تاريخ الاجتهاد ومناهجه

مؤلف: علي الزبيدي
رسائل وأطاريح جامعية

المقدِّمة

أهميَّة البحث

هدف البحث

سابقة البحث

منهجيَّة البحث في هذه الرسالة


أهمِّيَّة البحث

تنقسم دراسة العلوم إلى قسمين، أو بتعبير آخر يُنظر في دراسة العلوم مِن جنبتين:

الأُولى: داخلية، وهي الخوض في مسائل نفس العلم وموضوعه وتعريفه.

والثانية: خارجية، وهي أنْ يُنظر إلى العلم مِن حيث ولادته ونشوئه ومراحل تطوُّره التي يمرُّ بها إلى تكامله، وما يقف في طريق تطوُّره مِن عثرات، وما يصاب به مِن نكسات على طول الفترة الزمنية التي يمرُّ بها، وهذا ما يُدعى تاريخ العلم.

وقد حازت دراسة تاريخ العلوم اهتمام الباحثين والمحقِّقين في العصور الأخيرة، فانصبَّت جهودهم على دراسة تاريخ مختلف العلوم، واستعراض سَيرها التكاملي, فأصبح لكلِّ علم تاريخ خاص به يستعرض مسيرته عِبر الزمن.

ولهذه الخطوة قيمتها وأهمِّيتها، حيث إنّ الباحث والمحقِّق حينما يواكب المراحل التكاملية للعلـوم، يجد أنَّ دراسة تاريخ كلِّ علم لا تنفكُّ عن البحث العلمي في موضوعه ومسائله.

ويمكن تصوير أهمَّية البحث في تاريخ العلم بالنقاط التالية:

١ ـ مدخليَّة دراسة تاريخ العلم في فهْم نفس العلم ونظريَّاته.

إنَّ دراسة تاريخ العلم تُساهم مساهمة جدِّية في فهم نظريات العلم، مِن خلال فهْم الظروف التي أسهمت في تكوُّن النتائج النهائية لهذه النظرية أو تلك، مثلاً إذا درَسنا نظرية حُجِّيّة الخبر الواحد، وأحطنا بكلِّ جوانبها، وفي ضمنها الجانب التاريخي لهذه المسألة، فإنَّنا ضمن هذا الإطار لابدَّ


لنا أنْ نمرَّ ـ تدريجيّاً ـ بآراء العلماء ونكتشف تلك الأفكار التي انطلق منها العلماء، وانبثقت منها المدارس المتنوِّعة.

وبهذا نستطيع أنْ نشكِّل تصوُّراً واضحاً عن هذه النظرية أو تلك، وذلك بمؤازرة دراسة تاريخهـا، بغضِّ النظر عن الإيمان بالنظرية أو عدمه.

٢ ـ كشْف اللبس والغموض والتداخل بين المصطلحات.

يقع اللبس في بعض الأحيان بين المصطلحات، فيتصوَّر الباحث أنَّ دلالة واحدة لمصطلح معيَّن في عصرين أو أكثر، بينما الأمر خلاف ذلك التصوُّر، وهذا اللبس والاشتباه يرجع ـ أحياناً ـ إلى عدم الاطِّلاع على السير التاريخي للمسألة، فالاطِّلاع والبحث في تاريخ العلم هو الذي يكشف السياق الذي استُخدم فيه المصطلح خلال العصر السابق ـ مثلاً ـ وسنعرف أنَّ استخدامه في العصر اللاحق يختلف، فتكون النتيجة أنَّ مؤدَّى المصطلح في العصرين ليس واحداً.

ومثاله: موضوعنا في هذه الرسالة، وهو مصطلح الاجتهاد الذي نستعرض سيره التاريخي مِن حيث اللفظ والمعنى الذي يدلُّ عليه المصطلح، فقد كان يعنـي الرأي مقابل مرجعية النصِّ إلى زمن المحقِّق الحلِّي، وكان محارَباً مِن قِبل مدرسة أهل البيت (عليه السلام)، ولكنْ تطوَّر هذا المصطلح، وأصبح يدلُّ على استخراج الأحكام مِن أدلّة الشرع.

ولكشف الالتباس هذا ـ وحلِّ النزاعات اللفظية الموجودة في العلوم ـ أثرٌ كبير في عملية الوقوف على الأسباب والعوامل، التي أدَّت إلى نشوء كثير مِن الظواهر، كما هو في بروز ظاهرة الإخباريَّة في المدرسة الإمامية، حيث يعدُّ الالتباس الحاصل في مصطلح الاجتهاد مِن الأسباب، التي أدَّت إلى رفض طائفة مِن الإمامية لعملية الاجتهاد برُمَّتها؛ لأنّ مصطلح الاجتهاد يعنـي الرأي والقياس.

٣ ـ التعرُّف على مدى وطبيعة الترابط بين العلوم.

يمكن أنْ يكتشف الباحث في تاريخ العلوم مدى تأثير بعض العلوم على الأُخرى، أو مدى تأثير بعض النظريات في علم معيَّن على العلم الآخر، وبالتالي يقف على الأسباب التي يمكن أنْ تُرشده إلى الكثير مِن الايجابيات والسلبيات في هذه العلاقة.

مثلاً، بملاحظة العلاقة بين بعض مباحث علم الأُصول ووضعية علم الرجال، يمكن أنْ نكتشف تأثير نظرية (انجبار ضعف السند بعمل الأصحاب، ووَهن الخبر الصحيح بإعراضهم) على ضمور علم الرجال لمراحل طويلة، فعندما وقف السيد الخوئي (رحمه الله) في مباحثه الأُصولية موقفاً، يرى فيه أنَّ السيرة العقلائية التي أمضاها الشارع منصبَّة على الخبر الذي يأتـي به الثقة، وليس على الخبر الموثوق، وإنْ


لم يأتِ به الثقة، ثمَّ إنّه وقف موقفاً متحفِّظاً إزاء قاعدة (انجبار السند بعمل الأصحاب، ووهْن الخبر بإعراضهم وإنْ كان صحيحاً)، تطلَّب ذلك الموقف الخوض في مباحث علم الرجال؛ لضيق مساحة الأخبار المعتمَدة في دائرة الثقات، ففتح الباب بهذا الموقف للاهتمام الواسع بعلم الرجال، وكان الأثر واضحاً، حيث صدرت عنه موسوعة مُعجم رجال الحديث، ويمكن أنْ نَعْزي الجمود الحاصل في علم الرجال، خلال فترة طويلة سبقت هذا العَلَم إلى أسباب، منها الاعتماد على نظرية انجبار السند بعمل الأصحاب.

٤ ـ التعرُّف على العوامل المؤدِّية للنجاح أو الإخفاق في مرحلةٍ ما مِن مراحل العلم التاريخية، تنفع في توظيف عوامل النجاح والحذر مِن عوامل الإخفاق.

دراسة التاريخ بشكل عام تفرز هذه الفائدة العظيمة، ودراسة تاريخ العلوم بشكل خاص لا تتخلَّف عن هذه القاعدة، فبدراسة تاريخ الاجتهاد يمكننا ـ مثلاً ـ الوقوف على الأسباب التي أدَّت إلى حالة الجمود والركود في حركة الاجتهاد والإبداع الفقهي بعد زمن الشيخ الطوسي، أو الأسباب التي أدَّت إلى ظهور الحركة الإخبارية في مدرسة الفقه الإمامي، وأنَّها كانت ردَّة فعل مِن قِبل الإخباري ـ وهو المتديِّن المخلص ـ على ظاهرة تأليه العقل في عملية الاستنباط، والتي تؤدِّي إلى ضياع التراث الثرِّ مِن أخبار أهل البيت (عليهم السلام).

والوقوف على هذه الأسباب يثري الخبرة، ويضيف إليها نصيباً مِن تجارب الآخرين.

والفقه الإسلامي كعلمٍ مِن العلوم لا يتخلّف عن هذه القاعدة، فكلُّ ما ذُكر مِن نقاط عامَّة تنطبق عليه، والأمثلة التي سيقت تقرِّب وجهة نظرنا.

هدف البحث

يهدف بحثي هذا ـ مِن وراء متابعة وعرض سيَر عملية الاجتهاد، مِن حين ظهورها إلى عصرنا الحاضر، وإلقاء نظرة على الآراء المختلفة في مسائل مثَّلت محلَّ خلاف بين المسلمين، أمثال جواز اجتهاد النبي (صلّى الله عليه وآله) واجتهاد الصحابة، ثمَّ تتبُّع ما وقع مِن تطوُّر وتكامل مرَّت به عملية الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لدى المدرسة السنَّية، ومدرسة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ـ إلى تهيئة مادة تاريخية لعملية الاجتهاد، ينتفع منها الباحث في الوقوف على كثير مِن الأسباب لحوادث ما زال تأثيرها على هذا العلم حتَّى يومنا الحاضر، كانسداد باب الاجتهاد عند المذاهب الأربعة، وانفتاحه عند


مدرسة أهل البيت (عليه السلام)، وظهور الحركة الإخبارية في مرحلة مِن مراحل تكامل هذه العملية، ثمّ الوقوف على حقيقة اللبس الحاصل في فهْم مدلول لفظ الاجتهاد، وتمييزه عن ما كان يُشير إليه في المراحل السابقة.

سابقة البحث

الكتُب التي كتبت عن تاريخ الفقه الإسلامي ليست بقليلة، وللمدرسة السُنِّية في هذه البحوث والكتابات حصَّة كبيرة، وكلُّها تتناول ما هو أعمُّ مِن تاريخ الاجتهاد، وهو تاريخ الفقه مطلقاً بما في ذلك التشريع، ثمَّ تنتهي هذه البحوث إلى عصر النهضة العلمية، وهو عصرنا الحاضر، وتُشير إشارة عابرة لمذهب الشيعة الإمامية وبأسطر قليلة ومِن ناحية اعتقادية، وبعض المبادئ الفقهية التي هي محلُّ خلاف مع سائر مذاهب المسلمين، وفي أغلب الأحيان ينطلق كُتَّاب هذه البحوث مِن خلفيات خاطئة، يكون الباعث لها التعصُّب المذهبـي والتحامل على المذهب الإمامي , فيرسمون صورة مشوَّشة عن المسلمين الشيعة، وفي بعض الأحيان يكون الجهل وعدم الاطِّلاع على مذهب الإمامية سبباً في ترديد عبارات قديمة اتُّهم بها المذهب.

وعلى كلِّ حال، إنَّ ما كُتب مِن بحوث في كتُب السُنَّة لا يفي بالغرض، ولا يبلُّ غليل صادٍ يبحث عن الحقيقة العلمية، وليس لاجتهاد المسلمين الإمامية أثر فيها، مع ملاحظة التراث الوافر لهذه المدرسة، وبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً فيها، بينما أُوصد هذا الباب في المدارس الأُخرى لأسباب يأتي ذكرها.

والبحوث هي:

١.تاريخ الفقه الإسلامي ـ بدران أبو العينين بدران.

٢.تاريخ الفقه الإسلامي ـ محمّد علي السايس.

٣.تاريخ الفقه الإسلامي ـ أحمد الحصري.

٤. تاريخ الفقه الإسلامي ـ عبد المجيد الذبيانـي.

٥. تاريخ التشريع الإسلامي ـ منَّاع القطّان.

٦. تاريخ الفقه الإسلامي ـ د. عمر سليمان الأشقر.

٧. المدخل للفقه الإسلامي ـ أحمد فراج حسين.


٨. الفقه الإسلامي تطوُّره -أصوله- قواعده الكلية ـ د. أحمد يوسف.

٩. تاريخ التشريع الإسلامي ـ علي محمّد معوّض وعادل أحمد عبد الموجود.

١٠. دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتجاهات التي ظهرت فيهما ـ د. مصطفى سعيد الخن.

وأغلب مَن كتب اعتمد تقسيم المباحث إلى: الحاجة إلى التشريع ـ نشأة التشريع ـ عصر النبوَّة ـ عصر الخلفاء ـ دَور النُضج وظهور المذاهب ـ دَور الجمود والتقليد ـ دَور النهضة الفقهية.

ولم يخرج عن هذا المنهج ممَّن كتبوا إلاَّ النادر وبأُمور يسيرة.

وكتب بعض الباحثين الإمامية عن هذا الموضوع، فأجادوا ودقَّق بعض الباحثين، وأشبعوا الموضوع مِن بعض جوانبه.

أهمُّ ما كُتب مِن قِبل الباحثين الإمامية:

١. مقدّمة على فقه الشيعة باللغة الفارسية ـ السيد حسين المدرسي الطباطبائي.

٢. تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره، المحقِّق الشيخ جعفر السبحانـي، وقد كتبه في مقدِّمة كتابه موسوعة طبقات الفقهاء، ثمَّ أفرد تاريخ الفقه الإمامي بكتاب خاص.

٣. مراحل تطوُّر الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، بحث للسيد منذر الحكيم نشر على صفحات مجلَّة فقه أهل البيت، الأعداد ١٣-١٧.

٤. حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، الشيخ عدنان فرحان.

٥. مقدِّمة كتاب رياض المسائل، الشيخ محمّد مهدي الآصفي.

٦. تاريخ الفقه الجعفري، هاشم معروف الحسنـى.

٧. مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي، الصادرة عن مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، بقلم آية الله السيد محمود الهاشمي.

٨. الفقه تطوُّره ومراحله، محمود الشهابـي.

٩. مقدِّمة جامع المقاصد، السيد جواد الشهرستانـي.

١٠. تاريخ التشريع الإسلامي، د. عبد الهادي الفضلي.

١١. تاريخ الفقه والفقهاء، د. أبو القاسم كَرجي (بالفارسية).


١٢. أدوار الاجتهاد، الشيخ إبراهيم الجناتـي (بالفارسية)

وقد استفدنا التلفيق مِن بين ما كُتب، ودوَّنا ما اعتقدنا أنَّه نافع، ونستمدُّ مِن الله التوفيق.

منهجية البحث في هذه الرسالة

قسَّمتُ بحثي هذا إلى أربعة فصول، تناولت في بداية هذا البحث في الفصل الأول الذي يحمل عنوان (كلِّيات البحث) بيان المعنى اللغوي، ثمَّ الاصطلاحي للألفاظ الداخلة في تركيب العنوان الرئيس للبحث، وكذا الألفاظ الأُخرى التي استُعملت في مطاوي البحث وهي:

الاجتهاد، المنهج، الفقه، الانفتاح والانسداد.

ثمَّ أخذت بتقصِّي المناهج المتَّبعة في دراسة تاريخ الاجتهاد، وانتقاء واحدٍ مِن هذه المناهج لاتِّباعه في هذه الرسالة.

وفي الفصل الثاني، والذي يحمل عنوان (الاجتهاد في العصر الأول للإسلام)، وبعد ذِكر النصوص التي ورد فيها مصطلح الاجتهاد، درستُ الاجتهاد في عصر النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، ونقلتُ أدلَّة القائلين بجواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وتطرَّقت أيضاً في نفس الفصل لاجتهاد الصحابة في حياته (صلَّى الله عليه وآله).

ثمَّ سلَّطت الضوء على الاجتهاد بعد رحيل الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، ونقلتُ نماذج مِن اجتهاد الصحابة، أو ما بُرِّر لهم بأنَّه اجتهاد بالرغم مِن وجود النصِّ المخالف.

واقتضى الأمر أنْ نمرَّ على المراحل التي مرَّ بها مصطلح الاجتهاد منذ صدر الإسلام إلى عصرنا الحاضر، فتتبَّعت معانـي هذه اللفظة، وبيَّنتُ ماهيَّة الالتباس الذي حصل في هذه اللفظة، وما تحمله مِن دلالة قديماً وحديثاً، ثمّ بيّنت الفرق بين الدلالتين.

وأنهيت هذا الفصل ببيان نماذج مِن قيام أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، بإرساء قواعد الاجتهاد بين أصحابهم، وبذر روح الاجتهاد عندهم، وبيّنا نماذج ممَّا يمكن أنْ نعتبره فتاوى مِن أصحاب الأئمة (عليهم السلام).

واحتوى الفصل الثالث مِن البحث أدوار الاجتهاد، التي مرَّت بها المدرسة السنِّيّة منذ نشوء الاجتهاد فيها، إلى زمن سدِّ باب الاجتهاد، وانحصار المذاهب بالأربعة المعروفة: الحنفي , والشافعي،


والمالكي , والحنبلي , وتناولتُ في كلِّ دور أهمَّ ملامحه ونبذة عن كلِّ مذهب، ثمَّ انتقلتُ إلى ذكر الأسباب التي أدَّت إلى سدِّ باب الاجتهاد وحصره بالأربعة.

وكان الفصل الرابع مخصَّصاً لذكر الأدوار والأطوار التي مرَّ بها الاجتهاد لدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فقسَّمتها إلى ستَّة أدوار تمثِّل الحركة التكاملية للاجتهاد منذ ولادته إلى وقتنا هذا، وبيَّنا في كلِّ دَور التحديد الزمنـي وأهمَّ الملامح، ثمَّ ذكرنا الفقهاء وآثارهم الفقهيَّة.

والأدوار هي:

الدور الأول: دور التأسيس.

الدور الثاني: دور الانطلاق.

الدور الثالث: دور الاستقلال.

الدور الرابع: دور التطرُّف إفراطاً وتفريطاً.

الدور الخامس: دور التصحيح والاعتدال.

الدور السادس: دور الكمال والنضج.

واحتوى الفصل الخامس الموسوم بمناهج الاجتهاد على:

مناهج أئمة المذاهب الأربعة، والأدوات التي كانت تستعمل في مذاهبهم لاستنباط الحكم الشرعـي، وأولوية بعض الأدلَّة في الاستعمال على الأُخرى.

ثمّ بيّنت مناهج الاجتهاد وتطوّرها في المدرسة الفقهيّة لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، حسب المراحل الستِّ المذكورة سابقاً.


الفصل الأوّل:

كلِّيات البحث

١. معنى الاجتهاد لُغةً واصطلاحاً

٢. معنى المنهج لغةً واصطلاحاً

٣. معنى الفقه لغةً واصطلاحاً

٤. معنى الانفتاح والانسداد لغةً واصطلاحاً

٥. المناهج المتّبعة في دراسة تاريخ الفقه


١. معنى الاجتهاد لغةً واصطلاحاً

قبل الدخول في مباحث هذه الرسالة، كان لزاماً علينا أنْ نعرف معنى الاجتهاد الذي نتابع مسيرته ونستعرض مراحله، وما هو معنى الاجتهاد في عرف اللغة وأهل الاصطلاح.

معنى الاجتهاد في اللغة

النهاية في غريب الحديث:

جَهَدَ:... وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسْع والطاقة مِن قول أو فعل.

يقال: جَهَدَ الرجل في الشيء: أي جدَّ فيه وبالغ.

وجاهد في الحرب مُجاهَدة وجهاداً.

وفي حديث معاذ: أجتهد رأيي.

الاجتهاد: بذل الوسْع في طلب الأمر، وهو افتعال مِن الجهد: الطاقة...

وقد تكرر لفظ الجَهْد والجُهد في الحديث كثيراً، وهو بالضم: الوسْع والطاقة، وبالفتح المشقَّة.

وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسْع والطاقة: فأمّا في المشقّة والغاية فالفتح لا غير... (١) .

____________________

(١) النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣١٩.


وقال الطريحي:

قوله: ( ... وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ... ) (١) قُرِئ بفتح الجيم وضَمَّها: أي وسعهم وطاقتهـم، والمفتوح المشقّة.

وجَهدَه الأمر: أي بلغ منه المشقّة.

والاجتهاد: المبالغة في الجهد...

والمجتهد: اسم فاعل منه، وهو العالم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلَّتها التفصيليّة بالقوَّة القريبة مِن الفعل...

ومجهود الرجل: ما بلغه وسْعه، ومنه الدعاء (... قد ـ وعزَّتك ـ بلغ مجهودي...) (٢)

والمجهود: الذي وقع في تعب ومشقَّة (٣) .

وفي المصباح المنير:

الجُهْد بالضم في الحجاز، وبالفتح في غيرهم:

الوسْع والطاقة، وقيل المضموم الطاقة والمفتوح المشقّة.

والجَهْد: ـ بالفتح لا غير ـ النهاية والغاية، وهو مصدر مِن (جَهَدَ) في الأمر (جَهْدَاً)، مِن باب نفع إذا طلب حتَّى بلغ غايته في الطلب، و(جَهَدَه) الأمر والمرض (جهداً) أيضاً إذا بلغ منه المشقّة، ومنه (جَهْدُ البلاء)، ويقال: جهدت فلاناً (جَهْداً) إذا بلغت مشقّته، و(جَهَدْتُ) الدابة، و(أجهدتها): حملت عليها في السَير فوق طاقتها (٤) .

قال الراغب الأصفهاني في مفردات غريب القرآن:

الجَهْدُ والجُهْد: الطاقة والمشقّة، وقيل الجَهْدُ (بالفتح): المشقّة والجُهْد: الوسْع...

____________________

(١) التوبة:٧٩.

(٢) مصباح المتهجّد: ٢٤٠.

(٣) مجمع البحرين ١: ٤١٨ – ٤١٩.

(٤) المصباح المنير: ١١٢.


والاجتهاد: أخذ النفْس ببذل الطاقة وتحمّل المشقّة، يقال: جهدت رأيي وأجهدته: تعَّبته بالفكر (١) .

وفي أساس البلاغة للزمخشري:

جَهَدَ نفسه، ورجل مجهود، وجاء مجهوداً قد لفظ لجامه، وأصابه جَهْدٌ: مشقّة (٢) .

وأمَّا ابن منظور صاحب لسان العرب فقال:

الجَهْدُ والجُهْد: الطاقة، تقول: اجْهَد جَهْدَك؛ وقيل: الجَهْد: المشقّة والجُهد الطاقة... والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسْع والمجهود.

وفي حديث معاذ: اجْتَهِد رأيي، الاجتهاد: بذْل الوسْع في طلب الأمر، وهو انتقال مِن الجهد: الطاقة (٣) .

وعرّفه الجوهري في الصحاح:

الجَهْدُ والجْهُد: الطاقة، وقُرِئ: ( ... وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ... ) (٤) ، وجُهْدَهم.

قال الفرّاء: الجُهْدُ بالضم الطاقة. والجَهْدُ بالفتح مِن قولك اجْهَدْ جَهْدَك في هذا الأمر، أي ابلغ غايتك، ولا يقال: اجْهَدْ جُهْدَك.

والجَهْد: المشقّة. يقال: جهد دابّته وأجهدها إذا حمل عليها في السَير فوق طاقتها، وجَهَدَ الرجل في كذا: أي جدَّ فيه وبالغ...

والاجتهادُ التجاهُدُ: بذل الوُسعِ والمجهود.. (٥) .

____________________

(١) مفردات غريب القرآن: ١٠١.

(٢) أساس البلاغة:١٠٦.

(٣) لسان العرب ٣:١٣٣.

(٤) التوبة: ٧٩.

(٥) الصحاح ٢: ٤٦٠- ٤٦١.


والمتحصّل مِن مجموع هذه التعريفات:

الاجتهاد مأخوذ مِن الجُهد- بالضم - وهو لغة: الطاقة، أو أنّه مِن الجَهد – بالفتح- ومعناه المشقّـة، ويأتي بمعنى الطاقة أيضاً، وعليه فالاجتهاد: بمعنـى بذل الوسع والطاقة، سواء أخذناه مِن الجَهد ـ بالفتح ـ أو الجُهد – بالضم-؛ وذلك لأنّ بذْل الطاقة لا يخلو عن مشقّة وهما أمران متلازمان (١) .

معنى الاجتهاد في الاصطلاح

أ.عند غير الإماميّة:

قال الغزالي في تعريف الاجتهاد: (هو عبارة عن بذْل المجهود واستفراغ الوسْع في فعل مِن الأفعال.

ولا يُستعمل إلاَّ في ما فيه كُلفة وجهد... لكنْ صار اللفظ في عُرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وُسْعه في طلب العلم بأحكام الشريعة...) (٢) .

وذكر ابن الحاجب في مختصر المنتهى تعريف الاجتهاد بأنّه: (استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنٍّ بحُكمٍ شرعي) (٣) .

وقال الزركشي: (الاجتهاد في الاصطلاح: بذل الوسْع في نَيل حُكمٍ شرعي عملي بطريق الاستنباط) (٤) .

وعرّفه الشوكاني: (هو بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملـي بطريق الاستنباط... وإذا عرفت هذا، فالمجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعي) (٥) .

____________________

(١) التنقيح ١: ٨.

(٢) المستصفى ٢: ١٠١.

(٣) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمَي الأصول والجدل ٢:٢٨٩.

(٤) البحر المحيط في أصول الفقه ٦: ١٩٧.

(٥) إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول ٢: ٢٠٥-٢٠٦.


ب.عند الإماميّة:

قال العلاَّمة الحلِّي (قُدِّس سِرُّه): (الاجتهاد: هو استفراغ الوسْع في النظر فيما هو مِن المسائل الظنِّيّة الشرعية، على وجه لا زيادة فيه، ولا يصحُّ في حقِّ النبي (صلَّى الله عليه وآله)؛ لقولـه تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (١) .

ولأنَّ الاجتهاد إنّما يفيد الظن، وهو عليه السلام قادر على تلقّيه مِن الوحي.

ولأنَّه كان يتوقّف في كثير من الأحكام حتَّى يرد الوحي، ولو ساغ له الاجتهاد لصار إليه.

ولأنَّه لو جاز لـه لجاز لجبرئيل (عليه السلام)، وذلك يسدُّ باب الجزم، بأنَّ الشرع الذي جاء به محمّد (عليه السلام) من الله تعالى.

ولأنَّ الاجتهاد قد يُخطئ وقد يُصيب، فلا يجوز تعبّده به؛ لأنّه يرفع الثقة بقولـه.

وكذلك لا يجوز لأحد مِن الأئمة: الاجتهاد عندنا، لأنَّهم معصومون، وإنَّما أخذوا الأحكام بتعليم الرسول (عليه السلام)، أو بإلهام مِن الله تعالى.

وأمّا العلماء فيجوز لـهم الاجتهاد، باستنباط الأحكام مِن العمومات، في القرآن والسنَّة، وبترجيح الأدلّة المُتعارضة.

أمَّا بأخذ الحُكم مِن القياس والاستحسان فلا) (٢) .

وعرَّف الاجتهاد صاحب المعالم: (هو استفراغ الفقيه وسْعه في تحصيل الظنّ بحكمٍ شرعي) (٣) .

وقال الشيخ البهائي: (الاجتهاد: ملَكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي مِن الأصل فعلاً أو قوَّة قريبة) (٤) .

____________________

(١) النجم: ٣.

(٢) مبادئ الوصول إلى علم الأصول ٢٤٠ - ٢٤١.

(٣) معالم الدين وملاذ المجتهدين:٣٨١.

(٤) زبدة الأصول: ١٥٩.


وقال السيد الخوئي (رحمه الله):

... فالصحيح أنْ يعرّف الاجتهاد بتحصيل الحجَّة على الحكم الشرعي (١) .

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الاجتهاد له مفهوم عام، وهو ما ذكر في التعريفات الآنفة.

وله مفهوم خاص يساوي القياس أو الرأي عند القائلين بهما.

المعنى الخاص للاجتهاد:

فقد عرّفه عبد الوهاب خلاّف ب‍ـ: (بذل الجهد للتوصّل إلى الحكم في واقعة لا نصَّ فيها، بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها؛ للاستنباط بها فيما لا نصّ فيه) (٢) .

ويذهب الشافعي إلى المرادفة بينه وبين القياس، حيث يقول ـ إنّهما ـ: (اسمان لمعنى واحد) (٣) .

وفي رأي أبي بكر الرازي، أنّ الاجتهاد يقع على ثلاثة معان: (أحدها القياس الشرعي؛ لأنّ العلّة لمَّا لم تكن موجبة للحكم؛ لجواز وجودها خالية عنه لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب، فذلك كان طريقه الاجتهاد).

(والثاني ما يغلب في الظنّ مِن غير علَّة، كالاجتهاد في الوقت والقبلة والتقويم).

(والثالث الاستدلال بالأُصول) (٤) .

يقول السيد محمّد تقـي الحكيم (قُدِّس سِرُّه) في أصول الفقه المقارن ـ بعد ذكر المعانـي التي ذكرها الرازي ـ:

والذي يتّصل مِن هذه الثلاثة بالاجتهاد بمفهومه الخاص لدى الأُصوليين هو المعنى الأول - أعني القياس-.

أمّا الثاني فهو أجنبي عن وظائف المجتهدين؛ لأنّ الاجتهاد في تشخيص صغريات الموضوعات الشرعية ليس مِن وظائف المجتهدين بداهة، والمعنى الأخير هو الاجتهاد بمفهومه العام (٥) .

____________________

(١) شرح العروة الوثقى ١:٢٢.

(٢) مصادر التشريع: ٧.

(٣) الرسالة: ٤٧٧.

(٤) إرشاد الفحول: ٢٥٠.

(٥) الأصول العامة للفقه المقارن: ٥٤٦.


إذَنْ لمصطلح الاجتهاد معنيان:

١. اجتهاد الرأي , بمعنى أنّ الفقيه عندما لا يجد نصَّاً مِن الكتاب والسنَّة يرجع إلى اجتهاده الشخصي، مِن قياس أو استحسان، أو مصالح مرسلة أو ترجيحات عقلية، ولو كانت ظنّية.

وهذا هو مصطلح الاجتهاد في فقه الجمهور.

٢. استخراج الأحكام مِن أدلّة الشرع، وهذا هو مصطلح الاجتهاد في فقه الإمامية (١) .

ومِن جرّاء الخلط بين المعنيين واجهت لفظة الاجتهاد رفضاً عنيفاً في الأوساط الشيعيّة؛ لِما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) مِن نهي عن القياس واستخدام الرأي في استنباط الأحكام الشرعية.

وسيأتي التفصيل ـ بعون الله ـ في موضوع تطوّر مصطلح الاجتهاد.

٢. معنى المنهج لغةً واصطلاحاً

معنى المنهج في اللغة

قال ابن السكّيت الأهوازي (رحمه الله):

(طريق نهج: واسع واضح، وطرق نهجة. ونهج الأمر وأنهج - لغتان - أي: وضح. ومنهج الطريق: وضحه. والمنهاج: الطريق الواضح. قال:

وأنْ أفوز بنور أستضيء به * أمضـي على سنّة منه ومنهاج (٢)

طريق نهج بإسكان الهاء أي واضح، والجمع نهوج) (٣) .

وقال الحربي في غريب الحديث:

(أخبرني أبو نصر، عن الأصمعي: النهج: الطريق الواضح البيِّن) (٤) .

____________________

(١) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ١٩.

(٢) كتاب العين ٣:٣٩٢.

(٣) الكنز اللغوي:٢٣.

(٤) غريب الحديث ٢: ٥٠٣.


وذكر الجوهري في صحاحه:

(النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج، وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجاً واضحاً بيِّناً، قال يزيد بن الخذاق العبدي:

ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت * سُبل المسالك والهدى تعدي

أي تعيَّن وتقوَّى. ونهجت الطريق، إذا أبنته وأوضحته.

يقال: اعمل على ما نهجته لك.

ونهجت الطريق أيضاً، إذا سلكته.

وفلان يستنهج سبيل فلان، أي يسلك مسلكه) (١) .

وقال ابن الأثير في النهاية:

(وفي حديث العباس): لم يمت رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) حتَّى ترككم على طريق ناهجة (أي واضحة بيِّنة).

وقد نهج الأمر وأنهج، إذا وضح.

والنهج: الطريق المستقيم) (٢) .

وقال ابن منظور الأفريقي:

طريق نهج: بيِّن واضح، وهو النهج، قال أبو كبير:

فأجزته بأفل تحسب أثره نهجاً * أبان بذي فريغ مخرف

والجمع نهجات ونهج ونهوج، قال أبو ذؤيب:

به رجمات بينهن مخارم * نهوج، كلبّات الهجائن، فيح

____________________

(١) الصحاح ١: ٣٤٦.

(٢) النهاية في غريب الحديث ٥: ١٣٤.


وطُرق نهجة، وسبيل منهج: كنهج. ومنهج الطريق: وضحه.

والمنهاج: كالمنهج. وفي التنزيل: ( ... لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً... ) (١) . وأنهج الطريق: وضُح واستبان وصار نهجاً واضحاً بيِّناً، قال يزيد بن الخذاق العبدى:

ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت * سُبل المكارم والهدى تعدي

أي تعيَّن وتقوَّى.

والمنهاج: الطريق الواضح. واستنهج الطريق: صار نهجاً.

وفي حديث العباس: لم يمت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حتى ترككم على طريق ناهجة. أي واضحة بيِّنة.

ونهجت الطريق: أبنْته وأوضحته، يقال: اعمل على ما نهجته لك.

ونهجت الطريق: سلكته.

وفلان يستنهج سبيل فلان أي يسلك مسلكه.

والنهج: الطريق المستقيم.

ونهج الأمر وأنهج، لغتان، إذا وضح) (٢) .

وبيَّن الشيخ الطريحي (رحمه الله) في مجمع البحرين:

(ن ه ج قوله تعالى: ( ... شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً... ) (٣) المنهاج بالكسر: الطريق الواضح.

وأنهج الطريق: إذا استبان وصار نهجاً واضحاً بيِّناً.

و(نهج الأمر) بفتحتين وأنهج: وضُح، يستعملان لازمين ومتعدِّيين.

وطريق ناهجة: واضحة. والنهج كفلس: الطريق الواضح (٤) .

____________________

(١) المائدة:٤٨.

(٢) لسان العرب٢: ٣٨٣.

(٣) المائدة ٤٨.

(٤) مجمع البحرين ٤: ٣٧٩.


وذكر الزبيدي في تاج العروس:

(وأنهج) الأمر والطريق وأنهج (أوضح)، قال يزيد بن الخذاق العبدي:

ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت * سبل المكارم والهدى تعدي

أي تعيَّن وتقوَّى...

ونهج الأمر (كمنع وضح وأوضح) يقال: اعمل على ما نهجته لك، نهج وأنهج لغتان (و) نهج (الطريق سلكه واستنهج الطريق صار نهجاً) واضحاً بيِّناً (كأنهج) الطريق إذا وضح واستبان، وتقدّم إنشاد قول يزيد بن الخذاق العبدي، (وفلان) استنهج (طريق فلان) إذا (سلك مسلكه).

وممَّا يُستدرك عليه: طريق ناهجة أي واضحة بيِّنة جاء ذلك في حديث العباس... (١) .

فهو ـ إذن ـ في اللغة العربية الطريق الواضح.

وأضاف إليه المعجم اللغوي العربي الحديث معنى آخر، هو:(الخطّة المرسومة).

ولعلّه أفاد هذا مِن التعريف العلمي له، أو مِن الترجمة العربية لكلمة Method الإنجليزية بسبب اشتهارها في الحوار العلمي العربي, وهي تعني الطريقة، والمنهج، والنظام (٢) .

وأمّا في الاصطلاح العلمي فالمنهج والمنهاج هو:

١. البرنامج الذي يُحدِّد لنا السبيل للوصول إلى الحقيقة (٣) .

٢. الطريق المؤدِّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم (٤) .

٣. وسيلة مُحدّدة توصل إلى غاية معيَّنة (٥) .

٤. طائفة مِن القواعد العامة المصوغة مِن أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم (٦) .

____________________

(١) تاج العروس ٢: ١٠٩-١١٠.

(٢) أصول البحث: ٤٩.

(٣) مناهج البحث العلمي: ٦.

(٤) المصدر السابق.

(٥) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مادة منهج.

(٦) مناهج البحث:٧٦.


٥. خطوات منظّمة يتّخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر، يتتبَّعها للوصول إلى نتيجة (١) .

٦. الطريق المؤدِّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة مِن القواعد العامة تُهَيمن على سير العقل وتُحدِّد عملياته، حتَّى يصل إلى نتيجة معلومة (٢) .

٧. مجموعة مِن القواعد العامة، يعتمدها الباحث في تنظيم ما لديه مِن أفكار أو معلومات مِن أجل أنْ توصله إلى النتيجة المطلوبة (٣) .

٣. معنى الفقه لغةً واصطلاحاً

الفقه في اللغة:

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي:

فقه: الفقه: العلم في الدِين.

يقال: فقه الرجل يفقه فقهاً فهو فقيه.

وفقه يفقه فقْهاً إذا فهِم.

وأفقهته: بيَّنت له. والتفقه: تعلّم الفقه (٤) .

وذكر الحربي:

والفقه: التفهّم في الدين والنظر فيه، والتفطّن فيما غمض منه.

فقه يفقه فقهاً وهو فقيه.

و أفقهته: بيّنت له (٥) .

____________________

(١) الصحاح في اللغة والعلوم، مادة نهج.

(٢) مناهج البحث العلمي:٥.

(٣) أصول البحث:٥١.

(٤) كتاب العين ٣: ٣٧٠.

(٥) غريب الحديث ٢: ٧٣٦.


وقال الجوهري في صحاحه:

([ فقه ] الفقه: الفهْم. قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه.

تقول منه: فقه الرجل، بالكسر. وفلان لا يفقه ولا ينقه. و أفقهتك الشيء.

ثمّ خصَّ به علم الشريعة، والعالم به فقيه، وقد فقُه بالضم فقاهة، وفقّهه الله. وتفقّه، إذا تعاطى ذلك.

وفاقهته، إذا باحثته في العلم) (١) .

وقال ابن الأثير:

(فقه في حديث ابن عباس دعا له النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: (اللهمَّ، فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) أي فهّمه.

والفقه في الأصل: الفهْم، واشتقاقه مِن الشق والفتح.

يقال: فقِه الرجل ـ بالكسر ـ يفقه فقهاً إذا فهِم وعلِم، وفقُه بالضم يفقه: إذا صار فقيها عالماً.

وقد جعله العُرف خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروع منها) (٢) .

وعرّف ابن منظور الفقه في لسان العرب:

(فقه: الفقه: العلم بالشيء والفهْم له، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريَّا، والعود على المندل، قال ابن الأثير: واشتقاقه مِن الشق والفتح، وقد جعله العرف خاصّاً بعلم الشريعة - شرّفها الله تعالى - وتخصيصاً بعلم الفروع منها.

قال غيره: والفقه في الأصل الفهْم، يقال: أُوتـي فلان فقهاً في الدِين أي فهْماً فيه.

قال الله عزّ وجلّ: ( ... لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ... ) (٣) ، أي ليكونوا علماء به، وفقّهه الله، ودعا النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لابن عباس فقال: (اللهمَّ، علّمه الدين وفقّهه في التأويل) أي فهّمه تأويله ومعناه.

وفقه فقهاً: بمعنى عَلِم علماً.

____________________

(١) الصحاح ٦: ٢٢٤٣.

(٢) النهاية في غريب الحديث ٣: ٤٦٥.

(٣) التوبة: ١٢٢.


ابن سيده: وقد فقَّه فقاهة وهو فقيه مِن قوم فقهاء، والأُنثى فقيهة مِن نسوة فقائه.

وحكى اللحياني: نسوة فقهاء، وهي نادرة، قال: وعندي أنّ قائل فقهاء من العرب لم يعتد بهاء التأنيث، ونظيرها نسوة فقراء.

وفقه الشيء: عَلِمه.

وفقهه وأفقهه: علمه. وفي التهذيب: وأفقهته أنا أي بيَّنت له تعلّم الفقه.

ابن سيده: وفقِه عنه، بالكسر، فهِم.

ويقال: فقه فلان عني ما بيّنت له، يفقه فقهاً إذا فهمه.

قال الأزهري: قال لي رجل مِن كلاب وهو يصف لي شيئاً، فلمَّا فرغ مِن كلامه قال: أفقهت؟ يريد أفهمت؟.

ورجل فقه: فقيه، والأنثى فقهة. ويقال للشاهد: كيف فقاهتك لِما أشهدناك، ولا يقال في غير ذلك.

الأزهري: وأمّا فقُه، بضم القاف، فإنّما يُستعمل في النعوت، يقال: رجل فقيه، وقد فقه يفقه فقاهة إذا صار فقيهاً وساد الفقهاء.

وفي حديث سلمان: أنّه نزل على نبطيَّة بالعراق فقال لها: هل هنا مكان نظيف أصلِّي فيه؟ فقالت: طهِّر قلبك وصلِّ حيث شئت، فقال سلمان: فقهت، أي: فهمت وفطنت للحقّ والمعنى الذي أرادت، وقال شمر: معناه أنَّها فقهت هذا المعنى الذي خاطبته، ولو قال: فقهت كان معناه صارت فقيهة.

يقال: فقه عنّي كلامي يفقه أي فهِم، وما كان فقيهاً ولقد فقه وفقه. وقال ابن شميل: أعجبني فقاهتـه، أي: فقهه.

ورجل فقيه: عالم. وكلُّ عالم بشيء فهو فقيه، مِن ذلك قولهم: فلان ما يفقه وما ينقه، معناه لا يعلم ولا يفهم. ونقهت الحديث أنقهه إذا فهمته. وفقيه العرب: عالِم العرب.

وتفقَّه: تعاطى الفقه.

وفاقهته إذا باحثته في العلم) (١) .

____________________

(١) لسان العرب ١٣: ٥٢٢.


وذكر صاحب المختار مِن الصحاح:

({ ف ق ه } الفقه: الفهم، وقد فقِه الرجل بالكسر فقهاً، وفلان لا يفقه ولا ينقه، وأفقهته الشيء هذا أصله، ثمَّ خُصَّ به علم الشريعة، والعالم به فقيه، وقد فقه مِن باب ظرف أي صار فقيهاً، وفقهه الله تفقيهاً، وتفقَّه إذا تعاطى ذلك، وفاقهه باحثه في العلم) (١) .

وقال الطريحي في مجمع البحرين:

(ف ق ه) قوله تعالى

( ... وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... ) (٢) أي: لا تفهمونه مِن قولهم: فقهت الكلام، إذا فهمته، ومنه سُمِّي الفقيه فقيهاً.

يقال: فقه الرجل بالكسر يفقه فقهاً مِن باب تعب، إذا علم.

وفقه بالضم مثله، وقيل: الضم إذا صار الفقه له سجيَّة.

وفلان لا يفقه أي: لا يفهم.

ثمَّ خصّ به (علم الشريعة).

قال بعض الأعلام: الفقه هو التوصّل إلى علمٍ غائب بعلمٍ شاهد، ويسمَّى العلم بالأحكام فقهاً، والفقيه: الذي علم ذلك واهتدى به إلى استنباط ما خفي عليه - انتهى.

وقد فقُه بالضم فقاهة، وفقَّهه الله، وتفقّه: إذا تعاطى ذلك، وفاقهته: إذا باحثته في الفقه.

وفي الحديث: (مَن حفظ على أمتَّي أربعين حديثاً بعثَه الله فقيهاً عالماً) ، قال بعض الشارحين: ليس المراد به الفقه بمعنى الفهْم، فإنَّه لا يناسب المقام، ولا العِلم بالأحكام الشرعية عن أدلَّتها التفصيلية فإنَّه مستحدَث، بل المراد البصيرة في أمر الدين، والفقيه أكثر ما يأتـي في الحديث بهذا المعنى، فالفقيه هو صاحب البصيرة، وإليها أشار (صلَّى الله عليه وآله) بقوله: (لا يفقه العبد كلَّ الفقه حتَّى يمقت الناس في ذات الله، وحتَّى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة، ثمّ يُقبل على نفسه فيكون لها أشدَّ مقتاً) .

____________________

(١) مختار الصحاح: ٢٦٣.

(٢) الإسراء: ٤٤.


ثمّ قال: هذه البصيرة إمّا موهبية، وهي التي دعا بها النبي (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) حين أرسله إلى اليمن حيث قال: (اللّهمَّ، فقِّهه في الدين) ، أو كسبية وهي التي أشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال لولده الحسن (عليه السلام): (وتفقَّه ـ يا بُنـي ـ في الدين) - انتهى كلامه.

ولا يخفى أنَّ ما أراده مِن معنى الفقه لا يخلو مِن غموض، ولعلَّ المراد منه (علم الشريعة) كما نبَّه عليه الجوهري، فيكون المعنى حينئذ: مَن حفظ على أُمتي أربعين حديثاً فيما يحتاجون إليه في أمر دينهم، وإن لم يكن فقيهاً عالماً، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً داخلاً في زمرة العلماء الفقهـاء، وثوابه كثوابهم بمجرَّد حفظ تلك الأحاديث، وإنْ لم يتفقَّه في معانيها.

وقد تكرَّر في الحديث (الأمر بالتفقُّه في دين الله)، والمراد به ـ على ما قرَّره بعض الشارحين ـ: هو أنّ سائر الأفعال التي أوجبها الله تعالى كالوضوء، والغُسل، والصلاة، والصـوم، والحـج، والزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يجب على الخلق طلب العلم بها.

وأمّا الأحكام الشرعية الوضعية، كحكم الشكّ في عدد الركعات، وحكم مَن زاد على سجدة سهـواً، وأحكام البيع، والميراث، والديات، والحدود، والقصاص، والاقتضائية التي هي تحريم بعض الأفعال كحرمة الغيبة، وشرب الخمر وغير ذلك، فإنَّما يجب طلب العلم عند الحاجـة إليهـا) (١) .

وقال الزبيدي في تاج العروس:

(الفقه بالكسر العلم بالشيء) وفي الصحاح (الفهم له) يقال: أُوتي فلان فقهاً في الدين، أي: فهماً فيه (و) الفقه (الفطنة) قال الجوهري: قال الأعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه.

وفي حديث سلمان أنّه نزل على نبطية بالعراق فقال: هل هنا مكان نظيف أصلِّي فيه؟ فقالت: طهّر قبلك وصلّ حيث شئت، فقال سلمان: فقِهت، أي: فطنت وفهمت.

قال ابن سيده:(و) قد (غلب على علم الدين لشرفه) وسيادته وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريَّا والعود على المندل.

____________________

(١) مجمع البحرين٣: ٤٢١.


قال ابن الأثير: واشتقاقه مِن الشق والفتح، وقد جعلته العرب خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروع منها، (وفقُه ككَرُم) فقاهة صار الفقه له سجيّة، (و) فَقِه مثل (فرِح) فقهاً مثل علم علماً زنة ومعنى (فهو فقيه وفَقُهٌ كَنَدُسٍ جمعه فقهاء، وهي فقيهة وفَقُهَةٌ جمعه فقهاء وفقائه)، وحكى اللحياني نسوة فقهاء وهي نادرة، قال ابن سيده: وعندي أنَّ قائل فقهاء مِن العرب لم يعتدَّ بهاء التأنيث، ونظيرها نسوة فقراء.

(وفقهه) عنى ما بيّنت له (كعلمه فهمه كتفقَّهه) ومنه قوله تعالى:

( ... لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ... ) (وفقَّهه تفقيهاً علّمه)، ومنه الحديث: (اللّهم، علّمه الدين وفقّهه في تأويله) أي: علّمه تأويله ومعناه (كأفقهه).

وفي التهذيب أفقهته بيّنت له تعلّم الفقه... (وفاقهه باحثه في العلم ففقهه كنصره غلبه فيه)... ممَّا يستدرك عليه، قال ابن شميل: أعجبني فقاهته أي فقهه، وكلُّ عالم بشيء فهو فقيه، وفقيه العرب عالمهم... وتفقَّه تعاطى الفقه (١) .

الفقه في الاصطلاح:

لفظ الفقه يستعمل في الفهْم، ثمّ تحوّل ليدلَّ على نوع خاص مِن الفهم، وأصبح مصطلحاً يراد به فهم الأحكام الشرعية.

وقد ذكروا له تعاريف عديدة، وأكثرها شهرة وتداولاً هو تعريفه بأنّه:

(العلم بالأحكام الشرعية مِن أدلَّتها التفصيليّة).

قال السيد نعمة الله الجزائري ـ ضمن أجوبته على مسائل السيد علي النهاوندي على ما نقل عن صاحب الروضات ـ: (اعلم أنّ الفقه بحسب اللغة الفهم، ثمّ نُقل إلى معنى آخر يناسب المعنى اللغوي مناسبة المسبَّب للسبب، أو النوع للجنس ورسموه بـ: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلَّتها التفصيلية فعلاً أو قوَّة قريبة...) (٢) .

____________________

(١) تاج العروس ٩:٤٠٢:

(٢) الفقه تطوّره ومراحله:٤٧.


وقال الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: (والفقه لغة: الفهم، واصطلاحاً: العلم بالأحكام الشرعية العملية المُكتسب مِن أدلَّتها التفصيلية). ثمّ قال ـ بعد إيضاح جامعية هذا التعريف ومانعيته ـ: (وقد يُطلق الفقه عُرفاً على تحصيل جملة مِن الأحكام، وإنْ كان عن تقليد وهو معنى شايع الآن) (١) .

يقول محمّد مصطفى شلبي: استمرَّ ذلك الإطلاق الشامل حتى عصر الأئمة، فأبو حنيفة عرّف الفقه: بأنّه (معرفة النفس ما لها وما عليها)، وكان يسمَّى علم الكلام بالفقه الأكبر، ولمَّا تمايزت العلوم وشاع التخصُّص بين العلماء، ضاقت دائرة الفقه، وأصبح مختصَّاً بنوع مِن الأحكام، وهو الأحكام الشرعية العملية، فكان يطلق مرَّة على معرفة تلك الأحكام، وأُخرى على نفس الأحكام التي تُستنبط بالاجتهاد.

وتبع هذا التخصص تخصيص لفظ الفقهاء بمَن يعرف هذا النوع مِن العلم، ويُعرَّف على الإطلاق الأول: بأنّه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب مِن أدلّتها التفصيليّة.

وعلى الثاني: بأنّه مجموعة الأحكام العملية المشروعة في الإسلام، سواء أكانت شرعيتها بنصٍّ صريح مِن القرآن والسنّة، أمْ بالإجماع، أمْ باستنباط المجتهدين مِن النصوص والقواعد العامة.

ولمَّا شاع التقليد بين الفقهاء توسّع في إطلاقه، فأصبح يطلق على مجموعة الأحكام التي نزل بها الوحي صراحة، والتي استنبطها المجتهدون وما خرَّجه المقلَّدون على قواعد أئمّتهم وأصولهم.

وأضحى هذا المجموع هو المسمّى بالفقه) (٢) .

____________________

(١) تمهيد القواعد:٢.

(٢) المدخل في التعريف بالفقه:٣٢-٣٣.


٤. معنى الانسداد والانفتاح لُغةً واصطلاحاً:

الانسداد لغةً:

ذكر ابن منظور الأفريقي:

السدُّ: إغلاق الخَلل وردم الثلْم. سدّه يسدّه سدّاً فانسدّ واستدّ وسدّده: أصلحه وأوثقه، والاسم السدّ.

وحكى الزجاج: ما كان مسدوداً خلقة، فهو سُدٌّ، وما كان مِن عمل الناس، فهو سَدٌّ، وعلى ذلك وجِّهت قراءة مَن قرأ بين السَدَّين والسُدَّين.

التهذيب: السدُّ مصدر قولك سددت الشيء سدّاً.

والسُدّ والسَدّ: الجبل والحاجز.

وقُرِئ قوله تعالى:

( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ... ) (١) ، بالفتح والضم.

وروي عن أبي عبيدة أنّه قال: ( ... بَيْنَ السَّدَّيْنِ... ) ، مضموم، إذا جعلوه مخلوقاً مِن فعـل الله، وإنْ كان مِن فعل الآدميين، فهو سَدّ، بالفتح، ونحو ذلك قال الأخفش.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ( ... بَيْنَ السَّدَّيْنِ... ) ، ( ... وَبَيْنَهُمْ سَدّاً... ) (٢) بفتح السين، وقرأ في (يس): ( ... بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً... ) (٣) بضم السين، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بضم السين في الأربعة المواضع، وقرأ حمزة والكسائي بين السُدّين بضم السين.

غيره: ضم السين وفتحها، سواء السَدّ والسُدّ، وكذلك قوله: ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً... ) فتح السين وضمها.

والسدّ ـ بالفتح والضم ـ: الردم والجبل، ومنه سدّ الروحاء وسدّ الصهباء، وهما موضعان بين مكَّة والمدينة.

____________________

(١) الكهف:٩٣.

(٢) الكهف:٩٤.

(٣) يس:٩.


وقوله عزّ وجلّ: ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً... ) قال الزجاج: هؤلاء جماعة مِن الكفار أرادوا بالنبي (صلّى الله عليه وسلّم) سوءاً، فحال الله بينهم وبين ذلك، وسَدّ عليهم الطريق الذي سلكوه، فجُعلوا بمنزلة مَن غُلَّت يده وسُدّ طريقه مِن بين يديه ومِن خلفه وجُعل على بصره غشاوة، وقيل ـ في معناه قول آخر ـ: إنّ الله وصف ضلال الكفار فقال: سددنا عليهم طريق الهدى كما قال: ختم الله على قلوبهم (١) .

قال الزبيدي في تاج العروس:

(وسدَّ الثُلمة) بضم المثلثة وهي الفرجة (كمدّ) يسدّ بالضم سدّاً ردمها و (أصلحها ووثقها)، وفي بعض النُسخ أوثقها كسدّدها فانسدّت (٢) .

الانسداد اصطلاحاً:

يراد بالانسداد هو سدّ باب الاجتهاد وحصره بأئمة المذاهب الأربعة.

يقول السيد الحكيم (رحمه الله) في كتاب الأُصول العامة للفقه المقارن:

سدّ باب الاجتهاد: وأرادوا به حظر الاجتهاد ـ بعد أنْ تمَّ غلق أبوابه على يد بعض السلطات على جميع المكلَّفين ـ وحصر الرجوع إلى خصوص المذاهب الأربعة (٣) .

وسنتطرَّق في مطاوي البحث إنْ شاء الله تعالى للعوامل المؤثِّرة في ذلك (٤) .

____________________

(١) لسان العرب ٣: ٢٠٧.

(٢) تاج العروس ٢: ٣٧٢.

(٣) الأصول العامة للفقه المقارن:٥٧٩.

(٤) راجع للتوسُّع كتاب تاريخ حصر الاجتهاد للشيخ آقا بزرك الطهراني.


الانفتاح لغةً:

قال الخليل الفراهيدي:

فتح: الفتح: نقيض الإغلاق (١) .

وقال الجوهري في الصحاح:

(فتح) فتحت الباب فانفتح، وفتَّحت الأبواب شدّد للكثرة، فتفتَّحت هي (٢) .

الانفتاح اصطلاحاً:

إذا عرفنا معنى الانسداد في الاصطلاح، وأنَّ المراد منه هو إغلاق باب الاجتهاد وحصره في المذاهب الأربعة، يتوضَّح معنى الانفتاح في المصطلح، حيث هو فتح باب الاجتهاد وعدم حصره على أربعة أو أكثر أو أقل مِن الشخصيات، بلْ لكلِّ مَن توفَّر على مقدّمات الاجتهاد، وحاز تلك الملَكة التي تُمكِّنه مِن استنباط الأحكام الشرعية مِن مداركها فله أنْ يجتهد، فإنَّ دين الإسلام دين الله إلى يوم القيامة، وسوف يحتاج المسلمون بمرور الزمن إلى أحكام في وقائع ابتلائية مستحدَثة، لابدَّ مِن أنْ يكون للدين فيها حُكم، وهذا ما ذهب إليه الشيعة الإمامية.

وقد استعمل هذا المصطلح السيد محمّد تقي الحكيم (قُدِّس سِرُّه) في كتابه الأُصول العامة للفقه المقارن (٣) .

٥. المناهج المتّبعة في دراسة تاريخ الفقه:

تناول عدَّة مِن الباحثين موضوع تاريخ الاجتهاد وحركته، واختلفت مناهج البحث مِن باحث إلى آخر، تبعاً لاختلاف زوايا النظر، فمِن الباحثين مَن تناول الموضوع حسب الزمن، ومنهم مَن درسه حسب الأماكن التي ظهرت فيها المراكز العلمية المهتمَّة بالاجتهاد، ومنهم مَن قسَّم مراحل التاريخ

____________________

(١) كتاب العين ٣:١٩٤.

(٢) الصحاح ١: ٣٨٩.

(٣) الأصول العامة للفقه المقارن:٥٧٧.


حسب طبيعة المادة الفقهية ومدى عمقها، دون النظر إلى العوامل أو الظروف أو النتائج أو الموضوعات المبحوثة عند الفقهاء.

ذكر المحقِّق السبحاني منهجين متَّبعين في دراسة تاريخ الفقه وهما:

المنهج الأوّل: هو النظر إلى الفقه بما أنَّه كائن حيٌّ يمرُّ بأطوار مختلفة وهي:

١ ـ طور الطفولية

٢ ـ طور الشباب

٣ ـ طور الكهولة

٤ ـ طور الشيخوخة والهرم.

وهذه النظرة إلى الفقه تتناسب مع الفقه السنِّي، الذي أوصد باب الاجتهاد منذ أواسط القرن السابع، فأخذ الفقه يمرُّ بطور الشيخوخة والهرم واستنزاف قواه.

المنهج الثاني: تصنيف أطوار الفقه طبقاً للأسباب والأحداث التي رافقت تكامله وارتقاءه، والتي اقترنت بأسماء جهابذة مِن الفقهاء الذين لعبوا دوراً هامَّاً في إغناء التراث الفقهي، وهذا النوع مِن التدوين الفقهي يتناسب مع الفقه الشيعي، الذي لم يوصد باب الاجتهاد منذ ظهوره إلى يومنا هـذا (١) .

وعمد الشيخ السبحاني في كتابه ـ أدوار الفقه الإمامي ـ إلى اتِّباع التقسيم التالي لأدوار الفقه الإمامي:

الدور الأوّل: عصر النشاط الحديثي والاجتهادي (١١-٢٦٠هـ).

الدور الثاني: عصر تبويب الحديث ومنهجة الاجتهاد (٢٦٠-٤٦٠هـ).

الدور الثالث: عصر الركود (٤٦٠-٦٠٠هـ).

الدور الرابع: تجديد الحياة الفقهية (٦٠٠-١٠٣٠هـ).

الدور الخامس: ظهور الحركة الإخبارية (١٠٣٠-١١٨٠هـ).

الدور السادس: تصعيد النشاط الفقهي (١١٨٠-١٢٦٠هـ).

الدور السابع: عصر الإبداع الفقهي (١٢٦٠- إلى وقتنا الحاضر) (٢) .

____________________

(١) أدوار الفقه الإمامي:١٠.

(٢) أدوار الفقه الإمامي:١١.


المنهج الثالث: هو منهج اعتمد التقسيم لأدوار الفقه حسب الأماكن والمدارس التي نشط فيها وازدهر، فكان التقسيم كما يلي:

١. مدرسة المدينة المنوّرة، واستمرَّت إلى أواسط القرن الثاني (حياة الإمام الصادق (عليه السلام)).

٢. مدرسة الكوفة، ظهرت في أواسط القرن الثاني واستمرّت إلى الربع الأول مِن القرن الرابع (الغيبة الكبرى).

٣. مدرسة قم وريّ الأُولى، ظهرت في الربع الأول مِن القرن الرابع، واستمرَّت إلى النصف الأول مِن القرن الخامس (أيَّام المرتضى والطوسي).

٤. مدرسة بغداد، ظهرت مِن النصف الأول للقرن الخامس إلى احتلال بغداد.

٥. مدرسة الحلَّة، ظهرت مِن احتلال بغداد واستمرَّت إلى حياة الشهيد الثاني.

٦. مدرسة جبل عامل.

٧. مدرسة أصفهان.

٨. مدرسة البحرين.

٩. مدرسة كربلاء المقدَّسة.

١٠. مدرسة النجف الأشرف.

وتجدر الإشارة إلى ملاحظة الباحث، الذي اعتمد هذا المنهج مِن التصنيف حيث يقول: (وحينما نُضيف المدرسة الفقهيّة إلى قُطرٍ خاص كالكوفة أو بغداد أو المدينة، لا نعني أنَّ الفقاهة تمركزت كلِّياً في هذه الأقطار، وإنّما نعني أنّ المدرسة بلغت نُضجها الخاص وكمالها المرحلي في هذا القُطر بالخصوص) (١) .

ونحى بعضٌ آخر مِن الباحثين نحو تصنيف أدوار الاجتهاد، حسب طبيعة المادة الفقهية التي تكاملت بالتدريج، مع غضِّ النظر عن العوامل أو الظروف أو النتائج أو الموضوعات المبحوثة عند الفقهاء، فكان منهجه:

____________________

(١) مقدّمة رياض المسائل: ١٠.


المنهج الرابع: إنّ هناك مرحلتين وعصرين في تاريخ هذا الفقه:

١ ـ مرحلة صدور البيان الشرعي (فقه الروايات).

وهذا العصر ينقسم بدوره إلى عصرين:

أ ـ عصر النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وهو عصر التشريع واكتمال الشريعة مِن خلال ما نزل به الوحي على النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، وأعلنته الآية الكريمة: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ) (١) .

