منهاج الصالحين (العبادات) الجزء 1

مؤلف: السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي
متون فقهية ورسائل عملية

منهاج الصالحين ج ١

العبادات

فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله الأئمة الهداة الميامين.

وبعد: يقول العبد المفتقر إلى رحمة ربه، الراجي توفيقه وتسديده " أبو القاسم " خلف العلامة الجليل المغفور له " السيد علي أكبر الموسوي الخوئي " أن رسالة " منهاج الصالحين " لآية الله العظمى المغفور له " السيد محسن الطباطبائي الحكيم " قدس سره لما كانت حاوية لمعظم المسائل الشرعية المبتلى بها في: العبادات والمعاملات " فقد طلب مني جماعة من أهل الفضل وغيرهم من المؤمنين أن أعلق عليها، وأبين موارد اختلاف النظر فيها فأجبتهم إلى ذلك. ثم رأيت أن ادراج " التعليقة " في الأصل يجعل هذه الرسالة أسهل تناولا، وأيسر استفادة، فأدرجتها فيه. وقد زدت فيه فروعا كثيرة أكثرها في المعاملات لكثرة الابتلاء بها، مع بعض التصرف في العبارات من الايضاح والتيسير، وتقديم بعض المسائل أو تأخيرها، فأصبحت هذه الرسالة الشريفة مطابقة لفتاوانا. وأسأل الله تعالى مضاعفة التوفيق، والله ولي الرشاد والسداد.

أبو القاسم الموسوي الخوئي


بسم الله الرحمن الرحيم

العمل بهذه الرسالة الشريفة مجز ومبرئ للذمة إن شاء الله تعالى

أبو القاسم الموسوي الخوئي


التقليد

(مسألة ١): يجب على كل مكلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد، أن يكون في جميع عباداته، ومعاملاته، وسائر أفعاله، وتروكه: مقلدا، أو محتاطا، إلا أن يحصل له العلم بالحكم، لضرورة أو غيرها، كما في بعض الواجبات، وكثير من المستحبات والمباحات.

(مسألة ٢): عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل، لا يجوز له الاجتزاء إلا أن يعلم بمطابقته للواقع، أو لفتوى من يجب عليه تقليده فعلا...

(مسألة ٣): الأقوى جواز ترك التقليد، والعمل بالاحتياط، سواء اقتضى التكرار، كما إذا ترددت الصلاة بين القصر والتمام أم لا، كما إذا احتمل وجوب الإقامة في الصلاة، لكن معرفة موارد الاحتياط متعذرة غالبا، أو متعسرة على العوام.

(مسألة ٤): التقليد هو العمل اعتمادا على فتوى المجتهد ولا يتحقق بمجرد تعلم فتوى المجتهد ولا بالالتزام بها من دون عمل.

(مسألة ٥): يصح التقليد من الصبي المميز، فإذا مات المجتهد الذي قلده الصبي قبل بلوغه، جاز له البقاء على تقليده، ولا يجوز له أن يعدل عنه إلى غيره، إلا إذا كان الثاني أعلم.

(مسألة ٦): يشترط في مرجع التقليد البلوغ، والعقل، والايمان، والذكورة، والاجتهاد، والعدالة، وطهارة المولد، وأن لا يقل ضبطه عن المتعارف، والحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء.

(مسألة ٧): إذا قلد مجتهدا فمات، فإن كان أعلم من الحي وجب البقاء على تقليده، فيما إذا كان ذاكرا لما تعلمه من المسائل، وإن كان الحي أعلم وجب العدول إليه، مع العلم بالمخالفة بينهما، ولو إجمالا، وإن تساويا في العلم، أو لم يحرز الأعلم منهما جاز له البقاء في المسائل التي تعلمها ولم ينسها، ما لم يعلم بمخالفة فتوى الحي لفتوى الميت، وإلا وجب الأخذ بأحوط القولين، وأما المسائل التي لم يتعلمها، أو تعملها ثم نسيها فإنه يجب أن يرجع فيها إلى الحي.

(مسألة ٨): إذا اختلف المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع إلى الأعلم، ومع التساوي وجب الأخذ بأحوط الأقوال، ولا عبرة بكون أحدهم أعدل.

(مسألة ٩): إذا علم أن أحد الشخصين أعلم من الآخر، فإن لم يعلم الاختلاف في الفتوى بينهما، تخير بينهما، وإن علم الاختلاف وجب الفحص عن الأعلم، ويحتاط - وجوبا - في مدة الفحص، فإن عجز عن معرفة الأعلم فالأحوط - وجوبا - الأخذ بأحوط القولين، مع الامكان، ومع عدمه يختار من كان احتمال الأعلمية فيه أقوى منه في الآخر، فإن لم يكن احتمال الأعلمية فيه أحدهما أقوى منه في الآخر تخير بينهما، وإن علم أنهما إما متساويان، أو أحدهما المعين أعلم وجب الاحتياط، فإن لم يمكن وجب تقليد المعين.

(مسألة ١٠): إذا قلد من ليس أهلا للفتوى وجب العدول عنه إلى من هو أهل لها، وكذا إذا قلد غير الأعلم وجب العدول إلى الأعلم، مع العلم بالمخالفة بينهما، وكذا لو قلد الأعلم ثم صار غيره أعلم.

(مسألة ١١): إذا قلد مجتهدا، ثم شك في أنه كان جامعا للشرائط أم لا، وجب عليه الفحص، فإن تبين له أنه كان جامعا للشرائط بقي على تقليده، وإن تبين أنه كان فاقدا لها، أو لم يتبين له شئ عدل إلى غيره، وأما أعماله السابقة فإن عرف كيفيتها رجع في الاجتزاء بها إلى المجتهد الجامع للشرائط وإن لم يعرف كيفيتها قيل بنى على الصحة ولكن فيه إشكال بل منع، نعم إذا كان الشك في خارج الوقت لم يجب القضاء.

(مسألة ١٢): إذا بقي على تقليد الميت - غفلة أو مسامحة - من دون أن يقلد الحي في ذلك كان كمن عمل من غير تقليد، وعليه الرجوع إلى الحي في ذلك.

(مسألة ١٣): إذا قلد من لم يكن جامعا للشرائط، والتفت إليه - بعد مدة - كان كمن عمل من غير تقليد.

(مسألة ١٤): لا يجوز العدول من الحي إلى الميت الذي قلده أولا كما لا يجوز العدول من الحي إلى الحي، إلا إذا صار الثاني أعلم.

(مسألة ١٥): إذا تردد المجتهد في الفتوى، أو عدل من الفتوى إلى التردد، تخير المقلد بين الرجوع إلى غيره والاحتياط إن أمكن.

(مسألة ١٦): إذا قلد مجتهدا يجوز البقاء على تقليد الميت، فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع فيها إلى الأعلم من الأحياء، وإذا قلد مجتهدا فمات فقلد الحي القائل بجواز العدول إلى الحي، أو بوجوبه، فعدل إليه ثم مات فقلد من يقول بوجوب البقاء، وجب عليه البقاء على تقليد الأول في ما تذكره من فتاواه فعلا.

(مسألة ١٧): إذا قلد المجتهد وعمل على رأيه، ثم مات ذلك المجتهد فعدل إلى المجتهد الحي لم يجب عليه إعادة الأعمال الماضية، وإن كانت على خلاف رأي الحي في ما إذا لم يكن الخلل فيها موجبا لبطلانها مع الجهل، كمن ترك السورة في صلاته اعتمادا على رأي مقلده ثم قلد من يقول بوجوبها فلا تجب عليه إعادة ما صلاها بغير سورة.

(مسألة ١٨): يجب تعلم أجزاء العبادات الواجبة وشرائطها، ويكفي أن يعلم - إجمالا - أن عباداته جامعة لما يعتبر فيها من الأجزاء والشرائط ولا يلزم العلم - تفصيلا - بذلك، وإذا عرضت له في أثناء العبادة مسألة لا يعرف حكمها جاز له العمل على بعض الاحتمالات، ثم يسأل عنها بعد الفراغ، فإن تبينت له الصحة اجتزأ بالعمل، وإن تبين البطلان أعاده.

(مسألة ١٩): يجب تعلم مسائل الشك والسهو، التي هي في معرض الابتلاء، لئلا يقع في مخالفة الواقع.

(مسألة ٢٠): تثبت عدالة المرجع في التقليد بأمور: الأول: العلم الحاصل بالاختبار أو بغيره. الثاني: شهادة عادلين بها، ولا يبعد ثبوتها بشهادة العدل الواحد بل بشهادة مطلق الثقة أيضا. الثالث: حسن الظاهر، والمراد به حسن المعاشرة والسلوك الديني بحيث لو سئل غيره عن حاله لقال لم نر منه إلا خيرا. ويثبت اجتهاده - وأعلميته أيضا - بالعلم، وبالشياع المفيد للاطمئنان وبالبينة وبخبر الثقة في وجه، ويعتبر في البينة وفي خبر الثقة - هنا - أن يكون المخبر من أهل الخبرة.

(مسألة ٢١): من ليس أهلا للمرجعية في التقليد يحرم عليه الفتوى بقصد عمل غيره بها، كما أن من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء ولا يجوز الترافع إليه ولا الشهادة عنده، والمال المأخوذ بحكمه حرام وإن كان الآخذ محقا، إلا إذا انحصر استنقاذ الحق المعلوم بالترافع إليه هذا إذا كان المدعى به كليا، وأما إذا كان شخصيا فحرمة المال المأخوذ بحكمه، لا تخلو من اشكال.

(مسألة ٢٢): الظاهر أن المتجزي في الاجتهاد يجوز له العمل بفتوى نفسه، بل إذا عرف مقدارا معتدا به من الأحكام جاز لغيره العمل بفتواه إلا مع العلم بمخالفة فتواه لفتوى الأفضل، أو فتوى من يساويه في العلم وينفذ قضاؤه ولو مع وجود الأعلم.

(مسألة ٢٣): إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده، جاز البقاء على تقليده إلى أن يتبين الحال.

(مسألة ٢٤): الوكيل في عمل يعمل بمقتضى تقليد موكله، لا تقليد نفسه، وكذلك الحكم في الوصي.

(مسألة ٢٥): المأذون، والوكيل، عن المجتهد في التصرف في الأوقاف أو في أموال القاصرين ينعزل بموت المجتهد، وكذلك المنصوب من قبله وليا وقيما فإنه ينعزل بموته على الأظهر.

(مسألة ٢٦): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه حتى لمجتهد آخر، إلا إذا علم مخالفته للواقع، أو كان صادرا عن تقصير في مقدماته.

(مسألة ٢٧): إذا نقل ناقل ما يخالف فتوى المجتهد، وجب عليه إعلام من سمع منه ذلك، ولكنه إذا تبدل رأي المجتهد، لم يجب عليه إعلام مقلديه فيما إذا كانت فتواه السابقة مطابقة لموازين الاجتهاد.

(مسألة ٢٨): إذا تعارض الناقلان في الفتوى، فمع اختلاف التاريخ واحتمال عدول المجتهد عن رأيه الأول يعمل بمتأخر التأريخ، وفي غير ذلك عمل بالاحتياط - على الأحوط وجوبا - حتى يتبين الحكم.

(مسألة ٢٩): العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة، وعدم الانحراف عنها يمينا وشمالا، بأن لا يرتكب معصية بترك واجب، أو فعل حرام، من دون عذر شرعي، ولا فرق في المعاصي في هذه الجهة، بين الصغيرة، والكبيرة، وفي عدد الكبائر خلاف. وقد عد من الكبائر الشرك بالله تعالى، واليأس من روح الله تعالى والأمن من مكر الله تعالى، وعقوق الوالدين - وهو الإساءة إليهما - وقتل النفس المحترمة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم ظلما، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والزنا، واللواط، والسحر، واليمين الغموس الفاجرة - وهي الحلف بالله تعالى كذبا على وقوع أمر، أو على حق امرئ أو منع حقه خاصة - كما قد يظهر من بعض النصوص - ومنع الزكاة المفروضة، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، وشرب الخمر، ومنها ترك الصلاة أو غيرها مما فرضه الله متعمدا، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، - بمعنى ترك الاحسان إليه من كل وجه في مقام يتعارف فيه ذلك - والتعرب بعد الهجرة، إلى البلاد التي ينقص بها الدين، والسرقة، وانكار ما أنزل الله تعالى، والكذب على الله، أو على رسوله صلى الله عليه وآله، أو على الأوصياء عليهم السلام، بل مطلق الكذب، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، والقمار، وأكل السحت، كثمن الميتة والخمر، والمسكر، وأجر الزانية، وثمن الكلب الذي لا يصطاد، والرشوة على الحكم ولو بالحق، وأجر الكاهن، وما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، وثمن الجارية المغنية وثمن الشطرنج، فإن جميع ذلك من السحت. ومن الكبائر: البخس في المكيال والميزان، ومعونة الظالمين، والركون إليهم، والولاية لهم، وحبس الحقوق من غير عسر، والكبر، والاسراف والتبذير، والاستخفاف بالحج، والمحاربة لأولياء الله تعالى، والاشتغال بالملاهي - كالغناء بقصد التلهي - وهو الصوت المشتمل على الترجيع على ما يتعارف أهل الفسوق - وضرب الأوتار ونحوها مما يتعاطاه أهل الفسوق، والاصرار على الذنوب الصغائر. والغيبة، وهي: أن يذكر المؤمن بعيب في غيبته، سواء أكان بقصد الانتقاص، أم لم يكن، وسواء أكان العيب في بدنه، أم في نسبه، أم في خلقه، أم في فعله، أم في قوله، أم في دينه، أم في دنياه، أم في غير ذلك مما يكون عيبا مستورا عن الناس، كما لا فرق في الذكر بين أن يكون بالقول، أم بالفعل الحاكي عن وجود العيب، والظاهر اختصاصها بصورة وجود سامع يقصد إفهامه وإعلامه، كما أن الظاهر أنه لا بد من تعيين المغتاب، فلو قال: واحد من أهل البلد جبان لا يكون غيبة، وكذا لو قال: أحد أولاد زيد جبان، نعم قد يحرم ذلك من جهة لزوم الإهانة والانتقاص، لا من جهة الغيبة، ويجب عند وقوع الغيبة التوبة والندم والأحوط - استحبابا - الاستحلال من الشخص المغتاب - إذا لم تترتب على ذلك مفسدة - أو الاستغفار له. وقد تجوز الغيبة في موارد: منها المتجاهر بالفسق، فيجوز اغتيابه في غير العيب المتستر به، ومنها: الظالم لغيره، فيجوز للمظلوم غيبته والأحوط - استحبابا - الاقتصار على ما لو كانت الغيبة بقصد الانتصار لا مطلقا، ومنها: نصح المؤمن، فتجوز الغيبة بقصد النصح، كما لو استشار شخص في تزويج امرأة فيجوز نصحه، ولو استلزم اظهار عيبها بل لا يبعد جواز ذلك ابتداء بدون استشارة، إذا علم بترتب مفسدة عظيمة على ترك النصيحة، ومنها: ما لو قصد بالغيبة ردع المغتاب عن المنكر، فيما إذا لم يمكن الردع بغيرها، ومنها: ما لو خيف على الدين من الشخص المغتاب، فتجوز غيبته، لئلا يترتب الضرر الديني ومنها: جرح الشهود، ومنها: ما لو خيف على المغتاب الوقوع في الضرر اللازم حفظه عن الوقوع فيه، فتجوز غيبته لدفع ذلك عنه، ومنها: القدح في المقالات الباطلة، وإن أدى ذلك إلى نقص في قائلها، وقد صدر من جماعة كثيرة من العلماء القدح في القائل بقلة التدبر، والتأمل، وسوء الفهم ونحو ذلك، وكأن صدور ذلك منهم لئلا يحصل التهاون في تحقيق الحقائق عصمنا الله تعالى من الزلل، ووفقنا للعلم والعمل، إنه حسبنا ونعم الوكيل. وقد يظهر من الروايات عن النبي والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام: أنه يجب على سامع الغيبة أن ينصر المغتاب، ويرد عنه، وأنه إذا لم يرد خذله الله تعالى في الدنيا والآخرة، وأنه كان عليه كوزر من اغتاب. ومن الكبائر: البهتان على المؤمن - وهو ذكره بما يعيبه وليس هو فيه - ومنها: سب المؤمن وإهانته وإذلاله ومنها: النميمة بين المؤمنين بما يوجب الفرقة بينهم، ومنها: القيادة وهي السعي بين اثنين لجمعهما على الوطئ المحرم، ومنها: الغش للمسلمين، ومنها: استحقار الذنب فإن أشد الذنوب ما استهان به صاحبه، ومنها الرياء وغير ذلك مما يضيق الوقت عن بيانه.

(مسألة ٣٠): ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وقد مر أنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة.

(مسألة ٣١): الاحتياط المذكور في مسائل هذه الرسالة - إن كان مسبوقا بالفتوى أو ملحوقا بها - فهو استحبابي يجوز تركه، وإلا تخير العامي بين العمل بالاحتياط والرجوع إلى مجتهد آخر الأعلم فالأعلم وكذلك موارد الاشكال والتأمل، فإذا قلنا: يجوز على إشكال أو على تأمل فالاحتياط في مثله استحبابي، وإن قلنا: يجب على إشكال، أو على تأمل فإنه فتوى بالوجوب، وإن قلنا المشهور: كذا، أو قيل كذا وفيه تأمل، أو فيه إشكال، فاللازم العمل بالاحتياط، أو الرجوع إلى مجتهد آخر.

(مسألة ٣٢): إن كثيرا من المستحبات المذكورة في أبواب هذه الرسالة يبتني استحبابها على قاعدة التسامح في أدلة السنن، ولما لم تثبت عندنا فيتعين الاتيان بها برجاء المطلوبية، وكذا الحال في المكروهات فتترك برجاء المطلوبية، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.


كتاب الطهارة

وفيه مباحث:

المبحث الأول

أقسام المياه وأحكامها

وفيه فصول:

الفصل الأول

تعريف المطلق والمضاف

ينقسم ما يستعمل فيه لفظ الماء إلى قسمين:

الأول: ماء مطلق، وهو: ما يصح استعمال لفظ الماء فيه - بلا مضاف إليه - كالماء الذي يكون في البحر، أو النهر، أو البئر، أو غير ذلك فإنه يصح أن يقال له: ماء، وإضافته إلى البحر مثلا للتعيين، لا لتصحيح الاستعمال.

الثاني: ماء مضاف، وهو ما لا يصح استعمال لفظ الماء فيه بلا مضاف إليه، كماء الرمان، وماء الورد، فإنه لا يقال له ماء إلا مجازا ولذا يصح سلب الماء عنه.


الفصل الثاني

الماء الذي له مادة

الماء المطلق إما لا مادة له، أو له مادة.

والأول: إما قليل لا يبلغ مقداره الكر، أو كثير يبلغ مقداره الكر والقليل ينفعل بملاقاة النجس، أو المتنجس على الأقوى، إلا إذا كان متدافعا بقوة، فالنجاسة تختص حينئذ بموضع الملاقاة ولا تسري إلى غيره، سواء أكان جاريا من الأعلى إلى الأسفل - كالماء المنصب من الميزاب إلى الموضع النجس، فإنه لا تسري النجاسة إلى أجزاء العمود المنصب فضلا عن المقدار الجاري على السطح - أم كان متدافعا من الأسفل إلى الأعلى - كالماء الخارج من الفوارة الملاقي للسقف النجس، فإنه لا تسري النجاسة إلى العمود، ولا إلى ما في داخل الفوارة، وكذا إذ كان متدافعا من أحد الجانبين إلى الآخر. وأما الكثير الذي يبلغ الكر، فلا ينفعل بملاقاة النجس، فضلا عن المتنجس، إلا إذا تغير بلون النجاسة، أو طعمها، أو ريحها تغيرا فعليا.

(مسألة ٣٣): إذا كانت النجاسة لا وصف لها، أو كان وصفها يوافق الوصف الماء، لم ينجس الماء بوقوعها فيه، وإن كان بمقدار بحيث لو كان على خلاف وصف الماء لغيره ولكنه في الفرض الثاني مشكل بل ممنوع.

(مسألة ٣٤): إذا تغير الماء بغير اللون، والطعم، والريح، بل بالثقل أو الثخانة، أو نحوهما لم يتنجس أيضا.

(مسألة ٣٥): إذا تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه بالمجاورة للنجاسة لم ينجس أيضا.

(مسألة ٣٦): إذا تغير الماء بوقوع المتنجس لم ينجس، إلا أن يتغير بوصف النجاسة التي تكون للمتنجس، كالماء المتغير بالدم يقع في الكر فيغير لونه، فيصير أصفر فإنه ينجس.

(مسألة ٣٧): يكفي في حصول النجاسة التغير بوصف النجس في الجملة، ولو لم يكن متحدا معه، فإذا اصفر الماء بملاقاة الدم تنجس.

والثاني: وهو ما له مادة لا ينجس بملاقاة النجاسة، إلا إذا تغير على النهج السابق، فيما لا مادة له، من دون فرق بين ماء الأنهار، وماء البئر وماء العيون، وغيرها مما كان له مادة، ولا بد في المادة من أن تبلغ الكر، ولو بضميمة ماله المادة إليها، فإذا بلغ ما في الحياض في الحمام مع مادته كرا لم ينجس بالملاقاة على الأظهر.

(مسألة ٣٨): يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة، فلو كانت المادة من فوق تترشح وتتقاطر، فإن كان دون الكر ينجس، نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس.

(مسألة ٣٩): الراكد المتصل بالجاري كالجاري في عدم انفعاله بملاقاة النجس والمتنجس فالحوض المتصل بالنهر بساقية لا ينجس بالملاقاة، وكذا أطراف النهر وإن كان ماؤها راكدا.

(مسألة ٤٠): إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة وإن كان قليلا، والطرف الآخر حكمه حكم الراكد إن تغير تمام قطر ذلك البعض، وإلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط لاتصال ما عداه بالمادة.

(مسألة ٤١): إذا شك في أن للجاري مادة أم لا - وكان قليلا - ينجس بالملاقاة.

(مسألة ٤٢): ماء المطر بحكم ذي مادة لا ينجس بملاقاة النجاسة في حالة نزوله. أما لو وقع على شئ كورق الشجر، أو ظهر الخيمة أو نحوهما، ثم وقع على النجس تنجس.

(مسألة ٤٣): إذا اجتمع ماء المطر في مكان - وكان قليلا - فإن كان يتقاطر عليه المطر فهو معتصم كالكثير، وإن نقطع عنه التقاطر كان بحكم القليل.

(مسألة ٤٤): الماء النجس إذا وقع معه ماء المطر - بمقدار معتد به لا مثل القطرة، أو القطرات - طهر، وكذا ظرفه، كالإناء والكوز ونحوهما.

(مسألة ٤٥): يعتبر في جريان حكم ماء المطر أن يصدق عرفا أن النازل من السماء ماء مطر، وإن كان الواقع على النجس قطرات منه وأما إذا كان مجموع ما نزل من السماء قطرات قليلة، فلا يجري عليه الحكم.

(مسألة ٤٦): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ونفذ في جميعه طهر الجميع، ولا يحتاج إلى العصر أو التعدد، وإذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه دون غيره، هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، وإلا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها.

(مسألة ٤٧): الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها، بشرط أن يكون من السماء ولو بإعانة الريح، وأما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر - كما إذا ترشح بعد الوقوع على مكان، فوصل مكانا نجسا - لا يطهر، نعم لو جرى على وجه الأرض فوصل إلى مكان مسقف طهر.

(مسألة ٤٨): إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شئ آخر لم ينجس، ما دام بماء السماء بتوالي تقاطره عليه.

(مسألة ٤٩): في مقدار الكر وزنا بحقة الاسلامبول التي هي مائتان وثمانون مثقالا صيرفيا (مائتان واثنتان وتسعون حقة ونصف حقة) وبحسب وزنة النجف التي هي ثمانون حقة اسلامبول (ثلاث وزنات ونصف وثلاث حقق وثلاث أوقية) وبالكيلو (ثلاثمائة وسبعة وسبعون كيلوا) تقريبا. ومقداره في المساحة ما بلغ مكسره سبعة وعشرين شبرا.

(مسألة ٥٠): لا فرق في اعتصام الكر بين تساوي سطوحه واختلافها، ولا بين وقوف الماء وركوده وجريانه. نعم إذا كان الماء متدافعا لا تكفي كرية المجموع، ولا كرية المتدافع إليه في اعتصام المتدافع منه، نعم تكفي كرية المتدافع منه بل وكرية المجموع في اعتصام المتدافع إليه وعدم تنجسه بملاقاة النجس.

(مسألة ٥١): لا فرق بين ماء الحمام وغيره في الأحكام، فما في الحياض الصغيرة - إذا كان متصلا بالمادة، وكانت وحدها، أو بضميمة ما في الحياض إليها كرا - اعتصم، وأما إذا لم يكن متصلا بالمادة، أو لم تكن المادة - ولو بضميمة ما في الحياض إليها كرا - لم يعتصم.

(مسألة ٥٢): الماء الموجود في الأنابيب المتعارفة في زماننا بمنزلة المادة، فإذا كان الماء الموضوع في إجانة ونحوها من الظروف نجسا وجرى عليه ماء الأنبوب طهر، بل يكون ذلك الماء أيضا معتصما، ما دام ماء الأنبوب جاريا عليه، ويجري عليه حكم ماء الكر في التطهير به، وهكذا الحال في كل ماء نجس، فإنه إذا اتصل بالمادة طهر، إذا كانت المادة كرا.


الفصل الثالث

حكم الماء القليل

الماء القليل المستعمل في رفع الحدث الأصغر طاهر ومطهر من الحدث والخبث، والمستعمل في رفع الحدث الأكبر طاهر ومطهر من الخبث والأحوط - استحبابا - عدم استعماله في رفع الحدث، إذا تمكن من ماء آخر وإلا جمع بين الغسل أو الوضوء به والتيمم، والمستعمل في رفع الخبث نجس، عدا ما يتعقب استعماله طهارة المحل، وعدا ماء الاستنجاء وسيأتي حكمه.


الفصل الرابع

إذا علم بنجاسة أحد الإناءين

إذا علم - إجمالا - بنجاسة أحد الإناءين وطهارة الآخر لم يجز رفع الخبث بأحدهما ولا رفع الحدث، ولكن لا يحكم بنجاسة الملاقي لأحدهما، إلا إذا كانت الحالة السابقة فيهما النجاسة، وإذا اشتبه المطلق بالمضاف جاز رفع الخبث بالغسل بأحدهما، ثم الغسل بالآخر، وكذلك رفع الحدث، وإذا اشتبه المباح بالمغصوب، حرم التصرف بكل منهما ولكن لو غسل نجس بأحدهما طهر، ولا يرفع بأحدهما الحدث، وإذا كانت أطراف الشبهة غير محصورة جاز الاستعمال مطلقا، وضابط غير المحصورة أن تبلغ كثرة الأطراف حدا يوجب خروج بعضها عن مورد التكليف، ولو شك في كون الشبهة محصورة، أو غير محصورة فالأحوط - استحبابا - إجراء حكم المحصورة.


الفصل الخامس

الماء المضاف

الماء المضاف كماء الورد ونحوه، وكذا سائر المايعات ينجس القليل والكثير منها بمجرد الملاقاة للنجاسة، إلا إذا كان متدافعا على النجاسة بقوة كالجاري من العالي، والخارج من الفوارة، فتختص النجاسة - حينئذ - بالجزء الملاقي للنجاسة، ولا تسري إلى العمود، وإذا تنجس المضاف لا يطهر أصلا، وإن اتصل بالماء المعتصم، كماء المطر أو الكر، نعم إذا استهلك في الماء المعتصم كالكر فقد ذهبت عينه، ومثل المضاف في الحكم المذكور سائر المايعات.

(مسألة ٥٣): الماء المضاف لا يرفع الخبث ولا الحدث.

(مسألة ٥٤): الأستار - كلها - طاهرة إلا سؤر الكلب، والخنزير والكافر غير الكتابي، بل الكتابي أيضا على الأحوط وجوبا، نعم يكره سؤر غير مأكول اللحم عدا الهرة، وأما المؤمن فإن سؤره شفاء بل في بعض الروايات أنه شفاء من سبعين داء.


المبحث الثاني

أحكام الخلوة

وفيه فصول

الفصل الأول

أحكام التخلي

يجب حال التخلي بل في سائر الأحوال ستر بشرة العورة - وهي القبل والدبر والبيضتان - عن كل ناظر مميز عدا الزوج والزوجة، وشبههما كالمالك ومملوكته، والأمة المحللة بالنسبة إلى المحلل له، فإنه يجوز لكل من هؤلاء أن ينظر إلى عورة الآخر نعم إذا كانت الأمة مشتركة أو مزوجة أو محللة، أو معتدة لم يجز لمولاها النظر إلى عورتها وفي حكم العورة ما بين السرة والركبة على الأحوط وكذا لا يجوز لها النظر إلى عورته، ويحرم على المتخلي استقبال القبلة واستدبارها حال التخلي، ويجوز حال الاستبراء والاستنجاء، وإن كان الأحوط استحبابا الترك، ولو اضطر إلى أحدهما فالأقوى التخيير، والأولى اجتناب الاستقبال.

(مسألة ٥٥): لو اشتبهت القبلة لم يجز له التخلي، إلا بعد اليأس عن معرفتها، وعدم امكان الانتظار، أو كون الانتظار حرجيا أو ضرريا.

(مسألة ٥٦): لا يجوز النظر إلى عورة غيره من وراء الزجاجة ونحوها، ولا في المرآة، ولا في الماء الصافي.

(مسألة ٥٧): لا يجوز التخلي في ملك غيره إلا بإذنه ولو بالفحوى.

(مسألة ٥٨): لا يجوز التخلي في المدارس ونحوها ما لم يعلم بعموم الوقف، ولو أخبر المتولي، أو بعض أهل المدرسة بذلك كفى وكذا الحال في سائر التصرفات فيها.


الفصل الثاني

كيفية غسل موضع البول

يجب غسل موضع البول بالماء القليل مرتين على الأحوط وجوبا، وفي الغسل بغير القليل يجزئ مرة واحدة على الأظهر، ولا يجزئ غير الماء وأما موضع الغائط فإن تعدى المخرج تعين غسله بالماء كغيره من المتنجسات، وإن لم يتعد المخرج تخير بين غسله بالماء حتى ينقى ومسحه بالأحجار، أو الخرق، أو نحوهما من الأجسام القالعة للنجاسة، والماء أفضل، والجمل أكمل.

(مسألة ٥٩): الأحوط - وجوبا - اعتبار المسح بثلاثة أحجار أو نحوها، إذا حصل النقاء بالأقل.

(مسألة ٦٠): يجب أن تكون الأحجار أو نحوها طاهرة.

(مسألة ٦١): يحرم الاستنجاء بالأجسام المحترمة، وأما العظم والروث، فلا يحرم الاستنجاء بهما، ولكن لا يطهر المحل بل على الأحوط.

(مسألة ٦٢): يجب في الغسل بالماء إزالة العين والأثر، ولا تجب إزالة اللون والرائحة، ويجزئ في المسح إزالة العين، ولا تجب إزالة الأثر الذي لا يزول بالمسح بالأحجار عادة.

(مسألة ٦٣): إذا خرج مع الغائط أو قبله، أو بعده، نجاسة أخرى مثل الدم، ولاقت المحل لا يجزئ في تطهيره إلا الماء.


الفصل الثالث

مستحبات التخلي

يستحب للمتخلي - على ما ذكره العلماء رضوان الله تعالى عليهم أن يكون بحيث لا يراه الناظر ولو بالابتعاد عنه كما يستحب له تغطية الرأس والتقنع وهو يجزئ عنها، والتسمية عند التكشف، والدعاء بالمأثور وتقديم الرجل اليسرى عند الدخول، واليمنى عند الخروج، والاستبراء وأن يتكئ - حال الجلوس - على رجله اليسرى، ويفرج اليمنى، ويكره الجلوس في الشوارع، والمشارع، ومساقط الثمار، ومواضع اللعن: كأبواب الدور ونحوها من المواضع التي يكون المتخلي فيها عرضة للعن الناس والمواضع المعدة لنزول القوافل، واستقبال قرص الشمس، أو القمر بفرجه، واستقبال الريح بالبول، والبول في الأرض الصلبة، وفي ثقوب الحيوان، وفي الماء خصوصا الراكد، والأكل والشرب حال الجلوس للتخلي والكلام بغير ذكر الله، إلى غير ذلك مما ذكره العلماء رضوان الله تعالى عليهم.

(مسألة ٦٤): ماء الاستنجاء طاهر على الأقوى، وإن كان من البول فلا يجب الاجتناب عنه ولا عن ملاقيه، إذا لم يتغير بالنجاسة، ولم تتجاوز نجاسة الموضع عن المحل المعتاد، ولم تصحبه أجزاء النجاسة متميزة، ولم تصحبه نجاسة من الخارج أو من الداخل، فإذا اجتمعت هذه الشروط كان طاهرا، ولكن لا يجوز الوضوء به على الأحوط.


الفصل الرابع

كيفية الاستبراء

كيفية الاستبراء من البول، أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا، ثم من إلى رأس الحشفة ثلاثا، ثم ينترها ثلاثا وفائدة طهارة البلل الخارج بعده إذا احتمل أنه بول، ولا يجب الوضوء منه، ولو خرج البلل المشتبه بالبول قبل الاستبراء وإن كان تركه لعدم التمكن منه، أو كان المشتبه مرددا بين البول والمني بنى على كونه بولا، فيجب التطهير منه والوضوء، ويلحق بالاستبراء - في الفائدة المذكورة - طول المدة على وجه يقطع بعدم بقاء شئ في المجرى، ولا استبراء للنساء، والبلل المشتبه الخارج منهن طاهر لا يجب له الوضوء، نعم الأولى للمرأة أن تصبر قليلا وتتنحنح وتعصر فرجها عرضا ثم تغسله.

(مسألة ٦٥): فائدة الاستبراء تترتب عليه ولو كان بفعل غيره.

(مسألة ٦٦): إذا شك في الاستبراء أو الاستنجاء بنى على عدمه

وإن كان من عادته فعله، وإذا شك من لم يستبرئ في خروج رطوبة بنى على عدمها، وإن كان ظانا بالخروج.

(مسألة ٦٧): إذا علم أنه استبرأ أو استنجى وشك في كونه على الوجه الصحيح بنى على الصحة.

(مسألة ٦٨): لو علم بخروج المذي، ولم يعلم استصحابه لجزء من البول بنى على طهارته، وإن كان لم يستبرئ.


المبحث الثالث

الوضوء

وفيه فصول:

الفصل الأول

الوضوء وأحكامه

في أجزائه وهي: غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين فهنا أمور:

الأول: يجب غسل الوجه ما بين قصاص الشعر إلى طرف الذقن طولا، وما اشتملت عليه الإصبع الوسطى والابهام عرضا، والخارج عن ذلك ليس من الوجه، وإن وجب ادخال شئ من الأطراف إذا لم يحصل العلم باتيان الواجب إلا بذلك، ويجب الابتداء بأعلى الوجه إلى الأسفل فالأسفل عرفا ولا يجوز النكس، نعم لو رد الماء منكوسا، ونوى الوضوء بإرجاعه إلى الأسفل صح وضوؤه.

(مسألة ٦٩): غير مستوى الخلقة - لطول الأصابع أو لقصرها - يرجع إلى متناسب الخلقة المتعارف، وكذا لو كان أغم قد نبت الشعر على جبهته، أو كان أصلع قد انحسر الشعر عن مقدم رأسه فإنه يرجع إلى المتعارف، وأما غير مستوي الخلقة - بكبر الوجه أو لصغره - فيجب عليه غسل ما دارت عليه الوسطى والابهام المتناسبان مع ذلك الوجه.

(مسألة ٧٠): الشعر النابت فيما دخل في حد الوجه يجب غسل ظاهره، ولا يجب البحث عن الشعر المستور فضلا عن البشرة المستورة نعم ما لا يحتاج غسله إلى بحث وطلب يجب غسله، وكذا الشعر الرقيق النابت في البشرة يغسل مع البشرة، ومثله الشعرات الغليظة التي لا تستر البشرة على الأحوط وجوبا.

(مسألة ٧١): لا يجب غسل باطن العين، والفم، والأنف، ومطبق الشفتين، والعينين.

(مسألة ٧٢): الشعر النابت في الخارج عن الحد إذا تدلى على ما دخل في الحد لا يجب غسله، وكذا المقدار الخارج عن الحد، وإن كان نابتا في داخل الحد كمسترسل اللحية.

(مسألة ٧٣): إذا بقي مما في الحد شئ لم يغسل ولو بمقدار رأس إبرة لا يصح الوضوء، فيجب أن يلاحظ آماق وأطراف عينيه أن لا يكون عليها شئ من القيح، أو الكحل المانع، وكذا يلاحظ حاجبه أن لا يكون عليه شئ من الوسخ، وأن لا يكون على حاجب المرأة وسمة وخطاط له جرم مانع.

(مسألة ٧٤): إذا تيقن وجود ما يشك في مانعيته عن الغسل أو المسح يجب تحصيل اليقين بزواله، ولو شك في أصل وجوده يجب الفحص عنه - على الأحوط وجوبا - إلا مع الاطمئنان بعدمه.

(مسألة ٧٥): الثقبة في الأنف الحلقة، أو الخزامة لا يجب غسل باطنها بل يكفي غسل ظاهرها، سواء أكانت فيها الحلقة أم لا.

الثاني: يجب غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع، ويجب الابتداء بالمرفقين، ثم الأسفل منها فالأسفل - عرفا - إلى أطراف الأصابع والمقطوع بعض يده يغسل ما بقي، ولو قطعت من فوق المرفق سقط وجوب غسلها، ولو كان له ذراعان دون المرفق وجب غسلهما، وكذا اللحم الزائد، والإصبع الزائدة، ولو كان له يد زائدة فوق المرفق فالأحوط - استحبابا - غسلها أيضا، ولو اشتبهت الزائدة بالأصلية غسلهما جميعا ومسح بهما على الأحوط وجوبا.

(مسألة ٧٦): المرفق مجمع عظمي الذراع والعضد، ويجب غسله مع اليد.

(مسألة ٧٧): يجب غسل الشعر النابت في اليدين مع البشرة، حتى الغليظ منه على الأحوط وجوبا.

(مسألة ٧٨): إذا دخلت شوكة في اليد لا يجب اخراجها إلا إذا كان ما تحتها محسوبا من الظاهر، فيجب غسله - حينئذ - ولو باخراجها.

(مسألة ٧٩): الوسخ الذي يكون على الأعضاء - إذا كان معدودا جزءا من البشرة - لا تجب إزالته، وإن كان معدودا - أجنبيا عن البشرة - تجب إزالته.

(مسألة ٨٠): ما هو المتعارف بين العوام من غسل اليدين إلى الزندين والاكتفاء عن غسل الكفين بالغسل المستحب قبل الوجه، باطل.

(مسألة ٨١): يجوز الوضوء برمس العضو في الماء من أعلى الوجه أو من طرف المرفق، مع مراعاة غسل الأعلى فالأعلى، ولكن لا يجوز أن ينوي الغسل لليسرى بادخالها في الماء من المرفق، لأنه يلزم تعذر المسح بماء الوضوء، وكذا الحال في اليمنى إذا لم يغسل بها اليسرى، وأما قصد الغسل باخراج العضو من الماء - تدريجا - فهو غير جائز مطلقا على الأحوط.

(مسألة ٨٢): الوسخ تحت الأظفار إذا لم يكن زائدا على المتعارف لا تجب إزالته إلا إذا كان ما تحته معدودا من الظاهر، وإذا قص أظفاره فصار ما تحتها ظاهرا وجب غسله بعد إزالة الوسخ.

(مسألة ٨٣): إذا انقطع لحم من اليدين غسل ما ظهر بعد القطع ويجب غسل ذلك اللحم أيضا ما دام لم ينفصل، وإن كان اتصاله بجلدة رقيقة، ولا يجب قطعه ليغسل ما كان تحت الجلدة، وإن كان هو الأحوط وجوبا، لو عد ذلك اللحم شيئا خارجيا، ولم يحسب جزءا من اليد.

(مسألة ٨٤): الشقوق التي تحدث على ظهر الكف - من جهة البر - إن كانت وسيعة يرى جوفها، وجب ايصال الماء إليها وإلا فلا، ومع الشك فالأحوط - استحبابا - الايصال.

(مسألة ٨٥): ما يتجمد على الجرح - عند البرء - ويصير كالجلد لا يجب رفعه، وإن حصل البرء، ويجزي غسل ظاهره وإن كان رفعه سهلا.

(مسألة ٨٦): يجوز الوضوء بماء المطر، إذا قام تحت السماء حين نزوله، فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه، مع مراعاة الأعلى فالأعلى وكذلك بالنسبة إلى يديه، وكذلك إذا قام تحت الميزاب أو نحوه، ولو لم ينو من الأول، لكن بعد جريانه على جميع محال الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله، وكذا على يديه إذا حصل الجريان كفى أيضا.

(مسألة ٨٧): إذا شك في شئ أنه من الظاهر حتى يجب غسله أو الباطن فالأحوط - استحبابا - غسله. نعم إذا كان قبل ذلك من الظاهر وجب غسله.

الثالث: يجب مسح مقدم الرأس - وهو ما يقارب ربعه مما يلي الجبهة - ويكفي فيه المسمى طولا وعرضا، والأحوط - استحبابا - أن يكون العرض قدر ثلاثة أصابع، والطول قدر طول إصبع، والأحوط - وجوبا - أن يكون المسح من الأعلى إلى الأسفل ويكون بنداوة الكف اليمنى، بل الأحوط - وجوبا - أن يكون بباطنها.

(مسألة ٨٨): يكفي المسح على الشعر المختص بالمقدم، بشرط أن لا يخرج بمده عن حده، فلو كان كذلك فجمع، وجعل على الناصية لم يجز المسح عليه.

(مسألة ٨٩): لا تضر كثرة بلل الماسح، وإن حصل معه الغسل.

(مسألة ٩٠): لو تعذر المسح بباطن الكف مسح بغيره، والأحوط - وجوبا - المسح بظاهر الكف، فإن تعذر فالأحوط - وجوبا - أن يكون بباطن الذراع.

(مسألة ٩١): يعتبر أن لا يكون على الممسوح بلل ظاهر، بحيث يختلط ببلل الماسح بمجرد المماسة.

(مسألة ٩٢): لو اختلط بلل اليد ببلل أعضاء الوضوء لم يجز المسح به على الأحوط وجوبا، نعم لا بأس باختلاط بلل اليد اليمنى بلل اليد اليسرى الناشئ من الاستمرار في غسل اليسرى بعد الانتهاء من غسلها، إما احتياطا، أو للعادة الجارية.

(مسألة ٩٣): لو جف ما على اليد من البلل لعذر، أخذ من بلل لحيته الداخلة في حد الوجه ومسح به.

(مسألة ٩٤): لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح لحر أو غيره فالأحوط - استحبابا - الجمع بين المسح بالماء الجديد والتيمم، والأظهر جواز الاكتفاء بالتيمم.

(مسألة ٩٥): لا يجوز المسح على العمامة، والقناع، أو غيرهما من الحائل وإن كان شيئا رقيقا لا يمنع من وصول الرطوبة إلى البشرة.

الرابع: يجب مسح القدمين من أطراف الأصابع إلى الكعبين والأحوط - وجوبا - المسح إلى مفصل الساق، ويجزئ المسمى عرضا والأحوط - وجوبا - مسح اليمنى باليمنى أولا، ثم اليسرى باليسرى وحكم العضو المقطوع من الممسوح حكم العضو المقطوع من المغسول وكذا حكم الزائد من الرجل والرأس، وحكم البلة، وحكم جفاف الممسوح والماسح كما سبق.

(مسألة ٩٦): لا يجب المسح على خصوص البشرة، بل يجوز المسح على الشعر النابت فيها أيضا، إذا لم يكن خارجا عن المتعارف، وإلا وجب المسح على البشرة.

(مسألة ٩٧): لا يجوز المسح على الحائل كالخف لغير ضرورة، أو تقية بل في جوازه مع الضرورة والاجتراء به مع التقية، اشكال.

(مسألة ٩٨): لو دار الأمر بين المسح على الخف، والغسل للرجلين للتقية، اختار الثاني.

(مسألة ٩٩): يعتبر عدم المندوحة في مكان التقية على الأقوى، فلو أمكنه ترك التقية وإراءة المخالف عدم المخالفة لم تشرع التقية ولا يعتبر عدم المندوحة في الحضور في مكان التقية وزمانها، كما لا يجب بذل مال لرفع التقية، وأما في سائر موارد الاضطرار فيعتبر فيها عدم المندوحة مطلقا، نعم لا يعتبر فيها بذل المال لرفع الاضطرار، إذا كان ضرريا.

(مسألة ١٠٠): إذا زال السبب المسوغ لغسل الرجلين بعد الوضوء لم تجب الإعادة في التقية، ووجبت في سائر الضرورات، كما تجب الإعادة إذا زوال السبب المسوغ أثناء الوضوء مطلقا.

(مسألة ١٠١): لو توضأ على خلاف التقية فالأظهر وجوب الإعادة.

(مسألة ١٠٢): يجب في مسح الرجلين أن يضع يده على الأصابع ويمسح إلى الكعبين بالتدريج، أو بالعكس فيضع يده على الكعبين ويمسح إلى أطراف الأصابع تدريجا، ولا يجوز أن يضع تمام كفه على تمام ظهر القدم من طرف الطول إلى المفصل، ويجرها قليلا بمقدار صدق المسح على الأحوط.


الفصل الثاني

وضوء الجبيرة

من كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة فإن تمكن من غسل ما تحتها بنزعها أو بغمسها في الماء - مع إمكان الغسل من الأعلى إلى الأسفل - وجب، وإن لم يتمكن - لخوف الضرر - اجتزأ بالمسح عليها، ولا يجزئ غسل الجبيرة عن مسحها على الأقوى، ولا بد من استيعابها بالمسح، إلا ما يتعسر استيعابه بالمسح عادة، كالخلل التي تكون بين الخيوط ونحوها.

(مسألة ١٠٣): الجروح والقروح المعصبة، حكمها حكم الجبيرة المتقدم، وإن لم تكن معصبة، غسل ما حولها، والأحوط - استحبابا - المسح عليها إن أمكن، ولا يجب وضع خرقة عليها ومسحها، وإن كان أحوط استحبابا.

(مسألة ١٠٤): اللطوخ المطلي بها العضو للتداوي يجري عليها حكم الجبيرة، وأما الحاجب اللاصق - اتفاقا - كالقير ونحوه فإن أمكن رفعه وجب، وإلا وجب التيمم، إن لم يكن الحاجب في مواضعه، وإلا جمع بين الوضوء والتيمم.

(مسألة ١٠٥): يختص الحكم المتقدم بالجبيرة الموضوعة على الموضع في موارد الجرح، أو القرح، أو الكسر، وأما في غيرها كالعصابة التي يعصب بها العضو، لألم، أو ورم، ونحو ذلك، فلا يجزئ المسح على الجبيرة، بل يجب التيمم إن لم يمكن غسل المحل لضرر ونحوه، كما يختص الحكم بالجبيرة غير المستوعبة للعضو، أما إذا كانت مستوعبة لعضو، فإن كانت في الرأس أو الرجلين تعين التيمم، وإن كانت في الوجه، أو اليد، فلا يترك الاحتياط الوجوبي فيها بالجمع بين وضوء الجبيرة والتيمم، وكذلك الحال مع استيعاب الجبيرة تمام الأعضاء، وأما الجبيرة النجسة التي لا تصلح أن يمسح عليها فإن كانت بمقدار الجرح، أجزأه غسل أطرافه، ويضع خرقة طاهرة على الجبيرة ويمسح عليها على الأحوط، وإن كانت أزيد من مقدار الجرح ولم يمكن رفعها وغسل ما حول الجرح، تعين التيمم على الأظهر إذا لم تكن الجبيرة في مواضع التيمم، وإلا جمع بين الوضوء والتيمم.

(مسألة ١٠٦): يجري حكم الجبيرة في الأغسال - غير غسل الميت - كما كان يجري في الوضوء، ولكنه يختلف عنه بأن المانع عن الغسل - إذا كان قرحا أو جرحا وكان مكشوفا - تخير المكلف بين الغسل والتيمم، وإذا اختار الغسل فالأحوط أن يضع خرقة على موضع القرح، أو الجرح، ويمسح عليها وإن كان الأظهر جواز الاجتراء بغسل أطرافه، وأما إذا كان المانع كسرا فإن كان محل الكسر مجبورا تعين عليه الاغتسال مع المسح على الجبيرة، وأما إذا كان المحل مكشوفا، أو لم يتمكن من المسح على الجبيرة تعين عليه التيمم.

(مسألة ١٠٧): لو كانت الجبيرة على العضو الماسح مسح ببلتها.

(مسألة ١٠٨): الأرمد إن كان يضره استعمال الماء تيمم، وإن أمكن غسل ما حول العين فالأحوط - استحبابا - له الجمع بين الوضوء والتيمم.

(مسألة ١٠٩): إذا برئ ذو الجبيرة في ضيق الوقت أجزأ وضوؤه سواء برئ في أثناء الوضوء أم بعده، قبل الصلاة أم في أثنائها أم بعدها ولا تجب عليه إعادته لغير ذات الوقت - إذا كانت موسعة - كالصلوات الآتية، أما لو برئ في السعة فالأحوط وجوبا - إن لم يكن أقوى - الإعادة في جميع الصور المتقدمة.

(مسألة ١١٠): إذا كان في عضو واحد جبائر متعددة يجب الغسل أو المسح في فواصلها.

(مسألة ١١١): إذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة، فإن كان بالمقدار المتعارف مسح عليها، وإن كان أزيد من المقدار المتعارف، فإن أمكن رفعها، رفعها وغسل المقدار الصحيح، ثم وضعها ومسح عليها وإن لم يمكن ذلك وجب عليه التيمم إن لم تكن الجبيرة في مواضعه، وإلا جمع بين الوضوء والتيمم.

(مسألة ١١٢): في الجرح المكشوف إذا أراد وضع طاهر عليه ومسحه يجب - أولا - أن يغسل ما يمكن من أطرافه، ثم وضعه.

(مسألة ١١٣): إذا أضر الماء بأطراف الجرح بالمقدار المتعارف يكفي المسح على الجبيرة، والأحوط - وجوبا - ضم التيمم إذا كانت الأطراف المتضررة أزيد من المتعارف.

(مسألة ١١٤): إذا كان الجرح أو نحوه في مكان آخر غير مواضع الوضوء، لكن كان بحيث يضره استعمال الماء في مواضعه، فالمتعين التيمم.

(مسألة ١١٥): لا فرق في حكم الجبيرة بين أن يكون الجرح، أو نحوه حدث باختياره على وجه العصيان أم لا.

(مسألة ١١٦): إذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا، لا يضره نجاسة باطنها.

(مسألة ١١٧): محل الفصد داخل في الجروح، فلو كان غسله مضرا يكفي المسح على الوصلة التي عليه، إن لم تكن أزيد من المتعارف وإلا حلها، وغسل المقدار الزائد ثم شدها، وأما إذا لم يمكن غسل المحل لا من جهة الضرر، بل الأمر آخر، كعدم انقطاع الدم - مثلا - فلا بد من التيمم، ولا يجري عليه حكم الجبيرة.

(مسألة ١١٨): إذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا لا يجوز المسح عليه، بل يجب رفعه وتبديله، وإن كان ظاهره مباحا، وباطنه مغصوبا فإن لم يعد مسح الظاهر تصرفا فيه فلا يضر، وإلا بطل.

(مسألة ١١٩): لا يشترط في الجبيرة أن تكون مما تصح الصلاة فيه فلو كانت حريرا أو ذهبا، أو جزء حيوان غير مأكول، لم يضر بوضوئه فالذي يضر هو نجاسة ظاهرها، أو غصبيتها.

(مسألة ١٢٠): ما دام خوف الضرر باقيا يجري حكم الجبيرة، وإن احتمل البرء، وإذا ظن البرء وزال الخوف وجب رفعها.

(مسألة ١٢١): إذا أمكن رفع الجبيرة وغسل المحل، لكن كان موجبا لفوات الوقت فالأظهر العدول إلى التيمم.

(مسألة ١٢٢): الدواء الموضوع على الجرح ونحوه إذا اختلط مع الدم، وصار كالشئ الواحد، ولم يمكن رفعه بعد البرء، بأن كان مستلزما لجرح المحل، وخروج الدم فلا يجري عليه حكم الجبيرة بل تنتقل الوظيفة إلى التيمم.

(مسألة ١٢٣): إذا كان العضو صحيحا، لكن كان نجسا، ولم يمكن تطهيره لا يجري عليه حكم الجرح، بل يتعين التيمم.

(مسألة ١٢٤): لا يلزم تخفيف ما على الجرح من الجبيرة إن كانت على المتعارف، كما أنه لا يجوز وضع شئ آخر عليها مع عدم الحاجة إلا أن يحسب جزءا منها بعد الوضع.

(مسألة ١٢٥): الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث، وكذلك الغسل. (مسألة ١٢٦) يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة في أول الوقت برجاء استمرار العذر، فإذا انكشف ارتفاعه في الوقت أعاد الوضوء والصلاة.

(مسألة ١٢٧): إذا اعتقد الضرر في غسل البشرة - لاعتقاده الكسر مثلا - فعمل بالجبيرة ثم تبين عدم الكسر في الواقع، لم يصح الوضوء ولا الغسل، وأما إذا تحقق الكسر فجبره، واعتقد الضرر في غسله فمسح على الجبيرة، ثم تبين عدم الضرر فالظاهر صحة وضوئه وغسله، وإذا اعتقد عدم الضرر فغسل، ثم تبين أنه كان مضرا، وكان وظيفته الجبيرة صح وضوؤه وغسله، إلا إذا كان الضرر ضررا كان تحمله حراما شرعا وكذلك يصحان لو اعتقد الضرر، ولكن ترك الجبيرة وتوضأ، أو اغتسل ثم تبين عدم الضرر، وإن وظيفته غسل البشرة، ولكن الصحة في هذه الصورة تتوقف على إمكان قصد القربة.

(مسألة ١٢٨): في كل مورد يشك في أن وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمم، الأحوط وجوبا الجمع بينهما.


الفصل الثالث

في شرائط الوضوء

منها: طهارة الماء، واطلاقه، وإباحته، وكذا عدم استعماله في التطهير من الخبث على الأحوط، بل ولا في رفع الحدث الأكبر على الأحوط استحبابا، على ما تقدم. ومنها: طهارة أعضاء الوضوء. ومنها: إباحة الفضاء الذي يقع فيه الوضوء على الأحوط وجوبا والأظهر عدم اعتبار إباحة الإناء الذي يتوضأ منه مع عدم الانحصار به بل مع الانحصار - أيضا - وإن كانت الوظيفة مع الانحصار التيمم لكنه لو خالف وتوضأ بماء مباح من إناء مغصوب أثم، وصح وضوؤه من دون فرق بين الاغتراف منه دفعة، أو تدريجا والصب منه، نعم لا يصح الوضوء في الإناء المغصوب إذا كان بنحو الارتماس فيه، كما أن الأظهر أن حكم المصب إذا كان وضع الماء على العضو مقدمة للوصول إليه حكم الإناء مع الانحصار وعدمه.

(مسألة ١٢٩): يكفي طهارة كل عضو حين غسله، ولا يلزم أن تكون جميع الأعضاء - قبل الشروع - طاهرة، فلو كانت نجسة وغسل كل عضو بعد تطهيره، أو طهره بغسل الوضوء كفى، ولا يضر تنجس عضو بعد غسله، وإن لم يتم الوضوء.

(مسألة ١٣٠): إذا توضأ من إناء الذهب، أو الفضة، بالاغتراف منه دفعة، أو تدريجا، أو بالصب منه، فصحة الوضوء لا تخلو من وجه من دون فرق بين صورة الانحصار وعدمه، ولو توضأ بالارتماس فيه فالصحة مشكلة. ومنها: عدم المانع من استعمال الماء لمرض، أو عطش يخاف منه على نفسه، أو على نفس محترمة. نعم الظاهر صحة الوضوء مع المخالفة في فرض العطش، ولا سيما إذا أراق الماء على أعلى جبهته، ونوى الوضوء - بعد ذلك - بتحريك الماء من أعلى الوجه إلى أسفله.

(مسألة ١٣١): إذا توضأ في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فإن قصد أمر الصلاة الأدائي، وكان عالما بالضيق بطل، وإن كان جاهلا به صح، وإن قصد أمر غاية أخرى، ولو كانت هي الكون على الطهارة صح حتى مع العلم بالضيق.

(مسألة ١٣٢): لا فرق في عدم صحة الوضوء بالماء المضاف، أو النجس، أو مع الحائل، بين صورة العلم، والعمد، والجهل، والنسيان وكذلك الحال إذا كان الماء مغصوبا، فإنه يحكم ببطلان الوضوء به حتى مع الجهل، نعم يصح الوضوء به مع النسيان، إذا لم يكن الناسي هو الغاصب.

(مسألة ١٣٣): إذا نسي غير الغاصب وتوضأ بالماء المغصوب والتفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء، صح ما مضى من أجزائه، ويجب تحصيل الماء المباح للباقي، ولكن إذا التفت إلى الغصبية بعد الغسلات، وقبل المسح، فجواز المسح بما بقي من الرطوبة لا يخلو من قوة، وإن كان الأحوط - استحبابا - إعادة الوضوء.

(مسألة ١٣٤): مع الشك في رضا المالك لا يجوز التصرف ويجري عليه حكم الغصب فلا بد من العلم بإذن المالك، ولو بالفحوى أو شاهد الحال.

(مسألة ١٣٥): يجوز الوضوء والشرب من الأنهار الكبار المملوكة لأشخاص خاصة، سواء أكانت قنوات، أو منشقة من شط، وإن لم يعلم رضا المالكين، وكذلك الأراضي الوسيعة جدا، أو غير المحجبة، فيجوز الوضوء والجلوس، والنوم، ونحوها فيها، ما لم ينه المالك، أو علم بأن المالك صغير، أو مجنون.

(مسألة ١٣٦): الحياض الواقعة في المساجد والمدارس - إذا لم يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بمن يصلي فيها، أو الطلاب الساكنين فيها أو عدم اختصاصها - لا يجوز لغيرهم الوضوء منها، إلا مع جريان العادة بوضوء كل من يريد، مع عدم منع أحد، فإنه يجوز الوضوء لغيرهم منها إذا كشفت العادة عن عموم الإذن.

(مسألة ١٣٧): إذا علم أو احتمل أن حوض المسجد وقف على المصلين فيه لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر، ولو توضأ بقصد الصلاة فيه، ثم بدا له أن يصلي في مكان آخر، فالظاهر بطلان وضوئه وكذلك إذا توضأ بقصد الصلاة في ذلك المسجد، ولكنه لم يتمكن وكان يحتمل أنه لا يتمكن، وأما إذا كان قاطعا بالتمكن، ثم انكشف عدمه، فالظاهر صحة وضوئه، وكذلك يصح لو توضأ غفلة، أو باعتقاد عدم الاشتراط، ولا يجب عليه أن يصلي فيه، وإن كان أحوط.

(مسألة ١٣٨): إذا دخل المكان الغصبي - غفلة وفي حال الخروج - توضأ بحيث لا ينافي فوريته، فالظاهر صحة وضوئه، وأما إذا دخل عصيانا وخرج، وتوضأ في حال الخروج، فالحكم فيه هو الحكم فيما إذا توضأ حال الدخول. ومنها: النية، وهي أن يقصد الفعل، ويكون الباعث إلى القصد المذكور، أمر الله تعالى، من دون فرق بين أن يكون ذلك بداعي الحب له سبحانه، أو رجاء الثواب، أو الخوف من العقاب، ويعتبر فيها الاخلاص فلو ضم إليها الرياء بطل، ولو ضم إليها غيره من الضمائم الراجحة، كالتنظيف من الوسخ، أو المباحة كالتبريد، فإن كانت الضميمة تابعة، أو كان كل من الأمر والضميمة صالحا للاستقلال في البعث إلى الفعل، لم تقدح، وفي غير ذلك تقدح، والأظهر عدم قدح العجب حتى المقارن، وإن كان موجبا لحبط الثواب.

(مسألة ١٣٩): لا تعتبر نية الوجوب، ولا الندب، ولا غيرهما من الصفات والغايات، ولو نوى الوجوب في موضع الندب، أو العكس - جهلا أو نسيانا - صح، وكذا الحال إذا نوى التجديد وهو محدث أو نوى الرفع وهو متطهر.

(مسألة ١٤٠): لا بد من استمرار النية بمعنى صدور تمام الأجزاء عن النية المذكورة.

(مسألة ١٤١): لو اجتمعت أسباب متعددة للوضوء كفى وضوء واحد، ولو اجتمعت أسباب للغسل، أجزأ غسل واحد بقصد الجميع وكذا لو قصد الجنابة فقط، بل الأقوى ذلك أيضا إذا قصد منها واحدا غير الجنابة، ولو قصد الغسل قربة من دون نية الجميع ولا واحد بعينه فالظاهر البطلان، إلا أن يرجع ذلك إلى نية الجميع إجمالا. ومنها: مباشرة المتوضئ للغسل والمسح، فلو توضأ غيره - على نحو لا يسند إليه الفعل - بطل إلا مع الاضطرار، فيوضؤه غير، ولكن هو الذي يتولى النية، والأحوط أن ينوي الموضئ أيضا. ومنها: الموالاة، وهي التتابع في الغسل والمسح بنحو لا يلزم جفاف تمام السابق في الحال المتعارفة، فلا يقدح الجفاف لأجل حرارة الهواء أو البدن الخارجة عن المتعارف.

(مسألة ١٤٢): الأحوط - وجوبا - عدم الاعتداد ببقاء الرطوبة في مسترسل اللحية الخارج عن حد الوجه. ومنها: الترتيب بين الأعضاء بتقديم الوجه، ثم اليد اليمنى، ثم اليسرى، ثم مسح الرأس، والأحوط تقديم الرجل اليمنى على اليسرى وكذا يجب الترتيب في أجزاء كل عضو على ما تقدم، ولو عكس الترتيب - سهوا - أعاد على ما يحصل به الترتيب مع عدم فوات الموالاة، وإلا استأنف، وكذا لو عكس - عمدا - إلا أن يكون قد أتى بالجميع عن غير الأمر الشرعي فيستأنف.


الفصل الرابع

في أحكام الخلل

(مسألة ١٤٣): من تيقن الحديث وشك في الطهارة تطهر، وكذا لو ظن الطهارة ظنا غير معتبر شرعا، ولو تيقن الطهارة، وشك في الحدث بنى على الطهارة، وإن ظن الحدث ظنا غير معتبر شرعا.

(مسألة ١٤٤): إذا تيقن الحدث والطهارة، وشك في المتقدم والمتأخر، تطهرا سواء علم تاريخ الطهارة، أو علم تاريخ الحدث، أو جهل تاريخهما جميعا.

(مسألة ١٤٥): إذا شك في الطهارة بعد الصلاة أو غيرهما مما يعتبر فيه الطهارة بنى على صحة العمل، وتطهر لما يأتي، إلا إذا تقدم منشأ الشك على العمل، بحيث لو التفت إليه قبل العمل لشك، فإن الأظهر - حينئذ - الإعادة.

(مسألة ١٤٦): إذا شك في الطهارة في أثناء الصلاة - مثلا - قطعها وتطهر، واستأنف الصلاة.

(مسألة ١٤٧): لو تيقن الاخلال بغسل عضو أو مسحه أتى به وبما بعده، مراعيا للترتيب والموالاة وغيرهما من الشرائط، وكذا لو شك في فعل من أفعال الوضوء قبل الفراغ منه، أما لو شك بعد الفراغ لم يلتفت، وإذا شك في الجزء الأخير، فإن كان ذلك قبل الدخول في الصلاة ونحوها مما يتوقف على الطهارة، وقبل فوت الموالاة لزمه الاتيان به، وإلا فلا.

(مسألة ١٤٨): ما ذكرناه آنفا من لزوم الاعتناء بالشك، فيما إذا كان الشك أثناء الوضوء، لا يفرق فيه بين أن يكون الشك بعد الدخول في الجزء المترتب أو قبله، ولكنه يختص بغير الوسواسي، وأما الوسواسي (وهو من لا يكون لشكه منشأ عقلائي بحيث لا يلتفت العقلاء إلى مثله) فلا يعتني بشكه مطلقا.

(مسألة ١٤٩): إذا كان مأمورا بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث إذا نسي شكه وصلى، فلا إشكال في بطلان صلاته بحسب الظاهر فتجب عليه الإعادة إن تذكر في الوقت، والقضاء إن تذكر بعده.

(مسألة ١٥٠): إذا كان متوضئا، وتوضأ للتجديد، وصلى، ثم تيقن بطلان أحد الوضوئين، ولم يعلم أيهما، فلا اشكال في صحة صلاته ولا تجب عليه إعادة الوضوء للصلوات الآتية أيضا.

(مسألة ١٥١): إذا توضأ وضوءين، وصلى بعدهما، ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما، يجب الوضوء للصلاة الآتية، لأن الوضوء الأول معلوم الانتفاض، والثاني غير محكوم ببقائه، للشك في تأخره وتقدمه على الحدث وأما الصلاة فيبني على صحتها لقاعدة الفراغ، وإذا كان في محل الفرض قد صلى بعد كل وضوء صلاة، أعاد الوضوء لما تقدم، وأعاد الصلاة الثانية، وأما الصلاة الأولى فيحكم بصحتها لاستصحاب الطهارة بلا معارض والأحوط استحبابا - في هذه الصورة - إعادتها أيضا.

(مسألة ١٥٢): إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء أنه ترك جزءا منه ولا يدري أنه الجزء الواجب، أو المستحب، فالظاهر الحكم بصحة وضوئه.

(مسألة ١٥٣): إذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنه مسح على الحائل أو مسح في موضع الغسل، أو غسل في موضع المسح، ولكن شك في أنه هل كان هناك مسوغ لذلك من جبيرة، أو ضرورة، أو تقية أو لا بل كان على غير الوجه الشرعي فالأظهر وجوب الإعادة.

(مسألة ١٥٤): إذا تيقن أنه دخل في الوضوء وأتى ببعض أفعاله ولكن شك في أنه أتمه على الوجه الصحيح أو لا، بل عدل عنه - اختيارا أو اضطرارا - فالظاهر عدم صحة وضوئه.

(مسألة ١٥٥): إذا شك بعد الوضوء في وجوب الحاجب، أو شك في حاجبيته كالخاتم، أو علم بوجوده ولكن شك بعده في أنه أزاله، أو أنه أوصل الماء تحته، بنى على الصحة مع احتمال الالتفات حال الوضوء وكذا إذا علم بوجود الحاجب، وشك في أن الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده بنى على الصحة.

(مسألة ١٥٦): إذا كانت أعضاء وضوئه أو بعضها نجسا فتوضأ وشك - بعده - في أنه طهرها أم لا، بنى على بقاء النجاسة، فيجب غسله لما يأتي من الأعمال، وأما الوضوء فمحكوم بالصحة، وكذلك لو كان الماء الذي توضأ منه نجسا ثم شك - بعد الوضوء - في أنه طهره قبله أم لا، فإنه يحكم بصحة وضوئه، وبقاء الماء نجسا، فيجب عليه تطهير ما لاقاه من ثوبه وبدنه.


الفصل الخامس

في نواقض الوضوء

يحصل الحديث بأمور:

الأول والثاني: خروج البول والغائط، سواء أكان من الموضع المعتاد بالأصل، أم بالعارض، أم كان من غيره على الأحوط وجوبا، والبلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء، بحكم البول ظاهرا.

الثالث: خروج الريح من الدبر، أو من غيره، إذا كان من شأنه أن يخرج من الدبر، ولا عبرة بما يخرج من القبل ولو مع الاعتياد.

الرابع: النوم الغالب على العقل، ويعرف بغلبته على السمع من غير فرق بين أن يكون قائما، وقاعدا، ومضطجعا، ومثله كل ما غلب على العقل من جنون، أو إغماء، أو سكر، أو غير ذلك.

الخامس: الاستحاضة على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.

(مسألة ١٥٧): إذا شك في طرو أحد النواقض بنى على العدم وكذا إذا شك في أن الخارج بول، أو مذي، فإنه يبني على عدم كونه بولا، إلا أن يكون قبل الاستبراء، فيحكم بأنه بول، فإن كان متوضئا انتقض وضؤوه.

(مسألة ١٥٨): إذا خرج ماء الاحتقان ولم يكن معه شئ من الغائط لم ينتقض الوضوء، وكذا لو شك في خروج شئ من الغائط معه.

(مسألة ١٥٩): لا ينتقض الوضوء بخروج المذي، أو الوذي، أو الوذي والأول، ما يخرج بعد الملاعبة، والثاني ما يخرج بعد خروج البول والثالث ما يخرج بعد خروج المني.


الفصل السادس

المسلوس والمبطون

من استمر به الحديث في الجملة كالمبطون، والمسلوس، ونحوهما، له أحوال أربع:

الأول: أن تكون له فترة تسع الوضوء والصلاة الاختيارية، وحكمه وجوب انتظار تلك الفترة، والوضوء والصلاة فيها. الثانية: أن لا تكون له فترة أصلا، أو تكون له فترة يسيرة لا تسع الطهارة وبعض الصلاة، وحكمه الوضوء والصلاة، وليس عليه الوضوء لصلاة أخرى، إلا أن يحدث حدثا آخر، كالنوم وغيره، فيجدد الوضوء لها. الثالثة: أن تكون له فترة تسع الطهارة وبعض الصلاة، ولا يكون عليه - في تجديد الوضوء في الأثناء مرة أو مرات - حرج، وحكمه الوضوء والصلاة في الفترة، ولا يجب عليه إعادة الوضوء إذا فاجأه الحدث أثناء الصلاة وبعدها، وإن كان الأحوط أن يجدد الوضوء كلما فاجأه الحدث أثناء صلاته ويبني عليها، كما أن الأحوط إذا أحدث - بعد الصلاة - أن يتوضأ للصلاة الأخرى. الرابعة: الصورة الثالثة، لكن يكون تجديد الوضوء - في الأثناء - حرجا عليه، وحكمه الاجتراء بالوضوء الواحد، ما لم يحدث حدثا آخر والأحوط أن يتوضأ لكل صلاة.

(مسألة ١٦٠): الأحوط لمستمر الحدث الاجتناب عما يحرم على المحدث، وإن كان الأظهر عدم وجوبه، فيما إذا جاز له الصلاة.

(مسألة ١٦١): يجب على المسلوس والمبطون التحفظ من تعدي النجاسة إلى بدنه وثوبه مهما أمكن بوضع كيس أو نحوه، ولا يجب تغييره لكل صلاة.


الفصل السابع

ما لا يجوز للمحدث مسه

لا يجب الوضوء لنفسه، وتتوقف صحة الصلاة - واجبة كانت، أو مندوبة - عليه، وكذا أجزاؤها المنسية بل سجود السهو على الأحوط استحبابا، ومثل الصلاة الطواف والواجب، وهو ما كان جزءا من حجة أو عمرة، دون المندوب وإن وجب بالنذر، نعم يستحب له.

(مسألة ١٦٢): لا يجوز للمحدث مس كتابة القرآن، حتى المد والتشديد ونحوهما، ولا مس اسم الجلالة وسائر أسمائه وصفاته على الأحوط وجوبا، والأولى الحاق أسماء الأنبياء والأوصياء وسيدة النساء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - به.

(مسألة ١٦٣): الوضوء مستحب لنفسه فلا حاجة في صحته إلى جعل شئ غاية له وإن كان يجوز الاتيان به لغاية من الغايات المأمور بها مقيدة به فيجوز الاتيان به لأجلها، ويجب إن وجبت، ويستحب إن استحبت، سواء أتوقف عليه صحتها، أم كمالها.

(مسألة ١٦٤): لا فرق في جريان الحكم المذكور بين الكتابة بالعربية والفارسية، وغيرهما، ولا بين الكتاب بالمداد، والحفر، والتطريز، وغيرهما كما لا فرق في الماس، بين ما تحله الحياة، وغيره، نعم لا يجري الحكم في المس بالشعر إذا كان الشعر غير تابع للبشرة.

(مسألة ١٦٥): الألفاظ المشتركة بين القرآن وغيره يعتبر فيها قصد الكاتب، وإن شك في قصد الكاتب جاز المس.

(مسألة ١٦٦): يجب الوضوء إذا وجبت إحدى الغايات المذكورة آنفا، ويستحب إذا استحبت، وقد يجب بالنذر، وشبهه، ويستحب للطواف المندوب، ولسائر أفعال الحج، ولطلب الحاجة، ولحمل المصحف الشريف لصلاة الجنائز، وتلاوة القرآن، وللكون على الطهارة، ولغير ذلك.

(مسألة ١٦٧): إذا دخل وقت الفريضة يجوز الاتيان بالوضوء بقصد فعل الفريضة، كما يجوز الاتيان به بقصد الكون على الطهارة وكذا يجوز الاتيان به بقصد الغايات المستحبة الأخرى.

(مسألة ١٦٨): سنن الوضوء على ما ذكره العلماء " رض " وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين، والتسمية والدعاء بالمأثور، وغسل اليدين من الزندين قبل ادخالهما في الإناء الذي يغترف منه، لحدث النوم، أو البول مرة، وللغائط مرتين، والمضمضة، والاستنشاق، وتثليثهما وتقديم المضمضة، والدعاء بالمأثور عندهما، وعند غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، وتثنية الغسلات، والأحوط استحبابا عدم التثنية في اليسرى احتياطا للمسح بها، وكذلك اليمنى إذا أراد المسح بها من دون أن يستعملها في غسل اليسرى، وكذلك الوجه لأخذ البلل منه عند جفاف بلل اليد، ويستحب أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى والثانية والمرأة تبدأ بالباطن فيهما، ويكره الاستعانة بغيره في المقدمات القريبة.


المبحث الرابع

الغسل

والواجب منه لغيره غسل الجنابة، والحيض، والاستحاضة، والنفاس ومس الأموات، والواجب لنفسه، غسل الأموات، فهنا مقاصد:


المقصد الأول

غسل الجنابة

وفيه فصول:

الفصل الأول

ما تتحقق به الجنابة

سبب الجنابة أمران:

الأول: خروج المني من الوضع المعتاد وغيره، وإن كان الأحوط استحبابا عند الخروج من غير المعتاد الجمع بين الطهارتين إذا كان محدثا بالأصغر.

(مسألة ١٦٩): إن عرف المني فلا اشكال، وإن لم يعرف فالشهوة والدفق، وفتور الجسد أمارة عليه، ومع انتفاء واحد منها لا يحكم بكونه منيا وفي المريض يرجع إلى الشهوة والفتور.

(مسألة ١٧٠): من وجد على بدنه، أو ثوبه منيا وعلم أنه منه بجنابة لم يغتسل منها وجب عليه الغسل، ويعيد كل صلاة لا يحتمل سبقها على الجنابة المذكورة، دون ما يحتمل سبقها عليها، وإن علم تاريخ الجنابة وجهل تاريخ الصلاة، وإن كانت الإعادة لها أحوط استحبابا وإن لم يعلم أنه منه لم يجب عليه شئ.

(مسألة ١٧١): إذا دار أمر الجنابة بين شخصين يعلم كل منهما أنها من أحدهما ففيه صورتان: الأولى: أن يكون جنابة الآخر موضوعا لحكم إلزامي بالنسبة إلى العالم بالجنابة إجمالا، وذلك كحرمة استيجاره لدخول المسجد، أو للنيابة عن الصلاة عن ميت مثلا، ففي هذه الصورة يجب على العالم بالاجمال ترتيب آثار العلم فيجب على نفسه الغسل، ولا يجوز له استيجاره لدخول المسجد، أو للنيابة في الصلاة نعم لا بد له من التوضي أيضا تحصيلا للطهارة لما يتوقف عليها. الثانية: أن لا تكون جنابة الآخر موضوعا لحكم إلزامي بالإضافة إلى العالم بالجنابة إجمالا ففيها لا يجب الغسل على أحدهما لا من حيث تكليف نفسه، ولا من حيث تكليف غيره إذا لم يعلم بالفساد، أما لو علم به ولو إجمالا لزمه الاحتياط فلا يجوز الائتمام لغيرهما بأحدهما إن كان كل منهما موردا للابتلاء فضلا عن الائتمام بكليهما، أو ائتمام أحدهما بالآخر، كما لا يجوز لغيرهما استنابة أحدهما في صلاة، أو غيرها مما يعتبر فيه الطهارة.

(مسألة ١٧٢): البلل المشكوك الخارج بعد خروج المني وقبل الاستبراء منه بالبول بحكم المني ظاهرا.

الثاني: الجماع ولو لم ينزل، ويتحقق بدخول الحشفة في القبل، أو الدبر، من المرأة وأما في غيرها فالأحوط الجمع بين الغسل والوضوء للواطئ والموطوء فيما إذا كانا محدثين بالحدث الأصغر، وإلا يكتفي بالغسل فقط ويكفي في مقطوع الحشفة دخول مقدارها، بل الأحوط وجوبا الاكتفاء - بمجرد الادخال منه.

(مسألة ١٧٣): إذا تحقق الجماع تحققت الجنابة للفاعل والمفعول به، من غير فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والقاصد وغيره، بل الظاهر ثبوت الجنابة للحي إذا كان أحدهما ميتا.

(مسألة ١٧٤): إذا خرج المني بصورة الدم، وجب الغسل بعد العلم بكونه منيا.

(مسألة ١٧٥): إذا تحرك المني عن محله بالاحتلام ولم يخرج إلى الخارج، لا يجب الغسل.

(مسألة ١٧٦): يجوز للشخص اجناب نفسه بمقاربة زوجته ولو لم يقدر على الغسل وكان بعد دخول الوقت، نعم إذا لم يتمكن من التيمم أيضا لا يجوز ذلك، وأما في الوضوء فلا يجوز لمن كان متوضئا - ولم يتمكن من الوضوء لو أحدث - أن يبطل وضوءه إذا كان بعد دخول الوقت.

(مسألة ١٧٧): إذا شك في أنه هل حصل الدخول أم لا، لا يجب عليه الغسل، وكذا لا يجب لو شك في أن المدخول فيه فرج، أو دبر، أو غيرهما.

(مسألة ١٧٨): الوطء في دبر الخنثى موجب للجنابة على الأحوط فيجب الجمع بين الغسل والوضوء إذا كان الواطئ، أو الموطوء محدثا بالأصغر دون قبلها إلا مع الانزال فيجب عليه الغسل دونها إلا أن تنزل هي أيضا، ولو أدخلت الخنثى، في الرجل، أو الأنثى مع عدم الانزال لا يجب الغسل على الواطئ ولا على الموطوء، وإذا أدخل الرجل بالخنثى وتلك الخنثى بالاثني، وجب الغسل، على الخنثى دون الرجل والأنثى على تفصيل تقدم في المسألة " ١٧١ ".


الفصل الثاني

فيما يتوقف صحته أو جوازه على غسل الجنابة

وهو أمور:

الأول: الصلاة مطلقا، عدا صلاة الجنائز، وكذا أجزاؤها المنسية بل سجود السهو على الأحوط استحبابا.

الثاني: الطواف الواجب بالاحرام مطلقا كما تقدم في الوضوء.

الثالث: الصوم، بمعنى أنه لو تعمد البقاء على الجنابة حتى طلع الفجر بطل صومه، وكذا صوم ناسي الغسل، على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله تعالى.

الرابع: مس كتابة القرآن الشريف، ومس اسم الله تعالى على ما تقدم في الوضوء.

الخامس: اللبث في المساجد، بل مطلق الدخول فيها، وإن كان لوضع شئ فيها، بل لا يجوز وضع شئ فيها حال الاجتياز ومن خارجها، كما لا يجوز الدخول لأخذ شئ منها، ويجوز الاجتياز فيها بالدخول من باب مثلا، والخروج من آخر إلا في المسجدين الشريفين - المسجد الحرام، ومسجد النبي " ص " - والأحوط وجوبا الحاق المشاهد المشرفة، بالمساجد في الأحكام المذكورة.

السادس: قراءة آية السجدة من سور العزائم، وهي (ألم السجدة وحم السجدة، والنجم، والعلق) والأحوط استحبابا إلحاق تمام السورة بها حتى بعض البسملة.

(مسألة ١٧٩): لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها والخراب، وإن لم يصل فيه أحد ولم تبق آثار المسجدية وكذلك المساجد في الأراضي المفتوحة عنوة إذا ذهبت آثار المسجدية بالمرة.

(مسألة ١٨٠): ما يشك في كونه جزءا من المسجد من صحنه وحجراته ومنارته وحيطانه ونحو ذلك لا تجري عليه أحكام المسجدية.

(مسألة ١٨١): لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال الجنابة بل الإجارة فاسدة، ولا يستحق الأجرة المسماة، وإن كان يستحق أجرة المثل، هذا إذا علم الأجير بجنابته، أما إذا جهل بها فالأظهر جواز استئجاره، وكذلك الصبي والمجنون الجنب.

(مسألة ١٨٢): إذا علم إجمالا جنابة أحد الشخصين، لا يجوز استئجارهما، ولا استئجار أحدهما لقراءة العزائم، أو دخول المساجد أو نحو ذلك مما يحرم على الجنب.

(مسألة ١٨٣): مع الشك في الجنابة لا يحرم شئ من المحرمات المذكورة، إلا إذا كانت حالته السابقة هي الجنابة.


الفصل الثالث

مكروهات غسل الجنابة

قد ذكروا أنه يكره للجنب الأكل والشرب إلا بعد الوضوء، أو المضمضة، والاستنشاق، ويكره قراءة ما زاد على سبع آيات من غير العزائم، بل الأحوط استحبابا عدم قراءة شئ من القرآن ما دام جنبا ويكره أيضا مس ما عدا الكتابة من المصحف، والنوم جنبا إلا أن يتوضأ أو يتيمم بدل الغسل.


الفصل الرابع

واجبات غسل الجنابة

في واجباته: فمنها النية، ولا بد فيها من الاستدامة إلى آخر الغسل كما تقدم تفصيل ذلك كله في الوضوء. ومنها: غسل ظاهر البشرة على وجه يتحقق به مسماه، فلا بد من رفع الحاجب وتخليل ما لا يصل الماء معه إلى البشرة إلا بالتخليل، ولا يجب غسل الشعر، إلا ما كان من توابع البدن، كالشعر الرقيق، ولا يجب غسل الباطن أيضا. نعم الأحوط استحبابا غسل ما يشك في أنه من الباطن، أو الظاهر، إلا إذا علم سابقا أنه من الظاهر ثم شك في تبدله. ومنها: الاتيان بالغسل على إحدى كيفيتين: أولاهما: الترتيب بأن يغسل أولا تمام الرأس، ومنه العنق ثم بقية البدن، والأحوط الأولى أن يغسل أولا تمام النصف الأيمن ثم تمام النصف الأيسر، ولا بد في غسل كل عضو من إدخال شئ من الآخر من باب المقدمة، ولا ترتيب هنا بين أجزاء كل عضو، فله أن يغسل الأسفل منه قبل الأعلى، كما أنه لا كيفية مخصوصة للغسل هنا، بل يكفي المسمى كيف كان فيجزي رمس الرأس بالماء أولا، ثم الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر، كما يكفي رمس البعض، والصب على الآخر ولا يكفي تحريك العضو المرموس في الماء على الأحوط. ثانيتهما: الارتماس، وهو تغطية البدن في الماء تغطية واحدة بنحو يحصل غسل تمام البدن فيها، فيخلل شعره فيها إن احتجاج إلى ذلك ويرفع قدمه عن الأرض إن كانت موضوعة عليها، والأحوط وجوبا أن يحصل جميع ذلك في زمان واحد عرفا.

(مسألة ١٨٤): النية في هذه الكيفية، يجب أن تكون مقارنة لتغطية تمام البدن.

(مسألة ١٨٥): يعتبر خروج البدن كلا، أو بعضا من الماء ثم رمسه بقصد الغسل على الأحوط، ولو ارتمس في الماء لغرض ونوى الغسل بعد الارتماس، لم يكفه وإن حرك بدنه تحت الماء. ومنها: إطلاق الماء، وطهارته، وإباحته، والمباشرة اختيارا، وعدم المانع من استعمال الماء من مرض ونحوه، وطهارة العضو المغسول على نحو ما تقدم في الوضوء وقد تقدم فيه أيضا التفصيل في اعتبار إباحة الإناء والمصب، وحكم الجبيرة، والحائل وغيرهما، من أفراد الضرورة وحكم الشك، والنسيان، وارتفاع السبب المسوغ للوضوء الناقص في الأثناء وبعد الفراغ منها فإن الغسل كالوضوء في جميع ذلك، نعم يفترق عنه في جواز المضي مع الشك بعد التجاوز وإن كان في الأثناء، وفي عدم اعتباره الموالاة فيه في الترتيبي.

(مسألة ١٨٦): الغسل الترتيبي أفضل من الغسل الارتماسي.

(مسألة ١٨٧): يجوز العدول من الغسل الترتيبي إلى الارتماسي.

(مسألة ١٨٨): يجوز الارتماس فيما دون الكر، وإن كان يجري على الماء حينئذ حكم المستعمل في رفع الحدث الأكبر.

(مسألة ١٨٩): إذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت، فتبين ضيقه فغسله صحيح.

(مسألة ١٩٠): ماء غسل المرأة من الجنابة، أو الحيض، أو نحوهما عليها، لا على الزوج.

(مسألة ١٩١): إذا خرج من بيته بقصد الغسل في الحمام فدخله واغتسل، ولم يستحضر النية تفصيلا، كفى ذلك في نية الغسل إذا كان بحيث لو سئل ماذا تفعل، لأجاب بأنه يغتسل، أما لو كان يتحير في الجواب، بطل لانتفاء النية.

(مسألة ١٩٢): إذا كان قاصدا عدم اعطاء العوض للحمامي، أو كان بناؤه على إعطاء الأموال المحرمة، أو على تأجيل العوض مع عدم إحراز رضا الحمامي بطل غسله وإن استرضاه بعد ذلك.

(مسألة ١٩٣): إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل، وبعد الخروج شك في أنه اغتسل أم لا بنى على العدم، ولو علم أنه اغتسل، لكن شك في أنه اغتسل على الوجه الصحيح أم لا، بنى على الصحة.

(مسألة ١٩٤): إذا كان ماء الحمام مباحا، لكن سخن بالحطب المغصوب، لا مانع من الغسل فيه.

(مسألة ١٩٥): لا يجوز الغسل في حوض المدرسة، إلا إذا علم بعموم الوقفية، أو الإباحة. نعم إذا كان الاغتسال فيه لأهلها من التصرفات المتعارفة جاز.

(مسألة ١٩٦): الماء الذي يسبلونه، لا يجوز الوضوء، ولا الغسل منه إلا مع العلم بعموم الإذن.

(مسألة ١٩٧): لبس المئزر الغصبي حال الغسل وإن كان محرما في نفسه، لكنه لا يوجب بطلان الغسل.


الفصل الخامس

مستحبات غسل الجنابة

قد ذكر العلماء " رض " أنه يستحب غسل اليدين أمام الغسل، من المرفقين ثلاثا، ثم المضمضة ثلاثا، ثم الاستنشاق ثلاثا، وإمرار اليد على ما تناله من الجسد، خصوصا في الترتيبي، بل ينبغي التأكد في ذلك وفي تخليل ما يحتاج إلى التخليل، ونزع الخاتم ونحوه، والاستبراء بالبول قبل الغسل.

(مسألة ١٩٨): الاستبراء بالبول ليس شرطا في صحة الغسل، لكن إذا تركه واغتسل ثم خرج منه بلل مشتبه بالمني، جرى عليه حكم المني طاهرا، فيجب الغسل له كالمني، سواء استبراء بالخرطات، لتعذر البول أم لا، إلا إذا علم بذلك أو بغيره عدم بقاء شئ من المني في المجرى.

(مسألة ١٩٩): إذا بال بعد الغسل ولم يكن قد بال قبله، لم تجب إعادة الغسل وإن احتمل خروج شئ من المني مع البول.

(مسألة ٢٠٠): إذا دار أمر المشتبه بين البول والمني بعد الاستبراء بالبول والخرطات، فإن كان متطهرا من الحدثين، وجب عليه الغسل والوضوء معا، وإن كان محدثا بالأصغر وجب عليه الوضوء فقط.

(مسألة ٢٠١): يجزي غسل الجنابة عن الوضوء لكل ما اشترط به.

(مسألة ٢٠٢): إذا خرجت رطوبة مشتبه بعد الغسل، وشك في أنه استبرأ بالبول، أم لا، بنى على عدمه، فيجب عليه الغسل.

(مسألة ٢٠٣): لا فرق في جريان حكم الرطوبة المشتبه، بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص والاختبار، وأن يكون لعدم امكان الاختبار من جهة العمى، أو الظلمة، أو نحو ذلك.

(مسألة ٢٠٤): لو أحدث بالأصغر في أثناء الغسل من الجنابة استأنف الغسل، والأحوط استحبابا ضم الوضوء إليه.

(مسألة ٢٠٥): إذا أحدث أثناء سائر الأغسال بالحدث الأصغر أتمها وتوضأ، ولكنه إذا عدل عن الغسل الترتيبي إلى الارتماسي، فلا حاجة إلى الوضوء، إلا في الاستحاضة المتوسطة.

(مسألة ٢٠٦): إذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل، فإن كان مماثلا للحدث السابق كالجنابة في أثناء غسلها، أوا لمس في أثناء غسله، فلا اشكال في وجوب الاستئناف، وإن كان مخالفا له فالأقوى عدم بطلانه، فيتمه ويأتي بالآخر، ويجوز الاستئناف بغسل واحد لهما ارتماسا. وأما في الترتيبي فيقصد به رفع الحدث الموجود على النحو المأمور به واقعا، ولا يجب الوضوء بعده في غير الاستحاضة المتوسطة.

(مسألة ٢٠٧): إذا شك في غسل الرأس والرقبة قبل الدخول في غسل البدن، رجع وأتى به، وإن كان بعد الدخول فيه لم يعتن ويبني على الاتيان به على الأقوى، وأما إذا شك في غسل الطرف الأيمن فاللازم الاعتناء به حتى مع الدخول في غسل الطرف الأيسر.

(مسألة ٢٠٨): إذا غسل أحد الأعضاء، ثم شك في صحته وفساده فالظاهر أنه لا يعتني بالشك، سواء كان الشك بعد دخوله في غسل العضو الآخر، أم كان قبله.

(مسألة ٢٠٩): إذا شك في غسل الجنابة بنى على عدمه، وإذا شك فيه بعد الفراغ من الصلاة، واحتمل الالتفات إلى ذلك قبلها فالصلاة محكومة بالصحة، لكنه يجب عليه أن يغتسل للصلوات الآتية. هذا إذا لم يصدر منه الحدث الأصغر بعد الصلاة، وإلا وجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل، بل وجبت إعادة الصلاة أيضا إذا كان الشك في الوقت وأما بعد مضيه فلا تجب إعادتها. وإذا علم - إجمالا - بعد الصلاة ببطلان صلاته أو غسله، وجبت عليه إعادة الصلاة فقط.

(مسألة ٢١٠): إذا اجتمع عليه أغسال متعددة واجبة، أو مستحبة أو بعضها واجب، وبعضها مستحب، فقد تقدم حكمها في شرائط الوضوء في المسألة " ١٤١ " فراجع.

(مسألة ٢١١): إذا كان يعلم - إجمالا - أن عليه أغسالا، لكنه لا يعلم بعضها بعينه، يكفيه أن يقصد جميع ما عليه، وإذا قصد البعض المعين كفى عن غير المعين، وإذا علم أن في جملتها غسل الجنابة وقصده في جملتها، أو بعينه لم يحتج إلى الوضوء بل الأظهر عدم الحاجة إلى الوضوء مطلقا في غير الاستحاضة المتوسطة.


المقصد الثاني

غسل الحيض

وفيه فصول:

الفصل الأول

في سببه

وهو خروج دم الحيض الذي تراه المرأة في زمان مخصوص غالبا، سواء خرج من الموضع المعتاد، أم من غيره، وإن كان خروجه بقطنة، وإذا انصب من الرحم إلى فضاء الفرج ولم يخرج منه أصلا ففي جريان حكم الحيض عليه اشكال، وإن كان الأظهر عدمه، ولا إشكال في بقاء الحدث ما دام باقيا في باطن الفرج.

(مسألة ٢١٢): إذا افتضت البكر فسال دم كثير وشك في أنه من دم الحيض، أو من العذرة، أو منهما، أدخلت قطنة وتركتها مليا ثم أخرجتها إخراجا رفيقا، فإن كانت مطوقة بالدم، فهو من العذرة وإن كانت مستنقعة فهو من الحيض، ولا يصح عملها بقصد الأمر الجزمي بدون ذلك ظاهرا.

(مسألة ٢١٣): إذا تعذر الاختبار المذكور فالأقوى الاعتبار بحالها السابق، من حيض، أو عدمه، وإذا جهلت الحالة السابقة فالأحوط استحبابا الجمع بين عمل الحائض، والطاهرة، والأظهر جواز البناء على الطهارة.


الفصل الثاني

اعتبار البلوغ في تحقق الحيض

كل دم تراه الصبية قبل بلوغها تسع سنين ولو بلحظة، لا تكون له أحكام الحيض، وإن علمت أنه حيض واقعا، وكذا المرأة بعد اليأس ويتحقق اليأس ببلوغ خمسين سنة في غير القرشية على المشهور ولكن الأحوط، في القرشية وغيرها الجمع بين تروك الحائض، وأفعال المستحاضة بعد بلوغها خمسين، وقبل بلوغها ستين إذا كان الدم بصفات الحيض، أو أنها رأته أيام عادتها.

(مسألة ٢١٤): الأقوى اجتماع الحيض والحمل حتى بعد استبانته، لكن لا يترك الاحتياط فيما يرى بعد أول العادة بعشرين يوما، إذا كان واجدا للصفات.


الفصل الثالث

أقل الحيض وأكثره

أقل الحيض ما يستمر ثلاثة أيام ولو في باطن الفرج، وليلة اليوم الأول كليلة الرابع خارجتان، والليلتان المتوسطتان داخلتان، ولا يكفي وجوده في بعض كل يوم في الثلاثة، ولا مع انقطاعه في الليل، ويكفي التلفيق من أبعاض اليوم، وأكثر الحيض عشرة أيام، وكذلك أقل الطهر فكل دم تراه المرأة ناقصا عن ثلاثة، أو زائدا على العشرة، أو قبل مضي عشرة من الحيض الأول، فليس بحيض.


الفصل الرابع

أحكام ذات العادة

تصير المرأة ذات عادة بتكرر الحيض مرتين متواليتين من غير فصل بينهما بحيضة مخالفة، فإن اتفقا في الزمان والعدد - بأن رأت في أول كل من الشهرين المتواليين أو آخره سبعة أيام مثلا - فالعادة وقتية وعددية وإن اتفقا في الزمان خاصة دون العدد - بأن رأت في قول الشهر الأول سبعة وفي أول الثاني خمسة - فالعادة وقتية خاصة، وإن اتفقا في العدد فقط - بأن رأت الخمسة في أول الشهر الأول وكذلك في آخر الشهر الثاني - مثلا فالعادة عددية فقط.

(مسألة ٢١٥): ذات العادة الوقتية - سواء أكانت عددية أم لا - تتحيض بمجرد رؤية الدم في العادة أو قبلها، بيوم، أو يومين وإن كان أصفر رقيقا فتترك العبادة، وتعمل عمل الحائض في جميع الأحكام ولكن إذا انكشف أن ليس بحيض لانقطاعه قبل الثلاثة مثلا وجب عليها قضاء الصلاة.

(مسألة ٢١٦): غير ذات العادة الوقتية، سواء أكانت ذات عادة عددية فقط أم لم تكن ذات عادة أصلا كالمبتدئة، إذا رأت الدم وكان جامعا للصفات، مثل الحرارة، والحمرة أو السواد، والخروج بحرقة، تتحيض أيضا بمجرد الرؤية، ولكن إذا انكشف أنه ليس بحيض لانقطاعه قبل الثلاثة مثلا، وجب عليها قضاء الصلاة، وإن كان فاقدا للصفات، فلا يحكم بكونه حيضا.

(مسألة ٢١٧): إذا تقدم الدم على العادة الوقتية، بمقدار كثير أو تأخر عنها فإن كان الدم جامع للصفات، تحيضت به أيضا، وإلا تجري عليه أحكام الاستحاضة. (مسألة ٢١٨) الأقوى عدم ثبوت العادة بالتمييز، فغير ذات العادة المتعارفة ترجع إلى الصفات مطلقا.


الفصل الخامس

حكم الدم في أيام العادة

كل ما تراه المرأة من الدم أيام العادة فهو حيض، وإن لم يكن الدم بصفات الحيض، وكل ما تراه في غير أيام العادة - وكان فاقدا للصفات - فهو استحاضة، وإذا رأت الدم ثلاثة أيام وانقطع، ثم رأت ثلاثة أخرى أو أزيد، فإن كان مجموع النقاء والدمين لا يزيد على عشرة أيام كان الكل حيضا واحدا، والنقاء المتخلل بحكم الدمين على الأقوى. هذا إذا كان كل من الدمين في أيام العادة، أو مع تقدم أحدهما عليها بيوم أو يومين، أو كان كل منهما بصفات الحيض، أو كان أحدهما بصفات الحيض، والآخر في أيام العادة. وأما إذا كان أحدهما، أو كلاهما فاقدا للصفات، ولم يكن الفاقد في أيام العادة، كان الفاقد استحاضة. وإن تجاوز المجموع عن العشرة، ولكن لم يفصل بينهما أقل الطهر، فإن كان أحدهما في العادة دون الآخر، كان ما في العادة حيضا، والآخر استحاضة مطلقا، أما إذا لم يصادف شئ منهما العادة - ولو لعدم كونها ذات عادة - فإن كان أحدهما واجدا للصفات دون الآخر، جعلت الواجد حيضا، والفاقد استحاضة، وإن تساويا، فإن كان كل منهما وجدا للصفات تحيضت بالأول على الأقوى، والأولى أن تحتاط في كل من الدمين، وإن لم يكن شئ منهما واجدا للصفات - عملت بوظائف المستحاضة في كليهما.

(مسألة ٢١٩): إذا تخلل بين الدمين أقل الطهر، كان كل منهما حيضا مستقلا، إذا كان كل منهما في العادة، أو واجدا للصفات، أو كان أحدهما في العادة، والآخر واجدا للصفات. وأما الدم الفاقد لها في غير أيام العادة، فهو استحاضة.


الفصل السادس

انقطاع الدم دون العشرة

إذا انقطع دم الحيض لدون العشرة، فإن احتملت بقاءه في الرحم استبرأت بادخال القطنة، فإن خرجت ملوثة بقيت على التحيض، كما سيأتي، وإن خرجت نقية اغتسلت وعملت عمل الطاهر، ولا استظهار عليها - هنا - حتى مع ظن العود، إلا مع اعتياد تخلل النقاء على وجه تعلم أو تطمئن بعوده، فعليها، حينئذ ترتيب آثار الحيض، والأولى لها في كيفية ادخال القطنة أن تكون ملصقة بطنها بحائط، أو نحوه، رافعة إحدى رجليها ثم تدخلها، وإذا تركت الاستبراء لعذر، من نسيان أو نحوه، واغتسلت، وصادف براءة الرحم صح غسلها، وإن تركته - لا لعذر - ففي صحة غسلها إذا صادف براءة الرحم وجهان: أقواهما ذلك أيضا وإن لم تتمكن من الاستبراء، فالأحوط وجوبا لها الاغتسال في كل وقت تحتمل فيه النقاء، إلى أن تعلم بحصوله، فتعيد الغسل والصوم.

(مسألة ٢٢٠): إذا استبرأت فخرجت القطنة ملوثة، فإن كانت مبتدئة، أو لم تستقر لها عادة، أو عادتها عشرة، بقيت على الحيض إلى تمام العشرة، أو يحصل النقاء قبلها، وإن كانت ذات عادة - دون العشرة - فإن كان ذلك الاستبراء في أيام العادة، فلا اشكال في بقائها على التحيض، وإن كان بعد انقضاء العادة بقيت على التحيض استظهارا يوما واحدا، وتخيرت - بعده - في الاستظهار وعدمه إلى العشرة، إلى أن يظهر لها حال الدم، وأنه ينقطع على العشرة، أو يستمر إلى ما بعد العشرة. فإن اتضح لها الاستمرار - قبل تمام العشرة - اغتسلت وعملت عمل المستحاضة، وإلا فالأحوط لها - استحبابا - الجمع بين أعمال المستحاضة، وتروك الحائض.

تجاوز الدم عن العشرة

(مسألة ٢٢١): قد عرفت حكم الدم إذا انقطع على العشرة في ذات العادة وغيرها، وإذا تجاوز العشرة، فإن كانت ذات عادة وقتية وعددية تجعل ما في العادة حيضا، وإن كان فاقدا للصفات، وتجعل الزائد عليها استحاضة، وإن كان واجدا لها، هذا فيما إذا لم يمكن جعل واجد الصفات حيضا، لا منضما، ولا مستقلا. وأما إذا أمكن ذلك، كما إذا كانت عادتها ثلاثة - مثلا - ثم انقطع الدم، ثم عاد بصفات الحيض، ثم رأت الدم الأصفر فتجاوز العشرة، فالظاهر في مثله جعل الدم الواجد للصفات مع ما في العادة والنقاء المتخلل بينهما حيضا، وكذلك إذا رأت الدم الأصفر بعد أيام عادتها، وتجاوز العشرة، وبعد ذلك رأت الدم الواجد للصفات، وكان الفصل بينه وبين أيام العادة عشرة أيام أو أكثر، فإنها تجعل الدم الثاني حيضا مستقلا.

