الانتصار
الشريف المرتضى
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى
قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما يسر من حق متبع وصرف من باطل مبتدع وارشد إلى دلالة وأبعد من ضلالة وجهالة وصلاته على خير الانبياء وأفضلهم وأكرمهم(١) سيدنا محمد وعلى الاكارم المعالم من أهله الذين سلكوا منهاجه واتبعوا محاجه وحفظوا من التبديل والتغيير شريعته وبينوا مجملها وفسروا مشكلها وأقاموا دعامها وقربوا مرامها وسلامه وتحياته.
أما بعد: فإني ممتثل ما رسمته الحضرة السامية الوزيرية(٢) العميدية أدام الله سلطانها، وأعلا أبدا شأنها ومكانها من بيان المسائل الفقهية التي شنع بها على الشيعة الامامية، وادعي عليهم مخالفة الاجماع وأكثرها موافق فيه الشيعة غيرهم من العلماء والفقهاء المتقدمين أو المتأخرين وما ليس لهم فيه موافق من
____________________
(١) اكملهم خ ل.
(٢) اقول: ظنى ان الوزير هو ابونصر محمد بن منصور الملقب عميد الملك الكندى النيسابورى.
استوزره السلطان طغرل بك السلجوقى والب ارسلان وقتل بتفتين نظام الملك الطوسى يوم الاحد سادس عشر ذى الحجة سنة ٤٥٦ عمره نيف وأربعون سنة، ترجمته مذكورة في وفيات الاعيان لابن خلكان ومجالس المؤمنين للقاضى نور الله مرقده (*).
غيرهم فعليه من الادلة الواضحة والحجج اللايحة ما يغني عن وفاق الموافق ولا يوحش معه خلاف المخالف، وان أبين ذلك وأفصله وأزيل الشبهة المعترضة فيه وها أنا ذا مبتدئا بذلك ومعتمدا من الايجاز والاقتصار ما لا يخل بهم وإن كان خارجا عن إكثار يفضي إلى إملاك واضجار وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وبه استعنت واعتصمت ومما يجب تقديمه فهو الاصل الذي عليه يتفرع ما نحن بسبيله ومنه يتشعب ان الشناعة إنما تجب في المذهب الذي لا دليل عليه يعضده ولا حجة لقائله فيه فإن الباطل هو العاري من الحجج والبينات البرى من الدلالات فأما ما عليه دليل يعضده وحجة تعمده فهو الحق اليقين ولا يضره الخلاف فيه وقلة عدد القائل به، كما لا ينفع في الاول الاتفاق عليه وكثرة عدد الذاهب إليه، وإنما يسئل الذاهب إلى مذهب عن دلالته على صحته وحجته القائدة له إليه لا عمن يوافقه فيه أو يخالفه على انه لا أحد من فقهاء الامصار إلا وهو ذاهب إلى مذاهب تفرد بها مخالفوه كلهم على خلافها فكيف جازت الشناعة على الشيعة بالمذاهب التي تفردوا بها ولم يشنع على كل فقيه كأبي حنيفة والشافعي ومالك ومن تأخر عن زمانهم بالمذاهب التي تفردوا بها وكل الفقهاء على خلافه فيها، وما الفرق بينما انفردت به الشيعة من المذاهب التي لا موافق لهم فيها وبين ما انفرد به أبوحنيفة أو الشافعي من المذاهب التي لا موافق له فيها، فان قالوا: ان الفرق بين الامرين ان كل مذهب تفرد به أبوحنيفة فله موافق من فقهاء أهل الكوفة فيه، أو من السلف المتقدم.
وكذلك ما تفرد به الشافعي له فيه موافق من أهل الحجاز أو من السلف، وليس كذلك الشيعه.
قلنا: ليس كل مذهب تفرد به ابوحنيفه او الشافعى يعلم ان اهل الكوفه وأهل الحجاز او السلف قائلون به وان ادعى ذلك دون ما هو معلوم مسلم غير منازع فيه، فالشيعة أيضا تدعي وتروي ان مذاهبها التي انفردت بها هي مذاهب
جعفر بن محمد الصادق ومحمد بن علي الباقر وعلي بن الحسين زين العابدينعليهمالسلام بل تروي هذه المذاهب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وتسندها إليه، فاجعلوا لهم من ذلك ما جعلتموه لابي حنيفة وللشافعي وفلان وفلان، أو انزلوهم على أقل الاحوال منزلة ابن حنبل وداود ومحمد بن جرير الطبري في ما انفردوا به فانكم تعذرونهم خلافا فيما انفردوا به، ولا تعذرون الشيعة خلافا فيما انفردوا به وهذا ظلم لهم وحيف عليهم على ان من مذاهب أبي حنيفة التي استدركها بالقياس ما لا يمكنه ان يدعي ان له في القول بها سلفا من الصحابة ولا التابعين ولو شئنا لاشرنا إلى فروع كثيرة له بهذه الصفة فكيف لم يشنعوا عليه بأنه ذهب إلى ما لم يذهب إليه أحد قبله وشنعتم على الشيعة بمثل ذلك فإن قالوا الفرق بين الامرين ان أبا حنيفة وإن انفرد بمذاهب قاده إليها القياس ولم يعلم سابق له إليها فإن تلك المسائل لم يجر لها في السلف ذكر ولا سبق لها حكم ولا خاض فيها أهل العلم فينعقد فيها إجماع أو خلاف، والشيعة انفردت بمذاهب يخالف ما علمنا إجماع السلف كلهم على خلاف قولهم فيها.
قلنا: قد مضى أن دعواكم إجماعا متقدما على خلاف ما يقوله الشيعة عارية من برهان، وإن القوم يسندون مذاهبهم إلى جماعة من السلف يخرج قولهم وخلافهم في تلك المسألة من أن يكون إجماع على خلاف مذاهبهم.
وبعد، فإذا سلم لكم ذلك على ما فيه فيجب ان تعذروا الشيعة خلافا فيما انفردوا به فيما يخالف مذاهب أبي حنيفة التي استدركها بالقياس، ولا سلف له فيها ولا إجماع تقدم عليها، وما نراكم تعذرونهم خلافا في شئ مما انفردوا به.
ولا تسوغون(١) ذلك حسب ما اقتضى الكلام الآن إليه على انكم الآن تعتدون بخلاف داود ومحمد بن جرير وأحمد بن حنبل في المسائل التي تفردوا بها
____________________
(١) ولا يفرعون خ ل.
وعندكم ان الاجماع السالف منعقد على خلافها وتناظرونهم عليها فألا أسقطتم الاعتداد بهم في الخلاف والمناظرة لهم في هذه المسائل كما فعلتم مع الشيعة أو اجريتم الشيعة مجراهم في الاعتداد والمناظرة.
فان قالوا: لو كان ما تدعيه الشيعة في مذاهب الصادق والباقر حقا لوجب ان نعلمه كما علموه، ويزول الخلاف فيه منا كما علمت الشيعة بمذاهب سلفنا من أبي حنيفة والشافعي وغيرهما ممن تقدمهما.
قلنا: ليس يجب ان يعلم الاجانب والاباعد من مذاهب العالم ما يعلمه أصحابه وخلصاؤه وملازموه ومؤانسوه، ولهذا لا نعلم كثيرا من مذاهب أبي حنيفة مما يعلمه أصحابه والمنتمون إليه فمن هو أخص بالباقر والصادق "عليهالسلام " من أصحابهما وشيعتهما اعلم بمذاهبهما ممن ليست له هذه الصفة معهماعليهماالسلام على انا لا نعلم كثيرا من المذاهب التي يدعيها مخالفونا مذهبا لامير المؤمنين صلوات الله عليه وتروى عنه، وتحكي خلاف ما يروون وضد ما يحكمون فعذرهم في انا لا نعلم ذلك هو عذرنا في أن لم يعلموا المذاهب التي تدعيها ونحكيها عن أمير المؤمنين وعلماء أبناءه صلوات الله عليهم، فليعتذروا بما شاؤا ثم نقول لهم: كيف علمنا صحة ما يحكونه مذهبا لابي حنيفة وللشافعي ولم نعلم ذلك في كل ما يدعونه مذهبا لامير المؤمنين صلوات الله عليه ففرقكم بين الامرين هو فرقنا بين العلم العام بمذاهب أبي حنيفة وأمثاله، ووقوع الاشتباه في كثير من مذاهب أئمتنا "عليهمالسلام " وبعد فليس يجري مذاهب من قوله حجة في العلم بها مجرى مذاهب من ليس قوله بحجة.
ولهذا لانعرف بمذاهب النبيصلىاللهعليهوآله وأهل بيته في كثير من أحكام الشريعة كما نعلم مذاهب كثير من أصحابه فيها، وكما نعلم مذاهب أبي حنيفة والشافعي في تلك المسائل، والعلة في ذلك ما أشرنا إليه.
ثم يقال لمن يخالفنا إذا كان الاجماع عندكم على ضربين إجماع العلماء
فيما لا مدخل للعامة فيه، والضرب الآخر إجماع الامة من عالم وعامي فألا راعيتم إجماع علماء الشيعة في إجماع العلماء.
وإجماع عامتهم في إجماع الامة وهم داخلون تحت لفظ النصوص التي تفزعون في صحة الاجماع إليها، فإن قالوا خلافهم الخاص(١) معلوم لا ريب فيه، وإنما الكلام في ان الاجماع على خلاف ما ذهبوا إليه قد سبق فقد تقدم من الكلام على هذا الفصل ما فيه كفاية.
وان قالوا: إنما لا يعتد بهم في الاجماع لانهم على بدع وضلالات تخرج من اعتقدها من ان يعتد به في خلاف.
قلنا: لا تخرجوا عن قانون الكلام في فروع الفقه وتمزجوه بغيره مما يحوج إلى الكلام في أصول الديانات التي تستعفون أبدا من الخوض فيها وأكثركم والغالب عليكم ليس من رجالها، ولا نذكر منها في هذا الباب ما قد تركنا الالمام به مقاربة ومساهلة، فأنتم تعلمون ان الشيعة الامامية تعتقد فيمن يخالفها في الاصول ما يمنع من أن يراعى قوله في إجماع المسلمين أو خلاف وينتهون في ذلك إلى غايات بعيدة لا تنتهون فيهم إليها فإنكم إذا بلغتم الغاية اعتقدتم فيهم انهم أصحاب بدع يكونون بها فساقا ولاينتهون إلى الكفر، والفاسق عند أكثر القائلين بالاجماع لايخرج بفسقه من أن يكون قوله خلافا في الشريعة، وهذا فصل الاضراب عن تحقيقه أعود إليكم وأسلم لكم فما خرج الامامي إلا في ان يعدل معه إلى هذا الضرب من الكلام فانه يتسع له منه ما لا يتسع من الكلام على فروع الفقه على انه كيف لا يعد خلافا من جعل النبيصلىاللهعليهوآله وأهل بيته مذاهبه حجة يرجع إليها ويعول عليها كالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في قوله " ع ": إني مخلف فيكم الثقلين ما ان تمسكتم
____________________
(١) وفى نسخة الحاضر.
بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض أو ليس قد ذهب كثير من علماء المعتزلة ومحصليهم إلى ان إجماع أهل البيت خاصة وإن انفردوا عن باقي الامة(١) حجة يقطع بها فمن إجماعهم حجة بشهادة النبيصلىاللهعليهوآله كيف لا يكون قولهم حجة خلافا وجاريا مجرى قول بعض الفقهاء في أنه خلاف معتد به ان هذالعجيب.
ومما يجب علمه ان حجة الامامية في صواب جميع ما انفردت به أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء هي إجماعها عليه، لان إجماعها حجة قاطعة ودلالة موجبة للعلم فإن انضاف إلى ذلك ظاهر كتاب الله تعالى أو طريقة أخرى توجب العلم وتثمر(٢) اليقين فهي فضيلة ودلالة تنضاف إلى أخرى وإلا ففي إجماعهم كفاية وإنما قلنا ان إجماعهم حجة لان في إجماع الامامية قول الامام الذي دلت العقول على ان كل زمان لا يخلو منه، وانه معصوم لا يجوز عليه الخطأ في قول ولا فعل فمن هذا الوجه كان إجماعهم حجة ودليلا قاطعا.
وقد بينا صحة هذه الطريقة في مواضع من كتبنا وخاصة في جواب مسائل أبي عبدالله ابن التبانرحمهالله ، وفي جواب مسائل أهل الموصل الفقهية الواردة في سنة عشرين وأربعمائة، وفي غير هذين الموضعين من كتبنا، فانا فرعنا ذلك وأشبعناه واستقصيناه وأجبنا عن كل سؤال يسئل عنه، وحسمنا كل شبهة تعترض فيه، وبينا كيف الطريق إلى العلم بأن قول الامام المعصوم في جملة أقوال الامامية، وكيف السبيل إلى ان تعرف مذاهبه ونحن لا نميز شخصه وعينه في أحوال غيبته، وأسقطنا عجب من يقول من لا اعرفه كيف اعرف مذهبه ولا فائدة في شرح ذلك هاهنا، لان التشاغل في هذا الكتاب بغيره، ومن أراد التناهي
____________________
(١) الائمة خ ل.
(٢) وفى نسخة: ويتميز اليقين.
في معرفة صحة هذا الاصل يرجع إلى حيث ارشدناه فإنه يجد ما يوفي على حاجته ويتجاوز قدر كفايته.
وإذا كانت الجملة التي أشرنا إليها هي الحجة في جميع مذاهب الشيعة الامامية في أحكام الفقه فعلى من شك في شئ من مذاهبهم وارتاب بصحته ان يسأل عن صحة ذلك، فإذا أقيمت فيه عليه الحجة بالطريقة التي أشرنا إليها وجب زوال ريبه وحصول علمه، وبرئت عهدة القوم فيما ذهبوا إليه ببيان الحجة فيه والدلالة عليه، وما يضرهم بعد ذلك خلاف من خالفهم، كما لا ينفع وفاق من وافقهم، ولو اقتصرنا على هذه الجملة في تمام الغرض لكفينا وما افتقرنا إلى زيادة عليها.
ولا احتجنا إلى تفصيل المسائل وتعيينها فإن الحجة في صحة الجميع واحدة، ولكنا نفصل المسائل ونعينها ونبين ما فيه موافق الشيعة الامامية من غيرهم وإن ظن مخالفهم انه لاموافق لهم فيها ثم نبين ما انفردوا به من غير موافق من مخالفيهم، ونضيف إلى هذه الطريقة التي أشرنا إليها في صحته على جهة الجملة ما لعله يمكن فيه ان يستدل من ظاهر كتاب الله أو طريقة توجب العلم، وكلما تيسر من تقويته وتقريبه وتسهيل مرامه لتكون الفائدة بذلك أكثر وأغزر وعلى الله توكلنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مسائل الطهارة وما يتعلق بها
مسألة: مما شنع به على الامامية، وظن انه لا موافق لهم فيه قولهم: ان الماء إذا بلغ كرا لم ينجس بما يحله من النجاسات، وهذا مذهب الحسن بن صالح بن حي وقد حكاه عنه في كتابه الموضوع لاختلاف الفقهاء أبوجعفر الطحاوي، والحجة في صحة هذا المذهب الطريقة التي تقدمت الاشارة إليها دون موافقة ابن حي فان موافقة ابن حي كمخالفته في انها ليست بحجة وإنما ذكرنا موافقته ليعلم ان الشيعة ما انفردت بهذا المذهب كما ظنوا، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة فيما افردناه من الكلام على مسائل الخلاف، ورددنا على كل مخالف في هذه المسألة لنا بما يعم ويخص من أبي حنيفة والشافعي ومالك بما فيه كفاية وسلكنا معهم أيضا طريق القياس الذي هو صحيح على أصولهم، وبينا ان القياس إذا صح كان شاهدا لنا في هذه المسألة، وذكرنا ما يروونه وهو موجود في كتبهم وأحاديثهم عن النبيصلىاللهعليهوآله انه قال: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا.
فان قيل ابن حي يحدد الكر على ما حكاه الطحاوي عنه بما بلغ ثلاثة آلاف رطل وأنتم تحددونه بألف ومأتى رطل بالمدنى، قلنا ما ادعينا ان مذهب ابن حى موافقنا من كل وجه وانتم لم تعيبوا على الشيعة بتحديد الكر بالارطال وإنما عبتم اعتبار الكر فيما لا ينجس، وبعد فان تحديدنا بالارطال التي ذكرناها أولى من تحديد ابن حي لانا عولنا في ذلك على آثار معروفة مروية وإجماع فرقة قد دل الدليل على ان فيهم الحجة، وابن حي لا يدري كيف حدد بثلاثة آلاف رطل ولا على ماذا اعتمد فيه على ان ابن حي يجب ان يكون عند أبي حنيفة
وأصحابه، والشافعي أحق بالعيب من الشيعة، فإن تحديد الشيعة أقرب إلى تحديد الشافعي من تحديد ابن حي لان ما بين القلتين وهما حد الشافعي وبين ألف رطل ومائتي رطل أقرب مما بين القلتين وثلاثة آلاف رطل، وإذا كان مذهب أبي حنيفة ان النجاسة تنجس القليل والكثير من الماء، فقول الشيعة على كل حال أقرب من قول ابن حي.
(مسألة): ومما انفردت به الامامية إيجابهم غسل الاناء من سؤر الكلب ثلاث مرات، إحداهن بالتراب لان أبا حنيفة لا يعتبر حدا في ذلك ولا عددا ويجريه مجرى إزالة سائر النجاسات.
والشافعي يوجب سبع غسلات إحداهن بالتراب.
ومالك لا يوجب غسل الاناء من سؤر الكلب ويقول انه مستحب فان فعله فليكن سبعا وهو مذهب داود.
وذهب الحسن بن حي وابن حنبل إلى انه يغسل سبع مرات والثامنة بالتراب، وقد تكلمنا على هذه المسألة في مسائل الخلاف بما استوفيناه وحجتنا فيما انفردنا به من إيجاب الثلاث الاجماع من الطائفة المتقدم ذكره ومما يجوز أن يحتج به على المخالف ما رووه وهو موجود في كتبهم ورواياتهم عن عبيد بن عمير عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله انه قال: اذا ولق الكلب في اناء احدكم فليغسله ثلاث مرات.
وايضا ما رواه أبوهريرة في حديث آخر عن النبيصلىاللهعليهوآله قال إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا، وظاهر هذا الخبر يقتضي وجوب الثلاث، لانه العدد الذي لم يجزعليهالسلام الاقتصار على أقل منه.
فأما قوله: أو خمسأ أو سبعا فلا يخلو من أن يكون المستفاد بدخول لفظة أو فيه للتخيير بين هذه الاعداد ويكون الكل واحدا على جهة التخيير أو يكون فيما زاد على الثلاث للتخيير من غير وجوب، ويكون الزيادة على
الثلاث ندبا واستحبابا والقسم الاول باطل لان أحدا من الامة لم يذهب إلى ان كل عدد من هذه الاعداد واجب كوجوب الآخر، والقائلون بسبع غسلات وإن أوجبوها فانهم لا يجعلون الثلاث والخمس واجبتان، ويجعلونه متخيرا بينهن وبين السبع بل يوجبون السبع دون ما عداها فلم يبق إلا القسم الثاني وهو مذهبنا، فإذا قيل: كيف يقع التخيير بين واجب وندب؟ قلنا: لم يخير بين واجب وندب لان الثلاث تدخل في الخمس والسبع، وإنما وقع التخيير بين الاقتصار على الواجب وهو الثلاث، وبين فعله والزيادة عليه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني وكل كافر وخالف جميع الفقهاء في ذلك.
وحكى الطحاوي عن مالك في سؤر النصراني والمشرك انه لا يتوضئ به ووجدت المحصلين من أصحاب مالك يقولون ان ذلك على سبيل الكراهية لا التحريم لاجل استحلالهم الخمر والخنزير وليس بمقطوع على نجاسته فكأن الامامية منفردة بهذا المذهب، ويدل على صحة ذلك مضافا إلى إجماع الشيعة عليه قوله تعالى: (إنما المشركون نجس).
فإذا قيل لعل المراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين، قلنا نحمله على الامرين لانه لا مانع من ذلك.
وبعد فإن حقيقة هذه اللفظ تقتضي نجاسة العين في الشريعة وإنما يحمل على الحكم تشبيها ومجازا والحقيقة أولى باللفظ من المجاز.
فان قيل فقد قال الله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وهو عموم في جميع ما شربوا وعالجوه بأيديهم.
قلنا: يجب تخصيص هذا الظاهر بالدلالة على نجاستهم، وتحمل هذه
الآية على أن المراد بها طعامهم الذي هو الحبوب وما يملكونه دون ما هو سؤر أو ما عالجوه بأجسامهم على أن في طعام أهل الكتاب ما يغلب على الظن أن فيه خمرا أو لحم خنزير ولا بد من إخراجه مع هذا الظاهر، وإذا أخرجناه من هذا الظاهر لاجل النجاسة وكان سؤرهم على ما بيناه نجسا أخرجناه أيضا من الظاهر.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن ماء البئر ينجس بما يقع فيها من النجاسة وإن كان كرا وهو الحد الذى حددوا به الماء الذى لا يقبل النجاسة، ويطهر ماؤها عندنا بنزح بعضه، وهذا ليس بقول لاحد من الفقهاء لان من لم يراع في الماء حدا إذا بلغ إليه لم ينجس بما يحله من النجاسات وهو أبوحنيفة لا يفصل في هذا الحكم بين البئر وغيرها كما فصلت الامامية، ومن راعى حدا في الماء إذا بلغه لم يقبل النجاسة وهوالشافعي في إعتباره القلتين لم يفصل بين البئر وغيرها، والامامية فصلت فانفردت لذلك عن الجماعة.
وعذر الامامية فيما ذهبت إليه في البئر والفصل بينها وبين مياه الغدران والآنية هو ما تقدم من الحجة ويعضد ذلك انه لا خلاف بين الصحابة والتابعين في ان إخراج بعض ماء البئر يطهرها وإنما اختلفوا في مقدار ما ينزح، وهذا يدل على حكمهم بنجاستها على كل حال من غير اعتبار بمقدار مائها وإن حكمها في ان إخراج بعض مائها يطهرها بخلاف حكم الاواني والغدران، ويمكن أن يكون الوجه في مخالفه حكم البئر فيما ذكرناه لاحكام الاواني والغدران أن نزح جميع ماء البئر يشق من وجهين، أحدهما لبعده عن الايدي، والآخر لان مائها يتجدد في كل حال مع النزح فشق إخراج الجميع، والاواني لا يشق إراقة جميع مائها.
وكذلك الغدران إذا كان ماؤها أقل من كر ألا ترى أن غسل الاواني
لما تيسر بعد إخراج النجاسة وجب، ولما تعذر ذلك في البئر سقط فلما خفف حكم البئر من الوجه الذي ذكرناه عن الاواني والغدران غلظ من وجه آخر وأسقط منها اعتبار مبلغ الماء في قلة أو كثرة لئلا يجتمع تخفيفان (الحكم) والمشقة اعتبار ذلك فيها لبعدها.
(مسألة) ومما ظن أن الامامية منفردة به وشنع عليها القول بأن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ وهو مذهب أحمد بن حنبل، فالشيعة غير منفردة به، والدليل على صحة ما ذهبت إليه من ذلك مضافا إلى الطريقة المشار إليها في كل المسائل قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وهذا تحريم مطلق يتناول أجزاء الميتة في كل حال، وجلد الميتة يتناوله اسم الموت لان الحياة تحله وليس بجار مجرى العظم والشعر وهو بعد الدباغ يسمى جلد ميتة، كما كان سمي قبل الدباغ فينبغي أن يكون خطر التصرف فيه لاحقا به، ويمكن أن يحتج على المخالفين بما هو موجود في كتبهم ورواياتهم من حديث عبدالله بن حكيم أنه قال: أتانا كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله قبل موته بشهرين ألا تنتفعوا بأهاب من الميتة ولا عصب، ولا يعارض هذا الخبر ما يروونه عنهعليهالسلام من قوله أيما أهاب دبغ فقد طهر، لان خبرهم عام اللفظ والخبر الذي إحتججنا به خاص، فنبني العام على الخاص لكي نستعمل الخبرين ولا يطرح أحدهما فان قالوا نحمل خبركم على تحريم الانتفاع بأهاب الميتة وعصبها قبل الدباغ.
قلنا: هذا تخصيص وترك للظاهر على كل حال على أنه لا معنى له لان العصب يحرم الانتفاع به على كل حال قبل الدباغ وبعده وليس بجار مجرى الجلد فان عارضونا بما يروونه عنهعليهالسلام من قوله وقد سئل عن جلود الميتة فقال دباغها طهورها.
قلنا: إذا تعارضت الاخبار سقط الاحتجاج بها ورجعنا إلى ظاهر نص
الكتاب على أنه يمكن حمله على أن المراد به ما حله الموت من المذكى وسمي بذلك ميتة على ضرب من التجوز فليس ذلك بأبعد من قولهم في خبرنا أن المراد به لا تنتفعوا بأهاب ولا عصب قبل الدباغ.
فإن قيل: كيف تحملونه على ذلك وجلد المذكى طاهر قبل الدباغ؟ قلنا: عندنا أن جلود ما لا يؤكل لحمه من البهائم إذا ذكيت فلا يطهر جلدها(١) إلا بالدباغ بخلاف جلد ما يؤكل لحمه فيكون المراد جلود ما مات بالذكاة مما لا يؤكل لحمه دباغها طهورها، وإن حملناه على جميع جلود المذكى مما يؤكل لحمه ومما لا يؤكل لحمه جاز لان جلود ما أكل لحمه إذا ذكي وكان عليه نجاسة الدم فإذا بلغ زال ذلك عنه.
وقول بعضهم أن الجلد لا يسمى أهابا بعد الدبغ وإنما يسمى بذلك قبل دبغه لا يلتفت إليه لانه خارج عن اللغة والعرف.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن الدم الذي ليس بدم حيض يجوز الصلاة في ثوب أو بدن أصابه منه ما ينقص مقداره عن سعة الدرهم الوافي وهو المضروب من درهم وثلث، وما زاد على ذلك لا يجوز الصلاة فيه وفرقوا بين الدم في هذا الحكم وبين سائر النجاسات من بول وعذرة ومني، وحرموا الصلاة في قليل ذلك وكثيره، وكأن التفرقة بين الدم وبين سائر النجاسات في هذا الحكم هو الذي تفردوا به.
فان أبا حنيفة يعتبر مقدار الدرهم في جميع النجاسات ولا يفرق بين بعضها وبين بعض.
والشافعي لا يعتبر الدرهم في جميع النجاسات، فاعتباره في بعضها هو التفرد، ويمكن القول بأن الشيعة غير منفردة بهذه التفرقة، لان زفر كان يراعي في الدم أن يكون أكثر من درهم ولا يراعي مثل ذلك في البول بل يحكم بفساد الصلاة بقليله وكثيره وهذا نظير قول الامامية.
____________________
(١) فلا يطهر جلودها - خ ل.
وروي عن الحسن بن صالح بن حي أنه كان يقول في الدم إذا كان على الثوب منه مقدار الدرهم يعيد الصلاة، فان كان أقل من ذلك لم يعد وكان يوجب الاعادة في البول والغائط قليلهما وكثيرهما وهذا مضاه لقول الامامية وقد مضى في صدر هذا الكتاب أن التفرد بما عليه حجة واضحة غير موحش وإجماع هذه الفرقة هو دليلها على صحة قولها، وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في كتابنا المفرد لمسائل الخلاف واحتججنا على المخالفين لنا في هذه المسألة بضروب من الاحتجاجات منها قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فجعل تعالى تطهير الاعضاء الاربعة مبيحا للصلاة فلو تعلقت الاباحة بغسل نجاسة لكان ذلك زيادة لا يدل عليها الظاهر لانه بخلافه ولا يلزم على هذا ما زاد على الدرهم وما عدا الدرهم من سائر النجاسات لان الظاهر وإن لم يوجب ذلك فقد عرفناه بدليل أوجب الزيادة على الظاهر وليس ذلك في يسير الدم.
وذكرنا أيضا ما يروونه المخالفون ويمضي في كتبهم عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله انه قال: إذا كان الدم في الثوب أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة وهذا تعليق للحكم بشرط متى لم يكن موقوفا عليه لم يؤثر، وبينا هناك أنه يمكن أن يكون الفرق بين دم الحيض وسائر الدماء أن حكم دم الحيض أغلظ لانه يوجب الغسل فلهذا خولف بينه وبين غيره.
وقلنا أيضا: أنه يمكن أن يكون الفرق بين دم الحيض والنفاس إذا جمعنا بين دم الحيض والنفاس في هذه الصفة أن البلوى بسائر الدماء أعم من البلوى بعدم الحيض والنفاس، لان سائر الدماء يخرج من جسم الصغير والكبير والذكر والانثى والحيض والنفاس يختصان ببعض من ذكرناه وأيضا فان دم النفاس والحيض يختصان في الاكثر بأوقات معينة ويمكن التحرز منها
وباقي الدماء بخلاف ذلك، وإنما فرقنا بين الدم والبول والمني وسائر النجاسات في اعتبار الدرهم للاجماع المتقدم ويمكن أن يكون الوجه فيه أن الدم لا يوجب خروجه من الجسد وضوءا على اختلاف مواضعه والبول والعذرة والمنى يوجب خروج كل واحد منها الوضوء، وفيها ما يوجب لغسل وهو المني فغلظت أحكامها من هذا الوجه على حكم الدم، ومن أراد الاستقصاء رجع إلى حيث ما ذكرنا.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن المني نجس لا يجزي فيه إلا الغسل، لان أبا حنيفة وإن وافقهم في نجاسته فعنده أنه يجزي فرك يابسه والشافعي يذهب إلى طهارته.
وأما ما حكي عن مالك من أنه يذهب إلى نجاسته ويوجب غسله فليس ذلك بموافقة للشيعة الامامية على الحقيقة، لان مالك لا يوجب غسل جميع النجاسات وإنما يستحب ذلك، والامامية توجب غسل المني فهي منفردة بذلك وقد استوفينا أيضا الكلام على هذه المسألة في مسائل الخلاف ورددناه على كل مخالف لنا فيها بما فيه كفاية، ودللنا على نجاسة المني من قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان) وروى في التفسير أنه تعالى أراد بذلك أثر الاحتلام، والآية دالة من وجهين على نجاسة المني: أحدهما يوجب أن الرجز والرجس والنجس بمعنى واحد بدلالة قوله تعالى: (والرجز فاهجر)، وأراد عبادة الاوثان.
وفي موضع آخر: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان).
والوجه الثاني: أنه تعالى أطلق عليه اسم التطهير، والتطهير لا يطلق في الشرع إلا لازالة النجاسة أو غسل الاعضاء الاربعة.
واحتججنا عليهم أيضا بما يروونه عن عمار بن ياسررحمهالله تعالى أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: إنما يغسل الثوب من البول والدم والمني، وهذا يقتضي
وجوب غسله وما يجب غسله لا يكون إلا نجسا، والحجة الكبرى في نجاسته ووجوب غسله إجماع الامامية على ذلك.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن البول خاصة لا يجزي فيه الاستجمار بالحجر ولا بد من غسله بالماء مع وجوده، ولا يجري عندهم مجرى الغائط في جواز الاقتصار على الحجر، وليس هذا بمذهب لاحد من الفقهاء، لان من يوجب الاستنجاء منهم لا يفرق بين البول والغائط في جواز الاقتصار فيه على الحجر، ومن يسقط وجوب الاستنجاء كأبي حنيفة يسقطه في الامرين، وينبغي أن يكون الامامية بهذا التفرد إلى جانب المدح أقرب منها إلى جانب العيب، لان قولها الذي انفردت به أشبه بالتنزه عن النجاسة وأولى في إزالتها والعيب إلى من لا يوجب الاستنجاء جملة، وجوز أن يصلي المصلي وعين النجاسة على بدنه متوجه أقرب.
وحجة الشيعة على مذهبها هو ما تقدم ذكره من إجماعها عليه وتظاهر الآثار في رواياتهم به.
ويمكن أن يكون الوجه في الفرق بين نجاسة البول ونجاسة الغائط أن الغائط قد لا يتعد المخرج إذا كان يابسا، ويتعداه إذا كان بخلاف هذه الصفة ولا خلاف في أن الغائط متى تعدى المخرج فلا بد من غسله بالماء، والبول لانه مايع جار لا بد من تعديه المخرج وهو في وجوب تعديه أبلغ من دقيق الغائط فوجب فيه ما وجب فيما تعدى المخرج من مايع الغائط ولا خلاف في وجوب غسل ذلك.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية الابتداء في غسل اليدين في الوضوء من المرافق والانتهاء إلى أطراف الاصابع، وفي أصحابنا من يظن وجوب ذلك حتى أنه لا يجزي خلافه، وقد ذكرت ذلك في كتاب مسائل الخلاف، وفي جواب مسائل أهل الموصل الفقهية أن الاولى أن يكون ذلك مسنونا ومندوبا
إليه وليس بفرض حتم، فقد انفردت الشيعة على كل حال بأنه مسنون على هذه الكيفية، وباقى الفقهاء يقولون: هو مخير بين الابتداء بالاصابع وبين الابتداء بالمرافق، والحجة على صحة ما ذهبت إليه مضافا إلى الاجماع الذي ذكرناه أن الحدث إذا تيقن فلا يزول إلا بأمر متيقن، وما هو مزيل له بيقين أولى وأحوط مما ليس هذه صفته، وقد علمنا أنه إذا غسل من المرافق إلى الاصابع كان مزيلا للحدث عن اليدين بالاجماع واليقين وليس كذلك إذا غسل من الاصابع فالذى قلناه أحوط.
ومما يجوز أن يحتج به على المخالفين ما رووه كلهم عن النبيصلىاللهعليهوآله من أنه توضأ مرة مرة، ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به فلا يخلو من أن يكون ابتداء من المرافق أو انتهاء إليها، فإن كان مبتدئا بالمرافق فيجب أن يكون خلاف ما فعله غير مقبول، ولفظة مقبول يستفاد منه في عرف الشرع أمران: أحدهما الاجزاء، كقولنا لا يقبل الله صلاة بغير طهارة.
والامر الآخر: الثواب عليها، كقولنا إن الصلاة المقصود بها الرياء غير مقبولة بمعنى سقوط الثواب وإن لم يجب إعادتها.
وقول المعتزلة: ان صلاة صاحب الكبيرة غير مقبولة لانه لا ثواب عندهم له عليها وإن كانت مجزية لا يجب إعادتها، ويجب حمل لفظة نفي القبول على الامرين غير أنه إذا قام الدليل على أن من غسل يديه وابتدأ بأصابعه وانتهى إلى المرافق يجزي وضوءه بقي المعنى الآخر وهو نفي الثواب والفضل وهو مرادنا، وقد بينا في مسائل الخلاف وفي جواب أهل الموصل إبطال استدلالهم بقوله تعالى: (إلى المرافق) وانه تعالى جعلها غاية للابتداء وقلنا أن لفظة إلى قد تكون بمعنى الغاية، وقد تكون بمعنى مع وهي في الامرين معا حقيقة.
واستشهدنا بقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم)، وقوله عزوجل: (من أنصاري إلى الله)، وبقول أهل اللسان
العربي ولى فلان الكوفة إلى البصرة، والمراد بلفظه إلى في هذا كله معنى مع، واستشهدنا على ذلك بكثير من أشعار العرب وأجبنا عن سؤال من سأل فنقول: إذ احتملت لفظة إلى المعنيين معا فمن أين لكم أنها في الآية بمعنا مع دون ما ذكرناه من الغاية بأن قلنا الآية استدلال المخالف علينا لا دليلنا عليه ويكفي في كسره أن نبين احتمال اللفظة للامرين وأنها ليست بخالصة لاحدهما.
وقلنا أيضا: لو كانت لفظة إلى في الآية تفيد الغاية لوجب الابتداء بالاصابع والانتهاء إلى المرافق ولم يجز خلافه، لان أمره على الوجوب وقد أجمعوا على أن ذلك ليس بواجب، فثبت أن المراد باللفظة في الآية بمعنى مع.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية الآن وقد كان قولا للشافعي قديما القول بوجوب ترتيب اليد اليمنى في الطهارة على اليسرى لان جميع الفقهاء في وقتنا هذا والشافعي في قوله الجديد لايوجبون ذلك، والحجة على صحة هذا المذهب مضافا إلى الاجماع المتردد انا قد دللنا على أن الابتداء في غسل اليدين بالمرافق هو الواجب أو المسنون الذي خلافه مكروه، وكل من قال من الامة بأن الابتداء بالاصابع والانتهاء إلى المرافق مكروه أو هو خلاف الواجب ذهب إلى وجوب ترتيب اليمنى على اليسرى في الطهارة، والفرق بين المسألتين خروج عن الاجماع.
ويمكن أيضا أن يحتج في ذلك عليهم بما يروونه من قولهعليهالسلام وقد توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله سبحانه وتعالى الصلاة إلا به فلايخلو من أن يكون قدم اليمنى أو أخرها، فإن كان قدمها وجب نفي اجزاء تأخيرها وإن كان أخرها وجب نفي اجزاء تقديمها وليس هذا بقول أحد من الامة وليس لهم أن يقولوا الاشارة في قولهعليهالسلام : هذا
وضوء وقد توضأ مرة مرة لا يقبل الله الصلاة إلا به إلى أفعال الوضوء دون صفاته وكيفياته، وذلك ان الاشارة إذا اطلقت دخل تحتها الافعال وكيفياتها لان كيفياتها وصفاتها كالجزء منها، لانهعليهالسلام لو غسل وجهه على ضرب من التحديد، ثم قال: لا يقبل الله الصلاة إلا به لدل ذلك على وجوب الفعل وصفته، ولولا أن الامر على ما قلنا لم يفرق بين النبيصلىاللهعليهوآله بين وضوئه الاول والثاني والثالث.
وقال في الثالث الذي اقتصر فيه على مرة واحدة لا يقبل الله الصلاة إلا به، فلولا أن الاشارة إلى الصفات والكيفيات لكان الكل واحدا في أن الصلاة لا تقبل إلا به ان كانت الاشارة إلى الافعال دون الكيفيات على أن الشافعي لا يتمكن من الطعن بذلك لانه يستدل بهذا الخبر على وجوب ترتيب الطهارة في الاعضاء الاربعة ويراعي الكيفيات لان التركيب كيفية وصفه، فان طعن علينا بهذا فهو طاعن على نفسه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن الفرض مسح مقدم الرأس دون سائر أبعاضه من غير استقبال الشعر، والفقهاء كلهم يخالفون في هذه الكيفية ولا يوجبونها ولا شبهة في أن الفرض عند الامامية يتعلق بمقدم الرأس دون سائر أبعاضه ولا يجزي مع صحة هذا العضو سواه.
فأما ترك استقبال الشعر فهو عند أكثرهم أيضا واجب ولا يجزي سواه وفيهم من يرى أنه مسنون مرغب فيه، وعلى كل حال فالانفراد من الامامية ثابت، والذي يدل على صحة مذهبهم في هذه المسألة مضافا إلى طريقة الاجماع أنه لا خلاف في أن من مسح مقدم رأسه من غير استقبال شعر مزيل للحدث، مطهر للعضو، وفي العدول عن ذلك خلاف، فالواجب فعل ما يتيقن به زوال الحدث وبرائة الذمة فهو الاحوط.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن مسح الرأس إنما يجب
ببلة اليد، فان استأنف ماء جديدا لم يجزه، وحتى انهم يقولون إذا لم يبق في يده بلة أعاد الوضوء ولا يجب أن يقرر ان من وافق الشيعة في جواز التوضي بالماء المستعمل كما لك وأهل الظاهر موافق لهم في هذه المسألة لان من ذهب إلى أن الماء المستعمل مطهر يزول الحدث به إنما يجيز مسح الرأس ببلة اليد ولا يوجبه وهو تخيير للمتوضي بين أن يفعل ذلك وبين تجديد الماء والشيعة توجبه ولا تجيز فيه فالانفراد حاصل.
والذي يدل على صحة هذا المذهب مضافا إلى طريقة الاجماع أن ظاهر الامر بحكم عرف الشرع يقتضي الوجوب والفور إلا أن يقوم دليل شرعي ومن طهر يده فهو مأمور على الفور بتطهير رأسه فإذا جدد تناول الماء فقد ترك زمانا كان يمكن أن يطهر العضو فيه والفور يوجب عليه خلاف ذلك، فبظاهر الآية على ما ترى يجب أن يمسح ببلة يده رأسه ولا يلزم ذلك في اليدين مع الوجه، لان المفروض في اليدين الغسل ولا يمكن ذلك ببلة اليد من تطهير الوجه، والفرض في الرأس هو المسح وذلك يتأتى ببلة تطهير اليدين، ولو لم يكن هذا الفرق ثابتا جاز أن يخرج ماء اليدين بدليل ليس بثابت في الرأس.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن مسح الاذنين أو غسلهما غير واجب ولا مسنون وأنه بدعة، وباقي الفقهاء على خلاف ذلك، وهذه المسألة أيضا مما تكلمنا عليه في مسائل الخلاف واستوفيناه، وحجتنا فيها هو الاجماع الذي تقدم ذكره، ويمكن أن يقال من المعلوم أنه إذا ترك المسح للاذنين فليس بعاص ولامبدع عند أحد من الامة، ومتى مسحهما كان عند الشيعة مبدعا عاصيا، والاحوط هجر ما يخاف المعصية في فعله ولا يخاف التبعة في تركه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بوجوب مسح الرجلين على
طريق التضييق ومن غير تخيير بين الغسل والمسح على ما ذهب إليه الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري وأبوعلي الجبائي، وكان ايجاب المسح تضييقا من غير بدل يقوم مقامه هو الذي انفردت به الامامية في هذه الازمنة لانه قد روى القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباسرضياللهعنه وعكرمة وأنس وأبي العالية والشعبي وغيرهم وهذه المسألة مما استقصينا الكلام عليها في مسائل الخلاف وبلغنا فيها أقصى الغايات فانتهينا في تفريع الكلام وتشعيبه إلى ما لا يوجد في شئ من الكتب غير انا لا نخلي هذا الموضع من جملة كافية.
والذي يدل على صحة مذهبنا في إيجاب المسح دون غيره مضافا إلى الاجماع الذي عولنا في كل المسائل عليه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فأمر بغسل الوجه وجعل للايدي حكمها في الغسل بواو العطف، ثم ابتدأ جملة أخرى فقال: (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) فأوجب بالتصريح للرؤس المسح وجعل للارجل مثل حكمها بالعطف، فلو جاز أن يخالف بين حكم الارجل والرؤس في المسح جاز أن يخالف بين حكم الوجوه والايدي في الغسل لان الحال واحدة.
وقد أجبنا عن سؤال من يسألنا فيقول: ما أنكرتم أن الارجل إنما انجرت بالمجاورة لا لعطفها في الحكم على الرؤس بأجوبة منها ان الاعراب بالمجاورة شاذ نادر ورد في مواضع لا يلحق بها غيرها، ولا يقاس عليها سواها بغير خلاف بين أهل اللغة، ولا يجوز حمل كتاب الله عزوجل على الشذوذ الذي ليس بمعهود ولا مألوف.
ومنها أن الاعراب بالمجاورة عند من أجازه إنما يكون مع فقد حرف العطف، وأي مجاورة تكون مع وجود الحايل، ولو كان ما بينه وبين غيره
حايل مجاورا لكانت المفارقة مفقودة، وكل موضع استشهد به على الاعراب بالمجاورة مثل قولهم (جحر ضب خرب، وكبير أناس في بجاد مزمل) لا حرف عطف فيه حايل بين ما تعدى إليه إعراب من غيره للمجاورة، ومنها ان الاعراب بالمجاورة إنما استعمل في الموضع الذي يرتفع فيه الشبهة ويزول اللبس في الاحكام، ألا ترى أن أحدا لا يشتبه عليه أن لفظة خرب من صفات الجحر لا الضب، وان إلحاقها في الاعراب بها لا يوهم خلاف المقصود وكذلك لفظة مزمل لا شبهة في أنها من صفات الكبير لا صفة البجاد، وليس كذلك الارجل لانه من الجائز أن تكون ممسوحة كالرؤس فإذا اعربت باعرابها للمجاورة ولها حكم الايدي في الغسل كان غاية اللبس والاشتباه، ولم تجز بذلك عادة القوم.
ومنها ولم نذكر هذا الوجه في مسائل الخلاف أن محصلي أهل النحو ومحققيهم نفوا أن يكونوا أعربوا بالمجاورة في موضع من المواضع وقالوا: الجر في جحر ضب خرب على أنهم أرادوا خرب جحره، وكبير أناس في بجاد مزمل كبيره، ويجري ذلك مجرى مررت برجل حسن وجهه.
وقد بينا أيضا في مسائل الخلاف بطلان قول من ادعى أن الغسل الخفيف يسمى مسحا.
وحكى ذلك عن أبي زيد الانصاري من وجوه كثيرة أقواها أن فائدة اللفظين في الشريعة مختلفة وفي اللغة أيضا، وقد فرق الله تعالى في آية الطهارة بين الاعضاء المغسولة والممسوحة، وفصل أهل الشرع بين الامرين فلو كانتا متداخلتين لما كان كذلك، وحقيقة الغسل يوجب جريان الماء على العضو وحقيقة المسح يقتضي إمرار الماء من غير جريان، فالتنافي بين الحقيقتين ظاهر، لانه من المحال أن يكون الماء جاريا وسائلا وغير جار ولا سائل في حالة واحدة.
وقد بينا في مواضع كثيرة من كلامنا أن المسح يقتضي إمرار
قدر من الماء بغير زيادة عليه فلا يدخل أبدا في الغسل.
ومن أقوى ما أبطل هذه الشبهة أن الارجل إذا كانت معطوفة على الرؤس كانت الرؤس بلا خلاف فرضها المسح الذي ليس بغسل على وجه من الوجوه فيجب أن يكون حكم الارجل كذلك، لان العطف مقتض للمسح وكيفيته، وقد بينا أيضا في مسائل الخلاف أن القرائة في الارجل بالنصب لا يقدح في مذهبنا وأنها توجب بظاهرها المسح في الرجلين كإيجاب القراءة بالجر بظاهرها، لان موضع برؤسكم موضع نصب بإيقاع الفعل وهو قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم) وإنما جرت الرؤس بالباء الزائدة فإذا نصبنا الارجل فعلى الموضع لا على اللفظة، وأمثلة ذلك في الكلام العربي أكثر من أن تحصى يقولون لست بقائم ولا قاعد وأنشدوا:
معاوية اننا بشر فاسجح |
فلسنا بالجبال ولا الحديدا |
فنصبت على الموضع، ونظيره أن زيدا في الدار وعمرو فيرفع عمرو على موضع ان وما عملت فيه لان ذلك موضع رفع، ومثله مررت بزيد وعمرا وذهبت إلى خالد وبكرا.
وقال الشاعر:
جئني بمثل بني بدر لقومهم |
أو مثل اخوة منظور بن سيار |
ولما كان معنى جئني هات واعطني واحضرني مثلهم جاز العطف بالنصب على المعنى وهذا أبعد مما قلناه في الآية وبينا أن نصب الارجل عطف على الموضع أولى من عطفها على الايدي والوجوه لان جعل التأثير في الكلام القريب أولى من جعله للبعيد، ولان الجملة الاولى المأمور فيها بالغسل قد نقضت وبطل حكمها باستيناف الجملة الثانية، ولايجوز بعد انقطاع حكم الجملة الاولى أن يعطف عليها، ويجري ذلك مجرى قولهم ضربت زيدا وعمرا وأكرمت خالدا وبكرا، أن رد بكرا في الاكرام إلى خالد فهو وجه الكلام الذي لا
يجوز غيره ولا يسوغ رده إلى الضرب الذى قد انقطع حكمه على أن ذلك لو جاز لرجح ما ذكرناه لتطابق معنى القرائتين ولا يتنافيان، وتحديد طهارة الرجلين لا يدل على الغسل كما ظنه بعضهم، وذلك أن المسح فعل أوجبته الشريعة كالغسل فلا يمكن تحديده كتحديد الغسل ولو صرح تعالى فقال: (وامسحوا أرجلكم) وانتهوا بالمسح إلى الكعبين لم يك منكرا، فان قالوا: تحديد اليدين لما اقتضى الغسل، فكذلك وجب تجديد طهارة الرجلين تقتضي ذلك.
قلنا: لم توجب في اليدين الغسل للتحديد بل للتصريح بغسلهما وليس كذلك في الرجلين فقولهم عطف المحدود على المحدود أولى وأشبه بترتيب الكلام قلنا: ليس بمعتد لان الايدي معطوفة وهي محدودة على الوجوه وليست في الآية محدودة وإلا جاز عطف الارجل وهي محدودة على الرؤوس التي ليست بمحدودة، وهذا الذي ذهبنا إليه أشبه بالترتيب في الكلام، لان الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه وعطف عليه مغسولا محدودا وهما اليدان ثم استأنف ذكر عضو ممسوح غير محدود وهو الرأس فيجب أن تكون الارجل ممسوحة وهي محدود ومعطوفة عليه دون غيره ليتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود، وفي عطف ممسوح محدود على ممسوح غيرمحدود، فان عارضونا بما يروونه من الاخبار التي يقتضي ظاهرها غسل الرجلين كروايتهم عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه توضأ مرة مرة وغسل رجليه وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به.
وفي خبر آخر أحسنوا الوضوء وأسبغوا الوضوء.
وفي خبر آخر أنه أمر بالتخليل بين الاصابع.
وفي خبر آخر ويل للاعقاب من النار، فالكلام على ذلك أن جميع ما رووه أخبار آحاد لا توجب علما وأحسن أحوالها أن توجب الظن ولا يجوز أن يرجع عن ظواهر الكتاب المعلومة بما يقتضي الظن
وبعد فهذه الاخبار معارضة بأخبار مثلها تجري مجراها في ورودها من طريق المخالفين لنا وتوجد في كتبهم وفيما ينقلونه عن شيوخهم، ونترك ذكر ما ترويه الشيعة وتنفرد به في هذا الباب فإنه أكثر عددا من الرمل والحصى، ومتى عارضناهم بأخبارنا قالوا: لا نعرفها ولا رواها شيوخنا، فليت شعري كيف يلزمونا أن نترك بأخبارهم ظواهر الكتاب ونحن لا نعرفها ولا رواها شيوخنا ولا وجدت في كتبنا، ولا يجيزون لنا أن نعارض أخبارهم التي لا نعرفها بأخبارنا التي لا يعرفونها وهل هذا إلا محض التحكم.
فمن أخبارهم ما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه بال على بساطة قوم قائما ومسح على قدميه ونعليه.
وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول اللهصلىاللهعليهوآله فمسح على رجليه.
وقد روى عنه أنه قال: ان كتاب الله جل ثناؤه أتى بالمسح، ويأبى الناس إلا الغسل.
وروي عنه أيضا: أنه قال: غسلتان ومسحتان.
وروي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: ما نزل القرآن إلا بالمسح، والاخبار الواردة من طرقهم في هذا المعنى كثيرة وهي معارضة لاخبار الغسل، ومسقطة لحكمها، وقد بينا في مسائل الخلاف الكلام على هذه الاخبار بيانا شافيا.
وقلنا: ان قوله ويل للاعقاب من النار مجمل لا يدل على وجوب غسل الاعقاب في الطهارة الصغرى دون الكبرى، ويحتمل أنه وعيد على ترك غسل الاعقاب في الجنابة.
وقد روى قوم ان أجلاف العرب كانوا يبولون وهم قيام فيترشش البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة، فكان
ذلك سببا لهذا الوعيد.
وقلنا أيضا: ان الامر بإسباغ الوضوء وإحسانه لا يدل على وجوب غسل ولا مسح في الرجلين، وإنما يدل على الفعل الواجب من غير تقصير عنه ولا إخلال به، وقد علمنا أن هذا القول منه صلوات الله عليه غير مقتض لوجوب غسل الرأس بدلا من مسحه، بل يقتضي فعل الواجب من مسحه من غير تقصير وكذلك الرجلين.
وقلنا: أن الامر بتخليل الاصابع لا بيان فيه على أنه تخليل أصابع الرجلين أو اليدين ونحن نوجب تخليل أصابع اليدين، والقول محتمل لذلك فلا دلالة فيه على موضع الخلاف.
ومما لم نذكره هناك أنه لا بد لجميع مخالفينا من ترك ظاهر ما يروونه من قوله "عليهالسلام ".
هذا وضوء لايقبل الله الصلاة إلا به، لان من أداه إجتهاده ممن يقول بالتخيير بين الغسل والمسح ممن حكينا قوله لا بد من أن يكون مقبول الصلاة عندهم إذا أداه إجتهاده إلى المسح ومسح فلا بد من أن يكون في الخبر شرط وهو الاجتهاد فكأنه أراد لا يقبل الله الصلاة ممن أداه إجتهاده إلى وجوب الغسل دون غيره إلا به، وهذا ترك منهم للظاهر.
وكذلك لا بد من أن يشترطوا إذا وجد الماء وتمكن من إستعماله ولم يخف على نفس ولا عضو، لانه متى لم يكن كذلك قبل الله جل ثناؤه صلاته وإن لم يفعل مثل ذلك الوضوء، وإذا تركوا الظاهر جاز لخصومهم أن يتركوه أيضا، على أنه لا فرق بين أن يعذروا من أداه اجتهاده إلى المسح على جهة التخيير مثل الحسن البصري وابن جرير الطبري والجبائي ولم ينزلوهم منزلة من لا يقبل الله صلاته، وبين أن يعذروا الشيعة في إيجاب المسح دون غيره إذا أداهم إجتهادهم إلى ذلك أيضا، فليس إجتهادهم في هذا الموضع بأضعف من إجتهاد أصحاب التخيير.
فان قيل: إذا قبلتم الخبر وتأولتموه فلا بد من أن تخرجوا له وجها يسلم على أصولكم التي هي الصحيحة عندكم وأنتم لا ترون الاجتهاد فتشرطوه في هذا الخبر.
قلنا: إنما قلنا ذلك دفعا لكم عن ظاهر الخبر وإخراجه من أن يكون حجة لكم، ويمكن إذا تبرعنا بقبوله أن يكون له تأويل صحيح على أصولنا وهو أن الفائدة في قوله "عليهالسلام " لا يقبل الله الصلاة إلا به وجوب هذا الوضوء ويجري مجرى قولنا لا يقبل الله صلاته إلا بطهور والفائدة إيجاب الطهور، وقد يجب في بعض المواضع الوضوء على هذه الصفة عندنا حيث يخاف من مسح رجليه على نفسه فلا يجد بدا من غسلهما للتقية، ولا فرق بين أن لا يتمكن من فعل الوضوء على الوجه المفروض وبين فقد الماء أو الخوف على النفس من إستعماله إما من عدو أو برد شديد، وإذا فرضنا أن من هذه حاله يخاف أيضا من أن يتيمم كخوفه من مسح قدميه جازت له الصلاة بغسل رجليه من غير مسح لهما، وجرى مجرى من حبس في موضع لا يقدر فيه على ماء يتوضأ به ولا تراب يتيمم به.
(مسألة): ومما إنفردت به الامامية وجوب مسح الرجلين ببلة اليدين من غير إستيناف ماء جديد لهما وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، والذي يدل على صحة هذا المذهب مع الاجماع المذكور المتكرر أن كل من أوجب في تطهير الرجلين المسح دون غيره أوجبه ببلة اليد، والقول بأن المسح واجب وليست البلة شرطا قول خارج عن الاجماع، وأيضا ما سلكناه في مسح الرأس بالبلة من أن المتوضي مأمور إذا مسح رأسه بتطهير رجليه على الفور، فإذا تشاغل بأخذ ماء جديد فقد عدل عن الفور وأخر إمتثال الامر.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن مسح الرجلين هو من
أطراف الاصابع إلى الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتيان في ظهر القدم من عند معقد الشراك، ووافقهم محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة في أن الكعب هو ما ذكرناه وإن كان يوجب غسل الرجلين إلى هذا الموضع.
والدليل على صحة هذا المذهب مضافا إلى الاجماع الذي تقدم ذكره أن كل من أوجب من الامة في الرجلين المسح دون غيره يوجب الغسل على الصفة التي ذكرناها، وإن الكعب هو الذى في ظهر القدم، فالقول بخلاف ذلك خروج عن الاجماع.
وأيضا فان دخول الباء في الرؤس يقتضي التبعيض، لان هذه الباء إذا دخلت ولم تكن لتعدية الفعل إلى المفعول فلا بد لها من فائدة وإلا كان إدخالها عبثا، والفعل متعدي بنفسه فلا حاجة منه إلى حرف يعديه، فلا بد من وجه يخرج إدخاله من العبث وليس ذلك إلا إبجاب التبعيض، فإذا وجب تبعيض طهارة الرؤس، فكذلك في الارجل بحكم العطف وكل من أوجب تبعيض طهارة الرجلين ولم يوجب إستيفاء جميع العضو ذهب إلى ما ذكرناه وقد بينا في مسائل الخلاف الكلام على هذه المسألة واستوفيناه، وأجبنا من يسأل فيقول: كيف قال الله تعالى: (إلى الكعبين) وعلى مذهبكم ليس في كل رجل إلا كعب واحد؟ قلنا: انه تعالى أراد رجلي كل متطهر وفي الرجلين كعبان على مذهبنا، ولو بني الكلام على ظاهره لقال: وأرجلكم إلى الكعاب، والعدول بلفظ أرجلكم إلى أن المراد بها رجلا كل متطهر أولى من حملها على كل رجل وتكلمنا على تأويل أخبار تعلقوا بها في أن الكعب هو الذي في جانب القدم بما يستغني ها هنا عن ذكره.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بأن المسنون في تطهير العضوين المغسولين وهما الوجه واليدان مرتان ولا تكرر في الممسوحين الرأس
والرجلين، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، إلا أن أبا حنيفة يوافقنا في أن مسح الرأس خاصة مرة واحدة.
ودليلنا على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم انا قد دللنا على أن فرض الرجلين المسح دون غيره وكل من أوجب مسحهما على هذا الوجه يذهب إلى أنه لا تكرار فيهما، وكذلك في طهارة الرأس.
ويذهب أيضا إلى أن المسنون في العضوين المغسولين المرتان بلا زيادة والتفرقة بين هذه المسائل خروج عن الاجماع، ولك أن تقول: قد ثبت ان المرتين في المغسولين مسنون والزيادة على ذلك حكم شرعي فلا بد فيه من دليل شرعي ولا دليل فيه فان كل شئ تعتمدونه في ذلك المرجع فيه إلى أخبار آحاد لا يعمل بها على ما دللنا عليه في مواضع كثيرة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بوجوب تولي المتطهر وضوءه بنفسه إذا كان متمكنا من ذلك فلا يجزيه سواه والفقهاء كلهم يخالفون في ذلك.
والدليل على صحة هذا المذهب مضافا إلى الاجماع قوله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فأمر بأن يكونوا غاسلين وماسحين والظاهر يقتضي تولي الفعل حتى يستحق التسمية، لان من وضأه غيره لا يسمى غاسلا وماسحا على الحقيقة، وأيضا فان الحدث متيقن ولا يزول إلا بيقين، وإذا تولى تطهير أعضائه زال الحدث بيقين، وليس كذلك إذا تولاه له غيره.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول بأن النوم حدث ناقض للطهارة على إختلاف حالات النائم، وليس هذا مما إنفردت به الامامية، لانه مذهب المزني صاحب الشافعي، وقد إستقصينا هذه المسألة في الكلام على مسائل الخلاف ودللنا على صحتها بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا
قمتم إلى الصلاة..) الآية، وقد نقل أهل التفسير وأجمعوا على أن المراد إذا قمتم من النوم، والآية خرجت على سبب يقتضي ما ذكرناه فكأنه قال جل ثناؤه وإذا قمتم إلى الصلاة من النوم، وهذا الظاهر يوجب الوضوء من كل نوم، وإجماع الامامية أيضاحجة في هذه المسألة.
وقد عارضنا المخالف لنا فيها بما يروونه في كتبهم وأحاديثهم من قولهصلىاللهعليهوآله العين وكاء السنة فمن نام فليتوضأ، واستوفينا ذلك بما لا طائل في ذكر جميعه ها هنا.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن المذي والوذي لا ينقضان الوضوء على كل حال، لان مالكا وإن ذهب إلى انهما لا ينقضان الوضوء متى خرجا على وجه يخالف العادة فانه يذهب إلى نقض الطهر بهما إذا كانا معتادين، والانفراد من الامامية ثابت على كل حال.
ودليلهم على ذلك بعد إجماعهم عليه أن نقض الطهر حكم شرعي لا محالة لا يجوز إثباته إلا بدليل شرعي، ولا دليل على انهما ينقضان الوضوء، والرجوع إلى أخبار الآحاد في ذلك غير مغن لانا قد بينا في مواضع أن أخبار الآحاد لا يعمل عليها في الشريعة، ويمكن أن يحتج على المخالفين بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: لا وضوء إلا من صوت أو ريح.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بوجوب ترتيب غسل الجنابة وأنه يجب غسل الرأس إبتداء ثم الميامن ثم المياسر، وإنما كانت بذلك منفردة لان الشافعي وإن وافقهم في وجوب ترتيب الطهارة الصغرى فهو لا يوجب الترتيب في الكبرى، وأبوحنيفة ومن وافقه يسقطون الترتيب في الطهارتين معا، ودليلنا مضافا إلى الاجماع المتردد أن الجنابة إذا وقعت بيقين لم يزل حكمها إلا بيقين، وقد علمنا أنه إذا رتب الغسل تيقن زوال حكم الجنابة
وليس كذلك إذا لم يرتب.
وأيضا فان الصلاة واجبة في ذمته فلا تسقط إلا بيقين.ولا يقين إلا مع ترتيب الغسل.
وأيضا فقد ثبت وجوب ترتيب الطهارة الصغرى ولا أحد أوجب الترتيب فيها على كل حال، ولم يشترط ذلك بالاجتهاد وإن شئت أن تقول ولا أحد أوجب الترتيب فيها على كل احد، ولم يعذر تارك الترتيب فيها إلا وهو موجب لترتيب غسل الجنابة فالقول بخلافه خروج عن الاجماع.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الجنب والحائض يجوز أن يقرأ من القرآن ما شاء إلا عزائم السجود وهي سجدة لقمان وسجدة الحواميم وسورة النجم، وأقرأ باسم ربك الذى خلق وإنما كانت منفردة بذلك، لان داود يبيحهما قراءة قليل القرآن وكثيره من غير إستثناء، ومالك يجوز للجنب أن يقرأ من القرآن الآية والآيتين، ويجيز للحائض والنفساء أن تقرأ ما شاء.
وأبوحنيفة وأصحابه يحظرون على الجنب والحائض قراءة القرآن إلا أن يكون دون آية.
فأما الشافعي فمنعها من قراءة القليل والكثير، دليلنا على صحة ما ذكرناه الاجماع الذي تكرر وقوله تعالى: (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) وقوله تعالى: (إقرأ باسم ربك الذي خلق) وظاهر عموم ذلك يقتضي حال الجنابة وغيرها، فإن ألزمنا قراءة السجدات قلنا: أخرجناها بدليل، ويمكن أن يكون الفرق بين عزائم السجود وغيرها أن فيها سجودا واجبا والسجود لا يكون إلا على طهر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن التيمم إنما يجب في آخر وقت الصلاة وعند تضييقه، والخوف من فوت الصلاة متى لم يتيمم وإن قدمه على هذا الوقت لم يجزه، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، لان
أبا حنيفة يجوز تقديمه على دخول الوقت، والشافعي لا يجوز ذلك، لكنه يجوزه في أول وقت، وأبوحنيفة يستحب تأخيره إلى آخرالوقت، والشافعي يستحب تقديمه في أوله.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر.
وأيضا فالتيمم بلا خلاف إنما هو طهارة ضرورية، ولا ضرورة إليه إلا في آخر الوقت وما قبل هذه الحال لا يتحقق فيه ضرورة، وليس للمخالف أن يتعلق بظاهر قوله جل ثناؤه (فان لم تجدوا ماء فتيمموا)، وأنه لم يفرق بين أول الوقت وآخره، لان الآية لو كان لها ظاهر يخالف قولنا جاز أن نخصه بما ذكرناه من الادلة فكيف ولا ظاهرها ينافي ما نذهب إليه، لانه جل ثناؤه قال: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة..) وأراد بلا خلاف إذا أردتم القيام إلى الصلاة ثم اتبع ذلك بحكم العادم للماء الذي يجب عليه التيمم، فيجب على من تعلق بهذه الآية أن يدل على أن من كان في أول الوقت له أن يريد الصلاة ويعزم على القيام إليها فانا نخالف في ذلك ونقول: ليس لمن عدم الماء أن يريد الصلاة في أول الوقت، وليس لهم أن يفصلوا بين حكم الجملتين ويقولوا ان إرادة الصلاة شرط في الجملة الاولى التي أمر فيها بالطهارة بالماء مع وجوده.
وليست شرطا في الجملة الثانية التي إبتدؤها وإن كنتم مرضى وذلك لان الشرط الاول لو لم يكن شرطا في الجملتين معا لكان يجب على المريض أو المسافر إذا أحدثا التيمم وإن لم يريدا الصلاة وهذا لا يقوله أحد.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن مسح الوجه بالتراب في التيمم إنما هو إلى طرف الانف من غير إستيعاب له، فإن باقي الفقهاء يوجبون الاستيعاب.
والامامية وإن إقتصرت في التيمم على ظاهر الكف فلم تنفرد بذلك لانه قد روي عن الاوزاعي مثله، والذي يدل على ما ذكرناه مضافا إلى الاجماع
هو قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) ودخول الباء إذا لم يكن لتعدية الفعل إلى المفعول لا بد له من فائدة وإلا كان عبثا ولا فائدة بعد إرتفاع التعدية به إلا التبعيض.
وأيضا: فان التيمم طهارة موضوعها للتخفيف، ولا يجوز إستيعاب الاعضاء فيها كاستيعابها في طهارة الاختيار، فلهذا كانت في عضوين، وكانت الطهارة الاخرى في أربعة.
(مسألة) ومما يشتبه إنفراد الامامية به القول بأن أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام.
وقد روي من بعض الجهات عن مالك مثل ذلك بعينه، وفي روايات أخرى أنه لا يوقت، وعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي أقل الطهر خمسة عشر يوما، دليلنا الاجماع المتقدم.
وأيضا فان المدة التي ذهبنا إليها وهي عشرة أيام مجمع عليها، وعلى من ذهب إلى الزيادة عليها الدلالة، ولا حجة في ذلك تعتمد.
وأيضا فان قولنا أحوط للعبادات لانا نوجب على المرأة عند مضي عشرة أيام على انقطاع الدم الصلاة والصوم وهم يراعون مضي خمسة عشر يوما، فقولنا أولى في الاحتياط للعبادة وأشد إستظهارا فيها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية الايجاب على من وطئ زوجته في أول الحيض أن يتصدق بدينار وفي وسطه بنصف دينار وفي آخره بربع دينار ومن عداهم يخالف في هذا الترتيب، لان ابن حنبل وإن وافقهم في إيجاب الكفارة بالوطى في الحيض يذهب إلى أنه يجب أن يتصدق بدينار أو نصف دينار.
وقال الشافعي في قوله القديم يجب أن يتصدق بدينار، وفي القول الجديد يستغفر الله ولا كفارة تلزمه.
وبذلك قال أبوحنيفة وأصحابه ومالك وربيعة والليث بن سعد، وحكى
المزني عن محمد بن الحسن أنه قال يتصدق بدينار أو نصف دينار.
ودليلنا الاجماع المعتمد عليه في كل المسائل.
ومما يعارضون به ما يروونه عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: من أتى أهله وهي حائض فليتصدق بدينار أو نصف دينار فليس لهم أن يحملوا ذلك على الاستحباب، لان ظاهر الامر في الشرع يقتضي الوجوب، ولانهم لا يستحبون هذا المبلغ المخصوص لاجل هذا الوطي، وإنما يستحبون الصدقة على الاطلاق، والخبر يقتضي خلاف ذلك.
فان قيل الخبر الذى عارضتم به يقتضي التخيير بين دينار ونصف دينار.
قلنا: يحتمل أن يريد بدينار إن وطئ في أول الحيض، وبنصفه إن وطئ في وسطه، ويمكن أن يكون الوجه في ترتيب هذه الكفارة ان الواطي في أول الحيض لا مشقة عليه من ترك الجماع لقرب عهده به فغلظت كفارته والواطي في آخره مشقته شديدة لتطاول عهده فكفارته أنقص وكفارة الواطي في نصف الحيض متوسطة بين الامرين.
(مسألة) ومما يظن إنفراد الامامية به القول بجواز أن يطأ الرجل زوجته إذا طهرت عن دم الحيض وإن لم تغتسل متى مست به الحاجة إليه ولم يفرقوا بين جواز ذلك في مضي أكثر الحيض أو أقله.
ووافق الشيعة في ذلك داود وقال بمثل قولها وأبوحنيفة وأصحابه يجوزون له أن يطأها قبل أن تغتسل إذا انقطع دمها إن كان ذلك بعد مضي زمان أكثر الحيض، وإن كان في ما دون أكثر الحيض لم يجز له وطؤها إلا بأن تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كاملة.
وقال الشافعي: ليس له أن يطأها حتى تغتسل على كل حال(١) دليلنا الاجماع المتقدم، وقوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على
____________________
(١) دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه خ ل.
أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، وقوله عزوجل (فأتوا حرثكم أنى شئتم) وعموم هذه الظواهر يتناول موضع الخلاف.
وأيضا قوله عزوجل: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) ولا شبهة في أن المراد بذلك إنقطاع الدم دون الاغتسال(١) وجعل إنقطاع الدم غاية يقتضي أن ما بعده بخلافه.
وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في مسائل الخلاف.
وبلغنا غايته وذكرنا معارضتهم بالقرائة الاخرى في قوله جل ثناؤه: (حتى يطهرن) فانها قرأت بالتشديد (ومع التشديد) فلا بد من أن يكون المراد بها الطهارة بالماء وأجبنا عنها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن أكثر النفاس مع الاستظهار التام ثمانية عشر يوما، لان باقي الفقهاء يقولون بخلاف ذلك، فذهب أبوحنيفة وأصحابه والثوري والليث بن سعد إلى أن أكثره أربعون يوما وذهب مالك والشافعي إلى أن أكثره ستون يوما، وحكى الليث أن في الناس من يذهب إلى أنه سبعون يوما، وحكي عن الحسن البصري أن أكثر النفاس خمسون يوما.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد ذكره.
وأيضا فإن النساء يدخلن في عموم الامر بالصلاة والصوم، وإنما تخرج النفساء بالايام التي راعتها الامامية بإجماع الامة على خروجها، وما زاد على هذه الايام لا دليل قاطع يدل على إخراجها من العموم، والظاهر يتناولها.
وأيضا فان الايام التي ذكرناها مجمع على أنها نفاس، وما زاد عليها لا يجوز إثباته نفاسا بأخبار الآحاد والقياس، لان المقادير الشرعية كلها لا يجوز إثباتها إلا من طريق مقطوع به، وقد تكلمنا في هذه المسألة في جملة ما خرج لنا من مسائل الخلاف.
____________________
(١) وجعله جل ثناؤه بانقطاع الدم خ ل.
(مسألة): ومما إنفردت به الامامية القول: بوجوب ترتيب غسل الميت، وأن يبدأ برأسه ثم بميامنه ثم بمياسره، والدليل على صحة ذلك إجماع الفرقة المحقة على ما تقدم.
وأيضا فقد ثبت وجوب ترتيب غسل الجنابة فكل من أوجب ذلك أوجب ترتيب غسل الميت، فالفارق بين المسألتين يخالف(١) إجماع الامة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية استحبابهم أن يدرج مع الميت في أكفانه جريدتان خضراوان رطبتان من جرايد النخل طول كل واحدة عظم الذراع، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يعرفوه، دليلنا على ذلك الاجماع المتقدم ذكره.
وقد روي من طرق معروفة أن سفيان الثوري سأل يحيى بن عبادة المكي عن التخضير فقال: ان رجلا من الانصار هلك فأوذن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال خضروا صاحبكم فما أقل المتخضرين يوم القيامة، قالوا: وما التخضير؟ قال: جريدة خضراء توضع من أصل اليدين إلى أصل الترقوة، وقد قيل أن الاصل في الجريدة أن الله تعالى لما أهبط آدمعليهالسلام من الجنة إلى الارض إستوحش وشكا ذلك إلى جبرئيل "عليهالسلام " وسأله أن يسأل الله جل ثناؤه أن يؤنسه بشئ من الجنة، فأنزل الله جل وعلا عليه النخلة فعرفها وأنس بها ولذلك قيل: أن النخلة عمتكم، لانها كانت كالاخت لآدم " ع "، فلما حضرته الوفاة قال لولده: اجعلوا معي من هذه النخلة شيئا في قبري فجعلت معه الجريدتان، وجرت السنة بذلك، وليس ينبغي أن يعجب من ذلك فالشرايع المجهولة العلل لايعجب منها وما العجب من ذلك إلا كتعجب الملحدين من الطواف بالبيت ورمي الجمار وتقبيل الحجر، ومن غسل الميت نفسه، وتكفينه مع سقوط التكليف عنه.
____________________
(١) إجماع الامامية خ ل.
مسائل الصلاة
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الصلاة لا تجزي في الثوب إذا كان من إبريسم محض، لان باقي الفقهاء يخالفون في ذلك، والحجة لنا على ما ذهبنا إليه مضافا إلى إجماع الامامية عليه أنه لا خلاف في تحريم لبس الابريسم المحض على الرجال، وظاهر التحريم يقتضي فساد الاحكام المتعلقة بالمحرم جملة، ومن أحكام هذا اللبس المحرم صحة الصلاة فيجب أن يكون الصلاة به فاسدة لان من حكم المنهي عنه يجب أن يكون فاسدا على ظاهر النهي إلا أن تمنع من ذلك دلالة، ونحن وإن كنا نذهب إلى أن النهي من طريق الوضع اللغوي لا يقتضي ذلك، فإن العرف الشرعي تقتضيه لانه لا شبهة في أن الصحابة ومن تبعهم ما كانوا يحتاجون في الحكم بفساد الشئ وبطلان تعلق الاحكام الشرعية به إلى أكثر من ورود نهي الله تعالى أو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولهذا لما عرفوا نهيهصلىاللهعليهوآله عن عقد الربا حكموا بفساد العقد، وبأنه غير مجز، ولم يتوقف أحد منهم في ذلك على دليل سوى النهي، ولا قال أحد قط منهم النهي يقتضى قبح الفعل، ويحتاج إلى دلالة أخرى على الفساد وعدم الاجزاء، وهذا عرف لا يمكن جحده.
وأيضا فإن الصلاة في ذمة هذا المكلف بيقين، وينبغي أن يسقطها بيقين مثله، وإذا صلى في الابريسم المحض لا يعلم قطعا أن ذمته قد برئت كما يعلم ذلك في الثوب من القطن والكتان فيجب أن تكون الصلاة فيه غير مجزية لعدم دليل البتة ببرائة الذمة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الصلاة لا تجوز في وبر الارانب والثعالب ولا في جلودها وإن ذبحت ودبغت الجلود والوجه في ذلك الاجماع المتردد ذكره.
وما تقدم أيضا من أن الصلاة في الذمة بيقين فلا تسقط إلا بيقين، ولا يقين في سقوط صلاة من صلى في وبر أرنب أو ثعلب أو جلدهما.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية جواز صلاة من صلى في قلنسوة نجسة أو تكة أو ما جرى مجراهما مما لا يتم الصلاة به على الانفراد، والوجه في ذلك الاتفاق المتقدم ذكره، ويمكن أن يقال أيضا أن التكة لا حظ لها في إجزاء الصلاة ولا تصح الصلاة بها على الانفراد فجرى وجودها مجرى عدمها، وكأنها من حيث لا تأثير لها في إجزاء الصلاة تجري مجرى ما ليس عليه من الثياب، فإذا ألزمنا ذلك في العمامة والرداء، وما جرى مجراهما مما لا حظ له في إجزاء الصلاة أسقطنا ذلك بأن العمامة والرداء يمكن أن يكون لهما حظ في ستر العورة، واستباحة الصلاة فيهما وإن لم يسترا في بعض الاحوال فانهما مما يتأتى فيه ستر العورة، وليس كذلك التكة(١) وما يجرى مجراهما.
(مسألة) ومما إنفردت الامامية به المنع من السجود في الصلاة على غير ما أنبتت الارض والمنع من السجود على الثوب المنسوج من أي جنس كان، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ويجوزون السجود على كل طاهر من الاجناس كلها، ومالك خاصة يكره الصلاة على الطنافس والبسط والشعر والادم إلا أن ما أظنه ينتهي إلى أن الصلاة على ذلك غير مجزية، والوجه فيما ذهبنا إليه ما تردد من الاجماع، ثم دليل برائة الذمة.
(مسألة): ومما انفردت به الامامية أن يقول في الاذان والاقامة بعد
____________________
(١) التكة والقلنسوة وما جرى مجراهما خ ل.
قوله (حي على الفلاح حي على خير العمل)، والوجه في ذلك إجماع الفرقة المحقة عليه.
