العدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

مؤلف: علاء الحسون
مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام

العدل عند مذهب

أهل البيت (عليهم السلام)

علاء الحسون



العدل عند مذهب

أهل البيت (عليهم السلام)

علاء الحسون



بسم الله الرحمن الرحيم



العدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

كلمة المجمع

إنّ تراث أهل البيت(عليهم السلام) الذي اختزنته مدرستهم وحفظه من الضياع أتباعهم يعبّر عن مدرسة جامعة لشتى فروع المعرفة الإسلامية. وقد استطاعت هذه المدرسة أن تربّي النفوس المستعدة للاغتراف من هذا المعين، وتقدّم للاُمة الإسلامية كبار العلماء المحتذين لخُطى أهل البيت(عليهم السلام)الرسالية، مستوعبين إثارات وأسئلة شتى المذاهب والاتجاهات الفكرية من داخل الحاضرة الإسلامية وخارجها، مقدّمين لها أمتن الأجوبة والحلول على مدى القرون المتتالية.

وقد بادر المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام) - منطلقاً من مسؤولياته التي أخذها على عاتقه - للدفاع عن حريم الرسالة وحقائقها التي ضبّب عليها أرباب الفرق والمذاهب وأصحاب الاتجاهات المناوءة للإسلام، مقتفياً خطى أهل البيت(عليهم السلام)وأتباع مدرستهم الرشيدة التي حرصت في الرد على التحديات المستمرة، وحاولت أن تبقى على الدوام في خطّ المواجهة وبالمستوى المطلوب في كلّ عصر.

إنّ التجارب التي تختزنها كتب علماء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا المضمار فريدة في نوعها; لأنها ذات رصيد علمي يحتكم إلى العقل والبرهان ويتجنّب الهوى والتعصب المذموم، ويخاطب العلماء والمفكرين من ذوي الاختصاص خطاباً يستسيغه العقل وتتقبله الفطرة السليمة.

وقد حاول المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)أن يقدم لطلاّب الحقيقة مرحلة جديدة من هذه التجارب الغنيّة من خلال مجموعة من البحوث والمؤلفات التي يقوم بتصنيفها مؤلفون معاصرون من المنتمين لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، أو من الذين أنعم الله عليهم بالالتحاق بهذه المدرسة الشريفة، فضلاً عن قيام


المجمع بنشر وتحقيق ما يتوخى فيه الفائدة من مؤلفات علماء الشيعة الأعلام من القدامى أيضاً; لتكون هذه المؤلفات منهلاً عذباً للنفوس الطالبة للحق، لتنفتح على الحقائق التي تقدّمها مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)الرسالية للعالم أجمع، في عصر تتكامل فيه العقول وتتواصل النفوس والأرواح بشكل سريع وفريد.

ونتقدم بالشكر الجزيل لسماحة الشيخ علاء الحسّون لتأليفه هذا الكتاب، ولكل الإخوة الذين ساهموا في إخراجه.

وكلّنا أمل ورجاء بأن نكون قد قدّمنا ما استطعنا من جهد أداءً لبعض ما علينا تجاه رسالة ربّنا العظيم الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه وكفى بالله شهيداً.

المجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام)

المعاونية الثقافية


المقدمة

مقدّمة المؤلف:

يمتاز موضوع العدل الإلهي بأهمية فائقة نتيجة تأثيره البالغ في بلورة رؤيتنا حول التعامل الإلهي معنا وتحديده العلاقة فيما بيننا وبين اللّه تعالى، وتركه الآثار الواضحة في مختلف جوانب حياتنا الفردية والاجتماعية.

وقد تعرّض موضوع العدل الإلهي - للأسف الشديد - إلى هجمات مغرضة من قبل بعض السلطات الجائرة التي هيمنت على العالم الإسلامي في العصور السابقة، وقد تركت هذه الهجمات الآثار السيئة في عقول ونفوس المسلمين نتيجة وقوعهم في التفسيرات الخاطئة لكيفية التعامل الإلهي مع الإنسان.

وقد وقف أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بوجه هذه التيارات المنحرفة التي استهدفت العدل الإلهي وأشاعت مفهوم الجبر بين الناس، واهتم أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) - اقتداءً بسيرة أئمتهم الهداة، واعتماداً على كلماتهم النورانية - بمسألة إصلاح الرؤية الخاطئة حول العدل الإلهي، وأكّدوا على تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق بشأنه حتّى أصبح موضوع العدل الإلهي - بمرور الزمان - أصلا من أصول الدين عندهم.

وقد اهتم علماء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) - على مرّ العصور - بهذا الموضوع في مصنّفاتهم، وتناولوه من جميع الجوانب، وحاولوا تأسيس الإيمان باللّه على ضوء قواعد معرفية متينة وإشاعة الفهم الصحيح لموضوع العدل الإلهي من أجل صيانة أبناء المجتمع من العقائد الضالّة والاختراقات الفكرية المنحرفة، ولتكون علاقتهم مع ربّهم قائمة على أسس عقائدية مبتنية على أدلة وبراهين ساطعة.

ولكن المشكلة التي نعاني منها - في يومنا هذا - هي أنّ المفاهيم المطروحة حول موضوع العدل الإلهي في كتب هؤلاء العلماء على رغم امتلاكها القيمة العلمية الكبيرة، فإنّها مؤلّفة بلغة زمانها ومدوّنة وفق المناهج السائدة في عصرها.

ولهذا تطلّب الأمر - في مرحلتنا الراهنة - القيام بإعادة صياغة هذه المفاهيم


وتبيينها وفق عرض جديد ومحاولة تطويرها بقدر الإمكان لتكون غذاءً فكرياً مناسباً لمتطلّبات واحتياجات العصر، ولتكون زاداً علمياً منسجماً مع أجواء الساحة العلمية والفكرية المعاصرة.

ولهذا الغرض تمّ تأليف هذا الكتاب، فهو محاولة لعرض المواضيع العقائدية المرتبطة بمفهوم العدل الإلهي بلغة واضحة وسهلة وميسّرة وبعيدة عن الالتواء والتعقيد، وعلى شكل فقرات موجزة وتقسيمات واضحة تساعد القارئ على فهم المواضيع المطروحة بسهولة، وتشوّقه لمتابعة البحث، وتأخذ بيده ليندمج مع التفاصيل من دون تكلّف.

وقد تضمّن هذا الكتاب أهم المواضيع العقائدية المرتبطة بالعدل الإلهي.

وهي حسب ترتيب عرضها في هذا الكتاب:

الفصل الأوّل: العدل في أفعال اللّه تعالى.

الفصل الثاني: الحسن والقبح العقليّان.

الفصل الثالث: وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى.

الفصل الرابع: الشرور والآلام.

الفصل الخامس: العوض.

الفصل السادس: القضاء والقدر.

الفصل السابع: الجبر والتفويض.

الفصل الثامن: التكليف.

الفصل التاسع: الثواب والعقاب.

الفصل العاشر: اللطف.

الفصل الحادى عشر: الأصلح.

الفصل الثاني عشر: الهداية والإضلال.

الفصل الثالث عشر: الأجل.

الفصل الرابع عشر: الرزق.


وسيشعر القارئ خلال نظرته الأُولى إلى المواضيع المطروحة في هذا الكتاب بأنّ رغبته لمطالعة بعض الفصول أكثر من غيرها، بل قد تكون رغبته في الفصل الواحد متّجهة لبعض المباحث دون غيرها، ولهذا أقول لكلّ من يقع هذا الكتاب بيده: لا يوجد أي داع للمواظبة على مراعاة التسلسل في مطالعة مواضيع هذا الكتاب، بل تستطيع - أيها القارئ العزيز - أن تصفّح هذا الكتاب أو تلاحظ الفهرس فتختار الموضوع المثير لاهتمامك وتقرأ ما تتجه إليه رغبتك.

وفي الختام آمل أن تكون المنهجية الجديدة المتّبعة في هذا الكتاب مؤثّرة في سهولة إلمام القارئ بالمفاهيم الدينية المرتبطة بالعدل الإلهي، كما آمل أن تكون هذه المنهجية المتمثّلة بعرض البحوث على شكل فقرات مقسّمة ومقاطع موجزة نموذجاً لعرض بقية المواضيع العلمية بهذه الطريقة المؤدّية إلى وصول القارئ بسهولة إلى معرفة المفاهيم المطروحة.

علاء الحسّون



الفصل الأوّل

العدل في أفعال اللّه تعالى

معنى العدل

أدلة عدم فعله تعالى للقبيح

مناقشة رأي الأشاعرة حول فعله تعالى للقبيح

قدرة اللّه تعالى على فعل القبيح

عدم فعله تعالى للظلم



المبحث الأوّل

معنى العدل

معنى العدل (في اللغة):

ورد في "لسان العرب": العَدْل: ما قام في النفوس أ نّه مستقيم، وهو ضدّ الجور.

والعدل في أسماء اللّه تعالى يعني الحكم بالحق. والعدل في الناس يعني المرضي قوله وحُكمه(١) .

تنبيه:

"العَدْل" من أسماء اللّه تعالى، وهو مصدر أُقيم مقام الاسم، والمقصود منه المبالغة في وصفه تعالى بأ نّه عادل، أي: كثير العدل(٢) .

معنى العدل (في الاصطلاح العقائدي):

العدل يعني تنزيه اللّه تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب(٣) .

معنى التنزيه:

التنزيه يعني البُعد، ويُقال: اللّه منزّه عن القبيح، أي: بعيد عنه(٤) .

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (عدل).

٢- انظر: مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي: ٣/١٣٣.

٣- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الثاني، ص٣٢.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، ص ٨٣.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الخامس، ص١١١.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، مبحث أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح، ص٨٥.

شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الثاني، الفصل الثاني، ص ٣٠١.

٤- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (نزه).


معنى الفعل القبيح:

الفعل القبيح هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم، ويستحق تاركه المدح(١) .

معنى الفعل الواجب:

الفعل الواجب هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح، ويستحق تاركه الذم(٢) (٣) .

معنى الوجوب على اللّه تعالى:

إنّ قولنا "الوجوب على اللّه تعالى" لا يعني أ نّه تعالى محكوم بأوامر غيره، بل يعني أنّنا نكتشف عن طريق التدبّر في صفاته تعالى أ نّه حكيم، وتقتضي حكمته أن يفعل كذا، لأنّ عدم فعله له يؤدّي إلى الإخلال بحكمته(٤) .

الآيات القرآنية المتضمّنة لمعنى الوجوب على اللّه تعالى:

١ -( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) [الأنعام: ٥٤]

أي: أوجب اللّه تعالى على نفسه الرحمة(٥) .

٢ -( وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) [النحل: ٩]

أي: يجب على اللّه تعالى بيان الطريق المستقيم للعباد(٦) .

٣ -( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) [الليل: ١٢]

أي: يجب علينا بمقتضى العدل أن نهدي العباد إلى الحقّ ببعث الرسل ونصب الدلائل(٧) .

٤ -( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى ) [النجم: ٤٧]

____________________

١ و ٢) انظر المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في العدل، ص١٥٢.

الاعتماد، مقداد السيوري: الركن الثاني، ص ٧٥.

٣- ينبغي تقييد المدح والذم في هذا المجال بمرتبة خاصة لئلاّ يشمل المستحب.

انظر: صراط الحقّ، محمّد آصف المحسني: ج٢، المقصد الخامس، القاعدة الاُولى، ص ١٦٧.

٤- للمزيد راجع: تلخيص المحصّل، نصير الدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثالث، ص٣٤٢.

٥- انظر: الميزان، محمّد حسين الطباطبائي: ج٧، تفسير آية ١٢ و ٥٤ من سورة الأنعام، ص ٢٧ و ١٠٥.

٦- انظر: تفسير القرآن الكريم، عبد اللّه شبّر: تفسير آية ٩ من سورة النحل.

٧- انظر: المصدر السابق: تفسير آية ١٢ من سورة الليل.


أي: يجب على اللّه تعالى أن يجعل داراً أُخرى إضافة إلى دار الدنيا ليقع فيها الجزاء والانتصاف(١) .

دليل عدم إخلاله تعالى بالواجب:

إنّ اللّه تعالى لا يخل بالواجب، لأنّ الإخلال به قبيح(٢) . وسنبيّن لاحقاً أدلة عدم فعله تعالى للقبيح.

معنى العدل الإلهي في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام):

١ - قال الإمام علي(عليه السلام): "العدل أن لا تتهمه"(٣) .

٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "أمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه"(٤) .

تنبيهات:

١ - إنّ "العدل" من صفات اللّه "الفعلية"، وليس من صفاته "الذاتية"(٥) ، لأنّ "العدل" عبارة عن تنزيه اللّه تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، وهذا الأمر منتزع من مقام الفعل.

____________________

١- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج٩، تفسير آية ٤٧ من سورة النجم، ص ٢٧٦.

٢- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الخامس، ص ١١١.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، الفصل الخامس، البحث الثالث، ص٢٦٠.

الاعتماد، مقداد السيوري: الركن الثاني، ص ٧٥

٣- نهج البلاغة، الشريف الرضي: باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام)، الحكمة ٤٧٠، ص٧٥٥.

٤- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٥، ح١، ص٩٣.

٥- الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية:

الصفات الذاتية الصفات الفعلية

منتزعة من الذات الإلهية منتزعة من الأفعال الإلهية

قديمة بقدم الذات الإلهية حادثة بحدوث الأفعال الإلهية

لا يصح سلبها عنه تعالى أبداً يصلح سلبها عنه تعالى في بعض الأحيان

فلا يقال: اللّه غير عالم وغير قادر في فيقال: اللّه لا يخلق ولا يرزق في

بعض الأحيان بعض الأحيان

انظر: الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ص ١١١.


٢ - إنّ العدل الإلهي صفة لكيفية تعامل اللّه تعالى مع الكون بما فيه الإنسان، ولهذا اكتسبت هذه الصفة أهمية خاصة وموقعاً مميّزاً، لأنّ بها يتمّ تحديد نوعية موقف تعامل اللّه عزّ وجلّ مع الإنسان.

٣ - إنّ "العدل الإلهي" لا يتنافى مع "حرّية اللّه في أفعاله".

وليس "العدل" قيداً لأفعال اللّه عزّ وجلّ.

لأنّ "الحرية الإلهية" منزّهة عن النقص والظلم والقبائح.

ولا يفعل اللّه تعالى إلاّ الحسن.

ولا يضع الأُمور إلاّ في مواضعها اللائقة بها.

ولهذا لا يكون بين "حرية اللّه في أفعاله" و"العدل الإلهي" أيّ تضاد أو تناف.

الفرق بين "العدل" و "المساواة":

إنّ "المساواة" تعني مراعاة التساوي بين طرفين أو بين عدّة أطراف.

ولكن "العدل" يعني إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه.

والفرق بينهما:

إنّ أموراً من قبيل: "مراعاة الاستحقاق" و"أخذ الأولويات بنظر الاعتبار" و"إعطاء كلّ كائن نصيبه بموجب ما يستحق":

تُشترط في "العدل".

ولكنها لا تُشترط في "المساواة".

مثال:

لايعني مراعاة العدل بين تلاميذ الصف الواحد أن يُعطى الجميع درجات متساوية.

ولا يعني مراعاة العدل بين العمّال والموظفين أن يُعطى الجميع أُجوراً متساوية.

بل يعني مراعاة العدل في هذا المقام:

إعطاء كلّ تلميذ الدرجة التي تستحقها معلوماته ولياقته العلمية.


وإعطاء كلّ عامل أُجرته بحسب أهمية العمل الذي يقوم به.

تنبيه:

إنّ الحكمة في جعل اللّه الاختلاف والفوارق بين الناس وعدم المساواة بينهم في إعطاء المواهب والنعم هو لأ نّه تعالى جعل الحياة الدنيا داراً للبلاء والاختبار، فخلق نظاماً يؤدّي إلى رفع بعض الناس فوق البعض الآخر، ليبلوهم أيّهم أحسن عملا، وليرى مستوى صبرهم وشكرهم ومدى نجاحهم في الاختبار الإلهي.

لماذا اعتبر العدل أصلا من أصول مذهب التشيّع؟

الدليل الأوّل:

بالعدل يتمّ التوحيد، ومن دون إثبات العدل لا يمكن إثبات النبوّة والإمامة والمعاد(١) .

قال العلاّمة الحلّي:

"اعلم أنّ هذا الأصل [العدل] عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية، بل الأحكام الدينية مطلقاً، وبدونه لا يتمّ شيء من الأديان"(٢) .

توضيح ذلك:

١ - الصلة بين "العدل" و"النبوّة":

إنّ العدل الإلهي هو الذي يقتضي:

أوّلا: إرسال اللّه الأنبياء بالهدى ودين الحقّ.

ثانياً: وثوق الناس بهؤلاء الأنبياء، واطمئنانهم بأنّ هؤلاء هم الذين أرسلهم اللّه وسدّدهم بالمعاجز، وأنّ هدفهم الخير والصلاح لهم.

ولولا العدل الإلهي لأمكن القول:

____________________

١- انظر: حقّ اليقين، عبد اللّه شبّر: كتاب العدل، الفصل الأوّل، ص ٨٣.

٢- نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، ص ٧٢.


أوّلا: قد لا يرسل اللّه تعالى أحداً من رسله إلى العباد، فيترك الناس لشأنهم، ثمّ يفعل بهم كيفما يشاء، فيبطل أصل النبوّة.

ثانياً: قد يسدّد اللّه تعالى الكذّابين والدجّالين بالمعجزة، أو يرسل رسلا من أجل إغواء العباد وإلقائهم في التهلكة، فلا يمكن بعد ذلك الوثوق بالأنبياء.

٢ - الصلة بين "العدل" و "الإمامة":

إنّ العدل الإلهي هو الذي يقتضي اصطفاء اللّه تعالى الأئمة والأوصياء بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) للحفاظ على ما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والتصدّي من بعده للقيام بالمسؤوليات التي كانت على عاتقه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما عدا النبوّة.

ولولا العدل الإلهي لجاز له تعالى أن يترك الأُمة من بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سُدى، ويتركهم يتخبّطون في الضلال من دون وجود أحد يرشدهم إلى الحقّ والصواب.

٣ - الصلة بين "العدل" و "المعاد":

إنّ الاعتقاد بالعدل الإلهي هو الذي يستلزم الاطمئنان بالوعد الإلهي وتحقّق المعاد وإثابته تعالى للمحسن وعقوبته للمسيء في دار الآخرة.

ولولا ثبوت العدل الإلهي لم يمكن الوثوق بوعد اللّه تعالى، ولأمكن القول بأ نّه تعالى قد يلغي المعاد أو يقيمه ولكنه يتصرّف بالعباد كيفما يشاء، فيلقي الأنبياء في نار جهنم ويدخل الطغاة والمجرمين في جنّة النعيم! فيبطل بذلك أصل "المعاد".

الدليل الثاني:

إنّ الأشاعرة فسّروا "العدل الإلهي" بصورة تؤدّي إلى نفيه، فوقف أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بقوة أمام هذا التفسير، ودافعوا عن "العدل الإلهي" بحيث عُرفوا بالعدلية، واعتبر "العدل الإلهي" أصلا من أصول مذهبهم(١) .

____________________

١- اشتهر الخلاف حول مسألة العدل الإلهي بين المسلمين من بداية القرن الثاني للهجرة، واستمر هذا الخلاف بحيث أصبحت هذه المسألة علامة بارزة على أنّ المعتقد بها:

"شيعي" إذا كان من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

"معتزلي" إذا كان من أتباع مذهب أهل السنة.


المبحث الثاني

أدلة عدم فعله تعالى للقبيح

الدليل الأوّل:

لا يخلو الداعي إلى فعل القبيح عن أربع صور، وهي:

الاُولى: الجهل بالقبح: وهي أن يكون فاعل القبيح جاهلا بقبح ما يفعله.

الثانية: العجز عن تركه: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله، ولكنه عاجز عن تركه.

الثالثة: الاحتياج إليه: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله، وغير عاجز عن تركه، ولكنه محتاج إلى فعله.

الرابعة: فعله عبثاً: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله، وغير عاجز عن تركه، وغير محتاج إلى فعله، ولكنه يفعله عبثاً.

واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن جميع هذه الصور (وهي الجهل والعجز والاحتياج والعبث)، لأنّه تعالى هو العالم والقادر والغني والحكيم على الإطلاق، فلهذا يستحيل عليه فعل القبيح(١) .

وذكر معظم علماء الشيعة:

أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه واستغنائه عنه(٢) .

____________________

١- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، مبحث: أن اللّه تعالى لا يفعل القبيح، ص ٨٥.

٢- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الأوّل، ص ٨٨.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثالث، ص٩٠.

قواعد المرام، ميثم البحراني،: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الخامس، ص١١١.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الثالث، ص٢٤٣.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، المسألة الثانية، ص٤٢٠.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، إثبات أنّ الباري لا يفعل القبيح، ص٢٦٠.


تنبيه:

إنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح لعدم وجود الداعي لفعله.

أمّا فعله تعالى للحسن، فليس الداعي احتياجه تعالى إليه، وإنّما يفعل اللّه الحسن لحسنه لا للحاجة إليه(١) .

الدليل الثاني:

إنّ اللّه تعالى حكيم، وهذه الحكمة الإلهية تستلزم عدم فعله تعالى للقبيح، لأنّ فعل القبيح لا ينسجم مع الحكمة.

الدليل الثالث:

يلزم فعله تعالى للقبيح عدم الجزم بصدق الأنبياء، لأنّ دليل النبوّة مبني على إظهار اللّه المعجزة على يد النبي، فلو كان اللّه فاعلا للقبيح، فإنّه قد يُظهر المعجزة على يد من يدّعي النبوّة كذباً، فلا يمكن بعد ذلك الوثوق بصحة نبوّة أي نبي(٢) .

الدليل الرابع:

يلزم فعله تعالى للقبيح جواز صدور الكذب منه تعالى، لأنّ الكذب نوع من أنواع فعل القبيح، ومنه يلزم عدم الوثوق بوعد الله ووعيده تعالى، فينتفي الجزم بوقوع ما أخبر بوقوعه من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية(٣) .

____________________

١- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، في أ نّه تعالى لا يفعل القبيح، ص ٨٥.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة: في كونه تعالى لا يفعل القبيح، ص ١٠٢.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: القول في العدل، ص ١٦١.

٢- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الثالث، ص٢٤٣.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، مبحث أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح، المطلب الثالث، ص ٨٦.

٣- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الثاني، ص٣٣.

الرسالة السعدية، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل، المسألة السادسة، البحث الثاني، ص٥٧.

ومن هنا تتثّبط عزيمة الإنسان عن طاعة أوامر اللّه تعالى واجتناب نواهيه، وسيقول الإنسان: ما هي فائدة عبادتي للّه تعالى، وقد يدخلني اللّه تعالى في النار رغم عبادتي له، لأ نّه يفعل ما يشاء، ومنها فعل القبيح!


الدليل الخامس:

يلزم من فعله تعالى للقبيح جواز وصفه تعالى بالظلم والجور والعدوان، لأ نّه تعالى لو كان فاعلا للقبيح لأمكن أن يصدر منه الظلم والجور والعدوان، لأ نّها من جملة القبائح.

تنبيه:

بما أنّ اللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح، فلهذا لا يصح نسبة أيّ فعل قبيح إليه تعالى، وبما أ نّنا نجد ارتكاب بعض العباد للأفعال القبيحة، فلهذا لا يصح نسبة هذه الأفعال إلى اللّه تعالى، بل ينبغي نسبتها إلى العباد، ويكون كلّ إنسان هو المسؤول عن الفعل القبيح الذي يصدر عنه(١) .

____________________

١- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في العدل، ص ١٦٤.


المبحث الثالث

مناقشة رأي الأشاعرة حول فعله تعالى للقبيح

ذهب الأشاعرة إلى أنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء، وكلّ ما يفعله اللّه تعالى فهو حسن، وإن حكم العقل بقبح هذا الفعل(١) .

أدلة الأشاعرة:

الدليل الأوّل:

إنّ الفعل لا يكون قبيحاً إلاّ بعد نهي الشارع عنه، وبما أنّ أفعال اللّه تعالى لا تقع في إطار أوامر ونواهي الشرع، فلهذا لا يمكن تصوّر فعل القبيح في أفعال اللّه تعالى.

قال أبو الحسن الأشعري:

"الدليل على أنّ كلّ ما فعله [تعالى] فله فعله أ نّه... لا فوقه مبيح، ولا آمر، ولا زاجر، ولا حاظر، ولا من رسم له الرسوم، وحدّ له الحدود، فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأ نّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا، وأتينا ما لم نملك إتيانه، فلمّا لم يكن الباري... تحت أمر لم يقبح منه شيء"(٢) .

يرد عليه:

١ - إنَّ بعض الأفعال قبيحة بذاتها، ولا يعود منشأ قُبحها إلى حكم الشرع.

وسنبحث هذا الموضوع بصورة مفصّلة في الفصل القادم.

____________________

١- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٦، ص ٢٨٣.

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٤، ص٢٩٤.

٢- اللمع، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع، ص١١٦.


٢ - "لو كان القبيح إنّما يقبح للنهي، لوجب فيمن لا يعرف النهي ولا الناهي أن لا يعرف شيئاً من القبائح"(١) .

وبعبارة اُخرى: لو كان نهي الشرع هو المنشأ الوحيد لقبح جميع الأفعال، فينبغي أن لا يعتقد منكر الشرع بقبح شيء، لأ نّه لا يؤمن بالشرع فلا يكون عنده شيءٌ قبيحٌ.

ولكننا نرى غير الملتزمين بالدين - على اختلاف فصائلهم -:

يصفون بعض الأفعال بالقبح ويعتقدون بأ نّهم ملزمون بتركها.

ويسند هؤلاء تقبيحهم إلى العقل من غير أن يكون لحكم الشرع أيّ أثر في هذا التقبيح.

٣ - "لو كان القبيح يقبح للنهي، لوجب أن يكون الحسن يحسن للأمر، فيلزم عليه أن لا توصف أفعاله تعالى بالحسن أيضاً، لأ نّه [تعالى] كما لم ينه عن شيء، [فإنّه تعالى] لم يُؤمر بشيء"(٢) .

الدليل الثاني للأشاعرة:

"الدليل على أنّ كلّ ما فعله [تعالى]، فله فعله: أ نّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك... فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء"(٣) .

وقال الشهرستاني:

"أمّا العدل فعلى مذهب أهل السنة: أنّ اللّه عدل في أفعاله، بمعنى أ نّه متصرّف في مُلكه ومِلكه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد"(٤) .

بعبارة أُخرى:

____________________

١- المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في العدل، ص ١٥٥.

٢- المصدر السابق.

٣- اللمع، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع، ص١١٦.

٤- الملل والنحل، عبد الكريم الشهرستاني: ج١، الباب الأوّل، ص ٤٢.


لا يمكن تصوّر فعل القبيح بالنسبة إلى اللّه تعالى، لأ نّه تعالى هو المالك لكلّ شيء على الإطلاق، ويعتبر أي تصرّف له تعالى في العالم، إنّما هو تصرّف في شيء يملكه، وله أن يفعل به كيفما يشاء.

يرد عليه:

إنّ ملكية الشيء لا تعني امتلاك المالك حقّ التصرّف بها على خلاف موازين الحكمة والعدل.

ولهذا نجد العقلاء يذمّون من يلقي أمواله في البحر بلا سبب، ويحكمون بسفاهته مع علمهم بمالكيته لتلك الأموال.

بعبارة أُخرى:

إنّ "الملكية" لا تبيح فعل القبائح العقلية أصلا.

ولهذا يستنكر العقلاء على المالك الذي يعذّب عبده بلا جهة، ويعتبرونه سفيهاً يستحق اللوم إزاء فعله القبيح هذا.

واللّه تعالى على رغم كونه مالكاً لكلّ شيء وقادراً على كلّ شيء، ولكنه مع ذلك "حكيم"، وحكمته تنزّهه عن فعل القبيح.

ولهذا قال تعالى:( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) [هود: ١١٧].


المبحث الرابع

قدرة اللّه تعالى على فعل القبيح

قال الشيخ المفيد: "إنّ اللّه - جلّ جلاله - قادر على خلاف العدل، كما أ نّه قادر على العدل، إلاّ أ نّه لا يفعل جوراً ولا ظلماً ولا قبيحاً، وعلى هذا جماعة الإمامية"(١) .

أدلة قدرته تعالى على فعل القبيح:

١ - إنّ اللّه تعالى قادر على كلّ مقدور، والقبيح مقدور، فيثبت أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(٢) .

٢ - إنّ "الفعل الحسن" من جنس "الفعل القبيح"، والقادر على أحد الجنسين يكون قادراً على الآخر(٣) .

مثال:

ألف - إنّ قعود الإنسان في دار غيره غصباً من جنس قعوده فيها باذن مالكها، ولكن أحدهما قبيح والآخر حسن.

ب - إنّ اللّه تعالى قادر - بلا خلاف - على معاقبة العاصي، ولا يخفى بأنّ هذه القدرة لم تتحقّق عند وقوع المعصية من المكلّف، بل كان اللّه تعالى قادراً على

____________________

١- أوائل المقالات، الشيخ المفيد: قول ٢٤، ص ٥٦.

٢- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: باب مايجب اعتقاده في أبواب العدل، ص٨٣ - ٨٤.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثالث، ص ٨٨.

٣- انظر: الملخص، الشريف المرتضى: الجزء الثاني، باب الكلام في العدل، ص٣٢٥.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الأوّل، ص٨٨.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح، ص٩٩.


المعاقبة قبل ذلك، وعقوبته تعالى قبل ذلك من جملة الأفعال القبيحة، فثبت أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(١) .

٣ - إنّنا قادرون على فعل القبيح، واللّه تعالى أقدر منّا في جميع الأحوال، فيثبت بذلك أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(٢) .

مناقشة رأي القائلين بعدم قدرة اللّه على فعل القبيح:

ذهب البعض إلى أنّ اللّه تعالى غير قادر على فعل القبيح، لأ نّه تعالى لو كان قادراً على فعل القبيح لصح منه فعله، وصحة فعل القبيح منه تعالى دليل على اتّصافه تعالى بالجهل والاحتياج، وهو منزّه عن ذلك(٣) .

يرد عليه:

١ - إنّ امتلاك القدرة على فعل معيّن لا يدل على أنّ صاحب تلك القدرة سيستخدم قدرته في القيام بذلك الفعل.

وإنّما الفعل يتبع الإرادة والاختيار ووجود الداعي و....

واللّه تعالى حكيم، وتمنعه حكمته من فعل القبيح على الرغم من امتلاكه القدرة عليه.

٢ - إنّ الاتّصاف بالجهل والاحتياج يكون مع "فعل القبيح" لا مع "امتلاك القدرة

____________________

١- انظر: الملخص، الشريف المرتضى: الجزء الثاني، باب الكلام في العدل، ص٣٢٥.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الأوّل، ص٨٨.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: القول في العدل، ص ١٥٣.

٢- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسألة: في كونه تعالى قادراً على القبيح، ص١٠٠.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، فصل: في أ نّه تعالى قادر على القبيح و...، ص ٧٤.

٣- أشار بعض علمائنا إلى هذا الرأي الذي ذهب إليه بعض أعلام المعتزلة.

انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح، ص ١٠٠.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثالث، ص ٨٩.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في العدل، ص ١٥٤.


على فعله"، وإنّ عدم فعله تعالى للقبيح ليس لأ نّه غير قادر على فعله، بل لأ نّه تعالى حكيم وعالم وغني، فلا يريد فعل القبيح(١) .

____________________

١- انظر: المصدر السابق.


المبحث الخامس

عدم فعله تعالى للظلم

معنى الظلم:

"وضع الشيء في غير موضعه... وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحدّ"(١) .

أدلة عدم فعله تعالى للظلم:

١ - إنّ الظلم ينبثق عن الجهل والحاجة والحقد والعجز والضعف والخوف والعبث وغيرها من الرذائل التي يكون اللّه تعالى منزّهاً عنها، فلهذا يستحيل عليه تعالى الظلم.

٢ - إنّ اللّه تعالى ذمّ الظالمين وندّد بهم ونهى الناس عن الظلم، فكيف يكون سبحانه ظالماً للعباد؟!

٣ - إنّ الظلم قبيح، واللّه تعالى - كما بيّنا فيما سبق - منزّه عن فعل القبيح.

نفي الظلم عن اللّه تعالى في القرآن الكريم:

١ -( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) [آل عمران: ١٨]

٢ -( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ) [الأنبياء: ٤٧]

٣ -( إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [يونس: ٤٤]

____________________

١- لسان العرب، ابن منظور: مادة (ظلم).


٤ -( فَما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [التوبة: ٧٠]

٥ -( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [النحل: ١١٨]

٦ -( إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة ) [النساء: ٤٠]

٧ -( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) [الكهف: ٤٩]

٨ -( وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) [الأنفال: ٥١]

٩ -( وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) [فصّلت: ٤٦]

١٠ -( وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ) [آل عمران: ١٠٨]

١١ -( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ) [الزخرف: ٧٦]

١٢ -( وَما ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [النحل: ٣٣]



الفصل الثاني

الحسن والقبح العقلي

معنى الحسن والقبح

أقسام الفعل من حيث الاتّصاف بالحسن والقبح

منشأ حسن وقبح الأفعال

إطلاقات الحسن والقبح

محل الاختلاف بين العدلية والأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال

رأي العدلية القائلين بالحسن والقبح العقلي

أدلّة ثبوت الحسن والقبح العقلي

إثبات الحسن والقبح العقلي في القرآن الكريم

رأي الأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال

أدلّة الأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي ومناقشتها

أقوال بعض أهل السنة الموافقين للحسن والقبح العقلي



المبحث الأوّل

معنى الحسن والقبح

معنى الحسن والقبح (في اللغة):

إنّ للحُسن والقبح - في اللغة - عدّة معان منها:

١ - "الحسن" ما هو كمال، و"القبيح" ما هو نقص.

٢ - "الحسن" ما يلائم الطبع، و"القبيح" ما ينافره.

٣ - "الحسن" ما يوافق المصلحة، و"القبيح" ما يخالفها.

٤ - "الحسن" ما يتعلّق به المدح، و"القبيح" ما يتعلّق به الذم.

وسنشير إلى هذه المعاني في المبحث الرابع من هذا الفصل.

معنى الحسن والقبح (في الاصطلاح العقائدي):

الفعل الحسن:

التعريف الأوّل: هو الفعل الذي لا يستحق فاعله الذم(١) .

التعريف الثاني: هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح(٢) (٣) .

____________________

١- انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة، السيّد المرتضى: ج٢، باب الكلام في الأفعال، ص٥٦٣.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثاني، ص٨٥.

الرسالة السعدية، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل، المسألة السادسة، البحث الأوّل، ص٥٣.

٢- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة في الحسن والقبح، ص٩٧.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الأوّل، ص ١٠٤.

٣- بشرط أن يكون الفاعل قاصداً إلى ما يفعل.

انظر: تقريب المعارف كما في (المصدر السابق).


الفعل القبيح:

هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم(١) (٢) .

صلة المدح والذم بالثواب والعقاب الأخروي:

الرأي الأوّل:

إنّ "الفعل الحسن" هو الفعل الذي يستحق فاعله "المدح"، ولا شكّ أنّ مدح اللّه تعالى يتبعه في الآخرة "إثابة" فاعل الفعل الحسن.

وإنّ "الفعل القبيح" هو الفعل الذي يستحق فاعله "الذم"، ولا شكّ أنّ ذمّ اللّه تعالى يتبعه في الآخرة "معاقبة" فاعل الفعل القبيح.

ولهذا ذكر أغلب علماء الإمامية في تعريفهم للحسن والقبح:

"الحسن" ما يستحق فاعله المدح عاجلا والثواب آجلا(٣) .

و"القبيح" ما يستحق فاعله الذم عاجلا والعقاب آجلا(٤) .

الرأي الثاني:

إنّ الثواب والعقاب الأخروي أمر غير ملازم للحسن والقبح.

لأنّ شرط حصول فاعل الفعل الحسن على "الثواب" هو: إيمانه باللّه وقصده للقربة ونحوها.

وشرط حصول فاعل الفعل القبيح على "العقاب" هو: عدم وجود العفو والشفاعة الإلهية، وعدم مبادرة فاعل القبيح إلى التوبة ونحوها.

فلا ربط للعقاب والثواب بالمدح والذم.

____________________

١- انظر: المصدر السابق (مصدري تعريف الفعل الحسن).

٢- بشرط أن يكون الفاعل عالماً بقبح ما يفعله، أو متمكّناً من العلم به، ولم يكن أي اضطرار إلى فعله.

انظر: تمهيد الأصول، الشيخ الطوسي: فصل في بيان حقيقة الفعل، وشرح أقسامه: ص ٩٨.

٣ و ٤) انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الثاني، ص١٠٤.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص ٦٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، مسألة الحسن والقبح، ص ٢٥٤.


ولهذا قال الشيخ محمّد حسن المظفر:

"إدخال كلمة الثواب والعقاب في تعريفهما [أي: تعريف الحُسن والقبح] خطأ ظاهر"(١) .

____________________

١- دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج ١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ٢، ص ٣٦٣.


المبحث الثاني

أقسام الفعل من حيث الاتّصاف بالحسن والقبح(١)

١ - الفعل غير الاختياري(٢) : وهو الفعل الذي لا يوصف بالحسن والقبح، لأنّ استحقاق المدح والذم يرتبط بالفعل الاختياري فقط. وهو لا يتعلّق بالفعل غير الاختياري أبداً(٣) .

٢ - الفعل الاختياري: وهو الفعل الذي يوصف بالحُسن والقبح كما يلي:

أوّلا: الحُسن: وهو على نحوين:

أ - يكون له وصف زائد على حسنه، وهو:

الواجب: وهو ما يستحقّ فاعله المدح، ويستحقّ تاركه الذم.

المندوب: وهو ما يستحقّ فاعله المدح، ولا يستحقّ تاركه الذم.

ب - لا يكون له وصف زائد على حسنه وهو:

المباح(٤) : وهو ما لا مدح فيه على الفعل والترك.

____________________

١- انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة، السيّد المرتضى: ج٢، باب: الكلام في الأفعال، ص ٥٦٣.

تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، ص ١٩٧.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الأوّل، ص١٠٣.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٦٤.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الاُولى، ص٤١٨.

٢- من قبيل فعل الساهي وفعل النائم.

٣- انظر: تكملة شوارق الإلهام، محمّد المحمدي الجيلاني: الفصل الثالث، المسألة الاُولى، ص ٢٥.

٤- إنّ "المباح" يكون من أقسام "الحسن" فيما لو عرّفنا "الحسن" بأ نّه ما لا يستحقّ فاعله الذم، لأنّ المباح أيضاً لا يستحقّ فاعله الذم.


ثانياً: القبيح: وهو ما يستحقّ فاعله الذم.

تنبيهان:

١ - اختلف علماء الإمامية في أنّ "المكروه" هل هو من أقسام القبيح أو الحسن:

فمن عرّف الحسن بـ "ما لا يستحقّ فاعله الذم" (وفق التعريف الأوّل الذي ذكرناه) اعتبر المكروه من الأمور الحسنة.

ومن عرّف الحسن بـ "ما يستحقّ فاعله المدح" (وفق التعريف الثاني الذي ذكرناه) اعتبر المكروه من الأمور القبيحة(١) .

٢ - الأصح اعتبار المكروه من الأفعال القبيحة، لترتّب الذم على فعله، وإن كان هذا الذم أضعف من الذم المتعلّق بالحرام.

____________________

١- للمزيد راجع: الكلام المقارن، علي الرباني الكلبايكاني: الباب السادس، الفصل الثاني، ص١٦٤.


المبحث الثالث

منشأ حسن وقبح الأفعال

تنقسم الأفعال في كيفية اتّصافها بالحسن والقبح على ثلاثة أقسام:

١ - يكون الفعل بنفسه علّة تامة للحسن والقبح، فلا يتغيّر حسنه ولا قبحه بعروض العوارض.

ويشمل هذا الأمر الأفعال التي يدرك العقل - عند لحاظها - أنّها حسنة أو قبيحة، بغض النظر عن جميع الجهات الطارئة عليها.

وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتي(١) .

مثال:

العدل والظلم.

فالعدل بما هو عدل لا يكون إلاّ حسناً.

والظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحاً.

ويستحيل - في جميع الأحوال - أن يكون العدل قبيحاً والظلم حسناً.

ومثله حسن الإحسان وقبح الإساءة.

٢ - لا يكون الفعل علّة تامة لحسنه أو قبحه، بل يكون مقتضياً للاتّصاف بالحسن أو القبح، بحيث يكون الفعل بنفسه حسناً أو قبيحاً، ولكن قد يتحوّل حُسن هذا الفعل إلى القبح، أو يتحوّل قبحه إلى الحسن فيما لو عرض عليه عنوان آخر.

____________________

١- انظر: مطارح الأنظار، الشيخ الأنصاري: ٢٤٥، نقلا عن المباحث الكلامية في مصنفات الشيخ الأنصاري، إبراهيم الأنصاري الخوئيني: العدل، هل الحسن والقبح ذاتيان أم لا، ص٦٢.

الالهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ١ / ٢٣٢ - ٢٣٣.


مثال:

إنّ تعظيم الصديق بصورة عامة فعل حسن، ولكنه قد يصبح قبيحاً فيما لو عرض عليه عنوان آخر، كما لو أصبح هذا التعظيم سبباً لإيذاء هذا الصديق من قبل الآخرين.

وفي المقابل فإنّ تحقير الصديق بصورة عامة فعل قبيح، ولكنه قد يصبح حسناً فيما لو عرض عليه عنوان آخر، كما لو أصبح هذا التحقير سبباً لإنقاذه من أيدي الظالمين، ومثله الصدق والكذب.

٣ - يكون الفعل لا علّية له ولا اقتضاء في نفسه للاتّصاف بالحسن أو القبح، وإنّما يتبع الوجوه والجهات الطارئة والعناوين المنطبقة عليه.

مثال:

الضرب، فإنّه حسن للتأديب وقبيح للإيذاء.


المبحث الرابع

إطلاقات الحسن والقبح

الإطلاق الأوّل:

إطلاق "الحسن" على ما هو "كمال"، وإطلاق "القبيح" على ما هو "نقص"(١) (٢) .

مثال:

إنّ العلم والشجاعة والكرم من الأُمور الحسنة، لأ نّها كمال لمن يتّصف بها.

وإنّ الجهل والجبن والبخل من الأُمور القبيحة، لأ نّها نقصان لمن يتّصف بها.

ملاحظة:

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية(٣) والأشاعرة.

ولا إشكال في أنّ العقل يدرك هذا النمط من الحسن والقبح، لأنّ هذا الإطلاق من القضايا اليقينية التي لها واقع خارجي يطابقها، ولا يتعلّق هذا الحسن والقبح بالشرع.

تنبيه:

____________________

١- انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، ص٢٤٥، ٢٤٧.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الأوّل، ص١٠٤.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٦٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، مسألة الحسن والقبح، ص٢٥٤.

كتاب المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص٢٦٩.

٢- "كمال الشيء: حصول ما فيه الغرض منه" والنقص ما يقابله.

انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (كمل).

٣- العدلية لقب يطلق على الشيعة والمعتزلة، لأنّهم يقولون بالعدل الإلهي.


لا يوجد خلاف بين العدلية والأشاعرة في إطلاق الحسن والقبح - في بعض الأحيان - على ما هو كمال أو نقص، ولكن الخلاف يكمن في أ نّنا:

عندما نقول: تحصيل الكمال حسن، فإنّ هذا "الحُسن" هل يعرف عن طريق العقل أو عن طريق الشرع؟

وعندما نقول الرجوع إلى النقصان قبيح، فإنّ هذا "القُبح" هل يُعرف عن طريق العقل أو عن طريق الشرع؟(١)

وسنبيّن توضيح ذلك لاحقاً.

الإطلاق الثاني:

إطلاق "الحسن" على ما يلائم "الطبع"، وإطلاق "القبيح" على ما "ينافر الطبع".

ويرجع هذا المعنى من الحسن والقُبح - في الواقع - إلى معنى اللذة والألم(٢) .

مثال:

يقال: هذا المنظر حسن، وهذا الصوت حسن، لأ نّهما يلائمان الطبع.

ويقال: ذلك المنظر قبيح، وذلك الصوت قبيح، لأنّهما ينافران الطبع.

ملاحظة:

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية والأشاعرة، لأنّ هذا الإطلاق نابع من أعماق شعور النفس البشرية، كما أنّ طبائع الناس مختلفة فيما بينها، وليس في هذا الصعيد ميزان مشخّص لتوحيد الطبائع البشرية.

تنبيه:

قيل: "إنّ الملائمة والمنافرة جهتان تقتضيان الحبّ والبغض والرضا والسخط، لا

____________________

١- انظر: صراط الحقّ، محمّد آصف المحسني: ج٢، المقصد الخامس، ص١٥٣.

٢- انظر: مصادر الإطلاق السابق.


الحسن والقبح العقليان، فلا معنى لعدّهما من معاني الحسن والقبح"(١) .

الإطلاق الثالث:

إطلاق "الحسن" على ما "يوافق الغرض والمصلحة"، وإطلاق "القبيح" على "ما يخالف الغرض والمصلحة"(٢) .

ويعبّر عن هذا الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة.

مثال:

إنّ قتل العدو حسن، لأ نّه موافق لغرض ومصلحة تعود للقاتل، ولكن قتل هذا الشخص قبيح للمقتول وأهله لمخالفته لغرضهم ومصلحتهم.

ملاحظة:

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية والأشاعرة، لأنّ هذا الحسن والقبح بإجماع الطرفين أمر يدركه العقل، كما أنّ الأغراض والمصالح الشخصية لا تصحّح توصيف الفعل بالحسن والقبح دائماً، وذلك لاختلافها، فربّ فعل كالقتل حسن عند فرد أو جماعة، ولكنه قبيح عند الآخرين.

تنبيه:

لا يوجد خلاف بين العدلية والأشاعرة في إطلاق الحسن والقبح - أحياناً - على ما فيه الصلاح أو الفساد، ولكن الخلاف يكمن في أنّ العقل هل يتمكّن بنفسه ومن دون الاستعانة بالشرع من معرفة صلاح أو فساد بعض الأفعال، أم أ نّه غير متمكّن من ذلك أبداً، ولابدّ من الرجوع في هذه القضية إلى الشرع فقط؟

____________________

١- دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ٢، مناقشة المظفر، ص٣٧٦.

٢- انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثاني، ص٨٥.

الالهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ١ / ٢٣٣ - ٢٣٤.

المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص٢٦٩.


الإطلاق الرابع:

إطلاق الحسن في أفعال العباد على ما تعلّق به مدح الشارع.

وإطلاق القبيح في هذه الأفعال على ما تعلّق به ذم الشارع.

وذلك في الموارد التي لا يستطيع العقل فيها الحكم بالحسن والقبح.

وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الشرعي.

مثال:

حسن الصلاة والصوم، وقبح أكل لحم الميتة والربا وفق بيان الشارع.

ملاحظة:

ليس في هذا المعنى من الحسن والقبح خلاف بين العدلية والأشاعرة، وذلك لعدم وجود شكّ بأنّ العقل البشري غير قادر في هذه الموارد على معرفة الحسن والقبح، وأنّ السبيل إلى هذه المعرفة هو الشرع فقط(١) .

الإطلاق الخامس:

إطلاق الحسن على ما يستحق فاعله "المدح" عقلا.

وإطلاق القبيح على ما يستحق فاعله "الذم" عقلا.

تنبيهات:

١ - إنّ الفعل الحسن بالذات هو الفعل الذي يستحق فاعله المدح عقلا، سواء كان هذا الفاعل هو اللّه تعالى أو العبد.

٢ - إنّ الفعل القبيح بالذات هو الفعل الذي يستحق فاعله الذم عقلا، فلهذا ينبغي تنزيه اللّه تعالى عن هذا الفعل.

٣ - إنّ تطبيق هذا الإطلاق على أفعال اللّه تعالى ليس من باب سراية حكم الإنسان على الباري عزّ وجلّ، بل هو من قبيل استكشاف قاعدة عامة ضرورية

____________________

١- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة في الحسن والقبح، ص٩٨.


وبديهية تشمل كلّ فاعل مختار من غير فرق بين الخالق والمخلوق.

٤ - إنّ هذا الإطلاق للحسن والقبح هو الذي وقع الخلاف فيه بين العدلية والأشاعرة، وسنبيّن تفصيل ذلك في المبحث القادم.


المبحث الخامس

محل الخلاف بين العدلية والأشاعرة

حول حسن وقبح الأفعال

الاختلاف الأوّل:

هل لبعض الأفعال حُسن أو قبح ذاتي، أم أنّ الحُسن والقبح مجرّد صفات اعتبارية لكلّ الأفعال، بحيث توجد هذه الصفات عندما يتمّ الاتفاق عليها وتنعدم عندما يزول هذا الاتفاق؟

رأي الأشاعرة:

إنّ الحسن والقبح مجرّد صفات اعتبارية لجميع الأفعال "لأنّ الأفعال كلّها سواسية ليس شيء منها في نفسه حسناً أو قبيحاً بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه، ولا ذم فاعله وعقابه، وإنّما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها"(١) .

رأي العدلية:

إنّ من الأفعال ما هي حسنة في ذاتها.

وإنّ من الأفعال ما هي قبيحة في ذاتها.

ويكون الشارع عند تحسينه أو تقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً لحسنها أو قبحها لا موجباً وسبباً لها(٢) .

____________________

١- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص٢٧٠.

٢- سنذكر مصادر هذا الرأي لاحقاً.


الاختلاف الثاني:

هل يستطيع العقل من صميم ذاته، ومن دون الرجوع إلى الشرع أن يدرك ويكشف حسن وقبح الأفعال، أم أ نّه لا يستطيع ذلك إلاّ بمساعدة الشرع؟

رأي الأشاعرة:

لا يستطيع العقل ذلك أبداً، "ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها"(١) ، وينبغي الرجوع إلى الشرع من أجل معرفة حسن وقبح جميع الأفعال.

رأي العدلية:

دور العقل في إدراك حسن وقبح الأفعال(٢) :

أوّلاً: يدرك العقل حسن وقبح بعض الأفعال بالضرورة والبداهة.

مثال:

حسن العدل وشكر المنعم والصدق النافع والتكليف حسب الطاقة.

وقبح الظلم وكفران المنعم والكذب الضار وتكليف ما لا يطاق.

ثانياً: يدرك العقل حسن وقبح بعض الأفعال بالتفكّر والتأمّل.

مثال:

حسن فعل أمر الشرائع وقبح تركها.

ثالثاً: لا يدرك العقل حسن وقبح جملة من الأفعال لا ضرورة ولا بالتفكّر والتأمّل، فلا يكون للعقل سبيل لمعرفة هذا الحسن والقبح إلاّ عن طريق تحسين وتقبيح الشارع.

____________________

١- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص٢٦٨.

٢- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الثاني، ص ١٠٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، مسألة الحسن والقبح، ص ٢٥٥.


مثال:

تحسين الشارع صوم شهر رمضان، وتقبيحه صوم يوم عيد الفطر.

تنبيه:

ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا التحسين والتقبيح من الشارع يدل على وجود جهة محسّنة ومقبّحة في هذه الأفعال، وقد تكون هذه الجهة غير ذاتية، بل هي مجرّد اختبار لمعرفة مدى امتثال الإنسان لأوامر ونواهي اللّه تعالى.

الاختلاف الثالث:

هل أوامر ونواهي الشرع هي السبب والموجب لحسن وقبح جميع الأفعال، أم توجد أفعال لها حسن وقبح ذاتي بحيث يكون تحسين وتقبيح الشارع لها وسيلة للكشف عن الحسن والقبح الذي تتصف به بذاتها؟

رأي الأشاعرة:

"الأمر والنهي عندنا من موجبات الحسن والقبح [لجميع الأفعال] بمعنى: أنّ الفعل أُمر به فحَسُن، ونُهي عنه فقَبُح"(١) .

رأي العدلية:

إنّ بعض الأفعال لها حسن وقبح ذاتي، بحيث:

لا يكون أمر الشرع بها ونهيه عنها "موجباً وسبباً" لحسنها وقبحها.

وإنّما يكون أمر الشرع بها ونهيه عنها "كاشفاً ومبيّناً" لحسنها وقبحها الذاتي.

أي: أنّ الفعل حَسَنٌ بذاته، فلهذا أُمر به، لا لأنّه أُمر به فأصبح حسناً.

وإنّ الفعل قبيح بذاته، فلهذا نُهي عنه، لا لأنّه نُهي عنه فأصبح قبيحاً(٢) .

مثال:

____________________

١- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص٢٨٣.

٢- سنذكر مصادر هذا الرأي لاحقاً.


إنّ "العدل" حسن في نفسه، ولحسنه أمر اللّه تعالى به، لا أ نّه صار حسناً بعد أن أمر اللّه تعالى به.

وإنّ "الظلم" قبيح في نفسه، ولقبحه نهى اللّه تعالى عنه، لا أ نّه صار قبيحاً بعد أن نهى اللّه تعالى عنه.


المبحث السادس

رأي العدلية (القائلين بالحسن والقبح العقلي)

أقسام الفعل(١) :

القسم الأوّل:

إنّ من الأفعال ما هي حسنة في ذاتها.

وإنّ من الأفعال ما هي قبيحة في ذاتها.

ويكون الشارع عند تحسينه وتقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً عن حُسن هذه الأفعال أو قبحها لا موجباً وسبباً لها.

قدرة العقل على معرفة الحسن والقبح الذاتي لهذه الأفعال:

١ - يتمكّن العقل - في بعض الأحيان - من اكتشاف ومعرفة حسن أو قبح هذه الأفعال، مع غض النظر عن حكم الشارع، ويكون حكم الشارع في هذه الحالة مجرّد تنبيه ليلتفت الإنسان إلى حكم العقل.

٢ - لا يتمكّن العقل - في بعض الأحيان - من اكتشاف ومعرفة حسن أو قبح هذه الأفعال، وذلك لخفاء ملاكاتها عليه، فيكشف الشارع له ذلك.

تنبيه:

يعود هذا الخفاء إلى قصور العقل في تلك الحالات عن إدراك المحاسن

____________________

١- انظر: الياقوت في علم الكلام، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت: القول في العدل، ص٤٥.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، ص ٢٤٨.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، المبحث الأوّل، ص٢٢٩.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، مسألة الحسن والقبح، ص٢٥٥.


والمصالح الكامنة في تلك الأفعال.

القسم الثاني:

إنّ من الأفعال ما ليس لها حسن أو قبح في ذاتها، فيقف العقل عند الحكم على حسنها أو قبحها، ويكون الشارع في هذه الحالة هو المصدر الوحيد لبيان حسن وقبح هذه الأفعال.

مثال:

حسن العمل بالشرايع وقبح تركه، من قبيل: الطهارة والنجاسة والأعمال العبادية.

تنبيه:

إنّ العقل يدرك - أحياناً - الجهة الداعية لأمر اللّه تعالى والجهة الباعثة على نهيه، وقد تخفى عليه هذه الجهات غير أنّ العقل يحكم حكم اليقين بأ نّه لو اطّلع على ما خفي عليه لكان حكمه موافقاً تماماً لحكم الشرع.

خلاصة رأي العدلية:

إنّ العقل البشري قادر من صميم ذاته - على إدراك "حُسن" أو "قبح" بعض الأفعال من دون الاستعانة بحكم الشرع.

ويكون الشرع عند تحسينه وتقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً عما يدرك العقل ومرشداً إليه، وليس للشرع في هذه الأفعال أن:

يحسّن ما هو قبيح ذاتاً.

أو يقبّح ما هو حسن ذاتاً.

ولهذا فإنّ الشكّ بالنبوّة يؤدّي إلى الشك بقبح أكل أموال الربا دون الشكّ بقبح الظلم.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):


"بالعقل عرف العباد خالقهم... وعرفوا به الحسن من القبيح"(١) .

تنبيهات:

١ - إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين هو أنّ العقل بنفسه يدرك أنّ بعض الأفعال - بنفسها ومن دون لحاظ شيء آخر - حسنة أو قبيحة ذاتاً، بحيث يكون وصف الحسن والقبح ثابتاً وغير متغيّر لهذه الأفعال بصورة مطلقة(٢) .

مثال:

إنّ العدل حسن ذاتاً.

وإنّ الظلم قبيح ذاتاً.

ولهذا يحكم العقل بتحسين العدل وبتقبيح الظلم من خلال ملاحظة نفس موضوع العدل والظلم، ومن دون تصوّر كون العدل يشتمل على الصلاح أو أنّ الظلم يشتمل على الفساد.

٢ - إنّ الإمامية ذهبوا إلى إثبات الحسن والقبح العقليين استلهاماً في بحوثهم العقائدية - بعد القرآن الكريم والسنة النبوية - من إرشادات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وإنّ المعتزلة تابعت الإمامية في هذه المسألة دون العكس.

ولهذا قال العلاّمة الحلّي:

"ذهبت الإمامية ومن تابعهم من المعتزلة إلى أنّ من الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح بضرورة العقل"(٣) .

ثمرة رأي العدلية (القائلين بالحسن والقبح العقليّين):

١ - إنّ العدل حسن بما هو عدل.

وإنّ الظلم قبيح بما هو ظلم.

____________________

١- الأصول من الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب العقل والجهل، ح٣٥، ص٢٩.

٢- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ١ / ٢٨٧.

٣- نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، المطلب الثاني، ص٨٢.


وإنّ العقل البشري يكشف لنا ذلك من دون اعتماده على النص الشرعي والحكم الديني.

ولهذا يكون العقل المجرّد لوحده دون غيره هو الدال على ثبوت العدل الإلهي واستحالة صدور الظلم منه تعالى.

٢ - إنّ من النتائج المترتّبة على إدراك العقل للحسن والقبح:

إنّ كلّ ما حكم العقل بحسنه، فهو محبوب شرعاً.

وإنّ كلّ ما حكم العقل بقبحه، فهو مذموم شرعاً.

ولهذا اشتهر عند الفقهاء: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع".


المبحث السابع

أدلة ثبوت الحسن والقبح العقليّين

الدليل الأوّل:

يحكم كلّ عاقل - على نحو البداهة - بحسن بعض الأفعال ذاتاً ولزوم العمل بها، وقبح البعض الآخر من الأفعال ذاتاً ولزوم الانتهاء عنها.

وإذا بلغ الأمر إلى الضرورة بطل الاستدلال، ومن طلب الدليل بعد البداهة وقع في الإجحاف، ومن كابر في ذلك فقد كابر مقتضى عقله(١) .

مثال:

إنّا نعلم بالضرورة من خيّر شخصاً بين العدل والظلم، ولم يكن لهذا الشخص علم بموقف الشرائع، فإنّه سيختار العدل قطعاً، وما ذاك إلاّ لأنّ حسن العدل وقبح الظلم ذاتي وضروري عقلا.

الدليل الثاني:

لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما من ينكر الشرائع، ولكننا نرى غير الملتزمين بالدين - على اختلاف فصائلهم -:

____________________

١- انظر: الياقوت في علم الكلام، أبو اسحاق إبراهيم بن نوبخت: القول في العدل، ص٤٥.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثاني، ص ٨٦.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الثاني، ص١٠٤.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الأُولى، ص٤١٨.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، ص٨٣.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، مسألة (١٩٥)، ص٢٣٠.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٦٥.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، مسألة الحسن والقبح، ص٢٥٥.


يصفون بعض الأفعال بالحسن، ويجدون أنفسهم ملزمين بفعلها.

ويصفون بعض الأفعال الأخرى بالقبح، ويعتقدون بأ نّهم ملزمون بتركها.

ويسند هؤلاء تحسينهم وتقبيحهم إلى "العقل" من غير أن يكون "للحكم الشرعي" أي أثر في هذا التحسين والتقبيح والالتزام بالفعل والترك(١) .

مثال:

يحسّن هؤلاء العدل وأداء الأمانة والصدق النافع والوفاء بالعهد وجزاء الإحسان بالإحسان ونحوها، ويرون ضرورة الالتزام بهذه الأفعال.

ويقبّح هؤلاء الظلم والخيانة والكذب الضار ونقض العهد وجزاء الإحسان بالإساءة ونحوها، ويرون ضرورة الابتعاد عن هذه الأفعال.

الدليل الثالث:

إنّ الاعتقاد بالتحسين والتقبيح العقلي هو السبيل لإثبات صحة التحسين والتقبيح الشرعي، ولا يمكن إثبات الحسن والقبح مطلقاً من دون الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي.

توضيح ذلك:

إنَّ إنكار تحسين وتقبيح العقل يلزم إنكار تحسين العقل للصدق وتقبيحه للكذب، فيؤدّي ذلك إلى فقدان الثقة بتحسين وتقبيح الشرع، وذلك لاحتمال كون الشارع كاذباً في إخباره، فينتفي الوثوق بالشرع، وتكون النتيجة عدم الاطمئنان بصحة تحسين وتقبيح الشرع.

وبعبارة أُخرى:

إنّ استقلال العقل في تحسينه للصدق وتقبيحه للكذب هو الذي يدفع الإنسان إلى الوثوق بقول الشرع، ولولا ذلك يبقى احتمال عدم صدق الشرع في قوله وإخباره، فينتفي الجزم بصدقه.

____________________

١- انظر: المصادر المذكورة في الهامش السابق.


توضيح ذلك:

إنّ الكذب - حسب قول منكري الحسن والقبح العقلي - لا يقبح إلاّ إذا قبّحه الشرع، فلا يعلم قبح الكذب قبل تقبيح الشرع له، فلهذا لا يكون للإنسان قبل إيمانه بالشرع دليل على تنزيه الشرع عن الكذب، فينتفي الجزم بصدق الشرع مطلقاً.

الخلاصة:

إنّ الجزم بعدم كذب الشارع رهن حكم العقل، وهذا ما يثبت الحسن والقبح العقلي(١) .

ولهذا قال العلاّمة الحلّي:

"إنّا لو لم نعلم حسن بعض الأشياء وقبحها عقلا، لم نحكم بقبح الكذب، فجاز [أي: فيؤدّي ذلك إلى جواز] وقوعه من اللّه... فإذا أخبرنا [تعالى] في شيء أ نّه قبيح لم نجزم بقبحه، وإذا أخبرنا في شيء أ نّه حسن لم نجزم بحسنه لتجويز الكذب [فينعدم السبيل لمعرفة ما حسّنه اللّه تعالى وما قبّحه]"(٢) .

الدليل الرابع:

إنّ "المعجزة" هي الوسيلة التي بها يثق الناس بصدق دعوة الأنبياء. ولا يكون هذا الوثوق إلاّ بعد الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي المتمثّل في القاعدة التالية وهي:

إنّ إعطاء اللّه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة قبيح ذاتاً.

ومن هنا نثق بصدق مدّعي النبوّة فيما لو جاء بالمعجزة، لأ نّنا نؤمن بأنّ "إعطاء اللّه تعالى هذه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة" قبيح ذاتاً، واللّه تعالى لا يفعل القبيح. وإنّما "الحسن" إعطاء المعجزة للصادق في دعوة النبوّة.

____________________

١- انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثاني، ص٨٦ - ٨٧.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الأُولى، ص٤١٨.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، المبحث الأوّل، ص٢٣١.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٦٥.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، مسألة الحسن والقبح، ص٢٥٦.

٢- كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الأُولى، ص٤١٨.


ولكن إذا أنكر الإنسان الحسن والقبح الذاتي، فإنّه لا يصل أبداً إلى مرحلة اليقين بصدق من يدّعي النبوّة ويقدّم المعجزة لإثبات مدعاه، لأ نّه يبقى دائماً في حالة شكّ بأنّ هذا الذي يمتلك المعجزة قد يكون كاذباً في دعوته للنبوّة، وإنّما أعطاه اللّه المعجزة عبثاً، لأ نّه تعالى يفعل ما يشاء!

فتنسد بذلك أبواب معرفة النبي الصادق وتمييزه عن الكاذب(١) .

بعبارة أخرى:

لو كان "الحسن" ما حسّنه الشرع، و"القبيح" ما قبّحه الشرع، لما قبح من اللّه تعالى أي شيء، حتّى لو كان ذلك إظهاره المعجزات على أيدي الكاذبين.

فينتفي بذلك إمكانية تصديق دعوى الأنبياء.

وهذه النتيجة باطلة.

لأ نّها تؤدّي إلى:

١ - غلق باب معرفة الأنبياء الصادقين.

٢ - منح الكفّار العذر في إنكارهم لنبوّة الأنبياء.

ولهذا لا يوجد سبيل سوى الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي.

الدليل الخامس:

لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لم يكن للأنبياء أي دليل لإثبات لزوم توجّه الناس إلى البحث والنظر، ووجوب تعرّف الخلق على اللّه تعالى، وضرورة اتّباع الناس لهم.

توضيح ذلك:

إذا طلب النبي من أحد الأشخاص البحث والتعرّف على اللّه واتّباع سبيله.

فسيقول هذا الشخص للنبي: لماذا أبحث ولماذا أُتعب نفسي من أجل التعرّف

____________________

١- انظر: غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، باب الكلام في العدل، ص٧١ - ٧٢.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، ص٢٤٨.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، المطلب الثاني، ص٨٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، مسألة الحسن والقبح، ص٢٥٦.


على اللّه، وما هو الدليل الذي يلزمني اتّباع سبيلك؟

فإذا كان دليل ذلك هو أنّ البحث وطلب المعرفة واتّباع الرسل أُمور يحكم بها العقل لأ نّها أُمور حسنة، وينهى عن تركها لأنّ تركها قبيح، فأنا لا أعتقد بالحسن والقبح العقلي.

وإذا كان دليل ذلك هو الشرع، فأنا لا أثق بالشرع، لأ نّه من قولك، وقولك لم يثبت عندي أ نّه حجّة، لأ نّني لم أُؤمن بك لحدّ الآن، فلا يجب عليّ اتّباعك.

وبذلك لا تتمّ الحجّة على هذا الشخص، فيلزم الاعتقاد بوجوب الحسن والقبح العقلي.

النتيجة:

إنّ وجوب التوجّه إلى البحث والنظر، ووجوب التعرّف على اللّه تعالى، ووجوب اتّباع النبي أُمور "عقلية" لا "شرعية"(١) .

الدليل السادس:

لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى.

ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى.

لم يكن فرق بين:

العدل والظلم.

فيجوز - في هذه الحالة - أن يظلم اللّه تعالى العباد.

لأنّ الظلم غير قبيح ذاتاً، بل:

يكون الظلم حسناً فيما لو أمر اللّه تعالى به.

ويكون الظلم قبيحاً فيما لو نهى اللّه تعالى عنه.

____________________

١- انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، ص٢٤٩.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، المطلب الثاني، ص٨٤.

الرسالة السعدية، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل، المسألة السادسة، البحث الأوّل، ص٥٥.


وهذا باطل بالضرورة(١) .

بعبارة أُخرى:

لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى فقط.

ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى فقط.

لم يقبح من اللّه شيء.

وتكون النتيجة:

إنّ كلّ ما يفعله اللّه تعالى حسن ولو كان ذلك ظلماً.

ولكن اللّه تعالى منزّه من الظلم.

الدليل السابع:

لو كان الحُسن والقبح مستنداً إلى الشرع فقط، لم يكن فرق بين:

ما عُلم قبحه من الشرع.

وما عُلم قبحه من العقل.

ولكننا نجد:

إنّ الشخص الذي يشكّ بالشرع فهو بالطبع:

يشكّ في قبح ما علم قبحه من الشرع كقبح أكل لحم الميتة.

ولا يشكّ في قبح ما علم قبحه من العقل كقبح الظلم والخيانة(٢) .

____________________

١- انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، ص٢٤٩.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، المطلب الثاني، ص٨٤.

٢- انظر: الياقوت في علم الكلام، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت: القول في العدل، ص٤٥.

إشراق اللاهوت، عميد الدين العبيدلي: المقصد السابع، المسألة الأُولى، ص ٣٠٧.


المبحث الثامن

إثبات الحسن والقبح العقليّين في القرآن الكريم

توجد آيات قرآنية تدل بظاهرها على أنّ العقل البشري قادر بذاته على إدراك حسن وقبح بعض الأفعال، ومن هذه الآيات:

١ -( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) [الأعراف: ٢٨]

وجه الدلالة:

تبيّن هذه الآية بأنّ الكفار كانوا يفعلون القبائح مع اعترافهم بقبحها، ولكنهم يعتذرون عن ذلك بأنّ اللّه تعالى أمرهم بها، فأبطل اللّه تعالى مقالتهم، وبيّن في هذه الآية بأ نّه تعالى لا يأمر بالفحشاء.

تنبيه:

إنّ ظاهر قوله تعالى:( قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ) هو أنّ اللّه تعالى ينهى عن الفحشاء، لأنّ الفحشاء قبيحة في نفسها، لا أنّ الفحشاء تكون قبيحة بعد نهي اللّه تعالى عنها(١) .

٢ -( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ) [الأعراف: ٣٣]

وجه الدلالة:

تبيّن هذه الآية بأنّ الشريعة تحرّم ما يكون قبيحاً في نفسه.

والفاحشة: "هي الفعلة أو الخصلة التي فحش قبحها في الفطر السليمة والعقول

____________________

١- انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج٨، تفسير آية ١٠ - ٢٥ من سورة الأعراف، ص٥٩.


الراجحة التي تميّز بين الحسن والقبيح والضار والنافع"(١) .

تنبيه:

لو كان القبيح ما نهى عنه الشارع فقط - كما ذهبت إليه الأشاعرة -:

فسيكون معنى قوله تعالى( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ) : "قل إنّما حرّم ربي ما حرّم"!

وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة.

٣ -( أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) [الأعراف: ٢٩]

وجه الدلالة:

إنّ هذه الآية تشبه الآية السابقة في وجه الدلالة.

أي: لو كان القسط عبارة عما أمر به الشارع فقط - كما ذهبت إليه الأشاعرة -:

فسيكون معنى هذه الآية: "أمر ربي ما أمر به"!

وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة.

فنستنتج بأنّ "القسط" حسن بذاته، ولهذا أمر اللّه تعالى به، وليس "القسط" حسنٌ لأنّ اللّه تعالى أمر به.

٤ -( وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ ) لقمان: ١٣]

وجه الدلالة:

إنّ تعليل قبح الشرك بأ نّه ظلم عظيم يدل على أنّ قبح هذا الفعل تابع لملاك عقلي وهو قبح الظلم.

فالشرك قبيح، لأ نّه ظلم.

والظلم قبيح، لأ نّه قبيح بذاته، وما هو قبيح بذاته لا يعلّل قبحه بعنوان آخر.

٥ -( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي

____________________

١- تفسير المنار، محمّد رشيد رضا: ج٨، تفسير آية ٣٣ من سورة الأعراف، ص٣٤٩.


التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) [الأعراف: ١٥٧]

وجه الدلالة:

إنّ "المعروف" هو ما تَعرف العقول السليمة حُسنه، وترتاح له القلوب الطاهرة لموافقته للفطرة الإنسانية.

وإنّ "المنكر" هو ما تَعرف العقول السليمة قُبحه، وتشمَئزّ منه القلوب الطاهرة لمنافرته للفطرة الإنسانية.

وأمّا تفسير "المعروف" بما أمرت به الشريعة.

وتفسير "المنكر" بما نهت عنه الشريعة.