المبتدئة

(مسألة ٢٢٢): المبتدئة وهي المرأة التي ترى الدم لأول مرة والمضطربة وهي التي رأت الدم ولم تستقر لها عادة، إذا رأت الدم وقد تجاوز العشرة، رجعت إلى التمييز، بمعنى أن الدم المستمر إذا كان بعضه بصفات الحيض، وبعضه فاقدا لها أو كان بعضه أسود، وبعضه أحمر وجب عليها التحيض بالدم الواجد للصفات، أو بالدم الأسود بشرط عدم نقصه عن ثلاثة أيام، وعدم زيادته على العشرة، وإن لم تكن ذات تمييز، فإن كان الكل فاقدا للصفات، أو كان الواجد أقل من ثلاثة كان الجميع استحاضة، وإن كان الكل واجدا للصفات، وكان على لون واحد، أو كان المتميز أقل من ثلاثة، أو أكثر من عشرة أيام، فالمبتدئة ترجع إلى عادة أقاربها عددا، وإن اختلفن في العدد، فالأظهر أنها تتحيض في الشهر الأول ستة أو سبعة أيام، وتحتاط إلى تمام العشرة وبعد ذلك في الأشهر تتحيض بثلاثة أيام، وتحتاط إلى الستة أو السبعة وأما المضطربة فالأظهر أنها تتحيض ستة أو سبعة أيام وتعمل - بعد ذلك - بوظائف المستحاضة.

(مسألة ٢٢٣): إذا كانت ذات عادة عددية فقط، ونسيت عادتها ثم رأت الدم بصفات الحيض ثلاثة أيام أو أكثر، ولم يتجاوز العشرة كان جميعه حيضا، وإذا تجاوز العشرة جعلت المقدار الذي تحتمل العادة فيه حيضا، والباقي استحاضة. وإن احتملت العادة - فيما زاد على السبعة - فالأحوط أن تجمع بين تروك الحائض، وأعمال المستحاضة في المقدار المحتمل إلى تمام العشرة.

(مسألة ٢٢٤): إذا كانت ذات عادة وقتية فقط ونسيتها، ثم رأت الدم بصفات الحيض ثلاثة أيام أو أكثر، ولم يتجاوز العشرة، كان جميعه حيضا. وإذا تجاوز الدم العشرة، فإن علمت المرأة - إجمالا - بمصادفة الدم أيام عادتها، لزمها الاحتياط في جميع أيام الدم، حتى فيما إذا لم يكن الدم في بعض الأيام، أو في جميعها بصفات الحيض، وإن لم تعلم بذلك فإن كان الدم مختلفا من جهة الصفات، جعلت ما بصفات الحيض - إذا لم يقل عن ثلاثة ولم يزد عن عشرة أيام - حيضا، وما بصفة الاستحاضة استحاضة، وإن لم يختلف الدم في الصفة، وكان جميعه بصفة الحيض، أو كان ما بصفة الحيض أكثر من عشرة أيام، جعلت ستة، أو سبعة أيام، حيضا، والباقي استحاضة، والأحوط أن تحتاط إلى العشرة والأولى أن تحتاط في جميع أيام الدم.

(مسألة ٢٢٥): إذا كانت ذات عادة عددية ووقتية، فنسيتها ففيها صور: الأولى: أن تكون ناسية للوقت مع حفظ العدد، والحكم فيها هو الحكم في المسألة السابقة، غير أن الدم إذا كان بصفة الحيض وتجاوز العشرة ولم تعلم المرأة بمصادفة الدم أيام عادتها - رجعت إلى عادتها من جهة العدد، فتتحيض بمقدارها، والزائد عليه استحاضة. الثانية: أن تكون حافظ للوقت وناسية للعدد، ففي هذه الصورة كان ما تراه من الدم في وقتها المعتاد - بصفة الحيض أو بدونها - حيضا فإن كان الزائد عليه بصفة الحيض - ولم يتجاوز العشرة - فجميعه حيض وإن تجاوزها تحيضت فيما تحتمل العادة فيه من الوقت، والباقي استحاضة، لكنها إذا احتملت العادة - فيما زاد على السبعة إلى العشرة - فالأحوط أن تعمل فيه بالاحتياط. الثالثة: أن تكون ناسية للوقت والعدد معا، والحكم في هذه الصورة وإن كان يظهر مما سبق، إلا أنا نذكر فروعا للتوضيح.

الأول: إذا رأت الدم بصفة الحيض أياما - لا تقل عن ثلاثة، ولا تزيد على عشرة - كان جميعه حيضا، وأما إذا كان أزيد من عشرة أيام - ولم تعلم بمصادفته أيام عادتها - تحيضت بمقدار ما تحتمل أنه عادتها لكن المحتمل إذا زاد على سبعة أيام احتاطت في الزائد.

الثاني: إذا رأت الدم بصفة الحيض أياما، لا تقل عن ثلاثة ولا تزيد على عشرة، وأياما بصفة الاستحاضة، ولم تعلم بمصادفة ما رأته أيام عادتها، جعلت ما بصفة الحيض حيضا وما بصفة الاستحاضة استحاضة والأولى أن تحتاط في الدم الذي ليس بصفة الحيض. إذا لم يزد المجموع على عشرة أيام.

الثالث: إذا رأت الدم وتجاوز عشرة أيام أو لم يتجاوز، وعلمت بمصادفته أيام عادتها، لزمها الاحتياط في جميع أيام الدم، سواء أكان الدم جميعه أو بعضه بصفة الحيض، أم لم يكن.

(مسألة ٢٢٦): إذا كانت المرأة ذات عادة مركبة، كما إذا رأت في الشهر الأول ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث ثلاثة، وفي الرابع أربعة، فالأحوط لها الاحتياط بترتيب أحكام المضطربة، وترتيب أحكام ذات العادة، بأن تجعل حيضها في شهر الفرد ثلاثة، وفي شهر الزوج أربعة وتحتاط بعد ذلك إلى الستة أو السبعة، وكذا إذا رأت في شهرين متواليين ثلاثة، وفي شهرين متواليين أربعة، ثم شهرين متواليين ثلاثة ثم شهرين متواليين أربعة، فإنها تجعل حيضها في شهرين ثلاثة وشهرين أربعة، ثم تحتاط إلى الستة أو السبعة.


الفصل السابع

في أحكام الحيض

(مسألة ٢٢٧): يحرم على الحائض جميع ما يشترط فيه الطهارة من العبادات، كالصلاة، والصيام، والطواف، والاعتكاف، ويحرم عليها جميع ما يحرم على الجنب مما تقدم.

(مسألة ٢٢٨): يحرم وطؤها في القبل، عليها وعلى الفاعل، بل قيل أنه من الكبائر، بل الأحوط وجوبا ترك إدخال بعض الحشفة أيضا أما وطؤها في الدبر فالأحوط وجوبا تركه، بل الأحوط ترك الوطئ في الدبر مطلقا ولا بأس بالاستمتاع بها بغير ذلك وإن كره بما تحت المئزر مما بين السرة والركبة، وإذا نقيت من الدم، جاز وطؤها وإن لم تغتسل ولا يجب غسل فرجها قبل الوطئ، وإن كان أحوط.

(مسألة ٢٢٩): الأحوط - استحبابا - للزوج - دون الزوجة - الكفارة عن الوطئ في أول الحيض بدينار، وفي وسطه بنصف دينار وفي آخره بربع دينار، والدينار هو (١٨) حمصة، من الذهب المسكوك والأحوط - استحبابا - أيضا دفع الدينار نفسه مع الامكان، وإلا دفع القيمة وقت الدفع. ولا شئ على الساهي، والناسي، والصبي، والمجنون، والجاهل بالموضوع أو الحكم.

(مسألة ٢٣٠): لا يصح طلاق الحائض وظهارها، إذا كانت مدخولا بها - ولو دبرا - وكان زوجها حاضرا، أو في حكمه، إلا أن تكون حاملا فلا بأس به - حينئذ - وإذا طلقها على أنها حائض، فبانت طاهرة صح، وإن عكس فسد.

(مسألة ٢٣١): يجب الغسل من حدث الحيض لكل مشروط بالطهارة من الحدث الأكبر ويستحب للكون على الطهارة، وهو كغسل الجنابة في الكيفية من الارتماس، والترتيب. والظاهر أنه يجزئ عن الوضوء كغسل الجنابة.

(مسألة ٢٣٢): يجب عليها قضاء ما فاتها من الصوم في رمضان بل والمنذور في وقت معين - على الأقوى، ولا يجب عليها قضاء الصلاة اليومية، وصلاة الآيات، والمنذورة في وقت معين.

(مسألة ٢٣٣): الظاهر أنها تصح طهارتها من الحدث الأكبر غير الحيض، فإذا كانت جنبا واغتسلت عن الجنابة صح، وتصح منها الأغسال المندوبة حينئذ، وكذلك الوضوء.

(مسألة ٢٣٤): يستحب لها التحشي والوضوء في وقت كل صلاة واجبة، والجلوس في مكان طاهر مستقبلة القبلة، ذاكرة لله تعالى والأولى لها اختيار التسبيحات الأربع.

(مسألة ٢٣٥): يكره لها الخضاب بالحناء، أو غيرها، وحمل المصحف ولمس هامشه، وما بين سطوره، وتعليقه.


المقصد الثالث

الاستحاضة

(مسألة ٢٣٦): دم الاستحاضة في الغالب أصفر بارد رقيق يخرج بلا لذع وحرقة، عكس دم الحيض، وربما كان بصفاته، ولا حد لكثيره، ولا لقليله، ولا للطهر المتخلل بين أفراده، ويتحقق قبل البلوغ وبعده، وبعد اليأس، وهو ناقض للطهارة بخروجه، ولو بمعونة القطنة من المحل المعتاد بالأصل، أو بالعارض، وفي غيره إشكال، ويكفي في بقاء حديثه، بقاؤه في باطن الفرج بحيث يمكن إخراجه بالقطنة ونحوها، والظاهر عدم كفاية ذلك في انتقاض الطهارة به، كما تقدم في الحيض.

(مسألة ٢٣٧): الاستحاضة على ثلاثة أقسام: قليلة، ومتوسطة، وكثيرة. الأولى: ما يكون الدم فيها قليلا، بحيث لا يغمس القطنة. الثانية: ما يكون فيها أكثر من ذلك، بأن يغمس القطنة ولا يسيل. الثالثة: ما يكون فيها أكثر من ذلك، بأن يغمسها ويسيل منها.

(مسألة ٢٣٨): الأحوط لها الاختبار - حال الصلاة - بإدخال القطنة في الموضع المتعارف، والصبر عليها بالقدر المتعارف، وإذا تركته - عمدا أو سهوا - وعملت، فإن طابق عملها الوظيفة اللازمة لها، صح، وإلا بطل.

(مسألة ٢٣٩): حكم القليلة وجوب تبديل القطنة، أو تطهيرها على الأحوط وجوبا، ووجوب الوضوء لكل صلاة، فريضة كانت، أو نافلة، دون الأجزاء المنسية وصلاة الاحتياط، فلا يحتاج فيها إلى تجديد الوضوء أو غيره.

(مسألة ٢٤٠): حكم المتوسطة - مضافا إلى ما ذكر من الوضوء وتجديد القطنة، أو تطهيرها لكل صلاة على الأحوط - غسل قبل صلاة الصبح قبل الوضوء، أو بعده.

(مسألة ٢٤١): حكم الكثيرة - مضافا إلى وجوب تجديد القطنة على الأحوط والغسل للصبح - غسلان آخران، أحدهما للظهرين تجمع بينهما، والآخر للعشاءين كذلك، ولا يجوز لها الجمع بين أكثر من صلاتين بغسل واحد، ويكفي للنوافل أغسال الفرائض، ولا يجب لكل صلاة منها الوضوء، بل الظاهر عدم وجوبه للفرائض أيضا، وإن كان الأحوط - استحبابا - أن تتوضأ لكل غسل.

(مسألة ٢٤٢): إذا حدثت المتوسطة - بعد صلاة الصبح - وجب الغسل للظهرين، وإذا حدثت - بعدهما - وجب الغسل للعشاءين، وإذا حدثت - بين الظهرين أو العشاءين - وجب الغسل للمتأخرة منها، وإذا حدث - قبل صلاة الصبح - ولم تغتسل لها عمدا، أو سهوا، وجب الغسل للظهرين، وعليها إعادة صلاة الصبح، وكذا إذا حدثت - أثناء الصلاة - وجب استئنافها بعد الغسل والوضوء.

(مسألة ٢٤٣): إذا حدثت الكبرى - بعد صلاة الصبح - وجب غسل للظهرين، وآخر للعشاءين، وإذا حدثت - بعد الظهرين - وجب غسل واحد للعشاءين، وإذا حدثت - بين الظهرين أو العشاءين - وجب الغسل للمتأخرة منهما.

(مسألة ٢٤٤): إذا انقطع دم الاستحاضة انقطاع برء قبل الأعمال وجبت تلك الأعمال ولا اشكال، وإن كان بعد الشروع في الأعمال - قبل الفراغ من الصلاة - استأنفت الأعمال، وكذا الصلاة إن كان الانقطاع في أثنائها، وإن كان بعد الصلاة أعادت الأعمال والصلاة، وهكذا الحكم إذا كان الانقطاع انقطاع فترة تسع الطهارة والصلاة، بل الأحوط ذلك أيضا، إذا كانت الفترة تسع الطهارة وبعض الصلاة، أو شك في ذلك، فضلا عما إذا شك في أنها تسع الطهارة وتمام الصلاة، أو أن الانقطاع لبرء، أو فترة تسع الطهارة وبعض الصلاة.

(مسألة ٢٤٥): إذا علمت المستحاضة أن لها فترة تسع الطهارة والصلاة، وجب تأخير الصلاة إليها، وإذا صلت قبلها بطلت صلاتها، ولو مع الوضوء والغسل، وإذا كانت الفترة في أول الوقت، فأخرت الصلاة عنها - عمدا أو نسيانا - عصت، وعليها الصلاة بعد فعل وضيفتها.

(مسألة ٢٤٦): إذا انقطع الدم انقطاع برء، وجددت الوظيفة اللازمة لها، لم تجب المبادرة إلى فعل الصلاة، بل حكمها - حينئذ - حكم الطاهرة في جواز تأخير الصلاة.

(مسألة ٢٤٧): إذا اغتسلت ذات الكثيرة لصلاة الظهرين ولم تجمع بينهما - عمدا أو لعذر - وجب عليها تجديد الغسل للعصر، وكذا الحكم في العشاءين.

(مسألة ٢٤٨): إذا انتقلت الاستحاضة من الأدنى إلى الأعلى كالقليلة إلى المتوسطة، أو إلى الكثيرة، وكالمتوسطة إلى الكثيرة، فإن كان قبل الشروع في الأعمال، فلا اشكال في أنها تعمل عمل إلا على للصلاة الآتية، أما الصلاة التي فعلتها قبل الانتقال فلا اشكال في عدم لزوم إعادتها، وإن كان بعد الشروع في الأعمال فعليها الاستئناف، وعمل الأعمال التي هي وظيفة الأعلى كلها، وكذا إذا كان الانتقال في أثناء الصلاة، فتعمل أعمال الأعلى، وتستأنف الصلاة، بل يجب الاستئناف حتى إذا كان الانتقال من المتوسطة، إلى الكثيرة، فيما إذا كانت المتوسطة محتاجة إلى الغسل وأتت به، فإذا اغتسلت ذات المتوسطة للصبح، ثم حصل الانتقال أعادت الغسل، حتى إذا كان في أثناء الصبح، فتعيد الغسل، وتستأنف الصبح، وإذا ضاق الوقت عن الغسل، تيممت بدل الغسل وصلت، وإذا ضاق الوقت عن ذلك - أيضا - فالأحوط الاستمرار على عملها، ثم القضاء.

(مسألة ٢٤٩): إذا انتقلت الاستحاضة من الأعلى إلى الأدنى استمرت على عملها للأعلى بالنسبة إلى الصلاة الأولى، وتعمل عمل الأدنى بالنسبة إلى الباقي، فإذا انتقلت الكثيرة إلى المتوسطة، أو القليلة اغتسلت للظهر، واقتصرت على الوضوء بالنسبة إلى العصر والعشاءين.

(مسألة ٢٥٠): قد عرفت أنه يجب عليها المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء والغسل لكن يجوز لها الاتيان بالأذان والإقامة والأدعية المأثورة وما تجري العادة بفعله قبل الصلاة، أو يتوقف فعل الصلاة على فعله ولو من جهة لزوم العسر والمشقة بدونه، مثل الذهاب إلى المصلى، وتهيئة المسجد، ونحو ذلك، وكذلك يجوز لها الاتيان بالمستحبات في الصلاة.

(مسألة ٢٥١): يجب عليها التحفظ من خروج الدم بحشو الفرج بقطنة، وشده بخرقة ونحو ذلك، فإذا قصرت - وخرج الدم - أعادت الصلاة، بل الأحوط - وجوبا - إعادة الغسل. (مسألة ٢٥٢) الظاهر توقف صحة الصوم من المستحاضة على فعل الأغسال النهارية في الكثيرة، وعلى غسل الليلة الماضية على الأحوط، والأحوط - استحبابا - في المتوسطة توقفه على غسل الفجر، كما أن الأحوط - استحبابا - توقف جواز وطئها على الغسل. وأما دخول المساجد وقراءة العزائم، فالظاهر جوازهما مطلقا، ولا يجوز لها مس المصحف ونحوه قبل الغسل والوضوء، بل الأحوط - وجوبا - عدم الجواز بعدهما أيضا، ولا سيما مع الفصل المعتد به.


المقصد الرابع

النفاس

(مسألة ٢٥٣): دم النفاس هو دم تقذفه الرحم بالولادة معها أو بعدها، على نحو يعلم استناد خروج الدم إليها، ولا حد لقليله. وحد كثيره عشرة أيام، من حين الولادة وفيما إذا انفصل خروج الدم عن الولادة تحتاط في احتساب العشرة من حين الولادة، أو من زمان رؤية الدم، وإذا رأته بعد العشرة لم يكن نفاسا، وإذا لم تر فيها دما لم يكن لها نفاس أصلا، ومبدأ حساب الأكثر من حين تمام الولادة، لا من حين الشروع فيها، وإن كان جريان الأحكام عليه من حين الشروع ولا يعتبر فصل أقل الطهر بين النفاسين، كما إذا ولدت توأمين - وقد رأت الدم عند كل منهما - بل النقاء المتخلل بينهما طهر، ولو كانت لحظة، بل لا يعتبر الفصل بين النفاسين أصلا، كما إذا ولدت ورأت الدم إلى عشرة. ثم ولدت آخر على رأس العشرة، ورأت الدم إلى عشرة أخرى، فالدمان - جميعا - نفاسان متواليان، وإذا لم تر الدم حين الولادة، ورأته قبل العشرة، وانقطع عليها، فذلك الدم نفاسها وإذا رأته حين الولادة، ثم انقطع، ثم رأته قبل العشرة وانقطع عليها فالدمان والنقاء بينهما كلها نفاس واحد، وإن كان الأحوط - استحبابا - في النقاء الجمع بين عمل الطاهرة والنفساء.

(مسألة ٢٥٤): الدم الخارج قبل ظهور الولد، ليس بنفاس فإن كان منفصلا عن الولادة بعشرة أيام نقاء فلا إشكال وإن كان متصلا بها وعلم أنه حيض وكان بشرائطه، جرى عليه حكمه، وإن كان منفصلا عنها بأقل من عشرة أيام نقاء، أو كان متصلا بالولادة ولم يعلم أنه حيض فالأظهر أنه إن كان بشرائط الحيض وكان في أيام العادة، أو كان واجد لصفات الحيض فهو حيض، وإلا فهو استحاضة.

(مسألة ٢٥٥): النفساء ثلاثة أقسام: (١) التي لا يتجاوز دمها العشرة، فجميع الدم في هذه الصورة نفاس (٢) التي يتجاوز دمها العشرة وتكون ذات عادة عددية في الحيض، ففي هذه الصورة كان نفاسها بمقدار عادتها، والباقي استحاضة (٣) التي يتجاوز دمها العشرة، ولا تكون ذات عادة في الحيض، ففي هذه الصورة جعلت مقدار عادة حيض أقاربها نفاسا، وإذا كانت عادتهن أقل من العشرة، احتاطت فيما زاد عنها إلى العشرة.

(مسألة ٢٥٦): إذا رأت الدم في اليوم الأول من الولادة، ثم انقطع، ثم عاد في اليوم العاشر من الولادة، أو قبله ففيه صورتان: الأولى: أن لا يتجاوز الدم الثاني اليوم العاشر من أول رؤية الدم ففي هذه الصورة كان الدم الأول والثاني كلاهما نفاسا، ويجري على النقاء المتخلل حكم النفاس على الأظهر، وإن كان الأحوط فيه الجمع بين أعمال الطاهرة وتروك النفساء. الثانية: أن يتجاوز الدم الثاني اليوم العاشر من أول رؤية الدم وهذا على أقسام: ١ - أن تكون المرأة ذات عادة عددية في حيضها، وقد رأت الدم الثاني في زمان عادتها، ففي هذه الصورة كان الدم الأول - وما رأته في أيام العادة والنقاء المتخلل - نفاسا، وما زاد على العادة استحاضة. مثلا إذا كانت عادتها في الحيض سبعة أيام، فرأت الدم حين ولادتها يومين فانقطع، ثم رأته في اليوم السادس واستمر إلى أن تجاوز اليوم العاشر من حين الولادة، كان زمان نفاسها، اليومين الأولين، واليوم السادس والسابع، والنقاء المتخلل بينهما، وما زاد على اليوم السابع فهو استحاضة. ٢ - أن تكون المرأة ذات عادة، ولكنها لم تر الدم الثاني حتى انقضت مدة عادتها فرأت الدم، وتجاوز اليوم العاشر، ففي هذه الصورة كان نفاسها هو الدم الأول، وكان الدم الثاني استحاضة. ويجري عليها أحكام الطاهرة في النقاء المتخلل. ٣ - أن لا تكون المرأة ذات عادة في حيضها، وقد رأت الدم الثاني قبل مضي عادة أقاربها، ويتجاوز اليوم العاشر، ففي هذه الصورة كان نفاسها مقدار عادة أقاربها، وإذا كانت عادتهن أقل من العشرة احتاطت إلى اليوم العاشر، وما بعده استحاضة. ٤ - أن لا تكون المرأة ذات عادة في حيضها، وقد رأت الدم الثاني الذي تجاوز اليوم العاشر بعد مضي عادة أقاربها، ففي هذه الصورة كان نفاسها هو الدم الأول، وتحتاط أيام النقاء، وأيام الدم الثاني إلى اليوم العاشر. ثم إن ما ذكرناه في الدم الثاني يجري في الدم الثالث والرابع وهكذا... مثلا إذا رأت الدم في اليوم الأول، والرابع، والسادس، ولم يتجاوز اليوم العاشر، كان جميع هذه الدماء والنقاء المتخلل بينها نفاسا، وإذا تجاوز الدم اليوم العاشر، في هذه الصورة، وكانت عادتها في الحيض تسعة أيام، كان نفاسها إلى اليوم التاسع وما زاد استحاضة، وإذا كانت عادتها خمسة أيام كان نفاسها الأيام الأربعة الأولى، وفيما بعدها كانت طاهرة، ومستحاضة.

(مسألة ٢٥٧): النفساء بحكم الحائض، في الاستظهار عند تجاوز الدم أيام العادة، وفي لزوم الاختبار عند ظهور انقطاع الدم، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ويحرم وطؤها، ولا يصح طلاقها. والمشهور أن أحكام الحائض من الواجبات، والمحرمات، والمستحبات، والمكروهات تثبت للنفساء أيضا، ولكن جملة من الأفعال التي كانت محرمة على الحائض تشكل حرمتها على النفساء، وإن كان الأحوط أن تجتنب عنها. وهذه الأفعال هي: ١ - قراءة الآيات التي تجب فيها السجدة. ٢ - الدخول في المساجد بغير قصد العبور. ٣ - المكث في المساجد. ٤ - وضع شئ فيها. ٥ - دخول المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ولو كان بقصد العبور.

(مسألة ٢٥٨): ما تراه النفساء من الدم إلى عشرة أيام - بعد تمام نفاسها - فهو استحاضة، سواء أكان الدم بصفات الحيض، أو لم يكن، وسواء أكان الدم في أيام العادة، أم لم يكن، وإن استمر الدم بها إلى ما بعد العشرة، أو انقطع وعاد بعد العشرة، فما كان منه في أيام العادة أو واجدا لصفات الحيض، فهو حيض، بشرط أن لا يقل عن ثلاثة أيام، وما لم يكن واجدا للصفات ولم يكن في أيام العادة، فهو استحاضة، وإذا استمر بها الدم، أو انقطع وعاد بعد عشرة أيام من نفاسها، وصادف أيام عادتها، أو كان الدم واجدا، لصفات الحيض ولم ينقطع على العشرة فالمرأة - إن كانت ذات عادة عددية - جعلت مقدار عادتها حيضا، والباقي استحاضة، وإن لم تكن ذات عادة عددية رجعت إلى التمييز، ومع عدمه رجعت إلى العدد، على ما تقدم في الحيض.


المقصد الخامس

غسل الأموات

وفيه فصول:

الفصل الأول

في أحكام الاحتضار

(مسألة ٢٥٩): يجب على الأحوط توجيه المحتضر إلى القبلة، بأن يلقى على ظهره، ويجعل وجهه وباطن رجليه إليها، بل الأحوط وجوب ذلك على المحتضر نفسه إن أمكنه ذلك. ويعتبر في توجيه غير الولي إذن الولي على الأحوط، وذكر العلماء (رضوان الله عليهم) أنه يستحب نقله إلى مصلاه إن اشتد عليه النزع، وتلقينه الشهادتين، والاقرار بالنبي " ص " والأئمة عليهم السلام وسائر الاعتقادات الحقة، وتلقينه كلمات الفرج ويكره أن يحضره جنب، أو حائض، وأن يمس حال النزع، وإذا مات يستحب أن تغمض عيناه، ويطبق فوه، ويشد لحياه، وتمد يداه إلى جانبيه، وساقاه، ويغطى بثوب، وأن يقرأ عنده القرآن، ويسرج في المكان الذي مات فيه إن مات في الليل، وإعلام المؤمنين بموته ليحضروا جنازته، ويعجل تجهيزه، إلا إذا شك في موته فينتظر به حتى يعلم موته ويكره أن يثقل بطنه بحديد أو غيره، وأن يترك وحده.


الفصل الثاني

في الغسل

تجب إزالة النجاسة عن جميع بدن الميت قبل الشروع في الغسل على الأحوط الأولى، والأقوى كفاية إزالتها عن كل عضو قبل الشروع فيه بل الأظهر كفاية الإزالة بنفس الغسل إذا لم يتنجس الماء بملاقاة المحل. ثم أن الميت يغسل ثلاثة أغسال:

الأول: بماء السدر،

الثاني: بماء الكافور،

الثالث: بماء القراح، كل واحد منها كغسل الجنابة الترتيبي

ولا بد فيه من تقديم الأيمن على الأيسر، ومن النية على ما عرفت في الوضوء.

(مسألة ٢٦٠): إذا كان المغسل غير الولي فلا بد من إذن الولي على الأحوط وهو الزوج بالنسبة إلى الزوجة، ثم المالك، ثم الطبقة الأولى في الميراث وهم الأبوان والأولاد، ثم الثانية، وهم الأجداد والإخوة، ثم الثالثة وهم الأعمام والأخوال، ثم المولى المعتق، ثم ضامن الجريرة، ثم الحاكم الشرعي على الأحوط.

(مسألة ٢٦١): البالغون في كل طبقة مقدمون على غيرهم والذكور مقدمون على الإناث، وفي تقديم الأب في الطبقة الأولى على الأولاد والجد على الأخ، والأخ من الأبوين على الأخ من أحدهما، والأخ من الأب على الأخ من الأم، والعم على الخال اشكال، والأحوط - وجوبا - الاستئذان من الطرفين.

(مسألة ٢٦٢): إذا تعذر استيذان الولي لعدم حضوره مثلا، أو امتنع عن الإذن، وعن مباشرة التغسيل، وجب تغسيله على غيره ولو بلا إذن.

(مسألة ٢٦٣): إذا أوصى أن يغسله شخص معين لم يجب عليه القبول، لكن إذا قبل لم يحتج إلى إذن الولي، وإذا أوصى أن يتولى تجهيزه شخص معين، جاز له الرد في حياة الموصي، وليس له الرد بعد ذلك على الأحوط، وإن كان الأظهر جوازه، لكنه إذا لم يرد وجب الاستيذان منه دون الولي.

(مسألة ٢٦٤): يجب في التغسيل طهارة الماء وإباحته، وإباحة السدر والكافور، بل الفضاء الذي يشغله الغسل، ومجرى الغسالة على النحو الذي مر في الوضوء، ومنه السدة التي يغسل عليها فمع عدم الانحصار يصح الغسل عليها، أما معه فيسقط الغسل، لكن إذا غسل - حينئذ - صح الغسل، وكذلك التفصيل في ظرف الماء إذا كان مغصوبا.

(مسألة ٢٦٥): يجزي تغسيل الميت قبل برده.


مورد تعذر السدر والكافور

(مسألة ٢٦٦): إذا تعذر السدر والكافور فالأحوط - وجوبا - الجمع بين التيمم بدلا عن كل من الغسل بماء السدر، والكافور، وبين تغسيله ثلاث مرات بالماء القراح، وينوي بالأولين البدلية عن الغسل بالسدر والكافور.

(مسألة ٢٦٧): يعتبر في كل من السدر، والكافور، أن لا يكون كثيرا بمقدار يوجب خروج الماء عن الاطلاق إلى الإضافة، ولا قليلا بحيث لا يصدق أنه مخلوط بالسدر والكافور، ويعتبر في الماء القراح أن يصدق خلوصه منهما، فلا بأس أن يكون فيه شئ منهما، إذا لم يصدق الخلط، ولا فرق في السدر بين اليابس، والأخضر.


مورد تعذر الغسل

(مسألة ٢٦٨): إذا تعذر الماء، أو خيف تناثر لحم الميت بالتغسيل ييمم على الأحوط - وجوبا - ثلاث مرات، ينوي بواحد منها ما في الذمة.

(مسألة ٢٦٩): يجب أن يكون التيمم بيد الحي، والأحوط وجوبا - مع الامكان أن يكون بيد الميت أيضا.

(مسألة ٢٧٠): يشترط في الانتقال إلى التيمم الانتظار إذا احتمل تجدد القدرة على التغسيل، فإذا حصل اليأس جاز التيمم، لكن إذا اتفق تجدد القدرة قبل الدفن وجب التغسيل، وإذا تجددت بعد الدفن وخيف على الميت من الضرر، أو الهتك، لم يجب الغسل، وإلا ففي وجوب نبشه واستيناف الغسل إشكال، وإن كان الأظهر وجوب النبش والغسل، وكذا الحكم فيما إذا تعذر السدر، أو الكافور. (مسألة ٢٧١) إذا تنجس بدن الميت بعد الغسل، أو في أثنائه بنجاسة خارجية، أو منه. وجب تطهيره، ولو بعد وضعه في القبر، نعم لا يجب ذلك بعد الدفن.

(مسألة ٢٧٢): إذا خرج من الميت بول، أو مني، لا تجب إعادة غسله، ولو قبل الوضع في القبر.

(مسألة ٢٧٣): لا يجوز أخذ الأجرة على تغسيل الميت، ويجوز أخذ العوض على بذل الماء ونحوه، مما لا يجب بذله مجانا.

(مسألة ٢٧٤): لا يجوز أن يكون المغسل صبيا - على الأحوط وجوبا - وإن كان تغسيله على الوجه الصحيح.

(مسألة ٢٧٥): يجب في المغسل أن يكون مماثلا للميت في الذكورة والأنوثة، فلا يجوز تغسيل الذكر للأنثى، ولا العكس، ويستثنى من ذلك صور: الأولى: أن يكون الميت طفلا لم يتجاوز ثلاث سنين، فيجوز للذكر وللأنثى تغسيله، سواء أكان ذكرا، أم أنثى، مجردا عن الثياب، أم لا وجد المماثل له، أو لا. الثانية: الزوج والزوجة، فإنه يجوز لكل منهما تغسيل الآخر، سواء أكان مجردا أم من وراء الثياب، وسواء وجد المماثل أم لا، من دون فرق بين الحرة والأمة، والدائمة والمنقطعة، وكذا المطلقة الرجعية إذا كان الموت في أثناء العدة. الثالثة: المحارم بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة، والأحوط - وجوبا - اعتبار فقد المماثل، وكونه من وراء الثياب.

(مسألة ٢٧٦): إذا اشتبه ميت بين الذكر والأنثى، غسله كل من الذكر والأنثى من وراء الثياب.

(مسألة ٢٧٧): إذا انحصر المماثل بالكافر الكتابي، أمره المسلم أن يغتسل أولا ثم يغسل الميت، والآمر هو الذي يتولى النية، والأحوط - استحبابا - نية كل من الآمر والمغسل، وإذا أمكن التغسيل بالماء المعتصم - كالكر والجاري - تعين ذلكضص على الأحوط، إلا إذا أمكن أن لا يمس الماء ولا بدن الميت فتخير حينئذ بينهما، وإذا أمكن المخالف قدم على الكتابي، وإذا أمكن المماثل بعد ذلك أعاد التغسيل.

(مسألة ٢٧٨): إذا لم يوجد المماثل حتى المخالف والكتابي، سقط الغسل، ولكن الأحوط - استحبابا - تغسيل غير المماثل من وراء الثياب من غير لمس ونظر، ثم ينشف بدنه بعد التغسيل قبل التكفين.

(مسألة ٢٧٩): إذا دفن الميت بلا تغسيل - عمدا أو خطأ - جاز بل وجب نبشه لتغسيله أو تيممه، وكذا إذا ترك بعض الأغسال ولو سهوا أو تبين بطلانها، أو بطلان بعضها، كل ذلك إذا لم يلزم محذور من هتكه أو الاضرار ببدنه.

(مسألة ٢٨٠): إذا مات الميت محدثا بالأكبر - كالجنابة أو الحيض - لا يجب إلا تغسيله غسل الميت فقط.

(مسألة ٢٨١): إذا كان محرما لا يجعل الكافور في ماء غسله الثاني إلا أن يكون موته بعد السعي في الحج، وكذلك لا يحنط بالكافور، بل لا يقرب إليه طيب آخر، ولا يلحق به المعتدة للوفاة، والمعتكف.

(مسألة ٢٨٢): يجب تغسيل كل مسلم حتى المخالف عدا صنفين:

الأول: الشهيد المقتول في المعركة مع الإمام أو نائبه الخاص، أو في حفظ بيضة الاسلام، ويشترط فيه أن يكون خروج روحه في المعركة قبل انقضاء الحرب، أو بعدها بقليل ولم يدركه المسلمون وبه رمق، فإذا أدركه المسلمون وبه رمق، غسل على الأحوط وجوبا، وإذا كان في المعركة مسلم وكافر، واشتبه أحدهما بالآخر، وجب الاحتياط بتغسيل كل منهما وتكفينه، ودفنه.

الثاني: من وجب قتله برجم أو قصاص، فإنه يغتسل غسل الميت - المتقدم تفصيله - ويحنط ويكفن كتكفين الميت، ثم يقتل فيصلى عليه، ويدفن بلا تغسيل.

(مسألة ٢٨٣): قد ذكروا للتغسيل سننا، مثل أن يوضع الميت في حال التغسيل على مرتفع، وأن يكون تحت الظلال، وأن يوجه إلى القبلة كحالة الاحتضار، وأن ينزع قميصه من طرف رجليه وإن استلزم فتقه بشرط إذن الوارث، والأولى أن يجعل ساترا لعورته، وأن تلين أصابعه برفق، وكذا جميع مفاصله، وأن يغسل رأسه برغوة السدر وفرجه بالأشنان، وأن يبدأ بغسل يديه إلى نصف الذراع في كل غسل ثلاث مرات ثم بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ويغسل كل عضو ثلاثا في كل غسل ويمسح بطنه في الأولين إلا الحامل التي مات ولدها في بطنها فيكره ذلك، وأن يقف الغاسل على الجانب الأيمن للميت، وأن يحفر للماء حفيرة، وأن ينشف بدنه بثوب نظيف أو نحوه. وذكروا أيضا أنه يكره اقعاده حال الغسل، وترجيل شعره، وقص أظافره وجعله بين رجلي الغاسل، وارسال الماء في الكنيف، وحلق رأسه، أو عانته، وقص شاربه، وتخليل ظفره، وغسله بالماء الساخن بالنار، أو مطلقا إلا مع الاضطرار، والتخطي عليه حين التغسيل. الفصل الثالث في التكفين، يجب تكفين الميت بثلاث أثواب:

الأول: المئزر، ويجب أن يكون ساترا ما بين السرة والركبة.

الثاني: القميص، ويجب أن يكون ساترا ما بين المنكبين إلى نصف الساق.

الثالث: الإزار، ويجب أن يغطي تمام البدن، والأحوط وجوبا في كل واحد منها أن يكون ساترا لما تحته غير حاك عنه وإن حصل الستر بالمجموع.

(مسألة ٢٨٤): لا بد في التكفين من إذن الولي على نحو ما تقدم في التغسيل، ولا يعتبر فيه نية القربة.

(مسألة ٢٨٥): إذا تعذرت القطعات الثلاث فالأحوط الاقتصار على الميسور، فإذا دار الأمر بينها يقدم الإزار، وعند الدوران بين المئزر والقميص، يقدم القميص، وإن لم يكن إلا مقدار ما يستر العورة تعين الستر به، وإذا دار الأمر بين ستر القبل والدبر، تعين ستر القبل..

(مسألة ٢٨٦): لا يجوز اختيارا التكفين بالحرير، ولا بالنجس حتى إذا كانت نجاسته معفوا عنها، بل الأحوط - وجوبا - أن لا يكون مذهبا، ولا من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، بل ولا من جلد المأكول وأما وبره وشعره، فيجوز التكفين به، وأما في حال الاضطرار فيجوز بالجميع فإذا انحصر في واحد منها تعين، وإذا تعدد ودار الأمر بين تكفينه بالمتنجس وتكفينه بغيره من تلك الأنواع، فالأحوط الجمع بينهما وإذا دار الأمر بين الحرير وغير المتنجس منها، قدم غير الحرير، ولا يبعد التخيير في غير ذلك من الصور.

(مسألة ٢٨٧): لا يجوز التكفين بالمغصوب حتى مع الانحصار وفي جلد الميتة اشكال، والأحوط وجوبا مع الانحصار التكفين به.

(مسألة ٢٨٨): يجوز التكفين بالحرير غير الخالص بشرط أن يكون الخيط أزيد من الحرير على الأحوط وجوبا.

(مسألة ٢٨٩): إذا تنجس الكفن بنجاسة من الميت، أو من غيره وجب إزالتها ولو بعد الوضع في القبر، بغسل أو بقرض إذا كان الموضع يسيرا، وإن لم يمكن ذلك وجب تبديله مع الامكان.

(مسألة ٢٩٠): القدر الواجب من الكفن يخرج من أصل التركة قبل الدين والوصية، وكذا ما وجب من مؤنة تجهيزه ودفنه، من السدر والكافور، وماء الغسل، وقيمة الأرض، وما يأخذه الظالم من الدفن في

الأرض المباحة، وأجرة الحمال، والحفار، ونحوها.

(مسألة ٢٩١): كفن الزوجة على زوجها وإن كانت صغيرة أو مجنونة أو أمة أو غير مدخول بها، وكذا المطلقة الرجعية، ولا يترك الاحتياط في الناشزة والمنقطعة ولا فرق في الزوج بين أحواله من الصغر والكبر وغيرهما من الأحوال.

(مسألة ٢٩٢): يشترط في وجوب كفن الزوجة على زوجها يساره وأن لا يكون محجورا عليه قبل موتها بفلس، وأن لا يكون ماله متعلقا به حق غيره برهن، وأن لا يقترن موتها بموته، وعدم تعيينها الكفن بالوصية، لكن الأحوط وجوبا إن لم يكن أقوى في صورة فقد أحد الشروط الثلاثة الأول، وجوب الاستقراض إن أمكن ولم يكن حرجيا وكذا الاحتياط في صورة عدم العمل بوصيتها بالكفن.

(مسألة ٢٩٣): كما أن كفن الزوجة على زوجها، كذلك سائر مؤن التجهيز من السدر، والكافور وغيرهما مما عرفت على الأحوط وجوبا إن لم يكن أقوى.

(مسألة ٢٩٤): الزائد على المقدار الواجب من الكفن وسائر مؤن التجهيز، لا يجوز اخراجه من الأصل إلا مع رضا الورثة، وإذا كان فيهم صغير، أو غير رشيد، لا يجوز لوليه الإجازة في ذلك، فيتعين حينئذ إخراجه من حصة الكاملين، برضاهم، وكذا الحال في قيمة القدر الواجب فإن الذي يخرج من الأصل ما هو أقل قيمة، ولا يجوز اخراج الأكثر منه إلا مع رضاء الورثة الكاملين، فلو كان الدفن في بعض المواضع لا يحتاج إلى بذل مال، وفي غيره يحتاج إلى ذلك، لا يجوز للولي مطالبة الورثة بذلك ليدفنه فيه.

(مسألة ٢٩٥): كفن واجب النفقة من الأقارب في ماله لا على من تجب عليه النفقة.

(مسألة ٢٩٦): إذا لم يكن للميت تركة بمقدار الكفن فلا يترك الاحتياط ببذله ممن تجب نفقته عليه، ومع عدمه يدفن عاريا، ولا يجب على المسلمين بذل كفنه. تكملة: فيما ذكروا من سنن هذا الفصل، يستحب في الكفن العمامة للرجل ويكفي فيها المسمى، والأولى أن تدار على رأسه ويجعل طرفها تحت حنكه على صدره، الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن والمقنعة للمرأة، ويكفي فيها أيضا المسمى، ولفافة لثدييها يشدان بها إلى ظهرها، وخرقة يعصب بها وسط الميت ذكرا كان أو أنثى، وخرقة أخرى للفخذين تلف عليهما، ولفافة فوق الإزار يلف بها تمام بدن الميت، والأولى كونها بردا يمانيا، وأن يجعل القطن أو نحوه عند تعذره بين رجليه، يستر به العورتان، ويوضع عليه شئ من الحنوط، وأن يحشى دبره ومنخراه، وقبل المرأة إذا خيف خروج شئ منها، وإجادة الكفن، وأن يكون من القطن، وأن يكون أبيض، وأن يكون من خالص المال وطهوره، وأن يكون ثوبا قد أحرم، أو صلى فيه، وأن يلقى عليه الكافور والذريرة وأن يخاط بخيوطه إذا احتاج إلى الخياطة، وأن يكتب على حاشية الكفن: فلان ابن فلان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد رسول الله، ثم يذكر الأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد، وأنهم أولياء الله وأوصياء رسوله، وأن، البعث والثواب والعقاب حق، وأن يكتب على الكفن دعاء الجوشن الصغير، والكبير، ويلزم أن يكون ذلك كله في موضع يؤمن عليه من النجاسة والقذارة، فيكتب في حاشية الإزار من طرف رأس الميت، وقيل: ينبغي أن يكون ذلك في شئ يستصحب معه بالتعليق في عنقه أو الشد في يمينه، لكنه لا يخلو من تأمل، ويستحب في التكفين أن يجعل طرف الأيمن من اللفافة على أيسر الميت، والأيسر على أيمنه، وأن يكون المباشر للتكفين على طهارة من الحدث، وإن كان هو المغسل غسل يديه من المرفقين بل المنكبين ثلاث مرات، ورجليه إلى الركبتين، ويغسل كل موضع تنجس من بدنه، وأن يجعل الميت حال التكفين مستقبل القبلة، والأولى أن يكون كحال الصلاة عليه. ويكره قطع الكفن بالحديد، وعمل الأكمام والزرور له، ولو كفن في قميصه قطع أزراره ويكره بل الخيوط التي تخاط بها بريقه، وتبخيره، وتطييبه بغير الكافور والذريرة، وأن يكون أسود بل مطلق المصبوغ، وأن يكتب عليه بالسواد، وأن يكون من الكتان، وأن يكون ممزوجا بإبريسم، والمماكسة في شرائه، وجعل العمامة بلا حنك وكونه وسخا، وكونه مخيطا.

(مسألة ٢٩٧): يستحب لكل أحد أن يهئ كفنه قبل موته وأن يكرر نظره إليه. الفصل الرابع في التحنيط: يجب إمساس مساجد الميت السبعة بالكافور، ويكفي المسمى والأحوط - وجوبا - أن يكون بالمسح باليد، بل بالراحة، والأفضل أن يكون وزنه سبعة مثاقيل صيرفية، ويستحب سحقه باليد، كما يستحب مسح مفاصله ولبته، وصدره، وباطن قدميه، وظاهر كفيه.

(مسألة ٢٩٨): محل التحنيط بعد التغسيل، أو التيمم، قبل التكفين أو في أثنائه.

(مسألة ٢٩٩): يشتر في الكافور أن يكون طاهرا مباحا مسحوقا له رائحة.

(مسألة ٣٠٠): يكره إدخال الكافور في عين الميت، وأنفه، وأذنه وعلى وجهه. الفصل الخامس في الجريدتين: يستحب أن يجعل مع الميت جريدتان رطبتان، إحداهما من الجانب الأيمن من عند الترقوة ملصة ببدنه، والأخرى من الجانب الأيسر من عند الترقوة بين القميص والإزار، والأولى أن تكونا من النخل، فإن لم يتيسر فمن السدر، فإن لم يتيسر فمن الخلاف، أو الرمان، والرمان مقدم على الخلاف، وإلا فمن كل عود رطب.

(مسألة ٣٠١): إذا تركت الجريدتان لنسيان، أو نحوه، فالأولى جعلهما فوق القبر، واحدة عند رأسه، والأخرى عند رجليه.

(مسألة ٣٠٢): الأولى أن يكتب عليهما ما يكتب على حواشي الكفن مما تقدم، ويلزم الاحتفاظ عن تلوثهما بما يوجب المهانة ولو بلفهما بما يمنعهما عن ذلك من قطن ونحوه. الفصل السادس في الصلاة على الميت: تجب الصلاة وجوبا كفائيا على كل ميت مسلم ذكرا كان، أم أنثى حرا أم عبدا، مؤمنا أم مخالفا، عادلا أم فاسقا، ولا تجب على أطفال المسلمين إلا إذا بلغوا ست سنين، وفي استحبابها على من لم يبلغ ذلك وقد تولد حيا إشكال، والأحوط الاتيان بها برجاء المطلوبية، وكل من وجد ميتا في بلاد الاسلام فهو مسلم ظاهرا، وكذا لقيط دار الاسلام بل دار الكفر، إذا احتمل كونه مسلما على الأحوط.

(مسألة ٣٠٣): الأحوط في كيفيتها أن يكبر أولا، ويتشهد الشهادتين، ثم يكبر ثانيا، ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يكبر ثالثا ويدعو للمؤمنين، ثم يكبر رابعا ويدعو للميت، ثم يكبر خامسا وينصرف، والأحوط استحبابا الجمع بين الأدعية بعد كل تكبيرة ولا قراءة فيها ولا تسليم، ويجب فيها أمور: منها: النية على نحو ما تقدم في الوضوء. ومنها: حضور الميت فلا يصلى على الغائب. ومنها: استقبال المصلي القبلة. ومنها: أن يكون رأس الميت إلى جهة يمين المصلي، ورجلاه إلى جهة يساره. ومنها: أن يكون مستلقيا على قفاه. ومنها: وقوف المصلي خلفه محاذيا لبعضه، إلا أن يكون مأموما وقد استطال الصف حتى خرج عن المحاذاة. ومنها: أن لا يكون المصلي بعيدا عنه على نحو لا يصدق الوقوف عنده إلا مع اتصال الصفوف في الصلاة جماعة. ومنها: أن لا يكون بينهما حائل من ستر، أو جدار، ولا يضر الستر بمثل التابوت ونحوه. ومنها: أن يكون المصلي قائما، فلا تصح صلاة غير القائم، إلا مع عدم التمكن من صلاة القائم. ومنها: الموالاة بين التكبيرات والأدعية. ومنها: أن تكون الصلاة بعد التغسيل، والتحنيط، والتكفين، وقبل الدفن. ومنها: أن يكون الميت مستور العورة ولو بنحو الحجر، واللبن أن تعذر الكفن. ومنها: إباحة مكان المصلي على الأحوط الأولى. ومنها: إذن الولي على الأحوط إلا إذا أوصى الميت بأن يصلي عليه شخص معين فلم يأذن له الولي وأذن لغيره فلا يحتاج إلى الإذن.

(مسألة ٣٠٤): لا يعتبر في الصلاة على الميت الطهارة من الحدث والخبث، وإباحة اللباس، وستر العورة، وإن كان الأحوط اعتبار جميع شرائط الصلاة، بل لا يترك الاحتياط وجوبا بترك الكلام في أثنائها والضحك والالتفات عن القبلة.

(مسألة ٣٠٥): إذا شك في أنه صلى على الجنازة أم لا، بنى على العدم، وإذا صلى وشك في صحة الصلاة، وفسادها بنى على الصحة، وإذا علم ببطلانها وجبت إعادتها على الوجه الصحيح، وكذا لو أدى اجتهاده أو تقليده إلى بطلانها.

(مسألة ٣٠٦): يجوز تكرار الصلاة على الميت الواحد، لكنه مكروه إلا إذا كان الميت من أهل الشرف في الدين.

(مسألة ٣٠٧): لو دفن الميت بلا صلاة صحيحة، صلى على قبره ما لم يتلاش بدنه.

(مسألة ٣٠٨): يستحب أن يقف الإمام والمنفرد عند وسط الرجل وعند صدر المرأة.

(مسألة ٣٠٩): إذا اجتمعت جنائز متعددة جاز تشريكها بصلاة واحدة، فتوضع الجميع أمام المصلي مع المحاذاة بينها، والأولى مع اجتماع الرجل والمرأة، أن يجعل الرجل أقرب إلى المصلي، ويجعل صدرها محاذيا لوسط الرجل، ويجوز جعل الجنازة صفا واحدا، فيجعل رأس كل واحد عند ألية الآخر، شبه الدرج ويقف المصلي وسط الصف ويراعي في الدعاء بعد التكبير الرابع، تثنية الضمير، وجمعه.

(مسألة ٣١٠): يستحب في صلاة الميت الجماعة، ويعتبر في الإمام أن يكون جامعا لشرائط الإمامة، من البلوغ، والعقل، والايمان، بل يعتبر فيه العدالة أيضا على الأحوط استحبابا والأحوط - وجوبا - اعتبار شرائط الجماعة من انتفاء البعد، والحائل، وأن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأموم، وغير ذلك.

(مسألة ٣١١): إذا حضر شخص في أثناء صلاة الإمام، كبر مع الإمام، وجعله أول صلاته وتشهد الشهادتين بعده وهكذا يكبر مع الإمام ويأتي بما هو وظيفة نفسه، فإذا فرغ الإمام أتى ببقية التكبير بلا دعاء وإن كان الدعاء أحوط.

(مسألة ٣١٢): لو صلى الصبي على الميت، لم تجز صلاته عن صلاة البالغين، وإن كانت صلاته صحيحة.

(مسألة ٣١٣): إذا كان الولي للميت امرأة، جاز لها مباشرة الصلاة والإذن لغيرها ذكرا كان، أم أنثى.

(مسألة ٣١٤): لا يتحمل الإمام في صلاة الميت شيئا عن المأموم.

(مسألة ٣١٥): قد ذكروا للصلاة على الميت آدابا. منها: أن يكون المصلي على طهارة، ويجوز التيمم مع وجدان الماء إذا خاف فوت الصلاة إن توضأ، أو اغتسل. ومنها: رفع اليدين عند التكبير. ومنها: أن يرفع الإمام صوته بالتكبير والأدعية. ومنها: اختيار المواضع التي يكثر فيها الاجتماع. ومنها: أن تكون الصلاة بالجماعة. ومنها: أن يقف المأموم خلف الإمام. ومنها: الاجتهاد في الدعاء للميت وللمؤمنين. ومنها: أن يقول قبل الصلاة: الصلاة - ثلاث مرات -.

(مسألة ٣١٦): أقل ما يجزئ من الصلاة أن يقول المصلي: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله (ص)، ثم يقول: الله أكبر اللهم صلى على محمد وآله محمد، ثم يقول: الله أكبر اللهم اغفر للمؤمنين، ثم يقول: الله أكبر اللهم اغفر لهذا، ويشير إلى الميت ثم يقول: الله أكبر. الفصل السابع في التشييع: يستحب اعلام المؤمنين بموت المؤمن ليشيعوه، ويستحب لهم تشييعه، وقد ورد في فضله أخبار كثيرة، ففي بعضها من تبع جنازة أعطي يوم القيامة أربع شفاعات. ولم يقل شيئا إلا وقال الملك: ولك مثل ذلك، وفي بعضها أن أول ما يتحف به المؤمن في قبره، أن يغفر لمن تبع جنازته، وله آداب كثيرة مذكورة في الكتب المبسوطة، مثل أن يكون المشيع ماشيا خلف الجنازة خاشعا متفكرا، حاملا للجنازة. على الكتف، قائلا حين الحمل: بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآله محمد، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ويكره الضحك واللعب، واللهو والاسراع في المشي وأن يقول: ارفقوا به، واستغفروا له، والركوب والمشي قدام الجنازة، والكلام بغير ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار، ويكره وضع الرداء من غير صاحب المصيبة، فإنه يستحب له ذلك، وأن يمشي حافيا. الفصل الثامن في الدفن: تجب كفاية مواراة الميت في الأرض، بحيث يؤمن على جسده من السباع، وايذاء رائحته للناس، ولا يكفي وضعه في بناء، أو تابوت، وإن حصل فيه الأمران، ويجب وضعه على الجانب الأيمن موجها وجهه إلى القبلة، وإذا اشتبهت القبلة عمل بالظن على الأحوط، ومع تعذره يسقط وجوب الاستقبال إن لم يمكن التأخير، وإذا كانت الميت في البحر، ولم يمكن دفنه في البر، ولو بالتأخير غسل وحنط وصلي عليه ووضع في خابية وأحكم رأسها وألقي في البحر، أو ثقل بشد حجر أو نحوه برجليه ثم يلقى في البحر، والأحوط وجوبا اختيار الأول مع الامكان وكذلك الحكم إذا خيف على الميت من نبش العدو قبره وتمثيله.

(مسألة ٣١٧): لا يجوز دفن المسلم في مقبرة الكافرين، وكذا العكس.

(مسألة ٣١٨): إذا ماتت الحامل الكافرة، ومات في بطنها حملها من مسلم، دفنت في مقبرة المسلمين على جانبها الأيسر، مستدبرة للقبلة وكذلك الحكم إن كان الجنين لم تلجه الروح.

(مسألة ٣١٩): لا يجوز دفن المسلم في مكان يوجب هتك حرمته كالمزبلة، والبالوعة، ولا في المكان المملوك بغير إذن المالك، أو الموقوف لغير الدفن كالمدارس، والمساجد، والحسينيات المتعارفة في زماننا والخانات الموقوفة وإن أذن الولي بذلك.

(مسألة ٣٢٠): لا يجوز الدفن في قبر ميت قبل اندراسه وصيرورته ترابا، نعم إذا كان القبر منبوشا، جاز الدفن فيه على الأقوى.

(مسألة ٣٢١): يستحب حفر القبر قدر قامة، أو إلى الترقوة وأن يجعل له لحد مما يلي القبلة في الأرض الصلبة بقدر ما يمكن فيه الجلوس وفي الرخوة يشق وسط القبر شبه النهر ويجعل فيه الميت، ويسقف عليه ثم يهال عليه التراب، وأن يغطى القبر بثوب عند ادخال المرأة، والذكر عند تناول الميت، وعند وضعه في اللحد، والتحفي، وحل الأزرار وكشف الرأس للمباشرة لذلك، وأن تحل عقد الكفن بعد الوضع في القبر من طرف الرأس، وأن يحسر عن وجهه ويجعل خده على الأرض ويعمل له وسادة من تراب، وأن يوضع شئ من تربة الحسين (ع) معه وتلقينه الشهادتين والاقرار بالأئمة عليهم السلام، وأن يسد اللحد باللبن وأن يخرج المباشر من طرف الرجلين، وأن يهيل الحاضرون التراب بظهور الأكف غير ذي الرحم، وطم القبر وتربيعه لا مثلثا، ولا مخمسا، ولا غير ذلك، ورش الماء عليه دورا يستقبل القبلة، ويبتدأ من عند الرأس فإن فضل شئ صب على وسطه، ووضع الحاضرين أيديهم عليه غمزا بعد الرش، ولا سيما إذا كان الميت هاشميا، أو الحاضر لم يحضر الصلاة عليه، والترحم عليه بمثل: اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وصعد روحه إلى أرواح المؤمنين في عليين، وألحقه بالصالحين، وأن يلقنه الولي بعد انصراف الناس رافعا صوته، وأن يكتب اسم الميت على القبر، أو على لوح، أو حجر وينصب على القبر.

(مسألة ٣٢٢): يكره دفن ميتين في قبر واحد، ونزول الأب في قبر ولده، وغير المحرم في قبر المرأة، وإهالة الرحم التراب، وفرش القبر بالساج من غير حاجة، وتجصيصه وتطيينه وتسنيمه والمشي عليه والجلوس والاتكاء وكذا البناء عليه وتجديده إلا أن يكون الميت من أهل الشرف.

(مسألة ٣٢٣): يكره نقل الميت من بلد موته إلى بلد آخر، إلا المشاهد المشرفة والمواضع المحترمة، فإنه يستحب، ولا سيما الغري والحائر وفي بعض الروايات أن من خواص الأول، اسقاط عذاب القبر ومحاسبة منكر ونكير.

(مسألة ٣٢٤): لا فرق في جواز النقل بين ما قبل الدفن وما بعده إذا اتفق تحقق النبش، بل لا يبعد جواز النبش لذلك إذا كان بإذن الولي ولم يلزم هتك حرمة الميت.

(مسألة ٣٢٥): يحرم نبش قبر المؤمن على نحو يظهر جسده، إلا مع العلم باندراسه، وصيرورته ترابا، من دون فرق بين الصغير والكبير والعاقل والمجنون، ويستثنى من ذلك موارد: منها: ما إذا كان النبش لمصلحة الميت، كالنقل إلى المشاهد، كما تقدم أو لكونه مدفونا في موضع يوجب مهانة عليه كمزبلة، أو بالوعة أو نحوهما، أو في موضع يتخوف فيه على بدنه من سيل، أو سبع، أو عدو. ومنها: ما لو عارضه أمر راجح أهم، كما إذا توقف دفع مفسدة على رؤية جسده. ومنها: ما لو لزم من ترك نبشه ضرر مالي، كما إذا دفن معه مال غيره، من خاتم ونحوه، فينبش لدفع ذلك الضرر المالي، ومثل ذلك ما إذا دفن في ملك الغير من دون إذنه أو إجازته. ومنها: ما إذا دفن بلا غسل، أو بلا تكفين أو تبين بطلان غسله، أو بطلان تكفينه، أو لكون دفنه على غير الوجه الشرعي، لوضعه في القبر على غير القبلة، أو في مكان أوصى بالدفن في غيره، أو نحو ذلك فيجوز نبشه في هذه الموارد إذا لم يلزم هتك لحرمته، وإلا ففيه إشكال.

(مسألة ٣٢٦): لا يجوز التوديع المتعارف عند بعض الشيعة (أيدهم الله تعالى) بوضع الميت في موضع والبناء عليه، ثم نقله إلى المشاهد الشريفة، بل اللازم أن يدفن بمواراته في الأرض مستقبلا بوجهه القبلة على الوجه الشرعي، ثم ينقل بعد ذلك بإذن الولي على نحو لا يؤدي إلى هتك حرمته.

(مسألة ٣٢٧): إذا وضع الميت في سرداب، جاز فتح بابه وانزال ميت آخر فيه، إذا لم يظهر جسد الأول، إما للبناء عليه، أو لوضعه في لحد داخل السرداب، وأما إذا كان بنحو يظهر جسده ففي جوازه إشكال.

(مسألة ٣٢٨): إذا مات ولد الحامل دونها، فإن أمكن إخراجه صحيحا وجب، وإلا جاز تقطيعه، ويتحرى الأرفق فالأرفق، وإن ماتت هي دونه، شق بطنها من الجانب الأيسر إن احتمل دخله في حياته، وإلا فمن أي جانب كان وأخرج، ثم يخاط بطنها، وتدفن.

(مسألة ٣٢٩): إذا وجد بعض الميت، وفيه الصدر، غسل وحنط وكفن وصلي عليه ودفن، وكذا إذا كان الصدر وحده، أو بعضه على الأحوط وجوبا، وفي الأخيرين يقتصر في التكفين على القميص والإزار وفي الأول يضاف إليهما المئزر إن وجد له محل، وإن وجد غير عظم الصدر مجردا كان، أو مشتملا عليه اللحم، غسل وحنط ولف بخرقة ودفن على الأحوط وجوبا ولم يصل عليه، وإن لم يكن فيه عظم لف بخرقة ودفن على الأحوط وجوبا.

(مسألة ٣٣٠): السقط إذا تم له أربعة أشهر غسل وحنط وكفن ولم يصل عليه، وإذا كان لدون ذلك لف بخرقة ودفن على الأحوط وجوبا، لكن لو ولجته الروح حينئذ فالأحوط إن لم يكن أقوى جريان حكم الأربعة أشهر عليه. المقصد السادس غسل مسل الميت يجب الغسل بمس الميت الانساني بعد برده وقبل إتمام غسله، مسلما كان أو كافرا، حتى السقط إذا ولجته الروح وإن لم يتم له أربعة أشهر على الأحوط، ولو غسله الكافر لفقد المماثل، أو غسل بالقراح لفقد الخليط، فالأقوى عدم وجوب الغسل بمسه ولو يمم الميت للعجز عن تغسيله فالظاهر وجوب الغسل بمسه.

(مسألة ٣٣١): لا فرق في الماس والممسوس بين أن يكون من الظاهر والباطن، كما لا فرق بين كون الماس والممسوس مما تحله الحياة وعدمه والعبرة في وجوب الغسل بالمس بالشعر، أو بمسه بالصدق العرفي، ويختلف ذلك بطول الشعر وقصره.

(مسألة ٣٣٢): لا فرق بين العاقل والمجنون، والصغير والكبير والمس الاختياري والاضطراري.

(مسألة ٣٣٣): إذا مس الميت قبل برده، لم يجب الغسل بمسه نعم يتنجس العضو الماس بشرط الرطوبة المسرية في أحدهما، وإن كان الأحوط تطهيره مع الجفاف أيضا.

(مسألة ٣٣٤): يجب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي، أو الميت إذا كانت مشتملة على العظم، دون الخالية منه، ودون العظم المجرد من الحي، أما العظم المجرد من الميت، أو السن منه، فالأحوط استحبابا الغسل بمسه.

(مسألة ٣٣٥): إذا قلع السن من الحي وكان معه لحم يسير، لم يجب الغسل بمسه.

(مسألة ٣٣٦): يجوز لمن عليه غسل المس دخول المساجد والمشاهد والمكث فيها، وقراءة العزائم، نعم لا يجوز له مس كتابة القرآن ونحوها مما لا يجوز للمحدث مسه، ولا يصح له كل عمل مشروط بالطهارة كالصلاة إلا بالغسل، والأحوط ضم الوضوء إليه. وإن كان الأظهر عدم وجوبه. المقصد السابع الأغسال المندوبة زمانية، ومكانية وفعلية الأول الأغسال الزمانية، ولها أفراد كثيرة: منها: غسل الجمعة، وهو أهمها حتى قيل بوجوبه لكنه ضعيف، ووقته من طلوع الفجر الثاني يوم الجمعة إلى الزوال، والأحوط أن ينوي فيما بين الزوال إلى الغروب القربة المطلقة، وإذا فاته إلى الغروب قضاه يوم السبت إلى الغروب، ويجوز تقديمه يوم الخميس رجاءا إن خاف إعواز الماء يوم الجمعة، ولو اتفق تمكنه منه يوم الجمعة أعاده فيه، وإذا فاته حينئذ أعاده يوم السبت.

(مسألة ٣٣٧): يصح غسل الجمعة من الجنب والحائض، ويجزئ عن غسل الجنابة والحيض إذا كان بعد النقاء على الأقوى. ومنها: غسل يوم العيدين، ووقته من الفجر إلى زوال الشمس والأولى الاتيان به قبل الصلاة، وغسل ليلة الفطر، والأولى الاتيان به أول الليل ويوم عرفة والأولى الاتيان به قبيل الظهر، ويوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة، والليلة الأولى والسابع عشرة، والرابع والعشرين، من شهر رمضان وليالي القدر، والغسل عند إحتراق قرص الشمس في الكسوف.

(مسألة ٣٣٨): جميع الأغسال الزمانية يكفي الاتيان بها في وقتها مرة واحدة، ولا حاجة إلى إعادتها إذا صدر الحدث الأكبر أو الأصغر بعدها ويتخير في الاتيان بها بين ساعات وقتها.

والثاني: الأغسال المكانية، ولها أيضا أفراد كثيرة، كالغسل لدخول الحرم، ولدخول مكة، ولدخول الكعبة، ولدخول حرم الرسول صلى الله عليه وآله ولدخول المدينة.

(مسألة ٣٣٩): وقت الغسل في هذا القسم قبل الدخول في هذه الأمكنة قريبا منه.

والثالث: الأغسال الفعلية وهي قسمان:

القسم الأول: ما يستحب لأجل ايقاع فعل كالغسل للاحرام، أو لزيارة البيت، والغسل للذبح والنحر، والحلق، والغسل للاستخارة، أو الاستسقاء، أو المباهلة مع الخصم، والغسل لوداع قبر النبي صلى الله عليه وآله والغسل لقضاء صلاة الكسوف إذا تركها متعمدا عالما به مع احتراق القرص.

والقسم الثاني: ما يستحب بعد وقوع فعل منه كالغسل لمس الميت بعد تغسيله:

(مسألة ٣٤٠): يجزئ في القسم الأول من هذا النوع غسل أول النهار ليومه، وأول الليل لليلته، ولا يخلو القول بالاجتزاء بغسل الليل للنهار وبالعكس عن قوة، والظاهر انتقاضه بالحدث بينه وبين الفعل.

(مسألة ٣٤١): هذه الأغسال قد ثبت استحبابها بدليل معتبر والظاهر أنها تغني عن الوضوء، وهناك أغسال أخر ذكرها الفقهاء في الأغسال المستحبة، ولكنه لم يثبت عندنا استحبابها ولا بأس بالاتيان بها رجاء، وهي كثيرة نذكر جملة منها: ١ - الغسل في الليالي الفرد من شهر رمضان المبارك وجميع ليالي العشر الأخيرة منه وأول يوم منه. ٢ - غسل آخر في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك قبيل الفجر. ٣ - الغسل في يوم الغدير وهو الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام، وفي اليوم الرابع والعشرين منه. ٤ - الغسل يوم النيروز، وأول رجب، وآخره، ونصفه، ويوم المبعث وهو السابع والعشرون منه. ٥ - الغسل في اليوم النصف من شعبان. ٦ - الغسل في اليوم التاسع، والسابع عشر من ربيع الأول. ٧ - الغسل في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة. ٨ - الغسل لزيارة كل معصوم من قريب أو بعيد. ٩ - الغسل لقتل الوزغ، وهذه الأغسال لا يغني شئ منها عن الوضوء. المبحث الخامس التيمم وفيه فصول الفصل الأول في مسوغاته: ويجمعها العذر المسقط لوجوب الطهارة المائية وهو أمور:

الأول: عدم وجدان ما يكفيه من الماء لوضوئه، أو غسله.

(مسألة ٣٤٢): إن علم بفقد الماء لم يجب عليه الفحص عنه، وإن احتمل وجوده في رحله أو في القافلة، فالأحوط الفحص إلى أن يحصل العلم، أو الاطمئنان بعدمه، ولا يبعد عدم وجوبه فيما إذا علم بعدم وجود الماء قبل ذلك واحتمل حدوثه، وأما إذا احتمل وجود الماء وهو في الفلاة وجب عليه الطلب فيها بمقدار رمية سهم في الأرض الحزنة وسهمين في الأرض السهلة في في الجهات الأربع إن احتمل وجوده في كل واحدة منها، وإن علم بعدمه في بعض معين من الجهات الأربع لم يجب عليه الطلب فيها، فإن لم يحتمل وجوده إلا في جهة معينة وجب عليه الطلب فيها دون غيرها، والبينة بمنزلة العلم فإن شهدت بعدم الماء في جهة، أو جهات معينة لم يجب الطلب فيها.

(مسألة ٣٤٣): يجوز الاستنابة في الطلب إذا كان النائب ثقة على الأظهر، وأما إذا حصل العلم أو الاطمئنان من قوله فلا إشكال.

(مسألة ٣٤٤): إذا أخل بالطلب وتيمم صح تيممه إن صادف عدم الماء.

(مسألة ٣٤٥): إذا علم أو اطمأن بوجود الماء في خارج الحد المذكور وجب عليه السعي إليه وإن بعد، إلا أن يلزم منه مشقة عظيمة.

(مسألة ٣٤٦): إذا طلب الماء قبل دخول الوقت فلم يجد لم تجب إعادة الطلب بعد دخول الوقت، وإن احتمل العثور على الماء لو أعاد الطلب لاحتمال تجدد وجوده، وأما إذا انتقل عن ذلك المكان فيجب الطلب مع احتمال وجوده.

(مسألة ٣٤٧): إذا طلب بعد دخول الوقت لصلاة يكفي لغيرها من الصلوات فلا تجب إعادة الطلب عند كل صلاة وإن احتمل العثور مع الإعادة لاحتمال تجدد وجوده.

(مسألة ٣٤٨): المناط في السهم والرمي والقوس، والهواء والرامي هو المتعارف المعتدل الوسط في القوة والضعف.

(مسألة ٣٤٩): يسقط وجوب الطلب في ضيق الوقت، كما يسقط إذا خاف على نفسه أو ماله من لص، أو سبع، أو نحو ذلك، وكذا إذا كان في طلب حرج ومشقة لا تتحمل.

(مسألة ٣٥٠): إذا ترك الطلب حتى ضاق الوقت عصى، لكن الأقوى صحة صلاته حينئذ وإن علم أنه لو طلب لعثر، لكن الأحوط استحبابا القضاء خصوصا في الفرض المذكور.

(مسألة ٣٥١): إذا ترك الطلب في سعة الوقت وصلى بطلت صلاته وإن تبين عدم وجود الماء، نعم لو حصل منه قصد القربة مع تبين عدم الماء بأن نوى التيمم والصلاة برجاء المشروعية فالأقوى صحتها.

(مسألة ٣٥٢): إذا طلب الماء فلم يجد، فتيمم وصلى ثم تبين وجوده في محل الطلب من الرمية، أو الرميتين، أو الرحل، أو القافلة فالأحوط وجوبا الإعادة في الوقت، نعم لا يجب القضاء إذا كان التبين خارج الوقت.

(مسألة ٣٥٣): إذا كانت الأرض في بعض الجوانب حزنة، وفي بعضها سهلة، يلحق كلا حكمه من الرمية والرميتين.

الثاني: عدم التمكن من الوصول إلى الماء لعجز عنه ولو كان عجزا شرعيا، أو ما بحكمه، بأن كان الماء في إناء مغصوب، أو لخوفه على نفسه أو عرضه، أو ماله من سبع، أو عدو، أو لص، أو ضياع، أو غير ذلك.

الثالث: خوف الضرر من استعمال الماء بحدوث مرض أو زيادته أو بطئه، أو على النفس، أو بعض البدن، ومنه الرمد المانع من استعمال الماء كما أن منه خوف الشين، الذي يعسر تحمله وهو الخشونة المشوهة للخلقة، والمؤدية في بعض الأبدان إلى تشقق الجلد.

الرابع: خوف العطش على نفسه، أو على غيره الواجب حفظه عليه أو على نفس حيوان يكون من شأن المكلف الاحتفاظ بها والاهتمام بشأنها - كدابته وشاته ونحوها - مما يكون تلفه موجبا للحرج أو الضرر.

الخامس: توقف تحصيله على الاستيهاب الموجب لذله، وهوانه، أو على شرائه بثمن يضر بحاله، ويلحق به كل مورد يكون الوضوء فيه حرجيا لشدة حر، أو برد، أو نحو ذلك.

السادس: أن يكون مبتلى بواجب يتعين صرف الماء فيه على نحو لا يقوم غير الماء مقامه، مثل إزالة الخبث عن المسجد، فيجب عليه التيمم وصرف الماء في إزالة الخبث، وأما إذا دار الأمر بين إزالة الحدث وإزالة الخبث عن لباسه أو بدنه فالأولى أن يصرف الماء أولا في إزالة الخبث ثم يتيمم بعد ذلك.

السابع: ضيق الوقت عن تحصيل الماء أو عن استعماله بحيث يلزم من الوضوء وقوع الصلاة أو بعضها في خارج الوقت، فيجوز التيمم في جميع الموارد المذكورة.

(مسألة ٣٥٤): إذا خالف المكلف عمدا فتوضأ في مورد يكون الوضوء فيه حرجيا - كالوضوء في شدة البرد - صح وضوؤه وإذا خالف في مورد يكون الوضوء فيه محرما بطل وضوؤه، وإذا خالف في مورد يجب فيه حفظ الماء - كما في الأمر الرابع - فالظاهر صحة وضوئه، ولا سيما إذا أراقه على الوجه ثم رده من الأسفل إلى الأعلى ونوى الوضوء بالغسل من الأعلى إلى الأسفل، وكذا الحال في بقية الأعضاء.

(مسألة ٣٥٥): إذا خالف فتطهر بالماء لعذر من نسيان، أو غفلة صح وضوؤه في جميع الموارد المذكورة وكذلك مع الجهل فيما إذا لم يكن الوضوء محرما في الواقع أما إذا توضأ في ضيق الوقت فإن نوى الأمر المتعلق بالوضوء فعلا صح، من غير فرق بين العمد والخطأ، وكذلك ما إذا نوى الأمر الأدائي فيما إذا لم يكن مشرعا في عمله.

(مسألة ٣٥٦): إذا آوى إلى فراشه وذكر أنه ليس على وضوء جاز له التيمم رجاء وإن تمكن من استعمال الماء، كما يجوز التيمم لصلاة الجنازة إن لم يتمكن من استعمال الماء وادراك الصلاة، بل لا بأس به مع التمكن أيضا رجاء. الفصل الثاني فيما يتيمم به: الأقوى جواز التيمم بما يسمى أرضا، سواء أكان ترابا، أم رملا، أو مدرا، أم حصى، أم صخرا أملس، ومنه أرض الجص والنورة قبل الاحراق، ولا يعتبر علوق شئ منه باليد، وإن كان الأحوط استحبابا الاقتصار على التراب مع الامكان.

(مسألة ٣٥٧): لا يجوز التيمم بما لا يصدق عليه اسم الأرض وإن كان أصله منها، كالرماد، والنبات، والمعادن، والذهب والفضة ونحوها مما لا يسمى أرضا وأما العقيق، والفيروزج ونحوهما، من الأحجار الكريمة فالأحوط أن لا يتيمم بها، وكذلك الخزف، والجص والنورة، بعد الاحراق حال الاختيار، ومع الانحصار لزمه التيمم بها والصلاة، والأحوط القضاء خارج الوقت.

(مسألة ٣٥٨): لا يجوز التيمم بالنجس، ولا المغصوب، ولا الممتزج بما يخرج عن اسم الأرض، نعم لا يضر إذا كان الخليط مستهلكا فيه عرفا، ولو أكره على المكث في المكان المغصوب فالأظهر جواز التيمم فيه.

(مسألة ٣٥٩): إذا اشتبه التراب المغصوب بالمباح وجب الاجتناب عنهما، وإذا اشتبه التراب بالرماد فتيمم بكل منهما صح، بل يجب ذلك مع الانحصار، وكذلك الحكم إذا اشتبه الطاهر بالنجس.

(مسألة ٣٦٠): إذا عجز عن التيمم بالأرض لأحد الأمور المتقدمة في سقوط الطهارة المائية يتيمم بالغبار المجتمع على ثوبه، أو عرف دابته أو نحوهما، إذا كان غبار ما يصح التيمم به دون غيره كغبار الدقيق ونحوه، ويجب مراعاة الأكثر فالأكثر على الأحوط، وإذا أمكنه نفض الغبار وجمعه على نحو يصدق عليه التراب تعين ذلك.

(مسألة ٣٦١): إذا عجز عن التيمم بالغبار تيمم بالوحل وهو الطين، وإذا أمكن تجفيفه والتيمم به، تعين ذلك.

(مسألة ٣٦٢): إذا عجز عن الأرض، والغبار، والوحل، كان فاقدا للطهور، والأحوط له الصلاة في الوقت والقضاء في خارجه، وإن كان الأظهر عدم وجوب الأداء، وإذا تمكن من الثلج ولم تمكنه إذابته والوضوء به، ولكن أمكنه مسح أعضاء الوضوء به على نحو يتحقق مسمى الغسل وجب واجتزأ به، وإذا كان على نحو لا يتحقق الغسل تعين التيمم وإن كان الأحوط له الجمع، بين التيمم، والمسح به والصلاة في الوقت.

(مسألة ٣٦٣): الأحوط وجوبا نفض اليدين بعد الضرب، ويستحب أن يكون ما يتيمم به من ربى الأرض وعواليها، ويكره أن يكون من مهابطها، وأن يكون من تراب الطريق. الفصل الثالث كيفية التيمم أن يضرب بيديه على الأرض، وأن يكون دفعة واحدة على الأحوط وجوبا، وأن يكون بباطنهما ثم يمسح بهما جميعا تمام جبهته وجبينه، من قصاص الشعر إلى الحاجبين، وإلى طرف الأنف الأعلى المتصل بالجبهة، والأحوط مسح الحاجبين أيضا، ثم مسح تمام ظاهر الكف اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع بباطن اليسرى، ثم مسح تمام ظاهر الكف اليسرى كذلك بباطن الكف اليمنى.

(مسألة ٣٦٤): لا يجب المسح بتمام كل من الكفين، بل يكفي المسح ببعض كل منهما على نحو يستوعب الجبهة والجبينين.

(مسألة ٣٦٥): المراد من الجبهة الموضع المستوي، والمراد من الجبين ما بينه وبين طرف الحاجب إلى قصاص الشعر.

(مسألة ٣٦٦): الأظهر كفاية ضربة واحدة في التيمم بدلا عن الغسل، أو الوضوء، وإن كان الأحوط تعدد الضرب فيضرب ضربة للوجه وضربة للكفين، ويكفي في الاحتياط أن يمسح الكفين مع الوجه في الضربة الأولى، ثم يضرب ضربة ثانية فيمسح كفيه.

(مسألة ٣٦٧): إذا تعذر الضرب والمسح بالباطن، انتقل إلى الظاهر وكذا إذا كان نجسا نجاسة متعدية ولم تمكن الإزالة، أما إذا لم تكن متعدية ضرب به ومسح بل الظاهر عدم اعتبار الطهارة في الماسح والممسوح مطلقا، وإذا كان على الممسوح حائل لا تمكن إزالته مسح عليه، وأما إذا كان ذلك على الباطن الماسح فالأحوط وجوبا الجمع بين الضرب والمسح به، والضرب والمسح بالظاهر.

(مسألة ٣٦٨): المحدث بالأصغر يتيمم بدلا عن الوضوء، والجنب يتيمم بدلا عن الغسل، والمحدث بالأكبر غير الجنابة يتيمم عن الغسل وإذا كان محدثا بالأصغر أيضا، أو كان الحدث استحاضة متوسطة، وجب عليه أن يتيمم أيضا عن الوضوء، وإذا تمكن من الوضوء دون الغسل أتى به وتيمم عن الغسل، وإذا تمكن من الغسل أتى به وهو يغني عن الوضوء إلا في الاستحاضة المتوسطة فلا بد فيها من الوضوء فإن لم يتمكن تيمم عنه. الفصل الرابع يشترط في التيمم النية، على ما تقدم في الوضوء مقارنا بها الضرب على الأظهر.

(مسألة ٣٦٩): لا تجب فيه نية البدلية عن الوضوء أو الغسل، بل تكفي نية الأمر المتوجه إليه، ومع تعدد الأمر لا بد من تعيينه بالنية.

(مسألة ٣٧٠): الأقوى أن التيمم رافع للحدث حال الاضطرار لكن لا تجب فيه نية الرفع ولا نية الاستباحة للصلاة مثلا.

(مسألة ٣٧١): يشترط فيه المباشرة والموالاة حتى فيما كان بدلا عن الغسل، ويشترط فيه أيضا الترتيب على حسب ما تقدم، والأحوط وجوبا البدأة من الأعلى والمسح منه إلى الأسفل.

(مسألة ٣٧٢): مع الاضطرار يسقط المعسور، ويجب الميسور على حسب ما عرفت في الوضوء من حكم الأقطع، وذي الجبيرة، والحائل والعاجز عن المباشرة، كما يجري هنا حكم اللحم الزائد، واليد الزائدة وغير ذلك.

(مسألة ٣٧٣): العاجز ييممه غيره ولكن يضرب بيدي العاجز ويمسح بهما مع الامكان، ومع العجز يضرب المتولي بيدي نفسه، ويمسح بهما.

(مسألة ٣٧٤): الشعر المتدلي على الجبهة يجب رفعه ومسح البشرة تحته، وأما النابت فيها فالظاهر الاجتراء بمسه.

(مسألة ٣٧٥): إذا خالف الترتيب بطل مع فوات الموالاة وإن كانت لجهل أو نسيان، أو لو لم تفت صح إذا أعاد على نحو يحصل به الترتيب.

(مسألة ٣٧٦): الخاتم حائل يجب نزعه حال التيمم.

(مسألة ٣٧٧): الأحوط وجوبا اعتبار إباحة الفضاء الذي يقع فيه التيمم، وإذا كان التراب في إناء مغصوب لم يصح الضرب عليه.

(مسألة ٣٧٨): إذا شك في جزء منه بعد الفراغ لم يلتفت، ولكن الشك إذا كان في الجزء الأخير ولم تفت الموالاة ولم يدخل في الأمر المرتب عليه من صلاة ونحوها، فالأحوط الالتفات إلى الشك، ولو شك في جزء منه بعد التجاوز عن محله لم يلتفت، وإن كان الأحوط استحبابا التدارك. الفصل الخامس أحكام التيمم: لا يجوز التيمم لصلاة موقتة قبل دخول وقتها، ويجوز عند ضيق وقتها، وفي جوازه في السعة إشكال، والأظهر الجواز مع اليأس عن التمكن من الماء، ولو اتفق التمكن منه بعد الصلاة وجبت الإعادة.

(مسألة ٣٧٩): إذا تيمم لصلاة فريضة، أو نافلة، لعذر ثم دخل وقت أخرى فإن يئس من ارتفاع العذر والتمكن من الطهارة المائية جاز له المبادرة إلى الصلاة في سعة وقتها، بل تجوز المبادرة مع عدم اليأس أيضا، وعلى كلا التقديرين، فإن ارتفع العذر أثناء الوقت وجبت الإعادة.

(مسألة ٣٨٠): لو وجد الماء في أثناء العمل فإن كان دخل في صلاة فريضة أو نافلة وكان وجدانه بعد الدخول في ركوع الركعة الأولى مضى في صلاته وصحت على الأقوى، وفيما عدا ذلك يتعين الاستئناف بعد الطهارة المائية.

(مسألة ٣٨١): إذا تيمم المحدث بالأكبر بدلا عن غسل الجنابة ثم أحدث بالأصغر، انتقض تيممه ولزمه التيمم بعد ذلك، والأحوط استحبابا الجمع بين التيمم والوضوء، ولو كان التيمم بدلا عن الحدث الأكبر غير الجنابة، ثم أحدث بالأصغر لزمه التيمم بدلا عن الغسل مع الوضوء، فإن لم يتمكن من الوضوء أيضا لزمه تيمم آخر بدلا عنه.

(مسألة ٣٨٢): لا تجوز إراقة الماء الكافي للوضوء، أو الغسل بعد دخول الوقت، وإذا تعمد إراقة الماء بعد دخول وقت الصلاة، وجب عليه التيمم مع اليأس من الماء وأجزأ، ولو تمكن بعد ذلك وجبت عليه الإعادة في الوقت، ولا يجب القضاء إذا كان التمكن خارج الوقت، ولو كان على وضوء لا يجوز إبطاله بعد دخول الوقت إذا علم بعدم وجود الماء أو يئس منه، ولو أبطله والحال هذه وجب عليه التيمم وأجزأ أيضا على ما ذكر.

(مسألة ٣٨٣): يشرع التيمم لكل مشروط بالطهارة من الفرائض والنوافل، وكذا كل ما يتوقف كماله على الطهارة إذا كان مأمورا به على الوجه الكامل، كقراءة القرآن، والكون في المساجد ونحو ذلك بل لا يبعد مشروعيته للكون على الطهارة، بل الظاهر جواز التيمم لأجل ما يحرم على المحدث من دون أن يكون مأمورا به - كمس القرآن ومس اسم الله تعالى - كما أشرنا إلى ذلك في غايات الوضوء.

(مسألة ٣٨٤): إذا تيمم المحدث لغاية، جازت له كل غاية وصحت منه، فإذا تيمم للكون على الطهارة صحت منه الصلاة، وجاز له دخول المساجد والمشاهد وغير ذلك مما يتوقف صحته أو كماله، أو جوازه على الطهارة المائية، نعم لا يجزئ ذلك فيما إذا تيمم لضيق الوقت.

(مسألة ٣٨٥): ينتقض التيمم بمجرد التمكن من الطهارة المائية وإن تعذرت عليه بعد ذلك، وإذا وجد من تيمم تيممين - من الماء - ما يكفيه لوضوئه، انتقض تيممه الذي هو بدل عنه، وإذا وجد ما يكفيه للغسل انتقض ما هو بدل عنه خاصة وإن أمكنه الوضوء به، فلو فقد الماء بعد ذلك أعاد التيمم بدلا عن الغسل خاصة على إشكال في الاستحاضة المتوسطة.

(مسألة ٣٨٦): إذا وجد جماعة متيممون ماء مباحا لا يكفي إلا لأحدهم، فإن تسابقوا إليه جميعا ولم يسبق أحدهم، لم يبطل تيممهم، وإن سبق واحد بطل تيمم السابق، وإن لم يتسابقوا إليه، بطل تيمم الجميع، وكذا إذا كان الماء مملوكا وأباحه المالك للجميع، وإن أباحه لبعضهم، بطل تيمم ذلك البعض لا غير.

(مسألة ٣٨٧): حكم التداخل الذي مر سابقا في الأغسال يجري في التيمم أيضا، فلو كان هناك أسباب عديدة للغسل، يكفي تيمم واحد عن الجميع، وحينئذ فإن كان من جملتها الجنابة، لم يحتج إلى الوضوء أو التيمم بدلا عنه، وإلا وجب الوضوء أو تيمم آخر بدلا عنه، إذا كان محدثا بالأصغر أيضا أو كان من جملتها غسل الاستحاضة المتوسطة.

(مسألة ٣٨٨): إذا اجتمع جنب، ومحدث بالأصغر، وميت، وكان هناك ماء لا يكفي إلا لأحدهم، فإن كان مملوكا لأحدهم تعين صرفه لنفسه وإلا فالمشهور أنه يغتسل الجنب، وييمم الميت، ويتيمم

المحدث بالأصغر ولكن تعين صرفه في الجنب لا يخلو من إشكال.

(مسألة ٣٨٩): إذا شك في وجود حاجب في بعض مواضع التيمم فحاله حال الوضوء والغسل في وجوب الفحص حتى يحصل اليقين، أو الاطمئنان بالعدم. المبحث السادس الطهارة من الخبث وفيه فصول الفصل الأول في عدد الأعيان النجسة وهي عشرة:

الأول والثاني: البول والغائط من كل حيوان له نفس سائلة محرم الأكل بالأصل، أو بالعارض، كالجلال والموطوء، أما ما لا نفس له سائلة أو كان محلل الأكل، فبوله وخرؤه، طاهران.

(مسألة ٣٩٠): بول الطير، وذرقه، طاهران وإن كان غير مأكول اللحم، كالخفاش والطاووس، ونحوهما.

(مسألة ٣٩١): ما يشك في أنه له نفس سائلة، محكوم بطهارة بوله وخرئه، وكذا ما يشك في أنه محلل الأكل، أو محرمة.

الثالث: المني من كل حيوان له نفس سائلة وإن حل أكل لحمه وأما مني ما لا نفس له سائلة فطاهر.

الرابع: الميتة من الحيوان ذي النفس السائلة وإن كان محلل الأكل وكذا أجزاؤها المبانة منها وإن كانت صغارا.

(مسألة ٣٩٢): الجزء المقطوع من الحي بمنزلة الميتة، ويستثنى من ذلك الثالول، والبثور، وما يعلو الشفة، والقروح، ونحوها عند البرء وقشور الجرب ونحوه، المتصل بما ينفصل من شعره، وما ينفصل بالحك، ونحوه من بعض الأبدان، فإن ذلك كله طاهر إذا فصل من الحي.

(مسألة ٣٩٣): أجزاء الميتة إذا كانت لا تحلها الحياة طاهرة، وهي الصوف، والشعر، والوبر، والعظم، والقرن، والمنقار، والظفر والمخلب، والريش، والظلف، والسن، والبيضة إذا اكتست القشر الأعلى، وإن لم يتصلب سواء أكان ذلك كله مأخوذا من الحيوان الحلال أم الحرام، وسواء أخذ بجز، أم نتف، أم غيرهما، نعم يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة، ويلحق بالمذكورات الإنفحة، وكذلك اللبن في الضرع، إذا كان مما يؤكل لحمه. ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس وإن كان الأحوط استحبابا اجتنابه، هذا كله في ميتة طاهرة العين، أما ميتة نجسة العين: فلا يستثنى منها شئ.

(مسألة ٣٩٤): فأرة المسك طاهرة، إذا انفصلت من الظبي الحي أما إذا انفصلت من الميت ففيها إشكال، ومع الشك في ذلك يبنى على الطهارة، وأما المسك فطاهر على كل حال، إلا أن يعلم برطوبته المسرية حال موت الظبي ففيه إشكال.

(مسألة ٣٩٥): ميتة ما لا نفس له سائلة طاهرة، كالوزغ، والعقرب والسمك، ومنه الخفاش على ما قضى به الاختبار، وكذا ميتة ما يشك في أن له نفسا سائلة، أم لا.

(مسألة ٣٩٦): المراد من الميتة ما استند موته إلى أمر آخر، غير التذكية على الوجه الشرعي.

(مسألة ٣٩٧): ما يؤخذ من يد المسلم، أو سوقهم من اللحم والشحم، والجلد، إذا شك في تذكية حيوانه فهو محكوم بالطهارة، والحلية ظاهرا، بل لا يبعد ذلك حتى لو علم بسبق يد الكافر عليه إذا احتمل أن المسلم قد أحرز تذكيته على الوجه الشرعي، وكذا ما صنع في أرض الاسلام، أو وجد مطروحا في أرض المسلمين إذا كان عليه أثر الاستعمال منهم الدال على التذكية مثل ظرف الماء والسمن واللبن، لا مثل ظروف العذرات والنجاسات.

(مسألة ٣٩٨): المذكورات إذا أخذت من أيدي الكافرين محكومة بالطهارة أيضا، إذا احتمل أنها مأخذوة من المذكى، لكنه لا يجوز أكلها، ولا الصلاة فيها ما لم يحرز أخذها من المذكى، ولو من جهة العلم بسبق يد المسلم عليها.

(مسألة ٣٩٩): السقط قبل ولوج الروح نجس، وكذا الفرخ في البيض على الأحوط وجوبا فيهما.

(مسألة ٤٠٠): الإنفحة هي ما يستحيل إليه اللبن الذي يرتضعه الجدي، أو السخل قبل أن يأكل.

الخامس: الدم من الحيوان ذي النفس السائلة، أما دم ما لا نفس له سائل كدم السمك، والبرغوث، والقمل، ونحوها فإنه طاهر.

(مسألة ٤٠١): إذا وجد في ثوبه مثلا دما لا يدري أنه من الحيوان ذي النفس السائلة أو من غيره بنى على طهارته.

(مسألة ٤٠٢): دم العلقة المستحيلة من النطفة، والدم الذي يكون في البيضة نجس على الأحوط وجوبا.

(مسألة ٤٠٣): الدم المتخلف في الذبيحة بعد خروج ما يعتاد خروجه منها بالذبح طاهر، إلا أن يتنجس بنجاسة خارجية، مثل السكين التي يذبح بها.

(مسألة ٤٠٤): إذا خرج من الجرح، أو الدمل شئ أصفر يشك في أنه دم أم لا، يحكم بطهارته، وكذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم، أم قيح، ولا يجب عليه الاستعلام، وكذلك إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم، أو ماء أصفر يحكم بطهارتها.

(مسألة ٤٠٥): الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب، نجس ومنجس له.

السادس والسابع: الكلب، والخنزير البريان بجميع أجزائهما وفضلاتهما ورطوباتهما دون البحريين.

الثامن: المسكر المائع بالأصالة بجميع أقسامه - لكن الحكم في غير الخمر والنبيذ المسكر مبني على الاحتياط، وأما الجامد كالحشيشة - وإن غلى وصار مائعا بالعارض - فهو طاهر لكنه حرام، وأما السبيرتو المتخذ من الأخشاب أو الأجسام الأخر، فالظاهر طهارته بجميع أقسامه.

(مسألة ٤٠٦): العصير العنبي إذا غلى بالنار، أو بغيرها، فالظاهر بقاؤه على الطهارة وإن صار حراما، فإذا ذهب ثلثاه بالنار صار حلالا والظاهر عدم كفاية ذهاب الثلثين بغير النار في الحلية.

(مسألة ٤٠٧): العصير العنبي، والتمري لا ينجس ولا يحرم بالغليان بالنار، فيجوز وضع التمر، والزبيب، والكشمش في المطبوخات مثل المرق، والمحشي، والطبيخ وغيرها، وكذا دبس التمر المسمى بدبس الدمعة.

التاسع: الفقاع: وهو شراب مخصوص متخذ من الشعير، وليس منه ماء الشعير الذي يصفه الأطباء.

العاشر: الكافر: وهو من لم ينتحل دينا أو انتحل دنيا غير الاسلام أو انتحل الاسلام وجحد ما يعلم أنه من الدين الاسلامي، بحيث رجع جحده إلى إنكاره الرسالة، نعم انكار المعاد يوجب الكفر مطلقا، ولا فرق بين المرتد، والكافر الأصلي، والحربي، والذمي، والخارجي، والغالي، والناصب، هذا في غير الكتابي، أما الكتابي فالمشهور نجاسته وهو الأحوط.

(مسألة ٤٠٨): عرق الجنب من الحرام طاهر ولكن لا تجوز الصلاة فيه على الأحوط الأولى ويختص الحكم بما إذا كان التحريم ثابتا لموجب الجنابة بعنوانه كالزنا، واللواط، والاستمناء، بل ووطئ الحائض أيضا، وأما إذا كان بعنوان آخر كافطار الصائم، أو مخالفة النذر، ونحو ذلك فلا يعمه الحكم.

(مسألة ٤٠٩): عرق الإبل الجلالة، وغيرها من الحيوان الجلال طاهر ولكن لا تجوز الصلاة فيه. الفصل الثاني في كيفية سراية النجاسة إلى الملاقي:

(مسألة ٤١٠): الجسم الطاهر إذا لاقى الجسم النجس لا تسري النجاسة إليه، إلا إذا كان في أحدهما رطوبة مسرية، يعني: تنتقل من أحدهما إلى الآخر بمجرد الملاقاة، فإذا كانا يابسين، أو نديين جافين لم يتنجس الطاهر بالملاقاة، وكذا لو كان أحدهما مائعا بلا رطوبة كالذهب والفضة، ونحوهما من الفلزات، فإنها إذا أذيبت في ظرف نجس لا تنجس.

(مسألة ٤١١): الفراش الموضوع في أرض السرداب إذا كانت الأرض نجسة، لا ينجس وإن سرت رطوبة الأرض إليه وصار ثقيلا بعد أن كان خفيفا، فإن مثل هذه الرطوبة غير المسرية لا توجب سراية النجاسة وكذلك جدران المسجد المجاور لبعض المواضع النجسة، مثل الكنيف ونحوه فإن الرطوبة السارية منها إلى الجدارن ليست مسرية، ولا موجبة لتنجسها وإن كانت مؤثرة في الجدار على نحو قد تؤدي إلى الخراب.

(مسألة ٤١٢): يشترط في سراية النجاسة في المائعات، أن لا يكون المائع متدافعا إلى النجاسة، وإلا اختصت النجاسة بموضع الملاقاة، ولا تسري إلى ما اتصل به من الأجزاء، فإن صب الماء من الإبريق على شئ نجس، لا تسري النجاسة إلى العمود، فضلا عما في الإبريق، وكذا الحكم لو كان التدافع من الأسفل إلى الأعلى كما في الفوارة.

(مسألة ٤١٣): الأجسام الجامدة إذا لاقت النجاسة مع الرطوبة المسرية تنجس موضع الاتصال، أما غيره من الأجزاء المجاورة له فلا تسري النجاسة إليه، وإن كانت الرطوبة المسرية مستوعبة للجسم، فالخيار أو البطيخ، أو نحوهما، إذا لاقته النجاسة يتنجس موضع الاتصال منه لا غير، وكذلك بدن الانسان إذا كان عليه عرق، ولو كان كثيرا، فإنه إذ لاقى النجاسة تنجس الموضع الملاقي لا غير، إلا أن يجري العرق المتنجس على الموضع الآخر فإنه ينجسه أيضا.

(مسألة ٤١٤): يشترط في سراية النجاسة في المائعات أن لا يكون المائع غليظا، وإلا اختصت بموضع الملاقاة لا غير، فالدبس الغليظ إذا أصابته النجاسة، لم تسر النجاسة إلى تمام أجزاء، بل يتنجس موضع الاتصال لا غير، وكذا الحكم في اللبن الغليظ. نعم إذا كان المائع رقيقا سرت النجاسة إلى تمام أجزائه، كالسمن، والعسل، والدبس، في أيام الصيف، بخلاف أيام البرد، فإن الغلظ مانع من سراية النجاسة إلى تمام الأجزاء. والحد في الغلظ والرقة، هو أن المائع إذا كان بحيث لو أخذ منه شئ بقي مكانه خاليا حين الأخذ وإن امتلأ بعد ذلك، فهو غليظ، وإن امتلأ مكانه بمجرد الأخذ، فهو رقيق.

(مسألة ٤١٥): المتنجس بملاقاة عين النجاسة كالنجس، ينجس ما يلاقيه مع الرطوبة المسرية، وكذلك المتنجس بملاقاة المتنجس، ينجس الماء القليل بملاقاة، وأما في غير ذلك فالحكم بالنجاسة مبني على الاحتياط.

(مسألة ٤١٦): تثبت النجاسة بالعلم، وبشهادة العدلين، وباخبار

ذي اليد، بل اخبار مطلق الثقة أيضا على الأظهر.

(مسألة ٤١٧): ما يؤخذ من أيدي الكافرين من الخبز، والزيت والعسل، ونحوها، من المائعات، والجامدات طاهر، إلا أن يعلم بمباشرتهم له بالرطوبة المسرية، وكذلك ثيابهم، وأوانيهم، والظن بالنجاسة لا عبرة به. الفصل الثالث في أحكام النجاسة:

(مسألة ٤١٨): يشترط في صحة الصلاة الواجبة والمندوبة، وكذلك في أجزائها المنسية، طهارة بدن المصلي، وتوابعه، من شعره وظفره ونحوهما وطهارة ثيابه، من غير فرق بين السائر وغيره، والطواف الواجب والمندوب، كالصلاة في ذلك.

(مسألة ٤١٩): الغطاء الذي يتغطى به المصلي إيماءا إن كان ملتفا به المصلي بحيث يصدق أنه صلى فيه، وجب أن يكون طاهرا، وإلا فلا.

(مسألة ٤٢٠): يشترط في صحة الصلاة طهارة محل السجود، وهو ما يحصل به مسمى وضع الجبهة دون غيره من مواضع السجود وإن كان اعتبار الطهارة فيها أحوط - استحبابا -.

(مسألة ٤٢١): كل واحد من أطراف الشبهة المحصورة بحكم النجس، فلا يجوز لبسه في الصلاة، ولا السجود عليه، بخلاف ما هو من أطراف الشبهة غير المحصورة.

(مسألة ٤٢٢): لا فرق في بطلان الصلاة لنجاسة البدن، أو اللباس أو المسجد بين العالم بالحكم التكليفي، أو الوضعي، والجاهل بهما عن تقصير، وكذلك فيما إذا كان المسجد نجسا في السجدتين معا حتى إذا كان الجهل عن قصور، وأما في غير ذلك، فالأظهر صحة الصلاة في موارد الجهل القصوري لاجتهاد، أو تقليد.

(مسألة ٤٢٣): لو كان جاهلا، بالنجاسة ولم يعلم بها حتى فرع من صلاته، فلا إعادة عليه في الوقت، ولا القضاء في خارجه.

