كتاب الصلاة الجزء 2

مؤلف: الميرزا محمد حسين الغروي النائيني
فقه استدلالي

كتاب الصلاة

الجزء الثاني

الميرزا محمد حسين الغروي النائيني


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


كتاب الصلاة

من افادات قدوة الفقهاء والمجتهدين آية الله في الارضين

الميرزا محمد حسين الغروي النائيني

١٣٥٥ ه‍. ق

تأليف

الفقيه المحقق الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني ١٣٦٥ ه‍. ق

الجزء الثاني


مكان المصلي

والاثر المهم الذي ينبغي البحث عنه في مكان المصلي إنما هو من حيث الاباحة والطهارة، وحيث كان المعتبر في الطهارة هو خصوص المسجد ليس إلا، أو هو مع سائر المواضع السبعة - كما سيأتي تحقيقه - كان البحث عن المكان من حيث الاباحة بمعنى آخر غير المعنى الذي يبحث عنه من حيث الطهارة، ومن عرف المكان من الفقهاء من أنه الفراغ الشاغل، فإنما يكون مراده المكان من حيث الاباحة، ولا يمكن تعريف المكان الذي يعتبر فيه الاباحة مع المكان الذي يعتبر فيه الطهارة بأمر واحد ومعنى فارد، إذ لا جامع بينهما. وعلى كل حال فقد عرف المكان كما عن الايضاح: بما يستقر عليه المصلي ولو بوسائط وما يلاقي بدنه وثيابه وما يتخلل بين مواضع الملاقاة من موضع الصلاة كما يلاقي مساجده ويحاذي بطنه وصدره(١) .

وعرف أيضا: بأنه الفراغ الذي يشغله بدن المصلي أو يستقر عليه ولو بوسائط. وهذا هو الاولى لان الظاهر أن المكان الذي يعتبر فيه الاباحة عند الفقهاء هو المكان الذي يكون عند الحكماء،

____________________

(١) ايضاح الفوائد: ج ١ ص ٨٦. (*)


الذي هو عندهم الفراغ الشاغل، فالبحث يقع حينئذ في مقامين: الاول: اعتبار الاباحة في الفراغ الذي يشغله بدن المصلي، الثاني: اعتبار الاباحة فيما يستقر عليه الشئ ولو بوسائط: أما الاول فلا إشكال في اعتبار الاباحة في الفراغ الشاغل لبدن المصلي في حال صلاته وإن كان ما يستقر عليه مباحا، فإن إباحة المكان لا يلازم إباحة الفضاء والفراغ، فربما يكون المكان الذي يستقر عليه الشئ ملكا أو مباحا وكان الفضاء غصبا، كما لو وقف على الجناح الخارج إلى الدار المغصوبة، مع كون الجناح ملكا للمصلي أو مباحا له، فإن الهواء الذي شغله الجناح مع الهواء الذي تحته إلى أرض الدار المغصوبة والذي فوقه إلى عنان السماء أو مقدار ما يساعد عليه العرف والعادة كل ذلك يكون غصبا بغصب الدار، فالواقف على الجناح المملوك في الفرض المذكور يكون الهواء والفضاء الشاغل له غصبا، ولكن ينبغي أن يعلم أن ما يقال: من أن من ملك أرضا فقد ملكها من تخوم الارض إلى عنان السماء، فهو مما [ لم ] يقم عليه دليل، ولم يساعد عليه العرف أيضا، وإن ادعي على ذلك الاجماع إلا أن الظاهر عدم ثبوته، فالاولى إرجاع ذلك إلى العرف، والعرف لم يساعد على أن المالك للارض يملكها من التخوم إلى عنان السماء، بل الذي يساعد عليه أن مالك الارض يملك تبعا مقدارا من جهة التحت والفوق الذي جرت العادة عليه، وربما يختلف ذلك باختلاف الامكنة والاشخاص، بل ربما يقال بعدم ملكية ذلك المقدار أيضا، بل الثابت إنما هو حق الاولوية والاختصاص وبالجملة: في المسألة احتمالات أو أقوال ثلاثة: الاول: أنه مالك من تخوم


الارض إلى عنان السماء، ويتفرع عليه بطلان الصلاة عند غصبية الفضاء والفراغ وإن بلغ ما بلغ، كما إذا فرض أنه وقف على جناح مملوك خارج على فضاء دار الغير المغصوبة وكان بينه وبين أرض الدار ألف ذراع أو أزيد.

الثاني: أنه مالك تبعا مقدارا يساعد عليه العرف وجرت العادة به، فلو كان الجناح فوق ذلك المقدار صحت الصلاة ولو كان دونه بطلت.

الثالث: عدم ملكه ذلك المقدار أيضا بل له حق أولوية، ويتفرغ عليه بناء على عدم قدح غصب الحق في صحة الصلاة هو صحة الصلاة، ولو كان دون ذلك المقدار، وحيث كان الاقوى أن غصب الحق كغصب الملك، فلا تظهر ثمرة بين القولين الاخيرين فيما نحن فيه، وإن كان الاقوى هو التبعية الملكية.

ثم إن المراد بالفضاء الذي يعتبر إباحته إنما هو الفضاء الذي يكون بدن المصلي شاغلا له من حيث الكون الصلاتي المختلف باختلاف أفعال الصلاة من القيام والركوع والسجود، فالعبرة إنما هو بكون القيام في الفضاء المغصوب، فلا بأس إذا كانت يده في الفضاء المغصوب، أو كان أطراف ثيابه مثلا فيه أو كان مقدار من رأسه الذي لا يضر بصدق القيام في المباح واقعا في الفضاء المغصوب، وبالجملة، العبرة إنما هو صدق القيام في المغصوب وكذا الركوع والسجود فكل ما صدق هذا المعنى تبطل الصلاة وكل ما لا يصدق صحت وإن وقع بعض بدنه أو ثيابه في المغصوب، وكذا لا يضر وقوع الاجزاء المندوبة في الفضاء المغصوب إذ غاية ما يلزم هو بطلان الاجزاء المندوبة فقط، ولا يسري بطلانها إلى بطلان الصلاة، فلو فرض أن خصوص جلسة الاستراحة وقعت في المغصوب لم تبطل الصلاة، بل وكذا لو وقعت الاجزاء الواجبة مع تداركها وفعلها ثانيا في المباح، هذا كله في الصلوات الواجبة وأما الصلاة المستحبة، فربما يقال بعدم قدح وقوعها جميعا في الفضاء والمكان المغصوب، لعدم اعتبار كون فيها بعد جواز فعلها


ماشيا موميا للركوع والسجود، هذا ولكن الاقوى أنها كالصلاة الواجبة في اعتبار الاباحة في مكانها، ودعوى عدم اعتبار كون فيها واضحة الضعف، بداهة أنه ليس الكون الصلاتي إلا عبارة عن أفعالها من القيام والركوع والسجود وغير ذلك وهذا مما يشترك فيه الصلوات الواجبة والمستحبة غايته أن المكلف مخير في المستحب منها من فعلها ماشيا أو مستقرا "، هذا كله في المقام الاول من إباحة الفضاء.

[ الثاني ] وأما إباحة ما يستقر عليه ولو بوسائط فالظاهر أيضا أنه ليس بهذا التعميم وإن قيل به بل العبرة إنما هو على صدق التصرف في المغصوب عرفا والعرف يأبى عن صدقه كذلك فلو كان بعض قوائم الابنية مغصوبا والمصلي واقف على البناء فالعرف لا يرى ذلك تصرفا في المغصوب، وكذا الواقف على الساباط والارجوحة مع غصبية قوائمها، وكذا لو كان في السفينة لوح مغصوب ولم يكن المصلي واقفا عليها بل واقف على اللوح المباح فإن الظاهر أن في جميع ذلك لا يعد تصرفا في المغصوب، فلا مانع حينئذ من صحة الصلاة كذلك وبالجملة حيث لا دليل في المقام سوى مسألة اتحاد الغصب للكون الصلاتي وصدق التصرف عليها وهذا أمر عرفي ومجرد كون لبنة في قوائم البيت مغصوبة لا يعد الصلاة في البيت تصرفا في المغصوب وعلى كل تقدير الصلاة في الاماكن كلها جائزة لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : جعلت لي الارض مسجدا وطهورا(١) .

لكن بشرط أن يكون المكان مملوكا له أو مأذونا في الكون فيه عموما أو في خصوص الكون الصلاتي من دون فرق بين

____________________

(١) عوالي اللئالي: ج ٢ ص ١٤ ح ٢٧. (*)


أن يكون الاذن بعوض كاجرة أو بإباحة ومن دون فرق في الاباحة بين كونها صريحة كقوله صل أو بالفحوى كإذنه بشئ تكون الصلاة أولى بالاذن بها أو بشاهد الحال على وجه يقطع برضا المالك أو قيام أمارة شرعية على ذلك، وقد اطيل الكلام في تعريف الفحوى وشاهد الحال إلا أن الظاهر أن الشخص أبصر بمعرفة الفحوى وشاهد الحال وبالجملة: العبرة إنما هو بالقطع بالرضا أو ما يقوم مقام القطع من الامارات الشرعية.

نعم الظاهر قيام السيرة على الصلاة في الاراضي المتسعة مع عدم القطع برضا المالك كقيام السيرة على الوضوء بالمياه والانهار الجارية وغير الوضوء من الشرب وقضاء الحوائج والتزود بل السيرة في المياه أقوى وأشد من السيرة في الاراضي فإن الظاهر قيام السيرة في المياه مع العلم بكراهة المالك بل لا يعتنى بمنعه صريحا ويخطئون المالك بالمنع.

وهذا بخلاف السيرة في الاراضي فإن الطاهر عدم قيامها مع منع المالك أو كراهته بل المتيقن منها هو صورة عدم العلم بالكراهة والمناقشة في اعتبار هذه السيرة في غير محلها بداهة القطع باستمرار هذه السيرة إلى زمن المعصومعليه‌السلام بل السيرة في المقام وفي المياه من أقوى السير فلا بأس بالعمل بها.

وعلى كل حال لا إشكال في بطلان الصلاة في غير الاراضي المتسعة مع عدم إذن المالك ورضاه وعلم المصلي بذلك وأما في صورة الجهل حكما أو موضوعا قصورا أو تقصيرا فقد تقدم الكلام فيه مفصلا عند البحث عن لباس المصلي فلا حاجة في إعادة نعم ينبغي الكلام عن حكم من توسط أرضا مغصوبة وصحة صلاته في حال الخروج مع ضيق الوقت.

اعلم أن فساد صلاته في حال الخروج مبني على وقوع الخروج منه مبغوضا عليه ومنهيا عنه بالنهي السابق الساقط، فلو قلنا بوقوع الخروج منه مبغوضا عليه كان اللازم فساد صلاته وإن قلنا بعدم كونه مبغوضا عليه بل يقع منه محبوبا


كان اللازم صحة صلاته مع ضيق الوقت وأما مع سعته فعلى كل تقدير تفسد صلاته لتمكنه من الصلاة التامة ووقوع الخروج محبوبا أو مبغوضا مبني على أن الخروج عن الدار المغصوبة عند الدخول فيها اختيارا هل يكون من صغريات الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ملاكا وعقابا وإن كان ينافيه خطابا أو أن الخروج ليس داخلا تحت هذه الكبرى بل يكون الخروج واجبا على كل تقدير وإن حرمت مقدماته من الدخول فيكون واجبا على تقدير فعل محرم ولا غرر في أن يكون الشئ واجبا على تقدير محرم؟ فلو قلنا إن الخروج من صغريات الامتناع بالاختيار كان اللازم وقوع الخروج منه مبغوضا عليه فلا تصح الصلاة حاله، ولو قلنا إنه واجب على تقدير محرم كان الخروج محبوبا وتصح الصلاة حاله، والاقوى أنه واجب فلا مانع من الصلاة وتفصيل الكلام موكول إلى محله في مسألة اجتماع الامر والنهي.

ثم إنه قد عرفت بطلان الصلاة في المغصوب مع عدم إذن صاحبه وعلم المصلي بذلك وصحة الصلاة مع الاذن، فهنا مسائل ينبغي التنبيه عليها: الاولى: لو شرع في الصلاة جهلا بالغصب وفي الاثناء علم به فلا ينبغي الاشكال في وجوب قطع الصلاة لعدم تمكنه من اتمامها والحال هذه وإن كانت قبل العلم صحيحة واقعا إلا أن صحة الاجزاء السابقة واقعا لا تنفع بعد عدم تمكنه من اتمامها لفقدان شرطها من إذن المالك عند علم المصلي بالغصب بداهة أن إذن المالك شرطا للصحة حدوثا وبقاء وذلك واضح الثانية: لو شرع في الصلاة باعتقاد الاذن فتبين عدمه في الاثناء فالحكم كما سبق من وجوب قطعها بل هو من صغريات ما سبق من دون فرق بين ان حصل اعتقاده الاذن من الخارج أو من كلام صدر من المالك وتخيل أنه أذن وبعد ذلك انكشف الخلاف وتبين أن كلامه ذلك لم يكن إذنا.


الثالثة: لو أذن في الكون غير الصلاة فالحكم كما سبق أيضا.

الرابعة: لو أذن في خصوص الكون الصلاتي أو الاعم منه ومن غيره بآن علم أن إذنه كان بالاعم حقيقة وواقعا فهل له الرجوععن إذنه بعد الشروع في الصلاة أو ليس له الرجوع فيه خلاف بين الاعلام ونظير المقام ما إذا أذن في الدفن فأراد الرجوع بعد الدفن أو أذن في الرهن بل أعار ملكه للرهن وبعد الرهن أراد الرجوع أو بذل للحج وبعد الاحرام أراد الرجوع والضابط في الكل أنه لو أذن في شئ يستتبعه حكم شرعي من تكليف أو وضع كحرمة إبطال الصلاة في مثال الصلاة وحرمة النبش في مثال الدفن وحرمة قطع الحج في مثال الحج ولزوم العقد في مثال الرهن فهل له الرجوع عن إذنه ويكون رجوعه نافذا فلا تحرم قطع الصلاة والحج ولا نبش القبر وعدم لزوم الرهن أو أنه ليس له الرجوع ولا يكون نافذا فيحرم إبطال الصلاة وقطع الحج ونبش القبر ويبقى عقد الرهن على لزومه؟ وتحقيق الكلام في ذلك هو أن في مثال الرهن الظاهر أنه لا إشكال في أنه ليس له الرجوع عن إذنه ولا ينفذ إذا رجع بل يبقى المرهون على رهانته بل الظاهر أنه مما انعقد الاجماع عليه وذلك لانه بعد فرض جواز رهن مال الغير بإذن صاحبه ولا يشترط في الرهن أن يكون من مال المديون والمفروض أن عقد الرهن أيضا من العقود اللازمة فإذنه في رهن مال نفسه يكون إذنا في موضوع حكمه الشرعي اللزوم وعدم طرو الفسخ له إلا بما جعله الشارع سببا له ولازم ذلك عدم نفوذ الرجوع عن إذنه بعد تحقق عقد الرهانة إذ ليس له رفع الحكم الشرعي عن موضوعه، نعم له رفع الموضوع والمفروض أن الموضوع في المقام هو وقوع الرهن على مال الغير بإذن صاحبه وهذا المعنى قد تحقق بالاذن السابق فيستتبعه حكمه من اللزوم فلا يؤثر رجوعه عن إذنه بعد عدم انقلاب الموضوع عما هو عليه.

وأما مثال الحج فإن قلنا إن من تلبس بالاحرام يجب عليه إتمام الحج ولو مع فوات


الاستطاعة الشرعية ولا يعتبر بقاؤها إلى آخر الحج بل بمجرد الاحرام يجب عليه الاتمام ولو متسكعا، فيخرج المثال عما نحن فيه إذ على فرض رجوع الباذل عن بذله بعد تلبسه بالاحرام لا يلزم منه شئ ولا رفع حكم عن موضوعه إذ على كل تقدير يجب عليه إتمام الحج فلا ملزم لبقائه على بذله من هذه الجهة، وإن قلنا إنه لا يجب عليه الاتمام بل يحرم عليه القطع على فرض بقاء الاستطاعة فيكون مثال الحج كمثال الصلاة والدفن.

ومجمل الكلام في ذلك هو أنه اختلفت كلمات الاعلام في جواز الرجوع عن إذنه بعد تلبس المأذون في الصلاة بها أو بعد دفن الميت في الارض مع إذنه بالدفن فقيل: إنه له الرجوع، فيجب عليه قطع الصلاة ونبش القبر وقيل: إنه ليس له فلا يجوز نبش القبر وقطع الصلاة والاقوى هو الثاني الذي عليه المشهور بل حكي عليه الاجماع وذلك لانه لا إشكال في أن المالك لو أذن في استيفاء شئ من ملكه أرضا كان أو دارا أو غيرهما وكان ما استوفاه المأذون له موضوعا لحكم شرعي لكان رجوعه عن إذنه كلا رجوع ولم يؤثر رجوعه شيئا أصلا إذ المالك إنما يكون له الرجوع بالنسبة إلى ما يأتي مما لم يستوفه المأذون له وأما بالنسبة إلى ما مضى مما استوفاه فليس له الرجوع لان المفروض أنه وقع بإذن منه والشئ عما وقع لا يتغير وفي المقام حرمة قطع الصلاة أو نبش القبر إنما هو من آثار ما مضى ومترتب على ما سبق إذ الموضوع لحرمة الابطال إنما هو الصلاة التي قد شرع فيها على وجه صحيح.

وكذا موضوع حرمة النبش إنما هو الدفن على وجه صحيح والمفروض أن الشروع في الصلاة والدفن إنما وقعا على وجه صحيح بإذن من المالك وكان استيفاء المصلي لما مضى من صلاته واقعا بإذنه واستيفاء ما مضى من الصلاة على هذا الوجه يكون موضوعا لحرمة الابطال فليس للمالك الرجوع عن إذنه لانه يكون من الرجوع في شئ قد استوفاه المالك قبل رجوعه،


ومنه يعلم الفرق بين ما نحن فيه وبين ما سبق من أنه لو شرع في الصلاة باعتقاد الاذن فبان في الاثناء عدمه حيث قلنا: بأن له عدم الاذن في الاتمام ويجب عليه قطع الصلاة لانه وإن شرع على وجه صحيح لكون الجهل في المقام عذرا إلا أنه حيث كان الذي استوفاه مما مضى من صلاته لم يكن بإذن من المالك حسب الفرض كان المالك غير ملزم بشئ إذ لم يصدر منه إذن حتى يكون ملزما به، وهذا بخلاف المقام حيث كان ما استوفاه مما مضى من صلاته بإذن منه فيكون ملزما بإذنه إلا أن يكون ذلك ضررا عليه ويكون عدم نفوذ رجوعه عن إذنه موجبا لوقوعه في الضرر فلا يكون حينئذ ملزما بإذنه لحكومة أدلة " لاضرر " وإذنه في الصلاة ليس اقداما منه في الضرر كما لا يخفى.


الاذان والاقامة (موارد ثبوتهما)

اعلم أنه لا ينبغي الاشكال في ثبوت أذان الاعلام ومشروعيته واستحبابه وعظم أجره كما استفاضت به النصوص، وكذا لا ينبغي الاشكال أن أذان الاعلام غير أذان الصلاة بل هما وظيفتان لا ربط لاحدهما بالاخر كما لا يخفى على من راجع نصوص الباب، وكذا لا اشكال أيضا في ثبوت الاذان والاقامة للصلاة الخمس اليومية عند فعلها في وقتها أداء وأما لقضاء الصلوات اليومية فإن كانت المقضية صلاة واحدة فلا إشكال أيضا في ثبوت الاذان والاقامة لها ولو فرض فعلها عقيب صاحبة الوقت وقد أذن وأقام لها لاطلاق ما دل على أنه لكل صلاة أذان وإقامة كما سيأتي وأما إذا تعددت الصلاة المقضية بأن فاتته صلوات متعددة وأراد قضاء‌ها في مجلس واحد ففي ثبوت الاذان والاقامة لكل صلاة صلاة أو عدم ثبوت الاذان والاقامة إلا للاولى وفي البقية يقيم فقط بلا أذان وجهان بل قولان: فالمحكي عن المشهور هو ثبوت الاذان والاقامة لكل صلاة صلاة بل الافضل ذلك، وإن كان له الاقتصار بالاقامة فقط فيما عدا الاولى إلا أنه يكون دونه في الفضل قال في الشرائع فقاضي الصلاة الخمس يؤذن لكل واحدة ويقيم


ولو أذن للاولى من ورده ثم أقام للبواقي كان دونه في الفضل(١) انتهى وحكي عن المجلسي -قدس‌سره - أنه لم يثبت الاذان والاقامة إلا للاولى وأما البواقي فالاقامة فقط وقد استدل للمشهور بوجوه: الاول: الاستصحاب فإن كل صلاة أراد قضاء‌ها كان الاذان ثابتا لها ومشروعا في حقها عند فعلها أداء وجوبا أو استحبابا على ما يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله فيستصحب مشروعيته لتلك الصلاة عند فعلها قضاء هذا ولا يخفى عليك فساد هذا الوجه بداهة أن هذا الاستصحاب يكون من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول بحجيته.

الوجه الثاني: الاطلاقات والعمومات الواردة في مشروعية الاذان لكل صلاة من غير تفصيل بين الاداء والقضاء كقولهعليه‌السلام في موثقة عمار: لا صلاة إلا بأذان وإقامة(٢) فإن اطلاقه يشمل الاداء والقضاء هذا، ولكن لابد من تقييد الاطلاق وتخصيص العموم بما في صحيحة محمد بن مسلم: في الرجل يغمى عليه ثم يفيق يقضي ما فاته يؤذن في الاولى ويقيم في البقية(٣) وفي معناها عدة من الروايات(٤) الظاهرة في ثبوت الاقامة فقط فيما عدا الاولى فيكون مقيدا لقولهعليه‌السلام : لا صلاة إلا بأذان وإقامة.

فإن قلت: إنه لا وجه للتقييد بعد البناء على استحباب الاذان لما تقرر في باب المطلق والمقيد من عدم حمل المطلقات على المقيدات في باب المستحبات قلت: أولا: ذلك مقصور في المطلق والمقيد والمقام

____________________

(١) شرائع الاسلام: ج ١ ص ٧٤ كتاب الصلاة.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٦٤ باب ٣٥ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٥٦ باب ٤ من ابواب قضاء الصلوات، ح ٢.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٦٦٦ باب ٣٧ من ابواب الاذان والاقامة، ج ١ وج ٥ ص ٣٦١ باب ٨ من ابواب قضاء الصلوات، ح ١ (*)


من العام والخاص لا المطلق والمقيد فإن قوله: " لا صلاة إلا بأذان وإقامة " يكون عاما لكل صلاة إذ النكرة في سياق النفي تفيد العموم فتكون صحيحة محمد بن مسلم مخصصة لذلك وثانيا: أن عدم حمل المطلقات على المقيدات في باب المستحبات إنما هو فيما إذا لم يكن دليل المقيد نافيا للحكم عن بعض أفراد المطلق وفي المقام يكون دليل المقيد نافيا للحكم عن بعض أفراد المطلق بداهة ظهور قوله في صحيحة محمد بن مسلم " ويقيم في البقية " هو عدم ثبوت الاذان فيها فتأمل جيدا ".

الوجه الثالث: خصوص خبر عمار أن الصادقعليه‌السلام سئل عن رجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الاذان والاقامة؟ قال: نعم.(١) .

بناء على حمل الاعادة على الاعم من القضاء وفي هذا الوجه أيضا نظر أما أولا: فلمعا رضته بمكاتبة موسى ابن عيسى قال: كتبت إليه: رجل يجب عليه إعادة الصلاة أيعيدها بأذان وإقامة؟ فكتب: يعيدها بإقامة(٢) . وثانيا: أن ظاهره وحدة الصلاة المعادة، وقد تقدم أن مع وحدة الصلاة لا إشكال في ثبوت الاذان والاقامة. وثالثا: أن الخبر أجنبي عن المقام فإن الظاهر أن يكون جهة السؤال فيه أنه لو صلى بأذان وإقامة ثم تبين فساد صلاته فهل كان ذلك موجبا لفساد الاقامة والاذان بمعنى أن الفصل بالصلاة الفاسدة الواقعة فيما بين أذانه وإقامته وبين إعادته الصلاة هل يوجب بطلان أذانه وإقامته أو لا يوجب بطلانهما فأجاب الامامعليه‌السلام : نعم، أي يوجب بطلانهما وأين ذلك مما نحن فيه من قضاء الصلوات التي لم يؤذن ولم يقم لها أصلا وبما ذكرنا من جهة السؤال يظهر وجه الجمع بين خبر عمار ومكاتبة

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٦١ باب ٨ من ابواب قضاء الصلوات، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٦٦ باب ٣٧ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٢. (*)


موسى بن عيسى(١) فإنه بناء على هذا يكون طريق بينهما هو بطلان هذا الفصل للاقامة قطعا حيث اتفقت الروايتان عل إعادتها وأما الاذان فهو لم يبطل بهذا الفصل وإن كان الافضل أيضا إعادته فتأمل جيدا.

فتحصل من جميع ما ذكرنا أنه بعد لم يظهر لنا ما يدل على فتوى المشهور من ثبوت الاذان للصلوات المقضية فضلا عن أفضليته نعم يمكن أن يقال: إن المقام يكون من صغريات الجمع بين الصلاتين التي سيأتي الكلام فيه من أن سقوط الاذان للصلاة الثانية هل يكون رخصة أو عزيمة وعلى كل حال لا إشكال في عدم ثبوت الاذان والاقامة لبقية الصلوات المفروضة والمندوبة كما يدل عليه نصوص الباب.

وجوب الاذان والاقامة

اعلم أن للاعلام في الاذان أقوالا ثلاثة الاول: وجوبه في خصوص صلاة الجماعة دون الفرادى.

الثاني: وجوبه في صلاة الصبح والمغرب ولو صليتا فرادى. الثالث: عدم وجوبه مطلقا في جميع الصلوات جماعة وفرادى وفي الاقامة قولان قول بالوجوب مطلقا وقول بالعدم مطلقا ونسب القول بعدم الوجوب مطلقا بالنسبة إلى كل من الاذان والاقامة إلى المشهور ولا بد من ذكر أدلة الاقوال أولا ثم نعقبه بما هو المختار عندنا.

فمما استدل به للقول الاول وهو وجوب الاذان في الجماعة عدة من الروايات منها خبر أبي بصير سأل أحدهما أيجزي أذان(٢) واحد قالعليه‌السلام : إن صليت

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٦٦ باب ٣٧ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٢.

(٢) المراد بالاذان هو الاقامة بقرينة الذيل. (*)


جماعة لم يجز إلا أذان وإقامة وإن كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك تجزيك إقامة إلا الفجر والمغرب فإنه ينبغي أن يؤذن فيهما وتقيم من أجل أنه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات(١) . ومنها موثق عمار: عن الرجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده فيجئ رجل فيقول له نصلي جماعة هل يجوز أن يصليا بذلك الاذان والاقامة فقالعليه‌السلام : لا، ولكن يؤذن ويقيم(٢) . ومنها مفهوم صحيح الحلبي عنهعليه‌السلام : أن أباه كان إذا صلى وحده في البيت أقام إقامة واحدة ولم يؤذن(٣) .

ومنها مفهوم آخر لابن سنان(٤) ، هذه جملة ما يمكن أن يستدل به لوجوب الاذان في الجماعة، ولم يعلم المراد من القائل بالوجوب هو الوجوب التعبدي النفسي أو الوجوب الشرطي، وعلى تقدير أن يكون مراده الوجوب الشرطي فهل هو شرط للصحة أو شرط لفضيلة الجماعة؟ وعلى جميع التقادير هل هو واجب مطلقا حتى مع سماع أذان الغير أو أنه مقصور بصورة عدم سماع أذان الغير وعلى كل حال، الاقوى في النظر هو عدم الوجوب مطلقا لا نفسيا ولا شرطيا لا للصحة ولا للفضيلة مع سماع أذان الغير وعدمه وإن كان الافضل عدم تركه في الجماعة، وذلك لعدم دلالة الاخبار المتقدمة على الوجوب بجميع فروضه أما خبر أبي بصير فلعدم دلالة قولهعليه‌السلام " لم يجز إلا أذان وإقامة " على الوجوب إذ عدم الاجزاء أعم من الوجوب فإن معنى كون الشئ مجزياهو كونه مجزيا عن أمره ندبا كان أو واجبا وفي مقابله عدم الاجزاء فإن معناه عدم الاجزاء عن أمره من دون أن يكون له دلالة على أن أمره كان للوجوب.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٤ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٧.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٥٥ باب ٢٧ من ابواب الاذان والاقامة، ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٢ باب ٥ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٦.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٢ باب ٥ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٤. (*)


وبالجملة: لفظة الاجزاء وعدم الاجزاء في كل مورد وردت لا دلالة لها على الوجوب، فقوله " لم يجز إلا أذان وإقامة " معناه أنه لا يسقط الامر الاذاني في باب الجماعة بالاقامة فقط بل لابد من الاذان أيضا وفي مقابله الاجتزاء بالاقامة في غير الجماعة ومعنى الاجتزاء بالاقامة فقط في غير الجماعة ليس سقوط الامر الاذاني بالاقامة، وكون مصلحة الاقامة مشتملة على مصلحة الاذان فإن ذلك ضروري البطلان بداهة أن الاقامة إنما تكون مسقطة لامرها لالامر الاذان وإنما تكون مشتملة على مصلحتها فقط مع بقاء الاذان على ما كان عليه من المصلحة في غير موارد المستثنيات على ما يأتي تفصيلها وإلا لم يكن معنى للامر بالاذان في كل صلاة صلاة، وليست هذه الاخبار مخصصة لقولهعليه‌السلام لا تصل إلا بأذان وإقامة والحاصل: أنه ليس معنى الاجتزاء بالاقامة في غير الجماعة هو سقوط الامر الاذاني بها كما ربما يتخيل في بادي النظر بل معناه أن الوظيفة التي شرع الاذان والاقامة لاجلها وهي تهيؤ العبد للوقوف بين يدي ربه للصلاة وتقديم هدية وتحية قبل ذلك كما ربما يشعر بذلك بعض أخبار تشريع الاذان والاقامة لا تتأدى في باب الجماعة إلا بالاذان والاقامة وفي غير باب الجماعة تتأدى بالاقامة فقط، وإن كان يستحب له ذلك الاذان ومأمور به لمزيد التهيؤ، وعلى كل حال فقد ظهر لك أن معنى قولهعليه‌السلام " لم يجز إلا أذان وإقامة " معناه عدم تأدي الوظيفة في باب الجماعة إلا بالاذان والاقامة وأين ذلك من الدلالة على الوجوب بجميع تقاديره.

وأما موثق عمار(١) فقولهعليه‌السلام فيه " لا ولكن يؤذن ويقيم " ليس معناه

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٥٥ باب ٢٧ من ابواب الاذان والاقامة، ح ١ (*)


أنه مع تركه الاذان قد فعل محرما نفسيا أو غيريا بل الجواز يستعمل بمعنيين الاول: بمعنى الرخصة مقابل الحرمة.

الثاني: بمعنى المضي والتجاوز (أي ترتب الاثر المقصود من الشئ) مقابل الوقوف والسكون (أي عدم ترتب الاثر) فيكون عدم الجواز أعم من الحرمة إذ يحتمل أن يكون بمعناه الثاني ويكون المراد من قوله: " لا ولكن يؤذن ويقيم " عدم ترتب أثر الاذان والاقامة بذلك الاذان والاقامة أي لم تتأدى الوظيفة المطلوب منهما ويتحد حينئذ معنى عدم الجواز مع عدم الاجتزاء.

فإن قلت: هذا خلاف ظاهر لا يجوز فإن لا يجوز لو لم يكن معناه الحرمة فلا أقل من ظهوره الاطلاقي في ذلك ولذا لم يتوقف أحد في ظهور قوله لا يجوز شرب الخمر وقوله لا يجوز الصلاة في الحرير في الحرمة النفسية أو الشرطية المساوقة للمانعية.

قلت: تارة يرد قولهعليه‌السلام لا يجوز لمقام تشريع الحكم وهذا مما لا ينكر ظهوره الاطلاقي في الحرمة واخرى يرد بعد تشريع الحكم كما في المقام حيث إنه بعدما ثبت شرعية الاذان والاقامة والامر بهما في الشريعة وقع السؤال عن أنه هل يجوز الصلاة بذلك الاذان والاقامة أي هل يكتفى بهما عن أمرهما فقالعليه‌السلام " لا " أي لا يكتفى بهما بل لابد من تجديد الاذان والاقامة بعدما انقلبت الصلاة الفرادى إلى الجماعة، وأين هذا من الدلالة على الوجوب، ثم إنه لم يظهر من الرواية كون اللاحق هو الامام أو السابق فإن كان اللاحق مأموما والسابق إماما فقطعا لايعتبر تجديد الاذان والاقامة، ومما انعقد عليه الاجماع فلابد من حملها بصورة كون اللاحق هو الامام.

وأما مفهوم صحيحة الحلبي(١) فعدم دلالته على الوجوب أظهر كما لا يخفى فالاقوى أن الجماعة كالفرادى لا يجب فيها الاذان وان كان افضل للاخبار المتقدمة

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٢ باب ٥ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٦. (*)


وأما وجوب الاذان في المغرب والصبح فقد استدل له بعدة من الروايات: منها: رواية زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: أدنى ما يجزي من الاذان أن تفتتح الليل بأذان وإقامة وتفتتح النهار بأذان وإقامة ويجزيك في سائر الصلوات الاقامة بغير أذان(١) .

ومنها: رواية صفوان عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: الاذان مثنى مثنى والاقامة مثنى مثنى ولا بد في الفجر والمغرب من أذان وإقامة في الحضر والسفر لانه لا يقصر فيهما في حضر ولا سفر وتجزيك إقامة بغير أذان في الظهر والعصر والعشاء الاخرة والاذان والاقامة في جميع الصلوات أفضل(٢) .

ومنها: رواية سماعة قال: قال أبو عبداللهعليه‌السلام : لا تصل الغداة والمغرب إلا بأذان وإقامة ورخص في سائر الصلوات الاقامة والاذان أفضل(٣) .

ومنها: رواية أبي بصير(٤) المتقدمة، ومنها غير ذلك(٥) .

إلا أن ما ذكرناه أظهر دلالة على ذلك. هذا ولكن الانصاف أن شيئا من هذه الروايات لا دلالة لها على الوجوب إذ مامن رواية إلا وفيها قرينة على الاستحباب كقولهعليه‌السلام في رواية صفوان " والاذان والاقامة في جميع الصلوات أفضل " وكذا رواية سماعة، ولفظة " ينبغي " في رواية أبي بصير ولفظة [ يجزي ] في رواية زرارة(٦) قد عرفت الكلام فيها وأنها لا دلالة لها على الوجوب.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٣ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٣ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٤ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٥.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٤ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٧.

(٥) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٤ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٣ و ٤.

(٦) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٣ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ١. (*)


هذا كله مضافا إلى رواية عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبدالله عن إقامة بغير أذان في المغرب فقال: ليس به بأس وما احب أن يعتاد(١) فإنه صريح في عدم وجوب الاذان في المغرب وقولهعليه‌السلام وما احب أن يعتاد يكون شاهدا على أن النهي عن ترك الاذان في المغرب محمول على الكراهة.

واما وجوب الاقامة في مطلق الصلاة اليومية فقد استدل له بطوائف من الاخبار: منها ما دل على أن من صلى بأذان وإقامة فقد صلى خلفه صفان من الملائكة ومن صلى بإقامة فقط صلى خلفه صف من الملائكة وقد ورد بهذا المضمون عدة من الروايات وقد عقد لذلك باب(٢) في الوسائل إلا أن دلالتها على وجوب الاقامة ضعيفة جدا بل نفس لسان هذه الطائفة من الاخبار ينادي بالاستحباب كمالا يخفى.

ومنها ما دل على أنه يجزي إقامة واحدة في السفر أو في الحضر أيضا وهي عدة من الروايات أيضا، وقد عقد لها في الوسائل باب(٣) على حدة إلا أنها لا تدل أيضا على الوجوب لما عرفت الكلام فيما يتعلق بلفظة يجزي فلا نعيده.

ومنها ما تقدم من الروايات الدالة على وجوب الاذان والاقامة في المغرب والصبح والاقامة فقط في سائر الصلوات وقد عرفت الجواب عنها. ومنها ما دل على أن الاقامة جزء للصلاة ويبطلها كل ما يبطل الصلاة كقول الصادقعليه‌السلام لابي هارون المكفوف: يا أبا هارون الاقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلم ولا تؤم بيدك(٤) ، هذا. ولكن الانصاف أنه لا دلالة لهذه الطائفة على الوجوب أيضا، فإنه - مضافا إلى أنه لابد من حملها على خلاف ظاهرها، لما استفاضت النصوص به، من أن

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢٣ باب ٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٦.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦١٩ باب ٤ من ابواب الاذان والاقامة.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٦٢١ باب ٥ من ابواب الاذان والاقامة.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٦٣٠ باب ١٠ من ابواب الاذان والاقامة، ح ١٢. (*)


أول الصلاة التكبير وآخرها التسليم(١) ، فلا يمكن القول بجزئية الاقامة للصلاة - لا دلالة لها على الوجوب إذ لا ملازمة بين الجزئية والوجوب كما لا يخفى. فالاقوى عدم وجوب الاقامة أيضا في مطلق الصلوات نعم استحبابها آكد من الاذان للنصوص المتقدمة.

موارد سقوط الاذان والاقامة

وفيه أبحاث(٢) . البحث الاول: في سقوط الاذان فقط: اعلم أنه قد ذكر الاعلام موارد يسقط فيه الاذان، ثم اختلفوا في أن سقوطه هل هو عزيمة أو رخصة؟ وقبل ذكر الموارد لابد من بيان المراد من الرخصة والعزيمة فنقول: إن المراد من العزيمة هو عدم مشروعية الاذان في هذه الموارد بمعنى أنه لا يجوز التعبد به وفعله بداعي الامر كما هو الشأن في كل عبادة لم تكن مشروعة وأما معنى الرخصة فليس المراد منها الرخصة في الترك الذي هو لازم الامر الاستحبابي فإن الرخصة بهذا المعنى لا يختص بهذه الموارد الخاصة بل بعد البناء على استحباب الاذان والاقامة يكون الشخص مرخصا في تركهما في جميع الموارد وإلا خرجا عن كونهما مستحبين، فالرخصة بمعنى جواز ترك المستحب قطعا ليس بمراد في المقام وكذا ليس المراد من الرخصة الاباحة بمعنى تساوي الطرفين إذ العبادة لا يمكن

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ باب ١ من ابواب تكبيرة الاحرام وباب ١ من ابواب التسليم.

(٢) ذكر المصنف -رحمه‌الله - بحثا واحدا، ولم يتطرق عن موارد سقوط الاقامة، فتأمل. (*)


تساوي طرفيها فلابد من أن يكون المراد من الرخصة هو أقلية الفضل بالنسبة إلى ما عدا هذه الموارد لا بمعنى أن يكون تركهما في تركهما في موارد سقوطهما أفضل من فعلهما بأن ينطبق عنوان على الترك يكون أفضل من الفعل نظير العبادات المكروهة التي لا بدل لها فإن ذلك بعيد في المقام.

بل الاقرب في المقام هو أن يراد من الرخصة أقلية الفضل من سائر الموارد وإن كان فعلهما في هذه الموارد فيه الفضل من دون أن يكون تركهما أفضل، ولكن لا يخفى عليك أن ثبوت الرخصة بهذا المعنى يحتاج إلى قيام الدليل عليه وإلا الاصل يقتضي أن يكون السقوط عزيمة إذ ما دل على السقوط في هذه الموارد يكون مخصصا للعمومات والاطلاقات الدالة على مشروعية الاذان والاقامة واستحبابهما كما سيأتي بيانه.

ثم إن كلمات العلماء في موارد السقوط وكونه عزيمة أو رخصة مضطربة غاية الاضطراب وتطبيقها على الدليل في غاية الاشكال. فالاولى الاقتصار على ما أفاده شيخنا الاستاذ - دام ظله - في المقام فنقول: موارد سقوط الاذان هو موارد الجمع بين الصلاتين ولكن الجمع بين الصلاتين تارة يكون مستحبا وأخرى يكون عدم الجمع والتفريق مستحبا وثالثة يكون كل من الجمع والتفريق متساويان من دون أن يكون بينهما تفاوت في الفضل، وقبل بيان الاقسام وأحكامها لابد من بيان معنى الجمع والتفريق فنقول: المراد من الجمع هو الجمع بين الصلاتين بالنسبة إلى الوقت بأن يأتي بالاولى في وقت الثانية أو الثانية في وقت الاولى من دون فصل بينهما عرفا وفي كون الفصل بالنافلة مخلا بالجمع كلام يأتي بيانه والمراد من التفريق تفريق الصلاتين على اوقاتهما مع الفصل بينهما عرفاولا يكفي مجرد التفريق على الاوقات من دون الفصل العرفي كما إذا صلى الظهر في آخر وقت فضلها والعصر في أول وقت فضلها فإن ذلك يكون من الجمع لعدم الفصل العرفي بينهما، ففى التفريق لابد


من كلا القيدين التفريق على الاوقات والفصل العرفي، ثم إن الجمع بين الصلاتين تارة يكون أفضل من التفريق كما في يوم الجمعة وعرفة بالنسبة إلى الظهرين والمزدلفة بالنسبة إلى العشاء‌ين غايته أن في يوم الجمعة ويوم عرفة يستحب فعل الثانية في وقت الاولى وفي المزدلفة يستحب فعل الاولى وهي المغرب وفي وقت الثانية وأخرى يكون التفريق أفضل كما في سائر الايام إذ يستحب تفريق الصلوات على أوقاتها وثالثة يتساوى الجمع والتفريق كقضاء الصلوات إذ لا يتفاوت فيه بين الجمع والتفريق.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي يقتضيه الجمع بين الروايات هو أنه لو كان الجمع أفضل فأذان الثانية ساقط عزيمة إن لم يتنفل بين الصلاتين ورخصة إن تنفل ولو كان التفريق أفضل فعند الجمع مع التنفل في البين يسقط أذان الثانية رخصة ومع عدم التنفل يكون السقوط عزيمة إلا أن يكون إجماع على خلافه ولو تساوى كل من الجمع والتفريق كان السقوط أيضا عزيمة، وليس في هذا مظنة الاجماع على كون السقوط رخصة كما كان مظنته في موارد استحباب التفريق فجمع بلا تنفل كما يشعر إليه كلام الشهيد -رحمه‌الله - في اللمعة(١) .

وينبغي حينئذ ذكر الاخبار حتى يعلم انطباقها على ما قلناه فنقول: منها خبر غياث: الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة(٢) . وبهذا الخبر قد استدل على سقوط أذان العصر في يوم الجمعة لان الاذان الاول في يوم الجمعة هو أذان الصبح والاذان الثاني أذان الظهر فيكون الثالث أذان العصر هذا، ولكن الظاهر أن يكون المراد من الاذان الثالث الاذان الثاني لصلاة الجمعة الذي أبدعه عثمان أو معاوية

____________________

(١) (١) اللمعة: ج ١ ص ١٠٩.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٨١ باب ٤٩ من ابواب الصلاة الجمعة، ح ١. (*)


حيث إنه كان يفعل لصلاة الجمعة أذانين قبل الخطبتين وبعدهما ويدل على ذلك لفظ البدعة.

ومنها: صحيح عبدالله بن سنان: السنة في الاذان يوم العرفة أن تؤذن وتقيم للظهر ثم تصلي ثم تقيم للعصر بغير أذان وكذلك المغرب والعشاء بمزدلفة(١) . وفي معناه عدة من الروايات(٢) ، وهو بظاهره يدل على أن الاذان للعصر في يوم عرفة وللعشاء في المزدلفة ليس من السنة بل هو عزيمة، فيكون دليلا على سقوط الاذان عزيمة في موارد استحباب الجمع، وهو بإطلاقه وإن كان يعم ما إذا تنفل بينهما فيدل بإطلاقه على عدم مشروعية الاذان في موارد استحباب الجمع ولو تنفل بين الصلاتين إلا أن في موثق محمد بن حكيم عنهعليه‌السلام : الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع(٣) .

وهذا الموثق وإن كان ظاهره نفي أصل الجمع مع التطوع ويكون دليلا على عدم سقوط الاذان لا رخصة ولا عزيمة مع التطوع إلا أنه ورد أيضاأن التطوع في البين لا ينافي الجمع المسقط للاذان كما في خبر أبان بن تغلب قال: صليت خلف أبي عبدالله المغرب بالمزدلفة فلما انصرف أقام الصلاة فصلى العشاء الآخرة لم يركع بينهما، ثم صليت معه بعد ذلك بسنة فصلى المغرب ثم قام فتنفل بأربع ركعات ثم أقام فصلى العشاء الآخرة(٤) . فهذا الخبر يدل على أن التنفل غير مانع عن الجمع المستحب في المزدلفة وعن سقوط الاذان أيضا.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٦٥ باب ٣٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٦٥ باب ٣٦ من ابواب الاذان والاقامة، ح ٢ وج ٣ ص ١٦٧ باب ٣٢ من أبواب المواقيت، ح ١ وج ١٠ ص، ص ٩ من ابواب احرام الحج والوقوف بعرفة، ح ١.

(٣) و (٤) الوسائل: ج ٣ ص ١٦٣ من أبواب المواقيت، ح ٣ و ١.


ونحن لو خلينا وأنفسنا لقلنا إن سقوط الاذان عزيمة مطلقا ولو تنفل بينهما إلا أنه ورد في خبر زريق عن الصادقعليه‌السلام : أنه ربما كان يصلي يوم الجمعة ركعتين إذا ارتفع النهار وبعد ذلك ست ركعات أخر وكان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذن وصلى ركعتين فما يفرغ إلا مع الزوال ثم يقيم الصلاة الظهر ويصلي بعد الظهر أربع ركعات ثم يؤذن ويصلي ركعتين ثم يقيم ويصلي العصر(١) .

وهذا يدل على عدم سقوط الاذان مع التنفل بين الصلاتين، فيكون مقتضى الجمع بين الروايات هو أنه في موارد استحباب الجمع كيوم الجمعة وعرفة والمزدلفة يسقط الاذان للصلاة الثانية عزيمة إن لم يتنفل بينهما ورخصة إن تنفل، فتأمل، فتأمل جيدا. هذا كله في موارد استحباب الجمع.

وأما في موارد استحباب التفريق كسائر الايام فإن جمع بين الصلاتين مع التنفل بينهما فلا يبعد دعوى كون السقوط أيضا رخصة للاولوية فإنه لو كان التنفل في موارد استحباب الجمع موجبا لكون السقوط رخصة ففي غير موارد استحباب الجمع يكون السقط رخصة مع التنفل أولى. وأما مع عدم التنفل بينهما فمقتضى القاعدة كون السقوط عزيمة لعدم دليل لفظي يدل على ثبوت الاذان مع ماورد من فعل الائمة والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من ترك الاذان مع الجمع في عدة من الروايات(٢) .

ودعوى أن مجرد عدم فعلهمعليه‌السلام للاذان لا يوجب تخصيص المطلقات الدالة على استحباب الاذان لكل صلاة لجواز تركهم المستحب أو كان تركهم لبيان ذلك فاسدة فإن تركهم المستحب لم يعهد عنهم وبيانهم لجواز الترك

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٢٧ باب ١٣ من ابواب المواقيت، ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٦٥ من باب ٣٦ من أبواب الاذان والاقامة ح ٢، وج ٣ ص ١٦٧، باب ٣٢ من أبواب المواقيت، ح ١ وج ١٠ ص ٩ باب ٩ من أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة، ح ١. (*)


لا ينحصر بالفعل إذ يمكن البيان بالقول فلا معنى لتركهم المستحب لمجرد بيان جواز الترك فتأمل جيدا. وكذا القول فيما لا يستحب فيه الجمع والتفريق كقضاء الصلوات بل كون السقوط في ذلك عزيمة أولى لقيام الدليل اللفظي على السقوط كما تقدم


المقصد الثاني: في أفعال الصلاة(النية)

اعلم أن الكلام في النية يقع من جهتين:

الجهة الاولى: في كيفية اعتبارها وأنها كيف يمكن أخذها في متعلق التكليف مع كونها هي الداعي إلى إرادة الفاعل نحو الفعل وتنبعث الارادة عنها؟ فهي واقعة فوق دائرة الارادة وما كان فوق الارادة لا يمكن أن يرد الارادة عليه ويكون تحت دائرتها بحيث تتعلق الارادة بها نحو تعلقها بالفعل الصادر عن الفاعل فإذا لم يمكن تعلق إرادة الفاعل بها لا يمكن تعلق إرادة الآمر بها بحيث يطالب بها نحو طالبه بما يقع تحت إرادة الفاعل من الفعل الصادر عنه لان إرادة الآمر إنما تتعلق بما يتعلق به إرادة الفاعل لان الارادة الآمرية هي المحركة للارادة الفاعلية فلا يمكن أن يكون متعلق إرادة الآخر أوسع من متعلق إرادة الفاعل.

وهذا الاشكال وارد على اعتبار النية، وكونها متعلقة للطلب على جميع الوجوه والتفاسير حتى لو قلنا: إن النية والقربة المعتبرة في العبادات عبارة عن إتيان الفعل لله تعالى، مضافا إلى ما يرد على التفاسير الاخر من كونها عبارة عن قصد الامر وقصد الوجه وغير ذلك من لزوم الدور، وأن مالا يأتي إلا من قبل الامر كيف يمكن أخذه في المتعلق، فإن الدور يختص بما إذا قلنا: إنها عبارة عن قصد الامر وما يشبه ذلك وأما لو قلنا: إنها عبارة عن إتيان


الفعل لله تعالى فلا دور، إلا أنه يرد عليه ما تقدم من الاشكال فإن الاشكال المتقدم وارد على كل حال كما لا يخفى.

الجهة الثانية: فيما يعتبر في النية وشرائطها وأركانها.

والبحث عن الجهة الاولى راجع إلى مسألة اصولية، وعن الجهة الثانية إلى مسألة فقهية، والمقصود في المقام إنما هو البحث عن الجهة الثانية، وفيه مباحث:

البحث الاول:

حقيقة النية ليس إلا الارادة الباعثة على الفعل، ولكن في العبادات تتقوم بأمرين، الاول: القصد إلى المأمور به الذي به يكون الفعل اختياريا وصادرا عنه بالارادة ويمتاز عن فعل النائم والساهي والغافل. الثاني: إنبعاث هذا القصد عن الداعي المقرب إليه تعالى دون سائر الدواعي الذي به يمتاز العبادة عن غيرها فحقيقة النية في العبادة إنما هي متقومة بهذين الامرين وكان كل منهما ركنا في النية وإن كان الثاني في طول الاول وربما يطلق النية على خصوص الثاني أي ما يمتاز به العبادة عن غيرها وعلى كل حال لابد في كل عبادة من تحقق هذين الركنين فلابد من التكلم في كل منهما على حدة.

ويعتبر في الركن الاول أي القصد إلى المأمور به امور: الاول: أن يتعلق القصد بذات المأمور به وبحقيقته وهويته التي بها يمتاز عما عداه وبعبارة أخرى لابد من القصد إلى واقع المأمور به بحيث يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنه هو فلا يكفي القصد إلى مفهوم الصلاة والصيام بل لابد من القصد إلى العنوان الذي أمر به سواء انحصر ما في ذمته في واحد معين أو لم ينحصر فإن الانحصار وعدم الانحصار لا دخل له بما نحن بصدده من القصد إلى المأمور به الذي قد عرفت أن بذلك يكون الفعل اختياريا ويمتاز عن فعل النائم والساهي.


والحاصل أن الفعل الاختياري هو ما كان عن قصد وإرادة فأي مقدار من الفعل دخل تحت القصد وتعلقت به الارادة يكون الفعل بذلك المقدار اختياريا فلو تعلق القصد بذات الفعل والقدر المشترك بين الانواع والاصناف كان الاختياري هو ذلك القدر المشترك دون الخصوصيات المنوعة والمصنفة وذلك واضح غايته.

وحينئذ لو كان المأمور به نوعا خاصا من صوم الكفارة وصلاة الظهر وأمثال ذلك فلابد من القصد إلى ذلك النوع ويكون هو متعلق الارادة بوجه من الوجوه، ولا يكفي القصد إلى القدر المشترك من القصد إلى الصيام المطلق والصلاة كذلك عن قصد الكفارة والظهر وإن لم يكن في ذمته إلا ذلك فإن انحصار ما في الذمة في خصوص صوم الكفارة أو صلاة الظهر لا يوجب وقوع صوم الكفارة وصلاة الظهر من دون أن تتعلق الارادة بهما والقصد إليهما بل يقع باطلا حينئذ لعدم القصد إلى ما هو المأمور به حقيقة، وقد عرفت أن القصد إلى حقيقة المأمور به مما لا بد منه.

وبذلك يظهر أنه لو نوى القصر(١) مقام التمام أو نوى الجمعة بدل الجنابة والعصر بدل الظهر يقع باطلا وإن اعتقد أن ذلك هو المأمور به، وليس ذلك من الخطأ في التطبيق لان مورد الخطأ في التطبيق إنما هو بعد القصد إلى حقيقة المأمور به، وحقيقة الامر على ما سيأتي في الركن الثاني، وبعبارة أخرى موقع الخطأ في التطبيق إنما هو الخصوصيات الخارجة عن حقيقة المأمور به وعن حقيقة الامر من الاداء والقضاء والوجوب والاستحباب، وأما الخصوصيات التي لها دخل في حقيقة المأمور به أو في حقيقة الامر فلابد من القصد إليها ولمعرفة أن أي خصوصية تكون داخلة في حقيقة المأمور به وأي خصوصية تكون خارجة عنه مقام آخر لابد من استظهار ذلك من الادلة والغرض في المقام مجرد بيان الفرق بين

____________________

(١) سيأتي ان نية القصر والتمام مما لاتعتبر ولكن نية الخلاف مما يضر. " منه ". (*)


الخصوصيتين وبيان مورد الخطأ في التطبيق.

وحاصل الكلام أن القصد إلى واقع المأمور به مما لابد منه ولا يكفي القصد إلى مفهوم المأمور به إذ المفهوم ليس متعلق التكليف بل متعلق التكليف هو ما يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنه مأمور به والحاجة إلى قصد المأمور به مما لا يحتاج إلى إقامة برهان عليه بل نفس تصوره يغني عن إقامة البرهان عليه، بداهة أنه لو لم يقصد حقيقة المأمور به لما كان الفعل اختياريا له ولما امتاز عن فعل الساهي والقصد إلى الجنس لا يكون قصدا إلى المأمور به بعدما كان المأمور به هو نوع خاص من الصيام مثلا أو الصلاة أو الغسل ولا يتوهم كفاية قصد الامر عن قصد المأمور به إذا لم يكن في ذمته إلا واحد فإن قصد الامر متأخر عن قصد المأمور به إذ لابد من فعل المأمور به بقصد أمره فقصد الامر لا يكون إلى قصد المأمور به إلا إذا كان قصد الامر ملازما لقصد المأمور به كما إذا نوى في الوقت المختص للظهر صلاة أربع ركعات بداعي أمرها الفعلي فإن القصد إلى ذلك قصد لما هو المأمور به حقيقة نعم لو لم يكن المأمور به إلا الصلاة ركعتين بلا عنوان كالصلوات المبتدأة لا يحتاج إلى أزيد من القصد إلى صلاة ركعتين إذ ليس حقيقة المأمور به إلا الصلاة ركعتين، وكذلك في صوم يوم الغدير وأيام البيض مثلا لا يحتاج إلى أزيد من قصد صوم الغد، وأما قصد كونه من غدير أو أيام البيض فهو مما لا يحتاج إليه لان الخصوصية الزمانية تدور مدار واقعها من دون أن تحتاج إلى القصد ومنه يظهر عدم اعتبار قصد الاداء والقضاء لان الاداء ليس إلا عبارة عن فعل الشئ في وقته ويقابله القضاء وهذا يدور مدار الواقع فإن كان الفعل واقعا في الوقت فهو أداء لا محالة ولو نوى ضده وهذا بخلاف القصر والتمام والظهر والعصر ونافلة الصبح وفريضتها وأمثال ذلك من العناوين المنوعة للمأموربه فإنه لابد من القصد وليس شيئا منها مورد الخطأ في التطبيق كما تقدمت الاشارة إليه


ويأتي توضيحه إن شاء الله.

الامر الثاني: أن يكون قاصدا وناويا للعمل المأمور به بجملته بما له من الاجزاء والقيود فلا يكفي القصد إلى كل جزء مستقلا وبنفسه إذ لم يكن كل جزء مستقلا مأمورا به، وقد عرفت أن القصد إلى المأمور به مما لابد منه. نعم لو قصد كل جزء بما له من الجزئية، وبوصف كونه جزء صح لان قصده كذلك يرجع إلى قصد الجملة في الحقيقة.

والحاصل أنه بعد ما عرفت من اعتبار قصد المأمور به بهويته وحقيقته فلا محيص من اعتبار قصد المركب بما له من الاجزاء نعم لا يعتبر العلم بتفاصيل الاجزاء حال النية بل يكفي القصد إليها إجمالا كما لو صلى الجاهل بها مع علمه بتعليم من يعلمه كلا منها في موقعه ومحله لان عدم العلم بها تفصيلا لا يخل بالنية إليها، فلو علم إجمالا أن الصلاة مشتملة على عدة من الاجزاء والشرائط مع عدم علمه بها تفصيلا ولكن نوى الصلاة بما لها من الاجزاء والقيود صح مع معرفة تلك الاجزاء في محالها.

الامر الثالث: مما يعتبر في الركن الاول من النية التعيين إذا تعدد ما في ذمته من نوع واحد كما إذا كان عليه صوم كفارة رمضان وكفارة الظهار إذ مع عدم التعيين لا يقع عن واحد منهما بعد صلاحية كل منهما لان ينطبق على المنوي وبالجملة: لو تعدد ما في الذمة على وجه كان المأتي ممكن الانطباق على كل واحد مما في الذمة بحسب الزمان والخصوصيات كان قصد التعيين مما لابد منه لان وقوع المأتي على أحدها ترجيح بلا مرجح فلو لم يعين يبطل ولا يقع عن واحد منها، فلو كان أجيرا من شخصين لابد في مقام العمل من تعيين المنوب عنه وإلا لم يقع عن واحد منهما.

نعم لو كان المتعدد مما في الذمة من صنف واحد من دون أن يكون له جهة تعيين سوى الزمان كما إذا كان عليه قضاء يومين من رمضان فلا يحتاج إلى قصد التعيين بل يكفي قصد صوم القضاء عن رمضان ولا يحتاج إلى


تعيين كونه من اليوم الاول أو الثاني فإن ما اشتغلت ذمته ليس الا صوم يومين قضاء عن رمضان فلو صام يومين كذلك فرغت ذمته كما إذا اشتغلت ذمته بدرهمين على التدريج وأعطى كل يوم درهما فإنه لا يحتاج إلى تعيين كون هذا الدرهم عوضا عن الدرهم الاول الذي اشتغلت ذمتي به.

وكذلك لو كان أحد ما في ذمته يحتاج إلى القصد دون الآخر كما إذا كان عليه قضاء من نفسه وقضاء عن غيره فإن الذي يحتاج إلى القصد هو القضاء عن الغير وأما القضاء عن نفسه فلا يحتاج إلى القصد إذ صرف الفعل الذي باشره الفاعل عن نفسه وجعله عن الغير يحتاج إلى القصد وإلا الفعل بحسب طبعه يقع للمباشر حتى لو لم تشتغل ذمة المباشر بالفعل يقع باطلا إلا إذا صرفه عن نفسه وقصد الغير به فالتحمل والنيابة هي التي يحتاج إلى القصد.

فتحصل مما ذكرنا أن اشتغال الذمة بالمتعدد يكون على أقسام ثلاثة أحدها: احتياج كل من المتعدد إلى قصده بخصوصه وإلا لم يقع الفعل عن واحد من المتعدد وذلك كما إذا كان متحملا عن اثنين أو كان عليه صوم كفارتين من متعدد النوع، والسر في احتياج هذا القسم إلى القصد واضح لان تعيين وقوع الفعل عن أحدهما يكون بلا معين وينحصر المعين في القصد والتعيين. ثانيها: عدم احتياج كل من المتعدد إلى القصد والتعيين وذلك كما إذا كان عليه صوم يومين عن رمضان واحد بل رمضانين.

والسر في عدم الحاجة إلى التعيين في هذا القسم أيضا واضح لان ما اشتغلت به ذمته ليس إلا صوم يومين قضاء عن رمضان وقد عرفت أن الخصوصية الزمانية مما لا تحتاج إلى القصد. ثالثها: احتياج واحد من المتعدد إلى القصد دون الآخر وذلك كما إذا كان المتعدد عن نفسه وعن غيره فإن الذي يحتاج إلى القصد هو كونه عن الغير دون كون عن نفسه.

وقد ظهر أيضا مما ذكرنا أن الخصوصيات المأخوذة في المأمور به تختلف


بحسب اعتبار قصدها وعدم اعتباره فمنها مالايعتبر قصدها مطلقا كالخصوصيات الزمانية من صوم الغدير وأيام البيض والمبعث ونوافل شهر رمضان ونصف شعبان وأمثال ذلك، ومن ذلك الاداء والقضاء إلا إذا توقف قصد النوع المأمور به أو بعينه عليه، ومنها ما يعتبر القصد إليها مطلقا وهي كل خصوصية تكون مميزة لنوع المأمور به وحقيقته كقصد الظهر والعصر والقصر والتمام، ومنها ما يعتبر القصد إليها إذا تعدد اشتغال الذمة دون ما إذا انحصر وهي كل خصوصية توجب تعيين المأتي وتطبيقه على أحد ما اشتغلت الذمة به، ومن ذلك يظهر الفرق بين الخصوصيات التي إذا لم تكن مقصودة يوجب عدم القصد إلى نوع المأمور به وبين ما يوجب ذلك عدم تعيين المأمور به، وحكي عن بعض إرجاع ما يرجع إلى النوع إلى التعيين وجعل اعتبار القصد إلى الخصوصية لاجل التعيين الذي قد عرفت أن مورده صورة تعدد اشتغال الذمة وألقى اعتبار القصد إلى نوع المأمور به مع انحصار مافي الذمة فتأمل في المقام جيدا. هذا كله فيما يعتبر في الركن الاول من النية وهو القصد إلى المأمور به.

وأما ما يعتبر في الركن الثاني منها وهو الداعي فامورأيضا: الاول: القربة بأن يكون الداعي والباعث مقربا إليه تعالى وينحصر ذلك بقصد امتثال الامر وما يقوم مقامه كما ستعرف. الثاني: أن يكون مقربيته إليه تعالى هي الموجبة لارادة الفعل، ومعلوم أن ما يكون مقربا إليه تعالى ليس إلا العبادة والفعل بنفسه لا يكون عبادة إلا في مثل السجود له تعالى حيث إنه بذاته عبادة له تعالى، لما فيه من الخضوع والتذلل.

وأما غير السجود من سائر الافعال فلا يكون بذاته عبادة مقربا لديه سبحانه بل ينحصر عبادية الفعل بإتيانه بداعي الامر والامتثال فلا محيص من انتهاء العبادة إلى قصد الامر والامتثال غايته أنه تارة يكون الامر بنفسه باعثا ومحركا نحو الفعل ويكون


هوالغاية القصوى والمقصود بالاصالة من دون نظر إلى ما تستتبع فعلها من الدرجات وما يستتبع تركها من الدركات بل كان النظر هو نفس امتثال الامر حيث إنه تعالى أهل لان يمتثل أمره كما قالعليه‌السلام : ما عبدتك خوفا من نارك.. إلخ. وأخرى يكون الامر باعثا بمعونة الغايات القربية من سلسلة علل الامر كالمصالح والمفاسد وسلسلة معلولاته كالثواب والعقاب مطلقا دنيويا كان أو أخرويا.

والحاصل: أنه بعد ما كان المقرب هو الفعل العبادي لاذات الفعل فلابد في العبادة من قصد امتثال الامر إذ بذلك يكون الفعل عباديا ثم إن باعثية الامر ومحركيته نحو الفعل لابد وأن يكون له جهة تقع جوابا لسؤال من يسأل لم قصدت الامر وكان باعثا لك نحو الفعل إذ لا يمكن أن يكون نفس الامر بما هو أمر باعثا وإلا كان ينبغي أن يكون كل أمر صادر من كل أحد باعثا فلابد في باعثية الامر من أن يعلل بعلة تقع جوابا لقول القائل لم صار الامر باعثا لك نحو الفعل فهذه العلة والجهة تارة تكون أهليته تعالى لان يمتثل أمره واستحقاقه للعبودية فيكون أمر الله تعالى من حيث إنه أمر صادر ممن يكون أهلا لان يمتثل أمره هو المحرك بالاصالة والغاية المقصودة من دون أن يكون هناك نظر إلى سلسلة علل الامر ومعلولاته بل كانت العبادة أقصى غاية أمله وهذا المعنى هو المعني بقولهعليه‌السلام " بل وجدتك أهلا لذلك " بداهة أن الاميرعليه‌السلام إنما كان يعبدالله تعالى لكونه أهلا للعبادة.

وقد عرفت أن عبادة الله إنما تكون بقصد امتثال الامر الذي به يتحقق العبادة وليس مراد الاميرعليه‌السلام أني ما كنت قاصدا لامتثال الامر بل كان المحرك لي على العمل هو أهليتك فإن كون الاهلية بنفسها تكون محركة للعمل بلا توسيط قصد الامر إنما يكون فيما إذا كان ذلك العمل بنفسه وبذاته مقربا لديه تعالى وهو منحصر بالسجود وأما في غيره


فلابد من توسيط قصد الامر الذي به يكون العمل عبادة وأخرى تكون العلة والجهة التي يكون الامر باعثا نحو العمل غير الاهلية من الفوز برضاه والامن من سخطه وأمثال ذلك مما كان معلولا للامر.

وبذلك ظهر فساد ما في بعض الكلمات من جعل قصد الامر في عرض قصد التخلص من العقاب أو نيل الثواب حتى أنهى بعض نية التقرب إلى عشرة وجعل كل واحد منها مناطا لعبادية العمل.

وجه الفساد هو أن التخلص من العقاب والنيل إلى الثواب معلول لقصد الامر وفي طوله وما كان في طول الشئ لايمكن أن يكون في عرضه بل لو قصد التخلص من العقاب بلا توسيط قصد الامر كان عمله باطلا إذا التخلص من العقاب ليس من لوازم نفس العمل بل من لوازم العبادة والعبادة لا بد فيها من قصد الامر بحيث يكون هو الباعث والمحرك وسيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء الله(١) .

وعلى كل حال لابد من أن يكون الباعث هو الامر إما بنفسه وإما بأثره ومعلوله. وأما إذا لم يكن الامر بنفسه باعثا ولا بمعلوله كان العمل باطلا كما إذا كان الباعث هو الاجرة والمال الذي يبذله الباذل لمن صلى صلاة الليل مثلا بداعي امتثال أمرها.

وتصحيح بعض الاعلام ذلك وجعله من باب الداعي [ إلى ] الداعي سخيف غايته صغرى وكبرى، أما الصغرى فلان داعي الداعي إنما يصح فيما إذا كان الداعي الاول الذي أوجب داعي الامر من معلولات الامر ومن الآثار المترتبة عليه شرعا كالثواب والعقاب ولو كان دنيويا بوعد من الشارع.

وأما إذا لم يكن الداعي واقعا في سلسلة معلولات الامر بل كان أمرا أجنبيا عن الامر

____________________

(١) وسيأتى أيضا أن الاقوى ما صنعه بعض الاعلام من عد الجميع في عرض واحد وكفاية قصد التخلص من العقاب والنيل إلى الثواب في صحة العباده ولو من دون توسيط قصدالامر " منه ".


كالاجرة والمال الذي يبذله الباذل فلا يصلح لان يكون داعيا لقصد امتثال الامر بل لا يكون هناك إلا قصد أخذ المال ولا يمكنه قصد الامر حقيقة وشتان ما بين الثواب والعقاب وبين أخذ الاجرة فإن الثواب والعقاب حيث كان معلولا للامر وكان من آثار قصد الامر أمكن أن يكون التخلص عن العقاب أو النيل إلى الثواب داعيا إلى قصد الامر بعدالعلم بأن التخلص والنيل لايحصل إلا بفعل العبادة المتوقفة على قصد الامر وأما الاجرة فهي ليست من الاثار المترتبة على قصد الامر شرعا بل كان الترتب لبذل باذل لها وكان أخذ المال هو الغاية المقصودة وهو المحرك له نحو العمل حقيقة فكيف يمكن أن يكون داعيا إلى قصد الامر وهل يكون قصد الامر في مثل هذا إلا مجرد التصور والخطرت القلبية من دون أن يكون له حقيقة.

وبالجملة: من راجع وجدانه يعلم أنه لا يمكن أن يكون قصد أخذ المال داعيا حقيقة إلى قصد الامر وأما الكبرى فعلى فرض تسليم إمكان كون أخذ الاجرة يصير داعيا إلى قصد الامر إلا أن مجرد ذلك لا يكفي في العبادة.

بل يعتبر في عبادية العبادة أن يكون قصد الامر هو المقصود بالاصالة والغاية والقصوى ولو بأثره ولايكفي توسيط قصد الامر مع كون المقصود بالاصالة أخذ المال، إذ ليس لنا إطلاق يدل على أن مجرد قصد الامر يكفي في العبادة مع كون المقصود بالاصالة أخذ المال بل البحث في المقام بعد قيام الدليل على اعتبار نية القربة يكون عقليا، والذي يحكم به العقل هو أن يكون المقصود بالاصالة قصد الامتثال والامر ولا يكفي مجرد توسيط ذلك مع كون المقصود بالاصالة أخذ المال وسيأتي أن قصد الثواب والعقاب ولو كان نيويا لا ينافي كون المقصود هو قصد الامر. وأما الاجرة فعلى كل تقدير تكون هي المقصود بالاصالة، نعم لو لم يكن لاخذ المال دخل في تأثير إرادته قصد الامتثال وكان قاصدا للامر على كل حال


سواء كان هناك باذلا أو لم يكن صح عمله وكان عبادة وجاز له حينئذ أخذ المال إن كان بذله إباحة مجانية وإن لم يكن مجانيا بل على نحو المعارضة حرم أخذ المال وفسدت المعاوضة لانه يعتبر في عقد المعاوضة أن يكون المعوض مما يمكن حصوله للباذل فإن كان من الاعيان ينتقل إليه ويصير ملكه وإن كان من الاعمال كما فيما نحن فيه يصير عمله ويكون في الحقيقة هو العامل للعمل لا بنفسه بل بنائبه أو وكيله أو أجيره ولا يكفي في صحة المعاوضة أن يكون الباذل ممن ينتفع بعمل الاجير إذ مجرد الانتفاع لا يكفي في صحة الاجارة بل لا بد من أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر وفي المقام ليس العمل ممكن الحصول للمستأجر إذا العمل الذي يعمله العامل إنما يقع لنفسه ولا يقع للباذل، فلا تصح المعاوضة بالاجارة ولا بالجعالة بناء على كونها من عقود المعاوضة.

فتحصل من جميع ماذكرنا أنه إن كان لاخذ الاجرة تأثير في فعل العبادة فالعبادة باطلة ويحرم أخذ تلك الاجرة وإن لم يكن له تأثير فالعبادة صحيحة، وحل أخذ الاجرة أيضا إن كان دفعها على وجه المجانية وإن كان على وجه المعاوضة حرم أخذ الاجرة لانه يكون من أكل المال بالباطل لعدم حصول عوض الاجرة لباذلها.

وقد ظهر مما ذكرنا أن تصحيح أخذ الاجرة على العبادات الواجبة على فاعلها أو تصحيح العبادة المستأجر عليها الواجبة على المنوب عنه بإرجاعها إلى باب داعي الداعي ضعيف جدا، بل لا يصح أخذ الاجرة على ما كان واجبا على فاعله مطلقا عباديا كان أو غيره إلا إذا كان من الواجبات النظامية كالصناعات وتصحيح أخذ الاجرة فيما كان واجبا أو مستحبا على المنوب عنه وصحة وقوعه عبادة إنما يكون بوجه آخر غير باب داعي الداعي قد أشرنا إليه في كتاب القضاء.

الامر الثالث: مما يعتبر في النية الخلوص بأن لا تكون نيته مشوبة بالرياء


بوجه من الوجوه فلو أدخل في النية أدنى شائبة الرياء بطلت عبادته مضافا إلى كونه من الكبائر الموبقة ثم الظاهر أنه لاإشكال في بطلان العبادة إذا كان الرياء تمام الداعي بحيث لم يقصد بالعبادة وجه الله تعالى، ولو كان الرياء جزء الداعي فقد يتوهم عدم بطلان العبادة بذلك وإن عصى نظرا إلى أنه لا يعتبر في صحة العبادة أزيد من قصد الامر ولا يعتبر الخلوص بحيث يكون الامر تمام الداعي بل يكفي توسيط قصد الامر ولو كان على نحو الجزئية، هذا.

ولكن الظاهر من أدلة اعتبار الخلوص هو خلوص النية عن جميع الشوائب على وجه لا يريد بالعبادة غير وجه الله تعالى فلو أدخل في نيته غير وجه الله تعالى ولو على وجه التبعية والضميمة بطلب العبادة فضلا من أن يكون قصد الغير جزء الداعي بحيث لو لم يضم إليه قصد الامر لا ستقل بالداعوية كما هو الشأن في العلل المجتمعة.

وبالجملة: الذي يظهر من الاخبار هو بطلان العبادة بأدنى شائبة الرياء سواء كان في جزئها أو شرطها أو وصفها واجبا كان أو مستحبا حتى في مثل وصف الجماعة بل في مثل التحنك وغير ذلك مما له دخل في العبادة بوجه من الوجوه.

كان ذلك لصدق أنه أدخل فيه رضا أحد من الناس كما في قولهعليه‌السلام في رواية زرارة: لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله والدار الآخرة وأدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا(١) .

وغير ذلك من الاخبار الدالة على بطلان العبادة بأدنى شائبة الرياء، فتأمل فيما ورد من الاخبار في المقام جيدا. هذا كله في الرياء.

وأما غير الرياء فلو ضم إلى الصلاة أمر آخر فلا يخلو إما أن يكون ذلك الامر من سنخ أفعال أو أقوال الصلاة وإما أن لا يكون من سنخ أفعال وأقوال الصلاة بل كان أمرا آخرا اجنبيا وذلك الامر الآخر إما أن يكون مباحا وإما أن يكون

____________________

(١) الوسائل: ج ١ ص ٤٩ باب ١١ من ابواب مقدمة العبادات، ح ١١. (*)


راجحا، فلو ضم إلى الصلاة مما كان من سنخ أفعال الصلاة كانت الصلاة باطلة، وإن لم يقصد بذلك الفعل الجزئية لصدق أنه زاد في صلاته، وإن كان من سنخ أقوال الصلاة من الدعاء والذكر فإن كان ذلك محرما كقراء‌ة العزيمة بطلت صلاته أيضا سواء اقتصر عليها أو قرأ سورة أخرى أيضا لانه كلام منهي عنه، فهو إما من كلام الآدمي موضوعا وإما ملحق به حكما، بداهة أن الخارج من مطلق الكلام في الصلاة هوالدعاء والذكر الغير المنهي عنه فيبقى الذكر المنهي عنه تحت إطلاقات مبطلية مطلق الكلام من غير تقييد بكلام الآدمي كقولهعليه‌السلام في رواية أبي بصير: إن تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة(١) ودعوى انصرافه إلى كلام الآدمي ممنوع.

وإن لم يكن الذكر منهيا عنه فإن لم يقصد به الجزئية فلا بأس وصحت صلاته، وإن قصد به الجزئية بطلت، لصدق الزيادة فيدخل في قولهعليه‌السلام " من زاد في صلاته.. إلخ "(٢) وإن كانت الضميمة أجنبيا عن سنخ أفعال الصلاة وأقوالها فإن لم ينوها مع الصلاة بأن لم تكن تلك الضميمة جزء الداعي والمحرك لفعل الصلاة فلا بأس به، وإن كانت جزء الداعي فقد حكي التفصيل بين كونها مباحة أو راجحة فإن كانت مباحة فالصلاة باطلة. لعدم استقلال الامر الصلاتي للداعوية، وإن كانت راجحة فلا بأس، هذا.

ولكن الظاهر عدم الفرق بين الضميمة الراجحة والمباحة والاقوى البطلان فيهما جميعا لما ذكر من عدم استقلال الامر الصلاتي للداعوية إلا أن تكون الضميمة على وجه التبعية بحيث لو لم تكن لكان الامر الصلاتي محركا له نحوها فتأمل في المقام، فإنه يحتاج إلى بسط من الكلام لا يسعنا،

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٧٥ باب ٢٥ من ابواب قواطع الصلاة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٢ باب ١٩ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح ٢. (*)


ولعله يأتي في بعض المباحث الآتية إن شاء الله.

البحث الثاني:

في تفصيل الدواعي القربية ويذكر في طي مسائل: الاولى: قد تقدم أن إرادة العمل إن كانت منبعثة عن الامر وكان هو المحرك له، فهذا مما لا إشكال في صحة العبادة وكفايته في المقربية، سواء كان نفس الامتثال هو المقصود بالاصالة، حيث يراه جل شأنه أهلا للعبادة، أو يكون الوصول إلى الغايات المترتبة عليه موجبا للانبعاث عن الامر بحيث يكون الموجب للانبعاث عن الامر الوصول إلى ماأوعده الله تعالى للمطيع من الثواب والعقاب، أخرويين كانا أو دنيويين.

المسألة الثانية: حكي عن الجواهر -قدس‌سره - عدم كفاية قصد الجهة من الحسن الذاتي والملاك في صحة العبادة، خصوصا مع سقوط الامر عن العبادة بواسطة مزاحمتها للاهم - كما في موارد التزاحم - مع أهمية أحد المتزاحمين، حيث إن الامر عن المهم يسقط فلا يكفي فعل المهم بداعي المحبوبية الذاتية ولا يوجب عباديته، بل لابد في وقوع الشئ عبادة من قصد الامر، وغاية ما يمكن أن يوجه ذلك هو أن يقال: إن في صورة سقوط الامر بالمزاحم الاهم لا سبيل لنا إلى إحراز الجهة والملاك والحسن الذاتي حتى تكون هي الداعي، بداهة أن الكاشف عن الملاك إنما هو الامر، إذ لا طريق لنا لاحرازه سوى الامر، وبعد سقوط الامر بالمزاحمة لا يمكن القول ببقاء الملاك، لاحتمال أن تكون للقدرة دخل في الملاك، ويكون الشارع قد اكتفى عن أخذها في لسان الدليل بحكم العقل باعتبارها لقبح مطالبة العاجز.

وحاصل الكلام: أن سقوط الامر عن المزاحم المهم إنما هو لاجل عدم قدرة


المكلف على فعله مع فعل مزاحمة الاهم، وعدم إمكان الجمع بينهما، ودعوى أن سقوط الامر لاجل عدم القدرة على متعلقه لا يوجب ارتفاع الملاك إلا إذا اخذت القدرة شرطا شرعيا، والمفروض في باب التزاحم عدم أخذها شرطا شرعيا، بل الامر بالنسبة إليها مطلق والتقييد بها إنما هو لحكم العقل بقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه، والقدرة العقلية مما لا دخل لها بالملاك، دون إثباتها خرط القتاد، إذا لا مانع من أن يكون للقدرة العقلية دخل في الملاك كالقدرة الشرعية، فمن أين يمكن إحراز الملاك في موارد سقوط الامر بالمزاحمة.

ودعوى ان إطلاق الامر وعدم تقييده بصورة القدرة يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك، ووجوه في كلتا صورتي القدرة وعدمها، إذ لو كانت القدرة العقلية مما لها دخل في الملاك لكان اللازم تقييد الامر بها(١) فإطلاق الامر يكشف عن وجودها، ففيها أن إطلاق الامر لا يكشف عن عدم دخلها في الملاك، فإن إطلاق الامر إنما يكشف عن عدم كون شئ قيدا إذا لم يكن القيد مما استقل العقل الضروري به، ومع استقلال العقل به يكون بمنزلة المخصص والمقيد المتصل، والتقييد بالقدرة في المقام مما استقل العقل به لقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه، وهذا الحكم الضروري العقلي لو لم يكن قرينة على تقييد الامر شرعا بصورة القدرة.

فلا أقل من صلاحيته للقرينية، ومع صلاحيته لذلك لا يمكن استكشاف بقاء الملاك مع سقوط [ الامر ] ولا يكون إطلاق الامر كاشفا عنه، وحينئذ لا يمكن تصحيح العبادة بقصد الملاك عند سقوط الامر في باب التزاحم، بل لا يمكن تصحيحها بالامر الترتبي أيضا لان الامر الترتبي على القول به إنما هو بعد إحراز الملاك ومع عدم إحرازه كما أوضحناه لا يمكن القول بالامر

____________________

(١) مع أن تقييد الامر بها يوجب خروجها عن كونها قدرة عقلية وتكون حينئذ شرعية كما لا يخفى " منه ". (*)


الترتبي هذا ولا بد لكل من قال بصحة العبادة في باب التزاحم إما بالملاك وإما بالامر الترتبي من دفع هذا الاشكال هذا.

وقد أفاد شيخنا الاستاذ - مد ظله - في دفع الاشكال بما حاصله: ان حكم العقل بقبح مطالبة العاجز لا يمكن أن يكون حينئذ ثبوتا مماله دخل في الملاك، بل هو واقع لا محالة في المرتبة المتأخرة عن الملاك، وكذا لا يمكن أن يكون هذا الحكم العقلي إثباتا مقيدا لاطلاق الامر بحيث يصلح أن يمنع كاشفية إطلاق الامر عن وجود الملاك في كلتا صورتي القدرة وعدمها، فهذا الحكم العقلي لا يصلح للقرينية فضلا عن كونه قرينة.

أما عدم إمكان أن تكون القدرة العقلية مما لها دخل في الملاك ثبوتا، فلان حكم العقل بقبح مطالبة العاجز إنما هو من شرائط حسن الخطاب، فهو واقع في مرتبة المانع، ومعلوم أن رتبة المانع متأخرة عن رتبة المقتضي، فلابد أن يكون المقتضي في حد نفسه تاما بحيث يمكن أن يستتبعه الخطاب، فعند ذلك العقل يمنع عن توجه الخطاب نحو العاجز، ويحكم بقبح مطالبته فهذا الحكم العقلي دائما يمنع عن توجه الخطاب بعد أن تم مقتضيه، إذ مع عدم تمامية المقتضي يستند عدم الخطاب إلى عدم مقتضيه لا إلى عدم القدرة على متعلقه.

وحاصل الكلام: أنه قد مرمنا مرارا أن رتبة المانع متأخرة عن رتبة المقتضي، وعدم الشئ إنما يستند إلى المانع بعد وجود المقتضي، والمانع دائما يزاحم المقتضي في تأثيره، وحينئذ نقول: إن حكم العقل باعتبار القدرة وقبح مطالبة العاجز إنما هو واقع في رتبة المانع، وهو يتوقف على تمامية المقتضي وما هو ملاك الحكم، والسر في ذلك هو ما أشرنا إليه من أن حكم العقل باعتبار القدرة إنما هو من شرائط حسن الخطاب، فلابد من أن يكون المقتضي للخطاب موجود، بحيث يقتضي بنفسه استتباع الخطاب حتى تصل النوبة إلى منع العقل عند عجز


المكلف، لكي يستند عدم الخطاب حينئذ إلى عدم القدرة فلو لم يكن المقتضي للخطاب تاما كان عدم الخطاب مستنداإلى عدم المقتضي لا إلى عدم القدرة على متعلقه، فحكم العقل بقبح مطالبة العاجز لا يعقل أن يكون في مرتبة الملاك والمقتضي، حتى يمكن توهم دخله في الملاك بل هذا الحكم العقلي دائما متوسط بين الملاك وبين الخطاب رتبته تكون متأخرة عن الملاك ومقدمة عن الخطاب كما لا يخفى.

وأما عدم إمكان صلاحية حكم العقل باعتبار القدرة للقرينية في مرحلة الاثبات، وعدم منعه عن كاشفية إطلاق الامر لثبوت الملاك في كلتا صورتي العجز وعدمه، فلان الخطاب إما أن يكون مقيدا بالقدرة وإما أن لا يكون، فإن كان مقيدا بالقدرة، فهذه القدرة حينئذ تكون شرعية لا عقلية، إلا أن يكون التقييد لتقرير حكم العقل ولا إشكال في دخل القدرة الشرعية في الملاك كسائر القيود الشرعية إلا أن هذا خارج عما نحن فيه، والكلام في القدرة العقلية، وإن لم يكن الخطاب مقيدا بالقدرة فإن كان الدليل مجملا ودار الامر بين أن يكون مشروطا بالقدرة الشرعية وأن لا يكون فالمتيقن منه الاشتراط، كما هو الشأن في كل ما دار الامر بين الاطلاق والاشتراط، وإن لم يكن الدليل مجملا فلا يمكن أن يكون حكم العقل بقبح مطالبة العاجز مانعا عن الاطلاق الكاشف لعدم دخل شئ في الملاك، لان حكم العقل بقبح مطالبة العاجز إنما هو بعد إطلاق الدليل وعدم اشتراطه بالقدرة، وإلا لما كان حاجة إلى هذا الحكم العقلي، فهذا الحكم العقلي فرع ثبوت الاطلاق فكيف يكون مانعا عنه، وحاصل الدعوى: إنما هي صلاحية حكم العقل الضروري بقبح مطالبة العاجز لتقييد إطلاق الدليل وجعله على حد ما إذا كان مقيدا بالقدرة صريحا في اللفظ، وكما أن في صورة التقييد بالقدرة لفظا لايمكن القول ببقاء الملاك عند


سقوط الامر بالعجز كما في باب الحج فكذلك ما هو بمنزلة التصريح بالتقييد بها لفظا، وهو حكم العقل بقبح مطالبة العاجز.

وحاصل دفعها: أن هذا الحكم العقلي لا يمكن أن يكون مقيدا للدليل بصورة القدرة على حد تقييده لفظا، لان العقل إنما يحكم بقبح مطالبة العاجز، إذا كان الدليل مطلقا وشاملا لكلتا صورتي العجز وعدمه، فإنه عند ذلك العقل يستقل بقبح مطالبة العاجز، وقصر الحكم بصورة القدرة، فإذا كان هذا الحكم العقلي متأخرا رتبة عن إطلاق الدليل، فكيف يمكن أن يمنع عنه، إذ المنع عن الاطلاق معناه، أن يجعل اللفظ مجملا صالحا لان يكون مقيدا بالقدرة، فيكون كما إذا كان اللفظ من أول الامر مجملا، الذي قد عرفت أن المتيقن منه هو اشتراطه بالقدرة، وقد عرفت أنه إنما تصل النوبة إلى حكم العقل بقبح مطالبة العاجز، إذا كان اللفظ مطلقا ولم يحتف به ما يصلح لتقييده بالقدرة. فكيف يمكن أن يدعى أن نفس هذا الحكم العقلي مما هو محتف باللفظ وصالح للتقييد، وهل يستلزم ذلك إلا الدور فتأمل في المقام جيدا.

فالانصاف أن إطلاق الامر بنفسه كاشف عن ثبوت الملاك في كلتا صورتي العجز وعدمه، ويترتب عليه حينئذ بقاء الملاك عند سقوط الامر بالمزاحمة.

فإن قلت: إن التمسك بالاطلاق إنما هو لاجل مقدمات الحكمة، ومن مقدمات الحكمة أنه لو لم يكن الاطلاق بمراد للزم إيقاع المكلف على خلاف المراد والواقع، وهذه المقدمة فيما نحن فيه مفقودة، إذ لم يلزم من الاطلاق عند عدم إرادته محذور وقوع المكلف على خلاف الواقع، إذ على فرض أن لا يكون الاطلاق بمراد، وكان في الواقع الامر مقيدا بصورة القدرة، فالمكلف لا يقع في مخالفة الواقع، إذ عند العجز هو تارك للمتعلق لا محالة، فالاطلاق وعدمه سيان فيما نحن فيه، ومعه لا يمكن التشبث بالاطلاق والقول بكشفه عن ثبوت الملاك مطلقا.


قلت: أولا: ليس من مقدمات الحكمة أنه لو لم يكن الاطلاق بمراد يلزم إيقاع المكلف على خلاف الواقع، بل مقدمة الحكمة إنما هي عبارة عن أن الآمر حيث كان بصدد بيان ماله دخل في غرضه ومراده، فلابد من أن يكون الاطلاق هو تمام المراد، سواء وقع المكلف بخلاف الواقع أو لم يقع، وثانيا: أنه يلزم فيما نحن فيه وقوع المكلف بخلاف الواقع، كما في باب التزاحم، فتأمل جيدا(١) .

فقد ظهر لك وجود الملاك عند سقوط الامر بالمزاحم الاهم وعليه يستقيم الامر الترتبي إذا عرفت ذلك فلنعد إلى ما كنا فيه، فنقول: إنه قد حكي عن الجواهر -قدس‌سره - عدم كفاية قصد الجهة والملاك في صحة العبادة، بل لابد من قصد الامر، وقد حكي عن الشيخ -قدس‌سره - بأن قصد الجهة أدخل في العبادة وأقوى من قصد الامر في صدق الاطاعة، كما يتضح ذلك بمراجعة ديدن العقلاء في مقام إطاعة العبيد لمواليهم العرفية، فإنه لو أمر المولى بالماء لجهة رفع عطشه، فالعبد تارة يجئ بالماء لان المولى أمره بذلك، واخرى يجئ به لكثرة حبه لمولاه، واشتياقه إليه، وتألمه من عطشه، بحيث يكون الداعي إلى العبد هو رفع عطش المولى، حيث لا يقدر أن يرى مولاه عطشانا، ولا إشكال في أن رتبة مثل هذا العبد عند المولى أعلى من رتبة من كان قصده امتثال الامر، وكان هذا العبد أقوى إطاعة من ذلك، هذا.

وقد أشكل على ذلك شيخنا الاستاذ - مد ظله - بما حاصله: أنه تارة تكون

____________________

(١) إذا اطلاق الامر بالمهم وعدم تقييده بالقدرة يوجب ايقاع المكلف على خلاف الواقع، لو كانت القدرة في الواقع شرطا وقيدا، فان المكلف من اطلاق الامر يستكشف اطلاق الملاك ووجوده في صورة سقوط الامر بالمزاحمة، فيأتي به بداعي الملاك بعد عصيانه الاهم، ويكتفي به ولم يأت به ثانيا عند عود الامر به، لضيق وقته أو لفوات الاهم وارتفاع موضوعه، مع أنه لو كانت القدرة شرطا لكان ما أتى به أولا خاليا عن الملاك وكان لغوا وكان اللازم فعله ثانيا، فاطلاق الامر هو الذي أوقع المكلف في خلاف الواقع، وأوجب عدم اتيان المكلف به ثانيا، بحسبان أنه قد أتى بما هو مشتمل على الملاك الذي استفاده من اطلاق الامر فتأمل. " منه ".


الجهة والملاك معلومة لدى العبد تفصيلا، كالعطش في المثال المتقدم، واخرى لا تكون كذلك. بل يعلم إجمالا أن هناك جهة باعثة للآمر تكون محبوبة عنده، كما هو الشأن في غالب الاوامر الشرعية بالنسبة إلى أغلب الناس، حيث لا يعلمون الملاك تفصيلا، والقدر المسلم في أقوائية الاطلاعة والادخلية في العبادة هو ما إذا كانت الجهة معلومة بالتفصيل، ويكون داعيه تحصيل تلك الجهة لكثرة الاشتياق والمحبة.

وهذا لا يتفق إلا لاوحدي، وأما لو كانت الجهة معلومة إجمالا، فكونها أدخل وأقوى في الطاعة والعبادة ممنوعا، نعم يمكن أن يقال: إن الفعل لا يؤمر به على وجه العبادية إلا إذا كانت هناك جهة تقتضي العبادية، وإن لم تكن تلك الجهة معلومة لنا بالتفصيل، فالمعيار في العبادية إنما هي تلك الجهة، وقصد الامر إنما يكفي في وقوع الفعل عبادة، لانه يكون قصد إجمالي إلى تلك الجهة التي يدور عليها العبادة، فقصد نفس ذلك الجهة إجمالا يكون أولى في وقوع الفعل عبادة. وحينئذ لا ينبغي الاشكال في أن قصد الجهة يكفي في صحة العبادة. ككفاية قصد الامر فتأمل جيدا.

المسألة الثالثة: لو كان الداعي إلى الفعل هي الغايات المترتبة على الامتثال، كالفوز برضاه تعالى، أو النيل إلى الثواب، والامن من العقاب، وامثال ذلك بدون توسيط قصد الامر، ففي كفايته في الصحة إشكال، وقد حكي عن العلامة(١) -قدس‌سره - المنع عن كفايته، وتبعه غير واحد، وقد يوجه ذلك.

بأن الامن من العقاب، والنيل إلى الثواب، لا يترتب على ذات العمل، إذ ذات الصلاة بما هي هي لا يترتب على فعلها ثواب، ولا على تركها عقاب بل الذي يترتب الثواب والعقاب عليه إنما هو العبادة، والصلاة الواقعة على وجه العبادة.

____________________

(١) التذكرة: ج ١ ص ١١١ البحث الثاني في النية. (*)


وبعبارة اخرى: الثواب إنما يترتب على فعل العبادة، والعقاب يترتب على ترك العبادة فلا يمكن أن يكون النيل إلى الثواب، والامن من العقاب موجبا لعبادية الشئ، بل لابد من قصد الامر الذي به يكون الشئ عبادة.

ومن هنا اشكل على من عد قصد النيل إلى الثواب والامن من العقاب في عرض قصد الامر، وجعل كل منهما موجبا للعبادة بما حاصله: أن قصد الثواب والعقاب في طول قصد الامر، لما عرفت من أنهما مترتبان على العبادة المتوقفة على قصد الامر، ومعه لا يمكن أن يكونا في عرض قصد الامر، فلابد في العبادة من توسيط قصد الامر، إلا إذا كان الشئ بنفسه عبادة، كالسجود لله، وقد تقدم شطر من الكلام في ذلك في أوائل مباحث النية، هذا وقد اختار شيخنا الاستاذ مدظله كفاية قصد ذلك في صحة العبادة.

وذلك لان الكلام في المقام بعد الفراغ عن إشكال كيفية اعتبار الداعي في العبادة، وأنه كيف يمكن الامر بالعبادة، مع أن العبادة متوقفة على الاتيان بالدواعي القربية، والدواعي لا يمكن أخذها في متعلق الامر، لانها لا تتعلق بها إرادة الفاعل، وما لا يتعلق به إرادة الفاعل لا يمكن أن يتعلق به إرادة الآمر، وقد عرفت أن الاشكال مطرد في جميع الدواعي القربية، من دون خصوصية لقصد الامر، مضافا إلى ما يرد من أخذ خصوص قصد الامر في المتعلق من المحاذير الاخر، على ما أوضحناه في باب التعبدي والتوصلي، وبالجملة: الكلام في المقام في تعداد الدواعي القربية، مع قطع النظر عن الاشكال الوارد في وجه إعتبارها في العبادة المأمور بها، فدعوى أن الامن من العقاب والنيل إلى الثواب لا يترتبان على ذات العمل، بل على ما هو عبادة.

فلا يعقل أن يكون الشئ عبادة بهما، هي بعينها ترجع إلى الاشكال في كيفية اخذ الدواعي في متعلق العبادة، وليس إشكالا آخر كما لا يخفى وجهه، على المتأمل. وقد عرفت أن كلامنا في المقام


متمحض لما يصح أن يكون داعيا بعد دفع ذلك الاشكال بوجه على ما بيناه في محله، فحينئذ نقول: أولا: أنه بعد العلم بتعلق الامر بالشئ يكون قصد الامن من العقاب، والنيل إلى الثواب، مع كونهما من الغايات المترتبة على الامتثال قصدا للامر إجمالا، ولا ينفك قصدهما عن قصده لامحالة.

وثانيا: على فرض أنه يمكن التفكيك بينهما وأن قصدهما لا يكون قصدا إلى الامر اجمالا، نقول: إن قصد الامر لم يرد في آية ولا رواية حتى يقال بانحصار صحة العبادة فيه، بل الذي دلت عليه الروايات هو الاتيان بالفعل لله تعالى، وابتغاء لوجهه الاعلى ولمرضاته، فكلما كان الفعل لله كان العمل صحيحا. وقصد التخلص من عقابه تعالى، او النيل إلى ثوابه يوجب صدق هذا المعنى العام، وهو كون الفعل لله وبذلك يستقيم ما صنعه بعض من عد ذلك في عرض قصد الامر.

وبالجملة: ليس فيما بايدينا من الادلة ما يدل على انحصار صحة العبادة بقصد الامر أو وجه الامر، بل الذي يدل عليه الادلة هو أن تكون العبادة لله وابتغاء وجهه الاعلى، ومعنى العبادة لله وابتغاء وجهه الاعلى، وإن لم نعرفه تفصيلا إلا أنه يكفي في صحة العبادة هو هذا المعنى العام، فتأمل جيدا.

المسألة الرابعة: لو كان الداعي إلى فعل العبادة هو التوصل بها إلى غرض دنيوي، فلا يخلو الامر إما أن يكون ذلك الغرض الدنيوي مما أوعد به الله تعالى، وإما أن لا يكون والثاني إما يكون بوعد من غيره تعالى، وإما أن لا يكون بوعد، بل كان ذلك من الخواص المترتبة على الشئ، كما لو جرب أن صلاة الليل موجبة للتوسعة في الرزق، فقصد من صلاة الليل مجرد التوسعة، من دون أن يكون ذلك بوعد منه تعالى، ثم ما كان موعودا منه تعالى فتارة يكون الداعي هو نفس ذلك الغرض الدنيوي الموعود منه بلا توسيط قصد الامر، واخرى يكون ذلك من


باب داعي الداعي، بأن كان غرضه من قصد الامر هو الوصول إلى ذلك الغرض، فهذه جملة الاقسام المتصورة في المقام. فإن لم يكن الغرض موعودا منه تعالى، فلا ينبغي الاشكال في بطلان العبادة، إذا كان غرضه منها هو الوصول إلى ذلك الغرض الدنيوي، سواء كان ذلك موعودا من غيره تعالى أو كان من الخواص المجربة، إذ لم يقصد بالعبادة لا الامر ولا جهته ولا ذلك المعنى العام الذي اخترناه في صحة العبادة،، وكذا لو كان الغرض الدنيوي موعودا منه تعالى، ولكن كان الداعي إلى فعل العبادة هو الوصول إلى ذلك الغرض، من دون نظر إلى الامر ولا يكون قصده قصدا إليه إجمالا(١) فإن هذا لم يأت بالعبادة لله بل أتى بها لسعة الرزق فقط.

وأما لو كان داعيه ذلك بتوسيط قصد الامر، فالاقوى فيه الصحة، وإن حكي عن بعض الخلاف فيه، فإن نفس الوعد منه تعالى إيجادا للداعي إلى التقرب بها، ويكون من غايات الامتثال، وإلا لغى الوعد منه تعالى كما لا يخفى، وشتان مابين أن يكون الوعد منه تعالى وما بين أن يكون من غيره، من بذل باذل، فإنه لو كان الداعي هو الوصول إلى ما يبذله الباذل لكان الغاية القصوى والمقصد الاعلى هو غير الله تعالى، ولو أمكن توسيط قصد الامر أيضا والحاصل: أنه قد تقدم أنه لو كان الداعي هو الاجرة وأمكن أن يكون من باب الداعي [ إلى ] الداعي، وإن كان ذلك ممنوعا جدا، على ما عرفت، كان توسيط قصد الامر مما لا أثر له: بعدما كان المقصود بالاصالة هو أخذ الاجرة، وهذا بخلاف ماإذا كان الادعي هو ما أوعده الله تعالى، فإنه بالاخرة يرجع إلى الله ويكون مقربا كما

____________________

(١) وإن كان يمكن أن يقال: إن قصد التوصل إلى غرض موعود منه تعالى لا ينفك عن قصد الامر ولو إجمالا كما تقدم ذلك في قصد الثواب والعقاب فتأمل " منه ".


لا يخفى، فتأمل جيدا.

البحث الثالث:

قد عرفت أن المعتبر في النية أمران: قصد هوية المأمور به وقصد أمره الواقعي، وبعد تحقق هذين الامرين لايجب القصد إلى شئ من أوصاف المأمور به الخارجة عن حقيقته، وأوصاف الامر الذي يراد امتثاله، فمثل الاداء والقضاء والوجوب والندب مما لا يعتبر القصد إليها، بل لو نوي أحدهما مكان ضده صح، إذا إذا اكن ذلك منافيا لليقين أو مغيرا للنوع، وتفصيل ذلك هو أنه قد تقدم أن الخصوصيات في كلا ناحية الامر والمأمور به مختلفة، إذ منها ما تكون داخلة في هوية الامر أو المأمور به، ومنها ما تكون خارجة عنها، والذي لا محيص عن قصده هو الخصوصيات الداخلة في هوية المأمور به أو الامر، سواء تعدد مافي الذمة أو اتحد، وأما الخصوصيات الخارجة عن الهوية فلا يعتبر القصد إليها كالوجوب والندب والاداء والقضاء، سواء أخذ وصفا في ناحية الامر أو في ناحية المأمور به، فلا يعتبر قصد الصلاة الواجبة لامرها الوجوبي، بل لو قصد أحد هذه الخصوصيات مكان ضده، كأن قصده في مكان الامر الوجوبي الندبي أو في مكان الصلاة الواجبة الصلاة المندوبة صح أيضا، سواء كان جهلا حتى يكون من الخطأ في التطبيق، أو علما تشريعا إذا لم يؤخذ الوصف قيدا لكي يرجع إلى عدم قصد الامر أو المأمور به.

نعم ربما يكون قصد الضد مغيرا للنوع المأمور به، أو يكون عدم قصد الخصوصية منافيا للتعيين.

أما الاول: فكالقصر والاتمام، فإن الخصوصية القصرية والتمامية وإن كانت من الخصوصيات المنوعة لحقيقة المأمور به، إلا أنها لا يعتبر القصد إلى تلك


الخصوصية مع وحدة ما في ذمة المكلف، إلا أن قصدا أحدهما مكان الآخر يوجب البطلان، لعدم القصد إلى ماهو المأمور به، بداهة تضاد الصلاة ركعتين مع الاربع، فيكون قصد الضد مغيرا للنوع، والظاهر انحصار المثال في خصوصية لا يعتبر القصد إليها ابتداء، إلا أن قصد صدها يوجب تغيير النوع بمثل خصوصية القصرية والنوعية.

ولعل السر في ذلك هو أن خصوصية القصرية والتمامية ليست إلا عبارة عن قلة الاجزاء وكثرتها، وقد تقدم أن القصد إلى الاجزاء تفصيلا مما لا يعتبر بل يكفي القصد إليها إجمالا وإن لم يعرفها تفصيلا، فيكفي القصد إلى صلاة الظهر مثلا بداعي أمرها الفعلي وإن جهل بكونها قصرا أو تماما، ولكن أتى بما هو المأمور به من القصر والتمام بأن سلم على الركعتين لو كان القصر هو المأمور به.

وعلى الاربع لو كان التمام هو المأمور به، ولكن لو قصد القصر ما كان التمام أو العكس ولو جهلا لكان موجبا لعدم القصد إلى ما هو المأمور به واقعا، ويكون قد قصد نوعا لم يكن بمأمور به واقعا.

وأما الثاني: وهو ما إذا كان عدم قصد الخصوصية منافيا للتعيين، فكالوجوب والندب والاداء والقضاء.


تكبيرة الاحرام

التي هي أول أفعال الصلاة ومن أجزائها، وبها يحرم كل ما كان يحل قبلها من منافيات الصلاة.

وتنقيح البحث فيها يستدعي رسم امور: الاول: المعروف بين الاصحاب كون تكبيرة الاحرام من أركان الصلاة التي توجب نقصها أو زيادتها بطلان الصلاة، ولو كان ذلك عن سهو ونسيان، أما في صورة النقص فالظاهر أنه لاإشكال فيه وقد حكي الاجماع مستفيضا على بطلان الصلاة يترك تكبيرة الاحرام عمدا أو سهوا، ويدل عليه قبل ذلك الاخبار تكبيرة الافتتاح(١) وفي معناها عدة من الروايات(٢) المصرحة بإعادة الصلاة عند ترك التكبيرة سهوا.

نعم ورد في جملة من الاخبار ما ظاهره الصحة وعدم بطلان الصلاة بذلك، كرواية زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: قلت له: الرجل ينسي أول تكبيرة

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧١٥ باب ٢ من ابواب تكبيرة الاحرام، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧١٥ باب ٢ من ابواب تكبيرة الاحرام.


من الافتتاح، فقالعليه‌السلام : إن ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع، وإن ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراء‌ة وبعد القراء‌ة. قلت: فإن ذكرها بعد الصلاة؟ قال: فليقضها ولا شئ عليه(١) . وفي معناها عدة من الروايات(٢) على اختلاف يسير بينها.

وقد ارم بعض الاعلام تطبيقها على القاعدة، وجعلها من باب الخطأ في التطبيق، بتقريب أن الناسى لتكبيرة الاحرام يتخيل أنه قد سقط عنه الامر بها ويكبر للركوع، بتخيل أن تكبيرة الركوع هي المأمور بها فعلا، مع أن في الواقع ما هو المأمور به تكبيرة الاحرام، فهو يقصد المأمور به الفعلي غايته أنه يتخيل أنه تكبيرة الركوع، ويكون حينئذ من قبيل قصد القضاء مع كون المأمور به هو الاداء وبالعكس.

فكما أن قصد القضائية يلغو وتصح صلاته، فكذلك قصد كون التكبيرة للركوع يلغو وتحسب تكبيرة الاحرام، غايته أنه يكون ناسيا للقراء‌ة وهو ليس، بمحذور، هذا.