وقد روت العامة أن ذلك مما كان يقال في بعض أيام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإنما ادعى أن ذلك نسخ ورفع، وعلى من ادعى النسخ الدلالة له، وما يجدها.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به كراهية التثويب في الآذان ومعنى ذلك أن يقال في صلاة الصبح بعد قوله (حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم) وقد وافق على كراهية ذلك غير الامامية من أصحاب أبي حنيفة، وقالوا: التثويب هو أن يقول بعد الفراغ من الاذان حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين.
وإستدلوا على ذلك بأن قالوا التثويب مأخوذ من العود إلى الشئ وإنما يعاد إلى شئ قد تقدم ذكره، وما تقدم(١) أن الصلاة خير من النوم فيكون ذلك عودا إليه.
وكان الشافعي يذهب إلى أن التثويب مسنون في أذان الصبح دون غيره وحكي عنه أنه قال في الجديد أنه غير مسنون.
وقال النخعي: هو مسنون في أذان سائر الصلوات، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من كراهيته، والمنع منه الاجماع الذي تقدم.
وأيضا لو كان مشروعا لوجب أن يقوم دليل شرعي على ذلك ولا دليل(٢) فيه وإنما يرجعون إلى أخبار آحاد ضعيفة، ولو كانت قوية لما أوجبت إلا الظن وقد دللنا في غير موضع على أن أخبار الآحاد لا توجب العمل كما لا توجب العلم.
وأيضا فلا خلاف في أن من ترك التثويب لا ذم عليه، لانه إما أن يكون مسنونا على مذهب بعض الفقهاء، أو غير مسنون على مذهب قوم
____________________
(١) وما تقدم ذكره أن الصلاة خ ل.
(٢) ولا دليل لهم فيه خ ل.
آخرين منهم، وعلى كلا الامرين لا ذم على تاركه، وما لا ذم في تركه ويخشى في فعله أن يكون معصية وبدعة فالاحوط في الشرع تركه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: باستحباب إفتتاح الصلاة بسبع تكبيرات يفصل بينهن بتسبيح وذكر الله عزوجل مسنون وأنه من السنن المؤكدة وليس أحد من باقي الفقهاء يعرف ذلك، والوجه في ذلك إجماع الطائفة عليه، وأيضا فلا خلاف في أن الله جل ثناؤه قد ندبنا في كل الاحوال إلى تكبيره وتسبيحه وأذكاره الجميلة، وظواهر آيات كثيرة من القرآن تدل على ذلك مثل قوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)، فوقت إفتتاح الصلاة داخل في عموم الاحوال التي أمرنا فيها بالاذكار.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به ومالك يوافقها عليه القول بأن الصلاة لا تنعقد الا بقول المصلى الله اكبر، وان غير هذه اللفظة لا يقوم مقامها لان الشافعى يذهب إلى انها لا تنعقد الا بقوله الله أكبر أو الله الاكبر ولا تنعقد بسوى ذلك من الالفاظ.
وقال أبوحنيفة ومحمد تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم والتفخيم، ويجزئ(١) عندهما الاقتصار على مجرد الاسم وهو أن يقول الله ولايأتى بصفة وقال أبويوسف: تنعقد بألفاظ التكبير مثل قوله الله أكبر والله الاكبر والله الكبير ولا تنعقد بغير لفظ تكبير.
وحكي عن الزهري أنه قال: تنعقد الصلاة بالنية فقط، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر.
وأيضا فان الصلاة في ذمته بيقين فلا تسقط إلا بيقين مثله ولا يقين في سقوطها عن الذمة إلا باللفظ الذي اخترناه، ومن الظريف أن مخالفينا يروون عن النبيصلىاللهعليهوآله بلا خلاف بينهم أنه قال: مفتاح
____________________
(١) ويجوز عندهما خ ل.
الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
ويروون عنهصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا يقبل الله صلاة إمرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر، وذلك كله صريح في أنه لا يجزي إلا ما ذكرناه، وليس لاحد أن يقول من جملة التكبير قولنا: الله أكبر، والله الكبير، وذلك أن هذه اللفظة يجب صرفها إلى ما يسمى في عهد اللغة تكبيرا، ولا يعهد في ذلك إلا قولنا: الله أكبر دون سائر ما اشتق منه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به المنع من وضع اليمين على الشمال في الصلاة لان غير الامامية يشاركها في كراهية ذلك.
وحكى الطحاوي في إختلاف الفقهاء عن مالك أن وضع اليدين إحداهما على الاخرى إنما يفعل في صلاة النوافل من طول القيام وتركه أحب إلي.
وحكى الطحاوي أيضا عن الليث بن سعد أنه قال: سبل اليدين في الصلاة أحب إلي إلا أن يطيل القيام فيعيا فلا بأس بوضع اليمنى على اليسرى وحجتنا على صحة ما ذهبنا إليه ما تقدم ذكره من إجماع الطائفة، ودليل سقوط الصلاة عن الذمة بيقين، وأيضا فهو عمل كثير في الصلاة خارج عن الاعمال المكتوبة فيها من الركوع والسجود والقيام، والظاهر أن كل عمل في الصلاة خارج عن أعمالها المفروضة انه لا يجوز.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بوجوب القرائة في الركعتين الاوليين على التضييق وأنه مخير في الركعتين الاخيرتين بين القرائة والتسبيح لان الشافعي وإن وافقنا في إيجاب القرائة في الاوليين فانه يوجبها أيضا على التضييق في الاخيرتين(١) ولا يخير بينهما وبين التسبيح.
وقال مالك تجب القرائة في معظم الصلاة، فان كانت الصلاة ثلاث ركعات قرأ في
____________________
(١) وأنها مجزية في الاخيرتين خ ل.
اثنتين، وإن كانت أربعا قرأ في ثلاث.
وقال أبوحنيفة: فرض القراءة في ركعتين من الصلاة، فان قرأ في الاوليين وقعت عن فرضه، وإن تركها فيهما لزمه أن يأتى بهما في الاخريين، وقال الحسن البصري: تجب القرائة في ركعة واحدة، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم وطريقة برائة الذمة، ويجوز أن نعارض مخالفينا ونلزمهم على أصولهم أن يرجعوا به على مذاهبهم وإن لم يكن على سبيل الاستدلال منا بالخبر الذي يرويه رفاعة بن مالك أن النبيصلىاللهعليهوآله لما علم رجلا كيف يصلي قالصلىاللهعليهوآله : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم إقرأ فاتحة الكتاب ثم اركع واربع حتى تطمئن قائما وهكذا فاصنع في كل ركعة وليس لهم أن يقولوا: فأنتم لا توجبون قرائة فاتحة الكتاب في كل ركعات الصلاة، وظاهر الخبر يقتضي ذلك، قلنا: هذا الخبر ليس بدليل لنا في هذه المسألة فيلزمنا أن يكون مطابقا للمذهب، وإنما أوردناه على سبيل الالزام والمعارضة، ثم لنا أن نقول نحن نوجب الفاتحة في الركعات كلها لكن في الاوليين تضييقا، وفي الاخريين تخييرا، أو دخول التخيير في الاخريين لا يخرج بالفاتحة من أن تكون واجبة فيهما.
ومما يمكن الاستدلال به في هذه المسألة قوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) فظاهر هذا القول يقتضي عموم الاحوال كلها التي من جملتها أحوال الصلاة، ولو تركنا وظاهر الآية لقلنا أن القرائة واجبة في الركعات كلها تضييقا، لكن لما دل الدليل على جواز التسبيح في الاخريين قلنا بالتضييق في الاوليين والتخيير في الاخريين، والوجوب يعم الكل.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية إيثار ترك لفظة آمين بعد قرائة الفاتحة لان باقي الفقهاء يذهبون إلى أنها سنة.
دليلنا على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة على أن هذه اللفظة بدعة وقاطعة للصلاة، وطريقة الاحتياط أيضا
لانه لا خلاف في أنه من ترك هذه اللفظة لا يكون عاصيا، ولا مفسدا لصلاته، وقد اختلفوا في من فعلها، فذهبت الامامية إلى أنه قاطع لصلاته والاحوط تركها.
وأيضا فلا خلاف في أن هذه اللفظة ليست من جملة القرآن ولا مستقلة بنفسها في كونها دعاء وتسبيحا فجرى التلفظ بها مجرى كل كلام خارج عن القرآن والتسبيح، فإذا قيل هي تأمين على كل دعاء سابق لها وهو قوله عزوجل: (اهدنا الصراط المستقيم).
قلنا: الدعاء إنما يكون دعاء بالقصد، ومن يقرأ الفاتحة إنما قصده التلاوة دون الدعاء، وقد يجوز أن يقرأ من قصد الدعاء ومخالفنا يذهب إلى أنها مسنونة لكل فصل من غير اعتبار من قصده إلى الدعاء، وإذا ثبت بطلان إستعمالها فيمن لم يقصد إلى الدعاء ثبت ذلك في الجميع، لان أحدا لم يفرق بين الامرين.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية المنع في صلاة الفريضة خاصة من القرائة بعزائم السجود وهي سجدة لقمان وسجدة الحواميم، وسجدة النجم وإقرأ باسم ربك الذي خلق.
وروى عن مالك أنه كان يكره ذلك، وأجاز أبوحنيفة قراءة السجدات فيما يجهر فيه بالقرائة من الصلاة دون ما لا يجهر فيه، وأجازه الشافعي في كل صلاة.
والوجه في المنع من ذلك مع الاجماع المتكرر أن في كل واحدة من هذه السور سجودا واجبا محتوما، فإن سجد كان زائدا في الصلاة، وإن تركه كان مخلا بواجب.
فإن قيل السجود إنما يجب عند قراءة الموضع المخصوص من السور الذي فيه ذكر السجود، وأنتم تمنعون من قرائة كل شئ من السور، قلنا إنما منع أصحابنا من قرائة السورة وذلك إسم يقع على الجميع ويدخل فيه موضع
السجود، وليس يمنع أن يقرأ البعض الذي لا ذكر فيه للسجود إلا أن قرائة بعض سورة في الفرائض عندنا لا يجوز فامتنع ذلك لوجه آخر.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بوجوب قراءة سورة تضم إلى الفاتحة في الفرائض خاصة على من لم يكن عليلا ولا معجلا بشغل أو غيره وأنه لا يجوز قراءة بعض سورة في الفريضة ولا سورتين مضافتين إلى الحمد في الفريضة وإن جاز ذلك في السنة، ولا إفراد كل واحدة من سورة الضحى وسورة ألم نشرح عن صاحبتها، وكذلك مع انفراد سورة الفيل عن لايلاف قريش، فالوجه في ذلك مع الاجماع المتردد طريقة اليقين ببرائة الذمة، فأما قرائة بعض سورة فانما لا تجزي من لم يكن له عذر في ترك قرائة السورة الثانية بكمالها.
فأما صاحب العذر فكما يجوز له أن يترك قرائة جميع السورة الثانية فيجوز أن يترك بعضها، لانه ليس ترك البعض بأكثر من ترك الكل، والوجه في المنع من إفراد السورة التي ذكرناها أنهم يذهبون إلى أن سورة الضحى وألم نشرح سورة واحد، وكذلك الفيل ولايلاف قريش فإذا اقتصر على واحدة كان قارئا بعض سورة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية حظر الرجوع عن سورة الاخلاص وروى قل يا أيها الكافرون أيضا إذا ابتدأ بها، وإن كان له أن يرجع عن كل سورة إلى غيرها، والوجه في ذلك مع الاجماع الذي مضى أن شرف هاتين السورتين وعظم ثواب فاعلهما لا يمنع أن يجعل لهما هذه المزية وهي المنع عن الرجوع عن كل واحدة بغير الابتداء بها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بوجوب رفع اليدين في كل تكبيرات الصلاة، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه والثوري لا يرون رفع اليدين بالتكبير إلا في الافتتاح للصلاة.
وروى عن مالك أنه قال: لا أعرف رفع اليدين في شئ من تكبيرات الصلاة، وروى عنه خلاف ذلك، وقال الشافعي يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه منه، ولا يرفع بعد ذلك في سجوده ولا في قيامه منه.
والحجة فيما ذهبنا إليه طريقة الاجماع وبراءة الذمة، وقد روى مخالفونا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه رفع في كل خفض، ورفع في السجود وادعوا أن ذلك نسخ ولا حجة لهم على صحة هذه الدعوى، فإن استدلوا بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله قوله: كفوا أيديكم في الصلاة.
وفي خبر آخر اسكنوا في الصلاة، أو بما يروونه عن البراء بن عازب عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه كان إذا افتتح الصلاة يرفع يديه ثم لم يعد، فالجواب أن هذه كلها أخبار آحاد لا توجب علما، وقد بينا أن العمل في الشريعة بما لا يوجب العلم غير جائز، وبعد فيجوز أن يريد بالامر بكف الايدي قبضها عن الافعال الخارجة عن أعمال الصلاة ويحمل قوله لم يعد إلى رفع يديه في ابتداء الركعة فان ذلك مما لا ينكره أحد بلا خلاف.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بإيجاب التسبيح في الركوع والسجود، لان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي يوجبون ذلك، وإنما يسقط وجوبه باقي الفقهاء المشهورين كأبي حنيفة والشافعي ومالك، والذي يدل على وجوبه بعد إجماع الطائفة كل آية من القرآن اقتضت بظاهرها الامر بالتسبيح وعموم الظاهر يقتضي دخول أحوال الركوع والسجود فيه، ومن اخرج هذه الاحوال منه فيحتاج إلى دليل، وأيضا فطريقة برائة الذمة التي تكرر ذكرها.
ومخالفونا يروون عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه لما نزل فسبح باسم ربك العظيم، قالصلىاللهعليهوآله : اجعلوها في ركوعكم، ولما نزل سبح اسم ربك الاعلى قال اجعلوها
في سجودكم فظاهر الامر على الوجوب.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به، والشافعي يوافقهم فيه إيجابهم على من رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الاولى أن يجلس جلسة قبل نهوضه إلى الثانية، وإنما لا يوجب هذه الجلسة باقي الفقهاء كأبي حنيفة ومالك(١) ومن عداهما.
والحجة لنا بعد إجماع الطائفة طريقة برائة الذمة وإن لم يفعل ذلك لم يتيقن سقوط الصلاة عن ذمته، وقد روى مخالفونا كلهم عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه كان يجلس هذه الجلسة.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به إيجاب التشهد الاول في الصلاة وقد وافقنا على ذلك الليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقال أبوحنيفة: التشهدان معا غير واجبين، وقال الشافعي الثاني واجب والاول غير واجب، دليلنا الاجماع المتردد، وطريقة برائة الذمة، وأيضا فهذه حال هو فيها مندوب إلى ذكر الله جل ثناؤه وتعظيمه، والصلاة على النبي وآله لدخولها في عموم الآيات المقتضية لذلك مثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وكل من أوجب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله في هذه الحال أوجب التشهد الاول، ومما نلزمهم أنهم يروون عن النبي أنه كان يتشهد التشهدين جميعا، ورووا كلهم عنهصلىاللهعليهوآله أنه قال: صلوا كما رأيتموني أصلي.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول بأن القنوت في كل صلاة والدعاء فيه بما أحب الداعي مستحب وهو قول الشافعي، لان الطحاوي حكى عنه في كتاب الاختلاف أن له أن يقنت في الصلاة كلها عند حاجة المسلمين إلى الدعاء، والحجة لنا مضافا إلى الاجماع قوله جل ثناؤه: (وقوموا لله قانتين)
____________________
(١) ومالك وما عداهما.
فإذا قيل: القنوت ها هنا هو القيام الطويل، قلنا: المعروف في الشريعة أن هذا الاسم يختص بالدعاء، ولا يعرف من إطلاقه سواه، وبعد فانا نحمله على الامرين.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به وهو مذهب مالك جواز الدعاء في الصلاة المكتوبة أين شاء المصلي منها.
وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: لابس بالدعاء في الصلاة المكتوبة في أولها ووسطها وآخرها.
وقال ابن القسم: كان مالك يكره الدعاء في الركوع ولا يرى به بأسا في السجود.
والحجة لنا إجماع طائفتنا وظواهر أمر الله تعالى بالدعاء مثل قوله تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) وقوله تعالى (ادعوني أستجب لكم).
(مسألة) ومما يظن انفراد الامامية به رد السلام في الصلاة بالكلام وقد وافق في ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري إلا أن الشيعة تقول يجب أن يقول المصلي في رد السلام مثل ما قاله المسلم سلام عليكم ولا يقول وعليكم السلام.
وذهب الشافعي إلى أن المصلي يرد السلام بالاشارة دون الكلام.
وقال أبوحنيفة وأصحابه: إن رد السلام بكلام فسدت صلاته، وإن رد باشارة أساء.
وقال الثوري: لا يرد السلام حتى يفرغ من الصلاة.
والحجة لنا إجماع الطائفة، فإذا قيل هو كلام في الصلاة قلنا: وليس كل كلام في الصلاة خارج عن القرآن محظورا، لان الدعاء كلام ولم يدخل تحت الحظر، ويمكن أن يقال أن لفظة سلام عليكم من ألفاظ القرآن، ويجوز للمصلي أن يتلفظ بها تاليا للقرآن وناويا لرد السلام إذ لا تنافي بين الامرين.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن المنفرد والامام يسلم تسليمة واحدة مستقبل القبلة وينحرف بوجهه قليلا إلى الميمنة، وإن كان
مأموما يسلم تسليمتين واحدة عن يمينه والاخرى عن شماله إلا أن يكون جهة شماله خالية من أحد فيقتصر على التسليم عن يمينه ولا يترك التسليم على جهة يمينه على كل حال وإن لم يكن في تلك الجهة أحد، وهذا الترتيب لا يذهب إلى مثله أحد من الفقهاء، لان مالك يذهب إلى أن الامام يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه والمنفرد والمأموم يسلمان يمينا وشمالا، وأبوحنيفة وأصحابه والشافعي يذهبون إلى أن التسليم على كل حال يمينا وشمالا، والانفراد من الامامية بذلك الترتيب ثابت والحجة لنا الاجماع المتكرر ذكره.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأنه لا سهو في الركعتين الاوليين من كل صلاة فرض، ولا سهو في صلاة الفجر والمغرب وصلاة السفر لان باقي الفقهاء يخالف في ذلك.
والحجة على ذلك إجماع الطائفة، ويمكن أن يكون الوجه فيه تأكد الاوليين من كل صلاة، وكذلك المغرب والفجر لان التقصير لا يلحق الاوليين، وإنما يلحق الاخيرتين والمغرب والفجر لا يلحقهما أيضا قصر فلذلك وجب عن كل سهو يعرض في الاوليين وفي الصلاتين المذكورتين الاعادة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من شك فلم يدر كم صلى اثنين أم ثلاثا واعتدل في ذلك ظنه فانه يبني على الاكثر وهي الثلاث فإذا سلم صلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس مقام ركعة واحدة، فإن كان الذي بنى عليه هو الصحيح كان ما صلاه نافلة، وإن كان الذي أتى بالثلاث كانت الركعة جبرانا لصلاته.
وكذلك القول في من شك لا يدري أصلى ثلاثا أم أربعا.
ومن شك بين اثنتين وثلاث وأربع بنى أيضا على الاكثر، فإذا سلم صلى ركعتين من قيام وركعتين من جلوس حتى إن كان بناؤه على الصحيح فالذي فعله نافلة له، وإن كان الذي صلاه اثنتين كانت الركعتان من قيام جبرانا لصلاته، وإن كان
الذي صلى ثلاثا فالركعتان من جلوس هي مقام واحدة جبران لصلاته، وباقي الفقهاء يوجبون البناء على اليقين وهو النقصان، ويوجبون في هذا الموضع سجدتي السهو، ويقولون: إن كان ما بنى عليه من النقصان هو الصحيح، فالذي أتى به تمام لصلاته، وإن كان بنى على الاقل وقد صلى على الحقيقة الاكثر كان ذلك له نافلة.
والحجة فيما ذهبنا اليه إجماع الطائفة، ولان الاحتياط أيضا فيه، لانه إذا بنى على النقصان لم يأمن أن يكون قد صلى على الحقيقة الازيد فيكون ما أتى به زيادة في صلاته، فإذا قيل: فإذا بنى على الاكثر كان كما تقولون لا يأمن أن يكون إنما فعل الاقل فلا ينفع ما فعله من الجبران لانه منفصل من الصلاة وبعد التسليم.
قلنا: ما ذهبنا إليه أحوط على كل حال، لان الاشفاق من الزيادة في الصلاة لا يجري مجرى الاشفاق من تقديم السلام في غير موضعه، لان العلم في الزيادة في الصلاة مبطل لها على كل حال.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به منعهم من الايتمام في الصلاة بالفاسق، ومالك يوافقهم في هذه المسألة، وباقي الفقهاء يجيزون الايتمام في الصلاة بفاسق، دليلنا الاجماع المتكرر، وطريقة اليقين ببراءة الذمة، وأيضا قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) وتقديم الامام في الصلاة ركون إليه(١) لان إمامة الصلاة معتبر فيها الفضل والتقديم في ما يعود إلى الدين، ولهذا رتب فيها من هو أقرأ وأفقه وأعلم، والفاسق ناقص فلا يجوز تقديمه على من خلا من نقصه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به كراهية إمامة ولد الزنا في الصلاة وقد شارك الامامية غيرهم في ذلك.
____________________
(١) ركون إليه في الصلاة، لان إمامة خ ل.
وذكر الطحاوي في كتاب الاختلاف بين الفقهاء ان مالكا كان يكره إمامة ولد الزنا.
وحكى عن الشافعي أنه قال: أكره أن ينصب من لا يعرف أبوه إماما.
وحكى عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا غيره أحب إلينا إلا أنهم وإن كرهوا ذلك فإن الصلاة خلفه عندهم مجزية.
والظاهر من مذهب الامامية أن الصلاة خلفه غير مجزية، والوجه في ذلك والحجة الاجماع المتقدم وطريقة برائة الذمة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية كراهية إمامة الابرص والمجذوم والمفلوج، والحجة فيه إجماع الطائفة، ويمكن أن يكون الوجه في منعه نفار النفوس عمن هذه حاله والعزوف عن مقاربته.
ولان المفلوج ومن أشبهه من ذوي العاهات ربما لم يتمكنوا من إستيفاء(١) أركان الصلاة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية كراهية صلاة الضحى وإن التنفل بالصلاة بعد طلوع الشمس إلى وقت زوالها محرم إلا في يوم الجمعة خاصة، والوجه في ذلك الاجماع المتقدم وطريقة الاحتياط فإن صلاة الضحى غير واجبة عند أحد ولا حرج في تركها.
وفي فعلها خلاف بل تكون بدعة قد يلحق به إثم فالاحوط العدول عنها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية ترتيب صلاة الاحدى والخمسين في اليوم والليلة على الوجه الذي رتبوه وبينوه، لان باقي الفقهاء لايعرف ذلك الترتيب، والحجة فيه إجماع الطائفة عليه، وليس يمكن أن يدعى عليهم انهم أبدعوا فيما يزيدونه من هذه النوافل، لان الصلاة خير موضوع والزيادة فيه مستحسنة غير منكرة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية تحديدهم السفر الذي يجب فيه التقصير في الصلاة ببريدين والبريد أربع فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال فكأن
____________________
(١) من استيفاء أصل أركان الصلاة خ ل.
المسافة أربعة وعشرين ميلا.
وقال أبوحنيفة وأصحابه مسير ثلاثة أيام بلياليها، وهو قول الثوري وابن حي وقال مالك: ثمانية وأربعون ميلا، فإن لم تكن أميال فمسيرة يوم وليلة للبغل وهو قول الليث.
وقال الاوزاعي يوم تام.
وقال الشافعي ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، والحجة في ذلك إجماع الطائفة.
وأيضا فإن الله تعالى علق سقوط فرض الصيام على المسافر بكونه مسافرا في قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، ولا خلاف بين الامة في أن كل سفر أسقط فرض الصيام ورخص في الافطار (فيه) فهو بعينه يوجب تقصير الصلاة، وإذا كان الله تعالى قد علق ذلك في الاية باسم السفر فلا شبهة في ان اسم السفر يتناول المسافة التي حددنا السفر بها فيجب أن يكون الحكم تابعا لها، ولا يلزم على ذلك أدنى ما يقع عليه هذا الاسم من فرسخ أو ميل لان الظاهر يقتضي ذلك لو تركنا معه الدليل لكن الدليل والاجماع أسقطا إعتبار ذلك ولم يسقطاه فيما اعتبرناه من المسافة وهو داخل تحت الاسم.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بأن المسافر يلزمه التقصير ما لم ينو المقام في البلد الذي يدخله عشرة أيام فصاعدا، وإذا نوى ذلك وجب عليه الاتمام لان من عداهم من الفقهاء يخالفون في ذلك.
وأبوحنيفة وأصحابه والثوري يقولون: انه إذا نوى المقام خمسة عشر يوما أتم وإن نوى أقل من ذلك قصر.
وقال الشافعي ومالك وهو قول سعيد بن المسيب والليث إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم.
وقال الاوزاعي: إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم.
وروي عن ابن حي أنه إذا مرالمسافر بمصره الذي فيه أهله وهو منطلق ماض في سفره قصر فيه الصلاة ما لم يقم به عشرا، فإن أقام به عشرا أو بعده من
سفره أتم الصلاة، وهذه موافقة من ابن حي لنا على بعض الوجوه لانه اعتبر العشر في ما نقوله وفيما لا نقول به، فكيف يجوز أن يعتبر العشر في دخول المسافر إلى مصره الذي فيه أهله ووطنه، وهو بدخوله إليه قد خرج من أن يكون مسافرا، وإنما يعتبر مدة الاقامة في من هو مسافر، والمشقة التي يتبعها التقصير زائلة عمن عاد إلى وطنه وحصل بين أهله.
فأما الحجة في أن التحديد الذي ذكرنا أولى من غيره فهو الاجماع المتكرر.
(مسألة) ومما يظن انفراد الامامية به القول: بأن من أتم الصلاة في السفر يجب عليه الاعادة إن كان متعمدا على كل حال وإن كان أتم ناسيا أعاد ما دام في الوقت، وإن كان بعد خروج الوقت لا إعادة عليه، وأكثر الفقهاء يخالفون في ذلك لان أبا حنيفة وأصحابه يقولون أن قعد في الاثنين قدر التشهد مضى في صلاته، وإن لم يقعد فصلاته فاسدة.
وقال الثوري: إذا قعد في الاثنين لم يعد.
وقال ابن حي إذا صلى أربعا متعمدا اعاده إذا كان منه الشئ اليسير، فإذا طال ذلك في سفره وكثر لم يعد وهذه موافقة منه للشيعة على بعض الوجوه.
وقال حماد بن أبي سليمان: إذا صلى أربعا أعاد، وهذا وفاق للشيعة لان ظاهر قوله يقتضي التعمد دون النسيان.
وقال الحسن البصري: إذا افتتح الصلاة على أنه يصلي أربعا أعاد، وإن نوى أن يصلي أربعا بعد أن افتتح الصلاة بنية أن يصلي ركعتين ثم بدا له فسلم في الركعتين أجزأته صلاته.
وقال مالك إذا صلى المسافر أربعا فإنه يعيد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.
وقال: ولو أن مسافرا إفتتح المكتوبة فنوى أربعا، فلما صلى ركعتين بدا له فسلم أنه لا يجزي، فإن كان مالك أراد بإيجاب الاعادة ما دام في
الوقت وإسقاطها مع خروجه حال النسيان فهو موافق للامامية وما أظنه أراد ذلك، وظاهر الكلام يقتضي التعمد، والحجة في مذهبنا هذا الاجماع المتقدم وأيضا فإن فرض السفر الركعتان فيما كان في الحضر أربعا، وليس ذلك برخصة، وإذا كان الفرض كذلك فمن لم يأت به على ما فرض وجبت عليه الاعادة.
فإن قيل: القرآن يمنع مما ذكرتم، لانه تعالى قال: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة وإن خفتم) ورفع الجناح يدل على الاباحة لا على الوجوب.
قلنا: هذه الآية غير متناولة لقصر الصلاة في عدد الركعات، وإنما المستفاد منها التقصير في الافعال من الايماء وغيره، لانه تعالى علق القصر بالخوف، ولا خلاف في أنه ليس من شروط القصر في عدد ركعات الصلاة الخوف، وإنما الخوف شرط في الوجه الآخر وهو الافعال في الصلاة لان صلاة الخوف قد أبيح فيها ما ليس مباحا مع الامن.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من سفره أكثر من حضره كالملاحين والجمالين ومن جرى مجراهم لا تقصير عليهم، لان باقي الفقهاء لا يراعون ذلك.
والحجة على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة.
وأيضا فإن المشقة التي تلحق المسافر هي الموجبة للتقصير في الصوم والصلاة، ومن ذكرنا حاله ممن سفره أكثر من حضره لا مشقة عليه في السفر، بل ربما كانت المشقة في الحضر لانه خلاف العادة، وإذا لم يكن عليه مشقة فلا تقصير.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الجمعة لا تنعقد إلا بحضور خمسة الامام أحدهم، لان أبا حنيفة وأصحابه والليث يقولون: إنما تنعقد بثلاثة سوى الامام.
وروي عن أبي يوسف إثنان سوى الامام، وبه قال الثوري.
وقال ابن حي إن لم يحضر الامام إلا رجل واحد فخطب
عليه فصلى به الجمعة أجزأتهما.
واعتبر الشافعي أربعين رجلا، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره، واعتبار أبي حنيفة ومن وافقه أقل ما يقع عليه إسم جماعة وأنه ثلاثة، وأن الجمعة مشتقة من الاجتماع والجماعة ليس بشئ لانه يلزم عليه أن يكون الامام في الثلاثة، لان اسم الجماعة حاصل، ويلزم عليه أيضا ما قاله أبويوسف، لان الاثنين في الشريعة جماعة مثل الثلاثة، فيلزم عليه قول ابن حي، لان الواحد مع الامام جماعة، وبعد فإن الجمعة وإن اشتقت من الاجتماع فالمعول في عدد الجماعة وحصرها على دليل مقطوع به دون الاشتقاق وقد بينا ذلك.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية إستحباب أن يقرأ ليلة الجمعة سورة الجمعة، وسبح في المغرب، وفي العشاء الآخرة، وفي صلاة الغداة بالجمعة والمنافقين، وكذلك في صلاة الجمعة المقصورة وفي الظهر والعصر إذا صلاهما من غير قصر.
وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك إلا أن الشافعي يوافق الامامية في استحباب السورتين في صلاة الجمعة خاصة.
والحجة في ذلك إجماع الطائفة، ولانه أحوط، من حيث أنه لا خلاف في أنه إذا قرأ ما ذكرناه أجزأه، ولم يفعل مكروها، وليس كذلك إذا عدل عنه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به المنع من الاجتماع في صلاة نوافل شهر رمضان وكراهية ذلك، وأكثر الفقهاء يوافقهم على ذلك، لان المعلى روى عن أبي يوسف أنه قال: من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الامام في شهر رمضان فأحب إلي أن يصلي في بيته.
وكذلك قال مالك قال وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون، ولا يقومون مع الناس.
وقال مالك: وأنا أفعل ذلك، وما قام النبيصلىاللهعليهوآله إلا في بيته.
وقال الشافعي: صلاة المنفرد في قيام شهر رمضان أحب إلي، وهذا كله حكاه الطحاوي في كتاب الاختلاف، فالموافق للامامية في هذه المسألة أكثر من المخالف.
والحجة لنا الاجماع المتقدم، وطريقة الاحتياط، فان المصلي للنوافل في بيته غير مبدع ولا عاص بإجماع، وليس كذلك إذا صلاها في جماعة ويمكن أن يعارضوا في ذلك بما يروونه عن عمر بن الخطاب من قوله، وقد رأى اجتماع الناس في صلاة نوافل شهر رمضان بدعة ونعمة البدعة هي فاعترف بأنها بدعة وخلاف السنة وهم يروون عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية ترتيب نوافل شهر رمضان على أن يصلي في كل ليلة منه عشرين ركعة، منها ثمان بعد صلاة المغرب وإثني عشر ركعة بعد العشاء الآخرة، فإذا كان في ليلة تسع عشرة صلى مائة ركعة ويعود في ليلة العشرين إلى الترتيب الذي تقدم.
ويصلي في ليلة إحدى وعشرين مائة ركعة.
وفي ليلة اثنتين وعشرين ثلاثين ركعة، منها ثمان بعد المغرب والباقي بعد صلاة العشاء الآخرة.
ويصلي في ليلة ثلاثة وعشرين مائة ركعة وفيما بقى من الشهر في كل ليلة ثلاثين ركعة على الترتيب الذي ذكرناه، ويصلي في كل جمعة من الشهر عشر ركعات، أربع منها صلاة أمير المؤمنين " ع " وصفتها أن يقرأ في كل ركعة الحمد لله مرة واحدة وسورة الاخلاص خمسين مرة، وركعتين من صلاة فاطمة "عليهاالسلام " وصفتها أن يقرأ في أول ركعة الحمد مرة وإنا أنزلناه في ليلة القدر مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة وسورة الاخلاص مائة مرة.
ثم يصلي أربع ركعات صلاة التسبيح، وتعرف بصلاة جعفر الطيارعليهالسلام وصفتها معروفة، ويصلي في ليلة آخر جمعة من الشهر عشرين
ركعة من صلاة أمير المؤمنين " ع " المتقدم وصفها.
وفي ليلة آخر سبت من الشهر عشرين ركعة من صلاة فاطمة " ع " وقد مضى صفتها ليكمل له بذلك ألف ركعة.
فهذا الترتيب لا يعرفه باقي الفقهاء، لان أبا حنيفة وأصحابه والشافعي يذهبون إلى أن نوافل شهر رمضان عشرون ركعة في كل ليلة سوى الوتيرة.
وقال مالك: تسعة وثلاثون ركعة بالوتر، والوتر ثلاث ركعات.
وحجتنا على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، ولان الذي اعتبرناه زيادة على عددهم والزيادة تقضي الخير والاحتياط فيه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول بأن [ ركعتي ] صلاة العيدين واجبتان على كل من وجبت عليه صلاة الجمعة بتلك الشروط، لان أبا حنيفة يذهب إلى وجوبهما كما تقول الامامية.
والشافعي يقول أنهما ليسا بواجبتين، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم وطريقة الاحتياط أيضا.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن تكبير صلاة العيدين في الاولى سبع وفي الثانية خمس من جملتهن تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، لان أبا حنيفة وأصحابه يذهبون إلى أنها خمس في الاولى وأربع في الثانية من جملتهن تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع.
وقال مالك: والشافعي سبع في الاولى وخمس في الاخرى.
وقال الشافعي: لا يعتد بتكبيرة الافتتاح والركوع.
وروى عن مالك أنه يعتد في الركعة الاولى بتكبيرة الافتتاح من جملة التكبيرات السبع، فإن كان مالك يعتد بتكبيرة الركوع أيضا فهو موافق، أيضا للامامية، وإلا فالانفراد ثابت، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية إيجاب القراءة في كل ركعة من
صلاة العيد(١) قبل التكبيرات الزوائد لان أبا حنيفة وأصحابه يوجبون القراءة في الاولى بعد التكبير، وفي الثانية قبل التكبير فكأنه يوالي بين القراءتين، وقال مالك والشافعي يبدأ في الركعتين معا بالتكبيرات فانفراد الامامية واضح.
والحجة لها الاجماع المتقدم، وأيضا طريقة الاحتياط، فإن الذي تذهب إليه الامامية يجوز عند الجماعة إذا أدى إليه الاجتهاد وما يقوله مخالفوها لا يجوز عند الامامية على حال من الاحوال.
فالاحتياط فيما يذهب إليه الامامية واضح.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية إيجابهم القنوت بين كل تكبيرتين من تكبيرات العيد(٢) لان باقي الفقهاء لاتراعي ذلك، والحجة فيه إجماعها، ولانه أيضا لا يوقن ببرائة الذمة من صلاة العيد إلا بما ذهبنا إليه من القنوت ولا بد من يقين ببرائة الذمة من الواجب.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن على المصلي التكبير في ليلة الفطر وابتداؤه من دبر صلاة المغرب إلى أن يرجع الامام من صلاة العيد، فكأنه عقيب أربع صلوات أولهن المغرب من ليلة الفطر، وآخرهن صلاة العيد.
وفي(٣) الاضحى يجب التكبير على كل من كان بمنى عقيب خمس عشر صلاة، أولهن صلاة الظهر من يوم العيد.
ومن كان في غير منى من أهل سائر الامصار يكبر عقيب عشر صلوات، أولهن صلاة الظهر من يوم العيد، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
أما التكبير في عيد الفطر عقيب الصلوات فلا يعرفونه، وإنما اختلفوا
____________________
(١) من صلاة العيدين خ ل.
(٢) من تكبيرات صلاة العيد خ ل.
(٣) وفى عيد الاضحى خ ل.
في التكبير في طريق المصلي إلى الصلاة.
فروي عن أبي حنيفة أنه يكبر يوم الاضحى ويجهر في ذهابه إلى المصلى ولا يكبر يوم الفطر.
وقال مالك والاوزاعي يكبر في خروجه إلى المصلى في العيدين جميعا وقال مالك: يكبر في المصلى إلى أن يخرج الامام، فإذا خرج الامام قطع التكبير، ولا يكبر إذا رجع.
وقال الشافعي: أحب إظهار التكبير ليلة الفطر وليلة النحر، وإذا غدوا إلى المصلى حتى يخرج الامام، وفي موضع آخر حتى يفتتح الامام الصلاة واختلفوا في تكبيرة الاضحى فقال أبوحنيفة من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر.
وقال أبويوسف ومحمد والثوري إلى آخر أيام التشريق.
وقال مالك والشافعي من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق والحجة ما تقدم من الاجماع وطريقة الاحتياط.
وقوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) يدل على أن التكبير أيضا واجب في الفطر.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بوجوب صلاة كسوف الشمس والقمر ويذهبون إلى أن من فاتته هذه الصلاة وجب عليه قضاؤها وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، والحجة على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، ويمكن أن يعارض المخالفين بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله إن الشمس والقمر آيتان لا يكسفان لموت أحد، ولا لحياة أحد، فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة، وأمرهعليهالسلام على الوجوب.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن صلاة الكسوف عشر ركعات وأربع سجدات.
وقال أبوحنيفة وأصحابه أنها ركعتان على هيئة الصلاة المعروفة.
وقال مالك والليث والشافعي أربع ركعات في أربع سجدات، دليلنا إجماع الطائفة، ولان ما ذهبنا إليه يحتوى على ما قالوه ويزيد عليه، وما ذهبوا إليه بخلاف ذالك.
(مسالة) ومما انفردت به الامامية القول: بان الاطفال ومن جرى مجراهم ممن لم يكلف في نفسه الصلاة، ولا يكلف غيره تمرينه عليها لايجب لصلاة عليه إذا مات، وحدوا من يصلي عليه من الصغار بأن يبلغ ست سنين فصاعدا.
والحجة في ذلك إجماع الطائفة، ولان الصلاة على الاموات حكم شرعى، وقد ثبت بيقين فيمن توجب الصلاة عليه، ولا يقين ولا دليل فيمن يخالف فيه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول بخمس تكبيرات في صلاة الجنازة، وكان ابن أبي ليلى يوافق الامامية على ذلك.
وروي عن حذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم أن تكبيرات الجنازة خمس، ولعمري أن باقي الفقهاء تخالف الامامية في ذلك.
والحجة فيما ذهبنا إليه الاجماع وطريقة الاحتياط فإن الذي تذهب الامامية إليه يدخل فيه ما ذهب إليه مخالفوها وهو أحوط، وقد روى مخالفونا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه كبر خمسا، فإذا قيل بازاء ذلك انهعليهالسلام كبر أربعا.
قلنا: هذه الرواية تحتمل أنه كبر أربعا سمعن وجهر بهن وأخفى الخامسة، وجهر الخامسة غير محتمل على أنه لا تنافي بين الخبرين لانه من روى أنه كبر أربعا لم يفصح بأنه ما زاد عليها، ومن كبر خمسا فقد كبر أربعا.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية إسقاط السلام من صلاة الجنازة وأنه إذا كبر الخامسة خرج من الصلاة بغير تسليم.
وباقي الفقهاء يخالف في ذلك، لان أبا حنيفة وأصحابه يذهبون إلى أنه يسلم عن يمينه وعن يساره وقال مالك: يسلم الامام واحدة ويسمع من يليه، ويسلم من وراه واحدة
في أنفسهم وإن أسمعوا من يليهم فلا بأس.
وقال الثوري: يسلم عن يمينه تسليمة خفيفة، وقال ابن حي: يسلم عن يمينه وعن شماله تسليما خفيفا ولا يجهر به، وقال الشافعي مثل قول ابن حي في العدد والمنع من الجهر.
والحجة على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وأيضا أن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف لانه قد حذف منها الركوع والسجود وهما أوكد من التسليم فغير منكر أن يحذف التسليم.
[مسائل الصوم]
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأن صوم التطوع يجزي بنية بعد الزوال لان الثوري يوافق في ذلك، ويذهب إلى أن صوم لتطوع إذا نواه في آخر النهار أجزأه وهو أحد قولي الشافعي أيضا، وباقي الفقهاء يمنعون من ذلك ويقولون: إذا نوى التطوع بعد الزوال لم يجزه.
دليلنا الاجماع الذي تقدم، وقوله تعالى: (وان تصوموا خير لكم) وكل ظاهر القرآن أو السنة يقتضي الامر بالصوم والترغيب فيه لا إختصاص له بزمان دون غيره فهو يتناول ما بعد الزوال وقبله، ولا يلزم على ذلك صوم الفرض لانه لايجزى عندنا إلا بنية قبل الزوال لانا أخرجناه بدليل ولا دليل فيما عداه، وأقوى ما تعلقوا به أن ما مضى من النهار قبل النية لايكون فيه صائما وكيف يتعين باستيناف النية؟ والجواب عن ذلك أن ما مضى يلحق في الحكم بما يأتي كما يقولون كلهم فيمن نوى التطوع قبل الزوال، فإن فرقوا بين بعد الزوال وقبله بأن قبل الزوال مضى أقل العبادة وبعده مضى أكثرها، والاصول تفرق بين القليل
والكثير في هذا الحكم كمن أدرك الامام بعد الركوع وقبله.
قلنا: إذا كانت العبادة قد مضى جزء منها وهو خال من هذه النية وأثرت النية المستأنفة حكما في الماضي فلا فرق بين القلة والكثرة في هذا المعنى لان القليل كالكثير في أنه وقع خاليا، وألحقناه من طريق الحكم بالباقي، لان تبعيض الصوم غير ممكن، وإذا أثرت النية فيما صاحبته من الزمان وما يأتي بعده فلا بد من الحكم بتأثيرها في الماضي لانه يوم واحد لا يلحقه تبعيض، وقد جوزوا كلهم أن يفتتح رجل الصلاة منفردا، ثم يأتم به بعد ذلك مؤتم فيكون جماعة، ولم يفرقوا بين أن يمضي الاكثر أو الاقل.
وجوز الشافعي وأبوحنيفة وأكثر الفقهاء أن يفتتح الصلاة منفردا، ثم ينقلها إلى جماعة فيصير لها حكم الجماعة ولم يفرقوا بين مضي الاكثر أو الاقل، ولا يلزم على ما قلناه أن تكون النية في آخر جزء من اليوم لان محل النية يجب أن تكون بحيث يصح وقوع الصوم بعده بلا فصل، وذلك غير متأت في آخر جزء، ولا يعترض ما ذهبنا إليه روايتهم عن النبيصلىاللهعليهوآله قوله: لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل لانه أولا خبر واحد.
وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يعمل بها في الشريعة، ولانا نحمله على الفضل والكمال، كما قالعليهالسلام : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ولا صدقة وذو رحم محتاج.
وقد قيل: أنه محمول على الصوم الذي يثبت في الذمة مثل قضاء شهر رمضان، وصوم النذور والكفارات.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأن نية واحدة في أول شهر رمضان تكفي للشهر كله، ولا يجب تجديد النية لكل يوم، ومالك يوافق على هذا المذهب وإن خالف باقي الفقهاء فيه.
والحجة في ذلك إجماع
الطائفة.
وأيضا فإن النية تؤثر في الشهر كله لان حرمته حرمة واحدة، كما أثرت في اليوم الواحد لما وقعت في ابتدائه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن في صوم يوم الشك فضلا فإنه يستحب بعد أن ينوي أنه من شعبان، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك لان الشافعي يكره صيام يوم الشك، إلا أن يوافق عادة للصائم.
وأبوحنيفة يقول: أنه ان نوى به التطوع لم يكره، وإن نواه عن رمضان كره، إلا أنه لا يثبت فيه الفضيلة التي تذهب إليها الامامية.
وقال أحمد بن حنبل: إن كان صحو كره، وإن كانت السماء متغيمة لم يكره.
والذى يدل على مذهبنا إجماع الطائفة.
وطريقة الاحتياط لانه إن كان من شهر رمضان أجزأه عندنا، وإن كان من شعبان نفعه ثوابه ولم يضره، ويعارضون بما يروونه عن أمير المؤمنين " ع " لان أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من شهر رمضان، وكل خبر يروونه متضمنا للنهي عن صيام يوم الشك يمكن حمله على النهي عن صومه بنية الفرض، وأي فرق في كراهية صوم يوم الشك بين أن يجري به عادة أو يصومه منفردا، وأي فرق بين يوم الشك وما قبله من أيام شعبان لولا اتباع الهوى.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن الصيام لا تقبل فيه شهادة النساء وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
والحجة لنا إجماع الطائفة.
وأيضا فإن الصيام من الفروض المتأكدة فيجوز أن لا تقبل فيه شهادة النساء تأكيدا وتغليظا، فإن شهادتهن لم تسقط إلا من حيث التغليظ.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية وإن وافقها فيه على بعض من الوجوه قوم من الفقهاء إفسادهم الصوم بالارتماس في الماء واعتماد الكذب على الله وعلى رسولهصلىاللهعليهوآله ، وإيجابهم في ذلك ما يجب في
اعتماد الاكل والشرب.
وقد قال الاوزاعي: ان الكذب والغيبة يفطران.
وروى ان خمسا يفطرن الصيام منها الغيبة والنميمة.
وحكى عن مالك كراهية الارتماس في الماء.
والحجة في ما ذهبوا إليه إجماع الطائفة، وطريقة الاحتياط واليقين ببرائة الذمة من الصوم، ويمكن أن يكون الوجه في المنع من الارتماس أن الماء يصل معه إلى الجوف لا محالة من المخارق التي لا يمكن ضبطها، فجعل ما هو الغالب في حكم الواقع.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية من بين فقهاء الامصار كلهم، وقد روي عن أبي هريرة وفاقهم فيه، وحكى أيضا أن الحسن بن صالح بن حي كان يقول يستحب لمن أصبح جنبا في شهر رمضان أن يقضي ذلك اليوم بعينه وكان يفرق بين صوم التطوع وبين صوم الفرض في هذا الباب، إيجابهم على من أجنب في ليلة شهر رمضان وتعمد البقاء إلى الصباح من غير اغتسال القضاء والكفارة.
ومنهم من يوجب القضاء دون الكفارة.
ولا خلاف بينهم في انه إذا غلبه النوم ولم يعتمد البقاء على الجنابة إلى الصباح لا شئ عليه.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر.
ومما يعارض المخالفون به ما يروونه عن أبي هريرة أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: من أصبح جنبا في شهر رمضان فلا يصومن يومه، وليس لهم أن يحملوا هذا الخبر على من أصبح مجامعا ومخالطا لانه بخلاف لفظ الخبروترك الظاهر ولو أراد ذلك لقالعليهالسلام : من أصبح مجامعا، والجماع إذا كان مفسدا للصوم فلا معنى لاضافته إلى الصباح، لانه في النهار كله مفسد للصوم، وإنما يليق بقولهعليهالسلام : من أصبح جنبا من استمر على حكم الجنابة الواقعة قبل الصباح
ولا يعارض هذا الخبر ما يروونه عن عائشة أن النبيصلىاللهعليهوآله كان يصبح جنبا من غير إحتلام ثم يصوم يومه ذلك، وفي بعض الالفاظ وذلك في شهر رمضان لانا نتأول هذا الخبر على ان المراد به ما وقع من غير اعتماد، وليس لهم أن يقولوا أن حكم الجنابة لاينافي الصوم، بدلالة أنه قد يحتلم نهارا ويؤخر اغتساله، ولا يفسد بذلك صومه.
وذلك لانا نوجب على المتعمد البقاء على الجنابة إلى الصباح الغسل لا لاجل المنافاة بين الجنابة والصوم، بل لانه اعتمد لان يكون جنبا في نهار الصوم.
وليس كذلك من احتلم نهارا واستمر على حاله، لان كونه جنبا في هذه الاحوال من غير اعتماد، ولان بقاءه على الجنابة الواقعة عن الاحتلام بالنهار وليس بأكثر من حصول الجنابة في النهار، والجنابة إذا وقعت بالليل وتمكن من إزالتها واعتمد البقاء عليها إلى النهار فقد اعتمد لان يكون جنبا بالنهار واختلف الموضعان.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بإيجاب القضاء والكفارة على من تعمد إنزال الماء الدافق بغير جماع لان باقي الفقهاء يخالفون في ذلك وقد روي عن مالك أنه كان يقول: كل إفطار معصية يوجب الكفارة وإستنزال الماء في شهر رمضان معصية بغير شبهة.
دليلنا الاجماع المتردد وطريقة الاحتياط وبراءة الذمة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من تمضمض للطهارة فوصل الماء إلى جوفه لا شئ عليه من قضاء ولا غيره وإن فعل ذلك لغير طهارة من تبرد بالماء أو غيره فعليه القضاء خاصة ولا غيره، لان هذا الترتيب والتفصيل لايعرفه باقي الفقهاء، لان أبا حنيفة وأصحابه يقولون إن كان ذاكرا للصوم فعليه القضاء وإن كان ناسيا فلا قضاء عليه.
وقال ابن أبي ليلى لا قضاء عليه وإن كان ذاكرا لصومه.
وروى عطا عن ابن عباس رحمة الله عليه أنه قال: إذا توضأ لصلاة مكتوبة
فدخل الماء حلقه فلا شئ عليه، وإن توضأ لصلاة تطوع فعليه القضاء، وهذا فيه بعض الشبه بمذهبنا.
وقال الاوزاعي: لا شئ عليه، وللشافعي فيه قولان أحدهما أنه قال إذا تمضمض ورفق ولم يبالغ فدخل الماء إلى جوفه أنه لا يفطر، والقول الآخر أنه يفطر، ولا يختلف قوله: في أنه إذا وصل الماء إلى الجوف عن مبالغة فانه يفطر.
وقال الحسن بن صالح بن حي أن توضأ لفريضة أو لصلاة سنة فدخل في حلقه من الماء شئ في الثلاث فليس عليه قضاء، ومن دخل بعد الثلاث فعليه القضاء، وهذا نظير قول الامامية.
والحجة في مذهبنا الاجماع المتكرر، ويمكن أن يتعلق في ذلك بقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وكل الحرج أن يأمرنا بالمضمضة والاستنشاق في الصوم، ويلزمنا القضاء إذا سبق الماء إلى أجوافنا من غير تعمد، ولا يلزم على ذلك التبرد بالمضمضة لان ذلك مكروه في الصوم والامتناع منه أولى فلا حرج فيه.
(مسألة): ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من تسحر ثم بان له أنه أكل بعد طلوع الفجر على ضربين إن كان أكل ولم يتأمل الفجر ولم يراعه فعليه قضاؤه، وإن كان رصده وراعاه فلم يره فلا قضاء عليه لان باقي الفقهاء يخالفون في هذا التفصيل فيوجب أبوحنيفة وأصحابه والثوري والليث والشافعي القضاء على كل حال.
وقال مالك: إن كان الصوم تطوعا مضى فيه ولا شئ عليه، وإن كان واجبا فعليه قضاؤه.
وقال عطاء والحسن البصري: لا قضاء عليه، وإنما كانت الامامية منفردة بهذه المسألة، لان من أوجب القضاء من الفقهاء أوجبه بلا تفصيل،
وكذلك من أسقطه، والحجة في مذهبنا إجماع الطائفة، ويمكن أن يتعلق بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.
فإذا قيل: ذلك محمول على رفع الاثم قلنا: هذا تخصيص بغير دليل فإن ألزمنا أن نسقط القضاء بهذا الخبر عمن لم يرصد الفجر فرقا بين الامرين بأن من رصد الفجر فلم يره قد تحرى بغاية جهده وإمكانه، وليس كذلك من لم يراعه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية ولها فيه موافق متقدم القول بأن من صام شهر رمضان في السفر يجب عليه الاعادة، لان أبا حنيفة وأصحابه يقولون: أن الصوم في السفر أفضل من الافطار.
وقال مالك والثوري: الصوم في السفر أحب إلينا من الافطار لمن قوي عليه.
وقال الشافعي: هو مخير بين الصوم والافطار، والصوم أفضل.
وروى عن ابن عمران الفطر أفضل.
وروى عن أبي هريرة أن من صام في السفر لم يجزه، وعليه أن يصوم في الحضر، وهذا هو مذهب الامامية بعينه.
والحجة لقولنا الاجماع المتكرر.
وأيضا قوله تعالى: (فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، فأوجب الله تعالى القضاء بنفس السفر، ومن ادعى ضميرا في الآية وهو لفظة فافطر فهو تارك للظاهر من غير دليل.
فإن قيل: فيجب أن تقولوا مثل ذلك في قوله (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) ولا تضمروا فحلق، قلنا: هكذا يقتضي الظاهر ولو خلينا وإياه لم نضمر شيئا لكن أضمرناه بالاجماع ولا إجماع لادليل يقطع به في الموضع الذي اختلفنا فيه، ويعارضون بما يرون عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، فإن قيل معنى الخبر أن الصائم في
السفر الذي يعتقد أن الفطر لا يجوز له كالمفطر في الحضر الذي يعتقد أن الصوم لا يجب عليه.
قلنا: هذا تخصيص للظاهر بغير دليل، والظاهر أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر في سائر الاحكام التي من جملتها لزوم القضاء على أن هذا تأويل منهم فاسد، لان أحدا من المسلمين لا يسوي بين من صام في السفر واعتقد أن الفطر لا يجوز له وبين المفطر في الحضر الذي يعتقد أن الصوم غير واجب عليه، لان الاعتقاد الاول طريقه الاجتهاد عندهم، وفيه بعض العذر لمعتقده.
والاعتقاد الثاني بخلاف ذلك، وربما كان ذلك كفرا، وإن استدلوا بما رواه أنس من أنهم كانوا يسافرون مع النبيصلىاللهعليهوآله في رمضان فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم لا يعيب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء.
وبما روى ابن حمزة بن عمر الاسلمي أنه سأل النبيصلىاللهعليهوآله عن الصوم في السفر، فقال " ع ": إن شئت فصم وإن شئت فافطر.
قلنا: لهم نحمل هذه الاخبار على صوم التطوع، فإن التطوع بالصوم في السفر عندنا جايز أو نحمله على صوم نذر معين، ويعارض هذه الاخبار بما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله ليس من البر الصيام في السفر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن المريض الذي أبيح له بالاجماع الفطر في شهر رمضان متى تكلف الصوم لم يجزه ووجب عليه القضاء لان باقي الفقهاء يخالفون في ذلك، ولا يوجبون عليه القضاء، والحجة في هذه المسألة هي الحجة في المسألة الاولى من الاجماع، والآية التي تلوناها وبينا الكلام فيها فلا معنى لاعادته.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من بلغ من الهرم إلى حد يتعذر معه الصوم وجب عليه الافطار بلا كفارة ولا فدية، وإن كان من
ذكرنا حاله لو تكلف الصوم لتم له لكن بمشقة شديدة يخشى المرض منها والضرر العظيم كان له أن يفطر ويكفر عن كل يوم بمد من الطعام، وهذا التفصيل لا نعرفه لباقي الفقهاء، فإن أبا حنيفة وأصحابه قالوا في الشيخ الذي لا يطيق الصيام يفطر ويطعم في كل يوم نصف صاع من حنطة، وقال الثوري: يطعم ولم يذكر المبلغ، وقال الشافعي: يفطر ويطعم في كل يوم مدا، وقال مالك: لا أرى عليه إطعاما، فإن فعل فحسن، وكذلك قال ربيعة.
والحجة في مذهبنا إجماع الطائفة، ومما يجوز أن يستدل به على أن الشيخ الذي لايطيق الصيام ويجوز له الافطار من غير فدية، قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وإذا لم يكن في وسع الشيخ الصوم خرج من الخطاب ولا فدية عليه إذاأفطر، لان الفدية إنما تكون عن تقصير فإذا لم يطق الشيخ الصوم فلا تقصير وقع منه.
ويدل على أن من أطاق من الشيوخ الصوم لكن بمشقة شديدة يخشى منها المرض يجوز له أن يفطر ويفدي، قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية) ومعنى الآية أن الفدية تلزم مع الافطار، وكأن الله تعالى خير في إبتداء الامر بهذه الآية للناس كلهم بين الصوم وبين الافطار والفدية ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وأجمعوا على تناول هذه الآية لكل من عدا الشيخ الهرم ممن لا يشق عليه الصوم، ولم يقم دليل على أن الشيخ إذا خاف الضرر دخل في هذه الآية، فهو إذن تحت حكم الآية الاولى التي تناولته كما تناولت غيره ونسخت عن غيره وبقيت فيه فيجب أن تلزمه الفدية إذا أفطر لانه مطيق للصوم.
(مسألة ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من نذر صوم يوم بعينه فأفطر بغير عذر وجب عليه قضاؤه، ومن الكفارة ما يجب على من
أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا بلا عذر، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ولا يوجبون الكفارة.
ودليلنا الاجماع المتردد وطريقة الاحتياط وبراءة الذمة، ومخالفونا إذا كانوا يذهبون إلى القياس كيف ذهب عليهم ان حكم النذر في الوجوب حكم يوم من شهر رمضان وكيف افترقا في وجوب الكفارة على المفطر فيهما فان قالوا: لان النذر وجب عليه بسبب من جهته، وصوم رمضان وجب عليه ابتداء.
قلنا: وأي تأثير لهذا الفرق في سقوط الكفارة، وقد علمنا أنهما مع الافتراق فيما ذكرتم أنه يقضي صومه ويفسده في النذر، كلما أفسده في صوم شهر رمضان، وأحكام الصومين كلها غير مختلفة، وإن افترقا من الوجه الذي ذكرتم.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من نوى من الليل صيام يوم بعينه قضاء عن شهر رمضان فتعمد الافطار فيه لغير عذر، وكان إفطاره بعد الزوال وجبت عليه كفارة، وهي إطعام عشرة مساكين وصيام يوم بدله، وإن لم يقدر على الاطعام أجزأه أن يصوم ثلاثة أيام عن ذلك، وإن كان إفطاره في هذا اليوم قبل الزوال كان عليه قضاء اليوم ولا كفارة عليه وباقي الفقهاء لا يعرفون هذا التفصيل، ولا يوجبون هاهنا كفارة، بل قضاء يوم فقط، والحجة لمذهبنا الاجماع الذي يتكرر، وطريقة الاحتياط وبراءة الذمة.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأن كفارة الافطار في شهر رمضان على سبيل التعمد عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا وأنها على التخيير لا الترتيب.
وقد روى عن مالك التخيير بين هذه الثلاث كما تقول الامامية، وعند
أبي حنيفة وأصحابه والشافعي أنها مرتبة ككفارة الظهار.
والذي يدل على صحة مذهب الامامية الاجماع المتكرر، ويعارض المخالفون بما رواه ابن جريح عن الزهري، ورواه أيضا مالك عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن النبيصلىاللهعليهوآله أمر من أفطر في شهر رمضان أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا، وليس لاحد أن يحمل لفظة أو في الخبر على الواو كما قال تعالى: (مأة ألف أو يزيدون) لان ذلك مجاز، والكلام على ظاهره، ولا له أن يدعي حذفا في الخبر، ويكون تقدير الكلام أو صيام شهرين إن تعذر عليه العتق لان الظاهر لا يقتضي الحذف.
ونحن مع الظاهر وليس للمخالف أن يتعلق بما روي عنهعليهالسلام من قوله: من أفطر في شهر رمضان فعليه ما على المظاهر، لان المعنى في ذلك التسوية بينهما في جنس الكفارة لا في كيفيتها من ترتيب أو تخيير، ولا إشكال في أن كفارة المظاهر من جنس كفارة المفطر في شهر رمضان، وإنما الخلاف في كيفيتها من ترتيب أو تخيير.
ولا تعلق لهم أيضا بما يروونه عنهعليهالسلام من قوله وقد جاء رجل فقال: أفطرت في شهر رمضان، فقال " ع " أعتق رقبة، وذلك أن من قال بالتخيير يذهب إلى أنه مأمور بكل واحدة من الكفارات فلم يلزمهعليهالسلام من عتق الرقبة إلا ما هو واجب في هذه الحال، ولم يقل له: عتق رقبة فانه لايجزيك سواها، كما لم يقل له أنت مخير بينها وبين غيرها، فظاهر الخبر إذا لا حجة فيه علينا.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به ولها فيه موافق وسنذكره القول بأن الصوم يقضى عن الميت، كأنا فرضنا رجلا مات وعليه أيام من شهر رمضان لم يقضها بغير عذر فيتصدق عنه لكل يوم بمد من طعام، فإن لم يكن
له مال صام عنه وليه، فإن كان له وليان فأكبرهما، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ولا يرون أنه يصام عن الميت قضاء شهر رمضان وفي النذر بل يتصدق عنه.
وحكى عن أبي ثور أنه يصام عن الميت في قضاء رمضان، وفي المنذور وهذه موافقة للامامية.
والحجة للامامية الاجماع المتكرر، وقد طعن على ما نقوله بقوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) وأن ذلك ينبغي أن يكون سعي غيره له، وبما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وولد صالح يترحم عنه وعلم ينتفع به، ولم يذكر "ع" الصوم عنه.
والجواب عن ذلك ان الآية إنما يقتضي أن لا يثاب الانسان إلا بسعيه، ونحن لا نقول أن الميت يثاب بصوم الحي عنه وتحقيق القول في هذا الموضع أن من مات وعليه صوم فقد جعل الله هذه الحالة سببا في وجوب صوم على وليه وسماه قضاء، لان سببه التفريط المتقدم، والثواب على الحقيقة في هذا الفعل لفاعله دون الميت.
فإن قيل: وما معنى قولهم: صام عنه إذا كان لا يلحقه وهو ميت ثواب، ولا حكم لاجل هذا العمل.
قلنا: معنى ذلك أنه صام وسبب صومه تفريط الميت، ولانه حصلت له به علقة، قيل: لاجلها عنه من حيث كان التفريط المتقدم سببا في لزوم هذا الصوم.
فأما الخبر الذي رووه فمحمول على هذا المعنى أيضا، وان المؤمن ينقطع بعد موته عمله فلا يلحقه ثواب ولا غيره، والذي ذهبنا إليه يخالف ذلك، وخبرهم هذا يعارض بما يروونه عن عائشة أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.
وفي خبر آخر أن امرأة جائت إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقالت له: إن على أمي
صوم شهر فأقضيه عنها؟ فقالصلىاللهعليهوآله : أرأيت لو كان على أمك دين كنت تقضيه؟ قالت نعم يا رسول الله: فقالصلىاللهعليهوآله : فدين الله أحق أن يقضى، وبما رواه ابن عباسرحمهالله عن النبيصلىاللهعليهوآله في صوم النذر أنه أمر وليه أن يصوم عنه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الاعتكاف لا ينعقد إلا في مسجد صلى فيه إمام عدل بالناس الجمعة وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الكوفة ومسجد البصرة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك لان أبا حنيفة وأصحابه يقولون بجواز الاعتكاف في كل مسجد جماعة، وبذلك قال الثوري وفي إحدى الروايتين عن مالك.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لا يعتكف أحد إلا في مسجد الجامع أو في رحاب المساجد التي يجوز الصلاة فيها، وذهب حذيفة إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسولصلىاللهعليهوآله ومسجد إبراهيم الخليلعليهالسلام .
والحجة لنا مضافا إلى الاجماع طريقة الاحتياط وبراءة الذمة، لان من أوجب على نفسه الاعتكاف بنذر يجب أن يتيقن براءة ذمته منه مما وجب عليه ولا يحصل له اليقين إلا بأن يعتكف في المواضع التي عيناها، ولان الاعتكاف حكم شرعي ويرجع في مكانه إلى الشرع، ولا خلاف في الامكنة التي عيناها مشروعة فيه، ولا دليل على جوازه فيما عداها، ولا اعتراض على ما قلناه بقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) لان هذا اللفظ مجمل، ولفظ المساجد ها هنا ينبغي عن الجنس لا عن الاستغراق، ولا منافاة بينه وبين مذهبنا.
ويجوز أن يكون وجه تخصيص هذه المساجد الاربعة لتأكد حرمتها وفضلها وشرفها على غيرها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن المعتكف إذا جامع نهارا كان عليه كفارتان، وإذا جامع ليلا كان عليه كفارة واحدة.
وإن أكره زوجته وهي معتكفة نهارا كان عليه أربع كفارات، وإن أكرهها وهي معتكفة ليلا كان عليه كفارتان، والكفارة هي التي تلزم المجامع نهارا في شهر رمضان.
وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ولا يلزمون مفسد اعتكافه شيئا سوى القضاء.
وذهب الزهري والحسن إلى أنه إن وطئ في الاعتكاف لزمته الكفارة وهذا القول يوافق من وجه قول الامامية، إلا أننا ما نظن أنهما كانا يذهبان إلى أن الكفارة تلزم في الوطئ بالليل كما ذهبت الامامية إليه، دليلنا الاجماع المتقدم وطريقة الاحتياط، ولان المعتكف قد لزمه حكم متى أفسد اعتكافه بلا خلاف، وإذا فعل ما ذكرناه برئت ذمته بيقين بلا خلاف، وليس كذلك إذاقضى ولم يكفر.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام، ومن عداهم من الفقهاء يخالفون في ذلك، لان أبا حنيفة والشافعي يجوزان أن يعتكف يوما واحدا.
وقال مالك: لاإعتكاف أقل من عشرة أيام، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر.
وأيضا فإن مقادير الازمنة للعبادات لا تعلم إلا بالنص وطريقة العلم وما تقوله الامامية من الزمان يستند إلى ما هذه صفته، وما يقول مخالفها يستند إلى طريقة الظن، والظن لا مجال له فيما جرى هذا المجرى، فتعلق مالك بأن النبيصلىاللهعليهوآله إعتكف في العشر الاواخر ليس بشئ لان اعتكافهصلىاللهعليهوآله عشرة أيام لا يدل على أنه لا يجزي أقل منها، وتعلق من حده بيوم واحد أو أقل من ذلك بقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد)
وإن الظاهر يتناول الزمان الطويل والقصير غير صحيح، لان الاعتكاف اسم شرعي، ومن ذهب إلى أنه ما انتقل في الشرع وأنه اسم لللبث المقصود بالعبادة يجعل له شروطا شرعية تراعى في اجراء الاسم عليه فلا بد من الرجوع إلى الشرع في الاسم أو في شروطه، والله تعالى نهى عن المباشرة مع الاعتكاف، فمن أين لهم أنه ما يكون في أقل من ثلاثة أيام يتناوله هذا الاسم ويحصل له الشروط الشرعية فلا دلالة إذا في هذا الظاهر.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأن المعتكف ليس له إذا خرج من المسجد أن يستظل بسقف حتى يعود إليه، والثوري يوافق الشيعة الامامية في ذلك.
وحكى عنه الطحاوي في كتاب الاختلاف ان المعتكف لا يدخل تحت سقف إلا أن يكون ممره فيه، فإن دخل فسد اعتكافه، وباقي الفقهاء يجيزون له الاستظلال بالسقف.
والحجة للامامية الاجماع المتقدم وطريقة الاحتياط واليقين بأن العبادة ما فسدت إلا بيقين ولا يقين إلا باجتناب ما ذكرناه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأن للمعتكف أن يعود المريض ويشيع الجنازة وهو مذهب الحسن بن حي، وإنما خالف فيه باقي الفقهاء وروي عن الثوري أنه أجاز له عيادة المريض.
والحجة للامامية الاجماع المتقدم، وأيضا فإن تشييع الجنازة والصلاة على الميت من فروض الكفايات وعيادة المريض من السنن المؤكدة المفضلة، والاعتكاف لا يمنع من العبادات.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بأن ليس للمعتكف أن يبيع ويشتري ويتجر، ومالك يوافق الامامية في ذلك وإن كان أبوحنيفة وأصحابه والشافعي يجيزون للمعتكف التجارة والبيع والشري.
والحجة للامامية
الاجماع المتقدم، لان من اجتنب التجارة صح اعتكافه ولم يفسد بيقين وليس كذلك من اتجر.
[كتاب الزكاة]
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بأن الزكاة لا تجب إلا في تسعة أصناف: الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والابل والبقر والغنم، ولا زكاة فيما عدا ذلك.
وباقي الفقهاء يخالفونهم في ذلك، وحكى عن ابن أبي ليلى والثوري وإبن حى أنه ليس في شئ من المزروع زكاة إلا الحنطة والشعير والتمر والزبيب وهذه موافقة للامامية.
وأبوحنيفة وزفر يوجبان العشر في جميع ما أنبتت الارض إلا الحطب والقصب والحشيش.
وأبويوسف ومحمد يقولان لا يجب العشر إلا في ماله ثمرة باقية ولا شئ في الخضروات.
وقال مالك: الحبوب كلها فيها الزكاة وفي الزيتون.
وقال الشافعي إنما تجب فيما يبس ويقتات ويذخر مأكولا، ولا شئ في الزيتون.
والذي يدل على صحة مذهبنا مضافا إلى الاجماع أن الاصل برائة الذمة من الزكوات وإنما يرجع إلى الادلة الشرعية في وجوب ما يجب منها، ولا خلاف فيما أوجبت الامامية الزكاة فيه وما عداه فلم يقم دليل قاطع على وجوب الزكاة فيه فهو باق على الاصل وهو قوله تعالى: (ولا يسئلكم أموالكم) والمعنى أنه لا يوجب حقوقا في أموالكم لانه تعالى لا يسئلنا أموالنا إلا على هذا الوجه وهذا الظاهر يمنع من وجوب حق في الاموال فما أخرجناه منه فهو بالدليل القاطع وما عداه باق تحت الظاهر، فإن تعلقوا بقوله تعالى: (وآتوا
حقه يوم حصاده) وأنه عام في جميع الزروع وغيرها مما ذكره في الآية، فالجواب عنه انا لا نسلم أن قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) يتناول العشر أو نصف العشر المأخوذ على سبيل الزكاة، فمن ادعى تناوله لذلك فعليه الدلالة.
وعند أصحابنا أن ذلك يتناول ما يعطي المسكين والفقير والمجتاز وقت الحصاد من الحفنة والضغث، فقد رووا ذلك عن أئمتهمعليهمالسلام فمنه ما روى عن ابى جعفر " ع " في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: ليس ذلك الزكاة ألا ترى أنه تعالى قال: (ولا تسرفوا أنه لا يحب المسرفين) وهذه نكتة منهعليهالسلام مليحة لان النهي عن السرف لا يكون إلا فيما ليس بمقدر، والزكاة مقدرة.
وروي عن أبي عبدالله " ع " أنه قيل له: يا ابن رسول الله وما حقه؟ قال: تناول منه المسكين والسائل، والاحاديث بذلك كثيرة، ويكفي احتمال اللفظ، وإن كان يقوى هذا التأويل أن الاية يقتضي أن يكون العطاء في وقت الحصاد، والعشر المفروض في الزكاة لا يكون في تلك الحال لان العشر مكيل ولا يؤخذ إلا من مكيل، وفي وقت الحصاد لا يكون مكيلا ولا يمكن كيله، وإنما يكال بعد جفافه وتذريته وتصفيته، فتعليق العطاء بتلك الحال لا يليق إلا بما ذكرناه.
ويقوي أيضا هذا التأويل ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله من النهي عن الحصاد والجذاذ بالليل، فالجذاذ هو صرام النخل وإنما نهى " ع " عن ذلك لما فيه من حرمان المساكين عما ينبذ إليهم من ذلك.
وما يقوله قوم في هذه الآية من أنها مجملة فلا دليل لهم فيها ليس بصحيح لان الاجمال هو مقدار الواجب لا الموجب فيه، فإن قيل قد سماه الله تعالى حقا وذلك لا يليق إلا بالواجب.
قلنا: قد يطلق اسم الحق على الواجب والمندوب إليه، وقد روى جابر أن رجلا قال: يا رسول الله هل علي حق في إبلي سوى الزكاة؟ فقالعليهالسلام : نعم تحمل عليها وتسقي من لبنها، فإن قالوا ظاهر قوله تعالى: (وآتوا حقه) يقتضي الوجوب وما ذكرتموه ليس بواجب.
قلنا: إذا سلمنا أن ظاهر الامر في الشرع يقتضي الوجوب كان لنا طريقان من الكلام، أحدهما أن نقول أن ترك ظاهر من الكلام ليسلم ظاهر آخر له كترك ذلك الظاهر ليسلم هذا.
وأنتم إذا حملتم الامر على الوجوب ها هنا تركتم تعليق العطاء بوقت الحصاد، ونحن إذا حملنا الامر في الآية على الندب يسلم لنا ظاهر تعلق العطاء بوقت الحصاد، وليس أحد الامرين إلا كصاحبه وأنتم المستدلون بالآية فخرجت من أن تكون دليلا لكم.
والطريق الآخر: انا لو قلنا بوجوب هذا العطاء في وقت الحصاد وإن لم يكن مقدرا بل موكولا إلى اختيار المعطى لم تكن بعيدا من الصواب فإن تعلقوا بقوله تعالى: (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) فإن المراد بالنفقة هاهنا الصدقة بدلالة قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) يعني لا يخرجون زكاتها، فالجواب عن ذلك ان اسم النفقة لا يجري على الزكاة إلا مجازا، ولا يعقل من إطلاق لفظ الانفاق إلا ما كان في المباحات وما جرى مجراها.
ثم لو سلمنا ظاهر العموم لجاز تخصيصه ببعض الادلة التي ذكرناها.
فإن قيل: كيف تدعون إجماع الامامية وابن الجنيد يخالف في ذلك ويذهب إلى أن الزكاة واجبة في جميع الحبوب التي تخرجها الارض وإن زادت على التسعة الاصناف التي ذكرتموها.
وروي في ذلك أخبارا كثيرة عن أئمتهم " ع " وذكر أن يونس كان يذهب إلى ذلك.
قلنا: لا اعتبار بشذوذ ابن الجنيد ولا يونس وإن كان يوافقه، والظاهر
من مذهب الامامية ما حكيناه.
وقد تقدم إجماع الامامية وتأخر عن ابن الجنيد ويونس، والاخبار التي تعلق ابن الجنيد بها الواردة من طريق الشيعة الامامية معارضة بأظهر وأكثر وأقوى منها من رواياتهم المعروفة المشهورة، ويمكن حملها بعد ذلك على أنها خرجت مخرج التقية، فإن الاكثر من مخالفي الامامية يذهبون إلى أن الزكاة واجبة في الاصناف كلها، وإنما يوافق الامامية منهم الشاذ النادر، ومما يقوي مذهبنا في هذه المسألة: أن الذرة والعدس وكثيرا من الحبوب الخارجة عن الحنطة والشعير كانت معروفة بالمدينة وأكنافها، وما نقل أحد من أهل السير عن أحد ممن بعثه النبيصلىاللهعليهوآله لاخذ الصدقة أنه أخذ في جملة ما أخذ عدسا ولا ذرة، كما رووا، وعينوا الحنطة والشعير والتمر فدل ذلك على أنه خارج عن أصناف ما يؤخذ منه الزكاة.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به نفي الزكاة عن عروض التجارة وقد وافقهم في ذلك داود بن علي وهو قول ابن عباس رحمة الله عليه فيما رواه الحراني عنه.
وأبوحنيفة وأصحابه يوجبون في عروض التجارة الزكاة إذا بلغت قيمتها النصاب وهو قول الثوري والاوزاعي وابن حي والشافعي.
وقال مالك: إن كان إنما يبيع العرض بالعرض فلا زكاة حتى يقبض ماله وإن كان يبيع بالعين والعرض فإنه يزكي.
وقال الليث: إذا ابتاع متاعا للتجارة فيبقى عنده أحوالا فليس عليه إلا زكاة واحدة.
دليلنا على صحة هذه المسألة كل شئ دللنا به على أن الزكاة لا تجب فيما عدا الاصناف التسعة التي عيناها، وعروض التجارة خارجة عن تلك الاصناف فالطريقة تتناولها، ويمكن أن يعارضوا بما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله
من قوله ليس على المسلم في عبده ولا على فرسه صدقة.
وعموم هذا القول يقتضي نفي الصدقة عما هو معرض للتجارة وعما ليس بمعرض لها، لانهعليهالسلام لم يفصل بينهما، وإذا ثبت نفي الصدقة عن العبد والفرس وإن كان للتجارة ثبت فيما عداهما من العروض لان أحدا لم يفصل بين الامرين.
وأيضا فإن أصول الشريعة تقتضي أن الزكاة إنما تجب في الاعيان لاالاثمان، وعروض التجارة عندهم إنما تجب في أثمانها لا أعيانها، وذلك مخالف لاصول الشريعة، فإن تعلقوا بقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) وإن عموم الآية بقوله يتناول عروض التجارة.
