قال الصادق (ع):
( إنّ أبا طالب أَسَّس الإيمان ) الخرائج للراوندي
هذا الكتاب المستطاب تحقيق
نبوّة أبي طالب
عبد مناف (عليه السلام)
(حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمؤلّف)
تأليف: مزمل حسين الميثمي الغديري
نزيل الحوزة العلميّة / قم - إيران
المدخل
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيْمِ
الحمد لله الذي أسّس أس الإسلام بيدَي أبي طالب، كما أسّسه بيدَي إبراهيم وإسماعيل أبوَي أبي طالب.
والحمد لله الذي شيّد أركان الإيمان بقوّة أبي طالب، كما شيّد أركانه بقوّة نبيّه محمّد ووليّه عليّ بن أبي طالب.
والحمد لله الذي أيّد رسوله محمّد الخاتم بنصرة أبي طالب، إذْ أوجده يتيماً من أبويه فآواه في حجر أبي طالب.
والصلاة والسلام على أبي القاسم محمّد ابن أخي أبي طالب، وعلى وصيّه علي بن أبي طالب، وبضعته فاطمة زوجة ابن أبي طالب، وعلى آلهم الطاهرين المطهّرين الأئمّة الهداة أبناء أبي طالب، ورحمة الله على أحبّاء أبي طالب، ولعنة الله على أعداء أبي طالب.
أمّا بعد:
فقد قال الله تعالى في كتابه الكشّاف عن نبوّة أبي طالب عبد مناف، ونبوّة آباء النبي الإسلاف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .
(سورة الزخرف: آية: ٢٦ - ٢٨)
واعلم أنّ موضوع هذا الكتاب إثبات نبوّة أبي طالب أبي الأئمّة الأطياب (عليهم السلام)، ونبوّة آباء النبي الكرام وأجدادهما العظام من لدن آدم أبي الأنساب، وأنّ فيه لآيات محكمات، نصوصاً قاطعة كثيرة، وأحاديث موثّقات وبراهين ساطعة ذخيرة.
ونحن نذكر هاهنا ما هو الحجّة على الأصحاب، من النصوص اللامعة على نبوّتهم الفائقة، وصفاتهم الرائقة، من لدن آدم إلى عبد الله والد نبيّنا محمّد (ص) المصطفى، وأبي طالب والد وليّنا علي (ع) المرتضى، قدراً كافياً وحظّاً وافياً، وليس فيه بالقصير المُخِل ولا بالطويل المُمِل للطالب الرشيد، والخارج عن رِبقة التقليد العنيد، والراغب النضيد إلى الله الحميد المجيد.
إنّ علماءنا المتقدّمين (عليهم من الله الرضوان)، وأسلافنا المتأخّرين (لهم من الله الغفران) لم يلتفتوا إلى هذا العنوان إلاّ لثاماً وإلاّ أنْ يصنّفوا عليه كتباً كثيرة بالدلائل القاطعة، ويملؤوا فيه أسفاراً وفيرة بالشواهد الواثقة، كما التفتوا إلى إثبات إسلامهم وإيمانهم، فحرّروا عليه الرسائل الثمينة، ونمّقوا فيه الصحائف الحصينة؛ ردّاً للذين يقولون:
إنّ(تارَخ) والد إبراهيم الخليل، و(عبد المطّلب) جدّ رسول الله (ص)، و(عبد الله) والد رسول الله (ص)، و(آمنة) والدة الرسول (ص)، و(أبا طالب) والد علي وليّ الله، كانوا كافرِين. (نعوذ بالله من ذلك الاعتقاد).
كما ردّ الله قول اليهود والنصارى والمشركين؛ لأنّهم يقولون إنّ إبراهيم كان يهوديّاً أو نصرانيّاً أو كان من المشركين، بقوله تعالى:( ومَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
(سورة آل عمران: آية: ٦٧)
وبقوله: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) .
(سورة البقرة: آية: ١١٣)
فإنّي دعوت الله عزّ وجل - عند الكعبة، وعند كلّ مقام مقدّس، وفي كلّ حركة وقيام متنفّس - أنْ يوفّقني بجاه محمّد وآله عليهم السلام في هذا الموضوع الجليل، والقول الثقيل، ففضّل الله عزّ وجل أنْ أعطاني النظر فيه، وليس لي فخر على الأصحاب، ولا كِبَر على أُولي الألباب، بل التفكّر في آيات الله تعالى واجب على كلّ إنسان كما يدلّ عليه القرآن والسنّة والعقل والإجماع.
فهذه الوجيزة خدمة قليلة للنبي والولي، وهديّة حقيرة لآبائهما الكرام وأجدادهما العظام، وهداية موصلة إلى المطلوب للطالبين، ويد كاشفة اللثام عن المحبوب للمحبّين، وتبصرة صارفة عن الباطل إلى
الحقّ للمحقّقين، وتذكرة مضيئة في الظلمات للضالّين والمضلّين، وصحيفة جاذبة عن الإفراط والتفريط والقشر والتفويض إلى العروة الوثقى، والصراط المستقيم للمتّقين، ودعوة راغبة عن أئمّة الطغاة، إلى أئمّة الهداة محمّد وآله القربات، عند ربّ الأرض والسماوات.
أيّها الأخ الخليل والمحبّ الجليل، إنّا سنلقي عليك القول الثقيل بالشرح والتفصيل، وفيه عقل العقيل وفكر القليل بالنص والدليل، وليس فيه قياس الذليل، عليه اللعنة والوبيل.
فلا تنظر إلى مَن قال بل اُنظر إلى ما قيل، فهداك الله الجليل إلى سواء السبيل بجاه محمّد وآله النبيل صلَّى الله عليه وآله العديل، عند كلّ بكرة وأصيل، وهو الهادي الوكيل، والموفّق الكفيل.
إنّ مقتضى موضوعنا هذا يوجب علينا أنْ نبيّن لديكم نصوص نبوّتهم، التي تُذهب نجاسة الجاهليّة بأرجاسها عن أذهان الأعداء، ونعرض عليكم براهين منزلتهم التي تخرج خباثة المشاجرة بأضغانها عن قلوب الأشقياء.
فإنّا نرجوا من فضله العظيم وكرمه العميم أنْ تكون صِلتي قِبال هديّتي الحقيرة، وخدمتي القليلة، الشفاعةَ لي عند الله الكريم، بأنْ يرزقني سعادة الدارَين بلطيف محمّد وآله ثاني الثقلين.
* باب الاسم:
إظهار الأشراف اسم أبي طالب عبد مناف
(١) قال له أبوه عبد المطّلب حين أوصى إليه برسول الله (ص):
أوصيك يا عبد مناف بعدي * بواحد بعد أبيه فرد
وصيت من كنيته بطالب * عبد مناف وهو ذو تجارب
(المناقب لابن شهرآشوب: ج١، ص٣)
(٢) قال ابنه طالب:
أَنافَ بِعَبدِ مَنافٍ أَبٌ * وَفَضلُهُ هاشِم الغُرَّةِ
وَخَيرُ بَني هاشِمٍ أَحمَدٌ * رَسولُ الإِلَهِ عَلى فَترَةِ
(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج١٤، ص٧٨)
(٣) قال ابنه علي (ع) في المدينة: (اسم أبي طالب عبد مناف).
(البحار: ج١٥ / في ذكر أحوال آباء النبي)
وقال (ع) في الكوفة: (اسم أبي طالب عبد مناف).
(البحار: ج٣٥، ب٣، ص١١٤)
وقال(ع) على منبر البصرة: (أنا ابن أبي طالب عبد مناف).
(أمالي الصدوق - ره -: مجلس ٨٨، ص٩٣)
(٤) قال ابن ابنه عبد الله بن جعفر (ع): اسم أبي طالب عبد مناف.
(تاريخ دمشق: ج١، ص١٣)
(٥) قال الإمام جعفر الصادق (ع): (اسم أبي طالب عبد مناف).
(كتاب اليقين للسيّد ابن طاووس - ره -: ص ٥١)
(٦) قال العلاّمة السيّد أحمد علي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(عمدة الطالب: ص٢٠)
(٧) قال العلاّمة السيّد فخار الموسوي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(من كتاب الحجّة في البحار: ج٣٥، ب٣، ص٨٤)
(٨) قال العلاّمة أبو الفرج الأصفهاني: اسم أبي طالب عبد مناف.
(مقاتل الطالبيّين: ص٦)
(٩) قال العلاّمة المجلسي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(مرآة العقول: ج٥، ص٢٣٥ / البحار: ج٣٥، ب٣، ص٨٣)
(١٠) قال العلاّمة أبو القاسم القمّي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(كتاب جامع الشتات: ج٢، ص٧٤٤)
(١١) قال العلاّمة السيّد أحمد الموسوي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(القطرة: ب٢، ص٨٧)
(١٢) قال العلاّمة الشيخ محمّد الإمامي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(شرح دعاء الصباح: ص٢٤٠)
(١٣) قال المحقّق الأردبيلي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(كشف الغمّة: ج١، ص٦٤)
(١٤) قال المحقّق الشيرازي: إنّ اسم أبي طالب عبد مناف.
(الدرجات الرفيعة: ب١، ص٤١)
إظهار الأسلاف اسم أبي طالب عبد مناف
(١) قال الإمام أحمد بن حنبل: اسم أبي طالب عبد مناف.
(عمدة ابن البطريق: ص١٢، من مسند عبد الله بن أحمد بن حنبل / في البحار: ج٣٥، ب٣، ص١٣٨)
(٢) قال العلاّمة ابن أبي الحديد: اسم أبي طالب عبد مناف.
(شرح نهج البلاغة: ج١، ص١)
(٣) قال الإمام ابن عساكر: اسم أبي طالب عبد مناف.
(تاريخ دمشق: ج١، ص٥، ترجمة علي بن أبي طالب)
* وذكر ابن عساكر أقوال المحقّقين في تاريخه بهذا التفصيل:
ج١
(٤) وقال المحدّث إبراهيم بن هاني: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص ١٢
(٥) وقال المحدّث صالح بن أحمد: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص ١٣
(٦) وقال المحدّث حنبل بن إسحاق: اسم أبي طالب عبد مناف
ص ١٣
(٧) وقال المحدّث يعقوب بن سفيان: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص١٣
(٨) وقال المحدّث محمّد بن سعد: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص١٧
(٩) وقال المحدّث الزبير بن بكار: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص١٤
(١٠) وقال المحدّث ابن أبي حاتم: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص١٨
(١١) وقال المحدّث أبو عبد الله المقدسي: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص١٨
(١٢) وقال المحدّث أبو نصر البخاري: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص١٩
(١٣) وقال المحدّث أبو بكر الخطيب: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص١٩
(١٤) وقال الإمام الحاكم: اسم أبي طالب عبد مناف.
ص٢٠
(١٥) وقال المؤرّخ المسعودي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(مروج الذهب: ج٢، ص١٠٩)
(١٦) قال المؤرّخ الطبري: اسم أبي طالب عبد مناف.
(تاريخ الطبري: ج١، جزء ٢، ص١٧٢)
(١٧) قال المؤرّخ ابن الماروردي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(تاريخ ابن الماوردي: ج١، ص٢٣٥)
(١٨) قال المؤرّخ ابن الأثير: اسم أبي طالب عبد مناف.
(الكامل في التاريخ: ج٢، ص٥)
(١٩) قال المؤرّخ أبو الفداء: اسم أبي طالب عبد مناف.
(تاريخ أبي الفداء: ج١، ص١٧٠)
(٢٠) قال المؤرّخ ابن سعد: اسم أبي طالب عبد مناف.
(الطبقات الكبرى: ج٢، ص٢٢)
(٢١) قال المؤرّخ الديار بكرى: اسم أبي طالب عبد مناف.
(تاريخ الخميس: ج١، ص١٥٩)
(٢٢) قال المؤرّخ اليعقوبي: اسم أبي طالب عبد مناف.
(تاريخ اليعقوبي: ج٢، ص١١)
(٢٣) قال المؤرّخ العسقلاني: اسم أبي طالب عبد مناف
(الإصابة: ج٤، ص١١٥)
عمران أبي بكر الطرسوسي
* قال العلاّمة المجلسي: أبو طالب اسمه:(عبد مناف) .
* وقال صاحب عمدة الطالب، السيّد أحمد: على قيل: اسمه(عرمان ).
وهي رواية ضعيفة، رواها أبو بكر الطرسوسي النسّابة، والصحيح إنّ اسم أبي طالب عبد مناف، وبذلك نطقتْ به وصيّة أبيه عبد المطّلب (ع) حين أوصى إليه برسول الله(ص) وهو يقول:
أوصيك يا عبد مناف بعدي - إلخ -.
(البحار: ج٣٥، ب٣، ص٨٣)
واجتنبوا قول الزور
(١) قال ابن سعد:
أخبرنا هشام بن محمّد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال:
كان قصي يقول: وُلِدَ لِي أربعة رجال، فسمّيتُ اثنين بإلهي، وواحداً بداري، وواحداً بنفسي - فكان يُقال لعبد بن قصي عبد قصي والذين سمّاهما بـ:(آلهة عبد مناف، وعبد العزّى)
وبداره:(عبد الدار) .
(الطبقات: ج١، ص٣٩)
(٢) - قال العلاّمة الشهرستاني:
وكان قصي بن كلاب ينهى عن عبادة غير الله من الأصنام وهو القائل:
أربّاً واحداً أمْ ألفَ ربٍّ * أَدِينُ إذاً تقَسَّمت الأمورُ
تركتُ اللات والعزّى جميعاً * كذلك يَفْعَلُ الرجلُ البصيرُ
فلا عُزَّى أَدِينُ ولا ابنتَيْها * ولا صَنَميْ بني عمرٍو أزورُ
(الملل والنحل: ج٢، ص٢٤٨)
فقد ظهر أنّ قصي بن كلاب جدّ النبي والولي كان دينه التوحيد، وعبادته عبادة الله، بل كان ينهى عن عبادة غير الله من الأصنام، فكان مبلّغ التوحيد كيوسف في قوله:( ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )
(يوسف: آية: ٣٩)
فكيف يصح قول أبي صالح، فقوله قول الزور، فاجتنبوه.
(٣) قال المسيحي صاحب المنجد: مناف: اسم صنم.
(المنجد)
الجواب:
١ - إنّ المؤرّخين ذكروا أسماء الأصنام ولم يذكروا صنماً كان اسمه(مناف) ، فكيف يصح قول المسيحي.
٢ - وقال العلاّمة المسعودي: روى الخاصّة والعامّة - في حديث طويل - وقالوا فيه وأوصى قصي إلى عبد مناف؛ لأنّه أناف على الناس وعلا - فمعنى مناف ساد ورَأُسَ وشَرُف (السيّد، الرئيس).
(إثبات الوصيّة: ص٤٠)
التحقيق في عبد مناف
* إنّ في آل إبراهيم ثلاثة رجال كان اسمهم عبد مناف:
١ - عبد مناف بن كنانة.
٢ - عبد مناف بن قصي.
٣ - عبد مناف بن عبد المطّلب.
(١) عن واثلة بن الأسقع قال:
قال رسول الله (ص): (إنّ الله اصطفى مِن وُلد آدم إبراهيم، واتّخذه خليلاً، واصطفى مِن وُلد إبراهيم إسماعيلَ، واصطفى من وُلد إسماعيل نزار، ثمّ اصطفى مِن وُلد نزار مضراً، ثمّ اصطفى مِن مضر كنانة، ثمّ اصطفى مِن كنانة قريشاً(النضر) ، ثمّ اصطفى من قريش بني هاشم يعني هاشماً، ثمّ اصطفى من بني هاشم عبد المطّلب، ثمّ اصطفاني من بني عبد المطّلب).
(الصحيح لمسلم / والترمذي / وأبو حاتم / وأبو القاسم السهمي / وذخائر العقبى)
فقد ظهر من هذا الحديث أنّ كنانة وعبد المطلب كانا عند الله تعالى مصطفين، وأنّ الله لم يصطفِ من الناس أحداً إلاّ جعله رسولاً
كما قال تعالى:( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ )
(الحج: آية: ٧٥)
فظهر أنّ الله تعالى جعل(كنانة، وعبد المطّلب) رسولَين، فلا يمكن أنْ يُسمّي رسولٌ ابنه عبد صنم، فإنّ كنانة وعبد المطّلب كانا رسولَين من الله تعالى سمّا ابنيهما عبد مناف لعلوِّ معناه - يعنى عبد رئيس، عبد شريف - وكان دين قصي التوحيد، كما مرّ.
(٢) قال الزبير بن بكار:
وساد عبد مناف في حياة أبيه، وكان مُطاعاً في قريش، وهو الذي يُدْعى القمر لجماله واسمه المغيرة، وكنيته أبو عبد شمس.
(٣) وذكر الزبير عن موسى بن عقبة:
أنّه وجد كتاباً في حجر فيه: (أنا المغيرة بن قصي، آمر بتقوى الله وصلة الرحم).
(٤) وعن الواقدي:
(... وكان نور رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في عبد مناف، وكان في يده لواء نزار، وقوس إسماعيل).
(٥) وفي شفاء الغرام:
فلم تزل السقاية، والرفادة، والقيادة لعبد مناف بن قصي يقوم بها حتّى تُوفِّي.
وكان عبد المطّلب بعد هاشم يلي الرفادة - ضيافة الحجاج - فلمّا توفّي قام بذلك أبو طالب في كلّ موسم حتّى جاء الإسلام.
(تاريخ الخميس: ج١، ص١٥٥، ص١٥٧)
فقد ظهر من هذه الروايات أنّ عبد مناف بن قصي كان سيّد
العرب ومُطاعهم، ويأمرهم بتقوى الله وصِلَة الرحم، يعني كان مبلّغ الإسلام وصاحب السقاية والرفادة والقيادة، حتّى توفّي.
وكان هاشم بعده، وكان عبد المطّلب بعده، وأبو طالب عبد مناف بعده كذلك، مبلّغين حتّى جاء الإسلام.
سادة الأنبياء خمسة
* عن ابن أبي يعفور قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
(سادة النبيّين والمرسلين خمسة، وهم أولوا العزم من الرسل، وعليهم دارتْ الرحى: نوح، وإبراهيم، وموسى، و عيسى، ومحمّد (صلَّى الله عليه وآله) وعلى جميع الأنبياء).
(الكافي: كتاب الحجّة: ب ٢)
* وقال العلاّمة المجلسي (رض):
(وعليهم دارتْ الرحى): أي دارتْ رحى النبوّة، والرسالة، والشريعة، والدين عليهم، وسائر الأنبياء تابعون لهم.
(مرآة العقول: ج٢، ص٢٨٦)
فقد ظهر أنّ الأنبياء كلّهم كانوا تابعين للرسل أولي العزم منهم، فكان بعضهم أوصياءهم، وكان الباقون كلّهم تابعين لهم (عليهم السلام).
* باب الوصاية:
كان أبو طالب وصي إبراهيم (عليه السلام)
(١) روى ثقة المحدّثين الكليني:
بإسناده عن درست بن أبي منصور أنّه سأل أبا الحسن الأوّل - الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) - أكان رسول الله محجوجاً بأبي طالب؟
فقال: (لا، ولكنّه كان مستودعاً للوصايا فدفعها إليه.
قال: قلتُ: فدفع إليه الوصايا على أنّه محجوج به؟
فقال: لو كان محجوجاً به ما دفع إليه الوصيّة.
قال: قلتُ: فما كان حال أبي طالب؟
قال: أقرّ بالنبي وبما جاء به، ودفع إليه الوصايا ومات مِن يومه).
(أصول الكافي: كتاب التواريخ: ب١، مولد النبي (صلَّى الله عليه وآله))
(٢) قال العلاّمة المجلسي - في تشريح الحديث - قال السائل:
أكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) محجوجاً بأبي طالب؟ أي هل كان أبو طالب
حجّة على رسول الله إماماً له؟
فأجاب الإمام بنفي ذلك؛ معلّلاً بأنّه كان مستودعاً للوصايا، دفعها إليه لا على أنّه أوصى إليه وجعله خليفة له ليكون حجّة عليه، بل كما يوصل المستودع الوديعة إلى صاحبها.
فلم يفهم السائل ذلك، وأعاد السؤال وقال: دفع الوصايا مستلزم لكونه حجّة عليه؟
فأجاب الإمام بأنّه دفع إليه الوصايا على الوجه المذكور، أي كما يوصل المستودع الوديعة إلى صاحبها، وهذا لا يسلتزم كونه حجّة، بل ينافيه.
(٣) وقال العلاّمة المجلسي:
ويحتمل وجوهاً أُخر: منها أنْ يكون المعنى: هل كان الرسول (صلَّى الله عليه وآله) محجوجاً مغلوباً في الحجّة بسبب أبي طالب، حيث قصر في هدايته إلى الإيمان ولم يؤمن؟
فقال الإمام: ليس الأمر كذلك؛ لأنّه قد آمن وأقرّ، وكيف لا يكون كذلك والحال أنّ أبا طالب كان من الأوصياء، وكان أميناً على وصايا الأنبياء وحاملاً لها إليه.
فقال السائل: هذا موجب لزيادة الحجّة عليه، حيث علم نبوّته بذلك ولم يقر؟
فأجاب الإمام: بأنّه، لو لم يكن مقرّاً لم يدفع الوصايا إليه.
(بحار الأنوار: ج٣٥، ب٣، ص٧٣)
(٤) واستشهد العلاّمة الطبسي بهذا الحديث على وصاية أبي طالب في كتابه (منية الراغب):
وقال: روى عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهو يقول لعلي بن أبي
طالب: (إنّ عبد المطّلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذُبح على النصب، ويقول: أنا على دين إبراهيم).
وروى أنّ أبا طالب يقول: أنا على ملّة عبد المطّلب، وأنّه كان وصيّاً من أوصياء إبراهيم كما رواه الكليني (ره) في الكافي، مرفوعاً عن درست بن أبي منصور أنّه سأل أبا الحسن الأوّل - الحديث -.
(منية الراغب: ص٢٢)
(٥) قال شيخنا الصدوق:
روي: ابن عبد المطّلب كان حجّة، وأنّ أبا طالب كان وصيّه.
(عقائد الصدوق)
(٦) قال العلاّمة المجلسي:
قد أجمعتْ الشيعة على:
- إسلامه.
- وأنّه قد آمن بالنبي (صلَّى الله عليه وآله) في أوّل الأمر.
- ولم يعبد صنماً قط.
- بل كان من أوصياء إبراهيم.
(البحار: ج٣٥، ب٣، ص١٣٨)
فقد ظهر من هذا الحديث وتشريحه:
أنّ أبا طالب كان وصي إبراهيم الخليل (عليه السلام).
أوصياء الرسل كانوا أنبياء
(١) قيل: يا رسول الله كم النبيّون؟
قال: (مئة ألف نبي، وأربعة وعشرون ألف نبي.
قلت: كم المرسلون منهم؟
قال: ثلاثمئة وثلاثة عشر، جمّاً غفيراً) - الحديث -).
(تاريخ الخميس: ج١، ص٧)
(٢) عن أبي جعفر(ع) قال:
(قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان عدد جميع الأنبياء مئة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي، خمسة منهم أُولوا العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد صلّى الله عليه وآله وعليهم).
(البحار: ج١١، كتاب النبوّة / الخصال: باب الخمسة: ص٢٧٣)
(٣) عن سماعة قال:
قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) قوْل الله تعالى: ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) .
فقال: (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد، صلوات الله عليهم وعلى جميع الأنبياء ورسله.
قلتُ: كيف صاروا أولي العزم؟
قال: إنّ نوحاً بُعث بكتابٍ وشريعةٍ، فكلّ نبي جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه، حتّى جاء إبراهيم بالصحف وبعزيمةِ ترْكِ كتاب نوح، لا كفراً به، فكلّ نبي جاء بعد إبراهيم أخذ بشريعته ومنهاجه وبالصحف، حتّى جاء موسى بالتوراة وبعزيمةِ تركِ الصحف، فكلّ نبي جاء بعد موسى أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه، حتّى جاء عيسى بالإنجيل وبعزيمة ترْكِ شريعة موسى ومنهاجه، فكلّ نبي جاء بعد عيسى أخذ بشريعته ومنهاجه، حتّى جاء محمّد (ص) بالقرآن وشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء أولو العزم من الرسل).
(من محاسن البرقي / البحار: ج١١، كتاب النبوّة، ص١١)
(٤) قال العلاّمة السيّد هاشم البحراني:
روى الشيخ محمّد بن الحسن الصفّار في بصائر الدرجات، بإسناده مرفوعاً عن عمر بن يزيد البياع السابري، قال:
قال أبو عبد الله: (بينا رسول الله(ص) ذات يوم جالساً إذ أتاه رجل طويل كأنّه نخلة، فسلّم، فردّ عليه وقال له: شبه الجنّ وكلامهم، فمَن أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا الهام بن الهيم بن لاقيس بن إبليس. فقال رسول الله(ص) : يا هام، مَن وجدتم في الكتاب وصي آدم؟ فقال: شيث بن آدم. قال: فمَن كان وصي نوح؟ قال: سام بن نوح. قال: فمَن كان وصي هود؟ قال: يوحنّا بن حنان، عم هود. قال: فمَن كان وصي إبراهيم؟ قال: إسحاق بن إبراهيم. قال: فمَن كان وصي موسى؟ قال: يوشع بن نون. قال: فمَن كان وصي عيسى؟ قال: شمعون بن حمون الصفا، ابن عمّ مريم) - الحديث -.
(مدينة المعاجز: ص١٨)
(٥) وقال: روى هذا الحديث بالإسناد مرفوعاً عن الحسين عن جدّه رسول الله (ص)، قال:
(يا هام، مَن كان وصي آدم؟ قال: شيث. قال: فمَن وصيّ شيث؟ قال أَنُوش. قال: فمَن وصيّ أَنُوش؟ قال: قينان. قال: فمَن وصيّ قَيْنَان؟ قال: مهلائيل. قال فمَن كان وصيّ مَهْلاَئِيْل؟ قال: أدّ (يارد). قال: فمَن وصيّ أدّ (يارد)؟ قال: النبي المرسل إدريس. قال فمَن وصيّ إدريس؟ قال: مَتوشَلَخِ. قال: فمَن وصيّ مَتوشَلَخِ؟ قال: لَمَك. قال فمَن وصيّ لَمَك؟ قال: أبوك نوح. قال: فمَن وصيّ نوح؟ قال: سام. قال: فمَن وصيّ سام؟ قال: أَرْفَخْشِد.
قال: فمَن وصيّ أَرْفَخْشِد؟ قال: غابر (هود). قال: فمَن وصيّ غابر؟ قال: شالَخ. قال: فمَن وصيّ شالخ؟ قال: قالع. قال: فمَن وصيّ قالع؟ قال: اشروع. قال: فمَن وصيّ اشروع؟ قال: أَرْغُو. قال: فمَن وصيّ أَرْغُو؟ قال: تاخور. قال: فمَن وصيّ تاخور؟ قال: تارَخ. قال: فمَن وصيّ تارَخ؟ قال: لم يكن له وصيّ، بل أخرج الله تعالى من صلبه إبراهيم خليل الله. قال: صدقت يا هام. قال: فمَن وصيّ إبراهيم؟ قال: إسماعيل. قال: فمَن وصيّ إسماعيل؟ قال قيدار. قال: فمَن وصيّ قيدار؟ قال: تبت. قال: فمَن وصيّ تبت؟ قال: حمل. قال: فمَن وصي حمل. قال: لم يكن له وصيّ حتّى أخرج الله تعالى من إسحاق يعقوب.
قال: صدقتَ يا هام، لقد سبقت الأنبياء والأوصياء، وقال: فوصيّ يعقوب يوسف، ووصيّ يوسف موسى، ووصيّ موسى يوشع بن نون، ووصي يوشع داود، ووصيّ داود سليمان، ووصيّ سليمان آصف بن برخيا، ووصيّ عيسى شمعون الصفا) - الحديث -.
(مدينة المعاجز: ص١٨)
(٦) روى العلاّمة السيّد ابن طاووس في كتابه اليقين في إمرة أمير المؤمنين (ع):
بإسناده مرفوعاً عن الفضل بن الربيع، أنّ المنصور كان قبل الدولة كالمنقطع إلى جعفر بن محمّد عليهما السلام.
قال: سألتُ جعفر بن محمّد بن علي (ع) على عهد مروان الحمار عن سجدة الشكر التي سجدها أمير المؤمنين، ما كان سببها؟
فحدّثني عن أبيه محمّد بن علي قال: (حدّثني أبي علي بن الحسين
عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال له رسول الله(ص) : أَلاَ أُبشّرك يا أبا الحسن؟
قال: فداك أبي وأمي، فكم مِن خير بشّرت به.
قال: إنّ جبرئيل هبط عليّ في وقت الزوال فقال لي: يا محمّد (ص)، إنّه نجامن ذرِّيّة آدم مَن تولّى شيث بن آدم وصي أبيه آدم بشيث، ونجا شيث بأبيه آدم، ونجا آدم بالله تعالى.
يا محمّد، ونجا مَن تولّى سام بن نوح، وصي أبيه نوح بسام، ونجا سام بنوح، ونجا نوح بالله تعالى.
يا محمّد، ونجا مَن تولّى إسماعيل بن إبراهيم خليل الله وصي أبيه إبراهيم بإسماعيل، ونجا إسماعيل بإبراهيم، ونجا إبراهيم بالله تعالى.
يا محمّد، ونجا مَن تولّى يوشع بن نون وصي موسى بيوشع، ونجا يوشع بموسى، ونجا موسى بالله تعالى.
يا محمّد، ونجا مَن تولّى شمعون الصفا وصي عيسى بشمعون، ونجا شمعون بعيسى، ونجا عيسى بالله تعالى.
يا محمّد، ونجا مَن تولّى عليّاً وزيرك في حياتك ووصيّك بعد وفاتك بعلي، ونجا علي بك، ونجوتَ أنت بالله عزّ وجل... فسجد علي وجعل يقبّل الأرض شكراً لله تعالى).
(البحار: جلد ٣٥، ب١، ص٢٦)
كانت أوصياء عيسى أنبياء
(٧) روى شيخنا الصدوق:
بإسناده مرفوعاً عن أبي رافع، قال: قال رسول الله (ص):
(إنّ جبرئيل نزل عليّ بكتاب فيه خبر الملوك، ملوك الأرض قبلي، وخبر مَن بُعث قبلي مِن الأنبياء والمرسلين (بقدر الحاجة) قال: بعث الله عزّ وجل عيسى بن مريم عليه السلام واستودعه النور والعلم والحكم وعلوم جميع الأنبياء فيه، وزاده الإنجيل.
إلى أنْ قال:
فلمّا أراد أنْ يرفعه إليه أوحى إليه استودع نور الله وحكمته وعلم كتابه شمعون الصفا بن حمون، خليفة على المؤمنين، ففعل ذلك.
إلى أنْ قال:
وبعث الله تعالى في عباده نبيّاً من الصالحين وهو يحيى بن زكريّا، فمضى شمعون.
إلى أنْ قال:
ولمّا أراد الله عزّ وجل أنْ يقبضه أوحى إليه أنْ يجعل الوصيّة في وُلد شمعون، ويأمر الحواريّين وأصحاب عيسى بالقيام معه، ففعل ذلك.
إلى أنْ قال:
وعلم الله، ونوره، وتفصيل حكمته، في ذرِّيّة يعقوب بن شمعون(دانيال) ، ومعه الحواريون من أصحاب عيسى.
إلى أنْ قال:
بعث الله عزّ وجل العُزَيْر نبيّاً إلى أهل القرى التي أمات الله عزّ وجل أهلها، ثمّ بعثهم له.
إلى أنْ قال:
فلمّا أراد الله تعالى أنْ يقبض دانيال، أمره أنْ استودِع نور الله وحكمته مكيخا بن دانيال، ففعل ذلك.
إلى أنْ قال:
فلمّا أراد الله عزّ وجل أنْ يقبضه، أوحى إليه في منامه أنْ استودِع نور الله وحكمته
ابنه انشو بن مكيخا.
إلى أنْ قال:
بعث الله الفتية أصحابَ الكهف والرقيم، ووَلِيَ أمر الله يومئذ في الأرض دسيخا بن انشو بن مكيخا.
إلى أنْ قال:
فلمّا أراد الله عزّ وجل أنْ يقبض دسيخا، أوحى إليه في منامه أنْ استودع علم الله ونوره وحكمته نسطورس بن دسيخا، ففعل ذلك.
إلى أنْ قال:
فلمّا أراد الله عزّ وجل أنْ يقبضه، أوحى إليه في منامه أنْ استودع نور الله وحكمته وكتبه مرعيدا.