ولكن لا يخفى عليك مافيه فإنه قد عرفت في مبحث النية أن مورد الخطأ في التطبيق إنما هو الاوصاف الخارجة عن حقيقة الامور والمأمور به، كالوجوب والاستحباب والاداء والقضاء على ما تقدم تفصيله، ولا إشكال أنه تفترق تكبيرة الاحرام عن تكبيرة الركوع بالحقيقة والهوية وإن اشتركا في الصورة، فإن تكبيرة الاحرام متقومة بالقصد، وليس هي عبارة عن تكبرة بل لابد من القصد إلى كونها إحراما وافتتاحا، لا نقول: إنه يعتبر القصد إلى الاحرامية والافتتاحية، بل نقول: إنه لا بد من القصد إلى أنه بها يدخل في الصلاة، ويكون بها شروعا فيها

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧١٧ باب ٢ من ابواب تكبيرة الاحرام، ح ٨.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧١٧ باب ٢ من ابواب تكبيرة الاحرام، ح ٩ و ١٠. (*)


الذي بذلك تمتار عن سائر التكبيرات الافتتاحية المسحبة. وعن تكبيرة الركوع والسجود.

والحاصل: أن دعوى اتحاد تكبيرة الاحرام مع سائر التكبيرات بالهوية والحقيقة والصورة وأن الاحرامية والافتتاحية من الاوصاف الخارجة عن الحقيقة التي لا يعتبر القصد إليها بل لا يضر قصد خلافها كما هو الشأن في مثل وصفي الاداء والقضاء، بعيدة جدا.

بل ينبغي القطع بخلافها، وعلى تقدير التسليم وقلنا باتحاد الحقيقة فلا بد أيضا من القصد إليها وتعيينها، لما تقدم في مبحث النية، من أنه إذا تعدد مافي ذمة المكلف من متحد الحقيقة، فلابد في مقام الامتثال من التعيين ولو بالاوصاف الخارجة عن الحقيقة، كما في مثل نافلة الصبح وفريضتها فراجع، والمقام يكون حينئذ من ذلك القبيل فتأمل.

فالاول طرح الاخبار المخالفة وحملها على التقية كما عليه المعظم، هذا كله في نقصان التكبيرة سهوا.

وأما زيادتها فلا إشكال في البطلان في صورة العمد. وأما في صورة السهو فقد ادعي الاجماع على البطان أيضا ولم ينقل الخلاف عن أحد، فإن تم الاجماع فهو وإلا فالبطلان بالزيادة السهوية يكون خاليا عن الدليل مع أن الاصل لا يقتضيه، كما بين في محله.

وإطلاقات أدلة الزيادة من مثل قولهعليه‌السلام : " من زاد في صلاته فعليه الاعادة "(١) مقصورة بصورة العمد أو الاركان حسب مايقضيه الجمع بين أدلة الزيادة وحديث " لا تعاد "(٢) ، والكلام بعد في ركنية تكبيرة الاحرام وبالجملة: ليس مطلق الزيادة مطلقة للصلاة، بل المبطل حسب ما يقتضيه

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٢ باب ١٩ من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، ج ٢.

(٢) الوسائل ج ١١ ص ٢٩٥ باب ٥٦ من ابواب جهاد النفس، ح ١.


الجمع بين الادلة - على مايأتي تفصيله في محله إن شاء الله - هي الزيادة العمدية، أو الزيادة في فرض الله، كما ورد في المسافر الذي أتم أن عليه الاعادة لانه زاد في فرض الله(١) .

وكما في حديث " لا تعاد "(٢) في أن الركوع والسجود فرض الله، فيظهر من ذلك أن كل ما كانت الزيادة في فرض الله فالصلاة باطلة وإن كانت الزيادة سهوية، وتكبيرة الاحرام إن كانت من فرض الله فزيادتها السهوية أيضا مبطلة، وتكون من الركن بالمعنى المصطلح، وهو ما يوجب زيادته ونقصانه العمدية والسهوية البطلان، وإن لم تكن من فرض الله فزيادتها السهوية غير مبطلة، والكلام بعد في كونها من فرض الله، اللهم إلا أن يستشعر ذلك مما ورد من مثل تحريمها التكبير(٣) ، وأنه لا صلاة بلا افتتاح(٤) وأمثال ذلك، ولا ينافي عدم ذكر التكبيرة في حديث " لا تعاد " بعد دلالته على البطلان في كل ما كان من فرض الله وإن أبيت عن ذلك كله كان المستند في المسألة هو الاجماع، فالاقوى أن الزيادة السهوية كالنقيصة مبطلة.

ثم إنه إن كانت الزيادة عمدية فلا إشكال في اقتضائها البطلان، والاحتياج إلى تكبيرة ثالثة بها تنعقد الصلاة، ولايمكن انعقادها بتلك التكبيرة لكونها منهيا عنها، فلا تصلح وقوعها تكبيرة الاحرام، إلا إذا قلنا ببطلان الصلاة بمجرد قصد التكبيرة الزائدة، بتوهم أنه يكون من القصد المنافي الهادم للاستدامة الحكمية، فحينئذ لا مانع من انعقاد الصلاة بالتكبيرة الثانية، لبطلان الصلاة قبل ذلك بالقصد، وبطلان الصلاة بمجرد قصد المنافي مع عدم وقوع فعل صلاتي منه في

____________________

(١) لوسائل: ج ٥ ص ٥٣٠ باب ١٧ من ابواب صلاة المسافر.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٨٣ باب ١ من ابواب افعال الصلاة ح ١٤.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ١٠٠٣ باب ١ من ابواب التسليم.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٧١٦ باب ٢ من ابواب تكبيرة الاحرام، ح ٧. (*)


ذلك الحال محل تأمل، إلا إذا قلنا بالجزء الصوري والهيئة الاتصالية، حتى يكون ذلك القصد واقعا في حال الجزء الصلاتي، وقد استقصينا الكلام عن الجزء الصوري وما فيه في الاصول، فتأمل جيدا، وأما الزيادة السهوية، فاقتضاؤها البطلان كما عرفت، وأما عدم انعقاد الصلاة بها فمحل بحث، بل ربما مال إلى الانعقاد بعض الاعلام، بدعوى أنه لا مانع من انعقاد الصلاة بها بعد كونها عن سهو فتبطل بها التكبيرة الاولى وتنعقد بها أيضا الصلاة، ولكن يدفعه أنه لا تبطل الاولى إلا بعد تمام التكبيرة الثانية إذ الركن عبارة عن مجموع التكبيرة، فمع عدم إتمامها لم يزد ركنا فلا موجب لبطلان الاولى، وإذا كان بطلان الاولى لا يتحقق إلا بعد إتمام الثانية فكيف ينعقد بها الصلاة أيضا، فتأمل جيدا، وقد تنظر الشيخ -قدس‌سره - في ذلك في صلاته.

الامر الثاني: يعتبر في التكبيرة أن تكون بصورتها المعهودة وهي " الله اكبر " ولا تنعقد بما يرادفها من اللغة العربية، فضلا عن سائر اللغات. وقد أطالوا الكلام في البحث عن صورة التكبيرة، إلا أن الكل واضح فراجع. نعم ينبغى البحث عما نسب إلى المشهور، من أنه يعتبر عدم وصل التكبيرة بما قبلها من الادعية وغيرها، بحيث تمقط همزة " الله " في الكلام.

وكذلك يعتبر الوقف على راء " أكبر " بلا وصلها بالبسلمة أو الاستعاذة، وربما استدل على ذلك بما ورد من الامر بالتكبير مترسلا الذي هو بمعنى التأني المناسب للقطع، وفيه نظر، وليس في المسألة دليل يعتمد عليه، فلا بد من الرجوع إلى الاصل الجاري في المسألة والذي يقوي في بادي النظر هو كون الاصل في المقام البراء‌ة، لان المقام من صغريات دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطي، أو من دون الامريين التخيير والتعيين.

ولكن مال شيخنا الاستاذ - مد ظله - في المقام إلى أن الاصل فيه هو الاشتغال، وإن قلنا بالبراء‌ة في الاصل والاكثر، وسبقه إلى ذلك الشيخ


-قدس‌سره - في صلاته بتقريب: أن المأمور به هو الافتتاح والتحريم. والتكبيرة تكون من قبيل المحصل لذلك، وبدون القطع من الاول والآخر يشك في حصول هذا العنوان، فيكون من مجاري الاشتغال فتأمل جيدا.

الامر الثالث: يستحب افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات، وهذا في الجملة مما لا إشكال ولا خلاف فيه، إنما الكلام في تعيين تكبيرة الاحرام منها والمحتملات، بل الاقوال خمسة: أحدها: تعيين جعلها الاولى. ثانيها: تعيين جعلها الاخيرة. ثالثها: التخيير بين جعلها أي منها من الاولى والاخيرة وما بينهما. رابعها: جعلها جملة تكبيرة الاحرام. خامسها: عدم لزوم تعيينها، بل هي تتعين في الواقع من جملة السبعة بحسب علم الله، ولا يجب على المصلي تعيينها. أما الاخير فضعيف غايته لما تقدم من لزوم القصد إلى تكبيرة الاحرام. وليست هي من الامور الواقعية بحيث تقع قهرا علهى.

وأما الاقوال الاخر فمنشأها اختلاف الانظار فيما يستفاد من الاخبار، ولا بأس بالاشارة إلى جملة منها: فمنها: مارواه البختري عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان في الصلاة وإلى جانبه الحسين بن علي عليهما السلام فكبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يحر الحسينعليه‌السلام بالتكبير ثم كبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يحر الحسينعليه‌السلام التكبير فلم يزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يكبر ويعالج الحسن فلم يحر حتى أكمل سبع تكبيرات فأحار الحسينعليه‌السلام التكبير في السابعة فقال أبوعبداللهعليه‌السلام : فصارت سنة(١) .

وفي معناها رواية اخرى(٢) . وقد استدل بها من قال بلزوم كون الاولى تكبيرة

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٢١ باب ٧ من ابواب تكبيرة الاحرام، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٢٢ باب ٧ من ابواب تكبيرة الاحرام، ح ٤. (*)


الاحرام، ولكن لا يخفى عليك ضعف الاستدلال بذلك، إذا لا دلالة فيها على لزوم تعيين الاولى لتكبيرة الاحرام، إذ غاية ما يمكن تسليمه هو كون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل الاولى تكبيرة الاحرام وكان ذلك أيضا قبل تشريع التكبيرات الافتتاحية، نعم لو كان دأبهصلى‌الله‌عليه‌وآله على جعله الاولى تكبيرة الاحرام بعد تشريع التكبيرات، واستدام على ذلك. لكان فيه دلالة على ذلك.

مع أنه أيضا يمكن منعه، خصوصا بعد ملاحظة الاخبار الاخر، هذا مضافا إلى ماقيل: من معارضة هذه الرواية بماورد(١) من كون علة التشريع هو أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ليلة المعراج كبر عند كل حجاب تكبيرة واحدة وكانت الحجب سبعة، فلذلك صارت الكتبيرات الافتتاحية سبعة، هذا ولكن الانصاف أنه لا معارضة بينهما.

لامكان أن يكون ماصدر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ليلة المعراج علة للتشريع في الواقع وعالم الباطن، وما صدر عنهعليه‌السلام في قضية الحسينعليه‌السلام علة التشريع في عالم الظاهر.

ومنها: خبر أبي بصير عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إذا افتتحت الصلاة فكبر. إن شئت بواحدة وإن شئت ثلاثا وإن شئت خمسا وإن شئت سبعا، وكل ذلك مجز عنك غير أنك إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة(٢) .

وقد استدل بهذه الرواية من قال بحصول تكبيرة الاحرام بالمجموع، وفيه أنه لو لم يكن قوله في الذيل غير أنك إذا كنت إماما... إلخ، لكان استظهار ذلك، في محله. إلا أنه ذيله يدل على كون تكبيرة الاحرام واحدة، ويكون فائدة الاجهار بها علم المأمومين بدخول الامام في الصلاة، لان لايحرموا قبل الامام، فهذه الرواية على القول بالتخيير أدل

____________________

(١) الوسائل ج ٤ ص ٧٢٢ باب ٧ من ابواب تكبيرة الاحرام ح ٥ و ٧.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٢١ باب ٧ من ابواب تكبيرة الاحرام ج ٣. (*)


كما لا يخفى، هذا مضافا إلى أنه لم ينقل القول بذلك إلا عن والد المجلسي(١) -رحمه‌الله - وقد أدعي الاجماع على خلافه، وإن حكي عن بعض المتأخرين الميل إليه.

ومنها: صحيحة الحلبي فإذا كنت إماما يجزيك أن تكبر واحدة تجهر فيها وتستر ستا(٢) وفي معناه عدة من الروايات(٣) . والانصاف أن هذه الروايات قوية الدلالة على القول بالتخيير، وفي غاية القوة من الظهور.

ومنها: رواية أبي بصير وفيها بعد ذكر الدعاء بعد التكبيرات الثلاث بقوله اللهم أنت الملك الحق المبين... إلخ، والدعاء عقيب الاثنين بقوله لبيك وسعديك... إلخ. وعقيب السادسة بقوله يا محسن قد أتاك المسئ قالعليه‌السلام : ثم تكبر للاحرام.

ومنها: الرضوي: واعلم أن السابعة هي تكبيرة الاحرام، وقد استدل بذلك على لزوم تعيين كون الاخيرة تكبيرة الاحرام، وظهورها في ذلك مما لاينكر، إلا أن أخبار التخيير أقوى ظهورا منها، وحينئذ لابد من رفع اليد عن ظهورها في الوجوب وحملها على الافضلية والرجحان الذي هي بالنسبة إلى ذلك نص، بخلاف دلالتها على الوجوب فإنها بالاطلاق ويصير حاصل الفتوى هو التخيير مع أفضلية جعلها الاخيرة.

فعليك بالتأمل في سائر ماورد من الاخبار في المقام، هذا تمام الكلام فيها يهم من مباحث تكبيرة الاحرام. وسائر مباحثها مما لا يهمنا التعرض لها.

____________________

(١) بحار الانوار: ج ٨٤ ص ٣٥٧.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٣٠ باب ١٢ من ابواب تكبيرة الاحرام، ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٣٠ باب ١٢ من ابواب تكبيرة الاحرام. (*)


القيام (وفيه مباحث: الاول)

لا إشكال في وجوبه في الصلاة بل هو من القطعيات التي دل عليها الكتاب والسنة مستفيضا، إنما الكلام في أنه واجب مستقل في الصلاة في حال القراء‌ة وغيرها، أو أنه شرط لصحة القراء‌ة. ولا يخفى الثمرة بين الوجهين، كما ربما يأتي بيانه، هذا في غير القيام في حال التكبيرة، والقيام المتصل بالركوع. وأما فيهما فقد قيل بركنيتهما، وقد عرفت أن الركن ما أوجب نقصه وزيادته عمدا وسهوا بطلان الصلاة على كلام في طرف الزيادة.

فينبغي البحث في كل من طرف النقيصة والزيادة، وإن كان البحث في طرف النقيصة مما لاثمرة فيه، إذا القيام المتصل بالركوع، إما أن نقول بركنيته، وإما أن نقول بكونه شرطا شرعيا لصحة الركوع.

وإما أن نقول بكونه داخلا في حقيقة الركوع ومقوم له، على ما سيأتي بيانه.

وعلى جميع التقادير، بفواته بفوت الركن من الركوع، أو القيام المتصل به، لو قلنا إنه أيضا ركن، فيلزم في صورة النقص فوات ركن على كل حال. نعم في طرف الزيادة ربما يترتب عليه أثر عملي، وعلى كل حال قد منع بعض الاعلام ركنية القيام المتصل بالركوع، وجعل الهوي من القيام إلى الركوع


مقدمة عقلية محضة، كما أفاده الطباطبائي في منظومته بقوله " إذ الهوي فيهما مقدمة "(١) ولا بد قيل بيان الحال من تمهيد مقدمة وهي: أنه تارة يكون متعلق الطلب والتكليف وما يقوم به الغرض هو الاثر الحاصل من فعل المكلف بمعناه الاسم المصدري، من دون أن يكون لجهة الاصدار بمعناه المصدري دخل في الغرض، بل كان الاصدار مقدمة عقلية لحصول ذلك الاثر الذي يستحيل حصوله بدون ذلك، كما هو الشأن في غالب الواجبات التوصلية.

واخرى ينعكس الامر ويكون متعلق الطلب وما يقوم به الغرض هو حيثية الاصدار بمعناه المصدري، من دون أن يكون الاثر الحاصل منه متعلق التكليف وإن كان لا ينفك عنه. ولا يبعد أن يكون باب الواجبات النظامية من هذا القبيل، حيث إن المطلوب فيها عدم الاحتكار بالعمل مع بقاء الاثر الحاصل منه على ملكية العامل، ومن هنا جاز أخذ الاجرة عليها كما بيناه في محله.

وثالثة: يكون كل من الاصدار والاثر الحاصل منه مورد التكليف ومتعلق الغرض، بأن تكون المصلحة قائمة بكل من جهة الاصدار والاثر الحاصل منه، والغالب في باب الاوامر هو كون الاثر متعلق التكليف، إلاأن الامر بالركوع حيث كان المطلوب منه التذلل والخضوع الذي يعبر عنه بالفارسية " سر فرو بردن وكرنش كردن " كان لجهة الاصدار دخل في متعلق الطلب والتكليف، والمراد من جهة الاصدار هو الانحناء عن قيام الذي هو معنى " سر فرو بردن " بالفارسية.

لا نقول: إن الانحناء له دخل في حقيقة الركوع وهويته، فإن ذلك واضح البطلان بداهة صدق الركوع بهويته على الهيئة المخصوصة وإن لم يكن عن انجناء. بل نقول: إن الانحناء أيضا مطلوب في الركوع كمطلوبية الهيئة. فيكون المطلوب

____________________

(١) الدرة النجفية: ص ١٢٣ في الركوع. (*)


في باب الركوع ركنين: الانحناء من قيام. والهيئة الحاصلة منه. ويكون المأمور به شرعا كل من الامرين.

وحاصل الكلام أن الركوع هو عبارة عن الهيئة بحيث تصل أطراف أصابعه أو باطن كفيه إن الركبتين ليس إلا، إلا أن المقصود من الركوع حيث كان الخضوع والتذلل، وبقول أهل الفرس " كرنش نمودن وسر فرو بردن " كان الانحناء من القيام أيضا مطلوبا، ويكون المطلوب في باب الركوع هو الهيئة الحاصلة عن ذلك الانحناء، وحيث كان الانحناء لا يعقل تحققه إلا بالقيام، حيث إن الانحناء من قيام كان مطلوبا كان القيام المتصل بالركوع مما يتوقف عليه تحقق الانحناء بالمأمور به عقلا، إذ لا يمكن الانحناء لا عن قيام وإن أمكن تحقق الهيئة لا عن قيام، إلا أنه قد عرفت أن الهيئة وحدها لم تكن مطلوبة في باب الركوع.

فقول الفقهاء إن القيام المتصل بالركوع ركن، يريدون به هذا المعنى، لا أن القيام هو بنفسه ركن مستقل، ولا أنه مما يتوقف عليه هوية الركوع إذا لم يدل على ركنية القيام بنفسه دليل. وقد عرفت أن صدق هوية الركوع لا تتوقف على الانحناء عن قيام، فكيف يكون القيام مقوما للركوع، بل القيام مقوم للانحناء الذي يكون هو الركن بمعنى أن يكون أيضا مطلوبا في باب الركوع، ويتوقف الركوع الشرعي عليه.

فظهر ضعف القول بأن الهوي إلى الركوع مقدمة عقلية محضة ليس له جهة مطلوبية، كما عرفت من العلامة الطباطبائي. وعلى كل حال قد ظهر لك أن فوات القيام المتصل بالركوع موجب لفوات الانحناء المطلوب في الركوع. وبفوات الانحناء يفوت الركوع المطلوب شرعا، والذي يدل على مطلوبية الانحناء عن قيام. مضافا إلى ما عرفت من أن المطلوب في باب الركوع التذلل الذي يحصل به الاجماع المدعى في المقام، من


بطلان صلاة من ركع لا عن قيام كمن هوى إلى السجود ناسيا للركوع، ثم تذكر قبل وضع الجبهة على الارض، فقام إلى الركوع من دون أن ينتصب، بل لابد له من القيام متقوسا إلى أن ينتصب فيركع عن قيام، وليس ذلك إلا لكنون الانحناء مطلوبا في باب الركوع.

من دون أن يتخلل في أثناء انحنائه أمر آخر غير الركوع، كمن هوى إلى الركوع ثم بداله في الاثناء قبل وصوله إلى حد الراكع عدم الركوع، ثم عدل عن ذلك وبداله الركوع، فإن مثل هذا الانحناء المتقطع مما لاعبرة به، بل لابد من أن يكون الانحناء مبدأ ومنتهى للركوع إذا عرفت ماذكرنا، فيمكن حينئذ أن يقال بالفرق بين طرف النقيصة والزيادة في باب الركوع.

وتوضيح ذلك هو أنه بعد ماعرفت من أن الانحناء عن قيام خارج عن حقيقة الركوع وهويته، لما تقدم من أن الركون هو الهيئة الحاصلة من وضع اليد على الركبة، فيمكن أن يقال: إن زيادة تلك الهيئة وإن لم تحصل من انحناء مبطلة لانها ركوع حقيقة، فيكون مشمولا لما دل من أن زيادة الركوع مبطلة، وذلك يصدق بزيادة تلك الهيئة. كمن هوى إلى السجود بعد الركوع ثم عاد إلى هيئة الراكع من دون أن ينتصب قبل وضع الجبهة على الارض، ولا يحتاج في طرف الزيادة أن يقوم منتصبا ثم ينحني ويركع. هذا بالنسبة إلى زيادة الركوع.

وأما من طرف نقصان الركوع. فلا يمكن أن يتحقق إلا بفوات القيام المتصل به، إد لا يعقل تحقق القيام المتصل بالركوع مع نقص الركوع كما لا يخفى، وعلى كل حال كان ينبغى تنقيح هذا البحث عند البحث عن الركوع، فالاولى ذكر مايهم في المقام من ركنية القيام المتصل بالركوع، وقد عرفت أن الكلام فيه تارة يقع في طرف الزيادة واخرى في طرف النقيصة.


أما في طرف النقيصة فاستكشاف ركنيته إنما هو من حيث قيام الاجماع على ذلك، وأنه من ركع لا عن قيام تبطل صلاته، مضافا إلى ما ذكرناه من الوجه.

وأما الركنية من طرف الزيادة فهو بحسب الثبوت بمكان من الامكان، ولا يلتفت إلى ما يقال من أن زيادته لا يعقل إلا بزيادة الركوع، فالبطلان حينئذ إنما يستند إلى زيادة الركوع لا إلى زيادة القيام المتصل به، وذلك لان مجرد عدم إمكان زيادة إلا بزيادة الركوع لا يوجب عدم ركنيته، لامكان أن يكون البطلان مستندا إلى ترك الركوع والقيام معا، بل اسناد البطلان إلى ترك القيام أولى لسبقه بالرتبة إذ الركوع إنما يتحقق عنه، والشئ إنما يستند إلى أسبق علله. ولا يلتفت إلى أن القيام المتصل بالركوع بوصف كونه متصلا بالركوع لا يتحقق إلا بعد انضمام الركوع إليه فلا يكون سابقا في الرتبة عنه، وذلك لان مرجع ركنية القيام المتصل بالركوع إلى ركنية القيام المتعقب بالركوع. وإضافة التعقب متحققة بالفعل إذا كان الركوع في علم الله يتحقق بعد ذلك، كما يقال الآن قبل مجئ عمرو: إن مجئ زيد متعقب بمجئ عمرو إذا كان عمرو يجئ بعد ذلك.

والحاصل: أنه قد ذكرنا عند البحث عن الشرط المتأخر أن الشرط المتأخر غير معقول، وليس عدم معقوليته من باب استحالة تأثير المعدوم في الموجود، وكون المعلول يوجد قبل وجود علته كما توهم.

ذلك فإن استحالة تأثير المعدوم في الموجود إنما هو في الامور الخارجية التكوينية، وأما في باب الشرعيات فليست الموضوعات علة لاحكام، حتى يقال باستحالة تقدم المعلول - الذي هو عبارة عن الحكم - عن علته - الذي هو عبارة عن الموضوع - إلا إذا قلنا بأن المجعول في باب الاحكام هو السبية، فحينئذ يستقيم تعليل امتناع الشرط التأخر بأنه يلزم تقدم المعلول على علته. ولكن نحن حيث أنكرنا هذا المبنى الفاسد، وقلنا إن المجعول في باب


الاحكام هي المسببات عند وجود أسبابها. كما أوضحناه في محله. فلا يستقيم تعليل امتناع الشرط المتأخر بذلك. بل امتناع الشرط المتأخر في الشرعيات إنما هو للزوم الخلف، فإن بعد فرض كون الشئ شرطا أي مما له دخل في الموضوع ومابه قوامه لا يعقل تقدم الحكم عليه، إذ معنى الموضوع هو أن الحكم يوجد عند وجوده، فوجود الحكم قبل وجود موضوعه يكون تناقضا بينا. وتفصيل ذلك إن شاء الله في محله.

وعلى كل حال، بعد البناء على امتناع الشرط المتأخر لابد حينئذ فيما ورد في الشرعيات مما يوهم ذلك من التصرف والتأويل، إما بالالتزام بوصف التعقب، وهذا فيما إذا ساعد الدليل والاعتبار على دخل وصف التعقب في الحكم. وذلك كما في التدريجيات التي لها اعتبار وحدة كالصلاة.

فإن اعتبار الوحدة ليس معناها إلا كون كل جزء مما يتعقبه الجزء الآخرة، وإما بالالتزام بالكشف الحكمي كما في الاجازة في باب الفضولي حيث إن الاعتبار والعقل لا يساعد على أن العقد المتعقب بالاجازة يكون سببا لحلية أكل مال الغير مع عدم رضاه بالفعل، وبالجملة العقل يأبى عن انتقال الملك عن مالكه فعلا من دون رضاه، لانه يكون مما يرضى فيما بعد، ففي مثل ذلك لابد من الالتزام بالكشف الحكمي، وتفصيله في محله.

وعلى كل حال باب القيام المتصل بالركوع يكون من باب التدريجيات التي يساعد الاعتبار على مدخلية وصف التعقب، فيكون الركن هو القيام المتعقب بالركوع، والقيام بهذا المعنى يكون سابقا في الرتبة على الركوع. فاستناد البطلان إليه حينئذ يكون أولى من استناد البطلان إلى الركوع المتأخر في الرتبة. فمجرد عدم إمكان زيادة القيام المتصل بالركوع أو نقصانه إلا بزيادة الركوع ونقصانه لا يمنع عن ركنيته. نعم مجرد الامكان أيضا لا ينفع بل لابد من قيامالدليل على


ركنيته في كل من طرف الزيادة والنقيصة، وقد عرفت الدليل في طرف النقيصة من الاجماع.

وأما في طرف الزيادة فلم يقم على ركنيته دليل فزيادة القيام المتصل بالركوع لا يكون من زيادة الركن القيامي، بل يكون من زيادة الركوع والبطلان يكون حينئذ آ مستندا إليه بل يمكن أن يقال: إنه لا دليل لنا على ركنية القيام المتصل بالركوع مطلقا لا من حيث الزيادة، ولا من حيث النقيصة، إذ غاية ما يمكن إستفادته من الوجه المتقدم، ومن الاجماع على بطلان من ركع عن جلوس هو اعتبار القيام في الجملة، وأما كونه ركنا فلا، بل يمكن أن يكون شرطا شرعيا لصحة الركوع وإن لم يكن داخلا في هويته وحقيقته.

وبذلك يندفع ما ربما يتوهم من أن ركنية القيام يلازم استناد البطلان إليه في صورة نقصه وزيادته إن قلنا بركنيته مطلقا، أو في خصوص نقصه إن قلنا بركنيته في خصوص النقيصة لسبقه بالرتبة على الركوع كما تقدم مع أن ظاهر الادلة خلافه لاسناد البطلان فيها إلى الركوع كقولهعليه‌السلام " لا تعاد الصلاة إلا من خمس "(١) وليس فيما بأيدينا من الادلة من أسند البطلان إلى القيام فتأمل في المقام جيدا.

المبحث الثاني

يعتبر في القيام أمور بعضها يكون مقوما لحقيقة القيام وداخلا في هويته بحيث ينتفي بانتفائه وبعضها يكون خارجا عن حقيقته ولكنه معتبر في القيام شرعا.

أما الاول: فكالاستقامة المقابلة للانحناء، والاستقامة المقابلة للاعوجاج،

____________________

(١) الوسائل ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.


والميل إلى طرف اليمين واليسار، والاستقرار المقابل للجري والمشي لا للسكون، وعدم الحركة المقابل للاضطراب، فإنه خارج عن حقيقة القيام وإن كان معتبرا فيه كما سيأتي، وعدم التفريج الفاحش بين الرجلين بحيث يخرج عن كونه قائما عرفا، فهذه الاربعة مما يعتبر في حقيقة القيام وهويته.

وأما الثاني: فكالوقوف على الرجلين، والاستقرار المقابل للاضطراب، والاستقلال المقابل للاستناد والاعتماد، بل قيل: إن هذا داخل في هوبة القيام.

وعلى كل حال ما كان من مقومات القيام ومحققا له فنفس أدلة اعتبار القيام تكفي في اعتباره، ولا حجة إلى التماس دليل آخر. وأما مالم يكن داخلا في حقيقة القيام فلابد من إقامة الدليل على اعتباره وإلا فالاصل يقتضي البراء‌ة عنه. أما اعتبار الاستقلال وعدم الاعتماد على شئ فيدل عليه عدة من الروايات: منها: صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللهعليه‌السلام قالعليه‌السلام : لا تمسك بخمرك وأنت تصلي، ولا تستند إلى جدار إلا أن تكون مريضا(١) .

ومنها: رواية عبدالله بن بكير المحكية عن قرب الاسناد قال: سألت أبا عبدالله عن الصلاة قاعدا أو متوكئا على عصى أوحائط قالعليه‌السلام : لا، ما شأن أبيك وشأن هذا ما بلغ أبوك هذا بعد(٢) .

والمراد من قوله " ما شأن أبيك " اي ليس التوكؤ من شأن أبيك مع أنه أكبر سنا منك، فكيف تريد أن تتوكأ. نعم في صحيحة علي بن جعفر ما ينافي ذلك، إذا فيها: عن الرجل هل يصلح

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٠٢ باب ١١٠ من أبواب القيام، ح ٢.

(٢) قرب الاسناد: ص ٧٩ س ١٩. (*)


أن يستند إلى حائط المسجد وهويصلي أو يضع يده على الحائط من غير مرض ولا علة فقالعليه‌السلام : لا بأس، وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الاوليتين هل يصلح له أن يتناول حائط المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علة قال: لابأس(١) . وفي موثقة ابن بكير: لا بأس بالتوكي على عصا والتوكي على الحائط(٢) .

ولكن لايخفى عدم معارضة ذلك لما تقدم، لامكان حمل موثقة ابن بكير على المريض وأما صحيحة علي بن جعفر فهي غير معمول بها عند الاصحاب، بل قيل: إنها محمولة على التقية لموافقتها لمذهب الجمهور، بل ربما قيل: إن عدم الاستناد مأخوذ في هوية القيام وحقيقته وإن كان ذلك لا يخلو عن إشكال. نعم لا يبعد دعوى انصراف القيام إلى الغير المعتمد، وليس هذا الانصراف لمجرد غلبة الوجود بل لمكان التشكيك في الصدق، فتأمل(٣) .

وأما اعتبار القيام على الرجلين. فقد ادعي الاجماع على ذلك، مضافا إلى أن دعوى الانصراف في المقام قريبة جدا فالاقوى اعتباره، ويؤيده ما ورد في تفسير قوله تعالى: " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى "(٤) أنها نزلت في شأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث كان يصلي على قدم واحد(٥) . وفي رواية على رؤوس الاصابع(٦) . وفي دلالة ذلك مالا يخفى فلا يصلح جعله دليلا، وكذا لاينبغي

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٠٢ باب ١٠ من أبواب القيام، ح ١.

(٢) الوسائل ج ٤ ص ٧٠٢ باب ١٠ من أبواب القيام، ح ٤.

(٣) نعم ظاهر ذيل رواية علي بن جعفر جواز الاستناد في حال النهوض وهو أخص من المطلقة الدالة على عدم جواز الاعتماد وقد أفتى بذلك بعض وقال بجواز الاعتماد في المقدمات من الهوي والنهو ض، ولكن توقف شيخنا الاستاذ في ذلك من حيث عدم معلومية العمل برواية علي بن جعفر صدرا وذيلا فتأمل جيدا " منه ".

(٤) سورة طه: الآية ١.

(٥) الوسائل: ج ٤ ص ٦٩٥ باب ٣ من أبواب القيام ح ٤.

(٦) الوسائل ج ٤ ص ٦٩٥ باب ٣ من أبواب القيام، ح ٢.


الاشكال في اعتبار الوقوف على أصل القدمين ولا يكفي الوقوف على الاصابع لما عرفت من الانصراف الذي هو في المقام أقرب مما تقدم. ثم إن ما قلناه من اعتبار الوقوف على القدمين معناه أن يكون الاعتماد عليهما. فلا يكفي الاعتماد على أحدهما مع مماسة الآخر الارض، إذ لا يصدق الوقوف على القدمين في مثل هذا. نعم لا يعتبر تساوي القدمين في الاعتماد.

وأما اعتبار الاستقرار فقد عرفت أن الاستقرار المقابل للمشي داخل في حقيقة القيام، مضافا إلى ما ورد من عدم المشي في الاقامة معللا بأن الآخذ في الاقامة كالداخل في الصلاة(١) . ومضافا إلى ماورد: من أنه إن تقدمت القدم فلا تكبر في حال المشي. وأما المقابل للاضطراب، فإن كان على وجه بحيث يميل يمنة ويسرة فهو مما يكون مخالفا لحقيقة القيام أيضا وأما إذا كان على وجه ينافي الطمأنينة، فاعتبار هذا مما لا يختص بالقيام، بل هو معتبر في جميع أفعال الصلاة كما يدل عليه المنع عن الصلاة في المحمل والسفينة الخفيفة الحمل(٢) . وقد تقدم شطرا من الكلام في ذلك في بعض المباحث المتقدمة.

ثم إنه حكي الخلاف في تقديم الصلاة قاعدا على الصلاة ما شيا عند عدم تمكنه من الوقوف، ودار الامر بين القعود والمشي، مع أنه نقل الاتفاق على أن من تعذر عليه الاستقامة وغيرها. مما هو داخل في حقيقة القيام، لا ينتقل إلى الجلوس، بل ينتقل إلى ما يمكنه من مراتب القيام. فيبقى في المقام سؤال الفرق بين المشي وسائر ما يتقوم به القيام، فإنه كما لا ينتقل إلى الجلوس من تعذر عليه الاستقامة، كذلك لا ينتقل إلى الجلوس من

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٣٦ باب ١٣ من ابواب الاذان والاقامة. ح ١٢ نقلا بالمعنى.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٠٥ باب ١٤ من أبواب القيام ح ١٤. (*)


تعذر عليه الوقوف، هذا.

ولكن يمكن أن يقال إنه فرق بين القيام المقابل للمشي والقيام المقابل للاستقامة وغيرها، إذا المشي في حال الصلاة ينافي الصورة والهيئة المعتبرة في حال الصلاة، وهذا بخلاف الاعوجاج وعدم الانتصاب، فإنه لا ينافي الصورة والهيئة، وحيث كان حفظ الصورة والهيئة أهم قدم القعود على الصلاة ماشيا، وأما فيما عدا المشي فلا موجب للانتقال إلى الجلوس، بل مقتضى قاعدة الميسور هو عدم الانتقال إليه إلا بعد العجز عن جميع مراتب القيام، مضافا إلى دعوى الاجماع على ذلك.

هذا كله إذا دار الامربين القعود وبين انتفاء ما هو مقوم لحقيقة القيام وأما لو دار الامر بين انتفاء ما يكون مقوما للقيام وما يكون شرطا شرعيا له، فلا إشكال في تقدم ما كان مقوما له، كما أنه لا إشكال في أنه لو دار الامر بين نفس الامور المقومة للقيام قدم ما هو أقرب إلى حقيقة القيام، ولا يبعد أن يكون الانتصاب أقرب من غيره فلو دار الامربين الانحناء المفوت للانتصاب والتفريج بين الرجلين على وجه يخرج عن هيئة القائم مع كونه منتصبا قدم التفريج على الانحناء، فتأمل جيدا.

المبحث الثالث

لو لم يتمكن من القيام بمراتبه في تمام الركعة ودار الامر بين القيام في أول الركعة والجلوس في آخرها، فيكون ركوعه حينئذ عن جلوس، وبين الجلوس في أول الركعة والقيام في آخرها ليكون ركوعه عن قيام، فربما قيل: بالتخيير، وربما قيل: بتعيين القيام في أول الركعة، وربما قيل: بتعينه في آخرها. وتوضيح الحال يستدعي رسم مقدمة وهي: أنه قد ذكرنا في باب التزاحم، أنه لو تزاحم الواجبان فإن كان أحدهما أهم


قدم على غيره، وإن لم يكن أهم وتساويا في الملاك فإن لم يكن بينهما ترتب علية ومعلولية أو ترتب زماني مخص كان الحكم هو التخيير، وإن كان بينهما ترتب بأحد الوجهين تعين تقديم ما هو السابق بالرتبة والزمان، وليس له صرف قدرته إلى المتأخر وذلك كما لو توقف واجب على مقدمة محرمة أو توقف امتثال واجب على ترك واجب آخر سابق عليه في الزمان، فإن كانت ذي المقدمة أو الواجب المتأخر أهم من المقدمة والواجب المتقدم زمانه يقدم وسقط خطاب حرمة المقدمة ووجوب ذلك الواجب، وإن تساويا انعكس الامر وسقط وجوب ذي المقدمة والواجب المتأخر، ولا تصل النوبة إلى التخيير إلا إذا كان في عرض واحد من حيث الاهمية والرتبة والزمان، كالضدين المتساويين في الملاك.

والسر في ذلك هو أن كل واجب لا يمكن سقوط وجوبه إلا بالعجز التكويني أو العجز المولوي، حيث إن المانع الشرعي كالمانع العقلي، وأما مع عدم العجز التكويني والمولوي فالوجوب بعد باق على حاله ولا موجب لسقوطه، وحينئذ إن كان أحد المتزاحمين أهم في نظر الشارع فمن أهميته يتولد خطاب مولوي وهو احفظ قدرتك، وهذا الخطاب صالح للتعجيز المولوي عن المزاحم الآخر، من غير فرق بين أن يكون الاهم من حيث الرتبة والزمان مساويا لغير الاهم أو متأخرا عنه رتبة وزمانا، ومن غير فرق أيضا بين أن يكون الزمان المتأخر شرطا للواجب أو شرطا للوجوب، ومن غير فرق أيضا بين أن يكون المتزاحمان واجبين نفسيين أو كانا واجبين غيريين، كل ذلك لما أشرنا إليه من أن خطاب الاهم لاهميته صالح لان يكون تعجيزا مولويا عن الآخر، حيث إنه يجب حفظ القدرة عليه وليس له صرفها على ما عداه.

فلو فرض أنه من أول النهار زاحم واجب للصلاة التي لم يأت بعد زمان وجوبها، بحيث لا يمكنه الجمع بين ذلك الواجب والصلاة، كان اللازم عليه عدم


صرف قدرته لذلك الواجب إن كانت الصلاة أهم، وحفظها للصلاة وإن لم يأت بعد زمان وجوبها لان القدرة العقلية لا دخل لها في الملاك وكان ملاك الصلاة تمام في حد نفسه عند مجئ زمان وجوبها، فصرف القدرة على الواجب الغير الاهم يوجب تفويت ملاك الصلاة الذي فرضنا أهميته، ومن هنا قلنا بعدم جواز إهراق الماء قيل الوقت، وكذلك سائر المقدمات المفوتة، هذا إذا كان هناك أهمية.

وأما إذا لم يكن في البين أهمية فإن كان المتزاحمان في عرض واحد من حيث الزمان والرتبة كالضدين كان الحكم هو التخيير، وليس التخيير فيه لمكان سقوط أصل الخطابين واستكشاف العقل خطاب تخيير لمكان تمامية الملاك كما توهم، بل الساقط هو إطلاق كل من الخطابين لصورتي فعل الآخر وعدمه، كما أوضحناه في محله.

وإن كان أحد المتزاحمين سابقا من حيث الرتبة والزمان، فحيث إن القدرة عليه حاصلة بالفعل، بخلاف القدرة على المتأخر، حيث إنها متوقفة على عدم صرف القدرة على المتقدم، كان السابق في الرتبة والزمان هو المتعين، إذ عدم صرف القدرة عليه يكون بلا موجب، لان المفروض عدم أهمية المتأخر حتى يتولد منه خطاب (احفظ قدرتك)، فسقوط الخطاب عن المتقدم يكون بلا وجه بعد القدرة عليه فعلا.

وهذا بخلاف سقوط خطاب المتأخر، لعدم القدرة عليه فعلا وعدم اقتضائه حفظ القدرة وعدم صرفها في الواجب المتقدم. إذ ليس هو أهم منه، ومالم يقتض ذلك لا يكون مقدورا عليه في زمانه، فيسقط خطابه لا محالة. وهذا بخلاف سقوط خطاب المتقدم. فإنه كما عرفت يكون بلا موجب.

وبالجملة: ليس الغرض في المقام تفصيل ذلك وإنما له محل آخر بل الغرض في المقام مجرد بيان المبنى من أن المتزاحمين إذا كان أحدهما أهم قدم على غيره


مطلقا كان بينهما اختلاف في الرتبة والزمان أو لم يكن، وإن لم يكن بينهما اهمية فإن كانا في عرض واحد من حيث الرتبة والزمان كالضدين كان الحكم هو التخيير وإن لم يكونا في عرض واحد، بل كان أحدهما مقدما من حيث الرتبة والزمان قدم ما هو المقدم، إذا عرفت ذلك فنقول في المقام.

إنه لو دار الامربين القيام في أول الركعة والقيام في آخرها فلا سبيل إلى القول بالتخيير، بل إن قلنا بأن القيام المتصل بالركوع أهم، لمكان ركنيته كما قويناه كان اللازم هو الجلوس في أول الركعة لحفظ القدرة على القيام المتصل بالركوع، وإن لم نقل بأهميته كان اللازم هو القيام في أول الركعة لحصول القدرة عليه فعلا، فيكون جلوسه بلا موجب.

ومما ذكرنا ظهر الحال فيما إذا دار الامربين القيام والايماء للركوع والسجود وبين الصلاة عن جلوس وفعل الركوع والسجود جالسا، وأنه يتعين عليه الصلاة عن جلوس لاهمية الركوع والسجود، كما يدل عليه أن " ثلث الصلاة الطهور وثلثها الركوع وثلثها السجود "(١) . وتوهم أنه يفوت منه حينئذ القيام الركني من المتصل بالركوع وحال التكبيرة فاسد، إذا الواجب على المكلف هو الركوع عن الحالة التي هو عليها فإن كان قائما فالواجب عليه الركوع عن قيام وإن كان جالسا فالواجب عليه الركوع عن جلوسه، وكذا الحال في تكبيرة الاحرام.

المبحث الرابع

لو لم يتمكن من القيام بمراتبه صلى جالسا بلا خلاف. وقد تضافرت به

____________________

(١) الوسائل: ج ١ ص ٢٥٦ باب ١ من أبواب الوضوء ح ٨. (*)


النصوص.

ولو لم يتمكن من الصلاة عن جلوس اضطجع وصلى على الطرف الايمن، فإن لم يتمكن فعلى الايسر، فإن لم يتمكن استلقى، كما هو المشهور بين الاصحاب، وليس له الاستلقاء مع التمكن من الاضطجاع على الايمن والايسر، ويدل على ما ذكرنا من الترتيب ماروي مرسلا " المريض يصلي قائما، فإن لم يستطع صلى جالسا، فإن لم يستطع صلى على جنبه الايمن، فان لم يستطع صلى على جنبه الايسر، فإن لم يستطع استلقى وأومى إيماء، وجعل وجهه نحو القبلة، وجعل سجوده أخفض من ركوعه "(١) وفي معناها رواية اخرى(٢) .

وما ورد من أن المريض يصلي قائما فإن لم يقدر على ذلك صلى جالسا فإن لم يقدر أن يصلي جالسا صلى مستلقيا(٣) . لابد من تقيده بما إذا عجز عن الاضطجاع يمنة ويسرة لمخالفة ذلك لفتوى الطائفة، مع أن الصناعة تقتضي ذلك، لما بينهما من الاطلاق والتقييد.

المبحث الخامس

من كان فرضه الاضطجاع أو الاستلقاء تعين عليه الايماء للركوع والسجود، كما استفاضت به النصوص(٤) ، وهل يجب عليه وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، أو وضعه على الجبهة مضافا على الايماء، أو لا يجب شئ من ذلك؟ الظاهر أنه لايجب إذا إذا أمكنه وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فحينئذ يجب ويكون هذا إيماؤه وأما إذا لم يمكنه ذلك اكتفى بالايماء ولا يجب عليه وضع شئ

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٩٢ باب ١ من أبواب القيام. ح ١٥.

(٢) مستدرك الوسائل: ج ٢ ص ٢٦٧ باب ٤ من أبواب القيام، ح ١ وذكر ذيله في الباب.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٦٩١ باب ١ من أبواب القيام، ح ١٣.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٦٨٩ باب ١ من أبواب القيام. (*)


على جبهته، والاولى ذكر بعض الاخبار الواردة في المقام: فمنها: موثقة سماعة سأله عن المريض لا يستطيع الجلوس قالعليه‌السلام : فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنه يجزي عنه ولن يكلف الله مالا طاقة له به(١) .

ومنها: الصحيح عن الصادقعليه‌السلام سأله عن المريض إذا لم يستطع القيام ولا السجود قالعليه‌السلام : يومي برأسه إيماء وان يضع جبهته على الارض أحب إلي(٢) . وهذا الصحيح خارج عما نحن فيه، إذا الظاهر منه هو وضع الجبهة على الارض لمن كان فرضه الجلوس لا الاضطجاع، غايته أنه لا يتمكن من السجود التام. ومن كان فرضه ذلك يتعين عليه رفع المسجد ووضع الجبهة عليه إجماعا، لان هذا هو المقدور منه من السجود، ولا يجزيه الايماء.

ولاينافي التعيين قولهعليه‌السلام : " أحب إلي " إذا لا يراد منه معنى التفضيل، ولاينافيه أيضا قولهعليه‌السلام " يومي إيماء " لان إيماء من كان فرضه ذلك هو وضع الجبهة على الارض، وفي معنى هذه الرواية عدة روايات(٣) أخر قد استدل بها من قال بوجوب وضع الجبهة على الارض لمن كان فرضه الاضطجاع، مع أنها بمعزل عن ذلك بل هي ظاهرة فيمن كان فرضه الجلوس، فراجع وتأمل.

نعم الموثق الاول ظاهر فيمن كان فرضه الاضطجاع، وظاهره وجوب وضع شئ على الجبهة وحمله على من لم يتمكن من الايماء حمل على فرض نادر. فرفع اليد عن أخبار الايماء مشكل، مع عمل المشهور بها. وأنها أكثر عددا مما يدل على وضع شئ على الجبهة، فالعمل على أخبار الايماء فتأمل جيدا.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٦٩٠ باب ١ من أبواب القيام، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٨٩ باب ١ من أبواب القيام، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٦٨٩ باب ١ من أبواب القيام. (*)


بفي في المقام فروع ينبغي التنبيه عليها:

الاول: هل يحتاج في الايماء قصد البدلية عن الركوع والسجد أو لا يحتاج؟ الظاهرأنه لا ينبغي الاشكال في اعتبار القصد إلى كون هذا الايما هو إيماء الركوع والسجود، إذ بذلك يمتاز عن سائر الايماء‌ات الواقعة في الصلاة، بل لابد من القصد في نفس المبدل إذا امتياز الانحناء الركوعي عن غيره من الانحناء لقتل العقرب إنما هو بالقصد، فإذا كان هذا حال المبدل فكيف بحال البدل.

الثاني: يكون حكم نقص الايماء وزيادته حكم نقص الركوع وزيادته من حيث كونه مبطلا عمدا وسهوا، ودعوى أن ذلك من أحكام الركوع والسجود التام، ضعيفة بعدما كان ركوع المضطجع هو الايماء.

الثالث: يلزم أن يكون إيماء السجود أخفض عن إيماء الزكوع، بحيث يمتاز إيماء كل منها عن الآخر.

كما دل عليه النصوص.

الرابع: لو طرأ عليه العجز في الاثناء انتقل إلى الحالة الاخرى، فلو عجز عن القيام جلس وسكت في حال الهوي وجوبا ولم يقرأ حتى يستقر جالسا حفظا للاستقرار الواجب الذي هو مقدم على الصلاة قائما في حال المشي كما تقدم، فالقول بأنه يقرأ في حال الهوي وجوبا ضعيف غايته.

الخامس: هل الجلوس عن العجز عن القيام يكون بدلا عنه كبدلية التيمم عن الوضوء، أو أنه ليس بدلا بل مجرد السقوط، ويكون الجلوس واجبا آخر، غايته أنه في طول القيام كترتيب بين الخصالات المترتبة؟ ثم بناء على كونه من السقوط فهل السقوط رخصة أو عزيمة؟ ولا يخفى عليك الثمرة بين الوجوه، فإنه بناء على البدلية يكون القيام خاليا عن الملاك في حقه عند العجز عنه، فلو تحمل المشقة وقام كانت صلاته باطلة بخلاف ما إذا قلنا بالسقوط إذ السقوط لا يرفع الملاك. غايته أنه لو قلنا إنه عزيمة كان القيام في موضع الجلوس محرما شرعا


بخلاف ماإذا قلنا بكونه رخصة فتأمل(١) .

وهذا البحث مطرد في سائر المراتب المتأخرة عن الجلوس هذا ولا يخفى عليك ظهور الادلة في البدلية كمايظهر ذلك للمتأمل، إلا أن الالتزام ببطلان صلاة من تحمل المشقة وقام في موضع الجلوس مشكل، يأباه الذوق الفقهى، وربما يتوهم أن أدلة نفي العسر والحرج حيث وردت في مقام الامتنان كان المستفاد منها هو الرخصة، وأن المنفي هو خصوص الالزام مع بقاء الملاك على حاله بل الاذن أيضا ولا يخفى ضعفه، إذا بعد البناء على حكومة أدلة نفي العسر والحرج على الادلة الواقعية وكونها مخصصة لها لايبقى مجال لهذا التوهم. إذ يكون حالها حال المخصص اللفظي فلا يبقى محل لاستكشاف بقاء الملاك. ومجرد ورودها مورد المنة ولا يقتضي ذلك، إذ ذلك بمنزلة حكمة التشريع، وليس المقام مقام تفصيل ذلك ولكن الذي يسهل الخطب ورود رواية السكوني عن قرب الاسناد في المقام من أن سقوط القيام يكون على وجه الرخصة.

____________________

(١) وجه التأمل هو أنه يمكن أن يقال إن نتيجة السقوط على وجه العزيمة مع البدلية متحدة وأنه لا لاك على تقدير كون السقوط عزيمة فتأمل جيدا. (*)


القراء‌ة واحكامها

من جملة أفعال الصلاة القراء‌ة. يجب في الصلاة قراء‌ة الفاتحة بلا إشكال، وكذا السورة على ما يأتي تفصيله.

وفيه مسائل: الاول: يجب تعلم القراء‌ة من الحمد والسورة بناء على وجوبها كما هو الاقوى، بل يجب تعلم سائر الاذكار الواجبة في الصلاة من التسبيحات وذكر الركوع والسجود.

ولا يختص الوجوب بما بعد حضور وقت العمل، بل يجب قبل حضوره لمن خاف عدم التمكن من التعليم بعد الوقت، بل يجب قبل البلوغ لمن خاف عدم التمكن منه بعد البلوغ. كما هو الشأن في تعلم سائر الاحكام الشرعية، بل هو الشأن في السائر المقدمات المفوتة، حيث يجب تحصيلها قبل الوقت لمن لم يتمكن منها بعد الوقت.

وبالجملة: في وجوب التعلم لا يشترط بحضور وقت العمل أو البلوغ، بداهة أن الحاكم بوجوب التعلم في الاحكام وفيما نحن فيه هو العقل، وإن دل عليه بعض الاخبار أيضا كقوله: " هلا تعلمت "(١) إلا أن العقل مستقل وجوب معرفة

____________________

(١) أمالي الطوسي: ج ١ ص ٨ وفيه " أفلا ".


الاحكام وما يتوقف امتثال التكاليف عليه، والعقل لا يرى تفاوتا بين حضور وقت العمل وقبل حضوره، أو بعد البلوغ وقبله بالنسبة إلى المراهق، إذ ليس وجوب المعرفة وجوبا مقدميا حتى يتوقف على وجوب ذيها، بل وجوب نفسي تهيئي.

فالتعلم واجب نفسي غايته أنه لا لذاته بل للغير لا أنه واجب بالغير كما هو شأن وجوب المقدمة. فإذا كان وجوب التعلم وجوبا نفسيا للغير لا يتفاوت الحال فه بين حضور وقت العمل وقبله، إذا احتمل عدم التمكن منه بعده، وكذا الحال بالنسبة إلى ماقبل البلوغ إذا كان مميزا قابلا لتوجيه الخطاب نحوه، ولايدور الحكم العقل بوجوب التعلم قبل الوقت مدار عدم التمكن منه واقعا بعد الوقت.

بل يكفي في مناط حكم العقل مجرد احتمال عدم التمكن منه احتمالا عقلائيا كمالا يخفى. وهذا مما لا ينبغي الشك فيه، إنما الاشكال في أنه هل تجب تعلم القراء‌ة عينا، كما هو ظاهر إطلاق الاصحاب أو أنه مخير بينه وبين الائتمام أو متابعة القارئ كما اختاره الشيخ(١) -قدس‌سره - في صلاته وإن وافق الاصحاب في الرسائل العملية؟ ربما يتوهم أنه لاوجه للوجوب العيني بعد عدم وجوب الصلاة فرادى عينا، بداهة أنه لا يتعين على المكلف الصلاة فرادى بل هو مخير بينها وبين الصلاة جماة، سواء قلنا بالتخير العقلي أو الشرعي مع عدم خلو الواقع عن أحدهما إذ لا يمكن أن يقال بعدم كون الصلاة جماعة من أحد فردي التخيير بل هي مسقطة للواجب لا أنها واجبة، إذ لا إشكال في اشتمال الصلاة جماعة على المصلحة الصلاتي وليست من الامور الاجنبية الخارجة المسقطة للواجب بل هي من أفضل أفراد الصلاة، ومعه لا محيص في عالم الثبوت من أن تكون أحد فردي التخيير

____________________

(١) كتاب الصلاة: ص ١٠٧. (*)


الشرعي أو العقلي. وحينئذ لا يمكن أن يكون وجوب التعلم عينيا مع كونه مقدمة لامتثال الصلاة فرادى التي لم تجب هي عينا، ومنه يظهرما في كلام الجواهر(١) حيث قال: بوجوب التعلم عينا مع اعترافه بأن الصلاة فرادى لم تكن واجبة عينا، هذا.

ولكن يمكن أن يقال: بالوجوب العيني بتقريب: أن الحاكم بوجوب التعلم ليس هو إلا العقل كما عرفت، وعرفت أيضا أن حكم العقل لا يدور مدار التمكن الواقعي وعدمه بل يدور مدار احتمال عدم التمكن، ولا عبرة بالامور الاتفاقية والاحتمالات الخارجة عن العادة، فكما أن احتمال التمكن من التعلم في الوقت كما إذا احتمل بضرب من الاتفاق وجود معلم في الوقت - لايضر بحكم العقل بلزوم التعليم قبل الوقت لاحتمال عدم التمكن منه في الوقت كذلك التمكن من الجماعة إنما يكون بضرب من الاتفاق، فإن محتملات عدم التمكن كثيرة من عدم الامام، أو موته في أثناء القراء‌ة. أو نسيانه لها. أو حدثه وغير ذلك من المحتملات.

فترك تعلم القراء‌ة اعتمادا على الائتمام مع كثرة احتمالات عدم التمكن منه مما يأباه العقل ويستقل بقبح ترك التعلم والحال هذه، وهذا هو المراد من الوجوب العيني أي يتعين عليه تعلم القراء‌ة وليس له تركه اعتمادا على الائتمام وهذا لا ينافي صحة الصلاة عند ترك التعلم واتفاق الصلاة جماعة كما لايخفى، وأما الاثم والعقاب فهو مبني على أن يكون العقاب على نفس ترك التعلم كما هو ظاهر الجواهر، لا على الواقع ولا عليه عند مصادفة الواقع ولتحقيق الكلام في ذلك محل آخر.

والغرض في المقام هو أن صحة الصلاة جماعة لا ينافي تعين تعلم القراء‌ة ولا الاثم والعقاب على تركه، ودعوى أنه يمكن الوثوق

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٩ ص ٣٠١. (*)


والاطمئنان بالائتمام فلا يستقل العقل بقبح ترك التعلم حينئذ عهدتها على مدعيها وكيف يمكن الوثوق مع ما عرفت من كثرة محتملات عدم التمكن من الائتمام. فتأمل جيدا.

وعلى كل حال فإن لم يتعلم القراء‌ة إلى أن ضاق الوقت، فإن كان عدم تعلمه لاجل قصوره فيه، كما إذا لم يتمكن ذاتا من أداء بعض الحروف، أو كان عدم تعلمه لاجل عدم وجدان من يعلمه وأمثال ذلك.

فهذا مما لا ينبغي الاشكال في عدم وجوب الائتمام عليه بل يقرأ ما يحسنه من القراء‌ة أو من غيرها على تفصيل يأتي، لاطلاق ما دل على " أن من لم يحسن القراء‌ة قرأ ما يحسنه "(١) بل يظهر من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله " شين بلال سين "(٢) جواز الاقتداء به، واجزاء قراء‌ته عن الغير، إذا كان عدم تعلمه لاجل عدم إمكان تأدية الحروف من مخارجها ولا يتوقف صحة صلاته بضيق الوقت، كما كان أذان بلال مجزيا عن الغير ومسقطا عنه.

وإن كان عدم تعلم القراء‌ة لاجل التقصير، وأن عمدا باختياره أخر التعليم إلى أن ضاق الوقت، فربما يتوهم وجوب الائتمام عليه وعدم اجزاء ما يحسنه من القراء‌ة بل ربمايتوهم بقاء الطلب بالتعليم والقراء‌ة بالنسبة إليه لان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا تصح منه الصلاة بما يحسنه من القراء‌ة إذا لم يأتم ويجب عليه القضاء عند التعلم هذا.

ولكن لا يخفى عليك ضعفه بداهة أن قضية الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار - إنما هو من حيث العقاب لا الخطاب والطلب، فإنه ينافيه أشد المنافاة، وكيف يعقل الطلب من العاجز الغير القادر مع استحالة التكليف بما لا يطاق فإذا لم يكن مكلفا بالقراء‌ة حينئذ والمفروض أن

____________________

(١) الوسائل ج ٤ ص ٧٣٥ باب ٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١ نقلا بالمعنى.

(٢) مستدرك الوسائل: ج ١ ص ٢٩٦ باب ٢٣ من أبواب القراء‌ة في غير الصلاة، ح ٣.


الصلاة لا تسقط بحال كان اللازم عليه قراء‌ة ما يحسنه من القراء‌ة وإن كان معاقبا على ترك التعلم ولا يتعين عليه الائتمام لا ندراجه تحت إطلاق ما دل على أن " من لم يتمكن من الفاتحة قرأ ما يحسنه".

فإن قلت: أليست الجماعة أحد فردي التخيير ومن المعلوم أنه لو تعذر عليه أحد فردي التخيير تعين عليه الفرد الآخر. وفي المقام تعذر عليه الصلاة فرادى مع القراء‌ة التامة تعين عليه الفرد الآخر من فردي التخيير وهو الائتمام من غير فرق بين أن يكون التعذر بسوء الاختيار أولا، فاللازم عليه حينئذ هو الائتمام سواء كان عدم تعلمه للقراء‌ة عن قصور أو تقصير.

قلت: ليست الجماعة أحد فردي التخيير لخصوص الصلاة فرادى مع القراء‌ة التامة بل هي فردة التخيير للصلاة فرادى بمراتبها. وبعبارة أوضح: كما أن الصلاة جماعة فردة التخيير للصلاة مع القراء‌ة التامة كذلك هي فردة التخيير للصلاة مع ما يحسنه من القراء‌ة فلا يتعين عليه الائتمام.

فإن قلت: أليس قد نزل قراء‌ة الامام منزلة قراء‌ة المأموم، فالمصلي جماعة لم تفت عنه القراء‌ة بل هو قار بقراء‌ة الامام، فالمتمكن من الجماعة متمكن من القراء‌ة التنزيلية فلا ينتقل تكليفه إلى المراتب الاخر.

قلت: ليس قراء‌ة الامام نازلة منزلة خصوص القراء‌ة التامة للمأموم بل قراء‌ة الامام نازلة منزلة ما يحسنه المأموم من القراء‌ة، بمعنى التنزيل هو أن كل ما كان تكليف المأموم قراء‌ة عند الصلاة الفرادى على اختلاف أحواله، فقراء‌ة الامام عند الصلاة جماعة بمنزلة قراء‌ته المكلف بها في الحالة التي هو عليها فتأمل جيدا.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن الاقوى عدم وجوب الائتمام على من لم يتعلم القراء‌ة قصورا أو تقصيرا.

المسألة الثانية: إذا كان ما يحسنه من الفاتحة مما يصدق عليه القرآن بنفسه من


دون أن يحتاج إلى قصد القرآنية، ك‍ " إهدنا الصراط المستقيم " وأمثال ذلك، فلا إشكال في وجوب قراء‌ته. وفي التعويض عن الفائت كلام يأتي لقولهعليه‌السلام " الميسور لا يصدق بالمعسور "(١) .

وإن كان ما يحسنه مما لايصدق عليه القرآن بنفسه. بل كان قرآنيته متوقفا على القصد كالبسملة وكالحمد لله وأمثال ذلك ففي وجوب قراء‌ته أيضا مع التعويض عن الباقي أو بدونه على ما يأتي أو وجوب قراء‌ته غير ما يحسنه من الفاتحة من سائر القرآن وجهان: يشهد للاول قاعدة الميسور وللثاني خبر عبدالله بن أبي أو في قال: إن رجلا سأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فماذا أصنع؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله له: قل سبحان الله والحمد لله(٢) .

وجه الدلالة: هو أن هلو وجب قراء‌ة ما يحسنه من الفاتحة وإن لم يصدق عليه القرآنية بنفسه لامره بقراء‌ة الحمد لله التي هي إحدى الكلمتين اللتين علمهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إياه مع كونها بعضا من الفاتحة، بل لامره بقراء‌ة البسلمة التي يبعد عدم معرفته بها، فيظهر منه أنه لو لم يحسن من الفاتحة مايصدق عليه القرآنية بنفسه كان تكليفه قراء‌ة غير ما يحسنه من الفاتحة من سائر القرآن أو الذكر، هذا.

ولكن حيث إن الخبر عامي لم يستدل الاصحاب به في المقام وإن استند إليه بعض كان الوجه الاول أقوى، إلا إذا ثبت ارتباطية أجزاء الحمد على وجه إذا سقط بعضها بالتعذر سقط البعض الآخر الميسور، نظير ارتباطية أجزاء الوضوء، ولم يثبت هذا المعنى فقاعدة الميسور توجب تعين قراء‌ة ما يحسنه من الفاتحة

____________________

(١) عوالى اللئالي: ج ٤ ص ٥٨ ح ٢٠٥ وفيه قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله " لا يترك الميسور بالمعسور ".

(٢) سنن أبي داود: ج ١ ص ٢٢٠، الرقم ٨٣٢. (*)


ثم إن في وجوب التعويض عما لا يحسنه من الفاتحة أو الاكتفاء بما يحسنه وجهان: من أن مادل على البدلية عند تعذر الجمع يدل على اعتبار البدلية عن كل جزء من الفائت، إذ ليس المراد البدلية عن الجميع من حيث الجميع على نحو العام المجموعى البدلية عن كل جزء جزء على نحو العام الاستغراقي، فما دل على وجوب التعويض عن جميع الفاتحة عند عدم التمكن منه يدل على وجوب التعويض عن بعض الفاتحة عند عدم التمكن منه، ومن أن ظاهر قولهعليه‌السلام : إذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم(١) . هو الاجتزاء بما استطاع من الفاتحة من غير تعويض، والوجه الاول لا يخلو عن قوة.

وقد يؤيد بقوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر من القرآن "(٢) وفيه: بعد تقييد بالفاتحة، حيث إنه لم يجب من القرآن إلا الفاتحة، أو هي مع السورة في خصوص الصلاة أن غاية دلالته وجوب الفاتحة، وأين هذا من وجوب التعويض عنها؟ ولو قطع النظر عن التقييد فلا يدل على الوجوب، بداهة أنه لا يجب قراء‌ة كل ما تيسر من القرآن ولو في غير حال الصلاة، وربما يستدل له أيضا بقولهعليه‌السلام بما في العلل: (إنما أمر الناس بالقراء‌ة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا، إلى أن قال: وإنما بدأ بالحمد دون غيرها لانه جمع فيه جوامع الكلم... إلخ)(٣) . فإن ظاهره يدل على أن ماهية القراء‌ة مطلوبة في نفسها لحكمة عدم هجر القرآن وخصوصية الفاتحة لحكمة أخرى، ففقد الخصوصية لا يوجب سقوط الماهية.

وفيه نظر: فإن سقوط القيد إنما لايوجب سقوط المقيد على القول به إذا لم يكن القيد من قبيل الفصل كالايمان بالنسبة إلى الرقبة، وأما إذا كان من قبيل الجنس والفصل كالناطق بالنسبة إلى

____________________

(١) عوالى اللئالي: ج ٤ ص ٢٠٦ مع اختلاف يسير.

(٢) سورة المزمل: الآية ٢٠.

(٣) علل الشرايع: ص ٢٦٠ (*)


الحيوان، فلا إشكال في سقوط الجنس بسقوط القيد، فتأمل جيدا.

ثم على القول بوجوب التعويض، فهل يتعين تكرار ما يحسنه من الفاتحة إلى أن يبلغ قدرها أو يتعين التعويض من غير ما يحسنه؟ وجهان: استدل للاول بأنه أقرب إلى الفائت.

وفيه نظر، إذا آيات الفاتحة متباينة وليس بعضها أقرب إلى الآخر من سائر آيات القران، مع أن مجرد الاقربية مما لا تصلح وجها. فالاقوى هو الثاني لان الشئ الواحد لا يكون أصلا وبدلا ولقوله تعالى " فاقرأوا ما يتسر "(١) ولقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : " إن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله... إلخ "(٢) وغير ذلك من الوجوه التي استدل بها في المقام وهي وإن لا تخلو عن نظر إلا أنه ينبغي المصير إليه.

ثم إنه بعد البناء على وجوب التعويض وليس له تكرار ما يحسنه، فهل يتعين عليه التعويض من القرآن أو يتخير بينه وبين الذكر كما هو ظاهر الشرائع(٣) والشيخ في المبسوط؟(٤) والاقوى هو الاول للنبوي " إن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله... إلخ " وصحيحة ابن سنان " لو أن رجلا دخل في الاسلام ولا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبر ويسبح "(٥) ولما تقدم من أن الظاهر مطلوبية القرآنية وعدم سقوطه بسقوط الخصوصية من الفاتحة، وبعد لم يظهر لنا وجه للقول بالتخيير.

ثم إنه هل يجب مساواة العوض للمعوض في الآيات والكلمات والحروف أو لا يعتبر؟ أو يعتبر في الآيات دون الحروف والكلمات؟ وجوه: من لزوم كون

____________________

(١) سورة المزمل: الآية ٢٠.

(٢) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة وجدناها في كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص ١٠٩.

(٣) شرايع الاسلام: ج ١ ص ٨١.

(٤) المبسوط: ج ١ ص ١٠٦.

(٥) الوسائل: ج ٤ ص ٧٣٥ باب ٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


البدل مساويا للمبدل منه وإلا لم يكن بدلا ومن أن البدلية لا تقتضي المساواة في الحروف والكلمات ومن ظهور قوله تعالى " وآتيناك سبعا من المثاني "(١) هو مطلوبية سبع آيات.

والانصاف أن المسألة خالية عن الدليل، فلا يترك الاحتياط بالنسبة إلى الآيات، وأما الحروف فلا عبرة بها خصوصا مع أن التكليف بالمساواة بالحروف عسر جدا لمن لا يحسن الفاتحة، كما هو المفروض، هذا كله فيما إذا كان المتعذر بعض الفاتحة وأما إذا لم يحسن من الفاتحة شئ أصلا، فحكمه حكم ما تقدم من وجوب الابدال من سائر القرآن وإلا فمن الذكر.

ثم إنه هل يعتبر في الذكر إذا وصلت النوبة إليه أن يكون هو التسبيحات الاربع أو يكفي مطلق الذكر؟ الظاهر هوالاول لثبوت بدليته عن الفاتحة في الجملة ولوفي الاخيرتين، ولا يبعد أن يكون قولهعليه‌السلام " وإلا فاحمد الله " على اختلاف في الروايات، من حيث ذكر التهليل والتسبيح والتكبير، إشارة إلى التسبيحات الاربع.

ثم إن في كفاية الاربع أو يعتبر أثنا عشر بتكرير التسبيحات ثلاثا؟ وجهان مبنيان على كفاية الاربع في الاخيرتين وعدم كفايته، فتأمل في المقام جيدا، فإن غالب هذه الفروع مما لم يقم عليها برهان قاطع وإنما يكون إثباتها بالاستحسانات والاعتبارات(٢) .

المسألة الثالثة: هل يعتبر القراء‌ة من ظهر القلب أو يكفي القراء‌ة من المصحف؟

____________________

(١) الحجر: الآية ٨٧.

(٢) ثم إن هذه الاحكام كلها بالنسبة إلى الفاتحة وأما بالنسبة إلى السورة فلا دليل على وجوب الابدال على من لم يحسنها بل مقتضى القاعدة السقوط بلا يدل إلا إذا كان يحسن بعضها فإن قاعدة الميسور توجب لزوم راء‌ة ما يحسنه منها بلا بدل عن الفائت فتأمل " منه ". (*)


فيه روايتان متعارضتان إحداهما: الصحيح عن الصيقل سأل الصادقعليه‌السلام : ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه قالعليه‌السلام : لا بأس بذلك(١) ثانيهما خبر علي بن جعفر المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه موسىعليه‌السلام عن الرجل والمرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه يقرأ ويصلي قالعليه‌السلام : لا يعتد بتلك الصلاة(٢) .

وقد حمل الصحيح على النافلة الليلية بقرينة ذكر السراج، إن الغالب عدم الحاجة إلى السراج في مثل صلاة المغرب وخصوصا بعد استحباب قراء‌ة السور الطوال في صلاة الليل التي لايحفظها غالب الناس، فتأمل. وعلى كل حال لا ينبغي ترك الاحتياط بالقراء‌ة من ظهر القلب مع التمكن.

المسألة الرابعة: تجب في الفرائض قراء‌ة سور كاملة بعد الحمد، ويدل عليه عدة من الروايات(٣) ، ويسقط الوجوب في أربعة مواضع:

الاول: المرض الذي يوجب صعوبة قراء‌تها لقولهعليه‌السلام في خبر ابن سنان: يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها(٤) .

الثاني: الاستعجاب لحاجة عقلائية تفوته بقراء‌تها لقولهعليه‌السلام في صحيح الحلبي: لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الاولتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئا(٥) . والسقوط في هذين الموضعين رخصة لا عزيمة فيجوز قراء‌تها إذا تحمل صعوبة المرض، أو رفع اليد عن حاجته لان الحكم

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٠ باب ٤١ من أبواب القراء‌ة في الصلاة ح ١

(٢) قرب الاسناد: ص ٩٠ س ١٧.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤٠ باب ٧ من أبواب القراء‌ة في الصلاة ح ٤ ص ٧٤٤ الباب ١٠ منهاج ١٠ وج ٣ ص ٣٩ الباب ١٣ من أبواب اعداد الفرائض ح ٢٤.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٧٣٤ باب ٢ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥.

(٥) الوسائل: ج ٤ ص ٧٣٤ باب ٢ من أباب القراء‌ة في الصلاة، ح ٢. (*)


بالسقوط فيها إنما يكون للارفاق.

الثالث: الخوف وعدم الامن الموجب لانتقال فرضه إلى صلاة الخوف، وكذا إذا لم يوجب انتقال فرضه إلى صلاة الخوف بل يلحق بالخوف سائر أنحاء الضرورة الموجبة لسقوط سائر الواجبات، غايته أن في الصلاة لو دار الامربين ترك السورة أو جزء آخر لمكان الخوف والضرورة قدم ترك السورة لخفتها، حيث جاز تركها لمطلق الحاجة.

الرابع: ضيق الوقت، والسقوط في هذين الموضعين عزيمة لا رخصة، أما في الاول: فلان الادلة الدالة على رفع الحكم عند الضرر والضرورة تكون حاكمة على أدلة الاحكام من النفسيات والقيود، ومخصصة لها بما عدا الضرورة والضرر، وبعد التخصيص يكون فعلها زيادة مبطلة، وأما في الثاني: فإن كان الضيق على وجه لو قرأ السورة لم يدرك شيئا من الوقت حتى الركعة، فهذا مما انعقد الاجماع على سقوط السورة حينئذ، مضافا إلى دلالة بعض الاخبار من عدم جواز قراء‌ة مايفوت الوقت بقراء‌ة على أهمية الوقت وجعله في صحيحة " لا تعاد"(١) من الاركان الموجب فوات نسيانا لاعادة الصلاة.

وأما إذا أوجب قراء‌ة السورة لوقوع شئ من الصلاة خارج الوقت، فربما يستشكل حينئذ في تقديم الوقت، وجواز ترك السورة نظرا إلى أنه يكون المقام من باب التزاحم، ومن المقرر في باب التزاحم أنه لو كان لاحد المتزاحمين بدلا شرعيا أو عقليا ولم يكن للآخر بدلا كذلك، قدم مالا يكون له بدل، وانتقل التكليف عما له البدل إلى بدله، وفيما نحن فيه حيث إن للوقت بدلا وهو إدراك الركعة لقولهعليه‌السلام : من أدرك ركعة من الصلاة(٢) ... إلخ. وليس للسورة بدل،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ١٥٧ باب ٣٠ من أبواب المواقيت، ح ٤ (*)


فمقتضى القاعدة في باب التزاحم هو قراء‌ة السورة وانتقال التكليف بالوقت إلى بدله، كما أن قاعدة باب التزاحم تقتضي فيما لو دار الامر بين الطهارة المائية وبين إدراك الوقت التخيير أو تقديم الطهارة المائية لاهميتها، وذلك لان كلا من الطهارة المائية والوقت مما له البدل، فالقاعدة تقتضي التخيير لو لم يكن في البين أهم ومهم، هذا.

ولكن لا يخفى عليك ضعفه وذلك لانه لو وصلت النوبة إلى الترجيح بالبدلية واللابدلية، كان الامر كما ذكر، إلا أن في المقام أمرا آخرا رتبته فوق رتبة البدلية، وهو أنه من المقرر في باب التزاحم أيضا أنه لو كان أحد المتزاحمين مشروطا بالقدرة الشرعية ولم يكن الآخر مشروطا بها قدم ما لا يكون مشروطا بها على ما يكون مشروطا بها، لان غير المشروط يوجب سلب القدرة عن المشروط وقابل للتعجيز المولوي، والمانع الشرعي كالمانع العقلي وهذا بخلاف المشروط، فإنه غير صالح لسلب القدرة عن غير المشروط، إلا على وجه دائر كما حققناه في محله، والمقام يكون من هذا القبيل، أما الطهارة المائية فتقيدها بالقدرة الشرعية واضح لقوله [ تعالى ] " فلم تجدوا ماء فتيمموا "(١) حيث أخذ عدم الوجدان قيدا في الدليل لوجوب التيمم فيعلم من ذلك أن الوضوء مقيد بالوجدان لان التفصيل قاطع للشركة، وهذا بخلاف الوقت إذا لم يكن اعتباره مشروطا بالقدرة الشرعية، بل اعتباره مطلق غير مقيد إلا بما يعتبره العقل في سائر التكاليف من التمكن العقلي، لقبح التكليف بما لايطاق، ومجرد جعل البدل للوقت وكون إدراك الركعة في الوقت يقوم مقام إدراك جميع الوقت لا يوجب(٢) اشتراط الوقت

____________________

(١) سورة النساء: الآية ٤٣.

(٢) قد ذكرنا في محله أن نتيجة جعل البدل شرعا هو الاشتراط بالقدرة الشرعية، بداهة أن معنى جعل البدل هو أن وجوب المبدل ليس مطلقا بحيث يسقط بلا بدل عنه عند عدم التمكن منه، كما هو شأن الواجب المطلق بل جوبه مشروط بالتمكن منه. فلازم جعل البدل هو اشتراط المبدل بالتمكن ومعلوم أن المراد بالتمكن غير التمكن العقلي، إذ اشتراط الوجوب بالتمكن العقلي لا يختص بما إذا كان له البدل بل كل واجب يكون مشروطا بالتمكن لقبح التكليف بما لايطاق، فلو كان المبدل منه مشروطا بالقدرة العقلية كان جعل البدل مما لا معنى له، إذ مع عدم التمكن منه سقط قهرا، فلو ثبت مع ذلك وجوب أمر آخر كان ذلك واجبا آخر مستقلا لا ربط له بذلك الساقط ولا معنى لتسميته بدلا، فلازم البدلية هو تقيد المبدل بالقدرة الشرعية وحينئذ يعود الاشكال المتقدم من أن كلا من الوقت والطهارة المائية مشروطة بالقدرة الشرعية فعند الدوران لاوجه لتقديم الوقت هذا. ولكن يمكن أن يقال: إن الامر وإن كان كما ذكر من أن كلا من الوقت والطهارة المائية مشروط بالمقدرة الشرعية إلا أنه فرق بين الاشتراطين، فإن الطهارة المائية مشروط بالقدرة الشرعية في لسان الدليل بقول مطلق ولذا كل واجب غير مشروط بالقدرة يزاحمها ويقدم عليها وهذا بخلاف الوقت فإنه مشروط بالقدرة الشرعية بالنسبة إلى خصوص أفعال الصلاة ومن هنا لا يزاحم غير أفعال الصلاة الموقتة عند الدوران بل خصوص أفعال الصلاة تزاحم الوقت لاجل أنها لا بدل لها، وأما الطهارة المائية فإن حفظ وجوبها وصارت كالاجزاء أمكن أن تزاحم الوقت حينئذ وتقدم كالاجزاء على الوقت، إلا أن الشأن في حفظ وجوبها بعدما كان لها بدل. وبعبارة أخرى: إذا صارت نسبة الطهارة إلى الوقت كنسبة الاجزاء إليه كانت مقدمة على الوقت ولكن نسبتها ليست كنسبة الاجزاء حيث إن الاجزاء مما ليس لها بدل والطهارة لها يدل. والحاصل: أنه بعدما كان الوقت مشروط بالقدرة الشرعية بالنسبة إلى خصوص الصلاة ليس إلا فلا يمكن أن يزاحمه الطهارة المائية، فتأمل جيدا " منه " (*)


بالقدرة الشرعية، بل التكليف بالوقت بعد باق على إطلاقه بالنسبة إلى القدرة الشرعية. غايته أن نزل الشارع إدراك الركعة في الوقت منزلة إدراك جميع [ الوقت ] لمن لم يدرك جميع الوقت حقيقة وأين هذا من التقييد بالقدرة. فحينئذ لا تصل النوبة إلا البدلية واللابدلية بل الوقت يقدم على الطهارة المائية، لاطلاق التكليف به، واشتراط الطهارة بالقدرة الشرعية.

فالتكليف بالوقت يصلح أن يكون تعجيزا مولويا عن الطهارة المائية دون العكس، فما يظهر من بعض الاعلام من التخيير بين الطهارة المائية وإدراك ركعة من الوقت، وبين إدراك جميع الوقت والطهارة الترابية أو تعين الهارة المائية مما لا وجه له، هذا بالنسبة إلى الطهارة المائية.

وأما بالنسبة إلى ما نحن فيه وهو السورة فالامر فيه أوضح، فإنه وإن لم يقيد


وجوب السورة بالقدرة الشرعية في لسان الدليل إلا أن من سقوطها بالاستعجال وعند كل حاجة عقلائية ولو كان دنيوية يستقاد أزيد مما إذا قيد بالقدرة الشرعية. وكيف لا يستفاد ذلك مع أن الحاجة الدنيوية تزاحم وجوب السورة وتوجب سقوطها، فما ظنك بالواجبات الشرعية خصوصا مثل الوقت الذي عد من الاركان في صحيحة " لا تعاد "(١) ولا أقل من أن يكون إدراك الوقت من جملة الحوائج العقلائية الموجبة للسقوط، وأي حاجة عقلائية أعظم من الوقت.

فإن قلت: إذا أدرجتم إدراك الوقت في مسألة الاستعجال وجعلتموه من جمله الحوائج التي يخاف فوتها كان اللازم جواز قراء‌ة السورة لما تقدم من أن السقوط للاستعجال إنما يكون على وجه الرخصة لا الغزيمة، مع أن المفروض خلافه.

قلت: حاجة إدراك الوقت إنما أوجبت سقوط الوجوب عن السورة، من المعلوم أن غير الواجب لا يزاحم الواجب والمفروض أن إدراك الوقت واجب فلا يجوز فعل السورة لانه يوجب تفويت الواجب.

فإن قلت: لو أدرجتم مسألة دوران الامر بين الطهارة المائية وإدراك الوقت أو دوران الامر بين السورة وإدراك الوقت في صغرى باب التزاحم كان اللازم هو القول بصحة الوضوء أو الصلاة مع السورة لو خالف تكليفه من ترك الوضوء والسورة، إما بالملاك وإما بالامر الترتبي على القولين في باب التزاحم. مع أنكم لا تقول بصحة الوضوء أو الصلاة عند المخالفة وإن نسب إلى بعض القول به.

قلت: تصحيح العبادة بالملاك أو بالامر الترتبي في باب التزاحم إنما هو مقصور بالتكاليف النفسية وأما التكاليف الغيرية من القيود المأخوذة في العبادة فلا يجري فيها ذلك البحث، ولا يمكن تصحيح العبادة بعد سقوط القيد لمكان

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من ابواب القبلة، ح ١. إلا أن اختار شيخنا الاستاذ في وسيلته بتقديم الطهارة المائية وذكر في وجه ذلك هو أن مادل على ترك السورة عند الاستعجال لا يصدق في الفرض لعدم تحقق الاستعجال قبل الصلاة، بل الظاهر من أدلة الاستعجال هو أنه لو عرض له في أثناء الصلاة حاجة تفوته جاز له ترك السورة، فتأمل جيدا. (*)


المزاحمة، إذ ليس هناك تكاليف متعددة وكان لمتعلق كل تكليف ملاك يخصه كما في النفسيات، بل لم يكن هناك إلا ملاك واحد قائم بعدة أجزاء فة ذا سقط وجوب جزء ولو لمكان المزاحمة لجزء آخر أهم، كان الملاك قائما بالمركب الفاقد لذلك الجزء الواجد لذلك الجزء الاهم، فيكون المركب الواجد للجزء الساقط بالمزاحمة الفاقد للجزء الاهم خاليا عن الملاك، إذ لا طريق إلى استكشافه بعد سقوط الامر عن الجزء كما أوضحناه في محله.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن القاعدة تقتضي سقوط الطهارة المائية والسورة عند ضيق الوقت من غير فرق بين إدراك الركعة وغيره، بل لو أوجب فعل السورة أو الطهارة المائية وقوع التسليم في خارج الوقت كان اللازم سقوطهما. نعم لو زاحم الوقت ما عدا السورة والطهارة من سائر الاجزاء والشرائط كان اللازم عدم سقوط الاجزاء والشرائط وانتقال الوقت إلى بدله من إدراك الركعة لان ماله البدل يؤخر عما ليس له بدل، فلو دار الامر بين ترك الفاتحة وإدراك جميع الوقت أو فعل الفاتحة وإدراك ركعة من الوقت تعين حينئذ قراء‌ة الفاتحة، وليس له تركها لان الفاتحة ليس لها بدل بخلاف الوقت حيث إن إدراك، الركعة بدل عن الجميع، ومن المقرر في باب التزاحم تقديم مالا بدل له عما له البدل كما أن اللازم عند دوران الامر بين الطهارة المائية(١) .

والسورة هو ترك السورة، لان إدراك مصلحة الطهارة المائية من أهم الحوائج الموجبة لسقوط السورة، فتأمل فيما ذكرنا جيدا، هذا كله إذا أمكن له إدراك جميع الوقت بترك السورة. وأما إذا لم يدرك جميع الوقت على كل حال ولكن لو ترك السورة يدرك من


الوقت أزيد مما يدركه عند فعل السورة ففي سقوط السورة حينئذ نظر، من عدم إدراك جميع الوقت على كل حال وإدراكه الركعة منه حسب الفرض فلا وجه لسقوط السورة.

ومن أن إدراك جميع الوقت ليس على وجه الارتباطية، بحيث كان إدراك الزائد على الركعة مع عدم إدراك الجميع خاليا عن المصلحة، ويكون إدراكه وعدمه سيان بن المصلحة الوقتية منتشرة في جميع الاجزاء على وجه يكون وقوع كل جزء في الوقت مطلوبا ومشتملا على المصلحة ففعل السورة يوجب تفويت الوقت عن بعض الاجزاء وهذا هو الاقوى.

وعلى كل حال قد عرفت أنه لا يجوز قراء‌ة ما يفوت الوقت بقراء‌ته ويدل عليه مضافا إلى أن القاعدة تقتضيه قول الصادقعليه‌السلام في خبر أبي بكر الحضرمي: " لا تقرأ شيئا من ال‍ (حم) "(١) وخبر عامر: " من قرأ شيئا من ال‍ (حم) في صلاة الفجر فاته الوقت "(٢) .

ومعلوم أن قولهعليه‌السلام " فاته الوقت " إنما هو لبيان الحكم الشرعي بمقدمة مطوية معلومة عند المخاطب، وهي عدم جواز تفويت الوقت لا أنه في مقام بيان الامر العادي، فإنه لا يناسب منصب الامامعليه‌السلام ، فلو أقر ما فات الوقت بقراء‌ة عن علم وعمد بطلت صلاته، لعدم انطباق المأمور به على المأتي به. ولا يتوقف القول بالبطلان على مسألة الضد كما يوهمه بعض العبائر، بداهة أن نتيجة النهي عن قراء‌ة ما يفوت الوقت به هو البطلان.

كما هو الشأن في سائر النواهي المتعلقة بالقيود، فإنه يوجب تخصيص القيدية بما عدا مورد النهي ويكون المأمور به الصلاة بلا سورة أومع سورة قصيرة، فالصلاة مع السورة الطويلة المفوتة

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٤ باب ٤٤ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٣ باب ٤٤ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


للوقت تكون مغايرا للمأمور به ولا ينطبق المأمور به عليها، بل لو لم يرد نهي في المقام لكانت القاعدة تقتضي البطلان أيضا، لمكان المزاحمة للوقت الذي قد عرفت أهميته، وأن المزاحمة في باب القيود تقتضي سقوط غير الاهم خطابا وملاكا.

ولا يمكن تصحيحه بالملاك وليس كباب النفسيات، فالبطلان فيام نحن فيه لا يتوقف على مسألة لاضد الممنوعة عندنا، بل الاقوى البطلان بمجرد الشروع فيها لانها زيادة عمدية مبطلة، بل لو كان من نيته قراء‌ة ما يفوت الوقت به من أول الامر لم تنعقد صلاته من رأس، لانه يكون من نية المبطل.

ولا فرق فيما ذكرنا من بطلان الصلاة بقراء‌ة ما يفوت الوقت به إذا كان عن عمد وعلم بين الركعة الاولى والركعة الثانية ومجرد إدراكه الركعة الاولى لا يوجب صحة الصلاة بعد ما كان غير مامور بالسورة لادراك جميع الوقت أو الزائد عن الركعة فتكون السورة زيادة مبطلة على كل حال، هذا كله في صورة العمد والعلم بعدم سعة الوقت.

وأما لو قرأ ما يفوت الوقت به عن سهو وغفلة، فإن تذكر قبل خروج الوقت لزمه المبادرة إلى قطعها وقراء‌ة سورة قصيرة إن وسع الوقت لها، وإلا صلى بلا سورة وكا ن ما قرأه في حال الغفلة زيادة مغتفرة، وإن تذكر بعد خروج الوقت. فإن كان ذلك في الركعة الاولى بحيث لم يدرك ركعة من الوقت بطلت صلاته، لعدم انطباق المأمور به على المأتي به لانه كان مأمورا بالصلاة الادائية، حيث كان الوقت واسعا لها ولم تحصل له لعدم إدراكه بقراء‌ة ما فات الوقت به والامر القضائي ما كان متوجها عليه فلا موجب لصحة صلاته.

ودعوى أن الامر القضائي وإن لم يكن متوجها عليه من أول الصلاة لبقاء الوقت بعد حسب الفرض إلا أنه توجه عليه من حين خروج الوقت فتكون صلاته مركبة من أداء وقضاء بعيدة جدا، فتأمل.


وإن كان تذكره بعد خروج الوقت في الركعة الثانية بحيث أدراك ركعة من الوقت فالاقوى صحة صلاته حينئذ لادراكه الوقت بالركعة الاولى، ولكن لا يعتد بالسورة التي أوجب قراء‌تها فوات الوقت من الركعة الثانية، بل يجب عليه استئناف سورة اخرى للركعة الثانية لانه ما قرأها من السورة لم تكن مأمورا بها لايجابها تفويت الوقت.

وإن كان فعلها مغتفرا لاجل الغفلة، إلا أن اغتفار فعلها لايوجب الاعتداد بها بعد ما لم تكن مأمورا بها فلابد من قراء‌ة سورة اخرى للركعة الثانية من غير فرق بين أن يكون تذكره في أثناء السورة التي أوجبت فوات الوقت أو بعد إكمالها، بل لو تذكر في أثنائها لزمه القطع لان إكمالها يكون زيادة عمدية إلا إذا أتمها بقصد القرآنية، فإنه لابأس به حينئذ، بل جعل شيخنا الاستاذ - مد ظله - في وسيلته الاتمام بقصد القرانية أحوط. وبعد لم يظهر لنا وجه هذا الاحتياط إلا أن يكون ذلك خروجا عن خلاف من قال بالاعتداد بتلك السورة المفوتة للوقت.

المسألة الخامسة: لا يتوقف سقوط السورة أو الطهارة المائية على العلم بضيق الوقت بل يكفي فيه الوثوق والاطمئنان، بل يكفي فيه مجرد الاحتمال المثير للخوف. فيجب عليه ترك السورة عند خوف الضيق إلا إذا كان هناك استصحاب يوجب رفع أثر الخوف.

وتفصيل ذلك هو أنه تارة يعلم مقدار الوقت الباقي وأنه ربع ساعة مثلا ولكن يشك في سعة ذلك المقدار من الوقت للصلاة، وأخرى لا يعلم مقدار ما بقي من الوقت وأنه ربع ساعة أو نصف ساعة.

فإن كان يعلم مقدار ما بقي من الوقت ويشك في سعته للصلاة ففي مثل هذا لا إشكال في سقوط السورة والطهارة المائية، إذا لا يجري فيه استصحاب الوقت بداهة أنه يعلم مقدار الباقي من الوقت وإنما كان شكه في سعته للصلاة فلا مساس لاستصحاب الوقت حينئذ، بل مقتضى


الاستصحاب عدم وقوع الصلاة في ذلك المقدار من الوقت. وأما إذا لم يعلم مقدار ما بقي من الوقت وأنه ربع ساعة أو نصف ساعة ففي مثل هذا استصحاب بقاء الوقت يجري بلا إشكال(١) ويلزمه قراء‌ة السورة والطهارة المائية.

فإن قلت: هب أن استصحاب بقاء الوقت يجري إلا أن ذلك لا يوجب زوال الخوف الذي هو من الامور الوجدانية، كما أن استصحاب عدم المرض لايوجب زوال الخوف المجوز للافطار في باب الصوم أو الانتقال إلى التيمم في باب الوضوء والغسل، فإذا لم يرفع الاستصحاب صفة الخوف فلا موجب لجواز قراء‌ة السورة أو الطهارة المائية، مع أنه أخذ في موضوعهما عدم خوف الضيق قلت: استصحاب بقاء الوقت وإن لم يوجب رفع نفس الخوف إلا أنه رفع أثره من سقوط السورة والطهارة.

بداهة أنه بعد حكم الشارع ببقاء الوقت الراجع إلى أنه يسع صلاتك وتنطبق على ما بقي من الوقت يكون الموضوع للتكليف محرزا بمقتضى التعبد، إذ الموضوع للتكليف ليس إلا إيجاد الصلاة في قطعة من الوقت الذي يسعها، وهذا المعنى يحرز بالاستصحاب، فلا أثر للخوف حينئذ، وليس المقام كاستصحاب عدم المرض في باب الصوم إذا العبرة في باب الصوم هو أن لا يكون الصوم مضرا وهذا ليس مجرى الاستصحاب لعدم الحالة السابقة، واستصحاب عدم المرض لا يثبت عدم مضرية الصوم.

فتأمل فإن في باب الصوم يمكن أن يقال بأخذ الخوف موضوعا، لكن إذا كان الخوف عن منشأ عقلائي، ولذا لو قامت البينة على عدم مضرية الصوم لم يجز الافطار مع بقاء احتمال الضرر المثير للخوف، وليس ذلك إلا لكون الخوف حينئذ لم يكن عقلائيا، وهذا

____________________

(١) لكن قد ذكرنا في مبحث الاصول أن استصحاب بقاء الزمان والوقت وإن كان يجري إلا أنه لا يثبت الظرفية من كون الصلاة وقعت في الوقت فراجع وتأمل " منه ". (*)


بخلاف سقوط السورة عند خوف ضيق الوقت، فإنه لم يؤخذ في لسان دليل أصلا، وإنما قلنا بالسقوط به لاجل أن الاقتصار على العلم أو البينة يوجب التعسر والوقوع في خلاف الواقع كثيرا، فإذا ثبت بالاستصحاب بقاء الوقت وسعته للصلاة فلا موجب حينئذ للخوف ولا أثر له، إلا أن يقوم دليل على أن صفة الخوف بما هو هو موجب للسقوط، فتأمل جيدا.

المسألة السادسة: لا يجوز قراء‌ة شئ من العزائم في الفريضة. ويدل عليه مضافا إلى الاجماع عدة من الاخبار: منها: حسنة زرارة عن أحدهما: لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم فإن السجود زيادة في المكتوبة(١) . وفي كتاب علي بن جعفر سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة والنجم أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها؟ قالعليه‌السلام : يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب ويركع، وذلك زيادة في الفريضة. ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة(٢) . ومنها عدة روايات اخر ظاهرة الدلالة في المنع عن قراء‌ة العزائم في الفريضة، فلا إشكال في الحكم، وإنما الكلام يقع في امور: الاول: في دلالة النهي على الفساد.

وقد تكرر منا الكلام في أن الاصل في النهي وإن كان هو الحرمة التكليفية إلا أن في خصوص المركبات يكون النهي فيها لبيان المانعية كما أن الامر فيها إنما يكون لبيان الجزئية والشرطية، فحينئذ النهي بنفسه يدل على الفساد ومانعية قراء‌ة العزائم، فلا حاجة إلى استفادة الفساد من أن النهي عن جزء العبادة يوجب تضييق دائرة المكلف به وتقييده بما عدا

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة. ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٠ باب ٤٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٤. (*)


المشتمل على ذلك الجزء المنهي عنه، بداهة أنه لا يمكن بقاء المكلف به على إطلاقه مع النهي عن جزئه لاجتماع الامر والنهي بذلك الجزء وهو محال، فالنهي عن الجزء لا محالة يوجب تقييد المأمور به بما عداه، وحينئذ لو اقتصر على قراء‌ة السورة العزيمة يلزم النقصان وخلو الصلاة عن السورة، ولو قرأ غيرها أيضا يلزم الزيادة العمدية وعلى كلا التقديرين تبطل الصلاة أما في صورة النقصان فواضح.

وأما في صورة الزيادة فلان الزيادة المباحة العمدية تكون موجبة للبطلان إذا أتى بها بقصد الجزئية، فما ظنك بالزيادة المحرمة العمدية، مضافا إلى أنه يستلزم القران حينئذ وهو موجب آخر للبطلان هذا.

ولكن يمكن أن يقال: إن القران بين السورتين على تقدير كونه مبطلا كما سيأتي الكلام في ذلك فإنما هو القران بين السورتين الكاملتين لابين سورة وبعض من سورة، والمدعى في المقام هو بطلان الصلاة ولو بقراء‌ة بعض من السور العزائم، وأما ما ذكر من أن النهي عن الجزء يوجب تضييق دائرة المأمور به وتقييده بما عداه فهو حق، إلا أنه قد عرفت أنه لا حاجة إلى ذلك بعدما كان مفاد النهي في المقام هو الفساد بمدلوله الاولي، مع أنه يمكن أن يقال: إن التقييد بما عدا الجزء المنهي عنه لا يستلزم البطلان مطلقا فإنه لو قرأ العزيمة لا بقصد الجزئية بل بقصد القرآنية وقرأ سورة أخرى أيضا كان اللازم عدم بطلان الصلاة حينئذ وإن فعل محرما، لعدم الاخلال بأجزاء الصلاة حيث قرأ سورة اخرى وعدم الزيادة العمدية أيضا(١) ، إذ لم يقرأ العزيمة بقصد الجزئية حتى يوجب الزيادة، وهذا بخلاف ما إذا قلنا: بأن المستفاد من النهي مانعية قراء‌ة العزيمة فالبطلان حينئذ لا يتوقف

____________________

(١) ولكن يمكن أن يقال: إنه وإن لم يقصد الزيادة حينئذ إلا أنه بعد ما كان قراء‌ة العزيمة محرمة ولو بقصد القرآنية كان قراء‌تها حينئذ ملحقا حكما بكلام الآدمي فتبطل من هذه الجهة. " منه ".


على قصد الجزئية بل يكون حاله حال سائر الموانع.

الامر الثاني: في معنى قولهعليه‌السلام : " فإن السجود زيادة في المكتوبة "(١) وربما يستشكل في معناه فإن التعليل بظاهره لا يستقيم، إذ لو كان العلة في المنع عن قراء‌ة العزيمة هو استلزامه زيادة السجدة كان اللازم عدم الحكم بالبطلان بمحض قراء‌ة العزيمة. إذ بعد لم يتحقق السجدة الزائدة المستلزمة للبطلان، بل لو فرض عدم فعله السجدة ولو عصيانا كان اللازم الحكم بصحة الصلاة، لعدم فعله الزيادة المبطلة، بل لو كان قراء‌ة العزيمة بنفسها غير مبطل. وكان البطلان دائرا مدار السجدة كان اللازم هو عدم السجدة وانتقال التكليف إلى الايماء أو القضاء بعد الصلاة، كما في صورة السهو أو الاستماع والسماع كمايأتي.

وبالجملة: التعليل بظاهره لايستقيم إلا أن يقال: إن التعليل إنما هو بيان حكمة التشريع لا علة الحكم فيكون المعنى حينئذ أنه لا يقرأ شيئا من العزائم ويكون قراء‌ته ذلك من الموانع المبطلة للصلاة، كما استظهرناه من أن النهي في باب المركبات لبيان المانعية، والحكمة في جعل قراء‌ة العزيمة مانعا هو أنه يقع المكلف في أحد المحذورين إما من ترك السجدة الواجبة عليه عند قراء‌ة العزيمة، وإما من فعله الزيادة إذا سجد، وحيث إن أحد هذين الامرين كان محذورا عند الشارع فصار ذلك حكمة لتشريع الحكم وجعل مانعية قراء‌ة العزائم.

والحاصل: أنه بناء على أن يكون قولهعليه‌السلام : " فإن السجود زيادة في المكتوبة " حكمة لتشريع المانعية لا علة الحكم يستقيم التعليل. وأما بناء على كونه علة الحكم فقد يتكلف في توجيهه بما حاصله: أن قراء‌ة العزيمة تكون علةوسببا لحكم الشارع بالسجدة الزائدة المبطلة ولايمكن الامر

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


حينئذ بالاتمام والصحة مع تعقبه بأمر الشارع بالمبطل، أو يقال: إن قراء‌ة العزيمة حيث كانت علة وسببا لزيادة السجدة ولو بأمر الشارع فيكون الامر بالسجدة سببا توليديا من قراء‌ة العزيمة، وقد ذكرنا في باب المسببات التوليدية أن المسبب يكون عنوانا لنفس السبب ويكون الالقاء مثلا معنونا بالاحراق، فتكون نفس قراء‌ة العزيمة في المقام معنونة بالزيادة لتولد الامر بالسجدة الزائدة منها، فتكون نفس قراء‌ة العزيمة حينئذ زيادة في الصلاة فتبطل بمحض الشروع فيها، فتأمل، فإن ذلك كله لا يستقيم، ولا محيص عن إرجاع التعليل إلى أنه حكمة التشريع(١) هذا كله في بيان ارتباط التعليل بالحكم.

بقي الكلام في أصل معنى كون السجود زيادة في المكتوبة فنقول: لو لم يكن لنا هذه الرواية لكان مقتضى القاعدة عدم بطلان الصلاة بفعل سجدة تلاوة العزيمة وعدم شمول أدلة الزيادة لها، لما بينا في محله من أن زيادة ما كان من سنخ أفعال الصلاة وإن كان صدق الزيادة عليها لا يتوقف على القصد بأنها من الصلاة إلا أنه قصد عدم كونها من الصلاة يوجب عدم صدق الزيادة كمن انحنى لقتل الحية، وأمثال ذلك. ولازم ذلك هو عدم صدق الزيادة على سجدة العزيمة أو سجدة الشكر وأمثال ذلك مما يكون من سنخ أفعال الصلاة مع قصد عدم كونها من الصلاة هذا.

ولكن يمكن أن يقال: إن سجدة العزيمة تارة تكون لمكان قراء‌ة المصلي سورة العزيمة، واخرى تكون لمكان الاستماع أوالسماع من دون أن يكون المصلي بنفسه مباشرا لقراء‌ة العزيمة، فإن كان المصلي هو المباشر لقراء‌ة العزيمة فكانت السجدة، حينئذ من توابع صلاته وملحقات الركعة التي قرأ فيها العزيمة. إذ قراء‌ة

____________________

(١) سيأتي في بعض المباحث الآتية مزيد توضيح ذلك. (*)


العزيمة في الركعة هي التي أوجبت السجدة عليه، فتكون من توابع الركعة. وبهذا الاعتبار يمكن صدق الزيادة على السجدة إذ يصدق عليه لمكان فعله في الصلاة ما أوجب السجدة أنه زاد في صلاته، فتشمله أدلة الزيادة.

وأما إذا لم يكن المصلي هو المباشر لقراء‌ة العزيمة بل كان إيجاب السجدة عليه لمكان السماع أو الاستماع فلا يأتي التوجيه المتقدم، إذ لم يفعل في الركعة ما يوجب السجدة عليه حتى يقال: إن السجدة تكون حينئذ من لواحق الركعة ويصدق عليها الزيادة بهذا الاعتبار، بل كان إيجاب السجدة عليه لمكان قراء‌ة الغير، فحينئذ لا يصدق الزيادة على مثل هذه السجدة، ولكن بعد ورود قولهعليه‌السلام : " لان السجود زيادة في المكتوبة "(١) يستظهر أن فعل ما يكون من سنخ أفعال الصلاة يكون زيادة في الصلاة مطلقا وإن قصد عدم كونه من الصلاة. ولكن هذا أيضا ليس على إطلاقه، بل غاية ما يمكن أن يستظهر من الرواية هو أن كل فعل يكون من سنخ أفعال الصلاة ولم يكن له صورة نوعية وحافظ وحدة يكون فعله في أثناء الصلاة مبطلا كالسجدة الواحدة للعزيمة أو للشكر.

وأما إذا كان المأتي به في أثناء الصلاة مما له عنوان مستقل وحافظ وحدة كفعل صلاة الآيات في أثناء الصلاة بل فعل سجدتي السهو في أثنائها، فلا يصدق على مثل ذلك أنه زاد في صلاته، بل يقال: إنه صلى في أثناء صلاته أو سجد سجدتي السهو فيها، بداهة أن اشتمال سجدتي السهو على التشهد والتسليم يوجب لها عنوانا مستقلا وحافظ وحدة تخرج بذلك عن صدق الزيادة، فلا يقال: إنه زاد في صلاته سجدتي السهو فمن حيث الزيادة لا توجب البطلان، نعم من حيث إخلالها بالموالاة كلام ذكرنا تفصيله في الاصول، ولعله يأتي بعد ذلك أيضا

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٤ باب ٤٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


إن شاء الله.

والحاصل: أن استظهارنا من روايات الباب بطلان الصلاة بزيادة السجدة الواحدة للعزيمة لا يوجب التعدي عن ذلك إلى كل ما كان من سنخ أفعال الصلاة مع عدم قصد كونه منها مما كان له حافظ وحدة.

الامر الثالث: قد عرفت أن جملة من الروايات(١) ظاهرة الدلالة في عدم جواز قراء‌ة العزائم في الفريضة، فمقتضى الصناعة حمل مادل بإطلاقه على جواز قراء‌ة العزيمة على النافلة لما دل على جواز قراء‌تها في النافلة. فالاولى ذكر جملة من أخبار الباب ليتضح كيفية الجمع بينها. فمنها: ما تقدم من حسنة زرارة(٢) . ومنها: ما تقدم أيضا، من رواية على بن جعفر(٣) ومنها: رواية عمار عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لا تستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس وبعد صلاة الفجر. فقالعليه‌السلام : لا يسجد.