فالجواب عن ذلك أن أكثر ما في هذه الآية أن يكون لفظها عموما والعموم معرض للتخصيص، ونحن نخص هذا العموم ببعض ما تقدم من أدلتنا على أن مخالفينا لا بد لهم من ترك الظاهر في عروض التجارة لانهم يضمرون في تناول هذا اللفظ لعروض التجارة أن يبلغ قيمتها نصاب الزكاة، وهذا ترك للظاهر وخروج عنه ولا فرق بينهم فيه وبيننا إذا حملنا اللفظة في الآية على الاصناف التي أجمعنا على وجوب الزكاة فيها، وإذا قمنا في ذلك مقامهم وهم المستدلون بالآية بطل استدلالهم بمثل هذا الكلام ويبطل تعلقهم بقوله تعالى: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) ويمكن في هذه الآية أن يقال أنها خرجت مخرج المدح لهم فيما فعلوه لا على سبيل إيجاب الحق في أموالهم لانه تعالى قال: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبا لاسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) فأخرج الكلام كله مخرج المدح لهم بما فعلوه، وليس في إيجاب الله تعالى في أموالهم حقا معلوما للسائل والمحروم مدحا لهم ولا ما يوجب الثناء عليهم، فعلم أن المعنى ويعطون من أموالهم حقا معلوما للسائل والمحروم، وما يفعلونه من ذلك ليس بلازم أن يكون واجبا
بل قد يكون نفلا وتطوعا، فقد يمدح الفاعل على ما يتطوع به كما يمدح على فعل ما يجب عليه، ولا تعلق لهم بقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) لان اسم الزكاة اسم شرعي ونحن لا نسلم أن في عروض التجارة زكاة فيتناولها الاسم فعلى من ادعى ذلك أن يدل عليه ولا تعلق لهم بما روي عنهعليهالسلام من قوله: حصنوا أموالكم بالصدقة، وأن لفظة الاموال يدخل تحتها عروض التجارة، وذلك أنه ليس في الظاهر إنما يحصن كل مال بصدقة منه، وليس يمتنع أن تحصن أموال التجارة وما لا يجب فيه الزكاة بالصدقة مما يجب فيه الزكاة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية نفي الزكاة عن الذهب والفضة على اختلاف أحوالهما إلا أن يكون درهما أو دينارا مضروبا منقوشا وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ويوجبون الزكاة في جميع الاحوال إلا الشافعي فانه لا يوجب الزكاة في الحلي والحلل المباح على أظهر قوليه.
دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة ما قدمنا ذكره أيضا من أن الاصل براءة الذمة، ولم يقم دليل قاطع على أن ما عدا الدراهم والدنانير من المصوغات وغيرها يجب فيه الزكاة ونحن على حكم الاصل فإن تعلقوا بالاخبار التى وردت في ايجاب الزكاة على الذهب والفضة على الاطلاق فهذه أولا كلها أخبار آحاد تعارضها الاخبار الواردة بأنه لا زكاة إلا في الدراهم والدنانير على إنا نحمل تلك الاخبار العامة على أن المراد بها الدراهم والدنانير لانهما من فضة وذهب.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الابل إذا بلغت خمسا وعشرين ففيها خمس شياة، لان باقي الفقهاء يخالفون في ذلك ويوجبون في خمس وعشرين ابنة مخاض، دليلنا الاجماع المتقدم.
فإن قيل قد خالف أبوعلي ابن الجنيد في ذلك وقال: ان في خمس وعشرين ابنة
مخاض، فإن لم تكن في الابل فابن لبون، فإن لم يكن فخمس شياة، فإن زادت على خمس وعشرين واحدة ففيها ابنة مخاض.
قلنا إجماع الامامية قدتقدم ابن الجنيد وتأخر عنه، وإنما عول ابن الجنيد في هذا المذهب على بعض الاخبار المروية عن أئمتناعليهمالسلام ومثل هذه الاخبار لا يعول عليها ويمكن أن نحمل ذكر بنت المخاض وابن اللبون في خمس وعشرين على أن ذلك على سبيل القيمة لما هو الواجب من خمس شياة وعندنا أن القيم يجوز أخذها في الصدقات.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به وقد وافقها غيرها من الفقهاء فيه قولهم أن الابل إذا بلغت مائة وعشرين ثم زادت فلا شئ عليهم في زيادتها حتى تبلغ مائة وثلاثين، فإذا بلغتها ففيها حقة واحدة وابنتا لبون، وأنه لا شئ في الزيادة مابين العشرين والثلاثين وهذا مذهب مالك بعينه والشافعي يذهب إلى أنها إذا زادت واحدة على مائة وعشرين كان فيها ثلاث بنات لبون.
وعند أبي حنيفة وأصحابه فيما زاد على مائة وعشرين أنه يستقبل الفريضة ويخرج من كل خمسة زائدة على العشرين شاة، فإذا بلغت الزيادة خمسا وعشرين أخرج ابنة مخاض.
والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتردد أن الاصل هو برائة الذمة من الزكاة، وقد اتفقنا على ما يخرج من الابل إذا كانت مائة وعشرين واختلفت الامة فيما زاد على العشرين في ما بينها وبين الثلاثين، ولم يقم دليل قاطع على وجوب شئ ما بينها وبين العشرين إلى أن تبلغ الزيادة ثلاثين فيجب فيها حقة وابنتا لبون عندنا وعند الشافعى ومالك وعند أبي حنيفة يجب حقتان وشاتان، وقد أجمعنا على وجوب الزكاة في مائة وثلاثين، ولم يجمع على وجوب شئ في الزيادة في ما بين العشرين والثلاثين، ولم يقم دليل
قاطع فيجب أن يكون على الاصل، فإذا ذكرت الاخبار المتضمنة أن الفريضة إذا زادت على العشرين ومائة تعاد الفريضة إلى أولها في كل خمس شاة أو الخبر المتضمن أنها إذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، فجوابنا عن ذلك أن هذه كلها أخبار آحاد لا توجب علما ولا تقتضي قطعا ويعارضها ما رووه عن طرقهم ووجد في كتبهم انه وجد في كتاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن الابل إذا زادت على عشرين ومائة فليس في ما زاد شئ دون ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها ففيها بنتا لبون وحقة فأما ما يعارض ما رووه من روايات أصحابنا عن أئمتناعليهمالسلام فأكثر من أن تحصى وإنما عارضناهم بما يعرفونه ويألفونه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بأن الزكاة لا تجزي إلا إذا انصرفت إلى إمامي ولا تسقط عن الذمة بدفعها إلى مخالف، والحجة في ذلك مضافا إلى الاجماع أن الدليل قد دل على أن خلاف الامامية في أصولهم كفر وجار مجري الردة، ولا خلاف بين المسلمين في أن المرتد لا تخرج إليه الزكاة.
(مسالة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الزكاة لا تخرج إلى الفساق وإن كانوا معتقدين، الحق وأجاز باقي الفقهاء أن تخرج إلى الفساق وأصحاب الكبائر.
دليلنا على صحة مذهبنا الاجماع المتردد وطريقة الاحتياط واليقين ببرائة الذمة أيضا، لان إخراجها إلى من ليس بفاسق مجزي بلا خلاف، وإذا أخرجها إلى الفاسق فلا يقين ببرائة الذمة منها ويمكن أن يستدل على ذلك بكل ظاهر من قرآن أو سنة مقطوع عليها يقتضي النهي عن معونة الفساق والعصاة وتقويتهم وذلك كثير.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأنه لا يعطى الفقير الواحد من الزكاة المفروضة أقل من خمسة دراهم.
وروي أن الاقل درهم واحد،
وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، ويجيزون إعطاء القليل والكثير من غير تحديد.
وحجتنا على ماذهبنا إليه إجماع الطائفة، وطريقة الاحتياط وبرائة الذمة أيضا.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من فر بدراهم أو دنانير من الزكاة فسبكها أو أبدل في الحول جنسا بغيره هربا من وجوب الزكاة فإن الزكاة تجب عليه إذا كان قصد بما فعله الهرب منها، وإن كان له غرض آخر سوى الفرار من الزكاة فلا زكاة عليه، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ولا يوجبون على من ذكرنا الزكاة وإن كان قصده الهرب منها.
وروى عن مالك وبعض التابعين أن عليه الزكاة.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة.
فإن قيل: قد ذكر أبوعلي ابن الجنيد أن الزكاة لا تلزم الفار منها ببعض ما ذكرناه.
قلنا ان الاجماع قد تقدم ابن الجنيد وتأخر عنه، وإنما عول ابن الجنيد على اخبار رويت عن أئمتناعليهمالسلام وتتضمن أنه لا زكاة عليه وإن فر بماله، وبازاء تلك الاخبار مما هو أظهر منه وأقوى وأولى وأوضح طرقا تتضمن أن الزكاة يلزمه ويمكن حمل ما تضمن من الاخبار أنها لا تلزمه على التقية، فإن ذلك مذهب جميع المخالفين، ولا تأويل للاخبار التي وردت بان الزكاة تلزمه إذا فر منها إلا إيجاب الزكاة، فالعمل بهذه الاخبار أولى.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأن السخال والفصال والعجاجيل لا تضم إلى أمهاتها في الزكاة وإن بلغ عدد الامهات النصاب، وسواء كانت هذه السخال متولدة عن هذه الامهات التي في ملك صاحبها أو كانت مستفادة من جهة أخرى، لان النخعي والحسن البصري يذهبان إلى مثل ما تذهب إليه الامامية، ولا يجعلان حول الكبار حولا للصغار.
وأبوحنيفة
وأصحابه يضمون المستفاد إلى الاصل على كل حال ويزكونه بحول الاصل.
والشافعي يضم إلى الاصل ما تولد منه خاصة بعد أن يبلغ الاصل النصاب والحجة لمذهبنا الاجماع المتردد.
وأيضا فإن الاصل برائة الذمة من الحقوق ولم يثبت بيقين وعلم قاطع ان في السخال زكاة مع الامهات وإنما يضم إليها في الحول، ويمكن أن يعارض المخالف بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
فظاهر هذاالخبر يوجب أن المستفاد لا يضم إلى الاصل ويجعل أصل الحول حولا له، بل لا بد من المستفاد إذا كان من الجنس الذي يجب فيه الزكاة أن يستأنف له حول على استقلاله بحصوله في الملك، وليس لهم أن يحتجوا بما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله ويعد صغيرها وكبيرها، ولم يفرق بين أحوالها، وذلك أن المراد بهذا الخبر أنه يعد الصغير والكبير إذا حال عليهما الحول لانه لا خلاف في أن الحول معتبر، ومعنى الصغير والكبير ها هنا ليس المراد به ما ينقص في سنه عن الحد الذي يجب فيه الزكاة، وإنما المراد الصغير والكبير مما بلغ سن الزكاة، ويجوز أن يراد بالصغير والكبير ها هنا العالي المنزلة والمنخفض المنزلة والكريم وغير الكريم فقد يكون في المواشي الكرايم وغير الكرايم.
(مسأله) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأنه يجوز أن يأخذ الهاشمي من زكاة الهاشمي، وإنما حرم على بني هاشم زكاة من عداهم من الناس، وقد وافقهم في ذلك أبويوسف صاحب أبي حنيفة فيما رواه عنه ابن سماعة.
وحكى عنه أن الزكاة من بني هاشم تحل لبني هاشم ولا يحل لهم ذلك من غيرهم.
والحجة فيما ذهبنا إليه إجماع الطائفة ويمكن أن يقوى ذلك بأن
الصدقة إنما حرمت عليهم تنزيها وتعظيما.
وفي الاخبار الواردة بحظر الصدقة عليهم ما يقتضي التنزيه والصيانة عما فيه مذلة وغضاضة، وهذا المعنى مفقود في بعضهم مع بعض.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الصدقة إنما تحرم على بني هاشم إذا تمكنوا من الخمس الذي جعل الله لهم عوضا عن الصدقة فإذا حرموه حلت لهم الصدقة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد ويقوي هذا المذهب بظاهر الاخبار بأن الله تعالى حرم الصدقة على بني هاشم وعوضهم بالخمس عنها فإذا سقط ما عوضوا به لم تحرم عليهم الصدقة.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به اجازتهم أن يشترى من مال الزكاة المملوك فيعتق، ويقولون: أنه متى استفاد المعتق مالا ثم مات فماله لاهل الزكاة لانه اشترى من مالهم.
وقد روي عن مالك وأحمد بن حنبل مثل هذا القول الذي حكيناه.
وروي عن ابن عباس رحمة الله عليه أنه قال: اعتق من زكاتك.
فأما باقي الفقهاء من أبي حنيفة والشافعي وغيرهما فعندهم أنه لا يجوز العتق من الزكاة دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وقوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) إلى قوله تعالى: (وفي الرقاب) وهذا نص صريح في جواز عتق الرقبة من الزكاة.
فإن قيل المراد بقوله تعالى: (وفي الرقاب) المكاتبون، فإن الفقهاء كلهم يجيزون أن يعطى المكاتب من مال الزكاة إلا مالكا، فانا نحمله على المكاتب وعلى من يبتاع فيعتق، لانه لا تنافي بين الامرين، وظاهر القول يقتضي الكل.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الزكاة يجوز أن
يكفن منها الموتى ويقضى بها الدين عن الميت، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك كله والحجة لاصحابنا مضافا إلى إجماعهم قوله تعالى في آية وجوه الصدقات: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والغارمين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل)، ومعنى سبيل الله الطريق إلى ثوابه والوصلة إلى التقرب إليه، ولما كان ما ذكرناه متقربا إلى الله تعالى وموصلا إلى الثواب جاز صرفه فيه، فإذا قيل أن المراد بقوله تعالى: (وفي سبيل الله) ما ينفق في جهاد العدو.
قلنا: كل هذا مما يوصف بأنه في سبيل الله تعالى وإرادة بعضه لا تمنع من إرادة بعض آخر.
وقد روى مخالفونا عن ابن عمر أن رجلا أوصى بماله في سبيل الله، فقال ابن عمر: ان الحج من سبيل الله فاجعلوه فيه، وروي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: الحج والعمرة من سبيل الله تعالى.
وقال محمد بن الحسن في السير الكبير في رجل أوصى بماله في سبيل الله تعالى أنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به وكل هذا يدل على أن هذا الاسم لا يختص بجهاد العدو.
(مسائل كتاب الخمس)
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الخمس واجب في جميع المغانم والمكاسب ومما استخرج من المعادن والغوص والكنوز ومما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات بعد المؤنة والكفاية في طول السنة على اقتصاد، وجهات قسمته هو أن يقسم هذا الخمس على ستة أسهم ثلاثة منها للامام القائم مقام الرسولصلىاللهعليهوآله وهي سهم الله تعالى وسهم رسوله
وسهم ذوي القربى، ومنهم من لا يخص الامام بسهم ذي القربى ويجعله لجميع قرابة الرسول "صلىاللهعليهوآله " من بني هاشم، فأما الثلاثة الاسهم الباقية فهي ليتامى آل محمدعليهمالسلام ومساكينهم وأبناء سبيلهم ولا يتعداهم إلى غيرهم ممن استحق هذه الاوصاف.
ويقولون: إذا غنم المسلمون شيئا من دار الكفر بالسيف قسم الامام الغنيمة على خمسة أسهم، فجعل أربعة منها بين من قاتل على ذلك وجعل السهم الخامس على ستة أسهم، ثلاثة منها لهعليهالسلام ، وثلاثة للاصناف الثلاثة من أهله من أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وخالف سائر الفقهاء في ذلك وقالوا كلهم أقوالا خارجة عنه، والحجة فيه الاجماع المتكرر.
فإن قيل: هذا المذهب يخالف ظاهر الكتاب، لان الله تعالى قال: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) وعموم الكلام يقتضي ألا يكون ذوي القربي واحدا وعموم قوله تعالى: (ولليتامى والمساكين وابن السبيل) يقتضي تناوله لكل من كان بهذه الصفات ولا يختص ببني هاشم قلنا: ليس يمتنع تخصيص ما ظاهره العموم بالادلة على أنه خلاف بين الامة في تخصيص هذه الظواهر، لان ذوي القربى عام وقد خصوه بقربى النبيصلىاللهعليهوآله دون غيره، ولفظ اليتامى والمساكين وابن السبيل عام في المشرك والذمي والغني والفقير، وقد خصته الجماعة ببعض من له هذه الصفة على أن من ذهب من أصحابنا إلى أن ذا القربى هو الامام القائم مقام الرسولعليهالسلام خاصة، وسمي بذلك لقربه منه نسبا وتخصصا، فالظاهر معه لان قوله تعالى (وذي القربى) لفظ وحدة ولو أراد تعالى الجمع لقال ولذوي القربى فمن حمل ذلك على الجماعة فهو مخالف للظاهر.
فإن قيل فمن حمل ذا القربى في الآية على جميع ذوي القرابات من بني هاشم يلزمه أن يكون ما عطف على ذلك من اليتامى والمساكين منهم غير الاقارب لان النبي لا
يعطف على نفسه، قلنا: لا يلزم ذلك لان الشئ وإن لم يعطف على نفسه فقد يعطف صفة على صفة أخرى والموصوف واحد، لانهم يقولون جاءني زيد العاقل الظريف والشجاع والموصوف معا واحد.
وقال الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام |
وليث الكتيبة في المزدحم |
والصفات كلها لموصوف واحد وكلام العرب مملو في نظائر ذلك.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن الصاع تسعة أرطال بالعراقي، وخالف سائر الفقهاء في ذلك.
فقال أبوحنيفة ومحمد بن أبي ليلى والثوري وابن حي الصاع ثمانية أرطال بالعراقي، وقال أبويوسف والشافعي الصاع خمسة أرطال وثلث، وقال شريك ابن عبدالله الصاع أقل من ثمانية أرطال وأكثر من سبعة.
والدليل على صحة مذهبنا بعد إجماع الطائفة أن من أخرج تسعة أرطال فلا خلاف في برائة ذمته، وليس كذلك من أخرج دون ذلك، وإذا وجب حق في الذمة بيقين فيجب سقوطه عنها بيقين، ولا يقين إلا في ما ذهبنا إليه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأنه لا يجوز أن يعطى الفقير الواحد أقل من صاع وإن جاز أن يعطى اكثر من ذلك، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
والحجة لنا فيه بعد الاجماع المتردد اليقين ببراءة الذمة وحصول الاجزاء وليس ذلك إلا فيما نذهب إليه دون غيره.
وأيضا فكل من قال أن الصاع تسعة أرطال ذهب إلى ما ذكرناه فالتفرقة بين المسألتين خلاف الاجماع.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من أضاف غيره طول شهر رمضان يجب عليه إخراج الفطرة عنه، والحجة فيه الاجماع المتردد،
وليس لهم أن يقولوا أن الضيف لا يجب عليه نفقته فلا يجب عليه فطرته، لانا ليس نراعي في وجوب الفطرة وجوب النفقة، بل نراعي من يعوله سواء كان ذلك وجوبا أو تطوعا.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الفطرة لا يجوز أن يعطى المخالف لها ولا الفاسق وإن كان موافقا، وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
وقد تقدم هذا الكلام على نظير هذه المسألة في باب الزكاة فلا معنى لاعادته.
[مسائل الحج]
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بوجوب الوقوف بالمشعر الحرام وأنه ركن من أركان الحج، جار مجرى الوقوف بعرفة في الوجوب، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يوجبه واحد منهم.
دليلنا بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) والامر على الوجوب، ولا يجوز أن يوجب ذكر الله تعالى فيه إلا وقد أوجب الكون فيه، ولان كل من أوجب الذكر فيه أوجب الوقوف، فإن قالوا نحمل ذلك على الندب قلنا: هو خلاف الظاهر ويحتاج إلى الدلالة.
وأيضا فإن من وقف في المشعر وأدى سائر أركان الحج سقط الحج عن ذمته بلا خلاف، وليس كذلك إذا لم يقف به، فإن قيل هذه الآية تدل على وجوب الذكر وأنتم لا توجبونه وإنما توجبون الوقوف مثل عرفة، قلنا: لا يمتنع أن نقول بوجوب الذكر بظاهر هذه الآية.
وبعد فإن الآية تقتضي وجوب الكون في المكان المخصوص والذكر جميعا
وإذا دل الدليل على أن الذكر مستحب غير واجب أخرجناه عن الظاهر وبقى الآخر يتناوله الظاهر وتقدير الكلام فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام واذكروا الله تعالى فيه.
فإن قيل الكون في المكان يتبع الذكر في وجوب أو استحباب لانه إنما يراد له من أجله فإذا ثبت أن الذكر مستحب فكذلك الكون.
قلنا: لا نسلم أن الكون في ذلك المكان تابع للذكر لان الكون عبادة مفردة عن الذكر، والذكر عبادة أخرى وإحداهما لا تتبع الاخرى كما لا يتبع الذكر لله سبحانه وتعالى في عرفات الكون في ذلك المكان والوقوف به لان الذكر مستحب، والوقوف بعرفات واجب بلا خلاف، على أن الذكر إن لم يكن واجبا فشكرالله تعالى على نعمه واجب على كل حال، وقد أمر الله عزوجل بأن نشكره عند المشعر الحرام، فيجب أن يكون الكون بالمشعر واجبا، كما أن القول إذا أمرنا بإيقاعه عنده واجب.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون المشعر ليس بمحل للشكر وإن كان محلا للذكر وإن عطف الشكر على الذكر، قلنا: الظاهر بخلاف ذلك لان عطف الشكر على الذكر يقتضي تساوي حكمهما في المحل وغيره، وجرى ذلك مجرى قول القائل اضرب زيدا في الدار وقيده في أن الدار محل للفعلين معا.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من فاته الوقوف بعرفة وأدرك الوقوف بالمشعر الحرام يوم النحر فقد أدرك الحج، وخالف باقي الفقهاء في ذلك والحجة لنا بعد الاجماع المتقدم أنا قد دللنا على وجوب الوقوف بالمشعر الحرام، وكل من قال من الامة كلها بوجوب ذلك قال: أن الوقوف به إذا فات الوقوف بعرفة يتم معه الحج، والتفرقة بين المسألتين خلاف إجماع المسلمين.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الاحرام قبل الميقات لا ينعقد، وقد شاركها في كراهية ذلك مالك والشافعي إلا أنهما لا ينتهيان إلى نفي انعقاده، وذهب أبوحنيفة وأصحابه والشعبي وابن حي إلى أن أفضل الاحرام أن تحرم من دويرة أهلك.
دليلنا بعد الاجماع الذي مضى أن معنى ميقات في الشريعة هو الذي يتعين فلا يجوز التقدم عليه مثل مواقيت الصلاة، فتجويز التقدم على الميقات يبطل معنى هذا الاسم.
وأيضا فلا خلاف في أنه إذا أحرم من الميقات إنعقد حجه، وليس كذلك إذا أحرم قبله، وينبغي أن يكون من انعقاد إحرامه على يقين، فإن عارض المخالف بما يروونه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعبدالله بن مسعودرضياللهعنه في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) إن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فالجواب أن هذا خبر واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب عملا كما لا توجب علما، ثم ذلك محمول على من منزله دون الميقات، فعندنا أن كل من كان كذلك فميقاته منزله، فإن اعترضوا بما يروونه عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال: من أحرم من بيت المقدس غفر الله له ذنبه.
وفي خبر آخر من أهل بعمرة أو حجة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام وجبت له الجنة.
فالجواب عنه بعد أنه خبر واحد حمله على أن من عزم على ذلك ونواه وقصد من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام غفر الله له، وقد يسمى القاصد إلى الامر باسم الفاعل له والداخل فيه، وهذا أكثر في اللسان العربي من أن يحصى.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من أحرم بالحج في
غير أشهر الحج وهي شوال وذي القعدة وتسع من ذي الحجة لم ينعقد إحرامه والشافعي يوافق الامامية في أن إحرامه بالحج لا ينعقد، لكنه يذهب إلى أنه ينعقد له عمرة.
وقال أبوحنيفة وأصحابه ومالك والثوري وابن حي أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج انعقد إحرامه ولزمه.
وقد روي عن أبي حنيفة مع ذلك كراهيته، والحجة لنا إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) ومعنى ذلك وقت الحج أشهر معلومات، لان الحج نفسه لا يكون أشهرا، والتوقيت في الشريعة يدل على اختصاص الموقت بذلك الوقت وأنه لا يجزي في غيره.
وأيضا فقد ثبت أن من أحرم في أشهر الحج انعقد إحرامه بالحج بلا خلاف، وليس كذلك من أحرم قبل ذلك، فالواجب إيقاع الاحرام في الزمان الذي يحصل العلم بانعقاده فيه، فإن تعلق المخالف بقوله تعالى: (يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فظاهر ذلك يقتضي أن الشهور كلها متساوية في جواز الاحرام فيها.
والجواب ان هذه أن آية عامة تخصصها بقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) وبحمل لفظة الاهلة على أشهر الحج خاصة على أن أبا حنيفة لا يمكنه التعلق بهذه الآية، لان الله تعالى قال: (مواقيت للناس والحج) والاحرام عنده ليس من الحج، وبعد فتوقيت العبادة يقتضي جواز فعلها بغير كراهية، وعند أبي حنيفة وأصحابه أنه مكروه تقديم الاحرام على أشهر الحج، وقد أجاب بعض الشافعية على التعلق بهذه الآية بأن قوله تعالى: (يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس) أي لمنافعهم وتجاراتهم، ثم قال: (والحج) فاقتضى ذلك أن يكون بعضها لهذا وبعضها لهذا، وهكذا نقول، ويجري ذلك مجرى قوله: هذا المال لزيد وعمر.
وأن الظاهر يقتضي اشتراكهما فيه، وهذا
ليس بمعتمد، لان الظاهر من قوله تعالى: (للناس والحج) يقتضي أن يكون جميع الاهلة على العموم لكل واحد من الامرين، وليس كذلك قولهم المال لزيد وعمرو، لانه لا يجوز أن يكون جميع المال لكل واحد منهما، فوجب الاشتراك لهذه العلة، وجرت الآية مجرى أن يقول هذا الشهر أجل لدين فلان ودين فلان، في أنه يقتضي أن يكون الاشتراك إلا لهذه العلة كون الشهر كله أجلا للدينيين جميعا، ولا ينقسم كانقسام المال فوجب الاشتراك لهذه العلة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن التمتع بالعمرة إلى الحج هو فرض الله تعالى على كل من نأى عن المسجد الحرام لا يجزيه مع التمكن سواه، وصفته أن يحرم من الميقات بالعمرة، فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت سبعا وسعى بين الصفا والمروة سبعا، ثم أحل من كل شئ أحرم منه، فإذا كان يوم التروية عند زوال الشمس أحرم بالحج من المسجد الحرام وعليه دم المتعة، فإن عدم الهدي وكان واجدا لثمنه تركه عند من يثق به من أهل مكة حتى يذبح عنه طول ذي الحجة فإن لم يتمكن من ذلك أخره إلى أيام النحر من العام القابل، ومن لم يجد الهدي ولا ثمنه كان عليه صوم عشرة أيام قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فمن فاته ذلك صام ثلاثة أيام من أيام التشريق، وباقي العشرة إذا عاد إلى أهله.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك كله إلا أنهم اختلفوا في الافضل من ضروب الحج، فقال أبوحنيفة: وزفر القران أفضل من التمتع والافراد، وقال أبويوسف: التمتع بمنزلة القران وهو قول ابن حي وكره الثوري أن يقال بعضها أفضل من بعض.
وقال مالك والاوزاعي: الافراد أفضل.
وللشافعي قولان: أحدهما إن الافراد أفضل، والآخر أن التمتع أفضل وهو قول: أحمد بن حنبل
وأصحاب الحديث، دليلنا الاجماع المتردد، ويمكن أن يستدل أيضا على وجوب التمتع بأن الدليل قد دل على وجوب الوقوف بالمشعر، وأنه مجزي في تمام الحج عن الوقوف بعرفة إذا فات، وكل من قال بذلك أوجب التمتع بالعمرة إلى الحج والقول بوجوب أحدهما دون الآخر خروج عن إجماع المسلمين، ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) وأمره تعالى على الوجوب والفور فلا يخلو من أن يأتي بهما على الفور بأن يبدء بالحج ويثني بالعمرة أو يبدء بالعمرة ويثني بالحج أو يحرم بالحج والعمرة معا، والاول يفسد بأن أحدا من الامة لا يوجب على من أحرم بالحج مفردا أن يأتي عقيبه بلا فصل بالعمرة، والقسم الاخير باطل عندنا أنه لايجوز أن يجمع في إحرام واحد بين الحج والعمرة كما لا يجمع في إحرام واحد بين حجتين أو عمرتين، فلم يبق إلا وجوب القسم الاخير وهو التمتع الذى ذهبنا إليه، فإن قيل: قد نهى عن هذه المتعة مع متعة النساء عمر بن الخطاب وأمسكت الامة عنه راضية بقوله.
قلنا: نهي من ليس بمعصوم عن الفعال لا يدل على قبحه، والامساك عن النكير لا يدل عند أحد من العلماء على الرضا إلا بعد أن يعلم أنه لا وجه له إلا الرضا، وقد بينا ذلك وبسطناه في كثير من كتبنا.
وبعد فإن الفقهاء والمحصلين من مخالفينا حملوا نهي عمر عن هذه المتعة على وجه الاستحباب لا على الحظر، وقالوا في كتبهم المعروفة المخصوصة بأحكام القرآن إن نهي عمر يحتمل أن يكون لوجوه منها أنه أراد أن يكون الحج في أشهر المخصوصة به والعمرة في غير تلك الشهور، ومنها إن أحب عمارة البيت وإن يكثر زواره في غير الموسم، ومنها أنه أراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم.
ورووا في تقوية هذا المعنى أخبارا موجودة في كتبهم لا معنى للتطويل
بذكرها، وفيهم من حمل نهي عمر عن المتعة على فسخ الحج إذا طاف له قبل يوم النحر.
وقد روي عن ابن عباس رحمة الله عليه أنه كان يذهب إلى جواز ذلك وأن النبيصلىاللهعليهوآله كان أمر أصحابه في حجة الوداع بفسخ الحج من كان منهم لم يسق هديا ولم يحل هوعليهالسلام لانه كان ساق الهدي، وزعموا أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) وهذا التأويل الثاني بعيد من الصواب، لان فسخ الحج لا يسمى متعة، وقد صارت هذه اللفظة بعرف الشرع مخصوصة بمن ذكرنا حاله وصفته.
وأما التأويل الاول فيبطله قوله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، وتشدده في ذلك وتوعده يقتضي أن لا يكون القول خرج مخرج الاستحباب على أن نهيه عن متعة النساء كان مقرونا بنهيه عن متعة الحج، فإن كان نهيه عن متعة الحج استحبابا فالمتعة الاخرى كذلك.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الجدال الذي منع منه المحرم بقوله تعالى: (ولا جدال في الحج) هو الحلف بالله صادقا أو كاذبا وأنه إن جادل وهو محرم صادقا مرة أو مرتين فليس عليه كفارة وليستغفر الله تعالى، وإن جادل ثلاث مرات صادقا فما زاد فعليه دم شاة، فإن جادل مرة واحدة كاذبا فعليه دم شاة، وإن جادل مرتين كاذبا فدم بقرة، فإن جادل ثلاث مرات كاذبا فعليه دم بدنة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
والحجة لنا إجماع الطائفة عليه، ولان اليقين ببرائة الذمة في قولنا دون قولهم، فإن قيل ليس في لغة العرب، أن الجدال هو الحلف.
قلنا: ليس ينكر أن يقتضي عرف الشريعة ما ليس في وضع اللغة على أن الجدال إذا كان الخصومة والمراء والمنازعة، وهذه أمور تستعمل للدفع والمنع والقسم بالله تعالى قد يفعل لذلك وفيه معنى المنازعة والخصومة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من جامع بعد الاحرام وقبل التلبية لا شئ عليه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة فيه إجماع الطائفة عليه.
والوجه فيه أن التلبية عندهم بها يتم انعقاد الاحرام، فإذا لم يحصل فما انعقد، وما فعله كان رجوعا عن الاحرام قبل تكامله لا أنه نقض له بعد انعقاده، ويجب على هذا إذا أراد الاحرام أن يستأنفه ويلبي فإن الاحرام الاول قد رجع عنه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من وطئ عامدا في الفرج قبل الوقوف بالمشعر فعليه بدنة، والحج من قابل ويجري عندهم مجرى من وطئ قبل الوقوف بعرفة، وإن وطئ بعد الوقوف بالمشعر لم يفسد حجه وكان عليه بدنة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، لان أبا حنيفة وأصحابه يقولون أنه إن وطئ قبل الوقوف بالمشعر لم يفسد حجه والشافعى يقول: أنه يفسد غير أنه يقول فإن وطئ بعد وقوفه بالمشعر وقبل التحليل الاول يفسد أيضا حجه، ونحن لا نقول ذلك، فالانفراد بما ذكرناه صحيح.
ودليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد أنه قد ثبت وجوب الوقوف بالمشعر، وإنه ينوب في تمام الحج عن الوقوف بعرفة عمن لم يدركه، وكل من قال بذلك أوجب بالجماع قبله فساد الحج ولم يفسده بالجماع بعده، فالتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع فإن اعترضوا بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من وقف بعرفة فقد تم حجه.
وفي خبر آخر: الحج عرفة، فالجواب أن هذه أخبار آحاد وهي معارضة بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال لعروة بن مضرس بمزدلفة من وقف معنا هذا الموقف وصلى معنا هذه الصلاة، وقد كان قبل ذلك وقف بعرفة ساعة من
الليل أو نهارا فقد تم حجه، فشرط في تمام الحج الوقوف بالموقفين ويمكن حمل الخبرين اللذين رووهما على أن معظم الحج عرفة، ومعنى تم حجه قارب التمام، وهذا نظير قوله " ع " إذا رفع الامام رأسه من السجدة الاخيرة فقد تمت صلاته فالتفرقة بين الامرين خلاف إجماع الامامية.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية ولها في بعضه موافق القول بأن من وطئ عامدا زوجته أو أمته فأفسد بذلك حجه يفرق بينهما ولا يجتمعان إلى أن يعود إلى المكان الذي وقع عليها فيه من الطريق، وإذا حجا من قابل فبلغا ذلك المكان فرغ بينهما ولم يجتمعا حتى يبلغ الهدى محله.
وقال الشافعى والثورى: ان من وطئ زوجته فافسد بذلك حجه ثم حج بها من قابل فبلغا الموضع الذى وطئها فيه فرغ بينهما، وهذا شطر ما قالته الامامية.
وروي عن مالك وسفيان مثل ذلك.
وقال أبوحنيفة وأصحابه لا يفرق بينهما بحال من الاحوال، دليلنا الاجماع المتردد، وأيضا فإن ذلك ينهى ويزجر عن فعل مثله وكأنه عقوبة على جنايته.
وقد روى مخالفونا عن عمر وابن عباسرضياللهعنه انهما قالا: إذا وطئ الرجل زوجته فقضيا من قابل وبلغ الموضع الذي وطئها فيه فرق بينهما ولم يعرف لهما مخالف.
(مسألة): ومما يظن انفراد الامامية به ولهم فيه موافق القول بأن المحرم لا يجوز له أن يستظل في محمله من الشمس إلا عن ضرورة، وذهبوا إلى أنه يفدي ذلك إذا فعله بدم، ووافق مالك في كراهية ذلك إلا أننا ما نظنه يوجب في فعله شيئا، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، والحجة فيه إجماع الطائفة والاحتياط لليقين بسلامة إحرامه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من تزوج امرأة وهو
محرم عالما بأن ذلك محرم عليه بطل نكاحه ولم تحل له المرأة أبدا.
وهذا لم يوافق فيه أحد من الفقهاء ولان الشافعى ومالك وإن ابطلا النكاح المحرم، وجوز ذلك أبوحنيفة فانهما لا يقولان انه إذا فعل ذلك على بعض الوجوه حرمت عليه المرأة أبدا، دليلنا الاجماع المتردد.
ويمكن أن نقول للشافعي ومالك الموافقين لنا في تحريم نكاح المحرم إذا ثبت فساد نكاح المحرم باتفاق بيننا، وثبت أن ما صح فساده أو صحته في أحكام الشريعة لا يجوز تغير أحواله باجتهاد أو استفتاء مجتهد، لان الدليل قد دل عندنا على فساد الاجتهاد الذي يعنونه في الشريعة، فلم يبق إلا أن الفاسد يكون أبدا كذلك، والصحيح يكون على كل حال كذلك، وإذا ثبت هذه الجملة وجدنا كل من قال من الامة أن نكاح المحرم أو انكاحه فاسد على كل وجه، ومن كل أحد يذهب إلى ما فصلناه من انه إذا فعل ذلك عالما بطل نكاحه ولم تحل له المرأة أبدا، لان أحدا من الامة لم يفرق بين الموضعين والفرق بينهما خروج عن إجماع الامة، فان عارضونا بما يروونه عن أن النبيصلىاللهعليهوآله انه نكح ميمونة وهو محرم، فالجواب أنه خبر واحد وتعارضه أخبار كثيرة رووها أنه تزوجها وهو حلال.
وقيل: يمكن أن يتناول خبر ميمونة على أن ابن عباسرضياللهعنه كان يرى أن من قلد الهدي كان محرما، فلما رآه قلد الهدي اعتقد أنه محرم.
وأيضا فيحتمل ان يكون أراد أنه تزوجها في الشهر الحرام، والعرب تسمي من كان في الشهر الحرام بأنه محرم.
واستشهدوا بقول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما جهرا إن لم يكن عاقد الاحرام بلا خلاف وإنما كان في الشهر الحرام، ومما يمكن الاستدلال به على أن أصل المسألة ان النكاح سبب لاستباحة الوطئ بيقين، ولا يقين في أن عقد المحرم للنكاح سبب في الاستباحة فواجب تجنبه.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به وهو أحد قولي الشافعي إن من وطئ ناسيا لم يفسد ذلك حجه ولا كفارة عليه.
وذهب أبو حنيفة إلى انه مع النسيان يفسد الحج وفيه الكفارة، وهو أحد قولي الشافعي.
دليلنا الاجماع المتردد، ويجوز أن يعارضوا بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، ومعلوم أنهصلىاللهعليهوآله لم يرد رفع هذه الافعال وإنما أراد رفع أحكامها فان حملوا ذلك على رفع الاثم وهو حكم.
قلنا: هذا تخصيص بغير دليل على أن رفع الاثم عن الخاطئ مستفاد من قوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) وحملوا كلامه تعالى على فائدة ولم تستفد أولى.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن المحرم إذا قتل صيدا متعمدا عليه جزاءان، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، والحجة لنا فيه إجماع الطائفة وطريقة الاحتياط واليقين ببرائة الذمة، لانه لا خلاف في أنه بالقتل قد وجب لله في ذمته حق، وإذا فعل ما ذكرناه سقط ذلك الحق بيقين، وليس كذلك إن اقتصر على جزاء واحد.
ويمكن أن يقال: قد ثبت أن من قتل صيدا ناسيا يجب عليه الجزاء والعمد أغلظ من النسيان في الشريعة فيجب ان يتضاعف الجزاء عليه مع العمد.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن المحرم إذا صاد في الحرم تضاعف عليه الفدية، والوجه في ذلك بعد إجماع الطائفة انه قد جمع بين وجهين يقتضي على كل واحد منهما الفداء وهو الصيد مع الاحرام، ثم إيقاعه في الحرم، ألا ترى ان المحرم إذا صاد في غير الحرم يلزمه الفدية، والحلال إذا صاد في الحرم لزمته الفدية، واجتماع الامرين يوجب اجتماع الجزائين.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من كسر بيض النعام وهو محرم وجب عليه أن يرسل فحولة الابل في إناثها بعدد ما كسر فما نتج من ذلك كان هديا للبيت، فإن لم يجد ذلك فعليه لكل بيضة شاة، فإن لم يجد فإطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد صام عن كل بيضة ثلاثة أيام، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أن البيض مضمون بقيمته، وقال مالك يجب في البيضة عشر قيمة الصيد.
وقال داود والمزني: لا شئ في البيض، دليلنا بعد إجماع الطائفة ان اليقين ببراءة الذمة بعد العلم باشتغالها لا يحصل إلا بما ذكرناه، وأيضا فهو أحوط في منفعة الفقراء فيجب أن يكون أولى.
فان عارضونا بما يروونه عن أبي هريرة عن النبي أنه قال في بيض النعامة ثمنها، قلنا: هذا خبر واحد، ويجوز أن يكون لفظة ثمنها محمولة على الجزاء، فإن الجزاء والبدل في الشرع يجوز وصفهما بالثمن، لانه في مقابلة المثمن فيكون تقدير الكلام في بيض النعامة الجزاء الذي قررته الشريعة، وهو ما ذكرناه.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بأن من اضطر إلى أكل ميتة أو لحم صيد وجب أن يأكل الصيد ويفديه ولا يأكل الميتة.
وأبويوسف يوافق في ذلك لانه قال: يذبح الصيد ويأكله ويفديه، وهو أحد قولى الشافعي، وقال أبوحنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن: يأكل الميتة ولا يأكل الصيد، دليلنا إجماع الطائفة.
وأيضا فان الصيد له فداء في الشريعة يسقط إثمه وليس كذلك الميتة ولان في الناس من يقول: ان الصيد ليس بميتة وأنه يذكى وأكله مباح، والميتة متفق على حظرها، وربما رجحوا الميتة على الصيد بأن الحظر في الصيد ثبت من وجوه، منها تناوله، ومنها قتله، ومنها أكله، وكل ذلك محظور
وليس في الميتة إلا حظر واحد وهو الاكل، وهذا ليس بشئ، لانا لو فرضنا ان رجلا غصب شاة ثم وقذها وضربها حتى ماتت ثم أكلها لكان الحظر هاهنا من وجوه كما ذكرتم في الصيد وأنتم مع ذلك لا تفرقون بين أكل هذه الميتة وبين غيرها عند الضرورة وتعدلون إليها عن أكل الصيد.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بأن كفارة الجزاء على الترتيب دون التخيير ومثاله انهم يوجبون في النعامة مثلا بدنة فإن لم يجد اطعم ستين مسكينا فان لم يقدر صام شهرين متتابعين، والرواية الموافقة للامامية عن ابن عباس وابن سيرين أنهما قالا ذلك على الترتيب فلا يجوز أن يطعم مع القدرة على إخراج المثل ولا أن يصوم مع القدرة على الاطعام، وباقي الفقهاء يقولون ذلك على التخيير، دليلنا إجماع الطائفة، فإن قيل ظاهر القرآن يخالف مذهبكم، لانه تعالى قال: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) ولفظة أو تقتضى التخيير قلنا: ندع الظاهر للدلالة كما تركنا ظاهر إيجاب الواو للجمع وحملناها على التخيير في قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ويكون معنى أو كذا إذا لم يجد الاول.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الجماع إذا تكرر من المحرم تكررت الكفارة سواء كان ذلك في مجلس واحد أو في أماكن كثيرة وسواء كفر عن الاول أو لم يكفر وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
فقال أبوحنيفة: إذا جامع مرارا في مقام واحد فعليه كفارة واحدة وإن كان في أماكن متعددة فعليه لكل واحد كفارة، وقال أحمد عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الاول.
وقال الثوري مثل ذلك.
وقال مالك والشافعي إذا جامع مرارا في مقام واحد فعليه كفارة واحدة، دليلنا الاجماع المتردد.
وأيضا طريقة اليقين ببراءة الذمة وليس لهم أن يقولوا أن الجماع الاول الحج والثاني لم يفسده، وذلك أن الحج وإن كان قد فسد بالاول فحرمته باقية ولهذا وجب المضي فيه فجاز أن تتعلق الكفارة بما يستأنف من ذلك.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بوجوب التلبية فعندهم إن الاحرام لا ينعقد إلا بها إلا أن أبا حنيفة وإن وافق في وجوب التلبية فعنده ان الاحرام ينعقد بغيرها من تقليد الهدي وسوقه مع نية الاحرام.
وقال مالك والشافعي: التلبية ليست بواجبة، ويصح الدخول في الاحرام بمجرد النية.
دليلنا الاجماع المتكرر لانه إذا لبى دخل في الاحرام وانعقد بلا خلاف، وليس كذلك إذا لم يلب.
ويمكن الاستدلال على ذلك بأن فرض الحج مجمل في القرآن، وفعل النبيصلىاللهعليهوآله إذا ورد في مورد البيان كان واجبا، لان بيان الشئ في حكم وجوبه.
وقد روى الناس كلهم أن النبي لبى لما أحرم فيجب بذلك وجوب التلبية ويقوى ذلك بما يروونه عنهصلىاللهعليهوآله من قوله خذوا عني مناسككم، ورووا عنهصلىاللهعليهوآله قال: أتاني جبرئيلعليهالسلام فقال: مر أصحابك بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فانها من شعار الحج.
ورووا عنهعليهالسلام أنه قال لعائشة أنفضي رأسك وامتشطي واغتسلي ودعي العمرة وأهلي بالحج، والاهلال الحج التلبية، فالامر دل على الوجوب فان خالفوا بأن ا لمراد بالاهلال التلبية، وادعوا أن المراد بها الاحرام كان ذلك واضح البطلان، لان اللغة تشهد بما ذكرناه وكل أهل العربية قالوا استهل الصبي إذا رفع صوته عند الولادة صارخا قالوا: ومثله استهلال الحج الذي هو رفع الصوت بالتلبية، وكذلك استهلال السماء بالمطر إنما هو صوت وقعه على الارض.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من طاف طواف الزيارة فقد تحلل من كل شئ كان به محرما إلا النساء فليس له وطؤهن إلا بطواف آخر متى فعله حللن له، وهو الذى يسمى طواف النساء، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فإذا قيل هذا هو طواف الصدر، وعند أبي حنيفة أنه واجب ومن تركه لغير عذر كان عليه دم شاة، والشافعي في أحد قوليه يوافق به أبا حنيفة في أنه واجب.
قلنا: من أوجب طواف الصدر وهو طواف الوداع، فانه لا يقول: النساء يحللن به، بل يقول: ان النساء حللن بطواف الزيارة، فانفرادنا بذلك صحيح.
والحجة لنا الاجماع المتردد وأنه لا خلاف في أن النبيصلىاللهعليهوآله فعله وقد روي عنهعليهالسلام أنه قال: خذوا عني مناسككم، وروي عنهصلىاللهعليهوآله أيضا انه قال: من حج هذا البيت فليكن آخر عهده الطواف، وظاهر الامر(١) الوجوب.
فان قالوا: لو كان هذا الطواف واجبا لاثر في التحلل، قلنا: يؤثر عندنا في التحلل على ما شرحناه، وإنما يلزم هذا الكلام(٢) أبا حنيفة، وكذلك إن قالوا: كان يجب أن يلزم المكي، لانه يلزم عندنا المكي إذا أراد التحلل وإتيان النساء.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من السنة المؤكدة إستلام الركن اليماني وتقبيله.
ووافق الشافعي في إستلامه دون تقبيله، وقال: إذا وضع يده عليه قبل يده ولم يقبله، وقال أبوحنيفة: ليس إستلام الركن اليماني من السنة ولا تقبيله.
وقال مالك: يستلمه ويضع يده
____________________
(١) وظاهر الامر للوجوب خ ل.
(٢) هذا الكلام عند أبا حنيفة خ ل.
على فيه ولايقبلها.
وروي عن جابر وابن الزبير وأنس أنهم قالوا: من السنة إستلام الاركان كلها، دليلنا الاجماع المتردد، ويمكن معارضتهم بالاخبار التي رووها ان النبي إستلم الركن اليماني وركن الحجر وهي كثيرة.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به وقد ذهب إليه مالك القول: بأن من رمى صيدا وهو محرم فجرحه وغاب الصيد فلم يعلم هل مات أو اندملت جراحته فعليه فداؤه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
والحجة لنا إجماع الطائفة.
ولان فيما ذهبنا إليه الاحتياط واليقين ببرائة الذمة، فإذا قيل: يجوز أن تكون الجراحة اندملت، قلنا: يجوز أن تكون ما اندملت وإنتهت إلى الاتلاف فالاظهر والاحوط ما ذهبنا إليه.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بأن المحرم إذا تلوط بغلام أو أتى بهيمة أو أتى امرأة في دبرها فسد حجه وعليه بدنة وإن ذلك جار مجرى الوطي في القبل، والشافعي يوافق في ذلك وأبوحنيفة وأصحابه يقولون أنه لا يفسد الحج، دليلنا الاجماع المتردد.
وأيضا فقد ثبت أن ذلك كله يوجب الحد، وكل ما أوجب به الحد افسد به الحج، والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع، ويمكن أن يقال لهم قد اتفقنا على أن ما ذكرناه أغلظ من ا لوطي في القبل، لان وطي الغلام لا يستباح بحال ولا وطي البهيمة، والوطي في القبل يجوز إستباحته في حال فكيف يجوز أن يفسد الحج الاخف ولا يفسده الاغلظ.
فإن قالوا: لو تعلق بالوطي في الدبر فساد الحج لتعلق به وجوب المهر، قلنا: هكذا نقول.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به أن المحرم إذا اشترط فقال عند دخوله في الاحرام فان عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني جاز له أن
يتحلل عند العوايق من مرض وغيره بغير دم، وهذا أحد قولي الشافعي، وذهب أبوحنيفة وأصحابه وباقي الفقهاء إلى أن وجود هذا الشرط كعدمه، دليلنا الاجماع المتقدم، ويعارضون بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال لضباعة بنت الزبير: حجي واشترطي وقولي (اللهم فحلني حيث حبستني) ولا فائدة لهذا الشرط إلا التأثير في ما ذكرناه من الحكم، فإن احتجوا بعموم قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله فان احصرتم فما استيسر من الهدي) قلنا: نحمل ذلك على من لم يشترط.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به وهو مذهب الشافعي القول: بأن رمي الجمار لا يجوز إلا بالاحجار خاصة دون غيرها من الاجسام، وقال أبوحنيفة يجوز بكل شئ من جنس الارض كالزرنيخ والنورة والكحل، فأما الذهب والفضة والخشب فلا يجوز، وقال أهل الظاهر يجوز بكل شئ.
دليلنا الاجماع المتردد وطريقة الاحتياط واليقين لانه لا خلاف في إجزاء الرمي بالحجر وليس كذلك غيره.
ويجوز أن نعارض مخالفينا في هذه المسألة بما يروونه عن الفضل بن العباس أنه قال: لما أفاض رسول اللهصلىاللهعليهوآله من عرفة وهبط وادي محسر قال يا أيها الناس عليكم بحصى الحدف، والامر على الوجوب، وتفرقة أبي حنيفة بين الذهب والفضة والخشب، وبين الزرنيخ والكحل باطلة، لان الكحل وإن كان مستحيلا من جوهر الارض فان استحالته قد سلبته إطلاق إسم الارض عليه فاذ ا جاز الرمي به وإن لم يسم أرضا، لانه من جوهر الارض، فإن الخشب كله والذهب والفضة مستحيل من جوهر الارض.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بوجوب الخذف بحصى الجمار، وهو أن يضع الرامي الحصاة على إبهام يده اليمنى ويدفعها بظفر اصبعه الوسطى، ولم يراع ذلك أحد من الفقهاء.
والذي يدل على ما قلناه: إجماع الطائفة، ولان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في أكثر الروايات أمر بالخذف، والخذف كيفية في الرمي مخالفة لغيرها.
[مسائل النكاح]
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من زنا بامرأة ولها بعل حرم عليه نكاحها أبدا وإن فارقها زوجها، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك والحجة لنا إجماع الطائفة.
وأيضا إن استباحة التمتع بالمرئة لا يجوز إلا بيقين، ولا يقين في استباحة من هذه صفته فيجب العدول عنها إلى من يتيقن استباحة التمتع به بالعقد، فان قالوا الاصل الاباحة ومن ادعى الحظر فعليه دليل يقتضي العلم بالحظر، قلنا: الاجماع الذي أشرنا إليه يخرجنا عن حكم الاصل.
وبعد: فان جميع مخالفينا ينتقلون عن حكم الاصل في العقول بأخبار الآحاد.
وقد ورد من طرق الشيعة في حظر ما ذكرناه أخبار معروفة فيجب على ما يذهبون إليه أن ينتقل عن الاباحة، فان استدلوا بظواهر آيات القرآن مثل قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) بعد ذكر المحرمات، وبقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء).
قلنا: هذه الظواهر يجوز أن يرجع عنها بالادلة كما رجعتم أنتم عنها في تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، والاجماع الذي ذكرناه يوجب الرجوع لانه مفض إلى العلم، والاخبار التي روتها الشيعة لو انفردت عن الاجماع لوجب عند خصومنا أن يخصوا بها كل هذه الظواهر لانهم يذهبون
إلى تخصيص ظواهر القرآن بأخبار الآحاد وليس لهم أن يقولوا هذه أخبار لا نعرفها ولا رويناها فلا يجب العمل بها.
قلنا: شروط الخبر الذي يوجب العمل عندكم قائمة في هذه الاخبار فابحثوا عن رواتها وطرقها لتعلموا ذلك، وليس كل شئ لم تألفوه وترووه لا حجة فيه، بل الحجة فيما حصلت له شرائط الحجة من الاخبار ولو لم يكن في العدول عن نكاح من ذكرناه إلا الاحتياط للدين لكفى، لان نكاح من هذه حاله مختلف فيه ومشكوك في إباحته فالتجنب له أولى.
وقد رويتهم عن النبيصلىاللهعليهوآله قوله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من زنا بامرأة وهي في عدة من بعلها له عليها فيها رجعة حرمت عليه بذلك ولم تحل له أبدا، والحجة لاصحابنا في هذه المسألة الحجة في التى قبلها، والكلام في المسألتين واحد فلا معنى لتكراره.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من عقد على امرأة وهي في عدة مع العلم بذلك لم تحل له أبدا وإن لم يدخل بها، والكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألتين المتقدمتين.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به أن من عقد على امرأة وهي في عدة وهو لا يعلم فدخل بها فرق بينهما ولم تحل له أبدا.
وقد روي وفاق الامامية في ذلك عن مالك والاوزاعي والليث بن سعد، وقال مالك والليث لا تحل له أبدا ولا يملك اليمين.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من تلوط بغلام فأوقب لم تحل له أم الغلام ولا أخته ولا بنته أبدا، وحكي عن الاوزاعي وابن حنبل أن من تلوط بغلام يحرم عليه تزويج بنته، والطريقة في هذه المسألة كالطريقة فيما تقدمها من المسائل.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من طلق امرأته تسع تطليقات للعدة ينكحها بينهن رجلان، ثم تعود إليه حرمت عليه أبدا، وهذه المسألة نظير ما تقدمها.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بأن من زنا بعمته أو خالته حرمت عليه بناتهما على التأبيد، وأبوحنيفة موافق في ذلك، ويذهب إلى أنه من زنا بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها، وحرمت المرأة على أبيه وابنه، وهو أيضا قول الثوري والاوزاعي، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يحرموا بالزنا الام والبنت.
دليلنا كل شئ احتججنا به في تحريم المرأة على التأبيد إذا كانت ذات بعل (محرم) على من زنا.
ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء)، ولفظ النكاح واقع على الوطئ والعقد معا، فكأنه تعالى قال: لا تعقدوا على ما عقد عليه آباؤكم من النساء ولا تطؤا ما وطؤهن، وكل ما حرم بالوطئ في الزنا امراة على الابن والاب حرم بنتها وأمها عليهما جميعا.
والاحتجاج في هذا الموضع بما يروى عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله الحرام لا يحرم الحلال غير صحيح، لانه خبر واحد، ولانه مخصوص بإجماع ويحمل على مواضع منها أن الوطئ في الحيض وهو حرام لا يحرم ما هو مباح من المرأة ومنها إذا زنا بامرأة فله أن يتزوجها، ومنها إن وطئ الاب لزوجة ابنه التي دخل بها أو وطئ الابن لزوجة أبيه وهو حرام لا يحرم تلك المرأة على زوجها ولا يجعل هذا الحلال ذلك الحرام حراما.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به أن من لاعن امرأة لم تحل له أبدا، وقد وافق الامامية في ذلك الشافعي وزفر وأبويوسف ومالك وقالوا ان فرقة اللعان مؤبدة.
وقال أبوحنيفة وأصحابه ومحمد: أن الملاعن إذا أكذب نفسه وجلد الحد له أن يتزوجها، دليلنا الاجماع المتردد، ويعارضون بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: المتلاعنان لا يجتمعان أبدا.
وقولهصلىاللهعليهوآله لعويمر حين فرق بينه وبين زوجته: باللعان لا سبيل لك عليها، وإذا قيل: معنى ذلك لا سبيل لك عليها في هذه الحال، قلنا: هذا تخصيص بلا دليل.
(مسألة) ومما شنع به على الامامية وادعى تفردها به، وليس الامر كذلك إباحة نكاح المتعة وهو النكاح المؤجل، وقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الاقوال، منهم أمير المؤمنين " ع " وعبدالله بن عباس رحمة الله عليه، وعبدالله بن مسعود ومجاهد وعطا، وانهم يقرؤن (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن).
وقد روي عن جابر بن عبدالله الانصاري وسلمة بن الاكوع وأبي سعيد الخدري والمغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير وابن جريح أنهم كانوا يفتون بها، فادعاؤهم الاتفاق على حضر المتعة باطل.
والحجة لنا سوى إجماع الطائفة على إباحتها أشياء منها انه قد ثبت بالادلة الصحيحة أن كل منفعة لا ضرر فيها في عاجل ولا في آجل مباحة بضرورة العقل، وهذه صفة نكاح المتعة فيجب إباحته بأصل العقل.
فان قيل: من أين لكم نفي المضرة عن هذا النكاح في الآجل والخلاف في ذلك؟ قلنا: أن من ادعى ضررا في الآجل فعليه الدليل، ولا دليل قاطع يدل على ذلك.
ومنها أنه لا خلاف في إباحة هذا النكاح في عهد النبيصلىاللهعليهوآله بغير شبهة ثم ادعى تحريمها من بعد ونسخها ولم يثبت النسخ وقد ثبت الاباحة بالاجماع فعلى من ادعى الحظر والنسخ الدلالة.
فإن ذكروا الاخبار التي رووها في أن النبيصلىاللهعليهوآله حرمها ونهى عنها فالجواب عن ذلك: أن كل هذه الاخبار إذا سلمت من المطاعن والتضعيف أخبار آحاد، وقد ثبت أنها لا توجب عملا في الشريعة، ولا يرجع بمثلها عما علم وقطع عليه، على أن هذه الاخبار كلها قد طعن أصحاب الحديث ونقاده على رواتها وضعفوهم، وقالوا في كل واحد منهم ما هو مسطور، ولا معنى للتطويل بإيراده.
وبعد: فهذه الاخبار معارضة بأخبار كثيرة في استمرار إباحتها والعمل بها حتى ظهر من نهي عمر عنها ما ظهر.
ومنها قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) فلفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان واقعا في الاصل على الالتذاذ والانتفاع فبعرف الشرع قد صار مخصوصا بهذا العقد المعين لا سيما إذا أضيف إلى النساء، ولا يفهم من قول القائل متعة النساء إلا هذا العقد المخصوص، دون التلذذ والمنفعة كماأن لفظ الظهار اختص بعرف الشرع بهذا الحكم المخصوص وإن كانت لفظة ظهار في اللغة مشتركة غير مختصة، فكأنه تعالى قال: فإذا عقدتم عليهن هذا العقد المخصوص فآتوهن أجورهن، وقد كنا قلنا في بعض ما أمليناه قديما أن تعليقه تعالى وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع دلالة على أن هذا العقد المخصوص دون الجماع، لان المهر إنما يجب بالعقد دون الجماع، ويمكن اعتراض ذلك بأن يقال: أن المهر إنما يجب دفعه بالدخول وهو الاستمتاع.
والذي يجب تحقيقه والتعويل عليه أن لفظة استمتعتم لا تعدو وجهين، فاما أن يراد بها الانتفاع والالتذاذ الذي هو أصل موضوع اللغة أو العقد المؤجل المخصوص الذي اقتضاه عرف الشرع، ولا يجوز أن يكون المراد هو الوجه
الاول لامرين، أحدهما أنه لا خلاف بين محصلي من تكلم في أصول الفقه في أن لفظ القرآن إذا أورد وهو محتمل لامرين، إحدهما وضع أصل اللغة والآخر عرف الشريعة أنه يجب حمله على عرف الشريعة، ولهذا حملوا كلهم لفظ صلاة وزكاة وصيام وحج على العرف الشرعي دون اللغوي.
والامر الآخر أنه لا خلاف في أن المهر لا يجب بالالتذاذ، لان رجلا لو وطئ امرأة ولم يلتذذ بوطئها، لان نفسه عافتها وكرهتها، أو لغير ذلك من الاسباب لكان دفع المهر واجبا وإن كان الالتذاذ مرتفعا، فعلمنا أن لفظ الاستمتاع في الآية إنما أريد به العقد المخصوص دون غيره.
ومما يبين ما ذكرناه ويقوى به قوله تعالى: (لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) والمعنى على ما أجمع عليه أصحابنا وتظاهرت به الروايات عن أئمتهم صلوات الله عليهم أن تزيدها في الاجرة وتزيدك في الاجل، وما يقوله مخالفونا من أن المراد بذلك رفع الجناح في الابراء والنقصان أو الزيادة في المهر أو ما يستقر بتراضيهما من النفقة ليس بمعمول عليه، لانا نعلم أن العفو والابراء مسقط للحقوق بالعقول، ومن الشرع ضرورة لا بهذه الآية، والزيادة في المهر إنما هي كالهبة، والهبة أيضا معلومة لا من هذه الآية، وأن التراضي يؤثر في النفقات وما أشبهها معلوم أيضا، وحمل الآية والاستفادة بها ما ليس بمستفاد قبلها ولا معلوم هو الاولى، والحكم الذى ذكرناه مستفاد بالآية غير معلوم قبلها فيجب أن يكون أولى.
ومما يمكن معارضة المخالف به الرواية المشهورة أن عمر بن الخطاب خطب الناس ثم قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله حلالا أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، متعة النساء ومتعة الحج، فاعترف بأنهما كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله حلالا، وأضاف النهي والتحريم إلى نفسه، فلو كان النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي نسخهما ونهى عنهما أو أباحهما في وقت مخصوص
دون غيره على ما يدعون لاضاف عمر التحريم إليهصلىاللهعليهوآله دون نفسه.
فإن قيل: من المستبعد أن يقول: ذلك عمر، ويصرح بأنه حرم ما أحله النبيصلىاللهعليهوآله فلا ينكره عليه منكر، قلنا: قد أجبنا عن هذا السؤال في جواب المسائل الطرابلسيات.
وقلنا: أنه لا يمتنع أن يكون السامعون لهذا القول من عمر إنقسموا إلى معتقد للحق، برئ من الشبهة، خارج عن حيز العصبية غير أنه لقلة عدده وضعف بطشه، لم يتمكن من إظهار الانكار بلسانه فاقتصر على إنكار قلبه.
وقسم آخر وهم الاكثرون عددا، دخلت عليهم الشبهة الداخلة على مخالفينا في هذه المسألة واعتقدوا أن عمر إنما أضاف النهي إلى نفسه وإن كان الرسولصلىاللهعليهوآله هو الذي حرمها تغليظا وتشديدا وتكفلا وتحققا، وقسم آخر اعتقدوا أن ما أباحه الله تعالى في بعض الاوقات إذا تغيرت الحال فيه وأشفقوا من ضرر في الدين يلحق في الاستمرار عليه جاز أن ينهى عنه بعض الائمة، وعلى هذا الوجه حمل الفقهاء نهي عمر عن متعة الحج، وقد تقدم ذكر ذلك على أنه لا خلاف بين الفقهاء في ان المتمتع لا يستحق رجما ولا غيره، ولا عقوبة، وقال عمر في كلامه: لا أوتى بأحد تزوج متعة إلا عذبته بالحجارة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت، وما أنكر مع هذا عليه ذكر الرجم والعقوبة أحد، فاعتذروا في ترك النكير لذلك بما شئتم فهو العذر في ترك النكير للنهي عن المتعة، وفي أصحابنا من استدل على أن لفظة استمتعتم تنصرف إلى هذا النكاح المؤجل دون المؤبد بأنه تعالى سمى العوض عليه أجرا ولم يسم العوض على النكاح المؤبد بهذا الاسم في القرآن كله بل سماه نحلا وصداقا وفرضا، وهذا غير معتمد لانه تعالى قد سمى العوض عن النكاح المؤبد في غير هذا الموضع بالاجر في قوله تعالى: (ولا جناح عليكم أن
تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن).
وفي قوله عزوجل: (فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن)، فإن قيل: كيف يصح حمل لفظة استمتعتم على النكاح المخصوص وقد أباح الله تعالى بقوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) النكاح المؤبد بلا خلاف فمن خصص ذلك بعقد المتعة خارج عن الاجماع.
قلنا: قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: (وأحل لكم ما وراء ذلكم ان تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) يبيح العقد على النساء والتوصل بالمال إلى استباحتهن، ويعم ذلك العقد المؤبد والمؤجل ثم خص العقد المؤجل بالذكر، فقال تعالى: (فاستمتعتم منهن)، والمعنى فمن نكحتموه منهن نكاح المتعة (فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة)، لان الزيادة في الاجر والاجل لا يليق إلا بالعقد المؤجل.
فإن قيل: الآية مجملة لقوله تعالى: (محصنين غير مسافحين)، ولفظة الاحصان تقع على أشياء مختلفة من العفة والتزويج وغير ذلك.
قلنا: الاولى أن يكون لفظة محصنين محمولة على العفة والتنزه عن الزنا، لانه في مقابلة قوله تعالى: (غير مسافحين)، و السفاح الزنا بغير شبهة، ولو حملت اللفظة على الامرين من العفة والاحصان الذي يتعلق به الرجم لم يكن بعيدا.
فإن قيل: كيف يحمل لفظة الاحصان في الآية على ما يقتضي الرجم وعندكم أن المتعة لا تحصن.
قلنا: قد ذهب بعض أصحابنا إلى أنها تحصن وبعد فإذا كانت لفظة محصنين تليق بالنكاح المؤبد رددنا ذلك إليه، كما أنا رددنا لفظة الاستمتاع إلى النكاح المؤجل لما كانت تليق به، فكأنه تعالى أحل النكاح على الاطلاق
وابتغاءه بالاموال ثم فصل منه المؤبد بذكر الاحصان والمؤجل بذكر الاستمتاع وقد استدل المخالفون في حظر المتعة بقوله تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)، قالوا: والمنكوحة متعة ليست بزوجة من وجوه، لانها لا ترث ولا تورث، والله تعالى يقول (ولكم نصف ما ترك أزواجكم ولهن الربع مما تركتم).
وأيضا لو كانت زوجة لوجب أن تعتد عند وفاة المستمتع بها أربعة أشهر وعشرا لقوله تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا).
وأيضا لو كانت زوجة لبانت بالطلاق بظاهر الكتاب.
وأيضا لو كانت زوجة للحقها الا يلاء واللعان والظهار ويلحق بها الولد.
وأيضا لو كانت زوجة لوجب لها السكنى والنفقة وأجرة الرضاع وأنتم تذهبون إلى خلاف ذلك، وأيضا فلو كانت زوجة لاحلت المطلقة ثلاثا للزوج الاول بظاهر قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره)، فيقال لهم في ما تعلقوا به أولا ليس فقد الميراث علامة على فقد الزوجية، لان الزوجة الذمية والامة والقاتلة لا يرثن ولا يورثن وهن زوجات على أن مذهبنا ان الميراث قد يثبت في المتعة إذا لم يحصل شرط في أصل العقد بانتفائه، ويستثنى المتمتع بها مع شرط نفي الميراث من ظواهر آيات الميراث كما استثنيتم الذمية والمقاتلة و أما ما ذكروه ثانيا فهن يخصون الآية التي تلوها في عدة المتوفي عنها زوجها لان الامة عندهم زوجة وعدتها شهران وخمسة أيام، وإذا جاز تخصيص ذلك بالدليل خصصنا المستمتع بها بمثله.
وأما ما ذكروه ثالثا فالجواب عنه أن في الزوجات من تبين بغير طلاق كالملاعنة والمرتدة والامة المبيعة والمالكة لزوجها وظواهر الكتاب غير موجبة
لان كل زوجة يقع بها طلاق وإنما يتضمن ذكر أحكام الطلاق إذا وقع مثل قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن).
وقوله تعالى: (إذا طلقتموا النساء فبلغن أجلهن)، فإن قالوا: الزوجية تقتضي جواز لحوق الطلاق بالزوجة، ومن ذكرتم من الباينات بغير طلاق، وقد كان يجوز أن يلحقهن حكم الطلاق.
قلنا: الطلاق إنما يحتاج إليه في النكاح المؤبد لانه غير موقت، والنكاح الموقت لا يفتقر إلى الطلاق، لانه ينقطع حكمه بمضي الوقت، فإذا قيل: وإن لم يفتقر الموقت إلى الطلاق في وقوع الفرقة، ألا جاز أن تطلق قبل انقضاء الاجل المضروب فيؤثر ذلك فيما بقي من مدة الاجل.
قلنا: قد منعت الشريعة من ذلك، لان كل من أجاز النكاح الموقت وذهب إلى الاستباحة به يمنع من أن يقع فرقة قبله بطلاق، فالقول: بالامرين خلاف الاجماع.
والذي ذكروه رابعا جوابه أن الولد يلحق بعقد المتعة ومن ظن خلاف ذلك علينا فقد أساء بنا الظن والظهار أيضا يقع بالمتمتع بها، وكذلك اللعان على أنهم لا يذهبون إلى وقوع اللعان بكل زوجة، لان أبا حنيفة يشترط في اللعان أن يكون الزوجان جميعا غير كافرين ولا عبدين، وعنده أيضا أن الاخرس لا يصح قذفه ولا لعانه.
وعند أبي حنيفة أيضا ان ظهار الذي لا يصح على أنه ليس في ظواهر القرآن ما يقتضي لحوق الظهار واللعان بكل زوجة، وكذلك الايلاء، وإنما في الآيات الواردات بهذه الاحكام بيان حكم من ظاهر أو لا عن أو آلى فلا تعلق للمخالف بذلك.
وأما الايلاء فانما لم يلحق المستمتع بها، لان أجل المتعة ربما كان دون أربعة أشهر وهو الاجل المضروب في الايلاء.
فأما أجل المتعة إن كان زائدا على ذلك فانما لم يدخل على هذا العقد الايلاء، لان الله تعالى قال: (فان فاؤا فان الله غفور رحيم) (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) فعلق حكم من لم يراجع بالطلاق، ولا طلاق بالمتعة فلا إيلاء يصح فيها، وهذا الوجه الاخير يبطل دخول الايلاء في نكاح المتعة طالت مدتها أو قصرت.
والجواب عما ذكروه، خامسا أن الشيعة تذهب إلى أنه لا سكنى للمتمتع بها بعد انقضاء الاجل، ولا نفقة لها في حال حملها، ولها أجرة الرضاع إن لم يشترط عليها في ابتداء العقد رضاع الولد والكفالة به، ويخصصون قوله تعالى: (واسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن).
كما خصصت الجماعة ذلك فيمن خلع زوجته على أن تنفق على نفسها في أحوال حملها، وتتكفل بولدها، واتفقا على ذلك.
والجواب عما ذكروه، سادسا أن المعول عليه والاظهر من المذهب أن المتمتع بها لا تحلل المطلقة ثلاثا للزوج الاول، لانها تحتاج إلى أن تدخل في مثل ما خرجت منه ويخصص بالدليل قوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)، كما خصصنا كلنا هذه الآية، وأخرجنا منها من عقد ولم يقع منه وطئ للمرأة.
وأخرجنا أيضا منها الغلام الذي لم يبلغ الحلم وإن وطئ، ولمن جامع دون الفرج فتخصيص هذه الآية مجمع عليه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية منه إباحتهم أن يتزوج الرجل المرأة على عمتها وخالتها بعد أن يستأذنهما وترضيا به، ويجوزون أن يتزوج بالعمة وعنده بنت أخيها وإن لم ترض بنت الاخ.
وكذلك يجوز عندهم أن يعقدوا على الخالة وعنده بنت أختها من غير
رضى بنت الاخت، وحكى عن الخوارج إباحة تزويج المرأة على عمتها وخالتها، والحجة بعد الاجماع المتقدم قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) وكل ظاهر في القرآن يبيح العقد على النساء بالاطلاق، فإن احتجوا بما يروى عنه " ع " من قوله لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها، فالجواب أنه خبر واحد ونحمله على الحظر إذا لم يكن منهما رضى وهو معارض بأخبار كثيرة في الاباحة مع الاستيذان والرضى.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية حظر نكاح الكتابيات، وباقي الفقهاء يجيزون ذلك، دليلنا بعد الاجماع المتقدم قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، ولا شبهة في أن النصرانية مشركة، وقوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، وبين الزوجين عصمة لا محالة، وقوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، والظاهر من ذلك نفي التساوي في سائر الاحكام ا لتي من جملتها المناكحة، فان عارضونا بقوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، فالجواب إنا نشترط في ذلك الاسلام بالادلة المتقدمة.
فإذا قيل: لا معنى لذلك، وقد أغنى عنه قوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات)، قلنا: قد يجوز قبل ورود هذا أن يفرق الشرع بين المؤمنة التي لم تكن قط كافرة وبين من كانت كافرة ثم آمنت، ففي بيان ذلك والجمع بين الامرين في الاباحة فائدة.
فان قيل: إذا شرطتم في آية الاباحة ما ليس في الظاهر وصارت مجازا فأي فرق بينكم في ذلك وبيننا إذا عدلنا عن ظواهر الآيات التي إحتججتم بها، وخصصناها بالكافرات المرتدات والحربيات.
قلنا: الفرق بيننا وبينكم أنكم تعدلون عن ظواهر الآيات كثيرة، ونحن نعدل عن ظاهر آية واحدة، فمذهبنا أولى.
(مسألة) ومما شنع به على الامامية تجويز إعارة الفروج، وإن الفرج يستباح بلفظ العارية وتحقيق هذه المسألة إنا ما وجدنا فقيها منهم أفتى بذلك ولا أودعه مصنفا له ولا كتابا، وإنما يوجد في أحاديثهم أخبار نادرة تتضمن لاعارة الفروج في المماليك.
وقد يجوز إذا صحت تلك الاخبار وسلمت من القدح والتضعيف أن يكون عبر بلفظ العارية عن النكاح، لان في النكاح معنى العارية من حيث كانت إباحة للمنافع مع بقاء العين على ملك مالكها، ونكاح الامة يجري هذا المجرى، لان الرجل إذا أنكح أمته غيره فانما أباحه الانتفاع بها مع بقاء ملك الجارية عليه.
فان قيل: أفتجوزون إستباحة الفرج بلفظ العارية؟ قلنا: ليس في الاخبار التي أشرنا إليها أن لفظة العارية من الالفاظ التي ينعقد بها النكاح، وإنما تضمنت أنه يجوز للرجل أن يعير فرج مملوكته لغيره فيحمل لفظ العارية هاهنا على أن المراد بها النكاح من حيث الاشتراك في المعنى، كما قال يجوز للرجل أن يبيح مملوكته لغيره على معنى أنه يعقد عليها عقد النكاح الذي فيه معنى الاباحة، ولا يقتضي ذلك ان النكاح ينعقد بلفظ الاباحة على أن أبا حنيفة وأصحابه لا يجب أن يشنعوا بذلك وهم يجيزون أن ينعقد النكاح بلفظ الهبة والبيع، وليس الشناعة في العدول عن زوجيني نفسك إلى بيعيني نفسك أو هبي لي نفسك بأدون في الشناعة من أعيريني نفسك.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به وشنع عليهم لاجله القول بأن الشهادة ليس بشرط في النكاح، وقد وافق داود في ذلك.
وقال مالك: إذا لم يتواصوا بالكتمان صح النكاح وإن لم يحضروا الشهود.
وباقي الفقهاء جعلوا الشهادة في النكاح شرطا، والحجة لقولنا إجماع الطائفة.
وأيضا فإن الله تعالى أمر بالنكاح في مواضع كثيرة من الكتاب ولم يشرطه
بالشهادة، ولو كانت شرطا لذكرت على أن أبا حنيفة عنده أن كل زيادة في القرآن توجب النسخ، فلو زادت الشهادة لكان ذلك نسخا للكتاب، والكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد.
ومما يمكن أن يعارض المخالف به ما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله أن النساء عندكم عواري أخذتموهن بأمانة الله تعالى، واستحللتهم فروجهن بكلمة الله، وليس هاهنا كلام يستباح به فرج المرأة غير قول المزوج قد زوجت وقول المتزوج قدتزوجت، وظاهر هذا الكلام يقتضي أن الاستباحة حصلت بهذا الكلام بلا شرط زائد من شهادة ولا غيرها.
فان قيل: إنما أراد بكلمة الله قوله تعالى: (وأنكحوا الايامى منكم) وما جرى مجراه من الالفاظ المبيحة للعقد على النساء.
قلنا: تحليل الفرج لم يحصل بهذا القول، ولو كان حاصلا به لاستغنى عن العقد في الايجاب والقبول في الاباحة، وإنما آيات القرآن استفيد(١) منها الاذن فيما يقع به التحليل والاباحة وهو العقد والايجاب والقبول فان احتجوا بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل، فالجواب عنه أن هذا الخبر واحد وهو مع ذلك مطعون في طريقه.