وللفقاهة في عصر الصدور امتيازات وخصائص شرعية، تختلف عن الفقاهة في عصرها الثاني، عصر الاجتهاد، وإليك أهمَّ هذه الخصائص:

١ ـ ثبوت الإمامة العظمى والولاية الكبرى للنبي والأئمة (عليهم السلام) مِن بعده وحضورهم في هذا العصر، فيجب على الناس جميعاً إطاعتهم، والرجوع إليهم في جميع الأُمور، والعمل بما يقولون؛ عملاً بالآية الكريمة: ( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) (٢) .

٢ ـ إمكان الوصول إلى الحكم الشرعي الواقعي في هذا العصر؛ وذلك بمراجعة النبي والأئمة (صلوات الله عليهم)، وسؤالهم عن حقائق الدين وأحكامه وأسراره.

٣ ـ عدم جواز إعمال الاجتهاد في قِبال قولهم ورأيهم مِن أيِّ أحد؛ لأنّه مِن الاجتهاد في مقابل النصِّ المحرَّم والباطل شرعاً وعقلاً.

٤ ـ إنَّ تصدِّي الفقهاء لأيِّ منصب، مِن القضاء والإفتاء، والولايات وجباية الحقوق الشرعية، وغير ذلك لا يجوز إلاَّ بمراجعتهم والنصب مِن قِبلهم.

٥ ـ لا يصحّ للفقهاء الرواة في هذا العصر ـ في مجال استكشاف واستنباط حكم مسألة فقهية ـ أن يرجعوا إلى القواعد والأُصول العامّة التي بأيديهم ابتداءً وقبل السؤال منهم؛ لاحتمال وجود مخصِّص أو مقيِّد لها أو حاكم عليها، فلا يكون حجّة حينئذٍ؛ لأنّه مِن قبيل التمسُّك بالعمومات قبل الفحص عن المخصِّص، والفحص في زمن حضور المعصوم لا يتمُّ إلاَّ بالسؤال منه.

____________________

(١) المائدة:٣

(٢) النساء:٥٩.


٦ ـ إنَّ طابع الفقاهة في هذا العصر يتمثّل في تعلّم السنّة والأحاديث، وحفظها ونقلها، والإفتاء بما هو ظاهر وواضح منها، والرجوع في المسائل النظرية الاجتهادية إلى الأئمة (عليهم السلام) إلاّ في حالات لا يمكن فيها الوصول إليهم، كما حدث ذلك بالتدريج لدى اتّساع وانتشار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وازدياد الرقابة والضغط عليهم (عليهم السلام) مِن قِبل الحكّام.

وهذه خصيصة مهمَّة تجعل عملية الفقاهة في عصر النصّ محدودة بطبيعتها؛ لأنّ مصادرها لم تكتمل ولم تنته بعد؛ إذ لعلَّه بالرجوع إليهم يصدر ما يكون مخصِّصاً أو مفسِّراً، أو حاكماً على العمومات والقواعد التي بأيدي الرواة، فلا يجوز لهم الاكتفاء بما حفظوه أو نقلوه في مجال الاستنباط.

وقد أشارت إلى ذلك بعض الأخبار العلاجية، الآمرة بالتوقّف أو الاحتياط في الخبرين المتعارضين، وإرجاء ذلك حتَّى يلقى الإمام (عليه السلام) (١)(٢) .

ب ـ عصر الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، مِن الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وإلى الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وهو عصر تبيين التشريع وصيانته.

٢ ـ مرحلة الاجتهاد في أطار البيان الشرعي.

وهي تنقسم إلى أدوار:

١. دور التأسيس.

٢. دور الانطلاق.

٣. دور الاستقلال.

٤. دور التطرُّف (إفراطاً وتفريطاً).

٥. دور التصحيح والاعتدال.

٦. دور الكمال والنضج (٣) .

____________________

(١) تهذيب الأحكام ٦: ٣٠٣.

(٢) راجع مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٤٥-٤٦.

(٣) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٣٤، ٤٨.


وقد اخترت منهجة البحث وتقسيم أدوار الفقه حسب المادة العلمية؛ لأنّه أشمل مِن باقي التقسيمـات، مِن حيث إنَّه يتناول كلَّ النتاج العلمي، الذي ظهر على الساحة العلمية في فترة زمنية معيَّنة، ودون أنْ يقتصر على بقعة معيَّنة مِن الحواضر الإسلامية.


الفصل الثاني:

الاجتهاد في العصر الأوّل للإسلام

النصوص المشتملة على مصطلح الاجتهاد.

الاجتهاد في عصر النبي (صلَّى الله عليه وآله).

اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله).

اجتهاد الصحابة.

· اجتهاد الصحابة في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله).

· اجتهاد الصحابة بعد زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله).

· اجتهاد الصحابة مقابل النصِّ.

· تطوّر مصطلح الاجتهاد.

الاجتهاد في عصر الأئمّة (عليهم السلام).

إرساء الأئمّة قواعد الاجتهاد.

اجتهاد أصحاب الأئمّة (عليهم السلام).


النصوص المشتملة على مصطلح الاجتهاد .

لفظ الاجتهاد في الحديث النبوي:

وردت مادَّة الاجتهاد في الحديث الشريف، المنقول عن النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله):

١. عن أبي هريرة، عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، قال: (أتُحبُّون أنْ تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: اللّهمَّ، أعنَّا على ذِكرك وشكرك وحُسن عبادتك) (١) .

٢. أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمّر، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر محمّد بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): (إذا حكم الحاكم فاجتهَدَ فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) (٢) .

ووردت عن أهل البيت (عليهم السلام):

١. أخبرنا عبد الرزاق عن معمّر عن قتادة، أنَّ علياً قال: (القضاة ثلاثة: قاضٍ اجتهد فأخطأ في النار، وقاضٍ رأى الحقَّ فقضى بغيره في النار، وقاضٍ اجتهد فأصاب في الجنَّة) (٣) .

٢. ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع) (٤) .

____________________

(١) مجمع الزوائد ١٠: ٧٢.

(٢) السنن الكبرى ٣:٤٦١.

(٣) المصنف ١١: ٣٢٨.

(٤) الأصول الستَّة عشر: ١٥١.


٣. حدّثنا محمّد بن عبد الجبار، عن محمّد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكـان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنَّ حبابة الوالبيَّة كانت إذا وفد الناس إلى معاوية وفدت هي إلى الحسين (عليه السلام)، وكانت امرأة شديدة الاجتهاد، وقد يبس جلدها على بطنها مِن العبادة) (١) .

٤. عدّة مِن أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن معلّى أبي عثمان، عن أبي بصير، قال: قال رجل لأبي جعفر (عليه السلام): إنِّي ضعيف العمل، قليل الصيام، ولكنِّي أرجو أنْ لا آكل إلاَّ حلالاً، قال: فقال له: (أيُّ الاجتهاد أفضل مِن عفَّة بطن وفَرْج؟!) (٢) .

٥. محمّد بن يعقوب الكليني قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن حفص المؤذّن، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه، وأمرهم بمدارستها والنظر فيها، وتعاهدها والعمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فإذا فرغوا مِن الصلاة نظروا فيها.

قال: وحدَّثني الحسن بن محمّد، عن جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي, عن القاسم بن الربيع الصحّاف، عن إسماعيل بن مخلّد السرّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: خرّجت هذه الرسالة مِن أبي عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابه:.

(... واعلموا أنّ الله لم يذكره أحد مِن عباده المؤمنين إلاّ ذكره بخير، فأعطوا الله مِن أنفسكم الاجتهاد في طاعته؛ فإنّ الله لا يُدرَك شيءٌ مِن الخير عنده إلاّ بطاعته، واجتناب محارمه التي حرّم الله في ظاهر القرآن وباطنه، فإنّ الله تبارك وتعالى قال في كتابه ـ وقوله الحقّ ـ: ( وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ... ) ...) (٣) .

وقال: (أيَّتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم، عليكم بآثار رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وسنّته، وآثار الأئمّة الهداة مِن أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مِن بعده وسنَّتهم؛ فإنَّه مَن أخذ بذلك فقد اهتدى، ومَن ترك ذلك ورغب عنه ضلَّ؛

____________________

(١) بصائر الدرجات ١٩١:

(٢) الكافي ٢: ٧٩.

(٣) الكافي ٨: ٢.


لأنّهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم، وقد قال أبونا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): المداومة على العمل في اتِّباع الآثار والسُنن وإنْ قلَّ، أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة مِن الاجتهاد في البدَع واتِّباع الأهواء، ألا إنَّ اتّباع الأهواء واتّباع البِدع بغير هدىً مِن الله ضلال، وكلُّ ضلالة بِدعة، وكلُّ بدعة في النار) (١) .

٦. وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء في شهر رمضان: (اللّهمَّ، ارزقني فيه الجدَّ والاجتهاد، والقوَّة والنشاط، والإنابة والتوبة، والرغبة والرهبة، والجزع والرقَّة، ومرفوع العمل ومستجاب الدعاء، ولا تحِلْ بيني وبين شيء مِن ذلك بعَرَض ولا مرض ولا همٍّ، برحمتك يا أرحم الراحمين) (٢) .

٧. عن زين العابدين (عليه السلام) قال: (إنَّ أفضل الاجتهاد عفَّة البطن والفَرْج) (٣) .

____________________

(١) الكافي ٨: ٨.

(٢) مَن لايحضره الفقيه ٢: ١٠٤.

(٣) مشكاة الأنوار: ٢٧٥.


الاجتهاد في زمَن النبي (صلَّى الله عليه وآله) :

اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله):

الاجتهاد مرتبة سامية عالية، لا ينالها الإنسان إلاّ ببذل الجهد وتحصيل مقدِّماته الواجب تحصيلها، وهو تخصّص في زماننا الحاضر على حدٍّ سواء مع العلوم التخصصية الأُخرى إنْ لم يكن أصعب؛ لأنّ استنباط الحكم الشرعي يحتاج إلى إتقان عدَّة مِن العلوم تقع في طريق عملية الاستنباط.

ولكنَّ السؤال الذي يُطرح، يتعلّق باجتهاد النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، هل هو جائز؟ بحيث له الحقُّ في إعمال اجتهاده في تحصيل أحكام الشريعة الإسلامية وتبليغها للبشر؟

أم أنَّ ذلك يقدح بمكانته ويتطرّق الشكّ ـ جرّاء هذا القول ـ إلى جميع الأحكام التي يبلِّغها النبي (صلَّى الله عليه وآله)؟

وهل أنَّ اجتهاد النبي يعدُّ فضيلة مِن فضائله كما هو عند المجتهدين؟

أم أنَّ القول: بأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) يتّبع اجتهاده في استنباط الأحكام يسبب نوع نقص لمقامه السامي، وانقطاعاً لارتباطه بالله؟ والذي صرّح في كتابه العزيز: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (١) .

وعلى هذه المسألة يترتَّب القول بحجيّة السنّة المطهّرة؛ لأنّه إنْ قلنا: بأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان يجتهد ويتَّبع الظنَّ في الأحكام الشرعية لا تبقى حجّة واطمئنان بهذه الأحكام، ومعلوم أنّ سنّة النبي (صلَّى الله عليه وآله) هي ثاني أهمِّ مصدر مِن مصادر أحكام الشريعة الإسلامية، فإذا تطرَّق الشكُّ والريب وجواز الخطأ فيها ضاع الجزء الأكبر مِن الأحكام.

وفي هذه المسألة طرَح كلٌّ مِن القائلين بجواز اجتهاده (صلَّى الله عليه وآله) وعدمه، أدلَّة متعدِّدة، ينتصر فيها لرأيه، ونحن نستعرض جزءاً منها ليتبين أساس القول لكلٍّ منهما.

تجدر الإشارة إلى أنّ كلاًّ مِن الفريقين يتَّفقان على أنّ الحوادث التي يوحى فيها للنبي (صلَّى الله عليه وآله) يبلّغها، كما هي مِن دون زيادة أو نقيصة، ولكنْ يفترض الفريق القائل بجواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله) أنَّ

____________________

(١) النجم: ٣-٤.


هناك وقائع طارئة لم ينزل فيها الوحي على النبي (صلَّى الله عليه وآله) ولا تحتمل التأخير، وهذه الحوادث هي منطقة الفراغ ـ إذا صحَّ التعبير ـ المسموح للنبي (صلَّى الله عليه وآله) أنْ يجتهد فيها؛ لِئلاّ تفوت المصلحة.

الذاهبون إلى جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله):

يذهب كثير مِن علماء العامّة إلى جواز ممارسة النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) لعملية الاجتهاد، وإعمال الرأي والفكر الشخصي لمعرفة الأحكام الشرعية، حيث لم يرد رادع شرعي عن هذا العمل، ولا يحكم العقل بمنعه.

وقد ادَّعى البعض قيام الإجماع على جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله) (١) .

ذكر أصحاب هذا المذهب: كان الرسول (صلَّى الله عليه وآله) إذا سُئل عن مسألة أو حدثت حادثة ينتظر الوحي , فإنْ نزل بحكمها أجاب بما نزل به، وإنْ لم ينزل الوحي كان هذا إيذاناً مِن الله بأنّه وكَّل إلى رسوله أنْ ينطق بالتشريع اللازم، ومعلوم أنَّه لا ينطق عن الهوى.

وأحياناً أُخرى كان الرسول يجتهد في الحكم، ثمَّ يصدِّر رأيه قبل الوحي , وهنا لا يقرُّه الله على هذا الرأي إلاّ إذا كان صواباً، على أنَّ الرسول كان في اجتهاده يستلهم ما نزل مِن قانون الله وشريعته مع تقدير المصلحة.

وأحياناً كان يستشير أصحابه قبل إصدار الحكم؛ ومِن هنا يجب أنْ نجزم أنَّ كلَّ التشريعات التي صدرت في عهد الرسول كانت إلهيَّة، إمَّا عن طريق مباشر بنزول القرآن، وإمَّا عن اجتهاد الرسول في بادئ الأمر، ثمَّ يقرُّه الله عليها (٢) .

وذكر محمّد أمين في كتاب تيسير التحرير:

أكثر أهل العلم على أنَّه (صلَّى الله عليه وآله) كان مأموراً بالاجتهاد مطلقاً، في الأحكام الشرعية والحروب والأُمور الدينية بغير تقييد بشيء منها، أو مِن غير تقييد بانتظار الوحي، وهو مِن مذهب عامّة الأُصوليين، ومالك والشافعي وأحمد، وعامة أهل الحديث...

____________________

(١) راجع إرشاد الفحول ٢: ٢١٧.

(٢) تاريخ الفقه الإسلامي لبدران ٤٢-٤٣.


وقيل ـ القائل الأشاعرة وأكثر المعتزلة والمتكلّمين ـ: لا يصحُّ أنْ يكون (صلَّى الله عليه وآله) مأموراً بالاجتهاد في الأحكام الشرعية. ثمّ عن الجبائي وابنه: غير جائز عليه عقلاً، وعن غيرهما: جائز عقلاً، ولكنْ لم يتعبّد به شرعاً، وقيل: كان له الاجتهاد في الحروب فقط، وهو محكي عن القاضي والجبائي (١) .

وذكر الذبياني: أنَّ مذهب أكثر الأُصوليين أنَّ الاجتهاد واقع منه شرعاً، مستدلِّين بأدلَّة كتب أصول الفقه، وذكر العلماء أنَّ اجتهاده بمنزلة الوحي الثابت؛ لأنَّه لا يقرُّ على الخطأ فهو صواب لا محالة، بخلاف اجتهاد غيره مِن المجتهدين، فإنّه يحتمل الخطأ والإقرار عليه كما رأينا ذلك في مسألة أسرى بدر، ومسألة الإذن للمتخلِّفين في غزوة تبوك (٢) .

بلْ ذهب المجوِّزون لاجتهاده إلى أنّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يستخدم القياس في استنباط الأحكام الشرعية، وذكروا بعض الحوادث ادَّعوا أنَّها تؤيِّد مذهبهم:

منها: أنّ امرأة جاءت إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله) وقالت: يا رسول الله، إنَّ أمِّي ماتت ولم تحجَّ أفأحجَّ عنها؟ قال: (أرأيت لو كان على أمِّك دَين أفتقضينه عنها؟) . قالت: نعم. قال: (فدَين الله أحقُّ أنْ يُقضى) . ومنها: أنّ رجلاً أنكر ولداً وضعته زوجته أسود، فقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (هل لكَ إبل حُمر فيها أورَق (أسود)؟) . قال: نعم. فقال (صلَّى الله عليه وآله): (فمِن أين؟) . قال الرجل: لعلَّ نزعه عِرق! فقال (صلَّى الله عليه وآله): (وهذا لعلَّه أصابه عِرق) (٣) .

أدلَّة الذاهبين إلى جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله):

استدلَّ مَن جوَّز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله) بعدَّة أدلَّة:

منها: ظواهر بعض الآيات القرآنية والروايات، وبعض الوجوه الاستحسانية والعقلية:

____________________

(١) تيسير التحرير ٤: ١٨٥.

(٢) تاريخ الفقه الإسلامي للذبياني: ٣٧.

(٣) نفس المصدر.


أ ـ الاستدلال بالآيات القرآنية:

١. ( ... فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ) (١) ، ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أولى الناس بهذا الوصف الذي ذكره عند الأمر بالاعتبار، فعرفنا أنّه داخل في هذا الخطاب.

٢. قوله تعالى: ( ... وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ... ) (٢) ، وقد دخل في جملة المستنبطين مَن تقدَّم ذكره، فعرفنا أنّ الرسول مِن جملة الذين أخبر الله أنَّهم يعملون بالاستنباط.

٣. وقال تعالى: ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ... ) (٣) ، والمراد أنّه وقف على الحُكم بطريق الرأي لا بطريق الوحي؛ لأنّ ما كان بطريق الوحي فداود وسليمان (عليهما السلام) فيه سواء، وحيث خصّ سليمان (عليه السلام) بالفهم عرفنا أنّ المراد به بطريق الرأي، وقد حكم داود بين الخصمين حين تسوّروا المحراب بالرأي، فإنّه قال: ( ... لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ... ) ، وهذا بيان بالقياس الظاهر (٤) .

ب ـ الاستدلال بالروايات:

١. قضية تأبير النخل: ذكر في صحيح مسلم عن رافع بن خديج، قال قدم نبي الله (صلَّى الله عليه وآله) المدينة وهم يأبِّرون النخل – يقولون: يلقّحون النخل –

فقال: (ما تصنعون؟) .

قالوا: كنّا نصنعه.

قال: لعلَّكم لو لم تفعلوا كان خيراً ، فتركوه فنفضت أو فنقصت.

قال: فذكروا ذلك له، فقال: (إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء مِن دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء مِن رأيي فإنَّما أنا بشر) (٥) .

ويعلِّق بعضهم على هذا الحديث بقوله:

____________________

(١) الحشر:٢.

(٢) النساء:٨٣.

(٣) الأنبياء:٧٩

(٤) أصول السرخسي ٩٣:٢.

(٥) صحيح مسلم ٧: ٩٥.


ظاهر الحديث: أنّه (صلَّى الله عليه وآله) كغيره مِن الناس في ذلك، بلْ فيه تصريح بأنّ أصحاب الخبرة في صنائعهم وتجارتهم وزراعتهم قد يكونوا أعلم منه بدقائقها (١) .

٢. قضية إرادة النبي (صلَّى الله عليه وآله) المصالحة على ثمار المدينة مع المشركين:

قال ابن هشام في السيرة النبوية: فلمّا اشتدَّ على الناس البلاء، بعث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) - كما حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ومَن لا أتَّهم، عن محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ـ إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي ـ وهما قائدا غطفان ـ فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أنْ يرجعا بمَن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، إلاّ المراوضة في ذلك، فلمّا أراد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنْ يفعل، بعث إلى سعد بن مُعاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمراً تحبُّه فنصنعه؟ أمْ شيئاً أمرك الله به لابدَّ لنا مِن العمل به؟ أمْ شيئاً تصنعه لنا؟

قال: (بلْ شيء أصنعه لكم. والله، ما أصنع ذلك إلاّ لأنّني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالَبوكم مِن كلِّ جانب، فأردت أنْ أكسر عنكم مِن شوكتهم على أمر ما).

فقال له سعد بن مُعاذ: يا رسول الله، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثـان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أنْ يأكلوا منها تمرة إلاّ قِرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك وبه، نُعطيهم أموالنا؟! والله، ما لنا بهذا مِن حاجة، والله لا نُعطيهم إلاَّ السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): فأنت وذاك.

فتناول سعد بن مُعاذ الصحيفة، فمحا ما فيها مِن الكتاب، ثمّ قال: ليجهدوا علينا (٢) .

ووجه الاستدلال بها واضح؛ حيث إنّ النبي اجتهد في عقد الصلح مع المشركين، ولم يكن مأموراً به مِن الله؛ ولذلك رجع عنه عندما استشار الأنصار.

____________________

(١) حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية: ٨٠، نقلاً عن أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام لمحمد سليمان الأشقر ١: ٢٤٣-٢٤٦.

(٢) سيرة النبي (صلَّى الله عليه وآله) لابن هشام ٣: ٧٠٧ – ٧٠٨.


٣. قضية تشريع الأذان:

ثبت عند البخاري ومسلم والترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ والنسائي، مِن حديث عبد الله بن عمر قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنون الصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلَّموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: اتّخذوا قَرناً مثل قَرْن اليهود، قال: فقال عمر: ألا تبعثون رجلاً يُنادي بالصلاة؟ فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا بلال قمْ فناد بالصلاة)، وهذا أصحُّ ما ورد فـي تعيين ابتـداء وقت الأذان (١) .

ونُقِل ـ أيضاً ـ أنّ عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام وألقاه على النبي (صلَّى الله عليه وآلـه)، فقبِلَه وقال: (ألقِه على بلال) (٢) .

ويعلِّق السرخسي على هذه القضية فيقول: ومعلوم أنّه أخذ بذلك بطريق الرأي دون طريق الوحـي , ألا ترى أنّه لمَّا أتى عمر وأخبره أنّه رأى مثل ذلك قال: (الله أكبر، هذا أثبت)، ولو كان قد نزل عليه الوحي به لم يكن لهذا الكلام معنى، ولا شكَّ أنَّ حكم الأذان ممَّا هو (مِن) حقّ الله، ثمَّ قد جوَّز العمل فيه بالرأي , فعرفنا أنَّ ذلك جائز (٣) .

ج - الاستحسانات والوجوه العقلية المستدلُّ بها على جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله):

واستدلُّوا ببعض الوجوه والاستحسانات التي ارتأوها مناسبة لمرادهم، منها:

١. كان النبي (صلَّى الله عليه وآله) يستشير أصحابه في الأحكام، كما مرَّ في الصلح على ثمار المدينة، أو في معركة بدر، حيث أشار اثنان منهم بترك الحرب لقوَّة قريش وعزّتها، وأشار المقداد بالتسليم المطلق لِما يريد الله عزَّ وجلَّ.

____________________

(١) نيل الأوطار ٢:٩.

(٢) نيل الأوطار ٤٢:٢.

(٣) أصول السرخسي ٢: ٩٤.


قال السرخسي: (ولا معنى لقول مَن يقول: إنّه إنّما كان يستشيرهم في الأحكام لتطييب نفوسهـم؛ وهذا لأنّ فيما كان الوحي فيه ظاهراً معلوماً ما كان يستشيرهم، وفيما كان يستشيرهم الحال لا يخلو إمّا أنْ كان يعمل برأيهم أو لا يعمل، فإنْ كان لا يعمل برأيهم وكان ذلك معلوماً لهم فليس في هذه الاستشارة تطييب النفس، ولكنَّها مِن نوع الاستهزاء، وظنّ ذلك برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) محال، وإنْ كان يستشيرهم ليعمل برأيهم فلا شكّ أنّ رأيه يكون أقوى مِن رأيهم، وإذا جاز له العمل برأيهم فيما لا نصّ فيه فجواز ذلك برأيه أَولى.

ويتبيَّن بهذا أنّه إنّما كان يستشيرهم لتقريب الوجوه وتحميس الرأي , على ما كان يقول: (المشورة تلقيح العقول)، وقال: (مِن الحزم أنْ تستشير ذا رأي ثمّ تطيعه) (١) .

٢. الاستنباط بالرأي إنّما يبتني على العلم بمعاني النصوص، ولا شك أنَّ درجته في ذلك أعلى مِن درجة غيره، وقد كان يعلم بالمتشابه الذي لا يقف أحد مِن الأمَّة بعده على معناه؛ فعرفنا بهذا أنّ له مِن هذه الدرجة أعلى النهاية (٢) .

٣. إنّ الاجتهاد للنبي نوع إطلاق، والقول بمنعه عنه نوع حجْر، والثاني لا يليق بمقامه، فعلمنا أنّ الإطلاق وهو الاجتهاد جائز له.

يقول السرخسي: بعد العلم بالطريق الذي يوقف به على الحكم، المنع مِن استعمال ذلك نوع مِن الحجْر، وتجويز استعمال ذلك نوع إطلاق، وإنَّما يليق بعلوِّ درجته الإطلاق دون الحجْر (٣) .

٤. ما يعلم بطريق الوحي فهو محصور متناهٍ، وما يعلم بالاستنباط مِن معاني الوحي غيـر متنـاه، وقيل: أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط، ألا ترى أنّ مَن يكون مستنبطاً مِن الأمَّة فهو

____________________

(١) أصول السرخسي ٢: ٩٤.

(٢) نفس المصدر.

(٣) نفس المصدر.


أعلى درجة ممَّن يكون حافظاً غير مستنبط؟! فالقول بما يوجب سدَّ باب ما هو أعلى الدرجات في العلم عليه شبه المُحال (١) .

الذاهبون إلى عدم جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله):

ذهب جمع مِن علماء المسلمين ـ وهم الأشعرية وأكثر المعتزلة (٢) والمتكلمين (٣) ، فضلاً عن الشيعة الإمامية ـ إلى القول بعدم جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله) بالرأي لمعرفة الأحكام الشرعية.

وقد نُسب هذا المذهب إلى الفخر الرازي، ومحمّد بن إسماعيل البخاري، وإمام الحرمين الجوينـي (٤) .

بل حكم ابن حزم الأندلسي صاحب المذهب الظاهري في كتاب الأحكام بكفر مِن أجاز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله).

قال: (فلو أنّه (صلَّى الله عليه وآله) شرّع شيئاً لم يوحَ إليه به؛ لكان مبدّلاً للدين مِن تِلقاء نفسه، وكلُّ مَن أجاز هذا فقد كفر وخرج عن الإسلام) (٥) .

أدلَّة الذاهبين إلى عدم جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله):

وقد استدلَّ القائلون بعدم جواز اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله) ـ بعد المناقشة في أدلَّة المجيزين ـ بجملة أدلة منها:

أ. الآيات القرآنية:

١. قوله تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (٦) .

____________________

(١) أصول السرخسي ٢: ٩٤.

(٢) فواتح الرحموت ٢: ٤١٨.

(٣) وقد مرّ هذا القول عن كتاب تيسير التحرير لمحمد أمين ٤: ١٨٥.

(٤) حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية: ٩٢، عن أدوار اجتهاد للجناتي بالفارسي: ٥٨.

(٥) الإحكام في أصول الأحكام ٥: ١٢٧.

(٦) النجم ٣-٤.


٢. قوله تعالى: ( قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ) (١) .

يقول الرازي: ( ... أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ... ) ظاهره يدلُّ على أنّه لا يعمل إلاّ بالوحي , وهو يدلُّ على حكمين:

الأول: أنّ هذا النص يدلّ على أنّه (صلَّى الله عليه وآله) لم يكن يحكم مِن تلقاء نفسه في شيء مِن الأحكام، وأنّه ما كان يجتهد، بل جميع أحكامه صادرة عن وحي، ويتأكَّد هذا بقوله تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) .

الثاني: أنّ نُفاة القياس قالوا: ثبت بهذا النصّ أنّه (صلَّى الله عليه وآله) ما كان يعمل إلاّ بالوحي النازل عليه، فوجب أنْ لا يجوز لأحد مِن أمَّته أنْ يعملوا إلاّ بالوحي النازل عليه؛ لقوله تعالى: ( ... فَاتَّبِعُوهُ... ) (٢) وذلك ينفي جواز العمل بالقياس، ثمّ أكد هذا الكلام بقوله ( ... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ... ) (٣) ؛ وذلك لأنّ العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير (٤) .

٣. قوله تعالى: ( ... قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ... ) (٥) .

وتقرير الاستدلال بالآية: أنَّ اتِّباع النبي (صلَّى الله عليه وآله) الاجتهاد والرأي لأخذ الأحكام الشرعية أخذٌ لها مِن غير الوحي، وقد أمره الله بالقول: ( ... قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ... ) ، فلو أنّه (صلَّى الله عليه وآله) شرَّع شيئاً لم يوح إليه به، لكان مبدِّلاً للدين مِن تلقاء نفسه، وكل مَن أجاز هذا فقد كفر وخرج عن الإسلام، وبالله تعالى نعوذ مِن الخذلان (٦) .

____________________

(١) الأنعام ٥٠.

(٢) يريد الآية ١٥٥ مِن سورة الأنعام: ( وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .

(٣) الأنعام: ٥٠.

(٤) التفسير الكبير ١٢: ٢٣٢.

(٥) يونس: ١٥.

(٦) الإحكام ٥: ٧٠٢.


٤. قوله تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ) (١) .

تقرير الاستدلال بهذه الآية، خلاف ما قُرِّر مِن قِبل المجيزين لاجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، حيث ذهبوا إلى أنّ ما أراه الله هو الرأي والاجتهاد، فأصحاب هذا المذهب يقولون: إنّ ما أراه الله هو الوحي والذِكر.

يقول الرازي مستدّلاً بهذه الآية منتصراً لرأيه: قال المحقِّقون هذه الآية تدلُّ على أنّه عليه (الصلاة والسلام) ما كان يحكم إلاّ بالوحي والنص (٢) .

ب. الاجتهاد حسب تعريفه لا يناسب مقام النبي (صلَّى الله عليه وآله):

إنّنا لو أخذنا تعريفات الاجتهاد نجده عملية يصل مِن خلالها المجتهد للظنّ بالحكم الشرعي، كما مرَّ تعريفه في الفصل الأول.

فمثلاً أعتمد العلاّمة الحلِّي (قُدِّس سِرُّه) والحاجبي تعريف الاجتهاد بأنّه: (استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظن بحكمٍ شرعي) (٣) .

وهذا التعريف لا يتناسب مع المقام السامي للنبي ـ ألا وهو التبليغ عن الله ـ فكيف يمكن تصوّر أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) يبلّغ الأحكام الظنيّة؟!

ولو أخذنا التعريف المتطوّر الذي تبنَّته مدرسة النجف الحديثة في علم الأُصول ـ وهو أنّ الاجتهاد: (ملَكةُ تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية، أو الوظائف العملية شرعية وعقلية) (٤) ـ نجد أنّنا لا يمكن أنْ ننسب مثله للنبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، مع خلوّه مِن نسبة الظن له في الوصول للحكم الشرعي.

يقول صاحب كتاب حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية ـ الشيخ عدنان فرحان ـ: مع هذا لا يمكن أنْ ننسب هكذا اجتهاد بحدوده وقيوده المختلفة إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله)؛ وذلك لأنّ في كلِّ هذه التعريفات الاصطلاحية يفترض:

____________________

(١) النساء: ١٠٥.

(٢) التفسير الكبير ١١: ٣٣.

(٣) معالم الدين:٢٧٥.

(٤) الأصول العامة للفقه المقارن:٥٤٥.


أولاً: مجتهد له ملَكة الاجتهاد إلاَّ أنّه جاهل بالحكم الشرعي.

ولا يمكن أنْ نتصوّر ذلك في حقّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) الذي يتَّصل مباشرة بالوحي ويأخذ مِن هذا المصدر مباشرة.

فليس حال النبي (صلَّى الله عليه وآله) حال المجتهد الذي يسعى في سبيل تحصيل المعرفة بحكم ما بواسطة الاجتهاد.

يقول العلاّمة الحلِّي (قُدِّس سِرُّه): (فالاجتهاد إنّما يفيد الظن وهو (صلَّى الله عليه وآله) قادر على تلقّيه مِن الوحي) (١) (٢) .

ج- انتظار النبي (صلَّى الله عليه وآله) في بعض الوقائع والقضايا للوحي:

وهذا الدليل مأخوذ مِن سيرته (صلَّى الله عليه وآله)، حيث إنّه في بعض الوقائع لا يُفتي، وإنّما يبقى منتظراً للوحي للبتِّ في الحكم والفصل فيه، ويظهر ذلك في قضية اللعان والظهار، والتي لم يُفتِ فيها النبي (صلَّى الله عليه وآله) حتى نزل الوحي، ولو كان الاجتهاد جائزاً له لَفَعَـل، ويقول العلاّمة الحلِّي: وأنّه (صلَّى الله عليه وآله) كان يتوقّف في كثير مِن الأحكام حتى يرد الوحي، ولو ساغ له الاجتهاد لصار إليه؛ لأنّه أكثر ثواباً (٣) .

* اجتهاد الصحابة:

بعد أنْ ثبت اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله) عند بعض المسلمين، ونفاه البعض الآخر، لم يُختلف في مسألة اجتهاد الصحابة بعد زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله)، فالكلُّ يذهب إلى أنّ الاجتهاد قد وقع مِن الصحابة، ولكنْ أُختلف في بعض جزئيَّات اجتهادهم في زمن حياته (صلَّى الله عليه وآله).

اجتهاد الصحابة في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله):

قال العظيم آبادي:

____________________

(١) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: ٢٤٠.

(٢) حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية: ٩٨.

(٣) مبادئ الوصول:٢٤ مع الحاشية. وللتوسُّع يراجع كتاب حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية: ١٠٧ – ١١٧، وقد مرَّ تفصيل قول العلاَّمة تحت عنوان تعريف الاجتهاد اصطلاحاًً في صفحة ١٤ مِن هذا البحث.


وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كثير مِن الأحكام، ولم يعنِّفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أنْ يصلِّوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاّها في الطريق، وقال: لم يُرد منّا التأخير وإنّما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخّروها إلى بني قريظة فصلّوها ليلاً، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وأُولئك سلف أصحاب المعاني والقياس... (١) .

وقال الآمدي:

اتَّفقوا على جواز الاجتهاد بعد النبي (عليه السلام)، واختلفوا في جواز الاجتهاد لمَن عاصره، فذهب الأكثرون إلى جوازه عقلاً، ومنع منه الأقلّون، ثمّ اختلف القائلون بالجواز في ثلاثة أُمور:

الأول: منهم مَن جوّز ذلك للقضاة والولاة في غيبته دون حضوره، ومنهم مَن جوَّزه مطلقاً.

الثاني: أنّ منهم مَن قال بجواز ذلك مطلقاً إذا لم يوجد مِن ذلك منع، ومنهم مَن قال: لا يُكتفى في ذلك بمجرد عدم المنع، بل لا بدَّ مِن الإذن في ذلك، ومنهم مَن قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كافٍ.

الثالث: اختلفوا في وقوع التعبّد به سمعاً: فمنهم مَن قال: إنّه كان متعبِّداً به، ومنهم مَن توقّف في ذلك مطلقاً كالجبائي , ومنهم مَن توقّف في حقِّ مَن حضر، دون مَن غاب، كالقاضي عبد الجبار.

والمختار جواز ذلك مطلقاً، وأنَّ ذلك ممَّا وقع مع حضوره وغيبته ظنّاً لا قطعاً.

أمَّا الجواز العقلي، فيدلُّ عليه ما دلّلنا به على جواز ذلك في حقِّ النبي (عليه السلام)، في المسألة المتقدّمة.

وأمّا بيان الوقوع: أمّا في حضرته فيدلُّ عليه قول أبي بكر (رضي الله عنه) في حقِّ أبي قتادة ـ حيث قتل رجلاً مِن المشركين، فأخذ سلْبه غيره ـ: لا نقصد إلى أسد مِن أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلْبه.

فقال النبي (عليه السلام): (صدق وصدق في فتواه)، ولم يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد.

____________________

(١) عون المعبود ٩: ٣٧١.


وأيضاً ما روي عن النبي (عليه السلام) أنّه حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكَم بقتلهم وسبي ذراريهم بالرأي، فقال (عليه السلام): (لقد حكمتَ بحُكم الله مِن فوق سبعة أرقعة) .

وأيضاً ما روي عنه (عليه السلام) أنّه أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني أنْ يحكما بين خصمين، وقال لهما: (إنْ أصبتما، فلكما عشر حسنات، وإنْ أخطأتما، فلكما حسنة واحدة).

وأمّا في غيبته، فيدلُّ عليه قصَّة معاذ وعتاب بن أسيد، حين بعثهما قاضيين إلى اليمن.

فإنْ قيل: الموجود في عصر النبي (عليه السلام) قادر على معرفة الحكم بالنصِّ وبالرسول (عليه السلام)، والقادر على التوصّل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه الخطأ، إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ، كان قبيحاً، والقبيح لا يكون جائزاً.

وأيضاً، فإنَّ الحكم بالرأي في حضرة النبي (عليه السلام) مِن باب التعاطي والافتيات على النبي (عليه السلام)، وهو قبيح فلا يكون جائزاً، وهذا بخلاف ما بعد النبي (عليه السلام).

وأيضاً، فإنّ الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي (عليه السلام)، ولو كان الاجتهاد جائزاً لهم لم يرجعوا إليه.

وأمّا ما ذكرتموه مِن أدلَّة الوقوع فهي أخبار آحاد، لا تقوم الحجّة بها في المسائل القطعية، وبتقدير أنْ تكون حجّة، فلعلَّها خاصة بمَن وردت في حقِّه غير عامة.

والجواب عن السؤال الأول: ما مرَّ في جواز اجتهاد النبي (عليه السلام):

وعن الثاني: أنّ ذلك إذا كان بأمر رسول الله وإذنه، فيكون ذلك مِن باب امتثال أمره، لا مِن باب التعاطي والافتيات عليه.

وعن قولهم: إنَّ الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي (عليه السلام). يمكن أنْ يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، وإنْ ظهر، غير أنّ القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن أحدهما إلى الآخر، ولا يخفى أنّه إذا كان الاجتهاد طريقاً يتوصّل به إلى الحكم، فالرجوع إلى النبي (عليه السلام) أيضاً طريق آخر.

وما ذكروه مِن أنّ الأخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد، فهو كذلك، غير أنّ المدَّعى إنّما هو حصول الظنّ بذلك دون القطع.


قولهم يحتمل أنْ يكون ذلك خاصاً بمَن وردت تلك الأخبار في حقّه، قلنا: المقصود مِن الأخبار المذكورة إنّما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن النبي (عليه السلام) ممَّن عاصره، لا بيان وقوع الاجتهاد مِن كلِّ مَن عاصره (١) .

اجتهاد الصحابة بعد زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله):

كان بعض الصحابة إذا عرضت لهم مسألة حاولوا أنْ يجدوا حلّها مِن الكتاب أو السنّة، فإنْ وجدوا حلّها فيها وإلاَّ كانوا يعملون بما وصل إليه رأيهم في المسألة ـ وإنْ كان هناك مَن يتوقّف مِن الإفتاء بالرأي ـ كما تدلُّ على ذلك نصوص كثيرة، ففي حديث ميمون بن مهران:

(كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإنْ وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإنْ لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في ذلك الأمر سُنّة قضى بها، فإنْ أعياه خرج فسأل المسلمين، فقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قضى في ذلك بقضاء؟ فربَّما اجتمع إليه النفر كلُّهم يذكر عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فيه قضايا، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا مَن يحفظ علينا علم نبيِّنا، فإنْ أعياه أنْ يجد فيه سنّة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به) (٢) .

أمّا إذا تعارض الكتاب الكريم مع ما سُمع مِن النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، فربَّما قدَّم ما سمع عنه (صلَّى الله عليه وآله) وإنْ كان برواية واحدة، إذا كانت المصلحة في الأخذ بها، كما منع أبو بكر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مِن إرث أبيها الرسول (صلَّى الله عليه وآله) برواية أوس بن الحدثان: (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث، ما تركناه صدقة)، ودُفعت دعوتها بفدك نحلة - لأسباب ليس مجالها هنا - وإرثاً استناداً على هذه الرواية، مع تعارضها مع صريح القرآن الكريم: ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) (٣) . وأيضاً قوله تعالى: ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) (٤) .

____________________

(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤: ١٧٥- ١٧٦.

(٢) الإنصاف في بيان سبب الاختلاف نقلاً عنه دائرة المعارف لفريد وجدي: ٣: ٢١٢.

(٣) النمل: ١٦.

(٤) مريم: ٦.


وفي تعاليم عُمر لشريح كما يؤثَر عنه: (فإنْ جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنّة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ولم يتكلَّم فيه أحد قبلك، فاختر أيَّ الأمرين شئت، وإنْ شئت أنْ تجتهد برأيك لتقدم فتقدَّم، وإنْ شئت أنْ تتأخَّر فتأخَّر، ولا أرى التأخُّر إلاّ خيراً لك) (١) .

وعن ابن مسعود أنّه قال: (مَن عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإنْ لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيُّه (صلَّى الله عليه وآله)، فإنْ جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقضِ فيه نبيّه ولم يقضِ به الصالحون فليجتهد برأيه، فإنْ لم يُحسن فليقم ولا يستحي) (٢) .

هذا، وكان في الصحابة مَن يُفتي في المسألة بالرأي مع وجود النصّ الصريح فيها، وإليك بعض النماذج مِن فتاواهم مخالفة للنصِّ.

اجتهاد الصحابة مُقابل النصّ:

ومعنى الاجتهاد مقابل النصّ هو: إعمال الرأي في التماس الحكم الشرعي، مع إغفال النصّ القائم على خلافه (٣) .

وكثيراً ما نجد بعض الصحابة استعملوا هذا النوع مِن الاجتهاد المذموم، ونذكر منها:

١ـ قام أبو بكر بإحراق الفجاءة السلمي بالنار، وهو رجل طلب مِن أبي بكر أنْ يُعينه بالظَهر والسلاح لقتال أهل الردَّة، فاستجاب له، فإذا به يستعرض المسلم وغير المسلم ويقتل كلَّ مَن خالفـه، فبعث إليه أبو بكر ببعث وأسره، فأمر به أنْ يُلقى في النار مقموطاً (مقيّد اليدَين والرجْلين) فرُمي فيها واحترق (٤) ، وهذا الفعل مخالف لصريح القرآن الكريم الناصّ على جزاء المفسد: ( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٥) .

____________________

(١) الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، نقلاً عنه دائرة المعارف لفريد وجدي ٣: ٢١٢.

(٢) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: ١٧٧، كما عن مقدّمة النصّ والاجتهاد.

(٣) مقدّمة كتاب النصّ والاجتهاد للسيد شرف الدين، بقلم السيد محمد تقي الحكيم: ١٤.

(٤) راجع للتفصيل تاريخ الطبري ٢: ٤٩٢-٤٩٣.

(٥) المائدة: ٣٣.


وصرّح النبي (صلَّى الله عليه وآله) في كثير مِن الروايات أنّه: (لا يُعذِّب بالنار إلاَّ ربُّ النار) (١) .

٢ ـ أقدم عمر بن الخطاب على منع الخُمس ـ الذي أوجبه الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم ـ عن أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، بينما كان يُعطي عائشة وحفصة عشرة آلاف درهم كلّ سنة (٢) .

٣ ـ أخرج الشيخان في صحيحيهما عن نافع عن ابن عمر ـ واللفظ لمسلم ـ قال: صلَّى رسول الله بمِنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً مِن خلافته. ثمّ إنّ عثمان صلّى بعدُ أربعاً... (٣) .

٤ ـ قتل خالدُ بن الوليد عاملَ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) على صدقات قومه مالكَ بن نويرة اليربوعي التميمي , وبات مُعرساً بزوجته في نفس الليلة، فما عمل بآيات القرآن التي شدَّدت النكير على قتل المؤمن، ولا عمل بصريح آياته التي تحرِّم نكاح المعتدَّة عن موت زوجها، واعتذر عنه أبو بكر: (ما كنت أرجمه، فإنّه تأوّل فأخطأ) (٤) .

تطوُّر مصطلح الاجتهاد:

مرَّ مصطلح الاجتهاد بعدّة مراحل، ولم يكن يعبّر عمّا يدلّ عليه الآن مِن معنى، فقد استعمل في بداية عصر الإسلام والعصر الذي تلاه في التعبير عن معناه اللغوي وهو (بذْل الجهد في طلب الأمر):

يروي النسائي في سُننه أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال: (صلّوا عليَّ واجتهدوا في الدعاء) (٥) .

ويُروى أنّه (صلَّى الله عليه وآله) قال: (فضل العالم على المجتهد مئة درجة) (٦) ، والمراد بالمجتهد هنا المجتهد بالعبادة.

وقد ذكرنا نماذج منها في أوّل هذا الفصل، تحت عنوان النصوص المشتملة على مصطلح الاجتهاد.

____________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ٣: ٤٩٤.

(٢) راجع شرح نهج البلاغة ١٢: ٢١٠.

(٣) صحيح البخاري ٢: ١٥٤، مسند أحمد ٢: ١٤٨، صحيح مسلم ١: ٢٦٠ سنن البيهقي ٣: ١٢٦، الغدير ٨: ٩٨.

(٤) كنز العمال ٥: ٦١٩، الإصابة ٥: ٥٦١، أُسد الغابة ٤: ٢٩٥. ومَن أراد فليراجع مجمل قصة قتل خالد لمالك في كتاب النصّ والاجتهاد، للسيد عبد الحسين شرف الدين (قُدِّس سِرُّه).

(٥) سنن النسائي ١: ١٩٠.

(٦) مقدّمة سنن الدارمي ١: ١٠٠.


ورُويت بعض الأحاديث، استُعمل فيها لفظ الاجتهاد للدلالة على بذل الجهد في تحصيل الحكم الشرعي بالخصوص، وادُّعي أنَّها تدلُّ على أمر النبي (صلَّى الله عليه وآله) بالاجتهاد الذي يرادف القياس ومعرفة الحكم الشرعي باستعمال الرأي:

‌أ. أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عندما أراد أنْ يبعث معاذاً إلى اليمن، قال: (كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟). قال: أقضي بكتاب الله. قال: (فإنْ لم تجد في كتاب الله؟). قال: فبسنّة رسول الله. قال: (فإنْ لم تجد في سنّة رسول الله ولا في كتاب الله؟). قال: اجتهد برأيي ولا ألوِ، فضرب رسول الله صدره، وقال: (الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله) (١) .

‌ب. ينقل عمرو بن العاص: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). فقال (صلَّى الله عليه وآله) لي: يا عمرو، اقض بينهما. فقلت: أنت أولى بذلك منِّي يا نبيَّ الله. قال: وإن كان، قلت على ماذا أقضي؟ قال: إنْ أصبت القضاء فيهما فلَكَ عشر حسنات، وإنْ اجتهدت فأخطأت فلكَ حسنة (٢) .

‌ج. أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال لعقبة بن عامر ولرجل مِن الصحابة: اجتهدا، فإنْ أصبتما فلكما عشر حسنات، وإنْ أخطأتما فلكما حسنة (٣) .

والناظر المتأمّل في هذه الأحاديث ـ بغضِّ النظر عن محاكمتها مِن حيث الصحَّة والضعف ـ يجد أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) يأمر بالاجتهاد، وهو بذل الجهد في طلب الحكم الشرعي، وليس فيها ما يدلّ على استعمال الرأي بعيداً عن الكتاب والسنّة عدا حديث معاذ.

وإنّما استُخدمت لفظة الاجتهاد في زمن متأخِّر عن زمن الصحابة والتابعين؛ للاعتذار عن مخالفة بعضهم للحكم الشرعي الصادر عن مصدر التشريع.

وكانت لفظة التأويل هي المستعملة في هذا المجال، فقد مرّ: أنّ خالد بن الوليد قتل عامل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) على صدقات قومه، مالك بن نويرة اليربوعي التميمي , وبات مُعرساً بزوجته في نفس الليلة،

____________________

(١) مسند أحمد ٥: ٢٣٠.

(٢) الإحكام ٦: ٧٦٦.

(٣) نفس المصدر.


وعندما يعتذر خالد عند أبي بكر عن قتله لرجل مسلم، وأخذ زوجته بأنّه تأوّل وأخطأ يقبل منه تأوّلـه، حيث يردّ على عمر بن الخطاب الذي يُشير على الخليفة بإقامة الحدِّ على خالد، حيث يقول له: (إنَّ خالداً زنى فارجمه)، فيردّه الخليفة قائلاً (ما كنت أرجمه، فإنّه تأوّل فأخطأ) (١) .

وعندما يروي عروة بن الزبير للزهري عن عائشة: (أنّ الصلاة أوّل ما فُرضت ركعتين، فأُقرَّت الصلاة في السفر وأُتمَّت صلاة الحضر)، يسأله الزهري: ما بال عائشة تتمُّ في السفر؟ قال: إنَّها تأوّلت كما تأوّل عثمان.

ففي هذه العصور كان التعبير عن هذه المخالفة للأحكام الشرعية، والعمل بالرأي الشخصي المخالف للنصِّ الصادر عن الشارع بلفظة التأويل، وفيما بعد تحوّل العلماء للاعتذار عن هذه المخالفات بلفظة الاجتهاد.

فهذا ابن حزم المتوفّى ٤٥٦ هـ يصف قتل أبي الغادية لعمار بن ياسر (رضي الله عنه) صاحب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالاجتهاد، حيث يقول: فأبو الغادية (رضي الله عنه) متأوّل مجتهد مخطئ باغٍ عليه (على عمّار) مأجور أجراً واحداً... (٢) .

وقال ابن حجر المتوفّى ٨٥٢ هـ في الإصابة: والظن بالصحابة في كلِّ تلك الحروب أنّهم كانوا فيها متأوّلين، وللمجتهد المخطئ أجر... (٣) .

وقد اعتذر القوشجي في (شرح التجريد) عن الخليفة أبي بكر، فقال: (إحراقه الفجاءة بالنار مِن غلطة في اجتهاده، فكم مثله للمجتهدين).

واعتذر ابن أبي الحديد الشافعي المعتزلي عن منع الخليفة عُمر الخمس ـ الذي أوجبه الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم ـ عن أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، بينما كان يُعطي عائشة وحفصة عشرة آلاف

____________________

(١) انظر كنز العمال ٥: ٦١٩، الإصابة ٥: ٥٦١، أُسد الغابة ٤: ٢٩٥.

(٢) الفصل لابن حزم ٤: ١٦١.

(٣) الإصابة ٧: ٢٧٠.


واستمـرَّ هـذا الاصطلاح في كلمـة الاجتهاد بعـد ذلك أيضاً، فالشيخ الطوسي الذي تـوفِّي في أوسـاط القـرن الخـامس يكتب في كتـاب (العـدَّة) قائلاً: (أمّا القياس والاجتهاد فعندنا أنّهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشـريعـة استعمالهما).

وفي أواخـر القـرن السادس يستعـرض ابن إدريس في مسألـة تعـارض البيِّنتين مِن كتابه (السرائر) عدداً مِن المرجِّحات لأحدى البيِّنتين على الأُخرى، ثمّ يعقِّب ذلك قائلاً: (ولا ترجيح بغير ذلك عنـد أصحابنا، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عنـدنا).

وهكـذا تـدلُّ هـذه النصـوص بتعاقبها التاريخي المتتابـع، على أنّ كلمـة الاجتهاد كانت تعبيراً عن ذلك المبـدأ الفقهي المتقـدّم إلى أوائل القـرن السابع، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمـة لـوناً مقيتاً وطابعاً مِن الكـراهيـة والاشمئـزاز في الذهنية الفقهية الإمامية، نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانـه.

ولكنَّ كلمـة الاجتهاد تطوّرت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا، ولا يـوجـد لـدينا الآن نصٌّ شيعي يعكس هذا التطوّر أقدم تاريخاً مِن كتاب المعارج للمحقِّق الحلِّي المتوفَّى سنّة ٦٧٦؛ إذ كتب المحقِّق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول: (وهو في عـرف الفقهاء: بـذل الجهـد في استخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخـراج الأحكام مِن أدلَّـة الشـرع اجتهاداً؛ لأنّها تبتني على اعتبارات نظريـة ليست مستفادة مِن ظـواهـر النصـوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياساً أم غيره؛ فيكون القياس على هذا التقريـر أحـد أقسام الاجتهاد. فإنْ قيل: يلزم ـ على هذا ـ أنْ يكون الإمامية مِن أهل الاجتهاد، قلنا: الأمـر كـذلك، لكنْ فيـه إيهام مِن حيث إنّ القياس مِن جملـة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنَّا مِن أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطـرق النظـريـة التي ليس أحدها القياس).

ويلاحظ على هذا النصّ بـوضـوح، أنَّ كلمـة الاجتهاد كانت لا تـزال في الذهنية الإمامية مُثْقلـة بتبعـة المصطلح الأول؛ ولهـذا يُلمِّح النصّ إلى أنّ هناك مَن يتحرَّج مِن هذا الـوصف، ويثقل عليـه أنْ يسمِّي فقهاء الإماميـة مجتهـدين.


ولكنَّ المحقِّق الحلِّي لم يتحرَّج عن اسم الاجتهاد، بعد أنْ طوَّره أو تطوّر في عرف الفقهاء تطويـراً يتَّفق مع مناهج الاستنباط في الفقـه الإمامي؛ إذ بينما كان الاجتهاد مصـدراً للفقيـه يصـدر عنه، ودليلاً يستدلُّ به كما يصدر عن آية أو رواية، أصبح في المصطلح الجـديـد يعبـِّر عن (الجهد الذي يبذله الفقيه في استخـراج الحكم الشرعي مِن أدلَّتـه ومصادره)، فلم يعـد مصـدراً مِن مصادر الاستنباط، بلْ هـو عمليـة استنباط الحكم مِن مصادره التي يُمارسها الفقيه.

والفرق بين المعنيين جوهـري للغايـة؛ إذ كان للفقيـه على أساس المصطلح الأول للاجتهاد أنْ يستنبط مِن تفكيره الشخصي وذوقه الخاص، في حالة عدم توفُّـر النصِّ، فإذا قيل له: ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا؟ استدلَّ بالاجتهاد وقال: الـدليل هـو اجتهادي وتفكيري الخاص. وأمّا المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أنْ يبـرِّر أيَّ حكم مِن الأحكام بالاجتهاد؛ لأنّ الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصـدراً للحكم، بـلْ هـو عمليـة استنباط الأحكام مِن مصادرها، فإذا قال الفقيه: (هـذا اجتهادي) كان معناه أنّ هـذا هو ما استنبطه مِن المصادر والأدلَّة، فمِن حقِّنا أنْ نسألـه ونطلب منـه أنْ يُـدلَّنا على تلك المصادر والأدلَّة التي استنبط الحكم منها...

على هذا الضوء يمكننا أنْ نفسِّر موقف جماعة مِن المحدِّثين عارضوا الاجتهاد، وبالتالي شجبوا علم الأُصول، فإنّ هؤلاء استفـزَّتهم كلمة الاجتهاد ـ لما تحمل مِن تـراث المصطلح الأول الذي شنَّ أهلُ البيت (عليهم السلام) حملة شديدة عليـه ـ فحـرّمـوا الاجتهاد الذي حمل المجتهـدون مِن فقهائنا رايتـه، واستدلُّوا على ذلك بموقف الأئمة (عليهم السلام) ومدرستهم الفقهيـة ضـدَّ الاجتهاد، وهم لا يعلمون أنَّ ذلك المـوقف كان ضـدَّ المعنى الأول للاجتهاد، والفقهاء مِن الأصحاب قالوا بالمعنى الثاني للكلمة (١) .

____________________

(١) المعالم الجديدة للأصول: ٣٨ فما بعدها.


الاجتهاد في عصر الأئمة:

لا شكَّ في أنّ الاجتهاد في عصر الأئمة (عليهم السلام) لم يظهر بالشكل الذي ظهر به بعد زمن الغيبة للإمام الثاني عشر عجل الله فرجه، حيث لم يبرح فقهاء عصر الأئمة (عليهم السلام) يعيشون عصر النصّ الشرعي، وإمكان الرجوع لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأخذ الحكم منهـم، ولكنْ في بعض الأحيان ـ وبحثٍّ وتشجيع مِن الأئمة (عليهم السلام)؛ لأجل تعليم شيعتهم وتدريبهم على الاجتهاد ـ نرى محاولات مِن قِبل الأئمة (عليهم السلام) للتعليم والتدريب، ومحاولات للتفريع على الأُصول مِن قِبل أصحابهم.

إرساء الأئمة قواعد الاجتهاد:

حثَّ أهل البيت (عليهم السلام) أصحابهم على التفكُّر في أمر الدين، والوصول إلى الحكم الشرعي عن طريق بعض القواعد الكلية التي تؤخذ عنهم (عليهم السلام).

فها هو الإمام الصادق (عليه السلام) يقول لأصحابه: (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنـا، إنَّ الكلمة لتُصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب) (١) .

وطالما صرَّحوا لأصحابهم: (إنّما علينا إلقاء الأُصول، وعليكم التفريع) (٢) .

واستثاروا هِمَم الأصحاب للتأمّل والتدبُّر والفكر العميق في فَهم كلامهم صلوات الله عليهم، بقولهم: (إنّ في أخبارنا مُحكماً كمُحكم القرآن، ومُتشابهاً كمُتشابه القرآن، فردُّوا مُتشابهها إلى مُحكمها، ولا تتَّبعوا مُتشابهها دون مُحكمها فتضلّوا) (٣) .

فنجد الإمام أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عندما يجد كفاءة الإفتاء عند أحد مِن أصحابه، يأمره بالتصدِّي لذلك، فيقول مثلاً لأبان بن تغلب: (اجلس في المسجد وافْتِ الناس؛ فإنِّـي أُحبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلك) (٤) .

____________________

(١) الوسائل: ج١٨، الباب ٩ مِن أبواب صفات القاضي , الحديث ٦.

(٢) الوسائل: ج١٨، الباب ٦ مِن أبواب صفات القاضي , الحديث ٥٢.

(٣) الوسائل: ج١٨، الباب ٩ مِن أبواب صفات القاضي , الحديث ٢٢.

(٤) النجاشي ١: ٧٣، في ترجمة أبان بن تغلب.


ويحرص الأئمة (عليهم السلام) على شرح وتبيان كيفيَّة استلال الحكم وتصيُّده مِن النصوص لشيعتهم وحملة علومهم، فهذا زُرارة بن أعين، حينما يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن مقدار المسح الواجب على الرأس عند الوضوء، فقال له: ألا تخبرني مِن أين علمت؟ وقلت: إنَّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجْلين؟ فضحك، وقال: (يا زُرارة، قاله رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ونزل به الكتاب عن الله عزّ وجلّ، قال: ( ... فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ... ) فعرفنا أنّ الوجه كلَّه ينبغي أنْ يُغسل، ثمَّ قال: ( ... وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ... ) فوصل اليدين إلى المرافق بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أنْ يُغسلا إلى المرفقين، ثمَّ فصل بين الكلام، فقال: ( ... وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ... ) فعرفنا حين قال: برؤوسكم أنَّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمَّ وصل الرجْلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: ( ... وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ... ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنَّ المسح على بعضها، ثمَّ فسَّر ذلك رسول الله، فضيَّعوه) (١) .

وروي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب فقال: (يا أيُّها الناس، إنّ آدم لم يلِد عبداً ولا أمَة، وإنّ الناس كلُّهم أحرار، ولكنَّ الله خوَّل بعضكم بعضاً، فمَن كان له بلاء فصبر في الخير، فلا يمُنَّ به على الله عزّ وجلّ، ألا وقد حضر شيء ونحن مسوُّون فيه بين الأسود والأحمر) ، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما! قال: فأعطى كلَّ واحد ثلاثة دنانير، وأعطى رجلاً مِن الأنصار ثلاثة دنانير، وجاء بعدُ غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين، هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلني وإيَّاه سواءً؟! فقال (عليه السلام): (إنّي نظرت في كتاب الله، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً) (٢) .

فقد بيَّن أمير المؤمنين (عليه السلام) سبب مخالفته لمَن سبقه في تقسيم الأموال بالتمايز، وأنَّ الجدير بالمُعترض أنْ ينظر في كتاب الله تعالى، ويتدبَّر ليرى أنْ لا دليل على التفاضل بالعطاء بين المسلمين مِن بيت المال.

وحين يسأل عبد الأعلى ـ مولى آل سام ـ الإمام الصادق (عليه السلام) عن كيفية المسح على الظفر الذي أصابه الجرح وجعل عليه جبيرة، يُتحفه الإمام (عليه السلام) بقاعدة كلّية، يمكن استعمالها لمعرفة الحكم

____________________

(١) الوسائل: ج١، الباب ٢٣ مِن أبواب الوضوء، الحديث ١. والآية ٦ مِن سورة المائدة.

