النظام المالي وتداول الثروة في الإسلام

مؤلف: محمد مهدي الآصفي
دراسات

النِظام المَالي وتداول الثّروة في الإسْلام

محمَد مهدي الآصفي


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


دراسة موجزة للتخطيط الإسلامي

في تنظيم سير المال وتداول الثروة داخل جهاز الدولة.

وفي مجالي الانتاج والتوزيع.


بِسَم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

( اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحمنِ الرَّحِيم* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهدِنَا الصِّراطَ الْمُستْقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أْنعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَالِّينَ .)

(صدق الله العلي العظيم)


مقدمة الطبعة الثالثة

بعد أن تم للاستعمار إزالة السلطان الإسلامي عن بلاد المسلمين، وإقصاء شريعة الله وحكمه عن حياة المسلمين بصورة كاملة - تقريباً -... حاول أعداء الإسلام تشويه معالم هذا الدين، وإسباغ طابع روحي محض على تعاليم هذا الدين، وفصل الدولة عن الدين على الصعيد النظري أيضاً، بعد ما تمت لهم هذه المهمة على الصعيد العلمي.

فقد كان الفكر الإسلامي، الذي أُقصي بقوة عن الحكم، يشكل خطراً على كيان الإستعمار، فهو في كل وقت يمكن أن يصنع أُمة من الناس ينقضّون على أعداء الإسلام، ويستعيدون حق هذا الدين في الحاكمية في حياة الإنسان.

ولذلك فقد كان لا بد لهؤلاء أن يقضوا هذه المرة على فاعلية هذا الدين، لكي لا يكون هناك خطر على مصالح هؤلاء الطامعين في بلاد المسلمين من ناحية هذا الدين.

ومن هنا بدأ الاستعمار في تنفيذ مخططه الرامي إلى تشويه معالم هذه الشريعة، وإسباغ طابع روحي محض على هذا الدين، وتبني فكرة فصل الدولة عن الدين.


فلكل من الدين والدولة - في حسبان هؤلاء - مهمته الخاصة، التي تختلف عن الأُخرى.

فهذا يهتم بشؤون الدنيا، وما يتعلق بها، وذاك يعني بشؤون الآخرة، وما يتعلق بها... رغم تصريح النصوص الإسلامية بعدم إمكان التجزيء في شؤون الروح والجسد، واعتبارهما وحدة كلية، لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

وقد لعب أعداء الإسلام هنا دوراً كبيراً في تشويه معالم الإسلام، وعزل التفكير الإسلامي عن مجاري الحياة، وتقليص مهماته في حدود الروح والآخرة.

ولم يخل الميدان من كتّاب يكتبون باسم الإسلام، ويعملون في تنفيذ هذا المخطط، عن وعي أو عن غير وعي.

وكان ذلك مرحلة من عمل الاستعمار في بلاد المسلمين.

وتعقب هذه المرحلة تعدداً في الجبهات الطامعة في بلاد المسلمين، فكانت تتدافع فيما بينها على فرض سلطانها و(صداقتها!) على المسلمين.

وبطبيعة الأمر أدّى هذا التنافس إلى تعدد ميدان الصراع أمام الاستعمار. فهو يصارع الإسلام في جبهة، ويصارع منافسيه الأقوياء على السيطرة على بلاد المسلمين في جبهة أُخرى.

فاليسار الإستعماري يصارع اليمين على فرض سلطانه على بلاد المسلمين، واليمين يصارع اليسار على ذلك أيضاً. وفي نفس الوقت كانا يعملان معاً للقضاء على فاعلية هذا الدين، وإلغاء


حقه في الحاكمية على حياة الإنسان.

وطبيعة هذا الصراع المزدوج - في جبهتين - كانت تقتضي الاستعمار أن يغير من خطته التقليدية المعروفة في فصل الدين عن الدولة، ومزاولة مخطط آخر في هذا الصراع.

وقد كان الإسلام رغم كل محاولات العدو أمضى سلاح في بلاد المسلمين كان من الممكن أن تستعمله الجبهات المعادية للإسلام بعضها ضد بعض.

فالتجأ أعداء الإسلام هذه المرة إلى الإسلام، ليستعينوا به في دفع منافسيهم عن مجال هذه المنافسة المحمومة التي كانت تجري بين هذه الجبهات.

فاستعان اليسار على اليمين بالإسلام واستعان اليمين على اليسار بالإسلام، وكان الإسلام سلاحاً بيد اليمين واليسار معاً لضرب الإتجاه الآخر، ودفعه عن ميدان المنافسة.

فليس هناك سلاح أمضى من الإسلام في مكافحة الشيوعية المتغلغلة في بلاد المسلمين، وليست هناك أداة أفضل من الإسلام في مواجهة الإستعمار الغربي ومكافحته.

فلم لا يستعين كل منهما بهذا الدين في ضرب الآخر ودفعه عن مجال المنافسة.

وفي هذه المرحلة من عمل الاستعمار رأينا أقلاماً تسعى لإعادة (الاعتبار) إلى الإسلام، والحديث عنه، ولكن من زاوية خاصة تخدم غرضاً محدداً بالذات، يريده أعداء هذا الدين.


فلم يكن من قصد خصوم الإسلام أن يعود الإسلام مرة ثانية إلى حياة الإنسان - ليزاول مهامه في الحاكمية في المجتمع البشري - وليستعيد حقه في تنظيم حياة الإنسان.

وأعداء الإسلام أخبث من أن يقدموا على هذا العمل الذي يصادر نتائج جهودهم طوال فترة طويلة من الزمن.

فإن هذا الدين لو استعاد مكانته في قلوب المسلمين وعقولهم قضى على كل هذه الجبهات على شكل سواء، وقضى في حق هؤلاء جميعاً: إن (الكفر ملة واحدة).

فلم يكن من الغريب إذن أن يعود الإسلام في هذه المرحلة على ألسنة هؤلاء وأقلامهم فاقداً لهذه الأصالة التي تمتاز بها شريعة الله وحكمه عن قوانين الأرض وأنظمتها.

فكان الإسلام على لسان اليسار صورة باهتة عن الاشتراكية وسلاح ماضٍ ضد الرأسمالية، وعلى ألسنة اليمين صورة باهتة عن الرأسمالية وسلاح ماضٍ لمكافحة الشيوعية.

وهكذا فقد الإسلام في هذا العرض الخائن كل خصائصه واستقلاليته وأصالته، الذي هو كل ما يمتاز به التشريع الإلهي عن القانون الوضعي.

فكانت مأساة أكبر من المأساة الأولى في حياة المسلمين.

ونحن نواجه في الوقت الحاضر هذين الاتجاهين من التفكير في كثير من أوساط المسلمين.

فهناك من يرى أن (الدين) لا ينبغي أن يكون له شأن من


الشأن في حياة الإنسان، وإنما تقتصر مهمة الدين على طقوس روتينية وتقاليد اجتماعية، وقضايا روحية تتعلق بالحياة الآخرة.

وهناك آخرون من المسلمين يرون أن الدين يعالج قضايا في الحياة والمجتمع (أحياناً)، ولكن على أسلوب رأسمالي أو اشتراكي، وتبعاً لهذا المنهج أو ذاك.

ولكي نستعيد حاكمية شريعة الله على وجه الأرض لابد من عمل دائب في إعادة الإسلام، في صورته الحقيقية الأصيلة، إلى وعي المسلمين على الصعيد النظري، تمهيداً لهذه المهمة.

ولابد من جهد متصل لتبيان أن للإسلام رأياً ومنهجاً محدداً في الحياة، وفي كل شؤون الإنسان، وأن هذا المنهج يمتاز قبل كل شيء بالأصالة والاستقلال الذي يفصله ويميزه عن أي منهج آخر، يضعه أحد من الناس على وجه الأرض.

وما لم نحقق هذه المهمة المزدوجة في حياة المسلمين العقلية، وعلى الصعيد النظري، أولاً، لا يتأتى للمسلمين، وللطلائع الواعية منهم أن يستعيدوا للإسلام فاعليته في حياة الإنسان، ويعيدوا الإسلام من جديد إلى مزاولة حقه في الحاكمية في حياة الإنسان.

والكتاب الحاضر جهد متواضع في هذا السبيل، في مجال البحث عن رأي الإسلام في مسألة سير المال في أجهزة الدولة وتداول الثروة، توخّيت منه تبيان أن للإسلام رأياً صريحاً ومنهجاً محدّداً في كل من النظام المالي وتداول الثروة، وأن هذا المنهج لا ينتمي الى أحد من المعسكرين المعاصرين في شيء،


وإنما يمتاز بما فيه من الأصالة والاستقلالية التي تميزه عن المذاهب البشرية الموضوعة.

وليس من حاجة تستدعي أن نلصق شريعة الله بهذا الاتجاه أو ذاك كي نكسبه اعتباراً وقيمة، فهو شيء غير هذا وذاك، وقد يلتقي به هذا أو ذاك في بعض خطوطه، ولكن ذلك لا يعني انهما منه في شيء أو أنه منهما في شيء.

وقد سبق أن أعددت هذا الحديث قبل حين من الزمن، ونشر في وقته في النجف الأشرف، ونفدت نسخه من الطبعتين الأوليين، وانشغلت عن التفكير في تقديمه لطبعة ثالثة.

حتى وافتني مؤسسة دار التعارف الإسلامية الموقرة بطلب في إعادة طبعه لمرة ثالثة، فشرح الله تعالى نفسي لهذا الطلب فأعدت النظر في الكتاب من جديد، ولم تخل هذه النظرة الجديدة في الكتاب من بعض التعديل والتغيير، وتمّ إنجاز الكتاب على الشكل الذي يجده القارئ الكريم، والله تعالى أسأل أن يأخذ بأيدينا ويوفقنا إنه سميع مجيب.

محمد مهدي الآصفي

ايران - قم ٢٦ محرم الحرام ١٣٩٣


مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الميامين.

وبعد: فهذا عرض موجز لنظام المال وتداول الثروة في الإسلام...

رغبت أن أُقدمهما إلى القرّاء، إجابة على سؤال بعضهم... وتمهيداً لدراسة أوسع في الموضوعين، أرجو أن أُوفق لتقديمهما في وقت قريب؛ إن شاء الله.

وقد حاولت في هذا البحث أن أُلخص النظرية الإسلامية في تنظيم سير المال وتداول الثروة داخل جهاز الدولة، وفي مجالي الإنتاج والتوزيع، وأن أستعرض ملامح هذين النظامين بشكل مقتضب، من غير تفصيل وإسهاب؛ لإعداد ذهن القارئ للدخول في دراسة أوسع ولكي يتوفر له بعض المعرفة والإلمام بالنظرية الإسلامية في هذا الحقل بصورة مسبقة، قبل أن يدخل تفاصيل هذه الدراسة. والله ولي التوفيق

النجف الأشرف ١٥ - ٨ - ١٣٨٥ هجري

٩ - ١٢ - ١٩٦٥ م

محمد مهدي الآصفي





النِّظام المَالي في الإسِلام

تمهيد

تختلف الحياة الإجتماعية عن الحياة الفردية بما تحتاج إليه من المرافق الحياتية العامة.

وما لم تتيسر هذه المرافق العامة في المجتمع، لا يمكن أن تعيش أُمة من الناس في ظلال حياة اجتماعية، مهما كانت بدائية.

وإدارة هذه المرافق تقع بطبيعة الحال على عاتق المجتمع نفسه. والحكومة تمثل المجتمع في القيام بإدارة شؤون المرافق العامة للحياة.

ولا يتمّ هذا العمل من دون أن توجد هناك موارد مالية تستعين بها الدولة على إدارة الحياة الاجتماعية.

والنظام المالي في الفقه الإسلامي يعنى بتنظيم موارد الدولة المالية، وتوزيع هذا المال على المرافق العامة للحياة.

ويظهر من ذلك: أن البحث عن النظام المالي يشتمل على جانبين:

الجانب الأول: البحث عن الموارد المالية التي ترد الدولة.

الجانب الثاني: البحث عن النفقات العامة والأشخاص التي تنفق الدولة عليها هذا المال.


وتفادياً لما قد يحصل من أخطاء ومضاعفات خلال هذا البحث... يجب أن ننبه هنا، مسبقاً، إن دراستنا للنظام المالي دراسة نظرية خالصة لا تنطبق على الأوضاع الحاضرة... وتطبيق هذا النظام بالشكل المعروض في هذا البحث يتوقف على وجود جهاز إسلامي حاكم وحاكم أعلى يقره الإسلام.

ولن يأخذ النظام - حتى وإن طبق بجميع خطوطه التفصيلية والإجمالية - طابعاً شرعياً إلهياً... ما لم تتوفر في الهيئة الحاكمة القائمة بالتنفيذ الشروط والمقومات التي يذكرها الفقهاء -رحمهم‌الله - في الفقه.


موارد الدولة





موارد الدولة المالية

يمتاز النظام المالي في الإسلام - كما سنستعرض جانباً منه في هذا الحديث - عن غيره من النظم المالية بصلاحيته الواسعة لموازنة مواردها المالية بنفقاتها العامة.

والدول الحديثة تنظم نفقاتها عادة على ضوء من رصيدها المالي. وعلى العكس تماماً، نجد أن الدولة الإسلامية تنظم مواردها المالية في حدود نفقاتها العامة ومصروفاتها.

وهذه الظاهرة تدل على وجود صلاحية فائقة في النظام المالي للفقه الإسلامي، لمسايرة الحاجات المادية في المجتمع وتسيير المرافق العامة.. من دون أن يقع عبء هذه «المرونة» على كاهل الطبقة الفقيرة في المجتمع.

وسوف نعرض على القارئ ملامح من التخطيط الشرعي لموارد الدولة؛ ليلمس القارئ بنفسه هذه الصلاحية المالية مقرونة بالعدالة الاجتماعية.

ويمكننا هنا أن نقسّم الموارد المالية للدولة الإسلامية إلى أقسام خمسة:

١ - الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق الضرائب.

٢ - الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق العقارات.


٣ - الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق قيامها بنشاطات اقتصادية.

٤ - الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق القرض.

٥ - الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق ولايتها العامة على المواطنين.


١ - الضرائب المالية

وأهم الضرائب المالية في الإسلام: الزكاة، والخمس، والجزية، والضرائب المالية الأُخرى التي تفرضها الدولة على المسلمين، فيما إذا اقتضت ذلك الضرورة الاجتماعية(١) .

الهدف من تشريع الضريبة في الإسلام:

والمهم في تشريع الضرائب المالية في الإسلام أن الغرض منها ليس فقط تهيئة المال الكافي لتسيير المرافق الاجتماعية وتغطية نفقات الدولة الإسلامية، وإن كان ذلك جزءً كبيراً من الغرض في التشريع الضريبي على كل حال.. بل المهم من تشريع الضرائب المالية امتصاص الثروات الفائضة عن دخول الطبقات الغنية وإعادتها إلى الطبقات الفقيرة أو إلى المرافق الاجتماعية التي تنشأ لصالح الفقراء.وتؤدي هذه العملية إلى توزيع الثروة في البلاد بصورة عادلة وتحقيق العدالة الاجتماعية في التوزيع، كما تحول دون حصول التضخم المالي في المجتمع.

____________________

(١) قد تتم جباية وتوزيع الضرائب المالية بمباشرة واشراف الحاكم الشرعي الأعلى عند وجود الحاكم الشرعي، كما قد يقوم المسلمون أنفسهم بتوزيع الحقوق المالية المفروضة عليهم على المستحقين مباشرة، مع احراز الاستحقاق، حال عدم وجود حكومة شرعية والنتيجة سواء. فالمهم توزيع هذا الفائض المالي على فئات الفقراء وعلى المرافق الاجتماعية، مهما يكن شكل ذلك.


وإلى هذا الأصل التشريعي تشير الآية الكريمة:

( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاکِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ کَيْ لاَ يَکُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْکُمْ وَ مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا... ) (١) .

فالتشريع الضريبي، إذن، يؤدي دوراً مزدوجاً في حياة الأمة، فهو من جانب يؤدي إلى توفير المال الكافي لحاجات الفئات الفقيرة في المجتمع وإدارة المرافق الاجتماعية، ومن جانب آخر يهدف إلى القضاء على التورّم المالي في طبقات أُخرى من المجتمع.

____________________

(١) سورة الحشر: ٨.


أقسام الضرائب المالية

تنقسم الضرائب في الإسلام إلى قسمين رئيسيين:

١ - الضرائب المالية المحددة من حيث الكمية والمتعلق والوقت، وهي التي حدد الشارع كميتها ومتعلقها وزمان تعلقها.

٢ - الضرائب المالية غير المحددة من حيث الكمية والمتعلق والوقت، وهي التي لم يحددها الشارع، وإنما ترك أمرها إلى نظر الحاكم فيما تقتضيه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الطارئة.

* * *

والضرائب المالية المحددة تنقسم بدورها إلى قسمين هما:

(أ) الضرائب المالية التي تتعلق بالثروات بغضّ النظر عن أصحابها.

(ب) الضرائب المالية التي تتعلق برؤوس الأشخاص، بغضّ النظر عما يملكون من ثروة.

* * *

وعليه فإن الضرائب المالية في الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام بالتفصيل كالآتي:

١ - الضرائب المالية المحددة التي تتعلق بالثروات:


وهذا النوع من الضرائب يشكّل الجانب الأكبر والأهم من الضرائب المالية في الإسلام.

ومما يلفت النظر أن الثروات التي يتعلق بها هذا النوع من الضريبة المالية هي من الثروات التي لا تنقطع حاجة الإنسان اليها وإلى تداولها، وطبيعي إن استمرارية تداول هذه الثروات بين أيدي الناس تضمن استمرارية تحصيل هذه الضرائب في المجتمع الإسلامي.

ويجد القارئ - فيما يلي - عرضاً موجزاً لأهم الثروات التي تتعلق بها الضرائب المالية في الإسلام:

(أ) الثروة النقدية:

وهي تتكون من الذهب والفضة المسكوكين بسكة المعاملة، وتجب عليهما الزكاة بشرط النصاب ومرور حول كامل على تملكها.

(ب) الثروة الحيوانية:

وتتكون من الإبل والبقر والغنم، وتجب فيها الزكاة بعد بلوغها النصاب ومرور حول كامل، لو كانت سائمة وغير عاملة، أما المعلوفة والعاملة - ولو في بعض الحول - فلا يجب فيها شيء.

(ج) الثروة النباتية:

وتتكون من الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وتجب فيها الزكاة بعد بلوغ النصاب، لو تمت في ملك مالكها.


(د) الثروة المعدنية:

والمعادن على ثلاثة أقسام: منها ما يقبل الانطباع، كالذهب والفضة والنحاس والحديد، ومنها ما لا يقبل الانطباع، كالياقوت والزبرجد وغيرهما من الأحجار الكريمة، ومنها المايع، كالنفط والزئبق... ويجب فيها الخمس بعد إخراج المؤن.

(ه) الثروة البحرية:

وهي كل ما يستخرج من البحار بالغوص، ويجب فيها الخمس.

(و) الثروة الحربية:

وهي كل ما يستولي عليه المسلمون في الحرب من أموال الكفار، من أموال ثابتة وصالحة للنقل، كالأسلحة والنقود وغير ذلك، ويجب فيها الخمس إذا كانت الحرب والحيازة بإذن النبي أو الإمام -عليهما‌السلام - هذا في غير الأراضي، أما في الأراضي فالمفتوحة العامرة منها تبقى موقوفة لمصالح المسلمين على استمرار العصور، دون أن يحق لأحد من المسلمين تملكها، وغير العامرة منها ملك للإمام.