إلى أنْ قال:
فلمّا أراد الله عزّ وجل أنْ يقبض مرعيدا، أوحى إليه في منامه أنْ استودع نور الله وحكمته بحيرا الراهب، ففعل. - الحديث -.
(إكمال الدين: ب٢٢، ص٢١٨)
(٨) قال شيخنا الصدوق:
إنّ الرسل الذين تقدّموا قبل عصر نبيّنا صلّى الله عليه وآله كان أوصياؤهم أنبياء، فكلّ وصي قام بوصيّةٍ حجّة تَقدَّمه مِن وقت وفاة آدم عليه السلام، إلى عصر نبيّنا صلّى الله عليه وآله كان نبيّاً،وذلك:
- مِثل وصيّ آدم كان شيث ابنه، وهو هبة الله في علم آل محمّد صلّى الله عليه وآله، وكان نبيّاً.
- ومِثل وصيّ نوح عليه السلام كان سام ابنه، وكان نبيّاً.
- ومِثل إبراهيم عليه السلام كان وصيّه إسماعيل ابنه، وكان نبيّاً.
- ومِثل موسى عليه السلام كان وصيّه يوشع بن نون، وكان نبيّاً.
- ومِثل عيسى عليه السلام كان وصيّه شمعون الصفا، وكان نبيّاً.
- ومثل داود عليه السلام كان وصيّه سليمان عليه السلام ابنه، وكان نبيّاً.
- وأوصياء نبيّنا عليهم السلام لم يكونوا أنبياء؛ لأنّ الله عزّ وجل جعل محمّداً خاتماً لهذه الأمم، كرامة له وتفضيلاً، فقد تشاكلتْ الأئمّة والأنبياء بالوصيّة كما تشاكلوا فيما
قدّمنا ذكره مِن تشاكلهم، فالنبي وصي، والإمام وصي، والوصي إمام والنبي إمام، والنبي حجّة والإمام حجّة.
(إكمال الدين: ب١، ص٣٦)
(٩) قال العلاّمة المجلسي:
يظهر من الأحاديث المتواترة:
- أنّ آباء النبي (ص) وأجداده كانوا كلّهم أنبياء، وأوصياء، وحَمَلَة دين الله.
- وهم بنو إسماعيل أوصياء إبراهيم.
- ولم يزالوا رؤساء مكّة، ويتعلّق بهم تعمير الكعبة وحجابته.
- ولم تُنسخ فيهم شريعة إبراهيم بشريعة موسى، ولا بشريعة عيسى.
- وأنّهم كانوا كلّهم حفظة شريعة إبراهيم، ويوصي بها بعضهم بعضاً.
- ويستودع بعضهم بعضاً كتبَ الأنبياء وودائعهم وأماناتهم مِن لدن إسماعيل إلى عبد المطّلب.
- حتّى استودع عبد المطّلب إيّاها كلّها أبا طالب، ونصّبه وصيّه وهو وصيّه.
- واستودع أبو طالب كُتبَ الأنبياء وآثارهم وودائعهم وأماناتهم النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) بعد مبعثه.
(حياة القلوب: ج٢، فصل٣)
فقد ظهر من هذه الأحاديث وتحقيق المجلسي والصدوق:
- أنّ أوصياء الرسل كانوا أنبياء.
- وأنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي كانوا كلّهم أنبياء وأوصياء إبراهيم، لا سيّما أبا طالب عبد مناف كان وصي إبراهيم.
- وظهر أنّ كلّ وصيِّ رسولٍ كان نبيّاً، ولم يجعل غير نبي وصيّ رسول.
- فظهر أنّ أبا طالب عبد مناف كان نبيّاً.
* باب النبوّة:
عدد الأنبياء وأُولي العزم منهم (عليه السلام)
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) .
(سورة المؤمن: آية: ٧٨)
(١) قال الديار بكري:
قيل: يا رسول الله كم النبيّون؟
قال: (مئة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي.
قلتُ: كم المرسلون منهم؟
قال: ثلاثمئة وثلاث عشر جمّاً غفيراً) - الحديث -.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٧)
(٢) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):
(كان عدد جميع الأنبياء(عليه السلام) مئة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي، خمسة منهم أولو العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد، صلّى الله عليه وآله).
(البحار: ج١١، كتاب النبوّة، ص٢٢)
كانت الأنبياء (عليه السلام) مسلم ين
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ... وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .
(سورة يونس:٧١ - ٧٢).
( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
(سورة آل عمران: آية: ٦٧).
( وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ) .
(سورة المائدة: آية: ٤٤).
( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
(سورة الأنعام: آية: ١٤).
فريضة الأنبياء (ع) دعوة التوح يد
(١) ( يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ) .
(سورة النحل: آية: ٢)
(٢) ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ) .
(سورة الأنبياء: آية: ٢٥).
النبي نبيّان: رفيع المرتبة والداعي إلى الله
* قال الشهيد الثاني (ره):
النبيء - بالهمز - من النبأ: وهو الخبر؛ لأنّ النبي مُخبِر عن الله تعالى، (يعني هو الرسول من الله تعالى).
وبلا همز: وهو الأثر من النَبْوَة - بفتح النون وسكون الباء - إي الرفعة؛ لأنّ النبي
مرفوع الرتبة على غيره من الخلق.
(شرح اللمعة)
فقد ظهر من هذا البيان أنّ النبي نبيّان:
-النبي من النبأ: هو الداعي إلى الله.
-والنبي من النبوّة: رفيع المرتبة على غيره من الخلق.
فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا أنبياء، أرفع المرتبة على غيرهم.
إقرارنا بهذه النبوّة لآباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام)
* قال العلاّمة المجلسي (ره) في زاد المعاد:
- قال الشيخ المفيد، والشهيد، والسيّد ابن طاووس في زيارة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):
(أشهد يا رسول الله أنّك كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة).
- وفي زيارة الوارث للإمام الحسين (عليه السلام):
(يا مولاي يا أبا عبد الله، أشهد أنّك كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة).
(مفاتيح الجنان)
* قال المحقّق فخر الدين الطريحي:
الشمخ: هو العلو والرفعة، ومنه شَمَخَ بأنْفِهِ أي ارتفع وتكبَّر، ومنه الأصلاب الشامخة أي العالية.
(مجمع البحرين: باب الخاء: ص١٨٤)
فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا أعلى وأرفع رتبة على غيرهم، فهم كانوا أنبياء.
اعتقاد الخاصّة في آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام)
* قال الشيخ الصدوق:
اعتقادنا في آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّهم مسلمون من آدم إلى عبد الله، وأنّ أبا طالب كان مسلماً، وآمنة بنت وهب كانت مسلمة.
(رسالة الصدوق في الاعتقادات)
* وقال الشيخ الكراجكي:
وإنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب كانوا جميعاً مؤمنين، موحّدين لله تعالى، عارفين بالله تعالى، وكذلك كان أبو طالب بن عبد المطّلب.
(كنز الفوائد: ص١١٠)
* وقال العلاّمة المجلسي (ره):
اتّفقتْ الإماميّة على أنّ والد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكل أجداده إلى آدم كانوا مسلمين.
(البحار: ج١٥، ص٤٠)
اعتقاد العامّة في آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)
* قال الإمام السيوطي:
إنّ أبوي النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كانا على التوحيد ودين إبراهيم، وزاد: إنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - كلّهم إلى آدم - كانوا على التوحيد، لم يكن فيهم شرك.
قال:
فما يدلّ على أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ما كانوا مشركين، قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات).
وقال الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )
(سورة التوبة: آية: ٢٨)
فوجب أنْ لا يكون أحد من أجداده (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مشركاً.
قال:
ومن ذلك قوله تعالى: ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ )
(سورة الشعراء: آية: ٢١٨ - ٢١٩)
معناه: أنّه كان يُنقل نوره من ساجد إلى ساجد.
قال:
وبهذا التقرير فالآية دالّة على أنّ جميع آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كانوا مسلمين.
وقال:
وحينئذ يجب القطع بأنّ والد إبراهيم ما كان من الكافرين، وأنّ آزر لم يكن والده وإنّما ذلك عمّه، أقصى ما في الباب أنْ يُحمل قوله:( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) على وجوه أُخرى.
فإذا وردتْ الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، وبذلك ثبت أنّ والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان، وأنّ آزر لم يكن والده بل كان عمّه - انتهى ملخّصاً - ووافقه على الاستدلال بالآية الثانية - بهذا المعنى - الإمامُ الماوردي، صاحب الحاوي الكبير، من أئمّة أصحاب الشافعي.
* وقال الديار بكري:
وقد وجدت ما يعضد هذه المقالة من الأدلّة ما بين مجمل ومفصّل:
* فالمجمل دليله مركّب من مقدّمتين:
-إحداهما: أنّ الأحاديث الصحيحة دلّت على أنّ كلّ أصل من أصوله من آدم إلى أبيه خير أهل زمانه.
-والثانية: أنّ الأحاديث والآثار دلّت على أنّه لم تخلُ الأرض من عهد نوح إلى بعثة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من ناس على الفطرة - يعني على الإسلام -، يعبدون الله تعالى ويوحّدونه ويصلّون له، وبهم تُحفظ الأرض، ولولاهم هلكتْ الأرض ومَن عليها.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٢٣٤)
وقال:
وأمّا آزر، فالأرجح كما قال الرازي: إنّه عمُّ إبراهيم لا أبوه، وقد سبقه إلى ذلك جماعة من السلف، فروينا بالأسانيد عن
ابن عبّاس، ومجاهد، وابن جرير، والسدي، قالوا:
ليس آزر أبا إبراهيم، إنّما هوإبراهيم بن تارَخ ، ووقف على أثر في تفسير ابن المنذر، صرّح فيه بأنّه عمّه.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٢٣٦)
فقد ظهر من اتفاق الفريقَين: على أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي - من لدن آدم (عليه السلام) إلى عبد الله - كانوا مسلمين، إلاّ أبو طالب كان مسلماً عند الخاصّة:
* فإنّ المسلمين على ثلاثة أنواع: حقيقي، وتحقيقي، وتقليدي.
١ -فأمّا الحقيقي:
فهم المسلمون الذين جعلهم الله تعالى مسلمين داعين إلى الإسلام فطرة، فهم كانوا أنبياء.
٢ -وأمّا التحقيقي:
فهم المسلمون الذين جعلهم الله تعالى مدعوّين إلى الإسلام فطرةً، فلمّا قبلوا دعوة الإسلام صاروا مسلمين، فهم غير الأنبياء، جعلهم الله مدعوّين إلى الإسلام.
٣ -وأمّا التقليدي:
فهم المسلمون الذين صاروا مسلمين؛ لتقليد آبائهم المسلمين حقيقيّاً أمْ تحقيقيّاً، فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا مسلمين حقيقيّاً، يعني كانوا أنبياء، كما كانت أنبياء بني إسرائيل مسلمين ويحكم بها النبيّون الذين أسلموا.
(سورة المائدة: آية: ٤٤)
تفهيم الموحّدين
* قال بعض المفسّرين، منهم ابن عبّاس وعكرمة:
( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) : في أصلاب الموحّدين مِن نبي إلى نبي، حتّى أخرجك نبيّاً.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٥٦)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ المراد من الموحّدين نبيّون؛ لأنّ لفظة(مِن) في(مِن نبي إلى نبي) تبيينيّة أي تفسيريّة، فيكون تقريره ويرى تقلّبك في أصلاب النبيّين مِن نبي إلى نبي (نبيّاً بعد نبي).
* فاعلم أنّ الموحّدين على ثلاثة أنواع: حقيقي، وتحقيقي، وتقليدي.
١ - فأمّا الحقيقي:
فهم الموحّدون الذين خلقهم الله تعالى موحّدين أي ساجدين لله، فهم كانوا موحّدين حقيقيّاً فطريّاً تخلّقيّاً تكوينيّاً.
٢ - وأمّا التحقيقي:
فهم الموحّدون الذين لم يخلقهم الله تعالى موحّدين لله أي ساجدين، فإنّهم لمّا قبلوا دعوة الإسلام تحقيقاً فصاروا موحّدين تحقيقيّاً.
٣ - وأمّا التقليدي:
فهم الموحّدون الذين صاروا موحّدين، يعني ساجدين لله تقليداً لآبائهم الموحّدين، فهم الموحّدون تقليديّاً كأولاد الموحّدين الحقيقيّين والتحقيقيّين والتقليديّين، وإنّ الله تعالى لم يخلق موحّدين له حقيقيّاً إلاّ:
- الأنبياء.
- والمرسلين.
- والخمسة النجباء.
- والأئمّة المعصومين.
فالموحّد الحقيقي لا يكون إلاّ نبيّاً أو رسولاً أو إماماً معصوماً، فهم الساجدون حقيقيّاً فطرةً وخلقةً، فظهر أنّ آباء النبي صلَّى الله عليه وآله والولي كانوا - من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب - موحّدين حقيقيّين أي نبيّين - تخلّقيّاً فطرةً حقيقيّاً.
* باب البراهين:
البرهان القوي على نبوّة
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام)
( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
(سورة البقرة: آية: ٣٨)
( يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
(سورة الأعراف: آية: ٣٥)
( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) .
(سورة البقرة: آية: ٢١٣)
فقد ظهر من هذه الآيات: أنّ الله تعالى أرسل الهداة النبيّين المرسلين مبشّرين ومنذرين، يعني داعين إلى توحيده من لدن آدم.
* قال الطبري والسيوطي، مرفوعاً عن أبي العالية، في قوله تعالى: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) ، قال:
الهدى: الأنبياء، والرسل، والبيان.
(تفسير الدرّ المنثور: ج١ / والطبري)
* وقال الطبري:
وإنّما قلنا إنّ ذلك هو الواجب على التأويل الذي ذكرناه عن أبي العالية؛ لأنّ آدم كان هو النبي أيّام حياته، بعد أنْ أُهبط إلى الأرض، والرسول من الله إلى ولده.
(تفسير الطبري: ج١، ص١٩٥)
* وقال الطبري مرفوعاً عن مجاهد قوله تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) قال:
آدم، وقال: كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء (عليهم السلام).
(تفسير الطبري: ج٢، ص١٩٥)
* وقال السيوطي: أخرج ابن أبي نعيم عن ابن جريج، قال:
كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء.
(الدرّ المنثور: ج١، ص٢٤٣)
فقد ظهر من تفسير العامّة أنّ عشرة أنبياء كانوا من لدن آدم إلى نوح.
* وروى شيخنا الصدوق: بإسناده عن أبي حمزة قال:
قال الإمام محمّد الباقر (عليه السلام): (كان بين آدم ونوح عشرة آباء، كلّهم أنبياء الله).
(إكمال الدين: ص٢١٠)
فقد ظهر من حديث المعصوم: أنّهم عشرة آباء من لدن آدم إلى نوح، كانوا كلّهم أنبياء الله.
عشرة أنبياء كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام)
آدم، شيث، أَنُوش، قينان، مهلائيل، يارد، إدريس، مَتوشَلَخِ، لَمَك، نوح.
فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) - مِن لدن آدم إلى
نوح - كانوا كلّهم أنبياء الله.
البرهان الجلي على نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام)
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) .
(سورة الحديد: آية: ٢٦)
( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ) .
(سورة النساء: آية: ١٦٣)
فقد ظهر من هاتين الآيتين:
أنّ الله عزّ وجل جعل النبيّين، أي داعين إلى الله تعالى من ذرِّيَّة نوح وغيره إلى إبراهيم.
* وقال الإمام (عليه السلام):
(وليس بعد سام (رسول) إلاّ هود).
* وقال:
(وكان بين هود وإبراهيم من الأنبياء عشرة آباء).
(إكمال الدين: ب٢٢، ص٢٩)
فقد ظهر من حديث المعصوم:
أنّهم عشرة آباء - من لدن نوح إلى إبراهيم - كانوا كلّهم أنبياء الله.
عشرة أنبياء كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام)
١ - سام، ٢ - أَرْفَخَشِد، ٣ - هود، ٤ - فالَغ، ٥ - شالخ، ٦ - أَرْغُو، ٧ - سروع، ٨ - نَاحُور، ٩ - تارَخ، ١٠ - إبراهيم.
فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) - من لدن نوح إلى إبراهيم - كانوا أنبياء الله.
البرهان الكشّاف عن نبوّة
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي الأشراف (عليه السلام)
( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ ) .
(سورة مريم: آية: ٥٨)
فقد ظهر من هذه الآية:
أنّ الله جعل النبيّين - أي الداعين إلى الله تعالى - من ذرِّيَّة إبراهيم، وجعل النبيين - أي الداعين إلى الله تعالى - من ذرِّيَّة إسرائيل.
كانت الأنبياء من ذرِّيّة إبراهيم بمكّة
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ) .
(سورة الزخرف: آية: ٢٦ - ٢٩)
تفسير العام ّ ة والخاصّة
١ - أخرج عبد بن حميد عن ابن عبّاس ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً ) قال:
لا إله إلاّ الله( فِي عَقِبِهِ ) ، قال: عقب إبراهيم ولده.
٢ -وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال:
الإخلاص والتوحيد لا يزال في ذرِّيّته مَن يقولها من بعده.
(الدرّ المنثور)
٣ -قال الزمخشري:
( فِي عَقِبِهِ ) : في ذرِّيّته، فلا يزال فيهم مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده لعلّ مَن أشرك منهم بدعاء مَن وحّد منهم.
( بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ ) : يعني أهل مكّة.
(الكشّاف)
٤ - قال البيضاوي:
( كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) : في ذرِّيّته فيكون فيهم أبداً مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) : يرجع من أشرك منهم بدعاء مَن وحّده.
( بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ ) : هؤلاء المعاصرين للرسول من قريش.
(البيضاوي)
٥ -قال الطنطاوي:
( كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) : في ذرِّيّته، فيكون فيهم أبداً مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) : أي يرجع مَن أشرك منهم بدعاء مَن وحّده.
( بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ ) : يعني أهل مكّة، وهم مِن عقب إبراهيم...
وجريت على عادتي أنْ أجعل في بني إبراهيم مَن يوحّد الله، ويدعو مَن كفر منهم لعلّه يرجع، فاخترتُ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ليدعو هؤلاء فقالوا: هذا سحر.
(تفسير الطنطاوي)
٦ -قال الرازي:
( فِي عَقِبِهِ ) : في ذرِّيّته، فلا يزال فيهم مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) : لعلّ مَن أشرك منهم يرجع بدعاء مَن وحّد منهم.
(الكبير: ج٦)
٧ -قال النيسابوري:
( بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) : فلا يزال في ذرِّيّته مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده.
( لَعَلَّهُمْ ) : أي لعلّ مَن أشرك منهم يرجع
إلى التوحيد، أو عن الشرك بدعاء الموحّدين منهم.
(غرائب القران: ج١١)
٨ - قال الطبري:
وقوله:( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) : وهو قول: لا إله إلاّ الله باقية في عقبة، وهم ذرِّيّته، فلم يزل في ذرِّيّته مَن يقول ذلك مِن بعده.
وقال: مرفوعاً عن ابن الشهاب أنّه كان يقول: العقب الولد، وولد الولد.
وقال: مرفوعاً عن سعيد عن قتادة( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال: شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، والتوحيد لم يزل في ذرِّيَّته مَن يقولها مِن بعده.
وقال: مرفوعاً عن معمر عن قتادة( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال: التوحيد والإخلاص لا يزال في ذريّة مَن وحّد الله ويعبده.
(تفسير الطبري: ج١١)
٩ - قال الشوكاني:
الضمير في( وَجَعَلَهَا ) عائد إلى قوله:( إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي ) : وهي بمعنى كلمة التوحيد، كأنّه قال: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، وهم ذرِّيّته، فلا يزال فيهم مَن يوحّد الله.
(فتح القدير)
١٠ -قال ابن كثير:
وهذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلْع ما سواه من الأوثان، وهي: لا اله إلاّ الله، أي جعلها دائمة في ذرِّيّته يَقتدي به فيها مَن هداه الله مِن ذرِّيّة إبراهيم (عليه السلام)، لعلّهم يرجعون إليها.
(تفسير ابن كثير)
١١ -قال الفيض (ره):
( فِي عَقِبِهِ ) : أي في ذرِّيّته؛ ليكون فيهم
- أبداً - مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده، ويكون إماماً وحجّة على الخلائق.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) : يرجع مَن أشرك منهم بدعاء مَن وحّده.
(تفسير الصافي)
١٢ - قال الطباطبائي:
( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) : الظاهر أنّ الضمير الفاعل المستتر(هو) في( جَعَلَهَا ) لله سبحانه، والضمير البارز(ها) على ما قيل لكلمة البراءة التي تكلّم بها إبراهيم (عليه السلام)، ومعناها معنى كلمة التوحيد، فإنّ مفاد(لا إله إلاّ الله) : نفي الآلهة غير الله، وإنّ المراد بـ( عَقِبِهِ ) : ذرِّيّته وولده، وإنّ المراد ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوّهم عن الموحّد ما داموا.
(تفسير الميزان)
كانت أنبياء بني إسماعيل بمكّة
فقد ظهر من هذه الآية وتفسيرها من الفريقَين:
أنّ الله عزّ وجل جعل النبيِّين أي الداعين إلى الله تعالى مِن ذرِّيّة إبراهيم بمكّة، مِن لدن إسماعيل إلى نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
* قال الديار بكري:
لم يمت إبراهيم حتّى بعث الله إسحاق إلى أرض الشام، وبعث يعقوب إلى أرض كنعان، وإسماعيل إلى جُرْهُم وقبائل اليمن وإلى العماليق،ولوطاً إلى سدوم، وكانوا أنبياء على عهد إبراهيم.
(تاريخ الخميس: ص١٣٠)
فظهر أنّ إسماعيل كان نبيّاً ورسولاً إلى جُرْهُم (أهل مكّة)، فكانت الأنبياء من ذرِّيّة إبراهيم بطريق إسماعيل بمكّة، ويوحّدون الله عزّ وجل، ويدعون إلى الإسلام، حتّى جاء نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
وقال الإمام [ الباقر]:
(فجرى بين كلّ نبي ونبي -يعني بين نبيّين - عشرة آباء، وتسعة آباء، وثمانية آباء، كلّهم أنبياء).
قوله: بين كلّ نبي ونبي عشرة آباء... كلّهم أنبياء:
إسماعيل نبيّ اللّه
١ - قيدار، ٢ - حمل، ٣ - نبت، ٤ - سلامان، ٥ - الهميسع، ٦ - اَلّيْسَع، ٧ - أَدّ، ٨ - أَدد، ٩ - عدنان، ١٠ - معد.
***
قوله (عليه السلام): (وبين كلّ نبي ونبي... تسعة آباء، كلّهم أنبياء):
نزار نبيّ اللّه
١ - مُضَر، ٢ - إلياس، ٣ - مدركة، ٤ - خُزَيْمَة، ٥ - كِنَانَة، ٦ - نضر، ٧ - مالك، ٨ - فِهْر، ٩ - غَالِب.
***
قوله (عليه السلام): (وبين كلّ نبي ونبي... ثمانية آباء، كلّهم أنبياء):
لؤي نبيّ اللّه
١ - كعب، ٢ - مرّة، ٣ - كلاب، ٤ - قصي، ٥ - عبد مناف، ٦ - هاشم، ٧ - عبد المطّلب، ٨ - عبد الله.
(إكمال الدين: ب٢٢، ص٢١٠)
أبو طالب نبي اللّه
فقد ظهر من حديث المعصوم:
أنّهم بين نبيّين عشرة آباء، وتسعة آباء، وثمانية آباء، كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي، من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب، أنبياء الله تعالى.
كان أنبياء بني إسرائيل في غير مكّة
* وقال الإمام [الباقر] (عليه السلام):
(إنّ الأنبياء بعثوا خاصّة وعامّة.
إلى أنْ قال:
وأمّا يعقوب كانت نُبوّته بأرض كنعان، والرؤيا التي رأى يوسف.
إلى أنْ قال:
وكانت نبوّته في أرض مصر بدؤها.
ثمّ إنّ الله أرسل الأسباط اثني عشر رجلاً بعد يوسف.
ثمّ موسى وهارون إلى فرعون ومَلَئِهِ إلى مصر وحدها.
ثمّ إنّ الله أرسل يوشع بن نون إلى بني إسرائيل بعد موسى، فنبوّته بدؤها في البَرِّيَّة التي تاه فيها بنو إسرائيل.
ثمّ كان أنبياء كثيرة منهم مَن قصّه الله على محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، ومنهم مَن لم يقصصهم على محمّد (صلَّى الله عليه وآله).
ثمّ إنّ الله أرسل عيسى إلى بني إسرائيل خاصّة، وكانت نبوّته بيت المقدس.
وكانت من بعده الحواريّون اثني عشر رجلاً، فلم يزل الإيمان يستتر في بقيّة أهله منذ رفع الله عيسى إلى السماء.
ثمّ أرسل الله عزّ وجل محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) إلى الجنّ والإنس عامّة).
(إكمال الدين: ب٢٢، ص٢١٣)
* وروى بإسناده عن إسماعيل بن أبي رافع عن أبيه أبي رافع، قال:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):
(إنّ جبرئيل نزل عليّ بكتابٍ فيه خبر الملوك، ملوك الأرض قبلي، وخبر مَن بُعث قبلي من الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، وهو حديث طويل أخذنا منه شطراً:
بعث الله عيسى بن مريم، وبعثه إلى بيت المقدس إلى بني إسرائيل، فلمّا أراد أنْ يرفعه أوحى إليه أنْ استودع نورَ الله وحكمته وعِلْم كتابه شمعون بن حمون الصفا، خليفته على المؤمنين، ففعل ذلك.
وبعث في عباده نبيّاً من الصالحين، وهو يحيى بن زكريّا، فمضى شمعون، ولمّا أراد الله أنْ يقبضه أوحى إليه أنْ يجعل الوصيّة في وُلد شمعون، ويأمر الحواريّين وأصحاب عيسى بالقيام معه، ففعل ذلك........ وعلم الله ونوره وتفصيل حكمته في(دانيال) ذرِّيّة يعقوب بن شمعون، ومعه الحواريّون من أصحاب عيسى.
فلمّا أراد الله أنْ يقبض دانيال، أمره أنْ استودع نور الله وحكمته مكيخا بن دانيال، ففعل ذلك.
فلمّا أراد الله أنْ يقبضه، أوحى الله في منامه أنْ استودع نور الله وحكمته ابنَه انشو بن مكيخا، وملك بعد ذلك أردشير أخو سابور سنتين، وفي زمانه بعث الله الفتية أصحاب الكهف والرقيم، وولي أمر الله يومئذٍ في الأرض دسيخا بن انشو بن مكيخا.
ولمّا أراد الله أنْ يقبض دسيخا، أوحى إليه في منامه أنْ استودع علم الله ونوره وتفصيل حكمته نسطورس بن دسيخا، ففعل ذلك.
فلمّا أراد الله أنْ يقبضه، أوحى إليه في منامه أنْ استودع نور الله وحكمته ومكتبه مرعيدا.
فلمّا أراد الله أنْ يقبض مرعيدا، أوحى إليه في منامه أنْ استودع نور الله وحكمته
بحيرا الراهب، ففعل ذلك) - الحديث -.
(إكمال الدين: ب٢٢، ص٢١٨)
فقد ظهر من هذا الحديث أنّ الله عزّ وجل جعل النبيّين - أي الداعين إلى الله تعالى مِن ذرِّيّة إبراهيم من بني إسحاق وإسرائيل - في غير مكّة إلى نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
البرهان الوصّاف
في نبوة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي الأسلاف
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ ) .
(سورة النساء: آية: ١٦٣)
* قال العلاّمة الفيض الكاشاني:
يعني أوحينا الصحف والأسباط (أحفاد يعقوب).
(تفسير الصافي)
* وقال: عن الباقر أنّه سُئل: هل كان وُلد يعقوب أنبياء؟
قال: (لا، ولكنّهم كانوا أسباطاً أولاد الأنبياء).
(تفسير العيّاشي / تفسير الصافي)
وقال: عن الصادق (عليه السلام):
(.......إلى أنْ قال: حتّى جاء إبراهيم بالصحف، وبعزيمة ترْك كتاب نوح لا كفراً به، فكلّ نبي جاء بعد إبراهيم أخذ بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف.
حتّى جاء موسى بالتوراة وبشريعته ومنهاجه، وبعزيمة ترك الصحف، فكلّ نبي جاء بعد موسى أخذ بالتوراة وبشريعته ومنهاجه.
حتّى جاء المسيح بالإنجيل، وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه، فكلّ نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه.
حتّى جاء محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالقرآن وبشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة،
فهؤلاء أولوا العزم من الرسل).
(الكافي / تفسير الصافي / سورة الأحقاف)
فقد ظهر من حديث إمامنا الباقر: أنّ الأسباط لم يكونوا أنبياء.
وقد ظهر من حديث إمامنا الصادق: أنّ الأنبياء كانوا بعد إبراهيم، الذين كانوا يعملون بشريعته ومنهاجه وبصحفه، فجعلهم الله تعالى أتباعه، وأوحى إليه الصحف بغير واسطة بشر، وأوحى الصحف إلى أتباعه بواسطة إبراهيم
كان أهل الشريعة قبل نبيّنا (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فرقتَين
* قال العلاّمة الشهرستاني:
الخارجون عن الملّة الحنيفيّة والشريعة الإسلاميّة ممّن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام، وهم قد انقسموا:
- إلى مَن له كتاب محقّق مثل: التوراة، والإنجيل...
- والى مَن له شبهة كتاب مثل: المجوس، والمانويّة. فنحن نقدّم ذكر أهل الكتاب لتقدّمهم بالكتاب.
كان أهل الكتاب فرقتَين: مدنيّين ومكِّيِّين
* الفرقتان المقابلتان قبل المبعث هم أهل الكتاب والأمّيّون:
- وكانت اليهود والنصارى (أهل الكتاب) بالمدينة.
- والأمّيّون (أهل الكتاب) بمكّة. يعني هما كانا أهل الشريعة.
وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) كانوا ينصرون دين الأسباط ويذهبون مذهب بني إسرائيل، والأمّيّون كانوا ينصرون دين القبائل ويذهبون مذهب بني إسماعيل.
* ولمّا انشعب النور الوارد من آدم إلى إبراهيم، ثمّ الصادر عنه إلى شعبتَين:
١ - شعبة في بني إسرائيل.
٢ - وشعبة في بني إسماعيل.
- وكان النور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهراً، وكان النور المنحدر منه إلى بني إسماعيل مخفيّاً.
- وكان يُستدلّ على النور الظاهر بظهور الأشخاص وإظهار النبوّة في شخص، وكان يُستدلّ على النور المخفي بإبانة المناسك والعلامات وستر الحال في الأشخاص (شخصاً شخصاً).
- وقبلة الفرقة الأولى: بيت المقدس، وقبلة الفرقة الثانية: بيت الله الحرام الذي وُضع للناس ببكّة مباركاً وهدىً للعالمين.
- وشريعة الفرقة الأولى: ظواهر الإحكام، وشريعة الفرقة الثانية: رعاية المشاعر الحرام.
- وخصماء الفريق الأوّل: الكافرون، مثل: فرعون وهامان، وخصماء الفريق الثاني: المشركون، مثل: عبدة الأصنام.
فتقابل الفريقان وصحّ التقسيم.
(الملل والنحل: ج١، ب٢، ص٢٠٨)
فقد ظهر من هذا:
أنّ اليهود أهل التوراة أهل المدينة، وأنّ النصارى أهل الإنجيل أهل المدينة كانوا ينصرون دين الأسباط، وهم الأسباط أولاد يعقوب (إسرائيل)، فكان دينهم دين إبراهيم، وكانوا أوصيائه ومُتَّبِعِيْهِ في اليهود والنصارى أهل المدينة، وكانوا مراجعهم في المدينة.
* قال العلاّمة الشهرستاني:
ومن العجب أنّ في التوراة أنّ الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون إلى القبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أنّ في ذلك الشعب علماً لَدُنِيَّاً لم يشتمل التوراة عليه.
* وورد في التواريخ أنّ أولاد إسماعيل كانوا يُسَمَّون:
- آل الله.
- وأهل الله.
- وأولاد إسرائيل.
- آل يعقوب.
- وآل موسى.
- وآل هارون. وذلك كسر عظيم يعني فرْق بَيِّن.
(الملل والنحل: ج١، ب٢، ص٢١٣)
فقد ظهر من آية التوراة أنّ الأسباط كانوا يراجعون إلى شعبة من قبائل بني إسماعيل؛ لأنّهم كانوا يعلمون عندهم علماً لَدُنِيَّاً، ولم يكن في التوراة والإنجيل شيء منه، ولم يعلمه الأسباط، ولم يعلمه أهل التوراة والإنجيل؛ لأنّ العلم علمان:
١ - ذاتي.