(مسألة ٤٢٤): لو علم في أثناء الصلاة بوقوع بعض الصلاة في النجاسة، فإن كان الوقت واسعا بطلت واستأنف الصلاة، وإن كان الوقت ضيقا حتى عن ادراك ركعة، فإن أمكن التبديل أو التطهير بلا لزوم المنافي فعل ذلك وأتم الصلاة وإلا صلى فيه، والأحوط استحبابا القضاء أيضا.

(مسألة ٤٢٥): لو عرضت النجاسة في أثناء الصلاة، فإن أمكن التطهير، أو التبديل، على وجه لا ينافي الصلاة فعل ذلك وأتم صلاته ولا إعادة عليه، وإذا لم يمكن ذلك، فإن كان الوقت واسعا استأنف الصلاة بالطهارة، وإن كان ضيقا فمع عدم إمكان النزع لبرد ونحوه ولو لعدم الأمن من الناظر، يتم صلاته ولا شئ عليه، ولو أمكنه النزع ولا ساتر له غيره فالأظهر وجوب الاتمام فيه.

(مسألة ٤٢٦): إذا نسي أن ثوبه نجس وصلى فيه، كان عليه الإعادة إن ذكر في الوقت، وإن ذكر بعد خروج الوقت، فعليه القضاء ولا فرق بين الذكر بعد الصلاة، وفي أثنائها مع إمكان التبديل، أو التطهير، وعدمه.

(مسألة ٤٢٧): إذا طهر ثوبه النجس، وصلى فيه ثم تبين أن النجاسة باقية فيه، لم تجب الإعادة ولا القضاء لأنه كان جاهلا بالنجاسة.

(مسألة ٤٢٨): إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا، فإن لم يمكن نزعه لبرد أو نحوه، صلى فيه بلا إشكال، ولا يجب عليه القضاء، وإن أمكن نزعه فالظاهر وجوب الصلاة فيه، والأحوط استحبابا الجمع بين الصلاة فيه والصلاة عاريا.

(مسألة ٤٢٩): إذا كان عنده ثوبان يعلم إجمالا بنجاسة أحدهما وجبت الصلاة في كل منهما، ولو كان عنده ثوب ثالث يعلم بطهارته تخير بين الصلاة فيه، والصلاة في كل منهما.

(مسألة ٤٣٠): إذا تنجس موضع من بدنه وموضع من ثوبه أو موضعان من بدنه، أو من ثوبه، ولم يكن عنده من الماء ما يكفي لتطهيرهما معا، لكن كان يكفي لأحدهما وجب تطهير أحدهما مخيرا إلا مع الدوران بين الأقل والأكثر، فيختار تطهير الأكثر.

(مسألة ٤٣١): يحرم أكل النجس وشربه، ويجوز الانتفاع به فيما لا يشترط فيه الطهارة.

(مسألة ٤٣٢): لا يجوز بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والكلب غير الصيود، ولا بأس ببيع غيرها من الأعيان النجسة، والمتنجسة إذا كانت لها منفعة محللة معتد بها عند العقلاء على نحو يبذل بإزائها المال وإلا فلا يجوز بيعها وإن كان لها منفعة محللة جزئية على الأحوط.

(مسألة ٤٣٣): يحرم تنجس المساجد وبنائها، وسائر آلاتها، وكذلك فراشها، وإذا تنجس شئ منها وجب تطهيره، بل يحرم ادخال النجاسة العينية غير المتعدية إليه إذا لزم ذلك هتك حرمة المسجد، مثل وضع العذرات والميتات فيه، ولا بأس به مع عدم الهتك، ولا سيما فيما لا يعتد به لكونه من توابع الداخل: مثل أن يدخل الانسان وعلى ثوبه أو بدنه دم، لجرح، أو قرحة، أو نحو ذلك.

(مسألة ٤٣٤): تجب المبادرة إلى إزالة النجاسة من المسجد، بل وآلاته وفراشه على الأحوط حتى لو دخل المسجد ليصلي فيه فوجد فيه نجاسة، وجبت المبادرة إلى إزالتها مقدما لها على الصلاة مع سعة الوقت لكن لو صلى وترك الإزالة عصى وصحت الصلاة، أما في الضيق فتجب المبادرة إلى الصلاة مقدما لها على الإزالة.

(مسألة ٤٣٥): إذا توقف تطهير المسجد على تخريب شئ منه وجب تطهيره إذا كان يسيرا لا يعتد به، وأما إذا كان التخريب مضرا بالوقف ففي جوازه فضلا عن الوجوب اشكال، حتى فيما إذا وجد باذل لتعميره.

(مسألة ٤٣٦): إذا توقف تطهيره المسجد على بذل مال وجب، إلا إذا كان بحيث يضر بحاله، ولا يضمنه من صار سببا للتنجيس كما لا يختص وجوب إزالة النجاسة به.

(مسألة ٤٣٧): إذا توقف تطهير المسجد على تنجس بعض المواضع الطاهرة وجب، إذا كان يطهر بعد ذلك.

(مسألة ٤٣٨): إذا لم يتمكن الانسان من تطهير المسجد وجب عليه إعلام غيره إذا احتمل حصول التطهير باعلامه.

(مسألة ٤٣٩): إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره فيما إذا لم يستلزم فساده على الأحوط، وأما مع استلزام الفساد ففي جواز تطهيره أو قطع موضع النجس منه إشكال.

(مسألة ٤٤٠): لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا وإن كان لا يصلي فيه أحد، ويجب تطهيره إذا تنجس.

(مسألة ٤٤١): إذا علم اجمالا بنجاسة أحد المسجدين، أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما.

(مسألة ٤٤٢): يلحق بالمساجد، المصحف الشريف، والمشاهد المشرفة، والضرايح المقدسة، والتربة الحسينية، بل تربة الرسول صلى الله عليه وآله وسائر الأئمة عليهم السلام المأخوذة للتبرك، فيحرم تنجيسها إذا كان يوجب إهانتها وتجب إزالة النجاسة عنها حينئذ.

(مسألة ٤٤٣): إذا غصب المسجد وجعل طريقا، أو دكانا، أو خانا، أو نحو ذلك ففي حرمة تنجيسه ووجوب تطهيره إشكال، والأقوى عدم وجوب تطهيره من النجاسة الطارئة عليه بعد الخراب، وأما معابد الكفار فلا يحرم تنجيسها ولا تجب إزالة النجاسة عنها، نعم إذا اتخذت مسجدا بأن يتملكها ولي الأمر ثم يجعلها مسجدا، جرى عليها جميع أحكام المسجد. تتميم: فيما يعفى عنه في الصلاة من النجاسات، وهو أمور:

الأول: دم الجروح، والقروح في البدن واللباس حتى تبرأ بانقطاع الدم انقطاع برء، والأقوى اعتبار المشقة النوعية بلزوم الإزالة، أو التبديل، فإذا لم يلزم ذلك فلا عفو، ومنه دم البواسير إذا كانت ظاهرة، بل الباطنة كذلك على الأظهر، وكذا كل جرح، أو قرح باطني خرج دمه إلى الظاهر.

(مسألة ٤٤٤): كما يعفى عن الدم المذكور، يعفى أيضا عن القيح المتنجس به، والدواء الموضوع عليه، والعرق المتصل به، والأحوط - استحبابا - شده إذا كان في موضع يتعارف شده.

(مسألة ٤٤٥): إذا كانت الجروح والقروح المتعددة متقاربة، بحيث تعد جرحا واحدا عرفا، جرى عليه الحكم الواحد، فلو برأ بعضها لم يجب غسله بل هو معفو عنه حتى يبرأ الجميع.

(مسألة ٤٤٦): إذا شك في دم أنه دم جرح، أو قرح، أولا لا يعفى عنه.

الثاني: الدم في البدن واللباس إذا أكنت سعته أقل من الدرهم البغلي، ولم يكن من دم نجس العين، ولا من الميتة، ولا من غير مأكول اللحم، وإلا فلا يعفى عنه على الأظهر، والأحوط الحاق الدماء الثلاثة - الحيض والنفاس، والاستحاضة - بالمذكورات، ولا يلحق المتنجس بالدم به.

(مسألة ٤٤٧): إذا تفشى الدم من أحد الجانبين إلى الآخر فهو دم واحد، نعم إذا كان قد تفشى من مثل الظهارة إلى البطانة، فهو دم متعدد، فليحظ التقدير المذكور على فرض اجتماعه، فإن لم يبلغ المجموع سعة الدرهم عفى عنه وإلا فلا.

(مسألة ٤٤٨): إذا اختلط الدم بغيره من قيح، أو ماء، أو غيرهما لم يعف عنه.

(مسألة ٤٤٩): إذا تردد قدر الدم بين المعفو عنه والأكثر، بنى على عدم العفو، وإذا كانت سعة الدم أقل من الدرهم وشك في أنه من الدم المعفو عنه، أو من غيره بنى على العفو، ولم يجب الاختبار، وإذا انكشف بعد الصلاة أنه من غير المعفو لم تجب الإعادة.

(مسألة ٤٥٠): الأحوط الاقتصار في مقدار الدرهم على ما يساوي عقد السبابة.

الثالث: الملبوس الذي لا تتم به الصلاة وحده - يعني لا يستر العورتين - كالخف، والجورب والتكة، والقلنسوة، والخاتم، والخلخال، والسوار، ونحوها، فإنه معفو عنه في الصلاة إذا كان متنجسا ولو بنجاسة من غير المأكول بشرط أن لا يكون فيه شئ من أجزائه، وإلا فلا يعفى عنه وكذلك إذا كان متخذا من نجس العين كالميتة، وشعر الكلب مثلا.

(مسألة ٤٥١): الأظهر عدم العفو عن المحمول المتخذ من نجس العين كالكلب، والخنزير، وكذا ما تحله الحياة من أجزاء الميتة، وكذا ما كان من أجزاء ما لا يؤكل لحمه. وأما المحمول المتنجس فهو معفو عنه حتى إذا كان مما تتم فيه الصلاة فضلا عما إذا كان مما لا تتم به الصلاة، كالساعة والدراهم، والسكين، والمنديل الصغير، ونحوها.

الرابع: ثوب الأم المربية للطفل الذكر، فإنه معفو عنه إن تنجس ببوله إذا لم يكن عندها غيره بشرط غسله في اليوم والليلة مرة، مخيرة بين ساعاته، ولا يتعدى من الأم إلى مربية أخرى، ولا من الذكر، إلى الأنثى ولا من البول، إلى غيره، ولا من الثوب، إلى البدن، ولا من المربية إلى المربي، ولا من ذات الثوب الواحد، إلى ذات الثياب المتعددة، مع عدم حاجتها إلى لبسهن جميعا، وإلا فهي كالثوب الواحد. هذا هو المشهور ولكن الأحوط عدم العفو عما ذكر إلا مع الحرج الشخصي. الفصل الرابع في المطهرات وهي أمور:

الأول: الماء وهو مطهر لكل متنجس يغسل به على نحو يستولي على المحل النجس، بل يطهر الماء النجس أيضا على تفصيل تقدم في أحكام المياه، نعم لا يطهر الماء المضاف في حال كونه مضافا. وكذا غيره من المائعات.

(مسألة ٤٥٢): يعتبر في التطهير بالقليل انفصال ماء الغسالة على النحو المتعارف، فإذا كان المتنجس مما ينفذ فيه الماء مثل الثوب، والفراش فلا بد من عصره، أو غمزه بكفه أو رجله، والأحوط وجوبا عدم الاكتفاء عن العصر بتوالي الصب عليه إلى أن يعلم بانفصال الأول، وإن كان مثل الصابون، والطين، والخزف، والخشب. ونحوها مما تنفذ فيه الرطوبة المسرية يطهر ظاهره بإجراء الماء عليه، وفي طهارة باطنه تبعا للظاهر اشكال، وإن كان لا يبعد حصول الطهارة للباطن بنفوذ الماء الطاهر فيه على نحو يصل إلى ما وصل إليه النجس فيغلب على المحل، ويزول بذلك الاستقذار العرفي لاستهلاك الأجزاء المائية النجسة الداخلة فيه، إذا لم يكن قد جفف وإن كان التجفيف أسهل في حصول ذلك وإذا كان النافذ في باطنه الرطوبة غير المسرية، فقد عرفت أنه لا ينجس بها.

(مسألة ٤٥٣): الثوب المصبوغ بالصبغ النجس، يطهر بالغسل بالكثير إذا بقي الماء على اطلاقه إلى أن ينفذ إلى جميع أجزائه، بل بالقليل أيضا إذا كان الماء باقيا على اطلاقه إلى أن يتم عصره.

(مسألة ٤٥٤): العجين النجس يطهر، إن خبز وجفف ووضع في الكثير على نحو ينفذ الماء إلى أعماقه، ومثله الطين المتنجس إذا جفف ووضع في الكثير حتى ينفذ الماء إلى أعماقه، فحكمها حكم الخبز المتنجس الذي نفذت الرطوبة النجسة إلى أعماقه.

(مسألة ٤٥٥): المتنجس بالبول غير الآنية إذا طهر بالقليل فلا بد من الغسل مرتين، والمتنجس بغير البول ومنه المتنجس بالمتنجس بالبول في غير الأواني يكفي في تطهيره غسلة واحدة، هذا مع زوال العين قبل الغسل، أما لو أزيلت بالغسل، فالأحوط عدم احتسابها. إلا إذا استمر إجراء الماء بعد الإزالة فتحسب حينئذ ويطهر المحل بها إذا كان متنجسا بغير البول، ويحتاج إلى أخرى أن كان متنجسا بالبول.

(مسألة ٤٥٦): الآنية إن تنجست بولوغ الكلب فيما فيها من ماء أو غيره مما يصدق معه الولوغ غسلت بالماء القليل ثلاثا، أولاهن بالتراب ممزوجا بالماء، وغسلتان بعدها بالماء، وإذا غسلت في الكثير، أو الجاري تكفي غسلة واحدة بعد غسلها بالتراب ممزوجا بالماء.

(مسألة ٤٥٧): إذا لطع الكلب الإناء، أو شرب بلا ولوغ لقطع لسانه، فالأحوط عنه بحكم الولوغ في كيفية التطهير، وليس كذلك ما إذا باشره بلعابه، أو تنجس بعرقه، أو سائر فضلاته، أو بملاقاة بعض أعضائه نعم إذا صب الماء الذي ولغ فيه الكلب في إناء آخر، جرى عليه حكم الولوغ.

(مسألة ٤٥٨): الآنية التي يتعذر تعفيرها بالتراب الممزوج بالماء تبقى على النجاسة، أما إذا أمكن إدخال شئ من التراب الممزوج بالماء في داخلها وتحريكه بحيث يستوعبها، أجزأ ذلك في طهرها.

(مسألة ٤٥٩): يجب أن يكون التراب الذي يعفر به الإناء طاهرا قبل الاستعمال على الأحوط.

(مسألة ٤٦٠): يجب في تطهير الإناء النجس من شرب الخنزير غسله سبع مرات، وكذا من موت الجرذ، بلا فرق فيها بين الغسل بالماء القليل أو الكثير، وإذا تنجس الإناء بغير ما ذكر وجب في تطهيره غسله ثلاث مرات بالماء القليل، ويكفي غسله مرة واحدة في الكر والجاري. هذا في غير أواني الخمر، وأما هي فيجب غسلها ثلاث مرات حتى إذا غسلت بالكثير أو الجاري والأولى أن تغتسل سبعا.

(مسألة ٤٦١): الثياب ونحوها إذا تنجست بالبول يكفي غسلها في الماء الجاري مرة واحدة، وفي غيره لا بد من الغسل مرتين، ولا بد من العصر، أو الدلك في جميع ذلك.

(مسألة ٤٦٢): التطهير بماء المطر يحصل بمجرد استيلائه على المحل النجس، من غير حاجة إلى عصر، ولا إلى تعدد، إناءا كان أم غيره نعم الإناء المتنجس بولوغ الكلب لا يسقط فيه الغسل بالتراب الممزوج بالماء وإن سقط فيه التعدد.

(مسألة ٤٦٣): يكفي الصب في تطهير المتنجس ببول الصبي ما دام رضيعا لم يتغذ وإن تجاوز عمره الحولين، ولا يحتاج إلى العصر والأحوط استحبابا اعتبار التعدد، ولا تلحق الأنثى بالصبي.

(مسألة ٤٦٤): يتحقق غسل الإناء بالقليل بأن يصب فيه شئ من الماء ثم يدار فيه إلى أن يستوعب تمام أجزائه ثم يراق، فإذا فعل به ذلك ثلاث مرات فقد غسل ثلاث مرات وطهر.

(مسألة ٤٦٥): يعتبر في الماء المستعمل في التطهير طهارته قبل الاستعمال.

(مسألة ٤٦٦): يعتبر في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها كاللون، والريح، فإذا بقي واحد منهما، أو كلاهما لم يقدح ذلك في حصول الطهارة مع العلم بزوال العين.

(مسألة ٤٦٧): الأرض الصلبة، أو المفروشة بالآجر، أو الصخر أو الزفت، أو نحوها يمكن تطهيرها بالماء القليل إذا جرى عليها، لكن مجمع الغسالة يبقى نجسا إذا كانت الغسالة نجسة.

(مسألة ٤٦٨): لا يعتبر التوالي فيما يعتبر فيه تعدد الغسل، فلو غسل في يوم مرة، وفي آخر أخرى كفى ذلك، نعم الأحوط استحبابا المبادرة إلى العصر فيما يعصر.

(مسألة ٤٦٩): ماء الغسالة التي تتعقبها طهارة المحل إذا جرى من الموضع النجس لم يتنجس ما اتصل به من المواضع الطاهرة، فلا يحتاج إلى تطهير، من غير فرق بين البدن، والثوب وغيرهما من المتنجسات والماء المنفصل من الجسم المغسول طاهر، إذا كان يطهر المحل بانفصاله.

(مسألة ٤٧٠): الأواني الكبيرة المثبتة يمكن تطهيرها بالقليل بأن يصب الماء فيها ويدار حتى يستوعب جميع أجزائها، ثم يخرج حينئذ ماء الغسالة المجتمع في وسطها بنزح أو غيره، والأحوط استحبابا المبادرة إلى إخراجه، ولا يقدح الفصل بين الغسلات، ولا تقاطر ماء الغسالة حين الاخراج على الماء المجتمع نفسه، والأحوط وجوبا تطهير آلة الاخراج كل مرة من الغسلات.

(مسألة ٤٧١): الدسومة التي في اللحم، أو اليد، لا تمنع من تطهير المحل، إلا إذا بلغت حدا تكون جرما حائلا، ولكنها حينئذ لا تكون دسومة بل شيئا آخر.

(مسألة ٤٧٢): إذا تنجس اللحم، أو الأرز، أو الماش، أو نحوهما ولم تدخل النجاسة في عمقها، يمكن تطهيرها بوضعها في طشت وصب الماء عليها على نحو يستولي عليها، ثم يراق الماء ويفرغ الطشت مرة واحدة فيطهر النجس، وكذا الطشت تبعا، وكذا إذا أريد تطهير الثوب فإنه يوضع في الطشت ويصب الماء عليه. ثم يعصر ويفرغ الماء مرة واحدة فيطهر ذلك الثوب، والطشت أيضا، وإذا كانت النجاسة محتاجة إلى التعدد كالبول كفى الغسل مرة أخرى على النحو المذكور، هذا كله فيما إذا غسل المتنجس في الطشت ونحوه، وأما إذا غسل في الإناء فلا بد من غسله ثلاثا.

(مسألة ٤٧٣): الحليب النجس يمكن تطهيره بأن يصنع جنبا ويوضع في الكثير حتى يصل الماء إلى أعماقه.

(مسألة ٤٧٤): إذا غسل ثوبه النجس ثم رأى بعد ذلك فيه شيئا من الطين، أو دقاق الأشنان، أو الصابون الذي كان متنجسا، لا يضر ذلك في طهارة الثوب، بل يحكم أيضا بطهارة ظاهر الطين، أو الأشنان أو الصابون الذي رآه، بل باطنه إذا نفذ فيه الماء على الوجه المعتبر.

(مسألة ٤٧٥): الحلي الذي يصوغها الكافر إذا لم يعلم ملاقاته لها مع الرطوبة يحكم بطهارتها، وإن علم ذلك يجب غسلها ويطهر ظاهرها ويبقى باطنها على النجاسة، وإذا استعملت مدة وشك في ظهور الباطن وجب تطهيرها.

(مسألة ٤٧٦): الدهن المتنجس لا يمكن تطهيره بجعله في الكر الحار ومزجه به، وكذلك سائر المائعات المتنجسة، فإنها لا تطهر إلا بالاستهلاك.

(مسألة ٤٧٧): إذا تنجس التنور، يمكن تطهيره بصب الماء من الإبريق عليه ومجمع ماء الغسالة يبقى على نجاسته لو كان متنجسا قبل الصب، وإذا تنجس التنور بالبول، وجب تكرار الغسل مرتين.

الثاني: من المطهرات الأرض، فإنها تطهر باطن القدم وما توقي به كالنعل، والخف، أو الحذاء ونحوها، بالمسح بها، أو المشي عليها. بشرط زوال عين النجاسة بهما، ولو زالت عين النجاسة قبل ذلك كفى مسمى المسح بها، أو المشي عليها، ويشترط - على الأحوط وجوبا - كون النجاسة حاصلة بالمشي على الأرض.

(مسألة ٤٧٨): المراد من الأرض مطلق ما يسمى أرضا، من حجر أو تراب، أو رمل، ولا يبعد عموم الحكم للآجر، والجص، والنورة، والأقوى اعتبار طهارتها، والأحوط وجوبا اعتبار جفافها.

(مسألة ٤٧٩): في الحاق ظاهر القدم، وعيني الركبتين، واليدين إذا كان المشي عليها، وكذلك ما توقي به كالنعل، وأسفل خشبة الأقطع وحواشي القدم القريبة من الباطن - إشكال.

(مسألة ٤٨٠): إذا شك في طهارة الأرض، يبني على طهارتها

فتكون مطهرة حينئذ، إلا إذا كانت الحالة السابقة نجاستها.

(مسألة ٤٨١): إذا كان في الظلمة ولا يدري أن ما تحت قدمه أرض، أو شئ آخر، من فرش، ونحوه، لا يكفي المشي عليه في حصول الطهارة، بل لا بد من العلم بكونه أرضا.

الثالث: الشمس، فإنها تطهر الأرض وكل ما لا ينقل من الأبنية وما اتصل بها من أخشاب، وأعتاب وأبواب، وأوتاد، وكذلك الأشجار والثمار، والنبات، والخضروات، وإن حان قطفها وغير ذلك، وفي تطهير الحصر، والبواري بها، اشكال بل منع.

(مسألة ٤٨٢): يشترط في الطهارة بالشمس - مضافا إلى زوال عين النجاسة، وإلى رطوبة المحل - اليبوسة المستندة إلى الاشراق عرفا وإن شاركها غيرها في الجملة من ريح، أو غيرها.

(مسألة ٤٨٣): الباطن النجس يطهر تبعا لطهارة الظاهر بالاشراق.

(مسألة ٤٨٤): إذا كانت الأرض النجسة جافة، وأريد تطهيرها صب عليها الماء الطاهر، أو النجس، فإذا يبس بالشمس طهرت.

(مسألة ٤٨٥): إذا تنجست الأرض بالبول، فأشرقت عليها الشمس حتى يبست طهرت، من دون حاجة إلى صب الماء عليها، نعم إذا كان البول غليظا له جرم لم يطهر جرمه بالجفاف، بل لا يطهر سطح الأرض الذي عليه الجرم.

(مسألة ٤٨٦): الحصى، والتراب، والطين، والأحجار المعدودة جزءا من الأرض، بحكم الأرض في الطهارة بالشمس وإن كانت في نفسها منقولة، نعم لو لم تكن معدودة من الأرض كقطعة من اللبن في أرض مفروشة بالزفت أو بالصخر، أو نحوهما، فثبوت الحكم حينئذ لها محل إشكال.

(مسألة ٤٨٧): المسمار الثابت في الأرض، أو البناء، بحكم الأرض فإذا قلع لم يجر عليه الحكم. فإذا رجع رجع حكمه وهكذا.

الرابع: الاستحالة إلى جسم آخر، فيطهر ما أحالته النار رمادا. أو دخانا، أو بخارا سواء أكان نجسا، أم متنجسا وكذا يطهر ما استحال بخارا بغير النار، أما ما أحالته النار خزفا، أم آجرا، أم جصا، أو نورة، فهو باق على النجاسة، وفيما أحالته فحما إشكال.

(مسألة ٤٨٨): لو استحال الشئ بخارا، ثم استحال عرقا، فإن كان متنجسا فهو طاهر. وإن كان نجسا فكذلك، إلا إذا صدق على العرق نفسه عنوان إحدى النجاسات، كعرق الخمر، فإنه مسكر.

(مسألة ٤٨٩): الدود المستحيل من العذرة، أو الميتة طاهر، وكذا كل حيوان تكون من نجس، أو متنجس.

(مسألة ٤٩٠): الماء النجس إذا صار بولا لحيوان مأكول اللحم أو عرقا له، أو لعابا، فهو طاهر.

(مسألة ٤٩١): الغذاء النجس، أو المتنجس إذا صار روثا لحيوان مأكول اللحم، أو لبنا، أو صار جزءا من الخضروات، أو النباتات أو الأشجار، أو الأثمار فهو طاهر، وكذلك الكلب إذا استحال ملحا وكذا الحكم في غير ذلك مما يعد المستحال إليه متولدا من المستحال منه.

الخامس: الانقلاب، فإنه مطهر للخمر إذا انقلبت خلا بنفسها أو بعلاج، نعم لو تنجس إناء الخمر بنجاسة خارجية ثم انقلبت الخمر خلا لم تطهر على الأحوط وجوبا. وأما إذا وقعت النجاسة في الخمر واستهلكت فيها ولم يتنجس الإناء بها، فانقلب الخمر خلا طهرت على الأظهر، وكما أن الانقلاب إلى الخل يطهر الخمر، كذلك العصير العنبي إذا غلى بناءا على نجاسته، فإنه يطهر إذا انقلب خلا.

السادس: ذهاب الثلثين بحسب الكم لا بحسب الثقل، فإنه مطهر للعصير العنبي إذا غلى - بناءا على نجاسته –.

السابع: الانتقال، فإنه مطهر للمنتقل إذا أضيف إلى المنتقل إليه وعد جزءا منه، كدم الانسان الذي يشربه البق، والبرغوث، والقمل، نعم لو لم يعد جزءا منه أو شك في ذلك - كدم الانسان الذي يمصه العلق - فهو باق على النجاسة.

الثامن: الاسلام، فإنه مطهر للكافر بجميع أقسامه حتى المرتد عن فطرة على الأقوى، ويتبعه أجزاؤه كشعره، وظفره، وفضلاته من بصاقه ونخامته، وقيئه، وغيرها.

التاسع: التبعية، فإن الكافر إذا أسلم يتبعه ولده في الطهارة، أبا كان الكافر، أم جدا، أم أما، والطفل المسبي للمسلم يتبعه في الطهارة إذا لم يكن مع الطفل أحد آبائه، ويشترط في طهارة الطفل في الصورتين أن لا يظهر الكفر إذا كان مميزا، وكذا أواني الخمر فإنها تتبعها في الطهارة إذا انقلبت الخمر خلا، وكذا أواني العصير إذا ذهب ثلثاه - بناء على النجاسة - وكذا يد الغاسل للميت، والسدة التي يغسل عليها، والثياب التي يغسل فيها، فإنها تتبع الميت في الطهارة، وأما بدن الغاسل، وثيابه، وسائر آلات التغسيل، فالحكم بطهارتها تبعا للميت محل إشكال.

العاشر: زوال عين النجاسة عن بواطن الانسان وجسد الحيوان الصامت فيطهر منقار الدجاجة الملوث بالعذرة، بمجرد زوال عينها ورطوبتها، وكذا بدن الدابة المجروحة، وفم الهرة الملوث بالدم، وولد الحيوان الملوث بالدم عند الولادة بمجرد زوال عين النجاسة، وكذا يطهر باطن فم الانسان إذا أكل نجسا، أو شربه بمجرد زوال العين، وكذا باطن عينه عند الاكتحال بالنجس، أو المتنجس، بل في ثبوت النجاسة لبواطن الانسان بالنسبة إلى ما دون الحلق، وجسد الحيوان منع، بل وكذا المنع في سراية النجاسة من النجس إلى الطاهر إذا كانت الملاقاة بينهما في الباطن، سواء أكان متكونين في الباطن كالمذي يلاقي البول في الباطن، أو كان النجس متكونا في الباطن، والطاهر يدخل إليه كماء الحقنة، فإنه لا ينجس بملاقاة النجاسة في المعاء، أم كان النجس في الخارج، كالماء النجس الذي يشربه الانسان فإنه لا ينجس ما دون الحلق، وأما ما فوق الحلق فإنه ينجس ويطهر بزوال العين، وكذا إذا كانا معا متكونين في الخارج ودخلا وتلاقيا في الداخل، كما إذا ابتلع شيئا طاهرا، وشرب عليه ماءا نجسا، فإنه إذا خرج ذلك الطاهر من جوفه حكم عليه بالطهارة ولا يجري الحكم الأخير في الملاقاة في باطن الفم فلا بد من تطهير الملاقي.

الحادي عشر: الغيبة، فإنها مطهرة للانسان وثيابه، وفراشه، وأوانيه وغيرها من توابعه إذا علم بنجاستها ولم يكن ممن لا يبالي بالطهارة والنجاسة وكان يستعملها فيما يعتبر فيه الطهارة، فإنه حينئذ يحكم بطهارة ما ذكر بمجرد احتمال حصول الطهارة له.

الثاني عشر: استبراء الحيوان الجلال، فإنه مطهر له من نجاسة الجلل والأحوط اعتبار مضي المدة المعينة له شرعا، وهي في الإبل أربعون يوما وفي البقرة عشرون، وفي الغنم عشرة، وفي البطة خمسة، وفي الدجاجة ثلاثة، ويعتبر زوال اسم الجلل عنها مع ذلك، ومع عدم تعين مدة شرعا يكفي زوال الاسم.

(مسألة ٤٩٢): الظاهر قبول كل حيوان ذي جلد للتذكية عدا نجس العين فإذا ذكي الحيوان الطاهر العين، جاز استعمال جلده، وكذا سائر أجزائه فيما يشترط فيه الطهارة ولو لم يدبغ جلده على الأقوى.

(مسألة ٤٩٣): تثبت الطهارة بالعلم، والبينة، وباخبار ذي اليد إذا لم تكن قرينة على اتهامه، بل باخبار الثقة أيضا على الأظهر، وإذا شك في نجاسة ما علم طهارته سابقا يبنى على طهارته. خاتمة: يحرم استعمال أواني الذهب والفضة، في الأكل والشرب بل يحرم استعمالها في الطهارة من الحدث والخبث وغيرها على الأحوط، ولا يحرم نفس المأكول والمشروب، والأحوط استحبابا عدم التزيين بها: وكذا اقتناؤها وبيعها وشراؤها، وصياغتها، وأخذ الأجرة عليها، والأقوى الجواز في جميعها.

(مسألة ٤٩٤): الظاهر توقف صدق الآنية على انفصال المظروف عن الظرف وكونها معدة لأن يحرز فيها المأكول، أو المشروب، أو نحوهما فرأس (الغرشة) ورأس (الشطب) وقراب السيف، والخنجر، والسكين و (قاب) الساعة المتداولة في هذا العصر، ومحل فص الخاتم، وبيت المرآة، وملعقة الشاي وأمثالها، خارج عن الآنية فلا بأس بها، ولا يبعد ذلك أيضا في ظرف الغالية، والمعجون، والتتن (والترياك) والبن.

(مسألة ٤٩٥): لا فرق في حكم الآنية بين الصغيرة والكبيرة وبين ما كان على هيئة الأواني المتعارفة من النحاس، والحديد وغيرهما.

(مسألة ٤٩٦): لا بأس بما يصنع بيتا للتعويذ من الذهب والفضة كحرز الجواد (عليه السلام) وغيره.

(مسألة ٤٩٧): يكره استعمال القدح المفضض، والأحوط عزل الفم عن موضع الفضة، بل لا يخلو وجوبه عن قوة، والله سبحانه العالم وهو حسبنا ونعم الوكيل.


كتاب الصلاة

وفيه مقاصد الصلاة هي إحدى الدعائم التي بني عليها الاسلام، إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردت رد ما سواها.


المقصد الأول

أعداد الفرائض ونوافلها ومواقيتها وجملة من أحكامها

وفيه فصول:

الفصل الأول

عدد الفرائض

الصلوات الواجبة في هذا الزمان ست: اليومية وتندرج فيها صلاة الجمعة فإن المكلف مخير بين إقامتها، وصلاة الظهر يوم الجمعة، وإذا أقيمت بشرائطها أجزأت عن صلاة الظهر، وصلاة الطواف، والآيات والأموات وما التزم بنذر، أو نحوه، أو إجارة، وقضاء ما فات عن الوالد بالنسبة إلى الولد الأكبر، أما اليومية فخمس: الصبح ركعتان والظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، وفي السفر والخوف تقصر الرباعية فتكون ركعتين، وأما النافلة فكثيرة أهمها الرواتب اليومية: ثمان للظهر قبلها، وثمان بعدها قبل العصر للعصر، وأربع بعد المغرب لها، وركعتان من جلوس تعدان بركعة بعد العشاء لها، وثمان صلاة الليل، وركعتان الشفع بعدها، وركعة الوتر بعدها، وركعتان الفجر قبل الفريضة، وفي يوم الجمعة يزاد على الست عشرة أربع ركعات قبل الزوال، ولها آداب مذكورة في محلها، مثل كتاب مفتاح الفلاح للمحقق البهائي (قدس سره).

(مسألة ٤٩٨): يجوز الاقتصار على بعض النوافل المذكورة، كما يجوز الاقتصار في نوافل الليل على الشفع والوتر، وعلى الوتر خاصة وفي نافلة المغرب على ركعتين.

(مسألة ٤٩٩): يجوز الاتيان بالنوافل الرواتب وغيرها في حال الجلوس اختيارا، لكن الأولى حينئذ عد كل ركعتين بركعة، وعليه فيكرر الوتر مرتين، كما يجوز الاتيان بها في حال المشي.

(مسألة ٥٠٠): الصلاة الوسطى التي تتأكد المحافظة عليها، صلاة الظهر. الفصل الثاني وقت الظهرين من الزوال إلى المغرب، وتختص الظهر من أوله بمقدار أدائها، والعصر من آخره كذلك، وما بينهما مشترك بينهما، ووقت العشاءين للمختار من المغرب إلى نصف الليل، وتختص المغرب من أوله بمقدار أدائها، والعشاء من آخره كذلك، وما بينهما مشترك أيضا بينهما وأما المضطر لنوم، أو نسيان، أو حيض، أو غيرها فيمتد وقتهما له إلى الفجر الصادق، وتختص العشاء من آخره بمقدار أدائها والأحوط وجوبا للعامد المبادرة إليها بعد نصف الليل قبل طلوع الفجر من دون نية القضاء، أو الأداء، ووقت الصبح من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس.

(مسألة ٥٠١): الفجر الصادق هو البياض المعترض في الأفق الذي يتزايد وضوحا وجلاءا، وقبله الفجر الكاذب، وهو البياض المستطيل من الأفق صاعدا إلى السماء كالعمود الذي يتناقض ويضعف حتى ينمحي.

(مسألة ٥٠٢): الزوال هو المنتصف ما بين طلوع الشمس وغروبها ويعرف بزيادة ظل كل شاخص معتدل بعد نقصانه، أو حدوث ظله بعد انعدامه، ونصف الليل منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها، ويعرف الغروب بسقوط القرص، والأحوط لزوما تأخير صلاة المغرب إلى ذهاب الحمرة المشرقية.

(مسألة ٥٠٣): المراد من اختصاص الظهر بأول الوقت عدم صحة العصر إذا وقعت فيه عمدا، وأما إذا صلى العصر في الوقت المختص بالظهر - سهوا - صحت، ولكن الأحوط أن يجعلها ظهرا ثم يأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمة أعم من الظهر والعصر، بل وكذلك إذا صلى العصر في الوقت المشترك قبل الظهر سهوا، سواء كان التذكر في الوقت المختص بالعصر، أو المشترك، وإذا قدم العشاء على المغرب سهوا صحت ولزمه الاتيان بالمغرب بعدها.

(مسألة ٥٠٤): وقت فضيلة الظهر ما بين الزوال وبلوغ الظل الحادث به مثل الشاخص، ووقت فضيلة العصر ما بين الزوال وبلوغ الظل الحادث به مقدار مثليه، ووقت فضيلة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق وهو الحمرة المغربية، وهو أو وقت فضيلة العشاء ويمتد إلى ثلث الليل ووقت فضيلة الصبح من الفجر إلى ظهور الحمرة الشرقية، والغلس بها أول الفجر أفضل، كما أن التعجيل في جميع أوقات الفضيلة أفضل.

(مسألة ٥٠٥): وقت نافلة الظهرين من الزوال إلى آخر إجزاء الفريضتين، لكن الأولى تقديم فريضة الظهر على النافلة بعد أن يبلغ الظل الحادث سبعي الشاخص، كما أن الأولى تقديم فريضة العصر بعد أن يبلغ الظل المذكور أربعة أسباع الشاخص، ووقت نافلة المغرب بعد الفراغ منها إلى آخر وقت الفريضة، وإن كان الأولى عدم التعرض للأداء والقضاء بعد ذهاب الحمرة المغربية، ويمتد وقت نافلة العشاء بامتداد وقتها، ووقت نافلة الفجر السادس الأخير من الليل وينتهي بطلوع الحمرة المشرقية على المشهور، ويجوز دسها في صلاة الليل قبل ذلك، ووقت نافلة الليل من منتصفه إلى الفجر الصادق وأفضله السحر، والظاهر أنه الثلث الأخير من الليل.

(مسألة ٥٠٦): يجوز تقديم نافلتي الظهرين على الزوال يوم الجمعة بل في غيره أيضا إذا علم أنه لا يتمكن منهما بعد الزوال، فيجعلهما في صدر النهار. وكذا يجوز تقديم صلاة الليل على النصف للمسافر إذا خاف فوتها إن أخرها، أو صعب عليه فعلها في وقتها، وكذا الشاب وغيره ممن يخاف فوتها إذا أخرها لغلبة النوم، أو طروا الاحتلام أو غير ذلك. الفصل الثالث إذا مضى من أول الوقت مقدار أداء نفس الصلاة الاختيارية ولم يصل ثم طرأ أحد الأعذار المانعة من التكليف وجب القضاء، وإلا لم يجب وإذا ارتفع العذر في آخر الوقت فإن وسع الصلاتين مع الطهارة وجبتا جميعا، وكذا إذا وسع مقدار خمس ركعات معها، وإلا وجبت الثانية إذا بقي ما يسع ركعة معها، وإلا لم يجب شئ.

(مسألة ٥٠٧): لا تجوز الصلاة قبل دخول الوقت، بل لا تجزي إلا مع العلم به، أو قيام البينة، ولا يبعد الاجتزاء بأذان الثقة العارف أو باخباره ويجوز العمل بالظن في الغيم، وكذا في غيره من الأعذار النوعية.

(مسألة ٥٠٨): إذا أحرز دخول الوقت بالوجدان، أو بطريق معتبر فصلى، ثم تبين أنها وقعت قبل الوقت لزم إعادتها، نعم إذا علم أن الوقت قد دخل وهو في الصلاة، فالمشهور أن صلاته صحيحة، لكن الأحوط لزوما إعادتها، وأما إذا صلى غافلا وتبين دخول الوقت في الأثناء، فلا إشكال في البطلان، نعم إذا تبين دخوله قبل الصلاة أجزأت، وكذا إذا صلى برجاء دخول الوقت، وإذا صلى ثم شك في دخوله أعاد.

(مسألة ٥٠٩): يجب الترتيب بين الظهرين بتقديم الظهر، وكذا بين العشاءين بتقديم المغرب، وإذا عكس في الوقت المشترك عمدا أعاد وإذا كان سهوا لم يعد على ما تقدم، وإذا كان التقديم من جهة الجهل بالحكم، فالأقرب الصحة إذا كان الجاهل معذورا، سواء أكان مترددا غير جازم، أم كان جازما غير متردد.

(مسألة ٥١٠): يجب العدول من اللاحقة إلى السابقة كما إذا قدم العصر، أو العشاء سهوا، وذكر في الأثناء فإنه يعدل إلى الظهر، أو المغرب، ولا يجوز العكس كما إذا صلى الظهر، أو المغرب، وفي الأثناء ذكر أنه قد صلاهما، فإنه لا يجوز له العدول إلى العصر، أو العشاء.

(مسألة ٥١١): إنما يجوز العدول من العشاء إلى المغرب إذا لم يدخل في ركوع الرابعة، وإلا بطلت ولزم استئنافها.

(مسألة ٥١٢): يجوز تقديم الصلاة في أول الوقت لذوي الأعذار مع اليأس عن ارتفاع العذر بل مع رجائه أيضا في غير المتيمم، لكن إذا ارتفع العذر في الوقت وجبت الإعادة، نعم في التقية يجوز البدر ولو مع العلم بزوال العذر، ولا تجب الإعادة بعد زواله في الوقت.

(مسألة ٥١٣): الأقوى جواز التطوع بالصلاة لمن عليه الفريضة أدائية، أو قضائية ما لم تتضيق.

(مسألة ٥١٤): إذا بلغ الصبي في أثناء الوقت وجب عليه الصلاة إذا أدرك مقدار ركعة أو أزيد، ولو صلى قبل البلوغ ثم بلغ في الوقت في أثناء الصلاة أو بعدها فالأقوى كفايتها، وعدم وجوب الإعادة وإن كان الأحوط استحبابا الإعادة في الصورتين.


المقصد الثاني

القبلة

يجب استقبال المكان الواقع فيه البيت الشريف في جميع الفرائض اليومية وتوابعها من الأجزاء المنسية، بل سجود السهو على الأحوط الأولى، والنوافل إذا صليت على الأرض في حال الاستقرار على الأحوط. أما إذا صليت حال المشي، أو الركوب، أو في السفينة، فلا يجب فيها الاستقبال، وإن كانت منذورة.

(مسألة ٥١٥): يجب العلم بالتوجه إلى القبلة وتقوم مقامه البينة بل وأخبار الثقة، وكذا قبلة بلد المسلمين في صلواتهم، وقبورهم ومحاريبهم إذا لم يعلم بناؤها على الغلط، ومع تعذر ذلك يبذل جهده في تحصيل المعرفة بها، ويعمل على ما تحصل له ولو كان ظنا، ومع تعذره يكتفي بالجهة العرفية، ومع الجهل بها صلى إلي أي جهة شاء، والأحوط استحبابا أن يصلي إلى أربع جهات، مع سعة الوقت، وإلا صلى بقدر ما وسع وإذا علم عدمها في بعض الجهات اجتزأ بالصلاة إلى المحتملات الأخر.

(مسألة ٥١٦): من صلى إلى جهة اعتقد أنها القبلة، ثم تبين الخطأ فإن كان منحرفا إلى ما بين اليمين، والشمال صحت صلاته، وإذا التفت في الأثناء مضى ما سبق واستقبل في الباقي، من غير فرق بين بقاء الوقت وعدمه، ولا بين المتيقن والظان، والناسي والغافل، نعم إذا كان ذلك عن جهل بالحكم، فالأقوى لزوم الإعادة في الوقت، والقضاء في خارجة وأما إذا تجاوز انحرافه عما بين اليمين والشمال، أعاد في الوقت، سواء كان التفاته أثناء الصلاة، أو بعدها، ولا يجب القضاء إذا التفت خارج الوقت.


المقصد الثالث

الستر والساتر

وفيه فصول:

الفصل الأول

وجوب ستر العورة في الصلاة

يجب مع الاختيار ستر العورة في الصلاة وتوابعها، بل وسجود السهو على الأحوط استحبابا وإن لم يكن ناظر، أو كان في ظلمة.

(مسألة ٥١٧): إذا بدت العورة لريح أو غفلة، أو كانت بادية من الأول وهو لا يعلم، أو نسي سترها صحت صلاته، وإذا التفت إلى ذلك في الأثناء أعاد صلاته على الأظهر.

(مسألة ٥١٨): عورة الرجل في الصلاة القضيب، والأنثيان، والدبر دون ما بينهما، وعورة المرأة في الصلاة جميع بدنها، حتى الرأس، والشعر عدا الوجه بالمقدار الذي يغسل في الوضوء، وعدا الكفين إلى الزندين، والقدمين إلى الساقين، ظاهرهما، وباطنهما، ولا بد من ستر شئ مما هو خارج عن الحدود.

(مسألة ٥١٩): الأمة، والصبية، كالحرة والبالغة في ذلك، إلا في الرأس وشعره والعنق، فإنه لا يجب عليهما سترها.

(مسألة ٥٢٠): إذا كان المصلي واقفا على شباك، أو طرف سطح بحيث لو كان ناظر تحته لرأى عورته، فالأقوى وجوب سترها من تحته نعم إذا كان واقفا على الأرض لم يجب الستر من جهة التحت.


الفصل الثاني

شروط لباس المصلي

يعتبر في لباس المصلي أمور:

الأول: الطهارة، إلا في الموارد التي يعفى عنها في الصلاة، وقد تقدمت في أحكام النجاسات.

الثاني: الإباحة فلا تجوز الصلاة فيما يكون المغصوب ساترا له

بالفعل، نعم إذا كان جاهلا بالغصبية، أو ناسيا لها فيما لم يكن هو الغاصب، أو كان جاهلا بحرمته جهلا يعذر فيه، أو ناسيا لها، أو مضطرا فلا بأس.

(مسألة ٥٢١): لا فرق في الغصب بين أن يكون عين المال مغصوبا أو منفعته، أو كان متعلقا لحق موجب لعدم جواز التصرف فيه، بل إذا اشترى ثوبا بعين مال فيه الخمس أو الزكاة مع عدم أدائهما من مال آخر، كان حكمه حكم المغصوب، وكذا إذا مات الميت وكان مشغول الذمة بالحقوق المالية من الخمس، والزكاة، والمظالم وغيرها بمقدار يستوعب التركة فإن أمواله بمنزلة المغصوب لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن الحاكم الشرعي، وكذا إذا مات وله وارث قاصر لم ينصب عليه قيما، فإنه لا يجوز التصرف في تركته إلا بمراجعة الحاكم الشرعي.

(مسألة ٥٢٢): لا بأس بحمل المغصوب في الصلاة إذا لم يتحرك بحركات المصلي، بل وإذا تحرك بها أيضا على الأظهر.

الثالث: أن لا يكون من أجزاء الميتة التي تحلها الحياة، سواء أكانت من حيوان محلل الأكل، أم محرمه، وسواء أكانت له نفس سائلة، أم لم تكن على الأحوط وجوبا، وقد تقدم في النجاسات حكم الجلد الذي يشك في كونه مذكى أو لا، كما تقدم بيان ما لا تحله الحياة من الميتة فراجع، والمشكوك في كونه من جلد الحيوان، أو من غيره لا بأس بالصلاة فيه.

الرابع: أن لا يكون مما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين ذي النفس وغيره، ولا بين ما تحله الحياة من أجزاء وغيره، بل لا فرق أيضا بين ما تتم فيه الصلاة، وغيره على الأحوط وجوبا، بل لا يبعد المنع من مثل الشعرات الواقعة على الثوب ونحوه، بل الأحوط وجوبا عموم المنع للمحمول في جيبه.

(مسألة ٥٢٣): إذا صلى في غير المأكول جهلا به صحت صلاته وكذا إذا كان ناسيا، أو كان جاهلا بالحكم، أو ناسيا له، نعم تجب الإعادة إذا كان جاهلا بالحكم عن تقصير.

(مسألة ٥٢٤): إذا شك في اللباس، أو فيما على اللباس من الرطوبة أو الشعر أو غيرهما في أنه من المأكول، أو من غيره، أو من الحيوان، أو من غيره، صحت الصلاة فيه.

(مسألة ٥٢٥): لا بأس بالشمع، والعسل، والحرير الممزوج، ومثل البق، والبرغوث، والزنبور ونحوها من الحيوانات التي لا لحم لها، وكذا لا بأس بالصدف، ولا بأس بفضلات الانسان كشعره، وريقه، ولبنه ونحوها وإن كانت واقعة على المصلي من غيره، وكذا الشعر الموصول بالشعر المسمى بالشعر العارية، سواء أكان مأخوذا من الرجل، أم من المرأة.

(مسألة ٥٢٦): يستثنى من الحكم المزبور جلد الخز، والسنجاب ووبرهما، وفي كون ما يسمى الآن خزا، هو الخز إشكال، وإن كان الظاهر جواز الصلاة فيه، والاحتياط طريق النجاة، وأما السمور، والقماقم والفنك فلا تجوز الصلاة في أجزائها على الأقوى. الخامس: أن لا يكون من الذهب - للرجال - ولو كان حليا كالخاتم، أما إذا كان مذهبا بالتمويه والطلي على نحو يعد عند العرف لونا فلا بأس ويجوز ذلك كله للنساء، كما يجوز أيضا حمله للرجال كالساعة، والدنانير. نعم الظاهر عدم جواز مثل زنجير الساعة إذا كان ذهبا ومعلقا برقبته، أو بلباسه على نحو يصدق عليه عنوان اللبس عرفا.

لبس الذهب ولا فضة والحرير

(مسألة ٢٥٧): إذا صلى في الذهب جاهلا، أو ناسيا صحت صلاته.

(مسألة ٥٢٨): لا يجوز للرجال لبس الذهب في غير الصلاة أيضا وفاعل ذلك آثم، والظاهر عدم حرمة التزين بالذهب فيما لا يصدق عليه اللبس، مثل جعل مقدم الأسنان من الذهب، وأما شد الأسنان به، أو جعل الأسنان الداخلة منه فلا بأس به بلا إشكال.

السادس: أن لا يكون من الحرير الخالص - للرجال - ولا يجوز لبسه في غير الصلاة أيضا كالذهب، نعم لا بأس به في الحرب والضرورة كالبرد والمرض حتى في الصلاة، كما لا بأس بحمله في حال الصلاة وغيرها وكذا افتراشه والتغطي به ونحو ذلك مما لا يعد لبسا له، ولا بأس بكف الثوب به، والأحوط أن لا يزيد على أربع أصابع، كما لا بأس بالأزرار منه والسفائف (والقياطين) وإن تعددت وكثرت، وأما ما لا تتم فيه الصلاة من اللباس، فالأحوط وجوبا تركه.

(مسألة ٥٢٩): لا يجوز جعل البطانة من الحرير وإن كانت إلى النصف.

(مسألة ٥٣٠): لا بأس بالحرير الممتزج بالقطن، أو الصوف أو غيرهما مما يجوز لبسه في الصلاة، لكن بشرط أن يكون الخلط بحيث يخرج اللباس به عن صدق الحرير الخالص، فلا يكفي الخلط بالمقدار اليسير المستهلك عرفا.

(مسألة ٥٣١): إذا شك في كون اللباس حريرا، أو غيره جاز لبسه وكذا إذا شك في أنه حرير خالص، أو ممتزج.

(مسألة ٥٣٢): يجوز للولي إلباس الصبي الحرير، أو الذهب، ولكن لا تصح صلاة الصبي فيه.


الفصل الثالث

أحكام لباس المصلي

إذا لم يجد المصلي لباسا يلبسه في الصلاة فإن وجد ساترا غيره كالحشيش، وورق الشجر، والطين ونحوها، تستر به وصلى صلاة المختار وإن لم يجد ذلك أيضا فإن أمن الناظر المحترم صلى قائما موميا إلى الركوع، والسجود، والأحوط له وضع يديه على سوأته، وإن لم يأمن الناظر المحترم صلى جالسا، موميا إلى الركوع والسجود، والأحوط الأولى أن يجعل إيماء السجود أخفض من إيماء الركوع.

(مسألة ٥٣٣): إذا انحصر الساتر بالمغصوب، أو الذهب، أو الحرير أو ما لا يؤكل لحمه، أو النجس، فإن اضطر إلى لبسه صحت صلاته فيه، وإن لم يضطر صلى عاريا في الأربعة الأولى، وأما في النجس فالأحوط الجمع بين الصلاة فيه، والصلاة عاريا، وإن كان الأظهر الاجتزاء بالصلاة فيه كما سبق في أحكام النجاسات.

(مسألة ٥٣٤): الأحوط لزوما تأخير الصلاة عن أول الوقت إذا لم يكن عنده ساتر واحتمل وجوده في آخر الوقت، وإذا يئس وصلى في أول الوقت صلاته الاضطرارية بدون ساتر، فإن استمر العذر إلى آخر الوقت صحت صلاته، وإن لم يستمر لم تصح.

(مسألة ٥٣٥): إذا كان عنده ثوبان يعلم إجمالا أن أحدهما مغصوب أو حرير، والآخر مما تصح الصلاة فيه، فلا تجوز الصلاة في واحد منهما بل يصلي عاريا، وإن علم أن أحدهما من غير المأكول، والآخر من المأكول، أو أن أحدهما نجس، والآخر طاهر، صلى صلاتين في كل منهما صلاة.


المقصد الرابع

مكان المصلي

(مسألة ٥٣٦): لا تجوز الصلاة فريضة، أو نافلة في مكان يكون أحد المساجد السبعة فيه مغصوبا عينا، أو منفعة، أو لتعلق حق موجب لعدم جواز التصرف فيه، ولا فرق في ذلك في مسجد الجبهة بين العالم بالغصب، والجاهل به على الأظهر نعم إذا كان معتقدا عدم الغصب، أو كان ناسيا له، ولم يكن هو الغاصب صحت صلاته، وكذلك تصح صلاة من كان مضطرا، أو مكرها على التصرف في المغصوب كالمحبوس بغير حق، والأظهر صحة الصلاة في مكان الذي يحرم المكث فيه لضرر على النفس، أو البدن لحر، أو برد أو نحو ذلك، وكذلك المكان الذي فيه لعب قمار، أو نحوه، كما أن الأظهر صحة الصلاة فيما إذا وقعت تحت سقف مغصوب، أو خيمة مغصوبة.

(مسألة ٥٣٧): إذا اعتقد غصب المكان، فصلى فيه بطلت صلاته وإن انكشف الخلاف.

(مسألة ٥٣٨): لا يجوز لأحد الشركاء الصلاة في الأرض المشتركة إلا بإذن بقية الشركاء، كما لا تجوز الصلاة في الأرض المجهولة المالك إلا بإذن الحاكم الشرعي.

(مسألة ٥٣٩): إذا سبق واحد إلى مكان في المسجد فغصبه منه غاصب، فصلى فيه ففي صحة صلاته اشكال.

(مسألة ٥٤٠): إنما تبطل الصلاة في المغصوب مع عدم الإذن من المالك في الصلاة، ولو لخصوص زيد المصلي، وإلا فالصلاة صحيحة.

(مسألة ٥٤١): المراد من إذن المالك المسوغ للصلاة، أو غيرها من التصرفات، أعم من الإذن الفعلية بأن كان المالك ملتفتا إلى الصلاة مثلا وأذن فيها، والإذن التقديرية بأن يعلم من حاله أنه لو التفت إلى التصرف لأذن فيه، فتجوز الصلاة في ملك غيره مع غفلته إذا علم من حاله أنه لو التفت لأذن.

(مسألة ٥٤٢): تعلم الإذن في الصلاة، إما بالقول كأن يقول: صل في بيتي، أو بالفعل كأن يفرش له سجادة إلى القبلة، أو بشاهد الحال كما في المضائف المفتوحة الأبواب ونحوها، وفي غير ذلك لا تجوز الصلاة ولا غيرها من التصرفات، إلا مع العلم بالإذن ولو كان تقديريا، ولذا يشكل في بعض المجالس المعدة لقراءة التعزية الدخول في المرحاض والوضوء بلا إذن، ولا سيما إذا توقف ذلك على تغير بعض أوضاع المجلس من رفع ستر، أو طي بعض فراش المجلس، أو نحو ذلك مما يثقل على صاحب المجلس، ومثله في الاشكال كثرة البصاق على الجدران النزهة، والجلوس في بعض مواضع المجلس المعدة لغير مثل الجالس لما فيها من مظاهر الكرامة المعدة لأهل الشرف في الدين مثلا، أو لعدم كونها معدة للجلوس فيها، مثل الغطاء الذي يكون على الحوض المعمول في وسط الدار، أو على درج السطح، أو فتح بعض الغرف والدخول فيها، والحاصل أنه لا بد من إحراز رضا صاحب المجلس في كيفية التصرف وكمه، وموضع الجلوس، ومقداره، ومجرد فتح باب المجلس لا يدل على الرضا بكل تصرف يشاء الداخل.

(مسألة ٥٤٣): الحمامات المفتوحة، والخانات لا يجوز الدخول فيها لغير الوجه المقصود منها، إلا بالإذن، فلا يصح الوضوء من مائها والصلاة فيها، إلا بإذن المالك أو وكيله، ومجرد فتح أبوابها لا يدل على الإذن في ذلك وليست هي كالمضائف المسبلة للانتفاع بها.

(مسألة ٥٤٤): تجوز الصلاة في الأراضي المتسعة والوضوء من مائها وإن لم يعلم الإذن من المالك، إذا لم يكن المالك لها صغيرا، أو مجنونا أو علم كراهته، وكذلك الأراضي غير المحجبة، كالبساتين التي لا سور لها ولا حجاب، فيجوز الدخول إليها والصلاة فيها وإن لم يعلم الإذن من المالك، نعم إذا ظن كراهة المالك فالأحوط الاجتناب عنها.

صحة صلاة الرجل والمرأة المتحاذيين

(مسألة ٥٤٥): الأقوى صحة صلاة كل من الرجل والمرأة إذا كانا متحاذيين حال الصلاة، أو كانت المرأة متقدمة إذا كان الفصل بينما مقدار شبر، أو أكثر، وإن كان الأحوط استحبابا أن يتقدم الرجل بموقفه على مسجد المرأة، أو يكون بينهما حائل، أو مسافة عشرة أذرع بذراع اليد، ولا فرق في ذلك بين المحارم وغيرهم، والزوج والزوجة وغيرهما، نعم يختص ذلك بصور وحدة المكان بحيث يصدق التقدم والمحاذاة، فإذا كان أحدهما في موضع عال، دون الآخر على وجه لا يصدق التقدم والمحاذاة فلا بأس.

(مسألة ٥٤٦): لا يجوز التقدم في الصلاة على قبر المعصوم إذا كان مستلزما للهتك وإساءة الأدب، ولا بأس به مع البعد المفرط، أو الحاجب المانع الرافع لسوء الأدب، ولا يكفي فيه الضرائح المقدسة ولا ما يحيط بها من غطاء ونحوه.

(مسألة ٥٤٧): تجوز الصلاة في بيوت من تضمنت الآية جواز الأكل فيها بلا إذن مع عدم العلم بالكراهة، كالأب، والأم، والأخ، والعم، والخال، والعمة، والخالة. ومن ملك الشخص مفتاح بيته والصديق، وأما مع العلم بالكراهة فلا يجوز.

(مسألة ٥٤٨): إذا دخل المكان المغصوب جهلا، أو نسيانا بتخيل الإذن ثم التفت وبان الخلاف ففي سعة الوقت لا يجوز التشاغل بالصلاة ويجب قطعها، وفي ضيق الوقت يجوز الاشتغال بها حال الخروج مبادرا إليه سالكا أقرب الطرق، مراعيا للاستقبال بقدر الامكان، ويومي للسجود ويركع، إلا أن يستلزم ركوعه تصرفا زائدا فيومي له حينئذ، وتصح صلاته ولا يجب عليه القضاء، والمراد بالضيق أن لا يتمكن من ادراك ركعة في الوقت على تقدير تأخير الصلاة إلى ما بعد الخروج.

ما يصح السجود عليه

(مسألة ٥٤٩): يعتبر في مسجد الجبهة - مضافا إلى ما تقدم من الطهارة - أن يكون من الأرض، أو نباتها، أو القرطاس، والأفضل أن يكون من التربة الشريفة الحسينية - على مشرفها أفضل الصلاة والتحية - فقد ورد فيها فضل عظيم، ولا يجوز السجود على ما خرج عن اسم الأرض من المعادن - كالذهب، والفضة وغيرهما - ولا على ما خرج عن اسم النبات كالرماد، والفحم، ويجوز السجود على الخزف، والآجر والجص والنورة بعد طبخها.

(مسألة ٥٥٠): يعتبر في جواز السجود على النبات، أن لا يكون مأكولا كالحنطة، والشعير، والبقول، والفواكه ونحوها من المأكول، ولو قبل وصولها إلى زمان الأكل، أو احتيج في أكلها إلى عمل من طبخ ونحوه نعم يجوز السجود على قشورها، ونواها وعلى التبن، والقصيل، والجت ونحوها، وفيما لم يتعارف أكله مع صلاحيته لذلك لما فيه من حسن الطعم المستوجب لاقبال النفس على أكله اشكال، وإن كان الأظهر في مثله الجواز ومثله عقاقير الأدوية كورد لسان الثور، وعنب الثعلب، والخوبة، ونحوها مما له طعم وذوق حسن، وأما ما ليس له ذلك، فلا اشكال في جواز السجود عليه وإن استعمل للتداوي به، وكذا ما يؤكل عند الضرورة والمخمصة، أو عند بعض الناس نادرا.

(مسألة ٥٥١): يعتبر أيضا في جواز السجود على النبات، أن لا يكون ملبوسا كالقطن، والكتان، والقنب، ولو قبل الغزل، أو النسج ولا بأس بالسجود على خشبها وورقها، وكذا الخوص، والليف، ونحوهما مما لا صلاحية فيه لذلك، وإن لبس لضرورة أو شبهها، أو عند بعض الناس نادرا.

(مسألة ٥٥٢): الأظهر جواز السجود على القرطاس مطلقا، وإن اتخذ مما لا يصح السجود عليه، كالمتخذ من الحرير، أو القطن، أو الكتان.

(مسألة ٥٥٣): لا بأس بالسجود على القرطاس المكتوب إذا كانت الكتابة معدودة صبغا، لا جرما.

(مسألة ٥٥٤): إذا لم يتمكن من السجود على ما يصح السجود عليه لتقية، جاز له السجود على كل ما تقتضيه التقية، وأما إذا لم يتمكن لفقد ما يصح السجود عليه، أو لمانع من حر، أو برد، فالأظهر وجوب السجود على ثوبه، فإن لم يمكن فعلى ظهر الكف، أو على شئ آخر مما لا يصح السجود عليه حال الاختيار.

(مسألة ٥٥٥): لا يجوز السجود على الوحل، أو التراب اللذين لا يحصل تمكن الجبهة في السجود عليهما، وإن حصل التمكن جاز وإن لصق بجبهته شئ منهما أزاله للسجدة الثانية على الأحوط، وإن لم يجد إلا الطين الذي لا يمكن الاعتماد عليه صلى إيماءا.

(مسألة ٥٥٦): إذا كان الأرض ذات طين بحيث يتلطخ بدنه أو ثيابه، إذا صلى فيها صلاة المختار وكان ذلك حرجيا، صلى مؤميا للسجود، ولا يجب عليه الجلوس للسجود ولا للتشهد.

(مسألة ٥٥٧): إذا اشتغل بالصلاة، وفي أثنائها فقد ما يصح السجود عليه، قطعها في سعة الوقت، وفي الضيق ينتقل إلى البدل من الثوب أو ظهر الكف على الترتيب المتقدم.

(مسألة ٥٥٨): إذا سجد على ما لا يصح السجود عليه باعتقاده أنه مما يصح السجود عليه، فإن التفت بعد رفع الرأس فالأحوط إعادة السجدة الواحدة حتى فيما إذا كانت الغلطة في السجدتين ثم إعادة الصلاة وإن التفت في أثناء السجود رفع رأسه وسجد على ما يصح السجود عليه مع التمكن وسعة الوقت، ومع ذلك فالأحوط إعادة الصلاة.

(مسألة ٥٥٩): يعتبر في مكان الصلاة أن يكون بحيث يستقر فيه المصلي ولا يضطرب فلا تجوز الصلاة على الدابة السائرة، والأرجوحة ونحوهما مما يفوت معه الاستقرار، وتجوز الصلاة على الدابة وفي السفينة الواقفتين مع حصول الاستقرار، وكذا إذا كانتا سائرتين إن حصل ذلك أيضا، ونحوهما العربة، والقطار، وأمثالهما، فإنه تصح الصلاة فيها إذا حصل الاستقرار والاستقبال، ولا تصح إذا فات واحد منهما، إلا مع الضرورة، وحينئذ ينحرف إلى القبلة كلما انحرفت الدابة أو نحوها، وإن لم يتمكن من الاستقبال، إلا في تكبيرة الاحرام اقتصر عليه، وإن لم يتمكن من الاستقبال أصلا سقط، والأحوط استحبابا تحري الأقرب إلى القبلة فالأقرب، وكذا الحال في الماشي وغيره من المعذورين.

(مسألة ٥٦٠): الأقوى جواز ايقاع الفريضة في جوف الكعبة الشريفة اختيار وإن كان الأحوط تركه، أما اضطرارا فلا اشكال في جوازها، وكذا النافلة ولو اختيارا.

مستحبات مكان المصلي

(مسألة ٥٦١): تستحب الصلاة في المساجد، وأفضلها المسجد الحرام والصلاة فيه تعدل ألف ألف صلاة، ثم مسجد النبي صلى الله عليه وآله والصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة، ثم مسجد الكوفة والأقصى والصلاة فيهما تعدل ألف صلاة، ثم مسجد الجامع والصلاة فيه بمائة صلاة، ثم مسجد القبيلة وفيه تعدل خمسا وعشرين، ثم مسجد السوق والصلاة فيه تعدل اثنتي عشرة صلاة، وصلاة المرأة في بيتها أفضل، وأفضل البيوت المخدع.

(مسألة ٥٦٢): تستحب الصلاة في مشاهد الأئمة (ع) بل قيل: أنها أفضل من المساجد، وقد ورد أن الصلاة عند علي (ع) بمائتي ألف صلاة.

(مسألة ٥٦٣): يكره تعطيل المسجد، ففي الخبر: ثلاثة يشكون إلى الله تعالى، مسجد خراب لا يصلي فيه أحد، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه.

(مسألة ٥٦٤): يستحب التردد إلى المساجد، ففي الخبر من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله عشرة حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ويكره لجار المسجد أن يصلي في غيره لغير علة كالمطر، وفي الخبر لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده.

(مسألة ٥٦٥): يستحب للمصلي أن يجعل بين يديه حائلا إذا كان في معرض مرور أحد قدامه، ويكفي في الحائل عود أو حبل أو كومة تراب.

(مسألة ٥٦٦): قد ذكروا أنه تكره الصلاة في الحمام، والمزبلة والمجزرة، والموضع المعد للتخلي، وبيت المسكر، ومعاطن الإبل، ومرابط الخيل، والبغال، والحمير، والغنم، بل في كل مكان قذر، وفي الطريق وإذا أضرت بالمارة حرمت وبطلت، وفي مجاري المياه، والأرض السبخة وبيت النار كالمطبخ، وأن يكون أمامه نار مضرمة، ولو سراجا، أو تمثال ذي روح، أو مصحف مفتوح، أو كتاب كذلك، والصلاة على القبر وفي المقبرة، أو أمامه قبر، وبين قبرين. وإذا كان في الأخيرين حائل، أو بعد عشرة أذرع، فلا كراهة، وأن يكون قدامه انسان مواجه له، وهناك موارد أخرى للكراهة مذكورة في محلها.


المقصد الخامس

أفعال الصلاة وما يتعلق بها

وفيه مباحث:

المبحث الأول

الآذان والإقامة

وفيه فصول:

الفصل الأول

مستحبات الأذان والإقامة

يستحب الأذان والإقامة استحبابا مؤكدا في الفرائض اليومية أداءا وقضاءا، حضرا، وسفرا، في الصحة، والمرض، للجامع والمنفرد، رجلا كان، أو امرأة، ويتأكدان في الأدائية منها، وخصوص المغرب والغداة وأشدهما تأكدا الإقامة خصوصا للرجال، بل الأحوط -استحبابا- لهم الاتيان بها، ولا يشرع الأذان ولا الإقامة في النوافل، ولا في الفرائض غير اليومية.


موارد سقوط الأذان والإقامة

(مسألة ٥٦٧): يسقط الأذان للعصر عزيمة يوم عرفة، إذا جمعت مع الظهر، وللعشاء ليلة المزدلفة، إذا جمعت مع المغرب.

(مسألة ٥٦٨): يسقط الأذان والإقامة جميعا في موارد:

الأول: في الصلاة جماعة إذا سمع الإمام الأذان والإقامة في الخارج.

الثاني: الداخل في الجماعة التي أذنوا لها وأقاموا وإن لم يسمع.

الثالث: الداخل إلى المسجد قبل تفرق الجماعة، سواء صلى جماعة إماما، أم مأموما، أم صلى منفردا بشرط الاتحاد في المكان عرفا، فمع كون إحداهما في أرض المسجد، والأخرى على سطحه يشكل السقوط

ويشترط أيضا أن تكون الجماعة السابقة بأذان وإقامة، فلو كانوا تاركين لهما لاجتزائهم بأذان جماعة سابقة عليها وإقامتها، فلا سقوط، وأن تكون صلاتهم صحيحة فلو كان الإمام فاسقا مع علم المأمومين به فلا سقوط وفي اعتبار كون الصلاتين أدائيتين واشتراكهما في الوقت، اشكال، والأحوط الاتيان حينئذ بهما برجاء المطلوبية، بل الظاهر جواز الاتيان بهما في جميع الصور برجاء المطلوبية، وكذا إذا كان المكان غير مسجد. الرابع: إذا سمع شخصا آخر يؤذن ويقيم للصلاة إماما كان الآتي بهما، أو مأموما، أم منفردا، وكذا في السامع بشرط سماع تمام الفصول وإن سمع أحدهما لم يجز عن الآخر.


الفصل الثاني

فصول الأذان

فصول الأذان ثمانية عشر الله أكبر أربع مرات، ثم أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أشهد أن محمدا رسول الله، ثم حي على الصلاة، ثم حي على الفلاح، ثم حي على خير العمل، ثم الله أكبر، ثم لا إله إلا الله كل فصل مرتان، وكذلك الإقامة، إلا أن فصولها أجمع مثنى مثنى، إلا التهليل في آخرها فمرة، ويزاد فيها بعد الحيعلات قبل التكبير، قد قامت الصلاة مرتين، فتكون فصولها سبعة عشرة. وتستحب الصلاة على محمد وآله محمد عند ذكر اسمه الشريف: وإكمال الشهادتين بالشهادة لعلي (ع) بالولاية وإمرة المؤمنين في الأذان وغيره.


الفصل الثالث

شروط الأذان والإقامة

يشترط فيهما أمور:

الأول: النية ابتداء واستدامة، ويعتبر فيها القربة والتعيين مع الاشتراك.

الثاني والثالث: العقل والايمان، وفي الاجتزاء بأذان المميز وإقامته اشكال.

الرابع: الذكورة للذكور فلا يعتد بأذان النساء وإقامتهن لغيرهن حتى المحارم على الأحوط وجوبا، نعم يجتزئ بهما لهن، فإذا أمت المرأة النساء فأذنت وأقامت كفى.

الخامس: الترتيب بتقديم الأذان على الإقامة، وكذا بين فصول كل منهما، فإذا قدم الإقامة أعادها بعد الأذان وإذا خالف بين الفصول أعاد على نحو يحصل الترتيب، إلا أن تفوت الموالاة فيعيد من الأول.

السادس: الموالاة بينهما وبين الفصول من كل منهما، وبينهما وبين الصلاة فإذا أخل بها أعاد.

السابع: العربية وترك اللحن.

الثامن: دخول الوقت فلا يصحان قبله. نعم يجوز تقديم الأذان قبل الفجر للاعلام.


الفصل الرابع

مستحبات الأذان

يستحب في الأذان الطهارة من الحدث، والقيام، والاستقبال، ويكره الكلام في أثنائه، وكذلك الإقامة، بل الظاهر اشتراطها بالطهارة والقيام وتشتد كراهة الكلام بعد قول المقيم: " قد قامت الصلاة " إلا فيما يتعلق بالصلاة، ويستحب فيهما التسكين في أواخر فصولهما مع التأني في الأذان والحدر في الإقامة، والافصاح بالألف والهاء من لفظ الجلالة ووضع الإصبعين في الأذنين في الأذان، ومد الصوت فيه ورفعه إذا كان المؤذن ذكرا، ويستحب رفع الصوت أيضا في الإقامة، إلا أنه دون الأذان، وغير ذلك مما هو مذكور في المفصلات.


الفصل الخامس

ما ينبغي للمصلي حال الصلاة

من ترك الأذان والإقامة، أو أحدهما عمدا، حتى أحرم للصلاة لم يجز له قطعها واستئنافها على الأحوط، وإذا تركهما عن نسيان يستحب له القطع لتداركهما ما لم يركع، وإذا نسي الإقامة وحدها فالظاهر استحباب القطع لتداركها إذا ذكر قبل القراءة ولا يبعد الجواز لتداركهما أو تدارك الإقامة مطلقا. ايقاظ وتذكير: قال الله تعالى (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) وقال النبي والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام كما ورد في أخبار كثيرة أنه لا يحسب للعبد من صلاته إلا ما يقبل عليه منها وأنه لا يقدمن أحدكم على الصلاة متكاسلا، ولا ناعسا، ولا يفكرن في نفسه، ويقبل بقلبه على ربه. ولا يشغله بأمر الدنيا، وأن الصلاة وفادة على الله تعالى، وأن العبد قائم فيها بين يدي الله تعالى، فينبغي أن يكون قائما مقام العبد الذليل، الراغب الراهب، الخائف الراجي المسكين المتضرع، وأن يصلي صلاة مودع يرى أن لا يعود إليها أبدا وكان علي بن الحسين (ع) إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة، لا يتحرك منه إلا ما حركت الريح منه، وكان أبو جعفر، وأبو عبد الله عليهما السلام إذا قاما إلى الصلاة تغيرت ألوانهما، مرة حمرة، ومرة صفرة، وكأنهما يناجيان شيئا يريانه، وينبغي أن يكون صادقا في قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) فلا يكون عابدا لهواه. ولا مستعينا بغير مولاه. وينبغي إذا أراد الصلاة، أو غيرها من الطاعات أن يستغفر الله تعالى، ويندم على ما فرط في جنب الله ليكون معدودا في عداد المتقين الذين قال الله تعالى في حقهم (إنما يتقبل الله من المتقين) وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


المبحث الثاني

ما يجب في الصلاة

فيما يجب في الصلاة وهو أحد عشر: النية، وتكبيرة الاحرام، والقيام، والقراءة، والذكر، والركوع، والسجود، والتشهد، والتسليم، والترتيب، والموالاة، والأركان - وهي التي تبطل الصلاة بنقيصتها عمدا وسهوا - خمسة: النية، والتكبير، والقيام، والركوع، والسجود، والبقية أجزاء غير ركنية لا تبطل الصلاة بنقصها سهوا، وفي بطلانها بالزيادة تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى، فهنا فصول:


الفصل الأول

في النية

وقد تقدم في الوضوء أنها: القصد إلى الفعل على نحو يكون الباعث إليه أمر الله تعالى، ولا يعتبر التلفظ بها، ولا اخطار صورة العمل تفصيلا عند القصد إليه، ولا نية الوجوب ولا الندب، ولا تمييز الواجبات من الأجزاء عن مستحباتها، ولا غير ذلك من الصفات والغايات بل يكفي الإرادة الاجمالية المنبعثة عن أمر الله تعالى، المؤثرة في وجود الفعل كسائر الأفعال الاختيارية الصادرة عن المختار، المقابل للساهي والغافل.

(مسألة ٥٦٩): يعتبر فيها الاخلاص فإذا انضم إلى أمر الله تعالى الرياء بطلت الصلاة وكذا غيرها من العبادات الواجبة والمستحبة سواء أكان الرياء في الابتداء أم في الأثناء، وفي تمام الأجزاء، أم في بعضها الواجبة، وفي ذات الفعل أم بعض قيوده، مثل أن يرائي في صلاته جماعة، أو في المسجد أو في الصف الأول، أو خلف الإمام الفلاني، أو أول الوقت، أو نحو ذلك نعم في بطلانها بالرياء في الأجزاء المستحبة مثل القنوت، أو زيادة التسبيح أو نحو ذلك اشكال، بل الظاهر عدم البطلان بالرياء بما هو خارج عن الصلاة، مثل إزالة الخبث قبل الصلاة، والتصدق في أثنائها، وليس من الرياء المبطل ما لو أتى بالعمل خالصا لله، ولكنه كان يعجبه أن يراه الناس كما أن الخطور القلبي لا يبطل الصلاة، خصوصا إذا كان يتأذى بهذا الخطور ولو كان المقصود من العبادة أمام الناس رفع الذم عن نفسه، أو ضرر آخر غير ذلك، لم يكن رياءا ولا مفسدا، والرياء المتأخر عن العبادة لا يبطلها، كما لو كان قاصدا الاخلاص ثم بعد اتمام العمل بدا له أن يذكر عمله، والعجب لا يبطل العبادة، سواء أكان متأخرا أو مقارنا.

(مسألة ٥٧٠): الضمائم الأخر غير الرياء إن كانت محرمة وموجبة لحرمة العبادة أبطلت العبادة، وإلا فإن كانت راجحة، أو مباحة فالظاهر صحة العبادة إذا كان داعي القربة صالحا للاستقلال في البعث إلى الفعل بحيث يفعل للأمر به ولو لم تكن تلك الضميمة، وإن لم يكن صالحا للاستقلال، فالظاهر البطلان.

(مسألة ٥٧١): يعتبر تعيين الصلاة التي يريد الاتيان بها إذا كانت صالحة لأن تكون على أحد وجهين متميزين، ويكفي التعيين الاجمالي مثل عنوان ما اشتغلت به الذمة - إذا كان متحدا - أو ما اشتغلت به أولا - إذا كان متعددا - أو نحو ذلك، فإذا صلى صلاة مرددة بين الفجر ونافلتها، لم تصح كل منهما. نعم إذا لم تصلح لأن تكون على أحد وجهين متميزين، كما إذا نذر نافلتين لم يجب التعيين، لعدم تميز إحداهما في مقابل الأخرى.

(مسألة ٥٧٢): لا تجب نية القضاء، ولا الأداء، فإذا علم أنه مشغول الذمة بصلاة الظهر، ولا يعلم أنها قضاء. أو أداء صحت إذا قصد الاتيان بما اشتغلت به الذمة فعلا، وإذا اعتقد أنها أداء. فنواها أداء صحت أيضا، إذا قصد امتثال الأمر المتوجه إليه وإن كانت في الواقع قضاءا، وكذا الحكم في العكس.

(مسألة ٥٧٣): لا يجب الجزم بالنية في صحة العبادة، فلو صلى في ثوب مشتبه بالنجس لاحتمال طهارته، وبعد الفراغ تبينت طهارته صحت الصلاة، وإن كان عنده ثوب معلوم الطهارة، وكذا إذا صلى في موضع الزحام لاحتمال التمكن من الاتمام فاتفق تمكنه صحت صلاته، وإن كان يمكنه الصلاة في غير موضع الزحام.

(مسألة ٥٧٤): قد عرفت أنه لا يجب - حين العمل - الالتفات إليه تفصيلا وتعلق القصد به، بل يكفي الالتفات إليه وتعلق القصد به قبل الشروع فيه وبقاء ذلك القصد اجمالا على نحو يستوجب وقوع الفعل من أوله إلى آخره عن داعي الأمر، بحيث لو التفت إلى نفسه لرأى أنه يفعل عن قصد الأمر، وإذا سئل أجاب بذلك، ولا فرق بين أول الفعل وآخره، وهذا المعنى هو المراد من الاستدامة الحكمية بلحاظ النية التفصيلية حال حدوثها، أما بلحاظ نفس النية فهي استدامة حقيقية.

(مسألة ٥٧٥): إذا كان في أثناء الصلاة فنوى قطعها، أو نوى الاتيان بالقاطع، ولو بعد ذلك، فإن أتم صلاته على هذا الحال بطلت وكذا إذا أتى ببعض الأجزاء ثم عاد إلى النية الأولى، وأما إذا عاد إلى النية الأولى قبل أن يأتي بشئ منها، صحت وأتمها.

(مسألة ٥٧٦): إذا شك في الصلاة التي بيده أنه عينها ظهرا، أو عصرا، فإن لم يأت بالظهر قبل ذلك نواها ظهرا وأتمها وإن أتى بالظهر بطلت، إلا إذا رأى نفسه فعلا في صلاة العصر، وشك في أنه نواها عصرا من أول الأمر، أو أنه نواها ظهرا، فإنه حينئذ يحكم بصحتها ويتمها عصرا.

(مسألة ٥٧٧): إذا دخل في فريضة، فأتمها بزعم أنها نافلة غفلة صحت فريضة، وفي العكس تصح نافلة.

(مسألة ٥٧٨): إذا قام لصلاة ثم دخل في الصلاة، وشك في أنه نوى ما قام إليها، أو غيرها، فالأحوط الاتمام ثم الإعادة.

(مسألة ٥٧٩): لا يجوز العدول عن صلاة إلى أخرى، إلا في موارد: منها: ما إذا كانت الصلاتان أدائيتين مترتبتين - كالظهرين والعشاءين - وقد دخل في الثانية قبل الأولى، فإنه يجب أن يعدل إلى الأولى إذا تذكر في الأثناء. ومنها: إذا كانت الصلاتان قضائيتين، فدخل في اللاحقة. ثم تذكر أن عليه سابقة، فإنه يجب أن يعدل إلى السابقة، في المترتبتين، ويجوز العدول في غيرهما. ومنها: ما إذا دخل في الحاضرة فذكر أن عليه فائتة، فإنه يجوز العدول إلى الفائتة، وإنما يجوز العدول في الموارد المذكورة، إذا ذكر قبل أن يتجاوز محله. أما إذا ذكر في ركوع رابعة العشاء، أنه لم يصل المغرب فإنها تبطل، ولا بد من أن يأتي بها بعد أن يأتي بالمغرب. ومنها: ما إذا نسي فقرأ في الركعة الأولى من فريضة يوم الجمعة غير سورة الجمعة، وتذكر بعد أن تجاوز النصف فإنه يستحب له العدول إلى النافلة ثم يستأنف الفريضة ويقرأ سورتها. ومنها: ما إذا دخل في فريضة منفردا ثم أقيمت الجماعة، فإنه يستحب له العدول بها إلى النافلة مع بقاء محله ثم يتمها ويدخل في الجماعة. ومنها: ما إذا دخل المسافر في القصر ثم نوى الإقامة قبل التسليم فإنه يعدل بها إلى التمام، وإذا دخل المقيم في التمام فعدل عن الإقامة قبل ركوع الركعة الثالثة عدل إلى القصر، وإذا كان بعد الركوع بطلت صلاته.

(مسألة ٥٨٠): إذا عدل في غير محل العدول، فإن لم يفعل شيئا جاز له العود إلى ما نواه أولا، وإن فعل شيئا فإن كان عامدا بطلت الصلاتان وإن كان ساهيا، ثم التفت أتم الأولى إن لم يزد ركوعا، أو سجدتين.

(مسألة ٥٨١): الأظهر جواز ترامي العدول، فإذا كان في فائتة فذكر أن عليه فائتة سابقة، فعدل إليها فذكر أن عليه فائتة أخرى سابقة عليها، فعدل إليها أيضا صح.


الفصل الثاني

في تكبيرة الاحرام

وتسمى تكبيرة الافتتاح وصورتها: (الله أكبر) ولا يجزئ مرادفها بالعربية، ولا ترجمتها بغير العربية، وإذا تمت حرم ما لا يجوز فعله من منافيات الصلاة، وهي ركن تبطل الصلاة بنقصها عمدا وسهوا، وتبطل بزيادتها عمدا، فإذا جاء بها ثانية بطلت الصلاة فيحتاج إلى ثالثة، فإن جاء بالرابعة بطلت أيضا واحتاج إلى خامسة وهكذا تبطل بالشفع، وتصح بالوتر، والظاهر عدم بطلان الصلاة بزيادتها سهوا، ويجب الاتيان بها على النهج العربي - مادة وهيئة - والجاهل يلقنه غيره أو يتعلم، فإن لم يمكن اجتزأ منها بالممكن، فإن عجز جاء بمرادفها وإن عجز فبترجمتها.

(مسألة ٥٨٢): الأحوط - وجوبا - عدم وصلها بما قبلها من الكلام دعاءا كان، أو غيره، ولا بما بعدها من بسملة، أو غيرها، وأن لا يعب اسم الجلالة بشئ من الصفات الجلالية، أو الجمالية، وينبغي تفخيم اللام من لفظ الجلالة، والراء من أكبر.

(مسألة ٥٨٣): يجب فيها القيام التام فإذا تركه - عمدا أو سهوا - بطلت، من غير فرق بين المأموم الذي أدرك الإمام راكعا وغيره، بل يجب التربص في الجملة حتى يعلم بوقوع التكبير تاما قائما، وأما الاستقرار في القيام المقابل للمشي والتمايل من أحد الجانبين إلى الآخر، أو الاستقرار بمعنى الطمأنينة، فهو وإن كان واجبا حال التكبير، لكن الظاهر أنه إذا تركه سهوا لم تبطل الصلاة.

(مسألة ٥٨٤): الأخرس يأتي بها على قدر ما يمكنه، فإن عجز عن النطق أخطرها بقلبه وأشار بإصبعه، والأحوط الأولى أن يحرك بها لسانه إن أمكن.

(مسألة ٥٨٥): يشرع الاتيان بست تكبيرات، مضافا إلى تكبيرة الاحرام فيكون المجموع سبعا، ويجوز الاقتصار على الخمس، وعلى الثلاث، والأولى أن يقصد بالأخيرة تكبيرة الاحرام.

(مسألة ٥٨٦): يستحب للإمام الجهر بواحدة. والاسرار بالبقية ويستحب أن يكون التكبير في حال رفع اليدين إلى الأذنين، أو مقابل الوجه، أو إلى النحر، مضمومة الأصابع، حتى الابهام، والخنصر مستقبلا بباطنهما القبلة.

(مسألة ٥٨٧): إذا كبر ثم شك في أنها تكبيرة الاحرام، أو للركوع بنى على الأول. وإن شك في صحتها، بنى على الصحة. وإن شك في وقوعها وقد دخل فيما بعدها من القراءة، بنى على وقوعها.

(مسألة ٥٨٨): يجوز الاتيان بالتكبيرات ولاءا، بلا دعاء، والأفضل أن يأتي بثلاث منها ثم يقول: " اللهم أنت الملك الحق، لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي ذنبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " ثم يأتي باثنتين ويقول: " لبيك، وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، لا ملجأ منك إلى إليك، سبحانك وحنانيك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت " ثم يأتي باثنتين ويقول: " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم يستعيذ ويقرأ سورة الحمد.


الفصل الثالث

في القيام

وهو ركن حال تكبيرة الاحرام - كما عرفت - وعند الركوع، وهو الذي يكون الركوع عنه - المعبر بالقيام المتصل بالركوع، فمن كبر للافتتاح وهو جالس بطلت صلاته، وكذا إذا ركع جالسا سهوا وإن قام في أثناء الركوع متقوسا، وفي غير هذين الموردين يكون القيام الواجب واجبا غير ركن، كالقيام بعد الركوع، والقيام حال القراءة، أو التسبيح فإذا قرأ جالسا - سهوا - أو سبح كذلك، ثم قام وركع عن قيام ثم التفت صحت صلاته، وكذا إذا نسي القيام بعد الركوع حتى سجد السجدتين.

(مسألة ٥٨٩): إذا هوى لغير الركوع، ثم نواه في أثناء الهوي لم يجز، ولم يكن ركوعه عن قيام فتبطل صلاته، نعم إذا لم يصل إلى حد الركوع انتصب قائما، وركع عنه وصحت صلاته، وكذلك إذا وصل ولم ينوه ركوعا.

(مسألة ٥٩٠): إذا هوى إلى ركوع عن قيام، وفي أثناء الهوي غفل حتى جلس للسجود، فإن كانت الغفلة بعد تحقق مسمى الركوع، صحت صلاته والأحوط - استحبابا - أن يقوم منتصبا، ثم يهوي إلى السجود وإذا التفت إلى ذلك وقد سجد سجدة واحدة مضى في صلاته، والأحوط - استحبابا - إعادة الصلاة بعد الاتمام، وإذا التفت إلى ذلك وقد سجد سجدتين، صح سجوده ومضى، وإن كانت الغفلة قبل تحقق مسمى الركوع عاد إلى القيام منتصبا، ثم هوى إلى الركوع، ومضى وصحت صلاته.

(مسألة ٥٩١): يجب مع الامكان الاعتدال في القيام، والانتصاب فإذا انحنى، أو مال إلى أحد الجانبين بطل، وكذا إذا فرج بين رجليه على نحو يخرج عن الاستقامة عرفا، نعم لا بأس باطراق الرأس. وتجب أيضا في القيام غير المتصل بالركوع الطمأنينة والأحوط - استحبابا - الوقوف على القدمين جميعا، فلا يقف على أحدهما ولا على أصابعهما فقد، ولا على أصل القدمين فقط، والظاهر جواز الاعتماد على عصا أو جدار، أو انسان في القيام على كراهية، بل الأحوط ترك ذلك مع الامكان.

(مسألة ٥٩٢): إذا قدر على ما يصدق عليه القيام عرفا، ولو منحنيا، أو منفرج الرجلين، صلى قائما، وإن عجز عن ذلك صلى جالسا ويجب الانتصاب، والاستقرار، والطمأنينة على نحو ما تقدم في القيام. هذا مع الامكان، وإلا اقتصر على الممكن، فإن تعذر الجلوس حتى الاضطراري صلى - مضطجعا - على الجانب الأيمن ووجهه إلى القبلة كهيئة المدفون، ومع تعذره فعلى الأيسر عكس الأول، وإن تعذر صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة كهيئة المحتضر والأحوط - وجوبا - أن يومئ برأسه للركوع والسجود مع الامكان، والأولى أن يجعل إيماء السجود أخفض من إيماء الركوع، ومع العجز يومئ بعينيه.

(مسألة ٥٩٣): إذا تمكن من القيام - ولم يتمكن من الركوع قائما وكانت وظيفته الصلاة قائما - صلى قائما - وأومأ للركوع، والأحوط - استحبابا - أن يعيد صلاته مع الركوع جالسا، وإن لم يتمكن من السجود أيضا صلى قائما وأومأ للسجود أيضا.

(مسألة ٥٩٤): إذا قدر على القيام في بعض الصلاة دون بعض وجب أن يقوم إلى أن يعجز فيجلس، وإذا أحس بالقدرة على القيام قام وهكذا، ولا يجب عليه استئناف ما فعله حال الجلوس، فلو قرأ جالسا ثم تجددت القدرة على القيام - قبل الركوع بعد القراءة - قام للركوع، وركع من دون إعادة للقراءة، هذا في ضيق الوقت، وأما مع سعته فإن استمر العذر إلى آخر الوقت لا يعيد، وإن لم يستمر، فإن أمكن التدارك كأن تجددت القدرة بعد القراءة، وقبل الركوع، استأنف القراءة عن قيام ومضى في صلاته، وإن لم يمكن التدارك، فإن كان الفائت قياما ركنيا، أعاد صلاته، وإلا لم تجب الإعادة.

(مسألة ٥٩٥): إذا دار الأمر بين القيام في الجزء السابق، والقيام في الجزء اللاحق، فالترجيح للسابق، حتى فيما إذا لم يكن القيام في الجزء السابق ركنا، وكان في الجزء اللاحق ركنا.

(مسألة ٥٩٦): يستحب في القيام اسدال المنكبين، وارسال اليدين ووضع الكفين على الفخذين، قبال الركبتين اليمنى على اليمنى، واليسرى على اليسرى، وضم أصابع الكفين، وأن يكون نظره إلى موضع سجوده وأن يصف قدميه متحاذيتين مستقبلا بهما، ويباعد بينهما بثلاث أصابع مفرجات، أو أزيد إلى شبر، وأن يسوي بينهما في الاعتماد، وأن يكون على حال الخضوع والخشوع، كقيام عبد ذليل بين يدي المولى الجليل.


الفصل الرابع

في القراءة

يعتبر في الركعة الأولى والثانية من كل صلاة فريضة، أو نافلة قراءة فاتحة الكتاب، ويجب في خصوص الفريضة قراءة سورة كاملة - على الأحوط - بعدها، وإذا قدمها عليها - عمدا - استأنف الصلاة، وإذا قدمها - سهوا - وذكر قبل الركوع، فإن كان قد قرأ الفاتحة - بعدها - أعاد السورة، وإن لم يكن قد قرأ الفاتحة وقرأ السورة بعدها، وإن ذكر بعد الركوع مضى، وإذا إن نسيهما، أو نسي إحداهما وذكر بعد الركوع.

(مسألة ٥٩٧): تجب السورة في الفريضة وإن صارت نافلة، كالمعادة ولا تجب في النافلة وإن صارت واجبة بالنذر ونحوه على الأقوى، نعم النوافل التي وردت في كيفيتها سور مخصوصة، تجب قراءة تلك السور فيها فلا تشرع بدونها، إلا إذا كانت السورة شرطا لكمالها، لا لأصل مشروعيتها.

(مسألة ٥٩٨): تسقط السورة في الفريضة عن المريض، والمستعجل والخائف من شئ إذا قرأها، ومن ضاق وقته، والأحوط - استحبابا - في الأولين الاقتصار على صورة المشقة في الجملة بقراءتها. والأظهر كفاية الضرورة العرفية.

(مسألة ٥٩٩): لا تجوز قراءة السور التي يفوت الوقت بقراءتها من السور الطوال فإن قرأها - عامدا - بطلت الصلاة، وإن كان ساهيا عدل إلى غيرها مع سعة الوقت، وإن ذكر بعد الفراغ منها - وقد خرج الوقت - أتم صلاته، إلا إذا لم يمكن قد أدرك ركعة فيحكم - حينئذ - ببطلان صلاته ولزمه القضاء.

(مسألة ٦٠٠): لا تجوز قراءة إحدى سور العزائم في الفريضة على اشكال. فإذا قرأها عمدا وجب عليه السجود للتلاوة، فإن سجد بطلت صلاته، وإن عصى فالأحوط - وجوبا - له الاتمام والإعادة، وإذا قرأها - نسيانا - وذكر قبل آية السجدة عدل إلى غيرها، وإذا ذكر بعدها فإن سجد - نسيانا - أيضا أتمها وصحت صلاته، وإن التفت قبل السجود أومأ إليه وأتم صلاته، وسجد بعدها على الأحوط، فإن سجد وهو في الصلاة بطلت.

(مسألة ٦٠١): إذا استمع إلى آية السجدة وهو في الصلاة أومأ برأسه إلى السجود وأتم صلاته، والأحوط - وجوبا - السجود أيضا بعد الفراغ، والظاهر عدم وجوب السجود بالسماع من غير اختيار مطلقا.

جواز قراءة سورة العزائم في النافلة

(مسألة ٦٠٢): تجوز قراءة سور العزائم في النافلة منفردة، أو منضمة إلى سورة أخرى، ويسجد عند قراءة آية السجدة، ويعود إلى صلاته فيتمها، وكذا الحكم لو قرأ آية السجدة وحدها، وسور العزائم أربع (ألم السجدة، حم السجدة، النجم، اقرأ باسم ربك).

أحكام القراءة

(مسألة ٦٠٣): البسملة جزء من كل سورة، فتجب قراءتها معها - عدا سورة براءة - وإذا عينها لسورة لم تجز قراءة غيرها إلا بعد إعادة البسملة لها، وإذا قرأ البسملة من دون تعيين سورة وجب إعادتها ويعينها لسورة خاصة، وكذا إذا عينها لسورة ونسيها فلم يدر ما عين، وإذا كان مترددا بين السور لم يجز له البسملة إلا بعد التعيين، وإذا كان عازما من أول الصلاة على قراءة سورة معينة، أو كان من عادته ذلك فقرأ غيرها كفى ولم تجب إعادة السورة.

(مسألة ٦٠٤): الأحوط ترك القران بين السورتين في الفريضة، وإن كان الأظهر الجواز على كراهة، وفي النافلة يجوز ذلك بلا كراهة.

(مسألة ٦٠٥): سورتا الفيل والايلاف، سورة واحدة، وكذا سورتا الضحى وألم نشرح، فلا تجزئ واحدة منهما، بلا بلاد من الجمع بينهما مرتبا مع البسملة الواقعة بينهما.

(مسألة ٦٠٦): تجب القراءة الصحيحة بأداء الحروف واخراجها من مخارجها على النحو اللازم في لغة العرب، كما يجب أن تكون هيئة الكلمة موافقة للأسلوب العربي، من حركة البنية، وسكونها، وحركات الاعراب والبناء وسكناتها، والحذف، والقلب، والادغام، والمد الواجب، وغير ذلك، فإن أخل بشئ من ذلك بطلت القراءة.

(مسألة ٦٠٧): يجب حذف همزة الوصل في الدرج مثل همزة: الله والرحمن، والرحيم، واهدنا وغيرها، فإذا أثبتها بطلت القراءة، وكذا يجب اثبات همزة القطع مثل: إياك، وأنعمت، فإذا حذفها بطلت القراءة.

(مسألة ٦٠٨): الأحوط - وجوبا - ترك الوقوف بالحركة، بل وكذا الوصل بالسكون.

(مسألة ٦٠٩): يجب المد في الواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها، والألف المفتوح ما قبلها، إذا كان بعدها سكون لازم مثل: ضآلين، بل هو الأحوط في مثل: جاء، وجئ، وسوء.

(مسألة ٦١٠): الأحوط - استحبابا - الادغام إذا كان بعد النون الساكنة، أو التنوين أحد حروف: يرملون.

(مسألة ٦١١): يجب ادغام لام التعريف إذا دخلت على التاء والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاء، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء والظاء، واللام، والنون، واظهارها في بقية الحروف فتقول في: الله، والرحمن، والرحيم، والصراط، والضالين بالادغام وفي الحمد، والعالمين، والمستقيم بالاظهار.

(مسألة ٦١٢): يجب الادغام في مثل مد ورد مما اجتمع مثلان في كلمة واحدة، ولا يجب في مثل اذهب بكتابي، ويدرككم مما اجتمع فيه المثلان في كلمتين وكان الأول ساكنا، وإن كان الادغام أحوط.

(مسألة ٦١٣): تجوز قراءة مالك يوم الدين، وملك يوم الدين ويجوز في الصراط بالصاد، والسين، ويجوز في كفوا، أن يقرأ بضم الفاء وبسكونها مع الهمزة، أو الواو.

(مسألة ٦١٤): إذا لم يقف على أحد. في قل هو الله أحد، ووصله ب‍ (الله الصمد) فالأحوط أن يقول أحدن الله الصمد، بضم الدال وكسر النون.

(مسألة ٦١٥): إذا اعتقد كون الكلمة على وجه خاص من الاعراب أو البناء، أو مخرج الحرف، فصلى مدة على ذلك الوجه، ثم تبين أنه غلط، فالظاهر الصحة، وإن كان الأحوط الإعادة.

(مسألة ٦١٦): الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الأئمة عليهم السلام.

(مسألة ٦١٧): يجب على الرجال الجهر بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب، والعشاء، والاخفات في غير الأوليين منهما، وكذا في الظهر، والعصر في غير يوم الجمعة عدا البسملة، أما فيه فيستحب الجهر في صلاة الجمعة، بل في الظهر أيضا على الأقوى.

(مسألة ٦١٨): إذا جهر في موضع الاخفات، أو أخفت في موضع الجهر - عمدا - بطلب صلاته، وإذا كان ناسيا، أو جاهلا بالحكم من أصله، أو بمعنى الجهر والاخفات صحت صلاته، والأحوط الأولى الإعادة إذا كان مترددا فجهر، أو أخفت في غير محله - برجاء المطلوبية - وإذ تذكر الناسي، أو علم الجاهل في أثناء القراءة مضى في القراءة، ولم تجب عليه إعادة ما قرأه.

(مسألة ٦١٩): لا جهر على النساء، بل يتخيرن بينه وبين الاخفات في الجهرية، ويجب عليهن الاخفات في الاخفاتية، ويعذرن فيما يعذر الرجال فيه.

(مسألة ٦٢٠): مناط الجهر والاخفات الصدق العرفي، لاسماع من بجانبه وعدمه، ولا يصدق الاخفات على ما يشبه كلام المبحوح، وإن كان لا يظهر جوهر الصوت فيه، ولا يجوز الافراط في الجهر كالصياح، والأحوط في الاخفات أن يسمع نفسه تحقيقا، أو تقديرا، كما إذا كان أصم، أو كان هناك مانع من سماعه.

(مسألة ٦٢١): من لا يقدر إلا على الملحون، ولو لتبديل بعض الحروف، ولا يمكنه التعلم أجزاء ذلك، ولا يجب عليه أن يصلي صلاته مأموما، وكذا إذا ضاق الوقت عن التعلم، نعم إذا كان مقصرا في ترك التعلم، وجب عليه أن يصلي مأموما، وإذا تعلم بعض الفاتحة قرأه والأحوط - استحبابا - أن يقرأ من سائر القرآن عوض البقية، وإذا لم يعلم شيئا منها قرأ من سائر القرآن، والأحوط - وجوبا - أن يكون بقدر الفاتحة، وإذا لم يعرف شيئا من القرآن أجزأه أن يكبر ويسبح، والأحوط - وجوبا - أن يكون بقدرها أيضا، بل الأحوط الاتيان بالتسبيحات الأربع، وإذا عرف الفاتحة وجهل السورة، فالظاهر سقوطها مع العجز عن تعلمها.

(مسألة ٦٢٢): تجوز اختيارا القراءة في المصحف الشريف، وبالتلقين وإن كان الأحوط - استحبابا - الاقتصار في ذلك على حال الاضطرار.