(ز) الثروة التجارية:

وهي كل ما يفضل للتاجر عن مؤونة عياله سنة كاملة من أرباح التجارة، ويتعلق بها الخمس، ويميل بعض الفقهاء إلى اعتبار الزكاة فيها.


(ح) الثروة الصناعية:

وهي كل ما يفضل لذوي الصناعات من أرباح الصناعة بعد وضع المؤونة ومرور سنة كاملة، ويتعلق بها الخمس.

(ط) الثروة الزراعية:

وهي كل ما يفضل للزارع عن مؤونة عياله سنة كاملة من أرباح الزراعة، ويتعلق بها الخمس.

(ي) الثروة الأرضية:

وهي الأراضي التي يشتريها المواطن الذمي من المواطن المسلم، سواءً كانت من الأراضي المفتوحة أو من الأراضي التي أسلم عليها أهلها، ويجب فيها الخمس.

(ك) الثروة المدخرة:

وهو المال المدخر في الأرض الذي يعثر عليه المسلم في دار الحرب أو في الوطن الإسلامي، من غير أن يعرف مالكه الشرعي، ويتعلق بها الخمس.

(ل) ضريبة الأموال المختلطة:

المال المختلط يفرز منه المال الحرام، ويرد إلى أصحابه الشرعيين إذا عرف قدره، ويفرز منه الخمس لحساب الدولة إذا لم يعرف قدره وصاحبه.

... ذلك كله في الضرائب التي تتعلق بالثروات والأموال.


٢ - الضرائب المالية التي تتعلق بالرؤوس بغضّ النظر عن نوع الثروة وكمية الثروة التي يملكها أولئك:

وأهم هذه الضرائب هي:

(أ) زكاة الفطرة:

وتجب بحلول شهر شوّال على كل مكلف بالغ متمكن عن نفسه وعمن يعيله، وهي صاع من القوت الذي يتناوله عادة من الحنطة والشعير والأرز والتمر أو غير ذلك.

(ب) ضريبة الفداء:

وهي ضريبة مالية، تضرب على الأسرى المحاربين ليطلق سراحهم بعد انتهاء فترة الحرب.

(ج) ضريبة الجزية:

وهي ضريبة مالية يقررها الإمام حسب ما يراه من المصلحة على الرؤوس أو الأراضي على الذميين المسالمين، الذين يعيشون في الوطن الإسلامي أو في الأقطار المحمية من قبل الدولة الإسلامية عوضاً عما تقوم به الدولة الإسلامية في هذه الأقطار من الخدمات العامة.

(د) الأضحية التي تجب على كل حاجّ في منى من مكة وقد تتعدد الأضحية حسب ما يرتكبه الحاج من مخالفات في وقت الحج والاحرام.

ذلك كله فيما يخصّ الضرائب المالية المحددة وشبه المحددة.


٣ - الضرائب المالية غير المحددة:

وقد تطرأ على الحياة الاجتماعية أوضاع طارئة غير عادية، أو تحدث ثغرات مالية كبيِرة، تتطلب نفقات كثيرة لا تغطيها الموارد المالية التي شرعت للحالات الاعتيادية، كما يحدث ذلك في أوقات الحرب... ففي مثل هذه الأحوال تلتجئ الدولة الإسلامية إلى فرض ضرائب مالية جديدة في حدود حاجة البلاد وإمكانيات الأُمة المادية، لملء هذه الثغرات.

ونجد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة إشارات واضحة إلى تشريع هذا النوع من الضرائب:

قال - تعالى -:( وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ... ) (١) .

وقال - تعالى -:( .. وَجاهِدوُا بِأَموالِكُمْ وَأَنفُسِكُم.. ) (٢) .

قال - تعالى -:( .. وَكرِهُوا أَنْ يُجاهِدوُا بِأموالِهِمْ وَأنفْسِهِمُ.. ) (٣) .

والآية الأُولى صريحة في الأمر بإعداد العدة الحربية الكافية، والآيتان الأخيرتان قرنتا الجهاد بالنفس بالجهاد بالمال، ولما كان الجهاد بالنفس لا حدّ له في الشريعة الإسلامية، كان الجهاد بالمال

____________________

(١) سورة الأنفال: ٦٢.

(٢) سورة التوبة: ٤١.

(٣) سورة التوبة: ٨٢.


بحكمه لا يحده شيء غير الحاجة.

كل ذلك فيما إذا اقتضت الضرورة الحربية ذلك.

وهناك حقوق خاصة للفقراء والضعفاء والمساكين والمحرومين غير الزكاة والخمس، يقررها التشريع الإسلامي لصالح هؤلاء في حالات الضرورة المعاشية، ويندب إليه في غير حالات الضرورة.

يقول السيد الطباطبائي في «الميزان»:

«وسبيل الله، على ما يستفاد من كلامه - تعالى - هو ما توقف عليه قيام دين الله على ساقه، وأن يسلم من انهدام بنيانه، كالجهاد وجميع مصالح الدين الواجب حفظها، وشؤون مجتمع المسلمين التي ينفسخ عقد المجتمع لو انفسخت، والحقوق المالية الواجبة التي أقام الدين بها صلب المجتمع الديني. فمن كنز ذهباً أو فضة والحاجة قائمة والضرورة عاكفة فقد كنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله، فليبشر بعذاب أليم؛ فإنه آثر نفسه على ربّه، وقدم حاجة نفسه أو ولده الاحتمالية على حاجة المجتمع الديني القطعية...

ولا يتم هذا كله إلاّ بنشر المبراّت، وفتح باب الخيرات، والعمل بالواجبات على ما يليق بها، والمندوبات على ما يليق بها وأما القصر على القدر الواجب وترك الإنفاق المندوب من الرأس، فإن فيها هدماً لأساس الحياة الدينية، وإبطالاً لغرض الشارع،


وسيراً حثيثاً إلى نظام مختل، وهرج ومرج، وفساد عريق لا يصلحه شيء، كل ذلك عن المسامحة في إحياء غرض الدين والمداهنة مع الظالمين..( إلا تَفْعَلوُهُ تَكُنْ فِتنةٌ في الأرْضِ وَفَسادٌ كَبيرٌ ) (١) .

وفي الحديث عن الإمام الصادق -عليه‌السلام - : «ولكن الله - عزّ وجلّ - فرض في أموال الأغنياء حقوقاً غير الزكاة، فقال - عزّ من قائل -:( وَالَّذينَ في أموالهِم حقٌ معلوُمٌ، للسائِلِ وَالمحروَمُ ) . فالحق المعلوم غير الزكاة، وهو شيء يفرضه الرجلَ على نفسه في ماله، يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته وسعة ماله، فيؤدي الذي فرض على نفسه»(٢) .

وعن سماعة قال: «سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، قلت: قوم عندهم فضول وبإخوانهم حاجة شديدة، وليس تسعهم الزكاة،أيسعهم أن يشبعوا ويجوع إخوانهم، فإن الزمان شديد؟».

فقالعليه‌السلام : «المسلم اخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحرمه؛ فيحق على المسلمين الاجتهاد فيه، والتواصل والتعاون والمواساة لأهل الحاجة، والعطف منكم... تكونون على ما أمر الله فيهم: رحماء بينكم، متراحمين»(٣) .

____________________

(١) الميزان في تفسير القرآن: ٩ / ٢٦١ - ٢٧٦.

(٢) وسائل الشيعة: ٦ / ٢٧٠.

(٣) رسائل الشيعة: ٢: ٦ / ٥٩٧.


وعن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «أيّما مؤمن حبس مؤمناً عن ماله، وهو محتاج اليه، لم يذقه الله من طعام الجنة ولا يشرب من الرحيق المختوم»(١) .

وأخرج مسلم من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «من كان له فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له»(٢) .

____________________

(١) محاسن البرقي: ١٠٠.

(٢) سنن البيهقي: ٤ / ١٨٢.


٢ - الدومين العقاري

ونعني به الدخل الذي يرد الدولة عن طريق وارداتها العقارية، والعقارات التي تملكها الدولة أو تملك التصرف فيها، هي: الأراضي الزراعية المحياة المفتوحة، والأراضي الموات، والغابات، والأجمات، والمعادن، ورؤوس الجبال، والبحار، وبطون الأودية، وسواحل البحار. بتفصيل ما يأتي.

ويرد الدولة عن طرق هذه العقارات وارد مالي كبير، تسدد به كثيراً من نفقاتها، وتغطي بها على كثير من مصارفها.

ملكية العقارات العامة:

العقارات العامة التي يملك الحاكم أمر التصرف فيها، ولا يجوز حيازتها وتملكها بصورة فردية ومن قبل الأفراد... على أقسام من حيث الملكية.

فقد تكون الأُمة بجميع فئاتها، حكاماً ورعايا، وبصفتها الجمعيّة، هي المالكة، وقد تكون هذه العقارات ملكاً للهيئة الحاكمة التي تمثل مجموعة الأُمة في الحكم.

وبناءاً على تسمية الأمة بمجموعة فئاتها حكاماً ورعاياً (بالدولة)(١) ، وتسمية الهيئة التي تمثل هذه المجموعة في الحكم

____________________

(١) تطلق الدولة على مجموعة من العناصر من أهمها العنصر البشري، وهو -


ب (الحكومة) يمكن تصنيف ملكية العقارات العامة التي تشرف عليها السلطة الحاكمة في المجتمع الإسلامي إلى قسمين رئيسيين(٢) .

١ - ملكية الدولة:

وهي تشتمل على العقارات التي تملكها مجموعة الأُمة حكاماً ورعايا وتعتبر هذه العقارات وقفاً على المسلمين جميعاً، يجوز لهم الإنتفاع بها واستثمارها بإشراف من الحاكم الإسلامي في قبال بدل مالي خاص تحدده الحكومة، ولا يجوز تملك رقبة هذه العقارات ولا بيعها ولا شراؤها، ولا تخص جيلاً خاصاً من المسلمين، وإنما تعمهم جميعاً على امتداد العصور والأجيال، ومن أهم هذه العقارات أراضي الفتح الإسلامي فيما إذا كان الفتح بإذن الإمام الحاكم.

وطبيعي إن أمر الإشراف في هذه العقارات يكون للحاكم الإسلامي بصفته حاكماً على المسلمين وممثلاً عن مجموعة الأُمة ووالياً عليهم. ويعود ربح هذه الأراضي ووارداتها التي تستلمها السلطة

____________________

- مجموعة من الناس الذين يسكنون قطراً من الأرض. وقد تطلق (الدولة) على هذه المجموعة البشرية فحسب في قبال (الحكومة) التي تطلق على الهيئة الحاكمة فحسب من المجتمع، وهذه التسمية جديدة اقتبسناها من «ح هارولد لاسكي» في كتابه «الحرية» وإن كان واقع هذا التقسيم قديماً في التشريع الإسلامي.

(٢) تحدثت بتفصيل عن أقسام الملكية وأقسام العقارات في الإسلام في كتاب (ملكية الأرض في الإسلام).


من المنتفعين بها إلى بيت المال الذي يصرف على حاجات المسلمين والمرافق الاجتماعية.

٢ - ملكية الحكومة:

وهي تشتمل على مجموعة العقارات التي تملكها السلطة الحاكمة أو الحاكم الشرعي بصفته حاكماً على المسلمين. وتعرف هذه العقارات عادة في الفقه الإسلامي ب (الأنفال)، وتشتمل على امهات الثروات العقارية والطبيعية.

ومن الواضح أن اعتبار هذه الثروات الطبيعية والعقارات من ملك السلطة الحاكمة يؤدي إلى تحديد الملكية الفردية وانعدام الملكيات الفردية الواسعة التي تنجم عن السيطرة غير المحدودة على المصادر الطبيعية للانتاج.


عقارات الدولة

وفيما يلي نعرض على القارئ أهم العقارات العائدة إلى الدولة سواءً منها ما تملك السلطة رقبتها أم تملك أمر الإشراف عليها.

١ - الأراضي:

تعتبر الأراضي من أهم موارد الدولة الإسلامية.

وليس الغرض من استيلاء الدولة على الأراضي تغطية نفقاتها عن طريق الريع الذي تدره هذه الأراضي على الدولة وحسب.. بل الغرض من ذلك - قبل ذلك كله - المنع من حدوث أي توسع في ملكية الأراضي يؤدي إلى «الاقطاع» وثمّ توزيع هذه الأراضي بين الفلاحين والمنتفعين توزيعاً عادلاً، يتماشى مع حاجاتهم الخاصة وإمكانياتهم على الاحياء.

والأراضي التي تملكها الدولة الإسلامية، أو تملك الإشراف عليها هي كما يلي:

(أ) الأراضي التي استولى عليها المسلمون من بلاد الكفار من دون قتال، سواءً كانت أراضي محياة أو ممات، وهي من الأنفال(١) .

(ب) أراضي الفتح الإسلامي العامرة: وهي ملك للمسلمين

____________________

(١) راجع «مستمسك العروة الوثقى» ٩ / ٥٢٠.


يشرف عليها الإمام، ويؤجرها أو يستثمرها، ويصرف حاصلها على المسلمين. وهي لا تخص جيلا دون جيل، وإنما هي للأجيال جميعاً(١) .

(ج) أراضي الفتح الإسلامي (البائرة): وهي ملك للإمام الممثل لجهاز الحكم يجعل عليها من يعمرها، أو يودعها من يعمرها؛ ويصرف طسقها على المرافق العامة.

(د) أراضي دار الإسلام (البائرة): الأراضي الموات ملك للإمام، يصرف طسقها في شؤون الأمة والحكومة، سواءً كانت مملوكة وباد أهلها، أم كانت غير مملوكة من أول الأمر كالمفاوز والصحاري النائية. فإذا أحياها أحد بإذن الإمام، جاز له أن يتصرف فيها إزاء خراج يدفعه للدولة عن الأرض، وإن كانت الأرض لغيره قبل ذلك؛ لقوله -عليه‌السلام -: «من احيى أرضاً ميتة فهي له»(٢) . وقد قال الإمام أمير المؤمنين -عليه‌السلام -: «إن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. أنا وأهل البيت الذين أُورثنا الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا؛ فمن أحيى أرضاً ميتة من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلى الإمام»(٣) .

____________________

(١) راجع «رياض المسائل» كتاب الجهاد. وتذكرة الفقهاء: كتاب الجهاد.

(٢) وسائل الشيعة: إحياء الموات.

(٣) وسائل الشيعة - ط ١: ٣ / ٣٢٦.


وفي صحيحة عمر بن يزيد عن الصادقعليه‌السلام : «إن الأرض كلها لنا فما أخرج الله تعالى منها من شيء فهو لنا»(١) .

(ه) الأراضي الموقوفة، التي يتولى شأنها الإمام: ويكثر مثل هذه الأراضي في بلاد المسلمين. وقد حث الشارع الإسلامي المسلمين على الوقف وإخراج الأرض عن حيِّز الملكية الخاصة، واعتبارها وقفاً على المسلمين، واعتبر ذلك صدقة جارية لأصحابها ويتولى الإمام شؤونها فيما إذا لم يعّين الواقف عليها أحداً.

* * *

فالتشريع الإسلامي في الأراضي يذهب، بصورة مبدئية، إلى تجريد القطاع الخاص من ملكية الأرض تقريباً، وتمليك الأرض للقطاع العام والدولة.

وبذلك فالدولة(٢) تملك الكثرة الغالبة من الأراضي الموات والأراضي المحياة بصورة طبيعية، فتوزع هذه الأراضي بين المستثمرين والمنتفعين بصورة عادلة، وبشكل لا يؤدي إلى ظهور الملكيات الواسعة.

كما تسحب ملكية أصحاب الأرض عند إهمال إحيائها، وتدفع الأرض إلى غيرهم ممن يعملون في إحيائها.

____________________

(١) الحدائق الناضرة ٥: ٥٦.

(٢) نعود فتؤكد بأننا نقصد من الدولة الدولة الإسلامية التي تتسلم زمام السلطة بصورة مشروعة.


فالتشريع الإسلامي إذن يحقق في هذا المجال مطلبين رئيسيين.

فهو من ناحية يحد من توسع الملكيات الأرضية، إذ أن الأراضي في حال الموات، ملك للحكومة ويتم توزيعها على الفلاحين والمنتفعين بإشراف من السلطة.

ومن ناحية أُخرى فإن حق السلطة في سحب ملكية أصحاب الأراضي الذين أهملوا إحياء أراضيهم وإعادة الأراضي إلى من يمارس إحياءها يضمن استمرار عملية الإحياء والإعمار في الأراضي في بلاد الإسلام.

هذا بالإضافة إلى ما تدر هذه الأراضي من وارد مالي كبير على بيت المال.

٢ - سواحل البحار:

وهي ملك الإمام (من الأنفال)، كما ذكره المحقق في «الشرايع»(١) .

وهي ذات أهمية كبرى في التجارة والصيد البحري والحروب والرحلات البحرية وغير ذلك.

٣ - الغابات والأحراش:

تعتبر الغابات من أهم موارد الثروة الطبيعية في البلاد، فهي

____________________

(١) راجع «شرايع الإسلام»: الأنفال.


تزود البلاد بثروة غذائية وطبّية وخشبية، بالإضافة إلى ما لها من تأثير كبير في تلطيف الجو.

ويعرض هذا المورد الطبيعي للخطر عندما يسمح فيها بالاستغلال الفردي.

ولذلك فالدول الحديثة تعني عناية كبيرة بالمحافظة على هذه الثروة الطبيعية وتوسيع رقعتها، وتمنع عن استغلالها بصورة فردية، وتنسق عمليات الاستغلال بصورة لا تؤدي إلى ضياع هذه الثروة الطبيعية، وتحاول في نفس الوقت أن تجعل من هذه الثروة الطبيعية مورداً مالياً لنفسها.

وقد اعتبر الفقه الإسلامي الغابات والأحراش من الثروات التي تمتلكها الحكومة، ولا يحق للفرد استغلالها، إلاّ بإذن الحاكم الشرعي، وضمن الشروط التي يحددها الحاكم(١) .

٤ - رؤوس الجبال والأودية:

وهي نقاط غنية بالثروات الأرضية. ويملكها الإمام، كما يقرره الفقهاء.

٥ - صفايا الملوك واقطاعاتهم:

وهي الأراضي الزراعية والاقطاعات الكبيرة التي كان يملكها الملوك قبل أن يحكم الإسلام البلاد. وهذه الاقطاعات

____________________

(١) راجع مستمسك العروة الوثقى: ٩ / ٥٢٤، ٥٢٥ ط ٢.


- في الغالب - قطع ثرية من الأرض، اغتصبها الملوك من الرعايا، فيعيد الإمام صرف ريعها على الرعايا المسلمين والمسالمين مرة أُخرى عن طريق بيت المال.

٦ - المعادن والمناجم:

وهي على أقسام ثلاثة:

فلزات تقبل الصهر كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد.

ومايعة وشبه مايعة كالنفط والزئبق.

وجامدة لا تقبل الصهر كالأحجار الكريمة والفحم الحجري.

وهذه المعادن تمد الصناعة بالمواد الأولية (الخام)، ولذلك فاستيلاء الدولة على المناجم يؤدي إلى إشراف الدولة على سير الانتاج الصناعي، بصورة عامة، والتمكن من تكييفها بالشكل الذي يحقق العدالة الاجتماعية.

