه فهو كالأزاهير المبثوثة لم تربّها أمطار ربيع و لا شموس قيظ. و قد ينحسر من ريشه و يعرى من لباسه فيسقط تترى، و ينبت تباعا، فينحتّ من قصبه انحتات أوراق الأغصان ثم يتلاحق ناميا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه: لا يخالف سالف ألوانه، و لا يقع لون في غير مكانه. إذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة وردية، و تارة خضرة زبرجدية، و أحيانا صفرة عسجدية، فكيف تصل الى صفة هذا عمائق الفطن، أو تبلغه قرائح العقول، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين» و إليك قليلا من قوله في خلق السماء و الأرض: «فطر الخلائق بقدرته، و نشر الرياح برحمته، و وتّد بالصخور ميدان أرضه. ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء، و شقّ الأرجاء، و سكائك الهواء، فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخّاره، حمله على متن الرياح العاصفة، و الزعزع القاصفة. ثم أنشأ سبحانه ريحا أعتق مهبّها، و أعصف مجراها، و أبعد منشأها، فأمرها بتصفيق الماء الزخّار، و إثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء و عصفت به عصفها بالفضاء تردّ أوله إلى آخره، و ساجيه الى مائره...» و أوصيك خيرا بهذه الآيات الروائع التي تتحدث بها عبقرية الإمام الى المركّب الانساني جميعا فتصوّر له كيف يستوي الجليل و اللطيف من الكائنات، و الشمس و القمر، و الماء و الحجر، و الكبير و الصغير، و الهيّن و الصعب، في معنى الوجود. و كيف تشترك جميعا في صفة الكون فإذا هي متساوقة متعاونة في النشيد الأعظم: نشيد الوجود الواحد الذي لا يجوز فيه تعظيم الدوحة العاتية على حساب النبتة النامية، و لا يصحّ فيه تمجيد البحر الواسع و احتقار الساقية التي تضيع مياهها بين العشب و الحصى.
يقول عليّ: «لو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدلالة إلاّ على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة. و ما الجليل و اللطيف، و الثقيل و الخفيف، و القوي و الضعيف، في خلقه إلاّ سواء
و كذلك السماء و الهواء، و الرياح و الماء. فانظر إلى الشمس و القمر، و النبات و الشجر، و الماء و الحجر، و اختلاف هذا الليل و النهار، و تفجّر هذه البحار، و كثرة هذه الجبال، و طول هذه القلال الخ...» ثم استمع اليه يقول: «لا تنالون نعمة إلا بفراق أخرى، و لا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، و لا تجدّد له زيادة في أكلة إلا بنفاد ما قبلها من رزقه، و لا يحيا له أثر إلا مات له أثر، و لا يتجدّد له جديد إلاّ بعد أن يخلق له جديد، و لا تقوم له نابتة إلا و تسقط منه محصورة. و قد مضت أصول نحن فروعها» إنه الوجود الواحد يتكلم عن نفسه، بلسانه و في خاطري هذه المشابهة بين مقطع من معلّقة امرىء القيس، و مقاطع كثيرة من أدب ابن أبي طالب، و هي تصبّ جميعا في معنى الوحدة الوجودية الكاملة. ثم تزيد عن ذلك بانطلاقه فذة إلى قهر الظالم و المعتدي، و إلى نصرة الضعيف في النبت و الأرض و البهيمة و الأرض الواطئة حتى يستوي الوجود قويا بهيّا.
يقول الشاعر الكوني امرؤ القيس أولا ما خلاصته: لقد قعدت لذلك البرق أرقب من أين يجيء المطر، و يا لروعة ما رأيت لقد أقبل المطر من جهات أربع سيولا سيولا رأيته من بعيد فكان يمينه في تقديري على جبل «قطن» و يساره على جبلي «الستار» و «يذبل». و راح الماء ينبجس شديدا هنا و هناك فتقلب سيوله الأشجار قلبا عتيّا، و مرّ على جبل «القنان» برشاشه فأكره الوعول على النزول عنه. بعد ذلك يقول الشاعر: و تيماء لم يترك بها جذع نخلة *** و لا أطما إلاّ مشيدا بجندل
كأنّ ثبيرا في عرانين وبله *** كبير أناس في بجاد مزمّل
كأن ذرى رأس المجيمر غدوة *** من السيل و الغثّاء فلكة مغزل
و ألقى بصحراء الغبيط بعاعه *** نزول اليماني ذي العياب المحمّل
كأنّ مكاكيّ الجواء غديّة *** نشاوى سلاف من رحيق مفلفل
كأنّ السباع فيه غرقى عشيّة *** بأرجائه القصوى، أنا بيش عنصل
فأنت ترى الى امرىء القيس كيف يلحظ أن المطر قد أسقط نخل تيماء كلّه، و جرف أبنيتها فلم يبق منها إلا المشيد بالجنادل و الصخور. أما جبل «ثبير» المعتز بشموخه على ما حوله من الأرض الواطئة، فقد غطاه المطر إلاّ رأسه، فبدا كشيخ قوم ملتفّ بكساء مخطط. و تتابع الأمطار طوفانها حول الجبال ثم تلقي أثقالها جميعا في الصحارى التي ظلّت زمنا قاحلة لا نبت فيها و لا رواء، فإذا بها تنبت عشبا و زهرا ملوّنا يشبه الثياب الملونة الحسناء التي ينشرها التاجر اليماني امام أعين الناس. و قد أحسن المطر إلى هذه الصحارى المجدبة فإذا هي رياض زاهية تغنّي بها الطير طربة سكرى أمّا الوحوش الضارية التي كانت تستبيح لنفسها افتراس الضعيف من الحيوان و الطير، فقد ذلّها المطر و أغرقها فطفت على الماء كأنها جذور البصل البرّي.
و هكذا يبدو المطر في خاطر الشاعر الجاهلي الكبير، الذي يتابع رحلته حتى النهاية، و كأنه يمثّل قوة الوجود المدبّرة. فهو قويّ عادل كريم ينصر الصعفاء الممثّلين بالأرض الواطئة و صغار الطير، فيملأ الوادي بالنبت و الزهر و اللون و يدخل الفرحة على قلوب العصافير فتطرب و تغنّي. و يداعب الأقوياء الممثّلين بالجبال التي يضايقها من كل جانب و يضعف من شأنها. و يفتك بذوي البطش الممثلين بالسباع الضارية فيقهرها و يغرقها و يجعلها تافهة و هذا عليّ يحسّ أمام الغيث ما أحسّه امرؤ القيس من تمثيله القوة العادلة الكريمة، فيقول في خاتمة حديث طويل: «فلما ألقت السحائب بعاع ما استقلّت به(١) من العبء المحمول عليها، أخرج به من هوامد الأرض النبات(٢) و من زعر الجبال الأعشاب(٣) فهي تبهج بزينة رياضها
____________________
(١) البعاع: ثقل السحاب من الماء. و ألقى السحاب بعاعه: أمطر كل ما فيه.
(٢) الهوامد من الأرض: ما لم يكن بها نبات.
(٣) زعر، مجمع أزعر، و هو: الموضع القليل النبات.
و تزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها(١) و حلية ما سمطت به(٢) من ناضر أنوارها، و جعل ذلك بلاغا للأنام و رزقا للأنعام» ثم إن عليّا يوجز الفكرة البعيدة في ما شاهده امرؤ القيس من عمل المطر في الجبال و السباع، بهذه الكلمة: «من تعظّم على الزمان أهانه» و إن هذه الروائع التي عبرت بنا في هذا الفصل، لتنبع كلّها من معين واحد بالرغم من اختلاف موضوعاتها و تباين أغراضها و تباعد ظروفها. ففيها جميعا هذه الاصالة في الفكر و الحس و الخيال و الذوق، التي تربط بين صاحبها و جملة الكائنات في وحدة وجودية مطلقة و أراك حيث رحت في أدب عليّ بن أبي طالب، شاعرا بهذه الاصالة التي تحدوه أبدا إلى اكتناه الروابط الخفية الكامنة وراء مظاهر الحياة و الموت، و وراء الأشكال التي تختلف على الحقيقة الواحدة الثابتة التي لا تختلف. و ما نزعته التوحيدية الجامحة إلا نزعة الأديب الحق يريد أن يركّز الوجود، في عقله و قلبه على السواء، على أصول لا يجوز فيها قديم و لا جديد و يتبيّن من نهج البلاغة ان نظريات ابن أبي طالب الاجتماعية و الأخلاقية، تنبع بصورة مباشرة أو غير مباشرة من هذه النظرة الواحدة الشاملة الى الوجود. فما أقرب الموت من الحياة في سنّة الوجود. و ما أقرب طرفي الخير و الشر. و ما أكثر ما يجتمع الحزن و السرور في قلب واحد في وقت معا، و الكسل و النشاط في جسد واحد. «فربّ بعيد هو أقرب من قريب في أدب ابن أبي طالب و ربّ رجاء يؤدي الى الحرمان، و تجارة تؤول الى الخسران». و ليس عجيبا أن يجوز في الناس قول ابن أبي طالب: «من حفر لأخيه بئرا وقع فيها، و من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، و من تكبّر على الناس ذلّ» فالدائرة الوجودية الواحدة تقضي على الناس و الأشياء و الكائنات جميعا بالخضوع لقاعدتها
____________________
(١) ريط، جمع ريطة بالفتح و هي كل ثوب رقيق ليّن.
(٢) سمط الشيء: علقت عليه السموط و هي: الخيوط تنظم في القلادة.
التعادلية التي أدركها الإمام بحدسه و عقله و حسّه على السواء، إدراكا عجيبا لشدة ما فيه من الوضوح ثم لكثرة ما يمدّ صاحبه بالقوة على الكشف، فإذا به يعبّر عن هذا الإدراك بكلمات تؤلف قواعد رياضية تتناول المظاهر و تنفذ منها الى ما وراءها من أصول وجودية عميقة ثابتة.
و هكذا يستوي ابن أبي طالب و قمم الوجود على صعيد واحد من النظرة الى الحياة الواحدة، و الاحساس العميق بالوجود الواحد، فإذا بأدبه صرخات متلاحقة تنطلق من قلب عبقريّ يريد أن ينفذ إلى الأشياء حتى يرى أغوارها فيطمئن الى هذا الإدراك، و حتى يعقل ما تباين منها ثابتا على قاعدة، و ما اختلف منها نابعا من أصل، و ما تباعد منها مضموما في وحدة طرفاها الأزل و الأبد
الاسلوب و العبقريّة الخطابيّة
بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير فساقك الى ما يريده سوقا و وصلك بالكون وصلا و يندمج الشكل بالمعنى اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلا ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف أما إذا تحدّث اليك عن بهاء الوجود و جمال الخلق، فإنما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء و من اللفظ ما له وميض البرق، و ابتسامة السماء في ليالي الشتاء، هذا من حيث المادة. أما من حيث الأسلوب، فعليّ بن أبي طالب ساحر الأداء. و الأدب لا يكون إلاّ بأسلوب، فالمبنى ملازم فيه للمعنى، و الصورة لا تقلّ في شيء عن المادة.
و أيّ فنّ كانت شروط الإخراج فيه أقل شأنا من شروط المادة
و إن قسط علي بن أبي طالب من الذوق الفني، أو الحسّ الجمالي، لممّا يندر وجوده.
و ذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده. أما طبعه هذا فهو طبع ذوي الموهبة و الاصالة الذين يرون فيشعرون و يدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم و تنكشف عنه مداركهم انطلاقا عفويا. لذلك تميّز أدب عليّ بالصدق كما تميّزت به حياته.
و ما الصدق إلا ميزة الفن الأولى و مقياس الأسلوب الذي لا يخادع.
و إن شروط البلاغة، التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعليّ بن أبي طالب. فإنشاؤه مثل أعلى لهذه البلاغة، بعد القرآن. فهو موجز على وضوح، قويّ جيّاش، تامّ الانسجام لما بين ألفاظه و معانيه و أغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن موسيقيّ الوقع. و هو يرفق و يلين في المواقف التي لا تستدعي الشدة.
و يشتدّ و يعنف في غيرها من المواقف، و لا سيما ساعة يكون القول في المنافقين و المراوغين و طلاّب الدنيا على حساب الفقراء و المستضعفين و أصحاب الحقوق المهدورة. فأسلوب عليّ صريح كقلبه و ذهنه، صادق كطويته، فلا عجب أن يكون نهجا للبلاغة.
و قد بلغ أسلوب عليّ من الصدق حدّا ترفّع به حتى السجع عن الصنعة و التكلّف.
فإذا هو على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجّعة، أبعد ما يكون عن الصنعة، و أقرب ما يكون من الطبع الزاخر.
فانظر الى هذا الكلام المسجّع و الى مقدار ما فيه من سلامة الطبع: «يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النينان في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات» أو إلى هذا القول من إحدى خطبه: «و كذلك السماء و الهواء، و الرياح و الماء، فانظر الى الشمس و القمر، و النبات و الشجر، و الماء و الحجر، و اختلاف هذا الليل و النهار، و تفجّر هذه البحار، و كثرة الجبال، و طول هذه القلال، و تفرّق هذه اللغات، و الألسن المختلفات الخ...» و أوصيك خيرا بهذا السجع الجاري مع الطبع: «ثم زيّنها بزينة الكواكب، و ضياء الثواقب(١) و أجرى فيها سراجا مستطيرا(٢) و قمرا
____________________
(١) الثواقب: المنيرة المشرقة.
(٢) سراجا مستطيرا: منتشر الضياء. و يريد به الشمس.
منيرا، في فلك دائر، و سقف سائر الخ». فإنك لو حاولت إبدال لفظ مسجوع في هذه البدائع جميعا، بآخر غير مسجوع، لعرفت كيف يخبو إشراقها، و يبهت جمالها، و يفقد الذوق فيها أصالته و دقّته و هما الدليل و المقياس. فالسجع في هذه الأقوال العلوية ضرورة فنية يقتضيها الطبع الذي يمتزج بالصناعة امتزاجا حتى لكأنهما من معدن واحد يبعث النثر شعرا له أوزان و أنغام ترفق المعنى بصور لفظية من جوّها و من طبيعتها.
و من سجع الإمام آيات تردّ النغم على النغم ردّا جميلا، و تذيب الوقع في الوقع على قرارات لا أوزن منها على السمع و لا أحبّ ترجيعا. و مثال ذلك ما ذكرناه من سجعاته منذ حين، ثم هذه الكلمات الشهيات على الأذن و الذوق جميعا: «أنا يوم جديد، و أنا عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا، و قل خيرا» و إذا قلنا إن أسلوب عليّ تتوفّر فيه صراحة المعنى و بلاغة الأداء و سلامة الذوق، فإنما نشير إلى القارىء بالرجوع الى «روائع نهج البلاغة» هذا ليرى كيف تتفجّر كلمات عليّ من ينابيع بعيدة القرار في مادّتها، و بأيّة حلّة فنيّة رائعة الجمال تمور و تجري.
و إليك هذه التعابير الحسان في قوله: «المرء مخبوء تحت لسانه» و في قوله: «الحلم عشيرة» أو في قوله: «من لان عوده كثفت أغصانه» أو في قوله: «كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتّسع» أو في قوله أيضا: «لو أحبّني جبل لتهافت». أو في هذه الأقوال الرائعة: «العلم يحرسك و أنت تحرس المال. ربّ مفتون بحسن القول فيه. إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ليكن أمر الناس عندك في الحق سواء. افعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا فإنّ صغيره كبير و قليله كثير.
هلك خزّان المال و هم أحياء. ما متّع غنيّ إلاّ بما جاع به فقير».
ثمّ استمع إلى هذا التعبير البالغ قمّة الجمال الفنّي و قد أراد به أن يصف تمكّنه من التصرف بمدينة الكوفة كيف شاء، قال: «ما هي إلاّ الكوفة أقبضها و أبسطها...» فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكير و التعبير، هذه الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورة مطلقة و لا تفوته إلاّ إذا فاتته الشخصية الأدبية ذاتها.
و يبلغ أسلوب عليّ قمّة الجمال في المواقف الخطابية، أي في المواقف التي تثور بها عاطفته الجيّاشة، و يتّقد خياله فتعتلج فيه صور حارّة من أحداث الحياة التي تمرّس بها. فإذا بالبلاغة تزخر في قلبه و تتدفّق على لسانه تدفّق البحار. و يتميّز أسلوبه، في مثل هذه المواقف، بالتكرار بغية التقرير و التأثير، و باستعمال المترادفات و باختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين. و قد تتعاقب فيه ضروب التعبير من إخبار الى استفهام الى تعجّب الى استنكار. و تكون مواطن الوقف فيه قويّة شافية للنفس. و في ذلك ما فيه من معنى البلاغة و روح الفن. و اليك مثلا على هذا خطبة الجهاد المشهورة، و قد خطب عليّ بها الناس لما أغار سفيان بن عوف الأسدي على مدينة الأنبار بالعراق و قتل عامله عليها: «هذا أخو غامد(١) قد بلغت خيله الأنبار و قتل حسّان بن حسّان البكري و أزال خيلكم عن مسالحها و قتل منكم رجالا صالحين.
«و قد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة، فينزع حجلها، و قلبها، و رعاثها، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق لهم دم، فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا.
«فيا عجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم. فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون» فانظر الى مقدرة الإمام في هذه الكلمات الموجزة. فإنه تدرّج في إثارة شعور سامعيه حتى وصل بهم الى ما يصبو اليه. و سلك الى ذلك طريقا تتوفّر فيه بلاغة الاداء و قوة التأثير.
فإنه أخبر قومه بغزو سفيان بن عوف الأنبار، و في ذلك ما فيه من عار يلحق بهم. ثم أخبرهم بأن هذا المعتدي إنما قتل عامل أمير المؤمنين في جملة ما قتل، و بأن هذا المعتدي لم يكتف بذلك بل أغمد سيفه في نحور كثيرة من رجالهم و أهليهم.
____________________
(١) اذا شئت شرحا للمفردات و التعابير الغريبة الواردة في هذه الخطبة، فارجع اليها في مكانها من هذا الكتاب.
و في الفقرة الثانية من الخطبة توجّه الإمام إلى مكان الحميّة من السامعين، الى مثار العزيمة و النخوة من نفس كل عربي، و هو شرف المرأة. و عليّ يعلم أن من العرب من لا يبذل نفسه إلاّ للحفاظ على سمعة امرأة و على شرف فتاة، فإذا هو يعنّف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح الغزاة حماها ثم انصرفوا آمنين، ما نالت رجلا منهم طعنة و لا أريق لهم دم.
ثم إنه أبدى ما في نفسه من دهش و حيرة من امر غريب: «فإنّ أعداءه يتمسكون بالباطل فيناصرونه، و يدينون بالشر فيغزون الأنبار في سبيله، فيما يقعد أنصاره حتى عن مناصرة الحق فيخذلونه و يفشلون عنه.
و من الطبيعي ان يغضب الإمام في مثل هذا الموقف، فإذا بعبارته تحمل كل ما في نفسه من هذا الغضب، فتأتي حارّة شديدة مسجّعة مقطّعة ناقمة: فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون. و يعصى اللّه و ترضون» و قد تثور عاطفته و تتقطّع فإذا بعضها يزحم بعضا على مثل هذه الكلمات المتقطّعة المتلاحقة: «ما ضعفت، و لا جبنت، و لا خنت، و لا وهنت» و قد تصطلي هذه العاطفة بألم ثائر يأتيه من قوم أراد لهم الخير و ما اردوه لأنفسهم لغفلة في مداركهم و وهن في عزائمهم، فيخطبهم بهذا القول الثائر الغاضب، قائلا: «ما لي أراكم أيقاظا نوّما، و شهودا غيّبا، و سامعة صمّاء، و ناطقة بكماء الخ» و الخطباء العرب كثيرون، و الخطابة من الأشكال الأدبية التي عرفوها في الجاهلية و الاسلام و لا سيّما في عصر النبي و الخلفاء الراشدين لما كان لهم بها من حاجة. أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبيّ لا خلاف في ذلك. أمّا في العهد الراشدي، و في ما تلاه من العصور العربية قاطبة، فإنّ أحدا لم يبلغ ما بلغ إليه عليّ بن أبي طالب في هذا النحو. فالنطق السهل لدى عليّ كان من عناصر شخصيته و كذلك البيان القويّ بما فيه من عناصر الطبع و الصناعة جميعا. ثم إنّ اللّه يسّر له العدّة الكاملة لما تقتضيه الخطابة من مقوّمات أخرى على ما مرّ بنا. فقد ميّزه اللّه بالفطرة السليمة، و الذوق الرفيع، و البلاغة الآسرة، ثم بذخيرة
من العلم انفرد بها عن أقرانه، و بحجّة قائمة، و قوّة إقناع دامغة، و عبقريّة في الارتجال نادرة. أضف إلى ذلك صدقه الذي لا حدود له و هو ضرورة في كلّ خطبة ناجحة، و تجاربه الكثيرة المرّة التي كشفت لعقله الجبّار عن طبائع الناس و أخلاقهم و صفات المجتمع و محرّكاته. ثم تلك العقيدة الصلبة التي تصعب مداراتها و ذلك الألم العميق الممزوج بالحنان العميق، و بطهارة القلب و سلامة الوجدان و شرف الغاية.
و إنّه من الصعب أن تجد في شخصيات التاريخ من اجتمعت لديه كلّ هذه الشروط التي تجعل من صاحبها خطيبا فذّا، غير عليّ بن أبي طالب و نفر من الخلق قليل، و ما عليك إلاّ استعراض هذه الشروط، ثم استعراض مشاهير الخطباء في العالمين الشرقي و الغربي، لكي تدرك أنّ قولنا هذا صحيح لا غلوّ فيه.
و ابن أبي طالب على المنبر رابط الجأش شديد الثقة بنفسه و بعدل القول. ثم إنه قويّ الفراسة سريع الإدراك يقف على دخائل الناس و أهواء النفوس و أعماق القلوب، زاخر جنانه بعواطف الحريّة و الانسانية و الفضيلة، حتّى إذا انطلق لسانه الساحر بما يجيش به قلبه أدرك القوم بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة و العواطف الخامدة.
أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوز وصفه إلاّ بأنه أساس في البلاغة العربية. يقول أبو الهلال العسكري صاحب «الصناعتين»: ليس الشأن في إيراد المعاني وحدها و إنّما هو في جودة اللفظ، أيضا، و صفائه و حسنه و بهائه و نزاهته و نقائه و كثرة طلاوته و مائه مع صحة السبك و التركيب و الخلوّ من أود النظم و التأليف.
من الألفاظ ما هو فخم كأنه يجرّ ذيول الأرجوان أنفة و تيها. و منها ما هو ذو قعقعة كالجنود الزاحفة في الصفيح. و منها ما هو كالسيف ذي الحدّين. و منها ما هو كالنقاب الصفيق يلقى على بعض العواطف ليستر من حدّتها و يخفّف من شدّتها. و منها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء من الكلام ما يفعل كالمقرعة، و منه ما يجري كالنبع الصافي.
كل ذلك ينطبق على خطب عليّ في مفرداتها و تعابيرها. هذا بالإضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعت بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين، فكيف بها إذا كانت،
كخطب ابن أبي طالب، تجمع روعة هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى و قوّته و جلاله و إليك شيئا مما قلناه في الجزء الثالث من كتابنا «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية» بصدد بيان الإمام، لا سيما ما كان منه في خطبه: نهج للبلاغة آخذ من الفكر و الخيال و العاطفة آيات تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الانسان و ما بقي له خيال و عاطفة و فكر، مترابط بآياته متساوق، متفجّر بالحسّ المشبوب و الإدراك البعيد، متدفّق بلوعة الواقع و حرارة الحقيقة و الشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع، متآلف يجمع بين جمال الموضوع و جمال الإخراج حتى ليندمج التعبير بالمدلول، أو الشكل بالمعنى، اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلاّ ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف. أو قبالة الحدث الطبيعي الذي لا بدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة لا تفرّق بين عناصرها إلاّ لتمحو وجودها و تجعلها إلى غير كون بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو انبسط في منطق لخاطب العقول و المشاعر فأقفل كلّ باب على كلّ حجّة غير ما ينبسط فيه و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سوقا، و وصلك بالكون وصلا، و وحّد فيك القوى للاكتشاف توحيدا. و هو لو راعاك لأدركت حنان الأب و منطق الأبوّة و صدق الوفاء الانساني و حرارة المحبّة التي تبدأ و لا تنتهي أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود و جمالات الخلق و كمالات الكون، فإنّما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء بيان هو بلاغة من البلاغة، و تنزيل من التنزيل. بيان اتّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه و ما يكون، حتى قال أحدهم في صاحبه ان كلامه دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق
و خطب علي جميعا تنضح بدلائل الشخصية حتى لكأنّ معانيها و تعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، و أحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النار في موقدها تحت نفخ الشمال. فإذا هو يرتجل الخطبة حسّا دافقا و شعورا زاخرا و إخراجا بالغا غاية الجمال.
و كذلك كانت كلمات عليّ بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق، و عمق الفكرة، و فنّية التعبير، حتى انها ما نطقت بها شفتاه ذهبت مثلا سائرا.
فمن روائعه المرتجلة قوله لرجل أفرط في مدحه بلسانه و أفرط في اتّهامه بنفسه: «أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك».
و من ذلك أنه لمّا اعتزم أن يقوم وحده لمهمّة جليلة تردّد فيها أنصاره و تخاذلوا، جاءه هؤلاء و قالوا له و هم يشيرون إلى أعدائه: يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم. فقال من فوره: «ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفوني غيركم؟ إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها، فإنني اليوم لأشكو حيف رعيّتي، كأنّي المقود و هم القادة».
و لمّا قتل أصحاب معاوية محمد بن أبي بكر فبلغه خبر مقتله قال: «إن حزننا عليه قدر سرورهم به، ألا إنّهم نقصوا بغيضا و نقصنا حبيبا».
و سئل: أيهما أفضل: العدل أم الجود؟ فقال: «العدل يضع الأمور مواضعها، و الجود يخرجها من جهتها، و العدل سائس عامّ، و الجود عارض خاصّ، فالعدل أشرفهما و أفضلهما».
و قال في صفة المؤمن، مرتجلا: «المؤمن بشره في وجهه، و حزنه في قلبه، أوسع شيء صدرا، و أذلّ شيء نفسا.
يكره الرفعة، و يشنأ السمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، سهل الخليقة، ليّن العريكة» و سأله جاهل متعنّت عن معضلة، فأجابه على الفور: «اسأل تفقّها و لا تسأل تعنّتا فإنّ الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، و إنّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت»
و الخلاصة أنّ عليّ بن أبي طالب أديب عظيم نشأ على التمرّس بالحياة و على المرانة بأساليب البلاغة فإذا هو مالك ما يقتضيه الفنّ من أصالة في شخصية الأديب، و من ثقافة خاصّة تنمو بها الشخصية و تتركز الأصالة.
أمّا اللغة، لغتنا العربية الحبيبة التي قال فيها مرشلوس في المجلد الأول من كتابه «رحلة الى الشرق» هذا القول الذكيّ: «اللغة العربية هي الأغنى و الأفصح و الأكثر و الألطف وقعا بنى سائر لغات الأرض. بتراكيب أفعالها تتبع طيران الفكر و تصوّره بدقّة، و بأنغام مقاطعها الصوتية تقلّد صراخ الحيوانات و رقرقة المياه الهاربة و عجيج الرياح و قصف الرعد»، أمّا هذه اللغة، بما ذكر مرشلوس من صفاتها و بما لم يذكر، فإنّك واجد أصولها و فروعها، و جمال ألوانها و سحر بيانها، في أدب الامام عليّ و كان أدبا في خدمة الإنسان و الحضارة
العدالة الكونيّة و ما يمثّله علىّ منها
تكافؤ الوجود
و أحسّ عليّ أنّ هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أن الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء و أدرك كذلك أن قوة الوجود الشاملة ترعى هشيم النبت بقانون ترعى به الورق الأخضر و الزرع الذي استوى على سوقه و اهتزّ للريح و أسقط ابن أبي طالب نظرية التجّار بقول تناوله من روح الوجود و كأنه يشارك به الكون في التعبير عمّا في ضميره نظرة واحدة يلقيها المرء على الكون الخارجي و أحواله: على النجوم الثابتة في سعة الوجود و الكواكب السابحة في آفاق الأبد، و على الشمس المشرقة و السحاب العارض و الريح ذات الزفيف، و على الجبال تشمخ و البحار تقصفها القواصف أو يسجو على صفحاتها الليل،
تكفيه لأن يثق بأنّ للكون قانونا و أنّ لأحواله ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.
و نظرة واحدة يلقيها المرء على ما يحيط به من الطبيعة القريبة و أحوالها: على الصيف إذ يشتدّ حرّه و تسكن ريحه، و الخريف إذ يكتئب غابه و تتناوح أهواؤه و تعبس فيه أقطار السماء، و الشتاء إذ ترعد أجواؤه و تضطرب بالبروق و تندفع أمطاره عبابا يزحم عبابا و تختلط غيومه حتى لتخفي عليك معالم الأرض و السماء، و الربيع يبسط لك الدنيا آفاقا نديّة و أنهارا غنيّة و خصبا و رواء و جنانا ذات ألوان، كافية لأن تجعله يثق بأنّ لهذه الطبيعة قانونا و أنّ لأحوالها ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.
و نظرة فاحصة واحدة يلقيها المرء على هذي و ذاك، كافية لتدلّه على أنّ هذه النواميس و القوانين صادقة ثابتة عادلة، يقوم منطقها الصارم بهذه الصفات، و فيها وحدها ما يبرّر وجود هذا الكون العظيم ألقى ابن أبي طالب تلك النظرة على الكون فوعى وعيا مباشرا ما في نواميسه من صدق و ثبات و عدل، فهزّه ما رأى و ما وعى، و جرى في دمه و مشى في كيانه و اصطخب فيه إحساسا و فكرا، فتحرّكت شفتاه تقولان: «ألا و إنه بالحق قامت السماوات و الأرض».
و لو حاولت أن تجمع الصدق و الثبات و العدل في كلمة واحدة، لما وجدت لفظة تحويها جميعا غير لفظة «الحق». ذلك لما يتّحد في مدلولها من جوهر الكلمات الثلاث و أدرك ابن أبي طالب في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين السماء و الأرض اللتين قامتا بالحقّ و استوتا بوجوده المتلازمة الثلاثة: الصدق و الثبوت و العدل، و بين الدولة التي لا بدّ لها أن تكون صورة مصغّرة عن هذا الكون القائم على أركان سليمة ثابتة، فإذا به يحيا في عقله و ضميره هذه المقايسة على صورة عفوية لا مجال فيها لواغل من الشعور أو لغريب من التفكير، ثم لا يلبث أن يقول: «و أعظم ما افترض من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية، و حقّ الرعيّة على الوالي فريضة فرضها اللّه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم، فليست تصلح الرعيّة إلاّ بصلاح الولاة، و لا يصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة. فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه،
و أدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، و اعتدلت معالم العدل و جرت على أذلالها السّنن(١) فصلح بذلك الزمان و طمع في بقاء الدولة. و إذا غلبت الرعيّة واليها، أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة و ظهرت معالم الجور و تركت محاجّ السّنن فعمل بالهوى و عطّلت الأحكام و كثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل(٢) و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار و تعظم تبعات اللّه عند العباد» و أوصيك خيرا بهذا الإحكام للروابط العامة الكبرى بين عناصر الدولة على لسان علي، ثم بين الأعمال الخيّرة المنتجة و بين ثبوت هذه العناصر على أسس من الحق، أو قل من الصدق و الثبوت و العدل: وجوه الحق الثلاثة التي تقوم بها السماوات و الأرض.
و أحسّ عليّ أن هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أنّ الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنّها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء.
و أحسّ أن الشمس إذا ألقت على الأرض نورها بدت معالم الأرض للعيون و الأذهان، و إذا خلّتها خلّت عليها من الظلمة ستارا. و أنّ النبتة تنمو و تزهو و تورق و قد تثمر، و هي شيء يختلف في شكله و غايته عن أشعّة النهار و جسم الهواء و قطرة الماء و تراب الأرض، و لكنها لا تنمو و لا تورق إلاّ بهذه الأشعّة و هذا الجسم و هذه القطرة و هذا التراب.
و أحسّ أنّ الماء الذي «تلاطم تيّاره و تراكم زخّاره» كما يقول، إنّما «حمل على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة». و أنّ الريح التي «أعصف اللّه مجراها و أبعد منشأها» مأمورة على بعد هذا المنشأ «بتصفيق الماء الزخّار و إثارة موج البحار، تعصف به
____________________
(١) أذلال، جمع ذل بكسر الذال و ذل الطريق: محجّته، و هي جادته، أي وسطه. و جرت السنن أذلالها، أو على أذلالها: جرت على وجوهها.
(٢) أي، اذا عطل الحق لا تأخذ النفوس وحشة أو استغراب لتعوّدها تعطيل الحقوق و أفعال الباطل، و لاستهانتها بما تفعل.
عصفها بالفضاء و تردّ أوّله إلى آخره، و ساجيه إلى مائره(١) حتى يعبّ عبابه». و من زينة الأرض و بهجة القلوب هذه النجوم و هذي الكواكب، و ضياء الثواقب(٢) و السراج المستطير(٣) و القمر المنير أحسّ ابن أبي طالب من وراء ذلك جميعا أنّ هذا الكون القائم بالحقّ، إنّما ترتبط عناصره بعضها ببعض ارتباط تعاون و تساند، و أنّ لقواه حقوقا افترضت لبعضها على بعض، و أنّها متكافئة في كلّ وجوهها متلازمة بحكم وجودها و استمرارها.
فأدرك في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين هذه العناصر المتعاونة المتكافئة، و بين البشر الذين لا بدّ لهم أن يكوّنوا متعاونين متكافئين بحكم وجودهم و استمرارهم، فهم من أشياء هذا الكون يجري عليهم ما يجري على عناصره جميعا من عبقريّة التكافل الذي يراه عليّ فرضا عليهم لا يحيون إلاّ به و لا يبقون. فإذا به يلفّ عالم الطبيعة الجامدة و عالم الإنسان بومضة عقل واحدة، و انتفاضة إحساس واحدة، ليستشفّ عدالة الكون القائم على وحدة من الصدق و الثبات و العدل، مطلقا هذا الدستور الذي يشارك به الكون في التعبير عن ضميره، قائلا: «ثم جعل من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض» و من هذا المعين أيضا قول له عظيم يقرّر به أنّ دوام نعمة من النعم مرهون بما فرض على صاحبها من واجب طبيعيّ نحو إخوانه البشر، و أن عدم القيام بهذا الواجب كاف وحده لأن يزيلها و يفنيها: «من كثرت النّعم عليه كثرت الحوائج إليه. فمن قام فيها بما يجب عرّضها للدوام و البقاء، و من لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال و الفناء».
____________________
(١) الساجي: الساكن. و المائر: الذي يذهب و يجيء، أو المتحرك مطلقا. و عبّ عبابه: ارتفع علاه.
(٢) الثواقب: المنيرة المشرقة.
(٣) المستطير: المنتشر الضياء. و الشراج المستطير: الشمس.
ففي هذين القولين من التعبير عن عدالة الكون، و الناس من موجوداته، ما لا يحتاج إلى كثير من الايضاح. فحقوق العباد على لسان عليّ يكافىء بعضها بعضا. فهي أشبه ما تكون بحقّ الماء على الريح، و النبتة على الماء، و الماء على الشمس، و الشمس على قانون الوجود. و هذه السنّة التي تفرض على الإنسان ألاّ يستحقّ شيئا من الحقوق إلاّ بأدائه حقوقا عليه، ليست إلاّ سنّة الكون العادلة القائمة بهذا العدل.
و لينظر القارىء في هذا الأمر نظرا سديدا ثم ليقل رأيّه في ما رأى. فإنّه إن فعل أدرك لا شكّ أنّ هذه القاعدة التي بلغ ابن أبي طالب بها الى جذور العدالة الكونية، ثابتة لا تغيّر نفسها و لا شذوذ ينقضها.
فعناصر هذا الكون لا تأخذ إلا قدر ما تعطي، و لا يكسب بعضها إلاّ ما يخسره بعضها الآخر. فإذا أخذت الأرض من الشمس نورا و دفءا، أعطت الوجود من عمرها قدر ما أخذت. و كذلك إذا أخذت من الليل ظلاّ يغمرها. و إذا تناولت الزهرة من عناصر الكون الكثيرة ما يحييها و ينميها و يعطيها عبيرا شهيّا، فلسوف يأخذ النور و الهواء من لونها و عطرها بمقدار ما أعطياها، حتى إذا تكامل انعقادها و بلغت قمة حياتها، تعاظم مقدار ما تدفعه من عمرها، فإذا بالحياة و الموت يتنازعانها حتى تسلم إليه أوراقها و جذعها.
أما الأرض فتبتلع منها كل ما كانت قد منحتها إياه.
و البحر لا يستعيد الى جوفه إلاّ ما أعطى السماء من غيوم و البرّ من أمطار.
و كذلك الانسان في حياته الخاصة. فهو لا يحظى بلذة إلاّ بفراق أخرى يدفعها، قاصدا أو غير قاصد، عوضا عمّا أخذ. و هو لا يولد إلا و قد تقرّر أنه سيموت. يقول عليّ: «و مالك الموت هو مالك الحياة» و عن هذا التوازن الحكيم في قانون الكون برحابه و أفلاكه، و أرضه و سمائه، و جامداته و أحيائه، يعبّر ابن أبي طالب بهذه الكلمة التي تجمع سداد الفكر الى عنف الملاحظة إلى عبقرية البساطة: «و لا تنال نعمة إلاّ بفراق أخرى» و لينظر الناظرون في هذا القول فإنّهم إن فعلوا وثقوا بأنّه الواقع الذي يرتسم كلمات هي أشبه بالقاعدة الرياضية التي لا يمكن الخروج عليها.
أمّا في الحياة العامّة، فليس بين شؤون الانسان شأن واحد يشذّ عن هذه القاعدة التي انتزعها عليّ بن أبي طالب من مادّة الكون العظيم. فحقّك على مجتمعك هو أن يقيّم هذا المجتمع ما تعطيه، كميّة و نوعا، ثم أن تأخذ منه بمقدار ما أعطيت. أمّا إذا حصلت من المكافأة على أقلّ ممّا أعطيت، فإنّ نصيبك عند ذاك ذاهب إلى سواك، و إن سواك يتمتّع بخير أنت صاحبه و لا شكّ، و إنك في النتيجة مغصوب مظلوم. و أمّا إذا أخذت من المكافأة فوق ما أعطيت، فإنّ نصيب غيرك منها ذاهب إليك، و إن سواك من الخلق يجوع بما أكلت، و إنك بذلك غاصب ظالم. و وجود المظلوم و الظالم في المجتمع مفسدة له و منقصة في موازين العدالة الاجتماعية التي لا تستقيم إلاّ إذا دخلت في نطاق مريح من العدالة الكونية.
و البطل لا يمكن أن يكون قاعدة بل الحقّ هو القاعدة. و «الحقّ لا يبطله شيء» في قانون الكون و هو كذلك في مذهب ابن أبي طالب.
و النظر في الساطع العظيم من مظاهر العدالة الكونية، لم يكن ليلهي عليّا عن النظر في ما خفي منها و دقّ. و شأنه في ذلك شأن عباقرة الشعراء الذين تولّف دقائق الأشياء لديهم، في المادّة و المعنى، ما تولّفه عظائمها فهم لا يفرقون فيها بين كبير و صغير، فهي بالمنشأ واحدة و هي كذلك بالدلالة.