(مسألة ٦٢٣): يجوز العدول اختيارا من سورة إلى أخرى ما لم يتجاوز النصف، والأحوط عدم العدول ما بين النصف والثلثين، ولا يجوز العدول بعد بلوغ الثلثين، هذا في غير سورتي الجحد، والتوحيد، وأما فيهما فلا يجوز العدول من إحداهما إلى غيرهما، ولا إلى الأخرى مطلقا، نعم يجوز العدول من غيرهما - ولو بعد تجاوز النصف - أو من إحدى السورتين مع الاضطرار لنسيان بعضها، أو ضيق الوقت عن إتمامها، أو كون الصلاة نافلة.

(مسألة ٦٢٤): يستثنى من الحكم المتقدم يوم الجمعة، فإن من كان بانيا على قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى وسورة (المنافقون) في الثانية من صلاة الجمعة، أو الظهر فغفل وشرع في سورة أخرى، فإنه يجوز له العدول إلى السورتين وإن كان من سورة التوحيد، أو الجحد أو بعد تجاوز الثلثين من أي سورة كانت، والأحوط وجوبا عدم العدول عن الجمعة والمنافقون يوم الجمعة، حتى إلى السورتين (التوحيد والجحد) إلا مع الضرورة فيعدل إلى إحداهما دون غيرهما على الأحوط.

(مسألة ٦٢٥): يتخير المصلي في ثالثة المغرب، وأخيرتي الرباعيات بين الفاتحة، والتسبيح، وصورته: " سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " هذا في غير المأموم في الصلوات الجهرية، وأما فيه فالأحوط - لزوما - اختيار التسبيح، وتجب المحافظة على العربية، ويجزئ ذلك مرة واحدة، والأحوط - استحبابا - التكرار ثلاثا، والأفضل إضافة الاستغفار إليه، ويجب الاخفات في الذكر، وفي القراءة بدله حتى البسملة - على الأحوط وجوبا -.

(مسألة ٦٢٦): لا تجب مساواة الركعتين الأخيرتين في القراءة والذكر، بل له القراءة في إحداهما، والذكر في الأخرى.

(مسألة ٦٢٧): إذا قصد أحدهما فسبق لسانه إلى الآخر، فالظاهر عدم الاجتزاء به، وعليه الاستئناف له، أو لبديله، وإذا كان غافلا وأتى به بقصد الصلاة اجتزأ به، وإن كان خلاف عادته، أو كان عازما في أول الصلاة على غيره، وإذا قرأ الحمد بتخيل أنه في الأولتين، فذكر أنه في الأخيرتين اجتزأ، وكذا إذا قرأ سورة التوحيد - مثلا - بتخيل أنه في الركعة الأولى، فذكر أنه في الثانية.

(مسألة ٦٢٨): إذا نسي القراءة، والذكر، وتذكر بعد الوصول إلى حد الركوع صحت الصلاة، وإذا تذكر قبل ذلك، - ولو بعد الهوي - رجع وتدارك، وإذا شك في قراءتها بعد الركوع مضى، وإذا شك قبل ذلك تدارك، وإن كان الشك بعد الاستغفار، بل بعد الهوي أيضا.

(مسألة ٦٢٩): الذكر للمأموم أفضل في الصلوات الاخفاتية من القراءة، وفي أفضليته للإمام، والمنفرد اشكال. وتقدم أن الأحوط - لزوما - اختيار الذكر للمأموم في الصلوات الجهرية.

مستحبات القراءة

(مسألة ٦٣٠): تستحب الاستعاذة قبل الشروع في القراءة في الركعة الأولى بأن يقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " والأولى الاخفات بها، والجهر بالبسملة في أوليي الظهرين، والترتيل في القراءة، وتحسين الصوت بلا غناء، والوقف على فواصل الآيات، والسكتة بين الحمد والسورة، وبين السورة وتكبير الركوع، أو القنوت، وأن يقول بعد قراءة التوحيد " كذلك الله ربي " أو " ربنا " وأن يقول بعد الفراغ من الفاتحة: " الحمد لله رب العالمين " والمأموم يقولها بعد فراغ الإمام وقراءة بعض السور في بعض الصلوات كقراءة: عم، وهل أتى، وهل أتاك، ولا أقسم، في صلاة الصبح، وسورة الأعلى، والشمس، ونحوهما في الظهر، والعشاء، وسورة النصر، والتكاثر، في العصر، والمغرب، وسورة الجمعة في الركعة الأولى، وسورة الأعلى في الثانية من العشاءين ليلة الجمعة، وسورة الجمعة في الأولى، والتوحيد في الثانية من صبحها، وسورة الجمعة في الأولى، والمنافقون في الثانية من ظهريها، وسورة هل أتى في الأولى، وهل أتاك في الثانية في صبح الخميس والاثنين، ويستحب في كل صلاة قراءة القدر في الأولى، والتوحيد في الثانية، وإذا عدل عن غيرهما إليهما لما فيهما من فضل، أعطى أجر السورة التي عدل عنها، مضافا " إلى أجرهما.

(مسألة ٦٣١): يكره ترك سورة التوحيد في جميع الفرائض الخمس، وقراءتها بنفس واحد، وقراءة سورة واحدة في كلتا الركعتين الأوليين إلا سورة التوحيد، فإنه لا بأس بقراءتها في كل من الركعة الأولى والثانية.

(مسألة ٦٣٢): يجوز تكرار الآية والبكاء، وتجوز قراءة المعوذتين في الصلاة وهما من القرآن، ويجوز انشاء الخطاب بمثل: " إياك نعبد وإياك نستعين " مع قصد القرآنية، وكذا انشاء الحمد بقوله: " الحمد لله رب العالمين " وانشاء المدح بمثل الرحمن الرحيم.

(مسألة ٦٣٣): إذا أراد أن يتقدم أو يتأخر في أثناء القراءة يسكت وبعد الطمأنينة يرجع إلى القراءة، ولا يضر تحريك اليد، أو أصابع الرجلين حال القراءة.

(مسألة ٦٣٤): إذا تحرك في حال القراءة قهرا لريح، أو غيرها بحيث فاتت الطمأنينة فالأحوط - استحبابا - إعادة ما قرأ في تلك الحال.

(مسألة ٦٣٥): يجب الجهر في جميع الكلمات، والحروف في القراءة الجهرية.

(مسألة ٦٣٦): تجب الموالاة بين حروف الكلمة بالمقدار الذي يتوقف عليه صدق الكلمة، فإذا فاتت الموالاة - سهوا - بطلت الكلمة وإذا كان عمدا بطلت الصلاة، وكذا الموالاة بين الجار والمجرور، وحرف التعريف ومدخوله، ونحو ذلك مما يعد جزء الكلمة. والأحوط الموالاة بين المضاف والمضاف إليه، والمبتدأ وخبره، والفعل وفاعله، والشرط وجزائه، والموصوف وصفته، والمجرور ومتعلقه، ونحو ذلك مما له هيئة خاصة على نحو لا يجوز الفصل فيه بالأجنبي، فإذا فاتت سهوا أعاد القراءة وإذا فاتت عمدا فالأحوط - وجوبا - الاتمام والاستئناف.

(مسألة ٦٣٧): إذا شك في حركة كلمة، أو مخرج حروفها، لا يجوز أن يقرأ بالوجهين، فيما إذا لم يصدق على الآخر أنه ذكر ولو غلطا ولكن لو اختار أحد الوجهين جازت القراءة عليه، فإذا انكشف أنه مطابق للواقع لم يعد الصلاة، وإلا أعادها.


الفصل الخامس

في الركوع

وهو واجب في كل ركعة مرة، فريضة كانت، أو نافلة، عدا صلاة الآيات كما سيأتي، كما أنه ركن تبطل الصلاة بزيادته، ونقيصته عمدا وسهوا، عدا صلاة الجماعة، فلا تبطل بزيادته للمتابعة كما سيأتي، وعدا النافلة فلا تبطل بزيادته فيها سهوا، ويجب فيه أمور:

الأول: الانحناء بقصد الخضوع قدر ما اتصل أطراف الأصابع إلى الركبتين، وغير مستوى الخلقة لطول اليدين، أو قصرهما يرجع إلى المتعارف. ولا بأس باختلاف أفراد مستوى الخلقة، فإن لكل حكم نفسه.

الثاني: الذكر، ويجزئ منه " سبحان ربي العظيم وبحمده "، أو " سبحان الله " ثلاثا، بل يجزئ مطلق الذكر، من تحميد، وتكبير، وتهليل، وغيرها، إذا كان بقدر الثلاث الصغريات، مثل: " الحمد لله " ثلاثا، أو " الله أكبر " ثلاثا، ويجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى والثلاث الصغريات، وكذا بينهما وبين غيرهما من الأذكار، ويشترط في الذكر، العربية، والموالاة، وأداء الحروف من مخارجها، وعدم المخالفة في الحركات الاعرابية، والبنائية.

الثالث: الطمأنينة فيه بقدر الذكر الواجب، بل الأحوط وجوبا ذلك في الذكر المندوب، إذا جاء به بقصد الخصوصية، ولا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حد الركوع.

الرابع: رفع الرأس منه حتى ينتصب قائما.

الخامس: الطمأنينة حال القيام المذكور. وإذا لم يتمكن لمرض، أو غيره سقطت، وكذا الطمأنينة حال الذكر، فإنها تسقط لما ذكر، ولو ترك الطمأنينة في الركوع سهوا بأن لم يبق في حده، بل رفع رأسه بمجرد الوصول إليه، ثم ذكر بعد رفع الرأس فالأحوط إتمام الصلاة ثم الإعادة.

(مسألة ٦٣٨): إذا تحرك - حال الذكر الواجب - بسبب قهري وجب عليه السكوت حال الحركة، وإعادة الذكر، وإذا ذكر في حال الحركة، فإن كان عامدا بطلت صلاته، وإن كان ساهيا فالأحوط - وجوبا - تدارك الذكر.

مستحبات الركوع

(مسألة ٦٣٩): يستحب التكبير للركوع قبله، ورفع اليدين حالة التكبير، ووضع الكفين على الركبتين، اليمنى على اليمنى، واليسر على اليسرى، ممكنا كفيه من عينيهما، ورد الركبتين إلى الخلف، وتسوية الظهر، ومد العنق موازيا للظهر، وأن يكون نظره بين قدميه، وأن يجنح بمرفقيه، وأن يضع اليمنى على الركبة قبل اليسرى، وأن تضع المرأة كفيها على فخذيها، وتكرار التسبيح ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو أكثر، وأن يكون الذكر وترا، وأن يقول قبل التسبيح: " اللهم لك ركعت ولك أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي، خشع لك قلبي، وسمعي، وبصري وشعري، وبشري، ولحمي ودمي، ومخي وعصبي وعظامي، وما أقلته قدماي، غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر " وأن يقول للانتصاب بعد الركوع " سمع الله لمن حمده "، وأن يضم إليه: " الحمد لله رب العالمين " وأن يضم إليه " أهل الجبروت والكبرياء والعظمة، والحمد لله رب العالمين "، وأن يرفع يديه للانتصاب المذكور. وأن يصلي على النبي صلى الله عليه وآله في الركوع ويكره فيه أن يطأطئ رأسه، أو يرفعه إلى فوق وأن يضم يديه إلى جنبيه، وأن يضع إحدى الكفين على الأخرى، ويدخلهما بين ركبتيه، وأن يقرأ القرآن فيه، وأن يجعل يديه تحت ثيابه ملاصقا لجسده.

(مسألة ٦٤٠): إذا عجز عن الانحناء التام بنفسه، اعتمد على ما يعينه عليه، وإذا عجز عنه فالأحوط أن يأتي بالممكن منه، مع الايمان إلى الركوع منتصبا قائما قبله، أو بعده، وإذا دار أمره بين الركوع - جالسا - والايماء إليه - قائما - تعين الثاني، والأولى الجمع بينهما بتكرار الصلاة، ولا بد في الايماء من أن يكون برأسه إن أمكن، وإلا فبالعينين تغميضا له، وفتحا للرفع منه.

(مسألة ٦٤١): إذا كان كالراكع خلقة، أو لعارض، فإن أمكنه الانتصاب التام للقراءة، وللهوي للركوع وجب، ولو بالاستعانة بعصا ونحوها، وإلا فإن تمكن من رفع بدنه بمقدار يصدق على الانحناء بعده الركوع في حقه عرفا لزمه ذلك، وإلا أومأ برأسه وإن لم يمكن فبعينيه.

(مسألة ٦٤٢): حد ركوع الجالس أن ينحني بمقدار يساوي وجهه ركبتيه، والأفضل الزيادة في الانحناء إلى أن يستوي ظهره، وإذا لم يتمكن من الركوع انتقل إلى الايماء كما تقدم.

(مسألة ٦٤٣): إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود، وذكر قبل وضع جبهته على الأرض رجع إلى القيام، ثم ركع، وكذلك إن ذكره بعد ذلك قبل الدخول في الثانية على الأظهر، والأحوط استحبابا حينئذ إعادة الصلاة بعد الاتمام، وإن ذكره بعد الدخول في الثانية، بطلت صلاته واستأنف.

(مسألة ٦٤٤): يجب أن يكون الانحناء بقصد الركوع، فإذا انحنى ليتناول شيئا من الأرض، أو نحوه، ثم نوى الركوع لا يجزئ، بل لا بد من القيام، ثم الركوع عنه.

(مسألة ٦٤٥): يجوز للمريض - وفي ضيق الوقت وسائر موارد الضرورة - الاقتصار في ذكر الركوع على: " سبحان الله " مرة.


الفصل السادس

في السجود

والواجب منه في كل ركعة سجدتان، وهما معا ركن تبطل الصلاة بنقصانهما معا، وبزيادتهما كذلك عمدا وسهوا، ولا تبطل بزيادة واحدة ولا بنقصها سهوا، والمدار في تحقق مفهوم السجدة على وضع الجبهة، أو ما يقوم مقامها بقصد التذلل والخضوع، وعلى هذا المعنى تدور الزيادة والنقيصة دون بقية الواجبات: وهي أمور: الأول: السجود على ستة أعضاء: الكفين، والركبتين، وإبهامي الرجلين، ويجب في الكفين الباطن، وفي الضرورة ينتقل إلى الظاهر، ثم إلى الأقرب فالأقرب على الأحوط. ولا يجزئ السجود على رؤوس الأصابع وكذا إذا ضم أصابعه إلى راحته وسجد على ظهرها. ولا يجب الاستيعاب في الجبهة بل يكفي المسمى، ولا يعتبر أن يكون مقدار المسمى مجتمعا بل يكفي وإن كان متفرقا، فيجوز السجود على السبحة غير المطبوخة إذا كان مجموع ما وقعت عليه بمقدار مسمى السجود، مع كون أجزائها غير متباعدة، ويجزئ في الركبتين أيضا المسمى، وفي الابهامين وضع ظاهرهما، أو باطنهما، وإن كان الأحوط وضع طرفهما.

(مسألة ٦٤٦): لا بد في الجبهة من مماستها لما يصح السجود عليه من أرض ونحوها، ولا تعتبر في غيرها من الأعضاء المذكورة.

الثاني: الذكر على نحو ما تقدم في الركوع، والأحوط في التسبيحة الكبرى إبدال العظيم بالأعلى.

الثالث: الطمأنينة فيه كما في ذكر الركوع.

الرابع: كون المساجد في محالها حال الذكر، وإذا أراد رفع شئ منها سكت إلى أن يضعه، ثم يرجع إلى الذكر.

الخامس: رفع الرأس من السجدة الأولى إلى أن ينتصب جالسا مطمئنا.

السادس: تساوي موضع جبهته وموقفه، إلا أن يكون الاختلاف بمقدار لبنة، وقدر بأربعة أصابع مضمومة، ولا فرق بين الانحدار والتسنيم فيما إذا كان الانحدار ظاهرا وأما في غير الظاهر فلا اعتبار بالتقدير المذكور وإن كان هو الأحوط استحبابا، ولا يعتبر ذلك في باقي المساجد على الأقوى.

(مسألة ٦٤٧): إذا وضع جبهته على الموضع المرتفع، أو المنخفض فإن لم يصدق معه السجود رفعها ثم سجد على المستوي، وإن صدق معه السجود، أو كان المسجد مما لا يصح السجود عليه، فالظاهر أيضا لزوم الرفع والسجود على ما يجوز السجود عليه، وإذا وضعها على ما يصح السجود عليه جاز جرها إلى الأفضل، أو الأسهل.

(مسألة ٦٤٨): إذا ارتفعت جبهته عن المسجد قهرا قبل الذكر، أو بعده، فإن أمكن حفظها عن الوقوع ثانيا احتسبت له، وسجد أخرى بعد الجلوس معتدلا، وإن وقعت على المسجد ثانيا قهرا لم تحسب الثانية فيرفع رأسه ويسجد الثانية.

(مسألة ٦٤٩): إذا عجز عن السجود التام انحنى بالمقدار الممكن ورفع المسجد إلى جبهته، ووضعها عليه ووضع سائر المساجد في محالها وإن لم يمكن الانحناء أصلا، أو أمكن بمقدار لا يصدق معه السجود عرفا، أومأ برأسه، فإن لم يمكن فبالعينين، وإن لم يمكن فالأولى أن يشير إلى السجود باليد، أو نحوها، وينويه بقلبه، والأحوط - استحبابا - له رفع المسجد إلى الجبهة، وكذا وضع المساجد في محالها، وإن كان الأظهر عدم وجوبه.

(مسألة ٦٥٠): إذا كان بجبهته قرحة، أو نحوها مما يمنعه من وضعها على المسجد فإن لم يستغرقها سجد على الموضع السليم، ولو بأن يحفر حفيرة ليقع السليم على الأرض، وإن استغرقها سجد على أحد الجبينين، مقدما الأيمن على الأحوط استحبابا، والأحوط لزوما الجمع بينه وبين السجود على الذقن ولو بتكرار الصلاة، فإن تعذر السجود على الجبين، اقتصر على السجود على الذقن، فإن تعذر أومأ إلى السجود برأسه أو بعينيه على ما تقدم.

(مسألة ٦٥١): لا بأس بالسجود على غير الأرض ونحوها، مثل الفراش في حال التقية، ولا يجب التخلص منها بالذهاب إلى مكان آخر نعم لو كان في ذلك المكان وسيلة لترك التقية بأن يصلي على البارية، أو نحوها مما يصح السجود عليه وجب اختيارها.

(مسألة ٦٥٢): إذا نسي السجدتين فإن تذكر قبل الدخول في الركوع وجب العود إليهما، وإن تذكر بعد الدخول فيه بطلت الصلاة، وإن كان المنسي سجدة واحدة رجع وأتى بها إن تذكر قبل الركوع، وإن تذكر بعده مضى وقضاها بعد السلام، وسيأتي في مبحث الخلل التعرض لذلك.

مستحبات السجود

(مسألة ٦٥٣): يستحب في السجود التكبير حال الانتصاب بعد الركوع، ورفع اليدين حاله، والسبق باليدين إلى الأرض، واستيعاب الجبهة في السجود عليها، والارغام بالأنف، وبسط اليدين مضمومتي الأصابع حتى الابهام حذاء الأذنين متوجها بهما إلى القبلة، وشغل النظر إلى طرف الأنف حال السجود، والدعاء قبل الشروع في الذكر فيقول: " اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره الحمد لله رب العالمين تبارك الله أحسن الخالقين " وتكرار الذكر، والختم على الوتر، واختيار التسبيح والكبرى منه وتثليثها، والأفضل تخميسها، والأفضل تسبيعها، وأن يسجد على الأرض بل التراب، ومساواة موضع الجبهة للموقف، بل مساواة جميع المساجد لهما. قيل: والدعاء في السجود بما يريد من حوائج الدنيا والآخرة، خصوصا الرزق فيقول: " يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين ارزقني وارزق عيالي من فضلك، فإنك ذو الفضل العظيم "، والتورك في الجلوس بين السجدتين وبعدهما، بأن يجلس على فخذه اليسرى، جاعلا ظهر قدمه اليمنى على باطنه اليسرى، وأن يقول في الجلوس بين السجدتين: " أستغفر الله ربي وأتوب إليه " وأن يكبر بعد الرفع من السجدة الأولى بعد الجلوس مطمئنا، ويكبر للسجدة الثانية وهو جالس، ويكبر بعد الرفع من الثانية كذلك، ويرفع اليدين حال التكبيرات، ووضع اليدين على الفخذين حال الجلوس، واليمنى على اليمنى، واليسرى على اليسرى، والتجافي حال السجود عن الأرض، والتجنح بمعنى أن يباعد بين عضديه عن جنبيه ويديه عن بدنه، وأن يصلي على النبي وآله في السجدتين، وأن يقوم رافعا ركبتيه قبل يديه، وأن يقول بين السجدتين: " اللهم اغفر لي، وارحمني، وآجرني، وادفع عني، إن لما أنزلت إلي من خير فقير، تبارك الله رب العالمين " وأن يقول عند النهوض: " بحول الله وقوته أقوم وأقعد وأركع وأسجد " أو " بحولك وقوتك أقوم وأقعد " أو " اللهم بحولك وقوتك أقوم وأقعد " ويضم إليه " وأركع وأسجد " وأن يبسط يديه على الأرض، معتمدا عليها للنهوض، وأن يطيل السجود ويكثر فيه من الذكر، والتسبيح، ويباشر الأرض بكفيه، وزيادة تمكين الجبهة، ويستحب للمرأة وضع اليدين بعد الركبتين عند الهوي للسجود وعدم تجافيهما بل تفرش ذراعيها، وتلصق بطنها بالأرض، وتضم أعضاءها ولا ترفع عجيزتها حال النهوض للقيام، بل تنهض معتدلة، ويكره الاقعاء في الجلوس بين السجدتين بل بعدهما أيضا وهو أن يعتمد بصدر قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه، ويكره أيضا نفخ موضع السجود إذا لم يتولد منه حرفان، وإلا لم يجز، وأن لا يرفع بيديه عن الأرض بين السجدتين، وأن يقرأ القرآن في السجود.

آيات السجود

(مسألة ٦٥٤): الأحوط - استحبابا - الاتيان بجلسة الاستراحة وهي الجلوس بعد السجدة الثانية في الركعة الأولى، والثالثة مما لا تشهد فيه. (تتميم): يجب السجود عند قراءة آياته الأربع في السور الأربع وهي ألم تنزيل عند قوله تعالى: (ولا يستكبرون) وحم فصلت عند قوله: (تعبدون)، والنجم، والعلق في آخرهما، وكذا يجب على المستمع إذا لم يكن في حال الصلاة، فإن كان في حال الصلاة أومأ إلى السجود، وسجد بعد الصلاة على الأحوط، ويستحب في أحد عشر موضعا في الأعراف عند قوله تعالى: (وله يسجدون) وفي الرعد عند قوله تعالى: (وظلالهم بالغدو والآصال)، وفي النحل عند قوله تعالى: (ويفعلون ما يؤمرون) وفي بني إسرائيل عند قوله تعالى: (ويزيدهم خشوعا) وفي مريم، عند قوله تعالى: (وخروا سجدا وبكيا) وفي سورة الحج في موضعين عند قوله: (أن الله يفعل ما يشاء) وعند قوله: (لعلكم تفلحون) وفي الفرقان عند قوله (وزادهم نفورا) وفي النمل عند قوله: (رب العرش العظيم) وفي " ص " عند قوله: (خر ركعا وأناب)، وفي الانشقاق عند قوله: (لا يسجدون) بل الأولى السجود عند كل آية فيها أمر بالسجود.

سجود الشكر

(مسألة ٦٥٥): ليس في هذا السجود تكبيرة افتتاح، ولا تشهد ولا تسليم، نعم يستحب التكبير للرفع منه، بل الأحوط - استحبابا - عدم تركه، ولا يشترط فيه الطهارة من الحدث، ولا الخبث، ولا الاستقبال ولا الطهارة محل السجود، ولا الستر، ولا صفات الساتر، بل يصح حتى في المغصوب إذا لم يكن السجود تصرفا فيه، والأحوط - وجوبا - فيه السجود على الأعضاء السبعة، ووضع الجبهة على الأرض، أو ما في حكمها وعدم اختلاف المسجد عن الموقف في العلو، والانخفاض، ولا بد فيه من النية، وإباحة المكان، ويستحب فيه الذكر الواجب في سجود الصلاة.

(مسألة ٦٥٦): يتكرر السجود بتكرر السبب، وإذا شك بين الأقل والأكثر، جاز الاقتصار على الأقل، ويكفي في التعدد رفع الجبهة ثم وضعها من دون رفع بقية المساجد، أو الجلوس.

(مسألة ٦٥٧): يستحب السجود - شكرا لله تعالى - عند تجدد كل نعمة، ودفع كل نقمة، وعند تذكر ذلك، والتوفيق لأداء كل فريضة ونافلة، بل كل فعل خير، ومنه اصلاح ذات البين، ويكفي سجدة واحدة، والأفضل سجدتان، فيفصل بينهما بتعفير الخدين، أو الجبينين أو الجميع، مقدما الأيمن على الأيسر، ثم وضع الجبهة ثانيا، ويستحب فيه

افتراش الذراعين، والصاق الصدر والبطن بالأرض، وأن يمسح موضع سجوده بيده، ثم يمرها على وجهه، ومقاديم بدنه، وأن يقول فيه " شكرا لله شكرا لله " أو مائة مرة " شكرا شكرا " أو مائة مرة " عفوا عفوا " أو مائة مرة " الحمد لله شكرا " وكلما قاله عشر مرات قال " شكرا لمجيب " ثم يقول: " يا ذا المن الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصيه غيره عددا، ويا ذا المعروف الذي لا ينفذ أبدا، يا كريم يا كريم يا كريم "، ثم يدعو ويتضرع ويذكر حاجته، وقد ورد في بعض الروايات غير ذلك والأحوط فيه السجود على ما يصح السجود عليه، والسجود على المساجد السبعة.

(مسألة ٦٥٨): يستحب السجود بقصد التذلل لله تعالى، بل هو من أعظم العبادات وقد ورد أنه أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى وهو ساجد، ويستحب إطالته.

(مسألة ٦٥٩): يحرم السجود لغير الله تعالى، من دون فرق بين المعصومين عليهم السلام، وغيرهم، وما يفعله الشيعة في مشاهد الأئمة عليهم السلام لا بد أن يكون لله تعالى شكرا على توفيقهم لزيارتهم (ع) والحضور في مشاهدهم، جمعنا الله تعالى وإياهم في الدنيا والآخرة إنه أرحم الراحمين.


الفصل السابع

في التشهد

وهو واجب في الثنائية مرة بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة من الركعة الثانية، وفي الثلاثية، والرباعية مرتين، الأولى كما ذكر، والثانية بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة من الركعة الأخيرة، وهو واجب غير ركن، فإذا تركه - عمدا - بطلت الصلاة، وإذا تركه - سهوا - أتى به ما لم يركع، وإلا قضاه بعد الصلاة على الأحوط، وكيفيته على الأحوط " أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآله محمد " ويجب فيه الجلوس والطمأنينة وأن يكون على النهج العربي مع الموالاة بين فقراته، وكلماته، والعاجز عن التعلم إذا لم يجد من يلقنه، يأتي بما أمكنه إن صدق عليه الشهادة مثل أن يقول: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله " وإن عجز فالأحوط وجوبا أن يأتي بترجمته وإذا عجز عنها أتى بسائر الأذكار بقدره.

(مسألة ٦٦٠): يكره الاقعاء فيه، بل يستحب فيه الجلوس متوركا كما تقدم فيما بين السجدتين، وأن يقول قبل الشروع في الذكر: " الحمد لله " أو يقول: " بسم الله وبالله، والحمد لله، وخير الأسماء لله، أو الأسماء الحسنى، كلها لله "، وأن يجعل يديه على فخذيه منضمة الأصابع، وأن يكون نظره إلى حجره، وأن يقول بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله: " وتقبل شفاعته وارفع درجته " في التشهد الأول، وأن يقول: " سبحان الله " سبعا بعد التشهد الأول، ثم يقوم، وأن يقول حال النهوض عنه: " بحول الله وقوته أقوم وأقعد " وأن تضم المرأة فخذيها إلى نفسها، وترفع ركبتيها عن الأرض.


الفصل الثامن

في التسليم

وهو واجب في كل صلاة وآخر أجزائها، وبه يخرج عنها وتحل له منافياتها، وله صيغتان، الأولى: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " والثانية " السلام عليكم " بإضافة " ورحمة الله وبركاته " على الأحوط وإن كان الأظهر عدم وجوبها، فبأيهما أتى فقد خرج عن الصلاة، وإذا بدأ بالأولى استحبت له الثانية بخلاف العكس، وأما قول " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " فليس من صيغ السلام، ولا يخرج به عن الصلاة، بل هو مستحب.

(مسألة ٦٦١): يجب الاتيان بالتسليم على النهج العربي، كما يجب فيه الجلوس والطمأنينة حاله، والعاجز عنه كالعاجز عن التشهد في الحكم المتقدم.

(مسألة ٦٦٢): إذا أحدث قبل التسليم بطلت الصلاة، وكذا إذا فعل غيره من المنافيات، وإذا نسي التسليم حتى وقع منه المنافي فالظاهر صحة الصلاة وإن كانت إعادتها أحوط، وإذا نسي السجدتين حتى سلم أعاد الصلاة، إذا صدر منه ما ينافي الصلاة عمدا وسهوا، وإلا أتى بالسجدتين، والتشهد، والتسليم، وسجد سجدتي السهو لزيادة السلام.

(مسألة ٦٦٣): يستحب فيه التورك في الجلوس حاله، ووضع اليدين على الفخذين، ويكره الاقعاء كما سبق في التشهد.


الفصل التاسع

في الترتيب

يجب الترتيب بين أفعال الصلاة على نحو ما عرفت فإذا عكس الترتيب فقدم مؤخرا، فإن كان عمدا بطلت الصلاة، وإن كان سهوا، أو عن جهل بالحكم من غير تقصير، فإن قدم ركنا على ركن بطلت، وإن قدم ركنا على غيره - كما إذا ركع قبل القراءة - مضى وفات محل ما ترك ولو قدم غير الركن عليه تدارك على وجه يحصل الترتيب، وكذا لو قدم غير الأركان بعضها على بعض.


الفصل العاشر

في الموالاة

وهي واجبة في أفعال الصلاة، بمعنى عدم الفصل بينها على وجه يوجب محو صورة الصلاة في نظر أهل الشرع، وهي بهذا المعنى تبطل الصلاة بفواتها عمدا وسهوا، ولا يضر فيها تطويل الركوع والسجود، وقراءة السور الطوال، وأما بمعنى توالي الأجزاء وتتابعها. وإن لم يكن دخيلا في حفظ مفهوم الصلاة، فوجوبها محل إشكال، والأظهر عدم الوجوب من دون فرق بين العمد، والسهو.


الفصل الحادي عشر

في القنوت

وهو مستحب في جميع الصلوات، فريضة كانت، أو نافلة على إشكال في الشفع، والأحوط الاتيان به فيها برجاء المطلوبية، ويتأكد استحبابه في الفرائض الجهرية، خصوصا في الصبح، والجمعة، والمغرب، وفي الوتر من النوافل، والمستحب منه مرة بعد القراءة قبل الركوع في الركعة الثانية، إلا في الجمعة، ففيه قنوتان قبل الركوع في الأولى، وبعده في الثانية، وإلا في العيدين ففيهما خمسة قنوتات في الأولى، وأربعة في الثانية، وإلا في الآيات، ففيها قنوتان قبل الركوع الخامس من الأولى وقبله في الثانية، بل خمسة قنوتات قبل كل ركوع زوج، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإلا في الوتر ففيها قنوتان، قبل الركوع، وبعده على إشكال في الثاني، نعم يستحب بعده أن يدعو بما دعا به أبو الحسن موسى (ع) وهو: " هذا مقام من حسناته نعمة منك، وشكره ضعيف وذنبه عظيم، وليس لذلك إلا رفقك ورحمتك، فإنك قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل - صلى الله عليه وآله - " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون " طال والله هجوعي، وقل قيامي وهذا السحر، وأنا أستغفرك لذنوبي استغفار من لا يملك لنفسه ضرا، ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا " كما يستحب أن يدعو في القنوت قبل الركوع في الوتر بدعاء الفرج وهو: " لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع، ورب الأرضين السبع، وما فيهن وما بينهن، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين "، وأن يستغفر لأربعين مؤمنا أمواتا، وأحياءا، وأن يقول سبعين مرة: " أستغفر الله ربي وأتوب إليه " ثم يقول: " أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ذو الجلال والاكرام، لجميع ظلمي وجرمي، واسرافي على نفسي وأتوب إليه "، سبع مرات، وسبع مرات " هذا مقام العائذ بك من النار " ثم يقول: " رب أسأت، وظلمت نفسي، وبئس ما صنعت، وهذي يدي جزاء بما كسبت، وهذي رقبتي خاضعة لما أتيت، وها أنا ذا بين يديك، فخذ لنفسك من نفسي الرضا حتى ترضى، لك العتبى لا أعود " ثم يقول: " العفو " ثلاثمائة مرة ويقول: " رب اغفر لي، وارحمني، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم ".

(مسألة ٦٦٤): لا يشترط في القنوت قول مخصوص، بل يكفي فيه ما يتيسر من ذكر، أو دعاء أو حمد، أو ثناء، ويجزي سبحان الله خمسا أو ثلاثا، أو مرة، والأولى قراءة المأثور عن المعصومين عليهم السلام.

مستحبات القنوت

(مسألة ٦٦٥): يستحب التكبير قبل القنوت، ورفع اليدين حال التكبير، ووضعهما، ثم رفعهما حيال الوجه، قيل: وبسطهما جاعلا باطنهما نحو السماء، وظاهرهما نحو الأرض، وأن تكونا منضمتين مضمومتي الأصابع، إلا الابهامين، وأن يكون نظره إلى كفيه.

(مسألة ٦٦٦): يستحب الجهر بالقنوت للإمام والمنفرد، والمأموم ولكن يكره للمأموم أن يسمع الإمام صوته.

(مسألة ٦٦٧): إذا نسي القنوت وهوى، فإن ذكر قبل الوصول إلى حد الركوع رجع، وإن كان بعد الوصول إليه قضاه حين الانتصاب بعد الركوع، وإذا ذكره بعد الدخول في السجود قضاه بعد الصلاة جالسا مستقبلا، والأحوط ذلك فيما إذا ذكره بعد الهوي إلى السجود قبل وضع الجبهة، وإذا تركه عمدا في محله، أو بعد ما ذكره بعد الركوع فلا قضاء له.

(مسألة ٦٦٨): الظاهر أنه لا تؤدى وظيفة القنوت بالدعاء الملحون أو بغير العربي، وإن كان لا يقدح ذلك في صحة الصلاة.


الفصل الثاني عشر

في التعقيب

وهو الاشتغال بعد الفراغ من الصلاة بالذكر، والدعاء، ومنه أن يكبر ثلاثا بعد التسليم، رافعا يديه على نحو ما سبق، ومنه - وهو أفضله - تسبيح الزهراء (ع) وهو التكبير أربعا وثلاثين، ثم الحمد ثلاثا وثلاثين ثم التسبيح ثلاثا وثلاثين، ومنه قراءة الحمد، وآية الكرسي، وآية شهد الله، وآية الملك، ومنه غير ذلك مما هو كثير مذكور في الكتب المعدة له.


الفصل الثالث عشر

في صلاة الجمعة

وفي فروعها:

الأول: صلاة الجمعة ركعتان، كصلاة الصبح وتمتاز عنها بخطبتين قبلها، ففي الأولى منهما يقوم الإمام ويحمد الله ويثني عليه ويوصي بتقوى الله ويقرأ سورة من الكتاب العزيز ثم يجلس قليلا، وفي الثانية يقوم ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على محمد صلى الله عليه وآله وعلى أئمة المسلمين عليهم السلام ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات.

الثاني: يعتبر في القدر الواجب من الخطبة: العربية، ولا تعتبر في الزائد عليه، وإذا كان الحاضرون غير عارفين باللغة العربية فالأحوط هو الجمع بين اللغة العربية ولغة الحاضرين بالنسبة إلى الوصية بتقوى الله.

الثالث: صلاة الجمعة واجبة تخييرا، بمعنى: أن المكلف مخير يوم الجمعة بين إقامة صلاة الجمعة إذا توفرت شرائطها الآتية وبين الاتيان بصلاة الظهر، فإذا أقام الجمعة مع الشرائط أجزأت عن الظهر.

الرابع: يعتبر في وجوب صلاة الجمعة أمور: ١ - دخول الوقت، وهو زوال الشمس على ما مر في صلاة الظهر إلى أن يصير ظل كل شئ مثله. ٢ - اجتماع سبعة أشخاص، أحدهم الإمام، وإن كان تصح صلاة الجمعة من خمسة نفر أحدهم الإمام إلا أنه حينئذ لا يجب الحضور معهم. ٣ - وجود الإمام الجامع لشرائط الإمامة من العدالة وغيرها - على ما نذكرها في صلاة الجماعة -.

الخامس: تعتبر في صحة صلاة الجمعة أمور: ١ - الجماعة، فلا تصح صلاة الجمعة فرادى ويجزي فيها ادراك الإمام في الركوع الأول بل في القيام من الركعة الثانية أيضا فيأتي مع الإمام بركعة وبعد فراغه يأتي بركعة أخرى. ٢ - أن لا تكون المسافة بينها وبين صلاة جمعة أخرى أقل من فرسخ فلو أقيمت جمعتان فيما دون فرسخ بطلتا جميعا إن كانتا مقترنتين زمانا وأما إذا كانت إحداهما سابقة على الأخرى ولو بتكبيرة الاحرام صحت السابقة دون اللاحقة، نعم إذا كانت إحدى الصلاتين فاقدة لشرائط الصحة فهي لا تمنع عن إقامة صلاة جمعة أخرى ولو كانت في عرضها أو متأخرة عنها. ٣ - قراءة خطبتين قبل الصلاة - على ما تقدم - ولا بد من أن تكون الخطبتان بعد الزوال، كما لا بد أن يكون الخطيب هو الإمام.

السادس: إذا أقيمت الجمعة في بلد واجدة لشرائط الوجوب والصحة وجب الحضور على الأحوط، نعم لا يجب الحضور حالة الخطبة على الأظهر.

السابع: يعتبر في وجوب الحضور أمور: ١ - الذكورة، فلا يجب الحضور على النساء. ٢ - الحرية، فلا يجب على العبيد. ٣ - الحضور، فلا يجب على المسافر سواء في ذلك المسافر الذي وظيفته القصر ومن كانت وظيفته الاتمام كالقاصد لإقامة عشرة أيام. ٤ - السلامة من المرض والعمى، فلا يجب على المريض والأعمى. ٥ - عدم الشيخوخة، فلا يجب على الشيخ الكبير. ٦ - أن لا يكون الفصل بينه وبين المكان الذي تقام فيه الجمعة أزيد من فرسخين، كما لا يجب على من كان الحضور له حرجيا وإن لم يكن الفصل بهذا المقدار، بل لا يبعد عدم وجوب الحضور عند المطر وإن لم يكن الحضور حرجيا.

الثامن: الأحوط عدم السفر بعد زوال الشمس يوم الجمعة من بلد تقام فيه الجمعة واجدة للشرائط.

التاسع: لا يجوز التكلم أثناء اشتغال الإمام بالخطبة، والأحوط الاصغاء إليها لمن يفهم معناها.

العاشر: يحرم البيع والشراء بعد النداء لصلاة الجمعة إذا كانا منافيين للصلاة ولكن الأظهر صحة المعاملة وإن كانت محرمة.

الحادي عشر: من يجب عليه الحضور إذا تركه وصلى صلاة الظهر فالأظهر صحة صلاته.


المبحث الثالث

منافيات الصلاة

وهي أمور:

الأول: الحدث، سواء أكان أصغر، أم أكبر، فإن مبطل للصلاة أينما وقع في أثنائها عمدا أو سهوا، نعم إذا وقع قبل السلام سهوا فقد تقدم أن الظاهر صحة صلاته، ويستثنى من الحكم المذكور المسلوس والمبطون ونحوهما، والمستحاضة كما تقدم.

الثاني: الالتفات بكل البدن عن القبلة ولو سهوا، أو قهرا، من ريح أو نحوها، والساهي إن لم يذكره إلا بعد خروج الوقت لم يجب عليه القضاء، أما إذا ذكره في الوقت أعاد، إلا إذا كان لم يبلغ إحدى نقطتي اليمين واليسار فلا إعادة - حينئذ - فضلا عن القضاء، ويلحق بالالتفات بالبدن الالتفات بالوجه خاصة مع بقاء البدن على استقباله إذا كان الالتفات فاحشا فيجري فيه ما ذكرناه من البطلان في فرض العمد، وعدم وجوب القضاء مع السهو إذا كان التذكر خارج الوقت، ووجوب الإعادة إذا كان التذكر في الوقت وكان انحراف الوجه بلغ نقطتي اليمين واليسار، وأما إذا كان الالتفات بالوجه يسيرا يصدق معه الاستقبال فلا بطلان ولو كان عمدا، نعم هو مكروه.

الثالث: ما كان ماحيا لصورة الصلاة في نظر أهل الشرع، كالرقص والتصفيق، والاشتغال بمثل الخياطة والنساجة بالمقدار المعتد به، ونحو ذلك، ولا فرق في البطلان به بين صورتي العمد والسهو، ولا بأس بمثل حركة اليد، والإشارة بها، والانحناء لتناول شئ من الأرض، والمشي إلى إحدى الجهات بلا انحراف عن القبلة، وقتل الحية والعقرب، وحمل الطفل وإرضاعه، ونحو ذلك مما لا يعد منافيا للصلاة عندهم.

(مسألة ٦٦٩): الظاهر بطلان الصلاة فيما إذا أتى في أثنائها بصلاة أخرى، وتصح الصلاة الثانية مع السهو، وكذلك مع العمد إذا كانت الصلاة الأولى نافلة، وأما إذا كانت فريضة ففي صحتها إشكال وإذا أدخل صلاة فريضة في أخرى سهوا وتذكر في الأثناء فإن كان التذكر قبل الركوع أتم الأولى، إلا إذا كانت الثانية مضيقة فيتمها وإن كان التذكر بعد الركوع أتم الثانية إلا إذا كانت الأولى مضيقة فيرفع اليد عما في يده ويستأنف الأولى.

(مسألة ٦٧٠): إذا أتى بفعل كثير، أو سكوت طويل، وشك في فوات الموالاة ومحو الصورة قطع الصلاة واستأنفها والأحوط إعادتها بعد إتمامها.

الرابع: الكلام عمدا، إذا كان مؤلفا من حرفين، ويلحق به الحرف الواحد المفهم مثل (ق) - فعل أمر من الوقاية - فتبطل الصلاة به بل الظاهر قدح الحرف الواحد غير المفهم أيضا، مثل حروف المباني التي تتألف منها الكلمة، أو حروف المعاني، مثل همزة الاستفهام، ولام الاختصاص.

(مسألة ٦٧١): لا تبطل الصلاة بالتنحنح والنفخ، والأنين، والتأوه ونحوها وإذا قال: آه، أو آه من ذنوبي، فإن كان شكاية إليه تعالى لم تبطل، وإلا بطلت.

(مسألة ٦٧٢): لا فرق في الكلام المبطل عمدا، بين أن يكون مع مخاطب أولا، وبين أن يكون مضطرا فيه أو مختارا، نعم لا بأس بالتكلم سهوا ولو لاعتقاد الفراغ من الصلاة.

(مسألة ٦٧٣): لا بأس بالذكر، والدعاء، وقراءة القرآن في جميع أحوال الصلاة، وأما الدعاء بالمحرم فالظاهر عدم البطلان به وإن كانت الإعادة أحوط.

(مسألة ٦٧٤): إذا لم يكن الدعاء مناجاة له سبحانه، بل كان المخاطب غيره كما إذا قال لشخص " غفر الله لك " فالأحوط إن لم يكن أقوى عدم جوازه.

(مسألة ٦٧٥): الظاهر عدم جواز تسميت العاطس في الصلاة.

السلام على المصلي ورده

(مسألة ٦٧٦): لا يجوز للمصلي ابتداء السلام ولا غيره من أنواع التحية نعم يجوز رد السلام بل يجب، وإذا لم يرد ومضى في صلاته صحت وإن أثم.

(مسألة ٦٧٧): يجب أن يكون رد السلام في أثناء الصلاة بمثل ما سلم فلو قال المسلم: " سلام عليكم "، يجب أن يكون جواب المصلي " سلام عليكم "، بل الأحوط وجوبا المماثلة في التعريف، والتنكير والافراد، والجمع، نعم إذا سلم المسلم بصيغة الجواب بأن قال مثلا: عليك السلام جاز الرد بأي صيغة كان وأما في غير حال الصلاة فيستحب الرد بالأحسن فيقول في سلام عليكم: عليكم السلام، أو بضميمة ورحمة الله وبركاته.

(مسألة ٦٧٨): إذا سلم بالملحون وجب الجواب، والأحوط كونه صحيحا.

(مسألة ٦٧٩): إذا كان المسلم صبيا مميزا، أو امرأة، فالظاهر وجوب الرد.

(مسألة ٦٨٠): يجب إسماع رد السلام في حالة الصلاة وغيرها إلا أن يكون المسلم أصم، أو كان بعيدا ولو بسبب المشي سريعا، وحينئذ فالأولى الجواب على النحو المتعارف في الرد.

(مسألة ٦٨١): إذا كانت التحية بغير السلام مثل: " صبحك الله بالخير " لم يجب الرد وإن كان أحوط وأولى، وإذا أراد الرد في الصلاة فالأحوط - وجوبا - الرد بقصد الدعاء على نحو يكون المخاطب به الله تعالى مثل: " اللهم صبحه بالخير ".

(مسألة ٦٨٢): يكره السلام على المصلي.

(مسألة ٦٨٣): إذا سلم واحد على جماعة كفى رد واحد منهم، وإذا سلم واحد على جماعة منهم المصلي فرد واحد منهم لم يجز له الرد، وإن كان الراد صبيا مميزا فالأحوط الرد والإعادة، وإذا شك المصلي في أن المسلم قصده مع الجماعة لم يجز الرد وإن لم يرد واحد منهم.

(مسألة ٦٨٤): إذا سلم مرات عديدة كفى في الجواب مرة، وإذا سلم بعد الجواب احتاج أيضا إلى الجواب من دون فرق بين المصلي وغيره.

(مسألة ٦٨٥): إذا سلم على شخص مردد بين شخصين، لم يجب على واحد منهما الرد، وفي الصلاة لا يجوز الرد.

(مسألة ٦٨٦): إذا تقارن شخصان في السلام، وجب على كل منهما الرد على الآخر على الأحوط.

(مسألة ٦٨٧): إذا سلم سخرية، أو مزاحا، فالظاهر عدم وجوب الرد.

(مسألة ٦٨٨): إذا قال: سلام، بدون عليكم، فالأحوط في الصلاة الجواب بذلك أيضا.

(مسألة ٦٨٩): إذا شك المصلي في أن السلام كان بأي صيغة فالظاهر جواز الجواب بكل من الصيغ الأربع المتعارفة.

(مسألة ٦٩٠): يجب رد السلام فورا، فإذا أخر عصيانا أو نسيانا حتى خرج عن صدق الجواب لم يجب الرد، وفي الصلاة لا يجوز وإذا شك في الخروج عن الصدق وجب على الأحوط وإن كان في الصلاة فالأحوط الرد وإعادة الصلاة بعد الاتمام.

(مسألة ٦٩١): لو اضطر المصلي إلى الكلام في الصلاة لدفع الضرر عن النفس، أو غيره تكلم وبطلت صلاته.

(مسألة ٦٩٢): إذا ذكر الله تعالى في الصلاة، أو دعا أو قرأ القرآن على غير وجه العبادة بل بقصد التنبيه على أمر من دون قصد القربة لم تبطل الصلاة، نعم لو لم يقصد الذكر، ولا الدعاء، ولا القرآن، وإنما جرى على لسانه مجرد التلفظ بطلت.

الخامس: القهقهة: وهي الضحك المشتمل على الصوت والترجيع ولا بأس بالتبسم وبالقهقهة سهوا.

(مسألة ٦٩٣): لو امتلأ جوفه ضحكا واحمر ولكن حبس نفسه عن اظهار الصوت لم تبطل صلاته، والأحوط - استحبابا - الاتمام والإعادة.

السادس: تعمد البكاء المشتمل على الصوت، بل غير المشتمل عليه على الأحوط وجوبا، إذا كان لأمور الدنيا، أو لذكر ميت، فإذا كان خوفا من الله تعالى، أو شوقا إلى رضوانه، أو تذللا له تعالى، ولو لقضاء حاجة دنيوية، فلا بأس به، وكذا ما كان منه على سيد الشهداء (ع) إذا كان راجعا إلى الآخرة، كما لا بأس به إذا كان سهوا، أما إذا كان اضطرارا بأن غلبه البكاء فلم يملك نفسه، فالظاهر أنه مبطل أيضا.

السابع: الأكل والشرب، وإن كانا قليلين، إذا كان ماحيين للصورة أما إذا لم يكونا كذلك ففي البطلان بهما اشكال، ولا بأس بابتلاع السكر المذاب في الفم، وبقايا الطعام، ولو أكل أو شرب سهوا فإن بلغ حد محو الصورة بطلت صلاته كما تقدم، وإن لم يبلغ ذلك فلا بأس به.

(مسألة ٦٩٤): يستثنى من ذلك ما إذا كان عطشانا مشغولا في دعاء الوتر، وقد نوى أن يصوم، وكان الفجر قريبا يخشى مفاجأته، والماء أمامه، أو قريبا منه قدر خطوتين، أو ثلاثا، فإنه يجوز له التخطي والارتواء ثم الرجوع إلى مكانه ويتم صلاته والأحوط الاقتصار على الوتر المندوب دون ما كان واجبا كالمنذور، ولا يبعد التعدي من الدعاء إلى سائر الأحوال، كما لا يبعد التعدي من الوتر إلى سائر النوافل، ولا يجوز التعدي من الشرب إلى الأكل. الثامن: التكفير، وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى، كما يتعارف عند غيرنا، فإنه مبطل للصلاة إذا أتى به بقصد الجزئية من الصلاة وأما إذا لم يقصد به الجزئية بل أتى به بقصد الخضوع، والتأدب في الصلاة ففي بطلان الصلاة به اشكال، والأحوط وجوبا الاتمام ثم الإعادة، نعم هو حرام حرمة تشريعية مطلقا، هذا فيما إذا وقع التكفير عمدا وفي حال الاختيار، وأما إذا وقع سهوا أو تقية، أو كان الوضع لغرض آخر غير التأدب، من حك جسده ونحوه، فلا بأس به. التاسع: تعمد قول " آمين " بعد تمام الفاتحة، إماما كان أو مأموما أو منفردا، أخفت بها، أو جهر، فإنه مبطل إذا قصد الجزئية، أو لم يقصد به الدعاء، وإذا كان سهوا فلا بأس به، وكذا إذا كان تقية، بل قد يجب، وإذا تركه حينئذ أثم وصحت صلاته على الأظهر.

(مسألة ٦٩٥): إذا شك بعد السلام في أنه أحدث في أثناء الصلاة أو فعل ما يوجب بطلانها، بنى على العدم.

(مسألة ٦٩٦): إذا علم أنه نام اختيارا، وشك في أنه أتم الصلاة ثم نام، أو نام في أثنائها غفلة عن كونه في الصلاة، بنى على صحة الصلاة، وأما إذا احتمل أن نومه كان عن عمد، وابطالا منه للصلاة فالظاهر وجوب الإعادة، وكذلك إذا علم أنه غلبه النوم قهرا، وشك في أنه كان في أثناء الصلاة، أو بعدها، كما إذا رأى نفسه في السجود وشك في أنه سجود الصلاة، أو سجود الشكر.

(مسألة ٦٩٧): لا يجوز قطع الفريضة اختيارا على الأحوط، ويجوز لضرورة دينية، أو دنيوية، كحفظ المال، وأخذ العبد من الإباق، والغريم من الفرار، والدابة من الشراد، ونحو ذلك، بلا لا يبعد جوازه لأي غرض يتهم به دينيا كان، أو دنيويا وإن لم يلزم من فواته ضرر، فإذا صلى في المسجد وفي الأثناء علم أن فيه نجاسة، جاز القطع وإزالة النجاسة كما تقدم، ويجوز قطع النافلة مطلقا، وإن كانت منذورة، لكن الأحوط استحبابا الترك، بل الأحوط استحبابا ترك قطع النافلة في غير مورد جواز قطع الفريضة.

(مسألة ٦٩٨): إذا وجب القطع فتركه، واشتغل بالصلاة أثم. وصحت صلاته.

(مسألة ٦٩٩): يكره في الصلاة الالتفات بالوجه قليلا وبالعين والعبث باليد، واللحية والرأس، والأصابع، والقران بين السورتين، ونفخ موضع السجود، والبصاق، وفرقعة الأصابع، والتمطي والتثاؤب، ومدافعة البول والغائط والريح، والتكاسل والتناعس، والتثاقل والامتخاط، ووصل إحدى القدمين بالأخرى بلا فصل بينهما، وتشبيك الأصابع، ولبس الخف، أو الجورب الضيق، وحديث النفس، والنظر إلى نقش الخاتم والمصحف والكتاب، ووضع اليد على الورك متعمدا، وغير ذلك مما ذكر في المفصلات. ختام: تستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله لمن ذكره أو ذكر عنده، ولو كان في الصلاة، من دون فرق بين ذكره باسمه الشريف، أو لقبه، أو كنيته، أو بالضمير.

(مسألة ٧٠٠): إذا ذكر اسمه مكررا استحب تكرارها، وإن كان في أثناء التشهد لم يكتف بالصلاة التي هي جزء منه.

استحباب الصلاة على النبي (ص)

(مسألة ٧٠١): الظاهر كون الاستحباب على الفور، ولا يعتبر فيها كيفية خاصة، نعم لا بد من ضم آله عليهم السلام إليه في الصلاة عليه صلى الله عليه وآله.


المقصد السادس

صلاة الآيات

وفيه مباحث:

المبحث الأول

وجوب صلاة الآيات

تجب هذه الصلاة على كل مكلف - عدا الحائض والنفساء - عند كسوف الشمس، وخسوف القمر، ولو بعضهما، وكذا عند الزلزلة، وكل مخوف سماوي، كالريح السوداء، والحمراء، والصفراء، والظلمة الشديدة والصاعقة، والصيحة، والنار التي تظهر في السماء، بل عند كل مخوف أرضي أيضا على الأحوط، كالهدة، والخسف، وغير ذلك من المخاوف.

(مسألة ٧٠٢): لا يعتبر الخوف في وجوب الصلاة للكسوف والخسوف وكذا الزلزلة على الأقوى، ويعتبر في وجوبها للمخوف حصول الخوف لغالب الناس، فلا عبرة بغير المخوف، ولا بالمخوف النادر.


المبحث الثاني

وقت صلاة الكسوفين

وقت صلاة الكسوفين من حين الشروع في الانكساف إلى تمام الانجلاء والأحوط استحبابا إتيانها قبل الشروع في الانجلاء، وإذا لم يدرك المصلي من الوقت إلا مقدار ركعة صلاها أداءا، وإن أدرك أقل من ذلك صلاها من دون تعرض للأداء والقضاء، هذا فيما إذا كان الوقت في نفسه واسعا وأما إذا كان زمان الكسوف، أو الخسوف قليلا في نفسه، ولا يسع مقدارا الصلاة، ففي وجوب صلاة الآيات حينئذ إشكال، والاحتياط لا يترك، وأما سائر الآيات فثبوت الوقت فيها محل إشكال، فتجب المبادرة إلى الصلاة بمجرد حصولها، وإن عصى فبعده إلى آخر العمر، على الأحوط.

(مسألة ٧٠٣): إذا لم يعلم بالكسوف إلى تمام الانجلاء، ولم يكن القرص محترقا كله لم يجب القضاء، وأما إن كان عالما به وأهمل ولو نسيانا أو كان القرص محترقا كله وجب القضاء، وكذا إذا صلى صلاة فاسدة.

(مسألة ٧٠٤): غير الكسوفين من الآيات إذا تعمد تأخير الصلاة له عصى، ووجب الاتيان بها ما دام العمر على الأحوط، وكذا إذا علم ونسي، وإذا لم يعلم حتى مضى الوقت، أو الزمان المتصل بالآية فالأحوط الوجوب أيضا.

(مسألة ٧٠٥): يختص الوجوب بمن في بلد الآية، وما يلحق به مما يشترك معه في رؤية الآية نوعا، ولا يضر الفصل بالنهر كدجلة والفرات، نعم إذا كان البلد عظيما جدا بنحو لا يحصل الرؤية لطرف منه عند وقوع الآية في الطرف الآخر اختص الحكم بطرف الآية.

(مسألة ٧٠٦): إذا حصل الكسوف في وقت فريضة يومية واتسع وقتهما تخير في تقديم أيهما شاء، وإن ضاق وقت إحداهما دون الأخرى قدمها، وإن ضاق وقتهما قدم اليومية، وإن شرع في إحداهما فتبين ضيق وقت الأخرى على وجه يخاف فوتها على تقدير إتمامها، قطعها وصلى الأخرى لكن إذا كان قد شرع في صلاة الآية فتبين ضيق اليومية فبعد القطع وأداء اليومية يعود إلى صلاة الآية من محل القطع، إذا لم يقع منه مناف غير الفصل باليومية.

(مسألة ٧٠٧): يجوز قطع صلاة الآية وفعل اليومية إذا خاف فوت فضيلتها ثم يعود إلى صلاة الآية من محل القطع.


المبحث الثالث

كيفية صلاة الآيات

صلاة الآيات ركعتان، في كل واحدة خمسة ركوعات ينتصب بعد كل واحد منها، وسجدتان بعد الانتصاب من الركوع الخامس، ويتشهد بعدهما ثم يسلم، وتفصيل ذلك أن يحرم مقارنا للنية كما في سائر الصلوات. ثم يقرأ الحمد وسورة. ثم يركع، ثم يرفع رأسه منتصبا فيقرأ الحمد وسورة، ثم يركع، وهكذا حتى يتم خمسة ركوعات، ثم ينتصب بعد الركوع الخامس، ويهوي إلى السجود، فيسجد سجدتين ثم يقوم ويصنع كما صنع أولا، ثم يتشهد ويسلم.

(مسألة ٧٠٨): يجوز أن يفرق سورة واحدة على الركوعات الخمسة، فيقرأ بعد الفاتحة في القيام الأول، بعضا من سورة، آية كان أو أقل من آية، أو أكثر، ثم يركع، ثم يرفع رأسه ويقرأ بعضا آخر من حيث قطع أولا، ثم يركع، ثم يرفع رأسه ويقرأ بعضا آخر من حيث قطع ثم يركع. وهكذا يصنع في القيام الرابع والخامس حتى يتم سورة، ثم يسجد السجدتين، ثم يقوم ويصنع كما صنع في الركعة الأولى، فيكون قد قرأ في كل ركعة فاتحة واحدة، وسورة تامة موزعة على الركوعات الخمسة، ويجوز أن يأتي بالركعة الأولى على النحو الأول وبالثانية على النحو الثاني ويجوز العكس، كما أنه يجوز تفريق السورة على أقل من خمسة ركوعات، لكن يجب عليه في القيام اللاحق لانتهاء السورة الابتداء بالفاتحة وقراءة سورة تامة أو بعض سورة، وإذا لم يتم السورة في القيام السابق، لم تشرع له الفاتحة في اللاحق، بل يقتصر على القراءة من حيث قطع، نعم إذا لم يتم السورة في القيام الخامس فركع فيه عن بعض سورة وجبت عليه قراءة الفاتحة بعد القيام للركعة الثانية.

(مسألة ٧٠٩): حكم هذه الصلاة حكم الثنائية في البطلان بالشك في عدد الركعات، وإذا شك في عدد الركوعات بنى على الأقل، إلا أن يرجع إلى الشك في الركعات، كما إذا شك في أنه الخامس أو السادس فتبطل.

(مسألة ٧١٠): ركوعات هذه الصلاة أركان تبطل بزيادتها، ونقصها عمدا، وسهوا كاليومية، ويعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة اليومية من أجزاء وشرائط، وأذكار، واجبة، ومندوبة وغير ذلك. كما يجري فيها أحكام السهو، والشك في المحل وبعد التجاوز.

مستحبات صلاة الآيات

(مسألة ٧١١): يستحب فيها القنوت بعد القراءة قبل الركوع في كل قيام زوج، ويجوز الاقتصار على قنوتين في الخامس والعاشر، ويجوز الاقتصار على الأخير منهما، ويستحب التكبير عند الهوي إلى الركوع وعند الرفع عنه، إلا في الخامس والعاشر فيقول: " سمع الله لمن حمده " بعد الرفع من الركوع.

(مسألة ٧١٢): يستحب ايتانها بالجماعة أداءا كان، أو قضاءا مع احتراق القرص وعدمه، ويتحمل الإمام فيها القراءة، لا غيرها كاليومية وتدرك بادراك الإمام قبل الركوع الأول، أو فيه من كل ركعة، أما إذا أدركه في غيره ففيه اشكال.

(مسألة ٧١٣): يستحب التطويل في صلاة الكسوف إلى تمام الانجلاء فإن فرغ قبله جلس في مصلاه مشتغلا بالدعاء، أو يعيد الصلاة، نعم إذا كان إماما يشق على من خلفه التطويل خفف، ويستحب قراءة السور الطوال كياسين، والنور، والكهف، والحجر، وإكمال السورة في كل قيام، وأن يكون كل من الركوع، والسجود بقدر القراءة في التطويل والجهر بالقراءة ليلا، أو نهارا، حتى في كسوف الشمس على الأصح، وكونها تحت السماء، وكونها في المسجد.

(مسألة ٧١٤): يثبت الكسوف وغيره من الآيات بالعلم، وبشهادة العدلين، بل بشهادة الثقة الواحد أيضا على الأظهر، ولا يثبت بأخبار الرصدي إذا لم يوجب العلم.

(مسألة ٧١٥): إذا تعدد السبب تعدد الواجب، والأحوط استحبابا التعيين مع اختلاف السبب نوعا، كالكسوف والزلزلة.


المقصد السابع

صلاة القضاء

يجب قضاء الصلاة اليومية التي فاتت في وقتها عمدا، أو سهوا، أو جهلا، أو لأجل النوم المستوعب للوقت، أو لغير ذلك، وكذا إذا أتى بها فاسدة لفقد جزء أو شرط يوجب فقده البطلان، ولا يجب قضاء ما تركه المجنون في حال جنونه، أو الصبي في حال صباه، أو المغمى عليه إذا لم يكن بفعله، أو الكافر الأصلي في حال كفره، وكذا ما تركته الحائض أو النفساء مع استيعاب المانع تمام الوقت، أما المرتد فيجب عليه قضاء ما فاته حال الارتداد بعد توبته، وتصح منه وإن كان عن فطرة على الأقوى والأحوط وجوبا القضاء على المغمى عليه إذا كان بفعله.

(مسألة ٧١٦): إذا بلغ الصبي، وأفاق المجنون، والمغمى عليه، في أثناء الوقت وجب عليه الأداء إذا أدركوا مقدار ركعة مع الشرائط فإذا تركوا وجب القضاء، وأما الحائض، أو النفساء إذا طهرت في أثناء الوقت فإن تمكنت من الصلاة والطهارة المائية وجب عليها الأداء، فإن فاتها وجب القضاء، وكذلك إن لم تتمكن من الطهارة المائية لمرض، أو لعذر آخر وتمكنت من الطهارة الترابية، وأما إذا لم تتمكن من الطهارة المائية لضيق الوقت فالأحوط أن تأتي بالصلاة مع التيمم، لكنها إذا لم تصل لم يجب القضاء.

(مسألة ٧١٧): إذا طرأ الجنون، أو الاغماء بعد ما مضى من الوقت مقدار يسع الصلاة فقط وجب القضاء فيما إذا كان متمكنا من تحصيل الشرائط قبل الوقت، ويعتبر في وجوب القضاء فيما إذا طرأ الحيض، أو النفاس مضي مقدار يسع الصلاة والطهارة من الحدث.

(مسألة ٧١٨): المخالف إذا استبصر يقضي ما فاته أيام خلافه أو أتى به على نحو كان يراه فاسدا في مذهبه، وإلا فليس عليه قضاؤه والأحوط استحبابا الإعادة مع بقاء الوقت، ولا فرق بين المخالف الأصلي وغيره.

(مسألة ٧١٩): يجب القضاء على السكران، من دون فرق بين الاختياري، وغيره، والحلال، والحرام.

(مسألة ٧٢٠): يجب قضاء غير اليومية من الفرائض، عدا العيدين حتى النافلة المنذورة في وقت معين، على الأظهر.

(مسألة ٧٢١): يجوز القضاء في كل وقت من الليل والنهار، وفي الحضر والسفر، نعم يقضي ما فاته قصرا قصرا ولو في الحضر، وما فاته تماما تماما ولو في السفر، وإذا كان في بعض الوقت حاضرا، وفي بعضه مسافرا قضى ما وجب عليه في آخر الوقت.

(مسألة ٧٢٢): إذا فاتته الصلاة في بعض أماكن التخيير قضى قصرا، ولو لم يخرج من ذلك المكان، فضلا عما إذا خرج ورجع، أو خرج ولم يرجع، وإذا كان الفائت مما يجب فيه الجمع بين القصر والتمام احتياطا، فالقضاء كذلك.

(مسألة ٧٢٣): يستحب قضاء النوافل الرواتب بل غيرها، ولا يتأكد قضاء ما فات منها حال المرض، وإذا عجز عن قضاء الرواتب استحب له الصدقة عن كل ركعتين بمد، وإن لم يتمكن فمد لصلاة الليل، ومد لصلاة النهار.

(مسألة ٧٢٤): لا يعتبر الترتيب في قضاء الفوائت غير اليومية لا بعضها مع بعض ولا بالنسبة إلى اليومية، وأما الفوائت اليومية فيجب الترتيب بينها إذا كانت مترتبة بالأصل كالظهرين، أو العشائين، من يوم واحد، أما إذا لم تكن كذلك فاعتبار الترتيب بينها في القضاء على نحو الترتيب في الفوات، بأن يقضي الأول فواتا فالأول محل إشكال، والأظهر عدم الاعتبار، من دون فرق بين العلم به والجهل.

(مسألة ٧٢٥): إذا علم أن عليه إحدى الصلوات الخمس يكفيه صبح، ومغرب، ورباعية بقصد ما في الذمة، مرددة بين الظهر، والعصر، والعشاء، وإذا كان مسافرا يكفيه مغرب، وثنائية بقصد ما في الذمة مرددة بين الأربع، وإن لم يعلم أنه كان مسافرا، أو حاضرا، يأتي بثنائية مرددة بين الأربع، ورباعية مرددة بين الثلاث، ومغرب، ويتخير في المرددة في جميع الفروض بين الجهر والاخفات.

(مسألة ٧٢٦): إذا علم أن عليه اثنتين من الخمس، مرددتين في الخمس من يوم، وجب عليه الاتيان بأربع صلوات، فيأتي بصبح، ثم رباعية مرددة بين الظهر، والعصر، ثم مغرب، ثم رباعية مرددة بين العصر والعشاء. وإن كان مسافرا، يكفيه ثلاث صلوات ثنائية، مرددة بين الصبح والظهر، والعصر، ومغرب، ثم ثنائية مرددة بين الظهر والعصر، والعشاء وإن لم يعلم أنه كان مسافرا، أو حاضرا، أتى بخمس صلوات، فيأتي بثنائية مرددة بين الصبح، والظهر، والعصر، ثم برباعية مرددة بين الظهر، والعصر، ثم بمغرب، ثم بثنائية مرددة بين الظهر والعصر، والعشاء، ثم برعاية مرددة بين العصر، والعشاء.

(مسألة ٧٢٧): إذا علم أن عليه ثلاثا من الخمس، وجب عليه الاتيان بالخمس، وإن كان الفوت في السفر، يكفيه أربع صلوات ثنائية، مرددة بين الصبح، والظهر، وثنائية أخرى، مرددة بين الظهر، والعصر، ثم مغرب، ثم ثنائية، مرددة بين العصر، والعشاء، وإذا علم بفوات أربع منها، أتى بالخمس تماما. إذا كان في الحضر، وقصرا إذا كان في السفر، ويعلم حال بقية الفروض مما ذكرنا، والمدار في الجميع على حصول العلم باتيان ما اشتغلت به الذمة ولو على وجه الترديد.

(مسألة ٧٢٨): إذا شك في فوات فريضة، أو فرائض لم يجب القضاء وإذا علم بالفوات وتردد بين الأقل والأكثر جاز له الاقتصار على الأقل وإن كان الأحوط استحبابا التكرار حتى يحصل العلم بالفراغ.

(مسألة ٧٢٩): لا يجب الفور في القضاء، فيجوز التأخير ما لم يحصل التهاون في تفريغ الذمة.

(مسألة ٧٣٠): لا يجب تقديم القضاء على الحاضرة، فيجوز الاتيان بالحاضرة لمن عليه القضاء ولو كان ليومه، بل يستحب ذلك إذا خاف فوت فضيلة الحاضرة، وإلا استحب تقديم الفائتة، وإن كان الأحوط تقديم الفائتة، خصوصا في فائتة ذلك اليوم، بل يستحب العدول إليها من الحاضرة إذا غفل وشرع فيها.

(مسألة ٧٣١): يجوز لمن عليه القضاء الاتيان بالنوافل على الأقوى.

(مسألة ٧٣٢): يجوز الاتيان بالقضاء جماعة، سواء أكان الإمام قاضيا - أيضا - أم مؤديا، بل يستحب ذلك، ولا يجب اتحاد صلاة الإمام والمأموم.

(مسألة ٧٣٣): يجب لذوي الأعذار تأخير القضاء إلى زمان رفع العذر، فيما إذا علم بارتفاع العذر بعد ذلك، ويجوز البدار، إذا علم بعدم ارتفاعه إلى آخر العمر، بل إذا احتمل بقاء العذر وعدم ارتفاعه أيضا، لكن إذا قضى وارتفع العذر وجبت الإعادة، فيما إذا كان الخلل في الأركان، ولا تجب الإعادة إذا كان الخلل في غيرها.

(مسألة ٧٣٤): إذا كان عليه فوائت وأراد أن يقضيها في ورد واحد أذن وأقام للأولى، واقتصر على الإقامة في البواقي، والظاهر أن السقوط رخصة.

(مسألة ٧٣٥): يستحب تمرين الطفل على أداء الفرائض، والنوافل وقضائها، بل على كل عبادة، والأقوى مشروعية عباداته، فإذا بلغ في أثناء الوقت وقد صلى أجزأت.

(مسألة ٧٣٦): يجب على الولي حفظ الطفل عن كل ما فيه خطر على نفسه، وعن كل ما علم من الشرع كراهة وجوده ولو من الصبي كالزنا، واللواط، وشرب الخمر، والنميمة ونحوها، وفي وجوب الحفظ عن أكل النجاسات، والمتنجسات، وشربها، إذا لم تكن مضرة، إشكال وإن كان الأظهر الجواز، ولا سيما في المتنجسات، ولا سيما مع كون النجاسة منهم، أو من مساورة بعضهم لبعض، كما أن الظاهر جواز إلباسهم الحرير، والذهب.

(مسألة ٧٣٧): يجب على ولي الميت وهو الولد الأكبر حال الموت أن يقضي ما فات أباه من الفرائض اليومية وغيرها، لعذر من مرض ونحوه، ولا يبعد اختصاص وجوب القضاء بما إذا تمكن أبوه من قضائه ولم يقضه، والأحوط استحبابا إلحاق الأكبر الذكر في جميع طبقات المواريث على الترتيب في الإرث بالابن، والأحوط احتياطا لا يترك إلحاق ما فاته عمدا، أو أتى به فاسدا بما فاته من عذر، والأولى الحاق الأم بالأب.

(مسألة ٧٣٨): إذا كان الولي حال الموت صبيا، أو مجنونا وجب عليه القضاء إذا بلغ، أو عقل.

(مسألة ٧٣٩): إذا تساوى الذكران في السن وجب عليهما على نحو الوجوب الكفائي، بلا فرق بين امكان التوزيع، كما إذا تعدد الفائت، وعدمه كما إذا اتحد، أو كان وترا.

(مسألة ٧٤٠): إذا اشتبه الأكبر بين شخصين، أو أشخاص فالأحوط الأولى العمل على نحو الوجوب الكفائي.

(مسألة ٧٤١): لا يجب على الولي قضاء ما فات الميت مما وجب عليه أداؤه عن غيره بإجارة، أو غيرها.

(مسألة ٧٤٢): قيل: يجب القضاء على الولي ولو كان ممنوعا عن الإرث بقتل، أو رق، أو كفر ولكن لا يبعد اختصاص الوجوب بغيره.

(مسألة ٧٤٣): إذا مات الأكبر بعد موت أبيه، لا يجب القضاء على غيره، من إخوته الأكبر فالأكبر، ولا يجب اخراجه من تركته.

(مسألة ٧٤٤): إذا تبرع شخص عن الميت سقط عن الولي وكذا إذا استأجره الولي، أو الوصي عن الميت بالاستئجار من ماله وقد عمل الأجير، أما إذا لم يعمل لم يسقط.

(مسألة ٧٤٥): إذا شك في فوات شئ من الميت لم يجب القضاء وإذا شك في مقداره جاز له الاقتصار على الأقل.

(مسألة ٧٤٦): إذا لم يكن للميت ولي، أو فاته ما لا يجب على الولي قضاؤه، فالأقوى عدم وجوب القضاء عنه من صلب المال وإن كان القضاء أحوط استحبابا بالنسبة إلى غير القاصرين من الورثة.

(مسألة ٧٤٧): المراد من الأكبر من لا يوجد أكبر منه سنا وإن وجد من هو أسبق منه بلوغا، أو أسبق انعقادا للنطفة.

(مسألة ٧٤٨): لا يجب الفور في القضاء عن الميت ما لم يبلغ حد الاهمال.

(مسألة ٧٤٩): إذا علم أن على الميت فوائت، ولكن لا يدري أنها فاتت لعذر من المرض، أو نحوه، أو لا لعذر، فالأحوط لزوما القضاء.

(مسألة ٧٥٠): في أحكام الشك والسهو يراعي الولي تكليف نفسه اجتهادا، أو تقليدا، وكذا في أجزاء الصلاة وشرائطها.

(مسألة ٧٥١): إذا مات في أثناء الوقت بعد مضي مقدار الصلاة بحسب حاله قبل أن يصلي، وجب على الولي قضاؤها على الأحوط.


المقصد الثامن

صلاة الاستئجار

لا تجوز النيابة عن الأحياء في الواجبات ولو مع عجزهم عنها، إلا في الحج إذا كان مستطيعا وكان عاجزا عن المباشرة، فيجب أن يستنيب من يحج عنه، وتجوز النيابة عنهم في مثل الحج المندوب وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وقبور الأئمة عليهم السلام، بل تجوز النيابة في جميع المستحبات رجاءا، كما تجوز النيابة عن الأموات في الواجبات والمستحبات، ويجوز اهداء ثواب العمل إلى الأحياء والأموات في الواجبات والمستحبات، كما ورد في بعض الروايات، وحكي فعله عن بعض أجلاء أصحاب الأئمة (ع) بأن يطلب من الله سبحانه أن يعطي ثواب عمله لآخر حي أو ميت.

(مسألة ٧٥٢): يجوز الاستئجار للصلاة ولسائر العبادات عن الأموات، وتفرغ ذمتهم بفعل الأجير، من دون فرق بين كون المستأجر وصيا، أو وليا، أو وارثا، أو أجنبيا.

(مسألة ٧٥٣): يعتبر في الأجير العقل، والايمان، والبلوغ، ويعتبر أن يكون عارفا بأحكام القضاء على وجه يصح منه الفعل، ويجب أن ينوي بعمله الاتيان بما في ذمة الميت امتثالا للأمر المتوجه إلى النائب نفسه بالنيابة الذي كان استحبابا قبل الإجارة وصار وجوبيا بعدها، كما إذا نذر النيابة عن الميت فالمتقرب بالعمل هو النائب، ويترتب عليه فراغ ذمة الميت.

(مسألة ٧٥٤): يجوز استئجار كل من الرجل والمرأة عن الرجل والمرأة، وفي الجهر والاخفات يراعى حال الأجير، فالرجل يجهر بالجهرية وإن كان نائبا عن المرأة، والمرأة لا جهر عليها وإن نابت عن الرجل.

(مسألة ٧٥٥): لا يجوز استئجار ذوي الأعذار كالعاجز عن القيام أو عن الطهارة الخبيثة، أو ذي الجبيرة، أو المسلوس، أو المتيمم إلا إذا تعذر غيرهم، بل الأظهر عدم صحة تبرعهم عن غيرهم، وإن تجدد للأجير العجز انتظر زمان القدرة.

(مسألة ٧٥٦): إذا حصل للأجير شك أو سهو يعمل بأحكامهما بمقتضى تقليده أو اجتهاده، ولا يجب عليه إعادة الصلاة، هذا مع إطلاق الإجارة وإلا لزم العمل على مقتضى الإجارة، فإذا استأجره على أن يعيد مع الشك أو السهو تعين ذلك، وكذا الحكم في سائر أحكام الصلاة، فمع اطلاق الإجارة يعمل الأجير على مقتضى اجتهاده أو تقليده، ومع تقييد الإجارة يعمل على ما يقتضيه التقييد.

(مسألة ٧٥٧): إذا كانت الإجارة على نحو المباشرة لا يجوز للأجير أن يستأجر غيره للعمل، ولا لغيره أن يتبرع عنه فيه، أما إذا كانت مطلقة جاز له أن يستأجر غيره، ولكن لا يجوز أن يستأجره بأقل من الأجرة في إجارة نفسه إلا إذا أتى ببعض العمل، أو يستأجره بغير جنس الأجرة.

(مسألة ٧٥٨): إذا عين المستأجر للأجير مدة معينة فلم يأت بالعمل كله أو بعضه فيها لم يجز الاتيان به بعدها إلا بإذن من المستأجر وإذا أتى به بعدها بدون إذنه لم يستحق الأجرة وإن برئت ذمة المنوب عنه بذلك.

(مسألة ٧٥٩): إذا تبين بطلان الإجارة بعد العمل استحق الأجير أجرة المثل، وكذا إذا فسخت لغبن أو غيره.

(مسألة ٧٦٠): إذا لم تعين كيفية العمل من حيث الاشتمال على المستحبات يجب الاتيان به على النحو المتعارف.

(مسألة ٧٦١): إذا نسي الأجير بعض المستحبات وكان مأخوذا في متعلق الإجارة نقص من الأجرة بنسبته.

(مسألة ٧٦٢): إذا تردد العمل المستأجر عليه بين الأقل والأكثر جاز الاقتصار على الأقل، وإذا تردد بين متباينين وجب الاحتياط بالجمع.

(مسألة ٧٦٣): يجب تعيين المنوب عنه ولو اجمالا، مثل أن ينوي من قصده المستأجر أو صاحب المال أو نحو ذلك.

(مسألة ٧٦٤): إذا وقعت الإجارة على تفريغ ذمة الميت فتبرع عن الميت متبرع ففرغت ذمته انفسخت الإجارة إن لم يمض زمان يتمكن الأجير فيه من الاتيان بالعمل، وإلا كان عليه أجرة المثل، أما إذا كانت الإجارة على نفس العمل عنه فلا تنفسخ فيما إذا كان العمل مشروعا بعد فراغ ذمته، فيجب على الأجير العمل على طبق الإجارة.

(مسألة ٧٦٥): يجوز الاتيان بصلاة الاستئجار جماعة إماما كان الأجير أم مأموما، لكن يعتبر في صحة الجماعة، إذا كان الإمام أجيرا العلم باشتغال ذمة المنوب عنه بالصلاة، فإذا كانت احتياطية كانت الجماعة باطلة.

(مسألة ٧٦٦): إذا مات الأجير قبل الاتيان بالعمل المستأجر عليه واشترطت المباشرة فإن لم يمض زمان يتمكن الأجير من الاتيان بالعمل فيه بطلت الإجارة، ووجب على الوارث رد الأجرة المسماة من تركته وإلا كان عليه أدام أجرة مثل العمل من تركته وإن كانت أكثر من الأجرة المسماة، وإن لم تشترط بالمباشرة وجب على الوارث الاستئجار من تركته، كما في سائر الديون المالية، وإذا لم تكن له تركة لم يجب على الوارث شئ ويبقى الميت مشغول الذمة بالعمل أو بالمال.

(مسألة ٧٦٧): يجب على من عليه واجب من الصلاة والصيام أن يبادر إلى القضاء إذا ظهرت أمارات الموت بل إذا لم يطمئن بالتمكن من الامتثال إذا لم يبادر فإن عجز وجب عليه الوصية به، ويخرج من ثلثه كسائر الوصايا، وإذا كان عليه دين مالي للناس ولو كان مثل الزكاة والخمس ورد المظالم وجب عليه المبادرة إلى وفائه، ولا يجوز التأخير وإن علم ببقائه حيا. وإذا عجز عن الوقاء وكانت له تركة وجب عليه الوصية بها إلى ثقة مأمون ليؤديها بعد موته، وهذه تخرج من أصل المال وإن لم يوص بها.

(مسألة ٧٦٨): إذا آجر نفسه لصلاة شهر مثلا فشك في أن المستأجر عليه صلاة السفر أو الحضر ولم يمكن الاستعلام من المؤجر وجب الاحتياط بالجمع، وكذا لو آجر نفسه لصلاة وشك في أنها الصبح أو الظهر مثلا وجب الاتيان بهما.

(مسألة ٧٦٩): إذا علم أن على الميت فوائت ولم يعلم أنه أتى بها قبل موته أو لا استؤجر عنه.

(مسألة ٧٧٠): إذا آجر نفسه لصلاة أربع ركعات من الزوال في يوم معين إلى الغروب فأخر حتى بقي من الوقت مقدار أربع ركعات ولم يصل عصر ذلك اليوم وجب الاتيان بصلاة العصر، وللمستأجر حينئذ فسخ الإجارة والمطالبة بالأجرة المسماة، وله أن لا يفسخها ويطالب بأجرة المثل، وإن زادت على الأجرة المسماة.

(مسألة ٧٧١): الأحوط اعتبار عدالة الأجير حال الاخبار بأنه أدى ما استؤجر عليه، وإن كان الظاهر كفاية كونه ثقة في تصديقه إذا أخبر بالتأدية.


المقصد التاسع

الجماعة

وفيه فصول:

الفصل الأول

استحباب صلاة الجماعة

تستحب الجماعة في جميع الفرائض غير صلاة الطواف، فإن الأحوط لزوما عدم الاكتفاء فيها بالاتيان بها جماعة مؤتما، ويتأكد الاستحباب في اليومية خصوصا في الأدائية، وخصوصا في الصبح والعشائين ولها ثواب عظيم، وقد ورد في الحث عليها والذم على تركها أخبار كثيرة، ومضامين عالية، لم يرد مثلها في أكثر المستحبات.

(مسألة ٧٧٢): تجب الجماعة في الجمعة والعيدين مع اجتماع شرائط الوجوب وهي حينئذ شرط في صحتها، ولا تجب بالأصل في غير ذلك، نعم قد تجب بالعرض لنذر أو نحوه، أو لضيق الوقت عن إدراك ركعة إلا بالائتمام، أو لعدم تعلمه القراءة مع قدرته عليها أو لغير ذلك.

(مسألة ٧٧٣): لا تشرع الجماعة لشئ من النوافل الأصلية وإن وجبت بالعارض لنذر أو نحوه، حتى صلاة الغدير على الأقوى، إلا في صلاة العيدين مع عدم اجتماع شرائط الوجوب، وصلاة الاستسقاء.

(مسألة ٧٧٤): يجوز اقتداء من يصلي إحدى الصلوات اليومية بمن يصلي الأخرى، وإن اختلفا بالجهر والاخفات، والأداء والقضاء، والقصر والتمام وكذا مصلي الآية بمصلي الآية وإن اختلف الآيتان، ولا يجوز اقتداء مصلي اليومية بمصلي العيدين، أو الآيات، أو صلاة الأموات بل صلاة الطواف على الأحوط وجوبا، وكذا الحكم في العكس، كما لا يجوز الاقتداء في صلاة الاحتياط وكذا في الصلوات الاحتياط كما في موارد العلم الاجمالي بوجوب القصر أو الاتمام إلا إذا اتحدت الجهة الموجبة للاحتياط، كأن يعلم الشخصان إجمالا بوجوب القصر أو التمام فيصليان جماعة قصرا أو تماما.

(مسألة ٧٧٥): أقل عدد تنعقد به الجماعة في غير الجمعة والعيدين اثنان الإمام ولو كان المأموم امرأة أو صبيا على الأقوى، وأما في الجمعة والعيدين فلا تنعقد إلا بخمسة أحدهم الإمام.

(مسألة ٧٧٦): تنعقد الجماعة بنية المأموم للائتمام ولو كان الإمام جاهلا بذلك غير ناو للإمامة فإذا لم ينو المأموم لم تنعقد، نعم في صلاة الجمعة والعيدين لا بد من نية الإمام للإمامة بأن ينوي الصلاة التي يجعله المأموم فيها إماما، وكذا إذا كانت صلاة الإمام معادة جماعة.

(مسألة ٧٧٧): لا يجوز الاقتداء بالمأموم لإمام آخر، ولا بشخصين ولو اقترنا في الأقوال والأفعال، ولا بأحد شخصين على الترديد، ولا تنعقد الجماعة إن فعل ذلك، ويكفي التعيين الاجمالي مثل أن ينوي الائتمام بإمام هذه الجماعة، أو بمن يسمع صوته، وإن تردد ذلك المعين بين شخصين.

(مسألة ٧٧٨): إذا شك في أنه نوى الائتمام أم لا بنى على العدم وأتم منفردا، إلا إذا علم أنه قام بنية الدخول في الجماعة وظهرت عليه أحوال الائتمام من الانصات ونحوه، واحتمل أنه لم ينو الائتمام غفلة فإنه لا يبعد حينئذ جواز الاتمام جماعة.

(مسألة ٧٧٩): إذا نوى الاقتداء بشخص على أنه زيد فبان عمروا فإن لم يكن عمرو عادلا بطلت جماعته، بل صلاته إذا وقع فيها ما يبطل الصلاة عمدا وسهوا، وإلا صحت، وإن كان عمرو عادلا صحت جماعته وصلاته.

(مسألة ٧٨٠): إذا صلى اثنان وعلم بعد الفراغ أن نية كل منهما كانت الإمامة للآخر صحت صلاتهما، وإذا علم أن نية كل منهما كانت الائتمام بالآخر استأنف كل منهما الصلاة إذا كانت مخالفة لصلاة المنفرد.

(مسألة ٧٨١): لا يجوز نقل نية الائتمام من إمام إلى آخر اختيارا إلا أن يعرض للإمام ما يمنعه من اتمام صلاته من موت، أو جنون، أو اغماء، أو حدث، أو تذكر حدث سابق على الصلاة، فيجوز للمأمومين تقديم إمام آخر إتمام صلاتهم معه، والأقوى اعتبار أن يكون الإمام الآخر منهم.

(مسألة ٧٨٢): لا يجوز للمنفرد العدول إلى الائتمام في الأثناء.

(مسألة ٧٨٣): يجوز العدول عن الائتمام إلى الانفراد اختيارا في جميع أحوال الصلاة على الأقوى، إذا لم يكن ذلك من نيته في أول الصلاة وإلا فصحت الجماعة لا تخلو من إشكال.

(مسألة ٧٨٤): إذا نوى الانفراد في أثناء قراءة الإمام وجبت عليه القراءة من الأول، بل وكذلك إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام قبل الركوع، على الأحوط.

(مسألة ٧٨٥): إذا نوى الانفراد صار منفردا ولا يجوز له الرجوع إلى الائتمام، وإذا تردد في الانفراد وعدمه ثم عزم على عدمه ففي جواز بقائه على الائتمام إشكال.

(مسألة ٧٨٦): إذا شك في أنه عدل إلى الانفراد أولا بنى على العدم.

(مسألة ٧٨٧): لا يعتبر في الجماعة قصد القربة، لا بالنسبة إلى الإمام ولا بالنسبة إلى المأموم، فإذا كان قصد الإمام أو المأموم غرضا دنيويا مباحا مثل الفرار من الشك، أو تعب القراءة، أو غير ذلك صحت وترتبت عليها أحكام الجماعة ولكن لا يترتب عليها ثواب الجماعة.

(مسألة ٧٨٨): إذا نوى الاقتداء سهوا أو جهلا بمن يصلي صلاة لا اقتداء فيها، كما إذا كانت نافلة فإن تذكر قبل الاتيان بما ينافي صلاة المنفرد عدل إلى الانفراد وصحت صلاته، وكذا تصح إذا تذكر بعد الفراغ ولم يحصل منه ما يوجب بطلان صلاة المنفرد عمدا أو سهوا وإلا بطلت.

(مسألة ٧٨٩): تدرك الجماعة بالدخول في الصلاة من أول قيام الإمام للركعة إلى منتهى ركوعه، فإذا دخل مع الإمام في حال قيامه قبل القراءة أو في أثنائها، أو بعدها قبل الركوع، أو في حال الركوع فقد أدرك الركعة، ولا يتوقف إدراكها على الاجتماع معه في الركوع، فإذا أدركه قبل الركوع وفاته الركوع معه فقد أدرك الركعة ووجبت عليه المتابعة في غيره، ويعتبر في ادراكه في الركوع أن يصل إلى حد الركوع قبل أن يرفع الإمام رأسه ولو كان بعد فراغه من الذكر، بل لا يبعد تحقق الادراك للركعة بوصوله إلى حد الركوع، والإمام لم يخرج عن حده وإن كان هو مشغولا بالهوي والإمام مشغولا بالرفع، لكنه لا يخلو من إشكال ضعيف.

(مسألة ٧٩٠): إذا ركع بتخيل ادراك الإمام راكعا فتبين عدم ادراكه بطلت صلاته، وكذا إذا شك في ذلك.

(مسألة ٧٩١): الظاهر جواز الدخول في الركوع مع احتمال ادراك الإمام راكعا، فإن أدركه صحت الجماعة والصلاة، وإلا بطلت الصلاة.

(مسألة ٧٩٢): إذا نوى وكبر فرفع الإمام رأسه قبل أن يصل إلى الركوع تخير بين المضي منفردا والعدول إلى النافلة، ثم الرجوع إلى الائتمام بعد اتمامها.

(مسألة ٧٩٣): إذا أدرك الإمام وهو في التشهد الأخير يجوز له أن يكبر للاحرام ويجلس معه ويتشهد بنية القربة المطلقة على الأحوط وجوبا فإذا سلم الإمام قام لصلاته من غير حاجة إلى استئناف التكبير ويحصل له بذلك فضل الجماعة وإن لم تحصل له ركعة، وكذا إذا أدركه في السجدة الأولى أو الثانية من الركعة الأخيرة، فإن يكبر للاحرام ويسجد معه السجدة أو السجدتين ويتشهد بنية القربة المطلقة على الأحوط وجوبا ثم يقوم بعد تسليم الإمام فيكبر للاحرام والأولى أن يكبر مرددا بين تكبيرة الاحرام والذكر المطلق ويدرك بذلك فضل الجماعة وتصح صلاته.

(مسألة ٧٩٤): إذا حضر المكان الذي فيه الجماعة فرأى الإمام راكعا وخاف أن الإمام يرفع رأسه إن التحق بالصف، كبر للاحرام في مكانه وركع، ثم مشى في ركوعه أو بعده، أو في سجوده، أو بين السجدتين أو بعدهما، أو حال القيام للثانية والتحق بالصف، سواء أكان المشي إلى الإمام، أم إلى الخلف، أم إلى أحد الجانبين، بشرط أن لا ينحرف عن القبلة، وأن لا يكون مانع آخر غير البعد من حائل وغيره وإن كان الأحوط استحبابا انتفاء البعد المانع من الاقتداء أيضا، ويجب ترك الاشتغال بالقراءة وغيرها مما يعتبر فيه الطمأنينة حال المشي، والأولى جر الرجلين حاله.


الفصل الثاني

ما يعتبر في انعقاد الجماعة

يعتبر في انعقاد الجماعة أمور:

الأول: أن لا يكون بين الإمام والمأموم حائل، وكذا بين بعض المأمومين مع الآخر ممن يكون واسطة في الاتصال بالإمام، ولا فرق بين كون الحائل ستارا أو جدارا أو شجرا أو غير ذلك، ولو كان شخص انسان واقفا، نعم لا بأس باليسير كمقدار شبر ونحوه، هذا إذا كان المأموم رجلا، أما إذا كان امرأة فلا بأس بالحائل بينها وبين الإمام أو المأمومين إذا كان الإمام رجلا، أما إذا كان الإمام امرأة فالحكم كما في الرجل.

(مسألة ٧٩٥): الأحوط استحبابا المنع في الحيلولة بمثل الزجاج والشبابيك والجدران المخرمة، ونحوها مما لا يمنع من الرؤية، ولا بأس بالنهر والطريق إذا لم يكن فيهما البعد المانع كما سيأتي، ولا بالظلمة والغبار.

الثاني: أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأموم علوا دفعيا كالأبنية ونحوها، بل تسريحا قريبا من التسنيم كسفح الجبل ونحوه نعم لا بأس بالتسريحي الذي يصدق معه كون الأرض منبسطة، كما لا بأس بالدفعي اليسير إذا كان دون الشبر، ولا بأس أيضا بعلو موقف المأموم من موقف الإمام بمقدار يصدق معه الجماعة عرفا.

الثالث: أن لا يتباعد المأموم عن الإمام أو عن بعض المأمومين بما لا يتخطى بأن لا يكون بين موقف الإمام ومسجد المأموم المقدار المذكور وكذا بين موقف المتقدم ومسجد المتأخر، وبين أهل الصف الواحد بعضهم مع بعض، والأفضل بل الأحوط عدم الفصل بين موقف السابق ومسجد اللاحق.

(مسألة ٧٩٦): البعد المذكور إنما يقدح في اقتداء المأموم إذا كان البعد متحققا في تمام الجهات فبعد المأموم من جهة لا يقدح في جماعته إذا كان متصلا بالمأمومين من جهة أخرى، فإذا كان الصف الثاني أطول من الأول فطرفه وإن كان بعيدا عن الصف الأول إلا أنه لا يقدح في صحة

ائتمامه، لاتصاله بمن على يمينه أو على يساره من أهل صفه، وكذا إذا تباعد أهل الصف الثاني بعضهم عن بعض فإنه لا يقدح ذلك في صحة ائتمامهم لاتصال كل واحد منهم بأهل الصف المتقدم، نعم لا يأتي ذلك في أهل الصف الأول فإن البعيد منهم عن المأموم الذي هو في جهة الإمام لما لم يتصل من الجهة الأخرى بواحد من المأمومين تبطل جماعته.

الرابع: أن لا يتقدم المأموم على الإمام في الموقف، بل الأحوط وجوبا أن لا يساويه، وأن لا يتقدم عليه في مكان سجوده وركوعه وجلوسه بل الأحوط وجوبا وقوف المأموم خلف الإمام إذا كان متعددا هذا في جماعة الرجال، وأما في جماعة النساء فالأحوط أن تقف الإمام في وسطهن ولا تتقدمهن.

(مسألة ٧٩٧): الشروط المذكورة شروط في الابتداء والاستدامة فإذا حدث الحائل أو البعد أو علو الإمام أو تقدم المأموم في الأثناء بطلت الجماعة، وإذا شك في حدوث واحد منها بعد العلم بعدمه بنى على العدم على الأحوط مع عدم سبق العلم بالعدم لم يجز الدخول إلا مع إحراز العدم وكذا إذا حدث شك بعد الدخول غفلة، وإن شك في ذلك بعد الفراغ من الصلاة فإن علم بوقوع ما يبطل الفرادى أعادها، إن كان قد دخل في الجماعة غفلة وإلا بنى على الصحة، وإن لم يعلم بوقوع ما يبطل الفرادى بنى على الصحة والأحوط - استحبابا - الإعادة في الصورتين.

(مسألة ٧٩٨): لا تقدح حيلولة بعض المأمومين عن بعضهم وإن لم يدخلوا في الصلاة إذا كانوا متهيئين للصلاة.

(مسألة ٧٩٩): إذا انفرد بعض المأمومين أو انتهت صلاته كما لو كانت صلاة قصرا فقد انفرد من يتصل به إلا إذا عاد إلى الجماعة بلا فصل.

(مسألة ٨٠٠): لا بأس بالحائل غير المستقر كمرور انسان ونحوه نعم إذا اتصلت المارة بطلت الجماعة.

(مسألة ٨٠١): إذا كان الحائل مما يتحقق معه المشاهدة حال الركوع لثقب في وسطه مثلا، أو حال القيام لثقب في أعلاه، أو حال الهوي إلى السجود لثقب في أسفله، فالأقوى عدم انعقاد الجماعة، فلا يجوز الائتمام.

(مسألة ٨٠٢): إذا دخل في الصلاة مع وجود الحائل وكان جاهلا به لعمى أو نحوه لم تصح الجماعة، فإن التفت قبل أن يعمل ما ينافي صلاة المنفرد ولو سهوا أتم منفردا وصحت صلاته، وكذلك تصح لو كان قد فعل ما لا ينافيها إلا عمدا كترك القراءة.

(مسألة ٨٠٣): الثوب الرقيق الذي يرى الشبح من ورائه حائل لا يجوز الاقتداء معه.

(مسألة ٨٠٤): لو تجدد البعد في الأثناء بطلت الجماعة وصار منفردا، فإذا لم يلتفت إلى ذلك وبقي على نية الاقتداء فإن أتى بما ينافي صلاة المنفرد من زيادة ركوع أو سجود مما تضر زيادته سهوا وعمدا بطلت صلاته، وإن لم يأت بذلك أو أتى بما لا ينافي إلا في صورة العمد صحت صلاته كما تقدم في (مسألة ٨٠٢).

(مسألة ٨٠٥): لا يضر الفصل بالصبي المميز إذا كان مأموما فيما إذا احتمل أن صلاته صحيحة عنده.

(مسألة ٨٠٦): إذا كان الإمام في محراب داخل في جدار أو غيره لا يجوز ائتمام من على يمينه ويساره لوجود الحائل، أما الصف الواقف خلفه فتصح صلاتهم جميعا وكذا الصفوف المتأخرة وكذا إذا انتهى المأمومون إلى باب فإنه تصح صلاة تمام الصف الواقف خلف الباب لاتصالهم بمن هو يصلي في الباب، وإن كان الأحوط استحبابا الاقتصار في الصحة على من هو بحيال الباب دون من على يمينه ويساره من أهل صفه.


الفصل الثالث

ما يشترط في إمام الجماعة

يشترط في إمام الجماعة مضافا إلى الايمان والعقل وطهارة المولد، أمور:

الأول: الرجولة إذا كان المأموم رجلا، فلا تصح إمامة المرأة إلا للمرأة وفي صحة إمامة الصبي لمثله إشكال، ولا بأس بها تمرينا.

الثاني: العدالة فلا تجوز الصلاة خلف الفاسق، ولا بد من إحرازها ولو بالوثوق الحاصل من أي سبب كان، فلا تجوز الصلاة خلف مجهول الحال.

الثالث: أن يكون الإمام صحيح القراءة، إذا كان الائتمام في الأوليين وكان المأموم صحيح القراءة، بل مطلقا على الأحوط لزوما.

الرابع: أن لا يكون أعرابيا - أي من سكان البوادي - ولا ممن جرى عليه الحد الشرعي على الأحوط.

(مسألة ٨٠٧): لا بأس في أن يأتم الأفصح بالفصيح، والفصيح. بغيره، إذا كان يؤدي القدر الواجب.

(مسألة ٨٠٨): لا تجوز إمامة القاعد للقائم، ولا المضطجع للقاعد وتجوز إمامة القائم لهما، كما تجوز إمامة القاعد لمثله، وفي جواز إمامة القاعد أو المضطجع للمضطجع إشكال، وتجوز أمامة المتيمم للمتوضئ وذي الجبيرة لغيره، والمسلوس والمبطون والمستحاضة لغيرهم، والمضطر إلى الصلاة في النجاسة لغيره.

(مسألة ٨٠٩): إذا تبين للمأموم بعد الفراغ من الصلاة أن الإمام فاقد لبعض شرائط صحة الصلاة أو الإمامة صحت صلاته، إذا لم يقع فيها ما يبطل الفرادى وإلا أعادها، وإن تبين في الأثناء أتمها في الفرض الأول وأعادها في الثاني.

(مسألة ٨١٠): إذا اختلف المأموم والإمام في أجزاء الصلاة وشرائطها اجتهادا أو تقليدا، فإن علم المأموم بطلان صلاة الإمام واقعا ولو بطريق معتبر لم يجز له الائتمام به، وإلا جاز، وكذا إذا كان الاختلاف بينهما في الأمور الخارجية، بأن يعتقد الإمام طهارة ماء فتوضأ به والمأموم يعتقد نجاسته، أو يعتقد الإمام طهارة الثوب فيصلي به، ويعتقد المأموم نجاسته فإنه لا يجوز الائتمام في الفرض الأول، ويجوز في الفرض الثاني، ولا فرق فيما ذكرنا بين الابتداء والاستدامة، والمدار على علم المأموم بصحة صلاة الإمام في حق الإمام، هذا في غير ما يتحمله الإمام عن المأموم، وأما فيما يتحمله كالقراءة ففيه تفصيل، فإن من يعتقد وجوب السورة - مثلا - ليس له أن يأتم قبل الركوع بمن لا يأتي بها لاعتقاده عدم وجوبها، نعم إذا ركع الإمام جاز الائتمام به.