والزهري قد أنكره ومداره عليه وفي تضعيفه وجوه كثيرة لانطول بذكرها ومع ذلك فان النفي داخل في اللفظ على النكاح، والمراد حكمه وليس لهم بأن يحملوه على نفي الصحة والاجزاء بأولى منا إذا حملناه على نفي الفضل والكمال، وأجريناه مجرى قولهعليهالسلام : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا صدقة وذو رحم محتاج.
(مسألة) ومما يقدر من الاختيار له انفراد الامامية به، وما انفردوا جواز عقد المرأة التي تملك أمرها على نفسها بغير ولي، وهذه المسألة يوافق
____________________
(١) يستفاد خ ل.
فيها أبوحنيفة ويقول: أن المرأة إذا عقلت وكملت زالت من الاب الولاية عليها في بضعها، ولها أن تزوج نفسها، وليس لوليها الاعتراض عليها إلا إذا وضعت نفسها في غير كفو.
وقال أبويوسف ومحمد يفتقر في النكاح إلى الولي لكنه ليس بشرط فيه، فإذا زوجت المرأة نفسها فعلى الولي إجازة ذلك.
وقال مالك: المرأة المقبحة الذميمة لا يفتقر نكاحها إلى الولي، ومن كان بخلاف هذه الصفة افتقر إلى الولي.
وقال داود: إن كانت بكرا افتقر نكاحها إلى الولي وإن كانت ثيبا لم يفتقر، دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة، قوله تعالى: (ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فأضاف عقد النكاح إليها والظاهر أنها تتولاه، وأيضا قوله تعالى: (فان طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) فأضاف تعالى التراجع وهو عقد مستقل إليهما، والظاهر أنهما يتوليانه.
وأيضا قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) فأباح فعلها في نفسها من غير اشتراط الولي، ولا يجوز للمخالف أن يحمل اشتراط المعروف على تزويج الولي لها، وذلك أنه تعالى إنما رفع الجناح عنها في فعلها بنفسها بالمعروف، وعقد الولي عليها لا يكون فعلا منها في نفسها.
وأيضا فقوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) فأضاف العقد إليهن، ونهى الاولياء عن معارضتهن، والظاهر أنهن يتولينه.
ويمكن أن يعارض المخالف أيضا بما يروونه عن ابن عباس رحمة الله عليه أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ليس للولي مع الثيب أمر.
وأيضا بما رواه ابن عباسرضياللهعنه عن النبيصلىاللهعليهوآله
أنه قال: الايم أحق بنفسها من وليها، فمن يخالفنا في هذه المسألة يدعي أن وليها أحق بها في نفسها.
وأيضا ما روي من أن النبيصلىاللهعليهوآله خطب إلى أم سلمة رحمة الله عليها فقالت ليس أحد من أوليائي حاضرا، فقال: ليس أحد من أوليائك حاضرا وغائبا إلا ويرضى بي، ثم قال لعمر بن أبي سلمة وكان صغيرا قم فزوجها.
فتزوجها النبيصلىاللهعليهوآله بغير ولي.
فان احتج المخالف بما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فالجواب عنه أن هذا الخبر مطعون عليه مقدوح فيه بما هو مذكور في الكتب، ويمكن حمله إذا كان صحيحا على الامة إذا تزوجت بغير إذن مولاها، فان لفظة الولي والمولى بمعنى واحد في اللغة، وقد ورد في بعض الروايات في هذا الخبر أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فان قيل: في هذا الخبر ما يمنع من حمله على الامة وهو فان دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها، والمهر لا يكون للامة بل للمولى.
قلنا: يجوز أن يضاف إليها، وإن كانت لا تملك للعلقة التي بينه وبينها، وإن كانت ملكا للمولى، كما قال صلوات الله عليه وآله: من باع عبدا وله مال فأضاف المال إلى العبد، وإن كان للمولى، وليس لهم أن يحتجوا بما روي من أنه لا نكاح إلا بولي، لان المرأة إذا زوجت نفسها فذلك نكاح بولي، لان الولي هو الذى يملك الولاية للعقد، ومن ادعى أن لفظة ولي لا تقع إلا على ذكر مبعد، لانها تقع على الذكر والانثى فيقال رجل ولي وامرأة ولي كما يقال فيهما وصي.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن لولاية الجد من قبل الاب على الصغير رجحانا على ولاية الاب عليها، فإذا حضر أب وجد فاختار كل واحد
منهما رجلا لنكاحها كان اختيارا الجد مقدما على اختيار الاب، فان سبق الاب إلى العقد لم يكن للجد اعتراض عليه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة لنا فيه إجماع الطائفة، ويمكن أن يكون الوجه في ذلك أن الجد قد كانت له ولاية على الاب لما كان صغيرا، ولم يكن للاب ولاية على الجد قط.
(مسألة) ومما ظن أن الامامية تنفرد به وله تحقيق نحن نوضحه أن الرجل إذا تزوج امرأة على صداق تقرر بينهما، ثم قدم منه إليها شيئا وقد دخل بها فانه لا شئ للمرأة سوى ما قبضته، وليس لها أن تطالب بزيادة عليه، وهذا توهم علينا، لان المهر المتقرر الذي ينعقد به النكاح بينهما متى دخل بها فقد وجب كاملا، وإذا كانت قد قبضت بعضه فلها أن تطالب بالباقي، إلا أنه ليس لها أن تمنع نفسها حتى توفى المهر، وإن كان ذلك لها قبل الدخول.
والاخبار الواردة في كتب أصحابنا التي أوهمت ما قدمنا ذكره محمولة على أحد أمرين، أحدهما ما ذكرناه من أنه لا شئ بقي لها يجوز أن تمنع نفسها حتى تستوفيه.
والامر الآخر أن تكون امرأة قررت لنفسها مع زوجها مهرا ودفع الزوج إليها شيئا فرضيت به، ومكنته من الدخول فلا شئ لها بعد ذلك لانها لو لم ترض بما قبضت لما مكنته من الدخول وهذا هو الوجه في المسألة.
(مسألة) ومما ظن قبل الاختبار أن الامامية تنفرد به القول بأنه ليس للاب أن يزوج بنته الباكرة البالغة إلا بإذنها وأبوحنيفة يوافق في ذلك.
وقال مالك والشافعي: للاب أن يزوجها بغير إذنها.
وقال الليث بن سعد: لا يزوجها بغير رضاها إلا الاب وحده دون الجد وغيره.
وقال الشافعي: ويزوجها الجد أيضا بغير إذنها، دليلنا الاجماع المتردد.
ومما يجوز أن يعارض به المخالفون ما يروونه عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله قوله: لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها فان سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها، فالمراد باليتيمة هاهنا البكر البالغة لوقوع الاتفاق على أن السكوت لا يكون إذنا من غيرها، والصغيرة لا اعتبار بإذنها.
فان قيل: المراد باليتيمة في الخبرالتي لا أب لها فيزوجها غير الاب، قلنا: لا تسمى الكبيرة يتيمة من حيث فقدت أباها لقولهعليهالسلام : لايتم بعد الحلم وإنما تسمى يتيمة لانفرادها عن الازواج.
قال الشاعر:
ان القبور تنكح الايامى |
النسوة الارامل اليتامى |
فسماهن يتامى بعد البلوغ لانفرادهن عن الازواج، وبعد فإذا كانت اليتيمة من لا أب لها فينبغي أن لا يزوج من لا أب لها جدها بلا إذنها بموجب الخبر، وقد أجاز الشافعي تزويج الجد لها بغير إذنها، فإذا منع الخبر من ذلك في الجد منع في الاب، لان أحدا من الامة لم يفصل بين الامرين.
وأيضا ما رووه عنهعليهالسلام من قوله الايم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به ولها فيه موافق القول بأنه لا حد لاقل الصداق، وأنه يجوز بالقليل والكثير، والشافعي يقول بذلك.
وقال مالك وأبوحنيفة أقل الصداق ما تقطع فيه اليد، والذي تقطع فيه اليد هو عند مالك ثلاثة دراهم، وعند أبي حنيفة عشرة دراهم فإن أصدقها أقل من عشرة دراهم كمل لها عشرة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند زفر يسقط المسمى ويجب لها مهر المثل.
وقال النخعي: أقل الصداق أربعون درهما.
وقال سعيد بن جبير: خمسون درهما.
دليلنا بعد إجماع الطائفة قوله تعالى: (وآتوا النساء
صدقاتهن نحلة).
وقوله في مواضع آخر: (فآتوهن أجورهن) والقليل يقع عليه الاسم كالكثير فيجب إجزاؤه.
ومما يعارضون به ما يروونه عنهعليهالسلام من استحل بدرهمين فقد استحل، وقال: لا جناح على امرئ أصدق امرأة صداقا قليلا كان أم كثيرا.
(مسألة) ومما يجري مجرى المسألة المتقدمة قول الامامية أنه يجوز أن يكون المهر تعليم شئ من القرآن، والشافعي يوافق في ذلك، وباقي الفقهاء يخالفون فيه والحجة فيه إجماع الطائفة.
وأيضا قد بينا أن الصداق يجوز أن يكون قليل المنفعة وكثيرها، والتعليم له قيمة فهو نفع وإن قل، ويعارضون بما يروونه من أن امرأة جائت إلى النبيصلىاللهعليهوآله فوهبت نفسها له، فقالصلىاللهعليهوآله : ما لي في النساء من حاجة، فقال رجل من أصحابه: زوجنيها يا رسول الله، فقال أمعك شئ؟ فقال: لا، إلى أن قال: أمعك شئ من القرآن؟ قال: نعم، فقالصلىاللهعليهوآله : زوجتكها بما معك من القرآن، فقال: نعم، والمعنى لتعلمها شيئا مما معك من القرآن.
فان قيل: أراد زوجتك لفضيلتك بما معك من القرآن، قلنا: نبطل ذلك من وجهين، أحدهما أنهصلىاللهعليهوآله لم يطلب في الحال الشرف والفضل، وإنما طلب(١) ما يكون مهرا، وكلامهصلىاللهعليهوآله لا يليق إلا بالمهر، والآخر أنه قال: زوجتك بما معك، وهذه الباء تقتضي البدل والعوض، ولو أراد الفضيلة لقال لما معك من القرآن.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أنه لا يتجاوز بالمهر خمسمائة درهم جيادا قيمتها خمسون دينارا فما زاد على ذلك رد إلى هذه السنة وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
____________________
(١) طلب منها ما يكون خ ل.
والحجة بعد إجماع الطائفة أن قولنا مهر يتبعه أحكام شرعية وقد أجمعنا على أن الاحكام الشرعية تتبع ما قلنا به إذا وقع العقد عليه، وما زاد عليه لا إجماع على أن يكون مهرا، ولا دليل شرعيا فيجب نفي الزيادة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع في عقد المتعة، وأنه لا حد في ذلك، وباقي الفقهاء يخالفون ذلك.
والحجة فيه إجماع الطائفة ونبني ذلك على القول بإباحة المتعة فنقول كل من أباح نكاح المتعة جوز الجمع بين أكثر من أربع في هذا النكاح فالتفرقة بين المسألتين خلاف إجماع المسلمين.
ويمكن أن يكون الوجه فيه أن نكاح الدوام يلزم فيه السكنى والنفقة ويشق التزام ذلك فيما لا حصر له من العدد، فحصر بعدد مخصوص ولا نفقة ولا سكنى للمتمتع بها فجاز أن لا ينحصر عدد من يجمع في هذا العقد.
(مسألة) ومما يشنع به على الامامية وتنسب إلى التفرد به وقد وافقها فيه غيرها القول بإباحة وطئ النساء في غير فروجهن المعتادة للوطي، وأكثر الفقهاء يحظرون ذلك.
وحكى الطحاوي في كتاب الاختلاف عن مالك أنه قال: ما أدركت أحدا اقتدي به في ديني يشك في أن وطي المرأة في دبرها حلال، ثم قرأ: (نساؤكم حرث لكم) الآية.
وقال الطحاوي في كتابه هكذا: حكى لنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول ما صح عن النبيصلىاللهعليهوآله في تحريمه ولا تحليله شئ، والقياس أنه حلال.
والحجة في إباحة ذلك إجماع الطائفة.
وأيضا قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) ومعنى أنى شئتم كيف شئتم، وفي أي موضع آثرتم(١) ولا يجوز حمل لفظة
____________________
(١) وفى أى موضع أردتم خ ل.
أنى هاهنا على الوقت، لان لفظة أنى تختص الاماكن وقلما تستعمل في الاوقات، واللفظة المختصة بالوقت أيان(١) شئتم، ولا فرق بين قولهم ألف زيدا أنى كان وأين كان في عموم الاماكن، على أنا لو سلمنا أن الوقت مراد بهذه اللفظة حملناها على الامرين معا من الاوقات والاماكن.
وأما من ادعى أن المراد بذلك إباحة وطي المرأة من جهة دبرها في قبلها بخلاف ما تكرهه اليهود من ذلك فهو تخصيص لظاهر القرآن(٢) بغير دليل، والظاهر متناول لما قالوه ولما قلناه.
وأما الطعن على هذه الدلالة بأن الحرث لا يكون إلا بحيث النسل وقد سمى الله تعالى النساء حرثا فيجب أن يكون الوطئ حيث يكون النسل فليس بشئ، لان النساء وإن كن لنا حرثا فقد أبيح لنا وطؤهن بلا خلاف في غير موضع الحرث كالوطئ دون الفرج وما أشبهه، ولو كان ذكر الحرث يقتضي ما ذكروه لتنافى أن يقول لنا: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) من قبل أو دبر، وقد علمنا أن ذلك صحيح غير متناف، ولا يمكن الاستدلال على إباحة ما ذكرناه بما تعلق به قوم فيها من قوله تعالى (أتأتون الذكر ان من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون)، وقالوا: لا يجوز أن يدعو إلى التعويض عن الذكران بالازواج إلا وقد أباح منهن في الوطئ مثل ما يلتمس من الذكران.
وكذلك قالوا في قوله تعالى (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم)، فإن القول يقتضي أن في بناته المعنى المطلوب من الذكران، وذلك لانه لا حجة في هذا الضرب من الكلام، لانه غير ممتنع أن يذمهم بأتيان الذكران من حيث لهم عنه عوض بوطئ النساء وإن كان في الفروج المعهودة لاشتراك الامرين في
____________________
(١) بالاوقات أيان شئتم خ ل.
(٢) لظاهر الكلام بغير دليل خ ل.
الاستمتاع واللذة، وقد يغني الشئ عن غيره وإن لم يشاركه في جميع صفاته إذا إشتركا في الامر المقصود، ولو صرح بما قلناه حتى يقول: (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) من الوطي في القبل لكان صحيحا، لانه عوض ومغن عما يلتمس من الذكران.
[مسائل الطلاق]
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الطلاق لا يقع مشروطا وإن وجد شرطه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وأوقعوا الطلاق عند وقوع شرطه الذي علقه المتلفظ به.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة أن تعليق الطلاق بالشرط غير مسنون والمشروع في كيفية الطلاق غيره فيجب أن لا يتعلق به حكم الفرقة، لان الفرقة حكم شرعي، والشرع هو الطريق إليه، فإذا انتفى الدليل الشرعي انتفى الحكم الشرعي.
فان قيل: وما الدليل على ان الطلاق المشروط غير مشروع، قلنا: لا شبهة في أن الله عزوجل ما شرع لمريد الطلاق أن يعلقه بشرط ربما حصل ذلك وربما لم يحصل وهو من ثبوته وفقده على عذر فكيف يسوغ لقاصد إلى أمر فعل ما لا يطابق غرضه وما يجوز معه ألا يحصل مراده، وإنما شرع له أن يتلفظ بالتطليقة الواحدة في الطهر الذي لا جماع فيه وأن يقول: أنت طالق، وهذا مما لا يخفى على متأمل على أن ثبوت الزوجية متيقن فلا ينتقل عنه إلى التحريم إلا بيقين، ولا يقين في الطلاق المشروط.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن شهادة عدلين شرط في
وقوع الطلاق ومتى فقد لم يقع الطلاق، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة لنا بعد إجماع الطائفة قوله جل ثناؤه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم) إلى قوله: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم) فأمرنا بالاشهاد، وظاهر الامر في عرف الشرع يقتضي الوجوب فليس لهم أن يحملوا ذلك ها هنا على الاستحباب، فلا يخلو قوله جل ثناؤه: (واشهدوا) من أن يكون راجعا إلى الطلاق، كأنه قال: إذاطلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واشهدوا، أو أن يكون راجعا إلى الفرقة أو إلى الرجعة التي عبر تعالى عنها بالامساك، ولا يجوز أن يرجع ذلك إلى الفرقة التي ليست هاهنا شيئا يوقع أو يفعل وإنما هو العدول عن الرجعة، وإنما يكون مفارقا لها بأن لا يراجعها فتبين بالطلاق السابق على أن أحدا لا يوجب في هذه الفرقة الشهادة، فظاهر الامر يقتضي الوجوب، ولا يجوز أن يرجع الامر بالشهادة إلى الرجعة، لان أحدا لا يوجب فيها الاشهاد وإنما هو مستحب فيها فثبت أن الامر بالاشهاد راجع إلى الطلاق.
فان قيل: كيف يرجع إلى الطلاق مع بعد ما بينهما، قلنا: إذا لا يليق إلا بالطلاق وجب عوده إليه مع بعد وقرب، فان قيل: أي فرق بينكم مع حملكم هذا الشرط على الطلاق وهو بعيد منه في اللفظ وذلك مجاز وعدول عن الحقيقة، وبيننا إذا حملنا الامر بالاشهاد هاهنا على الاستحباب ليعود إلى الرجعة القريبة منه في ترتيب الكلام، قلنا: حمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع بلا دليل، ورد الشرط إلى ما بعد عنه إذ لم يلق بما قرب ليس بعدول عن حقيقة الاستعمال توسع وتجوز، والقرآن والخطاب كله مملو من ذلك.
قال الله جل ثنائه: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله
ورسوله وتعززوه وتوقروه وتسبحوه) والتسبيح وهو متأخر في اللفظ لا يليق إلا بالله جل ثناؤه دون رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ واحد وهو قوله أنت طالق ولا يقع بفارقتك وسرحتك ولا باعتدي وحبلك على غاربك وبخلية وبرية وبتة وبتلة وكل لفظ عدا ما ذكرناه، واختلف الفقهاء في ألفاظ الطلاق، فقال أبوحنيفة: لفظ الطلاق الصريح ما تضمن الطلاق خاصة والباقي كنايات ويقع الطلاق بها مع النية.
وقال الشافعي: صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ الطلاق والفراق والسراح وباقي الالفاظ كنايات لا يقع بها الطلاق إلا مع مقارنة النية لها ويقع من ذلك ما ينويه، وقسم الكنايات إلى قسمين ظاهرة، نحو قوله خلية وبرية وبتة وبتلة وباين وحرام، والكنايات الباطنة نحو قوله اعتدي واستبرى رحمك وتقنعي وحبلك على غاربك.
وقال مالك: الكنايات الظاهرة إذا لم ينو بها شيئا وقع الطلاق الثلاث وإن نوى واحدة أو اثنتين فإن كانت المرأة غير مدخول بها كان على ما نواه وإن كانت مدخولا بها وقعت الثلاث على كل حال.
وأما الكنايات الباطنة فقال في كلمتين منها وهي قوله اعتدي أو استبري رحمك إن لم ينو بها شيئا وقعت تطليقة رجعية وإن نوى شيئا كان على ما نواه به، ومالك يجعل الكنايات الظاهرة وهاتين الكلمتين من صريح الطلاق، والحجة لما نذهب إليه بعد إجماع الطائفة أن الطلاق يتبعه حكم شرعي لا يثبت إلا بأدلة الشرع، ولا خلاف في وقوعه باللفظة التي ذكرناها وما عداها من الالفاظ لم يقم دليل على وقوعه بها، فيجب نفي وقوعه، لان الحكم الشرعي لا بد من نفيه إذا انتفى الطريق إليه.
وأيضا فان ألفاظ القرآن كلها واردة بلفظ الطلاق، مثل قوله تعالى:
(يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) وما أشبه ذلك، وطلقتم مشتق من لفظ الطلاق دون غيره من الالفاظ فينبغي أن لا يتعلق الحكم إلا بهذا اللفظ.
فإن قيل: معنى طلقتم فارقتم، والفراق قد يكون بألفاظ مختلفة، قلنا: هذا خلاف الظاهر، لان لفظ طلقتم مشتق من حدث فيه طاء ولام وقاف، كما أن لفظ ضرب مشتق من حدث فيه ضاد وراء وباء، ومن فعل ما فيه معنى الضرب لا يقال ضرب فكذلك(١) لا يقال فيمن فعل ما فيه معنى الطلاق طلق فان قيل: لفظة الطلاق شرعية قلنا: معاذ الله هذه لفظة لغوية معروفة في خطاب أهل اللغة وإنما يتبعها أحكام شرعية لا تعرف في اللغة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية به اعتبارهم في اللفظ بالطلاق النية وإن المتلفظ بذلك إذا لم ينو الطلاق بعينه فلا حكم في الشريعة لكلامه، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ويذهبون إلى أن ألفاظ الطلاق الصريحة لا تفتقر إلى النية، وإنما يفتقر إلى النية كنايات الطلاق.
والحجة لنا بعد إجماع الطائفة أن الفرقة الواقعة بين الزوجين حكم شرعي ولا يثبت الاحكام الشرعية إلا بأدلة شرعية، وقد علمنا أنه إذا تلفظ بالطلاق ونواه فان الفرقة الشرعية تحصل بلا خلاف بين الامة وليس كذلك إذا لم ينو ولا دليل من إجماع ولا غيره يقتضي حصول الفرقة من غير نية، فان ذكروا في ذلك أخبارا يروونها فكلها أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا وهي معارضة بأخبار ترويها الشيعة تتضمن أن الطلاق بغير نية لا حكم له ولا تأثير، ومما يمكن أن يعارضوا به ما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
والمراد أن الاحكام إنما تثبت للاعمال في الشريعة بالنيات لان من المعلوم أن بالنيات يدخل العمل في أن يكون عملا، وإذا كان الفرقة بين
____________________
(١) وكذلك خ ل.
الزوجين من أحكام الطلاق الصحيح، وقد نفى النبيصلىاللهعليهوآله الاحكام الشرعية عما لم تصاحبه النية من الاعمال فوجب أن لا يقع طلاق لا نية معه، وبمثل هذه الطريقة يعلم أن طلاق المكره لا يقع، فان الشافعي ومالك والاوزاعي يوافقوننا في أنه لا يقع، وإنما يخالف فيه أبوحنيفة وأصحابه، لانا إذا كنا قد دللنا على أن الطلاق يفتقر إلى النية والاختيار والمكره لا نية له في الطلاق وإنما اكره على لفظه فيجب أن لا يقع طلاقه.
ويمكن أن يعارضوا زايدا بما ذكرناه بما يروونه عن ابن عباسرضياللهعنه ، عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: رفع عن أمتي الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه، وإنما المراد لا محالة أحكام هذه الامور المتعلقة بها، فان قيل المراد به رفع الاثم.
قلنا: نحمله على الامرين لانه لا تنافي بينهما، وأيضا ما روته عايشة من أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق، وفسر أبوعبيد القاسم ابن سلام الاغلاق ها هنا بالاكراه.
وبمثل ما ذكرناه أيضا يعلم أن طلاق السكران غير واقع، ووافقنا في ذلك ربيعة والليث بن سعد وداود، وخالف باقي الفقهاء وقالوا: ان طلاق السكران يقع، وإنما قلنا: ان أدلتنا لا تتناول السكران، لان السكران لا قصد له ولا إيثار، وقد بينا أن الطلاق يفتقر إلى الايثار والاختيار، وعلى مثل ما ذكرناه يعتمد في أن طلاق الغضبان الذي لا يملك اختياره لا يقع، وإن خالف باقي الفقهاء في ذلك فإن استدلوا بما يروونه عنهعليهالسلام من قوله ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق، والهزل ما لا نية فيه وقد جعله النبيصلىاللهعليهوآله في الطلاق مثل الجد، قلنا: هذا خبر واحد.
وقد دللنا على أن أخبار الآحاد لا يعمل بها في الشريعة ثم نقول: إذا
سلمناه أن الهزل ليس هو الذي لا يقصد ولا يعتمد ولا نية لصاحبه، وإنما هو الفعل الذي ليس الغرض فيه صحيحا موافقا للحكمة، فان اللاعب بالشطرنج وما جرى مجراها يسمى هازلا غير جاد، وإن كان ناويا قاصدا من حيث كان غرضه غير حكمي فكأنه أراد أن طلق وغرضه بالطلاق الذي قصده ونواه اضحاك ضاحك وإرضاء من لا يجب إرضاؤه.
فان الطلاق يقع ويكون في حكم الجد في الوقوع واللزوم وإن كان هزلا من حيث فقد الغرض الحكمي.
فإن قيل: فيجب إذا سمعنا متلفظا بالطلاق على الشرائط التي يقترحونها إذا ادعى أنه لم ينو الطلاق بقلبه أن نصدقه قلنا كذلك نقول، فإن كان صادقا فيما قال فلا تبعة عليه وإن كان كاذبا في نفي النية فقد أثم وحرج.
وعلى الظاهر أنه لم يطلق كما أنه لو طلق سرا من كل أحد ولم يقف على حاله سواه فانه يكون مطلقا فيما بينه وبين الله تعالى وعلى الظاهر غير مطلق، فان قيل: فما تقولون فيمن تلفظ بالطلاق ثم مات ولم يدر هل هو نوى أم لم ينو، قلنا اذا سمعنا تلفظه بالطلاق ولا إكراه ولا إمارة لنفي الاختيار فالظاهر أنه وقع عن إيثار ونية، وإنما يخرج عن هذا الظاهر إذا قال لنا: ما نويت الطلاق وأنكر النية ودفعها، فأما إذا مات عقيب القول فهو مطلق على الظاهر ومحكوم عليه في الشريعة بالفرقة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الطلاق في المحيض لا يقع، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى وقوعه إلا ابن علية فأنه روي عنه أن الطلاق في المحيض لا يقع.
والحجة لنا بعد إجماع الطائفة أنه لا خلاف في أن الطلاق في المحيض بدعة ومعصية، وإن اختلف في وقوعه لان الله تعالى قال فطلقوهن لعدتهن وفسروا ذلك بالطهر الذي لا جماع فيه، وإذا ثبت أن الطلاق في المحيض
بدعة ومخالف لما أمر الله تعالى بإيقاع الطلاق عليه ثبت أنه لا يقع لانا قد بينا أن النهي بالعرف الشرعي يقتضي الفساد وعدم الاجزاء.
وأيضا فان الطلاق حكم شرعي بغير شبهة ولا سبيل إلى إثبات الاحكام الشرعية إلا بأدلة شرعية، وقد ثبت بالاجماع أنه إذا طلق في طهر مع باقي الشرائط وقعت الفرقة ولم يثبت مثل ذلك في طلاق المحيض فيجب نفي وقوعه، ويمكن أن يورد عليهم على سبيل المعارضة بما يروونه من أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي عن ذلك فردها النبي عليه فلم يره شيئا، وهذا صريح في عدم وقوعه وتأثيره.
فان قالوا: المراد بذلك لم يره إثما أو لم يره طلاقا باينا، قلنا: الظاهر من لفظة شئ مع النفي عدم التأثيرات كلها، ولو أراد ما ذكرتم لعدل عن هذه العبارة إلى أن يقول: لم يره إثما، أو لم يره طلاقا باينا، على انا نحمل ذلك على ما قلتم، وقلنا: لان اللفظ إذا احتمل للكل حمل على جميعه.
ويعارضون أيضا بما يروونه من أن ابن عمر طلق امرأته وهي حايض فقال النبيصلىاللهعليهوآله لعمر أبيه مره فليراجعها، ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء، وأمر النبيصلىاللهعليهوآله ظاهر الوجوب، وإذا أمر بالمراجعة وأوجبها دل على أن الطلاق لم يقع.
فإن قيل: إذا كان الطلاق في الحيض لا يقع، فأي معنى لقوله مره فليراجعها، والرجعة لا تكون إلا بعد طلاق سبق.
قلنا: معنى فليراجعها أي يردها إلى منزله ولا يفارقها، فان ابن عمر كان قد فارقها واعتزلها لما طلقها في الحيض، وظن أن طلاقه واقع فأخبره النبيصلىاللهعليهوآله بأن قوله غير مؤثر، وأن الطلاق لم يقع وأمره بالعود إلى ما كان عليه.
وقد يقول أحدنا لمن تلفظ بما ظن أنه طلاق واقع وليس هو على الحقيقة كذلك رد زوجتك إليك وراجعها ولا تفارقها وليس هناك طلاق واقع، فإن قيل أي فرق بين ترككم ظاهر قوله فليراجعها الذي لا يفيد إلا الرجعة بعد الطلاق وبين تركنا ظاهر الايجاب في قوله مره فليراجعها، وحملنا ذلك على الاستحباب ليسلم ظاهر لفظة الرجعة.
قلنا: الفرق بين الامرين أن ظاهر الامر في الشريعة الوجوب وحمله على غيره مجاز وليس ظاهر لفظة رجوع يقتضي وقوع الطلاق قبلها، لانا قد بينا أنه قد يقال لمن لم يطلق وأخرج امرأته واعتزلها ظنا أنه قد طلق ردها وراجعها وأعدها وذلك حقيقة غير مجاز.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
وقد روي ان ابن عباس رحمة الله عليه وطاووسا يذهبان إلى ما تقوله الامامية وحكى الطحاوي في كتاب الاختلاف أن الحجاج بن أرطاة كان يقول: ليس الطلاق الثلاث بشئ.
وحكى في هذا الكتاب عن محمد بن إسحاق أن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، دليلنا بعد الاجماع المتردد أن يدل على أن المشروع في الطلاق إيقاعه متفرقا، وقد وافقنا مالك وأبوحنيفة على أن الطلاق الثلاث في الحال الواحدة محرم مخالف السنة إلا أنهما يذهبان مع ذلك إلى وقوعه، وذهب الشافعي إلى أن الطلاق الثلاث في الحال الواحدة غير محرم.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (الطلاق مرتان) ولم يرد بذلك الخبر لانه لو أراده لكان كذبا وإنما أراد الامر فكأنه قال تعالى طلقوا مرتين، وجرى مجرى قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا)، والمراد يجب أن تؤمنوه، والمرتان لا تكونان إلا واحدة بعد أخرى، ومن جمع
الطلاق في كلمة واحدة لا يكون مطلقا مرتين، كما أن من أعطى درهمين مرة واحدة لم يعطهما مرتين.
فإن قيل: العدد إذا ذكر عقيب الاسم لم يقتض التفريق مثاله إذا قال له علي مائة درهم مرتان، وإذا ذكر العدد عقيب فعل اقتضى التفريق مثاله ادخل الدار مرتين أو ضربت مرتين، والعدد في الآية عقيب اسم لا فعل، قلنا قد بينا أن قوله تعالى: (الطلاق مرتان)، أن معناه طلقوا مرتين، فالعدد مذكور عقيب فعل لا اسم.
فإن قيل: إذا ثبت وجوب تفريق الطلاق فلا فرق بين أن يكون في طهر واحد أو طهرين وأنتم لا تجوزون تفريقه في طهر واحد، قلنا: إذا ثبت وجوب التفريق فكل من أوجبه يذهب إلى أنه لا يكون إلا في طهرين، فإن قيل: فإذا كان الثلاث لا تقع، فأي معنى لقوله تعالى: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)، وإنما المراد انك إذا خالفت السنة في الطلاق وجمعت بين الثلاث وتعديت ما حده الله تعالى لم تأمن ان تتوق نفسك إلى المراجعة فلا تتمكن منها.
قلنا: قوله تعالى: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) مجمل غير مبين فمن أين لكم أنه أراد ما ذكرتم، والظاهر غير دال على ما هو الامر الذي يحدثه الله تعالى والاشبه بالظاهر أن يكون ذلك الامر الذي يحدثه الله تعالى متعلقا بتعدي حدود الله، لانه تعالى قال: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) ويشبه أن يكون المراد لا تدري ما يحدث الله من عقاب يعجله في الدنيا على تعدي حدوده، وهذا أشبه بما ذكرناه، وأقل الاحوال أن يكون الكلام يحتمله فيسقط تعلقهم.
وقد قيل: أن قوله تعالى: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)
متعلق بالنهي عن إخراجهن من بيوتهن لئلا يبدو له في المراجعة، وهذا أيضا مما يحتمله الكلام، فمن أين لهم أن المراد ما ذكروه، وقد تعلقوا في أن الطلاق الثلاث في حال واحدة ليس ببدعة بما رواه سهل بن سعد الساعدي قال لاعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله بين العجلاني وزوجته فلما تلاعنا قال الزوج إن أمسكتها فقد كذبت عليها هي طالق ثلاثا، فقال النبيصلىاللهعليهوآله لا سبيل لك عليها.
وموضع الاستدلال منه أن العجلاني كان قد طلق في وقت لم يكن له أن يطلق فيه فطلق ثلاثا فبين له النبيصلىاللهعليهوآله حكم الوقت وأنه ليس له أن يطلق فيه ولم يبين له حكم العدد، ولو كان ذلك العدد محرما وبدعة لبينه.
والجواب أنه لا دلالة للشافعي في هذا الخبر، لان الفرقة بلعان الزوج قد كانت واقعة عنده، وإنما تلفظ بالطلاق الثلاث بعد ما بانت منه فلم يكن لقوله حكم، فإن قال فألا أنكر النبيصلىاللهعليهوآله على العجلاني في التلفظ بالثلاث في وقت واحد، قلنا: فألا أنكرصلىاللهعليهوآله عليه اعتقاده أن طلاقه يؤثر بعد اللعان والعذر في ترك إنكاره هذا هو العذر في ترك إنكار ذلك على أن خبر العجلاني وما أشبهه من الاخبار خبر واحد.
وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا وهو معارض بأخبار كثيرة تتضمن ان إيقاع التطليقات الثلاث في الحال الواحدة بدعة وخلاف السنة فان احتج من يذهب إلى أن الطلاق الثلاث يقع وإن كان بدعة بما روى في حديث ابن عمر من انه قال للنبيصلىاللهعليهوآله : أرأيت لو طلقتها ثلاثا، فقالصلىاللهعليهوآله إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فالذي يبطل ذلك أنه لا تصريح في قوله أرأيت لو طلقتها ثلاثا وأنني كنت أفعل ذلك بكلمة واحدة وحالة واحدة، ويجوز أن يكون مراده انني لو طلقتها ثلاثا في ثلاثة أطهار تخللها المراجعة فلا شبهة في أن من طلق امرأة ثلاثا في ثلاثة أطهار أنه يسمى مطلقا ثلاثا،
فإذا قيل لا فائدة على هذا الوجه في قولهصلىاللهعليهوآله : إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك، قلنا يحتمل ذلك المعصية بأمرين: أحدهما أن يكون النبيصلىاللهعليهوآله كان يعلم من زوجة ابن عمر خيرا وبرا يقضيان المعصية بفراقها، والامر الآخر أنه مكروه للزوج أن يخرج نفسه من التمكن من مراجعة المرأة، لانه لا يدري كيف ينقلب قلبه، وربما دعته الدواعي القوية إلى مراجعتها، فإذا خرج أمرها من يده ربما هم بالمعصية، ومن أبان زوجته بالتطليقات الثلاث في الاطهار الثلاثة، والمراجعة في خلال ذلك فهو محرم لها على نفسه حتى تنكح زوجا غيره، ووجه كراهية ذلك ما ذكرناه.
وجواب ثان في تأويل الخبر وهو أن نحمل قولهصلىاللهعليهوآله بانت زوجتك على أنها خرجت من العدة بانت، فان المطلق ثلاثا بلفظ واحد يقع منه تطليقة واحدة على الصحيح من مذهبنا، فإذا طلقها بكلمة واحدة ثلاثا وخرجت من العدة بانت منه، وإنما عصى ربه لانه أبدع بالجمع بين التطليقات الثلاث في الحال الواحدة.
فان تعلقوا أيضا بما يرووه من أن عبدالرحمن طلق امرأته تماضر ثلاثا فجوابه أنه يجوز أن يكون طلقها في أطهار ثلاثة مع مراجعة تخللت، وليس في ظاهر الخبر أنه طلقها بلفظ واحد أو حالة واحدة، وهذه الطريقة التي سلكناها يمكن أن تطرد في جميع أخبارهم التي يتعلقون بها مما يتضمن وقوع طلاق ثالث فقد فتحنا طريق الكلام على ذلك كله ونهجناه فلا معنى للتطويل بذكر جميع الاخبار على أن أخبارهم معارضة بأخبار موجودة في رواياتهم وكتبهم تقتضي أن الطلاق الثلاث لا يقع منها ما رواه ابن سيرين أنه قال حدثني من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمره النبي أن يراجعها، وبما رواه الحسن قال: أتى عمر برجل قد طلق امرأته ثلاثا بفم واحد فردها
عليه ثم أتي برجل آخر طلق امرأته ثلاثا بفم واحد فأبانها منه، فقيل له: انك بالامس رددتها عليه، فقال: خشيت أن يتتابع فيه السكران والغيران.
وروي عن ابن عباسرضياللهعنه أنه كان يقول: أن الطلاق كان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعهد أبي بكر وصدر من أمارة عمر طلاق الثلاث واحدة ثم جعلها عمر بعد ذلك ثلاثا.
وروي عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كيف طلقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثا، قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قالصلىاللهعليهوآله : إنما تلك واحدة فراجعها إن شئت، قال: فراجعها والاخبار المعارضة لاخبارهم أكثر من أن تحصى.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الطلاق بعد الطلاق وإن كان في طهرين أو طهر واحد لا يقع إلا بعد تخلل المراجعة بجماع، والفقهاء كلهم يخالفون في ذلك، لان أبا حنيفة وإن جعل ذلك بدعة فإنه يذهب إلى وقوعه ولزومه، والحجة لنا بعد إجماع الطائفة إنا قد دللنا على أن إيقاع الطلاق بعد الطلاق من غير مراجعة بدعة وخلاف السنة، وقد بينا أن التحريم في الشرع يتبعه الفساد ونفي الاحكام الشرعية.
وأيضا فان من طلق على الترتيب الذي ذكرناه وقع طلاقه، وآثر ومن اتبع الطلاق بالطلاق من غير مراجعة لا إجماع عليه ولا دليل على وقوع طلاقه فيجب أن يحكم بنفيه.
فإن قيل كيف تذهبون إلى أن المطلق ثلاثا بكلمة يقع من طلاقه واحدة وهو مبدع مخالف للسنة، وعندكم أن البدعة لا يلحقها حكم شرعي، قلنا: إنما أبدع من جمع بين الثلاث في ضم قوله ثلاثا إلى قوله أنت طالق فألغينا من كلامه ما هو خلاف السنة وهو قوله ثلاثا وأسقطنا حكمه وأوجبنا
وقوع تطليقة واحدة، لانه بقوله أنت طالق قد تلفظ بلفظ الطلاق المسنون فيه فيجب إذا تكامل باقي الشرائط أن يقع واحدة، وجرى ذلك مجرى أن يقول أنت طالق، ويتبع ذلك بلفظ لا تأثير له مثل قوله قام زيد ودخلت الدار، وقد علمنا انه لو اتبع ذلك بشئ مما ذكرناه ولم يخرج لفظه بالطلاق من ان يكون واقعا وان اتبعه بهذيان لا حكم له.
فاذا قيل لم يسن له ان يقول لها انت طالق ثم ثلاثا فيجب أن لا يقع طلاقه، قلنا، ولم يسن له أن يقول أنت طالق ثم يسميها ومع ذلك فلو فعل خالف السنة ووقع طلاقه، لانا قد بينا أنه ما خالف السنة فيما وقع به الطلاق.
وإنما خالفها في غيره، ومخالفونا يوقعون الطلاق باللفظ الذي خولفت به السنة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية قولهم: أن الطلاق لا يقع إلا بالتعيين والتمييز، فإذا قال الرجل لاربع نسوة: إحداكن طالق فكلامه لغو لا حكم له في الشريعة.
وقال أبوحنيفة وأصحابه والثوري وعثمان البستي والليث إذا لم ينو واحدة بعينها حين قال فأنه يختار أيتهن شاء فيوقع الطلاق عليها والباقيات نساؤه.
وقال مالك: إذا لم ينو واحدة بعينها طلق عليه جميع نسائه.
وقال الشافعي: إذا قال لامرأتيه طالق أحديكما طالق ثلاثا منع منهما حتى يبين، فان قال لم أرد هذه كان إقرارا منه بالاخرى.
والحجة لنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر، وأيضا فان الطلاق حكم شرعي وقد ثبت وقوعه ولزومه مع التعيين، ولا دليل على وقوعه مع الجهالة فيجب نفي وقوعه، وأيضا فلا خلاف في أن المشروع في الطلاق تسمية المطلقة والاشارة إليها بعينها ورفع الجهالة عنها، وإذا لم يفعل ذلك فقد تعدى المشروع، وقد بينا أن الفساد تابع لما خالف الشرع،
ومذهب مالك أبعد من مذهب الجماعة " لانه إنما طلق واحدة وإن كانت لا بعينها فكيف يطلق عليه جميع نسائه، وقول غيره من الفقهاء في هذه المسألة أقرب إلى الصواب.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن تعليق الطلاق بجزء من أجزاء المرأة أي جزء كان لا يقع فيه الطلاق، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه إلا زفر إذا علق الطلاق بما يعبر به عن جملة البدن مثل الرأس والجسد واليدين أو عن جزء شايع مثل ربعك أو نصفك وقع الطلاق ولا يقع بما عدا ذلك.
وقال الشافعي: إذا علقه بكل بعض من أبعاضها مثل يدك أو رجلك أو شعرك أو غير ذلك من الابعاض وقع الطلاق ووافقه على ذلك ابن أبي ليلى وزفر ومالك والليث وابن حي، دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة أن تعليق الطلاق ببعضها ليس من الالفاظ المشروعة في الطلاق فيجب أن لا يقع.
وأيضا فان الطلاق حكم شرعي، وقد ثبت أنه إذا علقه بها وكملت الشرائط وقع، ولم يثبت أنه إذا علقه ببعضها وقع، والحكم الشرعي يجب نفيه بانتفاء دليل شرعي عليه.
ومما يمكن أن يستدل به قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) فجعل الطلاق واقعا بما يتناوله اسم النساء، واليد والرجل لا يتناولهما هذا الاسم بغير شبهة، وفرق أبوحنيفة بين الرقبة والرأس والفرج وبين اليد والرجل، لانهم يقولون عندي كذا وكذا رأسا من ا لعبيد والاماء وكذا كذا رقبة وكذا كذا فرجا غير صحيح، لان جميع ما ذكروه مجاز واستعارة، وكلامنا على الحقائق، ولان اليد قد يعبر بها أيضا عن جميع البدن لانهم رووا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال على اليد ما أخذت حتى ترده وأراد به الجملة وقال الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب)، وقال تعالى: (فبما كسبت أيديهم) وإنما أراد الجملة دون البعض.
[مسائل الظهار]
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الظهار لا يثبت حكمه إلا مع القصد والنية، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يعتبروا النية فيه، ومنع الليث بن سعد والمزني وداود من وقوع ظهار السكران، وأجازه بعض الفقهاء، وكل شئ احتججنا به في أن النية معتبرة في الطلاق فهو حجة هاهنا فلا معنى لاعادته.
(مسألة) ومما انفردت الامامية به أن الظهار لا يقع إلا في طهر لا جماع فيه بمحضر من شاهدين فمتى أخل بشرط مما ذكرناه لم يقع ظهار، وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
والحجة لنا بعد إجماع الطائفة أن الظهار حكم شرعي، وإنما يثبت في الموضع الذي يدل الشرع على ثبوته فيه، وإذا وقع مقارنا للشروط التي ذكرناها فلا خلاف بين الامة في لزوم حكمه، وليس كذلك إذا اختل بعض هذه الشروط لانه لا دليل شرعي على لزومه مع فقد الشروط التي اعتبرناها فيجب نفي وقوعه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن الظهار لا يقع بيمين ولا مشروطا بأي شرط كان، وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
والحجة لنا في هذه المسألة الحجة في المسألة التي تقدمتها بلا فصل ولا معنى للتكرار.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الظهار لا يثبت حكمه مع الجهالة ولا بد فيه من التعيين والتمييز إما بالاشارة أو التسمية، ومن قال لنسائه إحداكن علي كظهر أمي لا حكم لقوله، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة لنا بعد الاجماع المتردد أن الظهار حكم شرعي وقد ثبت بالاتفاق أنه يقع مع التعيين ولم يثبت أنه واقع مع الجهالة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن الظهار لا يقع إلا بلفظة الظهر ولا يقوم مقامها تعليقه بجزء من أجزاء الام أو عضو منها أي عضو كان وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
فقال أبوحنيفة وأصحابه: إذا قال أنت علي كيد أمي أو كرأسها وذكر شيئا يحل له النظر إليه منها لم يكن مظاهرا، فإن قال: كبطنها أو فخذها وما أشبه ذلك كان مظاهرا، لانه يجري مجرى الظهر في أنه لا يحل له النظر إليه.
وقال ابن القسم قياس قول مالك أنه يكون مظاهرا بكل شئ من الام وقال الثوري والشافعي إذا قال: أنت علي كرأس أمي أو كيدها فهو مظاهر لان التلذذ منها بذلك محرم عليه.
والحجة لنا بعد إجماع الطائفة ما تقدم من أن الظهار حكم شرعي وقد ثبت وقوعه ولزومه إذا علق بالظهر ولم يثبت ذلك في باقي الاعضاء، وأيضا فان الظهار مشتق من لفظة الظهر، فإذا علق باليد وما أشبهها بطل الاسم المشتق من الظهر ولم يجز إجزاؤه.
فإذا قيل: في اليد معنى الظهر.
قلنا: الاتفاق في معنى التحريم لا يوجب أن يكون اليد ظهرا، والاسم مشتق من الظهر دون غيره.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به القول: بأن من ظاهر ثم جامع قبل أن يكفر لزمته كفارتان، ووافق الامامية في ذلك الزهري وقتادة، وخالف باقي الفقهاء وأوجبوا كفارة واحدة، دليلنا الاجماع المتردد واعتبار اليقين ببرائة الذمة، فان ذلك لا يحصل إلا مع الكفارتين دون ا لواحدة، فان قيل: إذا كانت الكفارة إنما تلزم بالعود وهو إمساكها زوجة، والمقام على استباحة التمتع بها دون الجماع بدلالة قوله تعالى: (من قبل أن يتماسا) فبالعود يلزم كفارة واحدة، والجماع لا يوجب كفارة أخرى.
قلنا: الواجب بحكم الظهار إذا وقع العود الكفارة، فإذا جامع قبل أن يكفر لا يمتنع أن يلزمه كفارة أخرى عقوبة.
[مسائل الايلاء] ومما انفردت به الامامية القول: بأن الايلاء لا يكون إلا باسم الله تعالى دون غيره، ولو قال: ان قربتك فلله علي صوم أو صلاة لم يكن موليا، وقال أبوحنيفة وأبويوسف إذا قال: إن قربتك فلله علي صلاة لا يكون موليا، وقال زفر ومحمد ومالك وابن حي والشافعي: هو مول، وإذا قال لله علي صوم كان موليا في قولهم جميعا.
والحجة لنا بعد إجماع الطائفة إن الايلاء يتعلق به حكم شرعي، وقد علمنا تعلقه في الموضع الذي يتفق عليه ولم يدل دليل على ثبوت حكمه في موضع الخلاف فيجب نفي ثبوته.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن الايلاء لا يقع في حال الغضب الذي لا يضبط الانسان نفسه معه ولا مع الاكراه، ولا بد فيه من القصد، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة لنا ما تقدم في كتاب الطلاق وأنه لا يقع مع الغضب والاكراه.
(مسألة) ومما ظن انفراد الامامية به أن من حلف أن لا يقرب زوجته وهي مرضع خوفا من أن تحمل فينقطع لبنها فيضر ذلك بولدها لا يكون موليا، وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
وروي عن الاوزاعي موافقة الامامية.
وقال مالك: لايكون موليا، لانه أراد صلاح ولده ولم يرد بالامتناع من الجماع الاضرار بالامرأة، والحجة لنا بعد إجماع الطائفة أن انعقاد الايلاء حكم شرعي وقد ثبت انعقاده في موضع الاتفاق ولم يثبت في موضع الخلاف وانعقاده حكم شرعي فيجب نفيه بنفي الدليل الشرعي.
فإن احتجوا بعموم قوله تعالى: (والذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر)، فالجواب أن العموم يخص بالدليل، وبعد فالآية تقتضي وجوب التربص فيمن آلى، ونحن نمنع من كون من قال للمرضعة لا أقربك في الرضاع موليا فالاسم لا يتناوله، فإن قيل: هذا يوجب ان لا ينعقد إيلاء في مصلحة للرجل أو لزوجته أو لولده على كل حال في غير الرضاع أيضا، قلنا: كذلك نقول وإليه نذهب.
[مسائل اللعان]
(مسألة) ومما كانت الامامية منفردة به وأن جمهور الفقهاء على خلافه القول: بأن الرجل إذا قال لامرأته: يا زانية وما جرى مجرى ذلك لا يوجب اللعان بينهما وإنما يكون قاذفا، والذي يوجب اللعان أن يقول رأيتك تزنين ويضيف الفاحشة منها إلى مشاهدته أو ينفي ولدا أو حملا، ووافق مالك والليث في هذه الجملة، والحجة لنا إجماع الطائفة.
وأيضا فان اللعان يتعلق به أحكام شرعية، فالطريق إلى إثبات ما يوجبه أدلة الشرع، وقد ثبت في الموضع الذى ذكرناه بالاتفاق أنه يوجب اللعان ولم يثبت ذلك فيما عداه فيجب نفي إيجابه اللعان.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من قذف إمراته وهى خرساء أو صماء لاتسمع شيئا فرق بينهما وأقيم عليه الحد ولم تحل له أبدا ولا لعان بينهما وخالف باقى الفقهاء في ذلك.
فقال ابوحنيفة واصحابه: إذا قذف الاخرس إمرأته لم يحد ولا يلاعن وقال الاوزاعي: إذا قذف إمرأته وهي خرساء لحق به ولدها ولا حد عليه ولا لعان.
وقال مالك والشافعي يلاعن الاخرس إذا قذف إمرأته بالاشارة.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وإنما وجب الفرقة والحد على الزوج إذا قذف زوجته وهي خرساء، لان الذي يسقط الحد عن الزوج اللعان، والملاعنة للخرساء لا تصح.
وقال الاوزاعي: أن الولد يلحق بمن قذف إمرأته وهي خرساء صحيح لان اللعان إذا لم يصح وقوعه بينهما لخرس المرأة فالولد لاحق به، وأما نفيه الحد عنه فغلط منه، لانه قاذف ولم يبطل عنه حد اللعان فالحد لازم فيه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من لاعن زوجته وجحد ولدها ثم رجع بعد ذلك فأقر بالولد فأنه يضرب حد المفتري ويورث الولد منه ولا يورث هو من ذلك الولد ويورث من هذا المولود أخوته من قبل أمه ولا يورث منه أخوته من جهة أبيه، ولست أعرف موافقا للامامية من مخالفها في هذه المسألة.
والدليل على صحة هذا المذهب الاجماع المتردد، وأيضا فإن الاحتياط فيه، لان إقراره بالولد بعد نفيه يغلب الظن [فيه] بأن القصد به الطمع في الميراث، وإذا حرم الميراث كان ذلك صارفا عن هذا المقصد، ومقتضيا أن الاقرار بعد الجحود مع حرمان الميراث إنما هو لتحري الحق والصدق دون غيره.
[مسائل العدة]
ومما يظن انفراد الامامية به القول: بأن الآيسة من النساء من المحيض إذا كانت في سن من لا تحيض لا عدة عليها متى طلقت، وكذلك من لا تبلغ المحيض إذا لم يكن مثلها من تحيض لا عدة عليها، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ويوجبون العدة على الآيسة من المحيض وعلى التي لم تبلغه على كل حال
وعدة هؤلاء عندهم الاشهر، وهذا المذهب ليس بمذهب لجميع الامامية وإن كان فيهم من يذهب إليه ويعول على أخبار آحاد في ذلك، ولا حجة فيها وليس بمذهب لجميع الامامية فيلحق بما أجمعوا عليه.
والذي اذهب انا اليه أن على الآيسة من المحيض والتى لم تبلغه العدة على كل حال من غير مراعاة للشرط الذى حكيناه عن أصحابنا.
والذى يدل على صحة هذا المذهب قوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن) وهذا نص صريح في أن الآيسات من المحيض واللائي لم يبلغن عدتهن الاشهر على كل حال، لان قوله تعالى: واللائي لم يحضن) معناه واللائي لم يحضن.
كذلك فان قيل: كيف تدعون أن الظاهر يقتضي إيجاب العدة على ما ذكرتم على كل حال.
وفي الآية شرط وهو قوله تعالى: (إن ارتبتم)، قلنا: أول ما نقوله أن الشرط المذكور في الآية لا ينفع أصحابنا، لانه غير مطابق لما يشترطونه وإنما يكون نافعا لهم الشرط لو قال تعالى: إن كان مثلهن لا تحيض في الآيسات وفي اللائي لم يبلغن المحيض إذا كان مثلهن تحيض وإذا لم يقل الله تعالى ذلك وقال عزوجل: (إن ارتبتم) وهو غير الشرط الذي شرطه أصحابنا فلا منفعة لهم به.
وليس يخلو قوله تعالى: (إن ارتبتم) من أن يريد به ما قاله جمهور المفسرين وأهل العلم بالتأويل من أنه تعالى أراد به إن كنتم مرتابين في عدة هؤلاء النساء وغير عالمين بمبلغها، فقد رووا ما يقوي ذلك من أن سبب نزول هذه الآية هو ما ذكرناه من فقد العلم، فروى مطرف عن عمرو بن سالم قال قال أبي بن كعب يا رسول الله أن عددا من عدد النساء لم يذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الاحمال فأنزل الله عزوجل (واللائي يئسن
من المحيض) إلى قوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) فكان سبب نزول هذه الآية الارتياب الذي ذكرناه.
ولا يجوز أن يكون الارتياب من المحيض بأنها آيسة أو غير آيسة لانه تعالى قد قطع في الآية على اليأس من المحيض بقوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض)، والمشكوك في حالها، والمرتاب في أنها تحيض أو لا تحيض لا تكون آيسة، والمرجع في وقوع الحيض منها وارتفاعه إليها وهي المصدقة على ما تخبر به، فإذا أخبرت بأن حيضها قد إرتفع قطع عليه، ولا معنى للارتياب مع ذلك، وإذا كان الحيض المرجع فيه إلى النساء ومعرفة الرجال به مبنية على أخبار النساء فكانت الريبة المذكورة في الآية منصرفة إلى اليأس من المحيض، فكان يجب أن يقول تعالى: إن ارتبتن أو إن ارتبن لانه حكم يرجع إلى النساء ويتعلق بهن فهن المخاطبات به، فلما قال الله تعالى أن إرتبتم فخاطب الرجال دون النساء علم أن المراد هو الارتياب في العدة ومبلغها، فإن قيل: ما أنكرتم من أن يكون الارتياب هاهنا إنما هو لمن تحيض أو لم تحض ممن هو في سنها على ما يشرطه بعض أصحابكم.
قلنا: هذا يبطل أنه لا ريب في سن من تحيض أو لا تحيض مثلها من النساء، لان المرجع فيه إلى العادة، ثم إذا كان الكلام مشروطا فالاولى أن يعلق الشرط بما لا خلاف فيه دون ما فيه الخلاف.
وقد علمنا أن من شرط وجوب الاعلام بالشئ والاطلاع عليه فقد العلم ووقوع الريبة ممن يعلم بذلك ويطلع عليه، فلا بد إذا من أن يكون ما علقنا نحن الشرط به وجعلنا الريبة ممن يعلم بذلك واقعة فيه مرادا، وإذا ثبت ذلك لم يجز أن يعلق الشرط بشئ آخر مما ذكروه أو غيره، لان الكلام يستقل بتعلق الشرط بما ذكرنا أنه لا خلاف فيه ولا حاجة به بعد الاستقلال إلى أمر آخر، ألا ترى أنه لو استقل بنفسه لما جاز اشتراطه.
وكذلك إذا استقل مشروطا بشئ لا خلاف فيه فلا يجب تجاوزه ولا تخطيه إلى غيره.
(مسألة) ومما يظن أن الامامية مجتمعة عليه ومنفردة به القول بأن عدة الحامل المطلقة أقرب الاجلين، وتفسير ذلك أن المطلقة إذا كانت حاملا ووضعت قبل مضي الاقراء الثلاثة فقد بانت بذلك وإن مضت الاقراء الثلاثة قبل أن تضع حملها بانت بذلك أيضا.
وقد بينا في جواب المسائل الواردة من أهل الموصل الفقهية أنه ما ذهب جميع أصحابنا إلى هذا المذهب ولا أجمع العلماء منا عليه، وأكثر أصحابنا يفتي بخلافه، ويذهب إلى أن عدة من ذكرنا حالها وضعها الحمل، وإن من ذهب إلى خلاف ما نصرناه إنما عول على خبر يرويه زرارة بن أعين عن أبي جعفر " ع "، وقد بينا أنه ليس بحجة توجب العلم، وسلمناه مع ذلك وتأولناه واستوفينا هناك من الكلام ما لا طائل في إعادته هاهنا وفي الجملة إذا كانت هذه المسألة مما لا يجمع أصحابنا عليها ويختلفون فيها فهي خارجة عما بنينا هذا الكتاب عليه.
فإن قيل فما حجتكم على كل حال على أن عدة المطلقة إذا كانت حاملا هي وضعها للحمل دون الاقراء، فإن إحتججتم بقوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) عورضتم بعموم قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء).
فالجواب عن ذلك أنه لا خلاف بين العلماء في أن آية وضع الحمل عامة في المطلقة وغيرها وأنها ناسخة لما تتقدمها، ومما يكشف عن ذلك أن قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) إنما هو في غير الحوامل، فإن من استبان حملها لا يقال فيها لا يحل لها أن تكتم ما خلق الله تعالى في رحمها، وإذا كانت
هذه خاصة في غير الحوامل لم تعارض بها آية الوضع وهي عامة في كل حامل من مطلقة وغيرها.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الاجلين، وتصوير هذه المسألة أن المرأة إذا كانت حاملا فتوفى عنها زوجها ووضعت حملها قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشرة أيام لم تنقض بذلك عدتها حتى تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن هي مضت عنها أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع حملها لم يحكم لها بانقضاء العدة حتى تضع الحمل فكأن العدة تنقضي بأبعد هذين الاجلين مدة إما مضي الاشهر أو وضع الحمل وهذه المسألة يخالف فيها الامامية جميع الفقهاء في زماننا هذا لان الفقهاء يحكون في كتبهم ومسائل خلافهم خلافا قديما فيها، وأن أمير المؤمنين " ع " وعبدالله بن عباس كانا يذهبان إلى مثل ما تفتي به الامامية الآن فيها، والحجة للامامية الاجماع المتردد في هذا الكتاب.
وأيضا فإن العدة عبادة يستحق فيها الثواب، وإذا بعد مداها زادت مشقتها وكثر الثواب عليها في العدة، ومن وضعت حملها عقيب وفاة زوجها لا مشقة عليها في العدة، وإذا مضت عليها أربعة أشهر وعشرة أيام كانت المشقة أكثر في الثواب وأوفر فقولنا أولى من قولهم.
فان احتجوا بظاهر قوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن)، وأنه عام في المتوفى عنها زوجها وغيرها عارضنا هم بقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، وأنه عام في الحامل وغيرها، ثم لو كانت آيتهم التي ذكروها عامة الظاهر جاز أن نخصها بدليل وهو إجماع الفرقة المحقة الذي قد بينا أن الحجة فيه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن أقل ما يجوز أن
ينقضي به عدة المطلقة التي تعتد بالاقراء ما زاد على ستة وعشرين يوما بساعة أو دونها مثال ذلك أن يكون طلقها زوجها وهي طاهر فحاضت بعد طلاقها بساعة، فتلك الساعة إذا كانت في الطهر فهي محسوبة لها قرءا واحدا، ثم حاضت بعد ذلك ثلاثة أيام وهو أقل الحيض وطهرت بعد عشرة أيام وهو أقل الطهر، ثم حاضت بعد ذلك ثلاثة أيام وطهرت بعدها عشرة أيام وهي أقل الطهر، ثم حاضت فعند أول قطرة تراها من الدم قد بانت، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
وأما الشافعي وإن كان قوله في القرء وأنه الطهر مثل قولنا واحتسب أيضا للمرأة بالطهر الذي يقع فيه الطلاق حسب ما نذهب إليه فأنه يذهب إلى أن أقل الطهر عنده خمسة عشر يوما فأقل ما تنقضي به العدة على مذهبه إثنان وثلاثون يوما ولحظتان.
مثال ذلك أن يطلقها في آخر جزء من اجزاء طهرها فتحيض فيحصل لها قرء بذلك، ثم تحيض يوما وليلة وهو أقل الحيض عنده، ثم تطهر خمسة عشر يوما وهو أقل الطهر عنده، ثم تحيض يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر يوما، ثم يبتدئ بها الحيض لحظة واحدة فتنقضي عدتها بأثنين وثلاثين يوما ولحظتين.
فأما أبويوسف ومحمد فأنهما ذهبا إلى أن أقل ما يمكن أن ينقضي به العدة تسعة وثلاثون يوما ولحظة واحدة، لانه يطلقها في آخر جزء من الطهر فتحيض عقيبه بثلاثة أيام وهو أقل الحيض عندهما، ثم تطهر خمسة عشر يوما وهو أقل الطهر عندهما ثم تحيض ثلاثة أيام ثم تطهر خمسة عشر يوما ثم تحيض ثلاثة أيام ثم تطهر لحظة واحدة.
وأبوحنيفة يذهب إلى ان أقل أن ينقضي به العدة ستون يوما ولحظة واحدة، لانه يعتبر أكثر الحيض وأقل الطهر، وأكثر الحيض عنده عشرة أيام
فكأنه يطلقها في آخر أجزاء الطهر ثم تحيض عشرة أيام وتطهر خمسة عشر يوما ثم تحيض عشرة أيام وتطهر خمسة عشر يوما ثم تحيض عشرة أيام، ثم تطهر لحظة واحدة.
والحجة لما ذهبنا إليه بعد إجماع الفرقة المحقة عليه أن الله تعالى أمر المطلقة بالتربص ثلاثة أقراء، والصحيح عندنا أن القرء المراد في الآية هو الطهر دون الحيض.
وصح أيضا أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأقل الطهر عشرة أيام، وقد دللنا في باب الحيض في هذا الكتاب على أن أقل الطهر هو عشرة أيام، ودللنا في ما كنا أمليناه من مسائل الخلاف المفردة على أن أقل الحيض ثلاثة أيام ولم يبق إلا أن ندل على أن القرء هو الطهر.
والذي يدل على ذلك بعد الاجماع المتكرر أن لفظة القرء في وضع اللغة مشتركة بين الحيض والطهر، وقد نص القوم على ذلك في كتبهم، ومما يوضح صحة الاشتراك أنها مستعملة في الامرين بغير شك ولا دفاع، وظاهر الاستعمال للفظة بين شيئين يدل على أنها حقيقة في الامرين إلى أن يقوم دليل يقهر على أنها مجاز في أحدهما، وإذا ثبت أنها حقيقة في الامرين فلو خلينا والظاهر لكان يجب انقضاء عدة المطلقة بأن يمضي عليها ثلاثة أقراءمن الحيض والطهر معا لوقوع الاسم على الامرين، غير أن الامة أجمعت على أنها لا تنقضي إلا بمرور ثلاثة أقراء من أحد الجنسين إما من الطهر أو من الحيض، وإذا ثبت ذلك وكانت الاطهار التي نعتبرها تسبق ما يعتبره أبوحنيفة وأصحابه، لانه إذا طلقها وهي طاهرة أنقضت عدتها عندنا، وعند الشافعي بدخولها في الحيضة الثالثة، وعندهم تنقضي بانقضاء الحيضة الثالثة، وإذا سبق ما نعتبره لما يعتبرونه والاسم يتناوله وجب انقضاء العدة به.
وأما الشافعي وإن وافقنا في هذه الجملة فقولنا: إنما كان أولى
من قوله، لانه يذهب إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوما وذلك عندنا باطل، فلهذا الوجه اختلف قولنا فيما ينقضي به العدة.
فان قيل: قد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن القرء مشتق من الجمع من قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته وقرأته أيضا بالهمزة، وذهب آخرون إلى أن المراد به الوقت، واستشهدوا بقول أهل اللغة اقراء الامر إذا حان وقته، فإن كان الاصل الجمع فالحيض أحق به، لان معنى الاجتماع لا يوجد إلا في الحيض دون الطهر، وإن كان الاصل الوقت فالحيض أيضا أحق به لان الوقت إنما يكون وقتا لما يتجدد ويحدث، والحيض هو الذي يتجدد والطهر ليس بمتجدد بل هو الاصل ومعناه عدم الحيض.
فالجواب أن أهل اللغة قد نصوا على أن القرء من الاسماء المشتركة بين الطهر والحيض، وأنها من الالفاظ الواقعة على الضدين، ومن لا يعرف ذلك لا يكلم فيما طريقه اللغة، وهذا القدر كاف في بطلان السؤال.
ومما قيل: أن معنى الاجماع حاصل في حال الطهر، لان الدم يجتمع في حال الطهر ويرسله الرحم في زمان الحيض، فأما الوقت فقد يكون للطهر والحيض معا فليس أحدهما بالوقت أخص من الآخر.
وقولهم: إن الحيض حادث والطهر ليس بحادث وإنما هو ارتفاع الحيض، والحيض أشبه بالوقت من الطهر فليس بشئ، لان الوقت يليق بكل متجدد من حدوث أمر أو ارتفاع أمر، ألا ترى أن الحمرة توقت بوقت وهي حادثة وارتفاعها وزوالها يوقتان بوقت من حيث كانا متجددين، فإن قيل: ظاهر القرآن يقتضي وجوب استيفاء المعتدة لثلاثة أقراء كوامل وعلى قولكم الذي شرحتموه لا تستوفي ثلاثة أقراء وإنما يمضي عليها قرءان وبعض الثالث، ومن ذهب إلى أن القرء الحيض يذهب إلى أنها تستوفي ثلاث حيض كوامل.
فالجواب أن كل من ذهب إلى أن القرء الطهر يذهب إلى أنها تعتد بالطهر الذي وقع فيه الطلاق، ولا أحد من الامة يجمع بين القول بأن القرء هو الطهر وأنه لا بد من ثلاثة أقراء كوامل، فلما سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي إكمال الاقراء الثلاثة جاز الرجوع عن الظاهر بهذه الادلة.
ومما يجاب به أيضا أن القرء في اللغة اسم لما اعتيد إقباله وما اعتيد إدباره، لانهم يقولون: اقراء النجم إذا طلع واقراء إذا غاب، والاقراء المذكور في الآية هو اسم لادبار الاطهار، فعلى ما ذكرناه يحصل للمعتدة إدبار ثلاثة أطهار فتستوفي على ذلك أقراء ثلاثة.
ومما قيل أيضا: أن القرء إذا كان من أسماء الزمان عبر باسم الثلاثة منه عن الاثنين وبعض الثالث كما قال تعالى: (الحج أشهر معلومات)، وأشهر الحج شهران وبعض الثالث.
وكذلك يقول لثلاث بقين وإن كان قد بقي يومان وبعض الثالث، ويمكن أن يقال في ذلك أنه مجاز، وحمل الآية على الحقيقة أولى، فالجواب الاول الذي اعتمدناه أولى، فان استدلوا على أن القرء هو الحيض، بأن الصغيرة والآيسة من المحيض ليستا من ذوات الاقراء بلا خلاف، وإن كان الطهر موجودا فيهما، ويقال للتي تحيض أنها من ذوات الاقراء، فدل ذلك على أن القرء هو الحيض.
والجواب عنه أن القرء اسم للطهر الذي يتعقبه الحيض وليس باسم لما لم يتعقبه حيض، والصغيرة والآيسة ليس لهما قرء، لانه لا طهر لهما يتعقبه حيض، فان استدلوا بما يروى عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله لفاطمة بنت أبي حبيش دعي الصلاة أيام اقرائك، وهذا لا شبهة في أن المراد به الحيض دون الطهر.
والجواب: أن أخبار الآحاد غير معمول بها في الشريعة، وبعد فيعارض هذا الخبر قولهصلىاللهعليهوآله في خبر ابن عمر إنما السنة أن تستقبل بها
الطهر ثم تطلقها في كل قرء تطليقة، فقد ورد الشرع أيضا باشتراك هذا الاسم بين الطهر والحيض.
(مسألة) ومما يظن انفراد الامامية به القول: بأن الاحداد لا يجب على المطلقة وإن كانت باينا، والاحداد هو أن تمتنع المرأة من الزينة بالكحل والامتشاط والخضاب ولبس المصوغ والمنقوش وما جرى مجرى ذلك من ضروب الزينة.
وقد وافق الامامية في ذلك قول الشافعي الجديد ومالك والليث بن سعد وقال أبوحنيفة وأصحابه والثوري على المطلقة المبتوتة من الاحداد مثل ما على المتوفى عنها زوجها، دليلنا إجماع الطائفة المحقة.
وأيضا فان الاحداد حكم شرعي، والاصل انتفاء الاحكام الشرعية، فمن أثبتها كان عليه الدليل، وإنما أوجبنا الاحداد على المتوفي عنها زوجها وخرجنا عن حكم الاصل بدليل ليس هو ثابتا هاهنا.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن أكثر مدة الحمل سنة واحدة، وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
فقال الشافعي: أكثر الحمل أربع سنين، وقال الزهري والليث وربيعة أكثره سبع سنين.
وقال أبوحنيفة: أكثره سنتان، وقال الثوري والبستي: أكثره سنتان، وعن مالك فيه ثلاث روايات إحداهن مثل قول الشافعي أربع سنين والثاني خمس سنين والثالث سبع سنين.
واعلم أن الفائدة في تحديد أكثر الحمل أن الرجل إذا طلق زوجته فأتت بولد بعد الطلاق لاكثر من ذلك الحد لم يلحقه، وهذا حكم مفهوم لا بد من تحقيقه.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد أنا نرجع في تحديد الحمل إلى نصوص وتوقيف وإجماع وطرق علمية، ولا نثبته من
طريق الظن ومخالفونا يرجعون فيه إما إلى أخبار آحاد توجب الظن أو إلى طرق إجتهادية لا توجب العلم وأكثر ما فيها إيجاب الظن فتحديدنا أولى، وأيضا فانه لا خلاف في أن السنة مدة الحمل وإنما الخلاف فيما زاد عليها فصار ما ذهبنا إليه مجمعا على أنه حمل، وما زاد عليه إذا كان لادليل عليه نفينا كونه حملا، لان كونه حملا يقترن به إثبات حكم شرعي والاحكام الشرعية تحتاج في إثباتها إلى الادلة الشرعية، فإن قالوا: نراعي في هذه اللفظة العادة، قلنا: العادة والعهد في ما قلناه دون ما قالوه، لانا لا نعهد حملا يكون أربع سنين ولا سبع سنين، وإنما يدعى ذلك من ليس قوله ثابتا فإن قالوا قد روى الشافعي أن ابن عجلان ولد لاربع سنين، قلنا: إنما عمل في ذلك على ظنه وحسن اعتقاده في الراوي، ومثل هذا لا يجوز بالظنون وهو معارض بما يروونه عن عائشة أنها كانت تقول: أكثر الحمل سنتان، وروى سليمان بن عباد قال: كانت عندنا بواسط امرأة بقي الحمل في جوفها خمس سنين، وإذا تعارضت الاخبار سقطت وثبت ما حددنا به أكثر الحمل.
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثاني: مسائل الايمان والنذر والكفارات
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من حلف بالله تعالى أن يفعل قبيحا أو يترك واجبا لم ينعقد يمينه ولم يلزمه كفارة إذا فعل ما حلف أنه لا يفعله أو لا يفعل ما حلف أنه يفعله، ومن عدا الامامية يوجبون على من ذكرنا الحنث والكفارة.
دليلنا الاجماع المتردد.
وأيضا فان انعقاد اليمين حكم شرعي بغير شبهة.
وقد علمنا بالاجماع انعقاد اليمين إذا كانت على طاعة أو مباح، وإذا تعلقت بمعصية فلا إجماع ولا دليل يوجب العلم على انعقادها، فوجب نفي انعقادها لانتفاء دليل شرعي عليه.
وأيضا فان معنى انعقاد اليمين أن يجب على الحالف فعل ما حلف أنه يفعله أو يجب عليه أن لا يفعل ما حلف أنه لا يفعله، ولا خلاف في أن الحكم مفقود في اليمين على المعصية، لان الواجب عليه أن لا يفعلها فكيف ينعقد يمين يجب عليه ألا يفي بها وإن يعدل عن وجوبها.
فان قيل ليس معنى انعقاد اليمين ما ادعيتم بل معناه وجوب الكفارة متى خالف أو حنث، قلنا: هذا غير صحيح، لان وجوب الكفارة وحكم الحنث إنما يتبعان انعقاد اليمين، لانا إنما نلزمه الكفارة لاجل خلافه ليمين
انعقدت فكيف يفسر الانعقاد بلزوم الكفارة وهو مبني عليه وتابع له، والذي يكشف عن صحة ما ذكرناه أن الله تعالى أمرنا بأن نحفظ ايماننا ونقيم عليها بقوله تعالى: (واحفظوا ايمانكم)، وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود)، فاليمين المنعقدة هي التي يجب حفظها والوفاء بها، ولا خلاف أن اليمين على المعصية بخلاف ذلك، فيجب أن يكون غير منعقدة، فإذا لم تنعقد فلا كفارة فيها.
وأيضا فان من حلف أن يفعل معصية ثم لم يفعلها هو [بأن لم يفعلها] مطيع لله عزوجل فاعل لما أوجبه عليه فكيف يجب عليه كفارة فيما أطاع الله تعالى فيه وأدى الواجب به، وإنما تجب الكفارة على من أثم بمخالفة يمينه وحنث لتحط عنه الكفارة الاثم والوزر.
فإن قيل: فقد روي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: من حلف على شئ فرأى ما هو خير منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه.
قلنا: هذا خبر واحد لا يوجب علما ولا يقتضي قطعا، وإنما تثبت الاحكام بما يقتضي العلم ولنا من أخبارنا التي نرويها عن أئمتناعليهمالسلام ما لا يحصى عددا من المعارضة مما تضمن التصريح بسقوط الكفارة.
ويعارض هذا الخبر بما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله في حديث عمر أنه قال: وليأت الذي هو خير وكفارتها تركها يعني " ع " ترك المعصية لان الكفارة لما كانت لازالة الاثم وترك المعصية إذا كان واجبا فلا إثم عليه فقد قام مقام الكفارة، ونحن نستعمل الخبرين المرويين عنهصلىاللهعليهوآله فيحمل قوله وليكفر على الاستحباب والندب، والمخالف لنا لا يمكنه على مذهبه استعمال الخبر المتضمن سقوط الكفارة، وإن كفارتها تركها.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن القائل إذا قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو هي علي كظهر أمي أو عبدي حر أو مالي صدقة لم يكن ذلك يمينا يلزم فيها الحنث والكفارة، وخالف باقي الفقهاء في ذلك فقالوا:
متى حنث لزمه الطلاق والظهار والعتق.
وقال أبوحنيفة: إذا حلف بصدقة جميع ماله ثم حنث فعليه أن يتصدق بجميعه، وقال الشافعي: يجب عليه إذا حنث كفارة يمين، وقال مالك: يخرج عن ماله الثلث إذا حنث.
وقد روي موافقة الشيعة عن ابن عباسرضياللهعنه وطاووس والشعبي أنه لا شئ على من حلف بذلك ثم حنث.
أما الدلالة على أن الطلاق والظهار لا يقعان مشروطين، فقد تقدم في هذا الكتاب، وأما العتق والصدقة ففي أصحابنا من يفتي بأنه إن أخرج ذلك القول مخرج اليمين كان لغوا باطلا لا حكم له، وإن أخرجه مخرج النذر كان له حكم ا لنذر ووجب عليه العتق والصدقة إذا كان ما علقه به من الشرط وهذا غير صحيح لان النذر عند جميع أصحابنا من شرطه أن يقول الناذر لله تعالى علي كذا إن كان كذا، فإذا قال عبدي حر إن كان كذا ومالي صدقة وقصد النذر دون اليمين فلا يكون ناذرا إلا أن يقول لله علي صدقة مالي وعتق عبدي، فإن لم يقل ذلك لم يكن ناذرا كما لا يكون حالفا، والدليل على أن ذلك ليس بيمين ولا يلزم فيه حنث إجماع الطائفة وإجماعهم حجة، وأيضا فلا خلاف في أن الحالف بغير الله عاصي مخالف لما شرع من كيفية اليمين فإذا كان انعقاد اليمين حكما شرعيا لم يقع بالمعصية المخالفة للشرع، وأيضا فان الاصل براءة الذمة من الحقوق.