و ليس للذي يبهر الأنظار حساب في عقولهم و قلوبهم يعلو على حساب ما ينزوي في المخابىء و بين الظلال. و ربّ نظرة تجري من الأحاسيس في كيان هؤلاء ما لا تجريه ينابيع الكلام و ربّ إشارة يدركون فيها من التصريح ما لا يرونه بألف إعلان و ربّ زهرة في كنف صخرة ينعمون لديها من الشعور بعظمة الوجود بما لا ينعمون به لدى الدوحة العاتية. بل ربّ صغير في نظرهم أجلّ من كبير، و قليل أكثر من كثير و أرى من الموافق أن أذكر في هذا المجال نتفة من حديث طويل سقته بصدد الكلام على موقف صاحب الإحساس العظيم و الفكر المحيط من الكون الذي يستوي خفيّه و ظاهره في الدلالة على ما فيه من جليل، قلت: «و كأنّي بهذه الطبيعة تمثّل للشاعر جمال الحريّة التي يشتهي، إذ ترسل الريح حين تشاء و كيف تشاء لا يهمّها أسخط الناس عليها أم رضوا قانعين و تفجّر الينابيع من
الصخر، حين تروم، و من رخيّ التراب، و تجريها هادئة في السهل أو تقذف بها من أعالي الجبال. و تبرز من صدرها أشجارا و صخورا و قمما و وديانا على طريقتها التي تريد، لا يعنيها أن تنبت الزنابق إلى جانب الشوك أو تعلق إبر السمّ وردا أخضر العود طيّب الريح. و لا تتقيّد بمعرفة تقوم بتحقير الهشيم اليابس و تعظيم الأخضر الفينان، و بالسخرية من صغار الهوامّ تطلّ من ثقوب الصخور، تمجيدا لشراسة القويّ من الوحش يفترس الضعيف(١) ».
بهذه النظرة و بهذا الشعور واجه ابن أبي طالب مظاهر الوجود الواحد في الطبيعتين الصامتة و الحيّة، و أحسّ إحساسا بديهيّا و عميقا معا بأنّ قوّة الوجود الشاملة ترعى هشيم النبت بقانون ترعى به الورق الأخضر و الزرع الذي استوى على سوقه و اهتزّ للريح.
و أنّها تعنى بالفسيل(٢) الضئيل من شجر الأرض كما تعنى بالعتيّ من الدوح العظيم.
أمّا البهم و الحشرات و الغوغاء(٣) و صغار الطير، فإنّ الطبيعة لم تبذل في رعايتها نصيبا أقلّ مما تبذله في رعاية الهائل من الوحش و نسر الفضاء. فلكلّ من المخلوقات مكانه في سعة الوجود و لكلّ حقّه بهذا الوجود. لذلك لم يمنع الطود الشامخ عن ابن أبي طالب رؤية الحصاة و ذرّة التراب. و لم يفته و هو ينظر الى الطاووس أن يلتفت الى النملة المتواضعة الدابّة في خفايا الأرض بين حطامها و حصاها، فإذا هي في الوجود خلق جليل و شيء كثير.
و ما كان عليّ ليرى في الطاووس و النملة اللذين يبسطهما النهار، شيئا يزيد في معنى الوجود و في قيمته عمّا كان يراه في الخفافيش(٤) التي جعل لها الليل نهارا و قبضها الضياء الباسط لكلّ شيء. و إنما كان يريد من غوامض الحكمة فيها ما يراه في عظائم المخلوقات.
و يكفي هذا المخلوق، في نهج عليّ، أن يكون ذا رمق أي أن يكون حيّا لتكفل له قوّة الوجود الشاملة كفلا أساسيّا ما يقيه خطر الموت قبل حينه. فإنّ العدالة الكونية ما أقامت حيّا من الأحياء إلاّ و عدلت وجوده بما يمسك عليه مدّة بقائه. و هذا ما يعنيه عبقريّ
____________________
(١) باختصار عن كتاب «فاغنر و المرأة» للمؤلف صفحة ١٦٣ ١٦٤.
(٢) الفسيل: صغار الشجر.
(٣) البهم: صغار أولاد الضأن و المعز. الغوغاء: صغار الجراد.
(٤) راجع، في هذا الكتاب، روائع علي في وصف الطاووس و الخفاش.
الملاحظة الدقيقة الضابطة عليّ بن أبي طالب بقوله: «و لكلّ ذي رمق قوت، و لكل حبة آكل».
أمّا إذا حيل بين ذي الرمق و قوته، و الحبّة و آكلها، فإنّ في هذا المنع اعتداء على موازين العدالة الكونية و افتراء على قيمة الحياة و معنى الوجود. يقول عليّ: «و اللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها لبّ شعيرة، ما فعلت» أما الاعتداء على موازين العدالة الكونية، فإن العقاب عليه قائم بطبيعة هذه العدالة العامّة نفسها التي تقاضي الفاعل مقاضاة لا لين فيها و لا قسوة، و إنما عدل و مجازاة.
و من ثمّ كانت النظرة العلوية الجليلة إلى معنى الحياة الواحدة بكثيرها و قليلها، بكبيرها و صغيرها. فالعدالة الكونية التي وازنت بين الأحياء و رعتهم في مختلف حالاتهم و أقامت بينهم أعمالا مشتركة و حقوقا متبادلة و واجبات متعادلة، لم تفرّق بين مظهر من مظاهر الحياة و آخر، و لم تأمر بأن يعتد قويّ على ضعيف لما خصّ به القويّ من أداة العتوّ، و لم تأذن للكثير بأن يغبن القليل حقّه بما خصّ به من صفات الكثرة. و هي من ثمّ لا تغتفر ظلم القليل بحجّة مصلحة الكثير. فالذي يغبن كائنا حيّا في نهج ابن أبي طالب فكأنّما غبن الكائنات الحيّة جميعا. و من قتل نفسا بغير حقّ فكأنّما قتل النفوس جملة. و من آذى ذا رمق فكأنّما آذى كلّ ذي رمق على وجه الأرض. فالحياة هي الحياة في نهجه و احترامها هو الأصل و عليه تنمو الفروع.
ففي نظريات عدد كبير من المفكرين و المتشرعين، و في «آراء» معظم هؤلاء الذين يسمون أنفسهم رجال سياسة، يجوز الاعتداء على العدد القليل من الناس في سبيل العدد الكثير.
و في حساب هؤلاء، لا يقاس الخير إلاّ بسلامة العدد الكثير، ثم في بلوغه ما يصبو إليه من حال. فإذا قتل بحادث اعتداء ألف من الخلق، فالأمر فظيع. و إذا قتل ألفان فالأمر أفظع. و هكذا دواليك. أمّا إذا قتل إنسان واحد، بمثل هذا الحادث، فالقضيّة هيّنة و الأمر بسيط. فإنّ دفاتر تجّار الأرواح عند ذاك لا يسقط منها الكثير. أمّا جداول الضرب و عمليّات الجمع و القسمة، فن الميسور تعديلها بعمليّة حساب بسيطة.
أمّا ابن أبي طالب فيسحق نظريات هؤلاء التجّار، بقول يتناوله مباشرة من روح الوجود الذي لا قيمة لديه للأرقام في معنى الحياة، بل للحياة نفسها:
«فو اللّه لو لم يصيبوا من الناس إلاّ رجلا واحدا معتمدين(١) لقتله، بلا جرم جرّه، لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه».
و الواضح هنا أنّ الموضوع ليس «قتل الجيش كلّه» بل تمكين فكرة احترام الحياة في أذهان أصحاب السلطة، و لفت أنظارهم إلى أنّ قتل نفس واحدة، قصدا و اعتمادا، إنما يساوي قتل الخلق جميعا.
و لو أنّنا قسنا نظرة عليّ بن أبي طالب في هذا المجال بنظرات كثير من المفكرين الذين رأوا أنّ موازين العدالة لا تتحرك إلاّ بالقوّة و الكثرة، لبدا لنا كيف ينحدرون حيث يسمو، و كيف يتزمّتون و يغلظون حيث يرحب أفقه و تعلو على يديه قيم الحياة. ففيما يطبّل بعض هؤلاء و يزمّرون لما «اكتشفوه» من آراء و نظريات تبيح للقويّ أن يعتزّ بقوّته و حسب، و للكثير أن تتّسع آماله بهذه الكثرة وحدها و في كلّ ذلك اعتداء على قانون الحياة العادل، و على إرادة الانسان القادرة المطوّرة الخيّرة نرى ابن أبي طالب يكشف عمّا هو أسمى بمقياس الحياة نفسها لأنه حقيقة، و بمقياس الارادة الانسانية لأنه خير، فيقول ببساطة العظيم: «و ربّ يسير أغنى من كثير» ثم يوضح بقول أجلّ و أجمل: «و ليس امرؤ، و إن عظمت في الحقّ منزلته، بفوق أن يعان على ما حمّله اللّه من حقّه(٢) و لا امرؤ، و إن صغّرته النفوس و اقتحمته العيون(٣) بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه» و في هذين القولين ينقل ابن أبي طالب للناس مظهرا من مظاهر العدالة الكونية البادية حيث أمعنت النظر، و يقرّر حقيقة طالما خفيت عن العقول التي تحصر نفسها في أضيق نطاق.
يقرّر عليّ أنّ المظاهر البرّاقة الفضفاضة ليست في حكم الواقع الوجوديّ إلاّ غثّا من الوجود تافها لا قيمة له و لا شأن، و قد يبهر بها العاديّون من الخلق و أهل الحماقات و الأغبياء
____________________
(١) معتمدين: قاصدين.
(٢) بفوق أن يعان: أي بأعلى من ان يحتاج الى الإعانة.
(٣) اقتحمته العيون: حقرته. بدون أن يعين: بأعجز من أن يساعد غيره.
و المصفّقون لكلّ لمّاع تافه فارغ، و لكنّ هذا الانهيار لا يلبث. أن يتلاشى فجأة حين تطلّ شمس الحقيقة، و حين يكنس نورها العظيم ما خاله العاديّون نورا و هو غشّ للعيون، و حين تعصف رياح الوجود العادل بعصافة التبن الخفيف. و من التاريخ و الحاضر دلائل لا تحصى على هذا الاضطراب في المقاييس لدى الأفراد و الجماعات، و هو اضطراب يستلزم نتائج تؤذي الحضارة و الحياة و الانسان لما فيها من انحراف عن موازين العدالة الكونية.
فلو كنت تعيش في فترة من العصور الوسطى بأوروبا، مثلا، لشاهدت في بعض أيامك مواكب من الناس تتلوها مواكب بإحدى الساحات العامّة من هذه المدينة أو تلك، و ذلك قصد التهليل و التصفيق لمخلوق من الناس مزركش الألبسة عاصب الرأس بالزمرّد و الزبرجد و الحجارة الكريمة المنظومة. و لشاهدت رجلا يسير على الرصيف وحيدا، عصبيّ الخطوة عنيف النظرة، لا يعنيه أمر المهلّلين و لا يعنيهم أمره. فهم يهتفون بحياة «عظيم» و هو إذ ذاك «ليس بعظيم». ثم أشرقت الشمس بعد زمن فطغت على الظلمة و أبرزت الأشياء في مواضعها الحقيقية. فما ذا ترى عند ذاك؟ ترى أنّ هؤلاء الناس المهلّلين المصفّقين و هم بهذا المقام بمنزلة اللاشيء إنّما كانوا يهتفون لمخلوق تافه يدعى لويس الرابع عشر مثلا، أو لنذل من الأنذال يدعى شارل الخامس، أو لصغير كلّ الصغارة يدعى شارل الأول، أو لغيرهم ممّن يحملون أسماء تليها أرقام... دلالة على الصغارة. ثم ما ذا يتّضح لك بعد ذاك؟ يتّضح أنّ رجل الرصيف الذي لم يهلّل له القوم و لم يهتفوا بحياته، إنّما هو عظيم حقّ يدعى موليير، أو ملتون، أو غاليليو. و تجري الأيام، فإذا بأصحاب الأسماء التي تليها الأرقام، ليسوا إلاّ التفاهة كلّها. و إذا بالمشاة على الرصيف و لا أرقام لأسمائهم، و لا مهلّلين لهم، ليسوا إلاّ العظمة كلّها. و يطوي النسيان التافهين، و يطوي معهم أولئك «اللاشيء» من المصفّقين الهاتفين. و يبرز هؤلاء على هامة الوجود، و تنزلهم الإنسانية من نفسها منازل الشموس من الظلمات. و يبرز معهم نفر قليل من الخلق هم الذين فهموهم، و قدروهم قدرهم العظيم، و تدفّأوا بحرارتهم كما تتدفأ الأرض بنور الظهيرة، و أدركوا ما أدركه عليّ بن أبي طالب إذ قال: «ربّ يسير أنمى من كثير» إنها العدالة الكونية التي تزن كلّ حيّ بميزانها العظيم، و تضعه موضعه، لا غشّ في ذلك و لا خداع، و لا مجاملة العدالة الكونية التي لا تهون لديها قيمة و لا تعلو تفاهة
و إن ابن أبي طالب لم يسمّ هذا «اليسير» يسيرا إلاّ لأنه هكذا كان في أنظار الناس بزمانه و في آرائهم. و لم يسمّ هذا «الكثير» كثيرا إلاّ للعلّة ذاتها. و هو يعلم أنهم مخطئون، و أن ما يرونه يسيرا قد لا يكون كذلك. و أن ما يرونه كثيرا قد يخف في ميزان الحق. أما هو، فقد كان يستشعر قيمة الحياة في قوة و جلاء، و يستشعر إمكاناتها العظيمة بجميع الأحياء، و يستشعر أن للكون إرادة عادلة في تقييم الحياة حيث كانت، و في احترام الأحياء حيث هم، فيطلق العبارات الحكيمة التي أشرنا اليها. و يطلق الكثيرات غيرها. حتى إذا غالى المغالون و أنكروا أن لليسير مثل هذه القيمة و هذه الإمكانات على النموّ، توجّه اليهم يقول: «و إن أكثر الحق في ما تنكرون» ثم إن حقيقة أخرى يقررها عليّ بكلمته هذه: «... و ليس امرؤ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون، بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه»، هي أن كل إنسان يمكنه أن ينفع مجتمعه و ينتفع به، أيّة كانت موهبته، و بالغة إمكاناته ما بلغت من الضآلة.
و في هذه النظرة الى الانسان الضئيل الحظ من المواهب، توضيح لما في خاطر عليّ من الايمان العميق بالعدالة الكونية التي تجعل من قطرات الماء بحرا خضمّا و من ذريرات الرمال صحارى و فلوات، كما تجعل كلّ قليل داخلا في الكثير، و كلّ صغير مستندا للكبير.
و فيها توضيح لطبيعة الحياة الخيّرة تحنو على أبنائها و تجعل كلا منهم في إطار من خيرها فلا تغبنه و لا تقسو عليه.
و فيها الدليل على هذا الحنان العميق الذي كان عليّ يغمر به الأحياء فلا يرى فيهم إلاّ بشرا جديرين بأن يحيوا الحياة كلّها، و يفيدوا من خيرها، و يعاونوا و يعانوا.
و إنّك واجد صورة لهذه النظرة العلوية الواثقة بعدالة الكون و خير الحياة، المؤمنة بإمكانات الانسان أيّا كان على أن يكون شيئا كريما، في أدب جان جاك روسّو الذي يدور حول محور من الثقة بعدالة الطبيعة و خير الحياة.
و كأني بابن أبي طالب قد خصّ هؤلاء الذين «تصغرهم النفوس و تقتحمهم العيون» بالسهم الأوفر من اهتمامه ساعة خاطب الناس قائلا: «إنّ اللّه لم يخلقكم عبثا» أو ساعة
أبدع في وصف ثقته بالطبيعة البشرية الخيّرة مواجها الخلق بهذا الرأي الكريم: «و خلاكم ذمّ ما لم تشردوا». أي أنكم، جميعا، خيّرون و نافعون أصلا و فرعا، ما لم تميلوا عن الحقّ عامدين.
و تأكيدا لثبوت هذا الجانب من العدالة الكونية في مذهب ابن أبي طالب، و أعني به التسوية التامّة في كلّ حقّ و واجب بين من قلّ و من كثر، و من صغر و من كبر، يشير إلى أنّ مركز هذه العدالة إنّما يتساوى لديه الجميع لا فرق فيهم بين إنسان و إنسان.
فصفتهم الانسانية واحدة، و قضيّتهم بميزان الوجود واحدة كذلك، و هم لا يتمايزون إلاّ بما يعملون و ما ينفعون. أمّا من عمل و نفع فإنّ قانون الوجود نفسه يثيبه. و أمّا من تبطّل و بطر و اغتصب، فإنّ هذا القانون نفسه يعاقبه بما يستحقّه. يقول عليّ: «و لا يلويه شخص عن شخص، و لا يلهيه صوت عن صوت، و لا يشغله غضب عن رحمة، و لا تولهه رحمة من عقاب».
و بهذا الصدد نعود بشيء من التفصيل على ما ذكرناه من أنّ عليّ ابن أبي طالب كشف النقاب عن العبقريّة الوجودية التي تجعل من طبيعة الأشياء ذاتها حاكما أعلى يعطي و يمنع و يعاقب و يثيب، فإذا الكائنات تحمل، بطبيعة تكوّنها، القدرة على أن تقاضي نفسها بنفسها امتثالا لإرادة الكون العادلة.
يرى عليّ بن أبي طالب أنّ الوجود متكافىء ما نقص منه شيء هنا إلاّ و زاد فيه شيء هناك. و كلا النقص و الزيادة متساويان لا زيادة إلاّ بمقدار النقص و لا نقص إلا بقدر الزيادة. و جدير بالقول أنّ النظريّة القائلة بهذا التكافؤ في أشياء الوجود، إنّما هي إحدى النتائج الكبرى التي بلغ إليها نشاط الفكر البشري في زحفه العظيم إلى اكتشاف أسرار الكون، كما أنّها نقطة انطلاق في هذا المجال.
و جدير بالقول أيضا أنّ عددا من المفكرين الأوائل لم يتمكّنوا من الالتفات إلى هذه الحقيقة، و أنّ عددا أنكروها، و أنّ هنالك فريقا من هؤلاء المفكّرين رأوها و أدركوا كثيرا من تفاصيلها و آمنوا بها و دعوا إليها. و أبناء هذا الفريق يتفاوتون هم أيضا في قوّة الملاحظة
و قوّة التمثيل ثمّ في قوّة البيان عمّا شاهدوه و وثقوا به. فمنهم من لحظ هذا التكافؤ في بعض مظاهر الكائنات فأعلن عن ذلك إعلانا فيه بعض البيان عن الحقيقة. و منهم من رآه في مظاهر الكون الصامت جميعا و لكنه لم يستشعر له نتائج محسوسة في مجرى الوجود و لم يجد له خطّا موازيا في مظاهر الكون الحيّ. و منهم من لحظه في الطبيعة الصامتة و استشعر له نتائج محسوسة في مجرى الوجود و رأى له خطّا موازيا في الكائنات الحيّة و أعلن عنه بأجلى بيان و أوثق كلام. من هذا الفريق عليّ بن أبي طالب. بل قل إنه في طليعة هذا الفريق من المفكرين الأوائل لأنه كاد يثبت هذه النظرية على نهج سليم قويم لا يتعارض و لا يتناقض و لا مهرب لبعضه من بعض. بل قل إنّه فعل ذلك و أبدع.
و لعلّ موقف ابن أبي طالب ممّا لحظه و رآه من مظاهر التكافؤ في الوجود أجلّ من مواقف زملائه المفكّرين من الناحية العملية. و ذلك بما ألحّ عليه من تأكيد لهذه الحقيقة، توصّلا إلى ما يترتّب عليها من نتائج في حياة الناس أفرادا و جماعة. و هذا الواقع ينسجم كلّ الانسجام مع محور الفلسفة العلوية الذي هو: الانسان.
قلنا إنّ عليّا يرى الوجود متكافئا ما نقص منه شيء هنا إلا و زاد فيه شيء هناك، و أن هذا النقص و هذه الزيادة يتساويان لا زيادة إلاّ بمقدار النقص و لا نقص إلا بقدر الزيادة.
فيقول أوّل ما يقول: منبّها الانسان إلى هذه الحقيقة عن طريق ألصق الأشياء به، أي عن طريق وجوده ذاته: «و لا يستقبل يوما من عمره إلاّ بفراق آخر من أجله» و هل من خاطرة في ذهن إنسان يمكنها أن تدحض هذه الحقيقة التي تعرض تعادليّة الوجود بأبسط ما يراه المرء من حال الوجود؟ ثم هل من قاعدة رياضية من قواعد الهندسة و الجبر ألصق بالحقائق الثابتة، و أدلّ على الواقع المطلق، و أوجز في تبيان الثابت و المطلق، من هذه الآية التي يصوّر بها ابن أبي طالب تعادليّة الوجود من خلال الكائن الحيّ، و من أيامه؟
و إذا قال لي قائل إنّ هذه الفكرة معلومة يعرفها الناس كلّ الناس، فعن أيّة حقيقة جديدة يكشف ابن أبي طالب في زعمك إذن؟ قلت: إنّ الكشف عن الحقائق الخافية لا يستلزم السكوت عن الحقائق الظاهرة إذا كانت هذه أصلا لتلك، أو تلك أصلا لهذه،
أو إذا كان المنهج العامّ يستلزم ضبط التفاصيل سواء ما خفي منها و ما ظهر. فإنّ علي بن أبي طالب الذي تتماسك آراؤه في كلّ مذهب، ثمّ تتماسك مذاهبه جميعا في وحدة فكريّة رائعة، لم يقل هذا القول «المعلوم الذي يعرفه الناس كلّ الناس»، و لم يقل بمعناه قولا أروع و هو: «نفس المرء خطاه إلى أجله»، إلاّ ليعود و يبني على ما قاله بناء مفصّلا في إثبات نظرية تكافؤ الوجود.
فالذي قال «لا يستقبل يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله» «و نفس المرء خطاه إلى أجله»، إنما قال ذلك ليعود الى الكشف عن حقيقة أبعد عن أذهان الناس و أخفى عن ملاحظتهم، و لكنها تجري من القولين السابقين: «و لا ينال الانسان نعمة إلا بفراق أخرى» و أراك استوضحت ما في هذا القول من قوة الملاحظة، و القدرة على الكشف، و صراحة الفكر، و جلاء البيان. و ضبطا لمضمون هذه العبارة في صور و أشكال تختلف مظهرا و تتحد معنى و جوهرا، يقول عليّ: «كم من أكلة منعت أكلات» و «من ضيّعه الأقرب أتيح له الأبعد» و «ربّ بعيد هو أقرب من قريب» و «المودة قرابة مستفادة» و «من حمّل نفسه ما لا يطيق عجز» و «لن يضيع أجر من أحسن عملا» و «ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك». فإن في هذه العبارات، و في عشرات غيرها، إيجازا واضحا لتفاصيل نظرية التكافؤ الوجودي كما يراه عليّ بن أبي طالب. فهي على اختلاف موضوعاتها القريبة، تدور في مداها و مأخذها القصيّ على محور واحد من تعادليّة الكون، فلا نقص هنا إلا و تعدله زيادة هناك. و العكس بالعكس.
أدرك ابن أبي طالب هذه الحقيقة الوجودية في قوة و عمق. و عاشها، و أعلن عنها في كلّ فصل من حياته أو قول من قوله، سواء أ كان ذلك بالأسلوب المباشر أو غير المباشر.
و هو لا يدرك هذا الوجه من وجوه العدالة الكونيّة إلاّ ليدرك وجها آخر يعكسه على شكل خاصّ، أو قل ينبثق عنه انبثاقا، و هو ما نحن بصدده من الكلام على أنّ الطبيعة تحمل بذاتها المقياس فتعاقب أو تثيب، و ليس بين مظاهر العدالة الكونية ما هو أبرز من هذا المظهر في الدلالة عليها.
رأى عليّ أنّ شيئا واحدا من أشياء هذا الكون لم يوجد عبثا، بل إنّ لوجوده غاية
و هدفا. و رأى أنّ لكلّ من الكائنات وظيفة يقوم بها، و أنّ على كلّ جارحة من جوارح الانسان فريضة يحتجّ بها الكون العادل عليه، و يسأله عنها، و يحاسبه عليها. و بناء على هذا الواقع، تكون أشياء الوجود متساوية بحكم وجودها. أمّا الصغيرة و الكبيرة فشبيهتان بهذا المقياس. يقول عليّ: «و يحاسبك على الصغيرة قبل الكبيرة». و إنّما قال ذلك لأن الأكثرية من الناس لا يأبهون ل «الصغيرة»، فإذا به يلفت أنظارهم إلى هذه الصغيرة بتقديمها على الكبيرة في ما تستلزم من عقاب أو ثواب، لكي يطمئنّ إلى حدوث عمليّة التسوية بينهما في الأذهان و القلوب.
أمّا إذا احتجّ الكون على الانسان بما فرضه على جوارحه، و سأله عنه، و حاسبه على الصغيرة و الكبيرة، و جازاه بما عمل خيرا كان أو شرّا، فليس من الضروريّ في ملاحظة عليّ و في نهجه أن تتمّ عمليّة الاحتجاج و المحاسبة و المجازاة هذه خارج نطاق الانسان نفسه. و إنّ هذه العمليّة المركّبة، الواحدة على ما فيها من تركيب، لتتمّ أبدا كما يلحظ عليّ في حدود الكائن أيّا كان. و هكذا تتمّ في ما يتعلّق بالانسان و هو أحد الكائنات. يقول عليّ: «إنّ عليكم رصدا من أنفسكم و عيونا من جوارحكم». و الرصد الرقيب. و هذا الرقيب لا يألو جهدا في أن يرى و يسجّل و يعاقب أو يثيب.
و في لحظات فذّة من تألّق العقل المكتشف و الفكر النافذ، تبدو لعيني ابن أبي طالب ألوان ساطعة من هذا الوجه من وجوه العدالة الكونية، لا يسعك إزاءها إلاّ أن تعجب بهذا العقل و هذا الفكر. أ فلا ينطق ابن أبي طالب بلسان علماء العصر الحديث كما ينطق بلسان هذه العدالة نفسها ساعة يقرّر هذه الحقيقة: «من أساء خلقه عذّب نفسه» ثمّ، ألا ينطق بهذين اللسانين معا إذ يقول: «يكاد المريب يقول: «خذوني» و إذ يقول أيضا: «فأكرم نفسك عن كلّ دنيّة و إن ساقك رغب فإنّك تعتاض بما ابتذلت من نفسك» و مثل هذه الآيات كثير كثير. و منها هذه الروائع: «موت الانسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل» و «لا مروءة لكذوب و لا راحة مع حسد، و لا سؤدد مع انتقام، و لا صواب مع ترك المشورة». و «إذا كانت في رجل خلّة رائقة فانتظروا أخواتها»
و هكذا أدرك عليّ بن أبي طالب أنّ الكون واحد، عادل، ثابت في وحدته و عدله، جاعل في طبيعة الكائنات ذاتها قوّة الحساب و القدرة على العقاب و الثواب. و هكذا عبّر عمّا أدركه أروع تعبير.
بيد أنّ وجوها غير هذه من وجوه العدالة الكونية تفحّصها عليّ و ضبط أشكالها و ألوانها. فما هي هذه الوجوه؟
الحنان العميق
و آدرك علي ان منطق الحنان أرفع من منطق القانون، و أن عطف الانسان على الانسان و سائر الكائنات، إنما هو حجة الحياة على الموت، و الوجود على العدم و لم يكن موقف عليّ من المرأة ذلك الموقف الذي صوّروه إذا كان من عدالة الكون و تكافؤ الوجود أن تلتقي على صعيد واحد بوارح الصيف و معصرات الشتاء، و أن تفنى في حقيقة واحدة السوافي و الأعاصير و النّسيمات اللّينات، و أن تحمل الطبيعة بذاتها، بكلّ مظهر من مظاهرها، قانون الثواب و العقاب، فمن هذه العدالة أيضا و من هذا التكافؤ أن تتعاطى قوى الطبيعة و تتداخل سواء في ذلك عناصر الجماد و عناصر الحياة. و سواء في ذلك ما انبثق عن هذه أو انسلخ عن تلك.
و لما كانت صفات الانسان و أخلاقه و ميوله و أحاسيسه منبثقة عن عناصر الحياة التي تتّحد فتؤلّف ما نسميه شخصية الإنسان، فهي متعاطية متداخلة، تثبت ذلك الملاحظة الطويلة و الموازنة الدقيقة ثمّ قواعد العلم الحديث الذي لاحظ و وازن و أرسى مكتشفاته على أسس و أركان.
و قد مرّ معنا أنّ الانسان في مذهب عليّ بن أبي طالب هو الصورة المثلى للكون الأمثل.
و ممّا يعزى إليه هذا القول يخاطب به الانسان: «
و تحسب أنّك جرم صغير *** و فيك انطوى العالم الأكبر
فمن الطبيعيّ في مثل هذه الحال أن يلحّ عليّ في طلب كلّ ما يتعلّق بالانسان ممّا يطاله زمانه و إمكانات عصره. و من الطبيعيّ كذلك أن يلحّ في الكشف عمّا في هذا «الجرم الذي انطوى فيه العالم الأكبر» من مظاهر العدالة الكونية و تكافؤ الوجود ضمن الإطار الذي دارت آراؤه فيه.
أحسّ عليّ إحساسا مباشرا عميقا أنّ بين الكائنات روابط لا تزول إلاّ بزوال هذه الكائنات. و أنّ كلّ ما ينقص هذه الروابط ينقص من معنى الوجود ذاته. و إذا كان الانسان أحد هذه الكائنات، فإنّه مرتبط بها ارتباط وجود. و إذا كان ذلك و هو كائن فإنّ ارتباط الكائن بشبيهه أجدر و أولى. أمّا إذا كان هذا الكائن من الأحياء، فإنّ ما يشدّه إلى الأحياء من جنسه أثبت و أقوى. و أما الانسان رأس الكائنات الحيّة فإنّ ارتباطه بأخيه الانسان هو الضرورة الأولى لوجوده فردا و جماعة.
و حين يقرّر عليّ أنّ المجتمع الصالح هو المجتمع الذي تسوده العدالة الاجتماعية بأوسع معانيها و أشرف أشكالها، إنّما يسن قانونا أو ما هو من باب القانون. و لكنّ هذا القانون لا ينجلي في ذهنه و لا يصبح ضرورة، إلاّ لأنه انبثاق طبيعيّ عمّا أسميناه روح العدالة الكونية الشاملة، التي تفرض وجود هذا القانون. لذلك نرى ابن أبي طالب ملحّا شديد الإلحاح على النظر في ما وراء القوانين، و على رعايتها بما هو أسمى منها: بالحنان الانساني.
و ما يكون الحنان إلاّ هذا النزوع الروحيّ و الماديّ العميق إلى الاكتمال و السموّ. فهو بذلك ضرورة خلقيّة لأنه ضرورة وجودية.
الصفحة الأولى التي ينشرها عليّ من صفحات الحنان تبدأ بأن يذكّر الناس بأنهم جميعا إخوة فينعتهم ب «إخواني» نعتا صريحا و هو أمير عليهم. ثم يردف ذلك بتذكير الولاة بأنهم إخوان الناس جميع الناس، و بأنّ هذا الإخاء يستلزم العطف بالضرورة، قائلا إلى أمرائه على الجيوش: «فإنّ حقّا على الوالي أن لا يغيّره فضل ناله، و لا طول خصّ به، و أن يزيده ما قسم اللّه له من نعمه دنوّا من عباده و عطفا على إخوانه». و ما يذكره لنفسه و للولاة بأنّهم و الناس إخوان بالمودّة و الحنان، يعود فيقرّره بحكمة شاملة يتّجه بها الى البشر جميعا دون تفرقة أو تمييز، قائلا: «و إنما أنتم إخوان ما فرّق بينكم إلاّ خبث السرائر و سوء الضمائر». و هو بذلك يضع خبث السريرة و سوء الضمير في طرف، و حنان القلب و مودّة النفس في طرف آخر. و لمّا كان من الحقّ الوجوديّ للإنسان أن
ينعم بحنان الانسان، فإنّ الطبيعة التي تحمل بذاتها القيم و المقاييس لا بدّ لها من التعويض على صالح ضيّعه الجيران و الأقربون و الأهل فما لفّوه برداء من حنان، بعطف و حنان كثيرين يأتيانه من الأباعد، فيقول عليّ: «من ضيّعه الأقرب أتيح له الأبعد» و هو في سبيل رعاية هذه الأخوّة القائمة بالحنان الانساني، لا يقبل حتى بالهنات الهيّنات لأنّ فيها انحرافا مبدئيا عن كرم الحنان: «أمّا بعد، فلو لا هنات كنّ فيك لكنت المقدّم في هذا الأمر».
و إذا كانت القوانين المتعارف عليها تسمح لابن أبي طالب بأن يحارب المتآمرين به، فإنّه لا يفعل إلاّ بعد أن يراعي كلّ جوانب الحنان في نفسه و قلبه، و بعد أن يستشير كلّ روابط الإخاء البشريّ في نفوس مقاتليه و قلوبهم. و هو إن فعل في خاتمة الأمر فإنّما يفعل مكرها لا مختارا، حزينا باكيا لا فرحا ضاحكا، فإذا شعوره بالنصر بعد القتال آلم و أوجع من شعور مناوئيه بالهزيمة و إذا كانت القوانين المتعارف عليها تسمح لابن أبي طالب بأن يترك المعتدين عليه، بعد موته، بين يدي أنصاره و بنيه يقاتلونهم و يقتصّون منهم لضلال مشوا به و إليه، فإنّ الرأفة بالانسان و هي لديه وراء كلّ قانون، تحمله حملا على أن يخاطب أنصاره و بنيه بهذا القول العظيم: «لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه».
و هو بعامل هذا الحنان العميق يربط سعادة المرء بسعادة جاره، أي بسعادة الانسانية كلّها، لأنّ لجار المرء جيرانا، و ما يجوز عليه بالنسبة له يجوز عليهم بالنسبة لسائر الناس.
و من سعادته أيضا أن يطغى عليه هذا الحنان فإذا بأبناء الآخرين يحظون منه بالعطف الذي يحظى به أبناؤه: «أدّب اليتيم بما تؤدّب به ولدك». و أنّ يستشعر الجميع روح العدالة الأساسية التي تفوق القوانين الوضعية قيمة و جمالا لأنها تحمل الدفء الانسانيّ و تصل الخلق بمنطق القلب لا بمنطق الخضوع لقانون: «ليتأسّ صغيركم بكبيركم، و ليرأف كبيركم بصغيركم».
و إذا كان العجز عن إتيان المكرمات نقصا، فإنّ منطق الحنان على لسان عليّ يجعل العاجز
عن اكتساب أخوّة الناس أكثرهم نقصا: «أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان».
و يضيف عليّ إلى هذا العجز عجزا آخر هو الميل إلى المراء و الخصومة قائلا: «إيّاكم و المراء و الخصومة» بل إنّ الأولى هو لين الكلام لما فيه من شدّ الأواصر بين القلب، منبع الحنان، و القلب: «و إنّ من الكرم لين الكلام». و ليس بين نزعات القلب ما هو أدعى إلى الراحة من شعور المرء بأنّ له في جميع الناس إخوانا أحبّاء، فإذا تألّم ابن أبي طالب من سيئات زمانه، جعل الخبز و هو آلة البقاء، و الصدق و هو ركيزة البقاء، و مؤاخاة الناس في منزلة واحدة، فقال في ناس زمانه: «يوشك أنّ يفقد الناس ثلاثا: «درهما حلالا، و لسانا صادقا، و أخا يستراح إليه».
و إذا كانت الغربة قساوة كبرى لأنها تستدعي الوحدة، فإنّ أشدّها يكون ساعة يفقد الانسان إخوانه و أحبّاءه لأنه يفقد إذ ذاك قلوبا يعزّ بعطفها و يحيا بحنانها: «و الغريب من لم يكن له حبيب» و «فقد الأحبّة غربة».
و لا بدّ لنا أن نشير إلى موقف ابن أبي طالب من المرأة على هذا الصعيد. فالمرأة نصف الانسان، فهل يخلو هذا النصف من العطف على نصفه الآخر؟ و هل النصف الآخر مدعوّ إلى أن يجور على مقاييس العدالة الكونية القاضية بحنان الانسان على الانسان؟
لقد أوّل الكثير بعض أقوال عليّ في المرأة تأويلا شاؤوا به الطرافة و الترفيه فوق ما شاؤوا به أن يبرزوا موقف عليّ منها. فألحّوا على كلمات له قالها في ظروف كان أبرز ما فيها عداء امرأة معيّنة له و هو لم يسىء و لم يأمر إلاّ بمعروف. و فاتهم أنّ مثل هذه الأقوال الخاضعة لظرف محدود بذاته، و الرامية إلى إيضاح الأسباب في صراع بين عقليتين مختلفتين كلّ الاختلاف، إنّما قال في بعض الرجال أشدّ منها و أقسى. و هو بذلك لا يعني الرجال قاطبة و في كلّ حالاتهم. كما أنه، حين أطلق تلك الأقوال في المرأة، لم يكن ليعني النساء قاطبة و في كل حالاتهن. فإن مسبّبي الويلات التي ألمّت به و بالخير عن طريقه، تعرّضوا لمثل هذه الأقوال سواء أ كانوا رجالا أو نسوة لهنّ قوة الرجال و نفوذهم. و هو إن هاجم هؤلاء و هؤلاء من نسوة و رجال، فإنّما كان يهاجم فيهم مواقف معيّنة وقفوها من الحقّ و العدل و أصحابهما. و في ذلك ما ينفي الادّعاء بالإساءة إلى المرأة من قبل عليّ.
و إنّي لأسأل من يعنيهم الأمر أن يوافوني بكلمة واحدة يسيء بها عليّ إلى المرأة و لم تكن
موجّهة إلى إنسان معيّن في ظرف معيّن، أو من وحي هذا الانسان في هذا الظرف لقد هاجم المرأة عند ما كانت سببا في الفتنة، و هاجم الرجل في مثل هذه الحال. فهو بذلك يهاجم الفتنة و حسب أمّا موقف عليّ من المرأة كإنسان، فهو موقفه من الرجل كإنسان، لا فرق في ذلك و لا تمييز. أ و ليس في حزنه العميق على زوجه فاطمة و قد توفّيت، دليل على إحساسه بقيمة المرأة كإنسان له كلّ حقوق الانسان و عليه كلّ واجباته، و في أساس هذه الحقوق و الواجبات أن ينعم بالحنان الانسانيّ و ينعم به الآخرين؟
أ و لم يكن الناس في الجاهلية و بعد الجاهلية يتفاءلون بمولد الذكر و يفرحون، و يتشاءمون بمولد الأنثى و يحزنون أ و لم يكن موقف الفرزدق تعبيرا عن نظرة عصره إلى المرأة، و هو عصر متّصل بزمن ابن أبي طالب، ساعة ماتت زوجته، و كان يحبّها على ما زعموا، فقال فيها هذا القول العجيب: «و أهون مفقود، إذا الموت ناله، على المرء من أصحابه، من تقنّعا أي أنّ أهون فقيد على المرء من أصحابه و معارفه فقيد يلبس القناع، و يريد به المرأة.
فالمرأة في قلبه و على لسانه لا تستحقّ أن تبكى، و لا أن يحزن عليها. لما ذا؟ لا لشيء إلاّ لأنها امرأة و عليّ، أ لم يكن من أبناء ذلك الزمان؟ و لكنّه كان أنفذهم تفكيرا و أشرفهم نظرا و أعمقهم إحساسا، فقال في جملة ما قال بهذا الشأن متلوّما على أصحاب تلك العقلية الرعناء: «و إن بعضهم يحب الذكور و يكره الإناث الخ». إذن، فالذكور و الإناث بمنزلة واحدة عند عليّ تجمعهم صفة الانسان و حسب.
أضف إلى ذلك أن عليا الذي يعطف على الناس عموما، و على الضعفاء منهم خصوصا، يفرض على الخلق الكريم أن يكون أشدّ حنانا على المرأة لأنها مستضعفة إن لم تكن ضعيفة، فيقول: «و انصروا المظلوم و خذوا فوق يد الظالم المريب و أحسنوا إلى نسائكم». و يقول في مكان آخر: «آمركم بالنهي عن المنكر و الإحسان الى نسائكم».