٢ - وعرضي.
* فأمّا الذاتي: فهو مختص، خاص بذات الله تعالى؛ لأنّه تعالى ذاته علمه، وعلمه ذاته.
* وأمّا العرضي:
١ - لازم.
٢ - ومفارق.
فأمّا اللازم: فهو موقوف على إعطاء الله تعالى ووهبه، يُقال له:(علم لدنّي) ووهبي خاصّاً.
وأمّا المفارق: فهو موقوف على الاكتساب، يُقال له علم كسبي، وإنّ الله تعالى لم يعطِ علمَه الخاص لدنيّاً إلا الأنبياء، فإنّ الله تعالى أعطى علمَه الخاص لدنيّاً تلك الشعبة من بني إسماعيل، وجعلهم مراجع الأسباط، وهم كانوا أعلم منهم.
فيظهر أنّ الله تعالى جعلهم النبيّين من بني إسماعيل كما جعل النبيّين من بني إسرائيل، فهم كانوا آل الله، وأهل الله، وكانت شريعة النبيّين من بني إسماعيل:
- إبانة المناسك.
- ورعاية المشاعر الحرام، كما قال أبو جعفر: (لم يزالوا بنو إسماعيل ولاة البيت، يقيمون للناس حجّهم وأمْر دينهم، يتوارثون كابر عن كابر، حتّى كان زمن عدنان بن أَدد)
(البحار: ج١٥، ص٤٠)
وكما قال عبد المطّلب: نحن أهل الله في بلدته، لم يزل ذلك على عهد إبراهيم.
تقابل الفريقين
* ويظهر من هذه التحقيق:
أنّ النور الوارد من آدم إلى إبراهيم فصار منه قسمين:
- فكان قسم ظاهراً في النبيّين الظاهرِين من بني إسرائيل نبيّاً نبيّاً منهم.
- وكان قسم مخفيّاً في النبيّين المستترِين من بني إسماعيل نبيّاً نبيّاً منهم، الذين كانوا يقيمون للناس مناسك الحج، ويبيّنون لهم أمور دينهم.
وكانت شريعتهم شريعة إبراهيم، غير شريعة موسى وغير شريعة عيسى، وكان مذهبهم غير مذهب موسى وغير مذهب عيسى، وكانت قبلتهم غير قبلة موسى وغير قبلة عيسى، وكانت أعداؤهم مشركين عبدة الأصنام غير أعداء أنبياء بني إسرائيل.
النور المخفي والأشخاص
* قال العلاّمة الشهرستاني:
اعلم أنّ العرب في الجاهليّة كانت على ثلاثة أنواع من العلوم:
أحدها علم الأنساب والتواريخ والأديان، ويعدّونه نوعاً شريفاً، خصوصاً معرفة أنساب أجداد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والاطّلاع على ذلك النور الوارد من صلب إبراهيم إلى إسماعيل وتواصله في ذرِّيَّته، إلى أنْ ظهر بعض الظهور في أسارير عبد المطّلب سيّد الوادي شيبة الحمد، وسجد له الفيل الأعظم، وعليه قصّة أصحاب
الفيل، وببركة ذلك النور دفع الله تعالى شرّ أبرهة، وأرسل عليهم طيراً أبابيل.
وببركة ذلك النور رأى تلك الرؤيا في تعريف موضع زمزم، ووجدان الغزالة والسيوف التي دفنتْها جُرْهُم.
وببركة ذلك النور أُلْهِمَ عبد المطّلب النذر الذي نذر في ذبح العاشر من أولاده، وبه افتخر النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حين قال: (أنا ابن الذبيحَين).
أراد بالذبح الأوّل: إسماعيل، وهو أوّل من انحدر إليه النور فاختفى.
وبالذبح الثاني: عبد الله بن عبد المطّلب، وهو آخر من انحدر إليه النور فظهر كلّ الظهور، وببركة ذلك النور كان عبد المطّلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثّهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيّات الأمور.
وببركة ذلك النور كان قد سُلّم إليه النظر في حكومات العرب والحكم بين المتخاصمين، فكان يوضع له وسادة عند الملتزم فيستند إلى الكعبة وينظر في حكومات القوم - إلخ -.
(الملل والنحل: ج٢، ب٣، ص٢٣٨)
* فقد ظهر من هذا:
أنّ النور الوارد - من آدم إلى إبراهيم، ومن إبراهيم إلى إسماعيل وفي ذرِّيَّته فرداً فرداً، شخصاً شخصاً إلى عبد المطّلب، ومن عبد المطّلب إلى عبد الله أبي النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - هو نور النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
* وظهر:
أنّ الأشخاص الذين كان ينتقل نور نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) شخصاً شخصاً في أصلابهم، هم كانوا آباء النبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من لدن آدم إلى عبد الله.
نور النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي
في أصلاب آبائهما معاً
١ - عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (خُلقتُ أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد، نسبّح الله عزّ وجل في يمنة العرش قبل خلْق الدنيا، ولقد سكن آدم في الجنّة ونحن في صلبه، ولقد ركب نوح السفينة ونحن في صلبه، وقُذف إبراهيم في النار ونحن في صلبه، فلم يزل يقلّبنا الله عزّ وجل من أصلاب طاهرة وأرحام طاهرة حتّى انتهى بنا إلى عبد المطّلب، فجعل ذلك النور بنصفَين، فجعلني في صلب عبد الله وجعل عليّاً في أبي طالب) - الحديث -.
(زين الفتى للإمام العاصمي)
٢ - عن أبي عثمان الرازي عن سلمان الفارسي قال:
سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (خُلقتُ أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد عن يمين العرش، نسبح الله ونقدّسه قبل أنْ يخلق الله عزّ وجل آدم بأربع عشر آلاف سنة، فلمّا خلق آدم نَقَلَنَا إلى أصلاب الرجال الطاهرين وأرحام النساء الطاهرات، ثم نقلنا إلى صلب عبد المطّلب، وقسمنا بنصفَين، فجعل النصف في صلب أبي عبد الله، وجعل النصف في صلب عمّي أبي طالب، فخُلقتُ أنا من ذلك النصف وخُلق عليٌّ (عليه السلام) من النصف الأخر) - الحديث -.
(١ - رياض النضرة / ٢ - رياض الفضائل / ٣ - تسديد القدس
٤ - فرائد السمطين / ٥ - جواهر النفائس / ٦ - خصائص العلويّة)
٣ - قال الديار بكري:
وفي معالم التنزيل كان آدم يسمع من تخليط أسارير جبهته نشيشاً كنشيش الذر، فقال:(يا رب ما هذا؟
فنودي: يا آدم، هذا تسبيح محمّد (صلَّى الله عليه وآله) ولدك، مُزج بمائك ليكون لك ولداً وأنت له أباً، فنعم الوالد ونعم المولود، ثمّ انتقل ذلك الجزء الذرّي مِن صلب آدم إلى رحم حوّاء، ومنها إلى صلب شيث، ومنه إلى رحم مخوائلة، ومنها إلى صلب أَنُوش، وهكذا ينتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، ومن أرحام الطاهرات إلى أصلاب الطاهرين، وذلك النور أيضاً كان ينتقل بتبعيّة ذلك الجزء الذرّي من جبهة إلى جبهة، وكان يؤخذ في كلّ مرتبة عهد وميثاق على أنْ لا يوضع ذلك الجزء إلاّ في المطهّرات، فأوّل مَن أخذ العهد آدم، أخذه مِن شيث، وشيث من أَنُوش، وهو من قينان، وهكذا إلى أنْ وصلتْ النوبة إلى عبد الله بن عبد المطّلب.
فلمّا أودع ذلك الجزء في صلبه، لمع ذلك النور من جبهته فظهر له جمال وبهجة، حتّى كانت نساء قريش يرغبْنَ في نكاحه، وسيجيء قصة الخشعميّة في الطليعة الثانية إنْ شاء الله تعالى، وقد أسعد اللهُ بتلك السعادة وشَرّف بذلك الشرف آمنة بنت وهب فوُلد منها النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) .
(تاريخ الخميس: ج١، ص٥٦)
٤ - عن أبي سعيد الخدري قال:
كنّا جلوساً عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إذ دخل:
- سلمان الفارسي.
- وأبو ذر الغفاري.
- والمقداد بن الأسود.
- وعمّار بن ياسر.
- وحذيفة بن اليمان.
- وأبو الهيثم بن التيهان.
فجثوا بين يدي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والحزن ظاهر في وجوههم.
إلى أنْ قال النبي (صلَّى الله عليه وآله):
(وقد علمتم أنّ الله تعالى خلقني وعليّاً من نور واحد، إنّا كنّا في صلب آدم نسبّح الله عزّ وجل، ثمّ نقلنا إلى أصلاب الرجال وأرحام النساء، يُسمع تسبيحنا في الظهور والبطون في كلّ عهد وعصر إلى عبد المطّلب، وأنّ نورنا كان يظهر في وجوه آبائنا وأمّهاتنا، حتّى تبين أسماؤنا مخطوطة بالنور على جباههم، ثمّ افترق نورنا فصار نصفه في أبي عبد الله ونصفه في عمّي أبي طالب، فكان يُسمع تسبيحنا من ظهورهما، وكان أبي وعمّي إذا جلسا في ملأ قريش تلألأ نورنا ووجوههما من دونهم، حتّى أنّ الهوام والسباع يسلّمان عليهما لأجل نورهما، إلى أنْ خرجنا من أصلاب آبائنا وبطون أُمّهاتنا) - الحديث -.
(كتاب الروضة للحضيني - ره - من العبقات)
فقد ظهر من أحاديث النور المتّفقة عليها بين الفريقين:
أنّ نور النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانا يُنتقلان معاً في أصلاب آبائهما الطاهرين، من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب، وظهر أن آباء النبي والولي كانوا مراجع الأسباط؛ لأنّ العلم اللدنّي كان عندهم فهم كانوا أنبياء.
إكمال الميثاق بأبي طالب (عليه السلام)
( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ )
(سورة آل عمران: آية: ٨١)
١ - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
(إنّ الله أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبيّنا (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنْ يخبروا أُمَمَهُم بمبعثه ونعته، ويبشّروهم به، ويأمروهم بتصديقه).
(المجمع / الصافي / البحار في النبوّة / الميزان)
٢ -أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال:
(لم يبعث الله نبيّاً آدم ومَن بعده إلاّ أخذ عليه العهد في محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، لَئِنْ بُعث وهو حي ليؤمننّ به ولينصرنّه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه، ثمّ تلا:( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ) ) - الآية -.
(الدرّ المنثور)
فقد ظهر من هذه الآية وتفسيرها من الفريقَين:
أنّ كلّ نبي مِن لدن آدم كان ينتظر مجيء الرسول محمّد عنده ليؤمننّ به وينصرنّه، ويخبر به قومه ويأمرهم أنْ يؤمنوا به ويصدّقوه.
فلمّا جاء محمّد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فآمن به أبو طالب ونصره وأخبر قومه بمبعثه وأمرهم أنْ يؤمنوا به، فظهر أنّ أبا طالب كان نبيّاً وإلاّ بطل الميثاق، وأنّ الميثاق من الله تعالى، فبطلان الميثاق باطل.
* باب الإظهارات:
إظهار الله تعالى نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام)
بسم الله الرحمن الرحيم
( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )
(الشعراء: آية: ٢١٤ - ٢٢٠)
قال الإمام محمّد الباقر (عليه السلام):
(ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية ينزل أوّلها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء).
(تفسير العيّاشي / والصافي حول آية التطهير)
إنّ هذه الآيات نزلتْ بمكّة، تتعلّق بالوقائع التي وقعتْ بمكّة، فلمّا بعث الله رسوله محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)،
فأمره أوّلاً: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ، أي تدعوهم إلى الإسلام ونصرتك.
وأمره ثانياً: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، أي
واخفض جناحك لمَن قَبِل دعوتك ووعدك بنصرتك.
وأمره ثالثاً: ( فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) ، أي وإنْ لم يقبلوا دعوتك وعاندوك، فقل إنّي بريء ممّا تعملون.
وأمره رابعاً ...،( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ ) : الغالب على أعدائك.
( الرَّحِيمِ ) : الرحيم على أحبّائك.
ثمّ أذكره نعمته التي أنعمها عليه، أوّلاً:( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) .
ثمّ أذكره نعمته التي أنعمها عليه ثانياً:( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) .
تفسير( حِينَ تَقُومُ )
١ - قال الديار بكرى:
قال بعض المفسّرين، منهم ابن عبّاس وعكرمة: أراد حين تقوم بالنبوّة.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٦)
٢ -روى علي بن إبراهيم القمّي، والسيّد هاشم البحراني (ره):
عن أبي جعفر قال في قوله تعالى:( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) (في النبوّة) - حين قمت نبيّاً -.
(تفسير القمّي / البرهان)
متى قام الرسول (صلَّى الله عليه وآله) في النبوّة
١ - روى القاضي العيّاض عن أبي هريرة قال:
سألتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) متى وجبتْ لك النبوّة؟
قال: (وآدم بين الماء والجسد).
(الشفا / مودّة القربى / ينابيع المودّة)
٢ - عن المفضّل قال:
قال لي أبو عبد الله: (يا مفضّل، أَمَا علمتَ
أنّ الله تعالى بعث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو روح إلى الأنبياء وهم أرواح قبل خلق الخلق بألفي عام؟
قلتُ: بلى.
وقال: أَمَا علمتَ أنّه دعاهم إلى توحيد الله وطاعته واتّباع أمره ووعدهم الجنّة على ذلك، وأوعد مَن خالف ما أجابوا إليه وأنكره النار؟).
قلتُ: بلى.
(البحار: ج١٥)
فقد ظهر من تفسير العامّة والخاصّة:
أنّ المراد من( حِينَ تَقُومُ ) يعنى متى قام الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في النبوّة أو بالنبوّة.
إنّ الله تعالى لمّا جعل حبيبه محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) رسولاً في عالم الأرواح، وبعثه إلى النبيّين وأقامه أوّلاً في النبوّة في عالم الأرواح، وهو يقوم فيهم بالنبوّة مبلّغاً بالرسالة، فأذكره تعالى نعمتَه التي أنعمها عليه في عالم الأرواح.
أوّلاً: قال: الذي يريك أنْ يحفظك حين تقوم (بالنبوّة في النبيّين في عالم الأرواح)، ثمّ أذكره نعمته التي أنعمها عليه.
ثانياً: في عالم الأجساد، قال: والذي يرى تقلّبك في الساجدين، أي يحفظ تقلّبك في أصلاب آبائك الساجدين، مِن أوّل الساجدين إلى آخر الساجدين.
هم الساجدون نبيّون
١ - عن أبي عبّاس في قوله تعالى:
( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال: مِن نبي إلى نبي، حتّى أخرجك نبيّاً.
* قال صاحب روح البيان معنى في الساجدين:
في أصلاب النبيّين والمرسلين، مِن آدم إلى نوح والى إبراهيم والى مَن بعده، إلى أنْ ولدتْه أُمّه (يعني إلى آخر نبي عبد الله).
(روح البيان: ج٢، ص٨٧٥ / الشفا للقاضي: ص١٢)
٢ - أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال:
مازال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يتقلّب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أُمّه.
(فتح القدير: ج٤، ص١١٨ / الدرّ المنثور: ج٥، ص٩٨)
٣ - عن عطا عن ابن عبّاس قال:
أراد( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) في أصلاب النبيّين، من نبي إلى نبي، حتّى أخرجك نبيّاً في هذه الأمّة.
(السراج المنير: ج٣ / تفسير الخازن / تفسير البغوي)
٤ -عن عكرمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ،قال:
مِن نبي إلى نبي، ومن نبي إلى نبي حتّى أخرجك نبيّاً.
(الشفاء - الطبقات الكبرى: ج١ / السيرة الحلبيّة: ج١ / تذكرة خواص الأمّة)
٥ - قال بعض المفسّرين منهم ابن عبّاس وعكرمة:
أراد( حِينَ
تَقُومُ ) : بالنبوّة.
ويرى( تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) : في أصلاب الموحّدين مِن نبي إلى نبي، حتّى أخرجك نبيّاً في هذه الأمّة.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٥٦)
٦ - أخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده، والبزار، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن مجاهد، في قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) قال:
مِن نبي إلى نبي، حتّى أخرجك نبيّاً.
(الدرّ المنثور: ج٥، ص٩٥)
٧ -قال الديار بكري:
وما أحسن قول الحافظ شمس الدين الدمشقي:
ينقل أحمد نوراً عظيماً * تلألأ في جباه الساجدين
تقلب فيهم قرناً فقرناً * إلى أنْ جاء خير المرسلين
(تاريخ الخميس: ج١، ص٤٣٧)
٨ - عن أبي جعفر ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال:
(في أصلاب النبيّين).
(الصافي / البرهان / نور الثقلين / البحار: ج١٥، ص١٢)
٩ - عن أبي الجاروردي، قال:
سألتُ أبا جعفر عن قول الله عزّ وجل:( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال: (يرى تقلّبه في أصلاب النبيّين من نبي إلى نبي، حتّى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح من لدن آدم).
(الصافي / البرهان / نور الثقلين / الميزان / البحار: ج١٥، ص١٢)
١٠ - عن أبي جعفر وأبي عبد الله قال:
(في أصلاب النبيّين نبي بعد نبي، حتّى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح من لدن آدم).
(مجمع البيان / الميزان)
فقد ظهر من هذه الأحاديث المتّفق عليها بين الفريقين:
أنّهم الساجدين كانوا نبيّين،فيكون تقرير الآية: الذي يرى أنْ يحفظ تقلّبك في أصلاب آبائك الساجدين النبيّين من أوّل الساجدين - النبيّين - إلى آخر الساجدين، النبيّين، من آدم إلى عبد الله النبي.
هم الساجدون النبي ّ ون كانوا طاهرين
١ - عن أبي عثمان الرازي، عن سلمان الفارسي، قال:
سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (خُلقتُ أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد، عن يمين العرش، نسبّح الله ونقدّسه قبل أنْ يخلق الله آدم بأربع عشر آلاف سنة، فلمّا خُلق آدم نُقلنا إلى أصلاب الرجال الطاهرين وأرحام النساءِ الطاهرات، ثمّ نُقلنا إلى صلب عبد المطّلب، وقُسّمنا نصفين، فجعل النصف في صلب عبد الله وجعل النصف في صلب عمّي أبي طالب، فخُلقتُ أنا من ذلك النصف وخُلق علي من النصف الأخر) - الحديث -.
(الرياض النضرة / رياض الفضائل / فرائد السمطين / جواهر النفائس / خصائص العلويّة / تسديد القدس)
٢ - عن إبراهيم الوصابي، مرفوعاً عن علي بن أبي طالب، قال:
(قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) خُلقتُ أنا وعلي من نور واحد، نسبّح الله على متن العرش مِن قَبْل أنْ يُخلق أبونا آدم بألفي عام، فلمّا خُلق آدم صرنا في صلبه، ثمّ نُقلنا من كرام الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام، حتّى صرنا في صلب عبد المطّلب، ثمّ قسمنا نصفين، فصيّرني في صلب عبد الله وصار علي في صلب أبي طالب، فاختارني للنبوّة والرسالة واختار عليّاً
للشجاعة والعلم والفصاحة).
(الشفاء لابن السبع / روضة الفردوس / معارج العلى / الاكتفاء / بحر الأنساب / الكلمة الطيّبة للإمام الحنفي)
٣ -عن أبي ذر الغفاري قال:
سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (خُلقتُ أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد، نسبّح الله عزّ وجل عند العرش قبل أنْ يُخلق آدم بألفي عام، فلمّا خَلق الله آدم جعل ذلك النور في صلبه، ولقد سكن في الجنّة ونحن في صلبه، ولقد هَمَّ بالخطيَّة ونحن في صلبه، ولقد ركب نوح السفينة ونحن في صلبه، ولقد قُذف إبراهيم في النار ونحن في صلبه، فلم يزل ينقلنا الله عزّ وجل من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة، حتّى انتهى إلى عبد المطّلب، فقسّمنا نصفَين، فجعلني في صلب عبد الله وجعل عليّاً في صلب أبي طالب) - الحديث -.
(البرهان: سورة الشعراء)
٤ -عن جابر الأنصاري قال:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّ الله عزّ وجل خلقني وعليّاً من نور واحد قبل أنْ خلق الخلق بخمسمئة ألف عام، فكنّا نسبّح الله ونقدّسه، فلمّا خلق الله آدم قذف بنا في صلبه فاستقررت أنا في جنبه الأيمن وعلي في جنبه الأيسر، ثمّ نُقلنا من صلبه في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطيّبة، فلم نزل كذلك حتّى أطلعني الله عزّ وجلّ من ظهر طاهر وهو عبد الله بن عبد المطّلب، فاستودعني خير رحم وهي آمنة بنت وهب، ثمّ أطلع الله عليّاً من ظهر طاهر وهو أبو طالب، واستودعه خير رحم وهي فاطمة بنت أسد) - الحديث -.
(البحار: ج٣٥، ب١)
٥ -عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال:
(إنّ الله عزّ وجل كان إذْ لا كان، فخلق الكان والمكان، وخلق نور الأنوار الذي نُوّرت منه الأنوار،
وأجرى فيه من نوره الذي نورت منه الأنوار، وهو النور الذي خلق منه محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وعليّاً (عليه السلام)، فلم يزالا نورَين أوّلين إذْ لا شيء كون قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهّرين في الأصلاب الطاهرة حتّى افترقا في أطهر الطاهرين، في عبد الله وأبي طالب).
(الكافي: كتاب التواريخ: ب١، مولد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم))
فقد ظهر من هذه الأحاديث المتّفق عليها بين الفريقَين:
أنّهم الساجدين النبيّين كانوا طاهرين،فيكون تقرير الآية: الذي يرى أنْ يحفظ تقلّبكما في أصلاب آبائكما الساجدين النبيّين الطاهرين، من أوّل الساجدين النبيّين الطاهرين آدم، إلى آخر الساجدين النبيّين الطاهرين عبد الله وأبي طالب.
فظهر أنّ كلّ ساجد في هذه الآية كان نبيّاً من الله، وكل نبي من الله كان طاهراً عند الله، كما قال الله تعالى في القرآن:( الَّذِي يَرَاكَ.... * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) أي في أصلاب الساجدين.
وقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في كلامه: (في أصلاب النبيّين، من نبي إلى نبي، حتّى أخرجه من صلب أبيه).
وقال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (في أصلاب الرجال الطاهرين، فهم الساجدون النبيّون الطاهرون، كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب (عليهم السلام)).
فظهر:
أنّ آباء النبي والولي - من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب - كانوا أنبياء الله.
إظهار الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نبوّة آبا ئه
(الإظهار الأوّل)
١ - عن ابن عبّاس في كتب العامّة، وعن حذيفة بن اليمان في كتب الخاصّة، قالا:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله عزّ وجل قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله تعالى: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين).
(الشفا للقاضي / السيرة الحلبية: ج١ / تفسير القمّي / نور الثقلين: ج٥)
فقد ظهر من هذا الحديث المتّفق عليه بين الفريقَين:
- أنّ الله تعالى جعل الناس قسمَين: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
- وأيضاً ظهر أنّ أصحاب اليمين خير من أصحاب الشمال.
- وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (فجعلني في خيرهما قسماً)، يعني في أصحاب اليمين.
٢ -عن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
(إنّ الله تعالى لمّا أراد أنْ يخلق آدم بعث جبرئيل في أوّل ساعة من يوم الجمعة، فقبض بيمينه قبضة بلغتْ قبضتُه من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وأخذ من كلّ سماء تربة، وقبض قبضة أخرى من الأرض السابعة العليا إلى الأرض السابعة القصوى، فأمر الله تعالى كلمته (جبرئيل) فأمسك القبضة الأولى بيمينه والقبضة الأخرى بشماله، ففلق الطين فلقتَين، فذرا من الأرض ذَرْوَاً، ومن السموات ذرواً، فقال الله تعالى للذي بيمينه منك الرسل والأنبياء والأوصياء والصدِّيقون والمؤمنون والسعداء ومَن
أُريد كرامته، فوجب لهم ما قال، فهم أصحاب اليمين، وقال للذي بشماله منك الجبّارون والمشركون والكافرون والطواغيت ومَن أُريد هوانه وشقْوته، فوجب لهم ما قال كما قال، فهم أصحاب الشمال).
(الكافي: كتاب الإيمان والكفر: ب١)
وظهر من هذا الحديث:
- أنّ الله تعالى جعل أصحاب اليمين قسمَين: أنبياء، ومؤمنين فظهر أنّ الأنبياء خير من المؤمنين.
- وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (فجعلني في خيرهما قسماً)، يعني في الأنبياء.
- وظهر أنّ الله تعالى جعل الأنبياء قسمَين: آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي، وغيرهم، وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (فجعلني في خيرهما قسماً)، فهم آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي، في أصلاب آبائهما النبيّين الذين جعلهم خيراً من النبيّين الذين لم يجعل نورهما في أصلابهم، وما مِن عامٍّ إلاّ وقد خُصّ، فتدبر.
- فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي، كانوا أنبياء من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب (عليهم السلام).
(الإظهار الثاني)
٣ - عن ابن عبّاس في كتب العامّة، وعن حذيفة بن اليمان في كتب الخاصّة، قالا:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله عزّ وجل قسّم الخَلْق قسمَين، فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله تعالى: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأنا مِن أصحاب اليمين، وأنا خير من أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمَين أثلاثاً فجعلني في خيرها أثلاثاً، فذلك قوله
تعالى: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين).
(الشفا للقاضي / السيرة الحلبيّة: ج١ / تفسير القمّي / نور الثقلين: ج٥)
فقد ظهر من هذا الحديث المتّفق عليه بين الفريقَين:
- أنّ الله تعالى جعل الناس قسمَين: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
- ثمّ جعل القسمَين أثلاثاً، يعني جعل أصحاب اليمين قسمَين: أصحاب الميمنة والسابقين، وأصحاب الشمال: أصحاب المشأمة، فأصحاب الميمنة خير من أصحاب المشأمة، والسابقون خير من أصحاب الميمنة، فالسابقون خيرها أثلاثاً، وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (فجعلني في خيرها أثلاثاً)، أي جعلني في السابقين.
٤ - عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين :
حديث طويل قال فيه: (سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: والدليل عليه كتاب الله، إنّ الله عزّ وجل خلق الناس على ثلاث طبقات، وأنزلهم ثلاث منازل، فذلك قول الله عزّ وجل في الكتاب: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، فأمّا ذكر مِن أمر السابقين فإنّهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين).
(نور الثقلين: ج٥، في الواقعة)
فقد ظهر من هذا الحديث:
- أنّ السابقين كانوا أنبياء الله.
- وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله):
(فجعلني في خيرها أثلاثاً)، يعني في النبيّين.
- وظهر أنّ الله تعالى جعل النبيّين قسمّين: آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي، وغيرهم، وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (فجعلني في خيرها أثلاثاً)، فهم آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي؛ لأنّ الله تعالى جعل نور النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي في أصلاب آبائهما النبيّين، الذين جعلهم خيراً من النبيّين الذين
لم يجعل نورهما في أصلابهم، وإلاّ ما أخرجه الدليل فتفكّر، فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي كانوا أنبياء من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب.
(الإظهار الثالث)
٥ - عن ابن عبّاس في كتب العامّة، وعن حذيفة بن اليمان في كتب الخاصّة، قالا:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّ الله عزّ وجل قسّم الخَلْق قسمَين فجعلني في خيرهما قسماً فذلك قوله تعالى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمَين أثلاثاً فجعلني في خيرها أثلاثاً فذلك قوله تعالى: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، فأمّا من السابقين وأنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، فذلك قوله تعالى:( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، فأنا سيّد وُلد آدم، وأنا أبر وُلد آدم وأكرمهم عند الله، ولا فخر).
(الشفا للقاضي / السيرة الحلبيّة: ج ١ / تفسير القمّي / نور الثقلين: ج٥)
فقد ظهر من هذا الحديث المتّفق عليه بين الفريقين:
- أنّ الله تعالى جعل الناس قسمَين: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثمّ جعل القسمَين أثلاثاً: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقين السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل.
- فظهر أنّ الله تعالى جعل أصحاب الميمنة قبائل، أي قبيلة قبيلة، وأصحاب المشأمة قبائل، أي قبيلة قبيلة، والسابقين قبائل، يعني قبيلة قبيلة، فقبائل أصحاب الميمنة خير من قبائل أصحاب المشأمة، وقبائل
السابقين خير من قبائل أصحاب الميمنة.
- وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (فجعلني في خيرها قبيلة)، أي في قبائل السابقين.
- وظهر من الحديث السابق (أمر السابقين): أنّ السابقين أنبياء.
- وظهر أنّ الله تعالى جعل قبائل الأنبياء قسمَين: قبيلة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله)، فجعلني في خيرها قبيلة، فهم خير قبيلة آباء النبي والولي؛ لأنّ الله تعالى جعل نور النبي والولي في أصلاب آبائهما النبيّين، الذين جعلهم خير قبيلة من قبائل النبيّين الذين لم يجعل نورهما في أصلابهم، لقد( فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) .
فظهر:
أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي كانوا خير قبيلة من قبائل النبيّين، من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب (عليهم السلام).
(الإظهار الرابع)
٦ -عن ابن عبّاس في كتب العامّة، وعن حذيفة بن اليمان في كتب الخاصّة، قالا:
قال رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّ الله عزّ وجل قسّم الخَلْق قسمَين فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله تعالى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمَين أثلاثاً فجعلني في خيرها أثلاثا، فذلك قوله تعالى: أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، فأنا من السابقين وأنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، فذلك قوله تعالى:( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، فأنا سيّد وُلد آدم، وأنا أبر وُلد آدم ولا فخر، وجعل
القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً ولا فخر، فذلك قوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) .
(الشفا للقاضي / السيرة الحلبيّة / تفسير القمّي / نور الثقلين: ج٥)
فقد ظهر من هذا الحديث المتّفق عليه بين الفريقَين:
- أنّ الله تعالى جعل الناس قسمَين: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال.
- ثمّ جعل القسمَين أثلاثاً: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقين السابقين.
- ثمّ جعل الأثلاث قبائل: أصحاب الميمنة يعني قبائل المؤمنين قبيلة قبيلة، وأصاب المشأمة أي قبائل الكافرين قبيلة قبيلة، والسابقين السابقين أي قبائل النبيّين قبيلة قبيلة.
- ثمّ جعل القبائل بيوتاً، يعني جعل بيوت قبائل المؤمنين بيتاً بيتاً وجعل بيوت قبائل الكافرين بيتاً بيتاً، وجعل بيوت قبائل النبيّين بيتاً بيتاً.
- فظهر أنّ بيوت قبائل المؤمنين خير من بيوت قبائل الكافرين، وأنّ بيوت قبائل النبيّين خير من بيوت قبائل المؤمنين.
- وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (فجعلني في خيرها بيتاً)، يعني جعلني في بيوت قبائل النبيّين، فظهر أنّ الله تعالى جعل بيوت قبائل النبيّين قسمَين: بيت قبيلة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي، وبيوت قبائل غيرهم.
- وقال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): (فجعلني في خيرها بيتاً)، فهي بيت قبيلة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي؛ لأنّ الله تعالى جعل نور النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي في أصلاب آبائهما النبيّين، الذين جعلهم خير بيت من بيوت قبائل النبيّين الذين لم يجعل نورهما في أصلابهم،( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) .
فظهر:
أن آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي كانوا خير بيت من بيوت النبيّين، من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب (عليهم السلام).