وعن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم. فقالعليه‌السلام : إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها وإن أحب أن يرجع فيقرأ سورة غيرها ويدع التي فيها السجدة فيرجع إلى غيره(٤) وهذه الرواية وإن دلت على عدم جواز قراء‌ة آية السجدة لكن لا تدل على عدم جواز قراء‌ة السورة التي فيها آية السجدة بل يستفاد من ذيلها جواز الاكتفاء بها ولا يجب عليه قراء‌ة سورة اخرى. ولكن يشكل العمل بها من جهة دلالتها حينئذ على الاكتفاء بها من دون قراء‌ة آية السجدة، فتكون حينئذ من أدلة جواز

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١ و ٢ و ٤.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٠ باب ٤٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٤.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٣. (*)


قراء‌ة بعض الصورة في الصلاة وعدم وجوب سورة كاملة بالجملة: هذه الرواية غير ظاهرة في الكراهة كما قيل، بل لو تمت دلالتها لكانت دالة على الجواز من غير كراهة، فإن قولهعليه‌السلام : " وإن أحب أن يرجع " لا يدل على رجحان الرجوع: نعم لو كان التعبير فإني أحب أن يرجع لدلت على الكراهة، ولعله من سوء تعبير عمار الذي قل في رواياته ما يكون خاليا عن سوء التعبير.

ومنها: رواية سماعة قال: من قرأ إقرأ باسم ربك فإذا ختمها فليسجد إلى أن قال: ولا تقرأ في الفريضة إقرأ في التطوع(١) . وهذه الرواية ظاهرة الدلالة في عدم الجواز في الفريضة والجواز في النافلة.

ومنها: ما رواه الحلبي عن أبي عبداللهعليه‌السلام : أنه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة قالعليه‌السلام : يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثم يركع ويسجد(٢) . وهذه الرواية بإطلاقها تدل على الجواز مطلقا في الفريضة والنافلة إلا أنه لابد من حملها على النافلة بقرينة ما تقدم، ويكون أمرهعليه‌السلام بإعادة الفاتحة لاجل استحباب أن يكون ركوعه عن قراء‌ة.

وحيث تخلل السجدة العزيمة بين الركوع والقراء‌ة فأمرعليه‌السلام بإعادة الفاتحة ليكون ركوعه عن قراء‌ة. وهذا الامر يكون للاستحباب لقول عليعليه‌السلام : إذا كان آخر السورة السجدة أجزأك أن تركع بها(٣) ثم إن استحباب إعادة الفاتحة إنما هو إذا كانت آية السجدة في آخر السورة، كسورة " اقرأ باسم ربك " وسورة " والنجم " وأما إذا كانت في أثناء السورة فلا يعيد الفاتحة، إذ لا يكون ركوعه لا عن قراء‌ة بل يكون

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٧ باب ٣٧ من أبواب القراء‌ة في الصلاة. ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٧ باب ٣٧ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٣. (*)


ركوعه عن قراء‌ة لقراء‌ته بعد سجدة العزيمة بقية السورة.

وعلى كل حال مقتضى الجمع بين هذه الروايات عدم جواز قراء‌ة العزيمة في الفريضة. نعم في رواية علي بن جعفر(١) المتقدمة ما يدل على جواز قراء‌ة العزيمة في الفريضة ولكن ذيل الرواية تدل على عدم الجواز لقولهعليه‌السلام : " وذلك زيادة في الفريضة ولا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة " ويمكن حمل صدرها على التقية لاشعار حملة من روايات الباب على ذلك فتأمل فيها جيدا.

وعلى كل حال لا ينبغي التوقف في عدم الجواز سواء استظهرنا من النهي المانعية أو الحرمة التكليفية، وتكون قراء‌تها مبطلة على كل تقدير سواء قلنا: إن قولهعليه‌السلام : " فلان السجود زيادة في المكتوبة "(٢) علة التشريع أو علة الحكم. ولا يدور البطلان مدار فعل السجدة خارجا بل بنفس قراء‌ته العزيمة تبطل الصلاة.

أما بناء على المانعية وكون العلة حكمة التشريع فواضح، وأما بناء على كونها علة الحكم فالبطلان حينئذ من أمر الشارع بالسجدة المبطلة لما تقدم من أنه لا يجتمع الصحة والامر بالمضي مع الامر بفعل المبطل بل تبطل الصلاة بنفس الشروع بقراء‌ة العزيمة على بعض الصور. ولا بأس بذكر الاقسام المتصورة في المقام حتى يعلم أن أيا منها يندرج تحت أخبار الباب وأيا منها لا يندرج.

فنقول: إما أن يكون هو المباشر لقراء‌ة العزيمة، وإما أن يكون باستماع لقراء‌ة غيره، وإما أن يكون بسماع. وعلى تقدير المباشرة إما أن يكون عن عمد، وإما أن يكون عن نسيان، وعلى التقديرين إما أن يقرأ السورة بقصد الجزئية، وإما أن يقرأها بقصد القرآنية.

وعلى كل التقديرين إما أن يكون قاصدا إلى الانهاء إلى

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٠ باب ٤٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


آية السجدة، وإما أن يكون قاصدا عدم الانهاء، وإما أن يكون لا قصد. ثم إنه إما(١) أن نقول: بدلالة النهي على المانعية، وإما أن نقول: بدلالته على الحرمة التكليفية. وعلى تقدير المانعية فإما أن نقول باختصاص المانعية بما إذا جعلها في مكان الجزء بأن يكون المانع جعلها جزء في الصلاة في مكان السورة المأمور بها، وإما أن نقول بالمانعية مطلقا بمعنى أن قراء‌ة العزيمة في الصلاة تكون من الموانع في أي مكان حصل ولو في القنوت. ثم إنه إما أن نقول إن المنهي عنه خصوص آية السجدة، وإما أن نقول مجموع السورة ولو بملاحظة آية السجدة بأن تكون السورة منهيا على جهة المانعية أو التكليف لجزئها لا لنفسها، وعلى جميع التقادير إما أن نقول بأن قولهعليه‌السلام : " فإن السجود زيادة في الفريضة "(٢) حكمة التشريع وإما أن نقول إنه علة الحكم. فهذه جملة الاقسام المتصورة في فعل المكلف والاحتمالات المتصورة في أخبار الباب.

فإن قلنا: إن المانعية أو الحرمة مقصورة بما إذا أتى بها بعنوان الجزئية فقراء‌ة العزائم بعنوان القرآنية كلا أو بعضا بقصد الانهاء إلى آية السجدة أو عدم القصد أو قصد العدم مما لا مانع عنه حينئذ، ويكون خارجا عن أخبار الباب، إلا أن قصر المانعية أو الحرمة بصورة الجزئية محل منع بعد إطلاقات الاخبار، ودعوى انصرافها إلى خصوص قصد الجزئية ممنوع، بل ظاهر قولهعليه‌السلام : لا تقرأ شيئا من العزائم(٣) ، يعم قصد الجزئية والقرآنية فيكون مخصصا لما دل على جواز

____________________

(١) التقسيم السابق على ثم إنما يكون بلحاظ فعل المكلف وما بعدها يكون بلحاظ ما يحتمل في أخبار الباب " منه ".

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١ وفيه " في المكتوبة ".

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١ مع اختلاف يسير. (*)


قراء‌ة القرآن في الصلاة، كما كان مخصصا لما دل على الاكتفاء بأي سورة.

ولا موجب للتخصيص بخصوص قصد الجزئية إلا دعوى الانصراف إليه ومنشأ الانصراف ليس إلا غلبة جعل العزيمة في مكان السورة المأمور بها، ومثل هذا الانصراف الناشئ عن غلبة الوجود مما لا عبرة به، فالاقوى عموم المانعية أو الحرمة لما إذا قصد القرآنية أيضا، وبعد ذلك نقول: إن الظاهر من النهي عن قراء‌ة العزيمة بضميمة التعليل ومناسبة الحكم والموضوع هو كون المانع أوالمحرم هو خصوص آية السجدة، فمع عدم القصد إلى الانهاء إلى آية السجدة سواء قصد العدم أو كان لا قصد لا موجب للحرمة ولا للبطلان، بل يختص البطلان بما إذا قصد الانهاء إلى آية السجدة، وبعد القصد لا يتوقف البطلان على تحقق آية السجدة خارجا، بل بمجرد الشروع في السورة مع القصد تبطل الصلاة ويكون فاعلا للمحرم.

نظير تصوير ذوات الارواح حيث إن الشروع في التصوير مع قصد الانهاء إلى تمام الصورة يكون محرما ويكون من أول الامر فاعلا للمحرم. والسر في ذلك هو صدق قراء‌ة العزيمة أو التصوير مع القصد المذكور بمحض الشروع. ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين أن نقول: إن المستفاد من الادلة هو المانعية كما هو أظهر الوجهين، أو نقول: إن المستفاد منها هو الحرمة، إذ بناء على الحرمة أيضا تبطل الصلاة سواء قرأ العزيمة بقصد الجزئية أو قرأها بقصد القرآنية، غايته أنه لو قرأها في مكان السورة الواجبة يكون المقام من صغريات النهي عن جزء العبادة، وقد قلنا في محله ببطلان العبادة.

وإن قرأها بقصد القرآنية يكون ملحقا حكما بكلام الآدمي المبطل وإن لم يكن هو موضوعا، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله في محله.

كما أنه لا فرق فيما ذكرنا بين أن نقول بأن العلة علة للحكم أو علة للتشريع،


إذ بناء على كونها علة للحكم قد عرفت أنه لا يدور البطلان مدار فعل السجود خارجا بل مدار أمر الشارع بالسجود المبطل، حيث إن الامر بالمبطل لا يجتمع مع الامر بالمضي.

نعم بناء على أن تكون العلة علة التشريع لا يتوقف البطلان على قراء‌ة آية السجدة، بل بمحض الشروع في السورة بقصد الانهاء إلى آية السجدة تبطل، وهذا بخلاف ما إذا كانت علة الحكم فإن الامر بالسجود المبطل إنما يتحقق بعد قراء‌ة آية السجدة فقبلها لا أمر بالمبطل حتى لا يجتمع مع الامر بالمضي. هذا كله في صورة تعمد قراء‌ة العزيمة.

وأما في صورة النسيان فالكلام فيه يقع من جهتين الاولى: في حكم ما قرأه من العزيمة. الثانية: في حكم سجود العزيمة. أما الكلام في الجهة الاولى: فلا إشكال في أنه لو شرع في العزيمة نسيانا وتذكر قبل آية السجدة يجب عليه العدول إلى سورة اخرى على كلا تقديري المانعية والحرمة، ولا يضر ما أتى به في حال النسيان لانه زيادة سهوية مغتفرة، وليس من مسألة القران أيضا. وأما إذا تذكر بعد آية السجدة ففي وجوب إتمامها والاكتفاء بها بدل السورة الواجبة عليه أو وجوب إبدالها بسورة اخرى وجهان مبنيان على أن المانعية هل معلولة للنهي حتى ترتفع بارتفاع النهي بسبب النسيان وتكون سورة العزيمة حينئذ من أفراد مطلق السورة المأمور بها، أو أن النهي والمانعية كلاهما معلولين لعلة ثالثة وهي الملاك فبارتفاع النهي بسبب النسيان لا يرتفع ما هو ملاك المانعية فلا تصلح سورة العزيمة أن تقع جزء للصلاة ولا بد حينئذ من إتيان سورة اخرى غايته أن ماقرأ نسيانا يكون زيادة مغتفرة بمقتضى حديث " لا تغاد "(١) ولو لا الحديث لقلنا بالبطلان أيضا لما فيه من ملاك المانعية؟ وهذا

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


هو الاقوى، لان معلولية المانيعة للنهي يبتني على كون ارتفاع أحد الضدين مقدمة لوجود الآخر، وقد ذكرنا في مبحث الضد بطلان المقدمية كما ذكرنا في تنبيهات الاقل والاكثر وجه الابتناء فراجع.

وقد جعل شيخنا الاستاذ - مد ظله - في وسيلته الاتمام بقصد القرآنية أحوط، ولم يظهر وجه هذا الاحتياط إلا خروجا عن المخالفة لمن قال بالاكتفاء بها. وعلى كل حال الاقوى وجوب قراء‌ة سورة اخرى سواء تذكر قبل إكمال سورة العزيمة أو بعده.

وأما الكلام في الجهة الثانية: فيقع الكلام فيها أولا: من حيث ما تقتضيه القاعدة، وثانيا: من حيث ما يستفاد من أخبار الباب. أما الحيثية الاولى: فالقاعدة تقتضي وجوب السجود عليه في أثناء الصلاة، وذلك لان السجود للعزيمة بنفسه لم يكن زيادة في الصلاة حتى تشمله أدلة الزيادة، إذ لم يأت به بقصد كونه من الصلاة بل قصد عدم كونه من الصلاة، ومع قصد العدم لا يصدق عليه الزيادة. ومقتضى ما دل على فورية السجود هو وجود السجود في الاثناء وعلى فرض كون السجود للعزيمة زيادة في الصلاة كما هو مقتضى التعليل نقول: إن هذه الزيادة ملزم بها شرعا بمقتضى ما دل على فورية السجود، فهو مقهور عليها شرعا.

وقد قلنا في محله إن حديث " لا تعاد "(١) وإن كان مخصوصا بصورة النسيان ولا يعم الجاهل فضلا عن العامد، إلا أن القهر الشرعي ملحق بالنسيان ويشمله حديث " لا تعاد " لان كل ما كان يلزم منه إعادة الصلاة فحديث " لا تعاد " يكون حاكما فيما عدا الاركان. فكل واجب فوري إذا عرض في أثناء الصلاة كان اللازم فعله في الاثناء من دون أن يستلزم

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١ (*)


بطلان الصلاة إلا إذا أوجب خللا في الاركان، ومن هنا قلنا بوجوب صلاة الآيات في أثناء الصلاة، إذ لا يلزم من ذلك إلا فوات الموالاة بين الاحزء وهي ليست من الاجزاء الركنية حتى تدخل في عقد المستثنى في حديث " لا تعاد "(١) وفورية صلاة الآيات يوجب عدم بطلان الصلاة بفوات الموالاة بمقتضى حديث " لا تعاد " والحاصل: أن كل واجب فوري يجوز فعله في أثناء الصلاة مالم يخل بالاركان وإن كان من سنخ أفعال الصلاة، ولا يضر زيادته في الصلاة، فإن الالزام الشرعي ملحق بالنسيان في شمول " لا تعاد " له، وفي المقام يجب عليه السجود للعزيمة في أثناء الصلاة ولا يكون مبطلا للصلاة بمقتضى حديث " لا تعاد ".

وبذلك يظهر ضعف ما صدر عن بعض الاعلام في المقام من معاملة التعارض بين حرمة إبطال الصلاة وبين وجوب فورية السجود، وتقديم حرمة الابطال للاهمية أو غيرها، فإن السجود للعزيمة لا يستلزم البطلان حتى يقع التعارض بينهما.

وبما ذكرنا يظهر أن مقتضى القاعدة في صورة الاستماع أو السماع هو ذلك أيضا أي فعل السجود في أثناء الصلاة من دون أن يستلزم ذلك بطلان الصلاة من غير فرق بين أن نقول بحرمة الاستماع أو لم نقل على ما يأتي بيانه، هذا كله حسب ما تقتضيه القاعدة. ولكن مقتضى ما يستفاد من التعليل هو بطلان الصلاة بزيادة السجود، بداهة أن قولهعليه‌السلام : " لان السجود زيادة في المكتوبة " بمنزلة قوله إن السجود يبطل الصلاة، وليس المراد صدق الزيادة على السجود من غير تعرض

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


لحم الزيادة وإلا كان التعليل بذلك لعنوا، مضافا إلى دعوى الاجماع على عدم جواز فعل السجود في الاثناء، كما حكاه الشيخ عن بعض مشايخه وإن نقل خلاف ذلك عن كاشف الغطاء(١) ومضافا إلى ما سيأتي في بعض الاخبار(٢) من الامر بالايماء هذا.

ولكن الانصاف أن المسألة بعد في غاية الاشكال. ومنشأ الاشكال هو التعليل المذكور في الروايات(٣) . حيث إنه لم يظهر لنا بعد كونه علة للحكم أو علة التشريع، فلو كانت علة للتشريع كان اللازم هو فعل السجود إذا قرأ العزيمة نسيانا إذ الزيادة حينئذ تكون حكمة لعدم جواز قراء‌ة العزيمة، وفي صورة النسيان لا يكون نهي. وقد عرفت أن القاعدة حسب ما يقتضيه حديث " لا تعاد "(٤) عدم البطلان بمثل هذه الزيادة إلا أن ذلك أيضا يتوقف على وجوب الفورية في سجود العزيمة. وقد حكي أنه لا دليل على وجوب الفورية إلا الاجماع وهو مفقود في المقام، بل قد عرفت أن الاجماع محكي على خلافه ولو كانت العلة علة للحكم كان زيادة السجود مطلقا مبطلا فلا يجوز فعله في الاثناء كما لا يخفى. فالعمدة معرفة كون العلة علة الحكم أو التشريع.

والانصاف أن الكلام من هذه الجهة مجمل ولا أقل من احتفافه بما يصلح للقرينة، أي يصلح لان يكون علة الحكم والتشريع. ثم إنه ربما قيل بحرمة الاستماع. ولعل وجهه هو كونه موجبا لتأخير الواجب الفوري من السجود لو أخر السجود إلى ما بعد الصلاة أو إبطاله للصلاة إذا فعله في

____________________

(١) كشف الغطاء: ص ٢٣٦ سطر ٢٦.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٨٨٢ باب ٤٣ من أبواب قراء‌ة القرآن، ح ٢ و ٣.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٩ باب ٤٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١ و ٤.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


الاثناء، فهو سبب للوقوع إلى أحد المحذورين لا محالة، فتأمل.

وعلى كل حال الاقوى في جميع صور المسألة هو عدم فعله للسجود في الاثناء واستلزامه للبطلان.

وعليه فهل يؤخره إلى ما بعد الصلاة أو يومي إليه في الاثناء؟ ظاهر بعض الاخبار هو الثاني وهو ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسىعليه‌السلام : قال: سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرأ إنسان السجدة كيف يصنع؟ قالعليه‌السلام : يومي برأسه(١) .

قال: وسألته عن الرجل يكون في صلاة فيقرأ آخر السجدة؟ قال: يسجد إذا سمع شيئا من العزائم إلا أن يكون في فريضة فيومي برأسه إيماء(٢) . وفي معناه روايات اخر(٣) إلا أن الذي ذكرناه أظهر دلالة كما لا يخفى على المراجع لاحتمال التقية في البواقي. والاشكال في الايماء من حيث [ انه ] بدل عن السجود وهو في حكم المبدل فتكون زيادته مبطلة أيضا ضعيف غايته، لان البدلية في المقام ثبتت بالخصوص دفعا لمحذور الزيادة فهو اجتهاد في مقابل النص. نعم لابد من إحراز العمل بهذه الروايات والاحوط هو الجمع بين الايماء والسجود بعد الصلاة، فتأمل في المقام جيدا، فإن المسألة بعد غير خالية عن شوائب الاشكال.

الامر الرابع: يعتبر في القراء‌ة أمور: الاول: التلفظ بها بحيث يصلح أن يسمعها المتكلم ولو شأنا.

فلا يكفي مجرد حركة اللسان والشفة.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٨٨٢ باب ٤٣ من أبواب قراء‌ة القرآن، ح ٣ من كتاب الصلاة.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٨٨٢ باب ٤٣ من أبواب قراء‌ة القرآن، ح ٤ من كتاب الصلاة.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٨ باب ٣٨ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١ وص ٧٧٧ باب ٣٧، ح ٢. (*)


الثاني: صحتها من حيث المادة والهيئة من قواعد الصرف والنحو وكيفية التلفظ بها على ما جرى عليه اسلوب الكلام، فلا يجوز إخراج الحرف من غير مخرجه ولاتبديله بحرف آخر وإن كان ذلك بتديل الضاد بالظاء. وفي حكم الحروف الاعراب والتشديد وغير ذلك مما هو مذكور في المفصلات. نعم في الوقت بالحركة أو الوصل بالسكون إشكال، والاحتياط لا يترك خصوصا في الاول.

الثالث: أن يكون بإحدى القراء‌ت السبع على الاحوط والبحث عن تواتر القراء‌ات السبع وجواز القراء‌ة بكل واحدة وعدم التجاوز عنها أو جوازه إلى القراء‌ات العشر كلام مذكور في المفصلات، فراجع.

الرابع: الموالاة بين الحروف في الكلمة الواحدة أو الكلمتين في مثل الجار والمجرور والمضاف والمضاف إليه واللام مع مدخوله. وأما الموالاة فيما عدا ذلك من المعطوف والمعطوف عليه فضلا عن الآيتين فهو ليس شرطا للقراء‌ة بل هو شرط للصلاة في حال القراء‌ة على ما يأتي بيانه إن شاء الله. وتظهر الثمرة بين الوجهين فيما لو أخل بالموالاة سهوا أو بقهر قاهر، فإنه بناء على أن يكون شرطا للقراء‌ة لزم إعادتها مالم يدخل في الركوع على وجه تحصل الموالاة، ولو كانت شراطا للصلاة في حال القراء‌ة فقد فات محلها، ولا يجب عليه إعادة القراء‌ة. بل لا يجوز لاستلزامه الزيادة.

هذا كله في الاخلال بالموالاة سهوا وأما لو أخل بها عمدا كان ذلك موجبا للبطلان مطلقا كما لايخفي.

الامر الخامس: يعتبر في القراء‌ة الترتيب بين الفاتحة والسورة بتقديم الاولى على الثانية، فلو خالف التريتب بأن قدم السورة فإن كان ذلك عن عمد بطلت صلاته، للزيادة العمدية إن أتى بها في محلها.

وللنقصان أيضا إن لم يأت بها، بل لو كان من نيته ذلك من الاول الامر لم تنعقد صلاته كما لا يخفى.

ولو كان ذلك عن سهو فان تذكر قبل الركوع أتى بها بعد قراء‌ة الفاتحة ولزمه سجدتا السهو


لزيادة السورة، بناء على وجوب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة.

ودعوى أنه لا موجب لاعادة السورة في محلها بعد ما كان التقديم لنسيان، إذ لا يخل إلا بالترتيب وهو شرط للصلاة، وبعد قراء‌ة الفاتحة لم يبق محل للترتيب، لاستلزامه زيادة السورة، فهو كالاخلال بالموالاة المعتبرة في الصلاة، حيث إن الاخلال بها نسيانا بعد الدخول في الجزء اللاحق لا يوجب العود إلى ما يحصل الموالاة فالاخلال بالترتيب نسيانا لا يوجب العود إلى ما يحصل معه الترتيب، فلا موجب لاعادة السورة، واضحة الفساد. إذ المحل المضروب للسورة شرعا إنما هو بعد الفاتحة بالنسبة إلى الذاكر للفاتحة القارئ لها، فلو لم يأت بالسورة بعد قراء‌ة الفاتحة لم يكن آتيا للمأمور به.

وبالجملة: بعد ما تذكر قبل الدخول في الركوع أنه قدم السورة وجب عليه فعلها بعد الفاتحة وكان ما قدمه زيادة سهوية لعدم إتيانه بأصل المأمور به لا أن ما قدمه يكون هو المأمور به وكان الفائت محض الترتيب كما توهم. وإنما قلنا إن محل السورة بعد الفاتحة لخصوص الذاكر دفعا لما ربما يتوهم من أنه لو قرأ السورة نسيانا ودخل في الركوع من دون قراء‌ة الفاتحة بتخيل قراء‌تها كان ذلك من نسيان السورة والفاتحة معا، أما الفاتحة فبالوجدان، وأما السورة فلعدم فعلها في محلها المضروب لها شرعا وهو ما بعد الفاتحة والسورة التي قرأها لم تحسب جزء من الصلاة لعدم وقوعها بعد الفاتحة. فيلزمه سجدتا السهو لكل من السورة والفاتحة.

وجه الدفع: هو ان الفرض إنما يكون من ناسي الفاتحة فقط وليس من ناسي السورة، لان المفرض قراء‌تها وإنما اعتبر فعلها بعد الفاتحة لمن كان متذكرا لها قارئا لها، وعلى ما توهم يلزم أن لا يتصور نسيان الفاتحة فقط وهو كما ترى.

والحاصل: أن السورة التي قدمها تكون مراعى فإن تذكر قبل الركوع كانت


زيادة مغتفرة وإن تذكر بعد الركوع مع عدم قراء‌ة الفاتحة كانت جزء وكانت الفاتحة منسية فقط.

لان " لا تعاد "(١) أسقط جزئية الفاتحة، فالسورة تقع في محلها، وإلى هذا الفرض - أي فرض عدم قراء‌ة الفاتحة - نظر شيخنا الاستاذ - مد ظله - في وسيلته حيث قال: إن ذلك من نسيان الفاتحة، على ما صرح به في مجلس البحث - وإن كانت العبارة لا تخلو عن شئ.

بقي في المقام فرع لم يتعرض له شيخنا في وسيلته وهو ما إذا قدم السورة سهوا وقرأ الفاتحة بعدها وركع. وحكمه الصحة وتكرار سجدتي السهو للزيادة والنقيصة، أما النقيصة فلعدم قراء‌ة السورة المأمور بها بعد الفاتحة، وأما الزيادة فلما قدم من السورة: ثم لا يخفى عليك أن عبارة الوسلية في المقام لا تخلو عن إيهام على خلاف ما هو المقصود.

الامر السادس: يجب تعيين البسلمة قبل الشروع في السورة، بناء على أن تكون جزء من كل سورة لاجزء من الصلاة عند افتتاح السورة، فإن هذا خلاف ما يقتضيه التدبر في بعض الاخبار. فإذا كانت جزء من كل سورة فلابد من تعيينها إذ لا مائز بين البسملات المشتركة بين جميع السور سوى القصد، بداهة أن صيرورة البسملة جزء للاخلاص دون الجحد إما بالقصد وإما شرط تعقبها بالاخلاص على نحو الشرط المتأخر، والثاني وإن كان ممكنا إلا أنه بعيد، لان وصف التعقب لابد له من لحاظ وعناية زائدة مفقودة في المقام، فلم يبق إلا القصد.

وقياس أجزاء السورة بأجزاء المركبات الخارجية حيث إن الاجزاء السابقة تصلح لانضمام الاجزاء اللاحقة لها وتأليف المركب من المجموع مع وقوع الاجزاء

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من ابواب القبلة، ح ١. (*)


السابقة بلا قصد أو بقصد عدم ذلك المركب في غير محله. وذلك لان اللازم هو قراء‌ة سورة من السور التي نزلت على قلب سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن المعلوم أنه كانت لكل سورة بسملة شخصية، فاللازم في مقام الامتثال من قصد حكاية تلك السورة بتلك البسملة، وإلا لم يكن قراء‌ة لتلك السورة. فتأمل جيدا.

نعم لا يلزم القصد تفصيلا بل يكفي الاجمالي منه المرتكز في الذهن الناشئ عن الاعتياد، لان الاعتياد يوجب الجري على اللسان ولو مع عدم التفات إليه تفصيلا إلا أن القصد المرتكز في الذهن يكفي، بل لو كان معتادا لسورة خاصة ولكن جرى على لسانه بسملة وسورة اخرى من دون قصد إليها كفى أيضا، إلا إذا كان قاصدا لما اعتاده أو غيره فنسي وجرى على لسانه غير ما قصده، لان جرى البسملة مع السورة على اللسان يكشف عن وقوعهما عن مبدأ واحد وإرادة واحدة وإن لم يلتفت إليها تفصيلا.

وهذا بخلاف ما إذا جرى على لسانه البسملة فقط، فإن ذلك لا يوجب تعينها لما يقع بعدها من السورة، بل لابد من قراء‌ة بسملة اخرى بقصد سورة خاصة، فتأمل في المقام فإنه لا يخلو عن كلام.

الامر السابع: اختلفت كلمات الاصحاب في جواز القران بين السورتين وعدمه. فالمشهور بين المتقدمين على ما حكي عنهم هو عدم الجواز، والمشهور بين المتأخرين هو الجواز، ومنشأ الاختلاف هو اختلاف الاخبار. فمما يدل على عدم الجواز ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما قال: سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة فقالعليه‌السلام : لا، لكل سورة ركعة(١) ، وما رواه المفضل بن صالح عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: لا تجمع بين السورتين

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤٠ باب ٨ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


في ركعة إلا الضحى وألم نشرح والفيل ولا يلاف(١) وغير ذلك من الاخبار(٢) الظاهرة في المنع.

ومما يدل على الجواز ما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا عبدالله عن القران بين السورتين في المكتوبة والنافلة قالعليه‌السلام : لا بأس(٣) .

وقد حمل المتأخرون أخبار المنع على الكراهة في خصوص الفريضة دون النافلة، لما ورد من جواز القران فيها، كما في رواية علي بن محبوب عن أبي جفعرعليه‌السلام : إنما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة وأما النافلة فلا بأس(٤) والمتقدمون حملوا أخبار الجواز على التقية لموافقتها لمذهب العامة. خصوصا مع كون الراوي للجواز مثل علي بن يقطين الذي هو في زمان شدة التقية، هذا.

ولكن الانصاف أن مقتضى [ الجمع ] هو ما صنوعه المتأخرون، لان الترجيح بالجهة متأخر عن الترجيح الدلالي، مضافا إلى ما قيل من أن الجواز ليس مذهب عموم العامة بل هو خصوص مذهب الشافعية، التي لم يظهر أمرها في زمان الصادقين بمثابة يوجب الاتقاء عنهم، بل المذهب الشائع في زمانهما هو مذهب الحنفية، هذا. ولكن مع ذلك في النفس شئ، من جهة عدم عمل القدماء بأخبار الجواز. والمنع عن شهرة القدماء على المنع مخالف للوجدان كما لا يخفى على المراجع. كما أن طعن القدماء بعدم عثورهم على روايات الجواز من حيث عدم تنقيح الاصول الاربعمائة في زمانهم خلاف الانصاف لان بناء المتقدمين على المنع حتى من كان زمانه متأخرا عن تدوين الكتب والجوامع الاربع.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤٤ باب ١٠ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥ وفيه اختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤١ و ٧٤٢ باب ٨ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥ و ١٠.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤٢ باب ٨ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٩.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤١ باب ٨ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٦. (*)


والحاصل: أن العمدة في المسألة هو أن عدم عمل القدماء على أخبار الجواز هل هو إعراض عنها بحيث يوجب ضعفها أولا؟ فالانصاف أنه لا يمكن الجزم بأحد طرفي المسألة فالاحتياط لا ينبغي تركه.

ثم إنه على كل من الحرمة أو الكراهة فهل يختص المنع بالسورتين الكاملتين أو يعم سورة وبعض من اخرى، أو يعم تكرار بعض من الاولى؟ وعلى كلا التقديرين فهل يختص المنع بما إذا كان من نيته أولا القران بينهما أو يعم ما إذا عرض لك ذلك بعد قراء‌ة السورة؟ وعلى جميع التقادير فهل يختص المنع بما إذا أتى بالسورتين بقصد الجزئية أو يعم ما إذا أتى بهما بقصد القرآنية؟

أما الجهة الاولى: فظاهر بعض الاخبار وإن كان هو الاختصاص بالسورتين الكاملتين. إلا أن مقتضى خبر منصور بن حازم من قولهعليه‌السلام : لا تقرأ بأقل من سورة ولا بأكثر(١) هو التعميم.

وأما الجهة الثانية: فالظاهر اختصاص الباب بما إذا كان القران بين سورتين متغايرتين، فلا يعم تكرار السورة الواحدة أو بعض منها فتأمل جيدا.

وأما الجهة الثالثة: فمقتضى إطلاق أدلة الباب هو عدم الفرق بين ما إذا كان من نيته ذلك من أول الامر أو عرض له ذلك بعد قراء‌ة السورة نعم ربما ينافيه أخبار العدول(٢) قبل تجاوز النصف بناء على تعميم القران لمطلق الزيادة كما هو المختار(٣) .

وأما الجهة الرابعة: فإطلاق أخبار الباب يقتضي التعميم لما إذا قصد

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٣٦ باب ٤ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٦ باب ٣٦ من ابواب القراء‌ة في الصلاة.

(٣) اللهم إلا أن يقال: إن أخبار القران مختص بما إذا قرأ الزائد على السورة بعد ما قرأ سورة كاملة فلا يعارضها أخبار العدول إذ هي على العكس منه. فتأمل. (*)


القرآنية أيضا فلا اختصاص لها بصورة قصد الجزئية كما اختاره في الجواهر(١) ولا اختصاص لها أيضا بصورة قصد القرآنية كما نسب إلى المحقق الكركي(٢) زعما منه أن محل الكلام هو هذا.

وأما إذا قصد الجزئية فلا إشكال في البطلان لاستلزامه الزيادة العمدية المبطلة، ولا يخفى عليك فساده للمنع عن صدق الزيادة في الفرض. وتفصيل ذلك هو أنه يعتبر في صدق الزيادة في باب الاجزاء أحد أمرين. الاول: ما إذا أخذ العدد في الجزء كما إذا قيل يجب ركوع واحد أو سجدتان فإن في مثله يكون الزائد عن ذلك العدد زيادة في العدد. الثاني: ماإذا أخذ بلحاظ صرف الوجود حيث إنه يصدق الزيادة بعدما إذا تحقق صرف الوجود. وهذا أيضا ليس على إطلاقه، بل إنما هو إذا كان الوجود الثاني محدودا بحد من وجوديه مغاير لما حد به الاول، ويكونا. من المتباينين بالهوية وإن جمعهما الطبيعة كالسورتين، حيث إن السورة الثانية إنما توجه بعد انتهاء السورة الاولى بحدودها.

ففي مثل هذا لو كان المطلوب في السورة هو صرف الوجود كانت السورة الثانية زيادة، وأما إذا لم يكن المطلوب صرف الوجود بل القدر المشترك بين الزائد والناقص هو الذي تعلق به الطلب، كمافي التخيير بين الاقل والاكثر. أو كان المطلوب صرف الوجود ولكن لم يكن للوجود الثاني حد وجودي مغاير للوجود الاول، بل كان المائز بين الوجودين هو الحد العدمي. فمع عدم تخلل العدم لا يصدق الزيادة كالخط حيث إنه مالم يتخلل العدم لم يكن هناك إلا خط واحد وإن وصل إلى ما لا نهاية له، ولا يصدق الزيادة، وإن كان المطلوب منه صرف الوجود، إذ تمام الخط المستطيل صرف وجود واحد بلا زيادة فيه

____________________

(١) و (٢) جواهر الكلام: ج ٩ ص ٣٥٨. (*)


إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر الادلة الاولية التي اعتبرت السورة في الصلاة هو أن يكون اعتبارها على نحو صرف الوجود، إذ اعتبارها على نحو القدر المشترك بين الزائد والناقص يحتاج إلى عناية مفقودة، وحيث إن لكل سورة حدا وجوديا كان الزائد عن سورة واحدة زيادة وتندرج مع قطع النظر عن أخبار الباب(١) في أدلة الزيادة الموجب عمدها للبطلان هذا ما يقتضيه القاعدة الاولية.

وأما بعد ملاحظة أخبار الباب فإن قلنا: إن المستفاد منها هو الحرمة والمانعية فتكون أخبار الباب من جملة ما دل على بطلان الصلاة بالزيادة، ولا يستفاد منها حينئذ حكم وراء ما يستفاد من أدلة الزيادة، وإن قلنا إن المستفاد منها هو الكراهة، فتكون هذه الاخبار كاشفة عن أن اعتبار السورة في الصلاة لا على وجه صرف الوجود بل على وجه القدر المشترك بين الزائد والناقص، وإن كان الناقص أفضل كما دل عليه أخبار الباب، ولا محذور فيه أيضا.

وعلى كل حال إطلاق أدلة الباب يقتضي عدم الفرق بين قصد الجزئية والقرآنية، كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين ما إذا كان قاصدا للجزئية من أول الامر بكلا السورتين، أو قصد أولا الجزئية بالسورة الاولى وبعد ذلك أيضا قصد الجزئية بالثانية، بأن جعل كلا من السورتين جزء مستقلا، فتأمل، فإنه ربما ينافي هذا مع كون المطلوب هو القدر المشترك بين الزائد والناقص، ولكن مع ذلك يمكن توجيهه بما لا ينافي ذلك.

ثم إن المنع من القران بين السورتين إنماهو فيما عدا سورة الضحى وألم نشرح. وما عدا الفيل ولايلاف، إذ فيها يتعين الجمع بين السورتين، ولا يجوز الاقتصار على واحد منهما لتضافر النصوص بذلك التي منها ما تقدم في رواية المفضل بن

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤٠ باب ٨ من ابواب القراء‌ة في الصلاة. (*)


صالح(١) ، مضافا إلى دعوى الاجماعات المستفيضة، فلا إشكال من حيث الحكم. إنما الاشكال في اتحاد السورتين موضوعا، وكذا الكلام في وجوب الفصل بينهما بالبسلمة. ولكن بعض الاخبار شاهد على الاتحاد الموضوعي، مضافا إلى أن مناسبة المعنى يقتضي الاتحاد أيضا. نعم في وجود الفصل بينهما بالبسملة إشكال، وربما حكي عن بعض الاعلام عدم الفصل ولكن ذكرها في المصاحف ربما يدل على وجود البسملة.

وعلى كل حال الاحوط ترك قراء‌ة السورتين في الصلاة من جهة الاختلاف في وجوب الفصل بالبسلمة وعلى تقدير قراء‌تهما الاحوط قراء‌ة البسملة بقصد القربة المطلقة.

الامر الثاني: في مسائل العدول عن سورة إلى اخرى، وقبل بيان ذلك ينبغي بيان ما هو الاصل في المسألة حتى يكون عليه المعول عند الشك. اعمل أن التخيير في قراء‌ة أي سورة من سور القرآن ما عدا العزائم إما أن يكون من قبيل التخيير الشرعي وإما أن يكون من قبيل التخير العقلي.

فإن كان من قبيل التخيير الشرعي فجواز العدول وعدم جوازه يدور مدار كون التخيير ابتدائيا أو استمراريا، بمعنى أنه لو اختار أحد فردي التخيير الشرعي فله العدول عن ذلك الفرد ورفع اليد عنه في الاثناء إلى فرد آخر او ليس له ذلك بل يتعين عليه بمحض الشرع في أحد الفردين مالم يعرض ما يبطله وتعين ذلك الفرد عليه يتوقف على أمرين: (الاول): عدم كون الاعراض عن الشئ مبطلا. (الثاني): كون الامتثال في التدريجيات تدريجيا لا دفعيا، أو ولو كان دفعيا إلا أن اقتضاء الخطاب للباعثية والمحركية يبطل بالنسبة إلى ما فعله من الاجزاء

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٤٤ باب ١٠ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥. (*)


وتوضيح الامرين هو: أن الاعراض عن العمل في الاثناء تارة يكون مبطلا كما في باب الصوم، حيث [ إن ] الاعراض يوجب وقوع جزء من الامساك بلانية ولو آنا ما وهو مبطل، لاعتبار استدامة النية في جميع آنات الامساك واخرى لا يكون مبطلا، كما في باب الوضوء، إلا إذا تعقب الاعراض وقوع فعل من أفعال الوضوء بلانية، وإلا فنفس الاعراض غير موجب للبطلان، فلو أعرض عن الوضوء في الاثناء فله العود وإتمام وضوئه، وأما في باب الصلاة فإن قلنا بأن للصلاة هيئة اتصالية المعبر عنها بالجزء الصوري.

فالاعراض عنها في الاثناء يوجب فوات الاستدامة الحكمية المعتبرة في الاثناء، حيث إنه بناء على هذا يعتبر استدامة النية في جميع الكون الصلاتي ولو مع عدم الاشتغال بأفعالها، وإن لم نقل بالجزء الصوري في باب الصلاة فالاعراض عنها من دون أن يوجب وقوع فعل بلانية غير موجب للبطلان كما في باب الوضوء، لكن هذا بالنسبة إلى الاعراض عن الصلاة، وأما الاعراض عن السورة الذي هو محل كلامنا فهو غير موجب للبطلان لا للصلاة ولا للسورة، أما الصلاة فلعدم الاعراض عنها، وأما السورة فلعدم الدليل على أن الاعراض موجب لبطلانها هذا بالنسبة إلى الامر الاول وأما الامر الثاني: فتوضيحه أنه لا إشكال في أن الغرض والملاك في الارتباطيات لا يحصل إلا بعد الفراغ عن العمل بتمام أجزائه المعتبرة فيه، إلا أن الشأن في تصوير حال الامر، فإن العمل لو كان تدريجيا كالصلاة فبعد الاتيان ببعضه لا يعقل بقاء ذلك الامر كما كان، إذ يلزمه استئناف العمل دائما، إذ الصلاة عبارة عن مجموع الافعال التي أولها التكبير وآخرها التسليم، فلو كان الامر بالصلاة باقيا بعد الاتيان بركعة أو انقص كان اللازم هو استئناف الصلاة من رأس دائما. ومن هنا التزم بعض الاعلام أن امتثال الامر في التدريجيات إنما يكون على وجه التدريج حسب تدرج العمل، بمعنى أن فعل كل جزء يوجب


حصول مقدار من امتثال الامر حسب تعلقه بذلك الجزء، ويخرج ذلك الجزء عن تحت دائرة الطلب كخروجه عن الارادة في التكوينيات، بداهة أنه من أراد بناء الدار مثلا فعند فعل كل جزء من أجزاء الدار يخرج ذلك الجزء عن الارادة.

وحيث أشكل هذا المعنى على بعض الاعلام من حيث ارتباطية العمل فلا معنى للامتثال التدريجي التزم بأن الامر وإن لم يسقط بعد، إلا أن اقتضاء‌ه للداعوية والمحركية والباعثية يسقط بالنسبة إلى الاجزاء المأتي بها، وهذا أيضا وإن لا يخلو عن إشكال فإن سقوط اقتضاء الامر لا يكون إلا بالامتثال، إلا أنه لا محيص عن الالتزام بأحد المسلكين، لما عرفت من أنه لا يعقل بقاء الامر على ما كان عند فعل بعض أجزاء المركب.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنه بعد ما كان الاعراض غير موجب للبطلان وبعد سقوط الامر عما كان عليه بعد قراء‌ة بعض السورة، فلا معنى حينئذ لبقاء الامر التخييري واستدامته إلى الفراغ، بل لا محيص عن القول بعدم بقاء الامر التخييري، فيتعين حينئذ إتمام السورة. وليس له العدول لاستلزامه الزيادة بعدما لم يبطل الاعراض ما قرأه من السورة. ودعوى - أن الامر في التدريجيات وإن لم يبق على ما هو عليه عند فعل بعض الاجزاء إلا أن الملاك لم يحصل إلا بالفراغ عن العمل بتمام أجزائه وعليه يكون الملاك الذي اقتضى وجوب السورة على حاله وبعد بقاء الملاك لا موجب لتعين تلك السورة عليه، فله العدول إلى سورة اخرى لان الملاك يحصل بأحد الامرين إما بإتمام ما بدأ به وإما باستئناف سورة اخرى، فتعيين الاتمام بلا موجب - ضعيفة. فإن الملاك أيضا لايمكن بقاؤه على ما كان وإلا لا قتضى بقاء الامر على ما كان، لتبعية الامر للملاك، فلابد من القول بسقوط الملاك أيضا بمقدار دخل الاجزاء المأتي بها فيه، فتأمل في المقام، فإن ارتباطية العمل ربما ينافي ما ذكرناه.


ثم إن ما ذكرنا من عدم بقاء الامر على ما كان عليه لا يختص بالتخيير الشرعي بل يجري في التخيير العقلي أيضا، وإن كان التخيير الشرعي أوضح فحينئذ يكون الاصل عدم جواز العدول مطلقا سواء قلنا بأن الامر بالسورة من باب التخيير الشرعي أو العقلي.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن توضيح الامر في العدول يقع في طي مسائل: الاولى: لا إشكال في جواز العدول من كل سورة إلى(١) الجحد والتوحيد، فيما عدا الجمعة والمنافقين في يوم الجمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله، ويدل على ذلك عدة من الروايات التي منها ما رواه عمرو بن أبي نصر في الصحيح عن الصادقعليه‌السلام : في الرجل يقوم في الصلاة يريد أن يقرأ سورة فيقرأ قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون فقالعليه‌السلام : يرجع من كل سورة إلا " قل هو الله أحد " و " قل يا أيها الكافرون "(٢) . وغير ذلك من الروايات(٣) الظاهرة الدلالة في جواز العدول عن كل سورة.

المسألة الثانية: اختلفت كلمات الاصحاب في حد العدول على أقوال ثلاثة بعد اتفاقهم على عدم جوازه إذا تجاوز ثلثي السورة بل يتعين عليه إتمام تلك السورة فقيل: يجوز العدول إلى أن يبلغ ثلثي السورة وهو المنسوب إلى كاشف الغطاء(٤) ويدل عليه رواية عبيد بن زرارة في الموثق في الرجل يريد أن يقرأ السورة. فيقرأ غيرها فقالعليه‌السلام : له أن يرجع ما بينه وبين أن يقرأ ثلثيها(٥)

____________________

(١) كذا في النسخة: والظاهر أن والصحيح " إلا ".

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٥ باب ٣٥ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٦ باب ٣٦ من ابواب القراء‌ة في الصلاة.

(٤) كشف الغطاء: ص ٢٢١.

(٥) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٦ باب ٣٦ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٢. (*)


وقيل: بجواز العدول إلى أن يبلغ النصف، فإذا بلغ النصف فليس له العدول وهو الذي نسبه الشهيد(١) إلى الاكثر. ويدل عليه ما في الفقه الرضوي قال العالمعليه‌السلام : لا يجمع بين السورتين في الفريضة.

وسئل عن الرجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة، ثم ينسى فيأخذ في الاخرى حتى يفرغ منها ثم ذكر قبل أن يركع قالعليه‌السلام : لا بأس(٢) . وتقرأ في صلاتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة " الجمعة " و " المنافقون " و " سبح اسم ربك الاعلى " وإن نسيتها أو واحدة فلا إعادة عليك فإن ذكرتها من قبل أن تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة وإن لم تذكرها إلا بعدما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك(٣) . وعن دعائم الاسلام أيضا عن جعفر بن محمدعليه‌السلام أنه قال: من بدأ بالقراء‌ة في الصلاة بسورة، ثم رأى أن يتركها ويأخذ في غيرها فله ذلك ما لم يأخذ في نصف السورة الاخرى(٤) . والمراد من السورة الاخرى أي السورة التي بيده الذي يريد الرجوع إلى غعيرها والمراد من الاخذ هو البلوغ، فهاتان الروايتان تدلان على عدم جواز العدول عند بلوغ النصف.

وقيل: بجواز العدول ما لم يتجاوز النصف ونسب هذا القول أيضا إلى الاكثر ويدل عليه عدة من الروايات كرواية البزنطي عن أبي العباس في الرجل يريد أن يقرأ السورة في الصلاة فيقرأ في اخرى قالعليه‌السلام : يرجع إلى التي يريد وإن بلغ النصف(٥) ، هذا.

____________________

(١) ذكرى الشيعة: ص ١٩٥.

(٢) فقه الرضا: ص ١٢٥ ط استانة مع ختلاف يسير.

(٣) فقه الرضا: ص ١٣٠ باب ٩ ط استانة.

(٤) دعائم الاسلام: ج ١ ص ١٦١ وفي المصدر " مالم يبلغ نصف السورة ".

(٥) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٦ باب ٣٦ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٣. (*)


ولكن لا يخفى عليك ضعف القول الاول لاعراض الاصحاب عن رواية عبيد ابن زرارة(١) ولم يعمل بها سوى كاشف الغطاء، نعم ترجيح أحد القولين الاخيرين على الآخر مشكل، لقوة دليلهما، والاشكال في اعتبار فقه الرضا، ودعائم الاسلام في غير محله، كما تكرر منا الكلام في ذلك، فالاحتياط لا ينبغي تركه.

المسألة الثالثة: لا يجوز العدول من " قل هو الله أحد " وسورة الجحد إلى غيرهما فيما عدا الجمعة والمنافقين في يوم الجمعة، وقد تضافرت النصوص(٢) بذلك أيضا كما تقدم بعض منها، بل الاحوط عدم العدول عن هاتين السورتين إلى غيرهما بمجرد إرادة قراء‌تهما وإن لم يشرع بعد فيهما على ما في وسيلة شيخنا الاستاذ، ولم يظهر لنا بعد وجه الاحتياط.

المسألة الرابعة: يجوز العدول من السورتين إلى الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة يوم الجمعة بلا خلاف ظاهرا. ويدل عليه رواية علي بن جعفر عن أخيهعليه‌السلام قال: وسألته عن القراء‌ة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: سورة الجمعة و " إذا جاء‌ك المنافقون " وإن أخذت في غيرها وإن كان " قل هو الله أحد " فاقطعها من أولها وارجع إليها(٣) وهذه الرواية وإن دلت على جواز العدول من خصوص قل هو الله أحد إلى الجمعة والمنافقين ولم تتعرض لجواز العدول من الجحد، إليهما إلا أن الظاهر اتحاد حكم السورتين في ذلك، مضافا إلى ماقيل من أهمية " قل هو الله أحد " من سورة الجحد، كما يستفاد ذلك عن " إن " الوصلية في الرواية حيث إنها بيان للفرد الخفي فالعدول من الجحد، إليهما يكون أولى بالجواز كما لا يخفى.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٦ باب ٣٦ من أبواب القراء‌ة في الصلاة ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٥ باب ٣٥ من أبواب القراء‌ة في الصلاة.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٨١٤ باب ٦٩ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٤. (*)


المسألة الخامسة: لا يجوز العدول عن سورة الجمعة والمنافقين إلى غيرهما وإن كان سورة التوحيد والجحد لاطلاق ما في خبر دعائم الاسلام روينا عن جعفر بن محمدعليه‌السلام أنه قال: من بدأ بالقراء‌ة في الصلاة بسورة إلى أن قال: وكذلك سورة الجمعة والمنافقين في الجمعة لا يقطعهما إلى غيرهما(١) . الخبر، مضافا إلى ما قيل: من الاولوية وهي بالنسبة إلى ما عدا التوحيد والجحد مقطوعة. بداهة أنه إذا جاز العدول من كل سورة إلى اخرى إلا التوحيد والجحد فإنه لا يجوز العدول منهما إلى غيرهما ومع ذلك جاز العدول منهما إلى الجمعة والمنافقين، فعدم جواز العدول منهما إلى غيرهما يكون أولى. نعم الاولوية بالنسبة إلى العدول إلى التوحيد والجحد تكون ظنية، فتأمل.

المسألة السادسة: هل جواز العدول من سورة التوحيد والجحد إلى الجمعة والمنافقين يختص بصلاة الجمعة أو يعم صلاة الظهر أيضا في يوم الجمعة أو يعم العصر بل الصبح أيضا؟ ظاهر غير واحد هو الاختصاص لكنه بالنسبة إلى صلاة الظهر مما لا وجه له إلا دعوى انصراف الجمعة في الاخبار إلى صلاة الجمعة، وهو مما لا وجه [له ] مضافا إلى ثبوت يوم الجمعة في بعض الاخبار، وهو يعم صلاة ظهر بل صلاة العصر والصبح. إلا أنه حيث كان جواز العدول إليهما لاجل استحبابهما في خصوص صلاة الجمعة والظهر في يوم الجمعة، حتى توهم وجوبهما فيها، وهذا الاستحباب بهذه المثابة لم يثبت في صلاة العصر والصبح، اختار بعض عدم جواز العدول من التوحيد والجحد إليهما في العصر والصبح، هذا. ولكن لا يخفى عليك أن مجرد الاستحباب لا يكفي في جواز العدول مضافا إلى استحباب قراء‌ة السورتين في الصبح والعصر من يوم الجمعة أيضا، فالمتبع هو

____________________

(١) دعائم الاسلام: ج ١ ص ١٦١. (*)


الدليل، ولا يبعد انسباق خصوص صلاة الجمعة والظهر من يوم الجمعة، مع أن الاصل عدم جواز العدول على ما تقدم فتأمل.

المسألة السابعة: هل جواز العدول إلى الجمعة والمنافقين مطلقا، أو يختص بما إذا لم يتجاوز النصف، أو لم يبلغ النصف على الخلاف المتقدم؟ نسب إلى المشهور الاختصاص، وروايات الباب مطلقة، نعم قيد في رواية الفقه الرضوي المتقدمة(١) بعدم بلوغ النصف وهذا قرينة على اعتبار الكتاب حيث لم يكن لما نسب إلى المشهور دليل صالح إلا الرواية.

المسألة الثامنة: ظاهر بعض الاخبار اختصاص العدول بماإذا كان الدخول في السورة المعدول عنها نسيانا، والمسألة بعد تحتاج تأمل تام في الاخبار.

المسألة التاسعة: الظاهر عدم جواز العدول من التوحيد إلى الجحد وبالعكس لخلو الاخبار عن ذلك.

وقد تقدم أن الاصل عدم العدول إلا ما قام الدليل عليه.

المسألة العاشرة: يجب إعادة البسملة للسورة المعدولة إليها، لان ذلك لازم ماتقدم من لزوم تعيين البسملة والبسملة التي قرأها أولا إنما عينها للسورة المعدول عنها فلا يجوز الاكتفاء بها للسورة المعدول إليها.

الامر التاسع: يجب الجهر بالقراء‌ة في صلاة الصبح واوليي المغرب والعشاء، والاخفات في اوليي الظهر والعصر في غير يوم الجمعة، على ما هو المشهور بين الاصحاب. ولم ينسب الخلاف إلا إلى الاسكافي والمرتضى(٢) رحمهما الله - ويدل على المشهور صحيحة زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قلت له: رجل جهر بالقراء‌ة فيما لا ينبغي أن يجهر فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقالعليه‌السلام : أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، وإن فعل ذلك ناسيا

____________________

(١) فقه الرضا: ص ١٣٠ باب ٨ ط استانة.

(٢) مختلف الشيعة: ص ٩٣ كتاب الصلاة.


أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه(١) ودلالتها على ما ذهب إليه المشهور واضحة سواء قرأ نقص بالصاد المهملة أو نقض بالمعجمة، مضافا إلى التصريح بوجوب الاعادة. أولا ينافيه عدم استفادة الوجوب من لفظ لا ينبغي في السؤال بعد ما كان العبرة بالجواب مضافا إلى استبعاد سؤال مثل زرارة عن حكم المسألة لو كان حكم المسألة هو الاستحباب الذي يجوز تركه، وحينئذ لا ينبغي الاشكال في وضوح دلالة الرواية على الوجوب، وفي معناها رواية اخرى لزرارة(٢) مضافا إلى ما يستفاد ذلك من جملة الاخبار الواردة في حكمة تشريع الصلوات الجهرية والاخفاتية، كما لاتخفى على الملاحظ. نعم ربما يعارض ذلك بما في صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسىعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل يصلي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراء‌ة هل عليه أن لا يجهر؟ قالعليه‌السلام : إن شاء جهر وإن شاء لم يجهر(٣) ، هذا.

ولكن لا يخفى عليك عدم مقاومة هذا الصحيح للمعارضة، أما أولا: فلاجماله لان قوله " هل عليه أن لا يجهر " بعد فرض السؤال عما يجهر فيه مما لا يستقيم إلا بضرب من التأويل إما بحمل " عليه " بمعنى " له " وإما بتقدير " شئ " فيكون المعنى هل عليه شئ ان لا يجهر أي إذا لم يجهر، أو يحمل قوله " هل عليه أن لا يجهر " على غير ما يجهر فيه، فيصير المعنى هل عليه أن لا يجهر في سائر الاذكار، ولا يخفى بعد هذه المحامل

خصوصا الاخير، وعلى كل حال لا تخلو الرواية عن إجمال. وثانيا: فلموافقتها للتقية، لان المحكي عن الجمهور(٤) عدم وجوب الجهر،

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٦٦ باب ٢٦ من ابواب القراء‌ة في الصلاة ١ و ٢.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٦٥ باب ٢٥ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٦.

(٤) الفقه على المذاهب الاربعة: ج ١ ص ٢٣٠. (*)


فالاقوى ما ذهب إليه المشهور، هذا كله في غير يوم الجمعة.

وأما في يوم الجمعة فإن صليت جمعة فظاهر الاصحاب استحباب الجهر فيها، وربما يظهر من بعض التعبيرات وجوبه، حيث إن المحكي عن بعض الاعلام هو التعبير ب‍ " يجهر " على وفق تعبير الاخبار، وعلى كل حال ظاهر الاخبار الواردة في الباب هو الوجوب، إلا أنه حكي الاجماع على عدم وجوبه، فلاينبغي ترك الاحتياط بالجهر، إذا احتمال وجوب الاخفات ليس في البين لا من حيث الاخبار ولا من حيث الاقوال، أما الاخبار فلم يرد في المقام ما يدل على المنع عن الجهر، وأما الاقوال فقد عرفت أن للاصحاب في المسألة قولين لا ثالث لهما: إما الوجوب وإما الاستحباب، فمن الغريب بعد ذلك احتياط الشيخ -قدس‌سره - بالاخفات، على ما يظهر من حاشيته على نجاة العباد، حيث قال فيها: والاحوط فيهما الاخفات والمراد من " فيهما " صلاة الظهر وصلاة الجمعة، ولكن في بعض النسخ " فيها " بلا تثنية الضمير.

والظاهر أن يكون هذا هو الصحيح ويكون التثنية من نسخ الكتاب، إذا لم نجد خبرا ولا قولا يدل على الاخفات مع بذل الوسع في ذلك، فمقتضى الاحتياط هو الجهر. وأما إن صليت ظهرا فالمشهور أيضا هو استحباب الجهر، ولكن عن بعض الاعلام تعين الاخفات، والانصاف أن المسألة لا تخلو عن إشكال، لتعارض الاخبار في المقام، فإن ظاهر روايتي الحلبي وخبر محمد بن مسلم ومحمد بن مروان هوالوجوب. إذ في رواية الحلبي سألت أبا عبدالله عن القراء‌ة في الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراء‌ة؟ فقال: نعم.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٨١٩ باب ٧٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٣. (*)


وفي خبر محمد بن مسلم عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال لنا: صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة واجهروا بالقراء‌ة فقلت: إنه ينكر علينا الجهر بها في السفر فقال اجهروا(١) . وفي رواية ابن مروان سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن صلاة الظهر يوم الجمعة كيف نصليها في السفر؟ فقال: تصليها في السفر ركعتين والقراء‌ة فيها جهر(٢) .

والمناقشة في ظهور هذه الروايات في الوجوب مما لا وجه لها بعد الامر بالجهر في رواية محمد بن مسلم هذا، وظاهر خبر جميل وخبر محمد بن مسلم أيضا هو الحرمة، إذ في خبر جميل سألت أبا عبدالله عن الجماعة يوم الجمعة في السفر فقال: يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر، ولا يجهر الامام فيها بالقراء‌ة إنما يجهر إذا كانت خطبة(٣) . وفي معناه خبر محمد بن مسلم(٤) . ولا يخفى ظهور الخبرين في المنع عن الجهر.

وربما نقل عن بعض التفصيل بين الامام وغيره فيجهر الامام دون غيره ولعل مستنده ما عن قرب الاسناد عمن صلى العيدين وحده والجمعة هل يجهر فيهما؟ قال: لا يجهر إلا إلامام(٥) هذا. ولكن يمكن الخدشة في دلالته على التفصيل، لاحتمال أن يكون المراد من " لا يجهر إلا الامام " أي لا يجهر إلا إذا صليت جمعة، بقرينة ذكر العيدين، وعليه يكون الخبر من أدلة المنع المطلق ويوافق رواية

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٨٢٠ باب ٧٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة ح ٦.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٨٢٠ باب ٧٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٧.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٨٢٠ باب ٧٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة ح ٨.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٨٢٠ باب ٧٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة ح ٩.

(٥) قرب الاسناد: ص ٩٨ ص ٥.


جميل وخبر محمد بن مسلم لو لم يكن الخبر ظاهرا في ذلك. فلابد من حمله على ما ذكرنا للتصريح بالمنع عن جهر الامام في رواية جميل(١) ، ومحمد بن مسلم(٢) . وحينئذ يقع التعارض بين الاخبار تعارضا تباينيا، إذ هي بين طائفتين طائفة تدل على وجوب الجهر في ظهر يوم الجمعة، وطائفة تدل على المنع فيها، هذا.

ونقل عن شيخ الطائفة -قدس‌سره - حمل أخبار المنع على التقية والخوف، لبناء الجمهور على تعين الاخفات في صلاة الظهر يوم الجمعة، كما نقل حكاية، ذلك في مفتاح الكرامة عن بعض كتب العلامة(٣) . ويدل على أن مذهب الجمهور ذلك قوله في رواية محمد بن مسلم السابقة " أنه ينكر علينا الجهر بها " ولا ينافيه قوله بعد ذلك: اجهروا، إذ لعل إنكارهم لم يكن بمثابة يصل إلى حد الخوف المجوز لترك الجهر، وحينئذ تبقى أدلة وجوب الجهر بلا معارض، ويبقى حينئذ وجه حمل المشهور الاخبار على الاستحباب، مع أن ظاهرها الوجوب إلا أن يكون وجه ذلك هو كون الامر في المقام واردا في مقام توهم الحضر فلايدل على الوجوب، فتأمل، فإن المسألة غير خالية عن شوائب الاشكال، فلا ينبغي الاحتياط بالاخفات بعد وجود القول بتعينه والاجماع على عدم الوجوب والجمع بين الجهر والاخفات أولى وأحوط، كما حكي أن عمل بعض الاعلام كان ذلك.

بقي في المقام حكم القراء‌ة في الركعتين الاخيرتين ولا إشكال في جواز قراء‌ة كل من الفاتحة والتسبيحات الاربع، وكذا لاإشكال في وجوب الاخفات إذا قرأ الفاتحة للاجماع على ذلك، إنما الاشكال فيما إذا اختار التسبيحات، ولم يقم

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٨٢٠ باب ٧٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٨.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٨٢٠ باب ٧٣ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٦.

(٣) مختلف الشيعة: ص ٩٥ كتاب الصلاة. (*)


دليل واضح على وجوب الاخفات فيها سوى دعوى اتحاد حكمها مع الفاتحة كما يدل عليه بدليتها عنها. ولكن لم يثبت البدلية من جميع الجهات حتى في الجهر والاخفات، وإن ادعي الاجماع على البدلية من جميع الجهات ولكن لم يعلم تحقق الاجماع على ذلك أيضا، فالمسألة خالية عن الدليل. وربما استدل لها بما في صحيح علي بن يقطين سأل أبا الحسنعليه‌السلام عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أيقرأ فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به؟ فقالعليه‌السلام : إن قرأ فلا بأس وإن صمت فلا بأس(١) . هذا.

ولكن ينبغي عد هذه الرواية من المحملات لان حمل الصمت على الاخفات خلاف الظاهر، بل الظاهر منه هو السكوت وهو يناسب مذهب بعض العامة من القول بعدم وجوب قراء‌ة شئ في الركعتين الاخيرتين، فيحتمل ورودها مورد التقية فالمسألة حينئذ تخلو عن الدليل، ولذا اختار بعض الاعلام عدم وجوب الاخفات في التسبيحات وإن جعله أحوط، بل حكي عن المجلسي(٢) دلالة بعض الاخبار على رجحان الجهر، ولم نعثر على ما يدل على ذلك.

نعم قيل إنه يحتمل أن يكون مراد المجلسي من بعض الاخبار مافي خبر رجاء ابن ضاحك من أنه صحب الرضا من المدينة إلى مرو فكان يسبح في الاخراوين بقول سبحان الله(٣) . وما في خبر أحمد بن علي من أنه صحب الرضا فكان يسمع ما يقوله في الاواخر من التسبيحات(٤) وهاتان الروايتان بضميمة ما قيل من أنه يعتبر في الاخفات أنه لا يسمع غيره يدلان على أنهعليه‌السلام كان يجهر

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٢٤ باب ٣١ من ابواب صلاة الجماعة، ح ١٣.

(٢) بحار الانوار: ج ٨٥ ص ٩٥ باب ٢٤.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٢ باب ٤٢ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٨ لكن رواه عن رجاء ابن أبي الضحاك.

(٤) عيون اخبار الرضا: ج ٢ ص ١٨٠. (*)


بالتسبيحات، هذا، ولكن سيأتي مافي تحديد الاخفات بذلك، بل ذكر شيخنا الاستاذ - مدظله - أنه ينبغي جعل رواية أحمد بن علي من أدلة الاخفات، حيث إن التعبير بأنه كان يسمع ما يقوله، إنما يناسب الاخفات، إذ مع أنهعليه‌السلام كان يجهر لا يقال سمعت، قراء‌ته كما لا يخفى فتأمل جيدا.

الامر العاشر: في ضابط الجهر والاخفات، لا يخفى عليك أنه ليس في الاخبار تحديد للجهر والاخفات على خلاف المعنى اللغوي والعرفي، كما يضتح ذلك بعد المراجعة، وكذلك ليس في المقام إجماع تعبدي على خلاف ذلك، وتحديد الاعلام الجهر بسماع القريب والاخفات بسماع نفسه لا ينافي معناهما العرفي فإن تحديد الاخفات بذلك إنما هو لبيان أقل مراتبه، إذ لو لم يسمع نفسه خرج عن كونه قراء‌ة وكان من مجرد حركة الشفة كما يشهد بذلك ذيل عبارة التذكرة من قوله: ولان ما لايسمع لايعد كلاما ولاقراء‌ة(١) .

وبالجملة: التأمل في كلمات الاعلام مما يوجب القطع بأن المراد من تحديد الاخفات بذلك إنما هو لبيان أقل مراتبه، لا لبيان أنه يعتبر في حقيقة الاخفات عدم سماع الغير، حتى لا يرجع التحديد بذلك إلى بيان أقل مراتبه، وإن أوهم ذلك بعض التعبيرات، كالعبارة المحكية عن ابن إدريس(٢) .

وعلى كل حال الظاهر أن الجهر هو عبارة عن اظهار جرسية الصوت الملازم لسماع القريب، والاخفات عبارة عن الاسرار بالصوت وعدم إظهار جرسية الصوت سواء سمعه الغير أو لم يسمعه، نعم يعتبر سماعه نفسه لما عرفت من أنه لا يعد قراء‌ة مع عدم سماعه وهذا المعنى من الجهر والاخفات هو المعنى الذي يطابق عليه العرف واللغة، مع عدم انعقاد إجماع على خلافه، وعبارة التذكرة

____________________

(١) التذكرة: ج ١ ص ١١٧، ص ١٦.

(٢) السرائر: ص ٤٦ ص ٢٩. (*)


وغيرها ينطبق على ما ذكرناه فلا وجه للتوقف في المسألة لتوهم انعقاد الاجماع على اعتبار عدم سماع الغير في الاخفات. كما يظهر من صاحب الجواهر(١) -قدس‌سره -.

وبما ذكرنا يظهر أن التقابل بين الجهر والاخفات تقابل التضاد لا السلب والايجاب، بدعوى أن الاخفات عبارة عن عدم إظهار جرسية الصوت، فإن الاخفات أمر وجودي الذي هو عبارة عن الاسرار بالصوت المعبر عنه بالفارسية ب‍ " يواش " و " آهسته " المقابل لاظهار الصوت المعبر بها ب‍ " بلند " ولا أن يكون بينهما العموم من وجه، بدعوى أن ما يسمعه الغير من دون أن يكون فيه جرسية الصوت يصدق عليه الجهر والاخفات معا، لما عرفت من أن ذلك لا يكون جهرا بل هو إخفات ليس إلا، فالتقابل بينهما يكون تقابل التضاد.

نعم في كونهما مما لا واسطة بينهما أو كان بينهما واسطة إشكال، وإن اختار شيخنا الاستاذ - مدظله - ثبوت الواسطة، بدعوى أن ما يكون كالمبحوح لا يسمى لا جهرا ولا إخفاتا هذا. ولكن الظاهر عدم الواسطة، وما جعله شيخنا من الواسطة ليس كذلك بل هو داخل في الاخفات موضوعا، نعم ينبغي خروجه منه حكما لانصراف الادلة إلى غير ذلك فتأمل جيدا.

الامر الحادي عشر: ليس على النساء جهر لرواية علي بن جعفر سأل أخاه موسىعليه‌السلام عن النساء هل عليهن جهر بالقراء‌ة قالعليه‌السلام : لا إلا أن تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراء‌تها(٢) وظاهر الذيل وإن كان وجوب الجهر إذا كانت إماما إلا أنه لم يحك عن أحد الوجوب، مضافا إلى أن

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٩ ص ٣٧٦.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٧٢ باب ٣١ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٣. (*)


الامر في المقام وارد مورد توهم الحظر فلا دلالة فيه على الوجوب، نعم قيل باستحباب الجهرعليهن في هذه الصورة.

وعلى كل حال ظاهر بعض الاعلام تقييد استحباب الجهر أو جوازه عليهن بما إذا لم يسمع الاجنبي صوتها وإلا حرم وأبطل الصلاة، وهذا التقييد - كماترى - مما لايتحصل لنا معناه فإنه لم يقم دليل على كون صوت المرأة عورة يحرم عليها إظهارها مع قيام السيرة المستمرة على خلافه، ومع ماورد من مكالمة أهل بيت الوحي مع الاجانب من دون أن يكون هناك ضرورة مبيحة لذلك.

فدعوى كون صوت المرأة عورة يحرم عليها إظهارها دون اثباتها خرط القتاد، مع انه لو سلم كونه عورة، فدعوى كونه مبطلا للصلاة محل منع، لعدم اندراج المقام في باب النهي عن العبادة، اذ لم يرد النهي في خصوص الصلاة حتى تكون القراء‌ة منهيا عنها لو صنعا بل مطلقا يعم الصلاة وغيرها، فيكون بين أدلة وجوب القراء‌ة وحرمة إظهار الصوت العموم من وجه. نعم ربما يتوهم اندارج المقام في باب اجتماع الامر والنهي وهو ايضا محل منع، لانه يعتبر في باب اجتماع الامر والنهي اتحاد متعلق الامر إيجادا ووجودا على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر ولا يمكن الاشارةإليه حسا وعقلا وهذا بخلاف المقام.

فإن الجهر وصف من أوصاف القراء‌ة مغاير لها قابل بالتحليل العقلي الاشارة إلى كل منهما ويكون مابحذاء أحدهما عند العقل غير ما بحذاء الآخر، فالجهر بالنسبة إلى القراء‌ة أشبه شئ بالمقارنات والمتلازمات الاتفاقية، وحينئذ فلا يقتضي حرمة الجهر البطلان، فتأمل في المقام جيدا. وعلى كل حال قد عرفت أنه ليس على النساء جهر في الصلاة الجهرية بل تتخير بينهما، فهل الحكم في الاخفاتية كذلك أو أنه يتعين عليها الاخفات؟ حكي عن بعض القول بالتخيير مطلقا في الصلوات الجهرية والاخفاتية نظرا


إلى أن أدلة وجوب الاخفات مختصة بالرجال فلا تعم النساء فتبقى النساء على الاصل الاولي من عدم تعين الجهر والاخفات ويلزمه التخيير، وقد اشكل ذلك بإطلاق بعض الادلة وعدم ذكر الرجال فيها، مع أنه لو سلم اختصاص الادلة بالرجال فقاعدة الاشتراك في التكليف تقتضي ثبوت حكم الرجال للنساء إلا ما خرج بالدليل كوجوب الجهر حيث اختص بالرجال لقولهعليه‌السلام : ليس على النساء جهر(١) هذا ولكن قاعدة الاشتراك في التكليف إنما يكون مع اتحاد الصنف، فإذا كان أحد الصنفين. واجدا لخصوصية كان الآخر فاقدا لها واحتملنا قريبا دخل تلك المزية في الحكم. فلا يمكننا التمسك بقاعدة الاشتراك، وفي المقام يحتمل قريبا اختصاص الحكم بالرجال من حيث نفي الجهر عليهن، لاحتمال أن يكون نفي الجهر لاجل خروج المرأة عن مقسم الجهر والاخفات واختصاصه بالرجال، وحينئذ لا تتم قاعدة الاشتراك هذا، ولكن مقتضى مطلوبية التستر من المرأة هو اشتراكها مع الرجال في الصلوات الاخفاتية ويكون الحكمة في عدم وجوب الجهر عليها هو ذلك، فحينئذ لا مانع من التمسك بقاعدة الاشتراك على فرض اختصاص الادلة بالرجال، فتأمل جيدا.

الامر الثاني عشر: إذا خافت في موضع الجهر أو أجهر في موضع الاخفات عالما بطلت صلاته وإن كان ذلك لجهل أو نسيان أو غفلة صحت صلاته ولا يوجب إعادتها، كما هو صريح صحيحة زرارة(٢) الواردة في المقام، التي تقدمت سابقا. وتفصيل البحث عن ذلك وإن كان يأتي في باب الخلل إلا أنه لا بأس

____________________

(١) قرب الاسناد: باب ما يجب على النساء في الصلاة ص ١٠٠ ط طهران نقلا بالمعنى.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٦٦ باب ٢٦ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


بذكره في المقام أيضا، فنقول قبل ذكر الاقسام المتصورة في المقام: إن ظاهر الاخبار والروايات كون الجهر والاخفات شرطا للصلاة في حال القراء‌ة لاشرط لنفس القراء‌ة ولا تخفى الثمرة بين الوجهين، فإن ما كان شرطا للصلاة في حال الجزء فبمجرد الخروج عن ذلك الجزء يفوت محل الشرط، ولا يمكن تداركه بعد ذلك وإن تذكر ولم يدخل بعد في الركن لان تداركه يستلزم تكرار الجزء وهو موجب للزيارة العمدية، وهذا بخلاف ما إذا كان شرطا لنفس الجزء، فإن محله باق إلى أن يدخل في الركن ومع عدم الدخول في الركن لا بد من تداركه ولو استلزم تكرار نفس الجزء، لان الجزء الفاقد للشرط وجوده كعدمه، فيجب عليه إتيان الجزء ثانيا واجدا للشرط، نعم لو لم يتذكر إلى أن دخل في الركن فقد فات محله، ويكون مندرجا في حديث " لا تعاد " إذ وصف الجزء لا يزيد حكمه عن أصل الجزء، فكما أن نفس الجزء إذا لم يأت به في محله نسيانا، ولم يتذكر إلى أن دخل في الركن فات محله، وصحت صلاته فكذلك وصف الجزء، هذا إذا علم كون الشرط من أي القبيلين وأما إذا شك ولم يعلم أنه من شرائط نفس الجزء أو من شرائط الصلاة في حال الجزء.

فإن كان لدليل اعتبار الجزء إطلاق كان مقتضى الاطلاق هو عدم اشتراط الجزء بذلك الوصف، وإن لم يكن له إطلاق فمقتضى الاصل العملي أيضا هو عدم اشتراط الجزء به لرجوع الشك فيه إلى الشك في وجوب تداركه قبل الدخول في الركن، والاصل يقتضي عدم الوجوب. كما أن حديث الرفع يقتضي عدم اشتراط الجزء به، ولا يعارض بأصالة عدم اشتراط الصلاة به، فإنه ليس المقام من دوران الامر بين المتباينين حتى يقع المعارضة بين الاصلين، بل من باب دوران الامر بين الاقل والاكثر، إذ كل ما كان شرطا للجزء فهو شرط للصلاة أيضا ولا عكس، فحينئذ شرطية ذلك الشئ للصلاة معلوم. وأما الشك في شرطيته للجزء، وقد عرفت أن مقتضى


الاصل اللفظي والعملي هو عدم اشتراط الجزء به، وسيأتي توضيح ذلك أيضا في محله إذا عرفت ذلك فنقول في المقام: ظاهر تقسيم الصلوات إلى الجهرية والاخفاتية في الاخبار هو كون الجهر والاخفات شرطين للصلاة في حال القراء‌ة مضافا إلى إطلاق أدلة القراء‌ة الظاهر في عدم اشتراطهما بهما، وعلى تقدير الشك، فقد عرفت أن مقتضى الاصل العملي أيضا هو عدم اشتراط القراء‌ة بهما، فمقتضى القاعدة هو أنه لو ترك الجهر والاخفات نسيانا لم يجب عليه العود إلى القراء‌ة وتدارك الجهر أو الاخفات، وإن تذكر قبل الدخول في الركوع ومضى في صلاته ولا شئ عليه بمقتضى حديث " لا تعاد "(١) ، نعم لو قلنا إنهما شرطان للقراء‌ة كان اللازم هو التفصيل بين التذكر قبل الركوع فيجب العود، وبعد الركوع فلا يجب العود.

كماتقدم، هذا بحسب ما تقتضيه القاعدة الاولية مع قطع النظر عن صحيحة زرارة الواردة في المقام، ولكن مقتضى إطلاق الصحيحة هو عدم وجوب العود إلى القراء‌ة مطلقا ولو تذكر قبل الركوع فيسقط حينئذ البحث عن كون الجهر والاخفات شرطين للصلاة أو شرطين للقراء‌ة. لعدم فائدة للبحث عن ذلك.

إلا أن يقال بعدم إطلاق الصحيحة لذلك كما حكي عن بعض، ولكن منع إطلاق الصحيحة في غير محله، فمقتضى إطلاق الصحيحة هو عدم وجوب التدارك، ولو تذكر بمجرد الخروج عن الكلمة التي أجهر أو أخفت فيها.

إذاعرفت ذلك فنقول: إن الاقسام المتصورة في ترك ما وجب عليه من الجهر والاخفات كثيرة، ويجمعها أن الترك إما أن يكون عن عمد وعلم بالحكم والمفهوم والمحل، كما إذا علم بوجوب الجهر عليه في الركعتين الاوليين من صلاة

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


المغرب وعلم أيضا معنى الجهر. ومع ذلك أخفت فيهما مع التفاته أنه في الركعتين الاوليين.

وإما أن يكون عن سهو ونسيان، وإما أن يكون عن جهل، وفي كل منهما إما أن يكون في الحكم بأن يكون جاهلا بأصل وجوب الجهر والاخفات في الشريعة.

أو كان ناسيا له بعد علمه، وإما أن يكون في المحل كما إذا جهل وجوب الاجهار في صلاة المغرب مع علمه إجمالا بثبوت الجهر والاخفات في الشريعة، ولكن تخيل ثبوت الاخفات في المغرب أو نسي وأخفت غفلة فيها، وإما أن يكون في المفهوم كما إذا كان جاهلا بمعنى الاخفات والجهر وتخيل أن مطلق سماع الغير من الجهر، ولو مع عدم جرسية الصوت فقرأ كذلك في صلاة المغرب، وإما أن يكون في المحل بمعنى أنه تخيل كونه في الركعتين الاخيرتين الذي يجوز أو يجب فيها الاخفات فأخفت، وبعد ذلك تبين كونه في الركعتين الاوليين، ثم إن مخالفة الجهر والاخفات تارة يكون في الركعتين الاوليين واخرى يكون في الركعتين الاخراوين، وعلى التقديرين إما أن تكون المخالفة في الوظيفة المجعولة بأصل الشرع، وإما أن تكون في الوظيفة العارضية كالمأموم بناء على وجوب الاخفات عليه، وكالمرأة عند سماع الاجنبي لها بناء على الحرمة، فهذه جملة الاقسام المتصورة في المقام.

أما الانقسام بالنسبة إلى ما كان في الركعتين الاوليين وغيرهما فالظاهر عدم الفرق بينهما لاطلاق الصحيحة(١) من دون أن يكون فيها انصراف إلى الركعتين الاوليين فلا وجه لاختصاص الحكم بهما كما حكي عن بعض. وأما الانقسام الاخير وهو ما كان باعتبار الوظيفة الاصلية والوظيفة العارضية، فلا يبعد دعوى الانصراف إلى خصوص ما كان باعتبار الوظيفة

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٦٦ باب ٢٦ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


الاصلية، فلا يعم العارضية فلو أجهر المأموم فيما يجب الاخفات عليه لا يكون مندرجا تحت الصحيحة بل لابد من إعمال القواعد الاولية فيه، وأولى بالانصراف المرأة إذا كان وظيفتها الاخفات، لاجل سماع الاجنبي على القول به، فإن وجوب الجهر(١) عليها حينئذ لاجل أمر خارج عن الصلاة، فلا يندرج في الصحيحة لان ظاهر السؤال عن الجهر فيما ينبغي الاخفات فيه وبالعكس هو الجهر والاخفات الذين يكون من الوظيفة الصلاتي فلا يعم ما إذا كان لامر آخر من سماع الاجنبي وغيره، فلو منع دعوى الانصراف في المأموم، كما هو ليس ببعيد فدعواه في المرأة في محله، لكن في خصوص الجهر في موضع الاخفات للعارض.

وأما الجهر في الركعتين الاخيرتين الذي يكون الاخفات فيهما من الوظيفة الصلاتية فهو مندرج في إطلاق الصحيحة لعدم الفرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وأما الانقسامات السابقة على الانقسام الاخير فقد حكي عن بعض أن الظاهر من قوله " لا يدري " هو الجهل بأصل وجوب الجهر والاخفات في الشريعة، فلا يعم ماإذا علم بوجوب الجهل والاخفات في الجملة وكان جاهلا بمحلهما أو مفهومهما، هذا ولكن الظاهر أنه لاوجه لها فإن الشرطية الثانية في تلك الصحيحة تابعة في العموم والخصوص للشرطية الاولى، وهو قولهعليه‌السلام : " أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته... الخ "(٢) والشرطية الثانية وهي قولهعليه‌السلام : " وإن فعل ذلك ناسيا.. إلخ " نقيض للشرطية الاولى، فكل مورد صدق فيه أن ذلك فعل متعمدا يكون خارجا عن الشرطية الثانية، وكل

____________________

(١) كذا في الاصل والصحيح ظاهرا " الاخفات ".

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٦٦ باب ٢٦ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١. (*)


مورد لم يصدق يكون مندرجا تحتها.

ومن المعلوم أن صدق التعمد بالجهر والاخفات في الصلاة يتوقف على العلم بالحكم والمحل والمفهوم.

فإذا انتفى أحد هذه الامور ينتفي التعمد ويكون مندرجا في قوله " لا يدري " بداهة أن الجاهل بالمحل أو المفهوم لا يصدق عليه أنه تعمد في مخالفة التكليف من الجهر في موضع الاخفات والاخفات في موضع الجهر فالاقوى عموم الحكم بالنسبة إلى جميع الاقسام. وشيخنا الاستاذ - مد ظله - وإن قوى في وسيلته وجوب الاعادة في الجاهل بالمفهوم إلاأن في بحثه قوىعدمه فتأمل جيدا.

الامر الثالث عشر: يتخير المصلي فيما عدا الاوليين بين القراء‌ة والتسبيح، وهذا في الجملة مما لا إشلكا فيه، بل استفاض نقل الاجماع عليه كاستفاضة الاخبار به، إنما الاشكال في تعيين التسبيح الذي يكون بدلا عن الفاتحة، فإنه قد اضطربت فيه الاخبار واختلفت فيه كلمات الاعلام، وتحقيق القول في ذلك على ما بينه شيخنا الاستاذ - مد ظله - أن الاخبار الواردة في المقام على طوائف.

منها: مادل على كفاية مطلق الذكر كرواية علي بن حنظلة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال سألته عن الركعتين الاخيرتين ما أصنع فيها؟ فقالعليه‌السلام : إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء...(١) إلخ.

ومنها: ما دل على تعيين ذكر خاص وهو أيضا على طوائف. (منها) ما دل على إجزاء فصول ثلاثة من الفصول الاربعة وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر كرواية أبي بصير عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: أدنى ما يجزي من القول في الركعتين الاخيرتين ثلاث تسبيحات أن تقول سبحان الله سبحان الله سبحان الله(٢) وكرواية الحلبي التي قيل إنها أصح أخبار

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨١ و ٧٨٢ باب ٤٢ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٣ و ٧.


الباب عن أبي عبداللهعليه‌السلام : إذا قمت في الركعتين الاخيرتين لا تقرأ فيهما فقل الحمد لله وسبحان الله والله أكبر(١) .

و (منها) ما اشتمل على ثلاثة فصول مع زيادة الدعاء كرواية زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: عشر ركعات، إلى أن قالعليه‌السلام : فزاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سبع ركعات هي سنة ليس فيهن قراء‌ة إنما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء(٢) و (منها) ما دل على كفاية فصلين من الفصول الاربع مع زيادة الاستغفار كرواية عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الركعتين الاخيرتين من الظهر قالعليه‌السلام : تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك(٣) الخبر.

و (منها) ما دل على وجوب الفصول الاربع كرواية زرارة قال قلت لابي جعفرعليه‌السلام ما يجزي من القول في الركعتين الاخيرتين قال: أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر وتكبر وتركع(٤) و (منها) ما دل على وجوب تكرار الفصول الاربع ثلاثا، كما في الفقه الرضوي(٥) .

وكرواية زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه قال: لا تقرأ في الركعتين الاخيرتين، إلى أن قالعليه‌السلام : إذا كنت إماما أو وحدك فقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ثلاث مرات ثم تكبر وتركع(٦) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٩٣ باب ٥١ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٧.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٢ باب ٤٢ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٦.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨١ باب ٤٢ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٢ باب ٤٢ من ابواب القراء‌ة في الصلاة ح ٥.

(٥) فقه الرضا: ص ١٠٥ ط آستانة.

(٦) الوسائل: ج ٤ ص ٧٩١ باب ٥١ من ابواب القراء‌ة الصلاة، ح ١. (*)


و (منها) مادل على وجوب التسع بتكرار الفصول الثلاثة ثلاثا كرواية حريز عن زرارة أيضا على ما حكي عن مستطرفات السرائر عن أبي عبداللهعليه‌السلام فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ثلاث مرات كما عن المستطرفات(١) ، أو تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر وتركع، كما عن الصدوق(٢) ، هذا مجمل الاخبار الواردة في المقام.

وأما الاقوال فهي وإن كانت كثيرة حتى أنهاها بعض إلى خمس عشر إلا أن أصولها ستة

الاول: كفاية مطلق الذكر.

الثاني: كفاية فصول ثلاث.

الثالث: كفاية الفصول الاربع.

الرابع: كفاية الفصول التسع بإسقاط التكبير.

الخامس: كفاية الفصول العشر بإثبات التكبير أخيرا،

السادس: اعتبار تكرار الاربع ثلاثا ليصير المجموع اثنى عشر، وربما قيل بوجوب الاستغفار مع الاربع أو التسع أو الاثنى عشر، فتصير الاقوال سبعة وقد اعتمد صاحب كل قول على طائفة من الاخبار المتقدمة.

والاقوى في النظر في مقام الجمع بين الادلة هو كفاية ثلاثة فصول والاحوط ذكر الرابع أيضا، وأما الزائد على ذلك فمستحب ليس إلا، وذلك لان الطائفة الاولى من الاخبار، وهي ما اشتملت على كفاية مطلق الذكر فمع انها في مقام بدلية الذكر عن الفاتحة وعدم تعين الفاتحة، فلا إطلاق فيها، لابد من تقييد إطلاقها بما دل على وجوب ذكر خاص كالطائفة الثانية فإنها واضحة الدلالة، في أن أقل ما يجزي فصول ثلاثة، فلا يكفي مطلق الذكر، وأما مادل على كفاية الفصلين، فكذلك أيضا أي لابد من تقييده بفصل آخر. إذ لا يزيد هو عن

____________________

(١) السرائر: في المستطرفات عن كتاب السجستاني ص ٤٧٩ سطر ٣٧ ط الحجرية.

(٢) من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٩٢ ح ١١٥٩. (*)


الاطلاق القابل للتقييد، وأما مادل على وجب الاربع فهو بالنسبة إلى نفي الزائد صريح، وأما بالنسبة إلى نفي الناقص فهو وإن فيه ظهور وكان مقتضى الصناعة تقييد ما دل على كفايه الفصول الثلاث به إلا أن مادل على كفاية الثلاث أظهر، فإن قوله " أدنى ما يجزي " كالصريح في كفاية الثلاث بخلاف قوله " ما يجزي " في رواية الاربع، فإنه ليس فيه إلا أجزاء الاربع، وأما عدم كفاية الاقل فإنما يستفاد منه لاجل الاطلاق، ورواية كفاية الفصول الثلاث تصلح للتقييد، فصناعة الاطلاق والتقييد تقتضي العكس فتأمل جيدا، نعم هو بالنسبة إلى نفي الزائد صريح.

فلابد من حمل مادل بظاهره على وجوب الزائد من التسع أو الاثني عشر على الاستحباب مع أن ثبوت الدليل على ذلك محل منع، فإنه قد اختلف القول في رواية حريز الراوي للاثني عشر والراوي للتسع، فإنه قيل إنها رواية واحدة رويت بوجهين، مع ما في التسع من اختلاف الالفاظ حيث إنه روي بلفظ " تكمله تسع " كما عن الصدوق، أو ثلاثا كما عن المستطرفات، وبالجملة رواية زرارة عن حريز مضطربة جدا، فلا يمكن التمسك بها للزائد فلم يقم دليل واضح على الاثني عشر إلا مافي الفقه الرضوي(١) وهذا مع مافي الكتاب من الكلام قد روى الرواية بإثبات الثلاث تارة وبإسقاطها اخرى، فتأمل في أخبار الباب جيدا، ثم إن بعض(٢) الرواية قد اشتملت على الاستغفار وجعله أحد الفصول ولكن نقل الاجماع على عدم وجوبه فالاقوى عدم عده من الفصول. فتحصل من جميع ما ذكرنا أن الاقوى بحسب الادلة هو كفاية الفصول

____________________

(١) فقه الرضا: ص ١٠٥ ط آستانة.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨١ باب ٤٢ من أبواب القراء‌ة الصلاة ح ١. (*)


الثلاث وإن كان الرابع أحوط، كما أن الاحوط عدم كون الفصول الثلاث من جنس واحد كأن يقول سبحان الله ثلاثا وإن كان صريح الرواية الاجتزاء به، ولكن لم يظهر لنا عمل الاصحاب بها من هذه الحيثية، هذا. ولكن يعتبر في الفصول على كل حال من أن تكون من هذه الفصول المذكورة في الاخبار من التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح فلا يجزي من غيرها. إلا إذا قلنا بكفاية مطلق الذكر.

وعلى كل تقدير ظهر لك أن الزائد على الفصول الثلاث أو الاربع ليس بواجب بل هو مستحب، وليس من فردي التخيير حتى يكون الزائد أيضا متصفا بالوجوب ليكون المقام من التخيير بين الاقل والاكثر وذلك لان عناية التخيير بين الاقل والاكثر عناية زائدة لا بد في الحكم بها من قيام دليل على ذلك أو ساعد عليها الاعتبار بحسب المرتكزات الذهينة.

وليس في كل مقام قام الدليل على الامر بكل من الاقل والاكثر يكون من التخيير بين الاقل والاكثر، إذا التخيير بين الاقل والاكثرمع كون الاقل لا بشرط مما لا يمكن، ويستحيل بل لابد من لحاظ الاقل بشرط لا فلو كان الاقل والاكثر اللذين تعلق بهما أمرا اعتبارا، مع قطع النظر عن تعلق الامر بكل منهما على نحو يرجعان إلى التباين.

كان الامر الذي تعلق بهما بعدامتناع الاخذ بظاهره من التعيين لا محالة من التخيير بين الاقل والاكثر، ولا يصلح الامر المتعلق بالاكثر أن يحمل على الاستحباب. وأما إن كان الاقل والاكثر اللذين تعلق بكل منهما أمر لم يعتبرا على نحو التباين، مع قطع النظر عن هذا الامر، بل كانا مع قطع النظر عنه على ما هما عليه، ومايقتضيه الاصل فيهما من كون الاقل لا بشرط ففي مثل هذا لا بد من حمل الامر المتعلق بالاكثر بعد امتناع حمله على ظاهره من الوجوب التعييني على الاستحباب، ولا يصلح لجعله من التخيير بين الاقل والاكثر.

والحاصل: أن الاقل إن كان في حد نفسه معتبرا على نحو البشرط اللائية كان


تعلق الامر بكل منه ومن الاكثر بعد امتناع الاخذ بظاهره من الوجوب التعييني من باب التخيير بين الاقل والاكثر، ولا يصح حمل الامر المتعلق بالاكثر على الاستحباب. وإن كان الاقل في حد نفسه معتبرا على نحو اللابشرطية كان الامر المتعلق بالاكثر بعد امتناع حمله على ظاهره من الوجوب العيني محمولا على الاستحباب ليس إلا.

مثال الاول: ما إذا ورد أمر بصلاة القصر وأمر آخر بصلاة التمام فإنه بعد امتناع الاخذ بظاهر الامرين من الوجوب العيني لابد من حمل الامر على الوجوب التخييري لان صلاة القصر مع قطع النظر عن هذين الامرين إنما اعتبرت بشرط لا وكانت الزيادة مبطلة، ومن هنا قلنا إن القصر والاتمام حقيقتان متباينتان، فحينئذ حمل الامر المتعلق بالاكثر على الاستحباب يقتضي إلقاء البشرط اللائية عن صلاة القصر وجعلها لا بشرط.

وبعبارة أخرى حمل الامر على الاستحباب يقتضي تصرفا زائدة عن حمله على الوجوب التخييري لانه يستدعي أولا جعل صلاة القصر لابشرط وإخراجها عن حقيقتها، ثم حمل الامر المتعلق بالاكثر على الاستحباب وطرح ظاهره من الوجوب. وهذا بخلاف ما إذا حملنا الامر على التخيير، فإنه لا يستدعي إلا حمل الامر على خلاف ظاهره من الوجوب العيني مع بقاء صلاة القصر على حقيقتها، فلابد من العمل على ما يستدعي قلة التصرف.

ومثال الثاني: ما نحن فيه فإنه مع قطع النظر عن تعلق الامر بكل من التسبيح الاربع والاثني عشر كان التسبيح الاربع معتبرا لا بشرط ولم يعتبر في حقيقته بشرط لا بأن يكون التسبيح الاربع مع الاثني عشر مباينا بالهوية كمباينة القصر للتمام، وبعد تعلق الامر بكل منهما لا يصلح، إلا حمل الامر المتعلق بالاكثر على الاستحباب لان حمله على الوجوب التخييري يوجب زيادة تصرف، لانه يقتضي


أولا التصرف في الاربع وجعلها بشرط لا. وبعد ذلك يتصرف في الامر، ورفع اليد عن ظاهره من الوجوب العيني وحمله على الوجوب التخييري، وهذا بخلاف حمله على الاستحباب، فإنه لايستدعي إلا تصرفا واحدا في ظاهر الامر، وحمله على الاستحباب فلا يكون المقام من التخيير بين الاقل والاكثر فتأمل جيدا.

بقي في المقام فروع ينبغي التنبيه عليها: الاول: الظاهر عدم وجوب الترتيب بين الفصول، فلا بأس بتقديم التهليل أو التحميد على التسبيح. فإن ظاهر صحيحة زرارة(١) وإن كان هو تقديم التسبيح، إلا أن ظاهر صحيحة الحلبي(٢) المتقدمة هو تقديم التحميد، فيظهر من هذا الاختلاف عدم وجوب ترتيب خاص بين الاخبار فيتخير، وإن كان الاحوط اختيار ما في صحيحة زراره من تقديم التسبيح.

الثاني: قد تقدم في مسائل العدول أن مقتضى القاعدة كون التخيير في أمثال المقام بدوي لااستمراري.

فلو اختار الفاتحة يبني عليها ولا يعدل إلى الذكر وبالعكس، فراجع ثمة وتأمل.

الثالث: اضطربت كلمات الاصحاب في أفضلية التسبيح مطلقا أو أفضلية الفاتحة مطلقا، أو التفصيل بين الامام وغيره. أو ناسي الفاتحة في الاوليين وغيره. وغير ذلك من التفاصيل التي يقف عليها المتتبع.

وقد اختار شيخنا الاستاذ - مد ظله - أفضلية التسبيح مطلقا إلا إذا نسي القراء‌ة في الركعتين الاولتين فتكون القراء‌ة في أحد الركعتين الاخيرتين أفضل، والحاصل أن الفضل هو عدم خلو صلاته عن القراء‌ة. فلو قرأ في الركعتين الاولتين أو في أحدهما كان

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٢ باب ٤٢ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨٢ باب ٤٢ من أبواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٦. (*)


الافضل في حقه التسبيح ولو نسيها فيهما أجمع كان الافضل في أحد الركعتين الاخيرتين هو القراء‌ة وفي الاخرى التسبيح أيضا، وجعل المستند في ذلك التوقيع المبارك حيث قالعليه‌السلام فيه بعد السؤال عن اختلاف الروايات فيما هو الافضل من التسبيح والقراء‌ة: قد نسخت قراء‌ة ام الكتاب التسبيح والذي نسخ التسبيح قول العالم: كل صلاة لايقرأ فيها فهي خداج(١) .

وتقريب الاستدلال بها هو أنه قد بينا في محله إمكان وقوع النسخ من الائمةعليه‌السلام ولا يختص بزمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والمراد من قول العالم هو العسكريعليه‌السلام ، فيصير محصل الرواية أن التسبيح وإن كان أفضل، إلا أن قول العسكري كل صلاة لا يقرأ فيها فهي خداج قد نسخ تلك الافضلية وصارت القراء‌ة أفضل، ولكن لا مطلقا بل إذا استلزم ترك القراء‌ة خلو الصلاة عن القراء‌ة رأسا، وهذا - كما ترى - يختص بالناسي لها في الاوليين.

فتدل هذه الرواية على أن الافضل عدم خلو الصلاة عن القراء‌ة رأسا. ومن هنا قال بعض يتعين على الناسي لها في الاوليين القراء‌ة في الاخيرتين كما هو ظاهر بعض روايات الاخر، ولاجل ذلك قال شيخنا الاستاذ - مد ظله - الاحوط عدم ترك القراء‌ة للناسي لها في الاوليين. هذا. ولكن ربما يظهر من بعض الاخبار خلافه حيث قالعليه‌السلام بعد السؤال. عن نسيان القراء‌ة في الاوليين إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها(٢) فإن ظاهره استحباب ترك القراء‌ة للناسي لها في الاوليين قال في الجواهر -قدس‌سره - يمكن المناقشة فيها بأن المراد منها الرد على أبي حنيفة القائل بأن المأموم إذا أدرك الامام

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٩٢ باب ٥١ من أبواب القراء‌ة في الصلا ة، ح ١٤.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٩٣ باب ٥١ من ابواب القراء‌ة في الصلاة. ح ٨. (*)


في الركعتين الاخيرتين. جعل ماأدركه آخر صلاته كالامام، ثم يستقبل بعد ذلك الاول(١) هذا.

ولكن لايخفى عليك أنه لا شاهد في الرواية على ذلك إذ لم يقع السؤال فيها عن حال المأموم، نعم يحتمل ذلك في صحيحة ابن الحجاج سألت أباعبداللهعليه‌السلام عن الرجل الذي يدرك الركعتين الاخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراء‌ة فقالعليه‌السلام : اقرأ فيهما فإنهما لك الاولتان ولا تجعل أول صلاتك آخرها(٢) فتأمل في المقام جيدا، فإن أخبار الباب مضطربة جدا.

فإن منها: التصريح بالتسوية بين التسبيح والفاتحة في الفضل كما في رواية علي بن حنظلة عن الصادقعليه‌السلام سألته عن الركعتين الاخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء، قال: قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: هما والله سواء إن شئت سبحت وإن شئت قرأت(٣) .

ومنها: ما هو ظاهر في أفضلية القراء‌ة للامام كرواية معاوية بن عمار سأل الصادقعليه‌السلام عن القراء‌ة خلف الامام في الركعتين الاخيرتين فقالعليه‌السلام : الامام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبح فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما وإن شئت فسبح(٤) .

ومنها: ما هو ظاهر في عدم الفرق بين الامام وغيره وأفضلية التسبيح مطلقا لصحيحة زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: لا تقرأن في الركعتين الاخيرتين

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ٩ ص ٣٢٨.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤٥ باب ٤٧ من ابواب صلاة الجماعة، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٧٨١ باب ٤٢ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ٣.

(٤) الوسائل: ج ٥ ص ٤٢٦ باب ٣٢ من أبواب صلاة الجماعة، ح ٥. (*)


من الاربع الركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير إمام قال: قلت: فما أقول فيهما؟ قال: إذا كنت إماما أو وحدك فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر وتركع(١) .

ومنها: ما ظاهره أفضلية القراء‌ة مطلقا للامام وغيره كما في رواية محمد بن حكيم سأل أبا الحسن أيما أفضل القراء‌ة في الركعتين الاخيرتين أو التسبيح؟ فقالعليه‌السلام : القراء‌ة أفضل(٢) .

وغير ذلك من الاخبار المختلفة ولكن لما كان أخبار أفضلية التسبيح أكثر عددا وأصح سندا على ما قيل وكانت الاخبار الاخر موافقة لمذهب العامة في الجملة، فالاقوى أفضلية التسبيح مطلقا إلا ناسي القراء‌ة في الاوليين فإن الافضل في حقه القراء‌ة كما اختاره الشيخ -قدس‌سره - في المبسوط(٣) .

هذا تمام الكلام فيما هو المهم من مباحث القراء‌ة والحمد لله أولا وآخر وقد وقع الفراغ من تسويده ليلة الاربعاء ١٦ ج ٢ سنة ١٣٤٥.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٧٩١ باب ٥١ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٩٤ باب ٥١ من ابواب القراء‌ة في الصلاة، ح ١٠.

(٣) المبسوط: ج ١ ص ١٠٦ من كتاب الصلاة. (*)


السجود

وتنقيح البحث فيه يستدعي رسم أمور: الاول: الظاهر عدم ثبوت حقيقة شرعية للسجود بل ولا حقيقة متشرعية بل هو باق على معناه العرفي المطابق لمعناه اللغوي، الذي هو عبارة عن الخضوع والانحناء وتطأطؤ الرأس، واعتبار بعض الخصوصيات شرعا فيه لا يستلزم الحقيقة الشرعية، كما أن الحال في الركوع كان كذلك.

ثم الظاهر أنه يعتبر في حقيقة السجود عرفا وضع شئ من الوجه على الارض ولو بواسط، ولا يعتبر في تحقق معناه العرفي وضع خصوص الجبهة بل ويكفي وضع أحد الخدين أو الحاجبين أو الذقن كما يدل على ذلك قوله تعالى: ويخرون للاذقان سجدا(١) ولكن الشارع حدده وعينه في خصوص وضع الجبهة كتحديده للركوع ببلوغ أطراف الاصابع إلى الركبة، مع أن معناه العرفي كان أعم من ذلك، وكذا لا يعتبر في حقيقة السجود عرفا أن يكون الانحناء والتقوس على وجه يساوي المسجد للموقف في العلو أو لا يتجاوز الاختلاف مقدار لبنة. بل يكفي في معناه العرفي

____________________

(١) الاسراء: الآية ١٠٧. (*)


مقدار من الانحناء والتقوس وإن اختلف المسجد للموقف في العلو بأكثر من لبنة، ولكن الشارع اعتبر أن لا يزيد الاختلاف في ذلك من مقدار لبنة.

ثم إنه لا إشكال في أن ما اعتبره الشارع مضافا إلى ذلك من وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه ووضع المواضع الستة الاخر غير الجبهة على الارض يكون خارجا عن حقيقة السجود وليس ركنا فيه، بحيث يدور السجود مداره، بل هو من واجبات السجود، وهذا بخلاف وضع الجبهة فإنه يتوقف تحقق السجود عليه شرعا، بحيث يدور أحكام السجود من الزيادة والنقيصة وغير ذلك مداره، فلا يكون مثلا من زيادة السجود وضع أحد الخدين أو الحاجبين، وهذا لاينافي كون معناه العرفي الاعم بعدما حدده الشارع بذلك، فإنه بعد التعيين الشرعي تدور الاحكام مدار ماعينه، ولا يلتفت إلى أن معناه العرفي الاعم كما تدور أحكام الركوع مدار بلوغ [ السقط من نسخة الاصل ] الركبة مع أن معناه العرفي كان أعم من ذلك.

فلو وضع أحد خديه على الارض [ السقط من نسخة الاصل ] لزمه رفع الرأس ووضع خصوص الجبهة على الارض، ولا يتوهم تحقق الزيادة [ السقط من نسخة الاصل ] أو لا لم يكن من السجود حتى يتوهم ذلك، وأما مسألة عدم اختلاف المسجد للموقف بأكثر من مقدار لبنة، فالمحكي عن بعض الاعلام عدم كونه من محققات السجود شرعا، كما هو لم يكن من محققاته عرفا بل هو من الشرائط الشرعية، إلا إذا كان الاختلاف على وجه لا يصدق عليه السجود عرفا، ولا زم ذلك هو أنه لو وضع جبهته على مكان يزيد في العلو للموقف عن مقدار لبنة كان الواجب عليه جر الجبهة ووضعها على ما يساوي الموقف أو لا يزيد عن مقدار لبنة، وليس له رفع الرأس ووضعه على ما يساوي ذلك، للزوم زيادة السجود حينئذ، كما إذا وضع جبهته على مايصح السجود عليه وليس ذلك إلا لاجل عدم كون الاختلاف ركنا في السجود، وحينئذ يتوجه سؤال الفرق بين


هذا الشرط وبين اشتراط وضع خصوص الجبهة حيث صار وضع الجبهة ركنا في السجود بحيث دارت أحكام السجود مداره بخلاف مسألة المساواة حيث جعلوه خارجا عنه، ولم يكن من مقومات ركنيته مع اشتراكهما في الخروج عن المعنى العرفي وعدم توقفه على شئ منهما، واشتراكهما أيضا في الاعتبار الشرعي فكيف صار أحدهما ركنا دون الآخر.