فهو من قبيل تفسير الماء بالماء!(١)

وإذا كان "المعروف" هو ما أمرت به الشريعة، فسيكون معنى:( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) أي: يأمرهم بما أمرهم به! وهذا المعنى غير صحيح.

وإذا كان "المنكر" هو ما نهت عنه الشريعة، فسيكون معنى:( وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ) أي: ينهاهم عما نهاهم عنه! وهذا المعنى غير صحيح.

فيثبت وجود ما هو حسن وقبيح قبل أمر الشارع ونهيه.

٦ -( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) [المؤمنون: ١١٥]

وجه الدلالة:

إنّ هذه الآية تحتجّ على منكري القيامة، وتبيّن لهم بأنّ إنكار القيامة يلزم كونه تعالى عابثاً في خلقه للإنسان.

ولا يتم هذا الاحتجاج إلاّ إذا كان العبث قبيحاً عندهم، وكونه تعالى منزّهاً عن فعل القبيح.

____________________

١- تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار، محمّد رشيد رضا: ج٩، تفسير آية ١٥٧ من سورة الأعراف، ص١٩٣ (بتصرّف).


وبما أنّ هؤلاء المنكرين لم يكونوا من المؤمنين بالرسالة، فيكشف اعترافهم بقبح العبث أنّ هذا التقبيح نابع من عقولهم.

٧ -( هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاَّ الإِحْسانُ ) [الرحمن: ٦٠]

وجه الدلالة:

يفيد الاستفهام الاستنكاري في هذه الآية "التأكيد".

ويفيد سياق النفي والاستثناء في هذه الآية "الحصر".

وعليه فالآية تنص على أصل كلّي ثابت في العقول وهو: "حسن جزاء الإحسان بالإحسان" و "قبح جزاء الإحسان بالإساءة".

٨ -( أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) [القلم: ٣٥ - ٣٦]

وجه الدلالة:

تفيد هذه الآية قاعدة عقلية ثابتة، وهي حسن التفريق بين المحسن والمسيء وقبح التساوي بينهما.

وقد ترك اللّه تعالى في هاتين الآيتين القضاء والحكم إلى "العقل"، وهذا ما يدل على قدرة "العقل" على التمييز بين الحسن والقبح في هذه القضايا.

٩ -( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ ) [ص: ٢٨]

وجه الدلالة:

يشبه وجه الدلالة في هذه الآية ما ذكرناه في وجه دلالة الآية السابقة.

١٠ -( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ... وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ... ) [النحل: ٩٠]

وجه الدلالة:

تبيّن هذه الآية وجود أُمور توصف بالعدل والإحسان والفحشاء والمنكر قبل


تعلّق الأمر والنهي الشرعي بها.

وتفيد هذه الآية بأنّ الإنسان يجد من صميم ذاته ومن دون استعانته بالشرع اتّصاف بعض الأفعال بهذه الأوصاف، بحيث لا يكون دور الشرع في هذه الحالة سوى تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح.


المبحث التاسع

رأي الأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال

أوّلا:

رأي الأشاعرة حول الحسن والقبح الذاتي للأفعال:

١ - إنّ الحسن والقبح صفات اعتبارية لجميع الأفعال "لأنّ الأفعال كلّها سواسية، ليس شيء منها في نفسه [حسن أو قبيح] بحيث يقتضي مدح فاعله وثوابه، ولا ذم فاعله وعقابه، وإنّما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها"(١) .

٢ - "لا حسن ولا قبح للأفعال قبل ورود الشرع"(٢) .

٣ - "ولو عكس الشارع القضية فحسّن ما قبّحه، وقبّح ما حسّنه لم يكن ممتنعاً"(٣) .

٤ - لا يوجد أيُّ حسن أو قبح ذاتي للأفعال، بل "إنّ الفعل أُمر به فَحسُن، ونُهي عنه فقَبُح"(٤) .

٥ - "ما ورد الأمر به فهو حسن، وما ورد النهي عنه فقبيح، من غير أن يكون للعقل جهة محسّنة أو مقبّحة في ذاته"(٥) .

٦ - "فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأ نّه قبّحه [الشرع]، قيل له: أجل ولو حسّنه

____________________

١- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص٢٧٠.

٢- المصدر السابق: ص٢٦٨.

٣- المصدر السابق.

٤- شرح المقاصد، سعدالدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص٢٨٣.

٥- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص٢٨٢.


لكان حسناً، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض"(١) .

ثانياً:

رأي الأشاعرة حول دور العقل في إدراكه وكشفه لحسن وقبح الأفعال من دون الاستعانة بالشرع:

١ - لا يستطيع العقل أن يدرك أو يكشف حسن وقبح الأفعال في جميع الأحوال "ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها"(٢) ، وينبغي الرجوع إلى الشرع من أجل معرفة حسن وقبح جميع الأفعال.

٢ - "إنّ العقل لا يحكم [ولا يمكنه العلم] بأنّ الفعل [الفلاني] حسن أو قبيح في حكم اللّه تعالى"(٣) .

____________________

١- اللمع، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع، ص١١٦.

٢- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص٢٦٨.

٣- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني، ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص٢٨٢.


المبحث العاشر

أدلّة الأشاعرة على إنكار

الحسن والقبح العقليّين ومناقشتها

الدليل الأوّل:

لو كان العقل هو الذي يحكم بحسن وقبح بعض الأفعال، لما حصل تفاوت:

بين حكم العقل في مجال التحسين والتقبيح.

وبين حكم العقل بأنّ الواحد نصف الاثنين.

ولكن وقع الخلاف، وهذا ما يدل على نفي كون التحسين والتقبيح عقليين(١) .

يرد عليه:

إنّ هذا الاستدلال مبني على أصل خاطئ وهو عدم وجود التفاوت في حكم العقل، في حين ينقسم حكم العقل إلى عدّة أقسام تتفاوت فيما بينها(٢) .

ولا يصح القول بأنّ اختلاف العقلاء وتفاوتهم في الحكم بحسن أو قبح شيء، يؤدّي إلى إخراج هذا الحكم عن كونه حكماً عقلياً.

بعبارة أُخرى:

إنّ أحكام العقل تنقسم تبعاً لأقسام العلوم اليقينية إلى عدّة أقسام.

وإنّ هذه الأحكام العقلية المتعدّدة ليست على نمط واحد، بل لها مراتب

____________________

١ و ٢) انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الأُولى، ص٤١٩.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقلي، ص٢٥٩.


ودرجات بحيث تكون بعض أحكام العقل أوضح وأكثر بداهة من البعض الآخر(١) .

أقسام العلوم اليقينية(٢) :

١ - الأوّليّات: وهي ما يحكم بها العقل من دون توسّط شيء آخر معها.

المثال: حكم العقل بأنّ الواحد نصف الاثنين.

٢ - المشاهدات: وهي ما يحكم بها العقل بواسطة الحسّ.

المثال: حكم العقل بوجود "زيد" في المسجد بعد رؤيته فيه.

٣ - التجربيات: وهي التي يكون مبدأ الحكم بها التجربة التي يزول معها الشكّ.

المثال: حكم العقل بوجود جاذبة في الأرض.

٤ - الحدسيات: وهي التي يكون مبدأ الحكم بها حدس في النفس يزول معه الشكّ.

المثال: حكم العقل بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس.

٥ - المتواترات: وهي التي تسكن إليها النفس سكوناً يزول معه الشكّ ويحصل الجزم القاطع بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب.

المثال: حكم العقل بوجود بلدة تسمى الهند.

مراتب العلوم اليقينية(٣) :

إنّ "الأوّليّات" أكثر بداهة من "المشاهدات".

وإنّ "المشاهدات" أكثر بداهة من "التجربيات".

وإنّ "التجربيات" أكثر بداهة من "الحدسيات".

وإنّ "الحدسيات" أكثر بداهة من "المتواترات".

____________________

١- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الثاني، ص١٠٥.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، ص٢٣٣.

٢- المنطق، محمّد رضا المظفر: الجزء الثالث، الباب السادس: الصناعات الخمس، ص٣١٤ - ٣٢٣.

٣- انظر: الفوائد البهية، محمّد حمود العاملي: ج١، الفصل الأوّل، الباب الرابع، ص٢٨٣.


ردّ الفلاسفة على دليل الأشاعرة(١) :

إنّ الأشاعرة قاسوا مسألة الحسن والقبح مع مسألة أنّ الواحد نصف الاثنين.

وهذا قياس مع الفارق لأنّ:

الحاكم في قضية "الحسن والقبح" هو "العقل العملي".

والحاكم في قضية "الواحد نصف الاثنين" هو "العقل النظري".

الفرق بين العقل النظري والعقل العملي(٢) :

إنّ الفرق بينهما يعود إلى تفاوت المدركات.

فإذا كانت المدركات من الأُمور النظرية التي لا صلة لها بالعمل والفعل، سُمّي العقل عقلا نظرياً.

وإذا كانت المدركات من الأُمور العملية التي "ينبغي" أو "لا ينبغي" أن تفعل، سُمّي العقل عقلا عملياً.

الدليل الثاني للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين:

لو كان الحسن والقبح ذاتيين:

لما جاز أن ينقلب الحسن قبيحاً.

ولما جاز أن ينقلب القبيح حسناً.

لكنه ينقلب.

وهذا ما يدل على عدم كون الحسن والقبح ذاتيين(٣) .

مثال:

إنّ الكذب - كفعل قبيح عقلا - قد يحسن فيما لو اشتمل على مصلحة عامة من قبيل إنقاذ نبي من يد ظالم.

وإنّ الصدق - كفعل حسن عقلا - قد يقبح فيما لو اشتمل على مفسدة عامة من قبيل هلاك نبي على يد ظالم(٤) .

____________________

١- انظر: قواعد العقائد، نصير الدين الطوسي: الباب الثالث، ص٦٣.

٢- انظر: الفوائد البهية، محمّد حمود العاملي: ج١، الفصل الأوّل، الباب الرابع، ص٢٨٢ - ٢٨٤.

٣ و ٤) انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص ٢٨٤.

المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص٢٧٥.


النتيجة:

لو كان حسن الصدق وقبح الكذب ذاتياً لما زال هذا الحسن والقبح، ولما حسن الكذب وقبح الصدق أبداً.

يرد عليه:

الرأي الأوّل:

إنّ الكذب - في الصورتين المذكورتين - باق على قبحه.

وإنّ الصدق - في الصورتين المذكورتين - باق على حسنه.

إلاّ أنّ إنقاذ النبي أرجح من الصدق.

وإنّ ترك إنقاذ النبي أقبح من الكذب.

فيحكم العقل بارتكاب أقل القبيحين - وهو الكذب - تخلّصاً من ارتكاب الأقبح وهو هلاك النبي(١) .

بعبارة أُخرى:

ألف - إنّ قبح الكذب لا يزول أبداً.

وإنّ القول بحسن الكذب عند اشتماله على مصلحة عامة ليس لكونه كذباً، بل لاشتماله على المصلحة العامة، فيكون الحُسن للمصلحة العامة لا للكذب.

ب - إنّ حسن الصدق لا يزول أبداً.

وإنّ القول بقبح الصدق عند اشتماله على مفسدة عامة ليس لكونه صدقاً، بل لاشتماله على المفسدة العامة، فيكون القبح للمفسدة العامة لا للصدق.

____________________

١- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الأُولى، ص٤١٩ - ٤٢٠.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقلي، ص٢٥٩ - ٢٦٠.


النتيجة:

لا ينقلب الحسن قبيحاً، ولا ينقلب القبيح حسناً في هذا المقام.

بل "الحسن" باق على حسنه، و"القبيح" باق على قبحه.

ولهذا لا يدل مثال الأشاعرة على عدم كون الحسن والقبح ذاتيين.

الرأي الثاني:

إنّ هذا الاستدلال مبني على اعتبار قبح الكذب وحسن الصدق كقبح الظلم وحسن العدل ذاتيّان لا يتغيّران.

ولكن قبح الكذب وحسن الصدق - في الواقع - ليسا ذاتيين، بل هما من الأُمور التي تتغيّر بتغيّر العوارض التي تطرأ عليها..(١) .

بعبارة أُخرى:

إنّ "الحُسن" و "القُبح" ليسا ذاتيين لعنواني "الصدق" و"الكذب".

لأنّ "الصدق" و"الكذب" من الأُمور التي يختلف حسنها وقبحها بالوجوه والاعتبارات.

فلا يوصف "الصدق" و "الكذب" بالحسن والقبح إلاّ بتوسيط عنوان آخر بحيث يكون الحسن أو القبح ذاتيّاً لهذا العنوان(٢) وعرضيّاً لعنوان الصدق والكذب.

توضيح ذلك:

١ - إنّ ما يحكم به العقل هو "حسن الصدق النافع" و"قبح الكذب الضار" فقط، وأمّا الصدق والكذب المذكوران في مثال الأشاعرة خارجان عن البحث.

٢ - إنّ عنوان الكذب ليس علّة تامة للقبح، بل مقتضياً له.

وإنّ وصف الكذب بالقبح مشروط بأن لا يطرء عليه عنوان آخر أقبح منه كهلاك النبي ونحوه.

____________________

١- انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج١، عقيدتنا بالعدل، ص١٠٨.

٢- من أمثلة العناوين التي تمتلك الحسن والقبح الذاتي: "العدل" و"الظلم".


الدليل الثالث للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين:

لو كان الحُسن والقبح ذاتيين لزم اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد وهو قول القائل: "لأكذبن غداً" لأنّ هذا القائل:

ألف - إذا وفى بوعده غداً وكذب، فسيكون فاعلا - في نفس الوقت - للفعل:

١ - الحسن، وهو الوفاء بالوعد.

٢ - القبيح، وهو الكذب.

ب - إذا أخلف بوعده غداً وترك الكذب، فسيكون فاعلا - في نفس الوقت - للفعل:

١ - الحسن، وهو ترك الكذب.

٢ - القبيح، وهو خلف الوعد.

فيكون هذا القول متضمّناً للحسن والقبح في آن واحد.

وهذا ما يدل على أنّ الحسن والقبح أمران اعتباريان وغير ذاتيين، لأ نّهما لو كانا ذاتيين لما اجتمعا في شيء واحد(١) .

يرد عليه:

الرأي الأوّل:

إنّ اجتماع الحسن والقبيح في الشيء الواحد لا يدل على كون الحسن والقبح غير ذاتيين إلاّ إذا كان هذا الاجتماع من جهة واحدة.

ولكن اجتماع الحسن والقبح في قول القائل: "لأكذبنّ غداً" ليس من جهة واحدة ليثبت به مدّعى الأشاعرة، بل هو من جهتين، فلا يثبت به نفي ذاتية الحسن والقبح.

____________________

١- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص ٢٨٤.

المواقف، عضد الدين الإيجي، شرح: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٥، ص ٢٧٥ - ٢٧٦.


توضيح ذلك:

إنّ عدم عمل هذا الشخص بقوله "لأكذبن غداً" يشتمل على جهتين:

١ - حسن، من حيث إنّه ترك الكذب.

٢ - قبيح، من حيث إنّه أخلف الوعد.

وإنّ عمل هذا الشخص بقوله "لأكذبن غداً" يشتمل على جهتين:

١ - حسن، من حيث إنّه وفى بوعده.

٢ - قبيح، من حيث إنّه كذب.

فالحسن والقبح - في هذا المقام - يختلفان من ناحية الجهة.

ولهذا لا يكون وصف الحسن والقبح - هنا - للشيء الواحد من جهة واحدة، ليستلزم القول بأنّ الحسن والقبح أمران اعتباريان وغير ذاتيين(١) .

الموقف الصحيح:

إنّ هذا الشخص يجب عليه - بحكم العقل - ترك الكذب غداً، لأ نّه:

١ - إذا كذب غداً، فقد فعل فعلين قبيحين وفعل حسناً واحداً:

الفعل القبيح الأوّل: العزم على الكذب.

الفعل القبيح الثاني: الكذب.

الفعل الحسن: الوفاء بالوعد.

٢ - إذا ترك الكذب غداً، فقد فعل فعلين حسنين وفعل قبيحاً واحداً:

الفعل الحسن الأوّل: ترك العزم على الكذب.

الفعل الحسن الثاني: ترك الكذب.

الفعل القبيح: خلف الوعد.

ويحكم العقل - في هذه الحالة - باجتناب أكثر هذين الموردين قبحاً، فيتعيّن على هذا الشخص القائل: "لأكذبن غداً" أن يترك الكذب غداً، لأنّ ذلك أقل قبحاً

____________________

١- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: احتجاج الأشاعرة على نفي الحسن والقبح، ص٢٦٠.


من المورد الآخر(١) .

النتيجة:

لا يكون اجتماع الحسن والقبح - في هذا المقام - من جهة واحدة ليستلزم الدلالة على أنّ الحسن والقبح غير ذاتيين، بل هو اجتماع من عدّة جهات وعدّة حيثيّات.

ويكون حكم العقل - في مثل هذه الموارد - لزوم اجتناب أكثر الموارد قبحاً.

الرأي الثاني:

لا يستلزم قول: "لأكذبن غداً" اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد، بل هو كلام قبيح مطلقاً، وينبغي لقائله أن يترك الكذب غداً.

وأمّا مسألة خلف الوعد:

فليس الوفاء بالوعد - في هذا المقام - حسناً ليكون تركه قبيحاً.

لأنّ الحسن إنّما يحسن فيمالو لم يستلزم القبيح.

وإنّ الوفاء بالوعد - هنا - يستلزم القبيح (وهو الكذب)، فيكون قبيحاً وينبغي الاجتناب عنه.

تنبيه:

إنّ استدلال الأشاعرة في هذا المقام مبني - كاستدلالهم السابق - على كون:

حسن "الصدق" وحسن "الوفاء بالوعد" مثل حسن "العدل".

وقبح "الكذب" وقبح "خلف الوعد" مثل قبح "الظلم".

ولكن هذين الحسنين والقبيحين يختلفان.

لأنّ حسن "العدل" وقبح "الظلم" يجب الالتزام بهما دائماً.

ولكن حسن وقبح الموارد المذكورة في هذا الاستدلال لا يجب الالتزام بهما فيما لو تعارضا مع حسن وقبح النوع الأوّل (أي: إذا تعارضا مع العدل والظلم).

توضيح:

____________________

١- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، المبحث الأوّل، ص٢٣٤.


إنّ "العدل" حسن دائماً، ولهذا ينبغي الالتزام به في جميع الأحوال.

وإنّ "الظلم" قبيح دائماً، ولهذا ينبغي الاجتناب عنه في جميع الأحوال.

وأمّا "الصدق" فهو "حسن"، ولكنه إذا أدّى إلى الظلم فيجب الاجتناب عنه.

وأيضاً "الكذب" فهو "قبيح"، ولكن إذا استوجبه العدل فيجب العمل به.

الدليل الرابع للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين:

لو كان حُسن بعض الأفعال وقبحها ثابتاً بالعقل قبل الشرع لزم القول:

باستحقاق العقاب لتارك ما يستوجبه العقل.

واستحقاق العقاب لمرتكب ما يستقبحه العقل.

ولكن اللّه تعالى نفى استحقاق العقاب والتعذيب قبل بعثه للرسل بقوله تعالى(١) :

الآية الأُولى:

( وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [الإسراء: ١٥]

الرد على تفسير الأشاعرة:

١ - يدل ظاهر سياق هذه الآية على أنّ المراد من التعذيب في هذه الآية هو التعذيب الدنيوي المتمثّل بعذاب الاستئصال، وليس المقصود منه العذاب الأُخروي(٢) .

٢ - إنّ هذه الآية لا تدل على نفي حجية تحسين وتقبيح العقل، بل تكشف عن امتنان من اللّه تعالى على العباد واقتضاء العناية الإلهية أن لا يعذّب قوماً (سواء كان هذا العذاب من نوع العذاب الاستئصالي أو العذاب الأخروي) إلاّ بعد أن يبعث إليهم رسولا يؤكّد عليهم الحجّة إضافة إلى الحجّة العقلية التي تمّت عليهم قبل مجيء الشرع(٣) .

____________________

١- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص٢٨٤.

٢- للمزيد راجع: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج١٣، تفسير آية ١٥ من سورة الإسراء، ص٥٧ - ٥٨.

٣- انظر: المصدر السابق.


الآية الثانية:

( وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً ) [القصص: ٥٩]

الردّ على تفسير الأشاعرة:

إنّ هذه الآية أيضاً - كالآية السابقة - يدل سياقها على بيان السنّة الإلهية في عذاب الاستئصال. وقد بيّنت هذه الآية بأنّ عذاب الاستئصال لا يقع امتناناً منه تعالى إلاّ بعد تأكيد الحجّة على أهل القرى بإرسال الرسل.

الآية الثالثة:

( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) [النساء: ١٦٥]

الردّ على تفسير الأشاعرة:

١ - لا تدل هذه الآية على نفي حجية تحسين وتقبيح العقل، بل تدل على أنّ في إرسال الرسل "إتماماً لالزام الحجّة لئلا يقول الناس [للّه تعالى]: لولا أرسلت إلينا رسولا يوصل إلى المحجّة وينبّه على الحجّة ويوقظ من سنة الغفلة"(١) .

٢ - إنّ الاعتقاد بالرسول لا يتم إلاّ عن طريق العقل، لأنّ صدق الرسول لا يمكن الاعتقاد به إلاّ عن طريق حكم العقل.

بعبارة أُخرى:

لو كانت الحجّة الإلهية لا تتم إلاّ بالرسول لاحتاج هذا الرسول لإثبات لزوم اتّباعه إلى رسول آخر، والكلام في رسوله كالكلام فيه حتّى يتسلسل وهو باطل. ولهذا لا سبيل لإثبات لزوم اتّباع الرسول الإلهي إلاّ عن طريق حجية العقل(٢) .

ولهذا قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

____________________

١- تفسير جوامع الجامع، الشيخ الطبرسي: ج١، تفسير آية ١٦٥ من سورة النساء، ص٤٦٢.

٢- انظر مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج٣، تفسير آية ١٦٥ من سورة النساء، ص٢١٨.


"حجّة اللّه على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين اللّه العقل"(١) .

وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام):

"إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة(عليهم السلام)، وأمّا الباطنة فالعقول"(٢) .

الدليل الخامس للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين:

١ - لو كان "الحُسن" أمراً ذاتياً لبعض الأفعال، وهو الداعي للعمل بها:

فسيكون الداعي (وهو "حُسن" الفعل) سابقاً على "الفعل".

أي: يكون المعدوم (وهو "الحُسن" الذي سيحقّقه هذا الفعل) هو الذي يدفع الإنسان إلى تحقّق هذا الفعل.

فيلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم وهو باطل، فيثبت بطلان كون "الحسن" أمراً ذاتياً للفعل(٣) .

٢ - لو كان "القبح" أمراً ذاتياً لبعض الأفعال، وهو الصارف عن العمل بها:

فسيكون الصارف (وهو "قبح" الفعل) سابقاً على "الفعل".

أي: يكون المعدوم (وهو "القبح" الذي سيحقّقه هذا الفعل) هو الذي يردع الإنسان عن تحقّق هذا الفعل.

فيلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم وهو باطل، فيثبت بطلان كون "القبح" أمراً ذاتياً للفعل(٤) .

يرد عليه:

١ - ليس "الداعي" - في هذه الحالة - هو "الحُسن" بنفسه ليقال: يلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم، بل:

____________________

١- الأصول من الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب العقل والجهل، ج٢٢ ص٢٥.

٢- المصدر السابق: ح١٢، ص١٦.

٣- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٣، ص٢٨٩.

٤- انظر: المصدر السابق.


إنّ "الداعي" هو علم الشخص بأ نّه إذا فعل هذا الفعل فإنّه سيفعل ما هو "حسن"، وسيستحق بذلك "المدح"، وهذا "العلم" أمر وجودي.

٢ - ليس "الصارف" - في هذه الحالة - هو "القبح" بنفسه ليقال: يلزم ذلك قيام الموجود بالمعدوم، بل:

إنّ "الصارف" هو علم الشخص بأ نّه إذا فعل هذا الفعل فإنّه سيفعل ما هو "قبيح"، وسيستحق بذلك "الذم"، وهذا "العلم" أمر وجودي(١) .

الدليل السادس للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي:

"إنّ الذي عقلناه من معنى الحسن، ما يكون نفعاً أو مؤدّياً إليه.

والذي عقلناه من معنى القبح ما يكون ضرراً أو مؤدياً إليه.

والرغبة في المنفعة، والرهبة عن المضرّة إنّما يعقل حصولهما في حقّ من يصح عليه النفع والضرر.

ولمّا كان ذلك في حقّ اللّه تعالى محالا، كان القول بثبوت الحسن والقبح في حقّ اللّه محالا"(٢) .

يرد عليه:

لا يعني حسن وقبح أفعال اللّه تعالى حصول المنفعة والمضرّة له تعالى، لأنّ اللّه عزّ وجلّ منزّه عن ذلك، وإنّما المنفعة والمضرّة متوجّهة لغيره من مخلوقاته.

ومن هذا المنطلق:

إنّ الفعل الإلهي الذي فيه المنفعة لغيره يوصف بالحسن.

وإنّ الفعل الإلهي الذي فيه مضرّة لغيره يوصف بالقبح.

ويحكم العقل بأ نّه تعالى حكيم:

وأنّ كلّ أفعال اللّه تعالى فيها منفعة لمخلوقاته.

____________________

١- انظر: المصدر السابق.

٢- المطالب العالية، فخر الدين الرازي: ج٣، الباب التاسع، الفصل السابع، ص٢٩٠.


وأنّ كلّ أفعال اللّه تعالى منزّهة عن المضرّة لمخلوقاته.

فيثبت بذلك الحسن والقبح للفعل الإلهي.

الدليل السابع للأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقلي:

إنّ الاعتقاد بوجود الحسن والقبح الذاتي يستلزم وجوب:

قيامه تعالى ببعض الأفعال.

واجتنابه تعالى عن البعض الآخر.

ويتضمّن هذا الأمر تقييد اللّه تعالى في أفعاله ونفي حرّيته المطلقة.

ولهذا ينبغي حفاظاً على "الحرّية الإلهية المطلقة" إنكار وجود "الحسن والقبح الذاتي".

يرد عليه:

١ - إنّ القول بالحسن والقبح الذاتي لبعض الأفعال

وضرورة فعله تعالى لبعض الأفعال الحسنة

وضرورة اجتنابه عن الأفعال القبيحة

لا يعني فرض التكليف على اللّه تعالى.

بل يعني أنّ العقل يكتشف عن طريق التدبّر في صفاته تعالى أ نّه حكيم، وتقتضي حكمته تعالى أن يفعل ما يليق بها وأن يجتنب عما لا يليق بها.

٢ - إنّ الحرّية الإلهية منزّهة عن النقائص والقبائح، ولهذا لا ينبغي أن يدفعنا الحفاظ على حرّية اللّه تعالى إلى نسبة الأُمور القبيحة إليه تعالى.


المبحث الحادي عشر

أقوال بعض أهل السنة

الموافقين للحسن والقبح العقلي

١ - قال سعد الدين التفتازاني: "ذهب بعض أهل السنة وهم الحنفية إلى أنّ حسن بعض الأشياء وقبحها مما يدرك بالعقل... كوجوب أوّل الواجبات، ووجوب تصديق النبي، وحرمة تكذيبه دفعاً للتسلسل..."(١) .

٢ - الماتريدي، ومن أقواله الدالة على موافقته للحسن والقبح العقلي:

أوّلا: "ما حسّنه العقل وقبّحه ليس له زوال ولا تغيّر من حال إلى حال"(٢) .

ثانياً: "ما يدرك حسنه بالعقل وقبحه، فلا يزال يزداد على ما فيه إدراكه ببديهة الأحوال، ولذلك جعل اللّه العقول حجّة"(٣) .

ثالثاً: "وبعد، فإنّه قد حسن في العقول الصدق والعدل، وقبح فيها الجور والكذب...

العقول آمرة بكسب ما يعلي شرف من رزق منها، وناهية عما فيه هوان صاحبها، فيجب الأمر والنهي بضرورة العقل"(٤) .

٣ - ابن قيم الجوزية: ومن أقواله الدالة على موافقته للحسن والقبح العقلي:

أوّلا: "فإن قيل: فما جوابكم عن الأدلة التي ذكرها نفاة التحسين والتقبيح على كثرتها؟ قيل: قد كفونا بحمد اللّه مؤونة إبطالها بقدحهم فيها، وقد أبطلها كلّها

____________________

١- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، الفصل ٥، المبحث ٣، ص٢٩٣.

٢- كتاب التوحيد، أبو منصور الماتريدي: مسألة في أفعال الخلق وإثباتها، ص٢٢٣.

٣- المصدر السابق: ص٢٢٣ - ٢٢٤.

٤- المصدر السابق: مسألة إثبات الرسالة وبيان الحاجة إليها، ص١٧٨.


واعترض عليها فضلاء أتباعها وأصحابها..."(١) .

ثانياً: "إنّ الكذب لا يكون قط إلاّ قبيحاً... إنّ تخلّف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجحة على الصدق لا تخرجه عن كونه قبيحاً لذاته"(٢) .

٤ - قال فخر الدين الرازي: "المختار عندنا: أنّ تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى العباد معتبر، وأمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فهو باطل.

أمّا إثباته في حقّ العباد فيدل عليه وجوه:

الأوّل:

إنّا نرى أنّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع والنبوّات مطبقون على حسن مدح المحسن، وحسن ذم المسيء.. وهذا الحكم حاصل، سواء كان ذلك الإنسان مؤمناً يصدّق بالأنبياء أو لم يكن كذلك، فعلمنا أنّ هذا الحسن مقرّر في عقولهم.

الثاني:

لا معنى للقبح الشرعي إلاّ أن ينهى الشرع عن ذلك الفعل، فيقول العقل: هل يجب الانتهاء عما نهى الشرع؟

فإن قضى بذلك فالحسن والقبح العقليان قد ثبتا.

وإن لم يقض العقل بذلك فيحتاج الأمر حينئذ إلى إيجاب آخر.

فإن كان هذا الإيجاب من الشرع، فالكلام فيه كما في الأوّل، فيلزم التسلسل وهو محال، فيثبت ضرورة الاعتقاد بالحسن والقبح العقليين.

الثالث:

لابدّ من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوباً لذاته.

ولابدّ من الاعتراف بوجود شيء يكون مكروهاً لذاته.

وهذا الحكم ثابت في محض العقول سواء حصلت الشريعة أو لم تحصل"(٣) .

____________________

١- مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية: ج٢، ص٣٤٢.

٢- المصدر السابق: ص٣٥٤ - ٣٥٥.

٣- انظر: المطالب العالية، فخر الدين الرازي: ج٣، الباب التاسع، الفصل السابع، ص٢٨٩ - ٢٩٠.

ثمّ بيّن "فخر الدين الرازي" بعض الأدلة في إثبات بطلان تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى أفعال اللّه تعالى، وهذه الأدلة منها ما هي بعيدة عن إثبات مدّعاه، ومنها ما بيّنا الردّ في البحث السابق.


٥ - إنّ الأمر الملفت للنظر من "عضد الدين الإيجي" أ نّه ذكر في كتابه "المواقف" حول دليل الأشاعرة على امتناع صدور الكذب من اللّه عزّ وجلّ: "إنّه (أي: الكذب منه تعالى) نقص، والنقص على اللّه تعالى محال"(١) .

ثمّ علّق "الإيجي" بنفسه على كلامه هذا، وقال:

"واعلم أنّه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي، فإنّ النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه، وإنّما تختلف العبارة!"(٢) .

ثمّ علّق شارح كتاب المواقف "الشريف الجرجاني" على هذه العبارة، وقال:

"فأصحابنا المنكرون للقبح العقلي كيف يتمسّكون في دفع الكذب... عن اللّه تعالى بلزوم النقص في أفعاله تعالى؟"(٣) .

____________________

١- كتاب المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٤، المقصد ٧، ص١٤٠.

٢- المصدر السابق.

٣- المصدر السابق.


الفصل الثالث

وجود الغرض والغاية في

أفعال اللّه تعالى

معنى الغرض والغاية

وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى

أدلّة وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى

غرض وغاية اللّه تعالى من خلق الإنسان

مناقشة رأي الأشاعرة حول غرض وغاية الفعل الإلهي




المبحث الأوّل

معنى الغرض والغاية

معنى الغرض والغاية (في اللغة):

"الغرض" هو الهدف والقصد(١) .

"الغاية" هي أقصى الشيء ومنتهاه(٢) .

معنى الغرض والغاية (في الاصطلاح العقائدي):

يطلق "الغرض والغاية" اصطلاحاً على الشيء الذي يقصده الفاعل المختار من وراء عمله، وهي الفائدة التي ينظر إليها الفاعل قبل قيامه بالفعل، ثمّ يجعل الفعل وسيلة للظفر بتلك الفائدة.

وهذه الفائدة التي يطلق عليها "الغرض" و"الغاية" تصبح الهدف للقيام بالفعل، وهي التي يؤدّي الفاعل فعله من أجل الوصول إليها(٣) .

تنبيه:

إنّ المراد من "الغرض" و"الغاية" ليس "الهدف" و"المقصود" فحسب، بل المراد "الهدف" و"المقصود" النافع الذي يستحق عقلا القيام بالفعل من أجل تحقّقه.

ومن هذا المنطلق، إذا قام شخص بفعل له "هدف"، ولكن لم يكن لهذا الفعل هدف "عقلائي"، فسيقول العقلاء حول هذا الفعل: إنّه عبث. ويتسامحون أحياناً في

____________________

١ و ٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (غرض) و(غيا).

٣- انظر: معارف القرآن، (معرفة اللّه)، محمّد تقي المصباح: هدف الأفعال الإلهية، ص ٢٢٥ - ٢٢٦.


التعبير فيقولون: إنّه من دون هدف، أي: أ نّه ليس له هدف ذو قيمة(١) .

____________________

١- انظر: معارف القرآن، (معرفة اللّه)، محمّد تقي المصباح، تعريب: محمّد عبدالمنعم الخاقاني: هدف الأفعال الإلهية: ص٢٢٦.


المبحث الثاني

وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى

إنّ اللّه تعالى لا يفعل شيئاً إلاّ لغرض وغاية وحكمة مقصودة(١) .

تنبيهات:

١ - إنّ غرض الفعل الإلهي قد يكون واضحاً لعباده وقد يكون خفيّاً، ولكنّه تعالى في جميع الأحوال لا يفعل إلاّ لغرض وغاية وحكمة مقصودة.

٢ - إنّ غرض الفعل الإلهي يقتصر على نفع الغير لا إضراره، لأنّ الإضرار قبيح، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح(٢) .

٣ - إنّ غرض الفعل الإلهي لا يعود على اللّه تعالى بالمنفعة، لأ نّه تعالى غني بالذات وكامل من جميع الجهات، وهو غير محتاج لشيء، وإنّما تعود منفعة الغرض والغاية للمخلوقات(٣) .

____________________

١- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل، البحث الرابع، ص١١٠.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، ص٧٤.

٢- انظر: النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٧١.

٣- انظر: تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، ص١٩٨.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، ص٢٥٧.


المبحث الثالث

أدلة وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى

الأدلة العقلية:

١ - إنّ نفي الغرض والغاية عن أفعاله تعالى يتنافى مع حكمته تعالى، لأنّ فعل الشيء من دون غرض أو غاية عبث، والحكيم لا يصدر منه العبث(١) .

٢ - يلزم نفي الغرض والغاية عن الفعل الإلهي:

عدم قصده تعالى جميع المنافع التي جعلها اللّه تعالى منوطة بالأشياء.

فلا يكون خلق العين للإبصار.

ولا خلق الأُذن للسماع.

ولا اليد للعمل.

ولا الرجل للمشي.

بل يكون خلق جميع هذه الجوارح والأعضاء عبثاً، وهذا خلاف الواقع(٢) .

٣ - يلزم نفي الغرض والغاية عن الفعل الإلهي:

عدم الجزم بصدق دعوى الأنبياء.

لأنّ من أدلة إثبات صدق النبوّة: إظهار اللّه "المعجزة" على يدّ مدّعي النبوّة.

فلو أنكرنا وجود الغرض والغاية في الفعل الإلهي.

فسيكون إظهار اللّه المعجزة على يدّ النبي لغير غرض وغاية.

____________________

١- انظر: تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، ص١٩٨.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي:المقصدالثالث، الفصل الثالث، المسألة الرابعة، ص٤٢٢.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٧٠.

٢- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، مبحث أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح، ص٩٠ - ٩١.


ولا يكون غرض وغاية اللّه من هذه المعجزة إثبات صدق ادّعاء النبوّة.

فيكون النبي - في هذه الحالة - كاذباً في ادّعائه بأنّ اللّه تعالى أظهر على يده المعجزة لغرض التصديق به.

لأنّ لقائل أن يقول له: بأنّ أفعال اللّه ليس لها غرض وغاية.

والمعجزة من فعل اللّه.

فكيف أصبح لها غرض وغاية لتدّعي أنّ الغرض والغاية منها إثبات نبوّتك؟

فلا يكون - بعد هذا - سبيل لتصديق دعوى الأنبياء.

وهذا باطل(١) .

٤ - يلزم نفي الغرض والغاية عن فعله تعالى أن لا تكون:

إثابة اللّه المطيع لطاعته.

ولا معاقبة اللّه العاصي لعصيانه.

بل يكون ثواب اللّه تعالى وعقابه من دون غرض.

فلهذا لا يكون عند اللّه فرقٌ بين "المؤمن" وبين "الكافر" في الثواب والعقاب.

وهذا ما ينافي العدل الإلهي(٢) .

٥ - يلزم نفي الغرض والغاية عن الفعل الإلهي:

أن يكون تكليفه تعالى للعباد لغير إفادتهم في الدنيا أو الآخرة.

فيكون اللّه عزّ وجلّ ظالماً للعباد.

وهو تعالى منزّه عن ذلك(٣) .

٦ - يلزم نفي الغرض والغاية في الفعل الإلهي مخالفة الكتاب العزيز وتكذيب القرآن الكريم، لأنّ اللّه تعالى بيّن في محكم كتابه العديد من الآيات الدالة على

____________________

١- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة: ص٩١ - ٩٢.

٢- انظر: المصدر السابق: ص٩٤.

٣- انظر: الرسالة السعدية، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل، المسألة السادسة، البحث الرابع، ص٦٢.


وجود الغرض والغاية في أفعاله تعالى(١) .

الآيات القرآنية الدالة على وجود الغرض والغاية في أفعال الله تعالى:

القسم الأوّل: الآيات العامة

١ -( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ) (٢) [الأنعام: ٧٣]

٢ -( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣) * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ ) [الدخان: ٣٨ - ٣٩]

٣ -( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً ) (٤) [آل عمران: ١٩١]

٤ -( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ) (٥) [المؤمنون: ١١٥]

القسم الثاني: الآيات الخاصة

إنّ هذه الآيات تضمّنت تعيين غرض وغاية لبعض أفعال اللّه تعالى، ومن هذه الآيات:

١ -( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات: ٥٦]

٢ -( إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) [هود: ١١٩]

٣ -( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )

____________________

١- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، مبحث: أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح، ص٩٣.

٢- كلمة "الحقّ" في هذه الآية تعني: الفعل ذو الهدف القيّم اللائق بالفاعل.

انظر: معارف القرآن، (معرفة اللّه)، محمّد تقي المصباح: هدف الأفعال الإلهية، ص٢٣٨.

٣- "اللعب" عبارة عن مجموعة حركات منظّمة تودّى من أجل هدف يرضي خيال الإنسان فقط، ولا تكون للنتيجة حقيقة واقعية.

انظر: المصدر السابق: ص٢٤٠.

٤- كملة "الباطل" في هذه الآية تعني: الفعل الفاقد للهدف القيّم اللائق بالفاعل.

انظر: المصدر السابق: ص٢٣٩.

٥- "العبث" هو الفعل الفاقد للهدف الصحيح.

انظر: المصدر السابق.


[هود: ٧]

٤ -( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها ) [الأنعام: ٩٧]

٥ -( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللّهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ ) [يونس: ٥]

٦ -( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) [البقرة: ٢٩]

٧ -( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) [المائدة: ٣٢]

٨ -( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ... ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) [المائدة: ٧٨]

٩ -( فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً ) [النساء: ١٦٠]

١٠ -( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) [إبراهيم: ١]

١١ -( لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً ) [الحاقة: ١٢]

١٢ -( لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ) [الفرقان: ٤٩]

١٣ -( لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ) [النبأ: ١٥]

١٤ -( وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) [محمّد: ٣١]

١٥ -( لِتُجْزى كُلُّ نَفْس بِما تَسْعى ) [طه: ١٥]

١٦ -( لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ) [الإسراء: ١]

١٧ -( لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ) [طه: ٢٣]


المبحث الرابع

غرض وغاية اللّه تعالى من خلق الإنسان

١ - الرحمة:

قال تعالى:( إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) [هود: ١١٩]

وقال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول تفسير هذه الآية: "خلقهم ليفعلوا ما يستوجبوا به رحمته، فيرحمهم"(١) .

٢ - العبادة:

قال تعالى:( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات: ٥٦]

٣ - المعرفة:

ورد في الحديث القدسي المشهور: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"(٢) .

وورد عن الإمام الحسين(عليه السلام): "إنّ اللّه جلّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه"(٣) .

٤ - إظهار قدرته وحكمته:

سُئل الإمام الصادق(عليه السلام): لِمَ خلق اللّه الخلق؟ فقال: "إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يخلق

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ١٢: باب أنّ اللّه تعالى لا يفعل بعباده إلاّ الأصلح لهم، ح١٠، ص٣٩٢.

٢- هذا الحديث مجهول السند، ولكن معناه صحيح، وهو مستفاد من قوله تعالى: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) أي: ليعرفوني كما فسّره ابن عباس.

راجع: إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، نور اللّه الحسيني المرعشي التستري، تعليق، السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي: في أ نّه تعالى يفعل لغرض وحكمة، ص٤٣١.

٣- علل الشرائع، الشيخ الصدوق: باب٩: علّة خلق الخلق واختلاف أحوالهم، ح١، ص٩.


خلقه عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته، وليكلّفهم طاعته، فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرّة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد"(١) .

وفي حديث آخر: سُئل الإمام الصادق(عليه السلام): لأيّ علّة خلق [اللّه عزّ وجلّ]الخلق وهو غير محتاج إليهم ولا مضطر إلى خلقهم ولا يليق به العبث بنا؟

قال(عليه السلام): "خلقهم لإظهار حكمته..."(٢) .

النتيجة:

إنّ اللّه تعالى خلق العباد إظهاراً لقدرته وحكمته، وخلقهم ليرحمهم، فكلّفهم بمعرفته والإقرار بوجوده والامتثال لأوامره ونواهيه، ليكون التزامهم الاختياري بهذا التكليف سبباً لمعيشتهم في ظل الرحمة الإلهية المتمثّلة بجنة النعيم التي أعدّها للمتقين والرضوان الإلهي الذي أعدّه لأصحاب الدرجات العليا.

تنبيهان:

١ - خلق اللّه تعالى الأرض والسماء لأجل الإنسان، وذلك لقوله تعالى:

أوّلا:( خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) [البقرة: ٢٩]

ثانياً:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) [البقرة: ٢٢]

٢ - إنّ الغرض والغاية من خلقه تعالى للبشر - كما ذكرنا - هو التكليف بالعبادة من أجل التكامل ونيل الرحمة الإلهية، ولكن البعض من الناس لا تتوفّر لهم الأجواء المناسبة في هذه الدنيا لاجتياز مرحلة الاختبار الإلهي، وهؤلاء من قبيل الأطفال الذين يموتون قبل البلوغ، أو المجانين، أو غيرهم ممن لم تتوفّر فيهم شروط التكليف في هذه الدنيا.

____________________

١- علل الشرائع، الشيخ الصدوق: باب ٩: علّة خلق الخلق واختلاف أحوالهم، ح٢ ص٩.

٢- الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: احتجاجات الإمام الصادق(عليه السلام)، احتجاج رقم ٢٢٣، ص٢١٧.


ولهذا يؤخّر اللّه تعالى اختبار هؤلاء، ويجعله في يوم القيامة، ليحدّد هؤلاء مصيرهم في ذلك الموقف، ويعيّنوا اتّجاههم إلى الجنة أو النار(١) .

____________________

١- راجع: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، ب١٣، ص٢٨٨ - ٢٩٧.

وانظر في هذا الكتاب: الفصل الثامن: التكليف، المبحث السابع: تكليف من لم تتم عليهم الحجّة في الدنيا.


المبحث الخامس

مناقشة رأي الأشاعرة حول غرض وغاية الفعل الإلهي

رأي الأشاعرة:

إنّ أفعال اللّه تعالى ليست معلّلة بالأغراض(١) .

أدلة الأشاعرة(٢) :

الدليل الأوّل للأشاعرة على إنكار وجود الغرض في أفعال الله تعالى:

لو كان لفعله تعالى غرض، لزم أن يكون الباري عزّوجلّ ناقصاً بذاته ومستكملا بتحصيل ذلك الغرض، ولكن اللّه تعالى غني بذاته، ولايجوز له الاستكمال.

يرد عليه:

١ - إنّ الاستكمال يكون فيما لو كانت أغراض وغايات الفعل الإلهي تعود على اللّه تعالى بالمنفعة، ولكن الأمر ليس كذلك، وإنّ منفعة هذه الأغراض والغايات تعود للمخلوقات.

فلهذا لا يلزم وجود الغرض والغاية في الفعل الإلهي الاستكمال له تعالى(٣) .

____________________

١- انظر: الأربعين في أصول الدين، فخر الدين الرازي: ج١، المسألة السادسة والعشرون، ص٣٥٠.

كتاب المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٨، ص٢٩٤.

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٥، ص٣٠١.

٢- انظر: المصادر المذكورة في الهامش السابق.

٣- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الرابعة، ص٤٢٢.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري، الفصل الرابع، ص٧١.

تنبيه:

قد لا يكون الغرض من الفعل الإلهي منفعة العبد، وإنّما يكون ذلك لاقتضاء نظام الوجود.

مثال ذلك:

إنّ من أمثلة "اقتضاء نظام الوجود": خلود أهل النار في النار، لأنّ خلودهم لا نفع فيه لهم، ولكنه من قبيل اقتضاء أعمالهم السيئة، لأنّ الإنسان يخلّد في الآخرة مع أعماله التي قام بها في الدنيا، والأعمال السيئة تتحوّل إلى نار، فيعيش معها.


بعبارة أُخرى:

إنّ منشأ خطأ الأشاعرة هو الخلط بين:

أ - غاية الفاعل.

ب - غاية الفعل.

والمنفى عنه تعالى هو "غاية الفاعل"، لأنّ وجود الغاية للفاعل تعني: أنّ الفاعل ناقص، فيصل إلى الكمال عن طريق الغاية، وهذا لا يجوز بالنسبة إلى اللّه تعالى.

والثابت للّه تعالى هو "غاية الفعل"، وهذا لا يستلزم وجوده النقص للّه تعالى، بل يؤدّي إلى نفي العبث عن أفعاله تعالى(١) .

٢ - إنّ احتياج الفعل الإلهي إلى الغرض والغاية ليس من قبيل:

الاحتياج الدال على نقصه تعالى.

بل هو من قبيل:

احتياجه تعالى في كونه "رازقاً" إلى "مَن يرزقه".

وهذا الاحتياج ليس نقصاً، والأصح عدم تسميته "احتياجاً".

بل هو "شرط" من شروط وجود الفعل أو شروط كماله.

فمن شروط كونه تعالى "رازقاً" أن يكون في الواقع الخارجي "مَن يرزقه".

ومن شروط "كمال الفعل الإلهي" أن يكون هذا الفعل "ذا غرض وغاية حكيمة"(٢) .

____________________

١- انظر: القواعد الكلامية، علي الرباني الكلبايكاني: العدل والحكمة، الفصل الثاني، ص١٥٨.

٢- انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ٤، ص٣٩١.


الدليل الثاني للأشاعرة على إنكار وجود الغرض في أفعال الله تعالى:

إنّ أداء الفعل من أجل الغرض والغاية يعني الوقوع تحت تأثيرها، فيكون اللّه تعالى محكوماً لا حاكماً، واللّه تعالى منزّه عن المحكومية(١) .

يرد عليه:

إنّ وجود الغرض والغاية لا يعني وجود عامل خارجي يجعل اللّه تعالى متأثّراً بهذا العامل ومحكوماً ومقيّداً به، بل يعني ذلك: أنّ مقتضى كماله تعالى وحكمته أن يكون فعله ذا غرض وغاية حكيمة.

بعبارة أُخرى:

إنّ وجود الغرض والغاية في فعله تعالى لا يعني كون الغرض والغاية قيداً لهذا الفعل.

وإنّما يكون وجود الغرض والغاية من شروط كمال الفعل الإلهي، لأنّ الفعل الفاقد للغرض والغاية يكون فعلا متّصفاً بالعبث واللغو، واللّه تعالى منزّه عن ذلك.

الدليل الثالث للأشاعرة على إنكار وجود الغرض في أفعال الله تعالى:

إنّ القول بوجود الغرض في الفعل الإلهي يعني:

عدم حصول الفعل الإلهي إلاّ بتوسّط الغرض.

وعدم حصول الفعل الإلهي إلاّ تبعاً للغرض.

ولكن اللّه تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداءً ومن دون توسّط شيء(٢) .

يرد عليه:

إنّ غرض الفعل الإلهي ليس شيئاً خارجاً ومنفصلا عن وجود فعله تعالى ليكون واسطة لتحقّق الفعل الإلهي، وإنّما الغرض هنا عبارة عن الأمر الذي يُخرج الفعل من

____________________

١- انظر: المصادر المذكورة في بداية هذا المبحث.

٢- انظر: المصادر المذكورة في بداية هذا المبحث.


العبث واللغو، وهذا الأمر عبارة عن:

١ - الحكمة الكامنة في هذا الفعل.

٢ - الأهداف المطلوبة من هذا الفعل.

مثال:

إنّ الغرض والغاية من خلقه تعالى للعالم ليس أمراً خارجاً عن وجود هذا العالم، بل هو عبارة عن:

١ - الحكمة الكامنة في خلق هذا العالم.

٢ - الأهداف المطلوبة من خلق هذا العالم.

وهذه الحكمة وهذه الأهداف هي بلوغ العالم بأجزائه إلى الكمال الممكن.

وهذا الكمال خصوصية موجودة في نفس العالم.

وليس الغرض والغاية الإلهية هنا شيئاً مفصولا وخارجاً عن خلقه تعالى للعالم.

ولهذا لا يوجد أي تناف بين الأمرين التاليين:

١ - وجود الغرض والغاية في الفعل الإلهي.

٢ - فعل اللّه الأشياء ابتداءً ومن دون توسّط شيء خارج عنها.

الدليل الرابع للأشاعرة على إنكار وجود الغرض في أفعال الله تعالى:

لو قلنا بضرورة وجود الغرض في جميع الأفعال الإلهية.

فينبغي القول بأنّ هذا الغرض أيضاً يجب أن يكون له - حسب هذه القاعدة - غرض آخر.

ومن هنا تتسلسل الأغراض إلى ما لا نهاية لها.

فنضطر إلى الاعتراف بانتهاء أفعاله تعالى إلى فعل لا غرض له.

فيثبت وجود فعل إلهي ليس له غرض.


وهذا يتنافى مع قاعدة ضرورة وجود الغرض لجميع الأفعال الإلهية(١) .

يرد عليه:

إنّ الغرض لا يحتاج إلى غرض آخر، وعندما نقول: إنّ الغرض من التكامل هو "حسن التكامل"، هذا "الحُسن" لا يحتاج إلى غرض يحسّنه، بل هو حسن بذاته، ويكون الغرض منه نفس وجوده(٢) .

الدليل الخامس للأشاعرة على إنكار وجود الغرض في أفعال الله تعالى:

إنّ بعض الآيات القرآنية تدل على نفي وجود الغرض في الفعل الإلهي منها(٣) :

١ -( لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ ) [الأنبياء: ٢٣]

يلاحظ عليه:

إنّ هذه الآية لا تدل على نفي وجود الغرض في الفعل الإلهي، بل تدل على:

أوّلا: عدم وجود آمر وناه عليه تعالى حتّى يسأله عن فعله كما يُسأل الناس عن أفعالهم.

ثانياً: لا معنى للسؤال عن فعله تعالى، لأ نّه حكيم، ولا يفعل إلاّ ما تقتضيه الحكمة(٤) .

سُئل الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) حول أفعاله تعالى: كيف لا يُسأل عما يفعل؟

قال(عليه السلام): "لأ نّه لا يفعل إلاّ ما كان حكمة وصواباً"(٥) .

٢ -( يَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ ) [إبراهيم: ٢٧]،( يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ) [المائدة: ١]

يلاحظ عليه:

____________________

١- انظر: المصادر المذكورة في بداية هذا المبحث.

٢- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ١/٢٦٨ - ٢٦٩.

صراط الحقّ، محمّد آصف المحسني: ج٢، المقصد الخامس، تبعية أفعاله للأغراض، ص١٩٨.

٣- انظر: التفسير الكبير، فخر الدين الرازي: ج١٠، تفسير آية ٥٦ من سورة الذاريات، ص١٩٣.

٤- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج٧، تفسير آية ٢٣ من سورة الأنبياء، ص٧٠.

٥- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦١، ح١٣، ص٣٨٦.


إنّ مفاد هاتين الآيتين إطلاق مشيئته تعالى وإرادته، وليس فيهما أيّة دلالة على عدم وجود الغرض والغاية في فعله تعالى وحُكمه(١) .

٣ -( فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) [إبراهيم: ٨]

يلاحظ عليه:

غنى الله تعالى يعني الغنى عن الغرض والغاية التي تعود بالمنفعة إليه تعالى.

ولكن الأغراض والغايات الإلهية - في الواقع - لا تعود بالمنفعة إليه تعالى، وإنّما تعود بالمنفعة إلى غير اللّه عزّ وجلّ.

وليس في هذه الآية ما يدل على نفي الأغراض والغايات التي تعود بالمنفعة إلى غير اللّه تعالى(٢) .

رأي التفتازاني حول وجود الغرض والغاية في أفعال الله تعالى:

اختار "التفتازاني" قولا وسطاً بين العدلية والأشاعرة، وهو تعليل بعض أفعاله تعالى بالغاية دون الجميع فقال:

"والحقّ أنّ تعليل بعض الأفعال لاسيما شرعية الأحكام بالحكم والمصالح ظاهر كإيجاب الحدود والكفارات وتحريم المسكرات وما أشبه ذلك، والنصوص أيضاً شاهدة بذلك... وأمّا تعميم ذلك بأن لا يخلو فعل من أفعاله [تعالى] عن غرض فمحل بحث"(٣) .

يلاحظ عليه:

إنّ مسألة "الغرض والغاية" ليست من التعبّديات ليمكننا الاقتصار على الأدلة النقلية فقط، بل هي من الأُمور العقلية، وملاكها لزوم وجود العبث في الفعل الإلهي فيما لو نفينا الغرض عن أفعاله تعالى، وهذا يعمّ التكوين والتشريع سواء علمنا بالغاية أم لا(٤) .

____________________

١- انظر: صراط الحقّ، محمّد آصف المحسني: ج٢، المقصد الخامس، القاعدة الرابعة، ص٢٠٢ - ٢٠٣.

٢- صراط الحقّ، محمّد آصف المحسني: ج٢، المقصد الخامس، القاعدة الرابعة، ص٢٠٢ - ٢٠٣.

٣- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٥، ص٣٠٢ - ٣٠٣.

٤- انظر: القواعد الكلامية، علي الرباني الكلبايكاني: الفصل الثاني، ص١٥٨.


تنبيه:

قالت الأشاعرة في الصعيد الفقهي بحجّية "القياس".

ولا يخفى بأنّ "القياس" لا يثبت إلاّ بعد الاعتقاد بوجود "الغرض الإلهي" في تشريعه تعالى لكلّ موضوع، ليمكن قياس الموضوع الآخر عليه، وتسرية الحكم الشرعي من الموضوع الأصلي إليه.

وهذا القول يتنافى مع رأيهم في الصعيد العقائدي ويتنافى مع قولهم بعدم وجود الغرض في الأفعال الإلهية.



الفصل الرابع

الشرور والآلام

معنى الشر

أقسام الشر

الآلام وأوجه حسنها وقبحها

حكمة الشرور والآلام

إيلام غير المكلّفين



المبحث الأوّل

معنى الشر

معنى الشر (في اللغة):

الشر: السوء، وهو ضدّ الخير(١) .

معنى الشر (في الاصطلاح العقائدي):

يطلق الشر على(٢) :

١ - عدم كمال الوجود مما له شأنية ذلك الكمال، من قبيل العمى للعين، أو عدم الثمرة في الشجرة المؤهّلة لإعطاء الثمرة.

٢ - عدم الوجود مما له شأنية الوجود، من قبيل عدمية وجود الإنسان بعد وجوده، لأنّ ذلك شرّ بالنسبة إلى هذا الإنسان.

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (شرر).

٢- انظر: الإشارات والتنبيهات، ابن سينا: ج٣، النمط السابع، الفصل ٢٣، ص٣٢٠.


المبحث الثاني

أقسام الشر(١)

١ - الشر الحقيقي (الذاتي): وهو أمر عدمي لما من شأنه الوجود، كالجهل والعجز والفقر بالنسبة إلى الموجود الذي من شأنه العلم والقوّة والغنى.

وسنبيّن توضيح ذلك لاحقاً.

٢ - الشر القياسي (العرضي): وهو أمر وجودي، وإنّما يتّصف بالشر لأنّه يؤدّي إلى إعدام وجود شيء ما أو إعدام كمال وجوده، كالزلازل والسيول والزواحف السامّة والحيوانات المفترسة و...

وسنبيّن توضيح ذلك لاحقاً.

القسم الأوّل:الشر الحقيقي

ليس الشر الحقيقي أمراً وجودياً، بل هو أمر عدمي(٢) .

أمثلة عدمية الشر الحقيقي(٣) :

١ - إنّ الجهل هو عدم العلم، وللعلم وجود، ولكن الجهل ليس له أي وجود، وإنّما هو مجرّد عدم العلم.

____________________

١- انظر: العدل الإلهي، مرتضى مطهري، ترجمة: محمّد عبدالمنعم الخاقاني: الفصل الثالث، ص١٥١ - ١٧٠.

٢- إنّ أساس نظرية عدمية الشرور تعود إلى "أفلاطون".

انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج١٣، ذيل تفسير آية ٨٢ - ١٠٠ من سورة الإسراء، ص١٨٧.

٣- انظر: الميزان في تفسير القرآن، محمّد حسين الطباطبائي: مبحث: الشرّ عدمي محض، ص١٥٩.


٢ - إنّ الفقر هو عدم الملك، وللملك وجود، ولكن الفقر ليس له أي وجود، وإنّما هو مجرّد عدم الملك. والفقير هو الفاقد للملك والثروة، وليس الفقير هو المالك لشيء اسمه الفقر.

٣ - إنّ العمى عدم، وليس له واقع ملموس بحيث يوجد في العين شيء يسمى العمى، وإنّما هو فقدان الرؤية وعدم البصر.

٤ - إنّ الموت عدم، وهو فقدان الجسم للحياة وتحوّله إلى جماد، وليس الموت تحصيلا لشيء، بل هو فقدان لشيء.

٥ - إنّ الظلمة ليست شيئاً سوى عدم النور، والنور له وجود، وله منشأ يشع منه، ولكن الظلمة ليس لها وجود، وليس لها مبدأ أو منشأ تشع منه.

ثمرة نظرية عدمية الشرور:

يؤدّي إثبات عدمية الشرور إلى بطلان النظرية الثنوية بجميع اتّجاهاتها المتنوّعة.

بيان ذلك:

ذهبت الاتّجاهات الثنوية إلى:

١ - أنّ الشر أمر وجودي.

٢ - أنّ الخير يحتاج إلى مبدأ فاعلي ينسجم (له سنخية) مع الخير.

وأنّ الشرّ يحتاج إلى مبدأ فاعلي ينسجم (له سنخية) مع الشرّ.

فلهذا ينبغي أن يكون موجد "الخير" غير موجد "الشر".

تقييم نظرية الثنوية حسب القول بعدمية الشر:

تنهار نظرية الثنوية مع إثبات عدمية الشرّ، لأنّ هذه النظرية تثبت بأنّ الشر ليس أمراً وجودياً ليحتاج إلى موجد أو مبدأ يسانخه، بل "الشرّ" أمر "عدمي"، والعدم ليس شيئاً حتّى يحتاج إلى إيجاد.


القسم الثاني:

الشر القياسي

إنّ الشرّ القياسي أمر وجودي، أي له وجود، وهو من قبيل الجراثيم والميكروبات والعقارب السامّة والحيوانات المفترسة والزلازل والعواصف، فهي موجودة، وهي ليست شرّاً بذاتها وإنّما توصف بالشرّ عند مقايستها مع الإنسان، لأ نّها تلحق بالإنسان ما هو شرّ له.

تبيين كيفية اتّصاف الموجودات بالشر:

أقسام الصفات:

الأوّل: الصفات الحقيقية.

الثاني: الصفات القياسية (النسبية) (العرضية).

خصائص الصفات الحقيقية:

١ - لها واقعية في الصعيد الخارجي.

٢ - تثبت هذه الصفات للأشياء بقطع النظر عن أي شيء آخر.

مثال الصفات الحقيقية:

١ - صفة الوجود للإنسان، فهي صفة لها واقعية في الصعيد الخارجي.

٢ - صفة الحياة للإنسان، لأنّ الإنسان يتّصف بالحياة بقطع النظر عن مقارنته بأي شيء آخر.

خصائص الصفات القياسية:

١ - ليس لها واقعية في الصعيد الخارجي.

٢ - ينتزعها ذهن الإنسان عن طريق المقايسة بينها وبين شيء آخر.

مثال الصفات القياسية:

١ - الصغر والكبر، فالكبر صفة ليس لها وجود في الواقع الخارجي، وإنّما يتّصف


بها الشيء عن طريق مقايسته بما هو أصغر منه.

توضيح المثال:

توصف الأرض بالكبر عند مقايستها بالقمر، وتوصف في نفس الوقت بالصغر عند مقايستها بالشمس، وهذان الوصفان لا يدخلان في حقيقة الموصوف (وهو الأرض)، وإلاّ لما صح وصف الأرض بوصفين متعارضين في آن واحد(١) .

٢ - الأوّليّة والثانوية، فهذه الصفات ليس لها وجود خارجي، وإنّما يتّصف بها الشيء عند مقايسته مع الشيء الآخر.

توضيح المثال:

لو شرح الأستاذ موضوعاً لتلميذه مرّتين.

فهذا "الشرح" له في كلّ مرّة صفة خاصة.

ويوصف تارة بالشرح "الأوّل".

ويوصف تارة أُخرى بالشرح "الثاني".

ولا يعني هذا أنّ الأستاذ أدّى في كلّ مرّة عملين أحدهما نفس الموضوع، والآخر صفة "الأوليّة" و"الثانوية"، بل:

هذه الصفات اعتبارية وقياسية تنشأ من أداء الأستاذ للعمل مكرراً(٢) .

نوعية "الشر" في الأشياء المتّصفة بالشر:

إنّ الأشياء المتّصفة بالشرّ ليست شرّاً من قبيل "الشر الحقيقي"، بل هي من قبيل "الشر القياسي".

أي: إنّ شرّها صفة قياسية ينتزعها ذهن الإنسان عند مقايستها مع الأشياء الأخرى.

____________________

١- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر سبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ١/٢٨٠.

٢- انظر: العدل الإلهي، مرتضى مطهري: الفصل الثالث: مبحث: الشر أمر نسبي، ص ١٦٦.


مثال ذلك:

١ - إنّ الجراثيم والميكروبات ليست شرّاً بذاتها، وإنّما توصف بالشرّ لأ نّها تؤدّي إلى فقدان حياة الإنسان أو فقدان صحة بدنه، فهي شرّ بالعرض وبالمقايسة إلى الأمر الذي تقوم به إزاء الإنسان.

٢ - إنّ العقارب السامّة والحيّات القاتلة والحيوانات المفترسة والسباع الضواري ليست شرّاً بذاتها، بل تتّصف بالشر نتيجة الأذى الذي تلحقه بالإنسان أو بالكائنات الأُخرى.

٣ - إنّ الزلازل والعواصف ظواهر طبيعية تنتج من حدوث بعض التغييرات الأرضية والجوية، وليست هذه الظواهر شراً بذاتها، وإنّما توصف بالشرّ لأ نّها من شأنها تدمير حياة الإنسان وإلحاق الضرر بمنافعه.

ولهذا فإنّ وصف هذه الظواهر بالشرّ لا يكون إلاّ بعد مقايستها مع مصالح ومنافع الإنسان.

تنبيه:

بما أنّ الشر القياسي أمر وجوديٌّ، فلهذا يحتاج هذا "الشر" إلى الخلق والتقدير، ومن هذا المنطلق:

١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) في تمجيده للّه تعالى: "... أنت اللّه لا إله إلاّ أنت خالق الخير والشرّ..."(١) .

٢ - قال(عليه السلام) أيضاً في دعاء عرفة: "اللّهم... بيدك مقادير الخير والشرّ..."(٢) .

والمقصود من "الشرّ" في هذا المقام هو "الشرّ القياسي" الذي له وجود، وليس المقصود "الشرّ الحقيقي"، ولا شكّ أنّ الجراثيم والمكروبات والعقارب السامّة والزلازل والعواصف أُمور مخلوقة ويكون الضرر الذي تلحقه بالكائنات الأُخرى وفق مقادير معيّنة.

____________________

١- ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ الصدوق: ثواب من مجّد اللّه بما مجّد به نفسه، ص ٣٥.

٢- الإقبال، السيد ابن طاووس: ج٢، الباب الثالث، ص١٢١.


تنبيهات حول الشرور:

١ - إنّ وجود الشرور - أي: وجود الكائنات التي تلحق الشرّ بالكائنات الأُخرى - لا ينافي الحكمة الإلهية ولا يتعارض مع وجود النظم في العالم، لأنّ اللّه تعالى جعل هذا العالم مكاناً لاختبار العباد، فجعل الشرور وسيلة لاختبارهم وتمييز مستوى استعانتهم بالصبر إزاء الشرور التي تصيبهم.

٢ - إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق العالم بصورة تتزاحم وتتضاد فيه الموجودات، فينتهي الأمر إلى نشوء الشرور، وكان بإمكانه تعالى أن يصمّم عالم الإمكان بصورة لا تقع فيه الشرور، ولكنه لم يفعل ذلك، لأ نّه شاء أن تكون الشرور هي الوسيلة لاختبار العباد.

٣ - لا يصح القول بأنّ اللّه تعالى وجد بأنّ خلقه للعالم يستلزم الخير الكثير والشر القليل، فرضي بالشر القليل لكثرة الخير، بل الصحيح:

إنّ اللّه عزّ وجلّ هو الذي جعل الدنيا داراً "بالبلاء محفوفة"(١) ، وهو الذي خلق الإنسان في كبد(٢) (أي: في وسط الآلام والشدائد)، وهو الذي جعل الشر في العالم ليبلوا الناس أيّهم أحسن عملا(٣) .

____________________

١- قال الإمام علي(عليه السلام) حول الدنيا: "دار بالبلاء محفوفة وبالعناء معروفة وبالغدر موصوفة... وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصمهم بحمامها".

بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٣، كتاب الإيمان والكفر، باب ١٢٢، ح١٠٩، ص١١٧.

٢- إشارة إلى قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في كَبَد) [البلد: ٤].

٣- قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٥].


المبحث الثالث

الآلام وأوجه حسنها وقبحها(١)

إنّ الألم من الأُمور الوجدانية المحسوسة لدى كلّ إنسان.

وما يهمُّنا في هذا المقام معرفة أوجه حسن وقبح الألم، ليمكننا بعد ذلك معرفة أوجه حسن إلحاق الألم من اللّه تعالى بالعباد.

أوجه حسن الألم(٢) :

١ - الاستحقاق.

٢ - حصول النفع الوافي.

٣ - دفع ضرر أعظم من الألم.

أمثلة ذلك:

أمثلة حسن إلحاق الأذى والألم بالآخرين على نحو الاستحقاق:

ألف - ذم المسيء، وإن كان ذلك سبباً في تألّمه، لأ نّه يستحق ذلك.

ب - تأديب أهل السوء على إساءتهم، لأ نّهم يستحقون ذلك.

تنبيه:

يرد على من يرى بأنّ إلحاق الألم من اللّه تعالى بالعباد لا يكون إلاّ للاستحقاق بأنّ الأنبياء أكثر الناس بلاءً، فلو كان البلاء والألم على وجه الاستحقاق فقط،

____________________

١- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، المبحث السادس، ص٢٥٥.

٢- انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، ص١٠٤ - ١٠٥.


لأخلّ ذلك بعصمتهم، بل بعدالتهم.

أمثلة حسن إلحاق الأذى والألم بالنفس أو الغير من أجل الحصول على النفع:

ألف - إتعاب النفس وتحمّل المشقّات المؤلمة طلباً للعلم أو الحصول على الأرباح من خلال السفر، فإنّ هذا الألم حسن، لأنّ به يتم الحصول على النفع الوافي.

ب - استئجار الغير لأداء عمل شاق إزاء أجر يعتد به، فإنّ الألم الذي يتحمّله الإنسان خلال العمل حسن، لأنّ به يحصل الإنسان على النفع الوافي.

تنبيه:

١ - لا يحسن الألم للحصول على النفع إلاّ في حالة عدم وجود سبيل للوصول إلى هذا النفع إلاّ بالإيلام.

ولهذا لا يحسن منّا السفر وإتعاب النفس فيه طلباً للأرباح التي نستطيع أن نظفر بها في بلادنا(١) .

أمثلة حسن إلحاق الأذى والألم بالنفس أو الغير من أجل دفع الضرر:

ألف - شرب المريض الدواء الكريه والمرّ للتخلّص من المرض.

ب - مبادرة الطبيب إلى معالجة المريض عن طريق العملية الجراحية المؤلمة.

أوجه قبح الألم(٢) :

١ - العبث.

٢ - الظلم.

٣ - الفساد.

____________________

١- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في الأمراض والآلام، ص٣٢٢.

٢- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل السادس، ص١٤٢.


الآلام الصادرة من قبل اللّه تعالى:

إنّ جميع الآلام الصادرة من قبل اللّه تعالى حسنة، لأ نّه تعالى منزّه عن العبث والظلم والفساد.

أوجه حسن الألم الصادر من قبل اللّه تعالى:

١ - الاستحقاق:

وهو أن يعجّل اللّه تعالى عقوبة بعض المذنبين في دار الدنيا، فيصيبهم ببعض الآلام التي يستحقونها.

مثال ذلك:

ألف - الحدود والتعزيرات على من ارتكب موجباتها.

ب - إنزال العذاب على الأُمم الطاغية بما كانوا يعملون.

٢ - الغرض والمصلحة:

إنّ اللّه تعالى قد يؤلم البعض لوجود مصلحة ولطف لهم أو لغيرهم، بحيث يخرج الألم بهذه المصلحة عن كونه عبثاً، وسنبيّن حكمة الشرور والآلام في المبحث القادم.

٣ - العوض:

إنّ اللّه تعالى إضافة إلى وجود الحكمة في إلحاقه الألم بالعباد، فإنّه يعوّضهم إزاء ما يؤلمهم، وبهذا العوض يخرج الألم عن كونه ظلماً، وسيأتي التفصيل حول "العوض" في الفصل اللاحق.