(٢) الكافي ٨:٦٩.


درهم كلَّ سنّة ـ كما مرّ ـ بقوله: (إنّ بيت المال إنّما يراد لوضع الأموال في حقوقها، ثمّ الاجتهاد، وإلى المتولّي للأمر الاجتهاد في الكثرة والقلّة، فأمّا أمر الخُمس فمِن بـاب الاجتهـاد) (١) .

واعتذر القوشجي عن هذه الأمور وعن غيرها أيضاً بنفس العذر، حيث قال: (وأُجيب عن الوجوه الأربعة، بأنّ ذلك ليس ممّا يوجب قدحاً فيه، فإنّه مِن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية) (٢) .

ومقصوده: أنّ المجتهد عُمَر خالف المجتهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في هذه الأحكام، فهي مِن مخالفة مجتهد لمجتهد، ولا قدح فيها على الخليفة! وما أدراك ربَّما يكون عمَر المصيب فيؤجَر عشراً، فلا إشكال في البَين ما دام كلٌّ منهما مجتهد!!!

ويظهر مِن تتبُّع الأجوبة التي أجاب بها علماء العامة عن سيل الأخطاء التي أرتكبها الصحابة، والتي تنافي وتعارض قول النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وليس لها مستند شرعي، أنّهم بإثباتهم لاجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله) والصحابة يسهل عليهم تبرير هذه الأخطاء حيث:

١ـ حرصوا على إثبات جواز اجتهاد الصحابة بالرأي، وكونه أمراً مستساغاً حظي بمباركة النبي (صلَّى الله عليه وآله)، بل حثّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) أصحابه على ممارسته، فهو ممارسة يومية نابعة مِن صميم الحاجة للصحابة، وليس أمراً ممنوعاً؛ لِيُلام الصحابي عندما يرتكب الخطأ.

٢ ـ عندما يثبت أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان يجتهد برأيه، حينها يمكن لأيِّ أحد يَدَّعي الاجتهاد أو يُدّعى له الاجتهاد أنْ يخالف رأي النبي (صلَّى الله عليه وآله)، حاله حال أيِّ مجتهد يخالف آخر في مسائل توصَّل إليها باجتهاده ورأيه.

وبهذا يرتفع كلُّ إشكال يمكن أنْ يرد على نظرية عدالة الصحابة، التي أُريد إثباتها بكلِّ صورة، اللهمَّ، إلاّ ما وقع مِن فعل لا يحتمل الاجتهاد مثل شهادة أبي بكرة صاحب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأصحابه الثلاثة على المغيرة بن شعبة بالزنا، فمِن أين لهم القول بالاجتهاد في مثل هذا المورد؟! إلاّ أنْ يقال: إنَّ

____________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٢: ٢١٠.

(٢) شرح التجريد: ٤٠٨.


النبي (صلَّى الله عليه وآله) حرّم الزنا ـ والعياذ بالله ـ باجتهاد رأيه، وليس بنصٍّ مِن الله، فيجوز حينئذ للمغيرة أنْ يخالف التحريم؛ لأنّه مجتهد وله أجر على عمله (١) .

ثمّ فُتح الباب على مصراعيه لهذه الكلمة؛ لتأخذ معنى التوصّل للحكم الشرعي مِن خلال الرأي والقياس، حتى أنّ الشافعي رادف بينها وبين كلمة القياس ـ كما ذكرنا سابقاً رأيه في كلمة الاجتهاد عند ذكرنا المفهوم الخاص للاجتهاد ـ حيث يقول: إنّهما: (اسمان لمعنى واحد) (٢) .

ولأنّ الوصول للأحكام عن طريق القياس مذموم، وليس بحجّة، وورد الكثير مِن الروايات المشدِّدة على تركه، وقد استعملت كلمة الاجتهاد مرادفة للقياس كما عرفنا، تكوَّنت حالة نفرة مِن كلمة الاجتهاد عند فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ومع أنّ الاجتهاد له مفهوم عام ليس له علاقة خاصة بالقياس.

وهو: (ملَكة تحصيل الحُجج على الأحكام الشرعية، أو الوظائف العملية شرعية أو عقلية) بقيت هذه الكلمة مثقلة بتبعات التعاريف السابقة، ونفر منها بعض علماء الشيعة؛ لِما ورد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) مِن ذمٍّ ونهي شديد عن القياس.

وتحوّل هذا الفهْم إلى خطٍّ ممنهج لنبذ الاجتهاد بكلّ أنواعه، ولم يتفهّم أنّ كلمة الاجتهاد أخذت تدلُّ على مفهوم غير المفهوم المنهي عنه في الروايات الشريفة، وسوف نتطرّق بعون الله لظهور الحركة الأخبارية عند الشيعة الإمامية، عند دراسة الدور الزمنـي الذي ظهرت فيه.

ويجدر أنْ نستفيد في هذا المقام ممَّا كتب السيد الشهيد محمّد باقر الصدر (رضوان الله عليه) في كتابه (المعالم الجديدة للأصول)، حيث يقول: استُعملت هذه الكلمـة ـ لأول مـرّة ـ على الصعيـد الفقهي للتعبيـر بها عن قاعـدة مِن القواعـد التي قـرَّرتها بعض مـدراس الفقـه السنّي وسارت على أساسها، وهي القاعـدة القائلة: (إنّ الفقيه إذا أراد أنْ يستنبط حكماً شرعياً، ولم يجـد نصَّاً يـدلُّ عليـه في الكتاب أو السنّة، رجع إلى الاجتهاد بـدلاً عن النصّ...).

____________________

(١) راجع قصة شهادة الصحابي أبي بكرة على المغيرة عند عمَر بالزنا في كتاب النصّ والاجتهاد للسيد شرف الدين (قُدِّس سِرُّه).

(٢) الرسالة: ٤٧٧.


وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيـرة في الفقـه السنّي , وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة، ولقي في نفس الوقت معارضة شـديـدة مِن أئمـة أهل البيت (عليهم السلام) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم.

وتتبُّع كلمة الاجتهاد يدلّ على أنّ الكلمة حملت هـذا المعنى، وكانت تستخـدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع، فالروايات المأثـورة عن أئمـة أهل البيت (عليهم السلام) تذمّ الاجتهاد، وتريد به ذلك المبـدأ الفقهي الذي يتّخـذ مِن التفكير الشخصي مصدراً مِن مصادر الحكـم، وقد دخلت الحملة ضـدَّ هـذا المبـدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمة أيضاً والرواة الذين حملوا آثارهم، وكانت الحملـة تستعمل كلمة الاجتهاد غالباً للتعبير عن ذلك المبدأ وفقاً للمصطلح الذي جاء في الـروايات.

فقد صنَّف عبد الله بن عبد الرحمان الزبيـري كتاباً أسماه: (الاستفادة في الطعـون على الأوائل والـردُّ على أصحاب الاجتهاد والقياس)، وصنّف هلال بن إبـراهيم بن أبي الفتح المدني كتاباً في الموضوع باسم كتاب: (الـردُّ على مَن ردَّ آثار الـرسـول واعتمـد على نتائـج العقـول)، وصنَّف ـ في عصر الغيبـة الصغـرى أو قـريباً منـه ـ إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتاباً في الـردِّ على عيسى بن أبان في الاجتهاد، كما نصّ على ذلك كلِّـه النجاشي صاحب الـرجال في تـرجمـة كلِّ واحـد مِن هـؤلاء.

وفي أعقـاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة...

وفي أواخـر القـرن الـرابع يجيء الشيخ المفيـد، فيسيـر على نفس الخطِّ ويهجم على الاجتهاد، وهو يعبِّر بهذه الكلمة عن ذلك المبـدأ الفقهي الآنف الـذكـر، ويكتب كتاباً في ذلك باسم: (النقض على ابن الجنيـد في اجتهاد الرأي).

ونجـد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس، إذ كتب في (الذريعـة) يـذمُّ الاجتهاد ويقـول: (إنّ الاجتهاد باطل، وإنّ الإمامية لا يجوز عنـدهم العمـل بـالظـن ولا الرأي ولا الاجتهاد)، وكتب في كتابـه الفقهي (الانتصار) ـ معـرِّضاً بـابـن الجنيـد ـ قائلاً: (إنَّما عوّل ابن الجنيد في هذه المسألـة على ضـرب مِن الرأي والاجتهاد وخطأه ظاهر)، وقال في مسألة مسح الرجْلين في فصل الطهارة مِن كتاب (الانتصار): (إنّا لا نرى الاجتهاد ولا نقول بـه).


الشرعي في هذه المسألة وأمثالها، فيقول (عليه السلام): (هذا وأشباهه يُعرف مِن كتاب الله، قال الله تعالى: ( ... مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ... ) (١) امسح على المرارة) (٢)

فنرى الإمام (عليه السلام) قد أوضح للسائل كيفية الاستنباط وردِّ الفرع إلى الأصل.

وسأل زُرارة وبكير الإمام أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فدعا بطست، إلى أنْ قال: (إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ... ) فليس له أنْ يدع شيئاً مِن وجهه إلاّ غسله، وأمر أنْ يغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أنْ يدع شيئاً مِن يديه إلى المرفقين إلاَّ غسله؛ لأنّ الله تعالى يقول: ( ... فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ... ) (٣) ) .

وعن حكم بن الحكم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول، وسُئل عن الصلاة في البْيَع والكنائس، فقال: (صلِّ فيها، قد رأيتها ما أنظفها) قلت: أيُصلَّى فيها وإنْ كانوا يصلِّون فيها؟

فقال: (نعم، أما تقرأ القرآن ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيل ) (٤) صلِّ إلى القبلة وغرّ بهم) (٥) .

وفي حديث عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إنّ الله جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء، فقال تبارك وتعالى: ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ... ) (٦) ، فنحن أصحاب الخُمس والفيء، وقد حرَّمنا على جميع الناس ما خلا شيعتنا) (٧) .

وقد أفاد الإمام (عليه السلام) أنّ اللام الواردة في قوله تعالى: ( ... وَلِذي القُربى... ) تدلُّ على أنّ التصرُّف في الخمس بيدهم، فلهم أنْ يبيحوه لمَن شاؤوا أو يحرّموه.

____________________

(١) الحج: ٧٨.

(٢) الوسائل ج١:٢٩٠، الباب ٢٣ مِن أبواب الوضوء الحديث١.

(٣) الوسائل ج١، الباب ١٥ مِن أبواب الوضوء، الحديث ٣، والآية ٦ مِن سورة المائدة.

(٤) الإسراء:٨٤.

(٥) الوسائل ج٣، الباب ١٣ مِن أبواب مكان المصلّي, الحديث ٣.

(٦) الأنفال:٤١.

(٧) الوسائل ج٦: ٣٨٥، الباب ٤ مِن أبواب الأنفال، الحديث ١٩.


وروى سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إنّ الله فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يُحمدون إلاَّ بأدائها، وهي الزكاة، بها حقنوا دماءهم، وبها سمُّوا مسلمين، ولكنَّ الله فرض في أموال الأغنياء حقوقاً غير الزكاة، فقال عزّ وجلّ: ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ... ) (١) فالحقّ المعلوم غير الزكاة، وهو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله، يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ماله) (٢) .

وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: جُعلت فداك، يدخل عليّ شهر رمضان فأصوم بعضه، فتحضرني نيّة زيارة قبر أبي عبد الله (عليه السلام)، فأزوره وأفطر ذاهباً وجائياً؟ أو أُقيم حتى أفطر وأزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟

فقال: (أقمْ حتى تُفطر) .

فقلت له: جعلت فداك، فهو أفضل.

قال: (نعم، أما تقرأ في كتاب الله ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (٣) ) (٤) .

يذكر المحقِّق السبحاني أنَّ وجه الاستدلال بالآية هو: إنَّ القرآن لم يوجب شهود الشهر، وإنّما علّق الصيام على من شَهِد اختياراً، وأمّا مَن لم يشهد ولو بالسفر، فلم يكتب عليه الصيام وإنْ كتب عليه القضاء (٥) .

هذه عدّة نماذج تدلُّ على تشجيع الأئمة (عليهم السلام) لأصحابهم على إعمال الفكر، والتدبّر في النصوص والأدلة لأخذ الحكم الشرعي.

____________________

(١) المعارج: ٢٥.

(٢) الوسائل ج٩، الباب ٧ من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث ٢.

(٣) البقرة: ١٨٥.

(٤) الوسائل ج١٠، الباب ٣ من أبواب مَن يصحّ منه الصوم، الحديث ٧.

(٥) أدوار الفقه الإمامي: ٥٢.


فتاوى بعض الأصحاب في زمن الأئمة:

ومن المناسب أنْ نذكر هنا بعض الفتاوى التي نُقلت عن بعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ولم يسندوها لأحد منهم صلوات الله عليهم، وعلى الرغم من الاطمئنان بأنَّ الأصحاب إنَّما استقوها عنهم (عليهم السلام)، ولكن بالتالي هي ليست رواية يسندها للإمام (عليه السلام)، وإنّما يمكن أن تكون استفادة استفادها من الكتاب الكريم على ضوء حديث أهل البيت (عليهم السلام)، أو من حديثهم الشريف مباشرة على ضوء قاعدة عمومية سمعها، فتدخل في هذا الباب.

فتاوى زُرارة بن أعين:

زُرارة بن أعين أحد الفقهاء العظام، ممَّن يؤخذ عنه الحلال والحرام والفُتيا والأحكام، وكفى في حقّه قول الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ زُرارة من أُمناء اللّه على حلاله وحرامه، ومن الذين ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين، ومن القوّامين بالقسط، والسابقين إلينا في الدنيا، والسابقين إلينا في الآخرة، وهو أحبُّ الناس إليّ أحياءً وأمواتاً، ولولاه لظننت أنَّ أحاديث أبي ستذهب) (١) .

قال ابن النديم: وزُرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام والتشيّع (٢) .

وقال النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدِّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً فيما يرويه (٣) .

وقد كان مرجعاً في عصره لتمييز الصحيح من الروايات عن سقيمها.

روى الكليني عن عمر بن أُذينة، أنّه قال: قلت لزُرارة: إنّ أُناساً حدَّثوني عنه ـ يعني الصادق (عليه السلام) ـ، وعن أبيه (عليه السلام) بأشياء في الفرائض، فأعرضها عليك، فما كان منها باطلاً فقل: هذا باطل. وما كان منها حقَّاً فقل: هذا حقّ. ولا تروِهِ واسكت، فحدّثته بما حدّثني به محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر في الابنة والأب، والابنة والأُم، والابنة والأبوين، فقال: (هو ـ واللّه ـ الحق) (٤) .

____________________

(١) رجال الكشّي: برقم ٤٣١.

(٢) فهرست ابن النديم: ٣٢٣.

(٣) رجال النجاشي: برقم ٤٦٣.

(٤) الكافـي ٧: ٩٥، ٩٨.


واليك بعض فتاواه:

عن جميل بن درّاج، عن زُرارة، قال: إذا ترك الرجُل أُمَّه أو أباه أو ابنه أو ابنته، فإذا ترك واحداً من الأربعة، فليس بالذي عنى الله تعالى في كتابه ( ... قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ... ) (١) ، ولا يرث مع الأُم، ولا مع الأب، ولا مع الابن، ولا مع الابنة أحد خلقه الله تعالى، غير زوج أو زوجة (٢) .

عن ابن أُذينة قال: قال زُرارة: إذا أردت أنْ تلقي العول، فإنّما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الوِلْد والإخوة من الأب، وأمّا الزوج والإخوة من الأُمّ، فإنَّهم لا ينقصون ممَّا سمَّى لهم الله شيئاً (٣) .

عن موسى بن بكر قال: قلت لزُرارة: إنّ بكيراً حدّثني عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّ الإخوة للأب والأخوات للأب والأُمّ يُزادون وينقصون؛ لأنهنَّ لا يكنَّ أكثر نصيباً من الإخوة والأخوات للأب والأُمّ لو كانوا مكانهن؛ لأنّ الله تعالى يقول: ( ... إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ... ) (٤) يقول: يرث جميع مالها إنْ لم يكن لها ولد، فأعطوا مَن سمّى الله له النصف كُملاً، وعمدوا فأعطوا الذي سمّى الله له المال كلّه أقل من النصف، والمرأة لا تكون أبداً أكثر نصيباً من رجل لو كان مكانها .

قال: فقال زُرارة: وهذا قائم عند أصحابنا لا يختلفون فيه (٥) .

فتاوى محمّد بن مسلم الثقفي:

كان محمّد بن مسلم عليه السلام مرجعاً للأحكام، وكان القضاة يرجعون إليه فيما لا يعلمون.

روى الشيخ في (التهذيب) أنّه قَدَّم إلى ابن أبي ليلى رجلٌ خصماً له فقال:

إنّ هذا باعني هذه الجارية، فلم أجد على ركبها (٦) حين كشفتها شعراً، وزعمت أنّه لم يكن لها قطُّ، فقال ابن أبي ليلى: إنّ الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتى يذهب به، فما الذي كرهت؟!

قال: أيّها

____________________

(١) النساء: ١٧٦.

(٢) الوسائل ج ١٧، باب ٧ من أبواب موجبات الإرث، الحديث ٨، كتاب الفرائض.

(٣) الوسائل ج ١٧، باب ٧ من أبواب موجبات الإرث الحديث ١، كتاب الفرائض والمواريث.

(٤) النساء: ١٧٦.

(٥) الكافي ٧: ١٠٤.

(٦) الركب: موضع العانة.


القاضي، إن كان عيباً فاقض لي به.

قال: حتى أخرج إليك، فإنّي أجد أذى في بطني. ثمّ إنّه دخل فخرج من باب آخر، فأتى محمّد بن مسلم الثقفي، فقال: أيُّ شيء تروون عن أبي جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعر، أيكون ذلك عيباً؟

فقال له محمّد بن مسلم: أمّا هذا نصّاً فلا أعرفه، ولكن حدّثني أبو جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) أنّه قال: (كلّ ما كان في أصل الخلْقة فزاد أو نقص فهو عيب) .

فقال له ابن أبي ليلى: حسبك. ثمّ رجع إلى القوم، فقضى لهم بالعيب (١) .

روى محمّد بن مسلم قال: إنّي لنائم ذات ليلة على السطح، إذ طرق الباب طارق، فقلت: مَن هذا؟ فقال: شريك، رحمك الله. فأشرفت فإذا امرأة، فقالت: لي بنت عروس ضربها الطلَق، فما زالت تطلق حتى ماتت، والولد يتحرّك في بطنها ويذهب ويجيء فما أصنع؟ فقلت: يا أمَة الله، سُئل محمّد بن عليّ بن الحسين الباقر (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال: (يُشقُّ بطن الميت، ويستخرج الولد) . يا أمَة الله، افعلي مثل ذلك، أنا يا أمَة الله رجل في ستر، مَن وجّهك، إليّ؟ قال: قالت لي: رحمك الله، جئت إلى أبي حنيفة صاحب الرأي , فقال: ما عندي في هذا شيء، ولكن عليك بمحمّد بن مسلم الثقفي؛ فإنّه يخبر، فما أفتاك به من شيء فعودي إليّ فأعلمينيه، فقلت لها: امضي بسلام.

فلمّا كان الغد خرجت إلى المسجد، وأبو حنيفة يسأل عنها أصحابه فتنحنحت، فقال: اللّهمّ اغفـر، دعنا نعيش (٢) .

____________________

(٢) التهذيب ٧:٦٥، ح٢٨٢. الكافي ٥: ٢١٥ ح١٢.

(١) رجال الكشّي ١٤٧ برقم ٦٧، ولاحظ أيضاً الكافي ٧: ٩٣.


الفصل الثالث:

المراحل التاريخية للاجتهاد في المدرسة السُنِّيّة

دَور الصحابة والتابعين.

دَور الأئمة الأربعة حتى انسداد باب الاجتهاد.

· المذهب الحنفي

· المذهب المالكي

مدرسة الرأي

مدرسة الحديث

· المذهب الشافعي

· المذهب الحنبلي

· المذاهب المنقرضة

دَور انسداد باب الاجتهاد (عصر التقليد).

دَور الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد من جديد.


المراحل التاريخية للاجتهاد في المدرسة السُنِّيّة:

يمكن تقسيم مراحل الاجتهاد في المدرسة السنِّية تقسيماً تقريبياً وحصرها في أربعة أدوار:

١ - دَور الصحابة والتابعين.

٢ - دَور الأئمة الأربعة حتى انسداد باب الاجتهاد.

٣ - دَور انسداد باب الاجتهاد (عصر التقليد).

٤ - دَور الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد من جديد.

أولاً: دَور الصحابة والتابعين .

مرّ في فصل (الاجتهاد بعد زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله)) أنّه كان بعض الصحابة إذا عرضت لهم مسألة حاولوا أن يجدوا حلّها مِن الكتاب أو السنّة، فإن وجدوا حلّها فيها. وإلاّ كانوا يعملون بما وصل إليه رأيهم في المسألة ـ وإن كان هناك من يتوقّف عن الإفتاء بالرأي ـ كما تدلُّ على ذلك نصوص كثيرة.

وذكرنا كيفية إفتاء الخليفة الأوّل إذا غاب عنه النص القرآني، وأنّه يرجع إلى ما عنده من النصوص النبوية، فإن لم يجد يخرج ليلتمس النص النبوي عند المسلمين، فيسمع من الناس أقوالاً عن النبي (صلَّى الله عليه وآله)، فيحكم على طبق أحدها، وإذا غاب النص النبوي عمل على جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (١) .

____________________

(١) راجع فصل الاجتهاد بعد عصر النبي (صلَّى الله عليه وآله) من هذا البحث ص٥٢.


ومرّ كيف أنّه عمل على طبق رواية أوس بن الحدثان، ومَنَعَ إرث السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مع صريح القرآن بتوريث سليمان ويحيى (عليهما السلام) مِن داود وزكريا (عليهما السلام) مع أنّهما أنبياء.

ومرّ تحت عنوان (اجتهاد الصحابة مقابل النص) نماذج مِن اجتهاد الصحابة بالرأي، مع وجود النص الصريح على خلاف ما حكموا به، فرأينا إحراق أبي بكر للفجاءة السلمي , ومنع عمر بن الخطاب عن أهل البيت (عليهم السلام) الخمس الذي نصّ عليه القرآن مع إتحافه زوجتَي النبي (صلَّى الله عليه وآله) بعشرة آلاف، وقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة التميمي عامل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) على صدقات قومه، ثمّ دخل بزوجته في نفس الليلة، وغيرها من الاجتهادات بالرأي مع وجود النص.

نعم كان الاجتهاد في هذا الدور يتمثّل غالباً في استنباط الحكم من الكتاب، فإن لم يوجد فيه فمن السنّة، وإن لم يوجد في السنّة فمن قول صحابي له فتوى في تلك المسألة ـ وبالطبع هذا يُتصوّر بالنسبة إلى التابعين أو صغار الصحابة ـ فإن لم يكن هناك فتوى لصحابي في المسألة، كان المفتي يرى رأيه في إعطاء جواب المسألة.

ويمكن أن نعتبر أنّ هذا الدور هو الدور الأوّل من أدوار الاجتهاد في المدرسة السنيّة.

ومن خصائص هذا الدور تدوين السنّة بأمر عمر بن عبد العزيز (١) وظهور الاختلاف بين الفقهاء في أواخر هذا الدور، الذي انتهى بانقسامهم إلى مدرستين: مدرسة الرأي , ومدرسة الحديث.

ثانياً: دَور الأئمة الأربعة، حتى انسداد باب الاجتهاد .

ويمتد هذا الدور من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع.

أهم ملامح هذا الدور:

١. اتِّساع الحضارة ونمو الحركة العلمية في الأمصار الإسلامية.

٢. ازدياد حفّاظ القرآن والعناية بأدائه.

٣. تدوين السنّة وأُصول الفقه، وظهور المصطلحات الفقهية.

____________________

(١) تاريخ التشريع الإسلامي: ١١١.


٤. ظهور المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب المنقرضة.

٥. انشقاق المدرسة إلى مدرستي الرأي والحديث، والنزاع في مادة الفقه (السنّة والإجماع والقياس وغيرها) (١) .

أدّت مجموعة من العوامل والأسباب ـ سوف نأتي بعون الله على ذكرها ـ لاستمرار العمل بأربعة من المذاهب السنِّيّة، والاقتصار عليها، وهي: المذهب الحنفي , و المالكي , والشافعي، والحنبلي , بينما انقرضت سائر المذاهب الأُخرى، ولم يكتب لها البقاء، وإليك نُبذة عن المذاهب الأربعة وأصحابها:

المذهب الحنفي:

يُنسب لمؤسّسه أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وهو كوفي يعدّ من أتباع التابعين، ولد سنّة ٨٠، ومات ببغداد سنّة ١٥٠هـ، وقد اشتغل في بداية أمره بعلم الكلام، ثمّ تحوّل إلى الفقه، وأخذ عن حمّاد بن أبي سليمان الكوفي (ت١٢٠هـ) الذي ورث الفقه من أعلام الصحابة والتابعين الذين نزلوا الكوفة مثل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (ت٤٠هـ)، وعبد الله بن مسعـود (ت٣٢هـ)، وعلقمة بن قيس (ت٦٢هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت٥٣هـ)، وإبراهيم النخعي (ت ٩٦هـ)، وعامر بن شراحيل الشعبي (ت١٠٤هـ).

يقول الكوثري: أصبحت الكوفة لا مثيل لها بعد أن اتَّخذها عليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه) عاصمة الخلافة، فكبار أصحاب عليّ وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ بها، لو دوّنت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتاباً ضخماً، وليس هذا موضع سرد لأسمائهم، وقد جمع شتات علـوم هـؤلاء، إبراهيم بن يزيد النخعي , وقد جمع أبو حنيفة علوم هؤلاء ودوّنها بعد أخذٍ وردٍّ شديدين في المسائل بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي، كيانه من أربعين فقيهاً من نبلاء تلاميذه (٢) .

____________________

(١) مقدّمة تاريخ حصر الاجتهاد، لآقا بزرك الطهراني بقلم الشيخ الأنصاري الشوشتري.

(٢) راجع مقالات الكوثري:٢٢١، ب.


روى الخطيب البغدادي عن أبي مطيع قال: قال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنيـن، فقال لي: يا أبا حنيفة، عمّن اخترت العلم؟ قال: قلت: عن حمّاد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس (١) .

وانتشر مذهب أبي حنيفة في معظم الأمصار الإسلامية، يقول ابن خلدون: وأمّا أبو حنيفة فقلّده اليوم أهل العراق، ومسلمة الهند والصين، وما وراء النهر، وبلاد العجم كلّها، لمَّا كان مذهبه أخصّ بالعراق ودار السلام، وكان تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس، فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية، وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاؤوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة (٢) .

وقد انتشر مذهبه بعدما بسط العثمانيون نفوذهم على معظم الأمصار الإسلامية، وجعلوا المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة، وأمروا القضاة أن يعملوا وفق فقهه، فصار الفقه الرائج هو الفقه الحنفي , فدخل: مصر، والشام، وتونس، والجزائر، وطرابلس، واليمن، و آسيا الوسطى.

المذهب المالكي:

ونسبته لمؤسّسه مالك بن أنس بن مالك بن أنس، ولد سنّة ٩٤هـ ـ وتوفِّي سنة١٧٩هـ.

مدرستي الرأي والحديث:

إنّ من أهم مظاهر هذا الدور: اتِّساع الشقَّة بين مدرستي الرأي والحديث، اللتين ظهرتا في أواخر الدور الأول، فتميَّزت المدرستان بكلّ وضوح ضمن المذاهب الأربعة التي سادت في هذا الدور، وتبنّى مذهب أبي حنيفة الرأي كمنهج لاستنباط الأحكام، بينما تبنّى مالك بن أنس منهج الحديث.

١ - مدرسة الرأي:

مركز هذه المدرسة الكوفة، ورائدها أبو حنيفة، وقد كان لبُعد الكوفة عن المدينة ـ مركز الحديث والسنّة ـ أثر كبير في ظهور هذه المدرسة، حيث كان الطابع العام لهذه المدرسة التشدُّد في قبول السنّة ورفض كثير منها، والاعتماد على القياس والاستحسان وأمثالهما.

____________________

(١) تاريخ بغداد: ١٣: ٣٣٤.

(٢) مقدّمة ابن خلدون: ٤٤٨.


وصار لهذه المدرسة صدى كبير يوم ذاك في العالم الإسلامي , فكان علماء المسلمين بين مؤيِّدين لها ومخالفين.

وممَّن وقف أمام هذه المدرسة وزيفها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ إنّهم كانوا يرفضون العمل بالرأي والقياس، وقد مرّ طرف من الحديث فيه إشارة لذلك، وأنَّ اصطلاح الاجتهاد بقي مثقلاً بأعباء هذه الكلمة؛ لأنّها كانت تشير للقياس المنهي عنه من قِبل أهل البيت (عليهم السلام).

وإليك مثالاً من الروايات الناهية والمشدِّدة في النكير على القياس بالرأي:

عن محمّد الصيرفي , وعن عبد الرحمن بن سالم، أنّه دخل ابن شبرمة (١) وأبو حنيفة على الصادق (عليه السلام) فقال لأبي حنيفة: (اتَّقِ الله، ولا تَقْس الدين برأيك، فإنَّ أوّل مَن قاس إبليس؛ إذ أمره الله تعالى بالسجود فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، ثمّ قال: هل تُحسن أن تقيس رأسك من جسدك؟) . قال: لا... قال: (فأنت الذي تقول: سأُنزل مثل ما أنزل الله؟) .قال: أعوذ بالله من هذا القول. قال: (إذا سُئلت فما تصنع؟) . قال: أُجيب عن الكتاب، أو السنّة، أو الاجتهاد. قال: (إذا اجتهدت من رأيك وجب على المسلمين قبوله؟) . قال: نعم. قال: (وكذلك وجب قبول ما أنزل الله تعالى، فكأنّك قلت: سأُنزل مثل ما أنزل الله تعالى) (٢) .

وعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: (عشرة من الإبل) ، قلت: قطع اثنين؟ قال: (عشرون) ، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: (ثلاثون) ، قلت: قطع أربعاً؟ قال: (عشرون) ، قلت: سبحان الله! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً ويكون عليه عشرون؟! إنَّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قال، ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: (مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، إنّ المرأة تُعاقل الرجل إلى ثلُث الديَّة، فإذا بلغت الثلُث رجعت إلى النصف. يا أبان، إنَّك أخذتني بالقياس، وإنَّ السنّة إذا قيست مُحق الدين) (٣) .

____________________

(١) بضم الشين وسكون الباء وضم الراء هو عبد الله بن شبرمة، كان من فقهاء العامة العاملين بالقياس.

(٢) بحار الأنوار ١٠: ٢١٢-٢١٤.

(٣) الوسائل ج٢٩، باب أنّ ديّة أعضاء الرجُل والمرأة سواء إلى أن يبلغ ثلُث الدية،ح١.


٢ - مدرسة الحديث:

ومن مظاهر هذه المدرسة الاعتماد على القرآن والسنّة فقط، ورفض القياس والاستحسان؛ ولذلك وقف بعض روَّاد هذه المدرسة موقفاً عنيفاً أمام مدرسة الرأي , فرفضوها رفضاً شديداً.

كان مالك بن أنس من المسارعين والدعاة إلى هذه المدرسة، فكان يهتمُّ بالحديث ولم يعمل بالقياس إلاّ قليلاً، حتى إنّه بكى حين موته وودَّ أنّه ضُرب في مقابل كلّ مسألة أفتى فيها برأيه سوطـاً! كما ذكر ذلك ابن خلّكان في تاريخه (١) . ثمّ تمَّ تشييدها بيد داود بن عليّ الظاهري ـ إمام المذهب الظاهري ـ وكان داود بن عليّ الظاهري يرى العمل بظاهر الكتاب والسنّة، ويرفض القياس رفضاً باتّاً؛ لأنَّ في عموم الكتاب والسنّة ـ بحسب رأيه ـ ما يفي بجواب كل مشكلة.

وأمَّا باقي الأئمة الأربعة ـ أي الشافعي وأحمد بن حنبل ـ فكانوا حدّاً وسطاً بين هاتين المدرستين، فالشافعي كان يعمل بالقياس بينما كان يرفض الاستحسان رفضاً باتّاً (٢) .

وبعد الصراع العنيف الذي كان بين المدرستين، كان الظهور لمدرسة الرأي (٣) .

٣. المذهب الشافعي:

وقد شيَّد معالمه محمّد بن إدريس الشافعي (المولود في سنة١٥٠ والمتوفَّى سنّة ٢٠٤هـ)، الذي تخرّج على يد مالك شيخ الحجازيين وزعيم مدرسة الحديث، كما اتَّصل بمحمّد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، وزعيم مدرسة الرأي فأخذ منهما , فصار مذهبه الفقهي حدّاً فاصلاً بين المذهبين (الحنفي والمالكي).

وقد انتشر مذهبه على يد تلامذته في كثير من الأقطار، وذكر تفصيلها ابن خلدون في (المقدّمة) وقال ما خلاصته: أمّا الشافعي، فمقلّدوه بمصر أكثر من سواها، وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشُحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم.

____________________

(١) تاريخ ابن خلّكان ٤: ١٣٧.

(٢) تاريخ التشريع الإسلامي: ١٤٨.

(٣) للتوسع انظر كتاب الاجتهاد بالرأي في مدرسة الحجاز الفقهية للدكتور حسن خليفة.


إلى أن قال: وقد انقرض فقه أهل السنّة في مصر، بظهور فقه أهل البيت، ولمّا انقرض على يد صلاح الدين رجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام، واشتهر منهم: محيي الدين النووي , وعزّ الدين بن عبد السلام، وتقيّ الدين بن دقيق العيد، ثمّ تقي الدين السُبكي, إلى أن انتهى إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد، وهو سراج الدين البلقيني , فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر، وكبير العلماء بها، بل أكبر العلماء من أهل مصر (١) .

٤. المذهب الحنبلي:

وهو منسوب إلى مؤسّسه أحمد بن محمّد بن حنبل (١٦٤ـ ٢٤١هـ) ولا شكّ أنّه يُعدُّ من كبار المحدِّثين، ومسنده الموجود دليل على توسّعه في الحديث، إنّما الكلام في أنّه هل كان جالساً على منصَّة الإفتاء؟ أو أنّه كان يتورّع عن الإفتاء إلاّ قليلاً؟.

وعلى أيِّ حال، كان الاجتهاد في هذا الدور يعتمد على الكتاب والسنّة، والقياس والاستحسان والإجماع، وقد اختلفوا في كيفية الإجماع ومدى حجّيته، فإنَّ الشافعي كان يرى أنّ الإجماع المعتبر هو إجماع جميع العلماء في البلدان كلّها، وأنكر على المالكية قولهم: إنّ المعتبر هو إجماع أهل المدينة كلّهم. وألزمهم بالمخالفات الكثيرة التي خالفوا فيها الصحابة كأبي بكر وعمر (٢) .

المذاهب المنقرضة:

وظهرت في هذا الدور أيضاً مذاهب متعدِّدة أُخرى، قد انقرضت ولم يبقَ منها إلاّ الاسم نذكرها باختصار:

١. مذهب الحسن البصري (٢٣ـ١١٠هـ) هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري , ولِد في المدينة لسنتِّين بقيتا من خلافة عمر.

____________________

(١) مقدّمة ابن خلدون: ٤١٥.

(٢) تاريخ الفقه الإسلامي: ٢٤٠، ٢٤٨ كما عن المبادئ العامة للفقه الجعفري ٢٦٥.


٢. محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٧٤ـ ١٤٨هـ) كان من أصحاب الرأي , وتولَّى القضاء بالكوفة، وأقام حاكماً ٣٣ سنّة، وليَ لبني أُميّة ثمّ لبني العباس، وكان فقيهاً مفتياً، توفِّي سنّة ١٤٨هـ.

وكان بينه وبين أبي حنيفة وحشة؛ إذ كثيراً ما يُستفتى أبو حنيفة فيما قضى فيه ابن أبي ليلى فيفتي بخلافه، فيتأثَّر لذلك ابن أبي ليلى.

٣. الأوزاعي , أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمّد الأوزاعي (٨٨ ـ١٥٧هـ)، كان أصله من سبي السند، وكان ينزل الأوزاع ـ اسم قبيلة ـ وغلب ذلك عليه.

انتشر مذهبه بالشام والأندلس، ولكنّه انقرض في القرن الرابع بعد أن تولَّى قضاء دمشق أتباع الشافعي ونشروا مذهبه، كما انقرض مذهبه من الأندلس بعد المائتين؛ بسبب تغلّب مذهب الإمام مالك، وقبره في بيروت، له كتاب: (السنن في الفقه والمسائل).

٤. سفيان الثوري (٩٧ـ١٦١هـ) وهو كوفي , وكان له مذهب فقهي , ولم يطلْ العمـل بمذهبـه، وحلّ مكانه مذهب الأوزاعي, وقد أوصى إلى عمار بن سيف في كتبه فمحاها وأحرقها، وقد أخذ بمذهبه أُناس باليمن، وآخرون من أصفهان وقوم بالموصل، وقد انقرض أهل هذا المذهب في وقت قصير، ثمّ اختفت كتبهم.

٥. ليث بن سعد الفهمي (المتوفَّى ١٧٥هـ) ولِد بقلقشندة على نحو أربعة فراسخ من الفسطاط، عالم مصر وفقيهها ورئيسها.

ارتحل إلى الحجاز، ثمّ إلى العراق حتى استقرّ في مصر، وكان له مذهب خاص في الفقه، إلاّ أنّه غلب على مذهبه مذهب الإمامين مالك والشافعي، اللّذَين تقاسما مصر بعد وفاته، وله رسالة إلى مالك بن أنس نشرها ابن قيِّم الجوزية في (إعلام الموقعين).

٦. أبو ثور إبراهيم بن خالد بن اليمان الكلبي البغدادي (المتوفَّى ٢٤٠هـ) كان ببغداد، وكان مذهبه مشتقّاً من مذهب الشافعي , فهو يعدُّ من أئمّة فقهاء الشافعية، وإن كان لا يقلِّده بلْ يخالفه متى ظهر الدليل، وقد اختار لنفسه آراء، وصار له مذهب خاص، وله أتباع، لكنّه لم يدم طويلاً.


٧. أبو سليمـان داود بن علي بن خلف الاصبهـاني (٢٠٢ـ٢٧٠هـ) المعروف بالظاهري , ولِد بالكوفة سنة ٢٠٢هـ، وكان من مقلّدي المذهب الشافعي, وأكثر الناس تعصباً له، انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، ثمّ انتحل لنفسه مذهباً خاصاً، أساسه العمل بظاهر الكتاب والسنّة، ما لم يدلَّ دليل منهما، أو من الإجماع على أنّه يراد به غير الظاهر، فإن لم يوجد نص عمل بالإجماع، ورفض القياس رفضاً باتّاً، وكان يقول: إنّ في عمومات النصوص من الكتاب والسنّة ما يفي بكلّ جواب.

له مصنّفات منها: كتاب (إبطال التقليد) وكتاب (إبطال القياس).

وقد استمرَّ مذهب داود متّبَعاً إلى منتصف القرن الخامس، ثمّ اضمحلَّ، وله آراء خالف فيها أهل السنّة، نتجت من ترك القياس والرأي والعمل بظاهر الكتاب والسنّة.

١. أبو جعفر محمّد بن جرير الطبـري (٢٢٤ـ٣١٠هـ) ولِد بآمل طبرستان، أخذ الفقه عن داود، ودرس فقه أهل العراق ومالك والشافعي , فاجتمع عنده وجوه المعرفة بالفقه، وانتحل لنفسه مذهباً خاصاً، وكان له أتباع، وقد اشتهر مذهبه في بغداد، ومن مؤلّفاته في الفقه كتاب (اختلاف الفقهاء)، والكتاب يُعرب عن إلمامه بآراء فقهاء عصره ومن قبله، وقد حفظ بذلك آراء مَن تقدّمه أو عاصره من الفقهاء.

أفل نجم مذهبه بعد منتصف القرن الخامس، وبقيت آراؤه في الكتب (١) .

ثالثاً: دَور التقليد:

وهو دور حصر الاجتهاد والدعوة إلى التقليد، ولا يمكننا تعيين بداية هذا الدور على التحديد؛ وذلك أنّ المحاولات لتحديد دائرة الاجتهاد كانت كثيرة وفي أزمنة مختلفة، فكانت هذه المحاولات في فترة بين الرابع والسابع الهجري، حتى تمَّ ذلك ـ كما عن خطط المقريزي ـ في سنّة ٦٦٥ على يد (بيبرس البندقداري) حيث ولّى مصر أربعة قضاة: شافعي، ومالكي، وحنفي، وحنبلي. فاستمرَّ ذلك حتى لم

____________________

(١) نقلنا التعريف بالمذاهب المنقرضة والسائدة عن كتاب المحقِّق السبحاني تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره.


يبقَ في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام، سوى هذه الأربعة، وعودي مَن تمذهب بغيرها (١) .

وفـيما بين القرنين الخامس والسادس لم يدَّعِ أحد الاجتهاد بمعناه الكامل، وإنّما وجد فقهاء ذوو اقتدار على الاستنباط في حدود مذاهبهم، ومن أواخر القرن السابع لم يوجد غير فقهاء ذوي فتاوى وترجيحات، وبذلك ضاقت مجالات الاجتهاد، حتى ذهب الظن ببعض الناس إلى أنّ باب الاجتهاد قد أُغلق (٢) .

وتوقّف الفقهاء في هذا الدور عن كل حركة علمية، وأعرضوا عن النظر في الكتاب والسنّة، ولبثوا يجترُّون بعض الكتب الفقهية القديمة، ولم يجدوا في شيء منها وأُغرموا بجدل لا يُجدي نفعـاً، وخلافات سطحية حول هذه الجملة أو تلك، وانكبُّوا يعلّقون على هذا الرأي أو ذاك، أو يشرحون هذا المتن أو يحشون هذا الشرح، أو يعلّقون على هذه الحاشية أو يذيِّلون هذا التعليق، وهكذا أفرغوا جهدهم في مُماحَكات لفظية، وأفنوا كثيراً من وقتهم في خصومات صاخبة لم تعد على الإسلام والمسلمين بأيّة فائدة (٣)(٤) .

الأسباب التي أدَّت إلى انسداد باب الاجتهاد:

تضافرت عوامل وأسباب عدّة أدّت إلى سدِّ باب الاجتهاد بوجه الفقهاء، وفتح باب التقليد والجمود واجترار المسائل القديمة وعدم التطوّر في البحث الفقهي , يمكن أن نستخلص أهمَّها ممّا كتب عن المرحلة التي سُدَّ باب الاجتهاد فيها:

١. الدعاية القوية التي قام بها أنصار المذاهب المتّبعة؛ فإنَّها حلّت من القلوب في السويداء، وملكت على الناس مشاعرهم، وأصبحوا يعتبرون مَن لم يأخذ بها خارجاً مُبتدعاً، وساعد على ذلك

____________________

(١) الخطط المقريزية ٢: ٣٤٤.

(٢) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي: ٧٤.

(٣) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي: ٧٤.

(٤) تاريخ حصر الاجتهاد: ٢٥-٢٦.


أنّه كان لبعض الأئمة تلاميذهم من المكانة في الهيئة الاجتماعية، والاتِّصال بالخلفاء والـوزراء، ما جعل هؤلاء يُساهمون في نشر تلك المذاهب وتأييدها بشتَّى الوسائل، والخلفاء أقدر على صرف الناس إلى المذهب الذي يميلون إليه.

فقد نصر مذهب الشافعي في بلاد المشرق محمود بن سبكتجين ونظام الملك، وقام صلاح الدين بتأييده في مصر، وكان العنصر التركي يميل إلى مذهب أبي حنيفة وينصره، وكثيراً ما قام الأمراء والوزراء والأغنياء بإنشاء مدارس، وقصروا التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معيَّنة؛ فكان ذلك سبباً في الإقبال على تلك المذاهب والانصراف عن الاجتهاد؛ محافظة على الأرزاق التي رُتّبت لهم.

سأل أبو زرعة شيخه الإمام البلقيني قائلاً: ما تقصير الشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ فسكت البلقيني , فقال أبو زرعة: فما عندي , أنَّ الامتناع من ذلك إلاَّ الوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأنّ مَن خرج عن ذلك واجتهد لم ينله شيء من ذلك، وحُرم ولاية القضاء، وامتنع الناس من إفتائه، ونُسب إليه البدعة. فتبسَّم البلقيني ووافقه على ذلك (١) .

يقول آقا بزرك الطهراني: من تلك الأمور المؤثّرة في التقدّم على سبيل الاتّفاق، كثرة الأصحاب والتلاميذ، وازدحام الأعوان، والمروّجين، ووفور الحماة والمتعصّبين، وعظمة شوكتهم، وشدّة سطوتهم، واقتدارهم على نشر المذهب.

كما أنّ نقائض هذه الأمور [ يؤثّر ] ما يُضادُّ التعالي والتقدُّم والنشر، وينتج إخماد ذكر إمام المذهب، والإعراض عنه قليلاً قليلاً، وتدرّجه في الاندراس شيئاً فشيئاً، حتى ينتهي إلى انقراض مذهبه رأساً، وإنسائه في الوجود كأن لم يكن شيئاً مذكوراً.

وقد أثّرت موجات الانقراض، بالنسبة إلى أكثر المذاهب التي حدثت في أواخر القرن الثاني وما بعده، كما أنّه أثّرت عوامل الارتقاء والانتشار، ودوام السير والبقاء إلى يومنا هذا في خصوص المذاهب الأربعة من تلك المذاهب بما نراه اليوم.

____________________

(١) تاريخ الفقه الإسلامي للسايس: ١٣٧.


وتدلُّنا صفحات التواريخ على تأثيرات تلك العوامل في البقاء، وأنّه مسبَّب عن قوَّة الأتباع والتلاميذ، وسلطة الملوك والخلفاء وغيرها (١) .

ومن أمثلة ذلك: ذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما ملخَّصه: أنّه تولَّى القاضي أبو يوسف القضاء من قِبل هارون الرشيد، بعد سنة ١٧٠ إلى أن صار قاضي القضاة، فكان لا يولِّي القضاء إلاّ مَن أراده، ولمَّا كان هو من أخصّ تلاميذ الإمام أبي حنيفة، فكان لم ينصِّب للقضاء ببلاد خراسان والعراق والشام وغيرها، إلاّ مَن كان مقلِّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبَّب نشر مذهب الحنفيّة في البلاد (٢) .

ويقول المقريزي: ثمَّ في عصر (بيبرس البندقداري) ولَّى مصر أربعة قضاة: شافعي، ومالكـي، وحنفي، وحنبلي (٣) .

وفي حدود سنة ٦٦٥ حكم الفقهاء بوجوب اتِّباع المذاهب الأربعة، وحرمة التمذهب بما عداها من سائر المذاهب.

قال المقريزي: فاستمرَّ ذلك - ولاية القضاة الأربعة - من سنة ٦٦٥ حتى لم يبقَ في مجموع أمصار الإسلام مذهب يُعرف من مذاهب الإسلام سوى هذه الأربعة، وعودي مَن تمذهب بغيرها، وأنُكر عليه، ولم يولَّ قاضٍ، ولا قبلت شهادة أحد، ما لم يكن مقلِّداً لأحد هذه المذاهب.

وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتِّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداهـا، والعمل على هذا إلى اليوم (٤) .

٢. ضعف الثقة بالقضاة؛ فقد كان القضاة ـ فيما قبل (هذا الزمن) ـ يختارون من العلماء القادرين على استنباط الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله، المشهورين بالتقوى والصلاح، والزهد والورع، فيقضون بما يتبيَّن لهم من الكتاب والسنّة وآثار السلف الصالح، وقد يسألون غيرهم من المفتين إذا لم يهتدوا

____________________

(١) تاريخ حصر الاجتهاد: ٩٨-٩٩.

(٢) تاريخ حصر الاجتهاد: ٩٩.

(٣) الخطط المقريزية ٢: ٣٤٤.

(٤) راجع الخطط المقريزية ٢: ٣٤٤.


بأنفسهم إلى الحكم، فمن ثمَّ كانت ثقة الناس بهم كاملة قويَّة، ثمّ ساءت حالتهم، وظهرت فيهم الرُّشا، وشاع الجَور، وأصبحت ولايات القضاء تُباع وتُشترى، ويفرض على متولِّيها ضرائب معيَّنة، وهذا من شأنه أن يدعو إلى ابتزاز أموال الناس بالباطل والحيف بالأحكام، فتزعزعت ثقة الناس بهم، ومالوا إلى أن يكون القضاة مقيَّدين بأحكام معروفة، حتى يسدّوا عليهم باب التلاعب بأموال الناس ودمائهم وأعراضهم، والحكم فيها وفق أطماعهم وأغراضهم، بتخيّرهم في كل حادثة من أقوال المفتين ما يصادف ويُشبع شهواتهم.

وفي ذلك الوقت كانت المذاهب قد دُوِّنت وانتشرت بالأقطار الإسلامية، فأحبَّ أهل كل قُطر أن يكون قاضيهم من أهل المذهب الذي يعتنقونه، يتّبع ذلك المذهب في قضائه ولا يحيد عنه (١) .

بلْ أصدر ولاة الأمور حكماً: بأنَّ تمذهب الرجل المسلم بغير المذاهب الأربعة من أعظم الكبائر والمنكرات، التي يجب على كلِّ قادر أن يمنعه عنه، بل هو ممّا يخرجه عن حدود الإسلام، فيُعزل عن القضاء ويردُّ شهادته.

٣. تدوين المذاهب، كان سبباً في نجاحها، وأخذ الجمهور بها، واستغنائهم عن تكلُّف البحث والتنقيب من جديد؛ إذ كان مقرِّباً لتناولها، وعاملاً قويّاً في انتشارها وبقائها، ألا ترى مذاهب أئمة الصحابة والتابعين، التي كانت نبراساً لمَن أتى بعدهم، وكان لها أجمل الآثار في التشريع الإسلامـي , كيف درست على كثرتها وعظم شأنها، ولم يبقَ لها من ذِكر إلاّ ما يُنقل أحياناً في بعض مسائل كتب الخلاف، ولم يوجد لواحد منها أتباع يلتزمونه ويقتصرون عليه، كما هو الحال في المذاهب المتداولة الآن؟ وليس ذلك إلاّ لأنّها لم تَسعد بالتدوين.

قال الشافعي (رحمه الله): كان الليث أفقه من مالك إلاَّ أنَّ أصحابه ضيَّعوه.

يريد أنّهم لم يعنوا بتدوين آرائه وبثِّها في الجمهور، كما قاموا هم أنفسهم بتدويـن آراء مالـك (٢) .

٤. تحاسد العلماء قعد بكثير منهم عن أن يظهر بمظهر المجتهد؛ مخافة أن يكيد له علمـاء وقتـه، ويرموه بالابتداع، فيتعرَّض بذلك لسخط الناس، ويُستهدف لأعظم الأخطار (٣) .

____________________

(١) تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد علي السايس: ١٣٧-١٣٩.

(٢) تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد علي السايس: ١٣٧-١٣٩.

(٣) نفس المصدر.


ويذهب السيد محمّد تقي الحكيم (قدس سره) صاحب كتاب (الأُصول العامة للفقه المقارن) إلى أنّ ما ذُكر من الأسباب ـ بعد نقل بعض الأسباب التي أثّرت في سدِّ باب الاجتهاد ـ لا ترتقي لأن تكون العلّة التامَّة للانسداد، مع كون أكثرها لا يخلو من أصالة.

فيقول: والظاهـر أنّ سياسـة تلكم العصـور كانت تخشى من العلماء ذوي الأصالة في الرأي والاستقامـة في السلـوك، وهم لا يُهـادنـون على ظلم ولا يصبـرون على مفارقـة، فأرادت قطع الطـريق على تكـوين أمثالهم بإماتـة الحـركـة الفكرية من أساسها؛ وذلك بسدّها لأهمِّ منبع من منابعها الأصلية وهو الاجتهاد (١) .

ويقول الشيخ كاشف الغطاء صاحب كتاب (أدوار الفقه وأطواره): (كان بذرة انحصارها (المذاهب) هو القادر العباسي الذي تولَّى الخلافة الإسلامية سنّة ٣٨١ هـ؛ فإنّه كان ذا سياسة وكياسة، وظهر بمظهر الصلاح والتقوى، حتى عدّه ابن الصلاح من الفقهاء الشافعية، وأخذ الفقهاء يعقدون الاجتماعات برئاسته بصفة كونه زعيماً دينياً، فيُصدرون الفتاوى بتحريم حرِّية الرأي وتكفير بعض الطوائف، كالفاطميين، ومهاجمة المعتزلة وتكفير مَن يعتنقها، وأمر أربعة من الفقهاء أن يصنّف كل واحد منهم مختصراً على مذهبه من المذاهب الأربعة، فصنّف المارودي الإقناع على مذهب الشافعي , وصنّف أبو حسين القدوري مختصراً على مذهب أبي حنيفة، وصنّف أبو محمّد عبد الوهاب مختصراً على مذهب المالكي , وصنّف آخر مختصراً على مذهب الحنبلي، وأمر الخليفة القادر العمل بها لأجل تقليل الآراء في الأحكام الشرعية.

ولا ريب أنّ هذا العمل من القادر يوجب اتّساع رقعة المذاهب الأربعة، وكثرة المتبوعية لها، وضعف باقي المذاهب السنِّيّة وقلّة متبوعيتها وندرة الدعاة لها؛ لأنّ الخلافة العباسية مهما تطوَّر الوضع بها وانحطّ نفوذها الزمنـي، فهي لم تفقد سيادتها الروحية، وبقيت تحتفظ بزعامتها الدينية عملاً وعقيدة، والخليفة العباسي، وإن فقد سُلطته الزمنية إلاّ أنّه لم يتجرَّد حتى عند رعيَّته عن كونه إماماً روحياً، وزعيماً دينياً، ومصدراً لجميع السلطات الإلهية، وأنّه الرئيس الفعلي للحكومة الدينيـة، فإذا صدر منه

____________________

(١) الأصول العامة للفقه المقارن: ٥٨٠-٥٨١.


الأمر بالعمل بتلك المذاهب الأربعة، لا ريب كان معناه إلغاء العمل بما عداها من المذاهب بحكم الزعيم الديني، ولا ريب أنّ ذلك يوجب اضمحلالها شيئاً فشيئاً حتى تتلاشى، وبالفعل أخذت باقي المذاهب بالتلاشي شيئاً فشيئاً

وفي سنة ٦٦٣هـ ـ وبعد أن امتدَّ النفوذ الديني للخليفة العباسي الحاكم بأمر الله أحمد المتقدِّم ذكره للعالم الإسلامي، حتى للحجاز بواسطة السلطان الملك الظاهر بيبرس ـ نصَّب الخليفة العباسي المذكور برعاية الملك الظاهر المذكور بالديار المصرية وبدمشق أربعة قضاة: شافعي، ومالكي، وحنفي، وحنبلي، وركّز العقيدة الأشعرية، فكان هذا العمل من الخليفة الذي يمثِّل المقام الديني مؤكِّداً لما صنعه الخليفة العباسي القادر من أمره بالعمل بالمذاهب الأربعة، فأخذ يتضائل ما تبقّى من غير المذاهب الأربعة، حتى لم يبقَ في سنة ٦٦٥ هـ في مجموع أمصار الإسلام مذهب لأهل السنّة يعرف غير هذه المذاهب الأربعة، ولا عقيدة غير عقيدة الأشعري، وعوديَ مَن تمذهب بغيرها، ولم يولَّ قاضٍ ولا تُقبل شهادة شاهدٍ، ولا يقدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد منهم، ما لم يكن مقلّداً لأحد هذه المذاهب الأربعة، خصوصاً وقد أخذ يقوى المركز الديني للخليفة المذكور، وطفق يتوسّع نفوذ السلطان الظاهر المذكور وهما يحملان الشعار بالتمسّك بالمذاهب الأربعة، فكانت النتيجة الحتمية هي حصول الإجماع والاتّفاق من علمائهم على اتِّباع المذاهب الأربعة، وعدم صحة تقليد ما عداها، والإجماع حجّة عند أهل السنّة، يوجب الفتوى بمقتضاه.

فأفتى الفقهاء منهم بوجوب اتّباع هذه المذاهب الأربعة وتحريم ما عداها، ولم تبقَ عقيدة عند أهل السنّة إلاّ عقيدة الأشعري، وأوجب ذلك عليهم أن يتّجه نشاطهم الفقهي في هذا الدور نحو تكميل المذاهب الأربعة الفقهية، من الترجيح لروايات الفتاوى المختلفة عن أئمتها الأربعة، والتخريج لعللها المسمَّى بتخريج المناط، والفتوى فيما لم يوجد فيه فتوى منهم بالقياس بواسطة تلـك العلـل) (١) .

____________________

(١) أدوار الفقه وأطواره ٢١١-٢١٥.


رابعاً: فتح باب الاجتهاد من جديد:

وهو دور الدعوة إلى انفتاح باب الاجتهاد من جديد، وفي الواقع لا ينبغي أن نجعل هذا الدور دوراً خاصاً؛ لأنّ هناك مَن كان يدعو إلى فتح باب الاجتهاد، والاعتراض على سدّه منذ القرون التي أُعلن فيها انسداد بابه حتى يومنا هذا، أمثال أبي الفتح الشهرستاني المتوفَّى سنة ٥٤٨، وأبي إسحاق الشاطبي المتوفَّى سنة ٧٩٠، والسيوطي المتوفَّى سنة ٩١١، وقد ألَّف السيوطي رسالة سمّاها (الردُّ على مَن أخلد إلى الأرض وجهل أنّ الاجتهاد في كل عصر فرض)، وقدَّم لهذه الرسالة بقوله: (إنّ الناس قد غلب عليهم الجهل، وأعماهم حبُّ العناد وأصمّهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد وعدُّوه منكراً بين العباد، ولم يشعر هؤلاء الجهلة أنّه فرض من فروض الكفايات في كل عصر، وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قُطر (١) .

وقال الشوكاني: ومَن حصر فضل الله على بعض خلْقه، وقصر فهْم هذه الشريعة على مَن تقدّم عصره، فقد تجرّأ على الله عز وجل، ثمَّ على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثمّ على عباده الذين تعبَّدهم الله بالكتاب والسنّة (٢) .

وقال أبو محمّد البغوي: وفرض الكفاية هو: أن يتعلَّم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحلَّ الفتوى والقضاء ويخرج من عداد المقلّدين، فعلى كافَّة الناس القيام بتعلّمه، غير أنّه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلُّمه عصوا جميعاً؛ لما فيه من تعطيل أحكام الشرع، قال الله تعالى: ( ... فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (٣) .

إلى غير هؤلاء من العلماء الكبار، الذين كانوا يدعون إلى فتح باب الاجتهاد، ويقفون أمام غلقـه.

واستمرَّ هذا الصمود أمام غلق باب الاجتهاد إلى القرون المتأخِّرة، حيث ظهر في العلماء من يدعو

____________________

(١) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي:٩٤.

(٢) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي:٩٤.

(٣) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي:٩٥، والآية ١٢٢ التوبة.


إلى فتح بابه من جديد، أمثال السيد جمال الدين الأسدآبادي (المشهور بالأفغاني) الذي كان يقول: ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟! وبأيِّ نصٍّ سُدَّ؟! وأيُّ إمام قال: لا يصحُّ لمَن جاء بعدي أن يجتهد ليتفقَّه في الدين ويهتدي بهدْي القرآن وصحيح الحديث، والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمن وأحكامه؟! (١) .

ومثلهما محمّد رشيد رضا حيث يقول: لا إصلاح إلاّ بدعوة، ولا دعوة إلاّ بحجَّة، ولا حجَّة مع بقاء التقليد. فإغلاق باب التقليد الأعمى وفتح باب النظر والاستدلال هو مبدأ كل إصلاح، والتقليد هو الحجاب الأعظم دون العلم والفهْم (٢) .

كان السيد جمال الدين الأفغاني (ت: ١٣١٥ هـ) ثائراً مُصلحاً، ومفكِّراً مجدّداً، وسياسيّاً شريفـاً، راعه أن يجد المسلمين متخلّفين في كلّ مجال من مجالات الحياة، وأنَّهم قد ركنوا إلى حياة الذلّ والضّعف، وأنَّ حكامهم قد استبدُّوا بهم، فثار ثورة شاملة، وجاب البلاد الإسلامية وغيرها داعياً إلى الإصلاح والتجديد، لا يهاب سلطاناً فاسداً، أو حاكماً مستبدَّاً، أو مستعمراً متسلِّطاً، فخافته الدولة والسلاطين، وبثّت وراءه العيون، ووضِعت أمامه العراقيل، غير أنَّ كلّ هذا لم يثْنه عن آماله الكبيرة، أو يؤثِّر في روحه الثائرة، ومن ثَمَّ كان له أثره في كلّ أرض حلَّ بها، كمصر وفارس والآستانة.