و يتابع ابن أبي طالب حلقات هذا المسلك المتماسك في دعوته إلى أن يلتفّ الناس جميعا، ثم الناس و سائر الكائنات، بدفء الحنان، فيقول في العلم و قد عرفنا قيمة العلم في مذهبه: «رأس العلم الرفق». و هو لا يرى في كثرة الذنوب ما يهول أكثر من أنها مدعاة إلى القسوة بحكم تعوّدها، و من ثمّ فهي سبب في نفور بارد يحلّ في القلوب محلّ حنان دافىء، فيقول: «ما جفّت الدموع إلاّ لقسوة القلوب، و ما قست القلوب إلاّ لكثرة الذنوب» و إذا لم تكن من أهل الذنوب فأنت من أهل الحنان و من حقك أن تبذل بهذا الحنان كلّ ما تملك لنصرة أخيك الانسان: «فإن كنت من أخيك على ثقة فابذل له مالك و يدك، و أعنه، و أظهر له الحسن».
و أخيرا يطلق عليّ مجموعة من الأقوال تدور في مدار الدعوة إلى تفاني الناس في الناس عطفا و حنانا. و هي تعتبر بحقّ من أسمى ما يملكه الانسان من تراث خلقيّ عظيم. و منها هذه الروائع: «صل من قطعك و أعط من حرمك. أحسن إلى جميع الناس كما تحب أن يحسن إليك. أحسن إلى من أساء إليك. عودوا بالفضل على من حرمكم الخ....» و إنجازا لهذه الدعوة الكريمة يشرك ابن أبي طالب البهائم و البقاع و الناس في حقّ لها مشترك في الحنان فيقول: «اتّقوا اللّه في عباده و بلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع و البهائم» و هكذا، فإنّ عطف الانسان على الانسان و سائر الكائنات إنّما هو حجّة الحياة على الموت، بل هو إرادة من إرادة الوجود العادل
صدق الحياة
و هذا الصدق عهد منك و عليك، لأنه روح الجمال و الحق، و إرادة الحياة القادرة الغلاّبة لعلّ أبرز مظاهر العدالة الكونية في عالم الجماد و عالم الحياة، و في كل ما يتّصل بطبيعة الوجود و خصائص الموجودات، هو الصدق الخالص المطلق. فعلى الصدق مدار الأرض و الفلك و الليل و النهار. و بالصدق وحده تتلاحق الفصول الأربعة و يسقط المطر و تسطع شمس. و به كذلك تفي الأرض بوعدها حين تنبت ما عليها كلاّ في حينه لا تقديم و لا تأخير. و به تقوم نواميس الطبيعة و قوانين الحياة. و الريح لا تجري إلا صادقة، و الدماء لا تطوف العروق إلا بصدق، و الأحياء لا يولدون إلا بقانون صادق أمين.
هذا الصدق الخالص المطلق الذي تدور عليه قاعدة البقاء، هو الينبوع الأول و الأكبر الذي تجري منه عدالة الكون و إليه تعود و لمّا كان عليّ بن أبي طالب شديد الملاحظة لصدق الوجود، شديد التفاعل معه، فقد جعل من همّه الأوّل في الناس تهذيب الناس استنادا إل ما يعقل و يحسّ و يرى.
و التهذيب في معناه الصحيح و مدلوله البعيد ليس إلاّ الاحساس العميق بقيمة الحياة و شخصيّة الوجود. و لمّا كان هذا المعنى هو المعنى الأوحد للتهذيب العظيم، كان الصدق مع الذات و مع كلّ موجود مادّي أو معنويّ، هو المحور الذي يدور عليه التهذيب، كما رأيناه محور العدالة الكونية. و بذلك ينتفي من التهذيب السليم كثير من القواعد التي تواطأ عليها
البشر دونما نظر في نواميس الوجود الكبرى، و هم يحسبون أنّها قواعد تهذيبيّة لمجرّد اتّفاقهم عليها. و بذلك أيضا ينتفي من التهذيب السليم كلّ ما يخالف روح الحقّ و روح الخير و روح الجمال. و التهذيب على غير أصوله الكبرى تواطؤ سطحيّ على الكذب القبيح. و هو على أصوله البعيدة إحساس عميق بالصدق الجميل، ممّا يجعله اندماجا خالصا بثوريّة الحياة الجارية الفاتحة.
لذلك كان مدار التهذيب عند ابن أبي طالب، حماية الانسان من الكذب، أو قل حمايته و هو حيّ من برودة الموت و حماية الانسان من الكذب تستوجب أوّل الأمر تعظيم الصدق نصّا مباشرا في كلّ حال، و إبرازه ضرورة حياتيّة لا مفرّ منها لكلّ حيّ، و توجيه الناس نحوه أفرادا يخلون إلى أنفسهم أو يعيشون جماعات. و في هذا الباب يبرز عليّ بن أبي طالب عملاقا يرى ما لا يراه الآخرون، و يشير إلى ما يجهلون، و يعمل ما لا يستطيعونه الآن و يريدهم أن يستطيعوه.
يقول عليّ: «إيّاكم و تهزيع الأخلاق و تصريفها و اجعلوا اللسان واحدا». و تهزيع الشيء تكسيره. و تصريفه قلبه من حال إل حال. يريد بذلك تذكير الصادق بالخطر الذي يتعرّض له صدقه إن هو كذب و لو مرّة واحدة. فالصادق إذا كذب مرة انكسر صدقه كما ينكسر أيّ شيء وقع على الأرض مرة واحدة. و كذلك النفاق و التلوّن فهما لونان من ألوان الكذب. و يقول أيضا: «و كونوا قوما صادقين. و اعملوا في غير رياء. و أعزّ الصادق المحقّ و أذلّ الكاذب المبطل. و اصدقوا الحديث و أدّوا الأمانة و أوفوا بالعهد.
من طلب عزا بباطل أورثه اللّه ذلا بحق. إن كنت صادقا كافيناك و إن كنت كاذبا عاقبناك.
إنّ من عدم الصدق في منطقه فقد فجع بأكرم أخلاقه. ما السيف الصارم في كفّ الشجاع بأعزّ له من الصدق». و ما هذه الآيات في الصدق إلاّ نماذج من مئات أخريات يؤلف ابن أبي طالب بها أساس دستوره الأخلاقي العظيم.
ثم اليك هذه الآية التي يكثر في نسجها نصيب العقل النافذ الواعي. يقول: «الكذب يهدي الى الفجور». و لسنا في حاجة الى الإسهاب في إظهار ما تخفي هذه الكلمة من حقيقة تجرّ وراءها سلسلة لا تنتهي من الحقائق. كما أننا لسنا في حاجة الى الإسهاب في تصوير ما تشير إليه من حقيقة نفسية لا تزيدها الأيام إلا رسوخا. و مثل هذه الآية آيات، منها: «لا يصلح الكذب في جد و لا هزل، و لا أن يعد أحدكم صبيّه ثم لا يفي له» أما المعنى
الذي يشير اليه الشق الأول من هذه الآية العلوية، فقد كان موضوع جدل كثير بين فلاسفة الأخلاق و لا سيما الأوروبيين منهم. و الواقع أن هؤلاء أجمعوا على أن الصدق حياة و الكذب موت. غير انهم اختلفوا في هل يجوز الكذب في حالة الضرورة أم لا؟
فمنهم الموافق و منهم المخالف. و لكلّ من الفريقين حجته.
أمّا عليّ بن أبي طالب، فيقف من هذا الموضوع الذي تثيره عبارته، موقفا حاسما ينسجم مع مذهبه العظيم في الأخلاق، هذا المذهب الذي نعود فنذكّر القارىء بأنه منبثق عمّا أحسّه عليّ و وعاه من عدالة الكون الشاملة، فيقول غير متردّد: «علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، و أن لا يكون في حديثك فضل عن عملك» و من الواضح ان ابن أبي طالب لا يرى أن في الكذب ما ينفع و أن في الصدق ما قد يضرّ، فيتحدث الى الناس في نطاق من مدى تصوّرهم ليبلغ كلامه منهم مبلغا ذكيا.
و تأكيدا لذلك يقول: «عليك بالصدق في جميع أمورك». و يقول أيضا: «جانبوا الكذب فإن الصادق على شفا منجاة و كرامة، و الكاذب على شفا مهواة و هلكة» أمّا المعنى الذي يذكره الشقّ الثاني من العبارة: «و لا أن يعد أحدكم صبيّه ثم لا يفي له»، فالتفاته عظيمة إلى حقيقة تربويّة تقرّرها الحياة نفسها، كما تقرّرها الأصول النفسية التي ينشأ عليها المرء و يتدرّج. و يكفيك منها هذه الاشارة إلى أن الطفل يتربّى بالمثل لا بالنصيحة.
و هذا الرأي هو محور فلسفة جان جاك روسّو التربويّة و الصدق مع الحياة يستلزم البساطة و ينفر من التعقيد، لأن كل حقيقة هي بسيطة بمقدار ما الشمس ساطعة و الليل بهيم. و دلالة على هذه البساطة الدافئة لأنها انبثاق حيّ و عفوي عن الصدق، نقول إن ابن أبي طالب كره التكبّر لأنه ليس طبعا صادقا بل الكبر هو الصدق، فإذا بالمتكبر في رأيه شخص يتعالى على جبلته ذاتها. يقول: «لا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه». و هو في الوقت نفسه يكره التواضع إذا كان مقصودا فإنه عند ذاك لا يكون طبعا صادقا بل الشعور بأن الانسان مساو لكل إنسان في كرامته هو الصدق. لذلك يخاطب من يقوده تواضعه إلى أن يذلّ نفسه، قائلا له: «إياك أن تتذلّل للناس». ثم يردف ذلك بقول أروع: «و لا تصحبنّ في سفر من لا يرى لك من الفضل عليه مثل ما ترى له من الفضل عليك»
و إني لا أعرف في مبادىء المحافظين على كرامة الانسان كإنسان لا يتكبر و لا يتواضع بل يكون صادقا و حسب، ما يفوق هذه الكلمة لابن أبي طالب أو ما يساويها قيمة: «الإنسان مرآة الانسان» و من أقواله الدالّة على ضرورة أخذ الحياة أخذا بسيطا: «ما أقبح الخضوع عند الحاجة و الجفاء عند الغنى. الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق و التقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد. لا تقل ما لا تعلم. لا تعمل الخير رياء و لا تتركه حياء. يا ابن آدم، ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك. لا ينصت للخير ليفخر به، و لا يتكلّم ليتجبّر على من سواه. من حمّل نفسه ما لا يطيق عجز. لا خير في معين مهين». و كأنّي بابن أبي طالب لا يترك جانبا ممّا وعاه فكره و شعوره و أمور الحياة و الانسان إلاّ أطلق فيه رائعة تختصر دستورا كاملا. و هذا ما فعله ساعة شاء أن يوجّه الناس إلى أخذ الحياة أخذا صادقا بسيطا، فقال هذه الكلمة الدافئة بعفويّة الحياة: «إذا طرقك إخوانك فلا تدّخر عنهم ما في البيت، و لا تتكلّف لهم ما وراء الباب».
و إذ يفرغ عليّ من حديثه الكثير الدائر حول ضرورة الصدق مع الحياة بصورة مباشرة، ثم حول البساطة التي لا يكون صدق بدونها و لا تكون بغير صدق، يواصل طريقه في مفاهيم التهذيب التي تتلازم في مذهبه و تترابط حتى لكأنّها صورة عن كلّ موجودات الكون، و التي يظلّ الصدق مدارها الأوّل و إن تناولت وجوها أخرى من وجوه الأخلاق. فيوصي بأن يتغافل المرء عن زلاّت غيره فإنّ في ذلك رحمة من المتغافل و تهذيبا للمسيء بالسيرة و المثل أبلغ من تهذيبه بالنصيحة أو بالبغضاء، يقول: «من أشرف أعمال الكريم غفلته عمّا يعلم». كما يوصي بالحلم و الأناة لأنهما نتيجة لعلوّ الهمّة ثمّ مدرجة لكرم النفس: «الحلم و الأناة توأمان ينتجهما علوّ الهمّة». و يكره الغيبة لأنها مذهب من النفاق و الاساءة و الشرّ جميعا: «اجتنب الغيبة فإنّها إدام كلاب النار». و الخديعة مثل الغيبة و كلتاهما من خبث السرائر: «إيّاك و الخديعة فإنّها من خلق اللئام». و كما رأى أنّ كذبة واحدة لا تجوز لأنّ الصدق ينكسر بها، يرى أن كل ذنب مهما كان في زعم صاحبه خفيفا قليل الشأن إنّما هو شديد لأنه ذنب، بل إنه أشدّ وقعا على كرامة الانسان إذا
استخفّ به صاحبه، من ذنب عظيم عاد مقترفه إلى الرجوع عنه في الحال: «أشدّ الذنوب ما استخفّ به صاحبه». و ينهاك عليّ عن التسرّع في القول و العمل لأنه مدعاة إلى السقوط و على الانسان المهذّب ألاّ يبيح نفسه لأيّة سقطة: «أنهاك عن التسرّع في القول و العمل».
و هو يريدك أن تعتذر لنفسك من كلّ ذنب أذنبت إصلاحا لخلقك، و لكنّه ينبّهك تنبيها عبقريّ الملاحظة و البيان إلى أنّ الانسان لا يعتذر من خير، فعليه إذن ألاّ يفعل ما يضطرّه إلى الاعتذار: «إيّاك و ما تعتذر منه فإنه لا يعتذر من خير». و منعا للاشتغال بعيوب الناس و إغفال عيوب النفس، و في ذلك ما يدعو إلى سوء الخلق و المسلك سلبا و إيجابا، يقول علي: «أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله» و «من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره».
و إذا أتى القبيح من مصدر عليك أن تنكره أوّلا، فإن لم تستطع ذلك تحتّم عليك ألاّ تستحسنه لئلاّ تصبح شريكا فيه: «من استحسن القبيح كان شريكا فيه». و إذا كان التعاطف بين الناس ضرورة أخلاقية لأنه ضرورة وجودية على ما مرّ معنا في الفصل السابق، فإنّ منطق العقل و القلب يأمر بأن يكون عطفك على من أنطقك و أحسن إليك أكثر و أوسع.
و في ذلك يقول عليّ: «لا تجعلنّ ذرب لسانك على من أنطقك و بلاغة قولك على من سدّدك». ثم يقول: «و ليس جزاء من عظّم شأنك أن تضع من قدره، و لا جزاء من سرّك أن تسوءه».
و يهاجم الحرص و الكبرياء و الحسد لأنّها سبيل إلى الانحدار الخلقي: «الحرص و الكبر و الحسد دواع إلى التقحّم في الذنوب». و إذا كان الأخلاقيون القدماء يذمّون البخل فلأنه في نظرهم صفة مذمومة لذاتها. أمّا عند ابن أبي طالب الذي يرصد الأخلاق بنظرة أشمل و فكر أعمق، فالبخل ليس مذموما لذاته قدر ما هو مذموم لجمعه العيوب كلّها، و لدفعه صاحبه إلى كل سوءة في الخلق و المسلك. فالبخيل منافق، معتد، مغتاب، حاسد ذليل، مزوّر، جشع، أناني، غير عادل. يقول علي: «البخل جامع لمساوىء العيوب».
و يطول بنا الحديث و يتّسع إذا نحن شئنا أن نورد تفاصيل مذهب ابن أبي طالب في الأخلاق و تهذيب النفس، فهي كثيرة لم تترك حركة من حركات الانسان إلاّ صوّرتها و وجّهتها. و إذا قلت إن مثل هذا العمل طويل واسع شاقّ فإنّي أعني ما أقول. و ما
على القارىء إلاّ أن يطّلع على الروائع التي أخذناها من أدب ابن أبي طالب في هذا الكتاب، حتى يثق بأنّ المجلّدات قد تضيق عن دراسة مذهبه في الأخلاق و تهذيب النفس، و عمّا تستوجبه هذه المختارات من شرح و تعليق. و يكفي أن نشير إلى أنّ هذه الروائع العلويّة من أشرف ما في تراث الانسان، و من أعظمه اتّساعا و عمقا.
على أنه لا بد لنا الآن من التلميح إلى آية الآيات في التهذيب العظيم بوصفه إحساسا عميقا بقيمة الحياة و كرامة النفس و كمال الوجود. و إنّ نفرا قليلا من المتفوّقين كبوذا و المسيح و بتهوفن و أشباههم هم الذين أدركوا أنّ آية التهذيب إنّما تكون في الدرجة الأولى بين الانسان و نفسه. و لا تكون بين الانسان و ما هو خارج عنه إلاّ انبثاقا بديهيّا طبيعيّا عن الحالة الأولى. و قد أدرك ابن أبي طالب هذه الحقيقة إدراكا قويّا واضحا لا غموض فيه و لا إبهام. و عبّر عنها تعبيرا جامعا. يقول عليّ في ضرورة احترام الانسان نفسه و أعماله دون أن يكون عليه رقيب: «اتّقوا المعاصي في الخلوات». و يقول في المعنى ذاته: «إيّاك و كلّ عمل في السرّ يستحى منه في العلانية. و إيّاك و كلّ عمل إذا ذكر لصاحبه أنكره».
و إليك ما يقوله في الرابطة بين السرّ و العلانية، أو بين ما أسميناه «آية التهذيب» و ما أسميناه «انبثاقا» عنها: «من أصلح سريرته أصلح اللّه علانيّته».
و من بدائع حكيم الصين كنفوشيوس في تهذيب النفس هذه الكلمة: «كل على مائدتك كأنك تأكل على مائدة ملك». و جليّ أنه يريد منك أن تحترم نفسك احتراما مطلقا غير مرهون بظرف أو مناسبة، حتى ليجدر بك أن تتصرف حين تخلو الى نفسك كما تتصرف و أنت بين يدي ملك. و مثل هذا المعنى يقوله عليّ بن ابي طالب على هيئة جديدة: «ليتزيّن أحدكم لأخيه كما يتزيّن للغريب الذي يحب أن يراه في أحسن الهيئة» و هو يريدك في كلّ حال أن تعظ أخاك لتعينه في الانتقال من حسن إلى أحسن في الخلق و الذوق و المسلك. و لكنّ روح التهذيب الأصيل يأبى عليك أن تجرحه أو تؤذيه بنصحه علنا، بل إنّ هذا الروح يقضي عليك أن تكون ليّنا رفيقا فلا تنصح إلاّ خفية و لا تعظ إلاّ سرّا. يقول عليّ: «من وعظ أخاه سرّا فقد زانه، و من وعظه علانية فقد شانه».
و أيّة كانت حالك فعليك أن تصدق مع نفسك و الحياة و الناس. فبهذا الصدق تحيا و بغيره تهلك. و به تحفظ سلامة روحك و قلبك و جسدك. و بغيره تفقدها. و بالصدق تحبّ و تحبّ و يوثق بك، و بغيره تجلب لنفسك المقت و الكراهية و السيّئات جميعا و ير ذلك الناس تافها حقيرا. و هذا الصدق عهد منك و عليك لأنه إرادة الحياة القادرة الغلاّبة و هي إرادة تقضي عليك بأنّ تنظر في عهدك كلّ يوم. و ابن أبي طالب يقول: «على كلّ إنسان أن ينظر كلّ يوم في عهده»
خير الوجود و ثوريّة الحياة
لشدّ ما رأيناه يجعل ثوريّة الحياة كلاّ من خير الوجود، و خير الوجود كلاّ من ثورية الحياة و قالت الثورة: «أنا الهادمة البانية و ليس من حقّ الوجود العادل إلاّ أن يكون خيّرا كريما. و ليس من طبيعته إلاّ العطاء. و هو لا يأخذ ما يعطيه إلاّ ليعود إلى بذله طيّبا جديدا. و خير الوجود كيان من كيانه و جوهر من جوهره. و عهد عليّ به هو هذا العهد. و إحساسه بخيره هو إحساسه بعدله لا يقلّ و لا يزيد. و على ذلك تحدّث عن هذا الخير فأكثر الحديث و قد رويناه من أقواله في خير الوجود شيئا غير قليل. و لعلّ ما رويناه من تلك الروائع الصادقة نستطيع تلخيصه الآن بكلمة شيئا غير قليل. و لعلّ ما رويناه من تلك الروائع الصادقة نستطيع تلخيصه الآن بكلمة قالها و كأنّه يوجز بها مذهبه المؤمن بخير الوجود: «و ليس اللّه بما سئل بأجود منه بما لم يسأل». فإذا عرفنا أنّ لفظة «اللّه» تعني في أقصى ما تعينه عند القدماء من أصحاب الأصالة الذهنية و الروحية: «مركز الوجود و الروابط الكونية، عرفنا أيّ خير شامل عميم هو خير الوجود الذي يمنحك ما تسأل ضمن شروط، ثمّ يعطيك فوق ما تسأل، ثمّ يزيد و لمّا كان الانسان الذي يحسب أنّه جرم صغير، ممثّلا لهذا العالم الأكبر على ما يقول ابن أبي طالب، فلا بدّ أن يكون هو أيضا صورة عن الوجود بخيره كما هو صورة عنه بعدله. فإذا أعطاك الوجود فوق ما تسأله من خيره، يكون قد بدأك لحاجة في طبيعته إلى أن يكون خيرا. و إذا كنت صورة عنه، فأنت أحوج إلى اصطناع الخير من أهل الحاجة
إليه. و هذا ما يؤكّده عليّ بقوله هذا: «أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه» و هذا ما يؤكّده أيضا في عبارة يرجع إليها كلّما تحدّث عن اصطناع الخير بين الناس: «و الفضل في ذلك للبادىء».
و إذ ننتقل إلى النظر في الخير و معناه على صعيد العلاقات بين الناس، أمكننا أن نجري آراء ابن أبي طالب في المجاري التالية: «أولا، الخير بين الناس يكمن في أن يتعاونوا و يتساندوا، و أن يعمل واحدهم من أجل نفسه و الآخرين سواء بسواء، و ألاّ يكون في هذا العمل رياء من جانب هذا و لا إكراه من جانب ذاك لكي «يعمل في الرغبة لا في الرهبة» على حدّ ما يقول عليّ، ثم أن يضحّي بالقليل و الكثير توفيرا لراحة الآخرين و اطمئنان الخلق بعضهم إلى بعض، و أن تأتي هذه التضحية مبادرة لا بعد سؤال و لا بعد قسر و إجبار. و كلّ ما من شأنه أن ينفع و يفيد، سواء أ كان ذلك على صعيد مادّي أو روحيّ، كان خيرا.
ثانيا، يرى عليّ أنّ الخير لا يأتي إلاّ عملا أولا، ثم قولا، لأن الانسان يجب أن يكون واحدا كالوجود الواحد، و أن يساند بعضه بعضا وفاء لهذه القاعدة، فإن قال فعل، و إن فعل قال. و من روائع ابن أبي طالب كلمة قالها في رجل يرجو اللّه في أمر و لا يعمل من أجل هذا الرجاء: «يدّعي بزعمه أنّه يرجو اللّه كذب و العظيم ما باله لا يتبيّن رجاءه في عمله، فكلّ من رجا عرف رجاؤه في عمله» أمّا إذا عملت خيرا، فمن حقك عند ذاك أن تقول خيرا: «قل خيرا و افعل خيرا» ثالثا، يفسح عليّ في المجال أمام قوى الخير لأن تنطلق أبعد ما يكون الانطلاق، و ذلك بأن يجعل قبول التوبة عن الشرّ قاعدة يعمل بها. فإذا أثم المرء مسيئا إلى الآخرين، فإنّ في التوبة بابا يلجه من جديد إلى عالم الخير إذا شاء. يقول عليّ: «إقبل عذر من اعتذر إليك، و أخّر الشرّ ما استطعت». و يعرف التاريخ مقدار الإساءة التي لحقت بعليّ عن طريق أبي موسى الأشعري، و يعرف كذلك أنّ عليّا لا ينزع إلاّ عن مذهبه أيّة كانت الظروف و الصعوبات، لذلك نراه يبعث إلى أبي موسى قائلا: «أمّا بعد، فإنّك امروء ضلّلك الهوى، و استدرجك الغرور، فاستقل اللّه يقلك عثرتك، فإنّ من استقال اللّه أقاله»
رابعا، يؤمن عليّ بأن قوى الخير في الانسان تتداعى و يشدّ بعضها بعضا شدّا مكينا.
فإذا وجد في إنسان جانب من الخير فلا بدّ من ارتباطه بجوانب أخرى منه، و لا بدّ من ظهور هذه الجوانب عند المناسبات. و في هذه النظرة إشارة صريحة إلى أنّ الوجود واحد متكافىء عادل خيّر سواء أ كان وجودا عامّا كبيرا، أو وجودا خاصّا مصغّرا يتمثّل بالانسان: «إذا كان في رجل خلّة رائقة فانتظروا أخواتها» خامسا، و مثل هذه العدوى الخيّرة بين الخلال الرائقة، عدوى مماثلة تنتقل من الخير الى الشر بين الناس و الناس: «جالس أهل الخير تكن منهم» و «اطلبوا الخير و أهله».
سادسا، الإيمان العميق بأنّ في طاقة الانسان أيّا كان أن ينهج نهج الخير، و أنّه ليس من إنسان أجدر من إنسان آخر بهذا النهج: «و لا يقولنّ أحدكم إنّ أحدا أولى بفعل الخير منّي» سابعا، على المرء ألاّ يستكثر من فعل الخير كثيرا. بل إنّ ما يفعله من خير يظلّ قليلا مهما كان كثيرا لأنّ في الاكتفاء بقدر من الخير جحودا بخير الوجود العظيم و إنكارا لطاقة الانسان الذي ينطوي فيه العالم الأكبر. يقول عليّ في أهل الخير: «و لا يرضون من أعمالهم القليل، و لا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متّهمون، و من أعمالهم مشفقون(١) » ثامنا، لا بدّ من الإشارة إلى النظرة العميقة التي يلقيها عليّ على مفاهيم النزوع الانساني إلى ما يجعل الناس، كلّ الناس، في نعيم.
فإذا نحن نظرنا في آثار معظم المفكّرين الذين أعاروا شؤون الناس اهتمامهم، رأينا أنّ لفظة «السعادة» هي التي تتردّد في هذه الآثار، و أنّ مدلول هذه اللفظة إنّما، هو بالذات، مدار أبحاثهم و غاية ما يريدون. أمّا عليّ فقد استبدل بلفظة «السعادة» هذه ما هو أبعد مدى، و أعمق معنى، و أرحب أفقا، و أجلّ شأنا في ما يجب أن تتصف به الطبيعة الانسانية و تصبو إليه. لقد استبدل ب «السعادة» هذه، لفظة «الخير» فما كان يوجّه القلوب إليها بل إليه. لأنّ في السعادة ما هو محصور في نطاق الفرد، و لأنّ الخير ليس
____________________
(١) من أعمالهم مشفقون: «خائفون من التقصير فيها
بمحصور في مثل هذا النطاق. فالخير إذن أعظم ثمّ إنّ الخير يحتوي السعادة و لا تحتويه، فهو أشمل أضف إلى ذلك أنّ بعض الناس قد يسعدون بما لا يشرّف الانسان، و أنّهم قد يسعدون بما يؤذي الآخرين، و أنّهم قد يتفهون و يترهّلون و هم يحسبون أنّهم بذلك سعداء. أمّا الخير فهو غير السعادة إذ يكون معدنها هذا المعدن. فهو السعادة منوطة بسعادة الناس جميعا. و هو الرضى عن أحوال الجسد و العقل و الضمير لذلك أكثر عليّ من استخدام هذا اللفظ في دعوته الحارّة إلى كلّ ما يرفع من شأن الانسان و لم أعثر في آثار ابن أبي طالب على لفظة «السعادة» إلاّ مرّة واحدة. و لكنّه لا يخرج بمعناها الذي يقصد عن مفهوم الخير بما يحمّلها من حدوده و معانيه. أمّا العبارة التي وردت فيها لفظة «السعادة» فهي هذه: «من سعادة الرجل أن تكون زوجته صالحة و أولاده أبرارا و إخوانه شرفاء و جيرانه صالحين و رزقه في بلده». فانظر كيف ربط سعادة المرء بسعادة المحيطين به من أفراد عائلته ثم بسعادة إخوانه و جيرانه جميعا. بعد ذلك ناط سعادة هذا الرجل بسعادة بلاده مستندا إلى أنها بلاد تنتج الرزق لجميع أبنائها و هو واحد منهم تاسعا، إنّ خير الوجود و خير الانسان يستلزمان، بالضرورة، الثقة بالضمير الانسانيّ ثقة تجعله حكما أخيرا في ما يضرّ و ينفع. و لنا في هذا الموضوع رأي نفصّله نقول: من روائع ابن أبي طالب ما يخاطب به العقل وحده. و منها ما يخاطب به الضمير.
و أكثرها ممّا يتوجه به إلى العقل و الضمير مجتمعين. أمّا تلك التي يخاطب بها العقل، فقل إنّها الغاية في الاصالة، و إنّها نتيجة محتومة لنشاط العقل الذي لاحظ و دقّق و تمرّس بخير الزمان و شرّه، و عرف من التجارب كلّ ما يكشف له عن الحقائق و يجلّيها، فإذا هي مصوغة على قواعد هندسيّة ذات حدود و أبعاد لشدّة ما ترتبط بالحقائق، و مظهرة في أروع إطار فنّي لشدّة ما ترتبط بالجماليّة التعبيرية، مما يجعلها، من حيث المادة و الشكل، في أصول الأدب الكلاسيكي العربي.
و في هذا النوع من الحكم الموجّه إلى العقل، نرى عليّا يصوّر تاركا للناس أن يحكموا بما يرون. فيأخذوا إذا شاؤوا أو يتركوا. لذلك لا نرى في هذا النوع من الحكم صيغ الطلب. إنّما نرى حكما صيغت بقالب خبريّ خالص جرّد من صور الأمر و النهي جميعا.
حكما تتبلور فيها طبائع الصديق و العدوّ، و المحسن و المسيء، و الأحمق و العاقل، و البخيل و الكريم، و الصادق و المنافق، و الظالم و المظلوم، و المعوز و المتخم، و صاحب الحقّ و صاحب الباطل، و مفهوم الخلق السليم و الخلق السقيم، و شؤون الجاهل و العالم، و الناطق و الصامت، و الأرعن و الحليم، و صفات الطامع و القانع، و أحوال العسر و اليسر، و تقلّبات الزمان و ما لها من أثر في أخلاق الرجال، و ما إلى ذلك من أمور لا تحصى في فصل أو باب.
أمّا تلك التي يخاطب بها الضمير، و العقل و الضمير مجتمعين، فإليك ما هي و ما حولها: من الثابت أنّ الذين رأوا في الأنظمة و التشريعات وحدها سلامة الانسان و كفاية المجتمع، قد أخطأوا خطأ عظيما. فإنّ هذه الأنظمة و التشريعات التي تعلن عن حقوق الانسان و تأمر برعايتها و المحافظة عليها، لا يضبطها في النتيجة، كما لا يخلص في اكتشافها و ابتداعها، إلاّ عقل سليم و نفس مهذّبة و ضمير راق. فإنّ دنيا الناس هذه يرتبط كلّ ما فيها، ضمن حدود معيّنة طبعا، بأخلاق القيّمين على دساتيرها و انظمتها، و بمدى الخير الذي يتّسع في نفوسهم أو يضيق، بقدر ما يرتبط بضمير الجماعة التي تؤلّف ميدان هذه الأنظمة و الدساتير و تبرّر وجودها. هذا، مع الاعتراف بأنّ الأنظمة الاجتماعية الحديثة تتفاوت تفاوتا عظيما في سماحها للقيّمين عليها بمسايرتها أو بالخروج عليها. و ذلك بحكم طبيعتها و بنسبة ما تحويه أصولها من إمكانات التنفيذ. أمّا الإنظمة و الدساتير القديمة، فقد كانت أكثر تأثّرا بأخلاق القيّمين عليها المشرفين على إقامة ما تقتضيه من حدود.
و لذلك أسباب ليست من موضوع حديثنا هذا.
و بالرغم من أنّ الأنظمة و التشريعات الصالحة من شأنها أن توجّه الناس و تفرض عليهم ما يؤدي إلى نفعهم فرضا، فإنّ هذا التوجيه و هذا الفرض يظلاّن خارج حدود القيمة الانسانية إن لم يوافقهما العمل النابع من الوجدان بالذات. و في مذهبنا أنّ كلّ عمل يأتيه الانسان لا بدّ أنه فاقد الدفء الانسانيّ، و هو أثمن و أعظم ما يوافق الصنيع الانساني، إن لم يحمل وهج الضمير و عبق النفس و إرادة العطاء على غير قسر و إكراه. و لا تنجح الأنظمة
و التشريعات في إقامة العلاقات الانسانية إلاّ بمقدار ما يمكنها أن تتوجّه إلى العقل و الضمير فتقنعهما بالخير، فتخلق الانسجام الرائع بين إتاحة الفرصة للعمل النافع و إرادة العامل في وحدة تكفل للفرد و للجماعة الصعود في طريق الحضارة.
و ما يصدق، بهذا الصدد، في نطاق الأفراد و الجماعات، يصدق كذلك في تاريخ المفكّرين و المتشرعين و العلماء و المكتشفين و من إليهم. فإنك لترى، إذا أنت استعرضت تاريخ هؤلاء الذين خدموا الانسان و الحضارة، أنّ العقل الذي دلّهم على الطريق الصحيح في كلّ ميدان، لم يكن وحده في تاريخهم. فالعقل بارد، جافّ، لا يتعرف إلاّ إلى الأرقام و الأقسام و الوجوه ذات الحدود. فهو لذلك يدلّك على الطريق و لكنّه لا يشدّك إلى سلوكه و لا يدفعك في سهله و وعره. أما الدافع، فالضمير السليم و العاطفة الحارة. فما الذي حمل ماركوني على العزلة القاسية و الانفراد الموحش الكئيب، إن لم يكن الضمير الذي يحسّن له الانصراف عن مباهج الحياة الى كآبة الوحدة في سبيل الحضارة و الانسان؟
و إن لم يكن العاطفة التي تغمر هذا الضمير السليم بالحرارة و الدفء فلا يفتر أبدا.
و ما يقال في ماركوني يقال في باستور، و غاليليو، و غاندي، و بتهوفن، و بوذا، و أفلاطون، و غيتي، و في غيرهم من أصحاب المركّب الانساني القريب من الكمال.
و الدليل الإيجابي على هذه الحقيقة يستتبع دليلا سلبيا لزيادة الايضاح. فهذا ادولف هتلر، و جانكيزخان، و هولاكو، و الحجاج بن يوسف الثقفي، و قيصر بورجيا بطل كتاب «الأمير» المشؤوم لمكيافيللي(١) ، و بعض علماء الذرة المعاصرين الذين يوافقون
____________________
(١) مكيافيللي: «نابغة ايطالي عاش في عصر الرسام العظيم رافاييل، و كان صديقا له و معينا.
و قد دفعه عقله الفذّ و خلقه الكريم الى مهاجمة أساليب الظلم و البربرية عند حكام التاريخ، فألف كتابه الشهير «الامير» الذي يصف فيه وقاحة أولئك الحكام، و شخصياتهم المبتذلة، بطريقة غير مباشرة اذ دفع الى الناس صورة عن شخصية الامير الذي يخلو من كل ضمير و كل عقل و كل ذوق و يلجأ لشتى وسائل العنف في التقتيل و الترويع و التشريد و سائر الفظائع تثبيا لمركزه.. مشيرا إلى أنّ امارات التاريخ و العصر الذي هم فيه انما «تركزت» على هذا الاسلوب السمج. و قد أخذ مكيافيللي صفات «الامير» في كتابه هذا من شخصية قيصر بورجيا ابن اسكندر بورجيا، صاحب المظالم المعروفة. و يطلق على المبدأ القائل باللجوء الى هذا الاسلوب توسّلا الى الحكم ثم الى تركيزه، اسم المكيافيلية، نسبة لمكيافيللي صاحب الكتاب.
على تجربتها على الآدميين، أ لم يتميز هؤلاء جميعا بعقول واسعة و مدارك قد تهون أمامها مدارك الآخرين؟ و مع ذلك، فما كان من شأنهم إلا التقتيل و التدمير و الاعتداء على مقدسات الحضارة و مخلّفات الجهود الانسانية، و على كرامة الحياة و الأحياء و خير الوجود ذلك أن عقولهم لم تواكبها الضمائر السليمة و العواطف الكريمة فحيث لا ضمير و لا عاطفة، لا نفع من العقل، بل قل إنه إلى المضرّة أقرب.
و لا أريد هنا التفصيل بين مختلف قوى الانسان من عاطفة و ضمير و عقل و ما إليها، فهي و لا شكّ تتفاعل و تتعاون. غير أنّ ما أردته بالعقل هو القوّة التي تعقل الأمور على صعيد يربط السبب بالنتيجة و يحكم بين العلّة و المعلول، فيدور في نطاق من الأرقام و الحدود التي لا تتأثّر، بحدّ ذاتها، بالبيئة الانسانية الخاصّة و العامّة. و على هذا الضوء أجزت هذا التفصيل.
إذن، فالعقل المكتشف لا بدّ لصاحبه من ضمير و عاطفة يدفعانه في طريق الخير.
و ما يصحّ بهذا الشأن في المشترع يصحّ في المشترع له. فالأفراد الذين يطلب إليهم أن يسيروا على هذا النظام الخيّر أو ذاك، لا بدّ لهم من اقتناع وجدانيّ، إلى جانب الاقتناع العقلي المجرّد، يدفعهم في طريق التهذيب الانسانيّ الرفيع، لبناء المجتمع الصالح. لا بدّ لهم من التمرّس بالفضائل الأخلاقيّة التي تحيط الأنظمة و التشريعات بحصون رفيعة منيعة.
لا بدّ لهم من أن يكونوا خيّرين لذلك راح عليّ يحرّك في الأفراد عواطف الخير على ما رأينا، و يوقظ فيهم ما غشّته الأيام من الضمائر السليمة. و يعمل على إنمائها و ينصح برعايتها.
توجّه عليّ إلى الضمائر بتوصياته و خطبه و عهوده و أقواله جميعا. لأنه لم يفته أنّ لتهذيب الخلق شأنا في رعاية النظم العادلة، و في بثّ الحرارة في المعاملات بين الناس. و لم يفته كذلك، أن هذا التهذيب يطلب لذاته بما هو من القيم الإنسانية، كما يطلب لحماية العدالة الاجتماعية و سننها بما هو ضبط لنوازع و توجيه لأخرى. و قد ساعده في ذلك ما أوتي من مقدرة خارقة ينفذ بها إلى أعماق الناس أفرادا و جماعات، فيدرك ميولهم و أهواءهم، و يعرف طباعهم و أخلاقهم، فيزن خيرها و شرّها، ثم يصوّر، و يطوّر، و يأمر و ينهى، على ضوء ثقته الراسخة بالضمير الانساني الذي يتوجه اليه.
كانت ثقة ابن أبي طالب بالضمير الانساني ثقة العظماء الذين تآلف فيهم العقل النيّر و القلب الزاخر بالدفء الانساني، النابض بالحب العميق الذي لا يعرف حدودا.
كانت ثقته بهذا الضمير ثقة بوذا و بتهوفن و روسّو و غاندي و سائر العظماء الذين مدّهم القلب بنور يخبو لديه كلّ نور. و على أساس هذه الثقة أرسى ابن أبي طالب حكمه و أمثاله، و على أساسها تترابط الأفكار و التوجيهات التي يخاطب بها وجدانات الناس.