تنبيه:

لا يحسن الألم من اللّه تعالى لدفع الضرر، لأ نّه تعالى قادر على دفع كلّ ضرر من دون ألم، فيكون الألم في هذا المقام عبثاً، واللّه عزّ وجلّ منزّه عن العبث(١) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الآلام، ص٢٢٦.



المبحث الرابع

حكمة الشرور والآلام

١ - تثبت البراهين القاطعة بأنّ اللّه تعالى حكيم ومنزّه عن الظلم والأفعال القبيحة، ولهذا يلزم حمل الشرور على ما لا ينافي هذه البراهين القاطعة.

٢ - عدم معرفة حكمة الشرور والآلام لا يعني عدم وجود حكمة فيها، بل غاية الأمر قصور الفهم وعدم العلم بحكمتها، وقد ورد في النصوص الدينية:

قال تعالى:( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً ) [الإسراء: ٨٥]

قال تعالى:( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) [الروم: ٧]

قال الإمام علي(عليه السلام): "إنّ الدنيا لم تكن لتستقر إلاّ على ما جعلها اللّه عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، أو ما شاء مما لا تعلم، فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك"(١) .

٣ - إنّ البلايا والمصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات وازدهار المواهب وتنشيط المساعي والاندفاع نحو الحركة المثمرة والمحاولة المقتدرة والسعي المتواصل والتحرّر من الكسل.

بعبارة أُخرى:

يكمن كمال الإنسان في المسارعة نحو الكمال، ولا يكون ذلك إلاّ في ظل الطموح، ولا يتحقّق الطموح إلاّ في ظل الحرمان.

٤ - إنّ أجواء الحياة المحفوفة بالمشاكل والمصاعب تدفع الإنسان الذي يحسن الاستفادة منها إلى غرس الصمود والصلابة في نفسه، وتزيده قوّة لحلّ المشاكل

____________________

١- نهج البلاغة، الشريف الرضي، رسالة ٣١، ص٥٤١.


ورفع الموانع وتحطيم العقبات ومواجهة التيارات المعاكسة التي يجدها خلال مسيرته نحو الكمال.

قال الإمام علي(عليه السلام): "إنّ الشجرة البريّة(١) أصلب عوداً، والرواتع الخضرة(٢) أرق جلوداً"(٣) .

٥ - إنّ اللذائذ والشهوات - بصورة عامة - توجب غفلة الإنسان، وتؤدّي إلى ابتعاده عن القيم الأخلاقية والكمالات المعنوية، وإنّ البلايا والمصائب والمحن تكون بمنزلة المنبّهات التي توقظ الإنسان وتخفّف من غفلته وطغيانه، ولهذا قال تعالى:

( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) [الأعراف: ٩٤]

( وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْص مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) [الأعراف: ١٣٠]

( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاء عَرِيض ) [فصّلت: ٥١]

( وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَر ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) [الشورى: ٢٧]

( وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [المؤمنون: ٧٥]

٦ - إنّ البلايا والمصائب خير وسيلة لإيقاف الإنسان العاصي على نتائج عتوّه وعصيانه، وهي أدعى لأهل السوء إلى ترك العناد، وأشدّ زجراً لنفوسهم عن الميل إلى الهوى وحبّ الفساد، وهي تتضمّن التحذير لهم، وتحثّهم على إصلاح نفوسهم.

____________________

١- الشجرية البرّية: التي تنبت في البرّ الذي لا ماء فيه.

٢- الرواتع الخضرة: الأشجار والأعشاب الغضة الناعمة التي تنبت في الأرض الندية.

٣- نهج البلاغة، الشريف الرضي: رسالة ٤٥ (كتاب له(عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري)، ص٥٧٥.


قال تعالى:( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [الروم: ٤١]

قال الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ اللّه إذا أراد(١) بعبد خيراً فأذنب ذنباً، أتبعه بنقمة، ويذكّره الاستغفار"(٢) .

٧ - إنّ كون البلاء نعمة أو نقمة يرتبط بنوع ردّ فعل الإنسان، لأنّ الموضوع الواحد قد يختلف وصفه بالنسبة إلى شخصين.

توضيح:

إنّ البلايا والمصائب وسيلة لاختبار الإنسان.

فإذا كان موقف الإنسان منها موقف المؤمن الصالح، فسيكون البلاء له خيراً، وسبيلا لوصوله إلى الكمال.

وإن كان موقف الإنسان منها موقف المعاند للحق، فسيكون البلاء له شراً، وسبيلا لإيصاله إلى النقصان.

مثال:

إنّ الفقر بصورة عامة شرّ، ولكنه إذا كان سبباً في تقرّب الإنسان إلى اللّه تعالى فهو خير.

وإنّ الغنى بصورة عامة خير، ولكنه إذا كان سبباً في ابتعاد الإنسان عن اللّه تعالى فهو شر(٣) .

وقد قال تعالى:( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا ( ٤ ) إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) [آل عمران: ١٧٨]

____________________

١- إنّ إرادة اللّه تعالى ليست عشوائية، وإنّ منشأها في هذا المقام عمل الإنسان نفسه.

٢- الكافي، الكليني: ج٢، كتاب الإيمان والكفر، باب الاستدراج، ح١، ص٤٥٢.

٣- انظر: اُصول العقائد في الإسلام، مجتبى الموسوي اللاري: ج١، الأصل الثاني، بحث: تحليل حول الشرور في العالم، ص ١٨١ - ١٨٢.

٤- إنّ اللام في (لِيَزْدادُوا) ليست للغرض، لأ نّه تعالى عدل حكيم، ولا يكون الإثم غرضاً لفعله تعالى، بل اللام هي لام العاقبة والنتيجة، أي: إنّ الإنسان مختار في أفعاله، فإذا اختار الشر، فستكون نتيجته الوقوع في المزيد من الإثم.


النتيجة:

يُنزّل اللّه تعالى - بحكمته - وحسب ما تقتضيه المصلحة النعمة والبلاء على الناس.

فمن شكر إزاء النعم وصبر إزاء البلاء فهو من أهل السعادة.

ومن كفر إزاء النعم ولم يصبر إزاء البلاء فهو من أهل الشقاء.

٨ - إنّ الحكمة من بعض البلايا هو اختبار العباد وتشخيص مستوى استعانتهم بالصبر، وقد ورد في النصوص الدينية:

قال تعالى:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ ) [البقرة: ١٥٥]

قال الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ العبد ليكون له عند اللّه الدرجة لا يبلغها بعمله، فيبتليه اللّه في جسده، أو يصاب بماله، أو يصاب في ولده، فإن هو صبر بلّغه اللّه إيّاها"(١) .

٩ - إنّ بعض الشرور قد تكون لمعاقبة العصاة والمذنبين، وهي مصائب بما كسبت أيدي الناس، وقد ورد هذا المعنى في العديد من الآيات القرآنية، منها:

( أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) [الأنعام: ٦]

( وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ) [القصص: ٥٩]

( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) [الشورى: ٣٠]

( فَكُلاًّ ( من الأمم التي أنزلنا عليها العذاب ) أَخَذْنا بِذَنْبِهِ... وَما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [العنكبوت: ٤٠]

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧١، كتاب الإيمان والكفر، باب ٦٢، ح٥٠، ص٩٤.


وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) [الأعراف: ٩٦]

تنبيه:

إنّ العذاب الذي أباد اللّه تعالى به بعض الأُمم السابقة بما كسبت أيديهم أهلك الظالمين لظلمهم، وأهلك غيرهم لعدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

ولهذا ورد في القرآن والسنة:

قال تعالى:( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) [الأنفال:٢٥]

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله): "لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليعمّنكم عذاب اللّه"(١) .

١٠ - إنّ اللّه سبحانه وتعالى يبتلي بعض عباده بالمصائب ليطهّرهم من الأدران والشوائب التي علقت بهم خلال ارتكابهم للذنوب، فيكون ذلك سبيلا لتكفير خطاياهم.

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا أذى ولا حزن ولا همّ.. إلاّ كفّر اللّه به خطاياه"(٢) .

١١ - إنّ الحكمة من نزول البلايا والمصائب على الأنبياء والأولياء والمخلصين هو تركهم الأولى أو رفع شأنهم، وقد ورد في الأحاديث الشريفة:

قال الإمام علي(عليه السلام): "إنّ البلاء للظالم أدب، وللمؤمن امتحان، وللأنبياء درجة، وللأولياء كرامة"(٣) .

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إنّ اللّه يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب"(٤) .

____________________

١- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي: ج١٦، كتاب الأمر بالمعروف و...، باب ٣، ح[٢١١٧٣]١٢، ص١٣٥.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٨١، كتاب الطهارة، باب ٤٤، ح٤٥، ص١٨٨.

٣- المصدر السابق: ج٦٧، كتاب الإيمان والكفر، باب ١٢، ح٥٤، ص٢٣٥.

٤- الكافي، الشيخ الكليني: ج٢، كتاب الإيمان والكفر، باب في تفسير الذنوب، باب نادر، ح٢، ص٤٥٠.


تنبيهان:

١ - إنّ بعض مصاديق الخير والشر واضحة عند الإنسان، والبعض الآخر مبهمة بحيث لا يستطيع الإنسان التمييز بين كونها خيراً أو شراً له، من قبيل الأُمور المرتبطة بعالم الغيب، وهنا ينبغي للإنسان الرجوع إلى الدين والشريعة الحقّة ليعرف ما هو خير له وما هو شر له.

٢ - إنّ الإنسان قد ينطلق في تقييمه للشرور والبلاء من رؤية غير شمولية، فيجعل المصالح الآنية مقياساً للتقييم، وهو غافل عن مصلحته الكلية.

ولهذا قال تعالى:( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) [البقرة: ٢١٦]


المبحث الخامس

إيلام غير المكلَّفين

إنّ أسباب الآلام التي تصيب غير المكلّفين (من قبيل الأطفال وذوي العقول القاصرة والبهائم و...) تنقسم إلى قسمين:

الأوّل: يكون المسبّب للألم غير اللّه، من قبيل الذوات العاقلة التي تمتلك الاختيار في الفعل، فتكون هذه الذوات هي المتحملّة لتبعات إلحاقها الألم بغيرها (فيما لو كان في ذلك تجاوزٌ لحدود العدل).

الثانية: يعود سبب الألم إلى اللّه تعالى، وبما أ نّه تعالى عادل وحكيم، فهو لا يفعل إلاّ ما فيه العدل والحكمة(١) .

أضف إلى ذلك:

١ - قد يكون الغرض والحكمة من إلحاق اللّه الألم بغير المكلّفين هو اعتبار واتّعاظ المكلّفين، وبهذا يخرج هذا الألم عن كونه عبثاً.

٢ - سيعوّض اللّه تعالى هؤلاء غير المكلّفين في يوم القيامة إزاء هذه الآلام، وبهذا يخرج الألم عن كونه ظلماً(٢) .

تنبيه:

ليس في موت الأطفال بصورة مبكّرة ماينافي العدل الإلهي، لأنّ الإبقاء ليس واجباً عليه تعالى ليكون في تركه خلاف العدل، كما أنّ هؤلاء الأطفال سيجتازون

____________________

١- إنّ اللّه تعالى حكيم، وهو منزّه عن الظلم والأفعال القبيحة، وكما أشرنا فيما سبق فإنّ عدم الإلمام بحكمة إيلامه تعالى للأطفال والبهائم لا يعني عدم وجود حكمة في هذا المجال، بل يعني ذلك عدم علمنا بها.

٢- للمزيد راجع في هذا الكتاب: الفصل الخامس: العوض.


مرحلة التكليف يوم القيامة، وسيتم تحديد مصيرهم هناك من خلال اختيارهم لسبيل السعادة أو الشقاء(١) .

وجه حسن إيلامه تعالى للبهائم:

إنّ اللّه تعالى أباح للإنسان ذبح البهائم من أجل الانتفاع بها.

ويكون الغرض الذي يخرج به هذا الإيلام من العبث: انتفاع الإنسان من لحومها وجلودها و... ويكون الأمر الذي يخرج به هذا الإيلام من الظلم: أ نّه تعالى تكفّل أعطاء العوض لهذه البهائم في يوم القيامة(٢) .

____________________

١- للمزيد راجع في هذا الكتاب: الفصل الثامن: التكليف، المبحث السابع.

٢- انظر: هداية الأمة إلى معارف الأئمة، محمّد جواد الخراساني: ص٧٨٣.



الفصل الخامس

العِوَض

معنى العوض

موارد استحقاق العوض

الجهات المعوِّضة

أنواع المستحق للعوض

خصائص العوض



المبحث الأوّل

معنى العِوَض

العوض: "هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال"(١) .

توضيح قيود معنى العوض(٢) :

١ - قيد "المستحق":

يخرج بهذا القيد "التفضّل"، لأنّ التفضّل هو النفع غير المستحق.

٢ - قيد "الخالي من التعظيم والإجلال":

يخرج بهذا القيد "الثواب"، لأنّ الثواب هو النفع المقترن بالتعظيم والإجلال.

____________________

١- مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث السابع، ص٢٥٨.

٢- انظر: المصدر السابق.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الرابع، البحث الأوّل، ص١١٩.


المبحث الثاني

موارد استحقاق العِوَض

مصدر إلحاق الألم بالإنسان على نحوين:

الأوّل: أن يؤلم الإنسان نفسه.

الثاني: أن يؤلم الإنسان غيره.

توضيح ذلك:

الأوّل: أن يؤلم الإنسان نفسه، ويكون سبباً في إيذائها، وموجباً لإلحاق الألم بها.

وهذا النمط من إلحاق الألم بالنفس على قسمين:

١ - قبيح:

مثاله: قتل الإنسان نفسه، أو جرحه لأحد أعضائه من دون غاية عقلائية.

حُكمه: لا يستحق هذا الشخص "العوض"، إزاء الألم الذي يصيبه.

ولا يستطيع هذا الشخص أن يطالب اللّه أو أيَّ شخص آخر "بالعوض" في قبال هذا الألم.

٢ - حسن:

مثاله: إلحاق الإنسان الألم بنفسه عن طريق شربه للأدوية المرّة طلباً للشفاء.

وينقسم حكم هذا النمط من إلحاق الألم بالنفس إلى عدّة أقسام:

ألف - إذا كان المسبّب للمرض هو اللّه تعالى.

حُكمه: يستحق هذا الشخص "العوض" من اللّه تعالى.


ب - إذا كان المسبب للمرض غير اللّه تعالى.

حُكمه: يستحق هذا الشخص "العوض" من ذلك المسبّب للمرض.

ج - إذا كان سبب شرب هذا الشخص للدواء المرّ، وتحملّه ألم تناوله، لدواعي من قبيل ازدياد الرشاقة.

حُكمه: لا يستحق هذا الشخص "العوض" من اللّه تعالى أو من غيره.

الثاني: أن يؤلم الإنسان غيره، ويكون سبباً في إيذاء غيره وموجباً لإلحاق الألم به.

وهذا النمط من إلحاق الألم بالغير على قسمين:

١ - قبيح:

مثاله: الظلم والتعدّي على حقوق الآخرين.

حُكمه: يستحق المظلوم - في هذه الحالة - "العوض" من الظالم.

٢ - حسن:

مثاله: إلحاق الطبيب الألم بالمريض الذي يقوم بمعالجته.

وينقسم حُكم هذا النمط من إلحاق الألم بالغير إلى نفس الأحكام السابقة المذكورة بالنسبة إلى النمط "الحسن" من إلحاق الإنسان الألم بنفسه.


المبحث الثالث

الجهات المعوِّضة

إنّ الجهات التي يكون عليها "العِوَض" عبارة عن:

١ - اللّه سبحانه وتعالى.

٢ - غير اللّه تعالى.

توضيح ذلك:

١ - العوض الذي يعطيه اللّه تعالى:

إنّ اللّه تعالى يعوِّض جميع المستحقين للعوض.

تنبيه:

إذا كان غير العقلاء من قبيل البهائم والسباع والهوام والصبيان ومن في حكمهم سبباً في إلحاق الألم بأحد الأشخاص(١) فإنّ "العوض" إزاء هذا الألم يكون على اللّه تعالى، لأنّ اللّه تعالى هو الذي مكّن هذه الكائنات غير العاقلة من إلحاق الألم بغيرها، وهو الذي لم يجعل لها عقلا يصدّها ويزجرها عن ذلك(٢) .

٢ - العوض الذي يكون على غير اللّه تعالى.

إذا كان أحد الأشخاص يطلب غيره "العوض" إزاء الألم الذي ألحقه ذلك الشخص به ظلماً وعدواناً، فإنّ اللّه تعالى هو الذي يأخذ يوم القيامة "العوض" من ذلك الشخص ويعطيه لمستحقه، وهذا ما يسمّى بـ "الانتصاف".

فالانتصاف - في الواقع - هو أخذ اللّه تعالى حقّ المظلوم من الظالم بقدر ما

____________________

١- بشرط أن لا يكون لهذا الشخص أي تقصير في ذلك.

٢- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث السابع، ص٢٥٨.


يساوي ظلمه.


المبحث الرابع

أنواع المستحق للعوض

إنّ المستحق للعِوَض على نحوين:

١ - مكلّف.

٢ - غير مكلّف.

والمكلّف المستحق للعِوَض على نحوين:

١ - من أهل الجنة.

٢ - من أهل النار.

والمكلَّف المستحق للعِوَض وهو من أهل الجنة:

١ - يستحق "العوض" من اللّه تعالى:

فإنّ اللّه تعالى سيعطيه "العوض" بتمامه وكماله.

٢ - يستحق العوض من غير اللّه تعالى:

فإنّ اللّه تعالى سيأخذ "العوض" من ذلك الغير، ويوصله إلى هذا المستحق.

وأمّا المكلّف المستحق للعِوَض وهو من أهل النار:

١ - يستحق "العوض" من اللّه تعالى:

فإنّ اللّه تعالى سيعطيه "العوض" في دار الدنيا أو في دار الآخرة.

وإذا كان هذا التعويض في الآخرة وبعد دخول النار، فإنّه سيكون سبباً في إسقاط جزء من عذاب مستحقِ العِوَض.

٢ - يستحق "العوض" من غير اللّه تعالى:


فإنّ اللّه تعالى سيأخذ العوض من ذلك الغير، ويوصله إلى هذا المستحق.

وأمّا غير المكلَّف المستحق للعِوَض فهو على نحوين:

١ - يستحق "العوض" من اللّه تعالى:

فإنّ اللّه تعالى سيعطيه "العوض" بتمامه وكماله.

٢ - يستحق العوض من غير اللّه تعالى:

فإنّ اللّه تعالى سيأخذ "العوض" من ذلك الغير، ويوصله إلى هذا المستحق.


المبحث الخامس

خصائص العوض

١ - لا يحسن أن يؤلم اللّه تعالى أحداً لمجرد "العوض"، لأ نّه تعالى قادر على إعطاء "العوض" من دون "الألم"، فلهذا ينبغي في هذا النمط من إيلام الغير:

أوّلا: وجود "المصلحة" ليخرج الألم عن كونه "عبثاً".

ثانياً: وجود "العوض" ليخرج به الألم عن كونه "ظلماً"(١) .

مثال:

إنّ الإيلام لمجرد العوض يكون بمثابة من يستأجر أجيراً ليغرف الماء من النهر ويصبّه في نفس النهر، لا لغرض سوى نفع الأجير بالأجرة، وهذا العمل عبث، لأنّ صاحب الأجرة قادر على إعطاء تلك الأجرة للأجير من دون فرض ذلك العمل عليه(٢) .

٢ - إنّ "العوض" من اللّه تعالى يكون بحيث لو خُيّر المتأ لِّم بين الأمرين التاليين:

أوّلا: إلحاق الألم به وإيصال العوض إليه.

ثانياً: عدم إلحاق الألم به وحرمانه من العوض.

لاختار الأوّل(٣) .

٣ - إنّ العوض:

أوّلا: إذا لم يكن في "تعجيله" مصلحة: جاز "تأخيره".

ولكن يشترط في هذه الحالة إلحاق الزيادة بالعوض.

____________________

١- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، الكلام في الآلام والأعواض، ص١١٢.

٢- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في الأمراض والآلام، ص٣١٨ - ٣١٩.

٣- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، ص٢٨٣.


ثانياً: إذا كان في "تأخيره" مصلحة: جاز "تأخيره".

ولا يشترط في هذه الحالة إلحاق الزيادة بالعوض، لأنّ هذه المصلحة تنوب مكان الزيادة(١) .

٤ - إذا ألحق أحد الناس الأذى والألم بنفسه أو بغيره ظلماً وعدواناً.

فإنّ هذا الشخص هو الذي يتحمّل "العوض" إزاء ذلك.

ولا يصح القول:

إنّ اللّه تعالى هو المتحمّل "للعوض"، لأ نّه تعالى هو الذي مكّن هذا الشخص من الظلم وأعطاه القدرة على ذلك.

ودليل عدم صحّة هذا القول:

أنّ اللّه تعالى أعطى هذا الشخص القدرة والاستطاعة ليستعلمها في الخير والطاعة، وقد نهاه تعالى عن الظلم والعدوان، ولهذا لا يتحمّل اللّه تعالى تبعات سوء تصرفات هذا الشخص، ولا يكون عليه العوض أبداً.

مثال:

إنّ من أعطى شخصاً سيفاً ليقتل به "من يستحق القتل"، ولكن قتل هذا الشخص بهذا السيف "من لا يستحق القتل"، فإنّ "العوض" يكون على "القاتل" ولا يكون على "صاحب السيف"(٢) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأعواض، ص٢٥٤.

٢- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، ص٢٨٣ - ٢٨٤.



الفصل السادس

القضاء والقدر

خصائص مسألة القضاء والقدر

النهي عن الخوض في القضاء والقدر

معنى القضاء والقدر (في اللغة)

معنى القضاء والقدر (في الاصطلاح العقائدي)

تفسير القضاء والقدر وفق نظام الأسباب

الرضا بقضاء اللّه تعالى وقدره

أقسام القضاء والقدر

خصائص القضاء والقدر

الفهم الخاطئ للقضاء والقدر



المبحث الأوّل

خصائص مسألة القضاء والقدر

١ - إنّ مسألة القضاء والقدر لا تختص بالدين الإسلامي دون بقية الأديان السماوية، بل هي مسألة لها جذور زمنية ممتدة وتوغّل عميق في الفكر الديني والإنساني.

٢ - إنّ مسألة القضاء والقدر كانت ولا تزال من أعقد المسائل الكلامية التي شاع النزاع حولها في الأوساط الإسلامية، وقد تشعّبت فيها الآراء واختلفت مناهج تناولها من قبل الباحثين.

٣ - لقد أخذت هذه المسألة حيّزاً هاماً في بحوث ودراسات مفكري الإسلام، وشغلت الكثير من رجال الدين نتيجة تأثيرها البالغ في أوساط الحياة الاجتماعية.

٤ - لا تزال مسألة القضاء والقدر - رغم البحوث المكثّفة والمعمّقة التي أُجريت حولها - مسألة تكتنف بنيانها النظري العديد من الملابسات والنقاط الغامضة.

٥ - إنّ الفهم الخاطئ لمعنى القضاء والقدر، وتصوّر البعض بأ نّها مرادفة للجبر، هو السبب الذي أدّى إلى تشويه هذين المفهومين.

٦ - إنّ الإشكالية الأساسية التي تكمن في مسألة القضاء والقدر، تعودإلى الالتباس الناشئ عن تصوّر التعارض بين الاختيار والإيمان بالقضاء والقدر.

٧ - إنّ مسألة القضاء والقدر ليست مجرّد فكرة نظرية فحسب، بل لها تأثير مباشر على الواقع الاجتماعي، ولهذا ينبغي تصحيح أفكار المجتمع إزاء هذه المسألة، لئلا يترك الفهم الخاطئ لها أثراً سلبياً في الصعيد الاجتماعي.

٨ - تعتبر مسألة القضاء والقدر - نتيجة خطأ البعض في فهم معناها الصحيح - من


أهم العوامل الفكرية التي تُطرح على طاولة البحث عند دراسة أسباب التخلّف والركود والانحطاط الفردي والاجتماعي.

٩ - لقد وجّه أعداء الإسلام سهامهم وضرباتهم العنيفة نحو مسألة القضاء والقدر للإطاحة بالإسلام، وعلّلوا فشل المسلمين بها، وقالوا بأنّ هذه المسألة هي التي بسببها اتّجه المسلمون نحو الكسل انتظاراً لما يأتيهم من الغيب!

١٠ - إنّ مسألة القضاء والقدر لها صلة وثيقة بمسألة الجبر والاختيار، لأنّ هذه المسألة قائمة على نفس الأُسس التي تقوم عليها مسألة الجبر والاختيار.


المبحث الثاني

النهي عن الخوض في القضاء والقدر وأسباب ذلك

النهي عن الخوض في القضاء والقدر:

١ - قال الإمام علي(عليه السلام) لمن سأله عن القضاء والقدر: "... بحر عميق فلا تلجه.. طريق مظلم فلا تَسلُكه... سرُّ اللّه فلا تكلّفه..."(١) .

٢ - قال الإمام علي(عليه السلام) بعد أن قيل له: أنبئنا عن القدر: "سرّ اللّه فلا تفتّشوه"(٢) .

٣ - قال الإمام علي(عليه السلام) في القدر: "ألا إنّ القدر سرّ من أسرار اللّه، وحرز من حرز اللّه، مرفوع في حجاب اللّه، مطوي عن خلق اللّه، مختوم بخاتم اللّه، سابق في علم اللّه، وضع اللّه عن العباد علمه ورفعه فوق شهاداتهم..."(٣) .

٤ - قال الإمام علي(عليه السلام) لقوم رآهم يخوضون في أمر القدر وغيره في بعض المساجد وقد ارتفعت أصواتهم:

"يا معاشر المتكلّمين ألم تعلموا أنّ للّه عباداً قد أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، وأ نّهم هم الفصحاء البلغاء الألباء..."(٤) .

أسباب النهي عن الخوض في القضاء والقدر:

الرأي الأوّل:

إنّ هذا النهي خاص بضعيفي العلم الذين يفسدهم الخوض في القضاء والقدر،

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦٠: باب القضاء والقدر و...، ح٣، ص٣٥٥.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ٣: القضاء والقدر و...، ج٧٠، ص١٢٣.

٣- المصدر السابق: ح٢٣، ص٩٧.

٤- المصدر السابق: ج٣، كتاب التوحيد، باب٩، ح٣٠، ص٢٦٥.


وليس هذا النهي عاماً لكافة المكلّفين(١) .

سبب النهي:

إنّ الخوض في هذه المسألة يثير في نفوس ضعيفي العلم جملة من الشبهات التي تؤدّي بهم إلى التيه والانحراف والوقوع في أودية الضلال.

توضيح ذلك:

١ - تعتبر مسألة القضاء والقدر من المسائل الشائكة التي يحيطها الغموض النظري، ولها من الألغاز ما لا يمكن حلّها بسهولة، ولهذا ينبغي لذوي المستويات العلمية الضعيفة أن يحذروا من التعمّق فيها خشية الوقوع والتورّط في بعض المنزلقات الفكرية.

٢ - إنّ تحذير النصوص الروائية من الخوض في غمار مبحث القضاء والقدر يعود إلى العمق الذي ينطوي عليه هذا المبحث، وهو الأمر الذي يملي على الإنسان عدم الخوض في هذا المبحث إلاّ بعد التسلّح بأقصى حالة من الدقّة والحذر عند دراسة هذا البحث.

٣ - إنّ مسألة القضاء والقدر فيها الكثير من دقائق الأُمور، فمن استطاع فهمها بصورة لائقة فبها ونعمت، وإلاّ فيجب على الإنسان في هذه الحالة أن يترك التكلُّف في فهمها والتدقيق فيها ليصون نفسه من الوقوع في فساد العقيدة.

٤ - إنّ الذي يجد نفسه في مأمن من الوقوع في المحذور، فلا إشكال في عدم شمول النهي الوارد في الأخبار له، لأ نّه يستطيع الخوض في هذا المبحث ليتمكّن من الوصول إلى معرفة الحقّ، ومن ثمّ المبادرة إلى تعليم غيره والرد على من أراد الطعن بعقيدة الإسلام.

الرأي الثاني:

إنّ النهي عن الكلام في القضاء والقدر ناظر إلى "النهي عن الكلام فيما خلق اللّه

____________________

١- انظر: تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: مبحث تفسير أخبار القضاء والقدر، ص٥٧.


تعالى، وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبّد، وعن القول في علل ذلك إذا كان طلب علل الخلق والأمر محظوراً، لأنّ اللّه تعالى سترها عن أكثر خلقه"(١) .

بعبارة أُخرى:

إنّ المقصود من النهي عن الخوض في القضاء والقدر هو النهي عن الخوض لمعرفة الأسرار والعلل الغيبية المرتبطة بالخلق والتشريع الإلهي.

سبب النهي:

إنّ العقول مهما بلغت في نضجها وإدراكها فهي عاجزة عن إدراك الأبعاد الغيبية المرتبطة بشؤون الخلق والتشريع، ولهذا يؤدّي تكلّفها في هذا المجال إلى ازدياد حيرتها بحيث يدفعها ذلك إلى التيه والانحراف.

النتيجة:

ينبغي للعباد أن يكتفوا بما جاء في الشريعة الإلهية حول علل الخلق وحكمة التشريع، وأن يقتصر تفكيرهم في هذا المجال على الحدود التي بيّنها اللّه تعالى لهم.

الرأي الثالث:

إنّ النهي والتحذير ناظر إلى التفتيش عن المقدّرات، واتّباع السبل غير المشروعة من قبيل "الكهانة" و"تحضير الأرواح" و"الاتّصال بالجن" من أجل اكتشاف ما ستره اللّه على عباده من قضائه وقدره(٢) .

بعبارة أُخرى:

إنّ المقصود من النهي عن الخوض في القضاء والقدر لا يعني النهي عن البحث حول حقيقة معناهما، بل يعني ذلك المبادرة العملية عن طريق السبل غير المشروعة إلى اكتشاف ما سيكون في المستقبل من أُمور تتحقق بقضاء اللّه تعالى وقدره.

____________________

١- تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: مبحث تفسير اخبار القضاء والقدر ص٥٧.

٢- راجع: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ٣، ح٢٣، ص٩٧.


سبب النهي:

أوّلا - تكلّف الاطلاع على ما ستره اللّه تعالى، يعني التجسّس في الحريم الإلهي، وهو أمر محرّم ولا ينبغي الخوض فيه.

ثانياً - إنّ هذا الطريق كما وصفه الإمام علي (عليه السلام)(١) :

١ - سرّ من أسرار اللّه.

٢ - ستر من ستر اللّه.

٣ - حرز من حرز اللّه.

٤ - مرفوع في حجاب اللّه.

٥ - مطوي عن خلق اللّه.

٦ - مختوم بخاتم اللّه.

٧ - سابق في علم اللّه.

٨ - وضع اللّه عن العباد علمه.

٩ - بحر زاخر موّاج خالص للّه تعالى.

١٠ - عمقه ما بين السماء والأرض.

١١ - عرضه ما بين المشرق والمغرب.

١٢ - أسود كالليل الدامس.

١٣ - كثير الحيّات والحيتان.

١٤ - يعلو مرّة ويسفل أُخرى.

١٥ - في قعره شمس تضيئ.

ثمّ قال (عليه السلام): "لا ينبغي أن يطّلع عليها إلاّ الواحد الفرد، فمن تطلّع عليها فقد ضادّ اللّه في حكمه، ونازعه في سلطانه، وكشف عن سرّه وستره وباء بغضب من اللّه، ومأواه جهنم وبئس المصير"(٢) .

____________________

١- انظر: الاعتقادات، الشيخ الصدوق: ب٧، ص١٥ - ١٦.

٢- الاعتقادات، الشيخ الصدوق: ب٧، ص١٥ - ١٦.



المبحث الثالث

معنى القضاء والقدر (في اللغة)

معنى القضاء (في اللغة):

القضاء هو فصل الأمر(١) ، سواء كان هذا "الأمر" قولا أو فعلا، وكلّ واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري، ومثال ذلك(٢) :

١ - القول الإلهي:( وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ) [الإسراء: ٢٣]

أي: أمر ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه.

٢ - الفعل الإلهي:( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماوات فِي يَوْمَيْنِ ) [فصّلت: ١٢]

أي: خلقهن اللّه تعالى وأوجدهن سبع سماوات في يومين.

٣ - القول البشري: من قبيل قضاء الحاكم، لأنّ حكمه يكون بالقول.

٤ - الفعل البشري:( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ ) [البقرة: ٢٠٠]

أي: فإذا أدّيتموا مناسككم، فاذكروا اللّه تعالى.

معنى القدر (في اللغة):

القدر هو كمية الشيء، وتقدير اللّه تعالى للأشياء عبارة عن جعلها على مقدار ووجه مخصوص حسب حكمته عزّ وجلّ(٣) .

أنواع التقديرات الإلهية:

١ - تقدير الخلق:

قال تعالى:( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) [الفرقان: ٢]

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (قضى).

٢- انظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (قضي).

٣- انظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (قدر).


أي: إنّ اللّه تعالى قدّر كلّ ما أراد خلقه.

٢ - تقدير الكم والكيف:

قال تعالى:( وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَر مَعْلُوم ) [الحجر: ٢١]

أي: إنّ اللّه تعالى لا ينزّل من خزائنه شيئاً على خلقه إلاّ بعد تحديد قدر ذلك الشيء كماً وكيفاً.

وقال تعالى:( وَكُلُّ شَيْء عِنْدَهُ بِمِقْدار ) [الرعد: ٨]

أي: لا يكون شيء عند اللّه تعالى إلاّ محدّداً بمقدار معيّن من ناحية الكمية والكيفية.

٣ - تقدير الماهية والخاصية:

قال تعالى:( وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) [فصّلت: ١٢]

أي: إنّ اللّه تعالى جعل السماء الدنيا على مقدار ووجه مخصوص من التزيّن بالمصابيح و...

وقال تعالى:( إِنّا كُلَّ شَيْء خَلَقْناهُ بِقَدَر ) [القمر: ٤٩]

أي: إنّ اللّه تعالى خلق كلّ شيء وفق قدر معيّن وعلى وجه مخصوص.

٤ - تقدير الزمان والأجل:

قال تعالى:( وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) [الأعراف: ٣٤]

أي: إنّ اللّه تعالى جعل لكلّ أُمّة غايةً معيّنة فى الزمان بحيث إذا جاء أجلهم فإنّهم لا يسعهم أن يؤخّروا الأجل.

وقال تعالى:( أَ لَمْ نَخْلُقْكُّمْ مِنْ ماء مَهِين * فَجَعَلْناهُ فِي قَرار مَكِين * إلى قَدَر مَعْلُوم ) [المرسلات: ٢٠ - ٢٢]

أي: إلى زمان محدّد ومعلوم.

وقال تعالى:( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ


الْعَلِيمِ) [يس: ٣٨]

أي: إنّ الشمس تجري وفق قدر زماني معيّن حدّده اللّه تعالى لها.


المبحث الرابع

معنى القضاء والقدر (في الاصطلاح العقائدي)

الرأي الأوّل:

القضاء والقدر عبارة عن كتابة اللّه تعالى كلّ ما سيجري في الكون بتمام خصوصياته وقدره في اللوح المحفوظ، والتي منها كتابته عزّ وجلّ ما سيجري على العباد وإخبار الملائكة بذلك.

أقوال العلماء المؤيدين لهذا الرأي:

١ - الشيخ الصدوق: "يجوز أن يقال: إنّ الأشياء كلّها بقضاء اللّه وقدره تبارك وتعالى بمعنى أنّ اللّه عزّ وجلّ قد علمها وعلم مقاديرها"(١) .

٢ - المحقّق الطوسي: "والقضاء والقدر إن أُريد بهما خلق الفعل لزم المحال.. والإعلام [أي: وإن اُريد بهما الإعلام والإخبار] صحّ مطلقاً"(٢) .

٣ - العلاّمة الحلّي: "أ نّه تعالى قضى أعمال العباد وقدّرها [فإذا قلنا] أ نّه تعالى بيّنها وكتبها وأعلم أنّهم سيفعلونها فهو صحيح، لأ نّه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ وبيّنه لملائكته.."(٣) .

خلاصة هذا الرأي:

القضاء والقدر ينقسم إلى قسمين:

١ - القضاء والقدر العلمي: وهو علم اللّه الذاتي بما سيجري من أُمور في الخلق مع علمه تعالى بالحدود والمقادير المحيطة بها، والعلم بعلّتها التامة الموجبة لها.

٢ - القضاء والقدر الفعلي (العيني): وهو تسجيل اللّه لهذا العلم في لوح المحو

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦، باب القضاء والقدر و...، ذيل ح٣٢، ص٣٧٥.

٢- كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الثامنة، ص٤٣٢ - ٤٣٣.

٣- المصدر السابق: ص٤٣٣.


والإثبات، وتدوين كلّ فعل مقدّر بالمقادير ومستند إلى علّته التامة الموجبه له.

الحكمة من كتابة المقادير وتدوينها:

إنّ اللّه تعالى لا يحتاج إلى كتابة المقادير، وهو منزّه عن السهو والنسيان، وإنّما المقادير تدوّن لكي تتلقاها الملائكة كأوامر، فتقوم بإنجاز الأعمال الموكّلة بها وتنفيذها بإذن اللّه، ومنه قوله تعالى:( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ) [النازعات: ٥]، والمقصود من المدبرات كما ورد في التفاسير هي الملائكة التي تدبّر شؤون الخلق.

عمل الملائكة:

إنّ لكلّ حدث في هذا العالم - إضافة إلى العلل والأسباب المادية - علل وأسباب غيبية خافية علينا، بحيث لا يمكننا معرفتها بالحس ورصدها بالتجربة، وتعتبر الملائكة من هذه الأسباب الغيبية حيث إنّها تقوم بمهمات خاصة في هذا العالم.

الرأي الثاني حول معنى القضاء القدر اصطلاحاً:

القضاء: إنّ القضاء الإلهي في أفعال العباد يعني أ نّه تعالى:

قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها.

وقضى في أفعالهم السيئة بالنهي عنها.

القدر: إنّ القدر الإلهي في أفعال العباد يعني أ نّه تعالى بيّن مقادير أوامره ونواهيه للعباد، ووضّح لهم تفاصيل هذه التكاليف(١) .

أدلة هذا الرأي:

١ - قال علي بن موسى الرضا(عليه السلام): "... ما من فعل يفعله العباد من خير وشرّ إلاّ وللّه فيه قضاء".

فسأله الراوي: فما معنى هذا القضاء؟

قال(عليه السلام): "الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا

____________________

١- انظر: تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: تفسير آيات القضاء والقدر، ص٥٦.


والآخرة"(١) .

٢ - فسّر الإمام علي(عليه السلام) القضاء والقدر لمن سأله عنهما بأ نّهما الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية.

فلما سُئل (عليه السلام): فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟

قال(عليه السلام): "الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية، والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد والترهيب. كلّ ذلك قضاء اللّه في أفعالنا وقدره لأعمالنا..."(٢) .

٣ - قال الإمام علي(عليه السلام) للشخص الذي فهم معنى الجبر من القضاء والقدر:

"... لعلك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حاتماً! ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. إنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً ولم يكلّف عسيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يطع مُكرِهاً، ولم يرسل الأنبياء لعِباً، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا:( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ ) [ص: ٢٧] "(٣) .

أقوال العلماء المؤيدين لهذا الرأي:

١ - قال الشيخ الصدوق حول القضاء والقدر: "اعتقادنا في ذلك قول الصادق(عليه السلام)لزرارة حين سأله حول ما تقول ياسيدي في القضاء والقدر؟ قال(عليه السلام): "أقول: إنّ اللّه تعالى إذا جمع العباد يوم القيامة سألهم عما عهد إليهم(٤) ولم يسألهم عما قضى عليهم"(٥) .

توضيح ذلك:

إذا جمع اللّه تعالى العباد يوم القيامة، فإنّه لا يسألهم إلاّ عن أعمالهم التي عهد

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح١٨، ص١٢.

٢- المصدر السابق: باب ٣: القضاء والقدر...، ح٢٠، ص٩٦.

٣- نهج البلاغة، الشريف الرضي، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، حكمة ٧٨، ص٦٦٦.

٤- أي: عمّا كلّفهم به.

انظر: نور البراهين، نعمة اللّه الجزائري: ج٢، باب ٦٠: باب القضاء، ص٣١٢ هامش حديث ٢.

٥- الاعتقادات، الشيخ الصدوق، باب٦: الاعتقاد في الارادة والمشيئة، ص١٠.


إليهم، فأمرهم بالحسن منها، ونهاهم عن القبيح منها(١) .

٢ - قال الشيخ الصدوق: "يجوز أن يقال: إنّ الأشياء كلّها بقضاء اللّه وقدره تبارك وتعالى بمعنى...:

له عزّ وجلّ في جميعها حكم من خير أو شر. فما كان من خير، فقد قضاه بمعنى أ نّه أمر به وحتمه وجعله حقاً، وعلم مبلغه ومقداره.

وما كان من شر فلم يأمر به ولم يرضه، ولكنه عزّ وجلّ قد قضاه وقدّره بمعنى أ نّه علمه بمقداره ومبلغه وحكم فيه بحكمه"(٢) .

الرأي الثالث حول معنى القضاء والقدر اصطلاحاً:

تفسير القضاء والقدر وفق نظام الأسباب، وسنبيّن هذا التفسير بصورة مفصّلة في المبحث القادم.

____________________

١- انظر: تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: تفسير أخبار القضاء والقدر ص٥٩.

٢- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب٦٠: باب القضاء والقدر و...، ذيل ح٣٢، ص٣٧٥.


المبحث الخامس

تفسير القضاء والقدر وفق نظام الأسباب

إنّ تحقّق كلّ شيء في هذا العالم بحاجة إلى وجود مجموعة أسباب وعلل تسبقه، ومن مجموع هذه "العلل الناقصة" تتكوّن "العلة التامة" التي تؤدّي إلى تحقّق ذلك الشيء(١) .

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

"أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاّ بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً..."(٢) .

معنى القضاء:

"القضاء" عبارة عن حتمية وقوع الشيء ووصوله إلى مرتبة ضرورة التحقّق عند اجتماع علله الناقصة وتكوين علّته التامة التي تؤدّي إلى تحقّقه.

مثال:

إنّ عملية احتراق الخشب بالنار لا تتحقّق إلاّ بعد:

١ - توفّر الشروط المطلوبة، من قبيل: تماس النار بالخشب ووجود الأوكسجين و..

٢ - ارتفاع الموانع من قبيل: وجود بلل أو رطوبة في الخشب و...

فإذا وجدت النار، وتوفّرت الشروط المطلوبة، وارتفعت الموانع، فحينئذ تتكوّن "العلّة التامة"، فيصل الأمر إلى مرتبة "القضاء"، فيتحقّق الاحراق.

____________________

١- انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج١٢، تفسير سورة الحجر، آية ١٦ - ٢٥، ص١٤٠، وج١٣، تفسير سورة الإسراء، آية ٩ - ٢٢، ص٧٢ - ٧٣.

٢- الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب الحجّة، باب معرفة الإمام والردّ عليه، ح٧، ص١٨٣.


وأمّا إذا انتفى جزء من هذه الأجزاء المكوّنة للعلّة التامة، فإنّ المعلول ينتفي في الخارج، فلا يصل الأمر إلى مرتبة "القضاء"، ولا يتحقّق الاحراق.

معنى القدر:

"القدر" عبارة عن الحدود والخصائص التي يتّصف بها الشيء حين تحقّقه من جهة الزمان والمكان والكمية والكيفية والأُمور الأخرى التي بها يتعيّن الشيء ويتميّز عن غيره.

بعبارة أُخرى:

"القضاء" يعني بلوغ أسباب وقوع كلّ فعل إلى حدّ "العلّة التامة" المؤدّية إلى تحقّق الفعل. أي: وصول الفعل بعد اجتماع جميع "علله الناقصة" وتكوين "علّته التامة" إلى مرتبة "التحقّق".

و"القدر" يعني: أنّ الأسباب المكوّنة للعلّة التامة لا تعمل إلاّ في إطار المقادير التي حدّدها اللّه تعالى لها.

معنى القضاء والقدر الإلهي في أفعال العباد:

إنّ كلّ شيء في هذا العالم ومنها أفعال العباد لا تتحقّق إلاّ في إطار الأسباب التي جعلها اللّه تعالى في هذا العالم.

معنى القضاء الإلهي في أفعال العباد:

إنّ معنى قولنا: لا تتحقّق أفعالنا إلاّ بقضاء اللّه تعالى، أي: لا تتحقّق أفعالنا إلاّ من خلال العلل والأسباب.

وكلّ فعل من أفعالنا إذا اجتمعت "العلل الناقصة" لتحققه، وبلغت مرحلة "العلّة التامة"، فإنّ تحقّق هذا الفعل يصل إلى مرحلة "القضاء".

فيقال: تحقّق هذا الفعل بقضاء اللّه.

أي: تحقّق هذا الفعل نتيجة النظام السببي الذي جعله اللّه تعالى وسيلة لتحقّق هذا الفعل.


تنبيه:

لا يصل فعل الإنسان إلى مرحلة التحقّق (أي: مرحلة القضاء) إلاّ بعد اجتماع جميع العلل الناقصة المؤدّية إلى تكوين العلّة التامة التي تكون السبب الأساسي لتحقّق الفعل.

ولا يخفى بأنّ إحدى العلل المؤثّرة في تحقّق كلّ فعل من أفعال الإنسان الاختيارية هي اختياره لذلك الفعل. وهذا "الاختيار" يشكّل إحدى العلل والأسباب المؤدّية إلى تشكيل العلّة التامة للفعل الذي سيصدر منه.

إذن:

إنّ "اختيار الإنسان" سبب كباقي الأسباب، وجزء من العلل المؤثّرة في تحقّق أفعاله.

معنى القدر الإلهي في أفعال العباد:

إنّ معنى قولنا: لا تتحقّق أفعالنا إلاّ بقدر اللّه، أي: لا تتحقّق أفعالنا إلاّ في دائرة الحدود التي منحها اللّه للأسباب.

فمن تمسّك بسبب، فإنّ هذا السبب لا يترك أثره إلاّ بمقدار ما جعل اللّه فيه من قوّة وقدرة وغيرها من الخصوصيات.

الأدلة الروائية المؤيّدة لهذا الرأي:

١ - ورد أنّ الإمام علي(عليه السلام) عدل من عند حائط مائل ومشرف على السقوط إلى مكان آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء اللّه؟!

فقال(عليه السلام): "أفرّ من قضاء اللّه إلى قدر اللّه"(١) .

معنى الحديث:

إنّ الحائط يسقط عند توفّر علّته التامة، فإذا سقط فإنّه يسقط "بقضاء اللّه تعالى"

____________________

١- الاعتقادات، الشيخ الصدوق: باب ٧: باب الاعتقاد في القضاء والقدر، ص١٦.


أي: وفق نظام الأسباب الذي جعله اللّه تعالى في هذا العالم.

وبما أنّ اللّه تعالى جعل "اختيار الإنسان" من جملة الأسباب، و"قدّر" أن يكون الإنسان مختاراً ومحدداً لمصيره، فإنّ العدول عن الحائط المشرف على السقوط إلى مكان آخر أيضاً يكون من "قدر اللّه تعالى"، لأ نّه يتم عن طرق التمسّك بالأسباب التي خلقها اللّه تعالى، ومن هذه الأسباب هي كون الإنسان مختاراً.

ولهذا قال الإمام علي(عليه السلام): "أفرّ من قضاء اللّه إلى قدر اللّه".

٢ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) عن الرقي(١) هل تدفع من القدر شيئاً؟ فقال (عليه السلام): "هي من القدر"(٢) .

معنى الحديث:

إنّ الأذى الذي يصيب الإنسان إنّما يصيبه عن طريق الأسباب، ولهذا يكون هذا الأذى من القدر، أي: من الأُمور التي تصيب الإنسان في إطار النظام السببي.

وبما أنّ الأسباب يسلب بعضها أثر الآخر، من قبيل: إزالة النار عن طريق صبّ الماء عليها، فإنّ الإمام(عليه السلام) يعتبر الرقية (التي يتعوّذ بها الإنسان من الآفات) سبباً من الأسباب التي تردع الآفات وتصون الإنسان من أذاها.

ولهذا اعتبر الإمام(عليه السلام) الرقية من القدر، أي: من الأسباب التي يدفع الإنسان بها أثر الأسباب الأخرى من قبيل الآفات.

بعض السنن الإلهية المذكورة في القرآن الكريم:

١ -( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) [الأعراف: ٩٦]

٢ -( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ

____________________

١- الرقي جمع رقية، وهي ما يتعوّذ بها الإنسان من الآفات.

٢- الاعتقادات، الشيخ الصدوق، باب٧: باب الاعتقاد في القضاء والقدر، ص١٦.


وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) [الأنفال: ٢٩]

٣ -( وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) [الطلاق: ٢ - ٣]

٤ -( ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ ) الأنفال: ٥٣]

٥ -( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد: ١١]

٦ -( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) [البقرة: ٢٢]

٧ -( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) [إبراهيم: ٧]

٨ -( وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ) [القصص: ٥٩]

٩ -( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً ) [فاطر: ٤٣]

أي: من سنن اللّه تعالى ثبات سننه وعدم تبدّلها وعدم تحوّلها.

١٠ -( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ ) [التوبة: ١٤]

أي: إنّ اللّه تعالى جعل أيدي المؤمنين سبباً لتعذيب الكفار.

ضرورة التمسّك بنظام الأسباب:

١ - إنّ أسباب التقدّم والعمران والتطوّر مبذولة للجميع، ومن يتمسّك بها يصل إليها - بإذن اللّه تعالى - سواء كان برّاً أو فاجراً، مؤمناً أو كافراً.

٢ - إنّ الذي يكتشف السنن الكونية، ويتعرّف عليها بدقّة يكون قادراً على تسييرها والتحكّم بها، ولكن الغافل عنها يكون أسيراً بيدها تتحكّم به كيفما تشاء وهو مغمض العينين!

٣ - ينبغي للإنسان الأخذ بكافة الأسباب التي أوجدها اللّه تعالى، والتعامل معها في صعيد الحياة وتطويرها والسعي للاستفادة منها بأقصى حدّ ممكن من أجل الوصول إلى النتائج المطلوبة.

٤ - يكون الإنسان بمقدار إلمامه بالسنن الكونية قادراً على تفجير طاقاته


الكامنة وتنمية مواهبه واستعداداته واقتحام الموانع التي تمنعه من بلوغ أهدافه السامية.

٥ - إنّ من الأُمور التي ينبغي الالتفات إليها هي أنّ كلّ سبب له من التأثير ما يختلف عن السبب الآخر، وبما أنّ الأشياء تتعرّض في كلّ آن لأسباب مختلفة، فلهذا يكون لكلّ منها اتّجاهٌ خاصٌّ يختلف عن غيرها.

٦ - إنّ سعي الإنسان لاكتشاف السنن عمل عبادي، لأنّ به يوفّر الإنسان لنفسه ولغيره الأرضية المناسبة لنيل الأهداف العبادية، من قبيل استخدام التقنية لتسهيل أعمال الخير وأدائها في نطاق واسع.

٧ - إنّ الأسباب المؤثّرة في هذا العالم لا تقتصر على "الأسباب المادية" فحسب، لأنّ العالم لا يقتصر على البُعد الحسي والمادي فقط، بل فيه بُعد غيبي ومعنوي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يغفل عن "الأسباب الغيبية والمعنوية" الموجودة في الكون، من قبيل "الدعاء" كسبب إيجابي و"الحسد" كسبب سلبي.

٨ - إنّ الواقع الفردي أو الاجتماعي لا يتغيّر بصورة عفوية، وإنّما يتوقّف ذلك على شروط، وتعتبر إرادة الإنسان الناتجة من اختياره هي الشرط الأساس لحدوث هذا التغيير.

٩ - كلّ شيء في هذا العالم يخضع لأسبابه الواقعية ويجري ضمن قانون محكم ومخطّط دقيق، و"الصدفة" إنّما هي حدث خفيت علينا أسبابه.

١٠ - إنّ فشل الإنسان وعدم تمكّنه من الوصول إلى أهدافه في دائرة الأسباب لا يدل على أنّ اللّه تعالى لا يريد حتماً تحقّق هذه الأهداف، بل قد يكون ذلك نتيجة وجود عوامل مجهولة تقف دون وصول الإنسان إلى ما يريد، وعلى الإنسان أن يسعى لاكتشاف هذه الأسباب المجهولة.

١١ - إنّ ترك الأسباب وعدم مجاراة السنن الكونية بذريعة الاتّكال على اللّه تعالى ينشأ من قلّة العلم بالنظام الإلهي في هذا العالم، وتكون نتيجته المعيشة في دائرة الفقر والحرمان نتيجة مخالفة سنن اللّه تعالى.

١٢ - ينبغي للإنسان أن يتجنّب في مسيرة حياته من الإفراط والتفريط المتمثّل


من جهة في الإعراض عن اللّه تعالى والاتّكال على الأسباب فحسب، ومن جهة أُخرى التوكّل على اللّه من دون التمسّك بالأسباب، لأنّ هذا الأمر ليس من التوكّل، بل هو من التواكل المذموم.

١٣ - إنّ اللجوء إلى الأسباب والمسببات لا يعني خروجها عن حيطة ملكوت اللّه سبحانه وتعالى وسلطان مشيئته، بل إنّ جميع الأسباب تعمل في ظلّ مشيئة اللّه تعالى وفي إطار هيمنته المطلقة.

ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر المفسّر وفق نظام الأسباب:

يندفع الإنسان الذي يؤمن بهذا المعنى من مفهوم القضاء والقدر إلى اتّباع الطريق الصحيح في جميع المراحل التالية التي يمرّ بها خلال سلوكه العملي في الحياة:

أوّلاً - قبل العمل:

١ - يندفع الإنسان إلى بذل المزيد من الجدّ والاجتهاد والسعي من أجل التعرّف على نظام الأسباب، والسير على ضوئه من أجل الوصول إلى أفضل النتائج وأجود الثمرات والانجازات.

٢ - يزداد اهتمام الإنسان بمسألة التخطيط واتّباع الخطوات المدروسة، لأ نّه يعي بعد إيمانه بالقضاء والقدر بأنّ العالم يحكمه نظام سببي دقيق بحيث لا يمكن الوصول إلى الأهداف إلاّ عن طريق مراعاة هذا النظام.

ثانياً - أثناء العمل:

١ - يعي الإنسان بوجود نظم وعدم وجود فوضى في هذا الكون، ويدرك أنّ السنن والأسباب تمثّل التدبير الإلهي ومشيئته في كيفية وصول الإنسان إلى أهدافه في هذه الحياة.

٢ - يندفع الإنسان إلى التمسّك بالأسباب التي أوجدها اللّه تعالى والاستفادة منها بأقصى حدّ ممكن من أجل حصد أكبر قدر ممكن من النتائج والثمار المطلوبة.


ثالثاً - بعد العمل:

١ - إذا كانت النتيجة مطلوبة: يحمد الإنسان ربّه ويشكره على ما هيّأ له من أسباب النجاح.

٢ - إذا كانت النتيجة غير مطلوبة:

أوّلا: لا يلوم الإنسان نفسه، ولا تضعف عزيمته، ولا يشعر بالحسرة والندامة، لأ نّه يدرك بأ نّه أدّى ما كان عليه، فيسلّم أمره إلى اللّه تعالى ويحمده على كلّ حال.

ثانياً: يقوم الإنسان بدراسة الأسباب من جديد، لأنّ فشله في العمل قد يكون نتيجة خطئه في التمسّك بالأسباب، وقد تعينه دراسة الأسباب من جديد إلى معرفة الطريق الصحيح الذي يوصله إلى هدفه المطلوب.

تنبيه:

إنّ النتيجة الحاصلة من التمسّك بالأسباب تختلف من شخص إلى آخر، لعدّة عوامل منها اختلاف الناس فيما وهبهم اللّه تعالى من استعداد وقدرة وقابلية.

وينبغي للإنسان أن يرضى بما قدّر اللّه تعالى له من استعداد وقدرة، وليس عليه سوى السعي في إطار ما لديه من قابلية.

كما ينبغي للإنسان أن يعلم بأنّ المواهب التي أعطاها اللّه له ليست مزايا، بل هي وسيلة لاختباره في هذه الحياة، وسيحاسب اللّه تعالى كلّ إنسان حسب ما يمتلك من هذه المواهب.

آداب التمسّك بنظام الأسباب:

ينبغي للإنسان حين تمسّكه بالأسباب أن:

١ - يتّكل ويعتمد على اللّه تعالى لا على الأسباب.

٢ - يعي بأنّ اللّه تعالى هو الذي هيّأ له الأسباب ويسّر له السعي والعمل.


٣ - يعلم حين العمل بأ نّه لم يستطع ذلك إلاّ بحول اللّه تعالى وقوّته.

٤ - يستعين بخالق الأسباب وهو اللّه تعالى، ولا يغفل عنه عند تمسّكه بالأسباب.

القول باستقلال نظام الأسباب:

ذهب البعض إلى القول باستقلال الأسباب واستغنائها عن اللّه تعالى، وقالوا بأنّ اللّه تعالى كفّ يده عن العالم، وفوّض الكون بيد نظام الأسباب والمسببات.

يرد عليه:

١ - إنّ وصول الإنسان إلى الأهداف عن طريق التمسّك بالأسباب لا يعني انعزال هذه الأسباب عن اللّه تعالى، بل هذه الأسباب - في الواقع - هي النظام الذي أراد اللّه تعالى أن يتمّ من خلاله تحقّق الأشياء في هذا العالم.

٢ - إنّ تحقّق الأُمور عن طريق الأسباب في هذا العالم لا يعني خروج الأمر عن إرادة اللّه تعالى، لأنّ هذه الأسباب - في الواقع - لا تمتلك التأثير المستقل، ولا تعمل بنفسها، بل تعمل بقدرة اللّه تعالى، وفي ظل مشيئته.

٣ - إنّ الأسباب الموجودة في هذا العالم لا تحدِّد قدرة اللّه تعالى أبداً، ولا يكون الباري مغلول اليدين أمام الأسباب التي وضعها بنفسه، بل اللّه تعالى كما كانت له القدرة على إيجادها، فله القدرة على تغييرها ومحوها أو إثباتها كيفما يشاء.

تنبيه:

إنّ التصّرف الإلهي في الكون لا يعني بالضرورة تبديل وخرق السنن الطبيعية الموجودة في هذا العالم، بل شاء اللّه تعالى أن يكون تصرّفه في الكون وفق المجرى الطبيعي وحسب الأسباب الموجودة فيه.

النتيجة:

إنّ القول باستقلال الأسباب يؤدّي إلى:

أوّلا: تحويل نظام الأسباب إلى أوثان تُعبد من دون اللّه.


ثانياً: عزل اللّه تعالى عن سلطانه وتنفيذ إرادته في هذا العالم.

ثالثاً: سلب روح عبودية اللّه تعالى من الإنسان خلال تعامله في الحياة.


المبحث السادس

الرضا بقضاء اللّه تعالى وقدره

وجوب الرضا بقضاء اللّه وقدره:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "قال اللّه جلّ جلاله: من لم يرض بقضائي ولم يؤمن بقدري فليلتمس إلهاً غيري"(١) .

٢ - قال الإمام علي(عليه السلام) لأحد الأشخاص: "... وإن كنت غير قانع بقضائه وقدره فاطلب رباً سواه"(٢) .

توضيحات:

١ - يجب الرضا بقضاء اللّه وقدره، لأ نّه تعالى لا يقضي إلاّ بالحق، ولا يقدّر إلاّ ما كان صواباً، ولا يفعل إلاّ ما كان عدلا.

٢ - إنّ معنى الرضا بالقضاء والقدر الإلهي وفق تفسيره بكتابة اللّه تعالى لأفعال العباد في اللوح المحفوظ وإخباره الملائكة بها هو الرضا بهذه الكتابة والإخبار(٣) .

٣ - إنّ معنى الرضا بالقضاء والقدر الإلهي وفق تفسيره بالأمر والنهي الإلهي هو القبول والاستسلام والإيمان والإذعان بما كلّف اللّه به العباد من أوامر ونواه وأحكام.

٤ - إنّ معنى الرضا بالقضاء والقدر الإلهي وفق تفسيره بنظام الأسباب يعني

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب٦٠: باب القضاء والقدر و...، ح١١، ص٣٦٠.

٢- المصدر السابق: ح١٣، ص٣٦١.

٣- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الثامنة، ص٤٣٣.


الرضا بالنظام الذي اقتضته الحكمة الإلهية وأرادت جريانه في هذا العالم.

٥ - إنّ اللّه سبحانه وتعالى قضى وقدّر أن يكون الإنسان حرّاً مختاراً في سلوكه، والرضا بقضاء اللّه وقدره لا يعني الرضا بكلّ ما يفعله الإنسان، وإنّما هو الرضا بأنّ اللّه تعالى خلق الإنسان حرّاً ومختاراً في سلوكه وتصرّفاته.

٦ - لا يعني الرضا بالقضاء والقدر الإلهي أن يتّجه الإنسان نحو التكاسل ويترك الأسباب ويرضى بكلّ ما يجري عليه، لأنّ الإنسان مكلّف بتغيير الواقع السيء الذي هو فيه، ولا يجوز له الاستسلام والقعود عن العمل في الحالات التي يكون قادراً على التغيير.


المبحث السابع

أقسام القضاء والقدر(١)

التقسيم الأوّل:

١ - القضاء والقدر العلمي.

٢ - القضاء والقدر العيني.

القضاء العلمي: وهو عبارة عن علم اللّه عزّ وجلّ بوجود الأشياء وإبرامها، ومعرفته بتحقّقها أو عدم تحقّقها.

القدر العلمي: وهو عبارة عن علم اللّه عزّ وجلّ بخصوصيات ومقدار جميع الأشياء التي ستوجد.

القضاء العيني: وهو عبارة عن ضرورة وجود الشيء في الخارج عند وجود علّته التامّة.

القدر العيني: وهو عبارة عن الخصوصيات التي يكتسبها الشيء من علله عند تحقّقه(٢) .

التقسيم الثاني:

١ - القضاء والقدر التكويني: وهو أنّ اللّه تعالى جعل حدّاً محدوداً لما أراد

____________________

١- هذه التقسيمات مقتبسة من آراء العلماء حول معنى القضاء والقدر، وهي الآراء التي ذكرناها في المبحث الرابع والخامس من هذا الفصل.

٢- تنبيه: ينسجم هذا التقسيم مع الرأي الثالث للقضاء والقدر، أي: تفسير القضاء والقدر بنظام الأسباب، وأمّا على ضوء الرأي الأوّل، أي: تفسير القضاء والقدر بما يكتبه اللّه في اللوح المحفوظ فمعنى القضاء والقدر مغاير لما ورد في هذا المقام، وقد ذكرناه في محلّه عند بيان الرأي الأوّل.


خلقه، ثمّ أوجده وفق ذلك القدر.

٢ - القضاء والقدر التشريعي: وهو أنّ اللّه تعالى بيّن الأحكام التي يريدها من العباد، وبيّن حدودها ومقاديرها وأمرهم بالالتزام بها.


المبحث الثامن

خصائص القضاء والقدر

١ - إنّ القضاء والقدر أمران متلازمان، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، لأنّ أحدهما بمنزلة الأساس وهو "القدر"، والآخر بمنزلة البناء وهو "القضاء"(١) .

٢ - إنّ القضاء والتقدير الفعليّين من صفات اللّه الفعلية، لأ نّهما يتعلّقان بالموجودات الممكنة، ولا يكون لهما وجود خارجي إلاّ بوجود الخلقة.

٣ - إنّ القضاء والقدر الفعليّين (العينيّين) مخلوقان للّه تعالى.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): "إنّ القضاء والقدر خلقان من خلق اللّه، واللّه يزيد في الخلق ما يشاء"(٢) .

معنى خلق اللّه للقضاء والقدر:

لا تتحقّق أي ظاهرة في الكون، ولا تصل إلى مرتبة الوجود إلاّ بعد توفّر أسبابها وتعيين قدرها من قبل الأسباب، واللّه سبحانه وتعالى هو الخالق للأسباب، فلهذا ينسب خلق القضاء والقدر إليه تعالى(٣) .

٤ - إنّ المألوف والمتداول على الألسنة هو أن يقال: "القضاء والقدر"، فيقدّم "القضاء" على "القدر"، ولكن "القدر" - في الواقع - مقدّم على "القضاء" في مراتب الفعل الإلهي، لأنّ اللّه تعالى يقدّر ثمّ يقضي، ولا يقضي شيئاً إلاّ بعد تحديد قدره.

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (قضى).

٢- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦٠: باب القضاء والقدر، ح١، ص٣٥٤.

٣- للمزيد راجع المبحث الخامس من هذا الفصل.


أدلة تقدّم القدر على القضاء:

١ - قوله تعالى:( إِنّا كُلَّ شَيْء خَلَقْناهُ بِقَدَر ) [القمر: ٤٩] أي: لا يكون قضاء من دون سبق قدر، وبعبارة أُخرى: إنّ القضاء الإلهي لا يتحقّق ما لم تتكامل المقتضيات وتتمّ المقادير المعيّنة بشروطها.

٢ - قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ اللّه عزّ وجلّ قدّر المقادير ودبّر التدابير قبل أن يخلق آدم بألفي عام"(١) .

٣ - قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "قدّر اللّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"(٢) .

٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إنّ اللّه إذا أراد شيئاً قدّره، فإذا قدّره قضاه، فإذا قضاه أمضاه"(٣) .

٥ - إنّ "القدر" هو تحديد الشيء وتبيين مقداره ومعالمه، ولهذا فهو يدخل في المقدّمات، ولكن "القضاء" يكون بمثابة النتيجة التي تأتي بعد المقدّمات، ولهذا يكون "القدر" قبل "القضاء".

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦٠: باب القضاء والقدر و...، ح٢٢، ص٣٦٦.

٢- المصدر السابق: ح٧، ص٣٥٨.

٣- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ٣: القضاء والقدر و...، ح٦٤، ص١٢١.


المبحث التاسع

الفهم الخاطى للقضاء والقدر

تشويه مفهوم القضاء والقدر:

١ - حاولت بعض السلطات الجائرة تشويه العديد من المفاهيم الدينية وتفريغها من محتواها الحقيقي - منها القضاء والقدر - لأسباب ترتبط بخدمة مصالحها السياسية.

٢ - إنّ بعض وعّاظ السلاطين والسذّج من الدعاة روّجوا المعنى الخاطئ للقضاء والقدر عن طريق مدح الكسل والخمول والتقوقع باسم فضل الزهد والصبر والتوكّل.

٣ - لا ينبغي القول بأنّ الاختلاف في مختلف العصور الإسلامية حول معنى القضاء والقدر هو اختلاف علمي فحسب، لأنّ المشكلة لا تقتصر على البُعد العلمي فقط، بل المشكلة - في الواقع - تكمن في مبادرة السلطات الجائرة - عن طريق الاستعانة بامكاناتها الضخمة وقدراتها الواسعة - إلى ترويج المعنى الخاطئ للقضاء والقدر.

الفهم الخاطئ للقضاء والقدر:

إنّ الإنسان مجبور في جميع أفعاله وتصرّفاته بما قضى اللّه تعالى له وقدّر(١) .

تبعات الفهم الخاطئ للقضاء والقدر:

١ - التلبّس بالعقلية المستسلمة التي تركن إلى الوهن والتكاسل والعجز والخمول

____________________

١- سيُناقش هذا الرأي بصورة مفصّلة في الفصل القادم المرتبط بالجبر والتفويض.


نتيجة اعتقادها بالمعنى الخاطئ للقضاء والقدر.

٢ - وهن العزائم وتثبيط الهمم وشّل الإرادة وتعطيل السعي وبث روح الكسل بالتقاعس عن العمل.

٣ - تفشّي الانحطاط والتخلّف والفشل في أوساط الواقع الاجتماعي نتيجة إمحاء دواعي السعي من الخواطر وغلّ الأيدي عن العمل.

٤ - الشعور بالعجز عن الإبداع والاتّكال على الظروف والفرص المحتملة والاستسلام للوضع الراهن من دون المبادرة إلى تغييره.

٥ - الوقوف مكتوفي الأيدي في وجه الكوارث نتيجة إيثار البطالة والكسل، ومن ثمّ الوقوع في المصائب والنكبات والآلام والضعف والذل.

٦ - الميل في معظم الأحيان إلى الخرافة والشعوذة بدلا من التمسّك بالأسباب الطبيعية الكامنة وراء الوقائع، وبدلا من البحث عن العلاقات السببية الموجودة بين الظواهر.

٧ - تفسير التخلّف تفسيراً دينياً على أساس القضاء والقدر، ومن ثمّ تضعيف صلة بعض أبناء المجتمع - ولا سيما الشباب - بالدين واندفاعهم إلى التخلّي عن الأسس والمبادئ الدينية من أجل نيل التقدّم والاندماج في مسارات التحديث.

٨ - انتشار الفساد وظهور الكفر وعلو الباطل في الأرض، وغير ذلك من التبعات الناتجة من القراءة المعرفية المغلوطة لعقيدة القضاء والقدر والانسياق وراء الفهم الخاطئ لها.

تنبيهات:

١ - إنّ عقيدة القضاء والقدر قد امتزجت بالجبر في نفوس بعض المسلمين وينبغي للطبقة الواعية في المجتمع أن تبادر إلى تصحيح هذه العقيدة مما طرأ عليها من مفاهيم مغلوطة.

٢ - من الخطأ أن يقتصر حديثنا عن القضاء والقدر عند مواقع فشلنا وعجزنا أو


عند الحديث عن نجاح الآخرين، في حين لا نرى أيّة إثارة لهذه المسألة عند الحديث عن نجاحنا في العمل.

٣ - إنّ الفقر والحرمان الناتج من التكاسل عن العمل، وعدم السعي في طلب الرزق هو فقر ناتج من اختيار الإنسان، ولا يحق لصاحبه أن يحمّل هذا الأمر على التقدير الإلهي، لأنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما قدّر الفقر لهذا الشخص المتكاسل لتمسّكه بأسباب الفقر واختياره الحرمان بنفسه.

٤ - لا يحقّ للإنسان المتكاسل الذي لا يصل إلى أهدافه وآماله نتيجة كسله وخموله أن يلقي اللوم على غيره وأن يسلّي نفسه بكلمات من قبيل: الحظ والصدفة وعدم التوفيق والقضاء والقدر و....

معالجة الفهم الخاطئ للقضاء والقدر:

١ - إنّ القضاء والقدر عقيدة قرآنية، ولا يعني وقوع البعض في الفهم الخاطئ لهذه العقيدة المبادرة إلى إلغائها كما تفعل الاتّجاهات العلمانية، بل ينبغي تصحيح هذا المفهوم في الواقع الفردي والاجتماعي وفق ما تقتضيه الحقيقة.

٢ - إنّ الشريعة الإسلامية واجهت الرؤية الاستسلامية التي تصوّر الإنسان مخلوقاً لا قدرة له على تغيير وإصلاح الواقع الذي هو فيه، وأشارت مراراً إلى قدرة الإنسان على تغيير ما هو عليه عن طريق التمسّك بالأسباب التي جعلها اللّه تعالى وسيلة للتغيير والإصلاح.

٣ - لو كان قصد الإسلام من تبيين مسألة القضاء والقدر الدعوة إلى الكسل والخمول لما أتعب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيله، ولما تحمّل من المشركين ما تحمّل.