الفصل الرابع

في أحكام الجماعة

(مسألة ٨١١): لا يتحمل الإمام عن المأموم شيئا من أفعال الصلاة وأقوالها غير القراءة في الأوليين إذا ائتم به فيهما فتجزيه قراءته، ويجب عليه متابعته في القيام، ولا تجب عليه الطمأنينة حاله حتى في حال قراءة الإمام.

(مسألة ٨١٢): الظاهر عدم جواز القراءة للمأموم في أوليي الاخفاتية إذا كانت القراءة بقصد الجزئية، والأفضل له أن يشتغل بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، وأما في الأوليين من الجهرية فإن سمع صوت الإمام ولو همهمة وجب عليه ترك القراءة بل الأحوط الانصات لقراءته، وإن لم يسمع حتى الهمهمة جازت له القراءة بقصد القربة، وبقصد الجزئية والأحوط استحبابا الأول، وإذا شك في أن ما يسمعه صوت الإمام أو غيره فالأقوى الجواز، ولا فرق في عدم السماع بين أسبابه من صمم أو بعد أو غيرهما.

(مسألة ٨١٣): إذا أدرك الإمام في الأخيرتين وجب عليه قراءة الحمد والسورة، وإن لزم من قراءة السورة فوات المتابعة في الركوع اقتصر على الحمد، وإن لزم ذلك من إتمام الحمد، فالأحوط - لزوما - الانفراد، بل الأحوط استحبابا له إذا لم يحرز التمكن من إتمام الفاتحة قبل ركوع الإمام عدم الدخول في الجماعة حتى يركع الإمام، ولا قراءة عليه.

(مسألة ٨١٤): يجب على المأموم الاخفات في القراءة سواء أكانت واجبة - كما في المسبوق بركعة أو ركعتين - أم غير واجبة كما في غيره حيث تشرع له القراءة، وإن جهر نسيانا أو جهلا صحت صلاته، وإن كان عمدا بطلت.

(مسألة ٨١٥): يجب على المأموم متابعة الإمام في الأفعال، بمعنى أن لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه تأخرا فاحشا، والأحوط الأولى عدم المقارنة، وأما الأقوال فالظاهر عدم وجوبها فيها فيجوز التقدم فيها والمقارنة عدا تكبيرة الاحرام، وإن تقدم فيها كانت الصلاة فرادى، بل الأحوط وجوبا عدم المقارنة فيها، كما أن الأحوط المتابعة في الأقوال خصوصا مع السماع وفي التسليم.

(مسألة ٨١٦): إذا ترك المتابعة عمدا لم يقدح ذلك في صلاته ولكن تبطل جماعته فيتمها فرادى، نعم إذا كان ركع قبل الإمام في حال قراءة الإمام بطلت صلاته، إذا لم يكن قرأ لنفسه، بل الحكم كذلك إذا ركع بعد قراءة الإمام على الأحوط.

(مسألة ٨١٧): إذا ركع أو سجد قبل الإمام عمدا انفرد في صلاته ولا يجوز له أن يتابع الإمام فيأتي بالركوع أو السجود ثانيا للمتابعة وإذا انفرد اجتزأ بما وقع منه من الركوع والسجود وأتم، وإذا ركع أو سجد قبل الإمام سهوا فالأحوط له المتابعة بالعودة إلى الإمام بعد الاتيان بالذكر ولا يلزمه الذكر في الركوع أو السجود بعد ذلك مع الإمام، وإذا لم يتابع عمدا صحت صلاته وبطلت جماعته.

(مسألة ٨١٨): إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام عمدا، فإن كان قبل الذكر بطلت صلاته إن كان متعمدا في تركه، وإلا صحت صلاته وبطلت جماعته، وإن كان بعد الذكر صحت صلاته وأتمها منفردا، ولا يجوز له أن يرجع إلى الجماعة فيتابع الإمام بالركوع أو السجود ثانيا وإن رفع رأسه من الركوع أو السجود سهوا رجع إليهما وإذا لم يرجع عمدا انفرد وبطلت جماعته، وإن لم يرجع سهوا صحت صلاته وجماعته وإن رجع وركع للمتابعة فرفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حد الركوع بطلت صلاته.

(مسألة ٨١٩): إذا رفع رأسه من السجود فرأى الإمام ساجدا فتخيل أنه في الأولى فعاد إليها بقصد المتابعة فتبين أنها الثانية اجتزأ بها وإذا تخيل الثانية فسجد أخرى بقصد الثانية فتبين أنها الأولى حسبت للمتابعة.

(مسألة ٨٢٠): إذا زاد الإمام سجدة أو تشهد أو غيرهما مما لا تبطل الصلاة بزيادته سهوا لم تجب على المأموم متابعته، وإن نقص شيئا لا يقدح نقصه سهوا، فعله المأموم.

(مسألة ٨٢١): يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع والسجود أزيد من الإمام، وكذلك إذا ترك بعض الأذكار المستحبة، مثل تكبير الركوع والسجود أن يأتي بها، وإذا ترك الإمام جلسة الاستراحة لعدم كونها واجبة عنده لا يجوز للمأموم المقلد لمن يقول بوجوبها أو بالاحتياط الوجوبي أن يتركها، وكذا إذا اقتصر في التسبيحات على مرة مع كون المأموم مقلدا لمن يوجب الثلاث لا يجوز له الاقتصار على المرة، وهكذا الحكم في غير ما ذكر.

(مسألة ٨٢٢): إذا حضر المأموم الجماعة ولم يدر أن الإمام في الأوليين أو الأخيرتين جاز أن يقرأ الحمد والسورة بقصد القربة، فإن تبين كونه في الأخيرتين وقعت في محلها، وإن تبين كونه في الأوليين لا يضره.

(مسألة ٨٢٣): إذا أدرك المأموم ثانية الإمام تحمل عنه القراءة فيها وكانت أولى صلاته ويتابعه في القنوت وكذلك في الجلوس للتشهد متجافيا على الأحوط وجوبا، ويستحب له التشهد فإذا كان في ثالثة الإمام تخلف عنه في القيام فيجلس للتشهد ثم يلحق الإمام، وكذا في كل واجب عليه دون الإمام، والأفضل له أن يتابعه في الجلوس للتشهد إلى أن يسلم ثم يقوم إلى الرابعة، ويجوز له أن يقوم بعد السجدة الثانية من رابعة الإمام التي هي ثالثته، وينفرد إذا لم يكن قصد الانفراد من أول صلاته.

(مسألة ٨٢٤): يجوز لم صلى منفردا أن يعيد صلاته جماعة إماما كان أم مأموما، وكذا إذا كان قد صلى جماعة إماما أو مأموما فإن له أن يعيدها في جماعة أخرى إماما، ويشكل صحة ذلك، فيما إذا صلى كل من الإمام والمأموم منفردا، وأرادا إعادتها جماعة من دون أن يكون في الجماعة من لم يؤد فريضته، ومع ذلك فلا بأس بالإعادة رجاءا.

(مسألة ٨٢٥): إذا ظهر بعد الإعادة أن الصلاة الأولى كانت باطلة اجتزأ بالمعادة.

(مسألة ٨٢٦): لا تشرع الإعادة منفردا، إلا إذا احتمل وقوع خلل في الأولى، وإن كانت صحيحة ظاهرا.

(مسألة ٨٢٧): إذا دخل الإمام في الصلاة باعتقاد دخول الوقت والمأموم لا يعتقد ذلك لا يجوز الدخول معه، وإذا دخل الوقت في أثناء صلاة الإمام فالأحوط لزوما أن لا يدخل معه.

(مسألة ٨٢٨): إذا كان في نافلة فأقيمت الجماعة وخاف من إتمامها عدم إدراك الجماعة ولو بعدم إدراك التكبيرات مع الإمام استحب له قطعها بل لا يبعد استحبابه بمجرد شروع المقيم في الإقامة، وإذا كان في فريضة عدل استحبابا إلى النافلة وأتمها ركعتين ثم دخل في الجماعة، هذا إذا لم يتجاوز محل العدول، وإذا خاف بعد العدول من إتمامها ركعتين فوت الجماعة جاز له قطعها وإن خاف ذلك قبل العدول لم يجز العدول بنية القطع بل يعدل بنية الاتمام، لكن إذا بدا له أن يقطع قطع.

(مسألة ٨٢٩): إذا لم يحرز الإمام من نفسه العدالة فجواز ترتيبه آثار الجماعة لا يخلو من إشكال، بل الأقوى عدم الجواز، وفي كونه آثما بذلك إشكال، والأظهر العدم.

(مسألة ٨٣٠): إذا شك المأموم بعد السجدة الثانية من الإمام أنه سجد معه السجدتين أو واحدة يجب عليه الاتيان بأخرى إذا لم يتجاوز المحل.

(مسألة ٨٣١): إذا رأى الإمام يصلي ولم يعلم أنها من اليومية أو من النوافل لا يصح الاقتداء به، وكذا إذا احتمل أنها من الفرائض التي لا يصبح اقتداء اليومية بها، وأما إن علم أنها من اليومية لكن لم يدر أنها أية صلاة من الخمس، أو أنها قضاء أو أداء، أو أنها قصر أو تمام فلا بأس بالاقتداء به فيها.

(مسألة ٨٣٢): الصلاة إماما أفضل من الصلاة مأموما.

(مسألة ٨٣٣): قد ذكروا أنه يستحب للإمام أن يقف محاذيا لوسط الصف الأول، وأن يصلي بصلاة أضعف المأمومين فلا يطيل إلا مع رغبة المأمومين بذلك، وأن يسمع من خلفه القراءة والأذكار فيما لا يجب الاخفات فيه، وأن يطيل الركوع إذا أحس بداخل بمقدار مثلي ركوعه المعتاد، وأن لا يقوم من مقامه إذا أتم صلاته حتى يتم من خلفه صلاته.

(مسألة ٨٣٤): الأحوط لزوما للمأموم أن يقف عن يمين الإمام متأخرا عنه قليلا إن كان رجلا واحد، ويقف خلفه إن كان امرأة، وإذا كان رجل وامرأة وقف الرجل خلف الإمام والمرأة خلفه، وإن كانوا أكثر اصطفوا خلفه وتقدم الرجال على النساء، ويستحب أن يقف أهل الفضل في الصف الأول، وأفضلهم في يمين الصف، وميامن الصفوف أفضل من مياسرها، والأقرب إلى الإمام أفضل، وفي صلاة الأموات الصف الأخير أفضل، ويستحب تسوية الصفوف، وسد الفرج، والمحاذاة بين المناكب، واتصال مساجد الصف اللاحق بمواقف السابق، والقيام عند قول المؤذن: " قد قامت الصلاة " قائلا: " اللهم أقمها وأدمها واجعلني من خير صالحي أهلها "، وأن يقول عند فراغ الإمام من الفاتحة: " الحمد لله رب العالمين ".

(مسألة ٨٣٥): يكره للمأموم الوقوف في صف وحده إذا وجد موضعا في الصفوف، والتنفل بعد الشروع في الإقامة، وتشتد الكراهة عند قول المقيم: " قد قامت الصلاة " والتكلم بعدها إلا إذا كان الإقامة الجماعة كتقديم إمام ونحو ذلك، وإسماع الإمام ما يقوله من أذكار، وأن يأتم المتم بالقصر، وكذا العكس.


المقصد العاشر

الخلل الواقع في الصلاة

من أخل بشئ من أجزاء الصلاة وشرائطها عمدا بطلت صلاته ولو كان بحرف أو حركة من القراءة أو الذكر، وكذا من زاد فيها جزءا عمدا قولا أو فعلا، من غير فرق في ذلك كله بين الركن وغيره، ولا بين كونه موافقا لأجزاء الصلاة أو مخالفا، ولا بين أن يكون ناويا ذلك في الابتداء أو في الأثناء.

(مسألة ٨٣٦): لا تتحقق الزيادة في غير الركوع والسجود إلا بقصد الجزئية للصلاة، فإن فعل شيئا لا بقصدها مثل حركة اليد وحك الجسد ونحو ذلك مما يفعله المصلي لا بقصد الصلاة لم يقدح فيها، إلا أن يكون ماحيا لصورتها.

(مسألة ٨٣٧): من زاد جزءا سهوا فإن كان ركوعا أو سجدتين من ركعة واحدة بطلت صلاته وإلا لم تبطل.

(مسألة ٨٣٨): من نقص جزءا سهوا فإن التفت قبل فوات محله تداركه وما بعده، وإن كان بعد فوات محله فإن كان ركنا بطلت صلاته وإلا صحت، وعليه قضاؤه بعد الصلاة إذا كان المنسي سجدة واحدة وكذلك إذا كان المنسي تشهدا على الأحوط كما سيأتي. ويتحقق فوات محل الجزء المنسي بأمور:

الأول: الدخول في الركن اللاحق كمن نسي قراءة الحمد أو السورة أو بعضا منهما، أو الترتيب بينهما، والتفت بعد الوصول إلى حد الركوع فإنه يمضي في صلاته، أما إذا التفت قبل الوصول إلى حد الركوع فإنه يرجع ويتدارك الجزء وما بعده على الترتيب، وإن كان المنسي ركنا كمن نسي السجدتين حتى ركع بطلت صلاته، وإذا التفت قبل الوصول إلى حد الركوع تداركهما، وإذا نسي سجدة واحدة أو تشهدا أو بعضه أو الترتيب بينهما حتى ركع صحت صلاته ومضى، وإن ذكر قبل الوصول إلى حد الركوع تدارك المنسي وما بعده على الترتيب، وتجب عليه في بعض هذه الفروض سجدتا السهو، كما سيأتي تفصيله.

الثاني: الخروج من الصلاة، فمن نسي السجدتين حتى سلم وأتى بما ينافي الصلاة عمدا أو سهوا بطلت صلاته، وإذا ذكر قبل الاتيان به رجع وأتى بهما وتشهد وسلم ثم سجد سجدتي السهو للسلام الزائد، وكذلك من نسي إحداهما أو التشهد أو بعضه حتى سلم ولم يأت بالمنافي فإنه يرجع ويتدارك المنسي ويتم صلاته ويسجد سجدتي السهو، وإذا ذكر ذلك بعد الاتيان بالمنافي صحت صلاته ومضى، وعليه قضاء المنسي والاتيان بسجدتي السهو على ما يأتي.

الثالث: الخروج من الفعل الذي يجب فيه فعل ذلك المنسي، كمن نسي الذكر أو الطمأنينة في الركوع أو السجود حتى رفع رأسه فإنه يمضي، وكذا إذا نسي وضع بعض المساجد الستة في محله، نعم إذا نسي القيام حال القراءة أو التسبيح وجب أن يتداركهما قائما إذا ذكر قبل الركوع.

(مسألة ٨٣٩): من نسي الانتصاب بعد الركوع حتى سجد أو هوى إلى السجود مضى في صلاته، والأحوط - استحبابا - الرجوع إلى القيام ثم الهوي إلى السجود إذا كان التذكر قبل السجود، وإعادة الصلاة إذا كان التذكر بعده، وأما إذا كان التذكر بعد الدخول في السجدة الثانية مضى في صلاته ولا شئ عليه، وإذا نسي الانتصاب بين السجدتين حتى جاء بالثانية مضى في صلاته، وإذا ذكره حال الهوي إليها رجع وتداركه وإذا سجد على المحل المرتفع أو المنخفض أو المأكول أو الملبوس أو النجس وذكر بعد رفع الرأس من السجود أعاد السجود، على ما تقدم.

(مسألة ٨٤٠): إذا نسي الركوع حتى سجد السجدتين أعاد الصلاة، وإن ذكر قبل الدخول في الثانية فلا يبعد الاجتزاء بتدارك الركوع والاتمام وإن كان الأحوط - استحبابا - الإعادة أيضا.

(مسألة ٨٤١): إذا ترك سجدتين وشك في أنهما من ركعة أو ركعتين، فإن كان الالتفات إلى ذلك بعد الدخول في الركن لم يبعد الاجتزاء بقضاء سجدتين، وإن كان قبل الدخول في الركن، فإن احتمل أن كلتيهما من اللاحقة فلا يبعد الاجتزاء بتدارك السجدتين، والاتمام وإن علم أنهما إما من السابقة أو إحداهما منها والأخرى من اللاحقة فلا يبعد الاجتزاء بتدارك سجدة وقضاء أخرى، والأحوط استحبابا الإعادة في الصور الثلاث.

(مسألة ٨٤٢): إذا علم أنه فاتته سجدتان من ركعتين - من كل ركعة سجدة - قضاهما وإن كانتا من الأوليين.

(مسألة ٨٤٣): من نسي التسليم وذكره قبل فعل المنافي تداركه وصحت صلاته، وإن كان بعده صحت صلاته، والأحوط استحبابا الإعادة.

(مسألة ٨٤٤): إذا نسي ركعة من صلاته أو أكثر فذكر قبل التسليم قام وأتى بها، وكذا إذا ذكرها بعد التسليم قبل فعل المنافي، وإذا ذكرها بعده بطلت صلاته.

(مسألة ٧٤٥): إذا فاتت الطمأنينة في القراءة أو في التسبيح، أو في التشهد سهوا مضى، ولكن لا يترك الاحتياط الاستحبابي بتدارك القراءة أو غيرها بنية القربة المطلقة، وإذا فاتت في ذكر الركوع أو السجود فذكر قبل أن يرفع رأسه أعاد الذكر على الأظهر.

(مسألة ٨٤٦): إذا نسي الجهر والاخفات وذكر لم يلتفت ومضى سواء أكان الذكر في أثناء القراءة، أم التسبيح، أم بعدهما، والجهل بالحكم يلحق بالنسيان في ذلك. فصل في الشك:

فصل الشك وأحكامه

(مسألة ٨٤٧): من شك ولم يدر أنه صلى أم لا، فإن كان في الوقت صلى، وإن كان بعد خروج الوقت لم يلتفت، والظن بفعل الصلاة حكمه حكم الشك في التفصيل المذكور، وإذا شك في بقاء الوقت بنى على بقائه، وحكم كثير الشك في الاتيان بالصلاة وعدمه حكم غيره فيجري فيه التفصيل المذكور من الإعادة في الوقت وعدمها بعد خروجه، وأما الوسواسي فيبني على الاتيان وإن كان في الوقت. وإذا شك في الظهرين في الوقت المختص بالعصر بنى على وقوع الظهر وأتى بالعصر، وإذا شك وقد بقي من الوقت مقدار أداء ركعة أتى بالصلاة، وإذا كان أقل لم يلتفت، وإذا شك في فعل الظهر وهو في العصر عدل بنيته إلى الظهر وأتمها ظهرا.

(مسألة ٨٤٨): إذا شك في جزء أو شرط للصلاة بعد الفراغ منها لم يلتفت، وإذا شك في التسليم فإن كان شكه في صحته لم يلتفت وكذا إن كان شكه في وجوده وقد أتى بالمنافي حتى مع السهو، وأما إذا كان شكه قبل ذلك فاللازم هو التدارك والاعتناء بالشك.

(مسألة ٨٤٩): كثير الشك لا يعتني بشكه، سواء أكان الشك في عدد الركعات، أم في الأفعال، أم في الشرائط، فيبني على وقوع المشكوك فيه إلا إذا كان وجوده مفسدا فيبني على عدمه، كما لو شك بين الأربع والخمس، أو شك في أنه أتى بركوع أو ركوعين مثلا فإن البناء على وجود الأكثر مفسد فيبني على عدمه.

(مسألة ٨٥٠): إذا كان كثير الشك في مورد خاص من فعل أو زمان أو مكان اختص عدم الاعتناء به، ولا يتعدى إلى غيره.

(مسألة ٨٥١): المرجع في صدق كثرة الشك هو العرف، نعم إذا كان يشك في كل ثلاث صلوات متواليات مرة فهو كثير الشك، ويعتبر في صدقها أن لا يكون ذلك من جهة عروض عارض من خوف أو غضب أو هم أو نحو ذلك مما يوجب اغتشاش الحواس.

(مسألة ٨٥٢): إذا لم يعتن بشكه ثم ظهر وجود الخلل جرى عليه حكم وجوده، فإن كان زيادة أو نقيصة مبطلة أعاد، وإن كان موجبا للتدارك تدارك، وإن كان مما يجب قضاؤه قضاه، وهكذا.

(مسألة ٨٥٣): لا يجب عليه ضبط الصلاة بالحصى أو بالسبحة أو بالخاتم أو بغير ذلك.

(مسألة ٨٥٤): لا يجوز لكثير الشك الاعتناء بشكه فإذا جاء بالمشكوك فيه بطلت.

(مسألة ٨٥٥): لو شك في أنه حصل له حالة كثرة الشك بنى على العدم، كما أنه إذا صار كثير الشك ثم شك في زوال هذه الحالة بنى على بقائها.

(مسألة ٨٥٦): إذا شك إمام الجماعة في عدد الركعات رجع إلى المأموم الحافظ، عادلا كان أو فاسقا، ذكرا أو أنثى، وكذلك إذا شك المأموم فإنه يرجع إلى الإمام الحافظ، والظان منهما بمنزلة الحافظ فيرجع الشاك إليه، وإن اختلف المأمومون لم يرجع إلى بعضهم، وإذا كان بعضهم شاكا وبعضهم حافظا رجع الإمام إلى الحافظ، وفي جواز رجوع الشاك منهم إليهم إذا لم يحصل له الظن إشكال، والظاهر أن جواز رجوع المأموم إلى الإمام وبالعكس لا يختص بالشك في الركعات، بل يعم الشك في الأفعال أيضا، فإذا علم المأموم أنه لم يتخلف عن الإمام وشك في أنه سجد سجدتين أم واحدة والإمام جازم بالاتيان بهما رجع المأموم إليه ولم يعتن بشكه.

(مسألة ٨٥٧): يجوز في الشك في ركعات النافلة البناء على الأقل والبناء على الأكثر، إلا أن يكون الأكثر مفسدا فيبني على الأقل.

الشك بعد تجاوز المحل

(مسألة ٨٥٨): من شك في فعل من أفعال الصلاة فريضة كانت أو نافلة، أدائية كانت الفريضة أم قضائية أم صلاة جمعة أم آيات، وقد دخل في الجزء الذي بعده مضى ولم يلتفت، كمن شك في تكبيرة الاحرام وهو في القراءة أو في الفاتحة وهو في السورة، أو في الآية السابقة وهو في اللاحقة، أو في أول الآية وهو في آخرها، أو في القراءة وهو في الركوع أو في الركوع وهو في السجود، أو شك في السجود وهو في التشهد أو في القيام لم يلتفت، وكذا إذا شك في التشهد وهو في القيام أو في التسليم، فإنه لا يلتفت إلى الشك في جميع هذه الفروض، وإذا كان الشك قبل أن يدخل في الجزء الذي بعده وجب الاتيان به، كمن شك في التكبير قبل أن يقرأ أو في القراءة قبل أن يركع، أو في الركوع قبل السجود، وإن كان الشك حال الهوي إليه، أو في السجود أو في التشهد وهو جالس، أو حال النهوض إلى القيام وكذلك إذا شك في التسليم وهو في التعقيب قبل أن يأتي بما ينافي الصلاة عمدا أو سهوا.

(مسألة ٨٥٩): يعتبر في الجزء الذي يدخل فيه أن يكون من الأجزاء الواجبة فإذا شك في القراءة وهو في القنوت لزمه الالتفات والتدارك.

(مسألة ٨٦٠): إذا شك في صحة الواقع بعد الفراغ منه لا يلتفت وإن لم يدخل في الجزء الذي بعده، كما إذا شك بعد الفراغ من تكبيرة الاحرام في صحتها فإنه لا يلتفت، وكذا إذا شك في صحة قراءة الكلمة أو الآية.

(مسألة ٨٦١): إذا أتى بالمشكوك في المحل ثم تبين أنه قد فعله أولا لم تبطل صلاته إلا إذا كان ركنا، وإذا لم يأت بالمشكوك بعد تجاوز المحل فتبين عدم الاتيان به فإن أمكن التدارك به فعله، وإلا صحت صلاته إلا أن يكون ركنا.

(مسألة ٨٦٢): إذا شك وهو في فعل في أنه هل شك في بعض الأفعال المتقدمة أولا لم يلتفت، وكذا لو شك في أنه هل سها أم لا وقد جاز محل ذلك الشئ الذي شك في أنه سها عنه أو لا، نعم لو شك في السهو وعدمه وهو في محل يتلافى فيه المشكوك فيه أتى به على الأصح.

(مسألة ٨٦٣): إذا شك المصلي في عدد الركعات فالأحوط له استحبابا التروي يسيرا فإن استقر الشك وكان في الثنائية أو الثلاثية أو الأوليين من الرباعية بطلت، وإن كان في غيرها وقد أحرز الأوليين بأن أتم الذكر في السجدة الثانية من الركعة الثانية وإن لم يرفع رأسه فهنا صور: منها: ما لا علاج للشك فيها فتبطل الصلاة فيها. ومنها: ما يمكن علاج الشك فيها وتصح الصلاة حينئذ وهي تسع صور:

الأولى منها: الشك بين الاثنتين والثلاث بعد ذكر السجدة الأخيرة فإنه يبني على الثلاث ويأتي بالرابعة ويتم صلاته ثم يحتاط بركعة قائما على الأحوط وجوبا، وإن كانت وظيفته الجلوس في الصلاة احتاط بركعة جالسا.

الثانية: الشك بين الثلاث والأربع في أي موضع كان، فيبني على الأربع ويتم صلاته، ثم يحتاط بركعة قائما أو ركعتين جالسا والأحوط استحبابا اختيار الركعتين جالسا، وإن كانت وظيفته الصلاة جالسا احتاط بركعة جالسا.

الثالثة: الشك بين الاثنتين والأربع بعد ذكر السجدة الأخيرة فيبني على الأربع ويتم صلاته ثم يحتاط بركعتين من قيام، وإن كانت وظيفته الصلاة جالسا إحتاط بركعتين من جلوس.

الرابعة: الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع بعد ذكر السجدة الأخيرة فيبني على الأربع ويتم صلاته ثم يحتاط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس، والأقوى تأخير الركعتين من جلوس، وإن كانت وظيفته الصلاة جالسا احتاط بركعتين من جلوس ثم بركعة جالسا.

الخامسة: الشك بين الأربع والخمس بعد ذكر السجدة الأخيرة، فيبني على الأربع ويتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو.

السادسة: الشك بين الأربع والخمس حال القيام فإنه يهدم وحكمه حكم الشك بين الثلاث والأربع، فيتم صلاته ثم يحتاط، كما سبق في الصورة الثانية.

السابعة: الشك بين الثلاث والخمس حال القيام، فإنه يهدم وحكمه حكم الشك بين الاثنتين والأربع، فيتم صلاته ويحتاط كما سبق في الصورة الثالثة.

الثامنة: الشك بين الثلاث والأربع والخمس حال القيام، فإنه يهدم وحكمه حكم الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع، فيتم صلاته ويحتاط كما سبق في الصورة الرابعة.

التاسعة: الشك بين الخامسة والست حال القيام، فإنه يهدم وحكمه حكم الشك بين الأربع والخمس، ويتم صلاته ويسجد للسهو، والأحوط في هذه الصور الأربع أن يسجد سجدتي السهو للقيام الزائد أيضا.

(مسألة ٨٦٤): إذا تردد بين الاثنتين والثلاث فبنى على الثلاث ثم ضم إليها ركعة وسلم وشك في أن بناءه على الثلاث كان من جهة الظن بالثلاث أو عملا بالشك، فعليه صلاة الاحتياط، وإذا بنى في الفرض المذكور على الاثنتين وشك بعد التسليم أنه كان من جهة الظن بالاثنتين أو خطأ منه وغفلة عن العمل بالشك صحت صلاته ولا شئ عليه.

(مسألة ٨٦٥): الظن بالركعات كاليقين، أما الظن بالأفعال فالظاهر أن حكمه حكم الشك فإذا ظن بفعل الجزء في المحل لزمه الاتيان به وإذا ظن بعدم الفعل بعد تجاوز المحل مضى وليس له أن يرجع ويتداركه والأحوط استحبابا إعادة الصلاة في الصورتين.

(مسألة ٨٦٦): في الشكوك المعتبر فيها إكمال الذكر في السجدة الثانية كالشك بين الاثنتين والثلاث، والشك بين الاثنتين والأربع والشك بين الاثنتين والثلاث والأربع: إذا شك مع ذلك في الاتيان بالسجدتين أو واحدة فإن كان شكه حال الجلوس قبل الدخول في القيام أو التشهد بطلت صلاته، لأنه محكوم بعدم الاتيان بهما أو بإحداهما فيكون شكه قبل إكمال الذكر، وإن كان بعد الدخول في القيام أو التشهد لم تبطل.

(مسألة ٨٦٧): إذا تردد في أن الحاصل له الشك أو ظن كما يتفق كثيرا لبعض الناس كان ذلك شكا، وكذا لو حصلت له حالة في أثناء الصلاة وبعد أن دخل في فعل آخر لم يدر أنه كان شكا أو ظنا يبني على أنه كان شكا إن كان فعلا شاكا، وظنا إن كان فعلا ظانا، ويجري على ما يقتضيه ظنه أو شكه الفعلي، وكذا لو شك في شئ ثم انقلب شكه إلى الظن، أو ظن به ثم انقلب ظنه إلى الشك، فإنه يلحظ الحالة الفعلية ويعمل عليها، فلو شك بين الثلاث والأربع مثلا فبنى على الأربع، ثم انقلب شكه إلى الظن بالثلاث بنى عليه وأتى بالرابعة، وإذا ظن بالثلاث ثم تبدل ظنه إلى الشك بينها وبين الأربع بنى على الأربع ثم يأتي بصلاة الاحتياط.

صلاة الاحتياط

(مسألة ٨٦٨): صلاة الاحتياط واجبة لا يجوز أن يدعها ويعيد الصلاة على الأحوط، ولا تصح الإعادة إلا إذا أبطل الصلاة بفعل المنافي.

(مسألة ٨٦٩): يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة من الأجزاء والشرائط فلا بد فيها من النية، والتكبير للاحرام، وقراءة الفاتحة اخفاتا حتى في البسملة على الأحوط الأولى، والركوع والسجود والتشهد والتسليم ولا تجب فيها سورة، وإذا تخلل المنافي بينها وبين الصلاة بطلت الصلاة ولزم الاستئناف.

(مسألة ٨٧٠): إذا تبين تمامية الصلاة قبل صلاة الاحتياط لم يحتج إليها، وإن كان في الأثناء جاز تركها وإتمامها نافلة ركعتين.

(مسألة ٨٧١): إذا تبين نقص الصلاة قبل الشروع في صلاة الاحتياط أو في أثنائها جرى عليه حكم من سلم على النقص من وجوب ضم الناقص والاتمام مع الامكان وإلا فيحكم بالبطلان كما إذا شك بين الاثنتين والأربع وتبين له بعد دخوله في ركوع الركعة الثانية من صلاة الاحتياط نقص الصلاة بركعة واحدة، وإذا تبين ذلك بعد الفراغ منها أجزأت إذا تبين النقص الذي كان يحتمله أولا، أما إذا تبين غيره ففيه تفصيل: فإن النقص المتبين إذا كان أكثر من صلاة الاحتياط وأمكن تداركه لزم التدارك وصحت صلاته وفي غير ذلك يحكم بالبطلان ولزوم إعادة أصل الصلاة، مثلا إذا شك بين الثلاث والأربع فبنى على الأربع وأتى بركعة واحدة قائما للاحتياط، ثم تبين له قبل الاتيان بالمنافي أن النقص كان ركعتين فإن عليه حينئذ إتمام الصلاة بركعة أخرى وسجود السهو مرتين لزيادة السلام في أصل الصلاة وزيادته في صلاة الاحتياط.

(مسألة ٨٧٢): يجري في صلاة الاحتياط ما يجري في سائر الفرائض من أحكام السهو في الزيادة والنقيصة، والشك في المحل، أو بعد تجاوزه أو بعد الفراغ وغير ذلك، وإذا شك في عدد ركعاتها لزم البناء على الأكثر إلا أن يكون مفسدا.

(مسألة ٨٧٣): إذا شك في الاتيان بصلاة الاحتياط بنى على العدم إلا إذا كان بعد خروج الوقت، أو بعد الاتيان بما ينافي الصلاة عمدا وسهوا.

(مسألة ٨٧٤): إذا نسي من صلاة الاحتياط ركنا ولم يتمكن من تداركه أعاد الصلاة، وكذلك إذا زاد ركوعا أو سجدتين في ركعة. فصل في قضاء الأجزاء المنسية:

قضاء الاجزاء المنسية

(مسألة ٨٧٥): إذا نسي السجدة الواحدة ولم يذكر إلا بعد الدخول في الركوع وجب قضاؤها بعد الصلاة وبعد صلاة الاحتياط إذا كانت عليه، وكذا يقضي التشهد إذا نسيه ولم يذكره إلا بعد الركوع على الأحوط وجوبا، ويجري الحكم المزبور فيما إذا نسي سجدة واحدة والتشهد من الركعة الأخيرة ولم يذكر إلا بعد التسليم والاتيان بما ينافي الصلاة عمدا وسهوا، وأما إذا ذكره بعد التسليم وقبل الاتيان بالمنافي فاللازم تدارك المنسي والاتيان بالتشهد والتسليم ثم الاتيان بسجدتي السهو للسلام الزائد على الأحوط وجوبا، ولا يقضي غير السجدة والتشهد من الأجزاء ويجب في القضاء ما يجب في المقضي من جزء وشرط كما يجب فيه نية البدلية، ولا يجوز الفصل بالمنافي بنيه وبين الصلاة، وإذا فصل أعاد الصلاة، والأولى أن يقضي الفائت قبل الإعادة.

(مسألة ٨٧٦): إذا شك في فعله بنى على العدم، إلا أن يكون الشك بعد الاتيان بالمنافي عمدا وسهوا وإذا شك في موجبه بنى على العدم. فصل في سجود السهو:

(مسألة ٨٧٧): يجب سجود السهو للكلام ساهيا، وللسلام في غير محله، وللشك بين الأربع والخمس كما تقدم، ولنسيان التشهد، والأحوط وجوبا سجود السهو لنسيان السجدة وللقيام في موضع الجلوس، أو الجلوس في موضع القيام، كما أن الأحوط استحبابا سجود السهو لكل زيادة أو نقيصة.

(مسألة ٨٧٨): يتعدد السجود بتعدد موجبه، ولا يتعدد بتعدد الكلام إلا مع تعدد السهو بأن يتذكر ثم يسهو، أما إذا تكلم كثيرا وكان ذلك عن سهو واحد وجب سجود واحد لا غير.

(مسألة ٨٧٩): لا يجب الترتيب فيه بترتيب أسبابه ولا تعيين السبب.

(مسألة ٨٨٠): يؤخر السجود عن صلاة الاحتياط، وكذا عن الأجزاء المقضية، والأحوط عدم تأخيره عن الصلاة، وعدم الفصل بينهما بالمنافي، وإذا أخره عنها أو فصله بالمنافي لم تبطل صلاته ولم يسقط وجوبه بل لا تسقط فوريته أيضا على الأحوط، وإذا نسيه فذكر وهو في أثناء صلاة أخرى أتم صلاته وأتى به بعدها.

سجود السهو

(مسألة ٨٨١): سجود السهو سجدتان متواليان وتجب فيه نية القربة ولا يجب فيه تكبير، ويعتبر فيه وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه ووضع سائر المساجد، والأحوط استحبابا أن يكون واجدا لجميع ما يعتبر في سجود الصلاة من الطهارة والاستقبال، والستر وغير ذلك، والأقوى وجوب الذكر في كل واحد منهما، والأحوط في صورته: " بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " ويجب فيه التشهد بعد رفع الرأس من السجدة الثانية، ثم التسليم والأحوط اختيار التشهد المتعارف.

(مسألة ٨٨٢): إذا شك في موجبه لم يلتفت، وإذا شك في عدد الموجب بنى على الأقل، وإذا شك في اتيانه بعد العلم بوجوبه أتى به وإذا اعتقد تحقق الموجب - وبعد السلام شك فيه - لم يلتفت، كما أنه إذا شك في الموجب، وبعد ذلك علم به أتى به، وإذا شك في أنه سجد سجدة أو سجدتين بنى على الأقل، إذا إذا دخل في التشهد، وإذا شك بعد رفع الرأس في تحقق الذكر مضى، وإذا علم بعدمه أعاد السجدة وإذا زاد سجدة لم تقدح، على اشكال ضعيف.

(مسألة ٨٨٣): تشترك النافلة مع الفريضة في أنه إذا شك في جزء منها في المحل لزم الاتيان به، وإذا شك بعد تجاوز المحل لا يعتني به، وفي أنه إذا نسي جزءا لزم تداركه إذا ذكره قبل الدخول في ركن بعده، وتفترق عن الفريضة بأن الشك في ركعاتها يجوز فيه البناء على الأقل والأكثر - كما تقدم - وأنه لا سجود للسهو فيها، وأنه لا قضاء للجزء المنسي فيها - إذا كان يقضي في الفريضة - وأن زيادة الركن سهوا غير قادحة ومن هنا يجب تدارك الجزء المنسي إذا ذكره بعد الدخول في ركن أيضا.


المقصد الحادي

عشر صلاة المسافر

وفيه فصول:

الفصل الأول

شرائط القصر

تقصر الصلاة الرباعية باسقاط الركعتين الأخيرتين منها في السفر بشروط:

الأول: قصد قطع المسافة، وهي ثمانية فراسخ امتدادية ذهابا أو إيابا أو ملفقة من أربعة ذهابا وأربع إيابا، سواء اتصل ذهابه بإيابه أم انفصل عنه بمبيت ليلة واحدة أو أكثر، في الطريق أو في المقصد الذي هو رأس الأربعة، ما لم تحصل منه الإقامة القاطعة للسفر أو غيرها من القواطع الآتية.

(مسألة ٨٨٤): الفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد، وهو من المرفق إلى طرف الأصابع، فتكون المسافة أربعا وأربعين كيلو مترا تقريبا.

(مسألة ٨٨٥): إذا نقصت المسافة عن ذلك ولو يسيرا بقي على التمام، وكذا إذا شك في بلوغها المقدار المذكور، أو ظن بذلك.

(مسألة ٨٨٦): تثبت المسافة بالعلم، وبالبينة الشرعية، ولا يبعد ثوبتها بخبر العدل الواحد بل باخبار مطلق الثقة وإن لم يكن عادلا، وإذا تعارضت البينتان أو الخبران تساقطتا ووجب التمام، ولا يجب الاختبار إذا لزم منه الجرح، بل مطلقا، وإذا شك العامي في مقدار المسافة - شرعا - وجب عليه إما الرجوع إلى المجتهد والعمل على فتواه، أو الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام، وإذا اقتصر على أحدهما وانكشف مطابقته للواقع أجزأه.

(مسألة ٨٨٧): إذا اعتقد كون ما قصده مسافة فقصر فظهر عدمه أعاد، وأما إذا اعتقد عدم كونه مسافة فأتم ثم ظهر كونه مسافة أعاد في الوقت دون خارجه.

(مسألة ٨٨٨): إذا شك في كونه مسافة، أو اعتقد العدم وظهر في أثناء السير كونه مسافة قصر، وإن لم يكن الباقي مسافة.

(مسألة ٨٨٩): إذا كان للبلد طريقان، والأبعد منهما مسافة دون الأقرب، فإن سلك الأبعد قصر، وإن سلك الأقرب أتم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون سفره من بلده إلى بلد آخر أو من بلد آخر إلى بلده أو غيره.

(مسألة ٨٩٠): إذا كان الذهاب خمسة فراسخ والإياب ثلاثة لم يقصر، وكذا في جميع صور التلفيق، إلا إذا كان الذهاب أربعة فما زاد والإياب كذلك.

(مسألة ٨٩١): مبدأ حساب المسافة من سور البلد، ومنتهى البيوت فيما لا سور له.

(مسألة ٨٩٢): لا يعتبر توالي السير على النحو المتعارف، بل يكفي قصد السفر في المسافة المذكورة - ولو في أيام كثيرة - ما لم يخرج عن قصد السفر عرفا.

(مسألة ٨٩٣): يجب القصر في المسافة المستديرة، ويكون الذهاب فيها إلى منتصف الدائرة والإياب منه إلى البلد، ولا فرق بين ما إذا كانت الدائرة في أحد جوانب البلد، أو كانت مستديرة على البلد.

(مسألة ٨٩٤): لا بد من تحقق القصد إلى المسافة في أول السير فإذا قصد ما دون المسافة وبعد بلوغه تجدد قصده إلى ما دونها أيضا، وهكذا وجب التمام وإن قطع مسافات، نعم إذا شرع في الإياب إلى البلد وكانت المسافة ثمانية قصر، وإلا بقي على التمام، فطالب الضالة أو الغريم أو الآبق ونحوهم يتمون، إلا إذا حصل لهم في الأثناء قصد ثمانية فراسخ امتدادية أو ملفقة من أربعة ذهابا ومن أربعة إيابا.

(مسألة ٨٩٥): إذا خرج إلى ما دون أربعة فراسخ ينتظر رفقة - إن تيسروا سافر معهم وإلا رجع - أتم، وكذا إذا كان سفره مشروطا بأمر آخر غير معلوم الحصول، نعم إذا كان مطمئنا بتيسر الرفقة أو بحصول ذلك الأمر قصر.

(مسألة ٨٩٦): لا يعتبر في قصد السفر أن يكون مستقلا، فإذا كان تابعا لغيره كالزوجة والعبد والخادم والأسير وجب التقصير، إذا كان قاصدا تبعا لقصد المتبوع وإذا شك في قصد المتبوع بقي على التمام والأحوط - استحبابا - الاستخبار من المتبوع، ولكن لا يجب عليه الاخبار، وإذا علم في الأثناء قصد المتبوع، فإن كان الباقي مسافة ولو ملفقة قصر، وإلا بقي على التمام.

(مسألة ٨٩٧): إذا كان التابع عازما على مفارقة المتبوع - قبل بلوغ المسافة - أو مترددا في ذلك بقي على التمام، وكذا إذا كان عازما على المفارقة، على تقدير حصول أمر محتمل الحصول - سواء أكان له دخل في ارتفاع المقتضي للسفر أو شرطه مثل الطلاق أو العتق، أم كان مانعا عن السفر مع تحقق المقتضي له وشرطه - فإذا قصد المسافة واحتمل احتمالا عقلائيا حدوث مانع عن سفره أتم صلاته، وإن انكشف بعد ذلك عدم المانع.

(مسألة ٨٩٨): الظاهر وجوب القصر في السفر غير الاختياري كما إذا ألقي في قطار أو سفينة بقصد إيصاله إلى نهاية مسافة، وهو يعلم ببلوغه المسافة.

الثاني: استمرار القصد، فإذا عدل - قبل بلوغه الأربعة - إلى قصد الرجوع، أو تردد في ذلك وجب التمام، والأحوط - لزوما - إعادة ما صلاه قصرا إذا كان العدول قبل خروج الوقت والامساك في بقية النهار، وإن كان قد أفطر قبل ذلك، وإذا كان العدول أو التردد بعد بلوغ الأربعة - وكان عازما على العود قبل إقامة العشرة بقي على القصر واستمر على الافطار.

(مسألة ٨٩٩): يكفي في استمرار القصد بقاء قصد نوع السفر وإن عدل عن الشخص الخاص، كما إذا قصد السفر إلى مكان، وفي الأثناء عدل إلى غيره، إذا كان ما مضى مع ما بقي إليه مسافة، فإنه يقصر على الأصح، وكذا إذا كان من أول الأمر قاصدا السفر إلى أحد البلدين، من دون تعيين أحدهما، إذا كان السفر إلى كل منهما يبلغ المسافة.

(مسألة ٩٠٠): إذا تردد في الأثناء، ثم عاد إلى الجزم، فإن كان ما بقي مسافة ولو ملفقة وشرع في السير قصر وإلا أتم صلاته، نعم إذا كان تردده بعد بلوغ أربعة فراسخ، وكان عازما على الرجوع قبل العشرة قصر.

الثالث: أن لا يكون ناويا في أول السفر إقامة عشرة أيام قبل بلوغ المسافة، أو يكون مترددا في ذلك، وإلا أتم من أول السفر، وكذا إذا كان ناويا المرور بوطنه أو مقره أو مترددا في ذلك، فإذا كان قاصدا السفر المستمر، لكن احتمل عروض ما يوجب تبدل قصده على نحو يلزمه أن ينوي الإقامة عشرة، أو المرور بالوطن، أتم صلاته، وإن لم يعرض ما احتمل عروضه.

الرابع: أن يكون السفر مباحا، فإذا كان حراما لم يقصر سواءا أكان حراما لنفسه كإباق العبد، أم لغايته، كالسفر لقتل النفس المحترمة، أم للسرقة أم للزنا، أم لإعانة الظالم، ونحو ذلك، ويلحق به ما إذا كانت الغاية من السفر وترك واجب، كما إذا كان مديونا وسافر مع مطالبة الدائن، وإمكان الأداء في الحضر دون السفر، فإنه يجب فيه التمام، إن كان السفر بقصد التوصل إلى ترك الواجب أما إذا كان السفر مما يتفق وقوعه الحرام أو ترك الواجب أثناءه، كالغيبة وشرب الخمر وترك الصلاة ونحو ذلك، من دون أن يكون الحرام أو ترك الواجب، غاية السفر وجب فيه القصر.

(مسألة ٩٠١): إذا كان السفر مباحا، ولكن ركب دابة مغصوبة أو مشى في أرض مغصوبة، ففي وجوب التمام أو القصر وجهان، أظهرهما القصر. نعم إذا سافر على دابة مغصوبة بقصد الفرار بها عن المالك أتم.

(مسألة ٩٠٢): إباحة السفر شرط في الابتداء والاستدامة، فإذا كان ابتداء سفره مباحا - وفي الأثناء قصد المعصية - أتم حينئذ، وأما ما صلاه قصرا سابقا فلا تجب إعادته إذا كان قد قطع مسافة، وإلا فالأحوط - وجوبا - الإعادة في الوقت وخارجه، وإذا رجع إلى قصد الطاعة، فإن كان ما بقي مسافة - ولو ملفقة - وشرع في السير قصر، وإلا أتم صلاته نعم إذا شرع في الإياب - وكان مسافة - قصر.

سفر المعصية

(مسألة ٩٠٣): إذا كان ابتداء سفره معصية فعدل إلى المباح، فإن كان الباقي مسافة - ولو ملفقة من أربعة ذهابا وأربعة إيابا - قصر وإلا أتم.

(مسألة ٩٠٤): الراجع من سفر المعصية يقصر إذا كان الرجوع مسافة، وإن لم يكن تائبا.

(مسألة ٩٠٥): إذا سافر لغاية ملفقة من الطاعة والمعصية أتم صلاته، إلا إذا كانت المعصية تابعة غير صالحة للاستقلال في تحقق السفر فإنه يقصر.

(مسألة ٩٠٦): إذا سافر للصيد - لهوا - كما يستعمله أبناء الدنيا أتم الصلاة في ذهابه، وقصر في إيابه إذا كان وحده مسافة، أما إذا كان الصيد لقوته وقوت عياله قصر، وكذلك إذا كان للتجارة، على الأظهر، ولا فرق في ذلك بين صيد البر والبحر.

(مسألة ٩٠٧): التابع للجائر، إذا كان مكرها، أو بقصد غرض صحيح، كدفع مظلمة عن نفسه أو غيره يقصر، وإلا فإن كان على وجه يعد من أتباعه وأعوانه في جوره يتم، وإن كان سفر الجائر مباحا فالتابع يتم والمتبوع يقصر.

(مسألة ٩٠٨): إذا شك في كون السفر معصية أو لا، مع كون الشبهة موضوعية فالأصل الإباحة فيقصر، إلا إذا كانت الحال السابقة هي الحرمة، أو كان هناك أصل موضوعي يحرز به الحرمة فلا يقصر.

(مسألة ٩٠٩): إذا كان السفر في الابتداء معصية فقصد الصوم ثم عدل في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان العدول قبل الزوال وجب الافطار إذا كان الباقي مسافة وقد شرع فيه، ولا يفطر بمجرد العدول من دون الشروع في قطع الباقي مما هو مسافة، وإن كان العدول بعد الزوال، وكان في شهر رمضان فالأحوط - وجوبا - أن يتمه، ثم يقضيه ولو انعكس الأمر بأن كان سفره طاعة في الابتداء، وعدل إلى المعصية في الأثناء وكان العدول بعد المسافة فإن لم يأت بالمفطر وكان قبل الزوال فالأحوط - وجوبا - أن يصوم ثم يقضيه وإن كان قبلها فعليه أن يتم صومه وإن كان بعد الزوال ثم يقضيه على الأحوط، نعم لو كان ذلك بعد فعل المفطر وجب عليه الاتمام والقضاء.

الخامس: أن لا يتخذ السفر عملا له، كالمكاري، والملاح والساعي، والراعي، والتاجر الذي يدور في تجارته، وغيرهم ممن عمله السفر إلى المسافة فما زاد، فإن هؤلاء يتمون الصلاة في سفرهم، وإن استعملوه لأنفسهم، كحمل المكاري متاعه أو أهله من مكان إلى آخر، وكما أن التاجر الذي يدور في تجارته يتم الصلاة، كذلك العامل الذي يدور في عمله كالنجار الذي يدور في الرساتيق لتعمير النواعير والكرود، والبناء الذي يدور في الرساتيق لتعمير الآبار التي يستقى منها للزرع، والحداد الذي يدور في الرساتيق والمزارع لتعمير الماكينات وإصلاحها، والنقار الذي يدور في القرى لنقر الرحى، وأمثالهم من العمال الذين يدورون في البلاد والقرى والرساتيق للاشتغال والأعمال، مع صدق الدوران في حقهم، لكون مدة الإقامة للعمل قليلة، ومثلهم الحطاب والجلاب الذي يجلب الخضر والفواكه والحبوب ونحوها إلى البلد، فإنهم يتمون الصلاة، ويلحق بمن عمله السفر أو يدور في عمله من كان عمله في مكان معين يسافر إليه في أكثر أيامه كمن كانت إقامته في مكان وتجارته أو طبابته أو تدريسه أو دراسته في مكان آخر، والحاصل أن العبرة في لزوم التمام بكون السفر بنفسه عملا أو كون عمله في السفر، وكان السفر مقدمة له.

ما كان عمله السفر

(مسألة ٩١٠): إذا اختص عمله بالسفر إلى ما دون المسافة قصر إن اتفق له السفر إلى المسافة نعم إذا كان عمله السفر إلى المسافة معينة كالمكاري من النجف إلى كربلاء، فاتفق له كري دوابه إلى غيرها فإنه يتم حينئذ.

(مسألة ٩١١): لا يعتبر في وجوب التمام تكرر السفر ثلاث مرات بل يكفي كون السفر عملا له ولو في المرة الأولى.

(مسألة ٩١٢): إذا سافر من عمله السفر سفرا ليس من عمله كما إذا سافر المكاري للزيارة أو الحج وجب عليه القصر، ومثله ما إذا انكسرت سيارته أو سفينته فتركها عند من يصلحها ورجع إلى أهله فإنه يقصر في سفر الرجوع، وكذا لو غصبت دوابه أو مرضت فتركها ورجع إلى أهله، نعم إذا لم يتهيأ له المكاراة في رجوعه فرجع إلى أهله بدوابه أو بسيارته أو بسفينته خالية من دون مكاراة، فإنه يتم في رجوعه فالتمام يختص بالسفر الذي هو عمله، أو متعلق بعمله.

(مسألة ٩١٣): إذا اتخذ السفر عملا له في شهور معينة من السنة أو فصل معين منها، كالذي يكري دوابه بين مكة وجدة في شهور الحج أو يجلب الخضر في فصل الصيف جرى عليه الحكم، وأتم الصلاة في سفره في المدة المذكورة، أما في غيرها من الشهور فيقصر في سفره إذا اتفق له السفر.

(مسألة ٩١٤): الحملدارية الذين يسافرون إلى مكة في أيام الحج في كل سنة، ويقيمون في بلادهم بقية أيام السنة يشكل جريان حكم من عمله السفر عليهم، فالأحوط لزوما لهم الجمع بين القصر والتمام، بل لا يبعد وجوب القصر عليهم، فيما إذا كان زمان سفرهم قليلا، كما هو الغالب في من يسافر جوا في عصرنا الحاضر.

(مسألة ٩١٥): الظاهر أن عملية السفر تتوقف على العزم على المزاولة له مرة بعد أخرى، على نحو لا تكون له فترة غير معتادة لمن يتخذ ذلك السفر عملا له، فسفر بعض كسبة النجف إلى بغداد، أو غيرها لبيع الأجناس التجارية أو شرائها والرجوع إلى البلد ثم السفر ثانيا وربما يتفق ذلك لهم في الأسبوع مرة أو في شهر مرة، كل ذلك لا يوجب كون السفر عملا لهم، لأن الفترة المذكورة غير معتادة في مثل السفر من النجف إلى كربلاء أو بغداد إذا اتخذ عملا ومهنة، وتختلف الفترة -طولا وقصرا- باختلاف أنحاء السفر من حيث قرب المقصد وبعده فإن الفترة المعتادة في بعيد المقصد أطول منها في قريبه، فالذي يكري سيارته في كل شهر مرة من النجف إلى خراسان ربما يصدق أن عمله السفر، والذي يكري سيارته في كل ليلة جمعة من النجف إلى كربلاء لا يصدق أن عمله السفر، فذلك الاختلاف ناشئ من اختلاف أنواع السفر، والمدار العزم على توالي السفر من دون فترة معتد بها، ويحصل ذلك فيما إذا كان عازما على السفر في كل يوم والرجوع إلى أهله، أو يحضر يوما ويسافر يوما، أو يحضر يومين ويسافر يومين، أو يحضر ثلاثة أيام ويسافر ثلاثة أيام سفرا واحدا، أو يحضر أربعة أيام يسافر ثلاثة وإذا كان يحضر خمسة ويسافر يومين كالخميس والجمعة فالأحوط له لزوما الجمع بين القصر والتمام.

(مسألة ٩١٦): إذا لم يتخذ السفر عملا وحرفة، ولكن كان له غرض في تكرار السفر بلا فترة - مثل أن يسافر كل يوم من البلد للتنزه أو لعلاج مرض، أو لزيارة إمام، أو نحو ذلك، مما لا يكون فيه السفر عملا له، ولا مقدمة لعمله يجب فيه القصر.

(مسألة ٩١٧): إذا أقام المكاري في بلده عشرة أيام وجب عليه القصر في السفر الأولى دون الثانية فضلا عن الثالثة، وكذا إذا أقام في غير بلده عشرة منوية، وأما غير المكاري ففي إلحاقه بالمكاري إشكال وإن كان الأظهر جواز اقتصاره على التمام.

السادس: أن لا يكون ممن بيته معه كأهل البوادي من العرب والعجم الذين لا مسكن لهم معين من الأرض، بل يتبعون العشب والماء أينما كانا ومعهم بيوتهم، فإن هؤلاء يتمون صلاتهم وتكون بيوتهم بمنزلة الوطن، نعم إذا سافر أحدهم من بيته - لمقصد آخر كحج أو زيارة أو لشراء ما يحتاج من قوت أو حيوان أو نحو ذلك قصر، وكذا إذا خرج لاختيار المنزل أو موضع العشب والماء، أما إذا سافر لهذه الغايات ومعه بيته أتم.

(مسألة ٩١٨): السائح في الأرض الذي لم يتخذ وطنا منها يتم وكذا إذا كان له وطن وخرج معرضا عنه ولم يتخذ وطنا آخر إذا لم يكن بانيا على اتخاذ الوطن، وإلا وجب عليه القصر.

السابع: أن يصل إلى حد الترخص، وهو المكان الذي يتوارى فيه المسافر عن أهل البيوت، وعلامة ذلك أنه لا يرى أهل بلده، أو المكان الذي يخفى فيه صوت الأذان بحيث لا يسمع، ويكفي أحدهما مع الجهل بحصول الآخر، أما مع العلم بعدم الآخر فالأحوط الجمع بين القصر والتمام، ولا يلحق محل الإقامة والمكان الذي بقي فيه ثلاثين يوما مترددا بالوطن، فيقصر فيهما المسافر صلاته بمجرد شروعه في السفر وإن كان الأحوط فيهما - استحبابا - الجمع بين القصر والتمام فيما بين البلد وحد الترخص.

(مسألة ٩١٩): المدار في السماع على المتعارف من حيث أذن السامع، والصوت المسموع وموانع السمع، والخارج عن المتعارف يرجع إليه، وكذلك الحال في الرؤية.

(مسألة ٩٢٠): كما لا يجوز التقصير فيما بين البلد إلى حد الترخص في ابتداء السفر، كذلك لا يجوز التقصير عند الرجوع إلى البلد، فإنه إذا تجاوز حد الترخص إلى البلد وجب عليه التمام.

(مسألة ٩٢١): إذا شك في الوصول إلى الحد بنى على عدمه، فيبقى على التمام في الذهاب، وعلى القصر في الإياب.

(مسألة ٩٢٢): يعتبر كون الأذان في آخر البلد في ناحية المسافر إذا كان البلد كبيرا، كما أنه يعتبر كون الأذان على مرتفع معتاد في أذان البلد غير خارج عن المتعارف في العلو.

(مسألة ٩٢٣): إذا اعتقد الوصول إلى الحد فصلى قصر، ثم بان أنه لم يصل بطلت ووجبت الإعادة قبل الوصول إليه تماما، وبعده قصرا فإن لم يعد وجب عليه القضاء، وكذا في العود إذا صلى تماما باعتقاد الوصول فبان عدمه وجبت الإعادة قبل الوصول إليه قصرا وبعده تماما فإن لم يعد وجب القضاء.


الفصل الثاني

في قواطع السفر

وهي أمور:

الأول: الوطن، والمراد به المكان الذي يتخذه الانسان مقرا له على الدوام لو خلي ونفسه، بحيث إذا لم يعرض ما يقتضي الخروج منه لم يخرج، سواء أكان مسقط رأسه أم استجده، ولا يعتبر فيه أن يكون له فيه ملك، ولا أن يكون قد أقام فيه ستة أشهر.

(مسألة ٩٢٤): يجوز أن يكون للانسان وطنان، بأن يكون له منزلان في مكانين كل واحد منهما على الوصف المتقدم، فيقيم في كل سنة بعضا منها في هذا، وبعضها الآخر في الآخر، وكذا يجوز أن يكون له أكثر من وطنين.

(مسألة ٩٢٥): الظاهر أنه لا يكفي في ترتيب أحكام الوطن مجرد نية التوطن، بل لا بد من الإقامة بمقدار يصدق معها عرفا أن البلد وطنه.

(مسألة ٩٢٦): الظاهر جريان أحكام الوطن على الوطن الشرعي وهو المكان الذي يملك فيه الانسان منزلا قد استوطنه ستة أشهر، بأن أقام فيها ستة أشهر عن قصد ونية فيتم الصلاة فيه كلما دخله.

(مسألة ٩٢٧): يكفي في صدق الوطن قصد التوطن ولو تبعا، كما في الزوجة والعبد والأولاد.

(مسألة ٩٢٨): إذا حدث له التردد في التوطن في المكان بعد ما اتخذه وطنا أصليا كان أو مستجدا، ففي بقاء الحكم إشكال، والأظهر البقاء.

(مسألة ٩٢٩): الظاهر أن يشترط في صدق الوطن قصد التوطن فيه أبدا، فلو قصد الإقامة في مكان مدة طويلة وجعله مقرا له - كما هو ديدن المهاجرين إلى النجف الأشرف، أو غيره من المعاهد العلمية لطلب العلم قاصدين الرجوع إلى أوطانهم بعد قضاء وطرهم - لم يكن ذلك المكان وطنا له، نعم هو بحكم الوطن يتم الصلاة فيه، فإذا رجع إليه من سفر الزيارة - مثلا - أتم وإن لم يعزم على الإقامة فيه عشرة أيام، كما أنه يعتبر في جواز القصر في السفر منه إلى بلد آخر أن تكون المسافة ثمانية فراسخ امتدادية أو تلفيقية، فلو كانت أقل وجب التمام، وكما ينقطع السفر بالمرور بالوطن ينقطع بالمرور بالمقر. تنبيه: إذا كان الانسان وطنه النجف مثلا، وكان له محل عمل في الكوفة يخرج إليه وقت العمل كل يوم ويرجع ليلا، فإنه لا يصدق عليه عرفا - وهو في محله - أنه مسافر، فإذا خرج من النجف قاصدا محل العمل وبعد الظهر - مثلا - يذهب إلى بغداد يجب عليه التمام في ذلك المحل وبعد التعدي من حد الترخص منه يقصر، وإذا رجع من بغداد إلى النجف ووصل إلى محل عمله، أتم، وكذلك الحكم لأهل الكاظمية إذا كان لهم محل عمل في بغداد وخرجوا منها إليه لعملهم ثم السفر إلى كربلاء مثلا، فإنهم يتمون فيه الصلاة ذهابا وإيابا، إذا مروا به.

الثاني: العزم على الإقامة عشرة أيام متوالية في مكان واحد أو العلم ببقائه المدة المذكورة فيه وإن لم يكن باختياره، والليالي المتوسطة داخلة بخلاف الأولى والأخيرة، ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر فإذا نوى الإقامة من زوال أول يوم إلى زوال اليوم الحادي عشرة وجب التمام، والظاهر أن مبدأ اليوم طلوع الشمس، فإذا نوى الإقامة من طلوع الشمس فيكفي في وجوب التمام نيتها إلى غروب اليوم العاشر.

(مسألة ٩٣٠): يشترط وحدة محل الإقامة، فإذا قصد الإقامة عشرة أيام في النجف الأشرف ومسجد الكوفة مثلا بقي على القصر، نعم لا يشترط قصد عدم الخروج عن سور البلد، بل إذا قصد الخروج إلى ما يتعلق بالبلد من الأمكنة مثل بساتينه ومزارعه ومقبرته ومائه ونحو ذلك من الأمكنة التي يتعارف وصول أهل البلد إليها من جهة كونهم أهل ذلك البلد لم يقدح في صدق الإقامة فيها، نعم يشكل الخروج إلى حد الترخص، فضلا عما زاد عليه إلى ما دون المسافة، كما إذا قصد الإقامة في النجف الأشرف مع قصد الخروج إلى مسجد الكوفة أو السهلة، فالأحوط الجمع - حينئذ - مع الامكان، وإن كان الأظهر جواز الاقتصار على التمام وعدم منافاة الخروج المذكور للإقامة، إذا كان زمان الخروج قليلا.

(مسألة ٩٣١): إذا قصد الإقامة إلى ورود المسافرين، أو انقضاء الحاجة أو نحو ذلك، وجب القصر وإن اتفق حصوله بعد عشرة أيام وإذا نوى الإقامة إلى يوم الجمعة الثانية - مثلا - وكان عشرة أيام كفى في صدق الإقامة ووجوب التمام، وكذا في كل مقام يكون فيه الزمان محدودا بحد معلوم، وإن لم يعلم أنه يبلغ عشرة أيام لتردد زمان النية بين سابق ولاحق، وأما إذا كان التردد لأجل الجهل بالآخر كما إذا نوى المسافر الإقامة من اليوم الواحد والعشرين إلى آخر الشهر، وتردد الشهر بين الناقص والتام وجب فيه القصر، وإن انكشف كمال الشهر بعد ذلك.

(مسألة ٩٣٢): تجوز الإقامة في البرية، وحينئذ يجب أن ينوي عدم الوصول إلى ما لا يعتاد الوصول إليه من الأمكنة البعيدة، إلا إذا كان زمان الخروج قليلا، كما تقدم.

(مسألة ٩٣٣): إذا عدل المقيم عشرة أيام عن قصد الإقامة، فإن كان قد صلى فريضة تماما بقي على الاتمام إلى أن يسافر، وإلا رجع إلى القصر، سواء لم يصل أصلا أم صلى مثل الصبح والمغرب، أو شرع في

الرباعية ولم يتمها ولو كان في ركوع الثالثة، وسواء أفعل ما لا يجوز فعله للمسافر من النوافل والصوم، أو لم يفعل.

(مسألة ٩٣٤): إذا صلى بعد نية الإقامة فريضة تماما نسيانا أو لشرف البقعة غافلا عن نيته كفى في البقاء على التمام، ولكن إذا فاتته الصلاة بعد نية الإقامة فقضاها خارج الوقت تمام، ثم عدل عنها رجع إلى القصر.

(مسألة ٩٣٥): إذا تمت مدة الإقامة لم يحتج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة، بل يبقى على التمام إلى أن يسافر، وإن لم يصل في مدة الإقامة فريضة تماما.

(مسألة ٩٣٦): لا يشترط في تحقق الإقامة كونه مكلفا، فلو نوى الإقامة وهو غير بالغ ثم بلغ في أثناء العشرة وجب عليه التمام في بقية الأيام وقبل البلوغ أيضا يصلي تماما، وإذا نواها وهو مجنون وكان تحقق القصد منه ممكنا، أو نواها حال الإفاقة ثم جن يصلي تماما بعد الإفاقة في بقية العشرة، وكذا إذا كانت حائضا حال النية فإنها تصلي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماما، بل إذا كانت حائضا تمام العشرة يجب عليها التمام ما لم تنشئ سفرا.

(مسألة ٩٣٧): إذا صلى تماما، ثم عدل لكن تبين بطلان صلاته رجع إلى القصر، وإذا صلى الظهر قصرا ثم نوى الإقامة فصلى العصر تماما ثم تبين له بطلان إحدى الصلاتين فإنه يرجع إلى القصر، ويرتفع حكم الإقامة، وإذا صلى بنية التمام، وبعد السلام شك في أنه سلم على الأربع أو الاثنتين أو الثلاث كفى في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الإقامة بعد الصلاة، وكذا يكفي في البقاء على حكم التمام، إذا عدل عن الإقامة بعد السلام الواجب، وقبل فعل المستحب منه، أو قبل الاتيان بسجود السهو، ولا يترك الاحتياط فيما إذا عدل بعد السلام وقبل قضاء السجدة المنسية.

(مسألة ٩٣٨): إذا استقرت الإقامة ولو بالصلاة تماما، فبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة، فإن كان ناويا للإقامة في المقصد، أو في محل الإقامة، أو في غيرهما بقي على التمام، حتى يسافر من محل الإقامة الثانية، وإن كان ناويا الرجوع إلى محل الإقامة والسفر منه قبل العشرة أتم في الذهاب والمقصد، وأما في الإياب ومحل الإقامة فالأحوط الجمع بين القصر والتمام فيهما وإن كان الأظهر جواز الاقتصار على التمام حتى يسافر من محل الإقامة، نعم إذا كان ناويا السفر من مقصده وكان رجوعه إلى محل إقامته من جهة وقوعه في طريقه قصر في إيابه ومحل إقامته أيضا.

(مسألة ٩٣٩): إذا دخل في الصلاة بنية القصر، فنوى الإقامة في الأثناء أكملها تماما، وإذا نوى الإقامة فشرع في الصلاة بنية التمام فعدل في الأثناء، فإن كان قبل الدخول في ركوع الثالثة أتمها قصرا، وإن كان بعده بطلت.

(مسألة ٩٤٠): إذا عدل عن نية الإقامة، وشك في أن عدوله كان بعد الصلاة تماما ليبقى على التمام أم لا بنى على عدمها فيرجع إلى القصر.

(مسألة ٩٤١): إذا عزم على الإقامة فنوى الصوم، وعدل بعد الزوال قبل أن يصلي تمام بقي على صومه وأجزأ، وأما الصلاة فيجب فيها القصر، كما سبق.

الثالث: أن يقيم في مكان واحد ثلاثين يوما من دون عزم على الإقامة عشرة أيام، سواء عزم على إقامة تسعة أو أقل أم بقي مترددا فإنه يجب عليه القصر إلى نهاية الثلاثين، وبعدها يجب عليه التمام إلى أن يسافر سفرا جديدا.

(مسألة ٩٤٢): المتردد في الأمكنة المتعددة يقصر، وإن بلغت المدة ثلاثين يوما.

(مسألة ٩٤٣): إذا خرج المقيم المتردد إلى ما دون المسافة جرى عليه حكم المقيم عشرة أيام إذا خرج إليه، فيجري فيه ما ذكرناه فيه.

(مسألة ٩٤٤): إذا تردد في مكان تسعة وعشرين يوما، ثم انتقل إلى مكان آخر، وأقام فيه - مترددا - تسعة وعشرين، وهكذا بقي على القصر في الجميع إلى أن ينوي الإقامة في مكان واحد عشرة أيام، أو يبقى في مكان واحد ثلاثين يوما مترددا.

(مسألة ٩٤٥): يكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر هنا، كما تقدم في الإقامة.

(مسألة ٩٤٦): في كفاية الشهر الهلالي إشكال، بل الأظهر العدم إذا نقص عن الثلاثين يوما.


الفصل الثالث

في أحكام المسافر

(مسألة ٩٤٧): تسقط النوافل النهارية في السفر، وفي سقوط الوتيرة إشكال، ولا بأس بالاتيان بها برجاء المطلوبية، ويجب القصر في الفرائض الرباعية بالاقتصار على الأوليين منها فيما عدا الأماكن الأربعة، كما سيأتي، وإذا صلاها تماما، فإن كان عالما بالحكم بطلت، ووجبت الإعادة أو القضاء، وإن كان جاهلا بالحكم من أصله - بأن لم يعلم وجوب القصر على المسافر - لم تجب الإعادة، فضلا عن القضاء، وإن كان عالما بأصل الحكم، وجاهلا ببعض الخصوصيات الموجبة للقصر، مثل انقطاع عملية السفر بإقامة عشرة في البلد، ومثل أن العاصي في سفره يقصر إذا رجع إلى الطاعة ونحو ذلك، أو كان جاهلا بالموضوع، بأن لا يعلم أن ما قصده مسافة - مثلا - فأتم فتبين له أنه مسافة، أو كان ناسيا للسفر أو ناسيا أن حكم المسافر القصر فأتم، فإن علم أو تذكر في الوقت أعاد، وإن علم أو تذكر بعد خروج الوقت فالظاهر عدم وجوب القضاء عليه.

(مسألة ٩٤٨): الصوم كالصلاة فيما ذكر فيبطل في السفر مع العلم ويصح مع الجهل، سواء أكان لجهل بأصل الحكم أم كان بالخصوصيات أم كان بالموضوع.

(مسألة ٩٤٩): إذا قصر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد، إلا في المقيم عشرة أيام إذا قصر جهلا بأن حكمه التمام، فإن الأظهر فيه الصحة.

(مسألة ٩٥٠): إذا دخل الوقت وهو حاضر وتمكن من الصلاة تماما ولم يصل، ثم سافر حتى تجاوز حد الترخص والوقت باق، صلى قصرا وإذا دخل عليه الوقت وهو مسافر وتمكن من الصلاة قصرا ولم يصل حتى وصل إلى وطنه، أو محل إقامته صلى تماما فالمدار على زمان الأداء لا زمان حدوث الوجوب.

(مسألة ٩٥١): إذا فاتته الصلاة في الحضر قضى تماما ولو في السفر، وإذا فاتته في السفر قضى قصرا ولو في الحضر، وإذا كان في أول الوقت حاضرا وفي آخره مسافرا أو بالعكس راعى في القضاء حال الفوات وهو آخر الوقت، فيقضي في الأول قصرا، وفي العكس تماما.

أماكن التخيير

(مسألة ٩٥٢): يتخير المسافر بين القصر والتمام في الأماكن الأربعة الشريفة، وهي المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة وحرم الحسين (ع)، والتمام أفضل، والقصر أحوط، والظاهر الحاق تمام بلدتي مكة، والمدينة، بالمسجدين دون الكوفة وكربلاء، وفي تحديد الحرم الشريف إشكال، والظاهر جواز الاتمام في تمام الروضة المقدسة دون الرواق والصحن.

(مسألة ٩٥٣): لا فرق في ثبوت التخيير في الأماكن المذكورة بين أرضها وسطحها والمواضع المنخفضة فيها، كبيت الطشت في مسجد الكوفة.

(مسألة ٩٥٤): لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المذكور، فلا يجوز للمسافر الذي حكمه القصر الصوم في الأماكن الأربعة.

(مسألة ٩٥٥): التخيير المذكور استمراري، فإذا شرع في الصلاة بنية القصر يجوز له العدول في الأثناء إلى الاتمام، وبالعكس.

(مسألة ٩٥٦): لا يجري التخيير المذكور في سائر المساجد والمشاهد الشريفة.

(مسألة ٩٥٧): يستحب للمسافر أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة ثلاثين مرة: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ".

(مسألة ٩٥٨): يختص التخيير المذكور بالأداء ولا يجري في القضاء.


خاتمة

في بعض الصلوات المستحبة

(منها): صلاة العيدين، وهي واجبة في زمان الحضور مع اجتماع الشرائط، ومستحبة في عصر الغيبة جماعة وفرادى، ولا يعتبر فيها العدد ولا تباعد الجماعتين، ولا غير ذلك من شرائط صلاة الجمعة. وكيفيتها: ركعتان يقرأ في كل منهما الحمد وسورة، والأفضل أن يقرأ في الأولى " والشمس " وفي الثانية " الغاشية " أو في الأولى " الأعلى " وفي الثانية " والشمس " ثم يكبر في الأولى خمس تكبيرات، ويقنت عقيب كل تكبيرة، وفي الثانية يكبر بعد القراءة أربعا، ويقنت بعد كل واحدة على الأحوط في التكبيرات والقنوتات، ويجزي في القنوت ما يجزي في قنوت سائر الصلوات، والأفضل أن يدعو بالمأثور، فيقول في كل واحد منها: (اللهم أهل الكبرياء والعظمة، وأهل الجود والجبروت، وأهل العفو والرحمة، وأهل التقوى والمغفرة، أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا، ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ذخرا ومزيدا، أن تصلي على محمد وآله محمد، كأفضل ما صليت على عبد من عبادك، وصل على ملائكتك ورسلك، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم إني أسألك خير ما سألك به عبادك الصالحون وأعوذ بك من شر ما استعاذ بك من عبادك المخلصون)، ويأتي الإمام بخطبتين بعد الصلاة يفصل بينهما بجلسة خفيفة، ولا يجب الحضور عندهما، ولا الاصغاء ويجوز تركهما في زمان الغيبة وإن كانت الصلاة جماعة.

(مسألة ٩٥٩): لا يتحمل الإمام في هذه الصلاة غير القراءة.

(مسألة ٩٦٠): إذا لم تجتمع شرائط وجوبها ففي جريان أحكام النافلة عليها إشكال، والظاهر بطلانها بالشك في ركعاتها، ولزوم قضاء السجدة الواحدة إذا نسيت، والأولى سجود السهو عند تحقق موجبه.

(مسألة ٩٦١): إذا شك في جزء منها وهو في المحل أتى به، وإن كان بعد تجاوز المحل مضى.

(مسألة ٩٦٢): ليس في هذه الصلاة أذان ولا إقامة، بل يستحب أن يقول المؤذن: الصلاة - ثلاثا -.

(مسألة ٩٦٣): وقتها من طلوع الشمس إلى الزوال، والأظهر سقوط قضائها لو فاتت ويستحب الغسل قبلها، والجهر فيها بالقراءة، إماما كان أو منفردا، ورفع اليدين حال التكبيرات، والسجود على الأرض والاصحار بها إلا في مكة المعظمة فإن الاتيان بها في المسجد الحرام أفضل وأن يخرج إليها راجلا حافيا لابسا عمامة بيضاء مشمرا ثوبه إلى ساقه وأن يأكل قبل خروجه إلى الصلاة في الفطر، وبعد عوده في الأضحى مما يضحي به إن كان.

و (منها): صلاة ليلة الدفن، وتسمى صلاة الوحشة، وهي ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد آية الكرسي والأحوط قراءتها إلى: " هم فيها خالدون " وفي الثانية بعد الحمد سورة القدر عشرة مرات، وبعد السلام يقول: " اللهم صلى على محمد وآله محمد وابعث ثوابها إلى قبر فلان " ويسمي الميت، وفي رواية بعد الحمد في الأولى التوحيد مرتين، وبعد الحمد في الثانية سورة التكاثر عشرا، ثم الدعاء المذكور، والجمع بين الكيفيتين أولى وأفضل.

(مسألة ٩٦٤): لا بأس بالاستئجار لهذه الصلاة وإن كان الأولى ترك الاستئجار ودفع المال إلى المصلي، على نحو لا يؤذن له بالتصرف فيه، إلا إذا صلى.

(مسألة ٩٦٥): إذا صلى ونسي آية الكرسي أو القدر أو بعضهما أو أتى بالقدر أقل من العدد الموظف فهي لا تجزي عن صلاة ليلة الدفن ولا يحل له المال المأذون له فيه بشرط كونه مصليا إذا لم تكن الصلاة تامة.

(مسألة ٩٦٦): وقتها الليلة الأولى من الدفن فإذا لم يدفن الميت إلا بعد مرور مدة أخرت الصلاة إلى الليلة الأولى من الدفن، ويجوز الاتيان بها في جميع آنات الليل، وإن كان التعجيل أولى.

(مسألة ٩٦٧): إذا أخذ المال ليصلي فنسي الصلاة في ليلة الدفن لا يجوز له التصرف في المال إلا بمراجعة مالكه، فإن لم يعرفه ولم يمكن تعرفه جرى عليه حكم مجهول المالك، وإذا علم من القرائن أنه لو استأذن المالك لأذن له في التصرف في المال لم يكف ذلك في جواز التصرف فيه بمثل البيع والهبة ونحوهما، وإن جاز بمثل أداء الدين والأكل والشرب ونحوهما.

و (منها): صلاة أول يوم من كل شهر، وهي: ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد سورة التوحيد ثلاثين مرة، وفي الثانية بعد الحمد سورة القدر ثلاثين مرة ثم يتصدق بما تيسر، يشتري بذلك سلامة الشهر ويستحب قراءة هذه الآيات الكريمة بعدها وهي: " بسم الله الرحمن الرحيم وما من دابة في الأرض إلى علي الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، بسم الله الرحمن الرحيم إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير بسم الله الرحمن الرحيم سيجعل الله بعد عسر يسرا، ما شاء الله لا قوة إلا بالله حسبنا الله ونعم الوكيل، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين).

(مسألة ٩٦٨): يجوز إتيان هذه الصلاة في تمام النهار.

(ومنها): صلاة الغفيلة، وهي: ركعتان بين المغرب والعشاء، يقرأ في الأولى بعد الحمد. (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين) وفي الثانية بعد الحمد: (وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) ثم يرفع يديه ويقول: " اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا " ويذكر حاجته، ثم يقول: " اللهم أنت ولي نعمتي والقادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسألك بحق محمد وآله عليه وعليهم السلام لما (وفي نسخة إلا) قضيتها لي " ثم يسأل حاجته فإنها تقضى إن شاء الله تعالى، وقد ورد أنها تورث دار الكرامة ودار السلام وهي الجنة.

(مسألة ٩٦٩): يجوز الاتيان بركعتين من نافلة المغرب بصورة صلاة الغفيلة فيكون ذلك من تداخل المستحبين. و (منها): الصلاة في مسجد الكوفة لقضاء الحاجة، وهي ركعتان يقرأ في كل واحدة منهما بعد الحمد سبع سور، والأولى الاتيان بها على هذا الترتيب: الفلق - أولا - ثم الناس، ثم التوحيد، ثم الكافرون، ثم النصر، ثم الأعلى، ثم القدر. ولنكتف بهذا المقدار من الصلوات المستحبة طلبا للاختصار والحمد لله ربنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.


كتاب الصوم

وفيه فصول:

الفصل الأول

في النية

(مسألة ٩٧٠): يشترط في صحة الصوم النية على وجه القربة لا بمعنى وقوعه عن النية كغيره من العبادات الفعلية، بل يكفي وقوعه للعجز عن المفطرات، أو لوجود الصارف النفساني عنها، إذا كان عازما على تركها لولا ذلك فلو نوى الصوم ليلا ثم غلبه النوم قبل الفجر أو نام اختيارا حتى دخل الليل صح صومه، ويكفي ذلك في سائر التروك العبادية أيضا ولا يلحق بالنوم السكر والاغماء على الأحوط وجوبا.

(مسألة ٩٧١): لا يجب قصد الوجوب والندب، ولا الأداء والقضاء ولا غير ذلك من صفات الأمر والمأمور به، بل يكفي القصد إلى المأمور به عن أمره، كما تقدم في كتاب الصلاة.

(مسألة ٩٧٢): يعتبر في القضاء عن غيره قصد امتثال الأمر المتوجه إليه بالنيابة عن الغير، على ما تقدم في النيابة في الصلاة كما أن فعله عن نفسه يتوقف على امتثال الأمر المتوجه إليه بالصوم عن نفسه، ويكفي في المقامين القصد الاجمالي.

(مسألة ٩٧٣): لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فإذا قصد الصوم عن المفطرات - إجمالا - كفى.

(مسألة ٩٧٤): لا يقع في شهر رمضان صوم غيره - على إشكال - فإن نوى غيره بطل، إلا أن يكون جاهلا به أو ناسيا له، فيجزي عن رمضان - حينئذ - لا عن ما نواه.

(مسألة ٩٧٥): يكفي في صحة صوم رمضان القصد إليه ولو إجمالا فإذا نوى الصوم المشروع في غد وكان من رمضان أجزأ عنه، أما إذا قصد صوم غد دون توصيفه بخصوص المشروع لم يجز، وكذا الحكم في سائر أنواع الصوم من النذر أو الكفارة أو القضاء فما لم يقصد المعين لا يصح، نعم إذا قصد ما في ذمته وكان واحدا أجزأ عنه، ويكفي في صحة الصوم المندوب المطلب نية صوم غد قربة إلى الله تعالى إذا لم يكن عليه صوم واجب، ولو كان غد من أيام البيض مثلا، فإن قصد الطبيعة الخاصة صح المندوب الخاص وإلا صح مندوبا مطلقا.

(مسألة ٩٧٦): وقت النية في الواجب المعين - ولو بالعارض - عند طلوع الفجر الصادق بحيث يحدث الصوم حينئذ مقارنا للنية، وفي الواجب غير المعين يمتد وقتها إلى الزوال وإن تضيق وقته، فإذا أصبح ناويا للافطار وبدا له قبل الزوال أن يصوم واجبا فنوى الصوم أجزأه، وإن كان ذلك بعد الزوال لم يجز، وفي المندوب يمتد وقتها إلى أن يبقى من النهار ما يمكن فيه تجديد النية.

(مسألة ٩٧٧): يجتزئ في شهر رمضان كله بنية واحدة قبل الشهر والظاهر كفاية ذلك في غيره أيضا كصوم الكفارة ونحوها.

(مسألة ٩٧٨): إذا لم ينو الصوم في شهر رمضان لنسيان الحكم أو الموضوع، أو للجهل بهما ولم يستعمل مفطرا ففي الاجتزاء بتجديد نيته إذا تذكر أو علم قبل الزوال إشكال، والاحتياط بتجديد النية والقضاء لا يترك.

(مسألة ٩٧٩): إذا صام يوم الشك بنية شعبان ندبا أو قضاءا أو نذرا أجزأ عن شهر رمضان إن كان، وإذا تبين أنه من رمضان قبل الزوال أو بعده جدد النية، وإن صامه بنية رمضان بطل، وأما إن صامه بنية الأمر الواقعي المتوجه إليه - إما الوجوبي أو الندبي - فالظاهر الصحة وإن صامه على أنه إن كان من شعبان كان ندبا، وإن كان من رمضان كان وجوبا فالظاهر البطلان، وإذا أصبح فيه ناويا للافطار فتبين أنه من رمضان قبل تناول المفطر فإن كان قبل الزوال فالأحوط تجديد النية ثم القضاء، وإن كان بعده أمسك وجوبا وعليه قضاؤه.

(مسألة ٩٨٠): تجب استدامة النية إلى آخر النهار، فإذا نوى القطع فعلا أو تردد بطل، وكذا إذا نوى القطع فيما يأتي أو تردد فيه أو نوى المفطر مع العلم بمفطريته، وإذا تردد للشك في صحة صومه فالظاهر من ذلك فيه إذا رجع إلى نيته قبل الزوال.

(مسألة ٩٨١): لا يصح العدول من الصوم إلى صوم إذا فات وقت نية المعدول إليه وإلا صح، على اشكال.


الفصل الثاني

المفطرات

وهي أمور: (الأول، والثاني): الأكل والشرب مطلقا، ولو كانا قليلين، أو غير معتادين.

(الثالث): الجماع قبلا ودبرا فاعلا ومفعولا به، حيا وميتا، حتى البهيمة على الأحوط وجوبا، ولو قصد الجماع وشك في الدخول أبو بلوغ مقدار الحشفة بطل صومه، ولكن لم تجب الكفارة عليه. ولا يبطل الصوم إذا قصد التفخيذ - مثلا فدخل في أحد الفرجين من غير قصد.

(الرابع): الكذب على الله تعالى، أو على رسول الله صلى الله عليه وآله أو على الأئمة عليهم السلام، بل الأحوط الحاق الأنبياء والأوصياء عليهم السلام بهم، من غير فرق بين أن يكون في أمر ديني أو دنيوي، وإذا قصد الصدق فكان كذبا فلا بأس، وإن قصد الكذب فكان صدقا كان من قصد المفطر، وقد تقدم البطلان به مع العلم بمفطريته.

(مسألة ٩٨٢): إذا تكلم بالكذب غير موجه خطابه إلى أحد، أو موجها له إلى من لا يفهم ففي بطلان صومه إشكال، والاحتياط لا يترك.

(الخامس): رمس تمام الرأس في الماء، من دون فرق بين الدفعة والتدريج، ولا يقدح رمس أجزائه على التعاقب وإن استغرقه، وكذا إذا ارتمس وقد أدخل رأسه في زجاجة ونحوها كما يصنع الغواصون.

(مسألة ٩٨٣): في إلحاق المضاف بالماء إشكال، والأظهر عدم الالحاق.

(مسألة ٩٨٤): إذا ارتمس الصائم عمدا ناويا للاغتسال، فإن كان ناسيا لصومه صح صومه، وغسله، وأما إذا كان ذاكرا فإن كان في شهر رمضان بطل غسله وصومه وكذلك الحكم في قضاء شهر رمضان بعد الزوال على الأحوط، وأما في الواجب المعين غير شهر رمضان فيبطل صومه بنية الارتماس والظاهر صحة غسله إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، وأما في غير ذلك من الصوم الواجب أو المستحب فلا ينبغي الاشكال في صحة غسله وإن بطل صومه.

(السادس): إيصال الغبار الغليظ منه وغير الغليظ إلى جوفه عمدا على الأحوط، نعم ما يتعسر التحرز عنه فلا بأس به، والأحوط إلحاق الدخان بالغبار.

(السابع): تعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر، والأظهر اختصاص ذلك بشهر رمضان وقضائه، أما غيرهما من الصوم الواجب أو المندوب فلا يقدح فيه ذلك.

(مسألة ٩٨٥): الأقوى عدم البطلان بالاصباح جنبا، لا عن عمد في صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب المعين، إلا قضاء رمضان، فلا يصح معه، وإن تضيق وقته.

(مسألة ٩٨٦): لا يبطل الصوم - واجبا أو مندوبا معينا أو غيره - بالاحتلام في أثناء النهار، كما لا يبطل البقاء على حدث مس الميت - عمدا - حتى يطلع الفجر.

(مسألة ٩٨٧): إذا أجنب - عمدا ليلا - في وقت لا يسع الغسل ولا التيمم ملتفتا إلى ذلك فهو من تعمد البقاء على الجنابة، نعم إذا تمكن من التيمم وجب عليه التيمم والصوم، والأحوط، استحبابا قضاؤه، وإن ترك التيمم وجب عليه القضاء والكفارة.

(مسألة ٩٨٨): إذا نسي غسل الجنابة - ليلا - حتى مضى يوم أو أيام من شهر رمضان بطل صومه، وعليه القضاء، دون غيره من الواجب المعين وغيره، وإن كان أحوط استحبابا، والأقوى عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس إذا نسيته المرأة بالجنابة، وإن كان الالحاق أحوط استحبابا.

(مسألة ٩٨٩): إذا كان المجنب لا يتمكن من الغسل لمرض ونحوه وجب عليه التيمم قبل الفجر، فإن تركه بطل صومه، وإن تيمم وجب عليه أن يبقى مستيقظا إلى أن يطلع الفجر، على الأحوط.

(مسألة ٩٩٠): إذا ظن سعة الوقت للغسل فأجنب، فبان الخلاف فلا شئ عليه مع المراعاة، أما بدونها فالأحوط القضاء.

(مسألة ٩٩١): حدث الحيض والنفاس كالجنابة في أن تعمد البقاء عليهما مبطل للصوم في رمضان دون غيره، وإذا حصل النقاء في وقت لا يسع الغسل ولا التيمم أو لم تعلم بنقائها حتى طلع الفجر صح صومها.

(مسألة ٩٩٢): المستحاضة الكثيرة يشترط في صحة صومها الغسل لصلاة الصبح، وكذا للظهرين ولليلة الماضية، على الأحوط، فإذا تركت إحداهما بطل صومها، ولا يجب تقديم غسل الصبح على الفجر، بل لا يجزي لصلاة الصبح إلا مع وصلها به، وإذا اغتسلت لصلاة الليل لم تجتزئ به للصبح، ولو مع عدم الفصل المعتد به، على الأحوط.

(مسألة ٩٩٣): إذا أجنب في شهر رمضان - ليلا - ونام حتى أصبح فإن نام ناويا لترك الغسل، أو مترددا فيه لحقه حكم تعمد البقاء على الجنابة، وإن نام ناويا للغسل، فإن كان في النومة الأولى صح صومه، وإن كان في النومة الثانية - بأن نام بعد العلم بالجنابة ثم أفاق ونام ثانيا حتى أصبح - وجب عليه القضاء، دون الكفارة، على الأقوى، وإذا كان بعد النومة الثالثة، فالأحوط - استحبابا - الكفارة أيضا وكذلك في النومين الأولين إذا لم يكن معتاد الانتباه. وإذا نام عن ذهول وغفلة فالأظهر وجوب القضاء في مطلقا والأحوط الأولى الكفارة أيضا في الثالث.

(مسألة ٩٩٤): يجوز النوم الأول والثاني مع احتمال الاستيقاظ وكونه معتاد الانتباه، والأحوط - استحبابا - تركه إذا لم يكن معتاد الانتباه، وأما النوم الثالث فالأولى تركه مطلقا.

(مسألة ٩٩٥): إذا احتلم في نهار شهر رمضان لا تجب المبادرة إلى الغسل منه، ويجوز له الاستبراء بالبول، وإن علم ببقاء شئ من المني في المجرى، ولكن لو اغتسل قبل الاستبراء بالبول فالأحوط تأخيره إلى ما بعد المغرب.

(مسألة ٩٩٦): لا يعد النوم الذي احتلم فيه ليلا من النوم الأول بل إذا أفاق ثم نام كان نومه بعد الإفاقة هو النوم الأول.

(مسألة ٩٩٧): الظاهر إلحاق النوم الرابع والخامس بالثالث.

(مسألة ٩٩٨): الأقوى عدم إلحاق الحائض والنفساء بالجنب، فيصح الصوم مع عدم التواني في الغسل وإن كان البقاء على الحدث في النوم الثاني أو الثالث.

(الثامن): إنزال المني بفعل ما يؤدي إلى نزوله مع احتمال ذلك وعدم الوثوق بعدم نزوله، وأما إذا كان واثقا بالعدم فنزل اتفاقا، أو سبقه المني بلا فعل شئ لم يبطل صومه.

(التاسع): الاحتقان بالمائع، ولا بأس بالجامد، كما لا بأس بما يصل إلى الجوف من غير طريق الحلق مما لا يسمى أكلا أو شربا، كما إذا صب دواءا في جرحه أو في أذنه أو في إحليله أو عينه فوصل إلى جوفه، وكذا إذا طعن برمح أو سكين فوصل إلى جوفه وغير ذلك. نعم إذا فرض إحداث منفذ لوصول الغذاء إلى الجوف من غير طريق الحلق، كما يحكى عن بعض أهل زماننا فلا يبعد صدق الأكل والشرب حينئذ فيفطر به، كما هو كذلك إذا كان بنحو الاستنشاق من طريق الأنف، وأما إدخال الدواء بالإبرة في اليد أو الفخذ أو نحوهما من الأعضاء فلا بأس به، وكذا تقطير الدواء في العين أو الأذن.

(مسألة ٩٩٩): لا يجوز ابتلاع ما يخرج من الصدر أو ينزل من الرأس من الخلط إذا وصل إلى فضاء الفم، على الأحوط، أما إذا لم يصل إلى فضاء الفم فلا بأس بهما.

(مسألة ١٠٠٠): لا بأس بابتلاع البصاق المجتمع في الفم وإن كان كثيرا وكان اجتماعه باختياره كتذكر الحامض مثلا. العاشر: تعمد القئ وإن كان لضرورة من علاج مرض ونحوه، ولا بأس بما كان بلا اختيار.

(مسألة ١٠٠١): إذا خرج بالتجشؤ شئ ثم نزل من غير اختيار لم يكن مبطلا، وإذا وصل إلى فضاء الفم فابتلعه - اختيارا - بطل صومه وعليه الكفارة، على الأحوط.

(مسألة ١٠٠٢): إذا ابتلع في الليل ما يجب قيؤه في النهار بطل صومه إذا أراد القئ وإن نهارا، وإلا فلا يبطل صومه على الأظهر من غير فرق في ذلك بين الواجب المعين وغير المعين، كما أنه لا فرق بين ما إذا انحصر اخراج ما ابتلعه بالقئ وعدم الانحصار به.

(مسألة ١٠٠٣): ليس من المفطرات مص الخاتم، ومضغ الطعام للصبي، وذوق المرق ونحوها مما لا يتعدى إلى الحلق، أو تعدى من غير قصد، أو نسيانا للصوم، أما ما يتعدى - عمدا - فمبطل، وإن قل، ومنه ما يستعمل في بعض البلاد المسمى عندهم بالنسوار - على ما قيل - وكذا لا بأس بمضغ العلك وإن وجد له طعما في ريقه، ما لم يكن لتفتت أجزائه، ولا بمص لسان الزوج والزوجة، والأحوط الاقتصار على صورة ما إذا لم تكن عليه رطوبة.

(مسألة ١٠٠٤): يكره للصائم ملامسة النساء وتقبيلها وملاعبتها إذا كان واثقا من نفسه بعدم الانزال، وإن قصد الانزال كان من قصد المفطر ويكره له الاكتحال بما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق كالصبر والمسك، وكذا دخول الحمام إذا خشي الضعف، وإخراج الدم المضعف، والسعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق، وشم كل نبت طيب الريح، وبل الثوب على الجسد، وجلوس المرأة في الماء، والحقنة بالجامد وقلع الضرس، بل مطلق إدماء الفم، والسواك بالعود الرطب، والمضمضة عبثا، وإنشاد الشعر إلا في مراثي الأئمة (ع) ومدائحهم. وفي الخبر: " إذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا ولا تغتابوا ولا تماروا، ولا تكذبوا، ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغضبوا، ولا تسابوا، ولا تشاتموا، ولا تنابزوا، ولا تجادلوا، ولا تباذوا، ولا تظلموا ولا تسافهوا، ولا تزاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله تعالى " الحديث طويل. تتميم المفطرات المذكورة إنما تفسد الصوم إذا وقعت على وجه العمد، ولا فرق بين العالم بالحكم والجاهل به. والظاهر عدم الفرق في الجاهل بين القاصر والمقصر، بل الظاهر فساد الصوم بارتكاب المفطر حتى مع الاعتقاد بأنه حلال وليس بمفطر، نعم إذا وقعت على غير وجه العمد، كما إذا اعتقد أن المائع الخارجي مضاف فارتمس فيه فتبين أنه ماء، أو أخبر عن الله ما يعتقد أنه صدق فتبين كذبه لم يبطل صومه، وكذلك لا يبطل الصوم إذا كان ناسيا للصوم فاستعمل المفطر، أو دخل في جوفه شئ قهرا بدون اختياره.

(مسألة ١٠٠٥): إذا أفطر مكرها بطل صومه، وكذا إذا كان لتقية، سواء كانت التقية في ترك الصوم، كما إذا أفطر في عيدهم تقية، أم كانت في أداء الصوم، كالافطار قبل الغروب، والارتماس في نهار الصوم فإنه يجب الافطار - حينئذ - ولكن يجب القضاء.

(مسألة ١٠٠٦): إذا غلب على الصائم العطش وخاف الضرر من الصبر عليه، أو كان حرجا جاز أن يشرب بمقدار الضرورة، ويفسد بذلك صومه، ويجب عليه الامساك في بقية النهار، إذا كان في شهر رمضان على الأظهر، وأما في غيره من الواجب الموسع أو المعين فلا يجب.


الفصل الثالث

كفارة الصوم

تجب الكفارة بتعمد شئ من المفطرات إذا كان الصوم مما تجب فيه الكفارة كشهر رمضان وقضائه بعد الزوال، والصوم المنذور المعين والظاهر. اختصاص وجوب الكفارة بمن كان عالما بكون ما يرتكبه مفطرا. وأما إذا كان جاهلا به فلا تجب الكفارة، حتى إذا كان مقصرا أو لم يكن معذورا لجهله. نعم إذا كان عالما بحرمة ما يرتكبه، كالكذب على الله سبحانه وجبت الكفارة أيضا، وإن كان جاهلا بمفطريته.

(مسألة ١٠٠٧): كفارة إفطار يوم من شهر رمضان مخيرة بين عتق رقبة، وصوم شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد وهو يساوي ثلاثة أرباع الكيلو تقريبا، وكفارة إفطار قضاء شهر رمضان - بعد الزوال - إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد، فإن لم يتمكن صام ثلاثة أيام، وكفارة إفطار الصوم المنذور المعين كفارة يمين، وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، لكل واحد مد، أو كسوة عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام.

(مسألة ١٠٠٨): تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين، لا في يوم واحد إلا في الجماع والاستمناء، فإنها تتكرر بتكررهما، ومن عجز عن الخصال الثلاث فالأحوط أن يتصدق بما يطيق ويضم إليه الاستغفار، ويلزم التكفير عند التمكن، على الأحوط وجوبا.

(مسألة ١٠٠٩): يجب في الافطار على الحرام كفارة الجمع بين الخصال الثلاث المتقدمة، على الأحوط.

(مسألة ١٠١٠): إذا أكره زوجته على الجماع في صوم شهر رمضان فالأحوط أن عليه كفارتين وتعزيرين، خمسين سوطا، فيتحمل عنها الكفارة والتعزير، ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة، ولا تلحق بها الأمة، كما لا تلحق بالزوج الزوجة إذا أكرهت زوجها على ذلك.

(مسألة ١٠١١): إذا علم أنه أتى بما يوجب فساد الصوم، وتردد بين ما يوجب القضاء فقط، أو يوجب الكفارة معه لم تجب عليه، وإذا علم أنه أفطر أياما ولم يدر عددها اقتصر في الكفارة على القدر المعلوم وإذا شك في أنه أفطر بالمحلل أو المحرم كفاه إحدى الخصال، وإذا شك في أن اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان، أو كان من قضائه وقد أفطر قبل الزوال لم تجب عليه الكفارة، وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكينا.

(مسألة ١٠١٢): إذا أفطر عمدا ثم سافر قبل الزوال لم تسقط عنه الكفارة.

(مسألة ١٠١٣): إذا كان الزوج مفطرا لعذر فأكره زوجته الصائمة على الجماع لم يتحمل عنها الكفارة، وإن كان آثما بذلك، ولا تجب الكفارة عليها.

(مسألة ١٠١٤): يجوز التبرع بالكفارة عن الميت صوما كانت أو غيره، وفي جوازه عن الحي إشكال.

(مسألة ١٠١٥): وجوب الكفارة موسع، ولكن لا يجوز التأخير إلى حد يعد توانيا وتسامحا في أداء الواجب.

(مسألة ١٠١٦): مصرف كفارة الاطعام الفقراء إما بإشباعهم، وإما بالتسليم إليهم، كل واحد مد، والأحوط مدان ويجزي مطلق الطعام من التمر والحنطة والدقيق والأرز والماش وغيرها مما يسمى طعاما. نعم الأحوط في كفارة اليمين الاقتصار على الحنطة ودقيقها وخبزها.

(مسألة ١٠١٧): لا يجزي في الكفارة اشباع شخص واحد مرتين أو أكثر، أو اعطاؤه مدين أو أكثر، بل لا بد من ستين نفسا.

(مسألة ١٠١٨): إذا كان للفقير عيال فقراء جاز إعطاؤه بعددهم إذا كان وليا عليهم، أو وكيلا عنهم في القبض. فإذا قبض شيئا من ذلك كان ملكا لهم. ولا يجوز التصرف فيه إلا بأذنهم إذا كانوا كبارا، وإن كانوا صغارا صرفه في مصالحهم كسائر أموالهم.

(مسألة ١٠١٩): زوجة الفقير إذا كان زوجها باذلا لنفقتها على النحو المتعارف لا تكون فقيرة، ولا يجوز اعطاؤها من الكفارة إلا ذا كانت محتاجة إلى نفقة غير لازمة للزوج من وفاء دين ونحوه.

(مسألة ١٠٢٠): تبرأ ذمة المكفر بمجرد ملك المسكين، ولا تتوقف البراءة على أكله الطعام، فيجوز له بيعه عليه وعلى غيره.

(مسألة ١٠٢١): تجزي حقة النجف - التي هي ثلاث حقق إسلامبول وثلث - عن ستة أمداد.

(مسألة ١٠٢٢): في التكفير بنحو التمليك يعطى الصغير والكبير سواء كل واحد مد.

موارد القضاء دون الكفارة

(مسألة ١٠٢٣): يجب القضاء دون الكفارة في موارد: (الأول): نوم الجنب حتى يصبح على تفصيل قد مر.