ومن أثبت ذلك كان عليه الدليل، فإن احتج أبوحنيفة بقوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا الله من فضله لنصدقن) الآية، وأنه ذمهم على مخالفة نفس ما عاهدوا عليه، فالجواب أنا لا نسلم أن ذلك عهد فمن ادعى أن له حكم العهد فعليه الدلالة، وبعد فان أكثر أصحابنا يقولون أن قوله على عهد الله ليس بيمين.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن القائل إذا قال: علي عهد الله أن لا أفعل محرما ففعله، وأن أفعل طاعة فلم يفعلها أو ذكر شيئا مباحا ليس بمعصية ثم خالف أنه يجب عليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صيام شهرين متتابعين وهو مخير بين الثلاث، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك.
فعند أبي حنيفة ومالك أن هذا القول يمين يجب فيه ما يجب في حنث اليمين وقال الشافعي: إن نوى بذلك اليمين كان يمينا، ومتى لم ينو لم يكن يمينا، دليلنا إجماع الطائفة.
وإن شئت أن تقول قد ثبت أن من حلف على أن يفعل فعلا هو معصية أنه يجب عليه أن لا يفعله ولا كفارة تلزمه، وكل من قال بسقوط الكفارة عمن ذكرناه قال: فيمن عاهد الله تعالى ثم نكث، أن الكفارة التي ذكرناها تلزمه، ولا أحد من الامة يفرق بين المسألتين، فمن فرق بينهما خالف الاجماع.
(مسألة) ومما يظن أن الامامية انفردت به، وللشافعي فيه قولان: أحدهما موافق للامامية أن من حلف بالله تعالى أن لا يدخل دارا ولا يفعل شيئا ففعله مكرها أو ناسيا فلا كفارة عليه، وألزمه باقي الفقهاء الكفارة إلا على أحد قولي الشافعي الذي ذكرناه، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر.
وأيضا قوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به)، فإذا قيل: الجناح هو الاثم، قلنا: قد يعبر به في القرآن والشريعة عن الاثم وعن كل فعل فيجب حمله على الامرين ما لم يقم دلالة أيضا، فإن النسيان والاكراه يرفعان التكليف العقلي فكيف لا يرفعان التكليف الشرعي، وأيضا فإن الكفارة وضعت في الشريعة لازالة الاثم المستحق، وقد سقط الاثم عن الناسي بلا خلاف فلا كفارة عليه.
وأيضا فان الفعل المحلوف عليه يتعذر بالاكراه والنسيان كما يتعذر بفقد القدرة، فكما يرتفع التكليف مع فقد القدرة، فكذلك يرتفع مع الاكراه وفقد العلم، وكما أن من حلف على ان يفعل شيئا وفقد قدرته عليه لا يلزمه كفارة.
وكذلك من حلف أنه يفعله فأكره على أن لا يفعله أو سلب علمه فيجب أيضا أن لا تلزمه الكفارة لارتفاع التمكن على الوجهين معا، ويمكن أن يعارض المخالفون في هذه المسألة بما رووه وهو ظاهر في كتبهم ورواياتهم عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: ان الله تعالى تجاوز لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وليس لهم أن يحملوا الخبر على إثم الخطأ والنسيان دون حكمهما، لان الواجب حمله عليهما معا إلا أن تقوم دلالة، ألا ترى أن رفع الخطأ والنسيان نفسهما لا يمكن أن يراد بالخبر، وإنما المراد ما يرجع إلى الخطأ والنسيان من حكم وإثم، وليس حملهما على أحدهما بأولى من الآخر فيجب حمله عليهما.
(مسألة) ومما يجوز أن يظن انفراد الامامية به أن من حلف أن لا يكلم زيدا حينا وقع على ستة أشهر، وقد وافق الامامية أبوحنيفة في ذلك، والشافعي يذهب إلى أن الحين يقع على الابد، وقال مالك: الحين سنة واحدة والذي يجب تحقيقه أن هذا القائل إن كان عنى بالحين زمانا بعينه فهو على ما نواه، وإن أطلق القول عاريا عن نية كان على ستة أشهر.
دليلنا على صحة مذهبنا الاجماع المتردد، وإذا كان اسم الحين يقع على أشياء مختلفة فيقع على الزمان كما في قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) وإنما أراد زمان الصباح والمساء كله، ورأيت بعض متقدمي أصحاب أبي حنيفة يحمل هذه الآية على أن المراد بها ساعة واحدة فكأنه قال سبحانه ساعة تمسون وساعة تصبحون، وهذا غلط فاحش منه لا يخفى ومما
يقع عليه أيضا اسم الحين أربعون سنة قال الله تعالى: (هل أتى على الانسان حين من الدهر)، فذكر المفسرون أنه تعالى أراد أربعين سنة، ويقع أيضا اسم الحين على وقت مبهم.
قال الله تعالى: (ومتعناهم إلى حين)، ويقع على ستة أشهر، قال الله تعالى: (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).
وروي عن ابن عباس أن المراد بذلك ستة أشهر، وقال غيرابن عباس سنة، ومع اشتراك اللفظ لا بد من دلالة في حمله على البعض، ولما نقلت الامامية عن أئمتهم أنه ستة أشهر، وأجمعوا عليه كان ذلك حجة في حمله على ما ذكرناه، وأبوحنيفة مع اعترافه باحتمال اللفظ للمعاني المختلفة كيف حمله على ستة أشهر بغير دليل مرجح، واللفظ يحتمل ذلك ويحتمل غيره، وكذلك مالك، وأما الشافعي فهو أعذر منهما، لانه لما رأى الاشتراك حمله على التأبيد.
[مسائل النذر]
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن النذر لا ينعقد إلا بأن يقول الناذر لله علي كذا وكذا بهذا اللفظ، فان خالف هذه الصيغة وقال علي كذا وكذا ولم يقل لله عزوجل لم ينعقد نذره وخالف باقى الفقهاء في ذلك، وروي عن الشافعي وأبي ثور موافقة الامامية في ذلك، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع الذي تكرر.
وأيضا فإنه لا خلاف في أنه إذا قال باللفظ الذي ذكرناه يكون ناذرا، وانعقاد النذر حكم شرعي لا بد فيه من دليل شرعي، وإذا خالف ما ذكرناه فلا دليل على انعقاده ولزوم الحكم به.
وأيضا فان الاصل برائة
الذمة من حكم النذر، فمن ادعى مع اللفظ المخالف لقولنا وجوبه في الذمة فعليه الدليل.
(مسألة) ومما كانت الامامية تنفرد به أن النذر لا يصح في معصية ولا بمعصية، ولا تكون المعصية فيه سببا ولا مسببا، فأما كون المعصية فيه سببا، فمثاله أن ينذر أنه إن شرب خمرا أو ارتكب قبيحا أعتق عبده، ومثال كون المعصية مسببا أن يعلق بما يبلغه من غرضه أن يشرب خمرا أو يرتكب قبيحا.
والشافعي: يوافق الشيعة في أن نذر المعصية لا كفارة فيه، وما كان عندي أنه يوافقنا في إبطال كون المعصية سببا حتى قال بعض شيوخ الشافعية أن الشافعي يوافقنا أيضا في ذلك، والدلالة على قولنا بعد إجماع الطائفة أن لزوم النذر حكم شرعي، ولا يثبت إلا بدليل شرعي، وقد علمنا أن السبب أو المسبب إذا لم يكن معصية انعقد النذر ولزم الناذر حكمه بلا خلاف فمن ادعى ذلك في المعصية فعليه الدلالة.
وأيضا فمعنى قولنا في انعقاد النذر أنه يجب على الناذر فعل ما أوجبه على نفسه، وإذا علمنا بالاجماع أن المعصية لا تجب في حال من الاحوال علمنا أن النذر لاينعقد في المعصية، ويجوز أن يعارض المخالفون بالخبر الذي يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا نذر في معصية ولم يفرق بين أن تكون المعصية سببا أو مسببا.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من خالف النذر حتى فات فعليه كفارة وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا وهو مخير في ذلك، فإن تعذر عليه الجميع كان عليه كفارة يمين، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يوجبوا هذه الكفارة.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد وإن شئت أن تبنيه على
بعض المسائل المتقدمة، فتقول كل من ذهب إلى أن قول القائل مالي صدقة أو امرأتي طالق إن كان كذا وكذا أنه لا شي ء يلزمه وإن وقع الشرط أوجب الكفارة على من لم يف بنذره والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع وإن شئت أن تقول كل من منع إنعقاد النذر على معصية أو بمعصية على كل حال أوجب هذه الكفارة فيمن فوت نفسه نذره ولا يلزم على ذلك أن الشافعى يوافق في بطلان النذر المتعلق بالمعصية لانه لا يمنع منه على كل حال ويشترطه بالاجتهاد وهو يجوز لمن أدى اجتهاده على خلافه واستفتى من هذه حاله خلاف مذهبه، ونحن لا نجوز خلاف مذهبنا على كل حال، وقد شرطنا أن من منع ذلك على كل حال قد أوجب الكفارة، وهذا ما لا يوجد مع الشافعي.
(مسألة) ومما يظن ان الامامية تنفرد به القول: بأن من نذر سعيا إلى مشهد من مشاهد النبيصلىاللهعليهوآله أو أمير المؤمنين " ع " أو أحد الائمةعليهمالسلام أو صياما أو صلاة فيه أو ذبيحة لزمه الوفاء به، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك إلا أنه قد روي عن الليث بن سعد أنه قال: متى حلف الرجل أن يمشي إلى بيت الله عزوجل ونوى بذلك مسجدا من المساجد لزمه ذلك، دليلنا الاجماع الذي تكرر.
وأيضا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وهذا عقد فيه طاعة الله عزوجل وقربة وليس لهم أن يقولوا قد أوجب على نفسه جنسا لا يجب عليه مثله في العبادات، لان السعي قد يجب إلى بيت الله الحرام وفي مواضع الصلاة والصيام والذبح لا شبهة فيه ويعارضون بما يروونه عنهعليهالسلام من قوله من نذر أن يطيع الله فليطعه.
(مسألة) ومما كان الامامية تنفرد به أن النذر لا ينعقد حتى يكون معقودا بشرط متعلق به، كأن يقول لله علي إن قدم فلان، أو كان كذا أن
أصوم أو أتصدق، ولو قال: لله علي أن أصوم أو أتصدق من غير شرط يتعلق به لم ينعقد نذره.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
إلا أن أبا بكر الصيرفي وأبا إسحاق المروزي ذهبا إلى مثل ما تقوله الامامية، دليلنا على صحة ذلك الاجماع الذي تردد وأيضا فإن معنى النذر في اللغة أن يكون متعلقا بشرط، ومتى لم يتعلق بشرط لم يستحق هذا الاسم، وإذا لم يكن ناذرا إذا لم يشترط ولم يلزمه الوفاء، لان الوفاء إنما لم يلزم متى ثبت الاسم والمعنى.
فأما إستدلالهم بقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) وبقوله: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم)، وبما روي عنه "ع" من قوله: من نذر أن يطيع الله فليطعه فليس بصحيح.
أما الآية فانا لا نسلم أنه مع التعري من الشرط يكون عقدا.
وكذلك لا نسلم لهم أنه مع التعري من الشروط يكون عهدا، والآيتان متناولتان ما يستحق اسم العقد والعهد فعليهم أن يدلوا على ذلك، وأما الخبر المروي عن النبيصلىاللهعليهوآله فانه أمرنا بالوفاء بما هو نذر على الحقيقة، ونحن نخالف في أنه يستحق هذه التسمية مع فقد الشرط فليدلوا عليه.
وأما استدلالهم بقول جميل:
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي |
وهموا بقتلي يا بنين لقوني |
وبقول عنترة:
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما |
والناذرين إذا لقيتهما دمي |
فان الشاعرين أطلقا إسم النذر مع عدم الشرط فمن ركيك الاستدلال لان جميلا ما حكى لفظ نذرهم وإنما أخبر عن أعدائه بأنهم نذروا دمه فمن أين لهم أن نذرهم الذي أخبر عنه لم يكن مشروطا، وكذلك القول في بيت عنترة على أنه قوله إذا لقيتهما دمي هو الشرط، فكأنهم قالوا إذا لقيناه قتلناه فنذروا قتله، والشرط فيه اللقاء له.
[مسائل الكفارات]
وقد مضى في صدر هذا الكتاب الكلام في المسائل التي تنفرد بها الامامية في كفارة واطي إمراته في الحيض وفي باب الصوم أيضا فيمن تعمد أن يبقى جنبا من ليل شهر رمضان إلى نهاره، وفي نظائر هذه المسألة من باب الصوم توجب فيها من الكفارة ما لا يوجبه أكثر الفقهاء، وقد بيناها في باب مسائل الصوم وفي كفارة الجنايات في الحرم، ولا فائدة في إعادة ما مضى وإنما نذكر ما لم يتقدم ذكره.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من وطئ أمته وهي حائض ان عليه أن يتصدق بثلاثة أمداد من طعام على ثلاث مساكين، وخالف باقي الفقهاء في ذلك دليلنا بعد الاجماع المتردد أنا قد علمنا أن الصدقة بر وقربة وطاعة لله تعالى فهي داخلة تحت قوله تعالى: (وافعلوا الخير) وأمره بالطاعة مما لا يحصى من الكتاب فظاهر الامر يقتضي الايجاب في الشريعة فينبغي أن تكون هذه الصدقة واجبة بظاهر القرآن، وإنما يخرج بعض ما يتناوله هذه الظواهر عن الوجوب ويثبت له حكم النذر بدليل قاد إلى ذلك ولا دليل هاهنا يوجب العدول عن الظواهر.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من نام عن صلاة العشاء الآخرة حتى يمضي النصف الاول من الليل وجب عليه أن يقضيها إذا استيقظ وإن يصبح صائما كفارة عن تفريطه، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك دليلنا على صحة قولنا بعد الاجماع الذي يتردد الطريقة التي ذكرناها قبل
هذه المسألة بلا فصل من قوله تعالى (وافعلوا الخير) وأمره عزوجل بالطاعة على الترتيب الذي رتبناه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن على المرأة إذا جزت شعرها كفارة قتل الخطأ عتق رقبة أو إطعام ستين مسكين أو صيام شهرين متتابعين فان خدشت وجهها حتى تدميه كان عليها كفارة يمين، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ودليلنا ما تقدم ذكره فلا معنى لاعادته.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من شق ثوبه في موت ولده أو زوجته كان عليه كفارة يمين وخالف باقي الفقهاء في ذلك، دليلنا على صحة ما ذكرناه مذهبنا الاجماع وفي المسألتين المتقدمتين لها بلا فصل.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم بذلك أن عليه أن يفارقها ويتصدق بخمسة دراهم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك والدليل على ذلك ما تقدم ذكره.
(مسألة) ومما يظن انفراد الامامية به القول: بأن ولد الزنا لا يعتق في شئ من الكفارات، وقد روي وفاقها عن عبدالله بن عمر وعطا والشعبي وطاووس، وباقي الفقهاء يخالفون ذلك، دليلنا بعد إجماع الطائفة قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) ولد الزنا يطلق عليه هذا الاسم.
وقد رووا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا خير في ولد الزنا لا في لحمه ولا في دمه ولا في جلده ولا في عظمه ولا في شعره ولا في بشره ولا في شئ منه وأجزاؤه في الكفارات وإسقاط الحكم به على الجاني ضرب من الخير وقد نفاه الرسولصلىاللهعليهوآله فان تعلقوا بظاهر من قوله تعالى: (فتحرير رقبة)، قلنا: نخصص ذلك بدليل كما خصصنا كلنا أمثاله بدليل.
(مسألة) ومما يظن انفراد الامامية به القول: بأن من أفطر لمرض في صوم التتابع بنى على ما تقدم ولم يلزمه الاستيناف، وقد وافق الامامية على هذا أحد قولي الشافعي فله في هذه المسألة قولان: أحدهما أن يستأنف مثل قول باقي الفقهاء، والآخر أنه لا يستأنف، دليلنا الاجماع المتردد.
وأيضا فان المرض عذر ظاهر لسقوط الفرض، وقد علمنا أنه لو أفطر لغير عذر للزمه الاستيناف ولم يجز له البناء، ولا يجوز أن يكون مثل ذلك حكمه مع العذر، لان المعذور لا بد أن يخالف حكمه حكم من لا عذر له، والقوم يفرقون بين المرض والحيض في هذا الحكم ولا فرق بينهما عند التأمل لان لكل واحد منهما عذر لا يقدر على دفعه والانتقال منه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول: بأن من صام من شهر الثاني يوما أو أكثر من صيام الشهرين المتتابعين وأفطر من غير عذر كان مسيئا وجاز له أن يبني على ما تقدم من غير استيناف، وخالف باقي الفقهاء في ذلك دليلنا بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج، وقوله تعالى (يريد الله أن يخفف عنكم)، وقد علمنا ان في الزام من ذكرناه الاستيناف مشقة شديدة وحرج عظيم.
مسائل العتق والتدبير والمكاتبة (مسألة) ومما انفردت به الامامية أن العتق لا يقع إلا بقصد إليه وتلفظ به ولا يقع مع الغضب الشديد الذي لا يملك معه الاختيار ولا مع الاكراه ولا في السكر ولا على جهة اليمين، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، دليلنا بعد الاجماع من الطائفة كل شئ دللنا به على أن الطلاق لا يقع مع
هذه الوجوه التي ذكرناها، وقد تقدم وإن شئت أن تقول: كل من قال من الامة بأن الطلاق لا يقع مع هذه الوجوه قال بمثله في العتق والتفرقة بين المسألتين خلاف الاجماع.
فإن قيل فأنتم تجيزون أن يقع العتق مشروطا مثل أن يقول إن شفاني الله من مرض فعبدي حر والتدبير والمكاتبة عتق مشروط أيضا، قلنا: إنما أنكرنا أن يقع على جهة اليمين، مثل أن يقول: إن دخلت الدار أو فعلت كذا فعبدي حر، وما أنكرنا أن يقع مشروطا في النذور والقربات.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن الولاء للمعتق إنما يثبت في العتق الذي ليس بواجب بل على سبيل التبرع، وأما إذا كان العتق في أمر واجب ككفارة الظهار أو قتل أو إفطار في شهر رمضان أو نذر أو ما أشبه ذلك من جهات الواجب فان الولاء يرتفع فيه والمعتق سائبة، ولا ولاء للمعتق عليه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
ودليلنا بعد الاجماع المتردد أن الولاء حكم شرعي، والاصل انتفاء الاحكام الشرعية وإنما يثبت بالادلة الظاهره، وقد علمنا بثبوت الولاء في عتق المتبرع، ولم يقم دليل على ثبوته في العتق الواجب فيجب أن يكون على الاصل في انتفائه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن مولى إذا علق العتق بعضو من أعضاء عبده أي عضو كان لم يقع عتقه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فذهب أبوحنيفة إلى أنه إن علق العتق بعضو يعبر به عن الجملة كالرأس والفرج وقع العتق وإلا لم يقع.
وذهب الشافعي إلى أن العتق يقع إذا علق بكل عضو من أعضائه من يد أو رجل وغير ذلك، دليلنا الاجماع المتردد.
وأيضا فان وقوع العتق حكم شرعي ولا يجوز إثباته إلا بدليل قاطع وقد
علمنا أن حكم العتق يثبت إذا علق بالجملة ولم يقم دليل على ثبوته إذا علق بالاعضاء فيجب أن ينفيه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن العتق لا يقع إلا إذا كان لوجه الله والقربة إليه ولم يقصد به غير ذلك من الوجوه مثل الاضرار وما يخالف القربة، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والدلالة على صحة مذهبنا بعد إجماع الطائفة أن العتاق حكم شرعي ولا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على وقوعه مع نفي القربة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن من أعتق عبدا كافرا لا يقع عتقه وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
والدليل على صحة مذهبنا بعد إجماع الطائفة ما مضى في المسألتين المتقدمتين.
وأيضا فإن في جعل الكافر حرا تسليطا له على مكاره أهل الدين والايمان وذلك لا يجوز.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن العبد إذا كان بين شريكين أو أكثر من ذلك فأعتق أحد الشركاء نصيبه إنعتق ملكه من العبد خاصة فإن كان هذا المعتق موسرا طولب بابتياع حصص شركائه، فإذا إبتاعها إنعتق جميع العبد وإن كان المعتق معسرا وجب أن يستسعى العبد في باقي ثمنه فإذا أداه عتق جميعه، فان عجز العبد عن الكسب والسعاية كان بعضه عتيقا وبعضه رقيقا وخدم ملاكه بحساب رقه وتصرف في نفسه بقدر ما إنعتق منه وخالف باقي الفقهاء في هذه الجملة.
فقال أبوحنيفة: إذا أعتق أحد الشريكين عتق نصيبه ولشريكه ثلاث خيارات إن كان موسرا إن شاء أعتق وإن شاء إستسعى أو إن شاء ضمن، وإن كان معسرا سعى العبد ولم يرجع على المعتق.
وقال ابن أبي ليلى: يعتق كله وهو قول أبي يوسف ومحمد وإن كان الشريك موسرا ضمن، وإن كان معسرا سعى العبد وهو قول الثوري والحسن بن صالح بن حي.
وحكى أبويوسف عن ربيعة في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما لم يجز عتقه، فان أعتقه الآخر فقد تم عتقهما.
وقال مالك والشافعي إذا أعتقه إحدهما وهو موسر فقد عتق كله وضمن فان كان معسرا كان نصيبه رقيقا يتصرف فيه.
وقال عثمان البستي لا شئ على المعتق إلا أن يكون جارية رايقة تراد للوطي فيضمن ما أدخل على صاحبه من الضرر، وحكى الطحاوي عن قوم أنهم قالوا يعتق العبد كله ويضمن المعتق من شركائه موسرا كان أو معسرا.
ومن تأمل هذه الاقاويل المختلفة وجد قول الامامية على ترتيبه منفردا عنها، والدلالة على صحة مذهبنا الاجماع الذي يتكرر، ثم أن القول بنفوذ العتق في نصيب المعتق لا بد منه لانه يتصرف في ملكه وتعديه إلى ملك غيره لا يجوز لان من لا يملك شيئا لا يجوز تصرفه فيه وتبعيض العتق الذي بنيت هذه المسألة عليه لا بد منه.
وأما الشافعي فقد صرح به في ما حكاه عنه، وكذلك أبوحنيفة أيضا في إثبات الخيارات للشريك إلا أنا إذا قلنا لابي حنيفة أرأيت إذا كان المعتق معسرا أو عجز العبد عن السعاية والتكسب فكيف يكون الحال فلا بد له عند ذلك من القول بمثل ما قلناه.
وأما الشافعي فيلزمه أن يقال له إنما يجوز أن يكون بعضه رقيقا وبعضه حرا إذا فقدت الحيلة في حريته إما بتضمين المعتق إن كان موسرا أو بسعاية العبد إن كان المعتق معسرا لا سيما وأنتم كلكم تروون عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال من أعتق شقصا من مملوك فعليه خلاصه كله من ملكه فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه.
وتروون أيضا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: من أعتق شركا له في عبد فهو
حر كله فظاهر هذا الخبر يقتضي ما حكيناه عن أبي يوسف ومحمد وذلك باطل عندنا وعند الشافعي فثبت أنهعليهالسلام أراد استحقاق التوصل إلى الحرية بكل سبب، فإن استدل الشافعي بما يروى عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله من أعتق شقصا له في عبده، وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل وأعطى شركاؤه حصتهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق ورق عليه ما رق، فالجواب ان هذا الخبر واحد وإن كنا لا نعرفه ولا ندري عدالة رواته وقد بينا في غير موضع أن أخبار الآحاد العدول لا تقبل في أحكام الشريعة وإنما يصلح أن يحتج بهذا الخبر الشافعي على أبي حنيفة لانهما مشتركان في قبول أخبار الآحاد وأبوحنيفة يجيب عن هذا الخبر بأن يقول: ان العبد رقيق إلى أن يؤدي بالسعاية ما عليه، كما أنه كذلك إلى أن يعتقه صاحبه ولنا على ما نذهب إليه أن تناول ذلك على من عجز عن السعاية من العبيد، فانه يبقى بعضه رقيقا لا محالة، وهذا التأويل أولى من تأويل أبي حنيفة لانه لو أطلق عليه اسم الرق إلى أن يسعى لجاز بيعه وهبته وعندنا لا يجوز ذلك.
[مسائل في التدبير]
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن التدبير لا يقع إلا مع قصد إليه وإختيار له، ولا يقع على غضب ولا إكراه ولا سكر ولا على جهة اليمين، وتكون القربة إلى الله تعالى هي المقصودة به دون سائر الاغراض، وخالف باقي الفقهاء في هذه المسائل، والدلالة على صحة مذهبنا فيها كلها ما قدمناه في باب العتاق وشروطه، وأنه لا يقع على هذه الوجوه التي قلنا أنه لا يقع عليها، والطريقة في الامرين واحدة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن قسموا بيع المدبر فقالوا إن كان ذلك التدبير تطوعا وتبرعا جاز له بيعه على كل حال في دين وغير دين، كما يجوز له الرجوع في وصيته وإن كان تدبيره عن وجوب لم يجز له بيعه ومعنى ذلك أن يكون قد نذر مثلا ان برئ مريضه أو قدم غائبه أن يدبر عبده ففعل ذلك واجبا لا تبرعا، وما وجدنا أحدا من الفقهاء فصل هذا التفصيل وأطلقوا جواز البيع على كل حال أو المنع منه على كل حال.
وقال أبوحنيفة وأصحابه: لا يجوز بيعه وهو قول ابن أبي ليلى وسائر أهل الكوفة والحسن بن حي، وقال مالك: لا يجوز بيع المدبر فان باع مدبره وأعتقها المشتري فالعتق جائز ينتقض التدبير والولاء للمعتق، وكذلك إن وطئها فحملت منه صارت أم ولد فبطل التدبير.
وقال الاوزاعي: لا يباع المدبر إلا من نفسه أو من رجل يجعل عتقه وولاءه لمن اشتراه ما دام الاول حيا، فإذا مات الاول رجع الولاء إلى ورثته وقال الليث: أكره بيع المدبر، فإن باعه وأعتقه المشتري جاز بيعه وولاءه لمن أعتقه.
وقال عثمان البستي والشافعي: يجوز بيع المدبر من حاجة ومن غير حاجة فما في الجماعة من قسم تقسيم الامامية فصارت المسألة إنفرادا، دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع الذي يتردد أن التدبير إذا كان على سبيل النذر فهو واجب عليه لازم له فلا يجوز الرجوع فيه ولا الفسخ له وليس كذلك التبرع لانه لا سبب له يقتضيه.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أن تدبير الكافر لا يجوز وقد مضى الكلام في نظير هذه المسألة لما دللنا على أن عتق الكافر لا يجوز فان التدبير ضرب من العتق.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن من دبر نصيبه من عبد ثم مات إنعتق نصيبه.
والقول في نصيب شريكه كالقول في من أعتق عتقا منجزا حقه من عبده، وتلك القسمة التي ذكرناها في عتق الشقص هي تامة هاهنا، والدلالة على المسألتين واحدة.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية أنهم قسموا التدبير وقالوا إن كان عن وجوب فهو من رأس المال، وإن كان عن تطوع فهو من الثلث، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك وما وجدنا لهم هذه القسمة، لان أبا حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والاوزاعي والحسن بن حي والشافعي قالوا بالاطلاق وان المدبر يكون من الثلث، وقال زفر والليث بن سعد: المدبر من جميع المال وهو قول مسروق وإبراهيم النخعي وروي عن الشعبي أن شريحا كان يقول المدبر من الثلث فبان بحكاية هذه الاقوال إنفراد لقول الامامية إذ قسموا والدلالة على صحة قولهم بعد إجماع الطائفة أنه إذا كان واجبا جرى مجرى الديون في خروجه من أصل المال، وإذا كان تبرعا وتطوعا فهو كالوصية فيما يتبرع به الموصى والقسمة واجبة، فان استدلوا بالخبر الذي يرويه نافع، عن ابن عمر أنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله المدبر من الثلث، فالجواب عنه أن هذا خبر واحد لا نعرفه وأنتم تنفردون به، وتعارضه أخبار لنا كثيرة موجودة في الكتب، ولو قبلناه على ما فيه لحملناه على تدبير التطوع والتبرع دون الوجوب.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن التدبير متى علق بعضو من الاعضاء لم يكن تدبيرا، ولا كان له حكم، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك والشافعي إذا ذهب إلى أن العتق إذا تعلق بأي عضو كان من الاعضاء وقع يجب أن يذهب في التدبير إلى مثله، وأبوحنيفة إذا ذهب إلى أن العتق يقع متى تعلق بعضو يعبر به عن الجملة مثل الرأس والفرج يجب أن يقول في
التدبير مثل ذلك، وكل دليل دللنا به في مسائل العتق من أن العتق لا يقع متى تعلق بعضو من الاعضاء هو بعينه دليل في التدبير في هذه المسألة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أنه لا يجوز أن يكاتب العبد الكافر وأجاز باقي الفقهاء في ذلك، وقد دللنا على نظير هذه المسألة في مسائل العتق والتدبير، وما دللنا به هناك هو دليل في هذا الموضع.
ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بقوله تعالى (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) فلا يخلو المراد بالخير أن يكون المال أو الصناعة وحسن التكسب على ما قاله الفقهاء أو يراد به الخير الذي هو الدين والايمان، ولا يجوز أن يراد بذلك المال ولا المكتسب لانه لا يسمى الكافر والمرتد إذا كانا موسرين أو مكتسبين خيرين، ولا أن فيهما خيرا ويسمى ذو الايمان، والدين خيرا وإن لم يكن موسرا ولا مكتسبا، فالحمل على ما ذكرناه أولى ولو تساوت المعاني في الاحتمال لوجب الحمل على الجميع.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن المكاتب إذا شرط على مكاتبه انك متى بقي عليك من مال مكاتبتي شئ رجعت رقا كان هذا الشرط صحيحا ماضيا وإن اشترط عليه أنه متى أدى بعضا وبقي بعضا عتق منه بقدر ما أدى وبقي رقيقا بقدر ما بقي عليه كان ذلك أيضا جائزا وإن لم يشترط شيئا من ذلك وأطلق الكتابة وأدى المكاتب البعض وبقي البعض كان رقيقا بقدر ما بقي عليه وحرا بقدر أدائه.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك فقال أبوحنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وابن شبرمة والبستي ومالك والشافعي والاوزاعي والليث بن سعد المكاتب عبد ما بقي عليه درهم لا يعتق إلا إذا أدى جميع مال المكاتبة، وروي عن الثوري أنه قال: إذا أدى المكاتب النصف أو الثلث من مكاتبته فأحب أن لا يرد إلى الرق [فهو غريم].
وروي عن الشعبي أنه قال: كان عبدالله وشريح يقولان في المكاتب إذا أدى الثلث فهو غريم.
وروي عن عبدالله أيضا أنه إذا أدى المكاتب قيمة رقبته فهو غريم.
والذي يدل على صحة مذهبنا إجماع الطائفة وإن شئت أن تقول كل من قال ان عتق الكافر لا يصح ولا يقع يقول بما ذكرناه في هذه المسألة، فالتفرقة بين المسألتين خلاف إجماع الامة.
وقد دللنا على أن عتق الكافر لا يصح ولا يقع، ويمكن أن يعتمد أيضا على أن المكاتبة عقد يتعلق بالشرط الذي يرضيان به فيجب أن يكون بحسب ما يشترطان ويتراضيان عليه، وإذا اطلق الكتابة وجعل الرقبة بازاء المال فما نقص عن المال يجب نقصانه من الرقبة.
(مسألة) " بيع أمهات الاولاد ": ومما إنفردت به الامامية القول: بجواز بيع أمهات الاولاد بعد وفاة أولادهن، ولا يجوز بيع أم الولد وولدها حي، وهذا هو موضع الانفراد، فإن من يوافق الامامية في جواز بيع أمهات الاولاد يخالفها في التفصيل الذي ذكرناه.
وقد روت العامة وحكى أصحاب الخلاف القول بجواز بيع أم الولد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " ع " وعبدالله بن عباس وجابر بن عبدالله وأبي سعيد الخدري وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن الزبير والوليد بن عقبة وسويد بن غفلة وعمر بن عبدالعزيز ومحمد بن سيرين وأبي الزبير وعبدالملك ابن يعلى وهو قول أهل الظاهر.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك ومنعوا من بيعهن.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة عليه قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربوا) وهذا عام في أمهات الاولاد وغيرهن.
فإن قيل: قد أجمعنا على أن قوله تعالى وأحل الله البيع مشروط بالملك فان بيع ما لا يملكه لا يجوز.
قلنا: الملك باق في أم الولد بلا خلاف، لان وطئها مباح له ولا وجه لاباحته إلا بملك اليمين.
ويدل أيضا على ذلك أنه لا خلاف في جواز عتقها بعد الولد ولو لم يكن الملك باقيا لما جاز العتق، وكذلك يجوز مكاتبتها وأن يأخذ سيدها ما كاتبها عليه عوضا عن رقبتها، وهذا يدل على بقاء الملك.
وكذلك أجمعوا على أن قاتلها لا يجب عليه الدية وإنما يجب عليه قيمتها.
فإن قالوا: ان بقاء الملك لا يدل على جواز البيع بل لا يمتنع أن يبقى الملك وهو ناقص كملك الشئ المرهون فهو باق للراهن وإن لم يجز بيعه، قلنا: إذا سلمتم بقاء الملك.
فبقاؤه يقتضي استمرار أحكامه، فإذا ادعيتم فيه النقصان طولبتم بالدلالة ولن تجدوها، على انا لو سلمنا نقصان الملك تبرعا لجاز أن نحمله على أنه لا يجوز بيعها مع بقاء ولدها، وهذا ضرب من النقصان في الملك.
ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، وقد علمنا أن للمولى أن يطأ أم ولده وإنما يطأها بملك اليمين، لانه لا عقد هاهنا، وإذا جاز أن يطأها بالملك جاز له أن يبيعها، كما جاز له مثل ذلك في سائر جواريه.
ومما يشهد لما ذكرناه أن بيع أمهات الاولاد كان مستعملا في حياة النبيصلىاللهعليهوآله ومتعارفا طول أيام أبي بكر حتى نهى عمر عن ذلك فامتنع منه اتباعا له، وإنما نهى عن ذلك لمصلحة رآها، كنهيه عن متعة الحج وإلزامه المطلق ثلاثا بلفظ واحد تحريم زوجته عليه واغرامه أنس بن مالك وديعة هلكت في ماله إلى مسائل كثيرة خالف فيها جميع الامة، وما الخلاف عليه في بيع أمهات الاولاد إلا كالخلاف عليه في المسائل التي ذكرنا بعضها.
ومما يقوي أن نهي عمر عن بيع أمهات الاولاد كان لرأي إختاره هو ما روي عن عبدالله بن أبي الهذيل قال:
جاء شاب إلى عمر فقال: ان أمي اشتراها عمي فهو بعلها وينظرها وأنا ضاربه ضربة ادخل فيها النار، فقال عمر هذا فساد، فرأى يومئذ أن يعتقن فلو لم يكن بيع أم الولد جائزا لكان عمر يفسخ شرى عم الغلام للجارية ويردها إلى أبي الغلام، ومما يمكن إيراده على سبيل المعارضة فانه وارد من طريق الآحاد التي لا يجوز الاحتجاج بها فيما طريقه العلم، وإنما يصح لاصحابنا أن يعارضوا بها لان خصومنا يرون العمل بأخبار الآحاد ما رواه أبوداود سليمان بن أشعث السجستاني قال حدثنا عبدالله بن النوفلي قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن خطاب ابن صالح مولى الانصار عن أمه عن سلامة بنت معقل قالت: قدم إلي عمي في الجاهلية فباعني من الحباب بن عمر فولدت له عبدالرحمن ثم هلك فقالت امرأته الآن تباعين في دينه، فأتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأخبرته فقالصلىاللهعليهوآله لاخيه أبي البشر كعب بن عمر اعتقوها، فإذا سمعتم برقيق قدم علي فأتوني اعوضكم عنها فعوضهم عني غلاما فلو عتقت أم الولد بموت سيدها لما أمر النبيصلىاللهعليهوآله الوارث بعتقها ولما ضمن العوض عنها، ولقال له: قد عتقت بموت سيدها وليس لكم بيعها.
ومما يمكن ذكره أيضا على سبيل المعارضة ما رواه عطا وأبوالزبير وابن أبي نجيح كلهم عن جابر بن عبدالله قال: بعنا أمهات الاولاد على عهد رسول الله وأبي بكر، فلما كان أيام عمر نهانا.
وعن زيد العمى عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نبيع أمهات الاولاد على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت ابن غفلة يقول: كنا نبيع أمهات الاولاد على عهد عمر إلى أن نهانا عنه، وعن عبيدة السلماني عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليهالسلام " قال: كان من رأيي ورأي عمر ألا تباع أمهات الاولاد وقد رأيت أن أبيعهن
وعن محمد بن سيرين عن عمر بن مالك الهمداني عن عمر قال: ان أسلمت وعفت عتقت، وإن كفرت وفجرت رقت.
وفي هذا الخبر دليل على أن نهيه عن بيعها كان على سبيل الاستحباب لانها لو عتقت بموت السيد لما منع فجورها من عتقها.
وروى الاجلح عن زيد بن وهب قال: أصاب ابن عم لنا جارية فولدت منه بنتا وماتت البنت فأتينا عمر فقصصنا عليه القصة فقال: هي جاريتك فإن شئت فبعها.
وعن الحكم عن زيد بن وهب عن عمر نحوه.
وأما اعتراض من يعترض على ما ذكرناه في الرواية عن جابر وأبي سعيد الخدري من أننا كنا نبيع أمهات الاولاد والنبيصلىاللهعليهوآله حي فينا لا يرى بذلك بأسا بأن يقول ليس في ذلك دليل على أن النبيصلىاللهعليهوآله كان عالما بذلك ولم ينكره، وقد يجوز أن يكون في حياتهصلىاللهعليهوآله ما لا يعرفه فليس بشئ مرضي، لان احتجاج الرجلين بأن بيع أمهات الاولاد كان في حياة النبيصلىاللهعليهوآله خرج مخرج الاخبار بأنه كان عالما بذلك وإلا فلا فائدة في أنه يجري في أيامه ما لا يعرفه ولو ساغ هذا التأويل لقيل لهما هذا التخريج الذي خرجه الخصوم، فلما لم يقل ذلك دل على أنهما إنما أخبرا بأن ذلك جرى وهوصلىاللهعليهوآله يعرفه ويبلغه ولا ينكره، وقد تعلق من امتنع من بيع أمهات الاولاد بأشياء منها إن ولد هذه الامة حر لا محالة وهو كالجزء منها فحريته متعدية إليها.
ومنها ما رواه عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله أيما رجل ولدت منه أمته فهي معتقة عن دبر منه.
وعن ابن عمر عن النبيصلىاللهعليهوآله نحوه.
وعن سعيد بن المسيب قال: أمر النبيصلىاللهعليهوآله بعتق أمهات الاولاد، وأن لا يبعن ولا يستسعين، وبما روي عنهصلىاللهعليهوآله في مارية حين ولدت منه أنه قال: أعتقها ولدها، وادعوا أيضا
إجماع الصحابة على عتقها في أيام عمر بن الخطاب، والاجماع حجة.
فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا لم زعمتم أن حرية الولد تتعدى إلى الام، ومن مذهبكم أن الام لا تتبع الولد في الاحكام وإنما يتبعها الولد، إذا أعتقت الامة عتق ما في بطنها، وليس إذا عتق ما في بطنها اعتقت.
وأيضا فلو كان الولد هو الموجب لحريتها لعتقت في الحال ولم يتأخر ذلك إلى موت السيد، على أن أصحاب الشافعي لا يصح أن يتعلقوا بهذه الطريقة لان الشافعي يذهب إلى أن من إشترى إمرأته وهي أمة وقد كانت حملت منه ووضعت عنده ولدا أعتق ولده منها، ولم تسر الحرية من الولد إليها بل تكون أمة حتى تحمل منه وهي في ملكه.
وأما ما روي عن عكرمة عن ابن عباس فان حفاظ أصحاب الحديث ونقاده قطعوا على أنه كذب لا أصل له.
وكذلك الخبر الذي روي عن سعيد بن المسيب ويوضح ذلك ما رواه أشعث عن سالم بن عروة القرشي عن ابن عباس أنه كان يجعل أمهات الاولاد من انصباء أولادهن، فلو كان عند ابن عباس في ذلك أثر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتضمن العتق والحرية لما جعلهن من انصباء أولادهن.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال في أم الولد إنما هي كبعيرك أو فرسك وعن سعيد بن مسروق عن عكرمة في أم الولد قال قال عمر تعتق فلو كان عكرمة على ما ذكروه في الخبر الاول روي عن ابن عباس عتقها عن النبيصلىاللهعليهوآله لما أسنده إلى عمر بل كان ينسبه إلى النبيصلىاللهعليهوآله .
وعن نافع قال قال رجلان لابن عمر تركنا عبدالله بن الزبير يبيع أمهات الاولاد، فقال ابن عمر ولكن عمر كان يقول أيما أمة ولدت من سيدها فهي معتقة له وهي حرة إذا مات.
وعن عبدالله بن دينار عن ابن عمر نحوه، فلو كان ابن عمر روى عن النبيصلىاللهعليهوآله أنها تعتق
بموته لجعل عتقها منسوبا إلى النبيصلىاللهعليهوآله ولم يجعله إلى عمر.
وروي عن زيد بن وهب الجهني قال: مات رجل عن أم ولد فأمر الوليد ابن عقبة ببيعها، فقال ابن مسعود إن كنتم ولا بد فاعلين فاجعلوها من نصيب ابنها تعتق فلو كان ذلك أثر عن النبيصلىاللهعليهوآله لما خفي على ابن مسعود ولا على الوليد بن عقبة وهو أمير الكوفة من قبل عثمان بن عفان حتى يقضي ببيعها بمحضر من الصحابة، ولما قال أمير المؤمنين "عليهالسلام " قد كان من رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، وقد رأيت الآن أن يبعن، ولكان عبدالله بن الزبير لا يبيعهن في طول ولايته على الحرمين والعراق من غير أن ينكره أصحابه عليه وعن القسم بن الفضل بن معدان عن محمد بن زياد قال: كانت جدتي أم ولد لعثمان بن مظعون وأراد ابن عثمان بيعها بعد موت أبيه فأتت عائشة فقالت ان ابن عثمان يريد بيعي فلو كلمتيه فيوضعني موضعا صالحا وقد كنت ولدت من أبيه فقالت لها: اذهبي إلى عمر فانه يعتقك، فأتت عمر فأرسل إلى ابن عثمان بن مظعون فقال: أردت بيع هذه؟ فقال: نعم، قال ليس لك ذلك هي حرة.
وفي هذا دليل على أن عائشة وابن عثمان بن مظعون كانا ليريان بيعها وأنه لم يكن عندهما في ذلك أثر عن النبيصلىاللهعليهوآله ولذلك أجاز بيعها أمير المؤمنينعليهالسلام وجابر وابن عباس وابن الزبير وأبوسعيد الخدري والوليد بن عقبة وغيرهم على أن هذه الاخبار التي تعلقوا بها وما أشبهها أخبار آحاد لا توجب علما ولا يقينا، وأكثر ما توجبه مع السلامة التامة الظن ولا يجوز الرجوع عن الادلة التي قدمناها مما يوجب العلم واليقين وهي معارضة بما ذكرنا بعضه وأغفلنا معظمه من رواياتهم المتضمنة لجواز بيع أمهات الاولاد فأما ما يختص به الشيعة الامامية في هذا الباب من الاخبار فهي أكثر من أن
تحصى، وإنما عارضناهم بما يروونه وينقلونه وهو موجود في كتب أخبارهم على أنه يمكن إذا سلمنا صحة الخبر الاول والثاني أن يكون المعنى فيه أنها تعتق إذا كان مولاها قد علق عتقها بوفاته وهذا مما لا شبهة فيه.
فأما ما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله في أم إبراهيم ولدهعليهماالسلام أنه أعتقها ولدها فهو أيضا من أخبار الآحاد التي لا توجب العلم وهم يروونه عن أبي بكر ابن أبي سبرة وهو عند نقاد أصحاب الحديث من الكذابين، ويرويه ابن أبي سبرة عن الحسن بن عبيد الله بن عبدالله بن عباس وهو عندهم من الضعفاء المطعون في روايتهم، وهو معارض بكل ما تقدم ولا بد فيه من ترك ظاهره لان ولدها لو كان أعتقها لعتقت في الحال، وقد أجمعنا على خلاف ذلك، ويحتمل أن يكون النبيصلىاللهعليهوآله علق عتقها بولادتها فلما حصلت الولادة التي هي السبب في العتق قالصلىاللهعليهوآله : اعتقها ولدها وهذا تأويل أولى من تأويلهم لانهم يجعلون السبب الذي هو العتق متأخرا عن السبب الذي هو الولادة، وتأويلنا يقتضي أن يكون المسبب بعد السبب بلا فصل.
وقد تأول هذا الخبر أيضا قوم على أن المراد به ولدها يدعو إلى عتقها وما دعا إلى غيره جاز أن يجعل كأنه واقع عنده، فأما ما ادعوه من الاجماع فقد بينا أن الخلاف في هذه المسأله متقدم ومتأخر، وأن بيع أمهات الاولاد كان في أيام النبيصلىاللهعليهوآله وأبي بكر إلى أن نهى عمر عنه، فكيف يدعي الاجماع في هذه المسألة والخلاف فيها أظهر من الشمس.
وقد رووا عن الاجلح عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب إلى عدي في رجل مات وعليه دين وليس له إلا أم ولد قال: تستسعى في الدين، وعن ابن مسعود قال: تعتق من نصيب ولدها.
وعن الشعبي وإبراهيم النخعي قال: يجزي عتق أم الولد عن الرقبة الواجبة وعن حماد بن زيد عن أيوب وابن عون أن ذا قرابة لمحمد بن سيرين توفي وترك أم ولد له حبلى فأرسل محمد بن سيرين إلى عبدالملك بن يعلى
وهو قاضي البصرة فأمره عبدالملك أن يجعل عتقها من نصيب ولدها، وفي ذلك كله دليل على أن الخلاف ما زال في الاعصار المتقدمة والمتأخرة إلى وقتنا هذا.
[مسائل الصيد] (والذبائح والاطعمة والاشربة واللباس)
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية الآن وإن وافقها في ذلك قول أقوام حكي قديما القول: بأن الصيد لا يصح إلا بالكلاب المعلمة دون الجوارح كلها من الطيور وذوات الاربع كالصقر والبازي والشاهين وما أشبههن من ذوات الاربع كعناق الارض والفهد وما جرى مجراهما، ولا يحل عندهم أكل ما قتله غير الكلب المعلم.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك وأجروا كل ما علم من الجوارح من الطيور وذوات الاربع مجرى الكلاب في هذا الحكم.
وذكر أبوبكر أحمد بن علي الرازي الفقيه في كتابه المعروف بأحكام القرآن عن نافع قال: وجدت في كتاب لعلي بن أبي طالبعليهالسلام قال لا يصلح أكل ما قتلته البزاة.
وروي أيضا عن ابن جريح عن نافع قال قال عبدالله ما أمسك من الطير البزاة وغيرها فما أدركت ذكاته فذكيته فهو لك وإلا فلا تطعمه.
وروى سلمة بن علقمة عن نافع أن عليا " ع " كره ما قتلته الصقور.
وروي عن مجاهد أنه كان يكره صيد الطيور ويقول مكلبين إنما هي الكلاب خاصة، وذكر أبوبكر الرازي
أن بعض العلماء حمل مكلبين على الكلاب خاصة وبعضهم حمل ذلك على الكلاب وغيرها.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة عليه قوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) الآية، وهذا نص صريح على أنه لا يقوم مقام الكلاب في هذا الحكم غيرها، لانه تعالى لو قال وما علمتم من الجوارح ولم يقل مكلبين لدخل في الكلام كل جارح من ذي ناب وظفر ولما أتى بلفظ المكلبين وهو يخص الكلاب خاصة، لان المكلب هو صاحب الكلاب بلا خلاف بين أهل اللغة علمناه، أنه لم يرد بالجوارح جميع ما يسمى هذا الاسم وإنما أراد بالجوارح من الكلاب خاصة ويجري ذلك مجرى قوله:
ركب القوم مهارهم |
مبقرين أو مجمزين |
فانه لا يحتمل وإن كان اللفظ الاول عام الظاهر إلا على ركوب البقر والجمازات، فان قيل: دلوا على أن الملكبين إنما أراد به صاحب الكلاب، وما أنكرتم أن يريد به المعزي المضري للجوارح الممرن له والمجرى فيدخل فيه الكلب وغيره.
قلنا: ليس ينبغي أن يتكلم فيما طريقه اللغة من لا يعرف موضوع أهلها ولا يعرف عن أحد من أهل اللغة العربية ان المكلب هو المعزي أو المضري بل يقولون وقد نصوا في كتبهم عليه: أن المكلب هو صاحب الكلاب قال النابغة الذبياني:
سرت عليه من الجوزاء سارية |
تزجي الشمال عليه جامد البرد |
|
فارتاع من صوت كلاب فبات له |
طوع الشوامت من خوف ومن برد |
وفسر أهل اللغة أنه أراد بكلاب صاحب الكلاب مكلب واحد.
وذكر صاحب كتاب الجمهرة: أن المكلب صاحب الكلاب،
وأنشد قول الشاعر: (ضرا أحست بنائه من مكلب) وما ذكره في هذا الباب أكثر من أن يحصى، وقد ذكر في تصريف ما يبنى من الكاف والباء واللام أن المكلب هو المضري والمعلم وقد فتشنا سائر كتب أهل اللغة فما وجدنا أحدا منهم ذكر ذلك، ومن اعترض بقولهم فلان كلب على كذا وتكلب على كذا فغير متأمل، لان الكلب هاهنا هو العطش والمكلب عندهم هو العطشان، ولا يقول أحد منهم كلبت للطائر الجارح إذا علمه واضراه لان هذه اللفظة مستعملة من لفظ الكلاب فكيف تستعمل في غيرها، فإذا قيل: قد قالوا أسير مكلب، قلنا: من قال ذلك فقد فسره وقال: معنى مكلب مشدود بالكلب الذي هو القيد، ولما كان الاسير المشدود بالقيد الذي هو الكلب قيل مكلب وما أنكرنا أن يكون المكلب في موضع من المواضع يستعمل في غير الكلاب وانما أنكرنا أن يكون المكلب والمعلم و المعزي والمضري على أنا لو سلمنا هذه اللفظة وأنها قد استعملت في التعليم و التمرين فذلك مجاز، والمعنى الذي ذكرنا إستعمالها فيه حقيقة وحمل القرآن على الحقيقة أولى من حمله على المجاز على أن قوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) يعني أن يكرر ويقول معلمين، لان من حمل لفظة مكلبين على التعليم لا بد من أن يلزمه التكرار، وإذا جعلنا ذلك مختصا بالكلاب أفاد، لانه بيان، لان هذا الحكم يتعلق بالكلاب دون غيرها، ولو أبدلنا في الآية لفظة مكلبين بمعلمين لما حسنت، فكيف تحمل على معناها ولو صرحنا بها لكان الكلام قبيحا.
ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه أن الجارح غير الكلب إذا صاد صيدا فيقتله فقد حله الموت، وكل حيوان حله الموت فهو ميتة ويستحق هذا الاسم في الشريعة إلا أن تقوم دلالة شرعية على ذكاته فلا يجري عليه حينئذ اسم
الميتة وإن حله الموت، فان إدعوا ذكاة ما حله الموت من صيد البازي والفهد وما أشبههما فعليهم الدلالة ولا يتمكنون من دلالة وإنما يفزعون إلى خبر واحد أو قياس وما فيهما ما يوجب العلم فيترك له ظاهر القرآن.
(مسألة) ومما انفردت به الامامية القول بأن الكلب إذا أكل من الصيد نادرا أو شاذا، وكان الاغلب أنه لا يأكل حد الاكل من ذلك الصيد وإن كثر أكله منه وتكرر فانه لا يؤكل منه.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأبويوسف وزفر ومحمد إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم فلا يؤكل، ويؤكل صيد البازي وإن أكل، وهو قول الثوري.
وقال مالك والاوزاعي والليث يؤكل وإن أكل الكلب منه، وقال الشافعي: لا يؤكل إذا أكل الكلب منه والبازي مثله، وإنما كان هذا إنفرادا لان من قال من الفقهاء أنه يؤكل من الصيد وإن أكل منه لم يشترط ما شرطناه من الاقل والاغلب بل اطلق فصار الذي شرطناه إنفرادا في هذه المسألة، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة عليه أن أكل الكلب من الصيد إذا تردد وتكرر دل على أنه غير معلم والتعليم شرط في إباحة صيد الكلب بلا خلاف، وبدلالة قوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين) وإذا تتابع أكل الكلب من الصيد دل على أنه غير معلم فلا يحل أكل صيده ولانه إذا توالى أكله منه لا يكون ممسكا له على صاحبه، بل يكون ممسكا له على نفسه.
وقول المخالف لنا: أن الكلب متى أكل يخرج من أن يكون معلما ليس بشئ، لان الاكل إذا شذ وندر لم يخرج به من أن يكون معلما، ألا ترى أن العاقل منا قد يقع منه الغلط فيما هو عالم به ومحسن له على سبيل الشذوذ من صناعة وكتابة وغيرهما ولا يخرج عن كونه عالما، فالبهيمة مع فقد العقل
بذلك أحق، وتفرقة من فرق من القوم بين البازي وجوارح الطير وبين الكلب بأن الطائر لا يقبل التعليم في ترك الاكل مما يصيده وأنه يكفي في كونها معلمة مع أنها مستوحشة غير آنسة أن تألف صاحبها وتجيبه إذا دعاها، والكلب مستأنس فلا يكفي في كونه معلما أن يدعى فيجيب ويألف صاحبه فلا بد من أن يكون تعليمه إنما هو لترك الاكل غير صحيحة، لان البازي كما جاز أن يقهر ويمرن على ما يخالف طبعه من الاستيناس وإجابة دعاء صاحبه جاز أيضا أن يمرن ويعلم على ترك الاكل لما يمسكه فيعتاد ذلك ويفارق به طبعه كما فارق في الوجه الاول.
وأما الكلاب فليس كلها مستأنسة وفيها المتوحش أيضا فلم لا يكون علامة كونها معلمة هي أن تأنس بنا وندعوها فتجيب ومعلوم ضرورة أن إجابة داعيها ليس هو بشئ لهذا وإنما تعلمه وتمرن عليه فألا أجروها مجرى جوارح الطير في أن أكلها مما تمسكه ليس مخرجا لها من التعليم وهذا كله من القوم حدس وخبط.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية تحريم أكل الثعلب والارنب والضب ومن صيد البحر السمك الجري والمارماهي والزمار وكلما لا فلس له من السمك، وخالف باقي الفقهاء في ذلك إلا أنه روي عن أبي حنيفة وأصحابه موافقتنا في الثعلب خاصة.
وروي عنهم أيضا كراهية أكل الضب، ورووا كلهم في خبر معروف رواه الاعمش وقال: نزلنا أرضا كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة وطبخنا منها وان القدور لتغلي بها إذ جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: ما هذا؟ فقلنا ضباب أصبناها، فقالصلىاللهعليهوآله ان أمة من بني إسرائيل مسخت وأرانا في تلك الارض وإني أخشى أن يكون هذه منها فاكفوها، وهذا الخبر يقتضي كما تراه أن الضب مع تحريمه مسخ، وهو قول
الامامية لانهم يعدون الضب من جملة المسوخ التي هي الفيل والارنب والدب والعقرب والضب والعنكبوت والجري والوطواط والقرد والخنزير، ولا يزال مخالفوهم إذا سمعوا منهم ذكر هذه المسوخ التي ما اعتمدوا في أنها مسوخ إلا على الرواية تضاحكوا واستهزؤا بهم ونسبوهم إلى الغفلة وبعد الفطنة وهم يروون عن طرقهم وعن رجالهم مثل ما عجبوا منه بعينه والله المستعان.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد وإن شئت أن تبني هذه المسألة على مسألة تحريم صيد البازي وما أشبههه من جوارح الطير فعلت فقلت كل من حرم صيد جوارح الطير حرم ما عددناه، والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع.
فان استدل المخالف بقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما)، وظاهر هذه الآية يقتضي أن جميع صيد البحر حلال، وكذلك صيد البر إلا على المحرم خاصة، واستدل بما لا يزال يستدل به على أن أصل المنافع التي لا ضرر فيها عاجلا ولا آجلا على الاباحة وعلى من حظر شيئا من ذلك الدليل، والجواب أن قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر) لا يتناول ظاهره الخلاف في هذه المسألة لان الصيد مصدر صدت وهو يجري مجرى الاصطياد الذي هو فعل الصائد وإنما يسمى الوحش وما جرى مجراه صيدا مجازا وعلى وجه الخلاف لانه محل الاصطياد فسمي باسمه، وإذا كان كلامنا في تحريم لحم الصيد فلا دلالة في إباحة المصيد، لان الصيد غير المصيد، فان قيل: قوله تعالى: (وطعامه متاعا لكم وللسيارة) يقتضي أنه أراد المصيد دون الصيد، لان لفظة الطعام لا يليق إلا بما ذكرناه دون المصدر.
قلنا: لو سلمنا أن لفظة الطعام ترجع إلى لحوم ما يخرج من حيوان البحر لكان لنا أن نقول قوله تعالى و طعامه
يقتضي أن يكون ذلك اللحم مستحقا في الشريعة لاسم الطعام، لان ما هو محرم في الشريعة لا يسمى بالاطلاق فيها طعاما كالميتة والخنزير، فمن إدعى في شئ مما عددنا تحريمه أنه طعام في عرف الشريعة فليدل على ذلك فانه يتعذر عليه.
وقد روي عن الحسن البصري في قوله تعالى: (وطعامه) أنه أراد به البر والشعير والحبوب التي تسقى بذلك الماء، وحمل أكثر المفسرين لفظة البحر على كل ماء كثير من عذب وملح، وإذا حمل على الحبوب سقطت المسألة، فأما الجواب عن قولهم أن الاصل الاباحة فهو كذلك إلا انا نرجع عن حكم الاصل بالادلة القاطعة وقد ذكرناها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن من وجد سمكة على ساحل بحر أو شاطئ نهر ولم يعلم هي ميتة أو ذكية فوجب أن يلقيها في الماء فان طفت على ظهرها فهي ميتة، وإن طفت على وجهها فهي ذكية، فأن أبا حنيفة وإن وافقنا في أن السمك الطافي على الماء لا يؤكل، فانه لا يعتبر هذا الاعتبار الذي ذكرناه.
ويجب على هذا الاعتبار أن يقول أصحابنا: في أن السمك الطافي على الماء أنه ليس بمحرم على الاطلاق، بل يعتبرونه بما ذكرناه، فان وجدوه طافيا على ظهره أو وجهه عملوا بحسب ذلك، دليلنا الاجماع المتردد، وإن شئت تبني هذه المسألة على بعض المسائل المتقدمة لها وإن أحدا من المسلمين ما فرق بين الامرين.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن ذبائح أهل الكتاب محرمة لا يحل أكلها ولا التصرف فيها، لان الذكاة ما لحقتها، وكذلك صيدهم وما يصيدونه بكلب أو غيره.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، دليلنا على صحة ما ذكرناه الاجماع المتردد.
وأيضا قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق)
وهذا نص في موضع الخلاف، لان من ذكرناه من الكفار لا يرون التسمية على الذبائح فرضا ولا سنة فيهم لا يسمون على ذبائحهم، ولو سموا لكانوا مسمين لغير الله تعالى انهم لا يعرفون الله لكفرهم على ما دللنا عليه في غير موضع، وهذه الجملة تقتضي تحريم ذبائحهم.
فإن قيل: هذا يقتضي إنه لا يحل ذباحة الصبي لانه غير عارف بالله تعالى قلنا: ظاهر الآية يقتضي ذلك وإنما أدخلناه فيمن تجوز ذباحته بدليل، ولان الصبى وإن لم يكن عارفا فليس بكافر ولا معتقد أن إلهه غير من يستحق العبادة على الحقيقة وإنما هو خال من المعرفة فجاز أن يجري مجرى العارف متى ذبح وتلفظ بالتسمية وهذا كله غير موجود في الكفار.
وإن اعترض علينا بقوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) وادعى أن الطعام يدخل فيه ذبائح أهل الكتاب، فالجواب عن ذلك أيضا أن أصحابنا يحملون قوله تعالى (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) على ما يملكونه مما يؤكل من حبوب وغيرها، وهذا تخصيص لا محالة، لان ما صنعوه طعاما من ذبائحهم يدخل تحت اللفظ ولا يجوز إخراجه إلا بدليل.
فإذا قلنا: تخصيصه بقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)، قيل لنا: ليس أنتم بأن تخصوا آيتنا بعموم آيتكم بأولى منا إذا خصصنا الآية التي تعلقتم بها بعموم ظاهرها بالآية التي استدللنا بها والذي يجب أن يعتمد في الفرق بين الامرين أنه قد ثبت وجوب التسمية على الذبيحة وأن من تركها عامدا لا يكون مذكيا ولا يجوز أكل ذبيحته على وجه من الوجوه وكل من ذهب إلى هذا المذهب من الامة يذهب إلى تخصيص قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وأن ذبائحهم لا تدخل تحته والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع، ولا يلزم على ما ذكرناه أن أصحاب
أبي حنيفة يوافقونا على وجوب التسمية وإن لم يخصصوا بالآية الاخرى لانا اشترطنا إيجاب التسمية مع الذكر على كل حال.
وعند أصحاب أبي حنيفة جائز أن يترك التسمية من أداء اجتهاده إلى ذلك، أو إستفتى من هذا حاله، والامامية يذهبون إلى أن التسمية مع الذكر لا تسقط في حال من الاحوال.
فإن قيل: على هذه الطريقة التي يعتمدها من الجمع بين المسألتين ما أنكرتم أن لمن خالفكم أن يعكس هذه الطريقة عليكم ويقول قد ثبت أن التسمية غير واجبة أو يشير إلى مسألة قد دل الدليل على صحتها عنده، ثم يقول كل من قد ذهب إلى هذا الحكم يذهب إلى عموم قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) والتفرقة بين الامرين خلاف الاجماع، قلنا: الفرق بيننا ظاهر لانا إذا بنينا على مسألة ضمنا عهدة صحتها ونفي الشبهة عنها ومخالفنا إذا بنى على مسألة مثل أن التسمية غير واجبة أو غير ذلك من المسائل لا يمكنه أن يصحح ما بنى عليه إلا أن يورد حجة قاطعة فيه والمحنة بيننا وبين من تعاطى ذلك، ونحن إذا بنينا على مسألة دللنا على صحتها بما لا يمكن دفعه وهذا على التفصيل يخرجه الاختبار والاعتبار.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بإيجاب استقبال القبلة عند الذبح مع إمكان ذلك، وخالف باقي الفقهاء في وجوبه وأنه شرط في الذكاة، دليلنا بعد الاجماع المتردد والطريقة التي تقدم نظيرها وهي أن من ذبح غير مستقبل القبلة عامدا قد أتلف الروح وحل الموت في الذبيحة وحلول الموت يوجب أن يكون ميتة إلا أن تقوم دلالة على حصول الذكاة فلا يستحق هذا الاسم، ومن ادعى دلالة شرعية على ذلك كان عليه أقامتها ولن يجدها، ولم يبق بعد ذلك إلا كونها ميتة وداخلة تحت قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة).
وأيضا فان الذكاة حكم شرعي، وقد علمنا أنه إذا إستقبل القبلة وسمى إسم الله تعالى يكون مذكيا باتفاق، وإذا خالف ذلك لم يتيقن كونه مذكيا فيجب الاستقبال والتسمية ليكون بيقين مذكيا.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول بوجوب العقيقة وهي الذبيحة التي تذبح عن المولود ذكرا كان أو أنثى، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقال الشافعي ومالك مستحبة، وقال أبوحنيفة ليست بمستحبة، وحكي عن الحسن البصري القول بوجوبها وهو مذهب أهل الظاهر وهذه موافقة للامامية دليلنا بعد الاجماع المتردد أن العقيقة نسك وقربة بلا خلاف وإيصال منفعة إلى المساكين فيدخل في عموم قوله تعالى: (وافعلوا الخير) وما أشبه هذه الآية من الامر بالطاعات والقربات، وظاهر الامر في الشريعة يقتضي الوجوب، فإن قيل: على الاستدلال بقوله تعالى: (وافعلوا الخير) في هذا الموضع وما أشبه هذا من المسائل التي إستدللنا بهذا العموم فيها ما أنكرتم من فساد الاستدلال بذلك من جهة أن الخير لا نهاية له، ومحال أن يوجب الله تعالى علينا ما لا يصح أن نفعله، وإذا لم يصح إيجاب الجميع فليس البعض بذلك أولى من البعض بطل الاستدلال بالآية.
قلنا: لا شبهة في أن إيجاب ما لا يتناهى لا يصح غير انا نفرض المسألة فنقول: قد ثبت أن من عق دفعة واحدة عن ولده يكون فاعلا للخير وفعل المرة صحيح غير محال فيجب تناوله الآية له، وهكذا نفرض في كل مسألة، وموضع إستدلالنا بعموم هذه الآية على وجوب شئ من العبادات والقربات أن نعين على ما يصح تناول الايجاب له ثم ندخله في عموم الآية، ويمكن أن نذكر للمخالف على سبيل المعارضة بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال في المولود اهريقوا عنه دما، وفي خبر آخر يعق عن الغلام شاتان، وعن عائشة أنها قالت: أمرنا
رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن نعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة.
وروي عن ابن عباس أن النبيصلىاللهعليهوآله عق عن الحسن والحسينعليهماالسلام كبشا كبشا فجمععليهالسلام في إيجاب العقيقة بين القول والفعل، وليس لهم أن يتعلقوا بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: ليس في المال حق سوى الزكاة.
وبما يروى عنه " ع " من قوله: من أحب أن ينسك عن المولود فلينسك عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة فعلق ذلك بالمحبة، وما كان واجبا لا يعلق بالمحبة.
وبما يروونه عن فاطمةعليهاالسلام قالت: يا رسول الله أعق عن ابني الحسن، فقالصلىاللهعليهوآله : إحلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة، ولو كانت واجبة لامرهاصلىاللهعليهوآله بها.
والجواب عن ذلك كله أن هذه الاخبار آحاد ينفردون بها لا نعرف عدالة رواتها ولا صفاتهم وبازائها من الاخبار التي تقدمها تنفرد برواياتها ما لا يحصى وما ينفردون أيضا بروايته ما قد ذكرنا بعضه ولو عدلنا عن هذا كله وسلمت هذه الاخبار من كل قدح وجرح أوجبت غالب الظن أليس من مذهبنا أن أخبار الآحاد لا توجب على مذهبنا العمل بها في الشريعة وإنما جاز لنا أن نعارضهم بأخبار الآحاد، لانهم بأجمعهم يذهبون إلى وجوب العمل بأخبار الآحاد ثم نستظهر متبرعين بذكر تأويل من الاخبار.
أما الخبر الاول فلا دلالة لهم فيه، لانه نفي أن يكون في المال حق سوى الزكاة والعقيقة عند من أوجبها تجب في ذمة الوالدين لا في المال.
وأما الخبر الثاني فلا حجة فيه، لانه إنما علق الفضل في ذلك بالمحبة لا بالاصل والفضل في أن يعق شاتين وقد تجزي الواحدة ويجري مجرى ذلك قول القائل من أحب أن يصلي فليصل في المساجد وفي الجماعات، وإنما يريد الفضل وإن كان أصل الصلاة واجبا.
وأما الخبر الثالث فغير ممتنع أن يكونعليهالسلام عتق عنه أو عزم على أن يتولى ذلك فعدل عن أمرها بذلك إلى قربة أخرى لهذه العلة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن كل طعام عالجه الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ممن يثبت كفرهم بدليل قاطع فهو حرام لا يجوز أكله ولا الانتفاع به، وقد خالف باقي الفقهاء في ذلك، وقد دللنا على هذه المسألة في كتاب الطهارة، حيث دللنا أن سؤر الكفار نجس، لا يجوز الوضوء به، وإستدللنا بقوله تعالى: (إنما المشركون نجس)، وإستقصيناه فلا معنى لاعادته.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية وإن كان الفقهاء قد رووا عن ابن عباسرحمهالله موافقتها في ذلك تحليل لحوم الحمر الاهلية، وحرمها سائر الفقهاء وإنتهوا في ذلك إلى أن ابن القسم روى عن مالك أن الحمار الوحشي إذا استأنس فصار يعمل عليه كما يعمل على الحمار الاهلي فانه لا يؤكل، وإن خالف مالك سائر الفقهاء في ذلك.
دليلنا بعد الاجماع المتردد أن الاصل فيما فيه منفعة ولا مضرة فيه الاباحة، ولحوم الحمر الاهلية بهذه الصفة فإن إدعوا مضرة آجلة من حيث الحظر لها والنهي عنها فانهم يفزعون إلى أخبار آحاد ليست حجة في مثل هذا وهي معارضة بأمثالها.
ويمكن أيضا أن يستدل ذلك بقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه) الآية، فان احتجوا عليه بقوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)، وأنه تعالى أخبر أنها للركوب وللزينة، لا للاكل، قلنا لهم: قوله تعالى أنها للركوب وللزينة لا يمنع أن يكون لغير ذلك، ألا ترى إلى قول القائل: قد أعطيتك هذا الثوب لتلبسه لا يمنع من جواز بيعه له، وهبته والانتفاع به من وجوه شتى، ولان المقصود بالخيل
والحمير الركوب والزينة، وليس أكل لحومها مقصودا فيها، ثم أنه لا يمنع من الحمل على الحمير والخيل، وإن لم يذكر الحمل وإنما خص الركوب والزينة بالذكر.
وأكثر الفقهاء يجيزون أكل لحوم الخيل، ولم يمنع تضمن الآية ذكر الركوب والزينة خاصة من أكل لحوم الخيل وكذلك الحمير، فان إستدلوا بما يروونه عن ابن عباسرحمهالله أنه قال: نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن لحوم الحمر وأمر بلحوم الخيل أن تؤكل.
وأيضا بما رواه خالد بن الوليد قال: كنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في خيبر فقالعليهالسلام : لا تحلوا أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم لحوم الحمر الاهلية وبغالها.
وبما يرويه أنس عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه نهى عن لحوم الحمر، وقال أنها نجس.
والجواب عن ذلك أن هذه أخبار آحاد والعمل بها في الشريعة البتة عندنا غير جائز، ولا يجوز مع ذلك أن نرجع بها عن ظاهر الكتاب ونعارضها بالاخبار التي ترويها الامامية ما لا يحصى.
ومما يرويه مخالفونا ما رواه غالب بن الحسن قال: قلت يا رسول الله لم يبق من مالي إلا الحمار، فقالصلىاللهعليهوآله : أطعم أهلك من سمين مالك، فاني إنما نهيت عن حوالي القرى، وهذا لا محالة معارض لاخبارهم كلها، ثم يمكن أن يقال في تلك اللاخبار أن سبب النهي عن لحوم الحمر الاهلية هو لاجل الظهر وقلته في ذلك الزمان.
كما أنهصلىاللهعليهوآله نهى عن لحوم الخيل لهذه العلة.
وقد روي عن ابن عباسرحمهالله أنه قال: إنما نهى عن لحوم الحمر لئلا يقل الظهر فقوى هذا التأويل هذه الرواية.
فأما الخبر الذي تضمن أنها رجس فالرجس والرجز والنجس واحد في
الشريعة ولا محصل من أهل الشريعة يذهب إلى ان الحمار الاهلي نجس العين.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية تحليل لحوم البغال، وباقي الفقهاء على حظر ذلك.
وروي عن الحسن البصري أنه ذهب إلى إباحة لحوم البغال وهذه موافقة للامامية، وكل شئ دللنا به على إباحة لحوم الحمر الاهلية فهو بعينه دليل على إباحة لحوم البغال، وأيضا فقد دللنا على إباحة لحوم الحمر الاهلية، وكل من أباح لحومها أباح لحوم البغال، والتفرقة بين الامرين خروج عن الاجماع.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الجنين الذي يوجد في بطن أمه بعد ذكاتها على ضربين إن كان كاملا وعلامة كماله أن ينبت شعره إن كان من ذوات الشعر أو يظهر وبره إن كان من ذوات الاوبار فأنه يحل أكله، وذكاة أمه ذكاته، وإن لم يبلغ الحد الذي ذكرناه وجب أن يذكى ذكاة منفردة إن خرج حيا، فإن لم يخرج حيا فلا يؤكل، وإنما كان هذا إنفرادا لان الشافعي ومن وافقه يذهب إلى أن ذكاة الجنين ذكاة أمه على كل حال، وأبوحنيفة ومن وافقه يذهب إلى أن الجنين له ذكاة مفردة على كل حال دليلنا الاجماع المتردد وإن شئت أن تبني على بعض المسائل المتقدمة مثل وجوب التسمية على كل وجه أو وجوب استقبال القبلة وإن أحدا من الامة لم يفرق بين المسألتين.
وليس لهم أن يحتجوا علينا بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه ولم يفرق بين الكامل من الاجنة وغير الكامل وبما يروونه أيضا عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه سئل عن البقرة والشاة يذبحان فيوجد في بطنهما جنين أنأكله أو نلقيه؟ فقال: كلوا إن شئتم ولم يفصل كما فصلت الامامية.
قلنا: قد مضى أن أخبار الآحاد ليست حجة في الشرع، وأن هذا مما
ينفرد به المخالفون، وبأزائه ما يرويه الامامية في ذلك، ولو سلمنا ذلك لكان لنا أن نقول في الخبر الاول لا يخلو من أن يكون تأويله على ما تأول الشافعي عليه من أن المراد أن ذكاة الجنين هي ذكاة أمه، وأنه يصير له حكم الذكاة لذكاتها، وإن كان كذلك حملناه على الجنين الكامل الذي قد نبت عليه الشعر والوبر، وخصصنا عمومه بأدلتنا التي ذكرناها، أو يكون التأويل على ما تأوله أبوحنيفة من أن ذلك على سبيل التشبيه، وإنما المراد بالخبر أن ذكاة الجنين مثله ويماثل ذكاة أمه في الذبح فيحمل ذلك على الجنين الذي يخرج من بطن أمه حيا، وذكاة ما أخرج حيا كذلك واجبة كذكاة الام.
ويقوى تأويل الشافعي وإن كنا قد بينا مخرج مذهبنا على تأويل أبي حنيفة أن لفظ الجنين مشتق من الاجتنان وهو الاستتار، وهو إنما يسمى بهذا الاسم في حال كونه في بطن أمه، وإذا ظهر زال عنه إستحقاق هذا الاسم على الحقيقة وسمي بذلك مجازا من حيث كان جنينا قبل حال ظهوره، فكيف يجوز أن يكون المراد أن الجنين إذا خرج حيا ذكي كما تذكى أمه وهو لا يستحق هذا الاسم بعخروجه.
فالاشبه أن يكون المراد أن ذكاة أمه يتعدى إليه في الحكم وهو جنين في البطن، ومن وجه آخر وهو أن تخصيص الام بالذكر لا بد له من فائدة، وإذا حمل على أن ذكاتها ذكاة لجنينها أفاد هذا التخصيص، وإذا حمل على أن المراد أن الجنين يذبح إذا خرج حيا كما يفعل بأمه لم يفد هذا التخصيص بالام، لان غير الام من الذبايح كلها كالام في هذا المعنى فلا معنى للتخصيص.
فان قيل: قد روى هذا الخبر بالنصب ومع النصب لا بد من التشبيه فكأنه قال: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما أسقط الكاف تعدى الفعل إلى لفظ ذكاة فانتصب.
قلنا: قد بينا أن حمل الخبر على التشبيه يخرج على مذهبنا فما علينا في النصب إلا مثل ما علينا بالرفع، على أن أصحاب الشافعي قد أجابوا عن رواية النصب بعد أن دفعوا ظهورها واشتهارها ومساواتها للرواية بالرفع بأن قالوا: أن النصب يمكن أن يكون وجهه ان التقدير فيه ذكاة الجنين، بذكاة أمه أو في ذكاة أمه، فلما أسقط حرف الجر وجب النصب فلم يخلص النصب للتشبيه على كل حال.
فأما الخبر الآخر الذي يتضمن كلوا إن شئتم فالحمل على الجنين الذي قد تكامل وأشعر وأوبر ويترك عموم الظاهر بالادلة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية تحريم أكل الطحال والقضيب والخصيتين والرحم والمثانة، ويكرهون الكليتين، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والدليل على صحة ما ذهبوا إليه الاجماع الذي يتردد، وإن شئت أن تبني هذه المسألة على بعض المسائل المتقدمة التي عليها دليل ظاهر، وأن أحدا من الامة ما فرق بين المسألتين.
[مسائل الاشربة]
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بتحريم الفقاع وأنه جار مجرى الخمر في جميع الاحكام من حد شاربها ورد شهادته وفي نجاستها، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والدلالة الاجماع المتردد وإن شئت أن تبني هذه المسألة على بعض ما تقدم من المسائل التي فيها ظاهر كتاب الله فعلت، ومما يعارض به المخالفون ما رووه عن ثقاتهم ورجالهم من تحريم الفقاع لان الذى ترويه الشيعة ويختص به من الروايات في هذا الباب يمكنهم أن يقولوا: انا لا نعرف هؤلاء ولا نثق برواتها.