والإمام (رئيس الدولة) في المجتمع الإسلامي يملك كافة المناجم والمعادن وهذا ما ذهب إليه علماء الإمامية ك «الكليني» وشيخه «القمي» في تفسيره، و«المفيد» و«الشيخ الديلمي» و«القاضي»، واختاره في «الكفاية» و«الذخيرة» و«كشف الغطاء».

ويشهد له حديث الصادق -عليه‌السلام - عن الأنفال،


حيث عدّ المعادن منها(١) ، وقوله -عليه‌السلام - في جواب من قال ما الأنفال؟ (منها المعادن والآجام)(٢) .

والدولة إما أن تقوم بنفسها باستخراج المناجم، وإما أن تعهد أمرها إلى الشركات الخاصة بهذا الأمر، لقاء أجر تدفعه.

٧ - الأنهار والبحار (المياه):

وقد عدّهما (ابو الصلاح) وصاحب (المقنعة) من الأنفال التي يملكها الإمام، ويؤيده بعض الأحاديث الصحيحة(٣) .

وللبحار أهمية كبيرة من الناحية التجارية والحربية والأسفار والصيد.

ولا تقل أهمية الأنهار عن البحار، فهي تزود الأراضي المجاورة لها والبلدان القريبة والبعيدة منها بالماء، كما يمكن استغلالها لتوليد الطاقة الكهربائية.

وبذلك فهي تدرّ أموالاً كبيرة على الدولة، كما أن الدولة باعتبار استيلائها على الأنهار تتمكن من تأميم مشاريع الماء والكهرباء.

____________________

(١) راجع مستمسك العروة الوثقى ٩ / ٥٢٤ - ٥٢٥ ط ٢.

(٢) نفس المصدر.

(٣) نفس المصدر ٩ / ٥٢٥.


٣ - مشاريع الإنتاج والزراعة الحكومية

تزداد حاجة الناس إلى المرافق العامة والتكافل الاجتماعي كلما تتقدم حياة الإنسان، ولا تفي الضرائب المالية التي تتقاضاها الحكومة من الأمة إلاّ بجزء يسير من نفقات الدولة في تشييد هذه المرافق.

وفي الحالات العامة يقصر الدخل المالي الذي يرد الحكومة عن طريق الضرائب والعقارات عن تسديد نفقاتها، فتضطر الحكومة إلى البحث عن موارد مالية جديدة لتغطية نفقاتها المالية.

وتتجه اليوم الدول الرأسمالية والاشتراكية، بشكل سواء، إلى القيام بإنشاء مشاريع تجارية وصناعية وزراعية، وممارسة الإنتاج والتجارة بصورة واسعة، وتهيئة موارد مالية جديدة، لتغطية نفقاتها المالية.

وتتم هذه المهمة في الدول الاشتراكية على حساب القطاع الخاص في الصناعة والزراعة، بينما تتم هذه المهمة في الدول الرأسمالية بشكل أخف من ذلك.

وقد قام فعلاً كثير من الدول الرأسمالية بإنشاء مشاريع حكومية للماء والكهرباء ومصالح للمبايعات والسفر والبرق والبريد وغير ذلك من الشؤون الاجتماعية وحاجات الإنسان.

والدولة الإسلامية في حياة صاحب الرسالة - صلى الله عليه وآله وسلم - وفي


عهد الخلفاء الأوائل لم تكن - بحكم الظروف الاقتصادية والمالية في ذلك الوقت - بحاجة إلى المزيد من الدخل المادي، ولم تضق مواردها المالية عن نفقاتها.. وفي الوقت نفسه لم تغلق على نفسها أبواب هذا المورد المشروع عند ما تلجؤه الظروف المادية إلى البحث عن موارد مالية جديدة.

ويعتبر إنشاء المشاريع الحكومية للتجارة والانتاج من أهم هذه الوسائل التي تدر على الحكومة دخلاً مادياً كبيراً، يغطي كثيراً من نفقاتها.

ولا يفقد الباحث في النظام المالي للدولة الإسلامية، في حدود ما تعرضنا له في هذا الحديث، ملامح عامة لهذه المسألة.

في المجال الزراعي:

رأينا فيما تقدم من هذا الحديث أن الدولة تستولي على الأراضي المحياة والموات المفتوحة عنوة - بصفة الإشراف - وتملك الأراضي التي انجلى عنها أهلها، والأراضي الموات، والمحياة بصورة طبيعية، ورأينا كذلك أن من غير الجائز أن يتصرف أحد في هذه الأرضي من دون إذن الإمام.

وفي مثل هذه الوضعية التشريعية لا يتيسر لأحد - مهما بلغت إمكاناته - أن يملك من الأراضي الزراعية أكثر من حاجته الخاصة، وبشكل يؤدي إلى الإضرار بالآخرين، أو أن يقتطع قطعاً كبيرة من الأرض بصورة تؤدي إلى (الإقطاع).


والدولة وحدها هي التي تملك الإمكانات النقدية والأرضية الواسعة التي تمكنها من إحياء قطع كبيرة من الأراضي لحسابها، والقيام بممارسة النشاط الزراعي بصورة واسعة، تتجاوز حدود طاقة الفرد، وإحداث مزارع وحقول نموذجية وكبيرة، تخضع للتطورات الزراعية الجديدة.

هذا في المجال الزراعي.

في مجال التصنيع:

وفي المجال التصنيعي تستولي الدولة بموجب تملكها للأنفال على كميات كبيرة من المواد الخام، من معدنية ونباتية، بصورة مباشرة وغير مباشرة.

فهي تملك المعادن والغابات والأحراش ورؤوس الجبال والأراضي العامرة طبيعياً، وغير ذلك من مصادر الثروة الطبيعية.

وهذه المصادر الطبيعية توفر للدولة كميات هائلة من المواد الخام الضرورية للصناعات، وتمكن الدولة من أن تدخل مشاريع الانتاج والتصنيع عند اللزوم، وأن تشرف على سير الصناعة في البلاد... بينما لا يتيسر للشركات الصناعية من القطاع الخاص هذه الإمكانات الكبيرة في الصناعة والانتاج.

وعندما تتطلب الظروف المالية من الدولة أن تدخل مشاريع الانتاج والتصنيع بهذا الشكل، فلا يمكن أن تعزل أجهزتها


العامة عن ممارسة التسويق. فمن غير الممكن عزل التسويق عن الانتاج والتصنيع.

* * *

على أنه لابد من الإشارة إلى أن الجدوى من مداخلة الحكومة في النشاط التجاري والانتاجي لا يقتصر على الدخل المادي وحسب.

وإنما الجدوى منها - قبل ذلك - تكييف وضع الانتاج والتجارة في البلاد، وتعديل الأسعار والأجور.

وعلى العكس من النظم الاشتراكية المتطرفة لا يحاول الإسلام أن يحتل الأسواق التجارية ويقضي على النشاط الانتاجي والتجاري في البلاد، ولا يؤمن بسلامة هذا النظام.

فإن النشاط الفردي والمنافسة الفردية ركن هام من أركان النشاط الانتاجي، والقضاء على الانتاج الفردي يؤدي إلى شل جهاز الانتاج في البلاد.

والدولة في المجتمع الإسلامي حينما تدخل الأسواق التجارية لا تمثل السلطة العامة، وإنما تدخل في النشاط الانتاجي والتجاري بالصفة الخاصة، كما يدخل أي فرد آخر في هذا العمل، يملك إمكانات مادية أوسع مما يملكه الآخرون.

والجهاز الحكومي للانتاج والتجارة لا يتأتى له أن يستمر في


العمل ما لم يسيّر نفسه، ويموّنه بما يدرّ عليه هذا العمل من ربح مادي، وما لم يستحصل على ربح مادي تستخدمه في تسيير مرافق البلاد عامة.

ومما تقدم يتبين شكل المشاريع الحكومية التجارية والإنتاجية في المجتمع الإسلامي.

فالدولة تدخل «أولاً» في العمل كما يدخل أي فرد آخر، وينشئ مع الآخرين علاقات وروابط تجارية، كما يرتبط الآخرون بغيرهم بسلسلة من العلاقات والروابط التجارية. ولا يحق لها أن تتحكم بما تملك من قوة تنفيذية في أوضاع الأسواق، كما لا يحق لها أن تلجئ الشركات الأهلية إلى الانسحاب عن السوق بشكل من الأشكال.

وتطلب الدولة «ثانياً» من وراء نشاطها الانتاجي والتجاري ربحاً مادياً عادلاً، لتغطية نفقاتها العامة، ولتسيير الجهاز ذاته.

وأي فرد آخر أو شركة أهلية يستطيع أن يعارض الجهاز الحكومي فيما دون هذا المستوى من الربح أو في المستوى نفسه؟

والفائدة التي تجنيها الأُمة من مداخلة الحكومة في الانتاج والتجارة هي تحديد الأسعار في مستوى عادل، وتكييف أوضاع السوق إلى صورة عادلة، بعيدة عن الأثرة والاحتكار والتحكم في الأسواق.


وكل من خطر له على بال أن يستغل حاجة السوق ليرفع من أسعار البضائع، أو خطر له أن يحتكر البضاعة لحين آخر. فالأجهزة الحكومية تقف له بالمرصاد وتتحداه وتنافسه منافسة لا هوادة فيها.

فهي في الوقت الذي تدر على الحكومة دخلا مالياً كبيراً، تعتبر أداة لتلطيف أجواء الانتاج والتجارة في البلاد.


٤ - القرض

وكثيراً ما تقوم الدول بإنشاء مشاريع زراعية وثقافية وصحية وعسكرية كبيرة. كإنشاء السدود والجسور والبنايات، وإحداث الطرق والشوارع المبلطة، والمدن والقرى النموذجية.

وإنشاء هذه المشاريع يتطلب رصيداً مالياً كبيراً يخرج عن عهدة الحكومة، ولا تفي الضرائب والموارد التي ترد الحكومة عن طريق العقارات وغيرها بتمويلها.

في مثل هذه الأحوال، لا تفقد الدولة الإسلامية مبررات شرعية لتمويل هذه المشاريع عن طريق عقد قروض طويلة الأجل، تدفعها الحكومة بشكل أقساط يمتد اداؤها إلى الأجيال اللاحقة.

وقد ترجع الدولة في عقد قروض طويلة الأجل إلى أفراد الأُمة مباشرة، وقد ترجع إلى البنوك الأجنبية، كما قد ترجع إلى الدول الأُخرى.

ولا يجوز للدولة - من جهة شرعية - أن تدفع إزاء هذه القروض أرباحاً نقدية وغير نقدية، إلاّ إذا كانت تضطر إلى ذلك لحاجة ضرورية. فتصطنع في ذلك بعض المبررات الشرعية التي يذكرها الفقهاء في باب «الربا» من الفقه.

وهنا يبدو للباحث الفقيه اعتراضان على هذا النحو من


القروض، نحاول أن نجيب عليهما بصورة سريعة.

فقد يثار التساؤل عن جواز تحميل خزانة الدولة تبعات أداء هذه القروض، ولا سيما إذا كانت خزانة الدولة قاصرة على أداء نفقات هذه المشاريع.

وقد يتساءل ثانياً عن مشروعية تحميل الأجيال التالية تبعات أداء هذه القروض التي عقدتها الأجيال السابقة ولم تشترك هي في شأن من شؤونها.

ويظهر الجواب عن التساؤل الأول إذا علمنا أن النظام المالي للمجتمع الإسلامي قرر سهماً خاصاً من سهام الزكاة لأداء ديون الغارمين، إذا كانت هذه الديون لأغراض مشروعة.

والدولة الإسلامية - كشخصية حقوقية يمثلها الحاكم الأعلى - تتمتع بكافة الحقوق الشرعية التي يتمتع بها سائر الأشخاص في الدولة؛ ولذلك فمن حقها أن تستغل هذا الحق الشرعي لأداء ديونها بشكل أقساط، وحسب إمكانيات الخزينة.

وفيما يخص التساؤل الثاني: ينبغي أن نشير إلى أن الاستفادة من هذه المشاريع لا تخص الجيل الحاضر؛ بل يتاح للأجيال القابلة أن تستفيد من هذه المشاريع بصورة أوسع.

وأكثر من ذلك، نجد أن هذه القروض قد تستخدم لتوسيع مشاريع الانتاج الصناعي والزراعي وإنتاج المكائن والأدوات الثقيلة.


والجيل الحاضر لا يستطيع أن يستفيد من هذه المشاريع في توسعة نشاطها الانتاجي وواردها المالي كما تستفيد منها الأجيال اللاحقة.

فمن وجهة شرعية، نجد أن هذه القروض تقع لصالح الأحيال اللاحقة أكثر من أن تقع لصالح الجيل الحاضر.

والدولة - كشخصية معنوية - لا تفنى بموت شخص الإمام أو الرئيس. ولذلك، فليس هناك ما يمنع من تحمل الدولة لأعباء هذه القروض في الأجيال اللاحقة، بعد صحة وقوع العقد. نظراً لاستمرارية شخصية الدولة، ووجود المصلحة المبررة؛ ونظراً لاستغلال الأجيال المقبلة لهذه المشاريع.

وبهذه الصورة، نجد أن الدولة الإسلامية تستطيع أن توفر لنفسها مورداً مالياً للقيام بأعمال عمرانية وفلاحية وتصنيعية عن طريق عقد القروض الطويلة الأجل.


٥ - شؤون الولاية العامة

١ - الفيء:

وهو ما يرجع إلى المسلمين من المشركين، مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب... وما يتركه الكفار للمسلمين من غير أن يقاتل عليه المسلمون. ويشمل الأموال المنقولة - كالنقود والأثاث - وغير المنقولة - كالعقارات.

ويملكها رئيس الدولة الإسلامية ليصرفها في شؤون الدولة العامة والمصالح الاجتماعية.

والأصل التشريعي لذلك قوله تعالى:

( وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما اَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٍ ) (١) .

٢ - إرث من لا وارث له:

بما أن الإمامة هي الولاية الشرعية على المسلمين. يعتبر الإمام وارثاً لمن لا وارث له من أقارب وموالي. والذي يموت عن غير وارث من الأقارب والموالي، تضبط أمواله فوراً لتنقل إلى خزينة الدولة.

* * *

____________________

(١) سورة الحشر: ٦. راجع في ذلك تفسير مجمع البيان: ٩ / ٢٥٩، ٢٦٠.


وبعد...

ذلك إجمال من تفصيل عن موارد الدولة المالية في المجتمع الإسلامي.

ولابد أن الباحث قد لمس بنفسه - خلال هذا البحث - ملامح العدالة الاجتماعية في تخطيط هذه الموارد، وتوزيع الضرائب منها بصورة خاصة على طبقات الأُمة بشكل عادل، كما لاحظ مرونة الموارد المالية للدولة الإسلامية وسعتها، بشكل لا تضيق من مواكبة تطور نفقات الدولة وحاجاتها.

وهذه من أهم خصائص التخطيط المالي في الفقه الإسلامي.




نفقات الدولة

تمهيد:

بعد أن استعرضنا الملامح العامة لموارد الدولة الإسلامية بصورة موجزة.. يأتي دور البحث عن النفقات العامة للدولة.

والنفقات العامة - عادة - هي التي تحدد موارد الدولة من حيث السعة والضيق.

وقد رأينا - فيما تقدم من هذا الحديث - أن الموارد المالية للدولة الإسلامية تتصف بصلاحية واسعة لتغطية النفقات العامة للدولة مهما توسعت هذه النفقات وازدادت.

تعريف النفقات:

ونعني - عادة - من هذه الكلمة: صرف مبالغ مالية لتقديم خدمات عامة لأفراد الأمة وتسيير المرافق العامة في البلاد وإعاشة الفقراء.

* * *

ومما ينبغي ملاحظته أن التشريع الإسلامي يلاحظ في (الانفاق) أموراً ثلاثة:

١ - أن الحكومة لا تستنفذ الخدمات العامة عن أفراد الأمة


لمصلحتها من غير أجر، وبدون تقديم جزاء عادل.. بعكس كثير من الحكومات التي كانت تسبق الإسلام أو التي لحقت الإسلام.

فقد كانت أساليب العنف والسخرة شائعة في كثير من الحكومات القائمة قبل الإسلام في استنفاذ الخدمات المختلفة من الناس.

وليس غريباً عنا أساليب السخرة التي كانت رائجة لدى الحكومات القيصرية في تشغيل العمال بسحب العربات الثقيلة والقيام بالأعمال الشاقة(١) من غير أجر أو جزاء.. اللهم إلاّ مما يقوّم أجسامهم من الخبز والماء. وجاء الإسلام بأصل تشريعي هام يقضي باحترام عمل المؤمن واحترام شخصيته.

فلا تجوز أعمال السخرة وتسخير الفرد لمصلحة الحكومة أو الأُمة، ولا يجوز استخدام فرد في عمل. ما لم يرتفع عنصر الإجبار عن العمل أولاً، ويدفع للعامل جزاء عمله ثانياً بشكل عادل.

فقد جاء قوم من بعض الأقاليم إلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام

____________________

(١) ولا نقدم في العصر الحاضر أمثلة لقانون السخرة. فقد طبقت بعض الدول الشيوعية هذا النظام في معسكرات السخرة، في عصر العلم والنور كجمهورية كوبا. وجمهوريات الاتحاد السوفيتي عقيب ثورة اكتوبر، وطبقته في الآونة الأخيرة الحكومة العراقية في قانون خاص صادر عن مجلس قيادة الثورة، تقضي بالخدمة الإجبارية على المواطن في آي عمل وأية مهمة تفرضه الحكومة على الفرد.


ليقولوا له: إن في بلادهم نهراً قد طمرت الأيام مجراه فعفا، وإن في حفره من جديد خيراً لهم.. ورجوه بعد ذلك أن يأمر عامله على اقليمهم بأن يسخرهم في احتفار النهر.

فما كان من عليعليه‌السلام إلاّ أن قبل فكرة احتفار النهر.. غير أنه أبى عليهم ما أرادوه من السخرة فكتب إلى عامله - واسمه قرضة بن كعب - يقول:

«أما بعد: فإن قوماً من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهراً قد عفا ودرس، وانهم إن حفروه عمرت بلادهم وقووا على كل خراجهم، وزاد فيء المسلمين قبلهم. وسألوني الكتاب اليك لتأخذهم بعمله وتجمعهم لحفره والإنفاق عليه. ولست أرى أن اجبر أحداً على عمل يكرهه.. فادعهم إليك فإن كان الأمر في النهر على ما وصفوا، فمن أحب أن يعمل فمره بالعمل. والنهر لمن عمل دون من كرهه ولئن يعمروا ويقووا أحب إليَّ من أن يضعفوا. والسلام»(١) .

فالعامل في حقل الخدمات الاجتماعية في الدولة الإسلامية يعمل بملء حريته واختياره، ولا يحق لأحد مهما كانت مكانته أن يرغم أحداً على ممارسة الخدمات الاجتماعية.

وفي نفس الوقت تقدم السلطة إلى العامل جزاءاً عادلاً عن

____________________

(١) الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ١٣٢.


عمله، ولا يجوز منع حقه عنه(١) .