(الثاني): إذا أبطل صومه بالاخلال بالنية من دون استعمال المفطر.

(الثالث): إذا نسي غسل الجنابة يوما أو أكثر.

(الرابع): من استعمل المفطر بعد طلوع الفجر بدون مراعاة ولا حجة على طلوعه، أما إذا قامت حجة على طلوعه وجب القضاء والكفارة وإذا كان مع المراعاة واعتقاد بقاء الليل فلا قضاء، هذا إذا كان صوم رمضان، وأما غيره من الواجب المعين أو غير المعين أو المندوب فالأقوى فيه البطلان مطلقا.

(الخامس): الافطار قبل دخول الليل، لظلمة ظن منها دخوله ولم يكن في السماء غيم، بل الأحوط إن لم يكن أقوى وجوب الكفارة، نعم إذا كان غيم فلا قضاء ولا كفارة، وأما العلة التي تكون في السماء غير الغيم ففي إلحاقها بالغيم في ذلك إشكال، والأحوط وجوبا عدمه.

(مسألة ١٠٢٤): إذا شك في دخول الليل لم يجز له الافطار، وإذا أفطر أثم وكان عليه القضاء والكفارة، إلا أن يتبين أنه كان بعد دخول الليل، وكذا الحكم إذا قامت حجة على عدم دخوله فأفطر، أما إذا قامت حجة على دخوله أو قطع بدخوله فأفطر فلا إثم ولا كفارة نعم يجب عليه القضاء إذا تبين عدم دخوله، وإذا شك في طلوع الفجر جاز له استعمال المفطر ظاهرا، وإذا تبين الخطأ بعد استعمال المفطر فقد تقدم حكمه. (السادس): إدخال الماء إلى الفم بمضمضة وغيرها، فيسبق ويدخل الجوف، فإنه يوجب القضاء دون الكفارة وإن نسي فابتلعه فلا قضاء، وكذا إذا كان في مضمضة وضوء الفريضة، والتعدي إلى النافلة مشكل.

(مسألة ١٠٢٥): الظاهر عموم الحكم المذكور لرمضان وغيره. (السابع): سبق المني بالملاعبة ونحوها، إذا لم يكن قاصدا، ولا من عادته، فإنه يجب فيه القضاء دون الكفارة، هذا إذا كان يحتمل ذلك احتمالا معتدا به، وأما إذا كان واثقا من نفسه بعدم الخروج فسبقه المني اتفاقا، فالظاهر عدم وجوب القضاء أيضا.


الفصل الرابع

شرائط صحة الصوم

وهي أمور: الايمان، والعقل، والخلو من الحيض والنفاس، فلا يصح من غير المؤمن ولا من المجنون ولا من الحائض والنفساء، فإذا أسلم أو عقل أثناء النهار لم يجر عليه الامساك بقية النهار، وكذا إذا طهرت الحائض والنفساء نعم إذا استبصر المخالف أثناء النهار - ولو بعد الزوال - أتم صومه وأجزأه وإذا حدث الكفر أو الخلاف أو الجنون أو الحيض أو النفاس - قبل الغروب - بطل الصوم. ومنها: عدم الاصباح جنبا، أو على حدث الحيض والنفاس كما تقدم. ومنها: أن لا يكون مسافرا سفرا يوجب قصر الصلاة، مع العلم بالحكم في الصوم الواجب، إلا في ثلاثة مواضع: (أحدها): الثلاثة أياما، هي التي بعض العشرة التي تكون بدل هدي التمتع لمن عجز عنه. ثانيها: صوم الثمانية عشر يوما، التي هي بدل البدنة كفارة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب. (ثالثها): الصوم المنذور إيقاعه في السفر أو الأعم منه ومن الحضر.

(مسألة ١٠٢٦): الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر، إلا ثلاثة أيام للحاجة في المدينة والأحوط أن يكون ذلك في الأربعاء والخميس والجمعة.

(مسألة ١٠٢٧): يصح الصوم من المسافر الجاهل بالحكم، وإن علم في الأثناء بطل، ولا يصح من الناسي.

(مسألة ١٠٢٨): يصح الصوم من المسافر الذي حكمه التمام، كناوي الإقامة والمسافر سفر معصية ونحوهما.

(مسألة ١٠٢٩): لا يصح الصوم من المريض، ومنه الأرمد، إذا كان يتضرر به لايجابه شدته، أو طول برئه، أو شدة ألمه، كل ذلك بالمقدار المعتد به، ولا فرق بين حصول اليقين بذلك والظن والاحتمال الموجب لصدق الخوف، وكذا لا يصح من الصحيح إذا خاف حدوث المرض، فضلا عما إذا علم ذلك، أما المريض الذي لا يتضرر من الصوم فيجب عليه ويصح منه.

(مسألة ١٠٣٠): لا يكفي الضعف في جواز الافطار، ولو كان مفرطا إلا أن يكون حرجا فيجوز الافطار، ويجب القضاء بعد ذلك، وكذا إذا أدى الضعف إلى العجز عن العمل اللازم للمعاش، مع عدم التمكن من غيره، أو كان العامل بحيث لا يمكن من الاستمرار على الصوم لغلبة العطش والأحوط فيهم الاقتصار في الأكل والشرب، على مقدار الضرورة، والامساك عن الزائد.

(مسألة ١٠٣١): إذا صام لاعتقاد عدم الضرر فبان الخلاف فالظاهر صحة صومه، نعم إذا كان الضرر بحد يحرم ارتكابه مع العلم، ففي صحة صومه إشكال، وإذا صام باعتقاد الضرر أو خوفه بطل، إلا إذا كان قد تمشى منه قصد القربة، فإنه لا يبعد الحكم بالصحة إذا بان عدم الضرر بعد ذلك.

(مسألة ١٠٣٢): قول الطبيب إذا كان يوجب الظن بالضرر أو خوفه وجب لأجله الافطار، وكذلك إذا كان حاذقا وثقة، إذا لم يكن المكلف مطمئنا بخطأه، ولا يجوز الافطار بقوله في غير هاتين الصورتين وإذا قال الطبيب لا ضرر في الصوم وكان المكلف خائفا وجب الافطار.

(مسألة ١٠٣٣): إذا برئ المريض قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجدد النية لم يصح صومه، وإن لم يكن عاصيا بامساكه. والأحوط - استحبابا - أن يمسك بقية النهار.

(مسألة ١٠٣٤): يصح الصوم من الصبي كغيره من العبادات.

(مسألة ١٠٣٥): لا يجوز التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب من قضاء شهر رمضان أو غيره، وإذا نسي أن عليه صوما واجبا فصام تطوعا فذكر بعد الفراغ صح صومه، والظاهر جواز التطوع لمن عليه صوم واجب استيجاري، كما أنه يجوز إيجار نفسه للصوم عن غيره، إذا كان عليه صوم واجب.

(مسألة ١٠٣٦): يشترط في وجوب الصوم البلوغ والعقل والحضر وعدم الاغماء وعدم المرض والخلو من الحيض والنفاس.

(مسألة ١٠٣٧): لو صام الصبي تطوعا وبلغ في الأثناء - ولو بعد الزوال - لم يجب عليه الاتمام، والأحوط استحبابا الاتمام.

(مسألة ١٠٣٨): إذا سافر قبل الزوال، وكان ناويا للسفر من الليل وجب عليه الافطار، وإلا وجب عليه الاتمام والقضاء على الأحوط وإن كان السفر بعده وجب إتمام الصيام، وإذا كان مسافرا فدخل بلده أو بلدا نوى فيه الإقامة، فإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجب عليه الصيام، وإن كان بعد الزوال، أو تناول المفطر في السفر بقي على الافطار، نعم يستحب له الامساك إلى الغروب.

(مسألة ١٠٣٩): الظاهر إن المناط في الشروع في السفر قبل الزوال وبعده، وكذا في الرجوع منه هو البلد، لا حد الترخص، نعم لا يجوز الافطار للمسافر إلا بعد الوصول إلى حد الترخص، فلو أفطر - قبله - عالما بالحكم وجبت الكفارة.

(مسألة ١٠٤٠): يجوز السفر في شهر رمضان - اختيارا - ولو للفرار من الصوم، ولكنه مكروه، إلا في حج أو عمرة، أو غزو في سبيل الله، أو مال يخاف تلفه، أو انسان يخاف هلاكه، أو يكون بعد مضي ثلاث وعشرين ليلة، وإذا كان على المكلف صوم واجب معين جاز له السفر، وإن فات الواجب، وإن كان في السفر لم تجب عليه الإقامة لأدائه.

(مسألة ١٠٤١): يجوز للمسافر التملي من الطعام والشراب، وكذا الجماع في النهار على كراهة في الجميع، والأحوط - استحبابا - الترك، ولا سيما في الجماع.


الفصل الخامس

ترخيص الافطار

وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص: منهم الشيخ والشيخة وذو العطاش، إذا تعذر عليهم الصوم، وكذلك إذا كان حرجا ومشقة، ولكن يجب عليهم حينئذ الفدية عن كل يوم بمد من الطعام، والأفضل كونها من الحنطة، بل كونها مدين، بل هو أحوط استحبابا، والظاهر عدم وجوب القضاء على الشيخ والشيخة، إذا تمكنا من القضاء، والأحوط - وجوبا - لذي العطاش القضاء مع التمكن. ومنهم الحامل المقرب التي يضر بها الصوم أو يضر حملها، والمرضعة القليلة اللبن إذا أضر بها الصوم أو أضر بالولد، وعليهما القضاء بعد ذلك. كما أن عليهما الفدية - أيضا - فيما إذا كان الضرر على الحمل أو الولد، ولا يجزي الاشباع عن المد في الفدية من غير فرق بين مواردها. ثم أن الترخيص في هذه الموارد ليس بمعنى تخيير المكلف بين الصيام والافطار، بل بمعنى عدم وجوب الصيام فيها وإن كان اللازم عليهم الافطار.

(مسألة ١٠٤٢): لا فرق في المرضعة بين أن يكون الولد لها، وأن يكون لغيرها، والأقوى الاقتصار على صورة عدم التمكن من إرضاع غيرها للولد.


الفصل السادس

ثبوت الهلال

يثبت الهلال بالعلم الحاصل من الرؤية أو التواتر، أو غيرهما، بالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضي ثلاثين يوما من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوما من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين، وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع، ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدل على أنه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوق الهلال، فيدل على أنه لليلة السابقة.

(مسألة ١٠٤٣): لا تختص حجية البينة بالقيام عند الحاكم، بل كل من علم بشهادتها عول عليها.

(مسألة ١٠٤٤): إذا رؤي الهلال في بلد كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الأفق، بحيث إذا رؤي في أحدهما رؤي في الآخر، بل الظاهر كفاية الرؤية في بلد ما في الثبوت لغيره من البلاد المشتركة معه في الليل وإن كان أول الليل في أحدهما آخره في الآخر. بيان ذلك أن(١) البلدان الواقعة على سطح الأرض تنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما تتفق مشارقه ومغاربه، أو تتقارب. ثانيهما: ما تختلف مشارقه ومغاربه اختلافا كبيرا. أما القسم الأول: فقد اتفق علماء الإمامية على أن رؤية الهلال في بعض هذه البلاد كافية لثبوته في غيرها، فإن عدم رؤيته فيه إنما يستند - لا محالة - إلى مانع يمنع من ذلك، كالجبال، أو الغابات، أو الغيوم، أو ما شاكل ذلك. وأما القسم الثاني (ذات الآفاق المختلفة): فلم يقع التعرض لحكمه في كتب علمائنا المتقدمين، نعم حكي القول باعتبار اتحاد الأفق عن الشيخ الطوسي في (المبسوط)، فإذن: المسألة مسكوت عنها في كلمات أكثر المتقدمين، وإنما صارت معركة للآراء بين علمائنا المتأخرين: المعروف بينهم القول باعتبار اتحاد الأفق، ولكن قد خالفهم فيه جماعة من العلماء والمحققين فاختاروا القول بعدم اعتبار الاتحاد وقالوا بكفاية الرؤية في بلد واحد لثبوته في غيره من البلدان ولو مع اختلاف الأفق بينها. فقد نقل العلامة في (التذكرة) هذا القول عن بعض علمائنا واختاره صريحا في (المنتهى) واحتمله الشهيد الأول في (الدروس) واختاره - صريحا - المحدث الكاشاني في (الوافي) وصاحب الحدائق في حدائقه، ومال إليه صاحب الجواهر في جواهره والنراقي في (المستند)، والسيد أبو تراب الخونساري في شرح (نجاة العباد) والسيد الحكيم في مستمسكه في الجملة. وهذا القول - أي كفاية الرؤية في بلد ما لثبوت الهلال في بلد آخر مع اشتراكهما في كون ليلة واحدة لهما معا وإن كان أول ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر، ولو مع اختلاف أفقهما - هو الأظهر، ويدلنا على ذلك أمران: (الأول): أن الشهور القمرية إنما تبدأ على أساس وضع سير القمر واتخاذه موضعا خاصا من الشمس في دورته الطبيعية، وفي نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، وفي هذه الحالة (حالة المحاق) لا يمكن رؤيته في أية بقعة من بقاع الأرض، وبعد خروجه عن حالة المحاق والتمكن من رؤيته ينتهي شهر قمري، ويبدأ شهر قمري جديد. ومن الواضح، أن خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها، ولا لبقعة دون أخرى، وإن كان القمر مرئيا في بعضها دون الآخر، وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس، أو حيلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك، فإنه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق، ضرورة أنه ليس لخروجه منه أفراد عديدة بل هو فرد واحد متحقق في الكون لا يعقل تعدده بتعدد البقاع، وهذا بخلاف طلوع الشمس فإنه يتعدد بتعدد البقاع المختلفة فيكون لكل بقعة طلوع خاص بها. وعلى ضوء هذا البيان فقد اتضح أن قياس هذه الظاهرة الكونية بمسألة طلوع الشمس وغروبها قياس مع الفارق، وذلك لأن الأرض بمقتضى كرويتها يكون - بطبيعة الحال - لكل بقعة منها مشرق خاص ومغرب كذلك، فلا يمكن أن يكون للأرض كلها مشرق واحد ولا مغرب كذلك وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية - أي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس - فإنه لعدم ارتباطه ببقاع الأرض وعدم صلته بها لا يمكن أن يتعدد بتعددها. ونتيجة ذلك: أن رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعية على خروج القمر عن الوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية دورته وأنه بداية لشهر قمري جديد لأهل الأرض جميعا لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الأفق. ومن هنا يظهر: أن ذهاب المشهور إلى اعتبار اتحاد البلدان في الأفق مبني على تخيل أن ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها بها إلا أنه لا صلة - كما عرفت - لخروج القمر عنه ببقعة معينة دون أخرى فإن حاله مع وجود الكرة الأرضية وعدمها سواء. (الثاني): النصوص الدالة على ذلك، ونذكر جملة منها: ١ - صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال: " إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما ". فإن هذه الصحيحة باطلاقها تدلنا - بوضوح - على أن الشهر إذا كان ثلاثين يوما في مصر كان كذلك في بقية الأمصار بدون فرق بين كون هذه الأمصار متفقة في آفاقها أو مختلفة إذ لو كان المراد من كلمة مصر فيها المصر المعهود المتفق مع بلد السائل في الأفق لكان على الإمام (ع) أن يبين ذلك، فعدم بيانه مع كونه عليه السلام في مقام البيان كاشف عن الاطلاق. ٢ - صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان فقال: " لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر، وقال لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار فإن فعلوا فصمه ". الشاهد في هذه الصحيحة جملتان: (الأولى) قوله (ع) " لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة " (الخ) فإنه يدل - بوضوح - على أن رأس الشهر القمري واحد بالإضافة إلى جميع أهل الصلاة على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقها ولا يتعدد بتعددها، (الثانية) قوله (ع): " لا تصم ذلك اليوم إلا أن يقضي أهل الأمصار " فإنه كسابقة واضح الدلالة على أن الشهر القمري لا يختلف باختلاف الأمصار في آفاقها فيكون واحدا بالإضافة إلى جميع أهل البقاع والأمصار، وإن شئت فقل: إن هذه الجملة تدل على أن رؤية الهلال في مصر كافية لثبوته في بقية الأمصار من دون فرق في ذلك بين اتفاقها معه في الآفاق أو اختلافها فيها فيكون مرده إلى أن الحكم المترتب على ثبوت الهلال - أي خروج القمر عن المحاق - حكم تمام أهل الأرض لا لبقعة خاصة. ٣ - صحيحة إسحاق بن عمار قال سألت أبا عبد الله (ع) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان فقال: " ولا تصمه إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه ". فهذه الصحيحة ظاهرة الدلالة بإطلاقها على أن رؤية الهلال في بلد تكفي لثبوته في سائر البلدان بدون فرق بين كونها متحدة معه في الأفق أو مختلفة وإلا فلا بد من التقييد بمقتضى ورودها في مقام البيان.

حة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان فقال " لا تصم إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه " فهذه الصحيحة كسابقته في الدلالة على ما ذكرناه. ويشهد على ذلك ما ورد في عدة روايات في كيفية صلاة عيدي الأضحى والفطر وما يقال فيها من التكبير من قوله (ع) في جملة تلك التكبيرات: " أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا ". فإن الظاهر أن المشار إليه في قوله (ع) في هذا اليوم هو يوم معين خاص جعله الله تعالى عيدا للمسلمين لا أنه كل يوم ينطبق عليه أنه يوم فطر أو أضحى على اختلاف الأمصار في رؤية الهلال باختلاف آفاقها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه تعالى جعل هذا اليوم عيدا للمسلمين كلهم لا لخصوص أهل بلد تقام فيه صلاة العيد. فالنتيجة على ضوئهما أن يوم العيد يوم واحد لجميع أهل البقاع والأمصار على اختلافها في الآفاق والمطالع. ويدل أيضا على ما ذكرناه الآية الكريمة الظاهرة في أن ليلة القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في آفاقهم ضرورة أن القرآن نزل في ليلة واحدة وهذه الليلة الواحدة هي ليلة القدر وهي خير من ألف شهر وفيها يفرق كل أمر حكيم. ومن المعلوم أن تفريق كل أمر حكيم فيها لا يخص بقعة معينة من بقاع الأرض بل يعم أهل البقاع أجمع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد ورد في عدة من الروايات أن في ليلة القدر يكتب المنايا والبلايا والأرزاق وفيها يفرق كل أمر حكيم، ومن الواضح أن كتابة الأرزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة إنما تكون لجميع أهل العالم لا لأهل بقعة خاصة. فالنتيجة على ضوئهما أن ليلة القدر ليلة واحدة لأهل الأرض جميعا، لا أن لكل بقعة ليلة خاصة. هذا، مضافا إلى سكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار اتحاد الأفق في هذه المسألة، ولم يرد ذلك حتى في رواية ضعيفة. ومنه يظهر أن ذهاب المشهور إلى ذلك ليس من جهة الروايات بل من جهة ما ذكرناه من قياس هذه المسألة بمسألة طلوع الشمس وغروبها وقد عرفت أنه قياس مع الفارق.

____________________

(١) نقل من رسالة " المسائل المنتخبة " للإمام الخوئي، وهي مطبوعة في آخرها تحت عنوان: " تفاصيل ثبوت الهلال ".


الفصل السابع

أحكام قضاء شهر رمضان

(مسألة ١٠٤٥): لا يجب قضاء ما فات زمان الصبا، أو الجنون أو الاغماء أو الكفر الأصلي، ويجب قضاء ما فات في غير ذلك من ارتداد أو حيض، أو نفاس، أو نوم، أو سكر، أو مرض، أو خلاف للحق، نعم إذا صام المخالف على وفق مذهبه لم يجب عليه القضاء.

(مسألة ١٠٤٦): إذا شك في أداء الصوم في اليوم الماضي بنى على الأداء، وإذا شك في عدد الفائت بنى على الأقل.

(مسألة ١٠٤٧): لا يجب الفور في القضاء، وإن كان الأحوط - استحبابا - عدم تأخير قضاء شهر رمضان عن رمضان الثاني، وإن فاتته أيام من شهر واحد لا يجب عليه التعيين، ولا الترتيب، وإن عين لم يتعين، وإذا كان عليه قضاء من رمضان سابق ومن لاحق لم يجب التعيين ولا يجب الترتيب، فيجوز قضاء اللاحق قبل السابق، ويجوز العكس إلا أنه إذا تضيق وقت اللاحق بمجئ رمضان الثالث فالأحوط قضاء اللاحق، وإن نوى السابق حينئذ صح صومه، ووجبت عليه الفدية.

(مسألة ١٠٤٨): لا ترتيب بين صوم القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب كالكفارة والنذر، فله تقديم أيهما شاء.

(مسألة ١٠٤٩): إذا فاتته أيام من شهر رمضان بمرض، ومات قبل أن يبرأ لم يجب القضاء عنه، وكذا إذا فات بحيض أو نفاس ماتت فيه أو بعد ما طهرت قبل مضي زمان يمكن القضاء فيه.

(مسألة ١٠٥٠): إذا فاته شهر رمضان، أو بعضه بمرض، واستمر به المرض إلى رمضان الثاني سقط قضاؤه، وتصدق عن كل يوم بمد ولا يجزي القضاء عن التصدق، أما إذا فاته بعذر غير المرض وجب القضاء وتجب الفدية أيضا على الأحوط، وكذا إذا كان سبب الفوت المرض وكان العذر في التأخير السفر، وكذا العكس.

(مسألة ١٠٥١): إذا فاته شهر رمضان، أو بعضه لعذر أو عمد وأخر القضاء إلى رمضان الثاني، مع تمكنه منه، عازما على التأخير أو متسامحا ومتهاونا وجب القضاء والفدية معا، وإن كان عازما على القضاء - قبل مجئ رمضان الثاني - فاتفق طرو العذر وجب القضاء، بل الفدية أيضا، على الأحوط، إن لم يكن أقوى، ولا فرق بين المرض وغيره من الأعذار، ويجب إذا كان الافطار عمدا - مضافا إلى الفدية - كفارة الافطار.

(مسألة ١٠٥٢): إذا استمر المرض ثلاثة رمضانات وجبت الفدية مرة للأول ومرة للثاني، وهكذا إن استمر إلى أربعة رمضانات، فتجب مرة ثالثة للثالث، وهكذا ولا تتكرر الكفارة للشهر الواحد.

(مسألة ١٠٥٣): يجوز إعطاء فدية أيام عديدة من شهر واحد ومن شهور إلى شخص واحد.

(مسألة ١٠٥٤): لا تجب فدية العبد على سيده، ولا فدية الزوجة على زوجها، ولا فدية العيال على المعيل، ولا فدية واجب النفقة على المنفق.

(مسألة ١٠٥٥): لا تجزي القيمة في الفدية، بل لا بد من دفع العين وهو الطعام، وكذا الحكم في الكفارات.

(مسألة ١٠٥٦): يجوز الافطار في الصوم المندوب إلى الغروب، ولا يجوز في قضاء صوم شهر رمضان بعد الزوال، إذا كان القضاء من نفسه بل تقدم أن عليه الكفارة، أما قبل الزوال فيجوز، وأما الواجب الموسع غير قضاء شهر رمضان فالظاهر جواز الافطار فيه مطلقا، وإن كان الأحوط ترك الفطار بعد الزوال.

(مسألة ١٠٥٧): لا يلحق القاضي عن غيره بالقاضي عن نفسه في الحرمة والكفارة وإن كان الأحوط - استحبابا - الالحاق.

(مسألة ١٠٥٨): يجب على ولي الميت - وهو الولد الذكر الأكبر - حال الموت أن يقضي ما فات أباه من الصوم لعذر إذا وجب عليه قضاؤه والأحوط - استحبابا - الحاق الأكبر الذكر في جميع طبقات المواريث - على الترتيب في الإرث - بالابن، والأقوى عدمه، وأما ما فات - عمدا - أو أتى به فاسدا ففي إلحاقه بما فات عن عذر إشكال، وإن كان أحوط لزوما، بل الأحوط إلحاق الأم بالأب وإن كان الأقوى خلافه، وإن فاته ما لا يجب عليه قضاؤه كما لو مات في مرضه لم يجب القضاء، وقد تقدم في كتاب الصلاة بعض المسائل المتعلقة بالمقام، لأن المقامين من باب واحد.

(مسألة ١٠٥٩): يجب التتابع في صوم الشهرين من كفارة الجمع وكفارة التخيير، ويكفي في حصول صوم الشهر الأول، ويوم من الشهر الثاني متتابعا.

(مسألة ١٠٦٠): كل ما يشترط فيه التتابع إذا أفطر لعذر اضطر إليه بنى على ما مضى عند ارتفاعه، وإن كان العذر بفعل المكلف إذا كان مضطرا إليه، أما إذا لم يكن عن اضطرار وجب الاستئناف، ومن العذر ما إذا نسي النية إلى ما بعد الزوال، أو نسي فنوى صوما آخر ولم يتذكر إلا بعد الزوال، ومنه ما إذا نذر قبل تعلق الكفارة صوم كل خميس، فإن تخلله في الأثناء لا يضر في التتابع بل يحسب من الكفارة أيضا إذا تعلق النذر بصوم يوم الخميس على الاطلاق، ولا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من الخصال.

(مسألة ١٠٦١): إذا نذر صوم شهرين متتابعين جرى عليه الحكم المذكور، إلا أن يقصد تتابع جميع أيامها.

(مسألة ١٠٦٢): إذا وجب عليه صوم متتابع لا يجوز له أن يشرع فيه في زمان يعلم أنه لا يسلم بتخلل عيد أو نحوه، إلا في كفارة القتل في الأشهر الحرم فإنه يجب على القاتل صوم شهرين من الأشهر الحرم، ولا يضره تخلل العيد على الأظهر، نعم إذا لم يعلم فلا بأس إذا كان غافلا، فاتفق ذلك، أما إذا كان شاكا فالظاهر البطلان، ويستثنى من ذلك الثلاثة بدل الهدي، إذا شرع فيها يوم التروية وعرفة، فإن له أن يأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل، أو بعد أيام التشريق، لمن كان بمنى، أما إذا شرع يوم عرفة وجب الاستئناف.

(مسألة ١٠٦٣): إذا نذر أن يصوم شهرا أو أياما معدودة لم يجب التتابع، إلا مع اشتراط التتابع، أو الانصراف إليه على وجه يرجع إلى التقييد.

(مسألة ١٠٦٤): إذا فاته الصوم المنذور المشروط فيه التتابع فالأحوط الأولى التتابع في قضائه.

الصوم المستحب

(مسألة ١٠٦٥): الصوم من المستحبات المؤكدة، وقد ورد أنه جنة من النار، وزكاة الأبدان، وبه يدخل العبد الجنة، وأن نوم الصائم عبادة ونفسه وصمته تسبيح وعمله متقبل، ودعاءه مستجاب، وخلوق فمه عند الله تعالى أطيب من رائحة المسك وتدعو له الملائكة حتى يفطر وله فرحتان فرحة عند الافطار، وفرحة حين يلقى الله تعالى، وأفراده كثيرة والمؤكد منه صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل في كيفيتها أول خميس من الشهر، وآخر خميس منه، وأول أربعاء من العشر الأواسط ويوم الغدير، فإنه يعدل مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات ويوم مولد النبي صلى الله عليه وآله ويوم بعثه، ويوم دحو الأرض. وهو الخامس والعشرون من ذي القعدة، ويوم عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء مع عدم الشك في الهلال ويوم المباهلة وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة وتمام رجب، وتمام شعبان وبعض كل منهما على اختلاف الأبعاض في مراتب الفضل، ويوم النوروز، وأول يوم محرم وثالثه وسابعه، وكل خميس وكل جمعة إذا لم يصادفا عيدا.

(مسألة ١٠٦٦): يكره الصوم في موارد: منها الصوم يوم عرفة لمن خاف أن يضعفه عن الدعاء، والصوم فيه مع الشك في الهلال، بحيث يحتمل كونه عيد أضحى، وصوم الضيف نافلة بدون إذن مضيفه، والولد من غير إذن والده.

(مسألة ١٠٦٧): يحرم صوم العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى ناسكا كان أم لا، ويوم الشك على أنه من شهر رمضان، ونذر المعصية بأن ينذر الصوم على تقدير فعل الحرام شكرا، أما زجرا فلا بأس به، وصوم الوصال. ولا بأس بتأخير الافطار ولو إلى الليلة الثانية إذا لم يكن عن نية الصوم، والأحوط اجتنابه، كما أن الأحوط عدم صوم الزوجة والمملوك - تطوعا - بدون إذن الزوج والسيد وإن كان الأقوى الجواز في الزوجة إذا لم يمنع عن حقه، ولا يترك الاحتياط بتركها الصوم إذا نهاها زوجها عنه. والحمد لله رب العالمين.


الخاتمة

في الاعتكاف

وهو اللبث في المسجد، والأحوط أن يكون بقصد فعل العبادة فيه من صلاة ودعاء وغيرهما، وإن كان الأقوى عدم اعتباره، ويصح في كل وقت يصح فيه الصوم، والأفضل شهر رمضان، وأفضله العشر والأواخر.

(مسألة ١٠٦٨): يشترط في صحته مضافا إلى العقل والايمان أمور:

(الأول): نية القربة، كما في غيره من العبادات، وتجب مقارنتها لأوله بمعنى وجوب إيقاعه من أوله إلى آخره عن النية، وحينئذ يشكل الاكتفاء بتبييت النية، إذا قصد الشروع فيه في أول يوم، نعم لو قصد الشروع فيه وقت النية في أول الليل كفى.

(مسألة ١٠٦٩): لا يجوز العدول من اعتكاف إلى آخر اتفقا في الوجوب والندب أو اختلفا، ولا عن نيابة عن شخص إلى نيابة عن شخص آخر ولا عن نيابة عن غيره إلى نفسه وبالعكس.

(الثاني): الصوم، فلا يصح بدونه فلو كان المكلف ممن لا يصح منه الصوم لسفر، أو غيره لم يصح منه الاعتكاف.

(الثالث): العدد، فلا يصح أقل من ثلاثة أيام، ويصح الأزيد منها وإن كان يوما أو بعضه، أو ليلة أو بعضها، ويدخل فيه الليلتان المتوسطتان دون الأولى والرابعة، وإن جاز إدخالهما بالنية، فلو نذره كان أقل ما يمتثل به ثلاثة. ولو نذره أقل لم ينعقد، وكذا لو نذره ثلاثة معينة، فاتفق أن الثالث عيد لم ينعقد، ولو نذر اعتكاف خمسة فإن نواها بشرط لا، من جهة الزيادة والنقصان بطل، وإن نواها بشرط لا، من جهة الزيادة ولا بشرط من جهة النقصان وجب عليه اعتكاف ثلاثة أيام وإن نواها بشرط لا، من جهة النقيصة، ولا بشرط من جهة الزيادة ضم إليها السادس أفرد اليومين أو ضمهما إلى الثلاثة. (الرابع): أن يكون في أحد المساجد الأربعة مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، أو في المسجد الجامع في البلد والأحوط استحبابا - مع الامكان - الاقتصار على الأربعة.

(مسألة ١٠٧٠): لو اعتكف في مسجد معين فاتفق مانع من البقاء فيه بطل، ولم يجز اللبث في مسجد آخر، وعليه قضاؤه على الأحوط - إن كان واجبا - في مسجد آخر، أو في ذلك المسجد، بعد ارتفاع المانع.

(مسألة ١٠٧١): يدخل في المسجد سطحه وسردابه، كبيت الطشت في مسجد الكوفة، وكذا منبره ومحرابه، والإضافات الملحقة به.

(مسألة ١٠٧٢): إذا قصد الاعتكاف في مكان خاص من المسجد لغي قصده.

(الخامس): إذن من يعتبر إذنه في جوازه، كالسيد بالنسبة إلى مملوكه والزوج بالنسبة إلى زوجته، إذا كان منافيا لحقه، والوالدين بالنسبة إلى ولدهما إذا كان موجبا لايذائهما شفقة عليه.

(السادس): استدامة اللبث في المسجد الذي شرع به فيه، فإذا خرج لغير الأسباب المسوغة للخروج بطل، من غير فرق بين العالم بالحكم والجاهل، ولا يبعد البطلان في الخروج نسيانا أيضا، بخلاف ما إذا خرج عن اضطرار أو اكراه أو لحاجة لا بد له منها من بول أو غائط أو غسل جنابة، أو استحاضة، أو مس ميت، وإن كان السبب باختياره. ويجوز الخروج للجنائز لتشييعها، والصلاة عليها، ودفنها، وتغسيلها، وتكفينها ولعيادة المريض، أما تشييع المؤمن وإقامة الشهادة وتحملها وغير ذلك من الأمور الراجحة ففي جوازها اشكال، والأظهر الجواز فيما إذا عد من الضرورات عرفا والأحوط - استحبابا - مراعاة أقرب الطرق ولا تجوز زيادة المكث عن قدر الحاجة، وأما التشاغل على وجه تنمحي به صورة الاعتكاف فهو مبطل، وإن كان عن اكراه أو اضطرار، والأحوط وجوبا ترك الجلوس في الخارج، ولو اضطر إليه اجتنب الظلال مع الامكان.

(مسألة ١٠٧٣): إذا أمكنه أن يغتسل في المسجد فالظاهر عدم جواز الخروج لأجله، إذا كان الحدث لا يمنع من المكث في المسجد كمس الميت. فصل الاعتكاف في نفسه مندوب، ويجب بالعارض من نذر وشبهه، فإن كان واجبا معينا فلا إشكال في وجوبه - قبل الشروع - فضلا عما بعده وإن كان واجبا مطلقا أو مندوبا فالأقوى عدم وجوبه بالشروع، وإن كان في الأول أحوط استحبابا، نعم يجب بعد مضي يومين منه فيتعين اليوم الثالث، إلا إذا اشترط حال النية الرجوع لعارض فاتفق حصوله بعد يومين، فله الرجوع عنه - حينئذ - إن شاء، ولا عبرة بالشرط إذا لم يكن مقارنا للنية، سواء أكان قبلها أم بعد الشروع فيه.

(مسألة ١٠٧٤): الظاهر أنه يجوز اشتراط الرجوع متى شاء، وإن لم يكن عارض.

(مسألة ١٠٧٥): إذا شرط الرجوع حال النية، ثم بعد ذلك أسقط شرطه، فالظاهر عدم سقوط حكمه.

(مسألة ١٠٧٦): إذا نذر الاعتكاف، وشرط في نذره الرجوع فيه ففي جواز الرجوع إذا لم يشترطه في نية الاعتكاف إشكال، والأظهر جوازه.

(مسألة ١٠٧٧): إذا جلس في المسجد على فراش مغصوب لم يقدح ذلك في الاعتكاف وإن سبق شخص إلى مكان من المسجد فأزاله المعتكف من مكانه، وجلس فيه ففي البطلان تأمل. فصل في أحكام الاعتكاف

(مسألة ١٠٧٨): لا بد للمعتكف من ترك أمور: (منها): مباشرة النساء بالجماع، والأحوط - وجوبا - الحاق اللمس والتقبيل بشهوة به، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. و (منها): الاستمناء على الأحوط وجوبا. و (منها): شم الطيب والريحان مع التلذذ، ولا أثر له إذا كان فاقدا لحاسة الشم. و (منها): البيع والشراء بل مطلق التجارة، على الأحوط وجوبا ولا بأس بالاشتغال بالأمور الدنيوية من المباحات، حتى الخياطة والنساجة ونحوهما، وإن كان الأحوط - استحبابا - الاجتناب، وإذا اضطر إلى البيع والشراء لأجل الأكل أو الشرب. مما تمس حاجة المعتكف به ولم يمكن التوكيل ولا النقل بغيرهما فعله. و (منها): المماراة في أمر ديني أو دنيوي بداعي إثبات الغلبة وإظهار الفضيلة، لا بداعي إظهار الحق ورد الخصم عن الخطأ، فإنه من أفضل العبادات، والمدار على القصد.

(مسألة ١٠٧٩): الأحوط - استحبابا - للمعتكف الاجتناب عما يحرم على المحرم، وإن كان الأقوى خلافه، ولا سيما في لبس المخيط وإزالة الشعر، وأكل الصيد، وعقد النكاح، فإن جميعها جائز له.

(مسألة ١٠٨٠): الظاهر أن المحرمات المذكور مفسدة للاعتكاف من دون فرق بين وقوعها في الليل والنهار، وفي حرمتها تكليفا إذا لم يكن واجبا معينا ولو لأجل انقضاء يومين منه إشكال، وإن كان أحوط وجوبا.

(مسألة ١٠٨١): إذا صدر منه أحد المحرمات المذكورة - سهوا - ففي عدم قدحه إشكال، ولا سيما في الجماع.

(مسألة ١٠٨٢): إذا أفسد اعتكافه بأحد المفسدات، فإن كان واجبا معينا وجب قضاؤه - على الأحوط - وإن كان غير معين وجب استئنافه وكذا يجب القضاء - على الأحوط - إذا كان مندوبا، وكان الافساد بعد يومين، أما إذا كان قبلهما فلا شئ عليه، ولا يجب الفور في القضاء.

(مسألة ١٠٨٣): إذا باع أو اشترى في أيام الاعتكاف لم يبطل بيعه أو شراؤه، وإن بطل اعتكافه.

(مسألة ١٠٨٤): إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلا وجبت الكفارة، والأقوى عدم وجوبها بالافساد، بغير الجماع، وإن كان أحوط استحبابا، وكفارته ككفارة صوم شهر رمضان وإن كان الأحوط أن تكون كفارته مثل كفارة الظهار، وإذا كان الاعتكاف في شهر رمضان وأفسده بالجماع نهارا وجبت كفارتان، إحداهما لافطار شهر رمضان والأخرى لافساد الاعتكاف، وكذا إذا كان في قضاء شهر رمضان بعد الزوال، وإن كان الاعتكاف المذكور منذورا وجبت كفارة ثالثة لمخالفة النذر، وإذا كان الجماع لامرأته الصائمة في شهر رمضان وقد أكرهها وجبت كفارة رابعة عنها على الأحوط. والحمد لله رب العالمين


كتاب الزكاة

وفيه مقاصد وهي أحد الأركان التي بني عليها الاسلام، ووجوبها من ضروريات الدين ومنكرها مع العلم بها كافر، بل في جملة من الأخبار إن مانع الزكاة كافر.


المقصد الأول

شرائط وجوب الزكاة

(الأول): البلوغ.

(الثاني): العقل.

(الثالث): الحرية. فلا تجب في مال من كان صبيا أو مجنونا أو عبدا في زمان التعلق أو في أثناء الحول إذا كان مما يعتبر فيه الحول، بل لا بد من استئناف الحول من حين البلوغ والعقل والحرية.

(مسألة ١٠٨٥): لا فرق في الجنون المانع عن الزكاة بين الاطباقي والأدواري.

(الرابع): الملك. في زمان التعلق، أو في تمام الحول كما تقدم، فلا زكاة على المال الموهوب والمقروض قبل قبضه، والمال الموصى به قبل وفاة الموصي.

(الخامس): التمكن من التصرف. واعتباره على نحو ما سبق، والمراد به القدرة على التصرف فيه بالاتلاف ونحوه، فلا زكاة في المسروق، والمجحود، والمدفون في مكان منسي والمرهون والموقوف، والغائب الذي لم يصل إليه ولا إلى وكيله ولا في الدين وإن تمكن من استيفائه، وأما النذور التصدق به فلا يبعد ثبوت الزكاة فيه.

(مسألة ١٠٨٦): لا تجب الزكاة في نماء الوقف، إذا كان مجعولا على نحو المصرف، وتجب إذا كان مجعولا على نحو الملك، من دون فرق بين العام والخاص، فإذا جعل بستانه وقفا على أن يصرف نماءها على ذريته، أو على علماء البلد لم تجب الزكاة فيه، وإذا جعلها وقفا على أن يكون نماؤها ملكا للأشخاص، كالوقف على الذرية - مثلا - وكانت حصة كل واحد تبلغ النصاب وجبت الزكاة على كل واحد منهم، وإذا جعلها وقفا - على أن يكون نماؤها ملكا للعنوان - كالوقف على الفقراء أو العلماء - لم تجب الزكاة وإن بلغت حصة من يصل إليه النماء مقدار النصاب.

(مسألة ١٠٨٧): إذا كانت الأعيان الزكوية مشتركة بين اثنين أو أكثر اعتبر في وجوب الزكاة على بعضهم بلوغ حصته النصاب، ولا يكفي في الوجوب بلوغ المجموع النصاب.

(مسألة ١٠٨٨): قيل إن ثبوت الخيار المشروط برد مثل الثمن مانع من التمكن من التصرف، بخلاف سائر الخيارات، ولكنه محل إشكال بل منع.

(مسألة ١٠٨٩): الاغماء والسكر حال التعلق أو في أثناء الحول لا يمنعان عن وجوب الزكاة.

(مسألة ١٠٩٠): إذا عرض عدم التمكن من التصرف، بعد تعلق الزكاة، أو مضى الحول متمكنا فقد استقر الوجوب، فيجب الأداء، إذا تمكن بعد ذلك، فإن كان مقصرا كان ضامنا وإلا فلا.

(مسألة ١٠٩١): زكاة القرض على المقترض بعد قبضه، لا على المقرض فلو اقترض نصابا من الأعيان الزكوية، وبقي عنده سنة وجبت عليه الزكاة، وإن كان قد اشترط في عقد القرض على المقرض أن يؤدي الزكاة عنه. نعم إذا أدى المقرض عنه صح، وسقطت الزكاة عن المقترض ويصح مع عد الشرط أن يتبرع المقرض عنه بأداء الزكاة كما يصح تبرع الأجنبي.

(مسألة ١٠٩٢): يستحب لولي الصبي والمجنون إخراج زكاة مال التجارة إذا أتجر بمالهما لهما.

(مسألة ١٠٩٣): إذا علم البلوغ والتعلق ولم يعلم السابق منهما لم تجب الزكاة سواء علم تاريخ التعلق وجهل تاريخ البلوغ، أم علم تاريخ البلوغ وجهل تاريخ التعلق، أم جهل التاريخان، وكذا الحكم في المجنون إذا كان جننه سابقا وطرأ العقل، أما إذا كان عقله سابقا وطرأ الجنون وجبت الزكاة، سواء علم تاريخ التعلق وجهل تاريخ الجنون أو علم تاريخ الجنون وجهل تاريخ التعلق أو جهل التاريخان معا.

(مسألة ١٠٩٤): إذا استطاع بتمام النصاب أخرج الزكاة، إذا كان تعلقها قبل تعلق الحج، ولم يجب الحج، وإن كان بعده وجب الحج ويجب عليه - حينئذ - حفظ استطاعته، ولو بتبديل المال بغيره، نعم إذا لم يبدل حتى مضى عليه الحول وجبت الزكاة أيضا.


المقصد الثاني

ما تجب فيه الزكاة

تجب الزكاة في الأنعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، والغلات الأربع: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي النقدين: الذهب والفضة، ولا تجب فيما عدا ذلك، نعم تستحب في غيرها، من الحبوب التي تنبت في الأرض كالسمسم، والأرز، والدخن، والحمص، والعدس، والماش، والذرة، وغيرها، ولا تستحب في الخضروات مثل البقل، والقثاء والبطيخ والخيار ونحوها، وتستحب أيضا في مال التجارة، وفي الخيل الإناث، دون الذكور ودون الحمير، والبغال. والكلام في التسعة الأول يقع في مباحث:


المبحث الأول

الأنعام الثلاثة وشرائط وجوبها

- مضافا إلى الشرائط العامة المتقدمة - أربعة: الشرط الأول: النصاب في الإبل اثني عشر نصابا، الأول: خمس، وفيها شاة، ثم عشر وفيها شاتان، ثم خمس عشرة وفيها ثلاث شياه ثم عشرون وفيها أربع شياه، ثم خمس وعشرون، وفيها: خمس شياه، ثم ست وعشرون وفيها: بنت مخاض، وهي الداخلة في السنة الثانية، ثم ست وثلاثون وفيها: بنت لبون، وهي الداخلة في السنة الثالثة، ثم ست وأربعون وفيها: حقة، وهي الداخلة في السنة الرابعة، ثم إحدى وستون وفيها: جذعة، وهي الداخلة في السنة الخامسة، ثم ست وسبعون وفيها: بنتا لبون ثم إحدى وتسعون، وفيها: حقتان، ثم مائة وإحدى وعشرون وفيها: في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين: بنت لبون، فإن كان العدد مطابقا للأربعين - بحيث إذا حسب الأربعين لم تكن زيادة ولا نقيصة - عمل على الأربعين كالمائة والستين، وإذا كان مطابقا للخمسين - بالمعنى المتقدم - عمل على خمسين، كالمائة والخمسين، وإن كان مطابقا لكل منهما - كالمائتين - تخير المالك بين العد بالأربعين والخمسين، وإن كان مطابقا لهما - معا - كالمائتين والستين عمل عليهما معا، فيحسب خمسينين وأربع أربعينات، وعلى هذا لا عفو إلا فيما دون العشرة.

(مسألة ١٠٩٥): إذا لم يكن عنده بنت مخاض أجزأ عنها ابن لبون وإذا لم يكن عند تخير في شراء أيهما شاء.

(مسألة ١٠٩٦): في البقر نصابان، الأول ثلاثون، وفيها: تبيع ولا تجزى التبيعة على الأحوط، وهو ما دخل في السنة الثانية، ثم أربعون، وفيها: مسنة وهي الداخلة في السنة الثالثة، وفيما زاد على هذا الحساب، ويتعين العد بالمطابق الذي لا عفو فيه، فإن طابق الثلاثين - لا غير - كالستين عد بها، وإن طابق الأربعين - لا غير - كالثمانين عد بها، وإن طابقهما - كالسبعين - عد بهما معا، وإن طابق كلا منهما - كالمائة والعشرين - يتخير بين العد بالثلاثين والأربعين، وما بين الأربعين والستين عفو، وكذا ما دون الثلاثين، وما زاد على النصاب من الآحاد إلى التسعة.

(مسألة ١٠٩٧): في الغنم خمسة نصب، أربعون، وفيها: شاة، ثم مائة وإحدى وعشرون، وفيها: شاتان، ثم مائتان وواحدة، وفيها: ثلاث شياه، ثم ثلاثمائة وواحدة، وفيها: أربع شياه، ثم أربعمائة، ففي كل مائة: شاة بالغا ما بلغ، ولا شئ فيما نقص عن النصاب الأول ولا فيما بين نصابين.

(مسألة ١٠٩٨): الجاموس والبقر جنس واحد، ولا فرق في الإبل بين العراب والبخاتي، ولا في الغنم بين المعز والضأن، ولا بين الذكر والأنثى في الجميع.

(مسألة ١٠٩٩): المال المشترك - إذا بلغ نصيب كل واحد منهم النصاب - وجبت الزكاة على كل منهم، وإن بلغ نصيب بعضهم النصاب دون بعض وجبت على من بلغ نصيبه دون شريكه، وإن لم يبلغ نصيب واحد منهم النصاب لم تجب الزكاة، وإن بلغ المجموع النصاب.

(مسألة ١١٠٠): إذا كان مال المالك الواحد متفرقا بعضه عن بعض فإن كان المجموع يبلغ النصاب وجبت فيه الزكاة، ولا يلاحظ كل واحد على حدة.

(مسألة ١١٠١): الأحوط وجوبا في الشاة التي تجب في نصب الإبل والغنم أن تكمل لها سنة، وتدخل في الثانية، إن كانت من الضأن، أو تكمل لها سنتان وتدخل في الثالثة، إن كانت من المعز، ويتخير المالك بين دفعها من النصاب وغيره، ولو كانت من بلد آخر، كما يجوز دفع القيمة من النقدين، وما بحكمهما من الأثمان، كالأوراق النقدية وإن كان دفع العين أفضل وأحوط.

(مسألة ١١٠٢): المدار على القيمة وقت الدفع لا وقت الوجوب وفي كون الاعتبار بقيمة بلد الدفع أو بلد النصاب إشكال، والأحوط دفع أعلى القيمتين.

(مسألة ١١٠٣): إذا كان مالكا للنصاب لا أزيد - كأربعين شاة مثلا - فحال عليه أحوال أخرج زكاته كل سنة من غيره تكررت لعدم نقصانه - حينئذ عن النصاب، ولو أخرجها منه أو لم يخرج أصلا لم تجب إلا زكاة سنة واحدة لنقصانه - حينئذ - عنه، ولو كان عنده أزيد من النصاب - كأن كان عنده خمسون شاة - وحال عليه أحوال لم يؤد زكاتها وجبت عليه الزكاة بمقدار ما مضى من السنين، إلى أن ينقص عن النصاب.

(مسألة ١١٠٤): إذا كان جميع النصاب من الإناث يجزي دفع الذكر عن الأنثى، وبالعكس، وإذا كان كله من الضأن يجزي الدفع المعز عن الضأن، وبالعكس، وكذا الحال في البقر والجاموس والإبل والعراب والبخاتي.

(مسألة ١١٠٥): لا فرق بين الصحيح والمريض، والسليم والمعيب والشاب والهرم في العد من النصاب، نعم إذا كانت كلها صحيحة لا يجوز دفع المريض، وكذا إذا كانت كلها سليمة لا يجوز دفع المعيب وإذا كانت كلها شابة لا يجوز دفع الهرم، وكذا إذا كان النصاب ملفقا من الصنفين على الأحوط، إن لم يكن أقوى، نعم إذا كانت كلها مريضة أو هرمة أو معيبة جاز الاخراج منها. (الشرط الثاني): السوم طول الحول فإذا كانت معلوفة، ولو في بعض الحول لم تجب الزكاة فيها، نعم في انقطاع السوم بعلف اليوم واليومين والثلاثة إشكال، والأحوط إن لم يكن أقوى عدم الانقطاع.

(مسألة ١١٠٦): لا فرق في منع العلف من وجوب الزكاة بين أن يكون بالاختيار والاضطرار، وأن تكون من مال المالك وغيره بإذنه أولا كما أن الظاهر أنه لا فرق في السوم بين أن يكون من نبت مملوك أو مباح فإن رعاها في الحشيش والدغل الذي ينبت الأرض المملوكة في أيام الربيع أو عند نضوب الماء وجبت فيها الزكاة، نعم إذا كان المرعى مزروعا ففي صدق السوم إشكال، والأظهر عدم الصدق، وإذا جز العلف المباح فأطعمها إياه كانت معلوفة، ولم تجب الزكاة فيها. (الشرط الثالث): أن لا تكون عوامل ولو في بعض الحول، وإلا لم تجب الزكاة فيها، وفي قدح العمل - يوما أو يومين أو ثلاثة - إشكال، والأحوط - إن لم يكن أقوى - عدم القدح، كما تقدم في السوم. (الشرط الرابع): أن يمضي عليها حول جامعة للشرائط. ويكفي فيه الدخول في الشهر الثاني عشر، والأقوى استقرار الوجوب بذلك، فلا يضر فقد بعض الشرائط قبل تمامه، نعم الشهر الثاني عشر محسوب من الحول الأول، وابتداء الحول الثاني بعد إتمامه.

(مسألة ١١٠٧): إذا اختل بعض الشروط في أثناء الأحد عشر بطل الحول، كما إذا نقصت عن النصاب أو لم يتمكن من التصرف فيها

أو بدلها بجنسها، أو بغير جنسها ولو كان زكويا، ولا فرق بين أن يكون التبديل بقصد الفرار من الزكاة، وعدمه.

(مسألة ١١٠٨): إذا حصل لمالك النصاب - في أثناء الحول - ملك جديد بنتاج، أو شراء، أو نحوها، فإما أن يكون الجديد بمقدار العفو كما إذا كان عنده أربعون من الغنم، وفي أثناء الحول ولدت أربعين فلا شئ عليه، إلا ما وجب في الأول، وهو شاة في الفرض، وإما أن يكون نصابا مستقلا، كما إذا كان عنده خمس من الإبل، فولدت في أثناء الحول خمسا أخرى، كان لكل منهما حول بانفراده، ووجب عليه فريضة كل منهما عند انتهاء حوله، وكذلك الحكم - على الأحوط - إذا كان نصابا مستقلا، ومكملا للنصاب اللاحق كما إذا كان عنده عشرون من الإبل وفي أثناء حولها ولدت ستة، وأما إذا لم يكن نصابا مستقلا، ولكن كان مكملا للنصاب اللاحق، كما إذا كان عنده ثلاثون من البقر، وفي أثناء الحول ولدت إحدى عشرة وجب عند انتهاء حول الأول استئناف حول جديد لهما معا.

(مسألة ١١٠٩): ابتداء حول السخال من حين النتاج، إذا كانت أمها سائمة، وكذا إذا كانت معلوفة - على الأحوط - إن لم يكن أقوى.


المبحث الثاني

زكاة النقدين

شرائط وجوب زكاة النقدين

(مسألة ١١١٠): يشترط في زكاة النقدين - مضافا إلى الشرائط العامة - أمور: (الأول): النصاب، وهو في الذهب عشرون دينارا، وفيه نصف دينار، والدينار ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، ولا زكاة فيما دون العشرين ولا فيما زاد عليها حتى يبلغ أربعة دنانير، وهي ثلاثة مثاقيل صيرفية وفيها أيضا ربع عشرها، وهكذا كلما زاد أربعة دنانير وجب ربع عشرها أما الفضة فنصابها مائتا درهم، وفيها خمسة دراهم، ثم أربعون درهما وفيها درهم واحد، وهكذا كلما زاد أربعون كان فيها درهم، وما دون المائتين عفو، وكذا ما بين المائتين والأربعين، ووزن عشرة دراهم خمسة مثاقيل صيرفية وربع، فالدرهم نصف مثقال صيرفي وربع عشرة، والضابط في زكاة النقدين من الذهب والفضة: ربع العشر، لكنه يزيد على القدر الواجب قليلا في بعض الصور. (الثاني): أن يكونا مسكوكين بسكة المعاملة، بسكة الاسلام أو الكفر بكتابة وبغيرها، بقيت السكة أو مسحت بالعارض، أما الممسوح بالأصل فالأحوط وجوب الزكاة فيه إذا عومل به، وأما المسكوك الذي جرت المعاملة، به ثم هجرت فالأحوط الزكاة فيه، وإن كان الأظهر العدم، وإذا اتخذ للزينة فإن كانت المعاملة به باقية وجبت فيه على الأحوط، وإلا فالأظهر عدم الوجوب، ولا تجب الزكاة في الحلي والسبائك وقطع الذهب والفضة. (الثالث): الحول، على نحو ما تقدم في الأنعام، كما تقدم أيضا حكم اختلال بعض الشرائط وغير ذلك، والمقامان من باب واحد.

(مسألة ١١١١): لا فرق في الذهب والفضة بين الجيد والردئ ولا يجوز الاعطاء من الردئ، إذا كان تمام النصاب من الجيد.

(مسألة ١١١٢): تجب الزكاة في الدراهم والدنانير المغشوشة وإن لم يبلغ خالصهما النصاب، وإذا كان الغش كثيرا بحيث لم يصدق الذهب أو الفضة على المغشوش، ففي وجوب الزكاة فيه إن بلغ خالصه النصاب إشكال.

(مسألة ١١١٣): إذا شك في بلوغ النصاب فالظاهر عدم وجوب الزكاة، وفي وجوب الاختبار إشكال أظهره العدم، والاختبار أحوط.

(مسألة ١١١٤): إذا كان عنده أموال زكوية، من أجناس مختلفة اعتبر بلوغ النصاب في كل واحد منها، ولا يضم بعضها إلى بعض، فإذا كان عنده تسعة عشر دينارا ومائة وتسعون درهما لم تجب الزكاة في أحدهما، وإذا كان من جنس واحد - كما إذا كان عنده ليرة ذهب عثمانية وليرة ذهب انكليزية - ضم بعضها إلى بعض في بلوغ النصاب، وكذا إذا كان عنده روبية انكليزية وقران إيراني.


المبحث الثالث

زكاة الغلات الأربع

(مسألة ١١١٥): يشترط في وجوب الزكاة فيها أمران: (الأول): بلوغ النصاب، وهو بوزن النجف - في زماننا هذا - ثمان وزنات وخمس حقق ونصف إلا ثمانية وخمسين مثقالا وثلث مثقال، والوزنة أربع وعشرون حقة، والحقة ثلاث حقق اسلامبول وثلث، وبوزن الاسلامبول سبع وعشرون وزنة وعشر حقق وخمسة وثلاثون مثقالا صيرفيا، والوزنة أربع وعشرون حقة، والحقة مائتان وثمانون مثقالا صيرفيا وبوزن الكيلو يكون النصاب ثمانمائة وسبعة وأربعين كيلوا تقريبا. (الثاني): الملك في وقت تعلق الوجوب سواء أكان بالزرع، أم بالشراء، أم بالإرث، أم بغيرها من أسباب الملك.

(مسألة ١١١٦): المشهور أن وقت تعلق الزكاة عند اشتداد الحب في الحنطة والشعير، وعند الاحمرار والاصفرار في ثمل النخل، وعند انعقاده حصرما في ثمر الكرم، لكن الظاهر أن وقته إذا صدق أنه حنطة أو شعير أو تمر أو عنب.

(مسألة ١١١٧): المدار في قدر النصاب هو اليابس من المذكورات فإذا بلغ النصاب وهو عنب، ولكنه إذا صار زبيبا نقص عنه لم تجب الزكاة.

(مسألة ١١١٨): وقت وجوب الاخراج حين تصفية الغلة، واجتذاذ التمر، واقتطاف الزبيب على النحو المتعارف، فإذا أخر المالك الدفع عنه - بغير عذر - ضمن مع وجود المستحق، ولا يجوز للساعي المطالبة قبله، نعم يجوز الاخراج قبل ذلك بعد تعلق الوجوب، ويجب على الساعي القبول.

(مسألة ١١١٩): لا تتكرر الزكاة في الغلات بتكرر السنين، فإذا أعطى زكاة الحنطة ثم بقيت العين عنده سنين لم يجب فيها شئ وهكذا غيرها.

(مسألة ١١٢٠): المقدار الواجب إخراجه في زكاة الغلات، العشر إذا سقي سيحا، أو بماء السماء، أو بمص عروقه من الأرض، ونصف العشر إذا سقي بالدلاء والماكينة، والناعور، ونحو ذلك من العلاجات وإذا سقي بالأمرين فإن كان أحدهما الغالب بحيث ينسب السقي إليه ولا يعتد بالآخر، فالعمل على الغالب، وإن كانا بحيث يصدق الاشتراك عرفا وإن كان السقي بأحدهما أكثر من الآخر، يوزع الواجب فيعطي من نصفه العشر، ومن نصفه الآخر نصف العشر، وإذا شك في صدق الاشتراك والغلبة كفى الأقل، والأحوط - استحبابا - الأكثر.

(مسألة ١١٢١): المدار في التفصيل المتقدم على الثمر، لا على الشجر فإذا كان الشجر حين غرسه يسقى بالدلاء، فلما أثمر صار يسقى بالنزيز أو السيح عند زيادة الماء وجب فيه العشر، ولو كان بالعكس وجب فيه نصف العشر.

(مسألة ١١٢٢): الأمطار المعتادة في السنة لا تخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه، إلا إذا كثرت بحيث يستغني عن الدوالي، فيجب حينئذ العشر، أو كانت بحيث توجب صدق الاشتراك في السقي، فيجب التوزيع.

(مسألة ١١٢٣): إذا أخرج شخص الماء بالدوالي عبثا، أو لغرض فسقى به آخر زرعه فالظاهر وجوب العشر، وكذا إذا أخرجه هو عبثا أو لغرض آخر ثم بدا له فسقى به زرعه، وأما إذا أخرجه لزرع فبدا له فسقى به زرعا آخر، أو زاد فسقى به غيره فالظاهر وجوب نصف العشر.

(مسألة ١١٢٤): ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة - وهو الحصة من نفس الزرع - لا يجب اخراج زكاته.

(مسألة ١١٢٥): المشهور استثناء المؤن التي يحتاج إليها الزرع والثمر من أجرة الفلاح، والحارث، والساقي، والعوامل التي يستأجرها للزرع وأجرة الأرض ولو غصبا، ونحو ذلك مما يحتاج إليه الزرع، أو الثمر، ومنها ما يأخذه السلطان من النقد المضروب على الزرع المسمى بالخراج، ولكن الأحوط - في الجميع - عدم الاستثناء، نعم المؤن التي تتعلق بالزرع أو الثمر بعد تعلق الزكاة يمكن احتسابها على الزكاة بالنسبة مع الإذن من الحاكم الشرعي.

(مسألة ١١٢٦): يضم النخل بعض إلى بعض، وإن كانت في أمكنة متباعدة وتفاوتت في الادراك، بعد أن كانت الثمرتان لعام واحد، وإن كان بينهما شهر أو أكثر، وكذا الحكم في الزروع المتباعدة فيلحظ النصاب في المجموع، فإذا بلغ المجموع النصاب وجبت الزكاة، وإن لم يبلغه كل واحد منها، وأما إذا كان نخل يثمر في العام مرتين ففي الضم فيه إشكال وإن كان الضم أحوط وجوبا.

(مسألة ١١٢٧): يجوز دفع القيمة عن الزكاة من النقدين، وما بحكمهما من الأثمان، كالأوراق النقدية.

(مسألة ١١٢٨): إذا مات المالك بعد تعلق الوجوب وجب على الوارث إخراج الزكاة، أما لو مات قبله وانتقل إلى الوارث، فإن بلغ نصيب كل واحد النصاب وجبت على كل واحد منهم زكاة نصيبه، وإن بلغ نصيب بعضهم دون نصيب الآخر وجبت على من بلغ نصيبه دون الآخر، وإن لم يبلغ نصيب واحد منهم لم تجب على واحد منهم، وكذا الحكم فيما إذا كان الانتقال بغير الإرث كالشراء أو الهبة.

(مسألة ١١٢٩): إذا اختلفت أنواع الغلة الواحدة يجوز دفع الجيد عن الأجود والردئ عن الردئ، وفي جواز دفع الردئ عن الجيد إشكال والأحوط - وجوبا - العدم.

(مسألة ١١٣٠): الأقوى أن الزكاة حق متعلق بالعين، لا على وجه الإشاعة، ولا على نحو الكلي في المعين، ولا على نحو حق الرهانة، ولا على نحو حق الجناية، بل على نحو آخر وهو الشركة في المالية، ويجوز للمالك التصرف في المال المتعلق به الزكاة في غير مقدارها مشاعا أو غير مشاع، نعم لا يجوز له التصرف في تمام النصاب، فإذا باعه لم يصح البيع في حصة الزكاة، إلى أن يدفعها البائع، فيصح بلا حاجة إلى إجازة الحاكم، أو يدفعها المشتري فيصح أيضا، ويرجع بها على البائع وإن أجاز الحاكم البيع قبل دفع البائع أو المشتري صح البيع وكان الثمن زكاة فيرجع الحاكم به إلى المشتري إن لم يدفعه إلى البائع، وإلا فله الرجوع إلى أيهما شاء.

(مسألة ١١٣١): لا يجوز التأخير في دفع الزكاة، من دون عذر فإن أخره لطلب المستحق فتلف المال قبل الوصول إليه - لم يضمن، وإن أخره - مع العلم بوجود المستحق - ضمن، نعم يجوز للمالك عزل الزكاة من العين أو من مال آخر، مع عدم المستحق، بل مع وجوده على الأقوى فيتعين المعزول زكاة، ويكون أمانة في يده لا يضمنه إلا مع التفريط، أو مع التأخير مع وجود المستحق، من دون غرض صحيح. وفي ثبوت الضمان معه - كما إذا أخره لانتظار من يريد اعطاءه أو للايصال إلى المستحق تدريجا في ضمن شهر أو شهرين أو ثلاثة - إشكال، ونماء الزكاة تابع لها في المصرف، ولا يجوز للمالك إبدالها بعد العزل.

(مسألة ١١٣٢): إذا باع الزرع أو الثمر، وشك في أن البيع كان بعد تعلق الزكاة حتى تكون عليه، أو قبله حتى تكون على المشتري لم يجب عليه شئ حتى إذا علم زمان التعلق شك في زمان البيع على الأظهر. وإن كان الشاك هو المشتري، فإن علم بأداء البائع للزكاة على تقدير كون البيع بعد التعلق لم يجب عليه إخراجها، وإلا وجب عليه، حتى إذا علم زمان التعلق وجهل زمان البيع، فإن الزكاة متعلقة بالعين على ما تقدم.

(مسألة ١١٣٣): يجوز للحاكم الشرعي ووكيله خرص ثمر النخل والكرم على المالك وفائدته جواز الاعتماد عليه، بلا حاجة إلى الكيل والوزن، والظاهر جواز الخرص للمالك، إما لكونه بنفسه من أهل الخبرة، أو لرجوعه إليهم.


المقصد الثالث

أصناف المستحقين وأوصافهم

وفيه مبحثان:

المبحث الأول

أصنافهم

وهم ثمانية: (الأول): الفقير. (الثاني): المسكين. وكلاهما من لا يملك مؤنة سنته اللائقة بحاله له ولعياله، الثاني أسوأ حالا من الأول، والغني بخلافهما فإنه من يملك قوت السنة فعلا. - نقدا أو جنسا - ويتحقق ذلك بأن يكون له مال يقوم ربحه بمؤنته ومؤنة عياله، أو قوة: بأن يكون له حرفة أو صنعة يحصل منها مقدار المؤنة وإذا كان قادرا على الاكتساب وتركه تكاسلا، فالظاهر عدم جواز أخذه، نعم إذا خرج وقت التكسب جاز له الأخذ.

(مسألة ١١٣٤): إذا كان له رأس مال لا يكفي ربحه لمؤنة السنة جاز له أخذ الزكاة وكذا إذا كان صاحب صنعته تقوم آلاتها بمؤنته، أو صاحب ضيعة أو دار أو خان أو نحوها تقوم قيمتها بمؤنته، ولكن لا يكفيه الحاصل منها فإن له ابقاؤها وأخذ المؤنة من الزكاة.

(مسألة ١١٣٥): دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله، ولو لكونه من أهل الشرف لا تمنع من أخذ الزكاة، وكذا ما يحتاج إليه من الثياب، والألبسة الصيفية، والشتوية، والكتب العلمية وأثاث البيت من الظروف، والفرش، والأواني، وسائر ما يحتاج إليه. نعم إذا كان عنده من المذكورات أكثر من مقدار الحاجة وكانت كافية في مؤنته لم يجز له الأخذ، بل إذا كان له دار تندفع حاجته بأقل منها قيمة، وكان التفاوت بينهما يكفيه لمؤنته لم يجز له الأخذ من الزكاة على الأحوط وجوبا إن لم يكن أقوى، وكذا الحكم في الفرس والعبد والجارية وغيرها من أعيان المؤنة، إذا كانت عنده وكان يكفي الأقل منها.

(مسألة ١١٣٦): إذا كان قادرا على التكسب، لكنه ينافي شأنه جاز له الأخذ، وإذا إذا كان قادرا على الصنعة، لكنه كان فاقدا لآلاتها.

(مسألة ١١٣٧): إذا كان قادرا على تعلم صنعة أو حرفة لم يجز له أخذ الزكاة، إلا إذا خرج وقت التعلم فيجوز، ولا يكفي في صدق الغنى القدرة على التعلم في الوقت اللاحق، إذا كان الوقت بعيدا، بل إذا كان الوقت قريبا - مثل يوم أو يومين أو نحو ذلك - جاز له الأخذ ما لم يتعلم.

(مسألة ١١٣٨): طالب العلم الذي لا يملك فعلا ما يكفيه يجوز له أخذ الزكاة إذا كان طلب العلم واجبا عليه، وإلا فإن كان قادرا على الاكتساب، وكان يليق بشأنه لم يجز له أخذ الزكاة وأما إن لم يكن قادرا على الاكتساب لفقد رأس المال أو غيره من المعدات للكسب، أو كان لا يليق بشأنه كما هو الغالب في هذا الزمان جاز له الأخذ، هذا بالنسبة إلى سهم الفقراء، وأما من سهم سبيل الله تعالى فيجوز له الأخذ منه إذا كان يترتب على اشتغاله مصلحة محبوبة لله تعالى، وإن لم يكن المشتغل ناويا للقربة، نعم إذا كان ناويا للحرام كالرياسة المحرمة لم يجز له الأخذ.

(مسألة ١١٣٩): المدعي للفقر إن علم صدقه أو كذبه عومل به وإن جهل ذلك جاز إعطاؤه إلا إذا علم غناه سابقا، فلا بد في جواز الاعطاء - حينئذ - من الوثوق بفقره.

(مسألة ١١٤٠): إذا كان له دين على الفقير جاز احتسابه من الزكاة حيا كان أم ميتا، نعم يشترط في الميت أن لا يكون له تركة تفي بدينه وإلا لم يجز، إلا إذا تلف المال على نحو لا يكون مضمونا، وإذا امتنع الورثة من الوفاء ففي جواز الاحتساب إشكال، وإن كان أظهر، وكذا إذا غصب التركة غاصب لا يمكن أخذها منه، أو أتلفها متلف لا يمكن استيفاء بدلها منه.

(مسألة ١١٤١): لا يجب إعلام الفقير بأن المدفوع إليه زكاة، بل يجوز الاعطاء على نحو يتخيل الفقير أنه هدية، ويجوز صرفها في مصلحة الفقير كما إذا قدم إليه تمر الصدقة فأكله.

(مسألة ١١٤٢): إذا دفع الزكاة - باعتقاد - الفقر - فبان كون المدفوع إليه غنيا فإن كانت متعينة بالعزل وجب عليه استرجاعها وصرفها في مصرفه إذا كانت عينها باقية، وإن كانت تالفة فإن كان الدفع اعتمادا على حجة فليس عليه ضمانها وإلا ضمنها، ويجوز له أن يرجع إلى القابض، إذا كان يعلم أن ما قبضه زكاة، وإن لم يعلم بحرمتها على الغني، وإلا فليس للدافع الرجوع إليه، وكذا الحكم إذا تبين كون المدفوع إليه ليس مصرفا للزكاة من غير جهة الغنى، مثل أن يكون ممن تجب نفقته، أو هاشميا إذا كان الدافع غير هاشمي أو غير ذلك. (الثالث): العاملون عليها. وهم المنصوبون لأخذ الزكاة وضبطها وحسابها وايصالها إلى الإمام أو نائبه، أو إلى مستحقها. (الرابع): المؤلفة قلوبهم وهم المسلمون الذين يضعف اعتقادهم بالمعارف الدينية، فيعطون من الزكاة ليحسن إسلامهم، ويثبتوا على دينهم، أو الكفار الذين يوجب إعطاؤهم الزكاة ميلهم إلى الاسلام، أو معاونة المسلمين في الدفاع أو الجهاد مع الكفار. (الخامس): الرقاب: وهم: العبيد المكاتبون العاجزون عن أداء الكتابة مطلقة أو مشروطة فيعطون من الزكاة ليؤدوا ما عليهم من المال، والعبيد الذين هم تحت الشدة، فيشترون ويعتقون، بل مطلق عتق العبد إذا لم يوجد المستحق للزكاة بل مطلقا على الأظهر. (السادس): الغارمون: وهم: الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائها، وإن كانوا مالكين قوت سنتهم، بشرط أن لا يكون الدين مصروفا في المعصية، ولو كان على الغارم دين لمن عليه الزكاة جاز له احتسابه عليه زكاة، بل يجوز أن يحتسب ما عنده من الزكاة للمدين فيكون له ثم يأخذه وفاءا عما عليه من الدين، ولو كان الدين لغير من عليه الزكاة يجوز له وفاؤه عنه بما عنده منها، ولو بدون اطلاع الغارم، ولو كان الغارم ممن تجب نفقته على من عليه الزكاة جاز له إعطاؤه لوفاء دينه أو الوفاء عنه وإن لم يجز إعطاؤه لنفقته. (السابع): سبيل الله تعالى وهو جميع سبل الخير كبناء القناطر، والمدارس والمساجد، وإصلاح ذات البين، ورفع الفساد، ونحوها من الجهات العامة، وفي جواز دفع هذا السهم في كل طاعة، مع عدم تمكن المدفوع إليه من فعلها بدونه أو مع تمكنه إذا لم يكن مقدما عليه إلا به، إشكال بل منع. (الثامن): ابن السبيل الذي نفدت نفقته، بحيث لا يقدر على الذهاب إلى بلده فيدفع له ما يكفيه لذلك، بشرط أن لا يكون سفره في معصية، بل عدم تمكنه من الاستدانة، أو بيع ماله الذي هو في بلده، على الأحوط وجوبا.

(مسألة ١١٤٣): إذا اعتقد وجوب الزكاة فأعطاها، ثم بان العدم جاز له استرجاعها، وإن كانت تالفة استرجع البدل، إذا كان الفقير عالما بالحال، وإلا لم يجز الاسترجاع.

(مسألة ١١٤٤): إذا نذر أن يعطي زكاته فقيرا معينا انعقد نذره فإن سها فأعطاها فقيرا آخر أجزأ، ولا يجوز استردادها، وإن كانت العين باقية، وإذا أعطاها غيره - متعمدا - فالظاهر الاجزاء أيضا، ولكن كان آثما بمخالفة نذره، ووجبت عليه الكفارة.


المبحث الثاني

في أوصاف المستحقين

وهي أمور: (الأول): الايمان فلا تعطي الكافر، وكذا المخالف من سهم الفقراء، وتعطى أطفال المؤمنين ومجانينهم، فإن كان بنحو التمليك وجب قبول وليهم، وإن كان بنحو الصرف - مباشرة أو بتوسط أمين - فلا يحتاج إلى قبول الولي وإن كان أحوط استحبابا.

(مسألة ١١٤٥): إذا أعطى المخالف زكاته أهل نحلته، ثم استبصر أعادها، وإن كان قد أعطاها المؤمن أجزأ. (الثاني): أن لا يكون من أهل المعاصي بحيث يصرف الزكاة في المعاصي، ويكون الدفع إليه إعانة على الإثم، والأحوط عدم إعطاء الزكاة لتارك الصلاة، أو شارب الخمر، أو المتجاهر بالفسق. (الثالث): أن لا يكون ممن تجب نفقته على المعطي كالأبوين وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا من الذكور أو الإناث والزوجة الدائمة - إذا لم تسقط نفقتها - والمملوك، فلا يجوز إعطاؤهم منها للانفاق، ويجوز اعطاؤهم منها لحاجة لا تجب عليه، كما إذا كان للوالد أو للولد زوجة أو مملوك، أو كان عليه دين يجب وفاؤه، أو عمل يجب أداؤه بإجارة وكان موقوفا على المال، وأما اعطاؤهم للتوسعة زائدا على اللازمة فالأحوط - إن لم يكن أقوى - عدم جوازه، إذا كان عنده ما يوسع به عليهم.

(مسألة ١١٤٦): يجوز لمن وجبت نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه، إذا لم يكن قادرا على الانفاق، أو لم يكن باذلا بل وكذا إذا كان باذلا مع المنة غير القابلة للتحمل عادة، والأقوى عدم وجوب الانفاق عليه، مع بذل الزكاة ولا يجوز للزوجة أن تأخذ من الزكاة، مع بذل الزوجة للنفقة، بل مع إمكان إجباره إذا كان ممتنعا.

(مسألة ١١٤٧): يجوز دفع الزكاة إلى الزوجة المتمتع بها، سواء كان الدافع الزوج أم غيره، وكذا الدائمة إذا سقطت نفقتها بالشرط

ونحوه، أما إذا كان بالنشوز ففيه إشكال، والأظهر العدم.

(مسألة ١١٤٨): يجوز للزوجة دفع زكاتها إلى الزوج، ولو كان للانفاق عليها.

(مسألة ١١٤٩): إذا عال بأحد تبرعا جاز للمعيل ولغيره دفع الزكاة إليه، من غير فرق بين القريب والأجنبي.

(مسألة ١١٥٠): يجوز لمن وجب الانفاق عليه أن يعطي زكاته لمن تجب عليه نفقته إذا كان عاجزا عن الانفاق عليه، وإن كان الأحوط - استحبابا - الترك. (الرابع): أن لا يكون هاشميا إذا كان الزكاة من غير هاشمي، ولا فرق بين سهم الفقراء وغيره من سائر السهام، حتى سهم العاملين، وسبيل الله، نعم لا بأس بتصرفهم في الأوقاف العامة إذا كانت من الزكاة، مثل المساجد، ومنازل الزوار والمدارس، والكتب ونحوها.

(مسألة ١١٥١): يجوز للهاشمي أن يأخذ زكاة الهاشمي من دون فرق بين السهام أيضا، كما يجوز له أخذ زكاة غير الهاشمي، مع الاضطرار وفي تحديد الاضطرار إشكال، وقد ذكر جماعة من العلماء أن المسوغ عدم التمكن من الخمس بمقدار الكفاية، وهو أيضا مشكل، والأحوط تحديده بعدم كفاية الخمس، وسائر الوجوه يوما فيوما، مع الامكان.

(مسألة ١١٥٢): الهاشمي هو المنتسب - شرعا - إلى هاشم بالأب دون الأم، وأما إذا كان منتسبا إليه بالزنا فيشكل اعطاؤه من زكاة غير الهاشمي، وكذا الخمس.

(مسألة ١١٥٣): المحرم من صدقات غير الهاشمي على الهاشمي هو زكاة المال وزكاة الفطرة. أما الصدقات المندوبة فليست محرمة، بل كذا الصدقات الواجبة كالكفارات، ورد المظالم، ومجهول المالك، واللقطة ومنذور الصدقة، والموصى به للفقراء.

(مسألة ١١٥٤): يثبت كونه هاشميا بالعلم، والبينة، وبالشياع الموجب للاطمئنان، ولا يكفي مجرد الدعوى وفي براءة ذمة المالك - إذا دفع الزكاة إليه حينئذ - إشكال والأظهر عدم البراءة. فصل في بقية أحكام الزكاة

(مسألة ١١٥٥): لا يجب البسط على الأصناف الثمانية على الأقوى ولا على أفراد صنف واحد، ولا مراعاة أقل الجمع فيجوز اعطاؤه لشخص واحد من صنف واحد.

(مسألة ١١٥٦): يجوز نقل الزكاة من بلد إلى غيره لكن إذا كان المستحق موجودا في البلد كانت مؤنة النقل عليه، وإن تلفت بالنقل يضمن ولا ضمان مع التلف بغير تفريط، إذا لم يكن في البلد مستحق، كما لا ضمان إذا وكله الفقيه في قبضها عنه، فقبضها ثم نقلها بأمره، وأجرة النقل حينئذ على الزكاة.

(مسألة ١١٥٧): إذا كان له مال في غير بلد الزكاة جاز دفعه زكاة عما عليه في بلده، ولو مع وجود المستحق فيه، وكذا إذا كان له دين في ذمة شخص في بلد آخر جاز احتسابه عليه من الزكاة، إذا كان فقيرا ولا إشكال في شئ من ذلك.

(مسألة ١١٥٨): إذا قبض الحاكم الشرعي الزكاة بعنوان الولاية العامة برئت ذمة المالك، وإن تلفت بعد ذلك بتفريط أو بدونه، أو دفعها إلى غير المستحق.

(مسألة ١١٥٩): لا يجوز تقديم الزكاة قبل تعلق الوجوب، نعم يجوز أن يعطي الفقير قرضا قبل وقت الوجوب، فإذا جاء الوقت احتسبه زكاة بشرط بقائه على صفة الاستحقاق كما يجوز له أن لا يحتسبه زكاة بل يدفعها إلى غيره، ويبقى ما في ذمة الفقير قرضا، وإذا أعطاه قرضا فزاد عند المقترض زيادة متصلة أو منفصلة فهي له لا للمالك وكذلك النقص عليه إذا نقص.

(مسألة ١١٦٠): إذا أتلف الزكاة المعزولة أو النصاب متلف، فإن كان مع عدم التأخير الموجب للضمان فالضمان يكون على المتلف دون المالك وإن كان مع التأخير الموجب للضمان فكلاهما ضامن، وللحاكم الرجوع على أيهما شاء، فإن رجع على المالك رجع هو على المتلف، وإن رجع على المتلف لم يرجع هو على ذلك.

(مسألة ١١٦١): دفع الزكاة من العبادات، فلا يصح إلا مع نية القربة والتعيين وغيرهما مما يعتبر في صحة العبادة، وإن دفعها بلا نية القربة بطل الدفع وبقيت على ملك المالك، وتجوز النية ما دامت العين موجودة فإن تلفت بلا ضمان القابض وجب الدفع ثانيا، وإن تلفت مع الضمان أمكن احتساب ما في الذمة زكاة ويجوز ابقاؤه دينا له والدفع إلى ذلك الفقير.

(مسألة ١١٦٢): يجوز للمالك التوكيل في أداء الزكاة، كما يجوز التوكيل في الايصال إلى الفقير، فينوي المالك حين الدفع إلى الوكيل والأحوط استمرارها إلى حين الدفع إلى الفقير.

(مسألة ١١٦٣): يجوز للفقير أن يوكل شخصا في أن يقبض عنه الزكاة من شخص أو مطلقا، وتبرأ ذمة المالك بالدفع إلى الوكيل، وإن تلفت في يده.

(مسألة ١١٦٤): الأقوى عدم وجوب دفع الزكاة إلى الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة، وإن كان أحوط وأفضل، نعم إذا طلبها على وجه الايجاب، بأن كان هناك ما يقتضي وجوب صرفها فيه وجب على مقلديه الدفع إليه، بل على غيرهم أيضا، إذا كان طلبه على نحو الحكم دون الفتوى، وإلا لم يجب إلا على مقلديه.

(مسألة ١١٦٥): تجب الوصية بأداء ما عليه من الزكاة، إذا أدركته الوفاة، وكذا الخمس، وسائر الحقوق الواجبة، وإذا كان الوارث مستحقا جاز للوصي احتسابها عليه، وإن كان واجب النفقة على الميت حال حياته.

(مسألة ١١٦٦): الأحوط عدم نقصان ما يعطى الفقير من الزكاة عما يجب في النصاب الأول من الفضة في الفضة وهو خمسة دراهم، وعما يجب في النصاب الأول من الذهب في الذهب، وهو نصف دينار وإن كان الأقوى الجواز.

(مسألة ١١٦٧): يستحب لمن يأخذ الزكاة الدعاء للمالك، سواء كان الآخذ الفقيه أو العامل أم الفقير، بل هو الأحوط - استحبابا - في الفقيه الذي يأخذه بالولاية.

(مسألة ١١٦٨): يستحب تخصيص أهل الفضل بزيادة النصيب كما أنه يستحب ترجيح الأقارب وتفضيلهم على غيرهم، ومن لا يسأل على من يسأل، وصرف صدقة المواشي على أهل التجمل، وهذه مرجحات قد يزاحمها مرجحات أهم وأرجح.

(مسألة ١١٦٩): يكره لرب المال طلب تملك ما أخرجه في الصدقة الواجبة والمندوبة، نعم إذا أراد الفقير بيعه بعد تقويمه فالمالك أحق به ولا كراهة، كما لا كراهة في ابقائه على ملكه إذا ملكه بسبب قهري، من ميراث وغيره.


المقصد الرابع

زكاة الفطرة

ويشترط في وجوبها التكليف، والحرية في غير المكاتب، وأما فيه فالأحوط عدم الاشتراط، ويشترط فيه الغنى فلا تجب على الصبي والمملوك والمجنون، والفقير الذي لا يملك قوت سنة فعلا أو قوة، كما تقدم في زكاة الأموال، وفي اشتراط الوجوب بعدم الاغماء إشكال، والأحوط عدم الاشتراط. والمشهور أنه يعتبر اجتماع الشرائط آنا ما قبل الغروب ليلة العيد إلى أن يتحقق الغروب، فإذا فقد بعضها قبل الغروب بلحظة، أو مقارنا للغروب لم تجب وكذا إذا كان مفقودة فاجتمعت بعد الغروب لكن الأحوط وجوبا اخراجها فيما إذا تحققت الشرائط مقارنة للغروب بل بعده أيضا ما دام وقتها باقيا.

(مسألة ١١٧٠): يستحب للفقير إخراجها أيضا، وإذا لم يكن عنده إلا صاع تصدق به على بعض عياله، ثم هو على آخر يديرونها بينهم والأحوط عند انتهاء الدور التصدق على الأجنبي، كما أن الأحوط إذا كان فيهم صغير أو مجنون أن يأخذه الولي لنفسه ويؤدي عنه.

(مسألة ١١٧١): إذا أسلم الكافر بعد الهلال سقطت الزكاة عنه ولا تسقط عن المخالف إذا استبصر، وتجب فيها النية على النهج المعتبر في العبادات.

(مسألة ١١٧٢): يجب على من جمع الشرائط أن يخرجها عن نفسه وعن كل من يعول به واجب النفقة كان أم غيره، قريبا أم بعيدا مسلما أم كافرا صغيرا أم كبيرا، بل الظاهر الاكتفاء بكونه منضما إلى عياله ولو في وقت يسير، كالضيف إذا نزل عليه قبل الهلال وبقي عنده ليلة العيد وإن لم يأكل عنده، وكذلك فيما إذا نزل بعده على الأحوط، أما إذا دعا شخصا إلى الافطار ليلة العيد لم يكن من العيال، ولم تجب فطرته على من دعاه.

(مسألة ١١٧٣): إذا بذل لغيره مالا يكفيه في نفقته لم يكف ذلك في صدق كونه عياله، فيعتبر في العيال نوع من التابعية.

(مسألة ١١٧٤): من وجبت فطرته على غيره سقطت عنه، وإن كان الأحوط - استحبابا عدم السقوط إذا لم يخرجها من وجبت عليه غفلة أو نسيانا ونحو ذلك مما يسقط معه التكليف واقعا، وإذا كان المعيل فقيرا وجبت على العيال، إذا اجتمعت شرائط الوجوب.

(مسألة ١١٧٥): إذا ولد له ولد بعد الغروب، لم تجب عليه فطرته وأما إذا ولد له قبل الغروب، أو ملك مملوكا أو تزوج امرأة، فإن كانوا عيالا وجبت عليه فطرتهم، وإلا فعلى من عال بهم، وإذا لم يعل بهم أحد وجبت فطرة الزوجة على نفسها إذا جمعت الشرائط ولم تجب على المولود والمملوك.

(مسألة ١١٧٦): إذا كان شخص عيالا لاثنين وجبت فطرته عليهما على نحو التوزيع، ومع فقر أحدهما تسقط عنه، والأظهر عدم سقوط حصة الآخر، ومع فقرهما تسقط عنهما، فتجب على العيال إن جمع الشرائط.

الواجب دفعه من الفطرة

(مسألة ١١٧٧): الضابط في جنس الفطرة أن يكون قوتا في الجملة كالحنطة، والشعير، والتمر والزبيب، والأرز، والذرة، والأقط، واللبن ونحوها. والأحوط الاقتصار على الأربعة الأولى إذا كانت من القوت الغالب، والأفضل اخراج التمر ثم الزبيب، والأحوط أن يكون صحيحا، ويجزي دفع القيمة من النقدين وما بحكمهما من الأثمان، والمدار قيمة وقت الأداء لا الوجوب، وبلد الاخراج لا بلد المكلف.

(مسألة ١١٧٨): المقدار الواجب صاع وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالا صيرفيا وربع مثقال، وبحسب حقة النجف يكون نصف حقة ونصف أوقية وواحدا وثلاثين مثقالا إلا مقدار حمصتين، وإن دفع ثلثي حقة زواد مقدار مثاقيل، وبحسب حقة الاسلامبول حقتان وثلاثة أرباع الوقية ومثقالان إلا ربع مثقال، وبحسب المن الشاهي وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالا نصف من إلا خمسة وعشرين مثقالا وثلاثة أرباع المثقال ومقدار الصاع بحسب الكيلو ثلاث كيلوات تقريبا. ولا يجزي ما دون الصاع من الجيد وإن كانت قيمته تساوي قيمة صاع من غير الجيد، كما لا يجزي الصاع الملفق من جنسين، ولا يشترط اتحاد ما يخرجه عن نفسه، مع ما يخرجه عن عياله، ولا اتحاد ما يخرجه عن بعضهم، مع ما يخرجه عن البعض الآخر. فصل وقت اخراجها طلوع الفجر من يوم العيد، والأحوط اخراجها أو عزلها قبل صلاة العيد، وإن لم يصلها امتد الوقت إلى الزوال، وإذا عزلها جاز له التأخير في الدفع إذا كان التأخير لغرض عقلائي، كما مر في زكاة الأموال، فإن لم يدفع ولم يعزل حتى زالت الشمس فالأحوط - استحبابا - الاتيان بها بقصد القربة المطلقة.

(مسألة ١١٧٩): الظاهر جواز تقديمها في شهر رمضان، وإن كان الأحوط التقديم بعنوان القرض.

(مسألة ١١٨٠): يجوز عزلها في مال مخصوص من تلك الأجناس أو من النقود بقيمتها، والظاهر عدم جواز عزلها في ماله على نحو الإشاعة وكذا عزلها في المال المشترك بينه وبين غيره على نحو الإشاعة، على الأحوط وجوبا.

(مسألة ١١٨١): إذا عزلها تعينت، فلا يجوز تبديلها، وإن أخر دفعها ضمنها إذا تلفت مع إمكان الدفع إلى المستحق على ما مر في زكاة المال.

(مسألة ١١٨٢): يجوز نقلها إلى غير بلد التكليف، مع عدم المستحق، أما مع وجوده فالأحوط وجوبا تركه، وإذا سافر عن بلد التكليف إلى غيره جاز دفعها في البلد الآخر. فصل مصرفها مصرف الزكاة من الأصناف الثمانية على الشرائط المتقدمة.

(مسألة ١١٨٣): تحرم فطرة غير الهاشمي على الهاشمي، وتحل فطرة الهاشمي على الهاشمي وغيره، والعبرة على المعيل دون العيال، فلو كان العيال هاشميا دون المعيل لم تحل فطرته على الهاشمي، وإذا كان المعيل هاشميا والعيال غير هاشمي حلت فطرته على الهاشمي.

(مسألة ١١٨٤): يجوز إعطاؤها إلى المستضعف من أهل الخلاف عند عدم القدرة على المؤمن.

(مسألة ١١٨٥): يجوز للمالك دفعها إلى الفقراء بنفسه والأحوط والأفضل دفعها إلى الفقيه.

(مسألة ١١٨٦): الأحوط - استحبابا - أن لا يدفع للفقير أقل من صاع إلا إذا اجتمع جماعة لا تسعهم، ويجوز أن يعطى الواحد أصواعا.

(مسألة ١١٨٧): يستحب تقديم الأرحام، ثم الجيران، وينبغي الترجيح بالعلم، والدين، والفضل. والله سبحانه أعلم والحمد لله رب العالمين


كتاب الخمس

وفيه مبحثان:

المبحث الأول

فيما يجب فيه

وهي أمور:

وجوب الخمس في الغنائم

(الأول): الغنائم المنقولة المأخوذة بالقتال من الكفار الذين يحل قتالهم، يجب فيه الخمس، إذا كان القتال بإذن الإمام (ع)، بل الحكم كذلك إذا لم يكن بإذنه، سواء كان القتال بنحو الغزو للدعاء إلى الاسلام أم لغيره، أو كان دفاعا لهم عند هجومهم على المسلمين.

(مسألة ١١٨٨): ما يؤخذ منهم بغير القتال من غيلة، أو سرقة أو ربا، أو دعوى باطلة، فليس فيه خمس الغنيمة، بل خمس الفائدة كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.

(مسألة ١١٨٩): لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنيمة بلوغها عشرين دينارا على الأصح، نعم يعتبر أن لا تكون غصبا من مسلم، أو غيره من هو محترم المال، وإلا وجب ردها على مالكها، أما إذا كان في أيديهم مال للحربي بطريق الغصب، أو الأمانة، أو نحوهما جرى عليه حكم مالهم.

(مسألة ١١٩٠): يجوز أخذ مال الناصب أينما وجد، والأحوط - وجوبا - وجوب الخمس فيه من باب الغنيمة، لا من باب الفائدة.

وجوب الخمس في المعدن

(الثاني): المعدن كالذهب، والفضة، والرصاص، والنحاس، والعقيق، والفيروزج، والياقوت، والكحل، والملح، والقير، والنفط، والكبريت، ونحوها. والأحوط الحاق مثل الجص والنورة، وحجر الرحى، وطين الغسل ونحوها مما يصدق عليه اسم الأرض، وكان له خصوصية في الانتفاع به، وإن كان الأظهر وجوب الخمس فيها من جهة الفائدة، ولا فرق في المعدن بين أن يكون في أرض مباحة، أو مملوكة.

(مسألة ١١٩١): يشترط في وجوب الخمس في المعدن النصاب، وهو قيمة عشرين دينارا (ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي من الذهب المسكوك) سواء أكان المعدن ذهبا، أم فضة، أو غيرهما، والأحوط - إن لم يكن أقوى - كفاية بلوغ المقدار المذكور، ولو قبل استثناء مؤنة الاخراج والتصفية فإذا بلغ ذلك أخرج الخمس من الباقي بعد استثناء المؤنة.

(مسألة ١١٩٢): يعتبر في بلوغ النصاب وحدة الاخراج عرفا، فإذا أخرجه دفعات لم يكف بلوغ المجموع النصاب، نعم إن أعرض في الأثناء ثم رجع، على نحو لم يتعدد الاخراج عرفا كفى بلوغ المجموع النصاب.

(مسألة ١١٩٣): إذا اشترك جماعة كفى بلوغه مجموع الحصص النصاب.

(مسألة ١١٩٤): المعدن في الأرض المملوكة، إذا كان من توابعها ملك لمالكها وإن أخرجه غيره بدون إذنه فهو لمالك الأرض، وعليه الخمس، وإذا كان في الأرض المفتوحة عنوة التي هي ملك المسلمين ملكه المخرج، إذا أخرجه بإذن ولي المسلمين على الأحوط وجوبا، وفيه الخمس وما كان في الأرض الموات حال الفتح يملكه المخرج وفيه الخمس.

(مسألة ١١٩٥): إذا شك في بلوغ النصاب فالأحوط - استحبابا - الاختبار مع الامكان، ومع عدمه لا يجب عليه شئ، وكذا إذا اختبره فلم يتبين له شئ.

وجوب الخمس في الكنز

(الثالث): الكنز وهو المال المذخور في موضع، أرضا كان، أم جدارا، أم غيرهما فإنه لواجده، وعليه الخمس، هذا فيما إذا كان المال المدخر ذهبا أو فضة مسكوكين، وأما في غيرهما ففي وجوب الخمس من جهة الكنز إشكال والوجوب أحوط، ويعتبر في جواز تملك الكنز، أن لا يعلم أنه لمسلم سواء وجده في دار الحرب أم في دار الاسلام، مواتا كان حال الفتح أم عامرة، أم في خربة باد أهلها سواء كان عليه أثر الاسلام أم لم يكن ويشترط في وجوب الخمس فيه بلوغ النصاب، وهو أقل نصابي الذهب والفضة مالية في وجوب الزكاة، ولا فرق بين الاخراج دفعة ودفعات ويجري هنا أيضا استثناء المؤنة، وحكم بلوغ النصاب قبل استثنائها وحكم اشتراك جماعة فيه إذا بلغ المجموع النصاب، كما تقدم في المعدن، وإن علم أنه لمسلم، فإن كان موجودا وعرفه دفعه إليه، وإن جهلة وجب عليه التعريف على الأحوط، فإن لم يعرف المالك أو كان المال مما لا يمكن تعريفه تصدق به عنه على الأحوط وجوبا، وإذا كان المسلم قديما فالأظهر أن الواجد يملكه، وفيه الخمس، والأحوط - استحبابا - إجراء حكم ميراث من لا وارث له عليه.

(مسألة ١١٩٦): إذا وجد الكنز في الأرض المملوكة له، فإن ملكها بالاحياء كان الكنز له، وعليه الخمس، إلا أن يعلم أنه لمسلم موجود أو قديم، فتجري عليه الأحكام المتقدمة، وإن ملكها بالشراء ونحوه فالأحوط أن يعرفه المالك السابق واحدا أم متعددا، فإن عرفه دفعة إليه وإلا عرفه السابق، مع العلم بوجوده في ملكه، وهكذا فإن لم يعرفه الجميع فهو لواجده، إذا لم يعلم أيضا أنه لمسلم بوجود أو قديم، وإلا جرت عليه الأحكام المتقدمة، وكذا إذا وجده في ملك غيره، إذا كان تحت يده بإجارة ونحوها، فإنه يعرفه المالك، فإن عرفه دفعه إليه، وإلا فالأحوط - وجوبا - أن يعرفه السابق، مع العلم بوجوده في ملكه، وهكذا فإن لم يعرفه الجميع فهو لواجده، إلا أن يعلم أنه لمسلم موجود أو قديم فيجري عليه ما تقدم.

(مسألة ١١٩٧): إذا اشترى دابة فوجد في جوفها مالا عرفه البائع فإن لم يعرفه كان له، وكذا الحكم في الحيوان غير الدابة، مما كان تحت يد البائع، وأما إذا اشترى سمكة ووجد في جوفها مالا، فهو له من دون تعريف، ولا يجب في جميع ذلك الخمس بعنوان الكنز، بل يجري عليه حكم الفائدة والربح.

وجوب الخمس في الغوص

(الرابع): ما أخرج من البحر بالغوص من الجوهر وغيره، لا مثل السمك ونحوه من الحيوان.

(مسألة ١١٩٨): الأحوط وجوب الخمس فيه وإن لم تبلغ قيمته دينارا.

(مسألة ١١٩٩): إذا أخرج بآلة من دون غوص فالأحوط - وجوبا - جريان حكم الغوص عليه.

(مسألة ١٢٠٠): الظاهر أن الأنهار العظيمة حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها بالغوص.

(مسألة ١٢٠١): لا إشكال في وجوب الخمس في العنبر إن أخرج بالغوص، والأحوط وجوبه فيه إن أخذ من وجه الماء أو الساحل.

وجوب الخمس في الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم

(الخامس): الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم فإنه يجب فيها الخمس على الأقوى، ولا فرق بين الأرض الخالية وأرض الزرع، وأرض الدار، وغيرها، ولا يختص الحكم بصورة وقوع البيع على الأرض، بل إذا وقع على مثل الدار أو الحمام، أو الدكان وجب الخمس في الأرض، كما أنه لا يختص الحكم بالشراء بل يجري في سائر المعاوضات أو الانتقال المجاني.

(مسألة ١٢٠٢): إذا اشترى الأرض ثم أسلم لم يسقط الخمس، وكذا إذا باعها من مسلم، فإذا اشتراها منه - ثانيا - وجب خمس آخر، فإن كان الخمس الأول دفعه من العين كان الخمس الثاني خمس الأربعة أخماس الباقية، وإن كان دفعه من غير العين كان الخمس الثاني خمس تمام العين، نعم إذا كان المشتري من الشيعة جاز له التصرف فيها، من دون اخراج الخمس.

(مسألة ١٢٠٣): يتعلق الخمس برقبة الأرض المشتراة، ويتخير الذمي بين دفع خمس العين ودفع قيمته، فلو دفع أحدهما وجب القبول، وإذا كانت الأرض مشغولة بشجرة أو بناء، فإن اشتراها على أن تبقى مشغولة بما فيها بأجرة أو مجانا قوم خمسها كذلك، وإن اشتراها على أن يقلع ما فيها قوم أيضا كذلك.

(مسألة ١٢٠٤): إذا اشترى الذمي الأرض، وشرط على المسلم البائع أن يكون الخمس عليه، أو أن لا يكون فيها الخمس بطل الشرط وإن اشترط أن يدفع الخمس عنه صح الشرط، ولكن لا يسقط الخمس إلا بالدفع.

حكم المال المختلط بالحرام

(السادس): المال المخلوط بالحرام إذا لم يتميز، ولم يعرف مقداره، ولا صاحبه فإنه يحل باخراج خمسه، والأحوط صرفه بقصد الأعم من المظالم والخمس، فإن علم المقدار ولم يعلم المالك تصدق به عنه سواء كان الحرام بمقدار الخمس، أم كان أقل منه، أم كان أكثر منه والأحوط - وجوبا - أن يكون بإذن الحاكم الشرعي وإن علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح، وإن لم يرض المالك بالصلح جاز الاقتصار على دفع الأقل إليه إن رضي بالتعيين وإلا تعين الرجوع إلى الحاكم الشرعي في حسم الدعوى، وحينئذ إن رضي بالتعيين فهو، وإلا أجبره الحاكم عليه، وإن علم المالك والمقدار وجب دفعه إليه، ويكون التعيين بالتراضي بينهما.

(مسألة ١٢٠٥): إذا علم قدر المال الحرام ولم يعلم صاحبه بعينه بل علمه في عدد محصور، فالأحوط التخلص من الجميع باسترضائهم، فإن لم يمكن ففي المسألة وجوه، أقربها العمل بالقرعة في تعيين المالك، وكذا الحكم إذا لم يعلم قدر المال، وعلم صاحبه في عدد محصور.

(مسألة ١٢٠٦): إذا كان في ذمته مال حرام فلا محل للخمس فإن علم جنسه ومقداره فإن عرف صاحبه رده إليه، وإن لم يعرفه، فإن كان في عدد محصور، فالأحوط - وجوبا - استرضاء الجميع، وإن لم يمكن عمل بالقرعة، وإن كان في عدد غير محصور تصدق به عنه، والأحوط - وجوبا - أن يكون بإذن الحاكم الشرعي، وإن علم جنسه وجهل مقداره جاز له في ابراء ذمته الاقتصار على الأقل، فإن عرف المالك رده إليه وإلا فإن كان في عدد محصور، فالأحوط - وجوبا - استرضاء الجميع فإن لم يمكن رجع إلى القرعة، وإلا تصدق به عن المالك، والأحوط - وجوبا - أن يكون بإذن الحاكم، وإن لم يعرف جنسه وكان قيميا وكانت قيمته في الذمة فالحكم كما لو عرف جنسه، وإن لم يعرف جنسه وكان مثليا، فإن أمكن المصالحة مع المالك تعيين ذلك، وإلا فلا يبعد العمل بالقرعة بين الأجناس.