و إذا كان للإمام علي مثل هذه الثقة بنواحي الخير في الناس، على ما مني به على أيديهم من نكبات و فواجع، فإنه يأبى إلاّ أن يلقي بذور هذه الثقة في قلوبهم جميعا. فهو يعرف «أنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا، و كذبا و صدقا». و لكنّ الأولى بالمرء أن يفتح عينيه و قلبه على نواحي الخير هذه، فلعلّها هي التي تنمو دون نواحي الشر. و لعلّ التعليم بالمثل و السيرة يكون أجلّ و أجدى. و قد طالما كرّر عليّ وصاياه بضرورة هذه الثقة بالضمير الانساني، و في جملة ما يقوله: «من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنه». و يقول في مكان آخر: «لا تظننّ بكلمة خرجت من أحد سوءا و أنت تجد لها في الخير محتملا» و «ليس من العدل القضاء بالظنّ على الثقة» و «و إذا استولى الصلاح على الزمان و أهله ثمّ أساء رجل الظنّ برجل لم تظهر منه خزية، فقد ظلم» و «أسوأ الناس حالا من لم يثق بأحد لسوء ظنّه، و لم يثق به أحد لسوء فعله» و قد أخطأ دارسو الإمام عليّ ساعة رأوا أنه متشائم بالناس شديد التشاؤم، متبرّم بهم كثير التبرّم. و ساعة احتجّوا لرأيهم هذا بأقوال له يهاجم بها أبناء زمانه بشدّة و عنف.
أمّا رأينا نحن فعلى العكس من ذلك تماما. رأينا أنّ عليّا لم ينقض ثقته بالانسان ساعة واحدة و إنّ نقضها ببعض الناس في بعض الظروف. فمن عرف طاقة ابن أبي طالب على احتمال المكاره تأتيه من الناس، و جلده العجيب في مقاساة الأهوال الناجمة عن الغدر و الخيانة و الفجور في الكثير من خصومه و أنصاره، ثم ما كان من أموره معهم جميعا إذ يأخذهم بالرفق و العطف ما أمكنه أن يرفق و أن يعطف، أقول: «من عرف ذلك أدرك أنّ عليّا عظيم التفاؤل بحقيقة الانسان، و بفطرته التي أضلّها المجتمع في بعض أحواله. لا يختلف في ذلك عن أخيه العظيم روسّو.
و إذا كان له في ذمّ أهل الخيانة و الغدر و الظلم قول كثير، فما ذاك إلاّ لأنه يعترف، ضمنا، أنّ الانسان ممكنا إصلاحه و لو طال على ذلك الزمن. فإنّ المتفائل وحده هو الذي يزجر المسيء كما يثيب المحسن أملا منه بتقويم الاعوجاج في الخلق و المسلك. و لو لم يكن لابن أبي طالب مثل هذا الأمل، لما استطاع احتمال ما لا يحتمل من مكاره الدهر التي جرّها عليه المسيئون، و لما صبر على ما يكره و هو إن قال في الدنيا و أهلها: «فإنّما أهلها كلاب عاوية و سباع ضارية، يهرّ بعضها بعضا، و يأكل عزيزها ذليلها، و يقهر كبيرها صغيرها»، فإنّما يقول ذلك لأنه قاسى من غدر الغادرين و فجور الفاجرين ما آلمه و آذاه. فوبّخهم هذا التوبيخ الموجع إيثارا منه لمن لا يفجر و لا يغدر و لا يكون كلبا عاويا و لا سبعا ضاريا و لا عزيزا يأكل ذليلا أو كبيرا يقهر صغيرا يقول ذلك ثم يحارب السبع الضاري و العزيز الظالم و الكبير الجائر كما يحارب الطبيب الجراثيم إيثارا منه لسلامة البدن و الروح، بل إيثارا منه للحياة على الموت، و تفاؤلا بحسن النجاة إذن، فالإمام عليّ، و هو الذي يحترم الحياة: «أعظم ما خلق اللّه، و يحترم الناس الأحياء: «أجمل نماذج هذه الحياة، عظيم الثقة بالخير الانساني. عظيم التفاؤل بالانسان يريده حرّا كما يجب أن يكون و لو لا هذه الثقة و هذا التفاؤل لما كان من أمره من الناس ما كان، و لما قال: «لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أحد سوءا و أنت تجد لها في الخير محتملا» ثمّ لما توجّه إلى الضمير الفرديّ و الجماعي بوصاياه التي تجمع عمق الفهم و حرارة العاطفة الى سموّ الغاية و نبل المقصد. هذه الوصايا التي أرادها حصنا منيعا للأخلاق العامّة، و العاطفة الانسانية، و تركيز العمل النافع على أسس الايجابية في العقل و الضمير. و استنادا الى هذه الثقة بالضمير الانساني، و تحصينا للعمل الخيّر الشريف، نراه يقيم على الناس أرصادا من أنفسهم و عيونا من جوارحهم فيخاطبهم قائلا: «اعلموا أن عليكم رصدا من أنفسكم و عيونا من جوارحكم و حفّاظ صدق يحفظون أعمالكم و عدد أنفاسكم» و استنادا إلى هذه الثقة بخير الوجود و عدله، و إلى عظمة الحياة و الأحياء، يخاطب عليّ ابن أبي طالب أبناء زمانه بما يوقظهم على أنّ الحياة حرّة لا تطيق من القيود إلاّ ما كان
سببا في مجراها و واسطة لبقائها و قبسا من ضيائها و ناموسا من نواميسها. و أنّها لا يطيب لها البقاء في مهد الأمس. فعليهم ألاّ يحاولوا غلّها و تقييدها و إلاّ أسنت و انقلبت إلى فناء.
فالحياة جميلة، كريمة، حرّة، خيّرة كالوجود أبيها، تحفظ نفسها بقوانينها الثابتة لا بما يريد لها المتشائمون من قوانين.
و هي متجدّدة أبدا، متطوّرة أبدا، لا ترضى عن تجدّدها و تطوّرها بديلا و هما أسلوب تنهجه في فتوحاتها التي تستهدف خيرا أكثر و بقاء أصلح. و ملاحظة ابن أبي طالب الدقيقة العميقة للحياة و نواميسها و هي أعظم موجودات الوجود الخيّر، مكّنت في نفسه الايمان بثوريّة الحياة المتطلّعة أبدا إلى الأمام، المتحرّكة أبدا في اتّجاه الخير الأكثر. و ثورية الحياة أصل تحرّكها و سبب تطوّرها من حسن إلى أحسن. و لهذا كانت الحياة حرّة غير مقيّدة إلاّ بشروط وجودها. و ثوريّة الحياة أصل تحرّك المجتمع الانساني و سبب تطوّره. و لو لا هذه الخاصّة لكانت الحياة شيئا من الموت و الأحياء أشياء من الجماد.
آمن ابن أبي طالب بثوريّة الحياة إيمانا أشبه بالمعرفة، أو قل هو المعرفة. فترتّب عليه إيمان عظيم بأنّ الأحياء يستطيعون أن يصلحوا أنفسهم و ذلك بأن يماشوا قوانين الحياة.
و يستطيعون أن يكونوا أسياد مصائرهم و ذلك بأن يخضعوا لعبقريّة الحياة. و قد سبق أن قلنا في حديث مضى إنّ ثوريّة الحياة ألصق مزايا الحياة بها و أعظمها دلالة على إمكاناتها العظيمة. و هي تستلزم من المؤمنين بها أن يعملوا على أساس من الثقة المطلقة بالتطوّر المحتوم، و أن ينبّهوا الخواطر إليه، و أن يستخدموا الدليل و البرهان في زجر المحافظين عن كلّ تصرّف غبيّ يتوهّم أصحابه أنّهم يستطيعون الوقوف في وجه الحياة الثائرة المتطوّرة بثورتها.
بهذه الثقة و بهذا الايمان خاطب ابن أبي طالب الانسان بقوله: «فإنك أوّل ما خلقت جاهلا ثمّ علّمت، و ما أكثر ما تجهل من الأمر، و يتحيّر فيه رأيك، و يضلّ فيه بصرك، ثم تبصره بعد ذلك» ففي هذا القول اعتراف بأنّ الحياة متطوّرة، و أنّ التعلّم إنّما هو الانتفاع بما تخزن الحياة من عبقريتها في صدور أبنائها، على ما قلنا سابقا. و فيه إيمان بالقابلية الانسانية العظيمة للتقدّم، أو قل للخير. و ما دعوته الحارّة إلى المعرفة التي تكشف كلّ
يوم عن جديد، و تبني كلّ يوم جديدا، إلاّ دليل عن الايمان بثوريّة الحياة الخيّرة و إمكانات الأحياء. فالمعرفة لديه كشف و فتح لا يهدآن.
و هو بهذا الايمان و هذه الثقة يخاطب أبناء زمانه يقول: «لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم، فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم». فلو لا تفاؤله العظيم بأنّ في الحياة جمالا، و بأنّ في الناس قابليّة التطوّر إلى الخير، لما أطلق هذا القول الذي يوجز علمه بثوريّة الحياة، و يوجز تفاؤله بإمكانات الانسان المتطوّر مع الحياة، كما يوجز روح التربية الصحيحة، و يخلّص كلّ جيل من الناس من أغلال العرف و العادة التي ارتضاها لنفسه جيل سابق.
و لابن أبي طالب في هذا المعنى قول كثير منه هذه الآيات الخالدة التي يمجّد بها العمل بوصفه حقيقة و ثورة و خيرا: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» و «قيمة كلّ امرىء ما يحسنه» و «اعلموا أنّ الناس أبناء ما يحسنون» و «لكلّ امرىء ما اكتسب».
و من أقواله ما يدفع به المرء إلى أن يطلب التقدّم بالعمل، و ألاّ يحجم أو يتراجع إذا هو أخفق كثيرا أو قليلا، لأنّ الوجود الخيّر لا يحرم أبناءه ما يستحقّون. و إذا هو حرمهم فبعض الحرمان لا كلّه. و قد يسوّى الأمر في دفعة ثانية من الطلب بواسطة العمل. و من قوله في ذلك هذه الآية: «من طلب شيئا ناله أو بعضه». و أظن أن القارىء فطن الى روح هذه العبارة التي تتألق و كأنها انبثاق عن كلمة المسيح الشهيرة: «إقرعوا إقرعوا يفتح لكم».
و لعلّ أجمل ما في المذهب العلويّ بهذا الشأن، أنّ صاحبه كان يوحّد ثوريّة الحياة و خير الوجود نصّا كما كان يوحّدهما روحا و معنى. فلشدّ ما نراه يوحّد معنى التطوّر، أو ثوريّة الحياة، بمعنى خير الوجود توحيدا لا يجعل هذا شيئا من تلك، و لا تلك شيئا من هذا، بل يجعل ثوريّة الحياة كلاّ من خير الوجود، و خير الوجود كلاّ من ثورية الحياة. و إن في آياته هذه لدليلا كريما على صحة ما نقول فليس فيها ما يحتاج إلى شرح أو تعليق. و إليك نموذجا عنها: «العاقل من كان يومه خيرا من أمسه» و «من كان
غده شرّا من يومه فهو محروم» و «من اعتدل يوماه فهو مغبون». و أخيرا إليك هذه الرائعة التي تجمع كلّ ما نحن بصدده الآن، إلى دفء الحنان العميق، إلى جمال الفن الأصيل، إلى إشراك الأيام بأحاسيس البشر: «ما من يوم يمرّ على ابن آدم إلاّ قال له: «أنا يوم جديد، و أنا عليك شهيد، فقل فيّ خيرا و اعمل خيرا فإنك لن تراني بعد أبد» و لسوف نسوق في هذا الكتاب روائع لابن أبي طالب ستبقى ما بقي الانسان الخيّر.
و إنّها لطائفة تؤلّف نهجا في الأخلاق الكريمة، و الأحلام العظيمة، و التهذيب الانسانيّ الرفيع الذي أراده انبثاقا عن ثوريّة الحياة و خير الوجود بيروت جورج جرداق
الفاتحة العلويّة
الفاتحة العلويّة
أ و أقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم مكاره الدهر؟ إمنع من الاحتكار.
إياك و الاستئثار بما الناس فيه أسوة.
أ لا و إني أقاتل رجلين: «رجلا ادّعى ما ليس له، و آخر منع الذي عليه ما جاع فقير إلا بما متّع به غنيّ ما رأيت نعمة موفورة إلاّ و إلى جانبها حقّ مضيّع و إنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها. و إنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع(١) و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ليس بلد أحق بك من بلد. خير البلاد ما حملك
____________________
(١) إشراف أنفس الولاة على الجمع: «تطلّعهم الى جمع المال و ادخاره لأنفسهم طمعا و جشعا.
الفقر في الوطن غربة لو تمثّل لي الفقر رجلا لقتلته يسأل ابن آدم يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه كيف تسيغ طعاما و شرابا و أنت تعلم أنك تأكل حراما و تشرب حراما ظلم الضعيف أفحش الظلم، و الظلم يدعو الى السيف، و خاب من حمل ظلما يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم العامل بالظلم، و المعين عليه، و الراضي به: «شركاء ثلاثة لا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك و بينه، فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه مهما كان في كتّابك موظفيك من عيب فتغابيت عنه ألزمته إن شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا، و من شركهم في الآثام ثم انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا و لا تولّهم محاباة و أثرة فإنهم جماع من شعب الجور و الخيانة إحذر كل عمل يعمل به في السرّ و يستحى منه في العلانية إن اللّه فرض على أئمة العدل ان يقدّروا انفسهم بضعفة الناس قلوب الرعية خزائن راعيها، فما أودعه فيها من عدل أو جور وجده فيها لا تظهر مودّة الرعية و لا نصيحتهم إلاّ بقلّة استثقال دولهم
إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان إنّ سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامّة إذا غضب اللّه على أمّة غلت أسعارها و غلبها أشرارها و لكنني آسى أن يلي هذه الأمّة سفهاؤها و فجّارها فيتّخذوا المال دولا و عباده خولا(١) العلماء حكّام الملوك، و البغي آخر مدة الملوك العلم دين يدان به ألأم الناس من سعى بإنسان ضعيف الى سلطان جائر إنها ساعة من الليل لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له، إلاّ أن يكون عشّارا أو عريفا أو شرطيّا(٢) ثلاثة يؤثرون المال: تاجر البحر، و صاحب السلطان، و المرتشي في الحكم إذا كان الراعي ذئبا، فالشاة من يحفظها؟ لعن اللّه الآمرين بالمعروف التاركين له، و الناهين عن المنكر العاملين به
____________________
(١) آسى: «أحزن. المال دولا، جمع دولة «بالضم» أي: شيئا يتداولونه بينهم و يتصرفون به في غير حق. خولا: عبيدا.
(٢) العشار: من يتولى أخذ الضرائب من الناس. العريف: من يتجسس على أحوال الناس و أسرارهم و يكشفها للحاكم. الشرطة: أعوان الحاكم.
و اعلموا أنكم في زمان القائل فيه بالحقّ قليل، و اللسان عن الصدق كليل، و اللازم للحق ذليل.
الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له. و القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه يأتي على الناس زمان لا يقرّب فيه إلا الماحل، و لا يظرّف إلا الفاجر، و لا يضعّف إلا المنصف(١)
____________________
(١) الماحل: الساعي في الناس بالوشاية عند الحاكم. يظرّف: يعدّ ظريفا. يضعّف يعدّ ضعيفا.
طائفة من رسائله و خطبه و عهوده و وصاياه
عبادة الأحرار
من كلام رائع له في معنى العبادة: إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التّجار و إنّ قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد و إن قوما عبدو اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار
ايّها النّاس
من خطبة له في المدينة: الاحتكار مطيّة النّصب، و الحرص داع للتقحّم في الذنوب، و الشّره جامع لمساوىء العيوب.
أيها الناس، لا كنز أنفع من العلم، و لا عزّ أرفع من الحلم، و لا سوأة أسوأ من الكذب، و لا غائب أقرب من الموت أيها الناس، من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب غيره، و من سلّ سيف البغي قتل به، و من حفر بئرا وقع فيها، و من نسي زلله استعظم زلل غيره، و من أعجب برأيه ضلّ، و من استغنى بعقله زلّ، و من تكبّر على الناس ذلّ.
في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال، و الأيام توضح السرائر الكامنة، و كفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك. و من استقبل وجوه الآراء عرف
مواقع الخطأ. و المودّة قرابة مستفادة. و عليك لأخيك مثل الذي لك عليه.
و لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى. و لكل ذي رمق قوت، و لكلّ حبّة آكل، و أنت قوت الموت.
أيها الناس، إياكم و الخديعة فإنها من خلق اللئام. تصفية العمل أشدّ من العمل(١) و تخليص النيّة من الفساد أشدّ على العاملين من طول الجهاد، هيهات لو لا التّقى لكنت أدهى العرب عليكم بكلمة الحق في الرضا و الغضب، و بالقصد في الغنى و الفقر(٢) ، و بالعدل على الصديق و العدوّ، و بالرضا في الشدة و الرخاء، و من ترك الشهوات كان حرا، و إعجاب المرء بنفسه دليل ضعف عقله. و بئس الزاد إلى المعاد: العدوان على العباد
يا أبا ذرّ
من كلام للإمام للصحابي العظيم أبي ذر الغفاري لما أخرجه الخليفة الثالث الى «الربذة» و هو موضع قفر على قرب من المدينة، و بعث من ينادي في الناس: «أ لا لا يكلّم أحد أبا ذر و لا يشيّعه» و قد تحاماه الناس إلاّ ابن أبي طالب، و عقيلا أخاه، و الحسن و الحسين ولديه، و عمّارا: يا أبا ذرّ، إنك غضبت للّه فارج من غضبت له. إن القوم خافوك على
____________________
(١) تصفية العمل خالصا لوجه الحق.
(٢) القصد الاعتدال.
دنياهم، و خفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، و اهرب بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم(١) ، و ما أغناك عمّا منعوك لو أن السموات و الأرض كانتا على عبد رتقا ثم اتّقى اللّه لجعل اللّه له منهما مخرجا لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ و لا يوحشنّك إلاّ الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبّوك، و لو قرضت منها لأمنوك
كلّما اطمأنّ
من كتاب له الى سلمان الفارسي قبل أيام خلافته: و كن آنس ما تكون بها الدنيا أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلّما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور.
السّلام عليك يا رسول اللّه
من كلام روي أنه قاله عند دفن السيدة فاطمة: السلام عليك يا رسول اللّه عني و عن ابنتك النازلة في جوارك، و السريعة اللحاق بك. قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري و رقّ عنها تجلّدي،
____________________
(١) لو قرضت منها جزءا و خصصت به نفسك و رضيت أن تنال منها مثل ما نالوا هم، لاطمأنوا اليك.
إلاّ أنّ لي في التأسّي بعظيم فرقتك و فادح مصيبتك موضع تعزّ(١) .
أمّا حزني فسرمد، و أمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار اللّه لي دارك التي أنت بها مقيم.
افضل النّاس و شرّهم
من كلام له لما اجتمع الناس عليه و شكوا مما نقموه على عثمان بن عفان، و سألوه أن يخاطب الخليفة الثالث و يستعتبه لهم. فدخل عليه فقال: إن الناس ورائي، و قد استسفروني بينك و بينهم(٢) . و اللّه ما أدري ما أقول لك ما أعرف شيئا تجهله و لا أدلك على شيء لا تعرفه.
إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، و لا خلونا بشيء فنبلغكه، و قد رأيت كما رأينا و سمعت كما سمعنا... فاللّه اللّه في نفسك فإنك و اللّه ما تبصّر من عمى، و إنّ الطرق لواضحة. فاعلم أن أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هدي و هدى. و إنّ شرّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلّ و ضلّ به. و إني سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر، يلقى في نار جهنّم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها و إني أنشدك اللّه أن لا تكون إمام هذه الأمّة المقتول، فإنه كان يقال: يقتل في هذه الأمّة إمام يفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة، و يلبس أمورها عليها،
____________________
(١) التأسي، هنا: الاعتبار بالمثال المتقدم.
(٢) استسفروني: جعلوني سفيرا و وسيطا.
و يثبّت الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا و يمرجون فيها مرجا(١) ، فلا تكوننّ لمروان سيّقة(٢) يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ و تقصّي العمر
استأثر فاساء الاثرة
من كلام له في معنى قتل عثمان: لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت قاصرا(٣) . غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه. و من خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير مني(٤) و أنا جامع لكم أمره: استأثر فأساء
____________________
(١) المرج: الخلط و التلبيس.
(٢) السيّقة: ما استاقه العدوّ من الدواب. أما مروان، فهو ابن الحكيم الشهير، و كان في عهد عثمان كاتبا له و مشيرا، و هو صاحب العلل التي نقم الناس من أجلها على الخليفة الثالث.
(٣) يقول انه لم يأمر بقتل عثمان و إلاّ كان قاتلا له، مع أنه بريء من قتله. و لم يدافع عنه بسيفه و لم يقاتل دونه و إلا كان ناصرا له. أما نهيه عن قتله بلسانه فهو ثابت، و هو الذي أمر ولديه الحسن و الحسين أن يدفعا الناس عنه.
(٤) أي ان الذين نصروه ليسوا بأفضل من الذين خذلوه، لهذا لا يستطيع ناصره أن يقول: اني خير من الذي خذله. و لا يستطيع خاذله أن يقول: ان الناصر خير مني.
يريد ان القلوب متفقة على أن ناصريه لم يكونوا في شيء من الخير الذي يفضلون به على خاذليه.
الأثرة(١) ، و جزعتم فأسأتم الجزع(٢) و للّه حكم واقع في المستأثر و الجازع(٣)
انا كأحدكم
من خطبة رائعة له لمّا أريد على البيعة بعد قتل عثمان: دعوني و التمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان، لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول(٤) و إن الآفاق قد أغامت و المحجّة قد تنكّرت(٥) ، و اعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، و لم أصغ إلى
____________________
(١) استأثر بالشيء: استبدّ به و خصّ نفسه به. أي: انه استبد فأساء الاستبداد و كان عليه أن يخفف منه فلا يؤذيكم.
(٢) أي: لم ترفقوا في جزعكم و لم تقفوا عند الحد الأولى بكم. و كان عليكم أن تقتصروا على الشكوى و لا تذهبوا في الإساءة الى درجة القتل.
(٣) أي: و للّه حكمه في المستأثر و هو عثمان. و في الجازع و هو أنتم.
(٤) لا تصبر له و لا تطيق احتماله.
(٥) أغامت: غطيت بالغيم. المحجة: الطريق. تنكرت: تغيّرت علائمها فصارت مجهولة، و ذلك أن الأطماع كانت قد تنبهت في كثير من الناس على عهد الخليفة الثالث بما نالوا من تفضيلهم بالعطاء، فلا يسهل عليهم فيما بعد أن يكونوا في مساواة مع غيرهم، فلو تناولهم العدل انفلتوا منه و طلبوا الفتنة طمعا في نيل رغباتهم، و أولئك هم أغلب الرؤساء و الوجهاء في القوم، فإن أقرّهم الإمام على ما كانوا عليه من الامتياز فقد أتى ظلما، و هو عدوّ الظلم. و الناقمون على عثمان قائمون على المطالبة بالعدل: إن لم ينالوه تحرّشوا للفتنة فأين الطريق للوصول الى الحق على أمن من الفتن؟ و قد كان بعد بيعته ما توقّع حدوثه قبلها.
قول القائل و عتب العاتب. و إن تركتموني فأنا كأحدكم و لعلّي أسمعكم و أطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، و أنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا
الحقّ لا يبطله شيء
من خطبة رائعة له خطب بها الناس ثاني يوم من بيعته بالمدينة، و هي في ما ردّه على الناس من قطائع(١) الخليفة الثالث، و في المال الذي كان عثمان قد أعطاه من مال العامة: أيها الناس، إنّما أنا رجل منكم، لي ما لكم و عليّ ما عليكم. ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، و كل مال أعطاه من مال اللّه، فهو مردود في بيت المال فإنّ الحق القديم لا يبطله شيء، و لو وجدته قد تزوّج به النساء و ملك الإماء و فرّق في البلدان لرددته. فإنّ في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق(٢) أيها الناس، ألا يقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار و فجّروا الأنهار و ركبوا الخيل و اتّخذوا الوصائف المرقّقة، إذا ما منعتهم ما كانو يخوضون فيه و أصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ألا و أيّما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول اللّه يرى أن الفضل له على سواه بصحبته، فإن الفضل غدا عند اللّه. فأنتم عباد اللّه، و المال مال اللّه، يقسّم بينكم بالسويّة و لا فضل فيه لأحد على أحد
____________________
(١) ما أعاد للناس من الأراضي.
(٢) من عجز عن تدبير أمره بالعدل فهو بالجور أشدّ عجزا.
اسفلكم اعلاكم
من كلام له لما بويع بالمدينة: ألا و إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم صلى اللّه عليه و سلّم(١) . و الذي بعثه بالحقّ لتغربلنّ غربلة و لتساطنّ سوط القدر(٢) حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم، و ليسبقنّ سابقون كانوا قد قصّروا، و ليقصرنّ سبّاقون كانوا قد سبقوا. و اللّه ما كتمت وشمة(٣) و لا كذبت كذبة ألا و إنّ الخطايا خيل شمس(٤) حمل عليها أهلها و خلعت لجمها فتقحّمت بهم في النار ألا و إنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها و أعطوا أزمّتها فأوردتهم الجنّة. حقّ و باطل، و لكلّ أهل هلك من ادّعى و خاب من افترى و من أبدى صفحته للحقّ هلك(٥) .
و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره. فاستتروا في بيوتكم و أصلحوا ذات بينكم، و التوبة من ورائكم و لا يحمد حامد إلاّ ربّه، و لا يلم لائم إلاّ نفسه
____________________
(١) ان بلية العرب التي كانت محيطة بهم يوم بعث محمد هي بلية الفرقة و التباعد و العصبية و ظلم القوي للضعيف و الغني للفقير. فتلك الحالة التي هي مهلكة للأمم قد صاروا اليها بعد مقتل عثمان.
(٢) لتغربلنّ: لتقطعنّ من. ساط، من السوط، و هو أن تجعل شيئين في القدر و تضربهما بيدك حتى يختلطها و ينقلب أعلاهما أسفلهما و أسفلهما أعلاهما.
(٣) الوشمة: الكلمة.
(٤) شمس، جمع شموس، و هو الجامح الذي يمنع ظهره أن يركب.
(٥) من أبدى صفحته للحق، أي: من كاشف الحق مخاصما له مصارحا له بالعداوة.
عفا اللّه عمّا سلف
من خطبة له خطبها بعد مقتل عثمان في أول خلافته: أيها الناس، إن الدنيا تغرّ المؤمّل لها و المخلد إليها(١) ، و لا تنفس(٢) بمن نافس فيها، و تغلب من غلب عليها. و أيم اللّه، ما كان قوم قطّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلاّ بذنوب اجترحوها، لأن اللّه ليس «بظلاّم للعبيد». و لو أن الناس حين تنزل بهم النّقم و تزول عنهم النّعم، فزعوا إلى ربّهم بصدق من نيّاتهم و وله من قلوبهم، لردّ عليهم كلّ شارد و أصلح لهم كلّ فاسد. و إني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة(٣) . و قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة، كنتم فيها عندي غير محمودين، و لئن ردّ عليكم أمركم إنكم لسعداء. و ما عليّ إلا الجهد، و لو أشاء أن أقول لقلت: عفا اللّه عمّا سلف
الرّشوة
من كتاب له الى أمراء الأجناد لما استخلف: أما بعد، فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحقّ
____________________
(١) المخلد اليها: الراكن اليها.
(٢) تنفس، مضارع نفس: تضنّ. و معنى العبارة: ان الدنيا لا تضن بمن يباري غيره في اقتنائها و عدّها من نفائسه، و لا تحرص عليه بل تهلكه.
(٣) الفترة، هنا، كناية عن الجهل و الغرور.
فاشتروه(١) و أخذوهم بالباطل فاقتدوه(٢) .
ان لم تستقيموا
من كتاب له إلى أمرائه على الثغور: أما بعد، فإنّ حقّا على الوالي أن لا يغيّره على رعيته فضل ناله و لا طول خصّ به(٣) و أن يزيده ما قسم اللّه له من نعمه دنوّا من عباده و عطفا على إخوانه.
ألا و إنّ لكم عندي أن لا أؤخّر لكم حقا عن محلّه، و أن تكونوا عندي في الحقّ سواء. فإذا فعلت ذلك وجبت للّه عليكم النعمة و لي عليكم الطاعة، و أن لا تنكصوا عن دعوة(٤) و لا تفرّطوا في صلاح، و أن تخوضوا الغمرات إلى الحق(٥) ، فإن أنتم لم تستقيموا على ذلك لم يكن أحد أهون عليّ ممّن اعوجّ منكم، ثم أعظم له العقوبة و لا يجد عندي فيها رخصة
____________________
(١) أي: حجبوا عن الناس حقّهم فاضطرّ الناس لشراء الحق منهم بالرشوة...
(٢) أي كلفوهم بإتيان الباطل فأتوه، و صار الباطل قدوة يتبعها الأبناء بعد الآباء.
(٣) الطول: عظيم الفضل. أي: من الواجب على الوالي إذا خصّ بفضل أن يزيده ذلك قربا من الناس إخوانه و عطفا عليهم، و ليس من حقه أن يتغيّر.
(٤) أي: ان لا تتأخروا إذا دعوتكم.
(٥) الغمرات: الشدائد.
أنصفوا النّاس
من كتاب له إلى عمّاله على الخراج: أنصفوا الناس من أنفسكم، و اصبروا لحوائجهم فإنكم خزّان الرعيّة(١) و وكلاء الأمة. و لا تبيعنّ للناس في الخراج كسوة شتاء و لا صيف و لا دابّة يعتملون عليها(٢) . و لا تضربنّ أحدا سوطا لمكان درهم، و لا تمسّنّ مال أحد من الناس مصلّ و لا معاهد(٣) .
أ أطلب النّصر بالجور
من كلام له لما عوتب على التسوية في العطاء: أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور في من ولّيت عليه؟ و اللّه ما أطور به ما سمر سمير و ما أمّ نجم في السماء نجما(٤) . لو كان المال لي لسوّيت
____________________
(١) المقصود هو أن الولاة يجب أن يخزنوا أموال الرعية في بيت المال لتنفق في مصالح الرعية و حاجاتها.
(٢) يقول: لا تضطروا الناس لأن يبيعوا لأجل أداء الخراج شيئا من كسوتهم، و لا من الدواب اللازمة لأعمالهم في الزرع و الحمل.
(٣) المعاهد: غير المسلم من أهل الكتاب. يقول: لا تلجأوا الى السوط تحصيلا للمال.
و لا تمسّوا مال أحد من المسلمين أو أهل الكتاب بالمصادرة.
(٤) ما أطور به: ما آمر به و لا أقاربه. و ما سمر سمير، أي: مدى الدهر.
بينهم، فكيف و إنما المال مال اللّه ألا و إنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير و إسراف.
النّاس متساوون في الحقّ
من كلام له كلّم به طلحة و الزبير بعد بيعته بالخلافة و قد عتبا من ترك مشورتهما، و الاستعانة في الأمور بهما: لقد نقمتما يسيرا و أرجأتما كثيرا(١) . ألا تخبراني أيّ شيء لكما فيه حقّ دفعتكما عنه؟ و أيّ قسم استأثرت عليكما به؟ أم أيّ حقّ رفعه إليّ أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته أم أخطأت بابه؟ و اللّه ما كانت لي في الخلافة رغبة و لا في الولاية إربة(٢) . و لكنكم دعوتموني إليها، فلما أفضت إليّ نظرت إلى كتاب اللّه، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما و لا رأي غيركما، و لا وقع حكم جهلته فأستشيركما و إخواني المسلمين، و لو كان ذلك لم أرغب عنكما و لا عن غيركما.
أمّا ما ذكرتما من أمر الأسوة(٣) ، فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي و لا ولّيته هوى مني، بل وجدت أنا و أنتما ما جاء به رسول اللّه (ص) قد فرغ منه فلم أحتج إليكما في ما قد فرغ اللّه من قسمه. أخذ اللّه بقلوبنا
____________________
(١) أي غضبتما ليسير، و أخرتما مما يرضيكما كثيرا لم تنظرا اليه.
(٢) الإربة: الغرض، و الطلبة.
(٣) الأسوة، هنا: التسوية بين الناس في قسمة الأموال، و كان ذلك قد أغضب طلحة و الزبير على ما روي.
و قلوبكم إلى الحق، و ألهمنا و إياكم الصبر. و رحم اللّه امرأ رأى حقّا فأعان عليه، أو رأى جورا فردّه، و كان عونا بالحق على صاحبه
الى أصحاب الجمل
من كتاب له بعث به إلى طلحة و الزبير و عائشة قبل موقعة الجمل: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى طلحة و الزبير و عائشة، سلام عليكم.
أما بعد، يا طلحة و الزبير، فقد علمتما أني لم أرد البيعة حتى أكرهت عليها، و أنتما ممن رضي بيعتي. فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى اللّه و ارجعا عمّا أنتما عليه. و إن كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما لي السبيل عليكما، بإظهاركما الطاعة و كتمانكما المعصية.
و أنت يا طلحة، شيخ المهاجرين، و أنت يا زبير، فارس قريش، دفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه قبل إقراركما.
و أنت يا عائشة، فإنك خرجت من بيتك عاصية للّه و لرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، و تزعمين انك تريدين الإصلاح بين الناس فخبّريني ما للنساء و قود الجيوش، و البروز للرجال و طلبت، على زعمك، دم عثمان، و عثمان من بني أمية و أنت من تيم. ثم أنت بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول اللّه: «اقتلوا نعثلا، قتله اللّه، فقد كفر» ثم تطالبين اليوم بدمه فاتّقي اللّه و ارجعي الى بيتك، و اسبلي عليك سترك و السلام.
اخرج من جحرك
من كتاب له إلى أبي موسى الأشعري، و هو عامله على الكوفة، و قد بلغه عنه تثبيطه الناس على الخروج اليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن قيس.
أما بعد، فقد بلغني عنك قول هو لك و عليك. فإذا قدم رسولي عليك فارفع ذيلك و اشدد مئزرك و اخرج من جحرك و اندب من معك(١) .
إعقل عقلك(٢) و املك أمرك و خذ نصيبك و حظك. فإن كرهت فتنحّ إلى غير رحب و لا في نجاة و اللّه إنه لحقّ مع محقّ، و ما أبالي ما صنع الملحدون
قيام الحجّة
من كلام له كلّم به بعض العرب و اسمه كليب الجرمي و قد أرسله قوم من أهل البصرة ليعلم لهم من الإمام حقيقة حاله مع
____________________
(١) رفع الذيل و شد المئزر: كناية عن التشمير للجهاد. الجحر، هنا: كناية عن المقر.
اندب: ادع.
(٢) قيده بالعزيمة و لا تدعه يذهب مذاهب التردّد.
أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم.
فبيّن له الإمام من أمره معهم ما علم به أنه على الحق، ثم قال له: بايع فقال الرجل: إني رسول قوم و لا أحدث حدثا حتى أرجع اليهم. فقال الإمام هذا القول الرائع: أ رأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث(١) فرجعت إليهم و أخبرتهم عن الكلإ و الماء فخالفوا إلى المعاطش و المجادب(٢) ، ما كنت صانعا؟
قال الرجل: كنت تاركهم و مخالفهم إلى الكلإ و الماء. فقال الإمام: فامدد إذا يدك فقال الرجل: فو اللّه ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عليّ، فبايعته عليه السلام و قيل للإمام ذات مرة: بأي شيء غلبت الأقران؟ فأجاب: ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه
اراد ان يغالط
من كلامه الزاخر بالمنطق في طلحة و موقفه من قضية عثمان، قبل مقتله و بعده: قد كنت و ما أهدّد بالحرب و لا أرهب بالضرب. و اللّه ما استعجل
____________________
(١) مساقط الغيث: المواضع التي يسقط فيها المطر فتخضرّ و تزدهر.
(٢) المعاطش، جمع معطش، و هو: مكان العطش، أي الذي لا ماء فيه. و المجادب، جمع مجدب، و هو مكان الجدب، أي القحط و المحل.
متجرّدا(١) للطلب بدم عثمان إلاّ خوفا من أن يطالب بدمه لأنه مظنّته، و لم يكن في القوم أحرص عليه منه(٢) فأراد أن يغالط بما أجلب ليلبس الأمر(٣) و يقع الشك و و اللّه ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفّان ظالما، كما كان يزعم، لقد كان ينبغي له أن يؤازر قاتليه أو أن ينابذ ناصريه. و لئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه(٤) و المعذرين فيه(٥) . و لئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله و يركد جانبا(٦) و يدع الناس معه. فما فعل واحدة من الثلاث، و جاء بأمر لم يعرف بابه و لم تسلم معاذيره
و انّى لصاحبهم
قال عبد اللّه بن العباس: دخلت على أمير المؤمنين (ع) بذي قار(٧) و هو يخصف نعله(٨) فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟
فقلت: لا قيمة لها. فقال عليه السلام: و اللّه
____________________
(١) كأنه سيف تجرد من غمده.
(٢) أحرص عليه، أي على دم عثمان، بمعنى سفكه.
(٣) يلبس الأمر: يجعله ملبسا، أي: مشتبها.
(٤) نهنهه عن الأمر: كفّه و زجره عن إتيانه.
(٥) المعذرين فيه: المعتذرين عنه في ما نقم منه.
(٦) يسكن في جانب عن القاتلين و الناصرين.
(٧) بلد بين واسط و الكوفة، و هو قريب من البصرة.
(٨) يخرزها.
لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقّا أو أدفع باطلا. ثم خرج فخطب الناس فقال (و ذلك عند خروجه لقتال أهل البصرة في وقعة الجمل): ما ضعفت و لا جبنت، و إن مسيري هذا لمثلها(١) ، فلأنقبنّ الباطل حتى يخرج الحقّ من جنبه(٢) . ما لي و لقريش و اللّه لقد قاتلتهم كافرين و لأقاتلنّهم مفتونين، و إني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم
الام اجيب؟
من كلام له في أصحاب الجمل: ألا و إنّ الشيطان قد ذمر حزبه و استجلب جلبه(٣) ليعود الجور
____________________
(١) ضمير «لمثلها» يعود إلى المعارك التي خاضها الإمام ضد قريش في حروب الإسلام ضد المشركين، و قد أشار اليها في كلام سابق لهذا الكلام. و المعنى: أنه يسير اليوم الجهاد في سبيل الحقّ كما سار قديما.
(٢) الباطل يبادر البصيرة فيشغلها عن الحق و يقوم حجابا مانعا لها عنه، فكأنه شيء اشتمل على الحق فستره. و الكلام تمثيل رائع لحال الباطل مع الحق، و حال الإمام في كشف الباطل و إظهار الحق.
(٣) ذمر: حث. الجلب: ما يجلب من بلد الى بلد.
إلى أوطانه و يرجع الباطل إلى نصابه(١) و اللّه ما أنكروا عليّ منكرا و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا(٢) . و إنهم ليطلبون حقّا هم تركوه و دما هم سفكوه. فإن كنت شريكهم فيه فإنّ لهم لنصيبهم فيه، و لئن كانوا ولّوه دوني فما التّبعة إلاّ عندهم، و إنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم يا خيبة الداعي من دعا؟ و إلام أجيب؟(٣) و إني لراض بحجّة اللّه عليهم و علمه فيهم، فإن أبوا أعطيتهم حدّ السيف و كفى به شافيا من الباطل و ناصرا للحق و من العجب بعثهم إليّ أن أبرز للطّعان و أن أصبر للجلاد هبلتهم الهبول(٤) لقد كنت و ما أهدّد بالحرب و لا أرهب بالضرب، و إني على يقين من ربّي و غير شبهة من ديني.
____________________
(١) النصاب: الأصل، أو المنبت و أول كل شيء. و في كلامه هذا إشارة صريحة الى رغبة من يعنيهم في إعادة الأثرة و الظلم و اقتناص المغانم إلى ادارة الدولة كما كانت في عهد بطانة الخليفة الثالث، و لا يتأتّى لهم ذلك إلا بتأليب الناس على الخليفة الجديد، و هو الإمام، الذي لا يطمعون في أيامه بأن يعود اليهم ما ألفوه في السابق من حرية التصرف بأموال الدولة و أحوال الناس.