ومن المهمِّ هنا، الإشارة إلى أرائه في الاجتهاد والتقليد، وهي آراء تتَّسم بالعمق والغيرة الشديدة على الدين وتصحيح مفاهيمه، والثورة العارمة على أولئك الذين ارتضوا التقليد مذهباً، ودافعوا عنه وتعصبوا له.

لقد نفر جمال الدين من التقليد والجمود، وكان ينظر في آراء السابقين من المجتهدين فيردّ الضعيف منها، ويأخذ الأقرب للصواب، وما يقبله العقل الصريح، ويتَّفق مع النقل الصحيح.

ذكروا له يوماً قولاً للقاضي عياض (ت: ٥٤٤هـ) واتَّخذوه حجّة واشتدَّ تمسُّكهم به حتى أنزلوه منزلة الوحي فقال جمال الدين:

____________________

(١) المصدر السابق:٣٥٦.

(٢) المصدر السابق:٣٩٠.


(يا سبحان الله! إنَّ القاضي عياض قال ما قال على قدر ما وسعه عقله، وتناوله فهمه وناسب زمانه، فهل لا يحقّ لأحد غيره أن يقول ما هو أقرب للحقّ، وأوجه وأصحّ من قول القاضي عيـاض، أو غيره من الأئمة؟! وهل يجب الجمود والوقوف عند أقوال الناس؟! إنَّهم أنفسهم لم يقفوا عند حدِّ أقوال مَن تقدّمهم، لقد أطلقوا لعقولهم سراحها، فاستنبطوا وقالوا، وأدلوا دلوهم في الدلاء في ذلك البحر المحيط من العلم، وأتوا بما ناسب زمانهم، وتقارب مع عقول جيلهم).

ولمّا قيل له: إنَّ ذلك يعدُّ اجتهاداً، وباب الاجتهاد عند أهل السنّة مسدود، لتعذُّر شروطه. تنفَّس الصعداء وقال:

ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأيِّ نصٍّ سدَّ باب الاجتهاد؟ وأيُّ إمام قال: لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يجتهد؛ ليتفقّه في الدين، أو أن يهتدي بهدى القرآن وصحيح الحديث، أو أن يجدّ ويجتهد لتوسيع مفهومه منهما، والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية ولا ينافي جوهر النص؟

إنّ الله بعث محمّداً رسولاً بلسان قومه العربي ليُفهمهم ما يريد إفهامهم، وليفهموا منه ما يقوله لهم، ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ... ) (١) ، وقال: ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٢) ، وقال: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٣) ، فالقرآن ما أُنزل إلاّ ليُفهم، ولكي يُعمل الإنسان عقله لتدبُّر معانيه وفهم أحكامه.

فمَن كان عالماً باللسان العربي، وعاقلاً غير مجنون، وعارفاً بسيرة السلف، وما كان من طرق الإجماع من الأحكام مُطبقاً على النصّ مباشرة، أو على وجه القياس وصحيح الحديث، جاز له النظر في أحكام القرآن، وتمعُّنها والتدقيق فيها واستنباط الأحكام منها، ومن صحيح الحديث والقياس.

____________________

(١) إبراهيم: ٤.

(٢) الزخرف: ٣.

(٣) يوسف: ٢.


ولا أرتاب في أنّه لو فُسح في أجل أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، وعاشوا إلى اليوم لداموا مجدّين مجتهدين، ويستنبطون لكلّ قضية حكماً من القرآن والسنّة (١) .

وسلك طريق جمال الدين في الدعوة إلى الاجتهاد وترك التقليد تلميذه الإمام محمّد عبده (ت: ١٣٢٣ هـ) فقد قال:

وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين:

الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمَّة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأُولى، واعتباره ـ الدين ـ من ضمن موازين العقل البشري، التي وضعها الله لتردّ من شططه، وتقلّل من خلطه وخبطه. وإنَّه على ذلك الوجه يعدُّ صديقاً للعلم باعثاً على البحث في أسرار الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالباً بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.

أما الأمر الثاني: فهو إصلاح اللغة العربية (٢) .

وكان يقول أيضاً: إنّ الحياة الإنسانية للمجتمع الإنساني حياة متطوّرة، ويجد فيها من الأحداث والمعاملات اليوم ما لم تعرفه أمس هذه الجماعة، والاجتهاد هو الوسيلة المشروعة الملائمة بين أحداث الحياة المتجدِّدة وتعاليم الإسلام، ولو وقف الأمر بتعاليم الإسلام عند تفقُّه الأئمة السابقين، لسارت الحياة الإنسانية في الجماعة الإسلامية في عزلة عن التوجيه الإسلامي، وبقيت أحداث هذه الحياة في بُعد عن تجديد الإسلام إيَّاها، وهذا الوضع يُحرج المسلمين في إسلامهم (٣) .

وقد حمل الإمام محمّد عبده على التقليد والمقلِّدين؛ لأنّ التقليد وقف بالعقل الإنساني عند حدِّ معيَّن، وذلك يتنافى مع طبيعة العقل ذاته، كما يتنافى مع طبيعة الحياة وطبيعة المبادئ الإسلامية وخصائصها.

والمقلِّدون قوم عطَّلوا عقولهم، وعكفوا على كتب معيَّنة، وأخذوا باتِّجاهات فقهية خاصّة، أضفوا عليها قداسة وسلطاناً، ويقول الإمام محمّد عبده عن هؤلاء المقلّدين:

____________________

(١) انظر جمال الدين الأفغاني للشيخ محمود أبو ريَّة:١٨٩.

(٢) انظر زعماء الإصلاح في العصر الحديث:٣٢٧.

(٣) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي:٣٧٧.


وإذا وصل إلى أيدي هؤلاء العلماء كتاب فيه غير ما يعلمون لا يعقلون المراد منه، وإذا عقلوا منه شيئاً يردّونه ولا يقبلونه، وإذا قبلوه حرّفوه إلى ما يوافق علمهم وحزبهم، كما جرُّوا عليه في نصوص الكتاب والسنّة (١) .

لقد حارب الإمام محمّد عبده دعاة التقليد والجمود، ودعا إلى الاجتهاد، وقد خاض من أجل ذلك معارك مختلفة بعضها يتَّصل بإصلاح الأزهر وتطويره لينهض برسالته على خير وجه.

وإذا كان كلّ داعية إلى إصلاح وتغيير لا يسلم من الهجوم عليه، وتوجيه شتّى التُّهم إليه، فإنّ هؤلاء المصلحين تعرّضوا لكثير من الأذى، من قِبل دعاة الجمود وجهلة الفقهاء المقلّدين، ولكنّهم ساروا في طريقهم على الرغم من الأشواك التي وضِعت فيه، وأخذوا يجهرون بما يؤمنون به، لا تزيدهم مواقف المتحاملين إلاّ إصراراً على أداء واجبهم والنصح لأمَّتهم.

وهكذا سارت النهضة ضدَّ إغلاق باب الاجتهاد والدعوة إلى فتحه من جديد، بيد الأعلام والمفكرين من علماء السنّة (٢) ، ولكن في مقابل هذه الصيحات بقي حجاب الجمود والتقليد الأعمى يؤثّر تأثيره عند مَن لا تروق له هذه الدعوة، فانظر إلى هذه الوثيقة المهمّة والقرار التاريخي، الذي صدر عن المجمع الفقهي الإسلامي بمكَّة المكرَّمة، والذي يدعو إلى نبذ الاجتهاد تحت ذريعة أنّه دعوة من قِبل فئة تريد أن تحمل الناس على خطٍّ جديد، وتنبذ التقليد للأئمة الأربعة:

(فإنّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت (٢٤) صفر (١٤٠٨ هـ) الموافق (١٧) أكتوبر (١٩٨٧م) إلى يوم الأربعاء (٢٨) صفر (١٤٠٨ هـ) الموافق (٢١) أكتوبر (١٩٨٧م)، قد نظر في موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب المتبَّعة، وفي التعصّب الممقوت من بعض أتباع المذاهب، تعصّباً يخرج عن حدود الاعتدال، ويصل بأصحابه إلى الطعن في المذاهب الأُخرى وعلمائها.

____________________

(١) انظر الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار:١٤٦.

(٢) انظر مقدّمة تاريخ حصر الاجتهاد:٢٧-٢٩.


واستعرض المجلس المشكلات التي تقع في عقول الناشئة العصرية، وتصوّراتهم حول اختلاف المذاهب، الذي لا يعرفون مبناه ومعناه، فيوحي إليهم المضلّلون بأنّه ما دام الشرع الإسلامي واحـداً، وأصوله من القرآن العظيم والسنّة النبوية الثابتة متّحدة أيضاً، فلماذا اختلاف المذاهب؟! ولِمَ لا توحَّد حتى يصبح المسلمون أمام مذهب واحد، وفهم واحد لأحكام الشريعة؟!

كما استعرض المجلس ـ أيضاً ـ أمر العصبية المذهبية، والمشكلات التي تنشأ عنها، ولا سيّما بين أتباع بعض الاتجاهات الحديثة اليوم في عصرنا، حيث يدعو أصحابها إلى خطٍّ اجتهادي، ويطعنون في المذاهب القائمة التي تلقَّتها الأمَّة بالقبول من أقدم العصور الإسلامية، ويطعنون في أئمّتها أو بعضهم ضلالاً، ويوقعون الفتنة بين الناس.

وبعد المداولة في هذا الموضوع ووقائعه وملابساته، ونتائجه في التضليل والفتنة، قرَّر المجمع الفقهي توجيه البيان التالي إلى كلا الفريقين، المضلِّلين والمعصِّبين، تنبيهاً وتبصيراً.

أولاً: اختلاف المذاهب:

إنَّ اختلاف المذاهب الفكرية القائمة في البلاد الإسلامية نوعان:

١ ـ اختلاف في المذاهب الاعتقادية.

٢ ـ اختلاف في المذاهب الفقهية.

فأمّا الأول ـ وهو الاختلاف الاعتقادي ـ فهو في الواقع مصيبة جرَّت إلى كوارث في البلاد الإسلامية، وشقّت صفوف المسلمين وفرّقت كلمتهم، وهي ممّا يؤسف له، ويجب أن لا يكون، وأن تجتمع الأمَّة على مذهب أهل السنّة والجماعة، الذي يمثَّل الفكر الإسلامي النقي السليم في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعهد الخلافة الراشدة، التي أعلن الرسول أنّها امتداد لسنّته بقوله: (عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ).

وأمّا الثاني ـ وهو اختلاف المذاهب الفقهية في بعض المسائل ـ فله أسباب علمية اقتضته، ولله سبحانه في ذلك حكمة بالغة، ومنها الرحمة بعباده، وتوسيع مجال استنباط الأحكام من النصوص، ثمّ هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية وتشريعية، تجعل الأمَّة الإسلامية في سعة من أمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد حصراً، لا مناص لها منه إلى غيره، بل إذا ضاق بالأمَّة مذهب أحد الأئمة


الفقهاء في وقت ما، أو في أمر ما، وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقاً ويسراً، سواء أكان ذلك في شؤون العبادة، أم في المعاملات وشؤون الأسرة والقضاء على ضوء الأدلّة الشرعيّة.

فهذا النوع من اختلاف المذاهب، وهو الاختلاف الفقهي ليس نقيصة ولا تناقضاً في ديننا، ولا يمكن أن لا يكون، فلا يوجد أمَّة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده، ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي.

فالواقع أنّ هذا الاختلاف لا يمكن أن لا يكون؛ لأنّ النصوص الأصلية كثيراً ما تحتمل أكثر من معنى واحد، كما أنّ النصّ لا يمكن أن يستوعب جميع الوقائع المحتملة؛ لأنّ النصوص محدودة، والوقائع غير محدَّدة ـ كما قال جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى ـ فلا بدّ من اللجوء إلى القياس والنظر إلى علل الأحكام، وغرض الشارع والمقاصد العامة للشريعة، وتحكيمها في الوقائع والنوازل المستجدَّة، وفي هذا تختلف فهوم العلماء، وترجيحاتهم بين الاحتمالات، فتختلف أحكامهم في الموضوع الواحد، وكلّ منهم يقصد الحقّ ويبحث عنه فمَن أصاب فله أجران، ومَن أخطأ فله أجر واحد؛ ومن هنا تنشأ السعة ويزول الحرج.

فأين النقيصة في وجود هذا الاختلاف المذهبي، الذي أوضحنا ما فيه من الخير والرحمة، وأنّه في الواقع نعمة ورحمة من الله بعباده المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى، ومزيّة جديرة بأن تتباهى بها الأمَّة الإسلامية؟!

ولكنَّ المضلّلين من الأجانب، الذين يستغلّون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم، ولا سيّما الذين يدرسون في الخارج، فيصوِّرون لهم اختلاف المذاهب الفقهية هذا كما لو كان اختلافاً اعتقادياً؛ ليوحُوا إليهم ـ ظلماً وزوراً ـ بأنّه يدلّ على تناقض الشريعة، دون أن يتنبّهوا إلى الفرْق بين النوعين وشتَّان ما بينهما.

ثانياً: وأمّا تلك الفئة الأُخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب، وتريد أن تحمل الناس على خطِّ اجتهاد جديد لها، وتطعن في المذاهب الفقهية القائمة وفي أئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية، ومزايا وجودها وأئمتها، ما يوجب عليهم أن يكفُّوا عن هذا الأسلوب البغيض، الذي ينتهجونه ويضلِّلون به الناس، ويشقّون صفوفهم، ويفرِّقون كلمتهم في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جمع


الكلمة في مواجهة التحدِّيات الخطيرة من أعداء الإسلام، بدلاً من هذه الدعوة المفرّقة التي لا حاجة إليها.

وصلَّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً، والحمـد لله ربّ العالَميـن (١) .

____________________

(١) مقدّمة في دراسة الفقه الإسلامي: ٢٠٥-٢٠٦. نقلاً عن مجلَّة منار الإسلام عدد رمضان سنة ١٤٠٩ هـ ص٨٤.


الفصل الرابع:

أدوار الاجتهاد عند الشيعة الإمامية

الدَور الأول ـ مرحلة التأسيس.

· الدَور الثاني ـ مرحلة الانطلاق.

· الدَور الثالث ـ مرحلة الاستقلال.

· الدَور الرابع ـ مرحلة الإفراط والتفريط.

· الدَور الخامس ـ مرحلة الاعتدال.

· الدَور السادس ـ مرحلة الكمال.


الدَور الأول:

يُطلق على هذا الدور (مرحلة التأسيس)، وأهمُّ مدرسة فقهية ظهرت في هذا الدور هي مدرسة قم ورَي الأُولى، ظهرت في الربُع الأول من القرن الرابع، واستمرّت إلى النصف الأول من القرن الخامس (أيَّام المرتضى والطوسي) (١) .

التحديد الزمني لهذا الدور:

تبدأ هذه المرحلة أواخر الغيبة الصغرى، وتحديداً بالشيخ الكليني محمّد بن يعقوب أو الصدوق الأول علي بن الحسين القمّي (توفِّيا٣٢٩هـ)، وتنتهي بحمزة بن عبد العزيز الديلمي، المعروف بسلاّر (ت ٤٤٨ أو ٤٦٤ هـ) (٢) .

أهمُّ ملامح الدور الأول:

١. في هذا الدور شرع الفقهاء في جمع ما صدر عن المعصومين (عليه السلام) وتصنيف المجاميع الحديثيّة والتمهيد لما نصطلح عليه بالفقه الاجتهادي , حيث انتهت فرصة الرجوع للمعصوم وأخذ الحكم عنـه، وكان الحديث في عصر الأئمة (عليه السلام) متناثراً في عدّة مساند دوَّنها الأصحاب عن الأئمة (عليه السلام)، وفي هذا الدور تمّ تدوين موسوعتين حديثيتين فقهيتين هما: (الكافي) للكليني (رحمه الله) المتوفّى (٣٢٩هـ)،

____________________

(١) عندما نذكر المدارس التي نضجت في دورٍ معيّن، ليس بالضرورة أن تتطابق بداية ظهور المدرسة ونهايتها مع بداية الفترة الزمنية التي تمَّ التقسيم على ضوئها ونهايتها، فيمكن أن تبدأ ـ مثلاً ـ في منتصف الدور وتمتدُّ إلى بدايات الدور الذي بعده، كما في هذا الدور، فلكل تقسيم خصوصياته.

(٢) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٤: ١٤٥.


و (مَن لا يحضره الفقيه) للصدوق (رحمه الله) المتوفَّى (٣٨١هـ)، وبهذا توفّرت أهمُّ أدوات الاستنباط (١) .

٢. عُرِف الفقه الإمامي بفقه النصِّ، حيث كان الاجتهاد عند الإمامية هو الاجتهاد في فهم النص وتطبيقه على موارده ومصاديقه، خلافاً لاجتهاد الرأي الذي كان يبتني على تجاوز النصوص وتجاوز دلالاتها إلى موارد لا تمتُّ إليها بصلة، إلاّ على أساس الاستحسان والقياس.

وتوسّع الفقهاء في عمليات الاستنباط، متجاوزين النصوص إلى اكتشاف موارد التطبيق، وهذه هي عمليه التفريع أو إرجاع الفروع إلى الأُصول، وذلك على أساس موازين علمية تبتني على أصول التفاهم العرفي، والأُصول العقلية المنطقية المتداولة في عملية التشريع، وعملية التبيين والتفسير.

ومن هنا نلاحظ نوعين من كتب الفقه في هذه المرحلة: كتب الفقه المأثور، وكتب فقهية أُضيفت إليها مسائل فقهية غير موجودة في نصوص الأحاديث (٢) .

٣. وقد بدأ في هذا الدور تدوين أُصول الفقه (٣) ، وفصل قواعدها الكلية الأدبية أو العقلية أو الشرعية عن المسائل والفروع الفقهية، وقد تمثَّل ذلك بتأليف كتابين مهمَّين هما (التذكرة بأصول الفقه) للشيخ المفيد (٤١٣هـ) و (الذريعة إلى أصول الشريعة) للسيد المرتضى (٤٣٦هـ) (٤) .

والحقُّ أنّ الشيخ المفيد أوّل مَن صنّف كتاباً جامعاً في أُصول الفقه، مشتملاً على جميع الأبـواب، فإنّ مَن تقدّمه من العلماء ألّفوا رسائل خاصة في بعض موضوعات علم الأُصول، ولم يصل إلينا كتاب جامع لجميع أبوابه، وكانت تأليفاتهم لا تعدو أن تكون في نطاق مسائل خاصة من علم أُصول الفقه، وقد قام المفيد بتأليف كتابه الجامع لمباحث علم الأُصول الدارجة في تلك الأزمنة (التذكرة بأُصول الفقه)،

____________________

(١) راجع مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٤٩-٥١.

(٢) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٧٧.

(٣) لا يخفى أنَّ تدوين بعض مسائل علم الأصول كان في زمن الأئمة (عليهم السلام)، وبإرشاد منهم، وقد سبق الشيعة غيرهم بذلك، بالرغم من أنّ باب الاجتهاد قد أُشرع في الأفق السنّي، والشيعة بعدُ يعيشون عصر النص بوجود أئمتهم (عليهم السلام)، ولكنَّ تدوين هذه المسائل ما كان المراد منه الاستنباط للأحكام الشرعية، كما هو عند السنّة، بلْ إنَّ اشتغال الشيعة بالمسائل الأصولية كان غرضه الدفاع عن عقائدهم الخاصة في مقابل أهل السنّة، راجع نظرة في تطوُّر علم الأصول:٣٠.

(٤) راجع مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٤٩-٥١. نظرة في تطوُّر علم الأصول:٣٩.


وقد ذكره النجاشي باسم كتاب (أُصول الفقه)، وقام تلميذه الكراجكي بتلخيصه في كتابه (كنز الفوائد)، ثمّ توالى التأليف في أُصول الفقه بعد الشيخ المفيد، فألّف تلميذه المرتضى (الذريعة) في جزءين، كما ألّف تلميذه الآخر الطوسي كتاب (العُدّة)، وألّف تلميذه الآخر سلاّر الديلمي كتاب (التقريب في أُصول الفقه) (١) .

٤. البدء بالبحث الفقهي المقارن في مسائل الخلاف مع المذاهب الأُخرى، وقد ظهر ذلك في كتابي الانتصار والناصريات للسيد المرتضى، والإعلام للشيخ المفيد (٢) .

يقول المحقِّق السبحاني: إنَّ الفقيه تارةً يستعرض آراءه الشخصية أو آراء إمام نحلته ويستدل عليها، دون أن يستعرض آراء فقهاء بقيَّة النِحَلْ، وهذا هو النمط السائد في أكثر الكتب الفقهية.

وأُخرى يستعرض آراءه الشخصية وآراء إمامه، مع ذِكر آراء فقهاء سائر النِحل وذِكر حججهم والمناقشة فيها، وهذا اللون من التأليف يتوقّف على مقدرة علمية فائقة؛ ليكون الممارس لها قادراً على عرض الآراء وترجيح بعضها على بعض.

والشيخ المفيد أوّل مَن فتح هذا الباب على مصراعيه، فألّف كتابه (الإعلام فيما اتَّفقت عليه الإمامية من الأحكام)، وجعله ذيلاً لكتاب أوائل المقالات، الذي ذكر فيه ما اتّفقت عليه الإمامية من الأُصول مع الإشارة إلى آراء المخالفين، فبالإمعان في هذين الكتابين، يقف القارئ على آراء الإمامية في الفقه والعقائد.

وقد ورث تلميذاه هذا اللون من التأليف عنه في الفقه.

____________________

(١) انظر تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره:٢٥٠-٢٥١. نظرة في تطوُّر علم الأصول:٤٠-٤١.

(٢) راجع مراحل تطوُّر الاجتهاد، منذر الحكيم/ مجلَّة فقه أهل البيت ١٤: ١٧٨-١٧٩. مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٤٩-٥١. ويظهر ذلك جليَّاً بالنظر في الكتب المذكورة.


فألّف السيد المرتضى (الانتصار) في ما انفردت به الإمامية مع ذكر آراء الآخرين، كما تبع الشيخ الطوسي أثر أُستاذه، فألّف كتاب (الخلاف) حيث ذكر فيه آراء الفقهاء الإسلاميين وناقشها، ورجّح منها المذهب المختار.

نعم، تكامل ما ابتكره الشيخ المفيد على يد تلميذه الشيخ الطوسي بتأليف كتاب (الخلاف) الذي تمتَّع بالدَّقة والعمق والأمانة في نقل الأقوال الفقهية من مصادرها الموثوقة، حتى إنَّ وفداً مصريَّاً من الجامع الأزهر زار سيدنا المحقِّق البروجردي حوالي سنّة ١٣٧٧هـ، فأهدى السيد لهم كتاب (الخلاف)، وقد أعربوا عن رأيهم وإعجابهم بالكتاب بعد مطالعته بدقَّة وإمعان، وأذعنوا بأمانة الشيخ في نقل أقوالهم والأسلوب الدقيق المتَّبع فيه (١) .

٥. عرْض الأحكام الفقهية، على شكل جوابات على مسائل واستفتاءات كانت ترد على الفقهاء من الأقطار (٢) ، كما أنَّ طابع البحث والجدل المذهبي والكلامي ظاهرة واضحة في مؤلفات هذا العصر الفقهية (٣) .

٦. ظهور مباني أصولية تحدُّ من انطلاق الاجتهاد وتمثّلت في:

‌أ- برزت ظاهرة إدانة العمل بأخبار الآحاد، بالرغم من اعتماد الفقه على الأخبار الحاكية عن السنّة بشكل واسع (٤) .

‌ب- اهتمام الفقهاء بالإجماعات واعتمادهم عليها أصبح أمراً ملفتاً للنظر (٥) .

____________________

(١) تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره: ٢٥٢.

(٢) انظر جوابات المسائل النيسابورية والمسائل التي سألها أبو جعفر الطوسي، في مؤلفات الشيخ المفيد ورسائل السيد المرتضى.

(٣) كما هو الكافي في الفقه لأبي الصلاح الحلبي، راجع مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٤٩-٥١.

(٤) انظر الذريعة إلى أصول الشريعة ٢: ٥٢٨-٥٥٤.

(٥) انظر كتاب الخلاف يظهر ذلك جليَّاً.


‌ج- اجتناب التوغُّل في الاعتماد على العقل، بالرغم من تأكيد القرآن الكريم على أهمِّية التعقُّل والاستفادة من العقل، نجد عمليات استنباط الأحكام في الفقه الشيعي لا تفسح المجال لتدخُّل العقل في التشريع (١) .

٧. تبلورت في هذا الدور ثلاثة اتجاهات فقهية، تمثّلت في الاتجاه الروائي البحت، والاتّجاه العقلي , والاتجاه الذي يحاول التأليف بينهما، ويهتم بالعقل والنقل معاً، ويقوم بتحديد المسار لكل اتّجاه من الاتجاهين ومورد الاعتماد عليه، وقد مثّل المفيد والمرتضى الاتجاه الثالث، وقد غلب هذا الاتجاه على المدرسة الفقهية الشيعية بعد المرتضى حتى يومنا هذا (٢) .

____________________

(١) انظر مراحل تطوُّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٤: ١٧٨-١٧٩. مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٤٩-٥١.

(٢) المصدر السابق.


فقهاء الدور الأول وآثارهم الفقهية:

١. الكليني محمّد بن يعقوب (ت٣٢٩هـ) (١) .

الحافظ الكبير والمحدِّث الجليل، محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي البغدادي , أبو جعفـر، يُنسب إلى بيت طيِّب الأصل في (كُلَين).

تخرَّج على يده عدَّة من أفاضل رجالات الفقه والحديث، منهم: خاله علاّن الكليني.

كان شيخ الشيعة في وقته في الري ووجههم، ثمّ سكن بغداد بباب الكوفة، وحدَّث بها سنة (٣٢٧هـ)، بعد ما طاف الشام ونزل بعلبك وحدَّث بها، كما ذكره ابن الجوزي في المنتظم، وقد أدرك زمان سفراء المهدي عجل الله فرجه، وجمع الحديث من شِرَعه وموردِه، وقد انفرد بتأليف كتاب الكافي في أيامهم، ألّفه في مدَّة قاربت العشرين سنة، وكان مجلسه مثابة أكابر العلماء الراحلين في طلب العلم، كانوا يحضرون حلقته لمذاكرته ومفاوضته والتفقُّه عليه، وقد قام بترجمته كثير من الرجاليين والمؤلّفين في التراجم (٢) .

هذا وقد تضافر الثناء على الكليني منذ عصره إلى يومنا هذا من السنّة والشيعة، وإليك بعض ما قيل فيه:

قال الشيخ الصدوق في ترجمته: الشيخ الفقيه محمّد بن يعقوب الكليني (٣) .

وقال النجاشي: شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديـث وأثبتهـم (٤) .

وقال الطوسي: ثقة عارف بالأخبار، جليل القدر (٥) .

____________________

(١) في عدِّ الكليني (رحمه الله) من الفقهاء أو من المحدّثين خلاف، وقد اعتمدنا في ذكر الفقهاء وآثارهم الفقهية على كتاب مقدِّمة على فقه الشيعة، وما سرده السيد منذر الحكيم في بحثه الموسوم مراحل تطوّر الاجتهاد في مجلَّة فقه أهل البيت، وكتاب شناسي تفصيلي مذاهب إسلامي.

(٢) له ترجمة في الكامل لابن الأثير٨: ١٢٧.

(٣) مَن لا يحضره الفقيه ٤: ٤٥ ح٥٧٨.

(٤) رجال النجاشي برقم ١٠٢٦..

(٥) فهرست الطوسي برقم ٥٩١.


وأثنى عليه الذهبي بقوله: شيخ الشيعة وعالم الإمامية، صاحب التصانيف، أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني (١) .

قال النجاشي: مات (رحمه الله) ببغداد (سنّة ٣٢٩هـ) سنة تناثر النجوم، وصلَّى عليه محمّد بن جعفر الحسني، ودُفن في باب الكوفة (٢) .

آثاره:

* الكافي , وهو أحد الكتب الأربعة وأهمُّها، وقسّم الكتاب إلى أُصول وفروع وروضة، حيث جعل الأُصول في العقائد والأخلاق، وجعل الفروع في الفقه، وجعل الروضة شبيهاً بالكشكول.

ويكفي في جلالة هذا الجامع أنَّ الشيخ المفيد يصفه ـ في كتابه تصحيح الاعتقاد بقوله ـ: من أجَلِّ كتُب الشيعة وأكثرها فائدة.

وقال الشهيد محمّد بن مكي ـ في إجازته لابن الخازن ـ: كتاب الكافي في الحديث، الذي لم يعمل للإمامية مثله (٣) .

وقد شرحه كثير من العلماء، وهو بين مطبوع ومخطوط، كما وتُرجم إلى لغات مختلفة.

٢. والد الصدوق علي بن الحسين بن بابويه القمّي (ت٣٢٩هـ).

· كتاب الشرائع، (وهو رسالة إلى ولده) لم يصل إلينا إلاَّ ما نقله ابنه في كتابه (المقنع).

· مناسك الحج.

· كتاب المواريث.

٣. العماني الحسن بن عليّ بن أبي عقيل الحذَّاء (ت٣٦٨هـ).

· المستمسك بحبل آل الرسول، لم يصل إلينا ولكن نقل عنه العلاّمة في (المختلف) كثيراً، وأخيراً جمعت فتاواه في كتاب.

____________________

(١) سير أعلام النبلاء ١٥: ٢٨٠.

(٢) رجال النجاشي ٢: ٢٩٢.

(٣) بحار الأنوار:١٠٤ـ١٩٠، الإجازات.


٤. الصابوني محمّد بن أحمد بن سليم الجعفي (توفِّي في القرن الرابع).

· الفاخر

٥. ابن الجُنَيد محمّد بن أحمد الاسكافي (ت٣٨١هـ).

· تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة.

· المختصر الأحمدي للفقه المحمّدي , لم تصل كتُبه، ولكنَّ العلاَّمة نقل عنه في (المختلف)، وأخيراً جمع في كتاب سمِّي (فتاوى ابن الجنيد).

٦. الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه (ت٣٨١هـ).

المحدِّث الكبير محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي , أبو جعفر، نزيل الري , مصنِّف كتاب (مَن لا يحضره الفقيه).

وينتمي إلى أُسرة بني بابويه، وهي من بيوتات القمّيين الذين ذاع صيتهم بالعلم والفضيلة، وأنجبت أفذاذاً مُصلحين، وعباقرة مرشدين، أدُّوا رسالاتهم على أحسن وجه، وخدموا مبدأهم بأمانة وإخلاص، فاستحقُّوا بذلك كلّ تعظيم وتبجيل، وخلَّدهم التاريخ بإكبار، وحفظ آثارهم بكلّ فخر.

قال العلاَّمة السيد بحر العلوم في (فوائده): ولِد بعد وفاة العمري (١) في أوائل سفارة الحسين بن روح، وقد كانت وفاة العمري سنّة (٣٠٥هـ)، فيكون قد أدرك من الطبقة السابعة فوق الأربعين، ومن الثامنة إحدى وثلاثين، ويكون عمره نيِّفاً وسبعين سنة، ومقامه مع والده ومع شيخه الكليني في الغيبة الصغرى نيِّفاً وعشرين سنة، فإنّ وفاتهما سنة (٣٢٩هـ) وهي سنة وفاة السمري (٢) آخر السفراء (٣) .

وعلى هذا؛ فقد عاصر الشيخ الصدوق سفيرين من السفراء الأربعة هما: الحسين بن روح، وعليّ بن محمّد السمري. وعلى أيَّة حال، فمحدِّثنا الكبير شخصية فذَّة، ورث المجد و العُلا من بيت عريق في العلم والورع، و قد عرّفه العلماء بإجلال وإكبار.

____________________

(١) محمد بن عثمان بن سعيد العمري، السفير الثاني للإمام المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، تولَّى السفارة بعد أبيه (رحمه الله).

(٢) عليّ بن محمد السمري، آخر سفراء مولانا الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، تولّى السفارة بعد الحسين بن روح (رحمه الله).

(٣) الفوائد الرجالية ٣: ٣٠١.


قال النجاشي: شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، كان ورد بغداد سنة ٣٥٥ هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، ثمَّ ذكر فهرست كتبه.

يقول العلاّمة: كان جليلاً، حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقلاً للأخبار، لم يُرَ في القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه، وله نحو من ثلاثمائة مصنَّف.

وقد شدَّ الرحال لتحمّل الرواية والحديث إلى مختلف الحواضر العلمية في القرن الرابع، كبغداد، والكوفة، والري، وقم، ونيسابور، وطوس، وبخارى، وهو وإن سافر إلى تلك البلدان لأخذ الحديث، لكنَّه أيضاً حدَّث بها، وقد أحصى شيخنا النوري ـ في خاتمة (مستدركه) ـ مشايخه الذين أخذ منهم الحديث فبلغ ٢١١ محدِّثاً.

كما أنّه روى عن شيخنا المترجَم أفذاذ من أهل الحديث، الذين أصفقت معاجم التراجم على ذكرهم بكلّ جميل، وقد أنهاهم محقِّق كتاب (الفقيه) إلى عشرين (١) .

توفِّي (رحمه الله) في الري عام ٣٨١هـ، وقبره هناك معروف يُزار.

آثاره:

· المقنع.

· الهداية بالخير.

وهذان الكتابان يُعطيان الفتوى بنصّ الرواية وهما مختصران.

· مَن لا يحضره الفقيه، وهو أحد الكتب الأربعة عند الشيعة، وهو يذكر الفتوى بنص الرواية.

٧. المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (ت٤٢٣ هـ).

الشيخ المفيد، نجم لامع في سماء العلم والحديث، وقطب الرحى لكافَّة الفضائل الإنسانية، فقد آلت إليه زعامة الشيعة في بغداد أواخر القرن الرابع، التي كانت تعجُّ بالتيارات الفكرية المختلفة، فمن سلفيٍّ لا همَّ له سوى أخذ الحديث وجمعه من كلّ مَن هبَّ و دبَّ، إلى معتزليٍّ لا يقيم للسنَّة وزنـاً، ويعتمد على العقل في كافَّة المجالات، إلى أشعري يحاول صياغة السلفيَّة بأُطر عقلية، إلى زَيدي

____________________

(١) راجع مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٥٤-٥٥، ومراحل تطوُّر الاجتهاد / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٨٠.


يقتفي أثر المعتزلة في الأُصول والحنفية في الفروع، إلى غير ذلك من التيَّارات الفكرية، التي كانت رائجة في تلك الأزمنة، التي حاولت القضاء على الفكر الشيعي الإمامي.

فوسط هذا العجاج بزَغ نجم شيخنا المفيد (رحمه الله)، فقام خير قيام بتثبيت الهوية الفكرية الشيعية، وتصدَّى للمخالفين خصوصاً مَن يتَّهمون المذهب الإمامي بأقاويل فاسدة، وينسبون إليه آراءً زائغة قصداً للتشنيع والتنكيل، كالقول بالجبر والتشبيه والتجسيم، التي هي على جانب النقيض من عقائد الشيعة.

وقد كان ليراعِه وبيانه أثر بالغ في إخضاع المخالف للعقيدة الحقَّة، وتبكيته على وجه اعترف به الموافق والمخالف.

يعرِّفه اليافعي ـ في (تاريخه) في حوادث سنة ٤١٣هـ ـ بقوله:

توفِّي فيه عالم الشيعة وعالم الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلّم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلِّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.

قال ابن أبي طي: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس.

وقال غيره: كان عضد الدولة ربَّما زار الشيخ المفيد، وكان ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستَّاً وسبعين سنة، وله أكثر من مائتي مصنَّف، وكانت جنازته مشهودة، وشيَّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة، وأراح اللّه منه، وكان موته في رمضان (١) .

قال ابن كثير: المفيد شيخ الإمامية الروافض، والمصنِّف لهم، والمحامي عن حوزتهم، كانت له وجاهة عند ملوك الأطراف، لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيّع (٢) .

____________________

(١) تاريخ اليافعي ٣: ٢٨.

(٢) البداية والنهاية ١٢: ١٥.


وكم للموافق والمخالف من جمل درِّية في حقّ شيخنا المفيد، فلنذكر كلمتين من تلميذيه.

يقول النجاشي ـ بعدمـا يسوق نسبـه إلى يعرب بن قحطان ـ: شيخنــا وأُستاذنا (رحمـه الله)، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم.

ثمّ ذكر أسماء كُتبه الهائلة وقال: مات (رحمه الله) ليلة الجمعة، لثلاث ليالٍ خلون من شهر رمضان سنة ٤١٣هـ، وكان مولده يوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة ٣٣٦هـ، وصلَّى عليه الشريف المرتضى بميدان الأشنان، وضاق على الناس مع كبره، ودفن في داره سنين، ونُقل إلى مقابر قريش بالقرب من السيد أبي جعفر (عليه السلام) (١) .

وقال تلميذه الآخر ـ الشيخ الطوسي ـ: من أجلَّة متكلّمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته، وكان مقدَّماً في العلم وصناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدِّماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنـة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنَّف كبار وصغار، وكان يوم وفاته يوماً لم يُرَ أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء من المخالف والموالف (٢) .

آثاره:

· مقابس الأنوار في الردِّ على أهل الأخبار.

· الأركان في دعائم الدين.

· كتاب في المتعة.

· المقنعة، رسالة عملية على طريقة الفتوى بنص الرواية.

· أحكام النساء.

· الأشراف في عامة فرائض أهل الإسلام.

· الإعلام فيما اتَّفقت عليه الإمامية.

· جوابات المسائل النيسابورية.

____________________

(١) رجال النجاشي: برقم ١٠٦٨.

(٢) فهرست الطوسي: برقم ٧١٠.


· العويص في الفقه.

· المسائل التي سألها أبو جعفر الطوسي.

· الموجز في المتعة.

· رسالة في تحريم ذبائح أهل الكتاب.

· رسائل ومسائل متفرِّقة.

· رسالة في الردّ على أصحاب العدد.

٨. السيد المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي (ت٤٣٦ هـ).

كان لمدرسة المفيد التي أسَّسها في حاضرة العالم الإسلامي معطيات جمَّة وثمرات يانعة، حيث أنجبت أعلاماً وأفذاذاً للأمَّة يضنُّ بهم الدهر إلاّ في فترات خاصة، منهم: السيد عليّ بن الحسين بن محمّد، الذي ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر بخمس وسائط، يعرِّفه تلميذه النجاشي بقوله:

حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلِّماً شاعراً أديبـاً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا، ثمّ ذكر أسماء كتُبه وقال: إنّه مات (رحمه الله) لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ٤٣٦هـ، وصلَّى عليه ابنه في داره، وتولَّيتُ غسله ومعي الشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن الجعفري وسلاّر بن عبد العزيز (١) .

ويقول تلميذه الآخر الشيخ الطوسي: كنيته أبو القاسم، لقبه علم الهدى، الأجلُّ المرتضى، متوحِّد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدَّم في العلوم، مثَّل علم الكلام والفقه وأُصول الفقه، والأدب والنحو، والشِعر ومعاني الشِعر واللغة وغير ذلك، له ديوان شِعر يزيد على عشرين ألف بيت، ثمّ ذكر أسماء تصانيفه.

إنّ نواحي فضل السيد المرتضى لا تنحصر بواحدة، ولا إنَّ مآثره معدودة، فإلى أيِّ فضيلة نحوت فله فيها الموقف الأسمى، فهو إمام الفقه، ومؤسِّس أصوله، وأُستاذ الكلام، ونابغة الشِعر، وراوية الحديث،

____________________

(١) رجال النجاشي: برقم ٧٠٦.


وبطل المناظرة، والقُدوة في اللغة، والأُسوة في العلوم العربية كلّها، وهو المرجع في تفسير كتاب اللّه العزيز، وجماع القول: إنّك لا تجد فضيلة إلاّ وهو ابن بجدتها (١) .

وقد ترك سيدنا الجليل آثاراً وتآليف عديدة، تصل إلى٨٦ كتاباً أو موسوعة أو رسالة.

وكفى في فضله أنَّ المعرِّي لمّا خرج من العراق، سُئل عن السيد المرتضى، فقال:

يا سائلي عنه لما جئت تسأله * ألا هو الرجل العاري من العار

لو جئته لرأيت الناس في رجُل * والدهر في ساعة والأرض في دار (٢)

آثاره:

رسائل الشريف المرتضى، كتاب مسائل وأجوبة.

جُمل العلم والعمل.

جوابات المسائل الموصلية.

جوابات المسائل التبانيّات.

جوابات مسائل أهل ميّافارقين.

جوابات المسائل الرّسّيات.

جوابات المسائل الرّازيات.

جوابات المسائل الطرابلسيات.

المسائل الناصريات.

ما تفرّد به الإمامية.

شتات الفوائد والمسائل.

شتات الفوائد والمسائل (مجموعة أُخرى).

رسالة في الردِّ على أصحاب العدد.

٩. أبو الصلاح الحلبي تقي الدين بن نجم الدين (ت ٤٤٧ هـ).

الكافي في الفقه، يتألّف من قسمين: قسم في الاعتقاد، والقسم الآخر في الفقه، وهو جديد في طريقته.

١٠. سلاّر حمزة بن عبد العزيز الديلمي قاضي حلب (ت ٤٤٨ أو٤٦٤ هـ).

المراسم العلوية والأحكام النبوية، كتاب على طريقة الفتوى بنصّ الرواية، وهو مختصر.

الأبواب والفصول، لم يصل إلينا، ولكن نقل عنه في كتب متفرّقة.

____________________

(١) الغدير ٤: ٢٦٤ ـ ٢٦٥. (٢) بحار الأنوار ١٠: ٤٠٨.



الدور الثاني: ويُطلق على هذا الدور مرحلة (الانطلاق) .

التحديد الزمني لهذا الدور:

ويبدأ هذا الدور بعهد الشيخ الطوسي (قدس سره) (ت٤٦٠هـ)، أي من أوائل القرن الخامس الهجري، إلى عهد المحقِّق الحلِّي صاحب كتاب شرائع الإسلام (ت ٦٧٦هـ) أيْ منتصف القرن السابع الهجري.

وأهمُّ مدارس هذا الدور ثلاث مدارس مهمَّة هي: مدرسة النجف، ومدرسة حلب، ومدرسة الحلَّة

أهمُّ ملامح الدور الثاني:

١. تقنين عملية الاستنباط والاجتهاد في الفقه الإمامي، وتوضيح مبانيه ومناهجه في كلٍّ من أُصول الفقه والحديث والرجال.

وقد جُعلت مصادر الاستنباط وأدلَّة الفقه في كُتب الأُصول في هذا الدور أربعة:

‌أ - الكتاب.

‌ب - السنّة.

‌ج - الإجماع.

‌د - العقل.

إلاّ أنّ الإجماع أُريد منه ما يكون بضمنه قول المعصوم (١) ، أو يستكشف منه قوله ولو بدلالة عقلية، فيكون كاشفاً عن السنّة، كما أنّ العقل أُريد منه حكمه البديهي اليقيني، لا الظنون والأقيسة والاستحسانات.

٢. تطبيق المنهج المذكور في الفقه، بصورة موسَّعة ومتطوِّرة وفي جميع أبوابه، وقد استطاع بذلك أن يُثبت قدرة الفقه الشيعي ومصادره على علاج التفريعات والمسائل الفقهية مهما تنوّعت وتفرّعت.

____________________

(١) انظر الذريعة إلى أصول الشريعة ٢: ٦٠٣-٦٠٥، وعدّة الأصول ٢: ٦٠٢.


وقد رُدَّ بذلك على الشبهة التي كان يُثيرها المخالفون على الفقه الإمامي، من جمود هذا الفقه، وعدم قدرته على التفريع وعلاج الفروض الفقهية التقديرية، وأنّه لا يعدو أن يكون مجموعة أحاديث ونصوص محدودة.

٣. اعتماد الاتجاه الوسط في البحث الفقهي، الذي مثَّله الشيخ المفيد والسيد المرتضى في دور التأسيس، والذي يعتمد على العقل والنقل معاً، وفي النقل تبلورت دراسة الأحاديث الواصلة عن أهل البيت (عليهم السلام) بدراسة السند والدلالة معاً، واعتمدت عملية تقويم السند على أدوات التقويم المتمثِّلة في مصادر التوثيق الرجالية، وقد وفِّق الشيخ الطوسي في تبنِّي اتجاه أخبار الآحاد على أساس علمي، خلافاً لما اتَّبعه أستاذاه المفيد والمرتضى من إنكار حجيِّة أخبار الآحاد، واتجاههما إلى الإجماع والعقل (١) .

٤. الحوار مع المذاهب الأُخرى، والنظر إلى آرائها ومناهجها الفقهية، والمقارنة فيما بينها سواء بنحو الفتاوى المجرّدة، أم بشكل موسَّع واستدلالي.

وقد تطوّر هذا على يد الشيخ بنحو أوسع وأشمل وفي كل الفقه، كما يظهر من مراجعة كتابيه الخلاف والمبسوط.

٥. الاهتمام بتوفير أدوات وعناصر الاستدلال الفقهي الرجالية والحديثية، وتجميعها من الأُصول القديمة في مجاميع كاملة، ومستوعبة لكافّة ما يحتاجه الفقيه في الأبواب الفقهية كلّها، وقد أثمرت جهود الشيخ الطوسي (قدس سره) في تدوين موسوعتين فقهيتين حديثيتين، هما: التهذيب، والاستبصار، ومجموعة كتب رجالية هي: اختيار معرفة الرجال، والرجال، والفهرست، بالإضافة إلى فهرس النجاشي، وقد كان في ذلك خدمة كبرى لفقه أهل البيت (عليهم السلام) (٢) .

٦. بروز ظاهرة الركود في الاجتهاد ـ من بعد الشيخ الطوسي (قدس سره) ـ وعدم الجرأة على مخالفة أقواله وما يذهب إليه، حتى وصفت هذه المرحلة في بعض الكتابات بمرحلة التقليد؛ لِما مُني به المجتهدون من اجترار آراء الشيخ، وعدم الإقدام على مخالفتها.

____________________

(١) انظر عدّة الأصول ١: ١٤٣.

(٢) راجع مراحل تطوّر الاجتهاد / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٨٠، مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٥٤ - ٥٥.


ولابد لنا أن نتوقَّف قليلاً عند هذه الانتكاسة، التي مُنيت بها حركة الاجتهاد في هذه المرحلة للنظر في أسبابها.

يذهب المحقِّق السبحاني إلى أنّ هذه الظاهرة لم تكن اعتباطية، بل نشأت لأسباب نذكرها:

أ. الضغط والكبت من قِبل السلطات الحاكمة آنذاك على الشيعة، كالسلاجقة في العراق، والغزنويّين في الشرق، والأيوبيين في الشام ومصر، وأخذوا ينظرون إليهم بنظرة مِلؤها الحقد والغضب، وكانوا بصدد الانقضاض على الكيان الشيعي واستئصاله، وقد حفظ لنا التاريخ بعض الأعمال التي قام بها السلاجقة ممَّا يندى لها جبين الإنسانية، فقد أحرق طغرل بك السلجوقي مكتبة بغداد، التي كانت عامرة بالكتب.

يقول ابن الجوزي: وفي هذه السنة ـ يعني: سنة ٤٤٨ ـ أُقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش، و مشهد العتيقة، ومساجد الكرخ بـ (الصلاة خير من النوم)، وأُزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان (حي على خير العمل)، وقلع جميع ما كان على أبواب الدور والدروب من (محمّد وعليّ خير البشَـر)، ودخل إلى الكرخ منشدوا أهل السنَّة من باب البصرة، فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابـة، وتقدَّم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبد اللّه بن الجلاّب شيخ البزازين بباب الطاق؛ لما كان يتظاهر به من الغلوِّ في الرفْض، فقُتل وصُلب على باب دكَّانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونُهبت داره (١) .

ويقول ـ أيضاً ـ في حوادث سنة ٤٤٩هـ: وفي صفر هذه السنة، كُبست دار أبي جعفر الطوسي متكلِّم الشيعة بالكرخ، وأُخذ ما وجِد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأُخرج ذلك إلى الكرخ، وأُضيف إليه ثلاثة مجانيق بيض، كان الزوَّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأُحرق الجميع (٢) .

____________________

(١) المنتظم ١٦: ٧- ٨.

(٢) المنتظم ١٦: ١٦.


وقال الجزري: وفيها (أي في هذه السنة) نُهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ، وهو فقيه الإمامية، وأُخذ ما فيها، وكان قد فارقها إلى المشهد الغربي (١) .

وقال الخفاجي: لمّا دخل صلاح الدين الأيوبي إلى حلب عام ٥٧٩ هـ حمل الناس على التسنّن وعقيدة الأشعري، ولا يقدِّم للخطابة ولا للتدريس إلاّ مَن كان مقلِّداً لأحد المذاهب الأربعة، ووضع السيف على الشيعة، وقتلهم وأبادهم مثل عمله في مصر ـ إلى حدٍّ يقول الخفاجي في كتابه: ـ فقد غالى الأيوبيون في القضاء على كلّ أثرٍ للشيعة (٢) .

وفي هذا الجوِّ المشحون بالعداء والبغضاء لا تسنح الفرصة لأيِّ نشاط علمي، بل يغيب عندها النتاج الفكري، فالحياة الفقهية رهن وجود ظروف مناسبة وبيئة صالحة لتنمية الأفكار.

ب. وأمّا السبب الثاني، فهو أنّ الشيخ الطوسي قد حَظِي بتقدير عظيم في نفوس تلامذته ومعاصريه، على وجه رفعه عن مستوى النقد، لما قدَّمه من خدمات جليلة للحوزة الشيعية، من إتحافها بأنواع العلوم والتآليف، وتربية جيل كبير من العلماء والمفكّرين.

وقد حظيت آراؤه الشخصية بقدسية نزَّهته عن النقد، فاستمرَّت تلك النظرة إلى الشيخ مدَّة مديدة بعده، وقد خلفه في إدارة شؤون الحوزة نجله أبو عليّ الطوسي، الذي كان حيَّاً إلى سنة ٥١٥ هـ.

فهذان العاملان أدَّيا إلى الركود والخضوع لكلِّ ما ورثوه عن الشيخ الطوسي (٣) .

____________________

(١) الكامل في التاريخ ٩: ٦٣٧- ٦٣٨.

(٢) الأزهر في ألف عام ١: ٥٨.

(٣) انظر تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره:٢٩٩-٣٠١.


فقهاء الدور الثاني وآثارهم الفقهية (١) :

١. الطوسي محمّد بن الحسن (ت٤٦٠ هـ).

الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحسن الطوسي , نسبة إلى طوس من مدن خراسـان، التي هي من أقدم بلاد فارس وأشهرها، وكانت ـ ولا تزال ـ من مراكز العلم والثقافـة، وفيها قبر الإمام على الرضا (عليه السلام) ثامن أئمة الشيعة الاثني عشرية، فصارت مهوى أفئدتهم يقصدونها من الأماكن الشاسعة والبلدان النائية.

ولِد الشيخ في طوس في شهر رمضان سنة ٣٨٥هـ، أي بعد أربع سنين من وفاة الشيخ الصـدوق، وهاجر إلى العراق، فهبط بغداد سنة ٤٠٨هـ، وهو ابن ٢٣عاماً، وكان زعيم الشيعة آنذاك شيخ الأُمَّة محمّد بن محمّد بن النعمان الشهير بـ (المفيد)، فلازمه ملازمة الظلِّ لذي الظلِّ، وعكف على الاستفادة منه إلى حدٍّ توفَّق لشرح كتاب أُستاذه (المقنعة) وهو بعد لم يناهز الثلاثين.

ولمَّا انتقل الشيخ المفيد إلى رحمة الله، عكف على بحوث السيد المرتضى، ولازم حضورها طيلة ٢٣ سنة، حتى توفِّي السيد لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل عام ٤٣٦هـ، فاستقلَّ الشيخ الطوسي بالإمامة، وظهر على منصَّة الزعامة، وكانت داره في (الكرخ) مأوى الأمَّة وملجأ روّاد العلم، يأتونها لحلِّ المشاكل، وإيضاح المسائل، وقد ذاع صيته، وعلا مقامه، ممّا حدا بخليفة عصره القائم بأمر الله أن يجعل كرسي الكلام له، وكان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق ما يوصف.

وكان الشيخ يدرِّس ويربِّي إلى أن ضاقت به الأُمور، وثارت القلاقل بشنِّ طغرل بيك ـ أوّل ملوك السلاجقة ـ حملة شعواء على الشيعة، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير ـ وزير بهاء الدولة البويهي ـ وكانت يومذاك من دُور العلم المهمّة في بغداد، ونافت كتُبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار.

____________________

(١) اعتمدنا في ذكر الفقهاء وآثارهم الفقهية على كتاب مقدّمة على فقه الشيعة، وما سرده السيد منذر الحكيم في بحثه الموسوم مراحل تطوّر الاجتهاد في مجلَّة فقه أهل البيت، وكتاب شناسي تفصيلي مذاهب إسلامي باللغة الفارسية.


حتى توسّعت الفتنة واتَّجهت إلى بيت الشيخ الطوسي وأصحابه، فأحرقوا كتُبه وكرسيّه الذي كان يجلس عليه، فلم يجد الشيخ بُدّاً إلاّ مغادرة بغداد إلى النجف الأشرف، لائذاً بجوار مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأسّس فيها حوزة علمية كبيرة، تقاطر إليها الفضلاء من شتّى الأقطار، وبقيت تلك الحوزة على مرِّ الدهور إلى يومنا هذا تشعُّ نوراً، وتربِّي جيلاً بعد جيل من العلماء لا يُحصي عددهم إلاّ الله سبحانه.

وقد ترك الطوسي تراثاً علمياً في شتَّى الموضوعات، كالكلام والفقه، والرجال والحديث.

آثاره:

المبسوط في فقه الإمامية، كتاب موسَّع ومقارن أيضاً.

النهاية، كتاب على طريقة الفتوى بنصّ الرواية.

الخلاف في الفقه، كتاب استدلالي.

الاستبصار فيما اختُلف من الأخبار.

وهو أحد الكتب الأربعة، يبيّن فيه كيفية الجمع بين الأخبار، والبعض لا يعدُّه كتاب رابعاً، بلْ مكمّل للتهذيب.

تهذيب الأحكام في شرح المقنعة.

الجُمل والعقود، كتاب مختصر على طريقة الفتوى بنصّ الرواية.

الاقتصاد.

المسائل الحائريات.

رسالة في تحريم الفقاع.

الإيجاز في الفرائض.

عمل اليوم والليلة.

٢. ابن حمزة محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفري (ت٤٦٣ هـ).

مسائل متفرِّقة.

٣. ابن البرّاج القاضي عبد العزيز بن نحرير الطرابلسي(ت ٤٨١ هـ).


الشيخ سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير، الشهير بـ (ابن البرّاج) الطرابلسي , فقيه عصره، وقاضي زمانه، وخليفة الشيخ الطوسي في الشامات، وقد أطراه منتجب الدين في فهرسته (١) ، وابن شهرآشوب في معالمه (٢) ، والعلاّمة الحلِّي في إجازته لبني زهرة (٣) ، إلى غير ذلك ممّن ترجم له ترجمة وافية.

وقصارى الكلام: أنّه كان زميلاً للشيخ من جهة، وتلميذاً له من جهة أُخرى، وبما أنّهما قرءا على المرتضى وجلسا مجلساً واحداً، فهُما زميلان، وفي الوقت نفسه حضر مجلس الشيخ الطوسي أيضاً، حتى إنّ الشيخ الطوسي ألّف بعض كتبه باستدعاء منه.

قال التستري: هو من غلمان المرتضى، وكان خصِّيصاً بالشيخ، وتلمذ عليه، وصار خليفته في البلاد الشامية، وروى عنه وعن الحلبي (٤) .

وقال المحدِّث النوري ـ بعد إطرائه ـ: تلميذ علم الهدى وشيخ الطائفة، وكان يجري السيد عليه في كلّ شهر ثمانية دنانير، وهو مؤلِّف المهذّب والكامل والجواهر وشرح الجُمل (٥) .

ومع أنَّ العصر الذي أعقب الشيخ قد اتَّسم بالركود، لكنَّا نجد أنّه خرج على آراء شيخه الطوسي , فقد يذكر مناظرته في مسائل فقهية في كتاب المهذّب.

أدرك ابن البرّاج كلتا الدورتين، فبات مستقلاَّ في التفكير مناظراً مع الأبطال.

آثاره:

المهذّب، كتاب استدلالي مختصر.

جواهر الفقه.

الكامل في الفقه، كلاهما على طريقة الفتوى بنصّ الرواية.

____________________

(١) الفهرست لمنتجب الدين: ١٠٧ برقم ٢١٨.

(٢) معالم العلماء:٨٠.

(٣) البحار ١٠٥: ٢٦٥.

(٤) مقابس الأنوار:٧.

(٥) المستدرك ٣: ٤٨١.


٤. نظام الدين الصهرشتي سليمان بن الحسن بن سليمان (قيل: توفِّي في ٣٦٤ هـ).

إصباح الشيعة بمصباح الشريعة.

٥. ابن أبي المجد الحلبي علاء الدين عليّ بن الحسن(القرن السادس).

إشارة السبق إلى معرفة الحق.

٦. المفيد الثاني الحسن بن الشيخ الطوسي.

شرح النهاية.

الأمالي لمجالس والده.

٧. ابن حمزة محمّد بن عليّ بن حمزة الطوسي (حيٌّ في ٥٦٦ هـ).

الوسيلة إلى نيل الفضيلة، كتاب يذكر فيه الاعتقاد والفقه، وهو فتوى فقط.

الواسطة.

مسائل في الفقه.

٨. قطب الدين الراوندي سعيد بن عبد الله بن الحسين (ت٥٧٣ هـ).

الرائع في الشرائع.

أحكام الأحكام.

الإنجاز في شرح الإيجاز في الفرائض.

حلُّ العقود في الجُمل والعقود.

الخُمس مسألتان فيه.

الشافية في الغسلة الثانية.

شجار العصابة في غُسل الجنابة.

شرح ما يجوز وما لا يجوز من النهاية.

صلاة الآيات.

الصلاة الحاضرة لمَن عليه الفائتة.

مسألة في العقيقة.


النيَّات في جميع العبادات.

فقه القرآن، كتاب في آيات الأحكام.

مسائل بالفارسية.

٩. محمّد بن الحسن الكيدري (بعد ٥٧٦ هـ).

الإصباح في فقه الإمامية، كتاب فتوى.

١٠. ابن زُهرة الحلبي حمزة بن عليّ الحسيني(ت٥٨٥ هـ).

غنية النزوع إلى علمَي الأُصول والفروع، كتاب في أُصول الاعتقاد والفقه.

مجموعة مسائل وأجوبة.

١١. منتجب الدين عليّ بن عبد الله الرازي (حيٌّ في٥٨٥ هـ).

العصرة في المضايقة والمواسعة.

١٢. ابن شهرآشوب محمّد بن عليّ (ت٥٨٨ هـ).

متشابه القرآن أو بيان المشكلات من الآيات المتشابهات.

١٣. شاذان بن جبرئيل القمّي (حيٌّ في ٥٩٣ هـ).

إزاحة العلَّة في معرفة القِبلة.

١٤. ابن إدريس محمّد بن منصور بن أحمد الحلِّي (ت٥٩٨ هـ).

يعرّفه التستري بقوله: الشيخ الفاضل، الكامل، المحقِّق المدقِّق، عين الأعيان، ونادرة الزمان، فخر الدين، أبو عبد اللّه محمّد بن إدريس، أو أحمد بن إدريس العجلي الربعي الحلِّي (نوّر اللّه مرقده).

روى عنه: الشيخ النبيل الجليل، قدوة المذهب، صاحب المصنَّفات، نجيب الدين أبو إبراهيم محمّد بن نما الربعي , والسيد السند قدوة الأُدباء والنسّابة والفقهاء، صاحب المصنّفات شمس الدين أبو عليّ فخار بن معد الموسوي الحائري (١) .

____________________

(١) مقابس الأنوار:١١.


يقول المحدّث النوري: الشيخ الفقيه، والمحقِّق النبيه، فخر الدين أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن إدريس الحلِّي العجلي , العالم الجليل المعروف، الذي أذعن بعلوِّ مقامه في العلم والفهم والتحقيق والفقاهة أعاظم الفقهاء في إجازاتهم وتراجمهم، ثمّ ذكر وصف العلماء إيّاه في إجازاتهم (١) .

ولأجل أن يقف القارئ على مدى الجهود العلمية، التي بذلها ابن إدريس في رفع المستوى العلمي

والفقهي نذكر نصّ عبارته في أوّل السرائر:

(إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمّدية والأحكام الإسلامية، وتثاقلهم عن طلبها، وعداوتهم لما يجهلون، وتضييعهم لما يعلمون، ورأيت ذا السنِّ من أهل دهرنا هذا لغلبة الغباوة عليه، وملكة الجهل لقياده، مضيِّعاً لما استودعته الأيَّام، مقصِّراً في البحث عمَّا يجب عليه علمه، حتى كأنّه ابن يومه ونتيج ساعته... ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان، وميدانه قد عطِّل من الرهان، تداركت منه الذماء الباقي , وتلافيت نفساً بلغت التراقي) (٢) .