٢ - يجب على الحكومة - بصفتها صاحبة السلطة الشرعية - أو الإمام بصفته رئيساً للحكومة - القيام بهذه النفقات. وتهيئة الميزانية الكافية لها وذلك بعد البحث ودراسة ملابسات الحياة الاجتماعية، وحدود ميزانية الدولة واستشارة ذوي الخبرة في الموضوع. فالسلطة الحاكمة تعتبر مسؤولة عن وفاء كل الحاجات الاجتماعية، وإدارة مرافق الدولة، في حدود إمكاناتها وقدراتها، وهذه المسؤولية هي المسؤولية التي يعبر عنها عادة في الفقه ب (الحسبة).

٣ - توزيع هذه الخدمات بصورة عادلة على أبناء الأمة، من غير لحاظ جانب شخصي أو نفوذ اجتماعي.

وقد رأينا أن الحكومة الإسلامية كانت تفرض الضرائب المالية على الأفراد في حدود إمكانياتهم المالية بصورة عادلة، من غير ملاحظة أية جهة شخصية.

وهذه التسوية في فرض الضرائب تقتضي التسوية في توزيع الخدمات وتقديم النفقات للفئات الاجتماعية.

وأي تمييز في توزيع هذه الخدمات على أبناء الأُمة يعتبر خروجاً عن حدود التشريع.

____________________

(١) وفيما لو كان العمل ضرورياً يدخل في حقل الواجبات الكفائية. ولا يكون الجزاء بعنوان الاجرة، وإنما يسترزق من بيت المال، كما يأتي الحديث عنه فيما يأتي إن شاء الله.


عرض لنفقات الدولة

وفيما يلي نحاول أن نستعرض وجوه النفقات في الفقه الإسلامي، بالشكل الذي يعرضه القرآن الكريم.

وقد نظم الفقه الإسلامي وجوه النفقة التي يجب على السلطة القيام بها بشكل يفي بكل الحاجات الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والعمرانية، وما يتجدد من حاجة في البلاد.

ولكي نستعرض هذه النفقات بشكلها التشريعي نحاول أن ندرس هذا الجانب من البحث في ضوء آيتين من القرآن الكريم، هما آيتا الزكاة والخمس.

آية الزكاة

قال الله - تعالى -:( إنَّماَ الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمسَاكِينَ، وَالْعامِلينَ عَليْها، وَالْمُؤلَّفةِ قُلُوبُهُم، وَفيِ الرِّقابِ، وَالْغارِمِينَ، وَفيِ سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ... ) (١) .

ويلمح الباحث من سياق الآية الكريمة نحوين من المصارف يختص الأول منهما بتملك هذه النفقات. ويختص الثاني بصرفها عليه.

____________________

(١) سورة التوبة: ٦٠.


ويشعر بذلك موضع «اللام» و«في» في الآية الكريمة.

فقد أضافت الآية الكريمة الصدقات إلى الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ب «اللام» مما يشعر بأنهم أشخاص حقيقيون يملكون هذه الصدقات.

وأضافت «الصدقات» إلى «الرقاب» و«الغارمين» و«سبيل الله» و«ابن السبيل» بكلمة «في» أو بالعطف عليها مما يشعر بأنها مرافق عامة وجهات اجتماعية تختص بهذه المصارف وليست أشخاصاً تملك ذلك.

فالنفقات المالية للدولة الإسلامية على نحوين:

١ - نفقات عامة تبذل على أشخاص حقيقيين يملكونها (التمليك).

٢ - نفقات عامة تصرف على جهات ومرافق اجتماعية تختص بها من دون أن تملكها (الصرف والاختصاص).

وعلى ضوء من هذا النهج نحاول أن نستعرض آية الزكاة بالبحث الفقهي.. ونتناول هذه المصارف واحداً بعد آخر.

(أ) النفقات الشخصية

وهي النفقات التي تبذل لأشخاص من الفئات التالية:

١ - الفقراء،٢ - المساكين،

٣ - العاملون عليها،٤ - المؤلفة قلوبهم.


١، ٢ - الفقراء والمساكين:

والظاهر أن المسكين أشد فقراً من الفقير، بحيث يضطر للسؤال.

والفقير هو المحتاج المتعفف، الذي لا يملك قوت سنته، ولم يبلغ به الحال حد الاستجداء(١) .

والفقراء والمساكين - في حدود هذا المعنى - يملكون سهماً من سهام الزكاة، يصرفونه على شؤونهم الخاصة والعامة مما يحتاجون إليه.

أقسام الفقر:

والفقر على ثلاثة أقسام:

فقد ينشأ الفقر عن عجز الشخص عن الاكتساب، لآفة في جسمه أو لعاهة تلازمه.

وقد يكون الشخص قادراً على الاكتساب، ولا يحمل أي مرض يقعده عن العمل. ولكن اشتغاله بالخدمات العامة يمنعه عن الاكتساب، فلا يملك قوت سنته.

وقد يكون الشخص سليماً قوياً فارغاً من أي نشاط عملي أو فكري، مهملاً، عاطلاً.

____________________

(١) راجع تفسير التبيان: ٥ / ٢٨٣. وتفسير الطبري: ١٠ / ١٥٩.


ولكن من هذه الأقسام الثلاثة حكم خاص في التشريع الإسلامي:

(أ) المرض والشيخوخة:

فإن كان الفقر ناشئاً عن عجزه عن العمل لعاهة جسمية أو مرض عصبي أو شيخوخة، فلا شك في شمول الآية له.

وقد خصصت الشريعة الإسلامية لهم سهماً من الزكاة، ليحفظ لهذه الطبقة من المسلمين كرامتها، ويكف وجوههم وأيديهم عن ذل الاستعطاء.

كما قررت الشريعة أن تصرف الدولة من بيت المال راتباً على الفقراء العاجزين عن العمل بمرض أو شيخوخة.

فقد ورَد عن محمد بن أبي حمزة عن رجل بلغ به علي بن أبي طالب أمير المؤمنينعليه‌السلام . قال: مرَّ شيخ مكفوف كبير يسأل. فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما هذا؟ قالوا يا أمير المؤمنين نصراني. فقال أمير المؤمنين: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه. انفقوا عليه من بيت المال(١) .

وهذا الحق الذي يفرضه الإسلام للفقراء والمعوزين من المرض والشيوخ يشبهه - إلى حد ما - (حق التقاعد) في الأنظمة الحديثة.

____________________

(١) رسائل الشيعة كتاب الجهاد: ١٠ من أبواب جهاد العد وما يناسبه.

(ب) القائمون بالخدمات العامة:


وقد يكون الفقر ناشئاً عن الإشتغال بالخدمات الاجتماعية العامة، كالتعليم، والتبشير، والدعوة، والطباعة، وحفظ الأمن الداخلي وحفظ الثغور، والجهاد، والإدارة.. وما شابه ذلك.

وهؤلاء - في الغالب - أُناس يصلحون للإكتساب والعمل، وليس بهم شيء من الكسل أو الإهمال.. ولكن اشتغالهم بالخدمات الاجتماعية لا يفسح لهم مجالاً للعمل والاكتساب؛ فيدخلون في عداد الفقراء الذين لا يملكون قوت سنتهم.

ولابد أن نشير إلى أن الآية الكريمة لا تقصد بالفقراء السائلين باليد أو المقعدين والعاجزين والمرضى فحسب.. وإنما تشمل كل من يقصر ماله على تمويله سنة كاملة (واحدة). سواءاً كان الفقر ناشئاً عن عجز أو عاهة في الجسم أو كان ناتجاً عن اشتغال الإنسان بالخدمات الإجتماعية الواجبة بحيث تستوعب وقته، ولا تسمح له بالوقت الكافي لينصرف إلى بعض أسباب الرزق.

والإنسان في هذه الحالة يحق له أيضاً أن يسترزق من بيت المال بصورة محترمة تليق بمكانته، ويأخذ من بيت المال ما يكفيه ويغنيه، ليس على سبيل الاجرة والجزاء، وإنما على سبيل الحاجة والاستحقاق.

وقد يدل وضعه على بعض اليسر والسعة والرفاهية، كما لو


كان يملك مركباً مناسباً له وخادماً وبيتاً للسكنى. ومع ذلك فلا يمنع ذلك من أن يأخذ حاجته وحاجة عياله من بيت المال.

قال السيد الطباطبائي اليزدي:

«ودار السكن والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله، ولو لعزه وشرفه، لا يمنع من إعطاء الزكاة وأخذها»(١) .

ولا يقتصر فيما يدفع لهم على قدر الحاجة والكفاف، وإنما يبذل لهم من مال الزكاة ما يلائم مكانتهم الاجتماعية وما يغنيهم.

فقد سئل أبو جعفر -عليهما‌السلام -: «كم يعطى الرجل من الزكاة؟ فقال: اعطه من الزكاة حتى تغنيه»(٢) .

وقال رجل لأبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : «اعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال: نعم. قال: مائتين؟ قال: نعم. قال: خمسمائة؟ قال: نعم.. حتى تغنيه»(٣) .

وكذلك يظهر للباحث من خلال الكتاب والسنة أنه ليس في تقبل هذه الطائفة للزكاة ما يشعر بالهوان، وإنما هو حق طبيعي لهم، يتقاضونه من الدولة كما يتقاضون أي حق آخر لهم.

ويدخل رجال الثقافة والفقهاء، والعلماء، والأطباء،

____________________

(١) العروة الوثقى: كتاب الزكاة.

(٢) جواهر الكلام: كتاب الزكاة.

(٣) جواهر الكلام: كتاب الزكاة.


ورجال الشرطة والإدارة، والجند.. في عداد هؤلاء وتيسر لهم الدولة حياتهم المادية، ليتفرغوا لما يُقدِّمون للمجتمع من خدمات عامة، وإن كانوا يقدرون على الاكتساب.

قال الفقيه اليزدي في «العروة الوثقى»:

«لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه، يجوز له أخذ الزكاة إذا كان مما يجب تعلمه عيناً أو كفاية، وكذا إذا كان مما يستحب تعلمه»(١) .

وعن مؤلف «جواهر الكلام» عن «نهاية الأحكام» و«السنن» و«التحرير» وغيرها:

«لو كان التكسب يمنع من التفقه في الدين، جاز أخذها؛ لأنه مأمور به إذا كان من أهله.. وجاز الإنشغال بالتعليم والتعلم عن الاكتساب»(٢) .

وكذلك شأن القضاة والحكام، والجند والشرطة، وأطباء المستشفيات العامة، والسعاة - كما تصرح به الآية الكريمة - من الذين يقومون بالخدمات الاجتماعية داخل الإدارة الحكومية وخارجها -.

____________________

(١) العروة الوثقى: كتاب الزكاة.

(٢) جواهر الكلام: كتاب الزكاة: ٧٧.


أصل التوظيف في الإسلام:

ومن هنا يتبين للباحث، شكل «التوظيف» في الدولة الإسلامية.

فالراتب الذي يأخذه الموظف في مجتمع غير إسلامي..، إنما يأخذه ازاء ما يُقدِّمه من خدمات اجتماعية في حقول الثقافة والطب والمحافظة على الأمن والإدارة.

أما في الدولة الإسلامية، فهذه الخدمات تعتبر واجبات شرعية عينية أو كفائية، يستحقها المجتمع على كل فرد مسلم أو أفراد مخصوصين.

فالمريض يستحق من الطبيب، المعالجة، والجاهل يستحق من العالم، التثقيف، والمجتمع يستحق من رجال الشرطة والجند، الأمن الداخلي والخارجي، والأُمة تستحق على الحكومة، الرعاية. ولا يجوز مطالبة شيء - عادة - إزاء هذه الحقوق، إذا اعتبرناها فرائض شرعية واجبة.

ويُقدِّم لهم بيت المال أرزاقهم بصورة محترمة، ليتفرغوا لمهامهم الاجتماعية.

فلا يجوز للاستاذ أن يتقاضى أجراً من الدولة أزاء تدريسه، كما لا يجوز للجندي أن يتقاضى أجراً أزاء حمايته للوطن، ولا يجوز للطبيب أن يتقاضى شيئاً أزاء معالجة المرضى - إذا توقف العمل عليهم وكان واجباً كفائياً أو عينياً عليهم -.


قال الفقيه الشيخ الأنصاري -رحمه‌الله - في «المكاسب»:

«مما يحرم التكسب به، ما يجب على الإنسان فعله عيناً أو كفاية، تعبداً أو توصلاً، على المشهور - كما في «المسالك» -، بل عن «مجمع البرهان» كأن دليله الإجماع»(١) .

تخلص فقهي:

وفي الأوضاع الاجتماعية التي عاصرت التاريخ الإسلامي، لم يتحقق الشكل السليم للمجتمع، ولم يضمن القائمون بالخدمات الاجتماعية من قبل الدولة بالشكل الذي يريده الإسلام.

فكان هؤلاء يضطرون إلى الإحتيال بصورة شرعية لأخذ الأُجرة لإمرار حياتهم الخاصة.

وقد أَربك هذا الواقع اللاإسلامي موقف الفقهاء.

فالضرورة تلجؤهم إلى الاعتراف بذلك من جانب.. والأدلة الشرعية تمنعهم عن ذلك من جانب آخر.

فتجد هذا الموقف المرتبك الحاصل من محاولة الجمع بين ضرورة الأوضاع الاجتماعية غير الإسلامية وبين مقتضى الأدلة الشرعية في كلام الشيخ الأنصاري:

«ثمّ إنه قد يفهم من أدلة وجوب الشيء (أي الخدمات

____________________

(١) المكاسب للشيخ الأنصاري: ١ / ٦١.


الاجتماعية) كونه حقاً لمخلوق يستحقه على المكلفين. فكل من أقدم عليه فقد أدى حق ذلك المخلوق. فلا يجوز له أخذ الأُجرة منه ولا من غيره ممن وجب عليه أيضاً كفاية. ولعل من هذا القبيل تجهيز الميت وإنقاذ الغريق، بل ومعالجة الطبيب لدفع الهلاك».

«ثمّ أن هنا إشكالاً مشهوراً، وهو أن الصناعات التي يتوقف النظام عليها، تجب كفاية لوجوب إقامة النظام. بل قد يتعين بعضها على بعض المكلفين عند انحصار المكلف القادر فيه.. مع أن جواز أخذ الأُجرة مما لا كلام فيه. وكذا يلزم أن يحرم على الطبيب أخذ الأُجرة على الطبابة، لوجوبها عليه كفاية أو عيناً. وقد يتفصّى عنها بوجوه»(١) .

ثمّ يشرح الشيخ الأنصاري -رحمه‌الله - الوجوه التي ذكرها الفقهاء للتخلص من هذا المأزق الفقهي لتبرير أخذ الأُجرة على الواجبات بشكل من الأشكال.

ومما تقدم يبدو واضحاً للباحث شكل التوظيف في المجتمع الإسلامي، فهو حق يقدمه الموظف للمجتمع، من غير أن يحق له أن يطالب بجزاء عنه. والدولة بدورها يجب عليها تقديم المساعدات المادية المحترمة إليه، حتى يتفرغ للعمل.

____________________

(١) المكاسب: ١ / ٦٣.


(ح) الفقراء العاطلون:

وهؤلاء هم طائفة من الناس يؤثرون حياة الذل والراحة - إذا كان فيها شيء من الراحة - على أن يخوضوا ميادين الحياة، ويعتمدون على ما يدره عليهم عطف الناس، وإن كان ضئيلاً مقروناً بالذل.

ويقف التشريع الإسلامي موقفاً حاسماً من هؤلاء، ولا يجوز تقديم أي مساعدة مالية من بيت المال لهؤلاء، مهما بلغ الأمر.

قال الفقيه الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر):

«فمن يقدر على اكتساب ما يموّن نفسه وعياله على وجه يليق بحاله، لا تحل الزكاة له؛ لأنه كالغني. وكذا ذو الصنعة اللائقة بحاله التي تقوم بذلك، كالتجارة والحياكة ونحوهما، بلا خلاف معتد به»(١) .

٣ - العاملون عليها:

وهم السعاة الجباة الذين يقومون بجمع الضرائب المالية وجبايتها، والولاية عليها، وتنظيم شؤونها وتسجيل حساباتها.

٤ - المؤلفة قلوبهم:

وهم كفار يستمالون للجهاد مع المسلمين، أو مسلمون ضعفاء

____________________

(١) جواهر الكلام: كتاب الزكاة: ٧٧.


الإيمان يستمالون إلى حفظ الثغور والأمن في الوطن الإسلامي.

وذلك فيما يخص الأشخاص الذين تبذل لهم الدولة النفقات التي تنهض بأمرهم.

(ب) الجهات والمرافق العامة «وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله»

قلنا - فيما تقدم من هذا الحديث - أن موقع «وفي» في الجزء الثاني من الآية الكريمة يشعر بأنه من الإنفاق على جهة عامة أو مصلحة إجتماعية، وليس من الإنفاق على شخص خاص أو تمليك لفرد من الأفراد.

ومن ذلك يستظهر الباحث أمرين:

الأول، أن مصرف الزكاة في الآية الكريمة لا يقتصر على الأشخاص، بل يشمل الجهات العامة والمرافق الاجتماعية التي تخدم المصلحة العامة من الجهات المذكورة في الآية الكريمة، كما تشمل الأشخاص المعوزين والعاملين والمؤلفة قلوبهم.

وقد أساءت المالكية فهم هذه الآية بوجهها وسياقها الخاص، حيث قالت:

«لا يجوز أن يصرف الزكاة في بناء مسجد أو مدرسة أو حج أو جهاد أو إصلاح طريق أو سقاية أو قنطرة أو نحوها من


تكفين ميت ولكل ما ليس فيه تمليك، لمستحق الزكاة»(١) .

وقد رأينا - فيما تقدم - إن الإنفاق قد يتم عن طريق التمليك لفرد من الأفراد، كما قد يتم عن طريق الانفاق على مشروع خيري أو مصلحة اجتماعية تخدم الأُمة من الجهات المتقدمة في الآية الكريمة.

والآية الكريمة تحوي على كلتا الصورتين من الإنفاق: الإنفاق على الأشخاص والإنفاق على الجهات والخدمات العامة والمرافق الاجتماعية. وهي ظاهرة في هذين القسمين من الأموال.

الثاني: أن الإنتفاع من المرافق والخدمات العامة التي يصرف عليها من بيت المال ومن الزكاة لا يتوقف على فقر المنتفع وحاجته وإنما هي مرافق عامة لكل المنتفعين، لا تخص فئة خاصة منهم، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، فقراء كانوا أم أغنياء، وذلك كالمال الذي يصرف من بيت المال في إقامة الجسور والسدود ومشاريع الريّ والمدارس والمستشفيات العامة وغير ذلك من المرافق والمؤسسات الاجتماعية.

ومن هنا قال الفقيه كاشف الغطاء -رحمه‌الله -:

«لا يعتبر في المدفوع إليه، الإسلام والإيمان، والعدالة، ولا الفقر ولا غير ذلك»(٢) .

____________________

(١) الفقه على المذاهب الأربعة: كتاب الزكاة.

(٢) جواهر الكلام: كتاب الزكاة: ٩١.


وقال آية الله الحكيم -رحمه‌الله - في المستمسك:

«ولذا لا يظن الاشكال في جواز انتفاع الغني بالقناطر والخانات»(١) .

فإذن تخصص جملة من هذه السهام لرفع مستوى الحياة عامة وليست لخدمة طبقة خاصة، وجزء منها فقط يخصص لمصلحة الفقراء والمعوزين كأشخاص وجماعات.