(٢) النصف: العدل. أي: لم يحكموا العدل بيني و بينهم.
(٣) من: استفهامية. و ما (في إلام) استفهامية أيضا و قد حذفت منها الألف لدخول «إلى» عليها. و يقصد بالداعي أحد قادة خصومه في موقعة الجمل إذ دعا الإمام إلى أن يبرز للطعان و كأنه يهدده بالحرب و نتائجها. و قوله «من دعا؟» استفهام عن الداعي و دعوته، استهانة بهما.
(٤) هبلتهم: ثكلتهم. و الهبول: المرأة التي لا يبقى لها ولد. و هو دعاء عليهم بالهلاك لعدم معرفتهم بأقدار أنفسهم.. أ بالحرب يهدّد ابن أبي طالب؟
في لجّة بحر
من كلام له في ذمّ أهل البصرة بعد موقعة الجمل: كنتم جند المرأة و أتباع البهيمة(١) : رغا فأجبتم، و عقر فهربتم.
أخلاقكم دقاق و عهدكم شقاق و دينكم نفاق و ماؤكم زعاق(٢) ، و المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه، و الشاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه. و ايم اللّه لتغرقنّ بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ طير في لجّة بحر(٣) .
قتلوهم صبرا و غدرا
من خطبة له في ذكر أصحاب الجمل: فخرجوا يجرّون حرمة رسول اللّه(٤) صلى اللّه عليه و آله، متوجّهين بها إلى البصرة: فحبسوا نساءهم في بيوتهم و أبرزوا حبيس رسول اللّه (ص) لهم و لغيرهم في جيش ما منهم رجل إلاّ و قد أعطاني الطاعة و سمح لي بالبيعة طائعا غير مكره، فقدموا على عاملي بها و خزّان بيت مال المسلمين و غيرهم من أهلها: فقتلوا طائفة صبرا(٥) و طائفة غدرا فو اللّه لو لم يصيبوا من
____________________
(١) يريد الجمل.
(٢) دقة الأخلاق: دناءتها. زعاق: مالح.
(٣) الجؤجؤ: الصدر.
(٤) حرمة رسول اللّه كناية عن زوجته، و أراد بها السيدة عائشة.
(٥) القتل صبرا: أن تحبس الشخص ثم ترميه حتى يموت.
المسلمين إلاّ رجلا واحدا معتمدين لقتله بلا جرم جرّه، لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه
الّذين قاتلوني
من كلام له في معنى وقعة الجمل: بليت في حرب الجمل بأشدّ الخلق شجاعة، و أكثر الخلق ثروة و بذلا، و أعظم الخلق في الخلق طاعة، و أو فى الخلق كيدا و تكثّرا: بليت بالزّبير لم يردّ وجهه قط. و بيعلى بن منيّة يحمل المال على الإبل الكثيرة و يعطي كلّ رجل ثلاثين دينارا و فرسا على أن يقاتلني. و بعائشة ما قالت قط بيدها هكذا إلا و اتّبعها الناس. و بطلحة لا يدرك غوره و لا يطال مكره
بكم ذوو كلام
من خطبة له في تقريع أصحابه بالكوفة: و لئن أمهل الظالم فلن يفوت أخذه و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه.
أما و الذي نفسي بيده ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحقّ منكم، و لكنّ لإسراعهم إلى باطل صاحبهم و إبطائكم عن حقي. و لقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، و أصبحت أخاف ظلم رعيتي: استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، و أسمعتكم فلم تسمعوا، و دعوتكم سرا و جهرا فلم تستجيبوا، و نصحت لكم فلم تقبلوا. أ شهود كغيّاب(١)
____________________
(١) شهود، جمع شاهد و هو الحاضر.
و عبيد كأرباب؟ أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، و أعظكم بالموعظة فتتفرقون عنها، و أحثّكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر القول حتى أراكم متفرّقين أيادي سبا ترجعون إلى مجالسكم و تتخادعون عن مواعظكم.
أيها الشاهدة أبدانهم الغائبة عقولهم المختلفة أهواؤهم المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه، و صاحب أهل الشام يعصى اللّه و هم يطيعونه لوددت و اللّه أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم و أعطاني رجلا منهم.
يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث و اثنتين: صمّ ذوو أسماع، و بكم ذوو كلام، و عمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء و لا و لا إخوان نقة عند البلاء
لا تنتقم من عدوّ
من كتاب له الى عبد اللّه بن عباس عامله على البصرة، و كان عباس قد اشتدّ على بني تميم لأنهم كانوا مع طلحة و الزبير يوم الجمل، فأقصى كثيرا منهم، فعظم ذلك على الإمام عليّ الذي يأبى قلبه الكبير الانتقام، فكتب الى عباس يردعه و يؤنبه و يقرر حقيقة نتجاهلها اليوم.. و هي أن رأس الدولة مسؤول هو أيضا عن أعمال موظفيه الذين ولاّهم أمور الناس.. قال: حادث أهلها بالإحسان إليهم و احلل عقدة الخوف عن قلوبهم
و قد بلغني تنمّرك لبني تميم(١) و غلظتك عليهم، فاربع(٢) أبا العباس، رحمك اللّه، في ما جرى على لسانك و يدك من خير و شرّ، فإنّا شريكان في ذلك، و كن عند صالح ظنّي بك، و لا يفيلنّ(٣) رأيي فيك
النّساء
من خطبة له بعد حرب الجمل في ذم النساء: فاتّقوا شرار النساء و كونوا من خيارهنّ على حذر. و لا تطيعوهنّ في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر
ارباب سوء
من خطبة له في التحذير من بني أمية: ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة، فإنها فتنة عمياء مظلمة. و ايم اللّه لتجدنّ بني أمية لكم أرباب سوء بعدي كالنّاب
____________________
(١) تنمرّك: تنكر أخلاقك.
(٢) اربع: ارفق وقف عند حدّ ما تعرف. يريد الإمام أمره بالتثبّت في جميع ما يعتمده فعلا و قولا من خير و شر و ألا يعجل به لأنه شريكه به، فإنه عامله و نائب عنه.
(٣) فال رأيه: ضعف.
الضروس(١) : تعذم بغيها و تخبط بيدها و تزبن برجلها(٢) و تمنع درّها، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلاّ نافعا لهم. و لا يزال بلاؤهم حتى لا يكون أنتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربّه و الصاحب من مستصحبه(٣) ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشيّة(٤) و قطعا جاهلية
لا مدر و لا وبر
من كلام له في بني أمية: و اللّه لا يزالون حتى لا يدعوا للّه محرّما إلا استحلّوه، و لا عقدا إلاّ حلّوه، و حتى لا يبقى بيت مدر و لا وبر إلاّ دخله ظلمهم(٥) و حتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه و باك يبكي لدنياه، و حتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده، إذا شهد أطاعه، و إذا غاب اغتابه
____________________
(١) الناب: الناقة المسنّة. الضروس: السيئة الخلق تعضّ حالبها.
(٢) تعذم: تأكل بخفاء و تعض. تزبن: تضرب.
(٣) التابع من متبوعه، أي: انتصار الأذلاّء، و ما هو بانتصار.
(٤) شوهاء: قبيحة المنظر. مخشيّة: مرعبة.
(٥) بيوت المدر: المبنية من طين. و بيوت الوبر: الخيام.
رحب البلعوم
من كلام له لأصحابه: أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن(١) يأكل ما يجد و يطلب ما لا يجد أ لا و إنه سيأمركم بسبّي و البراءة مني. أمّا السبّ فسبّوني، فإنه لي زكاة و لكم نجاة. و أمّا البراءة فلا تتبرّأوا مني، فإني ولدت على الفطرة و سبقت إلى الايمان و الهجرة
نهم الاثرياء
من كتاب له الى معاوية، و فيه نظرة الإمام الصائبة الى أصحاب الثراء الذين لا يزيدهم المال إلا نهما و حرصا على الاستزادة منه: أمّا بعد، فإنّ الدنيا مشغلة عن غيرها، و لم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها و لهجا بها(٢) . و لن يستغني صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها. و من وراء ذلك فراق ما جمع و نقض ما أبرم. و لو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي، و السلام.
____________________
(١) مندحق البطن: عظيم البطن بارزه كأنه لعظمه مندلق من بدنه يكاد يبين عنه.
و الواضح أن المقصود بهذا الكلام هو معاوية.
(٢) لهجا: ولوعا و شدّة حرص.
مع الحقّ
كتب معاوية إلى الإمام علي يطلب اليه أن يترك له الشام، فكتب اليه الإمام جوابا جاء فيه: فأمّا طلبك إليّ الشام، فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس و أمّا قولك «إن الحرب قد أكللت العرب إلاّ حشاشات أنفس بقيت» أ لا و من أكله الحقّ فإلى الجنّة، و من أكله الباطل فإلى النار. و أمّا استواؤنا في الحرب و الرجال فلست بأمضى على الشك منّي على اليقين
ناقل التّمر الى هجر
من كتاب له الى معاوية أيضا جوابا: أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء اللّه محمدا صلى اللّه عليه لدينه، و تأييده إياه بمن أيّده من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء اللّه عندنا و نعمته علينا في نبيّنا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر أو داعي مسدّده إلى النضال(١) .
____________________
(١) هجر: مدينة في البحرين كثيرة النخيل. المسدّد: معلم رمي السهام. النضال: المراماة. يقول: كنت في ذلك كمن ينقل التمر إلى مصدره و يدعو معلمه في الرمي الى المناضلة، و هما مثلان لناقل الشيء الى معدنه و المتعالم على معلّمه.
ثم ذكرت ما كان من أمري و أمر عثمان، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه(١) فأيّنا كان أعدى له و أهدى إلى مقاتله(٢) : أ من بذل له نصرته فاستقعده و استكفّه(٣) ؟ أم من استنصره فتراخى عنه و بثّ المنون إليه(٤) حتى أتى قدره عليه؟
و ما كنت لأعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثا(٥) ، فإن كان الذنب إليه إرشادي و هدايتي له، فربّ ملوم لا ذنب له.
اتّق اللّه
من كتاب له الى معاوية ايضا: فاتّق اللّه في ما لديك، و انظر في حقّه عليك، و ارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته. و إن نفسك قد أولجتك شرا و أقحمتك غيّا(٦) و أوردتك المهالك و أوعرت عليك المسالك.
____________________
(١) أي لقرابتك منه يصح الجدال معك في أمره.
(٢) أعدى: أشد عدوانا. المقاتل: وجوه القتل.
(٣) استقعده و استكفه: طلب اليه أن يقعد عن نصرته و أن يكفّ عن مساعدته. و الذي بذل النصرة هو الإمام. و الذي استقعد الإمام و استكفّه هو عثمان.
(٤) المعنى هو أن عثمان استنصر بعشيرته من بني أمية كمعاوية، فخذلوه و خلّوا بينه و بين الموت فكأنهم أفضوا بالموت إليه.
(٥) نقم عليه: عاب عليه. الأحداث: جمع حدث، و هو هنا البدعة.
(٦) أولجتك: أدخلتك. أقحمتك غيّا: رمت بك في الضلال.
ارديت جيلا من النّاس
من كتاب له الى معاوية أيضا: و أرديت جيلا من الناس كثيرا: خدعتهم بغيّك و ألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظلمات و تتلاطم بهم الشبهات، فجازوا عن وجهتهم(١) و نكصوا على أعقابهم(٢) و تولّوا على أدبارهم و عوّلوا على أحسابهم إلاّ من فاء من أهل البصائر(٣) .
خدعة الصّبيّ
و من كتاب له الى معاوية جوابا: و ذكرت أني قتلت طلحة و الزبير و شرّدت بعائشة و نزلت المصرين(٤) و ذلك أمر غبت عنه فلا عليك، و لا العذر فيه إليك.
و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل في ما دخل فيه الناس(٥) ثم حاكم
____________________
(١) جازوا عن وجهتهم: بعدوا عن جهة قصدهم، أي كانوا يقصدون حقا فمالوا إلى باطل.
(٢) نكصوا: رجعوا.
(٣) عولوا: اعتمدوا. أي: اعتمدوا على شرف قبائلهم فتعصبوا تعصّب الجاهلية و نبذوا نصرة الحق. فاء: رجع (إلى الحق).
(٤) شرد به: طرده و فرّق أمره. المصران: الكوفة و البصرة.
(٥) ما دخل فيه الناس هو: البيعة.
القوم إليّ أحملك و إياهم على كتاب اللّه تعالى. و أمّا تلك التي تريد(١) فإنها خدعة الصبيّ عن اللبن(٢) .
سبحان اللّه يا معاوية
من كتاب له الى معاوية أيضا: فسبحان اللّه ما أشدّ لزومك للأهواء المبتدعة، مع تضييع الحقائق.
فأمّا إكثارك الحجاج في عثمان و قتلته(٣) ، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك، و خذلته حيث كان النصر له(٤) و السلام؟
يغدر و يفجر
من كلام له في مسلكه و مسلك معاوية: و اللّه ما معاوية بأدهى مني، و لكنه يغدر و يفجر. و لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس
____________________
(١) تلك التي تريد: ولاية الشام. و كان الإمام يأبى أن يبقي معاوية في هذه الولاية.
(٢) خدعة يصرف بها الصبي أول فطامه عن اللبن. و المقصود هنا: ما تصرف به عدوّك عن قصدك به في الحروب و ما إليها من أحوال الخصومة.
(٣) الحجاج: الجدال.
(٤) نصرت عثمان بعد مقتله.. حيث كان في الانتصار له فائدة لك تتّخذه ذريعة لجمع الناس إلى أغراضك. أما و هو حي، و كان انتصارك له يفيده، فقد خذلته و أبطأت عنه.
ثمن البيعة
من خطبة له: و لم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا(١) فلا ظفرت يد البائع، و خزيت أمانة المبتاع. فخذوا للحرب أهبتها و أعدّوا لها عدّتها
كلة الرّشا
و قد ورد مثل المعنى السابق أيضا في كتاب بعث به الإمام الى جماعة من أصحابه. قال: إنّما تقاتلون أكلة الرّشا و عبيد الدنيا و البدع و الأحداث. لقد نمي إليّ أن ابن الباغية(٢) لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يأتيه أتاوة هي أعظم ممّا في يديه من سلطان، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، و تربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال الناس
____________________
(١) ضمير «يبايع» يعود إلى عمرو بن العاص، فإنه شرط على معاوية أن يوليه مصر لو تمّ له الأمر. و هذا ما كان بعد ذلك.
(٢) المقصود هو عمرو بن العاص.
اذهبت دنياك و آخرتك
من كتاب له الى عمرو بن العاص يوم لحق بمعاوية: فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا المرىء ظاهر غيّه مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه و يسفّه الحليم بخلطته، فاتّبعت أثره و طلبت فضله اتّباع الكلب للضرغام(١) : يلوذ إلى مخالبه و ينتظر ما يلقي إليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك و آخرتك و لو بالحقّ أخذت أدركت ما طلبت. فإن يمكّنّي منك و من أبي سفيان أجزكما بما قدّمتما.
لاشدّنّ عليك
من كتاب له الى زياد بن أبيه و هو على البصرة: و إني أقسم باللّه قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من فيء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا(٢) لأشدّنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر(٣) ثقيل الظهر ضئيل الأمر، و السلام.
____________________
(١) الضرغام: الأسد.
(٢) الفيء: المال من غنيمة أو خراج.
(٣) لأشدن عليك شدة: لأحملنّ عليك حملة. الوفر المال.
متمرّغ في النعيم
و من كتاب له إلى زياد بن أبيه أيضا: أ ترجو أن يعطيك اللّه أجر المتواضعين و أنت عنده من المتكبّرين؟ و تطمع، و أنت متمرّغ في النعيم تمنعه الضعيف و الأرملة، أن يوجب لك ثواب المتصدّقين؟ و إنّما المرء مجزيّ بما أسلف(١) و قادم على ما قدّم.
احذر معاوية
من كتاب له الى زياد بن أبيه أيضا و قد بلغه ان معاوية كتب اليه يريد خديعته باستلحاقه: و قد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزلّ لبّك و يستفلّ غربك(٢) فاحذره، فإنما هو الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه و من خلفه، و عن يمينه و عن شماله، ليقتحم عليه غفلته و يستلب غرّته(٣) .
____________________
(١) أسلف: قدّم في سالف أيامه.
(٢) يستزل: يطلب به الزلل، و هو الخطأ. الغرب: الحدّة و النشاط. يستفل غربك: يطلب ثلم حدّتك.
(٣) يقتحم غفلته: يدخل غفلته بغتة فيأخذه فيها. و تشبيه الغفلة بالبيت يسكن فيه الغافل، من روائع التشببه. الغرة: خلوّ العقل من ضروب الحيل، و المراد منها العقل الغر و الساذج.
النّاس عندنا اسوة
من كتاب له الى سهل بن حنيف الأنصاري، و هو عامله على المدينة، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية: أمّا بعد، فقد بلغني أن رجالا ممّن قبلك(١) يتسلّلون إلى معاوية، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم و يذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غيّا و لك منهم شافيا(٢) . و قد عرفوا العدل و رأوه و سمعوه و وعوه، و علموا أن الناس عندنا أسوة فهربوا إلى الأثرة(٣) فبعدا لهم و سحقا(٤) إنهم و اللّه لم ينفروا من جور و لم يلحقوا بعدل
يا اشباه الرّجال
من خطبة له بعد أن غزا سفيان بن عوف من بني غامد، بلدة الأنبار على الشاطىء الشرقي للفرات. و قد بعثه معاوية لشنّ الغارات على أطراف العراق تهويلا على أهله.
____________________
(١) قبلك: عندك.
(٢) يتسللون: يذهبون واحدا بعد واحد. غيا: ضلالا. يقول: فرارهم كاف في الدلالة على ضلالهم. و الضلال داء شديد في بنية الجماعة، و قد كان فرار هؤلاء الضالين شفاء للجماعة من هذا الداء.
(٣) الأثرة: اختصاص النفس بالمنفعة و تفضيلها على غيرها بالفائدة
(٤) السحق، بضم السين: البعد البعيد.
و هذا أخو غامد و قد وردت خيله الأنبار و قد قتل حسّان بن حسان البكري و أزال خيلكم عن مسالحها(١) . و قتل منكم رجالا صالحين.
و لقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة(٢) فينتزع حجلها(٣) و قلبها(٤) و قلائدها و رعاثها(٥) ما تمنع منه إلا بالاسترجاع(٦) و الاسترحام ثم انصرفوا وافرين(٧) ما نال رجلا منهم كلم و لا أريق لهم دم. فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به جديرا. فيا عجبا، و اللّه، يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم، فقبحا لكم و ترحا(٨) حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الصيف قلتم: هذه حمارّة القيظ(٩) أمهلنا يسبّخ عنّا الحرّ(١٠) و إذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارّة القرّ(١١) أمهلنا
____________________
(١) جمع مسلحة، و هي: الثغر و المرقب حيث يخشى طروق الأعداء.
(٢) المعاهدة: الذمية، أي الداخلة في ذمة المسلمين و في حمايتهم. و أهل الذمة هم أهل الكتاب من غير المسلمين.
(٣) الحجل: الخلخال.
(٤) القلب، بالضم، كقفل: السوار.
(٥) الرعاث جمع رعثة: القرط.
(٦) الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء.
(٧) وافرين: تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم.
(٨) ترحا: هما و حزنا.
(٩) حمارّة القيظ، بتشديد الراء: شدة الحر.
(١٠) يسبخ: يخفف و يسكّن.
(١١) صبارّة الشتاء، بتشديد الراء: شدة برده. و القر: البرد، و في كتب فقه اللغة ان «القر» هو برد الشتاء خاصة، أما «البرد» فعامّ فيه و في بقية الفصول.
ينسلخ عنّا البرد كلّ هذا فرارا من الحرّ و القرّ، فأنتم و اللّه من السيف أفرّ، يا أشباه الرجال و لا رجال حلوم الأطفال، و عقول ربّات الحجال(١) لوددت أني لم أركم و لم أعرفكم معرفة و اللّه جرّت ندما و أعقبت سدما(٢) قاتلكم اللّه لقد شحنتم صدري غيظا و أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان و الخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب للّه أبوهم و هل أحد منهم أشدّ لها مراسا و أقدم فيها مقاما مني؟ لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و ها أنا ذا قد ذرّفت على الستين(٣) ، و لكن لا رأي لمن لا يطاع
لو ضربته بسيفى
من كلام له: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني. و لو صببت الدنيا بجمّاتها(٤) على المنافق على أن يحبّني ما أحبّني
____________________
(١) ربات الحجال: النساء.
(٢) السدم: الهمّ مع الأسف و الغيظ.
(٣) ذرفت على الستين: زدت عليها.
(٤) جمّات، جمع جمة، بفتح الجيم، و هي من السفينة مجتمع الماء المترشح من ألواحها، أي: لو كفأت عليه الدنيا بجليلها و حقيرها.
ا قولا بغير علم
من خطبة له في تأنيب المتخاذلين من أصحابه: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصمّ الصّلاب و فعلكم يطمع فيكم الأعراء(١) ما عزّت دعوة من دعاكم و لا استراح قلب من قاساكم أيّ دار بعد داركم تمنعون؟ و مع أيّ إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور و اللّه من غررتموه، و من فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب أصبحت و اللّه لا أصدّق قولكم و لا أطمع في نصركم و لا أوعد العدوّ بكم ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبّكم؟ القوم رجال أمثالكم أ قولا بغير علم؟ و غفلة من غير ورع؟ و طمعا في غير حق؟
لا اصلحكم بافساد نفسي
و من كلام له في تأنيب المتخاذلين من أصحابه أيضا: كم أداريكم كما تدارى الثياب المتداعية كلّما حيصت من جانب
____________________
(١) الصم، جمع أصم، و هو من الحجارة الصلب. و الصلاب: الشديدة، أي تقولون من الكلام ما يفلق الحجر بشدّته و قوته، ثم يكون فعلكم من الضعف و الاختلال بحيث يطمع فيكم العدوّ.
تهتّكت من آخر(١) أ كلّما أطلّ عليكم منسر من مناسر(٢) أهل الشام أغلق كلّ رجل منكم بابه، و انجحر انجحار الضّبّة في جحرها و الضبع في وجارها(٣) ؟ الذليل و اللّه من نصرتموه و إنكم و اللّه لكثير في الباحات قليل تحت الرايات، و إني لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم(٤) و لكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي
الرّاي مع الاناة
من كلام له و قد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جريرا بن عبد اللّه البجلي إلى معاوية: إن استعدادي لحرب أهل الشام و جرير عندهم إغلاق للشام، و صرف لأهله عن خير إن أرادوه. و الرأى عندي مع الأناة.
و لقد ضربت أنف هذا الأمر و عينه(٥) و قلّبت ظهره و بطنه، فلم أر
____________________
(١) المتداعية: الخلقة المتخرقة. و مداراتها: استعمالها بالرفق التام.
(٢) المنسر: القطعة من الجيش تمر أمام الجيش الكثير.
(٣) انجحر: دخل الجحر أو الوجار.
(٤) أودكم: اعوجاجكم.
(٥) مثل تقوله العرب في الاستقصاء في البحث و التأمل.
لي إلاّ القتال أو الكفر(١) . إنه قد كان على الناس وال أحدث أحداثا(٢) و أوجد للناس مقالا، فقالوا: ثم نقموا فغيّروا.
لقد سئمت عتابكم
من خطبة له في استنفار الناس إلى أهل الشام: أفّ لكم، لقد سئمت عتابكم إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة(٣) ، و من الذهول في سكرة ما أنتم إلاّ كإبل ضلّ رعاتها فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر تكادون و لا تكيدون، و تنقص أطرافكم فلا تمتعضون(٤) ، لا ينام عليكم و أنتم في غفلة ساهون، غلب و اللّه المتخاذلون و ايم اللّه إني لأظنّ بكم أن لو حمس الوغى و استحرّ الموت قد انفرجتم عن ابن أبي
____________________
(١) المراد بالكفر هنا: الفسق، لأن ترك القتال تهاون بالنهي عن المنكر، و هو فسق.
(٢) يريد من الوالي الخليفة الذي كان قبله، و تلك الأحداث معروفة في التاريخ، و هي التي أدّت بالقوم الى التألب على قتله.
(٣) دوران الأعين: اضطرابها من الجزع، و من غمره الموت يدور بصره. و غمرة الموت: الشدة التي تنتهي اليه.
(٤) تغضبون.
طالب انفراج الرأس(١) . و اللّه إن أمرأ يمكّن عدوّه من نفسه يعرق لحمه(٢) و يهشم عظمه و يفري جلده، لعظيم عجزه ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره(٣) . أنت فكن ذاك إن شئت(٤) فأمّا أنا فو اللّه دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام(٥) و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء
بقاء الدّولة
من خطبة له خطبها بصفين: أما بعد، فقد جعل اللّه سبحانه لي عليكم حقّا بولاية أمركم، و لكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم، فالحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف(٦) ، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، و لا يجري عليه إلا جرى له.
____________________
(١) حمس: اشتد و صلب. استحر: بلغ في النفوس غاية حدّته. و قوله «انفراج الرأس» يعني انفراجا لا التئام بعده، فإن الرأس اذا انفرج عن البدن أو انفرج أحد شقيه عن الآخر لم يعد للالتئام.
(٢) يأكل لحمه حتى لا يبقى منه شيء على العظم.
(٣) الجوانح: الضلوع تحت الترائب. يريد ضعيف القلب.
(٤) يمكن ان يكون خطابا عاما لكل من يمكّن عدوّه من نفسه. و يروى انه خطاب للأشعث بن قيس عند ما قال له: «هلاّ فعلت فعل عثمان» فأجابه الإمام بقوله هذا.
(٥) فراش الهام: العظام الرقيقة التي تلي القحف.
(٦) يتسع القول في وصفه حتى إذا وجب الحقّ على الانسان الواصف له، فرّ من أدائه و لم ينتصف من نفسه كما ينتصف لها.
ثم جعل، سبحانه، من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلا ببعض(١) . و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية و حقّ الرعية على الوالي، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة و لا يصلح الولاة إلا باستقامة الرعية. فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقه و أدّى الوالي اليها حقّها عزّ الحقّ بينهم، و اعتدلت معالم العدل، فصلح بذلك الزمان و طمع في بقاء الدولة و يئست مطامع الأعداء. و إذا غلبت الرعية واليها، أو أجحف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة و ظهرت معالم الجور فعمل بالهوى و عطّلت الأحكام و كثرت علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار.
و ليس امرؤ و إن عظمت في الحقّ منزلته بفوق أن يعان على ما حمّله اللّه من حقّه، و لا امرؤ و إن صغّرته النفوس و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.
____________________
(١) أي: لا يستحق أحد شيئا إلا بأدائه مكافأة ما يستحقه.
هنا أجابه رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه و يذكر سمعه و طاعته له.
فقال الإمام هذا القول الرائع: و إنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظنّ بهم حبّ الفخر و يوضع أمرهم على الكبر. و قد كرهت أن يكون جال في ظنّكم أني أحبّ الإطراء و استماع الثناء، و لست بحمد اللّه كذلك، فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة، و لا تتحفّظوا مني بما يتحفّظ به عند أهل البادرة(١) و لا تخالطوني بالمصانعة، و لا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي، فإنه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطىء؟
السّلم اولى
من كلام له و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفّين: أمّا قولكم: أ كلّ ذلك كراهية الموت؟ فو اللّه ما أبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ و أمّا قولكم شكّا في أهل الشام فو اللّه ما
____________________
(١) البادرة: الحدة و الغضب.
ما دفعت الحرب يوما إلا و أنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي و تعشو إلى ضوئي(١) ، و ذلك أحبّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها، و إن كانت تبوء بآثامها.
الوصيّة الشريفة
من وصية له لعسكره قبل لقاء العدو بصفّين: لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإنكم بحمد اللّه على حجّة، و ترككم إياهم حتى يبدأوكم حجة أخرى لكم عليهم. فإذا كانت الهزيمة بإذن اللّه فلا تقتلوا مدبرا و لا تصيبوا معورا(٢) و لا تجهزوا على جريح، و لا تهيجوا النساء بأذى و إن شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم
اللّهمّ جنّب المنتصر البغي
من خطبة له لما عزم على لقاء القوم بصفّين: اللهمّ ربّ هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام، و مدرجا
____________________
(١) تعشو الى الضوء: تستدل عليه في الظلام فتهتدي اليه.
(٢) المعور: الذي أمكن من نفسه و عجز عن حمايتها.
للهوامّ و الأنعام، و ما لا يحصى ممّا يرى و ممّا لا يرى و ربّ الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا و للخلق اعتمادا(١) ، إن أظهرتنا(٢) على عدوّنا فجنّبنا البغي و سدّدنا للحقّ. و إن أظهرتهم علينا فارزقنا الشّهادة و اعصمنا من الفتنة
اللهم اصلح ذات بيننا و بينهم
من كلام له بصفّين و قد سمع قوما من أصحابه يسبّون أهل الشام ردا على سب أهل الشام إياه: إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين. و لكنكم لو وصفتم أعمالهم و ذكرتهم حالهم، كان أصوب في القول و أبلغ في العذر، و قلتم مكان سبّكم إياهم: اللهمّ احقن دماءنا و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و أهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحقّ من جهله و يرعوي عن الغيّ و العدوان من لهج به(٣) .
____________________
(١) اعتمادا: معتمدا، أي ملجأ يعتصمون به إذا طردتهم الغارات من السهول. و كما ان الجبال الرواسي هي ملجأ يعتصم به الانسان، هي ايضا للحيوانات تعتصم بها
(٢) أظهرتهم: نصرتهم و جعلت لهم الغلبة
(٣) الارعواء: النزوع عن الغي و الرجوع عن وجه الخطأ. لهج به: أولع به فثابر عليه.
و نطق بالسنتهم
و من خطبة له اتّخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا(١) و اتّخذهم له أشراكا، فباض و فرّخ في صدورهم، و دبّ و درج في جحورهم، فنظر بأعينهم و نطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل و زيّن لهم الخطل(٢) فعل من قد شرّكهم الشيطان في سلطانه و نطق بالباطل على لسانه.
جعلوهم حكّاما على الرّقاب
سأل الإمام سائل عن أحاديث البدع و عمّا في أيدي الناس من اختلاف الخبر. فقال في جملة ما قال: إنّ في أيدي الناس حقا و باطلا، و صدقا و كذبا. و قد أخبرك اللّه عن المنافقين بما أخبرك و وصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده يعني النبي فتقرّبوا إلى أئمة الضلالة و الدّعاة إلى النار بالزّور و البهتان، فولّوهم الأعمال و جعلوهم حكّاما على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا. و إنما الناس مع الملوك إلاّ من عصم اللّه
____________________
(١) ملاك الشيء: قوامه الذي يملك به.
(٢) الخطل: أقبح الخطأ.
صنفان
و من كلام له في محبّيه و مبغضيه: و سيهلك فيّ صنفان: محبّ مفرط يذهب به الحب إلى غير الحقّ، و مبغض مفرط يذهب به البغض الى غير الحق. و خير الناس فيّ حالا النمط الأوسط فالزموه، و الزموا السواد الأعظم فإن يد اللّه مع الجماعة و من كلامه في هؤلاء: هلك فيّ رجلان: محبّ غال، و مبغض قال.
و من كلامه أيضا و قد توفي سهل بن حنيف الانصاري بالكوفة بعد رجوعه معه من صفين، و كان من أشد أنصار الإمام اندفاعا في سبيل الحق: لو أحبّني جبل لتهافت(١) .
____________________
(١) تهافت: تساقط بعد ما تصدّع.
ائمّة العدل
عاد الإمام العلاء بن زياد الحارثي بالبصرة، و هو من أصحابه. فلما رأى سعة داره قال له: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا؟ أما أنت اليها في الآخرة كنت أحوج؟ و بلى، إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري فيها الضيف، و تصل فيها الرحم، و تطلع منها الحقوق مطالعها(١) فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو اليك أخي عاصم بن زياد. قال: و ما له؟
قال: لبس العباءة و تخلّى عن الدنيا. قال: عليّ به. فلما جاء قال: يا عديّ نفسه(٢) لقد استهام بك الخبيث. أما رحمت أهلك و ولدك أ ترى اللّه أحلّ لك الطيّبات و هو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على اللّه من ذلك(٣) .
____________________
(١) أطلع الحق مطلعه: أظهره حيث يجب أن يظهر.
(٢) عدي: تصغير عدو.
(٣) في هذا الكلام بيان أن أطايب الدنيا لا تبعد الإنسان عن اللّه لطبيعتها، و لكن لسوء القصد منها.
قال عاصم: يا أمير المؤمنين، ها أنت في خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك قال الإمام: ويحك، إني لست كأنت. إن اللّه فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيّغ بالفقير فقره(١) .
لو اعطيت الاقاليم السّبعة
من كلام رائع له في صفة نفسه حافظا لأموال العامة، و ذلك بعد أن أملق أخوه عقيل بن أبي طالب فاستعطاه: و اللّه لأن أبيت على حسك السّعدان(٢) مسهّدا، و أجرّ في الأغلال مصفّدا، أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه و رسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد و غاصبا لشيء من الحطام.
و اللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة(٣) ما فعلت. و إنّ دنياكم عندي لأهون
____________________
(١) يقدروا أنفسهم الخ..: يقيسوا أنفسهم بالضعفاء ليكونوا قدوة للغني في الاقتصاد و صرف الأموال في وجوه الخير و منافع المجتمع. يتبيّغ بالفقير فقره: يهيج به ألم الفقر فيهلكه.
(٢) يريد من الحسك: الشوك. و السعدان: نبت شائك ترعاه الإبل.
(٣) جلب: قشرة.
من ورقة في فم جرادة تقضمها(١) ما لعلي و لنعيم يفنى و لذة لا تبقى. نعوذ باللّه من سبات العقل و قبح الزلل و به نستعين.
تحرّكه العواصف
من كلام له يجري مجرى الخطبة: و كنت كالجبل لا تحرّكه القواصف و لا تزيله العواصف: لم يكن لأحد فيّ مهمز(٢) و لا لقائل فيّ مغمز. الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحقّ له، و القويّ عندي ضعيف حتى آخذ الحقّ منه
لو لا تخمة الظّالم و جوع المظلوم
من خطبة له معروفة بالشقشقية: إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه(٣) ، و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع(٤) ، ألى أن أجهز عليه
____________________
(١) تقضمها: تكسرها بأطراف أسنانها.
(٢) الهمز و الغمز: الوقيعة، أي: لم يكن فيّ عيب أعاب به.
(٣) يشير إلى عثمان. نافجا حضينه: رافعا لهما، و الحضن: ما بين الإبط و الكشح.
يقال للمتكبر: جاءنا نافجا حضينه. و يقال مثله لمن امتلأ بطنه طعاما.
(٤) الخضم: الأكل مطلقا، أو بأقصى الأضراس.
عمله و كبت به بطنته، فما راعني إلاّ و الناس ينثالون عليّ(١) من كل جانب، حتى لقد وطيء الحسنان(٢) و شقّ عطفاي(٣) ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم(٤) . فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، و مرقت أخرى، و قسط آخرون(٥) كأنهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين» بلى، و اللّه لقد سمعوها و وعوها، و لكنهم حليت الدنيا في أعينهم و راقهم زبرجها(٦) . أما و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة، لو لا حضور الحاضر(٧) و قيام الحجّة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم(٨) ، لألقيت حبلها على غاربها(٩) ، و لسقيت آخرها بكأس أولها، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.
____________________
(١) البطنة: البطر و الأشر و التخمة و الإسراف في الشبع. كبت به، من كبا الجواد إذا سقط لوجهه. ينثالون: يتتابعون مزدحمين.
(٢) ولداه الحسن و الحسين.
(٣) شق عطفاه: خدش جانباه من الاصطكاك.
(٤) ربيضة الغنم: الطائفة الرابضة من الغنم.
(٥) الناكثة: أصحاب الجمل. و المارقة: أصحاب النهروان من الخوارج. القاسطون: الجائرون، و هم أصحاب صفين.
(٦) الزبرج: الزينة من وشي أو جوهر.
(٧) يقصد من حضر لبيعته، و لزوم البيعة لذمة الإمام بحضوره.
(٨) الكظة: ما يعتري الآكل من امتلاء البطن بالطعام، و المراد استئثار الظالم بالحقوق.
السغب: شدة الجوع، و المراد منه هضم حقوق المظلوم.
(٩) الغارب: الكاهل، و الكلام تمثيل للترك و إرسال الأمر.
أهل الحيلة
من خطبة له: إن الوفاء توأم الصدق و لا أعلم جنّة أوقى منه(١) . و لا يغدر من علم كيف المرجع. و لقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا(٢) و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ما لهم؟
قاتلهم اللّه قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة(٣) و دونه مانع من أمر اللّه و نهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين(٤) .
انت و اخوك الانسان
من وصية له كتبها لابنه الحسن من صفين: يا بنيّ، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك، فأحبب لغيرك
____________________
(١) الجنة: الوقاية.
(٢) الكيس: العقل.
(٣) الحوّل القلّب: البصير بتحويل الأمور و تقليبها.
(٤) يقول: أهل هذا الزمان يعدّون الغدر من العقل و حسن الحيلة. و لكن ما لهم يزعمون ذلك مع أن البصير بتحويل الأمور و تقليبها قد يرى وجه الحيلة في بلوغ مراده، لكنه يجد دون الأخذ به مانعا من أمر اللّه و نهيه، فيدع الحيلة و هو قادر عليها، خوفا من اللّه و وقوفا عند حدوده
ما تحب لنفسك، و اكره له ما تكره لها، و لا تظلم كما لا تحب أن تظلم، و أحسن كما تحب أن يحسن إليك، و استقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، و ارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، و لا تقل ما لا تعلم و إن قلّ ما تعلم، و لا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك.
يا بني، إياك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدنيا اليها و تكالبهم عليها(١) فقد نبّأ اللّه عنها و نعت لك نفسها و تكشّفت لك عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية و سباع ضارية يهرّ بعضهم بعضا و يأكل عزيزها ذليلها و يقهر كبيرها صغيرها.
و اعلم أنّ من كانت مطيّته الليل و النهار فإنه يسار به و إن كان واقفا، و يقطع المسافة و إن كان مقيما وادعا(٢) .
أكرم نفسك عن كلّ دنيّة و إن ساقتك الى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا. و لا تكن عبد غيرك و قد جعلك اللّه حرا، و ما خير خير لا ينال إلاّ بشرّ(٣) و يسر لا ينال إلاّ بعسر قارن أهل الخير تكن منهم، و باين أهل الشرّ تبن عنهم. بئس الطعام الحرام، و ظلم الضعيف أفحش الظلم.
إحمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة(٤) ، و عند صدوده
____________________
(١) إخلاد اهل الدنيا اليها: سكونهم اليها. التكالب: التواثب.
(٢) وادعا: ساكنا مستريحا.
(٣) يريد: أي خير في شيء سماه الناس خيرا و هو مما لا يناله الانسان إلا بالشر، فإن كان طريقه شرا فكيف يكون هو خيرا؟
(٤) الصرم: القطيعة، أي: ألزم نفسك بصلة أخيك الانسان إذا قطعك.
على اللطف و المقاربة، و عند جموده على البذل(١) ، و عند تباعده على الدنوّ، و عند شدّته على اللين، و عند جرمه على العذر، حتى كأنه ذو نعمة عليك. و لن لمن غالظك(٢) فإنه يوشك أن يلين لك، و خذ على عدوّك بالفضل. و إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما(٣) . و من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنه. و لا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك و بينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقّه. و لا يكوننّ أخوك على مقاطعتك أقوى منك على صلته(٤) و لا يكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، و ليس جزاء من سرّك أن تسوءه.