إظهار الأمير (عليه السلام) نبوّة آبائه
(الإظهار الأوّل)
* روى العلاّمة المسعودي:
خطب أمير المؤمنين خطبة في انتقال سيّدنا محمّد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من لدن آدم إلى أنْ يولد، قال بعد الحمد لله:
(اللّهم، فَمَن جهل فضل محمّد صلَّى الله عليه وآله فإنّي مُقِرٌّ بأنّك ما سطحتَ أرضاً ولا برأْتَ خَلْقَاً حتّى أحْكَمْتَ خَلْقه، وأتقنتَ من نور سبقت به السلالة، وأنشأتَ آدم له جرماً، فأودعتَه منه قراراً مكيناً ومستودعاً مأموناً، فنقلتَه من بينهما - أي من بين آدم وحوّاء - إلى شيث اختياراً له بعلمك، فأيّ بشر كان اختصاصه برسالتك - يعني كان شيث رسولاً - ثمّ نقلته إلى أَنُوش، فكان خلف أبيه في قبول كرامتك واحتمال رسالتك - أي كان أَنُوش رسولاً - ثمّ قدرت نقل النور إلى قينان، وألحقتَه في الخطوة بالسابقين وفي المنحة بالباقين - يعني جعل الله تعالى قينان كآدم وشيث وأَنُوش رسولاً - ثمّ جعلت مهلائيل رابع اجرامه قدرة تودعها من خلقك مَن تضرب لهم سهم النبوّة وشرف الأبوّة، حتّى تناهى تدبيرك إلى أخنوخ، فكان أوّل مَن جعلتَ من الأجرام ناقلاً للرسالة وحاملاً لأعباء النبوّة - يعني كانوا من مهلائيل إلى أخنوخ رسلاً - وسبحانك ما أبين اصطفائك لإدريس على سائر خلقك من العالمين، وأنعمت عليه نعمة حرَّمتها على خلقك إلاّ مَن
نقلت إليه نور الهاشميّين - يعني إلاّ مَن نقلت إليه نور النبي (صلَّى الله عليه وآله) جعلته رسولاً مصطفى - وجعلتَه - أي إدريس - أوّل منذر من أنبيائك، ثمّ أذنت في انتقال نور محمّد (صلَّى الله عليه وآله) من القابلين له مَتوشَلَخِ ولَمَك المفضين به إلى نوح، فأي آلائك يا ربّ لم تُوْلِهِ، وأي خواص كرامتك لم تعطه، ثمّ أذنتَ في إيداعه ساماً دون حام ويافث، ثمّ تتابع عليه القابلون من حامل إلى حامل ومودع إلى مستودع من عترته في فترات الدهور، حتّى قبله تارَخ، أظهر الأجسام وأشرف الأجرام، ونقلته إلى إبراهيم، ثمّ خصصتَ به إسماعيل دون وُلد إبراهيم، فلم تزل تنقله من أب إلى أب حتّى قبله كنانة عن مدركة، فأخذت له مجامع الكرامة، ومواطن السلامة وأحللتَ له البلد الذي قضيت فيه مخرجه، فسبحانك لا إله إلاّ أنت، أيّ صلب أسكنته فيه ولم ترفع ذكره، وأي نبي بشّر به فلم يتقدّم في الأسماء اسمه، ثمّ أذنتَ للنضر في قبوله وإيداعه مالكاً، ثمّ من بعد مالك فهراً، ثمّ خصصت من وُلد فهر غالباً، وجعلتَ كلّ مَن تنقله إليه لحرمك حتّى قبله لؤي بن غالب أنّ له حركة تقديسه، فلم تودعه مِن بعده صلباً إلاّ حللته نوراً تأنس به الأبصار وتطمئنّ إليه القلوب، ولم تزل الآباء تحمله والأصلاب تنقله، كلّما أنزلته ساحة صلب جعلتَ له فيها صنعاً يحثّ العقول على طاعته ويدعوها، حتّى نقلتَه إلى هاشم خير آبائه بعد إسماعيل، فأي أب وجد ووالد أسرة ومجتمع عترة ومخرج طُهْر ومرجع فَخْر جعلتَ يا رب هاشماً، لقد أقمتَه لدن بيتك وجعلتَ له المشاعر والمتاجر، ثمّ نقلتَه من هاشم إلى عبد المطّلب، فأنْهجتَه سبيل إبراهيم، وألْهمتَه رشداً للتأويل وتفصيل الحق، ووهبتَ له عبد الله وأبا طالب وحمزة، وفديت في
القربان بعبد الله كسِمَتِكَ في إبراهيم بإسماعيل، ووسمْتَ بأبي طالب في وُلده كسِمَكِتَك في إسحاق كتقديمك عليهم وصفوة لهم).
(كتاب إثبات الوصيّة للمسعودي)
فقد ظهر من إظهار أمير المؤمنين على ولي الله نبوّةَ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) محمّد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بين يدي الله عزّ وجل:
- أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي من لدن آدم صفي الله.
- إلى عبد المطّلب مثيل إبراهيم خليل الله.
- وعبد الله مثيل إسماعيل ذبيح الله.
- وأبي طالب مثيل إسحاق نبي الله. كانوا كلّهم أنبياء الله عليهم رحمة الله.
(الإظهار الثاني)
* عن أمير المؤمنين قال في خطبته التي قال في حال آبائه الأنبياء الكرام - منها -:
فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرّهم خير مستقر - تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام، كلّما مضى منهم سلف قام منهم بدين الله عزّ وجل خلف، حتّى أفضتْ كرامة الله عزّ وجل إلى محمّد (صلَّى الله عليه وآله) فأخرجه، من أفضل المعادن منبتاً وأعز الأرومات مغرساً، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتخب منها أمناءه، وعترته خير العتر، وأُسرته خير الأُسر) - الخ -.
(نهج البلاغة: الخطبة: ٩٣)
قال السيّد الرضي جامع خطبات الأمير: (منها)، أي من فصول تلك الخطبة في حال الأنبياء، وقال العلاّمة ابن أبي الحديد في شرحه (منها) أي في وصف الأنبياء - يعني هذه الخطبة في حال الأنبياء.
فاستودعهم في أفضل مستودع
وأقرّهم خير مستقر
إنّ الله استودعهم أي محمّداً وآل محمّد في صلب آدم، وهو أفضل مستودع، وأقرّهم أي محمّداً وآل محمّد في رحم حوّاء وهي خير مستقر.
(تناسختْهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام):
قال العلاّمة ابن أبي الحديد: تناسختهم أي تناقلتْهم، والتناسخ في الميراث أنّ يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم لم يقسّم، كأنّ ذلك تناقل من واحد إلى آخر - الخ -.
(شرح نهج البلاغة)
فيكون معنى (تناسختْهم كرائم الأصلاب):
نقلت أصلاب الطاهرين محمّداً وآل محمّد إلى أرحام المطهّرات، وراثة بعد وراثة، نقلاً بعد نقل.
* عن إبراهيم الوصالي، مرفوعاً عن علي بن أبي طالب، قال رسول الله:
(خُلقتُ أنا وعلي من نور واحد، نسبح الله عزّ وجلّ على متن العرش من قبل أنْ يُخلق أبونا آدم بألفي عام، فلمّا خُلق آدم صرنا في صلبه، ثمّ نقلنا من كرام الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام، حتّى صرنا في صلب عبد المطّلب)، كما مر الحديث (كلّما مضى منهم سلف قام بدين الله تعالى منهم خلف)، أي كلّما مات من الطاهرين نبي قام بدين الله تعالى
منهم خلف، أي كلّما مات من الطاهرين نبي، قام بدين الله تعالى نبي ابنه.
(حتّى أفضتْ كرامة الله تعالى إلى محمّد صلَّى الله عليه وآله):
* قال صاحب المنهاج ره:
وانتهتْ نبوّة الله تعالى إلى محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، وبلغتْ بوجوده الشريف سلسلة النبوّة والرسالة الغاية، وأشرقتْ وجه الأرض بنور جماله، وأضاءت الدنيا بأشعّة كماله، وقد كان في عالم المعنى الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة قشوراً لذلك اللب، وأحاطتْ به إحاطة الأشعّة بالسراج، فهو مفارق لتلك المحال الشريفة في التقدير، وإنْ كان مقارناً لها في التدبير؛ ولأجل هذا كان كلّ مَن انتقل ذلك النور إليه أشرقت وجهه حتّى يُعرف بذلك النور، إلى أنْ تضع الجنين فيخرج مشرقاً بما فيه فيسلب الله تعالى ذلك النور.
(منهاج البراعة: ج٨، ص١٠١)
فيظهر من بيانه (ره): أنّ الأصلاب الشامخة كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي.
(فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعز الأرومات مغرساً):
* قال صاحب المنهاج (ره):
والأظهر أنْ يُراد به إمّا إبراهيم خليل الله، أو إسماعيل ذبيح الله، فإنّ كلاًّ منهما لمّا كان محلاًّ بجوهر الرسالة، وأصلاً لشجرة النبوّة، صار حقيقاً بأنْ يكون(إبراهيم وإسماعيل) أفضل المعادن وأعز الأرومات وأعز الأصول.
(منهاج البراعة: ج٨، ص١٠٥)
* أقول:
إنْ كان المراد من أفضل المعادن وأعز الأرومات عبد المطّلب لكان أحسن وأنسب؛ لأنّه يدل عليه قوله: فأخرجه، أي أخرج الله تعالى محمّداً وعليّاً من أفضل المعادن وأعز الأرومات - لوحدة نورهما -؛ لأنّ الله تعالى استودع نور النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي في معادن وأرومات، أي في أصلاب النبيّين، من لدن آدم إلى عبد المطّلب، فهم
النبيّيون كانوا كالمعادن والأرومات يعني كالأصول لنورهما، فكان أفضل المعادن وأعز الأرومات عبد المطّلب؛ لأنّ الله تعالى أخرج نور نبيّه محمّد (صلَّى الله عليه وآله) منه إلى صلب عبد الله، وأخرج نور وليّه علي منه إلى صلب أبي طالب، فهذا أحسن وأنسب.
من الشجرة التي صدع منها أنبياؤه
وانتخب منها أُمناؤه
* قال صاحب المنهاج (ره):
فإنّ الأظهر أنّ المراد بها - أي بالشجرة - أحدهما، أي إبراهيم أو إسماعيل؛ لكون الأنبياء من فروع تلك الشجرة المباركة، وانتهاء سلسلة النبوّة الخاصّة لمحمّد (صلَّى الله عليه وآله) إليهما.
(منهاج البراعة: ج٧، ص١٠٦)
فقد ظهر من قوله(ه): (فالأظهر أنّ المراد بها - أي بالشجرة - أحدهما، أي إبراهيم أو إسماعيل؛ لكون الأنبياء من فروع تلك الشجرة المباركة):
- أنّ ابتداء سلسلة النبيّين من إسحاق بن إبراهيم كانوا أنبياء من بني إسرائيل.
- وأنّ ابتداء سلسلة النبيّين من إسماعيل بن إبراهيم كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي.
- وانتهاء تلك السلسلة إلى نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله) خاصّة، كما قال الأمير: (من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتخب منها أمناءه).
فقد ظهر:
أنّهم الأنبياء كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي أمناء نورهما، من لدن آدم إلى إبراهيم، ومِن لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب.
(الإظهار الثالث)
* قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته:
(الحمد الله الذي هدانا من الضلالة وبصّرنا من العمى، ومنّ علينا بالإسلام وجعل فينا النبوّة، وجعلنا النجباء وجعل إفراطنا إفراط الأنبياء).
(الخطبة في الكافي)
قال العلاّمة المجلسي (ره) في شرحه:
فقوله: (وجل إفراطنا إفراط الأنبياء)، أي جعل أولادنا أولاد الأنبياء، أي نحن وأولادنا من سلالة النبيّين (يعني من أولاد النبيّين عليهم السلام).
(البحار: ج٢، كتاب العلم، ص٣١)
فظهر أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أظهر نبوّة آبائه وآباء النبي (صلَّى الله عليه وآله)، مِن آدم إلى عبد الله وأبي طالب(عليهم السلام).
إظهار الإمام الحسن المجتبى
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* عن الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين قال:
(قال الحسن بن علي في مجلس معاوية وقت الصلح بينهما: أقول يا معشر الخلائق فاسمعوا ولكم أفئدة وأسماع فَعُوْا، إنّا أهل بيت أكرمنا الله عزّ وجل بالإسلام، واختارنا واصطفانا واجتبانا، فأذهب عنّا
الرجس وطهّرنا تطهيراً، والرجس هو الشك، فلا نشك في الله الحق ودينه أبداً، وطهّرنا من كلّ افن وغية، مخلصين إلى آدم نعمة منه، لم يفترق الناس فرقتين إلاّ جعلنا الله عزّ وجل في خيرهما فادت الأمور وأفضتْ الدهور إلى أنْ يبعث الله عزّ وجل محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) للنبوّة واختاره للرسالة، وأنزل عليه كتابه) - الحديث -.
(البرهان: ج٣)
-فقد ظهر أنّ كلامه هذا: (إنّا أهل بيت أكرمنا الله تعالى بالإسلام - إلى - مخلصين إلى آدم - وإلى أنْ قال - إلاّ جعلنا الله تعالى في خيرهما):
أنّه يجمع الخمسة النجباء وآبائهم من أبي طالب وعبد الله، إلى أنْ ينتهي إلى آدم؛ لأنّ الضمائر(إنّا، ونا) في كلامه كلّه تجمع الخمسة النجباء وآبائهم، من أبي طالب وعبد الله عليهما السلام إلى آدم.
-قوله (عليه السلام) (إنّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام)، فتقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآباؤنا من أبي طالب وعبد الله إلى آدم أهل البيت جعلنا الله تعالى كلّنا مسلمين.
-قوله: (واختارنا واصطفانا واجتبانا)فتقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآباؤنا من أبي طالب وعبد الله إلى آدم أهل بيت جعلنا الله تعالى مختارين ومصطفين ومجتبين، فقد ظهر من كلامه أنّ الله تعالى اصطفى آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي واختارهم واجتباهم، وأنّ الله تعالى لم يصطفِ من الناس إلاّ الذين جعلهم أنبياء ومرسلين، كما قال:( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ) ، فثبّت أنّ الله تعالى اصطفى واختار واجتبى، أي جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب مصطفين مختارين مجتبين أنبياء مرسلين (عليهم السلام)، ومن المعلوم أنّ النبوّة لا يصلها أحد بعد نبيّنا (صلَّى الله عليه وآله) من الملائكة والناس
إلى يوم القيامة، ولكنّ الله تعالى يجعل مَن يختار ويصطفي ويجتبي بعده (صلَّى الله عليه وآله) إماماً أو وليّاً من أوليائه، صلوات الله عليهم أجمعين.
إظهار الإمام محمّد الباقر
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
١ - روى شيخنا الصدوق (ره) بإسناده مرفوعاً عن أبي حمزة الثمالي، قال:
قال الإمام محمّد الباقر في حديث طويل: (فكان بين آدم ونوح عشرة آباء كلّهم أنبياء الله)، يعني:
١ - آدم، ٢ - شيث، ٣ - أَنُوش، ٤ - قَيْنَان، ٥ - مَهْلاَئِيل، ٦ - يارد، ٧ - إدريس، ٨ - مَتوشَلَخِ، ٩ - لَمَك، ١٠ - نوح.
٢ - وقال الإمام محمّد الباقر في حديث طويل:
(وليس بعد سام إلاّ هود، وكان بين هود وإبراهيم من الأنبياء عشرة آباء):
١ - سام، ٢ - أَرفَخْشِد، ٣ - هود، ٤ - فالَغ، ٥ - شالغ، ٦ - أَرْغُو، ٧ - سروع، ٨ - نَاحُور، ٩ - تارَخ، ١٠ - إبراهيم.
الإظهار الثاني:
٣ - قال الإمام محمّد الباقر في حديث طويل:
(فجرى بين كلّ نبي ونبي - أي بين نبيَّين - عشرة آباء و - بين نبيَّين - تسعة آباء و - بين نبيّين - ثمانية آباء، كلّهم أنبياء الله).
(إكمال الدين: ب٢٢، ص٢١٠)
* وهذا تفصيله:
إسماعيل نبي اللّه
١ - قيدار، ٢ - حمل، ٣ - نبت، ٤ - سلامان، ٥ - الهميسع
٦ - أَلَّيْسَع، ٧ - أَدّ، ٨ - أدد، ٩ - عدنان، ١٠ - معد.
نزار نبي اللّه
١ - مضر، ٢ - إلياس، ٣ - مدركة، ٤ - خزيمة، ٥ - كنانة، ٦ - نضر، ٧ - مالك، ٨ - فهر، ٩ - غالب.
لؤي نبي اللّه
١ - كعب، ٢ - مرّة، ٣ - كلاب، ٤ - قصي، ٥ - عبد مناف، ٦ - هاشم، ٧ - عبد المطّلب، ٨ - عبد الله.
أبو طالب نبي اللّه
فقد ظهر من الحديث: أنّ هؤلاء المذكورين أحد وخمسون أباً كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي أنبياء الله (عليهم السلام).
١ - عن أبي جعفر في قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال:
(في أصلاب النبيّين).
(الصافي / البرهان / نور الثقلين)
٢ -عن أبي الجاروردي قال:
سألتُ أبا جعفر عن قول الله عزّ وجل:( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال:
(يرى تقلّبه في أصلاب النبيّين من نبي إلى نبي، حتّى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح، من
لدن آدم).
(الصافي / البرهان / نور الثقلين / الميزان)
فقد ظهر من هذه الأحاديث أنّ هؤلاء النبيين كانوا كلهم آباء النبي(صلَّى الله عليه وآله) والولي من لدن ادم إلى عبد الله (عليه السلام).
إظهار الإمام محمّد الباقر وجعفر الصادق (عليه السلام)
نبوّة آباء النبي والولي
* عن أبي جعفر وأبي عبد الله، قالا في ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) :
(في أصلاب النبيّين، نبي بعد نبي، حتّى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح، من لدن آدم).
(مجمع البيان / الميزان)
فقد ظهر من حديثهما:
- أنّ هؤلاء النبيّين كانوا كلّهم آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي، كانوا كلّهم أنبياء.
- وقولهما: (نبي بعد نبي، حتّى أخرجه من صلب أبيه): يدلّ على أنّهم الأنبياء نبي بعد نبي، يعنى انتهتْ سلسلة النبيّين آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله)، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله، ولم يدخل فيهم غير نبي قط.
- وقولهما: (من نكاح): يدلّ على أنّهم ينكحون أزواجهم بأمر الله تعالى.
- وقولهما: (من لدن آدم): يدلّ على أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي كانوا أنبياء من لدن آدم إلى أبيه عبد الله، ولم يكن فيهم غير نبي.
إظهار الإمام الحسن العسكري
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* روى العلاّمة البرسي (ره) في مشارق الأنوار، بإسناده مرفوعاً عن علي بن عاصم الكوفي، قال:
دخلت على أبي محمّد الحسن العسكري فقال لي: (يا علي، انظر إلى ما تحت قدميك، فإنّك على بساط قد جلس عليه كثير من النبيّين والمرسلين والأئمّة الراشدين.
ثمّ قال: ادنُ منّى، فدنوت منه، فمسح يده على وجهي فصرتُ بصيراً - فرأيتُ في البساط أقداما وصوراً.
فقال: هذا أثر قدم آدم عليه السلام وموضع جلوسه، وهذا أثر هابيل، وهذا أثر شيث، وهذا أثر نوح، وهذا أثر قيدار، وهذا أثر مهلائيل، وهذا أثر يارة، وهذا أثر اخنوح، وهذا أثر إدريس، وهذا أثر متوشلخ، وهذا أثر سام، وهذا أثر أَرَفَخْشِد، وهذا أثر هود، وهذا أثر صالح، وهذا أثر لقمان، وهذا أثر إبراهيم، وهذا أثر لوط، وهذا أثر إسماعيل، وهذا أثر إلياس، وهذا أثر إسحاق، وهذا أثر يعقوب، وهذا أثر يوسف، وهذا أثر شعيب، وهذا أثر موسى، وهذا أثر يوشع بن نون، وهذا أثر طالوت، وهذا أثر داود، وهذا أثر سليمان، وهذا أثر الخضر، وهذا أثر دانيال، وهذا أثر اليسع، وهذا أثر ذي القرنين الإسكندر، وهذا أثر شابور بن أردشير، وهذا أثر لؤي، وهذا أثر كلاب، وهذا أثر قصي، وهذا أثر عدنان، وهذا أثر عبد مناف، وهذا أثر عبد المطّلب، وهذا أثر عبد الله، وهذا أثر سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله، وهذا أثر أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا أثر الأوصياء من بعده إلى المهدي عليهم السلام؛ لأنّه قد وطأ وجلس عليه.
ثمّ قال:
انظر إلى الآثار، و اعلم أنّها آثار دين الله، وأنّ الشاك فيهم كالشاك في الله، ومَن جحد فيهم كمن جحد الله.
ثمّ قال:
اخفض طرفك يا علي، فرجعت محجوباً كما كنت).
(البحار: ج١١ في النبوّة)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي كانوا أنبياء، قال الإمام: (مَن كان شاكّاً فيهم كَمَنْ شاكّاً في الله عزّ وجل، ومَن جَحَد فيهم كمَن جحد الله) عزّ وجل.
إظهار الصحابي نبوّة آباء النبي والولي
١ -عن ابن عبّاس - الصحابي - في قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال:
من نبي إلى نبي، حتّى أخرجك نبيّاً.
(الشفا / روح البيان)
٢ -أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، عن ابن عبّاس، قال:
ما زال النبي (صلَّى الله عليه وآله) يتقلّب في أصلاب الأنبياء حتّى ولدتْه أُمّه.
(فتح القدير / الدر المنثور)
٣ -عن عطا، عن ابن عبّاس، قال:
أراد( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) : في أصلاب النبيّين، من نبي إلى نبي، ومن نبي إلى نبي حتّى أخرجك نبيّاً في هذه الأُمّة.
(السراج المنير / لباب التنزيل / معالم التنزيل)
٤ -عن عكرمة، عن ابن عبّاس قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال:
من نبي إلى نبي، ومن نبي إلى نبي حتّى أخرجك نبيّاً.
(تذكرة خواص الأمّة / الطبقات الكبرى / الشفا / السيرة الحلبيّة)
٥ - قال بعض المفسّرين، منهم ابن عبّاس وعكرمة:
أراد حين تقوم بالنبوّة ويرى تقلّبك في الساجدين في أصلاب الموحّدين من نبي إلى نبي؛ حتى أخرجك نبيّاً في هذه الأمّة.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٥٦)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ ابن عبّاس - الصحابي - حبر الأمّة قال: إنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي كانوا أنبياء، نبيّاً بعد نبي، إلى أنْ وُلِدَ نبيّاً، فلم يكن فيهم - بين النبيّين - غير نبي، من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب.
إظهار التابعي نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* أخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده، والبزار، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، في الدلائل عن مجاهد - التابعي - في قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال:
مِن نبي إلى نبي حتّى أخرجك نبيّاً.
(الدرّ المنثور: ج٥، ص٩٥)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ مجاهد - التابعي، المفسّر - قال: إنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كانوا أنبياء نبيّاً بعد نبي حتّى أخرجك نبيّاً، يعني: إلى أنْ وُلد نبيّاً، فلم يكن فيهم - بين النبيّين - غير نبي، من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب.
إظهار العلاّمة الآلوسي
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* قال العلاّمة الآلوسي عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، قال:
من نبي إلى نبي، حتّى أخرجك نبيّاً، قال: فمعنى في الساجدين: في أصلاب النبيّين والمرسلين، من آدم إلى نوح وإلى إبراهيم وإلى من بعده، إلى أنْ ولدته أمّه.
(تفسير روح البيان: ج٢)
فقد ظهر من هذا البيان:
أنّ العلاّمة الآلوسي مفسّر العامّة قال: إنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي كانوا أنبياء، نبيّاً بعد نبي إلى أنْ وُلِدَ نبيّاً، فلم يكن فيهم - بين النبيّين - غير نبي، من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب.
إظهار لَمَك - النبي - نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* قال المسعودي: روى الخاصّة والعامّة (هذا الحديث):
(لمّا خَلق الله عزّ وجل آدم سمع من تخطيط أسارير جبهته نشيشاً كنشيش الذر، فقال: سبحانك ربّي ما هذا؟
قال الله عزّ وجل: هذا تسبيح محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) خاتم النبيّين وسيّد المرسلين مِن وُلدك، ولولاه لَمَا خلقتُك، ولا خلقتُ سماءً ولا أرضاً، ولا جنّة ولا ناراً، فخذْه بعهدي وميثاقي على أنْ لا تُودعه إلاّ في الأصلاب الطاهرة.
قال آدم: نعم يا إلهي وسيّدي، قد أخذتُه بعهدك وميثاقك على
أنْ لا أودعه إلاّ في المطهّرين من الرجال والمحصنات من النساء.
قال آدم: يا حوّاء تطهّري، فلعلّ الله عزّ وجل يستودع هذا النور المستودع ظهري عن قليل طهارة بطنك.
قال: فلم تزل حوّاء كذلك حتّى بشّرها الله تعالى بشيث أبي الأنبياء ورأس المرسلين، لم يزل ذلك النور ممدوداً حتّى أدرك شيث، فلمّا أيقن آدم بالموت أخذ بيد شيث، وقال: يا بني، إنّ الله تعالى أمرني أنْ آخذ عليك العهد والميثاق من أجل هذا النور المستودع في وجهك وظهرك أنْ لا تضعه إلاّ في أطهر نساء العالمين، واعْلَمْ إنّ ربّي أخذ على فيه قبلك عهداً غليظاً.
إلى أنْ قال:
وزوّجه الله عزّ وجل قبل أنْ تزول الملائكة بحوراء اهْبِطتْ له من الجنّة تُسمّى نزلة، فحملت بأَنُوش، فلمّا حملتْ به سمعت الأصوات من كلّ مكان: هنيئاً لك البشرى فقد أودعك الله عزّ وجل نور محمّد المصطفى.
فلم يزل كذلك حتّى وضعتْ أَنُوش، فلمّا وضعتْ نظرتْ الحوراء نزلة إلى نور رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بين عينيه، فلمّا ترعرع دعاه أبوه شيث، فقال له: يا بُني أمرني ربّي أنْ اتخذ عليك العهد والميثاق: أنْ لا تتزوّج إلاّ بأطهر نساء العالمين، وقَبِلَ وصيّته.
وأوصى أَنُوش إلى ابنه قينان بمثل ذلك من وصيّة آبائه، وأوصى قينان إلى ابنه مهلائيل، وأوصى مهلائيل إلى ابنه بردا فتزوّج بردا امرأةً يُقال لها برة، فحملتْ بأخنوخ وهو إدريس، فلمّا وُلِدَ إدريس نظر أبوه إلى النور يلوح بين عينيه فقال: يا بني أوصيك بهذا النور كلّ الوصاية، قَبِلَ وصيّته وتزوّج امرأة يُقال لها بزرعا، فولدتْ له مَتوشَلَخِ، وولد له لَمَك، وكان لَمَك رجلاً أشقر قد أُعطي قوّة وبطشاً، فتزوّج امرأة يُقال لها قينوس بنت تركاش، فولدت له نوحاً، وتحوّل
إليه نور رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فلمّا نظر لَمَك إلى النور في وجهه قال: يا بني، إنّ هذا النّور هو الذي تتوارثه الأنبياء، وهو نور محمّد المصطفى، ينتقل بالعهود والمواثيق إلى يوم خروجه) - الحديث -.
(إثبات الوصيّة: ص٤٥)
فقد ظهر من إخباره بالغيب (يا بني، إنّ هذا النور هو الذي تتوارثه الأنبياء وهو نور محمّد المصطفى ينتقل بالعهود والمواثيق إلى يوم خروجه):
أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي - من لدن آدم إلى نوح، ومن لدن نوح إلى يوم خروجه، يعنى يوم خروج النور من عبد الله وأبي طالب - كانوا كلّهم أنبياء الله (عليه السلام).
إظهار المطّلب نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* روى الشيخ أبو الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني، بإسناده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، حديث طويل قال فيه:
فقال المطّلب لسلمى عند ذلك أي عند تزويج هاشم: (اعلمي، إنّ أخي قد تطاولتْ إليه الملوك في خطبته، ورغبوا في تزويجه بناتهم، فإلى حتّى أتاه آتٍ في منامه فأخبره بخبرك فرغب فيك، وأراد أنْ يستودعك هذا النور الذي استودعه الله عزّ وجل إيّاه بعد الأنبياء (عليهم السلام).
وقال: فلمّا تأهّب هاشم للقاء القوم فتزيّنوا بزينتهم، وإذا أهل سلمى قد قدموا فقام مَن كان في الخيمة إجلالاً لهم وجلس هاشم وأخوه وبنو عمّه في صدر الخيمة، فتطاولتْ القوم إلى هاشم فابتدأهم المطّلب بالكلام وقال: يا أهل الشرف والإكرام والفضل والإنعام، نحن وفد
بيت الله الحرام والمشاعر العظام، وإلينا سعتْ الأقدام وأنتم تعلمون شرفنا وسؤددنا، وما قد خصصنا الله عزّ وجل به من النور الساطع والضياء اللامع، ونحن بنو لؤي بن غالب وقد انتقل هذا النور إلى عبد مناف، ثمّ إلى أخينا هاشم، معنا من آدم إلى أنْ صار إلى هاشم) - الحديث -.
فقد ظهر من كلامه هذا النور الذي استودعه الله عزّ وجلّ إيّاه بعد الأنبياء: أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كانوا أنبياء.
وظهر من كلامه: (قد انتقل هذا النور إلى عبد مناف ثمّ إلى أخينا هاشم، ومعنا من آدم إلى أنْ صار إلى هاشم (عليه السلام)): أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي كانوا أنبياء، من لدن آدم إلى هاشم.
إظهار هاشم نبوّة آبائه
* وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):
(ثمّ أقام هاشم في المدينة أياماً حتّى اشتهر حمل سلمى، فقال هاشم: يا سلمى، إنّي أودعتُكِ الوديعة التي أودعها الله عزّ وجل آدم، وأودعها آدمُ وَلَدَه شيثاً، ولم يزالوا يتوارثونها من واحد إلى أنْ وصلتْ إلينا، وشرّفنا الله عزّ وجلّ بهذا النور وقد أودعتُه إياكِ) - الحديث -.
(البحار: ج١٥، ص٦١)
فقد ظهر من كلامه هذا:
أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي كانوا أنبياء من لدن آدم إلى هاشم (عليهم السلام).
إظهار عبد المطّلب نبوّة آبائه
* روى العلاّمة اليعقوبي بإسناده... وقال عبد المطّلب، لمّا كان من أصحاب الفيل ما كان:
إنّ للبيتِ لربّاً صانعاً * مَن يَرِدْه بآثامٍ يصطلم
وكذا الأمر بِمَنْ كاده بحر * ب فأمْر الله بالأمر اللَمَم
نعرف اللهَ وفينا سُنَّةٌ * صلةُ الرحمِ وإيفاءُ الذِمَم
لم يزلِ اللهُ فينا حجّةً * يدفع اللهُ بها عنَّا النِقَم
نحن أهل الله في بَلْدَتِهِ * لَمْ يَزَل ذلك على عَهْدِ إبرهم
(تاريخ اليعقوبي: ٧٢)
فقد ظهر من كلامه (لم يزل الله فينا حجّة) إلى (لم يزل ذلك على عهد إبرهم):
أنّ آباء النبي والولي كانوا حجج الله من لدن إبراهيم إلى عبد المطّلب.
* وقال شيخنا الصدوق (ره):
فالنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حجّة، والوصي حجّة.
(إكمال الدين: ب١، ص٢٧)
فظهر:
- أنّ الله تعالى لم يجعل حجّة إلاّ الأنبياء والأوصياء.
- وظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا أنبياء وأوصياء من لدن إبراهيم إلى عبد المطّلب.
إظهار أبي طالب نبوّة آبا ئه
(الإظهار الأوّل)
* قال العلاّمة ابن شهرآشوب، والعلاّمة المجلسي والطبسي:
خطب أبو طالب في نكاح فاطمة بنت أسد فقال:(الحمد لله ربّ العالمين، ربّ العرش العظيم والمقام الكريم والمشعر والحطيم، الذي اصطفانا أعلاماً وسدنة وعرفاء وخلصاء وحججه، بهاليل وأطهاراً من الخنى، والريب والأذى والعيب، وأقام لنا المشاعر وفضّلنا على العشائر، نخب آل إبراهيم وصفوته، وزرع إسماعيل) - إلخ -.
(المناقب: ج١، ص١٧١ / البحار: ج٣٥، ب٣، ص٩٨ / منية الراغب: ص٧٦)
فقد ظهر من كلامه: (الذي اصطفانا):
- أنّ الله عزّ وجل اصطفى من آل إبراهيم إسماعيل ومن ذرِّيَّته الطاهرين، إلى عبد الله وأبي طالب (عليهم السلام).
- وأنّ الله عزّ وجل لم يصطفِ إلاّ الذين جعلهم أنبياء، والمرسلين مصطفين كما قال:( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاَ وَمِنَ النَّاسِ ) .
(سورة الحج: آية: ٧٥)
فظهر:
أنّ الله عزّ وجلّ جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي أنبياء ومرسلين، من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب (عليهم السلام).