فمن ذلك ما رواه أبوعبيد القاسم بن سلام قال حدثنا أبوالاسود عن ابن لهيعة عن دراج أبي السمح، وروى الساجي صاحب كتاب اختلاف الفقهاء، قال حدثنا سليمان بن داود، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه، وإجتمعا على أن دراجا قال أن عمر بن الحكم حدثنا عن أم حبيبة زوجة النبيصلىاللهعليهوآله أن ناسا من أهل اليمن قدموا على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، فقالوا يا رسول الله أن لنا شرابا نعمله من القمح والشعير، فقال " ع ": الغبيرا؟ فقالوا: نعم، قالصلىاللهعليهوآله : لا تطعموه، قال الساجي في حديثه قال " ع " ذلك ثلاثا.
وقال ابوعبيد القاسم بن سلام لما كان بعد يومين ذكروها لهعليهالسلام فقال: الغبيرا؟ قالوا: نعم قالعليهالسلام : لا تطعموها، ثم لما أرادوا أن ينطلقوا سألوهعليهالسلام أيضا، فقال: الغبيراء؟ قالوا: نعم، قال لا تطعموها قالوا: فانهم لا يدعونه، فقال " ع " ومن لم يتركها فاضربوا عنقه.
وروى أبوعبيد أيضا، عن ابن أبي مريم، عن محمد بن جعفر عن زيد بن أسلم، عن عطا بن يسار أن النبيصلىاللهعليهوآله سئل عن الغبيرا: فنهى عنها وقال: لا خير فيها.
وقال زيد بن أسلم والاسكركة هي، وهذا الاسم يخص الفقاع به، يعني الاسكركة في لغة العرب.
قال ابن الرومي وهو ممن لا يطعن عليه في علم اللغة العربية، وكان مشهورا بالتقدم فيها.
ويروى عنه أنه قال لبعض رواته: وقد عمل ابن الرومي قصيدته التي مدح بها أبا العباس ثعلب، فأن رد عليك شيئا من الاعراب فيها فألقني به، وإن رد عليك شيئا من اللغة فلا ولا كرامة ولا يجاسر مع أبي العباس ثعلب
على هذا القول إلا متقدم أو متناه في علم اللغة.
وأبيات ابن الرومي:
اسقني الاسكركة الصنبر في جعصلقونه * واجعل القيحن فيها يا خليلي بغصونه
انها مصفاه أعلاه ومسك لبطونه وأراد بالاسكركة الفقاع، والجعصلقون الكوز الذي يشرب فيه الفقاع والصنبر البارد، والقيحن الشراب.
وقد روى أصحاب الحديث من طرق معروفة، أن قوما من العرب سألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الشراب المتخذ من القمح، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أيسكر؟ قالوا: نعم، فقال"ع": لا تقربوه، ولم يسأل " ع " في الشراب المتخذ من الشعير عن الاسكار بل حرم ذلك على الاطلاق، وحرم الشراب الآخر إذا كان مسكرا، فدل ذلك على أن الغبيرا محرمة بعينها كالخمر.
وقد روى أصحاب الحديث من العامة في كتبهم المشهورة أن عبدالله الاشجعي كان يكره الفقاع.
وقال أحمد بن حنبل: وكان ابن المبارك يكرهه.
وقال أحمد حدثنا أبوعبدالله المدائني قال: كان مالك بن أنس يكره الفقاع، ويكره أن يباع في الاسواق، وكان يزيد بن هارون يكرهه.
وقال أحمد: حدثنا عبدالجبار بن محمد الخطابي عن ضمرة قال: الغبيرا هي التي نهى النبيصلىاللهعليهوآله عنها الفقاع.
وقال أبوهاشم الواسطي: الفقاع نبيذ الشعير، فإذا نش فهو خمر.
وقال زيد بن أسلم: الغبيرا التي نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عنها هي الاسكركة وقال أبوموسى: الاسكركة خمر الحبشة.
وإذا كانت هذه رواياتهم وأقوال شيوخهم ومتقدمي أصحاب حديثهم فما المانع لهم من تحريم الفقاع وهم يقبلون من أخبار الآحاد ما هو أضعف مما ذكرناه، وكيف يستحسنون الشناعة على الامامية في تحريم الفقاع، ومالك بن أنس وهو شيخ الفقهاء وأصحاب الحديث ينهى عنه وعن بيعه.
وكذلك ابن المبارك،
ويزيد بن هارون وهما شيخا أصحاب الحديث، ولولا العصبية وإتباع الهوى نعوذ بالله منهما.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الخمر محرمة على لسان كل نبي وفي كل كتاب نزل، وأن تحريمها لم يكن متجددا، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أنها متجددة التحريم.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة فأنهم لا يختلفون فيما ذكرناه ولك أيضا أن تبني هذه المسألة على بعض المسائل المتقدمة التي فيها ظاهر الكتاب أو ما أشبهه، ونبين لك أن أحدا من المسلمين ما فرق بين المسألتين، وأن التفرقة بينهما خلاف الاجماع.
فان عورضنا بما يروونه من الاخبار الواردة في تجديد تحريم الخمر وذكر أسباد تحريمها فجوابنا عن ذلك أن جميع ما روي في تجديد تحريمها أخبار آحاد ضعيفة لا توجب علما ولا عملا ولا يترك ما ذكرناه من الادلة القاطعة بمثل هذه الاخبار.
فأما ما يدعيه اليهود والنصارى من تحليل أنبيائهم لها فكذب منهم عليهم كما كذبوا على أنبيائهم في كل شئ كذبهم المسلمون فيه، ولا حجة فيما يدعيه هؤلاء المبطلون المعروفون بالكذب.
(مسألة) وعند الامامية إذا إنقلبت الخمر خلا بنفسها أو بفعل آدمي إذا طرح فيها ما ينقلب فيه إلى الخل حلت.
وخالف الشافعي ومالك في ذلك وأبوحنيفة يوافق الامامية فيما حكيناه، إلا أنه يزيد عليهم فيقول فيمن ألقى خمرا في خل فغلب عليها حتى لا يوجد طعم الخمر أنه بذلك يحل، وعند الامامية أن ذلك لا يجوز، ومتى لم ينقلب الخمر إلى الخل لم يحل فكأنهم إنفردوا من أبي حنيفة بأنهم إمتنعوا مما أجازه على بعض الوجوه وإن وافقوه على انقلاب الخمر إلى الخل، فجاز لذلك ذكره هذه المسألة في الانفرادات، دليلنا بعد الاجماع المتردد أن التحريم إنما يتناول ما هو خمر وما إنقلب خلا فقد
خرج من أن يكون خمرا، ولانه لا خلاف في إباحة الخل، وإسم الخل يتناول ما هو على صفة مخصوصة، ولا فرق بين أسباب حصوله عليها.
ويقال لاصحاب أبي حنيفة أي فرق بين غلبة الخل على الخمر في تحليلها وبين غلبة الماء عليها أو غيره من المايعات أو اجمادات حتى لا يوجد لها طعم ولا رائحة، فأن فرقوا بين الامرين بأن الخمر ينقلب إلى الخل ولا ينقلب إلى غيره من المايعات أو الجامدات.
قلنا: كلامنا فيها على الانقلاب.
والخمر إذا ألقيت في الخل الكثير فما إنقلبت في الحال إلى الخل بل عينها باقية.
وكذلك هي في الماء فما الفرق بين أن يلقى في ما ينقلب إليه وبين ما لا ينقلب إليه إذا كانت في الحال موجودة ولم تنقلب.
(مسألة) ومما يظن قبل التأمل إنفراد الامامية به القول بتحليل شرب أبوال الابل، وكلما أكل لحمه من البهائم أما للتداوي أو غيره، وقد وافق الامامية في ذلك مالك والثوري وزفر.
وقال محمد بن الحسن في البول خاصة مثل قولنا، وخالف في الروث، وقال أبوحنيفة وأبويوسف والشافعي: بول ما أكل لحمه نجس.
وروثه أيضا كنجاسة ذلك مما لا يؤكل لحمه.
والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتردد أن الاصل في ما يؤكل لحمه أو يشرب لبنه في العقل الاباحة، وعلى من ذهب إلى الحظر دليل شرعي ولن يوجد ذلك في بول ما يؤكل لحمه، لانهم إنما يعتمدون على أخبار آحاد وقد بينا أن أخبار الآحاد إذا سلمت من المعارضات والقدح لا يعمل بها في الشريعة، ثم أخبارهم هذه معارضة بأخبار يرويها ثقاتهم ورجالهم تتضمن الاباحة، وسيجيئ الكلام في تفصيل هذه الجملة.
وأيضا فان بول ما يؤكل لحمه طاهر غير نجس، وكل من قال بطهارته
جوز شربه، ولا أحد يذهب إلى طهارته والمنع من شربه.
والذي يدل على طهارته أن الاصل الطهارة والنجاسة هي التي يحتاج فيها إلى دليل شرعي، ومن طلب ذلك لم يجده.
ومما يجوز أن يعارض به مخالفونا في هذه المسألة ما يروونه عن البراء بن عازب عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله.
وما يروونه أيضا عن حميد عن أنس أن قوما من عرينة قدموا على النبيصلىاللهعليهوآله المدينة فأستوخموها فانتفخت أجوا فهم، فبعثهم النبيصلىاللهعليهوآله إلى لقاح الصدقة ليشربوا من أبوالها.
وأيضا فان النبيصلىاللهعليهوآله طاف بالبيت راكبا على راحلته في جميع الروايات ويد الراحلة ورجلاها لا يخلو من بولها وروثها أيضا، هذا هو الاغلب الاظهر فلو كان ذلك نجسا لنزه النبيصلىاللهعليهوآله المسجد عنه.
فان قيل قولهصلىاللهعليهوآله : لا بأس به لا يدل على الطهارة وإنما يقتضي خفة حكمه عن غيره، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال مثل هذه اللفظة فيما لا شبهة في طهارته وإباحته، قلنا: لا يجوز أن نحمل هذه اللفظة إلا على الطهارة والاباحة، لان أهل الشريعة ما جرت عادتهم بأن يقولوا فيما حظره ثابت أنه لا بأس به، على أن بعض النجاسات قد تكون أخف حكما من بعض، ولا يقال فيه لا بأس، وإنما يجوز أن لا تدخل هذه اللفظة في المجمع على طهارته وإباحته، لان العادة جرت بدخولها فيما هو مباح طاهر على اختلاف فيه ودخول شبهة في حكمه.
فان قالوا في حديث العرنيين أنهعليهالسلام إنما أباحهم شرب أبوال الابل في حال الضرورة وعلى سبيل التداوي كما تحل الميتة مع الضرورة، قلنا: لو كان في حال المرض يبيح الابوال لاباحها في أوقاتنا هذه، وأبوحنيفة يمنع من ذلك وإما يجيزه أبويوسف والشافعي، وإذا بطل إعتراض أبي حنيفة
فالذي يبطل إعتراض أبي يوسف والشافعي وجهان: أحدهما أن النبيصلىاللهعليهوآله لو كان أباح ذلك لضرورة لوقف عليه وبين إختصاصه بالضرورة، والوجه الثاني ما روي عنهصلىاللهعليهوآله من قوله أن الله لم يجعل شفاكم فيما حرم عليكم ولهذا الذي ذكرناه تأول قوله تعالى: (فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)، على أن المنافع هاهنا هي في المكاسب، فان قالوا: ما أبيح في حال الاضطرار ولم يتناوله هذا الخبر الذي رويتموه، لانه إنما يقتضي نفي الشفاء عما تحريمه ثابت، وما تدعو إليه الضرورة لا يكون حراما بل مباحا.
قلنا: الظاهر يقتضي نفي الشفاء عما حرم في سائر الاوقات، وتخفيف التحريم في حالة دون أخرى عدول عن الظاهر.
فان قيل: معنى الخبر أن شفاؤكم ليسبمقصور على المحرمات بل في المباحات لكم مندوحة، قلنا: هذا أيضا تخصيص للخبر وعدول عن ظاهره.
فان إحتج علينا مخالفونا في نجاسة البول بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: إنما يغسل الثوب من البول والدم والمني، وأنه عام في سائر الابوال وما يؤمر بغسله وجوبا لا يكون إلا نجسا، وما هو نجس لا يجوز شربه.
وبما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه مر بقبرين فقال: أنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما كان يمشي في النميمة، وأما الآخر فكان لا يستبري من البول، وهذا عام في جميع الابوال، وبما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله استبرؤا من البول، فان عامة عذاب القبر منه، فيقال لهم: قد مضى ان أخبار الآحاد ليست بحجة في الشريعة إذا خلت من المعارضات، ثم أخبارهم هذه معارضة بما يروونه من طرقهم وقد ذكره بعضهم.
وأما ما نرويه نحن من طرقنا مما لا يحصى كثرة، وإذا سلمنا هذه
الاخبار ولم نعارضها بما يسقط الاحتجاج بها كان لنا أن نحمل الخبر الاول علما هو نجس من الابوال كبول الانسان وبول ما لا يؤكل لحمه، ووجب هذا التخصيص لمكان الادلة التي ذكرناها.
والشافعي لا يمكنه الاستدلال بهذا الخبر، لانه لا يوجب غسل المني، لانه عنده طاهر، ولا بد له أيضا من تخصيص لفظة البول، لانه(١) يرى أن بول الرضيع لا يجب غسله.
وأما أبوحنيفة فلا بد له من تخصيص أيضا، وحمله على الدم والبول الكثيرين، لانه لا يوجب غسل القليل منهما، لانه يرى أن بول الرضيع طاهر، ويعدل عن ظاهره أيضا في المني، لانه لا يوجب غسله، وإنما يوجب فركه، وقد أجمعنا كلنا على تخصيص هذا الخبر.
ويقال لهم في الخبر الثاني قد روي هذا الخبر على خلاف ما حكيتم لانه روي أنه كان لايتنزه من بوله.
وروي أيضا أنه كان لا يستبري من البول يختص ببوله لا بول غيره، وليس لهم أن يخالفوا في ذلك، فيقولون أن الاستبراء هو التباعد، وقد يلزمه التباعد والتنزه عن بوله وبول غيره، ولهذا يقال إستبرأت الامة إذا تباعدت عنها لتعرف براءة رحمها، وذلك أن الاستبراء معتبر فيه بأصل وضع اللغة إذا كان في عرف الشرع قد إستقر على فائدة مخصوصة، فقد علمنا أن القائل إذا قال: فلان لا يستبري من البول أو إستبرأ من البول لا يفهم عنه إلا بوله دون بول غيره، على أن ظاهر الخبر لو كان عاما على ما رووه لوجب تخصيصه بالادلة التي ذكرناها على أن في هذا الخبر ما يقتضي الاختصاص ببول ما لا يؤكل لحمه، لانه تتضمن الوعيد وذكر العذاب.
____________________
(١) لانه لايرى خ ل.
وعند من خالفنا أن مسائل الاجتهاد لا يستحق فيها الوعيد، فان قالوا لم يلحق الوعيد من حيث لم يتنزه فقط بل من حيث لم يتنزه عن البول مع إعتقاده نجاسته، ومن فعل ذلك يلحقه الوعيد لا محالة، قلنا: هذا عدول عن الظاهر، وبعد فهذا التأويل يسقط إستدلالكم بالخبر، لان تقدير الكلام على هذا التأويل أنه يعذب، لانه كان لا يتنزه عن البول مع إعتقاد نجاسته وهذا لا يدل على نجاسة كل بول، وإنما يدل على خطأ من أقدم على ما يعتقد قبحه ولم يجتنب ما يعتقد نجاسته، لان الفاعل كذلك في حكم من فعل القبيح، فأين دليلكم على نجاسة جميع الابوال وهو المقصود في المسألة على أن في الخبر اختلالا ظاهرا، لانه متضمن أنهما يعذبان وما يعذبان على كبير وذلك كالمتناقض، لان العذاب لا يكون إلا على الكبائر وما ليس بكبير فلا عذاب على فاعله عند من جعل في المعاصي كبائر وصغائر من غير إضافة، ولا يصح أيضا على مذهب القائلين بالارجاء، لانهم يعتقدون أن جميع المعاصي كبائر، وأنه يستحق العذاب على كل شي ء منها، ومن ذهب إلى هذا المذهب لاينفي اسم الكبير عن شئ من المعاصي، وإنما يقول على سبيل الاضافة هذه المعصية أصغر من تلك، وأما مع الافراد بالذكر، فالكل عنده كبائر.
وأما الخبر الاخير الذي تعلقوا به فكلامنا عليه كالكلام في الخبر الذي تقدمه بلا فصل فلا معنى لاعادته.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أنه يجوز لبس الثوب الحرير إذا كان في خلله شئ من القطن أو الكتان وإن لم يكن غالبا، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهب أبوحنيفة وأصحابه إلى جواز لبس الحرير إذا كان سداه أو اللحمة من القطن أو الكتان ولم يجزه إذا كانت اللحمة أكثر.
وحكى الطحاوي عن الشافعي أنه أباح لبس قباء محشو بقز، قال لان القز باطن.
والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتردد أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إنما نهى عن لبس الحرير، وهذا الاسم إنما يتناول ما كان محضا دون
ما إختلط بغيره، والثوب الذي فيه قطن أو كتان ليس بحرير محض، فجاز لبسه والصلاة فيه.
وإذا ذهبوا إلى أن الثوب الذي لحمته قطن وسداه حرير يجوز لبسه، لانه ليس بحرير محض، وكذلك ما كان بعضه قطنا وإن لم يكن جميع اللحمة فان قيل: هذا يقتضي أنه لو كان في الثوب خيط واحد من قطن أو كتان جاز لبسه، قلنا: ظاهر النهي عن لبس الحرير المحض يقتضي ذلك إلا أن يمنع منه مانع غيره، والاولى أن يكون الخيط أو الخيطان غير معتد بهما ولا أثر لمثلهما، فأما إذا كان معتدا لمثله مثل أن يكون له نسبة إلى الثوب كخمس أو سدس أو عشر فأنه يخرجه من أن يكون محضا.
والعجب كله من قول الشافعي: في حشو القباء الحرير المحض الذي يتناوله بلا شبهة نهى النبيصلىاللهعليهوآله ، وأي تأثير لكون الحشو باطنا غير ظاهرا، ولا يرى أنه بطانة الجبة إذا كانت حريرا محضا لم يجز لبسها، وإن كانت البطانة لا تظهر للعين كظهور الظهارة هذا بعد شديد.
(مسألة) ومما كانت الامامية منفردة به أن جلود الميتة من جميع الحيوان لا تطهر بالدباغ، وقد وردت لهم رواية ضعيفة بجواز اتخاذ جلود الميتة ما لم يكن كلبا أو خنزيرا بعد الدباغ آنية، وإن كانت الصلاة فيها لا تجوز، والمعول على الاول.
وخالف الشيعة جميع الفقهاء إلا أحمد بن حنبل فقد حكى عنه أن الميتة لا تطهر بالدباغ، دليلنا بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة)، والتحريم يجب أن يتناول كل بعض من أبعاض الميتة حلته الحياة ثم فارقته، والجلد بهذه الصفة بعد الدباغ وقبله فيجب أن يحرم الانتفاع به بعد الدباغ، لان اسم الميتة يتناوله.
ومما يجوز أن يذكر على سبيل المعارضة لهم ما رووه وسطروه في كتبهم عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب، وعموم هذا الخبر يقتضي تحريم الانتفاع بهذا بعد الدباغ.
وقول بعضهم أن اسم الاهاب يختص بالجلد قبل الدباغ ولا يستحقه بعده غلط مفحش، لان الاهاب إسم للجلد في الحالين وغير مختص بأحدهما.
ولو جاز أن يدعى في الاهاب إختصاص جاز أن يدعى في الجلد مثل ذلك، فان إعترضوا بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله وقد سئل عن جلود الميتة فقالصلىاللهعليهوآله : دباغها طهورها.
وفي خبر آخر أيما إهاب دبغ فقد طهر كان جوابنا أن هذه أخبار آحاد لا يعمل بها في الشريعة، ثم بازائها ما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من النهي عن ذلك، وما رويناه من الاخبار التي لاتحصى في هذا المعنى، ولو لم يبطل هذين الخبرين إلا ظاهر القرآن لكفى، وقد يجوز أن يحمل الخبران على الخصوص وأن يريد بقولهصلىاللهعليهوآله أيما إهاب دبغ فقد طهر المذكى دون الميت.
[مسائل البيوع والربا والصرف]
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن الخيار يثبت للمتبايعين في بيع الحيوان خاصة ثلاثة أيام وإن لم يشترط.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أن الحيوان كغيره لا يثبت فيه الخيار إلا بأن يشترط، دليلنا الاجماع المتردد.
ويمكن أيضا أن يكون الوجه في ثبوت هذا الخيار في الحيوان، خاصة أن العيوب فيه أخفى والتغابن فيه أقوى، ففسخ فيه ولم يفسخ في غيره.
وليس للمخالف أن يقول: كيف يثبت بين المتبايعين خيار من غير أن يشترطاه
وذلك أنه إذاجاز أن يثبت خيار المجلس من غير اشتراط جاز أيضا أن يثبت الخيار الذي ذكرناه وإن لم يشرط.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به وفيه موافق القول بأن للمتبايعين أن يشترطا من الخيار أكثر من ثلاثة أيام بعد أن يكون مدة محدودة، ووافقهم في ذلك ابن أبي ليلى ومحمد وأبويوسف والاوزاعي وجوزوا أن يكون الخيار شهرا أو أكثر كالاجل.
وقال مالك: يجوز على حسب ما تدعو الحاجة إليه في الوقوف على المبيع وتأمل حاله.
وحكى عن الحسن بن حي أنه قال: إذا اشترى الرجل الشئ فقال له البايع: اذهب فأنت فيه بالخيار فهو بالخيار أبدا حتى يقول: قد رضيت.
وذهب أبوحنيفة وزفر إلى أنه لا يجوز أن يشرط الخيار أكثر من ثلاث، فان فعل فسد البيع وهو قول الشافعي.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد.
وأيضا فأن خيار الشرط إنما وضع لتأمل حال المبيع، وقد تختلف أحوال تأمله في الطول والقصر فجاز أن يزيد على الثلاث كما جاز أن ينقص عنها، ولا يلزم على ذلك أن يثبت بلا انقطاع، لان ذلك نقيض الغرض بالبيع، فان اعترض المخالف بما يرويه عن النبيصلىاللهعليهوآله من أنه قال: الخيار ثلاثة أيام، فالجواب عن ذلك أن هذا خبر واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يعمل عليها في الشريعة وبأزائه الاخبار الواردة بجواز الخيار أكثر من ثلاثة أيام، ولان قولهصلىاللهعليهوآله الخيار ثلاثة أيام لا يمنع من زيادة عليها، كما لم يمنع من نقصان عنها في البيوع، فإذا قيل زيادة خيار الشرط على الثلاثة غرر، ودخول الغرر في البيوع يفسدها، قلنا: وثبوته في الثلاثة أيضا غرر، لانه لا يدري في هذه المدة أيحصل له البيع أو لا يحصل، ومع ذلك فقد جاز البيع مع ثبوت هذا الغرر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بجواز شراء العبد الآبق مع غيره، ولا يشتري وحده إلا إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أنه لايجوز بيع الآبق على كل حال إلا ما روي عن عثمان البستي أنه قال: لا بأس ببيع الآبق والبعير الشارد وإن هلك فهو من مال المشتري، وهذا كالموافقة للامامية، إلا أنه لم يشترط أن يكون معه في الصفقة غيره كما شرطت الامامية.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر، ومعول مخالفينا في منع بيعه على أنه بيع غرر، وأن نبيناصلىاللهعليهوآله نهى عن بيع الغرر، وربما عولوا على أنه مبيع غير مقدور على تسليمه فلا يصح بيعه كالسمك في ا لماء والطير في الهواء، وهذا ليس بصحيح، لان هذا البيع يخرجه من أن يكون غررا لانضمام غيره إليه، كبيع الثمرة الموجودة بعضها، والمتوقع وجود باقيها، وهذا هو الجواب عن قياسهم، وإن كنا قد بينا أن القياس لا مدخل له في الشريعة، لانه لا يمكن تسليم جميع الثمرة التي وقع عليها العقد في وقت الصفقة وإن كان العقد جايزا.
فان قيل: نحن نخالف في ذلك، ولا نجوز أن نبيع ثمرة معدومة مع موجودة، قلنا: أما مالك فأنه يوافقنا على هذا الموضع، وحجتنا على من خالفنا فيه أنه لا خلاف في أن طلع النخلة التي لم يؤبر داخل في المبيع معها، وإن كان في الحال معدوما فكيف يجوز أن يدعي أن بيع معدوم وموجود لا يجوز.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بتحريم بيع الفقاع وابتياعه، وكل الفقهاء يخالفون في ذلك، وقد روي عن مالك كراهية بيع الفقاع، دليلنا الاجماع المتردد.
وأيضا إن شئت تبنى هذه المسألة على تحريمه، فنقول: قد ثبت
حظر شربه، وكل من حظر شربه حظر إبتياعه وبيعه، والتفرقة بين الامرين خروج عن إجماع الامة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن من إبتاع شيئا معينا بثمن معين ولم يقبضه ولا قبض ثمنه وفارقه البايع بعد العقد ليمضي وينقده الثمن فالمتباع أحق به ما بينه وبين ثلاثة أيام، فان مضت الثلاثة أيام ولم يحضر المبتاع الثمن كان البايع بالخيار إن شاء فسخ البيع وباعه من غيره، وإن شاء طالبه بالثمن على التعجيل والوفاء، وليس للمبتاع على البايع في ذلك خيار فان هلك المبيع في مدة الايام الثلاثة كان من مال المبتاع دون البايع فان هلك بعد الثلاثة أيام كان من مال البايع.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يقل أحد منهم بالترتيب الذي رتبناه.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وإنما قلنا: أن المبتاع أحق به ما بينه وبين ثلاثة أيام، لانه بالابتياع وإشتراط أن ينقد الثمن الذي مضى في إحضاره قد ملك وعليه تعجيل الثمن، فإذا لم يحضره في هذه المدة المضروبة فكأنه رجع عن الابتياع ولم يف بالشرط الذي شرطه من تعجيل الثمن، وصار البايع بالخيار، إن شاء فسخ، وإن شاء طالب بالثمن وإنما جعلنا المبيع إذا هلك في الايام الثلاثة من مال المبتاع، لان العقد قد ثبت بينهما.
وقد حكى عن مالك أنه كان يقول في الدابة إذا حبسها البايع حتى يقبض الثمن فهلكت فهي من مال المشتري وذلك إن كان بيعا على النقد، فان كان على غير النقد فهو من مال البايع وهو موافق للامامية من بعض الوجوه، وقد قلنا أنه إن هلك بعد الثلاثة أيام كان من مال البايع لانه بتأخير الثمن عنه قد صار أملك به وأحق بالتصرف فيه فأن هلك فمن ماله.
(مسأله) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من إبتاع شيئا وشرط الخيار ولم يسم وقتا ولا أجلا مخصوصا بل أطلقه إطلاقا فان له الخيار ما بينه وبين ثلاثة أيام ثم لا خيار له بعد ذلك، وباقي الفقهاء يخالفونهم في ذلك لان أبا حنيفة يذهب إلى أنه إذا شرط الخيار إلى غير مدة معلومة فالبيع فاسد فان أجازه في الثلاثة جاز عند أبي حنيفة خاصة، وإن لم يجزه حتى مضت الثلاثة أيام لم يكن له أن يجيزه.
وقال أبويوسف ومحمد: له أن يجيز بعد الثلاثة، وقال مالك إن لم يجعل للخيار وقتا معلوما جاز وجعل له من الخيار مثل ما يكون في تلك الساعة، وقال الحسن بن صالح بن حي: إذا لم يعين أجل الخيار كان له الخيار أبدا، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر.
ويمكن أن نقول الوجه مع إطلاق الخيار في صرفه إلى ثلاثة أيام أن هذه المدة هي المعهودة المعروفة في الشريعة، لان يصرف الخيار فيها، والكلام إذا أطلق وجب حمله على المعهود المألوف فيه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من إبتاع أمة فوجد بها عيبا ما عرفه من قبل بعد أن وطئها لم يكن له ردها، وكان له أرش العيب، إلا أن يكون عيبها من حبل فله ردها مع الوطي، ويرد معها إذا وطئها نصف عشر قيمتها.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فذهب الشافعي إلى أنه إذا إبتاع أمة ثيبا فوطئها ثم أصاب بها عيبا فله ردها ولا مهر عليه.
وقال ابن أبي ليلى: يردها بالعيب ويرد معها المهر لاجل الوطي، وقد روي ذلك عن عمر، وذهب الزهري والثوري وأبوحنيفة وأصحابه إلى أنه لا يملك الرد بالعيب، بل يمسكها ويأخذ الارش، وإنفراد الامامية بالقول الذي ذكرناه ظاهر.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد وليس يجري وطي الثيب
مجرى وطي البكر، لان وطى البكر فيه إتلاف لجزء منها، وليس كذلك الثيب، ويمكن أن يكون الفرق بين الحمل وغيره من العيوب أن الحمل أفحش العيوب وأعظمها، فجاز أن يتغلظ حكمه على باقي العيوب.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به وقد وافقها فيه غيرها القول بجواز بيع الانسان الشاة أو البعير ويشترط رأسه أو جلده أو عضوا من أعضائه، وروى ابن وهب عن مالك القول بجواز أن يستثنى جلدها وهو موافقة للامامية وروى ابن القاسم عن مالك أنه إذا باع شاة فاستثنى منها ثلثا أو ربعا أو نصفا أو فخذا أو كبدا أو صوفا أو شعرا أو كراعا فانه إن إستثنى ثلثا أو ربعا أو نصفا فلا بأس بذلك، وإن إستثنى جلدا أو رأسا، فان كان مسافرا فلا بأس به، وإن كان حاضرا فلا خير فيه، وهذه الرواية أيضا موافقة للامامية في السفر فلسنا نعرف فرقا بين السفر والحضر في هذا الموضع.
وقال أبوحنيفة وأصحابه: لا يجوز ذلك البتة وهو قول الثوري.
وقال الشافعي: لا يجوز أن يبيع الرجل الشاة ويستثني منها جلدا ولا غيره في سفر ولا حضر، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، ولان هذا العقد يقع عليه اسم البيع باستثنائه فيجب أن يدخل في عموم قوله تعالى: (وأحل الله البيع) وليس يمكن أن يدعى في ذلك جهالة فان الاعضاء متميزة منفردة من غيرها وليس يجري مجرى غيرهما مما يقع فيه الاشتراك والاختلاط.
(مسألة) في الربا: ومما إنفردت به الامامية القول: بأنه لا ربا بين الولد ووالده، ولا بين الزوج وزوجته، ولا بين الذمي والمسلم ولا بين العبد ومولاه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك فأثبتوا الربا بين كل من عددناه، وقد كتبت قديما في جواب مسائل وردت من الموصل تأولت الاخبار التي ترويها أصحابنا المتضمنة لنفي الربا بين من ذكرناه على أن المراد بذلك وإن كان لفظ الخبر بمعنى الامر كأنه قال: يجب أن لا يقع بين من ذكرناه ربا،
كما قال تعالى: (ومن دخله كان آمنا)، وكقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
وقولهعليهالسلام : العارية مردودة والزعيم غارم ومعنى ذلك كله معنى الامر أو النهي وإن كان بلفظ الخبر، وأما العبد وسيده فلا شبهة في نفي الربا بينهما، لان العبد لا يملك شيئا، والمال الذي في يده مال لسيده، ولا يدخل الربا بين الانسان ونفسه، ولهذا ذهب أصحابنا إلى أن العبد إذا كان لمولاه شريك فيه حرم الربا بينه وبينه.
وإعتمدنا في نصرة هذا المذهب على عموم ظاهر القرآن، وأن الله تعالى حرم الربا على كل متعاقدين، وقوله تعالى: (ولا تأكلوا الربا)، وهذا الظاهر يدخل تحته الوالد وولده، والزوج والزوجة.
ثم لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب لاني وجدت أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين من ذكرناه وغير مختلفين فيه في وقت من الاوقات، وإجماع هذه الطائفة قد ثبت أنه حجة، ويخص بمثله ظاهر القرآن، والصحيح نفي الربا بين من ذكرناه.
وإذا كان الربا حكما شرعيا جاز أن يثبت في موضع دون آخر كما يثبت في جنس دون جنس وعلى وجه دون وجه، فإذا دلت الادلة على تخصيص من ذكرناه وجب القول بموجب الدليل.
ومما يمكن أن يعارض ظاهر من ظواهر الكتاب أن الله تعالى قد أمر بالاحسان والانعام، مضافا إلى ما دلت عليه العقول من ذلك، وحد الاحسان إيصال النفع على وجه الاستحقاق إلى الغير مع القصد إلى كونه إحسانا، ومعنى الاحسان ثابت فيمن أخذ من غيره درهما بدرهمين، لان من أعطى الكثير بالقليل وقصد به إلى نفعه فيه فهو محسن إليه، وإنما أخرجنا من عدا من إستثنيناه من الوالد وولده والزوج والزوجة بدليل قاهر تركنا له الظواهر
وهذا ليس مع المخالف في المسائل التي خالفنا فيها، فظاهر أمر الله تعالى بالاحسان في القرآن في مواضع كثيرة كقوله: (وأحسن كما أحسن الله إليك) وقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) معارض للآيات التي ظاهرها عام في تحريم الربا، فإذا قالوا بتخصيص آيات الاحسان لاجل آيات الربا، قلنا: ما الفرق بينكم وبين من خصص آيات الربا بعموم آيات الامر بالاحسان وهذه طريقة إذا سلكت كانت قوية.
(مسألة) في الصرف: ومما إنفردت به الامامية القول بجواز إبتياع الانسان من غيره متاعا أو غيره نقدا أو نسية معا على أن يسلف البايع شيئا أو يقرضه مالا إلى أجل أو يستقرض منه، وأنكر ذلك باقي الفقهاء وحظروه ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، ولان الله تعالى أحل البيع بالاطلاق، وهذا البيع الذي أشرنا إليه داخل في جملة الظاهر، والقرض أيضا جايز، وإشتراطه في عقد البيع غير مفسد له ولسنا ندري من أي جهة حظر المخالفون ذلك وإنما يرجعون إلى الظنون و الحسبان التي لا يرجع في الشرع إلى مثلها، ولا خلاف بينهم في أنه لو لم يشترط القرض عند عقد البيع، ثم رأى بعد ذلك أن يقرضه ذلك كان جائزا، وأي فرق بين أن يشرطه أو لا يشرطه.
(مسألة) فيه أيضا: ومما إنفردت به الامامية القول: بأنه يجوز أن يكون للانسان على غيره مال مؤجل فيتفقان على تعجيله بأن ينقصه من مبلغه ولا يشبه ذلك تأخير الاموال عن آجالها بزيادة فيها لان ذلك محظور لا محالة وخالفهم باقي الفقهاء في ذلك وسووا بين الامرين في التحريم، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره.
وأيضا فان تصرف الانسان فيما يملكه مباح بالعقل والشرع، وقد علمنا أن الدين المؤجل له مالك يصح تصرفه فيه فيجوز أن ينقص منه
كما يجوز له الابراء منه ومن عليه أيضا هذا الدين هو مالك للتصرف في ماله فله أن يقدمه، كما له أن يؤخره إلى أجله، ولا خلاف في أنه لو قبض بعضه وأبرءه من الباقي من غير إشتراط لكان ذلك جائزا، وأي فرق في جواز ذلك بين الاشتراط ونفيه.
[مسائل الشفعة]
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية إثباتهم حق الشفعة في كل شئ من المبيعات من عقار وضيعة ومتاع وعروض وحيوان كان(١) ذلك مما يحتمل القسمة أو لا يحتملها، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وأجمعوا على أنها لا تجب إلا في العقارات والارضين دون العروض والامتعة والحيوان، وقد روي عن مالك خاصة أنه قال: إذا كان طعام أو بر بين شريكين فباع أحدهما حقه أن لشريكه الشفعة، ثم اختلف أبوحنيفة والشافعي فقال أبوحنيفة تجب الشفعة فيما يحتمل القسمة، ولا ضرر في قسمته وفيما لا يحتملها، وأسقط الشافعي الشفعة عما لا يحتمل القسمة ويلحق الضرر بقسمته، دليلنا على صحة مذهبنا إجماع الامامية على ذلك فانهم لا يختلفون فيه، ويمكن أن يعارض المخالفون في هذه المسألة بكل خبر.
وورد عن الرسولصلىاللهعليهوآله في إيجاب الشفعة مطلقا كروايتهم عنهعليهالسلام أنه قال: الشفعة فيما لم يقسم.
وأيضا ما رووه عنهصلىاللهعليهوآله من قول الشفعة في كل شئ والاخبار في ذلك كثيرة جدا، ومما يمكن أن يعارضوا به أن الشفعة عندكم
____________________
(١) كل ذلك مما يحتمل القسمة خ ل.
إنما وجبت لازالة الضرر عن الشفيع، وهذا المعنى موجود في جميع المبيعات من الامتعة والحيوان، فإذا قالوا: حق الشفعة إنما يجب خوفا من الضرر على طريق الدوام، وهذا المعنى لا يثبت إلا في الارضين والعقارات دون العروض، قلنا: في الامتعة ما يبقى على وجه الدهر مثل بقاء العقارات والارضين كالياقوت وما أشبههه من الحجارة والحديد فيدوم الاستضرار بالشركة فيه وأنتم لا توجبون فيه الشفعة.
وبعد فان إزالة الضرر الدائم أو المنقطع واجبة في العقل والشرع، وليس وجوب إزالتها مختصا بالمستمر دون المنقطع، فلوكان التأذي بالشركة في الفروض منقطعا على ما إدعيتم لكانت إزالته واجبة على كل حال، فأما علة الشافعي في وجوب الشفعة بما على الشريك من الضرر بأجرة القاسم متى طلب القسمة فينقض بالعروض، لان هذا المعنى ثابت فيها، وربما ضم إلى هذه العلة أن القسمة تؤدي إلى الضرر من حيث يحتاج الشريك إلى أن يحدث ميزابا في حصته ثانيا بعد أن كان واحدا.
وكذلك البالوعة وما أشبهها وهذا ليس بشئ، لان الشفعة قد تجب فيما لا يحتاج فيه إلى شئ من ذلك، كالعراص الخالية من أبنية والحصص التي متى قسمت كان في كل واحد منهما كل ما يحتاج إليه من ميزاب وبالوعة وغير ذلك فبطلت هذه العلة أيضا.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الشفعة إنما تجب إذا كانت الشركة بين إثنين، وإذا زاد العدد على الاثنين فلا شفعة، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وأوجبوا الشفعة بين الشركاء قل أو كثر عددهم، دليلنا على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة.
وأيضا فان حق الشفعة حكم شرعي والاصل إنتفاؤه، وإنما أوجبناه بين الشريكين لاجماع الامة فانتقلنا بهذا الاجماع عن حكم الاصل ولم ينقلنا فيما زاد على الاثنين بأقل فيجب أن يكون في ذلك على حكم الاصل، فان قيل
أليس قد وردت رواياتكم التي تختصون بها عن أئمتكمعليهمالسلام أن الشفعة تجب على عدد الرجال، وهذا يدل على أن الشفعة تثبت فيما زاد على الاثنين وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام أنه قال قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن، ولفظ الشركاء يقع على أكثر من إثنين، قلنا: هذه كلها أخبار آحاد وما لا يوجب علما من الاخبار ليس بحجة ولا تثبت به الاحكام الشرعية على ما بيناه في غير موضع، ويمكن تأويل ظواهر هذه الاخبار بأن يحمل قوله الشفعة على عدد الرجال أنها إنما تجب بالشركة وسواء زادت سهام أحد الشريكين على سهام الآخر أو نقصت فالمعتبر إنما هو بالشركاء لا بمبالغ سهامهم.
ويحمل لفظ الرجال على الشركاء في الاملاك الكثيرة لا في ملك واحد، ويجوز حمل هذه اللفظة على الشريكين في ملك واحد على أحد وجهين: أما على قول من يجعل أقل الجمع الاثنين أو على سبيل المجاز كما قال تعالى (فان كان له إخوة).
وتأويل الخبر الثاني داخل فيما ذكرناه، فأما الخبر الذي وجد في روايات أصحابنا أنه إذا سمح بعض الشركاء حقوقهم من الشفعة فأن لمن لم يسمح بحقه على قدر حقه فيمكن أن يكون تأويله أن الوارث لحق الشفعة إذا كانوا جماعة فأن الشفعة عندنا تورث متى سمح بعضهم بحقه كانت المطالبة لمن لم يسمح، وهذا لا يدل على أن الشفعة في الاصل تجب لاكثر من شريكين فان قيل: قد إدعيتم إجماع الامامية وابن الجنيد يخالف في هذه المسألة ويوجب الشفعة مع زيادة الشركاء على إثنين.
وأبوجعفر بن بابويه يوجب الشفعة في العقار فيما زاد على إثنين، وإنما يعتبر الاثنين في الحيوان خاصة على ما حكيتموه عنه في جواب مسائل أهل الموصل التسع الفقهية
قلنا: إجماع الامامية قد تقدم الرجلين فلا إعتبار بخلافهما، وقد بينا في مواضع من كتبنا أن خلاف الامامية أن تعين في واحد أو جماعة معروفة مشار إليها لم يقع به إعتبار.
(مسألة) ومما يظن إعتبار الامامية به القول: بأنه لا شفعة لكافر على مسلم، وأكثر الفقهاء يوجبون الشفعة للكافر، ولا يفرقون بينه وبين المسلم.
وقد حكي عن ابن حي أنه قال: لا شفعة للذمي في أمصار المسلمين التي إبتدأها المسلمون، لانهم لا يجوز له سكناها ولا تملكها ولهم الشفعة في القرى.
وإنفراد قول الامامية عن قول ابن حي باق، إلا أنه قد حكى عن الشعبي وأحمد بن حنبل أنهما أسقطا شفعة الذمي على المسلم، وهذه منهما موافقة للامامية.
والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتكرر ذكره قوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، ومعلوم أنه تعالى إنما أراد لا يستوون في الاحكام، والظاهر يقتضي العموم إلا ما أخرجه دليل قاهر.
فان قيل: أراد في النعيم والعذاب بدلالة قوله: (أصحاب الجنة هم الفائزون) قلنا: قد بينا في الكلام على أصول الفقه أن تخصيص إحدى الجملتين لايقتضي تخصيص الاخرى وإن كانت لها متعقبة.
ومما يمكن الاستدلال به أن الاصل إنتفاء الشفعة عن المبيعات، لان حكم الشفعة حكم شرعي، ولما يثبت حق الشفعة للمسلم على الكافر والكفار بعضهم على بعض أثبتناه بدليله وبقي الباقي على حكم الاصل.
ومما يمكن أن نعارض به مخالفينا في هذه المسألة ما رووه ووجد في كتبهم عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: لا شفعة لكافر، وفي خبر آخر لا شفعة لذمي على مسلم.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به أن حق الشفعة لا يسقط إلا بأن يصرح الشفيع بأسقاط حقه، ولايكون مسقطا بكفه في حال علمه عن الطلب، وهذا القول أحد أقوال الشافعي، لان له أقوالا أربعة: أحدها إن طلب الشفعة يجب على الفور، وثانيها أنه قد يثبت إلى ثلاثة أيام، وثالثها أنه يجب على التأبيد إلى أن يصرح بالعفو، وهذا وفاق للشيعة، ورابعها أنه ثابت إلى أن يعفو أو يعرض بالعفو.
وحكى أيضا عن شريك أنه قال: إذا علم فلم يطلب فهو أيضا على شفعته، وهذا أيضا موافقة للشيعة الامامية وباقي الفقهاء على خلاف ذلك، لان أبا حنيفة وأصحابه وابن حي يذهبون إلى أنه متى لم يطلبها مكانه بطلت شفعته، وقال الحسن بن زياد: إذا شهد أنه على شفعته ولم يقم بها ما بينه وبين أن تصل إلى القاضي فقد أبطل شفعته.
قال الحسن: وأما أبوحنيفة فقال ثلاثة أيام.
وروى محمد عن أبي حنيفة أنه على شفعته أبدا بعد الشهادة.
وقال محمد إذا تركها بعد الطلب شهرا بطلت وقال أبويوسف إذا أمكنه أن يطلب عند القاضي أو يأخذه فلم يفعل بطلت وقال ابن أبي ليلى إذا علم بالبيع فهو بالخيار ثلاثا.
وقال الشعبي يوما.
وقال البستي ثلاثا.
وقال مالك إذا علم بالشراء فلم يطلب حتى طال بطلت، والسنة ليست بكثيرة.
وله أن يأخذ وهذا في الحاضر، فأما الغايب فلا تبطل شفعته إذا لم يطلبها.
قال الثوري إذا لم يطلبها أياما بطلت شفعته، وذكر المعافى، عنه ثلاثة أيام.
وقال الاوزاعى والليث وعبدالله بن الحسن والشافعي إذا لم يطلب حتى علم بطلت.
وقد تقدم بياننا أقوال الشافعي المختلفة في هذه المسألة، وإن كان هذا القول الذي ذكرناه آنفا أظهرها.
وقال الشعبي: من بيعت شفعته وهو شاهد ولم ينكره فلا شفعة له.
والذي يدل على صحة مذهبنا الاجماع المتكرر، ويمكن أن يقوى ذلك بأن الحقوق في أصول الشريعة، وفي العقول أيضا لا تبطل بالامساك عن طلبها، وكيف خرج حق الشفعة عن أصول الاحكام العقلية والشرعية، ألا ترى أن من لم يطلب وديعته أو لم يطالب بدينه فان حقه ثابت لا يبطل بالتغافل عن الطلب، فإذا قالوا هذه حقوق غير متجددة وحق الشفعة متجددة قلنا: نفرضه متجددا، لان من حل له أجل دين فقد تجدد له حق ما كان مستمرا، ومع ذلك لو أخر المطالبة لم يبطل الحق.
وكذلك من مات وله قريب وإستحق في الحال ميراثه وعلم بذلك ثم لم يطالب بالميراث من هو في يده لم يبطل الحق، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى فان قيل: هذا الذي تذهبون إليه يؤدي إلى الاجحاف بالمشتري، لان المدة إذا تطاولت لم يتمكن المشتري من التصرف في المبيع وهدمه وبنيانه وتغييره لان الشفيع إذا طالبه بالشفعة أمره بإزالة ذلك، وهذا ضرر داخل على المشتري قلنا: يمكن أن يحترز المشتري من هذا الضرر بأن يعرض المبيع على الشفيع ويبذل تسليمه إليه فهو بين أمرين إما أن يتسلم أو يترك بشفعته فيزول الضرر عن المشتري بذلك، وإذا فرط فيما ذكرناه وتصرف من غير أن يفعل ما أشرنا إليه فهو المدخل للضرر على نفسه.
فان قيل: كيف تدعون أنه ليس في الاصول الشرعية حق يجب على الفور ويسقطه بالتأخير، وحق الرد بالعيب يجب على الفور ومتى تأخر بطل.
قلنا: المعنى في حق الرد بالعيب أنه ربما كان في تأخيره إبطال له من حيث تخفى إمارات العيب ولا تظهر فتقع الشبهة في وجود العيب فلزمت المبادرة إلى الرد لهذا المعنى وذلك غير موجود في حق الشفعة لانه يجب بعقد البيع وذلك مما لا يجوز أن يتغير ولا يخفى في وقت ويظهر في آخر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن لامام المسلمين وخلفائه
المطالبة بشفعة الوقوف التي ينظرون فيها على المساكين أوعلى المساجد ومصالح المسلمين، وكذلك كل ناظر بحق في وقف من وصي وولي أن يطالب بشفعته وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والدلالة على صحة مذهبنا الاجماع المتردد.
ويمكن أن يقال للمخالف على سبيل المعارضة له الشفعة إذا كانت إنما وجبت لدفع الضرر فأولى الاشياء بأن يدفع عنها الضرر حقوق الفقراء ووجوه القربات، فان قالوا: الوقوف لا مالك لها فيدفع الضرر عنه بالمطالبة بشفعته، قلنا: إذا سلم أنه لا مالك لها فها هنا منتفع بها ومستضر لما يعود إلى المشاركة فيها وهم أهل الوقوف ومصالح المسلمين إنما يجب دفع الضرر عنها مثل ما يجب من دفع الضرر عن الآدميين.
[مسائل شتى]
(من الهبات والاجارات والوقوف والشركة والرهن وغير ذلك) (مسألة) في الهبة: ومما إنفردت به الامامية القول بأن من وهب شيئا لغيره غير قاصد بثواب الله تعالى ووجهه جاز له الرجوع فيه ما لم يتعوض عنه ولا فرق في ذلك بين الاجنبي وذي الرحم.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه: إذا وهب لذي الرحم المحرم لم يرجع.
وإن وهب لامرأته لم يرجع، وكذلك المرأة لزوجها، وإن وهب لاجنبي رجع إن شاء ما لم يثب عنها أو يزيد الشئ في نفسه.
وذكر هشام عن محمد عن أبي حنيفة إذا علم الموهوب له المملوك القرآن أو الخبر فله أن يرجع فيه.
وقال محمد لا يرجع، قال محمد وكذلك لو كان كافرا فأسلم أو كان عليه دين فأداه الموهوب له.
وقال الحسن عن زفر ان علمها الموهوب له القرآن أو الكتابة أو المشط فحذقت ذلك فله أن يرجع فيها.
وقال أبو يوسف لا يرجع.
وقال عثمان البستي في الرجل يعطي الرجل العطية لا يبين أنه متقرب مستغزر فعطيته جائزة وليس له أن يرجع فيها وقال مالك: من نحل ولدا له نحلا أو أعطاه عطاء ليس بصدقة فله أن يقبضها إن شاء ما لم يستحدث الولد دينا من أجل العطاء، فإذا صار عليه الديون لم يكن للوالد أن يقبض من ذلك شيئا.
وكذلك إذا زوج الفتاة بذلك المال أو كانت جاريته فتزوجت بذلك فليس للاب أن يقبض من ذلك شيئا.
وقال مالك: والامر المجمع عليه عندنا في بلدنا أن الهبة إذا تغيرت عند الموهوب له بزيادة أو نقصان فان على الموهوب له أن يعطي الواهب قيمتها يوم قبضها.
وقال مالك في الواهب يكون لورثته مثل ما كان له من الثواب إن إتبعوه وروى الثوري عن ابن أبي ليلى قال: للواهب أن يرجع في هبته دون القاضي وعند أصحاب أبي حنيفة لايرجع إلا بنقصانها ويرد الموهوب له.
وقال الثوري كقول أصحاب أبي حنيفة في جميع ذلك.
وقال الاوزاعي: لا يرجع فيما وهب لمولى ولا تابع له ولا لذي رحم ولا لامرأته ولا السلطان لمن دونه ويرجع فيما سوى ذلك فان كانت الهبة قد نمت وزادت عند أصحابها فقيمتها يوم وهبها وترجع المرأة فيما وهبت لزوجها.
وقال الحسن بن حي: إذا لم يرد بالهبة ثواب الدنيا لم يرجع إذا قبض ولا يرجع بما وهب لذي رحم محرم.
فإذا وهب لغير ذي رحم محرم ويريد بها ثواب الدنيا فله أن يرجع فيها.
وقال الليث: إذا وهب للثواب رجع فيها مثل قول مالك، ولا ترجع المرأة فيما وهبت لزوجها إلا أن يكون سألها أن تهب له ثم طلقها مكانه أو بعد ذلك بيوم أو نحوه.
وقال الشافعي: لا يرجع في الهبة إلا الوالد فيما وهبه لولده، وقال
داود بن علي: كل من وهب شيئا لغيره لم يجز الرجوع فيه، ولا فرق في ذلك بين البعيد والقريب.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد إنا قد علمنا بإجماع من الامة ولا إعتبار بداود، فان الاجماع قد تقدمه وسبقه بأن عقد الهبة وإن قارنه القبض غير مانع من الرجوع وإنما إختلفوا في موضع جواز الرجوع فذهب قوم إلى أن الرجوع إنما يجوز مع ذوي الارحام دون ذوي الاجانب وذهب الآخرون إلى أنه الاجانب دون ذوي الارحام، وذهبت الامامية إلى أنه يجوز في المواضع كلها فقد بان بالاتفاق على أن قبض الهبة غير مانع من الرجوع على كل حال.
فمن إدعى أنه مانع من الرجوع في موضع دون آخر فعليه الدليل الشرعي على إختصاص ذلك الموضع بهذا الحكم ولا دليل لمن خصص موضعا دون آخر، لان تعويلهم على أخبار آحاد وقياس يقتضي الظن ولا معول على مثله في ثبوت الاحكام الشرعية فثبت بهذا الاعتبار جواز الرجوع في المواضع كلها، وأن ليس بعضها بذلك أحق من بعض، فأن قالوا: لو جاز الرجوع في الهبة لجاز في البيع وفي سائر العقود.
قلنا: سائر العقود ما أجمعت عليه الامة على جواز الرجوع فيها على الجملة، وإنما إختلفا في التفصيل وعقد الهبة قد بينا الاجماع على سبيل الجملة على جواز الرجوع فيه وإنما إختلفوا في مواضعه.
فان إحتج المخالف بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: الراجع في هبته كالراجع في قيئه، وبلفظ آخر الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه.
فالجواب عن ذلك أن هذه كلها أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا ولا يثبت بمثلها الاحكام.
وهذا الخبر معارض بأخبار كثيرة يروونها عن النبيصلىاللهعليهوآله من جواز الرجوع في الهبة، وإذا سلم هذا الخبر على ما فيه فالمراد به الاستقذار
لا التحريم، لان ذلك مستقذر مستهجن، ألا ترى أن الكلب لا تحريم عليه فأما الخبر الآخر الذي يتضمن ذكر الكلب فهو وإن كان مطلقا يرجع إلى الكلب لان الالف واللام يحملان على العهد، وليس هاهنا جنس يعهد منه الرجوع في قيئه إلا الكلب فلا فرق بين أن يقول كالعايد في قيئه وبين أن يقول كالكلب يعود في قيئه، على أنا لو حملنا لفظة العايد على الجنس والعموم لدخل فيه الكلب لا محالة فلا يجوز حمل العود على التحريم، لان ذلك لا يتأتى في الكلب فلا بد من حمله على الاستقذار والاستهجان وهو متأت في كل عايد فان قيل: كيف يجوز أن يجتمع جواز الرجوع في الهبة مع القول بأنها تملك بالقبض، قلنا: غير ممتنع إجتماع ذلك، كما أن المبيع إذا شرط فيه الخيار مدة معلومة كان مملوكا بالعقد، وإن كان حق الرجوع فيه ثابتا فان قالوا: الملك مع ثبوت حق الخيار ناقص أو غير مستقر، قلنا: نحن نقول في ملك الموهوب مع ثبوت حق الرجوع مثل ما يقولونه حرفا بحرف.
(مسألة) في الهبة أيضا: ومما إنفردت به الامامية ان من وهب شيئا في مرضه الذي مات فيه إذا كان عاقلا مميزا تصح هبته ولا يكون من ثلثه، بل يكون من صلب ماله.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أن الهبة في مرض الموت محسوبة من الثلث، دليلنا الاجماع المتردد، ولان تصرف العاقل في ماله جايز وما تعلق للورثة بماله وهو حي حق فهبته جائزة، ولذلك صح بلا خلاف نفقة جميع ماله على نفسه في مأكل ومشرب.
فان قيل: أي فرق بين الهبة في المرض والوصية في المرض، قلنا: الهبة حكمها منجز في الحال وما تعلق في حال الحيوة حق لوارث المال والمورث، والوصية حكمها موقوف على الوفاة، وبعد الوفاة يتعلق حق الورثة بمال المورث فوجب أن تكون محسوبة في الثلث.
(مسألة) في الاجارات: ومما إنفردت به الامامية بأن الصناع كالقصار والخياط ومن أشبههما ضامنون للمتاع الذي يسلم إليهم إلا أن يظهر هلاكه ويشهر بما لا يمكن دفعه أن يقوم بينة بذلك وهم أيضا ضامنون لما جنته أيديهم على المتاع بتعد وغير تعد، وسواء كان الصانع مشتركا أو غير مشترك ومعنى الاشتراك هو أن يستأجر الاجير على عمل في الذمة فيكون لكل أحد أن يستأجره ولا يختص به بعضهم دون بعض، ومعنى الاجير المنفرد وهو من استؤجر للعمل مدة معلومة فيختص المستأجر بمنفعة تلك المدة ولا يصح لغيره إستيجاره فيها وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
فقال أبوحنيفة وأصحابه لا ضمان على الاجير المشترك إلا فيما جنته يداه وقال زفر: لا ضمان عليه في ما جنت يداه أيضا إلا أن يخالف، وقال أبويوسف ومحمد وعبيد الله بن الحسن يضمن إلا ما لا يستطاع الامتناع منه كالحريق وموت الشاة واللصوص الغالبين.
وقال الثوري يضمن في اللصوص أيضا.
وقال مالك: يضمن القصار إلا أن يأتي أمر من الله تعالى مثل الحرق والسرق والضياع إذا قامت عليه بينة ويضمن قرض الفار إذا لم يقم بينة.
وإذا قام بينة أنه قرض الفار من غير تضييع لم يضمن.
وقال الاوزاعي: لا يضمن القصار من الحريق والاجير المشترك ضامن إذا لم يشترط له أنه لا ضمان له عليه.
وقال الحسن بن حي: من أخذ الاجرة فهو ضامن تبرأ أو لم يتبرأ، ومن أعطى الاجرة فلا ضمان عليه وإن شرط، ولا يضمن الاجير المشترك من عدو حارب أو موت، وهذا القول من ابن حي كأنه موافق للامامية لانه إن عنى به الاجير المشترك والخاص فهو موافق لهم وإن كان يعني المشترك دون الخاص فهو خلاف إلا أنه يخالف للامامية على كل حال بقوله: ومن أعطى الاجرة فلا ضمان عليه وإن شرط، لان عندنا
إن شرط كان الضمان بالشرط وإن اعطي الاجر.
وقال الليث: الصناع كلهم ضامنون لما أفسدوا أو هلك عندهم وهذا أيضا كموافقة الامامية إذا أراد بالصناع من كل مشتركا وخاصا، و للشافعي قولان: أحدهما يضمن والآخر لا يضمن إلا ما جنت يداه.
دليلنا على صحة ماذهبنا إليه الاجماع المتردد.
وأيضا فأن من خالفنا في هذه المسألة على تباين أقوالهم يرجعون فيها إلى ما يقتضي الظن من قياس أو خبر واحد ونحن نرجع إلى ما يقتضي العلم فقولنا أولى على كل حال.
ومما يمكن أن يعارضوا به لانه موجود في رواياتهم وكتبهم ما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: على اليد ما أخذت حتى تؤديه، وهذا يقتضي ضمان المتاع على كل حال وإذا خصصوه إحتاجوا إلى دليل ولا دليل لهم على ذلك.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من وقف وقفا جاز له أن يشترط أنه إن احتاج إليه في حال حياته كان له بيعه والانتفاع بثمنه، والقول أيضا: بأن الواقف متى حصل له من الخراب بحيث لا يجدي نفعا جاز لمن هو وقف عليه بيعه والانتفاع بثمنه، وإن أرباب الوقوف متى دعتهم ضرورة شديدة إلى ثمنه جاز لهم بيعه ولا يجوز لهم ذلك مع فقد الضرورة.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يجيزوا إشتراط الواقف لنفسه ما أجزناه ولا بيع الوقوف على حال من الاحوال إلا ما رواه بشر عن أبي يوسف في سنة تسع وسبعين أنه إن جعل الواقف الخيار لنفسه في بيع الوقف، وإن يجعل ذلك في وقف أفضل منه فهو جايز، وإن مات قبل أن يختار إبطاله مضى الوقف على سبيله.
قال: وقال أبويوسف بعد ذلك لا يجوز الاستثناء في إبطال الوقف والوقف جائز نافذ.
دليلنا إتفاق الطائفة، ولان كون الشئ وقفا تابع لاختيار الواقف وما يشرط فيه، فإذا شرط لنفسه ما ذكرناه كان كسائر ما يشرطه وليس لهم أن يقولوا هذا شرط ينقض كونه وقفا وحبسا وخارجا من ملكه وليس كذلك باقي الشروط لانه لا تنافي بينها وبين كون ذلك وقفا، قلنا: ليس ذلك يناقض كونه وقفا، لانه متى لم يجز الرجوع فهو ماض على سبيله، ومتى مات قبل العود نفذ أيضانفوذا تاما، وهذا حكم ما كان مستفادا قبل عقد الوقف، وكيف يكون ذلك نقضا لحكمه وقد بينا أن الحكم باق، فان قيل: لو جاز دخول هذا الشرط في الوقف لجاز دخول مثله في العتق، قلنا: هذا قياس، وقد بينا أن القياس لا يصح إثبات الاحكام الشرعية به، وبعد فأن الفرق بين العتق والوقف: أن العتق عندنا لا يجوز دخول شئ من الشروط فيه، وليس كذلك الوقف لان الشرائط تدخله مثل أن يقول هذا وقف على فلان، فان مات فعلى فلان وما جرى هذا المجرى، وإذا دخلته الشروط جاز دخول الشرط الذي ذكرناه.
فان قيل: فقد خالف أبوعلي بن الجنيد فيما ذكرتموه وذكر أنه لا يجوز للواقف أن يشرط لنفسه بيعه له على وجه من الوجوه.
وكذلك فيمن هو وقف عليه أنه لا يجوز له أن يبيعه، قلنا: لا إعتبار بابن الجنيد وقد تقدمه إجماع الطائفة وتأخر أيضا عنه وإنما عول في ذلك على ظنون له وحسبان وأخبار شاذة لا يلتفت إلى مثلها.
فأما إذا صار الوقف بحيث لا يجدي نفعا أو ادعت أربابه الضرورة إلى ثمنه لشدة فقرهم، فالاحوط ما ذكرناه من جواز بيعه لانه إنما جعل لمنافعهم فإذا بطلت منافعهم منه فقد إنتقض الغرض فيه ولم يبق منفعة فيه إلا من الوجه الذي ذكرناه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن المشتركين مع تساوي
ماليهما إذا تراضيا بأن يكون لاحدهما من الربح أكثر مما للآخر جاز ذلك، وكذلك إذا تراضيا بأنه لا وضيعة على أحدهما، أو أن عليه من الوضيعة أقل مما على الآخر جاز أيضا.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي: لا يجوز أن يشترطا تساويا في الربح مع التفاضل في المال ولا تفاضل في الربح مع التساوي في المال وإن شرطا ذلك فسدت الشركة، وأبوحنيفة أجاز التفاضل في الربح وإن كان رأس المال متساويا، وقال مالك: إذا كان رأس المال من عند أحدهما الثلث، ومن الآخر الثلثين، على أن العمل نصفان فالربح نصفان لا خير في هذه الشركة، ولا يجوز عنده التفاضل، فالربح مع التساوي في رؤوس الاموال.
وقالت الجماعة: أن الوضيعة على قدر المالين، وشرط الفضل باطل دليلنا الاجماع المتكرر.
وأيضا أن الشركة بحسب ما يشترط فيها، فإذا إشترطنا التفاضل في الربح أو الوضيعة وجب جواز ذلك، وأبوحنيفة يجيز إشتراط التفاضل في الربح فيلزمه جواز ذلك في الوضيعة.
فان قيل: إنما فسد إشتراط الفضل في الوضيعة لانه يجري مجرى قول أحدهما لصاحبه ما ضاع من مالك فهو علي وهذا فاسد لا محالة.
قلنا: مثال ما نحن فيه هو أن يقول ما هلك من هذه البضاعة مع تساوينا فيها فهو من مالي ومالك إلا أني قد سمحت ورضيت بأن يكون من مالي خاصة فلا مانع من ذلك، ويلزم أبا حنيفة إذا أجرى التفاضل في الوضيعة مجرى قول أحدهما لصاحبه ما هلك من مالك فهو علي أن لا يجوز التفاضل في الربح لانه يجري مجرى أن يقول له ما استفيده من الربح في كذا وكذا فهو لك وإذا جاز أحد الامرين جاز الآخر مثله.
(مسألة) ومما إنفردت به الشيعة الاماميه أن الشركة لا تصح إلا في الاموال ولا تصح في الابدان والاعمال، ومتى إشترك إثنان في عمل كصياغة عقد ونساجة ثوب وما أشبه ذلك لم يثبت بينهما شركة، فكان لكل واحد منهما أجرة عمله خاصة وإن لم يتميز عملاهما لاجل الاختلاط كان الصلح بينهما، وإذا دفع رجل إلى تاجر مالا ليتجر له على أن الربح بينهما لم ينعقد بينهما بذلك شركة وكان صاحب المال بالخيار إن شاء أعطاه ما شرطه له وإن شاء منعه منه وكان له عليه أجرة مثله في تجارة كذلك.
وكذلك إذا أعطى الانسان غيره ثوبا ليبيعه وشرط له فيه سهما من الربح فهو بالخيار إن شاء أمضى شرطه وإن شاء رجع فيه، وكان عليه في بيع الثوب أجرة مثله في البيع.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه يجوز شركة الابدان والصناعات إتفقت أو إختلفت عملا في موضعين أو موضع واحد، ولا يجوز في الاصطياد والاحتطاب ونحوهما.
وروى أبويوسف عن أبي حنيفة قال: كلما يجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة، وما لا يجوز فيه الوكالة لا يجوز فيه الشركة، وما جازت فيه الشركة من الصناعات نحو الخياطة والقصارة، فانه سواء عملا جميعا أو أحدهما فما حصل من فضل فهو بينهما نصفان.
وقال مالك تجوز الشركة على أن يحتطبا ويصطادا إذا كان يعملان جميعا في موضع واحد، وكذلك الاشراك إذا إشتركا في صيد البزاة والكلاب إذا كان الكلب والبازي بينهما نصفين.
وقال مالك: لا يجوز الشركة بين حداد وقصار وإنما تجوز في صناعة واحدة يعملان جميعا فيها في موضع واحد، فان عملا في موضعين أو كانتا صناعتين لم تجز الشركة.
وقال مالك: يجوز أن يشترك المعلمان في تعليم الصبيان إذا كانا في مجلس واحد،
وإن تفرقا في مجلسين فلا خير فيه.
وقال الحسن بن حي والليث: شركة الابدان جايزة في الاعمال، وقال الليث: وإن مرض أحدهما لم يكن للمريض شئ من عمل الصحيح إلا أن يشاء الصحيح أن يشركه في عمله.
وقال الشافعي: لا تجوز الشركة إلا بالدراهم والدنانير ويختلط المالان وهذا يدل على أنه لا يجيز شركة الابدان، إلا أنه ليس ينتهي في ذلك إلى ما تقوله الامامية من أن العمل لا يدخل في الشركة منفردا ولا مجتمعا.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، ولان معول من مخالفينا في هذه المسائل التي ذكرناها كلها على الظنون والحسبان والرأي والاجتهاد ومرجعنا فيما نذهب إليه فيها إلى توقيف فما قلناه أولى.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من رهن حيوانا حاملا فأولاده خارجون عن الرهن، فأن حمل الحيوان في الارتهان كان أولاده رهنا مع أمهاته.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
فقال أبوحنيفة: إذا ولدت المرهونة بعد الرهن دخل ولدها في الرهن، وكذلك اللبن والصوف وثمرة النخل والشجر وهو قول الثوري والحسن بن حي.
وقال مالك: ما حدث من ولد فهو رهن، وليست الثمرة الحادثة رهنا مع الاصل.
وقال الليث: إذا كان الدين حالا دخلت الثمرة في الرهن، فان كان إلى أجل فالثمرة لصاحب الاصل.
وروي عنه أنه لا تدخل فيه إلا أن تكون موجودة يوم الرهن.
وقال الشافعي: لا يدخل الولد ولا الثمرة الحادثة في الرهن، ومن تأمل هذه الاقوال على إختلافها علم أن قول الشيعة: منفردة عنها.
والذي يدل على صحة الطريقة التي ذكرناها في المسألة التي قيل هذه بلا فصل.
(مسألة) أيضا في الاجارة: ومما إنفردت به الامامية القول بجواز أن يؤجر الانسان شيئا بمبلغ بعينه فيواجره المستأجر بأكثر منه إذا إختلف النوعان كأنه إستأجره بدينار فأنه يجوز له أن يواجره بأكثر من قيمة الدينار من الحنطة والشعير وما أشبه ذلك، وكذلك يجوز أن يستأجره بدينار ويواجر بثلاثين درهما، لان الربا لا يدخل مع إختلاف النوع، وهذا متى لم يحدث فيما إستأجره حدثا يصلحه به فان ما زاد فيه ما فيه نفع ومصلحة جاز أن يؤاجره بأكثر مما إستأجره على كل حال من غير تخصيص، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز للمستأجر أن يؤجر ما إستأجره قبل القبض، ويجوز بعد القبض، فأن أجر بأكثر تصدق بالفضل إلا أن يكون أصلح فيه شيئا أو بنى فيه بناء وهو قول الثوري والاوزاعي والحسن بن حي، وقال مالك والبستي والليث والشافعي: لا بأس بأن يؤاجره بأكثر ولا يتصدق بشئ.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد أن المستأجر مالك للمنافع، وقد أجازت الشريعة ملك المنافع، فجرى مجرى ملك الاعيان في جواز التصرف فيها فللمالك أن يتصرف في ملكه بحسب اختياره من زيادة أو نقصان، والاصل في العقول والشريعة جواز تصرف المالك في ملكه إلا أن يمنع مانع ولا مانع هاهنا فيما ذكرناه.
[مسائل في المحارب]
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بأن من حارب الامام العادل وبغى عليه وخرج عن إلتزام طاعته يجري
مجرى محارب النبيصلىاللهعليهوآله وخالع طاعته في الحكم عليه بالكفر وإن إختلف أحكامهما من وجه آخر في المدافنة والموارثة وكيفية الغنيمة من أموالهم.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهب المحصلون منهم والمحققون إلى أن محاربي الامام العادل فساق تجب البراءة منهم وقطع الولاية لهم من غير إنتهاء إلى التكفير، وذهب قوم من حشو أصحاب الحديث إلى أن الباغي مجتهد وخطؤه يجري مجرى الخطأ في سائر مسائل الاجتهاد.
والذى يدل على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وأيضا فان الامام عندنا يجب معرفته وتلزم طاعته كوجوب المعرفة بالنبيصلىاللهعليهوآله ولزوم طاعته كالمعرفة بالله تعالى، وكما أن جحد تلك المعارف والتشكيك فيها كفر، وكذلك هذه المعرفة.
وأيضا فقد دل الدليل على وجوب عصمة الامام من كل القبائح وكل من ذهب إلى وجوب عصمته ذهب إلى الكفر الباغي عليه والخالع لطاعته والتفرقة بين الامرين خلاف إجماع الامة، فأن قيل: لو كان من ذكرتم بالغا إلى حد الكفر لوجب أن يكون مرتدا أو أن تكون أحكامه أحكام المرتدين، وإجتمعت الامة على أن أحكام الباغي تخالف أحكام المرتد، وكيف يكون مرتدا وهو يشهد الشهادتين، ويقوم بالعبادات؟ قلنا: ليس يمتنع أن يكون الباغي له حكم المرتد في الانسلاخ عن الايمان وإستحقاق العقاب العظيم، وإن كانت أحكامه الشرعية في مدافنه وموارثه وغير ذلك تخالف أحكام المرتد، كما كان الكافر الذمي مشاركا للحربي في الكفر والخروج عن الايمان وإن إختلفت أحكامهما الشرعية.
فأما إظهار الشهادتين فليس بدال على كمال الايمان، ألا ترى أن من أظهرهما وجحد وجوب الفرائض والعبادات لا يكون مؤمنا بل كافرا.
وكذلك إقامة بعض العبادات من صلاة وغيرها، ومن جحد أكبر العبادات وأوجبها من طاعة إمام زمانه، ونصرته لم ينفعه أن يقوم بعبادة أخرى من صلاة وغيرها.
وأما ما يذهب إليه قوم من غفلة الحشوية من عذر الباغي وإلحاقه بأهل الاجتهاد.
فمن الاقوال البعيدة من الصواب ومن المعلوم ضرورة أن الامة أطبقت في الصدر الاول على ذم البغاة على أمير المؤمنينعليهالسلام ومحاربته والبرائة منهم، ولم يقم لهم أحد في ذلك عذرا، وهذا المعنى قد شرحناه في كتبنا وفرعناه وبلغنا فيه النهاية، وهذه الجملة ها هنا كافية، فان إعترض المخالف على ما ذكرناه بالخبر الذي يرويه معمر بن سليمان عن عبدالرحمن ابن الحكم الغفاري عن عدية بنت أهبان بن صيفي قالت: جاء عليعليهالسلام إلى أبي فقال: ألا تخرج معنا؟ قال ابن عمك وخليلك أمرني إذا إختلف الناس أن اتخذ سيفا من خشب أو بالخبر الذي يروى عن أبي ذر رحمة الله عليه أنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كيف بك إذا رأيت أحجار الزيت وقد غرقت بالدم، قال: قلت ما إختار الله لي ورسوله؟ قال: تلحق، أو قال عليك بمن أنت منه، قال قلت: أفلا آخذ بسيفي وأضعه على عاتقي، قال: شاركت القوم إذا، قال: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: إلزم بيتك، قلت: فان دخل علي ببيتي؟ قال: فان خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق رداءك على وجهك يبوء بأثمه وإثمك.
قلنا: هذان الخبران وأمثالهما لا يرجع بهما عن المعلوم والمقطوع بالادلة عليه بلا دليل وهي معارضة بما هو أظهر منها وأقوى وأولى من وجوب قتاله الفئة الباغية ونصرة الحق ومعونة الامام العادل، ولو لم يرو في ذلك إلا مارواه الخاص والعام والولي والعدو من قولهعليهالسلام حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي، وقد علمنا أنهعليهالسلام لم يرد أن نفس هذه الحرب تلك، بل أراد تساوي تلك لاحكام، فيجب أن تكون أحكام
محاربيه هي أحكام محاربي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلا ما خصصه الدليل، وما روي أيضا من قوله: اللهم انصر من نصره واخذل من خذله، ولانهعليهالسلام لما إستنصر في قتال أهل الجمل وصفين والنهروان أجابته الامة بأسرها ووجوه الصحابة وأعيان التابعين وسارعوا إلى نصرته ومعونته، ولم يحتج أحد عليه بشئ مما تضمنه هذان الخبران الخبيثان الضعيفان على أن الخبر الاول قد روي على خلاف هذا الوجه، لان أهبان قال قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أهبان أما أنك إن بقيت بعدي سترى في أصحابي إختلافا، فان بقيت إلى ذلك اليوم فاجعل سيفك يا أهبان من عراجين، وقد يجوز أن يريدعليهالسلام بالاختلاف الذي يرجع إلى القول والمذاهب دون المقاتلة والمحاربة على أن هذا الخبر ما يمنع من قتال أهل الردة عند بغيهم ومجاهرتهم فهو أيضا غير مانع من قتال كل باغ وخارج عن طاعة الامام.
فأما الخبر الثاني فمما يضعفه أن أبا ذر رحمة الله عليه لم يبلغ إلى وقعة أحجار الزيت، لان ذلك إنما كان مع محمد بن عبدالله بن الحسن في أول أيام المنصور، وأبوذر مات في أيام عثمان فكيف يقول له رسول الله صلى ا لله عليه وآله وسلم كيف بك، في وقت لا يبقى إليه، على أن أبا ذررضياللهعنه كان معروفا بانكار المنكر بلسانه وبلوغه فيه أبعد الغايات والمجاهرة في إنكاره وكيف يسمع من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ما يقتضي خلاف ذلك.
(مسألة) ومما كانت الامامية منفردة به القول: بأن من سب النبي صلى ا لله عليه وآله وسلم أو عابه مسلما كان أو ذميا قتل في الحال، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه: من سب النبيصلىاللهعليهوآله أو عابه، وكان مسلما فقد صار مرتدا، وإن كان ذميا عزر ولم يقتل.
وقال ابن اقسم عن مالك من شتم النبيصلىاللهعليهوآله من المسلمين قتل ولم يستتب، ومن شتم النبيصلىاللهعليهوآله من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وهذا القول من مالك مضاه لقول الامامية.
وقال الثوري: الذمي يعزر، وذكر عن ابن عمر أنه يقتل، وروى الوليد بن مسلم عن الاوزاعي ومالك فيمن سب النبيصلىاللهعليهوآله قالا: هي ردة يستتاب، فان تاب نكل به وإن لم يتب قتل وإلا يضرب مائة ثم يترك حتى إذا هو برئ ضرب مائة ولم يذكرا فرقا بين الذمي والمسلم.
وقال الليث في المسلم يسب النبيصلىاللهعليهوآله أنه لا يناظر ولا يستتاب ويقتل مكانه، وكذلك اليهودي والنصراني وهذه موافقة للامامية.
وقال الشافعي ويشرط على المصالحين من الكفار أن من ذكر كتاب الله عزوجل أو محمدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما لا ينبغي أو زنى بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلما عن دينه، أو قطع عليه طريقا أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عينا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت ذمته قال الطحاوى: فهذا من الشافعي يدل على أنه إذا لم يشرط يستحل دمه بذلك.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد وإن سب النبيصلىاللهعليهوآله وعيبه والوقيعة فيه ردة من المسلم بلا شك والمرتد يقتل.