الفصل السابع

الجبر والتفويض

معنى الجبر والاختيار

مذهب الجبرية

أقسام الجبر

الأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار

ردّ أدلة القول بالجبر

رأي الأشاعرة حول خلق اللّه لأفعال الإنسان

الاستطاعة وأثر قدرة الإنسان في أفعاله

الكسب عند الأشاعرة

التفويض عند المعتزلة

مناقشة نظرية التفويض

القدرية

أفعال العباد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام)

الأمر بين الأمرين



المبحث الأوّل

معنى الجبر والاختيار (لغة واصطلاحاً)

معنى الجبر (في اللغة):

الجبر هو الإكراه والإرغام والقهر.

والجبر في الفعل هو الحمل على الفعل بالقسر والغلبة(١) .

معنى الجبر (في الاصطلاح العقائدي):

هو إجبار اللّه العباد على ما يفعلون، خيراً كان أو شراً، حسناً كان أو قبيحاً، دون أن يكون للعباد أية إرادة أو قدرة أو اختيار على الرفض والامتناع(٢) .

بعبارة أُخرى:

إنّ أفعال الإنسان كلّها للّه تعالى، والإنسان كالآلة الجامدة يسيّره اللّه بإرادته واختياره، من دون أن يمتلك الإنسان أية إرادة أو اختيار في أفعاله، وإنّما يصدر الفعل منه وهو مجبر عليه.

معنى الاختيار (في اللغة والاصطلاح العقائدي):

الاختيار هو التمكّن من فعل الشيء وتركه(٣) .

____________________

١- راجع: لسان العرب، ابن منظور: مادّة (جبر).

٢- انظر: المصطلحات الإسلامية، مرتضى العسكري: ١٤٨.

٣- راجع: لسان العرب، ابن منظور: مادّة (خير).

وللمزيد راجع: المصطلحات الإسلامية، مرتضى العسكري: ١٤٩.


المبحث الثاني

مذهب الجبرية

ذهب المذهب الجبري إلى أنّ الإنسان مجبور في جميع أفعاله، وهو كالريشة في مهب الريح، أو كالخشبة بين يدي الأمواج، وأنّ نسبة الأفعال إلى الإنسان مجازية كما تنسب إلى النباتات والجمادات، فيقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرّك الحجر، وطلعت الشمس وما شابه ذلك(١) .

أوّل طائفة إسلامية قالت بالجبر:

الجهمية

أصحاب جهم بن صفوان(٢) وكانت عقيدتهم بأنّ الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنّما هو مجبور في أفعاله ; لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنّما يخلق اللّه تعالى فيه الأفعال كما يخلقها في سائر الجمادات، وتنسب الأفعال إلى الإنسان مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، فيقال: أثمرت الشجرة، وتحرّك الحجر و...(٣) .

____________________

١- انظر: مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري: ذكر قول الجهمية، ص٢٧٩.

الملل والنحل، الشهرستاني: ج١، الباب الأوّل، الفصل الثاني: الجبرية، ١ - الجهمية، ص٨٧.

٢- جهم بن صفوان: هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي.

قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ (رقم ١٥٨٤):

"الضال المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئاً، ولكنه زرع شراً عظيماً".

وذكر عنه الطبري في تاريخه (حوادث سنة ١٢٨):

كان كاتباً للحارث بن سريج الذي خرج في خراسان في آخر دولة بني أمية.

٣- انظر: مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري: ذكر قول الجهمية، ص٢٧٩.

الفرق بين الفرق، عبد القادر الاسفرائيني: الباب الثالث، الفصل السادس، ص٢١١.

الملل والنحل، الشهرستاني: ج١، الباب الأوّل، الفصل الثاني: ص٨٦.


تنبيهان:

١ - انقرض هذا المذهب في أواخر القرن الرابع الهجري، ولم يبق له أثر(١) .

٢ - إنّ نظرية الجبر - بصورة عامة - لها جذور تاريخية قبل الإسلام، ثمّ بقيت هذه النظرية بعد مجيء الإسلام معشعشة في عقول بعض المسلمين الذين لم يؤسّسوا معتقداتهم على أساس المباني الإسلامية الصحيحة.

دوافع القول بالجبر:

أوّلاً - اللجوء إلى أصل يرفع عن كاهل الإنسان مسؤولية الالتزام، ومن ثمّ الحصول على الحرّية المطلقة، والانحلال عن كلّ قيد، واتّباع الأهواء وتلبية الرغبات والشهوات النفسانية من دون الالتزام بأي مبدأ.

ثانياً - مبادرة بعض السلطات الجائرة إلى ترويج هذا المفهوم من أجل:

١ - تبرير أعمالهم المنحرفة والإجرامية.

٢ - الاستمرار بسياسة التنكيل والبطش ضدّ مخالفيهم.

٣ - إخماد الثورات التي تقوم ضدّهم من قبل الجهات المعارضة لهم.

٤ - توفير الأجواء المناسبة لاستقرار عروشهم وانغماسهم في ملذّاتهم الدنيوية.

مفاسد القول بالجبر:

١ - تحطيم أركان أساسية من المنظومة الدينية، سنذكرها في المبحث الرابع من هذا الفصل عند بيان الأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار.

٢ - اندفاع الإنسان إلى الكسل والخمول والانقياد للوضع المتردّي، وعدم بذل الجهد والسعي لتغيير هذا الوضع نتيجة عدم الاعتقاد بامتلاك القدرة على التأثير والتغيير.

٣ - تبرئة النفس عن ارتكاب الأعمال المخالفة للدين والأخلاق، وجعل هذه

____________________

١- انظر: العروة الوثقى، جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده، إعداد: هادي خسرو شاهي: ص١١٥.


العقيدة ذريعة للاتّجاه نحو الفساد والانحلال.

٤ - إطلاق أيدي الظالمين لإهلاك الحرث والنسل، وارتكاب كلّ ما يؤدّي إلى الدمار والفساد، وتقييد أيدي المظلومين والمستضعفين عن القيام بأي ردّ فعل أمام الظالمين.


المبحث الثالث

أقسام الجبر

١ - الجبر الديني:

يتمّ تصويره عن طريق جعل الفعل البشري محكوماً بإرادة إلهية تتحكّم به كيفما تشاء.

٢ - الجبر الفلسفي:

يتمّ تصويره عن طريق طرح مجموعة شبهات فلسفية تؤدّي إلى القول بالجبر.

٣ - الجبر المادي:

يتم تصويره عن طريق جعل الفعل البشري محكوماً بالعلل المادية من قبيل الوراثة والتعليم والعوامل المحيطيّة و....

توضيح الجبر المادي:

إنّ ملاحظة العوامل المكوّنة لشخصية الإنسان تفرض الحكم بأنّ الإنسان ليس له سوى الانقياد لما تملي عليه هذه العوامل.

العوامل المكوّنة لشخصية الإنسان:

١ - الوراثة:

إنّ الإنسان يتلقّى عن طريق الوراثة السجايا والصفات الحسنة أو الدنيئة لتكون العامل الأساس في بلورة سلوكه في المستقبل.

٢ - الثقافة والتعليم:

إنّ التعليم يحدّد للإنسان زاوية رؤيته إلى الحياة، فيكون سلوكه بعد ذلك وفق هذه الرؤية المفروضة عليه.


٣ - المحيط والبيئة:

إنّ الأجواء التي يترعرع فيها الإنسان هي التي تحدّد نفسيته، وتحدّد له الطريق الذي ينبغي السير فيه.

يلاحظ عليه:

لا يوجد شكّ في تأثير هذه العوامل على تكوين شخصية الإنسان، ولكن لا يبلغ تأثير هذه العوامل درجة سلب الاختيار من الإنسان، بل تبقى لإرادة الإنسان واختياره القدرة على مواجهة هذه العوامل وعدم الانقياد لها عن طريق:

١ - التفكّر والتدبّر في صالح أعماله وطالح أفعاله وما يترتّب عليهما من آثار.

٢ - ترك الأجواء السلبية التي يعيش فيها، والهجرة إلى أجواء إيجابية(١) .

بعبارة أُخرى:

إنّ هذه العوامل ليس لها أي أثر في سلب اختيار الإنسان، لأ نّها لا تشكّل العلّة التامّة في صدور الفعل البشري، بل هي عوامل تحفّز الإنسان على القيام ببعض الأفعال، ويبقى الإنسان قادراً على مخالفة هذه العوامل والصمود أمام ضغوطاتها.

____________________

١- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ٢ / ٣١٧ - ٣١٨.


المبحث الرابع

الأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار

الأدلة المبطلة للجبر:

١ - بطلان الشرايع والتكليف:

إنّ من وظائف الأنبياء إرشاد الناس إلى التكاليف الإلهية، ولا يمكن أداء هذه التكاليف إلاّ إذا كان الإنسان قادراً على فعل الشيء وتركه، ولهذا يكون مجيئ الأنبياء وإتيانهم بالشرائع والتكاليف دليلا على نفي الجبر عن ساحة أفعال وسلوك الإنسان، لأنّ القول بالجبر يؤدّي إلى القول ببطلان الشرائع والتكليف.

٢ - سقوط الثواب والعقاب:

لا يصح إثابة شخص أو معاقبته على فعل ليس من صُنعه، فإذا كان الإنسان مجبوراً في أفعاله وليس له دور في الفعل الذي يصدر عنه، فكيف يمكن إثابته على طاعة لم يفعلها، أو معاقبته على معصية لم يرتكبها.

٣ - التساوي بين المحسن والمسيئ:

لو كان الإنسان مجبراً في أفعاله لم يكن للمحسن ميزة على المسيء، ولم يكن فرقٌ بين المؤمن والكافر، بل سيكونان متساويين لأ نّهما ليسا إلاّ أداة تعكس ما أُجبرا عليه، فلهذا لا يصح بعد ذلك مدح أو ذم أحد على أفعاله.

٤ - عبثية الترغيب والتخويف:

إنّ ترغيب العباد على الأعمال الصالحة وتخويفهم من تركها لا داعي له فيما لو كان الإنسان مجبوراً في أفعاله، لأنّ الترغيب والترهيب لا ينفعان إلاّ إذا كان


الإنسان مختاراً وقادراً على فعل أو عدم فعل ما يؤمر به أو يُنهى عنه.

٥ - عبثية مساعي المربّين:

إنّ القول بالجبر يؤدّي إلى أن تكون مساعي المربّين لإصلاح المجتمعات وحثّهم الناس على الفضيلة والأخلاق أمراً عبثياً لا فائدة منه، فتذهب جهود هؤلاء أدراج الرياح نتيجة عدم امتلاك الناس القدرة والاختيار على تغيير سلوكهم وأفعالهم.

٦ - نسبة الظلم إلى اللّه تعالى:

يلزم القول بالجبر أن يكون اللّه تعالى ظالماً - والعياذ باللّه - نتيجة جبره للعباد على المعصية ثمّ معاقبته إياهم إزاء المعاصي التي أجبرهم عليها، كما سينسب ظلم العباد بعضهم لبعض إلى اللّه فيما لو قلنا بأنّ اللّه تعالى هو الفاعل وليس للإنسان أي دور وأثر في صدور أفعاله، لأنّ فاعل الظلم يسمّى ظالماً.

٧ - احتجاج العاصي على اللّه تعالى:

لو كان الإنسان مجبوراً في أفعاله، فإنّ العاصي سيكون من حقّه الاحتجاج على اللّه تعالى حينما يريد اللّه تعالى معاقبته على معاصيه، لأ نّه سيقول: كنت مجبوراً على فعل المعاصي، فكيف تعذّبني على أمر لم يكن لي الاختيار في فعله؟ في حين لا يصح احتجاج الإنسان على اللّه تعالى.

الأدلة المثبتة للاختيار:

١ - يجد كلّ إنسان من صميم ذاته أ نّه قادر على فعل بعض الأعمال أو تركها حسب ما يراه من مصلحة أو مفسدة أو نفع أو ضرر.

٢ - يفرّق كلّ إنسان عاقل بين الفعل الاختياري الذي يصدر عنه كتحريك يده، وبين أفعاله الاضطرارية كحركة يد المرتعش وحركة الدم في العروق وعملية الهضم وإفرازات الغدد وغيرها من الأفعال التي لا اختيار له في صدورها(١) .

____________________

١- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثانية، مبحث: مكابرة الجبرية بضرورة العقل، ص١٠٢.


ردّ القرآن الكريم على القائلين بالجبر:

١ -( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ ) [الأنعام: ١٤٨]

توضيح:

قال الذين أشركوا: إنّ اللّه تعالى أجبرنا على الشرك، ولو شاء اللّه ما أشركنا، فردّ اللّه تعالى على مقولتهم هذه، وبيّن بأنّ هذه المقولة غير مبتنية على الأسس العلمية، وإنّما هي ناشئة من الظنون غير المعتبرة والادّعاءات الكاذبة.

٢ -( وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ ) [الزخرف: ٢٠]

توضيح:

هذه الآية تشبه الآية السابقة، وقد بيّنت بأنّ الذين أشركوا باللّه تعالى، ثمّ قالوا بأنّ اللّه أجبرهم على ما فعلوا ولو شاء اللّه ما أشركوا، فإنّهم ذهبوا إلى هذا القول نتيجة جهلهم بالواقع ونتيجة قولهم الكذب على اللّه تعالى.

٣ - إنّ إبليس أوّل من قال بالجبر، فقال كما جاء في القرآن الكريم حكاية عنه:

( رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) [الحجر: ٣٩]

وكان هذا الأمر من جملة أسباب طرده عن رحمة اللّه تعالى.

بعض الآيات القرآنية النافية للجبر والمثبتة للاختيار:

إنّ القرآن الكريم مليء بالآيات البيّنات الدالة على نفي الجبر عن أفعال الإنسان وإثبات الاختيار له في سلوكه وتصرفاته، منها(١) :

الصنف الأوّل:

الآيات الدالة على إضافة الفعل إلى العبد ونسبته إليه، وأ نّه يمتلك الاختيار فيما

____________________

١- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، ص١٠٥ - ١١٢.


يفعله من خير أو شر، منها:

١ -( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ ) [البقرة: ٧٩]

٢ -( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد: ١١]

٣ -( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) [يوسف: ١٨]

٤ -( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) [المائدة: ٣٠]

٥ -( كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) [المدّثّر: ٣٨]

٦ -( كُلُّ امْرِئ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) [الطور: ٢١]

٧ -( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) [فصّلت: ٤٦]

٨ -( لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) [البقرة: ٢٨٦]

الصنف الثاني:

الآيات الدالة على نسبة أفعال العباد إليهم، ونفي الظلم عن اللّه تعالى، منها:

١ -( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) [آل عمران: ١٨٢]

٢ -( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) [الحجّ: ١٠]

٣ -( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) [غافر: ١٧]

٤ -( إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) [النساء: ٤٠]


٥ -( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [النحل: ١١٨]

٦ -( وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) [النساء: ٤٩]

٧ -( فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [يس: ٥٤]

الصنف الثالث:

الآيات الدالة على وجود الإرادة والاختيار في العباد على إحداث أفعالهم، وأ نّهم مخيّرون في ما يعملونه من خير أو شر، منها:

١ -( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [فصّلت: ٤٠]

٢ -( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) [المدّثّر: ٣٧]

٣ -( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً ) [الكهف:٢٩]

٤ -( كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ) [المدّثّر: ٥٤ - ٥٥]

٥ -( إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) [المزمل: ١٩]

الصنف الرابع:

الآيات الدالة على ذمّ المخالفين لأوامر اللّه تعالى، ومعاتبتهم عن طريق الاستفهام الإنكاري، وهذا مايدل على أنّ الإنسان يمتلك الاختيار في أفعاله، لأ نّه لو كان مجبوراً لما صح ذمه أو معاتبته إزاء مخالفته لأوامر اللّه تعالى، ومن هذه الآيات:

١ -( وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً ) [الإسراء: ٩٤]

٢ -( وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) [النساء: ٣٩]

٣ -( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [البقرة: ٢٨]

٤ -( فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) [المدّثّر: ٤٩]


٥ -( لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [آل عمران:٧١]

الصنف الخامس:

الآيات الدالة على أنّ اللّه تعالى يجزي العباد على أعمالهم وما كسبته أيديهم، وهذا ما يدل على أ نّهم أصحاب اختيار في أفعالهم، لأ نّهم لو كانوا مجبورين لما صحّت مجازاتهم، ومن هذه الآيات:

١ -( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) [غافر: ١٧]

٢ -( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [الجاثية: ٢٨]

٣ -( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) [الأنعام: ١٦٠]

٤ -( لِتُجْزى كُلُّ نَفْس بِما تَسْعى ) [طه: ١٥]

٥ -( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ) [الأنعام: ٩٣]

٦ -( لِيَجْزِيَ اللّهُ كُلَّ نَفْس ما كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) [إبراهيم: ٥١]

٧ -( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ) [طه: ١٢٤]

الصنف السادس:

الآيات الدالة على المسارعة إلى الأعمال الخيرية لطلب المغفرة من اللّه تعالى، وتلبية أوامره وتعاليمه، وهذا ما يدل على إثبات الاختيار للإنسان، لأ نّه لو كان مجبوراً لما صح تشجيعه على عمل الخير وطلب المغفرة، لأنّ هذا التشجيع سيكون عبثاً فيما لو لم يستطع الإنسان القيام بتلبيته، ومن هذه الآيات:

١ -( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ ) [آل عمران: ١٣٣]

٢ -( وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ ) [الأحقاف: ٣٢]

٣ -( وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ) [الزمر: ٥٤]


٤ -( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) [الزمر: ٥٥]

الصنف السابع:

الآيات الدالة على اعتراف المجرمين بذنوبهم في يوم القيامة، وهذا ما يدل على أ نّهم كانوا أصحاب اختيار حين ارتكابهم للذنوب، لأ نّهم لو كانوا مجبورين لأنكروا فعلهم للذنب، ونسبوا ذلك إلى اللّه تعالى، ومن هذه الآيات:

١ -( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللّهُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلال كَبِير ) [الملك: ٨ - ٩]

٢ -( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ ) [الملك: ١١]

٣ -( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ ) [المدّثّر: ٤٢ - ٤٨]

الصنف الثامن:

الآيات الدالة على ندم المجرمين وطلبهم العودة إلى الدنيا ليعملوا الصالحات عندما يحدق بهم العذاب، واعترافهم بذنوبهم وما عملوا من سيّئات، وهذا ما يدل على أ نّهم كانوا يعلمون بأ نّهم أصحاب اختيار في أفعالهم، لأ نّهم لو كانوا مجبورين لما ندموا، بل كان موقفهم تبرئة أنفسهم مما أجبروا عليه، ومن هذه الآيات:

١ -( قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوج مِنْ سَبِيل ) [غافر: ١١]

٢ -( رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً ) [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]

٣ -( وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ ) [السجدة: ١٢]

٤ -( أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) [الزمر: ٥٨]


٥ -( رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ) [فاطر: ٣٧]

الصنف التاسع:

الآيات الدالة على الاستعانة باللّه وطلب الرحمة والهداية منه على الأعمال الخيّرة، فلو كان الإنسان مجبوراً في أفعاله لم يصح تشجيعه على الاستعانة باللّه، لأنّ التشجيع يكون لمن يمتلك الاختيار في الفعل والترك، فيتم تشجيعه ليكون ذلك محفزّاً له للقيام بفعل معيّن أو ترك فعل معين، ومن هذه الآيات:

١ -( اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا ) [الأعراف: ١٢٨]

٢ -( وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [الأعراف: ٢٠٠]

٣ -( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) [النحل: ٩٨]

٤ -( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) [الحمد: ٥]

الصنف العاشر:

الآيات الدالة على طلب العباد المغفرة من اللّه تعالى إزاء مخالفتهم لأوامره تعالى، فلو كان هؤلاء مجبورين في أفعالهم، فلا داعي لهم لطلب المغفرة، لأنّ ذلك يكون لمن يشعر بالتقصير، والمجبور لا يشعر بذلك. ومن هذه الآيات:

١ -( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) [الأعراف: ٢٣]

٢ -( وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) [البقرة: ٢٨٥]

٣ -( فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ) [ص: ٢٤]

٤ -( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ ) [آل عمران: ١٣٥]


بعض الأحاديث الشريفة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار:

١ - قال الإمام علي(عليه السلام) ردّاً على نظرية الجبر في الأفعال: "... لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من اللّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن..."(١) .

٢ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... اللّه أعدل من أن يجبرهم [أي: يجبر العباد] على المعاصي ثمّ يعذبّهم عليها..."(٢) .

٣ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... إنّ اللّه عزّ وجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها..."(٣) .

٤ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... رجل يزعم أنّ اللّه عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم اللّه في حكمه..."(٤) .

٥ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إنّ اللّه خلق الخلق، فعلم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلاّ بإذن اللّه"(٥) .

أثر الاختيار في أفعال الإنسان:

١ - تكمن قيمة الإنسان وأفضليته على سائر الخلق في كونه كائناً يمتلك العقل والاختيار، فلو قلنا بأنّ الإنسان مجبور في أفعاله، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى سلب قيمته وجعله بمثابة الجمادات في هذا العالم.

٢ - إنّ الاختيار هو الذي يجعل الإنسان مسؤولا عن أفعاله وتصرّفاته.

٣ - إنّ الاختيار هو الذي يجعل الإنسان مستحقاً للمدح والذم والثواب والعقاب.

____________________

١- الأصول من الكافي، الكليني: ج١، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر و...، ح١، ص١٥٥.

٢- الأصول من الكافي، الكليني: ج١، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر و...، ح١١، ص١٥٩.

٣- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب نفي الجبر والتفويض، ح٣، ص٣٥٠.

٤- المصدر السابق: ح٥، ص٣٥١.

٥- الأصول من الكافي، الكليني: ج١، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر و...، ح٥، ص١٥٨.



المبحث الخامس

أدلة القول بالجبر والردّ عليها

الدليل الأوّل:

إنّ إرادة الإنسان لا تمتلك القوام الذاتي، ولا يمتلك الإنسان القدرة على إيجاد إرادته بنفسه، بل هو محتاج في إيجاد إرادته إلى إرادة اللّه تعالى، ولا تحدث ارادة الإنسان إلاّ بإرادة اللّه تعالى(١) .

يرد عليه:

١ - اختار اللّه تعالى أن يكون العباد أصحاب إرادة في أفعالهم، فأعطاهم الإرادة، ثمّ أعطاهم قدرة الاختيار لتوجيه إرادتهم كيفما يشاؤون.

بعبارة أُخرى:

إنّ اللّه تعالى هو الذي منح العباد هذه الميزة بأن تكون لهم الإرادة في أفعالهم، فالإرادة - في الواقع - آلة لصدور الفعل من العبد، وإذا كانت آلة الاختيار من اللّه تعالى، فإنّ ذلك لا يستلزم الجبر.

٢ - إنّ إرادة اللّه عزّ وجلّ لم تتعلّق بصدور أفعال العباد منه تعالى بصورة مباشرة ومن دون واسطة، بل تعلّقت إرادة اللّه تعالى في مجال أفعال الإنسان الاختيارية أن لا تصدر من الإنسان إلاّ بعد إرادة الإنسان واختياره لها(٢) .

الدليل الثاني:

إنّ اللّه تعالى يعلم بأفعال العباد التي ستقع في المستقبل.

وما علم اللّه تعالى وقوعه فهو واجب الوقوع.

____________________

١- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢٢٣ - ٢٢٤.

٢- انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج١، تفسير سورة البقرة، آية ٢٦ - ٢٧، ص٩٩ - ١٠٠.


وما علم اللّه تعالى عدم وقوعه فهو ممتنع الوقوع.

ودون ذلك ينقلب العلم الإلهي إلى الجهل، وهو محال.

ومن هنا يثبت بأنّ الإنسان مجبور على فعل ما هو في علم اللّه تعالى(١) .

يرد عليه:

١ - لو صحّ القول بأنّ الإنسان مجبور في أفعاله نتيجة علم اللّه تعالى بها، فسيكون اللّه تعالى أيضاً مجبوراً في أفعاله نتيجة علمه تعالى بما سيقع من أفعاله، فيلزم ذلك أن نقول بأنّ اللّه تعالى مجبور بأن يفعل ما يعلم! وهذا باطل(٢) .

٢ - إنّ اللّه تعالى لا يختار أن يعلم بأنّ الشخص الفلاني سيفعل كذا، ليكون هذا العلم علّة لذلك الفعل، وإنّما علمه تعالى عبارة عن انكشاف المعلوم عنده كما سيكون في الواقع(٣) .

٣ - يتعلّق علمه تعالى بكل شيء حسب الخصوصيات المتوفّرة في ذلك الشيء.

ومن هنا يكون تعلّق العلم الإلهي بأفعال الإنسان باعتبارها أفعال تصدر من فاعل يمتلك الاختيار، وهذا ما يؤكد وقوع أفعال الإنسان باختياره.

بعبارة أُخرى:

قال المجبّرة بأنّ ما علم اللّه وقوعه فهو واجب الوقوع.

فنقول لهم: علم اللّه تعالى بأنّ أفعال العباد لا تقع إلاّ باختيارهم، لأ نّه شاء أن يكون العباد أصحاب اختيار.

إذن يجب أن تقع أفعال العباد باختيارهم، لأنّ عدم وقوعها بهذه الصفة يوجب -

____________________

١- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢٢٣.

٢- انظر: تلخيص المحصل، نصير الدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثالث: ص٣٤٠.

إشراق اللاهوت، عبد المطلب العُبيدلي: المقصد العاشر، المسألة الرابعة، ص٣٩٠.

٣- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، الكلام في التكليف وحسنه و...، ص٢٤٧.

إشراق اللاهوت، عبد المطلب العُبيدلي: المقصد العاشر، المسألة الثالثة، المبحث الثالث، ص٣٨٩.


حسب ادّعاء المجبرة - انقلاب علم اللّه إلى الجهل.

وبهذا يثبت أنّ الإنسان مختار وغير مجبور في أفعاله.

النتيجة:

إنّ "العلم" مجرّد انكشاف يحكي المعلوم ويبيّنه كما هو عليه، وليس للعلم أي تأثير على المعلوم في الواقع الخارجي.

مثال توضيحي:

إنّ نسبة المعلوم إلى العلم كنسبة الشيء إلى المرآة.

فالمرآة لا تؤثّر في الشيء، وإنّما تبيّنه كما هو عليه في الواقع الخارجي.

فإذا أرتنا المرآة شيئاً بصورة قبيحة، فليس هذا القبح مفروضاً من المرآة على ذلك الشيء، بل لأنّ ذلك الشيء قبيح في نفسه، عكست المرآة ما هو عليه، فأرتنا ذلك الشيء بصورة قبيحة(١) .

أمثلة عدم تأثير العلم في المعلوم:

١ - إخبار المتخصص عن الأنواء الجوية وتقلّبات الهواء، فلو كان العلم عاملا من عوامل إيجاد الشيء، لكان هذا المخبر من جملة أسباب وقوع هذه التقلّبات الجوّية.

٢ - إخبار الفلكي عن وقوع الكسوف أو الخسوف، إذ لو كان العلم مؤثّراً في إيجاد المعلوم، لكان هذا الفلكي من جملة أسباب وقوع هذا الكسوف والخسوف.

٣ - إخبار المدرّس عن مستوى الطالب في الامتحان القادم نتيجة معرفته به خلال فترة التدريس، فإذا صدق إخبار المدرّس، فلا يعني أنّ علم المدرِّس هو السبب في وصول الطالب إلى النتيجة التي أخبرها المدرِّس.

٤ - إخبار الطبيب الحاذق عن الحالة التي سيواجهها المريض، فإذا وقع الأمر كما قال الطبيب، فلا يعني أنّ الطبيب كان سبباً فيما أصاب المريض.

____________________

١- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، الكلام في التكليف وحسنه و... ص٢٤٦.



المبحث السادس

رأي الأشاعرة حول خلق اللّه لأفعال العباد

إنّ اللّه عزّ وجلّ هو المتفرّد بالخلق والإيجاد، وهو خالق كلّ شيء بلا استثناء، ولا خالق في الكون سوى اللّه تعالى، واللّه هو الخالق لأفعال الإنسان.

من أقوال أبي الحسن الأشعري حول خلق اللّه لأفعال العباد:

١ - "... لا خالق إلاّ اللّه، وإنّ أعمال العباد مخلوقة للّه بقدرته... وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً..."(١) .

٢ - "... لا خالق إلاّ اللّه، وإنّ سيئات العباد يخلقها اللّه، وإنّ أعمال العباد يخلقها اللّه عزّ وجلّ، وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً"(٢) .

٣ - "... من قضاء اللّه تعالى هو خلق ما هو جور كالكفر والمعاصي..."(٣) .

٤ - "... أمّا أنا فأقول: إنّ الشر من اللّه تعالى بأن خلقه شراً لغيره لا له"(٤) .

أدلة الأشاعرة على خلقه تعالى لأفعال العباد:

الدليل الأوّل:

الآيات القرآنية الدالة على خلقه تعالى لكلّ شيء، فإنّ هذه الآيات تفيد العموم، فيشمل ذلك أفعال العباد، فتكون أفعال العباد مخلوقة للّه.

ومن هذه الآيات قوله تعالى:

١ -( اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء ) [الزمر: ٦٢]

____________________

١- الإبانة، أبو الحسن الأشعري: الفصل الثاني، ص٣٧.

٢- مقالات الإسلاميين، أبو الحسن الأشعري: حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة، ص٢٩١.

٣- اللمع، أبو الحسن الأشعري: الباب الخامس، ص٨١.

٤- المصدر السابق: ص٨٤.


٢ -( ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْء ) [غافر: ٦٢]

٣ -( يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ ) [فاطر: ٣]

٤ -( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) [الأعراف: ٥٤]

٥ -( إِنّا كُلَّ شَيْء خَلَقْناهُ بِقَدَر ) [القمر: ٤٩]

يرد عليه:

١ - إنّ المنهج السليم يقتضي شمولية النظر إلى آيات القرآن الكريم، وعدم الاقتصار على الآيات الدالة على خلقه تعالى لكلّ شيء وإهمال الآيات التي تنسب الخالقية إلى غير اللّه تعالى، من قبيل:

أوّلاً: قوله تعالى حكاية عن عيسى(عليه السلام):( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) [آل عمران: ٤٩]

ثانياً: قوله تعالى لعيسى(عليه السلام):( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) [المائدة: ١١٠]

ثالثاً: قوله تعالى للسامري وجماعته:( وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) [العنكبوت: ١٧]

رابعاً: قوله تعالى:( فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) [المؤمنون: ١٤]

خامساً: قوله تعالى:( وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ) [الصّافات: ١٢٥]

النتيجة:

إنّ الأشاعرة اتّبعوا منهجية التجزئة والتبعيض في التعاطي مع الآيات القرآنية، فتمسّكوا بالآيات التي تتلائم مع نظريتهم في خلق أفعال العباد، وأعرضوا عما يتغاير مع ما ذهبوا إليه.

٢ - يدرك الباحث عند نظرته الشمولية إلى الآيات القرآنية بأنّ الآيات التي تنسب خلق كلّ شيء إلى اللّه عزّ وجلّ ليست إلاّ في مقام بيان إحاطته تعالى الكاملة وقدرته التامّة ونفوذ أمره الشامل لجميع الكون بلا استثناء، ولا يوجد أي


تناف بين هذه الشمولية وبين قدرة العباد على الخلق، لأنّ قدرة العباد تستمد وجودها من اللّه تعالى، واللّه تعالى قادر على سلبها في كلّ آن.

٣ - سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) عن أفعال العباد: أهي مخلوقة للّه تعالى، فقال (عليه السلام):

"لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها، وقد قال سبحانه:( أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [التوبة: ٣]، ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم"(١) .

٤ - سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): هل غير الخالق الجليل خالق؟

قال(عليه السلام): "إن اللّه تبارك وتعالى يقول:( تَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) فقد أخبر أنّ في عباده خالقين وغير خالقين، منهم عيسى صلى اللّه عليه، خلق من الطين كهيئة الطير بإذن اللّه، فنفخ فيه، فصار طائراً بإذن اللّه، والسامري خلق لهم عجلا جسداً له خوار"(٢) .

٥ - إنّ القول بأنّ اللّه تعالى خالق كلّ شيء لا يعني أ نّه تعالى هو السبب المباشر لخلق كلّ شيء، بل قد يكون الخلق صادراً من الإنسان، ولكنه يُنسب إلى اللّه عزّ وجلّ، لأ نّه تعالى هو الذي أعطى الإنسان القدرة على الخلق.

مثال ذلك:

يبيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بأنّ مجرّد نسبة الفعل إلى اللّه عزّ وجلّ لا يعني كونه تعالى هو السبب المباشر لهذا الفعل، بل قد يصدر الفعل من غير اللّه، ولكنّه ينسب إلى اللّه تعالى للعلّة التي ذكرناها.

ومن هذه الموارد:

أوّلاً - فعل التوفّي:

١ - نسبته إلى ملك الموت:( قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) [السجدة: ١١]

٢ - نسبته إلى اللّه تعالى:( اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) [الزمر: ٤٢]

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ١، ذيل ح٢٩، ص٢٠.

٢- المصدر السابق: ج٤، كتاب التوحيد، باب٥، ح١، ص١٤٧ - ١٤٨.


ثانياً - فعل الرزق:

١ - نسبته إلى العباد:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) [النساء: ٥]

٢ - نسبته إلى اللّه تعالى:( إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [الذاريات: ٥٨]

ثالثاً - فعل الزرع:

١ - نسبته إلى العباد:( كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ) (١) [الفتح: ٢٩]

٢ - نسبته إلى اللّه تعالى:( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ) [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]

رابعاً - فعل الغلبة:

١ - نسبته إلى العباد:( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) [المجادلة: ٢١]

٢ - نسبته إلى اللّه تعالى:( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا... ) [المجادلة: ٢١]

فنسب اللّه عزّ وجلّ فعل الغلبة لنفسه ولرسله في وقت واحد.

خامساً - فعل الخلق (وهو المرتبط بهذا المبحث)

١ - نسبته إلى العباد:( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) [آل عمران: ٤٩]

( فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) [المؤمنون: ١٤]

٢ - نسبته إلى اللّه تعالى:( اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء ) [الزمر: ٦٢]

ملاحظة مهمة:

ذكرنا بأنّ الفعل الذي يصدر من الإنسان ينسب أيضاً إلى اللّه تعالى، وذلك لأ نّه

____________________

١- قوله: (الزُّرّاعَ) تتضمن نسبة فعل الزراعة إلى الإنسان.


تعالى هو الذي أعطى الإنسان القدرة على القيام بالفعل.

ولكن لا يخفى بأنّ هذه النسبة لا تصح إلاّ في الأفعال الحسنة التي يرتضيها اللّه تعالى، وأمّا الأفعال القبيحة الصادرة من الإنسان، فلا تصحُّ نسبتها إلى اللّه تعالى أبداً.

دليل ذلك:

إنّ اللّه تعالى أعطى الإنسان القدرة ليصرفها في الأُمور الحسنة، فإذا صرفها الإنسان في الأُمور القبيحة، فإنّ هذه الأفعال لا تصح نسبتها إلى اللّه تعالى، وإنّما تُنسب إلى الإنسان، ويكون الإنسان هو المتحمّل لمسؤوليتها.

آيات قرآنية أُخرى استدل بها الأشاعرة على خلقه تعالى لأفعال العباد:

الآية الأُولى:

قوله تعالى:( وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) [الصّافات: ٩٦]

استدلال الأشاعرة: إنّ هذه الآية صريحة بأنّ اللّه هو الخالق للإنسان، وهو الخالق لأفعاله وأعماله وما يصدر عنه(١) .

يرد عليه:

١ - إنّ هذه الآية وردت في سياق آيات احتجاج النبي إبراهيم(عليه السلام) على قومه الذين كانوا ينحتون الأصنام، ثمّ يعبدونها من دون اللّه، فقال لهم إبراهيم(عليه السلام):( أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) .

٢ - ليس لهذه الآية أية صلة بمسألة أفعال العباد، لأنّ وحدة السياق في هذه الآية والتي قبلها تقضي كون "ما" موصولة فيكون معنى الآية: أتعبدون الأصنام التي تنحتونها واللّه خلقكم وخلق المادة التي منها تنحتون أصنامكم(٢) .

٣ - إنّ الآية في مقام محاججة إبراهيم(عليه السلام) لقومه واستنكاره على عبادتهم

____________________

١- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢٢٦.

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ١، ص٢٤٠ - ٢٤١.

٢- وهذه المادة هي الحجر أو الخشب أو غير ذلك مما كان يصنع المشركون منه أصنامهم.


للأصنام، وليس من المعقول أن يقول إبراهيم(عليه السلام) لقومه في هذا المقام: لماذا تعبدون الأصنام وقد خلق اللّه عبادتكم للأصنام؟!

الآية الثانية:

قوله تعالى:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ) [النساء: ٧٨]

استدلال الأشاعرة: إنّ هذه الآية تدل على أنّ جميع أفعال الإنسان - حسنة كانت أو سيئة - هي من عند اللّه، وأنّ اللّه هو الذي يخلقها(١) .

يرد عليه:

إنّ "الحسنة" في اللغة لا تنحصر في معنى "الطاعة والإيمان".

كما أنّ "السيئة" في اللغة لا تنحصر في معنى "المعصية والكفر".

فمن معاني "الحسنة" في اللغة: النعم، الرحمة، الخير والشيء الحسن.

ومن معاني "السيئة" في اللغة: القحط، الكوارث، والمحن والعذاب.

معنى الحسنة والسيئة في هذا المقام:

إنّ معنى الحسنة في هذا المقام هو النعم والخير، ومعنى السيئة هو القحط والكوارث(٢) ، لأنّ النعم والخير والقحط والكوارث تصيب الإنسان من الغير.

ولكن الطاعة والمعصية والكفر والإيمان تصدر من الإنسان نفسه.

وهناك فرق بين ما "يصيب الإنسان" وما "يصدر منه".

وقد جاء في هذه الآية التعبير بكلمة "تصبهم" ولم يقل الباري عزّ وجلّ "تصدر منهم".

تتمة:

____________________

١- انظر: التفسير الكبير، الفخر الرازي: ج٤، تفسير آية ٧٨ من سورة النساء، ص١٤٥.

٢- انظر: مجمع البيان، الطبرسي: ج٣، تفسير آية ٧٨ من سورة النساء، ص١٢٠ - ١٢١.


وردت "الحسنة" بمعنى النعم والخير والرخاء، ووردت "السيئة" بمعنى القحط والبلاء والعذاب في آيات قرآنية أُخرى منها:

١ -( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها ) [آل عمران: ١٢٠]

٢ -( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) [الرعد: ٦]

٣ -( فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) [الأعراف: ١٣١]

تكملة أدلّة الأشاعرة على خلقه تعالى لأفعال العباد:

الدليل الثاني:

إنّ القول بوجود خالق غير اللّه يستلزم إثبات خالق آخر مع اللّه تعالى، ومن ادّعى ذلك فقد أشرك في خالقيّة اللّه تعالى، لأنّ اللّه عزّ وجلّ منزّه عن الشريك في الخلق والإيجاد(١) .

يرد عليه:

١ - إنّ هذا الاشتراك في إطلاق بعض الصفات على اللّه تعالى والعبد لا يوجب الشرك، ولهذا لا يوجد أي مانع من اشتراك العبد مع الباري عزّ وجلّ في بعض الأوصاف، من قبيل: الوجود، العلم، الإرادة، القدرة والتملّك(٢) .

٢ - المذموم هو إثبات تعدّد خالقَين مستقلين بقدرتهم وتمام شؤون أفعالهم، أمّا إثبات خالق غير اللّه، وهو محتاج إلى اللّه عزّ وجلّ في أصل وجوده وقدرته وتمكّنه وفعله، فلا محذور ولا إشكال فيه أبداً(٣) .

٣ - إنّ عبيد السلطان إذا فعلوا شيئاً بمعونة السلطان، لا يقال إنّهم سلاطين مثله،

____________________

١- انظر: بحر الكلام، ميمون النسفي: الباب الثالث، الفصل الثاني، المبحث الثالث، ص١٦٧.

٢- انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، مبحث: إنّا فاعلون، مناقشة المظفر، ص٤٣٧.

٣- انظر: المصدر السابق، ص٤٣٦.


ولا يكون ذلك عيباً في السلطان، فلهذا لا يوجد أي مانع أن يكون الإنسان خالقاً لشيء عن طريق القدرة التي منحها اللّه تعالى له(١) .

٤ - لو كان مجرّد إطلاق وصف الخالقية لغير اللّه تعالى شركاً، لكان عيسى - والعياذ باللّه - مشركاً في قوله:( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) [آل عمران: ٤٩] ولكان عيباً في قوله تعالى( فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) [المؤمنون: ١٤]، لأنّ هذه الآية تثبت بوضوح وجود من يوصف بالخالقية غير اللّه تعالى.

الدليل الثالث للأشاعرة:

لو كان الإنسان خالقاً لأفعال نفسه، لكان عالماً بتفاصيل أفعاله، وهذا معنى قوله سبحانه:( أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الملك: ١٤]، وبما أنّ الإنسان غير عالم بتفاصيل أفعاله وجب القطع بأنّ الإنسان غير خالق لها(٢) .

يرد عليه:

إنّ العلم بتفاصيل الخلق يشمل الخلق من اللاشيء، ولكن الإنسان لا يقوم بخلق أفعاله من اللاشيء، بل يقوم بتركيب مجموعة أشياء للوصول إلى شيء جديد له من الخصائص ما تفترق عن خصائص أجزائه.

وكلّما يكون الإنسان أعرف بخصائص الأجزاء التي يتعامل معها لتكوين الأشياء الجديدة يكون أكثر علماً بتفاصيل ما يقوم بخلقه(٣) .

____________________

١- انظر: المصدر السابق.

٢- انظر: الأربعين في أصول الدين، فخر الدين الرازي: ج١، المسألة الثانية والعشرون، ص٣٢٣ - ٣٢٤.

كتاب المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢٠٩.

٣- قال المحقّق نصير الدين الطوسي في ردّه على إشكال الأشاعرة في هذا المقام: "الإيجاد لا يستلزم العلم إلاّ مع اقتران القصد، فيكفي الإجمال".

تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، مبحث: نفي الجبر، ص١٩٩.


الدليل الرابع للأشاعرة:

لو جاز أن يكون المؤمن خالقاً للإيمان لخلقه ممتعاً مريحاً.

ولو جاز أن يكون الكافر خالقاً للكفر لخلقه حسناً.

ولكن المؤمن والكافر لا يستطيعان ذلك.

ومن هنا يثبت بأنّ للإيمان والكفر خالقاً آخر، وهو اللّه تعالى(١) .

يرد عليه:

إنّ الصفات تنقسم إلى قسمين:

١ - الصفات الواقعية: وهي الصفات التي تحتاج إلى خالق، من قبيل الحرارة والبرودة.

٢ - الصفات الانتزاعية: وهي الصفات التي لا تحتاج إلى خالق، بل هي صفات تُنتزع من مقايسة شيء مع شيء آخر من قبيل صفتي الصغر والكبر.

فإنّ وصف "الصغر" أو "الكبر" للشيء لا يحتاج إلى خلق.

وإنّ ما يحتاج إلى خلق فهو "الشيء".

وأمّا "الصغر" أو "الكبر" فهو صفة تنتزع من مقايسة شيء مع شيء آخر.

وبالنسبة إلى دليل الأشاعرة:

فإنّ وصف "التعب" للإيمان لا يحتاج إلى خلق.

وإنّ وصف "القُبح" للكفر لا يحتاج إلى خلق.

وإنّ ما يحتاج إلى خلق فهو "الفعل" الذي يجعل الإنسان مؤمناً أو كافراً.

وأمّا "التعب" فهو صفة تنتزع من فعل "الإيمان" لأنّ "الإيمان" يجعل الإنسان مسؤولا أمام اللّه تعالى، فيستتبع الإتعاب.

وأمّا "القبح" فهو صفة تُنتزع من فعل "الكفر" لأنّ "الكفر" على خلاف الفطرة

____________________

١- انظر: اللمع، أبو الحسن الأشعري: الباب الخامس، ص٧١ - ٧٢.


والحقيقة(١) .

توضيح ذلك:

إنّ "التعب" الذي يتّصف به الإيمان، أو "القبح" الذي يتّصف به الكفر يكون خارج الإيمان والكفر، وهو شيء خارج اختيار الإنسان، وما هو في دائرة اختيار الإنسان هو خلق العمل الذي يجعله في عداد المؤمنين أو الكافرين، وأمّا الأثر الذي سيتركه هذا العمل في الواقع الخارجي وردود الأفعال التي سيواجهها الإنسان نتيجة خلقه لهذا العمل فهي أُمور خارجة عن اختياره.

الدليل الخامس للأشاعرة:

لا شكّ في أنّ "الحركة الاضطرارية" التي تصدر من الإنسان مخلوقة للّه تعالى، فما دلّ على أنّ "الحركة الاضطرارية" مخلوقة للّه تعالى، هو الدليل على أنّ "الحركة الاختيارية" أيضاً مخلوقة للّه تعالى، وذلك لوحدة ملاكهما، وهو "الحدوث"(٢) .

يرد عليه:

إنّ اشتراك "الحركة الاضطرارية" و"الحركة الاختيارية" في الملاك إنّما يدل

على وجود خالق لكلتا هاتين الحركتين، وأمّا أن يكون خالق "الحركة الاضطرارية" هو نفس خالق "الحركة الاختيارية" فلا يوجد عليه دليل(٣) .

توضيح ذلك:

إنّ سبب نسبة "الحركة الاضطرارية" إلى اللّه تعالى هو خروجها عن اختيار

____________________

١- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ٢ / ٢٧١.

٢- انظر: اللمع، أبو الحسن الأشعري: الباب الخامس، ص٧٤ - ٧٥.

٣- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ٢ / ٢٧٢.


الإنسان وإرادته، وأمّا "الحركة الاختيارية" فهي واقعة باختيار الإنسان وإرادته، فلا وجه لمقايسة إحداهما بالأخرى(١) .

____________________

١- انظر: المصدر السابق.


المبحث السابع

الاستطاعة وأثر قدرة الإنسان في أفعاله عند الأشاعرة

إنّ استطاعة الإنسان عبارة عن قدرته على الفعل على أساس "إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل".

رأي الأشاعرة حول قدرة العبد في أفعاله:

١ - "إنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه سبحانه وتعالى، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد [تعالى] فيه [أي: في العبد] فعله المقدور مقارناً لهما [أي: يخلق اللّه بقدرته فعل العبد مقارناً للقدرة غير المؤثّرة التي يخلقها في العبد]... وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري"(١) .

٢ - إنّ الاستطاعة من اللّه تعالى يخلقها في العبد مقارنة مع خلقه تعالى للفعل الذي يصدر من العبد، ولهذا تكون هذه الاستطاعة ليست متقدّمة على الفعل ولا متأخّرة عنه(٢) .

٣ - "إنّ المؤثّر في حصول هذا الفعل [فعل العبد] هو قدرة اللّه تعالى، وليس لقدرة العبد في وجوده أثر، وهذا قول أبي الحسن الأشعري"(٣) .

خلاصة رأي الأشاعرة:

إنّ اللّه تعالى هو الذي يخلق أفعال الإنسان، وهو الذي يخلق في نفس الوقت القدرة في الإنسان.

____________________

١- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢١٤.

٢- انظر: بحر الكلام، ميمون النسفي: الباب الثالث، الفصل الثاني، المبحث الثالث، ص١٦٦ - ١٦٧.

٣- القضاء والقدر، فخر الدين الرازي: خلق الأفعال، ص٣١.


ولكن هذه القدرة التي يخلقها اللّه تعالى في الإنسان هي قدرة معطّلة ومشلولة لا يستند إليها فعل أو ترك، وليس للإنسان أي قدرة أو استطاعة في حدوث أفعاله، وإنّما هو مجرّد وعاء للفعل الذي يخلقه اللّه تعالى فيه.

يرد عليه:

١ - إنّ إنكار تأثير قدرة العبد على فعله الاختياري مكابرة وإنكار لأوضح الواضحات.

٢ - إنّ الضرورة كما تحكم بوجود القدرة في أفعال الإنسان الاختيارية، فهي تحكم بتأثيرها في هذه الأفعال.

٣ - إذا لم يكن لقدرة الإنسان أي تأثير في أفعاله الاختيارية، فسوف يكون خلق اللّه تعالى لهذه القدرة في العبد أمراً عبثاً لا فائدة فيه.

٤ - إنّ إثبات القدرة بلا تأثير يشبه إثبات الباصرة للأعمى بلا إبصار، وإثبات السامعة للأصم بلا سمع!

٥ - إذا لم يكن لقدرة الإنسان أي تأثير في أفعاله الاختيارية، فمن أين يعلم وجود هذه القدرة، إذ لا دليل عليها غيره؟

٦ - قال أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨هـ):

"أمّا نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحس، وأمّا إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلا... فلابدّ إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة... فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر... حتّى ينتهي إلى سبب الأسباب [وهو اللّه تعالى]"(١) .

٧ - قال سعد الدين التفتازاني (ت ٧٩١هـ):

"بالضرورة إنّ لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال، كحركة البطش دون

____________________

١- الملل والنحل، الشهرستاني: ج١، الباب الأوّل، الفصل الثالث: الصفاتية، ١ - الأشعرية، ص٩٨ -٩٩.


البعض كحركة الارتعاش"(١) .

أدلة الأشاعرة على نفي تأثير قدرة العبد:

الدليل الأوّل:

إنّ فعل العبد لا يقع بقدرته، بل يقع بقدرة اللّه عزّ وجلّ، وذلك لشمول قدرته تعالى، فلهذا لا تؤثّر قدرة العبد في أفعاله، لامتناع اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدور واحد(٢) .

يرد عليه:

١ - إنّ عموم قدرته عزّ وجلّ لا تعني قيامه تعالى بكلّ شيء بصورة مباشرة وبلا واسطة، بل اللّه سبحانه شاء أن يمنح بعض مخلوقاته القدرة على التأثير بإذنه.

٢ - إنّ قدرة الإنسان تستمد وجودها من قدرة اللّه تعالى، فإذا أراد اللّه شيئاً وأراد الإنسان نقيضه، وقع مراد اللّه تعالى دون مراد الإنسان، لأنّ قدرة اللّه تعالى فوق قدرة الإنسان، فلا يقع أي تعارض بين القدرتين.

الدليل الثاني للأشاعرة:

إذا كان الإنسان موجداً لفعله بقدرته، فلابدّ أن يتمكّن من فعله وتركه، ويتوقف هذا التمكّن على وجود سبب يرجّح أَحد طرفي الفعل أو الترك، وهذا السبب:

١ - إذا كان من الإنسان: لزم التسلسل، لأنّ إيجاد هذا السبب أيضاً يحتاج إلى سبب آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهو باطل.

٢ - إذا كان من اللّه عزّ وجلّ، فيلزم:

حصول الفعل عند خلق اللّه تعالى للسبب.

____________________

١- شرح العقائد النسفية، سعد الدين التفتازاني: القول في أنّ للعباد أفعالا اختيارية، ص٥٨.

٢- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢٠٩.

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ١، ص٢٢٧.


وعدم حصول الفعل عند عدم خلقه تعالى لهذا السبب.

فلا يكون لقدرة الإنسان أي أثر في إيجاد الفعل(١) .

يرد عليه:

١ - لو كانت إرادة الإنسان متوقفة على وجود إرادة ثانية، فإنّ هذا الكلام أيضاً ينطبق على إرادة اللّه عزّ وجلّ، فيلزم فيها التسلسل والاحتياج إلى إرادات لا نهاية لها، وهو باطل.

٢ - إنّ وجود الفعل يتوقّف على وجود العلّة التامة لإيجاده، وصدور فعل الإنسان يتوقّف على مجموعة مقدّمات وعلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى، بل هي إرادة مستندة إلى الاختيار الذاتي الثابت للنفس الإنسانية.

الدليل الثالث للأشاعرة:

استدلّت الأشاعرة على نفي استطاعة الإنسان بقوله تعالى:( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّ ما شاءَ اللّهُ ) [الأعراف: ١٨٨](٢) .

يرد عليه:

١ - إنّ الاستثناء الموجود في هذه الآية يدلّ على بطلان مذهب الأشاعرة، لأنّ هذا الاستثناء يدل على أنّ الإنسان يمتلك الاستطاعة، ولكن هذه الاستطاعة مستثناة بشرط وهو المشيئة الإلهية، في حين يرى الأشاعرة بأنّ الإنسان لا يمتلك الاستطاعة أبداً.

٢ - إنّ الآية تدل على أنّ الإنسان يمتلك لنفسه الاستطاعة، ولكن هذه الاستطاعة إنّما تكون في إطار مشيئة اللّه تعالى، وهو معنى "لا حول ولا قوة إلاّ باللّه" وعبارة "إلاّ باللّه" تفيد ثبوت حول وقوة للإنسان، ولكن هذا "الحول" لا يكون إلاّ بعد أن يمكّن اللّه تعالى الإنسان منه.

____________________

١- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢١٧.

٢- انظر: التفسير الكبير، الفخر الرازي: ج٥، تفسير آية ١٨٨ من سورة الأعراف، ص٤٢٥ - ٤٢٦.



المبحث الثامن

الكسب عند الأشاعرة

الكسب في اللغة: هو السعي والعمل(١) .

الكسب عند الأشاعرة:

المراد من "كسب العبد للفعل" هو مقارنة خلق اللّه تعالى لفعل العبد مع القدرة التي يمنحها اللّه للعبد، من غير أن يكون لقدرة العبد أي تأثير أو مدخل في وجود الفعل، لأنّ العبد ليس إلاّ محلاً للفعل الذي يخلقه اللّه تعالى فيه، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري(٢) .

توضيح ذلك:

١ - إذا قصد الإنسان فعلاً من الأفعال، فسيخلق اللّه تعالى في تلك اللحظة شيئين:

الأوّل: ذلك الفعل المقصود.

الثاني: قدرة للإنسان تقترن بذلك الفعل.

فالموجد لفعل الإنسان في الواقع هو اللّه تعالى، وليس لقدرة الإنسان أي أثر في إيجاد فعله سوى اقترانها بذلك الفعل، وهذا الاقتران هو الكسب.

٢ - الكسب هو "الاقتران العادي بين القدرة المحدثة [أي: قدرة الإنسان]والفعل، فاللّه تعالى أجرى العادة بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته، لا بقدرة العبد وإرادته، فهذا الاقتران هو الكسب"(٣) .

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (كسب).

٢- انظر: المواقف، عضد الدين الايجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢١٤.

٣- ضحى الإسلام، أحمد أمين: ج٣، الفصل الأوّل: المعتزلة، العدل ص٥٧.


خلاصة رأي الأشعري حول أفعال العباد:

١ - أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى.

٢ - يخلق اللّه في العبد قدرة عند خلقه تعالى لفعل العبد.

٣ - هذه القدرة التي يخلقها اللّه تعالى غير مؤثّرة.

٤ - ليس للعبد أي تأثير في إيجاد فعله.

٥ - فعل العبد يخلقه اللّه تعالى ويكسبه العبد.

٦ - الكسب هو اقتران قدرة العبد بخلق اللّه تعالى لذلك الفعل.

رد نظرية الكسب عند الأشاعرة:

١ - إنّ هذا الكسب لا يستطيع أن يكون ملاكاً للطاعة والعصيان أو مناطاً للثواب والعقاب، لأنّه عبارة عن المقارنة الواقعة بين خلقه تعالى لفعل العبد وبين خلقه تعالى للقدرة في العبد، وهذه المقارنة خارجة عن اختيار الإنسان، فلا تصحُّ إناطة الثواب والعقاب عليها.

٢ - إنّ القول بالكسب لا ينقذ الموقف الأشعري من الجبر، لأنّ الأصل عند الأشعري هو أنّ اللّه تعالى خالق لكلّ شيء، والكسب شيء، فيكون اللّه تعالى هو الخالق للكسب، فلا يبقى للعبد أي دور في الأفعال التي تصدر عنه(١) .

٣ - إنّ الكسب لايدل على كون الإنسان فاعلاً لفعله، لأنّ فعل الشيء عبارة عن إيجاده والتأثير في وجوده، والأشاعرة لايقولون به، وإنّما يقولون:

إنّنا محل فعل اللّه سبحانه، والمحل ليس بفاعل، فإنّ من بنى في محل بناءً، لايقال إنّ المحل بان(٢) .

٤ - من أقوال أحد علماء أهل السنّة حول الكسب(٣) :

____________________

١- وقد صرح عبد القادر الاسفراييني بذلك قائلاً: "إنّ اللّه سبحانه خالق الأجسام والأعراض خيرها وشرها، وأنّه خالق أكساب العباد، ولا خالق غير اللّه".

الفرق بين الفرق، الاسفراييني: الباب الخامس، الفصل الثالث، الركن السادس ص٣٣٨.

٢- انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، إنّا فاعلون ص٤٣٥.

٣- من العقيدة إلى الثورة، د.حسن حنفي: ج٣، الباب الثالث: الإنسان المتعيّن، الفصل السابع: خلق الأفعال، ص١١٧، ١١٨، ١٢٦، ١٢٨، ١٢٩.


"لفظة الكسب قد لا تعني شيئاً على الإطلاق، إنّما أُريد بها التمويه على الجمهور أنّها تفيد شيئاً غير الجبر، وهي في الحقيقة لا تفيد إلاّ الجبر".

"الكسب اسم بلا مسمى، لفظ بلا معنى... وتكشف عن مجرّد الرغبة في إثبات الجبر بطريقة ملتوية".

"الحقيقة أنّ الكسب نظرية في الجبر، لأنّ كليهما ينفي استقلال قدرة العبد وتأثيرها في العالم".

"الكسب الأشعري في ذاته غير معقول وليس له أساس نظري".

"يعتمد الكسب على عدّة حجج كلّها خاطئة، وكلّها تثبت أنّ الإنسان ليس صاحب أفعاله، وأنّ هناك قوة أُخرى مسيطرة عليها".

دور قدرة الإنسان في الكسب عند الأشاعرة:

نفي تأثير قدرة الإنسان:

"والمراد بكسبه [العبد] إيّاه [الفعل] مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه [العبد] تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري"(١) .

يرد عليه:

لا يمتلك الإنسان وفق هذه النظرية أي دور في حدوث أفعاله، وإذا كان اللّه خالقاً لفعل العبد من دون أن يكون لقدرة العبد أي أثر في ذلك، فكيف يصح نسبة الفعل إلى العبد، وكيف يتحمّل الإنسان مسؤولية عمله إذا لم يكن لقدرته أي تأثير في وقوع فعله.

ولهذا ناقش جماعة من أعلام الأشاعرة هذا الرأي منهم:

١ - فخرالدين الرازي:

قال: "زعم أبو الحسن الأشعري أنّه لا تأثير لقدرة العبد في مقدوره أصلاً، بل

____________________

١- كتاب المواقف، عضد الدين الايجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢١٤.


القدرة والمقدور واقعان بقدرة اللّه تعالى".

ثم قال:

"إنّ العبد إمّا أن يكون مستقلاً بإدخال الشيء في الوجود، وإمّا لا يكون، فهذا نفي وإثبات ولا واسطة بينهما.

فإن كان الأوّل فقد سلّمتم قول المعتزلة.

وإن كان الثاني كان العبد مضطراً، لأنّ اللّه تعالى:

إذا خلقه في العبد حصل لا محالة.

وإذا لم يخلقه فيه فقد استحال حصوله، وكان العبد مضطراً، فتعود الإشكالات وعند هذا التحقيق يظهر أنّ الكسب اسم بلا مسمى"(١) .

٢ - الشيخ شلتوت:

قال: "إنّ هذه المقارنة الحاصلة بخلق اللّه للفعل عند قدرة العبد، ليست من مقدور العبد ولا من فعله حتّى ينسب الفعل بها إليه ويجازى عليه،...فأيّ مزيّة للقدرة بهذه المقارنة في نسبة الأفعال إلى العبد؟ وبذلك يكون العبد في واقع أمره مجبوراً لا اختيار له"(٢) .

٣ - أحمد أمين:

قال: "هو [الكسب الأشعري] شكل جديد في التعبير عن الجبر، فهو [أبو الحسن الأشعري] يرى أنّ القدرة الحادثة لا تؤثّر في المقدور، ولم ينكر أنّ هذا الذي سماه كسباً من خلق اللّه، فلِمَ هذا الدوران، والنتيجة القول بالجبر؟"(٣) .

٤ - الشيخ الشعراني:

مضمون كلامه: كان أبو الحسن الأشعري، يقول: ليس للقدرة الحادثة أثر، وإنّما

____________________

١- محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين، فخرالدين الرازي: القسم الثالث: في الأفعال، ص١٩٩.

٢- تفسير القرآن الكريم، الشيخ شلتوت: ص٢٤٠، نقلاً عن: بحوث في الملل والنحل، جعفر سبحاني: ٢ / ١٥٣.

٣- ضحى الإسلام، أحمد أمين: ج٣، الفصل الأوّل: المعتزلة، العدل ص٥٧.


تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير. وقد اعتُرض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر، فوجودها وعدمها سواء، فإنّ القدرة التي لا يقع بها المقدور تكون بمثابة العجز، ولقوّة هذا الاعتراض فإنّ قول بعض أصحاب الأشعري يلزمه الجبر(١) .

آراء بعض أهل علماء السنة القائلين بتأثير قدرة العبد:

١ - رأى القاضي أبي بكر الباقلاني (ت٤٠٣هـ):

إنّ قدرة العبد الحادثة وإرادته الحادثة لها تأثير في فعله، ولكن هذا التأثير لا يكون في أصل إيجاد الفعل وحدوثه، بل يكون في صفات الفعل.

بعبارة أُخرى:

إنّ إيجاد الفعل من اللّه سبحانه، وليس للقدرة الحادثة دور في إيجاد الفعل، ولكنّها مؤثّرة في صفة الفعل من كونه حركة اختيارية(٢) .

يلاحظ عليه:

١ - إنّ التفكيك بين صفة الفعل ووجوده وإن كان صحيحاً في وعاء الذهن وعالم الاعتبار، ولكنه غير صحيح في الواقع الخارجي.

٢ - إنّ صفات الفعل لا تخلو من صورتين:

الأولى: أن تكون من الأمور الوجودية، فتكون - عندئذ - مخلوقة للّه سبحانه ولا يكون للعبد نصيب فيها.

الثانية: أن تكون من الأمور العدمية، فلا يكون - عندئذ - للكسب واقعية خارجية، بل يكون أمراً ذهنياً غنياً عن الإيجاد والقدرة. فحينئذ لا يكون العبد مصدراً لشيء حتّى يثاب أو يعاقب عليه.

____________________

١- انظر: اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، عبد الوهاب الشعراني: الفصل الرابع، المبحث الرابع والعشرون: في بيان أنّ اللّه تعالى خالق لأفعال العباد كما هو خالق لذواتهم، ص٢٥١ - ٢٥٢.

٢- انظر: الملل والنحل، الشهرستاني: ج١، الباب الأوّل: المسلمون، الفصل الثالث، ص٩٧.


٢ - رأي الجويني (ت ٤٧٨هـ):

ذهب الجويني إلى(١) :

١ - أنّ نفي أثر قدرة الإنسان واستطاعته ممّا يأباه العقل والحس.

٢ - إنّ إثبات قدرة لا أثر لها بوجه يكون كنفي القدرة أصلا.

٣ - لابدّ من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة.

٤ - إنّ نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة، لا تكون على وجه الإحداث والخلق، لأنّ الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم والإنسان غير مستقل.

٥ - الفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر حتّى ينتهي الأمر إلى مسبّب الأسباب الذي هو الخالق للأسباب ومسبباتها.

٦ - إنّ كلّ سبب مهما استغنى من وجه، فهو محتاج من وجه، والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر.

تنبيهان:

١ - لا يصح إطلاق لفظ "الكسب" الوارد في القرآن الكريم على المعنى الذي اصطلحه الأشاعرة، لأنّ اصطلاح الأشاعرة متأخّر عن عصر النزول، فاللازم حمل هذا اللفظ الوارد في القرآن الكريم على معناه اللغوي وهو "السعي والعمل".

مثال:

قال تعالى:( وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) [الزمر: ٢٤]

فإنّ المقصود من "الكسب" في هذه الآية هو "السعي والعمل".

ولا تعني هذه الآية: ذوقوا العذاب بما كنتم محلا للفعل الذي خلقه اللّه فيكم بقدرته، لأ نّه ليس من العدل أن يذيق اللّه عباده العذاب لأ نّه جعلهم محلا لأفعاله تعالى(٢) .

٢ - ذهب بعض الأشاعرة إلى أنّ معنى "الكسب" هو أنّ اللّه تعالى يخلق

____________________

١- انظر: المصدر السابق: ص٩٨ - ٩٩.

٢- انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، مخالفة الجبرية لنصوص القرآن، ص٤٧٤.


بقدرته فعل العبد بعد قصد واختيار العبد لذلك الفعل، والكسب هو إجراء العادة بخلقه تعالى لفعل الإنسان عند اختيار الإنسان لذلك الفعل، وبهذا يكون الإنسان هو المسؤول في دائرة قصده واختياره(١) .

يلاحظ عليه:

إنّ القصد والاختيار من جملة الأفعال، فإذا جاز صدورهما من العبد فليجز صدور أصل الفعل منه، وأي فرق بينهما؟ وأي حاجة وضرورة إلى هذا التفريق الذي يؤدّي إلى نسبة خلق جميع الأفعال القبيحة إليه تعالى(٢) .

____________________

١- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة: في صفاته تعالى، في إبطال الكسب، ص١٢٦.

٢- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة: في صفاته تعالى، في إبطال الكسب، ص١٢٦.


المبحث التاسع

رأي المعتزلة حول أفعال العباد

١ - إنّ اللّه تعالى حكيم وعادل، ولا يجوز أن يضاف إليه شرٌّ ولا ظلم، والذي يخلق الظلم يقال له ظالم، واللّه تعالى منزّه عن نسبة الظلم إليه(١) .

٢ - قال تعالى:( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُت ) [الملك: ٣]

إنّ المقصود من التفاوت في هذه الآية ليس التفاوت في أصل المخلوقات، لأنّ هذا التفاوت موجود نراه بوضوح، بل المقصود التفاوت من جهة الحكمة، ومن هنا لا يصح نسبة أفعال العباد إلى اللّه تعالى لأ نّها متفاوتة وفيها العدل والظلم(٢) .

٣ - إنّ نسبة الفعل البشري إلى اللّه تعالى تستلزم نسبة القبائح إليه تعالى، وهذا لا يتناسب مع جلالة شأنه تعالى.

٤ - المستفاد من الآيات القرآنية الكثيرة هو إسناد أفعال العباد إليهم دون اللّه عزّ وجلّ، منها قوله تعالى:

( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ) [البقرة: ٧٩]

( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد: ١١]

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي:

١ - "إنّ أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وأنّهم المحدثون لها"(٣) .

____________________

١- انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الثاني، فصل: في خلق الأفعال، ص٣٤٥.

الملل والنحل، الشهرستاني: ج١، الباب الأوّل: المسلمون، الفصل الأوّل: المعتزلة، ص٤٥ و٤٧.

٢- انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبدالجبار: الأصل الثاني، فصل: في خلق الأفعال ص٣٥٥.

٣- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الثاني، فصل: في خلق الأفعال، ص٣٢٣.


٢ - "اتّفق كلّ أهل العدل على أنّ أفعال العباد من تصرّفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأنّ اللّه عز وجل أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم"(١) .

٣ - "إنّ تصرفاتنا محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا لحدوثها"(٢) .

____________________

١- المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار: ج٨، الكلام في المخلوق، ص٣.

٢- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار، الأصل الثاني، فصل: في خلق الأفعال، ص٣٦٣.


المبحث العاشر

التفويض عند المعتزلة

معنى التفويض (في اللغة):

التفويض هو إيكال فعل الشيء إلى الآخرين على وجه الاستقلال في التصرّف دون أن يكون للمفوِّض (بكسر الواو) سلطان في فعل المفوَّض إليه (بفتح الواو)، وورد: فوّض إليه الأمر: "صيّره إليه وجعله الحاكم فيه"(١) .

معنى التفويض (في الاصطلاح العقائدي):

إنّ اللّه تعالى فوّض أفعال العباد إليهم وتركهم لحالهم يفعلون على وجه الاستقلال التام دون أن يكون له تعالى سلطان على أفعالهم(٢) .

نظرية التفويض(٣) :

١ - خلق اللّه تعالى العالم على أساس نظام الأسباب، وأتمّ عمله بذلك، وكلّ مايحدث بعد ذلك في العالم لا علاقة له باللّه تعالى أبداً.

____________________

١- لسان العرب: مادة (فوض).

٢- انظر: المصطلحات الإسلامية، مرتضى العسكري: ١٤٨.

٣- المشهور نسبة هذه النظرية إلى المعتزلة.

تنبيه: لم أجد في كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي مايدل على نفي إضافة أفعال العباد إلى اللّه تعالى بصورة مطلقة، بل قال القاضي عبد الجبار:

"لا يجوز إضافتها [أي: إضافة أفعال العباد] إلى اللّه تعالى إلاّ على ضرب من التوسّع والمجاز، وذلك بأن تقيّد بالطاعات، فيقال أنّها من جهة اللّه تعالى ومن قبله، على معنى أنّه أعاننا على ذلك، ولطف لنا ووفّقنا، وعصمنا عن خلافه".

شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الخامس، فصل: في القضاء والقدر، ص٧٧٨ - ٧٧٩.

وهذا مايدل على اعتقاد القاضي عبد الجبار بتدخّل اللّه في أفعال العباد الحسنة عن طريق إعانتهم وتوفيقهم واللطف بهم وعصمتهم عن خلافه.


٢ - نقل اللّه تعالى القدرة من سلطانه القاهر إلى سلطان الإنسان، وقطع كلّ علاقة بينه وبينها، كما تنقل ملكية المتاع من البائع إلى المشتري، إلاّ أنّه تعالى طلب من الإنسان أن يستعمل قدرته في الخير لا في الشر.

٣ - خلق اللّه تعالى الإنسان وأقدره على خلق أفعاله وفوّض إليه الاختيار والإرادة، فالعبد مستقل في إيجاد أفعاله وفق مشيئته وإرادته، وتستند أفعاله إليه بشكل تامّ ومستقل(١) ، ولا توجد أيّة صلة بين فعل الإنسان وبينه تعالى سوى القوة التي أودعها في العبد للمرّة الأُولى.

من أقوال القاضي عبد الجبار:

١ - قال في تفسيره لقوله تعالى:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) [الكهف: ٢٩]: "فقد فوّض الأمر في ذلك إلى اختيارنا"(٢) .

٢ - "إنّ هذه التصرفات محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا في الاحتياج إلى محدث وفاعل، وإنّما احتاجت إلينا لحدوثها"(٣) .

من دوافع القول بالتفويض:

١ - الحرص على حريم العدل الإلهي، وتنزيه اللّه تبارك وتعالى عما يصدر من العباد من ظلم وقبائح.

٢ - رد فعل إزاء انتشار التيار الفكري القائل بالجبر، بحيث أدّى هذا الأمر إلى الإفراط في الدفاع عن اختيار الإنسان، والمبادرة إلى قطع العلاقة بين الإنسان وبين اللّه تعالى.

٣ - التأكيد على القدرة البشرية وتحمّل مسؤولية الاختيار من أجل استنهاض

____________________

١- ورد هذا المعنى في: المواقف، عضد الدين الايجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢١٤.

٢- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الثاني: العدل، ص٣٦٢.