ما أقبح الخضوع عند الحاجة و الجفاء عند الغنى. و إن جزعت على ما تفلّت من يديك، فاجزع على كل ما لم يصل إليك. استدلّ على ما لم يكن بما كان، فإن الأمور الأشباه. و لا تكوننّ ممن لا تنفعه العظة إلاّ إذا بالغت في إيلامه.
____________________
(١) الجمود: البخل.
(٢) لن: أمر من «لان».
(٣) اي: استبق بقية من الصلة يسهل له معها الرجوع اليك إذا هو شاء ذلك.
(٤) أي: اذا أتى اخوك الانسان بأسباب القطيعة فقابلها بموجبات الصلة حتى تكون الغلبة للمودّة. و لا يصح أن يكون أخوك أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصلة. و هذا أبلغ قول في لزوم حفظ المودة بين الناس.
من ترك القصد جار(١) . و الصديق من صدق غيبه(٢) . ربّ قريب أبعد من بعيد، و ربّ بعيد أقرب من قريب، و الغريب من لم يكن له حبيب. سل عن الرفيق قبل الطريق، و عن الجار قبل الدار.
إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان
انصتوا لقولى
من كلام له قاله للخوارج و قد خرج إلى معسكرهم: أ كلّكم شهد معنا صفّين؟
فقالوا: منّا من شهد و منّا من لم يشهد.
قال: فامتازوا فرقتين، فليكن من شهد صفّين فرقة، و من لم يشهدها فرقة، حتى أكلّم كلا منكم بكلامه.
و نادى الناس: أمسكوا عن الكلام و أنصتوا لقولي و أقبلوا بأفئدتكم إليّ، فمن نشدناه شهادة فليقل بعلمه فيها.
ثم كلّمهم بكلام طويل، من جملته أن قال: أ لم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة و غيلة، و مكرا و خديعة:
____________________
(١) القصد: الاعتدال. جار: مال عن الصواب.
(٢) الغيب: ضد الحضور. أي: من حفظ لك حقك و هو غائب عنك.
إخواننا و أهل دعوتنا استقالونا و استراحوا الى كتاب اللّه سبحانه، فالرأي القبول منهم و التنفيس عنهم؟ فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان و باطنه عدوان، و أوّله رحمة و آخره ندامة. فأقيموا على شأنكم و الزموا طريقكم و لا تلتفتوا إلى ناعق نعق: إن أجيب أضلّ و إن ترك ذلّ؟
و قد كانت هذه الفعلة، و قد رأيتكم أعطيتموها. و اللّه لئن أبيتها ما وجبت عليّ فريضتها، و لا حمّلني اللّه ذنبها و و اللّه إن جئتها إني للمحقّ الذي يتّبع. و إنّ الكتاب لمعي، ما فارقته مذ صحبته: فلقد كنّا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و إن القتل ليدور على الآباء و الأبناء و الإخوان و القرابات، فما نزداد على كلّ مصيبة و شدّة إلا إيمانا و مضيّا على الحقّ و صبرا على مضض الجراح. و لكنّا إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزّيغ و الاعوجاج، و الشبهة و التأويل. فإذا طمعنا في خصلة(١) يلمّ اللّه بها شعثنا و نتدانى بها إلى البقية فيما بيننا، رغبنا فيها و أمسكنا عمّا سواها
تركا الحقّ و هما يبصرانه
من كلام له يكشف به للخوارج الشبهة و ينقض حكم الحكمين: فإن أبيتم إلاّ أن تزعموا أني أخطأت و ضللت، فلم تضلّلون عامّة أمة محمد صلى اللّه عليه و آله بضلالي، و تأخذونهم بخطئي،
____________________
(١) الخصلة، يراد بها هنا: الوسيلة.
و تكفّرونهم بذنوبي سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء و السّقم، و تخلطون من أذنب بمن لم يذنب.
لم آت، لا أبا لكم، بجرا، و لا ختلتكم عن أمركم و لا ليّسته عليكم(١) ، إنّما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما ألاّ يتعدّيا القرآن، فتاها عنه، و تركا الحقّ و هما يبصرانه، و كان الجور هواهما فمضيا عليه. و قد سبق استثناؤنا عليهما، في الحكومة بالعدل و الصّمد للحق، سوء رأيهما و جور حكمهما(٢) .
انا نذيركم
من خطبة له في تخويف أهل النهروان(٣) قبل أن يبدأوه القتال: فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر و بأهضام هذا الغائط(٤) على غير بيّنة من ربكم و لا سلطان مبين معكم: قد طوّحت بكم الدار
____________________
(١) البجر: الشر و الأمر العظيم و الداهية. ختلتكم: خدعتكم. لبّسته عليكم: خلطته و شبّهته حتى لا يعرف
(٢) الصمد: القصد.
(٣) النهروان: اسم لأسفل نهر على مقربة من الكوفة. و أهل النهروان هم الخوارج.
(٤) صرعى، جمع صريع، أي: طريح. الأهضام، جمع: هضم و هو المطمئن من الوادي. و الغائط: ما سفل من الأرض، و المراد هنا منها المنخفضات. يقول: إني أحذركم من اللجاج في العصيان فتصبحوا مقتولين مطروحين، بعضكم في أثناء هذا النهر، و بعضكم في هذا الوادي و هذه المنخفضات.
و احتبلكم المقدار(١) ، و قد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم عليّ إباء المخالفين المنابذين حتى صرفت رأيي إلى هواكم، و أنتم معاشر أخفّاء الهام(٢) سفهاء الأحلام و لم آت، لا أبا لكم، بجرا و لا أردت لكم ضرّا.
اين العمالقة
من خطبة خطب الإمام بها الناس بالكوفة و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، و عليه مدرعة من صوف و حمائل سيف ليف، و في رجليه نعلان من ليف: أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذي ألبسكم الرياش و أسبغ عليكم المعاش. فلو أن أحدا يجد إلى البقاء سلّما، أو لدفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام، الذي سخّر له ملك الجنّ و الإنس، مع النبوّة و عظيم الزّلفة. فلمّا استوفى طعمته و استكمل
____________________
(١) يقال «تطاوحت به النوى» أي: ترامت. احتبلهم: أوقعهم في حبالته. المقدار: القدر. يقول: لقد صرتم في متاهة لا يدع الضلال لكم سبيلا إلى مستقرّ من اليقين، فأنتم كمن رمت به داره و قذفته. و انتم مقيّدون للهلاك لا تستطيعون منه خروجا.
(٢) الهام: الراس. و خفة الرأس كناية عن قلة العقل.
مدّته، رمته قسيّ الفناء بنبال الموت، و أصبحت الديار منه خالية، و المساكن معطّلة، و ورثها قوم آخرون. و إنّ لكم في القرون السالفة لعبرة أين العمالقة و أبناء العمالقة أين الفراعنة و أبناء الفراعنة أين أصحاب مدائن الرّسّ الذين قتلوا النبيّين و أطفأوا سنن المرسلين، و أحيوا سنن الجبّارين أين الذين ساروا بالجيوش، و هزموا بالألوف، و عسكروا العساكر، و مدّنوا المدائن
اين عمّار
و من الخطبة السابقة نفسها: ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، و أقبل منها ما كان مدبرا، و أزمع التّرحال عباد اللّه الأخيار ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم و هم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص و يشربون الرّنق(١) ؟ أين إخواني الذين ركبوا الطريق و مضوا على الحقّ؟ أين عمّار؟
و أين ابن التّيهان؟ و أين ذو الشّهادتين(٢) ؟ و أين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على النيّة، و أبرد برؤوسهم إلى الفجرة(٣) ؟
____________________
(١) الرنق: الكدر.
(٢) عمار: عمار بن ياسر، و كان ممّن عذّب هو و أبوه و أخوه و أمه في بدء الدعوة.
و ابن التيهان: ابو الهيثم مالك بن التيهان، من أكابر الصحابة. ذو الشهادتين: خزيمة بن ثابت الانصاري، من الصحابة. و هؤلاء الثلاثة شهدوا صفين و استشهدوا بها.
(٣) أبرد برووسهم: أرسلت رؤوسهم مع البريد بعد قتلهم إلى البغاة للتشفّي منهم.
الكبر و التّعصّب و البغي
من خطبة له طويلة تسمّى «القاصعة(١) »: و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه من غير ما فضل جعله اللّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد، و قدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب، و نفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي أعقبه اللّه به الندامة.
فاللّه اللّه في كبر الحميّة و فخر الجاهلية، فإنه منافخ الشيطان التي خدع بها الأمم الماضية و القرون الخالية.
و لا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم، و أدخلتم في حقكم باطلهم، و هم أساس الفسوق اتّخذهم إبليس مطايا ضلال و جندا بهم يصول على الناس، و تراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم و دخولا في عيونكم و نفثا في أسماعكم، فجعلكم مرمى نبله و موطىء قدمه و مأخذ يده. فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللّه، و اتّعظوا بمثاوي خدودهم(٢) و مصارع جنوبهم. و استعيذوا باللّه من لواقح الكبر(٣) كما تستعيذون به من طوارق الدهر
____________________
(١) قصع فلان فلانا: حقّره. و قد سميت هذه الخطبة «القاصعة» لأن ابن أبي طالب حقّر فيها حال المتكبرين و أهل البغي.
(٢) مثاوي، جمع مثوى، بمعنى المنزل. و منازل الخدود: مواضعها من الأرض بعد الموت. و مصارع الجنوب: مطارحها على التراب.
(٣) لواقح الكبر: محدثاته في النفوس.
و لقد نظرت فما وجدت أحدا من العاملين يتعصّب لشيء من الأشياء إلاّ عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء أو حجّة تليط بعقول السفهاء، غيركم، فإنكم تتعصبون لأمر لا يعرف له سبب و لا علّة: أما إبليس فتعصّب على آدم لأصله، و طعن عليه في خلقته، فقال: «أنا ناريّ و أنت طينيّ» و أمّا الأغنياء من مترفة الأمم فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم فقالوا: «نحن أكثر أموالا و أولادا و ما نحن بمعذّبين» فإن كان لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصبكم لمكارم الخصال و محامد الأفعال و محاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء و النّجداء بالأخلاق الرغيبة و الأحلام العظيمة، فتعصّبوا لخلال الحمد: من الحفظ للجوار و الوفاء بالذمام، و الطاعة للبرّ، و المعصية للكبر، و الكفّ عن البغي، و الإعظام للقتل، و الإنصاف للخلق، و الكظم للغيظ، و اجتناب الفساد في الأرض.
و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات(١) بسوء الأفعال و ذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير و الشرّ أحوالهم و احذروا أن تكونوا أمثالهم.
أ لا و قد أمرني اللّه بقتال أهل البغي و النكث(٢) و الفساد في الأرض: فأمّا الناكثون فقد قاتلت. و أما القاسطون فقد جاهدت(٣) . و أمّا المارقة
____________________
(١) المثلات: العقوبات.
(٢) النكث: نقض العهد.
(٣) القاسطون: الجائرون على الحق.
فقد دوّخت. و أمّا شيطان الرّدهة(١) فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه و رجّة صدره. و بقيت بقيّة من أهل البغي، و لئن أذن اللّه في الكرّة عليهم لأديلنّ منهم(٢) إلاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا(٣) .
و إني لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم: سيماهم سيما الصدّيقين، و كلامهم كلام الأبرار، عمّار الليل و منار النهار(٤) لا يستكبرون و لا يعلون و لا يغلّون(٥) و لا يفسدون: قلوبهم في الجنان و أجسادهم في العمل.
الدّنيا تطوى من خلفكم
من عهد له إلى محمد بن أبي بكر حين قلّده مصر. و فيه تذكير بأحوال الدنيا و ترغيب للولاة في أن يعدلوا و يرحموا لئلاّ يعذّبوا، و ذلك بأروع ما تجري به ريشة العبقرية من بيان: و أنتم طرداء الموت: إن أقمتم له أخذكم، و إن فررتم منه أدرككم،
____________________
(١) الردهة: النقرة في الجبل قد يجتمع فيها. و شيطانها ذو الثدية من رؤساء الخوارج وجد مقتولا في ردهة.
(٢) لأديلن منهم: لأمحقننهم ثم أجعل الدولة لغيرهم.
(٣) يتشذّر: يتفرق، أي: لا يفلت مني إلاّ من يتفرّق في أطراف البلاد.
(٤) عمار، جمع عامر، أي: يعمرون الليل بالسهر للفكر و العبادة.
(٥) يغلون. يخونون.
و هو ألزم لكم من ظلّكم الموت معقود بنواصيكم(١) ، و الدنيا تطوى من خلفكم، فاحذروا نارا قعرها بعيد، و حرّها شديد، و عذابها جديد، ليس فيها رحمة و لا تسمع فيها دعوة
دستور الولاة
من رسالة كتبها للأشتر النخعي لما ولاّه على مصر و أعمالها في عهد خلافته. و هي من جلائل رسائله و وصاياه، و أجمعها لقوانين المعاملات المدنية و الحقوق العامة و التصرّفات الخاصة في نهج الإمام. كما انها من أروع ما أنتجه العقل و القلب جميعا في تقرير علاقة الحاكم بالمحكوم، و في مفهوم الحكومة، حتى أن الإمام سبق عصره أكثر من ألف سنة بجملة ما ورد في هذه الرسالة الدستور، من إشراق العقل النيّر و القلب الخيّر.
ثم اعلم يا مالك أني قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل و جور، و أن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، و يقولون فيك ما كنت تقول فيهم، و إنّما يستدلّ على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسن عباده، فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك
____________________
(١) النواصي، جمع ناصية، و هي: مقدّم شعر الرأس.
فإنّ الشّحّ بالنفس الإنصاف منها في ما أحبّت أو كرهت(١) . و أشعر قلبك الرحمة للرعية، و المحبّة لهم، و اللطف بهم. و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغنتم أكلهم فإنهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل(٢) ، و تعرض لهم العلل، و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ(٣) ، فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك اللّه من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم و والي الأمر عليك فوقك، و اللّه فوق من ولاّك و لا تندمنّ على عفو، و لا تبجحنّ بعقوبة و لا تسرعنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة(٤) .
أنصف اللّه و أنصف الناس من نفسك و من خاصّة أهلك و من لك فيه هوى من رعيّتك(٥) ، فإنك إلاّ تفعل تظلم و من ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده. و ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه و تعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإنّ اللّه سميع دعوة المضطهدين و هو للظالمين بالمرصاد.
و ليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ، و أعمّها في العدل و أجمعها لرضا الرعية، فإنّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصة،
____________________
(١) الشح: البخل. يقول: انتصف من نفسك في ما أحبت و كرهت، أي ابخل بها و لا تمكّنها من الاسترسال في ما أحبّت، و احرص على صفائها كذلك بأن تحملها على ما تكره إن كان ذلك في الحق.
(٢) يفرط: يسبق. الزلل: الخطأ.
(٣) يؤتى على أيديهم: تأتي السيئات على أيديهم.
(٤) بجح بالشيء: فرح به. البادرة: ما يبدر من الحدة عند الغضب في قول أو فعل.
المندوحة: المتّسع الذي يمكّن المرء من التخلّص.
(٥) من لك فيه هوى، أي: من تميل اليه ميلا خاصا.
و إن سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة(١) . و ليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرّخاء و أقلّ معونة له في البلاء، و أكره للإنصاف، و أسأل بالإلحاف(٢) ، و أقلّ شكرا عند الإعطاء، و أبطأ عذرا عند المنع، و أضعف صبرا عند ملمّات الدهر، من أهل الخاصة(٣) .
أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد، و اقطع عنك سبب كلّ وتر(٤) ، و لا تعجلنّ إلى تصديق ساع فإنّ الساعي غاشّ و إن تشبّه بالناصحين.
إن شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا، و من شركهم في الآثام، فلا يكوننّ لك بطانة(٥) فإنهم أعوان الأثمة و إخوان
____________________
(١) يحجف: يذهب. يقول للحاكم: إذا رضي عليك الخاصة و سخط عليك العامة، فلا ينفعك رضا أولئك مع سخط هؤلاء. أما إذا رضي عليك العامة، و هؤلاء لا يرضيهم إلا العدل، فسخط الخاصة مغتفر.
(٢) الإلحاف: الإلحاح.
(٣) يقول: ليس هنالك من هم أثقل على الحاكم، و أقل نفعا له و أكثر ضررا عليه من خاصته و المتقربين اليه من ذوي الثروة و الوجاهة يلازمونه و يلحون عليه في قضاء حاجاتهم و يرهقونه بالمسائل و الشفاعات و يغنمون عن سبيله المغانم و يثرون على حساب العامة، ثم يجحدون كل ذلك و لا يساندون الحاكم أو الجمهور في نائبة أو أزمة. فهم لذلك فئة يجب على الحاكم الصالح أن ينبذها و يعتمد على العامة دون سواهم.
(٤) الوتر: العداوة: يقول: احلل عقدة الأحقاد من قلوب الناس بالعدل فيهم و حسن السيرة معهم. و اقطع السبب في عداء الناس لك بالإحسان اليهم قولا و عملا.
(٥) البطانة: الخاصة.
الظّلمة(١) ، و أنت واجد منهم خير الخلف ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه و لا آثما على إثمه. ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحق لك(٢) و أقلّهم مساعدة في ما يكون منك ممّا كره اللّه لأوليائه واقعا [ذلك] من هواك حيث وقع. و الصق بأهل الورع و الصدق ثم رضهم على أن لا يطروك و لا يبجحوك بباطل لم تفعله(٣) .
و لا يكوننّ المحسن و المسيء عندك بمنزلة سواء، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، و تدريبا لأهل الإساءة على الإساءة و ألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه(٤) و اعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم(٥) و تخفيفه المؤونات عنهم، و ترك استكراهه إياهم على ما ليس قبلهم(٦) ، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به
____________________
(١) الأثمة: جمع آثم. الظلمة: جمع ظالم.
(٢) آثرهم: أفضلهم. مرارة الحق. صعوبته. يقول: ليكن أفضل وزرائك و أعوانك في نظرك أصدقهم و أكثرهم قولا بالحق مهما كان الحق صعبا على نفسك.
(٣) رضهم: عوّدهم. يطروك: يطنبوا في مدحك. يبجحوك بباطل لم تفعله: يفرّحوك بأن ينسبوا اليك عملا عظيما لم تكن فعلته.
(٤) أي: أحسن الى المحسن بما ألزم نفسه، و هو استحقاق الإحسان. و عاقب المسيء بما ألزم نفسه كذلك، و هو استحقاق العقاب.
(٥) ليس هنالك ما يحمل الوالي على الاطمئنان إلى أن قلوب الناس معه كالاحسان اليهم و العدل فيهم و تخفيف الاثقال عن كواهلهم. و هم في غير هذه الحال أعداء له ينتهزون الفرصة للثورة عليه، و إذ ذاك يسوء ظنه بهم.
(٦) قبلهم، بكسر ففتح: عندهم.
حسن الظنّ برعيّتك، و إنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده، و إنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده(١) .
و أكثر مدارسة العلماء و مناقشة الحكماء(٢) في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، و إقامة ما استقام به الناس قبلك.
ولّ من جنودك أنصحهم في نفسك للّه و لرسوله و لإمامك، و أنقاهم جيبا و أفضلهم حلما: ممّن يبطىء عن الغضب، و يستريح إلى العذر، و يرأف بالضعفاء، و ينبو على الأقوياء(٣) و ممن لا يثيره العنف، و لا يقعد به الضعف.
و إنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، و ظهور مودّة الرعية، و إنه لا تظهر مودّتهم إلا بسلامة صدورهم، و لا تصحّ نصيحتهم إلاّ بحيطتهم على ولاة الأمور و قلّة استثقال دولهم(٤) .
ثم اعرف لكلّ امرىء منهم ما أبلى، و لا تضيفنّ بلاء امرىء إلى
____________________
(١) البلاء: الصنع، حسنا أو سيئا.
(٢) المنافثة: المحادثة.
(٣) ينبو: يشتدّ و يعلو. يأمر الحاكم بأن يولّي من جنوده من لا يضعف أمام الأقوياء و الأثرياء و النافذين بل يعلو عليهم و يشتدّ ليمنعهم من ظلم الضعفاء و الفقراء و البسطاء.
(٤) الحيطة، بكسر الحاء: مصدر «حاط» بمعنى: صان و حفظ، يقول: ان مودة الرعية لا تظهر و نصيحتهم لا تصحّ إلا بقدر ما يرغبون في المحافظة على ولاتهم و يحرصون على بقائهم و لا يستثقلون مدة حكمهم.
غيره(١) ، و لا يدعونّك شرف امرىء إلى أن تعظّم من بلائه ما كان صغيرا، و لا ضعة امرىء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما.
ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك(٢) ممّن لا تضيق به الأمور و لا تمحكه الخصوم(٣) و لا يتمادى في الزلّة، و لا تشرف نفسه على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه(٤) ، و أوقفهم في الشّبهات(٥) و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الأمور، و أصرمهم عند اتّضاع الحق، ممن لا يزدهيه إطراء، و لا يستميله إغراء، و أولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه(٦) و أفسح له في البذل ما يزيل علّته و تقلّ معه حاجته الى الناس و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك.
ثم انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا، و لا تولّهم محاباة
____________________
(١) لا تنسبنّ صنيع امرىء إلى غيره.
(٢) انتقال من الكلام في الجند الى الكلام في القضاة.
(٣) تمحكه: تغضبه.
(٤) لا يكتفي بما يبدو له بأول فهم و أقربه، بل يتأمل و يدرس حتى يأتي على أقصى الفهم و أدناه من الحقيقة.
(٥) الشبهات، جمع شبهة، و هي ما لا يتضح الحكم فيها بالنص، فينبغي العمل لردّ الحادثة التي ينظر فيها إلى أصل صحيح.
(٦) أي: تتبع قضاءه بالاستكشاف و التعرف.
و أثرة فإنهم جماع من شعب الجور و الخيانة(١) . ثم تفقّد أعمالهم و ابعث العيون(٢) من أهل الصدق و الوفاء عليهم، فإنّ تعاهدك في السرّ لأمورهم حدوة لهم(٣) على استعمال الأمانة و الرفق بالرعية. و تحفّظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه(٤) عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه، و أخذته بما أصاب به من عمله، ثم نصبته بمقام المذلّة، و وسمته بالخيانة، و قلّدته عار التهمة.
و تفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإنّ في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم. و لا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج و أهله. و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة. و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك العباد و لم يستقم أمره إلاّ قليلا.
و لا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك.
و إن العمران محتمل ما حمّلته، و إنما يؤتى خراب الأرض من
____________________
(١) أي: ولّهم الأعمال بالاختبار و التجربة، لا ميلا منك لمعاونتهم و لا استبدادا منك برأيك، فإن المحاباة و الأثرة يجمعان الظلم و الخيانة معا.
(٢) العيون: الرقباء.
(٣) حدوة: سوق و حثّ.
(٤) اجتمعت عليها أخبار عيونك: اتفقت عليها أخبار رقبائك.
إعواز أهلها، و إنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع(١) و سوء ظننهم بالبقاء و قلّة انتفاعهم بالعبر.
ثم انظر في حال كتّابك فولّ على أمورك خيرهم، ممّن لا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل.
ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك و استنامتك(٢) و حسن الظنّ منك، فإنّ الرجال يتعرّفون لفراسات الولاة بتصنّعهم و حسن خدمتهم(٣) ، و ليس وراء ذلك من النصيحة و الأمانة شيء. و مهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته(٤) .
ثم استوص بالتجّار و ذوي الصّناعات و أوص بهم خيرا: المقيم منهم و المضطرب بماله(٥) ، فإنهم موادّ المنافع و أسباب المرافق، و تفقّد أمورهم بحضرتك و في حواشي بلادك. و اعلم مع ذلك أنّ في كثير منهم ضيقا فاحشا و شحّا قبيحا و احتكارا للمنافع و تحكّما في البياعات، و ذلك باب مضرّة للعامّة و عيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فإن رسول اللّه صلى
____________________
(١) إشراف انفس الولاة على الجمع: تطلّعهم الى جمع المال و ادّخاره لأنفسهم طمعا و جشعا.
(٢) الفراسة: قوة الظن و إدراك الباطن من النظر في الظاهر. الاستنامة: الاطمئنان إلى حسن الرأي. أي: لا يكن اختيارك للكتاب متأثرا بميلك الخاص و فراستك التي قد تخطىء.
(٣) أي يخدمون الولاء بما يطيب لهم توسّلا إلى حسن ظنّ هؤلاء بهم.
(٤) إذا تغابيت عن عيب في كتابك كان ذلك العيب لاصقا بك.
(٥) المتردد بأمواله بين البلدان.
اللّه عليه و سلّم منع منه. و ليكن البيع بيعا سمحا: بموازين عدل، و أسعار لا تجحف بالفريقين من البائع و المبتاع(١) فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكّل به و عاقبه في غير إسراف(٢) .
ثم يتحدّث الإمام في رسالته هذه إلى مالك الأشتر عن الطققة المعوزة فيقول: و احفظ للّه ما استحفظك من حقّه فيهم، و اجعل لهم قسما من بيت مالك فإنّ للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، و كلّ قد استرعيت حقّه، فلا يشغلنّك عنهم بطر(٣) فإنك لا تعذر بتضييعك التافه(٤) لإحكامك المهمّ، فلا تشخص همّك عنهم(٥) و لا تصعّر خدّك لهم(٦) و تفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون(٧) و تحقره الرجال، فإنّ هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم. و تعهّد
____________________
(١) المبتاع: المشتري.
(٢) قارف: خالط. الحكرة: الاحتكار. نكل به: أوقع به العذاب عقوبة له. يقول: من احتكر بعد النهي عن الاحتكار عاقبه لكن من غير إسراف في العقوبة يتجاوز عن حد العدل فيها.
(٣) البطر: طغيان النعمة.
(٤) يقول: لا عذر لك بإهمالك القليل إذا أحكمت الكثير.
(٥) لا تشخص همك عنهم: لا تصرف همك عنهم.
(٦) صعّر خده: أماله عن النظر إلى الناس تهاونا و كبرا.
(٧) تقتحمه العيون: تكره أن تنظر اليه احتقارا.
أهل اليتم و ذوي الرقّة في السن(١) ممّن لا حيلة له، و لا ينصب للمسألة نفسه، و ذلك على الولاة ثقيل، و الحقّ كلّه ثقيل و اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك، و تجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه للّه الذي خلقك، و تقعد عنهم جندك و أعوانك(٢) من أحراسك و شرطك حتى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع(٣) فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول في غير موطن(٤) : «لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع» ثم احتمل الخرق منهم و العيّ(٥) و نحّ عنهم الضيق و الأنف(٦) .
ثم أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها: منها إجابة عمّالك بما يعيا عنه كتّابك. و منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك(٧) ، و أمض لكلّ يوم عمله فإنّ لكلّ يوم ما فيه.
____________________
(١) ذوو الرقة في السن: المتقدمون فيه.
(٢) أي: تأمر بأن يقعد عنهم جندك و أعوانك و بألا يتعرضوا لهم.
(٣) التعتعة في الكلام: التردد فيه من عجز و عيّ، أو من خوف.
(٤) في مواطن كثيرة.
(٥) الخرق: العنف. العي: العجز عن النطق. أي: لا تضجر من هذا و لا تغضب من ذاك.
(٦) الأنف: الاستنكاف و الاستكبار.
(٧) تحرج: تضيق. يقول: إن الأعوان تضيق صدورهم بتعجيل الحاجات، و يحبون المماطلة في قضائها، استجلابا للمنفعة أو إظهارا للجبروت.
و لا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك، فإنّ احتجاب الولاة عن الرعيّة شعبة من الضيق و قلّة علم بالأمور. و الاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير و يعظم الصغير، و يقبح الحسن و يحسن القبيح، و يشاب الحقّ بالباطل. و إنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، و ليست على الحقّ سمات(١) تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، و إنما أنت أحد رجلين: إمّا امرؤ سخت نفسه بالبذل في الحق ففيم احتجابك(٢) من واجب حقّ تعطيه أو فعل كريم تسديه؟ أو مبتلى بالمنع فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك(٣) ، مع أنّ أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة.
ثم إنّ للوالي خاصّة و بطانة فيهم استئثار و تطاول، و قلّة إنصاف في معاملة، فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال(٤) و لا تقطعنّ لأحد من حاشيتك و حامّتك قطيعة(٥) و لا يطمعنّ منك في اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على
____________________
(١) سمات: علامات.
(٢) لأي سبب تحتجب عن الناس في أداء حقهم، أو في عمل تمنحهم إياه؟
(٣) يقول: و إن قنط الناس من قضاء مطالبهم منك أسرعوا الى البعد عنك، فلا حاجة للاحتجاب.
(٤) احسم: اقطع. يقول: اقطع مادة شرورهم عن الناس بقطع أسباب تعدّيهم، و إنما يكون ذلك بالأخذ على أيديهم و منعهم من التصرّف في شؤون العامة.
(٥) الاقطاع: المنحة من الأرض. القطيعة: الممنوح منها. الحامة، كالطّامة: الخاصة و القرابة. الاعتقاد: الامتلاك. العقدة: الضيعة.
غيرهم فيكون مهنأ ذلك(١) لهم دونك، و عيبه عليك في الدنيا و الآخرة.
و ألزم الحقّ من لزمه من القريب و البعيد، و كن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك و خاصّتك حيث وقع، و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإنّ مغبّة ذلك محمودة(٢) .
و إن ظنّت الرعيّة بك حيفا فأصحر(٣) لهم بعذرك، و اعدل عنك ظنونهم بإصحارك فإنّ في ذلك رياضة منك لنفسك(٤) و رفقا برعيّتك و إعذارا(٥) تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق.
و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك و للّه فيه رضا، فإنّ في الصلح دعة لجنودك و راحة من همومك و أمنا لبلادك. و إن عقدت بينك و بين عدوّك عقدة أو ألبسته منك ذمّة فحط عهدك بالوفاء و ارع ذمّتك بالأمانة و اجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت(٦) و لا تغدرنّ بذمّتك و لا تخيسنّ بعهدك
____________________
(١) المهنأ: المنفعة الهنيئة.
(٢) المغبة: العاقبة، يقول: إن إلزام الحق لمن لزمهم، و إن ثقل على الوالي و عليهم، محمود العاقبة يحفظ الدولة.
(٣) الحيف: الظلم. أصحر بهم: ابرز لهم.
(٤) رياضة منك لنفسك: تعويدا لنفسك على العدل.
(٥) الإعذار: تقديم العذر أو إبداؤه.
(٦) أصل معنى الذمة: وجدان مودع في جبلة الانسان ينبهه لرعاية حق ذوي الحقوق و يدفعه لأداء ما يجب عليه منها، ثم أطلقت على معنى العهد. الجنة: الوقاية.
يقول: حافظ بروحك على ما أعطيت من العهد.
و لا تختلنّ(١) عدوّك. و لا تعقد عقدا تجوّز فيه العلل(٢) و لا تعوّلنّ على لحن قول بعد التأكيد و التوثقة، و لا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب انفساخه بغير الحقّ(٣) .
و لا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام، فإنّ ذلك ممّا يضعفه و يوهنه بل يزيله و ينقله، و لا عذر لك عند اللّه و لا عندي في قتل العمد و إيّاك و المنّ على رعيّتك بإحسانك، أو التزيّد في ما كان من فعلك(٤) أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإنّ المنّ يبطل الإحسان، و التزيّد يذهب بنور الحق، و الخلف يوجب المقت عند اللّه و الناس.
و إياك و العجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقّط فيها عند إمكانها(٥) أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كلّ أمر موضعه، و أوقع كلّ أمر موقعه.
____________________
(١) خاس بعهده: خانه و نقضه. الختل: الخداع.
(٢) العلل: جمع علة و هي في النقد و الكلام بمعنى ما يصرفه عن وجهه و يحوّله الى غير المراد، و ذلك يطرأ على الكلام عند إبهامه و عدم صراحته.
(٣) لحن القول: ما يقبل التوجيه كالتورية و التعريض. يقول: إذا ريت ثقلا من التزام العهد فلا تركن إلى لحن القول لتتملص منه، بل خذ بأصرح الوجوه لك و عليك.
(٤) التزيّد: إظهار الزيادة في الأعمال و المبالغة في وصف الواقع منها في معرض الافتخار.
(٥) التسقط: يريد به هنا: التهاون.
و إياك و الاستئثار بما الناس فيه أسوة(١) ، و التغابي عما تعنى به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك، و عمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور و ينتصف منك للمظلوم. إملك حميّة أنفك(٢) و سورة حدّك و سطوة يدك و غرب لسانك(٣) و احترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة(٤) و تأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار.
و الواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة أو سنّة فاضلة، و تجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، و استوثقت به من الحجّة لنفسي عليك، لكي لا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها. و أنا أسأل اللّه أن يوفّقني و إياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح اليه و إلى خلقه(٥) .
____________________
(١) احذر أن تخصّ نفسك بشيء تزيد به عن الناس، و هو مما تجب فيه المساواة من الحقوق العامة.
(٢) أي: أملك نفسك عند الغضب.
(٣) السورة: الحدة: و الحد: البأس. و الغرب: الحد، تشبيها للسان بحدّ السيف و نحوه.
(٤) البادرة: ما يبدر من اللسان عند الغضب، و إطلاق اللسان يزيد الغضب اتقادا، و السكون يطفىء من لهبه.
(٥) يريد من العذر الواضح: العدل، فإنه عذر لك عند من قضيت عليه، و عذر عند اللّه في من أجريت عليه عقوبة أو حرمته من منفعة.
حدود الضّريبة
من وصية كان الإمام يكتبها لمن يستعمله على الصدقات، و هي تزخر بحنان الحاكم الأب على أبنائه، و تصلح لأن تدخل في دستور الدولة المثالية التي يحلم بها صفوة الخلق إذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بالسكينة و الوقار حتى تقوم بينهم فتسلّم عليهم، و لا تخدج بالتحية لهم(١) ، ثم تقول: عباد اللّه، أرسلني اليكم وليّ اللّه و خليفته لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم، فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه؟
فإن قال قائل: لا فلا تراجعه. و إن أنعم لك منعم(٢) فانطلق معه من غير أن تخيفه و توعده أو تعسفه أو ترهقه(٣) فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضّة. فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلاّ بإذنه. فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلّط عليه و لا عنيف به، و لا تنفّرنّ بهيمة و لا تفزّعنّها و لا تسوءنّ صاحبها فيها. و اصدع المال صدعين(٤) ثم خيّره:
____________________
(١) أخدجت السحابة: قلّ مطرها.
(٢) أنعم لك منعم، أي: قال لك: نعم.
(٣) تعسفه: تأخذه بشدة. ترهقه: تكلفه ما يصعب عليه.
(٤) أي: اقسمه قسمين.
فإذا اختار فلا تعرّضنّ لما اختاره. فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه في ماله، فاقبض حقّ اللّه منه. فإن استقالك فأقله(١) ، ثم اخلطهما، ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق اللّه في ماله.
السفهاء و التجار
من كتاب بعث به الإمام الى أهل مصر مع مالك الاشتر لما ولاّه إمارتها: إني و اللّه لو لقيتهم واحدا و هم طلاع الأرض كلّها(٢) ما باليت و لا استوحشت. و إني من ضلالهم الذي هم فيه و الهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي و يقين من ربّي، و لكني آسى(٣) أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها و فجّارها فيتّخذوا مال اللّه دولا و عباده خولا(٤) و الصالحين حربا و الفاسقين حزبا، فلو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم و تأنيبكم، و جمعكم و تحريضكم
____________________
(١) أي: فإن ظنّ في نفسه سوء الاختيار و أنّ ما أخذت منه من الزكاة اكرم مما في يده، و طلب الإعفاء من هذه القسمة، فاعفه منها، و اخلط، و أعد القسمة.
(٢) الطلاع: ملء الشيء. يقول: لو كنت واحدا و هم يملأون الأرض للقيتهم غير مبال بهم. و الضمير يعود هنا على خصومه و محاربيه من وجهاء ذلك الزمان.
(٣) آسى: أحزن.
(٤) دولا، جمع دولة «بالضم»: أي شيئا يتداولونه بينهم و يتصرفون به في غير حق اللّه. الخول: العبيد.
المرتشي في الحكم
و من كلام له: أيتها النفوس المختلفة و القلوب المتشتّتة، الشاهدة أبدانهم و الغائبة عنهم عقولهم أظأركم على الحق(١) و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد هيهات أن أطلع بكم سرار العدل(٢) أو أقيم اعوجاج الحق.
اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان و لا التماس شيء من فضول الحطام، و لكن لنرد المعالم من دينك و نظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك.
و قد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي البخيل فتكون في أموالهم نهمته، و لا الجاهل فيضلّهم بجهله، و لا الجافي فيقطعهم بجفائه، و لا الحائف للدول(٣) فيتّخذ قوما دون قوم، و لا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق.
____________________
(١) أظأركم: أعطفكم.
(٢) سرار، في الأصل: آخر ليلة من الشهر، و المراد هنا: الظلمة. أي: أن اطلع بكم شارفا يكشف عمّا عرض على العدل من الظلمة.
(٣) الحائف: الجائر الظالم. و الدول، جمع دولة بالضم و هي المال. و قد سمي المال «دولة» لأنه يتداول، أي ينتقل من يد ليد.
مع المظلوم
من كلام له: إني أريدكم للّه و أنتم تريدوني لأنفسكم أيها الناس، أعينوني على أنفسكم، و ايم اللّه لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، و لأقودنّ الظالم بخزامته(١) حتى أورده منهل الحق و إن كان كارها
المال للنّاس
من كلام رائع كلّم به عبد اللّه بن زمعة، و هو من أنصاره، و ذلك انه قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا. فقال: إن هذا المال ليس لي و لا لك و جناة أيديهم(٢) لا تكون لغير أفواههم
____________________
(١) الخزامة: حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشدّ فيها الزمام و يسهل قياده.
(٢) أي: جناة أيدي العامة.
امانة
من كتاب له الى الأشعث بن قيس عامله على اذربيجان: و إنّ عملك ليس لك بطعمة(١) و لكنه في عنقك أمانة.
ليس لك أن تفتات في رعية(٢) ، و في يديك مال من مال اللّه عزّ و جلّ، و أنت من خزّانه حتى تسلّمه إليّ، و لعلّي أن لا أكون شرّ ولاتك(٣) و السلام.
لاضربنّك بسيفي
من كتاب له إلى بعض عمّاله و قد اختطف ما قدر عليه من أموال الأمة و هرب إلى الحجاز: فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة الأمّة أسرعت الكرّة و عاجلت الوثبة و اختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم و أيتامهم اختطاف
____________________
(١) عملك: ما وليت لتعمله في شؤون الأمة. طعمة: المأكلة و المكسب.
(٢) تفتات: تستبد.
(٣) يرجو أن لا يكون شر المتسلطين عليه. و لا يحقّ الرجاء إلا إذا استقام.
الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة(١) فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثّم من أخذه(٢) .
كيف تسيغ شرابا و طعاما و أنت تعلم أنك تأكل حراما و تشرب حراما؟
فاتّق اللّه و اردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني اللّه منك لأعذرنّ الى اللّه فيك(٣) و لأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلاّ دخل النار و اللّه لو أن الحسن و الحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة(٤) و لا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحقّ منهما و أزيل الباطل عن مظلمتهما
الوالى و الرّشوة
من كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، و هو عامله على البصرة، و قد بلغه أنه دعي الى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: أمّا بعد يا ابن حنيف، فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة
____________________
(١) الأزلّ: السريع الجري. الكسيرة: المكسورة.
(٢) التأثم: التحرّز من الإثم، و هو الذنب.
(٣) اي: لأعاقبنّك عقابا يكون لي عذرا عند اللّه من فعلتك هذه.