(الإظهار الثاني)
١ -قال العلاّمة النسوي في تاريخه، والحرفوشي في شرف المصطفى (صلى الله عليه وآله)، والزمخشري في ربيع الأبرار وفي تفسيره الكشّاف، وابن بطّة في الإنابة، والجويني في السِيَر، والواقدي، وأبو صالح، والعتبي، بأنّه قال عند تزويج النبي (صلَّى الله عليه وآله) بخديجة:
(الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم الخليل، وذرِّيَّة المصطفى إسماعيل وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل مسكننا بيتاً محجوجاً وحَرَمَاً آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس) - إلخ -.
(منية الراغب: ص٥٧)
٢ -قال العلاّمة اليعقوبي:
ثمّ جاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في نفر من أعمامه، تقدّمهم أبو طالب عند نكاح الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بخديجة، فخطب أبو طالب قال:
(الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرِّيَّة إسماعيل، وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحَرَمَاً آمناً وجعلنا الحكّام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه) - إلخ -.
(تاريخ اليعقوبي: ج٢)
٣ -عن عبد الرحمان بن كثير، عن الصادق قال:
(لمّا أراد رسول
الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنْ يتزوّج بخديجة بنت خويلد، أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش، حتّى دخل على ورقة بن نوفل عم خديجة، فابتدأ أبو طالب بالكلام، فقال:
الحمد لله ربّ هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرِّيَّة إسماعيل، وأنزلنا حَرَمَاً آمناً، وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وجعلنا الحكّام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه) - إلخ -.
(من فروع الكافي، منية الراغب: ص٥٦)
أظهر أبو طالب نبوّة آبائه بين يدي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في وجوه الناس: إنّ الله جعلنا الحكّام على الناس من لدن إبراهيم إمام الناس. وما جعل الله الحكّام على الناس إلاّ الأنبياء والرسل من الناس.
فقد ظهر أنّ الله جعل آباء النبي والولي أنبياء ومرسلين في الناس، لِمَا تنكرون نبوّة الذين جعلهم الله الحكّام على الناس من الناس؟!
لِمَا تنكرون نبوّة الذين باركهم الله في هذا البلد ولم يبارك غيرهم فيه من الناس؟!
لِمَا تنكرون نبوّة الذين جعل الله الحرم آمناً خاصّاً لهم وعامّاً للناس؟!
فتوجد نبوّتهم في الكتاب والسنّة، وفي كتب العامّة والخاصّة من الناس، وكانت تجرى نبوّتهم على السنّة الأنبياء منهم والأوصياء أئمّة الناس، وما قولنا فيهم بالحقّ بين الناس وما قولكم فيهم إلاّ الباطل بين الناس، فما عندنا فيهم فهو خير للناس، وما عندكم فيهم فهو شرّ للناس، فلم نكُ من المبتدعين الطغاة فيجب ردّ مقالنا على رعاة الناس، ولم نكُ من المنحرفين عن الهداة فلنْ يلتفت إلى مقالنا حفّاظ الناس.
ولا ريب في متقدّمينا أنّهم جاهدوا في إسلامهم جهاداً بين الناس، ولكنّ المعاندين لم يقبلوا منهم بل جحدوهم عناداً بين الناس، سنلقى عليكم فيهم قولاً
ثقيلاً بين الناس، ولم يلقَ مثله قول من الناس.
وما توفيقي إلاّ بالله العظيم ربّ الناس، وصلّى الله على محمّد وآله هداة الناس.
إظهار العلماء الأعلام نبوّة
آباء النبي والولي
* قال العلاّمة المجلسي (ره):
اتفقتْ الإماميّة - رضوان الله عليهم - على أنّ والد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وكلّ أجداده كانوا مسلمين، بل كانوا من الصدّيقين، إمّا أنبياء مرسلين وإمّا أوصياء معصومين، لعلّ بعضهم لم يُظهِر الإسلام لتقيّةٍ أو لمصلحة دينيّة.
(البحار: ج١٥، ص٤١)
فكما كان موسى في دار فرعون متّقياً لم يُظهر الإسلام، وكما كان في دار شعيب لم يُظهر النبوّة؛ لمصلحة دينيّة.
فقد ظهر من اتّفاق العلماء الإماميّة أنّ آباء النبي والولي كانوا أنبياء مرسلين، وأوصياء معصومين، من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب.
إظهار العلاّمة المجلسي (ره) نبوّة
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* قال:
بل يظهر من الأحاديث المتواترة أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأجداده كانوا كلّهم أنبياء وأوصياء وحَمَلَةَ دين الله، وهم بنو إسماعيل وأوصياء إبراهيم، ولم يزالوا رؤساء مكّة ويتعلّق بهم تعمير الكعبة وحجابته، ولم تنسخ فيهم شريعة إبراهيم بشريعة موسى ولا بشريعة عيسى،
وأنّهم كانوا كلّهم حَفَظَة شريعة إبراهيم ويُوصي بها بعضهم بعضاً، ويستودع بعضهم بعضاً كتب الأنبياء وودائعهم وأماناتهم من لدن إسماعيل إلى عبد المطّلب، حتّى استودع أبو طالب كتب الأنبياء وآثارهم وودائعهم وأماناتهم النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) بعد مبعثه.
(حيات القلوب: ج٢، فصل: ٣)
فقد ظهر من تحقيق العلاّمة المجلسي:
أنّ آباء النبي والولي كانوا أنبياء وأوصياء، من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب.
إظهار العلاّمة الإمامي (م ُ دّ ظِل ّ ُه)
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
* قال العلاّمة الشيخ محمّد الإمامي دام ظلّه:
اعتقاد الفرقة الناجية أنّ آباء النبي والولي إلى آدم كانوا كلّهم أنبياء وأوصياء، وأنّ والد إبراهيم كان تارَخ، وآزر كان عمّه.
إلى أنْ قال:
وأنّ عبد المطّلب وآبائه من لدن إسماعيل كانوا كلّهم أوصياء إبراهيم، وأنّ أبا طالب كان بعد عبد المطّلب وصيّاً، وكانت عنده كتب إبراهيم وإسماعيل وسائر الأنبياء والأوصياء وودائعهم، فدفعها كلّها إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله).
(شرح دعاء الصباح: ص٢٤٠)
إظهار المؤرّخ الخراساني
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي
* فائدة:
قيل: إنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب كانوا واحداً وخمسين أباً، مع عدد ركعات الصلاة اليوميّة من الفرائض والنوافل، فـ:
- سبعة عشر أباً منهم كانوا أنبياء على عدد فرائض الصلاة اليوميّة.
- وسبعة عشر أباً منهم كانوا أوصياء أنبياء.
- وسبعة عشر أباً منهم كانوا ملوكاً وسلاطين.
وإنّهم كانوا على المذهب الحق، وموحّدين وساجدين لله تعالى، بدليل قوله تعالى:( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) .
(منتخب التواريخ: ص٢)
إظهار محشِّي شرح الباب الحادي عشر
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي
* فائدة:
قيل: آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) من آدم إلى عبد الله كانوا واحداً وخمسين أباً، مع عدد ركعات الصلاة اليوميّة:
- سبعة عشر منهم كانوا أنبياء.
- وسبعة عشر كانوا أوصياء.
- وسبعة عشر كانوا ملوكاً.
والظاهر أنّ هؤلاء لم يكونوا أهل الفترة كما ذكره البعض، بل كانوا على المذهب الحق، موحّدين عاملين بشريعة الحقّ، ويؤيّد هذا ما رواه أبو جعفر محمّد بن بابويه عن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في حقّ عبد المطّلب - (شرح الطريحي).
(شرح الباب الحادي عشر: ص٤٣)
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي كانوا حُكّام الناس
* قال الله تعالى:
( إنّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
(سورة آل عمران: آية: ٣٣ - ٣٤)
فقد ظهر من هذه الآية:
أنّ الله عزّ وجل جعل آدم أوّلاً مصطفى، ثمّ جعل نوحاً ثانياً مصطفى، ثمّ جعل آل إبراهيم ثالثاً مصطفين، ثمّ جعل آل عمران رابعاً مصطفين.
تفسير الآية عن علمائنا المتقدّم ين
* قال الشيخ الصدوق رحمه الله:
قال علماء الإماميّة رضوان الله عليهم: إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً - الخ - إنّ الله جنّس الناس في هذا الكتاب جنسَين: فاصطفى جنساً منهم وهم الأنبياء والرسل والخلفاء، وجنساً منهم أُمِرُوا باتّباعهم.
(إكمال الدين: ب١، ص٦٣)
فظهر من هذا التفسير:
* أنّ الله عزّ وجل بيّن في القرآن طبقتَين من الناس:
-فأمّا الطبقة العليا فهم: الحكّام، أنبياء كانوا، أم مرسلين، أَمْ كانوا أوصياء، أمْ كانوا خلفاء معصومين.
-وأمّا الطبقة السفلى فهم: المحكومون، مؤمنين كانوا أمْ كافرين.
* وأنّ الحكّام طبقتان:
-فأمّا الأوّليّون فهم: محمّد وآل محمّد (عليهم السلام).
- وأمّا
الثانويّون فهم: الأنبياء والمرسلون.
* وأنّ المحكومين طبقتان:
-فأمّا الأوّليّون فهم: المؤمنين.
-وأمّا الثانويّون فهم: الكافرون.
الحكّام والمحكومون
١ - عن محمّد بن سنان قال:
كنتُ عند أبي جعفر الثاني، فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: (يا محمّد، إنّ الله لم يزل منفرداً بوحدانيّته، ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خَلْقَهَا، وأجرى طاعتهم عليها، وفوّض أمورها إليهم) - الحديث -.
(لوامع التنزيل ببني إسرائيل / الكافي: كتاب التواريخ، باب مولد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) / الصافي: ج١)
٢ -عن المفضّل بن عمر قال:
قال أبو عبد الله: (إنّ الله عزّ وجل خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عالم، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمّد وعلي والحسن والحسين والأئمّة من وُلد الحسين، فعرضها على السموات والأرض والجبال فغشيها نورهم، فقال للسموات والأرض والجبال: هؤلاء أحبّائي وأوليائي، وحُجَجِي على خلقي، وأئمّة بريّتي، ما خلقتُ خلْقاً هو أحبّ إليّ منهم، ولِمَنْ تولاّهم خلقتُ جنّتي، ولِمَنْ خالفهم وعاداهم خلقتُ ناري) - الحديث -.
(الأنوار النعمانيّة: باب نور علي)
٣ -عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله، في قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ... ) قال:
(أخذ الله تعالى من ظهر آدم ذرِّيَّته إلى يوم القيامة، وهم
كالذرّ، فعرّفهم نفسَه، ولولا ذلك لم يعرف أحدٌ ربّه، وقال: ألستُ بربّكم؟ قالوا: بلى. وأنّ محمّداً رسول الله وأنّ عليّاً أمير المؤمنين).
(البرهان: ج٢ / سورة الأعراف: الآية: ١٧٢)
٤ -عن حمران، عن أبي جعفر:
(....إلى أنْ قال: ثمّ أخذ الميثاق على النبيّين فقال: ألستُ بربّكم وأنّ هذا محمّداً رسولي، وأنّ هذا عليّاً أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى. فثبتت لهم النبوّة، وأخذ الميثاق على أولي العزم من الرسل، أنّني ربّكم ومحمّد رسولي، وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده وُلاة أمري وخُزّان علمي وأنّ المهدي أنتصر به لديني وأُطهّر به أرضي وأُظهر به دولتي وانتقم به من أعدائي، وأُعْبَد به طوعاً وكرماً، قالوا: أقررنا يا ربّ وشهرنا ولم يجحد آدم ولم يقر - فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به، وهو قوله تعالى:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) قال: إنّما هو فترك، يعني معنى نسي ترك، كما قال:( نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) .
(البرهان: ج٢، وج٣)
٥ - عن سنان بن طريف عن أبي عبد الله، يقول:
(إنّا أوّل أهل بيتٍ نوّه الله بأسمائنا، أنّه لمّا خلق السموات والأرض أمر منادياً فنادى:
أشهد أنْ لا اله ألاّ الله، ثلاثاً.
أشهد أنّ محمّداً رسولُ الله، ثلاثاً.
أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً، ثلاثاً).
(الكافي: كتاب التواريخ، باب مولى النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)
فقد ظهر من هذه الأحاديث الخمسة أنّ الله عزّ وجل جعل:
-الحكّام الأوّليِّين: محمّداً وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله).
-وجعل الحكّام الثانويّين: نبيّين ومرسلين أولي العزم.
-وجعل المحكومين الأوّليّين: مؤمنين.
-والمحكومين الثانويّين: كافرين.
قال صاحب الصافي:
آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما.
(تفسير الصافي: ج١)
فظهر أن مراده (ره):
أنّ المصطفين من آل إبراهيم: إسماعيل وبنوه وإسحاق وبنوه.
فيكون تقرير الآية:
- أنّ الله اصطفى آدم أي جعله نبيّاً حاكماً.
- واصطفى نوحاً أي جعله نبيّاً حاكماً.
- واصطفى من آل إبراهيم إسماعيلَ وبَنِيْه أي جعلهم أنبياء حكّاماً.
- وإسحاق وبَنِيْه أي جعلهم أنبياء حكّاماً؛ لأنّ إسماعيل وبَنِيْه كانوا بمكّة، وإسحاق وبَنِيْه كانوا في الشام.
- واصطفى آل عمران: موسى بن عمران، أم عيسى بن مريم بنت عمران، عند جمهور المفسّرين عامّة وخاصّة، أي جعل موسى نبيّاً حاكماً، أم جعل عيسى نبيّاً حاكماً.
ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) اصطفاء آبائه
* عن واثلة بن الاسقع قال:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله اصطفى من وُلد آدم إبراهيم واتّخذه خليلاً، واصطفى مِن وُلد إبراهيم
إسماعيلَ، ثمّ اصطفى مِن وُلد إسماعيل نزاراً، ثمّ اصطفى مِن وُلد نزار مضراً، ثمّ اصطفى مِن مضر كنانة، ثمّ اصطفى مِن كنانة قريشاً(نضراً) ، ثمّ اصطفى مِن قريش(مِن نضر) بني هاشم(هاشماً) ، ثمّ اصطفى مِن بني هاشم عبد المطّلب، ثمّ اصطفاني مِن بني عبد المطّلب).
(صحيح المسلم / والترمذي / وأبو حاتم / وأبو القاسم السهمي / وذخائر العقبى)
فقد ظهر من ادعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أنّ الله اصطفى من آل إبراهيم: إسماعيلَ أي جعله نبيّاً حاكماً، واصطفى من وُلد إسماعيل آباء النبي والولي، من لدن نزار إلى عبد المطّلب، أي جعلهم أنبياء حكّاماً.
ادّعاء أبي طالب حكومة آبائه
* قال النسوي في تاريخه، والحرفوشي في شرف المصطفى، والزمخشري في ربيع الأبرار والكشّاف، وابن بطّة في الإنابة، والجويني في السِيَر، والواقدي، وأبو صالح، والعتبي، واليعقوبي في تاريخه، وغيرهم، بأنّه قال:
(الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم الخليل، وذرِّيَّة المصطفى إسماعيل وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل مسكننا بيتاً محجوجاً وحَرَمَاً آمنا، وجعلنا الحكّام على الناس) - الخ -.
(منية الراغب: ص٥٧، الطبعة الأولى)
* عن عبد الرحمان بن كثير، عن أبي عبد الله الصادق قال:
(لمّا أراد رسول الله أنْ يتزوّج بخديجة بنت خويلد أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش، حتّى دخل على ورقة بن نوفل عمّ خديجة فابتدأ أبو طالب بالكلام، قال:
الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرِّيَّة إسماعيل، وأنزلنا حَرَمَاً آمناً، وجعلنا الحكّام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه) - الخ -.
(عن فروع الكافي، منية الراغب: ص٥٦)
فقد ظهر من ادعاء أبي طالب بدلالة ضمير المتكلم مع الغير:
- أنّ الله عزّ وجل جعل آباء النبي والولي من لدن إبراهيم إلى أبي طالب حكّاماً على الناس.
- وأنّ الله لم يجعل حكّاماً على الناس إلاّ محمّداً وآل محمّد، والنبيين والمرسلين (عليهم السلام).
- فظهر أنّ الله تعالى جعل آباء النبي والولي - من لدن إبراهيم إلى أبي طالب - أنبياء حكّاماً على الناس.
تفسير الآية عن علمائنا المتأخ ّ رين
* قال شيخنا الطبرسي:
( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ) : اختار واجتبى.
( آَدَمَ وَنُوحًا ) : لنبوّته، يعنى: إنّ الله جعل آدم ونوحاً نبيّين.
( وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) : بأنْ جعل الأنبياء منهم.
إلى أنْ قال:
ويجب أنْ يكون الذين اصطفاهم الله مطهّرين معصومين منزّهين عن القبائح؛ لأنّ الله تعالى لا يختار ولا يصطفى إلاّ مَن كان كذلك، ويكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة والعصمة، فعلى هذا يختص الاصطفاء بمَن كان من آل إبراهيم وآل عمران، سواء كان نبيّاً أو إماماً.
(مجمع البيان: ج١، ص٤٣٣)
فيظهر من تفسير الآية هذه:
أنّ الله مَن اصطفاه، فكان قبل
اصطفائه تعالى طاهراً مطهّراً معصوماً منزّهاً عن القبائح.
فيكون تقرير الآية:
( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ) ؛ لأنّ آدم كان قبل اصطفائه طاهراً مطهّراً معصوماً منزّهاً عن القبائح، ثمّ اصطفاه الله أي جعله نبيّاً حجّة.
( وَنُوحاً ) : أي: إنّ الله اصطفى نوحاً؛ لأنّ نوحاً كان قبل اصطفائه طاهراً مطهّراً معصوماً منزّهاً عن القبائح، ثمّ اصطفاه الله أي جعله نبيّاً حجّة.
( وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ ) : أي إنّ الله اصطفى آل إبراهيم، كانوا قبل اصطفائهم طاهرين مطهّرين معصومين منزّهين عن القبائح، ثمّ اصطفاهم الله أي جعلهم أنبياء حججاً.
فظهر من هذه الآية:
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) : أنّ سائر آل إبراهيم لم يكونوا مصطفين؛ لأنّ الله اصطفى من آل إبراهيم مَن كان قبل اصطفائه طاهراً مطهّراً معصوماً منزّهاً عن القبائح، أي إنّ الله جعله نبيّاً حجّة.
فظهر أنّ الله جعل بعض آل إبراهيم: إسماعيلَ وبعضَ بَنِيْه، وإسحاقَ وبعضَ بَنِيْه أنبياءً حججاً، الذين كانوا قبل اصطفائهم طاهرين طيّبين.
* قال صاحب الميزان مدّ ظلّه:
فأمّا آل إبراهيم فظاهر لفظه أنّهم الطيّبون من ذرِّيَّته كـ: إسحاق، وإسرائيل، والأنبياء مِن بني إسرائيل، وإسماعيل، والطاهرون من ذرِّيَته، وسيّدهم محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والملحقون بهم في مقامات الولاية (يعني الأئمّة المعصومين).
(تفسير الميزان: ج٣، ص١٧٨)
فيظهر من هذا التفسير:
- أنّ الله اصطفى من آل إبراهيم: إسحاقَ،
لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب - أنبياء، فكان هذا البلد آمنا، وكان أهله بهم مأمونين.
ادّعاء إمامنا الباقر (عليه السلام) حكومة آبائه
* قال العلاّمة المجلسي (ره):
عن الإمام محمّد الباقر: (لم يزالوا بنو إسماعيل وُلاة البيت، يقيمون للناس حجّهم وأمْر دينهم، يتوارثون كابراً عن كابر، حتّى كان زمن عدنان بن أدد).
(البحار: ج١٥)
فقد ظهر من ادّعاء إمامنا محمّد الباقر أنّ بني إسماعيل كانوا وُلاة البيت، أي جعلهم الله أنبياءً، حكّاماً، روحانيّين، من لدن إسماعيل إلى عدنان، فكان هذا البلد آمناً، وكان أهله مأمونين.
تقويض الولاية
* قال محمّد خاوند شاه:
إنّ إبراهيم فوّض ولاية أرض مكّة المباركة إلى إسماعيل، وأوصاه بحفاظة البيت كلِّيَّاً.
إلى أنْ قال:
ولمّا رأى إسماعيل في آخر عمره آثار الشيب والضعف فأوصى ابنه قيدار واستخلفه.
(روضة الصفا: ج١)
* قال اليعقوبي:
ذكرتْ الرواة والعلماء: فلمّا فرغ إبراهيم من حجّه وأراد أنْ يرتحل فأوصى ابنه إسماعيل أنْ يُقيم عند البيت الحرام، ويقيم للناس حجّهم ومناسكهم، وقال له: إنّ الله تعالى مُكْثِر عدده، ومُثْمِر نَسْله، وجاعل في وُلده البركة والخير.
إلى أنْ قال:
وكان إلياس بن مضر قد شرف وبَانَ فضلُه، وكان أوّل مَن أنْكر على بني إسماعيل ما غيّروا من سنن آبائهم، وظهرتْ منه أُمور جميلة حتّى رضوا به لم يرضوا بأحد مِن وُلد إسماعيل بعد(أَدَد) ، فردّهم إلى سنن آبائهم حتّى رجعت سنّتهم تامّة على أوّلها، وهو أوّل من أهدى البدن إلى البيت وأوّل مَن وضع الركن بعد هلاك إبراهيم (عليه السلام).
إلى أنْ قال:
وشرف كلاب بن مرّة، وجلّ قدرة، واجتمع له شرف الأب والجد مِن قِبل الأُم؛ لأنّهم يجيزون الحج ويحرّمون الشهور ويجلّلونها.
إلى أنْ قال:
فوُلِّي قصي بن كلاب البيتَ وأمْرَ مكّة والحكمَ وأجمع قبائل قريش، ومات قصي ودُفن بالحجون ورأّس عبد مناف بن قصي، وجلّ قدره وعظم شأنه، ولمّا كبر عبد مناف أمر ابنَه هاشماً، وَشَرُفَ هاشم بعد أبيه وجلّ قدره، واتّفقت قريش على أنْ يولّى هاشم بن عبد مناف الرياسة والسقاية والرفادة (ضيافة الحجّاج).
إلى أنْ قال:
فقام عبد المطّلب بأمر الكعبة وشَرُفَ وساد وأطعم الطعام وسقى اللبن والعسل، حتّى علا اسمه وظهر فضله وأقرّ له قريش بالشرف، فلا يزال كذلك.
فكانت قريش تقول: عبد المطّلب إبراهيم الثاني، وكان المبشِّر لقريش بما فعل الله بأصحاب الفيل عبد الله بن عبد المطّلب أبو رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).
(تاريخ اليعقوبي: ج١)
* قال الديار بكري:
في الروض الأنف للسهيلي: إنّ كعب بن لؤي أوّل مَن جمع يوم العروبة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم ويذكّرهم بمبعث النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ويُعْلِمُهُم أنّه مِن وُلده، ويأمرهم باتّباعه والإيمان به، ويُنشد في هذا أبياتاً، منها:
يا ليتني شاهد نجواء دعوته * إذا قريش تبغي الحقّ خذلانا
وقال السهيلي: وذكر الماوردي هذا الخبر، عن كعب في كتابه: الأعلام.
وقال: وكان عبد المطّلب بعد هاشم يلي الرفادة، فلمّا تُوفِّي قام بذلك أبو طالب في كلّ موسم، حتّى جاء الإسلام.
(تاريخ الخميس: ج١، ص١٥٧، وص٢٣٦)
ادّعاء المجلسي (ره) حكومة آباء
النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام)
* قال العلاّمة المجلسي:
بل يظهر من الأحاديث المتواترة أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) وأجداده كانوا أنبياء وأوصياء وحَمَلَةَ دين الله، وهم بنو إسماعيل أوصياء إبراهيم، ولم يزالوا رؤساء مكّة (يعني وُلاة البيت الحرام)، ويتعلّق بهم تعمير الكعبة وحجابته - الخ -.
(حياة القلوب: ب٢، فصل ٣)
فقد ظهر من التواريخ العامّة والأحاديث الخاصّة:
أنّ الله أجاب دعاء إبراهيم أنْ جعل من ذرِّيَّته آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) - مِن لدن إسماعيل إلى أبي طالب - وُلاة بيت الله الحرام رؤساء هذا البلد (مكّة) حكّاماً، روحانيّين، أنبياء، فكان هذا البلد آمناً، وكان أهله مأمونين - من الفتنة والفساد والظلم والعناد - بهم (عليهم السلام).
وإسرائيل، والأنبياء من بني إسرائيل، فهم المصطفون، كانوا قبل اصطفائهم طاهرين طيّبين، ثمّ اصطفاهم الله أي جعلهم أنبياء حججه.
- واصطفى من آل إبراهيم: إسماعيلَ، والطاهرين من ذرِّيَّته إلى سيّدهم محمّد خاتم النبيّين (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والملحقين بهم، الذين ألحقهم الله في مقامات الولاية أي جعلهم أوليائه المصطفين؛ لأنّه خاتم النبيّين لا نبيَّ بعده، فجعلهم أوصياءه المصطفين.
فظهر أنّ الله اصطفى من بني إسماعيل إلى سيّدهم محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) خاتم النبيّين الذين كانوا قبل اصطفائهم طاهرين طيّبين، ثمّ اصطفاهم الله أي جعلهم أنبياء حججه.
ادّعاء أبي طالب (عليه السلام) نبوّة آبائه
* قال العلاّمة المجلسي (ره):
قال ابن شهرآشوب في المناقب: خطب أبو طالب في نكاح فاطمة بنت أسد:
(الحمد لله ربّ العالمين، ربّ العرش العظيم، والمقام الكريم، والمشعر والحطيم، الذي اصطفانا أعلاماً وسَدَنَةً، وعرفاء خلصاء، وحجيّته بهاليل أطهاراً من الخنا والريب والأذى والعيب، وأقام لنا المشاعر، وفضّلنا على العشائر نُجَب آل إبراهيم وصفوته، وزرع إسماعيل) - الخ -.
(البحار: ج٣٥، ب٣، ص٩٨، الطبع الجديد)
فقد ظهر من ادّعاء أبي طالب بدلالة ضمير المتكلّم مع الغير أنّ الله اصطفى وانتخب من آل إبراهيم إسماعيلَ وبعضَ بَنِيْه، إلى عبد الله وأبي طالب، أي جعلهم أعلاماً يعنى رايات الهدى أنبياء حجيّته بهاليل؛
لأنّ الله جعلهم قبل اصطفائهم طاهرين مطهّرين، معصومين منزّهين عن القبائح، وأقام لهم المشاعر، وفضّلهم على العشائر، فهم المصطفون الأنبياء حجج الله كانوا آباء النبي والولي، من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب (عليه السلام).
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي
كانوا أئم ّ ة مثل إبراهيم
قال الله تعالى:
( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .
(سورة البقرة: آية: ١٢٤)
* قال صاحب آلاء الرحمان:
( لِلنَّاسِ إِمَاماً ) يعنى مرجعاً ومقصداً وزعيماً في أمور الدين والدنيا
(تفسير آلاء الرحمان)
* قال العيّاشي:
عن أبي جعفر في قول الله( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) : أي لا يكون إماماً ظالماً
(تفسير العيّاشي)
فقد ظهر من هذا التفسير والحديث:
أنّ الله لمّا جعل إبراهيم للناس إماماً فدعا ربّه أنْ يجعل من ذرِّيَّته أئمّة مثله: مراجع الناس، ومقاصد الناس، ورؤساء الناس، في أمور دينهم ودنياهم، فأجابه الله أنْ اجعل إماماً من ذرِّيَّتك مثلك، مَن يكون غير ظالم مثلك، أي مَن لم يظلم من المهد مثلك؛ لأنّ مَن ظلم مِن ذرِّيَّتك طرفةَ عينٍ فإنّي لم أجعله إماماً أبداً، فإنّه لم يصلح للإمامة.
فظهر:
أنّ الله يجعل من ذرِّيَّة إبراهيم أئمّة الذين لم يظلموا طرفة عينٍ، حتّى يكونوا مثل إبراهيم معصومين من عبادة الأصنام.
ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عصمة آبائه
* عن عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا دعوة أبي إبراهيم.
قلنا: يا رسول الله، وكيف صرتَ دعوة أبيك إبراهيم؟
قال:
أوحى الله إلى إبراهيم أنّي جاعلك للناس إماماً فاستخف إبراهيم الفرح، فقال: ربّ ومِن ذرِّيَّتي أئمّة مثلي؟
فأوحى الله إليه: أنْ يا إبراهيم: إنّي لا أُعطيك عهدك ولا أفي لك به.
قال: يا ربّ ما العهد الذي لا تفي لي به؟
قال: لا أعطيك عهداً لظالم مِن ذرِّيَّتك.
قال: يا ربّ، ومَن الظالم مِن وُلدي لا ينال عهدي؟
قال: مَن سجد لصنم من دوني لا أجعله إماماً أبداً، ولا يصلح أنْ يكون إماماً.
قال إبراهيم عندها: واجنبني وبَنِيَّ أنْ نعبد الأصنام، ربّ إنّهن أضللن كثيراً من الناس.
قال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): فانتهتْ الدعوة إلي وإلى أخي علي، لم يسجد أحد منّا لصنم قط، فاتّخذني نبيّاً وعليّاً وصيّاً).
(أمالي الشيخ الطوسي: ج١، ص٣٨٨ / البحار: ج١٦)
فقد ظهر من ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):
أنّ مِن ذرِّيَّة إبراهيم آباء النبي والولي، بدلالة ضمير المتكلّم مع الغير (منّا) في قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (فانتهت الدعوة إلي وإلى أخي علي، لم يسجد أحد منّا لصنم قط) من لدن إسماعيل إلى عبد الله، وأبي طالب، ومحمّد، وعلي، لم يسجد أحد منهم لصنم قط، فإنّهم كانوا مثل إبراهيم معصومين من عبادة الأصنام.
فقد ظهر:
أنّ الله جعل من ذرِّيَّة إبراهيم آباء النبي والولي - من لدن إسماعيل إلى عبد الله، وأبي طالب، أئمّةً مثل إبراهيم في زمانهم - أنبياء (عليهم السلام).
آباء النبي والولي كانوا ولاة البيت
قال الله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً ) .
(سورة إبراهيم: آية: ٣٥)
فقد ظهر من هذه الآية:
أنّ إبراهيم دعا ربّه أنْ يجعل هذا البلد آمناً لأهله يعني مكّة؛ آمناً ليكون أهله مأمونين عن الفتنة والفساد والظلم والعناد، ولا يمكن أنْ يكون بلداً آمناً لأهله إلاّ بواليه. وإنّ ولاة البلدان إمّا روحانيّون وإمّا مادّيُّون:
- فأمّا الروحانيّون: فهم الأنبياء والمرسلون.
- وأمّا المادِّيُّون: فهم الملوك والسلاطين.
وأمّا الأنبياء والمرسلون: فهم معصومون، ولا يمكن عنهم الفتنة والفساد والظلم والعناد.
وأمّا الملوك والسلاطين: فهم غير معصومين، فيمكن عنهم الفتنة والفساد والظلم والعناد.
وإنّ شرف هذا البلد (مكّة) ببيت الله الحرام، وهو قبلة العباد، ومبارك وهدىً للعالمين.
فظهر أنّ إبراهيم خليل الله دعا ربّه أنْ يجعل ولاة هذا البيت - أي بيت الله الحرام - أنبياء؛ ليكون هذا البلد (مكّة) آمناً لأهله، ويكون أهله مأمونين عن الفتنة والفساد والظلم والعناد.
* قال صاحب الميزان:
تتضمّن الآيات تذكرة ثانية بجملة من نعمه عقيب التذكرة الأولى التي يتضمّنها قوله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ... بَلاَءٌ مِنْ
رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) .
فذكَّرَ سبحانه أوّلاً: نعمته (هذه المذكورة) على جمع من عباده المؤمنين وهم بنو إسرائيل من ولد إبراهيم.
ثمّ ذكر ثانياً: نعمته على جمع آخر منهم (يعني من عباده المؤمنين) وهم بنو إسماعيل من ولد إبراهيم، وهي (النعمة) يتضمّنها دعاء إبراهيم:( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً ) .
إلى أنْ قال:
وعلى هذا يكون هذا الدعاء المحكي عن إبراهيم في هذه الآيات آخر ما أورده الله في كتابه من كلام إبراهيم ودعائه، وقد دعا ربّه بعد ما أسكن إسماعيل وأُمّه بها وجاورتْهما قبيلة جُرْهُم، وبنى البيت الحرام، وبُنيتْ بلدة مكّة بأيدي القاطنين هناك كما تدلّ عليه فقرات الآيات.