والحاصل: أنه كما لا يعتبر في السجود عرفا وضع خصوص الجبهة. بل يكفي وضع أحد أجزاء الوجه من الخدين والحاجبين والذقن كذلك لا يعتبر في السجود عرفا تساوي المسجد للموقف في العلو.

بل يكفي مقدار من الانحناء والتقوس وإن زاد الاختلاف عن مقدار لبنة، وكما أن الشارع حدد السجود بوضع خصوص الجبهة وجعل وضع ما عداها خارجا عن السجود كذلك حدد الشارع السجود بكون الانحناء والتقوس على وجه لا يزيد اختلاف المسجد للموقف بأكثر من مقدار لبنة، ويلزم ذلك عدم تحقق السجود شرعا إذا كان الاختلاف بأكثر من ذلك المقدار. فكيف يفرق بينهما بما عرفت، ومن أين جاء هذا الفرق(١) .

هذا وقد أجاب شيخنا الاستاذ - مد ظله - عن هذا السؤال بما حاصله: أن السجود إنما هو من مقولة الوضع والانحناء والتقوس خارجان عن هويته وحقيقته عند العرف وإنما يكونان عندالعرف مما يتوقف عليه الوضع على الارض إذ لا يمكن الوضع إلا بالانحناء والتقوس، فالانحناء إنما يكون مما يتوقف عليه

____________________

(١) وكذا يبقى سؤال الفرق بين اعتبار ما يصح السجود عليه، وبين اعتبار وضع الجبهة مع أن كلا منهما بتعيين شرعي غايته أحدهما تعيين للموضوع والآخر تعيين لما يوضع عليه، فكيف صار الاول ركنا والثاني واجبا غير ركني، كما يظهر من وجوب الجر عند وضع الجبهة على غير ما يصح الجسود عليه، بداهة انه لو كان الوضع على ما يصح السجود عليه ركنا لكان يجوز له رفع الجبهة ولم يتعين عليه الجر لعدم استلزام الرفع زيادة ركن. اللهم إلا أن يقال من أدلة وجوب الجر وعدم جواز الرفع يستفاد عدم ركنيته، ولولا ذلك لقلنا بركنيته أيضا كوضع الجبهة فتأمل جيدا " منه ". (*)


السجود لا أنه داخل في حقيقته، فيكون الانحناء عند العرف.

شرائط، ولذلك امتاز ما اعتبره الشارع في ناحية الوضع عما اعتبره في.

لما كان من مقومات السجود وداخلا في هويته كان التصرف. والركنية وصار مااعتبره الشارع في ناحيته من الاركان، وهذا بخلاف الانحناء، فإنه لما كان عند العرف خارجا.(١) صار ما اعتبر الشارع في ناحيته من الشرائط الخارجة على طبق نظر العرف، فتأمل(٢) .

فإن ما أفاده - مد ظله - لايخلو عن شئ وعلى كل حال لا إشكال في أنه يعتبر في تحقق السجود الذي يكون موردا للاحكام الشرعية وضع خصوص الجبهة، ولا يكفي وضع سائر أجزاء الوجه من الخد والذقن، من غير فرق في ذلك بين سجود الصلاة وغيره من سجود الشكر والتلاوة وغيرهما.

وتوهم أن تحديد السجود بذلك إنما هو في خصوص الصلاة وأما في غيرها فهو باق على معناه العرفي من كفاية وضع أي جزء من أجزاء الوجه، فاسد.

إذ الظاهر أن يكون وضع خصوص الجبهة معتبرا في مطلق السجود حيث إن الشارع حدد السجود العرفي بذلك، نعم في خصوص حرمة السجود لغيرالله تعالى يمكن أن يقال بالعموم وحرمة وضع أي جزء من أجزاء الوجه، إذا كان على وجه التعظيم والخضوع كما مال إلى ذلك شيخنا الاستاذ - مد ظله - وإن كان ذلك أيضا. لا يخلو عن إشكال. ثم لايخفى عليك أن مثل تقبيل الاعتاب المقدسة لم يكن من السجود بداهة

____________________

(١) البياض الموجود من نسخة الاصل.

(٢) وهذا ولكن قد عدل عن هذا لما وصل إلى محل تعرض اعتبار المساواة وقال في ذلك المقام بركنية عدم ارتفاع موضع الجبهة بأزيد من مقدار لبنة ولازم ذلك عدم وجوب الجر عليه إذا وضعها على مرتفع أزيد من ذلك بل تعين عليه الرفع لاحداث السجدة ولا يلزم زيادة سجدة إذ ما أتى بها لم يكن سجودا شرعا فتأمل " منه ". (*)


عدم صدق السجود على ذلك فهل ترى أنه لو انكب أحد لتقبيل ابنه يقال إنه سجد لابنه نعم ما يفعله بعض العوام من وضع الجبهة والخدين على وجه الخضوع والتذلل في الاعتاب المقدسة لا يبعد صدق السجود عليه فاللازم ترك مثل ذلك. ثم إنه ربما يفرق بين وضع الجبهة وبين وضع سائر أجزاء الوجه، بدعوى أن في وضع الجبهة لا يحتاج إلى قصد السجود بل هو بنفسه سجود، إلا إذا قصد عنوانا يغاير السجود، وهذا بخلاف وضع سائر أجزاء الوجه فإنه يعتبر فيها القصد إلى السجود، وإلا فهي بنفسها ليست من السجود، وربما مال إلى ذلك شيخنا الاستاذ - مد ظله -.

الامر الثاني: لا إشكال في أنه يجب في كل ركعة سجدتان، بحيث تبطل الصلاة بالاخلال بهما معا عمدا وسهوا من غير فرق بين الركعة الاولى وغيرها. وإن خالف في غير الاولى بعض إلا أنه سيأتي في أحكام الخلل ضعفه وهما معا ركن في الصلاة، فلا تبطل الصلاة بنقصان سجدة واحدة أوزيادتها سهوا بل يدور البطلان مدار نقصانهما معا أو زيادتهما معا، وهذا مما لا إشكال فيه.

نعم في المقام إشكال وهو أن الاعلام قد أجروا على السجدة الواحدة بعض لوازم الركن، حيث إنه نسب إلى المشهور أنه من نسي الركوع حتى دخل السجود تبطل صلاته وكذا حكي الاتفاق على أنه لو نسي واجبات الركوع.

مضى في صلاته، ولا يلزمه العود إلى تدارك [ السقط من نسخة الاصل ].

يستقيم مع القول بعدم ركنية السجدة الواحدة لاطباقهم على بقاء محل الاجز [ السقط من نسخة الاصل ] يدخل في الركن اللاحق فإذا دخل في الركن اللاحق، فإن كان المنسي جزء غير ركني مضي في صلاته، وإن كان جزء ركنيا بطلت صلاته لا ستلزام العود إلى المنسي زيادة الركن. واستلزام المضي في الصلاة نقصان الركن. فلو لم تكن السجدة الواحدة ركنا، لكان اللازم العود إلى الركوع


المنسي لبقاء محله. وعدم استلزام إليه زيادة الركن. وكذا الكلام في سائر الاجزاء المنسية من الركوع. فالقول بعدالعود إليها لا يستقيم إلا مع البناء على ركنية السجدة الواحدة، حتى يكون الدخول في السجود دخولا في الركن، والمفروض أنهم لم يقولوا بركنية السجدة الواحدة ولا يمكن الوقل به، لتضافر النصوص بعدم بطلان الصلاة مع زيادة سجدة واحدة أو نقصانها، فالجمع بين القول بعدم إعادة الصلاة عند نسيان السجدة الواحدة وزيادتها وبين القول بفوات محل الركوع المنسي، وكذا الاجزاء الاخر بالدخول بالسجدة الاولى، يكون من الجمع بين المتناقضين، هذا، وسيأتي إن شاء الله في أحكام الخلل تفصيل حل الاشكال.

وحاصله: أن مقتضى القاعدة الاولية المستفادة من حديث " لا تعاد الصلاة إلا من خمس "(١) هو ركنية السجدة الواحدة بحيث تبطل الصلاة بنقصانها وزيادتها، وكان الدخول بالسجة د من الدخول في الركن الذي يوجب فوات محل تدارك الاجزاء المنسية، هذا حسب ما يقتضيه حديث " لا تعاد " ولكن قام الدليل أيضا على أنه لو اتفقت زيادة سجدة(٢) أو نقصائها(٣) نسيانا أو ما يلحق بالنسيان كالخطأ(٤) لم تبطل الصلاة ولا تجب عليه إعادتها، فلابد من الجمع بين هذا وبين ما يستفاد من حديث " لاتعاد " فنقول: إن مادل على عدم إعادة الصلاة من سجدة واحدة يكون أخص من حديث " لا تعاد " لان الحديث يشمل السجدتين والسجدة الواحدة. وهذا مختص بالسجدة الواحدة.

فيكون مخصصا للحديث، لكن لابد من الاقتصار على مقدار التخصص، والمقدار الذي ثبت هو

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٢٢٧ من باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٩٦٨ باب ١٤ من أبواب السجود، ح ٢ و ٣.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٩٦٨ باب ١٤ من أبواب السجود، ح ١ و ٢.

(٤) الوسائل: ج ١١ ص ٢٩٥ باب ٥٦ من أبواب جهاد النفس، ح ١. (*)


صورة اتفاق زيادة السجدة أن نقصانها لمكان النسيان أو الخطأ، وأما صورة التعمد إلى زيادة السجدة وإن كان منشأ الغمد هو نسيان الجزء السابق فهي بعد باقية في حديث " لا تعاد " وصورة نسيان الركوع أو الواجبات الاخر حتى سجد تكون من صور تعمد فعل السجدة، غايته أن وجه العمد إليها هو نسيان الخ‍ فتكون هذه الصورة مندرجة في حديث " لا تعاد الصلاة إلا من خمس(١) إلخ " والمستفاد من حديث.

أن بمجرد الدخول في السجود يفوت محل الاجزاء المنسية السابقة كما يأتي بيانه في الخلل، فتأمل جيدا.

إشكال آخر قد أطالوا الكلام في توجيهه وجوابه وهو أن الركن لو كان هما السجدتان.(٢) وصف الاجتماع، فاللازم فوات الركن بفوات سجدة، لان المركب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه، ولو كان الركن هو السجدة الواحدة كان اللازم هو زيادة الركن عند زيادة سجدة واحدة، مع أنه لم يلتزموا بذلك، هذا.

ولكن الانصاف أنه لا وقع لهذا الاشكال، وذلك لان الركنية ليست هي إلا منتزعة عن الادلة المتكلفة للاجزاء والامتثال، وليست هي منتزعة عن مرحلة تعلق التكليف بأجزاء المركب، لان تعلق التكليف بأجزاء المركب على حد سواء، ولايمكن انتزاع الركنية من نفس تعلق التكليف، لا ستواء الكل في تعلق التكليف به من غير فرق بين الاركان وغيرها، فالركنية إنما تنتزع عن الادلة المتكفلة لمرحلة الاجزاء والامتثال، حيث إنه لو قام دليل على أن نسيان بعض الاجزاء وزيادتها لم يوجب البطلان، فينتزع من ذلك عدم ركنية تلك الاجزاء.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) البياض من نسخة الاصل. (*)


ولو قام دليل على أن نسيان بعض الاجزاء أو زيادتها موجب للبطلان، فينتزع من ذلك ركنية تلك الاجزاء، وحينئذ لا بد من ملاحظة الادلة الواردة في مرحلة إجزاء السجود وامتثاله.

إذ الصور المتصورة في السجود بعد تعلق الامر به تكون على انحاء، فإنه يمكن أن لا يأتي بسجود أصلا، ويمكن أن يأتي بسجدة واحدة، ويمكن أن يأتي بسجدتين، ويمكن أن يأتي بثلاث سجدات، ويمكن أن يأتي أربع فمازاد، ونحن لو خلينا وحديث " لا تعاد " لقلنا ببطلان الصلاة ما عدا صورة الاتيان بسجدتين فقط.

ولكن بعد قيام الدليل على أن السجدة الواحدة زيادتها ونقيصتها لا يضر نستكشف أن العبرة ببطلان الصلاة هما السجدتان معا في كل من طرف الزيادة والنقيصة، فقولنا إن السجدتين معا ركن عبارة عن أن زيادة السجدتين ونقصانهما عمدا وسهوا يوجب البطلان لان هذا هو المستفاد من مجموع أدلة الباب ونسمي ما هو المستفاد منها ركنا فأين الاشكال حتى نتعب النفس في الجواب عنه.

وكأن منشأ توهم الاشكال هو تخيل أن التكليف إنما تعلق بمجموع السجدتين على نحو العام المجموعي، فيشكل بانتفاء المجموع عند انتفاء السجدة الواحدة، ولكن قد عرفت أن التكليف بالسجدتين على حد التكليف بسائر الاجزاء، وإنما نستفيد خصوصية السجدتين من أدلة الاجزاء والامتثال فتأمل.

الامر الثالث يعتبر في السجود امور ستة: الاول: السجود على سبعة أعضاء الجبهة، والكفين والركبتين والابهامين، وقد عرفت أن وضع الجبهة يكون ركنا في السجود، وعليه يدور الزيادة والنقيصة [ السقط من نسخة الاصل ] وضع سائر الاعضاء فإنها من واجبات السجود، ولا يدور السجود مدار تحققها.

وعلى كل حال لا إشكال في وجوب وضع الجبهة إنما الاشكال في أنه يعتبر وضع خصوص الجبهة أو يكفي وضع أحد الجبينين أيضا، وينبغي أن يعلم أن الجبهة قد تطلق ويراد بها مجموع ما بين الصدغين على وجه يدخل فيها الجبينان،


وقد تطلق ويراد بها خصوص ما كان في مقابل الانف على وجه يخرج عنها الحاجبان. ولمكان هذين الاطلاقين للجبهة ربما يستشكل اعتبار وضع خصوص الجبهة بمعناه الاخص، لولا الاجماع على اعتبار ذلك كما حكي، بدعوى أنه لا شاهد على إرادة خصوص هذا فيما ورد في المقام من الاخبار، هذا.

ولكن الانصاف أن في بعض أخبار الباب دلالة على إرادة الجبهة بمعناها الاخص، كما في رواية عمار الساباطي ومروان بن مسلم قالعليه‌السلام : ما بين قصاص الشعر إلى طرف الانف مسجد أي ذلك أصبت به الارض أجزأك(١) . وفي معناها رواية اخرى(٢) .

ولا يخفى ظهورها في اعتبار خصوص النقطة المقابلة للانف فيخرج عنها الجبينان لعدم مقابلتهما للانف، بل مقابلان للحاجبين والعينين، فالاقوى اعتبار وضع خصوص الجبهة بمعناها الاخص، ولا يلزم الاستيعاب بل يكفي وضع شئ منها كما يدل عليه قولهعليه‌السلام : " أي ذلك أصبت به الارض أجزأك "(٣) نعم الافضل الاستيعاب كما يأتي إن شاء الله. هذا كله في وضع الجبهة.

وأما وضع الكفين فلا إشكال في اعتبار وضع خصوص الكفين على وجه يخرج عنهما الزندان وما فوقهما. وما ورد في بعض الاخبار من وضع اليدين يراد به خصوص الكفين، كما يقتضيه صناعة الاطلاق والتقييد، وفي وجوب استيعاب الكفين، أوكفاية وضع شئ منهما، وجهان، الاقوى لزوم الاستيعاب.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٦٣ باب ٩ من أبواب السجود، ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٩٦٣ باب ٩ من أبواب السجود، ح ٥.

(٣) ولكن ظاهر بعض الروايات (٥) عدم كفاية الاقل من مقدار درهم وقواه شيخنا الاستاذ - مد ظله - " منه". (*) مستدرك الوسائل: ج ١ ص ٢٤٨ باب ٨ من ابواب ما يسجد عليه ح ٣ (*)


في القواطع

وهي على قسمين: منها: ما تكون قاطعة عمدا وسهوا. ومنها: ما تكون قاطعة عمدا فقط.

أما الاول منها: الحدث فإنه يقطع الصلاة عمدا وسهوا ولو قبل التشهد من الركعة الاخيرة، أو بعده قبل التسليم، والاخبار بذلك مستفيضة. وما دل من عدم قاطعيته بل يتطهر ويبني ولا يجب عليه الاستئناف فمطروح لاعراض الاصحاب عنه وموافق للتقية، فهو مما اعطى من جراب النورة، ولا ينبغي الاشكال في المسألة.

ومنها: الالتفات عن القبلة، ولا إشكال في قاطعيته في الجملة إنما الاشكال في تعيين ما هو القاطع، اعلم أن الالتفات عن القبلة إما أن يكون عن عمد، وإما أن يكون عن سهو، وعلى كل منهما إما أن يكون بكل البدن، وإما أن يكون بالوجه خاصة، وعلى جميع التقادير إما أن يكون الالتفات إلى ما دون اليمين واليسار، وإما أن يكون إلى نفس اليمين واليسار، وإما أن يكون إلى الخلف.


فالاقسام اثنى عشر. وكأن نظر الجواهر(١) إلى إنها الاقسام إلى ستة عشر هو جعل كل من الالتفات إلى اليمين والالتفات إلى اليسار قسما برأسه، ولكن لا موجب لذلك: بعدما لم يختلف الحكم بالنسبة إلى اليمين واليسار، وكان الالتفات إلى اليمين متحدا في الحكم مع الالتفات إلى اليسار، ولولا لحاظ الاتحاد في الحكم لتكثرت الاقسام باعتبار ما يمكن من الالتفات.

وعلى كل حال ينبغي إخراج الالتفات بالوجه خاصة إلى الخلف بكلا قسميه من العمد والسهو عن القسمة لاستحالة ذلك ظاهرا على وجه يكون البدن إلى القبلة والوجه إلى الوراء، فالذي ينبغي بيانه هو الاقسام العشرة الاخر. وينبغي أولا الاشارة إلى أخبار الباب فنقول: إن أخبار الباب على طوائف: منها: مادل بقاطعية مطلق الالتفات، ومنها: مادل على قاطعية الالتفات الفاحش، ومنها: ما دل على قاطعية الالتفات إلى الخلف، ومنها: ما دل على فساد الصلاة بقلب الوجه.

فمن الاول: ما رواه زرارة أنه سمع أبا جعفرعليه‌السلام يقول: الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله(٢) . وفي معناه عدة روايات أخر(٣) .

ومن الثاني: مارواه في الخصال عن عليعليه‌السلام : الالتفات الفاحش يقطع الصلاة... الخبر(٤) . وفي معناه أيضا روايات اخر.

ومن الثالث: ما رواه البزنطي عن الرضاعليه‌السلام : عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته قالعليه‌السلام : إذا كانت الفريضة والتفت إلى

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١١ ص ٢٧.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٨ باب ٣ من أبواب قواطع الصلاة، ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٨ باب ٣ من أبواب قواطع الصلاة، ح ١ و ٦.

(٤) الخصال: ص ٦٢٢. (*)


خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به، وإن كانت نافلة فلا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود(١) .

ومن الربع: ما رواه زرارة عنهعليه‌السلام ثم استقبل القبلة بوجهك ولا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك... الخبر(٢) . فهذه جملة أخبار الباب.

وقد يترجح في بادي النظر أن النسبة بين أخبار الباب العموم المطلق، لان مادل على قاطعية الالتفات الفاحش أخص مطلقا مما دل على قاطعية مطلق الالتفات، كما أن ما دل على قاطعية الالتفات الفاحش أعم مطلقا مما دل على قاطعية الالتفات إلى الخلف، وكصحيحة البزنطي، فتكون نتيجة الجمع هو قاطعية الالتفات إلى الخلف بكل البدن ليس إلا، لان ما دل على فساد الصلاة بتقليب الوجه فالمراد منه أيضا قلب البدن لا خصوص الوجه، لان الظاهر من قلب الوجه في هذه المقامات هو قلب البدن كما ربما يشعر بذلك ذيل الخبر المتقدم، حيث استدل الامام بقوله [ تعالى ] " فول وجهك شطر المسجد الحرام "(٣) ومعلوم أن المراد من الآية هو تولية البدن لا خصوص جارحة الوجه، فيكون مفاد لا تقلب وجهك عن القبلة مفاد قوله " لا تلتفت " وبعد حمل الالتفات إلى الالتفات إلى الخلف حسب ما تقتضيه صناعة الاطلاق والتقييد يتحصل أن الالتفات إلى ما دون الخلف مطلقا عمدا وسهوا غيرمبطل.

لان أدلة قاطعية الالتفات لا اختصاص لها بالعمد ولا بالسهو.

ولا منافاة بين بطلان الصلاة إلى غير القبلة عمدا ولو يسيرا على وجه يخرج عن الحد الذي يتسامح فيه، وبين عدم قاطعية الالتفات إلى ذلك عمدا، لان القبلة إنما اعتبرت شرطا لاجزاء الصلاة،

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٩ باب ٣ من أبواب قواطع الصلاة، ح ٨.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ٣.

(٣) البقرة: الآية ١٤٤. (*)


فوقوع جزء من أجزاء الصلاة إلى غير القبلة موجب للبطلان لفوات الشرط، بل لولا قيام الدليل على عدم بطلان الصلاة إلى ما بين اليمين واليسار إذا كان ذلك عن عذر من اجتهاد أو نسيان، لكان اللازم القول بالبطلان مطلقا حتى في صورة العذر، قضية للشرطية، وهذا بخلاف قاطعية الالتفات فإنه إنما اعتبر قاطعا في خصوص الاكوان الصلاتي.

ومن هنا قلنا باستحالة جعل شرطية الشئ مع مانعية عدمه للزوم اللغوية في الجمع بالجعل فلابد من جعل أحدهما بخلاف جعل شرطية شئ وقاطعية عدمه، لاختلاف محل الشرط والقاطع، حيث إن الاول اعتبر بالنسبة إلى الاجزاء، والثاني اعتبر بالنسبة إلى الاكوان، ومن هنا صار قاطعا ولو في حال السكونات وعدم الاشتغال بالاجزاء، وحينئذ فيمكن أن يكون الالتفات عمدا إلى ما دون الخلف غير قاطع وغير مبطل للصلاة، وأدلة شرطية القبلة لا تفي بالبطلان إذا كان الالتفات في حال السكونات، وكلامنا في قاطعية الالتفات إنما هو في ذلك الحال لا في حال الاشتغال بالاجزاء إذ لا كلام في البطلان في ذلك الحال، لمكان فوات شرط القبلة. فتحصل أن مقتضى الجمع بين الادلة هو قاطعية الالتفات إلى الخلف عمدا وسهوا، وعدم قاطعية الالتفات إلى ما دون ذلك كذلك عمدا وسهوا بكل البدن فضلا عن خصوص الوجه، هذا.

ولكن الذي يقتضيه صحيح النظر عدم تلك فإن ما ذكرناه مبني على ثبوت المفهوم لصحيحة البزنطي(١) ، حيث خص البطلان فيها بالالتفات إلى الخلف، ومقتضى المفهوم عدم البطلان إذا لم يكن الالتفات إلى الخلف، وهو أخص مطلقا مما دل على البطلان في مطلق الالتفات.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٤٩ باب ٣ من أبواب قواطع الصلاة، ح ٨. (*)


ولكن الكلام في إثبات المفهوم للصحيحة، أما [ أولا: ] فلاحتمال أن يكون الشرط مسوقا لبيان حكم الفريضة فيكون قولهعليه‌السلام في الذيل: وإن كانت في النافله... إلخ.

بيانا لمفهوم الشرطية الاولى، من دون أن تكون الشرطية الاولى مسوقة لبيان التفيل بين الخلف وبين غيره، ويكون حينئذ ذكر الخلف لمكان أنه أحد مصاديق الالتفات، لا انحصار الالتفات المبطل بذلك، فتأمل جيدا.

وأما ثانيا فلانه لم يعلم من الاصحاب العمل بإطلاق المفهوم. بحيث يكون الالتفات إلى نفس اليمين واليسار ولو عمدا غير مبطل كما يقتضيه إطلاق المفهوم، وإن حكي ذلك عن بعض، بل لم يظهر من الاصحاب التفصيل بين النافلة والفريضة، وقد راجعت كلمات الاصحاب في ذلك فلم أجد مصرحا بتفصيل إلا صاحب المستند(١) حيث أفاد أن القول بعدم قاطية الالتفات في النافلة أجود. بل ظاهر كلام الجواهر هو عدم الفرق بين الفريضة والنافلة، حيث أفاد في مسألة قاطعية الاكل والشرب ما لفظه: فلا فرق في سائر ما تقدم من الموانع بين الفريضة والنافلة إلا في المقام(٢) ، إنتهى.

أي مقام ما نعية الاكل والشرب، حيث يجوز في صلاة الوتر. وبالجملة الخروج عن مطلقات قاطعية الالتفات على كثرتها بمثل مفهوم صحيحة البزنطي مشكل، بل ينبغي أن يقال بضرس قاطع: إنه لا عبرة بذلك المفهوم، فتأمل. وعليه، يكون المعول هو مطلقات الباب، ومقتضاها بطلان الصلاة بمجرد الالتفات عن القبلة وما بحكمها مما يتسامح فيه على ما تقدم تفصيله في القبلة مطلقا، سواء كان ذلك عن عمد أو سهو. والمراد من الالتفات الفاحش ليس إلا الالتفات على وجه يخرج عن القبلة وما بحكمها إذا لوالتفت عن القبلة

____________________

(١) مستند الشيعة: ج ١ ص ٤٥٩ كتاب الصلاة.

(٢) جواهر الكلام: ج ١١ ص ٨٠. (*)


زائدا عما يتسامح فيه يصدق عليه الالتفات الفاحش، بل أفاد شيخنا الاستاذ - مد ظله - أن المراد من الالتفات في الاخبار الدالة على قاطعيته بلا تقييده بالفاحش ليس مطلق الالتفات، بل الالتفات على وجه يخرج عما يتسامح فيه في باب القبلة، لان الالتفات بمقدار يتسامح فيه ليس بقاطع قطعا، فلابد من أن يكون المراد، من قاطعية الالتفات هو الالتفات الزائد عن ذلك المقدار، ولا يلزم من ذلك أن يكون تقييد الالتفات بالفاحش لغوا، حيث كان المراد من الالتفات الالتفات الخارج عن المقدار المتسامح فيه، والمراد من الفاحش أيضا صار ذلك حسب ما تقدم، فيلزم لغوية التقييد بالفاحش، وذلك لان تقييد الالتفات بكونه خارجا عما يتسامح فيه تقييدا عقليا، لمكان أن الصلاة إلى ما يتسامح فيه من مقدار أربع أصابع لا يوجب البطلان، فعدم قاطعية الالتفات بطريق أولى، وليس التقييد بذلك مأخوذا في مدلول لفظ الالتفات، بل مدلول لفظ الالتفات مطلق يعم جميع الصور حتى صورة الالتفات إلى ما يتسامح فيه، فتقييده بالفاحش حينئذ لا يكون لغوا لانه تقييد لمدلول اللفظ، والمفروض أن مدلول لفظ الالتفات أعم.

فتأمل. وعلى أي حال لا إشكال في صدق الفاحش على الالتفات بكل البدن عن المقدار الذي يتسامح فيه، ويلزم القول حينئذ بقاطعية الالتفات بكل البدن مطلقا عمدا وسهوا إلى الخلف وما دونه. هذا حسب ما يقتضيه مطلقات أدلة الباب.

ولكن قد تقدم منا في مسألة القبلة ما يدل على صحة الصلاة إلى ما بين اليمين واليسار إذا كان ذلك عن عذر من اجتهاد أو نسيان، وليس عليه الاعادة في الوقت فضلا عن القضاء في خارجه، ولازم ذلك هو أن الالتفات إلى ما بين اليمين واليسار غير موجب للبطلان، إذا كان عن نسيان، بداهة أن وقوع جميع الصلاة إلى مابين اليمين واليسار إذا كان غير موجب للبطلان فوقوع الالتفات في الاثناء


إلى ذلك يقتضي أن لا يوجب البطلان بطريق أولى، لان الصلاة إلى ذلك مستلزم للالتفات إلى ذلك وما زاد، كما لا يخفى.

وكذلك قد تقدم منا أن الصحة إلى نفس اليمين واليسار لعذر موجب للاعادة في الوقت خاصة دون خارجه، يلزمه أيضا بمقتضى الاولوية المذكورة أن الالتفات إلى اليمين واليسار نسيانا موجب لعدم القضاء لو تذكر في خارج الوقت، وأما لو تذكر في الوقت فيقتضي الاعادة حسب مطلقات أخبار الباب، ولولا الاولوية المذكورة لكان مقتضى مطلقات الباب القضاء في خارج الوقت أيضا وأما الالتفات إلى الخلف فهو موجب للبطلان ومندرج تحت مطلقات الباب، سواء تذكر في الوقت أو خارجه، كما أن الصلاة إلى الخلف كان موجبا للبطلان حسب ما دل عليه مرسلة الشيخ على ما تقدم.

وحاصل الكلام أن اللازم علينا هو الاخذ بمطلقات أخبار الباب من قاطعية الالتفات مطلقا إلى أي جهة كان.

إلا إذا قام الدليل على أن الصلاة إلى تلك الجهة غير موجب للبطلان، فيلزمه عدم موجبية الالتفات له بمقتضى الاولوية المذكورة، وقد عرفت موارد قيام الدليل على عدم بطلان الصلاة. فبذلك المقدار نقول به في المقام. فتصير نتيجة المسألة بعد رفع اليد عن مفهوم صحيح البزنطي أن الالتفات نسيانا إلى ما بين اليمين واليسار غير مبطل، والالتفات نسيانا إلى نفس اليمين واليسار موجب للاعادة إن تذكر في الوقت دون القضاء إن تذكر خارج الوقت، والالتفات إلى الخلف نسيانا موجب للبطلان مطلقا.

كما أن الالتفات العمدي مطلقا ولو إلى ما بين اليمين واليسار موجب للبطلان إذا كان بكل البدن لان جميع صور العمد مندرج في أخبار الباب من دون أن يكون هناك مخرج، لان تعمد الصلاة إلى غير القبلة موجب للبطلان مطلقا أيضا.

فتبين حال الصور الست من الصور العشر من أقسام الالتفات، وهي


الالتفات بكل البدن إلى ما بين اليمين واليسار، وإلى نفس اليمين واليسار، وإلى الخلف عمدا أو سهوا، فهذه الصور الست بقي صور الالتفات بالوجه خاصة، وقد عرفت استحالة الالتفات بالوجه خاصة إلى الوراء عمدا وسهوا وأما الالتفات إلى ما دون الوراء بالوجه فالاقوى فيه الصحة، بجميع صورة من عمدها وسهو ها.

نعم يكره ذلك عمدا، وذلك لعدم قيام دليل على بطلان الصلاة بالالتفات بالوجه، إذ ما ورد فيه لفظ الوجه كصحيح زرارة(١) السابق فالمراد منه البدن لتداول الاستعمال كذلك عند العرف، والمسألة [ فيها ] شبهة الاجماع، إذ لم نعثر على من صرح بالبطلان في صورة الالتفات بالوجه خاصة، وعليه يحمل ما ورد من عدم البأس في الالتفات مع دلالة بعضها على الكراهة، وإشعار الآخر بها، إذ ليس المراد منه الالتفات بكل البدن، لمعلومية أنه مبطل، بل المراد الالتفات بالوجه بل لو أمكن الالتفات بالوجه إلى الخلف لكان حكمه كذلك أيضا، وإن ذهب بعض إلى البطلان فيه، نظرا إلى صدق الالتفات الفاحش عليه وفي الصدق نظر، فتأمل.

ثم هل يلحق بصورة النسيان القهر والاكراه أو لا يلحق؟ مال شيخنا الاستاذ - مد ظله - إلى الالحاق، فلو أكره للالتفات إلى مابين اليمين واليسار صحت صلاته وليس عليه الاعادة والقضاء، ولو أكره على نفس اليمين فعليه الاعادة في الوقت، إن ارتفع العذر فيه، دون القضاء إن استمر العذر إلى خروج الوقت، ولو أكره على الالتفات إلى الخلف فعليه الاعادة والقضاء، هذا ولكن إلحاق القهر بالنسيان مشكل، الا إذا قلنا بذلك في شرطية القبلة أيضا، أي قلنا بالصحة في صورة الاكراه إلى الصلاة إلى مابين اليمين واليسار، ففي المقام نقول بها أيضا للاولوية المذكورة، وشيخنا الاستاذ وإن مال إلى ذلك أيضا إلا أن الانصاف أنه مشكل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ٣. (*)


لعدم مساعدة الدليل عليه، فإن مادل على صحة الصلاة إلى مابين اليمين واليسار مختص بالعذر الغير الشامل للاكراه، كما لا يخفى على المراجع. فمقتضى إطلاقات الباب هو إلحاق الاكراه بالعمد هذا تمام الكلام في قاطعية الالتفات. ومنها: أي من القواطع الفعل الكثير.

اعلم أن الفعل الكثير وكذا القليل لم يرد في أخبار الباب، وإنما ورد المنع عن بعض الافعال والرخصة في بعض آخر، ولاجل ذلك قيد الفعل الكثير بما كان ماحيا لصورة الصلاة المرتكزة في أذهان المتشرعة على وجه لا يعد الشخص مصليا، وهذا المعنى مبني على أن تكون للصلاة صورة اتصالية، وتكون تلك الصورة مما يلزم حفظها. وشيخنا الاستاذ - مد ظله - في بحثه الاصول أنكر كل ذلك. ولكن في المقام اعترف بأن للصلاة صورة اتصالية. ولكن كونها متعلقة للتكليف والطلب محل منع وعليه يبتني عدم جريان الاستصحاب عند الشك في قاطعية شئ.

والحاصل: أن الاستصحاب مبني على تعلق الطلب بالصورة، وهو محل منع. وأما أصل الصورة فلا يمكن إنكارها، لان القواطع تنادي بأعلى صوتها أن للصلاة صورة بحيث كلما يقع في أثنائها ولو بين السكونات وعدم الاشتغال بالافعال كان ذلك واقعا في الصلاة، وحينئذ يلزم حفظ تلك الصورة وعدم إعدامها، وإما بما جعله الشارع قاطعا كالحدث والالتفات والقهقهة، وأمثال ذلك، وإما بإعدامها تكوينا كالفعل الكثير الماحي للصورة.

ونحن وإن لم نساعد على ماذكره شيخنا في هذا المقام، بل ربما يختلج بالبال التناقض بين القول بعدم تعلق التكليف بتلك الصورة كما اعترف به في المقام أيضا وبين القول بلزوم حفظها عن غيرما جعله الشارع قاطعا فتأمل جيدا. وعلى كل حال يكفي في المسألة انعقاد الاجماع ظاهرا على عدم جواز الفعل الكثير على وجه يمحو الصورة الصلاتية، بل يكون مبطلا عمدا وسهوا اما عمدا


فواضح، واما سهوا فلعدم شمول مثل حديث " لا تعاد الصلاة إلا من خمس "(١) لان شمولها فرع انحفاظ الصلاة حتى يصح أن يقال تعاد أو لا تعاد، والمفروض أن الفعل الكثير على ذلك الوجه موجب لعدم صدق الصلاة وخروج المصلي عن كونه مصليا، فهو من القواطع العمدية والسهوية كالحدث.

ثم إن سنخ الافعال تختلف، فمنها مالا يحتاج في صدق الكثرة الماحية للصورة إلى تكرره، بل يكفي أول وجوده كالوثبة الفاحشة والجلوس على المائدة للاكل والشرب ومنها ما يتاج إلى التكرر كحركة اليد، فإن نفس حركة اليد لا يكون من الفعل الكثير إلا بالتكرر على وجه يصدق ذلك، بل رب فعل لا يكون من الكثير على ذلك الوجه حتى مع التكرر كحركة الاصابع فإنها لا توجب محو الصورة، وإن وقعت من أول الصلاة إلى آخرها.

وبالجملة لا إشكال في اختلاف الافعال من حيث السنخ فكلما علم أنه من الكثير الماحي للصورة بأول وجوده أو بتكرره أو علم أنه لم يكن من الكثير فهو. وأما إذا شك في كونه من أي القسمين. فهو مبني على جريان الاستصحاب عند الشك في القاطع هذا كله في الفعل.

وأما السكوت: فتارة يطول على وجه يمحو الصورة، فهو كالفعل الكثير في كونه قاطعا عمدا وسهوا، واخرى لا يطول على ذلك الوجه وإنما يوجب فوات الموالاة العرفية والمتابعة المعتبرة بين الاجزاء، الذي تقدم سابقا أنها من الشرائط فهذا إن وقع عمدا فهو موجب للبطلان، وإن وقع سهوا أو ما يلحق بالسهو من القهر والاكراه فغير موجب للبطلان، لان حديث " لا تعاد " يرفع شرطية الموالاة في هذا الحال كما هو الشأن في سائر الشرائط والاجزاء، غير الاركان، واخرى يكون السكوت غير موجب لا لهذا ولا لذلك فهو غير مبطل مطلقا.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١ (*)


ثم إن ما ذكرنا من أن الفعل الكثير قد يكون ماحيا للصورة وقد لا يكون فإنما هو فيما إذا لم يكن من سنخ أفعال الصلاة كالوثبة والاكل والشرب وغير ذلك، وأما إذا كان من سنخ أفعال الصلاة فهو غير موجب لمحو الصورة بلغ ما بلغ. نعم يوجب فوات الموالاة والتتابع بين الاجزاء إذا بلغ حد ذلك كما إذا قرأ دعاء أبي حمزة مثلا في أثناء الفاتحة وما شابه ذلك من الاذكار التي توجب فوات الموالاة العرفية(١) ومن جملة ذلك الصلاة الواقعة في أثناء صلاة فإنها أيضا لا توجب محو الصورة، وإنما توجب فوات الموالاة، فينبغي التفصيل بين صورة العمد والسهو.

وحيث انجر الكلام إلى ذلك فلا بأس بالاشارة إلى حكم الصلاة في أثناء صلاة من حيث الصحة والفساد والتفصيل بين صورة العمد والسهو فنقول: إن افتتاح صلاة في أثناء صلاة لا يخلو الحال فيه إما أن يكون ذلك عن عمد وإما أن يكون عن سهو ونسيان، وعلى كل تقدير إما أن تكون الصلاة الثانية المفتتحة مترتبة على الصلاة الاولى كالظهر والعصر، أو غير مترتبة كالحاضرة والفائتة بناء على عدم الترتيب فيهما وكاليومية والآيات، ثم ما كان عن عمد إما أن تكون الصلاة الثانية ملزما بها شرعا في الحال لمكان ضيق وقتها كالآيات إذا ضاق وقتها في أثناء الصلاة اليومية أو العكس، وإما أن لا يكون كذلك كما إذا كان في سعة من وقتها. فإن كان افتتاح صلاة في أثناء صلاة عن عمد واختيار من دون أن يكون هناك ملزم شرعي بالنسبة إلى الصلاة الثانية في الحال، فلا ينبغي الاشكال في بطلان كل من الصلاة الاولى والثانية، أما الاولى فلمكان فوات الموالاة بين أجزائها.

وأما الثانية فلمكان النهي عنها من حيث كونها مفوتة

____________________

(١) بل يمكن منع كون الدعاء مفوتا للموالاة مطلقا، وكذلك القرآن كما ربما يشعر بذلك بعض الاخبار في تكرارهعليه‌السلام بعض آيات الفاتحة سبعين مرة " منه ". (*)


للموالاة عن الاولى، والظاهر أنه لا يحتاج في فوات الموالاة فعل مقدار من الصلاة الثانية، بل يصدق فوات الموالاة عرفا بمجرد الشروع في الثانية. فالاقوى أن بمجرد الشروع في الثانية بطل الاولى، لفوات شرطها من الموالاة والثانية لحرمتها.

وإن كان الافتتاح عن سهو ونسيان وكانت الثانية مترتبة على الاولى كالظهر والعصر فيما إذا شرع في العصر نسيانا في أثناء صلاة الظهر، فربما قيل: بالبطلان أيضا لمكان زيادة ركن في الاولى من تكبيرة الاحرام والركوع والسجود اذا لم يتذكر حتى أتى بالركوع والسجود الثانية، بل يكفي في البطلان مجرد التكبيرة لانها من الاركان، ولكن الاقوى ان ذلك ليس من زيادة الركن لما تقدم هنا ويأتي في محله إن شاء الله انه يعتبر في صدق الزيادة القصد إليها، بأن يأتي بشئ في أثناء الصلاة بقصد أنه من تلك الصلاة وأما مع عدم قصد ذلك فلا يصدق عليه الزيادة.

وفي المقام بعدما كان التكبير بقصد أنه من صلاة اخرى، فلا يصدق عليه أنه زاد في الصلاة الاولى فلا يندرج المقام في عقد المستثنى من حديث " لاتعاد " بل إنما يندرج في عقد المستثنى منه، حيث إنه فات من الاولى الموالاة وهي ليست من الاركان، فلا موجب لبطلان الاولى، وكذا لا موجب لبطلان الثانية، إذ لم يفت منها إلا الترتيب بين ما أتى منها من الاجزاء وبين ما سبق من أجزاء صلاة الاولى وشرطية الترتيب كشرطية الموالاة ليست من الاركان، فتشملها حديث " لا تعاد " فإلى آن التذكر لم يحصل خلل لا في الصلاة الاولى ولا في الصلاة الثانية، وأما فيما بعد التذكر فيقع الكلام حينئذ في أن شرطية الترتب هل هو على نحو العام المجموعي بأن تكون مجموع أجزاء الصلاة الثانية من حيث المجموع مترتبا على الصلاة الاولى، بحيث لو لم يقع الترتيب في جزء من الصلاة الثانية ولو في أول جزئها لكان ذلك موجبا لفوات الترتيب من أصله، لصدق عدم وقوع المجموع عقيب الاولى، فحينئذ يلزمه إتمام الثانية. ثم بعد ذلك إتمام الاولى لان فوات الترتيب إنما كان بالنسيان وفوات


الموالاة من الاولى أيضا كان بالنسيان فرفع اليد عما بيده والاخلال بالموالاة بين أجزائها يكون بلا موجب، لان العود إلى الاولى ثم بعد ذلك إتمام الثانية يكون موجبا لفوات الموالاة بين أجزاء الثانية بلا ملزم شرعي بعد عدم إمكان تدارك الترتيب، لان المفروض أنه كان على نحو العام المجموعي الذي فات بأول جزء من الثانية، فالاقوى بناء على هذا لزوم إتمام الثانية ثم بعد ذلك إتمام الاولى، هذا إذا قلناإن شرطية الترتيب على نحو العام المجموعي، وإن قلنا إن شرطية الترتيب على نحو العام الاصولي بأن يكون كل جزء من صلاة العصر مترتب على صلاة الظهر، فيلزمه حينئذ أنه متى تذكر رجع إلى صلاة الظهر وأتمها ثم بعد ذلك يتم صلاة العصر. لانه يتمكن من إدراك الترتيب بين ما بقي من أجزاء صلاة العصر، غايته أنه يفوت منه الموالاة بين أجزاء صلاة العصر ولا بأس به بعدما كان ذلك مقتضى الجمع بين حديث " لا تعاد " المسقط لاعتبار الترتيب فيما فعل من أجزاء صلاة العصر، وبين مادل على اعتبار الترتيب بين ما بقي من الاجزاء، بناء على كون اعتباره من باب العام الاصولي.

ولازم ذلك هو أنه لو شرع في العشاء نسيانا قبل المغرب ودخل في ركوع الركعة الرابعة، يلزمه متى تذكر فعل صلاة المغرب، ثم فعل ما بقي من أجزاء صلاة العشاء لادراك الترتيب بين ما بقي من أجزاء صلاة العشاء، غايته أنه يفوت منه الموالاة بين أجزاء صلاة العشاء. ولا بأس به بعدما كان ذلك مقتضى الجمع بين الادلة على حذو ما تقدم من صلاة الظهر والعصر هذا.

ولكن الظاهر أنه لا يلتزمون بذلك في صلاة العشاء بل بين مفتي بالبطلان نظرا إلى أنه بعد التذكر يلزم مخالفة الترتيب بين ما بقي من أجزاء صلاة العشاء عمدا وهو موجب البطلان، وبين مفتي بالصحة وإتمام صلاة العشاء ثم فعل المغرب، نظرا إلى أنه الاجزاء الواقعة حين النسيان على خلاف الترتيب كانت مندرجة تحت حديث " لا تعاد " ولازم شمول " لا تعاد " للاجزاء


السابقة على التذكر إسقاط الترتيب بالنسبة إلى الاجزاء الباقية بعد التذكر.

قلت: لا ملازمة في ذلك، لامكان بقاء الترتيب في الاجزاء الباقية وسقوطه في الاجزاء السابقة.

نعم لا بد من سقوط الموالاة بين أجزاء صلاة العشاء على ما تقدم، هذا.

ويمكن أن يقال: إن الامر يدور بين أحد أمرين إما من سقوط الترتيب بين الاجزاء الباقية من صلاة العشاء أو صلاة العصر بأن يتم الصلاة ثم يتم صلاة الظهر أو يشرع في صلاة المغرب، وبين سقوط الموالاة بالنسبة إلى أجزاء صلاة العصر أو العشاء، فيقع التزاحم بين هذين الامرين ولا مرجح فلابد من القول بالتخيير، بل يمكن القول بترجيح إتمام ما بيده. ثم الرجوع إلى الاولى، لان رفع اليد عما بيده وتفويته للموالاة بين الاجزاء يكون بلا ملزم شرعى، إذ غايته التخيير بين أحد الامرين والتخيير لا يكون ملزما شرعيا.

فإذا كان رفع اليد بلاملزم شرعي كان اللازم عدم جواز رفع اليد وتفويته للموالاة وسيأتي مزيد بيان لذلك، ولكن هذا كله على كون اعتبار الترتيب على نحو العام الاصولي، وهو خلاف المختار بل المختار كما تقدم في آخر المواقيت أن اعتبار التريتب إنما يكون على نحو العام المجموعي كما هو الظاهر من قولهعليه‌السلام " إلا أن هذه قبل هذه "(١) حيث إن ظاهره أن مجموع الصلاة الذي هذه يكون إشارة إلى ذلك قبل مجموع تلك الصلاة، واعتبار العام على نحو المجموعي وإن كان خلاف الظاهر ويحتاج إلى عناية وإلا مقتضى ظاهر العام هو العام الاصولي، إلا أن تلك العناية في المقام موجودة لمكام اسم الاشارة الظاهر في كونه إشارة إلى المجموع فبناء عليه لا إشكال في المسألة وأنه يلزمه إتمام ما بيده لسقوط الترتيب من أصله بمجرد الشروع في الثانية نسيانا في أثناء الاولى، أو بمجرد الدخول في ركوع

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٩٢ باب ١٤ من أبواب المواقيت، ح ٥. (*)


الركعة الرابعة في صلاة العشاء، حيث يفوت محل العدول حينئذ بل لولا أخبار العدول لكان اللازم هو إتمام ما بيده ولو لم يشرع بعد في الاولى إذا كان في الوقت المشترك، فتأمل في المقام جيدا.

هذا كله إذا كانت الصلاة الثانية التي شرع فيها نسيانا في أثناء صلاة الاولى مترتبة على الصلاة الاولى. وأما إذا لم تكن مترتبة كما إذا شرع في الفائتة في أثناء الحاضرة وبالعكس بناء على عدم الترتيب بينهما. أو شرع في الآيات في أثناء اليومية وبالعكس مع كون وقت كل منهما موسعا.

إذ لو كان وقت أحدهما مضيقا، فسيأتي الكلام فيه فمقتضى ما ذكرنا صحة كل من الاولى والثانية لفوات الموالاة عن الاولى نسيانا، فيندرج تحت حديث " لا تعاد " ثم إن لم يتذكر حتى أتم الثانية فلا إشكال في المسألة وأنه يعود إلى الاولى، فيتمها ولا شئ عليه وإن تذكر في الاثناء، ففي إتمام الثانية ثم العود إلى الاولى، أو العود إلى الاولى وإتمامها ثم العود إلى الثانية وإتمامها، أو التخيير في ذلك وجوه.

أما وجه الاخير فحاصله: أن الموالاة بالنسبة إلى الصلاة الاولى وإن سقطت لمكان الشروع في الصلاة الثانية نسيانا. ولكن بعد التذكر يدور الامر بين أن يرجع إلى الاولى لاحراز ما يمكنه من الموالاة بين أجزائها، إذ سقوط الموالاة في الجملة لا يوجب سقوط القدر الباقي المتمكن منها، وبين إتمام الثانية لاحراز الموالاة بين أجزائها. وبعبارة اخرى: حين التذكر أمره يدور بين امتثال أحد الواجبين اللذين لا يتمكن من الجمع بينهما اما امتثال وجوب القدر الممكن من موالاة الاولى، واما امتثال وجوب الموالاة في الثانية، ولابد من سقوط أحد الواجبين وحيث لا ترجيح فالتخيير.

وأما وجه الثاني: فلان الامر بإتمام الاولى كان سابقا بحسب الزمان فالترجيح لاتمام الاولى لسبق أمره.


وأما وجه الاولى: فحاصله أنه وإن كان المقام من باب التزاحم.

إلا أن رفع اليد عما بيده والرجوع إلى الاول يكون بلا ملزم شرعي لان في هذا الحال قد توجه عليه الامر بإتمام الثانية وحفظ موالاتها، ودعوى أن الامر بإتمام الاولى كان سابقا في الزمان كما هو مبني الوجه الثاني، فهو مما لا أثر له، بعد ما اجتمع الامر بإتمام الثانية أيضا، فغاية ما يمكن أن يقال هو التخيير ولكن رفع اليد عما بيده من دون ملزم شرعي مما لا يجوز لان التخيير لايمكن أن يكون ملزما شرعيا، فإذا لم يكن له ملزم شرعي ولم يصلح الامر بإتمام الاولى لان يكون تعجيزا مولويا عن إتمام الثانية فيلزم إتمام الثانية، لان قدرته مصروفة لتحصيل الموالاة في أجزاء الثانية، فالاعراض عنها ورفع اليد عن صرف القدرة إليها بصرفها في تحصيل ما يمكن من الموالاة الاولى يكون نظير عدم صرف القدرة في القيام في الركعة الاولى، وصرفها في الركعة الثانية، الذي قلنا في محله: إن ذلك لا يجوز لانه متمكن من القيام في الركعة الاولى.

فلا يسوغ له الجلوس إلا أنه كان هناك ملزم شرعي، والمفروض أنه لم يكن لان الامر بالقيام في الركعة الثانية ليس في مرتبة الامر بالقيام في الركعة الاولى فإذا لم يكن في مرتبته كان المتعين عليه صرف قدرته في القيام في الركعة الاولى، وما نحن فيه من هذا القبيل إذ رفع اليد عما بيده، وصرف قدرته على تحصيل القدر الباقي من موالاة الاولى بلا تعجيز مولوي مما لا يجوز. ومجرد الامر به لايوجب التعجيز إذا لم يتعين لاهمية. أوغيرها. والمفروض أنه لا تعيين له، فلا يصلح للتعجيز فإذا يتعين عليه إتمام الثانية التي قدرته مصروفة إليها فعلا.

وحاصل الكلام: أن التخيير في أمثال المقام ما لا يمكن، لان التخيير فرع التكافؤ المفقود في المقام، لمكان اشتغاله بالثانية التي لا يجوز تفويت موالاتها بلا ملزم شرعي، هذا حاصل ما أفاده شيخنا الاستاذ - مد ظله - في المقام، وبنى على


هذا الوجه، ولكن بعد في النفس من ذلك شئ، أما أولا فلامكان أن يقال إن الموالاة في الاولى سقطت وليس لها قدر باق حتى يقال يجب تحصيله، لان الموالاة أمر بسيط هي عبارة عن التتابع بين الاجزاء، والمفروض فوات التتابع بسبب الشروع في الصلاة الثانية، وليس التتابع ذي مراتب حتى يقال فات بعض مراتبه وبقي الآخر فيجب إحراز ما بقي بعد التذكر، بل المرتبة المتأخرة عن الموالاة هي محو الصورة التي فرضنا أن الصلاة في أثناء صلاة لا توجب محو الصورة، فإذا سقطت الموالاة في الاولى ولم يقم دليل على وجوب التتابع بين الاجزاء فورا ففورا.

فلم يبق في المقام إلا التتابع في أجزاء الثانية التي يمكن تحصيلها، فليس المقام من باب التزاحم، بل ليس هناك إلا أمر واحد وهو الموالاة في الثانية وأما ثانية فلو سلم أن اعتبار التتابع يكون فورا ففورا، فلا محيص من القول بالتخيير، وقياس المقام بالقدرة على القيام في الركعة الاولى أو الثانية، حيث يتعين عليه صرف قدرته في القيام في الركعة الاولى مما لم يظر لنا وجهه. لان في مسألة القيام إنما وجب صرف قدرته في الركعة الاولى لمكان تقدم زمان امتثال وجوب القيام فيها، وهذا بخلاف المقام حيث إن زمان امتثال كل من تحصيل الموالاة في الثانية والقدر الممكن من موالاة الاولى واحد لا تقدم لاحدهما على الآخر، فتأمل في المقام جيدا. هذا كله إذا شرع في الصلاة الثانية نسيانا.

بقي الكلام فيما إذا توجه إليه تكليف مضيق في أثناء الصلاة، كما إذا تضيق وقت الآيات في أثناء الصلاة وبالعكس، ولا ينبغي الاشكال في وجوب فعل ما تضيق وقتها من دون استلزام ذلك بطلان ما بيده من الصلاة، والسر في ذلك هو اندراجه في حديث " لا تعاد ". وتوضيح ذلك هو أن مفاد " لا تعاد " أن كل ما استلزم وجوبه في حال الصلاة إعادة الصلاة بحيث كان الخطاب المتوجه إليه في ذلك الحال الاعادة، فحديث " لا تعاد " يعمه، ويدل على عدم وجوب


الاعادة إذا كان ذلك الشئ غير الاركان، ومن هنا قلنا بعدم شمول " لا تعاد " للعامد والجاهل مقصرا كان أو قاصرا، إذ هو في ذلك الحال مخاطب بأصل الصلاة، لا بإعادة الصلاة لتمكنه من فعل ما تركه عن عمد أو جهل، والمفروض أن الاحكام لا تختص بالملتفت العالم، فوجوب الجزء المتروك عن جهل لا يلازم خطاب إعادة الصلاة، فلا يعمه حديث " لا تعاد " وهذا بخلاف ما إذا كان ترك الجزء عن نسيان. فإنه لا يعقل إيجاب ذلك الجزء عليه في حال النسيان. فوجوب ذلك الجزء عليه مساوق للامر بإعادة الصلاة، وحديث " لا تعاد " ينفي وجوب الاعادة، فتصح صلاته. فإذا كان مفاد " لا تعاد " ذلك.

فلا فرق بين أن يكون ترك الجزء أو الشرط عن نسيان، أو كان لمزاحمته بما هو أهم وأولى بالرعاية من رعاية ذلك الجزء كما في مفروض الكلام، حيث إن رعاية الموالاة بين أجزاء الصلاة التي بيده يوجب فوات الواجب الشرعي المضيق وقته. بحيث لا يتمكن من فعله إذا توالى بين أجزاء الصلاة فلابد من فعل الواجب المضيق.

وحينئذ إذا كانت الموالاة واجبة عليه والحال هذه لكان يلزمه إعادة الصلاة، وحديث " لا تعاد " ترفع وجوبها. فتحصل أن عروض ما يكون واجبا مضيقا عليه في حال الصلاة موجب لسقوط شرطية الموالاة بمقتضى حديث " لا تعاد " ويؤيد ذلك ما ورد(١) من فعل صلاة الآيت في أثناء اليومية.

ثم البناء عليها من دون حاجة إلى إعادتها. فإنه يمكن أن يكون ذلك لمكان اقتضاء القاعدة له لا أنه تعبد محض، ومن هنا نقل عن العلامة(٢) -قدس‌سره - التعدي عن مورد الرواية إلى عكسه من فعل صلاة اليومية في أثناء صلاة الآيات إذا تضيق وقت اليومية، وربما يقال إنه من هذا القبيل ما إذا

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ١٤٧ باب ٥ من ابواب صلاة الكسوف والآيات ح ٢.

(٢) مختلف الشيعة: ج ١ ص ١١٧ كتاب الصلاة. (*)


تذكر عدم فعل صلاة الاحتياط التي اقتضتها الصلاة السابقة، أو تذكر عدم إتيانه بالاجزاء المنسية من الصلاة السابقة في أثناء الصلاة الاخرى، فيلزمه حينئذ فعل صلاة الاحتياط أو الجزء المنسي، ثم البناء على ما بيده من دون حاجة إلى إعادة الصلاة هذا.

ولكن يمكن أن يقال إن فعل صلاة الاحتياط أو الاجزاء المنسية، لمكان أنها جزء من الصلاة السابقة كما هو أقوى الوجهين في الاجزاء المنسية، وأوجه الوجهين في صلاة الاحتياط، فيلزمه فعلها في أثناء الصلاة لمكان أن ما بيده تكون مرتبة على صلاة الاحتياط والاجزاء المنسية. لكونهما جزء من الصلاة السابقة والتريتب في الكل يقتضي التريتب في الجزء أيضا، غايته أنه إلى الآن كان الترتيب ساقطا لمكان النسيان، وأما بعد التذكر فيلزمه تحصيل الترتيب بالمقدار الممكن.

فليس صلاة الاحتياط مندرجا فيما ذكرناه من القاعدة وهي سقوط الموالاة أو شرط آخر عند توجه تكليف مضيق عليه في أثناء الصلاة هذا. ولكن إذا كان فعل صلاة الاحتياط أو الاجزاء المنسية لمكان تحصيل الترتيب، لكان اللازم بناء على ما اخترناه من أن اعتبار الترتيب على نحو العام المجموعي لا الاصولي، هو تأخير صلاة الاحتياط والاجزاء المنسية إلى ما بعد الصلاة، لسقوط الترتيب بالكلية بين ما بيده وبين صلاة الاحتياط أو الجزء المنسي بمجرد الشروع فيما بيده نسيانا. نعم بناء على اعتبار التريتب على نحو العام الاصولي اتجه ما ذكر من فعل صلاة الاحتياط والجزء المنسي في أثناء ما بيده، ثم البناء على ما بيده.

ثم إنه هل يلحق بالواجب الموقت المضيق كل واجب فوري في وجوب فعله في أثناء الصلاة وسقوط شرطية الموالاة بين أجزائها أو لا يلحق؟ فلو تذكر أن عليه من الصلاة السابقة سجدتي السهو في أثناء الصلاة فهل يلزمه فعلها في الاثناء من دون اقتضاء ذلك بطلان ما بيده أو لا؟ مقتضى القاعدة أنه لا يلزمه ذلك بل يلزمه تأخيرها إلى ما بعد الفراغ عن الصلاة لان احتمال الجزئية في سجدتي السهو


بالنسبة إلى الصلاة التي وقع موجبها فيها مما لا يتطرق، كما كان في صلاة الاحتياط والاجزاء المنسية، ومجرد وجوبها الفوري لا يقتضي سقوط الموالاة بين أجزاء الصلاة لانها واجبة فورا ففورا.

فلا يلزم من تأخيرها فواتها بالمرة كما لزم من رعاية الموالاة فيماإذا كان الواجب العارض في أثناء الصلاة موقتا. مضيقا فوات الواجب بالمرة فحينئذ رفع اليد عما بيده وصرف قدرته إلى سجدتي السهو يكون بلا ملزم شرعي وبلا تعجيز مولوي على ما تقدم بيانه. هذا، ولكن الاحوط فعل سجدتي السهو متى تذكر والبناء على ما بيده بإتمامها ثم إعادتها، فتأمل جيدا. هذا تمام الكلام فيما يقطع الصلاة عمدا وسهوا. وقد عرفت أنه ثلاثة الحدث، والالتفات، والسكوت الطويل، أو الفعل الكثير الماحي للصورة.

بقي في المقام حكم الشك في فوات الموالاة أو فوات الصورة أما الشك في فوات الموالاة فتارة يكون لاجل الشبهة المفهومية، كما إذا شك في أن هذا المقدار من السكوت مفوت للموالاة عرفا أو ير مفوت لاجل عدم اتضاح المفهوم وتردده بين الاقل والاكثر كما هو الشأن في غالب المفاهيم العرفية، واخرى يكون لاجل الشبهة المصداقية، كماإذا علم أن مقدارا من السكوت مفوت للموالاة قطعا، ولكن شك في مقدار سكوته وأنه كان نصف ساعة مثلا، حتى يكون موجبا لفوات الموالاة أو ربع ساعة حتى لا يكون موجبا لذلك. فإن كان الشك لاجل الشبهة المفهومية فلا إشكال في الرجوع إلى البراء‌ة، لان مرجع الشك إلى الشك في تقيد الصلاة بالمشكوك، وأصالة البراء‌ة تنفي التقيد.

وإن كان الشك من جهة الشبهة المصداقية فالظاهر أن المرجع فيه هو الاشتغال، للشك في حصول شرطية الموالة، كما هو الشأن في الشك في وجود كل شرط، ولا مجال هنا لاستصحاب الموالاة لان الموالاة عبادة عن التتابع بين الجزء‌ين، والمفروض الشك في حدوثها، لاحتمال أن يكون قد سكت نصف ساعة، وأصالة عدم بلوغ السكوت نصف


ساعة لا تنفع، لان الاثر مترتب على الامر الوجودى وهي الموالاة، لا الامر العدمي فأصالة عدم حدوث ما يوجب تفويت الموالاة لا يثبت الموالاة، لانه يكون من إثبات أحد الضدين بنفي الآخر، فتأمل جيدا.

وأما الشك في فوات الصورة. فإن قلنا بمقالة الشيخ -قدس‌سره - من تعلق الطلب بالصورة الصلاتية، فلا إشكال في جريان استصحاب بقاء تلك الصورة عند الشك في حدوث ما يسقطها وإن لم نقل بمقالة الشيخ كما تقدم فاستصحاب بقاء الصورة مما لا أثر له، لانها ليست متعلق التكليف ولا موضوع لحكم شرعي، بل الذي تعلق التكليف به هو عدم تخلل تلك القواطع، فيقع الكلام حينئذ في أن عدم تخلل القاطع على وجه السلب الكلي الذي يكون مجرى للاستصحاب يكفي في الصحة، وإن لم يثبت حال ما شك في قاطعيته بل الشك في قاطعيته بعد باق على حاله، نظير استصحاب الطهارة. أو عدم تحقق الحدث عند الشك في حدثية المذي والوذي، أو أن ذلك لا يكفي بل لابد من إزالة الشك عما شك في قاطعيته، والاستصحاب على النحو السلب الكلي لا يزيل الشك هذا. والذي يتخيل في بادي النظر هو كفاية الاستصحاب على وجه السلب الكلي، ولكن المقام بعد يحتاج إلى مزيد تأمل.

القسم الثاني من القواطع ما يقطع الصلاة عمدا لا سهوا وهي امور: الاول: التكلم بحرفين فصاعدا سواء كان موضوعين لمعنى أو كانا مهملين. والظاهر أنه مما انعقد الاجماع على أن التكلم بحرفين فما زاد مبطل للصلاة إذا كان عن عمد، إنما الاشكال في وجه التقييد بحرفين، مع أن الموضوع في الادلة هو مطلق التكلم الصادق لغة على الحرف الواحد. لان الكلام في اللغة موضوع لمطلق


التكلم. فلا موجب لتقييده بحرفين اللهم إلا أن يوجه بالانصراف، وأن الكلام منصرف إلى الصوت المشتمل على الحرفين فمازاد وصدق الكلام لغة على الحرف الواحد لا ينافي عدم الصدق العرفي، لمكان الانصراف إلى غيره هذا.

مضافا إلى أن المسألة غنية عن إقامة البرهان علهيا، لا نعقاد الاجماع ظاهرا على عدم مبطلية التكلم بحرف واحد. ولكن هذا فيماإذا كان الحرف الواحد مهملا غير مفيد للمعنى، وأما الحرف الواحد المفيد كفعل الامر من الملفوف ك‍ " ق " و " ع "، فلا ينبغي الاشكال في كونه مبطلا لانه كلام لغة وعرفا مشتمل على موضوع ومحمول ونسبة، فلا يمكن سلب الكلام عنه، وخلوه عن هاء السكت لا يوجب خروجه عن الكلام، غايته أنه يكون كلاما ملحونا لاعتبار إلحاق هاء السكت في آخره لئلا يلزم الوقف بالحركة. إلا أن هاء السكت لا دخل لها في المعنى وإنما المفيد للمعنى هو نفس الحرف، فالتكلم بفعل الامر من الملفوف مبطل، وإن كان حرفا واحدا نعم يعتبر القصد إلى كونه كذلك لان المائز بين كون " ق " حرفا واحدا مهملا بلا معنى أو كونه له معنى وفعل أمر من الملفوف إنما يكون بالقصد بعد الاشتراك بالصورة.

فتحصل أن التكلم بحرفين مطلقا كانا مفيدين للمعنى أو لم يكونا أو التكلم بحرف واحد مفيد للمعنى مبطل للصلاة إن كان عن عمد، وكذلك إذا تولد من الاشباع حرف، فإن الحرف المتولد من الاشباع مع ما قبله يكون مبطلا لصدق أنه تكلم بحرفين، نعم مد الحرف الواحد وإن طال غير موجب للبطلان لانه لا يخرجه عن كونه حرفا واحدا، والمد والاطالة كيفية في الصوت لا أنها حروف متوالية كما هو كذلك في الاشباع، فتأمل، فإن كثرا ما يعبر عن الاشباع بالمد، فاشكل على من عبر بذلك بأن المد لا يوجب تولد الحرف منه، فكيف يقال بالبطلان بمد الحرف الواحد، ولكن المراد من المد هو الاشباع، ولا إشكال في تولد


الحرف من الاشباع. وأما التنحنح فغير موجب للبطلان، لانه لم يكن من مقولة الكلام. بل هو صوت غير مشتمل على الحروف المارة بمخارجها. نعم حكاية التنحنح بلفظه موجب للبطلان لانه من مقولة الكلام. وكذا حكاية الانين، بل نفس الانين إذا كان على وجه يشتمل على ألف وهاء. بحيث يعد من التكلم بحرفين، نعم لا بأس بالانين الخالي من الحروف المارة على مخارجها.

بقي في المقام حكم التأوه فإن كان لامر دنيوي فلا ينبغي الاشكال في عدم جوازه وقطعه للصلاة، وإن كان لخوف من الله بتذكر ذنوبه وما أعده الله للمذنبين من دركات النار، فإن كان ذلك في ضمن دعاء، كبعض فقرات دعاء أبي حمزة المشتمل على لفظ آه، فلا إشكال في جوازه وعدم اندراجه في الكلام المبطل، وإن كان مجردا عن الدعاء بل مجرد التأوه لكن كان ذلك لخوف من الله فلا يبعد القول بجوازه أيضا، اما لمكان دعوى اندراجه في الدعاء مناطا وإن لم يكن منه موضوعا، أو لمكان دعوى انصراف الكلام المبطل إلى غير ذلك. فتأمل جيدا.

ثم إنه لا إشكال في جواز قراء‌ة القرآن والدعاء والذكر في الصلاة كما يدل على ذلك قولهعليه‌السلام : إنما صلاتنا هذه دعاء وذكر وقرآن ليس فيها شئ من كلام الآدميين(١) إلا أن الخارج إنما هو القرآن والدعاء والذكر الجائز المحلل، وأما القرآن والدعاء المحرم. فهو وإن لم يندرج في كلام الآدميين، إلا أنه يكفي في قاطعيته عمومات قاطعية التكلم التي لم تقيد بخصوص الآدميين. ومن المعلوم أن الدعاء والقرآن المحرم مندرج في التكلم، مع عدم شمول ما دل على جواز القرآن والدعاء للقرآن والدعاء المحرم. لانصرافه إلى المحلل كما لا يخفى وجهه.

____________________

(١) عوالي اللئالي: ج ١ ص ١٩٦ ح ٤ قزيب منه. (*)


ثم إن مخاطبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والاولياء ملحق بمخاطبة الله تعالى من حيث إنهم وسائل النعم. فلا بأس بمخاطبة الائمةعليه‌السلام في أثناء الصلاة ولا يخرج ذلك عن كونه دعاء بل في بعض الروايات ما يدل على ذلك كما ورد: أنه لا بأس بذكر الله والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الصلاة(١) على ما رواه في الوسائل.

ففي مثل قول " يا رسول الله " وأمثال ذلك، بل في مثل السلام عليه وعلى الائمة لا بأس به، ولا يندرج في كلام الآدميين لانصرافه إلى غير ذلك، وأما مخاطبة غير الائمة كقولك " رحمك الله يا زيد " وما شابه ذلك فجوازه لا يخلو عن إشكال لقوة اندارجه حينئذ في كلام الآدميين وإن اشتمل على الدعاء، إلا أن المخاطبة ربما تلحقه بكلام الآدميين، بخلاف ما إذا لم يشتمل على الخطاب كقولك " رحم الله زيدا " فإنه متمحض في الدعائية، ومنه يظهر وجه الاشكال في تسميته العاطس فالاحوط ترك ما كان مشتملا على المخاطبة لغير الله والائمةعليه‌السلام ، ثم إن شيخنا الاستاذ - مد ظله - قد تعرض لاحكام رد السلام في الصلاة في هذا المقام فلا بد لنا من أن نقتفي أثره فنقول: إنه لا إشكال في كراهة السلام على المصلي كما يظهر من بعض الاخبار(٢) إلا أنه لو سلم أحد على المصلي خاصة أو على جماعة منهم المصلي يجب على المصلي رد التحية عينا في الاول وكفاية في الثاني، وذلك مما لا إشكال ولا خلاف فيه، إنما الاشكال في كيفية الرد، وأنه هل يعتبر المماثلة في الجواب، أو أنه لا يعتبر بل يجوز بكل صيغة، أو أنه يعتبر صيغة خاصة؟ وينبغي أولا ذكر بعض أخبار الباب.

فمنها ما رواه محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام وهو في الصلاة فقلت: السلام عليك فقال: السلام عليك فقلت: كيف أصبحت

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٦٢ باب ١٣ من أبواب قواطع الصلاة ح ٢ نقلا بالمعنى.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٦٧ باب ١٧ من أبواب قواطع الصلاة ح ١ و ٢. (*)


فسكت فلما انصرف قلت: أيرد السلام وهو في الصلاة قالعليه‌السلام : نعم مثل ما قيل له(١) .

ومنها: صحيح منصور بن حازم عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إذا سلم عليك الرجل وأنت في الصلاة ترد عليه خفيا كما قال(٢) . ومنها: رواية سماعة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة قال: يرد سلام عليكم ولا يقل وعليكم السلام، فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قائما يصلي فمربه عمار بن ياسر، فسلم عليه عمار فرد عليه هكذ(٣) . ومنها رواية محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر عن الرجل يسلم على القوم في الصلاة فقال: إذا سلم عليك مسلم وأنت في الصلاة فسلم عليه، تقول: السلام عليك وأشر بإصبعك(٤) ، ومنها غير ذلك مما لا تخفى على المراجع.

ولا يخفى أن هذه الاخبار بظاهرها متعارضة، فإن مقتضى إطلاق رواية المثلية هو وجوب المماثلة مطلقا بأي صيغة كانت التحية. فلو قال المسلم: سلام عليك يجب الجواب ب‍ " سلام عليك " ولو قال: " السلام عليك " بالالف واللام يجب الجواب كذلك وكذا لو قال: " سلام عليكم " أو " السلام عليكم " يجب الجواب بمثل ما قال. ومقتضى رواية سماعة هو تعين الجواب ب‍ " سلام عليكم " مطلقا بأي صيغة كانت التحية. ومقتضى رواية محمد بن مسلم تعين السلام عليك بالالف واللام مع إفراد ضمير المخاطب، سوا كانت التحية بذلك أو

____________________

(١) الوسائل ج ٤ ص ١٢٦٥ باب ١٦ من أبواب قواطع الصلاة ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٦٥ باب ١٦ من أبواب قواطع الصلاة، ح ٣،

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٦٥ باب ١٦ من أبواب قواطع الصلاة ح ٢.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٦٦ باب ١٦ من أبواب قواطع الصلاة، ح ٥. (*)


بغيرها، هذا، ولكن لا يخفى أقوائية ظهور ما دل على اعتبار المماثلة مطلقا، لامكان حمل ما عداها على ما إذا كانت التحية بذلك خصوصا في رواية سماعة. حيث إن الغالب في التحية وما تعارف عليه الناس هو قول " سلام عليكم " فلذا قالعليه‌السلام : " ترد سلام عليكم على حسب ما قال " لمكان التعارف وبالجملة: لا ينبغي الاشكال في أقوائية ظهور أخبار اعتبار المماثلة، هذا إذا كان السلام بأحد الصيغ الاربع وهي " سلام عليكم " و " السلام عليكم " و " سلام عليك " و " السلام عليك " وأما إذا كان السلام بغير هذه الصيغ كقوله " سلام " بلا ضم شئ معه. أو " عليكم السلام " ففي وجوب الرد إشكال خصوصا في مثل " عليكم السلام " الذي لم يتعارف التحية بذلك. بل إنما يقال في مقام رد التحية.

نعم لا يبعد أن يكون " سلام " من صيغ التحية، كما ربما يدل على ذلك قوله تعالى " فقالوا سلاما قال سلام " الآية(١) . فلا ينبغي ترك الاحتياط في الرد بأحد الصيغ القرآنية بقصد القرآنية وكذا لو ألحن في التحية فإن اللحن في التحية مادة وإعرابا لا يوجب سلب اسم التحية عنها، خصوصا بعض أقسام الملحون فيندرج في إطلاق قوله تعالى " وإذا حييتم بتحية " الآية(٢) فيجب الرد، ولكن لا يلزم المماثلة لها في اللحن بل لابد في الرد أن يكون صحيحا. والاحوط الرد بأحد الصيغ القرآنية بقصد القرآنية، وقصد القرآنية لا يوجب الخروج عن كونه ردا للتحية إذ لا يعتبر في رد التحية القصد إلى كونها تحية.

ولو كان المسلم صبيا مميزا ففي وجوب الرد إشكال، وربما يبنى على شرعية عبادات الصبي وتمرينيتها، ولكن الظاهر عدم الابتناء على ذلك، بل العبرة في

____________________

(١) الذاريات: الآية ٢٥.

(٢) النساء: الآية ٨٦. (*)


صدق التحية على تحية الصبي لكي يندرج في إطلاق قوله تعالى: " وإذا حييتم " الآية(١) ولا يبعد صدق ذلك ولكن الاحوط الجواب بأحد الصيغ القرآنية.

بقي في المقام أمور يلزم التنبيه عليها: الاول: إنما يلزم المصلي رد التحية. إذا كان مقصودا بالتحية مستقلا أوفي ضمن جماعة، ولم يسقط عنه بقيام الغيربه. والسر في ذلك واضح.

الثاني: إنما يجب رد التحية مع بقاء محل الرد بحيث لا يقع فصل بين التحية والرد بما يخرجه عن كونه. ردا، خلافا لبعض الاعلام حيث قال: بلزوم الرد وإن وقع في البين فصل طويل. بل قال: بلزوم السفر لرد التحية مع توقف الرد عليه، كما لو سافر المحيي قبل الرد أو سافر هو، فإنه يلزمه الرجوع عن سفره لرد التحية ولكن لا يخفى ضعفه، إذا الوجب هو رد التحية بحيث يرتبط الرد بالتحية، فلا يجب الرد مع الفصل الطويل المجرد عن ذلك. نعم لو شك في بقاء مجال الرد وعدمه. كان مقضتي القاعدة وجوب الرد لرجوع الشك فيه إلى الشك في المسقط كما لا يخفى.

الثالث: لو شك في قيام الغير برد التحية كان الواجب عليه رد التحية، لرجوع الشك فيه إلى الشك في المسقط.

الرابع: لو شك في أن التحية كانت على وجه يجب ردها. كماإذا كانت بصيغ السلام، أو كانت لا على هذا الوجه، كما في سائر صيغ التحية، مثل " صبحكم الله بالخير " وما شابه ذلك. فمقتضى البراء‌ة عدم وجوب الرد، فإذا لم يجب الرد لا يجوز في الصلاة، لانه كلام آدمي ولم يعلم اندراجه في المخصص من رد التحية.

وتوهم أن الشبهة في المقام تكون مصداقية لاحتمال أن يكون في الواقع من أفراد رد التحية، فلا يجوز التمسك بعمومات قاطعية التكلم بعد خروج رد

____________________

(١) النساء: الآية ٨٦. (*)


التحية عنها، يدفعه أن خروج رد التحية إنما هو لمكان أهيمة رد التحية في نظر الشارع. لمكان عدم هتك المؤمن. فإذا فرض أنه لم يجب الرد ولو ظاهرا لمكان أصالة البراء‌ة، فلا مانع حينئذ من التمسك بعمومات قاطعية مطلق التكلم.

وبعبارة اخرى: مناسبة الحكم والموضوع في المقام يقتضي أن يكون الخارج عن العمومات هو ما إذا تنجز التكليف بوجوب الرد، فتأمل في المقام.

الخامس: لو سلم على جماعة منهم الصبي فسبق الصبي برد التحية ففي السقوط عن الباقين إشكال.

وربما تبنى المسألة على شرعية عبادة الصبي وتمرينيتها فإن قلنا: بالشرعية يسقط الباقين لا محالة وهذا البحث سيال في جميع الواجبات الكفائية عند فعل الصبي لها. وقد اختار شيخنا الاستاذ - مد ظله - عدم السقوط مطلقا. أما بناء على التمرينية فواضح، وأما بناء على الشرعية. فلان السقوط يتوقف على أن يكون فعل الصبي واجدا لتمام الملاك، بحيث يكون فعله لا يقصر عن فعل البالغين من حيث الملاك. ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك، إذ أدلة شرعية عباداته لا تفي بذلك. وقد تقدم شطر من الكلام في ذلك في مبحث المواقيت فراجع، والمسألة محل إشكال تحتاج إلى زيادة تأمل.

ثم إنه بقي في المقام بعض الفروع المتعلقة بالتحية وردها بالنسبة إلى المصلي وغيره قد تعرض لها شيخنا الاستاذ - مد ظله - في المقام، ونحن قط طويناها لمكان وضوحها.

ومن جملة القواطع التكفير، ولا ينبغي الاشكال في قاطعيته للاخبار(١) الناهية المستفاد منها المانعية كما هو الافضل في النواهي المتعلقة بباب المركبات.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ١٢٦٤ باب ١٥ من أبواب قواطع الصلاة. (*)


الخلل الواقع في الصلاة

ومحل الكلام إنما هو في الخلل الواقع في الاجزاء الداخلية للصلاة، دون الاجزاء الخارجية من الشرائط والموانع، إذ الخلل الواقع في كل منها قد تقدم في بابه، فلا موجب لاعادة.

فالكلام في المقام مقصور بالخلل الواقع في الاجزاء، ثم إن الخلل إما مقطوع الوقوع في الصلاة، وإما مشكوك الوقوع. فيقع البحث في مقامين: المقام الاول: في الخلل المقطوع وقوعه في الصلاة وهو إما أن يكون عن عمد وعلم بالحكم، وإما أن يكون عن جهل به قاصرا أو مقصرا، وإما أن يكون عن سهو ونسيان. أما الخلل العمدي فلا كلام في بطلان الصلاة به، ولا إشكال فيه إذ لولا البطلان به يلزم خروج الجزء عن كونه جزء وهذا خلف فبطلان الصلاة بالخلل العمدي من توابع جعل الجزئية.

وأما الخلل الواقع عن جهل بالحكم. فكذلك. وإنما قيدنا الجهل بكونه بالحكم. لان الجهل بالموضوع مع تبين الحكم بالنسبة إلى نفس متعلق التكليف


مما لا يمكن، وإن أمكن بالنسبة إلى الشرائط والموانع كالجهل بكون الشئ مما يؤكل أو كونه حريرا وغير ذلك من موارد الجهل بموضوعات الشروط والموانع.

وهذا بخلاف الجهل بنفس المتعلق فإنه غير معقول إذ بعد العلم بوجوب الفاتحة السقط من نسخة الاصل وتبين مفهومها لا يمكن الجهل بها فالضابط الكلي هو أن الجهل إما أن يتعلق بالحكم الشرعي، وإما أن يتعلق بموضوع التكليف فيها إذا كان للتكليف تعلق بموضوع خارجي، وفيما عدا ذلك لا يمكن الجهل إلا إذا رجع الجهل إلى الجهل في المحصل، لا في نفس متعلق التكليف، كما تقدم الكلام في ذلك عند البحث عن اللباس المشكوك، فراجع.

وعلى كل حال الجاهل بالحكم يكون حكمه حكم العامد، إلا في مواضع الجهر والاخفات والقصر والاتمام، على ما تقدم تفصيل الكلام في ذلك في مبحث القراء‌ة. والسر في ذلك هو أن الاحكام يشترك فيها العالم والجاهل، حسب ما قام عليه الاجماع. ونطقت به الادلة، من غير فرق في ذلك بين الجاهل القاصر والمقصر. وإن كان القاصر معذورا لاعقاب عليه، إلا أنه ليس الكلام في المقام في العقاب، بل الكلام في الصحة والبطلان.

وبالجملة: لا إشكال في أن الاحكام بنتيجة الاطلاق تعم العالم والجاهل إلا في الموضعين المتقدمين حيث إنها بنتيجة التقييد تختص بالعالم، كل ذلك القيام الدليل على ذلك، إذ نفس أدلة جعل الاحكام لا يمكن أن تتكفل لبيان ذلك، فإن العلم والجهل من الانقسامات اللاحقة للاحكام بعد [ جعلها ] والاطلاق، والتقييد اللحاظي إنما يتصور في الانقسامات السابقة دون الانقسامات اللاحقة، للزوم الدور كما بيناه في محله. إلا أنه مع ذلك الاهمال الواقعي لا يمكن، إذ المصلحة التي اقتضت جعل الحكم على طبقها، إما أن تكون محفوظة في كلا حالتي العلم والجهل، وإما أن تكون مقصورة بصورة العلم.

فإن كانت على الوجه


الاول فلا محيص من نتيجة الاطلاق وإن كانت على الوجه الثاني فلا محيص من نتيجة التقييد.

ومن المعلوم أن استفادة كون المصلحة على هذا الوجه، أو ذلك الوجه إنما يكون بدليل خارج، وحيث قام الدليل على صحة صلاة الجاهل بالجهر والاخفات، والاتمام في مواضع القصر. فاستفدنا من ذلك اختصاص الحكم بالعالم على مافيه من الكلام الطويل كما بيناه في الاصول، وأما فيما عدا ذلك. فحيث لم يقم دليل على اختصاصها بالعالم، إلاما ربما يتوهم من شمول حديث " لا تعاد "(١) للجاهل، وسيأتي فساده، بل قام الدليل من الاجماع والادلة على الاشتراك، فلابد من نتيجة الاطلاق وثبوت الحكم بالنسبة إلى الجاهل فلابد من أن يكون حكم الجاهل حكم العامد في بطلان عباداته عند وقوع الخلل فيها.

بقي الكلام في حكم الخلل الواقع عن سهو، وما يلحق به من النسيان والخطأ، وينبغي أولا ذكر القواعد التي تسالم عليها الفقهاء، في الخلل الواقع في باب الصلاة، وما يصلح أن يكون مستندا لها، فنقول قبل ذلك: إن الخلل الواقع إما أن يكون في أجزاء الصلاة، وإما أن يكون في شرائط الاجزاء كالجهر والاخفات، بناء على أن يكونا شرطا للقراء‌ة لا شرطا للصلاة في حال القراء‌ة. وإما أن يكون في شرائط الصلاة المعتبرة في حال الاجزاء، كالمثال المتقدم بناء على الاحتمال الآخر. ثم إن الاجزاء إما أن تكون أجزاء ركنية، وإما أن تكون أجزاء غير ركنية. فهذه جملة الاقسام المتصورة في الخلل في الصلاة.

وبعد هذا نقول: إنه قد تسالموا على أن الخلل إن كان واقعا في الاجزاء الركنية فهو موجب للبطلان وإعادتها. وإن كان واقعا في الاجزاء الغير الركنية فهو غير موجب

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


للبطلان ويجب المضي عليها، ولكن ليس مطلق ترك الركن في محله المضروب له شرعا موجبا للبطلان، بل تركه مطلقا حتى من محله السهوي موجب للبطلان، كما أنه ليس مطلق ترك الجزء الغير الركني من محله المضروب له موجبا لوجوب المضي، وعدم الالتفات إلى ذلك الجزء المنسي وقوعه في محله، بل العبرة في ذلك إنما هو محله السهوي لا محله العمدي.

وتفصيل ذلك هو أن لكل جزء من أجزاء الصلاة محل عمدي ومحل سهوي والمراد والمحل العمدي هو ما إذا أوجب تركه في ذلك المحل عمدا بطلان الصلاة. وذلك عبارة عن المحل الذي أعد له شرعا بحسب تأليف أجزاء الصلاة بوضعها الاولي، ككون التكبيرة قبل الحمد، والحمد قبل السوة، والسورة قبل الركوع، والركوع قبل السجود، وهكذا. فلو أخل بأحد هذه الاجزاء في محلها عمدا فقط بطلت صلاته، كما إذا قدم السورة على الحمد والسجود على الركوع. وهكذا.

وأما المحل السهوي فتختلف حال الاجزاء في ذلك. وبيان ذلك هو أنه لو كان المتروك ركنا فمحله السهوي يبقي إلى الدخول في الركن الآخر، فإذا دخل في الركن الآخر فقط بطلت صلاته في غير الركعة الاخيرة، وأما في الركعة الاخيرة فسيأتي الكلام فيها. وأما لو كان المتروك جزء غير ركني كالحمد والسورة، فكذلك محله باق إلى الدخول في الركن، فإذا دخل في الركن مضى في صلاته، وليس عليه الاعادة. ولو كان المتروك شرطا للجزء لا للصلاة في حال الجزء، فحكمه حكم ترك الجزء في آن محله السهوي باق إلى الدخول في الركن، فإذا دخل في الركن مضي في صلاته. وأما لو كان المتروك شرطا للصلاة في حال الجزء، فبمجرد الخروج عن ذلك الجزء يخرج محل، ولايتوقف على الدخول في الركن. وكذا لو كان المتروك شرطا للركن، فإنه محله يخرج بمجرد الخروج عن الركن، ولا يتوقف على الدخول


في الركن الآخر.

وحاصل الكلام: هو أنه يتحد حكم ما كان شرطا للصلاة في حال الجزء الغير الركني، وما كان شرطا في حال الجزء الركني في فوات محله، بمجرد الخروج عن ذلك الجزء الركني والغير الركني، هذا كله في غير الركعة الاخيرة. وأما في الركعة الاخيرة فمجمل القول فيها: هو أنه تارة يكون المنسي نفس السلام، واخرى يكون المنسي غير السلام من التشهد والسجدة الواحدة أو السجدتين.

أماإذا كان المنسي غير السلام فمحله السهوي يبقى إلى السلام، وبمجرد السلام يخرج محله، فلو كان المنسي السجدتين معا فقد بطلت صلاته وعليه الاعادة. وإن كان المنسي هو السجدة الواحدة أو التشهد فقد صحت صلاته، وليس عليه الاعادة. هذا هو المختار وقيل إن محلها يبقى إلى أن يأتي بما ينافي الصلاة عمدا وسهوا، فمع عدم المنافي يرجع إلى فعل السجدتين إن كانا هما المنسيين، أو إلى السجدة والتشهد، وأما إذا أتى بالمنافي فلو كان المنسي السجدتين بطلت صلاته، وإلا صحت. وسيأتي ضعف هذا القول.

هذا إذا كان المنسي غير السلام، وأما إذا كان المنسي نفس السلام، فمحله يبقى إلى فعل ماينافي الصلاة عمدا وسهوا كالحدث، فإذا فعل ما ينافي ذلك بطلت صلاته، وعليه الاعادة، وإذا فعل ما ينافيها سهوا فقط كالتكلم عاد إلى التسليم، وصحت صلاته. وقيل: صحت صلاته وكان ذلك من نسيان التسليم، وهو جزء غير ركني نسيانه غير موجب للبطلان، كسائر الاجزاء الغير الركنية وسيأتي ضعف هذا القول أيضا.

هذه جملة القواعد المذكورة في باب الخلل، والظاهر أن القواعد المذكورة مما تسالم عليه الاعلام إلا في الركعة الاخيرة، فإن فيها خلافا على ما عرفت، وإن كان بناء المعظم هو ما اخترناه فيها. وعمدة الدليل على هذه القواعد حيث " لا تعاد " وإن كان بالنسبة إلى بعضها قام دليل خاص أيضا،


إلا أن الذي يكون وافيا بجميع القواعد هو حديث " لا تعاد " فالمهم في المقام هو البحث عن مفاد " لا تعاد " ومقدار شموله، فنقول: هذا الحديث الشريف يتحمل معنيين: الاول: هو أن يكون مفاد " لا تعاد الصلاة إلا من خمس "(١) هو أنه يمضي في صلاته، وإذا ترك أي جزء من أجزائها، ما عدا الاجزاء الركنية، وليس عليه شئ ولا يعيدها، سواء تركه عن عمده أو جهل أو نسيان، ومعلوم أنه بناء على هذا لابد أن يكون أجزاء الصلاة من باب الواجب في واجب، فيكون الواجب الارتباطي هو خصوص الاركان، وما عداها يكون واجبا في واجب.

إذا لا يعقل كونها أجزاء مع أن تركها العمدي لا يوجب شيئا من بطلان وإعادة، فلا محيص بناء على هذا المعنى من أن تكون الاجزاء من قبيل الواجب في الواجب، وعليه يحصل التعارض بين حديث " لا تعاد " وبين ما دل على اعتبار الاجزاء على نحو الجزئية ك‍ " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "(١) وغير ذلك من أدلة الاجزاء والشرائط.

ويخرج الحديث عن كونه حاكما على تلك الادلة بل يكون معارضا لها تعارضا تباينيا، وهذا - كما ترى - مما لا يمكن الالتزام به، لان نفس سياق الحديث يأبى عن ذلك، فإن لسانه لسان الحكومة كما يظهر من صدره، حيث إنه ظاهر في أن سؤال زرارة إنما هو بعد الفراغ عن كونها أجزاء، لا واجبا في واجب، فراجع الحديث، فظهر أن ذهاب بعض - إلى أن حديث " لا تعاد " لا يختص بالناسي، بل يشمل الجاهل والعامد أيضا، غايته أن العامد خرج بالاجماع، حيث قام على

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) عوالى اللئالي: ج ١ ص ١٩٦، ح ٢. (*)


بطلان صلاته، فيبقى الجاهل والناسي تحته - مما لا وجه له، ولا يمكن الالتزام به: أما (أولا) فلما عرفت من أن شموله للعامد والجاهل لا يمكن إلا بذلك المعنى، الذييكون الحديث معارضا لكثير من الادلة، وقد عرفت أن صدر الحديث يأبي عن ذلك. وأما (ثانيا) فلان الاجماع كما انعقد على خروج العامد كذلك انعقد على خروج الجاهل أيضا، إلا في الجهر والاخفات والقصر والاتمام، كما يظهر ذلك للمتتبع.

الوجه الثاني: من المعنى الذي يتحمله الحديث، هو أن لسان الحديث لما كان بلسان عدم الاعادة، فلابد من أن يلاحظ في أن في أي مورد يلزم من جزئية الشئ الحكم بإعادة الصلاة، وفي أي مورد لا يلزم منه ذلك. ومعلوم أن الحكم بإعادة الصلاة إنما يكون فيما إذا لم يمكن التكليف بذلك الجزء لمكان تعذره، وإلا لو أمكن التكليف بذلك الجزء في حال تركه لمكان عدم تعذره والقدرة على فعله، فلا موجب للحكم بإعادة الصلاة، بل نفس التكليف بذلك الجزء بعد باق على حاله.

وعلى هذا الوجه لا محيص عن القول باختصاص الحديث بالناسي ولا يعم العامد والجاهل، لعدم تعذر التكليف بالجزء بالنسبة إلى العامد والجاهل، للقدرة على فعله في حال عمده وجهله، لان الجهل لا يوجب سلب قدرة الجاهل عن فعل الجزء، وهذا بخلاف الناسي، فإن الناسي في حال نسيانه لا يعقل تكليفه بالجزء المنسي لعدم قدرة الناسي على فعل المنسي في حال نسيانه، فلابد من خروج ذلك الجزء عن تحت دائرة الطلب والتكليف.

وحينئذ لو لم يكن لنا حديث " لا تعاد "(١) كان مقتضى القاعدة بطلان


الصلاة، وخروج تلك القطعة عن الزمان الذي وقعت الصلاة الفاقدة للجزء فيه عن دائرة سعة التكليف، ووقوع التكليف فيما عدا ذلك الزمان، لان المطلوب صرف الوجود والمكلف متمكن من صرف الوجود بعد التذكر وسعة الزمان. هذا ماتقضيه القاعدة الاولية، ولكن بعد ورود حديث " لا تعاد " وحكومته على أدلة الجزء والشرائط، يكون مقتضى القاعدة صحة الصلاة وعدم وجوب الاعادة، إذا كان المنسي غير الاركان لان بقاء الجزء المنسي على جزئيته يستلزم الحكم بإعادة الصلاة و " لا تعاد " تنفي الاعادة، فلابد من سقوط ذلك الجزء عن كونه جزء فحديث " لا تعاد " بلازمه ينفي جزئية المنسي ويكون مخصصا لما دل على جزئيته بقول مطلق حتى في حال النسيان ويجعلها مقصورة بحال العمد، وما يلحق به من الجهل، كل ذلك لاجل حكومة " لاتعاد " على الادلة الاولية، ومعلوم أن نتيجة كل حكومة هي التخصيص.

فتحصل من جميع ما ذكرنا أن كل جزء أو شرط لزم من جزئيته أو شرطيته إعادة الصلاة ف‍ " لا تعاد " تنفيه، وكل ما لا يلزم منه ذلك فهو باق على حاله، وغير مشمول لحديث " لا تعاد " فهذا هو الضابط الكلي لمعرفة ما يندرج في حديث " لا تعاد " وما لا يندرج.

إذا عرفت ذلك، فينبغي تطبيق ما قدمناه من القواعد على الضابط المذكور فنقول: إذا نسي جزء غير ركني في غير الركعة الاخيرة، فإما أن يتذكر قبل الدخول في الركن، وإما أن يتذكر بعد الدخول في الركن. فإن تذكر قبل الدخول في الركن، كمن نسي الفاتحة وقرأ السورة قبلها، وتذكر قبل الركوع، ففي مثل هذا يعود إلى الفاتحة فيقرأها، ثم يقرأ السورة بعدها. كل ذلك لحديث " لا تعاد " لان من إيجاب الفاتحة عليه في هذا الحال لا يستلزم إعادة الصلاة، غايته أنه يستلزم زيادة السورة سهوا، وهي أيضا مغتفرة بمقتضى حديث " لا تعاد ".


وحاصل الكلام: أنه عند فعل السورة قبل الحمد، لمكان نسيان الحمد، لا يحكم عليه بشئ. ولا يمكن أن يقال: إن تلك السورة زائدة أو غير زائدة بل تكون مراعى، فإن لم يتذكر إلى أن دخل في الركوع كانت تلك السورة واقعة في محلها.

وكان ذلك من نسيان الفاتحة، وإن تذكر قبل الركوع فمقتضى ما ذكرناه من معنى حديث " لا تعاد " هو لزوم إتيان الفاتحة وبعدها السورة، وتكون تلك السورة زيادة مغتفرة، وذلك لانه لا يلزم من جزئية الفاتحة مع تذكره قبل الركوع إعادة الصلاة، فإذا لم يلزم ذلك يكون محل الفاتحة باقيا، فإذا كان محل الحمد باقيا يجب عليه فعلها وفعل السورة بعدها، لانه إذا كان محل الحمد باقيا كان محل السورة أيضا باقيا، لان محلها بعد الحمد، وبعد الحكم ببقاء محل الحمد بمقتضى ما يستفاد من حديث " لا تعاد " يحكم على تلك السورة التي قرأها أولا بأنها وقعت زيادة، ولكن لما لم يتعمد بزيادتها لا تضر زيادتها لجريان حديث " لا تعاد " بالنسبة إليها أيضا.

فتحصل أنه يجب أولا الحكم ببقاء محل الحمد، ثم بعد ذلك يحكم بأن السورة زيادة غير مبطلة، إذ لولا بقاء محل الحمد لما كان مجال لدعوى زيادة السورة، إذ الحكم بزيادتها يكون بلا موجب، بل السورة تكون واقعة في محلها أو تكون الفاتحة منسية، كما هو الشأن فيما إذا لم يتذكر إلى أن دخل في الركوع. فالحكم بزيادة السورة لا يصح إلا بعد الحكم ببقاء محل الفاتحة، والحكم ببقاء محلها لا يكون إلا لمكان حديث " لا تعاد " حيث إن من بقاء الفاتحة على جزئيتها لا يستلزم إعادة الصلاة، فينتج بقاء محلها فينتج زيادة السورة. ولا يتوهم أن " لا تعاد " كما يمكن أن يكون مقتضاه زيادة السورة، كذلك يمكن أن يكون مقتضاه سقوط الترتيب بين الحمد، والسورة، فلا موجب للحكم بزيادة السورة.

بل يمكن القول بالاكتفاء بتلك السورة مع قراء‌ة الفاتحة. وذلك


لانه نحن لم نحكم بزيادة السورة إلا بعد الحكم ببقاء محل الفاتحة، كما عرفت وبعد الحكم ببقاء محل الفاتحة لابد له من فعل السورة. لان محلها بعد الحمد المفروض بقاء محله، بل معنى الحكم ببقاء محل الفاتحة هو أن السورة الواقعة قبلها وجودها كعدمها، فلا موجب لسقوط الترتيب، فتأمل في المقام، فإنه لا يخلو عن دقة.

هذا كله إن تذكر قبل الركوع وأما إن تذكر بعد الركوع فيلزم من بقاء الفاتحة على جزئيتها إعادة الصلاة، لانه لا يمكن العود إليها لا ستلزامه زيادة الركن المبطل بمقتضى عقد المستثنى في حديث " لا تعاد "(١) ، فلابد من سقوط جزئية الفاتحة، لما عرفت من أن كل جزء يلزم من بقاء جزئيته إعادة الصلاة فجزئيته تسقط. هذا إذا كان الجزء المنسي من غير الركعة الاخيرة.

وأما إذا كان من الركعة الاخيرة فتارة يكون هو التسليم، واخرى يكون غير التسليم. فإن كان غير التسليم فإن تذكر قبل التسليم عاد إلى الجزء المنسي، كما إذا نسي السجدتين أو السجدة الواحدة وتذكر بعد التشهد، وذلك لان من بقاء الجزء المنسي على جزئيته لا يستلزم إعادة الصلاة، فإذا لم يستلزم إعادة الصلاة كان محل الجزء المنسي باقيا، ويكون ما أتى به قبل الجزء المنسي زيادة مغتفرة، على حذو ما عرفت في السورة والفاتحة، وإن تذكر بعد التسليم فمقتضى ما دل على أنه " إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد انصرفت "(٢) . هو خروجه عن الصلاة بمجرد التسليم، غايته أنه قام الدليل على أنه لو سلم قبل الركعة الاخيرة، كان سلامه في غير محله ومضي في صلاته، ولكن هذا الدليل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ١٠١٢ باب ٤ من أبواب التسليم، ح ١. (*)


مقصور بما إذا سلم قبل الركعة الاخيرة، وأما إذا سلم بعد الدخول في الركعة الاخيرة فهو باق تحت مادل على أن السلام مخرج ومصرف. ومقتضى ذلك هو خروجه عن الصلاة بمجرد السلام.

ولو كان ذلك قبل السجدتين من الركعة الاخيرة، أو قبل سجدة واحدة. أو قبل التشهد. وحينئذ يلزم من جزئية المنسي إعادة الصلاة، فإن كان المنسي السجدتين معا بطلت صلاته. لاندراجه في عقد المستثنى. وإن كان سجدة واحدة أو التشهد صحت صلاته، لاندراجه في عقد المستثنى منه بضميمة قولهعليه‌السلام : في رواية اخرى " لا تعاد الصلاة من سجدة "(١) ولولا ذلك لكان مقتضى الحديث بطلان الصلاة بنقصان سجدة واحدة أو زيادتها، لصدق السجود عليها فيشملها عقد المستثنى.

ولكن لما قام الدليل على عدم إعادة الصلاة من سجدة واحدة، فيكون هذا مخصصا للحديث، ويكون المراد من السجود فيه خصوص السجدتين أو بعد مقامات السجدة الواحدة، على ما سيأتي بيانه.

وعلى كل حال العبرة ببقاء على المنسي في الركعة الاخيرة هو التسليم، لان بالتسليم يخرج عن الصلاة فلا يبقى محل لها. وتوهم أن التسليم وقع غير محله، فلا يتحقق به الخروج عن الصلاة، فيكون محل الاجزاء المنسية باقية، إلا أن يفعل ما ينافي الصلاة عمدا وسهوا، وبعبارة اخرى: كما يمكن رفع جزئية المنسي بحديث " لا تعاد " إذا كان المنسي جزء غير ركني ذلك يمكن رفع جزئية التسليم، وأنه به يتحقق الانصراف، فيأتي بالجزء المنسي لبقاء محله وأنه بعد في الصلاة، ففي غاية السقوط، إذ لا يوجب لجعل التسليم في غير محله. بعدما قام الدليل على أنه بالتسليم ينصرف عن الصلاة.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٨ باب ١٤ من أبواب الركوع، ح ٢ باختلاف يسير. (*)


والحاصل: أنه ليس لنا في الادلة عنوان النسيان والسهو أو المحل السهوي والعمدي، بل نحن وحديث " لا تعاد" وقلنا: إن المستفاد من الحديث هو أن كل جزء يلزم من جزئيته إعادة الصلاة، فالحديث ينفي جزئيتة، إذا لم يكن من الاركان، وكل جزء لم يلزم منه ذلك فهو باق على جزئيته. ومن ذلك نستخرج بقاء محل الجزء المنسي وعدم بقائه. وحينئذ المنسي هو السجدتان أو السجدة الواحدة لا التسليم فإن كان المنسي السجدتين فهو بنفسه مندرج في عقد المستثنى، وإن كان السجدة الواحدة أو التشهد فهو مندرج في عقد المستثنى منه. ولا موجب حينئذ لرفع اليد عما دل على أن بالتسليم ينصرف عن الصلاة، فتأمل في المقام جيدا. هذا إذا كان المنسي غير التسليم.

وأما إذا كان المنسي نفس التسليم، فمحله يبقى إلى فعل ما ينافي الصلاة عمدا وسهوا، كالحدث، وبعد ذلك تبطل صلاته، لانه مالم يتحقق منه التسليم فهو بعد في الصلاة، فيكون الحدث واقعا في الصلاة فتبطل. نعم لو فعل ماينافي الصلاة عمدا لا سهوا كالتكلم عاد إلى التسليم وصحت صلاته لان غايته وقوع التكلم منه في الصلاة سهوا وهو غير مانع. ومن الغريب أنه قال بعض: بصحة الصلاة عند نسيان التسليم وفعل ما بنافي الصلاة عمدا وسهوا لان التسليم جزء غير ركني فنسيانه لا يضر بمقتضى حديث " لا تعاد "(١) .

وقال أيضا: ببقاء محل التسليم عند فعل ماينافي الصلاة عمدا لا سهوا والجمع بين هذين القولين جمع بين المتنافيين لانه بنسيان التسليم إما أن يكون بعد في الصلاة، وإما أن يكون قد خرج عن الصلاة، فإن كان بعد في الصلاة، كما هو لازم قوله ببقاء محله عند فعل ما ينافي الصلاة عمدا لا سهوا، كان

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


الفعل المنافي العمدي والسهوي واقعا في الصلاة، فتبطل لا محالة، وإن كان بنسيان التسليم قد خرج عن الصلاة، فلا موجب لبقاء محل التسليم عند فعل ما ينافي الصلاة عمدا لا سهوا. فلا يمكن الجمع بين القولين، هذا تمام الكلام في نسيان الاجزاء المنسية الغير الركنية من الركعة الاخيرة، ومن غيرها.

وأما نسيان الجزء الركني فمحله السهوي باق إلى أن يدخل في ركن آخر. وذلك لانه إن تذكر قبل الدخول في الركن لا يلزم من جزئية إعادة الصلاة، غايته أنه يلزم زيادة بعض الاجزاء الغير الركنية وهي مغتفرة بمقتضى حديث " لا تعاد " وأما إن لم يتذكر إلى أن دخل في الركن، فلا يمكن أن يبقى على جزئية، لان بقاء‌ه على جزئيته في هذه الصلاة يستلزم إما زيادة الركن وإما نقصانه، إذ لو عاد إلى تدارك الركن المنسي بدعوى بقاء محله، فإما أن يأتي بالركن اللاحق له ثانيا، وإما أن لا يأتي، فإن أتى به يستلزم زيادته وإن لم يأت به يستلزم نقيصته. لان ما أتى به أولا قبل تدارك المنسي وقع في غير محله.

وعلى كل يندرج الفرض في عقد المستثنى من أنها تعاد من الركن، فلو نسي الركوع إلى أن دخل في السجود فقد بطلت صلاته. وتوهم أن مجرد الدخول في السجود لا يستلزم زيادة الركن أو نقيصته، لان الركن هو السجدتان معا، وفي الفرض لا يستلزم إلا زيادة السجدة واحدة، وهي مغتفرة حسب قولهعليه‌السلام " لا تعاد الصلاة من سجدة "(١) فهو فاسد لما عرفت من أنه لم يؤخذ السجدتان في حديث " لا تعاد " بل مفاد حديث " لا تعاد " هو إعادة الصلاة من مجرد السجود الصادق على الواحدة، غايته أنه قام

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٨ باب ١٤ من أبواب الركوع، ح ٢. (*)


الدليل على أنه لو زاد سجدة سهوا كما إذا سجد ثلاثة سجدات، بتخيل أنه سجد سجدة واحدة فاتى بالاخرى، أو نقص سجدة سهوا، بتخيل أنه سجد السجدتين، فهو غير مبطل ولا يجب إعادة الصلاة بهذا الدليل يكون مخصصا لحديث " لا تعاد " ولكن المقدار الذي خصص هو ما إذا زاد سجدة أو نقص سهوا، وسيأتي مزيد توضيح لذلك مع ذكر الاخبار الخاصة الواردة في المقام.