فابن إدريس ـ بكتابه هذا ـ أوّل مَن نفض غبار الركود عن كاهل الفقه الشيعي , واقتفاه جلُّ مَن تأخّروا عنه، وإن اختلفوا معه في أشياء وأشياء، ولكنَّ الضجَّة التي أثارها تركت أثرها في شحذ الهمم نحو عرض الفقه بأُسلوب أكثر علميّة.

وقد أُصيب في جهاده العلمي بوابل من الطعنات اللاذعة، لكنَّها لم تؤثّر في عزمه الراسخ نحو ما تصبو إليه نفسه، وهو بتأليف كتابه الرائع السرائر قد قضى على التقليد الفكري , وأطاح به، وأخذ بطرح أفكاره في ثنايا كتابه، مندِّداً بالمتفقِّهة والمقلِّدة، وهو مع إجلاله للشيخ الطوسي أخذ ببيان المواضع التي يُخالفه فيها مدعومة بالبرهان.

وأخذ يُدافع عن وجهة نظره بأمرين:

الأوّل: بإقامة البراهين الدامغة على رأيه وفق منهجه، وهو عدم حجيّة خبر الواحد، وانحصار الحجيّة بالكتاب والخبر المتواتر والإجماع والعقل.

____________________

(١) مستدرك الوسائل ٣: ٤٨١.

(٢) مقدِّمة المؤلِّف على كتابه السرائر ١: ٤١.


الثاني: محاولة عدم الانفراد بالرأي، وتعزيزه بموافقة الشيخ الطوسي له على هذا الرأي في بعض كتبه، أو أنّ ما ذكره الشيخ إنّما ذكره إيراداً لا اعتقاداً، إلى غير ذلك من المحاولات التي كان الهدف من ورائها استقطاب موافقة مَن تقدَّم عليه، حتى ربَّما يقتصر على الموافقة التي ربَّما تلوَّح من عبارة الشيخ.

يقول ـ هو في حكم الماء النجس المتمّم كرَّاً ـ: الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) الذي يُتمسَّك بخلافه، ويُقلِّد في هذه المسألة ويُجعل دليلاً، يقوِّي القول والفُتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله، وأنا أُبيِّن ـ إن شاء الله ـ أنّ أبا جعفر (رحمه الله) يفوح من فيه رائحة تسليم المسألة بالكلِّية، إذا تؤمِّل كلامه وتصنيفه حقَّ التأمُّل، وأُبصر بالعين الصحيحة، وأُحضر له الفكر الصافي فإنّه فيه نظر ولبس، ولتفهَّم عني ما أقول (١) .

كان ابن إدريس فقيهاً دؤوباً في العمل، وكانت له صلة وثيقة بمعاصريه من فقهاء كلا الفريقين.

توفِّي ابن إدريس وترك تراثاً علمياً، وربَّى جيلاً من روّاد العلم، انتهلوا من مَعْين علمه.

آثاره:

السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي , كتاب استدلالي.

خلاصة الاستدلال.

مسائل في أبعاض الفقه وأجوبتها.

مناسك.

١٥. المصري معين الدين سالم بن بدران (ت٦٢٦ هـ).

رسالة في كيفية غُسل الجنابة.

المعونة في مسائل الميراث.

١٦. نصير الدين محمّد بن محمّد بن حسن الطوسي (ت٦٧٢هـ).

البيّنات في تحرير المواريث.

____________________

(١) السرائر ١: ٦٦، أحكام المياه.


الفرائض النصيرية أو جواهر الحقائق.

الدور الثالث:

ويسمَّى بدور (الاستقلال)، والمراد بالاستقلال الذي سُمِّي به هذا الدور هو الاستقلال عن محاكاة الفقه غير الإمامي، والذي كان معدوداً من سمات وخصائص الدور الثاني دور الانطلاق، وأهمُّ المدارس الفقهية التي برزت في هذا الدور هي: مدرسة الحلّة، ومدرسة جبل عامل، وإصفهان.

التحديد الزمني لهذا الدور:

يبدأ هذا الدور بظهور المحقِّق الحلِّي (رحمه الله) (ت٦٧٦ هـ) أي في منتصف القرن السابع تقريباً، ويستمرُّ باستمرار النشاط الفقهي لأعلام هذه المدرسة وحتى النصف الثاني من القرن العاشـر، متضمِّناً فقه الشهيدين والكركي (٩٤٤-٩٦٦هـ) (١) .

أهمُّ ملامح الدور الثالث:

١. يتميَّز هذا الدور بظاهرة استقلالية الفقه الإمامي عن مجاراة المذاهب الأُخرى، في المادة أو المنهج، واعتماد التراث الشيعي خاصة، من دون نظر إلى فقه العامّة ومناهجهم في الاستدلال إلاّ في كتب الفقه المقارن، وهذا ما يظهر بالمقارنة بين المصنفات الفقهية لهؤلاء الفقهاء مع المصنّفات الفقهية السابقة، وهذه الخصيصة التي دعت إلى تسميته بدور الاستقلال.

٢. دوّنت مؤلَّفات في علم أُصول الفقه من قبيل: معارج الأُصول للمحقِّق، ونهاية الوصول إلى علم الأُصول للعلاَّمة، تتميَّز بالأصالة والعمق، واعتماد الأُصول والقواعد المستفادة من نصوص أهل البيت (عليهم السلام)، وبدا هذا الاستيعاب والعمق والشمول واضحاً في الكتابين المذكورين، مقارنة مع ما دوّنه المرتضى والطوسي في الذريعة والعدّة، وقد جعل المحقِّق الحلِّي قاعدة الاستصحاب المستفادة من

____________________

(١) مراحل تطوّر الاجتهاد في الفقه الإمامي, منذر الحكيم / مجلة فقه أهل البيت ١٤:١٥١.

وانظر أيضاً مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي.


النصوص دليلاً خامساً من أدلَّة الفقه في عرض الأدلَّة الأربعة الأُخرى (١) ، كما أنّه بُحثت المسائل الأُصولية الأساسية كحجيّة خبر الثقة في هذه الكتب الأُصولية، بصورة أكثر استيعاباً وشمولاً وتنقيحاً، وانعكس هذا الاهتمام بعلم أصول الفقه على ميدان البحث والتدريس والتأليف، فنجد العلاَّمة قد ألّف على الأقلِّ ثلاثة كُتب أصولية في ثلاثة مستويات علمية: للمبتدئ، والمتوسط، والمنتهي من طلاَّب هذا العلم.

٣. وفي علم الدراية، انتهى الفكر الفقهي في هذا الدور إلى نظريَّات جديدة، قُسِّم على أساسها الحديث بتقسيم رباعي إلى:

أ - صحيح.

ب- حسَن.

ج- موثَّق.

د- ضعيف.

بعد أن كان يقسَّم قبل ذلك إلى: الصحيح، والضعيف؛ وذلك نتيجة تطوُّر البحث عن حجيّة خبر الواحد ومبناه، وأنّه هل الحجّة خصوص خبر الإمامي العادل، أو مطلق الإمامي , أو مطلق الثقة ولو كان غير إمامي أو غير عادل، ويُعتبر هذا التقسيم الرباعي للحديث تطويراً ملموساً في ميدان وأدوات وأُصول الاستنباط، إذ يعبِّر هذا الإنجاز عن تنقيح الحديث، وينعكس على النتاج الفقهي بشكل مباشر، كما انعكست على الكتب الحديثية من حيث تصنيف أحاديثها على أساس القيمة الفقهية لكل حديث، من حيث درجة اعتباره ومدى إمكان الاعتماد عليه في مجال الاستنباط.

٤. وفي علم الرجال دوِّنت مجاميع رجالية جديدة، تجمع تراجم طبقات الرجال وحالاتهم بشكل أدقِّ كرجال العلاَّمة ورجال ابن داود.

____________________

(١) راجع المعتبر في شرح المختصر ١: ٣٢.


كما ظهرت دراسات رجالية، لتمييز الأسماء المشتركة في أسانيد الروايات ورفع الالتباس فيها، أو ضبط الأسماء، والتي تمثّلت في مثل كتاب إيضاح الاشتباه للعلاَّمة الحلِّي , وبهذا أزيلت عقبة من طريق الاستنباط الفقهي، ووضع الحجر الأساس لتعبيد هذا الطريق.

٥. وعلى صعيد العلوم الأُخرى، بدأ الاهتمام ببعض العلوم التي لها دخالة في خدمة العملية الاجتهادية، ومن شأنها أن تُعين الفقيه على استنباط الأحكام في بعض البحوث الفقهية، كعلم الرياضيات في مباحث الإرث والخمس والزكاة والمعاملات، وعلم الهيئة في بحث القبلة والهلال وأوقات الصلوات، وغيرها من البحوث ذات العلاقة بهذا العلم، هذا فضلاً عن علم المنطق والكـلام، اللذين يخدمان علم أصول الفقه والفقه أيضاً (١) .

٦. كما أنَّ استقلالية الفقه في هذا العصر عن فقه العامّة أوجب ترتيب مسائله على أساس تقسيم وحصر عقلي جديد، وضعه المحقِّق الحلِّي (قدس سره)، وهو تقسيمه الأحكام الفقهية إلى الأقسام الأربعة التالية:

أ- العبادات.

ب- العقود.

ج- الإيقاعات.

د- الأحكام.

وأساس هذا التقسيم الرباعي: أنّ الحكم الشرعي، إمَّا أن يتقوَّم بقصد القربة أو لا، والأوّل العبادات، والثاني، إمَّا أن يحتاج إلى اللفظ والإنشاء من طرفين أو طرف واحد أو لا يحتاج، والأوّل العقود، والثاني الإيقاعات، والثالث الأحكام، وبذلك يكون التقسيم حصراً عقليَّاً لجميع أبواب الفقه، ولا يزال هذا التقسيم الرباعي البديع هو الرائج والمعروف في أكثر كُتبنا الفقهية إلى عصرنا الحاضر.

٧. وقد أثمرت هذه النظرة المستقلَّة إلى الفقه الإمامي في تهذيبه عن البحوث الزائدة، أو الاستدلالات الغريبة غير المنسجمة مع منهج فقه أهل البيت (عليهم السلام)، وإتقان صناعة الاستدلال

____________________

(١) راجع لذلك باب الإرث وتعيين القِبلة، في كتاب الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية.


والاستناد إلى الأدلَّة الشرعية، المتمثِّلة في الكتاب والسنّة في ثوب علمي ومنهجة فنِّية، ومع ذكر أقوال فقهائنا واختلافاتهم ومحاكمة أدلّتهم، لا أقوال المذاهب الأُخرى وأدلّتها إلاَّ في كتب الفقه المقارن.

وقد أصبحت الكتب الفقهية المؤلَّفة من قِبل أعلام هذا الدور، كالمحقِّق والعلاّمة والشهيدين، هي الكتب الفقهية التي استقطبت اهتمام الدارسين والباحثين، وأصبحت هي محلَّ الشرح والتعليق عليهـا، والرجوع إليها والاستناد إليها، في نسبة قول إلى المشهور أو إلى أصحابها، وقد جاوزت الشروح على بعضها العشرات، بل قيل في حقِّ كتاب الشرائع ـ للمحقِّق الحلِّي (قدس سره) ـ: إنّ شروحه ناهزت أو جاوزت المائة. كل ذلك لتميّز هذه المصنَّفات بالدقّة والمتانة، والشمول والأصالة في المادة والمنهج.

٨. وفي هذا الدور بدأ أيضاً تدوين فقه القواعد أو القواعد الفقهية، وإفرادها عن المسائل والتفريعات؛ لما فيها من الكلِّية والعمومية والاشتراك في أكثر من فرع، فالشهيد الأوّل (قدس سره) ألّف كتاب القواعد والفوائد، وألّف بعده الحلِّي الأسدي نضد القواعد الفقهية، والشهيد الثاني كتاب فوائد القواعد، واستمرَّ من ذلك الحين وإلى عصرنا الحاضر تجميع القواعد الفقهية في مصنَّفات مستقلَّة.

٩. ومن امتيازات هذا الدور، التوسُّع والدقَّة في تطبيق القواعد الأُصولية أو الفقهية على المسائل والفروع الفقهية، وخصوصاً في فقه المعاملات؛ فإنّه بمقارنة الكتب الفقهية الاستدلالية للعلاَّمة وابنه، والشهيدين والمحقِّق الكركي، وغيرهم من أعلام هذا الدور، مع كتب المفيد والمرتضى والشيخ الطوسي , يظهر مدى الفرق والتطوُّر الذي حصل في صناعة الاستدلال الفقهي على أيدي هؤلاء الأعلام، من حيث كثرة القواعد الأُصولية والفقهية المستند إليها، والدقَّة في تطبيقها، وإرجاع كلِّ مسألة وتفريع إلى كلّيتها وقاعدتها العامّة، وإفراز جهات البحث المختلفة فيهـا، إلى غير ذلك من الأُمور المنهجية التي أضْفَت على البحوث في هذه المرحلة طابعاً علمياً، يميِّزها عن سائر علوم الشريعة ومناهجها ومناهج المذاهب الفقهية الأُخرى.

١٠. وفي هذا الدور استمرَّ أيضاً منهج الدراسات الفقهية المقارنة، وبنحوٍ أوسع وأكثر اتقاناً، حيث صنّف الفقهاء كُتبهم في الفقه المقارن، تارة بين المذاهب الفقهية المتعدِّدة، وأُخرى بين فقهائنا خاصّة، فمن النوع الأوّل كتاب المعتبر في شرح المختصر للمحقِّق الحلِّي، وكتاب تذكرة الفقهاء، وكتاب منتهى


المطلب في تحقيق المذهب للعلاّمة الحلِّي، ومن النوع الثاني كتاب مختلَف الشيعة في أحكام الشريعة للعلاّمة الحلِّي أيضاً.

١١. ومن مميِّزات هذا الدور أيضاً، اتجاه فقهاء الإمامية نحو تدوين وتقنين فقه الدولة والحكم الإسلامي، طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، والتصدّي لتجسيد دور النيابة العامّة عن الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) في عصر الغيبة، سواء من خلال تنظيم جهات المرجعية الدينية، الذي بدأه الشهيد الأوّل (قدس سره) أم من خلال الإشراف والنظارة على الحكومة وأجهزتها، كما وقع للمحقِّق الكركي في الدولة الصفوية.

وقد كان هذا عاملاً مهمَّاً في اتجاه الفقهاء في هذا العصر، نحو الاهتمام بقضايا الدولة والأحكام والنظريات الفقهية المتعلِّقة بها، وخصوصاً نظرية الولاية العامّة ونيابة الفقهاء عن الإمام الحجّة (عجل الله فرجه)، وقد تجلّى هذا النشاط الفقهي ضمن مجموعة من الرسائل الفقهية، التي دُوّنت في فقه الدولة واهتمَّت به نظرياً وعملياً، كمسائل الخراج وصلاة الجمعة وغيرهما.

وبهذا يكون الفقه الإمامي، قد اتّجه في هذا الدور إلى الاستقلال التام في مجالي النظرية والتطبيق معاً، وتطوّر من فقه الأحوال الشخصيّة إلى فقه المجتمع والدولة، وهي خطوة كبيرة جدَّاً في عصر الغيبة الكبرى، وبعد قرون من محاولات الاحتواء والتحجيم لهذه المدرسة الفقهية (١) .

____________________

(١) راجع مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٥٦-٥٩. مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت.


فقهاء الدور الثالث وآثارهم الفقهية

١. المحقِّق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلِّي (ت٦٧٦ هـ).

هو الشيخ أبو القاسم نجم الملّة والدين، الملقَّب بالمحقِّق على الإطلاق،

الغنيُّ عن الإطراء، المشهور بالآفاق بتلاميذه وتآليفه، ويكفي في مقامه أنّ كتابه شرائع الإسلام أصبح كتاباً دراسياً منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وصار محطَّاً للشرح والتعليق عِبر القرون، وقد وصفه العلاّمة الحلِّي ـ في إجازته لبني زهرة ـ من أنّه كان أفضل أهل عصره في الفقه، واستدركه الشيخ حسن صاحب المعالم بقوله: لو كان ترك التقييد بأهل زمانه كان أصوب؛ إذ لا أرى في فقهائنا مثله على الإطلاق.

وذكره ابن داود في رجاله بقوله: جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلِّي، شيخنا نجم الدين، أبو القاسم المحقِّق المدقّق الإمام العلاّمة، واحد عصره، كان ألسَن أهل زمانه، وأقومَهم بالحجّة، وأسرعهم استحضاراً، وقرأت عليه، وربّاني صغيراً، وكان له عليَّ إحسان عظيم والتفات، وأجاز لي جميع ما صنَّفه وقرأه ورواه، وكلّ ما يصحُّ روايته عنه.

توفِّي في شهر ربيع الآخر سنّة ٦٧٦هـ، وله تصانيف حسنة محقَّقة محرَّرة عذبة، فمنها: كتاب شرائع الإسلام مجلَّدان، وكتاب النافع في مختصرها مجلَّد، وكتاب المعتبر في شرح المختصر لم يتمَّ مجلَّدان، وكتاب نكت النهاية مجلَّدان، وكتاب: المسائل الغرية مجلَّد، وكتاب المسائل المصرية مجلَّد، وكتاب المسلك في أُصول الدين مجلَّد، وكتاب الكهنة في المنطق مجلَّد، وله كُتب أُخرى ليس هذا موضع استيفائها فأمرها ظاهر، وله تلاميذ فقهاء فضلاء (١) .

حُكي أنّ المحقِّق نصير الدين الطوسي حضر درس المحقِّق وطلب منه إكمال الدرس، فجرى البحث في مسألة استحباب التياسر (يعني في العراق) فقال المحقِّق الطوسي: لا وجه للاستحباب؛

____________________

(١) رجال ابن داود الحلِّي١ برقم ٣٠٠.


لأنَّ التياسر إن كان من القبلة إلى غيرها فهو حرام، وإن كان من غيرها إليها فواجب. فقال المحقِّق في الحال: بل منها إليها، فسكت المحقِّق الطوسي.

ثمّ ألّف المحقِّق في ذلك رسالة لطيفة، أوردها الشيخ أحمد بن فهد في المهذّب بتمامها، وأرسلها إلى المحقِّق الطوسي فاستحسنها، وكان مرجع أهل عصره في الفقه، يروي عن أبيه عن جدِّه يحيى الأكبر (١) .

إنَّ كلّ ما أنتج يراع شيخنا المحقِّق أثر خالد على جبين الدهر، لا سيّما كتابيه شرائع الإسلام والمعتبر؛ فإنّ لهما قيمة علمية كبيرة، لم تتطاول يد الزمان عليهما.

فكتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، وهو من أحسن المتون الفقهية ترتيباً، وأجمعها للفروع، وقد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلِّفه إلى الآن، ولا يزال من الكتب الدراسية في حواضر العِلم الشيعية، وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة، فاتخذوه محوراً لبحوثهم ودراساتهم، وكتبوا عليه شروحاً وحواشي كثيرة، ويكفـيك أنّ معظم الموسوعات الفقهية الضخمة، التي أُلّفت بعد عصر المحقِّق كلّها شروح له، وقد ذكر أسامي تلك الشروح الطهراني في ذريعته (٢) .

وأمَّا كتاب المعتبر في شرح المختصر، فقد شرح فـيه كتابه الآخر المختصر النافع، الذي هو مختصَر كتابه شرائع الإسلام، خرَّج منه العبادات إلى كتاب الحج وبعض التجارات، وطُبع أخيراً في جزأين.

والكتاب من أنفَس الكتُب الفقهية الاستدلالية لا يُقاس بغيره، وقد كان السيد المحقِّق البروجردي (١٢٩٢ـ١٣٨٠هـ) يذكره في دروسه الشريفة بإجلال وإكبار، ويقول: لم يؤلَّف على غراره تأليف.

آثاره

· شرائع الإسلام، كتاب جديد في أُسلوبه وتبويبه.

____________________

(١) الكنى والألقاب ٢: ١٥٤.

(٢) الذريعة ١٣:٤٧ برقم ١٦١.


· شرح نكت النهاية، كتاب يشرح فيه كتاب النهاية للطوسي.

· النافع في مختصر الشرائع، كتاب اختصر فيه كتاب الشرائع.

· المعتبر، كتاب استدلالي.

· رسالة في استحباب التياسر في قِبلة أهل العراق.

· مختصر المراسم في الفقه.

· أجوبة المسائل البغدادية.

· العزية.

· المسائل الطبرية.

· المسائل الكمالية.

· المسائل المصرية.

· المصطلحات الفقهية.

٢. الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي, تلميذ المحقق الحلِّي (حيٌّ في ٦٧٢ هـ).

· كشف الرموز، كتاب في شرح المختصر للمحقِّق الحلِّي.

٣. يحيى بن سعيد الحلِّي (ت ٦٨٩ وقيل: ٦٩٠ هـ).

· الجامع للشرائع، وهو كتاب فتوى.

· نزهة الناضر في الجمع بين الأشباه والنظائر، كتاب فريد في بابه على صغر حجمه.

· جامع الخلاف والوفاق بين الإمامية وأئمّة الحجاز والعراق.

٤. ابن داود الحلِّي (حيٌّ في ٧٠٧ هـ).

· عقد الجواهر في الأشباه والنظائر.

· تحصيل المنافع من كتاب النافع.

· التحفة السعدية.

· المقتصر من المختصر.


٥. العلاّمة الحلِّي الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي (ت٧٢٦ هـ).

هو الشيخ الأجلُّ، العلاَّمة على الإطلاق، أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلِّي، قدس اللّه نفسه وروَّح رمسه.

تتلمذ على عدد كبير من علماء عصره، كما تتلمذ عليه جمع غفـير من العلماء.

أساتذته: المحقِّق الحلِّي، نصير الدين الطوسي، والده يوسف بن مطهّر الحلِّي، والشيخ ميثم البحراني.

ويصفه ولده في شرحه على القواعد بقوله: المؤيَّد بالنفس القدسية والأخلاق النبوية (١) .

ويعرِّفه الحسن بن داود ـ الذي كان معاصراً له ـ في رجاله ويقول: الحسن بن يوسف بن المطهَّر الحلِّي، شيخ الطائفة، وعلاَّمة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول والمنقول (٢) .

قد ألّف دورات فقهية ستّاً لكلٍّ ميزتها الخاصّة، وقد ذكرها في ترجمته في رجاله الخلاصة.

ونقل محقِّق غاية المراد في تقديمه عليه، عن إحدى مخطوطات كتاب الإرشاد للعلاّمة الحلِّي، أنّه جاء في هامشه ما يلي:

قدّس اللّه نفس العلاّمة، حيث صنّف في كلِّ فنون الفقه، كتب في الخلاف مع الجمهـور التذكـرة، وفي الخلاف بين الخاصة المختلف، وفي فنِّ التفريع التحرير، وفي كلِّيات قواعده القواعد، وفي فروع الروايات الإرشاد، وفي الاستدلال المنتهى، وفي النتائج النهاية.

والكتاب الأخير لم يذكره العلاّمة عند تطرّقه لترجمة نفسه، وقد طُبع أخيراً، وبهذا يبلغ عدد الدورات الفقهية الناجزة بيراعِه إلى سبع.

كما ألّف في الأُصول كتباً متعدِّدة، بين موجَز كـمبادئ الوصول إلى علم الأُصول، ومتوسط كـتهذيب الوصول إلى علم الأُصول، ومسهب كـنهاية العقول إلى علم الأُصول، وقد طبع الأولان.

____________________

(١) إيضاح الفوائد ١: ١٠.

(٢) رجال ابن داود الحلّي: ١١٩ برقم ٤٦١.


وقد ذكر شيخنا في ريحانة الأدب، أنَّ العلاّمة الحلِّي ألّف خمسة عشر كتاباً في الفقه، وعشرة كُتب في أُصوله، وربَّما ناهزت أجزاء بعض كُتبه في الفقه عشرين جزءاً، كما هو واضح لمَن طالع تذكرة الفقهاء.

وحصيلة الجهود التي بذلها العلاَّمة الحلِّي في رفع المستوى الفقهي، هو أنّه ألّف كتباً مختلفة لغايات مختلفة، فلو ألّف الشيخ الخلاف بين المذاهب، فقد ألّف هو مختلف الشيعة في اختلافات فقهاء الشيعة.

كما أنّه ألّف في الفقه المقارن دورتين:

إحداهما: منتهى المطلب في تحرير المذهب، بدأ بتأليفه وله من العمر اثنان وثلاثون عاماً، أي في عام ٦٨٠هـ، وكان المرجو أن يتمَّ تأليفه، ولكنَّ الحوادث عاقته عن الإتمام.

والثاني: تذكرة الفقهاء، فقد فرغ من الجزء الأخير منه عام ٧٢٠هـ، ولم يتجاوز عن كتاب النكاح، ومع ذلك فهو أيضاً لم يتمَّ.

فعلى مَن حاول الوقوف على تخريجاته وتفريعاته، الرجوع إلى كتاب تحرير الأحكام، حيث اشتمل على فروع كثيرة، وفرغ من تأليفه عام ٦٩٧هـ.

آثاره

· الرسائل العشر، كتاب فتوى.

· مجموعة المسائل.

· إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، كتاب فتوى بدون استدلال.

· تبصرة المتعلِّمين في أحكام الدين، كتاب مختصر للفتوى فقط.

· تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، كتاب موسَّع في الآراء وقليل الاستدلال.

· تذكرة الفقهاء، موسّع في الفقه المقارن بين المذاهب.

· تلخيص المرام في معرفة الأحكام، كتاب فتوى.

· قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، كتاب فتوى.

· مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، كتاب فيه نوع من الاستدلال وكثرة الآراء.


· منتهى المطلب في تحقيق المذهب، كتاب استدلالي , إلى الآن لم يتمَّ تحقيقه بكامله.

· نهاية الإحكام في معرفة الأحكام، كتاب فتوى.

· حاشية القواعد.

· المعتمد في الفقه.

· رسالة في المواريث.

· رسالة في واجبات الحج.

· أجوبة المسائل المهنَّائية.

· أجوبة مسائل ابن زُهرة.

· أجوبة المسائل الفقهية.

٦. الأعرجي الحلِّي عبد الله بن محمّد الحسيني (حيٌّ في٧٤٠ هـ).

· تحرير التحرير.

٧. العميدي السيد عبد المطلب بن محمّد الأعرج الحسيني (ت ٧٥٤ هـ).

· كنز الفوائد.

· المسألة النافعة.

٨. فخر المحقِّقين محمّد بن الحسن بن يوسف الحلِّي (ت٧٧١ هـ).

· إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، كتاب يوضِّح فيه إشكالات كتاب والده القواعد.

· جامع الفوائد.

· حاشية الإرشاد.

· المسائل الحيدرية.

· حواشي متفرِّقة.

· معنى قول العلاَّمة في القواعد.

· مسائل بعض الأجلَّة.

· المسائل الفقهية.


· المسائل المظاهرية.

· المسائل الناصريات.

· الفخريَّة في معرفة النيَّة.

· رسالة في الحج.

· المسائل الآمليات.

٩. العتايقي عبد الرحمن بن محمّد (حيٌّ في ٧٧٩ هـ).

· درر النقَّاد، شرح لكتاب إرشاد الأذهان للعلاَّمة الحلِّي.

١٠. الشهيد الأول محمّد بن مكِّي العاملي (ت٧٨٦ هـ).

· البيان، كتاب مختصر في الفتوى.

· أجوبة المسائل الفقهية.

· أحكام الأموات.

· حاشية الذكرى.

· حاشية القواعد.

· خلاصة الاعتبار في الحج والاعتمار.

· الدروس الشرعية في فقه الإمامية، كتاب فتوى.

· ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، كتاب استدلالي.

· الرسالة الألفية، رسالة في واجبات الصلاة، وهي ١٠٠٠ واجب، رسالة صغيرة الحجم.

· الرسالة النفليِّة، رسالة في مستحبّات الصلاة، وهي صغيرة الحجم.

· رسالة في خلل الصلاة.

· غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، كتاب شرح الإرشاد للعلاَّمة الحلِّي.

· القواعد والفوائد، كتاب فيه قواعد العربية والأُصول والفقه.

· اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية، كتاب فتوى صغير الحجم.

· الوصيَّة.


· أجوبة مسائل الفاضل المقداد.

· أجوبة مسائل محمّد بن مجاهد.

· أربع مسائل فقهية.

· مسائل تزاحم الحقوق.

· رسالة في إبداع السفر في شهر رمضان.

· التكليفية.

· المنسك الكبير.

١١. ابن المتوَّج أحمد بن عبد الله بن سعيد البحراني (ت٨٢٠ هـ).

· الفرائض.

· كفاية الطالبين.

· مجمع الغرائب.

· وسيلة القاصد.

١٢. الخطِّي عليّ بن الحسن البحراني (أوائل القرن التاسع).

· رسالة في خلل الصلاة.

· الفرائض.

١٣. الفاضل المقداد بن عبد الله السيوري (ت٨٢٦ هـ).

· التنقيح الرائع، كتاب استدلالي مُختصَر.

· كنز العرفان، كتاب في آيات الأحكام.

· جامع الفوائد.

· نضد القواعد الفقهية.

· التحفة الناجية في التقرُّبات الإلهية.

١٤. ابن فهد الحلِّي أحمد بن محمّد الأسدي (ت٨٤١ هـ).

· المهذَّب البارع، كتاب استدلالي مختصَر.


· المقتصر في شرح الإرشاد.

· الموجز الحاوي , كتاب فتوى.

· المحرَّر، كتاب فتوى.

· رسالة فقه الصلاة (مختصرة).

· شرح ألفيَّة الشهيد.

· كفاية المحتاج في مناسك الحاج.

· رسالة في نيَّات الحج.

· مجموعة رسائل.

· رسالة في مناسك الحج.

· أجوبة المسائل الفقهية.

· الفتاوى.

· اللوامع.

· المسائل البحرية.

· المسائل الشاميّة الأُولى.

· رسالة في أحكام عقد النكاح.

· بُغية الراغبين أو رسالة في كثير الشك.

· غاية الإيجاز.

· الهداية.

· مسألة في الإحباط والتكفير وحكم الصوم إذا ارتدَّ الصائم.

· رسالة في خلل الصلاة.

· اللمعة الجليَّة في معرفة النيَّة.

· مصباح المبتدي.

· شذرة النضيد.


· مسألة في صلاة الميت.

· رسالة في تحمُّل العبادة عن الغير وكيفية الاستنابة.

· رسالة في نيَّات العبادات.

١٥. أحمد بن محمّد بن فهد الإحسائي (ت٨٤٠ هـ).

· خلاصة التنقيح في المذهب الحق الصحيح، كتاب استدلالي.

١٦. ابن القطّان محمّد بن شجاع الحلِّي (قيل: حيٌّ في ٨٣١ هـ)

· معالم الدين في فقه آل ياسين.

١٧. إبراهيم بن ليث الحسيني (أواسط القرن التاسع).

· المقدِّمة الفرعية.

١٨. النحاريري العاملي عليّ تولاني (أواسط القرن التاسع).

· كفاية المهتدي أو التولانيّة.

· المسائل الفقهية أو مسائل ابن طي.

· الدرُّ المنضود في صيغ العقود.

١٩. السبيعي العاملي أحمد بن محمّد (حيٌّ في ٨٥٤ هـ).

· سديد الأفهام.

· الدرَّة الدرِّية.

· الأنوار العلَية.

٢٠. الصيمري مفلح بن الحسين بن راشد (حيٌّ في٨٨٧).

· غاية المرام في شرح شرائع الإسلام، كتاب استدلالي مختصَر في شرح شرائع الإسلام.

· كشف الالتباس، وهو كتاب يشرح فيه الموجز لابن فهد الحلِّي.

· التنبيه على غرائب مَن لا يحضره الفقيه.

· رسالة في سهو الصلاة اليومية.

· جواهر الكلمات.


الدور الرابع:

ويُطلق عليه دور الإفراط والتفريط، ويسمَّى بـ (دور التطرّف)؛ لأنَّه ظهر في هذا العصر اتجاهان فقهيان مُتعاكسان، أحدهما ردُّ فعل للآخر، أوّلهما: الاتجاه العقلي المتشدِّد تِجاه الآخر بالأحاديث والروايات، والآخر: الاتجاه الأخباري المتشدِّد تجاه الآخر بحكم العقل وظهورات آيات الأحكام.

التحديد الزمني لهذا الدور:

ويبدأ بعصر المحقِّق الأردبيلي (قدس سره) (ت ٩٩٣هـ)، أي في العقود الأخيرة من القرن العاشر، واستمرَّ إلى العقود الأخيرة من القرن الثاني عشر، أي باستمرار منهجه الفقهي على أيدي النابهين من تلامذته، مثل صاحبي المعالم والمدارك، ومَن حذا حذوهما في التشدُّد في قبول أخبار الآحاد، وما خلَّفه هذا التشدُّد من ردود فعل قويَّة في الساحة العلمية الإمامية؛ إذ استفحلت المدرسة الأخبارية لتقف بوجه هذا الاتجاه، الذي كاد ينتهي إلى تقليص حجم الأخبار التي اهتمَّ بجمعها وحفظها السلف الصالح من علمائنا الأبرار، ويمكن تحديد نهاية هذه المرحلة بظهور الوحيد البهبهاني (قدس سره) (ت ١٢٠٥هـ)، الذي قضى على استفحال المدِّ الأخباري , وأرجع التيَّار الأُصولي المعتدل إلى موقعه الريادي , وتزعَّم الاتجاه الفقهي المعتمد على الأُصول العقلية والنقلية معاً، دون إفراط أو تفريط (١) .

ظهور الحركة الأخبارية:

إنَّ حدثاً جديداً طرأ على هذا العلم، فقد ظهر في هذه الفترة اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة، على يد الشيخ محمّد أمين الإسترآبادي (المتوفَّى ١٠٣٦ هـ) (٢) ، مؤلِّف كتاب الفوائد المدنيّة في الاستغناء عن القواعد العقليّة، وعُرِف هذا الاتّجاه الجديد: بـ (الأخبارية) في مقابل المدرسة الأُصوليّة السائدة في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة.

____________________

(١) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد في الفقه الإمامي / مجلَّة فقه أهل البيت ١٥: ١٦٩-١٧٠، مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٦٠.

(٢) الذريعة ٢١: ١٩٨.


ورغم أنّ الأمين الإسترآبادي يحاول أن يُبرز لهذا الاتجاه عمقاً تاريخيّاً، يمتدّ إلى عصر الصدوقَين والفقهاء الأوائل، ولكن من الواضح أنّ هذا الاتّجاه ـ بأبعاده وخصائصه وقواعده ـ الذي يذكره الأمين الإسترآبادي في الفوائد المدنيّة، اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة.

وقد كاد هذا الاتّجاه الجديد أن يُحدث صدعاً في الاجتهاد عند الشيعة، لولا أنّ الفقهاء والأُصوليّين وقفوا أمام هذا التوجُّه، ودافَعوا عن الطابع العقلي للأُصول، ممّا أدّى إلى تقلّصه وتراجعه بالتـدرُّج، وضعَّفه عن مواصلة التحرّك والتأثير على الوسط الفقهي في المدارس الشيعيّة.

ويبدو أنّ الخلفيّة التي كانت من وراء ظهور هذه المدرسة، هي التخوّف من الاستغراق في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد، والابتعاد عن النصّ الشرعي، كما حدث ذلك لمدرسة الرأي عند أهل السنّة، حيث استدرجهم اعتماد الرأي إلى القياس والاستحسان ومحاولة استنباط أحكام الله تعالى بمثل هذه المصادر الظنيّة، التي لا تُغني عن الحقّ شيئاً.

غير أنّ الأمين الإسترآبادي ومَن جاء بعده من أعلام الأخباريين، غالوا في هذا التحفّظ والتخـوّف، حتى أدّى بهم ذلك إلى موقف سلبي من العقل والملازمات العقليّة، والتشكيك في حجِّيّة الأحكام العقليّة، إلاّ ما كان له مبدأ حسّي أو قريب من الحسِّ كالرياضيّات (١) .

الأسباب التي أدّت إلى ظهور الحركة الأخبارية:

لقد تضافرت أسباب عدَّة، وتفاعلت عوامل متعدِّدة، أسهمت في شقِّ صفِّ علماء الطائفة إلى صفَّين، لكلٍّ منهما منهج خاص في أخذ الحكم الشرعي، ولم يقتصر الأمر على هذا الاختلاف، بل تعدّاه إلى حمل الأخباريين راية النبذ والاستهجان لطريقة الاجتهاد المتعارفة لدى الفقهاء الإمامية، والطعن عليهم والتوهين لهم، ونحن نذكر أهمَّ هذه الأسباب:

١. يقول محمّد أمين الإسترآبادي في كتابه (دانشنامه شاهي):

____________________

(١) دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول، مهدي الآصفي/ مجلَّة الفكر الإسلامي ١: ٥٩-٥٩. وقد ذكرنا منهج الاستنباط الأخباري والفرق بينه وبين الأصولي في فصل مناهج الاجتهاد من هذا البحث ص٢٢٢، ٢٢٥.


(إلى أن وصل المطاف إلى أعلم علماء المتأخرين في علم الحديث والرجال وأورعهم، أُستاذ الكل في الكل ميرزا محمّد إسترآبادي ـ نوّر اللّه مرقده الشريف ـ وبعد أن قرأت عنده علم الحديـث، أشار إليّ قائلاً: جدِّد طريقة الأخباريين، وارفع الشبُهات المعارضة لها. ثمّ أشار الأستاذ بقوله: بأنّ هذا المعنى كان يدور في خاطري، ولكنَّ اللّه قدَّر أن يكون على يدك).

(وبعد أن أخذت العلوم المتعارفة من أعظم علمائها، وكنت بالمدينة المنوّرة أعواماً على هذه الحال، وبعد تورّعي لوجه اللّه، وتوسّلي بأرواح أهل العصمة، فجدّدت النظر في الأحاديث، وكتُب العامة والخاصة بنظرة دقيقة متعمّقة، حتى وفّقني اللّه ببركات سيد المرسلين والأئمّة الطاهرين، فأجبته مؤتمراً طائعاً، فألّفت الفوائد المدنيّة، ولمّا عرضته عليه أجابني مستحسناً لما جاء فيه، وأثنى عليّ بالجميل (رحمه الله)) (١) .

٢. يذهب بعض الكتّاب إلى أنّ ظهور هذه الحركة لا يخلو العامل السياسي من دور مؤثّر فيه، فيقول: ولا نستبعد أن يكون للعامل السياسي دور في تعميق هذا الصراع وتوسعته، فقد كان ملوك الصفويّة يومذاك يحكمون إيران والعراق، وهما بلدان معروفان بالولاء لأهل البيت (عليهـم السـلام)، وكانوا يتقرَّبون إلى الفقهاء ويقرِّبونهم، ويضعونهم في مواضع حسّاسة من الدولة، ويدعمون حكمهم بتأييد ودعم الفقهاء، وقد استضافوا خلال هذه الفترة جمعاً غفيراً من العلماء، من جبل عامل والعراق والبحرين.

ولكنَّ الذي يتتبَّع سير الأُمور في العاصمة الصفويّة في ذلك الوقت، يجد أنّ ملوك الصفويّة رغم حاجتهم إلى العلماء، ورغم اهتمامهم بهجرة الفقهاء إلى عاصمة مُلكهم، كانوا يراقبون اتِّساع دائرة نفوذ العلماء في أجهزة الحكم وفيما بين الناس بقلق... وقد كان ذلك يؤدّي بهم أحياناً إلى طلب الهجرة العكسيّة من بعض الفقهاء من إصفهان إلى العراق، كما حدث ذلك للمحقِّق الكركي (رحمه الله)، فقد كانوا يجدون في اتّساع دائرة نفوذ العلماء ما يزاحم نفوذهم وسلطانهم وشعبيّتهم، ولنا أدلَّة وشواهد عديدة على ذلك لسنا الآن بصدد استعراضها ودراستها.

____________________

(١) مقدّمة كتاب الفوائد المدنية: ١٢ـ١٣ بقلم محقِّقه.


وعلى ذلك؛ فلا نستبعد أن يكون لملوك الصفويّة دَور في اتّساع رقعة الخلاف وتعميقها بين المدرستين الشيعيّتين في الاجتهاد (الأخبارية والأُصوليّة) (١) .

____________________

(١) دَور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول، محمد مهدي الآصفي/ مجلَّة الفكر الإسلامي ١: ٦٦.


فقهاء الدور الرابع وآثارهم الفقهية:

١.١. المقدَّس أحمد بن محمّد الأردبيلي (ت٩٩٣هـ).

· مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، كتاب استدلالي.

· زبدة البيان في شرح آيات الأحكام، كتاب في آيات الأحكام.

· مناسك الحج (بالفارسية).

· رسالة في الخراج.

· رسالة مختصَرة في الخراج.

· مسألة في الذبح.

· رسالة في الصلاة والصوم (بالفارسية).

٢. القطيفي علي بن إبراهيم بن سليمان (حيٌّ في ٩٩٥هـ).

· شرح تردُّدات النافع.

٣. الشيباني ماجد بن فلاح بن حسن (أواخر القرن العاشر).

· رسالة في حرمة التصرُّف في الآجر والحجارات المستخرجة من خرابات الكوفة والحائر وطوس وغيرها.

· رسالة في حِلِّ الخراج.

· رسالة في وجوب الاتِّجار بمال الصغير واستئمانه له.

· رسالة في الرضاع.

· رسالة في حلِّية العنب والزبيب المُلقَيين في الخلِّ لكسب الحموضة.

٤. العاملي نور الدين عليّ بن أحمد بن أبي جامع (أواخر القرن العاشر).

· شرح قواعد الأحكام.

٥. الجابلقي عبد العلي بن محمود الخادم (نهاية القرن العاشر).

· رسالة في صلاة الجمعة.


· رسالة في صلاة الجمعة (بالفارسية).

· شرح الألفية.

· شرح بالفارسية على الألفية.

٦. الكركي سيد حسين بن حسن الحسيني (سيد حسين المجتهد) (ت ١٠٠١ هـ).

· رسالة في النيَّة.

· رسالة في استقبال القِبلة.

· رسالة في الأواني.

· رسالة في القِبلة.

· البُلغة في عدم عينية صلاة الجمعة.

· رسالة النيَّات وصيغ العقود والإيقاعات.

· رسالة في حكم ذبائح أهل الكتاب.

· رسالة في تنازع الزوجين في متاع البيت.

٧. عبد الله بن خليل (حيٌّ في ١٠٠٦).

· شرح الفرائض النصيرية.

· رسالة في المواريث.

٨. الجامعي عليّ بن محيي الدين العاملي (حيٌّ في ١٠٠٨هـ).

· رسالة في الميراث.

٩.٩. العاملي محمّد بن عليّ الموسوي السيد السند (ت ١٠٠٩هـ).

· هداية الطالبين غاية المرام، شرح للمختصر النافع.

· مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، كتاب استدلالي في العبادات فقط، ومن مميّزات هذا الكتاب متانة الاستدلال، والاعتماد على الروايات المسلَّمة، فينتقي منها ما كانت واضحة الدلالة، ومن الأدلة العقلية ما كانت متسالمة، وهو في الوقت نفسه ينقل الرواية بكاملها مع الدقّة في نقلها، ويضعِّف ما يرويه غير الإمامي الاثني عشري.


· حاشية على الاستبصار.

· حاشية على تهذيب الأحكام.

· حاشية على الروضة البهيَّة.

· حاشية الألفية.

١٠. بايزيد الثاني عليّ بن عناية الله البسطامي (حيٌّ في ١٠١١هـ).

· معرج التحقيق.

· أوقات الصلاة.

· التحفة المرضية (السلامية).

١١. صاحب المعالم الحسن بن الشهيد الثاني العاملي (ت ١٠١١هـ).

· منتقى الجُمان، كتاب بيَّن فيه الروايات الصحيحة.

· معالم الدين.

· مناسك الحج.

· الاثنا عشرية.

· أجوبة مسائل محمّد بن جويبر المدني.

· مشكاة القول السديد في تحقيق معنى الاجتهاد والتقليد.

· رسالة في المنع من تقليد الميّت.

١٢. المرعشي القاضي نور الله بن شريف الحسيني الشوشتري (ت ١٠١٩هـ).

· نهاية الإقدام.

· البحر الغزير في تقدير الماء الكثير.

· رسالة في تحقيق ما لا تتمُّ الصلاة فيه.

· رسالة في صلاة الجمعة.

١٣. الفاضل التستري ملاَّ عبد الله بن الحسين الشوشتري (ت ١٠٢١هـ).

رسالة في صلاة الجمعة (بالفارسية).


· رسالة في حقيقة الصوم.

· رسالة في وكيل الزوجة.

· حاشية الألفية.

· جامع الفوائد (شرح على قواعد العلاّمة).

· الرسائل.

١٤. الجزائري عبد النبي بن سعد (ت ١٠٢١هـ).

· الاقتصاد (شرح إرشاد الأذهان).

١٥. التفرشي مير فيض الله بن عبد القاهر الحسيني (ت١٠٢٥هـ).

· الأنوار القمرية.

١٦. الإسترآبادي ميرزا محمّد بن عليّ الحسيني (ت١٠٢٨هـ).

· آيات الأحكام

١٧. البحراني السيد ماجد بن هاشم (ت ١٠٢٨هـ).

· اليوسفية.

١٨. ابن صاحب المعالم محمّد بن حسن بن زين الدين العاملي (ت ١٠٣٠هـ).

· رسالة في الأرض المفتوحة عنوة.

· كشف الرموز الخفيَّة.

· حاشية على اثني عشرية صاحب المعالم.

١٩. البهائي بهاء الدين محمّد بن الحسين العاملي (ت١٠٣٠هـ).

· الحبل المتين.

· مشرق الشمسين.

· الاثنا عشريات.

· الجامع العباسي.

· أجوبة مسائل الشيخ جابر.


· أجوبة مسائل الشيخ صالح بن حسن الجزائري.

· جواب مسائل الشاه عباس (بالفارسية).

· المسائل الفقهية.

· المسائل المدنيات.

· حاشية على قواعد الأحكام.

· حاشية على إرشاد الأذهان.

· حاشية على القواعد والفوائد.

· الكُرِّيّة.

· حاشية على اثني عشرية صاحب المعالم.

· رسالة مختصَرة في فقه الصلاة.

· رسالة في تحقيق جهة القِبلة.

· الحريرية.

· رسالة في استحباب السورة في الصلاة.

· رسالة في سجود التلاوة.

· رسالة في صلاة الجمعة.

· رسالة في التخيير بين القصر والإتمام في الأماكن الأربعة.

· مسألة في الصوم.

· رسالة في جواز منع الزوجة نفسها عن الزوج حتى تقبض المهر.

· رسالة في ذبائح أهل الكتاب.

· شرح جواهر الفرائض.

· الفرائض البهائية.

· رسالة في المواريث.

· رسالة في العدالة.


شرح الفرائض النصيرية للمحقِّق الطوسي.

٢٠. الميسي لطف الله بن عبد الكريم العاملي (ت١٠٣٣ هـ).

· الاعتكافية.

· الوثائق والعقال، رسالة في فسخ الزوجة الصغيرة نكاح الولي لها بعد كبرها.

· حاشية جامع المقاصد.

· حاشية فوائد الشرائع.

٢١. المحدِّث الإسترآبادي محمّد أمين بن محمّد شريف (ت١٠٣٦).

· رسالة في طهارة الخمر.

٢٢. السيد الداماد محمّد باقر بن محمّد الحسيني الإسترآبادي (ت١٠٤٠هـ).

· الإعضالات العويصات.

· الاثنا عشرية (عيون المسائل الفقهية).

· حاشية على مختلف الشيعة.

· حاشية على شرائع الإسلام.

· حاشية على التنقيح الرائع.

· شارع النجاة في أحكام العبادات.

· رسالة في الطهارة والصلاة.

· التعليقات في الطهارة.

· حاشية على الألفية.

· رسالة في صلاة الجمعة.

· إثبات السيادة لمَن ينتسب إلى هاشم أُمّاً.

· ضوابط الرضاع.

· الردُّ على ما اعتُرض به على ضوابط الرضاع.

· رسالة في تنازع الزوجين في قدر المهر.


· دلائل الأحكام.

٢٣. الفاضل جواد بن سعد بن عليّ الأسدي (حيٌّ في ١٠٤٤ وقيل: ١٠٦٥ هـ).

· مسالك الأفهام في شرح آيات الأحكام.

· الفوائد العليَّة.

٢٤. العلوي أحمد بن زين العابدين العاملي (حيٌّ في ١٠٤٤هـ).

· رسالة في نجاسة الخمر.

· بيان الحق وتبيان الصدق.

٢٥. الساروي مرتضى بن محمّد الحسيني (حيٌّ في ١٠٤٩هـ).

· جمعة من مسائل الجمعة.

٢٦. الحسيني حسين بن حيدر الكركي (أواسط القرن الحادي عشر).

· رسالة في اشتراط صحَّة الصوم الواجب بالغُسل من الجنابة.

· إصابة الحق.

٢٧. المشهدي معزُّ الدين محمّد بن أبي الحسن الموسوي (حيٌّ في ١٠٤٤هـ).

· ذخيرة الجزاء.

· جواهر الحقايق.

· تحفة الرضا.

· العشرة الكاملة.

٢٨. الإسترآبادي محمّد تقي بن أبو الحسن الحسيني (أواسط القرن الحادي عشر).

· شرح خُطبة الشرائع.

· مناقشات فقهية.

٢٩. التفرشي مراد بن عليّ جان (ت١٠١٥هـ).

· الكُرِّية.

· شرح قطرة البحرين.


٣٠. الحلِّي محمّد صادق بن محمّد أمين الشيرازي (حيٌّ في ١٠٥٧هـ).

· رسالة في استحباب السورة أو وجوبها.

٣١. الكمره أي عليّ نقي بن محمّد هاشم الإصفهاني (ت١٠٦٠هـ).

· رسالة في الصلاة في المغصوب.

· رسالة في ولاية الأب والجدِّ.

٣٢. الشولستاني شرف الدين عليّ بن حجّة الله (حيٌّ في ١٠٦٣هـ).

· رسالة في سراية النجاسة.

· الفوائد الغروية.

· أفعال الحج (بالفارسية).

٣٣. المجلسي الأول محمّد تقي بن مقصود عليّ الأصفهاني العاملي (١٠٧٠هـ).

· أجوبة المسائل الفقهية (بالفارسية).

· حديقة المتّقين.

· مناسك الحج (بالفارسية).

٣٤. التوني عبد الله بن محمّد الخراساني (ت ١٠٧١هـ).

· رسالة في نفي الوجوب العيني عن صلاة الجمعة.

٣٥. الشوشتري حسن عليّ بن عبد الله (ت١٠٧٥هـ).

· التبيان.

· رسالة في حرمة صلاة الجمعة في زمن الغيبة.

٣٦. الكاظمي محمود بن فتح الله الحسيني (حيٌّ في ١٠٧٩هـ).

· رسالة في وجوب الخُمس حال استتار الإمام.

٣٧. النائيني رفيع الدين محمّد بن حيدر الحسيني (ت١٠٨٢هـ).

· أجوبة المسائل الفقهية (بالفارسية).


· حاشية على مختلف الشيعة.

· حاشية على مدارك الأحكام.

٣٨. الأصفهاني محمّد بن قاسم (ت١٠٨٤هـ).

· حاشية الروضة البهيّة.

· رسالة في صلاة الجمعة (بالفارسية).

٣٩. النجفي فخر الدين بن محمّد عليّ الطريحي (ت١٠٨٧هـ).

· الفخرية.

· الضياء اللامع.

٤٠. القزويني خليل بن غازي (ت١٠٨٨هـ).

· رسالة في حرمة صلاة الجمعة (بالفارسية).

٤١. المحقِّق السبزواري محمّد باقر بن محمّد المؤمن (ت١٠٩٠هـ).

· ذخيرة المعاد، (شرح إرشاد العلاّمة).

· كفاية الأحكام.

· حاشية على مسالك الإفهام.

· رسالة في تحديد النهار الشرعي.

· رسالة في صلاة الجمعة.

· رسالة في صلاة الجمعة (بالفارسية).

· رسالة في الغناء.

· رسالة أُخرى في الغناء.

· الخلافية (بالفارسية).

٤٢. الكاشاني ملاَّ محمّد محسن الفيض بن الشاه مرتضى بن الشاه حمود (ت١٠٩١هـ).

· مفاتيح الشرائع.

· معتصم الشيعة في أحكام الشريعة.


· الوافي.

· النخبة.

· أجوبة المسائل الفقهية.

· أحكام الأموات.

· أبواب الجنان (بالفارسية).

· الشهاب الثاقب.

· ضوابط الخمس.

· رسالة في حكم أخذ الأجرة على الواجبات.

· رسالة في الولاية على البكر في التزويج.

· منهاج النجاة (في أصول العقائد).

٤٣. القهبائي محمّد سعيد بن قاسم الطباطبائي الحسيني (ت١٠٩٢هـ).

· روض الجنان.

· حاشية زبدة البيان.

٤٤. النجفي حسام الدين بن جمال الدين الطريحي (حيٌّ في ١٠٩٤هـ).

· التبصرة الجليَّة.

٤٥. القزويني رضي الدين محمّد بن حسن (ت ١٠٩٦هـ).

· مسألة في إيصال الغبار الغليظ.

٤٦. التوني أحمد بن محمّد (حيٌّ في ١٠٩٧هـ).

· حاشية الروضة البهيَّة.

٤٧. القمّي محمّد طاهر بن الحسين (ت١٠٩٨هـ).

· السلامية.

· جاء الحق (بالفارسية).

· رسالة في صلاة الجمعة (بالفارسية).


· تحفة الدارين.

٤٨. المحقِّق الخونساري آقا حسين بن محمّد بن الحسين (ت١٠٩٨هـ).

· مشارق الشموس.

· أجوبة المسائل.

· رسالة في الخمس (بالفارسية).

· حلُّ الشكِّ في كون بعض أهل البلد كافراً وأكثرهم مسلمون.

٤٩. الشيرواني ملاَّ ميرزا محمّد بن حسن (ت١٠٩٨هـ).

· أجوبة المسائل الفقهية (بالفارسية).

· رسالة في الحبوة (بالفارسية).

· رسالة في الصيد والذباحة (بالفارسية).

· شكوك الصلاة (بالفارسية).

· رسالة في أحكام الأموات.

· حاشية على قواعد العلاَّمة.

· حاشية على الشرائع.

٥٠. الطريحي صفيّ الدين بن فخر الدين (حيٌّ في ١١٠٠هـ).

· الينبوع المنبجس في الردِّ على مَن قال إنَّ النجس لاينجَّس.

٥١. العاملي عليّ بن محمّد سبط الشهيد (ت١١٠٣هـ).

· الزهرات الرويَّة.

· الردُّ على اعتراضات خليفة السلطان على الروضة البهيّة.

· تنبيه الغافلين.

· رسالة في النَذر.

· حاشية الشرائع.

· حاشية الألفيَّة.


شرح تمهيد القواعد.

٥٢. الحرُّ العاملي محمّد بن حسن بن عليّ (ت١١٠٤هـ).

· هداية الأمَّة إلى أحكام الأئمة.

· بداية الهداية.

· خلاصة الأبحاث.

· رسالة في حرمة شرب التتن والقهوة.

· رسالة في أنّ التصرّف واليَد دليل الملكيّة.

· أُرجوزة في الزكاة.

· رسالة في صلاة الجمعة.

٥٣. المجلسي المولى محمّد باقر بن المولى محمّد تقي (ت ١١١٠وقيل: ١١١١ هـ).

· أجوبة مسائل المولى مجد الدين التستري.

· أيادي سبأ.

· جواب مسائل خراسان (بالفارسية).

· جواب مسائل ميرزا سيد عليّ (بالفارسية).

· هداية الإخوان (بالفارسية).

· مجموعة سؤال وجواب (بالفارسية).

· مجموعة سؤال وجواب (بالفارسية) مجموعة أُخرى.

· المسائل الهنديّة.

· نظم اللآلي (بالفارسية).

· سؤال وجواب فقهي (بالفارسية).

· رسائل متعدِّدة في موضوعات مختلفة.

· رسالة في صلاة الجمعة.


٥٤. المحدّث الجزائري السيد نعمة الله بن عبد الله الموسوي (ت١١١٢ هـ).

· هدية المؤمنين.

· مسكِّن الشجون في حكم الفرار من الوباء والطاعون.

٥٥. السيد ماجد البحراني محمّد بن إبراهيم الحسيني (أوائل القرن الثاني عشر).

· إيقاظ النائمين.

٥٦. الحويزي القاضي جعفر بن عبد الله (ت ١١١٥هـ).

· رسالة في الوصية بالنكاح.

٥٧. الكاشاني نور الدين محمّد هادي بن مرتضى (حيٌّ في ١١١٦هـ).

· فقه الميراث.

· حاشية مفاتيح الشرايع.

٥٨. البحراني الشيخ سليمان بن عبد الله بن عليّ الماحوزي (ت ١١٢١هـ).

· السؤال والجواب.

· الفتاوى السليمانية.

· حاشية إرشاد الأذهان.

· تحقيق مسألة التباعد بين البئر والبالوعة.

· فصل الخطاب في نجاسة أهل الكتاب والنصَّاب.

· الفوائد السريَّة.

· رسالة في تحليل التتُن والقهوة.

· واجبات الصلاة.

· رسالة في أوقات الصلاة.

· رسالة في أفضلية التسبيح على القراءة في الركعتين الأخيرتين.

· رسالة في كيفية التسبيح في الأخيرتين.


٥٩. التنكابني محمّد بن عبد الفتاح (ت١١٢٤هـ).

· رسالة في فصول الأذان والإقامة.

· رسالة في صلاة الجمعة (بالفارسية).

· حاشية على رسالة التوني.

· حاشية زبدة البيان.

· رسالة رؤية الهلال قبل الزوال.

· رسالة في نَذر التصدّق (بالفارسية).

٦٠. الخونساري جمال الدين بن محمّد بن حسين بن محمّد (ت١١٢٥هـ).

· حاشية الروضة البهيّة.

· رسالة في صلاة الجمعة (بالفارسية).

· رسالة في مال الناصبي.

· رسالة في النَذر.

٦١. الخاتون آبادي محمّد صالح بن عبد الواسع الحسيني (ت ١١٢٦هـ).

· الآداب السنيّة.

· التهليلية.

· رسالة في أنّه هل يعتبر حكم الحاكم بثبوت الهلال؟

٦٢. السبزواري محمّد جعفر بن محمّد باقر شريف (حيٌّ في ١١٢٧ هـ).

· رسالة في التكبيرات السبع.

· رسالة في حكم رؤية الهلال قبل الزوال.

· حاشية الألفية.

٦٣. الحويزي عبد الله بن كرم (حيٌّ في ١١٣٢هـ).

· كتاب الصلاة.


٦٤. البحراني والد الشيخ يوسف أحمد بن إبراهيم البحراني (ت ١١٣١هـ).

· أجوبة مسائل السيد يحيى بن سيد حسين الأحسائي.

· أجوبة مسائل الشيخ عبد الإمام الأحسائي.

· أجوبة مسائل الشيخ عليّ بن لطف الله البحراني.

· أجوبة مسائل الشيخ نصير بن محمّد خطي الجارودي.

· تعليق على مبحث الزوال.

· رسالة في تحقيق غُسالة النجاسة.

· رسالة في حكم ملاقي المتنجِّس.

· المسائل الخمسة.

· رسالة في جواز العدول عن كل سورة عدا الجحد والتوحيد.

· رسالة في تحقيق مسألة الصلح على المجهول.

· رسالة في تملك المهر أجمع بمجرَّد العقد.

· رسالة في الدعوى على الميت.

· رسالة في أنّ الطلقة والطلقتين هل تبقي بالتحليل أو تنعدم؟

٦٥. المازندراني محمّد هادي بن محمّد صالح (توفِّي حدود ١١٣٤هـ).

· رسالة في الأذان والإقامة.

· رسالة في تعيين غرَّة رمضان في ما إذا غمَّت شهور السنة كلُّها.

· رسالة في معرفة أحكام الرضاع.

· رسالة في الإرث.

٦٦. السماهيجي عبد الله بن صالح البحراني (ت ١١٣٥هـ)

· أجوبة مسائل السيد عبد الله بن سيد علوي.

· أجوبة مسائل الشيخ سليمان.

· الفاكهة الكاظميّة.


· حلُّ العقود.

· هداية السائل.

· اللمعة الجليَّة في تحقيق المسائل الإسماعيلية.

· المسائل البهبهانيّة.

· المسائل الحسينيّة.

· المسائل المحمّديّة.

· المسائل الناصريّة.

· النفحة العنبريّة في أجوبة المسائل التستريّة.

· الرسالة الفهليانيّة.

· مسألة الشيخ عبد الله بن الشيخ فرج.