(الميزان: ج١٢، ص٦٨)
فقد ظهر من هذا التفسير:
أنّ دعاء إبراهيم الخليل يتعلّق بإسماعيل وبَنِيْه أنْ يجعل الله من ذرِّيَّه إبراهيم إسماعيلَ ومِن بنيه ولاةَ بيته الحرام أنبياءً ليكون هذا البلد (مكّة) آمناً لأهله؛ حتّى يكون أهله مأمونين عن الفتنه والفساد والظلم والعناد،لأنّ الوُلاة: جمع والٍ،ومعنى الوالي: حاكم، فمعنى وُلاة البيت الحرام حكّامه روحانيّون.
ادّعاء أبي طالب حكومة آبائه
كما مرّ خطبة أبي طالب عند نكاح الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بخديجة قال في خطبته:(وجَعَلَنَا الحكّام على الناس) فظهر:
- أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي حكّاماً روحانيّين، ولم يجعل الله حكّاماً روحانيّين إلاّ الأنبياء.
- فظهر من دعاء أبي طالب أنّ الله جعل آباء النبي والولي - من
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا معصومين
قال الله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ....... وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) - الآية -.
(سورة إبراهيم: آية: ٣٥ - ٣٦)
* قال فخر الدين الطريحي:
قوله:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) وهذا دعائه في حقّه لزيادة العصمة، وفي حقّ بَنِيْه مِن صلبه.
(مجمع البحرين: ص١٠٣)
فقد ظهر أنّ إبراهيم - لمّا دعا ربّه أنْ يجنبه وبَنِيْه عن عبادة الأصنام - كان نبيّنا معصوماً.
فكان مقتضى دعائه طلب زيادة العصمة في حقّه، أي ثبات النبوّة له دائماً أنْ لا يسلبها الله عنه، وطلب العصمة لِبَنِيْه.
ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) عصمة آبائه
* قال النبي (صلَّى الله عليه وآله):
(فانتهتْ الدعوة إليّ وإلى أخي علي، لم يسجد أحدٌ منّا لصنم قط) - الحديث -.
(أمالي الشيخ الطوسي)
ادّعاء إمامنا الصادق عصمة آبائه
* عن الزهري قال:
أتى رجل أبا عبد الله فسأله فلم يُجِبْهُ، قال له
الرجل: فإنْ كنتَ ابن أبيك فإنّك من أبناء عبدة الأصنام.
فقال له: (كذبتَ، إنّ الله أمر إبراهيم أنْ ينزل إسماعيل بمكّة ففعل، وقال إبراهيم: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ)، فلم يعبد أحد مِن وُلد إسماعيل صنماً قط) - الحديث -.
(العيّاشي / الصافي / البرهان)
فقد ظهر من ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وإمامنا الصادق أنّ الله عصم آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي - من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب - من عبادة الأصنام، كما عصم إبراهيم الخليل.
فظهر:
- أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي - من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب - كمثل إبراهيم معصومين (عليهم السلام).
- وأنّ الله لم يجعل معصوماً إلاّ الأنبياء.
- فظهر أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب كإبراهيم معصومين أنبياء (عليهم السلام).
ادّعاء التابعين عصمة آباء
النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام)
* أخرج ابن جرير عن مجاهد في هذه الآية: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) - الآية -قال:
فاستجاب الله لإبراهيم دعوتَه في وُلده، فلم يعبد أحد مِن وُلده صنماً - الخ -.
* وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة أنّه سُئِلَ:
هل عبد أحدٌ من وُلد إسماعيل الأصنام؟
قال: لا. أَلَمْ تَسْمع قولَه:( وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) ؟
قيل: كيف لم يدخل وُلد إسحاق وسائر وُلد إبراهيم؟
قال: لأنّه دعاء لأهل البلد خاصّة أنْ لا يعبدوا الأصنام إذا أسكنهم، فقال:( اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ) أنْ يخصّ ذلك. وقال:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) فيه - فقد خصّ أهله دون غيره.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٢٣٧)
فقد ظهر من ادّعاء التابعين: أنّ الله عصم وُلد إسماعيل من عبادة الأصنام.
وظهر من ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله): أنّ الله عصم آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي من عبادة الأصنام، فظهر أنّ الله عصم آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب من عبادة الأصنام.
وظهر: أنّ الله مَن جعله معصوماً فجعله نبيّاً فجعل الله آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي - من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب - أنبياء معصومين كإبراهيم الخليل (عليهم السلام).
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
كانوا أوصياء إبراهيم
قال الله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ.... فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
(سورة إبراهيم: آية: ٣٦)
فقد ظهر من دعاء إبراهيم:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) أنّه قال عقيب تلك الدعاء: فمَن تبعني فإنّه منّي يا رب، يعني مَن عصمتَه مثلي من عبادة الأصنام فجعلته مثلي معصوماً، فَمَنْ جعلتَه معصوماً مثلى فتبعني فجعلتَه نبيّاً مثلي، فَمَنْ لَمْ تعصمْه مثلي من عبادة الأصنام
فجعلته غير معصوم، فمَن جعلتَه غير معصوم فإنْ عصاني فكان عاصياً، وإنْ تاب فإنّك غفور، وإنْ أصلح فإنّك رحيم.
* عن عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (أنا دعوة أبي إبراهيم.
فقلنا: يا رسول الله، وكيف صرتَ دعوة أبيك إبراهيم؟
قال: إنّ إبراهيم قال: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). كما قد مرّ الحديث.
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي مثل إبراهيم - معصومين، من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب - متبعيه أنبياء، فجعلهم أوصياءه (عليه وعليهم السلام).
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي
كانوا مقيمي الصلاة
قال الله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ......... رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ) الآية.
(سورة إبراهيم: آية: ٣٧)
فقد ظهر من هذه الآية:
أنّ إبراهيم لمّا أسكن مِن ذرِّيَّته، يعني: بعض ذرِّيَّته - وإسماعيل كان رضيعاً عند بيت الله الحرام - دعا ربّه أنْ يجعل إسماعيل وبعده بعض بنيه مقيمي الصلاة؛ لأنّ لفظة( من ) في( من ذرِّيَّتي ) تبعيضيّة ولا تبيينية.
تفسير المتقدمين
* قال شيخنا الطبرسي:
( رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ) : أي أسكنْتَهم هذا الوادي ليداوموا على الصلاة ويقيموها بشرائطها.
(مجمع البيان)
فظهر أنّ المداومة على الصلاة وإقامتها بشرائطها للإنسان لا يمكن إلاّ بتعليم الله تعالى، ولا يمكن تعليمه تعالى إلاّ بالوحي، كما قال تعالى:( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ) - الآية -.
(سورة الشورى: آية: ٥١)
ولا يمكن الوحي بالصلاة من الله تعالى إلاّ إلى الأنبياء والمرسلين كما ظهر من كلام عيسى:( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ) .
(سورة مريم: آية: ٣٠ - ٣١)
ومعنى الإتيان: وحي.
ومعنى الإيصاء: وحي.
فكان تقرير الآية: ( رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ) : أنْ يجعل الله تعالى من ذرّية إبراهيم إسماعيلَ وبعضَ بَنِيْه مقيمي الصلاة ليداوموها بشرائطها، فظهر أنّ دعاء إبراهيم هذا دعاء النبوّة، حتّى يقيموا الصلاة بشرائطها دواماً ومداومةً (لإسماعيل وبعض بنيه).
* قال الطباطبائي مدّ ظلّه:
( أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) : و( مِنْ ) فيه للتبعيض، ومراده (عليه السلام) ببعض ذرِّيَّته ابنه إسماعيل وحده، بدليل قوله بعد:( لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ) : يعني جماعة المصلّين من بني إسماعيل (عليه السلام).
وقوله (عليه السلام):( بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) : يفيد أنّه إنّما اختار وادياً غير ذي زرع: أعزل مِن أمتعة الحياة، من ماء عذب ونبات ذي خضرة وشجرة ذي بهجة وهواء معتدل خالياً من السكنة؛ ليتمحّضوا في عبادة الله تعالى من غير أنْ يشغلهم عنها شواغل الدنيا.
(الميزان: ج١٢، ص٧٨ - ٨٨)
فظهر أنّ مراده من:( لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ) : أنْ الله جعل من ذرِّيَّة إبراهيم (عليه السلام) وبعض بَنِيْه جماعة المصلّين الذين يتمحّضون في عبادة الله، لا يغفلهم عنها شواغل الدنيا طرفة عين من المهد إلى اللحد، وظهر أنّ التمحض في عبادة الله من غير تغافل طرفة عين خاصّة النبوّة، وخاصّة الشيء لا ينفك عنه، فيكون تقرير الآية:( رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ) : أنْ يجعل الله تعالى من ذرِّيَّة إبراهيم (عليه السلام) إسماعيلَ وبعضَ بَنِيْه أنبياء مرسلين؛ حتّى يتمحّضوا في عبادة الله، من غير تغافل طرفة عين من المهد إلى اللحد.
فظهر أنّ دعاء إبراهيم هذا دعاء النبوّة لإسماعيل وبعض بَنِيْه؛ حتّى يقيموا الصلاة تمحّضاً فيها، وظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب كانوا أنبياء (عليهم السلام).
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا
حكّاماً روحانيّين (عليهم السلام)
قال الله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ......... فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .
(سورة إبراهيم: آية: ٣٧)
فقد ظهر من هذا الدعاء:
- أنّ إبراهيم دعا ربّه أنْ يجعل محبّة إسماعيل ومحبّة ذرِّيَّته في قلوب بعض الناس لتميل إليهم؛ لأنّ لفظة( مِنْ ) في( مِنَ النَّاسِ ) تبعيضيّة، وأنّ الناس بعضهم مؤمنون وأكثرهم غير مؤمنين.
- وأنّ قلوب الناس تميل إلى حكّامهم في أمورهم، وأنّ الحكام روحانيّون ومادّيون:
فأمّا الروحانيّون: فهم الأنبياء والمرسلون، فيميل إليهم المؤمنون محبّة لهم في أُمور دينهم.
وأمّا المادِّيّون: فهم الملوك والسلاطين، فيميل إليهم غير المؤمنين في أمور دنياهم، محبّة لهم.
فإنّ مقتضى دعاء إبراهيم أنْ يجعل الله إسماعيل وذرِّيَّته حكّاماً روحانيّين يعني الأنبياء والمرسلين؛ حتّى تهوى إليهم قلوب المؤمنون، محبّة لهم في أمور دينهم.
إظهار أبي طالب حكومة آبائه
كما مرّ في خطبة أبي طالب عند نكاح الرسول (صلَّى الله عليه وآله) بخديجة (عليه السلام) وقال:(وجعلنا الحكّام على الناس) - إلخ -.
فقد ظهر من خطبته: أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب حكّام الناس، وأنّ الله لم يجعل حكّام الناس إلاّ الأنبياء والمرسلين.
فظهر أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب حكّام الناس الروحانيّين، يعني الأنبياء
والمرسلين؛ حتّى تهوى إليهم قلوب المؤمنين محبّة لهم في أمور دينهم.
إظهار المجلسي (ره) حكومة
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام)
قال: بل يظهر من الأحاديث المتواترة أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأجداده كانوا كلّهم أنبياء وأوصياء، حَمَلَةَ دين الله وهم بنو إسماعيل أوصياء إبراهيم، ولم يزالوا رؤساء مكّة، يعنى كانوا حكّام الناس روحانيّين، أي جعل الله آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) من لدن إسماعيل إلى عبد الله وأبي طالب أنبياء (عليهم السلام).
آباء النبي والولي كانوا مبلّغين كإبراه يم
قال الله تعالى:
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ......... رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ) .
(سورة إبراهيم: آية: ٤٠)
* قال الشيخ الطبرسي:
( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) تقريره: واجعل من ذرِّيَّتي مقيم الصلاة، فحذف الفعل(واجعل) ؛ لأنّ ما قبله كان الفعل(واجعل) يدلّ عليه، يعني(ربِّ اجعلني مقيم الصلاة واجعل من ذرِّيَّتي) بعضَ ذرِّيَّتي مقيم الصلاة، فحذف الفعل(اجعل) وقام مقامه واو العطف، وهذا سؤال من إبراهيم من الله تعالى بأنْ يلطف له اللطف الذي عنده، يقيم الصلاة به ويتمسّك بالدين به، وأنْ يفعل مثل
ذلك بجماعة من ذرِّيَّته وهم الذين أسلموا منهم، فسأل لهم مثل ما سأل لنفسه.
(مجمع البيان)
فقوله: هذا سؤال من إبراهيم من الله تعالى بأنْ يلطف له اللطف الذي عنده: يقيم الصلاة ويتمسّك بالدين.
فيكون تقريره: ربّ اجعلني مقيم الصلاة: أي ثبّتْني على إقامة الصلاة بلطفك الذي كان عندي، فأُقيم الصلاة به، وأتمسّك به بدينك أبداً.
وقوله (ره): وأنْ يفعل مثل ذلك بجماعة من ذرِّيّتي، وهم الذين أسلموا منهم.
فيكون تقريره: واجعل على إقامة الصلاة جماعة من ذرِّيَّتي الذين أسلموا منهم بلطفك الذي لطفْتَه عليّ فألْطفْه عليهم، حتّى يقيموا الصلاة به ويتمسّكوا به لدينك - أبداً -.
وقوله (ره): فسأل لهم مثل ما سأل لنفسه.
فيكون تقريره: سأل إبراهيم ربّه أنْ يجعل من ذرِّيّته الذين أسلموا منهم بلطفه جماعة مثله أنبياء، يعني جماعة النبيِّين مثله بعض بني إسماعيل وجماعة النبيّين مثله بعض بني إسحاق، حتّى يقيموا الصلاة بلطفه مثله، ويتمسّكوا به بالدين مثله أبداً.
* اعلم أنّ التبليغ قولي وفعلي:
-فأمّا القولي: فهي خاصّة الأنبياء بالوحي من الله تعالى قوله:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ) .
(سورة الأنبياء: آية: ٢٥)
وقوله:( يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ) .
(سورة النحل: آية: ٢)
فظهر أنّ التبليغ القولي خاصّة الأنبياء بالوحي من الله تعالى، فإنّهم كانوا يقولون للمشركين تبليغاً قوليّاً.
قولوا: لا اله إلاّ الله تفلحوا.
-وأمّا الفعلي: فهي خاصّة الأنبياء باللطف من الله تعالى قوله:( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) .
(سورة النحل: آية: ٣٦)
وقوله:( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) .
(سورة إبراهيم: آية: ١١)
فظهر أنّ التبليغ الفعلي خاصّة الأنبياء باللطف من الله تعالى، فإنّهم كانوا يقيمون الصلاة لله تعالى استحقاقاً له تبليغاً فعليّاً للمشركين والمؤمنين؛ لأنّ إقامة الصلاة لله:
- تبليغ فعلي.
- وهي شهادة اركانيّة للمعبود الحق، وبراءة كلِّيّة عن المعبود الباطل.
- ووسيلة واصلة إلى المحبوبيّة الإلهيّة، وواسطة قاطعة عن الشهوات الشيطانيّة.
- وأنّها لا يمكن إلاّ باللطف والمَنّ من الله تعالى.
- وأنّ اللطف والمنّ من الله تعالى قوّة رحمانيّة وصلاحيّة روحانيّة ومعرفة إيمانيّة، فهي خاصّة الأنبياء فطريّة تخليقيّة، فلذا قال إبراهيم:( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) يعني: واجعل بعض ذرِّيّتي مثلي - جماعة النبيّين من بني إسماعيل وجماعة النبيّين من بني إسحاق - بلطفك ومَنِّك.
إنّ اللطف والم َ نّ من اللّه
* عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين في حديث طويل أنّه قال فيه:
(سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول في حديث طويل فأمّا ما ذكر تعالى من أمر السابقين فهم أنبياء ومرسلون، فجعل الله تعالى فيهم خمسة أرواح:
روح القدس / وروح الإيمان / وروح القوّة / وروح الشهوة / وروح البدن.
فروح القدس: بعثوا أنبياء، مرسلين وغير مرسلين، وبها علموا الأشياء.
وبروح الإيمان: عبدوا الله تعالى ولم يشركوا به شيئاً.
وبروح القوّة: جاهدوا عدوّهم، وعالجوا معاشهم.
وبروح الشهوة: أصابوا لذائذ الطعام، ونكحوا الحلال من شباب النساء.
وبروح البدن: دبوا ودرجوا، فهؤلاء مغفور لهم ومصفوح ذنوبهم) - الحديث -.
(نور الثقلين: ج٥، الواقعة)
فظهر من هذا الحديث:
أنّ اللطف والمَنّ من الله تعالى على الأنبياء - مرسلين وغير مرسلين - خمسة أرواح، فكانوا مبعوثين بها وعالِمِين بها الأشياء، وله عابدين بها الله، ومقيمين بها الصلاة، استحقاقاً غير مشركين به شيئاً، ومجاهدين بها أعداء الله، ومعالجين بها معائشهم، ومصيبين بها لذائذ الطعام، ومناكحين بها الحلال من النساء الصالحات، وجائين بها إلى الناس، وذاهبين بها إليهم، فأجاب الله تعالى إبراهيم دعائه( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) أنْ جعل بعض ذرِّيّته جماعة النبيّين بلطفه ومَنِّه، مِن لَدُن إسماعيل آباء النبي والولي إلى نبيّنا محمّد خاتم
النبيين(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وجماعة النبيّين بلطفه ومَنِّه، من لدن إسحاق وموسى وعيسى إلى نبيّنا محمّد خاتم النبيّين (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فهم كانوا مقيمين بلطفه ومَنِّه الصلاة لله تعالى استحقاقاً له وإخلاصاً له دواماً ومداومة.
* قال الديار بكرى:
أخرج المنذري عن ابن جرير في قوله تعالى:
( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) ، قال: فلا يزال من ذرِّيَّة إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في هذا الآية، قال:
فاستجاب الله لإبراهيم (عليه السلام) دعوته في ولده - فلم يعبد أحد من ولده صنماً، فقبل دعوته واستجاب الله له، وجعل هذا البلد آمنا ورزق أهله من الثمرات وجعله إماماً وجعل من ذرِّيّته مَن يقيم الصلاة.
(تاريخ الخميس: ج١، ص٢٣٦)
عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعتُ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:
(والله ما عَبَدَ أبي ولا جدّي عبد المطّلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط).
قيل: فما يعبدون؟
قال: (كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم ومتمسِّكين به).
(إكمال الدين: ب١٣، ص١٧٢)
* قال العلاّمة المجلسي (ره):
يظهر من الأحاديث المتواترة أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأجداده كلّهم كانوا أنبياء وأوصياء وحَمَلَة دين الله، وهم بنو إسماعيل أوصياء إبراهيم (صلَّى الله عليه وآله).
(حياة القلوب: ج٢، فصل٣)
فقد ظهر أنّ الله جعل من ذرِّيَّة إبراهيم (عليه السلام) بلطفه ومَنِّه بعض بني إسماعيل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) جماعة النبيّين يقيمون الصلاة من لدن إسماعيل إلى أبي طالب (عليه السلام).
آباء النبي والولي كانوا مسلمين كإبراهيم (عليه السلام)
قال الله تعالى:
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ...... * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ.... )
(سورة البقرة: آية: ١٢٧ - ١٢٨)
* إنّ المسلمين ثلاثة أنواع: حقيقي، وتحقيقي، وتقليدي.
١ - فأمّا الحقيقي:
فهم المسلمون الذين جعلهم الله مسلمين له، داعين إلى الإسلام، فهم المسلمون حقيقيّاً.
٢ - وأمّا التحقيقي:
فهم المسلمون الذين جعلهم مدعوّين إلى الإسلام، فلمّا قبلوا دعوة الإسلام تحقيقاً فصاروا مسلمين له تحقيقيّاً.
٣ - وأمّا التقليدي:
فهم المسلمون الذين جعلهم الله مدعوّين إلى الإسلام فصاروا مسلمين؛ اتّباعاً وتقليداً لآبائهم المسلمين، فهم المسلمون تقليديّاً.
وإنّ الله لم يجعل مسلمين له داعين إلى الإسلام إلاّ الأنبياء والمرسلين، فالمسلم الحقيقي نبي، والنبي مسلم حقيقي.
وإنّ إبراهيم وإسماعيل كانا قبل دعائهما هذا نبيَّيْن، يعني مسلمَين لله، داعين إلى الإسلام، فظهر أنّهما أراد من دعائهما هذا:
- أنْ يثبّتهما الله على نبوّتهما مدّة عمرهما.
- وأراد أنْ يجعل الله من ذرِّيَّتهما جماعة المسلمين له داعين إلى الإسلام، يعني جماعة النبيّين.
كما قال صاحب آلاء الرحمان (ره):
(والإسلام الحقيقي: هو الإذعان في النفس المساوق للإيمان وهو المراد هنا، أي اجعلنا مسلمَين لك مدّة عمرنا بمعنى ثبِّتنا بهدايتك وتوفيقك على الإسلام كما هديتنا له).
(تفسير آلاء الرحمان)
فكذلك كانت غايتهما أنْ يجعل الله بعض ذرِّيّتهما جماعة المسلمين له حقيقيّاً أنبياء كإبراهيم وإسماعيل.
أنبياء بني إسماعيل كانوا بمكّة
* قال اليعقوبي:
ذكرتْ الرواة والعلماء:
فلمّا فرغ إبراهيم من حجّه أراد أنْ يرتحل، فأوصي إلى ابنه إسماعيل أنْ يقيم عند البيت الحرام ويقيم للناس حجّهم ومناسكهم.
إلى أنْ قالوا:
وافترق وُلد إسماعيل بعد(قيدار) يطلبون السعة في البلاد، وحبس قومٌ أنفسهم على الحرم، فقالوا لا نبرح من حرم الله، ولمّا توفّي(نابت) وقد تفرّق وُلد إسماعيل وَلِي البيت(مضاض بن عمرو الجرهمي) جدّ ولد إسماعيل، وذلك أنّ مَن بقى في الحرم كانوا صغاراً، وكانت جُرْهُم تطيعهم في أيّامهم، ولم يكن أحد يقوم بأمر الكعبة في أيّام جُرْهُم غير ولد إسماعيل، تعظيماً لهم منهم، ومعرفةً بقدرهم، فقام بأمر الكعبة بعد نابت:
-(أمين) ابنه.
- ثمّ(يشحب بن أمين) .
- ثمّ(الهميسع) .
- ثمّ(أَدَد) ، فعظُم شأنه في قومه وجلّ قدره، وأنكر على جُرْهُم أفعالها، وهلكتْ جُرْهُم في عصره.
- ثمّ(عدنان بن أَدَد) .
- ثمّ(معد بن عدنان) أشرف ولد إسماعيل في عصره، وكانت أًمّه من جُرْهُم، ولم يبرح الحرم.
- وكان(نزار بن معد) سيّد بني أبيه وعظيمهم ومقامه بمكّة.
- وأمّا(مضر بن نزار) فسيّد ولد أبيه، وكان كريماً حكيماً.
- وكان(إلياس بن مضر) قد شرف وبَانَ فضله، وكان أوّل مَن أنكر على بني إسماعيل ما غيّروا من سنن آبائهم، وظهر منه أمور جميلة حتّى رضوا به رضاً لم يرضوه بأحد مِن ولد إسماعيل بعد أدد، فردّهم إلى سنن آبائهم حتّى
رجعت سننهم تامّة على أوّلها، وهو مَن أهدى البُدْن إلى البيت، وأوّل مَن وضع الركن بعد هلاك إبراهيم.
- وكان(مدركة بن إلْياس) سيّد ولد نزار، قد بانَ فضله وظهر مجده.
- وكان(خزيمة بن مدركة) أحد حكّام العرب ومَن يعدله الفضل والسدد.
- وظهر في(كنانة بن خزيمة) فضائل لا يُحصى شرفها، وعظّمتْه العرب.
- وأمّا(النضر بن كنانة) فكان أوّل من سُمّي القرشي، ويُقال إنّه سُمِّي القرشي؛ لتقرّشه وارتفاع همّته.
- وكان(مالك بن النضر) عظيم شأن.
- وظهر في(فهر بن مالك) علامات فضل في حياة أبيه، فلمّا مات أبوه قام مقامه.
- فلمّا مات فهر شَرُفَ(غالب بن فهر) وعلا أمره، ولؤي بن غالب سيّداً شريفاً بَيِّن الفضل.
- فلمّا مات غالب بن فهر قام(لؤي بن غالب) مقامه.
- فلمّا قام(كعب بن لؤي) فكان أعظم ولد أبيه قدراً وأعظم شرفاً، وكان أوّل مَن سَمّى يوم الجمعة بالجمعة، وكانت العرب تُسمّيه(عروبة) ، فجمعهم فيه وكان يخطب عليهم.
- وكان(مرّة بن كعب) سيّداً هُمَامَاً.
- وشرف(كلاب بن مرّة) وجلّ قدره، واجتمع له شرف الأب والجد من قِبل الأُم؛ لأنّهم كانوا يجيزون الحجّ ويحرّمون الشهور ويحلّلونها.
- فولي(قصي بن كلاب) البيت وأَمْر الكعبة والحكم، وجَمَعَ قبائل قريش، ومات قصي فدُفن بالحجون.
- ورُأِّسَ(عبد مناف بن قصي) وجلّ قدره وعظم شأنه.
- ولمّا كبر عبد مناف أمر ابنه(هاشماً) ، وشرف هاشم بعد أبيه وجلّ أمره، واجتمعتْ قريش على أنْ يُولَّى هاشم بن عبد مناف الرياسة والسقاية والرفادة(ضيافة الحجّاج) .
- فقام(عبد المطّلب) بعد أبيه بأمر الكعبة، وشَرُفَ وَسَادَ وأطْعَمَ الطعام وسقى اللبن والعسل، حتّى علا اسمه وظهر فضله، وأقرّتْ له قريش بالشرف، فلم يزل كذلك،
فكانت قريش تقول: عبد المطّلب إبراهيم الثاني، وكان المبشّر لقريش بما فعل الله بأصحاب الفيل.
-(عبد الله بن عبد المطّلب) أبو رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال عبد المطّلب: قد جاءكم عبد الله بشيراً نذيراً فأخبرهم بما نزل بأصحاب الفيل، فقالوا: إنّك كنت لعظيم البركة ولميمون الطائر منذ كنت.
(تاريخ اليعقوبي: ج٢)
* قال الديار بكرى:
وكان عبد المطّلب بعد هاشم يلي الرفادة، فلمّا توفّي قام بذلك أبو طالب في كلّ موسم حتّى جاء الإسلام.
(تاريخ الخميس: ج١)
ادّعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) نبوّة آبائه
* قال المسعودي:
خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في انتقال نور محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مِن آدم إلى أنْ يولد.
إلى أنْ قال:
(حتّى قبله (تارَخ) أطهر الأجسام وأشرف الأجرام، ونقلتَه منه إلى (إبراهيم)، ثمّ خصصتَ به (إسماعيل) دون ولد إبراهيم، فلم تزل تنقله من أب إلى أب حتّى قبله (كنانة) عن (مدركة)، فأخذتَ له مجامع الكرامة ومواطن السلامة، وأحللتَ له البلد الذي قضيتَ فيه مخرجه، فسبحانك لا إله إلاّ أنت أيّ صلب أسكنتَه فيه ولم ترفع ذكره، وأي نبي بُشّر به فلم تقدّم في الأسماء اسمه، لم تزل الآباء تحمله والأصلاب تنقله، كلّما أنزلته ساحة صلب جعلتَ له صنعاً يحثّ العقول على طاعته ويدعو إلى مقته، حتّى نقلته إلى هاشم خير آبائه بعد إسماعيل، فأيّ أبٍ وجدٍّ ووالدِ أسرةٍ ومجتمع عترة ومَخرج طُهْر ومَخْرج فَخْر يا ربّ جعلتَ هاشماً، لقد أقَمْتَه لدن بيتك
وجعلتَ له المشاعر والمتاجر، ثمّ نقلته من هاشم إلى عبد المطّلب، فأنْهَجْتَه سبيل إبراهيم وأَلْهمْته رشداً للتأويل وتفصيل الحقّ، ووهبتَ له عبد الله وأبا طالب وحمزة وفديتَ في القربان بعبد الله كَسِمَتِكَ في إبراهيم بإسماعيل، ووسمتَ في بأبي طالب في ولده كَسِمَتِكَ في إسحاق لتقديمك عليهم وتقديم صفوة لهم).
(إثبات الوصيّة: ب٢)
فقد ظهر من هذه التواريخ لا سيّما من هذا الحديث:
(كلّما أنزلته ساحة صلب جعلتَ له صنعاً يحثّ العقول على طاعته ويدعو إلى مقته): إنّ الله أجاب دعوة إبراهيم وإسماعيل، أنْ جعل من ذرِّيَّتهما آباء النبي والولي إلى عبد الله وأبي طالب مسلمَين له داعين إلى الإسلام حقيقيّاً، ومنذرَين من عذابه وسخطه، أي نبيّين كما جعل إبراهيم وإسماعيل مسلمَين له داعين إلى الإسلام.
فيظهر أنّ الله جعل آباء النبي والولي من لدن إبراهيم وإسماعيل أبي عبد الله وأبي طالب أنبياء، لا سيّما جعل عبد المطّلب مثيل إبراهيم، وعبد الله مثيل إسماعيل، وأبا طالب مثيل إسحاق أنبياء (عليهم السلام).
كان أبو طالب (عليه السلام) أُمّة مسلمة كإبراهيم (عليه السلام)
قال الطريحي: وأُمّة رجل جامع للخير يُقتدى به
قال الله تعالى:
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ... * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ) - الآية -.
(سورة البقرة: آية: ١٢٧ / ١٢٩)
* عن إمامنا محمّد الباقر قال:
(ليس شيء أبعد من عقول الرجال
من تفسير القرآن، إنّ الآية أوّلها في شيء، وأوسطها في شيء، وآخرها في شيء).
(تفسير العيّاشي / الصافي: الأحزاب)
فقد ظهر من هذه الآية:
أنّ إبراهيم وإسماعيل دعا ربّهما عند الكعبة أوّلاً أنْ يجعلهما مسلمَين له ومن ذريّتهما أُمّة مسْلمة له، أنّ الجعل واحد بلا فصل، فيكون تقرير الآية:
أنْ يجعل ربّهما مسلمَين له وداعين إلى الإسلام، وبعض ذرِّيّتهما مثلهما مسلمِين له.
ثمّ دعا ربّهما ثانياً أنْ يبعث فيهم رسولاً منهم، فيكون تقرير هذه الآية:
أنْ يبعث ربّهما في زمان هؤلاء المسلمين له رسولاً من جنس هؤلاء المسلمين له، الذين جعلهم الله كإبراهيم وإسماعيل مسلمين له داعين إلى الإسلام أنبياء، وأنّ الله أجاب إبراهيم وإسماعيل أنْ بعث في زمان هؤلاء المسلمين له رسولاً من جنس هؤلاء المسلمين له داعين إلى الإسلام.
* عن أبي عمير والزبيري عن الإمام جعفر الصادق قال:
قلتُ له: أخبرني عن أُمّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مَن هم؟
قال: (أُمّة محمّد(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بنو هاشم خاصّة.
قلتُ: فما الحجّة في أُمّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّهم أهل بيته الذين ذكرتَ دون غيرهم؟
قال: (قول الله:( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ.... ) ) - الآية -.
فأجاب الله إبراهيم وإسماعيل وجعل من ذرِّيَّتهما أُمّة مسْلمة له، وبعث فيها رسولاً منها يعني من تلك الأمّة، يتلو عليهم آياته - الآية -.
ردف إبراهيم دعوته الأولى بدعوته الأخرى، فسأل لهم تطهيراً مِن الشرك ومِن
عبادة الأصنام؛ ليصحّ أَمره فيهم ولا يتّبعوا غيرهم، فقال:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) - الآية -.
فهذه دلالة على أنْ لا تكون الأئمّة والأمّة المسلمة التي بعث فيها محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلاّ من ذرِّيّة إبراهيم؛ لقوله:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) .
(العيّاشي / الصافي / البرهان)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ الله بعث رسوله محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في تلك الأمّة المسلمة التي عصمها الله من عبادة الأصنام، كما عصم الله عن عبادتها إبراهيم وإسماعيل - ومن تلك الأمّة المسلمة - لأنّ الضمير( هم ) في( فيهم رسولاً ) والضمير( هم ) في( منهم ) راجع إلى تلك الأمّة المسلمة التي بعث الله رسوله محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، في زمان تلك الأمّة المسلمة، ومن جنس تلك الأمّة المسلمة.