وفيما يلي نشرح واحداً من هذه المصارف كشاهد على ما نقول:

في سبيل الله:

«سبيل الله» جهة من مصارف الزكاة، ولا يعنى به شخص خاص. ومعنى «سبيل الله» الطريق الذي يؤدي إلى رضى الله - تعالى - وهو يشمل كافة المرافق الاجتماعية الخيرية. وإضافة «السبيل» إلى «الله» تفيد هذا المعنى.

وليس في هذه الكلمة ما يدل على حصر مدلولها بالجهاد والغزو فقط وما يلزمهما من شؤون وعدة.

ولذلك، فقد توسع الفقهاءرحمهم‌الله في تفسير هذه الكلمة.

قال الفقيه الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر) -رحمه‌الله -:

____________________

(١) مستمسك العروة الوثقى - ط ١ -: ٩ / ٢٣٧.


«... فلا ريب في أن الأقوى عموم (سبيل الله لكل قربة فيدخل حينئذ جميع المصارف ويزيد عليها. وإنما يفارقها في النية. ضرورة شموله لجميع القرب، من بناء الخانات وتعمير روضة أو مدرسة أو مسجد، أو دعاء ونحوها، أو تزويج عزَّاب أو غيرها، أو تسبيل نخل أو شجر أو ماء أو مأكول أو شيء من آلات العبادة، أو إحجاج أحد، أو إعانته على زيارة، أو في قراءة أو في تعزية، أو تكرمة علماء أو صلحاء أو نجباء، أو إعطاء أهل الظلم والشر ليخلص الناس من ظلمهم ومن شرهم، أو إعطاء من يدفع الظلم عن الناس ويخلص الناس من شرهم، أو بناء ما يتحصن به المؤمنون عنهموشراء الأسلحة لدفاعهم، أو إعانة المباشرين لمصالح المسلمين، من تجهيز الأموات أو خدمة المساجد والأوقاف العامة.. أو غير ذلك.

ومن هنا قال الأُستاذ في «كشفه»: إنه لا يعتبر في المدفوع إليه الإسلام والإيمان، ولا عدالة، ولا فقر، ولا غير ذلك؛ للصدق»(١) .

وأُحب أن الفت النظر إلى مدلول الفقرة الأخيرة التي نقلها الشيخ مؤلف «جواهر الكلام» عن «كاشف الغطاء» فيما يخص الفئات التي تستفيد من هذا المورد المالي.

____________________

(١) جواهر الكلام - كتاب الزكاة: ٩١.


فإن هذا السهم من سهام الزكاة لما كان يخص المرافق الحياتية العامة، فلا يمكن تخصيصه بالمسلمين أو المؤمنين أو العدول منهم خاصة؛ نظراً إلى أن المرافق المدنية موضوعة للخدمات الاجتماعية العامة وليست تخص فئة بذاتها.


آية الخمس

ولنعقب مصرف الزكاة في القرآن الكريم بآية من القرآن الكريم في مصرف الخمس:

( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ، وَللِرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبى وَالْيتامى وَالمَساكينِ وَابْنِ السَّبِيلِ... ) (١) .

والظاهر من الآية الكريمة،: أن خُمس الغنائم والمكاسب يقسم على ستة سهام:

(١) سهم منه لله.(٢) وسهم للرسول.(٣) وسهم لولاة الأمر بعد الرسول «ذوي القربى».(٤) وسهم لليتامى من بني هاشم.(٥) وسهم للمساكين منهم.(٦) وسهم لأبناء السبيل منهم.

والثلاثة الأُول من السهام الستة يعود إلى ولي الأمر - وهو سهم الله والرسول وذوي القربى - وليس لعامة المسلمين، وإنما هو من أموال الدولة الخاصة، ينفقها ولي الأمر على المصالح والمرافق الاجتماعية وحاجات الحكومة الخاصة، بالشكل الذي يرتئيه الحاكم الشرعي الأعلى للدولة الإسلامية.

وهذا وارد مالي كبير للدولة الإسلامية، يساوي عشر

____________________

(١) سورة الأنفال: ٤١.


الوارد الصافي العام لمجموع الأُمة، تصرفه الدولة على المرافق الاجتماعية في الدولة.

والنصف الآخر منه - وهو سهم «اليتامى والمساكين وابن السبيل» - يعود لأشخاص الفقراء من بني هاشم فإن نقص عن حاجة الفقراء من بني هاشم فيكمله الإمام من سهم ولي الأمر، وإن زاد على حاجتهم شيء أضاف الزائد إلى حصة الدولة(١) .

وخصص فقراء بني هاشم بهذا الجزء من الخمس لعدم استحقاقهم شيئاً من زكاة الآخرين. فجعل الله ذلك لهم عوضاً عن الزكاة.

وإذا أُضيف الزائد من سهام الفقراء من بني هاشم إلى سهم ولي الأمر - وهي تزيد غالباً عن حاجاتهم، إذا تشددت الدولة في جبايتها - بلغ وارد الدولة من صافي الأرباح والمكاسب حدود الخمس.

وهذا وارد مالي ضخم، يضاف إلى وارد الحكومة الإسلامية الآُخرى، ويُمَكِّنها من القيام بكثير من المشاريع والمرافق والحاجات العامة في البلاد.

ومما يدل على أن النصف الأول من السهام الستة ملك لجهة خاصة، وهي الحكومة الإسلامية وليس ملكاً لشخص ولي الأمر هو أن الإمام القائم بالأمر يرث سهم الله وسهم الرسول.

____________________

(١) راجع مصباح الفقيه: الزكاة: ١٤٥.


وواضح أن ملكية السهم الأول لله - سبحانه وتعالى - ليس من قبيل الملكية الاعتبارية القائمة بين الناس، فله - سبحانه وتعالى - ملك السماوات والأرض، وليس بحاجة إلى مثل هذه الاعتبارات والإضافات، وإنما المقصود من إضافة السهم إليه تعالى هو ملكية الجهة التي يريد الله - تعالى - تخصيص هذا المال لها، وهي جهة الولاية والحكومة الشرعية.

وكذلك سهم النبي (ص) فلم يعهد من النبي (ص) إنه كان يصرف هذا المال في حاجاته وحاجات أهله، وإنما كان يصرفه في حاجات الجند والقضاء والإدارة وشؤون المجتمع والدولة.

والمعني من إرث الإمام الحاكم لسهم الله ورسوله هو نهوض الإمام بعد النبي بشؤون الولاية والحكومة خلافة عن الله ورسوله وليس الغرض هو الوراثة النسبية والسببية.

فالنصف الأول من السهام الستة يعود إذن إلى الحكومة الإسلامية التي يلي أمرها الحاكم الشرعي، والنصف الثاني منها يعود إلى فقراء بني هاشم بعد إضافة الزائد منه إلى سهم ولي الأمر.

ولأمر ما عطف «الرسول» و«ذوي القربى» على «الله» باللام، ووحَّدها سياق جملي واحد وهو العطف باللام: «فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى» وعطف (اليتامى) و(المساكين) و(ابن السبيل) عليهم بغير اللام: «واليتامى والمساكين وابن السبيل».


ولا يخلو وجود هذين السياقين في التعاطف في النصف الأول والنصف الثاني من الآية الكريمة عن دلالة أو تأييد لوجود تفاوت في إضافة السهام إلى هاتين الطائفتين.

ولا يهمنا نحن بهذا الصدد الحديث عن عصر حضور الإمام، وإنما نريد أن نحدد ملامح النظام في عصر الغيبة؛ حيث يتولى الفقيه الجامع للشرائط مهام الحكومة الشرعية والولاية نيابة عن الإمام.

وفي مثل هذه الحالة لا تعود السهام إلى شخص الفقيه، وإنما لجهة الولاية والحكومة التي يتولاها الفقيه ولا يرثها عنه ورثته، وإنما ينتقل أمره إلى الفقيه الذي يليه في الولاية والحكومة على المسلمين.

* * *

وبعد.. فهذا عرض موجز لنظام المال في الإسلام، قدمناه إلى القراء بهذا الشكل من الإيجاز والاختصار، ليكون تمهيداً لدراسة واسعة في هذا الموضوع إن شاء الله تعالى.


مراجع البحث

القرآن:

الأموال: قاسم بن سلام (أبو عبيد)

التبيان في تفسير القرآن: الشيخ الطوسي

تذكرة الفقهاء: العلامة الحلي

جامع البيان في تأويل

آي القرآن : الطبري

جواهر الكلام: الشيخ محمد حسن

الحدائق الناضرة: الشيخ يوسف البحراني

رياض المسائل: السيد الطباطبائي

السنن: البيهقي

شرايع الإسلام: المحقق الحلي

العروة الوثقى: السيد كاظم اليزدي

الفقه على المذاهب الأربعة: عبد الرحمن الجزيري

المحاسن: البرقي

مستمسك العروة الوثقى: السيد محسن الطباطبائي الحكيم

مصباح الفقيه: المحقق الهمداني

المكاسب: الشيخ الانصاري

الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطباطبائي

وسائل الشيعة: الحر العاملي





تَدَاول الثَّروة في الإسلام

أهمية تداول الثروة

تقوم الحياة الاجتماعية على قاعدة التبادل والمقايضة.

ولا يستطيع الإنسان أن يوفر لنفسه حاجاته الخاصة عن طريق الانتاج الشخصي، حتى في أكثر صور الحياة البدائية.

وقد أدرك الإنسان منذ عهد هذه الحقيقة، واستحدث طريقة المقايضة والتداول لإشباع حاجاته.. بعد أن كان إنتاجه الشخصي لا يفيده مباشرة في إشباع حاجاته وسد رغباته.

وزاول هذا النظام في حياته منذ أن أدرك نفسه وحاجاته.. وعمل على تطويره وتنظيمه كأي ظاهرة اجتماعية أُخرى.

النظام المالي، والاقتصاد السياسي، وتداول الثروة:

ولكي ندخل البحث عن بينة، ينبغي أن نميّز بين هذه الأقسام الثلاثة من العلوم التي تنصب على «الثروة» جميعاً.

ورغم ارتباط هذه الفروع الثلاثة من المعرفة البشرية، فهناك حدود خاصة لكل واحد من هذه الفروع، تميّزه عن الفرعين الآخرين.

ف «النظام المالي» يبحث عن موارد الدولة المالية ومصارفها.

و«الاقتصاد السياسي» يبحث عن إنتاج الثروة وتوزيعها واستهلاكها.

.. بينما يبحث علم «تداول الثروة» عن انتقال الثروة من شخص إلى شخص آخر وتداولها في الأيدي.


المقايضة:

تعتبر المقايضة الشكل الأول لتداول الثروة.. مارسها الإنسان أول ما التجأ إلى مزاولة التداول في حياته وكانت المقايضة صورة بدائية عن التداول، تكلف الإنسان كثيراً من المتاعب.

فكان على صاحب الحنطة الذي يريد لحماً أن يعثر على شخص يملك لحماً ويرغب في تعويضه بحنطة.

وكان القياس الوجيد لتقييم البضاعة هو حاجة الطرفين.

فلم يعرف الإنسان بعد «وحدة» لقياس قيم البضائع.

وعدم إمكان التجزئة كان هو الآخر من أهم مشاكل نظام المقايضة.

فقد كان أحدهم يصحب معه حجراً كريماً إلى السوق ليشتري به كمية من الحبوب لا تعدل عشر قيمته، فيحتار فيما يصنع بسلعته التي يعرضها في السوق والتي لا تقبل التجزئة.


وكل ذلك دعا الإنسان إلى أن يبحث عن وسيط سهل التناول لتيسير عملية التداول.

وتمخضت عبقرية الإنسان بعد محاولات عدة عن النقود والنظام النقدي.

الوسيط النقدي في المبادلة:

اتخذ الإنسان النقود وسيطاً لعملية المبادلة في السوق.. بعد أن كانت المبادلة بين بضاعتين تجري بصورة مباشرة من غير توسيط شيء في البين، مما كان يسبب للإنسان البدائي كثيراً من المشاكل.

وكان أثر توسط النقود في عملية «المبادلة» ان انقسمت المبادلة إلى عمليتين مندمجتين:

عملية مبادلة البضائع بالنقود.

وعملية مبادلة النقود بالبضائع.

واتخذ الإنسان النقود وحدة لقياس البضائع والخدمات وتقييمها في السوق، بعد أن كان يعاني من عدم إمكان تجزئة السلع التي لا تقبل التجزؤ.

وبهذه الصورة اهتدت عبقرية الإنسان إلى وسيلة للمبادلة تيسر له كثيراً من عقبات المقايضة.


أطراف التداول

للتداول دائماً طرفان:

طرف منه هو المعوَّض، والطرف الآخر منه هو العوض، والمعوض والعوض قد يكونان من قبيل البضاعة والنقد، وقد يكون بضاعة وبضاعة على طريقة المقايضة، وقد يكون خدمة وبضاعة أو خدمة ونقداً، أو حقاً ونقداً أو ما شابه ذلك.

على أن الغالب في المعاملات ان يكون المعروض بضاعة أو خدمة والعوض نقداً. والتفكيك بين المعوض والعوض في المعاملة قد يكون واضحاً كما في موارد البضاعة والنقد، فإن البضاعة تقع في هذه المواضع موضع المعوض والنقد يقع في موضع العوض.

ولكن قد يصعب التفكيك بينهما فيما لو كان الطرفان بضاعة مثلاً.

وللتفكيك في هذه الموارد بين المعوض والعوض، ينبغي أن نفرق بين القيمة الاستعمالية للبضاعة والقيمة التبادلية لها، فكل بضاعة أو خدمة تحمل قيمتين:

١ - قيمة استعمالية: وهي تمثل الخدمة الاستعمالية للبضاعة كالسير بالنسبة للسيارة، والإشباع بالنسبة للخبز، والتنظيف بالنسبة إلى الصابون.


والمشتري يطلب من البضاعة هذه القيمة دائماً.

٢ - قيمة تبادلية: وهي تمثل قيمة السلعة أو الخدمة عندما تعرض في السوق للتبادل في مقابل السلع الاخرى، كما تتحدد قيمة الصابون الواحد بثلاثة أرغفة وأربعة أقلام وخمسة علب من علب الثقاب. وتتحدد هذه القيمة بقانون العرض والطلب.

والبائع والمؤجر، يطلب دائماً في السوق هذه القيمة، من البيع والإيجار، كما كان المشتري أو المستأجر يطلب القيمة الأُولى من الشراء.

وبذلك يظهر أن (المعوض) يطلب دائماً لقيمته الاستعمالية سواءً كان المشتري يطلبه لاستعماله الخاص أو لاستعمال زبائنه، والعوض يطلب دائماً لقيمته التبادلية، ويتَّجه النظر فيه إلى ما يساويه وما يقابله من الأشياء الأخرى.

وسوف نستعرض بإيجاز البحث عن كل من المعوض والعوض فيما يأتي من هذا البحث.


١ - المعوَّض

ذكرنا قبل قليل أن كل ما يتمول من (مال) يحمل قيمتين، قيمة استعمالية تمثل الخدمة الاستعمالية للمال، وقيمة تبادلية، تمثل ما يقابله في السوق من السلع والخدمات الاُخرى.

والمعوض هنا يطلب من جانب المشتري أو المستأجر لقيمته الاستعمالية، بينما يطلب العوض لقيمته التبادلية.

وما يقع معوضاً في المعاملة (التداول) أحد أشياء أربعة:

١ - الأعيان المتنقلة: كما لو وقع العقد على مدفأة أو غسالة أو سيارة من أعيان السلع.

٢ - الأعيان الثابتة أو العقار: وذلك كما لو وقع العقد على دار للسكنى أو بستان.

٣ - الحقوق المالية: وذلك كما لو وقع العقد على بعض الحقوق المالية، كحق الإنسان في رقعة من الأرض بعد إعمارها أو غير ذلك من الحقوق المالية، القابلة للنقل والانتقال.

٤ - الخدمات: وذلك كما لو وقع العقد على تملك خدمة سيارة أو عامل لفترة من الزمن وهي على قسمين:


(أ) الخدمات البشرية: كما لو وقع عقد الإجارة على خدمات طبيب أو محامٍ أو سائق أو عامل.

(ب) الخدمات السلعية: كما لو وقع العقد على استئجار خدمات سيارة أو دار للسكنى أو رافعة أثقال.


٢ - العوض أو (النقد)

ذكرنا من قريب أن العوض يختلف عن المعوض في أنه يطلب لقيمته التبادلية، بينما يطلب المعوض لقيمته الاستعمالية.

ولم يكن في أول عهد الإنسان بالتداول، في عصر المقايضة عوضاً بالمعنى الصحيح للكلمة، فلم يكن الإنسان يطلب بضاعة من البضائع لقيمتها التبادلية، وإنما كان يطلب دائماً من البضاعة قيمتها الاستعمالية في طرفي التداول معاً.

وعرف الإنسان (العوض) بمعناه العلمي، أي ما يقصد لقيمته التبادلية، عندما ابتدع الإنسان (الوسيط النقدي) في المعاملة كما تقدم.

ففي هذا العصر؛ عصر الوساطة النقدية، ابتدع الإنسان النقد، كما تقدم في صدر هذا الحديث، لتيسير المعاملة، وتسهيل عملية التداول.

تطور النظام النقدي:

وكان الشكل الأول للنقود التي تداولها الإنسان هي «النقود السلعية»... حيث اصطلح الإنسان الابتدائي على اعتبار بعض السلع وسيطاً في التبادل كالحبوب والانعام، فكانت تحمل صفة (النقد) و(البضاعة) معاً.


وبطبيعة الحال لم تكن تتجاوز قيمتها السلعية عن قيمتها النقدية، وذلك كالمعادن والحبوب والانعام.

وتطورت النقود بعد ذلك إلى الذهب والفضة، نظراً لثبات كميتها - تقريباً - وسهولة تناولهما ونقلهما.

واستحدث الإنسان بعد ذلك نظام المسكوكات، وأخذت الحكومات بسك النقود الراجعة إليها من الذهب والفضة وأحياناً من المعادن الأُخرى.

وظل هذا النحو من النقود شائعاً حتى الحرب العالمية الأُولى؛ حيث رأت الحكومات ضرورة الاحتفاظ بما تمتلكه من الذهب لاسناد أوراقها النقدية، وللاحتفاظ بها لشراء الأسلحة، فيما إذا اقتضت الضرورة.

وهكذا شاع استعمال الأوراق النقدية (النقود الائتمانية) من هذا الوقت.

نظام «الذهب» في الفقه الإسلامي:

منذ وقد بعيد تداول الإنسان «الذهب» كبضاعة ونقد في معاملاته، ولم ندر - على وجه الدقة - متى تداول الإنسان الذهب في معاملاته، ومتى ابتدأ الإنسان باستخراجه والاحتفاظ به كحلية وبضاعة ونقد.

إلاّ أننا نعلم أن الذهب كان منذ أقدم الأيام موضع عناية الإنسان الخاص؛ وذلك لندرته، وسهولة حمله، وتجانسه،


وارتفاع قيمته، مع صغر حجمه وثبات كميته تقريباً.

وقد كانت مسألة الذهب من قديم مثار مشاكل للإنسان.

وبلغ الاهتمام بها في عالم السياسة، ان هيئة الأمم، ومن قبلها عصبة الأمم، عينت جهازاً خاصاً لدراسة مسألة الذهب في العالم، ورفع تقارير واسعة عنه إلى الهيئة.