(مسألة ١٢٠٧): إذا تبين المالك بعد دفع الخمس فالظاهر عدم الضمان له.

(مسألة ١٢٠٨): إذا علم بعد دفع الخمس أن الحرام أكثر من الخمس وجب عليه دفع الزائد أيضا، وإذا علم أنه أنقص لم يجز له استرداد الزائد على مقدار الحرام.

(مسألة ١٢٠٩): إذا كان الحرام المختلط من الخمس، أو الزكاة أو الوقف العام، أو الخاص لا يحل المال المختلط به باخراج الخمس، بل يجري عليه حكم معلوم المالك، فيراجع ولي الخمس أو الزكاة، أو الوقف على أحد الوجوه السابقة.

(مسألة ١٢١٠): إذا كان الحلال الذي اختلط به الحرام قد تعلق به الخمس، قيل وجب عليه بعد إخراج خمس التحليل خمس الباقي فإذا كان عنده خمسة وسبعون دينارا وجب تخميسه ثم تخميس الباقي فيبقى له من مجموع المال ثمانية وأربعون دينارا، ولكن الظاهر كفاية استثناء خمس المال الحلال المتيقن أولا، ثم تخميس الباقي فإذا فرضنا في المثال أن خمسين دينارا من المال المخلوط حلال جزما، وقد تعلق به الخمس ومقدار الحرام مردد بين أن يكون أقل من الخمس أو أكثر منه، فيجزيه أن يستثني عشرة دنانير خمس الخمسين، ثم يخمس الباقي فيبقى له اثنان وخمسون دينارا.

(مسألة ١٢١١): إذا تصرف في المال المختلط بالحرام قبل اخراج خمسه، بالاتلاف لم يسقط الخمس، بل يكون في ذمته، وحينئذ إن عرف قدره دفعه إلى مستحقه، وإن تردد بين الأقل والأكثر جاز له الاقتصار على الأقل والأحوط دفع الأكثر. (السابع): ما يفضل عن مؤنة سنته له ولعياله من فوائد الصناعات والزراعات، والتجارات، والإجارات وحيازة المباحات، بل الأحوط الأقوى تعلقه بكل فائدة مملوكة له كالهبة والهدية، والجائزة، والمال الموصى به، ونماء الوقف الخاص أو العام والميراث الذي لا يحتسب، والظاهر عدم وجوبه في المهر، وفي عوض الخلع.

(مسألة ١٢١٢): الأحوط - إن لم يكن أقوى - إخراج خمس ما زاد عن مؤنته مما ملكه بالخمس، أو الزكاة أو الكفارات، أو رد المظالم أو نحوها.

(مسألة ١٢١٣): إذا كان عنده من الأعيان التي لم يتعلق بها الخمس أو تعلق بها وقد أداه فنمت، وزادت زيادة منفصلة، كالولد، والثمر، واللبن، والصوف، ونحوها، مما كان منفصلا، أو بحكم المنفصل - عرفا - فالظاهر وجوب الخمس في الزيادة، بل الظاهر وجوبه في الزيادة المتصلة أيضا، كنمو الشجر وسمن الشاة إذا كانت للزيادة مالية عرفا وأما إذا ارتفعت قيمتها السوقية - بلا زيادة عينية - فإن كان الأصل قد اشتراه وأعده للتجارة وجب الخمس في الارتفاع المذكور، وإن لم يكن قد اشتراه لم يجب الخمس في الارتفاع، وإذا باعه بالسعر الزائد لم يجب الخمس في الزائد من الثمن، كما إذا ورث من أبيه بستانا قيمته مائة دينار فزادت قيمته، وباعه بمائتي دينار لم يجب الخمس في المائة الزائدة وإن كان قد اشتراه بمائة دينار، ولم يعده للتجارة فزادت قيمته، وبلغت مائتي دينار لم يجب الخمس في زيادة القيمة، نعم إذا باعه بالمائتين وجب الخمس في المائة الزائدة، وتكون من أرباح سنة البيع. فأقسام ما زاد قيمته ثلاثة: (الأول): ما يجب فيه الخمس في الزيادة، وإن لم يبعه، وهو ما اشتراه للتجارة. (الثاني): ما لا يجب فيه الخمس في الزيادة، وإن باعه بالزيادة وهو ما ملكه بالإرث ونحوه، مما لم يتعلق به الخمس بماله من المالية، وإن أعده للتجارة. ومن قبيل ذلك ما ملكه بالهبة أو الحيازة فيما إذا لم يكن متعلقا للخمس من الأول أو كان متعلقا للخمس وقد أداه من نفس المال وأما إذا أداه من مال آخر فلا يجب الخمس في زيادة القيمة بالنسبة إلى الأربعة أخماس من ذلك المال ويجري على الخمس الذي ملكه بأداء قيمته من مال آخر، حكم المال الذي ملكه بالشراء. (الثالث): ما لا يجب فيه الخمس في الزيادة، إلا إذا باعه، وهو ما ملكه بالشراء، أو نحو ذلك، بقصد الاقتناء لا التجارة.

(مسألة ١٢١٤): الذين يملكون الغنم يجب عليهم - في آخر السنة - إخراج خمس الباقي، بعد مؤنتهم من نماء الغنم من الصوف، والسمن، واللبن، والسخال المتولدة منها، وإذا بيع شئ من ذلك في أثناء السنة وبقي شئ من ثمنه وجب إخراج خمسه أيضا، وكذلك الحكم في سائر الحيوانات، فإنه يجب تخميس ما يتولد منها، إذا كان باقيا في آخر السنة بنفسه أو ثمنه.

(مسألة ١٢١٥): إذا عمر بستانا وغرس فيه نخلا وشجرا للانتفاع بثمره لم يجب إخراج خمسه، إذا صرف عليه ما لا لم يتعلق به الخمس كالموروث، أو مالا قد أخرج خمسه كأرباح السنة السابقة، أو مالا فيه الخمس، كأرباح السنة السابقة ولم يخرج خمسه، نعم يجب عليه إخراج خمس المال نفسه، وأما إذا صرف عليه من ربح السنة - قبل تمام السنة - وجب إخراج خمس نفس تعمير البستان، بعد استثناء مؤنة السنة، ووجب أيضا الخمس في نمائه المنفصل، أو ما بحكمه من الثمر، والسعف، والأغصان اليابسة المعدة للقطع، بل في نمائه المتصل أيضا على ما عرفت وكذا يجب تخميس الشجر الذي يغرسه جديدا في السنة الثانية، وإن كان أصله من الشجر المخمس ثمنه مثل: (التال) الذي ينبت فيقلعه ويغرسه، وكذا إذا نبت جديدا لا بفعله، كالفسيل وغيره، إذا كان له مالية، وبالجملة كل ما يحدث جديدا من الأموال التي تدخل في ملكه يجب إخراج خمسه في آخر سنته، بعد استثناء مؤنة سنته، ولا يجب الخمس في ارتفاع القيمة في هذه الصورة، نعم إذا باعه بأكثر مما صرفه عليه من ثمن الفسيل، وأجرة الفلاح، وغير ذلك وجب الخمس في الزائد، ويكون الزائد من أرباح سنة البيع، وأما إذا كان تعميره بقصد التجارة بنفس البستان وجب الخمس في ارتفاع القيمة الحاصل في آخر السنة، وإن لم يبعه كما عرفت.

أقسام ما زادت قيمته

(مسألة ١٢١٦): إذا اشترى عينا للتكسب بها فزادت قيمتها في أثناء السنة، ولم يبعها غفلة، أو طلبا للزيادة، أو لغرض آخر ثم رجعت قيمتها في رأس السنة إلى رأس مالها فليس عليه خمس تلك الزيادة بل إذا بقيت الزيادة إلى أخر السنة، ولم يبعها من دون عذر وبعدها نقصت قيمتها لم يضمن النقص نعم يجب عليه أداء الخمس من الباقي بالنسبة.

استثناء المؤنة من الأرباح

(مسألة ١٢١٧): المؤنة المستثناة من الأرباح، والتي لا يجب فيها الخمس فيها أمران مؤنة تحصيل الربح، ومؤنة سنته، والمراد من مؤنة التحصيل كل مال يصرفه الانسان في سبيل الحصول على الربح، كأجرة الحمال، والدلال، والكاتب، والحارس والدكان، وضرائب السلطان، وغير ذلك فإن جميع هذه الأمور تخرج من الربح، ثم يخمس الباقي، ومن هذا القبيل ما ينقص من ماله في سبيل الحصول على الربح كالمصانع، والسيارات، وآلات الصناعة، والخياطة، والزراعة، وغير ذلك فإن ما يرد على هذه من النقص باستعمالها أثناء السنة يتدارك من الربح، مثلا إذا اشترى سيارة بألفي دينار وآجرها سنة بأربعمائة دينار، وكانت قيمة السيارة نهاية السنة من جهة الاستعمال ألفا وثمانمائة دينار لم يجب الخمس إلا في المائتين، والمائتان الباقيتان من المؤنة. والمراد من مؤنة السنة التي يجب الخمس في الزائد عليها كل ما يصرفه في سنته، في معاش نفسه وعياله على النحو اللائق بحاله، أم في صدقاته وزياراته، وهداياه وجوائزه المناسبة له، أم في ضيافة أضيافه، أم وفاءا بالحقوق اللازمة له بنذر أو كفارة، أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمدا أو خطأ، أو فيما يحتاج إليه من دابة وجارية، وكتب وأثاث، أو في تزويج أولاده وختانهم وغير ذلك، فالمؤنة كل مصرف متعارف له سواء أكان الصرف فيه، على نحو الوجوب، أم الاستحباب أم الإباحة، أم الكراهة، نعم لا بد في المؤنة المستثناة من الصرف فعلا فإذا قتر على نفسه لم يحسب له، كما أنه إذا تبرع متبرع له بنفقته أو بعضها لا يستثنى له مقدار التبرع من أرباحه بل يحسب ذلك من الربح الذي لم يصرف في المؤنة، وأيضا لا بد أن يكون الصرف على النحو المتعارف، فإن زاد عليه وجب خمس التفاوت، وإذا كان المصرف سفها وتبذيرا لا يستثنى المقدار المصروف، بل يجب فيه الخمس، والظاهر أن المصرف إذا كان راجحا شرعا لم يجب فيه الخمس، وإن كان غير متعارف من مثل المالك مثل عمارة المساجد، والانفاق على الضيوف ممن هو قليل الربح.

المراد من رأس السنة

(مسألة ١٢١٨): رأس سنة المؤنة وقت ظهور الربح، وإن لكل ربح سنة تخصه، ومن الجائز أن يجعل الانسان لنفسه رأس سنة فيحسب مجموع وارداته في آخر السنة، وإن كانت من أنواع مختلفة، كالتجارة، والإجارة، والزراعة، وغيرها، ويخمس ما زاد على مؤنته، كما يجوز له أن يجعل لكل نوع بخصوصه رأس سنة، فيخمس ما زاد عن مؤنته في آخر تلك السنة.

اتخاذ رأس المال من الأرباح

(مسألة ١٢١٩): إن من كان بحاجة إلى رأس مال، لإعاشة نفسه وعياله فحصل على مال لا يزيد على مؤنة سنته، بحيث لو صرفه فيها لم يزد عليها، فالظاهر أنه من المؤنة، فيجوز اتخاذه رأس مال، والاتجار به لإعاشة نفسه وعائلته من أرباحها، فإن زاد الربح على المؤنة خمس الزائد وإن لم يزد عليها لم يجب عليه شئ، وإن كان قد حصل على ما يزيد على مؤنة سنته جاز له أن يتخذ مقدار مؤنته في ذلك المال رأس مال له، يتجر به لإعاشة نفسه وعائلته، ولا يجب الخمس في ذلك المقدار حينئذ، وإنما يجب في الباقي، وفيما يزيد على مؤنته من أرباح ذلك المال. وأما من لم يكن بحاجة إلى اتخاذ رأس مال للتجارة، لإعاشة نفسه وعياله كمن كان عنده رأس مال بمقدار الكفاية، أو لم يكن محتاجا في إعاشته وعائلته إلى التجارة لم يجز له أن يتخذ من أرباحه رأس مال للتجارة من دون تخميس، بل يجب عليه اخراج خمسه أولا ثم اتخاذه رأس مال له، وفي حكم رأس المال ما يحتاجه الصانع من آلات الصناعة، والزارع من آلات الزراعة فقد يجب إخراج خمس ثمنها وقد لا يجب، فإن وجب إخراج خمس ثمنها ونقصت آخر السنة تلاحظ القيمة آخر السنة.

(مسألة ١٢٢٠): كل ما يصرفه الانسان في سبيل حصول الربح يستثنى من الأرباح كما مر، ولا يفرق في ذلك بين حصول الربح في سنة الصرف وحصول فيما بعد، فكما لو صرف ما لا في سبيل اخراج معدن استثنى ذلك من المخرج ولو كان الاخراج بعد مضي سنة أو أكثر فكذلك لو صرف مالا في سبيل حصول الربح، ومن ذلك النقص الوارد على المصانع، والسيارات، وآلات الصنايع وغير ذلك مما يستعمل في سبيل تحصيل الربح.

(مسألة ١٢٢١): لا فرق في مؤنة السنة بين ما يصرف عينه، مثل المأكول والمشروب، وما ينتفع به - مع بقاء عينه - مثل الدار، والفرش والأواني ونحوها من الآلات المحتاج إليها، فيجوز استثناؤها إذا اشتراها من الربح، وإن بقيت للسنين الآتية، نعم إذا كان عنده شئ منها قبل الاكتساب، لا يجوز استثناء قيمته بل حاله حال من لم يكن محتاجا إليها.

(مسألة ١٢٢٢): يجوز إخراج المؤنة من الربح، وإن كان له مال غير مال التجارة فلا يجب إخراجها من ذلك المال، ولا التوزيع عليهما.

(مسألة ١٢٢٣): إذا زاد ما اشتراه للمؤنة من الحنطة، والشعير، والسمن، والسكر، وغيرها وجب عليه إخراج خمسه، أما المؤن التي يحتاج إليها - مع بقاء عينها - إذا استغنى عنها فالظاهر عدم وجوب الخمس فيها، سواء كان الاستغناء عنها بعد السنة، كما في حلي النساء الذي يستغنى عنه في عصر الشيب، أم كان الاستغناء عنها في أثناء السنة، بلا فرق بين ما كانت مما يتعارف إعدادها للسنين الآتية، كالثياب الصيفية والشتائية عند انتهاء الصيف أو الشتاء في أثناء السنة، وما لم تكن كذلك.

(مسألة ١٢٢٤): إذا كانت الأعيان المصروفة في مؤنة السنة قد اشتراها من ماله المخمس فزادت قيمتها - حين الاستهلاك في أثناء السنة - لم يجز له استثناء قيمة زمان الاستهلاك، بل يستثنى قيمة الشراء.

(مسألة ١٢٢٥): ما يدخره من المؤن، كالحنطة والدهن ونحو ذلك إذا بقي منه شئ إلى السنة الثانية - وكان أصله مخمسا - لا يجب فيه الخمس لو زادت قيمته، كما أنه لو نقصت قيمته لا يجبر النقص من الربح.

(مسألة ١٢٢٦): إذا اشترى بعين الربح شيئا، فتبين الاستغناء عنه وجب اخراج خمسه، والأحوط - استحبابا - مع نزول قيمته عن رأس المال مراعاة رأس المال، وكذا إذا اشتراه عالما بعدم الاحتياج إليه كبعض الفرش الزائدة، والجواهر المدخرة لوقت الحاجة في السنين اللاحقة، والبساتين والدور التي يقصد الاستفادة بنمائها، فإنه لا يراعي في الخمس رأس مالها، بل قيمتها وإن كانت أقل منه، وكذا إذا اشترى الأعيان المذكورة بالذمة، ثم وفى من الربح لم يلزمه إلا خمس قيمة العين آخر السنة، وإن كان الأحوط - استحبابا - في الجميع ملاحظة الثمن.

مصارف الحج من المؤمنة

(مسألة ١٢٢٧): من جملة المؤن مصارف الحج واجبا كان أو مستحبا وإذا استطاع في أثناء السنة في الربح ولم يحج - ولو عصيانا - وجب خمس ذلك المقدار من الربح ولم يستثن له وإذا حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعددة وجب خمس الربح الحاصل في السنين الماضية، فإن بقيت الاستطاعة بعد إخراج الخمس وجب الحج وإلا فلا، أما الربح المتمم للاستطاعة في سنة الحج فلا خمس فيه، نعم إذا لم يحج - ولو عصيانا - وجب إخراج خمسه.

(مسألة ١٢٢٨): إذا حصل لديه أرباح تدريجية فاشترى في السنة الأولى عرصة لبناء دار، وفي الثانية خشبا وحديدا، وفي الثالثة آجرا مثلا، وهكذا لا يكون ما اشتراه من المؤن المستثناة لتلك السنة، لأنه مؤنة للسنين الآتية التي يحصل فيها السكنى فعليه خمس تلك الأعيان.

(مسألة ١٢٢٩): إذا آجر نفسه سنين كانت الأجرة الواقعة بإزاء عمله في سنة الإجارة من أرباحها، وما يقع بإزاء العمل في السنين الآتية من أرباح تلك السنين، وأما إذا باع ثمرة بستانه سنين كان الثمن بتمامه من أرباح السنة البيع، ووجب فيه الخمس بعد المؤنة، وبعد استثناء ما يجبر به النقص الوارد على البستان، من جهة كونه مسلوب المنفعة في المدة الباقية بعد انتهاء السنة، مثلا: إذا كان له بستان يسوي ألف دينار، فباع ثمرته عشرين سنين بأربعمائة دينار، وصرف منها في مؤنته مائة دينار فكان الباقي له عند انتهاء السنة ثلاثمائة دينار لم يجب الخمس في تمامه، بل لا بد من استثناء مقدار يجبر به النقص الوارد على البستان، من جهة كونه مسلوب المنفعة تسع سنين، فإذا فرضنا أنه لا يسوي كذلك بأزيد من ثمانمائة دينار لم يجب الخمس إلا في مائة دينار فقط وبذلك يظهر الحال فيما إذا آجر داره - مثلا - سنين متعددة.

(مسألة ١٢٣٠): إذا دفع من السهمين أو أحدهما، ثم بعد تمام الحول حسب موجوداته ليخرج خمسها، فإن كان ما دفعه من أرباح هذه السنة حسب المدفوع من الأرباح ووجب إخراج خمس الجميع.

(مسألة ١٢٣١): أداء الدين من المؤنة سواء أكانت الاستدانة في سنة الربح أم فيما قبلها، تمكن من أدائه قبل ذلك أم لا، نعم إذا لم يؤد دينه إلى أن انقضت السنة وجب الخمس، من دون استثناء مقدار وفاء الدين إلا أن يكون الدين لمؤنة السنة وبعد ظهور الربح، فاستثناء مقداره من ربحه لا يخلو من وجه، ولا فرق فيما ذكرنا بين الدين العرفي والشرعي، كالخمس، والزكاة، والنذر، والكفارات، وكذا في مثل أروش الجنايات وقيم المتلفات وشروط المعاملات فإنه إن أداها من الربح في سنة الربح لم يجب الخمس فيه، وإن كان حدوثها في السنة السابقة. وإلا وجب الخمس، وإن كان عاصيا بعدم أدائها.

(مسألة ١٢٣٢): إذا اشترى ما ليس من المؤنة بالذمة، أو استدان شيئا لإضافته إلى رأس ماله ونحو ذلك، مما يكون بدل دينه موجودا، ولم يكن من المؤنة لم يجز له أداء دينه من أرباح سنته، بل يجب عليه التخميس وأداء الدين من المال المخمس أو من مال آخر لم يتعلق به الخمس.

(مسألة ١٢٣٣): إذا أتجر برأس ماله - مرارا متعددة في السنة - فخسر في بعض تلك المعاملات في وقت، وربح في آخر، فإن كان الخسران بعد الربح أو مقارنا له يجبر الخسران بالربح، فإن تساوى الخسران والربح فلا خمس، وإن زاد الربح وجب الخمس في الزيادة، وإن زاد الخسران على الربح فلا خمس عليه وصار رأس ماله في السنة اللاحقة أقل مما كان في السنة السابقة. وأما إذا كان الربح بعد الخسران فالأحوط إن لم يكن أقوى عدم الجبر، ويجري الحكم المذكور فيما إذا وزع رأس ماله على تجارات متعددة، كما إذا اشترى ببعضه حنطة، وببعضه سمنا فخسر في أحدهما وربح في الآخر، وكذا الحكم فيما إذا تلف بعض رأس المال، أو صرفه في نفقاته، بل إذا أنفق من ماله غير مال التجارة في مؤنته بعد حصول الربح جاز له أن يجبر ذلك من ربحه، وليس عليه خمس ما يساوي المؤن التي صرفها، وإنما عليه خمس الزائد لا غير، وكذلك حال أهل المواشي، فإنه إذا باع بعضها لمؤنته، أو مات بعضها أو سرق فإنه يجبر جميع ذلك بالنتاج الحاصل له قبل ذلك، ففي آخر السنة يجبر النقص الوارد على الأمهات بقيمة السخال المتولدة، فإنه يضم السخال إلى أرباحه في تلك السنة، من الصوف والسمن واللبن وغير ذلك، فيجبر النقص، ويخمس ما زاد على الجبر، فإذا لم يحصل الجبر إلا بقيمة جميع السخال - مع أرباحه الأخرى - لم يكن عليه خمس في تلك السنة.

(مسألة ١٢٣٤): إذا كان له نوعان من التكسب كالتجارة والزراعة فربح في أحدهما وخسر في الآخر، ففي جبر الخسارة بالربح إشكال، والأحوط عدم الجبر.

(مسألة ١٢٣٥): إذا تلف بعض أمواله مما ليس من مال التكسب، ولا من مؤنته ففي الجبر - حينئذ - إشكال، والأظهر عدم الجبر.

(مسألة ١٢٣٦): إذا انهدمت دار سكناه، أو تلف بعض أمواله - مما هو من مؤنته - كأثاث بيته أو لباسه أو سيارته التي يحتاج إليها ونحو ذلك، ففي الجبر من الربح إشكال، والأظهر عدم الجبر، نعم يجوز له تعمير داره وشراء مثل ما تلف من المؤن أثناء سنة الربح، ويكون ذلك من التصرف في المؤنة المستثناة من الخمس.

(مسألة ١٢٣٧): لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازما، فاستقاله البايع فأقاله، لم يسقط الخمس إلا إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا رد مثل الثمن.

(مسألة ١٢٣٨): إذا أتلف المالك أو غيره المال ضمن المتلف الخمس ورجع عليه الحاكم وكذا الحكم إذا دفعه المالك إلى غيره وفاءا لدين أو هبة، أو عوضا لمعاملة، فإنه ضامن للخمس، ويرجع الحاكم عليه، ولا يجوز الرجوع على من انتقل إليه المال إذا كان مؤمنا، وإذا كان ربحه حبا فبذره فصار زرعا وجب خمس الحب لا خمس الزرع، وإذا كان بيضا فصار دجاجا وجب عليه خمس البيض لا خمس الدجاج، وإذا كان ربحه أغصانا فغرسها فصارت شجرا وجب عليه خمس الشجر، لا خمس الغصن، فالتحول إذا كان من قبيل التولد وجب خمس الأول، وإذا كان من قبيل النمو وجب خمس الثاني.

(مسألة ١٢٣٩): إذا حسب ربحه فدفع خمسه ثم انكشف أن ما دفعه كان أكثر مما وجب عليه لم يجز له احتساب الزائد مما يجب عليه في السنة التالية، نعم يجوز له أن يرجع به على الفقير، مع بقاء عينه، وكذا مع تلفها إذا كان عالما بالحال.

(مسألة ١٢٤٠): إذا جاء رأس الحول، وكان ناتج بعض الزرع حاصلا دون بعض فما حصلت نتيجته يكون من ربح سنته، ويخمس بعد إخراج المؤن، وما لم تحصل نتيجته يكون من أرباح السنة اللاحقة. نعم إذا كان له أصل موجود له قيمة أخرج خمسه في آخر السنة والفرع يكون من أرباح السنة اللاحقة، مثلا في رأس السنة كان بعض الزرع له سنبل، وبعضه قصيل لا سنبل له وجب اخراج خمس الجميع، وإذا ظهر السنبل في السنبل الثانية كان من أرباحها، لا من أرباح السنة السابقة.

(مسألة ١٢٤١): إذا كان الغوص وإخراج المعدن مكسبا كفاه إخراج خمسهما، ولا يجب عليه اخراج خمس آخر من باب أرباح المكاسب.

(مسألة ١٢٤٢): المرأة التي تكتسب يجب عليها الخمس إذا عال بها الزوج وكذا إذا لم يعل بها الزوج وزادت فوائدها على مؤنتها، بل وكذا الحكم إذا لم تكسب، وكانت لها فوائد من زوجها أو غيره، فإنه يجب عليها في آخر السنة إخراج خمس الزائد كغيرها من الرجال وبالجملة يجب على كل مكلف أن يلاحظ ما زاد عنده في آخر السنة من أرباح مكاسبه وغيرها، قليلا كان أم كثيرا، ويخرج خمسه، كاسبا كان أم غير كاسب.


اشتراط الخمس بالتكليف

(مسألة ١٢٤٣): الظاهر اشتراط البلوغ والعقل في ثبوت الخمس في جميع ما يتعلق به الخمس من أرباح المكاسب والكنز، والغوص، والمعدن، والأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، فلا يجب الخمس في مال الصبي والمجنون على الولي، ولا عليهما بعد البلوغ والإفاقة. غير الحلال المختلط بالحرام فإنه يجب على الولي إخراج الخمس وإن لم يخرج فيجب عليهما الاخراج بعد البلوغ والإفاقة.

(مسألة ١٢٤٤): إذا اشترى من أرباح سنته ما لم يكن من المؤنة، فارتفعت قيمته كان اللازم إخراج خمسه عينا أو قيمة فإن المال حينئذ بنفسه من الأرباح، وأما إذا اشترى شيئا بعد انتهاء سنته ووجوب الخمس في ثمنه، فإن كانت المعاملة شخصية وجب تخميس ذلك المال أيضا عينا أو قيمة، وأما إذا كان الشراء في الذمة، كما هو الغالب، وكان الوفاء به من الربح غير المخمس فلا يجب عليه إلا دفع خمس الثمن الذي اشتراه به، ولا يجب الخمس في ارتفاع قيمته ما لم يبعه، وإذا علم أنه أدى الثمن من ربح لم يخمسه، ولكنه شك في أنه كان أثناء السنة ليجب الخمس في ارتفاع القيمة أيضا، أو كان بعد انتهائها لئلا يجب الخمس إلا بمقدار الثمن فقط، فالأحوط المصالحة مع الحاكم الشرعي.

(مسألة ١٢٤٥): إذا كان الشخص لا يحاسب نفسه مدة من السنين وقد ربح فيها واستفاد أموالا، واشترى منها أعيانا وأثاثا، وعمر ديارا ثم التفت إلى ما يجب عليه من إخراج الخمس، من هذه الفوائد فالواجب عليه اخراج الخمس، من كل ما اشتراه أو عمره أو غرسه، مما لم يكن معدودا من المؤنة، مثل الدار التي لم يتخذها دار سكنى والأثاث الذي لا يحتاج إليه أمثاله، وكذا الحيوان والفرس وغيرها على تفصيل مر في المسألة السابقة أما ما يكون معدودا من المؤنة مثل دار السكنى والفراش والأواني اللازمة له ونحوها، فإن كان قد اشتراه من ربح السنة التي قد اشتراه فيها لم يجب اخراج الخمس منه، وإن كان قد اشتراه من ربح السنة السابقة، بأن كان لم يربح في سنة الشراء، أو كان ربحه لا يزيد على مصارفه اليومية وجب عليه اخراج خمسه، على التفصيل المتقدم وإن كان ربحه يزيد على مصارفه اليومية، لكن الزيادة أقل من الثمن الذي اشتراه به وجب عليه اخراج خمس مقدار التفاوت، مثلا إذا عمر دارا لسكناه بألف دينار وكان ربحه في سنة التعمير يزيد على مصارفه اليومية بمقدار مائتي دينار وجب اخراج خمس ثمانمائة دينار، وكذا إذا اشترى أثاثا بمائة دينار، وكان قد ربح زائدا على مصارفه اليومية عشرة دنانير في تلك السنة، والأثاث الذي اشتراه محتاج إليه وجب تخميس تسعين دينارا وإذا لم يعلم أن الأعيان التي اشتراها، وكان يحتاج إليها يساوي ثمنها ربحه في سنة الشراء أو أقل منه، أو أنه لم يربح في سنة الشراء زائدا على مصارف اليومية فالأحوط المصالحة مع الحاكم الشرعي، وإذا علم أنه لم يربح في بعض السنين بمقدار مصارفه، وأنه كان يصرف من أرباح سنته السابقة وجب اخراج خمس مصارفه التي صرفها من أرباح السنة السابقة.

(مسألة ١٢٤٦): قد عرفت أن رأس السنة أول ظهور الربح لكن إذا أراد المكلف تغيير رأس سنته أمكنه ذلك بدفع خمس ما ربحه أثناء السنة واستئناف رأس سنة للأرباح الآتية، ويجوز جعل السنة عربية ورومية، وفارسية، وغيرها.

(مسألة ١٢٤٧): يجب على كل مكلف - في آخر السنة - أن يخرج خمس ما زاد من أرباحه عن مؤنته، مما ادخره في بيته لذلك، من الأرز، والدقيق، والحنطة، والشعير، والسكر، والشاي، والنفط، والحطب، والفحم، والسمن، والحلوى، وغير ذلك من أمتعة البيت، مما أعد للمؤنة فيخرج خمس ما زاد من ذلك. نعم إذا كان عليه دين استدانه لمؤنة السنة وكان مساويا للزائد لم يجب الخمس في الزائد، وكذا إذا كان أكثر، أما إذا كان الدين أقل أخرج خمس مقدار التفاوت لا غير، وإذا بقيت الأعيان المذكورة إلى السنة الآتية، فوفى الدين في أثنائها قيل صارت معدودة من أرباح السنة الثانية، فلا يجب الخمس إلا على ما يزيد منها على مؤنة تلك السنة وكذا الحكم إذا اشترى أعيانا لغير المؤنة - كبستان - وكان عليه دين للمؤنة يساويها لم يجب اخراج خمسها، فإذا وفى الدين في السنة الثانية كانت معدودة من أرباحها، ووجب اخراج خمسها آخر السنة، وإذا اشترى بستانا - مثلا - بثمن في الذمة مؤجلا فجاء رأس السنة لم يجب اخراج خمس البستان، فإذا وفى تمام الثمن في السنة الثانية كانت البستان من أرباح السنة الثانية ووجب اخراج خمسها، فإذا وفى نصف الثمن في السنة الثانية كان نصف البستان من أرباح تلك السنة، ووجب اخراج خمس النصف، فإذا وفى ربع الثمن في السنة الثانية كان ربعها من أرباح تلك السنة، وهكذا كلما وفى جزءا من الثمن كان ما يقابله من البستان من أرباح تلك السنة ولكن الأظهر في هذه الصور عدم وجوب الخمس في نفس الأعيان والبستان، وإنما يجب تخميس ما يؤديه وفاءا لدينه. هذا إذا كان ذاك الشئ موجودا، أما إذا تلف فلا خمس فيما يؤديه لوفاء الدين، وكذا إذا ربح في سنة مائة دينار - مثلا - فلم يدفع خمسها العشرين دينارا حتى جاء السنة الثانية، فدفع من أرباحها عشرين دينارا وجب عليه خمس العشرين دينارا التي هي الخمس، مع بقائها، لا مع تلفها، وإذا فرض أنه اشترى دارا للسكنى فسكنها، ثم وفى في السنة الثانية ثمنها لم يجب عليه خمس الدار، وكذا إذا وفى في السنة الثانية بعض أجزاء الثمن لم يجب الخمس في الحصة من الدار، ويجري هذا الحكم في كل ما اشترى من المؤن بالدين.

(مسألة ١٢٤٨): إذا نذر أن يصرف نصف أرباحه السنوية - مثلا - في وجه من وجوه البر وجب عليه الوفاء بنذره فإن صرف المنذور في الجهة المنذور لها قبل انتهاء السنة لم يجب عليه تخميس ما صرفه، وإن لم يصرفه حتى انتهت السنة وجب عليه إخراج خمسه كما يجب عليه إخراج خمس النصف الآخر من أرباحه، بعد إكمال مؤنته.

(مسألة ١٢٤٩): إذا كان رأس ماله مائة دينار مثلا فاستأجر دكانا بعشرة دنانير واشترى آلات للدكان بعشرة، وفي آخر إخراج السنة وجد ماله بلغ مائة كان عليه خمس الآلات فقط، ولا يجب إخراج خمس أجرة الدكان، لأنها من مؤنة التجارة، وكذا أجرة الحارس، والحمال، والضرائب التي يدفعها إلى السلطان، والسرقفلية فإن هذه المؤنة مستثناة من الربح، والخمس إنما يجب فيما زاد عليها، كما عرفت، نعم إذا كانت السرقفلية التي دفعها إلى المالك أو غيره أوجبت له حقا في أخذها من غيره وجب تقويم ذلك الحق في آخر السنة، وإخراج خمسه، فربما تزيد قيمته على مقدار ما دفعه من السرقفلية، وربما تنقص، وربما تساوي.

(مسألة ١٢٥٠): إذا حل رأس الحول فلم يدفع خمس الربح ثم دفعه تدريجا من ربح السنة الثانية لم يحسب ما يدفعه من المؤن، بل يجب فيه الخمس، وكذا لو صالحه الحاكم على مبلغ في الذمة فإن وفاءه من أرباح السنة الثانية لا يكون من المؤن، بل يجب فيه الخمس إذا كان مال المصالحة عوضا عن خمس عين موجودة، وإذا كان عوضا عن خمس عين أو أعيان تالفة فوفاؤه يحسب من المؤن، ولا خمس فيه.

(مسألة ١٢٥١): إذا حل رأس السنة فوجد بعض أرباحه أو كلها دينا في ذمة الناس، فإن أمكن استيفاؤه وجب دفع خمسه، وإن لم يمكن تخير بين أن ينتظر استيفاءه في السنة اللاحقة، فإذا استوفاه أخرج خمسه وكان من أرباح السنة السابقة، لا من أرباح سنة الاستيفاء، وبين أن يقدر مالية الديون فعلا فيدفع خمسها فإذا استوفاها في السنة الآتية كان الزائد على ما قدر من أرباح سنة الاستيفاء.

(مسألة ١٢٥٢): يتعلق الخمس بالربح بمجرد حصوله وإن جاز تأخير الدفع إلى آخر السنة - احتياطا - للمؤنة، فإذا أتلفه ضمن الخمس، وكذا إذا أسرف في صرفه، أو وهبه، أو اشترى أو باع على نحو المحاباة، إذا كانت الهبة، أو الشراء، أو البيع غير لائقة بشأنه وإذا علم أنه ليس عليه مؤنة في باقي السنة، فالأحوط - استحبابا - أن يبادر إلى دفع الخمس، ولا يؤخره إلى نهاية السنة.

(مسألة ١٢٥٣): إذا مات المكتسب - أثناء السنة بعد حصول الربح - فالمستثنى هو المؤنة إلى حين الموت، لا تمام السنة.

(مسألة ١٢٥٤): إذا علم الوارث أن مورثه لم يؤد خمس ما تركه وجب عليه أداؤه على الأحوط، وإذا علم أنه أتلف مالا له قد تعلق به الخمس وجب إخراج خمسه من تركته، كغيره من الديون.

(مسألة ١٢٥٥): إذا اعتقد أنه ربح، فدفع الخمس فتبين عدمه، انكشف أنه لم يكن خمس في ماله، فيرجع به على المعطى له مع بقاء عينه، وكذا مع تلفها إذا كان عالما بالحال، وأما إذا ربح في أول السنة، فدفع الخمس باعتقاد عدم حصول مؤنة زائدة، فتبين عدم كفاية الربح لتجدد مؤنة لم تكن محتسبة، لم يجز له الرجوع إلى المعطى له، حتى مع بقاء عينه فضلا عما إذا تلفت.

(مسألة ١٢٥٦): الخمس بجميع أقسامه وإن كان يتعلق بالعين، إلا أن المالك يتخير بين دفع العين ودفع قيمتها، ولا يجوز له التصرف في العين بعد انتهاء السنة قبل أداء بل الأحوط - وجوبا - عدم التصرف في بعضها أيضا، وإن كان مقدار الخمس باقيا في البقية وإذا ضمنه في ذمته بإذن الحاكم الشرعي صح، ويسقط الحق من العين، فيجوز التصرف فيها.

(مسألة ١٢٥٧): لا بأس بالشركة مع من لا يخمس، إما لاعتقاده لتقصير أو قصور بعدم وجوبه، أو لعصيانه وعدم مبالاته بأمر الدين، ولا يلحقه وزر من قبل شريكه. ويجزيه أن يخرج خمسه من حصته في الربح.

(مسألة ١٢٥٨): يحرم الاتجار بالعين بعد انتهاء السنة قبل دفع الخمس، لكنه إذا أتجر بها عصيانا أو لغير ذلك فالظاهر صحة المعاملة، إذا كان طرفها مؤمنا وينتقل الخمس إلى البدل، كما أنه إذا وهبها لمؤمن صحت الهبة، وينتقل الخمس إلى ذمة الواهب، وعلى الجملة كل ما ينتقل إلى المؤمن ممن لا يخمس أمواله لأحد الوجوه المتقدمة بمعاملة أو مجانا يملكه فيجوز له التصرف فيه، وقد أحل الأئمة - سلام الله عليهم - ذلك لشيعتهم تفضلا منهم عليهم، وكذلك يجوز التصرف للمؤمن في أموال هؤلاء، فيما إذا أباحوها لهم، من دون تمليك، ففي جميع ذلك يكون المهنأ للمؤمن والوزر على مانع الخمس، إذا كان مقصرا.


المبحث الثاني

مستحق الخمس ومصرفه

(مسألة ١٢٥٩): يقسم الخمس في زماننا - زمان الغيبة - نصفين نصف لإمام العصر الحجة المنتظر - عجل الله تعالى فرجه وجعل أرواحنا فداه - ونصف لبني هاشم: أيتامهم، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، ويشترط في هذه الأصناف جميعا الايمان، كما يعتبر الفقر في الأيتام، ويكفي في ابن السبيل الفقر في بلد التسليم، ولو كان غنيا في بلده إذا لم يتمكن من السفر بقرض ونحوه على ما عرفت في الزكاة، والأحوط وجوبا اعتبار أن لا يكون سفره معصية، ولا يعطى أكثر من قدر ما يوصله إلى بلده، والأظهر عدم اعتبار العدالة في جميعهم.

(مسألة ١٢٦٠): الأحوط - إن لم يكن أقوى - أن لا يعطى الفقير أكثر من مؤنة سنته ويجوز البسط والاقتصار على إعطاء صنف واحد، بل يجوز الاقتصار على إعطاء واحد من صنف.

(مسألة ١٢٦١): المراد من بني هاشم من انتسب إليه بالأب، أما إذا كان بالأم فلا يحل له الخمس وتحل له الزكاة، ولا فرق في الهاشمي بين العلوي والعقيلي والعباسي وإن كان الأولى تقديم العلوي بل الفاطمي.

(مسألة ١٢٦٢): لا يصدق من ادعى النسب إلا بالبينة، ويكفي في الثبوت الشياع والاشتهار في بلده كما يكفي كل ما يوجب الوثوق والاطمئنان به.

(مسألة ١٢٦٣): لا يجوز اعطاء الخمس لمن تجب نفقته على المعطي على الأحوط. نعم إذا كانت عليه نفقة غير لازمة للمعطي جاز ذلك.

(مسألة ١٢٦٤): يجوز استقلال المالك في توزيع النصف المذكور والأحوط استحبابا الدفع إلى الحاكم الشرعي أو استئذانه في الدفع إلى المستحق.

النصف الراجع للامام

(مسألة ١٢٦٥): النصف الراجع للإمام عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام يرجع فيه في زمان الغيبة إلى نائبه وهو الفقيه المأمون العارف بمصارفه إما بالدفع أو الاستئذان منه، ومصرفه ما يوثق برضاه عليه السلام بصرفه فيه، كدفع ضرورات المؤمنين من السادات زادهم الله تعالى شرفا وغيرهم، والأحوط استحبابا نية التصدق به عنه (ع) واللازم مراعاة الأهم فالأهم، ومن أهم مصارفه في هذا الزمان الذي قل فيه المرشدون والمسترشدون إقامة دعائم الدين ورفع أعلامه، وترويج الشرع المقدس، ونشر قواعده وأحكامه ومؤنة أهل العلم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية الباذلين أنفسهم في تعليم الجاهلين، وإرشاد الضالين، ونصح المؤمنين ووعظهم، وإصلاح ذات بينهم، ونحو ذلك مما يرجع إلى إصلاح دينهم وتكميل نفوسهم، وعلو درجاتهم عند ربهم تعالى شأنه وتقدست أسماؤه، والأحوط لزوما مراجعة المرجع الأعلم المطلع على الجهات العامة.

(مسألة ١٢٦٦): يجوز نقل الخمس من بلده إلى غيره مع عدم وجود المستحق، بل مع وجوده إذا لم يكن النقل تساهلا وتسامحا في أداء الخمس ويجوز دفعه في البلد إلى وكيل الفقير وإن كان هو في البلد الآخر كما يجوز دفعه إلى وكيل الحاكم الشرعي، وكذا إذا وكل الحاكم الشرعي المالك فيقبضه بالوكالة عنه ثم ينقله إليه.

(مسألة ١٢٦٧): إذا كان المال الذي فيه الخمس في غير بلد المالك فاللازم عدم التساهل والتسامح في أداء الخمس والأحوط تحري أقرب الأزمنة في الدفع، سواء أكان بلد المالك، أم المال أم غيرهما.

(مسألة ١٢٦٨): في صحة عزل الخمس بحيث يتعين في مال مخصوص إشكال، وعليه فإذا نقله إلى بلد لعدم وجود المستحق فتلف بلا تفريط يشك فراغ ذمة المالك، نعم إذا قبضه وكالة عن المستحق أو عن الحاكم فرغت ذمته، ولو نقله بإذن موكله فتلف من غير تفريط لم يضمن.

(مسألة ١٢٦٩): إذا كان له دين في ذمة المستحق ففي جواز احتسابه عليه من الخمس إشكال، فالأحوط وجوبا الاستئذان من الحاكم الشرعي في الاحتساب المذكور.


كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

من أعظم الواجبات الدينية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). وقال النبي صلى الله عليه وآله: " كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال: صلى الله عليه وآله: نعم. فقال: " كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف فقيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ويكون ذلك ؟ فقال: نعم وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا ؟ ". وقد ورد عنهم - عليهم السلام - أن بالأمر بالمعروف تقام الفرائض وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وتمنع المظالم، وتعمر الأرض وينتصف للمظلوم من الظالم، ولا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء.

(مسألة ١٢٧٠): يجب الأمر بالمعروف الواجب، والنهي عن المنكر وجوبا كفائيا إن قام به واحد سقط عن غيره، وإذا لم يقم به واحد أثم الجميع واستحقوا العقاب.

(مسألة ١٢٧١): إذا كان المعروف مستحبا كان الأمر به مستحبا، فإذا أمر به كان مستحقا للثواب، وإن لم يأمر به لم يكن عليه إثم ولا عقاب.


شروط الامر بالمعروف

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف الواجب، والنهي عن المنكر أمور:

الأول: معرفة المعروف والمنكر ولو اجمالا، فلا يجبان على الجاهل بالمعروف والمنكر.

الثاني: احتمال ائتمار المأمور بالمعروف بالأمر، وانتهاء المنهي عن المنكر بالنهي، فإذا لم يحتمل ذلك، وعلم أن الشخص الفاعل لا يبالي بالأمر أو النهي، ولا يكترث بهما لا يجب عليه شئ.

الثالث: أن يكون الفاعل مصرا على ترك المعروف، وارتكاب المنكر فإذا كانت أمارة على الاقلاع، وترك الاصرار لم يجب شئ، بل لا يبعد عدم الوجوب بمجرد احتمال ذلك، فمن ترك واجبا، أو فعل حراما ولم يعلم أنه مصر على ترك الواجب، أو فعل الحرام ثانيا، أو أنه منصرف عن ذلك أو نادم عليه لم يجب عليه شئ، هذا بالنسبة إلى من ترك المعروف، أو ارتكب المنكر خارجا. وأما من يريد ترك المعروف، أو ارتكاب المنكر فيجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإن لم يكن قاصدا إلا المخالفة مرة واحدة.

الرابع: أن يكون المعروف والمنكر منجزا في حق الفاعل، فإن كان معذورا في فعله المنكر، أو تركه المعروف، لاعتقاد أن ما فعله مباح وليس بحرام، أو أن ما تركه ليس بواجب، وكان معذورا في ذلك للاشتباه في الموضوع، أو الحكم اجتهادا، أو تقليدا لم يجب شئ.

الخامس: أن لا يلزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرر في النفس، أو في العرض، أو في المال، على الآمر، أو على غيره من المسلمين، فإذا لزم الضرر عليه، أو على غيره من المسلمين لم يجب شئ والظاهر أنه لا فرق بين العلم بلزوم الضرر والظن به والاحتمال المعتد به عند العقلاء الموجب لصدق الخوف، هذا فيما إذا لم يحرز تأثير الأمر أو النهي وأما إذا أحرز ذلك فلا بد من رعاية الأهمية، فقد يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع العلم بترتب الضرر أيضا، فضلا عن الظن به أو احتماله.


مراتب الانكار

(مسألة ١٢٧٢): لا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف، بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة على العلماء وغيرهم، والعدول والفساق، والسلطان والرعية، والأغنياء والفقراء، وقد تقدم أنه إن قام به واحد سقط الوجوب عن غيره وإن لم يقم به أحد أثم الجميع، واستحقوا العقاب. للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب: الأولى الانكار بالقلب، بمعنى إظهار كراهة المنكر، أو ترك المعروف إما بإظهار الانزعاج من الفاعل، أو الاعراض والصد عنه، أو ترك الكلام معه، أو نحو ذلك من فعل أو ترك يدل على كراهة ما وقع منه. الثانية: الانكار باللسان والقول، بأن يعظه، وينصحه، ويذكر له ما أعد الله سبحانه للعاصين من العقاب الأليم والعذاب في الجحيم، أو يذكر له ما أعده الله تعالى للمطيعين من الثواب الجسيم والفوز في جنات النعيم. الثالثة: الانكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية، ولكل واحدة من هذه المراتب أخف وأشد، والمشهور الترتب بين هذه المراتب، فإن كان اظهار الانكار القلبي كافيا في الزجر اقتصر عليه، وإلا أنكر باللسان، فإن لم يكف ذلك أنكره بيده، ولكن الظاهر أن القسمين الأولين في مرتبة واحدة فيختار الآمر أو الناهي ما يحتمل التأثير منهما، وقد يلزمه الجمع بينهما. وأما القسم الثالث فهو مترتب على عدم تأثير الأولين، والأحوط في هذا القسم الترتيب بين مراتبه فلا ينتقل إلى الأشد، إلا إذا لم يكف الأخف.

(مسألة ١٢٧٣): إذا لم تكف المراتب المذكورة في ردع الفاعل ففي جواز الانتقال إلى الجرح والقتل وجهان، بل قولان أقواهما العدم، وكذا إذا توقف على كسر عضو من يد أو رجل أو غيرهما، أو إعابة عضو كشلل أو اعوجاج أو نحوهما، فإن الأقوى عدم جواز ذلك، وإذا أدى الضرب إلى ذلك - خطأ أو عمدا - فالأقوى ضمان الآسر والناهي لذلك، فتجري عليه أحكام الجناية العمدية، إن كان عمدا، والخطأية إن كان خطأ. نعم يجوز للإمام ونائبه ذلك إذا كان يترتب على معصية الفاعل مفسدة أهم من جرحه أو قتله، وحينئذ لا ضمان عليه.

(مسألة ١٢٧٤): يتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق المكلف بالنسبة إلى أهله، فيجب عليه إذا رأى منهم التهاون في الواجبات، كالصلاة وأجزائها وشرائطها، بأن لا يأتوا بها على وجهها، لعدم صحة القراءة والأذكار الواجبة، أو لا يتوضأوا وضوءا صحيحا أو لا يطهروا أبدانهم ولباسهم من النجاسة على الوجه الصحيح أمرهم بالمعروف على الترتيب المتقدم، حتى يأتوا بها على وجهها، وكذا الحال في بقية الواجبات، وكذا إذا رأى منهم التهاون في المحرمات كالغيبة والنميمة، والعدوان من بعضهم على بعض، أو على غيرهم، أو غير ذلك من المحرمات، فإنه يجب أن ينهاهم عن المنكر حتى ينتهوا عن المعصية.

(مسألة ١٢٧٥): إذا صدرت المعصية من شخص من باب الاتفاق، وعلم أنه غير مصر عليها لكنه لم يتب منها وجب أمره بالتوبة، فإنها من الواجب، وتركها كبيرة موبقة، هذا مع التفات الفاعل إليها، أما مع الغفلة ففي وجوب أمره بها إشكال والأحوط - استحبابا - ذلك. فائدة: قال بعض الأكابر قدس سره: إن من أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدها، خصوصا بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبه، وينزع رداء المنكر محرمه ومكروهه، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة، وينزهها عن الأخلاق الذميمة، فإن ذلك منه سبب تام لفعل الناس المعروف، ونزعهم المنكر خصوصا إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغبة والمرهبة فإن لكل مقام مقالا، ولكل داء دواءا، وطب النفوس والعقول أشد من طب الأبدان بمراتب كثيرة، وحينئذ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ختام وفيه مطلبان: المطلب الأول: في ذكر أمور هي من المعروف: منها: الاعتصام بالله تعالى، قال الله تعالى: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) وقال أبو عبد الله عليه السلام: " أوحى الله عز وجل إلى داود ما اعتصم بي عبد من عبادي، دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته، ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن ". ومنها: التوكل على الله سبحانه، الرؤوف الرحيم بخلقه العالم بمصالحه والقادر على قضاء حوائجهم. وإذا لم يتوكل عليه تعالى فعلى من يتوكل أعلى نفسه، أم على غيره مع عجزه وجهله ؟ قال الله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقال أبو عبد الله (ع): " الغنى والعز يجولان، فإذا ظفرا بموضع من التوكل أوطنا ". ومنها: حسن الظن بالله تعالى، قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما قال: " والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن، لأن الله كريم بيده الخير يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن، ثم يخلف ظنه ورجاءه، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه ". ومنها: الصبر عند البلاء، والصبر عن محارم الله قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث: " فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا " وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا يعدم الصبر الظفر وإن طال به الزمان "، وقال (ع): " الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن من ذلك الصبر عندما حرم الله تعالى عليك ". ومنها: العفة، قال أبو جعفر (ع): " ما عبادة أفضل عند الله من عفة بطن وفرج "، وقال أبو عبد الله (ع): " إنما شيعة جعفر (ع) من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر " عليه السلام. ومنها: الحلم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما أعز الله بجهل قط. ولا أذل بحلم قط "، وقال أمير المؤمنين (ع): " أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل " وقال الرضا (ع): " لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما ". ومنها: التواضع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله ومن بذر حرمه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله تعالى ". ومنها: انصاف الناس، ولو من النفس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " سيد الأعمال انصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ في الله تعالى على كل حال ". ومنها: اشتغال الانسان بعيبه عن عيوب الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين " وقال صلى الله عليه وآله: " إن أسرع الخير ثوابا البر، وإن أسر الشر عقابا البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، وأن يعير الناس بما لا يستطيع تركه وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه ". ومنها: إصلاح النفس عند ميلها إلى الشر، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته، ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ". ومنها: الزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها، قال أبو عبد الله عليه السلام: " من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وانطلق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام "، وقال رجل قلت لأبي عبد الله عليه السلام: " إني لا ألقاك إلا في السنين فأوصني بشئ حتى آخذ به ؟ فقال (ع) أوصيك بتقوى الله، والورع والاجتهاد، وإياك أن تطمع إلى من فوقك وكفى بما قال الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وآله (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) وقال تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه وآله فإنما كان قوته من الشعير، وحلواه من التمر ووقوده من السعف إذا وجده وإذا أصبت بمصيبة في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه وآله فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط ". المطلب الثاني: في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر: منها: الغضب. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل " وقال أبو عبد الله: " الغضب مفتاح كل شر " وقال أبو جعفر عليه السلام: " إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قومه وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت ". ومنها: الحسد، قال أبو جعفر وأبو عبد الله (ع): " إن الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب "، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لأصحابه: " إنه قد دب إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد ليس بحالق الشعر، ولكنه حالق الدين، وينجي فيه أن يكف الانسان يده، ويخزن لسانه، ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن ". ومنها: الظلم، قال أبو عبد الله (ع): " من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده "، وقال (ع): " ما ظفر بخير من ظفر بالظلم، أما أن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم ". ومنها: كون الانسان ممن يتقى شره، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم "، وقال أبو عبد الله (ع): " ومن خاف الناس لسانه فهو في النار ". وقال عليه السلام: " إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه " ولنكتف بهذا المقدار. والحمد لله أولا وآخرا، وهو حسبنا ونعم الوكيل


كتاب الجهاد

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهاد مأخوذ من الجهد - بالفتح - بمعنى التعب والمشقة أو من الجهد - بالضم - بمعنى الطاقة، والمراد به هنا القتال لاعلاء كلمة الاسلام وإقامة شعائر الايمان.

وفيه فصول:


الفصل الأول

فيمن يجب قتاله

وهم طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى: الكفار المشركون غير أهل الكتاب، فإنه يجب دعوتهم إلى كلمة التوحيد والاسلام، فإن قبلوا وإلا وجب قتالهم وجهادهم إلى أن يسلموا أو يقتلوا وتطهر الأرض من لوث وجودهم. ولا خلاف في ذلك بين المسلمين قاطبة، ويدل على ذلك غير واحد من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة)(١ ) وقوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)(٢) وقوله تعالى: (حرض المؤمنين على القتال)(٣) وقوله تعالى: (فإن انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين)(٤) وقوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)(٥) وغيرها من الآيات. والروايات المأثورة في الحث على الجهاد - وأنه مما بني عليه الاسلام ومن أهم الواجبات الإلهية، كثيرة، والقدر المتيقن من مواردها هو الجهاد مع المشركين(٦) .

الطائفة الثانية: أهل الكتاب من الكفار، وهم اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس والصابئة، فإنه يجب مقاتلتهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويدل عليه الكتاب والسنة. قال الله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)(٧) والروايات الواردة في اختصاص أهل الكتاب بجواز أخذ الجزية منهم كثيرة وسيجئ البحث عنه.

الطائفة الثالثة: البغاة، وهم طائفتان: إحداهما: الباغية على الإمام عليه السلام، فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله وإطاعة الإمام عليه السلام، ولا خلاف في ذلك بين المسلمين وسيجئ البحث عن ذلك. والأخرى: الطائفة الباغية على الطائفة الأخرى من المسلمين، فإنه يجب على سائر المسلمين أن يقوموا بالاصلاح بينهما، فإن ظلت الباغية على بغيها قاتلوها حتى تفئ إلى أمر الله. قال الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله)(٨) .

____________________

١- سورة النساء الآية ٧٤.

٢- سورة الأنفال الآية ٣٩.

٣ - سورة الأنفال، الآية ٦٥.

٤- سورة التوبة، الآية ٥.

٥- سور التوبة، الآية ٣٦.

٦- الوسائل ج ١١ ب ١ من أبواب جهاد العدو وغيره.

٧- سورة التوبة، الآية ٢٩.

٨- سورة الحجرات، الآية ٩.


الفصل الثاني

في الشرائط

يشترط في وجوب الجهاد أمور:

الأول: التكليف، فلا يجب على المجنون ولا على الصبي.

الثاني: الذكورة، فلا يجب على المرأة اتفاقا، وتدل عليه - مضافا إلى سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله - معتبرة الأصبغ، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " كتب الله الجهاد على الرجال والنساء، فجهاد الرجل أن يبذل ماله ونفسه حتى يقتل في سبيل الله، وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها "(١) .

الثالث: الحرية على المشهور، ودليله غير ظاهر، والاجماع المدعى على ذلك غير ثابت. نعم، إن هنا روايتين: إحداهما رواية يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن معنا مماليك لنا وقد تمتعوا، علينا أن نذبح عنهم ؟ قال: فقال: " إن المملوك لا حج له ولا عمرة ولا شئ "(٢) . والأخرى رواية آدم بن علي، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: " ليس على المملوك حج ولا جهاد " الحديث(٣) ولا يمكن الاستدلال بشئ منها على اعتبار الحرية. أما الرواية الأولى فهي ضعيفة سندا ودلالة. أما سندا، فلأن الموجود في التهذيب وإن كان هو رواية الشيخ بسنده عن العباس عن سعد بن سعد، إلا أن الظاهر وقوع التحريف فيه، والصحيح: عباد، عن سعد بن سعد، وهو عباد بن سليمان، حيث إنه راو لكتاب سعد بن سعد وقد أكثر الرواية عنه، وطريق الشيخ إلى عباد مجهول، فالنتيجة أن الرواية ضعيفة سندا. وأما دلالة، فلأنه لا يمكن الأخذ بإطلاقها لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن لدى العرف. هذا مضافا إلى أنه لا يبعد أن يكون المراد من الشئ في نفسه ما هو راجع إلى الحج. وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت تامة دلالة، إلا أنها ضعيفة سندا، فإن آدم ابن علي لم يرد فيه توثيق ولا مدح.

الرابع: القدرة، فلا يجب على الأعمى والأعرج والمقعد والشيخ الهم والزمن والمريض والفقير الذي يعجز عن نفقه الطريق والعيال والسلاح ونحو ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج)(٤) وقوله تعالى: (ليس على الضعفاء ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج)(٥) .

(مسألة ١) الجهاد واجب كفائي، فلا يتعين على أحد من المسلمين إلا أن يعينه الإمام عليه السلام لمصلحة تدعو إلى ذلك، أو فيما لم يكن من به الكفاية موجودا إلا بضمه، كما أنه يتعين بالنذر وشبهه.

(مسألة ٢) إن الجهاد مع الكفار من أحد أركان الدين الاسلامي وقد تقوى الاسلام وانتشر أمره في العالم بالجهاد مع الدعوة إلى التوحيد في ظل راية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ومن هنا قد اهتم القرآن الكريم به في ضمن نصوصه التشريعية، حيث قد ورد في الآيات الكثيرة وجوب القتال والجهاد على المسلمين مع الكفار المشركين حتى يسلموا أو يقتلوا، ومع أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومن الطبيعي أن تخصيص هذا الحكم بزمان مؤقت وهو زمان الحضور لا ينسجم مع اهتمام القرآن وأمره به من دون توقيت في ضمن نصوصه الكثيرة، ثم إن الكلام يقع في مقامين: المقام الأول: هل يعتبر إذن الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاص في مشروعية أصل الجهاد في الشريعة المقدسة ؟ فيه وجهان: المشهور بين الأصحاب هو الوجه الأول. وقد استدل عليه بوجهين: الوجه الأول: دعوى الاجماع على ذلك. وفيه: إن الاجماع لم يثبت، إذ لم يتعرض جماعة من الأصحاب للمسألة، ولذا استشكل السبزواري في الكفاية في الحكم بقوله: ويشترط في وجوب الجهاد وجود الإمام (عليه السلام) أو من نصبه على المشهور بين الأصحاب، ولعل مستنده أخبار لم تبلغ درجة الصحة مع معارضتها بعموم الآيات، ففي الحكم به إشكال(٦) . ثم على تقدير ثبوته فهو لا يكون كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام، لاحتمال أن يكون مدركه الروايات الآتية فلا يكون تعبديا. نعم، الجهاد في عصر الحضور يعتبر فيه إذن ولي الأمر، النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام بعده. الوجه الثاني: الروايات التي استدل بها على اعتبار إذن الإمام عليه السلام في مشروعية الجهاد، والعمدة منها روايتان: الأولى: رواية سويد القلاء، عن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: إني رأيت في المنام أني قلت لك: إن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، فقلت لي: نعم هو كذلك. فقال أبو عبد الله عليه السلام: " هو كذلك، هو كذلك "(٧) . وفيه: إن هذه الرواية مضافا إلى إمكان المناقشة في سندها على أساس أنه لا يمكن لنا إثبات أن المراد من بشير الواقع في سندها هو بشير الدهان، ورواية سويد القلاء عن بشير الدهان في مورد لا تدل على أن المراد من بشير هنا هو بشير الدهان، مع أن المسمى ب‍ (بشير) متعدد في هذه الطبقة ولا يكون منحصرا ب‍ (بشير) الدهان. نعم، روى في الكافي هذه الرواية مرسلا عن بشير الدهان(٨) وهي لا تكون حجة من جهة الارسال وقابلة للمناقشة دلالة، فإن الظاهر منها بمناسبة الحكم والموضوع هو حرمة القتال بأمر غير الإمام المفترض طاعته وبمتابعته فيه، ولا تدل على حرمة القتال على المسلمين مع الكفار إذا رأى المسلمون من ذوي الآراء والخبرة فيه مصلحة عامة للاسلام وإعلاء كلمة التوحيد بدون إذن الإمام عليه السلام كزماننا هذا. الثانية: رواية عبد الله بن مغيرة، قال محمد بن عبد الله للرضا (عليه السلام) وأنا أسمع: حدثني أبي، عن أهل بيته، عن آبائه أنه قال له بعضهم: إن في بلادنا موضع رباط يقال له قزوين، وعدوا يقال له الديلم، فهل من جهاد ؟ أو هل من رباط ؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجوه. فأعاد عليه الحديث، فقال: عليكم بهذا البيت فحجوه، أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته وينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا، وإن مات منتظرا لأمرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات الله عليه، الحديث(٩) . ولكن الظاهر أنها في مقام بيان الحكم الموقت لا الحكم الدائم بمعنى أنه لم يكن في الجهاد أو الرباط صلاح في ذلك الوقت الخاص، ويشهد على ذلك ذكر الرباط تلو الجهاد مع أنه لا شبهة في عدم توقفه على إذن الإمام عليه السلام وثبوته في زمان الغيبة، ومما يؤكد ذلك أنه يجوز أخذ الجزية في زمن الغيبة من أهل الكتاب إذا قبلوا ذلك، مع أن أخذ الجزية إنما هو في مقابل ترك القتال معهم، فلو لم يكن القتال معهم في هذا العصر مشروعا لم يجز أخذ الجزية منهم أيضا. وقد تحصل من ذلك أن الظاهر عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغيبة وثبوته في كافة الأعصار لدى توفر شرائط، وهو في زمن الغيبة منوط بتشخيص المسلمين من ذوي الخبرة في الموضوع أن في الجهاد معهم مصلحة للاسلام على أساس أن لديهم قوة كافية من حيث العدد والعدة لدحرهم بشكل لا يحتمل عادة أن يخسروا في المعركة، فإذا توفرت هذه الشرائط عندهم وجب عليهم الجهاد والمقاتلة معهم. وأما ما ورد في عدة من الروايات من حرمة الخروج بالسيف على الحكام وخلفاء الجور قبل قيام قائمنا صلوات الله عليه فهو أجنبي عن مسألتنا هذه وهي الجهاد مع الكفار رأسا، ولا يرتبط بها نهائيا. المقام الثاني: أنا لو قلنا بمشروعية أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أو لا ؟ يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) اعتباره بدعوى عموم ولايته بمثل ذلك في زمن الغيبة. وهذا الكلام غير بعيد بالتقريب الآتي، وهو أن على الفقيه أن يشاور في هذا الأمر المهم أهل الخبرة والبصيرة من المسلمين حتى يطمئن بأن لدى المسلمين من العدة والعدد ما يكفي للغلبة على الكفار الحربيين، وبما أن علمية هذا الأمر المهم في الخارج بحاجة إلى قائد وآمر يرى المسلمين نفوذ أمره عليهم، فلا محالة يتعين ذلك في الفقيه الجامع للشرائط، فإنه يتصدى لتنفيذ هذا الأمر المهم من باب الحسبة على أساس أن تصدى غيره لذلك يوجب الهرج المرج ويؤدي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب وكامل.

(مسألة ٣) إذا كان الجهاد واجبا على شخص عينا على أساس عدم وجود من به الكفاية، لم يكن الدين الثابت على ذمته مانعا عن وجوب الخروج إليه، بلا فرق بين كون الدين حالا أو مؤجلا، وبلا فرق بين إذن الغريم فيه وعدم إذنه، نعم لو تمكن - والحالة هذه - من التحفظ على حق الغريم بإيصاء أو نحوه وجب ذلك. وأما إذا كان من به الكفاية موجودا لم يجب عليه الخروج إلى الجهاد مطلقا وإن كان دينه مؤجلا أو كان حالا ولكن لم يكن موسرا، بل لا يجوز إذا كان موجبا لتفويت حق الغير.

(مسألة ٤) إذا منع الأبوان ولدهما عن الخروج إلى الجهاد فإن كان عينيا وجب عليه الخروج ولا أثر لمنعهما، وإن لم يكن عينيا - لوجود من به الكفاية - لم يجز له الخروج إليه إذا كان موجبا لايذائهما لا مطلقا. وفي اعتبار كون الأبوين حرين إشكال بل منع لعدم الدليل عليه.

(مسألة ٥): إذا طرأ العذر على المقاتل المسلم أثناء الحرب فإن كان مما يعتبر عدمه في وجوب الجهاد شرعا كالعمى والمرض ونحوهما سقط الوجوب عنه، وأما إذا كان العذر مما لا يعتبر عدمه فيه، وإنما كان اعتباره لأجل المزاحمة مع واجب آخر كمنع الأبوين أو مطالبة الغريم أو نحو ذلك فالظاهر عدم السقوط، وذلك لأن الخروج إلى الجهاد وإن لم يكن واجبا عليه إلا أنه إذا خرج ودخل فيه لم يجز تركه والفرار عنه، لأنه يدخل في الفرار من الزحف والدبر عنه وهو محرم.

(مسألة ٦): إذا بذل للمعسر ما يحتاج إليه في الحرب، فإن كان من به الكفاية موجودا لم يجب عليه القبول مجانا فضلا عما إذا كان بنحو الإجارة، وإن لم يكن موجودا وجب عليه القبول، بل الظاهر وجوب الإجارة عليه على أساس أن المعتبر في وجوب الجهاد على المكلف هو التمكن، والفرض أنه متمكن ولو بالإجارة.

(مسألة ٧): الأظهر أنه لا يجب، عينا ولا كفاية، على العاجز عن الجهاد بنفسه لمرض أو نحوه أو يجهز غيره مكانه، حيث إن ذلك بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، نعم لا شبهة في استحباب ذلك شرعا على أساس أن ذلك سبيل من سبل الله. هذا فيما إذا لم يكن الجهاد الواجب متوقفا على إقامة غيره مكانه، وإلا وجب عليه ذلك جزما.

(مسألة ٨): الجهاد مع الكفار يقوم على أساس أمرين: الأول: الجهاد بالنفس. الثاني: الجهاد بالمال. ويترتب على ذلك وجوب الجهاد بالنفس والمال معا على من تمكن من ذلك كفاية إن كان من به الكفاية موجودا، وعينا إن لم يكن موجودا. وبالنفس فقط على من تمكن من الجهاد بها كفاية أو عينا، وبالمال فقط على من تمكن من الجهاد به كذلك. وتدل على ذلك عدة من الآيات. منها قوله تعالى: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)(١٠) . ومنها قوله تعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)(١١) . ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)(١٢) . وتدل على ذلك أيضا معتبرة الأصبغ المتقدمة في الشرط الثاني من شرائط وجوب الجهاد. ثم إن كثرا من الأصحاب لم يتعرضوا لهذه المسألة، ولا يبعد أن يكون ذلك لوضوح الحكم، فلا يصغى إلى ما قيل من عدم وجدان قائل بوجوب الجهاد بالنفس والمال معا على شخص واحد.

____________________

١- الوسائل ج ١١ باب ٤ من أبواب جهاد العدو، الحديث ١.

٢- الوسائل ج ٨ باب ١٥ من وجوب الحج، الحديث ٣ و ٤.

٣- الوسائل ج ٨ باب ١٥ من وجوب الحج، الحديث ٣ و ٤.

٤- سورة الفتح، الآية ١٧.

٥- سورة التوبة، الآية ٩١.

٦- كفاية الأحكام: ٧٤.

٧- الوسائل ج ١١ باب ١٢ من أبواب جهاد العدو، الحديث ١.

٨- الوسائل ج ١١ باب ١٢ من أبواب جهاد العدو، ذيل الحديث ١.

٩- الوسائل ج ١١ باب ١٢ من أبواب جهاد العدو، حديث ٥.

١٠- سورة التوبة، الآية ٤١.

١١- سورة التوبة، الآية ٨١.

١٢- سورة الصف الآية ١٠ و ١١.


حرمة الجهاد في الأشهر الحرم

(مسألة ٩) يحرم القتال في الأشهر الحرم - وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم - بالكتاب والسنة، نعم إذا بدأ الكفار في القتال في تلك الأشهر جاز قتالهم فيها على أساس أنه دفاع في الحقيقة، ولا شبهة في جوازه فيها، وكذا يجوز قتالهم في تلك الأشهر قصاصا، وذلك كما إذا كان الكفار بادئين في القتال في شهر من تلك الأشهر جاز للمسلمين أن يبدؤا فيه في شهر آخر من هذه الأشهر في هذه السنة أو في السنة القادمة، ويدل على ذلك قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(١) .

(مسألة ١٠) المشهور أن من لا يرى للأشهر الحرم حرمة جاز قتالهم في تلك الأشهر ابتداء ولكن دليله غير ظاهر عندنا.

(مسألة ١١) يجوز قتال الطائفة الباغية في الأشهر الحرم، وهم الذين قاتلوا الطائفة الأخرى ولم يقبلوا الاصلاح وظلوا على بغيهم على تلك الطائفة وقتالهم، فإن الآية الدالة على حرمة القتال في الأشهر الحرم تنصرف عن القتال المذكور حيث إنه لدفع البغي وليس من القتال الابتدائي كي يكون مشمولا للآية.

(مسألة ١٢) يحرم قتال الكفار في الحرم إلا أن يبدأ الكفار بالقتال فيه فعندئذ يجوز قتالهم فيه، ويدل عليه قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم)(٢) .

(مسألة ١٣): لا يجوز البدء بقتال الكفار إلا بعد دعوتهم إلى الاسلام، فإذا قام المسلمون بدعوتهم إليه ولم يقبلوا وجب قتالهم. وأما إذا بدؤا بالقتال قبل الدعوة وقتلوهم، فإنهم وإن كانوا آثمين إلا أنه لا ضمان عليهم، على أساس أنه لا حرمة لهم نفسا ولا مالا. نعم، لو كانوا مسبوقين بالدعوة أو عارفين بها لم يجب عليهم دعوتهم مرة ثانية، بل يجوز البدء بالقتال معهم، حيث إن احتمال الموضوعية في وجوب الدعوة غير محتمل.

(مسألة ١٤) إذا كان الكفار المحاربون على ضعف من المسلمين، بأن يكون واحد منهم في مقابل اثنين من هؤلاء الكفار وجب عليهم أن يقاتلوهم، وذلك لقوله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين - إلى قوله سبحانه - الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين)(٣) فإنه يدل على أن كل فرد من المسلمين في مقابل اثنين منهم ويدل عليه موثقة مسعدة بن صدقة أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن الله عز وجل فرض على المؤمن - إلى أن قال - ثم حولهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من الله عز وجل فنسخ الرجلان العشرة "(٤) . نعم، إذا حصل العلم بالشهادة لفرد من المسلمين المقاتلين إذا ظل على القتال مع الاثنين منهم، جاز له الفرار إذا لم تترتب فائدة عامة على شهادته، لانصراف الآية المزبورة عن هذا الفرض. وأما إذا كان الكفار أكثر من الضعف فلا يجب عليهم الثبات في القتال معهم إلا إذا كانوا مطمئنين بالغلبة عليهم، وإذا ظنوا بالغلبة لم يجب عليهم الثبات أو البدء في القتال معهم، ولكن لا شبهة في مشروعية الجهاد في هذا الفرض في الشريعة المقدسة، وذلك الاطلاق الآيات المتضمنة لترغيب المسلمين فيه. وأما إذا ظنوا بغلبة الكفار عليهم، فهل الجهال مشروع في هذا الفرض ؟ قيل بعدم المشروعية ووجوب الانصراف، وقيل بالمشروعية ومرغوبية الجهاد، والظاهر هو الثاني لاطلاق الآيات.

(مسألة ١٥) لا يجوز الفرار من الزحف إلا لتحرف في القتال أو تحيز إلى فئة وإن ظنوا بالشهادة في ساحة المعركة وذلك لاطلاق الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير).(٥)

(مسألة ١٦): يجوز قتال الكفار المحاربين بكل وسيلة ممكنة من الوسائل والأدوات الحربية في كل عصر حسب متطلبات ذلك العصر، ولا يختص الجهاد معهم بالأدوات القتالية المخصوصة.

(مسألة ١٧): قد استثني من الكفار الشيخ الفاني والمرأة والصبيان، فإنه لا يجوز قتلهم، وكذا الأسارى من المسلمين الذين أسروا بيد الكفار، نعم لو تترس الأعداء بهم جاز قتلهم إذا كانت المقاتلة معهم أو الغلبة عليهم متوقفة عليه. وهل تجب الدية على قتل المسلم من هؤلاء الأسارى وكذا الكفارة ؟ الظاهر عدم الوجوب، أما الدية فمضافا إلى عدم الخلاف فيه تدل عليه معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من اقتص منه فهو قتيل القرآن "(٦) وذلك فإن المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم والموضوع هو أن كلما كان القتل بأمر إلهي فلا شئ فيه من الاقتصاص والدية، والقتيل بالقصاص من صغريات تلك الكبرى، وتؤيد ذلك رواية حفص بن غياث، قال: سألت أبا عبد الله عن مدينة من مدائن الحرب، هل يجوز أن يرسل عليها الماء أو تحرق بالنار أو ترمى بالمنجنيق حتى يقتلوا ومنهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأسارى من المسلمين والتجار ؟ فقال: " يفعل ذلك بهم، ولا يمسك عنهم لهؤلاء، ولا دية عليهم للمسلمين ولا كفارة " الحديث(٧) . وأما الكفارة فهل تجب أو لا ؟ فيه وجهان: المشهور بين الأصحاب وجوبها، وقد يستدل على الوجوب بقوله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة)(٨) . بدعوى أن الآية تدل على الوجوب في المقام: الأولوية، وفيه أنه لا أولوية، فإن القتل في مورد الآية قتل خطئي ولا يكون بمأمور به، والقتل في المقام يكون مأمورا به، على أنه لو تم الاستدلال بالآية في المقام فظاهرها هو وجوب الكفارة على القاتل كما نص على ذلك غير واحد من الأصحاب وهو على خلاف مصلحة الجهاد، فإنه يوجب التخاذل فيه كما صرح به الشهيد الثاني (قدس سره) فالصحيح هو عدم وجوب الكفارة في المقام المؤيد برواية حفص المتقدمة.

(مسألة ١٨) المشهور كراهة طلب المبارز في الحرب بغير إذن الإمام (عليه السلام) وقيل: يحرم وفيه إشكال، والأظهر جواز طلبه إذا كان أصل الجهاد مشروعا.

(مسألة ١٩): إذا طلب الكافر مبارزا من المسلمين ولم يشترط عدم الإعانة بغيره جاز إعانته، والمشهور على أنه لا يجوز ذلك إذا اشترط عدم الإعانة بغيره، حيث إنه نحو أمان من قبل غيره فلا يجوز نقضه، ولكنه محل إشكال بل منع.

(مسألة ٢٠) لا يجوز القتال مع الكفار بعد الأمان والعهد، حيث إنه نقض لهما وهو غير جائز: ويدل عليه غير واحدة من الروايات، منها صحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم صلى الله عليه وآله بين يديه ثم يقول - إلى أن قال - وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله "(٩) . ومنها معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله) (يسعى بذمتهم أدناهم) ؟ قال: " لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأناظره، فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به "(١٠) . نعم، تجوز الخدعة في الحرب ليتمكنوا بها من الغلبة عليهم، وتدل عليه معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم الخندق: (الحرب خدعة) ويقول: تكلموا بما أردتم "(١١) .

(مسألة ٢١): لا يجوز الغلول من الكفار بعد الأمان، فإنه خيانة، وقد ورد في صحيحة جميل المتقدمة آنفا، وفي معتبرة مسعدة بن صدقة نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الغلول(١٢) وكذا لا تجوز السرقة من الغنيمة على أساس أنها ملك عام لجميع المقاتلين.

(مسألة ٢٢) لا يجوز التمثيل بالمقتولين من الكفار، لورود النهي عنه في صحيحة جميل ومعتبرة مسعدة المتقدمتين آنفا، وكذا لا يجوز إلقاء السم في بلاد المشركين لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) في معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلقى السم في بلاد المشركين "(١٣) . نعم، إذا كانت هناك مصلحة عامة تستدعي ذلك كما إذا توقف الجهاد أو الفتح عليه جاز، وأما إلقاؤه في جبهة القتال فقط من جهة قتل المحاربين من الكفار فلا بأس به.

____________________

١- سورة البقرة، الآية ١٩٤.

٢- سورة البقرة، الآية ١٩١.

٣- سورة الأنفال، الآية ٦٥ - ٦٦.

٤- الوسائل ج ١١ باب ٢٧ من أبواب جهاد العدو، الحديث ٢.

٥- سورة الأنفال، الآية ١٥ - ١٦.

٦- الوسائل ج ١٩ باب ٢٤ من قصاص النفس، الحديث ٢.

٧- الوسائل ج ١١ باب ١٦ من جهاد العدو، الحديث ٢.

٨- سورة النساء الآية ٩٢.

٩- الوسائل ج ١١ باب ١٥ من جهاد العدو، ذيل الحديث ١.

١٠- الوسائل ج ١١ باب ٢٠ من جهاد العدو، الحديث ١.

١١- الوسائل ج ١١ باب ٥٣ من جهاد العدو، الحديث ١.

١٢- الوسائل ج ١١ باب ١٥ من جهاد العدو، الحديث ٣.

١٣- الوسائل ج ١١ باب ١٦ من جهاد العدو، الحديث ١.


الفصل الثالث

في أحكام الأسارى

(مسألة ٢٣) إذا كان المسلمون قد أسروا من الكفار المحاربين في أثناء الحرب، فإن كانوا إناثا لم يجز قتلهن كما مر. نعم يملكوهن بالسبي والاستيلاء عليهن، وكذلك الحال في الذراري غير البالغين، والشيوخ وغيرهم ممن لا يقتل، وتدل على ذلك - مضافا إلى السيرة القطعية الجارية في تقسيم غنائم الحرب بين المقاتلين المسلمين - الروايات المتعددة الدالة على جواز الاسترقاق حتى في حال غير الحرب منها معتبرة رفاعة النخاس، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان، فيعمدون على الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنهم قد سرقوا وإنما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم ؟ فقال: " لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوهم من الشرك إلى دار الاسلام "(١) . وأما إذا كانوا ذكورا بالغين فيتعين قتلهم إلا إذا أسلموا، فإن القتل حينئذ يسقط عنهم. وهل عليهم بعد الاسلام من أو فداء أو الاسترقاق ؟ الظاهر هو العدم، حيث إن كل ذلك بحاجة إلى دليل، ولا دليل عليه. وأما إذا كان الأسر بعد الاثخان والغلبة عليهم فلا يجوز قتل الأسير منهم وإن كانوا ذكورا، وحينئذ كان الحكم الثابت عليهم أحد أمور: إما المن أو الفداء أو الاسترقاق. وهل تسقط عنهم هذه الأحكام الثلاثة إذا اختاروا الاسلام ؟ الظاهر عدم سقوطها بذلك، ويدل عليه قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها)(٢) بضميمة معتبرة طلحة بن زيد الآتية الواردة في هذا الموضوع. ومن الغريب أن الشيخ الطوسي - قدس سره - في تفسيره (التبيان) نسب إلى الأصحاب أنهم رووا تخيير الإمام عليه السلام في الأسير إذا انفضت الحرب بين القتل وبين المن والفداء والاسترقاق، وتبعه في ذلك الشيخ الطبرسي - قدس سره - في تفسيره، مع أن الشيخ - قدس سره - قد صرح هو في كتابه (المبسوط) بعدم جواز قتله في هذه الصورة. وجه الغرابة - مضافا إلى دعوى الاجماع في كلمات غير واحد على عدم جواز القتل في هذا الفرض - أنه مخالف لظاهر الآية المشار إليها، ولنص معتبرة طلحة بن زيد، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " كان أبي يقول: إن للحرب حكمين: إذا كان الحرب قائمة ولم يثخن أهلها فكل أسير أخذ في تلك الحال فإن الإمام عليه السلام فيه بالخيار، إن شاء ضرب عنقه، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم، ثم يتركه يتشحط في دمه حتى يموت وهو قول الله عز وجل: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) - إلى أن قال: - والحكم الآخر إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها فكل أسير أخذ على تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار إن شاء من عليهم فأرسلهم، وإن شاء فاداهم أنفسهم وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا "(٣) .

(مسألة ٢٤) من لم يتمكن في دار الحرب أو في غيرها من أداء وظائفه الدينية وجبت المهاجرة عليه إلا من لا يتمكن منها كالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان لقوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا)(٤) . (المرابطة) وهي الأرصاد لحفظ الحدود وثغور بلاد المسلمين من هجمة الكفار. (المرابطة) وهي الأرصاد الحدود وثغور بلاد المسلمين من هجمة الكفار.

المرابطة

(مسألة ٢٥): يجب المرابطة لدى وقوع البلاد الاسلامية في معرض الخطر من قبل الكفار، وأما إذا لم تكن في معرض ذلك فلا تجب وإن كانت في نفسها أمرا مرغوبا فيه في الشريعة المقدسة.

(مسألة ٢٦): إذا نذر شخص الخروج للمرابطة فإن كانت لحفظ بيضة الاسلام وحدود بلاده وجب عليه الوفاء به، وإن لم تكن لذلك وكانت غير مشروعة لم يجب الوفاء به. وكذا الحال فيما إذا نذر أن يصرف مالا للمرابطين. ومن ذلك يظهر حال الإجارة على المرابطة.

____________________

١- الوسائل ج ١٣ الباب ١ و ٢ و ٣ من أبواب بيع الحيوان.

٢- سورة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والآية ٤.

٣- الوسائل ج ١١ باب ٢٣ من أبواب جهاد العدو، الحديث ١.

٤- سورة النساء، الآية ٩٧ - ٩٩.


الأمان

(مسألة ٢٧): يجوز جعل الأمان للكافر الحربي على نفسه أو ماله أو عرضه برجاء أن يقبل الاسلام، فإن قبل فهو، وإلا رد إلى مأمنه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون من قبل ولي الأمر أو من قبل آحاد سائر المسلمين، ويدل عليه قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)(١) وكذا صحيحة جميل ومعتبرة السكوني المتقدمتين في المسألة (٢٠). وهل يعتبر أن يكون الأمان بعد المطالبة فلا يصح ابتداء ؟ فيه وجها، لا يبعد دعوى عدم اعتبار المطالبة في نفوذه، والآية الكريمة وإن كان لها ظهور في اعتبار المطالبة في نفوذ بقطع النظر عما في ذيلها وهو قوله تعالى: (حتى يسمع كلام الله) إلا أنه مع ملاحظته لا ظهور لها في ذلك، حيث إن الذيل قرينة على أن الغرض من إجارة الكافر المحارب هو أن يسمع كلام الله، فإن احتمل سماعه جازت إجازته وكانت نافذة وإن لم تكن مسبوقة بالطلب، ثم إن المعروف بين الأصحاب أن حق الأمان الثابت لآحاد من المسلمين محدود إلى عشرة رؤوس من الكفار وما دونهم، فلا يحق لهم أن يعطوا الأمان لأكثر من هذا العدد. ولكن لا دليل على هذا التحديد، فالظاهر أن لواحد من المسلمين أن يعطي الأمان لأكثر من العدد المزبور لأجل المناظرة في طلب الحق، وقد ورد في معتبر مسعدة بن صدقة أنه يجوز لواحد من المسلمين إعطاء الأمان لحصن من حصونهم(٢) .

(مسألة ٢٨) لو طلب الكفار الأمان من آحاد المسلمين، وهم لم يقبلوه، ولكنهم ظنوا أنهم قبلوا ذلك، فنزلوا عليهم، كانوا آمنين فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوهم أو يسترقوهم، بل يردونهم إلى مأمنهم، وقد دلت على ذلك معتبرة محمد بن الحكيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لو أن قوما حاصروا مدينة فسألوهم الأمان فقالوا: لا، فظنوا أنهم قالوا: نعم، فنزلوا إليهم كانوا آمنين "(٣) . وكذا الحال إذا دخل المشرك دار الاسلام بتخيل الأمان بجهة من الجهات.

(مسألة ٢٩) لا يكون أمان المجنون والمكره والسكران وما شاكلهم نافذا وأما أمان الصبي المراهق فهل يكون نافذا ؟ فيه وجهان: الظاهر عدم نفوذه، لا لأجل عدم صدق المؤمن والمسلم عليه، حيث لا شبهة في صدق ذلك، بل لأجل ما ورد في الصحيحة من عدم نفوذ أمر الغلام ما لم يحتلم(٤) .

(مسألة ٣٠) لا يعتبر في صحة عقد الأمان من قبل آحاد المسلمين الحرية بل يصح من العبد أيضا إذا مضافا إلى ما في معتبرة مسعدة(٥) من التصريح بصحة عقد الأمان من العبد أنه لا خصوصية للحر فيه على أساس أن الحق المزبور الثابت له إنما هو بعنوان أنه مسلم، ومن هنا لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة أيضا.

(مسألة ٣١) لا يعتبر في صحة عقد الأمان صيغة خاصة، بل يتحقق بكل ما دل عليه من لفظ أو غيره.

(مسألة ٣٢) وقت الأمان إنما هو قبل الاستيلاء على الكفار المحاربين وأسرهم، وأما بعد الأسر فلا موضوع له.

(مسألة ٣٣) إذا كان أحد من المسلمين أقر بالأمان لمشرك، فإن كان الاقرار في وقت يكون أمانه في ذلك الوقت نافذا صح، لأن إقراره به في الوقت المزبور أمان له وإن لم يصدر أمان منه قبل ذلك، وعليه فلا حاجة فيه إلى التمسك بقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به.

(مسألة ٣٤): لو ادعى الحربي الأمان من غير من جاء به لم تسمع، وإن أقر ذلك الغير بالأمان له، على أساس أن الاقرار بالأمان إنما يسمع إذا كان في وقت كان الأمان منه في ذلك الوقت نافذا كما إذا كان قبل الاستيلاء والأسر، وإما إذا كان في وقت لا يكون الأمان منه في ذلك الوقت نافذا فلا يكون مسموعا كما إذا كان بعد الأسر والاستيلاء عليه، وفي المقام بما أن إقرار ذلك الغير بالأمان له بعد الأسر فلا يكون مسموعا. نعم، لو ادعى الحربي على من جاء به أنه عالم بالحال فحينئذ إن اعترف الجائي بذلك ثبت الأمان له وإن أنكره قبل قوله، ولا يبعد توجه اليمين عليه على أساس أن إنكاره يوجب تضييع حقه. وأما إذا ادعى الحربي الأمان على من جاء به فإن أقر بذلك فهو مسموع، حيث أن تحت يده واستيلائه، ويترتب على إقراره به وجوب حفظه عليه، وإن أنكر ذلك قدم قوله مع اليمين على الأظهر كما عرفت.

(مسألة ٣٥) لو ادعى الحربي على الذي جاء به الأمان له، ولكن حال مانع من الموانع كالموت أو الاغماء أو نحو ذلك بين دعوى الحربي ذلك وبين جواب المسلم، لم تسمع ما لم تثبت دعواه بالبينة أو نحوها، وحينئذ يكون حكمه حكم الأسير، وقال المحقق في الشرائع: إنه يرد إلى مأمنه ثم هو حرب، ووجهه غير ظاهر(٦) .

____________________

١- سورة التوبة الآية ٦.

٢- الوسائل ج ١١ باب ٢٠ من جهاد العدو، الحديث ٢.

٣- الوسائل ج ١١ باب ٢٠ من جهاد العدو، الحديث ٤.

٤- الوسائل ج ١٣ باب ٢ من أحكام الحجر، الحديث ٥.

٥- الوسائل ج ١١ باب ٢٠ من جهاد العدو، الحديث ٢.

٦- شرائع الاسلام: ١٣٩.


الغنائم

(مسألة ٣٦) إن ما استولى عليه المسلمون المقاتلون من الكفار بالجهاد المسلح يكون على ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يكون منقولا كالذهب والفضة والفرش والأواني والحيوانات وما شاكل ذلك. النوع الثاني: ما يسبى كالأطفال والنساء. النوع الثالث: ما لا يكون منقولا كالأراضي والعقارات. أما النوع الأول: فيخرج منه الخمس وصفايا الأموال وقطايع الملوك إذا كانت، ثم يقسم الباقي بين المقاتلين على تفصيل يأتي في ضمن الأبحاث الآتية. نعم، لولي الأمر حق التصرف فيه كيفما يشاء حسب ما يرى فيه من المصلحة قبل التقسيم فإن ذاك مقتضى ولايته المطلقة على تلك الأموال، ويؤكده قوله زرارة في الصحيح: " الإمام يجري وينفل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام، وقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله بقوم لم يجعل لهم في الفئ نصيبا، وإن شاء قسم ذلك بينهم "(١) . ويؤيد ذلك مرسلة حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح في حديث قال: " وللإمام صفو المال - إلى أن قال - وله أن يسد بذلك المال جميع ما ينويه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك " الحديث(٢) . وأما رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام، قلت: فهل يجوز للإمام أن ينفل ؟ فقال له: " أن ينفل قبل القتال، وأما بعد القتال والغنيمة فلا يجوز ذلك، لأن الغنيمة قد أحرزت "(٣) فلا يمكن الأخذ بها لضعف الرواية سندا.

(مسألة ٣٧) لا يجوز للمقاتلين الذين استولوا عليه أن يتصرفوا فيه قبل القسمة وضعا ولا تكليفا. نعم، يجوز التصرف فيما جرت السيرة بين المسلمين على التصرف في أثناء الحرب كالمأكولات والمشروبات وعلف الدواب وما شاكل ذلك بمقدار ما كانت السيرة عليه دون الزائد.

(مسألة ٣٨) إذا كان المأخوذ من الكفار مما لا يصح تملكه شرعا كالخمر والخنزير وكتب الضلال أو ما شابه ذلك لم يدخل في الغنيمة جزما، ولا يصح تقسيمه بين المقاتلين، بل لا بد من إعدامه وإفنائه. نعم، يجوز أخذ الخمر للتخليل ويكون للآخذ.

(مسألة ٣٩) الأشياء التي كانت في بلاد الكفار ولم تكن مملوكة لأحد كالمباحات الأصلية مثل الصيود والأحجار الكريمة ونحو ذلك لا تدخل في الغنيمة، بل تظل على إباحتها فيجوز لكل واحد من المسلمين تملكها بالحيازة. نعم، إذا كان عليها أثر الملك دخلت في الغنيمة.

(مسألة ٤٠) إذا وجد شئ في دار الحرب كالخيمة والسلاح ونحوهما، ودار أمره بين أن يكون للمسلمين أو من الغنيمة، ففي مثل ذلك المرجع هو القرعة، حيث إنه ليس لنا طريق آخر لتعيين ذلك غيرها، فحينئذ إن أصابت القرعة على كونه من الغنيمة دخل في الغنائم وتجري عليه أحكامها، وإن أصابت على كونه للمسلمين فحكمه حكم المال المجهول مالكه. وأما النوع الثاني وهو ما يسبى كالأطفال والنساء، فإنه بعد السبي والاسترقاق يدخل في الغنائم المنقولة، ويكون حكمه حكمها، وأما حكمه قبل السبي والاسترقاق فقد تقدم.

(مسألة ٤١): إذا كان في الغنيمة من ينعتق على بعض الغانمين، فذهب جماعة إلى أنه ينعتق عليه بمقدار نصيبه منه، وهذا القول مبني على أساس أن الغانم يملك الغنيمة بمجرد الاغتنام والاستيلاء، وهو لا يخلو عن إشكال بل منع، فالأقوى عدم الانعتاق، لعدم الدليل على أنه يملك بمجرد الاغتنام، بل يظهر من قول زرارة في الصحيحة المتقدمة آنفا عدم الملك بمجرد ذلك. وأما النوع الثالث: وهو ما لا ينقل كالأراضي أو العقارات، فإن كانت الأرض مفتوحة عنوة وكانت محياة حال الفتح من قبل الناس، فهي ملك لعامة المسلمين بلا خلاف بين الأصحاب، وتدل عليه صحيحة الحلبي الآتية وغيرها، وإن كانت مواتا أو كانت محياة طبيعية ولا رب لها، فهي من الأنفال.

____________________

١- الوسائل ج ٦ باب ١ من أبواب الأنفال، الحديث ٢.

٢- الوسائل ج ٦ باب ١ من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام، الحديث ٤.

٣- الوسائل ج ١١ باب ٣٨ من جهاد العدو، الحديث ١.


الأرض المفتوحة عنوة وشرائطها وأحكامها

(مسألة ٤٢) المشهور بين الأصحاب في كون الأرض المفتوحة عنوة ملكا عاما للأمة باعتبار كون الفتح بإذن الإمام عليه السلام، وإلا فتدخل في نطاق ملكية الإمام عليه السلا لا ملكية المسلمين، ولكن اعتباره في ذلك لا يخلو عن إشكال بل منع، فإن ما دل على اعتبار إذن الإمام عليه السلام كصحيحة معاوية بن وهب ورواية العباس الوراق(١) مورده الغنائم المنقولة التي تقسم على المقاتلين مع الإذن، وتكون للإمام عليه السلام بدونه، على أن رواية العباس ضعيفة.

(مسألة ٤٣) الأرض المفتوحة عنوة التي هي ملك عام للمسلمين أمرها بيد ولي الأمر في تقبيلها بالذي يرى، ووضع الخراج عليها حسب ما يراه فيه من المصلحة كما وكيفا.

(مسألة ٤٤) لا يجوز بيع رقبتها ولا شراؤها على أساس ما عرفت من أنها ملك عام للأمة، نعم، يجوز شراء الحق المتعلق بها من صاحبه، وقد دلت على كلا الحكمين - مضافا إلى أنهما على القاعدة - عدة من الروايات، منها صحيحة الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن السواد ما منزلته ؟ فقال: " هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد " فقلت: الشراء من الدهاقين ؟ قال: " لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها " قلت: فإن أخذها منه ؟ قال: " يرد عليه رأس ماله، وله ما أكل من غلتها بما عمل "(٢) . ولذلك لا يصح وقفها ولا هبتها وغير ذلك من التصرفات المتوقفة على الملك إلا إذا كان بإذن ولي الأمر.

(مسألة ٤٥) يصرف ولي الأمر الخراج المأخوذ من الأراضي في مصالح المسلمين العامة كسد الثغور للوطن الاسلامي وبناء القناطر وما شاكل ذلك.

(مسألة ٤٦) يملك المحيي الأرض بعملية الاحياء سواء كانت الأرض مواتا بالأصالة أم كانت محياة ثم عرض عليها الموت لاطلاق النصوص الدالة على تملك المحيي الأرض بالاحياء، منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قالا: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحيى أرضا مواتا فهي له "(٣) فإذا ماتت الأرض المفتوحة عنوة وقام فرد بإحيائها ملكها على أساس أن ملكية الأرض المزبورة للأمة متقومة بالحياة فلا إطلاق لما دل على ملكيتها لهم لحال ما إذا ماتت وخربت. وعلى تقدير الاطلاق فلا يمكن أن يعارض ما دل على أن كل أرض خربة للإمام عليه السلام(٤) حيث إن دلالته عليها بالاطلاق ومقدمات الحكمة، وهو لا يمكن أن يعارض ما دل عليها بالعموم وضعا، وعليه فتدخل الأرض التي عرض عليها الموت في عموم ما دل عليه أن من أحيى أرضا مواتا فهي له. ثم إنه إذا افترض أن الأرض التي هي بيد شخص فعلا كانت محياة حال الفتح، وشك في بقائها على هذه الحالة، فاستصحاب بقائها حية وإن كان جاريا في نفسه إلا أنه لا يمكن أن يعارض قاعدة اليد التي تجري في المقام وتحكم بأنها ملك للمتصرف فيها فعلا، على أساس أن احتمال خروجها عن ملك المسلمين بالشراء أو نحوه أو عروض الموت عليها وقيام هذا الشخص بإحيائها موجود وهو يحقق موضوع قاعدة اليد فتكون محكمة في المقام، ومقتضاها كون الأرض المزبورة ملكا له فعلا. ثم إن أقسام الموات وأحكام وشرائطها مذكورة في كتاب إحياء الموات من المنهاج.

____________________

١- الوسائل ج ٦ باب ١ من أبواب الأنفال الحديث ٤ و ١٦.

٢- الوسائل ج ١٢ باب ٢١ من أبواب عقد البيع، الحديث ٤.

٣- الوسائل ج ١٧ باب ١ من إحياء الموات، الحديث ١.

٤- الوسائل ج ٦ باب ١ من أبواب الأنفال.


أرض الصلح

(مسألة ٤٧) أرض الصلح تابعة في كيفية الملكية لمقتضى عقد الصلح وبنوده، فإن كان مقتضاه صيرورتها ملكا عاما للمسلمين كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة، وتجري عليها ما تجري على تلك الأرض من الأحكام والآثار. وإن كان مقتضاه صيروتها ملكا للإمام عليه السلام كان حكمها حكم الأرض التي لا رب لها من هذه الجهة. وإن كان مقتضاه بقاؤها في ملك أصحابها ظلت في ملكهم كما كانت غاية الأمر أن ولي الأمر يضع عليها الطسق والخراج من النصف أو الثلث أو أكثر أو أقل.


الأرض التي أسلم أهلها بالدعوة

(مسألة ٤٨) الأرض التي أسلم عليها أهلها تركت في يده إذا كانت عامرة، وعليهم الزكاة من حاصلها، العشر أو نصف العشر، وأما إذا لم تكن عامرة فيأخذها الإمام عليه السلام ويقبلها لمن يعمرها وتكون للمسلمين، وتدل على ذلك صحيحة البزنطي، قال: ذكرت لأبي الحسن الرضا عليه السلام وما سار به أهل بيته، فقال: " العشر ونصف العشر على من أسلم طوعا، تركت أرضه في يده، وأخذ منه العشر ونصف العشر فيما عمر منها، وما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبله ممن يعمر " الحديث(١) . (فصل في قسمة الغنائم المنقولة)

(مسألة ٤٩) يخرج من هذه الغنائم قبل تقسيمها بين المقاتلين ما جعله الإمام عليه السلام جعلا لفرد على حسب ما يراه من المصلحة، ويستحق ذاك الفرد الجعل بنفس الفعل الذي كان الجعل بإزائه، وهو في الكم والكيف يتبع العقد الواقع عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفرد المزبور (المجعول له) مسلما أو كافرا، وكذا لا فرق بين كونه من ذوي السهام أو لا، فإن الأمر بيد الإمام عليه السلام وهو يتصرف فيها حسب ما يرى فيه من المصلحة، يؤكد ذلك - مضافا إلى هذا - قول زرارة في الصحيحة المتقدمة في المسألة الحادية والأربعين، ويدخل فيه السلب أيضا.

(مسألة ٥٠) ويخرج منها أيضا قبل القسمة ما تكون الغنيمة بحاجة إليه في بقائها من المؤن كأجرة النقل والحفظ والرعي وما شاكل ذلك.

(مسألة ٥١) المرأة التي حضرت ساحة القتال والمعركة لتداوي المجروحين أو ما شابه ذلك بإذن الإمام عليه السلام لا تشترك مع الرجال المقاتلين في السهام من الغنائم المأخوذة من الكفار بالقهر والغلبة. نعم، يعطي الإمام عليه السلام منها لها مقدار ما يرى فيه مصلحة، وتدل على ذلك معتبرة سماعة عن أحدهما عليه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج بالنساء في الحرب يداوين الجرحى ولم يقسم لهن من الفئ شيئا ولكنه نفلهن "(٢) . وأما العبيد والكفار الذين يشتركون في القتال بإذن الإمام عليه السلام فالمشهور بين الأصحاب، بل ادعي عليه الاجماع، أنه لا سهم لهم في الغنائم، ولكن دليله غير ظاهر.

(مسألة ٥٢): يخرج من الغنائم قبل القسمة - كما مر - صفو المال أيضا وقطائع الملوك والجارية الفارهة والسيف القاطع وما شاكل ذلك على أساس أنها ملك طلق للإمام عليه السلام بمقتضى عدة من الروايات، منها معتبرة داود بن فرقد، قال، قال أبو عبد الله عليه السلام: " قطائع الملوك كلها للإمام عليه السلام، وليس للناس فيها شئ ". ومنها معتبرة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن صفو المال ؟ قال: " الإمام يأخذ الجارية الروقة والمركب الفارة والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال "(٣) .