فلمّا بعث الله رسوله محمّداً فما كانتْ تلك الأمّة المسلمة إلاّ أبا طالب وعليّاً (عليهما السلام).
فظهر أنّ الله بعث رسوله محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في زمان أبي طالب، وكان أبو طالب أُمّة مسلمة كما كان إبراهيم أُمّة قانتاً لله حنيفاً.
(سورة النحل: آية: ١٢٠ - ١٢٣)
وإنّا أثبتنا من قَبْل أنّ المراد من الإمامة المسلمة: جماعة النبيّين، فكان أبو طالب نبيّاً كإبراهيم، وكان وصيّه، وما كانت تلك الأمّة المسلمة إلاّ عليّاً.
فظهر أنّ الله بعث رسوله محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من جنس علي، وكان علي أُمّة مسلمة كما كان إبراهيم أُمّة قانتاً لله حنيفاً، ألا ولم يكن عليٌّ نبيّاً؛ لأنّ محمّداً رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان خاتم النبيّين، أي لا نبيّ بعده كما قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يا علي، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه
لا نبيّ بعدي)، كما كان موسى من جنس هارون كذلك كان محمّد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من جنس علي بن أبي طالب.
كان أبو طالب أًُمِّيّ َ اً حقيقيّاً
قال الله تعالى:
( الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ ) .
(سورة الجمعة: آية: ٢)
* عن علي بن حسّان، وعلي بن أسباط وغيره، رفعه عن أبي جعفر قال:
قلتُ: إنّ الناس يزعمون أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يكتب ولا يقرأ؟
فقال: كذبوا، لعنهم الله أنّي يكون ذلك، وقال الله:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) ، فكيف يعلّمهم الكتاب والحكمة وليس هو يحسن أنْ يقرأ ويكتب؟ (في زعمهم)
قال: قلتُ: فلم سُمِّي النبي الأمّي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟
قال: لأنّه نسب إلى مكّة وذلك قول الله:( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) فأُمّ القرى: مكّة، فقيل: أُمّي لذلك).
(علل الشرائع: ص١٠٥)
فيكون تقرير الآية:
هو الذي بعث في المكِّيِّين رسولاً محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) من المكِّيِّين. - الآية -.
* عن الزهري قال:
أتى رجل أبا عبد الله فسأله عن شيء فلم يجبْه، فقال له الرجل: فإنْ كنت ابن أبيك فإنّك من أبناء عبدة الأصنام.
فقال له: (كذبتَ، إنّ الله أمر إبراهيم أنْ ينزل إسماعيل بمكّة ففعل.
فقال إبراهيم:( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنماً قط، ولكنّ العرب عبدة الأصنام، وقالت بنو إسماعيل: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فكفرتْ ولم تعبد الأصنام).
(العيّاشي)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ العرب كانوا مشركين، وأنّ ذرِّيَّة إسماعيل بني إبراهيم كانوا كلّهم مكِّيِّين، ولكنّ بعضهم كانوا مسلمين وبعضهم كانوا كافرين، فيكون تقرير الآية: هو الذي بعث في المكِّيِّين المسلمين رسولاً محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من المكِّيِّين المسلمين - الآية -.
* عن أبي عمرو الزبيري عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
فلمّا أجاب الله إبراهيم وإسماعيل وجعل من ذرِّيَّتهما أُمّة مسلمة، وبعث فيها رسولاً منهما يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة - ردف إبراهيم دعوته الأُولى بدعوته الأخرى...
فهذه دلالة على أنْ لا تكون الأئمّة والأمّة المسلمة التي بعث فيها محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلاّ من ذرِّيّة إبراهيم؛ لقوله:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) .
(العيّاشي / الصافي / البرهان)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ الله أجاب إبراهيم وإسماعيل أنْ بعث محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) في تلك الأمّة المسلمة رسولاً من تلك الأمّة المسلمة، ولم تكن تلك الأمّة المسلمة من ذرِّيّتهما في مكّة إلاّ أبا طالب وعليّاً.
فيكون تقرير الآية هذا بعث محمداً (صلَّى الله عليه وآله) في زمان أبي طالب (عليه السلام) فكان أبو طالب أُمّة مسلمة، وكان المراد من الأمّة
المسلمة جماعة النبيِّين، فكان أبو طالب نبيّاً كإبراهيم وإسماعيل، وكان آخر وصي لإبراهيم ورسولاً من جنس علي (عليه السلام)، فكان علي أُمّة مسلمة كما كان إبراهيم أُمّة قانتاً لله حنيفاً.
(راجع سورة النحل: آية: ١٢٠ - ١٢٣)
كان أبو طالب (عليه السلام) من المؤمنين
إنّ المشتق المتلبّس بالمبدأ في الحال حقيقة
قال الله تعالى:
( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) - الآية -.
(سورة آل عمران: آية: ١٦٢)
فقد ظهر من هذه الآية:
إنّ المؤمنين الذين مَنّ الله عليهم إذْ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم كانوا من مكّة حين البعثة موجودين؛ لأنّ لفظة( إذْ ) :
ظرف زماني متعلّق بزمان الـ( مَنّ ) من الله على هؤلاء المؤمنين، ولم يكن المؤمنين موجودين حين البعثة بمكّة إلاّ تلك الأمّة المسلمة التي دعا إبراهيم وإسماعيل ربّهما أنْ يجعل مِن ذرِّيَّتهما مثلهما أُمّة مسلمة له، ثمّ يبعث في تلك الأمّة المسلمة رسولاً من أنفسهم، أي من جنس تلك الآمّة المسلمة، فما كانت تلك الأمّة المسلمة إلاّ أبا طالب وعليّاً (عليه السلام).
فيكون تقرير الآية:
لقد مَنّ الله على أبي طالب وعلي (عليه السلام) إذْ بعث في زمان أبي طالب، وكان أبو طالب أُمّة مسلمة، وكان المراد من تلك الأمّة المسلمة جماعة النبيِّين، فكان أبو طالب نبيّاً كإبراهيم، وكان وصيّه ورسولاً من جنس علي (عليه السلام)، فكان علي أُمّة مسلمة كما كان إبراهيم أُمّة قانتاً لله حنيفاً.
(راجع سورة النحل: آية: ١٢٠ - ١٢٣)
وما كانت نفس مولانا علي إلاّ رسولنا محمّداً (ص) وما كانت نفس رسولنا محمّد (ص) إلاّ مولانا عليّاً (عليه السلام) كما في الآية:( أَنْفُسَنَا ) .
وما كانت جنس رسولنا محمّد (ص) إلاّ مولانا عليّاً (عليه السلام)، وما كان جنس مولانا علي (عليه السلام) إلاّ رسولنا محمّداً (ص) كما قال الرسول (ص): (خُلقتُ أنا وعلي من نور واحد).
وكما كان حديث النور في كتب الفريقين متَّفقاً عليه.
تبادر الآيات
١ - إنّ الآية الأولَى:
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) - الآية -.
(سورة البقرة: آية: ١٢٧ - ١٢٨)
فالمتبادر منها أنّ إبراهيم وإسماعيل دعا ربّهما أنْ يجعل ربّهما عند البيت في كلّ عصر وزمان من ذرِّيَّتهما مثلهما مسلمين له حقيقيّاً.
٢ - وإنّ الآية الثانية:
( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ) - الآية -.
(سورة البقرة: آية: ١٢٩)
فالتبادر منها أنّ ربّهما أنْ يبعث في زمان أولئك المسلمين له حقيقيّاً.
٣ - وإنّ الآية الثالثة:
( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ ) - الآية -.
(سورة الجمعة: آية: ٢)
فالتبادر منها أنّ الله أجاب دعوة إبراهيم وإسماعيل أنْ جعل من ذرِّيّتهما مثلهما مسلمين له حقيقيّاً عند البيت في كلّ عصر وزمان، ثمّ بعث في زمان أولئك المسلمين له المكِّيِّين رسولاً محمّداً من جنس أولئك المسلمين له المكِّيِّين حقيقيّاً.
٤ - وإنّ الآية الرابعة:
( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) . - الآية -.
(سورة آل عمران: آية: ١٦٤)
فالتبادر منها أنّ الله ذكر لطفه على أولئك المسلمين له حقيقيّاً أنْ أجاب دعاء إبراهيم وإسماعيل، وأنْ جعل من ذرِّيَّتهما مثلهما مسلمين له حقيقيّاً في كلّ عصر وزمان، ثمّ بعث في زمان أولئك المسلمين له حقيقةً رسولاً محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من جنس أولئك المسلمين له حقيقيّاً.
* عن إمامنا محمّد الباقر (عليه السلام):
(ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية أوّلها في شيء، وأوسطها في شيء، وآخرها في شيء) - الحديث -.
إنّ في الآية الأولى: ( أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) متعلّق بآباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) من ذرِّيَّة إبراهيم وإسماعيل في كلّ عصر وزمان إلى عبد الله وأبي طالب كانوا عند بيت الله الحرام في مكّة.
وفي الآية الثانية: ( وَابْعَثْ فِيهِمْ ) .
وفي الآية الثالثة: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ ) .
وفي الآية الرابعة: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ ) متعلّق بأبي طالب (عليه السلام).
وأوسط الآيات: ( رَسُولاً مِنْهُمْ ) أو من أنفسهم، إلى( يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) متعلّق بعلي بن أبي طالب (عليه السلام).
وآخر الآيات: ( وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) متعلّق بكفار مكّة ومشركيها.
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا
أنبياء مهتدين (عليهم السلام)
قال الله تعالى:
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) .
(سورة الحديد: آية: ٢٦)
فإنّ مَن أطاع الله مخلصاً له لا رياء ولا سمعة فهو مهتدٍ، ومَن لم يطع الله تعمّداً فهو فاسق، وإنّ المهتدين صنفان: أنبياء ومؤمنون.
١ - فأمّا الأنبياء: فهم الذين جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وروح الشهوة، وروح القوّة، وروح المدرج.
٢ - وأما المؤمنون: فهم الذين جعل الله فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، وروح القوّة، وروح الشهوة، وروح المدرج.
* عن جابر الجعفي قال:
قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يا جابر، إنّ الله خلق الله ثلاثة أصناف، وهو قول الله:
( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) .
فالسابقون: هم رسل الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وخاصّة من خلقه جعل فيهم خمسة أرواح: أيّدهم بروح القدس فبه عرفوا الأشياء (وفي حديث فيه بعثوا أنبياء)، وأيّدهم بروح الإيمان فبه خافوا الله عزّ وجل، وأيّدهم
بروح القوّة فبه قدروا على طاعة الله، وأيّدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله وكرهوا معصية الله، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون.
وجعل في المؤمنين وأصحاب الميمنة روح الإيمان فبه خافوا الله، وفيهم روح القوّة فيه قدروا على طاعة الله، وفيهم روح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون). (فهم كانوا كلّهم مهتدين).
(الكافي: كتاب الحجّة: باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمّة: ص ١٦٦)
* قال صاحب نور الثقلين:
في عيون الأخبار، في باب مجلس الرضا (عليه السلام) مع المأمون في الفرق بين العترة والأمّة، حديث طويل يقول فيه:
(أَمَا علمتم أنّه وقعتْ الوراثة والطهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟
قالوا: وَمِن أينّ يا أبا الحسن؟
قال: قول الله:
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) .
فصارت وراثة النبوّة والكتاب للمهتدين دون الفاسقين).
(نور الثقلين: ج٥، ص٢٥٠)
فقد ظهر من هذه الآية وتفسيرها:
أنّ الله جعل من ذرِّيَّة نوح المهتدين، وجعلهم أنبياء، وأعطاهم الكتاب وراثة عنه، ثمّ جعل من ذرِّيَّة إبراهيم المهتدين، وجعلهم أنبياء، وأعطاهم الكتاب وراثة ووصاية.
فظهر أنّ الله جعل نوحاً رسولاً صاحب الكتاب، ثمّ جعل من ذرِّيّته أنبياء مهتدين، وجعلهم ورثاء كتابه، وكذلك جعل إبراهيم رسولاً صاحب الكتاب، ثمّ جعل من ذرِّيَّته أنبياء مهتدين، وجعلهم ورثاء كتابه
فهم كانوا أوصياءه (عليه السلام).
* قال العلاّمة المجلسي (ره):
بل يظهر من الأحاديث المتواترة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأجداده كانوا أنبياء وأوصياء وحملة دين الله، هم كانوا بنو إسماعيل أوصياء إبراهيم، ولم يزالوا رؤساء مكّة، ويتعلّق بهم تعمير الكعبة وحجابته، ولم تنسخ فيهم شريعة إبراهيم(عليه السلام) بشريعة موسى (عليه السلام) ولا بشريعة عيسى (عليه السلام)، وإنّهم كانوا حفظة شريعة إبراهيم (عليه السلام) يوصي بها بعضهم بعضاً، ويستودع بعضهم بعضاً كتب الأنبياء (عليهم السلام) وودائعهم وأماناتهم، من لدن إسماعيل (عليه السلام) إلى عبد المطّلب، حتّى استودع عبد المطّلب إيّاها كلّها أبا طالب ونصبه وصيّه، وهو وصيّه، واستودع أبو طالب كتب الأنبياء وودائعهم وأماناتهم، وآثارهم النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد مبعثه.
(حياة القلوب: ج٢، ف ص ٣)
فقد ظهر من ادعاء العلاّمة المجلسي (رض):
- أنّ الأحاديث المتواترة تدلّ على أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) من لدن إسماعيل إلى أبي طالب أنبياءه وأوصياء إبراهيم (عليه السلام).
- وظهر أنّ هؤلاء الأنبياء الذين كانت كتبهم من لدن إسماعيل إلى أبي طالب مستودعه عنده، فهم كانوا أنبياء بني إسماعيل (عليه السلام) وهم كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام).
كان أبو طالب (عليه السلام) أولى الناس بإبراهيم (عليه السلام)
قال الله تعالى:
( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) .
(سورة آل عمران: آية: ٦٨)
فقد ظهر من هذه الآية:
أنّ الله تعالى جعل ورثاء إبراهيم (عليه السلام) ثلاثة:
١ - متّبعو إبراهيم.
٢ - هذا النبي محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
٣ - المؤمنون.
* عن إمامنا الصادق (عليه السلام) قال: (( وَالَّذِينَ آَمَنُوا ) : هم الأئمّة وأتباعهم).
(مجمع البيان)
* وعن إمامنا الصادق (عليه السلام) قال:
(قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ أولى الناس بالأنبياء (عليهم السلام) أعلمهم بما جاؤا به -ثمّ تلا هذه الآية -( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) ) - الآية -.
(مجمع البيان / الصافي / البرهان / نور الثقلين)
فقد ظهر من تفسير هذه الآية:
أنّ الأعلميّة بما جاء به الأنبياء شرط للأولويّة بالأنبياء، والأولويّة بالأنبياء مشروط بالأعلميّة بما جاء به الأنبياء (عليهم السلام).
وأنّ الأعلميّة بما جاء به الأنبياء لا يمكن إلاّ بتعليمهم وبوصيّتهم أوصيائهم؛ لأنّ أوصياء الأنبياء (عليهم السلام) كانوا أعلم الناس بما جاء به الأنبياء وصيّةً ووراثةً، فهم أولى الناس بهم وورثاؤهم.
فقد ظهر:
- أنّ أوصياء إبراهيم كانوا أعلم الناس بما جاء به إبراهيم، وهم كانوا أولى الناس بهم وورثاءه.
- وأنّ أوصياء الرسل كانوا أنبياء (عليه السلام) من لدن آدم إلى عصر نبيّنا محمّد خاتم النبيّين (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
- وأنّ إبراهيم كان رسولاً من الرسل، أولي العزم وأوصياءه كانوا أنبياء (عليهم السلام).
وقد ظهر من هذه الآية:
أنّ متّبعي إبراهيم هؤلاء كانوا موجودين عند نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كما كان هؤلاء المؤمنون موجودين عنده، ولا يمكن اتّباع إبراهيم إلاّ بشريعته، وظهر أنّ شريعة إبراهيم كانت إلى بعثة نبيِّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله) موجودة ولم تنسخ
بشريعة موسى ولا بشريعة عيسى، وإلاّ لم يتصوّر متّبعوا إبراهيم إلى بعثة نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والآية دالّة على وجودهم بوجودها.
* وعن إمامنا الصادق (عليه السلام) قال:
(قال أمير المؤمنين (عليه السلام): في هذه الآية:( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا ) لا يهوديّاً يصلِّي إلى المغرب، ولا نصرانيّاً يُصلِّي إلى المشرق،( وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ) ) - الحديث -.
(العيّاشي / الصافي / البرهان / نور الثقلين)
* وعن إمامنا أبي جعفر (عليه السلام): في قوله تعالى: ( لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ) يقول:
لستم بيهود فتصلّوا قبل المغرب، ولا بنصارى فتصلّوا قبل المشرق، وأنتم على ملّة إبراهيم (عليه السلام).
(روضة الكافي / الصافي)
* وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
(والله ما عَبد أبي، ولا جدّي، عبد المطّلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف، صنماً قط.
قيل له: فما كانوا يعبدون؟
قال: كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم متمسّكين به).
(البحار: ج١٥، الطبع الجديد)
فقد ظهر من هذه الأحاديث:
- أنّ القبلة في شريعة موسى كانت إلى المغرب، وفي شريعة عيسى كانت إلى المشرق، وفي شريعة إبراهيم كانت بيت الله الحرام.
- وظهر أنّ شريعة إبراهيم كانت موجودة عند آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا يصلون إلى بيت الله الحرام على شريعة إبراهيم، متمسّكين به لا سيّما أبا طالب كان أولى الناس بإبراهيم (عليه السلام)، وأعلم الناس بشريعته ووصيّة نبيّنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله).
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا
أنبياء معصومين (عليهم السلام)
قال الله تعالى:
( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) .
(سورة الحجر: آية:٣٩ - ٤٢)
فقد ظهر من هذه الآيات:
أنّ عباد الله المخلصين ليس عليهم تسلّط الشيطان، كما أقرّ لهم الشيطان( وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) .
وكما قال الرحمن:( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) .
الإخلاص للّه من العبد
* قال صاحب المفردات الراغبُ:
فحقيقة الإخلاص: التبرّي من كلّ مادون الله تعالى.
فظهر أنّ المخلِص لله - بكسر اللام -: هو الذي يتولّى الله ويتبرّى مِن كلّ ما خالف الله، فهذا الإخلاص لله من العبد، كما قال الله:( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ) الإخلاص من الله للعبد.
* قال صاحب المنجد:
أخلص الشيء: أخذ خلاصته، اختاره الله: جعله مختاراً خالصاً من الدنس للطاعة.
فظهر أنّ المخلَص من الله - بفتح اللام -: هو الذي اختاره الله للطاعة مخلصاً، وطهّر قلبَه من دنس الشرك والشك والريب، فهذا الإخلاص من الله للعبد أي اختياره تعالى.
وفي سورة الحِجْر: ( إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) - بفتح اللام -.
وفي سورة ص: ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ) .
( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) .
( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ ) .
فقد ظهر أنّ عباد الله المخلَصين - بفتح اللام -: الذين أخلصهم الله لطاعته، وطهّر قلوبهم من دنس الشرك والشكّ والريب، واختارهم واصطفاهم فجعلهم أنبياءه المعصومين عن تسلط الشيطان.
* قال الطريحي (ره):
قوله تعالى:( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) : أي جعلناهم لنا خالصين بخصلة خالصة لا شوب فيها، وهي ذكرى الدار أي ذكرهم الآخرة دائما بطاعة الله.
إلى أنْ قال:
بفتح اللام الذين أخلصهم الله تعالى لرسالته، أي اختارهم (يعني جعلهم مرسلين).
(مجمع البحرين: ص٣٢٢)
فقد ظهر أنّ كل مَن أخلصه الله من الناس فقد جعله نبيّه ومَن جعله نبيّه فقد جعله معصوماً من تسلط الشيطان عليه.
ادّعاء إمامنا الحسن نبوّة آبائه (عليهم السلام)
* عن إمامنا جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال:
(قال الحسن بن علي (عليه السلام) في مجلس معاوية وقت
الصلح بينهما:
وأقول: يا معشر الخلائق فاسمعوا، ولكم أفئدة وأسماع فَعُوا، إنّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام واختارنا واصطفانا واجتبانا فأذهب عنّا الرجس وطهّرنا تطهيراً، والرجس هو الشك فلا نشك في الله الحق ودينه أبداً، وطهّرنا مِن كلّ أَفن وغيّة، مخلصين إلى آدم (عليه السلام) نعمة منه.
لم يفترق الناس فرقتين إلاّ جعلنا الله في خيرها، فأدّت الأمور وأفضتْ الدهور إلى أنْ بعث الله محمّداً للنبوّة واختاره للرسالة وأنزل عليه كتابه) - الحديث -.
(البرهان: ج٣)
فقد ظهر من آخر ادّعائه (إلى أنْ بعث الله محمّداً (ص)) أنّ أوّل ادّعائه (إنّا أهل بيت أكرمنا الله) إلى (آدم) يشمله مع آبائه من عبد الله وأبي طالب إلى آدم (عليه السلام)، وظهر أنّ الضمائر (إنّا / نا) كلّها تجمع الخمسة النجباء وآبائهم من أبي طالب وعبد الله إلى آدم كلّهم (عليهم السلام).
فقوله: (إنّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام)، تقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآبائنا من أبي طالب وعبد الله إلى آدم (عليه السلام) أهل بيت جعلنا الله مسلمين.
وقوله: (واختارنا واصطفانا واجتبانا)، تقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآبائنا من أبي طالب وعبد الله إلى آدم (عليه السلام) أهل بيت جعلنا الله مجتبين، ومصطفين ومختارين.
وقوله: (فأذهب عنّا الرجس): وهو الشك، (وطهّرنا تطهيراً) تقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآبائنا من أبي طالب وعبد الله إلى آدم (عليه السلام)
أهل بيت جعلنا الله غير شاكّين فيه ودينه أبداً ومطهّرين تطهيراً.
وقوله: (وطهّرنا مِن كلّ أَفن وغيّة)، تقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآبائنا - من أبي طالب وعبد الله إلى آدم (عليه السلام) - أهل بيت، جعلنا الله معصومين من الأخلاق الفضيحة والعادات القبيحة.
وقوله: (مخلصين إلى آدم (عليه السلام) نعمة منه)، تقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآبائنا - من أبي طالب وعبد الله إلى آدم (عليه السلام) - أهل بيت جعلنا الله مخلصين ومنعَمِين منه.
وقوله: (لم يفترق الناس فرقتين إلاّ جعلنا الله في خيرها)، تقريره:
إنّا نحن الخمسة النجباء وآبائنا - من أبي طالب وعبد الله - أهل بيت لم يجعلنا الله إلاّ في خير قبائل الناس، فقد ظهر من ادّعاء الإمام الحسن (عليه السلام) أنّ الله جعل الخمسة النجباء وآبائهم - من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب - عباده المسلمين ومجتبين ومصطفين ومختارين، وموقنين به غير شاكين فيه ودينه الحق، ومطهّرين ومعصومين ومخلصين، خير الناس أجمعين، وأنّ الله لم يجعل دون الخمسة النجباء وأوصياءهم (عليهم السلام) عباده المخلصين إلاّ الأنبياء، مرسلين وغير مرسلين (عليهم السلام).
فظهر أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) - من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب - أنبياء مرسلين وغير مرسلين (عليهم السلام).
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا
أنبياء محفوظين
قال الله تعالى:
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
(سورة الأحزاب: آية: ٣٣)
فقد ظهر من هذه الآية أنّ إرادة الله فيها محصورة لأمرَين:
-فالأوّل: لإذهاب الله الرجس عن أهل البيت.
-والثاني: لتطهيره أهل البيت تطهيراً.
* عن صفوان بن يحيى قال:
قلتُ لأبي الحسن (عليه السلام): أخبرني عن إرادة الله وإرادة الخلق؟
فقال: (الإرادة من المخلوق الضمير ويبدو له بعد ذلك الفعل، وأمّا مِن الله فإرادته إحداثه لا غير ذلك؛ لأنّه لا يروى، ولا يهم، ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفيّة عنه، وهي صفات الخلق، فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك، يقول: كن فيكون: بلا لفظ، ولا نطق، ولا همّة، ولا تفكّر، ولا كيف لذلك، كما أنّه بلا كيف).
(البحار: ج١ في التوحيد)
فظهر من هذا الحديث:
أنّ إرادة الله إحداثه وفعله أنْ يقول: كن فيكون - آناً فآناً -فيكون تقرير الآية: لمّا أراد الله أنْ يخلق أهل البيت فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فلا معنى إرادة الله المحصورة إلاّ ذلك.
* قال إمامنا محمّد الباقر (عليه السلام):
(ليس شيء أبعد من عقول
الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية أوّلها في شيء، وأوسطها في شيء، وآخرها في شيء.
ثمّ قال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً من ميلاد الجاهليّة).
(العيّاشي / الصافي)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ إذهاب الله الرجس عن أهل البيت وتطهيره أهل البيت تطهيراً يختصّان بولادتهم، يعنى إنّ الله يدفع عن أهل البيت الرجس ويحفظهم عن ولادة الجاهليّة حفاظةً تكويناً، فالرجس وولادة الجاهليّة من الشيطان.
* قال إمامنا الحسن (عليه السلام):
(فأذهب عنّا الرجس وطهّرنا تطهيراً، والرجس هو الشك، فلا نشكّ في الله الحق ودينه أبداً). فإنّ الشكّ في الله الحق ودينه لا يتولّد إلاّ مِن تسلّط الشيطان، وإنّ عباد الله المخلصين محفوظون مِن تسلّط الشيطان عن الله تكويناً، وأهل البيت عباد الله المخلصون فإنّهم محفوظون مِن تسلّط الشيطان عن الله تعالى تكويناً.
فظهر أنّ معنى إذهاب الله الرجس عن أهل البيت حفاظتُهم عن الله مِن تسلّط الشيطان عليهم تكويناً، فقال الإمام (عليه السلام): فلا نشكّ في الله الحق ودينه أبداً، وولادة الجاهليّة لا تكون إلاّ مِن تسلّط الشيطان على الوالدين، فإنْ كان الوالدان محفوظين عن الله مِن تسلّط الشيطان تكويناً، فيكون المولود منهما محفوظاً عن الله مِن تسلّط الشيطان تكويناً، وإلاّ فلا يكون المولود محفوظاً عن الله مِن تسلّط الشيطان تكويناً.
فيلزم أنْ يكون آباء أهل البيت محفوظين عن الله مِن تسلّط الشيطان تكويناً حتّى يكون أهل البيت محفوظين عن الله
مِن تسلّط الشيطان.
* حرف إنّما: كلمة الحصر للإذهاب والتطهير:
فلا يتمّ الحصر في إرادة الله لإذهاب الله الرجس عن أهل البيت في ولادتهم إلاّ أنْ يُذهب الله الرجس عن ولادة آبائهم وأمّهاتهم حتّى يتم الحصر في إرادة الله الرجس عن أهل البيت تكويناً، وإلاّ فلا يتصوّر إذهاب الله الرجس عنهم، ولا يتمّ الحصر في إرادة الله لتطهير أهل البيت في ولادتهم من ولادة الجاهليّة تطهيراً، يعني حفاظتهم في ولادتهم عن الله من ولادة الجاهليّة تحفّظاً، إلاّ أنْ يحفظ الله آبائهم وأمّهاتهم في ولادتهم من ولادة الجاهليّة حتّى يتمّ الحصر في إرادة الله لتطهير أهل البيت في ولادتهم تطهيراً من ولادة الجاهليّة تكويناً، وإلاّ لم يتصوّر تطهير الله أهل البيت في ولادتهم تطهيراً من ولادة الجاهليّة تكويناً.
* عن جابر بن عبد الله الأنصاري حديث في كيفيّة خلقة الإنسان قال فيه:
قلتُ: يا رسول الله هذا حالنا فكيف حالك وحال الأوصياء بعدك في الولادة؟ فسكت رسول الله مليّاً،ثمّ قال:
(يا جابر، لقد سألتَ عن أمر جسيم لا يحتمله إلاّ ذو حظّ عظيم، إنّ الأنبياء والأوصياء يعني أنا وأوصيائي مخلوقون من نور عظمة الله، يودع الله تعالى أنوارهم أصلاباً طيّبة وأرحاماً طاهرة، ويحفظها بملائكته، ويربّيها بحكمته، ويغذوها بعلمه، فأمرهم يجلّ عن أنْ يوصف، وأحوالهم تدقّ عن أنْ تعلم) - الحديث -.
(مواعظ الصدوق - ره - / مَن لا يحضره الفقيه ج٤ / منهاج البراعة ج٧)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ الله كان يحفظ أنوار محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) في أصلاب آبائهم الطيّبة صلباً صلباً - وفي أرحام أمّهاتهم
الطاهرة رحماً رحماً بملائكته ويطهّرهم تطهيراً من ولادة الجاهليّة مِن لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب (عليه السلام)، ومن لدن حوّاء إلى آمنة بنت وهب وفاطمة بنت أسد (ع)، حتّى يتم الحصر في إرادة الله تعالى لتطهير أهل البيت من ولادة الجاهليّة تطهيراً - فقال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
فقد ظهر أيضا من هذا الحديث:
أنّ الله كما كان يحفظ محمّداً وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) بملائكته من ولادة الجاهليّة في أصلاب آبائهم الطيّبة صلباً صلباً وأرحام أمّهاتهم رحماً رحماً، كذلك كان يحفظ آبائهم الطيّبين وأمّهاتهم الطاهرات في ولادتهم بملائكته من ولادة الجاهليّة من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب، ومن حوّاء إلى آمنة بنت وهب وفاطمة بنت أسد (ع)، حتّى يتمّ الحصر في إرادة الله تعالى لتطهير أهل البيت من ولادة الجاهليّة تطهيراً - فقال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
فقد ظهر أيضاً من هذا الحديث:
أنّ الله كما كان يحفظ محمّداً وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) بملائكته من ولادة الجاهليّة في أصلاب آبائهم الطيّبة صلباً صلباً وأرحام أمّهاتهم رحماً رحماً، كذلك كان يحفظ آبائهم الطيّبين وأمّهاتهم الطاهرات في ولادتهم بملائكته من ولادة الجاهليّة من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب، ومن حوّاء إلى آمنة بنت وهب وفاطمة بنت أسد (ع).
وظهر أنّ ولادة الجاهليّة تكون من تسلّط الشيطان، وأنّ عبّاد الله المخلصين محفوظون عن الله مِن تسلّط الشيطان.
فظهر أنّ محمّداً وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وآبائهم وأمّهاتهم كانوا عبّاد الله المخلصين، وأنّ الله لم يجعل عباده المخلصين إلاّ محمّداً وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) والأنبياء مرسلين وغير مرسلين (عليهم السلام).
فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب كانوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين (عليهم السلام).
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا
أفضل الناس
قال الله تعالى:
( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) .
(سورة الإسراء: آية: ٥٥)
فقد ظهر من هذا الآية:
أنّ الله جعل بعض النبيّين أفضل من بعضهم، وبعضهم مفضولين من بعضهم.
* اعلم أنّ التفضيل على ثلاثة أقسام: تخليقي، استحقاقي، ابتلائي.
١ - فأمّا التخليقي:
فقال الله فيه:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) .
(سورة النساء: آية: ٣٤)
٢ - وأمّا الاستحقاقي:
فقال الله فيه:( لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ) .
(سورة النساء: آية: ٩٥)
٣ - وأمّا الابتلائي:
فقال الله فيه:( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) .
(سورة النحل: آية: ٧١)
وقال الله:( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) .
* عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه مرفوعاً، عن علي بن أبي طالب قال:
(قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): ما خلق الله خَلْقاً أفضل منّي، ولا أكرم عليه منّي.
قال علي:
قلتُ: يا رسول الله أَفأَنتَ أفضل أَمْ جبرئيل؟
فقال: يا علي، إنّ الله فضّل أنبياءه والمرسلين على الملائكة المقرّبين، وفضّلني على جميع النبيِّين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي وللأئمّة من بعدك، وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبِّينا، يا علي الذين يحملون العرش ومَن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا) - الحديث -.
(علل الشرائع: ص٥)
فقد ظهر من هذا الحديث:
- أنّ الله خَلَق محمّداً وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) أفضل من الأنبياء والمرسلين.
- وخلق الأنبياء والمرسلين أفضل من المؤمنين.
- وخَلَق المؤمنين أفضل من الملائكة المقرّبين.
- وجعل الملائكة المقرّبين خدّام محمّد وآل محمّد، وخدّام محبّيهم إلى يوم القيامة.