٣- المصدر السابق: ص٣٤٠.


المظلومين ومواجهتهم للحكومات الجائرة لاسترداد حقوقهم.


المبحث الحادي عشر

مناقشة نظرية التفويض

أدلة التفويض:

لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار(١) :

١ - بطل التكليف بالأوامر والنواهي، لأنّ العبد إذا لم يكن موجداً لفعله، مستقلاً في إيجاده، لم يصح عقلاً أن يقال له: افعل كذا ولا تفعل كذا.

٢ - بطل التأديب الذي ورد به الشرع، إذ لا معنى لتأديب من لا يستقل بإيجاد فعله.

٣ - ارتفع المدح والذم والثواب والعقاب عن العبد، إذ ليس الفعل مستنداً إليه مطلقاً حتّى يمدح به أو يذم، أو يثاب عليه أو يعاقب.

يرد عليه:

لا يشترط في صحة التكليف والتأديب والمدح والذم والثواب والعقاب أن يكون الإنسان مستقلاً في فعله، بل الملاك في صحة جميع هذه الأمور هو صدور الفعل من الإنسان بقدرته واختياره فحسب.

أساس نظرية التفويض:

إنّ الإنسان يحتاج إلى اللّه تعالى في أصل وجوده وقدرته، ثمّ يكون مستقلاً في استخدام هذه القدرة في الفعل والترك.

____________________

١- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢٢٢.


معنى ذلك:

إنّ الممكن يحتاج إلى الواجب عند حدوثه فقط، ثم يستغني عنه في البقاء، لأنّ "الحدوث" شيء و"البقاء" شيء آخر، وإنّ الأشياء لا تحتاج في بقاء ذاتها إلى العلّة الموجدة لها.

مثال حاجة الممكن إلى العلة حدوثاً واستغنائه عنها بقاءً:

البيت المشيّد، فإنّه بحاجة إلى البنّاء ليبنيه ويقيم جدرانه في بداية أمره، فإذا وُجد البيت، استغنى البيت عن البنّاء، وسيستمر وجوده وإن مات البنّاء، لأنّ ذلك لا يؤثّر على وجود البيت المشيّد.

يرد عليه:

تنقسم العلل إلى قسمين:

أ - العلّة الحقيقية: وهي العلّة التي تخلق الوجود من العدم.

ب - العلّة المعدّة: وهي العلّة التي ليس من شأنها سوى تحقّق عدد من المقدّمات.

وإنّ البنّاء هو "علّة معدّة" وليس "علّة حقيقية"، ومهمته تجميع الأجزاء من موضع إلى آخر، فيكون اجتماع الأجزاء واستقرارها في مواضعها علّة لحدوث شكل البناء، ثمّ تكون الخصائص الماديّة الكامنة في مادة البناء من قابلية التماسك ونحوها هي العلّة المبقية للبناء إلى مدّة معيّنة.

بعبارة أُخرى:

إنّ عمل البنّاء في الفعل هو ضمّ بعض الأجزاء إلى بعض، والحركة تنتهي بانتهاء عمله، وأمّا بقاء المبنى فهو مرهون بالقوّة الكامنة التي أودعها اللّه تعالى في أجزائه، وليس للبنّاء أيّ صنع فيها(١) .

____________________

١- للمزيد راجع: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، صدر الدين الشيرازي: ج١، فصل ١٤، احتياج الممكن إلى العلة حدوثاً وبقاءً، ص٢١٥ - ٢٢١.


الآثار السلبية لنظرية التفويض:

١ - تستلزم هذه النظرية الشرك في الخالقية، لأنّها توجب الاعتقاد بوجود خالقين مستقلين أحدهما اللّه تعالى والثاني الإنسان الذي يكون خالقاً مستقلاً من دون احتياجه إلى اللّه تعالى في بقائه وتأثيراته.

ولهذا قال الإمام علي(عليه السلام):

"... وإن زعمت أنّك مع اللّه تستطيع، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه... "(١) .

٢ - تنافي هذه النظرية أصل احتياج الإنسان إلى اللّه عز وجل، فتؤدّي بالإنسان إلى الشعور بالغنى عن ذات الخالق، والحرمان من دوام الاتّصال باللّه تعالى والتوكّل عليه والاستعانة به.

٣ - تؤدّي هذه النظرية إلى تحديد القدرة الإلهية وسلب سلطانه تعالى على عباده في مجال أفعالهم، فيؤدّي هذا الأمر إلى إنكار أن يكون للّه تعالى صنع في أفعال العباد بالتوفيق والخذلان.

رد التفويض في القرآن الكريم:

١ -( يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [فاطر: ١٥]

٢ -( وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ ) [البقرة: ١٠٢]

٣ -( كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ ) [البقرة: ٢٤٩]

٤ -( وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ ) [يونس: ١٠٠]

٥ -( وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ ) [آل عمران: ١٤٥]

الآيات الدالة على تصرّفه تعالى في أمور عباده:

١ -( وَلَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً ) [النساء:٨٣]

٢ -( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ ) [النمل: ٦٢]

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٥٦: باب الاستطاعة، ح٢٣، ص٣٤٣.


٣ -( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) [الحمد: ٥]

٤ -( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [غافر: ٦٠]

٥ -( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة: ١٨٦]

٦ -( وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) [الأنبياء: ٧٦]

٧ -( وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ ) [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]

٨ -( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً... * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]

٩ -( قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) [آل عمران: ٢٦]

١٠ -( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) [آل عمران: ١٦٠]

ردّ التفويض في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام):

١ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا وهّن اللّه في سلطانه..."(١) .

٢ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "... من زعم أنّ الخير والشر بغير مشيّة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه..."(٢) .

٣ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إنّ القدرية مجوس هذه الأمة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله فأخرجوه من سلطانه..."(٣) .

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح١٤، ص٩ - ١٠.

٢- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٥٩: باب نفي الجبر والتفويض، ح٢، ص٣٥٠.

٣- المصدر السابق: باب٦٠: باب القضاء والقدر، ح٢٩، ص٣٧٢.


٤ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) سأله محمّد بن عَجْلان: فوّض اللّه الأمر إلى العباد؟ فقال(عليه السلام): "اللّه أكرم من أن يفوّض إليهم"(١) .

٥ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) قال للحسن البصري: "... إيّاك أن تقول بالتفويض! فإنّ اللّه جلّ وعزّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً..."(٢) .

٦ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "لعن اللّه المعتزلة أرادت أن توحّد فألحدت، ورامت أن ترفع التشبيه فأثبتت"(٣) .

٧ - وقال(عليه السلام): "مساكين القدرية، أرادوا أن يصفوا اللّه عزّ وجلّ بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه"(٤) .

٨ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... من زعم أ نّه يقوى على عمل لم يرده اللّه عزّ وجلّ، فقد زعم أنّ إرادته تغلب إرادة اللّه..."(٥) .

٩ - الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، سأله الوشاء: اللّه فوّض الأمر إلى العباد؟ فقال(عليه السلام): "اللّه أعزّ من ذلك"(٦) .

____________________

١- المصدر السابق: باب٥٩: باب نفي الجبر والتفويض، ح٦، ص٣٥١.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٢٤، كتاب الإمامة، باب٥٩، ح١، ص٢٣٣.

٣- المصدر السابق: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٨، ص٨.

٤- المصدر السابق: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٩٣، ص٥٤.

٥- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي ج٤، كتاب التوحيد، أبواب أسمائه تعالى، باب١، ح٦، ص١٦١.

٦- المصدر السابق: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٢٠، ص١٦.


المبحث الثاني عشر

القدرية

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "القدرية مجوس هذه الأمة"(١) .

من هم القدرية؟

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: "اعلم أنّ القدرية عندنا إنّما هم المجبرة والمشبّهة، وعندهم المعتزلة، فنحن نرميهم بهذا اللقب وهم يرموننا به"(٢) .

أدلة نسبة القدرية إلى القائلين بالقدر (الجبرية):

١ - إنّ اسم القدرية هو اسم إثبات، ولا يستحقه إلاّ المثبت للقدر، والمجبرة هم الذين يثبتون القدر، ويقولون كلّ شيء بقدر اللّه(٣) .

٢ - إنّ الجبرية هم الذين يولعون بالإكثار من قولهم: لا يكون شيء إلاّ بقضاء اللّه تعالى وقدره، وهم أشدّ الناس حرصاً على استخدام مصطلح القدر، فلهذا يجب أن يكونوا هم القدرية(٤) .

٣ - إنّ المتبادر من القدرية هم القائلون بالقدر، كما أنّ المتبادر من العدلية أ نّهم مثبتو العدل لا منكريه، لأنّ تفسير القدرية بمنكري القدر بعيد جدّاً وهو غير مأنوس في اللغة العربية.

____________________

١- عوالي اللئالي،ابن أبي جمهور الاحسائي، ج١، الفصل الثامن، ح١٧٥، ص١٦٦.

بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب ١، ذيل ح٤، والنص المروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "القدرية مجوس أمتي".

المعجم الأوسط، الطبراني: ٣/٦٥.

كنز العمال، المتقي الهندي: الفصل الأوّل، ح٥٥٣، ص١١٨.

٢- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الرابع، ص٧٧٢.

٣- انظر: المصدر السابق: ص٧٧٥ - ٧٧٦.

٤- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الرابع، ص٧٧٥ - ٧٧٦.


٤ - ذكر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ القدرية خصماء الرحمن، والمجبرة هم الذين يخاصمون اللّه تعالى إذا عاقبهم على المعاصي، فيقولون: إنّك أنت الذي خلقت فينا المعصية وأردتها منّا، فمالك تعذّبنا وتعاقبنا على ذلك(١) .

أدلة نسبة القدرية إلى النافين للقدر (المفوّضة):

١ - إنّ القدري هو الذي يثبت القدر لنفسه دون ربّه عزّ وجلّ، ويقول بأ نّه هو الخالق والمقدّر لأفعاله دون اللّه تعالى.

٢ - إنّ المفوّضة هم القدرية لأ نّهم أفرطوا وبالغوا في نفيه(٢) .

٣ - إنّ من يضيف القدر إلى نفسه، ويدّعي كونه الفاعل والمقدّر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربّه(٣) .

٤ - ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ القدرية خصماء الرحمن، والمفوّضة يسلبون حقّ اللّه تعالى في خلقه لأفعال العباد، وينسبون هذا الخلق إلى أنفسهم، ومن يكون كذلك فهم المخاصمون للّه تعالى.

وجه تشبيه المجبرة بالمجوس:

١ - قال المجوس بأنّ اللّه تعالى يخلق ثمّ يتبرّأ ممّا خلق، وقال المجبرة بأنّ اللّه تعالى يخلق القبائح ثمّ يتبرّأ منها(٤) .

٢ - قال المجوس بأنّ القادر على فعل الخير لا يقدر على فعل الشر وبالعكس، فوافقهم المجبرة وقالوا بأنّ الإنسان الذي يخلق اللّه فيه الإيمان لا يقدر على الكفر وبالعكس(٥) .

٣ - قال المجوس بأنّ مزاج العالم شيء واحد، وهو حَسَن من النور، وقبيح من

____________________

١- انظر: المصدر السابق: ص٧٧٤.

٢- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ١، ص٢٦٧ - ٢٦٨.

٣- المصدر السابق.

٤- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الثامنة، ص٤٣٥.

٥- انظر: المصدر السابق.


الظلمة، وشاركهم المجبرة وقالوا: إنّ الكفر شيء واحد، وهو يَحسُن من اللّه تعالى من حيث خلقه تعالى له ويقبح من العبد من حيث كسبه له(١) .

٤ - جوّز المجوس تكليف ما لا يطاق، وقال المجبّرة أيضاً بأنّ اللّه تعالى كلّف الكافر بالإيمان مع أ نّه لا يمكنه فعله، ونهاه عن الكفر مع أ نّه لا يتصوّر الانفكاك عنه(٢) .

٥ - إنّ الأمر الظاهر في المجوس عملهم الفواحش ثمّ إسنادها إلى اللّه تعالى، وهو ما يذهب إليه المجبرة.

وجه تشبيه المفوّضة بالمجوس:

١ - قال المفوّضة بأنّ الإنسان هو المستقل في خلق أفعاله، فأثبتوا خالقين، والمجوس أيضاً ذهبوا إلى وجود خالقين، أحدهما خالق الخير والآخر خالق الشر.

٢ - قال المفوّضة كالمجوس بأنّ اللّه تعالى خير محض وهو غير قادر على خلق الشرّ والفساد(٣) .

٣ - إنّ المفوّضة كالمجوس لم يجعلوا للّه إرادة ولا سلطاناً في بعض الأُمور(٤) .

القدرية في الأحاديث الشريفة:

وردت "القدرية" في أحاديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) تارة في القائلين بالقدر وهم "المجبّرة"، وأُخرى في النافين للقدر وهم "المفوّضة".

ويبدو أنّ المراد من القدرية عند الرسول وأهل بيته(عليهم السلام) هم الذين يقولون في القدر بخلاف الحقّ، وهو يشمل "المجبّرة" و"المفوّضة".

____________________

١- انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: الأصل الرابع، فصل: في القضاء والقدر، ص٧٧٣.

٢- انظر: المصدر السابق.

٣- كتاب التوحيد، أبو منصور الماتريدي: مسألة في ذم القدرية، ص٣١٤.

٤- المصدر السابق: ص٣١٥.


الأحاديث الدالة على أنّ القدرية هم المجبّرة:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً"، قيل: ومن هم القدرية يا رسول اللّه؟

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): "قوم يزعمون أنّ اللّه سبحانه وتعالى قدّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها"(١) .

٢ - ورد أنّ رجلا قدم على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "أخبرني بأعجب شيء رأيت". قال: رأيت قوماً ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء اللّه تعالى علينا وقدره.

فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): "سيكون من أُمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس أمّتي"(٢) .

٣ - قال الإمام علي(عليه السلام) عند انصرافه من صفين: "... فو اللّه ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدر"، فقاله له شيخ شامي: عند اللّه أحتسب عنائي.

فقال(عليه السلام): "مهلا يا شيخ، لعلّك تظن قضاءً حتماً وقدراً لازماً... تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومجوسها"(٣) .

الأحاديث الدالة على أنّ القدرية هم المفوّضة:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ لكلّ أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، ويزعمون أنّ المشية والقدرة إليهم ولهم"(٤) .

٢ - قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): "... القدرية الذين يقولون: لا قدر، ويزعمون أ نّهم قادرون على الهدى والضلالة"(٥) .

٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إنّ القدرية مجوس هذه الأمة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله، فأخرجوه من سلطانه..."(٦) .

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٧٣، ص٤٧.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٧٤، ص٤٧.

٣- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب٦٠: باب القضاء والقدر و...، ح٢٨، ص٣٦٩ - ٣٧٠.

٤- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب٧، ح١٤، ص١٩٧.

٥- المصدر السابق: ب١، ح١٣، ص٩.

٦- المصدر السابق: ج٥، ب٣، هامش ص٩٨.


٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) لقدري: "اقرأ سورة الحمد..." فجعل القدري يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى:( إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعينُ ) .

فقال له الإمام الصادق: "قف، من تستعين؟ وما حاجتك إلى المعونة إن [كان] الأمر إليك؟"، فبهت الذي كفر، واللّه لا يهدي القوم الظالمين(١) .

٥ - عن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول قوله تعالى:( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد: ١١].

قال(عليه السلام): "إنّ القدرية يحتجون بأوّلها وليس كما يقولون، ألا ترى أنّ اللّه تبارك وتعالى يقول:( وَإِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْم سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ) ..."(٢) .

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٩٢، كتاب القرآن، باب٢٩، ح٤٤، ص٢٣٩ - ٢٤٠.

٢- المصدر السابق: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٤، ص٥.


المبحث الثالث عشر

أفعال العباد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

رأي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حول خلق أفعال العباد:

١ - سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) عن أفعال العباد: أهي مخلوقة للّه تعالى؟ فقال(عليه السلام): "لو كان خالقاً لها لما تبرّء منها، وقد قال سبحانه:( أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرّء من شركهم وقبائحهم"(١) .

٢ - إنّ الإنسان هو الذي يخلق أفعاله بالقدرة التي منحها اللّه تعالى له، "والضرورة قاضية بإسناد الأفعال إلينا"(٢) .

٣ - قال الشيخ الحرّ العاملي: "مذهب الإمامية والمعتزلة أنّ أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها"(٣) .

تنبيه مهم:

إنّ "الخلق" ينقسم إلى قسمين:

الأوّل: إيجاد "شيء" من "لا شيء".

وهذا القسم من الخلق مختص باللّه تعالى فقط، ولا يقدر عليه إلاّ اللّه عزّ وجلّ.

____________________

١- تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: ج٥، فصل في أفعال العباد، ص٤٤.

الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي: ج١، أبواب أصول الدين، باب ٤٧، ح٧ [٢٦٦]، ص٢٥٨ - ٢٥٩.

بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ١، ذيل ح٢٩، ص٢٠.

٢- تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، نفي الجبر، ص١٩٩.

٣- الفصول المهمة، الحرّ العاملي: ج١، أبواب أصول الدين، باب ٤٧، ذيل ح٤ [٢٦٣]، ص٢٥٧.


من الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا الخلق:

قال تعالى:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) [الأعراف: ٥٤]

والخلق هنا بمعنى إيجاد "شيء" من "لا شيء"(١) .

الثاني: الخلق بمعنى التقدير والتصوير والصنع، من قبيل القيام بتركيب مجموعة أشياء للوصول إلى شيء جديد له من الخصائص ما تفترق عن خصائص أجزائه، أو من قبيل وقوع الأحداث التي تتم عن طريق تحريك جزء من مكان إلى مكان آخر.

وهذا القسم من "الخلق" يدخل في مقدور الإنسان.

من الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا الخلق:

قوله تعالى حكاية عن عيسى(عليه السلام):( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) [آل عمران: ٤٩].

أي: أنّي أقدّر لكم وأصوّر لكم من الطين مثل صورة الطير(٢) ، وليس المراد من "الخلق" هنا "إيجاد شيء من لا شيء".

النتيجة:

إنّ خلق الإنسان لأفعاله يكون من قبيل القسم الثاني للخلق، وهو عبارة عن القيام بتركيب مجموعة أشياء أو تحريكها للوصول إلى شيء جديد، ولا يكون خلق الإنسان من قبيل القسم الأوّل للخلق وهو خلق "شيء" من "لا شيء"، لأنّ هذا الخلق من مختصات اللّه تعالى فحسب.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

"في الربوبية العظمى والإلهية الكبرى:

لا يكوّن الشيء لا من شيء إلاّ اللّه.

____________________

١- انظر: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي: ج٤، تفسير آية ٥٤ من سورة الأعراف، وقد عبّر الشيخ الطوسي عن معنى إيجاد شيء من لا شيء بكلمة "الاختراع".

٢- انظر: المصدر السابق: ج٢، تفسير آية ٤٩ من سورة آل عمران.


ولا ينقل الشيء من جوهريته إلى جوهر آخر إلاّ اللّه.

ولا ينقل الشيء من الوجود إلى العدم إلاّ اللّه"(١) .

أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول أفعال العباد:

١ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين"(٢) .

٢ - الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): "إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه..."(٣) .

٣ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل اللّه"(٤) .

٤ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)، قال لأبي حنيفة عندما سأله عن مصدر المعصية:

"... لا تخلو من ثلاث:

[أوّلاً] إمّا أن تكون من اللّه وليس من العبد شيء، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله.

[ثانياً] وإمّا أن تكون من العبد ومن اللّه، واللّه أقوى الشريكين، فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه.

[ثالثاً] وإما أن تكون من العبد، وليس من اللّه شيء، فإن شاء عفى، وإن شاء عاقب"(٥) .

٥ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

"العمل الصالح: العبد يفعله واللّه به أمره.

والعمل الشرّ: العبد يفعله واللّه عنه نهاه".

فقال السائل: أليس فعله بالآلة التي ركّبها فيه؟

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٤، كتاب التوحيد، باب٥، ح٢، ص١٤٨.

٢- المصدر السابق: ب٣، شرح ح٢، ص١٩٧.

٣- المصدر السابق: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٢٢، ص١٦.

٤- المصدر السابق: ح١٠٩، ص٥٩.

٥- المصدر السابق: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٣٣ ص٢٧.


قال(عليه السلام): "نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشر الذي نهاه عنه"(١) .

رأي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حول قدرة العبد:

١ - إنّ اللّه تعالى هو الذي منح الإنسان القدرة والاستطاعة بحيث تكون مالكية الإنسان لهذه القدرة والاستطاعة في طول مالكيته تعالى، أي: لا يكون الباري عزّ وجلّ منعزلا عن هذه القدرة والاستطاعة، بل يكون هو المالك لما ملّك الإنسان، وهو القادر على ما أقدره.

٢ - إنّ قوّة الإنسان قوّة مؤثّرة، ولكنها ليست مستقلة، بل هي قوّة تفتقر في ذاتها إلى اللّه تعالى.

أقوال أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حول قدرة العبد:

١ - قال الإمام علي(عليه السلام) لأحد الأشخاص حول الاستطاعة التي يملكها الإنسان: " [إنّك] تملكها باللّه الذي يملكها من دونك، فإن ملّككها كان ذلك من عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملّكك والمالك لما عليه أقدرك"(٢) .

٢ - قال الإمام علي(عليه السلام) عن معنى "لا حول ولا قوة إلاّ باللّه":

"إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً، ولا نملك إلاّ ما ملّكنا، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا، ومتى أخذه منّا، وضع تكليفه عنّا"(٣) .

٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "ما كلّف اللّه العباد كلفة فعل، ولا نهاهم عن شيء حتّى جعل لهم الاستطاعة، ثمّ أمرهم ونهاهم، فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلاّ باستطاعة متقدّمة قبل الأمر والنهي، وقبل الأخذ والترك، وقبل القبض والبسط"(٤) .

٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "لا يكون العبد فاعلا ولا متحرّكاً إلاّ والاستطاعة معه من اللّه عزّ وجلّ، وإنّما وقع التكليف من اللّه عزّ وجلّ بعد الاستطاعة، فلا يكون

____________________

١- المصدر السابق: ح٢٩، ص١٩.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب١، ح٣٠، ص٢٤.

٣- نهج البلاغة، الشريف الرضي: باب المختار من حكم أمير المؤمنين(عليه السلام)، الحكمة رقم ٤٠٤، ص٧٤٢.

٤- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب١، ح٥٧، ص٣٨.


مكلّفاً للفعل إلاّ مستطيعاً"(١) .

٥ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون فيه آخذين ولا تاركين إلاّ بإذن اللّه عزّ وجلّ"(٢) .

٦ - قال الإمام علي بن محمّد الهادي(عليه السلام): "إنّ اللّه - عزّ وجلّ - يجازي العباد على أعمالهم، ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إيّاها، فأمرهم ونهاهم..."(٣) .

خصائص قدرة الإنسان:

١ - إنّ اللّه تعالى منح الإنسان قدرة محدودة، لكي يستخدم هذه القدرة في ما طلب اللّه تعالى منه.

٢ - إنّ لكلّ إنسان دائرة محدودة من القدرة، وهذه المحدودية هي السبب في نيله الحدّ المحدود من أهدافه ومبتغياته، وهي العامل في عدم وصوله إلى تحقّق جميع آماله.

٣ - إنّ الإنسان مكلّف بالجدّ والاجتهاد واستخدام قدرته في سبيل الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وقد حثّه الباري عزّ وجلّ على استعمال قدرته المحدودة في أوسع نطاقها وفي أبعد مداها، فقال تعالى:( وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى ) [النجم: ٣٩]

٤ - إذا تمكّن الإنسان بقدرته أن يصل إلى أهدافه السامية فبهاونعمت، وإن لم يتمكّن من ذلك بعد استعمال كلّ الوسائل وبذل كلّ ما في وسعه، فعليه أن يعلم بأنّ

____________________

١- المصدر السابق: ح٤٦، ص٣٥.

٢- المصدر السابق: ح٥٥، ص٣٧.

٣- تحف العقول، أبو محمّدالحسن بن علي الحرّاني: ما روي عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد(عليه السلام)، رسالته ؤفي الرد على أهل الجبر والتفويض، ص٣٤١.


اللّه تعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها.

٥ - شاءت الإرادة الإلهية أن يكون التقاعس والتواكل والكسل والخمول وعدم استعمال القوة سبباً للعجز والتسافل، وأن يكون الإقدام والسعي والمحاولة واستعمال القوة في نطاقها الصحيح سبباً إلى الإنتاج المثمر.

رأي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حول نسبة أفعال العبد إلى اللّه تعالى:

إنّ فعل الخير الذي يفعله الإنسان يُنسب إلى اللّه تعالى، لأ نّه منح الإنسان القدرة وأمره به، وأمّا فعل الشرّ فإنّه لا ينسب إلى اللّه تعالى، لأ نّه عزّ وجلّ نهى عنه وأمر بتركه.

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): " [جاء في الحديث القدسي]... قال اللّه: يابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك"(١) .

توضيح ذلك:

السبب في أولوية نسبة سيئات الإنسان إلى نفسه:

إنّ اللّه تعالى وهب للإنسان القدرة، ونهاه عن ارتكاب السيئات، فإذا صرف الإنسان هذه القدرة في السيئات، صار أولى بها، لأ نّه صرف الشيء في ما نهاه اللّه تعالى عنه.

____________________

١- الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح٣، ص١٥٧.


المبحث الرابع عشر

الأمر بين الأمرين

١ - قال الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في جواب مَن سأله عن القدر: "... أ نّه أمر بين أمرين، لا جبر ولا تفويض"(١) .

٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين"(٢) .

٣ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ فقال(عليه السلام): "نعم، أوسع مما بين السماء والأرض"(٣) .

خصائص مقولة "الأمر بين الأمرين":

١ - بلغت الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في ذم الاتّجاهين الجبري والتفويضي وإثبات الأمر بين الأمرين حدّ التواتر(٤) .

٢ - إنّ مقولة الأمر بين الأمرين مقولة مستقلة وليست تلفيقاً بين نظريتي الجبر والتفويض، ولا يعني الأمر بين الأمرين أنّ الإنسان مجبور في جانب من جوانب أفعاله، ومفوّض إليه الأمر في جانب آخر، لأنّ الجبر في الأفعال التكليفيّة باطل بجميع مراتبه، والتفويض أيضاً باطل بأيّ نحو كان.

٣ - تُقدِّم مقولة "الأمر بين الأمرين" صياغة تجمع بين "العدل الإلهي" و"السلطة

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح١٠٣، ص٥٧.

٢- الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح١٣، ص١٦٠.

٣- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٥٩، باب نفي الجبر والتفويض، ح٣، ص٣٥٠.

٤- انظر: محاضرات في أصول الفقه، السيّد الخوئي: ٢ / ٧٧، نقلا عن: التوحيد، دروس السيّد كمال الحيدري، بقلم جواد علي كسّار: ٢ / ٨٧.


الربانية"، لأنّ هذه المقولة:

تمنع - من جهة - نسبة الظلم والقبح إلى اللّه تعالى.

وتحفظ - من جهة أُخرى - سلطنة اللّه في دائرة ملكه.

٤ - إنّ هذه المقولة تجمع بين نسبة الفعل إلى اللّه تعالى ونسبته إلى الإنسان، وتحافظ في نفس الوقت على الاختيار الإنساني في إطار يوجِد التوازن بين أصل "العدل الإلهي" وبين أصل "السلطنة الإلهية" من دون أي تفريط لإحدى الجهات على حساب الأخرى.

أهم معاني الأمر بين الأمرين:

المعنى الأوّل:

إنّ أفعال الإنسان تنسب إليه حقيقة، لأ نّه السبب لها، وهي تحت قدرته واختياره، ولكنها من جهة أُخرى داخلة في سلطان اللّه تعالى، لأنّ اللّه تعالى له الهيمنة على قدرة الإنسان، وهو المالك لما ملّكه، والقادر على ما أقدره.

مثال:

١ - إذا أصيبت يد إنسان بالشلل، فلم يقدر على تحريكها بنفسه، فبعث الطبيب عن طريق جهاز كهربائي الحركة في يد هذا الشخص، بحيث أصبح هذا الشخص عند اتّصال يده بذلك الجهاز قادراً على تحريكها بنفسه:

فإنّ حركة يد هذا الشخص ستكون - في هذه الحالة - أمراً بين أمرين.

فهي لا تستند إلى صاحبها بنفسه كلّ الاستناد، لأنّ قدرته بحاجة إلى الاتّصال بالجهاز.

وهي لا تستند إلى الجهاز وحده، لأنّ الحركة إنّما تكون باختيار هذا الشخص وإرادته(١) .

____________________

١- انظر: محاضرات في أصول الفقه، السيّد الخوئي، بقلم: محمّد إسحاق الفياض: ٢/٨٧ - ٨٩. نقلا عن: التوحيد، دروس السيّد كمال الحيدري، بقلم: جواد علي كسّار: ٢/١١١ - ١١٢.


٢ - إذا ملّك المولى عبده مالا ليتصرّف به:

فإذا قلنا: إنّ هذا التمليك لا يوجب أي مالكية للعبد، والمولى باق على مالكيته كما كان، فإنّ ذلك هو القول بالجبر.

وإذا قلنا: إنّ هذا التمليك يبطل ملك المولى، كان قولا بالتفويض.

وإذا قلنا: إنّ العبد يكون مالكاً، ولكن المولى - في نفس الوقت - مالك لجميع ما يملكه العبد، كان ذلك قولا بالأمر بين الأمرين(١) .

المعنى الثاني:

إنّ المقصود من نفي الجبر والتفويض هو نفيهما في التكليف.

ونفي الجبر في التكليف يعني أنّ اللّه تعالى لم يجبر أحداً على الالتزام بالتكاليف.

ونفي التفويض في التكليف يعني أ نّه تعالى لم يفوّض أمر التكليف للعباد، ليستلزم ذلك نفي التكليف، بل جعله أمراً بين أمرين، وهو أنّ الإنسان يمتلك الاختيار في أداء التكاليف الإلهية(٢) .

قال الشيخ المفيد:

"إنّ اللّه تعالى أقدر الخلق على أفعالهم، ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود في ذلك... فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض"(٣) .

المعنى الثالث:

إنّ لهداية اللّه تعالى وتوفيقاته مدخلا في أفعال العباد وطاعاتهم من غير أن تصل إلى حدّ الإلجاء والاضطرار وسلب القوة.

____________________

١- انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج١، تفسير سورة البقرة آية ٢٦ - ٢٧، ص١٠٠.

٢- انظر: هداية الأمة إلى معارف الأئمة، محمّد جواد الخراساني: المقصد الرابع: في أفعاله تعالى شأنه، فصل: تفسير الأمر بين الأمرين بما ورد عنهم(عليهم السلام)، ص٦٥٤ - ٦٥٨.

٣- تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: فصل: في الفرق بين الجبر والاختيار، ص٤٧.


كما أنّ لخذلانه تعالى لهم وإيكالهم إلى أنفسهم مدخلا في فعل المعاصي وترك الطاعات من غير أن تصل إلى حدّ الإلجاء والاضطرار، ومن دون صحة نسبة تلك الأفعال إلى اللّه تعالى(١) .

المعنى الرابع:

إنّ المقصود من الأمر بين الأمرين هو تدخّل اللّه تعالى في أفعال العباد بإيجاد بعض مقدماتها، كما هو واقع في أكثر المقدمات الخارجية التي منها تهيئة الأسباب ورفع الموانع، فحينئذ لا يكون العبد مجبوراً على الفعل ولا مفوّضاً إليه بمقدماته(٢) .

أقوال أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول معنى الأمر بين الأمرين:

١ - قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول معنى "أمر بين أمرين": "وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه"(٣) .

٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول الأمر بين الأمرين: "مثل ذلك: رجل رأيته على معصية، فنهيته، فلم ينته، فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته، كنت أنت الذي أمرته بالمعصية"(٤) .

٣ - سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): أأجبر اللّه العباد على المعاصي؟

فقال(عليه السلام): " لا ".

فقال السائل: ففوّض إليهم الأمر؟

فقال(عليه السلام): " لا ".

فقال السائل: فماذا؟

فقال الإمام الصادق(عليه السلام): "لطف من ربّك بين ذلك"(٥) .

____________________

١- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب٢، ذيل ح١، ص٨٣.

٢- انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، إنّا فاعلون، مناقشة المظفر، ص٤٤٠ - ٤٤١.

٣- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح١٨، ص١٢.

٤- الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب التوحيد، باب: الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح١٣، ص١٦٠.

٥- المصدر السابق: ح٨، ص١٥٩.


٤ - قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول معنى الأمر بين الأمرين:

"إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه.

فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اللّه عنها صاداً ولا منها مانعاً.

وإن ائتمروا بمعصيته، فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يَحُل، وفعلوه، فليس هو الذي أدخلهم فيه"(١) .

٥ - قال الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام):

"لا تقولوا: وكّلهم اللّه إلى أنفسهم، فتوهنوه.

ولا تقولوا: أجبرهم على المعاصي فتظلموه.

ولكن قولوا: الخير بتوفيق اللّه.

والشر بخذلان اللّه.

وكلّ سابق في علم اللّه"(٢) .

٦ - قال الإمام علي بن محمّد الهادي(عليه السلام) حول معنى الأمر بين الأمرين:

"هو الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي ملّكنا اللّه وتعبّدنا بها..."(٣) .

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٥٩: باب نفي الجبر والتفويض، ح٧، ص٣٥١.

٢- الاحتجاج، الطبرسي: ج١، احتجاجه(عليه السلام) في القضاء والقدر، ص٤٩٣.

٣- تحف العقول، الحسن بن علي الحرّاني: ما روى عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد(عليه السلام)، رسالته في الرد على أهل الجبر والتفويض، ص٣٤٥.



الفصل الثامن

التكليف

معنى التكليف

متعلّق التكليف

حسن التكليف

وجوب التكليف

غرض التكليف

شروط حسن التكليف

تكليف من لم تتّم عليه الحجّة

التكليف بما لا يطاق



المبحث الأوّل

معنى التكليف

معنى التكليف (في اللغة):

التكليف مأخوذ من الكُلفة، وهو عبارة عن الأمر بما فيه المشقّة(١) .

معنى التكليف (في الاصطلاح العقائدي):

التكليف هو بَعْثُ من تجب طاعته - ابتداءً - على ما فيه مشقة بشرط الإعلام(٢) .

توضيح قيود معنى التكليف:

القيد الأوّل: " بعث "

البعث على الفعل هو الحمل عليه والحثّ عليه بالأمر والنهي(٣) .

أقسام البعث(٤) :

أوّلاً: البعث على الفعل، وهو:

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (كلف).

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الحادية عشر، ص٤٣٧.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع، ص٧١.

٢- انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: البحث الرابع، المطلب الأوّل، المقام الثاني، ص٩٥.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الأوّل، ص١١٤.

النافع يوم الحشر: مقداد السيوري: الفصل الرابع، ص٧١.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، ص٢٤٧.

٣- انظر: النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع، ص٧١.

٤- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، ص٢٥٣ - ٢٥٤.


١ - الواجب: الفعل الذي يجب فعله.

٢ - الندب: الفعل الذي من الأفضل فعله.

ثانياً: البعث على ترك الفعل، وهو:

١ - المحرّم: الفعل الذي لا يجوز فعله.

٢ - المكروه: الفعل الذي من الأفضل عدم فعله.

تنبيهان:

١ - إنّ التكليف - بصورة عامة - ينبغي أن يكون بعثاً على ما يستحق فعله المدح، من قبيل فعل الواجب والمستحب وترك القبيح، وعلى هذا يخرج المباح، لأنّ فعله أو تركه لا يستحق المدح.

٢ - إنّما ورد في تعريف التكليف كلمة "بعث" ليندرج في هذا التعريف: "الإرادة" و"الأمر" و"الإلزام" و"النهي" و"الإعلام"، فإنّها بأجمعها تشترك في كونها باعثة(١) .

القيد الثاني: " من تجب طاعته "

يدخل بهذا القيد من تجب طاعته من قبيل اللّه تعالى والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام(عليه السلام)والوالدين والسيّد والمنعم، ويخرج من لا تجب طاعته، لأنّ بَعث غير واجب الطاعة لا يسمّى تكليفاً(٢) .

القيد الثالث: " الابتداء "

يكون التكليف بهذا القيد محصوراً بطاعة اللّه تعالى فقط، لأنّ البعث الإلهي هو البعث الوحيد الذي يكون من جهة الابتداء، وغيره تابع له.

ولهذا لا تسمّى أوامر ونواهي النبي والإمام ومن تجب طاعتهم من العباد تكليفاً، لأنّ طاعتهم متفرّعة عن طاعة اللّه تعالى، فلا يعتبر بعثهم على ما أمر به اللّه تعالى

____________________

١- انظر: إشراق اللاهوت، عميد الدين العبيدلي، المقصد العاشر، المسألة الأُولى، ص٣٧٩.

٢- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، تعريف التكليف، ص٢٧١.

إشراق اللاهوت، عميد الدين العُبيدلي: المقصد العاشر، المسألة الأولى، ص٣٧٩.


تكليفاً(١) .

مثال:

لا يسمّى بعث وأمر الوالد ولده على الصلاة تكليفاً لسبق بعثه تعالى وأمره بها، وإنّما يقال للوالد: "أمر ولده بها"، ولا يقال: "هذا تكليف من الأب لولده"(٢) .

القيد الرابع: " المشقّة "

يتمّ بهذا القيد الاحتراز عما لا مشقة فيه، لأنّ ما لا مشقة فيه لا يسمّى تكليفاً(٣) .

تنبيهات:

١ - ورد قيد "المشقّة" في تعريف التكليف، لأنّ التكليف مأخوذ من الكلفة - وهي المشقّة - فلابدّ من اعتبارها(٤) .

٢ - ليس المراد من المشقّة العسر الذي يؤدّي إلى نفي الحكم، بل المراد ما يوجب الزحمة، ويحتاج فعله إلى مؤونة(٥) .

٣ - قد استشكل البعض بأنّ جملة مما تشتهيه النفس من قبيل النكاح وتناول الطعام يقع في دائرة التكليف، وهو ليس فيه مشقة، فكيف أصبحت المشقّة من لوازم التكليف؟

الجواب: إنّ المشقة الموجودة في هذا المقام عبارة عن اقتصار النفس على النكاح والطعام الحلال وترك الحرام، وردع النفس عن تلبية الهوى واتّباع

____________________

١- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الأوّل، ص١١٤.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع، ص٧١ - ٧٢.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، تعريف التكليف، ص٢٧١.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الأوّل، المبحث الأوّل، ص٢٢٢.

٢- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، ص٢٤٧.

٣- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، ص١١٤.

٤- انظر: إشراق اللاهوت، عميد الدين العُبيدلي: المقصد العاشر، المسألة الأولى، ص٣٧٩.

٥- انظر: بداية المعارف، محسن الخرازي: ج١، عقيدتنا في التكليف، ص١٤٤.


الشهوات.

القيد الخامس: " الإعلام "

يشترط في التكليف إعلام المُكلَّف ما كُلِّف به، لأنّ البعث الفاقد للإعلام لا يسمّى تكليفاً(١) .

بعبارة أُخرى:

إنّ التكليف لا يكون تكليفاً لأحد إلاّ بعد إعلامه بما كُلِّف به(٢) .

وإنّ المكلَّف لا يكون مكلّفاً إلاّ بعد إعلامه بما يُطلب منه(٣) .

تنبيهان:

١ - إنّ "اشتراط الإعلام" لا يرتبط بحقيقة التكليف، بل يعتبر شرطاً من شروط القيام بالتكليف(٤) .

٢ - إنّ اللّه تعالى يعلم العباد بتكاليفهم عن طريق:

أوّلاً: تكميل عقولهم، ليمكنهم الاستدلال بها.

ثانياً: إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية إليهم(٥) .

____________________

١- انظر: تكملة شوارق الإلهام، محمّد المحمدي الجيلاني: المقصد ٣، الفصل ٣، المسألة ١١، ص٥٥.

٢- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الأوّل، ص١١٤.

٣- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل،تعريف التكليف، ص٢٧١.

٤- انظر: اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع ٩، المقصد ٤، النوع ١، المبحث ١، ص٢٢٢.

٥- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، تعريف التكليف، ص٢٧١.


المبحث الثاني

متعلّق التكليف(١)

ينقسم متعلّق التكليف إلى علم وظن وعمل:

أوّلاً: علم، وهو ينقسم نتيجة لحاظ مصدر العلم إلى:

١ - عقلي.

٢ - شرعي.

٣ - عقلي شرعي.

توضيح ذلك:

١ - عقلي: وهو أن يكون متعلّق التكليف علماً يتمّ الحصول عليه عن طريق النظر والاستدلال ونحوها مما يستقل العقل بحكمه.

مثال: التكليف بمعرفة اللّه تعالى وصفاته.

٢ - شرعي: وهو أن يكون متعلّق التكليف علماً يتمّ الحصول عليه عن طريق الشرع، لأ نّه يكون مما لا يستقل العقل بدركه.

مثال: التكليف بمعرفة الأُمور الشرعية، أي: العلم بالواجبات والمحرّمات

____________________

١- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الخامس، ص١١٧.

تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، ص٢٠٤.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الأوّل، المقام الثاني، ص٩٦.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، ص٢٥٤.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، ص٢٥٠ - ٢٥١.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع، ص٧٣.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، ص٢٧٥ - ٢٧٦.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الأوّل، المبحث الأوّل، ص٢٢٢.


والمستحبات، والمكروهات والمباحات التي يعلم الإنسان بها عن طريق الشرع.

ومنه أيضاً العلم بوجود الملائكة وتفاصيل البرزخ والمعاد وكلّ الاُمور الغيبية.

٣ - عقلي شرعي: وهو أن يكون متعلّق التكليف علماً يتمّ الحصول عليه عن طريق العقل والشرع.

مثال: التكليف بمعرفة وحدانية اللّه تعالى.

ثانياً: ظن، وهو أن يكون متعلّق التكليف ظناً أقيم الدليل على اعتباره.

مثال:

التكليف - في بعض الموارد - بظواهر الكتاب والأخبار الآحاد والبيّنة

ونحوها.

ثالثاً: عمل، وهو ينقسم إلى:

١ - عقلي: وهو أن يكون متعلّق التكليف عملا يأمر العقل به أو ينهى عنه.

مثال:

وجوب شكر المنعم والإنصاف والإحسان وبرّ الوالدين وردّ الوديعة.

٢ - شرعي: وهو أن يكون متعلّق التكليف عملا يأمر الشرع به أو ينهى عنه.

مثال:

فعل العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد وغيرها من الأعمال الشرعية.


المبحث الثالث

حسن التكليف

دليل حسن التكليف:

إنّ التكليف من فعل اللّه سبحانه وتعالى، ولا شكّ في حُسن جميع أفعاله تعالى(١) .

وجه حسن التكليف:

إنّ التكليف حسن، لأ نّه يشتمل على مصلحة، وهذه المصلحة هي التعريض لنفع عظيم لا يمكن الحصول عليه إلاّ عن طريق التكليف، وهذا النفع هو الثواب(٢) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: فصل: في حسن تكليف اللّه تعالى...، ص١٣٥.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الثاني، ص١١٥.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظرالثاني، البحث الرابع، المطلب الأوّل، المقام الأوّل، ص٩٣.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، كون التكليف حسن، ص٢٧٢.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الأوّل، المبحث الثالث، ص٢٢٣.

٢- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، حسن التكليف...، ص١٠٠ - ١٠١.

الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في التكليف، فصل في بيان العرض بالتكليف، ص١٠٨.

تقريب المعارف، أبو صلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة في التكليف، ص١١٢.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الثالث، حسن التكليف، ص١٠٩.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، فصل في التكليف وما يتعلّق به، ص١٠٦.

تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، ص٢٠٢.

تلخيص المحصل، نصير الدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثالث، ص٣٤٥.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة الحادية عشر، ص٤٣٧.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، حسن التكليف، ص٢٥٤.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٧٤.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: الكلام في التكليف و...، ص٢٤١.


معنى التعريض:

إنّ التعريض في التكليف هو جعل المُكلَّف بحيث يتمكّن من الوصول إلى الثواب الذي عُرِّض له(١) .

ويكون التعريض للشيء في حكم إيصاله(٢) .

تنبيهات:

١ - لا يمكن القول بأنّ التكليف حسن لكونه شكراً للمنعم، لأنّ "الشكر" لا يشترط فيه المشقّة، ولكن "التكليف" فيه مشقّة(٣) .

٢ - لا يشترط في التكليف المراضاة بين المُكلِّف (وهو اللّه تعالى) وبين المكلَّف (وهو الإنسان أو غيره من المكلَّفين)، لأنّ مقدار النفع الذي أعدّه اللّه تعالى لمن يلتزم بالتكليف يبلغ حدّاً يكون الممتنع عنه سفيهاً عند العقلاء، ولهذا لا يشترط المراضاة في هذا المجال(٤) .

٣ - إنّ حسن التكليف عام يشمل المؤمن والكافر، لأنّ فائدة التكليف هي التعريض للثواب وإراءة طريق السعادة، وهذه الفائدة ثابتة في حقّ الكافركماهي ثابتة في حقّ المؤمن، وإنّ المؤمن والكافر متساويان في التعريض للثواب والنفع، إلاّ أنّ خسران الكافر من سوء اختياره(٥) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في التكليف، ص١٠٨.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الثالث، حسن التكليف، ص١٠٩.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، كون التكليف حسن، ص٢٧٣.

٢- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، حسن التكليف، ص١٠١.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الثالث: ص١٠٩.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، الكلام في التكليف و...، ص٢٤١.

٣- انظر: تكملة شوارق الإلهام، محمّد المحمدي الجيلاني: المقصد ٣، الفصل ٣، المسألة ١١، ص٥٥.

٤- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، الكلام في التكليف و...، ص٢٤٢.

٥- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في التكليف، فصل في حسن تكليف اللّه، ص١٢٩.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة في التكليف، ص١١٦.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الثالث: الكلام في التكليف، حسن تكليف الكافر، ص١٢٣.

تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي، المقصد الثالث، الفصل الثالث، ص٢٠٤.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الأوّل، ص٩٤.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، الكلام في التكليف و...، ص٢٤٣ و٢٤٧.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، ص٢٥٠.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الأوّل، المبحث الرابع، ص٢٢٤.


بعبارة أُخرى:

إنّ صيرورة التكليف وبالٌ ومفسدةٌ على الكافر ناشئة من اختياره، لا من نفس التكليف.

مثال:

لو أنّ طبيباً:

أخبر شخصاً بما يضرّه ويفني حياته، وأمره بالاجتناب عنه.

وأخبره بما ينفعه ويبقي حياته، وأمره بتناوله أو فعله.

فإنّ هذا الطبيب سيكون محسناً في حقّ هذا الشخص.

فإذا خالف هذا الشخص أوامر الطبيب، وفعل عكس ما أمره، ثمّ تضرّر أو هلك،فإنّ الطبيب لا يكون مسيئاً في حقّه، بل يكون هذا الشخص هو السبب في إلحاق الضرر والهلاك بنفسه نتيجة سوء اختياره ومخالفته لأوامر الطبيب(١) .

____________________

١- انظر: الفوائد البهية، محمّد العاملي: ج١، الفصل الأوّل، الباب الخامس، الأمر الرابع، ص٣١١.


المبحث الرابع

وجوب التكليف من اللّه تعالى للعباد

اتّفقت العدلية على وجوب التكليف من اللّه تعالى للعباد(١) .

تنبيه:

لا يخفى بأنّ وجوب التكليف على اللّه تعالى لا يعني فرض الوجوب عليه تعالى من غيره، بل يعني: أنّ الحكمة الإلهية تقتضي ذلك(٢) .

أدلة وجوب التكليف من اللّه تعالى للعباد:

١ - إنّ العباد يجهلون الكثير:

مما يعود عليهم بالنفع والصلاح.

ومما يعود عليهم بالضرر والخسران.

ولهذا تقتضي رحمة اللّه تعالى ولطفه أن:

يبيّن اللّه تعالى للعباد ما فيه النفع والصلاح لهم، ويرشدهم إلى طرق الخير والسعادة، ويأمرهم باتّباعها.

ويبيّن اللّه تعالى للعباد ما فيه الضرر والخسران لهم، ويزجرهم عن طريق الشرّ والشقاء، وينهاهم عن اتّباعها.

وهذا هو التكليف.

٢ - إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق الشهوات والميل إلى القبيح في العباد، فلو لم يكلّفهم، فإنّه تعالى سيكون عابثاً أو مغرياً لهم بالقبيح، وذلك لا يجوز عليه

____________________

١- انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، حسن التكليف، ص٢٥٤.

٢- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، كون التكليف حسن، ص٢٧٤.


تعالى(١) .

٣ - إنّ الغرض الإلهي من خلق العباد هو أن يصلوا إلى الكمال.

ويعتبر التكليف هو السبيل الوحيد الذي يصل به العباد إلى هذا الغرض الإلهي.

فلولا هذا التكليف لانتقض الغرض الإلهي.

ولا يخفى أنّ نقض الغرض قبيح.

ولهذا تقتضي الحكمة الإلهية لزوم تكليف العباد.

تنبيه:

إنّ العلم باستحقاق المدح على الفعل الحسن لا يكفي لبعث العباد على هذا الفعل.

وإنّ العلم باستحقاق الذم على الفعل القبيح لا يكفي لزجر العباد عن فعل القبيح.

ولهذا لا يكون المدح والذم بديلا عن التكليف.

بعبارة أُخرى:

إنّ الكثير من العباد لا يعبؤون بالمدح والذم، فيرجّحون شهواتهم على مدح وذم العقلاء، ولاسيما مع حصول الدواعي الحسّية التي تكون في أغلب الأحيان قاهرة للدواعي العقلية.

ولهذا لا يمكن القول بأنّ المدح داعي والذم زاجر ولا حاجة إلى التكليف، بل التكليف هو السبيل الوحيد لتحفيز العباد على الفعل الحسن، وزجرهم عن الفعل

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في التكليف، فصل: في بيان الغرض، ص١١٠.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، في الغرض من التكليف، ص١١٩.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الثالث: في الكلام في التكليف، ص١١١ - ١١٢.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، فصل في التكليف وما يتعلّق به، ص١٠٦.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الثالث، ص١١٥.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، مسألة: التكليف واجب، ص٢٤٩.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع، في العدل، ص٧٣.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، كون التكليف واجب على الباري تعالى، ص٢٧٣.


القبيح(١) .

____________________

١- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الثالث، ص١١٦.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، مسألة: التكليف واجب، ص٢٤٩.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٧٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، كون التكليف واجب على الباري تعالى، ص٢٧٤.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الأوّل، المبحث الثالث، ص٢٢٤.


المبحث الخامس

غرض التكليف(١)

إنّ تكليف اللّه تعالى للعباد:

١ - ليس فيه غرض: وهو محال، لأنّ التكليف لغير غرض عبث، وفعل العبث قبيح، واللّه تعالى منزّه من فعل القبيح.

٢ - فيه غرض: وهو الصحيح.

وهذا الغرض:

١ - مضرّ: وهو محال، لأ نّه قبيح، واللّه تعالى منزّه من فعل القبيح.

٢ - مفيد: وهو الصحيح.

وهذه الفائدة:

١ - تعود للّه تعالى، وهو محال، لأ نّه يستلزم النقص والحاجة في ذاته تعالى، واللّه تعالى كامل وغني في ذاته وصفاته.

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في التكليف، فصل في بيان الغرض، ص ١١٠.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسألة العدل، في الغرض من التكليف، ص١١٥.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الثالث، ص١١١.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، فصل في التكليف وما يتعلّق به، ص١٠٦، ١٠٧.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة السابعة، الركن الثالث، البحث الثاني، ص١٥٨ - ١٥٩.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، الكلام في التكليف و...، ص٢٤٨.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، ص٢٥٠.

النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل، ص٧١.

إشراق اللاهوت، عميد الدين العُبيدي: المقصدالعاشر، المسألة الثالثة، المبحث الثاني، ص٣٣٨.

إرشاد الطالبيين، مقداد السيوري: مباحث العدل، كون التكليف حسن، ص٢٧٢ - ٢٧٣.


٢ - تعود لغير اللّه تعالى: وهو الصحيح.

وهذا الغير هو:

١ - غير المكلَّف: وهو غير صحيح، لأنّ المكلَّف هو المتحمّل مشقة التكليف، فينبغي أن يكون هو المنتفع لا غيره.

٢ - المكلَّف: وهو الصحيح.

وهذه الفائدة التي يحصل عليها المكلَّف هي:

١ - جلب نفع أو دفع ضرر (أي: الحصول على الثواب والاجتناب عن العقاب): وهو غير صحيح، لأنّ الكافر الذي يموت على كفره مكلّف مع أنّ تكليفه لا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضرراً.

٢ - تعريض(١) للنفع وتحذير من الضرر (أي: تعريض للثواب وتحذير من العقاب): وهو الصحيح.

حديث شريف:

قال الإمام علي(عليه السلام):

"أ يّها الناس!

إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة.

فعلم أنّهم لم يكونوا كذلك إلاّ بأن يعرّفهم ما لهم وما عليهم.

والتعريف لا يكون إلاّ بالأمر والنهي.

والأمر والنهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد.

والوعد لا يكون إلاّ بالترغيب.

والوعيد لا يكون إلاّ بالترهيب.

والترغيب لا يكون إلاّ بما تشتهيه أنفسهم وتلذّه أعينهم.

والترهيب لا يكون إلاّ بضدّ ذلك.

____________________

١- معنى التعريض - كما ذكرنا سابقاً - هو جعل المكلّف بحيث يتمكّن من الوصول إلى النفع الذي عُرِّض له.


ثمّ خلقهم في داره.

وأراهم طرفاً من اللذات، ليستدلّوا به على ما ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم، ألا وهي الجنة.

وأراهم طرفاً من الآلام، ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة، ألا وهي النار.

فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطاً بمحنهم.

وسرورها ممزوجاً بكدرها وغمومها"(١) .

انقطاع التكليف:

ينبغي أن يكون التكليف منقطعاً ومحدّداً بفترة زمنية معيّنة، لأنّ التكليف يتبعه الحصول على الثواب الإلهي، ودوام التكليف يوجب عدم إمكان الحصول على ذلك الثواب، فلهذا ينبغي أن يكون التكليف الذي فيه مشقة منقطعاً، ليصل المكلّف بعد ذلك إلى الثواب الذي لا مشقة فيه(٢) .

إشكال وردّ:

أشكل البعض:

إذا كان الغرض الإلهي من تكليف العباد هو أن يعطيهم النفع، فإنّ اللّه تعالى قادر على إيصال هذا النفع إليهم من غير واسطة التكليف، فلهذا يكون التكليف عبثاً(٣) .

يرد عليه:

١ - إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق نظام الأسباب، وهو الذي شاءت حكمته أن تتوقّف بعض الأُمور على البعض الآخر في الواقع الخارجي، ولهذا لا يكون توسّط

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ١٥، ح١٣، ص٣١٦.

٢- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، ص١٠٣، ١٠٤.

الذخيرة، الشريف المرتضى: فصل: في وجوب انقطاع التكليف، ص١٤١.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، وجوب انقطاع التكليف، ص١٠٩.

٣- انظر: التفسير الكبير، فخر الدين الرازي: ج١٠، تفسير آية ٥٦ من سورة الذاريات، ص١٩٣.


الفعل من أجل الوصول إلى الغرض عبثاً.

٢ - ليس الغرض الإلهي من تكليف العباد: أن يعطيهم النفع.

وإنّما الغرض الإلهي من تكليف العباد: أن يصلوا إلى الكمال.

والوصول إلى الكمال على نحوين:

أوّلاً: إجباري.

ثانياً: اختياري.

وبما أنّ الوصول إلى الكمال بالإجبار لا قيمة له، فإنّ اللّه تعالى منح العباد الاختيار، وجعل التكليف سبيلا لتكاملهم.


النتيجة:

إنّ الغرض الإلهي من تكليف العباد هو أن يصلوا إلى التكامل الاختياري.

ولا يتحقّق هذا التكامل إلاّ عن طريق اختيار الإنسان الكمال بنفسه.

وقد جعل اللّه تعالى التكليف سبيلا يصل من خلاله الإنسان باختياره إلى الكمال المطلوب.

ولهذا لا يوجد أي عبث في هذا الصعيد.


المبحث السادس

شروط حسن التكليف(١)

شروط التكليف:

١ - وجود المكلَّف، لأنّ تكليف المعدوم عبث(٢) .

٢ - انتفاء المفسدة فيه، لأنّ وجودها قبيح(٣) .

٣ - تقدّمه على وقت الفعل زماناً يتمكّن فيه المكلَّف من معرفة التكليف والامتثال به بالصورة المطلوبة، لأنّ التكليف يكون في غير هذه الحالة تكليفاً بما لا يطاق، وهو قبيح(٤) .

٤ - إمكان وقوعه، لأنّ التكليف بالمستحيل قبيح(٥) .

٥ - أن لا يتعلّق التكليف بالمباح، وإنّما يتعلّق بما يستحق به الثواب كالواجب والمندوب وترك القبيح، لأنّ التكليف بما لا يستحق الثواب عبث، وهو قبيح(٦) .

____________________

١- سنكتفي في هذا المبحث - مراعاة للاختصار - بذكر المصادر في الهامش بصورة موجزة، ويستطيع القارئ مشاهدة هذه المصادر بصورة مفصّلة في نهاية المبحث.

٢- انظر: نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: ١٣٤.

٣- انظر: الذخيرة: ١١٠، تقريب المعارف: ١٢١، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، مناهج اليقين: ٢٥١، النافع يوم الحشر: ٧٢، اللوامع الإلهية: ٢٢٣.

٤- انظر: الذخيرة: ١٠٠، تقريب المعارف: ١٢٣، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، مناهج اليقين: ٢٥١، اللوامع الإلهية: ٢٢٢.

٥- انظر: الذخيرة: ١١٢، الاقتصاد: ١١٢، المنقذ من التقليد: ١/ ٢٨٨، مناهج اليقين: ٢٥١، إرشاد الطالبين: ٢٧٤ - ٢٧٥، اللوامع الإلهية: ٢٢٣.

٦- تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، قواعد المرام: ١١٧، المنقذ من التقليد: ١ / ٢٨٨، نهج الحقّ: ١٣٦، مناهج اليقين: ٢٥١، إرشاد الطالبين: ٢٧٤ - ٢٧٥، اللوامع الإلهية: ٢٢٣.


شروط المكلِّف:

١ - أن يكون حكيماً ومنزّهاً عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، لأ نّه لو كان فاعلا للقبيح ومخلاًّ بالواجب لجاز تكليفه بالقبائح وإخلاله في إعطاء الثواب إزاء التكليف، وهذا قبيح(١) .

٢ - أن يكون عالماً بحسن وقبح الفعل الذي يكلّف به، لئلا يكلِّف بالقبيح، من قبيل الأمر بفعل القبيح(٢) .

٣ - أن يكون عالماً بمقدار الثواب والعقاب الذي يستحقه كلّ مكلَّف عند الطاعة أو المعصية، حتّى لا يكون مضيّعاً لحقّ المكلَّفين(٣) .

٤ - أن يكون قادراً على إيصال المستحق حقّه، لأنّ عدم القدرة في هذا المجال تستلزم العجز والظلم، وكلاهما محال على اللّه تعالى(٤) .

٥ - أن يكون له غرض في التكليف، لأنّ التكليف من دون غرض قبيح، وقد ذكرنا هذا الأمر في المبحث السابق(٥) .

٦ - أن يقوم بتقوية دواعي المكلَّف فيما يكلِّفه(٦) بحيث يمكّنه من فعل ما يؤمر به وترك ما يُنهى عنه(٧) .

شروط المكلَّف:

١ - أن يكون قادراً على ما يكلَّف به، لأنّ التكليف بما لا يطاق قبيح، واللّه تعالى

____________________

١- انظر: الذخيرة: ١٠٧، تقريب المعارف: ١١٤، الاقتصاد: ١٠٨، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، قواعد المرام: ١١٦، مناهج اليقين: ٢٥١، إرشاد الطالبين: ٢٧٤، اللوامع الإلهية: ٢٢٢.

٢- انظر: تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، قواعد المرام: ١١٦، المنقذ من التقليد: ١/٢٨٩، مناهج اليقين: ٢٥١، النافع يوم الحشر: ٧٢، إرشاد الطالبين: ٢٧٤، اللوامع الإلهية: ٢٢٢.

٣- انظر: الذخيرة: ١٠٧، الاقتصاد: ١٠٨، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، قواعد المرام: ١١٦، المنقذ من التقليد: ١/٢٨٩، مناهج اليقين: ٢٥١، إرشاد الطالبين: ٢٧٤، اللوامع الإلهية: ٢٢٢.

٤- انظر: المصادر المذكورة في الهامش السابق، ماعدا كتاب المنقذ من التقليد.

٥- راجع مبحث غرض التكليف من هذا الفصل.

٦- لا يخفى بأنّ المقصود من تقوية الدواعي هي التي لا تبلغ حدّ الإلجاء والجبر المنافي للتكليف.

٧- انظر: الذخيرة: ١١٢، تقريب المعارف: ١٢١، الاقتصاد: ١١٢.


منزّه عن فعل القبيح(١) ، وسنبيّن تفاصيل هذا الشرط في المبحث الأخير من هذا الفصل.

٢ - أن يكون متمكّناً من الأدوات التي يحتاج إليها في أداء ما يُكلَّف به، لأنّ التكليف مع فقدان الأدوات يكون بمنزلة التكليف بما لا يطاق، وهو قبيح(٢) .

٣ - أن لا يكون مجبوراً فيما كُلِّف به، لأنّ من شروط التكليف أن يكون الإنسان مختاراً لفعل الخير أو الشر(٣) .

٤ - أن يكون عالماً أو متمكّناً من العلم بما كُلِّف به(٤) ، كما ينبغي أن يكون متمكّناً من التمييز بين ما كلِّف به وبين ما لم يكلّف به(٥) ، لأنّ التكليف لا يكون إلاّ بعد إقامة الحجّة.

تنبيه:

لا يخفى أنّ العلم بالتكليف والتمييز بينه وبين غيره يحتاج إلى كمال العقل، ولهذا يشترط أن يكون المكلَّف كامل العقل(٦) .

الجاهل بالتكليف

أقسام الجاهل بالتكليف:

١ - الجاهل القاصر: وهو الذي لم يتمكّن من طلب العلم لمانع أو لقصور في ذاته.

٢ - الجاهل المقصِّر: وهو الذي تمكّن من طلب العلم، ولكنه ترك ذلك عمداً أو

____________________

١- انظر: الذخيرة: ١٠٠، تقريب المعارف: ١٢٨، الاقتصاد: ١١٦، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، قواعد المرام: ١١٦، المنقذ من التقليد: ١/٢٥٢، مناهج اليقين: ٢٥١، النافع يوم الحشر: ٧٣، إرشاد الطالبين: ٢٧٤ - ٢٧٥، اللوامع الإلهية: ٢٢٢.

٢- انظر: الذخيرة: ١٠٠ و ١٢٣، تقريب المعارف: ١٢٨، الاقتصاد: ١١٨، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، قواعد المرام: ١١٧، مناهج اليقين: ٢٥١، إرشاد الطالبين: ٢٧٥.

٣- انظر: الاقتصاد: ١٢٠، المنقذ من التقليد: ١/٢٨٨.

٤- انظر: الذخيرة: ١٢١، الاقتصاد: ١١٧، تجريد الاعتقاد: ٢٠٣، المنقذ من التقليد: ١/٢٥٢، اللوامع الإلهية: ٢٢٢.

٥- انظر: قواعد المرام: ١١٦، مناهج اليقين: ٢٥١، إرشاد الطالبين: ٢٧٥.

٦- انظر: الذخيرة: ١٢١، الاقتصاد: ١١٧، المنقذ من التقليد: ١/٢٨٩، نهج الحقّ: ١٣٥.


إهمالا.

حكم الجاهل بالتكليف:

١ - إنّ الجاهل القاصر معذور عند اللّه تعالى ولا عقاب عليه، لأنّ اللّه تعالى لا يعاقب أحداً إلاّ بعد البيان ووصول البرهان، وقد ورد في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)بأنّ الذين لم تتمّ عليهم الحجّة في الدنيا يُكلَّفون في الآخرة، ويُحدّد هناك مصيرهم عن طريق ذلك التكليف(١) .

٢ - إنّ الجاهل المقصِّر في معرفة التكليف غير معذور، وهو مسؤول عند اللّه تعالى ومعاقب على تقصيره.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول قوله تعالى:( قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) [الأنعام: ١٤٩]:

"إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟

فإن قال: نعم.

قال له: أفلا عملت بما علمت؟

وإن قال: كنت جاهلا.

قال له: أفلا تعلّمت حتّى تعمل؟

فتلك الحجّة البالغة"(٢) .

تتمة:

إنّ الحجّة - عند المتكلّمين - هي ما توجب القطع وتفيد العلم وتقطع العذر(٣) .

وتنقسم الحجّة إلى قسمين:

١ - باطنية: وهي العقول.

____________________

١- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ١٣: الأطفال ومن لم يتم عليهم الحجّة في الدنيا، ص ٢٨٨ - ٢٩٧.

٢- الأمالي، الشيخ الطوسي: المجلس الأوّل، ح١٤، ص١١.

٣- انظر: الفوائد البهية، محمّد حمود العاملي: ج١، الفصل الأوّل، الباب الخامس، ص٣٠٢.


٢ - ظاهرية: وهي الرسل والكتب السماوية.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

"حجّة اللّه على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين اللّه العقل"(١) .

____________________

١- الكافي، الشيخ الكليني: ج١، كتاب العقل والجهل، ح٢٢، ص٢٥.


مصادر هذا المبحث بصورة مفصّلة:

انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب: الكلام في الاستطاعة و...، فصل: في إبطال تكليف ما لا يطاق، ص١٠٠، وباب: الكلام في التكليف، فصل في صفات المكلِّف تعالى، ص ١٠٧، وفصل: في بيان الغرض بالتكليف و...، ص١١٠، وفصل: في بيان صفات الأفعال التي يتناولها التكليف، ص١١٢، وفصل: في الصفات والشرائط التي يكون عليها المكلَّف، ص١٢١ و١٢٣.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة: في التكليف، ص١١٤، ١٢١، ١٢٣، ١٢٨.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الثالث: في الكلام في التكليف، صفات المكلّف، ص١٠٨، الفعل الذي يتناوله التكليف، ص١١٢، الصفات التي يجب أن يكون عليها المكلَّف، ص١١٦، ١١٧ و ١٢٠.

تجريد الاعتقاد، نصيرالدين الطوسي: المقصد الثالث، الفصل الثالث: في أفعاله، التكليف، ص٢٠٣.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثاني، البحث الرابع والبحث الخامس، ص١١٦، ١١٧.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في أن اللّه تعالى كلّف كلّ من أكمل شروط التكليف فيه، ص٢٥٢، القول في الشروط التي باعتبارها يحسن التكليف، ص٢٨٨، ٢٨٩.

نهج الحقّ: العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المطلب الثامن عشر، ص١٣٥، ١٣٦.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الرابع، ص٢٥١.

إرشاد الطالبين: مقداد السيوري: مباحث العدل، شرائط التكليف: ٢٧٤، ٢٧٥.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الأوّل، ص٢٢٢، ٢٢٣.


المبحث السابع

تكليف من لم تتمّ عليهم الحجّة في الدنيا

إنّ الذين لم تتمّ عليهم الحجّة في الدنيا، ولم يتحقّق تكليفهم فيها، فإنّ تكليفهم سيكون في الآخرة.

وبذلك التكليف يتمّ تحديد مصيرهم:

فإن فازوا في ذلك التكليف الإلهي فمصيرهم الجنة.

وإن خسروا في ذلك التكليف الإلهي فمصيرهم النار.

أحاديث شريفة واردة في هذا المجال:

١ - قال الإمام محمّد بن على الباقر(عليه السلام): "إذا كان يوم القيامة احتجّ اللّه عزّ وجلّ على خمسة:

على الطفل.

والذي مات بين النبيين.

والذي أدرك النبي وهو لا يعقل.

والأبله.

والمجنون الذي لا يعقل.

والأصم والأبكم.

فكلّ واحد منهم يحتجّ على اللّه عزّ وجلّ.

قال: فيبعث اللّه إليهم رسولا فيؤجّج لهم ناراً فيقول لهم:

ربّكم يأمركم أن تثبوا فيها.

فمن وثب فيها كانت عليه برداً وسلاماً.


ومن عصى سيق إلى النار"(١) .

٢ - قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام):

"... إذا كان يوم القيامة اُتِيَ:

بالأطفال

والشيخ الكبير الذي قد أدرك السنّ(٢) ولم يعقل من الكبر والخرف

والذي مات في الفترة بين النبيين

والمجنون

والأبله الذي لا يعقل

فكلّ واحد [منهم] يحتجّ على اللّه عزّ وجلّ

فيبعث اللّه تعالى إليهم ملكاً من الملائكة

فيؤجّج ناراً

فيقول: إنّ ربّكم يأمركم أن تثبوا فيها

فمن وثب فيها كانت عليه برداً وسلاماً

ومن عصاه سيق إلى النار"(٣) .

تنبيهات:

١ - قال الشيخ الصدوق: "إنّ قوماً من أصحاب الكلام ينكرون ذلك ويقولون:

إنّه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء تكليف

____________________

١- الخصال، الشيخ الصدوق: باب الخمسة، ح٣١، ص٢٨٣.

الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي: ج١، باب ٥٦، ح٨ [٣١١]، ص٢٨٢.

بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، باب ١٣، ح٢، ص٢٨٩ - ٢٩٠.

٢- وردت عبارة "أدرك النبي" بدل "أدرك السن" في:

الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي: ج١، باب ٥٦، ح١ [٣٠٤]، ص٢٧٨.

بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، باب ١٣، ح٣، ص٢٩٠.

٣- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق: نوادر الأخبار، ح٨٦، ص٤٠٨.


ودار الجزاء للمؤمنين إنّما هي الجنة

ودار الجزاء للكافرين إنّما هي النار.

وإنّما يكون هذا التكليف من اللّه عزّ وجلّ في غير الجنة والنار، فلا يكون كلّفهم في دار الجزاء، ثمّ يصيّرهم إلى الدار التي يستحقونها بطاعتهم أو معصيتهم.

فلا وجه لإنكار ذلك"(١) .

٢ - قال الشيخ الصدوق حول الأحاديث الشريفة المبيّنة بأنّ أولاد المشركين والكفار مع آبائهم في النار:

"... أطفال المشركين والكفار مع آبائهم في النار لا يصيبهم من حرّها لتكون الحجّة أوكد عليهم متى أمروا يوم القيامة بدخول نار تؤجّج لهم مع ضمان السلامة متى لم يثقوا به ولم يصدّقوا وعده في شيء قد شاهدوا مثله"(٢) .

٣ - قال العلاّمة الحلّي: "ذهب بعض الحشوية(٣) إلى أنّ اللّه تعالى يعذّب أطفال المشركين، ويلزم الأشاعرة تجويزه، والعدلية كافة على منعه، والدليل عليه أنّه قبيح عقلا، فلا يصدر منه تعالى"(٤) .

٤ - إنّ قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمان أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) [الطور: ٢١] لا تدل على إلحاق مطلق الذرية بآبائهم المؤمنين، بل تدل على إلحاق الذرية المؤمنة بآبائهم المؤمنين.