وأما زيادة السجدة عمدا لتدارك جزء منسي - كما هو مفروض الكلام - فهو بعد مندرج في حديث " لا تعاد " فالسجدة الواحدة تكون متوسطة بين الركنية وعدمها ففي مقام لا تكون ركنا، كما إذا زادها أو نقصها سهوا. وفي مقام تكون ركنا. إذا ترك جزء ركنيا أو غير ركني نسيانا ودخل في السجود، ففي مثل هذا يترتب عليها أحكام الركنية لاندراج الفرض في حديث " لا تعاد " وعدم اندراجه في المخصص، فتأمل في المقام جيدا. هذا تمام الكلام في نسيان الجزء الركني.

وأما نسيان الشرط الركني: فإن كان الشرط مقوما للركن، كوصول أطراف الاصابع إلى الركبة في الركوع، فحكمه حكم نسيان نفيس الركوع. وإن كان غير مقوم للركن كالطمأنينة، أو وضع المساجد السنة في السجود، فبمجرد الخروج عن الركن يفوت محله، لان العود إلى يستلزم زيادة الركن، وهو موجب للبطلان. فبقاء الشرط الغير المقوم على شرطيته يوجب إعادة الصلاة فتنفى الشرطية بحديث " لا تعاد "(١) وأما نسيان شرط الجزء. فحكمه حكم نسيان الجزء من بقاء محله إلى الدخول في الركن.

لان بفوات شرط الجزء ينتفي الجزء، فيعود الكلام في نسيان الجزء، وأما إذا كان شرطا للصلاة في حال الجزء فبمجرد الخروج عن الجزء يفوت محله.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


لان المفروض أن الجزء قد تحقق وحصل امتثاله. ولا يمكن فعله ثانيا في هذه الصلاة بوصف الجزئية، فلو لم يسقط ما هو الشرط في الصلاة في حال الجزء، لكن يقتضي إعادة الصلاة، و " لا تعاد " تنفي ذلك. هذا تمام الكلام في القواعد المستفادة من حديث " لا تعاد ".

بقي في المقام شئ ينبغي التنبيه عليه وهو أن الحديث الشريف لم يذكر من الاركان سوى الركوع السجود وأهمل ذكر التكبيرة والقيام لها والقيام المتصل بالركوع مع أنها من الاركان كما تقدم تفصيل ذلك، هذا. ولكن إهمال القيام المتصل بالركوع. لمكان التلازم بين نقصه ونقص الركع على ما عرفت تفصيل ذلك في مبحث القيام. وأما إهمال التكبيرة والقيام حالها (فأولا) أن مجرد إهمالها لا يقتضي عدم ركنيتها، بعد قيام الدليل على ركنيتها، كما عرفت في مبحث التكبيرة، فيقيد به إطلاق " لا تعاد " حيث إن إطلاقه يقتضي عدم الاعادة بنسيان التكبيرة. (وثانيا) أن الحديث إنما دل على عدم إعادة الصلاة، والمفروض أنه لا صلاة عند نسيان التكبيرة، لان افتتاحها تكون بذلك، فمع عدم التكبيرة لا موضوع لاعادة الصلاة وعدم إعادتها، وحينئذ لا يمكن نفي ركنية التكبير بالاطلاق حتى نحتاج إلى دليل مقيد بل الحديث من حيث ركنية التكبيرة وعدمها ساكت لا أنها ينفيها الاطلاق، هذا ما يتعلق في شرح الحديث المبارك.

إذا عرفت ذلك فلنذكر حينئذ تفصيل الخلل الواقع في كل جزء من أجزاء الصلاة حسب ما هو مذكور في المتون فنقول: قال في الشرائع بعد قوله " فمن أخل بشئ من واجبات الصلاة عامدا، فقد أبطل صلاته "(١) : وأما السهو فإن أخل بركن أعاد، كمن أخل بالقيام حتى

____________________

(١) شرايع الاسلام: ج ١ ص ١١٣. (*)


نوى، أو بالنية حتى كبر، أو بالتكبير حتى قرأ أو بالركوع حتى سجد، أو بالسجدتين معا حتى ركع فيما بعد. وقيل: يسقط، ويأتي بالفائت ويبني، وقيل يختص هذا الحكم بالاخيرتين، ولو كان في الاوليين استأنف. والاول أظهر، انتهى(١) .

أقول: أما جعل الاخلال بالقيام حال النية من الاركان، فهو مبني على جعل النية عبارة عن الاخطار، وجعلها جزء ركنيا للصلاة، حتى يكون القيام حال النية كالقيام حال التكبير شرطا ركنيا، بحيث ينتفي الركن بانتفائه. ولكن كلتا المقدمتين ممنوعة فلا النية عبارة عن الاخطار، ولا أنها جزء للصلاة بل هي شرط للصلاة، وليس شرطيتها على حد سائر الشرائط مما يتعلق بها الامر الغيري، بل ليس هي إلا عبارة عن الداعي الذي لا يخلو الانسان عنه عند قيامه إلى الفعل اختيارا.

وبالجملة: لا يعتبر القيام حال النية أبدا، فالفرع الاول المذكور في عبارة الشرائع مما لا أساس له أصلا.

وأما الفرع الثاني - وهو الاخلال بالنية حتى كبر - فهو موجب للبطلان. لا لمكان ركنية النية بل لمكان وقوع التكبير بلا نية، هذا إذا وقع التكبير بلا سبق داع، وأما وقوع التكبير بلا إخطار فمما لا يضر.

وأما الفرع الثالث - وهو الاخلال بالتكبير حتى قرأ - فهو مما لا إشكال فيه، للاخلال بالركن، وقد عرفت أن خلو صحيحة " لا تعاد "(٢) عن ذكر التكبير لا يضر بركنيته. وكذا الحال لو أخل بالقيام حال التكبير، لما عرفت من ركنية

____________________

(١) شرايع الاسلام: ج ١ ص ١١٤.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


القيام حال التكبيرة، وإن لم يكن ركنا حال القراء‌ة.

وتوهم أن المحل السهوي للركن باق إلى الدخول في الركن الآخر - على ما تقدم تفصيله - فلا وجه للحكم ببطلان الصلاة بنسيان التكبير إلى أن قرأ، بل يقتضي الحكم بالبطلان بنسيانه إلى أن يركع، ولاأثر للقرأة لبقاء محله السهوي. ففساده غني عن البيان، لان ما ذكرناه من بقاء المحل السهوي للركن إلى الدخول في الركن اللاحق فهو بالنسبة إلى غير التكبير كالركوع والسجود، وأما التكبير فلا ينتظر في بطلان الصلاة بنسيانه الدخول في الركوع، لعدم انعقاد الصلاة بدون التكبير فهو غير داخل في الصلاة حتى يقال ببقاء محله أو عدم بقاء محله. والاشكال بأنه لاموجب حينئذ للتقييد بالقراء‌ة.

فلا معنى لان يقال: إنه لو نسي التكبير حتى قرأ، لان التقييد بالقراء‌ة مما لا أثر له بعدما لم يكن في الصلاة، فهو في غير محله، إذ مع عدم القراء‌ة لا يصدق عليه نسيان التكبير لانه لم يأت بشئ بعد حتى يقال نسي التكبيرة، نعم لا يعتبر في صدق النسيان إتمام القراء‌ة بل يكفي الشروع فيها، بل يكفي الشروع بمقدماتها حتى الاستعاذة.

وأما الفرع الرابع - وهو ما إذا نسي الركوع حتى سجد - فقد تقدم الكلام فيه. وحيث كانت المسألة خلافية فينبغي بسط الكلام في ذلك فنقول: إن الخلاف في المسألة واقع في مقامين: (المقام الاول) في أن محل الركوع هل يفوت بمجرد الدخول في السجود، أو أن فوات محله يتوقف على الدخول في السجدة الثانية. ولا عبرة بالدخول في السجدة الاولى. (المقام الثاني) في أن نسيان الركوع هل هو موجب لبطلان الصلاة في الجملة، ولو بعد الدخول في السجدة الثانية، أو الاولى على الخلاف، أو أنه غير موجب للبطلان مطلقا، ولو بعد الدخول في السجدة الثانية، بل يحذف ما فعله من السجود ويرجع إلى الركع وبعبارة


اخرى: يلقي ما بيده من الركعة التي نسي ركوعها ويجعلها كأن لم يكن، فيعود إلى أول الركعة. ويتم صلاته ولا شئ عليه، وربما فصل بين نسيان الركوع من الركعة الاولى فتبطل، ومن سائر الركعات فلا تبطل، وربما فصل بين الركعتين الاوليين فتبطل، وبين الركعتين الاخيرتين [ فلا تبطل ].

أما الكلام في المقام الاول: فالمشهور على فوات محل الركوع بمجرد الدخول في السجدة، وخالف في ذلك بعض المتأخرين. وقال: بعدم فوات محله إلى أن يدخل في السجدة الثانية.

ونظر هذا المخالف إلى أمرين: الاول: قولهعليه‌السلام : " لا تعاد الصلاة من السجدة ولكن تعاد من سجدتين "(١) فإن العود إلى تدارك الركوع فيما لم يدخل في السجدة الثانية، لا يلزم منه إلا زيادة سجدة واحدة، وهي غير موجبة للاعادة.

الامر الثاني: بعض الاخبار الواردة في المقام كخبر أبي بصير عنهعليه‌السلام " إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة، وقد سجد سجدتين وترك الركوع، استأنف الصلاة "(٢) .

وكخبر رفاعة سألته عن رجل نسي أن يركع حتى يسجد ويقوم قالعليه‌السلام . يستقبل(٣) . هذا.

ولكن لا يخفى عليك مافي كلا الامرين. أما في الامر الاول، فلما تقدم من أن قولهعليه‌السلام : " لا تعاد الصلاة من سجدة "(٤) لا يشمل المقام. بل هو مقصور بما إذا زاد أو نقص سجدة سهوا، وعن غير التفات، بتخيل أنه سجد سجدتين مع أنه لم يسجد إلا واحدة، أو سجد

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٨ باب ١٤ من أبواب الركوع، ح ٢ وفيه ويعيدها من ركعة.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٣ باب ١٠ من أبواب الركوع، ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٣ باب ١٠ من أبواب الركوع، ح ١.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٨ باب ١٤ من أبواب الركوع، ح ٢. (*)


سجدة واحدة فأضاف إليها اخرى، مع أنه كان قد سجد السجدتين، كما يدل على ذلك قولهعليه‌السلام في رجل استيقن أنه زاد سجدة: " لا يعيد الصلاة من سجدة "(١) فإن الظاهر من السؤال أنه إستيقن بعد وقوع الزيادة منه غفلة، والجواب منزل على هذه الصورة، فلا يشمل ما نحن فيه من زيادة السجدة عمدا، لتدارك الركوع المنسي. والمفروض أن صحيحة " لا تعاد "(٢) يشمل المقام لان المأخوذ فيه جنس السجود الشامل على الواحدة، فتأمل جيدا. وأما في الامر الثاني: فقد أشكل عليه في الجواهر بأن مفهوم خبر أبي بصير من لم ييقن أنه ترك ركعة، لا أنه أيقن أنه ترك الركوع. مع فعله السجدة الواحدة(٣) .

وكأن نظر الجواهر في هذا إلى أن اليقين أخذ موضوعا، حتى يكون مفهومه من لم ييقن، وأما لو أخذ اليقين طريقا كما هو الظاهر منه، فيكون اليقين ملقى، ويكون من لم يسجد السجدتين مع أنه ترك الركوع مندرجا في المفهوم، وأنه لايجب عليه الاستئناف، فتأمل.

فالاولى أن يقال: إن الاصحاب لم يعملوا بخبر أبي بصير لان بناء المعظم عدا بعض المتأخرين على بطلان الصلاة بمجرد الدخول في السجود. لا يقال: إنه كيف لم يعمل الاصحاب بخبر أبي بصير.

مع أن منطوقه مطابق لفتوى الاصحاب من بطلان الصلاة عند نسيان الركوع، وقد سجد السجدتين.

فلا يتحقق الاعراض عن الخبر مع وقوع العمل بمنطوقه. فإنه يقال: إن مجرد تطابق فتوى الاصحاب لمنطوق الخبر، لا يوجل العمل به، بعدما كان لفتوى الاصحاب مستند آخر، وهو صحيحة " لا تعاد " فإن الحكم بالاعادة في صورة الدخول في السجدة الاولى، يستلزم الحكم بالاعادة في

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٨ باب ١٤ من أبواب الركوع، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١.

(٣) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٢٤٥. (*)


صورة الدخول في السجدتين بطريق أولى. فليس مستند فتوى الاصحاب منطوق خبر أبي بصير(١) .

وأما خبر رفاعة(٢) فمع أنه يحتمل أن يكون المراد من " يقوم " يقوم من السجدة الاولى، وإن كان هذا خلاف الظاهر، لا دلالة فيه على اعتبار القيام من السجدتين، إذ ليس هو واقع في كلام الامام، بل فرض فرضه السائل. فلا يكون دليلا في المقام. مع أن القيام من السجدة الاخيرة مما لا يعتبر إجماعا، فالاقوى ما عليه المعظم من فوات محل الركوع بمجرد الدخول في السجود.

وأما الكلام في المقام الثاني: فقد عرفت أن الاقوال فيه ثلاثة: قول بالتفصيل بين الركعة الاولى وسائر الركعات. وقول بالتفصيل بين الاوليين والاخيرتين.

والقول الثالث عدم التفصيل مطلقا، وأنه لو نسي الركوع ولم يتذكر حتى سجد السجدتين حذف السجدتين، وجعل ما بيده من الركعة كأن لم يكن، فإن كانت هي الركعة الاولى رجع وركع وسجد يجعلها هي الاولى، بل في الجواهر(٣) أن من يقول بذلك يقول بأنه يرجع من أول الركعة فيقرأ الفاتحة أيضا، لان ما قرأه من الفاتحة في الركعة التي نسي ركوعها قد بطل بنسيان الركوع، فيعود من أول الركعة وإن كان من الركعة الثانية حذف السجدتين وقام إليها ويجعلها ثانية، وهكذا.

وعلى كل حال ينبغي أولا ذكر ما ورد في الباب من الاخبار فنقول: روى محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام في رجل شك بعدما سجد أنه لم يركع قالعليه‌السلام : فإن استيقن فليلق السجدتين اللتين لاركعة لهما فيبني على صلاته على التمام وإن كان لم يستيقن إلا بعدما فرغ وانصرف فليقم فليصل ركعة وسجدتين ولا شئ عليه(٤) . ولعل هذه الرواية هي مستند القول المطلق من

____________________

(١) و (٢) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٣ باب ١٠ من أبواب الركوع، ح ٣ و ١.

(٣) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٢٤٦.

(٤) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٤ باب ١١ من أبواب الركوع، ح ٢. (*)


عدم التفصيل بين الاولى وغيرها.

وفي الرضوي: وإن نسيت الركوع بعدما سجدت من الركعة الاولى، فأعد صلاتك، لانه إذا لم تصلح لك الاولى لم تصلح لك صلاتك، وإن كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين واجعلها - أي الثانية - الاولى والثالثة ثانية والرابعة ثالثة(١) . ولعل هذا مستند التفصيل بين الاولى وسائر الركعات.

وأما التفصيل بين الاوليين والاخيرتين، فلم نعثر له على مستند، إلا أن يتمسك بمادل على أن الاوليين لا يدخلهما الشك، وهو اجنبي عن المقام، كما لا يخفى. وحيث كانت هذه الاقوال في غاية الشذوذ والاخبار التي استدلوا لها مما قد أعرض عنها الاصحاب، مع أنه يمكن منع دلالتها كما لا يخفى على المتأمل، فلا يهم اتعاب النفس في ردها، فالاقوى بطلان الصلاة بنسيان الركوع بمجرد الدخول في السجود فضلا عن الدخول في الثانية نعم رقما ينافي ذلك قول الصادقعليه‌السلام في خبر عبدالله بن سنان: إن نست شيئا من الصلاة ركوعها أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء(٢) .

ولكن فيه، مع أنه معارض بموثقة إسحاق بن عمار سألت أبا إبراهيم عن الرجل ينسي أن يركع قالعليه‌السلام : يستقبل حتى يضع كل شئ موضعه(٣) ، أن النسبة بينه وبين صحيحة " لا تعاد "(٤) هو العموم والخصوص، لان خبر عبدالله بن سنان أعم من التذكر قبل الدخول في السجود أو بعده،

____________________

(١) فقه الرضا: ص ١١٦ ط. الاستانة.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٦ باب ١٢ من أبواب الركوع، ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٩٣٣ باب ١٠ من أبواب الركوع، ح ٢.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


وصحيحة " لا تعاد " مخصوصة بماإذا تذكر بعد السجود بالنسبة إلى عقد المستثنى - على ماتقدم تفصيله - فيخصص عموم خبر ابن سنان بالصحيحة، ويكون الخبر حينئذ مقصورا بماإذا تذكر قبل السجود.

كما أن النسبة بين صحيحة " لا تعاد " وموثقة إسحاق هو ذلك أيضا هو العموم والخصوص، فإن موثقة إسحاق أعم من التذكر قبل السجود أو بعد السجود، فيخصص بما إذا تذكر بعد السجود بمقتضى صحيحة " لا تعاد " بالنسبة إلى عقد المستثنى منه، حيث تدل على الصحة لو تذكر قبل السجود - على ما تقدم تفصيله أيضا - ويرتفع التعارض حينئذ بين الاخبار لانقلاب النسبة، فتأمل، جيدا.

ثم إنه حكي عن بعض أن حكم نسيان السجدتين حكم نسيان الركوع، بمعنى أنه لو ركع من الركعة التي بيده، ونسي السجدتين عاد إليهما، ولو كان قد دخل في الركوع الركعة اللاحقة، على حذو ما سبق في نسيان الركوع. ولعل مستند ذلك هو خبر عبدالله بن سنان. وقد عرفت أن الخبر لابد من تخصيصه، بما إذا لم يدخل في الركن اللاحق، لان النسبة بينه وبين صحيحة " لا تعاد " أخص مطلقا.

هذا تمام الكلام في حكم نسيان الركن.

وأما زيادة الركن فالكلام فيه الكلام في نقيصته، من استلزام بطلان الصلاة لا ندارجه في عموم قوله " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة "(١) فإن " من " في قوله " من خمسة " نشوية. فلا فرق بين الزيادة والنقيصة، وعدم تصور الزيادة في بعض الخمسة كالطهور والوقت والقبلة. لا يوجب اختصاص الحديث بالنقص فيما يمكن فيه

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


النقص والزيادة كالتكبيرة والركوع والسجود، بل الزيادة في كلي الشرائط مما لا يتصور، وإنما تصور في خصوص الاجزاء كما لايخفى. ولا فرق في البطلان بين زيادة الركوع فقط، أو هو مع السجود كمن زاد ركعة في الصلاة، فإنه موجب للبطلان سواء جلس بمقدار التشهد وتشهد أيضا، أو لم يجلس. أو جلس ولم يتشهد. فإنه مالم يتحقق منه التسليم لم يخرج من الصلاة، فتكون الزيادة واقعة في الصلاة فتبطل. وخالف في ذلك جماعة وذهبوا إلى عدم البطلان بزيادة الكرعة استنادا إلى جملة من الاخبار المصرحة في عدم البطلان عند جلوسه في الرابعة بمقدار التشهد(١) .

وربما يقال: إن المراد من الجلوس بمقدار الشتهد هو نفس التشهد لصحة التعبير عن ذلك بذلك، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.

وعلى كل حال لما كان بناؤنا على وجوب التسليم وجزئيته للصلاة كان المتجه بطلان الصلاة بزيادة الركعة، لحصول زيادة الاركان في الصلاة، ومادل من الاخبار على عدم البطلان بزيادة الركعة عند الجلوس بمقدار التشهد، فهي وإن كانت أخص مطلقا مما دل على بطلان الصلاة بالزيادة فيها نسيانا، كقولهعليه‌السلام " من استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها...(٢) إلخ "، حيث إنه أعم من زيادة الركعة وعدمها، والجلوس بمقدار التشهد وعدمه، إلا أن الاصحاب لم يعملوا بها وأعرضوا عنها لموافقتها للعامة، والترجيح بالجهة وإن كان متأخرا عن الترجيح بحسب الدلالة بالعموم والخصوص - كمابين في محله - إلا أن ذلك فرع العمل بالخاص وعدم الاعراض عنه، بل في نفس هذه الاخبار

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٢ باب ١٩ من أبواب الحلل الواقع في الصلاة، ح ٤ و ٦.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٢ باب ١٩ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح ١. (*)


ما يستشم منه رائحة التقية.

وبالجملة: أخبار الباب إما أن تكون من جملة مادل على عدم وجوب التسليم، وأن بالتشهد يخرج عن الصلاة، وإما أن تكون صادرة مورد التقية. وعلى كلا التقديرين لا يصح الاعتماد عليها. وبعد ذلك لا يهمنا تنقيح الاقوال في المسألة مع أنها مضطربة جدا، فراجع وتأمل.

وعلى كل حال لا يتم القول بالصحة لوزاد ركعة، ولو مع القول بندبية التسليم، إذ غايته على هذا القول أن الخروج من الصلاة لا يتوقف على التسليم إلا أنه لابد من مخرج. ولو كان فعل ما ينافي الصلاة عمدا وسهوا، ومجرد القيام إلى الركعة اليزادة لايكون خروجا، وإلا لكان اللازم عدم العود إلى التشهد المنسي لو تذكر قبل الدخول في الركوع. لخروج عن الصلاة بالقيام. غايته أنه فات منه التشهد وهو جزء غير ركني، وهذا - كما ترى - لم يقل به أحد فلا محيص عن القول ببطلان الصلاة بزيادة الركعة أو الركوع أو السجدتين.

ثم إنه حكي عن جماعة أنه لو شك في الركوع فركع، ثم ذكر أنه ركع أرسل نفسه من دون أن ينتصب وهذا القول يبتني على أحد وجهين: إما من التزام أن الانتصاب من الركوع مقوم للركن، وإما من التزام أن الطمأنينة مقومة للركن. بناء على حمل فتوى الجماعة على صورة عدم تحقق الطمأنينة، بل ذكر عند وصوله إلى حد الراكع من دون أن يحصل له الطمأنيته. وعلى ذلك حمل شيخنا الاستاذ - مد ظله - فتواهم وإن كان لا يساعد عليه كلام الجواهر. حيث وجه كلام الجماعة بأن الهوي كان واجبا عليه للسجود، فلم يزد في البين إلا الطمأنينة، وهي واجب غير ركني زيادتها سهوا لا يضر(١) وهذا - كما ترى - كالصريح في

____________________

(١) جواهر الكلام ج ١٠ ص ٨٤. (*)


حصول الطمأنينة منه.

ولكن الاتصاف أنه لا يتستقيم كلام الجماعة على كل حال، لان دعوى دخل القيام في ركنية الركوع مما لا شاهد عليها، لوضوح أن الركن هو عبارة عن الانحناء إما مطلقا أو مع كونه عن قيام إلى وصول أطراف أصابعه إلى الركعبة. وأما القيام عنه فهو من الواجبات الغير الدخيلة في الركن. وكذا دعوى دخل الطمأنينة فيه، فإن الطمأنينة أيضا من الواجبات الخارجة عن الركن. وأما ما وجه به صاحب الجواهر كلام الجماعة فهو مما لا يستقيم أصلا، لوضوح أن الهوي إنما يكون مقدمة عقلية للسجود لا واجب شرعي والمفروض أنه قد هوى قصد الركوع.

وبالجملة لا ينبغي التأمل في بطلان الصلاة في مفروض المسألة، سواء حصل منه الطمأنينة أو لم يحصل، لانه قد زاد ركوعا على كل حال، وهو موجب للبطلان عمدا وسهوا. هذا كله في زيادة الركعة أو الركوع.

وأما نقصان الركعة بأن سلم على الثلاثة نسيانا فإن تذكر قبل فعل ما ينافي الصلاة عمدا وسهوا قام وأتى بها وصحت صلاته، وإن ذكر بعد ذلك بطلت صلاته، وقد تقدم الكلام في ذلك، وأن التسليم لا يكون مخرجا عن الصلاة إذا كان قد نقص ركعة فمازاد، حسب مادل عليه الدليل، فإذ لم يخرج بالتسليم عن الصلاة فإن فعل ما ينافي الصلاة عمدا وسهوا ك‍ " الحدث " فقد وقع ذلك في أثناء الصلاة وهو مبطل، وإن وقع منه ما ينافي الصلاة عمدا ك‍ " التكلم " فلا موجب للبطلان، لان غايته زيادة التسليم سهوا، وهو ليس بركن والتكلم السهو أيضا غير مبطل، هذا إذا سلم على نقصان الركعة فما زاد.

وأما إذا سلم على ما دون ذلك. وعن جامع المقاصد أن نقصان الركعة


المذكورة في عبارة المحقق -قدس‌سره - يشمل نقصان الركوع ايضا(١) ولم يظهر لنا وجه ذلك، وما وجه به صاحب الجواهر(٢) - من أن ذلك مبني على أن الدخول في السجدة الاولى، لا يوجب فوات محل الركوع، وحينئذ لو سلم مع إتيانه بسجدة واحدة من الركعة يندرج تحت نقصان الركعة. لانه لم يأت بالركوع، ولم يدخل في السجدة الثانية حتى يلزم فوات محل الركوع، فتبطل صلاته. وحينئذ يلحق ذلك بنقصان الركعة من وجوب التدارك عند عدم فعل ماينافي الصلاة عمدا وسهوا، وبطلان الصلاة عند فعله ذلك. على ما مر من نقصان الركعة - مما لا يستقيم حتى بناء على ذلك المبنى الفاسد، وذلك لان بقاء محل التدارك للركوع فرع عدم كون السلام الذي أتى به مخرجا عن الصلاة، وعدم مخرجيته للصلاة فرع بقاء محل التدارك.

لا يقال: إن إطلاق قولهعليه‌السلام " لا تعاد الصلاة من سجدة "(٣) الذي هو مبنى ذلك القول يقتضي بقاء محل التدارك لشموله لما بعد التسليم أيضا.

فإنه يقال: لا يكفي قوله " لا تعاد الصلاة من سجدة " في بقاء محل تدارك الركوع. بل يحتاج ضم قوله " لا تعاد الصلاة من خمسة " إلى ذلك فإن غاية ما يدل عليه قوله " لا تعاد الصلاة من سجدة " هو أن السجدة الواحدة غير موجبة لبطلان الصلاة، وأما أنه يلزم العود إلى الركوع وأن محله باق، فهو إنما يكون بدلالة قوله

" لا تعاد الصلاة إلا من خمسة "(٤) وقد تقدم منا أن " لا تعاد الصلاة إلا من خمسة " لا يكون حاكما على أدلة مخرجية التسليم، فتأمل في المقام. هذا تمام الكلام في فوات الاركان.

وأما دو دار أمر الفائت بين ركونه ركنا أو غير ركن كما لو دار الامر بين فوات

____________________

(١) لم نعثر عليه في جامع القاصد.

(٢) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٢٤٧.

(٣) تهذيب الاحكام: ج ٢ ص ١٥٦ باب ٩ ح ٦٨.

(٤) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١ (*)


السجدتين من ركعة واحدة أو ركعتين، فتفصيل القول فيه يتم بتقديم أمور:

الاول: أن الفقهاء وإن عنونوا البحث في السجدتين، إلا أنه لا اختصاص له بذلك. بل يجزي في غير السجدتين من سائر الاركان أيضا، كما لو دار الامر بين فوات الركوع أو التشهد، بل اختصاص له بذلك، ويجري في كل ما دار الامر بين المبطل وغيره. كما لو دار الامر بين الحدث والتكلم ناسيا.

الثاني: لما كان البحث في المقام يقع عما يقتضيه العلم بالاجمالي فلابد من أن يكون العلم الاجمالي واجدا لشرائط التنجيز من ثبوت تكليف في كلا طرفه. فإذا لم يكن لاحد طرفيه أثر شرعي، كان وجود العلم الاجمالي كعدمه، لايوجب شيئا. كما لو علم إجمالا إما بالحدث، وإما بالتكلم ناسيا، بناء على أن التكلم ناسيا لا يوجب سجدتي السهو. فيكون أحد طرفي العلم الاجمالي مما لا أثر له. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بوجوب سجدتي السهو في التكلم السهوي، فإنه يعلم إجمالا إما بوجوب إعادة الصلاة على تقدير صدور الحدث منه، وإما بوجوب سجدتي السهو على تقدير صدور التكلم السهوي منه، فيكون العلم الاجمالي واجدا لشرائط التنجيز.

الثالث: لا يخفى أن لكل واحد من أركان الصلاة جهتين: جهة توقف صحة الصلاة على وجوده، وجهة توقف صحة الاجزاء اللاحقة عليه.

وبعبارة اخرى: كما أن لكل ركن دخلا في الصلاة، كذلك لكل ركن دخل في لحوق الاجزاء اللاحقة عليه، ويكون هو بالنسبة إليها نسبة الموضوع، وكما أن دخله في الصلاة يكون شرعيا كذلك دخله من الجهة الاخرى أيضا يكون شرعيا، أي موضوعيته للاجزاء اللاحقة إنما يكون بالجعل الشرعي، وليس ذلك كموضوعية الحياة للعدالة، حيث يكون عقليا لمكان توقف العدالة على الحياة عقلا. ومن هنا كان استصحاب الحياة لا ينفع في ترتب العدالة، لو شك في العدالة من جهة الشك في


الحياة، نعم استصحاب العدالة على تقدير الحياة يجري، لان المجعول الشرعي إنما هوالعدالة على تقدير الحياة. وقد أوضحنا البحث في ذلك في رسالة الاستصحاب عند تعرض الشيخ -قدس‌سره -(١) له. وليس الامر في المقام من ذلك القبيل، لان موضوعية الركن للاجزاء اللاحقة إنما تكون شرعية، ولست كموضوعية الحياة للعدالة، وحينئذ يكون الاصل الجاري في الركن مثبتا له من كلتا الجهتين، من جهة توقف الصلاة عليه، ومن جهة موضوعيته للاجزاء اللاحقة، لما عرفت من أن كلتا الجهتين شرعية تقبل التعبد الشرعي، ولا يكون من الاصل المثبت.

فلو كان كل من الركن والجزء اللاحق مشكوكا، كانت قاعدة الفراغ أو التجاوز في الجزء اللاحق جارية كجريانها في الركن. ولا يتوهم عدم جريان قاعدة التجاوز في الجزء اللاحق مع كون الركن مشكوكا، لاجل الشك في موضوعه، حيث إن الركن يكون بمنزلة الموضوع للجزء اللاحق لما عرفت من أن الاصل الجاري في الركن يثبت موضوع الجزء اللاحق كإثباته لنفسه، فيجري الاصل في الجزء اللاحق أيضا، ويقع المعارضة بينهما في موارد العلم الاجمالي، إذا عرفت هذه الامور فلنشرع في حكم المسألة، وحيث إن الاعلام جعلوا عنوان البحث السجدتين، فينبغي لنا أن نقتفى أثرهم ويعلم بحكم سائر الصور منه فنقول: لو علم أنه فات منه سجدتان ولم يعلم أنهما من ركعة أو ركعتين، فالصور ثلاث: فإنه تارة يعلم ذلك مع بقاء المحل العمدي، لاحد طرفي العلم الاجمالي، كما إذاعلم الاجمالا بفوات سجدتين من هذه الركعة، أو من الركعة السابقة وهو جالس قبل دخوله في التشهد، فإن محل السجدتين من هذه الركعة باق. واخرى يعلم مع فوات المحل العمدي والسهوي كليهما، كما إذا علم إجمالا بذلك بعد الفراغ، أو في

____________________

(١) فرائد الاصول: ص ٦٩٧ الامر الثاني من خاتمة شروط جريان الاسصحاب. (*)


الركعة الرابعة، أو بعد الدخول في ركوع الثالثة، وكان طرفا علمه الاجمالي الركعة الاولى والثانية حيث إن لم يبق محل لتدارك السجدتين في هذه الصلاة على كل حال. وثالثة يعلم مع بقاء المحل السهوي لاحد طرفي العلم، لا العمدي، فهذه اصول ما يتصور في المقام.

أما الصورة الاولى: وهي بقاء المحل العمدي لاحد طرفي العلم، فلا ينبغي الاشكال في انحلال العلم الاجمالي، لجريان قاعدة التجاوز من أحد الطرفين، وقاعدة الشك في المحل من الطرف الآخر، فينحل لما بيناه في محله، من أنه لو كان في أحد طرفي العلم الاجمالي أصل مثبت للتكليف موافق للعلم الاجمالي، وكان في الطرف الآخر أصل ناف له، لكان العلم الاجمالي مما لا أثر له لا نحلاله. والمقام يكون كذلك. لان قاعدة الشك في المحل تقتضي إتيان السجدتين وتلزم بها، فتكون القاعدة مثبتة للتكليف، فلا مانع حينئذ من جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى السجدتين اللتين فات محلهما، وذلك واضح.

وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا فات المحل العمدي والسهوي من كلا طرفي العلم الاجمالي، فالاصول من الطرفين تكون متعارضة لان قاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الاولى، ومن أحد سجدتيها متعارضة بقاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الثانية، ومن أحد سجدتيها، لفوات محلهما على جميع التقادير.

وإذا تعارضا قاعدتا التجاوز من الطرفين يرجع إلى الاصول العدمية، والاصول العدمية أيضا من الطرفين متعارضة، وإن كانت موافقة للعم الاجمالي، بناء على المختار من عدم جريان الاصول المحرزة في أطراف العلم الاجمالي، ولو كانت مثبتة للتكليف وموافقة للعلم الاجمالي - كما ذكرنا ذلكفي رسالة الاستصحاب - وحينئذ تسقط الاصول العدمية أيضا بالتعارض، كسقوط الاصول الوجودية من قاعدة التجاوز والفراغ بالتعارض، فأصالة عدم إتيان السجدتين من الركعة


الاولى معارضة بأصالة عدم إتيان السجدتين من الركعة الثانية، وأصالة عدم إتيان السجدة الواحدة من الركعة الاولى، وأصالة عدم إتيان السجدة الواحدة من الركعة الثانية، فجميع هذه الاصول معارضة بعضها مع بعض. فتصل التوبة حينئذ إلى الاصول الحكمية من البراء‌ة والاشتغال. وحينئذ يكون مقتضى الشك في الخروج عن عهدة التكليف بالصلاة هو إعادة الصلاة، مع كون الشك في الوقت.

وأما بالنسبة إلى قضاء السجدة من الركعة الاولى والركعة الثانية، على تقدير فوات سجدة واحدة من كل رجعة، كما هو أحد أطراف العلم الاجمالي، فالاصل يقتضي البراء‌ة لرجوع الشك فيه إلى الشك في التكليف، فينحل العلم الاجمالي لان في أحد أطرافه أصلا مثبتا للتكليف وهو قاعدة الشك في الوقت المقتضية لاعادة الصلاة، وهذا من غير فرق بين حصول العلم الاجمالي بعد الفراغ من الصلاة، أو حصوله في الاثناء مع فوات المحل العمدي والسهوي من جميع أطراف العلم.

كما مثلنا به سابقا، فلا يجب عليه إتمام الصلاة لو حصل العلم في الاثناء والحال هذه أي حال فوات المحل العمدي والسهوي، لانحلال العلم الاجمالي ببركة جريان قاعدة الاشتغال في بعض الاطراف، وهو فوات الركن، لان قاعدة الاشتغال بالوقت يوافق فوات الركن، فيبقى الطرف الآخر وهو احتمال فوات السجدة الواحدة من كل ركعة بعد سقوط الاصول العدمية والوجودية فيه مجرى للبراء‌ة. فله قطع الصلاة واستئنافها، إذ ليس له ملزم شرعي في الاتمام بعد احتمال بطلان الصلاة بفوات الركن، وبعد انحلال العلم الاجمالي، فتأمل في أطراف المسألة جيدة.

نعم بناء على جريان الاصول المثبتة للتكليف ولو كانت مخالفة للعلم الاجمالي حيث لم يلزم منها مخالفة قطعية بنبغي البناء على وجوب قضاء السجدتين، مضافا إلى وجوب الاعادة، لان أصالة عدم إتيان السجدتين من


الركعة الاولى والثانية يقتضي إعادة الصلاة، وأصالة عدم إتيان السجدة من كل ركعة يقتضي قضاء السجدتين. ولا منافاة بين الاصولين، لعدم لزوم مخالفة عملية من اجتماعهما، غايته أنه يعلم بكقب مؤدى أحد الاصلين، وهو غير مانع من جريانهما، ولكن هذا خلاف التحقيق عندنا من عدم جريان الاصول المتكفلة للتنزيل في أطراف العلم الاجمالي، ولو لم يلزم منها مخالفة عملية فالاصول العدمية تسقط بالمعارضة، وتصل النوبة إلى الاصول الحكمية، وقد عرفت مقتضاها.

بقي الكلام في حكم الصورة الثالثة: وهي ما إذا علم بذلك مع بقاء المحل السهوي لاحد أطراف العلم الاجمالي، كما إذا حصل العلم قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، وينبغي أن يعلم أولا أن مقتضى القاعدة الاولى في المحل السهوي هو وجوب العود إليه للتدارك، أو عدم وجوب العود. فإن قلنا بعدم وجوب العود كان حكمها حكم صورة فوات المحل العمدي والسهوي، من جواز قطعها ووجوب الاعادة وانحلال العلم الاجمالي وبيان ذلك هو: أن قاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الاولى وسجدتها، معارضة بقاعدة التجاوز من سجدتي الركعة الثانية وسجدتها، فيتساقطان.

وتصل النوبة إلى الاصول العدمية، وهي أيضا متعارضة، ويرجع الامر بالاخرة إلى قاعدة الاشتغال القتضية لاعادة في الوقت، وأصالة البراء‌ة من العود للتدارك وإتمام الصلاة. على حذو ما تقدم في الصورة الثانية. ودعوى أن الاصل الجاري في طرف الركن ليس في عرض الاصل الجاري في غير الركن حتى يتعارضا، لما عرفت من أن نسبة الركن إلى غيره نسبة الموضوع، فلا معنى لمعارضة الاصل في طرف الركن مع الاصل في الطرف الآخر. فهي فاسدة، لما عرفت من أن دخل الركن في الاجزاء اللاحقة إنما تكون شرعية، فجريان قاعدة التجاوز من الركن كما يثبت أصل وجوده. كذلك يثبت حيثية


دخله في الجزء الغير الركني، وبعد ذلك تجري قاعدة التجاوز في الجزء الغير الركني.

مثلا لو علم بفوات إما ركوع الركعة الاولى، وإما سجدة الركعة الثانية، وهو في حال القيام إلى الركعة الثالثة، فقاعدة التجاوز من الركوع تعارض قاعدة التجاوز من السجدة الواحدة، ولا يلتفت إلى أن السجدة الواحدة ليست مجرى لقاعدة التجاوز، للشك في موضوعها وهو ركوع الركعة السابقة، إذ قاعدة التجاوز في الاجزاء إنما تجرى بعد الفراغ عن صحة الصلاة من غير ناحية المشكوك، والمقام ليس كذلك للشك في صحة الصلاة من غير ناحية السجدة الواحدة التي يراد إجراء قاعدة التجاوز فيها، وهو الشك في ركوع الركعة السابقة، فلا تجري قاعدة التجاوز في السجدة الواحدة ويبقى قاعدة التجاوز في ركوع الركعة السابقة سليمة عن المعارض، وذلك لما عرفت من الاصل المثبت للركن مثبت له من حيث دخله في الصلاة، ومن حيث دخله في الجزء اللاحق.

وليس ذلك كاستصحاب الحياة الغير المثبت للعدالة، لان موضوعية الحياة للعدالة إنما تكون عقلية وفي المقام شرعية، فالاصل الجاري فيه مثبت لكلتا الجهتين، ويكون الجزء اللاحق حينئذ أيضا مجرى لقاعدة التجاوز، ويتعارضان لمكان العلم الاجمالي بالخلاف، وتصل النبوة حينئذ إلى الاصول العدمية، وهي أيضا متعارضة من الطرفين. فإن أصالة عدم الركوع من الركعة السابقة معارضة بأصالة عدم السجدة من الركعة اللاحقة، ويتعارضان.

ولا يتوهم أيضا أن أصالة عدم الركن توجب عدم جريان أصالة عدم غير الركن، لارتفاع موضوع الاصل الثاني بالاصل الجاري في طرف الركن، إذ عدم الركن يوجب بطلان الصلاة، فلا يبقى أثر لاصالة عدم السجدة الواحدة، إذا الاثر الذي يراد ترتبه من ذلك هو قضاء السجدة، وذلك إنما هو إذا كانت الصلاة صحيحة من غير ناحية السجدة، والمفروض أن أصالة عدم الركن يوجب بطلان


الصلاة من أصلها، وذلك لان أصالة عدم الركن إنما تجري بالنسبة إلى نفس وجود الركن. وأما بالنسبة إلى حيثية دخله في الجزء اللاحق، فقاعدة التجاوز تجري فيه لانها من هذه الحيثية لا معارض لها، غايته أنه يلزم التفكيك بين المتلازمين، وهو ليس بعزيز الوجود في الاصول.

وحاصل الكلام أن سقوط قاعدة التجاوز بالنسبة إلى نفس الركن من حيث وجود نفسه، لا يلازم سقوط قاعدة التجاوز بالنسبة إليه من حيث دخله في ترتب الجزء اللاحق، فأصالة العدم في الجزء اللاحق تجري. وتعارض أصالة العدم في الركن ويتساقطان، فتصل النوبة إلى الاصول الحكمية من البراء‌ة والاشتغال، فتأمل. وحيث كان الشك في الوقت موجبا لاعادة الصلاة كان العلم الاجمالي مما لا أثر له.

وتجري البراء‌ة بالنسبة إلى وجوب العود للتدارك، لا نحلاله بسبب جريان الاصل المثبت للتكليف في طرف الركن. وهو لزوم الاعادة لقاعدة الاشتغال، من حيث كون الشك في الوقت، وحينئذ لا يجب عليه العود لتدارك السجدتين اللتين فات محلهما العمدي فقد دون السهوي، ولا يجب عليه الاحتياط بإتمام الصلاة للشك في صحتها. مع عمد ثبوت طريق محرز لها، ولا مجال حينئذ للتشبث بحرمة الابطال لاحتمال الانبطال.

فتحصل أن الاقوى أنه لا أثر لبقاء المحل السهوي، وأن حكمه حكم فوات المحل السهوي والعمدي من انحلال العلم الاجمالي وعدم لزوم الاحتياط في جميع أطرافه. لكن هذا مبني على أن القاعدة الاولية مع قطع النظر عن كل شئ لاتقتضي وجوب العود عند بقاء المحل السهوي. وأما إذا قلنا إن القاعدة تقتضي ذلك. كان اللازم الجحري على ما يقتضيه العلم الاجمالي من لزوم العود والتدارك وإتمام الصلاة، ثم إعادتها. وذلك لان بعد تعارض قاعدة التجاوز وتعارض الاصول العدمية، تصل النوبة إلى قاعدة


الاشتغال وقاعدة الاشتغال بالنسبة إلى الركن الذي فات محله العمدي والسهوي تقتضي الاعادة. وبالنسبة إلى مافات محله العمدي فقط أيضا تقتضي العود إليه وتداركه وإتمام الصلاة، نعم بالنسبة إلى قضاء السجدة بعد الصلاة تجري أصالة البراء‌ة فالعلم الاجمالي على هذا التقدير ينحل بالنسبة إلى خصوص قضاء السجدة.

وأما بالنسبة إلى إعادة الصلاة وإتمامها بعد العود إلى تدارك ما بقي محله السهوي، فهو باق على حاله من لزوم الاحتياط، وذلك واضح. وإنما الشأن في إثبات ما تقتضيه القاعدة الاولية عند بقاء المحل السهوي دون العمدي، والظاهر أن القاعدة لا تقتضي وجوب العود، لان المحل السهوي إنما استفدناه من حديث " لا تعاد "(١) وحديث " لا تعاد " يختص بصورة العلم بالفوات لا الشك، والمفروض أن في المقام يشك في فوات السجدتين أو السجدة الواحدة من الركعة التي قام عنها، لا حتمال فواتهما من الركعة السابقة عليها. فالمقام لا يكون مشمولا لحديث " لا تعاد " المقتضي لوجوب التدارك وحينئذ لم يبق لنا دليل على وجوب العود إلى لكونه طرفا للعلم الاجمالي المنحل ببركة قادعة الشك في الوقت على ما تقدم.

هذا تمام الكلام في الشك بين السجدة والسجدتين أو العلم بالسجدتين، والشك في كونهما من ركعة أو ركعتين، وقس على ذلك جميع موارد تردد الامر بين الركن وغير ذلك، إذ المناط في الجميع واحد.

وإنما التفاوت في كثرة أطراف العلم الاجمالي وقلته، حيث إنه عند دوران الامر بين السجدة والسجدتين يكون للعلم طرفان. وإن دار الامر بين السجدتين من ركعة أو ركعتين مع العلم بفوات السجدتين يكون للعلم أطراف ثلاثة، كما لا يخفى. فتأمل

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


في أطراف المسألة حتى لا يختلط عليك الامر، هذا كله لو حصل العلم في الوقت، سواء علم بعد الفراغ من الصلاة. أو في أثنائها، على التفصيل المتقدم. وأما لو علم في خارج الوقت. فالاصول النافية والمثبتة في جميع الاطراف متعارضة، ولم يكن هناك أصل مثبت التكليف غير معارض فلابد له حينئذ من الاخذ بالاحتياط، والعمل بأطراف العلم الة جمالي من قضاء الصلاة وقضاء السجدة أو السجدتين، مع سجود السهو.

إذ قاعدة الشك بعد الوقت المقتضية لعدم القضاء مع أصالة البراء‌ة عن القضاء يتعارضان مع أصالة البراء‌ة عن قضاء السجدة، لانه لافرق في تعارض الاصول بين أن يكون في كل طرف أصل واحد، أو يكون في بعض الاطراف اصول متعددة متوافقة في المؤدى، فإن الاصل الواحد يعارض ألف أصل من التوافق في المؤدى، وعلى تقدير تسليم المنع عن ذلك نقول: إن أصالة البراء‌ة عن وجوب القضاء معارض بأصالة البراء‌ة عن قضاء السجدة، وحينئذ يبقىفي قضاء الصلاة قاعدة الشك في الوقت المقتضية لعدم القضاء، ولكن مجرد بقاء ذلك لا ينفع في انحلال العلم، لان العلم لا ينحل إلا بأصل مثبت للتكليف يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه.

وأما مجرد ثبوت أصل ناف للتكليف غير معارض بمثله لا ينفع في انحلال العلم، كما أوضحنا في محله. وبذلك يندفع ما ربما يتوهم في المسألة السابقة وهي ما إذا كان الشك في الوقت من أنه بعد تعارض الاصول يرجع إلى أصالة صحة الصلاة السليمة من المعارض. وربما حكي عن بعض الميل إلى ذلك. ولكن فيه (أولا) أنه لا نعقل معنى لاصالة الصحة في الصلاة سوى قاعدة التجاوز والفراغ.

(وثانيا) أنها على تقدير كونها أصلا على حدة فغايته أنه بالنسبة إلى فوات الركن يتحقق أصلان يقتضيان عدم فواته، من قاعدة التجاوز والفراغ، ومن أصالة الصحة، وهما يعارضان قاعدة التجاوز في غير الركن.


(وثالثا) هب أن تبقى أصالة الصحة سليمة عن المعارض إلا أنها لما كانت من الاصول النافية للتكليف، فلا أثر لها في انحلال العلم الاجمالي مالم يكن في الطرف الآخر أصل مثبت للتكليف يوافق المعلوم بالاجمال، فتأمل جيدا.

هذا تمام الكلام في فوات الاركان وما يتردد بيه فواتها وفوات غيرها، فيقع الكلام حينئذ في فوات غير الاركان، وقد قسم المحقق -قدس‌سره - في الشرائع ذلك على أقسام ثلاثة: (الاول) مالا يوجب فواته شيئا لاتداركه ولا سجدتي السهو. (الثاني): ما يوجب التدارك من دون سجدتي السهو. (الثالث) مايوجب التدارك وسجدتا السهو معا(١) .

وقد عد من القسم الاول أمورا: منها: نسيان الفاتحة، فإن نسيانها لا يوجب شيئا، ويدل على ذلك قولهعليه‌السلام : " قد تمت صلاته ولا شئ عليه "(٢) عند السؤال عن نسيان الفاتحة. فإن الظاهر منه عدم إيجاب نسيان الفاتحة شيئا. ودعوى أن قولهعليه‌السلام " يسجد سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصه "(٣) يعم نسيان الفاتحة، ويكون مقتضى الجمع بين الادلة هو حمل " لا شئ عليه " في نسيان الفاتحة على نفي القضاء فقط، وحينئذ يجب عليه سجدتا السهو، فهي فاسدة لماسيأتي من عدم عمل الاصحاب بهذا العموم، كما حكي عن الشهيد -قدس‌سره - ذلك(٤) مضافا إلى ما قيل من أظهرية نفي الشئ في عدم وجوب سجدتي السهو، بعد قيام الاجمال على عدم وجوب قضاء الفاتحة [ على ] من يسجد سجدتي السهو لكل زيادة

____________________

(١) الشرائع: ج ١ ص ١١٥.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٧٦٦ من أبواب القراء‌ة في الصلاة. ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٦ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح ٣.

(٤) شرح اللمعة: ج ١ ص ٧٢٣ من أحكام السهو طبع ايران، والذكرى: ص ٤٩. (*)


ونقيصة الشامل بعمومه نقص الفاتحة. وعلى كل حال الظاهر أنه لا إشكال في المسألة.

ومنها: نسيان الجهر والاخفات، فإن نسيانها لا يوجب شيئا. من غير فرق بين أن تذكر قبل الركوع أو بعد الركوع، لا لان الجهر والاخفات من شرائط الصلاة حال القراء‌ة. حتى يقال بفوات محلهما بمجرد الخروج عن القراء‌ة. بل بمجرد الخروج عن الكلمة التي نسي الجهر بها أو الاخفات بها. لان كون الجهر والاخفات من شرائط الصلاة حال الفاتحة محل إشكال، لاحتمال كونهما من شرائط نفس الفاتحة، فالعمدة في المقام هو مادل على عدم البأس عند نسيان الجهر والاخفات أو الجهل بهما الشامل بإطلاقه ما تذكر قبل الركوع وقد تقدم البحث منا في ذلك في مبحث القراء‌ة.

ومنها: نسيان الطمأنينة في الركوع. أو الذكر فيه أو في السجود لان شكل ذلك من الواجبات الخارجة الغير المقومة للركنية، فبمجرد الخروج عن الركن يفوت محلها، لاستلزام العود زيادة الركن، وقد تقدم البحث عن جميع ذلك عند البحث عن مفاد صحيحة " لا تعاد "(١) فلا يهمنا إعادة الكلام فيه.

ويجمع هذا القسم - أي القسم الاول الذي ذكر في الشرائع وهو ما يستلزم فواته التدارك وسجدتي السهو - أمور ثلاثة: (الاول) ما كان جزء للصلاة، وقد دخل في الركن اللاحق. (الثاني) ما كان شرطا للصلاة في حال الجزء وقد خرج عن ذلك الجزء. (الثالث) ما كان واجبا في الركن. ولكن غير مقوم لركنيته، فالاول كالفاتحة، والثاني كالجهر والاخفات على أحد المحتملين فيهما. والثالث كالذكر والطمأنينة في حال الركوع، والسجود، فإن فوات جميع ذلك لا يستلزم شيئا.

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


وأما القسم الثاني وهو ماكان فواته موجبا للتدارك فقط فعدة أمور: الاول: ما إذا نسي الفاتحة وقرأ السورة قبلها وتذكر قبل الدخول في الركوع، فإنه يلزم العود إلى قراء‌ة الفاتحة وإعادة السورة أيضا، فإن السورة التي قرأها كانت في غير محلها. فيلزمه سورة اخرى بعد قراء‌ة الحمد. وفي لزوم إعادة تلك وقع في غير محله. ولكنها بالارادة تعينت عليه، كما حكى شيخنا الاستاذ - مد ظله - دلالة بعض الآخر على تعيين السورة عند إرادتها، وليس له العدول عما أراد حيث إن إطلاق ذلك يشمل ما نحن فيه، فتأمل. ومن استصحاب بقاء التخيير الثابت قبل قراء‌ة السورة، مع أنه على فرض تعين السورة بالارادة نمنع كون مثل هذه الارادة الواقعة قبل الفاتحة موجبة للتعيين.

الثاني: ما إذا نسي الركوع وتذكر قبل تحقق السجود منه، فإنه يلزم العود لتدارك الركوع وهو مما لا إشكال فيه إنما الاشكال في كيفية العود، وأنه هل يلزمه الانتصاب ثم الركوع، أو يعود منحنيا إلى حد الراكع، أو التفصيل بين ما إذا نسي الركوع بعد ما هو بقصده فلا يلزمه الانتصاب أو لا بهذا القصد فيلزمه الانتصاب؟ وجوه قد تقدم البحث عن ذلك في مبحث القيام.

والاقوى من هذه الوجوه هو لزوم الانتصاب مطلقا. لانه لم يتحقق منه الركوع عن قيام، وقد تقدم أنه لابد من أن يكون الركوع عن قيام بحيث يكون التقوس من مبدئه إلى وصوله إلى حد الراكع للركوع، فلو لم يكن تقوسه لذلك بل لغرض آخر. أو كان بعض تقوسه لغرض آخر، كما إذا نسي الركوع بعد أن هوي بقصده قبل الوصول إلى حد الراكع لم يتحقق منه الركوع عن قيام، إذ ليس هناك واجبان قيام وركوع حتى يقال إنه كان قائما. فلا يعتبر عند نسيان الركوع الانتصاب بل يكفي العود منحنيا إلى حد الراكع، بل الواجب هو الركوع، من قيام، بحيث لم يتخلل بين الركوع


والقيام شئ بل مطلق عدم التخلل لا يكفي. بل يعتبر أن يكون من مبدأ تقوسه إلى آخره بقصد الركوع. وحينئذ لا فرق بين لزوم الانتصاب عند نسيان الركوع بين نسيانه من مبدأ التقوس، كما إذا هوى السجود بتخيل أنه ركع أو نسي ذلك في أثناء التقوس. نعم لو كان نسيانه بعد الوصول إلى حد الركوع كان ذلك من نسيان الطمأنينة والذكر، وخرج من مفروض الكلام من نسيان الركوع.

الثالث: ماإذا نسي السجدتين، أو السجدة الواحدة وتذكر قبل الركوع للركعة اللاحقة فإنه يلزم العود للتدارك، وما يظهر من بعض الكلمات من الفرق بين السجدة الواحدة فيعود للتدارك، وبين السجدتين فلا يعود بل تبطل صلاته، فليس له مستند إذا كان محل التدارك باقيا، كما يدل عليه صحيحة " لا تعاد "(١) فلا فرق بين السجدة والسجدتين، وإن لم يكن باقيا فلا فرق أيضا وذلك واضح.

الرابع: ماإذا نسي التشهد وتذكر قبل الدخول في الركن اللاحق. فإنه يلزمه العود لتدارك التشهد.

ثم إن شيخنا الاستاذ - مد ظله - قد تعرض في المقام لفرع من فروع قاعدة الشك بعد المحل، وهو أنه لو نسي التشهد وقام وبعدما قام شك في فوات سجدة واحدة أو سجدتين فهل هذا يكون من الشك بعد تجاوز المحل حتى لا يكون له الاعتناء بالشك فيعود ويتشهد فقط، أو أنه ليس من الشك بعد المحل، بل يلزمه العود إلى المشكوك تم الشتهد؟ والمسألة مبنية على أن القيام الذي يجب هدمه لتدارك الشتهد هل هو مندرج في الغير الذي يعتبر في قاعدة التجاوز. أو أنه غير مندرج في ذلك؟ وينبغي أن يعلم أولا أنه ليس مطلق الغير محققا لقاعدة، التجاوز بل لابد من أن يكون ذلك الغير من الاجزاء المترتبة على المشكوك،

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


سواء كان من الاجزاء الواجبة أو المستحبة ما سيأتي بيانه. فلو قام لغرض غير صلاتي كقتل عقرب مثلا ثم شك في السجود أو التشهد، فليس ذلك من الغير المحقق لقاعدة التجاوز قطعا.

إذا عرفت ذلك فنقول في المقام: إنه تارة يعلم أو لا بنسيان التشهد ثم يشك في فعل السجود، واخرى يتقارن العلم والشك في زمان واحد. وثالثة يتأخر العلم بنسيان التشهد عن الشك في السجود.

أما الاول فلا ينبغي الاشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز بعد المحل، لان الشك إنام حصل بعد حكم الشارع بهدم القيام. وأن هذا القيام لغو، وليس من أجزاء الصلاة. على ما عرفت في معنى حديث " لا تعاد " وأنه مالم يدخل في الركن يكون محل التشهد باقيا، فهذا القيام بعد العلم بنسيان التشهد كقيامه لقتل العقرب مما لاعبرة، وغير محقق لقاعدة التجاوز.

ويلحق بهذا القسم القسم الثاني: وهو ما إذا عرض العلم والشك في زمان واحد وإن لم يكن بذلك الوضوح، إلا أنه عند التأمل مثله، وذلك لان حال الشك في السجود هو حال حكم الشارع بهدم القيام، فلا عبرة بالقيام الذي لم يكن من أجزاء الصلاة، ولا يكون " مندرجا في الغير الذي يكون محققا لقاعدة التجاوز.

وأما القسم الثالث فربما يتوهم جريان قاعدة التجاوز فيه، لانه شك قبل العم بالنسيان، وقد حكم عليه شرعا بعدم الاعتناء بالمشكوك، غايته أنه بعد العلم بنسيان التشهد يحكم عليه بوجوب الرجوع إلى التشهد، ولكن هذا لايوجب عود محل المشكوك بعد ما حكم عليه الشارع بتجاوز محله، هذا.

ولكن مع ذلك لا يستقيم لما عرفت في معنى حديث " لا تعاد " من أنه لو نسي جزء وأتى بالجزء المترتب عليه يكون أمر ذلك الجزء مراعى، فإن تذكر قبل الركوع يلغى ذلك


الجزء ولا يحكم عليه بأنه جزء الصلاة، بل يستكشف من تذكره قبل الركوع أنه حال وقوعه لم يقع على صفة الجزئية، وإن لم يتذكر حتى دخل في الركن يقع ذلك الجزء جزء للصلاة، ويستكشف أنه حال وقوعه كان جزء للصلاة.

وحينئذ نقول في المقام: إن القيام الواقع بعد نسيان التشهد لا يحكم عليه بكون جزء للصلاة إلى حال الدخول في الركوع، والمفروض أنه علم بنسيان الشتهد قبل الدخول في الركوع، فيستكشف أن القيام لم يكن في محله، وكان خارجا عن أجزاء الصلاة، فلا يكون من الغير المحقق لقاعدة التجاوز. وحكم الشارع بتجاوز المحل بمجرد الشك قبل العلم بنسيان التشهد إنما يكون ظاهريا، قد كشف خلافه بالعلم بنسيان التشهد.

فلاقوى في جميع الاقسام الثلاثة هو وجوب تدارك المشكوك، وعدم اندارجه في قاعدة الشك في المحل فتأمل في المقام جيدا. وعلى كل حال قد عرفت أن نسيان التشهد أو السجدة الواحدة لا يوجب بطلان الصلاة بل إن تذك رقبل الركوع عاد إليهما، وإن تذكر بعد الركوع مضى في صلاته ويلزمه قضاؤهما مع سجدتي السهو، أما سجدتا السهو فسيأتي البحث عنهما في محله مفصلا إن شاء الله.

وأما القضاء بعد الصلاة فهو مما لا إشكال فيه، وليس في الاجزاء المنسية قضاء سوى التشهد والسجدة الواحدة، نعم في بعض الاخبار ما يدل على لزوم قضاء كل جزء‌ؤ فات وإن كان غير التشهد والسجود كخبر عبدالله بن سنان: إن نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا، ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك(١) أو فاقض الذي فاتك. على اختلاف النسخ، وخبر حكم بن حكيم في

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ باب ٢٦ من أبواب الخلل. ح ١، اضافة كلمة (سواء) في آخر الحديث. (*)


رجل نسي من صلاته ركعة أو سجدة أو شئ منها ثم يذكر بعد ذلك قال: يقضي ذلك بعينه قلت: أيعيد الصلاة؟ قال: لا(١) . فإن إطلاق ذلك يشمل التشهد والسجدة وغيرهما هذا ولكن مع ما في خبر عبدالله بن سنان من اضطراب المتن من حيث إنه نقل فاصنع ونقل فاقض الذي فاتك سواء أو سهوا على اختلاف النقل أيضا. لا يمكن العمل بإطلاق ذلك لعدم عمل الاصحاب به، بل بناء الاصحاب على عدم قضاء الاجزاء المنسية، ما عدا التشهد والسجدة الواحدة.

وعلى كل حال يدل على لزوم قضاء السجدة الواحدة صحيح إسماعيل بن جابر عن الصادقعليه‌السلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد. قال: فليسجد مالم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم. ثم يسجدها فإنها قضاء(٢) . وفي معناه عدة من الروايات التي تدل على قضاء السجدة الواحدة بعد الصلاة، وفي ذيل بعضها ما يدل على نفي سجود السهو وسيأتي الكلام في ذلك في محله.

وعلى كل حال لا ينبغي الاشكال في لزوم قضاء السجدة، وعدم لزوم إعادة الصلاة من أجلها، خلافا للمحكي عن العماني وثقة الاسلام من القول بفساد الصلاة لخبر المعلى بن خنيس سألت أبا الحسن الماضي في الرجل ينسى السجدة من صلاته. فقال: إذا ذكرها قبل ركوعها سجدها وبنى على صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة ونسيان السجدة(١) في الاولتين والاخيرتين سواء(٣) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٠٨ باب ٣ من ابواب الخلل، ح ٦ باختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٩٦٨ باب ١٤ من أبواب السجود، ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٤ ص ٩٦٩ باب ١٤ من أبواب السجود، ح ٥ باختلاف يسير. (*)


ولكن لايخفى عليك أنه لا يمكن الاعتماد بخبر المعلى لعدم عمل الاصحاب به في المقام. مع احتمال أن يكون المراد من السجدة جنس السجدة المنطبق على السجدتين، وإعادة الصلاة حينئذ يكون على القاعدة.

ثم إنه لا فرق في عدم بطلان الصلاة بنسيان السجدة الواحدة بين نسيانها من الركعتين الاوليتين أو الركعتين الاخيرتين خلافا للمحكي عن المفيد(١) -رحمه‌الله - وغيره من لزوم استقبال الصلاة إذا كانت السجدة من الاوليتين، اعتمادا على صحيح البزنطي عن أبي الحسنعليه‌السلام سألته عن رجل صلى ركعة ثم ذكر - وهو في الثانية وهو راكع - أنه ترك سجدة من الاولى فقالعليه‌السلام : كان أبوالحسن يقول: إذا تركت السجدة في الركعة الاولى ولم تدر واحدة أم اثنتين استقبلت الصلاة - كما عن الكافي - أو استقبلت - كما عن التهذيب - حتى يصح لك أنهما اثنتان(٢) .

وزاد في التهذيب: وإذا كان في الثاثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون، قد حفظت الركوع أعدت السجود(٣) . هذا. ولكن لا يمكن الاعتماد على هذا الصحيح للقول ببطلان الصلاة إذا كان المنسي سجدة واحدة من الركعتين الاولتين وذلك لاضطراب متنه، وعدم تبين المراد منه. فإن السائل إنما فرض ترك سجدة واحدة ولم يفرض صورة تردده بين كونها واحدة أو اثنتين، فما معنى قولهعليه‌السلام : " ولم تدر واحدة مأ اثنتين " وربما حمل ذلك على صورة الشك في الركعة، وأنه لم تدر صليت ركعة أو ركعتين.

ولكن يبعد هذا فرض السائل كونه في الركعة الثانية وعلى كل حال لا تخلو الرواية عن الاشكال والاضطراب. لانه يحتمل أن يكون المراد الشك في الركعة الاولى

____________________

(١) المقنعة: ص ٢٢.

(٢) فروع الكافي: ج ٣ ص ٣٤٩ من أبواب السهو في السجود: ح ٣.

(٣) تهذيب الاحكام: ج ٢ ص ١٥٤، باب ٩ ح ٦٣. (*)


والثانية، كما يحتمل أن يكون المراد الشك في السجدة الواحدة والاثنتين، ولا مرجح لاحد الاحتمالين ومعه لا يجوز رفع اليد عما دل على عدم البطلان بنسيان السجدة بل في بعضها التصريح بالركعتين الاولتين، كما في ذيل خبر معلى بن خنيس، وكما في رواية محمد بن متصور سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها فقالعليه‌السلام : إذا خفت أن لاتكون وضعت جبهتك إلامرة واحدة فإذا سلمت سجدت واحدة وتضع جبهتك مرة [ واحدة ] وليس عليك سهو(١) .

وبذلك يقيد إطلاق ما دل على سلامة الصلاة بسلامة الاولتين، حيث إن إطلاقه يدل على اعتبار السلام في الاولتين بقول مطلق، من حيث الاجزاء ومن حيث الركعات. ولكن بعد ورود الدليل على أن نسيان السجدة الواحدة لا يضر بسلامة الصلاة، يجب حمل ذلك على أن المراد بالسلامة السلامة في الركعات، فيوافق ما دل على أن الاولتين لايدخلهما شك. وأنه لابد من إحرازهما. ثم إن ظاهر الاخبار وجوب كون قضاء السجدة بعد التسليم والانصراف. وبذلك يقيد مادل بإطلاقه على وجوازها في أثناء الصلاة، وظهور بعض في خصوص الاثناء لا عبرة به، لعدم العمل به. كما أن التفصيل بين السجدة من الركعة الاولى وغيرها بجواز قضائها في الاثناء دون غيرها، مما لا دليل عليه. هذا تمام الكلام في نسيان السجدة.

وأما نسيان التشهد فيجب أيضا قضاؤه بعد الصلاة، ويدل عليه خبر علي بن أبي حمزة قال أبوعبدالله: إذا قمت في الركعتين الاولتين ولم تتشهد، فذكرت قبل أن تركع، فاقعد وتشهد وإن لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت،

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٧٠ باب ١٤ من أبواب السجود، ح ٦ وفيه وجهك بدل جبهتك. (*)


فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذي فاتك(١) . ولايضر ما اشتمله من تقديم سجدتي السهو على قضاء التشهد الذي لا نقول به للاستدلال به على وجوب قضاء التشهد. ثم إن الظاهر أنه لا فرق بين التشهد الاول والثاني. فإذا إذا نسي التشهد الثاني وسلم وأتى بما ينافي الصلاة عمدا وسهوا، ثم تذكر وجب عليه قضاء التشهد. والظاهر أنه لا يفصل بين التشهد الاول والثاني، إلا ما يحكى عن بعض. ثم إن في وجوب قضاء أجزاء التشهد كالصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لو كان هوالمنسي وحده إشكال، من حيث عدم شمول أدلة قضاء التشهد له، لانه اسم للمجموع فلا يعم الاجزاء، وتوهم دلالة خبري عبدالله بن سنان وحكم بن حكيم السابقين على وجوب قضاء الاجزاء، لا ندراجها تحت عموم الشئ المذكور فيهما، فليس بشئ.

أما خبر عبدالله بن سنان فقد عرفت الاضطراب في متنه، وأما خبر حكم بن حكيم فلوهنه بلزوم تخصيص الاكثر، حيث إنه لا يبقى تحت الشئ المذكور فيه سوى التشهد وأجزائه، لان السجدة الواحدة مذكورة فيه صريحا، وسائر الاجزاء المنسية لا يجب قضاؤها إجماعا، فيبقى أن يكون المراد من الشئ خصوص التشهد وأجزائه وهو - كما ترى - فإن العموم الذي هذا شأنه لا يصح الاعتماد عليه، فالاقوى عدم وجوب قضاء أجزاء التشهد خصوصا الصلاة على محمد وآله صلوات الله عليهم، هذا تمام الكلام في حكم الخلل المقطوع وقوعه في الصلاة.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤١ باب ٢٦ من ابواب الخلل ح ٢. (*)


[ المقام الثاني ] وأما الخلل المشكوك وقوعه فيها. فتفصيل القول فيه هو أن الشك، إما أن يكون في الاجزاء وإما أن يكون في الركعات. وعلى الثاني إما أن يكون في الركعتين الاخيرتين من الرباعية، وإما أن يكون في اوليها أو في الصلاة الثنائية أو الثلاثية. ثم الثنائية إما أن تكون نافلة بالاصل وبالفعل، وإما أن تكون نافلة بالاصل دون الفعل وهي النفل الذي طرأ عليه الفرض بالنذر وشبهه، وإما تكون نافلة بالفعل دون الاصل، وهو الفرض الذي طرأ عليه النفل كالمعادة جماعة، وكالعيدين على إشكال فيهما، يأتي الاشارة إليه إن شاء الله تعالى.

والكلام في المقام إنما هو في الشك في الركعات دون الاجزاء، لان البحث عن ذلك يأتي فيما بعد. وقد عرفت أن الشك في الركعات إما أن يكون في الرباعية، وإما أن يكون في غيرها من الثنائية والثلاثية، وما كان في الرباعية إما أن يكون في الاوليين، وإما أن يكون في الاخروين، إذا عرفت ذلك فنقول: إنه لا إشكال في بطلان الصلاة بالشك في الاوليين من الرباعية وفي الثنائية كالصبح والثلاثية كالمغرب، لاستفاضة الروايات بذلك وهي على طوائف: منها: مادلت على أن العشر ركعات التي فرضها الله ليس فيها وهم ولا شك وهي كثيرة.

ومنها ما دل على بطلان صلاة الجمعة بالشك فيها معللا بأنها ركعتان، ومنها مادل على بطلان صلاة المغرب والصبح بالشك، وما دل على عدم بطلان صلاة المغرب والصبح بالشك في ركعاتها فمطروح، لموافقته للتقية، بل يستشم من نفسه رائحة التقية كما لا يخفى على المراجع المتأمل فالمسألة مما لا إشكال فيها. ثم إن مقتضى التعليل الوارد في ذيل صلاة الجمعة هو أن كل صلاة ثنائية تبطل بالشك فيها، والقدر المتيقن خروجه عن عموم العلة هي النافلة فعلا


وأصالة، فيندرج في العموم ماطرأ عليه النفل أو ما طرأ عليه الفرض. نعم في خصوص صلاة العيدين إشكال من حيث إنها نافلة في زمان الغيبة، ولكن كونها كذلك أصالة حتى يكون زمان الحضور والغيبة من قبيل السفر والحضر منوعا لصلاة العيدين، وتخرج عن كونها فرضا طرأ عليها النفل محل إشكال. والمحكي عن ظاهر الفقهاء أنهم بنوا على أنها فرض طرأ عليها النفل، لا أنها بالاصالة نوعان، فرض وهو ما كان في زمان الحضور، ونفل وهو ما كان في زمان الغيبة. وعلى أنها نوعان فالشك فيها في زمان الغيبة غير مبطل، فأنها نفل بالاصالة والفعل.

وإن قلنا إنها فرض طرأ عليها النفل، فالشك فيها مبطل، لما عرفت من أن الخارج عن عموم التعليل الوارد في ذيل بطلان صلاة الجمعة بالشك فيها، هو ما كان نفلا أصالة وعارضا، كما يقتضيه مناسبة الحكم والموضوع أيضا، لمكان التسهيل في النافلة، مضافا إلى أن خصوص عنوان صلاة الصبح والمغرب والجمعة منصوص، وطروء النفل على ذلك باستحباب الاعادة أو غير ذلك، لا يوجب خروجها عن العنوان الذي علق عليه الحكم.

إذا تمهد هذا فيقع البحث في المقام عن جهات: الاولى: لافرق في بطلان الثنائية والثلاثية بالشك في ركعيها بين أن يقع الشك في طرف النقيصة، كالركعة والركعتين، أو في طرف الزيادة كالا ثنتين والثلاثة في الصبح، والثلاث والاربع في المغرب، لان الظاهر مما دل على لزوم حفظهما أو إحرازهما، هو لزوم حفظ من كلا طرفي الزيادة والنقيصة. وأما الركعتان من الرباعية، فالمعتبر هو حفظهما من طرف النقيصة لا الزيادة، لما دل على أن الشك بين الاثنتين والثلاث فيها غير موجب للبطلان، بل يبني على الثلاث، ويحتاط بركعة على ما سيأتي بيانه.


الثانية: الظاهر عن اعتبار اليقين والحفظ والاحراز، هو أن يكون اعتباره على نحو الطريقية لا الصفتية، حيث إن الطريقية ذاتية لليقين وقائمة به، والمتبادر منه عند إطلاقه هو ذلك، فاعتباره على نحو الصفتية يحتاج إلى عناية زائدة، وإلا هو بنفسه يقتضي الطريقية. وهذا هو الاصل في كل مورد اعتبر اليقين فيه، حتى في مثل الشهادة التي ورد فيها قولهعليه‌السلام : " إن كان مثل هذا فاشهد "(١) . وحينئذ تقوم الطرق والامارات والاصول المحرزة مقامه كما بيناه في محله، فالظن يقوم مقام اليقين في الثنائية والثلاثية واوليي الرباعية.

نعم الاستصحاب لا يقوم مقامه في المقام، وإن كان يقوم مقامه في سائر المقدمات وذلك لالغاء الشارع الاستصحاب في باب الصلاة، بل الظاهر من قولهعليه‌السلام : " لا يدخلهما الشك ". هو أن الشك مبطل لهما والمفروض أن الشك في باب الاستصحاب أخذ موضوعا، والحكم الذي رتب على نفس الشك لا يمكن أن يجري الاستصحاب فيه، لان الاستصحاب إنما يجري بالنسبة إلى الآثار المترتبة على الواقع عند الشك، وفي المقام الشك تمام الموضوع للحكم بوجوب الاعادة، فلا يجري فيه الاستصحاب، فتأمل جيدا(٢) .

الثالثة: ليس الشك بمجرد حدوثه مبطلا كالحدث، إذ لا إشكال في أنه لو تبدل شكه باليقين صحت صلاته، ولو كان حدوثه مبطلا لما كان وجه لذلك، بل يعتبر في بطلان الشك استقراره، وبعد استقراره ليس الجري والمضي في جزء من أجزاء حال كون شاكا، وإن علم زوال شكه بعد ذلك، كما إذا كان في السجود وشك في أن ما بيده هي الاولى أو الثانية، وكان هناك مصل في جنبه قد

____________________

(١) الوسائل: ج ١٨ ص ٢٥٠ باب ٢٠ من ابواب الشهادات، ح ٣ باختلاف يسير.

(٢) المسألة بعد محل تأمل من حيث الصناعة وإن كان من حيث العمل لا إشكال فيه إذ لا أقل من أن لا يكون موردا للاخبار لو قدم الاستصحاب كما لا يخفى " منه ". (*)


شرع معه في الصلاة، ويعلم أنه لو رفع رأسه من السجود يتبين حاله من أن ما بيده هي الاولى أو الثانية، باعتبار المصلي الذي في جنبه ومع ذلك ليس رفع الرأس من السجود، لان هذا مضى على شكه، وقد منع عنه في الاخبار كما في صحيحة ابن أبي يعفور: إذا شككت فلم تدر في ثلاث أنت، أم في اثنتين، أم في واحدة، أم في أربع، فأعد ولا تمض على الشك(١) فتأمل.

الرابعة: ليس المراد بالحفظ واليقين الوارد في الاخبار هو أن يكون المصلي في كل آنات الركعتين حافظا ومتيقنا، لتعسر ذلك بل تعذره. بل المراد أن في كل آن التفت إلى حاله، كان على يقين من عدد الركعتين غير شاك فيهما، والحاصل: أنه لا ينافي غيبوبة المعنى عن الذاكرة مع بقائه في الحافظة عند الالتفات، وإنما المنافي هو غيبوبة المعنى عن الحافظة أيضا، بحيث لو التفت إلى حاله لم يحصل له الجزم بأحد الطرفين، وبقي مترددا لا يدري ما فعل.

الخامسة: قد عرفت أنه ليس الشك كالحدث من القواطع، حتى يكون حدوثه مبطلا، بل لابد من استمرار الشك واستقراره. وحينئذ فهل يجب عليه التروي أو لا يجب، بل يجوز له قطع الصلاة واستئنافها؟ الظاهر نعم، لا حتمال تمكنه من الاتمام بزوال شكه، ومع احتمال التمكن يجب الفحص، كما هو الشأن في جميع موارد الشك في القدرة، غايته أن الفحص يختلف بحسب الموارد، فالفحص في سائر المقامات عبارة عن النظر إلى الخارج، والتجسس في مظان وجود الشئ والفحص في المقام عبارة عن النظر إلى الباطن، والتجسس في مظان وجود المعنى في القوة الحافظة، حتى يحصل له اليأس عن زوال شكه، مع أن مقتضى الاستصحاب حرمة القطع بعد كون الشك بنفسه غير مبطل.

وليس

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٨ باب ١٥ من أبواب الخلل، ح ٢. (*)


إطلاق يقتضي جواز القطع فتأمل(١) . ثم إن حد الفحص هو اليأس من زوال شكه، كما أن ذلك هو الحد في جميع موارد وجوب الفحص، وبعد حصول اليأس يرفع اليد عن صلاته، ولا يحتاج إلى السكوت الطويل، بحيث يحصل محو الصورة، كما في بعض الكلمات، إذ بعد حصول اليأس تبطل صلاته قهرا لعدم طريق له إلى الاتمام، فلا موجب لانتظار مبطل آخر، فما عن بعض الاعلام من الاحتياط لاوجه له.

السادسة: المسافر في موضع التخيير لو شك بين الاثنين والثلاث، فإن كان قد نوى التمام فلا إشكال في الصحة، والبناء على عمل الاحتياط. وإن لم ينو شيئا لا التمام ولا القصر بناء على جواز ذلك، فلا إشكال في أنه عند عروض الشك ينوي التمام، وتصح صلاته، بل يجب عليه نية التمام لتمكنه من إتمام الصلاة بذلك، فيتحقق موضوع حرمة القطع، وإن نوى القصر ثم عرض له الشك بين الاثنين والثلاث.

فإن قلنا: بأن القصر والتمام نوعان متباينان وحقيقتان مختلفتان كالظهر والعصر، فينبغي بطلان صلاته حينئذ، لان المفروض أنه قد نوى القصر، فتكون صلاته حينئذ من الثنائية التي لا يدخلها الشك.

فإن قلت: هب أنهما نوعان متباينان، إلا أنه يجوز العدول من القصر إلى التمام في مواضع التخيير - كما يأتي بيانه في محله - وبعد جواز العدول يجب عليه العدول لتمكنه من الاتمام، وإرجاع الشك إلى الشك في الرباعية، كما إذا لم ينو القصر.

قلت: مجرد أنه يجوز العدول عند عدم الشك، لا يوجب وجوب العدول عند الشك، لان العبرة في إمكان الاتمام هو إمكان إتمام ما بيده من الحقيقة، وأما إرجاع تلك الحقيقة إلى حقيقة اخرى، فهذا ليس من إمكان إتمام ما بيده.

____________________

(١) فإن في جريان الاستصحاب اشكالا. " منه ". (*)


وبالجملة: يكون جواز العدول حينئذ على خلاف القاعدة، لان إبطال حقيقة وإرجاعها إلى حقيقة اخرى، يحتاج إلى دليل قوي.

وما قلنا من أنه يجب الاتمام عند التمكن منه، فإنما هو فيما أمكنه إتمام ما بيده، فالمقام يكون كمن شك في المغرب بين الاثنين والثلاث وكان عليه فائتة ظهرية، فإنه لا يجوز له العدول إلى الظهر بتوهم أنه يمكنه الاتمام، فيجب. والسر في ذلك هو ما عرفت، من أن إمكان الاتمام إنما يلا حظ بالنسبة إلى ما بيده من الصلاة، وأما إبطالها والعدول إلى صلاة اخرى، فليس ذلك من إتمام الصلاة.

هذا إذا قلنا: إن القصر والتمام نوعان متباينا، وأما إذا قلنا: إنهما مندرجان في نوع واحد وحقيقة فاردة، فلو جوب العدول إلى التمام وجه ولا ينافي اندارجهما تحت نوع واحد كون التخيير بينهما شرعيا، لان كون التخيير شرعيا إنما هو لمكان عدم جامع قريب عرفي بينهما، إذ لا جامع بين الشئ بشرط لا والشئ بشرط شئ فهما من هذه الجهة متباينان وإن كانا نوعا واحدا وحقيقة فاردة، من حيث إن كلامنهما صلاة ظهر وليسا كصلاة الظهر والعصر.

وهذا الوجه هو الاقوى وعليه يجب العدول إلى التمام، كما إذا لم ينو القصر من أول الامر هذا. ولكن لازم ذلك هو وجوب نية الاقامة على المسافر الذي شك في صلاته القصرية بين الاثنين والثلاث، لتمكنه من إتمام الصلاة بنية الاقامة والعدول إلى أربع ركعات. فتأمل في أطراف المسألة جيدا.

السابعة: لو شك في عدد الركعات في صلاة الآيات، فتارة يكون شكه على وجه يرجع إلى الشك في عدد الركعات، كما إذا شك في الركوع الخامس أو السادس بحيث كان أحد طرفي شكه الركوع الخامس والآخر السادس فإن الشك على هذا الوجه يرجع إلى الشك في الركعة الاولى أو الثانية، واخرى لا يرجع شكه إلى ذلك كما إذا شك في الركوع الاولى والثاني، أو الثاني والثالث، أو


الثالث والرابع، أو الرابع والخامس أو السادس والسابع، وهكذا. فإن رجع شكه إلى الشك في عدد الركعات، فلا إشكال في البطلان لانها صلاة ثنائية يبطلها الشك. وإن لم يرجع شكه إلى ذلك، فالاولى رعايته قاعدة الشك في المحل وخارجه، فإن كان شكه في المحل أتى به وإن كان شكه في خارج المحل لم يلتفت إليه، كما إذا شك بين الرابع والخامس وهو في السجود، أو التاسع والعاشر كذلك.

والظاهر أنه لا يتصور الشك خارجا إلا في هاتين الصورتين كما لايخفى، هذا ولبعض الاصحاب تفصيل في صلاة الآيات عند الشك في الركوعات، فراجع وتأمل فيه. فإن الظاهر أن تفصيله لا يرجع إلى محصل، إذ هو تفصيل وتلفيق بلا دليل كما لا يخفى على المراجع. هذا تمام الكلام في الشك في عدد الثنائية والثلاثية وأوليي الرباعية. ثم إن الاصحاب عطفوا على ذلك صورة عدم علم المصلي بأنه كم صلى، والظاهر أنهم تبعوا في ذلك عنوان الاخبار، حيث ورد هذا العنوان في خبر صفوان عن أبي الحسنعليه‌السلام قال: إن كنت لم تدركم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة(١) .

ولم يظهر لنا وجه لافراد هذا البحث بالعنوان، لانه من صغريات المسألة المتقدمة لانه لو لم يدر كم صلى فهو شاك في الاوليين حتى يكون لم يدر صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثة أو أربع. اللهم إلا أن يقال: إنه يمكن أن لا يعلم كم صلى، ومع هذا لم يكن الاوليتان طرف شكه، كماإذا لم يعلم أنه صلى أربعا أو خمسا أو ستا أو سبعا أو عشرا وهكذا، هذا. ولكن الظاهر عدم إرادة هذا المعنى من الخبر، لانه خلاف المتعارف، بل المتعارف إنما هو الشك على الوجه الذي ذكرنا، أو الشك بين الثلاث والاربع والخمس، وغير ذلك من

____________________

(١) الوسائل: ج ٥، ص ٣٢٧ باب ١٥ من أبواب الخلل، ح ١. (*)


الصور المتعارفة المحكوم عليها بالصحة فيما عدا ما ذكرناه من وقوع الاوليين أيضا طرفا لشكه، إذ هذا هو الذي يحكم عليه بالبطلان، وأما ما عدا ذلك من الصور المتعارفة فلا يحكم عليها بالبطلان.

وأماوقوع الشك على وجه لا يحكم عليه بالصحة ولا كون الاوليين طرفا لشكه - كالمثال المتقدم - فبعيد عن منصرف الخبر، لانه خلاف المتعارف. نعم يمكن أنه لا يدري صلى شيئا أو لم يصل، كما إذا شاهد نفسه في حال القيام بعد التكبير. ولكن يشك أنه هل هذه الركعة الاولى بحيث لم يصل بعد شيئا أو الركعة الثانية. وإلى ذلك أشار خبر علي بن جعفرعليه‌السلام عن أخيه موسىعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدري صلى شيئا أم لا قالعليه‌السلام : يستقبل(١) .

وعلى كل حال يندرج هذا العنوان فيما قدمناه من الكبرى من بطلان الصلاة إذا كانت الاوليتان طرفا للشك. ثم لا يخفى عليك أن قولهعليه‌السلام : في خبر صفوان " ولم يقع وهمك على شئ " يكون دليلا على اعتبار الظن في الاوليين. وليكن ذلك على ذكر منك حتى يأتي البحث عنه في محله. هذا تمام الكلام في الشك في عدد الثنائية والثلاثية وأوليي الرباعية.

وأما لو شك في الركعتين الاخيرتين من الرباعية بعد إتمام الاوليتين، فلا إشكال في الصحة، والعمل بمقتضى الاحتياط. وقبل ذلك ينبغي بيان ما به يتم الركعتان الاوليتان وأنه بم يتحقق إتمامهما حتى يكون شكه من الشكوك الصحيحة، فنقول: فيما به يتم الركعتين الاوليتين وجوه، أو أقوال أربعة. الاول: أن إكمال الركعة يحصل بالركوع. لاطلاق الركعة على الركوع في جملة

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٨ باب ١٥ من أبواب الخلل، ح ٥ (*)


من النصوص: منها: صلاة الآيات(١) التي اطلق عليها عشر ركعات باعتبار ما فيها من عشر ركوعات. ولكن يرد على هذا الوجه أن إطلاق الركعة على الركوع لا يلازم كون الركعة عبارة عن الركوع فقط،

لوضوح أن الركعة اسم لمجموع ما اعتبر فيها من الاجزاء ولا يمكن القول بأن السجود خارج عن واجبات الركعة.

الثاني: أن إكمال الركعة يحصل بوضع الجبهة في السجدة الثانية حيث إن الذكر من الواجبات التي لا يضر فواتها نسيانا ولكن يرد عليه أنه بعدما كان الذكر من واجبات السجود فكيف يمكن القول بإكمال الركعة مع عدم الاتيان بواجباتها ومجرد أن نسيانه لا يضر لا يلازم عدم كونه من أجزاء الركعة كما أن نسيان السجدة الواحدة أيضا لا يضر مع أنها من أجزاء الركعة قطعا.

الثالث: هو تحقق الاكمال بالذكر الواجب في السجدة الثانية، إذ به يتم أجزاء الركعة حيث إنه آخر واجبات الركعة. فلو شك بعد الذكر الواجب يصدق عليه أنه شك بعد إحراز الاوليين، الذي هو الموضوع في أخبار الباب.

وأما القول الرابع: وهو اعتبار رفع الرأس من السجدة الثانية، فمما لا وجه له. لوضوح أن رفع الرأس ليس من واجبات السجدة، بل إنما هو حد عدمي فاصل بين الركعة السابقة والركعة اللاحقة، ولو فرض أنه واجب فهو من واجبات الصلاة وليس من واجبات السجود قطعا.

ودعوى أنه مالم يتحقق الرفع منه لا يصدق عليه إكمال الركعة، بل هو بعد في السجود ولو تحقق منه الذكر الواجب لوضوح أنه مهما طال سجوده، فهو بعد في السجود ويلزم أن يكون بعد في الركعة، فيصدق عليه أنه شك وهو بعد في الركعة فلابد من رفع الرأس ليتحقق الاكمال، فهي واضحة الفساد.

إذ لم يقم دليل

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ١٤٩ باب ٧ من أبواب الخلل. (*)


على أن الشك إذا حصل وهو بعد في الركعة الثانية تبطل صلاته، حتى يقال: مالم يتحقق منه رفع الرس عن السجدة الثانية، فهو بعد في الركعة الثانية، بل الذي قام عليه الدليل هو أنه لابد من إحراز الركعتين الاوليتين، وأنه لا يتعلق الشك بهما، وهذا إنما يكون إذا تعلق الشك فيهما قبل فعل أجزائها الواجبة، وأما بعد فعل ذلك الذي يتحقق بالذكر الواجب في السجدة الثانية من الركعة الثانية فيصدق عليه أنه أحرز الاوليتين، فلا عبرة برفع الرأس حينئذ.

ومما ذكرنا يظهر أنه لا مجال لاستصحاب بقاء الركعة قبل رفع الرأس، فإنه إن اريد من استصحاب ذلك إثبات كونه بعد في الركعة الثانية، فهذا مما لا يحتاج إلى الاستصحاب للقطع بأنه بعد في الركعة الثانية، ولكن مجرد ذلك لا أثر له كما عرفت، وإن اريد إثبات أن رفع الرأس من أجزاء السجود والركعة الثانية، فهذا مما لا يمكن إثباته بالاستصحاب كما لايخفى. فتحصل أن العبرة في إكمال الركعة الثانية بفعل الذكر الواجب.

نعم هنا رواية ظاهرها اعتبار وقوع الشك بعدما قام إلى الركعة الثالثة(١) ، وهذا يقتضي أن رفع الرأس لا يكفي، فضلا عن الذكر الواجب، إلا أنه لم يعمل أحد بظاهر الرواية. ويمكن أن يكون القيام إلى الثالثة كناية عن إحراز الاوليتين، فلا ينافي حينئذ ما اخترناه من أن العبرة بإمام الذكر الواجب. وعلى كل لو حصل الشك بعد إكمال الاوليتين في عدد الركعات الرباعية. فلا إشكال في عدم البطلان سواء لم يتعلق شكه من طرف الزيادة عن الاربع، أو تعلق شكه في طرف الزيادة أيضا كما لو شك بين الاربع والخمس، وسواء كان لشكه طرفان فقط كما إذا شك بين الثلاث والاربع، أو بين الاربع والخمس، أو

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٩ باب ٩ من أبواب الخلل، ح ١. (*)


كان لشكه أطراف ثلاثة أو أربعة كما إذا شك بين الثلاث والاربع والخمس، أو شك بين الاثنين والثلاث والاربع، والخمس، فهذه مجمل ما يتصور في عدد الركعات الرباعية.

فإن لم يتعلق شكه في طرف الزيادة، بل كان شكه مقصورا في العدد المعتبر في الصلاة، فالصور المتصورة فيه أربع، لانه إما أن يشك بين الاثنين والثلاث، وإما أن يشك بين الثلاث والاربع. وإما أن يشك بين الاثنين والاربع، وإما أن يشك بين الاثنين والثلاث والاربع. فهذه صور أربع لا خامس لها.

والحكم في جميع هذه الصور الاربع هو البناء على الاكثر، والاحتياط بما يحتمل نقصه، وعليه إجماع الامامية، بل يعد من ضرورياتهم الذي يمتازون به عن مخالفيهم القائلين بالبناء على الاقل.

وكل وحدة من هذه الصور الاربع وإن كان فيه نص خاص، إلا أنه يدل على ذلك أيضا المطلقات الواردة في الباب وهي موثقات عمار: منها قولهعليه‌السلام : يا عمار ألا أجمع لك السهو كله في كلمتين، متى ماشككت فخذ بالاكثر، وإذا سلمت فأتم ما خلت أنك نقصته(١) .

وقولهعليه‌السلام : أيضا ألا اعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت، لم يكن عليك شئ.

قلت: بلى قال: إذا سهو فابنه على الاكثر. فإذا فرغت وسلمت فقم وصل ما ظننت أنك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شئ وإن ذكرت أنك نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت(٢) .

وفي معنى ذلك عده روايات اخر. وينبغي حينئذ التنبيه على مقدار ما يستفاد من هذه المطلقات، ثم نذكر الادلة الخاصة الموافقة لما يستفاد منها أو

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٧ باب ٨ من أبواب الخلل، ح ١ باختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٨ باب ٨ من أبواب الخلل، ج ٣ باختلاف يسير. (*)


المخالفة، فنقول: يستفاد من هذه المطلقات امور أربع:

الاول: لا إشكال في اختصاص هذه المطلقات بما إذا كان الشك راجعا إلى أحد الصور الاربع المتقدمة، ولا تشمل صورة وقوع الشك في الزيادة عن العدد المعتبر في الصلاة، كالشك بين الاربع والخمس، لان هذه المطلقات إنما وردت في مقام العلاج وتصحيح الصلاة والبناء على الاكثر، وفي صورة الشك في الزيادة ينافي التصحيح، حيث انه يوجب البطلان، مضافا إلى دلالة ذيل المطلقات وهو فعل ما احتمل نقصه، على أنه لابد وأن لا يكون شكه في العدد الزائد، لانه لا يحتمل هذا الشك في ذلك النقص إلا إذا كان شكه ذا أطراف ثلاثة. وبالجملة: اختصاص المطلقات بصورة عدم الشك في الزيادة ظاهر.

الامر الثاني: مقتضى هذه المطلقات هو اعتبار أن يكون صلاة الاحتياط على وفق ما احتمل نقصه في الصلاة من حيث الكمية، ولازم ذلك هو تعين الركعة من قيام، لان المحتمل نقصه هو ذلك، ولا يكفي الركعتان من جلوس من قطع النظر عن الاخبار الخاصة الدالة على كفاية ذلك كما سيأتي.

الامر الثالث: مقتضى هذه الاخبار هو اعتبار أن يكون الاحتياط على وجه يمكن جبر النقص بها بحيث أن تلصق بالناقص وحينئذ ينبغي أن لا يفصل بين الصلاة والاحتياط ما ينافي الصلاة عمدا وسهوا كالحدث، إذ مع الفصل بذلك لا تلصق صلاة الاحتياط بالصلاة الناقصة. وسيأتي الكلام في بيان ذلك.

الامر الرابع: الظاهر من قولهعليه‌السلام " فابنه على الاكثر "(١) هو أن المجعول في هذه الاخبار هو البناء العملي، فيكون مفادها مفاد الاصول العملية، حيث إن المجعول فيها هو الجري العملي، ولا مجال لتوهم أن اعتبار البناء على

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٨ باب ٨ من أبواب الخلل، ح ٣. (*)


الاكثر من حيث الامارية والطريقية، لانه اخذ في موضوع البناء على الاكثر الشك.

وقد ذكرنا في محله أنه كلما اخذ الشك في موضوعه فهو أصل عملي، ولا يكون من الامارات. وعلى كل حال لاينبغي الاشكال في أن مفاد البناء على الاكثر هو الحكم الظاهري المجعول في باب الاصول العملية. نعم الحكم الذي تكفله ذيل المطلقات من قوله " قم وصل ما ظننت أنك نقصت... إلخ " إنما هو حكم واقعي ليس فيه انكشاف الخلاف، بمعنى أن البناء على الاكثر وإن كان حكما ظاهريا، ولازم ذلك هو أنه لو انكشف الخلاف وتبين مخالفة بنائه للواقع، وأنه كانت صلاته ناقصة، عمل على طبق ما يقتضيه الواقع من إعادة الصلاة كما هو الشأن في كل حكم ظاهري انكشف خلافه، إلا أن الشارع لم يوجب عليه الاعادة، بعد البناء على الاكثر والعمل بالاحتياط، واكتفى بذلك عن الواقع، ولكن ذلك لا ينافي كون مفاد البناء على الاكثر مفاد الاصل العملي.

وتظهر الثمرة في إثبات اللوازم والملزومات، وتفصيل ذلك يحتاج إلى تمهيد مقال، وهو أنه قد بينا في الاصول أن المثبت يكون على قسمين:

الاول: ما كان باعتبار مؤدى الاصل، كما إذا كان لمؤدى الاصل لوازم وملزومات يراد إثباتها بالاصل كإنبات اللحية المترتبة على الحياة.

الثاني: ما كان باعتبار نفس البناء والجعل، بأن كان هناك جعل لازم لجعل آخر، كما إذا فرض أنه لم يترتب على أحد الجعلين أثر عملي إلا بعد إثبات الجعل الآخر، وحينئذ لو كان مفاد الاصل أحد الجعلين الذي لا أثر له، واريد من جريانه إثبات الجعل الآخر الذي به يتم الاثر العملي، كان ذلك من الاصل المثبت الذي لا عبرة به، بل هو أردأ أنحائه.

وذلك كما إذا اريد من نفي جزئية السورة إثبات أن المحصل للملاك هو الاقل الفاقد للسورة، بناء على أن يكون تحصيل الملاك لازما، ويكون الشك في اعتبار السورة من الشك في المحصل،


على ما أوضحنا في مبحث التعبدي والتوصلي. فإن نفي جزئية السورة حينئذ بحديث الرفع لا أثر له إلا بعد إثبات جعل محصلية الاقل.

وبالجملة: نفي أحد الجعلين أو إثباته بأصل من الاصول لاثبات جعل الآخر يكون أردأ أنحاء المثبت الذي لا عبرة به، هذا. ولكن ذكرنا أيضا في محله أن عدم اعتبار المثبت إنما هو إذا اريد إثبات اللوازم والملزومات أو الجعل الثانوي بالعمومات والادلة التي تتكفل اعتبار الاصول من حديث " الرفع "(١) وقوله: " لا تنقض اليقين بالشك"(٢) . وأمثال ذلك.

وأما إذا ورد دليل بالخصوص على التعبد بحيارة زيد مثلا، وفرضنا أنه لا أثر لحياة زيد إلا ماكان مترتبا على إنبات لحيته، أو ورد دليل بالخصوص على عدم جزئية السورة وفرضنا أنه لا أثر له إلا جعل محصلية الاقل، ففي مثل هذا لا محيص من إثبات اللوازم والملزومات والجعل الثانوي، إذ لولا ذلك يلزم لغوية كلام الحكيم، فحفظ كلام الحكيم من اللغوية يقتضي ذلك كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول في المقام: إن مقتضى البناء على الاكثر - على ما تقدم - هو البناء العملي، فيشترك من هذه الجهة مع سائر الاصول العملية، نعم يفترقان في أن البناء على الاكثر في المقام إنما يكون لمكان قيام دليل خاص عليه بالخصوص، وهذا بخلاف مفاد سائر الاصول فإنه يثبت بالادلة العامة المتكفلة لحال الشك.

وحينئذ لو استلزم البناء على الاكثر جعلا آخر يكون من لوازم جعل البناء على الاكثر، كان اللازم هو إثبات ذلك الجعل الآخر، ولا يكون ذلك من الاصل المثبت. وذلك كما إذا شك بين الاثنين والثلاث في حال الجلوس، ومع ذلك هو شاك في التشهد في الركعة الثانية. فإن مقتضى البناء على الاكثر هو

____________________

(١) الكافي: ج ٢ ص ٤٦٣ ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢١ باب ١٠ من أبواب الخلل، ح ٣. (*)


فوات محل التشهد وعدم وجوب تداركه، لان جعل البناء على الاكثر يلازم جعل فوات محل التشهد، ولا يمكن التفكيك بأن تجري قاعدة الشك في المحل بالنسبة إلى التشهد ويتشهد، ومع ذلك يبني على الثلاث، لان ذلك ينافي إطلاق البناء على الاكثر.

فلا معنى للتبعيض والبناء على الاكثر من جهة، أي من جهة عدد الركعات، وعدم البناء عليه من جهة اخرى، وهي بقاء محل التشهد. وكذا الحال لو علم بعدم التشهد في الركعة الثانية، فإن مقتضى البناء على الاكثر، وهو الثلاث في المثال هو أن الثانية هي الركعة السابقة عليها. والرابعة هي الركعة اللاحقة لها. فمقتضى البناء على أن ما بيده هي الثالثة هو البناء على أن التشهد فات من الركعة السابقة. لا الركعة التي بيده، فيجب عليه قضاء التشهد بعد الصلاة وليس له التشهد في الحال، بل يمكن أن يقال: إن ذلك ليس من اللوازم. بل نفس مفاد البناء على الاكثر يقتضي ذلك، إذ معنى البناء على الثلاث هو أن هذه ليست بثانية. والمفروض أن التشهد فات من الركعة الثانية.

والحاصل: أنه فرق بين الصورة الاولى والثانية، فإن في الصورة الاولى ليس مفاد البناء على الثلاث هو البناء على فوات محل التشهد، نعم يلزمه ذلك(١) .

وفي الصورة الثانية يكون مفاد البناء على الثلاث هو أن ما بيده ليس بثانية والتشهد إنما فات من الركعة الثانية لا الثالثة، فتأمل في المقام جيدا، حتى لا تتخيل أن ذلك يكون من الاصل المثبت. نعم لو شك بين الثلاث والاربع، وعلم أنه لو كانت الركعة التي بيده رابعة فقد ترك ركوع الركعة الثانية مثلا، أو الثالثة، ففي مثل هذا البناء على الاربع لما

____________________

(١) وقد عدل عن ذلك شيخنا الاستاذ - مد ظله - وقال بأنه لا فرق بين الصورة الاولى والصورة الثانية في كون كل منهما مقتضى مؤدى الاصل وليس ذلك من لازم الجعل بل نفس إطلاق الجعل يقتضي ذلك فتأمل جيدا. (*)


كان بناء عمليا، ولا يثبت الاربع الواقعية، فلا مانع من البناء على الاربع، ولا يلزم منه شئ، إذ البناء على الاربع لا يثبت الاربع الواقعي حتى يقال ببطلان صلاته حينئذ للعلم بفوات الركوع من الركعة السابقة، لان علمه إنما كان على تقدير الاربع الواقعي، لا الاربع البنائي فهو شاك في فوات الركوع من الركعة السابقة، لاحتمال أن تكون صلاته ثلاثا فلم يتحقق منه حينئذ فوت الركع. ولكن احتمال ذلك لا ينافي البناء على الاربع فيبني على الاربع، وتجري قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الركوع حينئذ في الركعة السابقة، للشك في فواته.

لايقال: يعلم حينئذ بمخالفة مؤدى احد الاصلين للواقع إما البناء على الاكثر وإما قاعدة التجاوز، إذ لايمكن الجمع بين الجعلين مع العلم بفوات الركوع من الركعة السابقة على تقدير كون مابيده رابعة، فالبناء على الاربع معجريان قاعدة التجاوز ينافي العلم الاجمالي، فإنه يقال: إن مفاد البناء على الاربع ليس مفاد الاصل المحرز المتكفل للتنزيل، بل هو مجرد البناء العملي على الاربع.

وقد تقرر في محله أن جريان الاصول الغير المحرزة في أطراف العلم الاجمالي مما لا مانع منه، إذا لم يلزم من جريانها مخالفة عملية كما في المقام، حيث إن البناء على الاكثر مع جريان قاعدة التجاوز لايلزم منه مخالفة عملية. نعم لو كان مفاد البناء على الاكثر مفاد الاصل المحرز، وهو البناء على أن مابيده هو الركعة الرابعة الواقعية، وإلقاء طرف الشك الآخر وهو احتمال كونها ثالثة، لتوجه علينا الاشكال وهو العلم بمخالفة مؤدى أحد الاصلين للواقع، ويلزم عدم جريانهما حينئذ وإن لم يلزم منه مخالفة عملية، كما بيناه في محله، من عدم جريان الاصول المحرزة في أطراف العلم الاجمالي مطلقا، لانه لايجتمع البناء على أن مابيده هو الركعة الرابعة وإلغاء احتمال كونها ثالثة، ومع ذلك يبني على فعل الركوع في الركعة السابقة ويجري قاعدة التجاوز بالنسبة إليه. لمخالفة ذلك


للعلم بأنه على تقدير كون ما بيده رابعة فقد فات منه ركوع الركعة السابقه، فتأمل في المقام جيدا فإن في النفس من منع كون البناء على الاكثر من الاصول المحرزة شيئا. فتحصل أن مجرد مقارنة العلم بفوات الركوع من الركعة السابقة على تقدير كون ما بيده رابعة لا ينافي البناء على الاربع، لانه لا يثبت كون ما بيده رابعة واقعية، هذا إذا علم اتفاقا بفوات الركوع من الركعة السابقة على ما في يده على تقدير كون ما بيده رابعة.

وأما لو شك بين الثلاث و الاربع، وعلم أنه على تقدير كونها رابعة قد ركع لها، ففي مثل هذا ربما يتوهم عدم جريان قاعدة البناء على الاكثر، لان مقتضى الشك في ركوع هذه الركعة التي بيده هو إتيان الركوع لانه شك في المحل، والبناء على الاربع لا يثبت الاربع الواقعي، حتى يقال حينئذ يعلم بإتيان ركوع الركعة الرابعة، بل غايته أن البناء عملي، وهو لا ينافي جريان قاعدة الشك في المحل لاحتمال كونها ثالثة، فلابد له من الركوع بمقتضى قاعدة الشك في المحل، وحينئذ يعلم إجمالا ببطلان صلاته إما لزيادة الركوع على تقدير كون ما بيده رابعة، وإما لنقصان ركعة على تقدير كون ما يبده ثالثة. فهو يعلم بوقوع خلل في صلاته على كل تقدير، هذا.