فارتفاع نسبة الذهب في بلاد وانخفاضه يؤثر في مستوى الأسعار، كما أن تصدير الذهب واستيراده يؤثر في سعر الصرف والعلاقات النقدية بين الدول.

وقد أولى الإسلام مسألة الذهب عناية تامة، وجعله مقياساً للقيم، ووحدة نقدية لتقييم البضائع والخدمات المختلفة.

ولم يخلق الذهب - في النظرية الإسلامية - لغرض الاكتناز والزينة، وإنما خلق ليوظف في مصالح الناس، ولتتداوله الأمة فيما بينها ليخدم مصالحها.

فقد سئل ابو جعفر -عليه‌السلام - عن الدراهم والدنانير (وهي الذهب والفضة) فقالعليه‌السلام :

«هي خواتيم الله في أرضه، جعلها مصلحة لخلقه، وبها تستقيم شؤونهم ومطالبهم. فمن أكثر له منها فقام بحق الله، فذاك الذي طلبه، ومن أكثر له منها فبخل فذاك الذي حق عليه وعيد الله...»(١) .

____________________

(١) سفينة البحار: ١ / ٤٤٥.


وأكد بصورة غير مباشرة على اتخاذ الذهب وحدة نقدية في المجتمع الإسلامي؛ فربط الذهب بأحكام ثابتة من الشريعة، كالديات وكثير من الكفارات.. كما فرض عليه ضريبة خاصة به.

الاستعمال المشروع وغير المشروع للذهب:

ومما تقدم، يستطيع الباحث أن يلمح: أن الغرض الرئيسي من الذهب في الفقه الإسلامي، هو التوظيف والتداول كنقد في الأسواق.

أما بقية وجوه استعمال الذهب، فقد حاول الإسلام أن يحددها أو يمنعها بشكل مباشر أو غير مباشر.

فالأغراض التي يستخدم فيها الذهب ثلاثة:

١ - الأغراض النقدية:

وهي من أهم وجوه الحاجة إلى الذهب.

وسنجد - فيما يأتي - أن الفقه الإسلامي حاول أن يجعل من الذهب النقد الرسمي للبلاد، ويعطي غطاءً ذهبياً كاملاً للنقود الورقية المتداولة في الأسواق.

٢ - الأغراض الصناعية:

ويستخدم الذهب كثيراً لأغراض صناعية، وفي صناعات مختلفة، كصياغة الحلي وصناعة الأواني الذهبية.


وتعتبر الصياغة والصناعات الذهبية في الوقت الحاضر مصرفاً ضخماً من مصارف الذهب في العالم.. فيجمد الذهب بشكل أواني أو حلي عن التداول في الأسواق والتوظيف، ويفقده خاصية السيولة النقدية.

وقد حاول الإسلام أن يحدد هذا المصرف من مصارف الذهب ويشجب بعض وجوهه، فمنع الرجال من اتخاذ الحلي الذهبية، كما منع من استعمال الأواني الذهبية.

وطبيعي أن مجموع الذهب يستخدم سنوياً في هذه الأغراض لو استخدم في أغراض نقدية ووظف في الأسواق لعاد على الأمة بنفع كثير.

٣ - الإكتناز:

وهذا غرض آخر من الأغراض التي يستخدم فيها الذهب.

وتشيع هذه الظاهرة الاقتصادية في حالات الاضطراب والحرب، حيث يقبل الناس على تبديل أموالهم إلى الذهب والاحتفاظ به خوفاً من التلف.

وهذه الحالة تؤدي إلى سحب كميات كبيرة من الذهب من الأسواق؛ فتقل كمية الذهب الموجود، وتضطرب الأسعار. ثمّ يعود الذهب إلى الأسواق مرة أُخرى حين يعود الأمن إلى البلد، فيكثر، ويعود الاضطراب مرة أُخرى إلى الأسواق.

أما الاكتناز الدائم، فهو إهدار لفائدة هذه الأداة النافعة


التي خلقها الله لخدمة مصالح الناس بلا جدوى. وأكثر ما تنتشر هذه العادة في الهند، حيث يحتفظ «مهاراجات» الهند بكميات كبيرة من الذهب.

وقد شجب الإسلام هذا التصرف المشين، وأعد للقائمين به عذاباً مُرّاً، حيث يقول الله - تعالى - :

( ... وَالَّذِينَ يَكِنزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ، وَلا يُنْفِقُونَها فيِ سَبيلِ اللهِ، فَبَشِّرْهُمْ بَعذابٍ ألَيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ؛ هذا ما كَنَزْتُمْ ِلأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُم تَكْنِزُونَ ) (١) .

ولقد انصرف بعض الاقتصاديين في العهد الأخير إلى تحديد نصيب كل غرض من الأغراض الثلاثة المتقدمة من ناتج الذهب السنوي.

فذهب الاقتصادي «Lefeldt » إلى أن الناتج السنوي من الذهب في الوقت الحاضر (سنة ١٩٣١) يبلغ ٤٠٠ مليون دولار، يستخدم منه في الأغراض الصناعية والاكتناز نحو ٢٠٠ مليون دولار - أي النصف - ويستخدم منه في الأغراض النقدية النصف الآخر.

وقد تناول هذا الموضوع بالبحث الخبراء الماليون في عصبة الأُمم، فتبين لهم أن ما يستخدم من الذهب لغير الأغراض

____________________

(١) سورة التوبة: ٣٤، ٣٥.


النقدية سيتزايد بمعدل ١% في السنة»(١) .

ولا يحتاج إلى تأكيد أن هذا المبلغ الضخم - أي ما يساوي الذهب المستخدم في الأغراض النقدية - لو كان يضاف إلى الذهب الموظف في الأسواق، لكان له تأثير بالغ في تحسين الأوضاع الاقتصادية، وتيسير البضائع والخدمات في الأسواق للناس.

النظام النقدي للمجتمع الإسلامي:

تقسم الأوراق المالية، في الوقت الحاضر، إلى «أوراق الزامية» و«أوراق ائتمانية».

والأوراق المالية الإلزامية لا تمثل أية قيمة نقدية، وإنما تمثل فقط قيمة قانونية، تفرضها الدولة على السوق.

والأوراق الائتمانية على نحوين: فهي إما تعهدات بأداء مبلغ من المال إلى الشخص الذي يحمل ورقة التعهد لمدة معينة أو لحين الطلب، وإما أوراق نقدية تمثل كمية من الذهب في خزانة الدولة أو خزانة «البنك المركزي».

ولكل من هذه الأوراق حكم في التشريع الإسلامي...

فالأوراق الإلزامية يتوقف جواز إصدارها على أمرين:

نفوذ حكم الحاكم في اعتبار هذه الأوراق وإلزام المواطنين بقبولها

____________________

(١) مجلة «الهلال»: ٤٠ / ٢٤٤.


وتداولها، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى توفير صفة المالية لها من ناحية شرعية. فإن تم هذان الأمران فلا شك في جواز إصدار الأوراق المالية الإلزامية، وإلزام المواطنين بتداولها في الأسواق، مع تقدير كامل للوضع المالي في البلاد، واتخاذ الاحتياطالت والتحفظات الكافية في إصدارها، بحيث لا يؤدي إلى اختلال الوضع المالي في الأسواق الداخلية، أو إلى هبوط قيمة هذه الأوراق في الأسواق الخارجية.

ولا نريد هنا أن نسهب في تفاصيل هذا البحث من ناحية فقهية، فلسنا في هذه الرسالة بصدد أكثر من عرض موجز لنظام التداول في الفقه الإسلامي.

أما أوراق التعهد المالي، فلا شك في جواز إصدارها من قبل المؤسسات المالية المجازة، ولا يجب على الجهة القائمة بإصدار هذه الأوراق أن تملك من الذخيرة النقدية ما يكفي لتغطية جميع هذه التعهدات. إذ لا يتداولها الناس باعتبارها نقوداً، تملك غطاءاً ذهبياً كاملاً.. وإنما هي تعهدات، يكفي فيها إطمئنان الزبائن إلى قدرة المؤسسة المالية على الوفاء بها.

ولكي لا تستغل المؤسسات المالية إعتماد الزبائن بها في الإكثار من إصدار هذه التعهدات بأكثر من قابلياتها المالية، لابد من إشراف مباشر عليها من قبل الجهات الحكومية المسؤولة في الدولة الإسلامية.


ومثل هذه المهمة تدخل في مسائل الولاية العامة التي يلي شؤونها الحاكم الشرعي في الدولة.

وأما الأوراق النقدية التي تمثل كمية من الذهب، فيجب على الدولة أن تضمن لها غطاءاً نقدياً كاملاً في خزانة الدولة أو في خزانة البنك المركزي. ولا تكفي التغطية الناقصة.

والفرق بين أوراق التعهد المالي والأوراق النقدية، أن التعهدات المالية لا تمثل غير تعهد بدفع المال لأجل أو لحين الطلب، ولا يوجد في ظهر الورقة أية إشارة بتمثيل هذه الورقة لكمية نقدية من المال.. بينما نجد أن الأوراق النقدية المتداولة في الأسواق تمثل كمية نقدية من المال في خزانة الدولة أو خزانة البنك المركزي، وتشير إليها، ولا يتداولها الناس في الأسواق ما لم يطمئنوا إلى وجود تغطية كاملة لها من الذهب ولا يتعاطاها الناس كتعهد، وإنما يتعاطونها كنقد يمثل قيمة نقدية واقعية.

وأي عجز في خزانة الدولة عن تغطية هذه الأوراق يعتبر غشاً واغراءً بالجهل من الناحية الشرعية.

شرعية الأنظمة النقدية الاُخرى:

ويكفي من ناحية ثانية أن تعتمد الدولة على أنظمة اخرى غير نظام الذهب، فيجوز لها أن تعتمد على الأراضي الزراعية والمعادن التي تملكها الدولة لتغطية هذه الأوراق.. إذا كان الذهب الموجود لدى الدولة لا يكفي لتغطية الأوراق النقدية التي تريد الدولة أن تطرحها في السوق.


النظام المصرفي الحديث

تعتبر المصارف في الوقت الحاضر، العصب الحساس للحياة الاقتصادية.

وبغير العمليات المصرفية لا يمكن أن تستمر المؤسسات التجارية والصناعية والزراعية في نشاطها الإنتاجي والتجاري.

ولابد لنا ونحن بصدد البحث عن تداول النقد، أن ندرس النظام المصرفي على ضوء من التشريع الإسلامي، ونبحث عن الطرق المشروعة لمزاولة النشاط المصرفي.

نشأة النظام المصرفي وتاريخه:

وقبل أن نبحث عن الشكل المشروع للنشاط المصرفي، نستعرض نشأة النظام المصرفي بصورة موجزة؛ ليتاح لنا أن نربط الصورة المعاصرة للنشاط المصرفي بنشأته التأريخية.

كانت المصارف قبل هذا العصر دوراً للصيرفة.. تتعهد بحفظ الأمانات النقدية أزاء تعهد كتبي تدفعه إلى المودعين.

وبمرور الزمن، أخذت هذه التعهدات (الوثائق المالية) تحتل محل النقود والأوراق النقدية (الأوراق النائبة) وأصبح الناس يزاولون أعمالهم التجارية بهذه التعهدات في الأسواق.


ولاحظ أصحاب هذه الدور، أن هذه الودائع النقدية تبقى محفوظة - في الغالب - من غير أن يسترجعها أصحابها لمدة من الزمن.

وما يبقى من هذه الودائع لدى الدار بصورة مستمرة خلال النشاط المالي الذي تقوم به، تتجاوز ٩٠% من الودائع.

فخطر لهم على بال استثمار ٩٠% من هذه الودائع النقدية عن طريق إقراض هذه الودائع المالية لقاء فائدة مالية.

كما تفتقت العبقرية الرأسمالية عن فكرة.. وهي أن وثوق الناس بمكانتها المالية تسمح لها بإصدار أوراق (وثائق) وتعهدات مالية تقوم مقام النقد في الأسواق أضعاف النقود والودائع المودعة لديها.

وأخذت تقرض المؤسسات الإنتاجية والتجارية مبالغ طائلة بهذه التعهدات المالية أو الوثائق المالية.

وكان الاحتياط النقدي الذي يملكه الصيرفي أو المصرفي لتغطية هذه التعهدات لا يتجاوز في أحسن الأحوال العُشر.

واتسع فيما بعد نشاطها المالي وأخذت تزاول وجوهاً أُخر من النشاط المالي، كخصم الكمبيالات، ونقل النقود، وصكوك السفر، وتيسير المعاملات التجارية مع الخارج.

وكذلك أصبح المصرف ضرورة إقتصادية لا يمكن الإستغناء عنها في الحياة الاقتصادية وفي الأسواق المالية والتجارية.


مفاسد النظام المصرفي:

للنظام المصرفي أهمية كبرى في تيسير أعمال المؤسسات الإنتاجية والتجارية داخل البلاد، وتنشيط الأسواق المالية والتجارية وبورصات المال والبضاعة.

ومع ذلك فقد أدّى ظهور النشاط المصرفي في العالم إلى ظهور كثير من المشاكل المالية.. نستعرض بعضها خلال هذا البحث، ونشير إلى موقف التشريع الإسلامي من كل واحدة منها.

١ - إصدار الأوراق المالية:

يعتبر إصدار الأوراق المالية من أهم وجوه النشاط المصرفي.

ويرجع تاريخ ذلك إلى القرن السادس عشر الميلادي؛ حيث كان الناس يتداولون في الأسواق إيصالات الودائع النقدية لدى الصيارفة كوسيلة للوفاء بالإلتزامات المالية.

ولأول مرة، حاول «بنك البندقية» سنة ١٥٨٧ م، إستغلال هذه الظاهرة، وإصدار وصولات متشابهة للإيداع النقدي، لغرض التداول في الأسواق.

فقد لاحظت المصارف أن الأشخاص الذين يودعون نقوداً لدى البنك لا يراجعون البنك لاسترجاع ودائعهم إلاّ بنسبة ١٠% من هذه الودائع خلال النشاط المصرفي.. فحاولت أن تصدر أوراقاً مالية وتعهدات بمقدار ٩٠% مما تملكه من رصيد من الودائع.


كما لاحظت أن الأشخاص الذين يحملون تعهدات مالية من قبل المصرف؛ قلما يتفق أن يراجعوا المصرف لتغطية هذه التعهدات بما لدى المصرف من النقود إلاّ بنسبة ١٠%.

وهذه الملاحظات شجعت أصحاب البنوك إلى الإكثار من إصدار الأوراق المالية والتعهدات المالية (البنكنوت).. مما أدى إلى ظهور الاختلال في الجهاز المصرفي، وعجز كثير من المصارف من تسديد تعهداتها، واضطراب الأسواق والبورصات المالية.

فقد قام بعض المضاربين والمحتالين بنشر أعداد كبيرة من الأوراق المصرفية المتباينة من حيث الوثوق بين أيدي الناس.

وحصلت إفلاسات لبعض المصارف ووقعت الخسائر من جراء ذلك لكثير من الناس. حتى أن الحكومة تحملت بعض الخسائر من جراء إيداع أموالها في مصارف لم تلبث أن أفلست(١) .

واختلال الجهاز المصرفي، أو ظهور عجز في هذا الجهاز، يؤدي سريعاً إلى تقلب قيم الأوراق المالية واضطراب الأسواق، وتضعضع أركان النظام المصرفي بصورة عامة في العالم.

ولذلك، فقد حاولت الدول أن تتدخل، بصورة مباشرة

____________________

(١) علم الاقتصاد: اثر ادوار بيرنز: ٣ / ٣٥٨.


أو غير مباشرة في تحديد عملية إصدار «البنكنوت»(١) بقابلية المصرف لتسديد تعهداتها المالية.

وحصرت أخيراً صلاحية إصدار«البنكنوت» ب «البنك المركزي» الذي تملكه الحكومة في البلاد وتشرف عليه بصورة مباشرة.

ولكن النتيجة لم تختلف منذ وضعت الحكومة يدها على إصدار «البنكنوت» وباشر «البنك المركزي» فقط بهذه المهمة.

وحسبنا الإشارة إلى أنه منذ توقف صرف الأوراق «البنكنوت» بالذهب فعلاً، أو قانوناً في مستهل الحرب العالمية الأولى، لم يسترد البنكنوت قابليته للصرف على أي نحو إلاّ لفترة قصيرة، بين عامي ١٩٣١ - ١٩٣٥.. ثمّ جاءت الأزمة المالية العالمية، وإنهارت قاعدة الذهب، وانقسمت العلاقة بين الذهب والبنكنوت في مختلف البلدان؛ بحيث لم يعد لحامل ورقة البنكنوت الحق في مبادلتها بأي شيء على الإطلاق(٢) .

موقف الإسلام من إصدار الأوراق المالية:

ولكي نتبين موقف الإسلام من قضية إصدار الأوراق المالية، يجب أن نميز بين الأوراق المالية التي يصدرها البنك باعتبارها

____________________

(١) «البنكنوت»: تعهد مصرفي بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية لحامل الورقة عند الطلب.

(٢) الاقتصاد: سامي الناصري.


تعهدات مالية باستحقاق حاملها للمبلغ المكتوب عليها على البنك، لأجل خاص أو لدى الطلب، اعتماداً على ما لها من ذخيرة مالية.

وبين الأوراق المالية التي يصدرها البنك باعتبار أنها تمثل قيماً نقدية خاصة، يتعهد البنك بأدائها لدى المطالبة.

والقسم الأول من الأوراق المالية لا يمثل غير استحقاق حاملها للمبلغ من البنك.. بينما القسم الثاني من الأوراق تمثل القيمة النقدية ذاتها.

والقسم الثاني من الأوراق المالية «البنكنوت» هي التي يتداولها الناس في الأسواق للوفاء بالالتزامات المالية.

ولذلك، ففي إصدار القسم الأول من الأوراق المالية، لا يشترط وجود رصيد نقدي لدى البنك، بل يكفي اطمئنان المصرف بقدرتها على القيام بوفاء تعهداتها المالية لدى الطلب أو عند حلول الأجل.

ولأجل تفادي المشاكل المالية التي تترتب على إكثار المصارف من إصدار هذه التعهدات، تقوم الدولة - بما لها من ولاية شرعية - بفرض رقابة خاصة على المصرف لتحديد إصدار هذا القسم من التهدات بإمكانيات المصرف المالية بنسبة مئوية خاصة، حسب ظروف السوق المالية.

فإن اعتماد الزبائن على التعهدات المصرفية يعود إلى الإطمئنان بقدرة المصرف على الوفاء. فلو أصدر المصرف أسناداً مالية


بأكثر من قابليته المالية وقدرته على الوفاء، يعتبر عمله هذا خيانة لزبائنه.

وفي مثل هذه الأحوال، يجب على الدولة أن تفرض رقابة خاصة على المصارف، لئلا تتجاوز حدود قدرتها على الوفاء في إصدار أوراق التعهد المالي.

وأما الأوراق المالية التي تمثل قيمة نقدية، فلا يجوز للمصرف أن يتجاوز رصيده المالي في إصدارها.

وذلك لأن المصرف بإصداره هذه الأوراق، يرمز إلى وجود مبالغ نقدية لديها، تساوي قيمتها الإسمية.

وأية زيادة لقيمة هذه الأوراق الإسمية عن رصيده المصرفي المالي يعتبر غشاً وإغراءً بالجهل.