(٤) الهوادة: الصلح، أو الاختصاص بالميل.
دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان و تنقل إليك الجفان(١) ، و ما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ(٢) و غنيّهم مدعوّ.
ألا و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه(٣) ، و من طعمه بقرصيه ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، و عفّة و سداد. فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادّخرت من غنائمها وفرا، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا، و لا حزت من أرضها شبرا. و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل و لباب هذا القمح و نسائج هذا القزّ، و لكن هيهات أن يغلبني هواي، و يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص(٤) و لا عهد له بالشّبع أ و أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى و أكباد حرّى(٥) ؟ أ و أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدهر؟ و كأني بقائلكم يقول: «إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران و منازلة الشجعان؟» أ لا و إنّ الشجرة البرّية أصلب عودا، و الروائع الخضرة أرقّ جلودا، و النباتات البدوية أقوى وقودا و أبطأ خمودا و اللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها
____________________
(١) تستطاب: يطلب لك طيّبها. الألوان: أصناف الطعام. الجفان، جمع جفنة، و هي: القصعة.
(٢) عائلهم: فقيرهم و محتاجهم. مجفو: مطرود من الجفاء.
(٣) الطمر: الثوب الخلق.
(٤) القرص: الرغيف.
(٥) غرثى: جائعة. حرّى: عطشى.
الوالى و الهوى
من كتاب له إلى الأسود بن قطيبة صاحب جند حلوان، و هي إيالة من إيالات فارس: أما بعد، فإنّ الوالي إذا اختلف هواه(١) منعه ذلك كثيرا عن العدل.
فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء، فإنه ليس في الجور عوض من العدل، فاجتنب ما تنكر أمثاله(٢) .
و اعلم أنه لن يغنيك عن الحقّ شيء أبدا، و من الحقّ عليك حفظ نفسك، و الاحتساب على الرعية بجهدك(٣) .
اخفض جناحك
من كتاب له الى بعض عماله: و اخفض للرعية جناحك و ابسط لهم وجهك و ألن لهم جانبك،
____________________
(١) اختلف الهوى: جرى مع أغراض النفس حيث تذهب. و وحدة الهوى: توجّهه الى أمر واحد، و هو إجراء العدالة.
(٢) اي: ما لا تستحسن مثله لو صدر من غيرك.
(٣) الاحتساب على الرعية: مراقبة أعمالها و تقويم ما اعوجّ منها و إصلاح ما فسد.
و آس بينهم في اللحظة و النظرة و الإشارة و التحية(١) ، حتى لا يطمع العظماء في حيفك(٢) و لا ييأس الضعفاء من عدلك
علّم الجاهل
من كتاب له إلى قسم بن العباس، و هو عامله على مكة: علّم الجاهل و ذاكر العالم، و لا يكن لك إلى الناس سفير إلاّ لسانك و لا حاجب إلاّ وجهك. و لا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها فإنها إن ذيدت عن أبوابك في أول وردها لم تحمد فيما بعد على قضائها(٣) .
و انظر الى ما اجتمع عندك من مال اللّه فاصرفه إلى من قبلك(٤) من ذوي العيال و المجاعة مصيبا به مواضع الفاقة، و ما فضل عن ذلك فاحمله إليها لنقسمه في من قبلنا.
و مر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا...
____________________
(١) آس بينهم: شارك و سوّ بينهم.
(٢) الحيف: الظلم.
(٣) ذيدت: دفعت و منعت. الورد: الورود. يقول: إذا منعت الحاجة أول ورودها لا تحمد على قضائها فيما بعد، لأن حسنة القضاء لا تذكر في جانب سيئة المنع.
(٤) قبلك: عندك.
الوالى الخائن
من كتاب له إلى المنذر بن الجارود العبدي، و قد خان في بعض ما ولاّه من أعماله: و لئن كان ما بلغني عنك حقّا لجمل أهلك و شسع نعلك خير منك(١) . و من كان بصفتك فليس بأهل أن يسدّ به ثغر، أو ينفذ به أمر، أو يعلى له قدر، أو يشرك في أمانة أو يؤمن على خيانة(٢) فأقبل إليّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء اللّه.
الاخلاق الكريمة
من كتاب له الى الحارث الهمذاني: و احذر كلّ عمل يعمل به في السرّ و يستحى منه في العلانية. و احذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه. و لا تحدّث الناس
____________________
(١) الجمل يضرب به المثل في الذلة و الجهل. الشسع: سير بين الإصبع الوسطي و التي تليها في النعل، كأنه زمام
(٢) أي: على دفع خيانة.
ملاحظة: قال الشريف الرضي: و المنذر بن الجارود هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام: إنه لنظّار في عطفيه، مختال في برديه
بكلّ ما سمعت به فكفى بذلك كذبا. و لا تردّ على الناس كلّ ما حدّثوك به فكفى بذلك جهلا. و تجاوز عند المقدرة و احلم عند الغضب و اصفح مع الدولة(١) .
و إياك و مصاحبة الفسّاق فإن الشرّ بالشرّ ملحق. و احذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود ابليس
اهل الجشع و اهل الفقر
من خطبة له في أهل الجشع و أهل الفاقة: و قد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، و الشرّ فيه إلاّ إقبالا، و الشيطان في هلاك الناس إلاّ طمعا.
إضرب بطرفك حيث شئت من الناس: هل تبصر إلاّ فقيرا يكابد فقرا، أو غنيّا بدّل نعمة اللّه كفرا؟ أين أخياركم و صلحاؤكم، و أحراركم و سمحاؤكم؟ و أين المتورّعون في مكاسبهم؟ و المتنزّهون في مذاهبهم؟ أ ليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا؟ و هل خلقتم إلاّ في حثالة(٢) لا تلتقي بذمّهم الشفتان استصغارا لقدرهم و ذهابا عن ذكرهم. لعن اللّه الآمرين بالمعروف التاركين له، و الناهين عن المنكر العاملين به
____________________
(١) أي عند ما تكون لك السلطة.
(٢) الحثالة: الرديء من كل شيء. و المراد هنا أدنياء الناس و صغار النفوس منهم.
القاضى الجاهل
من كلام له في صفة من يتصدّى للحكم بين الناس و هو ليس أهلا لذلك.
حتى إذا ارتوى من آجن و اكتنز من غير طائل(١) جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره»(٢) . فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّا من رأيه، ثم قطع به(٣) ، فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ. و إن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب(٤) .
جاهل خبّاط جهالات(٥) ، يذرو الروايات كما تذرو الريح الهشيم(٦) .
____________________
(١) الماء الآجن: الفاسد المتغير الطعم و اللون. شبّه الإمام مجهولات القاضي التي يظنها معلومات، بالماء الآجن. اكتنز: جمع ما عده كنزا. غير طائل: دون و خسيس.
(٢) التخليص: التبيين. التبس على غيره: اشتبه عليه.
(٣) المبهمات: المشكلات. الحشو: الزائد الذي لا فائدة فيه. الرث: الخلق البالي.
(٤) الجاهل بالشيء: من ليس على بيّنة منه، فإذا أثبته عرضت له الشبهة في نفيه، و إذا نفاه عرضت له الشبهة في إثباته. فهو في ضعف حكمه في مثل نسج العنكبوت ضعفا، و لا بصيرة له في وجوه الخطأ و الإصابة. و قد جاء الإمام في تمثيل حاله بأبلغ ما يكون من التعبير عنه، كما يقول ابن أبي الحديد.
(٥) خبّاط: صيغة مبالغة من خبط الليل، إذا سار فيه على غير هدى. و قد شبه الامام الجهالات بالظلمات التي يخبط فيها السائر.
(٦) الهشيم: ما يبس من النبت و تفتّت. تذرو الريح الهشيم: تطيره فتفرقه و تمزقه.
لا يحسب العلم في شيء مما أنكره، و لا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهبا لغيره، و إن أظلم أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه(١) تصرخ من جور قضائه الدماء و تعجّ منه المواريث(٢) . الى اللّه أشكو من معشر يعيشون جهّالا و يموتون ضلاّلا ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حقّ تلاوته، و لا سلعة أنفق بيعا و لا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه(٣) ، و لا عندهم أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر.
يحكم برايه
من كلام له في بعض القضاة أيضا: ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه. ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه. ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا...(٤) و إلهم واحد، و نبيّهم واحد، و كتابهم واحد
____________________
(١) اكتتم به: كتمه و ستره.
(٢) تعجّ: تصرخ. و صراخ الدماء و عج المواريث تمثيل لحدة الظلم و شدة الجور.
(٣) اذا تلي حق تلاوته: إذا أخذ على وجهه و فهم على حقيقته. و الكتاب هو القرآن الكريم.
(٤) استقضاهم: ولاّهم القضاء. يصوّب آراءهم جميعا: يفتي بأن آراءهم جميعا صائبة...
و عالمهم منافق
من كلامه في وصف أبناء زمانه: و اعلموا أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل، و اللسان عن الصدق كليل، و اللازم للحق ذليل، أهله معتكفون على العصيان، فتاهم عارم(١) و شائبهم آثم و عالمهم منافق، لا يعظّم صغيرهم كبيرهم و لا يعول غنيّهم فقيرهم
يعملون في الشّبهات
من خطبة له: و ما كلّ ذي قلب بلبيب، و لا كلّ ذي سمع بسميع، و لا كلّ ناظر ببصير، فيا عجبي، و ما لي لا أعجب، من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها يعملون في الشّبهات و يسيرون في الشهوات.
المعروف عندهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا(٢) .
مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المهمّات على آرائهم،
____________________
(١) شرس: سي الخلق.
(٢) أي: يستحسنون ما بدا لهم استحسانه، و يستقبحون ما خطر لهم قبحه بدون رجوع الى دليل بيّن أو شريعة واضحة.
كأنّ كلّ امرىء منهم إمام نفسه قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات و أسباب محكمات(١) .
زجر النّفس
من خطبة له: عباد اللّه، زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، و حاسبوها قبل أن تحاسبوا، و تنفّسوا قبل ضيق الخناق و انقادوا قبل عنف السياق(٢) و اعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ و زاجر لم يكن له من غيرها زاجر و لا واعظ
ايّاك
من كلام له لابنه الحسن: يا بنيّ، إياك و مصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك. و إياك و مصادقة البخيل فإنه يبعد عنك أحوج(٣) ما تكون إليه. و إياك و مصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه(٤) . و إياك و مصادقة الكذاب فإنه كالسراب: يقرّب عليك البعيد و يبعد عليك القريب
____________________
(١) يثق كل منهم بخواطر نفسه كأنه أخذ منها بالعروة الوثقى، على ما بها من جهل و نقص.
(٢) اي: انقادوا الى ما يطلب منكم بالحثّ الرفيق قبل أن تساقوا اليه بالعيف الشديد.
(٣) أحوج: حال من الكاف في «عنك».
(٤) التافه: القليل.
الرّضا و السّخط
من كلام له: أيها الناس، لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله، فإن الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير(١) و جوعها طويل أيها الناس، إنما يجمع الناس الرّضا و السخط.
أيها الناس، من سلك الطريق الواضح ورد الماء، و من خالف وقع في التيه.
النّفاق و الظّلم
من خطبة له: ثم إياكم و تهزيع الأخلاق و تصريفها(٢) . و إن لسان المؤمن من وراء قلبه، و إن قلب المنافق من وراء لسانه(٣) ، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم
____________________
(١) يقصد: الدنيا.
(٢) تهزيع الشيء: تكسيره. و الصادق اذا كذب فقد انكسر صدقه، و الكريم إذا لؤم فقد انثلم كرمه. و تصريف الأخلاق: تقليبها بين حال و حال:
(٣) اي ان لسان المؤمن تابع لاعتقاده لا يقول إلا ما يعتقد. و المنافق يقول ما ينال به غايته الخبيثة، فإذا قال شيئا اليوم ينقضه غدا، فيكون قلبه تابعا للسانه.
بكلام تدبّره في نفسه: فإن كان خيرا أبداه، و إن كان شرا واراه(١) .
و إنّ المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه لا يدري ما ذا له و ما ذا عليه و أمّا الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا. و إن جماعة في ما تكرهون من الحق خير من فرقة في ما تحبّون من الباطل(٢) طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، فكان من نفسه في شغل و الناس منه في راحة
العشيرة
من خطبة له: أيها الناس، إنه لا يستغني الرجل، و إن كان ذا مال، عن عشيرته و دفاعهم عنه بأيديهم و ألسنتهم، و هم أعظم الناس حيطة من ورائه و ألمّهم لشعثه(٣) و أعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به.
و من يقبض يده عن عشيرته فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة و تقبض منهم عنه أيد كثيرة
____________________
(١) واره: أخفاه.
(٢) أي: من يحافظ على نظام الالفة و الاجتماع، و إن ثقل عليه أداء بعض حقوق الجماعة و شقّ عليه ما تكلّفه به من الحق، فذلك هو الجدير بالسعادة، دون من يسعى للشقاق و هدم نظام الجماعة، و إن نال بذلك حقا باطلا و شهوة وقتية، فقد يكون في حظه الوقتي شقاؤه الأبدي، ذلك لأنه متى كانت الفرقة أصبح كل واحد عرضه لشرور سواه، فولّت الراحة و فسدت حال المعيشة.
(٣) الحيطة: الرعاية. و الشعث: التفرق و الانتشار.
طبائع الإنسان
من كلام له في طبائع الانسان: و له(١) موادّ الحكمة و أضداد من خلافها: فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع. و إن هاج به الطمع أهلكه الحرص. و إن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ. و إن أسعده الرضا نسي التحفّظ(٢) . و إن ناله الخوف شغله الحذر.
و إن اتّسع له الأمن استلبته الغرّة(٣) و إن أفاد مالا أبطره الغنى(٤) .
و إن أصابته مصيبة فضحه الجزع. و إن عضّته الفاقة شغله البلاء. و إن جهده الجوع قعد به الضعف. و إن إفرط به الشّبع كظّته البطنة(٥) .
فكلّ تقصير به مضرّ، و كلّ إفراط له مفسد
الزّمان و اهله
و من بديع قوله: إذا استولى الصلاح على الزمان و أهله ثم أساء رجل الظنّ برجل لم تظهر
____________________
(١) أي للقلب.
(٢) التحفظ: التوقّي و التحرّز من المضرّات.
(٣) الغرة: الغفلة. سلبته: ذهبت به عن رشده.
(٤) أفاد: استفاد.
(٦) كظته: كربته و آلمته. البطنة: امتلاء البطن حتى يضيق النفس.
منه خزية(١) فقد ظلم و إذا استولى الفساد على الزمان و أهله فأحسن رجل الظنّ برجل فقد غرّر(٢)
كم من صائم
و من كلامه في معنى الصوم و الصلاة: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و الظمأ. و كم من قائم(٣) ليس له من قيامه إلاّ السهر و العناء. حبّذا نوم الأكياس و إفطارهم
اصناف النّاس
من خطبة له في سوء طباع الناس بزمانه: أيها الناس، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود و زمن كنود(٤) يعدّ فيه المحسن مسيئا، و يزداد الظالم عتوّا، لا ننتفع بما علمنا و لا نسأل عمّا جهلنا و لا نتخوّف قارعة حتى تحلّ بنا(٥) . فالناس على أربعة أصناف:
____________________
(١) الخزية: البلية تصيب الانسان فتذله و تفضحة
(٢) غرّر: أوقع بنفسه في الغرر، أي: الخطر.
(٣) أي: قائم للصلاة.
(٤) العنود: الجائر. الكنود: الكفور.
(٥) القارعة: الخطب.
منهم من لا يمنعهم الفساد إلاّ مهانة نفسه و كلالة حدّه و نضيض وفره(١) .
و منهم المصلت لسيفه و المعلن بشرّه، قد أشرط نفسه و أوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده أو منبر يفرعه(٢) . و لبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا. و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، و لا يطلب الآخرة بعمل الدنيا: قد طامن من شخصه و قارب من خطوه و شمّر من ثوبه و زخرف من نفسه للأمانة، و اتّخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية.
و منهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه و انقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله فتحلّى باسم القناعة و تزيّن بلباس أهل الزّهادة و بقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع و أراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نادّ و خائف مقموع و ساكت مكعوم و داع مخلص و ثكلان موجع(٣) . قد أخملتهم التقيّة(٤) و شملتهم الذّلّة.
____________________
(١) أي: لا يقعد بهم عن طلب الإمارة و السلطان إلا حقارة نفوسهم و ضعف سلاحهم و قلة مالهم.
(٢) أصلت السيف: امتشقه. أشرط نفسه: هيأها و أعدّها للشر و الفساد في الأرض.
أوبق دينه: أهلكه. الحطام، هنا: المال. ينتهزه: يغتنمه أو يختلسه. المقنب: طائفة من الخيل، و إنما يطلب قود المقنب تعزّزا على الناس و كبرا. فرع المنبر: علاه.
(٣) نادّ: هارب من الجماعة الى الوحدة. المقموع: المقهور. المكعوم، من كعم البعير، أي: شدّ فاه لئلاّ يأكل أو يعض. الثكلان: الحزين.
(٤) أخمله: أسقط ذكره حتى لم يبق له بين الناس نباهة. التقية: اتّقاء الظلم بإخفاء الحال.
و قد وعظوا حتى ملّوا و قهروا حتى ذلّوا و قتلوا حتى قلّوا. فاتّعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم، و ارفضوها ذميمة فإنها رفضت من كان أشغف بها منكم
مع كلّ ريح
و من كلامه في ناس زمانه: همج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجأوا إلى ركن وثيق.
ربّ صغير غلب كبيرا
من كلام له: إحذر الكلام في مجالس الخوف، فإنّ الخوف يذهل العقل الذي منه تستمدّ، و يشغله بحراسة النفس عن حراسة المذهب الذي تروم نصرته.
و احذر الغضب ممّن يحملك عليه، فإنّه مميت للخواطر مانع من التثبّت.
و احذر المحافل التي لا إنصاف لأهلها في التسوية بينك و بين خصمك في الإقبال و الاستماع، و لا أدب لهم يمنعهم من جور الحكم لك و عليك.
و احذر كلام من لا يفهم عنك فإنه يضجرك. و احذر استصغار الخصم فإنه يمنع من التحفّظ، و ربّ صغير غلب كبيرا
سراجه باللّيل القمر
و من خطبة له تحتوي قولا رائعا في محمد و المسيح: و قد كان في رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كاف لك في الأسوة و دليل على ذمّ الدنيا و عيبها، و كثرة مخازيها و مساويها إذ قبضت عنه أطرافها و وطئت لغيره أكنافها و فطم عن رضاعها و زوي عن زخارفها.
و إن شئت قلت في عيسى ابن مريم عليه السلام فلقد كان يتوسّد الحجر و يلبس الخشن، و كان إدامه الجوع و سراجه بالليل القمر، و ظلاله في الشتاء مشارق الأرض و مغاربها، و فاكهته و ريحانه ما تنبت الأرض للبهائم. و لم تكن له زوجة تفتنه و لا مال يلفته و لا طمع يذلّه، دابّته رجلاه و خادمه يداه.
على منهاج المسيح
قال نوف البكالي: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة و قد خرج من فراشه فنظر في النجوم، فقال لي: يا نوف، أراقد
أنت أم رامق؟ فقلت: بل رامق(١) .
قال: طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتّخذوا الأرض بساطا و ترابها فراشا و ماءها طيبا و القرآن شعارا و الدّعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح إن داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال: إنها ساعة لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له إلاّ أن يكون عشّارا أو عريفا أو شرطيّا(٢) .
لا تقولوا بما لا تعرفون
من خطبة له في صفة الخيّرين: عباد اللّه، إنّ من أحبّ عباد اللّه اليه عبدا قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحقّ و يعمل به، لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها(٣) و لا مظنّة إلاّ قصدها(٤) .
أيها الناس، لا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحق في ما تنكرون و اعذروا من لا حجّة لكم عليه
____________________
(١) أراد ب «الرامق» منتبه العينين، في مقابلة الراقد بمعنى النائم.
(٢) العشار: من يتولى أخذ أعشار الاموال، و هو المكاس. و العريف: من يتجس على أحوال الناس و أسرارهم فيكشفها لأميرهم، مثلا. الشرطة: أعوان الحاكم.
(٣) أمّها: قصدها.
(٤) المظنّة: موضع ظن لوجود الخير.
منطقهم الصّواب و مشيهم التّواضع
روي أن صاحبا لابن أبي طالب يقال له «همام» قال له: يا أمير المؤمنين، صف لي المتّقين حتى كأني أنظر اليهم فتثاقل الإمام عن جوابه قليلا، ثم قال في صفة المتّقين قولا رائعا كثيرا، هذا بعضه: أمّا بعد، فإن اللّه سبحانه و تعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم، لأنه لا تضرّه معصية من عصاه و لا تنفعه طاعة من أطاعه، فقسم بينهم معايشهم و وضعهم من الدنيا مواضعهم، فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصواب و ملبسهم الاقتصاد و مشيهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم و وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزّلت في الرّخاء(١) ، و لو لا الأجل الذي كتب عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين.
لا يرضون من أعمالهم القليل و لا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم
____________________
(١) أي انهم إذا كانوا في بلاء كانوا بالأمل في اللّه كأنهم في رخاء لا يجزعون و لا يهنون، و إذا كانوا في رخاء كانوا من خوف اللّه و حذر النقمة كأنهم في بلاء، لا يبطرون و لا يتجبرون.
متّهمون، و من أعمالهم مشفقون(١) ، إذا زكّي أحدهم(٢) خاف مما يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، و ربّي أعلم بي مني بنفسي.
اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون، و اجعلني أفضل مما يظنّون، و اغفر لي ما لا يعلمون فمن علامة أحدهم: أنك ترى له حزما في لين، و إيمانا في يقين، و قصدا في غنى(٣) ، و خشوعا في عبادة، و تجمّلا في فاقة، و صبرا في شدّة، و نشاطا في هدى، و تحرّجا عن طمع(٤) . يمزج الحلم بالعلم و القول بالعمل. الخير منه مأمول، و الشرّ منه مأمون. يعفو عمّن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه، بعيدا فحشه ليّنا قوله حاضرا معروفه، لا يحيف على من يبغض و لا يأثم في من يحب. يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه. لا ينابز بالألقاب(٥) و لا يضارّ بالجار و لا يشمت بالمصائب و لا يدخل في الباطل و لا يخرج من الحق. نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة. بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة، و دنوّه ممّن دنا منه لين و رحمة. ليس تباعده بكبر و عظمة و لا دنوّه بمكر و خدعة.
____________________
(١) أي: خائفون من التقصير فيها.
(٢) زكي: مدحه أحد.
(٣) قصدا: اقتصادا.
(٤) التحرج، هنا: التباعد.
(٥) أي: لا يدعو غيره باللقب الذي يكرهه و يشمئزّ منه.
المنافقون
و من خطبة له يصف فيها المنافقين: يتلوّنون ألوانا و يفتنّون افتنانا(١) . لهم بكلّ طريق صريع(٢) ، و إلى كلّ قلب شفيع، و لكلّ شجو دموع(٣) . يتقارضون الثناء(٤) و يتراقبون الجزاء. إن سألوا ألحفوا و إن عذلوا كشفوا(٥) و إن حكموا أسرفوا. قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا و لكلّ قائم مائلا و لكلّ حيّ قاتلا، و لكل باب مفتاحا و لكلّ ليل مصباحا: يتوصلون الى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم و ينفقوا به أعلاقهم(٦) .
____________________
(١) يفتنّون: يأخذون في فنون من القول لا يذهبون مذهبا واحدا.
(٢) الصريع: المطروح على الأرض، أي: انهم كثيرا ما خدعوا أشخاصا أوقعوهم في الهلكة.
(٣) الشجو: الحزن، أي: يبكون تصنعا متى اردوا.
(٤) يتقارضون: كل واحد منهم يسلف الآخر دينا ليؤديه اليه، و كل يعمل للآخر عملا يرتقب جزاءه منه.
(٥) كشفوا: فضحوا.
(٦) ينفقوا: يروّجوا. الأعلاق، جمع علق، و هو الشيء النفيس. و المراد: ما يزينونه من خدائعهم.
كان عليهم سرمدا
من كلام له في وصف من فارقوا الدنيا: لا يفزعهم ورود الأهوال و لا يحزنهم تنكّر الأحوال، و لا يحفلون بالرواجف و لا يأذنون للقواصف، غيّبا لا ينتظرون و شهودا لا يحضرون، و إنما كانوا جميعا فتشتّتوا، و ما عن طول عهدهم و لا بعد محلّهم عميت أخبارهم و صمّت ديارهم(١) ، و لكنهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنطق خرسا و بالسمع صمما و بالحركات سكونا.
جيران لا يتآنسون و أحبّاء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف و انقطعت منهم أسباب الإخاء، فكلّهم وحيد و هم جميع، و بجانب الهجر و هم أخلاّء، لا يتعارفون لليل صباحا و لا لنهار مساء، أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا(٢) .
____________________
(١) صمّت: خرست عن الكلام. و خرس الديار: عدم صعود الصوت من سكانها.
(٢) الجديدان: الليل و النهار، فإن ذهبوا في نهار فلا يعرفون له ليلا، أو في ليل فلا يعرفون له نهارا.
تحمله على اهوالها
و من خطبة رائعة له في معنى الدنيا: ساكنها ظاعن و قاطنها بائن(١) تميد بأهلها ميدان السفينة تقصفها العواصف في لجج البحار فمنهم الغرق و منهم الناجي على بطون الأمواج تحفزه الرياح بأذيالها و تحمله على أهوالها(٢) ، فما غرق منها فليس بمستدرك و ما نجا منها فإلى مهلك
كانوا اطول اعمارا
من خطبة له في أحوال الدنيا: أمّا بعد، فإني أحذّركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات و تحلّت بالآمال و تزيّنت بالغرور.
____________________
(١) بائن: مبتعد، منفصل.
(٢) أي: منهم من هلك عند تكسر السفينة و منهم من بقيت فيه الحياة فخلص محمولا على بطون الأمواج، كأن الأمواج في انتفاخها كالحيوان المنقلب على ظهره و بطنه إلى أعلى. أما هذا الناجي الذي تدفعه الرياح، فمصيره أيضا إلى الهلاك، بعد طول العناء.
لم يكن امرؤ منها في حبرة(١) إلاّ أعقبته بعدها عبرة، و لم يلق في سرّائها بطنا إلا منحته من ضرّائها ظهرا(٢) . و حريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكّرة. و إن جانب منها احلولى، أمرّ منها جانب فأوبي(٣) . لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا(٤) إلا أرهقته من نوائبها تعبا و لا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف(٥) كم من واثق بها قد فجعته، و ذي طمأنينة اليها قد صرعته، و ذي أبّهة(٦) قد جعلته حقيرا، و ذي نخوة قد ردّته ذليلا. ملكها مسلوب، و عزيزها مغلوب، و موفورها منكوب، و جارها محروب(٧) أ لستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا، و أبقى آثارا، و أبعد آمالا، و أعدّ عديدا، و أكثف جنودا تعبّدوا للدنيا أيّ تعبّد، و آثروها أيّ إيثار، ثم ظعنوا عنها بغير زاد فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية، أو أعانتهم بمعونة، أو أحسنت لهم صحبة
____________________
(١) الحبرة: المسرة و النعمة.
(٢) كنى ب «البطن» عن الإقبال، و ب «الظهر» عن الإدبار.
(٣) أوبى: صار كثير الوباء.
(٤) الغضارة: النعمة و السعة. الرغب بفتح الباء الرغبة.
(٥) القوادم: أربع ريشات في مقدّم جناح الطائر.
(٦) الأبهة: العظمة.
(٧) محروب: مسلوب المال.
ويل لسكككم العامرة
و من كلام له في مصير البصرة: ويل لسكككم العامرة(١) ، و الدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور، و خراطيم كخراطيم الفيلة، من أولئك الذين لا يندب قتيلهم، و لا يفقد غائبهم. أنا كابّ الدنيا لوجهها، و قادرها بقدرها و ناظرها بعينها
اللّهمّ قد انصاحت جبالنا
من خطبة له في الاستسقاء، و هي من الخطب التي تزخر بالعاطفة و الحنان، و بالتواضع لخالق الكون و هيبة الوجود: اللهمّ قد انصاحت جبالنا(٢) ، و اغبرّت أرضنا، و هامت دوابّنا و تحيّرت في مرابضها و عجّت عجيج الثّكالى على أولادها، و ملّت التردّد في مراتعها و الحنين إلى مواردها. اللهمّ فارحم أنين الآنّة، و حنين
____________________
(١) سكك، جمع سكة: الطريق المستوي.
(٢) انصاحت: جفت أعالي بقولها و يبست من الجدب.
الحانّة اللهمّ فارحم حيرتها في مذاهبها و أنينها في موالجها(١) اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السنين و أخلفتنا مخايل الجود(٢) ، فكنت الرجاء للمبتئس و البلاغ(٣) للملتمس: ندعوك حين قنط الأنام و منع الغمام و هلك السوامّ(٤) أن لا تؤاخذنا بأعمالنا و لا تأخذنا بذنوبنا، و انشر علينا رحمتك بالسّحاب المنبعق و الربيع المغدق و النبات المونق سحّا وابلا(٥) تحيي به ما قد مات و تردّ به ما قد فات. اللهمّ سقيا منك محيية مروية، تامّة عامة، طيّبة مباركة، هنيئة، مريعة، زاكيا نبتها ثامرا فرعها(٦) ناضرا ورقها، تنعش بها الضعيف من عبادك و تحيي بها الميت من بلادك. اللهمّ سقيا منك تعشب بها نجادنا(٧) و تجري بها و هادنا و تخصب بها جنابنا(٨) و تقبل بها ثمارنا و تعيش بها مواشينا و تندى بها أقاصينا(٩) و تستعين بها ضواحينا من بركاتك الواسعة
____________________
(١) مداخلها في المرابض.
(٢) مخايل، جمع مخيلة، كمصيبة، و هي: السحابة تظهر كأنها ماطرة ثم لا تمطر.
و الجود: المطر.
(٣) البلاغ: الكفاية.
(٤) السوام: جمع سائمة و هي: البهيمة الراعية من الإبل و نحوها.
(٥) سحّا: صبّا. الوابل: الشديد من المطر الضخم القطر.
(٦) زاكيا: ناميا. ثامرا: آتيا بالثمر.
(٧) النجاد جمع نجد، و هو: ما ارتفع من الأرض.
(٨) الجناب: الناحية.
(٩) القاصية: الناحية أيضا، و هي بمعنى البعيدة عنّا من أطراف بلادنا، في مقابلة «جنابنا».
الغيبة
من كلام له في النهي عن غيبة الناس: و إنما ينبغي لأهل العصمة أن يرحموا أهل الذنوب و المعصية، و يكون الشكر هو الغالب عليهم، فكيف بالغائب الذي غاب أخاه و عيّره ببلواه؟ يا عبد اللّه، لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعلّه مغفور له، و لا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلّك معذّب عليه
يذهب اليوم و يجىء الغد
من خطبة له: إعلموا، عباد اللّه، أنّ عليكم رصدا من أنفسكم(١) و عيونا من جوارحكم، و حفّاظ صدق يحفظون أعمالكم و عدد أنفاسكم لا تستركم منهم ظلمة ليل داج و لا يكنّكم منهم باب ذو رتاج(٢) ، و إنّ غدا من اليوم قريب.
____________________
(١) الرصد، جمع راصد، و يريد به رقيب الذمة و واعظ السر الوجداني الذي لا يغفل عن التنبيه و لا يخطىء في الإنذار و التحذير.
(٢) الرتاج: الباب العظيم إذا كان محكم الغلق.
يذهب اليوم بما فيه و يجيء الغد لاحقا به، فكأنّ كلّ امرىء منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته، فيا له من بيت وحدة و منزل وحشة و مفرد غربة
آه من بعد السّفر
دخل ضرار بن حمزة الضبائي على معاوية، فسأله هذا عن الإمام علي، فقال ضرار: فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و هو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم(١) و يبكي بكاء الحزين، و يقول: يا دنيا يا دنيا، إليك عني أ بي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّفت؟ لا حان حينك(٢) هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، فعيشك قصير، و خطرك يسير، و أملك حقير آه من قلّة الزاد، و طول الطريق، و بعد السفر، و عظيم المورد(٣)
____________________
(١) السليم: الملدوغ.
(٢) تعرض به: تصدّى له و طلبه. لا حان حينك: لا جاء وقت وصولك الى قلبي و تمكّن حبك منه.
(٣) المورد: موقف الورود على اللّه في الحساب.
طبيعة الوجود
و من خطبه التي تدل على إدراكه العميق لطبيعة الوجود و أحواله: مع كل جرعة شرق، و في كلّ أكلة غصص، لا تنالون منها يعني الدنيا نعمة إلا بفراق أخرى، و لا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، و لا تجدّد له زيادة في أكله إلاّ بنفاد ما قبلها من رزقه، و لا يحيا له أثر إلا مات له أثر، و لا يتجدّد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد(١) ، و لا تقوم له نابتة إلا و تسقط منه محصودة. و قد مضت أصول نحن فروعها
و اجرى فيها قمرا منيرا
من خطبة له يذكر فيها ابتداء خلق السماء و الأرض: ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شقّ الأرجاء و سكائك الهواء(٢) فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره متراكما زخّاره حمله على متن الريح
____________________
(١) يخلق: يبلى.
(٢) سكائك، جمع سكاكة و هي: الهواء الملاقي عنان السماء.
العاصفة و الزعزع القاصفة. ثم أنشأ سبحانه ريحا أعصف مجراها فأمرها بتصفيق الماء الزخّار(١) و إثارة موج البحار، فمخضته مخض السّقاء(٢) و عصفت به عصفها بالفضاء تردّ أوله إلى آخره و ساجيه إلى مائره(٣) حتى عبّ عبابه.
ثم زيّنها بزينة الكواكب و ضياء الثواقب(٤) و أجرى فيها سراجا مستطيرا(٥) و قمرا منيرا، في فلك دائر و سقف سائر
تلاطم الماء
من خطبة له في قدرة اللّه: يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النّينان في البحار الغامرات(٦) ، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات
____________________
(١) تصفيق الماء: تحريكه و تقليبه.
(٢) مخضته: حركته بشدة كما يمخض السقاء بما فيه من اللبن ليستخرج زبده. و السقاء: وعاء من جلد للبن و الماء.
(٣) الساجي: الساكن. و المائر: الذي يذهب و يجىء، أو المتحرك مطلقا.
(٤) الثواقب: المنيرة المشرقة.
(٥) مستطيرا: منتشر الضياء، و يقصد به الشمس.
(٦) النينان، جمع نون و هو: الحوت.
خلقة الخفّاش
من خطبة له يذكر فيها خلقة الخفاش: و من لطائف صنعته و عجائب حكمته ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكلّ شيء، و يبسطها الظلام القابض لكلّ حيّ، و كيف عشيت أعينها عن أن تستمدّ من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها و تصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها، و ردعها تلألؤ ضيائها عن المضيّ في سبحات إشراقها(١) و أكنّها في مكامنها عن الذهاب في بلج ائتلافها(٢) فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها، و جاعلة الليل سراجا تستدلّ به في التماس أرزاقها، فلا يردّ أبصارها إسداف ظلمته(٣) ، و لا تمتنع من المضيّ فيه لغسق دجنّته(٤) .
فإذا ألقت الشمس قناعها و بدت أوضاح نهارها، و دخل من إشراق نورها على الضّباب(٥) في وجارها، أطبقت الأجفان على مآقيها و تبلّغت(٦) بما اكتسبت من فيء ظلم لياليها. فسبحان من جعل الليل لها نهارا
____________________
(١) سبحات النور: درجاته و أطواره.
(٢) البلج: الضوء و وضوحه. الائتلاق: اللمعان الشديد.
(٣) أسدف الليل: أظلم.
(٤) الدجنة: الظلمة.
(٥) الضباب، جمع ضب و هو الحيوان المعروف.
(٦) تبلغت: اكتفت أو اقتاتت.
و معاشا، و النهار سكنا و قرارا، و جعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة الى الطيران كأنها شطايا الآذان(١) غير ذوات ريش و لا قصب، إلاّ أنك ترى مواضع العروق بيّنة أعلاما(٢) لها جناحان لمّا يرقّا فينشقّا و لم يغلظا فيثقلا، تطير و ولدها لاصق بها لاجىء إليها: يقع إذا وقعت و يرتفع إذا ارتفعت، لا يفارقها حتى تشتدّ أركانه و يحمله جناحه و يعرف مذاهب عيشه و مصالح نفسه. فسبحان الباري لكلّ شيء على غير مثال خلا من غيره
خلقة الطّاووس
من خطبة له يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس: و من أعجبها خلقا الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل، و نضّد ألوانه في أحسن تنضيد، بجناح أشرج قصبه(٣) و ذنب أطال مسحبه،
____________________
(١) شظايا، جمع شظية، و هي: الفلقة من الشيء، أي: كأنها مؤلفة من شقق الآذان.
(٢) رسوما ظاهرة.
(٣) أشرج قصبه: داخل بين آحاده و نظمها على اختلافها في الطول و القصر.
إذا درج إلى الأنثى نشره من طيّه و سما به مظلاّ على رأسه كأنه قلع داريّ عنجه نوتيّه(١) يختال بألوانه و يميس بزيفانه(٢) .
تخال قصبه مداري من فضّة(٣) و ما أنبت عليه من عجيب داراته(٤) و شموسه خالص العقيان(٥) و فلذ الزّبرجد. فإن شبّهته بما أنبتت الأرض قلت: جنى جني من زهرة كل ربيع و إن ضاهيته بالملابس فهو كموشّى الحلل و إن شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان نطّقت باللجين المكلّل(٦) ، يمشي مشي المرح المختال، و يتصفّح ذنبه و جناحيه فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله و أصابيغ وشاحه فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا(٧) معولا يكاد يبين عن استغاثته، و يشهد بصادق توجّعه، لأن قوائمه حمش كقوائم الدّيكة الخلاسيّة(٨) .
____________________
(١) القلع: شراع السفينة. عنجه: جذبه فرفعه. النوتي: الملاّح.
(٢) الزيفان: التبختر، و يريد به حركة ذنب الطاووس يمينا و شمالا.
(٣) القصب: الريش. المداري، جمع مدرى. و المدرى و المدراة: أداة ذات أسنان كأسنان المشط.
(٤) الدارات جمع دارة، و هي بالنسبة للشمس كالهالة بالنسبة للقمر.
(٥) العقيان: الذهب الخالص.
(٦) اللجين: الفضة. المكلل: المزين بالجواهر.
(٧) زقا يزقو: صاح.
(٨) حمش، جمع أحمش، أي: دقيق. و الديك الخلاسي: الديك المتولد بين دجاجة و ديك من لونين مختلفين.
و له في موضع العرف قنزعة خضراء موشّاة. و مخرج عنقه كالإبريق و مغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية(١) أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال(٢) . و كأنه ملفّع بمعجر أسحم إلاّ أنه يخيّل لكثرة مائه و شدّة بريقه أن الخضرة الناضرة ممتزجة به.
و مع فتق سمعه خطّ كمستدقّ القلم في لون الأقحوان أبيض يقق، فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق. و قلّ صبغ إلاّ و قد أخذ منه بقسط و علاه بكثرة صقاله و بريقه و بصيص ديباجه و رونقه(٣) ، فهو كالأزاهير المبثوثة لم تربّها أمطار ربيع و لا شموس قيظ.
و قد ينحسر من ريشه و يعرى من لباسه فيسقط تترى، و ينبت تباعا، فينحتّ من قصبه انحتات أوراق الأغصان(٤) . ثم يتلاحق ناميا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه: لا يخالف سالف ألوانه و لا يقع لون في غير مكانه.
و إذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة وردية،
____________________
(١) مغرزها: الموضع الذي غرز فيه العنق منتهيا الى مكان البطن. الوسمة: نبات يخضّب به.