والذرية التي لم ينكشف إيمانها في الدنيا، فإنّ الاختبار الإلهي لها في الآخرة يبيّن إيمانها وعدم إيمانها.

فإن اتّبعت هذه الذرية آباءها في الإيمان، فإنّها ستلحق بآبائها.

____________________

١- الخصال، الشيخ الصدوق: باب الخمسة، ذيل ح٣١، ص٢٨٣.

٢- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: ج٣، أبواب القضايا والأحكام، ب ١٥١، ذيل ح ٤ [١٥٤٦]، ص٣١٨.

٣- للتعرّف على الحشوية راجع: بحوث في الملل والنحل، جعفر سبحاني: ج١، ص١٢٤ والفصل الخامس.

٤- كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة العاشرة، ص٤٣٦.


وإن لم تتبع هذه الذرية آباءها في الإيمان، فإنّها لا تلحق بآبائها.

بعبارة أُخرى:

تبيّن هذه الآية بأنّ الذرية إذا اتّبعت آباءها بالإيمان ولكنها لم تبلغ درجة الآباء في الإيمان، فإنّ اللّه تعالى سيلحق هذه الذرية بالآباء، وذلك لتقرّ عين الآباء باجتماعهم معهم في الجنة(١) .

"فإن قيل: كيف يلحقون بهم في الثواب ولم يستحقوه.

فالجواب: إنّهم يلحقون بهم في الجمع لا في الثواب والمرتبة"(٢) .

تتمة:

تكليف ولد الزنا:

إنّ ولد الزنا غير مقصّر أبداً، ولا يمكن التنقيص منه نتيجة سوء فعل أبويه.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

"إنّ ولد الزنا يستعمل، إن عمل خيراً جُزي به، وإن عمل شراً جُزي به"(٣) .

قال العلاّمة المجلسي بعد ذكره لهذا الحديث الشريف:

"هذا الخبر موافق لما هو المشهور بين الإمامية من أنّ ولد الزنا كسائر الناس مكلّف بأصول الدين وفروعه، ويجري عليه أحكام المسلمين من إظهار الإسلام، ويثاب على الطاعات ويعاقب على المعاصي"(٤) .

تنبيه:

لا يمكن الأخذ ببعض الأحاديث الدالة على أنّ في ولد الزنا منقصة تنافي

____________________

١- قال الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية: "قصرت الأبناء عن عمل الآباء فألحق اللّه عزّ وجلّ الأبناء بالآباء لتقرّ بذلك أعينهم".

التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦١، ح٧، ص٣٨٣.

٢- مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج٩، تفسير آية ٢١ من سورة الطور.

٣- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ١٢، ح١٤، ص٢٨٧.

٤- المصدر السابق: ص ٢٨٧ - ٢٨٨.


الاختيار، لأنّ هذه الأحاديث معارضة للآيات القرآنية الدالة على أنّه تعالى ليس بظلاّم للعبيد(١) .

____________________

١- للمزيد راجع: صراط الحقّ، محمّد آصف المحسني: ج٢، المقصد ٥، القاعدة ١٢، ص٤٠٣ - ٤١١.


المبحث الثامن

التكليف بما لا يطاق

ذكرنا فيما سبق بأنّ من شروط حسن التكليف أن يكون المكلَّف قادراً على ما يُكلَّف به، لأنّ تكليف ما لا يطاق قبيح، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح، ولكن ذهب الأشاعرة إلى عكس هذا القول، ولهذا تطلّب الأمر تسليط المزيد من الأضواء على هذا الموضوع.

أدلة قبح التكليف بما لا يطاق:

١ - إنّ العقل يحكم على نحو البداهة والضرورة بقبح التكليف بما لا يطاق(١) .

٢ - إنّ المكلَّف عاجز عن امتثال التكليف بما لا يطاق، وتكليف العاجز ومؤاخذته عليه ينافي العدل والحكمة الإلهية(٢) .

٣ - إنّ غاية التكليف هي أن يفعل المكلَّف ما كُلِّف به، وتنتفي هذه الغاية فيما لو كان التكليف فوق استطاعة المكلَّف، فيكون التكليف - في هذه الحالة - عبثاً، والعبث قبيح(٣) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في الاستطاعة و...، ص١٠٠.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل وما يتّصل بذلك، ص٩٩.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة في التكليف، ص١١٢.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في تكليف ما لا يطاق، ص٢٠٣.

٢- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، قبح تكليف...، ص٩٨ - ٩٩.

نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المطلب الثامن، ص٩٩.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، قبح تكليف من ليس بقادر، ص١٠٥.

٣- انظر: إشراق اللاهوت، عميد الدين العُبيدلي: المقصد العاشر، المسألة الرابعة، ص٣٨٩.


نفي التكليف بما لا يطاق في القرآن الكريم:

ورد في القرآن الكريم جملة من الآيات الدالة بوضوح على أنّ اللّه تعالى لا يكلِّف العباد إلاّ قدر وسعهم وطاقتهم، منها قوله تعالى:

١ -( لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها ) [البقرة: ٢٨٦]

٢ -( لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها ) [الطلاق: ٧]

٣ -( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ) [الحج: ٧٨]

٤ -( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [البقرة: ١٨٥]

نفي التكليف بما لا يطاق في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام):

ورد في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) العديد من النصوص الدالة بوضوح على أنّ اللّه تعالى لا يكلّف العباد إلاّ قدر وسعهم وطاقتهم، ومن هذه الأحاديث الشريفة:

١ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "ما كلّف اللّه العباد إلاّ ما يطيقون"(١) .

٢ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... ليس من صفته [عزّ وجلّ] الجور والعبث والظلم وتكليف العباد ما لا يطيقون"(٢) .

٣ - الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... كلّ شيء أُمر الناس بأخذه فهم متّسعون له، وما لا يتّسعون له فهو موضوع عنهم..."(٣) .

٤ - الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام): "... إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها، ولا يحمّلها فوق طاقتها..."(٤) .

٥ - الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): سأله الراوي عن اللّه عزّ وجلّ هل يكلّف

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٦٦، ص٤١.

٢- المصدر السابق: ح٢٩، ص١٩.

٣- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح٥١، ص٣٦.

٤- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٥٩: باب نفي الجبر والتفويض، ح٩، ص٣٥٢.


عباده ما لا يطيقون؟ فقال(عليه السلام): "كيف يفعل ذلك وهو يقول:( وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ ) "(١) .

تنبيهان:

١ - إنّ التكليف بما لا يطاق قبيح، من غير فرق بين:

أوّلاً: أن يكون نفس التكليف بذاته محال.

ثانياً: أن يكون التكليف ممكناً بالذات، ولكنّه خارج عن إطار قدرة المكلَّف.

٢ - إنّ القيام بالتكاليف الإلهية يختلف باختلاف طاقة العباد، وكلّ إنسان مكلّف بأداء الواجبات وترك المحرمات بقدر طاقته.

رأي الأشاعرة حول التكليف بما لا يطاق:

جوّز الأشاعرة أن يكلّف اللّه تعالى العباد بما لا يطيقون، وقالوا بأنّ التكليف بما لا يطاق جائز، ولا يمتنع عليه تعالى أن يكلّف العباد بما هو فوق وسعهم وطاقتهم وما لا يقدرون عليه(٢) .

تنبيه:

ذكر بعض الأشاعرة بأنّ مرادهم من القول بجواز تكليف اللّه العباد بما لا يطيقون هو "إمكان الوقوع" فقط، وأمّا "الوقوع" فإنّه لم يقع في نطاق التشريع، وذلك لقوله تعالى:( لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها ) (٣) .

بعبارة أُخرى:

إنّ اللّه تعالى يجوز له أن يكلّف العباد فوق وسعهم وطاقتهم، ولكنه لم يفعل

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب١، ح١٧، ص١١.

٢- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٧، ص٢٩٠ و٢٩٢.

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٤، ص٢٩٦.

دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ١، مناقشة الفضل، ص٣٢٧، والمطلب ٨، مناقشة الفضل، ص٤٢٥.

٣- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٧، ص٢٩١ و٢٩٣.

دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ٨، مناقشة الفضل، ص٤٢٥.


ذلك.

أدلة الأشاعرة على جواز التكليف بما لا يطاق ومناقشتها:

الدليل الأوّل:

إنّ اللّه تعالى يمتلك الحرّية المطلقة، فلهذا يجوز له أن يكلّف العباد بأيّ وجه أراد، ولو كان ذلك تكليفاً بما لا يطاق، لأ نّه تعالى يفعل ما يشاء(١) .

يرد عليه:

إذا كان الأمر كذلك، فينبغي القول بأنّ اللّه تعالى يجوز له الكذب على العباد، لأ نّه يمتلك الحرّية المطلقة، ويفعل ما يشاء، فتزول حينئذ الثقة بأنبيائه وكتبه السماوية.

ولكن الأمر ليس كذلك، لأنّ اللّه تعالى على رغم امتلاكه الحرية المطلقة في الفعل، فإنّه حكيم وعادل، ولا يصدر منه ما ينافي جلالة قدره وعظمة شأنه(٢) .

بعبارة أُخرى:

إنّ أيّ دليل يتمسّك به الأشاعرة لإثبات عدم إخباره تعالى بالكذب، فهو دليل على عدم تكليفه تعالى بما لا يطاق.

الدليل الثاني:

لو كان تكليف اللّه العباد بما لا يطيقون قبيحاً، لما وقع ذلك، ولكنه وقع، ومنه أنّ اللّه تعالى كلّف أبا لهب بأن يؤمن بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويصدّق بكلّ ما أخبر به، ومن جملة ما أخبر به(صلى الله عليه وآله وسلم) هو أنّ أبا لهب لا يؤمن، فيكون تكليف أبي لهب: "أن يؤمن بأ نّه لا يؤمن"، وهو جمع بين النقيضين، وهذا تكليف بما لا يطاق، وقد وقع من قبل اللّه

____________________

١- انظر: المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ٧، ص٢٩٠.

شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٤، ص٢٩٦.

دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ٨، مناقشة الفضل، ص٤٢٥.

٢- انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج١، قبح التكليف بما لا يطاق، ص١٠٨ - ١٠٩.


تعالى، فيثبت عدم قبح تكليف ما لا يطاق(١) .

يرد عليه:

ورد في مقام الردّ على هذا الدليل مجموعة آراء، منها:

١ - إنّ الإخبار عن أبي لهب بأنّه لا يؤمن وقع بعد موته لا قبله(٢) .

٢ - إنّ اللّه تعالى لم يخبر بأنّ أبا لهب لا يؤمن أو أ نّه سيموت كافراً، وإنّما أخبر بأ نّه سيصلى ناراً ذات لهب، وهذا لا يستلزم الكفر، لأنّ العذاب الإلهي أيضاً يشمل الظالم ولو كان مسلماً(٣) .

٣ - كان أبو لهب مكلّفاً بالإيمان من حيث كونه مختاراً وقادراً على الإيمان، وهذا الإيمان أمر ممكن وليس مما لا يطاق.

وأمّا إخباره تعالى بعدم إيمان أبي لهب فهو من حيث العلم، والعلم - كما ذكرنا - يكشف عن الواقع كما هو عليه، وقد كشف علم اللّه تعالى بأنّ أبا لهب لا يؤمن باختياره.

ولو كان أبو لهب مختاراً للإيمان، لكان في علم اللّه تعالى بأ نّه يؤمن، والعلم تابع للمعلوم، وليس له أي تأثير على الواقع الخارجي(٤) .

٤ - إنّ إخباره تعالى بعدم إيمان أبي لهب ورد بعد أن لم يؤمن أبو لهب بما كُلّف به، فأخبر اللّه تعالى بأ نّه لا يؤمن، لأ نّه أصبح نتيجة أعماله ممن خُتم على قلبه

____________________

١- انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٥، ص٢٩٧.

محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين، فخر الدين الرازي: مسألة الحسن والقبح، ص٢٠٢.

دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، المسألة ٣١، المبحث ١١، المطلب ١، مناقشة الفضل، ص٣٢٧.

٢- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، احتجاج الأشاعرة، ص٢٥٧.

٣- انظر: دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج ١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ١، مناقشة المظفر، ص ٣٢٨.

٤- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المبحث الأوّل، ص٢٣٤.

تلخيص المحصّل، نصير الدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثالث، ص٣٤٠.

إشراق اللاهوت، عميد الدين العُبيدلي: المقصد السابع، المسألة الأُولى، ص٣١٠.


وسمعه وبصره(١) .

الآيات القرآنية التي استدل بها القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق:

استدل بعض الأشاعرة بآيات قرآنية ظنّوا أ نّها تدل على جواز التكليف بما لا يطاق، مع أ نّها بعيدة كلّ البُعد عما ذهبوا إليه، وأبرز هذه الآيات(٢) :

الآية الأولى:

( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) [هود: ٢٠]

وجه الاستدلال:

إنّ الكافرين أُمروا أن يسمعوا الحقّ وكُلّفوا به مع أ نّهم( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ) ، فدلّ ذلك على جواز التكليف بما لا يطاق.

يرد عليه:

إنّ سبب عدم استطاعة هؤلاء الكافرين على السمع والبصر المعنوي هو تماديهم في الظلم والغي وإحاطة ظلمة الذنوب على قلوبهم وأعينهم وأسماعهم، حيث أمات العصيان والطغيان قلوبهم وأصمّ أسماعهم(٣) .

بعبارة أُخرى:

إنّ هذه الآية لا تدل على فقدان الكافرين السمع والبصر المعنوي في بداية الأمر، بل تدل على أ نّهم حرموا أنفسهم من هذا السمع والبصر بذنوبهم، فصارت

____________________

١- انظر: الإنصاف، جعفر السبحاني: ج٣، أدلة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليين، ص٣٢، ٣٣.

٢- انظر تفاسير علماء أهل السنة، كما أشار سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح المقاصد، وأشار ميمون بن محمّد النسفي في كتابه بحر الكلام إلى هذه الآيات ووجه الاستدلال بها، وقد بيّن التفتازاني والنسفي في هذا المجال عدم صحّة الأدلة التي احتج بها القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق.

انظر: شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٥، المبحث ٥، ص٢٩٩ - ٣٠١.

وانظر: بحر الكلام، ميمون بن محمّد النسفي: الباب الرابع، الفصل الأوّل، المبحث الثالث، ص١٩٩ - ٢٠١.

٣- انظر: الفوائد البهية، محمّد حمّود العاملي: ج١، الفصل الأوّل، الباب الخامس، الأمر الثاني، ص٣٠٥.


الذنوب التي ارتكبوها سبباً لئلا يسمعوا وأن لا يبصروا الحقائق المعنوية.

الآية الثانية:

( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) [البقرة: ٢٨٦]

وجه الاستدلال:

إنّ هذه الآية تدل بوضوح على جواز تكليف ما لا يطاق، فلو لم يكن التكليف للعاجز جائزاً لم يكن لهذا الدعاء معنى وفائدة.

يرد عليه:

هذه الآية:

لا تشير إلى "تكليف" ما لا يطاق.

وإنّما تشير إلى "تحميل" ما لا يطاق.

وهناك فرق بين "التكليف" و"التحميل".

والفرق هو:

إنّ في "التكليف" يطلب المكلِّف من المكلَّف أن يقوم بفعل معيّن.

ولهذا يشترط في هذا المقام أن يمتلك المكلَّف القدرة والطاقة على ذلك الفعل.

ولكن "التحميل" ليس فيه طلب، وإنّما هو عبارة عن مصائب وابتلاءات وكوارث يحمّلها اللّه تعالى على الإنسان لأغراض حكيمة.

وهذه المصائب التي يواجهها الإنسان:

قد يطيقها ويتمكّن من الوقوف بوجهها والمحافظة على تعادله.

وقد لا يطيقها فتربك توازنه وتشل حركته وتدمّر قدراته وقواه.

النتيجة:

الكلام يدور في هذه الآية حول "تحميل المصائب" التي لا يطيق الإنسان صدّها وإبعاد نفسه عنها، وليس الكلام حول "التكليف" بما لا يطاق.


الآية الثالثة:

( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [البقرة: ٣١ - ٣٢]

وجه الاستدلال:

إنّ اللّه تعالى كلّف الملائكة بأن يذكروا أسماء ما كانوا عالمين بها، ولا طريق لهم إلى علمها، وهذا ما يدل على أ نّه تعالى كلّفهم بما لا يطاق.

يرد عليه:

إنّ الأمر في قوله تعالى:( أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ) للتعجيز لا للتكليف، وهذا نظير قوله تعالى:( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [البقرة: ٢٣].

بعبارة أُخرى:

إنّ الغرض من أمره تعالى في هذا المقام بيان عجز المخاطبين، وليس هذا الأمر من قبيل الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ولهذا لم يستحق الملائكة العقاب عندما لم ينبئوا ويخبروا اللّه تعالى بهذه الأسماء، ولم يعدّ عدم تلبيتهم لهذا الأمر الإلهي ذنباً أو عصياناً(١) .

الآية الرابعة:

( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ) [القلم: ٤٢ - ٤٣]

وجه الاستدلال:

إذا جاز تكليف هؤلاء في الآخرة بما لا يستطيعون جاز ذلك في الدنيا.

____________________

١- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في تكليف ما لا يطاق، ص٢٠٥.


يرد عليه:

ليس الغرض من هذه الآية التكليف الحقيقي الذي يشترط فيه القدرة، بل الغاية منه إيجاد الحسرة والندامة في نفوس التاركين للسجود على ما فرّطوا في الدنيا عندما كانت أبدانهم تتمتّمع بالصحة والسلامة.

بعبارة أُخرى:

إنّ الآية بصدد بيان أنّ هؤلاء رفضوا امتثال أوامر اللّه تعالى في الدنيا عندما كانوا يستطيعون ذلك، ولكنهم بعدما كُشف الغطاء عن أعينهم، ورأوا العذاب همّوا بالطاعة والسجود، ولكن أنّى لهم ذلك في الآخرة، فهم لا يستطيعون ذلك لعدم سلامة أبدانهم، أو نتيجة القبائح التي ارتكبوها في الدنيا، أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم(١) .

الآية الخامسة:

قال تعالى:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ) [النساء: ٣]

وقال تعالى:( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) [النساء:١٢٩]

وجه الاستدلال:

إنّ اللّه عزّ وجلّ جوّز تعدّد الزوجات، وكلّف كلّ من يتزوّج أكثر من واحدة أن يراعي العدل بين زوجاته، ولكنه تعالى بيّن في الآية الثانية بأنّ مراعاة العدل بين الزوجات أمر لا يقدر عليه الإنسان. فنستنتج بأنّ "المتزوّج أكثر من واحدة" مكلّف من قبل اللّه تعالى بما لا يطاق.

يرد عليه:

إنّ المقصود من العدالة في قوله تعالى:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا ) غير المقصود من العدالة في قوله تعالى:( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ) .

____________________

١- انظر: الإلهيات، محاضرات: جعفر السبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: ١/٣٠٥ - ٣٠٦.


توضيح:

أقسام العدالة بين الزوجات:

١ - عدالة يمكن مراعاتها، وهي العدالة في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها من حقوق الزوجية التي تقع في دائرة اختيار الإنسان، وهذه العدالة هي المقصودة في قوله تعالى:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا ) .

٢ - عدالة لا يمكن مراعاتها، وهي العدالة في إقبال النفس وما يرتبط بالقلب وغيرها من الأُمور التي لا تقع في دائرة اختيار الإنسان، وهذه العدالة هي المقصودة في قوله تعالى:( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ) .

التكليف الإلهي حول مراعاة العدالة بين الزوجات:

إنّ "المتزوّج أكثر من واحدة" مكلّف فقط بمراعاة "العدالة" التي يقدر عليها، (وهي العدالة المذكورة في القسم الأوّل)، وهو غير مكلف بمراعاة "العدالة" التي لا يقدر عليها (وهي العدالة المذكورة في القسم الثاني). ولهذا لا يوجد في هاتين الآيتين ما يدل على وقوع التكليف بما لا يطاق.



الفصل التاسع

الثواب والعقاب

معنى الثواب والعقاب

استحقاق الثواب والعقاب

دوام أو انقطاع الثواب والعقاب

التناسب بين الذنوب والعقاب الأخروي

مناقشة رأي الأشاعرة حول الثواب والعقاب



المبحث الأوّل

معنى الثواب والعقاب

معنى الثواب (في اللغة):

"الثواب" يعني "الرجوع"، ويطلق "الثواب" على أفعال العباد بمعنى ما يرجع إليهم من جزاء أعمالهم. ويستعمل الثواب في الخير والشر، ولكن الأكثر والمتعارف استعماله في الخير(١) .

تنبيه:

إنّ موضوع الثواب والعقاب موضوع مفصّل يرتبط بالمعاد، ولكنّنا اقتصرنا في هذا الفصل على ذكر المواضيع المرتبطة بالعدل الإلهي فحسب.

معنى الثواب (في الاصطلاح العقائدي):

الثواب هو النفع المستحق المقارن للتعظيم والإجلال(٢) .

أي: الثواب عبارة عن أمر نافع يتم الحصول عليه نتيجة الاستحقاق، ويستلمه المستحق بحالة يحيطها التعظيم والإجلال.

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (ثوب).

مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: مادة (ثوب).

٢- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال، ص٢٧٦.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨١.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الرابع، ص١١٦.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة الخامسة، ص٥٥١.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل، البحث الأوّل، ص٤٣٣.


توضيح قيود معنى الثواب(١) :

١ - قيد "المستحق": يخرج بهذا القيد "التفضّل"، لأنّ التفضّل هو النفع الذي يُعطى من دون استحقاق.

٢ - قيد "المقارن للتعظيم والإجلال": يخرج بهذا القيد "العوض"(٢) ، لأنّ العوض هو النفع المستحق الذي يُعطى من دون تقارنه بالتعظيم والإجلال.

من خصائص الثواب الإلهي:

لا يحسن إعطاؤه من دون استحقاق

إنّ اللّه تعالى يحسن منه الابتداء بإعطاء النفع لعباده على نحو "التفضّل"، ولكن الثواب هو النفع الذي لا يحسن إعطاؤه ابتداءً، وإنّما يُعطى لمن يستحق ذلك.

الدليل:

١ - إنّ الثواب عبارة عن منفعة مقرونة بالتعظيم، وبما أنّ تعظيم من لا يستحق التعظيم غير حسن، فلهذا لا يحسن إعطاء الثواب الذي هو مقرون بالتعظيم إلاّ لمن يستحق التعظيم، ولا يحسن اعطاؤه ابتداءً لمن لا يستحق ذلك(٣) .

٢ - إنّ اللّه تعالى جعل "التكليف" هو السبيل للحصول على الثواب، فلو أمكن الحصول على الثواب من دون تكليف، فإنّ التكليف سيكون عبثاً لا فائدة فيه(٤) .

____________________

١- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨١.

٢- العوض عبارة عن: "النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال".

للمزيد راجع: الفصل الخامس، من هذا الكتاب.

٣- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة الخامسة، ص٥٥٢.

٤- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، استحقاق الثواب والمدح بالطاعة، ص١٣٩.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة السابعة، الركن الثالث، البحث الثاني، ص١٥٩.


معنى العقاب (في اللغة):

العقاب هو الجزاء إزاء فعل السوء، ويُقال: "عاقبه بذنبه" أي: أخذه به(١) .

معنى العقاب (في الاصطلاح العقائدي):

العقاب هو الضرر المستَحق المقرون بالاستخفاف والإهانة(٢) .

أي: العقاب عبارة عن أمر ضار يتم الحصول عليه نتيجة الاستحقاق، ويناله المستحق بحالة يحيطها الاستخفاف والإهانة.

توضيح قيود معنى العقاب:

١ - قيد "المستَحق": يخرج بهذا القيد الضرر المتضمّن للمصلحة، من قبيل الآلام التي يبتلي اللّه تعالى بها الإنسان عند المرض و....

٢ - قيد "المقارنة للاستخفاف والإهانة": يخرج بهذا القيد أيضاً الضرر المذكور في القيد السابق(٣) .

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (عقب).

٢- راجع المصادر التي ذكرناها قبل قليل في هامش تعريف الثواب اصطلاحاً.

٣- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨١.


المبحث الثاني

استحقاق الثواب والعقاب

موجبات استحقاق الثواب(١) :

١ - فعل الواجب.

٢ - فعل ما له صفة الندب والاستحباب.

٣ - الامتناع من فعل القبيح.

الفرق بين استحقاق المدح واستحقاق الثواب:

إنّ موجبات استحقاق المدح(٢) ، هي نفسها موجبات استحقاق الثواب،

لكن يشترط في(٣) استحقاق الثواب إطاعة المولى(٤) .

____________________

١- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، موجبات الثواب والشكر، ص١٣٥.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨٢.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الرابع، ص١١٦.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل، البحث الأوّل، ص٤٣٣.

٢- معنى المدح: قول ينبئ عن عظم حال الغير.

انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى، الكلام في الأفعال وما يستحق بها وعليها و...، ص٢٧٦.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨٠.

شروط المدح:

١ - أن يقصد به التعظيم.

٢ - أن يكون اللفظ موضوعاً للتعظيم.

٣- أن يكون المادح عالماً بعظم حال الممدوح، والظن والاعتقاد لا يقوم مقام العلم في هذا المجال، لأنّ المدح لا يكون إلاّ مستحقاً، ولا يصح ذلك إلاّ مع العلم.

تنبيه: إنّ المدح يتحقّق عن طريق القول وعن طريق الفعل، كقيام الإنسان لغيره مع القصد إلى تعظيمه، ولكن الفعل لا يسمى مدحاً حقيقة، وإنّما يجوز تسميته مدحاً مجازاً.

انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨٠ - ١٨١.

٤- من هذا المنطلق يستحق اللّه المدح دون الثواب إزاء فعله للواجب وللندب وتركه للقبيح.

للتوسّع راجع: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال و...، ص٢٧٦.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، موجبات الثواب والمدح، ص١٣٥.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨٢، ١٨٣.


استحقاق الثواب:

١ - إنّ اللّه تعالى وعد المؤمنين أن يعطيهم الثواب إزاء التزامهم بتكاليفه، وخُلف الوعد قبيح، واللّه تعالى منّزه عن فعل القبيح(١) .

٢ - إنّ اللّه تعالى تفضّل على العباد وجعل أعمالهم ملكاً لهم، ثمّ جعل ما يثيبهم إزاء أعمالهم الصالحة أجراً لهم، وقد قال تعالى:( إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) [التوبة: ١١١].

ومن هذا المنطلق تكون الإثابة الإلهية على طاعة العباد من باب "الاستحقاق" دون "التفضّل"(٢) .

٣ - إنّ العبد يثاب على التزامه بالتكاليف الإلهية من باب "الاستحقاق" دون "التفضّل"، ولكنّه لا ينال المغفرة الإلهية إزاء الذنوب التي ارتكبها، ولا ينال المراتب العليا في الجنة إلاّ بفضل اللّه تعالى، ولهذا ينبغي للعباد أن يكون أملهم بفضل اللّه تعالى لا بعدله.

وهذا ما أكّدت عليه أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) منها:

قال الإمام علي(عليه السلام):

"اللهم احملني على عفوك، ولا تحملني على عدلك"(٣) .

قال الإمام علي بن الحسين(عليه السلام):

"واحملني بكرمك على التفضّل، ولا تحملني بعدلك على الاستحقاق"(٤) .

____________________

١- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل السادس: ص١٤٥ - ١٤٦.

٢- انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج١، عقيدتنا بالعدل، ص٩٨.

٣- نهج البلاغة، الشريف الرضى: خطب أمير المؤمنين، رقم ٢٢٧، ص٤٧٧.

٤- الصحيفة السجادية الجامعة: دعاء ٩٣: في طلب الحوائج إلى اللّه تعالى، أوّل الدعاء: اللهم يا منتهى مطلب الحاجات، ص٨٦.


وهذا ما يثبت "الاستحقاق"، ولكنه يرشد العبد إلى أن يكون أمله بالفضل الإلهي، لا على ما يستحقه إزاء طاعته للّه تعالى.

تأجيل الثواب الإلهي:

إنّ في تأجيل الثواب إلى يوم القيامة - كما وعد اللّه - فضلا كبيراً منه تعالى على عباده المطيعين، لأنّ الثواب الأُخروي يفوق الثواب الدنيوي الذي يعتريه النقص.

موجبات استحقاق العقاب(١) :

١ - فعل القبيح.

٢ - الإخلال بالواجب.

الفرق بين استحقاق الذم واستحقاق العقاب:

إنّ موجبات استحقاق الذم(٢) هي نفسها موجبات استحقاق العقاب، ولكن يشترط في استحقاق العقاب أن يكون فاعل القبيح أو المخل بالواجب عالماً بأنّ منفعته ومصلحته تكمن في تركه للقبيح وفعله للواجب، ومع ذلك يقوم بفعل القبيح وترك الواجب(٣) .

____________________

١- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، موجبات الذم والعقاب: ١٣٦ - ١٣٧.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨٥.

اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: اللامع الثاني عشر، القطب الثاني، الفصل الأوّل، البحث الأوّل، ص٤٣٣.

٢- معنى الذم: قول ينبئ عن اتّضاع حال الغير.

انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: الكلام في الأفعال وما يستحق بها وعليها و...، ص٢٧٦.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث: الفصل الأوّل، ص١٨١.

وأمّا شروط الذم فهي مثل شروط المدح التي ذكرناها في الهامش قبل قليل.

أمّا ما يرتبط بتحقّق الذم عن طريق الفعل، فالكلام فيه مثل ما ذكرناه في مسألة المدح.

راجع بداية هذا المبحث في الهامش.

٣- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب في أحكام العقاب وجهة استحقاقه وتفصيل أحواله، ص٢٩٥.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨٩.

للتوسّع راجع: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ١٨٩.

الذخيرة، الشريف المرتضى: باب في أحكام العقاب وجهة استحقاقه و...، ص٢٩٥.


استحقاق العقاب:

١ - يشترط في استحقاق العقاب:

أوّلاً: أن يكون المكلَّف عالماً بقبح القبيح ووجوب الواجب، أو متمكّناً من العلم بذلك.

ثانياً: أن لا يكون المكلَّف مجبوراً في فعل القبيح والإخلال بالواجب.

وهناك شروط أُخرى تعبّدية يمكن التعرّف عليها عن طريق مراجعة الكتب الفقهية.

٢ - إنّ العقاب - كما يثبت العقل - حقّ اللّه تعالى، وله أن يعاقب العصاة كما أوعد، وله أن يعفو عنهم من باب التفضّل، لأنّ العفو لا يقدح في الوعيد، وخلف الوعيد غير قبيح(١) .

ولكن العقاب - كما يثبت الشرع - يقتضيه العدل الإلهي، ودليل ذلك(٢) :

أوّلاً: إنّ معاقبة العاصين من مستلزمات العدل، والعادل لا يساوي بين المطيع والعاصي وبين البريء والمجرم.

وقد قال تعالى:( أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) [السجدة: ١٨]

ثانياً: يستلزم ترك معاقبة العاصين أن يكون التشريع وترتيب الجزاء على العمل لغواً وعبثاً، واللّه تعالى منزّه عن ذلك.

____________________

١- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، جواز عفو اللّه، ص ١٤٤، ١٤٥.

٢- انظر: بداية المعارف الإلهية، محسن الخرازي: ج١، عقيدتنا بالعدل، ص٩٩.


المبحث الثالث

دوام أو انقطاع الثواب والعقاب(١)

دوام أو انقطاع الثواب:

إنّ الثواب يُستحق دائماً، والدليل على ذلك ما ورد في الشرع والذي أجمعت عليه الأُمة بأنّ الثواب يستحق دائماً(٢) .

الطريق إلى معرفة دوام الثواب:

١ - إنّ أصل استحقاق الثواب يُعلم بالعقل، ولكن الطريق إلى معرفة دوام الثواب هو الدليل الشرعي دون الدليل العقلي(٣) ، وذلك لعدم وجود دليل عقلي على دوام الثواب، وإنّما المصدر الوحيد لمعرفة ذلك هو الشرع فقط(٤) .

٢ - لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام الثواب هو أنّ المدح يستحق الدوام، وأنّ ما اقتضى دوام المدح هو الذي يقتضي دوام الثواب.

الدليل: لأنّ وجه استحقاق المدح ليس بعينه وجه استحقاق الثواب، وذلك لأنّ

____________________

١- سنكتفي في هذا المبحث - مراعاة للاختصار - بذكر بعض المصادر في الهامش بصورة موجزة، ويستطيع القارئ مشاهدة هذه المصادر بصورة مفصّلة في نهاية المبحث.

٢- انظر: الذخيرة: ٢٨٠ - ٢٨١، شرح جمل العلم والعمل: ١٤١ - ١٤٢، الاقتصاد: ١٨٤، المنقذ من التقليد: ٢ / ٢٧.

٣- ذهب نصير الدين الطوسي في كتابه تجريد الاعتقاد إلى أنّ الطريق إلى معرفة دوام الثواب هو الدليل العقلي، وأيّده العلاّمة الحلّي في كتابه كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد.

انظر: تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: المقصد السادس، صفات الثواب والعقاب، ص٣٠٢.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد السادس، المسألة السادسة، ص٥٥٥ - ٥٥٦.

٤- انظر: الذخيرة: ٢٨٠ - ٢٨١، شرح جمل العلم والعمل: ١٤٢.


الثواب - كما ذكرنا - يشترط فيه إطاعة المولى دون المدح(١) .

٣ - لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام الثواب هي أنّ الثواب لو لم يكن دائماً لم يكن الترغيب واقعاً موقعه.

الدليل: لأنّ الترغيب يحصل إذا كان في مقابله منافع عظيمة كثيرة، وإن لم تبلغ هذه المنافع حدّ الدوام(٢) .

٤ - لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام الثواب هو أنّ انقطاعه يؤدّي إلى الغم والحسرة، وهذا ما يتنافى مع الثواب.

الدليل: لأنّ اللّه تعالى بإمكانه أن يصرف المثابين عن التفكير حول انقطاع ثوابهم، ويلهيهم بما هم فيه من اللذات العظيمة(٣) .

بعبارة أُخرى:

إنّ خلوص الثواب من الشوائب لا يعلم إلاّ عن طريق الشرع، وليس في العقل أيّة دلالة على ضرورة خلوص الثواب من الشوائب، لأنّ الثواب قد يكون عظيماً بحيث يوجب اللذة من دون الالتفات إلى الشوائب الموجودة فيه(٤) .

دوام أو انقطاع العقاب:

أجمع المسلمون على أنّ عقاب الكفر دائم، وقد دلّت الأدلة الشرعية بوضوح على ذلك.

وأمّا المعاصي ما دون الكفر فإنّ عقوبتها تكون - كما ورد في الشرع -

____________________

١- للتوسّع راجع: الذخيرة: ٢٨١ - ٢٨٢، الاقتصاد: ١٨٤، المسلك في أصول الدين: ١١٨، المنقذ من التقليد: ٢/٢٩.

ووافق مقداد السيوري هذا الرأي.

انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، هل العلم بدوام الثواب...، ص٤١٨.

٢- انظر: شرح جمل العلم والعمل: ١٤٣، المسلك في أصول الدين: ١١٨.

٣- انظر: الذخيرة: ٢٨٥.

ووافق مقداد السيوري هذا الرأي.

انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، هل العلم بدوام الثواب...، ص٤١٨.

٤- انظر: الهامش السابق.


منقطعة(١) .

دليل انقطاع عقاب المعاصي:

إنّ الثواب - كما علمنا - دائم، ولا يخفى بأنّ الثواب الدائم لا يجتمع مع العقاب الدائم، فلهذا ينبغي الاذعان بأنّ من يستحق الثواب لا يكون عقابه دائمياً، بل يلزم أن يكون ذلك بصورة منقطعة(٢) .

الطريق إلى معرفة دوام وانقطاع العقاب:

١ - إنّ أصل استحقاق العقاب ودوامه أو انقطاعه يُعلم عن طريق الدليل الشرعي دون الدليل العقلي، وذلك لعدم وجود دليل عقلي على ذلك، وإنّما مصدر معرفة ذلك هو الشرع فقط(٣) .

٢ - لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام العقاب هو أنّ الذمّ يستحق الدوام، وأنّ ما اقتضى دوام الذم هو الذي يقتضي دوام العقاب.

الدليل: لأنّ وجه استحقاق الذم ليس بعينه وجه استحقاق العقاب، لأنّ العقاب فيه شرط - ذكرناه سابقاً - دون الذم(٤) .

٣ - لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام العقاب هي أنّ العقاب لو لم يكن دائماً لم يكن الزجر واقعاً موقعه.

الدليل: لأنّ الزجر يحصل إزاء الضرر العظيم وإن لم يبلغ حدّ الدوام.

كما أنّ أصل استحقاق العقاب لا يعلم بالعقل، فكيف يعلم دوامه بالعقل(٥) .

٤ - لا يصح القول بأنّ من الأدلة العقلية على دوام العقاب هو أنّ انقطاعه يؤدّي إلى السرور، وهذا ما يتنافى مع العقاب.

____________________

١- انظر: شرح جمل العلم والعمل: ١٤٢ - ١٤٣، المسلك في أصول الدين: ١١٩، المنقذ من التقليد: ٢/٢٧.

٢- انظر: شرح جمل العلم والعمل: ١٤٢.

٣- انظر: الذخيرة: ٢٨٠، الاقتصاد: ١٨٩، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ٢/٢٣٠، المنقذ من التقليد: ٢/٢٧.

٤- انظر: الذخيرة: ٢٨١، شرح جمل العلم والعمل: ١٤٣، غنية النزوع: ٢/٢٣٠، المنقذ من التقليد: ٢/٢٩.

٥- انظر: شرح جمل العلم والعمل: ١٤٣.


الدليل: لأنّ اللّه تعالى بإمكانه أن يصرف المعاقبين عن التفكير حول انقطاع عقابهم، ويشغلهم بما هم فيه من العذاب العظيم.

الخلود في العذاب:

إنّ الخلود في العذاب الأُخروي مختص بمن أدّت سيئاته إلى انقطاعه الكامل عن الرحمة الإلهية، وذلك لقوله تعالى:( بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) [البقرة: ٨١].

أي: أحاطت به خطيئته بحيث أوجبت زوال أيّة قابلية أو استعداد لنزول الرحمة عليه، وخروجه من النقمة(١) .

قال الشيخ الصدوق: "اعتقادنا في النار أ نّها... لا يخلّد فيها إلاّ أهل الكفر والشرك، وأمّا المذنبون من أهل التوحيد، فإنّهم يخرجون منها بالرحمة التي تدركهم والشفاعة التي تنالهم"(٢) .

قال الشيخ المفيد: "اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في النار متوجّه إلى الكفّار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة باللّه تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة"(٣) .

سبب الخلود في العذاب:

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

"إنّما خُلّد أهل النار في النار، لأنّ نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبداً.

وإنّما خُلّد أهل الجنة في الجنة، لأنّ نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبداً..."(٤) .

____________________

١- انظر: الميزان، العلاّمة الطباطبائي: ج١٢، تفسير سورة إبراهيم(عليه السلام) آية ٤٢ - ٥٢، كلام في معنى الانتقام ونسبته إليه تعالى، ص٨٧.

٢- الاعتقادات، الشيخ الصدوق: باب ٢٩: باب الاعتقاد في الجنة والنار، ص٥٣.

٣- أوائل المقالات، الشيخ المفيد: القول في الوعيد، ص٤٦.

٤- الكافي، الشيخ الكليني: ج٢، كتاب الإيمان والكفر، باب النيّة، ح٥، ص٨٥.

مصادر هذا المبحث بصورة مفصّلة:

انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: فصل في صفات الثواب وأحكامه والكلام في دوامه وانقطاعه، ص٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٥.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، باب ما يجب اعتقاده في أبواب العدل، في أنّ دوام الثواب والعقاب سمعي، ص١٤١، ١٤٢، ١٤٣.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثالث، الفصل الأوّل، ص١٨٤.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، الفصل الأوّل، ص٢٢٨ - ٢٣٦.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الرابع، ص١١٨.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج٢، القول في دوام الثواب ودوام العقاب...، ص٢٧، ٢٩.



المبحث الرابع

التناسب بين الذنوب والعقاب الأخروي(١)

قد يستشكل البعض بأنّ العقوبة الأُخروية قاسية من حيث الكميّة والكيفية، وطويلة من حيث المدّة بحيث لا يوجد تناسب بينها وبين مخالفة الإنسان لأوامر ونواهي اللّه تعالى، وهذا مما لا ينسجم مع العدل الإلهي.

جواب هذا الإشكال:

إنّ الإجابة على هذا الإشكال تتطلّب بيان أنواع العقوبة التي تنقسم إلى عدّة أنواع.

أنواع العقوبات:

أوّلاً: العقوبة الاعتبارية(٢) :

وهي العقوبة التي تقنّن، ليكون أثرها الردع عن ارتكاب المخالفة، وتكون هذه العقوبة من قبيل العقوبات الجزائية المنتشرة في المجتمعات البشرية والموضوعة بواسطة التقنين الإلهي وغير الإلهي.

فائدة العقوبة الاعتبارية:

الردع عن ارتكاب المخالفة والحيلولة دون تكرارها من قبل صاحب المخالفة أو من قبل غيره.

____________________

١- انظر: العدل الإلهي، مرتضى المطهري، ترجمة محمّد عبد المنعم الخاقاني: الفصل السادس: الجزاء الأخروي، ثلاثة أنواع من المكافأة، ص٢٥٥ - ٢٧٠.

٢- إنّ المقصود من "الاعتبار" في هذا المقام هو أنّ العلاقة بين المخالفة والعقوبة هنا "جعلية"، بحيث يتم الاتّفاق عليها، وليست العلاقة هنا "واقعية" أو "حقيقية".


التناسب بين المخالفة والعقوبة الاعتبارية:

لا يخفى أنّ الضرورة توجب وجود التناسب بين العقوبة الاعتبارية وبين المخالفة، لأنّ الهدف من هذه العقوبة هو الردع عن ارتكاب المخالفة، وليس الهدف منها التشفّي والانتقام، ولهذا ينبغي أن يراعي المقنّن لهذا النمط من العقوبة جانب التناسب بين المخالفة والعقوبة.

تنبيه:

إنّ العقوبة الاعتبارية الرادعة تكون نافعة في الحياة الدنيوية فقط، وهي غير نافعة في الحياة الأُخروية أبداً، لأنّ الحياة الأُخروية ليست دار عمل حتّى يكون المقصود من معاقبة فاعل القبيح أن لا يرتكب القبيح مرّة أُخرى.

ثانياً: العقوبة السببيّة:

إنّ اللّه تعالى جعل نظام الأسباب في هذا العالم، بحيث يكون لبعض الأُمور والأسباب أثر وضعي يناله الإنسان عند تخطّيه لحدود هذا النظام.

مثال:

١ - إنّ اللّه تعالى خلق النار سبباً للإحراق، والشخص الذي لا يبالي بهذا النظام السببي ويضع يده في النار، فإنّه سيصاب بالأذى، ويكون هذا الأذى عقوبة له إزاء مخالفته لهذا النظام.

٢ - إنّ تناول الإنسان للسم يؤدّي - وفق نظام الأسباب - إلى تسمّمه أو موته، لأنّ التسمّم أو الموت أثر وضعي ونتيجة طبيعية لشرب السمّ، وكلّ من لا يراعي هذا الأمر، فهو لا ينال سوى عقوبة مخالفته لنظام الأسباب.

تنبيه:

إنّ القاعدة الأساسية الحاكمة على العقوبة السببية هي العلّة والمعلول، فالنار وشرب السم علّة، والاحتراق والتسمّم أو الموت معلول لهما، وإذا جاءت العلّة التامّة فإنّ المعلول يأتي تبعاً لها بصورة قاطعة.


التناسب بين المخالفة والعقوبة السببية:

إنّ العقوبة السببية التي ينالها الإنسان نتيجة تجاوزه لنظام الأسباب ليست عقوبة اعتبارية وقانونية حتّى يقال لابدّ من مراعاة التناسب بين المخالفة والعقوبة، بل إنّ لهذه العقوبة أثراً وضعياً يعمل وفق نظام الأسباب الذي جعله اللّه تعالى في هذا العالم.

بعبارة أُخرى:

إنّ مسألة التناسب بين المخالفة والعقوبة تتعلّق بالعقوبة الاعتبارية التي تكون فيها العلاقة بين المخالفة والعقوبة علاقة اعتبارية واتّفاقية.

وأمّا إذاكانت العلاقة بين المخالفة والعقوبة علاقة واقعية، فلا يكون مجال للحديث عن مسألة التناسب بين المخالفة والعقوبة، لأنّ العقوبة فيها تكون نتيجة لازمة للعمل.

مثال:

١ - إنّ من الخطأ أن يقال حول من يشرب السم فيموت: إنّ هذا المسكين قد ارتكب مخالفة لمدّة خمس دقائق، فلماذا عوقب بهذا العقاب القاسي الذي أدّى إلى موته؟

٢ - إذا قيل لشخص: لا تلق بنفسك من قمّة الجبل وإلاّ سيكون جزاؤك الموت، فإنّه لا يحق له الاعتراض قائلا: ما هو التناسب بين معاندتي وهذا الجزاء الشاق.

٣ - إنّ غفلة السائق لحظة واحدة قد تؤدّي به إلى أضرار فادحة تدوم مدّة العمر، والعمل هنا يتمّ فترة وجيزة ولكن العقوبة تكون دائمية، ومع هذا لا يصح القول بأنّ العقوبة لماذا لا تناسب المخالفة في هذا المجال؟

ثالثاً: العقوبة التكوينية:

ترتبط العقوبة الأخروية بالذنوب ارتباطاً تكوينياً، وهذا الارتباط أقوى من العقوبة التي ذكرناها في القسم السابق، بحيث لا تكون فيه الصلة بين المخالفة والعقوبة مثل العقوبة الاعتبارية ولا مثل العقوبة السببية، وإنّما تكون الصلة بينهما


صلة "الاتّحاد".

معنى ذلك:

إنّ الثواب الذي يجده المحسن في الآخرة عبارة عن تجسيم لأعماله الحسنة التي قام بها في الدنيا.

وإنّ العقاب الذي يجده المسيء في الآخرة عبارة عن تجسيم لأعماله السيئة التي ارتكبها في الدنيا.

الشواهد القرآنية:

١ -( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) [آل عمران: ٣٠]

٢ -( وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) [الكهف: ٤٩]

٣ -( يَوْمَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ ) [الزلزلة: ٦ - ٨]

٤ -( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) [النساء: ١٠] أي: إنّ الذين يأكلون مال اليتيم ظلماً، فهم - في الواقع - يأكلون ناراً، ولكنهم لا يدركون هذه الحقيقة في هذه الدنيا، وبمجرّد انتقالهم إلى عالم الآخرة سيجدون النار في بطونهم.

٥ -( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَد... ) [الحشر: ١٨]أي: سيحصد الإنسان في الآخرة ما زرعه لنفسه في الدنيا، ولهذا ينبغي أن يكون الإنسان حذراً فيما يقدّمه لآخرته.

النتيجة:

إنّ الجزاء الذي يحصل عليه الإنسان في الآخرة تجسيم لأعماله التي قام بها في الدنيا، وإنّ النعيم والعذاب في الآخرة هما نفس العمل الصالح والسيء الذي قام به الإنسان في الدنيا.


تنبيه:

إنّ القول بتجسيم أعمال الإنسان لا يعني حصر النعيم والعذاب الأخروي في هذا المجال وإنكار جنة ونار منفصلتين عن وجود الإنسان وعمله، لأنّ النصوص الدينية تبيّن بوضوح بأنّ لكلٍّ من الجنة والنار وجودين مستقلين يرد إليهما الإنسان حسب أعماله.

التناسب بين المخالفة والعقوبة التكوينية:

إنّ العقوبة التكوينية التي يجدها الإنسان في الآخرة لها علاقة تكوينية بالمخالفة التي ارتكبها في الدنيا، وهذه العقوبة عبارة عن حضور نفس المخالفة يوم القيامة، فلهذا لا يوجد مجال للبحث حول التناسب وعدمه في هذا النمط من العقوبات التي هي عين المخالفة وتجسيم لها.

الغرض الإلهي من العقاب الأخروي:

تبيّن مما ذكرناه في مبحث التناسب بين المخالفة والعقاب الأُخروي، أنّ السؤال حول الغرض الإلهي من العقاب الأُخروي غير صحيح، لأنّ العذاب الأُخروي أثر وضعي للأعمال القبيحة التي ارتكبها الإنسان في الدنيا، وهو عبارة عن حضور نفس العمل القبيح يوم القيامة.

بعبارة أُخرى:

إنّ العقوبة الأُخروية تجسيم للذنوب والمعاصي التي ارتكبها الإنسان في الدنيا، وهذه العقوبة نظير احتراق يد من يضع يده في النار فتحترق، فكما لا يصح السؤال عن غرض هذا الاحتراق، فإنّه لا يصح السؤال عن غرض العقاب الأُخروي، وقد قال تعالى:( وَما كَانَ الله ليظَلمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [العنكبوت: ٤٠].


المبحث الخامس

مناقشة رأي الأشاعرة حول الثواب والعقاب

يرى الأشاعرة بأنّ الثواب والعقاب من أفعال اللّه عزّ وجلّ، واللّه تعالى يفعل بعباده ما يشاء، فإن شاء أثابهم، وإن شاء عاقبهم.

أقوال بعض علماء أهل السنة:

قال الفضل بن روزبهان: "مذهب الأشاعرة... أ نّه [تعالى] لو عذّب عباده بأنواع العذاب من غير صدور الذنب عنهم يجوز له ذلك... فالعباد كلّهم ملك للّه تعالى، وله التصرّف فيهم كيف يشاء"(١) .

قال القاضي عضد الدين الإيجي: "الثواب فضل وعد به، فيفي به من غير وجوب"(٢) .

قال سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح المقاصد: "لا يجب على اللّه تعالى شيء، لا ثواب على الطاعة ولا العقاب على المعصية"(٣) .

قال أبو حامد الغزالي: "ندّعي أ نّه تعالى إذا كلّف العباد فأطاعوه، لم يجب عليه الثواب، بل إن شاء أثابهم، وإن شاء عاقبهم، وإن شاء أعدمهم ولم يحشرهم، ولا

____________________

١- دلائل الصدق، محمّد حسن المظفر: ج١، المسألة ٣، المبحث ١١، المطلب ٧، مناقشة الفضل، ص٤٢٢.

٢- المواقف، عضد الدين الإيجي: ج٣، الموقف ٦، المرصد ٢، المقصد ٦، ص٤٩٧.

ثم علّل المؤلف سب ضرورة وفائه تعالى بالثواب وإن لم تبلغ هذه الضرورة حدّ الوجوب قائلا: "لأنّ الخلف في الوعد نقص، تعالى اللّه عنه".

٣- شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج٥، المقصد ٦، الفصل ٢، المبحث ٩، ص١٢٧.

ولا يخفى أن ما أنكره سعد الدين التفتازاني هو الوجوب، ولكنه ذكر: "إلاّ أنّ الخلف في الوعد نقص لا يجوز أن ينسب إلى اللّه تعالى، فيثيب المطيع البته إنجازاً لوعده..." شرح المقاصد: ٥/١٢٦.


يبالي لو غفر لجميع الكافرين وعاقب جميع المؤمنين!"(١) .

يرد عليه:

ناقشنا هذا الرأي في الفصول السابقة، وملخّص ما يمكن الإشارة إليه في هذا المقام:

١ - إنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء، ولكن لا يخفى بأنّ اللّه تعالى حكيم وعادل، وهو لا يشاء جَزافاً وعبثاً، وإنّما تكون مشيئته وفق حكمته وعدله، ولهذا لا يصدر من اللّه تعالى أي ظلم أو فعل قبيح.

٢ - إنّ ملكية الشيء لا تعني امتلاك المالك حقّ التصرّف بها على خلاف موازين الحكمة والعدل.

ولهذا نجد العقلاء يذمّون من يتلف أمواله بلا سبب عقلائي، مع علمهم بمالكيته لتلك الأموال.

واللّه تعالى على رغم كونه مالكاً لكلّ شيء وقادراً على كلّ شيء، ولكنه مع ذلك حكيم، وإنّ حكمته تمنعه من فعل القبيح.

ولهذا قال تعالى:( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) [هود: ١١٧].

____________________

١- الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي: القطب الثالث، الدعوى الخامسة، ص١١٦.



الفصل العاشر

اللطف

معنى اللطف

أقسام اللطف

وجوب اللطف

أثر اللطف

تنبيهات حول اللطف

اللطف والمفسدة

الإشارة إلى اللطف الإلهي في القرآن الكريم

مناقشة رأي الأشاعرة حول اللطف الإلهي



المبحث الأوّل

معنى اللطف

معنى اللطف (في اللغة)(١)

إنّ للّطف في الصعيد اللغوي عدّة معاني، منها: الرفق واللين والدنو.

فيقال: لطف به، أي: رفق به.

وألطف اللّه بالعبد، أي: أرفق به، وأوصل إليه ما ينفعه برفق، ووفّقه وعصمه، فهو لطيف.

ومن معاني اللطف في اللغة أيضاً: الدقّة والظرافة، فهو ضدّ الضخامة والكثافة.

والاسم: اللطافة.

فيقال: لطف الشيء، أي: صغر ودقّ.

ولطف اللّه بهذا المعنى، أي: دقّته وظرافته في خلق الأشياء.

معنى اللطف (في الاصطلاح العقائدي):

اللطف: مايدعو المكلَّف إلى فعل الطاعة وترك المعصية بحيث يجعله أقرب إلى امتثال أوامر اللّه تعالى وأبعد عن ارتكاب نواهيه(٢) .

____________________

١- انظر: أقرب الموارد، المصباح المنير، المعجم الوسيط، المنجد في اللغة: مادة (لطف).

٢- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب: الكلام في اللطف، ص١٨٦.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الرابع، ص١٣٠.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في اللطف و...، ص٢٩٧.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثالث، ص١١٧.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الخامس، ص٢٥٣.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة (١٢)، ص٤٤٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، تحقيق حول قاعدة اللطف، ص٢٧٦.

اللوامع الالهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الثاني، ص٢٢٧.


الشرط الأساس في اللطف (بمعناه العقائدي)

إنّ الشرط الأساس في اللطف: أن لا يبلغ حدّ القهر والإلجاء، بل يكون المكلَّف مع وجود هذا اللطف مختاراً في فعل الطاعة وترك المعصية(١)(٢) .

دليل ذلك:

إنّ "الاختيار" هو الشرط الأساس للتكليف، وبما أنّ بلوغ اللطف حدّ القهر والإلجاء ينافي الاختيار، فلهذا يشترط أن لا يبلغ اللطف حدّاً ينافي الاختيار(٣) .

تنبيه:

إنّ الهدف الأساس من اللطف هو:

١ - تقوية الدواعي إلى فعل الخير.

٢ - تقوية الصوارف عن فعل الشر.

ولهذا يكون اللطف بمثابة:

١ - التشجيع على فعل الخير، وإزاحة العقبات أمام الإنسان، ليكون أقرب إلى فعل الطاعة.

٢ - التنفير من فعل الشر، وجعل العقبات أمام الإنسان، ليكون أبعد عن فعل المعصية.

____________________

١- انظر: كتب المنقذ من التقليد، قواعد المرام، مناهج اليقين، إرشاد الطالبين واللوامع الإلهية المذكورة في المصدر السابق.

٢- يخرج بهذا القيد "القدرة" و"الآلات" المطلوبة لأداء التكليف.

لأنّ المكلَّف لا يستطيع أداء التكليف من دون "القدرة" و"الآلات"، ولكنه يستطيع أداء التكليف من دون "اللطف".

ويعود السبب إلى أنّ "اللطف" مجرّد "تحفيز" و"بعث" وليس له أي أثر في الصعيد الخارجي.

انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، المبحث الخامس، ص٢٥٢.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري، مباحث العدل، تحقيق حول قاعدة اللطف، ص٢٧٧.

٣- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة (١٢)، ص٤٤٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، تحقيق حول قاعدة اللطف، ص٢٧٧.


الصلة بين "اللطف" وبين "التوفيق" و"العصمة"(١) :

إنّ اللطف هو ما يبعث ويحفّز المكلَّف على فعل الطاعة ويزجره عن فعل المعصية: وفي هذه الحالة:

١ - إذا استجاب الإنسان لهذا البعث والتحفيز، واختار فعل الطاعة:

فسيطلق على هذا "اللطف" اسم "التوفيق".

لأنّ الإنسان استطاع في ظلّ هذا اللطف أن ينال التوفيق في فعل الطاعة.

٢ - إذا استجاب الإنسان لهذا البعث والتحفيز، وترك فعل المعصية:

فسيطلق على هذا "اللطف" اسم "العصمة".

لأنّ الإنسان استطاع في ظلّ هذا اللطف أن يعصم نفسه من فعل المعصية.

توضيح ذلك:

١ - يُقال: "وفّق اللّه فلاناً على فعل الطاعة".

أي: هيّأ اللّه له ما يبعثه ويحفّزه على فعل الطاعة، فاستجاب هذا الشخص باختياره لهذا البعث والتحفيز، وانتفع مما هيّأ اللّه تعالى له من أسباب، حتّى تمكّن بذلك أن يكون فعله موافقاً لطاعة اللّه تعالى.

٢ - يقال: "عصم اللّه فلاناً من فعل المعصية".

أي: هيّأ اللّه له ما يبعثه ويحفّزه على ترك المعصية، فاستجاب هذا الشخص باختياره لهذا البعث والتحفيز، وانتفع مما هيّأ اللّه تعالى له من أسباب، حتّى تمكّن بذلك أن يعصم نفسه ويمنعها من فعل المعصية.

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في اللطف، ص١٨٦.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في اللطف و...، ص٣٠٦.

إرشاد الطالبين،العلاّمة الحلّي: مباحث العدل، تحقيق حول قاعدة اللطف، ص٢٧٧.


المبحث الثاني

أقسام اللطف

ينقسم اللطف باعتبار فاعله إلى(١) :

١ - ما يكون من فعل اللّه تعالى.

٢ - ما يكون من فعل المكلَّف في حقّ نفسه.

٣ - ما يكون من فعل المكلَّف في حقّ غيره.

أمثلة ذلك:

أولاً: أمثلة اللطف الذي يكون من فعل اللّه تعالى:

١ - بعث الأنبياء ونصب الحجج ودعمهم بالمعاجز والكرامات وغيرها مما تجعل المكلَّفين أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية.

٢ - جعل الشريعة سمحاء بعيدة عن التعقيد أو الغموض.

٣ - الوعد والوعيد واستخدام اسلوب الترغيب والترهيب من أجل إثارة رغبة المكلَّف إلى فعل الطاعة وإثارة الرهبة إزاء فعل المعصية.

٤ - التدخّل الإلهي لإزالة العوائق والحواجز الموجودة في طريق الطاعة وجعل الموانع في طريق المعصية.

____________________

١- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الرابع، ص١٣٢.

المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج١، القول في اللطف و...، ص٣٠٤.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثالث، ص١١٨.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة (١٢)، ص٤٤٥.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الخامس، ص٢٥٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، تحقيق حول قاعدة اللطف، ص٢٧٦.

اللوامع الالهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الثاني، ص٢٢٧.


٥ - الآلام التي جعلها اللّه تعالى في بعض الأحيان وسيلة لاستيقاظ الغافلين وعودتهم إلى الإيمان بعد الابتعاد عنه.

الثاني: أمثلة اللطف الذي يكون من فعل المكلَّف في حقّ نفسه:

١ - تعلّم الأحكام الشرعية وغيرها من الأمور التي يبيّنها اللّه تعالى للمكلَّفين، ليكونوا أقرب إلى امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه.

٢ - توفير الإنسان لنفسه الأرضية والأجواء المناسبة التي تحفّزه على فعل الطاعة وترك المعصية.

الثالث: أمثلة اللطف الذي يكون من فعل المكلَّف في حقّ غيره:

١ - تبليغ الأنبياء للرسالة الإلهية، وبذلهم المزيد من الجهد من أجل دعوة الناس إلى الهداية وسبيل الحقّ.

٢ - قيام بعض الناس بمهمّة تلقّي العلوم والمعارف الإلهية من أجل توعية الناس ورفع مستواهم الديني، وهذه المهمّة هي الملقاة على عاتق العلماء والدعاة.

٣ - فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أوجبها اللّه تعالى على جميع المكلَّفين، ليكونوا في ظلّها أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية.

٤ - المبادرة إلى أي عمل يؤدّي إلى توفير الأجواء المناسبة لامتثال الأوامر الإلهية والابتعاد عن نواهيه، من قبيل: بناء الأماكن التي تقرّب العباد إلى اللّه تعالى، أو دعم المشاريع التي تهيّىء الأرضية لفعل الطاعات وترك المعاصي.


المبحث الثالث

وجوب اللطف

إنّ حكمة اللّه تعالى وجوده وكرمه تقتضي منه اللطف بالعباد.

دليل وجوب اللطف:

إنّ غرض اللّه تعالى من تكليف العباد هو أن يبلغوا الكمال عن طريق فعل الطاعة وترك المعصية.

فإذا كان هناك شيء يؤدّي فعله إلى:

١ - أن يختار المكلَّف فعل الطاعة ويترك فعل المعصية.

٢ - أن يكون المكلَّف أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية.

فإنّ الحكمة الإلهية تقتضي فعل ذلك الشيء.

لأنّ عدم فعله يستلزم نقض الغرض من تكليف العباد.

ونقض الغرض قبيح ومناف للحكمة.

واللّه تعالى منزّه عن ذلك.

فنستنتج بأنّ الحكمة الإلهية تقتضي فعل اللطف(١) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في اللطف، ص١٩٤.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: حقيقة اللطف ووجوبه، ص١٠٧.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الأوّل، ص١٠٢.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثالث، ص١١٨.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة (١٢)، ص٤٤٤.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الخامس، ص٢٥٣.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، تحقيق حول قاعدة اللطف، ص٢٧٦ - ٢٨٨.

اللوامع الالهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الثاني، ص٢٢٧.


مثال ذلك:

إذا دعا أحد الأشخاص غيره إلى ضيافته.

وكان غرض صاحب الدعوة أن يأتي ذلك الشخص المدعو إلى هذه الضيافة.

وعلم صاحب الدعوة بأنّ المدعو لا يأتيه إلاّ إذا استعمل معه أسلوباً معيّناً.

فإذا لم يستعمل صاحب الدعوة هذا الأسلوب مع المدعو.

فإنّه سيكون ناقضاً لغرضه(١) .

تنبيه:

ذهب الشيخ المفيد إلى أنّ وجوب اللطف على اللّه تعالى يكون من جهة اقتضاء جوده وكرمه.

وليس هذا الوجوب من جهة اقتضاء عدله تعالى.

ولهذا فإنّ امتناع اللّه تعالى عن اللطف لا يكون ظلماً.

وإنّما يكون منافياً للجود والكرم الإلهي(٢) .

____________________

١- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة، الركن الثالث، ص١١٨.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة (١٢)، ص٤٤٥.

اللوامع الالهية، مقداد السيوري: اللامع التاسع، المقصد الرابع، النوع الثاني، ص٢٢٧.

٢- انظر: أوائل المقالات، الشيخ المفيد: القول: ٢٨، القول في اللطف والأصلح، ص٥٩.


المبحث الرابع

أثر اللطف

ليس اللطف الإلهي علّة تامّة تجبر المكلَّفين على فعل الطاعة وترك المعصية.

بل اللطف عبارة عن "بعث" و"تحفيز" فقط.

فإذا لم يستجب بعض المكلّفين لهذا اللطف.

فإنّهم سيحرمون أنفسهم من هذا اللطف نتيجةً لسوء اختيارهم(١) .

تفريعات ذلك:

أولاً: إنّ عدم تأثير اللطف الإلهي على الكافر لا يعني:

"عدم وجود هذا اللطف بذريعة أنّه لو كان لترك أثره"

لأنّ اللطف الإلهي مجرّد "بعث" و"تحفيز" منه تعالى بحيث يجعل المكلَّف أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية.

وليس اللطف الإلهي إرادة حتمية منه تعالى ليترك أثره على المكلّف بصورة قهرية.

ثانياً: إنّ عدم تأثير اللطف الإلهي على الكافر لا يعني:

"عجز اللّه عن هداية الكافر".

لأ نّه تعالى شاء أن يكون الإنسان مختاراً في أفعاله العبادية.

واللطف الإلهي - في الواقع - مجرّد "بعث" و"تحفيز" منه تعالى بحيث يكون

____________________

١- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، المبحث الخامس، ص٢٥٤.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة (١٢)، ص٤٤٦.


الإنسان معه أقرب إلى امتثال أوامر اللّه تعالى والانتهاء عن نواهيه.

وليس اللطف الإلهي إرادة حتمية وتكوينية منه تعالى ليكون عدم تأثيره دالاً على العجز الإلهي.

ثالثاً: لو كان اللطف الإلهي أمراً يجبر الإنسان على الإيمان ولو كان كافراً، فإنّ الكفّار سيحتجّون على اللّه تعالى بأنّهم لم يؤمنوا لأنّه تعالى حرمهم من لطفه.

ويكون بذلك للكفّار حجّة على اللّه تعالى.

ولكن الأمر ليس كذلك، وإنّما الحجّة البالغة للّه تعالى.

واللطف عبارة عن "باعث" و"محفّز" فقط.

ويبقى الإنسان هو المسؤول عن أفعاله الاختيارية(١) .

____________________

١- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج٣، تفسير آية ١٦٥ من سورة النساء ص٢١٨.


المبحث الخامس

تنبيهات حول اللطف

١ - إنّ الإنسان قد يخطىء في تشخيص اللطف، فيحكم على ما فيه مفسدة بأنّه من اللطف، وهو غير ملتفت إلى وجود المفسدة فيه.

ولهذا ينبغي أن لا يحكم الإنسان على شيء بأ نّه من اللطف إلاّ بعد بلوغ مرحلة اليقين بانتفاء المفسدة من ذلك الشيء(١) .

٢ - إنّ اللطف لا ينحصر تحقّقه دائماً في فعل معيّن، بل قد تكون مجموعة أفعال تؤدّي كلّ واحدة منها دور اللطف المطلوب(٢) .

٣ - إنّ للّه تعالى لطفاً لا يمنحه إلاّ لمن ينتفع منه.

وأمّا الّذين لا ينفعهم هذا النمط من اللطف، ولا يؤدّي بهم إلى فعل الطاعة وترك المعصية، فإنّه تعالى سيحرمهم من هذا اللطف(٣) .

بعبارة أخرى:

إنّ اللطف الإلهي ينقسم إلى قسمين:

أوّلاً: لطف عام

____________________

١- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة (١٢)، ص٤٤٥.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الخامس، ص٢٥٣.

٢- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الرابع، ص١٣٣.

٣- ذهب المحقّق الحلّي والشيخ سديد الدين الحمصي إلى حرمان الكافر من اللطف بصورة مطلقة، ولكن التقسيم المذكور لاحقاً أكثر دقّة وشمولية.

انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الأوّل، ص١٠٢.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في اللطف و...، ص٣٠٣.


وهو من قبيل إرسال الرسل لهداية الناس.

وهذا اللطف يفعله اللّه لجميع المكلّفين إتماماً للحجّة عليهم.

ثانياً: لطف خاص

وهو من قبيل دعم المكلَّفين بما يجعلهم أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن فعل المعصية.

ويكون هذا اللطف للعباد الذين ينتفعون منه، وأمّا الذين لا ينتفعون منه فإنّهم هم الذين يحرمون أنفسهم من هذا اللطف، لأ نّه تعالى لو يعلم انتفاعهم من لطفه هذا لفعله بهم.

قال تعالى:( وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لاََسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) [الأنفال: ٢٣].

أي: لو علم اللّه انتفاع هؤلاء المشركين من اللطف، لألطف عليهم وأسمعهم الجواب عن كلّ ما يسألونه، ولكنه علم بأنّهم لا ينتفعون ولا يفيدهم هذا اللطف، فلهذا أهملهم.

وقال الشيخ الطبرسي حول تفسير هذه الآية: "وفي هذا دلالة على أنّ اللّه تعالى لا يمنع أحداً من المكلّفين اللطف، وإنّما لا يلطف لمن يعلم أنّه لا ينتفع به"(١) .

ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حول قوله تعالى:( تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمات لا يُبْصِرُونَ ) [البقرة: ١٧].

قال(عليه السلام): "إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال، منعهم المعاونة واللطف وخلّى بينهم وبين اختيارهم"(٢) .

____________________

١- مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج٤، تفسير آية ٢٣ من سورة الأنفال، ص ٨١٨.

٢- عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق: ج١، باب ١١، ح١٦، ص١١٣.


المبحث السادس

اللطف والمفسدة

إنّ ما يقابل "اللطف" هو "الإفساد".

وتطلق "المفسدة" على مايدعو المكلَّف إلى فعل المعصية وترك الطاعة، بحيث يكون المكلَّف مع هذه الدعوة أقرب إلى فعل ما نهاه اللّه تعالى عنه، وأبعد عن امتثال أوامره تعالى(١) .

تنبيهات:

١ - لا يصح أبداً نسبة الإفساد إلى اللّه تعالى.

لأنّ الإفساد في جميع الأحوال قبيح، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح.

٢ - لا يمكن القول بأنّ اللّه تعالى بما أنّه خلق "الشهوة" في الإنسان، فإنّه المسبِّب في إفساده.

لأنّ الشهوة بحدّ ذاتها ليست مفسدة.

وإنّما الإفساد يكمن في طغيانها(٢) .

وطغيان الشهوة أمر يرتبط باختيار الإنسان.

وقد أمر اللّه تعالى الإنسان بضبط شهواته والسيطرة على زمامها.

ولهذا لو أدّت الشهوة إلى الإفساد بسبب طغيانها.

____________________

١- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الرابع، ص١٣٠.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، المطلب الأوّل، ص١٠١.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في اللطف و...، ص٢٩٨.

٢- بعبارة أخرى: إنّ الشهوة بذاتها أمر ضروري للإنسان، وهي التي تدفع الإنسان إلى نيل متطلّباته في الحياة. ولا تعتبر الشهوة مصدراً للإفساد إلاّ بعد أن يطلق الإنسان العنان لها ويفسح لها مجال الطغيان وتجاوز الحدّ.


فإنّ الإنسان يكون هو المسؤول عن ذلك، لأنّه هو السبب في طغيانها.

ولا يصح نسبة هذا الإفساد إلى اللّه سبحانه وتعالى.

٣ - إنّ بعض المكلّفين - سواء كانوا من الجن والإنس - يسيؤون الاستفادة من الاختيار الذي مكّنهم اللّه تعالى منه، فيختارون سبيل الغي والضلال، ثمّ يصبحون بعد ذلك مصدراً لإفساد الآخرين.

ومثال ذلك: إبليس والشياطين وغيرهم من الإنس والّذين يفعلون ما يقرّب الآخرين إلى فعل المعاصي ويبعّدهم عن فعل الطاعات.

وينسب "الإفساد" في هذا المقام إلى هؤلاء العصاة، لأنّهم اتجهوا نحوه باختيارهم.

ولا يصح نسبة هذا الإفساد إلى اللّه تعالى.

لأنّه تعالى أمر الإنس والجن بفعل ما هو حسن، ونهاهم عن فعل ما هو قبيح، ويكون هؤلاء هم المسؤولون فيما لو اختاروا سبيل الإفساد.