والرصيد المالي الذي يجب أن يحتفظ به المصرف لتغطية هذه الأوراق، هو مجموعة الرأسمال الذي يقدمه المساهمون لإنشاء المصرف والاحتياط المالي الذي يدخره المصرف من ربحه الخاص خلال نشاطه المالي.

وبهذه الصورة، نرى أن النظام المصرفي الذي يقره الإسلام يسلم من كثير من ألوان الاضطراب والخلل المالي الذي تتعرض له المصارف خارج هذا المجتمع.. ويسود الأسواق المالية وبورصات المال في المجتمع إستقرار مالي واطمئنان عام، مما يشجع على النشاط التجاري والقيام بأعمال إنتاجية طويلة الأمد.


٢ - تمركز القوة في أيدي المساهمين:

يتكون رأسمال المصارف - عادة - من الرأسمال الذي يقدمه المساهمون الأوائل، والودائع تحت الطلب والمؤجلة التي يدعها الزبائن في المصارف، من أبناء الأمة عامة.

ولا يتجاوز الرأسمال الذي يودعه المساهمون الأوائل ثلاثة أجزاء من مائة(٣%) من مجموع الرأسمال، ويرجع ٩٧% من الرأسمال إلى زبائن المصرف.

ويقوم المصرف باستثمار هذا المبلغ الضخم، الذي يكون ٩٧% من رأسماله، في مختلف الأعمال الإنتاجية. ويستوفي فائدة هذه الأموال لصالحه الخاص، ولا يرجع إلى أصحابها الشرعيين إلاّ شيئاً يسيراً جداً بالنسبة إلى ما يجنيه المصرف من الفائدة.

ويضع المساهمون الأوائل - وهم لا يتجاوزون عدد الأصابع - أيديهم على هذه الثروة الطائلة، التي لا يملكون منها غير نسبة ضئيلة لا تتجاوز نسبة ٣%.

وإذا وضعنا هذه الثروة في إطارها الاجتماعي، وجدنا أن هؤلاء المساهمين يضعون أيديهم على أقوى سلاح في البلاد، ويسيطرون - عن طريق ذلك - على مقدَّرات البلاد، ويقررون بعد ذلك مصير الأُمة ويوجهون الوضع المالي بالشكل الذي يخدم مصالحهم..


بينما نجد أن أصحاب الودائع المالية - وهم الغالبية من أبناء الأُمة - لا يملكون شيئاً من أُمور المصرف، فضلاً من أن يملكوا تقرير مصير البلاد، أو يسيطروا على مقدرات الأُمة.

وخذ لذلك مثلاً «مصرف بنجاب القومي»، وقد كان من أنجح المصارف وأكثرها في القارة الهندية قبل وجود باكستان وكان مركزه في «لاهور».. فما كان رأس ماله الذاتي إلاّ عشرة ملايين روبية؛ ولكن كانت ودائعه التي كان يستعملها سنة ١٩٤٥ نحو ٥٢٠ مليون روبية.

والعجيب - بعد كل هذا - أن المصرف على الرغم من أنه كان يسيّر شؤونه كلها بما اجتمع عنده من الودائع، وهي تبلغ ٩٠ - ٩٥% ، بل ٩٨% أحياناً من مجموع ما لديه من مال فإنه لم يكن للمودعين أي حق في التدخل في نظامه وإدارته وسياسته، وإنما كان ذلك كله بيد المساهمين الذين هم المالكون للمصرف.. على حين لا يكاد يبلغ رأس مالهم ٢ أو ٣ أو ٤ أو ٥% من مجموع الموجودات(١) .

ولكم أن تقدروا مبلغ هؤلاء الرأسماليين من القوة والنفوذ بأنه ما كان عند عشرة مصارف في الهند - قبل تقسيم البلاد - إلاّ ١٧٠ مليون روبية.. ولكن كانت الودائع قد بلغت فيها ٦١٢٠ مليون روبية.. وكان عدد قليل، لا يتجاوز ١٥٠ أو

____________________

(١) الربا: ابو الاعلى المودودي: ٩٦، ٩٧.


٢٠٠ شخصاً على الأكثر، من الرأسماليين مستولياً عليها وعلى سياستها وإدارتها...

كل هذا عن بلاد ليس عهدها بتنظيم الرأسمال إلاّ حديثاً، وهو لا يبلغ مجموع الودائع في صناديق مصارفها أكثر من نصف جنيه لكل فرد من أهاليها بالمعدل.

ولكن تصوروا كيفية ارتكاز الثروة وتجمعها في مصارف البلاد الغربية، التي قد بلغ فيها هذا المعدل الفين، بل ثلاثة آلاف مرة منه في بلادنا الشرقية.

لقد كان هذا المعدل في المصارف التجارية وحدها - حسب إحصاء سنة ١٩٣٦ - في اميركا ١٣١٧ جنيهاً، وفي انكلترا ٦٦٤ جنيهاً وفي سويسرا ٢٧٥ جنيهاً، وفي ألمانيا ٣١٣ جنيهاً، وفي فرنسا ١٦٥ جنيهاً.

فعلى هذا النطاق الواسع يسلم أهالي تلك البلاد أموالهم المدخرة إلى رأسماليهم.. وعلى هذا النطاق الواسع تنجذب الثروة من كل بيت لترتكز في أيدي قليلة(١) .

وذلك يعني: ان هذه الطبقة قد وضعت أيديها على مقدرات البلاد ومصيره واتجاهه المالي، وصار بإمكانها أن توجه البلاد، من ناحية سياسية واقتصادية واجتماعية، إلى الوجهة التي تخدم أغراضها الخاصة، وتنمي إمكانياتها المالية، وتسند مكانتها الاجتماعية، وتبعد أبناء الأُمة - أصحاب الرأسمال الشرعيين -

____________________

(١) الربا: ابو الأعلى المودوي: ١٠١ - ١٠٣.


عن المسرح المالي والسياسي.

فإن المال في الحياة الاجتماعية عصب الحياة الرئيسي. والذي يملك هذا السلاح القوي أو يملك أمره والسيطرة عليه فهو يملك الشيء الكثير من أمر المجتمع والقوى المؤثرة فيه.

ولذلك، ففي المجتمع الإسلامي، لا يملك المساهمون الأوائل أن يضعوا أيديهم على الرأسمال المدخر في المصرف إلاّ بقدر.

والدولة هي التي تشرف على سير المصارف ونشاطها وتنظيم أعمالها، حتى لا ينقلب المصرف، وهو قائم مالياً على أكتاف الأُمة، إلى مؤسسة تخدم أغراض المساهمين الأوائل فحسب، كما تلمس ذلك في المصارف الأهلية في الوقت الحاضر.

وبهذا الشكل تحفظ الدولة أموال الأُمة من أن تتمركز لصالح طبقة خاصة في المجتمع.


الشكل المشروع للنظام المصرفي في المجتمع الإسلامي

يتصور كثير أن المجتمع الإسلامي لا يفتح صدره للنشاط المصرفي. وإذا تم إنشاء مجتمع اسلامي تتوفر فيه عناصر هذا المجتمع، فيجب أن تغلق أبواب جميع المصارف الموجودة في البلاد، ويعطل النشاط المصرفي بصورة عامة!

ولكن ببعض التأمل يظهر لنا أن المجتمع الإسلامي بما يملك من مرونة لا يقصر عن احتضان هذه المؤسسة المالية كما لا يقصر عن احتضان أية مؤسسة أُخرى تفرض نفسها على حياة الإنسان المعاصر، وذلك ببعض التعديل في محتواها وشكلها.

ولكي يتاح لنا أن نلمس من قريب الشكل المشروع للنشاط المصرفي في المجتمع الإسلامي نستعرض وجوه هذا النشاط واحداً بعد واحدٍ على ضوء الفقه الإسلامي.

١ - القروض:

للقرض أهمية خاصة في نشاط المصارف. فهو يحتل في نشاط المصارف وأعماله الحجم الأكبر. ولذلك فلا يمكن أن نتصور أن يقوم مصرف دون أن يزاول هذا اللون من النشاط المالي، ودون


أن تحتل هذه الفعالية المالية حجماً كبيراً من فعالياته ونشاطه.

ولا شك أن الشكل القائم الذي تمارسه المصارف في تقديم القروض للزبائن بشكل غير مشروع من الناحية الإسلامية. فالمصارف تطلب من الزبائن فائدة مالية أزاء ما تقدمه من قروض، وهو شيء محرم في الإسلام قطعاً، لا يشك أحد في حرمته وفي انطباق عنوان الربا عليه.

وليس من شك أن المصارف لا تستطيع، من ناحية مالية أن تقوم بتقديم القروض للزبائن، دون أن تطالب أصحابها بفائدة مالية، أزاء ما تقدمه من مال.

فهل من شكل مشروع يجمع بين انتفاع المصرف - كمؤسسة مالية - فيما تقدم من قروض وبين امتناع هذه المؤسسة المالية من الربا المحرم في الإسلام.

هذا هو السؤال الذي نطرحه في هذه الدراسة للإجابة. ولا شك أننا لو استطعنا أن نقدم الإجابة الصحيحة على هذا السؤال، ونعثر على الصيغة الكاملة للمصرف الإسلامي الذي لا يمارس (الربا) فيما يمارس من أعمال ونشاط مالي.. فقد استطعنا أن نفتح صدر المجتمع الإسلامي لهذه المؤسسة المالية، كما استطعنا أن ننقذ المجتمع مما تجره اليه هذه المؤسسات (في صيغتها الربوّية) من ويلات اقتصادية ومشاكل اجتماعية كثيرة.

وفيما يلي تصوير موجز لهذه الاطروحة:


في المجتمع الإسلامي يجوز للحاكم الشرعي - بما له من سلطة تنفيذية - أن يفرض على المصارف الأهلية أن تستخدم الودائع النقدية تحت الطلب للقروض القصيرة والقروض الاستهلاكية(١) وتقديم قروض استهلاكية طويلة الأجل بنسبة خاصة من الودائع التي يتركها العملاء في المصرف، تحت الطلب أو الأجل، من غير مطالبة بفائدة.

وهناك قروض أُخرى غير هذه القروض الاستهلاكية والقصيرة الأجل، تقدمها المصارف لأصحاب الأعمال والاستثمار الصناعي والزراعي، والقيام بأعمال انتاجية.

ويختلف حكم هذه القروض عن القروض المتقدمة التي كان للدولة أن تلجئ المصرف إلى تقديمها بلا عوض مالي. فإن المال الذي يدفعه المصرف إلى أصحاب الأعمال لا يصرف في الاستهلاك ولإشباع حاجات شخصية، وإنما يستخدم لأغراض إنتاجية تدر كثيراً من الربح على المؤسسة.

ولا ريب أن هذا الإنتاج يحصل من عاملين رئيسيين هما: العمل، ورأس المال.

والفائدة المترتبة على هذه العملية تنبسط على هذين العاملين،

____________________

(١) القروض على نحوين: استهلاكية وانتاجية. أما الاستهلاكية، فهي التي يقصد بها الاستهلاك لاشباع حاجة معينة.

والانتاجية: هي التي يقصد بها استخدام المال لأغراض انتاجية.


وتكون لكل منهما حصة من الفائدة - إذا كانت مقارنة العاملين المذكورين على نحو المضاربة(١) .

أما الضرر، فيلحق الرأسمال خاصة، ولا يتضرر العامل - صاحب العمل - ما لم يكن قد خان أو أفرط في الإتلاف.

والشريعة الإسلامية تعترف بالبنوك على هذا الأساس، وهو أقرب إلى العدالة الاجتماعية.

فإن العامل - وهو ذو حصة في الربح والإنتاج - قد خسر رأس ماله الخاص في هذه العملية (وهو العمل)، والبنك أو الرأسمالي أيضاً يخسر بدوره جزءً من رأس ماله، وهو تمام الخسارة الواردة على الرأسمال.

فالشريعة الإسلامية لا تقدم على تجميد النشاط المصرفي.. وغاية ما هناك أن المصارف - بمفهومها الإسلامي - هي مؤسسات مالية معدة لإجهاز الأشخاص بالمال اللازم على نحو «المضاربة» ليقوموا بدور الإنتاج، وتحمل الخسارات الواردة على الرأسمال، ما لم تكن هناك خيانة أو إتلاف من جانب العامل وينبسط الربح بين العامل والبنك حسب القرار الذي اتفقا عليه.

____________________

(١) المضاربة: هي أن يدفع الشخص إلى غيره مالاً ليتصرف فيه بالبيع والشراء وما يتصل بذلك، ويقتسمان الربح على قرار متفق عليه بين العامل وصاحب رأس المال. أما الخسارة فيتحمله رأس المال جميعاً. والعامل يخسر عمله فقط في حالة الخسارة.


وبهذا الشكل يمكننا أن نتخلص من مشكلة الربا، فيما تقوم به المصارف من نشاط في هذا المجال.

والإصلاح المصرفي بهذا الشكل أمر ضروري لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولتقدم الحالة الاقتصادية في البلاد.

ونحن ندلل على ذلك، ونوضح موقف البنوك من العمليات الاقتصادية في الشريعة الإسلامية.

قلنا: إن المصارف أجهزة مالية، تجلب الأموال من أصحابها على شكل القروض والودائع، فتقدمها إلى أصحاب الأعمال لتزود مؤسساتها الاقتصادية بها لتقوم بمهام الإنتاج.

فهي في الواقع جهاز وسيط يتوسط بين صاحب العمل (المنتج) والرأسمالي، وتستفيد هي من فرق النفع الذي تأخذه من العامل لتردّه إلى صاحب المال. وهذا ربح مشروع لا ضير فيه، أشبه شيء بحق العمالة، يتقاضاه البنك إزاء ما يقدمه من الخدمات الاقتصادية.

وهذه المسألة لها جوانب ثلاثة:

الأول: جانب العمال وأصحاب الأعمال.

الثاني: جانب أصحاب الأموال.

الثالث: جانب المصرف، وهو في الحقيقة وسيط بين هذين الجانبين ليس أكثر.


وقد يدفع المصرف المال إلى صاحب العمل من رأسماله الخاص لا من الأموال المودعة عنده فيحصل للبنك شخصية ذات جانبين، يضرب احداهما مع العامل في الانتاج بتزويده بالمال اللازم والاختيار التام في الانتاج، ويتوسط الثاني في عقد هذه المضاربة.

أما في المصارف الحديثة، المقرر أن يقسم الربح بين المنتج وصاحب رأس المال بتوسط البنوك.. وكيفيته أن يأخذ صاحب المال من الربح الحاصل من الانتاج شيئاً مقرراً مقابل كل مئة من الرأسمال. ويتردد ذلك غالباً فيما بين ٣ - ٤%، وقلما يتفق أن يتجاوز هذين الحدين.

ويأخذ صاحب العمل ما بقي من الربح، بعد إخراج حق المصرف في العمالة من أصل الربح... هذا في حالة الربح.

أما لو تضررت المؤسسة الانتاجية، فلا ريب أن البنك لما لم يكن له دخل في أصل الشركة ليتحمل شيئاً من الضرر، والرأسمالي أيضاً يطالب - من غير شفقة - أصل ماله مضافاً اليه أرباحه في هذه المدة فإن الخسارة تبقى على عاتق العامل؛ فيضطره ذلك إلى أن يهجر الانتاج ويعتزل التجارة. وبذلك يقل الإقبال على الإنتاج والتصنيع، وتضعف الحركات التجارية والصناعية من جانب الرأسماليين وأصحاب الأعمال على السواء.

أما من جانب أصحاب الرأسمال، فلأنه يرى الأصلح لنفسه أن يودع أمواله في البنوك، ويطمئن إلى ربح خالص على


الدوام، بدلاً من أن يعرضها لخطر التلف أو التضييع والتضرر في عمليات الاستيراد والتصنيع.

أما من جانب أصحاب الأعمال، فلأنهم يرون أن الربح ينبسط دائماً على العمل والرأسمال على قرار بينهم والخسارة تخصهم دون الرأسمال. فيحجمون عن الإنتاج ويقل النشاط الاقتصادي.

أما الطريقة الإسلامية، فهي أن يخفف العبء عن العامل ويحمل جانب الرأسمال لتنشيط العمليات الانتاجية في البلاد.

وهذا الاسلوب في تسيير الأعمال المصرفية أصلح لحاجة البلاد الاقتصادية، وأقرب إلى مفهوم العدالة الاجتماعية.

ذلك كله فيما يخص الإنتاج.

أما ربا الاستهلاك، فهو من أبشع أنواع الاختلاس والسرقة، ولا تبيحه الشريعة الإسلامية في حال(١) .

وبهذا الشكل يبدو أن تطوير أجهزة المصارف الحديثة بهذا الشكل، وإجراء تعديل بسيط في صيغة عمل المصارف الحديثة فيما يتعلق بحقل القروض، كفيل أن يجنب المجتمع من كثير من المشاكل النابعة من المؤسسات المالية والمصرفية الحديثة وأن يعطي صفة المشروعية لهذه المؤسسة المالية.

فالمصرف - بعد إجراء هذا التعديل - لا يبقى مؤسسة

____________________

(١) نشر هذا البحث من جانب كاتب هذه السطور سنة ١٣٨١ هجري في مجلة الإخاء الايرانية العدد(٢٣) السنة الثانية ٢٣ / ٧.


للإقراض وتقديم القروض في قبال فائدة مالية كالمعتاد، وإنما يتحول إلى مؤسسة للوساطة.. والتعريف بين العامل وصاحب المال، ويتلقى أجراً إزاء هذه الوساطة.

ويقسط الربح في هذه الحالة بين العامل والرأسمالي على قرار يتفقان عليه، وبعد طرح حق المصرف في الوساطة، بينما يتحمل صاحب رأس المال كل الخسارة ولا يخسر العامل شيئاً غير ما خسر من جهد وعمل، بعد التأكد طبعاً من صدق العامل عن طريقة ضبط السجلات بصورة رسمية ودقيقة.

وفي هذه الحالة يتحول المصرف إلى جهاز إنساني - مالي يعمل في تطوير وإنعاش حركة الإنتاج والتجارة والزراعة والتصنيع، ويقدم خدمات مالية إلى أصحاب المشاريع الإنتاجية ويعمل في إسهام رؤوس الأموال المعطلة في الإنتاج، دون أن يأخذ المصرف أو الرأسمالي صفة الاستغلال والاستثمار.

وأما في النظام المصرفي القائم فعلاً، فالمصارف أجهزة مالية استثمارية تعمل في أن يجني أكبر حد ممكن من الربح، ولا يهمها أن يكون العامل قد ربح فعلاً في الإنتاج أو خسر... فإن المصرف على كل حال يطالب بالنسبة المقررة من الفائدة.

٢ - خصم «الكمبيلات» والسندات المالية:

وهو وجه آخر من أهم وجوه النشاط المصرفي، ويجوزه بعض الفقهاء باعتبار قيام البنك بشراء هذه الأوراق بقيمة دون


قيمتها الاسمية.

وهو من بيع الدين بأقل منه. فإن ورقة الكمبيالة تمثل ديناً لحاملها على محررها بمبلغ من المال فيبيعها حامل الكمبيالة على المصرف بمبلغ أقل منه.

وبيع الدين بأقل منه جائز، من الناحية الفقهية، إذا لم يكن الدين من المكيل والموزون.

أما لو كان الدين من المكيل أو الموزون كالحنطة والشعير والذهب والفضة فلا يجوز بيعه بأقل منه لأنه من الربا في البيع.