وأما الذمي وإن لم يكن بذلك مرتدا، لان حقيقة الردة هي الكفر بعد الايمان، والذمي ما كان مؤمنا فصار كافرا، بل كفره متقدم، لكن هذا وإن لم يكن منه ردة فهو خرق للذمة وإستخفاف بالشريعة ووضع منها ومن أهلها وببعض هذا يبرأ من الذمة التي حقن بها فحينئذ يكون دمه مباحا من الوجه الذي ذكرناه فأما ما يستدل به أصحاب أبي حنيفة في الفرق بين المسلم والذمي في هذه المسألة من روايتهم عن الزهري عن عروة عن عائشة قال: دخل رهط من اليهود على النبيصلىاللهعليهوآله فقالوا: السام عليك، قالت ففهمتها، فقلت عليكم السام واللعنة، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : مهلا يا عائشة فان الله تعالى يحب الرفق في الامر كله، فقالت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال النبيصلىاللهعليهوآله قد
قلت وعليكم، قال المخالف لنا: ولو كان هذا الدعاء من ا لمسلم لصار مرتدا فيقتل فلم يقتله النبيصلىاللهعليهوآله بذلك.
ومما يستدلون به أيضا ما رواه شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك أن إمرأة يهودية أتت النبيصلىاللهعليهوآله بشاة مسمومة فأكل منها فجيئ بها فقيل ألا تقتلها؟ قال فقال: لا، قال المحتج: ولا خلاف بين المسلمين أن من فعل مثل ذلك بالنبي وهو ممن ينتحل الاسلام أنه مرتد يقتل.
فالجواب عنه: أن هذه أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا ولا يعترض بها على مدلول الادلة وهي معارضة بأخبار كثيرة تقتضي قتل من هذه صفته مثل ما رووه عن أبي يوسف عن حصين بن عبدالرحمن عن رجل.
عن ابن عمر أن رجلا قال: إني سمعت راهبا سب النبيصلىاللهعليهوآله فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم العهد على هذا ولم ينكر أحد على ابن عمر هذا القول فدل على وقوع الرضا به.
فأما إبدال السلام بالسام فليس بصريح في سب ولا شتم، ولو وقع من مسلم أو ذمي ما إقتضى القتل.
وأما الشاة المسمومة فيجوز أن يكون النبيصلىاللهعليهوآله إعتقد أن اليهودية ما علمت بأنها مسمومة فقد يجوز أن لا تكون بذلك عالمة، وقد يجوز أيضا لو كانت عالمة وقاصدة أن يكونعليهالسلام رأى درأ القتل عنها مع إستحقاقها لضرب من المصلحة فلهعليهالسلام مثل ذلك وإنما كلامنا في الاستحقاق للقتل، والمسلم واليهودي في هذا الباب سواء.
مسائل القضاء والشهادات وما يتصل بذلك (مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به وأهل الظاهر يوافقونها فيه القول
بأن للامام والحكام من قبله أن يحكموا بعلمهم في جميع الحقوق والحدود من غير إستثناء، وسواء علم الحاكم ما علمه وهو حاكم أو علمه قبل ذلك، وقد حكي أنه مذهب لابي ثور.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فذهب أبوحنيفة وأصحابه إلى أن لمشاهدة الحاكم من الافعال الموجبة للحدود قبل القضاء وبعده، فأنه لا يحكم فيها بعلمه إلا من القذف خاصة وما علمه قبل القضاء من حقوق الناس لم يحكم فيها بعلمه، فان علمه بعد القضاء حكم.
وقال أبويوسف ومحمد يحكم فيما علمه قبل القضاء من ذلك بعلمه وهو قول سوار، وقال الحسن بن حي يقضي بعلمه قبل القضاء بعد أن يستحلفه في حقوق الناس وفي الحدود لا يقضى بعد القضاء إذا علمه حتى يشهد معه في الزنا ثلاثة وفي غيره برجل آخر.
وقال الاوزاعي في الامام يشهد هو ورجل آخر على قذف رجل آخر أنه يحده هو.
وقال شريح: إرتفعوا إلى إمام فوقي وأنا أشهد لك به.
وقال مالك: لا يقضي بعلمه في سائر الحقوق حتى يكون شاهدان سواه، وفي الزنا أربعة غيره.
وقال الليث: لا يحكم في حقوق الناس بعلمه حتى يكون شاهدا آخر فيقضي بشهادته وشهادة الشاهد معه.
وقال الشافعي: يقضي بعلمه في حقوق الناس وفي الحدود قولان لانه يقبل رجوع المقر، وقال ابن أبي ليلى فيمن أقر عند القاضي في مجلس الحكم بدين، فأن القاضي لا ينفذذلك حتى يشهد معه آخر والقاضي شاهد.
ثم قال بعد ذلك إذا ثبت قوله في الاصول عنده أنفد.
عليه القضاء، فان قيل: كيف تستجيزون إدعاء الاجماع من الامامية في هذه المسألة، وأبوعلي بن الجنيد يصرح بالخلاف فيها، ويذهب إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شئ من الحقوق ولا الحدود.
قلنا: لا خلاف بين الامامية في هذه المسألة، وقد تقدم إجماعهم ابن الجنيد وتأخر عنه، وإنما عول ابن الجنيد فيها على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطأه ظاهر.
وكيف يخفى إطباق الامامية على وجوب الحكم بالعلم وهم ينكرون توقف أبي بكر عن الحكم لفاطمةعليهاالسلام بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله بفدك لما إدعت أنه نحلها أبوها ويقولون: إذا كان عالما بعصمتها وطهارتها، وأنها لا تدعي إلا حقا فلا وجه لمطالبتها بإقامة البينة لان البينة لا وجه لها مع القطع بالصدق، وكيف خفى على ابن الجنيد هذا الذي لا يخفى على أحد، أو ليس قد روت الشيعة الامامية كلها ما هو موجود في كتبها ومشهور في رواياتها أن النبيصلىاللهعليهوآله إدعى عليه أعرابي سبعين درهما عن ناقة باعها منه، فقالصلىاللهعليهوآله : قد أوفيتك، فقال الاعرابي: إجعل بيني وبينك رجلا حكما يحكم بيننا، فأقبل رجل من قريش فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : احكم بيننا، فقال للاعرابي: ما تدعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول الله؟ قال: قد أوفيته، فقال للاعرابي: ما تقول؟ فقال لم يوفني فقال لرسول الله: ألك بينة على أنك قد أوفيته؟ فقالصلىاللهعليهوآله لا، فقال للاعرابي: أتحلف أنك لم تستوف حقك وتأخذه؟ فقال: نعم، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لاحاكمن هذا الرجل إلى رجل يحكم فينا بحكم الله عزوجل فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى علي بن أبي طالب ومعه الاعرابي، فقال عليعليهالسلام مالك يا رسول الله؟ فقال يا أبا الحسن: أحكم بيني وبين هذا الاعرابي، فقالعليهالسلام : ما تدعي على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقالعليهالسلام : يا رسول الله ما تقول؟ فقالصلىاللهعليهوآله : قد أوفيته ثمنها، فقالعليهالسلام للاعرابي: أصدق رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيما قال؟ قال: لا ما أوفاني، فأخرج عليعليهالسلام سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لم
فعلت ذلك يا علي؟ فقال: يا رسول الله نحن نصدقك على أمر الله ونهيه وأمر الجنة والنار والثواب والعقاب ووحي الله عزوجل فلا نصدقك في ثمن ناقة هذا الاعرابي وإني قتلته لانه كذبك لما قلت له أصدق رسول الله فيما قال؟ فقال لا ما أوفاني شيئا، فقال رسول الله أصبت يا علي فلا تعد إلى مثلها ثم إلتفت إلى القرشي وكان قد تبعه فقال هذا حكم الله لا ما حكمت به.
وروت الشيعة أيضا عن ابن جريح عن الضحاك عن ابن عباس قال: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله من منزل عائشة فاستقبله أعرابي ومعه ناقة فقال: يا محمد إشتر مني هذه الناقة، فقال النبيصلىاللهعليهوآله نعم بكم تبيعها يا أعرابي؟ قال بمائة درهم، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : ناقتك خير من هذا، قال: فما زال النبيصلىاللهعليهوآله يزيد حتى إشترى الناقة بأربعمائة درهم، فقال: فلما دفع النبيصلىاللهعليهوآله إلى الاعرابي الدراهم ضرب الاعرابي يده إلى زمام الناقة، فقال الناقة ناقتي والدراهم دراهمي فان كان لمحمد شئ فليقم البينة قال: فأقبل رجل فقال النبيصلىاللهعليهوآله : أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟ قال نعم يا محمد، فلما دنا قال النبيصلىاللهعليهوآله : إقض في ما بيني وبين هذا الاعرابي قال: تكلم يا رسول الله، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : الناقة ناقتي والدراهم دراهم الاعرابي، فقال الاعرابي: بل الدراهم دراهمي والناقة ناقتي فان كان لمحمد شئ فليقم البينة، فقال الرجل القضية فيها واضحة يا رسول الله وذلك أن الاعرابي طلب البينة، فقال له النبيصلىاللهعليهوآله : اجلس فجلس ثم أقبل رجل آخر فقال النبيصلىاللهعليهوآله : أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟ قال نعم فلما دنا قال له النبيصلىاللهعليهوآله : إقض فيما بيني وبين الاعرابي، قال نعم تكلم يا رسول الله صلى الله عليك، قال النبيصلىاللهعليهوآله : الناقة ناقتي والدراهم دراهم الاعرابي، فقال الاعرابي: لا بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، فان كان لمحمد شئ فليقم البينة، فقال الرجل: القضية فيها
واضحة يا رسول الله لان الاعرابي طلب البينة، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : اجلس حتى يأتي الله بمن يقضي بيني وبين الاعرابي بالحق، قال: فأقبل عليعليهالسلام فقال النبي صلى ا لله عليه وآله وسلم أترضى بالشاب المقبل؟ قال: نعم، فلما دنا قال يا أبا الحسن إقض بيني وبين الاعرابي، فقالعليهالسلام تكلم يا رسول الله فقال النبيصلىاللهعليهوآله الناقة ناقتي والدراهم دراهم الاعرابي، فقال الاعرابي: لا بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، فان كان لمحمد شئ فليقم البينة، فقال علي خل بين الناقة وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال الاعرابى: ما كنت بالذي أفعل أو يقم البينة، فدخل عليعليهالسلام منزله، فاشتمل على قايم سيفه ثم أتى، وقال خل بين الناقة وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قال: ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البينة قال: فضربهعليهالسلام ضربة فأجمع أهل الحجاز على أنه رمى برأسه وقال بعض أهل العراق: بل قطع منه عضوا، فقال النبيصلىاللهعليهوآله ما حملك على هذا يا علي؟ فقال يا رسول الله نصدقك على الوحي من السماء ولا نصدقك على أربعمائة درهم.
وقال أبوجعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، وقد روى هذين الخبرين في كتابه المعروف بمن لا يحضره الفقيه هذان الخبران غير مختلفين، لانهما في قضيتين، فكانت هذه القضية قبل القضية التي ذكرناها قبلها.
وقد روت الشيعة أيضا في كتبها خبر عليعليهالسلام مع شريح قاضيه في درع طلحة بن عبيد الله لما قالعليهالسلام : هذه درع طلحة أخذت غلولا يوم البصرة ومطالبة شريح بالبينة على ذلك وإحضارهعليهالسلام الحسن إبنهعليهالسلام وقنبرا غلامه، وقولهعليهالسلام لشريح أخطأت ثلاث مرات.
ورووا أيضا حديث خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين لما شهد للنبي على الاعرابي فقال النبي كيف شهدت بذلك
وعلمته؟ قال من حيث علمنا أنك رسول الله فمن يروي هذه الاخبار مستحسنا لها ومعولا عليها كيف يجوز أن يشك في أنه كان يذهب إلى أن الحاكم يحكم بعلمه لولا قلة تأمل ابن الجنيد.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه زائدا على الاجماع المتردد قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدواكل واحد منهما مأة جلدة)، وقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، فمن علمه الامام سارقا أو زانيا قبل القضاء أو بعده فواجب عليه أن يقضي فيه بما أوجبته الآية من إقامة الحدود، وإذا ثبت ذلك في الحدود فهو ثابت في الاموال لان من أجاز ذلك في الحدود أجازه في الاموال، ولم يجزه أحد من الامة في الحدود دون الاموال.
فان قيل: فلم زعمتم أنه أراد بقوله: الزانية والزاني والسارق والسارقة من علمتموه كذلك دون أن يكون أراد من أقر عندكم بسرقة أو زنا أو شهد عليه الشهود.
قلنا: من أقر بزنا أو شهد عليه الشهود لا يجوز أن يطلق عليه القول بأنه زان، وكذلك السارق وإنما حكمنا فيهما بالاحكام المخصوصة إتباعا للشرع، وإن جوزنا أن يكونا ما فعلا شيئا من ذلك، والزاني في الحقيقة من فعل الزنا وعلم ذلك منه.
وكذلك السارق فحمل الآيتين على العلم أولى من حملهما على الشهادة والاقرار، فان إحتجوا بما يروى عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: لو اعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وأخبرعليهالسلام أن المدعي لا يعطى بغير بينة، فالجواب أولا أن هذا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ثم إذا سلمناه قلنا علم الحاكم أقوى البينات، وإذا جعلنا البينة الاقرار والاشهاد من حيث أبانت عن الامر وكشفت فأقوى منها العلم اليقين، فأما من فرق بين ما علمه القاضي وهو حاكم وبين ما علمه وهو على خلاف ذلك.
وقوله: ان الذي علمه وهو غير حاكم لا إعتداد به، لان القاضي علمه في حال لا ينفذ حكمه فيها باطل، لان العدل إذا شهد أمضى الحاكم شهادته، وإن جوز أن يكون قد تحملها في حال فسقه، وبذلك تقبل شهادة العدل البالغ وإن جوز أن يكون قد تحملها في حال طفوليته، فان قيل: لو جاز للحاكم أن يحكم بعلمه لكان في ذلك تزكية لنفسه، قلنا: التزكية حاصلة للحاكم بتولية الحكم له، وليس ذلك بمناف لامضاء الحكم فيما علمه ثم هذا لازم في إجازتهم حكم الحاكم بعلمه في غير الحدود، لانه تزكية لنفسه، ولا يختلفون أيضا في أنه يقبل منه جرحه لشهادته وإسقاط شهادته ولا يكون ذلك تزكية لنفسه.
فإن قالوا: إذا حكم بعلمه فقد عرض نفسه للتهمة وسوء الظن به، قلنا: وكذلك إذا حكم بالبينة والاقرار فهو معرض نفسه للتهمة فلا يلتفت إلى ذلك لوقوع التهمة في غير موضعها، لان قبول الشهادة والسكون إلى عدالة الشاهد مما يجوز أن يقع في مثله التهمة أيضا.
ووجدت لابن الجنيد كلاما في هذه المسألة غير محصل لانه لم يكن في هذا دلالة وإليه دراية يفرق بين علم النبي صلى الله عليه آله يالشئ وبين علم خلفائه وحكامه، وهذا غلط منه، لان علم العالمين بالمعلومات لا يختلف، فعلم كل عالم بمعلوم بعينه كعلم كل عالم به، وكما أن النبيصلىاللهعليهوآله أو الامامعليهالسلام إذا شاهدا رجلا يزني أو يسرق فهما عالمان بذلك علما صحيحا، وكذلك من علم مثل ما علماه من خلفائهما والتساوي في ذلك موجود، ووجدته يستدل على بطلان الحكم بالعلم بأن يقول: وجدت الله تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا ابطلها فيما بينهم وبين الكفار والمرتدين كالمواريث والمناكحة وأكل الذبائح، ووجدنا الله تعالى قد اطلع رسولهصلىاللهعليهوآله على من كان يبطن الكفر ويظهر الاسلام،
وكان يعلمه ولم يبينصلىاللهعليهوآله أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعون من مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وهذا غير معتمد، لانا أولا لا نسلم له أن الله تعالى قداطلع النبيصلىاللهعليهوآله على معايب المنافقين وكل من كان يظهر الايمان ويبطن الكفر من أمته، فان إستدل على ذلك بقوله تعالى (ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) فهذا لا يدل على وقوع التعريف وإنما يدل على القدرة عليه.
ومعنى قوله تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول) أي يستقر ظنك أو وهمك من غير ظن ولا يقين.
ثم لو سلمنا على غاية مقترحة أنهصلىاللهعليهوآله قد اطلع على البواطن لم يلزم ما ذكره، لانه غير ممتنع أن يكون تحريم المناكحة والموارثة وأكل الذبائح إنما يختص بمن أظهر كفره وردته دون من أبطنها وأن تكون المصلحة التي يتعلق بها التحريم والتحليل إقتضت ما ذكرناه ولا يجب على النبيصلىاللهعليهوآله أن يبين أحوال من أبطن الردة والكفر لاجل هذه الاحكام التي ذكرناها لانها لا تتعلق بالمبطن وإنما تتعلق بالمظهر.
وليس كذلك الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، ولان الحد في هذه الامور يتعلق بالمبطن والمظهر على سواء، وإنما يستحق بالفعلية التي يشترك فيها المعلن والمستر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الخصمين إذا إبتدآ في الدعوى بين يدي الحاكم، وتشاحا في الابتداء بها وجب على الحاكم أن يسمع من الذي على يمين خصمه، ثم ينظر في دعوى الآخر، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يذهبوا إلى مثل ما حكيناه.
دليلنا على صحة ذلك إطباق الطائفه عليه.
ولان من خالف ما ذكرناه إعتمد على الرأي والاجتهاد دون النص والتوقيف، ومثل ذلك الرجوع فيه إلى التوقيف أولى وأحرى.
ووجدت ابن الجنيد لما روى عن ابن محبوب عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قضى أن يتقدم صاحب اليمين في المجلس بالكلام، قال ابن الجنيد: يحتمل أن يكون أراد بذلك المدعي، لان اليمين المردودة عليه، قال ابن الجنيد: إلا أن ابن محبوب فسر ذلك في حديث رواه عن عبدالله بن سنان عن أبي عبداللهعليهالسلام أنه قال: إذا تقدمت مع خصم إلى وال أو قاض فكن عن يمينه يعني يمين الخصم، وهذا تخليط من ابن الجنيد لان التأويلات إنما تدخل بحيث تشكل الامور، ولا خلاف بين القوم أنه إنما أراد يمين الخصم دون اليمين التي هي القسم، وإذا فرضنا المسألة في تفسير تبادر الكلام بين يدي القاضى وتناهياه وأراد كل واحد منهما أن يدعى على صاحبه فهما جميعا مدعيان، كما أنهما جميعا مدعى عليهما فبطلت المزية والتفرقة التي توهمها ابن الجنيد.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية في هذه الاعصار وإن روى لهما وفاق قديم القول بجواز شهادات ذوي الارحام والقرابات بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا من غير إستثناء لاحد، إلا ما يذهب إليه بعض أصحابنا معتمدا على خبر يرويه من أنه لا يجوز شهادة الولد على الوالد وإن جازت شهادته له ويجوز شهادة الوالد لولده وعليه.
وقد رويت موافقة الامامية في ذلك عن(١) عمر بن الخطاب وشريح والزهري وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري والشعبي وأبي ثور، وروى الساجي أن أياس بن معاوية أجاز شهادة رجل لابنه وأخذ يمين الطالب وكل من أجاز شهادة الاب للابن والابن للاب أجاز شهادة الاخ لاخيه، وكل ذي قرابة لقرابته.
وقد روي جواز شهادة الاخ لاخيه عن شريح وابن سيرين والنخعي والشعبي وعطا وقتادة وعبدالله بن الحسن
____________________
(١) عن ابن عمر خ ل.
وعثمان بن البستي وعمر بن عبد العزيز والثوري ومالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء على ذلك، وإنما خالف فيه الاوزاعي، فذهب إلى أن شهادة الاخ لاخيه لا تقبل وإن كان عدلا.
وحكي عن مالك أنه قال: ان شهد له في غير النسب قبلت، وإن شهد له في النسب، فأن كانا أخوين من أم فادعى أحدهما أخامن أب وشهد له أخوه لم تقبل، وإذا جاز شهادة الاقارب في النسب بعضهم لبعض فالاولى جواز ذلك في الرضاع، لان كل من ذهب إلى أحد الامرين ذهب إلى الآخر ولم يفرق أحد بين المسألتين.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد.
وأيضا قوله (وأشهدوا ذوى عدل منكم)، فشرط تعالى العدالة ولم يشرط سواها، ويدخل في عموم هذا القول ذو القرابات كلهم، وقوله تعالى: (وإستشهدوا شهيدين من رجالكم فأن لم يكونا رجلين فرجل وإمرأتان) يدل أيضا على هذه المسألة، فأما إعتماد المخالفين على الاخبار التي يروونها في هذا الباب، كخبر يروى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا تجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده، فمما لا يصح الاعتماد عليه لان كل هذه الاخبارإذا سلمت من القدح كانت أخبار آحاد لا توجب إلا الظن ولا تنتهي إلى علم، ولا يجوز ان يرجع بما يوجب الظن عن ظواهر الكتاب الموجبة للعلم على أن الساجي قد قال في هذا الخبر أن هذه رواية غير ثابتة عند أهل النقل، وراوي هذا الخبر عن الزهري يزيد بن أبي زياد.
وحكى الساجي أن شعبة قال: أن يزيد كان رفاعا، أي يرفع إلى النبيصلىاللهعليهوآله ما لا أصل له، وضعف هذا الحديث من وجوه معروفة، وقدح في رواته، وأما الاعتماد في المنع من شهادة الاقارب على التهمة التي تلحق لاجل النسب فغير صحيح لانه يلزم على ذلك أن لا تقبل
شهادة الصديق لصديقه ولا الجار لجاره لان التهمة متطرقة.
وأيضا فأن العدالة مانعة من التهمة حاجزة، وحكى عن الشافعي في المنع من شهادة الوالد لولده والولد لوالده أنه قال الولد جزء من أبيه فكأنه شهد لنفسه إذا شهد لما هو بعضه، وهذا غير محصل، لان الولد وإن كان مخلوقا من نطفة أبيه، فليس ببعض له على الحقيقة، بل لكل واحد منهما حكم يخالف حكم صاحبه.
وكذلك إسترقوا الولد برقية أمه وإن كان الاب حرا وحرروه بحرية الام وإن كان الاب عبدا، ولم يسر حكم كل واحدمنهما إلى صاحبه.
(مسألة)(١) ومما إنفردت به الامامية إلا من شذ من جملتهم وسنتكلم عليه القول بشهادة العبيد لساداتهم إذا كان العبيد عدولا مقبولة وتقبل أيضا على غيرهم ولهم ولا تقبل على ساداتهم وإن كانوا عدولا.
وقد روى عن أنس موافقة الامامية في قبول شهادة العبيد العدول وهو قول الليث وأحمد بن حنبل وداود وأبي ثور، وروي عن الشعبي أنه قال: يقبل فيما قل من الحقوق ولا يقبل فيما كثر.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، ولا إعتبار بمن شذ أخيرا عنهم، وظواهر آيات الشهود في الكتاب العزيز مثل قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وهو عام في العبيد إذا كانوا عدولا وغيرهم ولا يلتفت إلى ما يروى مما يخالف هذه الظواهر من طرق الشيعة ولا طرق العامة وإن كثرت لانها تقتضي الظن ولاتنتهي إلى العلم، وهذه الظواهر التي ذكرناها توجب العلم ولا يرجع عنها لما يقتضي الظن، وهذه الطريقة هي التي يجب الرجوع إليها والتعويل عليها، وهي مزيلة لكل شبه في هذه المسألة، ولو كنا ممن يثبت الاحكام بالاستدلالات لكان لنا أن نقول: إذا كان العبد العدل بلا
____________________
(١) مسألة ومما إنفرد به وإتفق كل الامامية خ ل.
خلاف تقبل شهادته على رسول اللهصلىاللهعليهوآله في روايته عنه فلان تقبل في شهادته على غيره أولى.
وكان أبوعلي بن الجنيد من جملة أصحابنا يمنع من شهادة العبد وإن كان عدلا، ولما تكلم على ظواهر الآيات في الكتاب التي تعم العبد والحر إدعى تخصيص الآيات بغير دليل، وزعم أن العبد من حيث لم يكن كفوا للحر في دمه وكان ناقصا عنه في أحكامه لم يدخل تحت الظواهر، وقال أيضا أن النساء قد يكن أقوى عدالة من الرجال ولم تكن شهادتهن مقبولة في كل ما يقبل فيه شهادة الرجال وهذا منه غلط فاحش، لانه إذا إدعى أن الظواهر إذا إختصت بمن تتساوى أحكامه في الاحرار كان عليه الدليل، لانه إدعى ما يخالف الظواهر ولا يجوز رجوعه في ذلك إلى أخبار الآحاد التي يروونها لانا قد بينا ما في ذلك.
فأما النساء: فغير داخلات في الظواهر التي ذكرناها مثل قوله تعالى: (ذوى عدل منكم)، ومثل قوله تعالى: (شهيدين من رجالكم) فانما أخرجنا النساء من هذه الظواهر لانهن ما دخلن فيها، والعبيد العدول داخلون فيها بلا خلاف ويحتاج في إخراجهم إلى دليل.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن شهادة ولد الزنا لا تقبل وإن كان على ظاهر العدالة، وقد روي موافقة الامامية في الاقوال القديمة، فروى الساجي عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: لا تقبل شهادة ولد الزنا، وروى الطبري(١) والساجي عن عبدالله بن عمر مثل ذلك، وحكى الطبري عن يحيى بن سعيد الانصاري ومالك والليث بن سعد أن شهادته في الزنا لا تجوز، وقال مالك: ولا في ما أشبه من الحدود، دليلنا على ذلك إجماع الطائفة عليه.
____________________
(١) وروى الزهري خ ل.
فأن قيل: أليس ظواهر الآيات التي إحتججتم بها تقتضي قبول شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا فكيف إمتنعتم من قبول شهادته مع العدالة وهو دخل في ظواهر الآيات، قلنا: هذا موضع لطيف لا بد من تحقيقه، وقد حققناه في مسألة أمليناها قديما في الخبر الذي يروى بأن ولد الزنا لايدخل الجنة، وبسطنا القول فيها، لان ولد الزنا لا يتعدى إليه ذنب من خلق من نطفته وله حكم نفسه فما المانع من أن يكون عدلا مرضيا، والذي نقوله: أن طائفتنا مجمعة على أن ولد الزنا لا يكون نجيبا ولا مرضيا عند الله تعالى، ومعنى ذلك أن يكون الله تعالى قد علم فيمن خلق من نطفة زنا لا يختار هذا الخير والصلاح.
وإذا علمنا بدليل قاطع عدم نجابة ولد الزنا وعدالته وإن شهد وهو مظهر للعدالة مع غيره لم يلتفت إلى ظاهره المقتضي لظن العدالة به.
ونحن قاطعون على خبث باطنه وقبح سريرته فلا تقبل شهادته، لانه عندنا غير عدل ولا مرضي، فعلى هذا الوجه يجب أن يقع الاعتماد دون ما تعلق به أبوعلي بن الجنيد لانه قال: إذاكنا لانقبل شهادة الزاني والزانية كان ردنا لشهادة من هو شر منهما أولى.
وروى عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: في ولد الزنا أنه شر الثلاثة، وهذا غير معتمد، لان الخبر الذي رواه خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولا يرجع بمثله عن ظواهر الكتاب الموجبة للعلم.
وإذا كان معنى قولهصلىاللهعليهوآله : أنه شر الثلاثة من حيث لم تقبل شهادته أبدا وقبلت شهادة الزانيين إذا تابا، فقدكان يجب على ابن الجنيد أن يبين من أي وجه لم تقبل شهادته على التأييد وكيف كان أسوأ حالا في هذا الحكم من الكافر الذي تقبل شهادته بعد ا لتوبة من الكفر والرجوع إلى الايمان، ويبين كيف لم تقبل شهادته مع إظهار العدالة والصلاح والنسك والعبادة وأنه بذلك داخل في ظواهر آيات قبول
الشهادة وما شرع في ذلك ولا إهتدى له، والوجه هو ما نبهنا عليه الموافق للقول بالعمل بالعدل.
(مسألة) ومما يظن إنفراد الامامية به ولها فيه موافق القول: بأن شهادة الاعمى إذا كان عدلا مقبولة على كل حال، ولا فرق بين أن يكون ما علمه وشهد به كان قبل العمى أو بعده، ووافق الامامية في ذلك مالك والليث بن سعد، قالا: تجوز شهادة الاعمى على ما علمه في حال العمى إذا عرف الصوت في الطلاق والاقرار ونحوهما، وإن شهد على زنا حد للقذف ولم تقبل شهادته.
ووافق الامامية في قبول شهادة الاعمى أيضا داود بن علي، وقال أبوحنيفة ومحمد لا تقبل شهادة الاعمى بحال.
وهو قياس قول ابن شبرمة، وقال أبويوسف وابن أبي ليلى والشافعي ما علمه قبل العمى جاز شهادته، وما علمه في حال العمى لم يجز أن يشهد به.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه زائدا على إجماع الطائفة ظواهر الكتاب التي تلوناها وإستدللنا بها على جواز شهادة العبيد وغيرهم، لان الاعمى داخل في هذه الظواهر ولا يمنع عماه من كونه متناولة له، ومعول من خالفنا في هذه المسألة على أن الاعمى تشتبه عليه الاصوات فلا يحصل له العلم اليقين ولانهم يظنون أن الادراك بالسمع لا يحصل عنده من العلم الضروري ما يحصل عند الادراك بالبصر، وهذا غلط فاحش، لان إشتباه الاصوات كاشتباه الصور والاشخاص، فلو منع التشابه في الاصوات من العلم الضروري لمنع التشابه في الصور منه أيضا، لانهما طريقان إلى العلم الضروري للعاقل مع زوال اللبس، وقد يتعذر زوال اللبس بالسمع كما يتعذر ذلك بالادراك بالبصر، ألا ترى أن الضرير يعرف زوجته ووالديه وأولاده ضرورة وإن كان طريق معرفته إدراك السمع دون البصر، ولا يدخل عليه شك في ذلك
كله، ولو كان لا سبيل له إلى ذلك لم يحل له وطئ إمرأته لتجويزه أن تكون غير من عقد عليها.
وقد إستدل على ما ذكرنا أيضا بأن أزواج النبيصلىاللهعليهوآله كن يحدثن ويخاطبن من وراء حجاب مع فقد مشاهدتهن.
وقد كانت الصحابة تروي عنهن الاخبار وتسند إليهن ما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله وإعتذار من يخالفنا في هذا الموضع بأن باب الخبر أوسع من باب الشهادة لا يغني شيئا، لانه لا يحل لاحد أن يخبر عن غيره إلا على سبيل اليقين لا سيما في رواية عن النبىصلىاللهعليهوآله ويعول في ذلك على الظن دون اليقين، وإذا كان الصحابة تروي عن الازواج بأعيانهن ما سمعوه منهن بالسماع من الاخبار فذلك يدل على أنهم علموهن وميزوهن بالسمع فاستدل المخالف بقوله: (وما يستوي الاعمى والبصير).
فالجواب عنه أن الآية مجملة لم تتضمن ذكر ما لا يستوون فيه، وإدعاء العموم فيما لم يذكر غير صحيح، وظواهر آيات الشهادة تتناول الاعمى كتناولها للبصير إذا كان عدلا، لان قوله تعالى: (وأشهدوا ذوى عدل منكم)، (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) يدخل فيه الاعمى كدخول البصير.
(مسألة) ومما يظن إنفراد الامامية به ولها فيه موافق القول بقبول شهادة الصبيان في الشجاج والجراح إذا كانوا يعقلون ما يشهدون به ويؤخذ بأول كلامهم ولا يؤخذ بآخره.
وقد وافق الامامية في ذلك عبدالله بن الزبير وعروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وابن أبى ليلى والزهري ومالك وأبوالزناد، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يجيزوا شهادة الصبيان في شئ، والمعتمد في هذه المسألة على إطباق الطائفة وهو مشهور من مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام وقد روى ذلك عنه الخاص والعام والشيعي وغير الشيعي وهو موجود في كتب
مخالفينا، ورووا كلهم أن أمير المؤمنينعليهالسلام قضى في ستة غلمان وقعوا في الماء فغرق أحدهم وشهد ثلاثة غلمان على غلامين أنهما غرقا الغلام وشهد الغلامان على الثلاثة أنهم غرقوه، فقضىعليهالسلام بدية الغلام أخماسا على الغلامين ثلاثة أخماس الدية لشهادة الثلاثة عليهما وعلى الثلاثة بخمسي الدية لشهادة الغلامين عليهم، وليس لاحد أن يقول لو قبلت شهادة الصبيان في بعض الامور لقبلت في جميعها كسائر العدول، قلنا: غير ممتنع أن توجب المصلحة قبول شهادة الصبيان في موضع دون موضع كما أنها أوجبت قبول شهادة النساء في بعض المواضع دون بعض، ولم يلزم أن تكون النساء في كل المواضع مقبولات الشهادة من حيث قبلت شهادتهن في بعضها.
مسائل الحدود والقصاص والديات (وما يتصل بذلك)
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن حد الوطي إذا أوقع الفعل فيما دون الدبر بين الفخذين مائة جلدة للفاعل والمفعول به إذا كانا معا عاقلين بالغين لا يراعى في جلدهما وجود الاحصان، كما روعي في الزنا، فأما الايلاج في الدبر فيجب فيه القتل من غير مراعاة أيضا للاحصان فيه، والامام مخير في القتل بين السيف وضرب عنقه به وبين أن يلقى عليه جدارا يتلف نفسه بألقائه أو بأن يلقيه من جدار أو جبل على وجه يتلف معه نفسه بألقائه أو يرميه بالاحجار حتى يموت.
وقد إنفردت الامامية إنفرادا صحيحا ولا موافق لها فيها، فأنه وإن روى عن مالك والليث بن سعد في المتلاوطين أنهما يرجمان احصنا أو لم يحصنا
فهذه لعمري موافقة للامامية من بعض الوجوه ولم يفصلا ذلك التفصيل الذي شرحناه وما أظنهما يوجبان على من لم يكن فعله في نفس الدبر جلدا ولا غيره، وقال أبوحنيفة في اللوطي أنه يعزر ولا يحد.
وقال الليثي وأبويوسف ومحمد وابن حي والشافعي: أن اللواط بمنزلة الزنا وراعوا فيه الاحصان الذي يراعونه في الزنا.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع إلمتردد، وقد ظهر من مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام القول بقتل اللوطي وفعله حجة ومما يذكر على سبيل المعارضة للمخالف أنهم كلهم يروون عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: من وجدتموه على عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.
وقد حكي أنه كان يذهب إليه مع أمير المؤمنينعليهالسلام أبوبكر وابن عباس، ولم يظهر خلاف عليهم هناك وربما قوى هذا المذهب بأن يقال: قد علمنا أن الحدود إنما قد وضعت في الشريعة للزجر عن فعل الفواحش والجنايات وكل ما كان الفعل أفحش كان الزجر أقوى ولا خلاف في أن اللواط أفحش من الزنا، والكتاب ينطق بذلك فيجب أن يكون الزجر عنه أقوى، وليس هذا بقياس لكنه ضرب من الاستدلال، وربما قوى بأن اللواط أفحش من الزنا بأنه إصابة الفرج لا تستباح إصابته بحال، وليس كذلك الزنا وعذر أبي حنيفة كأنه أوسع من عذر الشافعي وأبي يوسف ومحمد لان أبا حنيفة يدعي أنه لم يعثر في الشريعة على دلالة يقتضي وجوب الحد على اللوطي، وكلما لا حد فيه من الجنايات ففيه التعزير، والشافعي ومن وافقه من أبي يوسف ومحمد يجرون اللواط مجرى الزنا في جميع الاحكام، فيا ليت شعري من أين لهم ذلك وكيف حكموا فيه بحكم الزنا، وإسم الزنا لا يتناوله في الشرع، فان قالوا إسم الزنا وإن لم يتناوله فأسم الفاحشة عام في اللواط.
والزنا قلنا: إنما علق النبيصلىاللهعليهوآله الاحكام المخصوصة بأسم الزنا، فلما لم يقع عليه هذا الاسم المعين ليتعلق به الاحكام وإسم الفاحشة وإن عم اللواط فهو يعم الزنا والسرقة وكل القبائح فيجب أن يجعل(١) بجميع هذه الجنايات أحكام الزنا، لان إسم الفاحشه يقع عليها، قال الله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) وإنما أراد جميع القبائح والمعاصي.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن البينة إذا قامت على إمرأتين بالسحق جلدت كل واحدة منهما مائة جلدة مع فقد الاحصان ووجوده فان قامت البينة عليهما بتكرر هذا الفعل منهما وإصرارهما عليه كان للامام قتلهما كما يفعل باللوطي.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يوجبوا شيئا مما أوجبناه.
دليلنا ما تقدم من إجماع الطائفة فلا خلاف بينهم في ذلك، وأيضا فلا خلاف في أن هذا فعل فاحش قوي الخطر يجري مجرى اللواط، وكل شئ كان أزجر عنه فهو أولى، وثبوت الحد فيه أزجر عنه وادعى إلى الامتناع عنه وإنما يرجع مخالفونا في نفي الحد من هذا الموضع إلى الرأي والاجتهاد وقد بينا أنه لا رجوع إلى مثلهما في الشريعة وإنما الرجوع إلى النص والتوقيف.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به القول: بأن من نكح بهيمة وجب عليه التعزير بما هو دون الحد من الزنا وتغريم ثمن البهيمة لصاحبها، وقد روي عن الاوزاعي إيجاب الحد على من أتى البهيمة، وقال باقي الفقهاء: لا حد على من أتى البهيمة ولا تعزير، والمعتمد في ذلك على إجماع الطائفة ويمكن أن يعارضوا بما يروونه هم عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه
____________________
(١) يحصل لجميع خ ل.
واقتلوا البهمية، وإذا كان هذا موجودا في رواياتهم فقد إنضم إلى ما ترويه الشيعة وهو كثير.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من نكح إمرأة ميتة أو تلوط بغلام ميت فان حكمه في العقوبة حكم من فعل ذلك بالحي ولسنا نعرف موافقا من باقي الفقهاء للامامية في ذلك، وإن كانوا مخطئين لفاعله مبدعين له، إلا أنهم ما عرفنا أنهم يوجبون عليه من الحد ما يوجبونه على فاعل ذلك بالحي، والحجة لنا بعد إجماع الطائفة أن هذا فعل فيه بشاعة وشناعة في الشريعة وتمثيل بالاموات، فكلما زجر عنه وباعد عن فعله فهو أولى.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من إستمنى بيده وجب عليه أن يضرب بالدرة على يده الضرب الشديد حتى تحمر، ولم يعرف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة لنا ما تقدم ذكره في المسألة التي تقدمت هذه المسألة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من قامت عليه البينة بالجمع بين النساء والرجال أو الرجال والغلمان للفجور وجب أن يجلد خمسا وسبعين جلدة ويحلق رأسه ويشهر في البلد الذي يفعل ذلك فيه، وتجلد المرأة إذا جمعت بين الفاجرين لكنها لا يحلق رأسها ولا تشهر، ولم يعرف باقي الفقهاء ذلك ولا سمعناه عنهم ولا منهم، والحجة لنا فيه إجماع الطائفة وإن ذلك أزجر وادعى إلى مجانبة هذا الفعل القبيح الشنيع.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية وأهل الظاهر يوافقونهم فيه القول: بأنه يجمع على الزاني المحصن بين الجلد والرجم يبدأ بالجلد ويثنى بالرجم وداود مع أهل الظاهر يوافقونهم في ذلك، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا لا يجمع الجلد والرجم بل يقتصر في المحصن على الرجم، دليلنا على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة.
وأيضا فلا خلاف في إستحقاق المحصن الرجم وإنما الخلاف في إستحقاق الجلد، والذي يدل على إستحقاقه إياه قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة) والمحصن يدخل تحت هذا الاسم فيجب أن يكون مستحقا للجلد، وكأنه تعالى قال: اجلدوهما لاجل زناهما، وإذا كان الزنا علة في إستحقاق الجلد وجب في المحصن كما وجب في غيره وإستحقاقه للرجم غير مناف لاستحقاقه للجلد، لان إجتماع الاستحقاقين لا يتنافى، وليس يمكنهم أن يدعوا دخول الجلد في الرجم كما يدعون دخول المسح في الغسل لان من المعلوم أنه متميز منه وغير داخل فيه.
فان قالوا: هذه الآية محمولة على الابكار، قلنا: هذا تخصيص بغير دليل فان عولوا في تخصيصه على ما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال فان إعترفت فارجموها ولم يذكر الجلد.
قلنا: هذا أولا خبر واحد غاية حاله إذا سلم من كل قدح أن يوجب الظن، وأخبار الآحاد لا يختص بها ظواهر الكتاب الموجبة للعلم، وإذا سلمناه فليس فيه أكثر من خلو الخبر من ذكره للجلد، وذلك لا يسقط وجوبه، ألا ترى أنهم كلهم يدفعون إستدلالهم من إستدل على أن الشهادة في النكاح ليست بواجبة بأن يقول: ان الله تعالى ذكر النكاح في مواضع من الكتاب ولم يذكر الشهادة في آيات النكاح ولا شرطها بأن يقولوا عدم ذكر الشهادة في آيات النكاح لا يدل على أنها ليست بواجبة، وما سبيل المحتج بذلك إلا سبيل من قال: أن الوضوء ليس بواجب، لان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: من نام عن صلاة ونسيها فليصلها إذا ذكرها ولم يذكر الوضوء ولم يشرطه ها هنا ولم يدل نفي إشتراطه على نفي وجوبه.
فان إحتج المخالف بما رواه قتادة عن سمرة عن ا لحسن بن محمد أن
جابرا قال كنت فيمن رجم ماعزا ولم يجلده رسول اللهصلىاللهعليهوآله فالجواب عن ذلك أن هذا أيضا خبر واحد لا يختص به ظواهر الكتاب الموجبة للعلم، وقد طعن في هذا الخبر لان قتادة دلسه وقال عن سمرة ولم يقل حدثني وبعد فان هذه شهادة بنفي ولا يتعلق إلا بعلمه، كأنه قال: لم أعلم أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله جلده وفقد علمه بذلك لا يدل على أنه لم يكن، وغير ممتنع أن يجلده من حيث لا يعلم، فظاهر الخبر أن جابر عنى بقوله كنت فيمن رجم ماعزا، ولم يجلده رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنما أراد لم يجلده في المجلس الذي رجم فيه، لانه قال: كنت فيمن رجم ولم يجلده النبيصلىاللهعليهوآله ولو كان قصده إلى نفي الجلد على كل حال لم يكن في قوله كنت فيمن رجم معنى ألا ترى أن رجلا لو قال: ما أكل عمرو الطعام وهو يريد منه ثلاثة أيام لم يجز أن يقوى قوله فاني كنت معه طول البارحة فلم يطعم وإنما يحسن هذا القول منه إذا كان يريد في أكله مدة ملازمته له.
وقد قيل أن غاية ما في الخبر أن ظاهره يقتضي أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما باشر جلده بنفسه وذلك لا يدل عى أنه لم يأمر غيره بجلده.
والقول في الخبر الذي يرويه نافع عن ابن عمر أن النبيصلىاللهعليهوآله رجم اليهوديين ولم يجلدهما يجري مجرى الكلام في هذا الخبر على أن هذا الخبر الذي رووه معارض بما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: الثيب بالثيب تجلد مائة جلدة والرجم، وهذا يعارض رواياتهم ويسقط الرجوع عن ظاهر الكتاب بها، وإذا كان هذا موجودا في رواياتهم فما ترويه الشيعة من ذلك لا يحصى كثرة من إجتماع الجلد والرجم.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الحر البكر إذا زنا فجلد ثم عاد فجلد ثم عاد الثالثة فجلد أنه إن عاد الرابعة قتله الامام، والعبد يقتل في الثامنة.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يقولوا بشئ منه، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وأيضا فقد علمنا أن إيجاب القتل على من عادوا إلى الرابعة أزجر وادعى إلى تجنب ذلك وما هو أزجر من القبائح فهو أولى، ولاننا أيضا قد علمنا أن من عاود الزنا بعد الجلد لا يكون حاله في الجرأة على الله والتجاسر على معصيته حاله في الاولى والثانية، بل لا بد من أن يكون كالمتهاون والمستصغر للمعاصي فمن المحال أن يكون عقابه عقاب الاول للفرق ما بينهما من فحش الذنب وعظمه وتأكده.
فان قالوا: لو إستحق البكر القتل في الرابعة للحق البكر بالثيب، قلنا: الفرق بينهما أن المحصن يقتل في الاولى، ومن ليس بمحصن يقتل في الرابعة، فأن عولوا على ما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله لا يحل دم إمرئ مسلم بكفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل النفس التي حرمها الله تعالى، والمعاود للزنا في الرابعة ليس بواحد منهم، قلنا: هذا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ولا يثبت بمثله الاحكام ويعارضه من أخبارنا المتضمنة للقتل في الرابعة ما هو أولى منه وأوكد، وقد يستحق القتل في الشريعة جماعة لم يدخلوا تحت لفظ هذا الخبر فغير ممتنع مثل ذلك فيمن ذكرناه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن شارب الخمر المحدود في الاولى والثانية يقتل في الثالثة، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يوجبوا عليه قتلا في معاودة شرب الخمر على وجه من الوجوه، والطريقة في نصرة هذه المسألة هي الطريقة في النصرة التي قبلها بلا فصل، ولا معنى لتكرار ذلك.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن شارب الفقاع يحد حد شارب الخمر وتجري أحكامهما مجرى واحدا، وخالف باقي الفقهاء في ذلك والحجة لنا فيه بعد إجماع الطائفة أنه قد ثبت تحريم شرب الفقاع بما
دللنا عليه في هذا الكتاب، وكل من حرمه أوجب فيه حد الخمر والتفرقة بين الامرين خلاف إجماع الامة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الاحصان الموجب في الزاني الرجم هوأن يكون له زوجة أو ملك يمين يتمكن من وطئها متى شاء من غير حايل عن ذلك بغيبته أو مرض منهما أو حبس دونه سواء كانت الزوجة حرة أو أمة ملية أو ذمية، لان هذه الصفات إذا ثبتت فهو مستغن بالحلال عن الحرام، ونكاح المتعة عندنا لا يحصن على أصح الاقوال لانه غير دائم ومعلق بأوقات محدودات، وفرقوا بين الغيبة والحيض، لان الحيض لا يمتد وربما إمتدت الغيبة، ولانه قد يتمتع من الحائض بما دون موضع الحيض وليس كذلك الغيبة.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه الاحصان أن يكونا حرين مسلمين بالغين قد جامعها وهما بالغان.
وروي عن أبي يوسف أن المسلم يحصن النصرانية ولا تحصنه، وروي عنه أيضا أن النصراني إذا دخل بامرأته النصرانية ثم أسلما أنهما محصنان بذلك الدخول، وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال قال ابن أبي ليلى إذا زنا اليهودي والنصراني بعد ما أحصنا فعليهما الرجم.
وقال أبويوسف وبه نأخذ وقال مالك: تحصن الامة الحر ويحصن العبد الحرة، ولا تحصن الحرة العبد وتحصن اليهودية والنصرانية المسلم، وتحصن الصبية الرجل وتحصن المجنونة العاقل، ولا يحصن الصبي المرأة، ولا يحصن العبد الامة إذا جامعها في حال الرق، ثم أعتقا لم يكونا محصنين بذلك الجماع حتى يجامعها بعد العتق، وقال مالك: إذا تزوجت الحرة خصيا وهي لا تعلم أنه خصي فوطئها ثم علمت أنه خصي فلها أن تختار فراقه ولا يكون ذلك الوطئ إحصانا وقال الثوري: لا يحصن بالنصرانية ولا اليهودية والمملوكة، وقال الاوزاعي
في العبد تحته حرة إذا زنا فعليه الرجم، فإذا كانت تحته أمة فأعتق ثم زنا فليس عليه الرجم حتى ينكح غيرها.
وقال في الجارية التي لم تحصن أنها تحصن الرجل والغلام الذي لم يحتلم لا يحصن المرأة، ولو تزوج إمرأة فاذا هي اخته من الرضاعة فهذا إحصان، وقال الحسن بن حي: لا يكون محصنا بالكافرة ولا الامة ولا يحصن إلا بالحرة المسلمة، وتحصن المشركة بالمسلم، ويحصن المشركان كل واحد منهما لصاحبه وقال الليث في الزوجين المملوكين لا يكونان محصنين حتى يدخل بهما بعد عتقهما، فان تزوج إمرأة في عدتها فوطئها ثم فرق بينهما فهذا إحصان.
وقال في النصرانيين لا يكونان محصنين حتى يدخل بها بعد إسلامهما.
وقال الشافعي: إذا دخل بامرأة وهما كافران فهذا إحصان.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة أن الاحصان إسم شرعي تحته حكم شرعي بغير شبهة، ولا خلاف في أن الحر المسلم إذا كان عنده زوجة كذلك يتمكن من وطئها بغير مانع عنه فأنه محصن.
وإدعى من خالفنا الاحصان في مواضع أخر خالفناهم فيها فعليهم الدلالة الشرعية على ذلك، وإنما يرجعون فيه إلى الآراء والظنون وبمثل ذلك لا تثبت الاحكام الشرعية، فان قالوا أنتم تدعون أيضا ثبوت حكم الاحصان في موضع الخلاف مثل إحصان المملوكة والذمية، قلنا: دليلنا على لحوق هذا الحكم في تلك المواضع التي فيها الخلاف هو إجماع الطائفة المبني على العلم اليقين دون الظن، وكان موضع الوفاق لنا عليه دليل إجماع الطائفة مضافا إلى إجماع الامة، والمواضع التي يدعي مخالفونا ثبوت الاحصان فيها ونحن ننفيه دليلنا على نفيه أنه حكم شرعي ولا دليل شرعي يقتضي ثبوته، وما يدعى ثبوت الاحصان فيه ومخالفونا في ثبوته يرجع في ثبوته إلى دليل إجماع الطائفة.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن من زنى بذات محرم ضربت عنقه
محصنا كان أو غير محصن، ومن عقد على واحدة منهن وهو عارف برحمه منها ووطئها إستحق ضرب العنق وحكمه حكم الوطئ لهن بغير عقد، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة والثوري: فيمن عقد على ذات محرم ووطئ أنه لا يحد ويعزر.
وقال أبويوسف ومحمد: يحد إذا علم تحريمها عليه، وقال مالك: يحد ولا يلحق نسب الولد به إن لم تعلم هي بذلك، وإن كانت هي قد علمت وهو لا يعلم الحق به الولد وأقيم عليه الحد، وقال ابن شبرمة من أقر أنه تزوج إمرأة في عدتها وهو(١) يعلم أنها محرمة ضربته ما دون الحد، وكذلك المتمتع، وقال الاوزاعي في الذى يتزوج بالمجوسية وبالخامسة والاختين إن كان جاهلا ضرب مائة وألحق به الولد، وإن كان متعمدا رجم ولا يلحق به الولد.
وقال الحسن بن حي: في من تزوج إمرأة في العدة وهو لا يعلم أنها لا تحل له أو ذات محرم منه اقيم عليه الحد إذا وطئ وهو قول الشافعي، وقال الشافعي: فأن إدعى الجهالة بأن لها زوجا وأنها في عدة حلف ودرئ عنه الحد.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وأن تغليظ الحد أزجر عن الفعل المحدود عليه، ومما يمكن أن يعارض به ما هو موجود في رواياتهم عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: من وقع على ذات رحم له فاقتلوه، ولم يفرق بين أن يقع عليها بنكاح أو غيره، ولا يجوز أن يحمل هذا الخبر على أن المراد به أنه إذا وقع عليها وهو معتقد لاباحة الفعل لان الخبر عام وتخصيصه يحتاج إلى دليل، ولان النبيصلىاللهعليهوآله إختص ذوات المحارم والاجانب فيما ذكروه كذوات المحارم، لان
____________________
(١) وهو لا يعلم خ ل.
من وقع على أجنبية محرمة، وإعتقد إباحة وقوعه عليها كان بذلك كافرا على كل حال.
ومما يوجد في رواياتهم حديث البراء في رجل تزوج إمرأة أبيه قال أبوبردة: فأمرني النبيصلىاللهعليهوآله أن أقتله، وقال أبوحنيفة إن الحدود تسقط بالشبهات، وإنه إذا عقد على ذات محرم مع العلم بحالها كان هذا عقدا بشبهة، طريف لانه لا شبهة في هذا العقد إذا فرضنا أنه عالم بأنها ذات محرم، لان الحد إنما يبطل بشبهة ترجع إلى الفاعل وهو إعتقاده إباحة الوطئ أو لشبهة تعود إلى المفعول به، وهو أن يكون في الموطوء ملك أو شبهة ملك أو لشبهة في الفعل بأن يختلف في إباحته ولم يوجد أحد هذه الامور ها هنا، فإذا قالوا ها هنا شبهة عقد، قيل لم يبح الوطئ ولم يزل الحكم عن تحريمه فلا يكون شبهة في سقوط الحد.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الذمي إذا زنى بالمسلمة ضربت عنقه وأقيم على المسلمة الحد إن كانت محصنة جلدت ثم رجمت، وإن كانت غير محصنة جلدت مائة جلدة، وما نعرف موافقا لنا من باقي الفقهاء في ذلك، والوجه في صحة قولنا زائدا على إجماع الطائفة أن هذا الفعل من الذمي خرق للذمة وإمتهان للاسلام وجرأة على أهله، ولا خلاف في أن من خرق الذمة كان مباح الدم.
فأن قيل: كيف يقتل من لم يكن قاتلا، قلنا: كما نقتله مع الاحصان وليس بقاتل ويقتل المرتد وليس بقاتل، وبعد فاذا جاز أن يتغلظ في الشريعة حكم زنا المحصن حتى يلحق بأخذ النفس ما المنكر من أن يتغلظ أيضا زنا الذمي بالمسلمة حتى يلحق بوجوب تناول النفس.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من غصب إمرأة على نفسها ووطئها مكرها لها ضربت عنقه محصنا كان أو غير محصن، وخالف باقي
الفقهاء في ذلك، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وأيضا من المعلوم أن هذا الفعل أفحش وأشنع في الشريعة وأغلظ من الزنا مع الراضي فيجب أن يكون الحد فيه أغلظ وأزجر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من زنا بجارية أبيه جلد الحد، وإن زنا الاب بجارية إبنه أو إبنته لم يجلد الحد لكنه يعزر بحسب ما يراه السلطان، ولم يعرف باقي الفقهاء ذلك، والوجه في صحة قولنا زائدا على إجماع الطائفة أنه غير ممتنع أن تكون حرمة الابوة وما عظمه الله تعالى من شأنها يقتضي إسقاط الحد في هذا الموضع، كما أسقطت الحد في قتل رجل لابنه، وإذا كانت المصلحة لا يمتنع أن يقتضي ما ذكرناه، وأجمعت الطائفة عليه وفي إجماعها الحجة، وظهرت الروايات فيها به وجب العمل عليه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن السارق يجب قطع يده من أصول الاصابع وتبقى له الراحة والابهام وفي الرجل تقطع من صدر القدم ويبقى له العقب.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا كلهم إلى أن قطع اليد من الرسغ والرجل من المفصل من غير تبقية قدم، وذهب الخوارج إلى أن القطع من المرفق، وروى عنهم أنه من أصل الكتف، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد أن الله تعالى أمر بقطع يد السارق بظاهر الكتاب وإسم اليد يقع على هذا العضو من أوله إلى آخره، ويتناول كل بعض منه، ألا ترى أنهم يسمون كل من عالج شيئا بأصابعه أنه قد فعل شيئا بيده، قال الله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) كما يقولون فيمن عالج شيئا براحته أنه قد فعل بيده، وآية الطهارة تتضمن التسمية باليد إلى المرافق، فاذا وقع إسم اليد على هذه المواضع كلها، وأمر الله تعالى أن تقطع يد السارق
ولم ينضم إلى ذلك بيان مقطوع عليه في موضع القطعوجب الاقتصار على أقل ما يتناوله إسم اليد، لان القطع والاتلاف محظور عقلا، فإذا أمر الله تعالى به ولا بيان وجب الاقتصار على أقل ما يتناوله الاسم.
ومما وقع الخلاف فيه وهو ما ذهبت الامامية إليه.
فأن قيل: فهذايقتضي أن يقتصر على قطع أطراف الاصابع ولا يوجب أن يقطع من أصولها.
قلنا: الظاهر يقتضى ذلك والاجماع منع منه، فأن إحتج المخالف بما يروونه من أن النبيصلىاللهعليهوآله قطع من الكرسوع، قلنا: هذا ما ثبت على وجه يوجب اليقين وإنما هو في أخبار الآحاد، ويعارضه ما رويناه مما يتضمن خلاف ذلك وقد روى الناس كلهم أن أمير المؤمنينعليهالسلام قطع من الموضع الذي ذكرنا ولم نعرف له مخالفا في الحال ولا منازعا له.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من سرق ما يبلغ نصاب القطع من حرز قطعت يمينه من الموضع الذي ذكرناه فان سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى، فان سرق ثالثة بعد قطع رجله اليسرى خلد في الحبس إلى أن يموت أو ير الامام رأيه، فان سرق في الحبس من حرز ما هو نصاب القطع ضربت عنقه، وليس لاحد من باقي الفقهاء هذا التفصيل لان الشافعي يقول: إذا سرق ثانية قطعت رجله اليسرى، وإذا سرق ثالثة قطعت يده اليسرى، وأبوحنيفة يذهب إلى أن رجله اليسرى تقطع في الثانية، وفي الثالثة يحبس، فكأن أبوحنيفة قد ساوانا في إيجابه في الثالثة الحبس دون القطع إلا أنه يخالفنا في إيجاب القتل عليه متى سرق بعد ذلك، وقوله أقرب إلى قولنا على كل حال، وإنفرادنا بالترتيب الذي رتبناه ظاهر.
ومما يمكن أن يعارضوا به أن قتل السارق موجود في رواياتهم لانهم يروون عن جابر أن النبيصلىاللهعليهوآله قتل السارق في الخامسة.
وقد روى مخالفونا في كتبهم أن عثمان بن عفان وعبدالله بن عمر وعمر ابن عبدالعزيز قتلوا سارقا بعد ما قطعت أطرافه.
وقد روى من يخالفنا في قتل السارق إذا تكررت سرقته أخبارا معروفة فكيف ينكرون علينا ما هو موجود في رواياتهم، ومن تأول تلك الاخبار على أنه يجوز أن يكون القتل فيهما للقود لا للسرقة تارك للظاهر بعيد للتأويل والظاهر يقضى عليه ويبطل قوله.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأنه إذا إشترك نفسان أو جماعة في سرقة ما يبلغ النصاب من حرز قطع جميعهم.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد.
وأيضا قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) والظاهر يقتضي أن القطع إنما وجب بالسرقة المخصوصة وكل واحد من الجماعة يستحق هذا الاسم فيجب أن يستحق القطع.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من ضرب إمرأة فألقت نطفة كان عليه ديتها عشرون دينارا.
فأن ألقت علقة فأربعون دينارا فان ألقت مضغة فستون دينارا.
فان ألقته عظما مكتسيا لحما فثمانون دينارا فان ألقت جنينا لم ينفخ فيه الروح فمائة دينار.
وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ولا يعرفون هذا الترتيب الذي ذكرناه.
دليلنا على صحة ذلك إجماع الطائفة، وأنه غير ممتنع أن تتعلق المصلحة بما ذكرناه فأن الاحكام تابعة للمصالح وإن إمتنعوا من جواز تعلق المصلحة بالترتيب الذي رتبناه طولبوا بالدليل على إمتناعهم فانهم لا يجدونه، فإذا أقروا بجواز تعلق المصلحة به فلا بد من ذلك.
قلنا: إذا أجمعت الطائفة على هذه الاحكام وإنتشرت في رواياتها(١)
____________________
(١) رواياتهم وأحاديثهم خ ل.
وأحاديثها وجب القول بها، وعلى أقل الاحوال يسقط التعجب الشديد منكم والشناعة وأنكم تكثرون التعجب من أقوالنا هذه ولا وجه يقتضيه إلا الهوى.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من أفزع رجلا وهو مخالط لزوجته حتى عزل الماء عنها لاجل إفزاعه إياه فعليه عشر دية الجنين، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يرضوا بالخلاف حتى عجبوا منه.
وشنعوا به، والطريقة التي ذكرناها في المسألة المتقدمة لهذه بلا فصل هي الحجة في المسألتين ومزيلة للتعجب منهما.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الاثنين وما زاد عليهما من العدد إذا قتلوا واحدا فان أولياء الدم مخيرون بين أمور ثلاثة: أحدها أن يقتلوا القاتلين كلهم ويؤدوا أفضل ما بين دياتهم ودية المقتول إلى أولياء المقتولين، والامر الثاني أن يتخيروا واحدا منهم فيقتلوه ويؤدي المستبقون ديته إلى أولياء صاحبهم بحساب أقساطهم من الدية فان إختار أولياء المقتول أخذ الدية كانت على القاتلين بحسب عددهم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وإن إختلفت أقوالهم.
فقال معاذ بن جبل وابن الزبير وداود بن علي أن الجماعة لا تقتل بواحد ولا الاثنان بواحد، وقال باقي الفقهاء من أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ومن عداهم إن الجماعة إذا إشتركت في القتل قتلت بالواحد غير أنهم لم يذهبوا إلى ما ذهبت الامامية إليه من تحمل دية من زاد على الواحد ودفعها إلى أولياء المقتولين وهذا موضع الانفراد.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، ولان ما ذكرناه أشبه بالعدل، لان الجماعة إنما أتلفت نفسا واحدة فكيف تؤخذ النفوس الكثيرة بالنفس الواحدة، وإذا إتبعنا في قتل الجميع بالواحد الروايات المتظاهرة الواردة بذلك فلا بد فيها مما ذكرته الامامية من الرجوع بالدية، وكلامنا
في هذه المسألة مع من أنكر قتل ا لجماعة بواحد من داود بن علي ومن وافقه من معاذ بن جبل وابن الزبير ومع باقي الفقهاء الذين ذهبوا إلى قتل الجماعة بواحد من غير أن يلتزم دية لورثة المقتولين.
والذي يدل على الفصل الاول زائدا على إجماع الطائفة قوله تعالى: (ولكم في القصاص حيوة) ومعنى هذا أن القاتل إذا علم أنه إن قتل قتل كف عن القتل، وكان ذلك أزجر له عنه، وكان داعيا إلى حياته وحياة من هم بقتله، فلو أسقطنا القود في حال الاشتراك سقط هذا المعنى المقصود بالآية، وكان من أراد قتل غيره من غير أن يقتل به شارك غيره في قتله فسقط القود عنهما.
ومما يمكن معارضة من ذهب إلى هذا المذهب به ما يروونه ويوجد في كتبهم في خبر أبى شريح الكعبى من قولهعليهالسلام فمن قتل بعدة قتيلا فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذو الدية، ولفظة من يدخل تحته الواحد والجماعة دخولا واحدا.
ويمكن أن يستدل أيضا على من خالف في قتل الجماعة بواحد بقوله تعالى: (فمن إعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما إعتدى عليكم)، والقاتلون إذا كانوا جماعة فكلهم معتد فيجب أن يعاملوا بمثل ما عاملوا به القتيل، فان قالوا الله تعالى يقول: (النفس بالنفس والحر بالحر)، وهذا ينفي أن تؤخذ نفسان بنفس وحران بحر.
قلنا: المراد بالنفس والحر ها هنا الجنس لا العدد، فكأنه قال: إن جنس النفوس تؤخذ بجنس النفوس، وكذلك جنس الاحرار، والواحد والجماعة يدخلون في ذلك.
فان قيل: إذا إشتركت الجماعة في القتل فليس كل واحد من الجماعة منهم قاتلا وليس يجوز أن يقتل من ليس بقاتل، قلنا: كل واحد من
الجماعة قاتل في حال الاشتراك ويطلق عليه هذا الاسم، فكيف ظننتم أنا لا نطلق على أن كل واحد قاتل، فإذا قالوا والقاتل لا بد له من مقتول فكيف يقولون في الجماعة؟ قلنا: مقتول الجماعة واحد وإن كان القتلة جماعة وكل واحد من القاتلين هو قاتل للنفس التي قتلها القاتل الآخر، ويجري ذلك مجرى جماعة حملوا جسما وكل واحد منهم حامل ومحمول الجماعة واحد وهو الجسم، وكذلك مقتول الجماعة المشتركين في القتل واحد وإن كان فعل أحدهم غير فعل صاحبه، كما أن حمل كل واحد من حاملي الجسم غير حمل صاحبه وفعله غير فعله، وإن كان المحمول واحدا، وبيان هذه الجملة أن القتل إذا كان على ما ذكرناه في مواضع كثيرة من كلامنا هو نقض البنية التي لا تبقى الحياة مع نقضها، وكان نقض هذه البنية قد يفعله الواحد منا منفردا وقد يشترك الجماعة في نقض بنية الحياة فيكونون كلهم ناقضين لها ومبطلين للحياة، وهذا هو معنى القتل، فثبت أنه قد وجد من كل واحد من الجماعة معنى القتل وحقيقته فيجب أن يسمى قاتلا.
ووجدت لبعض من نصر هذا المذهب أعني القول بجواز قتل الجماعة بواحد كلاما سأل فيه نفسه فقال: إذا كان كل واحد من الجماعة قاتلا فينبغي أن يكون كل واحد منهم قاتلا لنفس غير التي قتلها صاحبه، وأجاب عن هذا الكلام بأن كل واحد من الجماعة قاتل لكنه ليس بقاتل نفس كما أن الجماعة إذا أكلت رغيفا فكل واحد منهم آكل لكنه ليس بآكل رغيف، وهذا غلط من القائل، لان كل واحد من الجماعة إذا إشتركوا في القتل قاتل كما قال، فلا بد أن يكون قاتل نفس فكيف يكون قاتلا وما قتل نفسا، غير أن النفس التي قتلها واحد من الجماعة هي النفس التي قتلها شركاؤه والنفس واحدة والقتل مختلف كما قلناه في الجسم المحمول.
وليس كذلك الرغيف لان الجماعة إذا أكلت رغيفا فكلهم أكلوا، وليس كل واحد منهم آكل رغيف وإنما أكلت الجماعة الرغيف وكل واحد منهم إنما أكل بعضه لان الرغيف يتبعض النفس لا تتبعض، كما أن حمل الجسم الثقيل لا يتبعض فما يحمله كل واحد من الجماعة هو الذي يحمله الآخر، وكذلك يجب أن يكون من قتله واحد من الجماعة إذا إشتركوا في القتل هو الذي قتله كل واحد منهما، وتحقيق هذا الموضع ليس من عمل الفقهاء، ولا مما يهتدون إليه لفقد علمهم بأصوله فلا يجب أن يتعاطوه فيفتضحوا.
فان قيل: قد ثبت أن الجماعة إذا إشتركوا في سرقة النصاب لم يلزم كل واحد منهم القطع وإن كان كل واحد منهم إذا إنفرد بسرقة لزمه القطع وأي فرق بين ذلك وبين القتل مع الاشتراك، قلنا: الذي نذهب إليه وإن خالفنا فيه الجماعة إنه إذا إشترك نفسان في سرقة شئ من حرز وكان قيمة المسروق ربع دينار فصاعدا فانه يجب عليهما القطع معا، فقد سوينا بين القتل والقطع وإنما ينبغي أن يسئل عن الفرق بين الامرين من فرق بينهما فان قالوا: كما لم يجب على كل واحد من الجماعة إذا إشتركوا في قتل الخطأ دية كاملة لم يجب عليهم قصاص كامل، قلنا: الدية تتبعض فيمكن تقسيطها عليهم، والقصاص لا يتبعض.
فأما الكلام على من شاركنا من الفقهاء في قتل الجماعة بالواحد وإنفرادنا عنه بذلك الترتيب الذى رتبناه فهو أنا نقول هذه الجماعة إنما قتلت نفسا واحدة وإن إشتركوا في قتلها، وإذا أخذت الانفس الكثيرة بتلك النفس على ما ورد به الشرع فلا بد مما ذكرناه من ردالدية على أولياء المقتولين حتى تخلص نفس واحدة بنفس واحدة، ويسلم مع ذلك جواز قتل الجماعة بالواحد، فان قالوا: نرى من مذهبكم هذا عجبا لانكم توجبون قتل الجماعة بواحد
وتذهبون إلى أن هذا القتل مستحق لا محالة.
فإذا كان قتلامستحقا كيف تجوز أن يؤخذ بأزائه دية، أو ليس قتل الواحد بالواحد لما كان مستحقا لم يكن فيه دية تعود إلى أحد؟ قلنا: هذا القتل وإن كان مستحقا بمعنى أنه يحسن من ولي الدم أن يطالب به فغير ممتنع أن يكون الشرط في حسنه ما ذكرناه من إعطاء الدية، وأن يكون المصلحة إقتضت الترتيب الذي ذكرناه، فوجوه المصالح غير مضبوطة ولا محدودة، والزجر والردع عن قتل الجماعة للواحد على سبيل الاشتراك ثابت، لانه لا فرق في زجر الجماعة عن الاشتراك في قتل الواحد بين أن يقتل به، ولادية راجعة على أحد وبين أن يقتل به مع رجوع الدية على الوجه الذي ذكرناه، لانه من علم أنه متى قتل قتل وإستحق القتل مع الانفراد والاشتراك كان ذلك زاجرا له عن القتل.
فان إحتج من نفى قتل الجماعة بالواحد بما يروونه عن جويبر عن الضحاك عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا يقتل إثنان بواحد وهذا الخبر إذا سلم من كل قدح وتضعيف لا يرجع بمثله عن الادلة الموجبة للعلم، وقد ضعفه أهل النقل وطعنوا على رواته، مع أن خبر الضحاك عن النبيصلىاللهعليهوآله مرسل، وقد تأوله قوم على أن المراد به أنه لا يقتل إثنان بواحد إذا كان أحدهما خاطئا.
ومما يقوي هذا المذهب الذي إختصصنا به أنه لا خلاف في أن الواحد إذا قتل جماعة لم يكاف دمه دماؤهم حتى يكتفي بقتله عن جماعتهم بل يقتل بواحد منهم وتجب الدية للباقين فيجب في الجماعة إذا قتلت واحدا مثل هذا الاعتبار حتى يكونوا متى قتلوا به عادوا على أولياء المقتولين الدية المأخوذة من قاتل الجماعة بالواحد، لان دم الواحد لا يكافى دم الجماعة ولا ينوب منا بها فكذلك يجب في دم الجماعة والواحد.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن الرجل إذا قتل إمرأة عمدا وإختار أولياؤها الدية كان على القاتل أن يؤديها إليهم وهي نصف دية الرجل فان إختار الاولياء لقود وقتل الرجل بها كان لهم ذلك على أن يؤدوا إلى ورثة الرجل المقتول نصف الدية ولا يجوز لهم أن يقتلوه إلا على هذا الشرط، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يوجبوا على من قتل الرجل بالامرأة شيئا من الدية، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، ولان نفس المرأة تساوي نفس الرجل بل هي على النصف منها فيجب إذا أخذت النفس الكاملة بالناقصة أن يرد فضل ما بينهما.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الثلاثة إذا قتل أحدهم وأمسك الآخر وكان الثالث عينا لهم حتى فرغوا أنه يقتل القاتل ويحبس الممسك أبدا حتى يموت وتسمل عين الناظر لهم.
وقد روي عن ربيعة الرأي أنه يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت وهذه موافقة للامامية، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه فيمن أمسك رجلا حتى قتله آخر أن القود على القاتل دون الممسك ويعزر الممسك، وقال ابن وهب عن مالك إذا أمر الرجل عبده أن يقتل رجلا فقتله، فان كان العبد أعجميا قتل السيد، وإن كان غير أعجمي قتل العبد، وقال ابن القاسم عن مالك في الممسك للرجل حتى يقتله غيره أن عليهما جميعا القصاص لان الماسك قد أراد قتله.
وقال الليث بمثل قول مالك، وقال الليث فان أمسكه ليضربه فقتله قتل القاتل وعوقب الآخر، وقال الليث: لو أمر غلامه أن يقتل رجلا فقتله قتلا به جميعا، وحكى المزني عن الشافعي أنه يقتل الذابح دون الممسك، كما يجلد الزاني دون الممسك.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وأيضا فانا نرجع في
الترتيب الذي ذكرناه إلى نص وتوقيف ومخالفنا يرجع إلى رأي وظن وحسبان فكيف يجوز أن يقتل الممسك وليس بقاتل، ومما يمكن أن يعارضوا به ما رووه وهو موجود في كتبهم أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: فيمن قتل غيره وأمسك الآخر أنه يقتل القاتل ويصبر الصابر، وقال أبوعبيدة القاسم بن سلام معناه يحبس الممسك، لان الصبر في اللغة الحبس.
فان إحتجوا بما يروى عن عمر بن الخطاب أنه قتل تسعة بواحد ثم قال لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم أي يتعاونون، والامساك معاونة للقتل لا محالة فينبغي أن يستحق به القتل، قلنا: هذا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ولا يرجع بمثله عن الادلة الموجبة للعلم، ومعنى المتمالي في الخبر هو المشاركة في القتل والتعاون عليه، وإذا كان الممسك ليس بشريك في القتل فلا يجوز أن يستحق القتل.
فان قيل: إن الممسك والذابح تعاونا على القتل فلزمهما القود، كما لو جرحاه جميعا فمات، قلنا: الممسك غير معاون على القتل ولا شريك فيه.
وإنما هو ممكن من الفعل والتمكين لا يتعلق به حكم الفعل الممكن منه، ألا ترى أن من أمسك إمرأة حتى زنى بها غيره لا يلزمه حكم الزنا الذي هو الحد، على أن الجارحين لو إنفرد كل واحد منهما بالفعل لم يلزمه القود كذلك إذا شاركا، والممسك لو إنفرد بالامساك لم يلزمه القود، فلم يلزم مع المشاركة.
فان قيل: قد إتفقنا على أن المحرم إذا أمسك صيدا فقتله آخر أن الضمان يلزم كل واحد منهما وأي فرق بين ذلك وبين إمساك الآدمي للقتل؟ قلنا: إنما لزمه ضمان الصيد بالامساك، لان الصيد مضمون باليد، ألا ترى أنه لو أمسكه فمات في يده لزمه ضمانه وبالامساك قد حصلت له عليه يد، والآدمي لايضمن باليد، لانه لو أمسكه حتى مات في يده لم يلزمه ضمانه، وكذلك إذا أمسكه فقتله آخر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من قطع رأس ميت فعليه مائة دينار لبيت المال.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وإذا قيل: كيف يلزم دية وغرامة، وهو ما أتلف عضو الحي، قلنا: لا يمتنع أن يلزمه ذلك على سبيل العقوبة لانه قد مثل بالميت بقطع رأسه فاستحق العقوبة بلا خلاف، فغير ممتنع أن تكون هذه الغرامة من حيث كانت مؤلمة له، وتألمه يجري مجرى العقوبة من جملتها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من كان معتادا لقتل أهل الذمة مدمنا لذلك، فللسلطان أن يقتله بمن قتله منهم إذا إختار ذلك ولي الدم ويلزم أولياء الدم فضل ما بين دية المسلم والذمي، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يعرفوه.
دليلنا على صحته الاجماع المتردد، ولان ولي دم الذمي إذا إختار قتل المسلم فقد أخذ نفسا كاملة بنفس ناقصة فلا بد إذا من أداء الفضل بين القيمتين كما قلنا في المرأة والرجل، فاذا قيل: فأنتم تمنعون أن يقتل المسلم بالكافر وقد أجزتموه ها هنا، قلنا: نحن نمنع من ذلك فيمن لم يكن معتادا للقتل فأما المعتاد له والمصر عليه فغير ممتنع أن يختلف حكمه، وأن يستحق ما لا يستحقه من لم يكن لذلك معتادا.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن من وجد مقتولا فجاء رجلان فقال: أحدهما أنا قتلته عمدا، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ، ان أولياء المقتول مخيرون بين الاخذ للمقر بالعمد وبين الاخذ للمقر بالخطأ، وليس لهم أن يقتلوهما جميعا، ولا أن يلزموهما جميعا الدية، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والذي يدل على صحة ما قلناه: الطريقة
المتكررة، ولاننا نسند ما ذهبنا إليه في هذه المسألة إلى نص وتوقيف، ويرجع المخالف لنا إلى الظن والحسبان.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأنه إذا وجد مقتول فجاء رجل وإعترف بقتله عمدا، ثم جاء الآخر فتحقق بقتله ودفع الاول عن إعترافه ولم تقم بينة على أحدهما أن القتل يدرأ عنهما معا، ودية هذا المقتول تكون من بيت المال.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وطريقنا في نصرة هذه المسألة هي الطريقة في نصرة المسألة التي قبلها بلا فصل.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول بأن دية ولد الزنا ثمانمائة درهم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة بعد الاجماع المتردد أنا قد بينا أن مذهب هذه الطائفة أن ولد الزنا لا يكون قط طاهرا ولا مؤمنا بإيثاره وإختياره وأن أظهر الايمان، وهم على ذلك قاطعون وبه عاملون، وإذا كانت هذه صورته عندهم فيجب أن تكون ديته دية الكفار من أهل الذمة للحوقه في الباطن بهم.