(٢) الصقال: الجلاء.
(٣) علاه: فاقه. البصيص: اللمعان.
(٤) ينحسر من ريشه: يتكشف منه و يعرى. تترى: شيئا بعد شيء. ينحتّ: يسقط و ينقشر. انحتات الأوراق: تناثر الأوراق.
و تارة خضرة زبرجديّة، و أحيانا صفرة عسجدية(١) ، فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن أو تبلغه قرائح العقول(٢) أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين و أقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه و الألسنة أن تصفه
خلقة النّملة
من خطبة له في وصف خلقة النملة: أنظروا الى النملة في صغر جثتها و لطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحاظ البصر و لا بمستدقّ الفكر، كيف دبّت على أرضها و صبت على رزقها تنقل الحبّة الى جحرها و تعدّها في مستقرّها. تجمع في حرّها لبردها و في ورودها لصدرها، مكفولة برزقها مرزوقة بوفقها(٣) لا يغفلها المنّان و لا يحرمها الديّان و لو في الصّفا اليابس و الحجر الجامس(٤) . و لو فكّرت في مجاري أكلها، في علوها و سفلها، و ما في الجوف من شراسيف بطنها(٥) و ما في الرأس من عينها و أذنها، لقضيت من خلقها عجبا و لقيت
____________________
(١) ذهبية.
(٢) عمائق، جمع عميقة. القرائح جمع قريحة و هي: الخاطر و الذهن.
(٣) الصدر: الرجوع بعد الورود. بوفقها: بما يوافقها من الرزق و يلائم طبعها، أو بما هو قدر كفايتها منه.
(٤) الجامس: الجامد.
(٥) الشراسيف: مقاطع الأضلاع.
في وصفها تعبا فتعالى الذي أقامها على قوائمها و بناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر و لم يعنه في خلقها قادر.
و لو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدلالة إلاّ على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة، لدقيق تفصيل كلّ شيء(١) و غامض اختلاف كل حي و ما الجليل و اللطيف، و الثقيل و الخفيف، و القوي و الضعيف، في خلقه إلاّ سواء
خلقة الجرادة
و منها في وصف الجرادة: و إن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين، و أسرج لها حدقتين قمراوين(٢) و جعل لها السمع الخفيّ، و فتح لها الفم السويّ، و جعل لها الحسّ القويّ، و نابين بهما تقرض و منجلين بهما تقبض(٣) .
يرهبها الزرّاع في زرعهم و لا يستطيعون ذبّها(٤) و لو أجلبوا بجمعهم، حتى ترد الحرث في نزواتها(٥) و تقضي منه شهواتها و خلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة
____________________
(١) أي: إن دقة التفصيل في النملة على صغرها و في النخلة على طولها، تدلّك على ان الصانع واحد.
(٢) أي: مضيئتين كأن كلاّ منهما ليلة أضاءها القمر.
(٣) أراد بالمنجلين هنا: رجليها، لاعوجاجهما و خشونتهما.
(٤) دفعها.
(٥) و ثباتها.
اغفر لى
من كلام له كان يدعو به: اللهمّ اغفر لي ما أنت أعلم به مني، فإن عدت فعد عليّ بالمغفرة اللهمّ اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني ثم خالفه قلبي اللهمّ اغفر لي رمزات الألحاظ(١) و سقطات الألفاظ، و شهوات الجنان و هفوات اللسان
ما ذا لقيت
و قال في سحرة اليوم الذي ضرب فيه(٢) : ملكتني عيني و أنا جالس(٣) فسنح لي رسول اللّه (ص) فقلت: يا رسول اللّه، ما ذا لقيت من أمّتك من الأود و اللّدد(٤) فقال: ادع عليهم فقلت: أبدلني اللّه بهم خيرا منهم، و أبدلهم بي شرا لهم مني
____________________
(١) رمزات الألحاظ: الإشارة بها.
(٢) السحرة: السحر الأعلى من آخر الليل.
(٣) ملكتني عيني: غلبني النوم.
(٤) الأود: الاعوجاج. اللدد: الخصام.
العفو عن القاتل
من كلام له قاله قبل موته على سبيل الوصية، لما ضربه ابن ملجم: أنا بالأمس صاحبكم، و اليوم عبرة لكم، و غدا مفارقكم إن أبق فأنا وليّ دمي. و إن أفن فالفناء ميعادي. و إن أعف فالعفو لي قربة، و هو لكم حسنة، فاعفوا
مظلوم
من كلام له في معنى الظلم الواقع عليه: ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه نبيّه حتى يوم الناس هذا. و لقد كنت أظلم قبل ظهور الإسلام. و لقد كان أخي عقيل: يذنب أخي جعفر، فيضربني
الاثوار الثّلاثة
رأينا أن نثبت هذا المثل هنا، لأنه من أجمل الأمثال العربية التي جاءت حكاية عن الحيوان، ثم لأنه أول هذه الأمثال التي شاعت فيما بعد على يد ابن المقفع بكتابه الشهير «كليلة و دمنة»، و فيه دعوة الى الاتحاد و تنفير من الفتنة. و الغريب أن يكون هذا المثل الذي ثبتت نسبته الى الإمام علي، غير مذكور في «نهج البلاغة» على اختلاف طبعاته و كثرة المعتنين به، و لا في الكتب التي استدرك مصنّفوها ما فات جامع «النهج»: أثوار ثلاثة كنّ في أجمة، أبيض و أسود و أحمر، و معهنّ فيها أسد، فكان لا يقدر منهنّ على شيء لاجتماعهنّ عليه. فقال للثور الأسود و الثور الأحمر: لا يدلّ علينا في أجمتنا إلاّ الثور الأبيض، فإنّ لونه مشهور، و لوني على لونكما، فلو تركتماني آكله صفت لنا الأجمة فقالا له: دونك فكله. فأكله. فلما مضت أيام، قال للأحمر: لوني على لونك فدعني آكل الأسود لتصفو لنا الأجمة فقال: دونك فكله ثم قال للأحمر: إني آكلك لا محالة فقال: دعني أنادي ثلاثا. فقال: افعل. فنادى: ألا إني أكلت يوم أكل الثور الأبيض
طآئفة من روائع امثاله
من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه.
لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أحد سوءا و أنت تجد لها في الخير محتملا.
أسوأ الناس حالا من لم يثق بأحد لسوء ظنّه، و من لم يثق به أحد لسوء فعله.
ليس من العدل القضاء بالظنّ على الثقة.
سوء الظن يدوي القلوب(١) و يتّهم المأمون، و يوحش المستأنس، و يغيّر مودّة الإخوان.
ما المجاهد الشهيد في سبيل اللّه بأعظم أجرا ممّن قدر فعفّ. لكاد العفيف أن يكون ملاكا من الملائكة.
العفو زكاة الظفر.
أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
أستر عورة أخيك و اغتفر زلة صديقك.
عليك بالصدق في كل أمورك.
لا سوأة أسوأ من الكذب.
الكذّاب يخيف نفسه و هو آمن.
علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك.
جانبوا الكذب فإن الصادق على منجاة و كرامة، و الكاذب على شفا مهواة و هلكة.
____________________
(١) يدوي: يصيب بالداء.
الكذّاب و الميت سواء، لأن فضيلة الحي على الميت الثقة به، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته.
إن كنت صادقا كافيناك، و إن كنت كاذبا عاقبناك.
لا يصلح الكذب في جدّ و لا هزل، و لا في أن يعد أحدكم صبيّه ثم لا يفي له. إنّ الكذب يهدي الى الفجور.
خير المقال ما صدقته الفعال.
إنّ من عدم الصدق في منطقه فقد فجع بأكرم أخلاقه.
ما السيف الصارم في كفّ الشجاع بأعزّ له من الصدق.
أقبح الصدق ثناء المرء على نفسه.
ذمّتي بما أقول رهينة.
اعتصموا بالذمم.
لا تغدرنّ بذمّتك و لا تخيسنّ بعهدك و لا تختلنّ عدوّك.
أوفوا إذا عاقدتم، و اعدلوا إذا حكمتم، و لا تفاخروا بالآباء.
لا تكن ممن ينهى و لا ينتهي، و يأمر بما لا يأتي، و يصف العبرة و لا يعتبر، فهو على الناس طاعن و لنفسه مداهن.
لا تصحب المائق(١) فإنه يزيّن لك فعله و يودّ أن تكون مثله.
لا صديق لمتلوّن، و لا وفاء لكذوب، و لا راحة لحسود، و لا مروءة لدنيء.
انتهزوا فرص الخير.
____________________
(١) المائق: الأحمق.
إفعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا، فإنّ صغيره كبير و قليله كثير.
قولوا الخير تعرفوا به، و اعملوا الخير تكونوا من أهله.
الساعي بالخير كفاعله. أما الساعي بالشرّ و محاربة الخير فهو عدوّ اللّه و البشر.
و لا يقولنّ أحدكم إن أحدا أولى بفعل الخير منّي، فيكون و اللّه كذلك.
إذا تحرّكت صورة الشر و لم تظهر ولّدت الفزع، فإذا ظهرت ولّدت الألم. و إذا تحرّكت صورة الخير و لم تظهر، ولّدت الفرج، فإذا ظهرت ولّدت اللذة.
من اعتدل يوماه فهو مغبون.
الكيّس من كان يومه خيرا من أمسه.
من اعتدل يوماه فهو مغبون.
من منّ بمعروفه أفسده.
لا يزهّدنّك في المعروف من لا يشكر لك.
أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه.
لا تستصغر شيئا من المعروف قدرت على اصطناعه إيثارا لما هو أكثر منه، فإن اليسير في حال الحاجة أنفع من الكثير في حال الغنى عنه.
فاعل الخير خير منه، و فاعل الشرّ شرّ منه.
لا تعمل الخير رياء و لا تتركه حياء.
من لا يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة.
لن يضيع اللّه أجر من أحسن عملا.
أطلبوا الخير و أهله، و اعلموا أنّ خيرا من الخير معطيه، و شرا من الشرّ فاعله.
ما من يوم يمرّ على ابن آدم إلا قال له: أنا يوم جديد، و أنا عليك شهيد، فقل فيّ خيرا و اعمل خيرا فإنك لن تراني بعد أبد قال في صفة الإنسان الشريف: ينوي كثيرا من الخير، و يعمل بطائفة منه، و يتلهّف على ما فاته كيف لم يعمل به.
و قال فيه أيضا: قد ألزم نفسه العدل، يصف الحقّ و يعمل به. لا يدع للخير غاية إلا أمّها و لا مظنّة إلاّ قصدها.
أحصد الشرّ من صدر غيرك بفعله من صدرك.
من استحسن القبيح كان شريكا فيه.
إذا أردت أن تعرف طبع الرجل فاستشره، فإنك تقف في مشورته على عدله و جوره، و خيره و شرّه.
ليس في البرق الخاطف مستمتع(١) لمن يخوض في الظلمة.
إقبل عذر من اعتذر اليك، و أخّر الشرّ ما استطعت.
ليكن أمر الناس عندك في الحق سواء.
من تعدّى الحقّ ضاع مذهبه.
من صارع الحقّ صرعه.
لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ و لا يوحشنّك إلا الباطل.
____________________
(١) مستمتع: متعة.
أ لا و إنه بالحقّ قامت السماوات و الأرض.
ما شككت في الحق مذ رأيته.
اتبعوا الحق و أهله حيث كانوا.
لا تزيدنّي كثرة الناس حولي عزّة، و لا تفرّقهم عني وحشة، و ما أكره الموت على الحق.
ليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.
من طلب عزّا بباطل أورثه اللّه ذلاّ بحقّ من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه.
لنا حقّ فإن أعطيناه و إلاّ ركبنا أعجاز الإبل و إن طال السّرى.
لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة من يسلكه.
إعملوا في غير رياء.
للمرائي ثلاث علامات: ينشط إذا رأى الناس، و يكسل إذا كان وحده، و يحبّ أن يحمد في جميع أحواله ليكن دنوّك من الناس لينا و رحمة.
عاتب أخاك بالإحسان اليه و اردده بالإنعام عليه.
صل من قطعك، و أعط من حرمك، و أحسن إلى من أساء إليك، و قل الحقّ و لو على نفسك.
أزجر المسيء بثواب المحسن.
إن لم تكن حليما فتحلّم، فإنه قلّ من تشبّه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم.
ليس جزاء من سرّك أن تسوءه.
ما ظفر من ظفر الإثم به، و الغالب بالشرّ مغلوب.
من أساء خلقه عذّب نفسه.
كفى بحسن الخق نعيما.
لا تعدنّ عدة تحقّرها قلة الثقة بنفسك، و لا يغرّنّك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا.
إرحم ترحم. قل الخير تذكر بخير. اجتنب الغيبة فإنها إدام كلاب النار.
ليرأف كبيركم بصغيركم.
من وعظ أخاه سرا فقد زانه، و من وعظه علانية فقد شانه.
عليكم بكلمة الحق في الرضا و الغضب، و بالعدل على الصديق و العدوّ.
سامع الغيبة أحد المغتابين.
الغيبة جهد العاجز.
نظر الإمام إلى رجل يغتاب آخر عند ابنه الحسن، فقال: يا بنيّ، نزّه سمعك عنه، فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك.
إمحض أخاك النصح و ساعده على كل حال، و لا تصرم أخاك على ارتياب و لا تقاطعه دون استعتاب فلعلّ له عذرا و أنت تلوم.
الويل كل الويل لمن استحسن لنفسه ما يكرهه لغيره، و أزرى على الناس بمثل ما يأتي.
ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، و لا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه.
من تجرّأ لك تجرّأ عليك.
من مدحك بما ليس فيك من الجميل و هو راض عنك، ذمّك بما ليس فيك من القبيح و هو ساخط عليك.
عجبا لمن قيل فيه الخير و ليس فيه كيف يفرح و عجبا لمن قيل فيه الشر و ليس فيه كيف يغضب لتكن معرفتك بنفسك أوثق عندك من مدح المادحين لك.
من استحيا من الناس و لم يستحي من نفسه فليس لنفسه عنده قدر رأس العلم الرفق.
ما كان الرفق في شيء إلا زانه.
و إنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل و النهار لحريّ بسرعة الأوبة(١) .
طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه.
من نسي زلله استعظم زلل غيره، و من تكبّر على الناس ذلّ.
و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره.
____________________
(١) يحدوه: يسوقه. الأوبة: الرجوع.
الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل.
من عرف نفسه فقد عرف ربّه.
هلك امرؤ لم يعرف قدره.
أنظر وجهك كل وقت في المرآة، فإن كان حسنا فاستقبح أن تضيف اليه فعلا قبيحا و تشينه به. و إن كان قبيحا فاستقبح أن تجمع بين قبيحين الإنسان مرآة الانسان، يتأمله و يسدّ فاقته.
إذا كان في رجل خلّة رائقة فانتظروا أخواتها(١) .
شراركم المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، المبتغون للأبرياء المعايب.
لا سؤدد مع انتقام، و لا صواب مع ترك المشورة.
لا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه.
إذا حيّيت بتحيّة فحيّ بأحسن منها. و إذا أسديت إليك يد فكافئها بما يربي عليها، و الفضل في ذلك للبادي.
إذا بلغ المرء من الدنيا فوق قدره، تنكّرت للناس أخلاقه.
إذا رفعت أحدا فوق قدره، فتوقّع منه أن يحطّ منك بقدر ما رفعت منه لا تشمت بالمصائب و لا تدخل في الباطل و لا تخرج من الحق.
لا تفرح بسقطة غيرك، فإنك لا تدري ما تتصرّف الأيام بك
____________________
(١) الخلة: الخصلة.
أكرم نفسك عن كل دنيّة.
لا يأبى الكرامة إلا حمار.
من كفّارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف و التنفيس عن المكروب.
من عزّى الثكلى فقد أظلّه اللّه في ظلّ عرشه.
أدّب اليتيم بما تؤدب به ولدك.
ساووا ضعفاءكم في مآكلكم.
لا يطمع قريبك في حيفك(١) و لا ييأس عدوّك من عدلك.
لا تصحبنّ في سفر من لا يرى لك من الفضل عليه مثل ما يرى له من الفضل عليك.
إنّ مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب و مذلّة للماشي.
لا تسارّ أحدا في مجلسك، و إن غضبت فقم، و لا تقضينّ و أنت غضبان.
ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة.
إذا طرقك إخوانك فلا تدّخر عنهم ما في البيت، و لا تتكلّف لهم ما وراء الباب.
شرّ الإخوان من تكلّف له.
إياك و كلّ عمل إذا ذكر لصاحبه أنكره.
____________________
(١) الحيف: الظلم.
من عمل في السرّ ما يستحيي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر.
من أصلح سريرته أصلح علانيته.
من حذّرك كمن بشّرك.
لا يرضى عنك الحاسد حتى يموت أحدكما.
حسد الصديق من سقم المودّة.
التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد.
ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم و قلب هائم و حزن لازم، مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملك الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، و التقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد.
خالطوا الناس مخالطة إن متّم معها بكوا عليكم و إن عشتم حنّوا إليكم.
لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته و وفاته.
عدوّ عاقل خير من صديق جاهل.
من أشرف أعمال الكريم غفلته عما يعلم.
أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة.
من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.
ما جفّت الدموع إلاّ لقسوة في القلوب، و ما قست القلوب إلاّ لكثرة الذنوب.
تحتاج القرابة إلى مودّة، و لا تحتاج المودّة إلى قرابة.
ربّ قريب أبعد من بعيد. و رب بعيد أقرب من قريب. و الغريب من لم يكن له حبيب.
المودّة قرابة مستفادة.
فقد الأحبة غربة.
من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، و حنينه إلى أوطانه، و حفظه قديم إخوانه.
الطمع رقّ مؤبّد.
أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع.
كم من عقل أسير تحت هوى أمير.
إن كنت جازعا على ما تفلّت من يديك، فاجزع على كل ما لم يصل إليك.
الهوى مطيّة الفتنة.
إذا أيسرت فكلّ الرجال رجالك، و إذا أعسرت أنكرك أهلك.
إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.
ثلاثة يرحمون: عاقل يجري عليه حكم جاهل، و ضعيف في يد ظالم قوي، و كريم يحتاج إلى لئيم.
إذا سألت كريما حاجة فدعه يفكر، فإنه لا يفكر إلا في خير. و إذا سألت لئيما حاجة فعاجله، فإنه إن فكّر عاد إلى طبعه.
الرغبة الى الكريم تحرّكه على البذل، و إلى الخسيس تغريه بالمنع.
الكريم لا يلين على قسر، و لا يقسو على يسر وجّهوا آمالكم إلى من تحبّه قلوبكم.
السخاء ما كان ابتداء، فأمّا ما كان عن مسألة فحياء و تذمّم(١) .
البخل جامع لمساوىء العيوب، و هو زمام يقاد به إلى كل سوء.
البخل جلباب المسكنة.
البخلاء من الناس يكون تغافلهم عن عظيم الجرم أسهل عليهم من المكافأة على يسير الإحسان.
يا ابن آدم، ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك.
يا ابن آدم، كن وصيّ نفسك في مالك، و اعمل فيه ما تؤثر أن يعمل فيه من بعدك.
من يكن له مال فليفكّ به العاني و الأسير.
من كرمت عليه نفسه هان عليه ماله.
الحرص و الكبر و الحسد دواع إلى التقحّم في الذنوب.
لا تهضمنّ محاسنك بالفخر و الكبر.
____________________
(١) التذمّم: الفرار من الذم.
إذا أردت أن تحمد فلا يظهر منك حرص على الحمد.
أكبر الفخر ألاّ تفخر.
يكون الصبر على قدر المصيبة.
المصيبة واحدة، فإن جزعت كانت اثنتين.
عوّد نفسك الصبر على المكروه.
عند تناهي الشدّة تكون الفرجة.
الصبر مطيّة لا تكبو.
الصبر صبران: صبر على ما تكره و صبر عمّا تحب.
الدهر يومان: يوم لك و يوم عليك. فإن كان لك فلا تبطر، و إن كان عليك فاصبر.
من صبر صبر الأحرار، و إلاّ سلا سلوّ الأغمار(١) .
لا تكن عند النعماء بطرا و لا عند البأساء فشلا.
التكبّر على المتكبرين هو التواضع بعينه.
من طلب شيئا ناله أو بعضه.
المرء مخبوء تحت لسانه.
هانت عليه نفسه من أمّر عليه لسانه.
لسان العاقل وراء قلبه، و قلب الأحمق وراء لسانه.
____________________
(١) الاغمار، جمع غمر، و هو: الجاهل الذي لم يجرب الأمور.
إذا فعلت كلّ شيء فكن كمن لم يفعل شيئا.
لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل.
أمسك عليك لسانك فإنّ تلافيك ما فرط من صمتك أيسر عليك من إدراك ما فات من منطقك.
لا تسأل عمّا لا يكون، ففي الذي قد كان لك شغل.
الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللّه.
إن الأمور إذا اشتبهت اعتبر أوّلها بآخرها.
أصاب متأمّل أو كاد، و أخطأ مستعجل أو كاد ما أكثر العبر و أقلّ الاعتبار.
رأي الشيخ أحبّ من جلد الغلام(١) .
قيل له: صف لنا العاقل. فقال: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.
فقيل: فصف لنا الجاهل. فقال: قد فعلت.
من اشتبه عليكم أمره فانظروا إلى خلطائه.
إذا كنت في إدبار، و الموت في إقبال، فما أسرع الملتقى.
من تذكّر بعد السفر استعدّ.
نفس المرء خطاه إلى أجله.
كم من أكلة منعت أكلات.
____________________
(١) جلد الغلام: صبره على القتال.
الخلاف يهدم الرأي.
لا رأي لمن لا يطاع.
قال لما سمع قول الخوارج «لا حكم إلاّ للّه»: كلمة حقّ يراد بها باطل من جهل شيئا عابه.
الناس أعداء ما جهلوا.
من لان عوده كثفت أغصانه.
نوم على يقين خير من صلاة على شك.
فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد.
أفضل الزهد إخفاء الزهد.
ليست الصلاة قيامك و قعودك إنما الصلاة إخلاصك.
أشدّ الذنوب ما استهان به صاحبه.
لا تحتقرنّ صغيرا يمكن أن يكبر، و لا قليلا يمكن أن يكثر.
يأتي على الناس زمان لا يقرّب فيه إلا الماحل(١) و لا يظرّف فيه إلا الفاجر(٢) و لا يضعّف فيه إلا المنصف(٣) .
الدنيا حمقاء لا تميل إلا إلى أشباهها
____________________
(١) الماحل: الساعي في الناس بالوشاية عند السلطان.
(٢) لا يظرّف: لا يعدّ ظريفا.
(٣) لا يضعّف: لا يعدّ ضعيفا.
أنا كابّ الدنيا لوجهها، و قاردها بقدرها، و ناظرها بعينها.
أيها الناس، إني و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلا أسبقكم إليها، و لا أنهاكم عن معصية إلا أتناهى قبلكم عنها.
من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه. و معلّم نفسه و مؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس و مؤدّبهم.
ينبغي لمن ولي أمر قوم أن يبدأ بتقويم نفسه قبل أن يشرع في تقويم رعيته، و إلاّ كان بمنزلة من رام استقامة ظل العود قبل أن يستقيم ذلك العود وا عجباه أ تكون الخلافة بالصحابة و القرابة أشقى الرعاة من شقيت به رعيّته.
ما أقبح الغدر من السلطان.
لا زعامة لسيّء الخلق.
إذا كان الراعي ذئبا، فالشاة من يحفظها لا تقبلنّ في استعمال عمّالك و أمرائك شفاعة إلا شفاعة الكفاية و الأمانة.
من فسدت بطانته كان كمن غصّ بالماء، فإنه لو غصّ بغيره لأساغ الماء غصّته العدل صورة واحدة، و الجور صور كثيرة. و لهذا سهل ارتكاب الجور
و صعب تحرّي العدل، و هما يشبهان الإصابة في الرماية و الخطأ فيها.
و إن الإصابة تحتاج إلى ارتياض(١) .
قدّم العدل على البطش و لا تستعمل الفعل حيث ينجع(٢) القول.
شرّ الناس إمام ضلّ و ضلّ به.
البغي آخر مدة الملوك.
عدل السلطان خير من خصب الزمان.
المسؤول حرّ حتى يعد.
قلوب الرعية خزائن راعيها، فما أودعها من عدل أو جور وجده فيها.
أ لا و إني أقاتل رجلين: رجلا ادّعى ما ليس له، و آخر منع الذي عليه.
يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة، فإذا حاف(٣) وكله اللّه إلى نفسه.
قال في اللّه تعالى: و قلع جبالها و نسفها و دكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته الحمد للّه الذي لا تواري عنه سماء سماء و لا أرض أرضا.
على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعامة.
____________________
(١) ارتياض: مران.
(٢) ينجع: ينفع.
(٣) حاف: ظلم.
بنى رجل من عمّاله بناء فخما، فقال الإمام: أطلعت الورق رؤوسها، إن البناء يصف لك الغنى إذا غضب اللّه على أمة غلت أسعارها و غلبها أشرارها.
ثلاثة يؤثرون المال على أنفسهم: تاجر البحر، و صاحب السلطان، و المرتشي في الحكم اللهمّ اجعلنا خيرا مما يظنون، و اغفر لنا ما لا يعلمون.
عاتبه عثمان فأكثر و هو ساكت، فقال: ما لك لا تقول: قال: إن قلت لم أقل إلاّ ما تكره، و ليس لك عندي إلاّ ما تحب.
لا تدعونّ إلى مبارزة.
إياكم و المراء و الخصومة فإنهما يمرضان القلب و ينبت عليهما النفاق.
من أمنت من أذيّته فارغب في أخوّته.
إن اللّه قد أعاذكم من أن يجور عليكم.
أعينوا الضعيف و انصروا المظلوم و تعاونوا.
تعاطوا الحقّ بينكم و تعاونوا به على يد الظالم السفيه.
اللهمّ إني لم آمرهم بظلم خلقك.
يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم.
شيعتنا الذين إن غضبوا لم يظلموا. بركة على من جاوروا سلم لمن خالطوا.
البغي و الزور يزريان بالمرء.
و قد خاب من حمل ظلما.
ما أقبح القسوة على الجار.
هلك من ادّعى و خاب من افترى.
من زرع العدوان حصد الخسران.
بئس العدوان على العباد.
الظلم يدعو إلى السيف.
لا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام.
و ايم اللّه لأنصفنّ المظلوم من ظالمه و لآخذنّ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق و إن كان له كارها.
إختر أن تكون مغلوبا و أنت منصف، و لا تختر أن تكون غالبا و أنت ظالم.
ألأم الناس من سعى بإنسان ضعيف إلى سلطان جائر.
ظلم الضعيف أفحش الظلم.
و أمّا الذنب الذي لا يغفر، فظلم العباد بعضهم لبعض.
لا تكن للظالم معينا.
للظالم ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، و من دونه بالغلبة، و يظاهر القوم الظالمين(١) .
____________________
(١) الغلبة: القهر. يظاهر: يعاون.
رحم اللّه امرأ رأى حقا فأعان عليه، أو رأى جورا فردّه، و كان عونا بالحق على صاحبه.
العامل بالظلم و المعين عليه و الراضي به: شركاء ثلاثة.
الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، و على كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، و إثم الرضا به.
قيل له: أيّ الأمور أعجل عقوبة و أسرع لصاحبها صرعة؟ فقال: ظلم من لا ناصر له إلاّ اللّه، و استطالة الغنيّ على الفقير.
أذكر عند الظلم عدل اللّه فيك، و عند القدرة قدرة اللّه عليك.
الفجور دار حصن ذليل: لا يمنع أهله و لا يحرز من لجأ إليه(١) .
لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها.
لكلّ امرىء ما اكتسب.
قيمة كل امرىء ما يحسن.
و اعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون.
لا تنظر إلى من قال و انظر إلى ما قال.
لا حسب كالتواضع و لا شرف كالعلم و لا قرين كحسن الخلق.
أشرف الأشياء العلم، و اللّه تعالى عالم يحب كل عالم.
من أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه.
____________________
(١) يحرز: يحفظ.
من قصّر في العمل ابتلي بالهمّ.
لا تكن ممّن يرجو لنفسه بأكثر من عمله.
إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا.
لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل.
تعلّموا العلم و إن لم تنالوا به حظا، فلأن يذمّ الزمان لكم أحسن من أن يذمّ بكم.
ما من حركة إلاّ و أنت محتاج فيها إلى معرفة.
العامل بغير علم كسائر في غير طريق، فلا يزيده بعده عن الطريق إلاّ بعدا عن حاجته. و العامل بالعلم كسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر أ سائر هو أم راجع؟
الفكرة تورث نورا و الغفلة تورث ظلمة.
سل تفقّها و لا تسأل تعنّتا.
أعلم الناس من جمع علم الناس إلى عمله.
من استبدّ برأيه هلك، و من شاور الرجال شاركها في عقولها.
من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطإ.
لا كنز أنفع من العلم، و لا عزّ أرفع من الحلم.
قطع العلم عذر المتعلّلين.
ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك، و لكن الخير أن يكثر علمك.
هلك خزّان المال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدهر.
الملوك حكّام على الناس، و العلماء حكّام على الملوك.
العالم حيّ و إن كان ميتا، و الجاهل ميت و إن كان حيّا.
العلم إحدى الحياتين، و المودّة إحدى القرابتين، و الذكر الجميل أحد العمرين.
لا يستحينّ أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم و لا يستحينّ أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه.
ما أكثر ما تجهل من الأمر، و يتحيّر فيه رأيك، و يضلّ فيه بصرك، ثم تبصره بعد ذلك.
لا فقر أشدّ من الجهل.
لا يؤمنك من شرّ جاهل قرابة و لا جوار.
إذا أرذل اللّه عبدا حظر عليه العلم.
كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنه يتّسع.
إن هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.
لهب الشوق أخفّ محملا من مقاساة الملالة.
كفى العلم شرفا أن يدّعيه من لا يحسنه، و يفرح إذا نسب اليه من ليس من أهله. و كفى بالجهل خمولا أن يتبرّأ منه من هو فيه، و يغضب إذا نسب إليه.
أقلّ الناس قيمة أقلهم علما.
العلم دين يدان به.
العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كل شيء أحسنه.
من أفتى بغير علم لعنته الأرض و السماء.
العلماء غرباء لكثرة الجهّال.
ما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا.
شكر العالم على علمه أن يبذله لمن يستحقّه.
ذو الهمّة و إن حطّ نفسه يأبى إلاّ علوّا، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها و تأبى إلاّ ارتفاعا.
إذا جلست إلى عالم فكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تقول.
العلم مقرون بالعمل: فمن علم عمل. و العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه و إلا ارتحل.
يا حملة العلم أ تحملونه؟ فإنّما العلم لمن علم ثم عمل بما علم و وافق عمله علمه.
إن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجّة عليه أعظم.
لا تجعلوا علمكم جهلا و يقينكم شكّا. إذا علمتم فاعملوا، و إذا تيقّنتم فأقدموا.
ما أحسن العلم يزينه الرفق.
قلتم: إنّ فلانا أفاد مالا عظيما فهل أفاد أياما ينفقه فيها(١) ؟
و لا يزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، و عن شبابه فيم أبلاه، و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه، و عمّا عمل فيما علم.
مجاوزتك ما يكفيك فقر لا منتهى له.
ما أصعب على من استعبدته الشهوات أن يكون فاضلا.
من ملك استأثر(٢) .
منهومان لا يشبعان: طالب علم و طالب مال.
التاجر فاجر، و الفاجر في النار، إلا مّن أخذ الحق و أعطى الحق.
قال في جامع المال: لعلّه من باطل جمعه ماله و من حقّ منعه.
الفقر الموت الأكبر.
الفقر يخرس الفطن، و الفقير غريب في بلده.
الفقر في الوطن غربة.
ليس بلد بأحقّ بك من بلد. خير البلاد ما حملك(٣) .
____________________
(١) أفاد: استفاد.
(٢) استأثر: استبد و خصّ نفسه بكلّ مغنم.
(٣) يقول: كل البلاد تصلح سكنا لكل إنسان، إنما أفضلها ما حملك، أي أعزّك و أطمعك و آواك.
لو تمثّل لي الفقر رجلا لقتلته.
ما جاع فقير إلاّ بما متّع به غني.
ما رأيت نعمة موفورة إلاّ و إلى جانبها حقّ مضيّع.
ما جمع مال إلا من شحّ أو حرام.
لا تنال نعمة إلاّ بفراق أخرى.
لا تنال نعمة إلاّ بعد أذى.
ما خلق امرؤ عبثا فيلهو، و لا ترك سدى فيلغو(١) .
الخطأ في إعطاء من لا يبتغي، و منع من يبتغي، واحد إذا استغنيت عن شيء فدعه، و خذ ما أنت محتاج إليه.
إمنع من الاحتكار.
إنما يعاب من أخذ ما ليس له.
إياكم و الدّين.
الدّين مذلّة.
و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات لسوء أفعالهم. فتذكروا في الخير و الشرّ أحوالهم و احذروا أن تكونوا أمثالهم.
و اتّعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم.
لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
____________________
(١) يلغو: يأتي باللغو: و هو ما لا فائدة فيه.
قلوب الرجال وحشيّة، فمن تألّفها أقبلت عليه.
لا تكن عبد غيرك و قد جعلك اللّه حرّا.
كلّ ما حملت عليه الحرّ احتمله و رآه زيادة في شرفه، إلاّ ما حطّه جزءا من حريته فإنه يأباه و لا يجيب إليه.
و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون.
قد أذنت لك أن تكون على ما بدا لك.
الهمّ نصف الهرم.
لا أعاقب على الظنّة.
من تعاظم على الزمان أهانه.
أنهاك عن التسرّع في القول و العمل.
اتّقوا اللّه في عباده و بلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع و البهائم.
ما أسرع الساعات في اليوم و أسرع الأيام في الشهر، و أسرع الشهور في السنة، و أسرع السنين في العمر
الفهرس
تقديم ٢
في ادب الإمام ٥
حدود العقل و القلب ٦
الوحدة الوجوديّة ١٤
الاسلوب و العبقريّة الخطابيّة ٢٤
العدالة الكونيّة و ما يمثّله علىّ منها ٣٥
تكافؤ الوجود ٣٦
الحنان العميق ٥٢
صدق الحياة ٥٨
خير الوجود و ثوريّة الحياة ٦٥
الفاتحة العلويّة ٧٩
طائفة من رسائله و خطبه و عهوده و وصاياه ٨٥
عبادة الأحرار ٨٦
ايّها النّاس ٨٦
يا أبا ذرّ ٨٧
كلّما اطمأنّ ٨٨
السّلام عليك يا رسول اللّه ٨٨
افضل النّاس و شرّهم ٨٩
استأثر فاساء الاثرة ٩٠
انا كأحدكم ٩١
الحقّ لا يبطله شيء ٩٢
اسفلكم اعلاكم ٩٣
عفا اللّه عمّا سلف ٩٤
الرّشوة ٩٤
ان لم تستقيموا ٩٥
أنصفوا النّاس ٩٦
أ أطلب النّصر بالجور ٩٦
النّاس متساوون في الحقّ ٩٧
الى أصحاب الجمل ٩٨
اخرج من جحرك ٩٩
قيام الحجّة ٩٩
اراد ان يغالط ١٠٠
و انّى لصاحبهم ١٠١
الام اجيب؟ ١٠٢
في لجّة بحر ١٠٤
قتلوهم صبرا و غدرا ١٠٤
الّذين قاتلوني ١٠٥
بكم ذوو كلام ١٠٥
لا تنتقم من عدوّ ١٠٦
النّساء ١٠٧
ارباب سوء ١٠٧
لا مدر و لا وبر ١٠٨
رحب البلعوم ١٠٩
نهم الاثرياء ١٠٩
مع الحقّ ١١٠
ناقل التّمر الى هجر ١١٠
اتّق اللّه ١١١
ارديت جيلا من النّاس ١١٢
خدعة الصّبيّ ١١٢
سبحان اللّه يا معاوية ١١٣
يغدر و يفجر ١١٣
ثمن البيعة ١١٤
كلة الرّشا ١١٤
اذهبت دنياك و آخرتك ١١٥
لاشدّنّ عليك ١١٥
متمرّغ في النعيم ١١٦
احذر معاوية ١١٦
النّاس عندنا اسوة ١١٧
يا اشباه الرّجال ١١٧
لو ضربته بسيفى ١١٩
ا قولا بغير علم ١٢٠
لا اصلحكم بافساد نفسي ١٢٠
الرّاي مع الاناة ١٢١
لقد سئمت عتابكم ١٢٢
بقاء الدّولة ١٢٣
السّلم اولى ١٢٥
الوصيّة الشريفة ١٢٦
اللّهمّ جنّب المنتصر البغي ١٢٦
اللهم اصلح ذات بيننا و بينهم ١٢٧
و نطق بالسنتهم ١٢٨
جعلوهم حكّاما على الرّقاب ١٢٨
صنفان ١٢٩
ائمّة العدل ١٣٠
لو اعطيت الاقاليم السّبعة ١٣١
تحرّكه العواصف ١٣٢
لو لا تخمة الظّالم و جوع المظلوم ١٣٢
أهل الحيلة ١٣٤
انت و اخوك الانسان ١٣٤
انصتوا لقولى ١٣٧
تركا الحقّ و هما يبصرانه ١٣٨
انا نذيركم ١٣٩
اين العمالقة ١٤٠
اين عمّار ١٤١
الكبر و التّعصّب و البغي ١٤٢
الدّنيا تطوى من خلفكم ١٤٤
دستور الولاة ١٤٥
حدود الضّريبة ١٥٩
السفهاء و التجار ١٦٠
المرتشي في الحكم ١٦١
مع المظلوم ١٦٢
المال للنّاس ١٦٢
امانة ١٦٣
لاضربنّك بسيفي ١٦٣
الوالى و الرّشوة ١٦٤
الوالى و الهوى ١٦٦
اخفض جناحك ١٦٦
علّم الجاهل ١٦٧
الوالى الخائن ١٦٨
الاخلاق الكريمة ١٦٨
اهل الجشع و اهل الفقر ١٦٩
القاضى الجاهل ١٧٠
يحكم برايه ١٧١
و عالمهم منافق ١٧٢
يعملون في الشّبهات ١٧٢
زجر النّفس ١٧٣
ايّاك ١٧٣
الرّضا و السّخط ١٧٤
النّفاق و الظّلم ١٧٤
العشيرة ١٧٥
طبائع الإنسان ١٧٦
الزّمان و اهله ١٧٦
كم من صائم ١٧٧
اصناف النّاس ١٧٧
مع كلّ ريح ١٧٩
ربّ صغير غلب كبيرا ١٧٩
سراجه باللّيل القمر ١٨٠
على منهاج المسيح ١٨٠
لا تقولوا بما لا تعرفون ١٨١
منطقهم الصّواب و مشيهم التّواضع ١٨٢
المنافقون ١٨٤
كان عليهم سرمدا ١٨٥
تحمله على اهوالها ١٨٦
كانوا اطول اعمارا ١٨٦
ويل لسكككم العامرة ١٨٨
اللّهمّ قد انصاحت جبالنا ١٨٨
الغيبة ١٩٠
يذهب اليوم و يجىء الغد ١٩٠
آه من بعد السّفر ١٩١
طبيعة الوجود ١٩٢
و اجرى فيها قمرا منيرا ١٩٢
تلاطم الماء ١٩٣
خلقة الخفّاش ١٩٤
خلقة الطّاووس ١٩٥
خلقة النّملة ١٩٨
خلقة الجرادة ١٩٩
اغفر لى ٢٠٠
ما ذا لقيت ٢٠٠
العفو عن القاتل ٢٠١
مظلوم ٢٠١
الاثوار الثّلاثة ٢٠٢
طآئفة من روائع امثاله ٢٠٥