٦٧. حيدر عليّ بن الملاَّ ميرزا الشيرواني (قيل: حيٌّ في ١١٣٤هـ).

· رسالة في وجوب الصلاة على النبي (صلَّى الله عليه وآله).

· رسالة في الخلل في الصلاة.

· رسالة في حدِّ المسافة الموجبة للقصر والإفطار.

· تحفة السرائر.

· رسالة في حرمة المشاهد المشرّفة.

· رسالة في وجوب قتل سابِّ النبي (صلَّى الله عليه وآله).

٦٨. الفاضل الهندي (كاشف اللثام) محمّد بن الحسن بن محمّد الاصبهاني (ت١١٣٧هـ).

· كشف اللثام.

· المناهج السويَّة.

· حاشية إرشاد الأذهان.

· الاحتياطات الفقهيّة.


· رسالة في صلاة الجمعة.

· الزهرة في مناسك الحج والعمرة.

٦٩. العاملي الملاَّ أبو الحسن بن محمّد طاهر الشريف الفتوني (جدُّ صاحب الجواهر) (ت ١١٣٨ قيل: ١١٢٩ هـ).

· رسالة في الرضاع.

· شرح مفاتيح الشرايع.

٧٠. العاملي محمّد بن عليّ بن حيدر الموسوي (ت١١٣٩هـ).

· مسائل سألها الشيخ يوسف البحراني من الآخوند رفيع.

· إظهار ما عندي بمنسك الفاضل الهندي.

· إيناس سلطان المؤمنين.

· آيات الأحكام.

٧١. المختاري بهاء الدين محمّد بن محمّد باقر النائيني (حدود ١١٤٠هـ).

· القول الفصل في المسح والغَسل.

· القبالة القبلية (في بيان استقبال الميت وتوجيهه إلى القبلة).

· حسان اليواقيت.

· رسالة في استحباب التسليم على النبي في التشهُّد الأخير.

· مقاليد القصود.

· العين في تعارض حقَّي المتبايعين.

· رسالة في النكاح (بالفارسية).

· عمدة الناظر في عقدة الناذر، رسالة في بطلان النذر المعلَّق بما بعد الموت.

· إنارة الطروس.

· رسالة في الإرث (بالفارسية).

· تقويم الميراث.


· مسألة في وجوب التكفين في ثلاثة أثواب.

· القامع للبدعة في ترك صلاة الجمعة.

· هداية الصراط في حرمة الجمع بين الظهر والجمعة.

٧٢. القزويني محمّد إبراهيم بن محمّد معصوم الحسيني (ت ١١٤٩هـ).

· رسالة في الفرق بين الكبائر والصغائر.

· حاشية الروضة البهيّة.

· حاشية زبدة البيان.

· حاشية مدارك الأحكام.

٧٣. الرضوي صدر الدين محمّد بن محمّد علي الكاشاني (أواسط القرن الثاني عشر).

· منتهى المرام في القصر والإتمام.

٧٤. البروجردي محمّد بن عبد الكريم الطباطبائي (أواسط القرن الثاني عشر).

· رسالة في معرفة أحكام الرضاع

٧٥. الحائري سيد نصر الله بن حسين الموسوي (أواسط القرن الثاني عشر).

· رسالة في حرمة شرب التُتن والحشيش.

٧٦. عبد النبي بن أحمد البحراني (حيٌّ في ١١٥٠هـ).

· رسالة في الرضاع.

٧٧. الكيلاني محمّد بن رفيع بن فرج (حيٌّ في ١١٥٠هـ).

· حاشية الروضة البهيَّة.

· حاشية زبدة البيان.

· رسالة في صلاة الجمعة.

· رسالة في صلاة الجمعة (رسالة أُخرى).

٧٨. الرضوي صدر الدين محمّد بن محمّد باقر الهمداني (حيٌّ في ١١٥١ هـ).

· استقصاء النظر.


· رسالة في عدم انفعال الماء القليل.

٧٩. الجزائري (المحقِّق الجزائري) أحمد بن إسماعيل النجفي (ت١١٥١ هـ).

· قلائد الدرر.

· تبصرة المبتدئين.

٨٠. اليزدي صدر الدين محمّد بن نصير الطباطبائي (ت ١١٥٤هـ).

· رساله في صلاة الجمعة.

· عدَّة المسافرين.

· الفرائض.

· إشارات الفقه.

٨١. اللاريجاني زين العابدين بن محمّد يوسف الحسيني (حيٌّ في ١١٦٨ هـ).

· كشف المطلوب في بطلان الصلاة في المكان المغصوب.

٨٢. المقابي محمّد بن عليّ بن عبد النبي البحراني (حيٌّ في ١١٦٩هـ).

· مجمع الأحكام.

· رسالة في الجهر والإخفات.

٨٣. الشوشتري عبد الرشيد بن نور الدين (القرن ١٢هـ).

· المسائل الأخبارية.

٨٤. محمّد بن محمّد زمان الكاشاني (حيٌّ في ١١٧٢ هـ).

· القبلة الاثنا عشرية (بالفارسية).

· نور الهدى، رسالة في الزكاة بعد إخراج المؤونة.

· الحق الصراح في ما لا بدَّ منه في إيجاب النكاح.

· رسالة في صيَغ النكاح.

٨٥. عبد الله بن نور الدين الجزائري (ت١١٧٣ هـ).

· الأنوار الجليّة في جوابات المسائل الجبليّة الأُولى.


الذخيرة الأبديّة في أجوبة المسائل الأحمديَّة.

· الذخيرة الباقية في أجوبة المسائل الجبلية الثانية.

· المقاصد العليّة في أجوبة المسائل العلويّة.

· الذخر الرائع.

· التحفة السنيَّة.

٨٦. المازندراني محمّد إسماعيل بن محمّد حسين الخواجئي (ت ١١٧٣هـ).

· أجوبة المسائل.

· الرسائل.

· رسالة في تحديد الكُرِّ.

· رسالة في حكم الغُسل قبل الاستبراء.

· رسالة في حكم الحدث الأصغر المتخلِّل أثناء الغسل.

· مسالة في وظيفة رجل احتاج إلى الغُسل في الأرض الباردة.

· رسالة في عدم جواز التكفين في مالا يجوز الصلاة فيه والجلود.

· رسالة في حكم الإسراج عند الميت.

· رسالة في أصالة عدم التذكية في الجلد المشترى من الكفار أو مَن لا يوثق به.

· الحريريّة.

· الذهبيّة.

· رسالة في اللباس المشكوك.

· رسالة في الصلاة في ثوب معه فضلة ما لا يؤكل لحمه.

· تذكرة الوداد.

· رسالة في كيفية الأذان والتشهُّد.

· رسالة في الخمس.

· رسالة في أفضلية التسبيح في الأخيرتين.


· رسالة في استثناء الموؤنة من الزكاة.

· مسألة في الحج البلدي.

· رسالة في أقلِّ ما بين العمرتين.

· رسالة في حقيقة الناصب وأحكامه.

· رسالة في العقد الفضولي.

· رسالة في تحريم الغناء.

· رسالة في النظر إلى وجه الأجنبية.

· رسالة في عدم جواز تزويج المؤمنة بالمخالف.

· الرضاعية.

· رسالة في جواز حمل الزوجة المنقطعة من بلد إلى آخر.

· فائدة في طلاق الولي.

· رسالة في الفرق بين الطلاق الرجعي والبائن.

· رسالة في جواز التداوي بالخمر.

· الفصول الخمسة في الشُّفعة.

· رسالة في الحبوة.

· رسالة في إرث الزوجة.

· رسالة في جواز مقاصَّة المنكِر لو حلف.

· رسالة في العدالة.

· حاشية مدارك الأحكام.

· رسالة في الصلاة والإفطار بأذان الجمهور.

٨٧. النجفي شبّر بن محمّد الموسوي (حيٌّ في ١١٧٩هـ).

· رسالة في وجوب غُسل الجمعة.

· رسالة في القصر والإتمام.


· رسالة في حكم الارتماس في الصوم.

٨٨. العاملي محمّد مهدي بن محمّد صالح الفتوني (ت ١١٨٣هـ).

· نتائج الأخبار.

٨٩. المحدِّث يوسف بن أحمد بن إبراهيم البحراني صاحب الحدائق (ت ١١٨٦هـ).

هو المحدِّث الكبير، والفقيه المتبحِّر، الجامع بين التوغُّل في الحديث والإحاطة بالفروع.

يصفه تلميذه أبو علي الحائري، مؤلِّف منتهى المقال، بقوله: عالم فاضل، متبحِّر ماهر، متتبّع محدّث، ورع عابد، صدوق ديِّن، من أجلَّة مشايخنا وأفاضل علمائنا المتبحِّرين.

وقال تلميذه الأمير عبد الباقي سبط العلاّمة المجلسي ـ في منتخب لؤلؤة البحرين ـ: كان فاضلاً عالماً، محقّقاً نحريراً، مستجمعاً للعلوم العقليّة والنقليّة. إلى غير ذلك من جُمل الثناء وحُلل الإطراء، ممَّا ذكره المحقِّق السيد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه الله) في مقدّمته على كتاب الحدائق الناضرة:

وشيخنا هذا انتهت إليه سلسلة الإجازات وحلقات الروايات، يروي عنه لفيف من العلماء أشهرهم: المولى محمّد مهدي النراقي صاحب المستند، و السيد مهدي بحر العلوم، ويوجد نص الإجازة في ذيل فوائده الرجالية.

وقد ألّف كتباً كثيرة أشهرها: الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، وقد طُبع في ٢٥ جزءاً.

يقول المؤلّف في حقّ هذا الكتاب: لم يعمل مثله في كتب الأصحاب، ولم يسبق إليه سابق في هذا الباب؛ لاشتماله على جميع النصوص المتعلِّقة بكل مسألة وجميع الأقوال، وجملة الفروع التي ترتبط بكلّ مسألة إلاَّ ما زاغ عنه البصر وحاد عنه النظر.

إلى أن قال: وبالجملة، فإنّ قصدنا فيه إلى أنّ الناظر فيه لا يحتاج إلى مراجعة غيره من الأخبار، ولا كتب الاستدلال؛ ولهذا صار كتاباً كبيراً واسعاً، كالبحر الزاخر باللؤلؤ الفاخر.

وقال الخوانساري: كان هو أخبارياً صرفاً، ثمَّ رجع إلى الطريقة الوسطى، وكان يقول: إنَّها طريقة العلاّمة المجلسي.


توفِّي (رحمه الله) سنّة ١١٨٦هـ، وتولَّى غُسله الشيخ محمّد عليّ الشهير بابن سلطان، وهو من أجلِّ تلاميذه، وصلَّى عليه المحقِّق البهبهاني (١) .

آثاره

· الحدائق الناضرة.

· أجوبه المسائل الفقهية.

· أجوبة المسائل الثلاث.

· أجوبة المسائل.

· الأنوار الحيريّة.

· الدرر النجفيّة.

· اللآلي الزواهر.

· المسائل البهبهانيّة.

· تدارك المدارك.

· قاطعة القال والقيل في انفعال الماء القليل.

· رسالة في الصلاة.

· رسالة أُخرى في الصلاة.

· شرح رسالة الصلاة.

· رسالة في صلاة الجمعة.

· رسالة في الشركة.

· رسالة في حرمة الأُمِّ بالعقد على البنت.

· الصوارم القاصمة لظهور الجامعين من ولد فاطمة.

____________________

(١) الحدائق الناضرة: ١، المقدِّمة، بقلم السيد عبد العزيز الطباطبائي. مستدرك الوسائل ٣: ٣٨٧، روضات الجنات ٨:٢٠٣، وقد ترجم لنفسه في لؤلؤة البحرين:٤٤٢.


· كشف القناع (في ردِّ ضوابط الرضاع لميرداماد).

· الرسالة المحمّدية.

· رسالة في العدالة.

· مناسك الحج.

٩٠. الخوانساري حسين بن أبي القاسم الموسوي (ت ١١٩١هـ).

· شرح عبارة مشكلة في مبحث صلاة الميت.

· شرح عبارة مشكلة في مبحث صلاة الخوف.

· رسالة في تنجيس ملاقي المتنجِّس

٩١. محمّد بن أحمد البحراني (أواخر القرن الثاني عشر).

· رسالة في وجوب الجهر بالتسبيحات.


الدور الخامس:

يسمَّى هذا الدور بـ (دور التصحيح والاعتدال) (١) ، والسبب في هذه التسمية ما ظهر خلال هذا الدور من منهج فقهي، وقف بوجه الإفراط والتفريط اللذين شهدهما الدور السابق، واختار طريقاً وسطاً معتدلاً، في الاعتماد على الأخبار والعقل، يسمَّى بـ (عصر تصعيد الاجتهاد والنشاط الفقهي) (٢) ؛ لما شهدته هذه الفترة من نشاط فقهي متحرِّر من الفكر الأخباري، الذي وقف بوجه الاجتهاد والذي ساد خلال الدور السابق.

التحديد الزمنـي لهذا الدور:

يبدأ هذا الدور من منتصف القرن الثاني عشر الهجري تقريباً، وينتهي في منتصف القرن الثالث عشر، أي عند ظهور مدرسة الشيخ الأنصاري (قدس سره).

وتخلَّلت هذا القرن الواحد ثلاثة أجيال من الفقهاء الأُصوليين، وجملة من كبار الفقهاء الأخباريين الذين عدلوا عن التطرُّف بالتدريج (٣) .

أهمُّ ملامح الدور الخامس:

١. لقد قام المحقِّق الوحيد البهبهاني بمواجهة كلا الاتجاهين المتطرِّفَين، اللذين برزا في الدور السابق وتصحيح عملية الاجتهاد في الفقه الإمامي عمّا لحقت بها من شبهات وانحرافات؛ نتيجة التطرُّف الذي ساد في الفترة السابقة.

فمن ناحية استطاع أن يدافع بقوَّة ومتانة عن آراء المشهور من فقهائنا المتقدّمين، الذين ناقش آراءهم المحقِّق الأردبيلي، فأوضح بطلان جملة من تلك النقود وعدم صحَّتها من الناحية العلميّة.

____________________

(١) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٤٨.

(٢) أدوار الفقه الإمامي: ١١.

(٣) مراحل تطوُّر الاجتهاد في الفقه الإمامي , منذر الحكيم/ مجلَّة فقه أهل البيت ١٦:١٥١.


كما أنّه عالج مشكلة توثيق الأسانيد والرواة في تعليقته على الرجال الكبير، وهو منهج المقال للاسترآبادي، وهي عبارة عن شرح لطيف مفيد نافع مبدوء بفوائد خمس رجالية، وإليه يرجع العلماء حتى اليوم، وبهذا دفع التطرُّف الذي سار عليه أصحاب الاتجاه الأوّل.

ومن ناحية أُخرى ـ وهي الأساسية في حياته ـ صمَّم بكل عزيمة وإصرار على مواجهة الاتجاه الأخباري، وما أثاره من الغبار والجدال بوجه أُصول الفقه الإمامي , فقد وضَّح هذا العَلَم معنى الاجتهاد في الفقه الإمامي، وأنّه يختلف عن الاجتهاد عند العامّة، ولا ينبغي أن يكون التشابه اللفظي بينهما منشأً لتوهم أنّ ما ورد في بعض الروايات، من الردِّ على أهل الرأي والاجتهاد من العامة يشمل هذا الاجتهاد، فإنَّ هذا من الاجتهاد في فهم النصوص المأثورة عنهم، وتفريع الفروع على الأُصول والقواعد التي ألقوها، وعلاج حالات التعارض والاختلاف بينها.

وهذا ـ مضافاً إلى أنَّه ليس منهيَّاً عنه ـ مستفاد من رواياتهم وأحاديثهم، الدالّة على أنّه عليهم إلقاء الأُصول وعلينا التفريع (١) ، أو ما ورد في بعض الروايات في حكم المسح لمَن عثر فوقع وانقطعت ظفر إبهامه فوضع عليه مرارة، حيث قال الإمام (عليه السلام): (يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجل: ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٢) امسح عليه) (٣) ، وغير ذلك من النصوص التي تدلُّ على تدريب الأئمة (عليهم السلام) لأصحابهم على كيفية الاجتهاد في فهم النصوص وتطبيقها والاستفادة منها (٤) .

٢. كما أنّه من خلال إفادات هذا العَلَم اتَّضحت الحاجة إلى علم أُصول الفقه، وأنّه من دون ذلك لا يمكن أن يتمَّ استنباط الحكم الشرعي؛ لأنّه بالابتعاد عن زمان صدور النصوص والأحاديث، وعدم قطعية أسناد أكثر الروايات المنقولة إلينا؛ لخفاء القرائن والإمارات التي يمكن على أساسها القطع بصدورها، لابدّ من الاستناد في مجال تفريغ الذمَّة عن الأحكام الشرعية المعلومة إجمالاً، إلى الحجج الشرعية المتمثّلة في الإمارات الشرعية (الأدلّة الاجتهادية)، أو الأُصول العملية (الأدلّة الفقاهتية)،

____________________

(١) الفصول المهمَّة في أُصول الأئمة ١: ٥٥٤، ح٨٢٤ و٨٢٥.

(٢) الحج: ٧٨.

(٣) الكافي ٣: ٣٣، ح٤.

(٤) راجع موضوع إرساء الأئمة قواعد الاجتهاد في الفصل الثاني من هذه الرسالة، صفحة رقم٦٢.


وأنّه لابدَّ من إثبات ذلك بدليل شرعي قطعي أو عقلي كذلك، وهذا وأمثاله ممّا يتكفلَّه علم أُصول الفقه.

٣. كما اتَّضحت على يدي هذا العَلَم الفروق بين أُصول الفقه عند الشيعة، وأُصول الفقه عند العامّة، فإنَّ القواعد التي يُبحث عنها في أُصول الفقه الإمامي، ترجع إلى قواعد لفظية تنقِّح دلالات الدليل اللفظي , أو قواعد شرعية مستفادة من الروايات، كالاستصحاب والبراءة، وحجيّة أخبار الثقات، وأحكام التعارض بين الروايات وعلاجه، أو مدركات عقلية نظرية، أو عملية قطعية، فليس البحث الأُصولي في الفقه الإمامي بحثاً عن الأقيسة والاستحسانات والظنون، بل على العكس من ذلك يُتعرَّض فيه ـ ولو عرَضاً ـ إلى عدم حجيّة مثل هذه الظنون، حتى إذا قيل بحجيّة مطلق الظنِّ كما توهَّمه بعض الأُصوليين وسُمِّي بدليل الانسداد (١) .

٤. واتَّضح أيضاً في هذا الدور الفقهي ـ بشكل آكد وأوضح ـ مبنى حجيّة الإجماع عند الشيعـة، وأنّه ليس كما ذهب إليه العامّة من كونه دليلاً مستقلاً على الحكم الشرعي , بل الإجماع إذا تمّت شروطه وأمكن تحصيله من القدماء يمكن أن يكون كاشفاً عن السنَّة وتلقِّي الحكم من المعصوم (عليه السلام) (٢) .

٥. وفي هذا الدور أيضاً، وعلى يد هذا العَلَم وتلامذته، تطوَّر علم الأُصول واتّسع في طبيعة مسائله، وفي أنحاء الاستدلال، وفي تقسيم أبحاثه، فلم تعد أبحاثه هي تلك المسائل اللغوية أو العقلية المبحوثة في كتب أُصول الفقه سابقاً، ولا بتلك المنهجية والاستدلالات، بل بمنهج جديد قُسمِّت مباحثه إلى قسمين رئيسين:

‌أ - مباحث الألفاظ.

‌ب - مباحث الأدلّة العقلية.

وتوسَّع البحث فيها عن جملة من الأُصول العملية الشرعية، كأصل البراءة الشرعية في الشبهات الوجوبية والتحريمية ـ وقد منعها الأخباري ـ وأصل الاستصحاب في موارد اليقين السابق، وأصل الاحتياط في موارد العلم الإجمالي أو الشك في الامتثال.

____________________

(١) انظر فرائد الأصول (ضمن تراث الشيخ الأعظم)٢٤: ٣٨٤.

(٢) انظر الرسائل الأصولية:٢٥١.


وأيضاً، قسِّمت الأدلّة إلى:

‌أ- الأدلّة الاجتهادية، والتي تدلُّ على الحكم الشرعي الواقعي، وتُثبته إثباتا قطعياً أو تعبدياً.

‌ب - والأدلّة الفقاهتية، التي لا تُثبت الحكم الشرعي الواقعي ولا تشخِّصه، وإنّما تقرِّر الوظيفة العملية تجاه الحكم الواقعي المشتبه، فإنّ هذه الفكرة ـ التي هي اليوم من مسلّمات أُصول الفقه الشيعي ـ من مبتكرات هذا الدور الفقهي.

والحقّ، أنّه قد تحقَّقت صحوة أُصولية وفقهية عظيمة، على يد الوحيد البهبهاني، اعتدل بها منهج الفقه الإمامي , ووجد مساره الأصيل المستقل عن المناهج الفقهية الأُخرى، وعمّا كان يُثار بوجهه من الغبار والشبهات المتطرِّفة.

وقد كان لاجتماع هذا العَلَم مع العلَم الأخباري المحدِّث البحراني ـ صاحب الحدائق ـ (قدس سره) في حاضرة كربلاء العلمية، دور كبير في تحقيق هذه الصحوة وسرعتها، من خلال مناقشات هذين العلَمين بشكل علمي منفتح ومتواصل، كما كان لتقواهما وسلامتهما الأثر الكبير في انفتاح طلاَّبهما على الحقائق العلمية التي كان الوحيد البهبهاني قويّاً في تهذيبها وعرضها، وتقريبها إلى أجيال من الفقهاء الذين تربُّوا في مجالس درس هذين العلََمين.

وقد أثّرت النقود والشبهات التي أثارها الأخباريون، على منهج الاجتهاد الأُصولي في نضج الفكر الأُصولي وتقويته؛ لأنّه استدعى إحكام الأُسس والأُصول من خلال طرح تلك الانتقادات والشبهات وتفنيدها ودفعها، والكشف عن اللبس والتأثُّرات التي كانت تسودها بمنهج علمي ومنطقـي.

كما أنّ الدفاع العلمي، الذي قامت به مدرسة الوحيد البهبهاني (قدس سره) أثّر كثيراً على الفكر الأخباري، حتى جعل فقيههم الأوحد الشيخ يوسف البحراني (قدس سره) يميل نحو الاعتدال ـ كما أشرنا آنفاً ـ فيقبل الاجتهاد الفقهي , ويقبل الإجماع في حالة كونه كاشفاً عن السنَّة ـ وهو المقصود منه في هذا الفقه ـ ويتراجع عن جملة ممّا كان قد تطرَّف فيه الرعيل الأوّل من الأخبارييـن.

وقد تخرَّج من مدرسة الوحيد البهبهاني طبقات من كبار الفقهاء العظماء والمحقِّقين


ويمكن القول: بأنّ فروع الشجرة المباركة لفقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في هذين القرنين ـ الثاني عشر والثالث عشر ـ ترجع بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الوحيد البهبهاني (قدس سره)؛ ولذلك يطلق عليه لقب (أُستاذ الكلّ) أو (الأُستاذ الأكبر) وهو لقب يختصُّ به الوحيد البهبهاني (قدس سره).

ولقد حمل ـ بحق ـ هذا الفقيه الأوحد لواء الدعوة إلى المنهج الأُصولي في الاجتهاد، وواجه الأخباريين في النجف وبهبهان وكربلاء، من خلال تأليفاته ودروسه ومحاوراته، التي كان يُجريها مع العلماء الأخباريين، وقد حلَّ في بهبهان ثلاثين سنة، وكانت هذه المدينة تضمّ يومئذ جمعاً من فقهاء البحرين الأخباريين، فتحوّلت الحوزة العلمية في عهده في هذه المدينة إلى الاتجاه الأُصولي , ثمّ انتقل إلى كربلاء، والتي كانت هي الأُخرى بسبب وجود المحدّث البحراني حوزة إخبارية، فحوّلها الوحيد البهبهاني إلى أُصولية، وبقي فيها إلى آخر عمره ووافاه الأجل فيها.

وكان مجلس درسه في كربلاء عامراً بكبار الفقهاء، وقد تحوّل إليه فضلاء تلاميذ الشيخ البحراني، الذي كان زعيم الحوزة وأُستاذها قبل قدوم الوحيد إلى كربلاء، فاستطاع أن يستقطب الحوزات العلمية كلّها، ويربّي أجيالاً من الفقهاء الفطاحل من بعده، وكان همُّه الأوّل خلال هذه الفترة تكريس الاتجاه الأُصولي السليم، ونقض ونقد الاتجاه الأخباري، وإعادة الانسجام والاعتدال إلى فقه أهل البيت (عليهم السلام).

كما خلّف الوحيد البهبهاني من بعده كُتباً قيِّمة، من آثاره وأفكاره في الأُصول والفقه، والحديث والرجال وغير ذلك، فقد ذكر تلميذه الشيخ أبو علي الحائري (ت ١٢١٦هـ) في منتهى المقال: (أنّ تآليف الأُستاذ تقرب من ستِّين كتاباً) (١) (٢) .

المراكز والمدارس العلمية التي نشطت في الدور الخامس:

كانت للشيعة يومذاك حوزات علمية عامرة في مناطق مختلفة، فكانت حوزة أصفهان ذات نشاط كبير، تخرَّج منها علماء أفذاذ، ذوو اختصاصات مختلفة، وقد كان المحقِّق البهبهاني في الأصل

____________________

(١) انظر منتهى المقال ٦: ١٨٠.

(٢) انظر مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي ٦٤-٦٨.


أصفهانياً، وإنّما أُطلق عليه البهبهاني نظراً لمَكْثه الطويل في مدينة بهبهان أحد معاقل الأخباريين يومذاك.

وقد انقرضت الدولة الصفوية عام ١١٣٥هـ في هذا الدور على يد الأفاغنة، وأوجدت قلاقل و اضطرابات لم تدم طويلاً، حتى تسلّمت الدولة الزندية زمام الأُمور، ودامت إلى أواخر القرن الثاني عشر.

وتليها حوزة شيراز حيث عجَّت بالأُصوليين، والأخباريين، والرياضيين، والحكماء والفلاسفة.

ومع أنّ نور العلم لم يُطفأ في سائر المراكز، كجبل عامل، وحلب، وخراسان، إلاّ أنّ حوزة كربلاء والنجف قد نشطت من بينها وصعَّدت من جهودها.

وقد تقلّص النشاط الأخباري وانحصر في البحرين والقطيف والأحساء، حيث يشاركون الأُصوليين في جميع المواقف، وينتفعون بوسائل الحياة العصرية كما ينتفع منها الأُصوليون، مع أنّ الأصل عندهم هو الحظر إلاَّ أن يقوم دليل على الحلِّية.


فقهاء الدور الخامس وآثارهم الفقهية:

١. الوحيد محمّد باقر بن محمّد أكمل البهبهاني (ت ١٢٠٥وقيل: ١٢٠٦هـ).

ولِد المحقِّق محمّد باقر بن محمّد أكمل البهبهاني سنة (١١١٨هـ) في أصفهان، وقرأ المقدّمات فيها، ثمّ انتقل إلى النجف من جرّاء نشوب القلاقل والفتن، وأكمل فيها دروسه عند العلمين الجليليـن، السيد محمّد الطباطبائي البروجردي ـ جدّ السيد بحر العلوم ـ والسيد صدر الدين القمّـي، المشهور بالهمداني شارح كتاب وافية الأُصول، ولمّا تزوّد من معين تلك الحوزة، وصاهر أُستاذه السيد محمّد الطباطبائي , انتقل حينها إلى بهبهان معقل الأخباريين في ذلك الزمان، ومكث هناك ما يربو على ثلاثين سنة، لعب فيها دوراً هامّاً في التعليم والتربية، والتأليف والتصنيف، وقد أحسَّ بعد حقبة من الزمن أنّه لو هاجر إلى الأماكن المقدَّسة لبذل عطاءً ضخماً.

فنزل النجف الأشرف، ولم يلبث فيها إلاّ قليلاً، ثمّ انتقل إلى كربلاء المقدّسة، حيث كانت تعجّ بالأخباريين يومذاك.

يقول الشيخ الطهراني: لمَّا ورد المترَجم كربلاء المشرَّفة قام بأعباء الخلافة، ونهض بتكاليف الزعامة والإمامة، ونشر العلم بها، واشتهر تحقيقه وتدقيقه، وبانت للملأ مكانته السامية، وعلمه الكثير، فانتهت إليه زعامة الشيعة ورئاسة المذهب الإمامي في سائر الأقطار، وخضع له جميع علماء عصره، وشهدوا له بالتفوُّق والعظمة والجلالة؛ ولذا اعتُبر مجدِّداً للمذهب على رأس هذه المائة، وقد ثُنيَت له الوسادة زمناً استطاع خلاله أن يعمل ويفيد، وقد كانت في أيَّامه للإخبارية صولة، وكان لجهّالهم جولة، وفلتات وجسارات وتظاهرات، أُشير إلى بعضها في منتهى المقال وغيره، فوقف المترَجم آنذاك موقفاً جليلاً كسر به شوكتهم، فهو الوحيد من شيوخ الشيعة الأعاظم، الناهضين بنشر العلم والمعارف، وله في التاريخ صحيفة بيضاء، يقف عليها المتتبِّع في غضون كتب السِيَر ومعاجم الرجال (١) .

والذي يُعرب عن خطورة الموقف، وأنّه بلغ الأمر إلى الطعن بالعلماء والتشنيع بهم، هو ما ذكره المحقق البهبهاني وتلميذه.

____________________

(١) الكرام البررة ١:١٧١.


أمّا الأوّل، فيشتكي المحقِّق في رسالة الاجتهاد والأخبار، من الأخباريين ويُخاطبهم بقوله: ما الوجه في مطاعنكم الشديدة المنكرة بالنسبة إلى المجتهدين، والتشنيعات المتكثِّرة الركيكة على هؤلاء المتَّقين الورعين؟! وما المحلِّل لهتك حرمة الأحياء والأموات من المؤمنين، وإيذائهم مع كونهم من أزهد الزاهدين، وأصلح المتدينين؟! بل ربَّما تأمَّلتم في عدالة مَن يقرأ كتبهم ويسلك سبيلهم؟!

ولِمَ هذه التفرقة بين المؤمنين؟! وممَّ هذه المعركة المهيّأة بين العالمين؟! وما هذه البغضاء والنفرة الحادثة بين الشيعة؟! ومن أين اجترأ الجهلة على الطعن في الأعاظم والأجلَّة بنسبتهم إلى متابعة أهل السنَّة وأبي حنيفة وغيرها من الأمور السخيفة؟! وأدخلوا أنفسهم بين العلماء وآرائهم في الآراء، مع أنّهم لا يعرفون الهرَّ من البرَّ، مهَّدوا لأنفسهم قواعد مضحكة، ويُفتون بفتاوى ركيكة، يدَّعون أنَّهم أخباريون، وأنّكم لو اطَّلعتم على فتاويهم وقواعدهم لتنفُّرتم عنهم، وحذرتم منهم ووجدتم إيَّاهم لا هُم منكم ولا أنتم منهم (١) .

وأمَّا تلميذه فقال: وقد كانت بلدان العراق، لا سيّما المشهدين الشريفين مملوءة قبل قدومه من معاشر الأخباريين، بل ومن جاهليهم والقاصرين، حتى إنَّ الرجل منهم إذا أراد حمل كتاب من كُتب فقهائنا ـ رضي الله عنهم ـ حمله مع منديل، وقد أخلى الله البلاد منهم ببركة قدومه، واهتدى المتحيِّر في الاهتمام بأنوار علومه (٢) .

آثاره:

· حاشية مدارك الأحكام.

· مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرايع، كتاب استدلالي مختصَر.

· أجوبة المسائل (بالفارسية).

· سؤال وجواب (بالفارسية).

· حاشية ذكرى الشيعة.

____________________

(١) الرسائل الأُصولية: رسالة الاجتهاد والأخبار:٢١٦.

(٢) منتهى المقال في أحوال الرجال ٦:١٧٨ برقم ٢٨٥٢.


· حاشية المختصَر النافع.

· حاشية مسالك الإفهام.

· حاشية مجمع الفائدة والبرهان.

· تحقيق في القياس.

· الجمع بين الأخبار المتعارضة.

· حواشي مفاتيح الشرايع.

· شرح ديباجة مفاتيح الشرايع.

· رسالة في بطلان عبادة الجاهل.

· رسالة في المتعة.

· الإفادة الإجمالية في العبادات المكروهة.

· رسالة في أنّ الأصل في الأشياء الطهارة.

· رسالة في كيفية وجوب الطهارة.

· رسالة في حكم عصيري التمر والزبيب.

· رسالة في صلاة الجمعة.

· رسالة في عدم الاعتداد بالرؤية قبل الزوال.

· رسالة في أنَّ إنكار أصول المذهب لا يوجب الكفر.

· رسالة في أنَّ الأصل في المعاملات الصحَّة.

· رسالة في بطلان القرض بشرط المعاملة المحاباتية.

· رسالة في جواز الجمع بين الفاطميتين.

· رسالة في بطلان العقد على الصغيرة لأجل المحرميَّة.

٢. القزويني حسين بن محمّد إبراهيم الحسيني (ت١٢٠٨هـ).

· رسالة في حكم النبش.

· رسالة في حكم الهوام والسوام والحشرات.


· رسالة في تنجيس المتنجِّس.

· رسالة في حكم العبادة في المكان المغصوب.

· رسالة في حل حديث ورد الصوت الحسن.

· مختار المذهب في ما يصحبه الإنسان من الذهب.

· غاية الاختيار في أحكام مناكحة الكفار.

· رسالة في حكم نكاح الصغيرة لغرض محرمية أمِّها.

· رسالة في حكم موت الولد في بطن أمِّه.

· معارج الأحكام.

· مستقصى الاجتهاد.

· حاشية الروضة البهية.

٣. النراقي محمّد مهدي بن أبي ذر الكاشاني (ت١٢٠٩هـ).

· لوامع الأحكام.

· معتمد الشيعة.

٤. بحر العلوم محمّد مهدي بن مرتضى الطباطبائي (ت١٢١٢هـ).

· الدرَّة البهية (رسالة فقهية منظومة).

· المصابيح.

· مبلغ النظر.

· العجالة الموجزة في فروع الناسك.

· رسالة في حكم الفرار من الطاعون.

· رسالة في تحريم العصير العنبي والزبيبي.

٥. الشهرستاني محمّد مهدي بن أبي القاسم الموسوي (ت١٢١٦هـ).

· المصابيح.


٦. الهمداني عبد الصمد (ت١٢١٦هـ).

· رسالة في الغناء.

· حاشية المختصَر النافع.

· بحر الحقائق.

٧. البهبهاني محمّد عليّ بن محمّد باقر الكرمانشاهي (ت١٢١٦هـ).

· الفذالك.

· فتَّاح المجامع.

· المسائل التي اشتهرت بين المتأخِّرين على خلاف مقتضى الأدلَّة القويَّة استناداً إلى بعض الأُصول أو الأخبار الضعيفة العاميّة.

· مقامع الفضل (بالفارسية).

· حاشية الروضة البهيّة.

· قطع المقال في نصرة القول بالانفعال.

· رسالة في المؤونة المستثناة من الزكاة.

· مصرف ردِّ المظالم (بالفارسية).

· دليل الناسك.

· كتاب الإجارة.

· صيغ النكاح.

· منع المنع من الجمْع بين فاطميتين.

· مظهر المختار في حكم النكاح مع الإعسار.

٨. البحراني حسين بن محمّد آل عصفور (ت١٢١٦هـ).

· عيون الحدائق، كتاب تكملة للحدائق وهو استدلالي.

· سداد العباد ورشاد العباد.

· رواشح العناية الربَّانية.


· الأنوار اللامعة.

· السوانح النظرية.

· الفتاوى الحسينية.

· النفحة القدسية.

· برهان الأشراف في منع بيع الأوقاف.

٩. المشهدي محمّد مهدي بن هداية الله الحسيني (ت١٢١٨هـ).

· رسالة في المواسعة.

· رسالة في جواز الحيَل الشرعية.

· رسالة في ولاية الأب على النكاح.

· نبراس الهداية.

· شرح عبارة في مبحث الأواني من منتهى المطلب.

١٠. العاملي محمّد الجواد بن محمّد الحسيني (ت١٢٢٦هـ).

مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاَّمة.

١١. الكاظمي محسن بن حسن الأعرجي (ت ١٢٢٧هـ).

· الجامع الكبير.

· حاشية على كفاية السبزواري.

· رسالة في صلاة الجمعة.

· شرح مقدِّمة الحدائق.

١٢. كاشف الغطاء جعفر بن خضر المالكي (ت١٢٢٨هـ).

· كشف الغطاء عن خفيِّات مبهمات الشريعة الغرَّاء، كتاب مسائل متفرِّقة.

· شرح قواعد العلاَّمة في بعض أبواب المكاسب.

· بُغية الطالب.

· القواعد الشرعية.


· رسالة في العبادات الماليّة.

· كشف الالتباس بين الحيض والاستحاضة والنفاس.

· أحكام الجنائز.

· رسالة في الصيام.

· غاية المراد في أحكام الجهاد.

· رسالة في المنع من الشهادة بالولاية في الأذان.

١٣. عليّ بن محمّد عليّ الطباطبائي (ت١٢٣١هـ).

· رياض المسائل في بيان الأحكام والدلائل، كتاب استدلالي.

· مختصَر الرياض.

· حديقة المؤمنين.

· حاشية مفاتيح الشرايع.

· حاشية دروس الشهيد.

· الجهادية.

١٤. الميرزا أبو القاسم بن محمّد حسن القمّي (ت١٢٣٢وقيل: ١٢٣١و١٢٣٣هـ).

· غنائم الأيَّام.

· مناهج الأحكام.

· جامع الشتات (بالفارسية والعربية).

· جوامع الرسائل.

· الرسائل.

· مُعين الخواص.

· مرشد العوام.

· التحفة العباسية (بالفارسية).

· رسالة في دعوى المرأة الخلوِّ عن المانع.


رسالة في حكم الطلاق بدعوى الوكالة عن الزوج مع إنكاره.

· رسالة في إقرار الرجل بطلاق زوجه.

· رسالة في تحقيق ما يُعتبر في الشهادة.

١٥. الكاظمي الملاَّ أسد الله بن إسماعيل الدزفولي (صاحب المقابس) (ت١٢٣٤هـ).

· مقابس الأنوار.

· حاشية قواعد الأحكام.

· اللؤلؤ المسجور في معنى لفظ الطهور.

· منهج التحقيق في التوسعة والتضييق.

· مبلغ النظر ونتيجة الفكر.

١٦. السيد المجاهد محمّد بن علي الطباطبائي (صاحب المناهل) (ت١٢٤٢هـ).

· كتاب القضاء.

· نهاية المرام.

· جامع الأقوال.

· المناهل.

· الجهادية.

١٧. شبَّر عبد الله بن محمّد رضا الحسيني (ت١٢٤٢هـ).

· جامع الأحكام، كتاب استدلالي على الطريقة الأخبارية.

· مصابيح الظلام.

· المصباح الساطع.

· زبدة الدليل.

· رسالة في الطهارة.

١٨. آل كاشف الغطاء موسى بن الشيخ جعفر (ت١٢٤٣هـ).

· مُنية الراغب في شرح بُغية الطالب.


١٩. النراقي أحمد بن محمّد مهدي (ت١٢٤٥هـ).

· هداية الشيعة.

· مستند الشيعة.

· رسائل ومسائل (بالعربية والفارسية).

· كتاب القضاء والشهادات.

· مناهج الأحكام.

· حاشية الروضة البهيّة.

· عوائد الأيَّام في مهمَّات أدلَّة الأحكام، كتاب مسائل متفرِّقة.

٢٠. الهزارجريبي محمّد عليّ بن محمّد باقر الأصفهاني (ت١٢٤٦هـ).

· البحر الزاخر.

· قاطع النزاع.

· مخزن الأسرار الفقهيّة.

٢١. الأصفهاني محمّد تقي بن محمّد رحيم (صاحب هداية المسترشدين) (ت...).

· كتاب الطهارة.

٢٢. البحراني أحمد بن صالح بن طوق (توفِّي أواسط القرن ١٣ هـ).

· رسالة في قصد الثواب.

· رسالة في وجوب التيمم.

· رسالة في إدراك الركعة في الوقت.

· رسالة في وجوب الإخفات في غير الأُولتَين.

· روح النسيم في أحكام التسليم.

· أحكام العمرة.

· مسألة في طلاق الحائض.

· جواب عن مسائل الحبوة.


· أجوبة مسائل السيد حسين.

· أجوبة مسائل الشيخ محمّد درازي.

٢٣. آل كاشف الغطاء عليّ بن الشيخ جعفر (ت١٢٥٣هـ).

· التقريرات.

· رسالة في الصوم.

٢٤. العفكاوي خضر بن شلال (ت ١٢٥٣).

· التحفة الغرويَّة.

· جنَّة الخُلد.

٢٥. الشفتي محمّد باقر بن محمّد تقي الموسوي (ت١٢٦٠هـ).

· مطالع الأنوار.

· سؤال وجواب (بالفارسية).

· رسالة في تطهير العجين.

· رسالة فيما لو أخلَّ بالتسليم في الصلاة.

· رسالة في التسليم بالنوافل.

· رسالة في إقامة الحدود في زمن غيبة الإمام (بالفارسية).

· رسالة في عدم لزوم القبض إذا جعل الواقف التولية لنفسه.

· رسالة في جواز الاتِّكال على قول النساء في انتفاء موانع النكاح.

· رسالة في حرمة أمِّ الموطوء وبنته وأُخته على الواطئ.

· رسالة في طلاق مدَّعي الوكالة عن الزوج مع إنكار الزوج.

· رسالة في حكم صلح حق الرجوع في الطلاق الرجعي.

· كاريزية (بالفارسية).


٢٦. الكربلائي محمّد مهدي بن عليّ الطباطبائي ابن (صاحب الرياض) (ت١٢٦٠هـ).

· رسالة في هبة مدَّة الزوجة الصغيرة.

· المصابيح.

٢٧. الكلباسي محمّد إبراهيم بن محمّد حسن الأصفهاني (ت١٢٦٢هـ).

· شوارع الهداية.

· منهاج الهداية.

٢٨. القزويني إبراهيم بن محمّد باقر الموسوي (صاحب الضوابط) (ت١٢٦٢هـ).

· دلائل الأحكام.

٢٩. شريعتمدار محمّد جعفر بن سيف الدين الإسترآبادي (ت١٢٦٣هـ).

· شوارع الأنام.

· حاشية رياض المسائل.

· حاشية مدارك الأحكام.

· ينابيع الحكمة.

· مجمع الآراء.

· مشكاة الورى.

· المقاليد الجعفرية.

· رسالة في القِبلة.

· رسالة في القصر والتمام.

· الكفاف في مسائل الاعتكاف.

· صيَغ العقود والإيقاعات.

· صيَغ النكاح.

· رسالة في إبراء الأب زوجة ابنه الصغيرة المنقطعة المدَّة.


· رسالة في حكم المرأة المفقود عنها زوجها.

· سفينة النجاة.

· رسالة في الحدود والقصاص والديات (بالفارسية).

٣٠. صدر الدين محمّد بن صالح العاملي الأصفهاني (ت١٢٦٣هـ).

· الأُرجوزة الرضاعية.

· رسالة في مسائل ذي الرأسين.

· رسالة في الوقف.

٣١. آل كاشف الغطاء حسن بن الشيخ جعفر (ت ١٢٦٤هـ).

· أنوار الفقاهة.

· كتاب الغصب.

· السلاح الماضي.

· المواريث.

· قواعد المعاملات.

· حاشية كشف الغطاء.

٣٢. المراغي مير فتّاح الحسيني (ت١٢٦٦-١٢٧٤هـ).

· العناوين، كتاب أصول وفقه.

· صيغ العقود والإيقاعات.

٣٣. النجفي محسن خنفر (ت ١٢٧٠هـ).

· كتاب التجارة.

· كتاب إحياء الموات.

٣٤. النجفي محمّد حسن بن محمّد باقر (صاحب الجواهر) (ت١٢٦٦هـ).

· جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام.


الدور السادس:

ويسمَّى بـ (دور الكمال) أو مرحلة الاكتمال والنضج؛ لِما وصلت له عملية الاستنباط من التطوُّر والنضوج.

التحديد الزمني لهذا الدور:

يبدأ هذا الدور من منتصف القرن الثالث عشر الهجري , حيث توفِّي الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب كتاب (جواهر الكلام) في سنة ١٢٢٦هـ، وكان الشيخ مرتضى الأنصاري قد ظهر في الجانب العلمي , وتميَّز من بين أقرانه، فتسنَّم المرجعية الدينية من بعد أُستاذه، فكان ـ حقَّاً ـ رائداً لهذا الدور.

واستمرَّ هذا الدور حتى عصرنا الحاضر، حيث لا زلنا نعيش في ظلِّ مدرسة الشيخ الأنصاري (قدس سره) الفقهية، ولم يتجاوز فقهاؤنا حتى اليوم أصول مدرسته وتفاصيل منهجه العلمي، الذي أرسى قواعده خلال حياته الكريمة.

ملامح الدور السادس:

١. يُعتبر هذا الدور امتداداً للدور المتقدِّم، واستمراراً لنفس المنهج الفقهي، الذي أرست وثبَّتت مبانيه مدرسة الوحيد البهبهاني وتلامذته الفقهاء العظام.

إلاَّ أنَّه قد بلغ هذا المنهج عِبر جيلين من فقهاء هذه المدرسة ـ وعلى يد أحد الأفذاذ منهم وهو الشيخ الأنصاري (قدس سره) ـ القمَّة في النضج والعمق والشمول، بحيث يمكن اعتباره عصراً جديداً في تاريخ الفقه وأُصوله، كما يتَّضح ذلك من المقارنة بين كتابي هذا الفقيه العظيم في الفقه والأُصول، المكاسب في فقه المعاملات وفرائد الأُصول، مع مصنَّفات في نفس الموضوع لفقهاء هذه المدرسة قبل الشيخ، فإنّ الفارق بينهما يعدُّ فارقاً كبيراً، في المضمون والمنهجية وصناعة الاستدلال.

٢. استطاع الشيخ الأعظم أن يوسِّع من المنهج الأُصولي، الذي أسَّسه الوحيد البهبهاني وتلامذته فيستحدث نظريَّات جديدة، ويضع مصطلحات حديثة، ويُبرز أصالة المنهج الأُصولي، ويُلقي الضوء على مسائل وقواعد أُصولية كانت مغفولاً عنها، أو تُبحث بصورة مُختصرة قبل ذلك، وقد سمِّيت


بمباحث الأُصول العقلية، في قبال الأُصول اللفظية، وبهذا قسِّمت بحوث أُصول الفقه إلى قسمين رئيسين:

أ ـ مباحث الألفاظ: وهي التي ترتبط بتحديد وتنقيح دلالات الدليل اللفظي، والتي ينبغي أن يُرجع فيها عموماً إلى العرف واللّغة.

ب ـ المباحث العقلية: ويُقصد بها البحث عن الحجج العقلية أو الشرعية، المقرَّرة في موارد القطع أو الظن أو الشك في الحكم الشرعي، وفيها بحوث جليلة عميقة ورائعة أيضاً.

وهذا التقسيم لا يزال متَّبعاً في الدراسات الأُصولية الحديثة، رغم إجراء تعديلات وتقسيمات إضافية في إطاره (١) .

٣. كما أنّ منهج الاستدلال الفقهي لدى الشيخ الأعظم (قدس سره) ـ خصوصاً في فقه المعاملات والعقود ـ تميَّز بتطوُّر كبير، في متانة العرض ومنهجيَّته، وفصله للبحوث والقواعد العامّة للعقود عن مصاديقها وأنواعها، والأحكام الخاصّة بكل عقد (٢) .

٤. كما أنّه يمتاز بقوّة الاستدلال والصناعة الفقهية، والتوجّه إلى استدلالات لم تكن معهودة قبل ذلك لدقّتها وعمقها، ويمتاز أيضاً بالالتفات إلى مراتب الاستدلال الفقهي الطولية، مع ملاحظة العلاقة فــيما بين الأدلّة، فالدليل الاجتهادي مقدَّم على الأصل العملي وحاكم عليه، والدليل الشرعي وارد على الوظيفة المقرَّرة عقلاً، كما أنَّ الأدلّة الاجتهادية والأُصول العملية ترتبط فــيما بينها بعلاقات مختلفة، من التقدَّم والتأخّر، والحكومة والورود، وهذه المصطلحات قد ركَّزها الشيخ، ولم تكن معروفة قبله، وكلّ هذه البحوث الأُصولية الجليلة والبديعة، قد وضَّحت في نفس الوقت مسار الاستدلال الفقهي ومنهجه الدقيق (٣) .

____________________

(١) راجع مراحل تطوُّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٧:١٧٤-١٧٩. ومقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي. وانظر التفصيل في هذا الكتاب، تحت عنوان المنهج الاجتهادي في الدور السادس صفحة ٢٣١.

(٢) انظر المكاسب للشيخ الأعظم.

(٣) نفس المصدر.


٥. قد تخرَّج على الشيخ الأعظم فقهاء كبار، أمثال: الميرزا الشيرازي الكبير (ت١٣١٢هـ) والشيخ حبيب الله الرشتي (ت١٣١٢هـ)، والشيخ ملاَّ عليّ الكني (ت١٣٠٦)، والشيخ محمّد حسن الآشتياني (ت١٣١٩هـ)، ومئات من المحقِّقين والمجتهدين.

كما تخرَّج على يد تلامذة الشيخ الأعظم أجيال من الفقهاء والمجتهدين، أمثال: المحقِّق الخراساني صاحب كفاية الأُصول (ت١٣١٩هـ)، والمحقِّق آغا رضا الهمداني (ت١٣٢٢هـ)، والسيد محمّد باقر الفشاركي (ت١٣١٤هـ)، والميرزا محمّد حسن الشيرازي (ت١٣١٢هـ)، والميرزا محمّد تقي الشيرازي (ت ١٣٣٨هـ)، والسيد إسماعيل الصدر (ت١٣٣٨هـ).

وتتلمذ على يد هذه الطبقة جيل آخر، أمثال: الميرزا محمّد حسين النائيني (ت١٣٥٥هـ)، والشيخ ضياء الدين العراقي (ت١٣٦١هـ)، والشيخ محمّد حسين الأصفهاني الكمباني (ت١٣٦١هـ)، والشيخ عبد الرحيم بن الشيخ عبد الحسين الحائري (ت١٣٦٧هـ)، والسيد آغا حسين البروجردي (ت١٣٨٠هـ)، وغيرهم.

كما وتخرَّج على هذه الطبقة: السيد محسن الطباطبائي الحكيم (ت١٣٩٠هـ)، والإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (ت١٤٠٩هـ)، والسيد أبو القاسم الموسـوي الخوئـي (ت١٤١٣هـ)، والسيد محمّد رضا الكلبايكاني (ت١٤١٤هـ)، ومئات من العلماء والمجتهدين المعاصرين، وقد بلغت الأبحاث الفقهية والأُصولية والرجالية في هذا العصر على يد هؤلاء الأعلام مرحلة، من التطوّر والشمول والتفوّق العلمي لا نظير لها، لا في تاريخ هذا الفقه سابقاً، ولا في المذاهب الفقهية الأُخرى.

المراكز والمدارس العلمية التي نشطت في هذا الدور:

تمتّعت أكثر البلدان في هذا الدور بحوزات علمية فقهية كبرى، إلاّ أنّ المراكز المهمَّة التي نشطت فيها عبارة عن الحوزات التالية:

١. حوزة النجف الأشرف المدرسة الكبرى للشيعة.

٢. حوزة كربلاء المقدَّسة.

٣. حوزة سامراء.

٤. حوزة أصفهان.


٥. حوزة خراسان.

٦. حوزة تبريز.

وأخيراً حوزة قم، التي احتلَّت مكانة حوزة النجف العلمية، جرَّاء قيام الدولة الإسلامية واهتمامها بالعلم والعلماء، مقابل قيام النظام اللا ديني في العراق، بالقضاء على الفقهاء وطلبة العلوم الدينية قتلاً واعتقالاً وتهجيراً، ممَّا أدَّى إلى أُفول نجم مدرسة النجف حاضرة العلم والأدب، وبزوغ قرن العلم في أرض قم المقدَّسة وحوزتها، التي أسَّسها الزعيم الديني الأكبر، الشيخ عبد الكريم الحائري (قدس سره)، مضافاً إلى الحوزات العلمية للشيعة في الهند وباكستان، ولبنان والشام، وغيرها التي كانت عامرة بعلمائها وفضلائها، وبذلك لا يتمكَّن أي أحد من أداء حق هذا الدور على وجه يليق به.


فقهاء الدور السادس وآثارهم الفقهية:

١. الشيخ الأنصاري مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي (ت١٢٨١هـ).

إنَّ الحركة العلمية التي قادها رائد الفكر والتحقيق المحقِّق البهبهاني، خلّفت وراءها أجيالاً من العلماء الفطاحل، وتراثاً علميَّاً ضخماً في مجالي الفقه والأُصول، وقد مرَّ أنَّ ثلَّة من تلامذته ألّفوا موسوعات فقهية وأُصولية، دحضوا بها حُجج الأخباريين الباطلة، ومهَّدوا الطريق لظهور حركة علمية جديدة، تتمتَّع بالاستضاءة من التراث العلمي الذي خلّفه المحقِّق البهبهاني وتلامذته، مع إبداع أُسلوب جديد في الأُصول والفقه.

ورائد هذه الحركة الجديدة ـ وإن كان في الحقيقة استمراراً للنهج العلمي الذي قاده البهبهاني ـ هو الشيخ المحقِّق المدقِّق مرتضى بن محمّد أمين المعروف بالأنصاري , الذي ولِد عام ١٢١٤هـ في بلدة دزفول، وتعلَّم الدروس الابتدائية في موطنه، ثمّ شرع في الأُصول والفقه، ونال مرتبة سامية فيها، ولم تقنع نفسه بما تعلَّم فيه، فأعدَّ العدَّة مع والده لزيارة العتبات المقدَّسـة عام ١٢٣٢هـ، وله من العمر آنذاك ١٨ سنة، فورد كربلاء المقدَّسة يوم كانت تعجُّ حوزتها العلمية بفضلاء وعلماء كبار، وعلى رأسهم العَلَمان الجليلان:

. السيد محمّد بن السيد عليّ المعروف بـ (السيد المجاهد، ت ١٢٤٣هـ) مؤلِّف كتاب المناهل في الفقه.

ب. الشيخ محمّد شريف العاملي المازندراني المعروف بـ (شريف العلماء، ت١٢٤٥هـ).

فمكث الشيخ في كربلاء أربع سنين، تردَّد خلالها إلى حلقات دروس العَلَمين الجليلين، إلى أن احتلَّ والي بغداد مدينة كربلاء المقدَّسة، فغادر الشيخ مهجره ونزل الكاظمية، وبقي فيها سنة واحـدة، ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف، فحضر هناك دروس المحقِّق الشيخ موسى كاشف الغطاء قرابة سنتين.

ثمّ غادر العراق متوجِّهاً إلى موطنه عام ١٢٣٩هـ، فمكث فيها مدَّة قليلة، ثمَّ جاب مدن إيران للاستفادة من علمائها.

ينقل لنا التاريخ، أنَّه بدأ برحلته العلمية من دزفول ونزل في مدينة بروجرد، فحضر بحث الشيخ أسد الله البروجردي (ت١٢٧٠هـ) مؤلِّف كتاب فوائد الأحكام، فأقام فيها شهراً تامَّاً لم يجد فيها بُغيته،


فغادرها متوجِّهاً إلى أصفهان، يوم كان زعيمها العلمي هو السيد محمّد باقر الشفتـي (ت ١٢٦٠هـ)، وقد جرت بينه وبين الشيخ مباحثات ومناظرات، وقف من خلالها السيّد على عظمة الشيخ ومكانته وسموِّ منزلته، فطلب منه الإقامة في أصفهان وإلقاء المحاضرات فيها، لكنَّ الشيخ رجَّح أن يُغادرها ليواصل رحلته العلمية، حتى هبط بلدة كاشان، التي كان زعيمها العلمي يومذاك هو الشيخ أحمد النراقي (ت ١٢٤٥هـ) مؤلِّف كتاب مستند الشيعة في أحكام الشريعة، وقد وجد في محاضراته ضالَّته، فمكث فيها أربع سنين، حضر خلالها دروسه ونبغ في الفقه والأُصول علـى يديه، كما اشتغل بالتأليف والتصنيف.

ولمَّا عزم الشيخ على مغادرة كاشان عام (١٢٤٤هـ) نال من أُستاذه الرؤوف إجازة مفصَّلة أدّى فيها حقّ الشيخ، ثمَّ واصل رحلته العلمية إلى مشهد الرضا (عليه السلام)، فبقي هناك مـدَّة، ثمّ رجع قافلاً إلى العراق، فهبط النجف الأشرف عام (١٢٤٦هـ)، وكانت يومذاك المدرسة الكبرى للشيعة، وكانت الرئاسة العلمية على عاتق العلمين الجليلين الكبيرين:

أ. الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت١٢٥٤هـ).

ب. الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر (ت١٢٦٦هـ).

وقد حضر دروس الشيخ كاشف الغطاء، إلى أن استقلَّ بالتدريس وطار صيته في أوساط النجف العلمية، وأقبل على دروسه ـ بشغف ـ العديد من العلماء والفضلاء، واشتهر بالنبوغ والتفوّق العقلي.

ولمَّا لبَّى الشيخ محمّد حسن ـ صاحب الجواهر ـ نداء ربِّه عام ١٢٦٦ هـ انتقلت الزعامة العلمية إليه بلا منازع، وقام بأعبائها بحزم وحكمة وإرادة صلبة، وكرَّس حياته في التدريس والتأليف، وإعداد الفضلاء، وتربية المجتهدين، وإرساء دعائم النهضة العلمية الحديثة، التي تعدُّ ـ بحق ـ ثورة علمية كبرى، قلَّما اتَّفق نظيرها في العصور السابقة، وقد حفلت كتب التراجم بثنائه وإطرائه وخدماته الجليلة، وتلامذته والتراث الذي تركه.

وقد لبّى نداء ربِّه ليلة الثامن عشر من شهر جمادى الأُولى، من شهور عام ١٢٨١هـ.

آثاره:

· المكاسب، كتاب استدلالي في المكاسب المحرمة والبيع والخيارات.


· لوامع النكات (تقريرات).

· كتاب البيع والخيارات (تقريرات).

· رسالة في العدالة.

· كتاب القضاء والشهادات.

· كتاب القضاء (تقريرات).

· كتاب القضاء (تقريرات).

· فائدة في المواريث.

· كتاب اللقطة.

· كتاب الغصب.

· رسالة في قاعدة (مَن ملَك شيئاً ملك الإقرار به).

· رسالة في الرضاع.

· رسالة في التحريم بالمصاهرة.

· رسالة في منجِّزات المريض.

· كتاب الوصايا.

· كتاب الوقوف والصدقات.

· كتاب الوقف.

· كتاب الصوم.

· كتاب الخمس.

· كتاب الزكاة.

· كتاب الزكاة (تقريرات).

· رسالة في صلاة المسافر.

· رسالة في المواسعة والمضايقة.

· رسالة في القضاء عن الميت.


· كتاب الصلاة.

· التقريرات في الصلاة.

· كتاب الطهارة.

· التقريرات في الطهارة.

· رسالة في قاعدة لا ضرر.

· رسالة في التقيّة.

٢. النجم آبادي حسن بن إبراهيم (توفِّي حدود ١٢٨٤ هـ).

· كتاب خلل الصلاة.

· كتاب الصوم.

· كتاب البيع.

٣. النراقي عبد الصاحب محمّد بن أحمد الكاشاني (ت ١٢٩٧ هـ).

· مشارق الأحكام.

٤.عليّ بن رضا آل بحر العلوم (ت ١٢٩٨ هـ).

· البرهان القاطع.

· رسالة في القِبلة.

· رسالة في الحبوة.

٥. الهروي محمّد تقي بن حسين عليّ الأصفهاني (ت١٢٩٩هـ).

· رسالة في عَرَق الجُنب من الحرام.

· رسالة في الشرط ضمن العقد.

· حاشية على رسالة حكم الطلاق بدعوى الوكالة.

· رسالة في طلاق الزوجة بعوض منها.

· رسالة في الإرث.

· حاشية رياض المسائل.


٦. محمّد حسن بن ميرزا آقاسي قمِّي (ت١٣٠٤ هـ).

· مصباح الفقاهة.

٧. الخوئيني ملاَّ آقا أحمد بن مصطفى (ت١٣٠٧هـ).

· مجلى الشريعة في مسألة التضييق والتوسعة.

· شرح الدرر البهيَّة.

٨. الرشتي حبيب الله بن محمّد (ت١٣١٢هـ).

· كتاب اللقطة.

· كتاب اللقطة (تقريرات).

· كتاب القضاء.

· كتاب الإرث.

· كتاب الغصب.