فينسب الإفساد إليهم ولا ينسب إلى اللّه تعالى أبداً.

٤ - إنّ اللّه تعالى لا يفعل الإفساد أبداً، لأنّه حكيم، ولكنّه قد يحجب ألطافه عن البعض لدواع مختلفة من قبيل معاقبتهم إزاء ارتكابهم المعاصي أو نتيجة علمه تعالى بعدم انتفاعهم من اللطف فيما لو منحهم ذلك(١) .

ومن هذا القبيل قوله تعالى:

( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الاَْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَة لايُؤْمِنُوا بِها وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لايَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) [الأعراف: ١٤٦]

( وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (٢)

____________________

١- سنبيّن هذا الموضوع بصورة مفصّلة في الفصل الثاني عشر: الهداية والإضلال.

٢- ورد بيان معنى هذه الآية في المبحث السابق.


[الأنفال: ٢٣].


المبحث السابع

الإشارة إلى اللطف الإلهي في القرآن الكريم

١ -( وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَداً ) [النور: ٢١].

أي: لولا ألطاف اللّه بكم ومعونته لكم، لكنتم أقرب إلى المفسدة، ولكنه تعالى قد ألطف بكم وأعانكم من منطلق رحمته بحيث جعلكم أقرب إلى تزكية أنفسكم(١) .

٢ -( وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً ) [النساء:٨٣].

أي: لولا الألطاف الإلهية بكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلاّ قليلاً(٢) .

٣ -( وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [المؤمنون: ٧٥].

أي: إنّنا لو كشفنا الضرّ عنهم لاستمروا في طغيانهم يتردّدون، وهذا ما فيه فساد لهم، ولهذا فإنّنا نلطف بهم ولا نرفع هذا الضرّ عنهم(٣) .

٤ -( وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّة وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ) [الزخرف: ٣٣ - ٣٤].

أي: لو فعل اللّه ما ذكره لاجتمع الناس على الكفر، ولكنّه تعالى لم يفعل ذلك لما

____________________

١- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطبرسي: ج٧، تفسير آية ٢١ من سورة النور، ص٢١٠.

٢- انظر: المصدر السابق: ج٣، تفسير آية ٨٣ من سورة النساء، ص١٢٦.

٣- انظر: المصدر السابق: ج٧، تفسير آية ٧٥ من سورة المؤمنين، ص١٨١.


فيه من المفسدة، بل يفعل اللّه ما فيه اللطف للعباد حفاظاً عليهم من الانجراف في أودية الكفر والضلال(١) .

____________________

١- انظر: مجمع البيان، الشيخ الطوسي: ج٩، تفسير آية ٤٣ و ٤٤ من سورة الزخرف، ص٧٢.


المبحث الثامن

مناقشة رأي الأشاعرة حول اللطف الإلهي

يعتقد الأشاعرة بأنّ اللّه تعالى هو الذي يخلق أفعال العباد سواء كانت هذه الأفعال طاعة أو معصية، ويذهب هؤلاء إلى "أنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه تعالى وحده"(١) .

ومن هذا المنطلق عرّف الأشاعرة اللطف بأنّه عبارة عن عدم خلق اللّه قدرة فعل المعصية في العبد.

ومن هنا لا يعصي الشخص الذي يشمله اللطف الإلهي "إذ لا قدرة له على المعصية"(٢) .

وعرّف بعض الأشاعرة اللطف بأنّه يعني: أن لا يخلق اللّه تعالى الذنب في العبد(٣) .

يرد عليه:

يستلزم هذا الرأي القول بالجبر، لأنّ من لا يمتلك القدرة على فعل المعصية يكون مجبوراً على عدم فعلها.

ويترتّب عليه عدم استحقاق الإنسان الثواب بتركه للمعصية، لأنّه كيف يستحق الثواب على تركه للمعصية وهو لا يمتلك القدرة على فعلها. وإنّما يكون الثواب لمن يمتلك القدرة على فعل المعصية، ولكنّه يتركها باختياره، فيكون مستحقاً للثواب

____________________

١- المواقف، عضدالدين الايجي، ج٣، الموقف ٥، المرصد ٦، المقصد ١، ص٢٠٨.

٢- شرح المقاصد، سعدالدين التفتازاني: ج٤، المقصد ٥، الفصل ٦، المبحث ٢، ص٣١٢ - ٣١٣.

٣- انظر: المصدر السابق.


إزاء هذا الاختيار(١) .

____________________

١- للمزيد راجع في هذا الكتاب: الفصل السابع: الجبر والتفويض.


الفصل الحادي عشر

الأصلح

معنى الأصلح

وجوب فعل الأصلح

الأصلح في خلق العالم



المبحث الأوّل

معنى الأصلح

معنى الأصلح (في اللغة):

الأصلح عبارة عن أفعل تفضيل "الصلاح".

والصلاح ضدّ الفساد.

قال تعالى:( وَلا تُفْسِدُوا فِي الاَْرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ) [الأعراف: ٨٥].

والمصلحة: "ما يتعاطاه الإنسان من الأعمال الباعثة على نفعه أو نفع قومه"(١) .

معنى الأصلح (في الاصطلاح العقائدي):

يظهر من المتكلّمين: أنّ "المصلحة" عندهم تساوى "المنفعة".

قال السيّد المرتضى: الصلاح عبارة عن النفع... ويقال عند التزايد "أصلح" كما يقال "أنفع"(٢) .

وقال أيضاً: "الأصلح في باب الدنيا هو فعل المنافع واللذات الخالية من وجه قبح"(٣) .

____________________

١- انظر: مفردات القرآن، الراغب الاصفهاني: باب: صلح.

المنجد: مادة (صلح).

٢- الذخيرة، السيّد المرتضى: باب الكلام في الأصلح، ص١٩٩.

٣- شرح جمل العلم والعمل، السيّد المرتضى: لا يجب عليه تعالى الأصلح في أمر الدنيا، ص١٠٩.

وانظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الخامس: الكلام في فعل الأصلح، ص١٤٠.


المبحث الثاني

وجوب(١) فعل الأصلح

إنّ الأصلح ينقسم إلى قسمين(٢) :

١ - الأصلح في الدين: ومصالح الدين هي "الألطاف".

ولا إشكال في أنّ اللّه تعالى حكيم، وهو يفعل دائماً ما هو الأصلح بالعباد في أمور دينهم. وقد بينّا "اللطف الإلهي" في الفصل السابق.

٢ - الأصلح في الدنيا: ومصالح الدنيا هي الأُمور التي ينتفع بها الأحياء بشرط أن لا تكون هذه الأُمور قبيحة(٣) ، ووجوب فعله تعالى لهذا المعنى من "الأصلح" هو الذي وقع النزاع حوله بين العلماء.

الآراء حول وجوب أو عدم وجوب فعله تعالى للأصلح:

١ - عدم الوجوب.

٢ - الوجوب.

الرأي الأوّل: عدم وجوب فعله تعالى للأصلح (أي: لا يجب على اللّه تعالى في الدنيا أن يفعل بالعباد ما هو أنفع لهم في دنياهم).

أدلة ذلك:

____________________

١- نؤكّد مرّة أخرى بأنّ الوجوب على اللّه تعالى لا يعني أنّه تعالى مكلّف بأنّ يفعل كذا وكذا، بل معناه أنّ عدم فعله تعالى لكذا وكذا لا ينسجم مع صفاته الكمالية.

انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥٩، كتاب السماء والعلم، باب ٢٤: عصمة الملائكة...، ص٣١٠.

٢- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في اللطف والمصلحة والمفسدة، ص٢٩٨.

٣- قال السيّد المرتضى: "لا يحسن فعل ذلك [أي: فعل] الأصلح إلاّ مع التعرّي من المفاسد".

الذخيرة، السيّد المرتضى: باب الكلام في الأصلح، ص٢٠٥.


الدليل الأوّل:

وجوب الأصلح يستلزم المحال.

توضيح ذلك:

ما من أصلح (أي: أنفع للعباد) إلاّ وهناك فعل أصلح منه، وهو مع ذلك خال عن المفسدة.

فلو كان الأصلح واجباً لوجب على اللّه تعالى أن يقوم بأفعال غير متناهية، وكلّها أصلح، وهذا محال.

ولهذا ينبغي القول بعدم وجوب فعل الأصلح على اللّه تعالى مطلقاً(١) .

يلاحظ عليه:

١ - إنّ البحث حول الأصلح يشمل المنافع التي يمكن وقوعها، وأمّا المحال فهو خارج عن البحث.

قال العلاّمة الحلّي: "إنّ الفعل إنّما يجب على اللّه تعالى من حيث الحكمة، إذا كان مُمكناً، أمّا إذا كان ممتنعاً فلا، وما لا يتناهى يستحيلُ إيجاده"(٢) .

٢ - إنّ الأصلح مرتبة واحدة، ولهذا فإنّ الزيادة التي يتصوّرها البعض ليست داخلة في دائرة الأصلح، بل هي خارجة عنه، ولهذا لا يتجه الوجوب إليها، فتكون هذه الزيادة خارجة عن البحث.

قال نصير الدين الطوسي: " لا يقال: فأيُّ مرتبة فُرضت، أمكن الزيادةُ عليها، ويدخل بذلك تحت ما لا نهاية له.

لأ نّا نقول: نمنع كونَه أصلح، لأنَّا فرضنا الأصلح مرتبة، فالزائد ليس أصلح"(٣) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، السيّد المرتضى: باب الكلام في الأصلح، ص٢٠١ - ٢٠٢.

شرح جمل العلم والعمل، السيّد المرتضى: لا يجب عليه تعالى الأصلح في أمر الدنيا، ص١٠٩ - ١١٠.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الخامس، ص١٤٠.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، لا يجب عليه تعالى الأصلح في أمر الدنيا، ص١١٠.

٢- مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث العاشر، ص٢٦٢.

٣- كشف الفوائد، نصير الدين الطوسي: الباب الثالث، الفصل الأوّل، وجوب الأصلح، ص٢٥٣.


الدليل الثاني على عدم وجوب فعله تعالى للأصلح:

لو كان الأصلح واجباً لم يستحق اللّه الشكر منّا على ما يفعله بنا من الإحسان والإنعام، لأنّ الذي يقوم بفعل يجب عليه، فإنّه لا يستحق الشكر، وإنّما الشكر يكون للمتفضّل الذي له أن يفعل وله أن لا يفعل(١) .

يلاحظ عليه:

١ - إنّ "الوجوب" الذي يتنافى مع استحقاق الشكر هو "الوجوب" بمعنى "الاضطرار" و"عدم الاختيار"، ولكن المقصود من "الوجوب" هنا غير هذا المعنى، وإنّما المقصود من الوجوب هنا أنّ العدل والحكمة الإلهية تقتضي أن يفعل اللّه تعالى كذا، لأنّ تركه لهذا الفعل يؤدّي إلى الإخلال بعدله وحكمته ويوجب اتّصافه تعالى بأوصاف يتنزّه عنها(٢) .

٢ - إنّ شكرنا للّه تعالى إزاء فعل الأصلح يكون من قبيل شكرنا له تعالى إزاء إعطائه "الثواب" و"العوض".

و"إعطاء الثواب" و"إعطاء العوض" أمران يجبان على اللّه تعالى بمقتضى عدله وحكمته.

ولكننا - مع ذلك - نشكر اللّه تعالى إزاءهما.

ولكن لا يكون شكرنا له تعالى إزاء ما يجب عليه تعالى.

وإنّما يكون شكرنا له تعالى إزاء ما تفضّل به علينا.

وتفضّله تعالى في هذا المقام أنّه خلقنا ومنحنا العقل وكلّفنا وأوجد فينا الأسباب التي تجعلنا ممن يشملهم "الثواب" و"العوض" الإلهي.

وكان بإمكانه تعالى أن لا يخلقنا أو لا يمنحنا العقل، فنكون ممن لا يشملهم

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: باب الكلام في الأصلح، ص٢٠٧.

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الخامس، ص١٤٢.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، لايجب عليه تعالى الأصلح في أمر الدنيا، ص١٠٩.

٢- انظر: البراهين القاطعة، محمّد جعفر الاسترآبادي: ج٢، المقصد ٣، الفصل ٣، المقام ٥، ص٤٥٥.


"الثواب" و"العوض" الإلهي.

ولكنّه تعالى خلقنا ومنحنا العقل من باب التفضّل، وبذلك أصبحنا ممن يقتضي عدله أن لا يظلمنا.

فيكون شكرنا للّه تعالى إزاء هذا التفضّل.

وتعتبر مسألة الشكر إزاء فعل الأصلح أيضاً من هذا القبيل(١) .

الدليل الثالث على عدم وجوب فعله تعالى للأصلح:

لو كان فعل الأصلح واجباً لم يكن للدعاء أيّة فائدة.

لأنّه إذا كان كلّ ما يفعله اللّه تعالى هو الأصلح الذي يجب أن يفعله، فعندئذ لا يمكن تغيير هذا الواجب، فينتفي دور الدعاء.

ولكن بما أنّ للدعاء دوراً، فلهذا نستنتج بأنّه تعالى لا يجب عليه فعل الأصلح.

يلاحظ عليه:

لا يوجب هذا الاستدلال نفي فعله تعالى للأصلح، لأنّ اللّه تعالى يفعل بالعباد ما هو أصلح لهم وفق ما تقتضيه الحكمة، وقد اقتضت حكمته تعالى أن يجعل للعباد بعض "الأسباب" التي يحصلون بها على المزيد من المنافع، ومن هذه الأسباب "الدعاء".

فالأصلح في هذا المقام للعباد أن تتاح لهم الفرصة ليصلوا إلى منافعهم عن طريق تمسّكهم بالأسباب.

فمن يتمسّك بهذه الأسباب، فإنّه يصل إلى المنافع إن شاء اللّه تعالى.

ومن لا يتمسّك بهذه الأسباب، فإنّه يحرم نفسه بنفسه من هذه المنافع.

الرأي الثاني: وجوب فعله تعالى للأصلح(٢) :

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): "إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يفعل بعباده إلاّ

____________________

١- انظر: إشراق اللاهوت، عميد الدين العبيدلي: المقصد الحادي عشر، المسألة الخامسة: ص٣٩٧.

٢- أي: وجوب فعله تعالى الأنفع للعباد في الدنيا.


الأصلح لهم"(١) .

تنبيه مهم:

ينبغي الالتفات في هذا الصعيد إلى حقيقة مهمّة وهي:

إنّ الأصلح في الدنيا لا يكون دائماً في مطلق إيصال الشيء النافع للعبد.

بل قد يكون الأصلح للعبد في الدنيا حرمانه من المنافع الدنيوية.

لأنّ المنافع الدنيوية ليست بنفسها ملاكاً عند اللّه تعالى في تعامله مع العباد.

وإنّما الملاك عند اللّه تعالى هو المنافع الأخروية للعباد.

وعلى ضوء هذا الملاك يتعامل اللّه تعالى مع العباد في إيصال الأنفع إليهم.

ورد في الحديث الشريف:

عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل، عن اللّه عز وجل، قال: "قال اللّه تبارك وتعالى:

إنّ من عبادي المؤمنين لَمَن لا يصلُح إيمانه إلاّ بالفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك.

وإنّ من عبادي المؤمنين لَمَن لا يصلُح إيمانه إلاّ بالغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك.

وإنّ من عبادي المؤمنين لَمَن لا يصلُح إيمانه إلاّ بالسقم، ولو صحّحت جسمه لأفسده ذلك.

وإنّ من عبادي المؤمنين لَمَن لا يصلُح إيمانه إلاّ بالصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك.

إنّي أدبّر عبادي لعلمي بقلوبهم، فإنّي عليم خبير"(٢) .

قال الشيخ المفيد:

"إنّ اللّه تعالى لا يفعل بعباده ما داموا مكلَّفين إلاّ أصلح الأشياء لهم في دينهم ودنياهم، وأنّه لا يدّخرهم صلاحاً ولا نفعاً، وأنّ من أغناه فقد فعل به الأصلح في التدبير، وكذلك من أفقره ومن أصحّه ومن أمرضه فالقول فيه كذلك"(٣) .

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦٢: باب أنّ اللّه تعالى لا يفعل بعباده إلاّ الأصلح لهم، ح٩، ص٣٩٢.

٢- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٦٢، ح١، ص٣٨٨.

٣- أوائل المقالات، الشيخ المفيد: القول ٢٨: القول في اللطف والأصلح، ص٥٩.



المبحث الثالث

الأصلح في خلق العالم

إنّ كيفية نظام الوجود وقوانين الكون هي الأفضل والأكثر إتقاناً حسب ما اقتضته الحكمة والرحمة الإلهية، بحيث لا يمكن تصوّر أحسن منه في تنظيم عالم الإمكان مع لحاظ الأهداف المطلوبة.

الأدلة المثبتة للنظام الأحسن:

١ - إنّ اللّه تعالى حكيم، ولا يفعل إلاّ الأفضل والأحسن حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.

٢ - إنّ اللّه تعالى عالم بجميع جهات حسن وقبح الأفعال، والحكيم يختار دائماً ما هو الأحسن والأكمل.

٣ - إنّ اللّه تعالى غني عن العالمين، وهو في منتهى الجود والكرم والعطاء، ولا يوجد ما يمنع اللّه من إيجاد الأحسن حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.



الفصل الثاني عشر

الهداية والإضلال

معنى الهداية

الهداية الإلهية العامة

الهداية الإلهية الخاصة

معنى الإضلال

نسبة إضلال العباد إلى اللّه تعالى



المبحث الأوّل

معنى الهداية

معنى الهداية (في اللغة):

الهداية: الدلالة والإرشاد وبيان الطريق(١) .

معنى الهداية (في الاصطلاح العقائدي):

إنّ للهداية - في دائرة الاصطلاح العقائدي - العديد من المعاني التي سنذكرها خلال البحث مع بيان المعاني التي تصح نسبتها إلى اللّه تعالى والمعاني التي لا تصح نسبتها إليه تعالى.

____________________

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (هَدَيَ).


المبحث الثاني

الهداية الإلهية العامة

أقسام الهداية الإلهية:

١ - الهداية الإلهية العامة.

٢ - الهداية الإلهية الخاصة.

خصائص الهداية الإلهية العامة:

١ - تشمل الهداية الإلهية العامة كلّ الموجودات، وتعمّ جميع الكائنات من دون تبعيض أو تمييز.

٢ - تتجسّد الهداية الإلهية العامة لكلّ موجود بما يتناسب ويتلاءم مع الغاية التي من أجلها خلقه اللّه تعالى.

أقسام الهداية الإلهية العامة:

١ - الهداية التكوينية.

٢ - الهداية التشريعية.

الهداية التكوينية:

أودع اللّه تعالى في ذات كلّ موجود ما يهديه إلى الغاية التي خلقه من أجلها، وتسمّى هذه الهداية بالهداية التكوينية(١) .

____________________

١- انظر: مفاهيم القرآن، جعفر السبحاني: ج٦، يبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه، ص ٥٠١.


خصائص الهداية التكوينية(١) :

١ - تتمّ الهداية التكوينية عن طريق القوى التي يخلقها اللّه تعالى في كلّ موجود لتهديه إلى الغايات التي خُلق لأجلها.

٢ - تتحقّق الهداية التكوينية في كلّ موجود بصورة خاصة تتناسب وتنسجم مع ذلك الموجود.

بعض الآيات القرآنية الدالة على الهداية التكوينية:

١ -( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) [طه: ٥٠]

٢ -( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) [الأعلى: ١ - ٣] أي: كلّ ما يخلقه اللّه تعالى إنّما يخلقه بتقدير خاص تتبعه الهداية التكوينية العامة.

أمثلة الهداية التكوينية:

أوّلاً - الهداية التكوينية في الإنسان:

خلق اللّه تعالى الإنسان مختاراً ليصل عن طريق عبادته للّه تعالى(٢) وكدحه في سبيل اللّه عزّ وجلّ(٣) إلى ما يستحق به الرحمة الإلهية(٤) فيبلغ بذلك أعلى درجات الكمال من خلال تقرّبه إلى اللّه تعالى.

وقد أعدّ اللّه تعالى للإنسان كلّ ما يحتاجه في هذا السبيل من أجل وصوله إلى الغاية التي خلقه لأجلها، وهذا ما يسمّى بالهداية الإلهية التكوينية العامة للإنسان.

قال تعالى:

( وَنَفْس وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) [الشمس: ٧ - ٨]

( أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) [البلد: ٨ -

____________________

١- المصدر السابق.

٢- قال تعالى: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ). [الذاريات: ٥٦]

٣- قال تعالى: (يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ). [الإنشقاق: ٦]

٤- قال تعالى: (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ). [هود: ١١٨ - ١١٩]


١٠]

نماذج من قوى الهداية التكوينية في الإنسان:

إنّ من القوى التي خلقها اللّه تعالى في الإنسان ليهتدي بها إلى غاية خلقه:

١ - قوى نمو النطفة والجسم:

جعل اللّه تعالى في النطفة قوى تهديها وترشدها عند توفّر الشروط المطلوبة إلى النمو بصورة صحيحة من أجل تكوين الإنسان بالشكل المطلوب. كما أنّ جسم الإنسان مليء بالأجهزة التي تهديه إلى حفظ حالة التوازن فيه.

٢ - العقل:

إنّ العقل هو الجهاز الذي يرشد الإنسان إلى الخير والصلاح، وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود هذه الهداية العامة في جميع المكلَّفين، وحثّ الباري عزّ وجلّ الإنسان على التعقّل والتفكّر والتدبّر لينتفع من هذه الهداية العامة في حياته.

ملاحظة:

إنّ الذين يهملون عقولهم ولا ينتفعون بها عن طريق التفكّر والتدّبر والتأمّل، فإنّهم - في الواقع - يحرمون أنفسهم من هذه الهداية الإلهية العامة، وإنّهم سيتحمّلون بأنفسهم مسؤولية عدم انتفاعهم من هذه الهداية(١) .

٣ - الفطرة:

جعل اللّه تعالى الذات البشرية بصورة تنسجم مع التشريعات الإلهية. وعرّف اللّه تعالى النفس البشرية طريق الفجور وطريق التقوى، بحيث جعلها قادرة على التمييز بين الخير والشر بصورة فطرية. وهذا ما يعدّ من أنواع الهداية التكوينية الإلهية للعباد.

قال تعالى:

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ) [الروم: ٣٠]

____________________

١- انظر: مفاهيم القرآن، جعفر السبحاني: ج٦، يبحث عن أسمائه وصفاته سبحانه، ص٥٠٢.


( وَنَفْس وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) [الشمس: ٧ - ٨]

تنبيه:

إنّ الفطرة عامة عند جميع الناس، ولكنها ربّما تضعف أو يزول تأثيرها بسبب إعراض الإنسان عنها وتلبّسه بصفات سلبية تمنعه من إجابة ندائها، كالهوى والشهوات والغفلة والجهل والتعصّب والعناد واللجاج وما يشبه ذلك(١) .

ثانياً: الهداية التكوينية في الحيوانات:

خلق اللّه تعالى الحيوانات لغايات معيّنة، ثمّ هدى كلّ صنف منها إلى نظام وجودها وحياتها الطبيعية لتحقّق الغاية التي خُلقت من أجلها.

وقد سمّى اللّه تعالى هذه الهداية التكوينية في بعض الموارد باسم "الوحي" فقال تعالى:

( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ ) [النحل: ٦٨ -٦٩]

وهذه الهداية عامة لجميع أفراد النحل بلا استثناء.

نماذج من الهداية التكوينية في الحيوانات:

إنّ اللّه تعالى هدى الحيوان إلى توفير أسباب العيش لنفسه، من قبيل: الأكل والشرب، والبحث عن القوت، والبناء أو البحث عن مأوى لنفسه، والهروب من كلّ ما يضرّه أو يؤلمه، والاتّجاه نحو كلّ ما يحفظ له وجوده ويحقّق له غاية حياته.

ثالثاً: الهداية التكوينية في النباتات:

جهّز اللّه تعالى النباتات بقوى تهديها إلى كمالها المطلوب.

مثال:

____________________

١- انظر: حديث حول الجبر والتفويض، عبد اللّه الموسوي البحراني: مفهوم الجبر والاختيار، ص٣٧.


جهّز اللّه تعالى الحبّة بأدق القوى التي تدفعها عند توفّر الظروف الخاصة إلى الازدهار، فالحبّة عندما توضع تحت التراب، وتتوفّر لها شروط النمو، ترعاها هذه القوى الكامنة فيها للانتفاع من العوامل الخارجية كالماء والنور إلى أن تصبح شجرة مثمرة(١) .

رابعاً: الهداية التكوينية في الجمادات:

جهّز اللّه تعالى كلّ ذرة من الجمادات بأجهزة تسيّرها وفق قانون طبيعي منظّم يمنحها التماسك والتفاعل مع المؤثّرات الخارجية.

الهداية التشريعية:

إنّ الهداية التشريعية عبارة عن إرشاد اللّه العباد إلى الحقّ(٢) عن طريق إرسال الرسل والأنبياء وإنزال الكتب السماوية، ليتعرّف كلّ إنسان على ربّه وعلى كيفية عبادته وعلى المنهج الصحيح الذي ينبغي أن يتّبعه في هذه الحياة ليصل به إلى الكمال المنشود.

خصائص الهداية التشريعية:

١ - تكون الهداية التشريعية من قبيل "إراءة الطريق"، ويقوم الأنبياء بهذه الهداية عن طريق إرشاد الناس إلى التشريعات الإلهية وإيضاح سبيل الخير والسعادة لهم وتحذيرهم من سلوك سبيل الشر والغواية.

٢ - تشمل الهداية التشريعية جميع المكلَّفين(٣) ، وهي لا تختص بفرد أو جماعة دون غيرها، ولا بطائفة دون طائفة، ولا بجيل دون جيل، بل هي عامة شاملة، ويكون بوسع كلّ إنسان أن يهتدي بهداها.

٣ - إنّ عمومية الهداية التشريعية لكلّ مكلَّف تنفي الجبر وتثبت الاختيار في الإنسان; لأ نّها تبيّن بأنّ كلّ إنسان مختار في الاهتداء بهداية الأنبياء والرسل والكتب السماوية، وهو غير مجبور في هذا السبيل، وله أن يهتدي أو يضل وفق

____________________

١- انظر: الانصاف، جعفر السبحاني: ٣/٨٤.

٢- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب٧، ص١٧١.

٣- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب٧، ص١٧١.


إرادته واختياره.

٤ - تعتبر الهداية التشريعية من شروط ومستلزمات التكليف، بحيث لا يصح التكليف من دونها، لأنّ الإنسان غير قادر على طاعة اللّه تعالى ما لم يهديه اللّه تعالى ويرشده إلى المنهج الديني الذي ينبغي السير على ضوئه.

بعض الآيات القرآنية الدالة على الهداية التشريعية:

١ -( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) [النساء: ١٦٥]

٢ -( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) [الأنبياء: ٧٣]

٣ -( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ ) [الفتح: ٢٨]

٤ -( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراط مُسْتَقِيم ) [الشورى: ٥٢]

٥ -( وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) [فصّلت: ١٧]

٦ -( وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ) [النجم: ٢٣]

٧ -( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) [الإسراء: ٩]

٨ -( ... الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ) [البقرة: ١٨٥]


المبحث الثالث

الهداية الإلهية الخاصة

إنّ الهداية الإلهية الخاصة عبارة عن التوفيق والمعونة والتسديد الإلهي للعباد ومنحهم المزيد من الثبات في طريق الحقّ.

مستحقي الهداية الإلهية الخاصة:

إنّ الهداية الإلهية الخاصة تكون وفق مشيئته تعالى، وإنّ اللّه تعالى يهدي من يشاء بهدايته الخاصة.

ولهذا ورد في القرآن الكريم:

١ -( ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ ) [الزمر: ٢٣]

٢ -( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [القصص: ٥٦]

٣ -( وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [البقرة: ٢١٣]

ولكن لا يخفى بأنّ اللّه تعالى حكيم، وهو لا يشاء جُزافاً أو عبثاً، وإنّما تكون مشيئته وفق حكمته وعدله، وقد بيّن اللّه عزّ وجلّ في القرآن الكريم موازين مشيئته تعالى في هداية العباد بهدايته الخاصة.

موازين المشيئة الإلهية في هداية عباده بالهداية الخاصة:

أوّلاً - الإيمان باللّه والعمل الصالح (الانتفاع من الهداية التكوينية كالعقل والفطرة واتّباع الهداية التشريعية)، ولهذا قال تعالى:

١ -( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) [يونس: ٩]

٢ -( إِنَّ اللّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراط مُسْتَقِيم ) [الحجّ: ٥٤]


٣ -( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) [التغابن: ١١]

٤ -( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) [محمّد: ١٧]

٥ -( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ) [الكهف: ١٣ - ١٤]

٦ -( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ) [طه: ١٢٣]

٧ -( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ... ) [المائدة: ١٥ - ١٦]

ثانياً - المجاهدة في سبيل اللّه

قال تعالى:( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) [العنكبوت: ٦٩]

أي: إنّ الذين يجاهدون أهواءهم النفسية في سبيل اللّه تعالى، ويقفون بصلابة أمام التيارات المعاكسة للحق، فإنّ اللّه تعالى وعدهم بالهداية الخاصة.

ثالثا - الإنابة

قال تعالى:( إِنَّ اللّهَ... وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ) [الرعد: ٢٧]

وقال تعالى:( وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) [الشورى: ١٣]

أي: إنّ من ينيب إلى اللّه تعالى ويرجع إليه ويُقبل عليه، فإنّ اللّه تعالى يهديه بهدايته الخاصة، فعلّق اللّه تعالى الهداية على من اتّصف بالإنابة والتوجّه إليه سبحانه وتعالى.

النتيجة:

تكون الهداية الإلهية الخاصة فقط للذين يجاهدون ليستضيئوا بنور الهداية التكوينية والتشريعية العامة، فهؤلاء هم المستحقون لهذه الهداية، وهم الذين تشملهم العناية الربانية، فتعينهم في سيرهم على جادة الصواب، وتسدّد خطاهم في اتّباعهم للحق، وتثبّت أقدامهم على الصراط المستقيم.


الآيات القرآنية الدالة على عدم مشيئة اللّه إجبار العباد على الهداية:

١ -( وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْس هُداها ) [السجدة: ١٣]

٢ -( وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) [النحل: ٩]

٣ -( وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ) [الأنعام: ٣٥]

٤ -( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [يونس: ٩٩]

٥ -( وَلَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكُوا ) [الأنعام: ١٠٧]

تبيّن هذه الآيات بأنّ اللّه تعالى قادر على سلب اختيار الإنسان وإجباره على الهداية، ولو كان كذلك لآمن واهتدى كلّ من في الأرض، ولكنه تعالى لم يشأ ذلك، وإنّما شاء أن يجعل الإنسان مختاراً في سلوكه سبيل الهداية أو الضلال، لأنّ قيمة الهداية تكمن في كونها مستندة إلى الاختيار لا إلى الجبر.

الرد الإلهي على المشركين الذين نسبوا شركهم إلى مشيئة اللّه تعالى:

قال تعالى:

١ -( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ ) [الأنعام: ١٤٨]

٢ -( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) [النحل: ٣٥]

توضيح:

إدّعاء المشركين: شاء اللّه تعالى لنا الإشراك به وشاء لنا عبادة غيره.

استنتاج المشركين: لذلك أشركنا باللّه في الصعيد العقائدي والعبادي.


احتجاج المشركين:( لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا ) ،( لَوْ شاءَ اللّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ )

الموقف الإلهي إزاء هؤلاء المشركين:

١ - كذّبهم اللّه في هذا الإدّعاء والاحتجاج، وقال تعالى:( كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) .

٢ - أوعدهم اللّه بعذاب، فقال تعالى:( حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ) بسبب هذا الكذب الذي كذّبوه على اللّه تعالى.

٣ - طالبهم اللّه تعالى بالدليل على ما ادّعوه، فقال تعالى لنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم):( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ ) .

أي: إنّ كان عندكم دليل أو برهان فاخرجوه، ولكنكم - في الواقع - لا تعتمدون في ادّعاءاتكم على مستند علمي، وإنّما تتبعون الظنون الكاذبة التي هي أوهام بعيدة عن الحقيقة.

٤ - ردّ اللّه تعالى على احتجاجهم بقوله:( قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) [الأنعام: ١٤٩]. أي: شاء اللّه تعالى أن يمنحكم الاختيار، ولو شاء اللّه إجباركم، لأجبركم على الهداية، ولم يجبركم على الشرك به، وفي هذا حجّة تبلغ صميم الحقيقة، وللّه الحجّة البالغة(١) .

الآيات القرآنية الدالة على حرّية مشيئة الإنسان في اختيار الإيمان أو الكفر:

١ -( قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) [الكهف: ٢٩]

٢ -( إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) [الإنسان: ٢٩]

٣ -( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [فصّلت: ٤٠]

٤ -( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ

____________________

١- انظر: العقيدة الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حسن جنكه الميداني: ص٧٨٠ - ٧٨١.


لَكُمْ ) [الزمر: ٧]

أي: إنّكم تمتلكون اختيار الإيمان أو الكفر بمحض إرادتكم، وإنّكم غير مسلوبي الإرادة في التلبّس بأيّهما شئتم.

فلو اخترتم الكفر وكفرتم باللّه، فإنّ اللّه غني عنكم، ولكن الكفر سيقودكم إلى الشرّ، واللّه يريد لكم الخير، فلهذا لا يرضى اللّه لعباده الكفر.

ولو اخترتم سبيل الشكر للّه تعالى، فإنّ اللّه أيضاً غني عنكم، ولكن هذا الشكر سيقودكم إلى الخير، واللّه يريد لكم الخير، فلهذا إن تشكروا يرضه لكم.

وهذا ما يدلّ بصراحة على امتلاك الإنسان الاختيار في سلوكه وتصرّفاته(١) .

معاني أُخرى للهداية الإلهية الخاصة

معاني الهداية التي يصح نسبتها إلى اللّه تعالى:

المعنى الأوّل: الإثابة(٢)

١ - قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ) [يونس: ٩]

فقوله تعالى:( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) أي: يثيبهم بإيمانهم ويهديهم طريق الجنة(٣) .

٢ - قال تعالى:( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ) [محمّد: ٤ - ٥]

فقوله تعالى:( سَيَهْدِيهِمْ ) أي: سيثيبهم(٤) لأنّ الهداية التي تكون بعد قتلهم

____________________

١- انظر: حديث حول الجبر والتفويض، عبد اللّه الموسوي البحراني: مفهوم الجبر والاختيار، ص٣٩.

٢- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ٧، تفسير الآيات، ص١٧٢.

٣- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في الهدى والضلال، ص١٨٨.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثالث، ص٩١.

٤- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في الهدى والضلال، ص١٨٨.


هي إثابتهم لا محالة(١) .

٣ - قال تعالى:( فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ) [الأنعام: ١٢٥]أي: من يرد اللّه أن يثيبه بإيمانه وطاعته التي فعلها، فإنّ اللّه تعالى يشرح صدره ليطمئن قلبه بالإيمان ويثبت عليه، لأنّ المؤمن إذا انشرح صدره عند قيامه بعمل عبادي، فإنّ هذا الانشراح سيدفعه إلى مواصلة ذلك العمل والتثبّت عليه(٢) .

٤ - قال تعالى:( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [البقرة: ٢٧٢]أي: ليس عليك يا رسول اللّه إثابتهم، ولكن اللّه يثيب من يشاء وفق موازين حكمته وعدله(٣) .

٥ - قال تعالى:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [القصص: ٥٦]

أي: إنّك يا رسول اللّه لا تثيب من أحببت، ولكن الإثابة بيد اللّه تعالى، وأ نّه تعالى يثيب وفق مشيئته الحكيمة والعادلة(٤) .

المعنى الثاني: إثبات الهداية والحكم بها

قد تعني عبارة "هدى اللّه هؤلاء" أ نّه تعالى أثبت أ نّهم مهتدون وحكم عليهم بهذا الوصف(٥) .

____________________

١- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب٧، تفسير الآيات، ص١٧٢.

٢- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في الهدى والضلال، ص١٩١.

تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: فصل في الإرادة والمشيئة، ص٥١.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة التاسعة، ص٤٣٦.

وقد ورد هذا المعنى في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام).

راجع: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٣٥: باب تفسير الهدى والضلالة، ح٤، ص٢٣٧.

٣- انظر: أصول الدين، محمّد حسن آل ياسين: العدل الإلهي، ص١٨٠.

٤- انظر: المصدر السابق.

٥- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ٧: تفسير الآيات، ص١٧٢.


المعنى الثالث: الإرشاد إلى الجنة

قال تعالى:( مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ) [الكهف: ١٧]

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول هذه الآية:

"إنّ اللّه تبارك وتعالى يضلّ الظالمين يوم القيامة عن دار كرامته، ويهدي أهل الإيمان والعمل الصالح إلى جنته، كما قال عزّ وجلّ:( وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ ) [إبراهيم: ٢٧]

وقال عزّ وجلّ:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ) [يونس: ٩]..."(١) .

معاني الهداية التي لا يصح نسبتها إلى اللّه تعالى:

المعنى الأوّل: ايصال الإنسان إلى الهداية إجباراً

إنّ تفسير الهداية الإلهية بمعنى إجبار اللّه الإنسان على الهداية وحمله عليها بالقسر والغلبة يتنافي مع اختيار الإنسان في أفعاله ولا ينسجم مع مبدأ التكليف ومبدأ استحقاق الإنسان الثواب والعقاب(٢) .

المعنى الثاني: خلق الهداية في الإنسان

لا يصح القول بأنّ اللّه تعالى يخلق الهداية في الإنسان من غير أن يكون للإنسان القدرة على الامتناع وقد ناقشنا هذا الموضوع فيما سبق(٣) .

____________________

١- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب ٣٥، ح١، ص٢٣٦.

٢- للمزيد راجع الفصل السابع، المبحث الرابع من هذا الكتاب.

٣- راجع: الفصل السابع، المبحث السادس من هذا الكتاب.


المبحث الرابع

معنى الإضلال

معنى الإضلال(١) :

١ - التغييب: يقال: أضللت الشيء إذا غيّبته.

وجاء في القرآن الكريم:( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ) [طه: ٥٢] أي: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.

٢ - التضييع: يقال: أضللته إذا ضيّعته، ويقال: ضلّت ناقتي، أي: ضاعت ناقتي وتاهت، ويقال: ضللت الطريق، أي: ضعت عن الطريق.

٣ - الهلاك: كقوله تعالى:( ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) [الكهف: ١٠٤]أي: حبط سعيهم. وكقوله تعالى حكاية عن الدهريين:( وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ أَ إِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ) [السجدة: ١٠] أي: أَإِذا هلكنا في الأرض ومتنا وتفتّتت أجزاؤنا أ نُخلق خلقاً جديداً(٢) .

٤ - النسيان: كقوله تعالى:( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الأُخْرى ) [البقرة: ٢٨٢] أي: إذا نسيت إحداهما ذكّرتها الأخرى.

٥ - وجده ضالاً: يقال: أضللت الشيء إذا وجدته ضالا، ومنه الحديث: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى قومه فأضلّهم، أي: وجدهم ضلالا غير مهتدين إلى الحقّ.

٦ - السبب للضلال والدخول فيه: كما جاء في القرآن الكريم حول الأصنام:

____________________

١- وردت المعاني الستة المذكورة في بداية هذا القسم في: لسان العرب، ابن منظور: مادة (ضلل).

٢- انظر: تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد: فصل: في الإرادة والمشيئة، ص٥٢.


( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ ) [إبراهيم: ٣٦] أي: ربّ إنّ الأصنام أصبحن سبباً لإضلال الكثير، مع العلم بأنّ الأصنام لا تعقل ولا تفعل شيئاً(١) .

٧ - إبطال العمل: كقوله تعالى:( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ) [محمّد: ٤] أي: فلن يبطل اللّه أعمالهم، وكقوله تعالى:( وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [ ) محمّد: ٨] أي: أبطل أعمالهم لسوء نواياهم وتلبّسها بالرياء والنفاق(٢) .

____________________

١- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب٧، ح٤٨، ص٢٠٨.

٢- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة التاسعة، ص٤٣٦.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثالث، ص٩١.


المبحث الخامس

نسبة إضلال العباد إلى اللّه تعالى

إنّ إضلال اللّه لبعض العباد عبارة عن خذلانهم وتركهم لشأنهم وإيكالهم إلى أنفسهم وسلب التوفيق والعناية والتسديد منهم، وحرمانهم من الهداية الخاصة.

مستحقي هذا النوع من الإضلال:

إنّ إضلال اللّه لبعض العباد يكون وفق مشيئته تعالى، وإنّ اللّه تعالى يضل من يشاء.

ولهذا ورد في القرآن الكريم:

١ -( إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) [الرعد: ٢٧]

٢ -( فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ ) [إبراهيم: ٤]

ولكن لا يخفى بأنّ اللّه تعالى حكيم، وهو لا يشاء جزافاً أو عبثاً، وإنّما تكون مشيئته وفق حكمته وعدله، وقد بيّن اللّه عزّ وجل في القرآن الكريم موازين مشيئته تعالى في إضلال بعض العباد وحرمانهم من الهداية الخاصة.

موازين مشيئته تعالى في إضلال العباد وحرمانهم من الهداية الخاصة:

أوّلاً: الكفر

قال تعالى:

١ -( كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ الْكافِرِينَ ) [غافر: ٧٤]

٢ -( وَإِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) [النحل: ١٠٧]

٣ -( وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) [البقرة: ٢٦٤]

٤ -( إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ ) [الزمر: ٣]


ثانياً: الظلم

قال تعالى:

١ -( وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ ) [إبراهيم: ٢٧]

٢ -( إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) [المائدة: ٥١]

٣ -( وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) [البقرة: ٢٥٨]

ثالثاً: الفسق

قال تعالى:

١ -( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ ) [البقرة: ٢٦]

٢ -( وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) [المائدة: ١٠٨]

رابعاً: الإسراف والارتياب

قال تعالى:( كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ) [غافر: ٣٤]

خامساً: الانحراف عن الحقّ

قال تعالى:( فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ ) [الصف: ٥]

سادساً: الاستكبار

قال تعالى:( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبّار ) [غافر: ٣٥]


معاني الإضلال التي لا يصح نسبتها إلى اللّه تعالى

المعنى الأوّل: الإغواء والتوجيه نحو الباطل(١) .

الآيات القرآنية المشيرة إلى هذا المعنى من الإضلال:

١ -( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ) [طه: ٧٩]

٢ -( وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ ) [طه: ٨٥]

٣ -( وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ ) [الشعراء: ٩٩]

٤ -( رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ ) [الأحزاب: ٦٧]

٥ -( وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ) [آل عمران: ٦٩]

٦ -( وَاللّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ) [النساء: ٢٧]

٧ -( وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) [النساء: ٦٠]

٨ -( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً ) [يس: ٦٢]

٩ -( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدى ) [الأنعام: ٧١]

١٠ -( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطان مَرِيد * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ) [الحجّ: ٣ - ٤]

أي: إنّ من يتّبع الشيطان فإنّه يضلّه، أي: يغويه ويصوّر له الباطل بصورة الحقّ، ويزيّن له الانحراف عن المنهج المستقيم، ويزيّنه له ويوصله إلى عذاب السعير عن طريق ما يوسوس له.

____________________

١- انظر: كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثالث، المسألة التاسعة، ص٤٣٥.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في الهدى والضلال، ص١٨٩.


أدلة عدم صحة نسبة هذا المعنى من الإضلال إلى اللّه تعالى:

١ - إنّ هذا المعنى من الإضلال قبيح، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح(١) .

٢ - إنّ اللّه تعالى - كما جاء في الآيات القرآنية التي ذكرت آنفاً - ذم إبليس وفرعون والسامري والمجرمين والطغاة على إضلالهم الناس، فكيف يصح أن يكون مضلاًّ للعباد بهذا المعنى الذي ذمّ به هؤلاء؟

٣ - إنّ من يتصف تارة بالإضلال ويتصف تارة أُخرى بالهدى لا يمكن الوثوق بأمره ونهيه، فتبطل بذلك الشرائع الإلهية، ولهذا ينبغي تنزيه اللّه تعالى عن الإضلال بمعنى الإغواء والتوجيه نحو الباطل.

٤ - إنّ هذا المعنى من الإضلال يتنافى مع هداية اللّه التكوينية والتشريعية للعباد، لأنّ اللّه تعالى منح العباد العقول وأرسل إليهم الأنبياء وأنزل لهم الكتب السماوية، وكان غرضه تعالى من ذلك هداية العباد إلى الحقّ، فكيف يصح أن يكون مغوياً لهم بعد ذلك وهو الذي أراد هدايتهم بإرادته التشريعية؟

قال تعالى:( وَما كانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) [التوبة: ١١٥]

٥ - إنّ اللّه تعالى نسب الضلال إلى العبد في العديد من آيات كتابه العزيز، وبيّن بأنّ العبد لا يضل (أي: لا يتّجه نحو الباطل) إلاّ نتيجة تمسّكه بأسباب الضلال وفعله الاختيارى لما يوجب وقوعه في الضلال.

ومن هذه الآيات القرآنية:

١ -( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) [الإسراء: ١٥]

٢ -( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ) [سبأ: ٥٠]

٣ -( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً

____________________

١- انظر: المصدر السابق: كشف المراد، ص٤٣٦، المنقذ من التقليد: ص١٩٠.


بَعِيداً ) [النساء: ١٣٦]

٤ -( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً ) [النساء: ١٦٧]

٥ -( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ) [النساء: ١١٦]

٦ -( وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) [الممتحنة: ١]

أي: ومن يتّخذ عدو اللّه ولياً فقد ضلَّ سواء السبيل.

المعنى الثاني للإضلال الذي لايصح نسبته إلى اللّه تعالى:إجبارالإنسان على الضلال:

وقد ناقشنا أدلة القول بالجبر والردّ عليها فيما سبق(١) .

النتيجة:

يجد المتأمّل في آيات القرآن الكريم الواردة حول الهداية والإضلال بأنّ هذه الآيات تنقسم إلى قسمين:

١ - آيات تبيّن بأنّ المشيئة الإلهية مطلقة في الهداية والإضلال، وأنّه تعالى لا سلطان ولا نفوذ لأحد عليه، وأنّه تعالى يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء. كقوله تعالى:( فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [فاطر: ٨]

٢ - آيات تبيّن بأنّ المشيئة الإلهية - التي لا سلطان لأحد عليها - مشيئة عادلة وأنّ هدايته تعالى وإضلاله لا تتمّ إلاّ حسب موازين تنسجم مع صفاته الكمالية، وأنّه تعالى لا يضلّ إلاّ من استحق الضلال، ولا يهدي أحداً بهدايته الخاصة إلاّ من استحق هذه الهداية.

وجه الجمع بين هذه الآيات:

لا يوجد أي تعارض بين هذين القسمين من الآيات، ومنتهى القول:

____________________

١- راجع: الفصل السابع، المبحث الرابع والخامس من هذا الكتاب.


تبيّن آيات القسم الأوّل بأنّ مشيئة اللّه تعالى مطلقة ولا سلطان لأحد عليها.

وتبيّن آيات القسم الثاني بأنّ مشيئة اللّه تعالى المطلقة مشيئة عادلة وحكيمة.

المنهج الصحيح لتفسير هذه الآيات:

إنّ المنهج الصحيح لتفسير الآيات القرآنية الواردة حول الهداية والإضلال هو التفسير الموضوعي الذي يتم عن طريقه النظر إلى مجموع النصوص القرآنية الواردة في هذا المجال، وربط الآيات بعضها ببعض، وجعل بعضها قرينة للاُخرى، والتنسيق بين معانيها من أجل التعرّف على مقصود القرآن الكريم.

وأما الاقتصار على بعض الآيات وإهمال البعض الآخر، فإنّه لا ينتج سوى الفهم الخاطئ والابتعاد عن العقيدة التوحيدية النقية.


الفصل الثالث عشر

الأجل

معنى الأجل

أقسام الأجل

ما يزيد وينقص الأجل

أجل المقتول لو لم يقتل



المبحث الأوّل

معنى الأجل

معنى الأجل (في اللغة):

الأجل مدّة الشيء، وغاية الوقت في الموت(١) .

معنى الأجل اصطلاحاً:

أجل كلّ كائن حي هو الوقت الذي تنتهي فيه حياته الدنيوية(٢) .

____________________

ملاحظة: ذكرت مصادر هذا الفصل بصورة موجزة في ذيل كلّ صفحة، ويستطيع الراغب للتوسّع أن يجد هذه المصادر بصورة مفصّلة في نهاية الفصل الرابع عشر.

١- انظر: لسان العرب، ابن منظور: ١ / ٧٩، مادة (أجل).

٢- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: ٣٦٨، تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: ٢٠٨، المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: ١١١، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦١، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٥٩.


المبحث الثاني

أقسام الأجل(١)

١ - أجل محتوم:

وهو الأجل الذي يعلمه اللّه تعالى بالنسبة إلى كلّ كائن حي.

ولا يخفى بأنّ العلم الإلهي كاشف عن الواقع الخارجي، وليس لهذا العلم أي أثر في الخارج، وإنّما هو مجرّد انكشاف للأُمور والأحداث التي ستقع بأسبابها. وبما أنّ للإنسان - في بعض الأحيان - دوراً في تحديد أجله أو أجل الآخرين، فإنّ الأجل المحتوم سيكون في هذه الحالة عبارة عن علمه تعالى بالأجل الذي يحدّده الإنسان لنفسه أو لغيره.

آيات قرآنية مشيرة إلى الأجل المحتوم:

( وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) [الأعراف: ٣٤]

( ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّة أَجَلَها وَما يَسْتَأخِرُونَ ) [الحجر: ٥]

( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها ) [المنافقون: ١١]

( إِنَّ أَجَلَ اللّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ) [نوح: ٤]

____________________

١- ورد هذا التقسيم في أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)أ نّه قال حول أقسام الآجال: "... هما أجلان: أجل موقوف يصنع اللّه ما يشاء وأجل محتوم".

بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ٤: الآجال، ح٩، ص١٤٠.


٢ - أجل غير محتوم (أجل موقوف):

وهو الأجل الذي يكون متوقّفاً على شرط أو فقدان مانع.

فإذا تحقّق الشرط وفُقد المانع، تمّت العلة، فيتحقّق الأجل.

وإذا لم يتحقق الشرط ولم يفقد المانع، لم تتمّ العلّة، فلا يتحقّق الأجل.

تنبيه:

إنّ للأجل غير المحتوم قابلية للتقدّم والتأخّر، والزيادة والنقصان، ويستطيع الإنسان أن يغيّر أجله عن طريق التمسّك ببعض الأسباب التي سنشير إليها لاحقاً.

آية قرآنية مشيرة إلى الأجل غير المحتوم:

( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضى أَجَلاً... ) [الأنعام: ٢]


المبحث الثالث

ما يزيد وينقص الأجل

يستطيع الإنسان - إلى حد ما - أن يزيد أو ينقص في عمره عن طريق التمسّك ببعض الأسباب التي أشارت إليها أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)منها:

١ - رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "أكثر من الطهور يزيد اللّه في عمرك"(١) .

٢ - الإمام الصادق(عليه السلام): "من حسنت نيّته زيد في عمره"(٢) .

٣ - الإمام الصادق(عليه السلام): "يعيش الناس بإحسانهم أكثر مما يعيشون بأعمارهم، ويموتون بذنوبهم أكثر مما يموتون بآجالهم"(٣) .

٤ - الإمام الصادق(عليه السلام): "إن أحببت أن يزيد اللّه في عمرك فسرّ أبويك"(٤) .

٥ - الإمام الكاظم(عليه السلام): "من حسن برّه بإخوانه وأهله مُدّ في عمره"(٥) .

٦ - الإمام علي(عليه السلام): "صلْ رحمك يزيد اللّه في عمرك"(٦) .

٧ - رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ المرء ليصل رحمه ومابقي من عمره إلاّ ثلاث سنين، فيمدها اللّه إلى ثلاث وثلاثين سنة.

وإنّ المرء ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة، فيقصرها اللّه إلى ثلاث سنين

____________________

١- وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج١، كتاب الطهارة، باب ١١، باب استحباب الوضوء..، ح٣، ص٣٨٣.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٦٩، كتاب الإيمان والكفر، باب٣٨، ح١١٧، ص٤٠٨.

٣- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب ٤: الآجال، ح٧، ص١٤٠.

٤- الزهد، الحسين بن سعيد الكوفي: باب٥: باب بر الوالدين، ح٨٧، ص٣٣.

٥- مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري: ج١٢، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب فعل المعروف، باب ٣٢، ح٢ [١٤٤٩٨]، ص٤٢١.

٦- الأمالي، الشيخ الصدوق: المجلس السابع والثلاثون، ح ٣٠٨ / ٩، ص٢٧٨.


أو أدنى"(١) .

٨ - الإمام علي(عليه السلام): "من أراد البقاء ولا بقاء، فليخفّف الرداء، وليباكر الغذاء، وليقلّ مجامعة النساء"(٢) .

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب٤: الآجال، ح١٢، ص١٤١.

٢- وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج٢٤، كتاب الأطعمة والأشربة، باب ١١٢، ح٥ [٣٠٩٨٨]، ص٤٣٣.


المبحث الرابع

أجل المقتول لو لم يقتل

وأجل الميت بسبب لو لم يمت بذلك السبب

المسألة:

إنّ الذي يُقتل هل كان يعيش لو لم يقتل؟

كما أنّ الذي يموت بسبب كزلزال أو حادث اصطدام أو... هل كان يعيش لو لم يمت بذلك السبب؟

الرأي الأوّل:

إنّ المقتول أو الميت بسبب كالزلزال أو الغرق أو... تخرج روحه من جسده بأجله، ولو لا القتل أو ذلك السبب لمات هذا الشخص لا محالة في نفس ذلك الوقت بصورة أُخرى أو بشكل طبيعي، لأنّ أجله كان في ذلك الوقت فحسب(١) .

يرد عليه:

١ - أننا نجد بعض الظلمة يقتلون جمعاً كثيراً من الناس في فترة زمنية قصيرة.

ونجد سفينة تغرق فيموت من كان فيها في عدّة دقائق.

ولكننا لم نجد بأ نّه تعالى أمات مثل هذا الجمع دفعة واحدة.

ومن هنا نستيقن بأنّ هؤلاء الذي قُتلوا أو ماتوا بسبب من الأسباب ليس من

____________________

١- نسب هذا الرأي إلى أبي الهذيل العلاف والمجبرة وقوم من الحشوية.

انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: ٢٤٤، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٥٦، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦١، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٥٩، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٩١.


الضرورة أن يفارقوا الحياة لولا القتل أو ذلك السبب(١) .

٢ - لو كان المقتول يموت - لا محالة - لولا القتل في نفس وقت قتله، لم يكن القاتل مسيئاً إلى المقتول، ولتمكّن القاتل من الاحتجاج بأنّ الشخص المقتول إنّما مات بأجله، وأ نّه لو لم يقتله لمات هذا الشخص في نفس ذلك الوقت.

وهذا ما ينكره العقل بالبداهة، ويحكم العقل بوضوح بأ نّه ليس من الضرورة أن يموت المقتول لو لم يقتله القاتل(٢) .

٣ - لو كان المقتول يموت - لا محالة - لولا القتل في نفس وقت قتله، لكان الشخص الذي يذبح شاة غيره من دون إذنه محسناً إليه، لأ نّه لو لم يذبحها لماتت، ولفات الانتفاع بلحمها، ولكن العقل يحكم بأنّ هذا الذابح غير محسن، وأ نّه يستحق اللوم والتوبيخ والعقوبة.

ومن هنا نستيقن بأ نّنا لا يمكننا أن نقطع بموت الشاة لولا الذبح(٣) .

٤ - لو كان المقتول يموت - لا محالة - لو لا القتل في نفس وقت قتله، لكان القصاص عبثاً، ولم يكن للقصاص أي دور في خروج روح المقتص منه، بل كان موت هذا الشخص حين القصاص بأجله، فلا يكون في القصاص أي فائدة وهذا بخلاف قوله تعالى:( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) [البقرة: ١٧٩]

ومن هنا نستيقن بأنّ الذي لم يقتل عن طريق القصاص، فإنّه ليس من الضرورة أن يموت لولا القصاص(٤) .

____________________

١- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٢، المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: ١١٣، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٥٧، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٦٠.

٢- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٥٨.

٣- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: ٢٦٤، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧١، المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: ١١٣، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١ / ٣٥٨، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦٢، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٦٠، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٩١.

٤- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٦٠، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٩٢.


الرأي الثاني:

إنّ المقتول أو الميت بسبب كالزلزال أو الغرق أو... تخرج روحه من جسده نتيجة القتل أو ذلك السبب، ولولا القتل أو ذلك السبب لبقي هذا الشخص حيّاً لا محالة(١) .

يرد عليه:

لا يوجد أي دليل معتبر على لزوم بقاء هذا الشخص حيّاً لولا القتل أو الموت بسبب من الأسباب، لأنّ خروج الروح من الجسد بيد اللّه تعالى، ولا يمكن الحتم ببقاء حياة أي شخص في أي وقت.

ولهذا يحتمل لمن لم يقتل أو يمت بذلك السبب أن يقبض اللّه روحه في نفس ذلك الوقت(٢) .

الرأي الثالث:

إنّ المقتول يحتمل أن يكون وقت قتله هو انتهاء أجله المقرّر أن يموت فيه، ويحتمل أن لا يكون ذلك فيعيش لو لم يقتل، وكذلك الحكم بالنسبة إلى من يموت بسبب من الأسباب، وهذا الرأي هو الرأي الصحيح(٣) .

____________________

١- نسب هذا الرأي إلى جماعة المعتزلة البغداديين.

انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٥٦، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦١، مناهج اليقين، اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٥٩، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٩١.

٢- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٢.

٣- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: ٣٦٨، الذخيرة، الشريف المرتضى: ٢٦٣، شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: ٢٤٤، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧١، المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: ١١٢، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٥٦، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦١ - ٤٦٢، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٦٠، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٩٢.


الدليل:

إنّ هذه المسألة لا تخلو من ثلاثة آراء، وحيث ثبت بطلان الرأي الأوّل والثاني، ثبت صحّة هذا الرأي.



الفصل الرابع عشر

الرزق

معنى الرزق

إطلاق وصف "الرازق" على اللّه تعالى وغيره

الرزق والملك

لا يصح تسمية الحرام برزق

أقسام الرزق

طلب الرزق

الرزق والتوكّل

الرزق والقسمة

زيادة الرزق

السعر



المبحث الأوّل

معنى الرزق

معنى الرزق (باعتباره عنواناً للشيء الذي ينتفع به المرزوق):

إنّ الرزق عبارة عن "الشيء" الذي يصح(١) انتفاع الكائن الحي به، ولا يكون لأحد(٢) أن يمنعه من هذا الانتفاع(٣) .

معنى الرزق (باعتباره مصدراً لفعل رزق يرزق):

إنّ الرزق عبارة عن "تمكين" الكائن الحي من الانتفاع بالشيء الذي يصح الانتفاع به، مع عدم التجويز لأحد أن يمنعه من هذا الانتفاع(٤) .

مثال:

إنّ معنى قولنا: رزقنا اللّه مالا، أي: وفّر اللّه تعالى لنا هذا المال، ومكّننا من الانتفاع به، ولم يجوّز لأحد أن يغصبه منّا.

____________________

١- إنّ المقصود من "يصح" بالنسبة للعباد هي الصحة الشرعية، ولهذا لا يسمى الانتفاع بالحرام رزقاً، وسيأتي بيان ذلك لاحقاً.

٢- إنّ المقصود من "لا يكون لأحد"، أي: "لا يجوز شرعاً لأحد من العباد" لأن الإنسان قد يخالف الأوامر الإلهية، فيعتدي على حقوق الآخرين، ويأكل رزق غيره. وسنذكر المصادر المشيرة إلى هذا المعنى لاحقاً.

٣- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: ٢٦٧، شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: ٢٤٥، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٣، تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: ٢٠٨، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٦١، المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: ١١٣، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٦٠، اللوامع الإلهية، مقداد السيوري: ٢٣٠، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٦.

٤- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٦١، بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٠، كتاب الإيمان والكفر، باب: ٥٢، ذيل ح٧، ص١٤٥.


تنبيهان:

١ - لا يجوز للإنسان الانتفاع بشيء - وفق الموازين الشرعية - إلاّ في إحدى الحالتين التاليتين:

أوّلاً: أن يكون مالكاً لذلك الشيء، فيجوز له التصرّف بملكه والانتفاع منه.

ثانياً: أن تكون جهة أُخرى مالكة لذلك الشيء، ويكون الفرد مأذوناً في التصرّف ومتاحاً له الانتفاع بذلك الشيء من قبل المالك.

٢ - إنّ الكائنات الحيّة قادرة على أكل رزق غيرها(١) .

ولا يعني ذلك التغلّب على إرادة اللّه تعالى.

لأنّ معنى "رزق اللّه فلاناً": أ نّه تعالى هيّأ له فرصة الحصول على الرزق، وأرشده إلى مصدر الرزق، ومكّنه من الانتفاع به.

ولا يعني "رزق اللّه فلاناً": أ نّه تعالى أجبره على أخذ الرزق، وأجبر الآخرين على عدم منعه من الانتفاع بما رزقه تعالى.

ولهذا لا يكون أكل رزق الغير تغلّباً على إرادة اللّه تعالى، وإنّما يكون ذلك بالنسبة للإنسان معصية فيما لو نهاه اللّه تعالى عن ذلك(٢) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: ٢٧٠، شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: ٢٤٧، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٥، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ٢/١٢٧، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٧.

٢- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: ٢٧٠، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ٢/١٢٧.


المبحث الثاني

إطلاق وصف "الرازق" على اللّه تعالى وغيره

يطلق وصف "الرازق" على كلّ من(١) :

١ - يفعل الرزق.

٢ - يصبح سبباً لوقوع الرزق.

٣ - يقوم بتمهيد السبيل وتوفير الأجواء لتحقّق الرزق.

ويطلق هذا الوصف على:

أوّلاً: اللّه سبحانه وتعالى.

ثانياً: غير اللّه عزّ وجلّ.

إطلاق وصف الرازق على اللّه تعالى:

إنّ اللّه تعالى هو الذي يرزق الإنسان والحيوان، بل جميع الكائنات الحيّة بمختلف الأرزاق.

ويطلق وصف الرازقية على اللّه تعالى وإن لم يكن هو السبب المباشر لتحقّق الرزق.

دليل ذلك(٢) :

إنّ اللّه تعالى هو الذي:

____________________

١- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: ١٤٠.

٢- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٥ - ١٧٦، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٦٤، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦٣.


١ - أوجد ما يصح أن تنتفع به هذه الموجودات.

٢ - مكّن هذه الموجودات من الانتفاع.

٣ - جعل الرغبة في هذه الموجودات لتنتفع به.

٤ - أباح لهذه الموجودات الانتفاع مما يصح لها الانتفاع به.

إطلاق وصف الرازق على غير اللّه تعالى:

يصح أن إطلاق وصف "الرازق" على غير اللّه تعالى، من قبيل إطلاقه على الإنسان(١) .

دليل ذلك:

إنّ اللّه عزّ وجلّ منح الإنسان القدرة على أن يفعل الرزق أو يكون سبباً لتحقّقه،وقد وصف اللّه تعالى الإنسان في محكم كتابه بهذا الوصف قائلا:

١ -( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) [النساء: ٥]

٢ -( إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) [النساء: ٨]

فعبارة:( ارزقوهم ) في هاتين الآيتين تدل على صحّة وصف الإنسان بأ نّه يرزق.

٣ -( وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ) [الحجّ: ٥٨]

٤ -( وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ) [المؤمنون: ٧٢]

فعبارة:( الرّازِقِينَ ) تدل على صحة تسمية غير اللّه باسم الرازق، فاللّه تعالى رازق وغيره أيضاً رازق، ولكن اللّه تعالى خير الرازقين.

____________________

١- الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٥، تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: ١٤٠.


اللّه تعالى هو الرازق على الإطلاق:

إذا وهب شخص لغيره مالا أو طعاماً، وأصبح رازقاً له، فإنّ هذا الرزق ينسب أيضاً إلى اللّه تعالى، لأ نّه تعالى - كما بيّنا - هو الموجد لهذا المال أو الطعام، وهو الممكّن من الانتفاع به، وهو الذي أعطى للواهب القدرة على إيصال النفع إلى ذلك الغير(١) .

ومن هذا المنطلق ينسب الرزق بصورة مطلقة إلى اللّه تعالى، ولهذا قال تعالى:

١ -( إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ) [الذاريات: ٥٨]

٢ -( هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ ) [فاطر: ٣]

٣ -( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ ) [سبأ: ٢٤]

٤ -( وَما مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها ) [هود: ٦]

وورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول قول اللّه تبارك وتعالى:( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) [يوسف: ١٠٦]

قال(عليه السلام): "هو قول الرجل:

لولا فلان لهلكت

ولولا فلان لما أصبت كذا وكذا

ولولا فلان لضاع عيالي.

ألا ترى أ نّه قد جعل للّه شريكاً في ملكه يرزقه ويدفع عنه"

فقال الراوي: فنقول: لو لا أنّ اللّه منّ عليّ بفلان لهلكت؟

فقال(عليه السلام): "نعم، لا بأس بهذا ونحوه"(٢) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: ٢٧١، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٦٤.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٥، كتاب العدل والمعاد، باب: ٥: الأرزاق والأسعار، ح١٢، ص١٤٨.


شروط صحة وصف الإنسان بالرازق:

يشترط في وصف الإنسان رازقاً أن يكون مختاراً في إيصاله النفع إلى غيره، وأن لا يأخذ العوض إزاء ما يعطي.

ولهذا(١) :

١ - لا يقال للمورّث: إنّه رازق، لأنّ الإرث يتمّ انتقاله منه إلى الوارث من دون اختياره، ويكون ذلك بأمر اللّه تعالى، فلا ينسب هذا الرزق إلاّ إلى اللّه تعالى.

٢ - لا يقال للكافر: إنّه رازق فيما لو غنم المسلم منه غنيمة خلال الحرب، لأنّ هذه الغنيمة خرجت من يد الكافر من دون اختياره، وإنّما كانت بأمر اللّه تعالى، ولهذا لا ينسب هذا الرزق إلاّ إلى اللّه تعالى.

٣ - لا يقال للبائع: إنّه رازق، لأ نّه يأخذ أجرته من المشتري إزاء ما يبيع.

____________________

١- انظر: الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٦.


المبحث الثالث

الرزق والملك

إنّ الرزق بالنسبة للإنسان شيء عام لا يقتصر على الممتلكات فقط، بل يشمل الحياة والعلم والزوجة والولد والجاه و...(١) .

مثال:

يقال: رزق اللّه فلاناً علماً وزوجة وولداً وجاهاً و...

النسبة بين الرزق والملك:

إنّ النسبة بين الرزق والملك هي نسبة العموم والخصوص من وجه.

معنى ذلك:

١ - بعض الرزق ملك.

٢ - بعض الملك رزق.

٣ - بعض الرزق ليس بملك.

٤ - بعض الملك ليس برزق.

توضيح ذلك:

١ - بعض الرزق ملك.

٢ - بعض الملك رزق.

مثالهما:

يقال: هذا الشخص مالك لهذا الشيء.

ويقال أيضاً: هذا الشخص رزقه اللّه تعالى هذا الشيء.

فهذا الشيء ملك ورزق لهذا الشخص في نفس الوقت.

٣ - بعض الرزق ليس بملك.

____________________

١- انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٧.


مثال:

المثال الأوّل: إنّ بعض الأشياء من قبيل العقل والعلم والصحة والزوجة والولد والجاه هي رزق للإنسان، ولكنها ليست ملكاً له(١) .

فيقال: رزق اللّه هذا الشخص عقلاً وعلماً وصحّة وزوجة وولداً وجاهاً ولا يقال: إنّ العقل والعلم والصحة والزوجة والولد والجاه ملك.

المثال الثاني: إنّ النبات رزق للبهائم، ولكنه ليس ملكاً لها، لأنّ شرط التسمية بالملك أن يكون المالك عاقلاً أو من هو في حكم العقلاء كالطفل، ولهذا لا يصح نسبة الملكية إلى الحيوانات(٢) .

فيقال: إنّ البهيمة مرزوقة.

ولايقال: إنّ البهيمة مالكة.

٤ - بعض الملك ليس برزق.

مثال:

إنّ الأشياء كلّها ملك للّه تعالى، وليست رزقاً له تعالى، لأنّ الرزق ما يصح الانتفاع به، واللّه تعالى غني، وهو منزّه عن الانتفاع(٣) .

____________________

١- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: ٢٤٦، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٧.

٢- انظر: غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ١٢٦، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦٣، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٧.

٣- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: ٢٤٦، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٣، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ٢/١٢٦.


المبحث الرابع

لا يصح تسمية الحرام برزق

أدلة عدم صحة تسمية الحرام برزق:

١ - إنّ اللّه تعالى أمرنا بالإنفاق مما رزقنا، فقال تعالى:( وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ ) [المنافقون: ١٠]، ولا خلاف بأنّ اللّه تعالى نهانا عن الإنفاق من الحرام. فهذا يثبت عدم صحّة تسمية الحرام برزق(١) .

٢ - إنّ اللّه تعالى مدح المؤمنين على إنفاقهم مما يرزقهم، فقال تعالى:( وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) [البقرة: ٣]، ولاخلاف بأنّ المنفق من الحرام لا يستحق المدح، بل يستحق الذم - وقد بيّنت الشريعة الإسلامية ذلك - وهذا ما يثبت عدم صحّة تسمية الحرام برزق(٢) .

٣ - إنّ اللّه تعالى أباح الانتفاع بالرزق، فقال تعالى:( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّهِ ) [البقرة: ٦٠]، فلو كان الحرام رزقاً، لدلّت هذه الآية على جواز الانتفاع بالأموال المحرّمة لكونها من الرزق، والواقع ليس كذلك.

وهذا ما يدل على عدم صحّة وصف الحرام بأنّه من رزق اللّه تعالى(٣) .

____________________

١- انظر: الذخيرة، الشريف المرتضى: ٢٧٠، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٥، غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ٢/١٢٧، المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي ١/٣٦٣، مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٦١، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦٢، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٧.

٢- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: ١٣٩، الاقتصاد، الشيخ الطوسي: ١٧٥، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٧.

٣- انظر: تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: ١٣٩، الاقتصاد، الشيخ الطوسي، ١٧٥.


رأي الأشاعرة حول تسمية الحرام برزق:

ذهب الأشاعرة إلى جواز تسمية الحرام برزق.

دليل ذلك:

إذا كان الرزق هو الحلال فقط، فسيكون لازمه:

إنّ الشخص الذي لم يأكل طول عمره إلاّ الحرام لم يرزقه اللّه تعالى أبداً.

وهذا باطل لقوله تعالى:( وَما مِنْ دَابَّة فِي الاَْرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها ) [هود: ٦](١) .

يرد عليه:

إنّ معنى "رزق اللّه فلاناً":

إنّ اللّه تعالى مكّن هذا الشخص من الانتفاع بما يصح الانتفاع به.

والذي لم يأكل طول عمره إلاّ الحرام، فإنّ اللّه تعالى قد رزقه، أي: مكّنه من الحلال، إلاّ أنّ هذا الشخص أعرض عما هيّأ اللّه تعالى له من حلال، ولم يأكل إلاّ الحرام(٢) .

____________________

١- انظر: شرح المقاصد، سعدالدين التفتازاني: ٤/٣١٩.

٢- انظر: المصدر السابق، والمنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٦٣.