ولكن لا يخفى عليك ما فيه فإنه لنا أولا أن نقول: لا يجب عليه الركوع ولا تجري فيه قاعدة الشك في المحل، وذلك لان معنى البناء على الاكثر هو البناء على الاكثر الذي يكون أحد طرفي الشك، فلو كان أحد طرفي الشك هو الاربع التي ركع لها، فمعنى البناء عليها هو البناء عليها بمالها من الخصوصية وعلى ما هي عليه، والخصوصية التي هي عليها هي الرابعة التي ركع لها، فمعنى البناء عليها هو البناء على أنه قد ركع لها، وليس ذلك من اللوازم حتى يتوهم أنه يكون من الاصل المثبت، بل نفس مؤدى الاصل هو ذلك وإثبات الاصل لمؤاده ضروري.

والحاصل: أنه فرق بين ما إذا كانت الخصوصية خارجة عن المؤدى لازمة له،


وبين ما إذا كانت الخصوصية داخلة في المؤدى، فإن الاول يكون من الاصل المثبت، بخلاف الثاني. والمقام يكون من هذا القبيل فإنه لو شك بين الثلاث والاربع وعلم أنه على تقدير كونها أربعا قد ركع لها، فيكون أحد طرفي الشك متخصصا بخصوصية كذائية، ويرجع شكه في الحقيقة إلى الشك بين الثلاث والاربع التي ركع لها، ومقتضى البناء على الاربع هو البناء على الاربع التي شك فيها، وليست الاربع التي شك فيها إلا الاربع التي ركع لها، فيكون الركوع مؤدى نفس البناء على الاكثر، ولا تجري فيه قاعدة الشك في المحل، لمحكوميتها بقاعدة البناء على الاكثر كما لا يخفى.

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن العلم داخلا في أحد طرفي شكه كما لو علم أنه لو كانت رابعة فقد فات منه ركوع الركعة السابقة، فإن في مثل هذا لا يمكن أن يقال: إن أحد طرفي شكه هو الرابعة التي قد فات منها ركوع الركعة السابقة، لان ركوع الركعة السابقة لا ربط له بالركعة الرابعة، فلا ترجع الخصوصية إلى أحد طرفي الشك حتى تقع في مؤدى الاصل بل تكون اللوازم. فظهر أنه يمكن القول في المقام بعدم فعل الركوع، وعدم جريان قاعدة الشك في المحل، هذا أولا.

وثانيا: على فرض جريان قاعدة الشك في المحل، ولزوم فعل الركوع مع البناء على الاكثر لا يلزم منه محذور، لان غاية ما يلزم أنه يعلم إجمالا إما بزيادة ركوع في الصلاة على تقدير أن تكون ما بيده رابعة، وإما بنقصان ركعة على تقدير كون ما بيده ثالثة، ولكن هذا العلم الاجمالي مما لا أثر له، وذلك لان نقصان الركعة مع كونه شاكا فيها مما لا يوجب شيئا سوى ركعة الاحتياط، لما تقدم من أن المستفاد من أدلة الشكوك في باب الصلاة هو التنويع الواقعي، وأن الشاك قد تبدل تكليفه الواقعي إلى العمل بالاحتياط، وأن المطلوب منه واقعا هو ذلك. فلا أثر لنقصان صلاته مع كونه شاكا، فأحد طرفي العلم الاجمالي مما لا أثر له.


لا أقول إنه لو علم تفصيلا بنقصان الركعة لا أثر له، بل أقول إن نقصان الركعة الواقعية مع الشك فيها مما لا أثر له. والعلم الاجمالي في المقام لا يوجب أن لا يكون شاكا في نقصان الركعة. ومع كونه شاكا فيه يكون تكليفه الواقعي هو الركعة المفصولة لا الركعة الموصولة.

فتحصل: أنه لو شك بين الثلاث والاربع، وعلم أنه على تقدير الاربع قد ركع لها كان تكليفه البناء على الاربع، ولا يجب عليه الركوع، بل لا يجوز لعدم جريان قاعدة الشك في المحل، وعلى تقديره لا يلزم منه محذور، ولو انعكس الامر وشك بين الثلاث والاربع، مع العلم بأنه لو كانت رابعة لم يركع لها، بخلاف ما إذا كانت ثلاثة فالتي بيده مرددة بين كونها ثالثة قد ركع لها أو رابعة لم يركع لها، ففي مثل هذا يبني على الاربع ويركع ولا إشكال فيه.

على ما ذكره بعض الاجلة واختاره أيضا شيخنا الاستاذ - مد ظله - ولكن المسألة لا تخلو عن إشكال، لانه يعلم حينئذ بلغوية صلاة الاحتياط، فإنه إما أن يكون ما بيده ثالثة فقد زاد فيها ركوعا فتبطل، وإما أن تكون رابعة فتصح ولا شئ عليه، فلا يبقى مجال لصلاة الاحتياط حينئذ، للعلم بعدم الحاجة إليها وعدم كونها جابرة على كل حال.

وكذا الحال فيما لو شك بين الثلاث والاربع مع علمه بأنه لم يركع للثالثة، على تقدير كون ما بيده ثالثة. فإن مقتضى البناء على الاكثر هو تجاوز محل الركوع - كما تقدم نظير ذلك - وحينئذ يعلم بلغوية صلاة الاحتياط. لانه إما أن تكون صلاته تامة فلا شئ عليه، وإما ناقصة فتبطل. لا من جهة نقص الركعة، لما عرفت من أن نقص الركعة مع الشك فيه لا أثر له. بل لمكان فوات الركن فيعلم أن صلاة الاحتياط لاتكون جابرة، مع أن تشريع صلاة الاحتياط إنما هو لمكان الجبر. ولكن شيخنا الاستاذ - مد ظله - التزم بجميع ذلك بالصحة ولزوم البناء على الاكثر مع صلاة الاحتياط، وعلل ذلك بأن العلم بلغوية صلاة الاحتياط مما


لا أثر له، لان تشريع صلاة الاحتياط إنما هو لمكان عدم العلم بالاكثر، وفي المقام حيث لم يعلم بالاكثر يجب عليه صلاة الاحتياط، وإن كان على تقدير النقص يعلم ببطلان صلاته لفوات الركن، ولكن لما تجري في حقه قاعدة التجاوز. لانه يشك في أن ما بيده ثالثة. فيشك في فوات الركوع ومقتضى البناء على الاربع هو تجاوز محل الركوع، والمفروض أنه لا يعلم بأنها رابعة وذلك يكفي في إيجاب الاحتياط عليه فتأمل.

فإن المسألة لا تخلو عن إشكال، وإن التزم بها شيخنا الاستاذ - مد ظله - وبنى على ذلك بعض الاحيان في العروة في فروع الشك. وكذا الاشكال فيما لو شك بين الثلاث والاربع وعلم أنه لو كانت رابعة فقد زاد فيها ركوعا، فإن شيخنا الاستاذ - مد ظله - التزم بأنه يبني على الاربع ولا يعتني باحتمال زيادة الركوع، لان البناء على الاربع لم يكن من الاصول المحرزة حتى يقال: إن ضم الوجدان بالاصل يقتضي البطلان، لان البناء على الاربع يحرز الاربع الواقعي. والمفروض أنه يعلم وجدانا بزيادة الركوع على تقدير كونها أربعا، والبناء على الاربع يثبت هذا التقدير فتبطل صلاته ولكن شيخنا الاستاذ لما التزم بعدم كون الاصل محرزا قال في المقام بالصحة، هذا.

وربما يختلج في البال أن البطلان في هذا لا يتوقف على القول بكون الاصل محرزا، وذلك لما عرفت من أنه لو كانت الخصوصية واقعة في أحد طرفي الشك، فالبناء على الاكثر بنفس مؤداها يثبت تلك الخصوصية - كما تقدم في صورة الشك بين الثلاث والاربع، مع علمه بأنه على تقدير الاربع قد ركع لها - فإنه قلنا: إن نفس البناء على الاربع يقتضي البناء على الاربع التي قد ركع لها، فلا يجب عليه الركوع ولا تجري قاعدة الشك في المحل.

ففي المقام نقول: إنه مع علمه بأنه لو كانت رابعة فقد زاد فيها ركوعا يكون مقتضى البناء على الاربع هو البناء على الاربع التي قد زاد فيها ركوعا، ويلزمه البطلان حينئذ فلا مجال لجريان قاعدة


البناء على الاربع، لانها شرعت لتصحيح الصلاة لا لبطلانها. وعلى كل حال ينبغي التأمل التام فيما يترتب على البناء على الاكثر من فروع الشك في الركعات، فإنه كثيرا ما وقع الخلط والاشتباه. لمكان عدم تنقيح قاعدة البناء على الاكثر ومقدار مفادها.

وقد عرفت مقدار مفادها وحاصله: أن المستفاد من أخبار البناء على الاربع أمور: الاول: التنويع الواقعي، وأن الشاك في عدد الركعات تكليفه الواقعي قد تبدل وغير مأمور واقعا بوصل الركعات الصلاتية، بل يبني على الاكثر ويأتي بما احتمل نقصه مفصولا. ويترتب على ذلك أنه لو لزم من البناء على الاكثر العلم الاجمالي بنقصان ركعة أو زيادة ركن أو غير ذلك من بطلان الصلاة، كان العلم الاجمالي مما لا أثر له، ولا يوجب شيئا. بل يبني على الاربع ويحتاط ولا يعتني باحتمال المبطل، لان أحد طرفي العلم الاجمالي وهو نقصان الركعة مما لا أثر له واقعا مع الشك فيه، لمكان تبدل التكليف واقعا.

الامر الثاني: أن مفاد البناء على الاكثر هو مفاد الاصل الغير المتكفل للتنزيل، ولا يكون محرزا كالاستصحاب. ويترتب على ذلك أنه لو فرض ثبوت خلل في الصلاة على تقدير كونه محرزا لايعتنى بذلك الخلل، بل تجري قاعدة البناء على الاكثر.

وقد تقدم مثال ذلك سابقا، ونزيد في المقام مثالا آخر وهو: أنه لو علم قبل التسليم بأنه صلى سبع ركعات في صلاة الظهر والعصر، ولكن لم يعلم أنه نقص من الظهر ركعة حتى تكون ما بيده رابعة العصر، أو أنه لم ينقص من الظهر شيئا فتكون ما بيده ثالثة العصر. فالذي ينبغي أن يقال في المقام: إنه يبني على أنه لم ينقص من الظهر شيئا، لجريان قاعدة الفراغ فيها، ويبني على ما أن ما بيده رابعة العصر أيضا، لانه شاك فيها بين الثلاث والاربع، وتكليفه البناء على الاربع مع ركعة الاحتياط، وذلك لان قاعدة الفراغ في الظهر لا تثبت أن ما بيده


ثالثة العصر، وإن كانت قاعدة الفراغ من الاصول المحرزة، لانه إنما تحرز مؤادها من كون صلاة الظهر أربع ركعات. وأما كون ما بيده ثالثة العصر، فليس من شأن قاعدة الفراغ إثبات ذلك. إلا بناء على اعتبار الاصل المثبت. أو نقول بأمارية قاعدة الفراغ، وكل منهما خلاف التحقيق، فإذا لم تكن قاعدة الفراغ مثبتة لكون ما بيده ثالثة العصر فيكون شاكا فيها بين الثلاث والاربع.

وحكمه البناء على الاربع: إذا لا مانع من ذلك سوى أنه يعلم إما بنقصان الركعة من صلاة الظهر أو من صلاة العصر. وحيث قد عرفت في الامر الاول أن نقصان الركعة واقعا مع الشك فيه مما لا أثر له. فلا أثر لهذا العلم الاجمالي. نعم لو قلنا بأن البناء على الاكثر يكون من الاصول المحرزة كان اللازم في المقام عدم جريانه بناء على المختار من عدم جريان الاصول المحرزة في أطراف العلم الاجمالي. وإن لم يلزم منها مخالفة عملية، ولكن لما منعنا من محرزية أصل البناء على الاكثر فلا مانع من جريانه في المقام فتأمل.

الامر الثالث: أن قاعدة البناء على الاكثر كما توجب البناء عليه من حيث الركعة كذلك توجب البناء عليه من حيث الخصوصية التي يشتمل الاكثر عليه. وبعبارة اخرى: توجب البناء على الاكثر بماله من الخصوصية. ويترتب على ذلك أنه لو شك بين الثلاث والاربع مع علمه بأنه قد ركع للرابعة على تقدير كون ما بيده رابعة. كان اللازم هو البناء على الاربع الذي ركع لها. فلا تجري في حقه قاعدة الشك في المحل، ولا يجب عليه الركوع. لان ذلك هو مؤدى البناء على الاكثر على ما تقدم تفصيله، فلا يكون ذلك من الاصل المثبت، كما لا يلازم ذلك كون الاصل محرزا كما لا يخفى فتأمل جيدا.

الامر الرابع: أن مقتضى البناء على الاكثر هو فوات محل المشكوك. ويكون ذلك أيضا مؤدى نفس البناء على الاكثر، ويترتب على ذلك أنه لو شك بين


الثلاث والاربع أو الاثنتين والثلاث، وشك في فوات الركوع من الركعة الثالثة، أو التشهد من الركعة الثانية، فمقتضى البناء على الاكثر هو تجاوز محل الركوع والتشهد، لان تجاوز محل المشكوك إنما يكون بالدخول بالغير. وبعد حكم الشارع بالبناء على الثلاث أو الاربع يصدق أنه قد دخل في الغير، وأنه قد تجاوز محله، ولا يكون ذلك أيضا من الاصل المثبت، كما لا يتوقف على كون الاصل محرزا، فتأمل جيدا.

فهذه جملة ما يستفاد من قاعدة البناء على الاكثر، وعليك بعد ذلك تطبيق المسائل التي تبتني على قاعدة البناء على الاكثر فراجع فروع الشك التي ذكرها في العروة في ختام مسائل الشك. وتطلع على ما فيها من الخلط والاشتباه، إذا عرفت ذلك كله فلنرجع إلى مسائل الشك في عدد الركعات في الصلاة الرباعية، وقد عرفت أن الشكوك التي تعم بها البلوى أربعة: الاول: الشك بين الاثنتين والثلاث بعد الفراغ من الذكر الواجب في السجدة الثانية، وحكمه البناء على الثلاث، وبعد إتمام الصلاة يحتاط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس.

ويدل على الحكم الاول - وهو البناء على الثلاث - مضافا إلى الاجماعات المنقولة والشهرة المحققة، الاخبار المتقدمة من موثقة عمار(١) وغيرها الشاملة بعمومها للمقام، حيث حكم فيها بلزوم البناء على الاكثر في مطلق الشك، من غير فرق بين الشك في الاثنتين والثلاث أو الثلاث والاربع أو غيرها.

مضافا إلى مافي خصوص الشك بين الاثنتين والثلاث من الاخبار، وإن كان في بعضها ما يوهم خلاف ذلك. والاولى ذكر الاخبار الواردة في المقام أولا، ثم نتكلم في دلالتها.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٨ باب ٨ من أبواب الخلل، ح ٤، (*)


فنقول: قد روى زرارة عن أحدهما قلت له: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا قالعليه‌السلام : إن دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى ولا شئ عليه(١) وفي مقطوعة محمد بن مسلم إنما السهو ما بين الثلاث والاربع، وفي الاثنين والاربع بتلك المنزلة، وإن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا واعتدل شكه قال: يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد ويسلم ويصلي ركعتين وأربع سجدات وهو جالس... إلخ(٢) وفي قرب الاسناد رجل صلى ركعتين وشك في الثالثة قال: يبني على اليقين فإذا فرغ تشهد وقام وصلى ركعة بفاتحة الكتاب(٣) . فهذه جملة ما ورد في الباب مما قيل بدلالتها على المقام.

أقول: أما دلالة خبر زرارة على المقام فهو مبني على أن يكون المراد من قوله " مضى في الثالثة " هو البناء على فعلها، وإلحاق الركعة الرابعة لها، ويكون المراد من قولهعليه‌السلام " ثم صلى الاخرى " هو صلاة الاحتياط. ولكن استظهار هذا المعنى من الرواية محل تأمل، إلا أنه لا تكون ظاهرة أيضا في البناء على الاقل حتى تخالف المطلقات. وأما مقطوعة محمد بن مسلم فدلالتها مبني على أن يكون المراد من قوله " فلم يدر ثلاثا صلى أو أربع " هو الشك بين الاثنتين والثلاث بقرينة قوله " يقوم... إلخ ".

لان الظاهر من قوله " يقوم " هو أن شكه كان في حال الجلوس، والشك بين الثلاث والاربع على هذا الوجه لا يقتضي القيام بل يتشهد ويسلم ولا موقع للقيام. ولا يمكن أن يقال: إنها تكون حينئذ من الادلة الدالة على وجوب البناء

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٩ باب ٩ من أبواب الخلل، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢١ باب ١٠ من أبواب الخلل، ح ٤.

(٣) قرب الاسناد: ص ١٦ وفيه بفاتحة القرآن. (*)


على الاقل. لان ذلك ينافيه الامر بعد ذلك بصلاة الاحتياط، فلابد من أن يكون المراد من الشك بين الثلاث والاربع هو الشك بين الاثنتين والثلاث، ويؤيد ذلك أنهعليه‌السلام قد تعرض لحكم الشك بين الثلاث والاربع، والاثنتين والاربع، قبل ذلك.

فلم يبق إلا حكم الشك بين الاثنتين والثلاث. فيكون المراد من قولهعليه‌السلام " شك بين الثلاث والاربع " هو الشك في أن ما يأتي من الركعة اللاحقة هل هي ثالثة أو رابعة، وهذا لا يكون إلا إذا كان في الحال شاكا بين الاثنتين والثلاث هذا. ولكن لا يخفى عليك أن ذلك خلاف الظاهر، فإن الظاهر من قوله " صلى " هو إحراز الثالث، وبعد الفراغ من الركعة الثالثة. واستعمال صلى قبل الفراغ منها في حال تلبسه فيها خلاف الظاهر، فضلا عما إذا لم يتلبس بها بعد. كما هو مقتضى الاستدلال بها في المقام. هذا مضافا إلى ما في ذيل الرواية من الوهن، حيث إنه يظهر منه وجوب صلاة الاحتياط، مع ذهاب ظنه إلى التمام فراجع وتأمل.

وأما رواية قرب الاسناد. فدلالتها للمقام واضحة. فإن المراد من قولهعليه‌السلام " يبني على اليقين " ليس البناء على الاقل، لان ذلك ينافي الامر بصلاة الاحتياط. بل المراد يعمل عمل اليقين وهو البناء على الاكثر، ثم الاحتياط، وقد عبر [ عن ] هذا النحو من العمل في كثير من الاخبار باليقين فراجع. وعلى كل حال لا ينبغي الاشكال في أنه عند الشك بين الاثنتين والثلاث يبني على الثلاث. وأما الحكم الثاني وهو التخيير في صلاة الاحتياط بين الركعة من قيام. والركعتين من جلوس.

فيدل عليه مقطوعة محمد بن مسلم حيث أمر فيها بصلاة ركعتين من جلوس، بناء على أن تكون من أدلة الباب مع إننا لا نحتاج إلى ذلك، فإنه لا إشكال في ثبوت التخيير في الشك بين الثلاث والاربع - على ما يأتي بيانه -


والشك بين الاثنتين والثلاث ينجر إلى الشك بين الثلاث والاربع لا محالة عند القيام إلى الركعة الرابعة.

فعلى فرض عدم قيام الدليل على التخيير في الشك بين الاثنتين والثلاث، بل كان مقتضى الدليل هو لزوم الركعة من قيام كما هو ظاهر المطلقات، وصريح رواية قرب الاسناد(١) ، إلا أن ذلك لا ينافي التخيير عند وصوله في شكه إلى الشك بين الثلاث والاربع. ولا يكون ذلك من تعارض الادلة، إذ غايته عدم قيام الدليل على التخيير عند الشك بين الاثنتين والثلاث، وهذا لا ينافي التخيير من حيث انقلاب شكه، فتأمل جيدا.

القسم الثاني: من أقسام الشكوك التي تعم بها البلوي: الشك بين الثلاث والاربع، وحكمه البناء على الاربع ثم الاحتياط بركعة من قيام، أو ركعتين من جلوس، ويدل على الاول مضافا إلى المطلقات المتقدمة الآمرة فيها بالبناء على الاكثر، الاخبار الخاصة الواردة في المقام: منها ما رواه جميل من بعض أصحابنا عن أبي عبدالله قال فيمن لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا، ووهمه في ذلك سواء. قال: فقالعليه‌السلام : إذا اعتدل الوهم في الثلاث والاربع فهو بالخيار، إن شاء صلى ركعة وهو قائم وإن شاء صلى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس(٢) ... الحديث.

ومنها مارواه زرارة عن أحدهما عليهما السلام في حديث قال: إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع قد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه(٣) .. إلخ. والمراد من أنه أحرز الثلاث هو إحراز أنه قد تلبس بها. سواء كانت هي التي بيده أو السابقة عليها. وليس المراد من إحراز الثلاث إحرازها

____________________

(١) قرب الاسناد: ص ١٦.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٠ باب ١٠ من أبواب الخلل، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢١ باب ١٠ من أبواب الخلل، ح ٣. (*)


بآخر جزء منها، وإن كان الظاهري الاولي منه هو ذلك، حتى تختص الرواية بصورة وقوع الشك بين الثلاث والاربع بعد إكمال السجدتين، ولا تعم الصور الاخر للشك بينهما، كما إذا كان الشك في حال القيام قبل الركوع أو بعد الركع.

وبالجملة: لا فرق في الشك بين الثلاث والاربع بين حدوث الشك بعد إكمال الثالثة أو قبله، فإن الحكم في الجميع هو البناء على الاربع والاحتياط.

وما في بعض الكلمات من التخيير بين البناء على الاكثر وعمل الاحتياط، والبناء على الاقل وإتمام الصلاة، في جميع صور الشك. للجمع بين مادل على البناء على الاكثر، وما دل على البناء على الاقل فليس في محله. لان ما دل على البناء على الاقل فهو محمول على التقية، لموافقته للعامة وإعراض الاصحاب عنه. ومنها غير ذلك من الاخبار الواضحة الدلالة على المقام. ويدل على الثاني تصريح رواية جميل بالتخيير بين الركعة القيامية والركعتين من جلوس، وبه يقيد إطلاق ما اقتصر فيها بالركعتين من جلوس. كما يقيد به إطلاق ما دل على اعتبار الموافقة بين صلاة الاحتياط وما احتمل نقصه، وهي تقتضي الاحتياط من قيام. لان ما احتمل نقصه إنما هو الركعة من قيام.

وما في بعض الفتاوى من أن الاحوط في الشك بين الاثنتين والثلاث هو الاحتياط من قيام، وفي الثلاث والاربع هو الاحتياط من جلوس، فلم يظهرلنا وجهه.

فرع لو شك بين الثلاث والاربع في حال القيام، وعلم بفوات السجدة من الركعة التي قام عنها. فإن علم ذلك قبل الركوع، كان مقتضى القاعدة هدم القيام، للعلم بوقوع القيام في غير محله، وبعد هدمه يرجع شكه إلى ما بين الاثنتين والثلاث قبل إكمال الاثنتين، فتبطل، وإن كان بعد الدخول في الركوع، يمضي


ويبني على الاربع، ويقضي السجدة بعد الصلاة. والسر في ذلك هو ما تقدم منا سابقا، من أن الجزء الواقع بعد نسيان الجزء السابق يكون مراعى. ولا يحكم عليه بمجرد وقوعه أنه جزء الصلاة إلى أن يفوت محله السهوي والعمدي. وهو في مثل القيام الدخول في الركوع، فإذا تذكر قبل الدخول في الركوع يكون زيادة مغتفرة، ولا يكون من أجزاء الصلاة وحينئذ يجب عليه هدمه ويرجع شكه إلى ما تقدم. بخلاف ما إذا لم يتذكر إلا بعد الدخول في الركوع فإن القيام يكون حينئذ من الاجزاء الصلاتية، ويبقى على شكه السابق من الثلاث والاربع.

الصورة الثالثة: من صور الشكوك هو الشك بين الاثنتين والاربع وحكمه البناء على الاربع والاحتياط بركعتين من قيام. والاخبار به مستفيضة ولا إشكال في حكم المسألة إلا ما تقدم عن بعض من التخيير في جميع صور الشكوك بين البناء على الاقل والاكثر، وقد عرفت ضعفه.

الصورة الرابعة: الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع. والبحث عن ذلك يقع من جهات: الاولى: في حكمه وهو البناء على الاربع، ثم الاحتياط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس، لان هذه الصورة من الشك مركبة من شكوك ثلاثة. الاول الاثنتين والاربع والثاني: الثلاث والاربع، والثالث: الاثنتين والثلاث. وحكم الاول الاحتياط بركعتين من قيام. والثاني أو الثالث الاحتياط بركعتين من جلوس، أو الركعة من قيام، ولكن في المقام يتعين الركعتان من جلوس لما سيأتي جهة. وقد استفاضت الاخبار في الحكم.

منها مرسل ابن أبي عمير عن الصادقعليه‌السلام في رجل صلى فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا، قال: يقوم فيصلي ركعتين، من قيام ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين من جلوس ويسلم، فإن كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة وإلا تمت


الاربع(١) ومنها غير ذلك.

وقد حكي عن الشهيد -قدس‌سره - الاكتفاء بركعة من قيام وركعتين من جلوس(٢) وقد ذكر لذلك وجها اعتباريا، وهو أنه إن كانت صلاة اثنتين فتقوم الركعة من قيام والركعتين من جلوس مقام الركعتين الفائتتين، وإن كانت ثلاثا تقوم إحدى الركعتين مقام الفائت، وكانت الاخرى نافلة، هذا. ولكن لا يخفى عليك مافيه فإنه لو كانت صلاته ركعتين فالفائت منه ركعتان متصلتان، فكيف تجبر الركعتان المنفصلتان عن المتصلتين، فهذا الوجه الاعتباري ساقط. نعم قد يستدل لذلك بالصحيح عن أبي إبراهيم قلت لابي عبداللهعليه‌السلام : رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا، أم أربعا فقال: يصلي ركعة من قيام ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين وهو جالس. هذا.

ولكن في بعض النسخ " ركعتين من قيام " بدل " ركعة من قيام " وقد ذكرنا في محله أن أحكام تعارض الروايتين من الترجيح والتخيير لا تجري في اختلاف النسختين وتعارضهما، ولا يمكن إلحاقهما في باب تعارض الروايتين، بل لا يلحق بذلك الباب مثل اختلاف الصفواني والنعماني الروايين عن محمد بن يعقوب الكليني، فضلا عن إلحاق مثل اختلاف النسخ بذلك مع احتمال أن يكون الاختلاف من غلط الكتاب.

وبالجملة: لا يجري حكم التعارض إذا اختلفت الرواية من حيث النسخ، بل الرواية حينئذ تسقط عن الاعتبار ولا يصح الاستدلال بشئ من النسختين، مع أن الاصح في المقام هو نسخة الركعتين وذلك لان الصدوق -رحمه‌الله - قال بعد ذكر هذه الرواية: وقد روي أنه يصلي

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٦ باب ١٣ من أبواب الخلل، ح ٤.

(٢) شرح اللمعة: ج ١ ص ٧١٨ طبع ايران.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٥ باب ١٣ من أبواب الخلل، ح ١. (*)


ركعة من قيام وركعتين وهو جالس(١) ولو كانت النسخة من قيام لم يكن وجه لما ذكره بعد ذلك، فيظهر أن اختلاف النسخ إنما حصل بعد الصدوق، وأما ما أرسله بقوله " وروي... إلخ " فلا اعتبار به، لانه يستشم من التعبير بقوله " وقد روي " أن الرواية لم تثبت عنده، وإلا كان حق التعبير أن يرسلها إلى الامامعليه‌السلام بقوله: وقال الصادقعليه‌السلام ، أو عن الصادقعليه‌السلام .

وما شابه ذلك من مراسيل الصدوق، حيث حكي عنه أنه يسقط الاسانيد ويروي عن الامام مرسلا، ومن هنا كانت مراسيله معتبرة. مع أنه يمكن أن يكون نظره إلى ما في الفقه الرضوي(٢) حيث حكى عنه رواية ركعة من قيام. ولكن الكلام في اعتبار الفقه الرضوي، خصوصا إذا لم يقترن بما يدل على أن الكلام من الامامعليه‌السلام ، وليس من اجتهاد المصنف.

هذا كله مضافا إلى استبعاد عدم استناد الشهيد -رحمه‌الله - إلى الرواية واستناده إلى ذلك الوجه الاعتباري المتقدم. مع أنه لو كانت في البين رواية تدل على ذلك لكان الاستناد إليها أولى مع أنه حكي عنه في الذكرى(٣) أنه قال: إن القول بكفاية الركعة من قيام قوي من حيث الاعتبار، مرفوع من حيث النقل والاشتهار، فيظهر من ذلك أن الشهيد لم يعثر على رواية تدل على كفاية الركعة من قيام.

فالاقوى ما عليه المشهور من لزوم الركعتين من قيام وركعتين من جلوس.

الجهة الثانية: هل يتعين عليه الركعتان من جلوس أو يتخير بينها وبين الركعة من قيام؟. ربما يقال بالتخيير لان الركعتين من جلوس إنما هما لمكان تدارك احتمال نقص الركعة، إذ من المحتمل أن تكون صلاته ثلاثا، والركعتين

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٥١، ح ١٠٢٤.

(٢) فقه الامام الرضا: ص ١١٨.

(٣) الذكرى: ص ٢٢٧ من أحكام الشكوك. (*)


اللتان أتى بهما من قيام لا تجبران احتمال نقصان الركعة، فلابد له من جبر ذلك، وجبران الركعة كما يكون بركعتين من جلوس كذلك يكون بركعة من قيام كما في موارد الشك بين الاثنتين والثلاث والثلاث والاربع، لا بل يمكن أن يقال: إن المقام من أفراد ذلك لتركب شكه من ذلك ومن غيره كما عرفت، وقد تقدم أن الحكم عند الشك بين الاثنتين والثلاث أو الثلاث والاربع هو التخيير بين الركعة القيامية أو الركعتين من جلوس، هذا.

ولكن لا يخفى عليك ما فيه لان ظاهر النص في المقام هو تعيين الركعتين من جلوس. ومجرد كون الحكم في الشك بين الثلاث والاربع هو التخيير، لا يلازم كون الحكم في المقام ذلك، بعد تركب شكه من ذلك ومن الشك بين الاثنتين والاربع، لاحتمال أن يكون تركيب الشك أوجب تعين الركعتين من جلوس. وأن جبر نقص الركعة لا يكون إلا بذلك.

وبالجملة: لا دليل على التخيير في المقام. ولايمكن التمسك للمقام بما دل على التخيير عند الشك بين الاثنتين والثلاث أو الثلاث والاربع. فالاقوى تعين الركعتين من جلوس في المقام.

الجهة الثالثة: هل يتعين الترتيب بتقديم الركعتين من قيام على الركعتين من جلوس أو لا يتعين ذلك؟ ظاهر الاخبار هو التعين للعطف ب‍ " ثم " الظاهر في الترتيب. بل يمكن أن يقال: إن الاعتبار أيضا يساعد على ذلك. لوضوح أن الركعتين من جلوس إنما هو لاجل احتمال نقصان الركعة وجبرها بذلك، ولا تصل النوبة إلى جبر الركعة إلا بعد إحرازها ما عداها، بأن يعلم أن غير مطالب بالركعة الثالثة حتى تجبر الرابعة بذلك. وهذا إنما يكون بعد سد باب احتمال كون صلاته ركعتين، وأنه نقص ركعتين. فلابد من أن يأتي أولا بالركعتين من قيام لسد احتمال ذلك. وللعلم بأنه لا يكون مطالب بالثالثة، لانه إما أن تكون


صلاته ركعتين فتكون ركعتا الاحتياط جابرة للنقص، وإما أن تكون صلاته أربعا فهو يعلم أنه غير مطالب بالثالثة، فتصل النوبة حينئذ إلى احتمال كونه مطالبا بالرابعة لاحتمال أن تكون صلاته ثلاثا.

والركعتان اللتان أتى بهما لا يقومان مقام الركعة الرابعة. فيلزمه حينئذ جبر الرابعة بركعتين من جلوس. فالترتيب الطبيعي يقتضي تقديم الركعتين من قيام فضلا عن كون ظاهر الاخبار ذلك. وبعد ذلك لا يلتفت إلى ظاهر ما في بعض الكلمات من التخيير حيث لم يعطفوا الركعتين من جلوس ب‍ " ثم " بل أتوا بواو الجمع الذي لا يدل على الترتيب.

ومما ذكرنا ظهر فساد مافي بعض الكلمات من أن الشكوك المركبة يجري عليها حكم بسائطها ومراده أن الشك بين الاثنتين والثلاث والاربع يجري عليه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث، وحكم الشك بين الثلاث والاربع، ولكن لم يعلم أن مراده من ذلك ما هو. فإن حكم الشك بين الاثنتين والثلاث هو البناء على الثلاث وإتمامها بإلحاق ركعة بها. ثم الاحتياط بركعة مفصولة. وهذا الحكم لا يمكن أن يجري في المقام. لان حكمه البناء على الاربع لا الثلاث، إذ لا يمكن الجمع بين البناء على الثلاث والبناء على الاربع، فإن كان مراده من هذه القضية هو كفاية الركعة من قيام والركعتين من جلوس فقد عرفت ما فيه، وإن كان مراده التخيير في الركعة بين الجلوس والقيام، فقد عرفت أيضا ما فيه.

وبالجملة: فلم يظهر لنا معنى محصل القضية.

هذا تمام الكلام في الشكوك الاربع التي تعم بها البلوى المندرجة تحت قاعدة البناء على الاكثر. بقي الكلام في حكم سائر أقسم الشكوك الصحيحة التي لاتندرج تحت قاعدة البناء على الاكثر كالشك بينالاربع والخمس، أو الثلاث والاربع والخمس، أو الاربع والخمس والست، وغير ذلك من الشكوك التي يمكن علاجها. وهذه الشكوك


بعضها منصوصة كالشك بين الاربع والخمس، والشك بين الاربع والخمس والست. على ما يأتي بيانه. وبعضها الآخر غير منصوصة. فينبغي أولا البحث عما يقتضيه الاصل في مطلق الشك في عدد الركعات حتى يكون هو المرجع في غير ما هو معلوم خروجه.

وليس لنا في المقام أصل سوى استصحاب عدم الزيادة، وقد اشكل في جريان الاستصحاب بوجهين: الاول: أن المستفاد من اخبار البناء على الاكثر هو ان الشارع قد الغى الاستصحاب في عدد الركعات، بحيث يستكشف منها مضرية احتمال الزيادة في الركعات، ومن هنا حكم بالبناء على الاكثر تحفظا عن وقوع الزيادة الواقعية عند البناء على الاقل، فلمكان عدم وقوع الزيادة الواقعية صار الحكم في الصلاة هو البناء على الاكثر. فلا يبقى مجال لاجراء الاصل في عدد الركعات. إذ أصالة العدم لا توجب عدم وقوع الزيادة الواقعية، هذا. ولكن يرد هذا الوجه نفس أخبار البناء على الاقل عند الشك بين الاربع والخمس، فإن الحكم بذلك إنما يكون على وفق الاصل، فيظهر منه أن الشارع لم يلغ الاستصحاب في عدد الركعات بالمرة. بل غايته إلغاؤه في خصوص الاربع المأمور بها. وأما إذا كان الشك في طرف الزيادة فلا مانع من جريان الاصل.

الوجه الثاني: هو أن الاستصحاب إما لا يجري لعدم الحالة السابقة، وإما لا أثر له، وإما أن يكون مثبتا. بيان ذلك هو أنه لو شك مثلا بين الاربع والخمس في أي حال فرض، فإما أن يراد من الاستصحاب استصحاب عدم الخامسة، فهذا مما لا أثر له، لان المكلف به هو الاربع بشرط لا كما هو واضح، فنس عدم الخامسة لايوجب تحقق الاربع بشرط لا. وإن اريد من استصحاب عدم الخامسة إثبات وجود الرابعة بشرط لا، فهذا يكون مثبتا، وإن اريد استصحاب الرابعة بشرط لافهذا مما لا يجري، لعدم الحالة السابقة، لانه متى كانت الرابعة بشرط


لا. متحققة حتى تستصحب، فالاستصحاب في باب الصلاة عند الشك في عدد الركعات مما لا يجري مطلقا. والعمدة في ذلك هو أن المأمور به العدد (بشرط لا) لا (لابشرط) كما لا يخفى، والاصل الجاري في طرف عدم الزيادة لا يثبت كون المأتي به بشرط لا. لان البشرط اللائية اعتبرت قيدا في متعلق التكليف وعنوانا له، فهو بمنزلة الوصف الوجودي له. ومعلوم أن أصالة عدم الزيادة لاتحرز هذا العنوان إلا على القول بالاصل المثبت. هذا ولكن لا يخفى عليك ما فيه فإن مجرد كون المأمور به هو الاربع بشرط لا، لا يقتضى أن يكون الاصل مثبتا.

وذلك لما بينا في محله من أن الترتيب في موضوع الحكم إما أن يكون من العرض ومحله. وإما أن يكون من غير ذلك من كونه من جوهريين، أو عرضيين لموضوعين، أو جوهر وعرض، فإذا كان التركيب من العرض ومحله كعدم بياض زيد وسواد عمرو وقرشية المرأة وغير ذلك، كان الاصل الجاري في أحد جزء‌يه مثبتا، إذا كان مفاد الاصل العدم الازلي فإن أصالة عدم وجود البياض بمفاد ليس التامة لا يثبت عدم بياض زيد، ونفس عدم بياض زيد لم يكن له حالة سابقة حتى يستصحب.

فلا يمكن أن يقال: إن زيدا محرز بالوجدان وبياضه منفي بالاصل، فيلتئم الموضوع من ضم الاصل بالوجدان، لان عدم بياض زيد لم يكن مؤدى الاصل لعدم الحالة السابقة له بعد وجود زيد، وقبل وجوده يكون من السالبة بانتفاء الموضوع، بل مؤدى الاصل هو عدم وجود البياض بمفاد ليس التامة وهذا العدم لا يرتبط بزيد إلا بناء على الاصل المثبت. وقد اشبعنا الكلام في ذلك في رسالة المشكوك.

وأما إذا لم يكن التركيب من العرض ومحله ففي جميع أقسامه الاصل يجري بكلا جزء‌يه أو بأحد جزء‌يه إذا كان جزؤه الآخر محرزا بالوجدان وهذا هو مورد ضم الوجدان بالاصل، إذ بعد ما لم يكن التركيب من العرض ومحله، بل كان من


جوهريين أو عرضيين، فحيث لا رابط بينها إلا الاجتماع في الزمان. لانه لا رابط بين المتباينات إلا ذلك. كان ضم الوجدان بالاصل يحرز هذا الاجتماع، إلا إذا اخذ الموضوع عنوانا منتزعا من هذا الاجتماع كعنوان التقارن والتقدم والتأخر. وحينئذ يخرج عن مفروض الكلام. لان الكلام فيما إذا كان نفس المركب موضوعا، لا العنوان المنتزع. فلو كان الموضوع لوجوب التصدق مثلا هو وجود زيد وعدم وجود عمرو فلا مانع من جريان أصالة عدم وجود عمرو عند الشك فيه، إذا كان وجود زيد محرزا، ويلتئم الموضوع المركب حينئذ من ضم الوجدان بالاصل ويترتب عليه وجوب التصدق لا محالة.

إذا عرفت ذلك فنقول في المقام: إن متعلق التكليف هو الصلاة أربع ركعات بشرط عدم انضمام الخامسة، ومعلوم أن عدم الخامسة لا يكون نعتا للاربع، بحيث يكون الاربع محلا له حتى يكون التركيب من العرض ومحله، إذ الاربع أمر مباين للخمس، كما هو الشأن في كل عدد حيث تكون مراتبها متباينة.

فلا يمكن أن يكون عدم المرتبة اللاحقة نعتا للمرتبة السابقة، فإذا لم يكن عدم الخامسة نعتا للاربع، فلا مانع من استصحاب عدم الخامسة بعد إحراز الاربع، ولا نعني من كون المأمور به هو الاربع (بشرط لا) إلا وجود الاربع مع عدم الخامسة، وهذا ما يمكن إحرازه بضم الوجدان بالاصل، وليس (بشرط لا) عنوان وجوديا للاربع حتى لا يمكن إحرازه بالاصل بل ليس معنى (بشرط لا) إلا عدم وجود الزائد، وهذا مما يمكن إحرازه بالاصل، بل هو نفسه مودى الاصل.

فإن قلت: أي عدم يراد استصحابه؟ فإن كان هو العدم الازلي الثابت قبل وجود الرابعة بل قبل وجود الصلاة فهذا مما لا معنى لاستصحابه، لانه قبل وجود الرابعة لم يكن مرتبة وجود الخامسة حتى يستصحب عدمها. بل لابد من استصحاب عدم الخامسة في مرتبة وجودها وهي بعد الرابعة. فاستصحاب العدم


قبل الصلاة لا يثبت العدم بعد الرابعة الذي هوالموضوع للاثر. وإن اريد من العدم العدم بعد الرابعة، فهذا العدم مما لم يكن متيقن الوجود قبل الشك حتى يستصحب بقاؤه.

لانه لو فرض أنه شك بين الاربع والخمس في حال تمامية الذكر الواجب من السجدة الثانية، فلا يخلو إما أن تكون هذه الركعة خامسة فقد انتقض عدم الخامسة، وإما أن تكون هي الركعة الرابع فيكون هذا الحال حال عدم الخامسة ومرتبة حدوثه، فلا يتحقق العلم بعدم الخامسة بعد الرابعة قبل زمان الشك حتى حكم ببقائه، مع أنه لا محيص في الاستصحاب من ثبوت المتيقن في المرتبة السابقة على الشك ليمكن إبقاؤه بالاستصحاب.

وإن شئت قلت إن أمر عدم الخامسة بعد الرابعة يدور بين متيقن الارتفاع على تقدير كون ما بيده خامسة، وبين متيقن الحدوث في حال الشك على تقدير كون ما بيده رابعة، لان المفروض أن الشك وقع في حال تمامية الرابعة وهو حال وجود مرتبة عدم الخامسة ويعتبر في الاستصحاب أن يكون الشك في البقاء والارتفاع لا الشك في الحدوث والارتفاع كما لا يخفى وجهه.

قلت: لنا أن نختار أولا استصحاب عدم الخامسة قبل الرابعة.

قولكم: إنه ليس ذلك الحال مرتبة وجود الخامسة فلا ينفع استصحابه، قلنا: نعم وإن كان الامر كذلك، إلا أنه إبقاء ذلك العدم الازلي إلي ما بعد الرابعة بالاستصحاب ينفع حيث إن الاثر مترتب على عدم الخامسة بعد الرابعة. فبإبقاء عدم الخامسة إلى ما بعد ذلك يترتب الاثر ولا يكون من الاصل المثبت، هذا. ولكن شيخنا الاستاذ - مد ظله - لم يرتض ذلك وبنى على عدم الفائدة في استصحاب عدم الخامسة قبل الصلاة، فتأمل. فإنه يقوى في النفس كفاية مثل هذا الاستصحاب. وثانيا نختار استصحاب عدم الخامسة بعد الرابعة.

قولكم: يدور أمر العدم بين الارتفاع والحدوث.

قلنا: ذلك لا يضر، لانه لا يراد استصحاب عدم


الخامسة في هذا الحال والآن بحيث يؤخذ الآن قيد للمستصحب، بل المراد عدم الخامسة بعد الرابعة، وهذا متيقن لوضوح أنه لا يمكن وجود الخامسة في عرض وجود الرابعة. بل لا بد من أن يكون وجود الخامسة بعد الرابعة. فيعلم بعدم تحقق الخامسة عند تحقق الرابعة.

وليس لاحد إنكار هذا العلم فيستصحب ذلك العدم المتيقن، وتوهم أنه لعله يكون هذا الآن آن حدوث العدم غير ضائر. فإن المقصود هو هذا، أي المقصود هو إثبات عدم حدوث الخامسة بحيث لو كان الاصل المثبت حجة لاثبتنا عدم حدوثه في الآن، ولكن لما لم يكن مثبتات الاصول حجة، اكتفينا باستصحاب عدم الحدوث بقول مطلق، وهذا يكفي في الاثر المقصود في المقام.

وبالجملة: يعلم علما وجدانيا بعدم حدوث الخامسة عند وجود الرابعة. فيستصحب ولا سبيل في الخدشة بشئ من ركني الاستصحاب من اليقين والشك، فتأمل.

فتحصل: أنه لا مانع من استصحاب عدم الزيادة مطلقا إلا ما قام الدليل على خلافه وهو خصوص عدم الركعات المأمور بها، حيث لا يجري الاستصحاب فيها لقيام [ الدليل ] على لزوم الاحراز في الركعتين الاوليتين والبناء على الاكثر في الركعتين الاخيرتين.

وأما فيما عدا العدد المأمور من موارد الشك في الزيادة، فاستصحاب عدم الزيادة يجري بلا مانع.

فإن قلت: أليس يعتبر أن يكون التشهد والسلام في الركعة الرابعة باستصحاب عدم الخامسة، لا يمكن إثبات أن ما بيده هي الرابعة. لانه يكون من الاصل المثبت، فبأي وجه توجبون عليه التشهد والتسليم؟ قلت: لا نحتاج في وجوب التشهد والتسليم إلى إحراز أن مابيده هي الرابعة بل يكفي في وجوبها إحراز الاربع مع عدم الخامسة وهذا بعضه محرز بالوجدان وبعضه بالاصل، وإن شئت قلت: إن التشهد والتسليم يجب في الركعة التي لم


يتعقبها الخامسة، فإذا أحرز عدم الخامسة بالاصل يتحقق موضوع وجوبها.

إذا عرفت ذلك كله فاعلم أن الشك في الزيادة تارة يكون مع عدم الشك في النقيصة، واخرى يكون معه. وفي الاول إما أن يكون الشك بسيطا كالشك بين الاربع والخمس أو الاربع والست أو الاربع والسبع وهكذا، وإما أن يكون مركبا كالشك بين الاربع والخمس والست فهنا مسائل: الاولى: في الشك بين الاربع والخمس وهو إما أن يحصل بعد إكمال السجدتين، وإما أن يحصل في حال القيام قبل الركوع، وإما أن يحصل بعد الركوع قبل السجود. فإن حصل بعد إكمال السجدتين، فهذا مما لا إشكال في وجوب البناء على الاربع وإتمام الصلاة، وليس عليه احتياط وهو مورد النص. وإن حصل في حال القيام قبل الركوع يجب عليه هدم القيام، ويكون شكه بين الثلاث والاربع ويعمل عمله من البناء على الاربع والاحتياط بركعة. والسر في ذلك هو أنه عند شكه بين الاربع والخمس يشك في أن الركعة ما قبل القيام كانت الثالثة أو الرابعة، ومقتضى حكمه هو البناء على الرابعة، فيكون قيامه قد وقع في غير محله، فيجب عليه هدمه.

وبذلك يندفع ما ربما يتوهم أنه لم توجبون عليه هدم القيام، حتى يرجع شكه إلى ما بين الثلاث والاربع. وجه الدفع: هو أن قيامه يكون في غير محله لانه الآن في حال الشك هو شك في أن ما قبل القيام كان هو الثالثة أو الرابعة، ومقتضى حكم هذا الشك هو كون قيامه في غير محله. فلابد من هدمه. نعم لو كان في هذا الحال مورد دليل من الادلة بحيث عين له حكم في الشريعة، كان ذلك موجبا لالغاء حكم الشك بين الثلاث والاربع. لان هذا الدليل يكون بمنزلة المخصص لحكم ذلك الشك، كما لو شك بين الاربع والخمس بعد إكمال


السجدتين، فإنه لا يلتفت إلى أنه في هذا الحال يشك في أن الركعة السابقة كانت ثالثة أو رابعة، ومقتضى البناء على الاربع هو الذي يكون حكم هذا الشك هو زيادة ركعة، فتبطل صلاته، لان تكليفه الركعة المنفصلة لا المتصلة، وذلك لقيام الدليل على أنه لو شك بين الرابعة والخامسة بعد السجود يبني على الرابعة، ولا شئ عليه، ومع هذا الدليل لا يلتفت إلى الشك بين الثلاث والاربع بالنسبة إلى الركعة السابقة، وهذا بخلاف ما إذا شك بين الاربع والخمس في حال القيام. فإنه لما لم يقم دليل على بيان حكم هذا الشك كان مقتضى القاعدة الرجوع إلى حكم شكه الآخر وهو الشك بين الثلاث والاربع فيلزمه هدم القيام. هذا كله إذا شك بين الاربع والخمس في حال القيام قبل الركوع.

وأما لو شك بعد الركوع قبل إكمال السجدتين فقد حكي فيه أقوال ثلاثة: القول بالبطلان، والقول بالصحة مع إتمام الركعة بإتيان السجدتين والتشهد والتسليم، والقول بالصحة مع الاقتصار على التشهد والتسليم بلا فعل السجدتين. والاقوى هو الاول، وذلك لما عرفت من أن المستفاد من الادلة هو أن الشك في عدد الركعات المأمور بها ليس موردا لاجراء الاصل، بل لابد إما من البطلان إذا تعلق في الاوليتين، وإما من الاحتياط بالركعة المفصولة. ولا يخلو الشك في عدد الركعات عن أحد هذين الحكمين.

وبعد ذلك نقول: إن الشك بين الاربع والخمس بعد الركوع إن حكم فيه بالبناء على الاربع بلا ضم سجود - كما هو القول الثالث - اعتمادا على أصالة عدم فعل الخامسة يلزم إما زيادة الركن وإما نقصانه، كما لا يخفى. وهذا مما لا يمكن تصحيحه.

وإن حكم فيه بالبناء على الاربع مع ضم السجود إليه، يلزم الاعتماد على الاصل في عدد الركعات الاربع المأمور بها، لان إيجاب السجود عليه، مع أن الشك في إيجاب السجود عليه مسبب عن الشك في عدد الركعات، إنما يكون


بجريان أصالة عدم الاتيان بسجود الركعة الرابعة. وهذا الاصل وإن لم يكن فيه محذورا لو كان الشك في فعل السجود من حيث هو. ومن حيث كونه جزء للصلاة. لاعتبار الاصل عند الشك في الاجزاء كما هو مفاد قاعدة الشك في المحل، إلا أن الشك في السجود لما كان مسببا عن الشك في عدد الركعات، كان أصالة عدم فعل السجود في الركعة الرابعة موجبا للاعتماد على الاصل في عدد الركعات، وقد عرفت أنه لا يمكن ذلك فتأمل، فإن ذلك لا يخلو عن مناقشة.

وإن كان شيخنا الاستاذ مصرا عليه في البحث وهنا وجه آخر للبطلان وهو أنه عند شكه بين الاربع والخمس يشك في أن الركعة ما قبل القيام كانت ثالثة أو رابعة، وحكمه البناء على الاربع، فيلزم زيادة القيام والركوع، وهو موجب للبطلان، إذ لا يمكنه في المقام هدم ما بيده من الركعة - كما في الصورة السابقة - لان في الصورة السابقة كان مجرد زيادة قيام. فلا مانع من هدمه. لاغتفار زيادته بخلاف هذه الصورة، فإنه يلزم زيادة الركوع، وزيادته غير مغتفرة، هذا تمام الكلام في الشك بين الاربع والخمس بأقسامه.

المسألة الثانية: لو شك بين الاربع والخمس والست، فالكلام في الكلام في الشك بين الاربع والخمس من الصحة إن كان بعد السجود لاصالة عدم الزيادة، والهدم إن كان في حال القيام قبل الركوع. فيرجع شكه إلى ما بين الثلاث والاربع والخمس، وحكمه البناء على الاربع ثم الاحتياط بركعة، كما سيأتي إن شاء الله، والبطلان إن كان بعد الركوع.

المسألة الثالثة: الشك بين الاربع والست، وحكمه كما سبق من البناء على الاربع إن كان بعد السجود، اعتمادا على أصالة عدم الزيادة، والبطلان إن كان بعد الركوع، والهدم إن كان في حال القيام فيرجع شكه إلى الثلاث والخمس، ويأتي حكمه إن شاء الله.


المسألة الرابعة: الشك بين الخمس والست، فإن كان بعد السجود أو بعد الركوع تبطل للعم بالزيادة. وإن كان في حال القيام يهدم، ويرجع شكه إلى الاربع والخمس، فيبني على الاربع وليس على احتياط.

وكذا الحال بين الخمس والسبع. وربما يتخيل عدم جريان أصالة عدم الزيادة إذا بلغ الشك حدا يخرج عن المتعارف، كالشك بين الاربع والعشر مثلا.

ثم إن هذه المسائل الاربع إنما كانت فيما إذا تعلق الشك بين التمام والزيادة، وأما لو تعلق بين النقص والزيادة وهو أيضا تارة يكون الشك بسيطا، واخرى يكون مركبا.

أما الاول: فكالشك بين الثلاث والخمس أو الاثنتين والخمس أو الثلاث والست وغير ذلك ممايتصور، وربما يستشكل في حكم هذا الشك لمكان العلم الاجمالي إما بالزيادة أو النقيصة، وقد حكى شيخنا الاستاذ - مد ظله - عن سيده الاستاذ -قدس‌سره - الميل إلى الصحة، بالبناء على الاربع والاحتياط بركعة، وعدم العبرة بمثل هذا العلم الاجمالي، لانه على تقدير الخمس وإن كانت صلاته باطلة، إلا أنه على تقدير الثلاث لا تبطل صلاته بل يلزمه الركعة المتصلة إن لم يكن شاكا فيها. والمنفصلة إن كان شاكا، على ما تقدم من أن الشاك قد تبدل حكمه الواقعي إلى المنفصلة.

فإن قلت: إن التبدل بالمنفصلة إنما هو فيما إذا كان شاكا بين الثلاث والاربع لا بين الثلاث والخمس فإنه لا يحتمل الاربع حتى يبني عليها ويأتي بركعة منفصلة، بل هو يعلم إما بالثلاث وإما بالخمس، فأين الاربع حتى يبني عليها.

قلت: ليس المراد بالبناء هو العقد القلبي والالتزام حتى يقال لا يتأتى ذلك بالنسبة إلى من يعلم بعدم الاربع، بل المراد بالبناء هو العمل على الاربع، وهذا في المقام يمكن لانه يكفي في ذلك احتمال الاربع ولو في ضمن احتمال الخمس،


بعد جريان أصالة عدم الخامس، هذا.

ولكن الانصاف عدم تمامية هذا البيان، لانه وإن لم يكن المراد من البناء هو الالتزام والعقد القلبي. إلا أنه يحتاج إلى موضوع يبنى عليه، والاربع المحتملة في ضمن الخمس لا يمكن البناء عليها. لان الاربع الكذائية مساوقة للبطلان. لمكان انضمام الخامسة إليها، ولاينفع أصالة عدم الخامس في مثل هذا كما لا يخفى.

بالجملة: الاربع المحتملة في المقام هي الاربعة المنضمة إليها الخامسة، فكيف يمكن البناء على مثل هذه الاربعة. هذا مضافا إلى أن الشك بين الثلاث والخمس يلازم الشك بين الاثنتين والاربع بالنسبة إلى الركعة السابقة، ومقتضى حكم هذا الشك هو البناء على الاربع، فيكون قد زاد ركعة. وليس الشك بين الثلاث والخمس مورد دليل حتى يقال بتخصيص هذا الدليل لحكم الشك بين الاثنتين والاربع، كما قام الدليل في الشك بين الاربع والخمس على ما تقدم تفصيله. وحينئذ لا محيص عن القول بالبطلان عند الشك بين الثلاث والخمس بحسب القاعدة هذا.

ولكن يمكن القول بالصحة تمسكا ببعض الروايات الواردة في باب الشكوك كرواية أبي بصير: إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم... إلخ(١) وكمضمر أبي سماعة سألته عن الرجل صلى العصرست ركعات أو خمس ركعات قال: إن استيقن أنه صلى خمسا أو ستا فليعد، وإن كان لا يدري أزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد(٢) . فإن الظاهر من قوله " لا يدري أزاد أم نقص " هو

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٧ باب ١٤ من أبواب الخلل ح ٤ والرواية عن الحلبي فلا حظ.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٧ باب ١٤ من أبواب الخلل، ح ٥ وفيه الرواية عن زيد الشحام فلا حظ.


الشك في الزيادة والنقيصة مع العلم بأحدهما وهو ينطبق على ما نحن فيه من الشك بين الثلاث والخمس، واحتمال أن يكون المراد زاد أو نقص هو احتمال الزيادة فقط أو احتمال النقيصة فقط، فضعيف، لان الظاهر من ذلك هو صورة الشك بين الزيادة والنقيصة، ولا يضر بالاستدلال عدم تعرض خبر أبي بصير لركعة الاحتياط بل اقتصر على سجود السهو. لتقييد إطلاقه بمضمر أبي سماعة. كما أن عدم تعرض المضمر لسجود السهو أيضا لا يضر لتقييده بذلك أيضا. فيتحصل إيجاب كل منهما سجود السهو لا حتمال الزيادة، وركعة الاحتياط لاحتمال النقص، هذا.

ولكن ينبغي الفحص التام لاحراز عمل الاصحاب بهذه الروايات فإن لم يظهر لنا ذلك. بل ظاهر الجواهر(١) عدم العمل بها. ثم لو سلم العمل بهذه الروايات فهل موردها خصوص الشك بين الثلاث والخمس، أو تشمل صورة الشك بين الاثنتين والخمس، أو الثلاث والست، لا يبعد دعوى انصرافها إلى خصوص الثلاث والخمس، وإن كان اللفظ يعم ذلك. وعليه يشكل الحكم في الشك بين الاثنتين والخمس، والثالث والست، بعد ما كانت القاعدة تقتضي البطلان، فتأمل في أطراف المسألة جيدا. هذا كله في الشك البسيط.

وأما في الشك المركب كالشك بين الثلاث والاربع والخمس، فحكمه البناء على الاربع والاحتياط بركعة. لان الخمس منفي بالاصل فيبقى الشك بين الثلاث والاربع وحكمه ما ذكرنا وقس على ذلك سائر مايتصور من أقسام الشك بقي التنبيه على امور: الاول: قد عرفت أنه يجب التروي عند الشك في الاوليتين، فهل يجب عليه

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٤٣٣. (*)


التروي عند الشك في الاخيرتين؟ الاقوى عدم الوجوب وذلك لان وجوب التروي في الاوليتين إنما كان لاجل وجوب الحفظ واليقين فيهما، ولمكان الشك في القدرة على الاتمام لاجل أنه لا يدخلهما الشك. على ماتقدم بيانه. وشئ من الوجهين لا يجري في الاخيرتين لعدم وجوب الحفظ فيهما. والقدرة على إتمام الصلاة بالبناء على الاكثر إذا كان الشك من الشكوك الصحيحة، فلاموجب للتروي. نعم يلزمه مقدار من التروي لاجل إحراز أن الحالة التي هو عليها هل هي حالة الشك أو حالة الظن، وليس له البناء على الاكثر بمجرد عروض الشك مالم ينظر إلى حالة ثانيا، لاحتمال أن تكون حالته حالة الظن. وهذا في الحقيقة ليس من التروي الذي هوعبارة عن الفحص.

فإن الفحص على ما بيناه في الاصول عبارة عن تحصيل مقدمات العلم، لا النظر في المقدمات الحاصلة، كالنظر إلى الافق لمن كان على السطح، فإن هذا لا يعد فحصا فالتروي الذي نقول به في الركعتين الاخيرتين إنما هو لاجل إحراز عنوان الموضوع، حيث إن موضوع البناء على الاكثر هو الشاك. فلابد من إحراز أنه شاك. وذلك لا يكون إلا بالنظر إلى حاله ثانيا، وأما الزائد على ذلك فلا دليل على وجوبه والنبوي " إذا شك أحدكم فينظر أحرى ذلك إلى الصواب "(١) لا يدل على اعتبار أزيد مما ذكرناه، فتأمل جيدا.

الامر الثاني: قد عرفت أيضا أنه لا يجوز المضي على الشك في الركعتين الاوليتين. فهل الحكم في الاخيرتين كذلك. فليس له المشي على الشك إلا بعد البناء على مايقتضيه حكم الشك من البناء على الاكثر؟ فيه تفصيل فإنه تارة يمشي على الشك قبل إحراز حاله والنظر إلى نفسه ثانيا، فهذا لا يجوز له المشي على الشك.

____________________

(١) سنن أبي داود: ج ١ ص ٢٦٨ باب اذا صلى خمسا ح ١٠٢٠ نقلا بالمعنى. (*)


لعدم إحرام الموضوع، واخرى يمشي على الشك بعد إحراز حالة نفسه وأنه شاك، فتارة يعلم أو يطمئن بحصول الظن أو العلم لو أتى ببعض أفعال الصلاة في حال الشك، بحيث يتوقف حصول الظن على فعل ذلك البعض. كمن شك وهو في السجود وتوقف حصول الظن على رفع الرأس منه، فهذا لا إشكال في جواز رفع الرأس منه، إذ لاطريق له سوى ذلك، ولا يجب عليه أولا أن يبني على الاكثر ثم يرفع الرأس، لما عرفت من أن المراد بالبناء ليس الالتزام القلبي بل المراد منه العمل على الاكثر.

واخرى لايتوقف حصول الظن أو العلم على فعل بعض الاجزاء، بل يحصل ذلك بدون ذلك، كما إذا شك وهو ساجد مع أنه يعلم أو يطمئن بأنه لو بقي على حاله يجئ من يخبره بحاله بحيث يحصل من قوله الظن أو العلم ففي جواز رفع الرأس والحال هذه إشكال والاحوط عدم الرفع فتأمل.

الامر الثالث: في اعتبار الظن في عدد الركعات وأفعال الصلاة اعلم أن الظن إما أن يتعلق بعدد الركعات، وإما ان يتعلق بالافعال، وعلى كلا التقديرين إما أن يتعلق الظن بما يوجب صحة الصلاة، وإما أن يتعلق بما يوجب فسادها كمن ظن زيادة ركعة أو ركوع، ثم إن الظن بعدد الركعات إما أن يتعلق بالاوليتين وإما بالاخيرتين، فهذه جملة الاقسام التي ينبغي البحث عنها.

القسم الاول: ما إذا تعلق الظن بالركعتين الاخيرتين وكان متعلق الظن مما يوجب صحة الصلاة، كمن ظن بالثلاث الخاصة المتكفلة لبيان حكم الشك في الاخيرتين، مضافا إلى بعض الادلة العامة كما سيأتي بيانها.

القسم الثاني: ما إذا تعلق الظن بالركعتين الاوليتين، ففي اعتباره خلاف. والاقوى باعتباره فإن الظاهر من اعتبار الوهم في مثل قولهعليه‌السلام : إذا لم


تدركم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد(١) . هو جهة محرزيته وكاشفيته عن الواقع، لابما هو صفة قائمة في النفس، إذا اعتبار الظن على هذا الوجه بعيد.

وحينئذ يكون المراد من قوله ولم يقع وهمك على شئ هو عدم إحراز المشكوك بالظن، فيكون مفهومه عدم الاعادة عند إحراز أحد طرفي الشك بالظن، وبعد هذا لا يلاحظ النسبة بين هذا المفهوم وبين مادل على اعتبار الحفظ في الاوليتين، حيث إن مفهومه يدل على عدم اعتبار الظن والشك، وهذا المفهوم يدل على اعتبار الظن مطلقا سواء تعلق بالاوليتين أو الاخيرتين، وذلك الحكومة ما دل على اعتبار الظن على ما دل على اعتبار الحفظ، لان الظن يكون من الحفظ، ويدل على المختار أيضا النبوي المتقدم وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : " إذا شك أحدكم فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب "(٢) . ودعوى ضعف النبوي لا تسمع بعد عمل المشهور به. ودعوى أنه لم يعلم استناد المشهور القائلين باعتبار الظن في الاولتين إليه، ضعيفة.

أما (أولا) فلان عملهم به في الجملة ولو في مورد يكفي في جبره، ولا نحتاج إلى إحراز عملهم به في المقام بل العبرة في الجبر هو عدم إعراضهم عنه، وذلك يتحقق بالعمل به في الجملة.

وأما (ثانيا) فلكفاية مجرد مطابقة فتوى المشهور لمضمونه في جبره، بعدما لم يكن لهم مستند بين غيره.

ولو لا ذلك لفسد علينا طريق إحراز العمل الجابر لضعف السند، إذ العبرة في الجابر هو عمل القدماء، وليس بناء القدماء على الاستدلال بل هم من أهل المتون الخالية عن الاستدلال. والاستدلال إنما هو من

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٧ باب ١٥ من أبواب الخلل، ح ١.

(٢) سنن أبي داود: ج ١ ص ٢٦٨ باب اذا صلى خمسا، ح ١٠٢٠ نقلا بالمعنى. (*)


وظيفة الشراح الذين هم في الطبقة المتأخرة التي لاعبرة بعملهم في الجبر والكسر. فلابد من أن نكتفي في الجبر بمجرد تطابق فتوى المشهور لمضمون خبر ضعيف، مع عدم وجود مستند لفتواهم غيره، وليس ذلك عبارة عن حجية الشهرة التي بنينا على عدم حجيتها وقد استقصينا البحث في ذلك في مبحث التعادل والتراجيح.

وربما يستدل على المختار بخبر علي بن جعفر المروي في كتابه عن أخيهعليه‌السلام عن الرجل يسهو فيبني على الظن كيف يصنع أيفتتح الصلاة أم يقوم فيكبر ويقرأ؟ وهل عليه أذان وإقامة؟ وإن كان قدسها في الركعتين الاخراوين وقد فرغ من قراء‌ته هل عليه أن يسبح أن يكبر؟ قالعليه‌السلام : يبني على ماصلى إن كان قد فرغ من القراء‌ة فليس عليه قراء‌ة وليس عليه أذان ولا إقامة ولا سهو عليه(١) . ودلالته على المختار مبني على تقرير الامامعليه‌السلام البناء على الظن المذكور في السؤال، هذا. ولكن الانصاف أن الرواية لا يتحصل [ فيها ] المراد من السؤال والجواب، مع أنه في بعض النسخ " فيبني على ماصلى " بدل " " فيبني على ما ظن ". فالرواية غير صالحة للاستدلال بها على المختار. ويكفي للدلالة على المختار ما تقدم.

القسم الثالث: ما إذا تعلق الظن بالمبطل من حيث الركعات كمن ظن بالخمس. والاقوى أيضا اعتبار الظن فيه للنبوي المذكور، فإن المراد من " الاحرى إلى الصواب " هو الاخذ بالطرف الراجح مطابقته للواقع، إذ المراد من الصواب هو الواقع، فلا فرق بين تعلق الظن بالمصحح والمبطل.

وبذلك يظهر حكم القسم الرابع وهو الظن المتعلق بالافعال والتروك المعتبرة في الصلاة. فإن الاظهر اعتباره أيضا مطلقا سواء تعلق بالمصحح أو

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٧ باب ٧ من أبواب الخلل، ح ٣ باختلاف يسير. (*)


المبطل، لدلالة النبوي عليه مضافا إلى خبر علي بن جعفر المتقدم الذي يظهر من السؤال مفروغية اعتبار الظن، حيث كان جهة السؤال أمرا آخرا غير البناء على الظن، وربما تمسك على اعتبار الظن في الركعات والافعال بوجوه أخر لا تخلو عن ضعف فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع ما ألحقه السيد الجليل اليزدي -رحمه‌الله - بآخر ما حاشيته على المكاسب(١) .

الامر الرابع: لو شك في الشك فله صور: الاولى: لو شك بعد الفراغ في أنه شك في الصلاة على وجه أوجب صلاة الاحتياط، أو على وجه أوجب البطلان، فهذا لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ في حقه، ولا يلزمه شئ من صلاة الاحتياط ولا الاعادة. الثانية: لو شك بعد الفراغ في متعلق شكه مع علمه بأنه شك في الصلاة أحد الشكوك الصحيحة الذي لا يوجب الاعادة، ولكن شك في متعلقه من كون بين الاثنتين والثلاث، أو الثلاث والاربع، أو الاثنتين والثلاث والاربع، فمقتضى العلم الاجمالي هو الجمع بين الاحتياط بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس وركعتين من قيام، وسجود السهو، لو احتمل أن يكون شكه كان بين الاربع والخمس بعد الاكمال، بناء على ما سيأتي من لزوم سجدة السهو حينئذ.

وقد حكي عن بعض الفتاوى احتياط إعادة الصلاة أيضا. ولعل وجهه أن الجمع بين الصلوات الاحتياطية لا يوجب العلم بالبراء‌ة، لان صلاة الاحتياط إنما تكون جزء الصلاة، وليست هي صلاة مستقلة. على ما يأتي تفصيله إن شاء الله وحينئذ لو قدم الركعة من قيام أو الركعتين من جلوس على الركعتين من قيام فيحتمل أن يكون شكه كان بين الاثنتين والاربع، وكان حكمه الركعتين من

____________________

(١) حاشية المكاسب " لليزدى " ص ١٩٢.


قيام، فتكون الركعة القيامية أو الركعتين من جلوس وقعت فيما بين الصلاة وما هو في حكم جزئها من الركعتين من قيام. وهو موجب للبطلان، ولو قدم الركعتين من قيام على الركعة من قيام أو الركعتين من جلوس فيحتمل أن يكون شكه كان بين الثلاث والاربع أو الاثنتين والثلاث فيتحقق الفصل أيضا، هذا. ولكن لا يخفى عليك ضعف ذلك فإن أقصى ما يلزم من ذلك فوات الموالاة بين أجزاء الصلاة، وهو شرط غير ركني يسقط بحيث " لا تعاد"(١) على ماتقدم تفصيل البحث عن ذلك في بعض مباحث القواطع، فراجع وتأمل.

الثالثة: لو شك بعد الفراغ أو في الاثناء في متعلق شكه، ولكن كان أحد الشكوك المبطلة أيضا طرفا للعلم الاجمالي، كما إذا شك في أنه شكه كان بين الثلاث والاربع أو بين الواحدة والاثنتين، فقد يتوهم جريان قاعدة الفراغ أو التجاوز في مثل هذا، ويبني على الصحة ويفعل ما عليه من الصلاة الاحتياط، وليس عليه إعادة الصلاة. ولا يخفى فساد التوهم لان قاعدة الفراغ أو التجاوز لاتثبت متعلق شكه وأنه لم يكن بين الواحدة والاثنتين إلا على القول بالاصل المثبت، ومع عدم إثباتها ذلك يكون العلم الاجمالي بحاله.

وحينئذ ربما يتوهم اندراج ذلك في عموم قولهعليه‌السلام " لا يدري كم صلى ويلزمه إعادة الصلاة فقط(٢) ولا يلزمه الجمع بين الاعادة وصلاة الاحتياط، لان الحكم في من لم يدركم صلى هو الاعادة، هذا. ولكن ذلك على إطلاقه لا يستقيم لانه تارة يشك في أن شكه السابق كان بين الواحدة والاثنتين أو الاثنتين والثلاث أو الثلاث والاربع أو الاربع

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ من ابواب القبلة ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٧ باب ١٥ من ابواب الخلل، ح ١. (*)


والخمس، ففي مثل هذا لا يبعد اندارجه في عموم لا يدري كم صلى. واخرى يشك في أن شكه السابق كان بين الواحدة والاثنتين أو الثلاث والاربع، ولا يحتمل غير ذلك فهذا لا يندرج في العموم المذكور، بل يلزمه المشي على وفق العلم الاجمالي، نعم يمكن أن يقال بكفاية الاعادة، ولا يلزمه صلاة الاحتياط. لانحلال العلم الاجمالي بجريان البراء‌ة عن صلاة الاحتياط، وقاعدة الاشتغال بالنسبة إلى أصل الصلاة، وقد تقدم نظير ذلك في بعض المباحث السابقة عند دوران الامر الفائت بين أن يكون ركنا أو غير ركن.

الرابعة: لو شك بعد الفراغ أو في الاثناء في متعلق شكه، وأنه كان بين الاثنتين والثلاث قبل الاكمال أو كان بعد الاكمال؟ ففي مثل هذا يمكن أن يقال بجريان قاعدة الفراغ والتجاوز، لانه يعلم أنه شكه كان بين الاثنتين والثلاث، ولكن لم يعلم أنه كان قبل الاكمال حتى تبطل صلاته، أو بعد الاكمال حتى تصح، وحينئذ لا مانع من جريان قاعدة التجاوز، لان مقتضى وجوب التروي لوكان قبل الاكمال - كما تقدم ذلك - هو شرطية التروي للاجزاء اللاحقة، لما عرفت من عدم جواز المضي على الشك في الركعتين الاوليتين، وحينئذ مقتضى قاعدة التجاوز هو حصول ما هو الشرط للاجزاء اللاحقة من عدم المضي على الشك مع كون الشك قبل الاكمال والمفروض أنه شاك بين الاثنتين والثلاث بالوجدان فيكون مقتضى هذا الوجدان بضميمة قاعدة التجاوز صحة الصلاة، ويلزمه الاحتياط بركعة، ولا تكون قاعدة التجاوز في المقام مثبتة كما كانت في الصورة السابقة مثبتة، لان الصورة السابقة لم يكن عالما بمتعلق شكه.

وأنه كان بين الواحدة والاثنتين أو الثلاث والاربع، ومعلوم أن قاعدة التجاوز تثبت متعلق الشك، وهذا بخلاف هذه الصورة لان متعلق شكه معلوم. وهو خصوص الاثنتين والثلاث، وإنما الجهل كان متعلقا بما قبل


الاكمال أو بعده. ثم إن شيخنا الاستاذ - مدظله - قد ذكر في هذا المقام مسألة الشك في الاجزاء، وجريان قاعدة التجاوز فيها، وامتيازها عن قاعدة الفراغ.

ونحن حيث استقصينا الكلام في ذلك في الاصول لم نتعرض لذلك في المقام وأحلناه إلى ذلك المحل، ولم يأت - مد ظله - في هذا المقام بشئ لم يأت به في الاصول، بل ذكر في الاصول - ما لم يذكره في المقام، فالاولى عطف عنان الكلام إلى بيان ماذكره الاعلام من أحكام الشكوك التي لا عبرة بها ولا توجب شيئا من بطلان وعمل، وهي خمسة: الاول: الشك في الشك، المعتبر عنه في بعض الكلمات بأنه " لا سهو في السهو " كما هو مضمون الروايات(١) وإنما تعرضنا لذلك في هذا المقام لمناسبته للمباحث المتقدمة من أحكام الشكوك(٢) فنقول.

إنه قد ورد في عدة من الروايات جملة هي " لا سهو في السهو " وفى بعضها " لا سهو على السهو "(٣) وهذه الجملة تتحمل معادن عديدة، من حيث إن السهو لغة هو غروب المعنى عن الذهن فينطبق على النسيان وعلى الشك، لعدم انحفاظ صورة المعنى في الذهن في كل منهما، فيحتمل أن يكون المراد من السهو في الفقرتين الشك. كما أنه يحتمل أن يكون المراد منه النسيان. ويحتمل أيضا أن يكون المراد منه الاعم. ويحتمل التفرقة، بأن يراد من الاول الشك ومن الثاني

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤١ باب ٢٥ من أبواب الخلل، ح ٢.

(٢) لان الكلام في الشك يقع في مقامات ثلاث الاول في الشكوك المبطلة الثاني المشكوك الصحيحة التي توجب عملا الثالث الشكوك الصحيحة التي لا توجب وقد تقدم الكلام عم المقامين الاوليين وبقي الكلام في المقام الثالث فمن جملة الشكوك [ الصحيحة التي لا توجب] الشك في الشك.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٠ باب ٢٥ من أبواب الخلل، ح ١. (*)


السهو، ويحتمل العكس أيضا، كما أنه يحتمل أن يكون المراد من أحدهما خصوص السهو أو الشك، ومن الآخر الاعم.

ثم إنه يحتمل أن يكون المراد من السهو في الفقرتين موجب السهو بالكسر، ويحتمل أن يكون بالفتح، ثم إنه يحتمل أنه تكون كلمة " لا " نافية للجنس، ويحتمل أن تكون مشبهة ب‍ " ليس "، ويحتمل أن يكون السهو الثاني خبرا ل‍ " لا " والاول اسمها، ويحتمل أن يكون من متعلقات السهو الاول والخبر محذوف فيكون الظرف مستقرا.

وبالجملة: المحتملات في هذه الفقرتين كثيرة، بحيث لو اريد ضرب محتملات الاولى في محتملات الثاني لزادت عن ثلاثين، ولكن جملة منها ضعيفة جدا بل لا يصح المعنى معه كما لا يخفى على المتأمل، واصول المحتملات هي الثمانية التي ذكرها في الجواهر(١) .

ولمكان كثرة المحتملات اختلف فتوى الاعلام اختلافا فاحشا، حتى أفرط بعضهم وأخذ بجميع المحتملات الثمانية التي ذكرها في الجواهر، وأفتى بأنه لا حكم للسهو في صلاة الاحتياط من حيث الركعات والافعال، ولا حكم في السهو في سجدتي السهو من حيث الوجود كما إذا شك في أصل فعلها، أو من حيث أفعالها كما إذا شك في أنه سجد سجدة واحدة أو اثنتين، أو اثنتين أوثلاثا، ولا حكم في السهو في الاجزاء المقضية من التشهد والسجود، ولا حكم في الشك في الشك كماإذا لم يعلم أنه شك بين الثلاث والاربع، أو الاربع والخمس مثلا، ولا حكم للشك في فعل المشكوك كما إذا شك في السجود وهو في المحل ثم شك في فعله في محله بعد شكه الاول.

وبالجملة: جمع بين السهو بمعنى الشك وبمعنى النسيان، وجميع بين موجب السهو وموجبه فتحا وكسرا، هذا.

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٣٨٩


ولكن الانصاف أن ذلك كله أجنبي عن معنى الحديث، وليس السهو فيه بمعنى الشك ولا بمعنى النسيان ولا بمعنى الاعم، بل المراد من السهو هو المعنى المصطلح عليه في الاخبار، وهو عمل الشك من البناء على الاكثر والاتيان بما احتمل نقصه منفصلا، فإن هذا هو الذي عبر في الاخبار بالسهو.

كما يدل عليه قولهعليه‌السلام " ألا أجمع لك السهو كله في كلمتين، إلى أن قال: كلما شككت...(١) إلخ " فعبر بالسهو عن عمل الاحتياط، وحينئذ يكون المراد من السهو في قوله " لا سهو في سهو "(٢) هو ذلك أيضا، بل في نفس أخبار الباب ما يكون قرينة على ذلك.

فإنه في بعضها جمع بين قوله " لا سهو في المغرب ولا في الغداة ولا في النافلة ولا في المأموم - ومن جملة ما ذكر في الرواية - ولا على السهو سهو "(٣) . فإن وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من السهو المنفي معنى واحدا، ومن المعلوم أن بقية ماذكر في الرواية يراد منه عمل الاحتياط، وأنه ليس في صلاة المغرب من عمل الاحتياط عند الشك في ركعاتها من البناء على الاكثر والاتيان بما احتمل نقصه، وكذا في صلاة الصبح، وفي النافلة، وفي صلاة الامام والمأموم مع حفظ الاكثر، فإن السهو المنفي في جميع ذلك إنما يراد منه عمل الاحتياط، من باب تسمية المسبب باسم السبب، حيث إن السهو بمعنى الشك هو الذي يوجب علم الاحتياط، فعبر عن نفس مسبب الشك والسهو من عمل الاحتياط بالسهو.

وحينئذ يكون المراد من السهو المنفي في قوله " لا سهو في السهو " أيضا هو عمل الاحتياط، فيكون المعنى أنه ليس عمل الاحتياط في صلاة الاحتياط. وينطبق

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٧ باب ٨ من أبواب الخلل، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤١ باب ٢٥ من أبواب الخلل، ح ٢.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٠ من أبواب الخلل، ح ٨. (*)


على فتوى المشهور من نفي عمل الاحتياط عند الشك في عدد ركعات صلاة الاحتياط، بل يبني على الاكثر من دون احتياط لو شك بين الواحدة والاثنتين إذا كان احتياطه ركعتين. وعلى الاقل إن كانت ركعة واحدة، وكذا لو شك بين الاثنتين والثلاث فإنه يبني على الاثنتين فيأخذ بما هوالاصرف له على كل حال. فكأن الشارع لا حظ في صلاة الاحتياط حكم النافلة من حيث نفي عمل الاحتياط.

وحاصل الكلام: أن السهو المنفي إنما هو السهو المصطلح عليه في الاخبار في الشك في الركعتين الاخيرتين، والمراد منه هو الترفيع من البناء على الاكثر والاتيان بما احتمل نقصه. وحينئذ يختص قوله " لا سهو في سهو " في خصوص الشك في عدد ركعات الاحتياط، ولا يعم الشك في أفعالها، فضلا عن نسيانها، فضلا عن الشك في سجود السهو - من حيث الوجود أو من حيث الشك في عدده أو نسيانه - فضلا عن الشك في الاجزاء التي كان يجب عليه قضاؤها من التشهد والسجدة الواحدة، فضلا عن الشك في فعل المشكوك مع بقاء المحل، فضلا عن نسيان فعل المشكوك مع بقاء المحل الذي هذا آخر درجات الترقي. والالتزام بما لا يمكن الالتزام به. فإن في جميع ذلك لابد من العمل على ما تقتضيه القاعدة.

ففي الشك في أفعال ركعات الاحتياط لابد من العمل على مايقتضيه الشك، فإن كان في المحل أتى به، وإن كان خارج المحل لم يلتفت، وكذا الحال في نسيانها فإنه يأتي بهاعند التذكر مع بقاء المحل من عدم الدخول في الركن اللاحق، ومع الدخول يمضي في صلاته إن لم يكن المنسي ركنا، وإلا بطلت على حذو ما سمعت في أصل الفريضة، وفي الشك في سجود السهو لابد من الاتيان به، إذا شك في أصل وجوده وأنه فعله أو لم يفعله، وإن شك في عدد السجود، فإن شك في الزائد عن العدد المعتبر فيه فالاصل عدم الزيادة، ولايلتفت إلى شكه. وإن


شك في نفس العدد المعتبر يأتي به مع بقاء محله. وإلا لم يلتفت.

وإن نسي وأتى بالزائد عن العدد بأن سجد ثلاث سجدات أو سجدة واحدة لم يلتفت ايضا، لاصالة براء‌ة ذمته عن لزوم سجود السهو لمثل هذا السهو، فإن مادل على لزوم سجود السهو عند فعل موجبه مقصور بالصلاة. ولا يعم مثل هذا السهو، فلا دليل على لزوم سجود السهو. ومعه لا حاجة إلى نفيه بمثل " لا سهو في سهو "(١) الذي قد عرفت دلالته، وأنه أجنبي عن إفادته ذلك.

وإن شك في الاجزاء المنسية عمل أيضا على حسب ما يقتضيه الشك. فإن شك في أصل فعلها أو نسي فعلها أتى بها، وإن شك أو نسي بعض مايعتبر فيها لم يلتفت إذا خرج عن المحل. وأتى به مع بقاء المحل. ولو شك في فعل المشكوك كمن شك في السجود. ثم شك في الاتيان به لزمه الاتيان به مع بقاء المحل، فضلا عما إذا نسي فعله وتذكر مع بقاء المحل، ومن الغريب القول بعدم لزوم فعله تمسكا بمثل قوله " لا سهو في السهو " الذي قد عرفت دلالته وأنه لا ينفي إلا الاحتياط عند الشك في ركعات الاحتياط.

ثم إنه لو تنزلها عما استفدناه من معنى الحديث وقلنا: إنه ليس المراد من السهو ذلك، فلابد من أن يكون المراد من السهو معناه الاعم من الشك والنسيان، إذ حمله على أحدهما بلا موجب وليس على إرادة أحدهما قرينة، فينبغي البحث عن مقدار دلالته بناء على هذا، فنقول: إن الظاهر من قوله " لا سهو في سهو " هو أن كل ما كان السهو علة لوجوده فالسهو فيه مما لا أثر له، ولايوجب حكما، وبعبارة اخرى: كل شي ترتب على السهو والشك في الصلاة بأن يكون السهو عليه لترتب ذلك وتمام الموجب، فعند

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤١ باب ٢٥ من أبواب الخلل، ح ٢. (*)


السهو والشك في ذلك الشئ لايترتب شئ ولا يوجب ترتب أحكام السهو على مثل هذا السهو.

ومن المعلوم أن الشئ الذي يكون السهو علة تامة له ليس إلا صلاة الاحتياط وسجود السهو. فإن هذا هو الذي يثبت بالسهو في الصلاة على وجه يكون السهو فيها علة تامة لثبوته. وأما عدا ذلك حتى قضاء الاجزاء المنسية من التشهد والسجدة الواحدة فليس من موجبات السهو. فإن فعلها إنما يكون لكونها من أجزاء الصلاة وأن الامر الصلاتي يقتضي الاتيان بها، غايته أنه آخر محلها. وليست كسجود السهو مما يكون التكليف به لاجل النسيان والشك. بل التكليف بها لاجل بقائها على الجزئية.

ولم تخرج عنها بسبب النسيان، وإنما النسيان أوجب فعلها في غير محلها.

فإذا كان هذا حال الاجزاء المنسية فما ظنك بغيرها مما قالوا به في المقام كالشك في فعل المشكوك وهو في المحل أو نسيانه، فإن فعله ليس لاجل الشك والنسيان بل لاجل اقتضاء أمر الصلاة ذلك فيكون فعله على القاعدة، أما في صورة النسيان فواضح أن فعل المنسي من مقتضيات الامر الصلاتي مع بقاء محله، وهو عدم الدخول في الركن اللاحق. وأما في صورة الشك فلاصالة عدم فعله المقتضية لفعله، فليس هذا من موجبات السهو حتى ينفي بمثل قوله " لا سهو في سهو " فينحصر المنفي بما كان السهو موجبا له وعلة تامة لثبوته وهو فعل الاحتياط وسجود السهو.

وحينئذ نقول: أما سجود السهو فالسهو فيه لا يقتضي سجود السهو ولو لم يكن لنا قوله " لا سهو في سهو " لعدم الدليل على ذلك، فإن مادل على وجوب سجود السهو عند السهو مختص بصورة السهو في الصلاة فلا يعم غيرها.

وأما السهو في صلاة الاحتياط، فالسهو في عدد ركعاتها مندرج تحت قوله " لاسهو في سهو " وأما السهو في أفعالها فإن كان محلها باقيا يلزمه فعلها، لان


أصل صلاة الاحتياط من موجبات السهو لا أفعالها وأجزائها فتأمل، وإن فات محلها فليس عليه شئ ولا يلزمه سجود السهو، لاندراجه تحت قوله " لا سهو في سهو " بناء على هذا المعنى، لان وجوب السهو عليه يكون من مقتضيات نفس السهو حينئذ، فيكون منفيا.

فتحصل: أنه لا تظهر الثمرة بين ما اخترناه من المعنى وبين هذا المعنى إلا في وجوب سجود السهو عليه عند السهو في صلاة الاحتياط. بناء على ما اخترناه من المعنى، وعدم وجوبه بناء على هذا المعنى. فيكون ما أفتى به بعض في هذا المقام مما لا دليل عليه، فراجع كلمات القوم وتأمل فيها.

وعلى كل حال قد عرفت أن الاقوى بحسب السياق هو ما اخترناه من المعنى في قوله " لا سهو في سهو " وأن المنفي فيه خصوص صلاة الاحتياط عند الشك في عدد ركعاتها، كما أنه هو المراد من السهو المنفي في سائر الفقرات المذكورة في الرواية من قوله " لاسهو في المغرب والصبح والنافلة وكل من الامام والاموم مع حفظ الآخر"(١) فإن المراد من السهو في جميع ذلك هو عمل الاحتياط نعم لا يستفاد من الرواية أزيد من ذلك.

وأما بطلان صلاة المغرب والصبح بالشك، وعدم بطلانها به في النافلة مع التخيير فيها بين البناء على الاقل والاكثر. وكذا عدم البطلان بالشك في صلاة الاحتياط والاخذ بالصرفة، من البناء على الاقل لو شك في الزائد عن العدد المعتبر فيها كالشك بين الاثنتين والثلاث، والبناء على الاكثر لو لم يشك في الزائد كالشك بين الواحدة والاثنتين، فهو إنما يكون من دليل خارج، وإلا فنفس نفي السهو في المذكورات لايقتضي هذا التفصيل، بل غاية ما يقتضيه نفى صلاة الاحتياط.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٠ باب ٢٤ من أبواب الخلل، ح ٨ نقلا بالمعنى.


وحينئذ نقول: أما بطلان الفريضة بالشك في صلاة المغرب والصبح فلمكان الادلة التي اعتبرت الحفظ فيهما. وأما عدم البطلان في النافلة فيمكن أن يكون ذلك لاجل مناسبة الحكم والموضوع، والتوسعة بما لا يوسع في الفريضة. وأما التخيير فيها فلمكان عدم مايقتضي الاخذ بأحد طرفي الشك، فلابد من التخيير.

وأما عدم البطلان بالشك في الاحتياط فلان حكم الاحتياط الذي يكون بدلا عن الركعتين الاخيرتين لايزيد عن حكم المبدل، فكيف يكون الشك فيه مبطلا مع عدم كونه مبطلا في الركعتين الاخيرتين، وأما البناء على الاقل عند الشك في الزائد فلاصالة عدم الزائد الذي قد عرفت جريانها في نفس الفريضة. وأما البناء على الاكثر إن لم يكن الشك في الزائد فلان ذلك حكم المبدل، حيث كان حكم الشك في الركعتين الاخيرتين البناء على الاكثر مع صلاة الاحتياط. وقوله " لا سهو في سهو " نفى الاحتياط عند الشك في صلاة الاحتياط، ويبقى البناء على الاكثر الشامل للمقام. حيث إن مطلقات عمار المتقدمة الآمرة بالبناء على الاكثر كانت تعم كل صلاة حتى صلاة الاحتياط، فتأمل في أطراف ماذكرناه.

القسم الثاني: من الشكوك الصحيحة التي لا توجب شيئا: شك كل من الامام والمأموم مع حفظ الآخر كمافي عدة من الروايات(١) فكأن الشارع جعل حفظ أحدهما حفظ الآخر، وألغى شكه لمكان اعتبار وحدة صلاة الامام والمأموم، وروعي في الجماعة وحدة الصلاة في جملة من الاحكام كالقراء‌ة والاذان والاقامة حيث يكتفى به من أحدهما. ومن جملتها هذا الحكم حيث جعل حفظ أحدهما حفظ الآخر وعدم الاعتناء بشكه. وهذا في الجملة مما لا إشكال فيه. وينبغي التنبيه على امور

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٠ باب ٢٤ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة. (*)


الاول: مقتضى إطلاق النص أنه لا فرق في المأموم الذي يرجع إليه الامام بين أن يكون عادلا أو فاسقا، لان الاعتماد على حفظه لا على قوله وإخباره حتى يقال: إنه لا عبرة بإخبار الفساق، وكذا ظاهر إطلاق النفص أنه لا فرق في المأموم بين أن يكون رجلا أو امرأة، ودعوى انصرافه إلى الرجل ممنوعة. بل مقتضى الاطلاق أنه لا فرق بين أن يكون بالغا أوغير بالغ بناء على شرعية عبادات الصبي. ودعوى الانصراف إلى البالغ قد عرفت منعها.

الامر الثاني: لا إشكال في رجوع الشاك إلى القاطع، فإنه المتيقن من النص. وأما رجوع الشاك إلى الظان فقد يتأمل فيه. بدعوى أن المنصرف إليه من الحفظ هو اليقين والحفظ العلمي لا الحفظ الظني، بل قد يتأمل في إطلاق الحفظ على الظن، هذا.

ولكن الانصاف أنه مما لا ينبغي التأمل فيه، فإنه بعد البناء على اعتبار الظن في الصلاة وأنه محرز للواقع يكون الظان حافظا للواقع، ويكون رجوع الشاك إليه رجوعا إلى الحافظ، ودعوى الانصراف إلى العلم مما لا مساس لها، وإلا كان اللازم أن يقال: إنه في كل مورد اخذ العلم طريقا إلى الواقع لا يقوم الظن مقامه. لانصراف إلى الاحراز العلمي وهو كما ترى، بل الانصراف في أمثال المقام مما لا معنى له، وذلك لان الانصراف إنما يكون في الالفاظ التي تكون لها معان كلية تحتها أفراد متواطئة بحسب الحقيقة والهوية، ومقولة بالتشكيك بحسب الصدق على ماله من الاقسام. كانصراف الانسان إلى ذي رأس واحد وذي حقو واحد.

وأما في وجوب الحكومات فلا معنى للانصراف، فإن المفروض أن دليل المحكوم لا يعم ما تكفله دليل الحاكم، ولا يكون من أفراد المحكوم حقيقة بل مباين له بحسب الحقيقة. وشان دليل الحاكم هو إدخال مالا يكون داخلا وإخراج مالا يكون خارجا. مثلا فيما إذا اخذ العلم جزء للموضوع على وجه الطريقية.


فهذا العلم مما لا وجه لدعوى انصرافه إلى بعض أفراده، لان المفروض أنه ليس للعلم مراتب حتى يدعى أنه منصرف إلى بعض مراتبه.

والظن ليس فردا للعلم حقيقة، فلا يمعه حتى يدعى انصراف العلم عنه. ولكن دليل حجيته يجعله علما وإحرازا وحينئذ نقول: إن لفظه الحفظ في هذه الاخبار وإن لم تعم الظن حقيقة. ولكن دليل حجية الظن في الصلاة يجعله حفظا وإحرازا، فإذا صار حفظا يعمه أدلة الباب من رجوع الشاك إلى الحافظ، وأن حفظ أحدهما حفظ الآخر. فلا مناص عن القول برجوع الشاك إلى الظان.

الامر الثالث: لو كان أحدهما قاطعا والآخر ظانا ففي رجوع الظان إلى القاطع نظر، الاقوى عدم الرجوع لان الظان حافظ كالقاطع، ولا معنى لرجوع الحافظ إلى حفظ آخر. وما يقال من أن صلاة الجماعة حيث اعتبرت بمنزلة صلاة واحدة، فلابأس من تقدم القاطع على الظان، لعدم اعتبار الظن مع القطع بالخلاف لو فرض محالا اجتماعهما في شخص واحد، ففي غاية السقوط. فإن اعتبار وحدة صلاة الجماعة ليس مطلقا بل في بعض الاحكام.

مع أنه لو فرض اعتبار الوحدة مطلقا فإنما هو فيمايمكن من الاحكام، ومعلوم أن اجتماع الظن والقطع في صلاة واحدة محال، ومع استحالته كيف يقال بأن الجماعة اعتبرت واحدة من هذه الجهة أيضا، إذا الكلام في المقام فيما يستفاد من الاخبار وفرض إمكان الاجتماع لايجعله ممكنا وواقعا حتى يقال بتستريته إلى الجماعة التي اعتبرت صلات واحدة.

وبالجملة: لا ينبغي الاشكال في عدم جواز رجوع الظان إلى القاطع بعد اعتبار الظن في الصلاة.

الامر الرابع: الظاهر أنه لافرق في رجوع الشاك إلى الحافظ بين أن يكون ذلك. في الاوليتين أو الاخيرتين، لما عرفت من أن الظاهر من الاخبار هو تنزيل حفظ أحدهما منزلة حفظ الآخر، فيكون ذلك حاكما على مادل على اعتبار


الحفظ في الركعتين الاوليتين.

الامر الخامس: لو قامت البينة أو الخبر الواحد بناء على اعتباره على خلاف الظن، فتارة تقوم البينة عند شخص الظان، كما لو فرض أن المأموم، كان ظانا وقامت البينة عنده على خلاف ظنه. واخرى تقوم البينة عند الشاك، كما لو قامت البينة في الفرض عند الامام، فإن قامت البينة عند شخص الظان على خلاف ظنه، فالظاهر أنه يكون من باب تعارض الحجتين، لان كلا من البينة والظن حجة. وليس أحدهما حاكما على الآخر، إذ لم يؤخذ في حجية أحدهما ما يكون الآخر رافعا له حتى تتحقق الحكومة.

فلابد من وقوع التعارض بينهما ويكون حكمه حكم الشاك هذا بالنسبة إلى المأموم الظان الذي قامت البينة عنده على الخلاف.

وأما بالنسبة إلى الامام الشاك الذي اطلع على قيام البينة عند المأموم، فإن قلنا: إن قيام البينة عند أحد لا يوجب حجيتها بالنسبة إلى من اطلع عليها بل حجية البينة مقصورة بمن قامت عنده أو تعقبها حكم الحاكم فلا إشكال في المسألة. فإن البينة القائمة عند المأموم لا تكون حجتة بالنسبة إلى الامام، فيعمل الامام على وفق ما يقتضيه شكه.

وإن قلنا: بحجية البينة حتى بالنسبة إلى من لم تقم البينة عنده، فأقصاه أنه يقع التعارض أيضا بين البينة وظن المأموم، فإن كلا منهما يكون حجة في حق الامام فيتعارضان في حقه كما تعارضا في حق المأموم، هذا إذا قامت البينة عند المأموم. وأما إذا قامت البينة عند الامام على خلاف ظن المأموم، فيقع التعارض أيضا بين البينة وبين ظن المأموم بالنسبة إلى الامام، وأما بالنسبة إلى المأموم فمبني على حجية البينة القائمة عند الامام، فإن قلنا: بحجيتها في حقه أيضا فيقع التعارض بينهما في حق المأموم أيضا، وإن قلنا: بعدم حجيتها إلا بالنسبة إلى من قامت عنده فيكون ظن المأموم حينئذ بلا معارض


فيعمل على وفقه. ومن هنا ظهر أنه لو كان كل من الامام والمأموم ظانا على خلاف الآخر. وقامت البينة عند المأموم على خلاف ظنه. وقلنا بعدم حجية البينة في حق الامام، فيبقى ظن الامام بلا معارض فيعمل على وفق ظنه.

الامر السادس: قد عرفت أنه لا إشكال في رجوع الشاك إلى الظان، وأما لو لم يكن أحدهما ظانا، ولكن قامت البينة عنده على أحد طرفي شكه، وقلنا: بعدم اعتبار البينة عند الآخر الذي لم تقم عنده، فلا إشكال بالنسبة إلى من قامت البينة، وأنه يعمل على وفق البينة، ويكون محرزا للواقع ببركة البينة. وحينئذ فهل للآخر الرجوع اليه بدعوى أنه يكون حافظا فيندرج في أخبار الباب من رجوع الشاك إلى الحافظ، أو أنه ليس له الرجوع بدعوى أنه لم يكن حافظا حقيقة بمعنى أنه لا يستند الحفظ إلى نفسه، وإنما الحافظ هو البينة غايته أن الشارع جعل حفظ البينة حفظ من قامت عنده تنزيلا. والظاهر من أخبار الباب من رجوع الشاك إلى الحافظ هو أن يكون الشخص حافظا بنفسه، ولا منافاة بين عدم كون حافظا بنفسه وبين حجية البينة في حقه، وقد اختار هذا الوجه شيخنا الاستاذ - مد ظله - والتزم بعدم رجوع الشاك إلى من قامت البينة عنده، فتأمل.

الامر السابع: لو اختلف المأمون وكان بعضهم ظانا أو متيقنا على خلاف ظن الآخر أو يقينه. فلا يخلو إما أن يكون الامام ظانا أيضا وإما أن يكون شاكا، فإن كان شاكا فلا إشكال في أنه يلزمه العمل على وفق شكه ولا يرجع إلى المأمومين، لان اختلاف ظن المأمومين يكون من تعارض الحجتين بالنسبة إلى الامام، وأما المأمومون فيعمل كل على ظنه. لان ظن المأموم ليس حجة على مأموم آخر.

حتى يكون بالنسبة إليهم أيضا من تعارض الحجتين. وإن كان ظانا فمقتضى القاعدة هو العمل بظنه أيضا، سواء وافق ظن المأموم أو خالفه، كما لو


ظن الاربع مع أن المأمومين بعضهم ظن الثلاث وبعضهم ظن الاثنتين، فيعمل كل على ظنه.

وربما يقال: إن الامام لا يعمل على ظنه إذا كان المأموم قاطعين، وإن اختلف قطعهم بأن كان بعضهم قاطعا على أن الصلاة ركعتان والآخر على ثلاثة، وكان الة مام ظانا للثلاث أو الاثنتين، وقد استدل على ذلك بمرسلة يونس عن الصادقعليه‌السلام سألته عن الامام يصلي بأربعة أنفس أو خمسة فيسبح اثنان على أنهم صلوا ثلاثة ويسبح ثلاثة على أنهم صلوا أربعا ويقول هؤلاء قوموا ويقول هؤلاء اقعدوا والامام مائل إلى أحدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه؟ قالعليه‌السلام : ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق منهم وليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام(١) وفي بعض النسخ " بإيقان " منهم بدل " باتفاق ".

فإن نفي السهو عن الامام قد علق بصورة اتفقا المأمومين، فيدل على أنهم لو لم يتفقوا فعلى الامام السهو وإن كان ظانا بحفظ أحد الطائفتين، حيث إن السؤال كان متضمنا لصورة الظن والشك. وبهذه الرواية ربما يستدل على رجوع الظان إلى المتيقن، فإن المأمومين لو كانوا كلهم متفقين على شئ، فالامام يرجع إليهم مع أنه ظان بالخلاف، حسب مايدل عليه المفهوم، هذا.

ولكن لو حمل الميل في السؤال على صورة الظن يلزم القول بعدم حجية الظن بالنسبة إلى شخص الامام، حيث يدل على ثبوت السهو في صورة عدم اتفاقهم، ولو كان الامام ظانا بصدق إحدى الطائفتين، ولازمه عدم حجية الظن في حقه وهو - كما ترى - مما لا قائل به، فلابد من حمل الميل على غير صورة الظن، بأن يكون المراد منه مجرد رجحان

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٠ باب ٢٤ من ابواب الخلل، ح ٨. (*)


إحدى الطائفتين في نظر الامام من حيث العدد أو الوثاقة من دون أن يحصل له الظن، وإن أبيت عن ذلك فلابد من طرح الرواية لعدم العمل بمضمونها. وعلى كل حال فمقتضى القاعدة هو عمل الامام بظنه، سواء وافق ظنه ظن المأمومين جميعا أو خالفهم أو وافق بعضا وخالف آخر.

الامر الثامن: لو اختلف المأمون وكان بعضهم ظانا والآخر شاكا، فلا ينبغي الاشكال في رجوع الامام إلى الظان إذا كان شاكا، ولا يعتبر في الرجوع اتفاق المأمومين في الحفظ. نعم ربما يتوهم دلالة مرسلة يونس السابقة على الاتفاق، حيث إنهعليه‌السلام خص صورة الرجوع باتفاق المأمومين عند اختلافهم. ولكن الظاهر اعتبار الاتفاق في صورة اختلاف المأمومين في الحفظ، بأن كان بعضهم حافلا خلاف، ماكان الآخر حافظا له. كما هو مورد السؤال، لا ما إذا كان بعضهم حافظا والآخر شاكا كما فيما نحن فيه.

وليس في الرواية إطلاق يمكن التمسك به لما نحن فيه، مع أنه قد عرفت أن في بعض النسخ " إيقان " بدل " الاتفاق " وإن كان الظاهر أنه لا يفرق بين لفظة الايقان والاتفاق، فإن الظاهر من قوله " بإيقان منهم " إيقان الجميع أيضا، فيتحد مفاده مع مفاد الاتفاق. فالعمدة هو أنه لا إطلاق في الرواية يشمل ما نحن فيه فلابد من رجوع الامام إلى الظان أو المتيقن من المأمومين، وأما الشاك من المأمومين فليس له الرجوع إلى المأموم الحافظ، إذا حفظ المأموم لم يجعل حجة بالنسبة إلى المأموم آخر.

وفي رجوعه إلى الامام بعد رجوع الامام إلى الحافظ إشكال ينشأ من تنزيل حفظ المأموم يرجع الشاك الامام، فيكون الامام حافظا لمكان حظ بعض المأمومين، وحينئذ الاشك إلى الحافظ هو أن يكون الشخص حافظا بنفسه حقيقة وليس الامام في


المقام حافظا حقيقة، وقد تقدم الاشكال في رجوع الشاك إلى من قامت البينة عنده، فتأمل جيدا.

الامر التاسع: لو كان كل من الامام والمأموم شاكا ولم يكن في البين حافظ، فتارة يتحد متعلق شكهما كما إذاكان كل منهما شاكا بين الثلاث والاربع، واحرى يختلف متعلق شكهما. وفي صورة الاختلاف تارة لا يجمع شكهما رابطة كماإذا شك الامام بين الاربع والخمس، والمأموم بين الاثنتين والثلاث واخرى يجمع شكهما رابطة كماإذا شك الامام بين الثلاث والاربع، والمأموم بين الاثنتين والثلاث، فإنه يجتمع شكهما في الثلاث. وكذا لو كان الشك المأموم بين الاثنتين والثلاث والاربع فإنه أيضا تكون الثالث رابطة بين الشك الامام والمأموم، وإن كان فرق بين المثالين، من حيث بساطة شك المأموم في أحدها وتركيبه في الآخر.

فهذه جملة الاقسام المتصورة في شك الامام والمأموم التي وقع البحث عنها في المقام، فنقول: أما القسم الاول: وهوما إذا اتحد متعلق شك كل من الامام والمأموم. فلا إشكال في أن كلا منهما يعمل عمل الشك ويأتي بالاحتياط حسب ما اقتضاه شكه، نعم في جواز البقاء على الجماعة حتى في صلاة الاحتياط إشكال يأتي بيانه.

وكذا الاشكال في القسم الثاني: وهو ما إذا اختلف متعلق الشك ولم يجمعهما رابطة فإنه أيضا يعمل كل منهما عمل شكه ويحتاط، وفي جواز الاقتداء في صلاة الاحتياط إشكال لعله أقوى من الاقتداء في القمس الاول ويأتي بيانه أيضا.