(مسألة ٥٣): يخرج من الغنائم خمسا أيضا قبل تقسيمها بين المسلمين المقاتلين، ولا يجوز تقسيم الخمس بينهم، حيث إن الله تعالى قد جعل له موارد خاصة ومصارف مخصوصة، قال عز من قائل: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)(٤) والروايات الدالة على ذلك كثيرة.

(مسألة ٥٤): تقسم الغنائم بعد إخراج المذكورات على المقاتلين ومن حضر ساحة القتال ولو لم يقاتل، فإنه لا يعتبر في تقسيم الغنيمة على جيش المسلمين دخول الجميع في القتال مع الكفار، فلو قاتل بعض منهم وغنم، وكان الآخر حاضرا في ساحة القتال والمعركة ومتهيئا للقتال معهم إذا اقتضى الأمر ذلك، كانت الغنيمة مشتركة بين الجميع ولا اختصاص بها للمقاتلين فقط، وهذا بخلاف ما إذا أرسل فرقة إلى جهة وفرقة أخرى إلى جهة أخرى، فلا تشارك إحداهما الأخرى في الغنيمة. وفي حكم المقاتلين الطفل إذا ولد في أرض الحرب، وتدل عليه معتبرة مسعدة ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه أن عليا عليه السلام قال: " إذا ولد المولود في أرض الحرب قسم له مما أفاء الله عليهم "(٥) . والمشهور أنه تشترك مع المقاتلين في الغنائم فئة حضروا أرض الحرب للقتال وقد وضعت الحرب أوزارها بغلبة المسلمين على الكفار وأخذهم الغنائم منهم قبل خروجهم إلى دار الاسلام، فإن الغنيمة حينئذ تقسم بين الجميع رغم عدم اشتراك تلك الفئة معهم في القتال، ومدركهم في ذلك رواية حفص بن غياث، قال: كتب إلي بعض إخواني أن أسأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل من السيرة، فسألته وكتبت بها إليه، فكان فيما سألت: أخبرني عن الجيش إذا غزوا أرض الحرب فغنموا غنيمة ثم لحقهم جيش آخر قبل أن يخرجوا إلى دار الاسلام، ولم يلقوا عدوا حتى خرجوا إلى دار الاسلام، هل يشاركونهم فيها ؟ قال: " نعم "(٦) . ولكن بما أن الرواية ضعيفة باعتبار أن القاسم بن محمد الواقع في سندها مردد بين الثقة وغيرها فالحكم لا يخلو عن إشكال بل منع، وقد يستدل على ذلك بمعتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام، في الرجل يأتي القوم وقد غنموا ولم يكن ممن شهد القتال قال: فقال: " هؤلاء المحرومون، فأمر أن يقسم لهم "(٧) بتقريب أن المراد المحرومون من ثواب القتال لا أنهم محرومون من الغنيمة، وفيه: أولا: أنه لا يمكن أن تكون كلمة (هؤلاء) إشارة إلى الرجل الذي يأتي القوم بعد أخذهم الغنيمة من الكفار. وثانيا: أن تحريمهم من الثواب لا يدل على أن لهم نصيبا في الغنيمة، فإن ضمير (لهم) في قوله عليه السلام (فأمر أن يقسم لهم) ظاهر في رجوعه إلى القوم، وكيف كان فالرواية مجملة، فلا دلالة لها على المقصود أصلا. ثم إنه بناء على الاشتراك إذا حضروا دار الحرب قبل القسمة، فهل هم مشتركون فيها معهم أيضا إذا حضروها بعدها ؟ المشهور عدم الاشتراك، وهو الظاهر، لانصراف الرواية عن هذه الصورة وظهورها بمناسبة الحكم والموضوع في حضورهم دار الحرب قبل القسمة.

(مسألة ٥٥) المشهور بين الأصحاب أنه يعطى من الغنيمة للراجل سهم، وللفارس سهمان، بل ادعي عدم الخلاف في المسألة، واعتمدوا في ذلك على رواية حفص بن غياث، ولكن قد عرفت آنفا أن الرواية ضعيفة فلا يمكن الاعتماد عليها، فحينئذ إن ثبت الاجماع في المسألة فهو المدرك وإلا فما نسب إلى ابن جنيد من أنه يعطى للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم هو القوي، وذلك لاطلاق معتبرة إسحاق ابن عمار، عن جعفر، عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما(٨) وصحيحة مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما "(٩) وعدم المقيد لهما. وعليه فلا فرق في ذلك بين أن يكون المقاتل صاحب فرس واحد أو أكثر فما عن المشهور من أن لصاحب فرس واحد سهمين وللأكثر ثلاثة أسهم فلا يمكن إتمامه بدليل، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون المقاتلة مع الكفار في البر أو البحر.

(مسألة ٥٦) لا يملك الكافر الحربي أموال المسلمين بالاستغنام، فلو أخذها المسلم منه سرقة أو هبة أو شراء أو نحو ذلك فلا إشكال في لزوم عودها إلى أصحابها من دون غرامة شئ، وإن كان الآخذ جاهلا بالحال حيث إن الحكم - مضافا إلى أنه على القاعدة - قد دل عليه قوله عليه السلام في صحيحة هشام: " المسلم أحق بماله أينما وجده "(١٠) . وأما إذا أخذ تلك الأموال منه بالجهاد والقوة، فإن كان الأخذ قبل القسمة رجعت إلى أربابها أيضا بلا إشكال ولا خلاف. وأما إذا كان بعد القسمة، فنسب إلى العلامة في النهاية أنها تدخل في الغنيمة، ولكن المشهور بين الأصحاب أنها ترد إلى أربابها وهو الصحيح، إذا يكفي في ذلك قوله عليه السلام في صحيحة هشام الآنفة الذكر المؤيدة بخبر طربال، والدليل على الخلاف غير موجودة في المسألة. وأما صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل لقيه العدو وأصاب منه مالا أو متاعا، ثم إن المسلمين أصابوا ذلك، كيف يصنع بمتاع الرجل ؟ فقال: " إذا كانوا أصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل رد عليه، وإن كانوا أصابوه بعد ما حازوا فهو فئ للمسلمين، فهو أحق بالشفعة "(١١) فهي بظاهرها، وهو التفصيل بين ما قبل الحيازة وما بعدها، فعلى الأول ترد إلى أربابها، وعلى الثاني تدخل في الغنيمة مقطوعة البطلان، فإنه لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الرد قبل القسمة فلا تدخل في الغنيمة بالحيازة، وحمل الحيازة على القسمة بحاجة إلى قرينة وهي غير موجودة. وعلى فالقسمة باطلة، فمع وجود الغانمين تقسم ثانيا عليهم بعد إخراج أموال المسلمين، ومع تفرقهم يرجع من وقعت تلك الأموال في حصته إلى الإمام عليه السلام.

____________________

١- الوسائل ج ١١ باب ٧٢ من جهاد العدو، حديث ٢.

٢- الوسائل ج ١١ باب ٤١ من جهاد العدو، حديث ٦.

٣- الوسائل ج ٦ باب ١ من أبواب الأنفال، حديث ٦ و ١٥.

٤- سورة الأنفال، الآية ٤١.

٥- الوسائل ج ١١ باب ٤١ من أبواب جهاد العدو، حديث ٨.

٦- الوسائل ج ١١ باب ٣٧ من أبواب جهاد العدو، حديث ١.

٧- الوسائل ج ١١ باب ٣٧ من أبواب جهاد العدو، حديث ٢.

٨- الوسائل ج ١١ باب ٤٢ من أبواب جهاد العدو، حديث ٢.

٩- الوسائل ج ١١ باب ٣٨ من أبواب جهاد العدو، حديث ٢.

١٠- الوسائل ج ١١ باب ٣٥ من أبواب جهاد العدو، حديث ٣.

١١- الوسائل ج ١١ باب ٣٥ من أبواب جهاد العدو، حديث ٢.


الدفاع

(مسألة ٥٧) يجب على كل مسلم الدفاع عن الدين الاسلامي إذا كان في معرض الخطر، ولا يعتبر فيه إذن الإمام عليه السلام بلا إشكال ولا خلاف في المسألة. ولا فرق في ذلك بين أن يكون في زمن الحضور أو الغيبة، وإذا قتل فيه جرى عليه حكم الشهيد في ساحة الجهاد مع الكفار، على أساس أنه قتل في سبيل الله الذي قد جعل في صحيحة أبان موضوعا للحكم المزبور، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسل إلا أن يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت " الحديث، وقريب منها صحيحته الثانية(١) .

(مسألة ٥٨) تجري على الأموال المأخوذة من الكفار في الدفاع عن بيضة الاسلام أحكام الغنيمة، فإن كانت منقولة تقسم بين المقاتلين بعد إخراج الخمس، وإن كانت غير منقولة فهي ملك للأمة على تفصيل تقدم، وتدل على ذلك إطلاقات الأدلة من الآية والرواية. فما عليه المحقق القمي - قدس سره - من عدم جريان أحكام الغنيمة عليها وأنها لآخذها خاصة بدون حق الآخرين فيما لا يمكن المساعدة عليه.

قتال أهل البغي

وهم الخوارج على الإمام المعصوم عليه السلام الواجب إطاعته شرعا، فإنه لا إشكال في وجوب مقاتلتهم إذا أمر الإمام عليه السلام بها، ولا يجوز لأحد المخالفة، ولا يجوز الفرار لأنه كالفرار عن الزحف في حرب المشركين، والحاصل أنه تجب مقاتلتهم حتى يفيئوا أو يقتلوا. وتجري على من قتل فيها أحكام الشهيد لأنه قتل في سبيل الله.

(مسألة ٥٩) المشهور - بل ادعي عليه الاجماع - أنه لا يجوز قتل أسرائهم، ولا الاجهاز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم إذا لم تبق منهم فئة يرجعون إليها، وأما إذا كانت لهم فئة كذلك فيقتل أسراؤهم ويجهز على جريحهم، ويتبع مدبرهم، ولكن إتمام ذلك بالدليل مشكل، فإن رواية حفص بن غياث التي هي نص في هذا التفصيل ضعيفة سندا كما مر، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الطائفتين من المؤمنين إحداهما باغية والأخرى عادلة، فهزمت العادلة الباغية ؟ قال عليه السلام: " ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا، ولا يقتلوا أسيرا، ولا يجهزوا على جريح، وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم يكن فئة يرجعون إليها " الحديث(٢) . وعليه فلا يمكن الاعتماد عليها. وأما معتبرة أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لعلي بن الحسين عليه السلام: إن عليا عليه السلام سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل الشرك! قال: فغضب ثم جلس ثم قال: " سار والله فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الفتح، إن عليا كتب إلى مالك وهو على مقدمته في يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل، ولا يقتل مدبرا، ولا يجهز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن " الحديث(٣) فهي قضية في واقعة، فلا يستفاد منها الحكم الكلي كما يظهر من روايته الأخرى قال: قلت لعلي بن الحسين عليه السلام: بما سار علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال: " إن أبا اليقظان كان رجلا حادا فقال: يا أمير المؤمنين: بم تسير في هؤلاء غدا ؟ فقال: بالمن كما سار رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة "(٤) فحينئذ إن تم الاجماع في المسألة فهو، وإلا فالأمر كما ذكرناه، فإذن القضية في كل واقعة راجعة إلى الإمام عليه السلام نفيا وإثباتا حسب ما يراه من المصلحة.

(مسألة ٦٠) لا تسبى ذراري البغاة وإن كانوا متولدين بعد البغي، ولا تملك نساؤهم وكذا لا يجوز أخذ أموالهم التي لم يحوها العسكر كالسلاح والدواب ونحوهما. وهل يجوز أخذ ما حواه العسكر من الأموال المنقولة ؟ فيه قولان: عن جماعة القول الأول، وعن جماعة أخرى القول الثاني، بل نسب ذلك إلى المشهور، وهذا القول هو الصحيح، ويدل على كلا الحكمين عدة من الروايات، منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لولا أن عليا عليه السلام سار في أهل حربه بالكف عن السبي والغنيمة للقيت شيعته من الناس بلاء عظيما " ثم قال: " والله لسيرته كانت خيرا لكم مما طلعت عليه الشمس "(٥) .

(مسألة ٦١) يجوز قتل ساب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة الأطهار عليهم السلام لكل من سمع ذلك، وكذا الحال في ساب فاطمة الزهراء سلام الله عليها، على تفصيل ذكرناه في مباني تكملة المنهاج.

أحكام أهل الذمة

(مسألة ٦٢) تؤخذ الجزية من أهل الكتاب وبذلك يرتفع عنهم القتال والاستعباد، ويقرون على دينهم، ويسمح لهم بالسكنى في دار الاسلام آمنين على أنفسهم وأموالهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس بلا إشكال ولا خلاف، بل الصائبة أيضا على الأظهر، لأنهم من أهل الكتاب على ما تدل عليه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(٦) والجزية توضع عليهم من قبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام حسب ما يراه فيه من المصلحة كما وكيفا، ولا تقبل من غيرهم كسائر الكفار بلا خلاف، فإن عليهم أن يقبلوا الدعوة الاسلامية أو يقتلوا، وتدل عليه غير واحدة من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)(٧) . ومنها قوله تعالى: (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)(٨) وغيرها من الآيات، وبعموم هذه الآيات يرفع اليد عن إطلاق معتبرة مسعدة بن صدقة الدالة بإطلاقها على عدم اختصاص أخذ الجزية بأهل الكتاب، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن النبي صلى الله عليه وآله إذا بعث أميرا له على سرية أمره بتقوى الله عز وجل في خاصة نفسه ثم في أصحابه العامة - إلى أن قال: - إذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منه وكفوا عنه، وادعوهم إلى الاسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وادعوهم إلى الهجرة بعد الاسلام فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم - إلى أن قال - فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون " الحديث(٩) .

(مسألة ٦٣) الظاهر أنه لا فرق في مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب بين أن يكون في زمن الحضور أو في زمن الغيبة لاطلاق الأدلة وعدم الدليل على التقييد، ووضعها عليهم في هذا الزمان إنما هو بيد الحاكم الشرعي كما وكيفا حسب ما تقتضيه المصلحة العامة للأمة الاسلامية.

(مسألة ٦٤) إذا التزم أهل الكتاب بشرائط الذمة يعاملون معاملة المسلمين في ترتيب أحكامهم عليهم كحقن دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإذا أخلوا بها خرجوا عن الذمة على تفصيل يأتي في المسائل القادمة.

(مسألة ٦٥) إذا ادعى الكفار أنهم من أهل الكتاب ولم تكن قرينة على الخلاف سمعت في ترتيب أحكام أهل الذمة عليهم وعدم الحاجة فيه إلى إقامة البينة على ذلك. نعم، إذا علم بعد ذلك خلافها كشف عن بطلان عقد الذمة.

(مسألة ٦٦) الأقوى أن الجزية لا تؤخذ من الصبيان والمجانين والنساء، وذلك لمعتبرة حفص بن غياث التي تدل على كبرى كلية، وهي أن أي فرد لم يكن قتله في الجهاد جائزا لم توضع عليه الجزية، فقد سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن ورفعت عنهن ؟ قال: فقال: " لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب - إلى أن قال - ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها - إلى أن قال - وكذلك المقعد من أهل الذمة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية "(١٠) . وتدل على ذلك في خصوص المجانين معتبرة طلحة بن زيد الآتية. وأما المملوك سواء كان مملوكا لمسلم أم كان لذمي فالمشهور أنه لا تؤخذ الجزية منه، وقد علل ذلك في بعض الكلمات بأنه داخل في الكبرى المشار إليها آنفا، وهي أن لم يجز قتله لم توضع عليه الجزية، ولكن الأظهر أن الجزية توضع عليه، وذلك لمعتبرة أبي الورد، فقد روى الشيخ الصدوق بسنده المعتبر عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي الورد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية ؟ قال: " نعم، إنما هو مالكه يفتديه إذا أخذ يؤدي عنه "(١١) وروى قريبا منه بإسناده عن أبي الورد نفسه(١٢) إلا أن في بعض النسخ في الرواية الثانية (أبا الدرداء) بدل (أبي الورد) والظاهر أنه من غلط النساخ. ونسب هذا القول إلى الصدوق في المقنع وإلى العلامة في التحرير.

وأما الشيخ الهم والمقعد والأعمى فالمشهور بين الأصحاب أنه تؤخذ الجزية منهم لعموم أدلة الجزية وضعف رواية حفص، ولكن الأقوى عدم جواز أخذها منهم، فإن رواية حفص وإن كانت ضعيفة في بعض طرقها إلا أنها معتبرة في بعض طرقها الأخر وهو طريق الشيخ الصدوق إليه، وعليه فلا مانع من الاعتماد عليها في الحكم المزبور.

(مسألة ٦٧) إذا حاصر المسلمون حصنا من حصون أهل الكتاب فقتل الرجال منهم وبقيت النساء، فعندئذ إن تمكن المسلمون من فتح الحصن فهو، وإن لم يتمكنوا منه فلهم أن يتوسلوا إلى فتحه بأية وسيلة ممكنة، ولو كانت تلك الوسيلة بالصلح معهن إذا رأى ولي الأمر مصلحة فيه، وبعد عقد الصلح لا يجوز سبيهن لعموم الوفاء بالعقد، فما قيل من جواز إظهار عقد الصلح معهن صورة وبعد العقد المزبور يجوز سبيهن فلا دليل عليه، بل هو غير جائز، لأنه داخل في الغدر. وأما إذا فتحه المسلمون بأيديهم فيكون أمرهن بيد ولي الأمر، فإن رأى مصلحة في إعطاء الأمان لهن وأعطاه لم يجز حينئذ استرقاقهن، وإن رأى مصلحة في الاسترقاق والاستعباد تعين ذلك

(مسألة ٦٨) إذا كان الذمي عبدا فأعتق وحينئذ إن قبل الجزية ظل في دار الاسلام، وإن لم يقبل منع من الإقامة فيها واجبر على الخروج إلى مأمنه، ولا يجوز قتله ولا استعباده على أساس أنه دخل دار الاسلام آمنا.

(مسألة ٦٩) تقدم عدم وجوب الجزية على المجنون مطبقا، وأما إذا كان أدواريا فهل تجب عليه أو لا ؟ أو فيه تفصيل ؟ وجوه، وعن شيخ الطائفة الشيخ الطوسي - قدس سره - اختيار التفصيل بدعوى أنه يعمل في هذا الفرض بالأغلب، فإن كانت الإفاقة أكثر وأغلب من عدمها وجبت الجزية عليه، وإن كان العكس فبالعكس. ولكن هذا التفصيل بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، فالعبرة حينئذ إنما هي بالصدق العرفي، فإن كان لدى العرف معتوها لم تجب الجزية عليه وإلا وجبت، ففي معتبرة طلحة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " جرت السنة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه، ولا من المغلوب عليه عقله "(١٣) . نعم، لو أفاق حولا كاملا وجبت الجزية عليه في هذا الحول على كل حال.

(مسألة ٧٠) إذا بلغ صبيان أهل الذمة عرض عليهم الاسلام، فإن قبلوا فهو، وإلا وضعت الجزية عليهم، وإن امتنعوا منها أيضا ردوا إلى مأمنهم ولا يجوز قتلهم ولا استعبادهم باعتبار أنهم دخلوا في دار الاسلام آمنين.

(مسألة ٧١) المشهور بين الأصحاب قديما وحديثا هو أنه لا حد للجزية، بل أمرها إلى الإمام عليه السلام كما وكيفا حسب ما يراه فيه من المصلحة، ويدل على ذلك - مضافا إلى عدم تحديدها في الروايات - ما في صحيحة زرارة: أن أمر الجزية إلى الإمام عليه السلام، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ما يطيق(١٤) .

(مسألة ٧٢) إذا وضع ولي الأمر الجزية على رؤوسهم لم يجز وضعها على أراضيهم، حيث إن المشروع في الشريعة المقدسة وضع جزية واحدة حسب إمكاناتهم وطاقاتهم المالية التي بها حقنت دماؤهم وأموالهم، فإذا وضعت على رؤوسهم انتفى موضوع وضعها على الأراضي وبالعكس. وصحيحتا محمد بن مسلم ناظرتان إلى هذه الصورة فقد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أرأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس - إلى أن قال - وليس للإمام أكثر من الجزية إن شاء الإمام وضع على رؤوسهم وليس على أموالهم شئ، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شئ الحديث. وقال: سألته عن أهل الذمة ماذا عليه مما يحقنون به دماءهم وأموالهم ؟ قال: " الخراج، وإن أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم، وإن أخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم "(١٥) . وأما إذا وضع ولي الأمر قسطا من الجزية على الرؤوس وقسطا منها على الأراضي فلا مانع فيه، على أساس أن أمر وضع الجزية بيد ولي الأمر من حيث الكم والكيف، والصحيحتان المزبورتان لا تشملان هذه الصورة فإنها ناظرتان إلى أن وضع الجزية كملا إذا كان على الرؤوس انتفى موضوع وضعها على الأراضي وبالعكس. وأما تبعيض تلك الجزية ابتداء عليهما معا فلا مانع منه.

(مسألة ٧٣) لولي الأمر أن يشترط عليهم - زائدا على الجزية - ضيافة المارة عليهم من العساكر أو غيرهم من المسلمين حسب ما يراه فيه مصلحة، من حيث الكم والكيف، على قدر طاقاتهم وإمكاناتهم المالية، وما قيل من أنه لا بد من تعيين نوع الضيافة كما وكيفا بحسب القوت والأدام ونوع علف الدواب وعدد الأيام فلا دليل عليه، بل هو راجع إلى ولي الأمر.

(مسألة ٧٤) ظاهر فتاوى الأصحاب في كلماتهم أن الجزية تؤخذ سنة بعد سنة وتتكرر بتكرر الحول ولكن إثبات ذلك بالنصوص مشكل جدا، فالصحيح أن أمرها بيد الإمام عليه السلام، وله أن يضع الجزية في كل سنة وله أن يضعها في أكثر من سنة مرة واحدة حسب ما فيه من المصلحة.

(مسألة ٧٥) إذا أسلم الذمي قبل تمامية الحول أو بعد تماميته وقبل الأداء سقطت عنه بسقوط موضوعها، فإن موضوعها حسب ما في الآية الكريمة وغيرها هو الكافر، فإذا أصبح مسلما ولو بعد الحول سقطت الجزية عنه ولا تجب عليه تأديتها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هو الداعي لقبوله الاسلام أن يكون الداعي له أمرا آخر.

(مسألة ٧٦) المشهور بين الأصحاب أنه لو مات الذمي وهو ذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه وأخذت من تركته كالدين، ولكن ذلك مبني على أن يكون جعل الجزية من قبيل الوضع كجعل الزكاة والخمس على الأموال، ولازم ذلك هو أن الذمي لو مات في أثناء الحول مثلا لأخذت الجزية من تركته بالنسبة، وهذا وإن كان مذكورا في كلام بعضهم إلا أنه غير منصوص عليه في كلمات المشهور، ومن هنا لا يبعد أن يقال إنها ليس كالدين الثابت على ذمته حتى تخرج من تركته بعد موته مطلقا، بل المستفاد من الدليل هو أن الواجب عليه إنما هو الاعطاء عن يد وهو صاغر، فإذا مات انتفى بانتفاء موضوعه، وبذلك يظهر حال ما إذا مات في أثناء الحول، بل هو أولى بالسقوط.

(مسألة ٧٧) يجوز أخذ الجزية من ثمن الخمور والخنازير والميتة من الذمي حيث أن وزره عليه لا على غيره، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقات أهل الذمة وما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم وخنازيرهم وميتتهم ؟ قال: " عليهم الجزية في أموالهم، تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر، فكل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم وثمنه للمسلمين حلال، يأخذونه في جزيتهم "(١٦) .

(مسألة ٧٨) لا تتداخل جزية سنين متعددة إذا اجتمعت على الذمي بل عليه أن يعطي الجميع إلا إذا رأى ولي الأمر مصلحة في عدم الأخذ.

____________________

١- الوسائل ج ٢ الباب ١٤ من أبواب غسل الميت، الحديث ٧ و ٩.

٢- الوسائل ج ١١ باب ٢٣ من جهاد العدو، الحديث ١.

٣- الوسائل ج ١١ باب ٢٤ من جهاد العدو، الحديث ٢.

٤- التهذيب ج ٦ ص ١٥٤، الحديث ٢٧٢.

٥- الوسائل ج ١١ باب من جهاد العدو، الحديث ٨.

٦- سورة البقرة، الآية ٦٢.

٧- سورة محمد صلى الله عليه وآله، الآية ٤.

٨- سورة الأنفال، الآية ٣٩.

٩- الوسائل ج ١١ باب ١٥ من جهاد العدو، حديث ٣.

١٠- الوسائل ج ١١ باب ١٨ من أبواب جهاد العدو، الحديث ١.

١١- الفقيه ج ٣ باب نوادر العتق، الحديث ٩.

١٢- الوسائل ج ١١ باب ٤٩ من جهاد العدو، الحديث ٦.

١٣- الوسائل ج ١١ باب ١٨ من جهاد العدو، حديث ٣.

١٤- الوسائل ج ١١ باب ٦٨ من جهاد العدو، حديث ١.

١٥- الوسائل ج ١١ باب ٦٨ من جهاد العدو، حديث ٢، ٣.

١٦- الوسائل ج ١١ باب ٧٠ من جهاد العدو، الحديث ١.


شرائط الذمة

(مسألة ٧٩) من شرائط الذمة أن يقبل أهل الكتاب إعطاء الجزية لولي الأمر على الكيفية المذكورة، فإنه مضافا إلى التسالم بين الأصحاب يدل عليه الكتاب والسنة. ومنها: أن لا يرتكبوا ما ينافي الأمان، كالعزم على حرب المسلمين وإمداد المشركين في الحرب وما شاكل ذلك، وهذا الشرط ليس من الشروط الخارجية بل هو داخل في مفهوم الذمة فلا يحتاج إثباته إلى دليل آخر.

(مسألة ٨٠) المشهور بين الأصحاب أن التجاهر بالمنكرات كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والربا والنكاح بالأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت وغيرها من المحرمات كالزنا واللواط ونحوهما يوجب نقض عقد الذمة. ومن هذا القبيل عدم إحداث الكنائس والبيع وضرب الناقوس وما شاكل ذلك مما يوجب إعلان أديانهم وترويجها بين المسلمين. هذا فيما إذا اشترط عدم التجاهر بتلك المحرمات والمنكرات في ضمن عقد الذمة واضح. وأما إذا لم يشترط عدم التجاهر بها في ضمن العقد المزبور فهل التجاهر بها يوجب النقض ؟ فيه وجهان، فعن العلامة في التذكرة والتحرير والمنتهى الوجه الثاني، ولكن الأظهر هو الوجه الأول، وذلك لصحيحة زرارة، فقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا، ولا يأكلوا لحم الخنزير، ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ولا بنات الأخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وآله " قال: " وليست لهم اليوم ذمة "(١) . فإن مقتضى ذيل الصحيحة وهو قوله عليه السلام: " ليس لهم اليوم ذمة " هو أن التجاهر بها يوجب نقض الذمة وانتهاءها وأنها لا تنسجم معه، وبما أن أهل الكتاب كانوا في زمان الخلفاء متجاهرين بالمنكرات المزبورة فلأجل ذلك نفى عنهم الذمة. وأما غير ذلك كارتفاع جدرانهم على جدران المسلمين وعدم تميزهم في اللباس والشعر والركوب والكنى والألقاب ونحو ذلك مما لا ينافي مصلحة عامة للاسلام أو المسلمين فلا دليل على أنه يوجب نقض الذمة. نعم لولي الأمر اشتراط ذلك في ضمن العقد إذا رأى فيه مصلحة.

(مسألة ٨١) يشترط على أهل الذمة أن لا يربوا أولادهم على الاعتناق بأديانهم - كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو نحوها - بأن يمنعوا من الحضور في مجالس المسلمين ومراكز تبليغاتهم والاختلاط مع أولادهم، بل عليهم تخلية سبيلهم في اختيار الطريقة، وبطبيعة الحال أنهم يختارون الطريقة الموافقة للفطرة وهي الطريقة الاسلامية، وقد دلت على ذلك صحيحة فضيل بن عثمان الأعور عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه، وإنما أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذمة وقبل الجزية عن رؤوس أولئك بأعيانهم على أن لا يهودوا أولادهم ولا ينصروا، وأما أولاد أهل الذمة اليوم فلا ذمة لهم "(٢) .

(مسألة ٨٢) إذا أخل أهل الكتاب بشرائط الذمة بعد قبولها خرجوا منها، وعندئذ هل على ولي الأمر ردهم إلى مأمنهم أو له قتلهم أو استرقاقهم ؟ فيه قولان: الأقوى هو الثاني حيث إنه لا أمان لهم بعد خروجهم عن الذمة، ويدل على ذلك قوله عليه السلام في ذيل صحيحة زرارة المتقدمة آنفا: " فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم " فإن ظاهر البراءة هو أنه لا أمان له، ومن الظاهر أن لزوم الرد إلى مأمنه نوع أمان له. فإذن، على ولي الأمر أن يدعوهم إلى الاعتناق بالاسلام فإن قبلوا فهو، وإلا فالوظيفة التخيير بين قتلهم وسبي نسائهم وذراريهم، وبين استرقاقهم أيضا.

(مسألة ٨٣) إذا أسلم الذمي بعد إخلاله بشرط من شرائط الذمة سقط عنه القتل والاسترقاق ونحوهما مما هو ثابت حال كفره، نعم لا يسقط عنه القود والحد ونحوهما مما ثبت على ذمته، حيث لا يختص ثبوته بكونه كافرا، وكذا لا ترتفع رقيته بالاسلام إذا أسلم بعد الاسترقاق.

(مسألة ٨٤) يكره الابتداء بالسلام على الذمي، وهو مقتضى الجمع بين صحيحة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام لا تبدأوا أهل الكتاب بالتسليم، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم "(٣) وصحيحة ابن الحجاج، قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: أرأيت إن احتجت إلى طبيب وهو نصراني أسلم عليه وادعو له ؟ قال: نعم، إنه لا ينفعه دعاؤك "(٤) فإن مورد الصحيحة الثانية وإن كان فرض الحاجة إلا أن الحاجة إنما هي في المراجعة إلى الطبيب النصراني لا في السلام عليه، إذ يمكن التحية له بغير لفظ السلام مما هو متعارف عنده، على أن التعليل في ذيل الصحيحة شاهد على أنه لا مانع منه مطلقا حيث أن الدعاء لا يفيده. وأما إذا ابتدأ الذمي بالسلام على المسلم فالأحوط وجوب الرد عليه بصيغة عليك أو عليكم أو بصيغة " سلام " فقط.

(مسألة ٨٥) لا يجوز لأهل الذمة إحداث الكنائس والبيع والصوامع وبيوت النيران في بلاد الاسلام، وإذا أحدثوها خرجوا عن الذمة فلا أمان لهم بعد ذلك. هذا إذا اشترط عدم إحداثها في ضمن العقد، وأما إذا لم يشترط لم يخرجوا منها، ولكن لولي الأمر هدمها إذا رأى فيه مصلحة ملزمة. وأما إذا كانت هذه الأمور موجودة قبل الفتح فحينئذ إن كان إبقاؤها منافيا لمظاهر الاسلام وشوكته فعلى ولي الأمر هدمها وإزالتها، وإلا فلا مانع من إقرارهم عليها، كما أن عليهم هدمها إذا اشترط في ضمن العقد.

(مسألة ٨٦) المشهور أنه لا يجوز للذمي أن يعلو بما استجده من المساكين على المسلمين، وعن المسالك أنه موضع وفاق بين المسلمين، ولكن دليله غير ظاهر فإن تم الاجماع فهو، وإلا فالأمر راجع إلى ولي الأمر. نعم، إذا كان في ذلك مذلة للمسلمين وعزة للذمي لم يجز:

(مسألة ٨٧) المعروف بين الأصحاب عدم جواز دخول الكفار أجمع في المساجد كلها، ولكن إتمام ذلك بالدليل مشكل، إلا إذا أوجب دخولهم الهتك فيها أو تلوثها بالنجاسة. نعم، لا يجوز دخول المشركين خاصة في المسجد الحرام جزما.

(مسألة ٨٨) المشهور بين الفقهاء أن على المسلمين أن يخرجوا الكفار من الحجاز ولا يسكنوهم فيه ولكن إتمامه بالدليل مشكل.

____________________

١- الوسائل ١١ باب ٤٨ من جهاد العدو، الحديث ١.

٢- الوسائل ج ١١ باب ٤٨ من جهاد العدو، حديث ٣.

٣- الوسائل ج ٨ باب ٤٩ من أحكام العشرة حديث ١.

٤- الوسائل ج ٨ باب ٥٣ من أحكام العشرة الحديث ١.


المهادنة

(مسألة ٨٩) يجوز المهادنة مع الكفار المحاربين إذا اقتضتها المصلحة للاسلام أو المسلمين، ولا فرق في ذلك بين أن تكون مع العوض أو بدونه، بل لا بأس بها مع إعطاء ولي الأمر العوض لهم إذا كانت فيه مصلحة عامة. نعم إذا كان المسلمون في مكان القوة والكفار في مكان الضعف بحيث يعلم الغلبة عليهم لم تجز المهادنة.

(مسألة ٩٠) عقد الهدنة بيد ولي الأمر حسب ما يراه فيه من المصلحة، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون مدته من حيث القلة والكثرة بيده حسب ما تقتضيه المصلحة العامة. ولا فرق في ذلك بين أن تكون مدته أربعة أشهر أو أقل أو أكثر، بل يجوز جعلها أكثر من سنة إذا كانت فيه مصلحة، وأما ما هو المشهور بين الفقهاء من أنه لا يجوز جعل المدة أكثر من سنة فلا يمكن إتمامه بدليل.

(مسألة ٩١) يجوز لولي الأمر أن يشترط مع الكفار في ضمن العقد أمرا سائغا ومشروعا كإرجاع أسارى المسلمين وما شاكل ذلك، ولا يجوز اشتراط أمر غير سائغ كإرجاع النساء المسلمات إلى دار الكفر وما شابه ذلك.

(مسألة ٩٢) إذا النساء إلى دار الاسلام في زمانه الهدنة وتحقق إسلامهن لم يجز إرجاعهن إلى دار الكفر بلا فرق بين أن يكون إسلامهن قبل الهجرة أو بعدها. نعم، يجب اعطاء أزواجهن ما أنفقوا من المهور عليهن.

(مسألة ٩٣) لو ارتدت المرأة المسلمة بعد الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام لم ترجع إلى دار الكفر ويجري عليها حكم المسلمة المرتدة في دار الاسلام ابتداء من الحبس والضرب في أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت.

(مسألة ٩٤) إذا ماتت المرأة المسلمة المهاجرة بعد مطالبة زوجها المهر منها وجب رده إليه إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتا. وأما إذا كانت المطالبة بعد موت الزوجة فالظاهر عدم وجوب رده إليه، لأن ظاهر الآية الكريمة هو أن رد المهر إنما هو عوض رد الزوجة بعد مطالبة الزوج إياها، وإذا ماتت انتفى الموضوع. كما أنه لو طلقها بائنا بعد الهجرة لم يستحق المطالبة، على أساس أن ظاهر الآية هو أنه لا يجوز إرجاع المرأة المزبورة بعد المطالبة وإنما يجب إرجاع المهر إليه بدلا عن ردها، فإذا طلقها بائنا فقد انقطعت علاقته عنها نهائيا فليس له حق المطالبة بإرجاعها حينئذ. وهذا بخلاف ما إذا طلقها رجعيا حيث أن له حق المطالبة بإرجاعها في العدة باعتبار أنها زوجة له، فإذا طالب فيها وجب رد مهرها إليه.

(مسألة ٩٥) إذا أسلمت زوجة الكافر بانت منه، ووجبت عليها العدة إذا كانت مدخولا بها، فإذا أسلم الزوج وهي في العدة كان أحق بها، وتدل على ذلك عدة من الروايات، منها معتبرة السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليه السلام أن امرأة مجوسية أسلمت قبل زوجها، قال علي عليه السلام: " أتسلم ؟ " قال: لا ففرق بينهما ثم قال: " إن أسلمت قبل انقضاء عدتها فهي امرأتك، وإن انقضت عدتها قبل أن تسلم ثم أسلمت فأنت خاطب من الخطاب "(١) . وفي حكمها ما إذا أسلمت في عدتها من الطلاق الرجعي، فإذا أسلم الزوج بعد إسلام زوجته المهاجرة في عدتها من طلاقها طلاقا رجعيا كان أحق بها ووجب عليه رد مهرها إن كان قد أخذه. وأما إذا أسلم بعد انقضاء العدة فليس له حق الرجوع بها فإنه - مضافا إلى أنه مقتضى القاعدة - تدل عليه رد معتبرة السكوني وغيرها.

(مسألة ٩٦) إذا هاجر الرجال إلى دار الاسلام وأسلموا في زمان الهدنة لم يجز إرجاعهم إلى دار الكفر، لأن عقد الهدنة لا يقتضي أزيد من الأمان على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ما داموا على كفرهم في دار الاسلام ثم يرجعوهم إلى مأمنهم. وأما إذا أسلموا فيصبحوا محقوني الدم والمال بسبب اعتناقهم بالاسلام، وحينئذ خرجوا عن موضوع عقد الهدنة فلا يجوز إرجاعهم إلى موطنهم بمقتضى العقد المذكور. هذا إذا لم يشترط في ضمن العقد إعادة الرجال، وأما إذا اشترط في ذلك ضمن العقد فحينئذ إن كانوا متمكنين بعد إعادتهم إلى موطنهم من إقامة شعائر الاسلام والعمل بوظائفهم الدينية بدون خوف فيجب الوفاء بالشرط المذكور وإلا فالشرط باطل.

(مسألة ٩٧) إذا هاجرت نساء الحربيين من دار الكفر إلى دار الاسلام وأسلمت لم يجب إرجاع مهورهن إلى أزواجهن، لاختصاص الآية الكريمة الدالة على هذا الحكم بنساء الكفار المعاهدين بقرينة قوله تعالى: (واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا)(٢) باعتبار أن السؤال لا يمكن عادة إلا من هؤلاء الكفار على أن الحكم على القاعدة.

والحمد لله أولا وآخرا.

____________________

١- التهذيب ج ٧ صفحة ٣٠١ الحديث ١٢٥٧.

٢- سورة الممتحنة ٦٠: ١٠.


مستحدثات المسائل

المصارف والبنوك وهي ثلاثة أصناف:(١) أهلي: وهو ما يتكون رأس ماله من شخص واحد أو أشخاص مشتركين.(٢) حكومي: وهو الذي تقوم الدولة بتمويله.(٣) مشترك: وتموله الدولة وأفراد الشعب. ١ - البنك الأهلي الاسلامي:

(مسألة ١): لا يجوز الاقتراض منه بشرط الفائض والزيادة، لأنه ربا محرم وللتخلص من ذلك الطريق الآتي وهو: أن يشتري المقترض من صاحب البنك أو من وكيله المفوض بضاعة بأكثر من قيمتها الواقعية ١٠ % ٢٠ % مثلا على أن يقرضه مبلغا معينا من النقد، أو يبيعه متاعا بأقل من قيمته السوقية، ويشترط عليه في ضمن المعاملة أن يقرضه مبلغا معينا لمدة معلومة يتفقان عليها، وعندئذ يجوز الاقتراض ولا ربا فيه. ومثل البيع الهبة بشرط القرض. ولا يمكن التخلص من الربا ببيع مبلغ معين مع الضميمة بمبلغ أكثر كأن يبيع مائة دينار بضميمة كبريت بمائة وعشرة دنانير لمدة شهرين مثلا، فإنه قرض ربوي حقيقة، وإن كان بيعا صورة.

(مسألة ٢): لا يجوز إقراض البنك بشرط الحصول على الفائض المسمى في عرف اليوم بالايداع، بلا فرق بين الايداع الثابت الذي له أمد خاص بمعنى أن البنك غير ملزم بوضعه تحت الطلب، وبين الايداع المتحرك المسمى بالحساب الجاري أي أن البنك ملزم بوضعه تحت الطلب نعم إذا لم يكن الايداع بهذا الشرط فلا بأس به. ٢ - البنك الحكومي:

(مسألة ٣) لا يجوز التصرف في المال المقبوض منه بدون إذن من الحاكم الشرعي أو وكيله.

(مسألة ٤): لا يجوز الاقتراض منه بشرط الزيادة لأنه ربا، بلا فرق بين كون الاقراض مع الرهن أو بدونه نعم يجوز قبض المال منه بعنوان مجهول المالك لا القرض بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله، ولا يضره العلم بأن البنك يستوفي الزيادة منه قهرا فلو طالبه البنك جاز له دفعها حيث لا يسعه التخلف.

(مسألة ٥) لا يجوز إيداع المال فيه بعنوان التوفير بشرط الحصول على الربح والفائدة لأنه ربا، ويمكن التخلص منه بإيداع المال بدون شرط الزيادة، بمعنى أنه يبني في نفسه على أن البنك لو لم يدفع له الفائدة لم يطالبها منه. فلو دفع البنك له فائدة جاز له أخذها بعنوان مجهول المالك بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله. ومن هنا يظهر حال البنك المشترك، فإن الأموال الموجودة فيه داخلة في مجهول المالك، وحكمه حكم البنك الحكومي. هذا في البنوك الاسلامية، وأما البنوك غير الاسلامية - أهلية كانت أم غيرها - فلا مانع من قبض المال منها لا بقصد الاقتراض بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي وأما الايداع فيها فحكمه حكم الايداع في البنوك الاسلامية. الاعتمادات ١ - اعتماد الاستيراد: وهو أن من يريد استيراد بضاعة أجنبية لا بد له من فتح اعتماد لدى البنك وهو يتعهد له بتسديد الثمن إلى الجهة المصدرة بعد تمامية المعاملة بين المستورد والمصدر مراسلة أو بمراجعة الوكيل الموجود في البلد ويسجل البضاعة باسمه ويرسل القوائم المحددة لنوعية البضاعة كما وكيفا حسب الشروط المتفق عليها وعند ذلك يقوم المستورد بدفع قسم من ثمن البضاعة إلى البنك ليقوم بدوره بتسلم مستندات البضاعة من الجهة المصدرة. ٢ - اعتماد التصدير: وهو أن من يريد تصدير بضاعة إلى الخارج أيضا لا بد له من فتح اعتماد لدى البنك ليقوم بدوره - بموجب تعهده - بتسليم البضاعة إلى الجهة المستوردة وقبض ثمنها وفق الأصول المتبعة عندهم، فالنتيجة أن القسمين لا يختلفان في الواقع، فالاعتماد سواء أكان للاستيراد أو التصدير يقوم على أساس تعهد البنك بأداء الثمن وقبض البضاعة. نعم هنا قسم آخر من الاعتماد وهو أن المستورد أو المصدر يقوم بإرسال قوائم البضاعة كما وكيفا إلى البنك أو فرعه في ذلك البلد دون معاملة مسبقة مع الجهة المقابلة، والبنك بدوره يعرض تلك القوائم على الجهة المقابلة، فإن قبلتها طلبت من البنك فتح اعتماد لها، ثم يقوم بدور الوسيط إلى أن يتم تسليم البضاعة وقبض الثمن.

(مسألة ٦): لا بأس بفتح الاعتماد لدى البنك كما لا بأس بقيامه بذلك.

(مسألة ٧): هل يجوز للبنك أخذ الفائدة من صاحب الاعتماد إزاء قيامه بالعمل المذكور ؟ الظاهر الجواز، ويمكن تفسيره من وجهة النظر الفقهية بأحد أمرين: (الأول): أن ذلك داخل في عقد الإجارة، نظرا إلى أن صاحب الاعتماد يستأجر البنك للقيام بهذا الدور لقاء أجرة معينة. مع إجازة الحاكم الشرعي أو وكيله فيما إذا كان البنك غير أهلي وكذا الحال في المسائل الآتية. (الثاني): أنه داخل في عقد الجعالة، ويمكن تفسيره بالبيع، حيث أن البنك يدفع ثمن البضاعة بالعملة الأجنبية إلى المصدر، فيمكن قيامه ببيع مقدار من العملة الأجنبية في ذمة المستورد بما يعادله من عملة بلد المستورد مع إضافة الفائدة إليه، وبما أن الثمن والمثمن يمتاز أحدهما عن الآخر فلا بأس به.

(مسألة ٨) يأخذ البنك فائدة نسبية من فاتح الاعتماد إذا كان قيامه بتسديد الثمن من ماله الخاص لقاء عدم مطالبة فاتح الاعتماد به إلى مدة معلومة، فهل يجوز هذا ؟ الظاهر جوازه. وذلك لأن البنك في هذا الفرض لا يقوم بعملية إقراض لفاتح الاعتماد ولا يدخل الثمن في ملكه بعقد الفرض ليكون ربا، بل يقوم بذلك بموجب طلب فاتح الاعتماد وأمره. وعليه فيكون ضمان فاتح الاعتماد ضمان غرامة بقانون الاتلاف، لا ضمان قرض. نعم لو قام البنك بعملية إقراض لفاتح الاعتماد بشرط الفائدة، وقد قبض المبلغ وكالة عنه، ثم دفعه إلى الجهة المقابلة لم يجز له أخذها. إلا أن يجعلها عوض عمل يعمله له أو جعالة لمثل ذلك. وكذلك الحال فيما إذا كان القائم بالعمل المذكور غير البنك كالتاجر إذا كان معتمدا لدى الجهة المقابلة. خزن البضائع قد يقوم البنك بخزن البضاعة على حساب المستورد كما إذا تم العقد بينه وبين المصدر، وقام البنك بتسديد ثمنها له، فعند وصول البضاعة يقوم البنك بتسليم مستنداتها للمستورد وإخباره بوصولها، فإن تأخر المستورد عن تسلمها في الموعد المقرر، قام البنك بخزنها وحفظها على حساب المستورد إزاء أجر معين وقد يقوم بحفظها على حساب المصدر، كما إذا أرسل البضاعة إلى البنك دون عقد واتفاق مسبق، فعندئذ يقوم البنك بعرض قوائم البضاعة على تجار البلد فإن لم يقبلوها حفظها على حساب المصدر لقاء أجر معين.

(مسألة ٩): في كلتا الحالتين يجوز للبنك أخذ الأجرة لقاء العمل المذكور إذا اشترط ذلك في ضمن عقد، وإن كان الشرط ضمنيا وارتكازيا، أو كان قيامه بذلك بطلب منه، وإلا فلا يستحق شيئا. وهنا حالة أخرى، وهي: أن البنك قد يقوم ببيع البضاعة عند تخلف أصحابها عن تسلمها بعد إعلان البنك وإنذاره، ويقوم بذلك لاستيفاء حقه من ثمنها فهل يجوز للبنك القيام ببيعها، وهل يجوز لآخر شراؤها ؟ الظاهر الجواز، وذلك لأن البنك - في هذه الحالة - يكون وكيلا من قبل أصحابها بمقتضى الشرط الضمني الموجود في أمثال هذه الموارد، فإذا جاز بيعها جاز شراؤها أيضا. الكفالة عند البنوك يقوم البنك بكفالة وتعهد مالي من قبل المتعهد للمتعهد له من جهة حكومية أو غيرها حينما يتولى المتعهد مشروعا كتأسيس مدرسة أو مستشفى أو ما شاكل ذلك للمتعهد له وقد تم الاتفاق بينهما على ذلك، وحينئذ قد يشترط المتعهد له على المتعهد مبلغا معينا من المال في حالة عدم إنجاز المشروع وإتمامه عوضا عن الخسائر التي قد تصيبه، ولكي يطمئن المتعهد له بذلك يطالبه بكفيل على هذا، وفي هذه الحالة يرجع المتعهد والمقاول إلى البنك ليصدر له مستند ضمان يتعهد البنك فيه للمتعهد له بالمبلغ المذكور عند تخلفه (المتعهد) عن القيام بإنجاز مشروع لقاء أجر معين. مسائل الأولى: تصح هذه الكفالة بإيجاب من الكفيل بكل ما يدل على تعهده والتزامه من قول أو كتابة أو فعل، وبقبول من المتعهد له بكل ما يدل على رضاه بذلك. ولا فرق في صحة الكفالة بين أن يتعهد الكفيل للدائن بوفاء المدين دينه، وأن يتعهد لصاحب الحق بوفاء المقاول والمتعهد بشرطه. الثانية: يجب على المتعهد الوفاء بالشرط المذكور إذا كان في ضمن عقد عند تخلفه عن القيام بإنجاز المشروع وإذا امتنع عن الوفاء به رجع المتعهد له (صاحب الحق) إلى البنك للوفاء به وبما أن يعهد البنك وضمانه كان يطلب من المتعهد والمقاول فهو ضامن لما يخسره البنك بمقتضى تعهده، فيحق للبنك أن يرجع إليه ويطالبه به. الثالثة: هل يجوز للبنك أن يأخذ عمولة معينة من المقاول والمتعهد لانجاز العمل لقاء كفالته وتعهده ؟ الظاهر أنه لا بأس به، نظرا إلى أن كفالته عمل محترم فيجوز له ذلك. ثم إن ذلك داخل - على الظاهر - في عقد الجعالة فتكون جعلا على القيام بالعمل المذكور وهو الكفالة والتعهد ويمكن أن يكون على نحو الإجارة أيضا ولا يكون صلحا ولا عقدا مستقلا. بيع السهام قد تطالب الشركات المساهمة وساطة البنك في بيع الأسهم والسندات التي تمتلكها، ويقوم البنك بدور الوسيط في عملية بيعها وتصريفها لقاء عمولة معينة بعد الاتفاق بينه وبين الشركة.

(مسألة ١٠): تجوز هذه المعاملة مع البنك، فإنها - في الحقيقة - لا تخلو من دخولها إما في الإجارة بمعنى أن الشركة تستأجر البنك للقيام بهذا الدور لقاء أجرة معينة، وإما في الجعالة على ذلك، وعلى كلا التقديرين فالمعاملة صحيحة ويستحق البنك الأجرة لقاء قيامه بالعمل المذكور.

(مسألة ١١): يصح بيع هذه الأسهم والسندات وكذا شراؤها. نعم إذا كانت معاملات الشركة المساهمة ربوية فلا يجوز شراؤها بغرض الدخول في تلك المعاملات فإنه غير جائز وإن كان بنحو الشركة. التحويل الداخلي والخارجي وهنا مسائل:

(الأولى): أن يصدر البنك صكا لعميله بتسليم المبلغ من وكيله في الداخل أو الخارج على حسابه إذا كان له رصيد مالي في البنك. وعندئذ يأخذ البنك منه عمولة معينة لقاء قيامه بهذا الدور، فيقع الكلام - حينئذ - في جواز أخذه هذه العمولة ويمكن تصحيحه بأنه حيث إن للبنك حق الامتناع عن قبول وفاء دينه في غير مكان القرض فيجوز له أخذ عمولة لقاء تنازله عن هذا الحق وقبول وفاء دينه في ذلك المكان.

(الثانية): أن يصدر البنك صكا لعميله بتسليم المبلغ من وكيله في الداخل أو الخارج بعنوان اقراضه، نظرا لعدم وجود رصيد مالي له عنده. ومرد ذلك إلى توكيل هذا الشخص بتسلم المبلغ بعنوان القرض، وعند ذلك يأخذ البنك منه عمولة معينة لقاء قيامه بهذا العمل فيقع الكلام في جواز أخذه هذه العمولة لقاء ذلك.

ويمكن تصحيحه بأن للبنك المحيل أن يأخذ العمولة لقاء تمكين المقترض من أخذ المبلغ عن البنك المحال عليه حيث أن هذا خدمة له فيجوز أخذ شئ لقاء هذه الخدمة. ثم إن التحويل إن كان بعملة أجنبية فيحدث للبنك حق، وهو أن المدين حيث اشتغلت ذمته بالعملة المذكورة فله الزامه بالوفاء بنفس العملة فلو تنازل عن حقه هذا وقبل الوفاء بالعملة المحلية جاز له أخذ شئ منه لقاء هذا التنازل كما أن له تبديلها بالعملة المحلية مع تلك الزيادة.

(الثالثة): أن يدفع الشخص مبلغا معينا من المال إلى البنك في النجف الأشر ف - مثلا - ويأخذ تحويلا بالمبلغ أو بما يعادله على البنك في الداخل - كبغداد مثلا - أو في الخارج كلبنان أو دمشق مثلا، ويأخذ البنك لقاء قيامه بعملية التحويل عمولة معينة منه. ولا اشكال في صحة هذا التحويل وجوازه، وهل في أخذ العمولة عليه اشكال، الظاهر عدمه.

(أولا): بتفسيره بالبيع بمعنى أن البنك يبيع مبلغا معينا من العملة المحلية بمبلغ من العملة الأجنبية وحينئذ فلا اشكال في أخذ العمولة.

(ثانيا): أن الربا المحرم في القرض إنما هو الزيادة التي يأخذها الدائن من المدين، وأما الزيادة التي يأخذها المدين من الدائن فهي غير محرمة، ولا يدخل مثل هذا القرض في القرض الربوي.

(ثالثا): أن يقبض الشخص مبلغا معينا من البنك في النجف الأشرف مثلا، ويحوله على بنك آخر في الداخل أو الخارج، ويأخذ البنك لقاء قبوله الحوالة عمولة معينة منه، فهل يجوز أخذه هذه العمولة ؟ نعم يجوز بأحد طريقين. (الأول): أن ينزل هذا التحويل على البيع إذا كان بعملة أجنبية، بمعنى أن البنك يشتري من المحول مبلغا من العملة الأجنبية والزيادة بمبلغ من العملة المحلية وعندئذ لا بأس بأخذ العمولة.

(الثاني): أن يكون أخذها لقاء تنازل البنك عن حقه، حيث أنه يحق له الامتناع عن قبول ما ألزمه المدين من تعيين التسديد في بلد غير بلد القرض، فعندئذ لا بأس به. ثم إن ما ذكرناه من أقسام الحوالة وتخريجها الفقهي يجري بعينه في الحوالة على الأشخاص كمن يدفع مبلغا من المال لشخص ليحوله بنفس المبلغ أو بما يعادله على شخص آخر في بلده أو بلد آخر، ويأخذ بإزاء ذلك عمولة معينة. أو يأخذ من شخص ويحوله على شخص آخر ويأخذ المحول له لقاء ذلك عمولة معينة.

(مسألة ١٢): لا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون الحوالة على المدين أو على البرئ والأول كما إذا كان للمحول عند المحول عليه رصيد مالي، والثاني ما لم يكن كذلك. جوائز البنك قد يقوم البنك بعملية القرعة بين عملائه بغرض الترغيب على وضع أموالهم لديه، ويدفع لمن أصابته القرعة مبلغا من المال بعنوان الجائزة.

(مسألة ١٣): هل يجوز للبنك القيام بهذه العملية ؟ فيه تفصيل، فإن كان قيامه بها لا باشتراط عملائه، بل بقصد تشويقهم وترغيبهم على تكثير رصيدهم لديه وترغيب الآخرين على فتح الحساب عنده جاز ذلك، كما يجوز عندئذ لمن أصابته القرعة أن يقبض الجائزة بعنوان مجهول بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله إن كان البنك حكوميا أو مشتركا، وإلا جاز بلا حاجة إلى إذن الحاكم وأما إن كان بعنوان الوفاء بشرطهم في ضمن عقد كعقد القرض أو نحوه فلا بجوز، كما لا يجوز لمن أصابته القرعة أخذها بعنوان الوفاء بذلك الشرط ويجوز بدونه. تحصيل الكمبيالات من الخدمات التي يقوم بها البنك تحصيل قيمة الكمبيالة لحساب عميله، بأنه قبل تاريخ استحقاق يخطر المدين (موقع الكمبيالة) ويشرح في إخطاره قيمتها ورقمها وتاريخ استحقاقها ليكون على علم ويتهيأ للدفع، وبعد التحصيل يقيد القيمة في حساب العميل، أو يدفعها إليه نقدا، ويأخذ منه عمولة لقاء هذه الخدمة، ومن هذا القبيل قيام البنك بتحصيل قيمة الصك لحامله من بلده أو من بلد آخر، كما إذا لم يرغب الحامل تسلم القيمة بنفسه من الجهة المحال عليها، فيأخذ البنك منه عمولة لقاء قيامه بهذا العمل.

(مسألة ١٤): تجوز هذه الخدمة وأخذ العمولة بقاءها شرعا بشرط أن يقتصر البنك على تحصيل قيمة الكمبيالة فقط. وأما إذا قام بتحصيل فوائدها الربوية، فإنه غير جائز، ويمكن تفسير العمولة من الوجهة الفقهية بأنها جعالة من الدائن للبنك على تحصيل دينه.

(مسألة ١٥): إذا كان لموقع الكمبيالة رصيد مالي لدى البنك فتارة يشير فيها بتقديمها إلى البنك عند الاستحقاق ليقوم البنك بخصم قيمتها من حسابه الجاري وقيدها في حساب المستفيد (الدائن) أو دفعها له نقدا، فمرد ذلك إلى أن الموقع أحال دائنه على البنك، وبما أن البنك مدين له، فالحوالة نافذة من دون حاجة إلى قبوله وعليه فلا يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بتسديد دينه. وأخرى يقدم المستفيد كمبيالة إلى البنك غير محولة عليه، ويطلب من البنك تحصيل قيمتها، فعندئذ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بهذا العمل كما عرفت. وهنا حالة ثالثة وهي ما إذا كانت الكمبيالة محولة على البنك ولكنه لم يكن مدينا لموقعها، فحينئذ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قبوله هذه الحوالة. بيع العملات الأجنبية وشراؤها من خدمات البنك القيام بعملية شراء العملات الأجنبية وبيعها لغرضين:

(الأول): توفير القدر الكافي منها حسب حاجات الناس ومتطلبات الوقت اليومية.

(الثاني): الحصول على الربح منه.

(مسألة ١٦): يصح بيع العملات الأجنبية وشراؤها مع الزيادة، كما إذا باعها بأكثر من سعر الشراء أو بالتساوي، بلا فرق في ذلك بين كون البيع أو الشراء حالا أو مؤجلا، فإن البنك كما يقوم بعملية العقود الحالة يقوم بعملية العقود المؤجلة. الحساب الجاري كل من له رصيد لدى البنك (العميل) يحق له سحب أي مبلغ لا يزيد عن رصيده، نعم قد يسمح البنك له بسحب مبلغ معين بدون رصيد نظرا لثقته به، ويسمى ذلك بالسحب (على المكشوف) ويحسب البنك لهذا المبلغ فائدة.

(مسألة ١٧): هل يجوز للبنك أخذ تلك الفائدة الظاهر بل المقطوع به عدم الجواز، لأنها فائدة على القرض. نعم بناء على ما ذكرناه في أول مسائل البنوك من طريق تصحيح أخذ مثل هذه الفائدة شرعا لا بأس به بعد التنزيل على ذلك الطريق. الكمبيالات تتحقق مالية الشئ بأحد أمرين:

(الأول): أن تكون للشئ منافع وخواص توجب رغبة العقلاء فيه وذلك كالمأكولات والمشروبات والملبوسات وما شاكلها.

(الثاني): اعتبارها من قبل من بيده الاعتبار. كالحكومات التي تعتبر المالية فيما تصدره من الأوراق النقدية والطوابع وأمثالها.

(مسألة ١٨): يمتاز البيع عن القرض من جهات:

(الأولى): أن البيع تمليك عين بعوض لا مجانا، والقرض تمليك للمال بالضمان في الذمة بالمثل إذا كان مثليا وبالقيمة، إذا كان قيميا.

(الثانية): اعتبار وجود فارق بين العوض والمعوض في البيع، وبدونه لا يتحقق البيع، وعدم اعتبار ذلك في القرض. مثلا لو باع مائة بيضة بمائة وعشرة فلا بد من وجود مائز بين العوض والمعوض كأن تكون المائة من الحجم الكبير في الذمة وعوضها من المتوسط، وإلا فهو قرض بصورة البيع ويكون محرما لتحقق الربا فيه.

(الثالثة): إن البيع يختلف عن القرض في الربا فكل زيادة في القرض إذا اشترطت تكون ربا ومحرمة، دون البيع، فإن المحرم فيه لا يكون إلا في المكيل أو الموزون من العوضين المتحدين جنسا، فلو اختلفا في الجنس أو لم يكونا من المكيل أو الموزون فالزيادة لا تكون ربا. مثلا لو أقرض مائة بيضة لمدة شهرين إزاء مائة وعشر كان ذلك ربا ومحرما، دون ما إذا باعها بها إلى الأجل المذكور مع مراعاة وجود المائز بين العوضين.

(الرابعة): أن البيع الربوي باطل من أصله، دون القرض الربوي فإنه باطل بحسب الزيادة فقط، وأما أصل القرض فهو صحيح.

(مسألة ١٩): الأوراق النقدية بما أنها ليست من المكيل أو الموزون. فإنه يجوز للدائن أن يبيع دينه منها بأقل منه نقدا، كان يبيع العشرة بتسعة أو المائة بتسعين مثلا وهكذا.

(مسألة ٢٠): الكمبيالات المتداولة بين التجار في الأسواق لم تعتبر لها مالية كالأوراق النقدية، بل هي مجرد وثيقة وسند لاثبات أن المبلغ الذي تتضمنه دين في ذمة موقعها لمن كتبت باسمه، فالمشتري عندما يدفع كمبيالة للبائع لم يدفع ثمن البضاعة، ولذا لو ضاعت الكمبيالة أو تلفت عند البائع لم يتلف منه مال ولم تفرغ ذمة المشتري، بخلاف ما إذا دفع له ورقة نقدية وتلفت عنده أو ضاعت.

(مسألة ٢١): الكمبيالات على نوعين:

(الأول): ما يعبر عن وجود قرض واقعي.

(الثاني): ما يعبر عن وجود قرض صوري لا واقع له. (أما الأول): فيجوز للدائن أن يبيع دينه المؤجل الثابت في ذمة المدين بأقل منه حالا، كما لو كان دينه مائة دينار فباعه بثمانية وتسعين دينارا نقدا. نعم لا يجوز على الأحوط لزوما بيعه مؤجلا، لأنه من بيع الدين بالدين، وبعد ذلك يقوم البنك أو غيره بمطالبة المدين (موقع الكمبيالة) بقيمتها عند الاستحقاق. (وأما الثاني): فلا يجوز للدائن (الصوري) بيع ما تتضمنه الكمبيالة، لانتفاء الدين واقعا وعدم اشتغال ذمة الموقع للموقع له (المستفيد) بل إنما كتبت لتمكين المستفيد من خصمها فحسب ولذا سميت (كمبيالة مجاملة) وواضح أن عملية خصم قيمتها في الواقع إقراض من البنك للمستفيد، وتحويل المستفيد البنك الدائن على موقعها. وهذا من الحوالة على البرئ وعلى هذا الأساس فاقتطاع البنك شيئا من قمية الكمبيالة لقاء المدة الباقية محرم لأنه ربا. ويمكن التخلص من هذا الربا إما بتنزيل الخصم على البيع دون القرض (بيانه) - أن يوكل موقع الكمبيالة المستفيد في بيع قيمتها في ذمته بأقل منها مراعيا التمييز بين العوضين، كأن تكون قيمتها خمسين دينارا عراقيا والثمن ألف تومان إيراني مثلا، وبعد هذه المعاملة تصبح ذمة موقع الكمبيالة مشغولا بخمسين دينارا عراقيا لقاء ألف تومان إيراني، ويوكل الموقع أيضا المستفيد في بيع الثمن وهو ألف تومان في ذمته بما يعادل المثمن وهو خمسون دينارا عراقيا، وبذلك تصبح ذمة المستفيد مدينة للموقع بمبلغ يساوي ما كانت ذمة الموقع مدينة به للبنك. ولكن هذا الطريق قليل الفائدة. حيث إنه إنما يفيد فيما إذا كان الخصم بعملة أجنبية. وأما إذا كان بعملة محلية فلا أثر له، إذا لا يمكن تنزيله على البيع عندئذ. وإما بتنزيل ما يقتطعه البنك من قيمة الكمبيالة على أنه لقاء قيام البنك بالخدمة له كتسجيل الدين وتحصيل ونحوهما وعندئذ لا بأس به، وأما رجوع موقع الكمبيالة إلى المستفيد وأخذ قيمتها تماما فلا ربا فيه، وذلك لأن المستفيد حيث أحال البنك على الموقع بقيمتها أصبحت ذمته مدينة له بما يساوي ذلك المبلغ. أعمال البنوك تصنف أعمال البنوك صنفين:

(أحدهما): محرم وهو عبارة عن المعاملات الربوية فلا يجوز الدخول فيها ولا الاشتراك، والعامل لا يستحق الأجرة لقاء تلك الأعمال.

(ثانيهما): سائغ، وهو عبارة عن الأمور التي لا صلة لها بالمعاملات الربوية، فيجوز الدخول فيها وأخذ الأجرة عليها.

(مسألة ٢٢): لا فرق في حرمة المعاملات الربوية بين بنوك الدولة الاسلامية وغيرها. نعم تفترقان في أن الأموال الموجودة في الأولى مجهولة المالك لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله. وأما أموال بنوك الدولة غير الاسلامية فلا تترب عليها أحكام الأموال مجهولة المالك، فيجوز أخذها استنقاذا بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي أو وكيله. كما عرفت. الحوالات المصرفية للشخص المدين أن يحيل دائنه على البنك باصدار صك لأمره، أو يصدر أمرا تحريريا إلى البنك بتحويل مبلغ من المال إلى بلد الدائن، وذلك كما إذا استورد التاجر العراقي بضاعة من الخارج وأصبح مدينا للمصدر، فعندئذ يراجع البنك ليقوم بعملية تحويل ما يعادل دينه لأمر المصدر على مراسله أو فرعه في بلد المصدر ويدفع قيمة التحويل للبنك بنقد بلده، أو يخصم البنك من رصيد لديه. ومرد ذلك قد يكون إلى حوالتين:

(إحداهما): حوالة المدين دائنه على البنك وبذلك يصبح البنك مدينا لدائنه.

(ثانيهما): حوالة البنك دائنه على مراسلة أو فرعه في الخارج أو على بنك آخر وكلتا الحوالتين صحيحة شرعا.

(مسألة ٢٣): هل يجوز للبنك أن يتقاضى لقاء قيامه بعملية التحويل عمولة معينة من المحيل ؟ الظاهر أنه لا بأس به وذلك لأن للبنك حق الامتناع عن القيام بهذه العملية، فيجوز له أخذ شئ لقاء تنازله عن هذا الحق نعم إذا لم يكن البنك مأمورا بالتحويل المذكور، وأراد أخذ عمولة لقاء قيامه بعملية الوفاء والتسديد لم يجز له ذلك إذ ليس للمدين أن يأخذ شيئا إزاء وفاء دينه في محله نعم إذا لم يكن للمحيل رصيد لدى البنك وكانت حوالته عليه حوالة على البرئ، جاز للبنك أخذ عمولة لقاء قبوله الحوالة، حيث إن القبول غير واجب على البرئ وله الامتناع عنه. وحينئذ لا بأس بأخذ شئ مقابل التنازل عن حقه هذا.

(مسألة ٢٤): لا فرق فيما ذكرناه من المسائل والفروع التي هي ذات طابع خاص بين البنوك والمصارف الأهلية والحكومية والمشتركة، فإنها تدور مدار ذلك الطابع الخاص في أي مورد كان وأي حالة تحققت. عقد التأمين وهو اتفاق بين المؤمن (الشركة أو الدولة)، وبين المؤمن له (شخص أو أشخاص) على أن يدفع المؤمن له للمؤمن مبلغا معينا شهريا أو سنويا نص عليه في الوثيقة (المسمى قسط التأمين) لقاء قيام المؤمن بتدارك الخسارة التي تحدث في المؤمن عليه على تقدير حدوثها.

(مسألة ٢٥): التأمين على أنواع: على الحياة، على المال، على الحريق، على الغرق، على السيارة، على الطائرة، على السفينة وما شاكلها. وهناك أنواع أخر لا تختلف في الحكم الشرعي مع ما ذكر فلا داعي إلى إطالة الكلام بذكرها.

(مسألة ٢٦): يشتمل عقد التأمين على أركان:

١ - الايجاب من المؤمن له.

٢ - القبول من المؤمن.

٣ - المؤمن عليه: الحياة، الأموال، الحوادث، وغيرها

٤ - قسط التأمين الشهري والسنوي.

(مسألة ٢٧): يعتبر في التأمين تعيين المؤمن عليه وما يحدث له من خطر، كالغرق والحرق والسرقة والمرض والموت، ونحوها، وكذا يعتبر فيه تعيين قسط التأمين، وتعيين المدة بداية ونهاية.

(مسألة ٢٨): يجوز تنزيل عقد التأمين - بشتى أنواعه - منزلة الهبة المعوضة فإن المؤمن له يهب مبلغا معينا من المال في كل قسط إلى المؤمن، ويشترط عليه ضمن العقد أنه على تقدير حدوث حادثة معينة نص عليها في الاتفاقية أن يقوم بتدارك الخسارة الناجمة له، ويجب على المؤمن الوفاء بهذا الشرط. وعلى هذا فالتأمين بجميع أقسامه عقد صحيح شرعا.

(مسألة ٢٩): إذا تخلف المؤمن عن القيام بالشرط ثبت الخيار للمؤمن له وله - عندئذ - فسخ العقد واسترجع قسط التأمين.

(مسألة ٣٠): إذا لم يقم المؤمن له بتسديد (قسط التأمين) كما وكيفا فلا يجب على المؤمن بتدارك الخسارات الناجمة له، كما لا يحق للمؤمن له استرجاع ما سدده من أقساط التأمين.

(مسألة ٣١): لا تعتبر في صحة عقد التأمين مدة خاصة، بل هي تابعة لما اتفق عليه الطرفان (المؤمن والمؤمن له).

(مسألة ٣٢): إذا اتفق جماعة على تأسيس شركة يتكون رأس مالها من أموالهم على نحو الاشتراك واشترط كل منهم على الآخر في ضمن عقد الشركة أنه على تقدير حدوث حادثة (حدد نوعها) في ضمن الشرط على ماله أو حياته أو داره أو سيارته أو نحو ذلك أن تقوم الشركة بتدارك خسارته في تلك الحادثة من أرباحها وجب على الشركة القيام بذلك. السرقفلية - الخلو من المعاملات الشائعة بين التجار والكسبة ما يسمى السرقفلية، وهي إنما تكون في محلات الكسب والتجارة والضابط في جواز أخذها وعدمه هو أنه في كل مورد كان للمؤجر حق الزيادة في بدل الايجار أو تخلية المحل بعد انتهاء مدة الايجار، ولم يكن للمستأجر الامتناع عن دفع الزيادة أو التخلية لم يجز أخذها، والتصرف في المحل بدون رضا مالكه حرام. وأما إذا لم يكن للمالك حق زيادة بدل الايجار وتخلية المحل وكان للمستأجر حق تخليته لغيره بدون إذن المالك جاز له عندئذ - أخذ السرقفلية شرعا. ويتضح الحال في المسألة الآتية.

(مسألة ٣٣): قبل صدور قانون منع المالك عن اجبار المستأجر على التخلية أو عن الزيادة في بدل الايجار، كان للمالك الحق في ذلك، فإن كانت الإجارة قد وقعت قبل صودر القانون المذكور، ولم يكن هناك شرط متفق عليه بين الطرفين بخصوص الزيادة أو التخلية إلا أن المستأجر استغل صدور القانون فامتنع عن الدفع الزيادة أو التخلية، وقد زاد بدل ايجار أمثال المحل إلى حد كبير بحيث إن المحل تدفع السرقفلية عن تخليته، فإنه لا يجوز للمستأجر - حينئذ - أخذ السرقفلية ويكون تصرفه في المحل بدون رضا المالك غصبا وحراما.

(مسألة ٣٤): المحلات المستأجرة بعد صدور القانون المذكور، قد يكون بدل إيجارها السنوي مائة دينار مثلا، إلا أن المالك - لغرض ما - يؤجرها برضى منه ورغبة بأقل من ذلك، ولكنه يقبض من المستأجر مبلغا كخمسمائة دينار مثلا ويشترط على نفسه في ضمن العقد - أن يجدد الايجار لهذا المستأجر أو لمن يتنازل له المستأجر سنويا بدون زيادة ونقيصة، وإذا أراد المستأجر التنازل عن المحل لثالث أن يعامله نفس معاملة المستأجر، فحينئذ يجوز للمستأجر أن يأخذ لقاء تنازله عن حقه مبلغا يساوي ما دفعه إلى المالك نقد أو أكثر أو أقل، وليس للمالك مخالفته حسب الشرط المقرر.

(مسألة ٣٥): المحلات التي تؤجر بلا سرقفلية، إلا أنه يشترط في عقد الايجار ما يأتي:(١) ليس للمالك اجبار المستأجر على التخلية وللمستأجر حق البقاء في المحل.(٢) للمستأجر حق تجديد عقد الإجارة سنويا بالصورة التي وقع عليها في السنة الأولى. فإذا اتفق أن شخصا دفع مبلغا للمستأجر إزاء تنازله عن المحل وتخليته فقط حيث لم يكن له إلا حق البقاء، مع للمالك - بعد التخلية - الحرية في ايجار المحل، والثالث يستأجر المحل من المالك، فعندئذ يجوز للمستأجر أخذ المبلغ المذكور وتكون السرقفلية لقاء التخلية فحسب لا بإزاء انتقال حق التصرف منه إلى ثالث. فروع قاعدة الالزام

(الأول): يعتبر الاشهاد في صحة النكاح عند العامة، ولا يعتبر عند الإمامية وعليه فلو عقد رجل من العامة على امرأة بدون اشهاد بطل عقده، وعندئذ يجوز للشيعي أن يتزوجها بقاعدة الالزام.

(الثاني): الجمع بين العمة أو الخالة وبين بنت أخيها أو أختها في النكاح باطل عند العامة، وصحيح على مذهب الشيعة، غاية الأمر تتوقف صحة العقد على بنت الأخ أو الأخت مع لحوق عقدها على إجازة العمة أو الخالة، وعليه فلو جمع سني بين العمة أو الخالة وبين بنت أخيها أو أختها في النكاح بطل، فيجوز للشيعي أن يعقد على كل منهما بقاعدة الالزام.

(الثالث): تجب العدة على المطلقة اليائسة أو الصغيرة بعد الدخول بهما على مذهب العامة، ولا تجب على مذهب الخاصة، وعلى ذلك فهم ملزمون بترتيب الأحكام العدة عليها بمقتضى القاعدة المذكورة. وعليه فلو تشيعت المطلقة اليائسة أو الصغيرة خرجت عن موضوع تلك القاعدة، فيجوز لها مطالبة نفقة أيام العدة إذا كانت مدخولا بها وكان الطلاق رجعيا وإن تزوجت من شخص آخر. وكذلك الحال لو تشيع زوجها فإنه يجوز له أن يتزوج بأختها أو نحو ذلك، ولا يلزم بترتيب أحكام العدة عليها.

(الرابع): لو طلق السني زوجته من دون حضور شاهدين صح الطلاق على مذهبه كما أنه لو طلق جزء من زوجته كإصبع منها مثلا وقع الطلاق على الجميع على مذهبه، وأما عند الإمامية فالطلاق في كلا الموردين باطل وعليه فيجوز للشيعي أن يتزوج تلك المطلقة بقاعدة الالزام بعد انقضاء عدتها.

(الخامس): لو طلق السني زوجته حال الحيض أو في طهر المواقعة صح الطلاق على مذهبه، ويجوز للشيعي أن يتزوجها بقاعدة الالزام بعد عدتها.

(السادس): يصح طلاق المكره عند أبي حنيفة دون غيره، وعليه فيجوز للشيعي أن يتزوج المرأة الحنفية المطلقة باكراه بمقتضى قاعدة الالزام.

(السابع): لو حلف السني على عدم فعل شئ وإن فعله فامرأته طالق، واتفق أنه فعل ذلك الشئ، فعندئذ تصبح امرأته طالقا على مذهبه. فيجوز للشيعي أن يتزوجها بمقتضى قاعدة الالزام، ومن هذا القبيل طلاق المرأة بالكتابة، فإنه صحيح عندهم وفاسد عندنا وبمقتضى تلك القاعدة يجوز للشيعي ترتيب آثار الطلاق عليه واقعا.

(الثامن): يثبت خيار الرؤية على مذهب الشافعي لمن اشترى شيئا بالوصف ثم رآه، وإن كان المبيع حاويا للوصف المذكور، وعلى هذا فلو اشترى شيعي من شافعي شيئا بالوصف ثم رآه ثبت له الخيار بقاعدة الالزام وإن كان المبيع مشتملا على الوصف المذكور.

(التاسع): لا يثبت خيار الغبن للمغبون عند الشافعي، وعليه فلو اشترى شيعي من شافعي شيئا، ثم انكشف أن البائع الشافعي مغبون فللشيعي إلزامه بعدم حق الفسخ له.

(العاشر): يشترط عند الحنفية في صحة عقد السلم أن يكون المسلم فيه موجودا ولا يشترط ذلك عند الشيعة وعليه فلو اشترى شيعي من حنفي شيئا سلما ولم يكن المسلم فيه موجودا، جاز له إلزامه ببطلان العقد، وكذلك لو تشيع المشتري بعد ذلك.

(الحادي عشر): لو ترك الميت بنتا سنية وأخا وافترضنا أن الأخ كان شيعيا أو تشيع بعد موته، جاز له أخذ ما فضل من التركة تعصيبا بقاعدة الالزام، وإن كان التعصيب باطلا على المذهب الجعفري. ومن هذا القبيل ما إذا مات وترك أختا وعما أبويا، فإن العم إذا كان شيعيا أو تشيع بعد ذلك جاز له أخذ ما يصله بالتعصيب بقاعدة الالزام، وهكذا الحال في غير ذلك من موارد التعصيب.

(الثاني عشر): ترث الزوجة على مذهب العامة من جميع تركة الميت من المنقول وغيره والأراضي وغيرها ولا ترث على المذهب الجعفري من الأرض لا عينا ولا قيمة وترث من الأبنية والأشجار قيمة لا عينا، وعلى ذلك فلو كان الوارث سنيا وكانت الزوجة شيعية جاز لها أخذ ما يصل إليها ميراثا من الأراضي وأعيان الأبنية والأشجار بقانون الزامهم بما يدينون به. هذه هي أهم الفروع التي ترتكز على قاعدة الالزام وبها يظهر الحال في غيرهم من الفروع، والضابط هو أن لكل شيعي أن يلزم غيره من أهل سائر المذاهب بما يدينون به ويلزمون به أنفسهم.


أحكام التشريح

(مسألة ٣٦): لا يجوز تشريح بدن الميت المسلم فلو فعل لزمته الدية على تفصيل ذكرناه في كتاب الديات.

(مسألة ٣٧): يجوز تشريح بدن الميت الكافر بأقسامه. وكذا إذا كان اسلامه مشكوكا فيه بلا فرق في ذلك بين البلاد الاسلامية وغيرها.

(مسألة ٣٨): لو توقف حفظ حياة مسلم على تشريح بدن ميت مسلم، ولم يمكن تشريح بدن غير المسلم ولا مشكوك الاسلام، ولم يكن هناك طريق آخر لحفظه جاز ذلك. أحكام الترقيع

(مسألة ٣٩): لا يجوز قطع عضو من أعضاء الميت المسلم كعينه أو نحو ذلك لالحاقه ببدن الحي، فلو قطع فعليه الدية. نعم لو توقف حفظ حياة مسلم على ذلك جاز، ولكن على القاطع الدية، ولو قطع وارتكب هذا المحرم فهل يجوز الالحاق بعده ؟ الظاهر جوازه، وتترتب عليه بعد الالحاق أحكام بدن الحي نظرا إلى أنه أصبح جزءا له. وهل يجوز ذلك مع الايصاء من الميت فيه وجهان: الظاهر جوازه ولا دية على القاطع أيضا.

(مسألة ٤٠): هل يجوز قطع عضو من أعضاء انسان حي للترقيع إذا رضي به ؟ فيه تفصيل: فإن كان من الأعضاء الرئيسية للبدن كالعين واليد والرجل وما شاكلها لم يجز. وأما إذا كان من قبيل قطعة جلد أو لحم فلا بأس به. وهل يجوز له أخذ مال لقاء ذلك ؟ الظاهر الجواز.

(مسألة ٤١): يجوز التبرع بالدم للمرضى المحتاجين إليه، كما يجوز أخذ العوض عليه.

(مسألة ٤٢): يجوز قطع عضو من بدن ميت كافر أو مشكوك الاسلام للترقيع ببدن المسلم، وتترتب عليه بعده أحكام بدنه، لأنه صار جزءا له، كما أنه لا بأس للترقيع بعضو من أعضاء بدن حيوان نجس العين كالكلب ونحوه، وتترتب عليه أحكام بدنه وتجوز الصلاة فيه باعتبار طهارته بصيرورته جزءا من بدن الحي. التلقيح الصناعي

(مسألة ٤٣): لا يجوز تلقيح المرأة بماء الرجل الأجنبي، سواء أكان التلقيح بواسطة رجل أجنبي أو بواسطة زوجها، ولو فعل ذلك وحملت المرأة ثم ولدت فالولد ملحق بصاحب الماء ويثبت بينهما جميع أحكام النسب ويرث كل منهما الآخر، لأن المستثنى من الإرث هو الولد عن زنا، وهذا ليس كذلك، وإن كان العمل الموجب لانعقاد نطفته محرما كما أن المرأة أم له ويثبت بينهما جميع أحكام النسب ونحوها. ولا فرق بينه وبين سائر أولادهما أصلا، ومن هذا القبيل ما لو ألقت المرأة نطفة زوجها في فرج امرأة أخرى بالمساحقة أو نحوها، فحملت المرأة ثم ولدت، فإنه يلحق بصاحب النطفة.

(مسألة ٤٤): يجوز أخذ نطفة رجل ووضعها في رحم صناعية وتربيتها لغرض التوليد حتى تصبح ولدا. وبعد ذلك هل يلحق بصاحب النطفة ؟ الظاهر أنه ملحق به ويثبت بينهما جميع أحكام الأبوة والنبوة حتى الإرث، غاية الأمر أنه ولد بغير أم.

(مسألة ٤٥): يجوز تلقيح الزوجة بنطفة زوجها نعم لا يجوز أن يكون المباشر غير الزوج إذا كان ذلك موجبا للنظر إلى العورة أو مسها. وحكم الولد منه حكم سائر أولادهما بلا فرق أصلا. أحكام الشوارع المفتوحة من قبل الدولة

(مسألة ٤٦) ما حكم العبور من الشوارع المستحدثة الواقعة على الدور والأملاك الشخصية للناس التي تستملكها الدولة جبرا وتجعلها طرقا وشوارع ؟ الظاهر جوازه لأنها من الأموال التالفة عند العرف، فلا يكون التصرف فيها تصرفا في مال الغير نظير الكوز المكسور وما شاكله نعم لأصحابها حق الأولوية، إلا أنه لا يمنع من تصرف غيرهم، وأما الفضلات الباقية منها فهي لا تخرج عن ملك أصحابها، وعليه فلا يجوز التصرف فيها بدون إذنهم ولا شراؤها من الدولة إذا استملكتها غصبا إلا بارضاء أصحابها.

(مسألة ٤٧): المساجد الواقعة في الشوارع المستحدثة الظاهر أنها تخرج عن عنوان المسجدية. وعلى هذا فلا بد من التفصيل بين الأحكام المترتبة على عنوان المسجد الدائرة مداره وجودا وعدما، وبين الأحكام المترتبة على عنوان وقفيته. ومن الأحكام الأولى حرمة تنجيس المسجد ووجوب إزالة النجاسة عنه وعدم جواز دخول الجنب والحائض فيه وما شاكل ذلك، فإنها أحكام مترتبة على عنوان المسجدية، فإذا زال انتفت هذه الأحكام وإن كان الأحوط ترتيب آثار المسجد عليه. ومن الأحكام الثانية عدم جواز التصرف في موادها وفضلاتها كأحجارها وأخشابها وأرضها ونحو ذلك، وعدم جواز بيعها وشرائها نعم يجوز بيع ما يصلح بيعه منها بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله وصرف ثمنها في مسجد آخر مع مراعاة الأقرب فالأقرب، وكذا يجوز في هذه الحالة صرف نفس تلك المواد في تعمير مسجد آخر، ومن ذلك يظهر حال المدارس الواقعة في تلك الشوارع وكذا الحسينيات فإن أنقاضها كالأحجار والأخشاب والأراضي وغيرها لا تخرج عن الوقفية بالخراب والغصب، فلا يجوز بيعها وشراؤها. نعم يجوز ذلك بإذن الحاكم الشرعي أو وكليه وصرف ثمنها في مدرسة أو حسينية أخرى مع مراعاة الأقرب فالأقرب، أو صرف نفس تلك الأنقاض فيها.

(مسألة ٤٨): يجوز العبور والمرور من أراضي المساجد الواقعة في الشوارع، وكذلك الحكم في أراضي المدارس والحسينيات.

(مسألة ٤٩): ما بقي من المساجد إن كان قابلا للانتفاع منه للصلاة ونحوه من العبادات ترتب عليه جميع أحكام المسجد، وإذا جعله الظالم دكانا أو محلا أو دارا بحيث لا يمكن الانتفاع به كمسجد، فهل يجوز الانتفاع به كما جعل أي دكانا أو نحوه فيه تفصيل، فإن كان الانتفاع غير مناف لجهة المسجد كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك فلا شبهة في جوازه، وذلك لأن المانع من الانتفاع بجهة المسجدية إنما هو عمل الغاصب. وبعد تحقيق المانع وعدم امكان الانتفاع بتلك الجهة لا مانع من الانتفاع به في جهات أخرى، نظير المسجد الواقع في طريق متروك التردد، فإنه لا بأس بجعله مكانا للزراعة أو دكانا. نعم لا يجوز جعله مكانا للأعمال المنافية لعنوان المسجد كجعله ملعبا أو ملهى وما شاكل ذلك، فلو جعله الظالم مكانا لما ينافي العنوان لم يجز الانتفاع به بذلك العنوان.

(مسألة ٥٠): مقابر المسلمين الواقعة في الشوارع إن كانت ملكا لأحد فحكمها حكم الأملاك المتقدمة، وإن كانت وقفا فحكمها حكم الأوقاف كما عرفت. هذا إذا لم يكن العبور والمرور عليها هتكا لموتي المسلمين وإلا فلا يجوز. وأما إذا لم تكن ملكا ولا وقفا، فلا بأس بالتصرف فيها إذا لم يكن هتكا. ومن ذلك يظهر حال الفضلات الباقية منها، فإنها على الفرض الأول لا يجوز التصرف فيها وشراؤها إلا بإذن مالكها، وعلى الفرض الثاني لا يجوز ذلك بإذن المتولي وصرف ثمنها في مقابر أخرى للمسلمين مع مراعاة الأقرب فالأقرب، وعلى الفرض الثالث يجوز ذلك من دون حاجة إلى إذن أحد. مسائل الصلاة والصيام

(مسألة ٥١): لو سافر الصائم جوا بعد الغروب والافطار في بلده في شهر رمضان إلى جهة الغرب فوصل إلى مكان لم تغرب الشمس فيه بعد، فهل يجب عليه الامساك إلى الغروب ؟ الظاهر عدم الوجوب، حيث إنه قد أتم الصوم إلى الغروب في بلده، ومعه لا مقتضى له كما هو مقتضى الآية الكريمة: (صم أتموا الصيام إلى الليل...).

(مسألة ٥٢): لو صلى المكلف صلاة الصبح في بلده، ثم سافر إلى جهة الشرق فوصل إلى بلد لم يطلع فيه الفجر بعد ثم طلع، أو صلى صلاة الظهر في بلده ثم سافر جوا فوصل إلى بلد لم تزل الشمس فيه بعد ثم زالت، أو صلى صلاة المغرب فيه ثم سافر فوصل إلى بلد لم تغرب الشمس فيه ثم غربت فهل تجب عليه إعادة الصلاة في جميع هذه الفروض ؟ وجهان: الأحوط وجوب الاتيان بها مرة ثانية.

(مسألة ٥٣): لو خرج وقت الصلاة في بلده: كأن طلعت الشمس أو غربت ولم يصل الصبح أو الظهرين ثم سافر جوا فوصل إلى بلد لم تطلع الشمس فيه أو لم تغرب بعد فهل عليه الصلاة أداء أو قضاء أو بقصد ما في الذمة ؟ فيه وجوه، الأحوط هو الاتيان بها بقصد ما في الذمة أي الأعم من الأداء والقضاء.

(مسألة ٥٤): إذا سافر جوا وأراد الصلاة فيها، فإن تمكن من الاتيان بها إلى القبلة واجدة لسائر الشرائط صحت، وإلا لم تصح إذا كان في سعة الوقت بحيث يتمكن من الاتيان بها إلى القبلة بعد النزول من الطائرة وأما إذا ضاق الوقت وجب عليه الاتيان بها فيها، وعندئذ إن علم بكون القبلة في جهة خاصة صلى نحوها، وإن لم يعلم صلى إلى الجهة المظنون كونها قبلة، وإلا صلى إلى أي جهة شاء، وإن كان الأحوط الاتيان بها إلى أربع جهات. هذا فيما إذا تمكن من الاستقبال وإلا سقط عنه.

(مسألة ٥٥): لو ركب طائرة كانت سرعتها سرعة حركة الأرض وكانت متجهة من الشرق إلى الغرب ودارت حول الأرض مدة من الزمن، فالأحوط الاتيان بالصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة. وأما الصيام فالظاهر عدم وجوبه عليه. وذلك لأن السفر المذكور إن كان في الليل فواضح وإن كان النهار فلعدم الدليل على الوجوب في مثل هذا الفرض. وأما إذا كانت سرعتها ضعف سرعة الأرض، فعندئذ - بطبيعة الحال - تتم الدورة في كل اثني عشر ساعة وفي هذه الحالة هل يجب عليه الاتيان بصلاة الصبح عند كل فجر وبالظهرين عند كل زوال وبالعشائين عند كل غروب ؟ فيه وجهان الأحول بل الأظهر الوجوب. نعم لو دارت حول الأرض بسرعة فائقة بحيث تتم كل دورة في ثلاث ساعات مثلا أو أقل، فعندئذ اثبات وجوب الصلاة عليه عند كل فجر وزوال وغروب بدليل مشكل جدا، فالأحوط الاتيان بها في كل أربع وعشرين ساعة، ومن هنا يظهر حال ما إذا كانت حركتها من الغرب إلى الشرق وكانت سرعتها مساوية لسرعة حركة الأرض. وفي هذه الحالة الأظهر وجوب الاتيان بالصلوات في أوقاتها وكذا الحال فيما إذا كانت سرعتها أقل من سرعة الأرض. وأما إذا كان سرعتها أكثر من سرعة الأرض بكثير بحيث تتم الدورة في ثلاث ساعات مثلا أو أقل، فيظهر حكمه مما تقدم.

(مسألة ٥٦): من كانت وظيفته الصيام في السفر وطلع عليه الفجر في بلده، ثم سافر جوا ناويا للصوم ووصل إلى بلد آخر لم يطلع الفجر فيه بعد، فهل يجوز له الأكل والشرب ونحوها الظاهر جوازه بل لا شبهة فيه، لعدم مشروعية الصوم في الليل.

(مسألة ٥٧): من سافر في شهر رمضان من بلده بعد الزوال، ووصل إلى بلد لم تزل فيه الشمس بعد، فهل يجب عليه الامساك واتمام الصوم ؟ الظاهر وجوبه، حيث أنه مقتضى اطلاق ما دل على أن وظيفة من سافر من بلده بعد الزوال هو اتمام الصوم إلى الليل.

(مسألة ٥٨): إذا فرض كون المكلف في مكان نهاره ستة أشهر وليله ستة أشهر مثلا وتمكن من الهجرة إلى بلد يتمكن فيه من الصلاة والصيام وجبت عليه. وإلا فالأحوط هو الاتيان بالصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة. أوراق اليانصيب وهي أوراق تبيعا شركة بمبلغ معين، وتتعهد بأن تقرع بين المشترين فمن أصابته القرعة تدفع له مبلغا بعنوان الجائزة، فما هو موقف الشريعة من هذه العملية وتخريجها الفقهي، وهو يختلف باختلاف وجوه هذه العملية.

(الأول): أن يكون شراء البطاقة بغرض احتمال إصابة القرعة باسمه والحصول على الجائزة، فهذه المعاملة محرمة وباطلة بلا إشكال. فلو ارتكب المحرم وأصابت القرعة باسمه، فإن كانت الشركة حكومية، فالمبلغ المأخوذ منها مجهول المالك، وجواز التصرف فيه متوقف على إذن الحاكم الشرعي أو وكيله، وإن كانت أهلية جاز التصرف فيه إذا الشركة راضية لذلك، سواء أكانت المعاملة باطلة أم صحيحة.

(الثاني): أن يكون إعطاء المال مجانا وبقصد الاشتراك في مشروع خيري لا بقصد الحصول على الربح والجائزة، فعندئذ لا بأس به، ثم إنه إذا أصابت القرعة باسمه، ودفعت الشركة له مبلغا فلا مانع من أخذه بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله إن كانت الشركة حكومية، وإلا فلا حاجة إلا الإذن.

(الثالث): أن يكون دفع المال بعنوان أقراض الشركة بحيث تكون ماليتها له محفوظ لديها، وله الرجوع إليها في قبضة بعد عملية الاقتراع، ولكن الدفع المذكور مشروط بأخذ بطاقة اليانصيب على أن تدفع الشركة له جائز عند إصابة القرعة باسمه، فهذه المعاملة محرمة لأنها من القرض الربوي.


الفهرس

التقليد ٤

كتاب الطهارة ٩

المبحث الأول: أقسام المياه وأحكامها ٩

الفصل الأول: تعريف المطلق والمضاف ٩

الفصل الثاني: الماء الذي له مادة ١٠

الفصل الثالث: حكم الماء القليل ١٣

الفصل الرابع: إذا علم بنجاسة أحد الإناءين ١٤

الفصل الخامس: الماء المضاف ١٥

المبحث الثاني: أحكام الخلوة ١٦

الفصل الأول: أحكام التخلي ١٦

الفصل الثاني: كيفية غسل موضع البول ١٧

الفصل الثالث: مستحبات التخلي ١٨

الفصل الرابع: كيفية الاستبراء ١٩

المبحث الثالث: الوضوء ٢٠

الفصل الأول: الوضوء وأحكامه ٢٠

الفصل الثاني: وضوء الجبيرة ٢٤

الفصل الثالث: في شرائط الوضوء ٢٧

الفصل الرابع: في أحكام الخلل ٣٠

الفصل الخامس: في نواقض الوضوء ٣٢

الفصل السادس: المسلوس والمبطون ٣٣

الفصل السابع: ما لا يجوز للمحدث مسه ٣٤

المبحث الرابع: الغسل ٣٦

المقصد الأول: غسل الجنابة ٣٧

الفصل الأول: ما تتحقق به الجنابة ٣٧


الفصل الثاني: فيما يتوقف صحته أو جوازه على غسل الجنابة ٣٩

الفصل الثالث: مكروهات غسل الجنابة ٤٠

الفصل الرابع: واجبات غسل الجنابة ٤١

الفصل الخامس: مستحبات غسل الجنابة ٤٣

المقصد الثاني: غسل الحيض ٤٥

الفصل الأول: في سببه ٤٥

الفصل الثاني: اعتبار البلوغ في تحقق الحيض ٤٦

الفصل الثالث: أقل الحيض وأكثره ٤٧

الفصل الرابع: أحكام ذات العادة ٤٨

الفصل الخامس: حكم الدم في أيام العادة ٤٩

الفصل السادس: انقطاع الدم دون العشرة ٥٠

الفصل السابع: في أحكام الحيض ٥٣

المقصد الثالث: الاستحاضة ٥٤

المقصد الرابع: النفاس ٥٧

المقصد الخامس: غسل الأموات ٥٩

الفصل الأول: في أحكام الاحتضار ٥٩

الفصل الثاني: في الغسل ٦٠

مورد تعذر السدر والكافور ٦١

مورد تعذر الغسل ٦٢

كتاب الصلاة ٩٠

المقصد الأول: أعداد الفرائض ونوافلها ومواقيتها وجملة من أحكامها ٩١

الفصل الأول: عدد الفرائض ٩١

المقصد الثاني: القبلة ٩٤

المقصد الثالث: الستر والساتر ٩٥

الفصل الأول: وجوب ستر العورة في الصلاة ٩٥

الفصل الثاني: شروط لباس المصلي ٩٦


الفصل الثالث: أحكام لباس المصلي ٩٨

المقصد الرابع: مكان المصلي ٩٩

المقصد الخامس: أفعال الصلاة وما يتعلق بها ١٠٣

المبحث الأول: الآذان والإقامة ١٠٣

الفصل الأول: مستحبات الأذان والإقامة ١٠٣

موارد سقوط الأذان والإقامة ١٠٤

الفصل الثاني: فصول الأذان ١٠٥

الفصل الثالث: شروط الأذان والإقامة ١٠٦

الفصل الرابع: مستحبات الأذان ١٠٧

الفصل الخامس: ما ينبغي للمصلي حال الصلاة ١٠٨

المبحث الثاني: ما يجب في الصلاة ١٠٩

الفصل الأول: في النية ١١٠

الفصل الثاني: في تكبيرة الاحرام ١١٣

الفصل الثالث: في القيام ١١٥

الفصل الرابع: في القراءة ١١٧

الفصل الخامس: في الركوع ١٢٢

الفصل السادس: في السجود ١٢٤

الفصل السابع: في التشهد ١٢٨

الفصل الثامن: في التسليم ١٢٩

الفصل التاسع: في الترتيب ١٣٠

الفصل العاشر: في الموالاة ١٣١

الفصل الحادي عشر: في القنوت ١٣٢

الفصل الثاني عشر: في التعقيب ١٣٤

الفصل الثالث عشر: في صلاة الجمعة ١٣٥

المبحث الثالث: منافيات الصلاة ١٣٧

المقصد السادس: صلاة الآيات ١٤٢


المبحث الأول: وجوب صلاة الآيات ١٤٢

المبحث الثاني: وقت صلاة الكسوفين ١٤٣

المبحث الثالث: كيفية صلاة الآيات ١٤٤

المقصد السابع: صلاة القضاء ١٤٦

المقصد الثامن: صلاة الاستئجار ١٥٠

المقصد التاسع: الجماعة ١٥٣

الفصل الأول: استحباب صلاة الجماعة ١٥٣

الفصل الثاني: ما يعتبر في انعقاد الجماعة ١٥٦

الفصل الثالث: ما يشترط في إمام الجماعة ١٥٨

الفصل الرابع: في أحكام الجماعة ١٥٩

المقصد العاشر: الخلل الواقع في الصلاة ١٦٢

المقصد الحادي: عشر صلاة المسافر ١٧٠

الفصل الأول: شرائط القصر ١٧٠

الفصل الثاني: في قواطع السفر ١٧٦

الفصل الثالث: في أحكام المسافر ١٨٠

خاتمة: في بعض الصلوات المستحبة ١٨٢

كتاب الصوم ١٨٥

الفصل الأول: في النية ١٨٥

الفصل الثاني: المفطرات ١٨٧

الفصل الثالث: كفارة الصوم ١٩١

الفصل الرابع: شرائط صحة الصوم ١٩٤

الفصل الخامس: ترخيص الافطار ١٩٦

الفصل السادس: ثبوت الهلال ١٩٧

الفصل السابع: أحكام قضاء شهر رمضان ٢٠٠

الخاتمة: في الاعتكاف ٢٠٣


كتاب الزكاة ٢٠٦

المقصد الأول: شرائط وجوب الزكاة ٢٠٧

المقصد الثاني: ما تجب فيه الزكاة ٢٠٩

المبحث الأول: الأنعام الثلاثة وشرائط وجوبها ٢١٠

المبحث الثاني: زكاة النقدين ٢١٣

شرائط وجوب زكاة النقدين ٢١٣

المبحث الثالث: زكاة الغلات الأربع ٢١٤

المقصد الثالث: أصناف المستحقين وأوصافهم ٢١٧

المبحث الأول: أصنافهم ٢١٧

المبحث الثاني: في أوصاف المستحقين ٢٢٠

المقصد الرابع: زكاة الفطرة ٢٢٣

كتاب الخمس ٢٢٦

المبحث الأول: فيما يجب فيه ٢٢٦

وجوب الخمس في الغنائم ٢٢٦

اشتراط الخمس بالتكليف ٢٣٦

المبحث الثاني: مستحق الخمس ومصرفه ٢٤٠

كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢٤٢

شروط الامر بالمعروف ٢٤٣

مراتب الانكار ٢٤٤

كتاب الجهاد ٢٤٧

الفصل الأول: فيمن يجب قتاله ٢٤٨

الفصل الثاني: في الشرائط ٢٥٠

حرمة الجهاد في الأشهر الحرم ٢٥٤


الفصل الثالث: في أحكام الأسارى ٢٥٨

الأمان ٢٦٠

الغنائم ٢٦٢

الأرض المفتوحة عنوة وشرائطها وأحكامها ٢٦٤

أرض الصلح ٢٦٦

الأرض التي أسلم أهلها بالدعوة ٢٦٧

الدفاع ٢٧٠

شرائط الذمة ٢٧٦

المهادنة ٢٧٩

مستحدثات المسائل ٢٨١

أحكام التشريح ٢٩٢

منهاج الصالحين (العبادات) الجزء ١

منهاج الصالحين (العبادات)

مؤلف: السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي
تصنيف: متون فقهية ورسائل عملية
الصفحات: 125