فان قيل: كيف يجوز أن يقطع على مكلف أنه من أهل النار وفي ذلك منافاة للتكليف، وولد الزنا إذا علم أنه مخلوق من نطفة الزاني فقد قطع على أنه من أهل النار فكيف يصح تكليفه، قلنا: لا سبيل لاحد إلى القطع على أنه مخلوق من نطفة الزنا، لانه يجوز أن يكون هناك عقد أو شبهة عقد أو أمر يخرج به من أن يكون زانيا فلا يقطع أحد على أنه على الحقيقة ولد الزنا، فأما غيره فانه إذا علم أن أمه وقع عليها هذا الوطئ من غير عقد ولا ملك يمين ولا شبهة، فالظاهر في الولد أنه ولد الزنا.
والدية معمول فيها على ظاهر الامور دون باطنها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن دية أهل الكتاب
والمجوس الذكر منهم ثمانمائة درهم والانثى أربعمائة درهم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه وعثمان البستي والثوري والحسن ابن حي وداود، دية الكافر مثل دية المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي من المعاهد والذمي سواء.
وقال مالك دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك، وقال الشافعي دية اليهودي والنصراني ثلث الدية، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، و المرأة على النصف وهذه موافقة من مالك والشافعي للامامية في المجوسي خاصة وإنما إنفردوا بغير ذلك.
وحكي عن أحمد بن حنبل أنه ذهب إلى أن المسلم إذا قتل يهوديا أو نصرانيا خطأ لزمه نصف الدية وإن قتله عمدا لزمه كمال الدية، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد وأنه قد ثبت أن المؤمن لا يقتل بالكافر وكل من قال من الامة: بأن المؤمن لا يقتل بالكافر، قال: بأن ديته دون ديته، وإن إختلفوا في المبلغ، وإذا ثبت أن ديته ناقصة عن دية المسلم، فالكلام بيننا في مبلغ هذا النقصان وبين من وافقنا في جملة النقصان على ما قيل وإن خالف في التفصيل، وإذا كنا نرجع في أن النقصان على ما ذكرناه إلى طرق توجب العلم، فقولنا: أولى ممن عول في هذا النقصان على ما يوجب الظن من قياس أو خبر واحد.
فان إحتج المخالف بقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله)، ثم قال: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله) وظاهر الكلام يقتضي أن الدية واحدة، قلنا: لا شبهة في أن ظاهر الكلام لا يقتضي التسوية في مبلغ الدية وإنما يقتضي التساوي في وجوب الدية على سبيل الجملة، ودية الذمي عندنا وإن نقصت عن
دية المسلم يسمى في الشريعة دية، ألا ترى أنه غير ممتنع أن يقول القائل من قتل مسلما فعليه دية، ومن قتل مسلمة فعليه دية، وإن إختلفت الديتان في المبلغ إذا تساويا في كونهما ديتين.
ومما يمكن أن يحتج به لصحة ما نذهب به أن الاصل في العقول برائة الذمة من الدية وسائر الحقوق، وقد ثبت إنا إذا ألزمنا المسلم في قتله لليهودي ثمانمائة درهم فقد ألزمناه ما لا شك في لزومه له وما زاد على ذلك من ثلث أو نصف أو مساواة لدية المسلم وهو بغير يقين مع الخلاف فيجب أن يثبت ما ذكرناه من المبلغ، لانه اليقين دون ما عداه، وإن إحتجوا بما رواه عمر وابن حزم عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال في النفس مائة من الابل وهذا يقتضي أن يكون ذلك في كل نفس، قلنا: هذا خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ولا يجوز أن يرجع به عما ذكرناه من الادلة الموجبة للعلم وهو أيضا معارض بأخبار يرويها كثيرة عن النبيصلىاللهعليهوآله يتضمن بعضها أن الدية النصف وبعضها أن الدية الثلث، وإذا تعارضت الاخبار سقطت على أن ظاهر هذا الخبر يقتضي أن المرأة مساوية للرجل في الدية، وقد خالفنا بينهما بالدليل، وكذلك الذمي عندنا.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الذمي إذا قتل مسلما عمدا دفع الذمي إلى أولياء المقتول، فان إختاروا قتله تولى ذلك السلطان منه، وإن إختاروا إسترقاقه كان رقا لهم، وإن كان له مال فهو لهم كما يكون مال العبد لمولاه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يعرفوا شيئا منه دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم.
وأيضا أن قتل الذمي للمسلم غليظ شديد قد هتك به حرمة الذمة فلا يجوز أن يكون عقوبته كعقوبة من لم ينته إلى ذلك، وإذا كان لا بد من التغليظ في جزائه فغير منكر أن ينتهي التغليظ إلى الحد الذي ذكرناه إذا تظافرت به
الرواية وإجتمعت الطائفة عليه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن في الشجاج التي هي دون الموضحة مثل الخارصة والدامية والباضعة والسمحاق دية مقدرة، ففي الخارصة وهي الخدش الذي يشق الجلد بعير واحد، وفي الدامية وهي التي تصل إلى اللحم ويسيل منها الدم بعيران.
وفي الباضعة وهي التي تقطع اللحم وتزيد في الجناية على الدامية ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق وهي التي تقطع اللحم حتى تبلغ الجلدة الرقيقة المغشية للعظم أربعة أبعرة.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال أبوحنيفة وأصحابه ومالك والاوزاعي والشافعي ليس في ما دون الموضحة من الشجاج أرش مقدر وإنما فيه حكومة وقال الحسن بن حي في السمحاق أربع من الابل، وهذه موافقة للامامية، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، ولانا نرجع في هذه التقديرات إلى روايات وطريق العلم ويرجع المخالف إلى الرأي والظن.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن في لطمة الوجه، إذا إحمر موضعها دينارا واحدا ونصفا، فان إخضر أو إسود ففيها لاثة دنانير وأرشها في الجسد النصف من أرشها في الوجه بحساب ما ذكرناه، وما أعرف موافقا من باقي الفقهاء على ذلك، والوجه في نصرة هذه المسألة ماتقدم في أمثالها.
مسائل المواريث والفرائض والوصايا (وما يتعلق بذلك)
إعلم أن المسائل التي تنفرد بها الامامية في هذا الباب يدور أكثرها ومعظمها على أصول نحن نبين الكلام فيها ونستوفيه وهي الكلام في العصبة
والعول والرد، فاذا بان أن الحق في هذه الاصول معنا دون مخالفينا أثبت المسائل الكثيرة في الفرائض عليه وإستغنينا عن التطويل بتعيين الكلام في المسائل مع رجوعهن إلى أصل واحد وقد أحكمناه (فصل في الكلام على التعصيب).
(مسألة) إعلم أن مخالفينا في هذا الباب يذهبون في ذلك إلى ما لم يقم به حجة كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، ويعولون في هذا الاصل الجليل على أخبار آحاد ضعيفة لو سلمت من كل قدح ومخالفة لنص الكتاب وظاهره على ما نستدل عليه ومعارضة بأمثالها لكانت غاية أمرها أن توجب الظن الذي قد بينا في غير موضع أن الاحكام الشرعية لا تثبت بمثله، وإدعاء الاجماع على قولهم في التعصيب غير ممكن مع الخلاف المعروف المسطور فيه سالفا وآنفا لان ابن عباسرضياللهعنه كان يخالفهم في التعصيب، ويذهب إلى مثل مذهب الامامية ويقول فيمن خلف بنتا وأختا أن المال كله للبنت دون الاخت ووافقه في ذلك جابر بن عبدالله.
وحكى الساجي أن عبدالله بن الزبير قضى أيضا بذلك، وحكى الطبري مثله، ورويت موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي في رواية الاعمش عنه وذهب داود بن علي الاصفهاني إلى مثل ما حكيناه ولم يجعل الاخوات عصبة مع البنات فبطل إدعاء الاجماع مع ثبوت الخلاف متقدما ومتأخرا، والذي يدل على صحة مذهبنا وبطلان مذهب مخالفينا في العصبة بعد إجماع الطائفة الذي قد بينا أنه حجة قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) وهذا نص في موضع الخلاف، لان الله تعالى صرح بأن للرجال من الميراث نصيبا، وأن للنساء أيضا نصيبا ولم يخص موضعا دون موضع، فمن خص في بعض المواريث بالميراث الرجال دون النساء فقد خالف ظاهر هذه الآية.
وأيضا توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربى والدرجة من أحكام الجاهلية، وقد نسخ الله بشريعة نبينا محمدصلىاللهعليهوآله أحكام الجاهلية، وذم من أقام عليها وإستمر على العمل بها بقوله: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما) وليس لهم أن يقولوا أننا نخصص الآية التي ذكرتموها بالسنة، وذلك أن السنة التي لا تقتضي العلم القاطع لا يخصص بها القرآن، كما لم ينسخه بها، وإنما يجوز بالسنة أن يخصص وينسخ إذا كانت تقتضي العلم اليقين، ولا خلاف في أن الاخبار المروية في توريث العصبة أخبار آحاد لا توجب علما، وأكثر ما يقتضيه غلبة الظن، على أن أخبار التعصيب معارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة من طرق مختلفة في إبطال أن يكون الميراث بالعصبة، وأنه بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الاخبار رجعنا إلى ظاهر الكتاب.
وإعتماد المخالفين في العصبة على حديث رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يقسم المال على أهل الفرائض على كتاب الله فما تركت فلاولى ذكر أقرب، وهذا خبر لم يروه أحد من أصحاب الحديث إلا من طريق ابن طاوس، ولا رواه ابن طاوس إلا عن أبيه عن ابن عباس، ولم يقل ابن عباس فيه سمعت ولا حدثنا، وان طاوس يسنده تارة إلى ابن عباس في رواية وهب ومعمر، وتارة اخرى يرويه عنه الثوري وعلي بن عاصم، عن أبيه مرسلاغير مذكور فيه ابن عباس.
فيقول الثورى وعلي بن عاصم عن ابن طاوس عن أبيه قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثم هو مختلف اللفظ، لانه يروي فما أبقت الفرائض فلاولى ذكر، وروى أيضا فلاولى عصبة أقرب.
وروى أيضا فلاولى عصبة ذكر، وفي رواية اخرى فلاولى رجل ذكر عصبة، وإختلاف لفظه والطريق واحد يدل على ضعفه،
وقد خالف ابن عباس الذي يسند هذا الخبر إليه ما إجتمع ناقلوا هذا الخبر عليه في توريث الاخت بالتعصيب إذا خلف الميت بنتا وأختا على ما قدمنا حكايته عنه، وراوي هذا الخبر إذا خالف معناه كان فيه ما هو معلوم، ثم إذا تجاوزنا عن ذلك من أين لهم أن معنى العصبة المذكورة في الخبر هو ما يذهبون إليه، وليس في اللغة العربية لذلك شاهد ولا في العرف الشرعي، فأما اللغة فان الخليل بن أحمد قال في كتاب العين: أن العصبة مشتقة من الاعصاب وهي التي تصل بين أطراف العظام، ولما كانت هذه الواصلة بين المتفرقة من الاعضاء حتى إلتأمت، وكان أولاد البنات أولادا للجد، كما أن أولاد الابن ولد للجد، والجد جد للجميع كان البنات في جميع ولدهن إلى الجد، وضم الاصل والقبيلة المنسوبة إلى الجد كالبنين وكانوا جميعا كالاعصاب التي تجمع العظام وتلائم الجسد، فوجب أن يسموا جميعا عصبة، وذكر أبوعمرو غلام ثعلب قال قال ثعلب قال ابن الاعرابي: العصبة جميع الاهل من الرجال والنساء، فان هذا هو المعروف المشهور في لغة العرب، وأن الكلالة ما عدا الوالدين والولد من الاهل، فإذا كانت اللغة على ما ذكرنا فهي شاهدة بضد ما يذهب إليه مخالفنا في العصبة، وليس ها هنا عرف شرعي مستقر في هذه اللفظة، لان الاختلاف واقع في معناها لان في الناس من يذهب إلى أن العصبة إنما هي القرابة من جهة الاب.
وفيهم من يذهب فيها إلى أن المرادبها قرابة الميت من الرجال الذين إتصلت قرابتهم به من جهة الرجال كالاخ والعم دون الاخت والعمة، ولا يجعل للرجال الذين إتصلت قرابتهم من جهة النساء عصبة كأخوة الميت لامه وفيهم من جعل العصبة مأخوذة من التعصب والرايات والديوان والنصرة ومع هذا الاختلاف لا إجماع يستقر على معناها، على أنهم يخالفون لفظ هذاالحديث الذي يروونه لانهم يعطون الاخت مع البنت بالتعصيب وليست
برجل ولا ذكر كما تضمنه لفظ الحديث.
فان قالوا: يخص هذا اللفظ إذا ورثنا الاخت مع البنت، قلنا: ما الفرق بينكم إذا خصصتموه ببعض المواضع، وبينا إذا فعلنا في تخصيصه مثل فعلكم فجعلناه مستعملا في من خلف اختين لام وابن أخ وبنت أخ لاب وأم وأخا لاب فان الاختين من الام فرضهن الثلث وما بقي فلاولى ذكر قرب وهو الاخ من الاب وسقط ابن الاخ وبنت الاخ، لان الاخ أقرب منهما، وفي موضع آخر وهو أن يخلف الميت إمرأة وعما وعمة وخالا وخالة وابن أخ وأختا، فللمرأة الربع وما بقي فلاولى ذكر وهو الاخ وإبن الاخ وسقط الباقون، ثم يقال لهم: من أي وجه كانت الاخت مع البنت عصبة، فان قالوا: من حيث عصبها أخوها، قلنا: فألا جعلتم البنت عصبة عند عدم البنين ويكون أبوها هو الذي يعصبها، وإذا كان الابن أحق بالتعصيب من الاب والاب أحق بالتعصيب من الاخ، فأخت الابن أحق بالتعصيب كثيرا من أخت الاخ.
وكذلك يلزمهم أن يجعلوا العمة عند عدم العم عصبة في ما توجه لانجازه وفعله، فان قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها، قلنا: والاخت أيضا لا تعقل عن أخيها فلا تجعلوها عصبة مع البنات.
فان تعلقوا بما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنه أعطى الاخت مع البنت، قلنا: هذا حديث لو صح وبرئ من كل قدح لكان مخالفا لنص الكتاب للقربى، لان الله تعالى قال: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فنص على القربى وتدانى الارحام سبب في إستحقاق الميراث والبنت أقرب من الاخت وأدنى رحما، وخبرهم الذين يعولون عليه في توريث الاخت مع البنت، رواه الهذيل بن شرحبيل أن أبا موسى الاشعري سئل عن رجل ترك بنتا وإبنة إبن وأختا من أبيه وأمه، فقال: لابنته
النصف وما بقي فللاخت.
وخبر يرويه الاسود بن يزيد قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأعطى البنت النصف، والاخت النصف ولم يورث العصبة شيئا.
فأما الخبر الاول فقد قدح أصحاب الحديث في روايته وضعفوا رجاله وقيل: أن هذيل بن شرحبيل مجهول ضعيف، ولو زال هذا القدح لم يكن فيه حجة، لان أباموسى ليس في قضائه بذلك حجة، ولانه ما أسنده عن النبيصلىاللهعليهوآله .
وكذلك القول: في خبر معاذ وليس في قولهم أنه كان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله حجة، لانه قد يكون على عهده ما لا يعرفه، ولو عرفه لانكره، وقد إمتنع من توريث الاخت مع البنت من هو أقوى من معاذ، وهو أولى بأن يتبع وهو ابن عباس.
وفي حديث معاذ أيضا ما يقتضي بطلان قول من يذهب إلى أن الاخت تأخذ بالتعصيب مع البنت، لانه قال: ولم يورث العصبة شيئا لانها لو كانت عصبة في هذا الموضع لم يقل ذلك، بل كان يقول: ولم يورث باقي العصبة شيئا، وليس يجوز أن يستدل على أن الاخت لا ترث مع البنت بقوله تعالى (إن إمرء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) فشرط في توريث الاخت فقد الولد فيجب أن لا ترث مع البنت لانها ولد، وذلك أنه تعالى إنما شرط في هذا الفرض المخصوص للاخت فقد الولد، وليس ذلك بمانع من أن ترث مع فقد هذا الشرط بسبب آخر، فان تعليق الحكم بشرط لا يدل على إرتفاعه مع فقد الشرط على ما بيناه في كتاب أصول الفقه.
ويمكن أن يقال أيضا لمخالفينا في هذه المسألة أن الاناث لا يرثن بالتعصيب مع فقد أخوتهن على رأي من ذهب إلى التوريث بالتعصيب، ألا
ترى أن البنات وبنات الابن لا يرثن بالتعصيب إذا إنفردت، فلو ورثت الاخت بالتعصيب إذا إنفردت لكانت بنت الابن أولى من الاخت بما فضل من فرض البنات.
وإذا كنا قد دللنا على بطلان الميراث بالعصبة فقد بطل كل ما بينه مخالفونا من المسائل في الفرائض على هذا الاصل وهي كثيرة ولا حاجة بنا إلى تفصيلها وتعيين الكلام في كل واحد منها، لان إبطالنا للاصل الذي تبنى عليه هذه المسألة قد أغنى وكفى.
فمن هذه المسائل أن يخلف الرجل بنتا وعما فعند المخالف أن للبنت النصف والباقي للعم بالعصبة، وعندنا أنه لا حظ للعم والمال كله للبنت بالفرض والرد، وكذلك لو كان مكان العم ابن عم، وكذلك لو كان مكان البنت إبنتان، ولو خلف الميت عمومة وعمات أو بني عم وبنات عم فمخالفنا يورث الذكور من هؤلاء دون الاناث لاجل التعصيب، ونحن نورث الذكور والاناث.
ومسائل التعصيب لا تحصى كثرة.
وحجتنا على صحة ما نذهب إليه في هذه المسائل كلها ما بينا صحته من إبطال التعصيب والتوريث به، فان قيل: إذا كنتم تستدلون على أن العمات يرثن مع العمومة، وبنات العم يرثن مع إبني العم وما أشبه ذلك من المسائل بقوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون) الآية ففي هذه الآية حجة عليكم في موضع آخر، لانا نقول لكم ألا ورثتم العم أوابن العم مع البنت بظاهر هذه الآية، وكيف خصصتم النساء دون الرجال بالميراث في بعض المواضع وخالفتم ظاهر الآية فألا ساغ لمخالفكم مثل ما فعلتموه، قلنا: لا خلاف في أن قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون) الآية، أن المراد به مع الاستواء في القرابة والدرج ألا ترى أنه لا يرث ولد الولد ذكورا كانوا أو إناثا مع الولد لعدم التساوي
في الدرجة والقرابة، وإن كانوا يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء وإذا كانت القرابة والدرجة مراعا بين العم وإبنه لا يساوي البنت في القربى والدرجة وهو أبعد منها كثيرا.
وليس كذلك العمومة والعمات وبنات العم وبنو العم، لان درجة هؤلاء واحدة وقربائهم متساوية والمخالف يورث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسائل التي وقعت الاشارة إليها وهذا واضح فليتأمل.
فصل في العول إعلم أن العول في اللغة العربية إسم للزيادة والنقصان وهو يجري مجرى الاضداد، وإنما دخل هذا الاسم في الفرائض في الموضع الذي ينقص فيه المال عن السهام المفروضة فيه فيدخل ها هنا النقصان، ويمكن أن يكون دخوله لاجل الزيادة، لان السهام زادت على مبلغ المال، فإذا أضيف إلى المال كان نقصانا، وإذا أضيف إلى السهام كان زيادة، والذي يذهب إليه الشيعة الامامية أن المال إذا ضاق عن سهام الورثة قدم ذووا السهام المؤكدة المذكورة من الابوين والزوجين على البنات، والاخوات من الام على الاخوات من الاب والام أومن الاب، ويجعل الفاضل عن سهامهم لهن، وذهب ابن عباس رحمة الله عليه إلى مثل ذلك، وقال به أيضا عطا ابن أبي رياح.
وحكى الفقهاء من العامة هذا المذهب عن محمد بن علي بن الحسين الباقر صلوات الله عليه ومحمد بن الحنيفةرضياللهعنه وهو مذهب داود بن علي الاصبهاني
وقال باقي الفقهاء: أن المال إذا ضاق عن سهام الورثة قسم بينهم على قدر سهامهم، كما يفعل ذلك في الديون والوصايا إذا ضاقت التركة عنها والذي يدل على صحة ما نذهب إليه إجماع الطائفة عليه، فانهم لا يختلفون فيه، وقد بينا أن إجماعهم حجة.
وأيضا فان المال إذا ضاق عن السهام كامرأة ماتت وخلفت بنتين وأبوين وزوجا، والمال يضيق عن الثلثين والسدسين والربع فنحن بين أمور: أما أن ندخل النقص على كل واحد من هذه السهام أو ندخله على بعضها، وقد أجمعت الامة على أن البنتين ها هنا منقوصتان بلا خلاف، فيجب أن نعطي الابوين السدس والزوج الربع، ويجعل ما بقي للابنتين، ونخصهما بالنقص لانهما منقوصتان بالاجماع، ومن عداهما ما وقع إجماع على نقصه من سهامه ولا قام دليل على ذلك، فظاهر الكتاب يقتضي أن له سهما معلوما فيجب أن نوفيه إياه ونجعل النقص لاحقا بمن أجمعوا على نقصه (طريقة اخرى).
ومما يدل أيضا على ذلك انا إذا نقصنا جميع ذوي السهام وأعطينا كل واحد منهم بعض ما يتناوله النص خصصنا ظواهر كثيرة وصرفناها عن الحقيقة إلى المجاز، وإذا أنقصنا احدهم عدلنا فيما نخص هذا المنقوص وحده عن الظاهر والحقيقة وأبقينا ما عداه على ظاهره وحقيقته، وإذا كان التخصيص والانصراف عن الحقيقة إنما يفعل للضرورة فقليله أولى من كثيره ولا معتبر بما يفعله مخالفونا من تسميتهم ما هو خمس في الحقيقة ربعا، وما هو أكثر من السدسين بأنه سدسان ولا بالثمن عن التسع وما أشبه ذلك لانهم سموا الشئ بغير إسمه الموضوع له، وخرجوا عن موجبه اللغة، ولم يبق إلا أن يقال لنا كلامكم يقتضي أن نقصان بعض السهام المذكورة أولى من إدخال النقص على الجميع فلم خصصتم من ذكرتموه من البنات والاخوات بالنقصان دون من عداهن، وما الفرق بينكم وبين من جعل النقص داخلا على غير من ذكرتم
وفي سهام من خصصتموه بالنقصان، والجواب أن كل من أوجب نقص أحد المسمين دون جميعهم خصص بالنقصان من عيناه دون غيره، فالقول: بأن النقص داخل على البعض الذي هو غير من عيناه وخصصناه بالنقصان قول يخرج عن الاجماع.
فأما إعتماد من نفى العول من أصحابنا وغيرهم على أن الزوج والزوجة كانت لكل واحد منهما فريضة فحطا إلى دونها، فكذلك الابوان حطا من فريضة إلى فريضة أخرى والبنات والاخوات لم يهبطا من فريضة إلى اخرى فدخول النقص على من لم يلحقه نقص أولى من دخوله على من نقص فليس بشئ وإنما هو دعوى محضة.
فإذا قيل لهم: إذا كان الامر على ما حكيتموه وجب ما ظننتموه ولو عكس عاكس ذلك عليكم، فقال: دخول النقص على الزوجين والابوين دلالة على ضعف حظهما وإمتناع دخول النقص على البنات والاخوات امارة لقوة نصيبهما، فان دخول العول على الضعيف أولى من القوي ولم يجدوا فرقا صحيحا وهم يروون هذا الترجيح عن ابن عباس رحمة الله عليه، وإذا صح عنه فلا حجة فيه لما أشرنا إليه.
والمعتمد في نفي العول على ما قررناه وليس يشبه ما يقولونه في العول أن الديون إذا كانت على الميت ولم تف تركته بالوفاء بها، فان الواجب القسمة للمال على أصحاب الديون بحسب ديونهم من غير إدخال النقص على بعضهم وذلك أن أصحاب الديون مستوون في وجوب إستيفاء أموالهم من تركة الميت، وليس لاحد مزية على الآخر في ذلك، فان اتسع المال لحقوقهم إستوفوها، فان ضاق تساهموه وليس كذلك مسائل العول، لانا قد بينا أن بعض الورثة أولى بالنقص من بعض، وأنهم غير مستويين كاستواء أصحاب الديون فافترق الامران.
ومما يمكن أن يفرق به بين العول والدين إذا ضاقت التركة عنه أن الديون ربما إتسعت أموال الميت لاستيفائها منها، وليس كذلك العول لان الحقوق متعلقة بأجزاء مسماة لا يجوز أن تستوفى قط من مال واحد مع كثرة ولا قلة فكيف تشبه الديون بالعول، وفي أصحابنا من ذهب إلى أن البنت إنما جعل لها النصف مع الابوين، وجعل للبنتين الثلثان أيضا معهما، فإذا إنفردت البنت الواحدة أو الابنتان عن الابوين تغير هذا الفرض، وهذا إنما إرتكبوه فرارا به من العول حتى لا يجتمع في إمرأة ماتت وخلفت بنتين وأبوين وزوجا الثلثان والسدسان والربع.
وقد بينا في مسألة أمليناها منفردة وتكلمنا فيها على شئ أخطأ فيه الفضل بن شاذان في المواريث بطلان هذه الشبهة، وأن الله تعالى جعل للبنت الواحدة النصف بالاطلاق على كل حال وللبنتين الثلثين على كل حال، وأن قوله تعالى: (ولابويه لكل واحد منهما السدس) كلام مبتدأ لا يتعلق بما تقدمه، وقلنا أيضا: كيف يجوز أن يريد ان للواحدة النصف وللبنتين الثلثان مع الابوين، وهو تعالى يقول: (ولابويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد)، وأشبعنا ذلك وإستوفيناه على أنهم لا يتمكنون من مثل هذا في إمرأة خلفت زوجا وأخوين من أم وأختا من أب وأم، لان هذه المسألة فيها نصف وهو حق الزوج، وثلث وهو حقالاخوين من الام، ونصف وهي حق الاخت من الاب والام، فلا بد من مذهب المخالف في العول ونقصان الجميع أو إفراد الاخت من الاب والام بالنقصان، وليس لهم أن يقولوا إنما جعل للاخت النصف إذا إنفردت، وذلك لان الله تعالى شرط في إستحقاقها هذاالنصف نفي الولد، والظاهر يقتضي أنها تستحق ذلك مع فقد الولد على كل حال، وإنما نقول: أن الباقي ها هنا للاخت بدليل إقتضى العدول عن الظاهر فيجب أن يقولوا بمثل ذلك في ميراث البنت والبنتين
مع الابوين وفقدهما، وانا إنما ندخل النقص على البنات مع دخولهن تحت الظاهر بدليل إقتضى ذلك.
فأما قول بعض أصحابنا.
محتجا على صحة ما ذهبنا إليه من إدخال النقص على البنات بأنه لو كان مكان البنت أو البنتين إبن أو بنون ما كان لهم إلا ما بقى، والبنت ليست بأحسن حالا من الابن، فيجب أن يكون لها ما بقى فليس بمعتمد، لان الابن ليس من ذوي السهام المنصوص عليها في موضع من المواضع، وليس كذلك البنت والبنتان.
فأما دعوى المخالف أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يذهب إلى العول بالفرائض، وأنهم يروون عنه ذلك، وأنهعليهالسلام سئل وهو على المنبر عن بنتين وأبوين وزوجة، فقالعليهالسلام بغير روية صار ثمنها تسعا فباطلة، لاننا لا نروي عنه صلوات الله عليه خلاف العول ووسايطنا إليه النجوم الزواهر من عترته كزين العابدين والباقر والصادق والكاظم صلوات الله عليهم، وهؤلاءعليهمالسلام أعرف بمذهب أبيهم صلوات الله عليه وآله ممن نقل خلاف ما نقلوه، وابن عباس ما تلقى إبطال العول في الفرائض إلا عنهعليهالسلام .
ومعولهم في الرواية عنهعليهالسلام أنه كان يقول بالعول عن الشعبي والحسن بن عمارة والنخعي.
فأما الشعبي فأنه ولد في سنة ست وثلاثين.
والنخعي ولد في سنة سبع وثلاثين، وقتل أمير المؤمنين في سنة أربعين فكيف يصح روايتهم عنه، والحسن بن عمارة مضعف عند أصحاب الحديث، وولى المظالم، ولما ولي المظالم قال سليمان بن مهران الاعمش ظالم ولي المظالم، ولو سلم كل ما ذكرناه من القدح والجرح لم يكونوا بأزاء من ذكرنا من السادة والقادة الذين رووا عنهعليهالسلام إبطال العول.
فأما الخبر المتضمن أن ثمنها صار تسعا، وإنما رواه سفيان عن رجل لم يسمه والمجهول لا حكم له، وما رواه عنهعليهالسلام أهله أولى وأثبت، وفي أصحابنا من يتأول هذا الخبر إذا صح على أن المراد به أن ثمنها صار تسعا عندكم أو أراد الاستفهام وأسقط حرفه، كما أسقط في مواضع كثيرة، ووجدت بعض من يشار إليه في علم الفرائض يلزم من نفي العول فيقول له ما تقول في أم وزوج وأخوين من أم، فان قال للزوج النصف وللام الثلث وللاخوين الثلث عالت الفريضة، فيقال له لا ينبغي أن نكلم من لا نعرف مذهبه، وللزوج عندنا في هذه الفريضة النصف وللام الباقي ولا حظ للاخوين من الام فان الاخوة عندنا لا يرثون مع الام في موضع من المواضع.
وقال أيضا من تقدمت الاشارة إليه يقال لمن نفى العول ما تقول في زوج وأخت لاب وأم وأخت لاب، فان قالوا للزوج النصف وللاخت للاب والام النصف وتسقط الاخت للاب، قيل: ولم صارت الاخت للاب والام مقدمة على الاخت للاب وهما يرثان مرة بالفرائض ومرة بالتعصيب فيقال له إنما جعلنا للزوج النصفوللاخت للاب والام النصف الآخر، لان الاخت للاب والام إذا إجتمعت مع أخت للاب سقطت الاخت للاب وورثت جميع المال الاخت للاب والام والاخت للاب والام مقدمة على الاخت للاب كما أن الاخ للاب والام مقدم على الاخ للاب.
ثم قال هذا الذي أشرنا إليه يقال لمن نفى العول ولم يقل بالقياس إذا لم يكن عندكم ما فرض لذوي السهام عاما في كل المسائل، فمن أين قلتم في زوج وأختين لاب وأم للزوج النصف وللاختين النصف، فان قالوا قلنا بالاجماع في فرض الزوج، ثم قال: لا إجماع في ذلك، والجواب عنه غير ما حكاه عنا لانا نقول في هذه المسألة أن الاختين منقوصتان مما فرض لهما من السهام بلا خلاف فيجب أن تنقصا والزوج غيرمجمع على وجوب نقصه
فيجب أن يكون سهامه موفرة وإن شئت أن تقول ليس يمكن العمل بعموم الظواهر في هذه المسألة، لانه محال أن يكون لمال واحد نصف وثلثان فنحن بين أمرين بين أن ينقص للزوج والاختين كما فعل أصحاب العول وبين أن ينقص أما للزوج أو للاختين فلو نقصنا الزوج والاختين معا لكنا عادلين عن الظواهر في سهام الزوج والظاهر في سهام الاختين، وإذا أنقصنا الاختين دون الزوج فأنما عدلنا عن ظاهر واحد، وحملنا الآخر على حقيقته، والعدول عن ظاهر واحد أولى من العدول عن إثنين، وليس لاحد أن يقول فاعدلوا عن ظاهر الزوج وبقوا ظاهر الاختين، لان كل من أوجب العدول في هذه المسألة عن بعض الظواهر دون بعض أوجب العدول في من عيناه وإذا كنا قد بينا فساد القول بالعول فقد أبطلنا بذلك كلما يبنى عليه من المسائل وهي كثيرة فلا حاجة بنا إلى تعيين جميعها وتفصيلها مع إبطال الاصل الذي يرجع إليه.
فصل في العول بوجوب الرد عندنا أن الفاضل عن فرض ذوي السهام من الورثه يرد على أصحاب السهام بقدر سهامهم، ولا يرد على زوج ولا زوجة، كمن خلف بنتا وأبا فللبنت في التسمية النصف وللاب بالتسمية السدس وما بقي بعد ذلك وهو ثلث المال رد عليهما بقدر إنصبائهما فللبنت ثلاثة أرباعه وللاب ربعه فيصير المال مقسوما على أربعة أسهم للنبت ثلاثة أسهم من أربعة وللاب سهم من أربعة، وقال أهل العراق: أن الفاضل من السهام إذا لم يكن هناك عصبة رد على أصحاب السهام بقدر سهامهم إلا على الزوجين.
وروى مخالفونا ذلك عن أمير المؤمنينعليهالسلام وابن عباس وابن مسعود وبه قال الثوري والشعبي والنخعي ولم يرد ابن مسعود أيضا على ولد الام مع الام ولا على الجد مع ذي رحم له سهم ولا على بنات الابن مع البنت ولا على أخت لاب مع أخت لاب وأم، وذهب زيد بن ثابت إلى أن الفاضل من السهام لبيت المال، وبه قال الشافعي ومالك وداود وكثير من أهل الحجاز، ومن تأمل هذا الموضع علم أن الاماميه منفردة به عن من وافقها في الرد من أهل العراق وغيرهم لان أولئك راعوا العصبة والامامية لا تراعيها، ويرد على كل حال، والوجوه إذا تأملتها عرفت موضع إنفراد الامامية.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه في هذه المسألة إجماع الطائفة، وقد بينا أنه حجة، ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، فدل على أن من هو أولى بالرحم وأقرب إليه أولى بالميراث.
وقد علمنا أن قرابة الميت وذوي رحمه أولى بميراثه من المسلمين وبيت المال، وأصحاب السهام أيضا غير الزوج والزوجة أقرب إلى الميت من عصبته فوجب أن يكون فاضل السهام إليهم مصروفا.
فان قيل: لم يقع التصريح في الآية بأن أولى الارحام بعضهم أولى ببعض في الميراث، قلنا: اللفظ يحتمل الميراث وغيره فنحمله بحكم العموم على جميع ما يحتمله، ومن إدعى التخصيص فعليه الدليل، ومما يمكن أن يعارض به الخصوم من رواياتهم التي يتناولونها وتوجد في كتبهم ما رووه عن النبيصلىاللهعليهوآله من قوله: المرأة تحوز ميراث ثلاثة عتيقها ولقيطها وولدها، فأخبر أنها تحوز ميراث بنتها، ولا تحوز جميعه إلا بالرد عليها دون التسمية.
ومما يمكن أن يعارضوا به أيضا ما يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله
أنه جعل ميراث ولد الملاعنة لامه ولذريتها من بعدها، وهذا يقتضي أن يكون جميع ميراثه لها، ولا يكون لها الجميع إلا بالتسمية والرد، ومما يمكن أيضا أن يعارضوا به ما يروونه عن سعد أنه قال للنبيصلىاللهعليهوآله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا بنتي أفأوصي بمالي كله؟ قال لا، قال فبالنصف؟ قال لا، قال فبالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير، ووجه الدلالة من الخبر أنه قال: ليس يرثنى إلا بنتي ولم ينكر عليه النبيصلىاللهعليهوآله .
وروي هذا الخبر بلفظ آخر وهو أنه قال أفأوصي بثلثي مالي والثلث لبنتي، قال لا قال أوصي بنصف مالي والنصف لبنتي؟ قال: لا، قال: أفأوصي بثلث مالي والثلثان لبنتي، قال: الثلث والثلث كثير، فدل ذلك على أن البنت قد ترث الثلثين.
وإحتج المخالف لنا في الرد بقوله تعالى: (أن إمرء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) فجعل للاخت النصف إذا مات أخوها ولا ولد له ولم يزدها عليه، فدل على أنها لا تستحق أكثر من النصف بحال من الاحوال.
والجواب عن ذلك أن النصف إنما وجب لها بالتسمية، ولانها أخت والزيادة إنما تأخذها بمعنى آخر وهو للرد بالرحم، وليس يمتنع أن ينضاف سبب إلى آخر، مثال ذلك الزوج إذا كان إبن عم ولا وارث معه فانه يرث النصف بالزوجية والنصف الآخر عندنا لاجل القرابة، وعند مخالفينا لاجل العصبة، ولم يجب إذا كان الله تعالى قد سمى له النصف مع فقد الولد ألا يزاد عليه بسبب آخر.
وبمثل هذا الجواب نجيبهم إذا قالوا: أن الله تعالى قد جعل للبنت الواحدة النصف فلا يجوز أن يزاد على ذلك، لانا قد بينا أن النصف تستحقه بالتسمية والباقي تستحقه بسبب آخر وهو الرد، فاختلف السببان
واعلم أن المسائل التي ننفرد بها في الرد كثيرة لا معنى للتطويل بذكرها، وإذا كنا قد بينا صحة أصولنا في الرد وما يبتني عليه فكل مسألة تفرعت على هذه الاصول مردودة إليها ومبتنية عليها ولا حاجة إلى تكلف أعيان المسائل كلها، كما لم نفعل ذلك في باب العصبات وباب العول.
المسائل المشتركة في الارث.
وهي زوج وأم وأخوات من أم وإخوة لاب وأم، فعند الامامية: أن للزوج النصف، وللام باقي المال بالتسمية والرد، وليس للاخوة والاخوات حظ في هذا الميراث.
وذهب أبوحنيفة وأصحابه إلى أن للزوج النصف وللام السدس ولولد الام الثلث وأسقطوا الاخوة من الاب والام وهو مذهب أبي بن كعب وأبي موسى الاشعري، وإحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد، وهو أيضا مذهب داود بن علي الاصبهاني.
وقال مالك والشافعي الثلث بين جميع الاخوة والاخوات بالسوية ذكورهم وإناثهم فيه سواء.
وروي هذا القول عن عمر وعثمان، وبه قال سعيد بن المسيب والزهري والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة عليه، وأيضا فان الام في حيازة الميراث تجري مجرى الاب ولا ترث الاخوة والاخوات مع واحد منهما فإذا أخذت الام السدس بالتسمية فان الباقي يكون ردا عليها، لانها أقرب رحما من الاخوة والاخوات، وإذا كنا نرد على الاقرب فهي أقرب من كل الاخوة.
فأن قيل لنا: لو سقطت من هذه الفريضة الام وبقي زوج وأخوات من أم واخوة من أ ب وأم كيف قولكم فيها؟ قلنا: للزوج النصف وللاخوين
من الام الثلث والباقي للاخوة من الاب والام، وإنما قلنا بذلك لان النصف للزوج بظاهر الكتاب، وكذلك الاخوة من الام والاخوة من الاب والام، والام لا تسمية لهم فهم يأخذون ما بقى فأن قيل: كيف ينقص حظ الاخوة من الاب والام عن حظ الاخوة للام وقد ساووهم في القرابة من جهة الام ونزلوا منزلتهم، وزيادتهم عليه بالقرابة من جهة الاب إن لم يزدهم تأكيدا لم ينقصهم، قلنا: القياس في الشرع مطرح والاعتبار فيه بالنصوص، وقد بينا أن الامر على ما ذكرناه ثم لا إعتبار فيه بما ذكروه على أن ما ذكروه إنما ينتقض بامرأة خلفت زوجا وأما وأخا لام وعشرين اخوة لاب وأم لانهم يذهبون إلى أن للزوج النصف وللام السدس وللاخ من الام السدس كاملا والسد س الباقي بين الاخوة للاب والام وحظ كل واحد منهم أقل كثيرا من حظ الاخ للام مع تساويهم في قرابة الام فعلم أنه لا إعتبار بما ذكروه.
(مسألة) ومما يظن إنفراد الامامية به ولهم فيه موافق متقدم أن الميت إذا خلف أبوين وزوجا أو زوجة أنه يبدأ بإخراج حق الزوج أو الزوجة وما بقى بعد ذلك فللام منه الثلث من الاصل لا ينقص منه، وما بقى بعد حق الزوج أو الزوجة وحق الام فهو للاب، فان كان ميتا خلف زوجة وأبا وأما، فللزوجة الربع وللام الثلث وللاب ما بقى وهو خمسة أسهم من إثنى عشر سهما، ولو خلفت الميتة زوجا وأبوين فللزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة وللام الثلث سهمان وللاب سهم واحد.
وقد روي أن عبدالله بن عباسرضياللهعنه كان يقول هذا القول بعينه وشريح وأنهما لم يرجعا عنه.
وروى عن ابن سيرين مثل قول ابن عباس في إمرأة خلفت زوجا وأبوين فأعطى الام الثلث والزوج النصف والاب ما بقى وخالفه في زوج وأبوين ثلث ما بقى، وقال باقي الفقهاء المتقدمون والمتأخرون
بخلاف ذلك، وقالوا: أن للام ثلث ما بقى، وما بقي فللاب، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه في هذه المسألة الاجماع المتردد.
وأيضا فان الله تعالى قال: (فأن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) فأوجب لها صريحا ثلث أصل المال، لان إطلاق قولنا ثلث أو نصف أو سدس يقتضي أن يكون من أصل المال دون بعض من أبعاضه، ألا ترى أنه تعالى لما جعل للزوج النصف مع فقد الولد، والربع مع وجوده، وللزوجة الربع مع فقده، والثمن مع وجوده، وكذلك كل من سمى له سهما كالبنت الواحدة والبنتين لم يفهم أحد من العلماء ذلك المسمى إلا من أصل المال دون بعضه.
وكيف يجوز أن يفهم من قوله تعالى: (فلامه الثلث) أنه ثلث ما بقي وذلك بخلاف جميع ظواهر القرآن.
وأيضا فان الله تعالى جعل للام مع فقد الولد سهما مسمى وهو الثلث ولم يعين للاب سهما مسمى في هذا الموضع بل كان له ما بقى، إلا أن الذي يبقى في هذه المسألة الثلثان بالاتفاق لانه هو السهم الذي لا بد أن يستحقه الاب، فاذا دخل الزوج والزوجة على الابوين كانا داخلين على من له فرض مسمى وهو الام، وعلى من ليس له سهم مسمى وهو الاب فيجب أن لا ينقص صاحب السهم المسمى وهو الام عن سهمه، ويكون النقصان داخلا على من له ما يبقى وهو الاب كما يكون له الزيادة، ألا ترى أن الزوج والزوجة لا ينقصان من التسمية سهامهما، فالام لاحقة بهما لتسمية سهمهما، ولو جاز أن يدخل النقصان على الام مع تعيين سهمها جاز ذلك في الزوج والزوجة، ولان الام إنما تنقص بالولد أو الاخوة ولم يوجدا في هذه المسألة.
فأن قيل: قوله تعالى: (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) إنما المراد به إذا لم يرثه غيرأبويه ولا خلاف في أن الميت إذا ورثه أبواه
من غير وارث سواهما فان للام الثلث.
قلنا: الظاهر بخلاف ذلك، لان قوله تعالى: (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) إيجاب للام الثلث مع فقد الولد على كل حال، ولم يذكر أنه لاوارث له غيرهما، كما لم يذكر أن له وارثا غيرهما، وإذا لم يذكر كل ذلك حملناه على إطلاقه مع فقد الوارث ووجوده، ووجدت بعض من ينصر هذه المسألة خاصة من مخالفينا في الفرائض يستدل على أن للام الثلث كاملا لا ثلث ما بقي، بقوله تعالى: (وورثه أبواه فلامه الثلث فان كان له إخوة فلامه السدس،) قال هذا المحتج فدل على أنها ترث مع فقد الاخوه الثلث ومع الاخوة السدس وفي ذلك بطلان قول من جعل لها الثلث الباقي عن فرض الزوج وهو سدس المال لما يقتضي من التسوية بين حالها إذا كان أخوة أو لم يكن أخوة، وقد فرق الله تعالى بين حاليها فجعل لها مع الاخوة السدس ومع فقد الاخوة الثلث كما فرق بين حال الزوجين فجعل لهما مع فقد الولد مثل ما لهما مع الولد فلما لم يجز أن يعطيا مع فقد الولد ما فرض لهما مع الولد دل على أنه لا يجوز أن يعطى للام مع غير الولد والاخوة ما جعل لها مع الاخوة والولد إذا كان الله تعالى قد فرق بين حالهم جميعا.
وفي التسوية بينهما مخالفة للظاهر وما هو إلا قريب، فان قال قائل لما كان الابوان يرثان بمعنى واحد وهو الولادة وكانا في درجة واحدة شابها الابن والبنت اللذين يرثان بالولادة، فوجب أن لا تفضل الانثى فيهم الذكر إذا كانا تساويا في درجة.
قلنا: هذا قياس وإن كان غير صحيح وبالقياس لا تثبت عندنا الاحكام الشرعية، ثم لو لزم ذلك للزم أن يورث الابوان مع الولد للذكر مثل حظ الانثيين ولا تساوي بينهما لاستوائهما في الدرجة والولادة، وللزم مثله أيضا
في الاخوة والاخوات من الام والجد والجدة إذا إستووا في الدرجة، وإحتج إبن علية في هذه المسألة وتبعه على ذلك أبوبكر أحمد بن علي الرازي الحنفي بأن للاب وللام إذا لم يكن معهما غيرهما فللام الثلث وللاب الثلثان، فإذا دخل عليهما من إستحق بعض المال وجب أن يرجعا إلى ما كان لهما في الاصل كشريكين كان بينهما مال لاحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه فاستحق مستحق بعض هذا المال، فالواجب أن يقسم ما بقى من المال على ماكان لهما في الاصل، لصاحب الثلث ثلث ما بقي ولصاحب الثلثين ثلثا ما بقي.
وقد قوى أبوبكر الرازي هذا الاحتجاج بأن قال: أن الله تعالى جعل عند إنفراد الابوين بالميراث للام الثلث وللاب الثلثين كما جعل مثل ذلك للابن والبنت في قوله تعالى: (للذكر مثل حظ الانثيين)، وللاخ والاخت في قوله تعالى: (وإن كانوإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين) ثم لما سمى للزوج والزوجة ما سمى لهما وأخذا نصيبهما كان الباقي بين الابن والبنت على ما كان عليه قبل دخولهما، وكذلك بين الاخ والاخت، وهذا يقتضي في مسألة الابوين أن يكون إذا أخذالزوج والزوجة نصيبهما فوجب أن يكون ما كان للابوين على ما إستحقاه في الاصل قبل دخول الزوجين، وهذا إحتجاج ركيك مبني على فساد، لان الله تعالى فرض للام الثلث عند إنفراد الابوين بالميراث ولم يسم للاب شيئا فأعطيناه ما بقي فكان الثلثين إتفاقا للاب، لا لانه السهم المعين، وإذا كان فرض الام الثلث في كل موضع وقد بينا أن الظاهر يقتضي أنه الثلث من أصل المال وجب أن نعطيها الثلث كاملا من المال مع الداخل وفقد الداخل، ويكون للاب ما بقى كائنا ما كان ولا يشبه ذلك الشريكين، فان الشريكين في المال لكل واحد منهما نصفه فاذا إستحق مستحق من المال شيئا أعطينا كل واحد من الشريكين النصف بعد الخارج لتساويهما في السهام.
وقد بينا أن سهم الام مذكور في القرآن، وسهم الاب غير معين، وإنما له ما بقي بعد فرض الام، ولا يشبه ذلك ما ذكره الرازي في الابن والبنت والاخ والاخت، لان الله تعالى قد صرح في نصيب من ذكر بأن (للذكر مثل حظ الانثيين)، فينبغي أن تكون القسمة على ذلك مع الانفراد والاجتماع ولم يصرح في الابوين بأن للاب مع الانفراد الثلثين، فافترق الامران ولا وجه للجميع بينهما.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أنه لا يرث مع الوالدين ولا مع أحدهما أحد سوى الولد والزوج والزوجة، وذهب فقهاء العامة إلى خلاف ذلك، وورثوا الاخوة والاخوات مع الام على بعض الوجوه.
دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة الذي يتكرر قوله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، وقد علمنا أن الوالدين أقرب إلى الميت من إخوته، لانهم يتقربون إليه بهما، والوالدان يتقربان بنفوسهما.
وأيضا فان الله تعالى جعل للوالدين حقا عاليا ثم أهبطهما عنه في بعض الاحوال ولم يفرق بين الاب والام في ذلك، وكما أن الاخوة والاخوات لا يرثون شيئا مع الاب كذلك يجب أن لا يرثوا مع الام.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أنهم ذهبوا فيمن يموت ويخلف والديه وبنته أن للبنت النصف وللابوين السدسين وما يبقى يرد عليهم على حساب سهامهم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أن للبنت النصف وللام السدس وللاب ما بقي وهو الثلث.
دليلنا على صحة قولنا الاجماع المتردد، ولان الابوين لهما السدسان بظاهر الكتاب وللبنت النصف بظاهره أيضا، ويبقى السدس فيجب أن يكون مردودا على الجماعة بقوله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض)
فكيف يجوزهذا الباقي للاب وإنما له السدس مع الولد، فإذا قالوا: بالخبر المتضمن لذكر العصبة، فقد تقدم من الكلام في ذلك ما فيه كفاية، ولان خبرهم إذا صح يقتضي أن تبقى الفرائض شيئا، وها هنا ما أبقت الفرائض شيئا بل قد إستوفى النص جميع المال.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أنهم يذهبون فيمن ترك إبنتيه وأحد أبويه وإبن إبن أن للبنتين الثلثين ولاحد الابوين السدس وما يبقى فهو رد على البنتين وأحد الابوين وليس لابن الابن شئ، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أن السدس الباقي من هذه الفريضة لابن الابن، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة المتردد أن أحد الابوين أقرب إلى الميت من إبن إبنه، والقربى مراعاة في الميراث فكيف يجوز أن يرث البعيد مع القريب، ولان مخالفينا يعولون في ذلك على الخبر الذي يروونه عن النبيصلىاللهعليهوآله ما أبقت الفرائض فلاولى عصبة ذكر، وقد أسلفنا من الكلام في إبطال هذا الخبر ما فيه كفاية.
ثم لو كان صحيحا لكان للاب بأن يكون هو الاولى بالميراث من إبن الابن، فلو راعينا التعصيب الذي يراعونه لكان الاب أحق من إبن الابن به.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأنه لا يحجب الام عن الثلث إلى السدس الاخوة من الام خاصة، وإنما يحجبها عنه الاخوة من الاب والام أو من الاب، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أن الاخوة من الام يحجبون كما تحجب الاخوة من الاب والام، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع الذي قد تكرر.
وإذاإحتج علينا بظاهر قوله تعالى: (فان كان له إخوة فلامه السدس) فان الاسم يتناول الاخوة من الام خاصة كما يتناول الاخوة من الاب والام
قلنا: هذا العموم يرجع عن ظاهره بالاجماع فانه لا خلاف بين الطائفة في هذا، وقول من يقول من أصحابنا كيف يجوز أن يحجبها الاخوة من الام وهم في كفالتها ومؤنتها ليس بعلة في سقوط الحجب، وإنما إتبعوا في ذلك لفظ الرواية فانهم يروون عن أئمتهمعليهمالسلام أنهم لا يحجبونها لانهم في نفقتها ومؤنتها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأنه لا يرث مع الولد ذكرا كان أو أنثى أحد إلا الوالدان والزوج والزوجة، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وجعلوا للاخوة والاخوات والعمومة وأولادهم نصيبا مع البنات، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد أنه لو جاز أن يرث أحد ممن ذكرناه مع البنات لجاز أن يرث مع البنين، لان إسم الولد يتناول الجميع، ولان قربى البنت كقربى الابن وما يعولون عليه من خبر العصبة قد تقدم الكلام عليه وبيان ما فيه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الولد الذكر الاكبر يفضل دون ساير الورثة بسيف أبيه وخاتمه ومصحفه، وباقي الفقهاء يخالف في ذلك، والذي يقوى في نفسي أن التفضيل للاكبر من الذكور بما ذكر إنما هو بان يخص بتسليمه إليه وتحصيله في يده دون باقي الورثة وإن إحتسب بقيمته عليه، وهذا على كل حال إنفراد من الفقهاء لانهم لا يوجبون ذلك ولا يستحسونه وإن كانت القيمة محسوبة عليه.
وإنما قوينا ما بينا وإن لم يصرح به أصحابنا، لان الله تعالى يقول: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين)، وهذا الظاهر يقتضي مشاركة الانثى الذكر في جميع ما يخلفه الميت من سيف ومصحف وغيرهما.
وكذلك ظاهر آيات ميراث الابوين والزوجين يقتضي أن لهم السهام المذكورة من جميع تركة الميت، فإذا إختصصنا الذكر الاكبر بشئ من
ذلك من غير إحتساب بقيمته عليه، تركنا هذه الظواهر، وأصحابنا لم يجمعوا على أن الذكر الاكبر يفضل بهذه الاشياء من غير إحتساب بالقيمة، وإنما عولوا على أخبار رووها تتضمن تخصيص الاكبر بما ذكرناه من غير تصريح باحتساب عليه أو بقيمته، وإذا خصصناه بذلك إتباعا لهذه الاخبار وإحتسبنا القيمة عليه فقد سلمت ظواهر الكتاب مع العمل بما أجمعت عليه الطائفة من التخصيص له بهذه الاشياء فذلك أولى، ووجه تخصيصه بذلك مع الاحتساب بقيمته عليه أنه القائم مقام أبيه والساد مسده فهو أحق بهذه الامور من النسوان والاصاغر للرتبة والجاه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن ولد الصلب يحجب من كان أهبط منه، ولا فرق في ذلك بين كونه ذكرا أو أنثى، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وذهبوا إلى أن لولد الولد نصيبا مع بنات الصلب.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الطائفة أن الذكر من ولد الصلب إنما يحجب من هو أسفل منه، لانه ولد صلب ولقرابته القريبة من الميت وهذا ثابت للذكر والانثى، فلو جاز أنه يرث ولد الولد مع ولد الصلب إذا كان أنثى لجاز مثل ذلك في الذكر.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن الزوج يرث المال كله إذا لم يكن وارث سواه فالنصف بالتسمية والنصف الآخر بالرد وهو أحق بذلك من بيت المال، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا كلهم إلى أن النصف له والنصف الآخر لبيت المال.
والحجة لنا في ذلك إجماع الطائفة عليه، فاذا قيل: كيف يرد على من لا قرابة له ولا نسب وإنما يرث بسبب، وإنما يرد على ذوي الارحام ولو جاز أن يرد على الزو لجاز أن يرد على الزوجة حتى ترث جميع المال إذا لم يكن وارث سواها.
قلنا: الشرع ليس يؤخذ قياسا وإنما يتبع فيه الادلة الشرعية، وليس يمتنع أن يرد على من لم يكن ذا رحم وقرابة إذا قام الدليل على ذلك، وأما الزوجة فقد وردت رواية شاذة بأنها ترث المال كله إذا إنفردت كالزوج، ولكن لا معول على هذه الرواية ولا تعمل الطائفة بها، وليس يمتنع أن يكون للزوج مزية في هذا الحكم على الزوجة، كما كانت له مزية عليها في تضاعف حقه على حقها.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئا بل تعطى بقيمة حقها من البناء والآلات دون قيمة العراص وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يفرقوا بين الرباع وغيرها في تعلق حق الزوجات والذي يقوى في نفسي أن هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الاكبر من الذكور بالسيف والمصحف وإن الرباع وإن لم تسلم إلى الزوجات فقيمتها محسوبة لها، والطريقة في نصرة ما قويناه هي الطريقة في نصرة المسألة الاولى وقد تقدم بيان ذلك: ويمكن أن يكون الوجه في صد الزوجة عن الرباع أنها ربما تزوجت فأسكنت هذه الرباع من كان ينافس المتوفى أو يغيظه أو يحسده فيثقل ذلك على أهله وعشيرته فعدل بها عن ذلك على أجمل الوجوه.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أنه لا يرث مع الاخت للاب والام أحد من الاخوة والاخوات للاب خاصة، كما لا يرثون مع الاخ للاب والام وخالف باقي الفقهاء في ذلك فورثوا الاخت من الاب مع الاخت من الاب والام، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، وأيضا ما منع من ميراث ولد الاب خاصة مع الذكور من ولد الاب والام يمنع من ميراثه مع الاناث، لان إسم الولد شامل لهم وتأكد القرابة ثابتة للجميع ولا وجه للتفرقة بينهم.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن بني الاخوة يقومون عند فقد آبائهم مقامهم عند مقاسمة الجد ومشاركته، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وحجتنا على ذلك إجماع الطائفة ولا إعتراض لهم علينا بأن الجد أقرب إلى الميت من إبن أخيه لانهم لا يراعون في الميراث القربى، ولان إبن الاخ قد ورث من سمى الله له سهما في النص، وليس كذلك الجد فهو أقوى سببا منه، والمعول فيه على إجماع الطائفة ولا علة للاحكام الشرعية نعرفها أكثر من المصلحة الدينية على سبيل الجملة من غير معرفة تفصيل ذلك.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن من لاعن زوجته وفرق الحاكم بينهما الفرقة المؤبدة إن عاد بعد ذلك وأقر بالولد أو أكذب نفسه لا يورث من الولد، بل يورث الولد منه، ولا يورث هذا الراجع، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، وقد بينا الكلام في هذه المسألة في باب اللعان من هذا الكتاب فلا معنى لاعادته.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية عن أقوال باقي الفقهاء في هذه الازمان القريبة وإن كان لها موافق في متقدم الزمان القول: بأن المسلم يرث الكافر وإن لم يرث الكافر المسلم، وقد روى الفقهاء في كتبهم موافقة الامامية على هذا المذهب عن زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام ومحمد ابن الحنفيةرضياللهعنه وعن مسروق وعبدالله بن معقل المزني وسعيد بن المسيب ويحيى بن نعيم ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أن كل واحد من المسلم والكافر لا يرث صاحبه، دليلنا بعد إجماع الطائفة المتردد جميع ظواهر آيات المواريث، لان قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) يعم الكافر والمسلم، وكذلك آية ميراث الازواج والزوجات والكلالة وظواهر هذه الآيات كلها تقتضي أن الكافر كالمسلم في الميراث، فلما إجتمعت الامة
على أن الكافر لا يرث المسلم أخرجناه بهذا الدليل الموجب للعلم ونفي ميراث المسلم للكافر تحت الظاهر كميراث المسلم للمسلم.
ولا يجوز أن نرجع عن الظاهر بأخبار الآحاد التي يروونها، لانها توجب الظن ولا نخص بها ولا نرجع عما يوجب العلم من ظواهر الكتاب ولان أكثرها مطعون على رواته أو مقدوح فيهم، ولانها معارضة بأخبار كثيرة يروونها أيضا مخالفونا، وتوجد في كتبهم، ولان أكثرها له تأويل يوافق مذهبنا، وتفصيل هذه الجملة أن مخالفينا في هذه المسألة يعولون على خبر يرويه الزهري عن علي بن الحسينعليهالسلام عن عمرو بن عثمان بن عفان عن أسامة بن زيد أن النبيصلىاللهعليهوآله قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنه لا يتوارث أهل ملتين.
وعن عامر الشعبي عن النبيصلىاللهعليهوآله نحوه.
وعن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: مضت السنة أن لا يرث المسلم الكافر، ولم يورث عمر بن الخطاب الاشعث بن قيس من عمته اليهودية وقال الزهري: كان المسلم لا يرث الكافر في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولا عهد أبي بكر وعمر وعثمان، فلما تولى معاوية ورث المسلم من الكافر وأخذ بذلك الخلفاء حتى قام عمر بن عبدالعزيز فراجع(١) السنة الاولى، وكل هذه الاخبار إذا سلمت من القدح والجرح إنما توجب الظن دون العلم اليقين، ولا يجوز أن نرجع بها ولا بشي ء منهاعما يوجب العلم من ظواهر كتاب الله تعالى.
فأما خبر أسامة فمقدوح فيه، لان أسامة إنفرد به عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وتفرد به أيضا عنه عمرو بن عثمان.
وتفرد به عنه علي بن الحسينعليهالسلام
____________________
(١) فرجع إلى السنة الاولى.
وتفرد به أيضا عنهعليهالسلام الزهري.
وتفرد الراوي بالحديث مما يوهنه ويضعفه لوجوه معروفة.
وقد روى هذا الحديث بعينه الزهري، وقال عن عمرو بن عثمان ولم يذكر علي بن الحسينعليهالسلام وإختلاف الرواية أيضا فيه مما يضعفه، ومما يضعف هذا الخبر أن علي بن الحسين كان يورث المسلم من الكافر بلا خلاف فلو رووا فيه سنة لما خالفها.
وروى أحمد بن حنبل عن يعقوب عن أبيه عن صالح عن الزهري أن علي بن الحسينعليهالسلام أخبره أن عثمان بن عفان وأسامة بن زيد قالا: لا يرث المسلم الكافر من غير أن يسنداه إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، وهذا الاختلاف والاضطراب في رواية الخبر دالان على ضعفه، وأما حديث عمرو بن شعيب فان الحفاظ لا ينسبونه إلى النبيصلىاللهعليهوآله ويذكرون أنه من قول عمر بن الخطاب وعمرو بن شعيب مضعف عند أصحاب الحديث.
ومما يوهنه أيضا أنه تفرد به، عن أبيه وتفرد أبيه عن جده وتفرد جده به عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وعمرو بن شعيب ما لقى عبدالله ابن عمر والذي هو جده وإنما يرسل عنه.
وأما خبر الشعبي عن النبيصلىاللهعليهوآله فهو مرسل، وقول سعيد بن المسيب أنه سنة لا حجة فيه، لان ذلك خبر عن إعتقاده ومذهبه، ويجوز أن يريد أنه من سنن عمر بن الخطاب لا النبيصلىاللهعليهوآله وما يسنه غير النبيصلىاللهعليهوآله ممن ذكرناه يجوز أن يكون خطأ، كما يجوز أن يكون صوابا.
وكان من مذهب سعيد بن المسيب توريث المسلم من الكافر، فكيف يجوز أن يكون عنده في خلاف ذلك سنة، على أن هذه الاخبار معارضة مقابلة بما يروونه مخالفونا، ويوجد في كتبهم مثل الخبر الذي يرويه عمرو
ابن أبي حكيم عن عبدالله بن بريدة أن أخوين إختصما إلى يحيى بن يعمر يهودي ومسلم فورث المسلم منهما.
وقال حدثني أبوالاسود الدؤلي أن رجلا حدثه أن معاذا قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: الاسلام يزيد ولا ينقص فورث المسلم، ونظائر هذا الخبر موجود كثير في رواياتهم، فأما روايات الشيعة في ذلك فما لا تحصى.
وأما الخبر المتضمن لنفي التوارث بين أهل ملتين فنحن نقول بموجبه لان التوارث تفاعل وهو يقتضي أن يكون كل واحد يرث صاحبه فاذا ذهبنا إلى أن المسلم يرث الكافر والكافر لا يرثه فما أثبتنا بينهما توارثا، وربما عول بعض المخالفين لنا في هذه المسألة على أن المواريث بنيت على النصرة والموالاة، بدلالة قوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) فقطع بذلك الميراث بين المسلم المهاجر وبين المسلم الذي لا يهاجر إلى أن نسخ ذلك بانقطاع الهجرة بعد الفتح، وكذلك يرث الذكور من العصبة دون الاناث لنفي العقل والنصرة عن النساء، وكذلك لا يرث القاتل ولا العبد لنفي النصرة وهذا خبر ضعيف جدا لانا لا نسلم أن المواريث بنيت على النصرة والمعونة، لان النساء يرثن والاطفال ولا نصرة هاهنا، وعلة ثبوت المواريث غير معلومة على التفصيل، وإن كنا نعلم على سبيل الجملة أنها للمصلحة، وبعد فان النصرة مبذولة من المسلم للكافر في الواجب وعلى الحق كما أنها مبذولة للمسلم بهذا الشرط.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن المطلقة المبتوتة في المرض ترث المطلق لها إذا مات في مرضه ذلك ما بين طلاقها وبين سنة واحدة بشرط أن لا تتزوج فان تزوجت فلا ميراث لها.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يعتبروا فيه ما إعتبرناه، لان أبا حنيفة وأصحابه يذهبون إلى أنه إذا طلق إمرأة ثلاثا في مرضه ثم مات في مرضه وهي في العدة فانها ترثه، فان مات بعد إنقضاء العدة لم ترثه، فان صح
من مرضه ثم مات لم ترثه.
وقال الحسن بن حي وزفر ان صح من مرضه ثم مرض ثم مات في مرضه وهي في العدة ورثته أيضا.
وقال الثوري والاوزاعي مثل قول زفر، وذلك قول الحسن بن حي.
وقال مالك: إذا طلق إمرأته وهو مريض قبل الدخول فان لها نصف المهر والميراث ولا عدة عليها، فان تزوجت عشرة أزواج كلهم طلقوا في المرض فانها ترث جميعهم إذا ماتوا قبل أن يصحوا من المرض، وذكر الليث أن ابن شبرمة سأل ربيعة عن المريض يطلق إمرأته، فقال: ترثه ولو تزوجت بعشرة أزواج.
وقال مالك: فان صح من مرضه صحة معروفة ثم مات بعد ذلك لم ترثه وهو قول الليث.
وقال الشافعي: لا ترث المبتوتة وإن مات وهي في العدة، وأجمعوا على أن المرأة لو ماتت لم يرثها، فبان بهذا الشرح أن الامامية منفردة بقولها.
والذى يدل على صحته الاجماع المتكرر الذي قد بينا أن فيه الحجة، وأيضا فأن الاغلب والاظهر أن الرجل إنما يبت إمرأته في مرضه هربا من أن ترثه مدة سنة كان ذلك كالصارف له عن هذا الفعل.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية أن من أشكلت حاله من الخناثى فپي كونه ذكرا أو أنثى إعتبر حاله بخروج البول، فان خرج من الفرج الذي يكون للرجال خاصة ورث ميراث الرجال، وإن كان خروجه مما يكون للنساء خاصة ورث ميراث النساء، وإن كان بال منهما معا نظر إلى الاغلب والاكثر منهما فعمل عليه وورث به، فان تساوى ما يخرج من الموضعين ولم يختلف إعتبر بعد الاضلاع، فان إتفقت ورث ميراث الاناث، وإن إختلفت ورثت ميراث الرجال.
وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا فيه أقوالا مختلفة كلها تخالف قول الشيعة في ذلك، لان أبا حنيفة وإن كان قد روي عنه إعتبار البول كما تعتبره الامامية فانه يذهب إلى أنه متى خرج البول من الفرجين جميعا ورثه بأحسن أحواله، وإن كان أحسن أحواله أن يكون ذكرا أعطاه ذلك، وإن
كان أحسن أحواله أن يكون أنثى أعطاه ذلك.
والشافعي يعطي الخنثى ميراث إمرأة ويوقف بقية المال حتى يتضح أمره، وأقوال الجميع إذا تأملت علم أنها خارجة عن أقوال الامامية ومنفردة.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وأيضا فان باقي الفقهاء عولوا عند إشكال الامر وتقابل الامارات على رأي وظن وحسبان، وعولت الامامية فيما تحكم به في الخنثى على نصوص وشرع محدود، وقولها على كل حال أولى.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: بأن المفقود يحبس ماله عن ورثته قدر ما يطلب في الارض كلها أربع سنين، فان لم يوجد بعد إنقضاء هذه المدة قسم المال بين ورثته، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وقالوا فيه أقوالا مختلفة، فذهب بعضهم في مال المفقود إلى أنه يوقف ماله سبعين سنة بعد سنة فقده ثم يقسم بين الاحياء من ورثته.
وقال الآخرون: يوقف تمام مائة وعشرين سنة، وأقوالهم مختلفة في هذا الباب، تخالف لكلها ما ذهبت إليه الامامية.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد أن من خالفنا يعول في ما ذهب إليه على القياس، وقد بينا أن ذلك لا مدخل له في الاحكام الشرعية.
(مسألة) ومما يظن إنفراد الامامية به ولها فيه موافق قولها بأن القاتل خطأ يرث المقتول لكنه لايرث من الدية، فوافق الامامية على هذا المذهب عثمان البستي، وذهب إلى أن القاتل الخطأ يرث، ولا يرث قاتل العمد، وقال أبوحنيفة وأصحابه: لا يرث قاتل خطأ ولا عمد إلا أن يكون صبيا أو مجنونا فلا يحرم الميراث.
وقال ابن وهب عن مالك لا يرث القاتل من دية من قتل شيئا ولا من ماله وإن قتله خطأ لم يرث من ديته ويرث من سائر ماله وهو قول الاوزاعي
وهذا كما تراه موافقة للامامية.
وقال ابن شبرمة: لا يرث قاتل الخطأ، وقال الثوري لا يرث القاتل من مال المقتول ولا ديته.
وحكى المزني عن الشافعي أنه قال: إذا قتل الباغي العادل أو العادل الباغي لا يتوارثان، لانهما قاتلان، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد.
ويدل أيضا عليه ظواهر آيات المواريث كلها مثل قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) فإذا عورضنا بقاتل العمد فهو مخرج بدليل قاطع لم يثبت مثله في قاتل الخطأ، ويمكن أن يقوى ذلك أيضا بأن الخاطئ معذور غير مذموم ولا مستحق العقاب، فلا يجب أن يحرم من الميراث الذي يحرمه العامد على سبيل العقوبة، فان إحتج المخالف بقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) فلو كان القاتل وارثا لما وجب عليه تسليم الدية.
فالجواب عن ذلك أن وجوب تسليم الدية على القاتل إلى أهله لا يدل على أنه لا يرث ما دون هذه الدية من تركته، لانه لا تنافي بين الميراث وبين تسليم الدية، وأكثر ما في ذلك ألا يرث من الدية التي يجب عليه تسليمها شيئا وإلى هذا نذهب.
(مسألة) ومما إنفردت به الامامية القول: أن من مات وخلف مالا وأبا مملوكا وأما مملوكة فان الواجب أن يشتري أبوه وأمه من تركته ويعتق عليه ويورثا باقي التركة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، وقد روي عن ابن مسعود في أن الرجل إذا مات وترك أباه وكان مملوكا أنه يشتري من تركته ويعتق، والذي يدل على صحة ما ذهبت إليه الامامية الاجماع المتردد، ولان قولها أيضا مفض إلى قربة وعبادة وهو العتق فهو أولى.
(مسألة) ومما ظن إنفراد الامامية به ما ذهبوا إليه من أن الوصية للوارث جايزة وليس للوارث ردها وقد وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء وإن كان الجمهور والغالب على خلافه.
والذي يدل على صحة ما ذهبوا إليه
من ذلك بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) وهذا نص في موضع الخلاف.
وأيضا قوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) وهذا عام في الاقارب والاجانب فمن خصص به الاجانب دون الاقارب فقد عدل عن الظاهر بغير دليل، وأيضا فان هذا إحسان إلى أقاربه وقد ندب الله تعالى إلى كل إحسان عقلا وسمعا ولم يخص بعيدا من قريب بذلك، ولا فرق بين أن يعطيهم في حياته من ماله أو في مرضه وبين أن يوصي بذلك لانه إحسان إليه وفعل مندوب إليه، فان قالوا أن الآية منسوخة بآية المواريث وبما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله من طرق مختلفة من أنه لا وصية لوارث، فالجواب عن ذلك أن النسخ بين الخبرين إنما يكون إذا تنافى العمل بموجبهما ولا تنافي بين آية المواريث وآية الوصية والعمل بمقتضاهما جميعا جائز سايغ، فكيف يجوز أن يدعي في آية المواريث أنها ناسخة لآية الوصية مع فقد التنافي، فأما الاخبار المروية في هذا الباب فلا إعتراض بها لانها إذا سلمت من كل قدح وجرح وتضعيف كانت تقتضي الظن ولا تنتهي إلى العلم اليقين، ولا يجوز أن ينسخ بما يقتضي الظن كتاب الله تعالى الذي يوجب العلم اليقين، وإذا كنا لا نخصص كتاب الله بأخبار الآحاد فالاولى أن لا ننسخه بها.
وقد بينا ذلك في كتابنا في أصول الفقه وبسطناه.
ومعول القوم على خبر يرويه شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن عثمان عن عمرو بن خارجة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا يجوز لوارث وصية، وعلى خبر يرويه إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي إمامة الباهلي قال: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول في خطبة حجة الوداع: ألا أن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث.
وعلى خبر يرويه إسحاق بن إبراهيم الهروي عن سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار، عن جابر بن عبدالله عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: لا وصية لوارث.
فأما خبر شهر بن حوشب فهو عند نقاد الحديث مضعف كذاب، ومع ذلك فانه تفرد به عبدالرحمن بن عثمان وتفرد به عبدالرحمن عن عمرو بن خارجة، وليس لعمرو بن خارجة عن النبيصلىاللهعليهوآله إلا هذا الحديث، ومن البعيد أن يخطب النبيصلىاللهعليهوآله في الموسم أنه لا وصية لوارث فلا يرويه عنه المطيفون به من صحابته، ويرويه أعرابي مجهول وهو عمرو بن خارجة، ثم لا يرويه عن عمرو إلا عبدالرحمن، ولا يرويه عن عبدالرحمن إلا شهر بن حوشب وهو ضعيف متهم عند جميع الرواة، وأما حديث أبي أمامة فلا يثبت وهو مرسل، لان الذي رواه عنه شرحبيل بن مسلم وهو لم يلق أبا أمامة ورواه عن شرحبيل إسماعيل بن عياش وحده وهو ضعيف.
وحديث عمرو بن شعيب أيضا مرسل، وعمرو ضعيف متهم في حديثه لا يحتج بحديثه.
وحديث جابر أسنده أبوموسى الهروي وهو ضعيف متهم في الحديث، وجميع من رواه عن عمرو بن دينار لم يذكروا جابرا ولم يسندوه.
وما روي عن ابن عياش لا أصل له عن الحفاظ.
ورواية حجاج بن محمد عن ابن جريح عن عطاء الخراساني وعطاء الخراساني ضعيف ولم يلق ابن عباس وإنما أرسله عنه.
وربما تعلق بعض المخالفين بأن الوصية للوارث إيثار لبعضهم على بعض وذلك مما يكسب العداوة والبغضاء من الاقارب، ويدعو إلى عقوق الموصي وقطيعة الرحم، وهذا ضعيف جدا، لانه إن منع من الوصية للاقارب ما ذكروه منع من تفضيل بعضهم على بعض في الحياة فالبر والاحسان لان ذلك يدعو إلى الحسد والعداوة فلا خلاف في جوازه وكذلك الاول (تم الكتاب بحمد الله ومنه، والحمد لله رب العالمين) (والصلاة على سيدنامحمد وآله الطاهرين وسلم تسليما)
[خاتمة الكتاب]
يقول العبد المعترف بالعصيان محمد مهدي الموسوي الخرسان: قد تمت مقابلة هذه النسخة من الكتاب قراءة وتصحيحا في مجالس عديدة أولها يوم الاحد ٢٨ محرم الحرام سنة ١٣٩٠ ه وآخرها يوم الثلاثاء ٤ ربيع الثاني سنة ١٣٩٠ ه على نسخة نفيسة قديمة مصورة ورد في آخرها ما صورته: (وفرغ من تحريره أبوالحسن علي بن إبراهيم بن الحسن بن) (موسى الفراهاني يوم الثلاثاء الخامس والعشرون من ذى القعدة) (سنة إحدى وتسعين وخمس مية، تقربا إلى الله تعالى وطلبا) (لثوابه ببلدة قاسان في دراه بباب ولان وكتب بخطه حامدا) (ومصليا، وحسبنا الله ونعم الوكيل) ومصورة هذه النسخة في مكتبة الامام أمير المؤمنينعليهالسلام العامة في النجف الاشرف برقم (٢٨٥٩).
وختاما نحمد الله على توفيقه إذ هيأ لنا هذه النسخة الشريفة من الكتاب فقابلنا نسختنا عليها.
كما نشكر فضيلة السيد كاظم حكيم زاده على إلتزامه معنا في المقابلة عند القراءة فجزاه الله خيرا، والحمد لله أولا وآخرا).
المطبعة الحيدرية النجف ت (٣٣٦٨) السعر ٤٠٠ تم الكتاب بتاريخ ١٥ / ٨ / ١٩٧١ / ٢٠٠٠ المطبوع [رقم الايداع القانوني في المكتبة الوطنية ببغداد ٢٥٥ لسنة ١٩٧١]
الفهرس
الانتصار الشريف المرتضى ١
مسائل الطهارة وما يتعلق بها ١٠
مسائل الصلاة ٣٩
[مسائل الصوم] ٦٢
[كتاب الزكاة] ٧٧
(مسائل كتاب الخمس) ٨٨
[مسائل الحج] ٩١
[مسائل النكاح] ١٠٨
[مسائل الطلاق] ١٢٩
[مسائل الظهار] ١٤٣
[مسائل اللعان] ١٤٦
[مسائل العدة] ١٤٧
الجزء الثاني: مسائل الايمان والنذر والكفارات ١٥٨
[مسائل النذر] ١٦٣
[مسائل الكفارات] ١٦٧
[مسائل في التدبير] ١٧٣
[مسائل الصيد] (والذبائح والاطعمة والاشربة واللباس) ١٨٤
[مسائل الاشربة] ١٩٩
[مسائل البيوع والربا والصرف] ٢٠٩
[مسائل الشفعة] ٢١٧
[مسائل شتى] ٢٢٣
[مسائل في المحارب] ٢٣٣
مسائل الحدود والقصاص والديات (وما يتصل بذلك) ٢٥٣
مسائل المواريث والفرائض والوصايا (وما يتعلق بذلك) ٢٧٨
[خاتمة الكتاب] ٣١٣
الفهرس ٣١٤