وأما القسم الثالث: وهو ما إذا جمع شكهما رابطة، فالمحكي عن جماعة هو رجوع كل منهما إلى الرابعة ويلغي كل منهما ما انفرد به من الشك، فان كلا منهما


يكون حافظا لما انفرد به الآخر من الشك، مثلا لو شك المأموم بين الثلاث والاربع والامام بين الاثنتين والثلاث، فيكون المأموم حافظا لثلاث شاكا في الاربع، والامام حافظا لعدم الاربع وشاكا في الثلاث، فالامام يرجع إلى الامام في حفظه وهو الثلاث، والمأموم يرجع إلى الامام في حفظه وهو عدم الاربع، فيجتمعان في الثلاث. وربما يفصل بين ما إذا بقي لاحدهما شك بعد الرجوع إلى الرابطة وبين ماإذا لم يبق، ففي الاول لا يرجع إلى الرابطة بل يعمل كل على حسب مايقتضيه شكه، وفي الثاني يرجع إلى الرابطة، مثال الاول ما إذا كان المأموم شاكا بين الثلاث والاربع والة مام شاكا بين الاثنتين والثلاث والاربع، فإن الرابطة في المقام هي الثلاث، ولكن لو رجع الامام إلى الثلاث يبقى شكه بالنسبة إلى الاربع بحاله، لان المأموم لم يكن حافظا لعدم الاربع، لان المفروض أن الاربع طرف شك المأموم فكيف يكون حافظا لها. نعم هو حافظ لثلاث والامام ليس حافظا لها لاحتماله الاثنتين، وأما بالنسبة إلى الربع فليس أحدهما حافظا لها، وحينئذ لا يمكن الرجوع، هذا.

ولكن لا يخفى ما في أصل المسألة من الاشكال، حتى ما لو فرض أن الرجوع إلى الرابطة يوجب رفع الشك من البين كالمثال الوأل، فإن أدلة الباب الدالة على الرجوع إلى الحافظ منصرفة عن مثل هذا الحفظ، فإن الحفظ ينصرف إلى اليقين أو الظن على وجه لا يكون الشخص شاكا، ولا يصدق عنوان الحافظ فيما نحن فيه لا بالنسبة إلى الامام ولا بالنسبة إلى المأموم، فحينئذ لاينبغي ترك الاحتياط بالرجوع إلى الرابطة وإتمام الصلاة، ثم الاحتياط بإعادتها بالنسبة إلى من بنى على الاقل كالمأموم في المثال المتقدم، وبركعة الاحتياط بالنسبة إلى من بنى على الاكثر كالامام في المثال.


وتوهم أنه لا يمكن الاتياط في المقام لدوران الامر بين المحذورين، لان المأموم في المثال يدور أمره بين البناء على الثالث لمكان احتمال اندارجه في أدلة الباب، وبين البناء على الاربع لاحتمال اندارجه في أدلة الشك، فلا يمكنه الاحتياط، ضعيف إن ذلك فيما تساوى الاحتمالان، والمقام ليس كذلك، لقوة احتمال اندارج ما نحن فيه في أدلة الباب من الرجوع إلى الرابطة، لانه يمكن منع الانصارف وأنه بدوي لا عبرة به. فلا ينبغي التأمل في أن مقتضي الاحتياط ماذكرناه.

الامر العاشر: هل يلحق الشك بالافعال بالشك في الركعات من حيث الرجوع إلى الحافظ أو لا يلحق؟ الحق فيه التفصيل، فإنه تارة يكون الشك من أحدهمالاجل احتمال التخلف عن الآخر لموجب من زحام أو غيره، واخرى يكون لاجل احتمال ترك الآخر الجزء المشكوك مع علمه بعدم التخلف وملازمته للآخر في الافعال، مثلا لو شك المأموم في السجدة الاخيرة مع حفظ الامام لها وعلمه أو ظنه بفعلها، فتارة يكون شك المأموم في السجدة لاحتمال تخلفه عن الامام وأنه منعه الزحام مثلا عن السجود مع الامام، واخرى لا يحتمل ذلك بل يكون شكه في السجدة لاحتمال عدم فعل الامام لها نسيانا. فإن كان شكه على الوجه الاول فليس له الرجوع إلى حفظ الامام بل يعمل ما يقتضيه شكه من فعل السجدة إذا كان في المحل، لانه لا دليل على الرجوع في مثل هذا بعدما كانت أدلة الباب مختصة بالشك في عدد الركعات.

حيث إن المراد من قوله " لا سهو للامام(١) ... إلخ " هو نفي عمل السهو من ركعات الاحتياط على ما تقدم تفصيله. وهو مختص بالشك في عدد الركعات.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٨ باب ٢٤ من ابواب الخلل، ح ٣ نقلا بالمعنى. (*)


وأما إذا كان الشك على الوجه الثاني فيمكن القول بالرجوع. فإنه أدلة الباب وإن كانت لا تعمه لفظا إلا أنها تعمه مناطا. أما عدم عمومها لفظا فلما عرفت من أن المراد من نفي السهو هو ركعة الاحتياط لا الاجزاء، وأما عمومها مناطا فلان الظاهر من قولهعليه‌السلام " ليس على الامام سهو إذا حفظ من خلفه "(١) هو كون حفظ أحدهما هو العلة في نفس السهو، وكأن حفظ أحدهما بمنزلة الامارة لفعل الآخر.

فإذا لم يكن شك الامام أو المأموم من جهة التخلف بل من جهة احتمال ترك صاحبه، والمفروض أن صاحبه حافظ لفعله، فكأن حفظه حفظ الآخر فلا يعتني بشكه. وهذا بخلاف ما إذاكان شكه من جهة احتمال التخلف، فإن حفظه لا ربط له وبه وليس موقع التنزيل. بل يمكن أن يقال بهذا التفصيل في الشك في عدد الركعات، فإن عدم العبرة بشك أحدهما مع حفظ أحدهما إنما يكون فيما إذاتلازما في الركعات وشك أحدهما من جهة احتمال ترك صاحبه ركعة، وأما إذا لم يكن الشك كذلك، بل شك المأموم من جهة احتمال كونه مسبوقا بركعة أو منعه الزحام عن متابعة الامام فلس هذا مندرجا في أخبار الباب، بل يلزم المأموم العمل على وفق شكه ولا يفيده حفظ الاما، هذا تمام الكلام في شك الامام والمأموم.

بقي في المقام حكم السهو في كل منهما فنقول: السهو إما أن يكون من الامام، وإما أن يكون من المأموم، وإما أن يكون من كليهما، فإن كان من الامام وجب العمل بما يوجبه من التدارك إن كان العمل باقيا، إن لم يكن المنسي ركنا والبطلان إن كان هو، وقضاء الاجزاء التي يجب قضاؤها وسجود السهو، وهذا مما لا إشكال فيه. إنما الاشكال في متابعة المأموم له عند فعل الامام موجبات السهو،

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٠ باب ٢٤ من ابواب الخلل ح ٨. (*)


فربما قيل: بوجبو متابعته فلو عاد الامام إلى السجود المنسي عاد المأموم أيضا. وكذا تابعه في قضاء الاجزاء وسجود السهو. ولعل وجهه وجوب متابعة المأموم للامام في الافعال ولا يخفى ضعفه. فإن المتابعة إنما تجب في أفعال الصلاة. فمثل سجود السهو لا يجب المتابعة فيه، لعدم كونه من أجزاء الصلاة.

وأما قضاء الاجزاء المنسية وكذا العود إلى التدارك في المحل، فإنها وإن كانت من أجزاء الصلاة إلا أن المفروض أن المأموم قد أتى بها في محلها. فلا موجب لمتابعته للامام. وربما يوجه بإنه لولا المتابعة لا ختلت الهيئة والنظم المعتبر في صلاة الجماعة، فإنه لو رجع الامام من القيام إلى التدارك السجود المنسي والمأموم لم يتابعه وبقي قائما يلزم اختلال نظم الجماعة، ولعله لاجل ذلك قيل: بأنه يرجع المأموم ولكن لا يسجد مع الامام بل يبقى قاعدا إلى أن يسجد الامام فيقوما معا. ولا يخفى عليك ضعفه فإن اعتبار الهيئة على هذا الوجه مما لا دليل عليه، ولذا افتوا بأنه لو كبر المأموم ولم يدرك الامام في ركوعه بقي قائما إلى أن يقوم الامام من ركعته، نعم حكي عن بعض أنه يتابعه في السجود. وعلى كل حال لا دليل على وجوب متابعة المأموم للامام في موجبات سهوه. نعم في خصوص سجود السهو وردت رواية ظاهرها وجوب المتابعة.

وهي الموثقة: عن الرجل يدخل مع الامام وقد سبقه الامام بركعة أو أكثر فسها الامام كيف يصنع؟ فقال: إذا سلم الة مام سجد سجدتي السهو ولا يسجد الرجل الذي دخل معه، وإدا قام وبنى على صلاته وأتمها وسلم سجد الرجل سجدتي السهو(١) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٩ باب ٢٤ من أبواب الخلل، ح ٧ باختلاف يسير. (*)


ولكن الظاهر عدم عمل المشهور بالرواية مع موافقتها للعامة. فالاقوى أنه لا يجب المتابعة حتى في سجود السهو هذا كله إذاكان السهو من الامام. وأما إذا كان من المأموم فلا إشكال في أنه يجب عليه التدارك مع بقاء المحل.

وأما بالنسبة إلى قضاء الاجزاء المنسية وسجود السهو فقد قيل: إنه لا يجب عليه خصوصا الثاني. بل ربما نسب إلى المشهور تمسكا بعدة روايات منها الموثق عن أبي عبداللهعليه‌السلام سألته عن الرجل سها خلف الامام بعد ماافتتح الصلاة. فلم يقل شيئا ولم يكبر ولم يسبح ولم يتشهد حتى سلم. فقال: قد جازت صلاته وليس عليه شئ إذا سها خلف الامام، ولا سجدتا السهو لان الامام ضامن لصلاة من خلفه(١) .

وهذا - كما ترى - ظاهر في عدم قضاء الاجزاء المنسية، لانه قد صرح في السؤال بنسيان التشهد، ومع ذلك حكم الامام بأنه لا شئ عليه. هذا. ولكن مع معارضة هذه الروايات بروايات اخر ظاهرة الدلالة في وجوب سجود السهو على المأموم عند فعله ما يوجبه محمولة على التقية، لان بناء العامة على أن الامام ضامن لصلاة المأموم مطلق وقد ورد شدة النكير عليهم بأن الامام ليس ضامنا إلا القراء‌ة فالاقوى أنه يجب عليه ما يوجب السهو مطلقا.

وأما إذا اشترك الامام والمأموم في السهو فلا إشكال في أنه يجب على كل منهما العمل بما يوجبه. وإنما الاشكال في جواز الاقتداء والبقاء على الائتمام في قضاء الاجزاء المنسية. وفي سجود السهو. وكذا في صلاة الاحتياط. وقد اختار شيخنا الاستاذ - مد ظله - جواز الاقتداء في جميع ذلك. أما الاجزاء المنسية فلانها لم تخرج عن كونها أجزاء للصلاة المؤتم بها، بل هي باقية على جزئيتها

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٩ باب ٢٤ من أبواب الخلل، ح ٥ باختلاف يسير. (*)


لتلك الصلاة وإن تغير محلها، وأما سجود السهو فالامر فيه وإن لم يكن بذلك الوضوع إلا أنه لايبعد دعوى جواز الاقتداء بها، لكونها من ملحقات الصلاة المؤتم بها فيلحقها حكم الاجزاء من هذه الجهة. ولكن مع ذلك المسألة لا تخلو عن إشكال.

وأما صلاة الاحتياط فالاقوال فيها ثلاثة: قول بجواز الاقتداء بها مطلقا، وقول بعدم جواز الاقتداء بهامطلقا، وقول بالتفصيل بين ما إذا كان الاحتياط لاجل صلاة اقتدى بها كما هو مفروض كلامنا في المقام. وبين ما إذا لم يكن كذلك. كما إذا كان منفردا ووجب عليه صلاة الاحتياط وأارد أن يقتدي بها بمن كان عليه صلاة الاحتياط أيضا، فالجواز في الاول وعدمه في الثاني. والقول بالتفصيل لايخلو عن وجه. وشيخنا الاستاذ - مد ظله - وإن تعرض للمسألة في المقام مفصلا، إلا أنه فاتني كتابتها ولعله يتعرض لها ثانيا في صلاة الجماعة، ونسأل الله التوفيق لتدارك مافات.

القسم الثالث: من الشكوك التي لا يعتنى بها: شك كثير الشك، والمسألة في الجملة مما لا إشكال فيها ولا خلاف والاخبار بها مستفيضة. منها: مارواه محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنه يوشك أن يدعك إنما هو [ من ] الشيطان(١) . ومنها: ما رواه عمار عن أبي عبداللهعليه‌السلام في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة، فيشك في الركوع فلا يدري أركع أم لا، ويشك في السجود فلا يدري أسجد أم لا. فقال: لا يسجد ولا يركع ويمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا. الحديث(٢) .

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٩ باب ١٦ من أبواب الخلل، ح ١.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٠ باب ١٦ من أبواب الخلل، ح ٥. (*)


ومنها: ما رواه حريز وأبوبصير وزرارة قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقى عليه قال: يعيد قلنا: فإنه يكثر عيه ذلك كلما أعاد شك. قال: يمضي في شكه. ثم قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود، فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثر نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة. ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم(١) . ومنها: غير ذلك مما يقف عليه الناظر.

وبعد ذلك نقول: البحث في المقام يقع من جهات: الاول: ظاهر إطلاق النص أنه لا فرق في الحكم بين أن يكون الشك في الافعال أو في عدد الركعات. وكذا لا فرق بين أن يكون الشك في المفسد كالشك بين الاربع والخمس، أو الشك في الثانية والثلاثية وغيره.

وظاهر رواية زرارة وحريز وأبي بصير وإن كان الشك في المفسد، حيث إنه تقدم فساد صلاة من لم يدركم صلى، إلا أن التعليل في الرواية مع إطلاق الروايات الاخر، مع التنصيص في الشك في الركوع والسجود في رواية عمار، مع أنه ليس من الشك المفسد يقتضي عموم الحكم لكل شك سواء تعلق بالافعال أو الركعات مطلقا. كما أن الظاهر من المضي المقابل لدوقوف هو عدم الاعتناء بالشك من حيث الشك. ومن حيث المشكوك فيه فلا يجب عليه التدارك في المحل.

ولا سجود السهو لو كان الشك موجبا له، ولا صلاة الاحتياط، ويدل عليه أيضا التعليل في الروايات كما لا يخفى، بل الظاهر أن يكون الحكم على جهة اللزوم والعزيمة

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٩ باب ١٦ من أبواب الخلل، ح ٢. (*)


لا رخصة، فليس له فعل المشكوك وتبطل صلاته بذلك هذا.

وفي المسألة أقوال اخر: الاول: ما نسب إلى المحقق الاردبيلي -قدس‌سره - من القول بالتخيير بين البناء على الاكثر إلا إذا استلزم فسادا، كالشك بين الاربع والخمس، وبين البناء على مقتضى الشك إن فسادا ففسادا، كمن لا يدري كم صلى، وكالشك في الاوليين وفي الثنائية والثلاثية، وإن احتياط فاحتياطا كالشك في الاخيرتين، فيكون حاصل مقالة الاردبيلي -رحمه‌الله - التخيير بين العمل بمقتضى أدلة الشكوك المقتضية للفساد أو الصحة مع الاحتياط، وبين العمل بمقتضى أدلة الباب من المضي وعدم الالتفات(١) .

القول الثاني: ما نسب إلى الشهيد -قدس‌سره - من أن الحكم في المقام ليس على جهة اللزوم والعزيمة بل على حهة الرخصة، فله العمل بمقتضى الشك من الاتيان بالمشكوك عند بقاء العمل(٢) ، ولعل الشهيد -رحمه‌الله - خص الرخصة بخصوص الشك في الافعال، ولو عممها حتى بالنسبة إلى الشك في الركعات لما حصل التقابل بين الاقوال كما لا يخفى وجهه على المتأمل.

القول الثالث: ما نسب إلى المحقق الثاني -قدس‌سره - من القول بالتخيير بين البناء على الاقل وإتمام صلاته. وبين البناء على الاكثر من دون أن يكون عليه شئ(٣) . وكأن قول المحقق مقصور بالشك في عدد الركعات حتى يقابل قول الشهيد -رحمه‌الله - إلا لم تحصل المقابلة، إذ لو كان قول الشهيد بالرخصة أعم من الشك في الافعال والشك في الركعات، وكان قول المحقق بالتخيير أعم من

____________________

(١) مجمع الفائدة والبرهان: ج ٣ ص ١٤٢.

(٢) الذكرى: ص ٢٢٣.

(٣) رسائل المحقق الكركي: ج ٢ ص ١٤٢ رسالة في السهو والشك في الصلاة (*)


الافعال والركعات، لرجع القولان إلى قول واحد. إلا أن يكون مراد الشهيد -رحمه‌الله - من الرخصة على تقدير شمول قوله الشك في الركعات، الرخصة في البناء على الاكثر من دون احتياط، فيكون مخيرا بين البناء على الاكثر بلا احتياط أو مع الاحتياط، لا الرخصة بين البناء على الاقل أو الاكثر.

فيحصل الفرق بين القولين حينئذ، إلا أنه يبقى الفرق بين مقالة الشهيد ومقالة المحقق الاردبيلي، حيث إن مقالة الاردبيلي ترجع أيضا إلى التخيير بين العمل بمقتضى الشك من البناء على الاكثر وعمل الاحتياط، وبين الاخذ بأخبار الباب من البناء على الاكثر ولا شئ عليه. إلا أن تكون مقالة المحقق مقصورة بالشك في عدد الركعات المفسد دون الصحيح منه. كما حكي عن شيخنا - مد ظله - نسبة ذلك إلى الاردبيلي في الدورة السابقة.

وعلى كل لا يهمنا البحث عن تقابل الاقوال وإنما المهم بيان مدرك الاقوال فنقول: أما مدرك المحقق الاردبيلي فيمكن أن يكون ما رواه حريز وزرارة وأبوبصير، بتقريب: أنه قد حكم الامامعليه‌السلام بالاعادة بعد السؤال عن كثير الشك، ثم حكمعليه‌السلام بالمضي بعد تكرار السؤال، والجمع بينهما إنما يكون بالتخيير، كما لو كان هناك روايتان على هذا الوجه. فيكون كثير الشك مخيرا بين العمل بمقتضى الشك من الفساد الذي هو مورد السؤال وبين المضي، وحكي أن المحقق الاردبيلي -رحمه‌الله - استدل بهذا الوجه على مقالته في شرح الارشاد(١) ، هذا. ولكن لا يخفى عليك ضعف الاستدلال بذلك.

أما أولا: فلانه ليس ا لمراد بالكثير المسؤول عنه في صدر الرواية هو كثير الشك المبحوث عنه في المقام، بل المراد كثرة أطراف الشك بحيث لا يدري كم

____________________

(١) مجمع الفائدة والبرهان: ج ٣ ص ١٤٢. (*)


صلى كما هو مفروض السؤال، وحكم ذلك ليس إلا الاعادة كما تقدم. والمراد من الكثير المسؤول عنه ثانيا في ذيل الرواية هو كثير الشك المبحوث عنه في المقام، وحكمه المضي في الصلاة وعدم الاعتناء، فلا تعارض بين الصدر والذيل حتى يحمل على التخيير. ومما يؤيد كون المراد من الكثير في الصدر كثير الاطراف لا كثرة نفس الشك استبعاد تكرار السؤال من مثل هؤلاء الاجلة، فالانصاف أنه لا يحتمل أن يكون المراد من الكثير في الصدر والذيل معنى واحدا.

وثانيا: سلمنا كون المراد منهما معنى واحدا، فغاية ما يلزم من ذلك تعارض الصدر والذيل. والحكم فيه التساقط. فلا معنى للحمل على التخيير، وأي شاهد على هذا الحمل.

وثالثا: سلمنا جميع ذلك. فاللازم حينئذ الاقتصار على مورد الرواية من الشك في المفسد، ولا يمكن التعدي عنه إلى الشك الغير المفسد الذي يوجب الاحتياط، مع أن كلام المحقق أعم من الشك في المفسد على ما حكاه في الجواهر(١) . نعم لا يرد عليه بناء على ان تكون مقالة المحقق مقصورة بالشكفي المفسد، كما حكان شيخنا الاستاذ - مد ظله - في الدورة السابقة.

وعلى كل حال لا ينبغي التأمل في فساد مقالة المحقق الاردبيلي وأما مدرك مقالة الشهيد - قدس ره - من كون الحكم في المقام رخصة لا عزيمة. فغاية ما يمكن أن يقال في تقريبه، هو: أن الحكم في المقام إنما يكون لاجل التوسعة والتخفيف على العباد، نظير الحكم الوارد في باب الضرر والحرج الذي ثبت كونه لاجل الامتنان، والحكم الوارد على هذا الوجه لا يقتضي أزيد من الرخصة، نظير الامر الوارد عقيب الخطر، والنهي الوارد عقيب الامر، الذي لا يقيد

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٤١٧.


أكثر من رفع المنع من الترك أو المنع من الفعل.

وفي المقام لما كان مقتضى القاعدة لزوم العمل على ما يقتضيه الشك من التدارك في المحل، وكان المكلف مزلما بذلك. فالامر بالمضي في هذه الاخبار لا يقتضي أزيد من رفع الالزام، وأما وجوب المضي فلا يستفاد من ذلك. ونظير هذا الكلام قد صدر من بعض في مثل " لا ضرر " و " لا حرج " حتى أفتى أن مقتضاهما ليس إلا الرخصة لا العزيمة، هذا. ولكن لا يخفى عليك فساد ذلك فإن البحث عن الرخصة والعزيمة إنما يكون في الاوامر والنواهي النفسية التي لا يستتبعها الوضع، كالامر الوارد عقيب الحظر والنهي الوارد عقيب الامر.

وأما في مثل المقام الذي تكون أدلته حاكمة على أدلة الشكوك فلا معنى لكون الحكم رخصة، وإذ معنى الحكومة رفع جزئية ما شك في فعلع، ومعه كيف يجوز له الاتيان مع أنه يلزم زيادة عمدية.

وبالجملة: لا مجال للبحث عن الرخصة والعزيمة في الادلة الحاكمة، كأدلة نفي الضرر والحرج وأدلة الباب وما شابه ذلك، فإن مقتضى حكومتها هو رفع الحكم الثابت بالادلة الاولية، ومن هنا نقول: إنه لا يجوز له الوضوء في مورد الضرر ويبطل وضوؤه لو خالف.

ففي المقام مقتضى قوله " فليمض " هو عدم الاعتناد بشكه وأن الحكم المجعول الشك لم يكن بالنسبة إلى كثير الشك، ومع ذلك كيف يجوز المخالفة والاعتناء بالشك من فعل المشكوك، وهل هو إلا زيادة عمدية مبطلة. فالانصاف أن مقالة الشهيد -رحمه‌الله - أيضا مما لا يمكن المساعدة عليها. وأما مدرك مقالة المحقق الثاني وهي القول بالتخيير بين البناء على الاقل والاكثر فلم نعرفه، إذ لا موجب للبناء على الاقل، أن يقال: إن أخبار الباب إنما تكون حاكمة على أدلة البناء، فأخبار البناء على الاكثر ساقطة، والامر


بالمضي في أخبار الباب لا يقتضي أزيد من جواز البناء على الاكثر، وأما تعينه فلا، فيكون مخيرا بين البناء على الاكثر من دون احتياط عملا بأخبار الباب وبين البناء على الاقل بمقتضى الاستصحاب، هذا. ولكن يظهر ضعفه مما مرد، إذ بعد تسليم الحكومة لا موجب للبناء على الاقل بل يتعين عليه البناء على الاكثر م دون احتياط، كما على المشهور. وتوهم أن المضي في الصلاة مقابل الوقوف وهو لا ينافي عمل الاحتياط أو سجود السهوأو التدارك في المحل. إذ في الجميع يصدق المضي. ففساده غني عن البيان، إذ لازم ذلك إنكار حكومة أدلة الباب على أدلة الشكوك.

مهع أنه لو بني على ذلك للم يبق أثر لادلة الباب إلى في الشك في المفسد. مضافا إلى تصريح بعض أدلة الباب بعدم الاعتناء بالشك في الركوع والسجود، بل يمضي في صلاته من دون أن يركع أو يسجد، مع أن الظاهر من المضي هو عدم الالتفات إلى الشك وعدم الاعتناء به وفرضه كعدمه. وذلك ينافي التدارك في المحل أو صلاة الاحتياط أو سجود السجو. هذا كله مضافا إلى ظهور التعليل في ذلك.

فالانصاف أنه لا محيص عن مقالة المشهور من غير فرق بين الشك في المفسد وغيره، وبين الشك في الافعال وغيره، وبين الشك في الركعتين الاوليتين وغيرهما، فإن في جميع ذلك لا يعتني بالشك ويبني على الصرفة، فلو شك بين الثلاث والاربع يبني على الربع ولو شك بين الاربع والخمس بعد السجود يبني على الاربع أيضا، وكذا إن كان بعد الركوع، فإنه وإن كان مقتضى القاعدة بطلان الصلاة عند عروض الشك بعد الركوع كما تقدم، إلا أن ذلك في غير كثير الشك، وأما هو فتصح صلاته ويبني على الاربع ويتم صلاته.

ولو عرض الشك بين الاربع والخمس في حال القيام فقد حكى شيخنا الاستاذ - مد ظله - عن تقرير الشيخ -قدس‌سره - بأنه يجلس ويتم صلاته من دون أن يحتاط.


فيكون الفرق بين كثير الشك وغيره في هذا الفرع هو أن غير كثير الشك يجلس ويحتاط بركعة بعد إتمام الصلاة، لرجوع شكه بعد الجلوس إلى الثلاث والاربع، وأما كتير الشك فليس عليه ركعه الاحتياط، ويمكن أن يكون نظر الشيخ في ذلك إلى أن أدلة الباب إنما تكون حاكمة على أدلة الشكوك، ولم يرد نص في الشك بين الاربع والخمس في حال القيام، بل يكون هذا الشك باعتبار الركعة السابقة مندرجا في أدلة الشك بين الثلاث والاربع، وكذا كان يجب عليه هدم القيام على ما تقدم تفصيله. فإذا كان هذا الشك مندرجا في أدلة الشك بين الشك والاربع والمفروض أن أدلة الباب حاكمة على أدلة الشكوك فلابد من هدم القيام ليندرج في الشك بين الثلاث والربع ويتم صلاته بلا احتياط بمقتضى أدلة الباب، هذا.

ولكن الانصاف أن ذلك لا يخلو عن مناقشة. بل الذي يقتضيه أدلة الباب هو عدم الالتفات إلى الشك وفرضه كعدمه، وحينئذ ينبغي له أن ببني على الاربع ويتم صلاته من دون أن يهدم قيامه، فإن ذلك معنى المضي المأمور به في المقام المقابل للوقوف، بل هدم القيام يوجب الاعتناء بالشك في الجملة، لان هدم القيام إنما هو لارجاع الشك إلى الشك بين الثلاث والاربع، وهذا هو بنفسه اعتناء للشك.

ودعوى: حكومة أدلة الباب على أدلة الشكوك فلابد من هدم القيام، ليكون هذا الشك مشمولا لاحد الادلة: مدفوعة بأن الحكومة إنما تكون فيما إذا كان الشك بنفسه مشمولا لاحد الادلة، وأما إذا لم يكن بنفسه مشمولا وكان الشك هو فرض الشك كعدمه، فيكون ما نحن فيه كمن لم يشك بين الاربع والخمس، وحكمه ليس إلا البناء على الاربع وإتمام صلاته. ثم إنه لو سلمنا أنه


يهدم القيام فغاية ما يلزم هو عدم صلاة الاحتياط، وأما سجود السهو فمقتضى القاعدة لزوم فعله، لانه يكون لهدم القيام ولا ربط له بكثرة الشك، فتأمل.

الجهة الثانية: من الجهات التي ينبغي تحريرها في شك كثر الشك هي: أن المتيقن من أدلة الباب أن يكون الشخص كثير الشك بالنسبة إلى الاجزاء، وأما بالنسبة إلى الشروط فإن كان شكه فيها في أثناء الصلاة كمن كثر شكه في أنه مستقبل أو مع الساتر وهو في أثناء الصلاة. فكذلك لا يلتفت إلى شكه لاندارجه في أدلة الباب أيضا، وأما إن كثر شكه فيها قبل الصلاة كمن كثر شكه في الستر أو الاستقبال أو كثر شكه في بعض أفعال الوضوء والغسل والتيمم، فإدراجه في أدلة الباب لا يخلو عن إشكال بل منع. لاختصاص الادلة بباب الصلاة فلا موجب للتعدي عنها. إلا بدعوى شمول التعليل له، وهو مشكل، لان التعليل إنما هو من علل التشريع لا من علل الحكم حتى يندرج في منصوص العلة.

ودعوى أن الشرائط من توابع الصلاة فأدلة الباب شاملة لها بتبع شمولها للصلاة، مشكلة فإن التبعية عن هذا الوجه مع خروجها عن أدلة الباب مما لاتظهر. فالانصاف أن التعدي عن باب الصلاة إلى الشروط الخارجة عن الصلاة فضلا عن غير الشروط من سائر أبواب العبادات والمعاملات مما لايمكن أن يلتزم به. وإن حكي عن السيد -رحمه‌الله - في العروة التزامه به في باب الوضوء(١) . بل نسب التعدي إلى الوضوء إلى جملة من الاعلام، ومن الغريب أنهم لم يتعرضوا للمسألة في الغسل والتيمم، وإنما تعرضوا لها في خصوص الوضوء، واستدلوا عليه بالتعليل وبرواية ضعيفة الدلالة، معه أن التعليل يقتضي التعدي إلى جميع

____________________

(١) العروة الوثقى: فصل في شرائط الوضوء، مسألة ٤٦ (*)


الابواب حتى المعاملات، كما اختار ذلك كاشف الغطاء في مقدمات كتابه(١) .

فالانصاف أن قصر الحكم إلى الوضوء بلا موجب والتعدي إلى جميع الابواب مشكل جدا - فالمسألة بعد لا تخلو عن إشكال. ولكن شيخنا الاستاذ - مد ظله - قد اختار التعدي إلى خصوص الطهارات الثلاث. بدعوى أن التعليل وإن لم يكن علة للحكم إلا أنه لا يبعد أن يستظهر منه الغاء خصوصية الصلاتية على وجه يلحق بها توابعها من الظهارات، نعم التعدي إلى سائر الواجبات فضلا عن المعاملات في غاية الاشكال.

الجهة الثانية: ربما قيل بأن السهو في المقام أعم من الشك والنسيان فمن كثر نسيانه أيضا لا يلتفت إلى نسيانه، بل حكي عن الحدائق -رحمه‌الله - أن المراد بالسهو هو النسيان، والشك إنما يكون محلقا به(٢) هذا. ولكن الانصاف أنه مما لا يمكن الالتزام به، فإن دعوى كفاية الصلاة بلا ركوع بالنسبة إلى من كثر نسيان الركوع أو الصلاة ثلاث ركعات لمن كثر نسيان الركعة الرابعة - كما ترى - مما لا يرضى الفقيه القول به، بل لايمكن أن يكون النسيان والشك معا مندرجين في الاخبار، فإن الحكم بعدم الالتفات في كثير الشك ظاهر لا واقعي، فلو علم أنه نقص ركوعا أو ركعة بعد الصلاة أعاد، والحكم بعدم الالتفات في كثير النسيان واقعي مخصص للادلة الواقعية، حيث تكون صلاته واقعا ثلاث ركعات أو بلا ركوع أومع زيادة ركوع أو ركعة على حسب متعلق النسيان، ولا يمكن الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في كلام واحد.

وتوهم أن أخبار الباب طائفتان طائفة ليس فيها إلا لفظ الشك فليكن المراد منها كثر الشك فقط، وطائفة ليس فيها إلا لفظ السهو فليكن المراد النسيان

____________________

(١) كشف الغطاء: المقصد العاشر، ص ٦٤.

(٢) الحدائق الناظرة: ج ٩ ص ٢٩١. (*)


فقط. فلا يلزم الجمع بين الحكمين في كلام واحد، فاسد فإن لفظ السهو يشمل الشك أيضا قطعا، ولا يمكن إخراجه عنه فيلزم الجمع المذكور فتأمل. وربما حكى عنه الشهيد -رحمه‌الله - بأن المراد من عدم الالتفات هو عدم الالتفات إلى سجود السهو، لا عدم الالتفات إلى المنسي. بمعنى أنه لا يجب على كثير النسيان سجود السهو، لا أنه لا يجب عليه تدارك المنسي بحيث تجزي منه الصلاة الناقصة ركعة أو ركوعا، وهو على تقدير شمول السهو للنسيان حسن.

بل ربما قيل: إنه لا معنى للحكم بعدم التفات كثير النسيان إلى نسيانه إلا عدم فعله سجود السهو، لا عدم فعله المنسي، فإن سجود السهو هو الحكم المترتب على النسيان، بحيث يكون النسيان علة له، وأما فعل المنسي فهو لمكان اقتضاء الامر بالصلاة ذلك، لا لمكان اقتضاء النسيان له حتى قضاء الاجزاء المنسية، فإن فعلها بعد الصلاة ليس لمكان إقتضاء النسيان ذلك، بل المكان قيام الدليل عليه، وإلا كان مقتضى القاعدة البطلان لولا " لاتعاد "(١) ومقتضى " لا تعاد " الصحة مطلقا بلا قضاء، ولكن الدليل قام على لزوم القضاء.

وبالجملة: معنى أن كثير النسيان يمضي هو أنه لا يعتني بنسيانه ولا يلتفت إليه، لا أنه لا يعتني بالمنسي، ومعلوم أن عدم الاعتناء بالنسيان لا يقتضي أزيد من عدم فعله مايقتضيه النسيان وهو سجود السهو ليس إلا، وأما فعل المنسي فهو ليس من مقتضيات النسيان بل من مقتضيات الامر بالصلاة. ومن ذلك ظهر ما في نقض صاحب الجواهر -رحمه‌الله - بالشك حيث قال: - ردا على من قال: بأن تدارك المنسي ليس من مقتضيات بالنسيان، فالمنفي في هذه الاخبار ليس إلا وجوب سجود السهو بالنسبة إلى كثير النسيان - بأن هذا

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١ (*)


الكلام بعينه يجري في الشك أيضا، فيقال: إن فعل المشكوك فيه ليس من مقتضيات الشك حتى يكون منفيا بهذه الاخبار، بل الامر بالصلاة يقتضي ذلك. والذي يقتضيه الشك هو صلاة الاحتياط فقط(١) وجهة النظرهو أن المفروض الشك في فعل المشكوك فيه، ومع الشك كيف يعقل أن يكون الامر الصلاتي يقتضي فعله، مع أنه يشك في بقاء الامر، ولا يمكن شمول الشك لحالة الشك فيه ففعل المشكوك فيه إنما هو لمكان اقتضاء الشك إما للاستصحاب وإما لقاعدة الاشتغال ذلك. فالانصاف أنه لو شمل السهو في أخبار الباب للنسيان لكانت مقالة الشهيد متجهة، إنما الشأن في شمول الاخبار للنسيان، فإن التعليل الوارد في الاخبار مع لفظ المضي الذي هو مقابل الوقوف لا يناسب النسيان بل يناسب الشك، حيث إنه يقتضي الوقوف بخلاف النسيان، فإنه يأتي بالمنسي عنه بلا وقفة فتأمل.

الجهة الرابعة: لا إشكال في قصر الحكم فيما كثر شكه فيه، فإن استوعب شكه جميع أفعال الصلاة في كل صلاة، بأن كان في جميع صلواته يشك كثيرا في جميع أفعالها، كان اللازم عليه ألا لا يلتفت إلى شكه في جميع أفعال صلاته. وإن لم يستوعب شكه ذلك، بل كان كثر الشك في خصوص فعل كالركوع أو السجود أو خصوص ركعة كالرابعة أو خصوص صلاة كالصبح في فعل خاص منها أو جميع أفعالها، كان اللازم عليه الاقتصار في خصوص ما كثر شكه فيه وليس له التعدي عما كثر شكه فيه إلى غيره من سائر الافعال أو الركعات أو الصلوات بل يعمل في غير ذلك على مايقتضيه الشك.

الجهة الخامسة: في ضابط كثير الشك، والاقوال فيه أربعة:

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٤١٩ نقلا بالمضمون. (*)


الاول: ما نسب إلى المشهور من الرجوع في ذلك إلى العرف، ففي أي مورد صدق عرفا أنه كثير الشك يؤخذ به.

الثاني: ما نسب إلى ابن حمزة من تحقق الكثرة بالسهو ثلاث مرات متوالية(١) . ولم يعلم أن مراده السهو في شئ واحد كالركوع مثلا، بأن يسهوفي ثلاث ركوعات متوالية على وجه لا يتخلل بينها ركوع خال عن السهو، أو أن مراده يسهو في فريضة واحدة ثلاث مرات متوالية في ثلاثة أجزاء منها.

الثالث: ما نسب إلى ابن إدريس وهو أن يسهو في شئ واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات وإن لم تكن متوالية(٢) .

الرابع: أن يسهو في ثلاث فلائض من الفرائض الخمس، هذا. ليس في الباب إلا صحيح ابن [ أبي ] عمير عن الصادقعليه‌السلام قال: إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو(٣) .

ونظر المشهور الذي أحالوا المقام إلى العرف إلى أن هذا الصحيح مجمل لم يتبين المراد منه، فيحتمل أن يكون المراد منه ما ينطبق ما هو عند العرف، فيكون نظر العرف هو المحكم في المقام. ونظر الاقوال الاخر إلى هذا الصحيح على حسب ما استفادوا منه من كون المراد من الثلاث ثلاث فرائض أو ثلاث مرات ولو في فريضة واحدة، والذي ينبغي أن يحرر في المقام هو أن هذا الصحيح هل هو مجمل أو مبين؟ فإن كان مجملا فالحق مع المشهور من الرجوع إلى العرف، وإن كان مبينا فلا وجه للرجوع إلى العرف فإنه يكون حينئذ في مقام التحديد، ولابد من الاخذ به وإن لم ينطبق على ما هو عند العرف كما هو الشأن في سائر التحديدات الواردة من الشارع. فالعمدة بيان

____________________

(١) الوسيلة: ص ١٠٢ فصل في بيان احكام السهو.

(٢) السرائر: ص ٢٢٣.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٠ باب ١٦ من أبواب الخلل، ح ٧. (*)


ما يكون الصحيح ظاهرا فيه فنقول مع قطع النظر عن الاقوال في المسألة.

الظاهر من قولهعليه‌السلام : " إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث " هو أن لا يمر على الرجل ثلاث صلوات إلا وأن يسهو فيما ولو في واحدة منها، بحيث يكون ثلاث صلوات فردا من أفراد العموم، ويكون المراد أنه لا يمضي عليه صلوات ثلاث خالية عن الشك، بل يشك فيها ولو في واحدة لا محالة على وجه يكون حاله كذلك، ويكون بمنزلة الملكلة له. والسر في كون الصحيح ظاهرا في هذا المعنى هو أنه فرق بين الفعل الماضي والفعل المضارع.

فإن في الاول لايعتبر فيه الدوام والاستمرار بل يكفي فيه مجرد تحقق الفعل خارجا، بخلاف الفعل المضارع فإنه يعتبر فيه الدوام والاستمرار. ففرق بين أن يقال: إذا كان الرجل ممن سها في ثلاث وبين أن يقال: إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث، فإن في الاول يكفي تحقق السهو منه ثلاثا في صدق عنوان كثير الشك، وفي الثاني لا يكفي مجرد تحقق الثالث، بل لابد من استمرار السهو في كل ثلاث بحيث تكون حالته كذلك.

ولعل من اعتبر في تحقق عنوان كثير الشك حصول الشك منه ثلاث إما في فريضة واحدة أو في ثلاث فرائض أو في فعل واحد على اختلاف الاقوال المتقدمة أخذ المضارع في الصحيح بمعنى الماضي. والانصاف أن ذلك خلاف الظاهر، بل الظاهر من الصحيح هو أن يستمر عليه تلك الحالة، فلا عبرة بالسهو ثلاثا في فريضة واحدة أو في فعل واحد أو في فرائض ثلاث، بل لا عبرة في عشرين سهوا متوالية أو غير متوالية في فعل واحد، أو في فريضة واحدة أو في فريضتين، بل العبرة أن لا يمضي عليه ثلاث صلوات إلا وأن يسهو فيها، بحيث يعلم من حاله الاستمرار على ذلك. وتوهم أنه لو كان الفعل المضارع في المقام بمعنى الاستمرار يلزم أن لا يعرف


الشخص كونه كثير الشك إلا عند الممات وفي آخر العمر، إذ لا طريق له إلى معرفة استمرار شكه في كل ثلاث فاسد لان المراد من قوله " يسهو في كل ثلاث " هو أن يكون حاله على وجه لا تنقضي عليه ثلاث إلا ويسهو فيها. ومعرفة الشخص كون حاله على هذا الوجه بمكان من الامكان، فربما يمكن معرفة ذلك بيوم أو يومين.

وبالجملة: كونه مستمر الشك في كل ثلاث أمر عرفي يمكن معرفته، والرجوع ة لى العرف في كون حاله حال من يستمر شكه في كل ثلاث غير الرجوع إلى العرف في أصل كونه كثير الشك، وليس بين المقامين ملازمة كما حكي عن المجلسي -رحمه‌الله (١) ذلك.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن الرواية ظاهرة الدلالة، ولابد من الاخذ بظاهرها في مسألة كثير الشك، ولا موجب لحمل التحديد فيها على كونه بيانا لاحد المصاديق العرفية، بل هو تحديد شرعي ينبغي البناء عليه كسائر التحديدات الشرعية، فيكون الضابط في كثير الشك هو أن يكون حاله على وجه لا يمر عليه ثلاث صلوات إلا ويسهو فيها، إما في فعل خاص منها فيكون كثير الشك في ذلك الفعل بالخصوص ولا يتعدى إلى غيره، وإما في ركعة خاصة، أو لا يكون لشكه محل خاص على تقدم في الجهة الرابعة.

الجهة السادسة: لو كان شك كثير الشك مما لا حكم له مع قطع النظر عن كونه كثير الشك، كماإذا كان كثير الشك في الركوع بعد التجاوز عن محله. فلو اتفق أنه شك في الركوع وهو في المحل لا يجري عليه حكم كثير الشك، بل يلزمه تدارك الركوع في المحل، ولا يصغى إلى دعوى أنه كثير في الركوع، فلا يلزمه تداركه لانه كان كثير الشك في الركوع بعد تجاوز محله. وهذا شكه في محله فقد

____________________

(١) بحار الانوار: ج ٨٨ ص ٢ باب ٨٧ من أبواب الشك والسهو. (*)


اختلف متعلق هذا الشك والشك الكثير باعتبار المحل، وليسا تحت جامع واحد.

وقد تقدم في الجهة الرابعة أنه يجب قصر الحكم في المورد الذي كثر شكه فيه، نعم لو كان عدم الحكم لشك كثير الشك من جهة قيام أمارة على عدم الاعتناء بشكه، كما لو فرض أنه مواظبا لصلاة الجماعة، ومع ذلك كان كثير الشك في الركوع مع أن الامام حافظ له، فإنه لا حكم لشكه مع قطع النظر عن كونه كثير الشك لمكان حفظ الامام، فلو اتفق أنه صلى منفردا وشك في الركوع الذي كان فيه كثير الشك فالظاهر أنه يجري عليه حك كثير الشك ولا يلتفت إلى شكه، لا تحاد متعلق الشكين وبين هذا الفرض والفرض السابق بون بعيد. ولا يقاس أحدهما بالآخر لان الركوع في الفرض الاخير هو الذي كثر شكه فيه، غايته أنه مع الصلاة جماعة لم يكن له حكم لمكان الامارة من حفظ الامام فلا حاجة إلى إجراء حكم كثير الشك عليه، فلو فقدت الامارة لمكان الصلاة منفردا جرى عليه حكم كثير الشك وذلك واضح.

الجهة السابعة: الظاهر أنه لا يفرق الحال فيما نحن فيه بين أن يكون منشأ الشك وسوسة الشيطان أو صعف قوة الحافظة ذاتا أو لعارض من مرض أو هرم، أو غير ذلك. ودعوى أن التعليل الوارد في روايات الباب إنما ينطبق على ما إذا كان الشك لاجل وسوسة الشيطان، بحيث يوجب الاعتناء بالشك عبادة الشيطان فضعيفة لما تقدم من أن التعليلات إنما هي من قبيل حكمة التشريع وليست من العلة المنصوصة بحيث تكون كبرى كلية وعليه لا يوجب قصر دائرة الحكم وتقيده بالمورد الذي يجري فيه الحكمة والذي يكون موضوعا للحكم هو عنوان كثير الشك مطلقا أي قسم منه بأي سبب حصل.

الجهة الثامنة: الظاهر أنه لا يجب لكثير الشك حفظ نفسه عن الشك بإعمال الامارات من العد بالحصى أو تحويل الخاتم أو تخفيف ذكر الركوع والسجود


حتى لا يشك فيه، إذ ليس في المقام مايقتضي وجوب ذلك عليه، والامر بالتخفيف في بعض الروايات إنما هو للارشاد عن كيفية زوال وسوسة الشيطان وعلاج السهو، لا أنه لبيان الوجوب المولوي، ويشعر بذلك قولهعليه‌السلام " ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو "(١) .

الجهة التاسعة: الظاهر أنه لا يلحق بكثير الشك من كثر شكه في أصل الصلاة وأنه صلى أو لم يصل لخروج ذلك عن مفروض الروايات، فإن المفروض فيها هو الشك في أفعالها أو ركعاتها بعد فرض أصلها، والتعليل قد عرفت حاله وأنه من حكمة التشريع، وليس علة للحكم حتى ندور مداره ونتعدى عن مورده، وماتقدم منا من أنه في بعض موارد حكمة التشريع يمكن أن يستظهر منهاإلغاء الخصوصية على وجه يكون الكلام ظاهرا في غير ما يكون ظاهرا فيه في حد نفسه لولا التذيل بالتعليل، ولاجل ذلك تعدينا عن الصلاة إلى توابعها من الطهارات الثلاث، فانماهو فيما إذا كان إلغاء الخصوصية مما يساعد عليه الفهم العرفي، ولذا كان الفهم العرفي يساعد على إلحاق توابع الصلاة بها.

وأين هذا مما نحن فيه من التعدي عن الشك في بعض أجزاء الشئ إلى الشك في أصل وجود الشئ، فإن إلغاء الخصوصية حتى بالنسبة إلى ذلك مما لا يساعد عليه الفهم العرفي. نعم لو كان كثير الشك على وجه يلحق بالوسواس فلا عبرة بشكه كما هو الشأن في جميع أفعال الوسواس.

الجهة العاشرة: لا يلحق بكثير الشك كثير القطع والظن، أما كثير القطع فلما ذكر في محله. من أنه لا فرق بين قطع القطاع وغيره، إلا إذا فرض أخذ القطع الخاص موضوعا. وأما كثير الظن فإن وصل كثرة ظنه على وجه يوجب انصراف

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٥ باب ٢٢ من أبواب الخلل، ح ٢. (*)


أدلة اعتباره عنه، فلا عبرة بظنه، وإن لم يصل إلى ذلك الحد فهو باق على اعتباره وإن كثر. هذا تمام الكلام في كثر الشك.

القسم الرابع: من الشكوك التي لا يعتني بها: الشك في النافلة. وقد تقدم ما يدل على نفي السهو في النافلة، وتقدم أيضا معنى نفي السهو وأن المراد منه في مصطلح الاخبار نفي الاحتياط، ولا يستفاد من مجرد نفي السهو الوظيفة الفعلية من البطلان أو البناء على الاكثر أو غير ذلك. بل لابد في استفادة ذلك من دليل خارج، كما قام الدليل على البطلان في الثنائية والثلاثية، وعلى الرجوع إلى حفظ الامام أو المأموم إن شك أحدهما، ففي المقام ورد في الروايات نفي السهو عن النافلة، وهذا لا يدل على أزيد من نفي الاحتياط. وأما الوظيفة ما هي فليس مبينا.

ومع ذلك ذهب المشهور بل ادعي الاجماع على أن الحكم في النافلة هو التخيير بين البناء على الاقل والبناء على الاكثر، وأن الافضل هو البناء على الاقل. والانصاف أنه لم يظهر لنا دليل على ذلك. فإن نفي السهو لا يقتضي ذلك. وفي بعض نسخ الكافي نفي الشئ عن الشاك في النافلة(١) فربما يتوهم أن نفي الشئ غير نفي السهو. فإن المراد من نفي السهو على ماعرفت نفي عمل الاحتياط، فلا دلالة فيه على التخيير. وأما نفي الشئ فهو أعم من ذلك ومن تعين البناء على الاقل وتعين البناء على الاكثر، ولازم ذلك هو التخيير. وأما أفضلية البناء على الاقل، فلما روي في الكافي مرسلا من أنه يبني على الاقل(٢) فيحمل ذلك على الافضلية، هذا. ولكن فيه أن الظاهر من نفي الشئ هو أيضا نفي عمل الاحتياط، وأما نفي تعين أحد طرفين الشك فلا يستظهر منه.

وبالجملة: إتمام فتورى المشهور بالدليل مشكل. نعم يمكن أن يقال: إن نفي السهور

____________________

(١) الكافي: ج ٣ ص ٣٥٩ باب ٤٣، ح ٦.

(٢) الكافي: ج ٣ ص ٣٥٩ باب ٤٣ ح ٩. (*)


وإن لم يعين الوظيفة إلا أن مناسبة الحكم والموضوع ومقتضى التوسعة الثابتة في النافلة يقضتي أن لا يكون الحكم فيها البطلان، بل التخيير. مع ذلك يبقى سؤال الوجه في أفضلية البناء على الاقل، إلا أن يتشبث بذيل الاجماعات المحكية في المقام.

وعلى كل حال، المبحث المهم هو تشخيص موضوع الحكم وأن المراد من النافلة ما ثبت لها الوصف فعلا وإن كانت فرضا بالاصل أو أعم من ذلك، وما كانت نفلا بالاصل وإن طرأ عليها الفرض بالفعل، أو أن الموضوع خصوص ما كان نفلا أصلا وفعلا، فلا عبرة بالنفلية الاصلية مع طروء الفرض عليهما، كما لاعبرة بالنفلية الفعلية مع كونها فرضا بالاصل. وهذا هو الذي اختاره شيخنا الاستاذ - مد ظله - وينبغي أولا تنقيح ما يقتضيه الاصل في المقام عند الشك في ذلك فنقول: إنه لا مجال للرجوع إلى استصحاب عدم الزائد عند الشك في عدد الركعات في الصلاة، التي لم يعلم دخولها في النافلة التي نفي السهو عنها، لا نقطاع الاستصحاب قطعا. وذلك لانه لنا عمومات قاطعة للاستصحاب تدل على أن الشك في الصلاة الثنائية مبطل لها.

كالتعليل الوارد في ذيل بطلان الجمعة بالشك فها بأنها ركعتان، فمقتضى هذا التعليل وغير ذلك هو أن الشك في الصلاة الثنائية مبطل لها مطلقا نافلة كانت أو فريضة، ثم ورد مخصص بأن الشك في النافلة غير مبطل لها، وتردد حال المخصص بين الاقل والاكثر من جهة المفهومية. ولم يعلم منه أن المراد من النافلة ما كانت نافلة مطلقا أصلا وفعلا، أو ما كانت نافلة ولو باعتبار أحد الحالتين. فالمتيقن من تخصيصات العمومات الدالة على بطلان الثنائية بالشك فيها هو ماكان نفلا أصلا وفعلا.

ويبقى ما كان فرضا في أحد الحالتين مندرجا في العمومات. ولا يسري إجمال المخصص إلى إجمال


العام حتى لا يجوز الرجوع إليه. لان المخصص في المقام منفصل دار أمره بين الاقل والاكثر. وعلى فرض تسليم سراية الاجمال إلى العام، مع أنه لا سبيل إلى تسليمه نقول: لا يجوز الرجوع إلى الاستصحاب للعلم إجمالا باندراج المشكوك في أحد الدليلين المخالف كل منهما لاستصحاب، فلا يبقى مجال للرجوع إلى الاستصحاب.

والاقوى أنه في كل مورد شك في شمول أدلة نفي السهو عنه. تكون مقتضى القاعدة البطلان، ولا يجوز الرجوع إلى استصحاب عدم الزائد إذا كانت الصلاة ثنائية وإذا كانت رباعية كصلاة الاعرابي، وطرأ عليها الفرض بالنذر وشبهه فلا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب، ولو قلنا باختصاص أدلة البناء على الاكثر بالفرائض الاصلية، أو كان منصرف إطلاقها ذلك. والمتيقن من النافلة التي نفي السهو عنها هي ما كانت نافلة

أصلا وفعلا، فلو كانت فرضا أصلا أو فعلا تبطل بالشك فيها. نعم ربما يقع الاشكال في بعض الموارد كصلاة العيدين، وصلاة الصبي المميز، وسيأتي بيانه.

وعلى كل حال لا ينبغي التأمل في أن المراد من النافلة في المقام ما كان بحسب ذاتها نافلة وما كانت فعلا موصوفة بالنافلة، فنحتاج إلى كلا القيدين. ولا يكفي نافلة الذات فقط. وكانت فعلا موصوفة بالفرض، ولا ما كانت فريضة بالذات وكانت موصوفة بالنفل فعلا. والسر في ذلك هو أن عمومات بطلان الصلاة الثنائية لم تكن معنونة بعنوان خاص، بل كل ما كانت ثنائية، والخارج منها خصوص عنوان النافلة، فالمخصص لابد وأن يكون معنونا بعنوان النافلة، ولا إشكال أن عنوان النافلة ينصرف عما إذاكانت عرض لها وصف النافلة. وإن كانت بحسب الذات فريضة كالصلاة المعادة، فإن الظاهر من النافلة هو أن يكون إشارة إلى الذات، فكونها بحسب


الذات نافلة مما نحتاج إليه لا محالة. معأنه لو لم يسلم الانصراف عن ذلك، فلا أقل من الشك في شمول عنوان النافلة لمثل ذلك، فلم يحز عنوان المخصص. وقد تقدم أن الاصل يقتضي البطلان.

هذا مضافا إلى قيام الدليل على بطلان صلاة المغرب والصبح بالشك فيهما وإطلاقه يقتضي البطلان وإن عرض عليها النفل كما في صورة الاعادة، ولا يمكن رفع اليد عن هذا الاطلاق إلا بدليل حاكم. وليس في البين إلا قوله " لا سهو في النافلة "(١) ، وهو قاصر عن الحكومة، للشك في شمول النافلة لمثل ذلك، لقوة احتمال أن يكون المراد من النافلة ما كانت ذاتا كذلك، وليس صلاة الصبح والمغرب كذلك. هذا في الفريضة التي طرأ عليها النفل.

وأما النفل الذي طرأ عليها الفرض كالنذر، فهو وإن كان بحسب الذات نفلا إلا أنه مع ذلك يشك في شمول قوله " لا سهو في النافلة " لا لاحتمال أن يكون المراد منه ما كان موصوفا فعلا بالنفل، أي ماكان باقيا على نفليته الاصلية ولا يطرأ عليه وصف الفرض، فيشك أيضا في شمول عنوان المخصص له. وقد تقدم أن القاعدة في موارد الشك تقتضي البطلان.

وتوهم أنه ما المانع من الرجوع إلى استصحاب الحكم السابق في النفل الذي طرأ عليه الفرض، حيث أنه قبل طرو الفرض لم يكن للشك فيها حكم وما كان يقتضي البطلان، وبعد طرو الفرض بالنذر يشك في تغييرها عن الحكم. ومقتضى الاستصحاب بقاؤها على ماكانت عليه، فاسد فإن الاستصحاب في المقام يتوقف على أن يكون وصف النفل من الحالات التي لا يضر ارتفاعها في بقاء الموضوع، كارتفاع التغير في الماء المتنجس، ولا يمكن إثبات ذلك، فلز لم نقل

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٠ من أبواب الخلل، ح ٨. (*)


إن مناسبة الحكم والموضوع يقتضي ركنية الوصف للموضوع، حيث إن الحكم يناسب وصف النافلة، فلا أقل من الشك في كونه من الحالات وفي مثله لا يجري الاستصحاب للشك في بقاء الموضوع. فتحصل أن مقتضى القاعدة بضميمة مناسبة الحكم والموضوع هو اعتبار وصف النفلية ذاتا وفعلا، فالنفل الذي طرأ عليه الفرض يجري عليه حكم الفرض، والفرض الذي طرأ عليه النفل يجري عليه أيضا حكم الفرض.

ثم إنه ربما يعد من النفل الذي طرأ عليه الفرض: ما أمر الوالدان به أو استؤجر عليه، كما لو أمر الوالدان بصلاة الليل أو استؤجر عليها، وصلاة الطواف وصلاة المنذورة، والفرض الذي طرأ عليه النفل: صلاة المتبرع بها، وصلاة العيدين في حال الغيبة، وصلاة الكسوف قبل تمام الانجلاء حيث يستحب تكرارها إلى تمام الانجلاء، وصلاة الصبي بناء على شرعيتها حيث يستحب له، وغير ذلك.

ولا يخفى عليك أن عد بعضها من أفراد ماطرأ عليه النفل أو الفرض ليس على ماينبغي، لوضوح أن التبرع لا يوجب نفلية الصلاة المتبرع بها إذا كانت واجبة على المتبرع عنه، فإن الاستصحاب إنما يكون في التبرع وإفراغ ذمة الغير لا في نفس المتبرع به. وكذا عد ما أمر به الوالد من النفل الذي طرأ عليه الفرض لا يستقيم، لان الواجب هو طاعة الوالد فيما يكون مستحبا وليس أمر الوالد يوجب وجوب صلاة الليل، ولا يكون أمر الوالد كالنذر، حيث يوجب وجوب صلاة الليل، لمكان اتحاد متعلق النذر مع متعلق الامر. على ما تقدم بيانه. هذا. ولكن الفرق بين أمر الوالد والنذر مشكل، وإن كان شيخنا الاستاذ - مد ظله - جعل الفرق بينهما في كمال الوضوح. وأما صلاة العيدين فيمكن أن يقال بأنها مستحبة ذاتا في حال الغيبة،


وليست من الفرض الذي طرأ عليه النفل، لقوة احتمال أن يكون لحال الحضور والغيبة منوعا لها.

وأما صلاة الصبي. فإن قلنا: إنها مغايرة بالنوع لصلاة البالغ، فليست من الفرض الذي طرأ عليها النفل. وإن قلنا: إنها متحدة بالنوع، فيشكل الامر فيها من جهة احتمال شمول أدلة الشك في الصبح والمغرب لها. فيجري عليها حكمهما، بل يمكن أن يقال ذلك ولو قلنا بالمغايرة نوعا، لانها لاتخرج عن كونها صلاة صبح أو مغرب.

وأما صلاة الطواف فهي واجبة في مورد وجوب الطواف، ومستحبة في مورد استحبابه. وأما صلاة المستأجر عليها فهي كصلاة التي أمر الوالد بها. من حيث عدم طرو وصف الوجوب عليها بسبب الاجارة، بل الاجارة تقع في مقابل التنزيل على مابيناه في محله، بل هي أوضح من صورة أمر الوالد كما لا يخفى وجهه. والانصاف أن المسألة بعد مشكلة وتحتاج إلى مزيد تأمل. هذا تمام الكلام في الشك في عدد ركعات النافلة.

وأما الشك في أفعالها فمقتضى القاعدة أنه لا فرق بينهما وبين الفريضة في أنه إن كان في المحل يأتي به. وإن كان خارج المحل لا يلتفت إليه على التفصيل المتقدم، ولا دليل على اتحاد حكم الشك في الافعال للشك في عدد الركعات، لان نفي السهو عن النافلة قد عرفت معناه، وأن المراد منه نفي عمل السهو الذي هو البناء على الاكثر مع الاحتياط، فلا ربط له بالشك في الافعال. نعم، مناسبة الحكم والموضوع بل الاولوية تقتضي عدم الالتفات إلى الشك في الافعال، إلا أن مناسبة الحكم والموضوع وحدها لا تكفي، فإنها بنفسها ليست دليل مالم تكن الاولوية قطعية، ولم توجب مناسبة الحكم والموضوع انعقاد ظهور


الدليل على خلاف ماكان ظاهرا فيه لولا المناسبة.

والحاصل: أن مناسبة الحكم والموضوع إنما نقول بها فيما إذا كان هناك دليل توجب المناسبة انعقاد ظهوره في مورد المناسبة، وإلا هي بنفسها ليست من الادلة.

وفي المقام بعد ما كان دليل نفي السهو مختصا بالشك في عدد الركعات، فلا دليل في الافعال حتى يتشبث بمناسبة الحكم والموضوع، فالتمسك بها في المقام يكون أشبه شئ بالقياس. فالعمدة في عدم تسرية الحكم إلى الشك في الافعال عدم الدليل. لا أن فعل المشكوك فيه في المحل ليس من أحكام الشك حتى يشمله دليل النفي، كما يظهر ذلك من الجواهر(١) . فإنه قد تقدم أنه يكون من مقتضيات الشك ولو من جهة استصحاب عدمه، ولا يمكن أن يكون من مقتضيات نفس الواقع. لان المفروض الشك في بقائه، ولا يمكن أن يكون الدليل شاملا لحالة الشك فيه كما لا يخفى. هذا كله في الشك في النافلة.

وأما السهو فيها فلو كان المراد من السهو المنفي في النافلة أعم من الشك والسهو أمكن أن يقال: إن مقتضاه نفي سجدة السهو عند فعل موجبها، أو نفي قضاء الاجزاء المنسية، بناء على كونه من مقتضيات السهو، وإن تقدم الاشكال في ذلك. إلا أن الشأن في شمول السهو للنسيان، لما تقدم من أن المراد من السهو في مصطلح الاخبار هو عمل الشك من البناء على الاكثر والاحتياط، من باب نفي المسبب بنفي سببه، فلا يعم النسيان اصطلاحا وإن عمه لغة أو اختص به كما قيل.

فلا يمكن نفي سجدة السهو عن السهو في النافلة بهذا الدليل. نعم يمكن أن يقال: إنه لا دليل على وجوب سجدة السهو في النافلة،

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٤٢٩. (*)


واختصاصها بالفريضة، فيكفي في نفيها عدم الدليل، فتأمل. ثم إنه ربما يجعل من أحكام النافلة عدم فوات محل الاجزاء المنسية ولو دخل في الركن اللاحق، بل يعود ويأتي بالمنسي ولا يضره زيادة الركن لخبر الصيقل عن الصادقعليه‌السلام : في الرجل يصلي الركعتين من الوتر فيقوم. فينسى التشهد حتى يركع ويذكر وهو راكع. قال: يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم قال: قلت: أليس قلت في الفريضة إذا ذكر بعد ما يركع مضى ثم يسجد سجدتين بعد ما ينصرف فيتشهد فيها؟ قال: ليس النافلة كالفريضة(١) .

وخبر الحلبي: سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة.

قال: يدع ركعة ويجلس ويتشهد ويسلم ثم يستأنف الصلاة(٢) . حيث إنهما يدلان على عدم فوات محل التشهد المنسي بالدخول في الركوع، بل محله باق ولا يضره زيادة الركوع. بل ربما يجعل هذا دليلا على عدم [ مضرية ] زيادة الركن مطلقا ولو لم يكن لتدارك المنسي، كما لو نسي أنه ركع فركع ثانيا، هذا، ولكن صدر خبر الصيقل محمول على التقية، لان ظاهره كون الوتر والشفع صلاة واحدة لا يفصل بينهما بتسليم بل يأتي بها موصولة، وهذا موافق لمذهب العامة ونحن لا نقول بذلك، إلا أن ذيله - وهو قوله " أليس قلت إلى قولهعليه‌السلام : ليس النافلة كالفريضة " - يدل على أن فوات محل التشهد المنسي بالدخول في الركوع إنما هو في الفريضة، وأما في النافلة فلا يفوت محله، وبلازمه يدل على عدم مضرية زيادة الركن.

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٩٧ باب ٨ من أبواب التشهد، ح ١ باختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣١ باب ١٨ من أبواب الخلل، ح ٤ باختلاف يسير. (*)


وأما خبر الحلبي فدلالته أوضح، إذ ليس فيه مايوجب وهنه من الحمل على التقية، فهو يدل على أن زيادة الركوع لا تضر، وأن محل الاجزاء المنسية لم يفت بالدخول في الركن بخلاف الفريضة. وبضميمة عدم الفرق بين التشهد المنسي وغيره من الاجزاء، وعدم الفرق بين الركوع وغيره من الاركان يتم المقصود. ولكن المتيقن منه صورة كون زيادة الركن لاجل تدارك المنسي، وأما زيادته ابتداء نسيانا فليس مشمولا للادلة، ولا يمكن القطع بعدم الفرق. بل لا يمكن دعوى عدم مضرية زيادة الركن لمطلق الجزء المنسي، بحيث لو تذكر قبل التسليم أنه نسي البسملة من الركعة الاولى رجع اليها وألقى كل مافعله من الاركان وغيرها، فإن ذلك بعيد غايته.

القسم الخامس: من أقسام الشكوك التي لا عبرة بها الشك بعد الوقت. ولم يتعرص لحكم هذا القسم شيخنا الاستاذ - مد ظله - في المقام، ولعله يأتي بعد ذلك. خاتمة تشتمل على امور ثلاثة: الاول في أحكام صلاة الاحتياط. الثاني في سجود السهو. الثالث في قضاء الاجزاء المنسية.

أما الامر الاول: ففي صلاة الاحتياط وأحكامها. واستقصاء القول فيها يتم في طي مسائل: المسألة الاولى: اختلف الاعلام في جزئية صلاة الاحتياط فقيل: إنها جزء حقيقة حتى حكي عن بعض نفي تكبيرة الاحرام عنها ووجوب الاخفات في فراء‌تها قضية للجزئية، وقيل: إنها صلاة مستقلة ليس فيها شائبة الجزئية، وليست هي جابرة للنقص الواقع في الصلاة على تقديره، بل تكون جابرة بملاكها وبمصلحتها القائما بها. وتظهر الثمرة بين القولين في تخلل المنافي بينها وبين الصلاة


المشكوك فيها فبناء على الجزئية لا يجوز فعل ما ينافي الصلاة بينهما كالحدث والالتفات وغير ذلك من القواطع. فلو فعل شيئا من ذلك عصى وبطلت صلاته. وبناء على الاستقلالية لا يضر تخلل المنافي من حيث العصيان والبطلان.

وربما ينقل عن بعض التفصيل بين العصيان والبطلان، وأن تخلل المنافي يوجب العصيان دون البطلان. ورجع ذلك إلى أن عدم تخلل المنافي يكون تكليفا محضا من دون أن يستتبع وضعا. ولا يخفى ضعفه فإنه مما لا دليل عليه، فلا ينبغي الاشكال في الملازمة بين الوضع والتكليف. إنما الشأن في بيان جزئية صلاة الاحتياط واستقلاليتها ليترتب على ذلك تلك الثمرة.

والذي يقتضيه النظر حسب ما يستفاد من الادلة هو أن صلاة الاحتياط متوسط بين الجزئية والاستقلالية بمعنى أن الشارع لا حظ فيها كلتا الجهتين جهة الجزئية وجهة الاستقلالية، أما جهة الاستقلالية فقد أوجب فيها النية وتكبيرة الاحرام والفاتحة كما يدل على وجوب التكبيرة رواية زيد الشحام(١) المتقدمة، وعلى تعين الفاتحة بعض أدلة الباب، وهذا كله من جهة لحاظ الاستقلالية لمكان أنه لا صلاة إلا بتكبيرة الاحرام.

وأما لحاظ جهة الجزئية فإنه جعلها هي بنفسها جابرة لكسر الصلاة ومتممة لها. لا أنها جابرة بملاكها كما يدل على ذلك قوله في موثقة عمار " كانت هي تمام ما نقصت "(٢) فإنه كالصريح في أنها هي بنفسها متممة لنقص الصلاة. ومعلوم أنها لا تكون متممة إلا إذا أمكن التحاقها بها واتصالها بالسابقة عليها، وذلك لا يكون إلا بعدم تخلل المنافي بينهما، إذ مع تخلل ذلك لايمكن أن تتصل بسابقها. لانه يكون من تخلل المنافي في أثناء الصلاة المبطل

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٧ باب ١٤ من ابواب الخلل ح ٥.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٨ باب ٨ من أبواب الخلل ح ٣. (*)


وبالجملة: يكفي في كون تخلل المنافي مبطلا نفس اعتبار كونها هي المتمم، فتكون من هذه الجهة بمنزلة الجزء، وبما ذكرنا فظهر فساد ما استدل به للاستقلالية وعدم البطلان عند تخلل المنافي، من أن التسليم يوجب التحليل ورفع حرمة ما حرمة تكبير الاحرام، حيث إن تخريحمها التكبير وتحليلها التسليم، فإذا كان التسليم محللا فلا يضر تخلل المنافي، لانه يكون من تخلل المنافي بين صلاتين مستقلتين.

وجه الفساد هو أن الحك بكون التسليم محللا ليس عقليا بل شرعيا، فهو يتبع مقدار حكم الشارع، وفي المقام بعد حكم الشارع بأن صلاة الاحتياط تكون متممه بنفسها لنقص الصلاة يظهر أن هذا التسليم لا يكون محللا مطلقا بحيث يحل فعل المنافي، بل أثره ليس إلا وجوب النية وتكبيرة الاحرام لصلاة الاحتياط، ولكن على وجه لا يضر باتصالها بالسابقة وتكون جزء لها حقيقة على تقدير النقص، ويكون وجوب النية والتكبير لرعاية وقوعها نافلة على تقدير التمام.

ومما ذكر يظهر أنه لا بد من مراعا أحكام الجزئية مهما أمكن إلا ما حكم الشارع بعدم مراعاته. فلابد من إيقاع صلاة الاحتياط على الجهة التي أوقع فيها الصلاة المشكوك فيها فيم اشتبه عليه القبلة وكان تكليفه الصلاة إلى أربع جهات، وغير ذلك من الاحكام الثابتة للجزء. والضابط الكلي هو أنه لابد من إيقاع صلاة الاحتياط على وجه يمكن اتصالها بالصلاة المشكوك فيها، وتصلح أن تكون تممة لها في غير ما القى الشارع رعايته من عدم تخلل التسليم والنية والتكبير بين الاجزاء، حيث حكم بوجوب التسليم والنية والتكبير وأن ذلك لا يضر بالاتصال. وأما فيما عدا ذلك فلابد من رعايته.

المسألة الثانية: لو ظهر تمامية الصلاة وعدم الحاجة إلى صلاة الاحتياط فلا يخلو إما أن يظهر ذلك بعد صلاة الاحتياط أو في أثنائها أو قبل الشروع فيها. فإن ظهر بعدها فلا إشكال في أنها تحسب نافلة، كما نطقت به أدلة الباب، كما


لا إشكال فيما إذا ظهر قبل الشروع فيها وأنه لا يجب عليه شئ. ولو ظهر في الاثناء فلا إشكال في جواز قطعها بناء على جواز قطع النافلة اختيار، وهل له الاتمام من دون ضم ركعة إليها لو كانت ركعة واحدة؟ ربما يتوهم أنه ليس له ذلك لعدم مشروعية الصلاة ركعة واحدة في غير الوتر، هذا. ولكن الاقوى جواز ذلك، لان نفس تشريع ركعة الاحتياط وأنها تحسب نافلة على تقدير عدم الحاجة إليها يكفي في جواز إتمامها كذلك.

المسألة الثالثة: لو ظهر الحاجة إلى صلاة الاحتياط ونقص الصلاة فلا يخلو أيضا إما أن يظهر ذلك بعد صلاة الاحتياط، وإما أن يظهر قبلها، وإما أن يظهر في أثنائها فإن ظهر بعدها فلا إشكال أيضا في أنه ليس عليه شئ وصحت صلاته، سواء كان ما أتى به من صلاة الاحتياط موافقا للنقص المعلوم من حيث الكم أو مخالفا له، لان تشريع الاحتياط لذلك. وهذا مما لا إشكال فيه إذا كان ما أتى به موافقا للنقص الذي علم. بمعنى أنه كان النقص ركعة فصلى الاحتياط ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس القائمة مقام الركعة. أو كان النقص ركعتين فصلى الاحتياط ركعتين. كما في صورة الشك بين الاثنتين والاربع.

وأما لو شك بين الاثنتين والثلاث والاربع فقدم الركعة من الاحتياط على الركعتين منها، فتبين بعد ذلك نقص ركعتين، فربما يستشكل في ذلك. لمكان الفصل بين الصلاة وبين الاحتياط ركعتين بالركعة التي صلاها أولا من الاحتياط، وكذلك لو قدم الركعتين من احتياط فتبين نقص ركعة، هذا. ولكن قد تقدم أنه لا ينبغي الاشكال في ذلك، لانه كان مخيرا بين تقديم الركعة من الاحتياط أو الركعتين مها، فيكون الفصل قد وقع بحكم من الشارع، ومثل هذا الفعل لا يضر. نعم لو شك بين الثلاث والاربع وصلى ركعة الاحتياط، وبعد ذلك تبين أن


صلاته كانت ركعتين من دون أن تكون الركعتان طرف الشك كما في الفرض الاول. أو شك بين الاثنتين والاربع وصلى ركعتي الاحتياط فتبين أن صلاته كانت ثلاث ركعات. فربما يستشكل في صحة الصلاة حينئذ لان ما أتى به من الاحتياط لم يكن جابرا لنقص صلاته فلم يكن مأمورا به واقعا. وصلاة ركعتين بعد صلاة الاحتياط لا يوجب اتصالهما بالصلاة الاولى حتى يلتئم من المجموع صلاة أربع ركعات. هذا. ولكن سيأتي مايمكن أن يكون وجها لتصحيح ذلك. وعدم مضرية الفصل بركعة الاحتياط، لانه يكون من قبيل الصلاة بين صلاة الذي لا يوجب فوات شئ إلا الموالاة التي هي ليست من الاجزاء الركنية، وسيأتي لذلك مزيد توضيح.

وعلى كل حال لا إشكال في صحة الصلاة إذا تبين الحاجة إلى صلاة الاحتياط وبعدها، وأما إذا تبين الحاجة قبلها فلا ينبغي الاشكال أيضا في أنه ليس عليه صلاة ولا تجزيه لانقلاب الموضوع، فإن موضوع صلاة الاحتياط هو الشاك. والمفروض أنه زال شكه. ولا يتوهم كفاية حدوث الشك في أثناء الصلاة في وجوب صلاة الاحتياط بعد ذلك. وإن انقلب شكه إلى العلم. لان الظاهر من الادلة هو أن الصلاة إنما تجب في حق الشاك المحفوظ شكه إلى فعل صلاة الاحتياط. كما يدل عليه قوله: " ثم صل ما ظننت أنك نقصت "(١) ومعلوم أن هذا مع زوال الشك ممالايجزي، فاحتمال وجوب صلاة الاحتياط في حقه مما لا يتطرق.

فيدور أمر بين احتمالين: احتمال بطلان صلاته، واحتمال رجوعه إلى حكم من تذكر النقص حتى أن حكمه الاتيان بركعة موصولة بلا تكبيرة الاحرام

____________________

الوسائل: ج ٥ ص ٣١٨ باب ٨ من أبواب الخلل. ح ٣. (*)


مخيرا بين التسبيح والفاتحة. كما هو حكم الركعات الموصولة، والاحتمال الاول يتوقف على مقدمتين كما منهما في محل المنع المقدمة الاولى: دعوى محللية التسليم والخروج من الصلاة فلا يمكن أن يتصل ما بعد التسليم إلى ما قبلها.

المقدمة الثانية: دعوى اختصاص أدلة من سلم على النقص بصورة وقوع التسليم منه نسيانا. فلا تعم ما نحن فيه من وقوع التسليم عمدا هذا. ولا يخفى ما في المقدمتين من الضعف.

أما المقدمة الاولى ففيها ما عرفت من أن هذا التسليم لم يكن محللا مطلقا بحيث لا يقبل اتصال ما بعده بما قبله، وكيف يكون ذلك مع أن ظاهر قولهعليه‌السلام في بعض أخبار صلاة الاحتياط " كانت هي تمام ما نقصت " هو اتصال صلاة الاحتياط بماقبلها على وجه تكون هي المتمم نفسها، فيظهر من ذلك أن هذا التسليم لم يكن محللا مطلقا، بل الامر به ليس إلا لعدم وقوع النية والتكبير لصلاة الاحتياط قبل أن يسلم لصلاة الاولى.

وأما المقدمة الثانية: ففيها أنه لا وجه لاختصاص أدلة من سلم على النقص بخصوص الناسي بل نعم كل من كان معذورا في التسليم المقابل للعامد الغير المعذور سواء كان عذره النسيان، أو قيام البينة على تمام صلاته وبعد التسليم ظهر له خطأ البينة، أو كان أمر الشارع كما فيما نحن فيه، أو غير من صور عذره في التسليم على النقص. ولا موجب لا ختصاصه بالنسيان سوى أن النسيان كان مورد تلك الادلة، والموردية لا توجب التخصيص. فلا ينبغي الاشكال في أن ما نحن فيه يلحق بحكم التسليم على النقص في وجوب اتصال ركعة مخيرا فيهابين التسبيح والحمد من غير نية وتكبيرة. هذا لو تذكر النقص قبل الشروع في الاحتياط. وأما لو تذكره في أثناء صلاة الاحتياط فتوضيح حكمه بأقسامها يتوقف على بيان مقدمة ثالثة مضافا إلى المقدمتين بالسابقتين وهما عدم محللية التسليم بقول


مطلق، وعدم اختصاص أدلة من سلم على النقص بصورة النسيان بل تعم ما نحن فيه.

وحاصل تلك المقدمة الثالث هو أنه قد تقدم منا سابقا أن وقوع صلاة في أثناء صلاة اخرى لا يوجب البطلان لا الاولى ولا التي شرع فيها إذا تضيق وقتها، على ما تقدم تفصيله في بعض المباحث السابقة، إذ لا يوجب ذلك خللا في الصلاة سوى فوات الموالاة والتتابع بين الاجزاء، وهي ليست من الاجزاء الركنية التي يوجب فواتها بطلان الصلاة مطلقا، بل مقتضى حديث " لا تعاد "(١) أن فواتها لا يوجب البطلان، إذا عرفت هذه المقدمات الثلاث فنقول: إنه لو ظهر نقصان الصلاة في أثناء صلاة الاحتياط، فلا يخلو الحال إما أن يكون بما أتى به من الاحتياط موافقا للنقص له في الكم والكيف، وإما أن يكون مخالفا له كما أو كيفا، أو كما وكيفا معا.

فإن كان موافقا له في الكم والكيف فمقتضى ماتقدم من المقدمات إتمام ما بيده من الاحتياط ولا شئ عليه، فلو شك بين الثلاث والاربع وبنى على الاربع وأتى بركعة الاحتياط من قيام، وفي الاثناء تبين كون صلاته ثلاثا، وأنه محتاج إلى ركعة الاحتياط، كان اللازم إتمام ما بيده من ركعة الاحتياط، وذلك لانه لم يخل بشئ مما هو وظيفته حيث إن وظيفته واقعا عند الشك هو الاتيان بركعة مفصولة مادام بقاء شكه، فالتسليم والنية والتكبيرة التي فعلها كان على طبق تكليفه الواقعي. حيث كان شاكا في حال فعلها وعند زوال شكه يتبدل تكليفه الواقعي، إلا أنه لا أثر لهذا التبدل بعدما كان الذي يأتي به من بقية صلاة الاحتياط بعد زوال شكه مطابقا للنقص الفائت عنه. حيث إن الفائت عنه

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٢٢٧ باب ٩ من أبواب القبلة، ح ١. (*)


ركعة والذي أتى به من الاحتياط أيضا ركعة والنية والتكبيرة كانت بأمر من الشارع، فلم يحصل خلل في صلاته أصلا.

والحاصل: أنه مقتضى المقدمات السابقة وأنه متى تذكر النقص يرجع إلى حكم من تذكر النقص وتكليفه الاتيان بالناقص. وإذا كان ما بيده من الاحتياط موافقا للنقص كما وكيفا، فقد أتى بما هو تكليفه.

ولا يضره النية والتكبيرة بعدما كانت بأمر من الشارع. فلا موجب لهدم ما بيده من الاحتياط واستئناف ركعة بلا نية وتكبيرة. نعم لو كان تذكره بعد تكبيرة الاحتياط قبل الشروع في القراء‌ة.

فربما يقال: إن مقتضى رجوعه إلى حكم من تذكر النقص هو التخيير بين الفاتحة والتسبيح ولا يتعين عليه الفاتحة ولا بأس بالالتزام به، هذا كله إذا كان ما بيده من الاحتياط موافقا للنقص المتبين كما وكيفا، كالمثال المتقدم.

وأما لو كان مخالفا له كما وكيفا لما لو شك بين الاثنتين والثلاث والاربع، فقدم الركعتين من جلوس على الركعتين من قيام - بناء على جواز تقديمها على ما تقدم تفصيله - وفي أثناء احتياطه من جلوس ظهر أن صلاته كانت ركعتين، فيكون ما بيده من الاحتياط مخالفا للنقص المتبين كما وكيفا، وأما كيفا فلان الفائت عنه ركعتان من قيام. وما بيده تكون من جلوس.

وأما كما فلان الركعتين من جلوس بمنزلة ركعة من قيام شرعا، والفائت منه ركعتان. أو كان مخالفا كما لا كيفا، كمن شك بين الاثنتين والثلاث والاربع، وشرع في ركعة الاحتياط قائما مقدما لها على الركعتين من الاحتياط وفي الاثناء تبين له أن صلاته كانت ركعتين، فإن مابيده من الركعة الاحتياطية مخالف للنقص المتبين كما، حيث إن النقص ركعتان وما بيده ركعة. ولكن موافق له في الكيف حيث إن النقص كان عن قيام وما بيده عن قيام. وكذا لو شرع في الركعتين من الاحتياط فتبين أن صلاته كانت ثلاث ركعات، فإن ما بيده


مخالف للناقص من حيث الكم فقط، حيث إن الناقص ركعة وما بيده ركعتان. أو كان مخالفا له كيفا لا كما، كمن شك بين الثلاث والاربع وشرع في ركعتي الاحتياط جالسا، فتبين نقص صلاته بركعة، فإن ما بيده من الاحتياط وإن كان موافقا للنقص من حيث الكم.

حيث إن الركعتين من جلوس تعد ركعة من قيام، إلا أنه مخالف له في الكيف، حيث إن النقص كان عن قيام وما بيده عن جلوس. فتحصل المخالفة الكيفية. فالحكم في جيمع ذلك هو إلغاء ما بيده من الاحتياط والرجوع إلى حكم من تذكر النقص، فيأتي بالنقص المتبين من ركعة أو ركعتين بلا نية وتكبيرة، وليس له احتساب ما بيده عن الاحتياط المخالف للنقص عوضا عن الناقص، كماأنه لا يمنع من الرجوع إلى حكم من تذكر النقص ما فعله من الاحتياط، ولا يوجب بطلان صلاته.

أما عدم جواز احتسابه، فلان المفروض مخالفة ما بيده للنقص المتبين. فلا يكون ما بيده مأمورا به واقعا. وإنما تخيل الامر به. ولا ينافي ذلك ما تقدم منا من تبدل تكليف الشاك إلى الركعات المفصولة، فإن التبدل إنما هو مع انحفاظ شكه. والمفروض أنه زال شكه وليس ما بيده من الاحتياط موافقا للتكليف المتبدل إليه، فإن تكليفه إنما تبدل إلى ركعتين مفصولتين على تقدير كون صلاته ركعتين، أو إلى ركعة مفصولة على تقدير كون صلاته ثلاث ركعات.

ففي صورة المخالفة الكمية لم يتعلق بما في يده من الاحتياط تكليف واقعا، وإنما كان يتخيل التكليف.

نعم في صورة المخالفة الكيفية فقط قد تعلق بما بيده من الاحتياط تكليف واقعا، حيث إن تكليفه الواقعي كان هو التخيير بين الركعة القيامية أو الركعتين من جلوس، فشروعه بالاحتياط من جلوس كان بأمر من الشارع واقعا وليس من تخيل الامر، إلا أن تكليفه إنما كان ذلك مع انحفاظ


شكه إلى الفراغ من الاحتياط، والمفروض أنه زال شكه، فليس له إتمام ما بيده.

ولا يقاس المقام بما تقدم من صورة الموافقة الكمية والكيفية، حيث إنه مع زوال شكه قلنا بإتمام ما بيده والاكتفاء به، فإنه إنما قلنا به في ذلك المقام، من جهة أن ما بيده من الاحتياط لم يخالف تكليفه الواقعي من رجوعه إلى حكم من تذكر النقص عند زوال شكه، بخلاف المقام فإنه يخالفه من حيث الكيفية، وأما عدم منع ذلك من رجوعه إلى حكم من تذكر النقص، وأنه ظهور النقص مع مخالفة ما بيده للنقص لا يوجب بطلان الصلاة، فلما تقدم في المقدمة الثالثة، من أن الصلاة في أثناء صلاة لا توجب بطلان الصلاة الاولى، إذا لم يتعمد ذلك بلا أمر من الشارع، حيث لا يوجب ذلك إلا فوات الموالاة. وهي ليست من الاجزاء الركنية، فلا يضر فواتها مع عدم التعمد إلى تركها. سواء كان بنسيان أو سهو أو بأمر من الشارع كما في بعض صور المسألة، وكما في صورة تضيق وقت الصلاة اللاحقة كما في صلاة الآيات، أو بتخيل أمر من الشارع كما في البعض الآخر. فحينئذ يلغي ما بيده من الاحتياط ويفرضه كأن لم يكن. ويأتي هو وظيفة من تذكر النقص. هذا ما تقتضيه القاعدة.

ولكن في المسألة أقوال متعددة مختلفة ومضطربة جدا. بحيث لا يمكن توجيه بعضها ولو بتوجيه اعتباري. فينبغي المراجعة والتأمل التام فيها. ومن الغريب أن ظاهر الجواهر(١) موافقته للمختار، وشدد النكير على من قال بعدم هدم ما بيده من الاحتياط، بل يتمها على وجه يوافق النقص، فإن كان ما بيده ركعة أضاف إليها ركعة اخرى عند تبين نقص ركعتين، وإن كانت ركعتين وكان النقص ركعة سلم على الواحدة، ما لم يدخل في ركوع الركعة الثانية.

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٢ ص ٣٧٦. (*)


وإن كان مابيده من جلوس قام من حين التذكر وتممها بما يوافق النقص.

ولكن مع ذلك قد أفتى في النجاة(١) بخلاف ما اختاره في الجواهر. والتزم فيها بأنه لو ظهر نقص ركعتين ودخل في ركعة الاحتياط أضاف اليها اخرى، ولو دخل في ركعتين وتبين نقص ركعة سلم على الركعة مالم يدخل في ركوع الركعة الثانية، ولا يرجع إلى حكم من تذكر النقص.

وأغرب من ذلك تفصيل الشيخ -قدس‌سره - على ما يظهر من حاشية النجاة بين ما لو ظهر نقص ركعتين ودخل في ركعة الاحتياط وبين ما لو ظهر نقص ركعة ودخل في ركعتي الاحتياط، حيث قوي في الثاني الرجوع إلى حكم من تذكر النقص دون الاول. والانصاف أنه لا وجه لهذا التفصيل. كما لا وجه لما في النجاه. بل القاعدة تقتضي الرجوع إلى حكم من تذكر النقص مطلقا في جميع موارد المخالفة من حيث الكم أو الكيف كما تقدم فتأمل في أطراف المسألة جيدا.

المسألة الرابعة: قد عرفت أنه لو ظهر الحاجة إلى صلاة الاحتياط بعد ما صلى الاحتياط لم يكن عليه شئ، وكان ذلك تمام ما نقص، كما ورد في الادلة سواء كان الاحتياط موافقا للنقص من حيث الكم والكيف أو مخالفا له. وهل الحكم مقصور بما إذا تذكر بعد التسليم عن صلاة الاحتياط بحيث لو تذكر الحاجة قبل التسليم لزمه ما تقدم من الفرق بين الموافقة والمخالفة، أو أنه يكفي في الحكم التذكر بعد رفع الرأس عن السجدة الثانية من الركعة الاخيرة أو بعد تمام الذكر منها أو بعد الدخول في السجدة الاولى أو بعد الدخول في ركوع الركعة الاخيرة؟ وجوه، قد تقدم الاشارة في مسألة الشك بعد تمامية الركعتين الاوليين حيث تقدم

____________________

(١) نجاة العباد: ص ١٣٤. (*)


الخلاف فيما يتحقق به تمامية الركعة. والظاهر اتحاد حكم المقام مع ذلك المقام من هذه الجهة.

فإن الجبر في المقام إنما يكون بركعات الاحتياط، وأما التشهد والتسليم فهو أمر خارج عن الركعة معتبر في الصلاة، وقد تقدم منا أن تمامية الركعة إنما تكون بتمامية الذكر الواجب من السجدة الاخيرة، وحينئذ لو احتاط بركعتين من جلوس بدل الركعة من القيام، وبعد تمامية الذكر الواجب من السجدة الاخيرة من الركعة الاخيرة تبين نقصان ركعة من صلاته، كان حكمه حكم ما لو تبين بعد التسليم وأنه لا شئ عليه، لانه تذكر بعد جبر الركعة الناقصة بركعتين من جلوس، والتشهد والتسليم ليسا من أجزاء الجابر بل هما من أجزاء الصلاة، والذي يكون جابرا هو الركعات. فتأمل. وأما لو تبين قبل ذلك لزمه الرجوع إلى حكم من تذكر النقص على ما تقدم تفصيله.

المسألة الخامسة: لو شرع في صلاة اخرى قبل صلاة الاحتياط فلا يخلو إما أن تكون الصلاة التي شرع فيها قد ضاق وقتها، وإما أن لا تكون كذلك. وعلى الثاني إما أن تكون الثانية مترتبة على الاولى كمن دخل في العصر قبل صلاة الاحتياط التي أوجبها الشك في الظهر، وإما أن لا تكون مترتبة، وعلى جميع التقادير إما أن يكون شرع في الثانية عمدا، وإما أن يكون نسيانا وسهوا، فهذه جملة الاقسام المتصورة في المقام، ثم إنه إما أن نقول باستقلالية صلاة الاحتياط.

وإما أن نقول بجزئيتها بالمعنى المختار من الجزئية، فإن كان قد شرع فيما ضاق وقتها كصلاة الآيات التي ضاق وقتها. بحيث لو أراد فعل الاحتياط يخرج وقت الآيات، فهذا مما لا إشكال في وجوب إتمام الثانية، ثم يأتي بالاحتياط، سواء شرع فيها عمدا أو نسيانا، وسواء قلنا بالجزئية أو بالاستقلالية. أما على الاستقلالية فواضح. فإن إتمام الثانية لا يوجب خللا لا في صلاة التي


شك فيها ولا في احتياطه، فإن الاحتياط بناء على الاستقلالية وإن كان يجب فورا، إلا أن كل واجب فوري لا يمكن أن يزاحم الواجب الموقت المضيق بل يقدم صاحب الوقت لا محالة. وأما بناء على الجزئية، فالخلل الحاصل ليس إلا فوات الموالاة بين الاجزاء، وهي ليست ركنا كما تقدم.

وأما إن شرع في صلاة لم يتضيق وقتها، فإن شرع فيها عمدا بطلت مطلقا سواء كانت مترتبة أو غير مترتبة. وسواء قلنا بالجزئية أو قلنا بالاستقلالية، فإن القائل بالاستقلالية أيضا يقول: بحرمة فعل المنافي بين الصلاة وبين الاحتياط، غايته أنه حرمة تكليفية صرفة لا تستتبع وضعا. والصلاة التي دخل فيها قبل الاحتياط تكون مصداقا للمنافي فتحرم. فتبطل، وليس حرمتها من جهة وجوب فعل الاحتياط فورا حتى يقال: إن ذلك مبني على اقتضاء الامر للنهي عن الضد، بل حرمتها من جهة حرمة النافي.

فلا ينبغي الاشكال في بطلان الصلاة التي دخل بها قبل فعل الاحتياط عمدا، وأما بطلان الصلاة التي شك فيها فمبني على الاستقلالية والجزئية، فإن قلنا بالاستقلالية لم تبطل، وإن قلنا بالجزئية تبطل أيضا لتفويته الموالاة عمدا بلا أمر من الشارع. وأما إن شرع في الثانية سهوا. فإن لم يكن مترتبة على الاولى فلا إشكال في صحة الثانية وكذا الاولى مطلقا [ سواء ] قلنا بالجزئية أو الاستقلالية، غايته أنه بناء على الاستقلالية، غايته أنه بناء على الاستقلالية يجب إتمام الثانية ثم الاحتياط، لان فعل الاحتياط قبل إتمام الثانية يوجب فوات الموالاة بين أجزاء الثانية بلا موجب.

وأما بناء على الجزئية ففي وجوب إتمام الثانية ثم الاحتياط أو وجوب الاحتياط ثم إتمام الثانية أو التخيير وجوه، تقدمت الاشارة اليها في بعض المباحث السابقة، وتقدم أن المختار هو إتمام ما بيده، ثم إتمام الاولى لان تفويت الموالاة عما بيده.


بلا موجب فراجع ما تقدم.

وإن كانت الصلاة التي شرع فيها مترتبة على الاولى فلا إشكال أيضا في عدم بطلان الاولى. وإنما الاشكال في جواز إتمام الثانية وعدم جوازه، وذلك مبني على أن الترتيب المعتبر بين الصلاتين هل هو على نحو العام المجموعي أو على نحو العام الاصولي بحيث يكون كل جزء من اللاحقة مترتبة على كل جزء من السابقة؟، فإن كان على نحو العام المجموعي جاز له إتمام الثانية وإن كان على نحو العام الاصولي [ لم يجز ] وقد تقدم أيضا تفصيل ذلك في بعض المباحث السابقة. ثم بناء على عدم جواز إتمام الثانية فهل له العدول بها إلى صلاة الاحتياط أو ليس له العدول؟ ربما يقال: بأن أدلة العدل منصرفة إلى العدول إلى صلاة مستقلة، لا إلى مثل صلاة الاحتياط التي هي جزء للصلاة السابقة كما هو مبنى البحث، هذا.

ولكن في الانصراف تأمل المسألة السادسة: قد تقدم بعض الكلام في جواز الاقتداء بصلاة الاحتياط مطلقا، أو عدم الجواز مطلقا، أو التفصيل بين صورة الاقتداء بالصلاة التي أوجب الشك فيها الاحتياط على كل من الامام والمأموم وبين عدم الاقتداء بها، فالجواز في الاول مطلقا سواء اتحد موجب الشك لكل من الامام والمأموم، كما إذا شك كل منهما بين الثلاث والاربع أو اختلف موجب الشك، كما إذا شك أحدهما بين الاثنتين والاربع، والآخر بين الثلاث والاربع أو التفصيل بين صورة الاتحاد وعدمه، فالجواز في الاول دون الثاني. وتقدم أن المختار عند شيخنا الاستاذ - مد ظله - هو التفصيل الاخير.

وحاصله: جواز الاقتداء في خصوص ما إذا كان مقتديا بالصلاة التي أوجبت الاحتياط مع ما يقتضيه الشك لكل من الامام والمأموم، كما إذا كان كل منهما شاكا بين الثلاث والاربع. وأما فيما عدا ذلك فلا يجوز الاقتداء مطلقا، هذا ولكن


في المقام احتاط في جواز الاقتداء في هذه الصورة أيضا مراعاة لجانب احتمال النفلية فتأمل جيدا. هذا تمام الكلام في المسائل المتعلقة بصلاة الاحتياط.

الامر الثاني: من الامور التي أردنا ذكرنا في الخاتمة: في بيان ما يجب قضاؤه من الاجزاء المنسية، وقد تقدم أن الذي يجب قضاؤه ليس إلا السجدة الواحدة والتشهد. وتقدم أيضا كثير من أحكام ذلك في طي مباحث الخلل، كتعيين ما يتحقق به النسيان من المحل الذي لا يجب بعده العود إلى المنسي، وهو الدخول في الركن اللاحق فيما عدا الركعة الاخيرة، وفيها الفراغ من التسليم الواجب، على ما سبق تفصيله. والذي ينبغي تنقيحه في المقام هو بيان أنه هل لا يعتبر عدم تخلل المنافي بينها وبين الصلاة، بحيث لو تخلل بطلت الصلاة. أو أنه لا يعتبر عدم تخلل المنافي ولا يوجب ذلك بطلان الصلاة، أو التفصيل بين ما إذا كان تذكره لنسيان السجدة أو التشهد بعد الصلاة، وبعد فعل المنافي، فلا يوجب ذلك بطلان الصلاة، وبين ما إذا تذكر قبل فعل المنافي فليس له فعل المنافي وإذا فعله بطلت صلاته. وجوه بل أقوال.

أما وجه اعتبار عدم تخلل المنافي فلظهور الادلة في بقاء الاجزاء المنسية على جزئيتها وعدم خروجها من ذلك بالنسيان، غايته أنه تبدل محلها. فيكون تخلل المنافي موجبا للبطلان لوقوعه في أثناء الصلاة. وأما وجه عدم الاعتبار فلظهور الادلة في محللية التسليم، وأن التسليم يخرج عن الصلاة ويكون انصرافا عنها، ولا مخصص لتلك الادلة في المقام، كما كان أدلة الاحتياط مخصصة لها، حيث كانت ظاهرة في كون الاحتياط هو المتمم على ما تقدم بيانه. وأما في المقام فأقصى ماتقتضيه الادلة هو وجوب قضاء الاجزاء المنسية فورا وذلك لا يقتضي بقاء‌ها على جزئيتها.

وبالجملة: ليس في المقام ما يوجب رفع اليد عن ظهور محللية التسليم، وأنه به


يخرج عن الصلاة. وذلك بضميمة " لا تعاد " يقتضي عدم بطلان الصلاة بنسيان السجدة الواحدة أو التشهد وإن تخلل المنافي بينها وبين قضائهما. وأما وجه التفصيل فيمكن أن يكون لدلالة رواية موثقة عمار عليه. قال: سألته عن الرجل نسي سجدة فذكرها بعد ما قام وركع. قال: يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلم. فإذا سلم سجد مثل ما فاته. قلت: فإن لم يذكر إلا بعد ذلك قال: يقضي ما فاته إذا ذكره(١) . وذلك بدعوى دلالة قوله " فإذا سلم سجد " على جزئية السجدة التي ذكر نسيانها.

حيث إن الاوامر الواردة في باب المركبات ظاهرة في الغيرية وأنها لبيان الاجزاء والشرائط والموانع، وليست باقية على ما يقتضيه الاصل الاولي من الاستقلالية فيكون قوله " فإذا سلم سجد " لبيان جزئية السجدة، فيعتبر عدم تخلل المنافي. وهذا بخلاف ما إذا لم يتذكر إلا بعد الصلاة بعد فعل المنافي كما يدل على ذلك إطلاق قوله " يقضي ما فاته إذا ذكره " فإنه بضميمة ترك الاستفصال يدل على عدم مضرية تخلل المنافي، وأن ذلك لا يوجب بطلان الصلاة، هذا.

ولكن يمكن أن يقال: إن ظهور قوله " فإذا سلم سجد " في كونه بيان جزئية السجدة ممنوع. بعد ظهور الادلة في الفراغ عن الصلاة بالتسليم، فإن أقصى ما يقتضيه هو وجوب السجدة بعد التسليم بلا فصل، وهذا لا يدل على جزئيتها بحيث لا يكون السلام مخرجا، ويكون المخرج هو السجدة، وما ذكر من أن الاوامر الواردة في المركبات تكون ظاهرة في الغيرية مسلم ولكن إذا ورد أمر في طرف المركب فقوله (إركع في الصلاة) وفي المقام يكون الامر خارج الصلاة بمقتضى

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٢ باب ٢٦ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح ٤. (*)


محللية التسليم.

والحاصل: أنه ليس في الادلة ما يدل على جزئية الاجزاء المنسية بحيث يوجب رفع اليد عن ظهور محللية التسليم، وأنه به يحصل الانصراف. وكان بناء شيخنا الاستاذ - مد ظله - قبل هذا على جزئية الاجزاء المنسية. ولكن عدل عن ذلك في هذا المقام والتزم بعدم الجزئية، وهو الحق لعدم قيام دليل على الجزئية. بل ظاهر رواية عمار السابقة عدم الجزئية كما لا يخفى.

ثم إنه تظهر الثمرة بين القولين في موارد: منها: ما تقدم من عدم مضرية تخلل المنافي بين الصلاة وبين الاجزاء المنسية. ولا يوجب ذلك بطلان الصلاة. ولكن ذلك لا يوجب جواز تعمد فعل المنافي فإنه لم يعهد من أحد جواز ذلك تكليفا. وإنما الكام في جوازه وضعا. فبناء على الجزئية لا يجوز وضعا أيضا. وبناء على الاستقلالية يجوز وضعا. وإن كان لا يجوز تكليفا. فتأمل.

ومنها: وجوب مراعاة الترتيب بين الاجزاء المنسية بناء على الجزئية. فلو كان المنسي أولا هو السجدة وجب قضاؤها أولا مقدما على التشهد. ولو نسي من كل ركعة سجدة وجب التعيين في مقام القضاء. وأن هذه السجدة من أي ركعة مقدما للاول فلاول. ولو اشكل في وجوب تعيين ذلك، فلا أقل من أن لا يقصد خلاف الترتيب بأن ينوي قضاء السجدة من الركعة الاخيرة قبل قضاء السجدة من الركعة السابقة. وهذا بخلاف ما لو قلنا بالاستقلالية فإنه لا يجب الترتيب. بل له قصد خلاف الترتيب.

ومنها: وجوب سجدة السهو لو تكلم مثلا نسيانا بين الصلاة وبين الاجزاء المنسية بناء على الجزئية.

وكذا فعل كل ما يوجب سجود السهو بخلاف القول بالاستقلالية.


ومنها: ما لو علم بفوات كل من السجدة والتشهد وشك في المتقدم والمتأخر، فإنه بناء على الجزئية يجب التكرار حتى يحصل الترتيب. بخلاف القول بالاستقلالية. ومنها: غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل.

وقد يتخيل أن من الثمرات اعتبار الشرائط المعتبرة في الصلاة من الطهارة والاستقبال والستر وغير ذلك في قضاء الاجزاء المنسية بناء على الجزئية، وعدم الاعتبار بناء على الاستقلالية. ولكن شيخنا الاستاذ - مد ظله - منع من هذه الثمرة. وقال: بعدم الفرق بين القولين في اعتبار الشرائط، فإن مقتضى التبعية وكونها قضاء لاجزاء الصلاة هو اعتبار الشرائط فيها.

الامر الثالث: من الامور التي أردنا إيرادها في الخاتمة: في البحث عن سجود السهو. وتنقيح البحث في ذلك يستدعي رسم امور: الاول: فيما يوجب سجدو السهو: اعلم أن الاخبار في المقام مختلفة مضطربة متعارضة جدا. فالاولى ذكر شطر منها.

ولنذكر أولا الروايات الخاصة الواردة في الموارد الخاصة كل في بابه، ثم نذكر الروايات العامة، ثم البحث عن دلالتها، وكيفية الجمع بينها. فما ورد في باب التشهد ما رواه أبوبصير قال: سألته عن الرجل ينسى أن يشهد قال: يسجد سجدتين يتشهد فيها(١) . وفي هذه الروايات أثبت وجوب التشهد في سجدتي السهو فليكن في ذكر منك. وفي باب نسيان التشهد عدة من الروايات تدل على وجوب سجدتي السهو، وفي بعضها الامر بها قبل التكلم كرواية الحلبي عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إذا قمت في الركعتين من الظهر أو

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٩٦ باب ٧ من أبواب التشهد. ح ٦. (*)


غيرها فلم تتشهد فيهما إلى أن قال: وإن لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك حتى تفرغ، فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل أن تتكلم(١) . وهذه الرواية دلت على عدة من الاحكام كالتفصيل في وجوب سجدتي السهو بين ما إذا تذكر قبل الركوع، فليجلس ويتشهد ولا شئ عليه، وبين ماإذا لم يذكر حتى ركع، فيجب عليه سجدتا السهو. وكون السجدتين بعد الصلاة. وكونها قبل أن يتكلم.

فليكن في ذكر منك. لانك تحتاج إلى ذلك فيما بعد.

وفي باب التشهد جملة من روايات أخر دلت على وجوب التشهد في سجدتي السهو. واعتبار وقوعهما قبل التكلم، وفي بعض أخبار التشهد التصريح بنفي سجدتي السهو لو تذكر نسيان التشهد كرواية الحلبي قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد قال: يرجع فيتشهد. قلت: ليسجد سجدتي السهو؟ فقال: ليس في هذا سجدتا السهو(٢) . وهذه الرواية تدل أيضا على نفي وجوب سجدتي السهو للقيام في موضع القعود، فليكن في ذكر منك أيضا.

وبعد لم نعثر في نسيان التشهد [ على ] ما يدل على نفي سجود السهو إلا ما ذكره الصدوق في المقنع(٣) أنه في رواية زرارة نفي الشئ عمن نسي التشهد، ولكن الظاهر أنه لم يعمل بتلك الرواية. فلا ينبغي الاشكال في وجوب سجود السهو عند نسيان التشهد مع عدم التذكر قبل الركوع. ومن الروايات الواردة في باب نسيان السجود ما رواه أحمد بن محمد البرقي قال سئل أحدهم عن رجل ذكر أنه لم يسجد في الركعتين الاوليين إلا سجدة وهو

____________________

(١) الوسائل: ج ٤ ص ٩٨٨ باب ٩ من ابواب التشهد، ح ٣.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٩٨٨ باب ٩ من أبواب التشهد، ح ٤.