· كتاب الموات.

· كتاب الوصايا.

· كتاب الوقف.

· كتاب الوقوف والصدقات (تقريرات).

· كتاب الإجارة.

· حاشية المكاسب.

· كتاب الزكاة.

· صلاة المسافر (تقريرات).

· كتاب الطهارة.

· كتاب الزكاة (تقريرات).

٩. الهمداني حسين قلي بن رمضان (ت١٣١١هـ).

· كتاب خلل الصلاة.


· صلاة المسافر (تقريرات).

· كتاب الرهن.

· كتاب القضاء والشهادات (تقريرات).

١٠. الميرزا محمّد حسن بن محمود الشيرازي (ت١٣١٣هـ).

· القواعد الحسنيَّة (تقريرات).

١١. الفشاركي محمّد بن قاسم الطباطبائي (ت١٣١٦ إلى ١٣١٨ هـ).

· رسالة في قاعدة لا تُعاد.

١٢. الاشتياني محمّد حسن بن جعفر (ت١٣١٩ هـ).

· رسالة في قاعدة نفي العسر والحرج.

· رسالة في حكم أواني الذهب والفضَّة.

· إزاحة الشكِّ في اللباس المشكوك.

· رسالة في الجمع بين قصدَي القرآن والدعاء.

· الخلل في الصلاة.

· كتاب القضاء.

١٣. الطهراني محمّد هادي بن محمّد أمين (ت١٣٢١هـ).

· ودايع النبوَّة.

· أجوبة المسائل.

· رسالة في الإرث.

· رسالة في الرضاع.

· كتاب الصلح.

· ذخائر النبوَّة.

· رسالة في الغيبة.


· كتاب الزكاة.

· رسالة في الفرق بين الحقّ والحكم.

١٤. الهمداني رضا بن محمّد هادي (ت١٣٢٢هـ).

· مصباح الفقيه.

· حاشية المكاسب.

· كتاب البيع.

١٥. المامقاني محمّد حسن بن عبد الله (ت١٣٢٣هـ).

· ذرايع الأحلام.

· غاية الآمال.

١٦. محمّد بن محمّد تقي بحر العلوم (ت١٣٢٦هـ).

· بُلغة الفقيه.

· مجموعة رسائل في مسائل الفقه.

١٧. الشيخ فضل الله بن عباس النوري (ت ١٣٢٧هـ).

· رسالة في قاعدة اليد.

١٨. الآخوند محمّد كاظم بن حسين الخراساني (ت١٣٢٩هـ).

· حاشية على المكاسب.

· روح الحياة (رسالة فتوائية).

· رسالة الفوائد.

· تكملة التبصرة.

· اللمعات النيِّرة.

· رسالة في الدماء الثلاثة.

· كتاب الخمس.


· كتاب الإجارة.

· رسالة في الوقف.

· رسالة في الرضاع.

· الرضاع (تقريرات).

· رسالة في الإخلال بذكر الأجل في المتعة.

· مقالة في الطلاق.

· كتاب القضاء.

· كتاب القضاء (تقريرات).

· كتاب القضاء (تقريرات) مجموعة أُخرى.

· مقالة في العدالة.

١٩. اليزدي محمّد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي (ت١٣٣٧هـ).

· العروة الوثقى.

· حاشية على المكاسب.

· رسالة في منجِّزات المريض.

· رسالة في الظنِّ المتعلّق بأعداد الصلاة وكيفية الاحتياط.

٢٠. الميرزا محمّد تقي الشيرازي (ت١٣٣٨هـ).

· حاشية المكاسب.

· رسالة في صلاة الجمعة (تقريرات).

· رسالة خلل الصلاة (تقريرات).

· المنظومة الرضاعية.

· ذخيرة العباد ليوم المعاد.

٢١. شيخ الشريعة فتح الله بن محمّد جواد الأصفهاني (ت١٣٣٩هـ).

· رسالة في العصير العنبي.


رسالة إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار.

· رسالة في قاعدة الطهارة.

· رسالة في الخيارات.

· صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة.

٢٢. الخالصي مهدي بن حسين الكاظمي (ت١٣٤٣هـ).

· رسالة في تداخل الأغسال.

· القواعد الفقهية في المعاملات.

· شرح شرايع الإسلام.

٢٣. الفيروزآبادي محمّد بن محمّد باقر الحسيني (ت١٣٤٥هـ).

· جامع الكلم.

٢٤. التبريزي صادق بن محمّد (ت١٣٥١هـ).

· الفوائد في شرح بعض المباحث المشكلة في الفقه.

٢٥. المامقاني عبد الله بن محمّد حسن (ت١٣٥١هـ).

· المسائل البغدادية.

· المسائل البصرية.

· المسائل الخوئية.

· المسائل الأربعين العاملية.

· الدرُّ المنضود.

· غاية السؤول.

· في إقرار بعض الورثة بدين وإنكار الباقي.

· تحفة الصفوة.

· المحاكمة بين العلمين.

· كشف الأستار عن وجوب الغسل على الكفَّار.


· إزاحة الوسوسة عن تقبيل الأعتاب المقدَّسة.

· كشف الريب والسوء في إغناء كل غُسل عن الوضوء.

· مخزن اللآلي في فروع العلم الإجمالي.

· هداية الأنام في حكم أموال الإمام.

· رسالة في حكم المسافرة لمَن عليه قضاء رمضان مع ضيق الوقت.

· نهاية الآمال.

· منتهى مقاصد الأنام.

٢٦. البلاغي محمّد جواد بن حسن النجفي (ت١٣٥٢هـ).

· رسالة في تنجيس المتنجِّس.

· رسالة في حرمة حلق اللحية.

· رسالة في اللباس المشكوك.

· حاشية المكاسب.

· عقد في العلم الإجمالي.

· عقد في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته.

٢٧. الأيرواني عليّ بن عبد الحسين النجفي (ت١٣٥٣هـ).

حاشية المكاسب.

· الذهب المسبوك.

· عقد اللآلي في فروع العلم الإجمالي.

· جمان السلك في الإعراض عن المِلك.

٢٨. النائيني الميرزا محمّد حسين بن عبد الرحيم (ت١٣٥٥هـ).

· رسالة في قاعدة لا ضرر.

· رسالة في أحكام الخلل في الصلاة.


· رسالة فتوائية.

· حاشية على العروة الوثقى.

· رسالة في اللباس المشكوك.

· مُنية الطالب.

٢٩. اليزدي عبد الكريم الحائري (ت١٣٥٥هـ).

· كتاب النكاح (تقريرات)

· كتاب الصلاة (تقريرات).

· حاشية على العروة الوثقى.

· كتاب الصلاة.

٣٠. المسجد شاهي محمّد رضا بن محمّد حسين الأصفهاني (ت١٣٦٠هـ).

· رسالة في عدم تنجيس المتنجِّس.

· الروضة الغنَّاء في تحقيق موضوع الغناء.

٣١. الكمباني محمّد حسين الأصفهاني (ت١٣٦١هـ).

· حاشية المكاسب.

· كتاب الإجارة.

· رسالة في حكم أخذ الأجرة على الواجبات.

٣٢. العراقي آقا ضياء الدين (ت١٣٦١هـ).

· كتاب القضاء.

· حاشية على العروة الوثقى.

· شرح تبصرة المتعلِّمين.

· رسالة في اللباس المشكوك.

· روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي.

· رسالة في تعاقب الأيادي.


· مقالة في الدعاوى.

٣٣. السيد أبو الحسن الأصفهاني (ت١٣٦٥هـ).

· وسيلة النجاة.

٣٤. آقا حسين بن السيد محمود القمّي (ت١٣٦٦هـ).

· حاشية على العروة الوثقى.

· رسالة عملية.

· مجموعة رسائل.

٣٥. السيد محسن الأمين (ت١٣٧١هـ).

· الدرُّ الثمين.

٣٦. الكوهكمري سيد علي بن محمّد الحجّة (ت١٣٧٣هـ).

· كتاب البيع (تقريرات).

٣٧. آل كاشف الغطاء محمّد الحسين (ت١٣٧٣هـ).

· وجيزة الأحكام.

· زاد المقلِّدين.

· مناسك الحج.

· مجمع الرسائل.

· حاشية على العروة الوثقى.

· حاشية على سفينة النجاة.

· تحرير المجلَّة.

٣٨. حسين الحمّامي (ت١٣٧٩هـ).

· حاشية على وسيلة النجاة.

· هداية المسترشدين (رسالة عملية).

· تعليقة على ذخيرة الصالحين.


· رسالة في مناسك الحج.

· المسائل النجفية (دورة كاملة في الفقه).

٣٩. البروجردي آقا حسين بن السيد عليّ (ت١٣٨٠هـ).

· وسيلة النجاة (رسالة عملية).

· حاشية على العروة الوثقى.

· نهاية التقرير (تقريرات).

· البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر.

· زبدة المقال.

٤٠. الشيرازي عبد الهادي بن إسماعيل الحسيني (ت١٣٨٢هـ).

· القطرة في زكاة الفطرة (تقريرات).

· الرضاع (تقريرات).

٤١.الحكيم محسن الطباطبائي (ت١٣٩٠هـ).

· مستمسك العروة الوثقى.

· منهاج الصالحين (رسالة عملية).

· دليل الناسك (تعليقة على مناسك الأنصاري).

· توضيح المسائل.

· حاشية على العروة الوثقى.

· نهج الفقاهة.

· حاشية رياض المسائل.

· شرح التبصرة.

· شرح المختصَر النافع.

٤٢. الحلِّي الشيخ حسين (ت١٣٩٠هـ).

· بحوث فقهية (تقريرات).


٤٣. الآملي محمّد تقي (ت١٣٩١هـ).

· مصباح الهدى.

٤٤. الشاهرودي محمود بن عليّ الحسيني (ت١٣٩٤هـ).

· حاشية على العروة الوثقى.

· مجموعة رسائل في الصلاة والصوم والزكاة والحج.

· كتاب الحج تقريرات.

٤٥. البجنوردي حسن بن آقا بزرك الموسوي (ت١٣٩٥هـ).

· القواعد الفقهية.

٤٦. الميلاني محمّد هادي بن جعفر الحسيني (ت١٣٩٥هـ).

· كتاب الخمس.

· كتاب الزكاة.

· كتاب الصلاة.

٤٦. السيد محمّد باقر الصدر (ت١٤٠٠هـ).

· بحوث في شرح العروة الوثقى (٤ أجزاء).

· الفتاوى الواضحة (رسالة عملية).

· تعليقة على منهاج الصالحين (رسالة عملية).

· تعليقة على بُلغة الراغبين في فقه آل ياسين.

· مناسك الحج والعمرة (رسالة عملية).

٤٧. الخونساري السيد أحمد (ت ١٤٠٥ هـ).

· جامع المدارك (شرح المختصر النافع).

٤٨. الحائري مرتضى بن عبد الكريم (ت ١٤٠٦هـ).

· ابتغاء الفضيلة.

· صلاة الجمعة.


٤٩. الخميني السيد روح الله الموسوي (ت١٤٠٩هـ).

ولاية الفقيه.

· كتاب الطهارات.

· كتاب البيع.

· المكاسب المحرَّمة.

· تحرير الوسيلة (رسالة عمليّة).

· تعليقة على العروة الوثقى.

· كتاب الخلل في الصلاة.

· رسالة في قاعدة لا ضرر.

· رسالة في التقيّة.

٥٠. المرعشي النجفي السيد شهاب الدين (ت١٤١١هـ).

· حاشية على مكاسب الشيخ الأنصاري.

· الصناعات الفقهية.

· حاشية على شرح اللمعة.

· ذخيرة المؤمنين.

· حاشية على العروة الوثقى.

· بحوث في القصاص والديّات وغيرها.

٥١. الخوئي السيد أبو القاسم الموسوي (ت١٤١٣هـ).

التنقيح في شرح العروة الوثقى (تقريرات).

· دروس في فقه الشيعة.

· تعليقة على العروة الوثقى.

· مستند العروة الوثقى.

· رسالة في اللباس المشكوك.


· مصباح الفقاهة.

· الدرر الغوالي في فروع العلم الإجمالي (تقريرات).

· المعتمد.

· منهاج الصالحين (إدراج لآرائه على المسائل الخلافية في منهاج السيد محسن الحكيم).

· تكملة منهاج الصالحين.

· مباني تكملة المنهاج.

· مناسك الحج.

· المسائل المنتخبة (رسالة عمليّة).

· محاضرات في الفقه الجعفري.

· تعليقة على منهاج الصالحين (رسالة عملية).

· صراط النجاة (استفتاءات كثيرة).

٥٢. السبزواري السيد عبد الأعلى (ت١٤١٤هـ).

· مهذّب الأحكام (٣٠ جزء).

٥٣. الكلبايكاني محمّد رضا الموسوي (ت١٤١٤هـ).

· الرسالة العملية بالعربية والفارسية.

· مجمع المسائل (٣ مجلَّدات).

· الحاشية.

· الوسائل.

· المستدرك.

· مجموعة تقريرات في القضاء والشهادات والحج والبيع وغيرها.

٥٤. الآراكي الشيخ محمّد عليّ (ت١٤١٥هـ).

· المكاسب المحرّمة ورسالة الخمس.

· البيع جزءان.


· الخيارات.

· تعليقة على العروة الوثقى.

· رسالة في الإرث ونفقة الزوجة.

· الطهارة (جزءان).

· مناسك الحج.

· المسائل الواضحة (رسالة عمليّة بالعربية).

· توضيح المسائل (رسالة عمليّة بالفارسية).

· رسالة في قاعدة اليد.

· رسالة في قاعدة التجاوز.

· رسالة في قاعدة القرعة.


الفصل الخامس:

مناهج الاجتهاد

أُصول الاجتهاد ومناهجه عند أئمة المذاهب الأربعة.

· أُصول الاجتهاد ومنهجه عند أبي حنيفة.

· أُصول الاجتهاد ومنهجه عند مالك.

· أُصول الاجتهاد ومنهجه عند الشافعي.

· أُصول الاجتهاد ومنهجه عند أحمد بن حنبل.

منهج الاجتهاد وتطوُّره عند الإمامية

· المنهج الاجتهادي في الدور الأول: دور التأسيس.

· المنهج الاجتهادي في الدور الثاني: دور الانطلاق.

· المنهج الاجتهادي في الدور الثالث: دور الاستقلال.

· المنهج الاجتهادي في الدور الرابع: دور التطرُّف.

· المنهج الاجتهادي في الدور الخامس: دور الاعتدال.

· المنهج الاجتهادي في الدور السادس: دور الكمال والنضج.

نظرة سريعة لتأثير الظروف السياسية والاجتماعية على تطوُّر حركة الاجتهاد.


أُصول الاجتهاد ومناهجه عند أئمة المذاهب الأربعة:

لقد وقع الاختلاف بين أئمة المذاهب الأربعة؛ تبعاً لاختلافهم في المصادر التي يعتمد عليها كلٌّ منهم، وترتيب تلك المصادر في أولوية الاعتماد عليها في عملية الاستنباط.

أُصول الاجتهاد ومنهجه عند أبي حنيفة:

اعتمد فقه أبي حنيفة على أُسس وقواعد:

١. الكتاب العزيز.

٢. السنَّة: ربَّما تشتمل على أحكام فقهيَّة غير مذكورة في الكتاب، وهي أساس جميع المذاهب الفقهية، كالكتاب العزيز، ولكنَّ المعروف أنّ أبا حنيفة لم يعتمد على السنَّة إلاّ قليلاً.

يقول ابن خلدون: فأبو حنيفة يقال: بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً أو نحوها... إلى أن قـال: والإمام أبو حنيفة إنّما قلّت روايته؛ لمّا شدَّد في شروط الرواية والتحمُّل، وضعَّف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي؛ وقلّت من أجلها روايته، فقلَّ حديثه لا أنّه ترك رواية الحديث متعمّداً (١) .

والحق، أنّ أبا حنيفة لأجل هذا التشدّد لم يجد بُدَّاً عن التمسُّك بقواعد، كالقياس والاستحسان، وتوسَّع فيهما وقدّمهما على الأثر المنقول عن الصحابة، وقد نُقل عنه أنّه قال: إنَّما آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجد فيه أخذت بسنَّة رسول الله والآثار الصحاح عنه، التي فشت في أيدي الثقـات، فإذا لم

____________________

(١) مقدّمة ابن خلدون: ٤٤٤ـ٤٤٥، الفصل السادس في علوم الحديث.


أجد في كتاب الله ولا سنَّة رسول الله، أخذت بقول مَن شئت من أصحابه، وأدع قول مَن شئت، ثمَّ لا أخرج من قولهم إلى غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن الحسين، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا (١) .

٣. قول الصحابي أو سنَّة الصحابي.

٤. القياس: وهو استنباط حكم موضوع من موضوع آخر لجهة جامعة بينهما.

وقد بلغ أبو حنيفة في الاستنباط بالقياس الذروة.

٥. الاستحسان.

٦. الإجماع: وهو اتِّفاق المجتهدين من الأمَّة الإسلامية في عصر على الحكم في أمر من الأمور، وهو في ذاته حجّة عند الحنفية دون فرق بين الإجماع القولي , أو الإجماع السكوتي , غير أنّ الأول دليل قطعي , والثاني دليل ظنِّي.

٧. العُرف: أن يكون عمل المسلمين على أمر لم يرد فيه نصٌّ، من القرآن أو السنّة أو عمل الصحابة، والمقصود هو العُرف العام الذي لا يخالف الأدلَّة السابقة.

أُصول الاجتهاد ومنهجه عند مالك:

١. القرآن الكريم.

٢. السنّة: وكان يقبل المرسل من الأحاديث ما دام رجاله ثقات، وفي موطّئه كثير من المراسيل ومنقطع الإسناد، ولم يكن يرى التشدُّد المعهود عند أبي حنيفة في الحديث، ومن أهمِّ ميزات مذهبه هو الاعتماد على الحديث، لا سيَّما حديث أهل الحجاز.

٣. عمل أهل المدينة: وقد كتب مالك إلى ليث بن سعد: إنَّ الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، وبها نزل القرآن ـ وهذا هو الأساس لاعتباره عمـل أهل المدينـة أساسـاً لفقهه ـ قائلاً: بأنَّ رسول الله أقام في المدينة وأقام أصحابه، فيكون أهل المدينة أعلم الناس بالتنزيل، وليست هذه الميزة لغيرهم.

____________________

(١) تاريخ بغداد ١٣: ٣٦٨.


٤. قول الصحابي: إذا لم يرد حديث صحيح في المسألة عن النبي , فإنَّ قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون حجّة؛ باعتبار أنّ الصحابة أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد.

وقد روى في كتابه شيئاً من أقوال الصحابة والتابعين، وإذا تعارض قول الصحابي مع عمل أهل المدينة، فهو يقدِّم عمل أهل المدينة على قول الصحابي.

٥. المصالح المرسلة: هي المصالح التي لم يشهد لها نصٌّ معيَّن من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار، وكانت ترجع إلى حفظ مقصود شرعي، يعلم كونه مقصوداً بالكتاب أو السنّة أو الإجمـاع، إلاّ إذا عارضته مصلحة أُخرى، فعند ذلك يقوم العمل بالثاني , وإليك مثالين:

الأول: إذا وجد بيد شخص زعفران مغشوش، أفتى مالك بأنّه يتصدّق به على المساكين قلَّ أو كَثُر، يقول الشاطبي: إنّه يُماثل إراقة عمَر اللبَن المغشوش بالماء، ووجَّه بذلك التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نصَّ يشهد له، لكن من باب الحكم على الخاص لأجل العام.

الثاني: ضرب المتَّهم بالسرقة ليقرَّ بالمسروق، فقد جوَّزه مالك، وخالفه غيره؛ لأنَّ هذه مصلحة تُعارض مصلحة أُخرى، هي مصلحة المضروب؛ إذ قد يكون بريئاً.

٦. القياس: حيث لا يوجد نص من كتاب أو سنَّة، أو قول صحابي أو إجماع من أهـل المدينـة، فهو يستخدم القياس في اجتهاده، فقد جاء في الموطِّأ: سئل مالك عن الحائض إذا طهرت ولم تجد ماءً هل تتيمم؟ فقال: نعم، قياساً على الجنُب عند فقْد الماء، الذي ثبت بالنص القرآني (١) .

٧. سدُّ الذرائع: وهو المنع عن التذرُّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، وإن شئت قلت: الحيلولة عن التوصل بأمر مباح إلى فعلٍ محظور، وقد استعمله مالك كثيراً في فقهه.

يقول الشاطبي في الاعتصام: كان مالك (رحمه الله) شديد المبالغة في سدِّ الذرائع.

فمثلاً: لو وقف الحاكم على أنَّ رجلاً يزرع ويغرس كرماً بغية عملها خمراً، فللحاكم إيقافه عن العمل للحيلولة دون الوصول إلى غرضه.

____________________

(١) الموطِّأ: ٦٤ ح ٩١، كتاب الصلاة، باب طهر الحائض.


أو افترضنا أنَّ رجلاً رأى هلال شوَّال وحده، فليس له الإفطار لئلاَّ يكون ذريعة إلى إفطار الفسَّاق محتجِّين بعمله، إلى غير ذلك من الأمثلة التي وردت في الموطِّأ وغيره.

وفي الحقيقة، أنَّ سدَّ الذرائع أصل مناقض للحيَل تمام المناقضة، فما جوَّزه الأحناف من إعمال الحيَل قد سدَّته المالكية والحنابلة بأصل آخر، وهو سدُّ الذرائع.

٨. الإجماع.

٩. العُرف والعادة.

١٠. الاستحسان: وهو (ما يستحسنه المجتهد بعقله) أو (دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه) (١) .

١١. الاستصحاب.

أُصول الاجتهاد ومنهجه عند الشافعي:

بنى الشافعي أُصول مذهبه على الكتاب والسنّة، والإجماع والقياس، ولم يجنح إلى سائر الأدلة التي اعتمد عليها أبو حنيفة ومالك، فهو يحتجُّ بظواهر القرآن، كما يحتجُّ بالسنّة وإن كان خبراً واحداً، شريطة أن يكون الراوي ثقة ضابطاً والحديث متَّصلاً برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ثمّ إذا لم يكن هناك دليل منصوص عمد إلى القياس وترك العمل بالاستحسان، الذي قالت به الحنفية والمالكية، وأنكر الاحتجاج به قائلاً: (مَن استحسن فقد شرّع). وألَّف كتاب إبطال الاستحسان، وردَّ كذلك المصالح المرسَلة (الاستصلاح)، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وأطال في كتـاب الأُمِّ في ردّه.

وأمَّا قول الصحابي , فالظاهر أنّه لا يعمل بقوله إذا صدر عن رأي واجتهاد، ونُقل عنه قوله: (لا يُقلِّد المجتهد صحابياً كما لا يُقلِّد عالماً آخر) (٢) .

____________________

(١) مصادر التشريع: ٥٨.

(٢) نقله العطَّار في حاشيته على جمع الجوامع ٢: ٢٦١، انظر تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد فرَّاج حسين.


وفي نقل آخر عنه أيضاً أنّه قال: إنّ قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف، يكون خيراً لنا من رأينا لأنفسنا، وإذا اختلف أصحاب رسول الله في مسألة، فإنّه يأخذ من قول بعضهم ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنّة، ولا يتجاوز أقوالهم إلى غيرها (١) .

مذهبه القديم والجديد:

ورَد الشافعي إلى العراق عام ١٩٥هـ في خلافة الأمين، وصنَّف كتابه القديم المسمَّى بـ (الحجّة)، ومدَّة إقامته بالعراق سنتان، ثمّ رجع إلى الحجاز، وفي سنة ١٩٨هـ قدم إلى العراق مرَّة أُخرى، فأقام هناك أشهراً، ثمَّ ارتحل إلى مصر، فظهرت فيها مواهبه الفقهية، فأملى على تلاميذه كُتبه الجديدة، التي يعبّر عنها بالقول الجديد، ويجمعها كتاب الأُمِّ، وهو المذهب الذي تغيَّر إليه اجتهاده بمصر، ولعلَّ سبب التغيُّر سماعه بعض الأحاديث من علمائها، ولم يكن واقفاً عليها، وربَّما يكون لتقاليد وعادات الموطن الذي حلَّ فيه تأثير في تغيُّر فتاواه.

وبما ذكرنا في ترتيب الأُصول التي بنى عليها فقهه، يظهر وجه الاختلاف بين الأئمة الأربعة في الفتوى، فمثلاً:

١. أنّ أبا حنيفة يشترط في الحديث الشهرة إذا عمَّت البلوى، بخلاف الشافعي، فهو يعمل على الخبر الصحيح المتَّصل سواء أَبَلَغَ الشهرة أم لا.

٢. أنّ مالكاً يشترط في العمل بالحديث عدم مخالفته لعمل أهل المدينة، بخلاف الشافعي فهو يعمل بالحديث الصحيح المتَّصل، وإن كان مخالفاً لعمل أهل المدينة.

٣. أنّ أبا حنيفة ومالكاً يعملان بالاستحسان، في حين أنَّ الشافعي قد نُقل عنه: أنّ مَن استحسن فقد شرَّع.

٤. أنَّ مالكاً يعمل بقاعدة الاستصلاح والمصالح المرسلة، في حين أنَّ الشافعي لا يعتمد عليها.

٥. أنّ أبا حنيفة جعل القياس في الدرجة الثالثة من الاعتبار، حتى اشتهر في الفقه الحنفي (أنّ مَن لا قياس عنده لا فقه عنده، ومَن ردَّ القياس الشرعي سدَّ على نفسه باب الاجتهاد) (٢) .

____________________

(١) تاريخ التشريع الإسلامي للقطّان:٣١٢.

(٢) المقالات الكوثرية: ٢١٦ـ٢٢٥.


والحال أنّ الشافعي جعل القياس في الدرجة الأخيرة من الاعتبار، حيث قال: والعلم طبقات:

الأُولى: الكتاب والسنَّة.

الثانية: الإجماع فيما ليس كتاباً ولا سنَّة.

الثالثة: أن يقول صحابي، فلا يُعلم له مخالف من الصحابة.

الرابعة: اختلاف الصحابة.

الخامسة: القياس (١) .

هذه الوجوه وأمثالها أثارت خلافاً واسعاً بين المذاهب الأربعة.

أُصول الاجتهاد ومنهجه عند أحمد بن حنبل:

وقد ذكر ابن القيِّم ـ الذي يُغالي في الإمام أحمد غلوَّاً كبيراً ـ: أنّ الإمام كان يعتمد في تدوين مذهبه على خمسة أُصول هي:

١. النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ومَن خالفه، ثمّ ذكر عدَّة أمثلة، ويقول: ولم يكن يقدِّم على الحديث الصحيح عملاً، ولا رأياً، ولا قياساً، ولا قول صحابـي , ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسمِّيه كثير من الناس إجماعاً، وقد كذَّب أحمدُ مَن ادَّعى هذا الإجماع، ولم يسغْ تقديمه على الحديث الثابت.

٢. ما أفتى به الصحابة، فإنّه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يَعدُها إلى غيرها، ولم يقل: إنَّ ذلك إجماع. وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع من الصحابة لم يقدِّم عليه عملاً ولا رأياً ولا قياساً.

٣. إذا اختلفت الصحابة تخيّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنَّة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبيَّـن له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقوله.

____________________

(١) إعلام الموقعين ٤: ١٢١ - ١٢٢.


٤. الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن، وهو الذي رجّحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا مَن في رواته متَّهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسِّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب.

٥. القياس، فهو يقدِّم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس، فإذا لم يكن عنده شيء من هذه يعمل به واستعمله للضرورة. وقد قال في كتاب (الخلال): سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنّما يُصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.

فهذه الأُصول الخمسة من أُصول فتاويه وعليها مدارها، وقد يتوقَّف في الفتوى لتعارض الأدلَّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطِّلاعه فيها على أثر، أو قول أحد من الصحابة والتابعين.

وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إيَّاك أن تتكلَّم في مسألة ليس لك فيها إمام، وكان يسوِّغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدلُّ عليهم، ويمنع من استفتاء مَن يُعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوِّغ العمل بفتواه (١) .

____________________

(١) إعلام الموقعين ١: ٣٣.


منهج الاجتهاد وتطوّره عند الإماميّة:

المنهج الاجتهادي في الدور الأول: دور التأسيس (١) .

يظهر من مراجعة مصنَّفات الفقهاء في العصر المتاخم لعصر الغيبة الصغرى، أنّ عملية الاجتهاد في هذه المرحلة كانت بدائية، وتتمثَّل أوّلاً في توزيع متون الروايات على الأبـواب الفقهيـة، واستظهار النتائج منها بنفس ألفاظ النصوص ومتونها، وعلاج حالات التعارض بينهما بجمعٍ عُرفـي، أو ترجيح أو حمل على التقيَّة أو غير ذلك.

وهذا المنهج يدعى بالفقه المأثور، وكان يدوَّن تارة مبسوطاً ومع ذكر الروايات المأثورة بمتونها وأسانيدها ـ كما نجده في مثل كتاب الكافي للكليني، وكتاب مَن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (قُدس سرّهما) ـ وأُخرى مع حذف الأسانيد، بل وتقطيع متون الروايات أيضاً، والاقتصار على الفتاوى بألفاظ النصوص موزَّعة على المسائل والأبواب الفقهية، كما نجد ذلك في كتاب الشرائع لابن بابويه (قدس سره) (ت ٣٢٩هـ)، والهداية والمقنع للشيخ الصدوق (قدس سره) (ت ٣٨١هـ).

إلاّ أنَّ تطوُّر الفقه واتِّساع تفريعاته وآفاقه على أساس ما كان يستجدُّ من قضايا وحوادث، وما كان قد حصلت الحاجة إليه والابتلاء به في المذاهب الأُخرى ومدوّناتها الفقهية ـ من تطبيقات وفروض تقديرية، وتقسيمات حديثة للموضوعات والأبواب الفقهيَّة ـ أوجب استقلال المنهج الفقهي في العَرْض والتدوين عن الفقه المأثور.

وقد ساعد على ذلك الاحتكاك والنقد والحوار، الذي كان يجري بصورة مستمرَّة بين فقهائنا وفقهاء المذاهب الأُخرى، سيَّما في الحواضر والجامعات العلمية الرئيسية، كبغداد التي كانت مركزاً تضمُّ كلّ المدارس الفكرية والفقهية في ذلك العصر، وكان جانب الكرخ منها محلَّة الشيعة وملتقى علمائهم وفقهائهم، كالشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وفيها المكتبة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة البويهي، والتي كانت من أُمَّهات دُور العلم يومـذاك.

____________________

(١) يُرجع في التحديد الزمني لهذه الأدوار إلى الفصل الرابع (أدوار الاجتهاد عند الشيعة الإمامية) ولا حاجة لتكرار التحديد الزمني هنا.


وهكذا بدأ الفصل بين المصنَّفات الفقهية وكتب الحديث، وأصبحت الكتب والرسائل الفقهية تدوَّن بمنهجها المستقلِّ ـ كما في فقه العامَّة ـ وكان يستند في مجال الاستدلال عليها وتخريجها بالروايات والآيات، وبإجماع الطائفة ومسلَّماتها، وببعض المسائل الكلامية والاستدلالات العقلية في بعض الأحيان، وهذا ما يُستظهر من كُتب ومصنَّفات القديمَين ـ العماني والإسكافي ـ ومؤلفات الشيخ المفيد والسيد المرتضى وتلامذتهم (١) .

وبالرغم من إرساء عملية الاستنباط على قواعد علمية معيَّنة، وبالرغم من تجاوز تعابير النصوص إلى دلالاتها التضمُّنية والالتزامية، كان التحفُّظ في التفريع وتجاوز نصوص الأحاديث ظاهرة بيِّنة في عملية الاستنباط.

وبالرغم من اعتماد علم الفقه على الأخبار الحاكية عن السنَّة بشكل واسع، نجد ظاهرة إدانة العمل بأخبار الآحاد والاهتمام بالإجماعات أمراً مُلفتاً للنظر.

وبالرغم من تأكيد القرآن الكريم على أهمِّية التعقُّل والاستفادة من العقل، نجد عمليَّات استنباط الأحكام في الفقه الشيعي تجتنب التوغُّل في الاعتماد على العقل، ولا تفسح المجال لتُدخِل العقل في التشريع أو ما يستتبع التشريع، من عمليات استظهار النصوص وتوظيفها للوصول إلى أحكام القضايا المستجدَّة، إذ تتحفَّظ في استخدام العقل تحفُّظاً لا يترك مجالاً لتدخُّله في التشريع، كما يظهر ذلك بيِّناً في (خلاصة التذكرة بأصول الفقه)، باعتباره أوّل كتاب أصولي شيعي يصل إلينا (٢) .

ونلاحظ في هذه المرحلة ثلاثة اتِّجاهات فقهية، تمثّلت في الاتّجاه الروائي البحت، والاتّجاه العقلي، والاتّجاه الذي يُحاول التأليف بينهما ويهتمُّ بالعقل والنقل معاً، ويحدِّد لكلٍّ منهما مساره ومورد الاعتماد عليه، وقد تمثَّل هذا الاتِّجاه في منهج المفيد والمرتضى (٣) .

وقد امتدَّ هذا الاتِّجاه ونما وغلب على المدرسة الفقهية الشيعية، بعد المرتضى حتى يومنا هذا.

____________________

(١) مقدِّمة موسوعة الفقه الإسلامي:٤٩. بتصرُّف واختصار.

(٢) مراحل تطوُّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٧٨.

(٣) راجع أهمَّ ملامح الدور الأول.


المنهج الاجتهادي في الدور الثاني: دور الانطلاق .

١. اتَّبع الشيخ الطوسي في فتاواه وتآليفه الفقهية نهج أُستاذَيه المفيد والمرتضى، وقد أُتيحت له فرصة الوقوف على الكتب الفقهية أكثر ممَّا وقف عليه أُستاذاه، فأحاط بآراء المذاهب الأُخرى إحاطة تامة، لا يوجد مثيلها في كتب المفيد والمرتضى.

٢. بلغ التفريع والتخريج على يده القمَّة، فما ترك فرعاً إلاَّ خاضه، ويعدُّ كتابه المبسوط خير شاهد على ذلك، وقد مضى على تأليفه قرابة عشرة قرون ومع ذلك لم يؤلَّف كتاب مثله، والكتاب مع كونه يحتوي على دورة فقهية كاملة، لكنَّه سلس الألفاظ، سهل التناول، موجَز في النقل، مختصَر في الاستدلال، على خلاف ما نراه في كتابي (التذكرة) و(المنتهى)، فإنّهما في غاية البسط خصوصاً الأخير.

٣. استخرج الشيخ قواعد عقلية واعتمد عليها في مقام التفريع، وبذلك ردَّ على خصماء الشيعة وصمة العار التي ألصقوها بهم، قال في أوّل (المبسوط): إنِّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا ـ من المتفقِّهة والمنتسبين إلى علم الفروع ـ يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية ويستنزرونه، وينسبونهم إلى قلَّة الفروع وقلّة المسائل، ويقولون: إنَّهم أهل حشو ومناقضة، وإنَّ مَن ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الأُصول؛ لأنَّ جلَّ ذلك وجمهوره مأخوذ من هذين الطريقين. وهذا جهل منهم بمذهبنا، وقلّة تأمُّل لأُصولنا.

ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أنَّ جُلَّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا، ومنصوص عليه تلويحاً عن أئمتنا الذين قولهم في الحجّة يجري مجرى قول النبي (صلَّى الله عليه وآله)، إمّا خصوصاً، أو عموماً، أو تصريحاً، أو تلويحاً (١) .

إنّ الشيخ الطوسي كان يعمل بخبر الواحد تحت شروط خاصّة، وقد أعرب عن رأيه في كتاب (العدَّة)، وبذلك خالف أُستاذيه المفيد والمرتضى، وقال بحجِّيّة الإجماع كأُستاذيه، ويظهر أنّ الإجماع عنده

____________________

(١) المبسوط ١:١-٢.


حجَّة لكشفه عن قول المعصوم فقط، وله آراء خاصة في الأُصول يظهر ذلك لمَن راجع كتاب (العدّة) (١) .

ويبيِّن السيد منذر الحكيم منهجية الاجتهاد لهذا الدَور، التي تمَّت على يد الشيخ الطوسي (قدس سره)، فيقول: أخذ الاتِّجاه الذي اتَّخذه المفيد والمرتضى، كمنهج للاجتهاد في الدور الأول بالتطوُّر بعد أن تبنَّاه الشيخ الطوسي، وضمَّنه عناصر القوَّة والإبداع من خلال الاعتناء برفع نقاط الضعف، والدفاع العلمي المتين عنه، وردَّ على الشبهات التي كان يُثيرها بوجه هذا المنهج كلٌّ من أصحاب الاتِّجاهين العقلي والروائي، إضافة إلى فقهاء العامة وهم يرون تطوُّراً ملحوظاً على يد هذا العملاق.

وكان هذا التطوّر في عدة جوانب:

الجانب الأول: تقنين عملية الاستنباط، استمراراً على الخط الذي بدأه المفيد، ثمّ طوّره المرتضى في مجال فصل علم أصول الفقه عن الفقه واستقلاله بالبحث والتدوين، وقد تمثَّل هذا العمل في تدوين كتاب (عدّة الأُصول)، الذي فاق الكتب الأُصولية السابقة عليه، وأصبح محوراً للتدريس إلى قرون متأخِّرة، كما يبدو جليَّاً من خلال الشروح والتعليقات التي كُتبت على هذا الكتاب حتى القرن العاشر الهجري (٢) .

الجانب الثاني: اعتمد البحث الفقهي للاتِّجاه الذي مثله الشيخ المفيد على النقل والعقل معاً، واعتمد النقل على الكتاب والسنَّة، والتي استند لكشفها إلى الأحاديث الواصلة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وتتقوَّم دراسة الأحاديث بدراسة السند والدلالة معاً.

واعتمدت عملية تقويم السند على أدوات التقويم المتمثِّلة في مصادر التوثيق الرجالية، وقد وفَّق الشيخ الطوسي (رحمه الله) لتوفير هذه الأدوات وتقنين عمليه التقويم وتطبيقها، وقد أثمرت هذه الجهود في

____________________

(١) أدوار الفقه الإسلامي:٢٧٤-٢٧٦.

(٢) مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٨٠.


تبنِّي اتِّجاه أخبار الآحاد على أساس علمي، خلافاً لما كان يؤكِّد عليه المرتضى والمفيد من قبل، حيث أنكرا حجِّيّة أخبار الآحاد واتَّجها إلى الإجماع والعقل (١) .

فكانت للشيخ الطوسي عدَّة أعمال موسوعية حديثية ورجالية، تمثّلت في تدوين موسوعتين فقهيَّتين حديثيَّتين هما التهذيب والاستبصار، ومجموعة كتب رجالية هي: اختيار معرفة الرجال، والرجال، والفهرست، بالإضافة إلى فهرس النجاشي، الذي ساهم بتوفير المادة اللازمة لغرض إكمال عمليه التوثيق الرجالي، الذي يهمُّ الفقيه الذي يتبنَّى حجِّيّة أخبار الآحاد ويشيِّد فقهه على أساسها (٢) .

الجانب الثالث: قام الشيخ الطوسي ـ في تهذيب الأحكام ـ بتطبيق منهج الاستنباط، الذي قنَّنه سابقاً ووفَّر أدواته، وذلك حينما قرَّر شرح كتاب المقنعة للشيخ المفيد شرحاً استدلالياً، ينحو باتِّجاه إثبات الآراء الفقهية الواردة في المقنعة أو إثبات آرائه الفقهية؛ لذا فتهذيب الأحكام ليس كتاباً حديثيَّاً محضاً (٣) .

فكان الجهد المبذول في تطوير المنهج الذي اتَّبعه على صعيد النظرية والتطبيق.

وعالج الشيخ (قدس سره) مشكلة الأخبار المتعارضة، التي حفلت بها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الفقهية في كتاب الاستبصار؛ ومن هنا أصبح هذا الكتاب ممثِّلاً لممارسة فقهيَّة استدلالية بالإضافة إلى تضمُّنه للأخبار.

وبهذا وفَّر الشيخ الطوسي للفقيه كل أدوات الممارسة الفقهية الاجتهادية، نظرية وتطبيقاً، وهذه خطوة كبيرة أخرج فيها الفقه الإمامي من الاستعراض والنقل للحديث إلى إطار أوسع.

____________________

(١) انظر الذريعة إلى أصول الشريعة ٢: ٥٢٨-٥٥٤.

(٢) انظر منهج الشيخ الطوسي في كتاب عدّة الأصول، فصل مذهب المصنِّف في خبر الواحد. مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٨٠ بتصرُّف.

(٣) نفس المصدر.


الجانب الرابع: وقام الشيخ الطوسي ـ أيضاً ـ بثلاث خطوات أُخرى، كانت رائدة إن لم تكن تأسيسية، فالفقهاء الذين سبقوه بالرغم من تصدِّيهم للتفريع واستنباط أحكام الفروع، التي لم تذكر في نصوص الروايات الواصلة إليهم، لكنَّهم لأجل التحفُّظات الكبيرة، التي كانت تُحيط بهم وتُسيطر على الوسط العلمي السائد آنذاك، لم يجترئوا أو لم تسنح لهم فرصة التفريع وإظهار عظمة الفقه الإمامي من هذه الجهة.

وعلى أيِّ حال، فالمبسوط للشيخ جاء ليعبِّر عن محاولة رائدة للتوسُّع في المسائل الفرعية الفقهية توسعاً كبيراً، يمكن فهم مدى عظمة هذا العمل الريادي، إذا قسنا النهاية للشيخ الطوسي أو المقنعة للمفيد إلى المبسوط الذي كتبه الشيخ، وهو دورة فقهية موسّعة تفوق على أربعة أضعاف النهاية، أو المقنعة من حيث حجم المادة الفقهية المطروحة فيها.

الجانب الخامس: كانت محاولة إثبات الريادة للفقه الشيعي، تتطلَّب من الشيخ الطوسي المبدع والمؤسس لمدرسته الفقهية الرائدة أن يقوم ـ بالإضافة إلى التوسّع والبسط في التفريع ـ بعملية المقارنة بين الفقه الإمامي وسائر المدارس الفقهية، وهذا هو الذي انتهى به إلى أن يكتب (الخـلاف)، وهو كتاب موسَّع يعتمد المقارنة، وهو يشير في آن واحد إلى خصائص الفقه الشيعـي، مقارناً مع الفقه غير الشيعي بشتَّى مذاهبه، كما يشير إلى مدى عظمة الفقه الشيعي، وقدرته على مسايرة الزمن بالرغم من تحفُّظه تجاه استخدام العقل في مجال الاستنباط (١) .

ومما يؤاخذ على منهج الشيخ الطوسي (رحمه الله):

أ. كثرة اعتماده على الإجماعات، فهو يلجأ إلى ذلك عند إعواز الدليل اعتماداً على مذهبه الذي يرى أنَّ الإجماع يوحي بوجود قول في المسألة، وبالرغم من أنّ الاعتماد على الإجماع منهج أساتذة الشيخ الطوسي، أمثال المفيد والمرتضى، ولكن توسَّع الشيخ ومَن جاء من بعده من

____________________

(١) مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٨٠-١٨٣ بتصرُّف.


الفقهاء في استخدامه، حتى (إنّ بعض علماء الشيعة يعمل بالإجماع الذي ينقله (مالك بن أنس إمام المذهب) عن أهل المدينة في (موطّئه) لكشفه عن رأي المعصوم عنده) (١) .

ب. محاكاة الفقه التفريعي السنِّي، فهو بالرغم من الجهود التي بذلها لإحراز الريادة وقصب السبق للفقه الشيعي، ولكن كان لابدَّ من الوقوع في شرك المحاكاة للفقه السائد، ودخول عنصر التقليد في بعض الأحيان، وانطباع الفقه التفريعي الشيعي بطابع ومسحة من الفقه السنِّي، لا سيَّما لو أخذنا بالاعتبار أنَّ الفقه السنِّي هو فقه الدولة آنذاك.

وقد اعتقد بعض كبار فقهاء الإمامية، بأنّ الفقه الشيعي ناظر في انجازاته العلمية إلى الفقه السنّـي، ولا يمكن تحقُّق فهم الفقه الشيعي بشكل تام إلاّ لمَن يفهم الفقه السنِّي بشكل تام؛ وذلك لأنّ الفقه السنِّي كان فقه الدولة وكان الفقه الحاكم على الساحة، ولم يسع الفقهاء الشيعة إلاّ أن يأخذوا هذا الفقه بنظر الاعتبار، وكان لابدَّ لهم من اتِّخاذ المواقف الفقهية المنسجمة مع الأُصول والمباني الفقهية الإمامية في الوسط الذي يعيشون فيه، فإنَّ التعايش كان واقعاً مفروضاً عليهم، ولا أقل من التأثُّر بالفقه الحاكم إلى فترة أو فترات؛ كي يتسنَّى للفقيه الشيعي أن يستقلَّ ويمحو آثار التأثُّر بالفقه الحاكم، والفقه الذي كان يسايره الفقهاء إمّا للدفاع أو لاكتساب مقام الريادة، التي تقتضي وجود موارد الشبه والاشتراك والتقدّم؛ كي يمكن تحقُّق المباراة والاستبـاق والإقناع بالتقـدّم والأفضليـة (٢) .

ولم يكن من الهيِّن الانتقال من جوِّ المحاكاة إلى جوِّ الاستقلال، فقد طالت الفترة الزمنية حوالي قرنين على الأقل لأجل تحقُّق ذلك؛ إذ نرى في كتابات المحقِّق ومَن جاء بعده تطوُّراً ملموساً وتميُّزاً على كتابات الشيخ الطوسي من هذه الجهة.

____________________

(١) مقدّمة جامع المقاصد ١:١٧.

(٢) مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٣: ١٨٢.


المنهج الاجتهادي في الدور الثالث: دور الاستقلال .

قد ذكرنا أنَّ رائد هذا الدور هو المحقِّق الحلِّي (قدس سره)، وقد حفلت هذه الفترة بالكثير من كبار فقهاء الشيعة، وقد نلمس آثار المنهج الفقهي المتَّبع في هذه المرحلة في عدَّة نقاط:

أ. إنّ أهمَّ ظاهرة في هذه المرحلة ترتبط بالمحتوى الفقهي، وهي اجتناب حالة المحاكاة التي كنّا قد لاحظناها في المرحلة السابقة؛ وذلك لأنَّ بداية انطلاق الفقهاء نحو التوسُّع في الفقه الاستدلالي والتفريعي، ومحاولة إثبات سعة الفقه الشيعي، بل تفوُّقه على الفقه الآخر كانت بطبيعة الحال تعتمد على شيء من المحاكاة في عناوين المباحث وأدلتها، بما يتناسب مع الاتجاه الأُصولي الشيعي، فالمقارنة الصريحة أو غير الصريحة كانت تستدعي اجترار بعض الفتاوى والأدلة لا محالة (١) .

وحينما أخذ الفقه الشيعي مساره الطبيعي، وبدأ الفقهاء بتنقيح أصول فقههم وأدوات استنباطهم، كان من الطبيعي أن تنعكس النظرة المستقلَّة إلى الفقه الشيعي، والاعتداد بقابليات الفقه الشيعي للتطوُّر والتكامل، وتنقيح الأدوات المستعملة في الميدان الفقهي على النشاط الفقهي الشيعي أولاً، وتنتهي هذه النظرة إلى اجتناب المحاكاة مهما أمكن لا سيما فيما لا اشتراك فيه من الأدوات والمناهـج، وهكذا بدأ النشاط الفقهي والمحتوى الفقهي ينحو باتجاه الاستقلال التام عن التأثر بالفقه غير الشيعي.

وأنتج هذا الاتجاه فقهاً متميزاً بأدواته ومناهجه ومصادره، وعمليات استنباطه ومدوّناته الفقهية، مضموناً وشكلاً معاً.

ب. إنَّ حالة الصحوة لتنقيح التراث الفقهي والأصولي وأدواته ومناهجه ومصادره، قد انعكست على شكل التأليف والتدوين لمسائل علم الفقه أيضاً، بحيث نجد تطوُّراً ملموساً في حقل تنظيم ومنجهة عرض البحوث الفقهية، فمنهج المحقِّق الحلِّي في شرائع الإسلام والمختصر النافع، والعلاّمة في التبصرة والشهيدين في اللمعة والروضة، يعدُّ منهجاً جديداً إذا ما قورن بالنهاية والمبسوط.

____________________

(١) كما يظهر ذلك من تبويب كتاب شرايع الإسلام للمحقِّق الحلّي.


ج. وأثمرت هذه النظرة الاستقلالية للفقه ومستلزماته ظهور موسوعات فقهية استدلالية شتّى، من حيث المستوى العلمي، ومن حيث حجم البحوث الفقهية، وتنوُّع الأبواب واستيعابها لكل مسائل الحياة إلى جانب التنقيح والتهذيب للمباحث الفقهية الموروثة.

د. كما تطوَّر الفقه المقارن ـ الذي كان قد أبدع فيه الطوسي ـ تطوّراً ملموساً، في كيفية العرض والمحتوى معاً، حتى إنَّنا نلاحظ عدَّة مستويات من البحث المقارن، والجديد منها هو الفقه المقارن بين الآراء الإمامية نفسها، كما نجد ذلك في كتاب مختلف الشيعة، وقد كانت لهذه الظاهرة آثار إيجابية على الفقه الإمامي نفسه.

ويمثِّل كلٌّ من تذكرة الفقهاء ومنتهى المطلب تطوّراً ملموساً في مجال الفقه المقارن، ولا سيما إذا قارنَّا كل واحد منهما بالآخر، من حيث المنهج والمحتوى والأسلوب، وهو نشاط متميِّز وفريد للعلاَّمة الحلِّي (قدس سره) في هذا المضمار.

هـ. وتبعاً لتنوُّع الأغراض والأهداف، نلاحظ تنوُّعاً ملموساً في النشاط الفقهي التأليفي، من حيث حجم ومستوى عرض المادة الفقهية، وأعني بالمستوى: المادة الفقهية المجرّدة عـن الاستـدلال، حتى المادة الفقهية المنطوية على أرقى درجات الاستدلال الذي نجده في كل مسألة فقهية، فـالمختصر والتبصرة أصبحا محوراً للتدريس في البحوث الفقهية العليا فيما بعد؛ نظراً لتميّز نصوصهما بالدقَّة والإيجاز والشمول، كما تميّزت نصوص اللمعة الدمشقية، ودخلت حلقات الدرس الفقهي مع المختصر والتبصرة بشكل طبيعي، وبذلك تبلورت كتب التدريس في شتَّى المستويات في حوزاتنا العلمية؛ وذلك لما امتازت به هذه الكتب من خصائص مهمة وفريدة، دعت الفقهاء لاختيارها وإقرارها بشكل طبيعي.

و. إنّ تدوين القواعد الفقهية وإفرادها بالتصنيف بعد استخراجها من بطون المباحث الفقهية، كان خطوة متقدِّمة في حقل النشاط الفقهي بلا ريب، وتمثَّل ذلك بشكل ملموس في القواعد والفوائد ونضد القواعد الفقهية...

ز. إنّ التطوُّر الآخر الذي نلاحظه في هذه المرحلة، هو تطوّر بحوث الفقه المعاملي تطوّراً ملموساً، ويعود ذلك إلى تطوّر البحث الفقهي الذي سببه التطوّر الأُصولي من جهة، وتدوين القواعد الفقهية من جهة أُخرى.


ح. وفي أُخريات هذه المرحلة، وبعد أن اتَّجه أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لإقرار حكم إسلامي يعتمد فقه أهل البيت ومنهجهم في الحياة، اشتدّت الحاجة لتدوين فقه الدولة.

وتصدَّى المحقِّق الكركي ـ بعد محاولة الشهيد الأول الرائدة لتدوين فقه الدولة ـ للإشراف على حكومة الدولة الصفوية، وكان هذا عاملاً مهمّاً في اتجاه الفقهاء نحو الاهتمام بقضايا الدولة، والبحث عن الأحكام المتعلِّقة بها ومناقشتها وتنقيحها، وأنتج هذا النشاط التنقيح النظري والتركيز العلمي، لقضية الولاية من قِبل الفقهاء والبحث عن مدى صلاحيَّاتهم.

وتجلَّى هذا النشاط في تأليف مجموعة من الرسائل الفقهية، المرتبطة بقضايا الدولة، كالخراج وصلاة الجمعة وغيرهما.

ط. وقد بلغ الفقه الاستدلالي ذروته في آثار المحقِّق الكركي الفقهية، حيث جسَّدت آثاره الاستدلالية العمق والدقَّة، والابتعاد الكامل عن منهج الفقه غير الإمامي.

ي. ويمثِّل حجم النظريات الحديثة والمبتكرة في مجالي الأُصول والفقه في هذه المرحلة، رفعة المستوى العلمي للمدرسة الفقهية الإمامية، والمسافة الكبيرة التي قطعتها هذه المدرسة، من خلال نشاط عيَّنه فقهائنا في ثلاثة قرون متتالية.

المنهج الاجتهادي في الدور الرابع: دور التطرُّف .

أ. خصائص المنهج العقلي المتطرِّف:

إنّ المحقِّق الأردبيلي، بما كان يتمتَّع به من نبوغ علمي وثقافة فلسفية وعقلية، استطاع أن ينتقد جملة من فتاوى مشهور الفقهاء في العصور المتقدّمة، على صعيد الاستدلال وصناعته.

كما تشدَّد في الأخذ بالروايات من حيث السند والدلالة، أو معارضتها مع روايات أو قواعد أُخرى، ورغم أنّ هذه الطريقة أدَّت إلى إغناء الاستدلال الفقهي الصناعي، وتعميقه فيما بعد، إلاّ أنّها أوجبت وقتئذٍ تحفُّظاً في الاعتماد على الأحاديث والنصوص المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام) والميل نحو الأخذ بالقواعد والأُصول العامَّة أو العقلية، وكذلك التوسُّع في الأخذ بإطلاقات وعمومات القرآن الكريم، ومحاولة تخريج المسائل الفقهية على أساسها.


إنَّ عملية تدوين القواعد الفقهية والاعتماد الكبير على العقل، أدّت إلى الاعتماد الكبير على العمومات والمطلقات، التي شكّلت أُسس التشريع الإسلامي في القرآن الكريم، حيث إنّ القرآن الكريم قطعي الصدور ولا يتطرّق التشكيك إلى سنده، بخلاف أخبار الآحاد الظنيّة الصدور، وقد ظهر هذا الاتجاه من اهتمامٍ بآيات الأحكام في مؤلَّفات المحقِّق الأردبيلي عموماً، وعلى وجه الخصوص في كتاب (زبدة البيان)، الذي حاول فيه تخريج كافّة الأبواب الفقهية على الآيات الشريفة.

وقد ظهر هذا التشدُّد في الأخذ بالروايات واضحاً في منهج تلميذيه، صاحب مدارك الأحكام، وصاحب معالم الدين؛ حيث ذهبا إلى عدم قبول السند إلاَّ إذا تأيّدت عدالة كلِّ راوٍ فيه بشاهدين عدلين، فلم يكتفيا بشهادة العدل الواحد أو خبير رجالي واحد، وهذا منتهى التشدّد والتطرّف في قبول الحديث، ومثال على هذا المنهج المتطرِّف نجد صاحب المعالم يميل ـ في كتابه الأُصولي معالم الدين وملاذ المجتهدين ـ إلى القول بحجيّة مطلق الظن، بعد أن تشدّد في أسانيد الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام).

والحق أنّ هذا التشدّد والتطرّف في تقويم مصادر التشريع والاستنباط أدّى إلى خسارة عملية الاستنباط لكثير من حِسان الأحاديث وموثَّقاتها وصحاحها، والاكتفاء بالنزر القليل منها، وهو الذي خضع للمعيار الجديد فقط من تأييد الحديث بشاهدين عدلين، ممَّا أدّى إلى تقليص مصادر التشريع، والاكتفاء بالقرآن الكريم والعقل، واضطرَّ أصحاب هذا المنهج إلى منح الظنون قيمة ودوراً مهمّاً، أدَّى إلى الاقتراب من اتِّجاه الأخذ بالرأي والقياس والاستحسان، والذي شجبته الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، وطالما وقفت منه المدرسة الفقهية الإمامية موقف الريبة.

ولم يقف هذا التشدُّد عند السند فحسب، بل انسحب إلى مجال الدلالة وطغت عملية مناقشة دلالات النصوص الروائية والتأمُّل العقلي فيها على عملية الاستدلال.

وكان من الواضح تأثير النشاط الفلسفي لمدرسة إصفهان على الاتجاه العقلي، الذي ساد في هذا الدور (١) .

____________________

(١) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٥: ١٧٠-١٧٢.


تلخيص لأهمِّ الخصائص:

١. الاهتمام بعلم أُصول الفقه واستخدام الصناعة العقلية والفلسفية في إثبات بعض مسائله.

كما يُلاحظ ذلك من مقدِّمة معالم الدين للشيخ حسن بن زين الدين (ت ١٠١١هـ) والوافية للفاضل التوني (ت ١٠٧١هـ).

٢. تضييق دائرة حجِّيّة أخبار الآحاد.

٣. التشكيك في قيمة كثير من إجماعات القدماء وآرائهم المشهورة أو المسلّمة، ونقدها صناعياً وعقلياً، والتي اعتمدت كثيراً على الروايات.

٤. الاعتماد على القواعد العقلية والفلسفية في الاستدلال الفقهي.

٥. إعداد الأرضية المناسبة للاتجاه نحو حجيّة مطلق الظنّ، بعد التشدّد في البحوث الرجالية وطُرق توثيق الرواة، الموجب لعدم إمكان إحراز وثاقة جملة منهم بتلك الطريقة المتشدّدة؛ وبالتالي فقد جملة من النصوص (١) .

٦. التوسّع في الاعتماد على العمومات والمطلقات، الواردة في آيات الأحكام أو السنَّـة القطعيـة، وتخريج الفتاوى على أساسها، وطرح ما يخصِّصها أو يقيِّدها من الروايات، نتيجة التشدّد في طريقة التوثيق الرجالي لإسنادها (٢) .

ب. خصائص المنهج الأخباري المتطرّف:

لقد أثَّر التمادي الواضح في الاتجاه العقلي من قِبل جملة من الفقهاء الأُصوليين، إلى حدوث ردَّة فعل طبيعية عند مجموعة أُخرى من الفقهاء، ظهرت على شكل تمادي في قبول الأخبار، والاعتماد عليها بشكل كبير في قبال الاتجاه العقلي، الذي ضيّق فرصة وحقَّ الاعتماد على الكثير من هذه الأحاديث.

____________________

(١) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٦١-٦٢. انظر معالم الدين وملاذ المجتهدين يظهر لك ذلك جليَّاً.

(٢) انظر منهجية كتاب زبدة الأحكام.


وهكذا تولَّد اتجاه متطرّف معاكس داخل الطائفة في هذا العصر، وهو الاتجاه الفقهي الأخباري، الذي أفرط في الأخذ والعمل بروايات الكتب الأربعة، وإلغاء تصنيفها إلى قوي وضعيف، أو صحيح وحسن وموثّق وضعيف، بل تعدَّى بعضهم إلى الاعتقاد بقطعية صدور كل ما جاء في الكتب الأربعة من الروايات، ووضوح دلالتها، بل تمادى بعضهم فذهب إلى عدم حجِّيّة الظواهر القرآنيـة، إذا لم يرد تفسير لها في الروايات.

كما أفرط هذا الاتجاه في الحطِّ من قيمة الدليل العقلي , فذهب إلى عدم حجِّيّة الاستدلالات العقلية والفلسفية في إثبات الأحكام مهما كانت برهانيّة.

وقام الاتجاه الأخباري بمناقشة جملة من المباحث الأُصولية، وإلغاء مجموعة من النظريات التي اعتمدها جملة من الفقهاء الأُصوليين، مثل حجيّة الإجماع وحجيّة الكتاب.

وقد ظهر في داخل هذا التيَّار خطٌّ معتدل، مقابل الخطِّ الذي تبنَّى الإفراط في قبول الأحاديث، والتفريط في الاعتماد على العقل والكتاب الكريم.

وكان لاعتدال هذا الخطِّ الداخلي في تيَّار الأخباريين، وتقواهم وتورّعهم وانصياعهم للحق ـ إضافة للجهود التي بذلها المحقِّق البهبهاني ـ الفضل الكبير في القضاء على التطرّف في هذا الخطِّ وعقلنته، إن لم نقل القضاء عليه كلِّياً.

وقد مثَّل الاتجاه الأخباري علماء منهم:

١. الأمين الإسترآبادي (ت ١٠٣٣هـ)، وكان متطرِّفاً متشدّداً في هذا الاتجاه.

٢. الفيض الكاشاني (ت ١٠٩١هـ).

٣. الحرّ العاملي (ت ١١٠٤هـ).

٤. العلاّمة المجلسي (ت ١١١١هـ).

وقد قام هؤلاء الثلاثة الأواخر بجمع الروايات المنقولة في كتُب المتقدّمين، ضمن مجاميع حديثية ضخمة هي:

١ ـ الوافي.