المبحث الخامس

أقسام الرزق

ينقسم الرزق إلى قسمين:

١ - رزق يتمّ الحصول عليه من دون طلب.

٢ - رزق لا يتمّ الحصول عليه إلاّ بطلب.

من أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حول أقسام الرزق:

١ - قال الإمام علي(عليه السلام)، في وصيّته لمحمّد بن الحنفية: "يا بني، الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك..."(١) .

٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "الرزق مقسوم على ضربين:

أحدهما واصل إلى صاحبه وإن لم يطلبه.

والآخر معلّق بطلبه.

فالذي قسّم للعبد على كلّ حال، آتيه وإن لم يسع له.

والذي قسّم له بالسعي، فينبغي له أن يطلبه من وجوهه، وهو ما أحلّه اللّه له دون غيره، فإن طلبه من جهة الحرام فوجده، حُسب عليه برزقه وحوسب عليه"(٢) .

القسم الأوّل: الرزق الذي يحصل عليه الإنسان من دون طلب

إنّ هذا القسم من الرزق هو الرزق الذي شاء اللّه تعالى أن يتمكّن الإنسان من الحصول عليه بلا طلب.

____________________

١- الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي: ج٣، أبواب نوادر الكليات، باب ١٠٨، ح٢ (٣١٤٠).

٢- المصدر السابق: ح١ (٣١٣٩).


ويشمل هذا الرزق:

١ - الهدية والهبة والميراث وغيرها من الأرزاق التي يحصل عليها الإنسان من دون طلب.

٢ - الفرص الموجودة في متناول يد الإنسان للحصول على الرزق، لأنّ هذه الفرص لا تحتاج إلى طلب، بل هي مهيّأة، وليس للإنسان سوى اغتنام هذه الفرص من أجل الحصول على الرزق.

توضيح ذلك:

هيّأ اللّه تعالى للإنسان الكثير من فرص الحصول على الرزق، وتنقسم هذه الفرص إلى قسمين وهما:

١ - قد تكون هذه "الفرص" في متناول يد الإنسان بحيث لا يحتاج إلى طلبها والسعي من أجل تهيئتها والحصول عليها.

وهذا الرزق الموجود في هذه الفرص يسمّى برزق يطلبك.

وليس للإنسان - في هذه الحالة - إلاّ أن يغتنم هذه الفرص المهيّأةُ له من أجل الحصول على الرزق.

٢ - قد تكون هذه "الفرص" بعيدة عن متناول يد الإنسان، بحيث يحتاج الإنسان إلى الطلب والسعي من أجل تهيئتها والحصول عليها.

وهذا الرزق الموجود في هذه الفرص يسمّى برزق تطلبه، وينبغي للإنسان فيما لو أراد الحصول على هذا الرزق أن يسعى لتوفير فرصة الحصول عليه.

الأوصاف الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)

حول الرزق الذي يتمّ الحصول عليه من دون طلب

١ - قال الإمام علي(عليه السلام): "... ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك فلا تحمل همّ سنتك على هم يومك، وكفاك كلّ يوم ما هو فيه"(١) .

____________________

١- الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي، ج٣، أبواب نوادر الكليات، باب ١٠٨، ح٢ (٣١٤٠).


٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "...واصل إلى صاحبه وإن لم يطلبه...فالذي قسّم للعبد على كلّ حال آتيه وإن لم يسع له..."(١) .

٣ - قال الإمام علي (عليه السلام): "... ورزق يطلبك ولن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب ولن يبطىء عنك ما قدّر لك"(٢) .

٤ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله"(٣) .

٥ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... ولو أنّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرُّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت"(٤) .

إنّ عبارة "يطلب الرجل" في الحديث السابق، وعبارة "لأدركه رزقه" تبيّنان بأنّ المقصود من الرزق في هذين الحديثين هو القسم الأوّل من الرزق الذي يطلب الإنسان ويتمّ الحصول عليه من دون سعي، وليس المقصود القسم الثاني من الرزق الذي لا يتمّ الحصول عليه إلاّ بطلب.

القسم الثاني: الرزق الذي لا يحصل عليه الإنسان إلاّ بطلب

إنّ هذا القسم من الرزق هو الرزق الذي جعل اللّه تعالى الطلب والسعي سبيلاً للحصول عليه.

القاعدة العامة:

إنّ النظام الإلهي العام في هذا العالم قائم على جعل الطلب والسعي شرطاً للحصول على الرزق. ولهذا فإنّ الخطوة الأولى المطلوبة للحصول على الرزق هي الطلب والسعي.

____________________

١- المصدر السابق: ح١ (٣١٣٩).

٢- المصدر السابق: ج١، أبواب أصول الدين، باب ٥٢: إنّ اللّه قسّم الأرزاق...، ح٧ (٢٩٤).

٣- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٧، كتاب الروضة، باب٧، ص١٨٧.

٤- المصدر السابق: ج٧٨، كتاب الروضة، باب ٢٣: مواعظ الصادق(عليه السلام) ح٨١، ص٢٠٩.


تنبيه:

لا يخفى بأنّ هذا القانون يشمل الإنسان وجميع الكائنات الحيّة التي منحها اللّه تعالى القدرة على طلب الرزق.

ولا يشمل هذا القانون الكائنات الحيّة التي لم يمنحها اللّه تعالى القدرة على طلب الرزق من قبيل الأشجار والنباتات.

فالأشجار والنباتات يكون رزقها بيد اللّه تعالى، وهي ترزق حسب المشيئة الإلهية، ووفق نظام الأسباب الذي جعله اللّه تعالى في هذا الكون.


المبحث السادس

طلب الرزق

تنقسم الكائنات الحيّة بالنسبة إلى قدرتها وعدم قدرتها على طلب الرزق إلى(١) :

١ - لا يمكنها الطلب: كالنباتات، فيكون رزقها بيد اللّه تعالى من خلال نظام الأسباب.

٢ - يمكنها الطلب، ورزقها ينقسم إلى قسمين:

١ - لا يتوقّف الرزق على الطلب: كالهواء، فلا معنى للطلب.

٢ - يتوقّف الرزق على الطلب، وهذا الرزق:

١ - يحصل بدون الطلب اتّفاقاً: من قبيل الهدية والهبة والميراث ونحوها، فلا معنى للطلب.

٢ - لا يحصل بدون الطلب: وهذا هو محل البحث.

أحكام طلب الرزق:

إنّ طلب الرزق ليس له بذاته حُسن أو قُبح عقلي أو شرعي، ولكنّه يتبع في الحُسن والقُبح ما يترتب عليه.

فإن ترتب عليه عنوان حسن صار حسناً.

وإن ترتب عليه عنوان قبيح صار قبيحاً.

ومقتصى الأصل الأولي فيه: هو الإباحة عقلاً وشرعاً(٢) .

____________________

١- انظر: صراط الحقّ، محمّد آصف المحسني: ٢/٣٩٧.

٢- انظر: إيضاح المراد، علي الرباني الكلبايكاني: ٣٢٦.


أحكام طلب الرزق حسب ما يترتب عليه(١) :

١ - الوجوب: وذلك إذا توقّفت حياة الإنسان على هذا الطلب، لأنّ حفظ الحياة واجب، ومقدّمة الواجب واجبة.

٢ - الاستحباب: وذلك إذا كان هذا الطلب مقدّمة لما هو مستحب في نفسه، من قبيل قصد التوسعة على النفس والعيال وخدمة المؤمنين ونحو ذلك.

٣ - الإباحة: وذلك إذا لم يكن هذا الطلب مقدّمة لحرام أو مكروه ولا مقدّمة لواجب أو مستحب.

٤ - الكراهة: وذلك إذا كان هذا الطلب مشتملاً على فعل مكروه أو ترك مستحب أو ما ينبغي التنزّه عنه.

٥ - الحرمة: وذلك إذا كان هذا الطلب مشتملاً على فعل حرام أو ترك واجب.

من الآيات القرآنية التي حثّت على طلب الرزق:

١ -( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) [الملك: ١٥]

أي: إنّ اللّه تعالى جعل لكم الأرض منقادة لتصرفاتكم بحرث وحفر وبناء، فامشوا في جوانبها أو جبالها وكلوا من رزقه(٢) .

٢ -( فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّهِ ) [الجمعة: ١٠]

أي: فانتشروا في الأرض واطلبوا الرزق(٣) .

٣ -( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) [النحل: ١٤]

____________________

١- انظر: تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي: ٢٠٨، كشف المراد، العلاّمة الحلّي: ٤٦٣، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٨٨.

٢- انظر: تفسير القرآن الكريم، عبد اللّه شبر: ذيل آية ١٥ من سورة الملك.

٣- انظر: المصدر السابق، ذيل آية ١٠ من سورة الجمعة.


٤ -( وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) [فاطر: ١٢]

أي: إنّ اللّه تعالى سخّر لكم البحر لتلتمسوا الرزق بركوب البحر للتجارة والمسير فيها طلباً للمنافع وما يستخرج منه(١) .

من الأحاديث الشريفة التي حثّت على طلب الرزق وذمّت تركه:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "طلب الحلال فريضة على كلّ مسلم ومسلمة"(٢) .

٢ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه"(٣) .

٣ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"(٤) .

٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... بكّروا في طلب الرزق واطلبوا الحلال، فإنّ اللّه عزّ وجل سيرزقكم ويعينكم عليه"(٥) .

٥ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ أصنافاً من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم:...رجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق.

فيقول اللّه عزّ وجل: عبدي! ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة؟..."(٦) .

٦ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجل جلس عن طلب الرزق، ثمّ يقول: اللّهم ارزقني.

يقول اللّه تعالى: ألم أجعل لك طريقاً إلى الطلب..."(٧) .

____________________

١- انظر: التبيان، الشيخ الطوسي: ج٨، تفسير سورة فاطر، آية١٢، ص٤١٩ - ٤٢٠.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج١٠٣، كتاب العقود والإيقاعات، باب١، ح٣٥، ص٩.

٣- المصدر السابق: ح٥٩ ص١٣.

٤- الكافي، الكليني: ج٥، كتاب المعيشة، باب الحث على الطلب والتعرّض للرزق، ح٦،ص٧٨.

٥- الكافي، الكليني، ج٥، كتاب المعيشة، باب الحث على الطلب والتعرّض للرزق، ح٨، ص٧٩.

٦- المصدر السابق: ج٥، كتاب المعيشة، باب: دخول الصوفية...، ح١، ص٦٧.

٧- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج١٠٣، كتاب العقود والإيقاعات، أبواب المكاسب، باب١، ح٥٨، ص١٢ - ١٣.


٧ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... من الثلاثة الّذين دعوا، فلم يستجب لهم دعوة:... رجل جلس في بيته يسأل اللّه أن يرزقه، فقال: ألم أجعل لك إلى طلب الرزق سبيلاً، أن تسير في الأرض وتبتغي من فضلي، فرُدّت عليه دعوته"(١) .

٨ - قال علي بن عبد العزيز: قال [لي] أبو عبداللّه(عليه السلام): "ما فعل عمر بن مسلم؟".

قلت: جعلت فداك، أقبل على العبادة وترك التجارة.

فقال: "ويحه أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له دعوة. إنّ قوماً من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزلت( وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) أغلقوا الأبواب، وأقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كُفينا.

فبلغ ذلك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إليهم، فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟!

قالوا: يارسول اللّه، تكّفل اللّه عزّ وجل بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة!

فقال: إنّه من فعل ذلك لم يستجب اللّه له، عليكم بالطلب.

ثمّ قال إنّي لأبغض الرجل فاغراً فاه إلى ربّه، يقول: ارزقني، ويترك الطلب"(٢) .

٩ - قال عمر بن يزيد: قلت لأبي عبداللّه(عليه السلام): رجل قال: لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي، فأمّا رزقي فسيأتيني!

فقال أبو عبداللّه(عليه السلام): "هذا أحد الثلاثة الّذين لا يستجاب لهم"(٣) .

١٠ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "أرأيت لو أنّ رجلاً دخل بيته وأغلق بابه، أكان يسقط عليه شيء من السماء؟!"(٤) .

١١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "أرأيت لو أنّ رجلاً دخل بيتاً وطين عليه

____________________

١- الأمالي، الشيخ الطوسي: المجلس السابع والثلاثون، ح١٤٤٥/٢٤، ص٦٨٠.

٢- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: ج٣، أبواب القضايا والأحكام، باب ٦١: باب التجارة وآدابها وفضلها وفقهها، ح٥ [٥١٠]، ص١١٩ - ١٢٠.

٣- الكافي، الكليني: ج٥، كتاب المعيشة، باب: الحثّ على الطلب والتعرّض للرزق، ح١، ص٧٧.

٤- المصدر السابق: ح٢، ص٧٨.


بابه، وقال: رزقي ينزل عليّ، كان يكون هذا؟ أما أنّه أحد الثلاثة الّذين لا يستجاب لهم دعوة"(١) .

١٢ - عن أيوب أخي أُديم بيّاع الهروي قال: كنّا جلوساً عند أبي عبداللّه(عليه السلام) إذ أقبل العلاء بن كامل، فجلس قدَّام أبي عبداللّه(عليه السلام) فقال: أُدع اللّه أن يرزقني في دعة.

فقال [له الإمام الصادق(عليه السلام)]: "لا أدعو لك! أُطلب كما أمرك اللّه عزّ وجلّ"(٢) .

١٣ - الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): "من طلب الرزق في الدنيا استعفافاً عن الناس وتوسيعاً على أهله وتعطّفاً على جاره لقَ اللّه عز وجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر"(٣) .

١٤ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إن ظننت أو بلغك أنّ هذا الأمر كائن في غد(٤) ، فلا تدعنّ طلب الرزق، وإن استطعت أن لا تكون كلاًّ(٥) فأفعل(٦) .

من آداب طلب الرزق: "الإجمال في الطلب"

ينبغي للشخص الذي يطلب الرزق أن يكون طلبه منزّهاً عما لا يليق، وأن لا يكون كدّه كدّاً فاحشاً(٧) .

وقد ورد هذا المعنى تحت عنوان: "الإجمال في الطلب" في بعض الأحاديث الشريفة منها:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "... اتقوا اللّه واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء

____________________

١- وسائل الشيعة، الشيخ الحرّ العاملي ج١٧، كتاب التجارة، باب ٥، ح٩، ص٢٨.

٢- الكافي، الكليني: ج٥، كتاب المعيشة، باب: الحثّ على الطلب والتعرّض للرزق، ح٣، ص٧٨.

٣- المصدر السابق: ح٥، ص ٧٨.

٤- أي: أمر القائم(عليه السلام) أو الموت.

٥- الكل: الذي لا يقوم بأمور حياته بل يُلقيها على غيره.

انظر لسان العرب: مادة (كلل).

٦- الكافي، الكليني، ج٥، كتاب المعيشة، باب الحث على الطلب والتعرّض للرزق، ج٩، ص٧٩.

٧- انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٠، كتاب الإيمان والكفر، باب ٤٧، ذيل ح٣، ص٩٦.


من الرزق أن تطلبوه بشيء من معصية اللّه..."(١) .

٢ - قال الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام) لرجل: "يا هذا، لا تجاهد الطلب جهاد المغالب، ولا تتكل على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة..."(٢) .

٣ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيّع، ودون طلب الحريص الراضي بدنياه المطمئن إليها، ولكن انزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المعفف، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف وتكتسب ما لابدّ منه..."(٣) .

تنبيه:

إنّ "الإجمال في طلب الرزق" يعني التنزّه عن الأُمور القبيحة عند طلب الرزق.

ويقال: الإجمال في الطلب، أي: الاعتدال وعدم الإفراط فيه(٤) .

ولا يعني "الإجمال في الطلب" التهاون والتكاسل والفتور في طلب الرزق، لأنّ التهاون والتكاسل والفتور أُمور مذمومة في طلب الرزق.

ولهذا قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إذا طلبت الرزق فاطلبه بقوّة"(٥) .

____________________

١- الكافي، الكليني: ج٥، كتاب المعيشة، باب الإجمال في الطلب، ح١، ص٨٠.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج١٠٣، كتاب العقود والإيقاعات.

٣- الكافي، الكليني: ج٥، كتاب المعيشة، باب الإجمال في الطلب، ح٨، ص٨١.

٤- انظر: لسان العرب، ابن منظور: مادة (جمل).

٥- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٨٣، كتاب الصلاة، باب ٤١: باب النهي عن التكفير ح٥، ص٣٢٧.


المبحث السابع

الرزق والتوكّل

إنّ المتوكّل على اللّه تعالى في مجال الرزق هو الذي يعتقد بأنّ اللّه تعالى "يوفّر له الرزق".

ولا يخفى بأنّ "الطلب" لا ينافي "التوكّل"(١) .

لأنّ "توفير الرزق" شيء، و"الحصول على الرزق" شيء آخر.

فاللّه تبارك وتعالى يوفّر للعبد "الرزق"، وأمّا "الحصول على الرزق" فهو تابع لطلب العبد وسعيه في الحصول على هذا الرزق.

مثال:

إنّ اللّه تعالى هو الذي يرزق الطيور، أي: هو الذي "يوفّر لها الرزق"، وأمّا "نفس الحصول على الرزق" فهو يرتبط بطلب الطيور لذلك.

ولهذا قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):

"لو انّكم تتوكّلون على اللّه حقّ توكّله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً"(٢) .

أي: تذهب مبكرة لطلب الرزق وهي جائعة، ثمّ تعود في العشي وهي ملأى البطون.

فالطيور متوكّلة، ورزقها بيد اللّه تعالى، ولكنّها مع ذلك لا تترك طلب الرزق، بل

____________________

١- انظر: مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: ٢٦١، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٩٠.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧١، كتاب الإيمان والكفر، باب٦٣، ح٥١، ص١٥١.


تبذل غاية جهدها في هذا السبيل(١) .

وهذا ما يثبت بأنّ "الطلب" لاينافي "التوكّل".

حديث آخر حول التوكّل وطلب الرزق:

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "لا تدع طلب الرزق من حلّه، فإنّه عون لك على دينك، واعقل راحلتك وتوكّل"(٢) .

____________________

١- انظر: المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ١/٣٦٧، إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: ٢٩٠.

٢- انظر: الأمالي، الشيخ المفيد: المجلس الثاني والعشرون، ح١، ص١٧٢.


المبحث الثامن

الرزق والقسمة

إنّ قسمة اللّه الأرزاق بين العباد على نحوين:

١ - القسمة العامة

٢ - القسمة الخاصة

معنى القسمة العامة:

تعني قسمة اللّه الأرزاق بين العباد (بمعناها العام):

إنّ اللّه تعالى وفّر لجميع العباد العديد من فرص الحصول على الرزق، ثمّ جعل نظام الأسباب والمسببات سبيلاً ليحصلوا من خلاله على الرزق.

فمن تمسّك بالأسباب الموصلة إلى الرزق كان احتمال حصوله على الرزق أكثر ممن يترك هذه الأسباب ويهملها ولا يهتم بها.

معنى القسمة الخاصة:

تعني قسمة اللّه الأرزاق بين العباد (بمعناها الخاص):

إنّ اللّه تعالى لم يترك نظام الأسباب والمسببات ليعمل كيفما يشاء أو كيفما يحرّكه العباد، بل قد تتدّخل الإرادة الإلهية الحكيمة، فتتحكّم بمقدار توفير الرزق لبعض العباد أو مقدار منع البعض من الحصول على الرزق.

ولهذا التدخّل الإلهي دواع حكيمة كثيرة، منها: اختبار مدى شكر العباد إزاء الغنى، واختبار مدى صبرهم إزاء الفقر والحرمان.


بعض الآيات القرآنية المشيرة إلى القسمة الخاصة:

١ -( اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) [العنكبوت: ٦٢].

٢ -( إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) [سبأ: ٣٩].

٣ -( إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب ) [آل عمران: ٣٧].

تنبيهان:

١ - إنّ التدخّل الإلهي في تقسيم أرزاق العباد لا يتحقّق على نحو الإعجاز، وإنّما يكون في إطار نظام الأسباب، لأنّ اللّه تعالى أبى أن تجري الأمور إلاّ بأسبابها.

ومن هذا القبيل قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "إذا سبّب اللّه للعبد الرزق في أرض، جعل له فيها حاجة"(١) .

٢ - لا يستطيع الإنسان الذي بذل غاية الجهد في الحصول على الرزق، ثمّ لم يحصل على مايريد أن يجزم بأنّ اللّه تعالى هو السبب في حرمانه، لأنّ السبب قد يكون نتيجة جهله بكيفية استفادته من نظام الأسباب للحصول على الرزق.

بعض الأحاديث الشريفة الواردة حول القسمة في الرزق:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "أيّها الناس إنّ الرزق مقسوم، لن يعدو امرىء ما قسم له، فاجملوا في الطلب"(٢) .

معنى الحديث:

أيّها الناس; إنّ اللّه تعالى وفّر لكم نطاقاً محدّداً من فرص الحصول على الرزق، فعليكم أن تعرفوا الحدود التي أتاحها اللّه لكم في صعيد كسب الرزق، لئلا تتجاوزوها، فترهقون أنفسكم من دون فائدة.

وليكن طلبكم للرزق منسجماً مع ما مكّنكم اللّه تعالى منه.

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٦، كتاب الآداب والسنن، باب ٤٥، ح٤، ص ٢٢١.

٢- لمصدر السابق: كتاب الروضة، باب ٧٠، ح١٠، الحديث الثاني عشر، ص١٨١.


وليكن طلبكم للرزق متّزناً ومتصّفاً بما لا يتنافى مع المروءة.

٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه، جعل اللّه تعالى الفقر بين عينيه، وشتّت أمره، ولم ينل من الدنيا إلاّ ما قسم له..."(١) .

معنى الحديث:

إنّ الإنسان مهما يبذل الجهد لطلب الرزق، فإنّه لا يحصل من الرزق إلاّ ما مكّنه اللّه من الحصول عليه، ولهذا ليس للإنسان إلاّ الطلب في إطار ما وفّر اللّه تعالى له من فرص للحصول على الرزق.

وأمّا الهمّ والغمّ وغيرها من الحالات النفسيّة السلبيّة فإنّها لا تؤدّي إلى زيادة رزق الإنسان، والمتّصف بهذه الرذائل لا ينال من الدنيا إلاّ ما قُسم له، أي: لا ينال بطلبه إلاّ الرزق الذي وفّره اللّه تعالى له.

رضا الإنسان بما قسّم اللّه له من الرزق:

١ - الرضا بالقسمة العامة

إنّ رضا الإنسان بالقسمة العامّة يعني رضاه بنظام الأسباب الذي جعله اللّه تعالى سبيلاً ليحصل الإنسان من خلاله على الرزق، وعدم التذمّر والسخط من جعل اللّه هذا النظام وسيلة للحصول على الرزق.

٢ - الرضا بالقسمة الخاصة:

إنّ رضا الإنسان بالقسمة الخاصة يعني: رضاه بتدخّل الإرادة الإلهية في بعض الأحيان وتحكّمها بمقدار توفير الرزق لبعض العباد أو منعها البعض الآخر من الحصول على الرزق.

تنبيه:

لا يكون الرضا بقسمة اللّه تعالى إلاّ بعد بذل الإنسان الجهد في طلب الرزق، وأمّا المتهاون والمتكاسل في طلب الرزق، فإنّه ينبغي أن لا يلوم إلاّ نفسه، لأنّ اللّه

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٣، كتاب الإيمان والكفر، باب ١٢٢، ح٦، ص١٧.


تعالى قد وفّر له العديد من فرص الحصول على الرزق، لكنه لم يستفد منها ولم ينتفع بها، فضيّع الفرصة على نفسه بنفسه.

فهكذا شخص لا يحقّ له أن ينسب قلّة رزقه إلى اللّه تعالى.

بعض الأحاديث الشريفة الواردة حول الرضا بالقسمة:

الحديث الأوّل:

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "من لم يرض بما قسّم اللّه له من الرزق، وبثّ شكواه ولم يصبر ولم يحتسب، لم ترفع له حسنة، ويلقَ اللّه وهو عليه غضبان إلاّ أن يتوب"(١) .

معنى الحديث:

إنّ اللّه تعالى جعل لكلّ إنسان نطاقاً محدّداً لطلب الرزق، وليس للإنسان إلاّ السعي من أجل الانتفاع من جميع الفرص المتاحة له.

ولا يخفى بأنّ هذا التحديد لنطاق طلب الرزق يكون نتيجة أحدِ الأمرين التاليين:

١ - عمل نظام الأسباب والمؤثّرات الخارجية المتحكّمة بها، سواء كانت هذه المؤثّرات - التي تعمل في ظل مشيئة اللّه - من ذات الأسباب أو كانت هذه المؤثّرات من تدخّل العباد بها.

٢ - تدخّل الإرادة الإلهية بصورة مباشرة.

فمن لم يرض بالنطاق المحدّد له في الرزق، فإنّ معنى ذلك أنّه:

أوّلا: لم يرض بنظام الأسباب الذي شاءه اللّه تعالى لهذا العالم.

ثانياً: لم يرض بتدخّل الإرادة الإلهية في تقسيم الرزق.

وكلا هذين الأمرين اعتراض على اللّه تعالى، فيكون عدم الرضا في هذا المجال عدم رضا بالمشيئة والإرادة الإلهية، وهذا الأمر معصية، وينبغي لهذا الشخص أن يتوب من هذه المعصية.

____________________

١- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٢، كتاب الإيمان والكفر، باب ١١٩، ح٦، ص٣٢٩.


الحديث الثاني:

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "... إنّ لكلّ امرىء رزقاً هو يأتيه لا محالة، فمن رضي به بورك له فيه ووسعه، ومن لم يرض به لم يبارك له فيه ولم يسعه..."(١) .

معنى الحديث:

إنّ اللّه تعالى يوفّر لكلّ إنسان فرصة الحصول على الرزق، وليس للإنسان إلاّ السعي من أجل الحصول على الرزق الذي وفّره اللّه تعالى له.

فمن سعى وطلب الرزق حتّى توصّل إليه، فعليه أن يرضى بما وفّره اللّه تعالى له ومكّنه من الحصول عليه، ليبارك اللّه تعالى له في هذا الرزق، ويوفّر له المزيد من الفرص الأُخرى.

ومن لم يرض بالرزق الذي مكّنه اللّه تعالى منه، فإنّه تعالى سيسلب منه البركة، وسيحرمه من الفرص الأُخرى لنيل الرزق.

الحديث الثالث:

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "من رضي من اللّه باليسير من الرزق، رضى اللّه منه بالقليل من العمل"(٢) .

معنى الحديث:

إنّ الإنسان قد يسعى - وفق نظام الأسباب - من أجل الحصول على ما وفّره اللّه تعالى له من الرزق، ولكنّه لا يحصل من الرزق إلاّ على القليل.

وهنا بيّن اللّه تعالى الموقف النموذجي لمثل هذا الشخص، وهذا الموقف يكون في الصعيدين التاليين:

____________________

١- بحار الأنوار،العلاّمة المجلسي:ج٧٧، كتاب الروضة،باب٧، ح١٠، الحديث الحادي والثلاثون، ص١٨٧.

ولهذا الحديث تكملة ذكرناها في قسم الرزق الذي يتمّ الحصول عليه من دون طلب.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧١، كتاب الإيمان والكفر، باب ٨٦، ح١٧، ص٣٤٨.


أوّلاً: الصعيد السلوكي

ينبغي أن يكون موقف الإنسان في هذا الصعيد مواصلة الطلب والسعي(١) ، لأنّ السبب في عدم الحصول على الرزق قد لا يكون نتيجة إرادة اللّه تعالى، وإنّما يكون نتيجة جهل الإنسان بنظام الأسباب والمسببات.

ثانياً: الصعيد القلبي

ينبغي أن يكون موقف الإنسان في هذا الصعيد الرضا بالقليل الذي رزقه اللّه تعالى، لأنّ الرضا في هذا المجال يعني:

١ - الرضا بنظام الأسباب الذي جعله اللّه تعالى لتمشية الأُمور في هذا العالم.

٢ - الرضا بالتدخّل الإلهي المحتمل في تحديد الرزق.

وقد وعد اللّه هذا الشخص - الذي يتوصّل إلى القليل من الرزق بعد بذله الجهد والسعي المطلوب، ثمّ يكون موقفه الرضا بهذا القليل - أن يرفق به في محاسبته الأخروية وأن يرضى منه القليل من العمل.

معنى بعض الآيات الواردة حول الرزق الإلهي:

١ -( وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) [الطلاق: ٢ - ٣].

معنى الآية:

إنّ أبواب طلب الحلال قد تغلق - لفترة - بوجه الإنسان، وتنفتح له من جهة أُخرى أبواب الحرام، فتكون هذه الحالة فرصة يختبر بها اللّه تعالى مستوى تحفّظ هذا الشخص من الحرام.

وهذه الآية تبشّر العباد بأنّه تعالى خلق الأرض بصورة لا تخلو من الرزق

____________________

١- هذا ما أشارت إليه الأحاديث الشريفة التي حثّت على طلب الرزق وذمّت تركه، وقد ذكرنا جملة من هذه الأحاديث سابقاً.


الحلال، ومن يتق اللّه يجعل اللّه له مخرجاً، ويوفّر له الرزق الحلال من حيث لا يتوقّع.

ولا يخفى بأنّ "توفير الرزق" - كما تبيّن سابقاً - لا يعني "إيصاله"، بل معنى ذلك "تمكين" الإنسان من الوصول إليه، أمّا "الوصول" فهو مرتبط بطلب الإنسان وسعيه واستفادته من النظام السببي الذي خلقه اللّه تعالى في هذا العالم.

وبصورة خاصة، فإنّ الإرادة الإلهية قد تتدخّل بصورة مباشرة، وتحرّك الأسباب لتجعل مخرجاً لعبادها المتقين، فتوصل إليهم "الرزق" من حيث لا يتوقّعون.

٢ -( وَما مِنْ دَابَّة فِي الاَْرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها ) [هود: ٦].

معنى الآية:

إنّ اللّه تعالى وفّر في الأرض ما تحتاج إليه الدوابّ، ومكّنها من الانتفاع، وهيّأ لها أسباب الوصول إلى هذا الرزق، وليس للدواب سوى طلب هذا الرزق، والسعي من أجل الحصول عليه.

٣ -( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ ) [الإسراء: ٣١].

معنى الآية:

لا تقتلوا أولادكم مخافة الفقر والفاقة، لأنّنا وفّرنا لكم ولهم في الأرض الكثير من فرص الحصول على الرزق، وسنهيّىء لكم ولأولادكم هذه الفرص لتتمكّنوا من الحصول على الرزق، ولهذا فلا داعي لأن تقتلوا أولادكم.

٤ -( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّة لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللّهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ ) [العنكبوت: ٦٠].

معنى الآية:

إنّ بعض الدواب لا تحمل رزقها، أي: لا تدّخره ولا تجمعه كما يفعل الإنسان والنمل والفار، فبيّنت هذه الآية بأنّ اللّه تعالى يوفّر الرزق لجميع هذه الدواب، ويمكّنها من الوصول إلى ما تنتفع به.

لأنّ اللّه تعالى هيّأ في الأرض الكثير من الفرص للحصول على الرزق، وليس


للكائنات الحيّة إلاّ طلب ما وفّره اللّه تعالى لها.

فإذا كانت الدواب التي لا تدّخر لنفسها الرزق تحصل على رزقها، فكيف بالإنسان الذي أعطاه اللّه تعالى الكثير من القدرات للحصول على الرزق، وجعله قادراً على ادّخار الرزق لنفسه ومنحه العقل والفكر لتدبير معاشه؟

٥ -( وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْض فِي الرِّزْقِ ) [النحل: ٧١].

معنى الآية:

إنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل نظام الأسباب بحيث تكون فرص الحصول على الرزق متوفّرة للبعض أكثر من البعض الآخر، وهذا ما يؤدّي إلى وجود التفاضل بين العباد في مجال الرزق.

وبصورة خاصّة فإنّ الإرادة الإلهية قد تتدخّل بصورة مباشرة لتفضّل بعض العباد على البعض الآخر في الرزق.

ومن أهم الدواعي لهذا التفاضل هو اختبار العباد، وتحديد مدى شكرهم إزاء الغنى ومدى صبرهم إزاء الفقر والحرمان.


المبحث التاسع

زيادة الرزق

إنّ للسعي دور كبير في زيادة الرزق.

وقد قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): " إنّ اللّه قسّم الأرزاق بين عباده وأفضل فضلاً كبيراً لم يقسمه بين أحد، قال اللّه:( وَاسْألُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ ) [النساء:٣٢](١) .

وهذا ما يدل على أنّ السعي - ولو على نحو الدعاء - له دور كبير في الحصول على الفضل الإلهي من الرزق الذي لم يقسّمه اللّه تعالى بين أحد.

تنبيهان:

١ - إنّ السعي في طلب الرزق لا يستلزم زيادة الرزق دائماً، والإنسان قد يسعى، ولكنه لا يحصل على ما يريد.

دليل ذلك:

إنّ السعي لا يشكّل العلّة التامة للحصول على المزيد من الرزق، وذلك لوجود أسباب أُخرى لها مدخلية في زيادة الرزق.

ولهذا قال الإمام علي(عليه السلام): "كم من متعب نفسه مقتر عليه، ومقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير"(٢) .

٢ - إنّ قولنا: "إنّ السعي في طلب الرزق لا يستلزم الزيادة في الرزق" لا يعني:

____________________

١- الفصول المهمة، الشيخ الحر العاملي: ج١، أبواب أصول الدين، باب ٥٢، ح٤ [٢٩١]، ص٢٧١.

٢- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج١٠٣، كتاب العقود والإيقاعات، باب ٢، ح٦٩، ص٣٥.


أن يترك الإنسان السعي في طلب الرزق.

دليل ذلك:

إنّ اللّه تعالى جعل السعي - بصورة عامة - سبيلاً للحصول على الرزق.

فإذا سعى الإنسان وأخطأ في نيل ما يبتغيه من الرزق، فعليه أن لا ييأس من الطلب لمجرد فشله مرّة واحدة أو عدّة مرات، بل ينبغي له أن يجرّب الطرق الأُخرى حتّى يصل - بإذن اللّه تعالى - إلى ما يبتغيه.

ولهذا قال الإمام علي(عليه السلام): "اطلبوا الرزق فإنّه مضمون لطالبه"(١) .

الحرص لا يزيد الرزق:

إنّ الحرص - كما ورد في الحديث الشريف - ليس له أي دور في زيادة الرزق أبداً، ومن هذه الأحاديث:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ الرزق لا يجرّه حرص حريص"(٢) .

٢ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): "... إنّ الرزق لايسوقه حرص حريص"(٣) .

الفرق بين "الحرص" و"السعي":

إنّ الدعوة إلى عدم "الحرص" لا يعني الدعوة إلى عدم "السعي".

لأنّ "الحرص" و"السعي" مفهومان يختلفان في المعنى.

فالحرص يعني: شدّة الشره والجشع إلى المطلوب(٤) ، وهو صفة نفسية مذمومة في صعيد طلب الرزق.

ولكن السعي يعني: العمل والقصد في الصعيد السلوكي(٥) وهو شرط من شروط الحصول على الرزق.

____________________

١- المصدر السابق: ج٧٧، كتاب الروضة، باب ١٥، ح٤٠، ص٤٢٣.

٢- المصدر السابق: ج٧٧، كتاب الروضة، باب ٣، ح٤، ص٦٣.

٣- المصدر السابق: ج٧٥، كتاب الروضة، باب ٢٣، ح٨١، ص٢٠٩.

٤- لسان العرب، ابن منظور: مادة (حرص) ومادة (سعى).

٥- المصدر السابق.


المؤثّرات في زيادة الرزق:

أوّلاً: المؤثّرات المادية

إنّ المؤثّرات المادية عبارة عن التمسّك بالأسباب المادية من أجل طلب زيادة الرزق. وهذه الأسباب واضحة، وهي من قبيل التجارة وغيرها من الأعمال التي جعلها اللّه تعالى سبباً للحصول على الرزق.

وقد أشارت الأحاديث الشريفة إلى أهميّة التجارة وذمّ استئجار النفس للعمل، ومن هذه الأحاديث:

١ - قال الإمام علي(عليه السلام): "اتّجروا بارك اللّه لكم، فإنّي سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: الرزق عشرة أجزاء، تسعة في التجارة، وواحد في غيرها"(١) .

٢ - روى عمّار، قال: قلت لأبي عبداللّه(عليه السلام): الرجل يتّجر، وإن هو آجر نفسه أُعطي أكثر مما يصيب في تجارته؟

قال: "لا يؤاجر نفسه، ولكن يسترزق اللّه عزّ وجل ويتّجر، فإنّه إذا آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق"(٢) .

ثانياً: المؤثّرات المعنوية:

إنّ المؤثرات المعنوية عبارة عن التمسّك بالأسباب الغيبية التي ذكرتها الشريعة الإلهية، وبيّنت بأنّ التمسّك بها يزيد في الرزق.

ومن الأحاديث الشريفة المبيّنة للأسباب المعنوية المؤثّرة في زيادة الرزق(٣) :

١ - "شكر المنعم يزيد في الرزق".

٢ - "الاستغفار يزيد في الرزق".

٣ - "قول الحقّ يزيد في الرزق".

٤ - "طيب الكلام يزيد في الرزق".

٥ - "أداء الأمانة يزيد في الرزق".

____________________

١- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: ج٣، ب٦١: باب التجارة، ح٦ [٥١٠] ص١٢٠.

٢- عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: ج٣، باب التجارة، ح٢٧ ص٢٠١.

٣- راجع: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج٧٦، كتاب الآداب والسنن، باب: ٦٠، ص٣١٤ - ٣١٩.


٦ - "صلة الرحم يزيد في الرزق".

٧ - "مواساة الأخ في اللّه عزّ وجل تزيد في الرزق".

٨ - "الوضوء قبل الطعام يزيد في الرزق".

٩ - "البكور في طلب الرزق يزيد في الرزق".

١٠ - "استنزلوا الرزق بالصدقة".


المبحث العاشر

السعر(١)

معنى السعر: تقدير الثمن للشيء المبيع(٢) .

أقسام السعر(٣) :

١ - الرخص: وهو انحطاط السعر عما جرت له العادة.

٢ - الغلاء: وهو ارتفاع السعر عما جرت به العادة.

المسبّب للرخص والغلاء(٤) :

إنّ المسبّب للرخص والغلاء قد يكون اللّه سبحانه وتعالى وقد يكون العباد.

فإن كان المسبّب هو اللّه تعالى، فإنّه تعالى لا يفعل إلاّ ما فيه العدل والحكمة.

وإن كان المسبّب هم العباد، فكلّ فرد يستحق المدح والثواب إزاء فعله للخير، ويستحق الذم والعقاب إزاء فعله للشر.

من الأحاديث الشريفة الدالة على التدخّل الإلهي في مسألة الأسعار:

١ - قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "...إنّما السعر إلى اللّه عزّ وجلّ، يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء"(٥) .

٢ - قال علي بن الحسين(عليه السلام): "إنّ اللّه تبارك وتعالى وكّل بالسعر ملكاً يدبّر أمره"(٦) .

____________________

١- إنّ الداعي لتناول هذا المبحث هو لأنّ السعر قد ينسب إلى اللّه تعالى، فيكون من أفعاله عزّ وجل، فيدخل في موضوع العدل في الأفعال الإلهية.

٢- ٤) انظر: المصادر المشيرة إلى مبحث "الأسعار" في نهاية هذا الفصل.

٥- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب القضاء والقدر و...، ح٣٣، ص٣٧٧ - ٣٧٨.

٦- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب القضاء والقدر و...: ح٣٤، ص٣٧٨.


من الأحاديث الشريفة الدالة على دور العباد في مسألة الأسعار:

١ - قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) عندما سُئل عن الحُكْرة: "إنّما الحُكرَة أن تشتري طعاماً وليس في المصر غيره فتحتكره..." ولو كان الغَلاء في هذا الموضع من اللّه عزّ وجل لما استحق المشتري لجميع طعام المدينة الذم، لأنّ اللّه عزّ وجل لا يذم العبد على ما يفعله، ولذلك قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون"..."(١) .

٢ - نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن التسعير(٢) ، وهذا ما يكشف قدرة العباد على تغيير الأسعار، فلو لم يكن للعباد أيّ دور في مسألة الأسعار لما نهاهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذلك(٣) .

____________________

١- المصدر السابق: ح٣٦، ص٣٧٩.

٢- راجع: وسائل الشيعة، الشيخ الحرّ العاملي: كتاب التجارة، باب ٣٠: باب إنّ المحتكر إذا ألزم بالبيع لا يجوز أن يسعّر عليه.

٣- انظر: الفصول المهمة، الشيخ الحرّ العاملي، أبواب أصول الدين، باب ٥٤: إنّ الأسعار بيد اللّه يزيدها وينقصها إذا شاء وإن كان بعضها من الناس، ص٢٧٦.


مصادر الفصل الثالث عشر والرابع عشر بصورة مفصّلة:

الذخيرة في علم الكلام، الشريف المرتضى: الكلام في الآجال: ص٢٦١ - ٢٦٦، الكلام في الأرزاق: ص ٢٦٧ - ٢٧٣، الكلام في الأسعار: ص٢٧٤ - ٢٧٥.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى، باب الآجال والأرزاق والأسعار: ص٢٧٣ - ٢٤٨.

الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، الشيخ الطوسي: القسم الثاني: مباحث العدل ولواحقة، فصل في الكلام في الآجال والأرزاق والأسعار: ص١٦٩ - ١٧٧.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل، مسألة في الآجال: ص١٣٨ - ١٣٩، مسألة في الرزق: ١٣٩ - ١٤٠، مسألة في الأسعار: ١٤٠ - ١٤٢.

تجريد الاعتقاد، نصيرالدين الطوسي: المقصد الثالث: في إثبات الصانع وصفاته وآثاره، الفصل الثالث: في أفعاله، الأجل، الرزق، السعر ص٢٠٨.

غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج٢، فصل في الآجال والأرزاق والأسعار: ص١٢٣ - ١٢٨.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج١، القول في الآجال: ص٣٥٣ - ٣٦٠، القول في الأرزاق: ص ٣٦١ - ٣٦٧، القول في الأسعار والغلاء والرخص: ص٣٦٨ - ٣٧٠.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني: في أفعاله سبحانه وتعالى، البحث الرابع: في فروع العدل، المطلب الثالث: في الآجال والأرزاق والأسعار: ص١١١ - ١١٤.

مناهج اليقين في أصول الدين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس: في العدل، البحث الثامن في الآجال، ص٢٥٩ - ٢٦٠، البحث التاسع: في الأرزاق والأسعار، ص٢٦٠ - ٢٦١.

كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلاّمة الحلّي، المقصد الثالث: في إثبات الصانع تعالى، الفصل الثالث في أفعاله تعالى، المسألة (١٥): في الآجال: ص٤٦١ - ٤٦٢، المسألة (١٦): في الأرزاق، ص٤٦٢ - ٤٦٤، المسألة (١٧): في الأسعار: ٤٦٤ - ٤٦٥.

اللوامع الالهية في المباحث الكلامية، مقداد السيوري: اللامع التاسع: في الأفعال، المقصد الرابع: فيما تقتضى الحكمة وجوبه عليه سبحانه، النوع الثاني: اللطف، المسألة الرابعة: في توابعه، القسم الثاني: الرزق، ص٢٣٠ - ٢٣٢، القسم الثالث: السعر: ٢٣٢، القسم الرابع: الأجل، ص٢٣٢ - ٢٣٤.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، بحث في الأرزاق: ص٢٨٦ - ٢٩٠، بحث في الآجال: ص٢٩٠ - ٢٩٢، بحث في الأسعار: ٢٩٣ - ٢٩٤.



مصادر الكتاب

١ - القرآن الكريم.

٢ - الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: عباس صباغ، الطبعة الأُولى، ١٤١٤هـ، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

٣ - الاحتجاج، أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري والشيخ محمّد هادي، الطبعة الثانية، ١٤١٦هـ، دار الأسوة للطباعة والنشر.

٤ - إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، القاضي السيّد نور اللّه الحسيني المرعشي التستري، (ت ١٠١٩)، مع تعليقات السيّد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي، من منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم، إيران.

٥ - الأربعين في أصول الدين، فخر الدين الرازي، تحقيق: الدكتور أحمد حجازى السقا، سلسلة من تراث الرازي ١١، الطبعة الأُولى، ١٤٠٦هـ، مكتبة الكليات الأزهرية، الأزهر، القاهرة، مصر.

٦ - إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، جمال الدين مقداد بن عبد اللّه السيوري (الفاضل المقداد) تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، الطبعة الأُولى، ١٤٠٥هـ، منشورات مكتبة السيّد المرعشي النجفي، قم، إيران.

٧ - الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد، الشيخ المفيد، ٢ج، تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، ١٤١٣هـ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم، إيران.

٨ - الاعتقادات في دين الإمامية، الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق، تحقيق: غلام رضا المازندراني، الطبعة الأُولى، ١٤١٢هـ، المطبعة العلمية، قم، إيران.

٩ - الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد، المقداد بن عبد اللّه السيوري، تحقيق: صفاء الدين البصري، الطبعة الأُولى، ١٤١٢هـ، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، إيران.


١٠ - الإشارات والتنبيهات (٤ج)، أبو علي بن سينا، مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق: د. سليمان دنيا، الطبعة الأُولى، ١٤١٣هـ، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.

١١ - إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت، السيّد عميد الدين أبو عبد اللّه عبد المطلب بن مجد الدين الحسيني العُبَيدلي، تحقيق: علي أكبر ضيائي، الطبعة الأُولى، ١٤٢٣هـ، مركز نشر ميراث مكتوب. طهران، إيران.

١٢ - أصول الدين، الشيخ محمّد حسن آل ياسين، الطبعة الأُولى ١٤١٣هـ، نشر: مؤسسة قائم آل محمّد (عجّل الله فرجه)، قم، إيران.

١٣ - الأصول من الكافي، الشيخ ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني، الطبعة السادسة، ١٣٧٥هـ. ش، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران.

١٤ - أعيان الشيعة، السيّد محمّد الأمين، تحقيق: حسن الأمين، الطبعة الأُولى، ١٤٠٣هـ، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.

١٥ - الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرة في السنة، السيّد رضي الدين علي بن موسى ابن جعفر بن طاووس، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، ٣ج، الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.

١٦ - الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي، الطبعة الأُولى، ١٣٩٩هـ، منشورات جمعية منتدى النشر، النجف الأشرف، العراق.

١٧ - الإلهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل، محاضرات الشيخ جعفر السبحاني، بقلم: الشيخ حسن محمّد مكي العاملي، الطبعة الرابعة، ١٤١٣هـ، منشورات المركز العالمي للدراسات الإسلامية.

١٨ - الأمالي، الشيخ المفيد، تحقيق: حسين الأستاد ولي، على أكبر الغفاري، الطبعة الأُولى، ١٤١٣هـ، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج١٣، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

١٩ - الأمالي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، الطبعة الأُولى، ١٤١٤هـ، نشر: دار الثقافة، قم، إيران.

٢٠ - أوائل المقالات، الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، تحقيق: الشيخ إبراهيم الأنصاري، الطبعة الأُولى، ١٤١٣، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج٤.


٢١ - الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، مع شرحه النافع يوم الحشر، لمقداد بن عبد اللّه السيوري ومفتاح الباب لأبي الفتح بن مخدوم الحسيني، تحقيق: د. مهدي محقّق، الطبعة الثالثة، ١٣٧٢هـ ش، انتشارات الآستانة الرضوية المقدسة، مشهد، إيران.

٢٢ - بحار الأنوار، العلاّمة محمّد باقر المجلسي، ١١٠ج، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران.

٢٣ - بحر الكلام، ميمون بن محمّد النسفي، الشهير بأبي المعين النسفي، دراسة وتعليق: د. ولي الدين محمّد صالح الفرفور، الطبعة الأُولى، ١٤١٧هـ دار الفرفور للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا.

٢٤ - بحوث في الملل والنحل، الشيخ جعفر السبحاني، الطبعة الثالثة، ١٤١٦هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، إيران.

٢٥ - بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية، تأليف: الشيخ محمّد رضا المظفر، محاضرات: السيّد محسن الخرازي ٢ج، الطبعة الخامسة، ١٤١٨هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

٢٦ - براهين أصول المعارف الإلهية والعقائد الحقة للإمامية، أبو طالب التجليل، الطبعة الأُولى، ١٤١٨هـ، مطبعة مهر، قم، إيران.

٢٧ - تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، لبنان.

٢٨ - التبيان في تفسير القرآن، شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

٢٩ - تحف العقول عن آل الرسول، أبو محمّد الحسن بن علي الحراني، الطبعة السادسة، ١٤١٧هـ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

٣٠ - تجريد الاعتقاد، الشيخ نصير الدين الطوسي، تحقيق: محمّد جواد الحسيني الجلالي، الطبعة الأُولى، ١٤٠٧هـ، مركز النشر، مكتب الإعلام الإسلامي.

٣١ - تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد، تحقيق: حسين دركاهي، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد (المجلدّ الخامس ضمن مصنّفات الشيخ المفيد).

٣٢ - تفسير القرآن الحكيم، المشهور بتفسير المنار، محمّد رشيد رضا، تحقيق: إبراهيم


شمس الدين، الطبعة الأُولى، ١٤٢٠هـ، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

٣٣ - التفسير الكبير، الفخر الرازي، الطبعة الأُولى، ١٤١٥هـ، دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان.

٣٤ - تقريب المعارف، أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي، تحقيق: فارس تبريزيان الحسّون، الطبعة الأُولى، ١٤١٧هـ، الناشر: المحقّق، قم، إيران.

٣٥ - تكملة شوارق الإلهام، للمولى عبد الرزاق اللاهيجي، محمّد المحمدي الجيلاني، الطبعة الأُولى ١٤٢١هـ، مركز انتشارت مكتب الإعلام الإسلامي، قم، إيران.

٣٦ - التوحيد، الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق)، تصحيح وتعليق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، الطبعة السابعة، ١٤٢٢هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، إيران.

٣٧ - كتاب التوحيد، أبو منصور الماتريدي، تحقيق: د. فتح اللّه خليف.

٣٨ - التوحيد، بحوث في مراتبه ومعطياته، تقريراً لدروس السيّد كمال الحيدري، جواد علي كسار، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤هـ، دار فراقد للطباعة والنشر.

٣٩ - توحيد الإمامية، محمّد باقر الملكي الميانجي، الطبعة الأُولى، ١٤١٥هـ، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، إيران.

٤٠ - تهذيب اللغة، أبو منصور محمّد بن أحمد الأزهري (ت ٣٧٠هـ)، الطبعة الأُولى، ١٤١٢هـ، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

٤١ - ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)، الطبعة الرابعة، ١٤١٠هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

٤٢ - حديث حول الجبر والتفويض، السيّد عبد اللّه السيّد حسن الموسوي البحراني المحرقي، الطبعة الأُولى، ١٤٠٦هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

٤٣ - حقّ اليقين في معرفة أصول الدين، السيّد عبد اللّه شبّر، الطبعة الأُولى، ١٤١٨هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

٤٤ - الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، صدر الدين محمّد الشيرازي، الطبعة الثالثة، ١٤٠١، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.


٤٥ - الخصال، الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسن بن بابويه، تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الأُولى، ١٤١٠هـ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

٤٦ - دلائل الصدق، الشيخ محمّد حسن المظفر، الطبعة الثانية، ١٣٩٦هـ، دار العلم للطباعة. القاهر، مصر.

٤٧ - الذخيرة في علم الكلام، الشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، الطبعة الأُولى، ١٤١١هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، إيران.

٤٨ - الذريعة إلى أصول الشريعة، السيّد أبو القاسم علي بن الحسين المرتضى علم الهدى، تحقيق: د. أبو القاسم جرجي، (مجلدين)، الطبعة الأُولى، ١٣٧٦هـ. ش، انتشارات جامعة طهران، طهران، إيران.

٤٩ - الرسالة السعدية، العلاّمة أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف الحلّي (ت ٧٢٦) تحقيق: عبد الحسين محمّد علي بقال، الطبعة الأُولى، ١٤١٠هـ، مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم، إيران.

٥٠ - الزهد، الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، تحقيق: غلامرضا عرفانيان، الطبعة الأُولى، ١٣٩٩هـ. المطبعة العلمية.

٥١ - شرح الأسماء الحسنى، الملاّ هادي السبزواري (مجلدين)، مكتبة بصيرتي.

٥٢ - شرح الأصول الخمسة، لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، تعليق: أحمد بن الحسين ابن أبي هاشم، تحقيق وتقديم: د. عبدالكريم عثمان، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر.

٥٣ - شرح جمل العلم والعمل، الشريف علي بن الحسين المرتضى علم الهدى، تحقيق: الشيخ يعقوب الجعفري المراغي، الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ، دار الأسوة للطباعة والنشر، قم، إيران.

٥٤ - شرح العقائد النسفية، سعد الدين التفتازاني، تحقيق: أحمد حجازي السقا، الطبعة الأُولى، ١٤٠٧هـ، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، مصر.

٥٥ - شرح المقاصد، مسعود بن عمر الشهير بسعد الدين التفتازاني، تحقيق: د. عبدالرحمن عميرة، الطبعة الأُولى، ١٤٠٩هـ، منشورات الشريف الرضي، قم، إيران.

٥٦ - الصحيفة السجادية.


٥٧ - صراط الحقّ في المعارف الإسلامية والأصول العقائدية، الشيخ محمّد آصف المحسني، الطبعة الثانية، ١٤١٣هـ، الحركة الإسلامية الأفغانية (القسم الثقافي) قم، إيران.

٥٨ - ضحى الإسلام، أحمد أمين ٣ج، الطبعة العاشرة، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

٥٩ - العدل الإلهي، الشيخ مرتضى المطهري، ترجمة، محمّد عبدالمنعم الخاقاني، الطبعة الثانية، ١٤٠٥هـ، الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

٦٠ - العروة الوثقى، السيّد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمّد عبده، إعداد: السيّد هادي خسرو شاهي، الطبعة الأُولى، ١٤١٧هـ، مؤسسة الطباعة والنشر، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، إيران.

٦١ - العقيدة الإسلامية وأسسها، عبدالرحمن حسن جنكه الميداني، الطبعة الثانية، ١٣٩٩هـ، دار العلم، دمشق، بيروت.

٦٢ - علل الشرائع، الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الطبعة الأُولى ١٣٨٦هـ، المكتبة الحيدرية.

٦٣ - علم اليقين في أصول الدين، الشيخ محمّد بن المرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني، ٢ج، الطبعة الأُولى، ١٤١٠، دار البلاغة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

٦٤ - عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي (٤ أجزاء)، تحقيق: مجتبى العراقي، الطبعة الأُولى، ١٤٠٣هـ، مطبعة سيد الشهداء.

٦٥ - عيون أخبار الرضا، الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق، ٢ج، الطبعة الأُولى، ١٤٠٤هـ، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

٦٦ - غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، السيّد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، ٢ج، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري، الطبعة الأُولى، ١٤١٨هـ، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، إيران.

٦٧ - الفرق بين الفرق، عبد القادر الاسفرائيني، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الأُولى، ١٤١٩هـ، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، صيدا، بيروت، لبنان.

٦٨ - فصوص الحكم، الشيخ محيي الدين بن العربي، الطبعة الثانية، ١٤٠٩هـ، جماعة إحياء


الفلسفة، منشورات مكتبة دار الثقافة، العراق، نينوى.

٦٩ - الفصول المهمّة في أصول الأئمة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق: محمّد ابن محمّد الحسين القائيني، الطبعة الأُولى، ١٤٢٤هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

٧٠ - الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية، ٢ج، الشيخ محمّد حمّود العاملي، الطبعة الأُولى، ١٤١٨هـ، مركز العترة للدراسات والبحوث.

٧١ - القضاء والقدر، فخرالدين الرازي، تعليق: محمّد المعتصم باللّه البغدادي، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

٧٢ - قواعد العقائد، نصير الدين الطوسي، تحقيق: الشيخ علي الرباني الكلبايكاني، الطبعة الأُولى، ١٤١٦هـ، لجنة إدارة الحوزة العلمية، قم، إيران.

٧٣ - القواعد الكلامية، تبحث عن أصول عامة يُعتمد عليها في حل المسائل الكلامية، الشيخ علي الرباني الكلبايكاني، الطبعة الأُولى، ١٤١٨هـ، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، إيران.

٧٤ - قواعد المرام في علم الكلام، كمال الدين ميثم بن علي البحراني (ت ٦٩٩)، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ، منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم، إيران.

٧٥ - كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد، العلاّمة الحلّي، تحقيق وتعليق: الشيخ حسن المكي العاملي، الطبعة الأُولى، ١٤١٣هـ، دار الصفوة، بيروت، لبنان.

٧٦ - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلاّمة الحلّي، تصحيح: الشيخ حسن حسن زادة الآملي، الطبعة التاسعة، ١٤٢٢هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، إيران.

٧٧ - لسان العرب، لابن منظور (ت ٧١١هـ)، الطبعة الثالثة، ١٤١٩هـ، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

٧٨ - كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، أبو الحسن الأشعري، تصحيح وتقديم وتعليق: د. حمودة غرابة، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، مصر.

٧٩ - اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية، جمال الدين مقداد بن عبد اللّه الأسدي السيوري الحلّي، تحقيق: السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ، مكتب


الإعلام الإسلامي.

٨٠ - مبادئ العربية، رشيد الشرتوني، (٤ج)، الطبعة الحادية عشر، ١٣٧٥هـ ش، مؤسسة انتشارات دار العلم، قم، إيران.

٨١ - مجمع البيان في تفسير القرآن، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، (١٠ أجزاء في ٥ مجلدات)، الطبعة السادسة، ١٤٢١هـ، انتشارات ناصر خسرو.

٨٢ - محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين، فخر الدين الرازي، راجعه وقدّم له: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، مصر، ضمن سلسلة من تراث الرازي(٤) .

٨٣ - معجم الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى، ١٤١٢هـ، جامعة المدرسين، قم، إيران.

٨٤ - مقالات الإسلامين واختلاف المصلين، الشيخ أبو الحسن الأشعري، تصحيح: هلموت رُيتر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠هـ، النشرات الإسلامية.

٨٥ - المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة، جمع وتحقيق: د. عبد الإله بن سلمان الأحمدي (٢ج)، الطبعة الثانية، ١٤١٦هـ، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.

٨٦ - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي، تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، ١٤٠٨هـ، قم، إيران.

٨٧ - المسلك في أصول الدين، نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي، تحقيق: رضا الأستادي، الطبعة الأُولى، ١٤١٤هـ، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، إيران.

٨٨ - المصطلحات الإسلامية، السيّد مرتضى العسكري، جمع وتنظيم: سليم الحسني، الطبعة الأُولى، ١٤١٨هـ، كلية أصول الدين، بيروت، لبنان.

٨٩ - معاني الأخبار، الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي حسين بن بابويه القمي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة الرابعة، ١٤١٨هـ، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، إيران.

٩٠ - معارف القرآن في معرفة اللّه، محمّد تقي المصباح، تعريب: محمّد عبد المنعم الخاقاني، الطبعة الأُولى، ١٤٠٤، دار الهادي للمطبوعات، قم، إيران.


٩١ - المعجم الوسيط، قام بإخراجه: إبراهيم مصطفى، أحمد حسن الزيّات، حامد عبد القادر، محمّد علي النجار، مجمع اللغة العربية، الإدارة العامة للمعجمات وإحياء التراث، ١٤١٠هـ - ١٩٨٩، دار الدعوة، مؤسسة الثقافية للتأليف والطباعة والنشر والتوزيع، اسطنبول، تركيا.

٩٢ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيم الجوزية، الطبعة الأُولى، ١٤١٩هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

٩٣ - مفاهيم القرآن، جعفر السبحاني، الطبعة الأُولى، ١٤١٢هـ، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، إيران.

٩٤ - الملل والنحل، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: محمّد سيد كيلاني، (مجلدين)، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

٩٥ - مناهج اليقين في أصول الدين، العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي، تحقيق: محمّد رضا الأنصاري القمي، الطبعة الأُولى، ١٤١٦هـ، الناشر: المحقّق، مطبعة ماران، قم، إيران.

٩٦ - من العقيدة إلى الثورة، د. حسن حنفي، سلسلة موقفنا من التراث القديم، الطبعة الأُولى، ١٩٨٨، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.

٩٧ - المنقذ من التقليد (٢ج)، الشيخ سديد الدين محمود الحمصي الرازي (المتوفي أوائل القرن السابع)، الطبعة الأُولى، ١٤١٢هـ، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامية التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

٩٨ - من لا يحضره الفقيه، أبو جعفر الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تحقيق: حسن الموسوي الخرسان، الطبعة الخامسة، ١٤١٠هـ، دار الكتب الإسلامية.

٩٩ - منهاج السنة النبوية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (ابن تيمية) تحقيق: محمّد رشاد سالم، دار أحد.

١٠٠ - كتاب المواقف للقاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي بشرح الشريف علي ابن محمّد الجرجاني، تحقيق: د. عبد الرحمن عمير، ٣ج، الطبعة الأُولى، ١٤١٧هـ، دار الجيل، بيروت، لبنان.

١٠١ - الميزان في تفسير القرآن، العلاّمة السيّد محمّد حسين الطباطبائي، الطبعة الخامسة، ١٤١٢هـ، مؤسسة إسماعيليان، قم، إيران.


١٠٢ - الياقوت في علم الكلام، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت، تحقيق وتقديم: علي أكبر ضيائي، الطبعة الأُولى، ١٤١٣هـ، مكتبة السيد المرعشي النجفي العامة، قم، إيران.

١٠٣ - اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، الشيخ عبد الوهاب الشعراني، الطبعة الأُولى، ١٤١٨هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

١٠٤ - النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر. العلاّمة أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف الحلّي، شرح: الفقيه الفاضل المقداد السيوري، الطبعة الثانية، ١٤١٧هـ، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

١٠٥ - النكت الاعتقادية، الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري المفيد، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ج١٠، الطبعة الأُولى، ١٤١٣هـ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

١٠٦ - نهج البلاغة، وهو مجموعة ما اختاره الشريف أبو الحسن محمّد الرضي بن الحسن الموسوي من كلام أمير المؤمنين أبي الحسن بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلمية: د. صبحي الصالح، الطبعة الأُولى، ١٤١٥هـ، دار الأسوة للطباعة والنشر.

١٠٧ - نهج الحقّ وكشف الصدق، العلاّمة الحسن بن يوسف المطهّر الحلّي، تعليق: الشيخ عين اللّه الحسني، الطبعة الأُولى، ١٤٠٧هـ، مؤسسة دار الهجرة، قم، إيران.

١٠٨ - هداية الأمة إلى معارف الأئمة، نظم وشرح: الشيخ أبو جعفر محمّد جواد بن المحسن الخراساني (ت: ١٣٩٧)، الطبعة الأُولى، ١٤١٦هـ، مؤسسة البعثة، قم، إيران.

١٠٩ - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الفقيه المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ، قم، إيران.


Contents

العدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ٧

كلمة المجمع ٧

المقدمة ٩

الفصل الأوّل: العدل في أفعال اللّه تعالى ١٣

المبحث الأوّل: معنى العدل ١٥

المبحث الثاني: أدلة عدم فعله تعالى للقبيح ٢١

المبحث الثالث: مناقشة رأي الأشاعرة حول فعله تعالى للقبيح ٢٤

المبحث الرابع: قدرة اللّه تعالى على فعل القبيح ٢٧

المبحث الخامس: عدم فعله تعالى للظلم ٣٠

الفصل الثاني: الحسن والقبح العقلي ٣٣

المبحث الأوّل: معنى الحسن والقبح ٣٥

المبحث الثاني: أقسام الفعل من حيث الاتّصاف بالحسن والقبح ٣٨

المبحث الثالث: منشأ حسن وقبح الأفعال ٤٠

المبحث الرابع: إطلاقات الحسن والقبح ٤٢

المبحث الخامس: محل الخلاف بين العدلية والأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال ٤٧

المبحث السادس: رأي العدلية (القائلين بالحسن والقبح العقلي) ٥١

المبحث السابع: أدلة ثبوت الحسن والقبح العقليّين ٥٥

المبحث الثامن: إثبات الحسن والقبح العقليّين في القرآن الكريم ٦١

المبحث التاسع: رأي الأشاعرة حول حسن وقبح الأفعال ٦٦

المبحث العاشر: أدلّة الأشاعرة على إنكار الحسن والقبح العقليّين ومناقشتها ٦٨

المبحث الحادي عشر: أقوال بعض أهل السنة الموافقين للحسن والقبح العقلي ٨١

الفصل الثالث: وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى ٨٤

المبحث الأوّل: معنى الغرض والغاية ٨٧

المبحث الثاني: وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى ٨٩

المبحث الثالث: أدلة وجود الغرض والغاية في أفعال اللّه تعالى ٩٠


المبحث الرابع: غرض وغاية اللّه تعالى من خلق الإنسان ٩٤

المبحث الخامس: مناقشة رأي الأشاعرة حول غرض وغاية الفعل الإلهي ٩٧

الفصل الرابع: الشرور والآلام ١٠٥

المبحث الأوّل: معنى الشر ١٠٧

المبحث الثاني: أقسام الشر ١٠٨

المبحث الثالث: الآلام وأوجه حسنها وقبحها ١١٤

المبحث الرابع: حكمة الشرور والآلام ١١٨

المبحث الخامس: إيلام غير المكلَّفين ١٢٤

الفصل الخامس: العِوَض ١٢٧

المبحث الأوّل: معنى العِوَض ١٢٩

المبحث الثاني: موارد استحقاق العِوَض ١٣٠

المبحث الثالث: الجهات المعوِّضة ١٣٢

المبحث الرابع: أنواع المستحق للعوض ١٣٤

المبحث الخامس: خصائص العوض ١٣٦

الفصل السادس: القضاء والقدر ١٣٩

المبحث الأوّل: خصائص مسألة القضاء والقدر ١٤١

المبحث الثاني: النهي عن الخوض في القضاء والقدر وأسباب ذلك ١٤٣

المبحث الثالث: معنى القضاء والقدر (في اللغة) ١٤٨

المبحث الرابع: معنى القضاء والقدر (في الاصطلاح العقائدي) ١٥١

المبحث الخامس: تفسير القضاء والقدر وفق نظام الأسباب ١٥٥

المبحث السادس: الرضا بقضاء اللّه تعالى وقدره ١٦٥

المبحث السابع: أقسام القضاء والقدر ١٦٧

المبحث الثامن: خصائص القضاء والقدر ١٦٩

المبحث التاسع: الفهم الخاطى للقضاء والقدر ١٧١

الفصل السابع: الجبر والتفويض ١٧٥

المبحث الأوّل: معنى الجبر والاختيار (لغة واصطلاحاً) ١٧٧


المبحث الثاني: مذهب الجبرية ١٧٨

المبحث الثالث: أقسام الجبر ١٨١

المبحث الرابع: الأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار ١٨٣

المبحث الخامس: أدلة القول بالجبر والردّ عليها ١٩٣

المبحث السادس: رأي الأشاعرة حول خلق اللّه لأفعال العباد ١٩٧

المبحث السابع: الاستطاعة وأثر قدرة الإنسان في أفعاله عند الأشاعرة ٢٠٨

المبحث الثامن: الكسب عند الأشاعرة ٢١٣

المبحث التاسع: رأي المعتزلة حول أفعال العباد ٢٢٠

المبحث العاشر: التفويض عند المعتزلة ٢٢٢

المبحث الحادي عشر: مناقشة نظرية التفويض ٢٢٥

المبحث الثاني عشر: القدرية ٢٣٠

المبحث الثالث عشر: أفعال العباد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ٢٣٥

المبحث الرابع عشر: الأمر بين الأمرين ٢٤١

الفصل الثامن: التكليف ٢٤٧

المبحث الأوّل: معنى التكليف ٢٤٩

المبحث الثاني: متعلّق التكليف ٢٥٣

المبحث الثالث: حسن التكليف ٢٥٥

المبحث الرابع: وجوب التكليف من اللّه تعالى للعباد ٢٥٨

المبحث الخامس: غرض التكليف ٢٦١

المبحث السادس: شروط حسن التكليف ٢٦٦

المبحث السابع: تكليف من لم تتمّ عليهم الحجّة في الدنيا ٢٧٢

المبحث الثامن: التكليف بما لا يطاق ٢٧٧

الفصل التاسع: الثواب والعقاب ٢٨٨

المبحث الأوّل: معنى الثواب والعقاب ٢٩٠

المبحث الثاني: استحقاق الثواب والعقاب ٢٩٣


المبحث الثالث: دوام أو انقطاع الثواب والعقاب ٢٩٧

المبحث الرابع: التناسب بين الذنوب والعقاب الأخروي ٣٠٢

المبحث الخامس: مناقشة رأي الأشاعرة حول الثواب والعقاب ٣٠٧

الفصل العاشر: اللطف ٣١٠

المبحث الأوّل: معنى اللطف ٣١٢

المبحث الثاني: أقسام اللطف ٣١٥

المبحث الثالث: وجوب اللطف ٣١٧

المبحث الرابع: أثر اللطف ٣١٩

المبحث الخامس: تنبيهات حول اللطف ٣٢١

المبحث السادس: اللطف والمفسدة ٣٢٣

المبحث السابع: الإشارة إلى اللطف الإلهي في القرآن الكريم ٣٢٦

المبحث الثامن: مناقشة رأي الأشاعرة حول اللطف الإلهي ٣٢٨


الفصل الحادي عشر: الأصلح ٣٣٠

المبحث الأوّل: معنى الأصلح ٣٣٢

المبحث الثاني: وجوب فعل الأصلح ٣٣٣

المبحث الثالث: الأصلح في خلق العالم ٣٣٩

الفصل الثاني عشر: الهداية والإضلال ٣٤١

المبحث الأوّل: معنى الهداية ٣٤٣

المبحث الثاني: الهداية الإلهية العامة ٣٤٤

المبحث الثالث: الهداية الإلهية الخاصة ٣٥٠

المبحث الرابع: معنى الإضلال ٣٥٧

المبحث الخامس: نسبة إضلال العباد إلى اللّه تعالى ٣٥٩

الفصل الثالث عشر: الأجل ٣٦٥

المبحث الأوّل: معنى الأجل ٣٦٧

المبحث الثاني: أقسام الأجل ٣٦٨

المبحث الثالث: ما يزيد وينقص الأجل ٣٧٠

المبحث الرابع: أجل المقتول لو لم يقتل وأجل الميت بسبب لو لم يمت بذلك السبب ٣٧٢

الفصل الرابع عشر: الرزق ٣٧٧

المبحث الأوّل: معنى الرزق ٣٧٩

المبحث الثاني: إطلاق وصف "الرازق" على اللّه تعالى وغيره ٣٨١

المبحث الثالث: الرزق والملك ٣٨٥

المبحث الرابع: لا يصح تسمية الحرام برزق ٣٨٧

المبحث الخامس: أقسام الرزق ٣٨٩

المبحث السادس: طلب الرزق ٣٩٣


المبحث السابع: الرزق والتوكّل ٣٩٩

المبحث الثامن: الرزق والقسمة ٤٠١

المبحث التاسع: زيادة الرزق ٤٠٩

المبحث العاشر: السعر ٤١٣


العدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

العدل عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

مؤلف: علاء الحسون
الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
تصنيف: مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الصفحات: 432