* عن جابر الجعفي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) قال:
(إنّ الله تعالى خلق نور محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مِن نورٍ اخترعه مِن عظمته وجلاله، وهو نور لاهوتيته، الذي تبدى إلاه، وتجلّى لموسى بن عمران (عليه السلام) لطلب رؤيته، فما ثبت ولا استقرّ ولا طاقة له لرؤيته حتّى خرّ مغشيّاً عليه، وكان ذلك نور محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فلمّا أراد الله تعالى أنْ يخلق محمّداً منه قَسَمَ ذلك النور شطرَين، فخلق من الشطر الأوّل محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومِن الشطر الثاني علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولم يخلق من ذلك النور غيرهما.
إلى أنْ قال:
ثمّ اقتبس من نور محمّد (صلَّى الله عليه وآله) فاطمة ابنته (عليه السلام)، كما اقتبس نورَه مِن نوره تعالى، واقتبس من نور فاطمة الحسن والحسين (عليه السلام) كاقتباس المصابيح، هم خلقوا من الأنوار وانتقلوا مِن ظَهْرٍ إلى ظهر ومِن صُلْب إلى صلب في الطبقة العليا من غير نحاسة، بل نقلاً بعد نقل لا من ماءٍ مهين ولا من نطفة جشرة كسائر خلقه، بل أنوار انتقلوا من أصلاب
الرجال الطاهرين إلى أرحام النساء الطاهرات) - الحديث -.
(البرهان: سورة الشعراء)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ الله جعل حَمَلَةَ أنوار محمّد وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) أصلاب الطبقة العليا (أصلاب الأنبياء)، فكان آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) - من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب - أنبياء (عليهم السلام).
* عن إسماعيل بن الفيض الهاشمي قال:
سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن موسى بن عمران (عليه السلام) لمّا رأى حبالهم وعصيّهم أوجس في نفسه خِيْفَة، ولم يوجس إبراهيم (عليه السلام) حين وُضع في المنجنيق وقُذف في النار؟
فقال: (إنّ إبراهيم عليه السلام حين وُضع في المنجنيق كان مستنداً إلى ما في صلبه من أنوار حجج الله تعالى، ولم يكن موسى عليه السلام كذلك، فلهذا أوجس في نفسه ولم يوجس إبراهيم عليه السلام).
(أمالي الصدوق: ب ٩٤، ص٦٥٥)
فقد ظهر من هذا الحديث:
- أنّ الله جعل إبراهيم الخليل (عليه السلام) حامل أنوار محمّد وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله).
- ولم يجعل موسى الكليم (عليه السلام) حامل أنوارهم.
- فكان إبراهيم الخليل (عليه السلام) أقوى طاقة من موسى الكليم (عليه السلام).
- وظهر أنّ الله جعل إبراهيم الخليل (عليه السلام) أفضل من موسى الكليم (عليه السلام)، استحقاقاً له.
فظهر:
أنّ مَن جعله اللهُ من الطبقة العليا - يعني من الأنبياء (عليهم السلام) - حامل أنوار محمّد وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، جعله أقوى طاقة وأفضل مِن الذي لم يجعله حامل أنوارهم من الأنبياء (عليهم السلام).
* عن أبي سعيد الخدري قال:
كنّا جلوساً عند رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)،الى أنْ قال: قال
النبي (صلَّى الله عليه وآله):
(وقد علمتم جميعاً أنّ الله خلقني وعليّاً مِن نور واحد، إنّا كنّا في صُلْب آدم نسبح الله عزّ وجل، ثمّ نقلنا إلى أصلاب الرجال وأرحام النساء (عليهم السلام)، يُسمع تسبيحنا في الظهور والبطون في كلّ عصر وعهد إلى عبد المطّلب (عليه السلام)، وإنّ نورنا كان يظهر في وجوه آبائنا وأمّهاتنا حتّى تبيّن أسماؤنا مخطوطة بالنور على جباههم، وافترق نورنا فصار نصفه في عبد الله أبي (عليه السلام)، ونصفه في أبي طالب عمّي (عليه السلام)، فكان يُسمع تسبيحنا من ظهورهما، وكان أبي وعمّي إذا جلسا في ملأ قريش يتلألأ نورنا ووجوههما دونهم، حتّى أنّ الهوام والسباع يسلِّمان عليهما لأجل نورهما، إلى أنْ خرجنا من أصلاب آبائنا وبطون أمّهاتنا).
(كتاب الروضة للحفيني)
فقد ظهر من هذا الحديث:
أنّ الله جعل آباء النبي (ص) والولي عليه السلام حملة نورهما من الطبقة العليا من الأنبياء، من لدن آدم (عليه السلام) إلى عبد الله وأبي طالب عليه السلام، وجعلهم أقوى طاقة وأفضل من الطبقة العليا من الأنبياء، الذين لم يجعلهم حملة نورهما (ص)، كما قال:( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ) .
آباء النبي والولي كانوا محال نورهما
* قال الله تعالى:
( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) .
(سورة المائدة: آية: ١٥)
* قال الشيخ الطبرسي ره: يعني بالنور محمّداً (ص).
(مجمع البيان)
* وقال تعالى:
( وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) .
(سورة الأعراف: آية: ١٥٧)
* عن أبي عبد الله في قوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) قال: (النور في هذا الموضع أمير المؤمنين والأئمّة).
(الكافي: كتاب الحجّة: ب١٣)
* وقال:
( فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ) .
(سورة التغابن: آية: ٨)
* عن الإمام موسى الكاظم قال: (النور هو الإمام وذلك قول الله:( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ) ).
(الصافي من الكافي)
فظهر أنّ الله أنزل محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) وعليّاً وأولاده المعصومين نوراً إلى الناس، أنْ يؤمنوا بهم ويتّبعوهم إلى يوم القيامة.
نزول نور النبي والولي في أصلاب آبائه ما
* قال الشيخ أبو الحسن البكري أُستاذ الشهيد الثاني (ره):
روي عن أمير المؤمنين حديث طويل قال فيه:
(وكانت الملائكة يقفون من وراء آدم، قال آدم: لأيّ شيء يا رب تقف الملائكة من ورائي؟
فقال الله تعالى: لينظروا إلى نور ولدك محمّد (صلَّى الله عليه وآله).
قال: يا رب اجعله أمامي حتّى تستقبلني الملائكة، فجعله الله في جبهته، فكانت الملائكة يقفون قدّامه صفوفاً، ثمّ سأل آدمُ ربَّه أنْ يجعله في مكان يراه آدم فجعله الله في الإصبع السبّابة، فكان نور محمّد (صلَّى الله عليه وآله) فيها، ونور علي في الإصبع الوسطى، ونور فاطمة في الإصبع التي تليها، ونور
الحسن في الخنصر، ونور الحسين في الإبهام، وكانت أنوارهم كغرّة الشمس في قبّة الفلك، أو كالقمر في ليلة البدر.
إلى أنْ قال:
فلم يزل نور رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في غرّة آدم حتّى حملتْ حوّاء بشيث، وكانت الملائكة يأتون حوّاء يهنّئونها، فلمّا وضعتْه نظرتْ بين عينيه إلى نور رسول (صلَّى الله عليه وآله) حتّى بلغ شيث مبالغ الرجال والنور يشرق في غُرّته، فلمّا علم آدم أنّ ولده شيث بلغ مبالغ الرجال قال له: يا بني، إنّي مفارقك عن قريب فادْنُ مِنِّي حتّى آخذ عليك العهد والميثاق كما أخذه الله علي مِن قَبْلِك.
إلى أنْ قال:
وقبل شيث العهد والميثاق، وأَلزمه نفسه ولم يزل ذلك النور بين عينيه حتّى تزوج الحوريّة المحاولة البيضاء وكانت بطول حوّاء، واقترن إليها بخطبة جبرئيل، فلمّا وطأها حملت بانوش، فلمّا حملتْ به سمعتْ منادياً ينادي هناك يا بيضاء لقد استودعك الله تعالى نور سيّد المرسلين وخاتم النبيّين وسيّد الأوّلين والآخرين.
فلمّا ولدتْه أخذ عليه شيث العهد كما أُخذ عليه، وانتقل النور إلى ولده قينان، ومنه إلى مهلائيل، ومنه إلى أدد(وهو يارد) ، ومنه إلى أخنوخ وهو إدريس عليه السلام، ثمّ أودعه إدريس ولدَه متوشلخ وأخذ عليه العهد، ثمّ انتقل النور إلى لمك، ثمّ إلى نوح، ومِن نوح إلى سام، ومنه إلى ولدِه أَرْفَخَشِد، ثمّ إلى ولده غابر(وهو هود) ، ثمّ إلى قالع، ثمّ إلى شالخ، ثمّ إلى أَرْغُو، ومنه إلى شاروع، ومنه إلى تاحور، ثمّ انتقل إلى تَارَخ، ومنه إلى إبراهيم، ثمّ إلى إسماعيل، ثمّ إلى قيدار، ومنه إلى حمل، ومنه إلى نبت، ثمّ إلى يشحب، ومنه إلى الهميسع، ثمّ إلى اليسع، ثمّ إلى الأود، ثمّ إلى أدد، ثمّ إلى عدنان، ثمّ إلى معد، ومنه إلى نزار، ومنه إلى
مضر، ومنه إلى إلياس، ومنه إلى مدركة، ومنه إلى خزيمة، ومنه إلى كنانة، ومنه إلى نضر، ومنه إلى مالك، ومنه إلى فهر، ومنه إلى غالب، ومنه إلى لؤي، ومنه إلى كعب، ومنه إلى مرّة، ومنه إلى كلاب، ومنه إلى قصي، ومنه إلى عبد مناف، ومن عبد مناف (عليه السلام) إلى هاشم (عليه السلام).
إلى أنْ قال:
فلمّا حضرت عبد مناف الوفاة أخد العهد على هاشم (عليه السلام) أنْ يودع نور رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في الأرحام الزكيّة من النساء الزكيّة، فقبل هاشم (عليه السلام) العهد وأَلْزَمَه نفسه.
وإلى أنْ قال الشيخ أبو الحسن البكري: حدّثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث:
أنّه لمّا تزوّج هاشم بن عبد مناف بسلمى بنت عمرو النجاريّة ودخل بها، حملت بعبد المطّلب (عليه السلام) جدّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وانتقل النور الذي كان في وجهه إلى سلمى (عليها السلام)، زادها حسناً وجمالاً وبهجةً وكمالاً، حتّى شاع حسنها في الآفاق واشتهر حمل سلمى (عليها السلام)، فقال لها هاشم (عليه السلام) يا سلمى، إنّي أودعك الوديعة التي أودعها الله تعالى آدم (عليه السلام) وأودعها آدم (عليه السلام) ولده شيث (عليه السلام)، ولم يزالوا يتوارثونها من واحد إلى واحد إلى أنْ وصلتْ إلينا، وشرّفنا الله تعالى بهذا النور وقد أودعتك إيّاك، وما أنا آخذ عليك العهد والميثاق بأنْ تَقِيْه وتَحْفَظِيْهِ.
إلى أنْ قال:
فلمّا اشتدّ لسلمى الحمل وجاءها المخاض وهي لم تجد ألماً، إذ سمعت هاتفاً يقول:
يَا زِيْنَةَ النِسَاءِ مِنْ بَنِي النَجَّارِ * بَاللهِ أَسْدِلِي عَلَيْهِ بَالأَسْتَارِ
واحْجُبِيْهِ عَنْ أَعْيُنِ النُظَّارِ * كَيْ تَسْعَدِي فِي جُمْلَةِ الأَقْطَارِ
إلى أنْ قال:
فولدت شيبة الحمد، وقامت وتولّت أمرها، فلمّا وضعتْه سطع مِن غُرَّته نور شعشعاني، وكان نور رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فضحك وتبسّم.
إلى أنْ قال:
وقال علي (عليه السلام): تزوّج عبد المطّلب (عليه السلام) بستِّ نساء، فَرُزِقَ مِنْهُنَّ
عشرة أولاد.
إلى أنْ قال:
وأمّا فاطمة (عليه السلام) فولدتْ له ولدَين:
أحدهما: عبد مناف، ويُقال له أبو طالب.
والآخر: عبد الله أبو رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وكان عبد الله أصغر أولاده، وكان في وجهه نور رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وكان عبد الله يشب في اليوم مثل ما يشب أولاد الناس في السَنَة، وكان الناس يزورونه ويتعجّبون مِن حسنه وجماله وأنواره.
إلى أنْ قال:
فتزوّج أبوه آمنة فضل عندها يوماً وليلة فحملتْ بالنبي (صلَّى الله عليه وآله)).
(البحار: ج١٥، الطبع الجديد)
* عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:
قال النبي (صلَّى الله عليه وآله): (إنّ الله عزّ وجل أنزل قطعة من نور - فأسكنها في صلب آدم (عليه السلام)، فساقها حتّى قسمها جزءين، جرأ في صلب عبد الله وجزأ في صلب أبي طالب (عليه السلام)، فأخرجني نبيّاً وأخرج عليّاً وصيّاً).
(المناقب لابن المغازلي: ص٣٢)
فقد ظهر من هذه الأحاديث:
- أنّ الله أنزل نور النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) في أصلاب آبائهما صُلْبَاً صُلْبَاً بالعهد والميثاق.
- توارثا من لدن آدم (عليه السلام).
- حتّى جاء نور النبي محمّد (صلَّى الله عليه وآله) من صلب عبد الله إلى الناس.
- وجاء نور الولي علي (عليه السلام) من صلب أبي طالب إلى الناس.
فقال الله تعالى: ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) .وقال: ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ) .
كان هؤلاء آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام)
أنبياء الله (عليهم السلام)
عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (فكان بين آدم ونوح عشرة آباء):
كلّهم أنبياء اللّه (عليهم السلام)
١ - آدم (عليه السلام)، ٢ - شيث، ٣ - انوش، ٤ - قينان، ٥ - مهلائيل، ٦ - يارد، ٧ - إدريس، ٨ - متوشلخ، ٩ - لمك، ١٠ - نوح (عليه السلام).
***
وقال: (وليس بعد سام(رسولاً) إلاّ هود، وكان بين هود (عليه السلام) وإبراهيم (عليه السلام) من الأنبياء (عليهم السلام) عشرة آباء):
١ - سام، ٢ - أَرْفَخَشِد، ٣ - هود، ٤ - قانع، ٥ - شالَخ، ٦ - أرغو، ٧ - تاحور، ٨ - شاروع، ٩ - تارَخ، ١٠ - إبراهيم (عليه السلام).
***
وقال: (فجرى بين كلّ نبي ونبي - يعني بين نبيَّين - عشرة أنبياء):
إسماعيل نبي اللّه
١ - قيدار، ٢ - حمل، ٣ - نبت، ٤ - يشحب، ٥ - الهميسع، ٦ - إليسع، ٧ - أود، ٨ - أدد، ٩ - عدنان، ١٠ - معد.
***
وقال: (تسعة
آباء - يعني بين نبيّين تسعة آباء - كلّهم أنبياء لله):
نزار نبي اللّه
١ - مضر، ٢ - إلياس، ٣ - مدركة، ٤ - خزيمة، ٥ - كنانة، ٦ - نضر، ٧ - مالك، ٨ - فهر، ٩ - غالب.
***
وقال: (وثمانية آباء - يعني بين نبيّين ثمانية آباء - كلّهم أنبياء الله):
لؤي نبيّ اللّه
١ - كعب، ٢ - مرّة، ٣ - كلاب، ٤ - قصي، ٥ - عبد مناف، ٦ - هاشم، ٧ - عبد المطّلب، ٨ - عبد الله - أبو طالب نبي الله.
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا
أنبياء مصطفين (عليهم السلام)
قال الله تعالى:
( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) .
(سورة الحج: آية: ٧٥)
فقد ظهر من هذه الآية:
أنّ الله تعالى اصطفى يعنى جعل بعض الناس مرسلين (عليهم السلام).
* قال علي بن إبراهيم القمّي (ره): ( مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ) : وهم جبرئيل،
وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل (عليه السلام)،( وَمِنَ النَّاسِ ) : أي رسلاً، هم الأنبياء والأوصياء.
(تفسير القمّي / الصافي)
فظهر أنّ الله مَن اصطفاه مِن الناس جعله رسولاً، نبيّاً كان أو وصيّاً.
امتياز الأنبياء عن الناس في الخلق
١ - عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:
(سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: خلق الله الناس على ثلاث طبقات، وأنزلهم ثلاث منازل، فذلك قول الله في الكتاب:
- أصحاب الميمنة.
- وأصحاب المشأمة.
- والسابقون السابقون
فهم أنبياء ومرسلون، وجعل الله فيهم خمسة أرواح:
روح القدس / وروح الإيمان / وروح القوّة / وروح الشهوة / وروح البدن.
فبروح القدس: بعثوا أنبياء، مرسلين وغير مرسلين، وبها علموا الأشياء.
وبروح الإيمان: عبدوا الله ولم يشركوا به شيئاً.
وبروح القوّة: جاهدوا عدوّهم، وعالجوا معاشهم.
وبروح الشهوة: أصابوا لذيذ الطعام، ونكحوا الحلال من شباب النساء.
وبروح البدن: دبوا ودرجوا.
إلى أنْ قال:
ثمّ ذكر أصحاب الميمنة وهم المؤمنون حقّاً بأعيانهم جعل الله فيهم أربعة أرواح:
روح الإيمان / وروح القوّة / وروح الشهوة / وروح البدن.
إلى أنْ قال:
فأمّا أصحاب المشأمة فهم اليهود والنصارى).
فقال السائل:
أحييت قلبي بإذن الله يا أمير المؤمنين.
(نور الثقلين: ج٥، ص٢٠٥، الواقعة)
٢ - عن جابر الجعفي عن أبي عبد الله حديث قد سبق كذلك.
(الصافي من الكافي: كتاب الحجّة)
٣ - عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله قال للزنديق الذي سأله: مِن أين أثبت الأنبياء والرسل؟
قال:
(لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما متعالياً، لم يجز أنْ يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشرونه ويحاجّهم ويحاجّونه، فثبت أنّ له سفراء في خَلْقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم.
فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبّرون عنه عزّ وجل، وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شيء من أحوالهم، مؤيّدين عن الحكيم العليم بالحكمة).
(الكافي: كتاب الحجّة: ب١، ص١)
فقد ظهر من هذه الأحاديث:
أنّ الله تعالى لمّا خلق الأنبياء، مرسلين وغير مرسلين، فجعل فيهم روح القدس، وجعلهم به علماء الأشياء وعرفاء بها، حتّى يتميّزوا عن الناس كلّهم أجمعين ولا يحتاجوا إلى غير الله في شيء، بل الناس يحتاجون إليهم، وجعلهم صفوته: أي اصطفاهم من الناس مرسلين.
***
١ - عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):
(إنّ الله اصطفى مِن وُلد آدم إبراهيم واتّخذه خليلاً، واصطفى من وُلد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل نزاراً، ثمّ اصطفى من نزار مضراً، ثمّ اصطفى من مضر كنانة، ثمّ اصطفى من كنانة قريشاً (النضر)، ثمّ اصطفى من قريش (من النضر) بني هاشم (أي هاشماً)، ثمّ اصطفى عبد المطّلب، ثمّ اصطفاني من بني عبد المطّلب (عليه السلام)).
(صحيح المسلم /
والترمذي / وأبو حاتم / وأبو القاسم السهمي / وذخائر العقبى)
٢ - عن علي بن الحسين قال: قال الحسن بن علي:
(....... إنّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام، واختارنا واصطفانا واجتبانا.
إلى أنْ قال:
مخلصين إلى آدم (عليه السلام)).
(وقد سبق الحديث من البرهان: ج٣)
٣ - قال ابن شهرآشوب: قال أبو طالب:
الحمد لله ربّ العالمين الذي اصطفانا أعلاماً .
إلى أنْ قال:
وفضّلنا على العشائر نخب آل إبراهيم وصفوته، وزرع إسماعيل (عليه السلام) .
(وقد سبق الخطبة من البحار: ج٣٥، ب ص٩٣)
فقد ظهر من ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) والإمام الحسن وأبي طالب:
- أنّ الله اصطفى آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) من أبي طالب وعبد الله إلى آدم (عليه السلام).
- وأنّ الله لم يصطفِ من الناس إلاّ جَعَلَهُم أنبياء، مرسلين وغير مرسلين (عليه السلام).
فظهر أنّ الله جعل آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب أنبياء مرسلين(عليهم السلام).
كان آباء النبي والولي مسلمين حقيقيّين
قال الله تعالى:
( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) .
(سورة البقرة: آية: ١٢٥)
* إنّ الناس كانوا قسمين: حقيقي، ومجازي.
١ - فأمّا الحقيقي:
فهم الذين لا يسلب عنهم الإنسانيّة، فهم ناس حقيقيّون.
قال الله تعالى:( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً ) .
(سورة النصر: آية: ١ - ٢)
وقال تعالى:( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) .
(سورة القلم: آية: ٣٥ - ٣٦)
وقال تعالى:( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) .
(سورة آل عمران: آية: ٩٧)
( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) .
(سورة البقرة: آية: ١٢٥)
٢ - وأمّا المجازي:
فهم الذي يسلب عنهم الإنسانيّة فهم ناس مجازيّون.
قال الله تعالى:( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) .
(سورة الفرقان: آية: ٤٤)
وقال تعالى:( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .
(سورة الأعراف: آية: ١٧٩)
وقال تعالى:( فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) - الآية -.
(سورة التوبة: آية: ٢٨)
وقال تعالى:( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ) - الآية -.
(سورة التوبة: آية: ١٧)
فقد ظهر أنّ الله جعل الناس قسمين حقيقيّين ومجازيّين:
- فأمّا الحقيقيّون فهم المسلمون.
- وأمّا المجازيّون فهم المشركون.
* وإنّ المسلمين على ثلاثة أقسام: حقيقي، وتحقيقي، وتقليدي.
١ - فأمّا الحقيقي: فهم المسلمون الذين جعلهم الله داعين إلى الإنسانيّة الحقيقيّة، فهي الإسلام وهم الأنبياء والمرسلون، فهم المسلمون الحقيقيّون.
٢ - وأمّا التحقيقي: فهم المسلمون الذين جعلهم الله مدعوّين إلى الإنسانيّة الحقّة، فلمّا قبلوها فصاروا مسلمين تحقيقيّين، فهم المسلمون
التحقيقيّون.
٣ - وأمّا التقليدي:
فهم المسلمون الذين صاروا مسلمين تقليداً لآبائهم المسلمين الحقيقيّين أَمْ التحقيقيّين، فهم المسلمون التقليديّون.
فظهر أنّ الله جعل البيت للأنبياء والمرسلين خاصّاً وللمسلمين عامّاً، مثابة وأمناً.
فادّعى أبو طالب في خطبته التي خطبها عند تزويج النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) له ولآبائه النبوّة، قال:
وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمنا.
فإنّ ضمير المتكلّم مع الغير يجمعهم كلّهم من لدن آدم إلى أبي طالب، فظهر أنّ الله جعل البيت خاصّاً لآباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي الأنبياء، من لدن آدم إلى أبي طالب وللمسلمين عامّاً، مثابة وآمناً.
فظهر أنّ آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي - من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب - كانوا أنبياء (عليهم السلام).
(قد تمّ الكتاب في رجب المرجّب ١٤٠٠ هـ ق)
صفات أبي طالب عبد مناف (عليه السلام)
إنّي قد استدللتُ على نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي عليه الصلاة والسلام - من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب عبد مناف (عليهم السلام) - بثلاثين آية وثمانين حديثاً من العامّة والخاصّة، وبكثير من أقوال المفسّرين والمحدّثين والشارحين من الفريقَين، ومن آثار المؤرّخين، رضاً لله والرسول (صلَّى الله عليه وآله) والأئمّة المعصومين عليهم الصلاة والسلام، لا سمعةً ولا رياءً ولا قياساً ولا تفسيراً بالرأي، ويليه الكتاب المستطاب صفات أبي طالب عبد مناف (عليه السلام)، وفيه ستّون ومئة صفة له إنْ شاء الله تعالى.
الفهرس
المدخل ٣
* باب الاسم: ٧
إظهار الأشراف اسم أبي طالب عبد مناف ٧
إظهار الأسلاف اسم أبي طالب عبد مناف ١٠
عمران أبي بكر الطرسوسي ١٣
واجتنبوا قول الزور ١٣
التحقيق في عبد مناف ١٥
سادة الأنبياء خمسة ١٧
* باب الوصاية: ١٨
كان أبو طالب وصي إبراهيم (عليه السلام) ١٨
أوصياء الرسل كانوا أنبياء ٢٠
كانت أوصياء عيسى أنبياء ٢٥
* باب النبوّة: ٢٨
عدد الأنبياء وأُولي العزم منهم (عليه السلام) ٢٨
كانت الأنبياء (عليه السلام) مسلمين ٢٩
فريضة الأنبياء (ع) دعوة التوحيد ٢٩
النبي نبيّان: رفيع المرتبة والداعي إلى الله ٢٩
إقرارنا بهذه النبوّة لآباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) ٣٠
اعتقاد الخاصّة في آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) ٣١
اعتقاد العامّة في آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ٣١
تفهيم الموحّدين ٣٣
* باب البراهين: ٣٥
البرهان القوي على نبوّة ٣٥
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) ٣٥
عشرة أنبياء كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) ٣٦
البرهان الجلي على نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) ٣٧
عشرة أنبياء كانوا آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) ٣٧
البرهان الكشّاف عن نبوّة ٣٨
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي الأشراف (عليه السلام) ٣٨
كانت الأنبياء من ذرِّيّة إبراهيم بمكّة ٣٨
تفسير العامّة والخاصّة ٣٨
(تفسير الميزان) ٤١
كانت أنبياء بني إسماعيل بمكّة ٤١
إسماعيل نبيّ اللّه ٤٢
نزار نبيّ اللّه ٤٢
لؤي نبيّ اللّه ٤٢
أبو طالب نبي اللّه ٤٣
كان أنبياء بني إسرائيل في غير مكّة ٤٣
البرهان الوصّاف ٤٥
في نبوة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي الأسلاف ٤٥
كان أهل الشريعة قبل نبيّنا (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فرقتَين ٤٦
كان أهل الكتاب فرقتَين: مدنيّين ومكِّيِّين ٤٦
تقابل الفريقين ٤٩
النور المخفي والأشخاص ٤٩
نور النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي ٥١
في أصلاب آبائهما معاً ٥١
إكمال الميثاق بأبي طالب (عليه السلام) ٥٣
* باب الإظهارات: ٥٥
إظهار الله تعالى نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) ٥٥
تفسير ( حِينَ تَقُومُ ) ٥٦
متى قام الرسول (صلَّى الله عليه وآله) في النبوّة ٥٦
هم الساجدون نبيّون ٥٨
هم الساجدون النبيّون كانوا طاهرين ٦٠
إظهار الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نبوّة آبائه ٦٣
(الإظهار الأوّل) ٦٣
(الإظهار الثاني) ٦٤
(الإظهار الثالث) ٦٦
(الإظهار الرابع) ٦٧
إظهار الأمير (عليه السلام) نبوّة آبائه ٦٩
(الإظهار الأوّل) ٦٩
(الإظهار الثاني) ٧١
فاستودعهم في أفضل مستودع ٧٢
وأقرّهم خير مستقر ٧٢
من الشجرة التي صدع منها أنبياؤه ٧٤
وانتخب منها أُمناؤه ٧٤
(الإظهار الثالث) ٧٥
إظهار الإمام الحسن المجتبى ٧٥
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٧٥
إظهار الإمام محمّد الباقر ٧٧
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٧٧
إسماعيل نبي اللّه ٧٧
نزار نبي اللّه ٧٨
لؤي نبي اللّه ٧٨
أبو طالب نبي اللّه ٧٨
إظهار الإمام محمّد الباقر وجعفر الصادق (عليه السلام) ٧٩
نبوّة آباء النبي والولي ٧٩
إظهار الإمام الحسن العسكري ٨٠
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٨٠
إظهار الصحابي نبوّة آباء النبي والولي ٨١
إظهار التابعي نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٨٢
إظهار العلاّمة الآلوسي ٨٣
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٨٣
إظهار لَمَك - النبي - نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٨٣
إظهار المطّلب نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٨٥
إظهار هاشم نبوّة آبائه ٨٦
إظهار عبد المطّلب نبوّة آبائه ٨٧
إظهار أبي طالب نبوّة آبائه ٨٨
(الإظهار الأوّل) ٨٨
(الإظهار الثاني) ٨٩
إظهار العلماء الأعلام نبوّة ٩١
آباء النبي والولي ٩١
إظهار العلاّمة المجلسي (ره) نبوّة ٩١
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٩١
إظهار العلاّمة الإمامي (مُدّ ظِلُّه) ٩٢
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ٩٢
إظهار المؤرّخ الخراساني ٩٣
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي ٩٣
إظهار محشِّي شرح الباب الحادي عشر ٩٣
نبوّة آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي ٩٣
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي كانوا حُكّام الناس ٩٤
تفسير الآية عن علمائنا المتقدّمين ٩٤
الحكّام والمحكومون ٩٥
ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) اصطفاء آبائه ٩٧
ادّعاء أبي طالب حكومة آبائه ٩٨
تفسير الآية عن علمائنا المتأخّرين ٩٩
ادّعاء إمامنا الباقر (عليه السلام) حكومة آبائه ١٠١
تقويض الولاية ١٠١
ادّعاء المجلسي (ره) حكومة آباء ١٠٣
النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) ١٠٣
ادّعاء أبي طالب (عليه السلام) نبوّة آبائه ١٠٤
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي ١٠٥
كانوا أئمّة مثل إبراهيم ١٠٥
ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عصمة آبائه ١٠٦
آباء النبي والولي كانوا ولاة البيت ١٠٧
ادّعاء أبي طالب حكومة آبائه ١٠٨
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا معصومين ١٠٩
ادّعاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) عصمة آبائه ١٠٩
ادّعاء إمامنا الصادق عصمة آبائه ١٠٩
ادّعاء التابعين عصمة آباء ١١٠
النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) ١١٠
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ١١١
كانوا أوصياء إبراهيم ١١١
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي ١١٢
كانوا مقيمي الصلاة ١١٢
تفسير المتقدمين ١١٣
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا ١١٤
حكّاماً روحانيّين (عليهم السلام) ١١٤
إظهار أبي طالب حكومة آبائه ١١٥
إظهار المجلسي (ره) حكومة ١١٦
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) ١١٦
آباء النبي والولي كانوا مبلّغين كإبراهيم ١١٦
إنّ اللطف والمَنّ من اللّه ١١٩
آباء النبي والولي كانوا مسلمين كإبراهيم (عليه السلام) ١٢١
أنبياء بني إسماعيل كانوا بمكّة ١٢٢
ادّعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) نبوّة آبائه ١٢٤
كان أبو طالب (عليه السلام) أُمّة مسلمة كإبراهيم (عليه السلام) ١٢٥
قال الطريحي: وأُمّة رجل جامع للخير يُقتدى به ١٢٥
كان أبو طالب أًُمِّيَّاً حقيقيّاً ١٢٨
كان أبو طالب (عليه السلام) من المؤمنين ١٣٠
إنّ المشتق المتلبّس بالمبدأ في الحال حقيقة ١٣٠
تبادر الآيات ١٣١
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا ١٣٣
أنبياء مهتدين (عليهم السلام) ١٣٣
كان أبو طالب (عليه السلام) أولى الناس بإبراهيم (عليه السلام) ١٣٥
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والولي (عليه السلام) كانوا ١٣٨
أنبياء معصومين (عليهم السلام) ١٣٨
الإخلاص للّه من العبد ١٣٨
ادّعاء إمامنا الحسن نبوّة آبائه (عليهم السلام) ١٣٩
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا ١٤٢
أنبياء محفوظين ١٤٢
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا ١٤٦
أفضل الناس ١٤٦
آباء النبي والولي كانوا محال نورهما ١٤٩
نزول نور النبي والولي في أصلاب آبائهما ١٥٠
كان هؤلاء آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) ١٥٤
أنبياء الله (عليهم السلام) ١٥٤
كلّهم أنبياء اللّه (عليهم السلام) ١٥٤
إسماعيل نبي اللّه ١٥٤
نزار نبي اللّه ١٥٥
لؤي نبيّ اللّه ١٥٥
آباء النبي (صلَّى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) كانوا ١٥٥
أنبياء مصطفين (عليهم السلام) ١٥٥
امتياز الأنبياء عن الناس في الخلق ١٥٦
كان آباء النبي والولي مسلمين حقيقيّين ١٥٨
صفات أبي طالب عبد مناف (عليه السلام) ١٦١