٢ ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.


٣ ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام).

فقدّموا في هذا المجال خدمة كبيرة للمذهب.

ومثّل المحدِّث البحراني ـ صاحب كتاب الحدائق الناضرة (ت ١١٨٦هـ) الذي كان فقيهاً منصفاً محقِّقاً ورعاً ـ (قدس سره) باعتداله وتوسّعه، ورجوعه عن جملة من متبنّيات الأخباريين نهاية التطرّف الأخباري، والذي أدَّى إلى خمود ضراوة تلك الحركة (١) .

أهمُّ خصائص المنهج الأخباري المتطرّف:

١. عدم اعتماد الأدلّة العقلية والفلسفية في مجال الاستنباط والاجتهاد الفقهي , واعتبارها كاجتهاد الرأي ملغاة في فقه أهل البيت (عليهم السلام) (٢) .

الحقّ أنّ كلمات الأخباريين مضطربة ومختلفة، في أمر اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد، حتى إنّ المحقِّق الخراساني (رحمه الله) استقرب في كتاب (كفاية الأُصول) أن يكون مقصود الأخباريين واحداً من اثنين: أحدهما كبروي، والآخر صغروي، أمّا الأمر الكبروي فهو منع الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي (بين ما يجب بالعقل وما يجب بالشرع)، وأمّا الأمر الصغروي فهو التشكيك في إمكان الوصول إلى نتائج قطعيَّة من المقدِّمات العقليّة، وأنّ نتائج المقدِّمات العقليّة لا تزيد على أن تكون أحكاماً ظنِّيّة (٣) .

ويعتقد المحقِّق الخراساني أنّ كلمات الأخباريين ـ ولا سيّما في كتاب (الفوائد المدنيّة) ـ لا تفقد الدليل على وجود مثل هذا الاتّجاه السلبي تجاه العقل.

ولو أنّ علماء الأخباريين كانوا يستوعبون الموقف السائد في المدرسة الأُصوليّة، في التفريق بين الظنّ والرأي الذي لا يُغني عن الحقّ من جانب، وبين (حكم العقل) القطعي من جانب آخر، لما سلكوا هذا المسلك العسير من الرأي.

____________________

(١) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٦٣.

(٢) نفس المصدر.

(٣) راجع كفاية الأصول.


فإنّ الحجّة عند الأُصوليّين، هي الدليل الذي يثبت متعلّقه ثبوتاً قطعيّاً، سواء كانت حجيّته ذاتيّة وهو القطع (العلم)، أم كانت حجِّيّته عرضيّة وهي الطرق والإمارات التي تثبت حجيّتها بدليل قطعي، وحجيّة القطع ذاتيّة لا يمكن أن تناله يد التشريع لا سلباً ولا إيجاباً؛ فإنّ القطع هو انكشاف المقطوع به للقاطع، وما كان كذلك كانت الحجِّيّة حاصلة له بالذات، ولا معنى لتحصيل ما هو حاصل بالذات، كما لا معنى لسلبها.

وأمّا الإمارات والطُرق الظنيّة، فإنّ حجّيّتها تؤول ـ أخيراً ـ إلى ما يكون حجّة بالذات؛ أخذاً بالقاعدة العقليّة المعروفة القائلة: (إنّ كلّ ما بالعرض لابُدّ أن ينتهي إلى ما بالذات).

ومن لوازم الحجيّة العقلية المنجزيّة والمعذريّة، فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجّة إذا أصابت الحجّة الواقع، كما يحكم بقبح عقابه (وإعذاره) على تقدير موافقـة الحجّـة، أصابت الحجّة الواقع أم لا، وهذه القضايا من بديهيّات علم الأُصول.

ولا سبيل للنقاش في شيء من ذلك، والأدّلة العقليّة قائمة على هذه البديهيّة، وأمّا الرأي الذي يستند الظنّ ولا يستند حجّة ذاتيّة أو حجّة مجعولة من قِبل الشارع قطعاً، فلا شأن له في الاستنباط.

ولو أنّ الأخباريين كانوا يستوعبون هذه البديهيّة في الحجيّة، لما حدث هذا الصدع في الإجتهاد، ولما تجاوز الخلاف بينهم وبين الأُصوليّين الخلاف الصغروي في قيام الحجّة وعدمها، لا التشكيك في أصل حجِّية الأحكام العقليّة وملازمتها في الشرع في فرض وقوعها وحصولها.

وهذه هي النقطة الجوهريّة في الخلاف بين الأخباريين والأُصوليّين (١) .

٢.التوسّع في الأخذ بالأخبار المأثورة في أُصولنا ومجاميعنا الحديثية، واعتبارها جميعاً قطعية أو معتبرة، فلا حاجة للبحوث الرجالية ولا الأُصولية في حجيّة الأخبار (٢) .

يذهب الأخباريون إلى قطعيّة صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثّية الأربعة من الروايات، لاهتمام أصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل والاحتجاج بها، وعليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن

____________________

(١) دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول، محمد مهدي الآصفي/ مجلَّة الفكر الإسلامي ١:٦٠-٦١.

(٢) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٦٣.


أسناد الروايات الواردة في الكتب الأربعة، ويصحُّ له التمسّك بما ورد فيها من الأحاديث، وهذا هو رأي المدرسة الأخباريّة (١) .

٣. إنكار حجيّة الإجماع، واعتباره مصدراً من مصادر التشريع في فقه العامّة (٢) .

٤. إنكار حجيّة الظواهر القرآنية فيما يرجع إلى آيات الأحكام، فقد توقّف الأخباريّون عن العمل بالقرآن، ما لم يرد فيه إيضاح من الحديث؛ وذلك لطروء مخصِّصات ومقيّدات من السنّة لعموماته ومطلقاته، ولِما ورد من الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي (٣) .

٥. لزوم الاحتياط والاجتناب في الشبهة التحريمية عند فقدِ الدليل على الإباحة أو الحرمة، بل نسب إلى الأمين الإسترآبادي القول بذلك في مطلق الشبُهات حتى الوجوبية (٤) .

٦. إلغاء الاجتهاد والتقليد ووجوب الرجوع ابتداءً إلى الأحاديث الصادرة عن المعصومين.

وهذا ما ذهب إليه المتطرِّفون من الأخباريين، ورجع عنه علماؤهم المحقِّقون كالمحدِّث البحراني صاحب الحدائق (قدس سره) (ت١١٨٦هـ)، والشيخ حسين آل عصفور (قدس سره) (ت ١٢١٦هـ) (٥) .

المنهج الاجتهادي في الدور الخامس: دور الاعتدال .

طرأ على علم الأُصول تطوّر واتِّساع في مسائله، وفي أنحاء الاستدلال وفي تقسيم أبحاثه، وقد قسِّمت مباحثه إلى:

أ. مباحث الألفاظ.

ب. مباحث الأدلّة العقلية.

وأيضاً، قسّمت الأدلّة إلى:

____________________

(١) دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول، محمد مهدي الآصفي/ مجلَّة الفكر الإسلامي ١:٦١-٦٢.

(٢) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٥: ١٧٥. والمصدر السابق ١:٦٠-٦١. مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٦٣.

(٣) للتوسُّع يراجع كتاب مصادر الاستنباط بين الأصوليين والأخباريين، لمحمد عبد الحسن الغراوي: ٧٩.

(٤) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٥: ١٧٥. دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول، محمد مهدي الآصفي/ مجلَّة الفكر الإسلامي ١:٦٠-٦١. مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٦٣.

(٥) مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٦٣.


أ. الأدلّة الاجتهادية، والتي تدلّ على الحكم الشرعي الواقعي، وتثبته إثباتاً قطعيّاً أو تعبُّديّاً.

ب. الأدلّة الفقاهتية، التي لا تثبت الحكم الشرعي الواقعي ولا تشخِّصه، وإنّما تقرِّر الوظيفة العملية تجاه الحكم الواقعي المشتبه، فإنّ هذه الفكرة التي هي اليوم من مسلّمات أُصول الفقه الشيعي من مبتكرات المنهج الفقهي للوحيد (قدس سره).

وتوسَّع البحث فيها عن جملة من الأُصول العملية الشرعية، كأصل البراءة الشرعية في الشبهات الوجوبية والتحريمية ـ وقد منعها الأخباري ـ وأصل الاستصحاب في موارد اليقين السابق، وأصل الاحتياط في موارد العلم الإجمالي أو الشك في الامتثال.

واعتدل منهج الفقه الإمامي على يد الوحيد البهبهاني , ووجد مساره الأصيل المستقل عن المناهج الفقهية الأُخرى، وعمَّا كان يُثار بوجهه من الغبار والشبهات المتطرّفة (١) .

لقد أسفرت جهود الوحيد البهبهاني عن ظهور مدرسة جديدة، في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، حيث جمعت ‏بين العقل والنقل وأعطت لكلٍّ منهما دوره ومجاله، ولم تتطرّف لأحدهما على حساب الآخر؛ ومن هنا ميّزت هذه ‏المدرسة بين الأمارات الكاشفة عن الحكم الشرعي، وبين الأُصول العملية أوّلاً كما مرّ، كما ميّزت بين العقل قطعي‏ والإمارات الظنيّة من جهة، وبين أنواع الأُصول العملية نفسها من جهة ثالثة، بعد أن كانت شبهات الأخباريين ضدَّ العقل وقواعد علم الأُصول قد فتحت المجال لعلماء الأُصول؛ لإعادة النظر في الأُسس والمباني التي أُرسيت عليها دعائم هذا العلم من جهة، وإعادة الصياغة‏ والعرض للأفكار والقواعد الأُصولية من جهة أُخرى.

فكانت ولادة ‏جديدة لعلم الأُصول، وبداية لعصر الكمال حيث حدَّدت معالمه واتَّسعت آفاقه، وانعكست هذه الولادة على ‏مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع تطويراً وتعميقاً، من خلال جهود أقطاب مدرسة الوحيد، الذين واصلوا عمل‏ رائدهم حوالي نصف قرن أو أكثر، حتى استكملت هذه المرحلة خصائصها العامة (٢) .

____________________

(١) راجع النقطة الخامسة من أهمِّ ملامح الدور الخامس دور الاعتدال.

(٢) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٦: ١٥٥.


وهكذا استعادت المدرسة الفقهية الإمامية منهجها القويم، الذي انتهجه كبار علمائنا بعد عصر الغيبة ـ والمستمد من كلمات أهل البيت (عليهم السلام) ـ وهو الاعتماد على العقل والنقل في استنباط الأحكام الشرعية، وقد فتح الصراع المرير، الذي ابتُليت به الطائفة بين الخطِّ الأخباري المتشدّد والخطِّ الأُصولي، آفاقاً واسعة لتطوّر عملية الاجتهاد.

المنهج الاجتهادي في الدور السادس: دور الكمال والنضج .

١. تطوّر علم أُصول الفقه تطوّراً جوهرياً عمَّا كانت عليه بحوثه ومسائله قبل ذلك.

فأوّلاً: هُذِّبت مسائله عن البحوث المرتبطة بعلوم أُخرى، كانت قد دخلت في هذا العلم بشكل استطرادي , فاختلطت مع بحوثه وأصبحت بالتدريج من مسائله أو أدلّته، وهي بحوث كلامية أو أدبية أو فقهية أجنبية عن طبيعة البحث الأُصولي (١) .

وثانياً: اتّضحت طبيعة المسألة الأُصولية وتعريفها الدقيق وميزانها الفنِّي , ومكانة المسألة الأُصولية ودورها العملي في الفقه واستنباط الحكم من أدلّته التفصيلية، حيث اتّضح أنّه العلم بالأدلّة المشتركة للفقه والتي لا تختص بباب دون باب، سواء كانت الدليلية لفظيّة أم شرعيّة أم عقليّة، فأصبح علم الأُصول بمثابة منطق الفقه، الذي له طبيعته المختصّة به وأُسلوبه المتميّز عن سائر العلوم في الموضوع والغاية، وفي منهج الاستدلال والبحث، وليست مجموعة مسائل مقتبسة من هنا وهناك كما كان يُتوهَّم سابقاً.

وثالثاً: قُسِّمت مسائل علم الأُصول تقسيماً فنِّياً وجامعاً، والتقسيم السائد اليوم كما يلي:

أ. مباحث الألفاظ: ويُبحث فيها عن دلالات الألفاظ وأقسامها، وبعض المواد أو الهيئـات العامّـة، التي تقع في الخطابات الشرعية، ويحتاج الفقيه إلى تحديد مدلولها، كالأمر والنهي، وأدوات المفهوم والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد ونحو ذلك.

____________________

(١) راجع نظرة في تطوّر علم الأصول: ٦٤-٦٥.


ب. مباحث الاستلزامات العقلية: ويُبحث فيها عن علاقات الاستلزام أو التمانع بين الأحكام، كالملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضدِّه، أو امتناع اجتماع الأمر والنهي , أو الأمر بالضدَّين، أو اقتضاء حرمة عبادة أو معاملة لفسادها، ونحو ذلك.

وتنقيح هذه العلاقات وتحديدها يؤثّر في عملية الاستنباط كثيراً، حيث يشخِّص الدلالات الالتزامية للخطابات الشرعية، كما ينقِّح مدى التنافي والتعارض فيما بينها، وما يترتَّب على ذلك من نتائج فقهية مهمَّة.

ج. مباحث الحجج والأمارات (الأدلّة الاجتهادية): ويُبحث فيها عمَّا يُثبت الحكم الشرعي الواقعي إثباتاً وجدانياً (قطعياً) أو تعبدياً (شرعياً)، ويدخل في هذا القسم البحث عن الإجماع، والشهرة، والسيرة العقلائية والمتشرعية، والظنون المعتبرة شرعاً، كالظهورات وخبر الواحد.

ويُبحث في مقدّمة هذا القسم عن بحوث تمهيدية في غاية الأهمِّية والخطورة، كالبحث عن حجيّة القطع، والفرق بين الحجيّة الذاتية والحجيّة التعبُّدية، وحكم الشكّ في الحجيّة، وحقيقة الحجيّة التعبّدية المعبَّر عنها بالحكم الظاهري، وكيفية اجتماعه مع الحكم الواقعي , وأنواع الحجج والأدلّة، وانقسامها إلى أمارات (أدلّة اجتهادية) أو أُصول عملية (أدلّة فقاهتية)، والفرق بينها وأقسامها.

وقد تطوَّرت هذه البحوث واستُحدثت فيها نظريات جديدة واصطلاحات حديثة، وعلى أساس منها ارتفع الكثير من اللَّبس والاشتباه، الذي كان يقع قبل ذلك في فَهْم الأدلّة أو استخدامها، نتيجة عدم تنقيح هذه البحوث.

د. مباحث الأُصول العملية (الأدلّة الفقاهتية): ويُبحث فيها عن الوظائف المقرَّرة شرعاً أو عقلاً للمكلف عند الشك في التكليف، من استصحاب أو براءة، أو احتياط أو تخيير، وقد توسّع البحث عن هذه الأُصول العملية وأقسامها، ومواردها وأدلّتها، وشروطها والنِسب والعلاقات فيما بينها من ناحية، وبينها وبين الأمارات من ناحية أُخرى، وهي بحوث جليلة وبديعة، فتحت أبواباً جديدة وأنماطاً لم تكن معهودة سابقاً من الاستدلال الفقهي.

هـ. مباحث تعارض الأدلّة: ويبحث فيها عن التعارض بين الأدلّة وما يفترق به عن التزاحم ـ وهو باب ومصطلح استُحدث أخيراً في علم الأُصول ـ وانقسامه إلى:


١. التعارض غير المستقرِّ، الذي يمكن فيه الجمع العرفي , فيُبحث عن قواعد هذا الجمع.

٢. التعارض المستقرُّ، الذي لا يمكن فيه الجمع العرفي , ويبحث عن أقسامه، ووقوعه تارة بين دليلين قطعيين سنداً، وأُخرى بين دليل قطعي وآخر ظنّي معتبر ـ خبر الثقة ـ وثالثة بين خبرين.

وأحكام كل قسم من هذه الأقسام، من حيث الترجيح، أو التخيير، أو التساقط، وهي أيضاً بحوث مهمَّة يحتاج إليها الفقيه في أكثر الفروع والأبواب الفقهية.

والحقّ، أنّ ما أنجزته المدرسة الأُصولية في الفقه الإمامي من التطوير والتجديد، قد بلغ حدّاً يمكن اعتباره ولادة جديدة لعلم الأُصول في المادّة والصورة والمنهج، يختلف عمّا كان عليه قبل ذلك.

ومنهج البحث في هذا العلم اليوم ـ وإن كان فنياً ودقيقاً ـ إلاّ أنّه ليس عقلياً كما توهَّمه الأخباريون، وخلطوا بينه وبين إعمال العقل في استنباط الأحكام، فضلاً عن كونه إعمالاً للرأي، من قياس أو استحسان، فإنّ الفنِّيّة والدقَّة في فهم الأدلّة الشرعية وتعريفها وتنويعها، وتشخيص العلاقة فيما بينها ولوازمها وآثارها، والتدقيق في تطبيقاتها منهج علمي متَّبع في علم الفقه أيضاً.

ومن دونه لا تكون عملية الاستنباط واكتشاف الحكم من الكتاب والسنّة سليمة ولا دقيقة، بل يكون الاستنباط سطحياً وفي معرض الأخطاء والأخطار، وهذا المنهج هو الذي أمرنا به الشرع المقدَّس، في جملة من الروايات والتعليمات الصادرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث حرَّضت على التدقيق والتعمّق في فهم النصوص ودلالاتها، وتفريع الفروع والتشقيقات، وردّها إلى أصولها وقواعدها العامّة، وهذا هو الذي يقع بشكل فنِّي وعلمي دقيق في المناهج الأُصولية والفقهيـة، ويمكن القول: إنّ المنهجة المميَّزة في بحوث علم الأُصول، هي التي جعلت شيخنا الأعظم عملاق هذه المرحلة، بالرغم من تتابع المحقِّقين والنوابغ الذين انتهلوا من نمير علمه، ونشأوا في أجواء مدرسته الأُصولية الفريدة (١) .

٢. تطوُّر صناعة الاستدلال الفقهي من حيث المضمون ومنهج الفقاهة والاستدلال، فمن ناحية اتَّسعت آفاق البحث في كل مسألة، فشملت أدقَّ التفريعات والشقوق والتقادير المتصوَّرة فيها،

____________________

(١) راجع مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٧:١٧٤-١٧٩. ومقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي.


كما شملت جميع الأقوال والوجوه التي قيلت أو يمكن أن تُقال في المسألة، فتنامت البحوث الفقهية وازداد حجمها وحجم الاستدلالات فيها، خلال حركة الاجتهاد المفتوح بابها عبر مئات السنين إلى عصرنا الحاضر، وكم سمعنا من أساتذتنا المجتهدين ـ حفظهم الله ـ عبارات الانبهار والإعجاب بشموليَّة وسعة تناول الشيخ الأنصاري (قدس سره) للأدلة الداخلة في بحث مسألة معيَّنة؛ حيث لا يغادر شاردة ولا واردة يمكن الاستفادة منها في بحث المسألة واستنباط الحكم الشرعي إلاّ أتى بها.

(وقد صرّح بعض الأساتذة، بأنَّك لا تجد رأياً جديداً بعد عصر الشيخ إلاّ وتجد جذور ذلك الفكر والرأي في بحوث الشيخ نفسه) (١) .

ومن ناحية أُخرى، امتازت عملية الفقاهة في هذا الدور بالاستفادة من المنهج الأُصولي وما أُنجز فيه من تطوّر وعمق، فانعكس ذلك على صعيد الفقه، فأُضفي على بحوثه المتانة والمنهجية والتجديد، بل طبع الشيخ الأعظم بحوثه الفقهية بسمة الانسجام الفكري الأُصولي، والذي يظهر للمتعمِّق في دراسة هذه البحوث، على خلاف النظرة الأوّلية التي يُلاحظ منها أُسلوب الكرِّ والفرِّ.

وإذا كان السلف من الفقهاء حين يدخلون مجال البحث الفقهي يغفلون عن أنّهم أصحاب مبانٍ أصوليـة، فإنّ الشيخ الأعظم تجده أصولياً بارعاً حين يقف على مشارف البحث الفقهي , ولا يكاد ينسى أنّه صاحب مدرسة أُصولية متكاملة، لا يمكن للبحث الفقهي أن يقف على جانب منها، وقد انعكست هذه الميزة على جميع بحوثه الفقهية، وانتقلت إلى تلامذته ومَن تلاهم حتى يومنا هذا.

وقد أصبح لكلّ قسم من أقسام الفقه منهجه المتميِّز والخاص به، فمنهج الاستدلال والبحث في فقه العبادات يختلف عن منهج فقه المعاملات، من حيث نوع الأدلّة المتوفّرة في كلٍّ منهما، ففي العبادات تتوفَّر النصوص والروايات الخاصة، بخلاف العقود والإيقاعات، حيث يستند فيها غالباً إلى العمومات والقواعد الثابتة بها أو بسيرة العقلاء.

كما أنّ طبيعة المناقشات والاستدلالات في فقه العبادات تختلف عنها في المعاملات، وكذلك القواعد والأحكام العامّة التي يُرجَع إليها في العبادات تختلف عنها في العقود والإيقاعات، إلى غير

____________________

(١) مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٧: ١٧٧.


ذلك من الجهات، التي أصبحت اليوم متمايزة ومتَّبعة في مناهج الاستدلال في الأبواب الفقهية الرئيسة، ممّا لم تكن بهذا الوضوح والتمايز والمنهجية في أيِّ عصر مضى، رغم الجهود الجبَّارة والفتوحات العلمية الكبيرة التي قام بها فقهاؤنا المتقدّمون في تطوير علوم الشريعة.

٣. ومن جملة ما يتميَّز به منهج الاستدلال الفقهي المعاصر، هو تقنين عملية الاستدلال بالأدلة اللبِّيّة، المتمثّلة في الإجماعات والشهرات، والسيرة العقلائية أو المتشرعيّة، فإنَّ هذه العناوين وإن لم تكن حجّة شرعية بعناوينها الذاتية، ولكنّها يمكن أن تكشف في بعض الأحيان عمّا هو دليل شرعي على الحكم، أو تؤثِّر سلباً أو إيجاباً على دليلية دليل شرعي , فيكون مؤثِّراً في النتيجة الفقهية المستنبطة.

فبالنسبة للإجماعات والشهرات، إذا كانت من قِبل قدماء الأصحاب، يمكن أن تكشف عن وجود موقف شرعي متسالم عليه في عصر الأئمة عند المتشرعية أو عند أصحـاب الأئمـة (عليهم السلام)، أو يكشف عن وجود سُنَّة غير واصلة إلينا في تلك المسألة، كما يمكن أن تؤثّر في الكشف عن خلل ونقص في بعض شروط حجيّة الرواية المعتبرة بحسب ظاهرها، أو تؤثّر في فهمٍ أدقِّ وقراءة أصحِّ من النص المعتبر الذي يستند إليه، وقد نقَّحت في البحوث الأُصولية والفقهية الحالات والشروط التي يتمَّ فيها أحد هذه الأُمور.

وبالنسبة للسيرة العقلائية أو المتشرعية، تعرَّض الفقهاء إلى توضيح أنحاء الاستدلال بها، سواء في مجال استكشاف كبرى الحكم الشرعي ـ وقد بحثوا شروط ذلك مفصّلاً في أُصول الفقه ـ أمْ استكشاف دلالة بالسيرة في دليل لفظي أو غير لفظي , أمْ تشخيص شرط ارتكازي منها يحقِّق موضوعاً لقاعدة أُخرى، وحكم شرعي ثابت كما في اكتشاف الشروط الضمنيّة، كشرط السلامة وعدم الغبن في عقود المعاوضة، أم استكشاف ما هو المضمون الإنشائي المقرَّر في كل عقد بالسيرة والارتكازات العرفية والعقلائية، إلى غير ذلك من الأُمور.


فهذه أنحاء من الاستدلال والاستعانة بالسيرة، دخلت في مناهج البحث والاستدلال الفقهي المعاصر، ولم تكن بهذه المثابة سابقاً (١) .

٤. تطوّر بحوث علم الرجال، وظهور نظريات جديدة فيه للتوثيق أو التأكُّد من وثاقة الراوي؛ وبالتالي صحة أسانيد الروايات، وقد تبلورت من خلال ذلك قواعد رجالية عامّة للتوثيق لم تكن معروفة سابقاً، كما أنّه حصلت دراسات مُتقنة وموسَّعة استقرائية لتتبُّع قرائن وشواهد تاريخية أو رجالية، لم تطرح في المدوَّنات الرجالية السابقة، يمكن على أساسها توثيق جملة من الرواة، أو تشخيصهم، أو تشخيص طبقتهم، أو مذهبهم وحالهم، أو غير ذلك من الأمور التي تُفيد في مجال الأخذ برواية أو طرحها، وقد صُنِّفت في ذلك مؤلّفات ومعاجم حديثية تفوق في حجم المعلومات ودقَّتها ما في المصنَّفات الرجالية السابقة.

٥. ومن حيث المادة الفقهية ـ أيضاً ـ انفتح الفقه الاستدلالي على الأفكار والنظريات الحديثة في الفقه الوضعي وغيره، فاستجدَّت موضوعات فقهية مستحدثة عالجها الفقه الإمامي معالجة استدلالية وعلمية، وقد يستلزم ذلك استعراض النظريات الأُخرى والتعرّض لمبانيها وأدلتها؛ من أجل نقدها ومناقشتها، أو تخريج ما يمكن قبوله منها على أساس المنهج الفقهي؛ فنجمت عن ذلك بحوث فقهية مقارنة حديثة، وقد ساعد على ذلك انفتاح باب الاجتهاد لدى الشيعة، واستمرار حركة التجديد فيه؛ حيث تحدَّد وتأصَّل المنهج الفقهي الصحيح، وتشخَّصت معالمه الثابتة والمتغيِّرة، ممَّا وفَّر للفقه الشيعي القدرة على استيعاب كل المسائل المستحدثة ومعالجتها، واستخراج أحكامها من الأدلّة الشرعية، ثمّ وضع النظريات والنُظم الإسلامية من خلالها، دون انسداد في الاجتهاد والاستنباط، ودون تجاوز للمنهج الفقهي السليم.

٦. ومن أهمِّ امتيازات هذا الدور ـ أيضاً ـ اهتمام الفقهاء بشؤون الأُمّة وحاجات الناس الدينية والفقهية وتطبيق الشريعة فيها، فمن ناحية اهتمَّ الفقهاء بربط الأمّة بالشريعة، عن طريق التقليد وإرجاع الناس إلى الفقهاء والمراجع العظام، وتنظيم جهاز المرجعية الدينية وتقويته وتشييد الحوزات العلمية

____________________

(١) راجع مراحل تطوُّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٧: ١٧٤ ـ ١٧٩. ومقدمة موسوعة الفقه الإسلامي.


وتربية العلماء والمبلّغين فيها، ونشرهم في أرجاء البلاد ونصب الوكلاء فيها، وجباية الأموال والحقوق الشرعية وإيصالها للمرجعية الدينية، والتصدِّي لما يمكن حلُّه من مشكلاتهـم، وفصل خصوماتهم وتيسير أُمورهم بالطُرق الشرعية، فكان ذلك تطوُّراً اجتماعياً خطيراً، وتجسيداً بديعاً لفكرة النيابة العامَّة عن الإمام المعصوم (عليه السلام) في عصر الغَيبة.


نظرة سريعة لتأثير الظروف السياسية والاجتماعية في تطوُّر حركة الاجتهاد:

تطوَّر الفقه واتَّسع من حيث البيان والتدوين، واتّساع شمول كلِّياته لمصاديقه ومِلاكاته، وبعبارة أُخرى: أنّ هذا التطوُّر حدث بلحاظ دليل الكشف لا المنكشف؛ لأنّه مرتبط بواقع الحياة ارتباطاً وثيقاً، يعالج الوقائع والحوادث الداخلية والخارجية، وله ارتباط بأفعال المكلّفين التي تتغيَّر طبيعياً مع تغيُّر الزمن وتطوّر الحياة، فكان لزاماً على الاجتهاد أن يواكب هذا التغيّر والتطوُّر.

ولا يمكن لأيِّ باحث أن يغفل تأثير الظرف السياسي والاجتماعي على الاجتهاد سلباً أو إيجاباً، فخلال المدَّة الزمنية الممتدَّة منذ بداية ونشوء الاجتهاد حتى وصوله لدور الكمال والنضج، المتمثّل بعصرنا الحاضر، كان النتاج الفقهي ـ سواء على صعيد البحث أم التدوين أم المنهجة ـ متأثراً بشكل أو بآخر بما يُحيط به من ظروف وأحداث، حاله حال العلوم الأُخرى، إن لم يكن أكثر لارتباط الفقه والاجتهاد بحياة الناس فرداً أو جماعةً.

ومن أمثلة ذلك: حينما عاش المكلّفون في بيئة تعتمد على الآبار في سقي زروعها، ومرافق حياتها الأُخرى، نجد أنّ مسألة تطهير البئر تأخذ حيّزاً كبيراً ومساحة يعتدُّ بها في أفكار الفقهاء والمجتهدين وتدويناتهم وبحثهم، كما نلاحظ ذلك في كتاب الشرايع للمحقِّق الحلِّي (قدس سره).

وبتطوّر الزمن واعتماد الفقهاء على مبانٍ جديدة لم تكن عند من سبقهم، أو وسائل حديثة لكشف مواضيع الأحكام، نرى أنّ مسألة تطهير البئر انحسرت مساحة بحثها في تأليفات فقهائنا المعاصريـن، إن لم تنقرض.

وعندما يتعرّض المذهب للنقد من قِبل فقهاء الجمهور، ينبري فقهاؤنا للردِّ وكتابة المسائل الخلافية، فينشط الفقه المقارن في فترة من الفترات، بتأثير العامل البيئي أو الاجتماعي.

كما حصل للشيخ المفيد والمرتضى والطوسي، حيث عاشوا في بغداد مركز الخلافة آنذاك، وهي تعجّ بالفقهاء من كلّ المذاهب.


وحينما يستدعى الفقيه من قِبل السلطان؛ ليؤسِّس لقانون فقهي يتكفّل معاملات الناس وحلّ الخصومات بينهم، نرى أنّ فقه الدولة ينشط وتؤلّف الكتب المتسلسة في فقه المعاملات والقضاء وأمور الإدارات، وهذا ما لمسناه من عصر المحقِّق الكركي (رحمه الله) حين عاصر ملوك الدولة الصفويّة.

وعندما كان الفقه الإمامي يعيش حالة العزلة للظروف السياسية، التي اقتضت أن تعيش الطائفة الشيعية في كفّة الخطِّ المعارض للسياسات الحاكمة الجائرة، نرى أنّ البحوث الفقهية والمسائل الاجتهادية تضيق فتنصبُّ على فعل المكلّف، وتنظر من لحاظه، وتسير حسب الحاجة التي يبتلي بها المكلّف، بينما نراها تتَّسع لتنظر من منظار أوسع هو حاجة المجتمع لا المكلف منفرداً، حينما تقوم للدين دولة وتتبلور حاجة المجتمع لتنظيم علاقاته وبيان كيفية تعامل الفرد مع الدولة، وهذا ما رأيناه في زمننا عند قيام الدولة الإسلامية المباركة في إيران.

فلا يمكن لأحد أن ينفي تأثير الظروف السياسية والاجتماعية على سير حركة الاجتهاد ونتاجها، فالفقه والفقهاء لا يمكن أن يعيشوا بمعزل عن ما يُحيط بهم من ظروف.

وإلى الآن تمثُل في الذاكرة تلك المواقف المشرقة، التي اتَّخذها فقهاء الطائفة بوجه الحكومات الاستعمارية والمستبدَّة.

لقد تصدَّى الفقهاء لمواجهة الحضارة الغربية ومعطياتها، التي بدأت تغزو العالم الإسلامي، وتستعمر بلاد المسلمين، وتسيطر على ثرواتهم ونفوسهم، وتفسد أنظمتهم وحكوماتهم، فكان لابدَّ للفكر الديني والفقهي أن يواجه هذا المدَّ الحضاري الكافر، وأن ينفتح على قضايا ومشاكل جديدة فكريَّة وقانونية، وسياسية بدأت تدخل بلاد الإسلام، فيُعطي فيها موقفاً شرعياً واضحاً، وعلاجاً عملياً مقنعاً.

وقد تصدَّى جملة من الفقهاء العظام في هذا العصر لأداء هذا الدور الرسالي , فظهرت دراسات علمية ومؤلَّفات معمَّقة وبديعة، في الاقتصاد الإسلامي، والفلسفة الإسلامية والفقه السياسي، ونظرية الحكم في الإسلام وغير ذلك.

كما صدرت ممارسات ميدانية من قِبل المرجعية الدينية للتصدِّي للكفَّار، ومواجهة النفوذ الاستعماري الغربي، وتعبئة طاقات الأمّة ضدَّ المستعمرين، كما نجد ذلك في فتوى الميرزا الشيرازي الكبير بتحريم التنباك ضدَّ مطامح الاستعمار البريطاني في إيران في العهد القاجاري , ونجده أيضاً


في فتوى الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) ـ تلميذ الميرزا الكبير ـ بالجهاد في العراق ضدَّ الاحتلال البريطاني، والذي اشترك فيه الفقهاء مع الشعب في الجهاد ضدَّ الانجليز، وموقف المحقِّق الخراساني والميرزا النائيني (قدس سره)، وأفكارهم ضدَّ الاستبداد القاجاري، وطرح نظرية الحكم الدستوري الشرعي.

وكان آخر حلقات هذه الجهود الفقهية والسياسية المباركة، موقف المرجعية العُليا في إيران، وعلى رأسهم السيد الإمام الخميني (قدس سره) من الحكم البهلوي الغاشم، العميل للشيطان الأكبر أمريكا، حيث استطاع الإمام أن يستنهض الأمّة ويعبّئ طاقاتها ضدَّه، حتى سقوطه وإقامة حكم إسلامي يعتمد النظرية الفقهية طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) في الحكم وهي نظرية (ولاية الفقيه)، التي كان قد شرحها وهذَّبها وأوضح معالمها، في بحوثه الفقهية التي ألقاها على تلامذته في النجف الأشرف، ثمّ وفّقه الله سبحانه وتعالى لتطبيقها وتجسيدها وإخراجها إلى النور في إيران الإسلام، فكانت الجمهورية الإسلامية اليوم وما فيها من دستور وقوانين، مستمدَّة من الفقه الإسلامي حصيلتها وثمرة من ثمرات فكر وجهاد هذا الإمام، الذي كان من أبرز فقهاء ومراجع هذا العصر الفقهي الزاهر (١) .

وخلاصة القول: إنّ للظروف الاجتماعية والسياسية أثراً كبيراً وواضحاً على حركة الاجتهاد، وعلى النتاج العلمي المنبثق عنها.

____________________

(١) انظر مراحل تطوّر الاجتهاد، منذر الحكيم / مجلَّة فقه أهل البيت ١٧: ١٧٤-١٧٩، مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي: ٧١-٧٦.


الخاتمة

مِن خلال ما عُرض يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

١. الاجتهاد مأخوذ من الجُهد بالضم، وهو في اللغة بمعنى الطاقة، أومن الجَهد بالفتح وهو في اللغة بمعنى المشقَّة.

والاجتهاد في الاصطلاح: تحصيل الحجَّة على الحكم الشرعي، واستعمل الاجتهاد في المدرسة السنِّيّة بما يرادف القياس، أو إعمال الفكر لتحصيل الحكم الشرعي في حال غياب الدليل عليه من الكتاب والسنّة والإجماع، بينما استُعمل في المدرسة الإمامية بأنّه: استخراج الأحكام من أدلة الشرع.

وبين المعنين المستعملين بَون شاسع.

وقد مرّ مصطلح الاجتهاد بأدوار عدّة، حيث كان يُطلق على بعض الأفعال التي تصدر من بعض الصحابة، ويراد الاعتذار عنهم فيقال: تأوّل فاخطأ. ثمّ صار المصطلح أجتهد فأخطأ، إلى أن وصل إلى معناه الحالي.

٢. بُذلت محاولات حثيثة، وحُشدت أدلة كثيرة في سبيل إثبات اجتهاد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وبذلك تكون مخالفة النبي من قِبل البعض والذي رصدها التاريخ مبرَّرة، ولا لوم فيها على المخالفين؛ لأنّه اجتهاد في قبال اجتهاد.

ووصِفت بعض أفعال الصحابة المخالفة للنص الصريح بأنّها اجتهاد؛ لئلا يقع اللوم على أحد منهم في ذلك، بعد أن بذل الجهد في سبيل إثبات اجتهادهم في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله) وبتشجيع منه.


وقد وصلنا من خلال العرض والتحليل في هذه الرسالة، إلى أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يدرِّبون أصحابهم على الاجتهاد ـ وإن كان بصورة بسيطة وبدائية ـ وبذلك أرسوا قواعد الاجتهاد عندهم.

٣. ظهر من تتبُّع حركة الاجتهاد عند المدرسة السنيّة، أنّ انسداد باب الاجتهاد كان للأهواء السلطوية والسياسة فيه أكبر الأثر؛ للتخلّص من المجتهدين المنصفين، الذين لا يسكتون عن الجور والاستبداد، فسُدَّ أهمُّ منبع من المنابع الحيوية لهذا الرفض والمقاومة وهو الاجتهاد.

٤. مرَّ الاجتهاد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بعدّة أدوار كان في بدايتها بدائياً وبسيطاً لقرب الفقهاء من عصر النصّ، ثمّ أخذ بالتطوّر والتعقيد كلّما ابتعد الزمن عن عصر الأئمة (عليهم السلام)، الذين يمثّلون مصدر النص بعد النبي (صلَّى الله عليه وآله).

وسار الاجتهاد عند الشيعة مساراً تصاعدياً من حيث المادة الفقهية، منذ زمن الغيبة إلى وقتنا هـذا، إلاّ أنّه تعرَّض لبعض العثرات التي كادت أن تقضي على حركته.

منها ما ظهر من جمود بعد عصر الشيخ الطوسي، حيث هيمنت الشخصية العلمية لهذا العَلَم على المجتهدين من بعده؛ فمنعتهم من الجرأة على مخالفته.

ومنها ما ظهر في الدور الرابع (في العقود الأخيرة من القرن العاشر) من حركة نادت بعدم شرعية الاجتهاد، ووقفت بوجه المجتهدين بكل قوَّة، حتى وصل الأمر إلى درجة التشنيع عليهم، وكان نشوؤها ردَّة فعل على التطرُّف الذي ظهر في المنهج الاجتهادي في تلك الفترة، المتمثّل في الإفراط بالاعتماد على المنهج العقلي والفلسفي، والابتعاد عن المنهج الروائي، وكادت هذه الانتكاسة التي حدثت أن تودِّي بحياة الاجتهاد وتؤدِّي إلى سدِّ بابه، لولا جهود المخلصين من فقهائنـا، أمثال الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني (قدس الله أسرارهم).

٥. كان للظروف السياسية والاجتماعية تأثير كبير في حركة الاجتهاد، والنتاج العملي الفقهي الصادر عن هذه العملية.


٦. لا أدَّعي أنَّني جئت بجديد علمٍ لم يأتي به غيري من الباحثين، ولكن ترتيب مباحث هذه الرسالة تلفيقي استفدنا فيه من المناهج السابقة، فكان ما بين رسالتنا وما سبقها من البحوث عموم وخصوص من وجه، وبهذا استطعت أن أُضفي نوع حداثة عليها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمّد وآله الطاهرين.

يوم الخامس عشر من شعبان المبارك

لسنة ١٤٢٧ هـ

قُم المقدّسة عشّ آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله)


مصادر البحث

الكتُب:

١) القرآن الكريم، كتاب الله المجيد.

٢) إبراهيم، أحمد، تاريخ التشريع الإسلامي، مصر، ١٤٢٢ هـ ق، الكتاب جلد واحد، ط الأُولى.

٣) ابن إدريس، محمّد بن منصور الحلِّي، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، إيران١٤١٤هـ ط الثالثة، نشر جماعة المدرسين.

٤) ابن الأثير، المبارك بن محمّد، النهاية في غريب الحديث والأثر، إيران أوفست إسماعيليان، على طبعة دار إحياء التراث العربي لبنان.

٥) ابن الأثير، عليّ بن محمّد الشيباني، أُسد الغابة في معرفة الصحابة، إيران نشر إسماعيليان.

٦) ابن الأثير، عليّ بن محمّد الشيباني، الكامل في التاريخ، لبنان ١٤٠٨هق، دار إحياء التراث العربي، ط الأُولى.

٧) ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل أو مختصر ابن الحاجب.

٨) ابن القيِّم، إعلام الموقعين، نشر دار الجيل الجديد لبنان، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٩) ابن النديم، محمّد بن إسحاق، الفهرست، تحقيق رضا تجدد، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

١٠) ابن حجر، أحمد بن محمّد، الإصابة في تمييز الصحابة، مصر ١٩٣٩م، مطبعة مصطفى محمّد، المعلومات الأُخرى لم تذكر.

١١) ابن حنبل، أحمد بن محمّد، مسند أحمد، لبنان، نشر دار صادر، ط لم تُذكر.

١٢) ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، مقدّمة ابن خلدون، لبنان١٤١٠ هـ ق، ط الأُولى نشر دار الفكر.

١٣) ابن خلّكان، أحمد بن محمّد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان أو تاريخ ابن خلّكان، تحقيق د. إحسان عباس، لبنان، نشر دار صادر، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.


١٤) ابن شهرآشوب، محمّد بن عليّ، معالم العلماء، إيران، لم تُذكر الطبعة والسنة.

١٥) أبو العينين، بدران، تاريخ الفقه الإسلامي ونظرية المِلْكية والعقود، لبنان، الكتاب جلد واحد، الطبعة غير مذكورة.

١٦) الأشقر، د. عمر، تاريخ الفقه الإسلامي، الكويت،١٤١٠ هـ ق،، الكتاب جلد واحـد، ط٢.

١٧) الإصفهاني، الحسين بن محمّد المعروف بالراغب، المفردات في غريب القرآن، إيران ١٤٠٤ هـ ق، ط الأُولى، دفتر نشر الكتاب.

١٨) الآصفي، محمّد مهدي، مقدّمة الروضة البهيّة، إيران، ١٣٨٦ هـ ق.

١٩) الآصفي، محمّد مهدي، مقدّمة الفوائد الحائرية، لبنان، ١٤١٥ هـ ق، ط الأُولى، نشر مجمع الفكر الإسلامي.

٢٠) الآصفي، محمّد مهدي، مقدّمة رياض المسائل، إيران، ١٤١٨ هـ ق، نشر جماعة المدرسين.

٢١) الأفريقي، ابن منظور، لسان العرب، لبنان ١٤٠٥ هـ ق ط الأُولى نشر أدب الحوزة.

٢٢) الآمدي، عليّ بن محمّد، الإحكام في أصول الأحكام، لبنان ١٤٠٣ هـ ق، ط دار الكتاب العربي.

٢٣) الأميني، عبد الحسين أحمد النجفي، موسوعة الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، نشر مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، إيران، ط ثانية ١٤٢٤ هـ ق.

٢٤) الأندلسي، عليّ بن أحمد بن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق أحمد محمّد شاكـر، لبنان ١٤٠٠هـ، دار الآفاق الجديدة.

٢٥) الأندلسي، عليّ بن أحمد بن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، لبنان ١٤١٦ هـ ق، ط الأولى.

٢٦) الأنصاري، عبد العليّ محمّد، فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت، مطبوع بهامش المستصفى للغزالي، مصر ١٣٢٢هـ ق، المطبعة الأميرية، أوفسيت دار الذخائر قم.

٢٧) الأنصاري، محمّد عليّ، مقدّمة تاريخ حصر الاجتهاد لآقا بزرك، إيران ١٤١٠ هـ ق، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.


٢٨) الأنصاري، مرتضى بن محمّد أمين، فرائد الأُصول، نشر مجمع الفكر الإسلامي، إيران، ط ثانية ١٤٢٢ هـ ق.

٢٩) الأنصاري، مرتضى بن محمّد أمين، مطارح الأنظار، تقريرات بحثه للميرزا أبو القاسم الكلانتري الطهراني، نشر مجمع الفكر الإسلامي، إيران، ط الأُولى ١٤٢٥ هـ ق.

٣٠) الأهوازي، ابن السكّيت، الكنز اللغوي في اللسن العربي، لبنان،١٩٠٣ م، نشر الدكتور أوكست هنفر.

٣١) بحر العلوم، عزِّ الدين، الاجتهاد.

٣٢) بحر العلوم، محمّد مهدي، الفوائد الرجالية، إيران١٣٦٣ هـ ش، ط الأُولى، مكتبة الصادق (عليه السلام).

٣٣) البخاري، محمّد بن إسماعيل، الصحيح، لبنان ١٤١٩ هـ ق، ط الأُولى دار الفكر.

٣٤) بدوي، عبد الرحمن، مناهج البحث العلمي، ١٩٧٧ط الثالثة، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٣٥) البغدادي، أحمد بن عليّ الخطيب، تاريخ بغداد، لبنان، نشر دار الكتب العلمية، لم تُذكر الطبعة وسنة الطبع.

٣٦) البهبهاني، محمّد باقر بن محمّد أكمل المعروف بالوحيد، تحقيق ونشر مؤسَّسة العلاَّمة المجدِّد الوحيد البهبهاني، إيران، ط الأُولى، ١٤١٦هـ ق.

٣٧) البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، لبنان، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٣٨) الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح، دار العلم للملايين، لبنان ١٤٠٧ هـ ق، ط الرابعة.

٣٩) الحائري، أبو عليّ، منتهى المقال في أحوال الرجال.

٤٠) الحرُّ العاملي، محمّد بن الحسن، أمل الآمل في علماء جبل عامل، العراق، تحقيق أحمد الحسيني، نشر مكتبة الأندلس، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٤١) الحرُّ العاملي، محمّد، الفصول المهمّة في أُصول الأئمة، إيران، ١٤١٨ هـ ق، ط الأُولى.

٤٢) الحرُّ العاملي، محمّد، وسائل الشيعة، إيران ١٤١٤هـ، ط الثانية، نشر مؤسسة آل البيت.

٤٣) الحربي، إبراهيم بن إسحاق، غريب الحديث، جدّة ١٤٠٥هق، ط الأُولى، نشر دار المدينة للطباعة.


٤٤) الحسن، د. خليفة، الاجتهاد بالرأي في مدرسة الحجاز الفقهية، مصر، ١٤١٨ هـ ق، الكتاب جلد واحد، ط الأُولى.

٤٥) الحسني، هاشم معروف، تاريخ الفقه الجعفري، إيران،١٤١١ هـ ق، الكتاب جلد، ط الأُولى.

٤٦) حسين، أحمد فرّاج، تاريخ الفقه الإسلامي، لبنان ٢٠٠٢ م، نشر الحلبي، الطبعة لم تُذكر.

٤٧) الحصري، د. أحمد، تاريخ الفقه الإسلامي نشأته مصادره أدواره مدارسه، لبنان، ١٤١١ هـ ق، الكتاب جلد واحد، ط الأُولى.

٤٨) الحكيم، محمّد تقي، الأُصول العامَّة للفقه المقارن، إيران، ١٤١٨ هـ ق، الكتاب جلد واحد، ط الثانية.

٤٩) الحكيم، محمّد تقي، مقدّمة النص والاجتهاد للسيد عبد الحسين شرف الدين

٥٠) الحلِّي، الحسن بن يوسف، مبادئ الوصول إلى علم الأُصول، إيران١٤٠٤هـ ق، ط الثالثة، مكتب الإعلام الإسلامي.

٥١) الحميري، ابن هشام، سيرة النبي ٩، ١٣٨٣هـ، نشر محمّد عليّ صبيح وأولاده.

٥٢) خلاَّف، عبد الوهاب بن عبد الواحد، مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، الكويت ١٩٨٢، ط الخامسة، نشر دار القلم.

٥٣) الخن، مصطفى، دراسة تاريخية للفقه وأُصوله، سوريا، ١٤٠٤ هـ ق، ط الأُولى.

٥٤) الخوئي، أبو القاسم، التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد)، إيران، ١٤١٨ هـ ق، لم يُذكر رقم الطبعة، نشر مؤسَّسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

٥٥) الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن، سُنن الدارمي، لبنان طبعة دار إحياء التراث العربـي، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٥٦) الذبياني، عبد المجيد، تاريخ الفقه الإسلامي، المغرب،١٩٩٤ م، الكتاب جلد واحد، الأُولى.

٥٧) الذهبي، محمّد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، مؤسَّسة الرسالة، لبنان ١٤١٣، ط التاسعة.

٥٨) الرازي، محمّد بن عبد القادر، مختار الصحاح، لبنان ١٤١٥هق، ط الأُولى، نشر دار الكتب العلمية.


٥٩) الرازي، منتجب الدين عليّ بن بابويه، الفهرست، إيران ١٣٦٦ هـ ش، نشر مكتبة آية الله المرعشي النجفي.

٦٠) الزبيدي، محمّد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، لبنان، نشر مكتبة الحياة، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٦١) الزركشي، محمّد بن بهادر الشافعي، البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق د. عمر سليمان الأشقر، الكويت١٤١٣هـ، ط الثانية، نشر وزارة الأوقاف.

٦٢) الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة لبنان، ١٤١٥، نشر دار الفكر.

٦٣) زين الدين، محمّد بن مكي العاملي الملقَّب بالشهيد الثاني، الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، تحقيق محمّد كلانتر، منشورات جامعة النجف الدينية، ط ثانية ١٣٩٨هـ ق.

٦٤) السايس، محمّد، تاريخ الفقه الإسلامي، لبنان، الكتاب جلد واحد، لم تُذكر سنة النشر ورقم الطبعة.

٦٥) السبحاني، جعفر، طبقات فقهاء الشيعة (الفقه الإسلامي منابعه وأدواره)، إيران، القسم الأول، ط الأُولى.

٦٦) السبحاني، جعفر، أدوار الفقه الإمامي، إيران،١٤٢٤ هـ ق، الكتاب جلد واحد، ط الأُولى.

٦٧) السرخسي، محمّد بن أحمد، أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفاء الأفغاني، نشر مكتبة المعارف الرياض، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٦٨) الشافعي، محمّد بن إدريس، الرسالة، مصر١٩٦٩م، ط الأُولى، نشر البابي الحلبي.

٦٩) الشهابي، د. محمود، الفقه تطوّره ومراحله، لبنان، ١٤١٣ هـ ق، ط الأُولى.

٧٠) الشوشتري، أسد الله الدزفولي الكاظمي، إيران طبعة على الحجر، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٧١) الشوكاني، محمّد بن عليّ، إرشاد الفحول، إلى تحقيق علم الأُصول، تحقيق أحمد عز وعنايت، لبنان ١٤١٩هـ ق، نشر دار الكتاب العربي.


٧٢) الشوكاني، محمّد بن عليّ، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، لبنان، نشر دار إحياء التراث العربي، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٧٣) الصدر، محمّد باقر، المعالم الجديدة للأصول، إيران، ١٤٢١ هـ ق، الكتاب جلد واحـد، ط الأُولى.

٧٤) الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين، مَن لا يحضره الفقيه، إيران ١٤٠٤، ط الثانية، نشر جماعة المدرسين.

٧٥) الصفّار، محمّد بن الحسن، بصائر الدرجات الكبرى، إيران ١٤٠٤، تحقيق ميرزا محسن كوجه باغي، نشر الأعلمي، ط لم تُذكر.

٧٦) الصنعاني، عبد الرزاق، المصنّف، تحقيق حبيب عبد الرحمن الأعظمي، نشر المجلس العلمي، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٧٧) ضميري، محمّد رضا، كتاب شناسي تفصيلي مذاهب إسلامي، إيران١٣٨٢ هـ ش، طبعة نياييش، الطبعة لم تُذكر، الكتاب باللغة الفارسية.

٧٨) الطبرسي، عليّ، مشكاة الأنوار، العراق ١٣٨٥هـ ط الثانية، المكتبة الحيدرية.

٧٩) الطبري، محمّد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك، تحقيق نخبة من العلماء الأجلاَّء، لبنـان، نشر الأعلمي، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٨٠) الطريحي، فخر الدين بن محمّد عليّ، مجمع البحرين، ط الثانية، إيران ١٤٠٨ طبعة مكتب نشر الثقافة الإسلامية.

٨١) الطهراني، آقا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة.

٨٢) الطهراني، آقا بزرك، تاريخ حصر الاجتهاد، إيران، ١٤١٠ هـ ق، الكتاب جلد واحـد، نشر مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) لم يُذكر رقم الطبعة.

٨٣) الطوسي، محمّد بن الحسن، الفهرست، إيران ١٤١٧هـ ط الأُولى، مؤسسة نشر الفقاهة.

٨٤) الطوسي، محمّد بن الحسن، تهذيب الأحكام، إيران ١٣٦٥ هـ ش، ط الرابعة، نشر دار الكتب الإسلامية.

٨٥) الطوسي، محمّد بن الحسن، مصباح المتهجِّد، لبنان ١٤١١هـ ط الأُولى، نشر مؤسسة فقه الشيعة.


٨٦) العاملي، الحسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين، تحقيق د. مهدي محقِّق، إيران ١٤٠٢هـ ق، نشر مؤسَّسة المطالعات، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٨٧) العسكري، مرتضى، معالم المدرستين، إيران، ١٤٢٤هـ ق، ط الأُولى.

٨٨) العظيم آبادي، محمّد شمس الحق، عون المعبود في شرح سنن أبي داود، مع شرح ابن قيِّم الجوزية، لبنان ١٤١٠هـ ط الأُولى، نشر دار الكتب العلمية.

٨٩) الغرّاوي، محمّد، مصادر الاستنباط بين الأُصوليين والأخباريين، إيران، ١٤١٣ هـ ق، ط الأُولى.

٩٠) الغزالي، محمّد بن محمّد، المُستصفى، لبنان ١٤١٧هـ ق، نشر دار الكتب العلمية، ط لم تُذكر.

٩١) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، إيران ١٤٠٩ هـ ق ط الثانية، دار الهجرة.

٩٢) فرحان، عدنان، حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، لبنان١٤٢٥هـ ق، نشر دار الهادي.

٩٣) الفضلي، د. عبد الهادي، أُصول البحث، إيران، الكتاب جلد واحد، لم تُذكر المعلومات الأُخرى.

٩٤) الفضلي، د. عبد الهادي، تاريخ التشريع الإسلامي، لم تُذكر المعلومات الأُخرى.

٩٥) الفيض القاساني، محمّد محسن، الأُصول الأصيلة، إيران،١٣٩٠ هـ ق، لم يُذكر رقم الطبعة.

٩٦) الفيُّومي، المصباح المنير، ط أوفست دار الهجرة قم، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

٩٧) القطّان، منّاع، تاريخ التشريع الإسلامي، لبنان، ١٤١٥ هـ ق، الكتاب جلد واحد، ط ١٢.

٩٨) كاشف الغطاء، عليّ، أدوار علم الفقه وأطواره، لبنان، ١٣٩٩هـ ق، الكتاب جلد واحد، ط الأُولى.

٩٩) كَرجي، أبو القاسم، نظرة في تطوّر علم الأُصول، تعريب محمّد على آذر شب، إيران ط الأُولى ١٤٠٢هـ ق، نشر المكتبة الإسلامية الكبرى وقسم الإعلام الخارجي في مؤسسة البعثة.

١٠٠) الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي، إيران ١٣٨٨هـ ق، ط الثالثة، نشر آخوندي.

١٠١) مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، مقدّمة موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت، إيران ١٤٢٣ هـ ق، ط الأُولى.

١٠٢) مالك، مالك بن أنس، الموطِّأ، لبنان ١٤٠٦ هـ ق، ط الأُولى، نشر دار إحياء التراث العربي.

١٠٣) المتَّقي الهندي، عليّ بن حسام الدين، كنز العمَّال، لبنان ١٤٠٩هـ ق، نشر مؤسسة الرسالة، ط لم تُذكر.


١٠٤) المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، لبنان ١٤٠٣ هـ، ط الثانية المصححة، نشر مؤسسة الوفاء.

١٠٥) محمّد الدسوقي وأمينة الجابر قطر، مقدّمة في دراسة الفقه الإسلامي، ١٤٢٠ دار الثقافة.

١٠٦) محمّد أمين، المعروف بباد شاه البخاري، تيسير التحرير، لبنان، طبعة دار الفكر، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

١٠٧) المدّرسي، حسين الطباطبائي، مقدّمة على فقه الشيعة، إيران ١٣٨٢ هـ ش، الكتاب باللغة الفارسية.

١٠٨) مسلم، مسلم بن الحجّاج النيسابوري، الصحيح، لبنان، نشر دار الفكر.

١٠٩) المعتزلي، عبد الحميد بن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، دار إحياء الكتب العربية، لبنان ١٣٧٨هـ ط الأُولى.

١١٠) معوض وعبد الموجود، عليّ وعادل، تاريخ التشريع الإسلامي، لبنان، ١٤٢٠ هـ ق، ط الأُولى.

١١١) المقريزي، أحمد بن علي، كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (المعروف بالخطط المقريزية)، مصر، نشر مكتبة الثقافة الدينية، قطع كبير لم تُذكر فيه باقي المعلومات.

١١٢) النجاشي، أحمد بن علي، الرجال، إيران ١٤١٣هـ ق، ط الرابعة، نشر جماعة المدرسين.

١١٣) النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، لبنان١٤١١هـ ق، ط الأُولى، دار الكتب العلمية.

١١٤) النوري، حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، إيران١٤٠٨هـ ق، مؤسسة آل البيت.

١١٥) الهيثمي، عليّ بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لبنان ١٤٠٨ هـ ق، دار الكتب العلمية.

١١٦) وجدي، محمّد فريد بن مصطفى، دائرة معارف القرن العشرين، لبنـان ١٣٩١ هـ ق، نشر دار المعرفة، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

١١٧) اليافعي، عبد الله بن أسعد، تاريخ اليافعي أو مرآة الجنان، سنة الطبع ١٣٣٨هـ ق، المعلومات الأُخرى لم تُذكر.

١١٨) يوسف، د. أحمد، الفقه الإسلامي تطوّره أُصوله قواعده الكلِّية، مصر،١٩٩٠م، لم يُذكر رقم الطبعة.


المقالات

١) الآصفي، محمّد مهدي، دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأُصول، مجلَّة الفكر الإسلامي،١،٢.

٢) الحكيم، منذر، مراحل تطوّر الاجتهاد في الفقه الإمامي، مجلَّة فقه أهل البيت (عليهم السلام)، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧.


الفهرس

المقدِّمة ١

أهمِّيَّة البحث ٢

هدف البحث ٤

سابقة البحث ٥

منهجية البحث في هذه الرسالة ٧

الفصل الأوّل: كلِّيات البحث ٩

١. معنى الاجتهاد لغةً واصطلاحاً ١٠

٢. معنى المنهج لغةً واصطلاحاً ١٦

٣. معنى الفقه لغةً واصطلاحاً ٢٠

٤. معنى الانسداد والانفتاح لُغةً واصطلاحاً: ٢٧

٥. المناهج المتّبعة في دراسة تاريخ الفقه: ٢٩

الفصل الثاني: الاجتهاد في العصر الأوّل للإسلام ٣٥

النصوص المشتملة على مصطلح الاجتهاد ٣٦

الاجتهاد في زمَن النبي (صلَّى الله عليه وآله): ٣٩

الاجتهاد في عصر الأئمة: ٥٩

الفصل الثالث: المراحل التاريخية للاجتهاد في المدرسة السُنِّيّة ٦٩

أولاً: دَور الصحابة والتابعين ٧٠

ثانياً: دَور الأئمة الأربعة، حتى انسداد باب الاجتهاد ٧١

ثالثاً: دَور التقليد: ٧٨

رابعاً: فتح باب الاجتهاد من جديد: ٨٥


الفصل الرابع: أدوار الاجتهاد عند الشيعة الإمامية ٩٣

الدَور الأول: ٩٤

الدور الثاني: ويُطلق على هذا الدور مرحلة (الانطلاق) ١٠٨

الدور الثالث: ١١٩

الدور الرابع: ١٣٤

الدور الخامس: ١٦٢

الدور السادس: ١٨٠

الفصل الخامس: مناهج الاجتهاد ٢٠١

أُصول الاجتهاد ومناهجه عند أئمة المذاهب الأربعة: ٢٠٢

منهج الاجتهاد وتطوّره عند الإماميّة: ٢٠٩

نظرة سريعة لتأثير الظروف السياسية والاجتماعية في تطوُّر حركة الاجتهاد: ٢٣٣

الخاتمة ٢٣٦

مصادر البحث ٢٣٩


تاريخ الاجتهاد ومناهجه

تاريخ الاجتهاد ومناهجه

مؤلف: علي الزبيدي
تصنيف: رسائل وأطاريح جامعية
الصفحات: 249