(٣) الجوامع الفقهية (المقنع): ص ٩. (*)


في التشهد الاول؟ قال: فليسجدها ثم ينهض، وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم، فليسجدها ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو(١) . وهذه الرواية وإن تضمنت ما لا عامل به من قضاء السجدة المنسية قبل التسليم، إلا أنها تدل على وجوب سجود السهو لنسيان السجدة، ولا يضر بالاستدلال عدم العمل بتلك الفقرة.

وبعد لم نعثر في باب نسيان السجدة على ما يدل على وجوب سجود السهو غير هذه الرواية، وغير مادل عموما على وجوب سجود السهو لكل زيادة ونقيصة، وسيأتي البحث عن هذا العموم. مع أنه في جملة من الروايات ما يدل على نفي سجود السهو لنسيان السجدة. والروايات في ذلك متعددة، ولكن الظاهر أنه لم يعمل بها المشهور بل عملهم على وجوب سجود السهو. وهو المتعين بعد عدم عمل المشهور بالروايات النافية.

ومما دل على وجوب سجود السهو عند التكلم ناسيا، ما رواه عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم قال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين(٢) . وقد ورد أيضا في بعض أخبار الشك بين الاثنتين والاربع ما يدل على وجوب سجود السهو عند التكلم أيضا، وفي بعض أخبار القيام موضع القعود ورد ذلك، كما سيأتي. وقد ورد في عدة من الروايات ما يدل على نفي سجود السهو في التكلم ناسيا، منها ما رواه زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم، قال: يتم ما بقي من صلاته تكلم أولم يتكلم ولا شئ عليه(٣) . وفي معناها جملة من الروايات تنفي الشئ عن التكلم ناسيا، ولكن دلالة نفي الشئ على عدم

____________________

(١) المحاسن: ص ٣٢٧ وعلل الشرائع. ح ٧٩.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٣ باب ٤ من أبواب الخلل، ح ١.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٠٨ باب ٣ من أبواب الخلل، ح ٥. (*)


سجود السهو إنما يكون بالاطلاق، فلا يقاوم مادل على وجوب سجود السهو عند التكلم ناسيا، فالعمل عليه كما عليه المشهور.

ومما دل على وجوب سجود السهو عند التسليم في غير موضعه ناسيا، ما رواه عمار عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن أنها أربع فلما سلم ذكر أنها ثلاث قال: يبني على صلاته متى ما ذكر ويصلي ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهور، وقد جازت صلاته(١) . وفي معناها رواية اخرى عن الفقيه. وقد أفتى المشهور بمضمونها، وفي بعض الروايات ما يدل على نفي الشئ عليه. ولكن نفي الشئ لا ينافي وجوب السجود للسهو كما لايخفى. فالعمل على ماهو المشهور.

ومما دل على وجوب سجود السهو عند الشك بين الاربع والخمس، ما رواه عبدالله بن سنان عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك، ثم سلم بعدهما(٢) ، وفي معناها عدة روايات اخر. وقد عمل بها المشهور. ولم نعثر على رواية تدل على خلاف ذلك، فيتعين العمل على ماهو المشهور. وهذه المواقع الخمس مما ذهب المشهور إلى وجوب سجود السهو فيها. وقد عرفت أدلتهم مع معارضاتها.

ثم إن في المقام أدلة أخر دلت على وجوب سجود السهو في بعض الموارد الخاصة، كالشك بين الثلاث والاربع مع غلبة الظن بالاربع، وكالشك بين الاثنتين والاربع مع اعتدال الشك. وغير ذلك من الموارد الخاصة، وهي كثيرة كما لا تخفى على المراجع. إلا أن المشهور أعرض عنها. ولم يعمل بها، مع ما في بعضها في المعارض.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٠ باب ٣ من أبواب الخلل، ح ١٤.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٦ باب ١٤ من أبواب الخلل، ح ١. (*)


وأما الادلة العامة فهي على طائفتين: طائفة تدل على وجوب سجود السهو للشك في النقص والزيادة، كرواية زرارة قال: سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس، وسماها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمرغمتين(١) . وفي روايات اخر ما يدل على ذلك أيضا.

وطائفة تدل على وجوبهما لكل زيادة ونقيصة، كرواية سفيان السمط عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: تسجد سجدتين في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان(٢) . ولا يخفى ما في كلتا الطائفتين من الخلل، حيث لا يمكن الاعتماد عليها. أما في الطائفة الدالة على وجوبهما للشك في الزيادة والنقيصة فلاجمال أخبارها. وإعراض الاصحاب عنها، مع أن العمل بها بما هو أظهر معانيها يوجب فقها جديدا. أما إجمالها فلاحتمالها أحد المعاني الثلاثة:

الاول: أن يكون المعنى إذا شك في الزيادة وعدمها أو في النقيصة وعدمها فيجب سجدتا السهو لكل منهما.

الثاني: إذا علم إجمالا بوقوع أحدهما.

الثالث: في أنه هل وقع نقص أوزيادة أو لم يقع شئ منها.

والرواية وإن كانت أظهر في المعنى الثاني. إلا أن الالتزام به يوجب فقها جديدا، لانه في موارد العلم الاجمالي بالنسبة إلى الاركان طرا، لا يمكن الالتزام بصحة الصلاة والاكتفاء بسجدتي السهو. وهكذا العلم الاجمالي بنقصان ركعة أو زيادتها، نعم في العلم الاجمالي بالنسبة إلى سائر الموارد الالتزام بهذا المعنى

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٦ باب ١٤ من أبواب الخلل، ح ٢.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤٦ باب ٣٢ من أبواب الخلل، ح ٣. (*)


لا محذور فيه، إلا أنه ينفي وجوبها عدة من الاخبار المذكورة في محالها من أنه لو علم بعد الصلاة تفصيلا بنقصان الاذكار في الركوع والسجود، وبزيادتها أو علم بهما في القراء‌ة ونحوها من القنوت، لا شئ عليه. وأما حملها على الشك في الزيادة وعدمها أو النقيصة وعدمها أو المعنى الثالث فينفي السجدتين قاعدة الفراغ والتجاوز. وأما إعراض الاصحاب عنها، فلانه لم يذهب إلى مدلولها غير شاذ نادر وهو العلامة في المختلف(١) ويحكى أن الشيخ نقل في الخلاف عن بعض الاصحاب(٢) . ومال إليه الشهيد الثاني -رحمه‌الله - في الروض(٣) .

وبالجملة: إمكان حمل بعض العبائر على هذا المدلول، وميل بعض إليه. وفتوى خصوص العلامة -رحمه‌الله - في خصوص المختلف، لا يؤثر في العمل، مع ما عرفت فيها من إجمال الدلالة، ومعارضتها للاخبار الدالة على أن الشك واليقين في غير الاركان لا أثر له. فالحق عدم وجوب سجدتي السهو بأي معنى حملت الرواية.

وأما في الطائفة الثانية وهي مورد العلم بالزيادة أو النقيصة، فالرواية الدالة على وجوب السجدتين، وإن كانت معتبرة، للاجماع على صحة ما يصح عن ابن أبي عمير، بل كانت مراسيله كمسانيده، لجلالة قدره وأنه لا يروي إلا عن الثقات إلا أنه لا يمكن الاخذ بما هو ظاهرها.

أما أولا: فلانه لابد من حملها على زيادة غير الاركان أو نقصها.

وثانيا: يلزم إخراج جملة من الاجزاء المنسية التي تداركها في محلها، لعدم وجوب سجدتي السهو حينئذ قطعا.

____________________

(١) المختلف: ص ١٤١.

(٢) الخلاف: ج ١ ص ٤٥٩ جماعة المدرسين.

(٣) روض الجنان ص ٣٥٣. (*)


وثالثا: يعارضها الاخبار الكثيرة الدالة على أن نسيان القراء‌ة، وذكر الركوع.

ونسيان الجهر والاخفات، لا يوجب سجدتي السهو. لان في الجميع نفي وجوب شئ على الناسي. وفي بعضها قالعليه‌السلام : " تمت صلاته " فراجع الاخبار الواردة في القراء‌ة. فإن الفقيه يشرف على القطع بأن نسيانها. ونسيان الجهر والاخفات فيها، لا يوجب شيئا. هذا مضافا إلى أنه لم يعمل بمضمونها إلا من في طبقة العلامة وبعده. والعجب أن الشهيد -رحمه‌الله - مع أنه قال في الدروس: لم أظفر بقائله ولا بمأخذه(١) أفتى بمضمون الرواية في اللمعة(٢) . ثم بناء على تقديم الاخبار الدالة على أن نسيان ما عدا الاركان لايوجب شيئا. لا يمكن الفتوى باستحبابهما لكل زيادة أو نقيصة سهوية، إلا أن تحمل على نفي وجوب شئ ولزومه، لا على نفي مشروعية شئ.

وبالجملة: الانصاف أن المسألة مشكلة بحسب الادلة فالفتوى بوجوبهما لكل زيادة ونقيصة إذا وقعتها سهوا مشكلة جدا. والاصل العملي نفي الوجوب. والتمسك بوجوبهما لهما برواية القصاب: " أسهو في الصلاة وأنا خلف الامام. فقالعليه‌السلام : إذا سلم فاسجد سجدتين، ولا تهب "(٣) في غير محله.

فإن الامامعليه‌السلام وإن لم يستفصل بين الموارد التي نقول بجوبهما للسهو فيها وغيرها، وترك الاستفصال يوجب العموم في المقام. إلا أن هذه الرواية ناظرة إلى حيث كون الساهي خلف الامام، وأن الاقتداء هل يوجب ضمان الامام عن سهو المأموم أم لا. فالامامعليه‌السلام بصددبيان أن ما عليه العامة من أن الامام ضامن لسهو من خلفه غير تام. بل ليس هو ضامنا إلا القراء‌ة.

____________________

(١) الدروس: ج ٤٩.

(٢) شرح اللمعة: ج ١ ص ٧٠٣.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٩ باب ٢٤ من أبواب الخلل، ح ٦. (*)


وبالجملة: العموم المخصص بتخصيص كثير لا يمكن الاتكال إليه. مع أن العمل بهذين العامين نشأ من زمان العلامة -رحمه‌الله -.

الامر الثاني: في كيفية سجدتى السهو: والذي يجب فيها امور: الاول: النية على النحو المعتبر في سائر العبادات من قصد التقرب. إنما الكلام في أنه لو تعدد الموجب. وقلنا بأنه تتعدد السجدة سواء كان الموجب من جنس واحد أو من أجناس مختلفة - بناء على ما هو الحق من أصالة عدم التداخل مطلقا - فهل يجب تعيين الموجب أم لا؟ وجهان الحق هو الثاني. لان تعيين الموجب لازم فيما إذا كان السبب معنونا بعنوان خاص كعنوان الظهرية. والعصرية، لا في مثل المقام. فإن قصده كونه للكلام أو للسلام أونحوها، مع أن نسيان المنسيات صار موجبا للسجدتين، لا خصوصية كل واحد.

بلا موجب وهكذا يجب التعيين فيما لو كان السبب متعددا، وكان بينهما ترتب أو خصوصية لا يمتاز المتخصص بها إلا بتعيينه. كما لو كان أجيرا لاشخاص أو كان عليه أداء وقضاء. وأما في مثل المقام لا خصوصية ولا ترتب، أما الاول فواضح. وأما الترتب فالاسباب وإن تحققت مترتبة، ويقتضي كل سبب سابق أن يشغل المحل قبل إشغال المتأخر له، إلا أنه مع ذلك هذا الترتيب لا يقتضي إلاوقوع كل سجدتين مرتبا عن موجبه قهرا، وينطبق كل ما يؤتى به أولا في السبب السابق قهرا، من دون اعتبار قصد كون الاول للاول، والثاني للثاني. وهكذا.

بل يمكن أن يقال: لو قصد الاول للآخر صح. لان الترتيب بين الاسباب ليس إلا من باب الاتفاق، ومن جهة أن الزماني يقع في زمان لا محالة. ولذا في قضاء الصوم لو نوى السنة المتأخرة لاسقاط الكفارة عن ذمته صح. لان الصوم أيضا لا ترتيب بين أيامه. وإن كانت نفس الايام مرتبة.

وبالجملة: لو قصد أولا


قضاء يوم الثلاثين وثانيا قضاء يوم التاسع والعشرين، وهكذا يصح صومه، لانه لا يراد منه إلا إتيان ثلاثين بدلا عن ثلاثين. فقصد خلاف الترتيب لا يضربما هو مطلوب منه. فضلا عن عدم القصد.

الثاني: التكبيرة. فينسب إلى الشيخ -رحمه‌الله - وجوبها. والمشهور استحبابها. ولكنه ليس في الادلة ما يدل على وجوبها أو استحبابها سوى قضية ذي الشمالين في إحدى الروايات المتضمنة لهذه القضية(١) ، ورواية عمار الساباطي عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن سجدتي السهو فيهما تسبيح وتكبير؟ فقال: لا، إنهما سجدتان فقط، فإن كان الذي سها هو الامام كبر إذا سجد وإذا رفع رأسه، ليعلم من خلفه أنه قد سها، وليس عليه أن يسبح، ولا فيهما تشهد بعد السجدتين(٢) . وهذه الرواية صريحة في اختصاصها بالامام، وعدم شرعيته للمأموم والمنفرد. وقضية ذي الشمالين أيضا وارده فيما كانصلى‌الله‌عليه‌وآله إمام.

ومع هكذا فالاعتماد على هذيه الدليلين للفتوى بالوجوب للامام، مع ظهور الاخير بكونها للاعلام.

مشكل. فضلا عن القول بوجوبها مطلقا. هذا مع اشتمال رواية عمار على نفي التسبيح والتشهد مع عدم التزام المشهور به. فالحق عدم استحبابها أيضا لخلو جميع الاخبار عنها. نعم الاتيان بها رجاء لا محذور فيه.

الثالث: الذكر. ويدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبداللهعليه‌السلام أنه قال: نقول في

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١١ باب ٣ من أبواب الخلل ح ١٦.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٤ من أبواب الخلل، ح ٣ باختلاف يسير.


سجدتي السهو بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد. قال: وسمعته مرة اخرى يقول: بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته(١) . ولا يعارضها مثل رواية عمار الساباطي التي نفي التسبيح فيهما.

أما (أولا:) فلعدم دلالة نفي التسبيح على نفي هذا الذكر الخاص، لانه ليس كالتسبيح في الركوع والسجود في الصلاة.

(وثانيا:) مع ضعف رواية عمار وإعراض الاصحاب عن العمل بها لانهم لم يعملوا بما تثبته هذه الرواية وهو التكبير وما تنفيه وهو التشهد.

فالاقوى وجوب الذكر فيهما. وعدم تعرضه في الروايات لايكشف من عدم الوجوب، لانها واردة مورد حكم آخر، وهو بيان الموارد التي يجب فيها سجدتا السهو، وليست في مقام بيان ما يعتبر في سجدتي السهو. فأصل الوجوب لا إشكال فيه إنما الكلام في أن المعتبر هل خصوص الصلاة أو قوله السلام عليك. ثم الصلاة على قسمين مروي عن الحلبي ففي الفقيه(٢) مثل ماذكرنا. وفي الكافي(٣) مروي عنه اللهم صل على محمد وآله محمد، وهكذا في السلام ففي الكافي مروي عنه كما ذكرنا.

وفي التهذيب(٤) مروي عنه مع الواو، وبعضهم عامل مع هذه الاختلاف معاملة اختلاف الروايات، وأفتى بالتخيير بين إحدى هذه الاذكار الاربعة، ولكنه لا يخفى أن التخيير بين الصلاة والسلام في محله. لان الحلبي وروى كليهما عن الامامعليه‌السلام . ومراده من أن سمعته مرة يقول: السلام عليك أي في جواب سؤال شخص آخر. لا أن الامامعليه‌السلام في

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣٤ باب ٢٠ من أبواب الخلل ح ١.

(٢) من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٤٢ ح ٩٩٧، ط جماعة المدرسين.

(٣) الكافي: ج ٣ ص ٣٥٦ باب من تكلم في صلاة...، ح ٥.

(٤) التهذيب: ج ٢ ص ١٩٦ باب أحكام السهو ح ٧٤. (*)


سجدتي السهو يقول، حتى ينافي الامامة.

وأما التخيير في السلام بين " السلام عليك " أو " والسلام عليك " بلا وجه. لان التخيير ثبت في تعارض الروايات على خلاف الاصل، ولا يمكن التعدي عنه إلى غيرها. فالصواب إتيان السلام بلا واو، لان نسخة الكافي أضبط وهي بلا واو، والتهذيب يروي إما عنه أو عن الفقيه، وإلا هو بنفسه ليس له طريق آخر إلى الحلبي، فإذا لم يكن في النسختين واو فالعمل على نسخة التهذيب أو التخيير بينهما أو الجمع بينهما بلا موجب. نعم الاحتياط هو الجمع بينها رجاء كما أن لو أراد الساجد أن يأتي بالصلاة، فالاحتياط وجوبا هو الجمع بين اللهم صل... إلخ وصلى الله لاختلاف نسخة الفقيه مع الكافي، وعدم إمكان الترجيح بينهما.

الرابع: التشهد. ويدل عليه عدة من الروايات. وتقدم بعضها، وهو المشهور، بل ادعي الاجماع عليه أيضا. ولا يعارض رواية عمارة الساباطي لعدم مقاومتها سندا وعملا، للاخبار الدالة على الوجوب، حتى يحمل ما دل على الوجوب على الاستحباب، كما هو المعمول بين الاصحاب فيما ورد خبر يدل على الوجوب، وخبر على عدم الوجوب من جهة حمل الظاهر على النص. فالاقوى وجوبه.

ثم إن المراد من " الخفيف " الوارد في أخبار الباب هو الخفة في مقابل التطويل، أي المشتمل على المستحبات، لا قول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وذلك لان المتبادر من المطلقات هو التشهد الواجب في الصلاة، فالتقييد بالخفيف تقييد لهذا التشهد. وأما إرادة التشهد في الاذان والاقامة فيحتاج إلى قرينة.

الخامس: الصلاة على النبي وآله بعد التشهد.


وهذا مضافا إلى أنه إجماعي بناء على وجوب صلى التشهد، هو المتبادر أيضا من قولهمعليه‌السلام : " تشهد" لما ذكرنا أن الظاهر من هذه الاخبار الامر بالتشهد الذي يجب في الصلاة. وهو علم لمجموع الشهادتين والصلاة.

السادس: التسليم. ويدل عليه جملة من الاخبار، وتقدم بعضها. والظاهر أنه كلما أطلق فيه السلام فهو عبارة عن " السلام عليكم " فالاقوى والاحوط الاتيان بخصوص الصيغة، لانه على فرض التخيير بينهما أيضا كاف، مع احتمال كونه هو المتعين.

الامر الثالث: في أحكامهما، وفيه مسائل: الاولى: يعتبر فيهما ما يعتبر في سجود الصلاة، من الطهارة والستر والاستقبال ونحوها من وضع الاعضاء السبعة على الارض، ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه. لا لان السجود في الشرع منصرف إلى ما كان مشتملا على هذه الشرائط. وإلا لزم اعتبارهما في سجدة التلاوة أيضا، بل لان الظاهر من الاخبار الواردة في المقام الدالة على الفورية والمبادرة بهما بعد التسليم وقبل الكلام، مع عدم التعرض لما يعتبر فيهما، أنهما في الحكم كالسجدة الصلاتية، وعدم التعرض للشرائط في أخبار الباب إنما هو لوجودهما غالبا بعد السلام. ولكن لايخفى أن هذا مجرد استحسان لا عتبار به. فالاقوى بحسب الادلة عدم اعتبار الشرائط فيها وأن الاحوط ذلك.

الثانية: المشهور أن محلها بعد التسليم مطلقا.

ويدل عليه عدة من الاخبار، كرواية ابن الحجاج المتقدمة في الكلام، ورواية عمار المتقدمة في السلام، ورواية فضيل المتقدمة في التشهد المنسي، والروايات الواردة في الشك بين الاربع والخمس، وسائر الشكوك. وتقدم بعضها ورواية القداح عن جعفر بن محمد بن


أبيه عن عليعليه‌السلام : قال: سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام(١) . وقيل: إن محلهما قبل التسليم مطلقا. ويدل عليه رواية أبي الجارود قال: قلت لابي جعفرعليه‌السلام : متى أسجد سجدتي السهو؟ قالعليه‌السلام : قبل التسليم فإنك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك(٢) . وقيل بالتفصيل بين مورد النقص والزيادة. ويدل عليه رواية سعد الاشعري قال: قال الرضاعليه‌السلام في سجدتي السهو: إذا نقصت قبل التسليم، وإذا زدت فبعده(٣) . ولكن لا يخفى أن المتيقن وجوبهما بعد التسليم مطلقا. لان الاخبار الدالة على وجوبهما بعده مطلقا فوق حد الاستفاضة، بل يمكن دعوى تواترها.

فلا يمكن أن يعارضها هذان الخبران. فما يحكى عن الذخيرة من قوله: " ويمكن الجمع بين الاخبار بالتخيير"(٤) . لايمكن الالتزام به، لان التخيير فرع التكافؤ سندا ودلالة وجهة، مع ما فيهما من موافقة كل منهما لمذهب كثير من العامة.

الثالثة: يجب إتيانهما بعد الصلاة فورا. لظاهر عدة من الاخبار وأصرح [ ما ] فيها رواية القداح، ثم رواية الفضيل، فإن قوله " إذا سلم سجد سجدتين " ظاهر في التوقيت. ثم الاخبار المشتملة على لفظة " ثم " وبالجملة: لا وجه للمناقشة في اعتبار الفورية. نعم لا يستفاد من الاخبار الشرطية الفورية لسجود السهو، بحيث لو أخل بها لم تجب بعد ذلك. ولا شرطيتها للصلاة. فالاخلال بالفورية عمدا لا يوجب فساد الصلاة، فضلا عن سجود السهو.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣١٤ باب ٥ من أبواب الخلل، ح ٣.

(٢) و (٣) نفس المصدر الحديث ٥ و ٤.

(٤) ذخيرة المعاد: ص ٣٨١ في ذيل قول الماتن وهما سجدتان بعد الصلاة. (*)


فيما تشرع فيه الجماعة

لاإشكال في أنه لا تجب الجماعة أصالة إلا في الجمعة والعيدين، مع تحقق شرائط وجوبهما المذكورة في محلها. وقد تجب لعارض كالنذر وشبهه، وربما قيل بوجوبها أيضا بأمر الوالدين، وبالنسبة إلى من لم يتمكن من القراء‌ة إما لآفة في لسانه، وإما لجهله بها مع ضيق الوقت عن التعلم. هذا.

ولكن الاقوى عدم وجوبها بذلك، أما أمر الوالدين فلانه لا دليل على وجوب متابعتهما في ذلك، بل المسلم هو حرمة إيذائهما بالضرب والشتم ونحوه، وأما وجوب متابعتهما بما يرجع إلى المال والنفس، فلم يقم عليه دليل على وجه الكلية، وإلا لوجب إطاعتهما عند أمرهما ببذل المال، نعم ربما يجب إطاعتهما في بعض الافعال، كما لو نهيا عن السفر، وذلك يرجع إلى إيذائهما.

وأما من لم يتمكن من القراء‌ة فوجوب الجماعة عليه مبني على أن تكون الجماعة أحد فردي الواجب التخييري، ويكون الصلاة مع القراء‌ة فرادى فرده الآخر، حتى تجب الجماعة عينا عند تعذر الصلاة مع القراء‌ة، كما هو الشأن في كل واجب تخييري، حيث يتعين بعض أفراده عند تعذر الآخر. ولكن قد تقدم هنا الاشكال في ذلك في مبحث القراء‌ة. وأن الصلاة جماعة ليست أحد فردي الواجب التخييري، بل الواجب ليس إلا الصلاة مع القراء‌ة عند التمكن. والجماعة إنما تكون مستحبة، غايته أنه تسقط القراء‌ة عندها. على ما تقدم تفصيله، وحينئذ الواجب على من لم يتمكن من القراء‌ة ذاتا لآفة في لسانه هو فعل الصلاة حسب تمكنه، ولا تجب عليه الجماعة، ومن لم يتمكن من القراء‌ة لجهله بهما. فهو وإن وجب عليه تعلم القراء‌ة. إلا أنه لولم يتعلم إلى أن ضاق الوقت فالعبرة بما يتمكنه في ذلك الوقت، ولا تجب عليه الجماعة أيضا، ولكن لا ينبغي ترك الاحتياط في ذلك.

فتحصل: أنه لا تجب الجماعة إلا فيماذكر. وأما فيما عدا ذلك فهي ليست بواجبة إجماعا. نعم هي مستحبة في الفرائض الاصلية من اليومية وغيرها، وفي بعض النوافل. أما استحبابها في الفرائض فيدل عليه صحيحة زرارة والفضيل قالا: قلنا له: الصلاة في الجماعة فريضة هي؟ فقال: الصلاة فريضة وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، ولكنه سنة من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له(١) .

وجه الدلالة هو أن قولهعليه‌السلام : " وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها " ليس المراد منه عموم السلب، بحيث لاتجب الجماعة في كل صلاة صلاة على نحو العام الاستغراقي الانحلالي، حتى يكون وجوب الجماعة في الجمعة والعيدين تخصيصا لهذا العموم، بل المراد منه سلب العموم على نحو العام

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٧١ باب ١ من ابواب صلاة الجماعة، ح ٢ باختلاف يسير. (*)


المجموعي. فيكون المعنى أن الجماعة ليست بواجبة في جميع الصلوات. وهذا لا ينافي وجوبها في بعض الصلوات. وقولهعليه‌السلام بعد ذلك " ولكنه سنة " ظاهر في إثبات الاستحباب للصلوات التي نفى عنها الوجوب قبل ذلك. وهي الصلوات المفروضة. فلا تدل هذه الصحيحة على استحباب الجماعة في مطلق الصلاة. بل خصوص الصلاة المفروضة. فتدل على استحباب الجماعة في كل صلاة مفروضة، بمقتضى إطلاق الصحيحة، وعدم ذكر فريضة خاصة فيها. ولو لا إطلاق هذه الصحيحة لاشكل إثبات مشروعية الجماعة في جميع الفرائض. إذ لم يقم دليل بالخصوص في استحبابها في كل فريضة فريضة، وإن قام ذلك في البعض كالصلوات اليومية، وصلوات الآيات، وصلاة الاموات. وليس أيضا ما يدل بعمومه على استحبابها في جميع الفرائض إلا إطلاق هذه الصحيحة، وفيها الغنى والكفاية.

فلا مجال بعد ذلك للوسوسة في شرعية الجماعة في صلاة الطواف. بعدما كانت من الفرائض الاصلية فتندرج في إطلاق الصحيحة. ومجرد عدم نقل وقوع الجماعة في صلاة الطواف عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع. مع نقل جميع ما صدر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله في تلك الحجة من الخصوصيات، لا يدل على عدم مشروعيتها في الطواف: إذ لعل عدم نقل ذلك لعدم وقوع الجماعة في صلاة الطواف اتفاقا، من باب عدم اجتماع طائفة معصلى‌الله‌عليه‌وآله في الطواف، وكان طوافه انفراديا، أو عدم الاهتمام بنقل وقوع الجماعة فيها، أوغير ذلك من الاسباب، وبالجملة: مجرد عدم نقل ذلك لا يصلح أن يكون دليلا على عدم المشروعية فيها. فالاقوى استحباب الجماعة في صلاة الطواف كغيرها من الفرائض الاصلية. وأما استحبابها في الصلاة التي عرض عليها الفرض بالنذر وشبهه فيشكل. من


جهة أن الظاهر من الفريضة في الصحيحة هو ما كان فرضا بالاصل، وترتب بعض أحكام الفريضة على ما طرأ عليه الفرض بالنذر كالقيام والاستقرار وغير ذلك لا يلازم ترتب جميع أحكام الفريضة عليه، حتى مثل استحباب الجماعة فيه.

فإن الاحكام تختلف بحسب مناسبة الحكم والموضوع. فرب حكم يقتضيه وصف النقل الفعلي بحيث لوصار فرضا لما ترتب عليه ذلك الحكم، وذلك مثل الاستقبال والاستقرار والقيام وأمثال ذلك، حيث إن عدم اعتبارها في النافلة لمكان التوسعة في النافلة، فناسب عدم اعتبار ذلك. وأما إذا صارت فرضا بالنذر وشبهه فتلك المناسبة لم تبق، بل يناسب اعتبار ذلك لمكان وصف الفرض الفعلي المقتضي للتضييق، عكس مايقتضيه النفل. وأما مثل الجماعة فلا يجري فيها هذا المعنى، لعدم اقتضاء وصف النفل عدم مشروعية الجماعة فيه، بحيث يناسب النفل عدم الجماعة والفرض الجماعة. حتى تكون الجماعة مثل الاستقبال والاستقرار، فيقال مشروعيتها عند عروض وصف الفرض على النفل بالنذر وشبهه، وإطلاق صحيحة زرارة والفضيل قد عرفت ظهوره فيما كان فرضا بالاصل.

فلم يبق مايقتضي مشروعية الجماعة في الصلاة النافلة المنذورة. فالاقوى ترك الجماعة فيها، وإن كان يظهر من الشهيد -رحمه‌الله - في الذكرى(١) كون مشروعية الجماعة في المنذورة من المسلمات عند الامامية، حيث عبر بلفظ " عندنا " ولكن الظاهر أن لفظة " عندنا " لا تدل على كون المسألة مما انعقد عليها الاجماع. هذا كله في الفرائض.

وأما النوافل فلا إشكال في مشروعية الجماعة في صلاة الاستسقاء، وكذا

____________________

(١) الذكرى: ص ٢٦٥. (*)


صلاة العيدين في زمان الغيبة سواء قلنا: إن صلاة العيدين في زمان الغيبة تكون من الفرض الذي طرأ عليه النفل.

أو قلنا: إنها نافلة بالاصل ويكون زمان الحضور والغيبة منوعا لها، فتكون صلاة العيدين ذات نوعين نوع واجب بالاصالة وهو ماكان في زمن الحضور، ونوع مستحب بالاصالة وهو ماكان في زمان الغيبة. ولعل الاظهر هو الوجه الثاني كما قد تقدمت الاشارة إليه في بعض أحكام الخلل. وتظهر الثمرة بين الوجهين في ترتب أحكام النافلة وعدمه والتفصيل في محله.

وعلى كل تقدير لا إشكال في مشروعية الجماعة في العيدين، ولامجال للوسوسة في أصل مشروعية العيدين في زمان الغيبة أو زمان الحضور مع عدم بسط يد الامامعليه‌السلام أو الوسوسة في مشروعية الجماعة فيها بعد تسليم كونها مشروعة. ومنشأ الوسوسة هو توهم دلالة بعض الاخبار على ذلك كموثقة سماعة عن الصادقعليه‌السلام في صلاة العيدين قال: " لا باس أن تصلي وحدك ولا صلاة إلامع إمام "(١) وموثقه عمار " سئل الصادقعليه‌السلام هل يؤم الرجل بأهله في صلاة العيدين، في سطح أو البيت؟ فقالعليه‌السلام : لا يؤم بهن ولا يخرجن "(٢) ، هذا. ولكن لا يخفى عليك أنه لا ظهور لهذه الاخبار في عدم مشروعية الجماعة في صلاة العيدين. أما موثقة سماعة فلاحتمال أن يكون المراد من " وحدك " هو في مقابل الصلاة مع الامامعليه‌السلام التي نفي الوجوب عنها في الذيل، فيكون المعنى أنه لا بأس بأن تصلي العيدين مع عدم الامامعليه‌السلام ، فتكون الموثقة دليلا على

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٩٦ باب ٢ من أبواب الصلاة العيد، ح ٦.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ١٣٤ باب ٢٨ من أبواب صلاة العيد ح ٢ باختلاف يسير. (*)


مشروعية العيدين ولو مع عدم وجود الامام، وليس المراد من " وحدك " هو ما يقابل الجماعة.

وأما موثقة عمار فلورودها في مقام عدم وجوب صلاة العيدين على النساء. كما يشهد لذلك قوله بعد ذلك " ولا يخرجن " وليس لها ظهور في عدم مشروعية صلاة العيدين أو عدم مشروعية الجماعة فيها.

فلا وجه للقول بعدم مشروعية الجماعة في صلاة العيدين بعد عدم ظهور هذه الاخبار في ذلك وظهور - ما رواه في الاقبال عن الصادقعليه‌السلام في مشروعية الجماعة في العيدين حيث إنه سئل الصادقعليه‌السلام عن صلاة الاضحى والفطر " فقالعليه‌السلام : صلهما ركعتين في جماعة وغير جماعة "(١) بناء على أن قوله " في جماعة " متعلق بقوله " صلهما " لا بقوله " ركعتين " حتى تكون الرواية ردا على من يقول بأن صلاة العيدين تكون أربع ركعات إن صليت فرادى لا جماعة فلا دلالة في الرواية حينئذ على مشروعية الجماعة في العيدين مطلقا ولو مع عدم حضور الامامعليه‌السلام لان الرواية تكون حينئذ واردة في مقام بيان الحكم آخر - أجنبي عما نحن فيه. وعلى كل حال لا ينبغي التوقف في مشروعية صلاة العيدين جماعة في زمان الغيبة وعليه سيرة المسلمين كما نقل عن القطب الراوندي أن الامامية يصلون هاتين الصلاتين أي صلاة العيدين جماعة وعملهم حجة.

ثم إنه ينسب إلى المشهور مشروعية الجماعة في صلاة الغدير التي هي ركعتان قبل الزوال، وحكى في التذكرة(٢) عن التقي نسبة ذلك إلى الرواية، ونقل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم الغدير في حجة الوداع أنه أمر أن ينادي الصلاة

____________________

(١) الاقبال: ٢٨٥.

(٢) التذكرة: ج ١ ص ٧٣. (*)


جامعة فاجتمعوا وصلى ركعتين ثم رقى المنبر وخطب الخطبة المعروفة(١) ، ولم يظهر للمشهور مستند سوى ذلك. ولكن الانصاف أن ذلك لا يثبت مشروعية الجماعة في صلاة الغدير. لامكان أن يكون المراد من الركعتين التي صلاهماصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع هما صلاة الظهر. إذ لم يعلم كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله [ صلى قبل ] ذلك الزوال، وإن كان يظهر من بعض التواريخ أن نداء‌ه كان قبل الزوال إلا أن ذلك لا يلازم كون الصلاة أيضا كانت قبل الزوال. ومن الممكن أيضا أن يكون مراد التقي من الرواية هو ذلك. أي فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع. كما أن من الممكن أن يكون وجه نسبة جواز الجماعة في صلاة الغدير إلى المشهور لمكان تجويز الشهيد -رحمه‌الله - الجماعة فيها في اللمعة(٢) ، بضميمة أن الشهيد -رحمه‌الله - لم يذكر في اللمعة إلا ماكان مشهور عند الاصحاب.

وعلى كل حال الاقوى ترك الجماعة في صلاة الغدير. ولا يمكن إثبات مشروعيتها فيها بأخبار " من بلغ "(٣) بناء على كون أخبار " من بلغ " توجب استحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب وتصيره كسائر المستحبات كما هو أحد الوجوه في مسألة التسامح في أدلة السنن، وذلك لان إثبات الاستحباب بأخبار " من بلغ " إنما هو إذا لم يكن العمل الذي بلغ في الثواب مما قام الدليل على حرمته كالمقام حيث قام الدليل على حرمة الجماعة في النافلة وأنها بدعة وبعبارة أخرى: أخبار من بلغ توجب استحباب العمل الذي كان حرمة متمحضا من حيث عدم قيام الدليل على مشروعية لا ما كان حرمته من جهة قيام الدليل الاجتهادي على الحرمة كالجماعة في النافلة فتأمل جيدا.

____________________

(١) المقنعة: ص ٣٤

(٢) شرح اللمعة: ج ١ ص ٧٩١.

(٣) الوسائل: ج ١ ص ٥٩ باب ١٨ كباب أبواب مقدمة العبادات. (*)


فتحصل مما ذكرنا: أن المتيقن من النوافل التي تشرع الجماعة فيها هو صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين، وفيما عدا ذلك لا تشرع الجماعة فيه مطلقا سواء في ذلك نوافل شهر رمضان وغيرها.

ويدل على ذلك المرسل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال " لا جماعة في نافلة "(١) . وورد عين هذا المضمون عن الرضا(٢) عليه‌السلام . وقول أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد منعه عن الجماعة في نوافل شهر رمضان التي أبدعها الثاني لعنه الله " وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة "(٣) .

ولا يدل وقوع هذا الكلام في ذيل النهي عن الجماعة في نوافل شهر رمضان كون الالف واللام في قوله " وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة " للعهد حتى يقال: إن كلام الاميرعليه‌السلام لا يدل على عموم المنع لمطلق النوافل بل خصوص نوافل شهر رمضان، لان هذا الكلام منهعليه‌السلام إنما وقع بعد الفراغ عن كلامه السابق فهو يدل على عموم المنع. ويدل على العموم أيضا، قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله " لن تجتمع للنافلة"(٤) ومع هذه الادلة لا ينبغي التوقف والاشكال في هذا الحكم أصلا. ولا محل لمناقشة المدارك(٥) والذخيرة(٦) في عموم المنع، ولا يعارض الادلة المذكورة صحيحة عبدالرحمن عن الصادقعليه‌السلام " صل بأهلك في رمضان

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ١٨١ باب ٧ من أبواب نافلة شهر رمضان، ح ٦.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٤٠٧ باب ٢٠ من أبواب صلاة الجماعة، ح ٦.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ١٩٣ باب ١٠ من أبواب نافلة شهر رمضان، ح ٤.

(٤) الوسائل: ج ٥ ص ١٨٢ باب ٧ من أبواب نافلة شهر رمضان، ح ٦.

(٥) مدارك الاحكام: ص ٢٢٧.

(٦) ذخيرة المعاد: ص ٣٨٩ في ذيل قول الماتن ولا تصح في النوافل. (*)


الفريضة والنافلة فإني أفعله "(١) وصحيحة هشام سأل عن المرأة هل تؤم النساء؟ قال: تؤمهن في النافلة فأما المكتوبة فلا(٢) لان الصحيحة الاولى معارضة مع الاخبار الكثيرة الدالة على المع الحاكية لقضية علي، والثانية لا تصلح أن تقاوم العمومات خصوصا مع اشتمال ذيلها على ما لا عامل به من عدم جواز اقتداء النساء بالنساء في المكتوبة، فالاقوى عموم المنع لمطلق النوافل إلا العيدين والاستسقاء.

فيما تنعقد به الجماعة

والمحل الذي يدرك فيه فضلها والموضع الذي يدرك فيه الركعة وجملة من أحكامها وتوضيح البحث عن ذلك يتم برسم مسائل: المسألة الاولى: أقل عدد ينعقد فيه الجماعة اثنان في غير الجمعة والعيدين، ويدل على ذلك ما عن العيون عن الرضاعليه‌السلام عن آبائه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: " الاثنان فما فوقهما جماعة"(٣) وغير ذلك من الروايات.

ولا إشكال فيه، كما لا إشكال في أن من آداب الجماعة أن يقف المأموم عن يمين الامام إذا كان وحده. وإذا تعدد المأموم فليقفوا خلفه، وليس ذلك شرطا للجماعة بل من آدابها ومستحباتها، فما يظهر من الحدائق(٤) من كون ذلك شرطا في صحة الجماعة ضعيف غايته كما يظهر وجهه للمتأمل في الاخبار بعين الانصاف.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٠٨ باب ٢٠ من أبواب صلاة الجماعة، ح ١٣.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٤٠٦ باب ٢٠ من أبواب صلاة الجماعة، ١.

(٣) عيون الاخبار: ج ٢ ص ٦١ باب ٣١ ح ٢٤٨ باختلاف يسير.

(٤) الحدائق: ج ١١ ص ٩٠. (*)


المسألة الثانية: تدرك فضيلة الجماعة باللحوق مع الامام ولو في التشهد الاخير كما يدل عليه رواية معاوية بن شريح عن الصادقعليه‌السلام قال: " إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، ومن أدرك الامام وهو ساجد كبر وسجد معه ولم يعتبد بها. ومن أدرك الامام وهو في الركعة الاخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدركه وقد رفع رأسه من السجدة الاخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة وليس عليه أذان ولا إقامة. ومن أدركه وقد سلم فعليه الاذان والاقامة "(١) . وقريب هذا المضمون ورد في رواية مصدق بن صدقة. ثم إنه إن لحق بعد السجدتين فيكبر ويقعد مع الامام ويقوم بعد سلام الامام ويقرأ من دون تجديد نيته ولا تكبيرة، ولو لحقه قبل السجدتين فبعد سلام الامام يجدد النية والتكبيرة لئلا يلزم زيادة الركن، ولو لحقه بين السجدتين فاغتفار السجدة الواحدة غير بعيد لانها ليست بركن، والمسألة تحتاج إلى تفصيل لعله يأتي بعد ذلك.

المسألة الثالثة: ذهب المشهور إلى أن الركعة إنما تدرك بإدراك الامام راكعا ولو بعد الذكر وقبل رفع الرأس، وقيل(٢) إنه لا تدرك الركعة إلا بإدراك المأموم تكيبرة الركع بمعنى أنه يلتحق بالامام قبل أن يكبر الامام للركوع، وقيل(٣) إن الركعة تدرك بإدراك الامام ذاكرا ولا يعتبر إدراكه تكبيرة الركوع كما أنه لا عبرة بإدراكه بعد الذكر ولو قبل رفع الرأس. والاقوى ما عليه المشهور ويدل عليه الاخبار الكثيرة.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤٩ باب ٤٩ من أبواب صلاة الجماعة، ح ٦.

(٢) وهو الشيخ في النهاية (النهاية: ص ١١٤).

(٣) وهو العلامة في التذكرة (التذكرة: ص ١٨٢). (*)


منها: ما رواه الشيخ بطريقين عن سليمان بن خالد عن الصادقعليه‌السلام أنه قال " في الرجل، إذا أدرك الامام وهو راكع وكبر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدرك الركعة "(١) . ومنها المروي عن الحلبي عن الصادقعليه‌السلام قال إذا أدركت الامام وقد ركع فكبرت وركعت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الركعة، وإن رفع الامام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة(٢) . ومنها: غير ذلك من الاخبار الصحيحة الصريحة الواردة في انتظار الامام حتى يلحق به المأموم(٣) ، وفيمن خاف رفع الامام رأسه إذا لحق بالصف. وسيأتي بعضها إن شاء الله في محله. ومستند الشيخين الاخبار الواردة عن محمد بن مسلم ويونس الشيباني.

فعن محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: " قال لي: إذا لم تدرك القوم قبل أن يكبر الامام للركعة فلا تدخل معهم "(٤) . وعنه عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: " إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد أدركت الصلاة "(٥) . وعنه عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: " قال: لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام(٦) .

____________________

(١) التهذب: ج ٣ ص ٤٣ في أحكام الجماعة، ح ٦٤.

(٢) التهذيب: ج ٣ ص ٤٣ في أحكام الجماعة، ح ٦٥.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٤٥٠ باب ٥٠ من أبواب صلاة الجمعة، ح ١ و ٢.

(٤) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤١ باب ٤٤ من ابواب صلاة الجماعة، ح ٢.

(٥) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤٠ باب ٤٤ من أبواب صلاة الجماعة، ح ١.

(٦) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤١ باب ٤٤ من أبواب صلاة الجماعة، ح ٣. (*)


وعنه عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: " قال: إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل [ معهم ] في تلك الركعة"(١) . وعن يونس عن أبي عبداللهعليه‌السلام " قال: إذا دخلت من باب المسجد فكبرت وأنت مع إمام عادل ثم مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك فإذا الامام كبر للركوع كن معه في الركعة لانه إذا أدركته وهو راكع لم تدرك التكبيرة لم تكن معه في الركوع "(٢) . ويمكن أن يستدل لهذا القول برواية الحلبي قال: إذا أدركت الامام قبل أن يركع الركعة الاخيرة فقد أدركت الصلاة وإن أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع ركعات(٣) . بناء على عدم الفرق بين الجمعة وغيرها.

وأما مستند التذكرة فما رواه في الاحتجاج عن الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان روحي له الفداء يسأله عن الرجل يلحق الامام وهو راكع فيركع معه ويحتسب بتلك الركعة فإن بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة فأجابعليه‌السلام : " إذا لحق مع الامام مع تسبيحة الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وإن لم يسمع تكبيرة الركوع "(٤) .

ولا يخفى عليك عدم مقاومة مستند القولين لمستند المشهور، أما مستند الشيخين فلما فيه أولا: عدم عمل المشهور بتلك الاخبار وإعراضهم عنها بل قيل حتى الشيخ لم يعمل بها في بعض كتيه. وثانيا: الاخبار التي اعتمد عليها المشهور

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤١ باب ٤٤ من أبواب صلاة الجماعة، ح ٤.

(٢) الوسائل: ج ٤ ص ٦٣٥ باب ١٣ من أبواب الاذان والاقامة، ح ٩.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٤٠ باب ٢٦ من أبواب صلاة الجمعة، ح ١ باختلاف يسير.

(٤) الاحتجاج: ص ٣١٠ وفيه من تسبيح الركوع. (*)


أقوى دلالة من الاخبار التي عليها الشيخان. لان الصحيحة الاولى لمحمد بن مسلم مضافا إلى إمكان حملها على الكراهة وإن بعد يمكن أن تكون واردة في مقام الارشاد، فإنه من الممكن أن يكون المراد من " القوم " المذكور فيها هو العامة. وحيث إن الاقتداء معهم في الركوع موجب لفوات القراء‌ة مع أن القراء‌ة عند الاقتداء بالعامة تجب أو تستحب سرا، فإن الامامعليه‌السلام في مقام الارشاد إلى أنه يقتضي أن يكون المقتدي يلتحق بإمامهم قبل الركوع حتى لا يفوت منه القراء‌ة.

والصحيحة الثانية له لا مفهوم لها بعد ظهور مستند المشهور في إدراك الركعة قبل رفع رأس الامام من الركوعو، فيكون المتحصل من مستند المشهور ومن الصحيحة هو أنه تدرك الركعة بأحد الامرين، كما هو طريق الجمع في كل ما تعارض شرطيتان فيكون إدراك الركعة بإدراك التكبيرة أو بإدراك الركوع فتأمل.

والصحيحة الثالثة له فهي وإن كانت أقوى دلالة من سائر ما رواه محمد بن مسلم مما كان مستند الشيخين لان قولهعليه‌السلام : " لا تعتد بالركعة... إلخ ".

ظاهر في عدم إدراك الركعة مالم يدرك تكبيرة الركوع إلا أنه يمكن أن يكون المراد من لا تعتد عدم الدخول، فيكون مفادها مفاد الصحيحة الرابعة له وحينئذ يمكن أن يكون النهي عن الدخول للارشاد إلى أنه لعله لو لم يدرك التكبيرة تفوته الركعة من أجل رفع رأس الامام عن الركوع قبل أن يلتحق به المأموم، فإن الامام لو كان راكعا وأراد المأموم الالتحاق به كان المأموم في مظنة عدم اللحوق بالامام، بخلاف مالم يكن الامام راكعا بعد فإنه لو التحق به أدرك الركوع معه قطعا.

وأما رواية يونس فهي واردة فيمن خاف عن اللحوق بالامم في الركوع فإن


قولهعليه‌السلام " إذا دخلت من باب المسجد فكبرت ثم مشيت " ظاهر في أن المشي بعد التكبير للحوق بالصف، فيكون مفاد قولهعليه‌السلام " إذا أدركته وهو راكع... إلخ " أنه لولم تكبر في باب المسجد لم تدرك التكبير حال ركوعه فلم تكن معه في الركوع، وهذا لا يدل على عدم درك الركعة إذا كبر المأموم وأدرك الامام راكعا.

وأما رواية الحلبي فيمكن أن يكون المراد من قوله " قبل أن يركع " قبل تحقق الركوع منه فيكون المضارع بمعنى الماضي، وهذا وإن كان خلاف ظاهر المضارع إلا أنه ليس بحيث لا يمكن الحمل عل ذلك في مقام الجمع بين الاخبار خصوصا بعد قولهعليه‌السلام " وإن أدركته بعدما ركع " الظاهر في أدراكه بعد تحقق الركوع منه وانقضائه، فيكون حاصل مفاد الرواية أنه إذا أدركت الامام قبل تحقق الركوع منه وانقضائه فقد أدركت الصلاة، وإن أدركته بعد انقضاء الركوع عنه فقد فاتتك الجمعة ويجب عليك صلاة الظهر، والانصاف أن هذا الحمل ليس خارجا عن قانون المحاورة بحيث يكون من المستهجن.

فتحصل: أن مستند الشيخين ليس على وجه لا يقبل الحمل على الخلاف، بخلاف مستند المشهور فإن الاخبار التي اعتمد عليها المشهور كادت أن تكون صريحة في مدعاهم ولا تقبل الحمل على الخلاف.

وأما مستند العلامة في التذكرة فقد عرفت أنه خبر الاحتجاج، وهو وإن كان مرسلا إلا أنه كما كان في الاحتجاج فهو بمنزلة المسند، لان الاحتجاج أسقط الاسانيد، ولكن لا يقاوم مستند المشهور فإن النسبة بين هذا الخبر وبين مستند المشهور وإن كان العموم المطلق وكان هذا الخبر أخص مطلقا من تلك الاخبار إلا أنه كما كان تلك الاخبار في مقام التحديد ولا يعامل مع التحديدات الشرعية معاملة الاطلاق والتقييد، بل لابد من أن تكون القضية الشرطية في خبر


الاحتجاج مسوقة لفرض وجود الموضوع وليست ذات مفهوم. إذ لو أخذ بمفهومها يلزم طرح تلك الاخبار الواردة في مقام التحديد على كثرتها وعلم المشهور بها.

ولا ينافي دعوى عمل المشهور بتلك الاخبار مع ما يظهر من صدر خبر الاحتجاج من أن اعتبار درك المأموم تكبيرة الركوع كان معروفا عند الاصحاب في الصدر الاول لان معروفية ذلك لا يلازم كون عملهم كان على طبق ذلك بل لعله كان مجرد الشهرة الروائية، فتأمل جيدا. فإن شيخنا الاستاذ - مد ظله - وإن كان رد خبر الاحتجاج بما ذكرنا إلا [ أنه ] لا يخلو عن إشكال. فإن صناعة الاطلاقوالتقييد محفوظة في المقام فالاولى ولى رد خبر الاحتجاج بعدم عمل المشهور به. ثم إنه بعدما عرفت من أن العبرة في إدراك المأموم الركعة إدراكه لركوع الامام فلابد من أن يلحق المأموم بالامام قبل رفع الامام رأسه من الركوع. فلا يكفي مطلق اجتماع الامام والمأموم ولو في حد الركوع الشرعي بأن اجتمعا في حال هوي المأموم ونهوض الامام قبل خروج الامام عن حد الركوع الشعري.

لان ظاهر الاخابر اعتبار تحقق الركوع من المأموم قبل رفع رأس الامام ومادام المأموم هاويا لا يصدق عليه تحقق الركوع ولو وصل إلى حد الركوع الشرعي، لان المنصرف إليه من قوله " ركع " هو تحقق الركوع الذي يقف ويستقر عليه بحيث يكون وقوف المأموم راكعا قبل رفع الرأس الامام.

ثم إنه بعد ما عرفت من أن إدراك الركعة إنما يكون بإدراك الركوع فهل يكون إدراك الركوع شرطا في إدراك الركعة بحيث لو لم يدرك ركوع الركعة لم يكن مدركا للركعة أصلا؟ أو أن إدراك الركوع يكون آخر ما يدرك من الركعة فلو كان مدركا للجماعة قبل ذلك في حال القراء‌ة فقد أدرك الركعة ولو لم يدرك الركوع مع الامام لمانع من ازدحام أو غيره؟ وعلى كلا التقديرين فهل هذا الحكم مقصور بالركعة الاولى في ابتداء الجماعة بحيث لو أدرك ركوع الركعة الاولى أو


قبل الركوع منها فقد أدرك جميع ركعات الصلاة ولو لم يجتمع مع الامام في شئ من الركعات اللاحقة فلو نوى الجماعة في أول الركعة الاولى واجتمع مع الامام في حال قراء‌تها أو ركوعها ثم منعه الزحام عن الاجتماع مع الامام إلى آخر الصلاة، فهو يبقى على جماعته ويركع ويسجد وحده إلى آخر الصلاة ويترتب عليه أحكام الجماعة؟ أو أنه يعم جميع الركعات بحيث إنه في كل ركعة يعتبر أن يجتمع المأموم مع الامام إما في حال الركوع وإما قبل ذلك، فلو لم يدرك من الركعة الثانية شيئا لزحام ونحوه بقي على حاله إلى أن يتمم الامام الركعة الثانية فيقوم معه في الثالثة وتكون بالنسبة إلى المأموم ثانية، وليس له أن يأتي بأفعال الركعة الثانية وحده ويلتحق بالامام في الركعة الثالثة إلا إذا نوى الانفراد وأبطل جماعته؟ حكي عن بعض أن إدراك الركوع شرط في إدراك الركعة ولا عبرة بإدراكه قبل الركوع مع عدم إدراكه الكروع ولكن خص ذلك بالركعة الاولى، وأما باقي الركعات فلم يعتبر إدراكها مطلقا.

وحكي عن آخر أن إدراك الركوع ليس شرطا في إدراك الركعة بل آخر ما يدرك به الركعة هو الركوع، ويكفي في إدراك الركعة إداركه قبل الركوع ولو لم يدرك الركوع، ولكن خص ذلك أيضا بالركعة الاولى ولم يعتبر في سائر الركعات إدراك شئ أصلا، وهو الذي يظهرمن العروة(١) والنجاة. وحكي عن المشهور أن آخر ما يدرك به الركعة هو الركوع لا أن إدراك الركوع شرط، ولكن يعتبر ذلك في جميع الركعات ولا يختص بالركعة الاولى، وهو الذي اختاره شيخنا الاستاذ - مد ظله -.

____________________

(١) العروة الوثقى: فصل في الجماعة - مسألة ٢٤. (*)


ويدل على أن إدراك الركوع ليس شرطا في إدراك الركعة بل آخر ما يدرك به الركعة عدة روايات.

منها: ما رواه عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي الحسنعليه‌السلام " في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الامام ألجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على أن يركع ثم يقوم في الصف ولا يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أيركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم أم كيف يصنع؟ فقال: يركع ويسجد لا بأس بذلك"(١) .

ومنها: ما رواه أيضا عبدالرحمن بن الحجاج قال: " سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يكون في المسجد إما في يوم الجمعة وإما في غير ذلك من الايام فيزحمه الناس إما إلى حائط وإما إلى اسطوانة فلا يقدر على أن يركع ولايسجد حتى رفع الناس رؤوسهم فهل يجوز له أن يركع ويسجد وحده ثم يستوي مع الناس في الصف؟ فقال " نعم لا بأس بذلك "(٢) .

ومنها: ما رواه عبدالرحمن عن أبي الحسنعليه‌السلام قال: " سألته عن الرجل يصلي مع إمام يقتدي به فركع الامام وسها الرجل وهو خلفه لم يركع حتى رفع الامام رأسه وانحط للسجود أيركع ثم يلحق بالامام والقوم في سجودهم؟ أو كيف يصنع؟ قالعليه‌السلام يركع ثم ينحط ويتم صلاته معهم ولا شئ عليه "(٣) . وهذه الروايات واضحة الدلالة على أنه لا يعتبر إدراك الركوع في إدراك الركعة بل يكفي إدراك ما قبل الركوع، وإطلاق الرواية الاخيرة يقتضي عدم

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢ باب ١٧ من أبواب صلاة الجمعه. ح ١ باختلاف يسير.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٢ باب ١٧ من أبواب صلاة الجمعه. ح ٣.

(٣) الوسائل: ج ٥ ص ٣٤ باب ١٧ من أبواب صلاة الجمعه، ح ٤، باختلاف يسير. (*)


الفرق بين الركعة الاولى وسائر الركعات في كفاية إدراك ما قبل الركوع، فما أفاده في النجاة من اعتبار إدراك الركوع ضعيف غايته.

وأما ما أفاده في العروة من أن اعتبار ذلك إنما يكون في الركعة الاولى فقط ولا يعتبر إدراك شئ من الركعة في سائر الركعات ففيه: أنه وإن لم يقم دليل على اعتبار إدراك شئ من الركعة في جميع الركعات إلا أنه لم يقم دليل أيضا على كفاية إدراك الركعة الاولى في إدراك سائر الركعات، بل إطلاق ما تقدم من الاخبار على اعتبار إدراك الركوع في إدراك الركعة يقتضي اعتبار ذلك في كل ركعة، إذ الحكم في إدراك جنس الركعة قد علق على إدراك الركوع وإن كان مورد تلك الاخبار هو الركعة الاولى في اتباع الصلاة إلا أن الخصوصية الموردية مما لا دخل لها، مضافا إلى أن مناسبة الحكم والموضوع يقتضي ذلك أيضا إذ مقتضى المناسبة الحكمية هو اعتبار إدراك المأموم شئ من ركعة الامام، وعلى كل حال يكفي عدم قيام الدليل على كفاية إدراك الركعة الاولى في اعتبار ذلك في كل ركعة، فتأمل جيدا.

المسألة الرابعة: لو نوى الجماعة باعتقاد إدراك الركعة فلم يدرك الركوع. وكان ركوع المأموم مساوقا لرفع رأس الامام فقد قيل: بالبطلان كما في النجاة(١) . والعروة(٢) لان ركوعه ذلك لا يحتسب ركوعه الصلاتي فيلزم زيادة الركن، حيث إنه لابد له من أن يقوم عن ركوع ذلك سواء أراد الانفراد أو أراد الجماعة، لانه إن أراد الانفراد فلا بد له من أن يقوم للقراء‌ة وإن أراد الجماعة فأيضا لا بدله من القيام ليركع مع ركوع الامام في الركعة اللاحقة، فيلزم زيادة الركع على كل حال، وهو موجب للبطلان، هذا ولكن للمنع عن اقتضاء زيادة مثل هذا الركوع للبطلان مجال، حيث إنه ليس في

____________________

(١) نجاة العباد: ص ١٤١.

(٢) العروة الوثقى: فصل في الجماعة مسألة ٢٥، (*)


شئ من أخبار الباب إشعار بالبطلان بل الذي فيها هو أنه قد فاتته الركعة.

نعم في بعض الاخبار التي اعتبر إدراك تكبيرة الركوع ورد أنه فاتته الصلاة، ولكن قد عرفت حال تلك الاخبار وعدم العمل بها، والاخبار التي اعتبرت إدراك الركوع مفادها أنه لو لم يدرك الركوع فقد فاتته الركعة وليس فيها إشعار بالبطان. بل يمكن أن يستدل للصحة بما دل على أنه لو ركع المأموم قبل ركوع الامام غفلة قام وركع مع الامام ثانيا، أو رفع رأسه من الركوع قبل رفع رأس الامم غفلة عاد إلى الركوع ثانيا وصحت صلاته.

ولو لم يدرك الامام عند عوده إلى الركوع بأن كان ركوعه ثانيا مساوقا لرفع الامام رأسه(١) . وما دل على أنه لو منعه الزحام عن السجود مع الامام في الركعة الاولى من صلاة الجمعة وبقي إلى أن سجد الامام للركعة الثانية نوى بسجوده مع الامام الركعة الاولى(٢) . فتكون ركعة المأموم ملفقة من ركوع الركعة الاولى للامام والسجود للثانية فلو نوى بالسجدتين الركعة الثانية أعاد السجدتين بقصد الركعة الاولى، مع أنه يلزم زيادة السجدتين. والمسألة وإن كان تخلافية وقد قيل بالبطلان فيهاإلا أنه قيل بالصحة أيضا، وليس في الاخبار إلا أنه لا تحسب السجدتان له، والغرض من ذلك الاستئناس إلى أنه زيادة الاركان في باب الجماعة ليس موجبا للبطلان فليكن المقام كذلك.

وبالجملة: دعوى الصحة في المقام ليست بعيدة، والاحوط أن يقوم عن ركوعه

____________________

(١) الوسائل: ج ص ٤٤٧ باب ٤٨ من أبواب صلاة الجماعة.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٣٣ باب ١٧ من أبواب صلاة الجمعة، ح ٢ نقلا بالمعنى. (*)


وينوي الانفراد والنافلة ويبطلها لادراك الجماعة في الركعة اللاحقة.

المسألة الخامسة: الاقتداء. وقبل الركوع رفع الامم رأسه فهل يبقى واقفا إلى أن يقوم الامام للركعة اللاحقة لو كانت ولم تكن الركعة الاخيرة أو أنه يتابع الامام في السجود غايته أنه لا يعتني بتلك الركعة ولا يضره زيادة السجود - وكذا الكلام في المسألة السابقة بناء على ما قويناه من الصحة - أو أنه يتابعه في السجود ويسلم مع الامام إن كانت الركعة الاخيرة ويستأنف صلاته؟ وجوه بل أقوال: قول: بأنه يتبعه في السجود وجوبا أو استحبابا ولا يعتني بتلك الركعة بل يقوم بعد تسليم الامام إن كان في الركعة الاخيرة ويقرأ بلاحاجة إلى استئناف صلاته، ولا يخرج عن الصلاة بتسليم الامام قهرا.

وقول: أنه يتابعه في السجود ويستأنف صلاته وهو المنسوب إلى المشهور.

وقوله: أنه لا يتابعه في السجود بل يبقى المأموم واقفا إلى أن يسلم الامام أو يدخل معه في التشهد بعد سجود الامام ثم يقوم ويصلي بلا حاجة إلى استئناف الصلاة.

والاقوى من هذه الاقوال هو القول الاول لان الاخبار المستدل بها للمقام كرواية معلى بن خنيس ورواية معاوية بن شريح ورواية أبي هريرة(١) ليس في شئ منها دلالة على استئناف الصلاة بل هي دالة على عدم الاعتماد بتلك الركعة أو بتلك السجدة. ودعوى رجوع ضمير " لا تعتد بها " الواقع في تلك الاخبار إلى الصلاة حتى يدل على استئناف الصلاة. بعيدة غايته. بل الظاهر رجوع الضمير إلى الركعة أو السجدة. فالاخبار تدل على عدم استئناف الصلاة ولو من جهة السكوت في مقام

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤٩ باب ٤٩ من أبواب صلاة الجماعة، ح ٢، ٦. ٧. (*)


البيان بل ظاهر تلك الاخابر هو وجوب المتابعة إلا أن يجمع بين هذه الاخبار وبين ما دل على أن المأموم لا يتابع الامام في السجود بل يثبت مكانه بعد الاقتداء بحمل الامر في تلك الاخبار على رجحان المتابعة.

ولكن مع كله الاحوط أن لا يدخل في الصلاة والحال هذه لان مقتضى الادلة وإن كان ما ذكرنا من جواز الدخول في الصلاة ووجوب المتابعة أو رجحانها وعدم استئناف الصلاة إلا أن المشهور ذهبوا إلى الاستئناف، ولم يظهر لنا مستندرهم، فالاحوط ترك الدخول في الصلاة رأسا.

المسألة السادسة: لو شك في إدراك الامام راكعا فلا إشكال في أنه يجوز له الدخول في الصلاة بنية الاقتداء بل لو علم عدم إدراكه ركوع الامام كان له ذلك وإنما الاشكال في أن له الركوع والحال هذه - أي كونه شاكا في إدراك لركوع الامام - أو أن ليس له الركوع؟ فربما يقال: بأن له الركوع من جهة استصحاب عدم رفع الامام رأسه عن الركوع إلى أن يركع المأموم، ولا يخفى عليك ما فيه فإنه: أولا: مبني على جريان الاستصحاب في المستقبل وفيه كلام وإن كان الاقوى عندنا جريانه فيه.

وثانيا: أن جريان الاستصحاب مبني على أن يكون الموضوع هو اجتماع المأموم والامام في الركوع من دون اعتبار كون ركوع المأموم قبل رفع الامام رأسه بأن يكون العنون القبلية دخل في الحكم بالصحة، وسيأتي الكلام في ذلك مفصلا إن شاء الله في المسألة الآتية.

وثالثة: أن الاستصحاب لا يوجب الوثوق والاطمئنان المعتبر في العبادة بأجزائها فإن الاستصحاب لا يزيل الشك الوجداني ولايوجب الوثوق، وليس الاحراز في مثل المقام أخذ على نحو الطريقية حتى يقوم الاستصحاب مقامه بل


للاحراز دخل موضوعا ليتحقق الوثوق والاطمئنان فتأمل فإن في النفس بعد من ذلك شئ.

ثم إن شيخنا الاستاذ - مد ظله - لم يفرق في هذه المسألة بين ما إذا قلنا ببطلان صلاة مع ركع ولم يدرك ركوع الامم وبين ما إذا قلنا بالصحة على ما تقدم في المسألة الرابعة والتزم - مد ظله - بأنه ليس له الركوع مع الشك في إدراك، الامم مطلقا قلنا بالصحة أو الفساد. ولكن الذ يختلج في البال هو أنه بناء على الصحة ينبغي القطع بجواز الركوع والحال هذه وهو الذي يظهر من الشيخ -قدس‌سره - في صلاته(١) .

المسألة السابعة: لو ركع المأموم وشك في إدراكه ركوع الامم قبل رفع رأسه.

فقد يقال: إن المسألة تبتني على مسألة تأخر الحادثين وتعارض الاصلين من الجانبين إن لم يكن أحدهما معلوم التاريخ وإلا فالاصل يجري في طرف مجهول التاريخ وبعمل على مقتضاه كما في مسألة إسلام الوارث وموت المورث، فيقال في المقام: إنه (تارة) يعلم المأموم تاريخ ركوع نفسه كما إذا علم مثلا أنه عند قدوم زيد كان هو راكعا ويشك في رفع رأس الامام في ذلك الحال، و (اخرى) يعلم بتاريخ رفع رأس الامام كما إذا علم أنه عند قدوم الامام قد رفع رأسه عن الركوع ويشك في وصوله إلى حد الركع قبل ذلك الحال. و (ثالثة) لا يعلم لا بتاريخ ركوعه ولا بتاريخ رفع رأس الامام بل مجرد أنه يرى نفسه راكعا والامام رافعا رأسه. فإن علم بتاريخ ركوعه وشك في رفع رأس الامام في ذلك التاريخ فيستصحب بقاء الامام راكعا وعدم رفع رأسه عنه إلى زمان ركوعه، فيتحصل من

____________________

(١) كتاب الصلاة: ص ٢٨٢. (*)


ضم الوجدان بالاصل اجتماع الامام والاموم في الركوع وهو مقتض للصحة.

وإن علم بتاريخ رفع الامام رأسه عن الركوع وشك في وصوله إلى حد الراكع قبل ذلك فيستصحب عدم وصوله إلى حد الركوع إلى زمان رفع الامام رأسه ويتحصل من ضم الوجدان بالاصل عدم اجتماع الامام والمأموم في الركوع وهو مقتض للبطلان. ولو جهل تاريخ كل منهما فالاصول تكون متعارضة من الطرفين وتتساقط ويبقى الشك على حاله. وبذلك أيضا يعلم حال المسألة السابقة وهي مالو كان شكه قبل الدخول في الركوع فإنه (تارة) يعلم تاريخ وصوله إلى الركوع وأنه متى يصل ويشك في تاريخ رفع الامام رأسه وأنه متى يرفعه و (اخرى) ينعكس الامر. و (ثالثة) يشك في كل منهما وتجري الاصول على حسب ما تقدم هذا.

ولكن الاقوى أن المسألة ليست من مسألة تأخر الحدثين ولا تكون من صغريات ما يحرز بعض الموضوع بالوجدان وبعضه بالاصل وكذا المسألة التي قبلها. وذلك لان ضابط ما يحرز بعضه بالاصل وبعضه بالوجدان هو أن يكون الموضوع مركبا من جوهرين أو عرضين لمحلين أو جوهر وعرض قائم بغير ذلك الجوهر بحيث لا يكون بين جزئي الموضوع رابطة سوى اجتماعهما في الزمان، ويكون نفس اجتماعهما في الزمان تمام الموضوع للحكم، فإن في مثل هذا يصح إحراز أحد الجزء‌ين بالوجدان والآخر بالاصل، ويتحصل من ضم الوجدان بالاصل اجتماعهما في الزمان.

وأما لو كان الموضوع للحكم هو العنوان البسيط المتولد من اجتماع الشيئين في الزمان ولو كان ذلك العنوان هو عنوان الحال بحيث يكون الموضوع هو وجود


أحدهما في حال وجود الآخر على وجه يكون للحالية دخل في الحكم أو كان الموضوع هو عنوان قبلية أحدهما للآخر أو بعديته أوغير ذلك من العناوين والاضافات الوجودية المتولدة وجود الشيئين في زمانهما، ففي مثل هذا ضم الوجدان بالاصل لاينفع، لان الاصل لايثبت تلك الاضافة وذلك العنوان الوجودي المتولد إلا على القول بالاصل المثبت، ولما كان الحكم بإدراك الركعة في أدلة الباب معلقا على ركوع المأموم قبل رفع الامام فمقتضى ظاهر الادلة هو أن لعنوان القبلية دخلا في الحكم بإدراك الركعة، وأصالة عدم رفع رأس الامام إلى زمان ركوع المأموم لايثبت عنوان القبلية ودعوى أن المراد من القبلية هو مجرد الاجتماع في الركوع من دون أن يكون لعنوان القبلية دخل مما لاشاهد لها، فإنه تصرف في ظاهر الادلة بلا شاهد بل مقتضى الجمود هو أن لعنوان القبلية دخلا، فتأمل في أطراف ماذكرناه جيدا.

هذا تمام الكلام فيما تنعقد به الجماعه ومايدرك به الركعة.

فيما يعتبر في الجماعة

وهو امور: الاول: أن لا يكون بين الامام والمأموم حائل يمنع عن المشاهدة إذا كان المأموم رجلا.

والاصل في ذلك مضافا إلى الاجماعات المحكية صحيحة زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام في حديث قال: " إن صلى قوم بينهم وبين الامام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب، قال: وقال: هذه المقاصير إنما أحدثها الجبارون وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة "(١) .

____________________

(١) من لايحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٨٦، ح ١١٤٤ ط جماعة المدرسين، باختلاف يسير. (*)


والمقاصير جمع مقصورة والظاهر أن يكون المراد من المقصورة ما كان من قبيل البيت الذي يكون في طرف المسجد وله باب من الخارج بحيث كان الامام يدخل ذلك البيت من الباب الخارج والناس يقتدون به من وراء البيت. وعلى كل حال تنقيح البحث عن الحائل يقع في طي مسائل:

الاولى: الظاهر من السترة هو ما يكون ساترا بحيث يمنع عن المشاهدة، فمثل الشبابيك التي تكون منافذها واسعة بحيث لاتمنع عن المشاهدة لاتدخل تحت عنوان السترة، نعم إذا كانت منافذها ضيقة يصدق عليها عنوان السترة وإن فرض إمكان مشاهدة من وراء‌ها بعد إمعان النظر.

الثانية: الظاهر من السترة هو أن يكون ساترا ولو في بعض الاحوال كما إذا كان ساترا في حال الجلوس دون حال القيام، نعم ما كان حائلا في حال السجود فقط لقصر قامة الساتر كعتبة الباب مثلا لا يصدق عليه عنوان الساتر، هذا. ولكن يمكن أن يقال: إنه ما كان حائلا في بعض الاحوال كحال الجلوس فقط وإن كان يصدق عليه عنوان السترة إلا أنه لم يظهر من الرواية كون كل سترة مانعة بل المتيقن من السترة المانعة هي ما كانت حائلة في جميع الاحوال بحيث تكون بقدر القامة وما يقرب من ذلك، ولكن الاحوط هو ما ذكرناه أولا.

الثالثة: لو كان الحائل مما لا يمنع المشاهدة كالزجاج فقد يقال: إنه لا مانع عنه لعدم صدق السترة عليه، وربما يبتني على كون الابصار بخروج الشعاع أو الانطباع، ولكن الابتناء على ذلك ضعيف غايته لعدم ابتناء الاحكام الشرعية على الامور الحكمية العقلية، والتحقيق في المقام هو أن يقال: إن مناط المنع إن كان هو السترة والحجب وعدم المشاهدة فهو غير متحقق لعدم كون الزجاج كذلك، وإن كان المناط هو تعدد مجلس الامام والمأموم وعدم صدق الجماعة مع وجود الحائل كما لايبعد أن


يكون هو المناط في اعتبار عدم البعد بينهما بما لا يتخطى كما سيأتي فذلك في الزجاج متحقق لصدق تعدد المجلس، وقد توقف شيخنا الاستاذ - مد ظله - في ذلك.

الرابعة: لو كان الحائل بين الامام والمأموم مأموما فلا بأس، نعم يعتبر أن لا يعلم بفساد صلاة المأموم الحائل لانه يكون من حيلولة الاجنبي، ولو شك في الفساد بنى على الصحة ولو تبين الفاسد بعد الصلاة إذ الفساد الواقعي لا أثر له في باب الجماعة، كما لو تبين فساد صلاة الامام فإنه لايوجب بطلان الجماعة، ففساد صلاة المأموم لا يوجب البطلان بطريق أولى، هذا. ولكن ظاهر الجواهر في المقام هو دوران صحة الجماعة مدار صحة صلاة المأموم الحائل واقعا(١) .

الخامسة: كما يعتبر في ابتداء الجماعة عدم وجود الحائل بين الامام والمأموم كذلك يعتبر ذلك في الاستدامة، فلو تجدد الحائل في الاثناء بطلت الجماعة وينفرد المأموم قهرا وبطلان الجماعة لا يوجب بطلان صلاة المأموم. ولو عدم الحائل بعد وجوده في الاثناء ففي جواز رجوع المأموم إلى نية الاقتداء وجه. مبني على جواز نية الجماعة في أثناء الصلاة المنفرد. وسيأتي البحث عن ذلك في محله إن شاء الله.

السادسة: لو كان الحائل غير مستقر كالمارة فلو اتصلت المارة بعضها ببعض من أول الصلاة إلى آخرها بحيث لم يشاهد المأموم إمامه في جميع أفعال الصلاة أو معظمها فهو في حكم الحائل المستقر وتبطل الجماعة بذلك، وأما إذا لم تتصل المارة على هذا الوجه فلا بأس لعدم صدق الحائل على مثل ذلك.

السابعة: لا إشكال في أنه لا يعتبر المشاهدة القدامية بالنسبة إلى الامام

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٣ ص ١٥٩. (*)


والمأموم وبالنسبة إلى المأمومين بعضهم مع بعض إذا لم يكن في البين ساتر وحائل أصلا بل يكفي المشاهدة اليمينية والشمالية كالمأمومين الواقفين في جناحي الامام، وكبعض الصف اللاحق إذا كان أطول من الصف السابق حيث إنه لم يكن أمامه من يشاهده بل يشاهد من على يمينه أو يساره.

وهذا كله مما لا ينبغي التكلم والاشكال فيه. وإنما الاشكال في كفاية المشاهدة اليمينية والشمالية إذا كان هناك حائل وساتر يمنع عن المشاهدة القدامية كالواقف عقيب اسطوانة المسجد المتصل بمن يشاهد الامام وكجناحي الواقف بحذاء باب المسجد حيث إن الجناحين يشاهد الواقف بحذاء الباب يمنة ويسرة من دون أن يكون أمامه من يشاهده من الامام أو المأمومين لمنع حائط المسجد عن ذلك.

وقد اضطربت كلمات الاعلام في ذلك بحيث لا يحصل المراد منها إلا بعد التأمل والتعمق فظاهر بعض الكلمات كفاية المشاهدة اليمينية والشمالية فيما فرضناه، وظاهر بعض آخر عدم الكفاية وقصر الصحة بمن كان بخصوص حيال لباب المشاهد امامه من الامام أو المأمومين وبطلان صلاة من كان واقفا عن يمينه ويساره الذي لم يكن أمامه من يعتبر مشاهدته، ومنشأ الخلاف هو الاختلاف في فهم قولهعليه‌السلام " إلا من كان بحيال الباب " المذكور في الرواية المتقدمة وأن هذا الاستثناء مقصور بخصوص من كان بحيال الباب ولا يعم طرفيه وكان استثناء عن حكم المقاصير المذكور في ذيل الرواية، وأن الحيال هو خصوص الجهة القدامية بحيث لا يقال لمن كان واقفا في يمين الشخص أو يساره: إنه بحياله، أو أن هذا الاستثناء ليس مقصورا بخصوص من كان بحيال الباب بل يعم طرفيه وأنه استثناء عن الجملة السابقة وأن الحيال أعم من الجهة القدامية واليمينية والشمالية.

والظاهر أنه لا ينبغي التأمل في أنه لا يستفاد من الرواية اعتبار خصوص


المشاهدة القدامية بل يكفي المشاهدة يمنة ويسرة، وأن الحيال ليس معناه خصوص الجهة القدامية بل يعم الجهة اليمينية والشمالية وذلك لان لكثرة استعمال الحيال في جهة اليمين واليسار في الاخبار وفي لسان العرف كما ورد في باب تكبيرة الاحرام من رفع اليد بحيال الوجه.

وكذلك في السجود من وضع اليد بحيال الوجه وغير ذلك من موارد استعمال الحيال في جهة اليمين والشمال، وقولهعليه‌السلام في الرواية " إلا من كان بحيال الباب " استثناء عن الجملة المتقدمة وهي قولهعليه‌السلام " إن صلى قوم بينهم وبين الامام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان بحيال الباب "(١) فيصير المعنى أنه لا بأس بالسترة والجدار بالنسبة إلى من كان بحيال الباب أي جناحي الباب بعد ما كان مشاهدا لمن يشاهد المأموم المتقدم أو الامام ولا داعي إلى جعله استثناء عن حكم المقاصير المتأخرة، مع أن الذي يحكى عن التواريخ أن المقاصير لم تكن لها باب من داخل المسجد بل لها باب أو أبواب متعددة من خارج المسجد، وكانت المقصورة من قبيل البيت في المسجد لها باب من خارج المسجد يدخل الامام منه ويقف المأمومون خلف البيت داخل المسجد، ولم يكن للمقصورة باب من داخل المسجد لان المقصورة إنما أحدثها معاوية لعنه الله بعد شهادة أمير المؤمنينعليه‌السلام مخافة أن يقتل في حال صلاته كما قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام فأحدث المقصورة ليقف هو داخل المقصورة والمأمومون خلفها ليأمن عن القتل، وهذا الفرض ينافي ثبوت باب للمقصورة من داخل المسجد مع أنه لو فرض أن للمقصورة بابا عن داخل المسجد وكان قولهعليه‌السلام " إلا من كان بحيال الباب " استثناء عن حكم المقاصير لم يكن ذلك منافيا لما ذكرناه من كفاية المشاهدة اليمينية

____________________

(١) ثم من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٨٦، ح ١٤٤ ط جماعة المدرسين. (*)


والشمالية بعدما كان الحيال أعم من الجهة اليمينية والشمالية، فالعمدة إثبات هذا المعنى، وقد عرفت موارد استعمال الحيال في جهة اليمين والشمال.

ودعوى أن المراد من الموصول في قوله " إلا من كان بحيال الباب " خصوص الشخص الذي يكون بحيال الباب لا الصف الذي يكون بحيال الباب فاسدة إذ لا مانع من إرادة الصف من الموصول. والذي يؤيد ما ذكرناه من كفاية المشاهدة اليمينية والشمالية بل يدل عليه الجملة المذكورة في صدر الرواية وهي قولهعليه‌السلام " إن صلى قوم وبينهم وبين الاما ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بإمم وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر مالا يتخطى فليس تلك لهم الصلاة "(١) فإنه يستفاد من هذه الجملة امور ثلاثة:

(الاول) أن لا يكون بين مجموع المأمومين، وبين الامام قدر ما لا يتخطى.

(الثاني) أن لا يكون بين الصف المتقدم والصف المتأخر قدر ما لا يتخطى وهذان الامران دلت عليهما الجملة بالمطابقة.

(الثالث) أن لا يكون بين أجزاء الصف الواحد قدر مالا يتخطى.

وهذا الامر دلت عليه الجملة بالملازمة إذ من البعيد عدم تعرض حكم أجزاء الصف الواحد مع تعرضه لحكم الصفوف مع الامام والصفوف بعضها من بعض، فلابد من أن يكون السكوت عن ذلك لاجل دلالة الجملة عليه بالملازمة، فيعتبر حينئذ في الصف الذي يكون أطول من الصف السابق أن لا يكون في جناحي الصف قدر مالا يتخطى بالنسبة إلى أجزاء صفه وإن كان بين الجناحين وبين الصف المتقدم قدر مالا يتخطى أو أكثر.

وفي قولهعليه‌السلام بعد ذلك " فإن كان بينهم سترة أو جدار... إلخ " أجمل

____________________

(١) من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٨٦ - ١١٤٤ ط جماعة المدرسين. (*)


حكم الاقسام الثلاثة، وكأنه اعتمد عليها بالجملة السابقة واستفادة حكم الاقسام الثلاثة في الساتر من حكم الاقسام الثلاثة في البعد، فيعتبر في الساتر أن لا يكون بين مجموع المأمومين والامام ساتر وأن لا يكون بين الصف المتقدم والصف اللاحق ساتر وأن لا يكون بين أجزاء الصف الواحد ساتر، فكما لا يضر البعد بين جناحي الصف اللاحق مع الصف السابق إذا اتصلت أجزاء الصف اللاحق كذلك لا يضر الستر بين جناحي الصف اللاحق مع الصف السابق إذا لم يكن بين أجزاء الصف اللاحق ستر، ولازم ذلك هو صحة صلاة الصف الواقع بحيال الباب وإن لم يشاهد من قدامه، فيستفاد كفاية المشاهدة اليمينية والشمالية من الجملة السابقة. هذا كله مضافا إلى ماورد من صحة الصلاة خلف الاسطوانة، فلا ينبغي الاشكال بعد ذلك في كفاية المشاهدة اليمينية والشمالية، فتأمل جيدا.

الثامنة: لو كان المأموم ممن يشاهد الامام ولم يشاهد من هو على جنبه ممن يعتبر اتصاله به كما إذا كان هناك جدار كما إذا فصل بين هذا المأموم وسائر المأمومين جدار، وكان هذا المأموم يشاهد الامام عن بعد ولم يشاهد المأمومين الغير البعيدين عنه بمالا يتخطى، فهل تصح صلاة مثل هذا المأموم باعتبار مشاهدته للامام وعدم بعده عن المأمومين بالمقدار المضر أو لا تصح باعتبار وجود الحائل بين من يعتبر اتصاله؟ الظاهر هو الثاني لان المشاهدة لم تؤخذ في لسان الدليل بل العبرة بعدم الساتر.

وقد عرفت أنه كما يعتبر عدم البعد بين أجزاء الصف الواحد كذلك يعتبر عدم الساتر بين أجزاء الصف الواحد حسب ما ذكرناه في آخر المسألة السابقة فتأمل.

التاسعة: لو شك في وجود الساتر فهل تجدي فيه أصالة العدم أو لا تجدي؟


ربما يقال بعدم الجدوى من جهة اعتبار قضية الحال في مسألة مالا يتخطى، حيث إن الظاهر من قولهعليه‌السلام : " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام... إلخ " هو قضية الحال لمكان...(١) وعطف عدم الساتر عليه ومقتضاه اعتبار قضية الحال فيه أيضا وأصالة عدم الساتر لا تثبت وقوع الصلاة حال عدم الساتر، فإن أصالة عدم الساتر إنما يكون بمفاد ليس التامة والذي يترتب عليه الاثر مفاد ليس الناقصة وفي كل مقام كان كذلك لا يجدي فيه العدم الازلي كما حققناه في محله. هذا.

ولكن يمكن أن يقال: إن أخذ قضية الحال في مسألة مالا يتخطى لا يلازم أخذها في مسألة الساتر. ومجرد عطف أحد الجملتين على الاخرى لا يقتضي ذلك بل يمكن منع أخذ قضية الحال حتى في مسألة مالا يتخطى، لانه لولم يعتبر قضية الحال فيها لكان التعبر عن اعتبار عدم البعد بمفاد ليس التامة كذلك أي كما وقع في الرواية. فالتعبير بواو الحالية يمكن أن يكون لبيان اعتبار الحال ويمكن أن يكون لبيان مجرد اعتبار عدم البعد بمفاد ليس التامة.

والحاصل: أنه لم يظهر من الدليل أزيد من اعتبار عدم الستربين الامام والمأموم، فالستر إذا كان مسبوقا بالعدم يجري فيه الاصل ولا يكون من الاصل المثبت.

العاشرة: لا يعتبر عدم الستر إذا كان المأموم امرأة الامام رجلا كما هو المشهور. ويدل على ذلك - مضافا إلى إمكان دعوى اختصاص ما دل على اعتبار عدم الستر بالرجل ولا يعم المرأة، من جهة أن اعتبار عدم الستر لس من التعبد المحض بل لمكان أن صدق الوحدة في الجماعة يتوقف على ذلك، إذ مع وجود الستر يتعدد

____________________

(١) هناك كلمات سقطت من نسخة الاصل. (*)


المجلس ويوجب عدم صدق الوحدة، ولكن هذا في الرجال. وأما النساء فوجود الستر بينها وبين الرجل لا يوجب تعدد المجلس بل يصدق وحدة المجلس والجماعة مع الساتر، فتأمل - المرسل الذي حكاه المحلي والموثق " سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يصلي بالقوم وخلفه دار فيها نساء هل يجوز لهن أن يصلين خلفه؟ قال: نعم إذا كان الامام أسفل منهن، قلت: فإن بينهن وبينه حائطا أو طريقا فقال: لا بأس "(١) . هذا وخص الحكم شيخنا الاستاذ - مد ظله - بما إذا كان الساتر من قبيل الحائط الرقيق ولا يعم مثل ما إذا كان غليظا كاسطوانة بعض المساجد وجدران بعض البيوت والربط. ولم يعلم لنا وجه الاختصاص.

الامر الثاني: مما يعتبر في الجماعة أن لايكون بين المأموم والامام أو المأموم المتقدم أو المأموم الذي في أحد جانبيه قدر ما لا يتخطى. والاصل [ فيه ] ما تقدم من صدر صحيحة زرارة عن الباقرعليه‌السلام : " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام مالا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة الامام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة "(٢) .

ودلالة ذلك على اعتبار هذا الشرط على وجه الوجب واللزوم مما لا يكاد ينكر، ولكن المشهور ذهبوا إلى استحباب ذلك وأنه لا يعتبر في الجماعة على وجه اللزوم أزيد من الصدق العرفي سواء انطبق الصدق العرفي على قدر ما لا يتخطى أو زاد حتى حكي عن بعض التحديد بخمس وعشرين ذراعا وعن الشافعية بثلاثمائة ذراع.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٦١ باب ٦٠ من أبواب صلاة الجماعة.

(٢) من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ٣٨٦، ح ١١٤٤ ط جماعة المدرسين. (*)


وأما اعتبار أن لا يكون البعد بقدر مالا يتخطى فهو حكم استحبابي، ولم يظهر لناوجه ذهاب المشهور إلى ذلك مع وضوح دلالة الصحيحة على اعتبار ذلك على وجه الوجوب ولا استبعاد في ذلك فإنه يكون من البعد الشرعي، وأي استبعاد في جعل الشارع ذلك شرطا في صحة الجماعة، فما عن المحقق(١) -رحمه‌الله - من استبعاد ذلك في غير محله.

نعم يمكن أن يكون الوجه في ذهاب المشهور إلى الاستصحاب هو مارود في ذيل الصحيحة حيث قال الراوي: " وقال أبوجفعرعليه‌السلام ينبغي أن تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين الصفين مالا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان إذا سجد "(٢) فإن ظهور " ينبغي " في الاستحباب مما لايكاد ينكر، وكأن المشهور فهموا من الصدر والذيل معنى واحدا وجعلا ظهور الذيل في الاستحباب قرينة على أن المراد من الصدر أيضا الاستحباب، والحق معهم لو اتحد معنى الصدر والذيل، إلا أن الشأن في إثبات الاتحاد، فإنه يمكن أن يقال: إن المراد من الذيل هو التواصل الحقيقي بحيث يساوي مسجد اللاحق لموعض قدم السابق كما هو الظاهر من قولهعليه‌السلام " متواصلة بعضها مع بعض " ويحمل قوله بعد ذلك " لا يكون بين الصفين مالا يتخطى " على معناه الالزامي، ويكون قوله بعد ذلك " قدر مسقط جسد الانسان إذا سجد " بيانا(٣) للتواصل، أي يكون قدر ذلك بين الصفين، فيستفاد من قوله " متواصلة " مع قوله " يكون ذلك قدر مسقط.... إلخ " أنه يستحب أن يكون وضع سجود اللاحق ملاصقا لموضع قدم السابق، ويكون ما وقع في أثناء

____________________

(١) المعتبر: ص ٢٣٩.

(٢) الوسائل: ج ٥ ص ٤٦٢ باب ٦٢ من أبواب صلاة الجماعة ح ١.

(٣) ويمكن أيضا أن يكون ذلك بيانا لما لايتخطى ولعل ذلك أقرب لئلا يلزم الفصل بالاجنبي، فتأمل. (*)


الجملتين من قوله " لا يكون بين الصفين قدر مالايتخطى " بيانا للحكم الالزامي، فلا يلزم التفكيك بين معنيي مالا يتخطى الواقع في الصدر والذيل، ولا بعد في اشتمال الذيل على حكم إلزامي وهو أن لا يكون بين الصفين مالا يتخطى، وحكم استحبابي وهو تواصل الصفوف، وحينئذ يختلف معنى الذيل والصدر فلا يكون ظهور الذيل في الاستحباب قرينة على أن المراد من الصدر أيضا الاستحباب بل الصدر يكون على ماهو ظاهر فيه من الالتزام، فيعتبر أن لا يكون بين الصفوف قدر مالا يتخطى بمعنى أن وجود مالا يتخطى في جميع حالات الصلاة موجب لعدم انعقاد الجماعة، فلا بأس إذا لم يكن في حال السجود مالا يتخطى وكان في حال القيام ذلك لانه يصدق أنه في جميع حالات الصلاة لم يكن مالا يتخطى، واستفادة كون مالا يتخطى في جميع حال الصلاة إنما هو من قضية الحال المستفاد من الرواية، فإن الظاهر من قولهعليه‌السلام " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام مالا يتخطى " هو أن صلاتهم تكون في حال وجود مالا يتخطى لمكان واو الحاكية للحال، وهذه القضية لا يصدق إلا إذا كان في جميع حالات الصلاة قدر مالا يتخطى فعند ذلك ذلك الامام ليس لهم بإمام، فإذا لم يكن في جميع الحالات ذلك صحت صلاتهم.

ثم إن الظاهر من قولهعليه‌السلام " لا يتخطى " هو عدم إمكان أن يتخطى إذ لو أمكن أن يتخطى ولو في مورد لم يصدق أنه لا يتخطى، فالبعد المضر بالصحة هو مالا يمكن أن يتخطى وهذا لعله يقرب من ذراعين، فإذا لم يكن البعد بين مسجد اللاحق وموضع قدم السابق هذا المقدار صحت الجماعة وإذا كان بهذا المقدار بطلت فتأمل.

بقي في المقام بعض الفروع المتعلقة بالبعد: الاول: أن عدم البعد كما يكون شرطا في الابتداء كذلك شرطا في الاثناء.


فلو حصل البعد في الاثناء ولو بانفراد من يعتبر الاتصال به يتحقق الانفراد قهرا، ولا عبرة بعود الاتصال ولو عن قرب كما إذ عاد المنفرد إلى الجماعة فورا لانه بمجرد تحقق البعد ولو آنا ما ينفرد.

الثاني: هل تهيؤ الصفوف السابقة للاقتداء يكفي في صحة اقتداء اللاحق أو يعتبر اقتداء السابق في صحة اقتداء اللاحق؟ مقتضى القاعدة أنه لايكفي لان التهيؤ لايوجب عدم تحقق البعد ولكن شيخنا الاستاذ - مد ظله - ادعى السيرة على كفاية ذلك، كما يظهر ذلك بالنسبة إلى الجماعة التي تكون ذات صفوف كثيرة بحيث عادة لايمكن إدراك الواقع في آخر الصفوف ركوع الامام لو صبر إلى أن يتحقق اقتداء جميع ما قبله من الصفوف فلابد حينئذ من الاكتفاء بالتهيؤ، والمسألة بعد تحتاج إلى نظر.

الثالث: ورد في جملة من الروايات(١) أنه لو خاف الداخل للمسجد عدم إدراك ركوع الامام كبر في محله وركع ثم يمشي إلى أن يتصل بالصفوف وظاهر من هذه الروايات هو اغتفار البعد بالنسبة إلى الخائف فيكون تخصيصا لاعتبار عدم البعد، والمحكي عن الشيخ -قدس‌سره - المنع عن دلالة الروايات زائدا عن القدر المغتفر من البعد في سائر الموارد.

والتحقيق أن يقال: إنه لو اعتبرنا قدر ما لا يتخطى ولم نحمل ذلك على الاستحباب كانت هذه الروايات تخصيصا لذلك، وكان قدر مالا يتخطى مغتفرا بالنسبة إلى الخائف لكن بمقدار لا يخرج عن وحدة الجماعة بأن كان قريبا من الصفوف وإطلاق الداخل للمسجد لا يعم ما إذا كان المسجد واسعا وكانت الجماعة في آخر المسجد بحيث يكون البعد بين الداخل وبين الجماعة كثيرا،

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٤٢ باب ٤٦ من أبواب صلاة الجماعة. (*)


فإن شمول إطلاق الروايات لمثل هذا الفرض قد منع عنه شيخنا الاستاذ - مد ظله - خصوصا بعد ما ورد في بعضتلك الروايات من كون الشخص دون الصفوف، فإن الظاهر من لفظ الدون هو ماكان قريبا من الصفوف بل لا يعم ما لا يتخطى هذا، ولكن الظاهر أنه لا مانع من الاخذ بإطلاقات هذا إذا قلنا باعتبار ما لايتخطى. وأماإن رجعنا في البعد إلى العرف وحملنا قدر ما لا يتخطى على الاستحباب كما هو عند المشهور فكون هذه الروايات تخصيصا لذلك واغتفار ما يكون زائدا عما يحكم به العرف مما يمكن منعه خصوصا إذا كان التحديد بمثل خمس وعشرين ذراعا، ولعل منع الشيخ -قدس‌سره - عن دلالة الروايات ناظر إلى هذا الغرض، هذا. ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه.

الامر الثالث: ممايعتبر في الجماعة ان لا يكون موقف الامام ارفع من موقف الماموم. والاصل في ذلك رواية عمار وهي وإن كانت مضطربة المتن مختلفة النسخ إلا أن ذلك لا يضر بمورد الاستدلال: قال: " سألت الصادقعليه‌السلام عن الرجل يصلي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلى فيه فقال: إن كان الامام على شبه الدكان او على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، وإن كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل فإن كان أرضا مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه والارض مبسوطة إلا أنهم في موضع منحدر فلا بأس. قال: وسئل الامامعليه‌السلام فإن قام الامام أسفل من موضع من يصلي خلفه قالعليه‌السلام : لا بأس، وقال: إن كان رجل فوق بيت أو غير ذلك - دكانا كان أو غيره وكان الامام يصلي على الارض أسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه ويقتدي بصلاته وإن كان أرفع


منه بشئ كثير "(١) .

وهذه الموثقة - كما ترى - صدرها واضح الدلالة على اعتبار عدم علو موقف الامام لموقف المأموم بل مقتضى إطلاق الصدر هو اعتبار عدم العلو مطلقا ولو دون الشبر، ولكن ظاهر المشهور أنه لا بأس بالعلو إذا كان دون الشبر وكأنهم لا يفهموا من الصدر الاطلاق على هذا الوجه، وعلى كل حال مورد الاستدلال هو الصدر وهو واضح الدلالة وليس فيه تهافت وغلق، نعم قوله " وإن كان بقدر إصبع أو أقل أو أكثر إذاكان الارتفاع ببطن مسيل... إلخ " غير معلوم المراد ومختلف النسخ حيث إنه في بعض النسخ " وإن كان بقدر إصبع إلى شبر " وفي بعض النسخ " إذا كان الارتفاع بقدر شبر أو بقدر يسير " عوض قوله " ببطن مسيل ".

ولكن على كل تقدير الرواية تدل على اعتبار عدم كون العلو بقدر شبر، وأما ما دون الشبر فالرواية ساكتة عن ذلك مع الغض عن إطلاق الصدر فيرجع فيما دون الشبر إلى إطلاقات الجماعة، وإن منع شيخنا الاستاذ - مد ظله - عن وجود إطلاق في باب الجماعة يدل على عدم البأس بالعلو بما دون الشبر، ومقتضى الاصل العملي هو الاشتغال للشك في سقوط القراء‌ة واغتفار زيادة الركن وغير ذلك من أحكام الجماعة.

وبالجملة: الموثقة قد تعرضت الحكم الاقسام الثلاث للعلو الاول: العلو الدفعي، الثاني: العلو الانجداري كبطن المسيل وكسفح الجبل وفي هذين الموردين من العلو منعن عنه الموثقة، الثالث: العلو التسنيمي التدريجي وفي مثل هذا العلو قد رخص فيه وإن بلغ العلو ما بلغ إن كان تسنيميا ولم يظهر للحس، هذا كله في علو الامام.

____________________

(١) الوسائل: ج ٥ ص ٤٦٣ باب ٦٣ من أبواب الصلاة الجماعة. ح ١. (*)


وأما علو المأموم فمقتضى إطلاق ذيل الموثقة هو أنه لا بأس وإن بلغ ما بلغ، ولكن مع هذا الاولى والاحوط اعتبار الوحدة العرفية إذا ربما يصل العلو إلى حد تخرج الجماعة عن كونها جماعة واحدة ويمكن منع إطلاق الذيل لهذا النحو من العلو فتأمل جيدا.

الامر الرابع: مما يعتبر في الجماعة عدم تقدم المأموم على الامام إجماعا مستفيضا وعدم مساواته له على الاقوى. أما عدم تقدم المأموم فلم ينقل فيه خلاف ويدل عليه سياق جملة من الروايات مضافا إلى السيرة المستمرة جميع الاعصار عند جميع المسلمين. وأما عدم مساواته له فهو وإن كان محل الخلاف بين الاعلام بل المحكي عن لمشهور جوازه إلا أن الاقوى عدم جوازه لما ورد في صلاة العراة من " أنهم يصلون عن جلوس والامام يتقدمهم بركبتيه "(١) مع أنه شرع الصلاة عن جلوس لهم والايماء للركوع والسجود لئلا تبدو عوراتهم. فلو فرض جواز المساواة لما انتقل فرضهم إلى الركوع الايمائي لانه لا تبدو عورتهم مع المساواة للموقف، فيظهر من ذلك أنه لا يجوز المساواة بل لابد من أن يتقدم الامام المأموم فينقل فرض العاري حينئذ إلى الايماء للركوع والسجود لئلا تبدو عورته.

وبالجملة: لا ينبغي التأمل في دلالة الروايات الواردة في صلاة العراة على اعتبار تقدم الامام، بعد ذلك لا يلتفت إلى ما استدل به المجوز من الوجوه الضعيفة كما لا تخفى على المراجع. ثم إن الضابط في التقدم هو العرف وما ذكروه من الوجوه في كيفية التقدم ليست بشئ بعد ما كان المرجع العرف وقد أطال البحث شيخنا الاستاذ

____________________

(١) الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٨ باب ٥١ من أبواب لباس المصلي، ح ١ نقلال بالمعنى. (*)


- مد ظله - في هذا المقام وذكر أدلة الطرفين التي ربما تزيد على العشرة وزيفها ونحن قد طوينها عنا لوضوحها.

ثم إنه ينبغي التنبية في المقام على أمر وهو أنه هل الشرائط الاربعة المتقدمة شرائط النفس الجماعة أو شرائط للصلاة في حال الجماعة؟ وتظهر الثمرة في بطلان الصلاة عند الاخلال بها فإنها لو كانت للجماعة فالجماعة تبطل فقط ولا تبطل الصلاة إذا لم يخل بما هو وظيفة المنفرد ولو كانت شرطا للصلاة فالصلاة تبطل عند الاخلال بها ولو مع عدم الاخلاف بوظيفة المنفرد الذي يظهر من صاحب الجواهر -قدس‌سره - هو أن هذه الشرائط الاربعة بل مطلق ما اعتبر في الجماعة من الشرائط إنما من شرائط نفس الصلاة في حال الجماعة لا أنها شرائط للجماعة وعلى ذلك بني في النجاة(١) وحينئذ لو حصل الاخلال بإحدى الشرائط فالصلاة تبطل ولو مع عدم الاخلال بما هو وظيفة المنفرد من القراء‌ة وعدم زيادة الركن. وشيخنا الاستاذ - مد ظله - منع عن ذلك والتزم بأنها هذه الشرائط بل مطلق الشرائط المعتبرة في الجماعة إنما هي شرائط لنفس الجماعة، فالاخلال بها يوجب بطلان الجماعة فقط ولا يسري بطلانها إلى بطلان الصلاة إذا لم يحصل الاخلال بما هو من وظيفة المنفرد على إشكال في ترك القراء‌ة كما يأتي الاشارة إليه.

والكلام في ذلك يقع تارة من حيث القاعدة واخرى من حيث ما يستفاد من الادلة. أما (الاول) فدعوى أن الاخلال بشرائط الجماعة يوجب بطلان أصل الصلاة لا تستقيم إلا بدعوى أن الجماعة منوعة للصلاة لا من المشخصات الفردية

____________________

(١) جواهر الكلام: ج ١٣ ص ٢٢٢ ونجاة العبادة: ص ١٤٣. (*)


كالمسجدية بل الصلاة فرادى وجماعة من قبيل القصر والاتمام والظهر والعصر نوعان متباينان، وعلى ذلك تستقيم دعوى بطلان الصلاة عند بطلان الجماعة لان بطلان الجماعة على هذا مساوق لبطلان الصلاة كما هو واضح. ولكن الشأن في إثبات كون الصلاة - الجماعة والفرادى - نوعين متباينين بل الظاهر أنه لا يمكن الالتزام بذلك فإنهما لو كانا نوعين متباينين لكان وقوع كل منهما في الخارج موقوف على القصد والنية كالظهرية والعصرية والاتمامية، حيث إنه لا يمكن وقوع أحدهما بالخصوص إلا بعد التعيين والقصد إليه، وفي المقام وقوع الصلاة فرادى لا يتوقف على قصد الفرادية بل نفس عدم قصد الجماعة يوجب وقوع الصلاة فرادى بلا حاجة إلى قصد وصف الفرادى، ولو كانت الصلاة فرادى متباينة بالنوع للصلاة جماعة لكان اعتبار قصد وصف الفرادى مما لا بد منه في وقوعها مع أنه لم يعتبر ذلك.

وهذا أقوى شاهد على أن الجماعة من الاوصاف الخارجة اللاحقة لبعض أفراد الطبيعة كالمسجدية فتكون الصلاة جماعة فردا من أفراد مطلق الصلاة غايته أن لهذا الفرد أحكاما تخصه من ترك القراء‌ة واغتفار زيادة الركن وغير ذلك من أحكام الجماعة، ومعلوم أن بطلان بعض المشخصات الفردية لايوجب بطلان أصل الطبيعة بل غايته أن الاثر المترتب على تلك الخصوصية الفردية لا يترتب مع فقدان الطبيعة لتلك الخصوصية، فبحسب القاعدة بطلان الجماعة لايوجب بطلان الصلاة.

وأما (الثاني) فظاهر بعض الادلة هو أن هذه الشرائط إنما تكون للجماعة كقولعليه‌السلام في صحيح زرارة المتقدم " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بإمام "(١) فإن الظاهر من قولهعليه‌السلام :

____________________

(١) من لايحضره الفقيه. ج ١ ص ٣٨٦، ح ١١٤٤. ط جماعة المدرسين. (*)


" فليس ذلك الامام لهم بإمام " هو أن عدم البعد شرط للجماعة وأن جماعتهم تبطل مع البعد نعم طاهر ذيل الرواية هو أن ذلك شرط للصلاة. وهو قوله " وأى صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم فدر مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة " وكذا قولهعليه‌السلام " فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة " فإن الظاهر من ذلك هو أن عدم البعد والستر شرط للصلاة بحيث تبطل الصلاة مع وجودهما، هذا. ولكن يمكن أن يقال: إن قوله " فليس تلك لهم الصلاة " هو أنه ليس بصلاة جماعة بقرينة قوله " فليس ذلك لهم بإمام ".


الفهرس

كتاب الصلاة الجزء الثاني الميرزا محمد حسين الغروي النائيني ١

كتاب الصلاة من افادات قدوة الفقهاء والمجتهدين آية الله في الارضين الميرزا محمد حسين الغروي النائيني ١٣٥٥ ه‍. ق تأليف الفقيه المحقق الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني ١٣٦٥ ه‍. ق الجزء الثاني ٣

مكان المصلي ٤

الاذان والاقامة (موارد ثبوتهما) ١٣

وجوب الاذان والاقامة ١٦

موارد سقوط الاذان والاقامة ٢٢

المقصد الثاني: في أفعال الصلاة(النية) ٢٨

البحث الاول: ٢٩

البحث الثاني: ٤١

البحث الثالث: ٥١

تكبيرة الاحرام ٥٣

القيام (وفيه مباحث: الاول) ٦١

المبحث الثاني ٦٧

المبحث الثالث ٧١

المبحث الرابع ٧٤

المبحث الخامس ٧٥

القراء‌ة واحكامها ٧٩

السجود ١٥٢

في القواطع ١٦١


الخلل الواقع في الصلاة ١٨٩

فيما تشرع فيه الجماعة ٣٥٩

فيما تنعقد به الجماعة ٣٦٦

فيما يعتبر في الجماعة ٣٨١

الفهرس ٣٩٩


كتاب الصلاة الجزء ٢

كتاب الصلاة

مؤلف: الميرزا محمد حسين الغروي النائيني
تصنيف: فقه استدلالي
الصفحات: 400