فيجوز إذن خصم الكمبيالة، فيما لو كان الدين من غير المكيل والموزون، أو كان من المكيل والموزون وبيع بشيء آخر من غير نوعه.

هذا في خصم الكمبيالات فيما لو كان الدين حقيقياً.

أما في كمبيالات (المجاملة) فله وجه آخر لسنا بصدده الآن.

٣ - التحويل:

وهو وجه آخر من وجوه النشاط المصرفي. ولا بأس به من الناحية الشرعية. والفضل الذي يتقاضاه المصرف في هذه الحالة عمولة مشروعة إزاء قبول المصرف الحوالة، ودفع المبلغ إلى المحتال بأمر المحيل، فيما إذا لم يكن للمحيل رصيد في البنك المحال عليه، فإن المصرف حجة بريئة في هذه الحالة، ولا ملزم


لها بتقبل الحوالة، ودفع المبلغ إلى الجهة التي يأمر بها المحيل، فيجوز لها تقاضي عمولة خاصة إزاء ذلك.

وأما حينما يكون البنك مديناً للمحيل فلا شك أن البنك غير ملزم بدفع المبلغ المؤشر إليه في الحوالة إلى غير المحيل نفسه - صاحب الحق - ولا يجب عليها الدفع إلى الجهة التي يريدها المحيل. فيجوز لها تقاضي عمولة خاصة على ذلك.

وليست هذه العمولة من الربا المحرم في شيء.

٤ - فتح الاعتماد:

وجه آخر من وجوه النشاط المصرفي المشروع، والفضل الذي يأخذه المصرف عمولة مشروعة للمصرف لقيامه بالوساطة في تعريف المؤسسة التجارية المستوردة للشركات المصدرة وضمانته لوصول الثمن إليها حين وصول البضاعة.

ولا بأس من الناحية الشرعية بهذا الوجه من وجوه النشاط المصرفي، بقدر ما يتعلق بعمولة المصرف فيما بذله من جهد في هذا المجال، وأما ما يتقاضاه المصرف كفائدة عن المال الذي يدفعه إلى الشركات المصدرة، بعد وصول البضاعة، وذلك عند عدم وجود رصيد للمشتري فهو من الربا المحرم.

ذلك، بصورة إجمالية، صورة عن النشاط المصرفي المشروع


في المجتمع الإسلامي.

وقد رأينا أن التشريع الإسلامي لا يضيق صدراً بهذه المؤسسة المالية، وإنما يقوم بتعديل هذه المؤسسة إلى الصورة الصحيحة التي تلائم شكل المجتمع الإسلامي، ولا تؤدي إلى حصول تضخم مالي لصالح المؤسسات المالية وبورصات المال، وعلى حسلاب الطبقة الفقيرة والعاملة من المجتمع.

هذا وللتفصيل في هذا البحث مجال آخر من الكتب الفقهية وقد حاولنا في هذه الدراسة إعطاء ملامح عن النشاط المصرفي المشروع، تاركين التفصيل للكتب الفقهية المعدة لهذا الموضوع.


أنحاء التداول في الفقه

ذكرنا فيما تقدم أن التداول يتقوم بطرفين هما: المعوض والعوض.

وحددنا (المعوض) بما يطلب لقيمته الاستعمالية.

وحددنا (العوض) بما يطلب لقيمته التبادلية.

وبغض النظر عن نوعية العوض يمكن تصنيف التداول والمعاملة في الفقه الإسلامي حسب انواع المعوض.

فقد تقدم أن المعوض في التداول يعم أعيان البضاعة والعقار والحقوق المالية والخدمات البشرية.

ويمكن تصنيفه إلى الأقسام الأربعة التالية:

١ - فقد يكون المعوض عيناً سلعياً قابلاً للتنقل كالسجاد.

٢ - وقد يكون عقاراً غير قابل للتنقل كدار للسكنى.

٣ - وقد يكون حقاً مالياً كحق الاختصاص في الأرض.

٤ - وقد يكون خدمة بشرية أو سلعية.

وتكون المعاملة بيعاً أو (صلحاً(١) ) في الحالات الثلاثة الأولى.

____________________

(١) فيما إذا تعلقت المعاملة بالحقوق المالية، بناء على رأي بعض الفقهاء. حيث لا يجوزون وقوع (الحق) طرفاً في التداول.


وتكون (إجارة) أو (جعالة) في الحالة الرابعة أي عندما يتعلق العقد بالخدمة، سواء كانت الخدمة بشرية أم سلعية.

وفي هذه الأحوال جميعاً... قد يقوم بالتداول والمعاملة مجموع من الأفراد، على صورة جمعية وذلك كما لو اشترك جماعة في تملك رأس مال معين ومارسوا فيه مختلف وجوه النشاط من بيع وإجارة وغير ذلك من وجوه النشاط التجاري... فيطلق عليهم عنوان (الشركة)، وقد يقوم به فرد واحد.

وفيما يأتي نتحدث عن مواضيع ثلاثة على نحو الإجمال.

١ - البيع

٢ - الإجارة

٣ – الشركة


١ - البيع

(أ) تعريفه:

هو العقد الدال على تمليك عين(١) بعوض معلوم.

(ب) أقسامه:

يقسم البيع باعتبار تعجيل الثمن والمبيع وتأجيلهما إلى أقسام أربعة:

١ - بيع النقد: وهو أن يعجل بالثمن والمبيع معاً.

٢ - بيع النسيئة: وهو أن يعجل بالمبيع ويؤجل الثمن.

٣ - بيع السلف (السلفة): وهو أن يعجل بالثمن ويؤجل المبيع.

٤ - بيع الكالئ بالكالئ: وهو أن يؤجل الثمن والمبيع معاً.

والأقسام الثلاثة الأولى مشروعة... بينما لا ينعقد القسم الرابع من الناحية الشرعية.

(ج) شروطه ووسائله:

يشترط في العاقدين العقل والاختيار والقصد، فلا يقع البيع

____________________

(١) ويختلف الفقهاء في صلاحية وقوع (الحق) في قبال المال في البيع.


من المجنون أو المجبر أو الهازل.. كما يشترط فيها الملك أو النيابة عن المالك أو الولاية عليه.

فلو باع الإنسان ما لا يملكه فضولياً، توقفت صحة العقد على إجازة المالك، ويختلف الفقهاء في الإجازة تقع كاشفة عن صحته من حين العقد أم ناقلة من حين الإجازة.

ويشترط في العوض:

١ - أن يكون مما يملكه الإنسان. فلا ينعقد بيع الحر، والأشياء التافهة كالفضلات والحشرات.. إلاّ أن يكون فيها منفعة محللة عادية كدودة القز والنحل وغير ذلك.

٢ - أن يقدر على تسليمه. فلا يصح بيع السمك في البحر والطير في السماء.

٣ - أن يكون مقدراً من حيث الجنس والوصف والمقدار، إما بالوصف أو بالمشاهدة، وأن يكون مقدراً من حيث الأجل في المؤجل.

(د) الخيارات ومسائلها:

الخيار هو ثبوت الاختيار للمتبايعين أو أحدهما في استرجاع العين بعد العقد، وهو حق يورث كسائر الحقوق الشرعية. وأهمه هو:

١ - خيار المجلس:

وهو ثابت للمتبايعين ما لم يفترقا عن المجلس.


٢ - خيار الحيوان:

ويثبت للمشتري خاصة إلى ثلاثة أيام في شراء الحيوان.

٣ - خيار الشرط:

ويثبت لهما أو لأحدهما لمدة تطول أو تقصر في حدود الشرط.

وشرعية الخيار بهذا الشكل، تدل على مرونة المعاملة وتداول الثروة في التشريع الإسلامي.

وفيما إذا لم يجد أحدهما منفذاً للخيار يستقيل صاحبه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الإقالة، مما لا نريد أن نتعرض لها في هذا المجال.

(ه) البيوع المحرمة:

من سمات التشريع الإسلامي، أنه شريعة متكاملة، يرتبط بعضها ببعض، ويتصل الجانب الأخلاقي منه بالجانب التشريعي والجانب التشريعي منه بالجانب العقائدي.

والبيع كأية ظاهرة اقتصادية، اجتماعية لا يمكن أن ينفصل عن المسائل الأخرى في التشريع الإسلامي، ولا يمكن أن يعالج مسائل البيع بمعزل عن مسائل الحياة الاُخرى.

فهو دين متكامل ينظر إلى مسائل الحياة بنظرة كلية، ويرفض أي لون من الوان التجزيء والتفكيك في القضايا المتعلقة بالإنسان


وانطلاقاً من هذه النظرة الكلية في هذا الدين في مسائل التشريع والحياة يمنع الإسلام وقوع البيع في الأُمور التالية:

١ - الأعيان النجسة، التي تضر الإنسان من ناحية صحية، أو تحمل معها جراثيم ضارة، كالمايع والدهن النجسين، والفضلات، والميتة، وأرواث وأبوال الحيوانات غير المأكول لحمها، والخنزيز، والكلب...

٢ - الأشياء التي تنافي الأخلاق وتؤدي إلى شيوع الفساد والاستهتار والخلاعة، كآلات اللهو، من الدف والمزمار والناي والبيانو، وآلات القمار كالنرد، والشطرنج، والمسكرات، والصور الخليعة، والمجلات التي تحمل هذه الصور، والقصص الغرامية والبوليسية، والأفلام السينمائية الخليعة..

٣ - الأشياء التي تؤدي إلى الإضرار بعقيدة الأمة او إشاعة الإلحاد وإثارة الشكوك في أذهان الناشئة.

ويدخل في ذلك: بيع ونشر الكتب والمجلات والنشرات التي تكتبها وتصدرها جهات أجنبية، تدس فيها توجيهات ومفاهيم انحرافية تتوخى منها تسميم أذهان المثقفين من الناشئة بصورة خاصة، وإثارة الشكوك في نفوسهم.

ويصطلح الفقهاء على تسمية هذه الكتب ب «كتب الضلال».

ولكن ينبغي أن نعلم أن هذا النهي لا يشتمل العلم والثقافة والفكر الذي يردنا من خارج حدود العالم الإسلامي، فلم يحظر


الإسلام على المسلمين أن يطلعوا على هذا العلم، ويقرأوا منه، وإنما يقصد هذه الكتب المدسوسة التي تدس الإنحراف إلى أفكار المسلمين.

كما ينبغي ان يعلم أن اقتناء هذه الكتب وقراءتها لغرض مكافحتها لا بأس به من الناحية الشرعية، بل لابد أن يتهيأ نفر من المسلمين لمكافحة الإتجاهات الانحرافية الداخلية لحماية أفكار المسلمين وعقائدهم.

٤ - بيع الأسلحة والعتاد إلى العدو وما شاكل ذلك مما يسبب خطراً على الكيان الإسلامي وعلى سلامة البلاد وامنه من الداخل والخارج(١) .

____________________

(١) راجع الروايات الواردة في ذلك في كتاب وسائل الشيعة ٦ / ٧٠ ط دار الاحياء.


٢ - الإجارة

(أ) تعريفها:

هي - كما يقول الفقهاء -: «تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم»(١) .

أو هي - كما حددناها - تقديم الخدمات بعوض معلوم.

(ب) أقسامها:

والخدمات على ثلاثة أنواع:

١ - خدمات بشرية: كخدمات العامل، والطبيب، والمحامي والموظف.

٢ - خدمات سلعية: كخدمات السيارة، والدراجة، والحيوان.

٣ - خدمات عقارية: كخدمات دور السكنى، والبنايات، والبساتين(٢) .

ولكل من هذه الأقسام تفاصيل في الفقه الإسلامي.. لا يسعنا الحديث عنه.

____________________

(١) المختصر النافع: ١٥٢.

(٢) ويمكن دمج القسمين الأخيرين معاً واعتبارهما شيئاً واحداً.


(ج) شروطها ومسائلها:

يشترط في المتعاقدين: العقل، والاختيار، والملك أو الوكالة أو الولاية على المالك.

ويشترط في الأُجرة: أن تكون مقدرة، وتكفي بالمشاهدة.

ويشترط في المنفعة: أن تكون مما يملكها المؤجر.

ويجوز للمستأجر أن يؤجر العين لغيره إلاّ أن يشترط عليه المؤجر أن يستوفي المنفعة بنفسه.

وأن تبقى العين مع استيفاء المنفعة.

وأن تكون المنفعة مباحة.

ويستحب أن يوفي الأجير أجره عند الفراغ من عمله.

(د) الخدمات التي منع الإسلام تداولها:

وانطلاقاً من النظرة الإسلامية الكلية في معالجة مسائل الحياة - كما أشرنا إليه من قبل - نجد أن الفقه الإسلامي يحظر على المسلمين تداول الخدمات التي تؤدي إلى الإضرار بالمسلمين.

ومن استعراض هذه الخدمات التي يحرم تداولها، يستطيع الباحث أن يلمح حدود وأُصول النظرة الإسلامية في ترابط مسائل الحياة وعدم إمكان التفكك بينها.


وفيما يلي نستعرض أهم الخدمات التي منع الإسلام من تداولها:

١ - الخدمات التي يقصد منها الوصول إلى نتائج غير مشروعة:

وذلك كاستئجار وإيجار محل لاستيراد الخمور أو لصنعها، أو إيجار واستئجار محل لبيع الصحف والنشرات الفاسدة، أو استئجار سيارة أو إيجارها لأغراض غير مشروعة يضر بالصالح الإجتماعي العام.

٢ - نحت التماثيل المجسمة:

وحرم الإسلام هذا اللون من الخدمات البشرية ذات الطابع الفني، لما ترمز إليه من وثنية جاهلية قضى عليها الإسلام.

ومهما يقال في هذه الصورة من صور الفن الجاهلي، فهي تشير إلى رواسب جاهلية من الخضوع لغير الله - تعالى -.

والعناية بتماثيل من الحجر أو الجبس لأشخاص من نوع الإنسان ونصبها في الشوارع والميادين... ترمز إلى صورة من الاحترام للأحجار... لا يليق بالإنسان المسلم، الذي ينحني لله - تعالى - وحده.

وفي ذلك يذهب الإسلام إلى تنزيه الفن من شائبة الشرك في العقيدة، كما يدلل أيضاً على هذا الترابط الوثيق القائم بين مسائل الفن ومسائل العقيدة ومسائل الحياة الأُخرى.


٣ - رسم صور ذوات الأرواح:

وهو صورة أُخرى من صور الفن الجاهلي تتضمن معنى في تحدي الخالق - تعالى - والتشبه به في صنع صورة من أشرف وأكمل ما خلق الله - سبحانه وتعالى - إلاّ أن ذلك لا يعني تحريم التصوير الفوتوغرافي.

فالصورة الفوتوغرافية لقطة، وليست برسم.. كما أن عملية التصوير لا تخرج من حدود «الإلتقاط».

ولذلك يختلف التصوير عن الرسم في الحرمة والجواز.

وقبل أن أترك الحديث عن هاتين الصورتين من الفن الجاهلي، أرغب أن أُشير إلى أن الفن الإسلامي لا يتوخى السلامة فقط في الأهداف، وإنما يتوخى قبل ذلك النظافة في الوسائل أيضاً.

والظواهر الفنية التي ترمز إلى لون من ألوان التفكير الجاهلي، أو تتضمن محتوى لا إسلامياً يلغيها الإسلام.

٤ - الصناعات غير المشروعة:

وذلك كصناعة الصلبان والأوثان، وآلات القمار واللهو، وصناعة الأفلام السينمائية المنافية للأخلاق، وما يدخل في ذلك(١) .

يقول الإمام الصادقعليه‌السلام فيما يروى عنه: «إنما حرم الله

____________________

(١) راجع كتاب «المكاسب» للشيخ الأنصاري.


الصناعة التي حرام هي كلها، التي يجيء منها الفساد محضاً؛ نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكل ملهوّ به، والصلبان والأصنام وما أشبه ذلك من صناعات الأشربة حرام، وما يكون منه وفيه الفساد محضاً، ولا يكون فيه ولا منه شيء من وجوه الصلاح، حرام تعليمه وتعلمه والعمل به وأخذ الأجرة عليه وجميع التقلب فيه»(١) .

٥ - خدمات صالات التجميل:

ومن الخدمات المحرمة تداولها، الخدمات التي تقدمها صالات التجميل في الوقت الحاضر في تزييف مظاهر الجمال وتشويه الملامح الطبيعية لجمال المرأة.. بما تلقي على وجهها من أصباغ، وتصطنع لها من ماكياج، فتظهرها بغير وجهها الطبيعي.

فعن «معاني الأخبار» عن جعفر بن محمدعليه‌السلام : «لعن رسول الله (ص) النامصة والمنتمصة، والواشرة والموشرة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة»(٢) .

وفي الوقت الحاضر تقوم بهذه العملية دور جاهزة، وصالات كبيرة، وتصرف النساء على هذه المؤسسات في كل سنة، الملايين

____________________

(١) تحف العقول: ٣٣٦.

(٢) المكاسب: ١ / ٣١. قال الصدوقرحمه‌الله : «النامصة هي التي تنتف الشعر، والمنتمصة التي يفعل بها ذلك. والواشرة التي تشر أسنان المرأة، والموشرة التي يفعل بها ذلك. والواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر غيرها. والواشمة التي تشم في يد امرأة».


الطائلة من الأموال، ويقضين في هذه الصالات ساعات طويلة من الوقت.

ولا يحتاج إلى إيضاح أن الإسلام لا يمنع عن الزينة والجمال:( قل من حرَّم زينة الله التي أخرجها لعباده.. ) (١) ، وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال: «إن الله يحب الجمال والتجمل، ويكره البؤس والتباؤس، وإن الله عزّ وجلّ إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى عليه أثر نعمه»(٢) . ولا يمنع من أن يظهر المسلم نفسه بحظ وافر من الزينة في المجالس والمجامع والنوادي:( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) (٣) .. ولكن الإسلام يمنع من أن يصطنع الإنسان هذا الجمال، ويزيف هذه الزينة، ويتخذ ذلك حرفة له، ويأسر نفسه أمام المرآة، ويجلس على كرسي الحلاقة ساعات طويلة بين يدي الحلاق ليلعب بملامحه ويشوه من شكله.

ويدخل في هذا الحساب دور الأزياء ومعارضها في الأسواق والدعاية للمودلات الجديدة من الملابس، والتأنق في العرض بالشكل الخليع والرخيص الذي يمارسه أصحاب دور الأزياء في الوقت الحاضر في أوروبا وأميركا وفي الشرق عندنا.

والإسلام على عنايته البالغة بالجمال والزينة، يحبِّب للرجل المسلم أن يظهر بمظهر الرجولة والقوة والخشونة، أكثر مما يظهر

____________________

(١) سورة الأعراف: ٣٠.

(٢) إرشاد القلوب للديلمي ص ٣٢٣، ط المكتبة المحمدية: قم.

(٣) سورة الأعراف: ٢٩.


بمظهر التخنث والميوعة.

وكان رسول الله (ص) يأمر الرجال من المسلمين أن يخشوشنوا دائماً، ويعوّدوا أنفسهم على الخشونة في الحياة.

قال (ص): «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء»(١) .

وكان (ص) يزجر الرجل أن يتشبه بالنساء، وينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها(٢) .

٦ - السحر والشعبذة والتنجيم:

وقد منع منه الإسلام نظراً لما في تقديم هذه الخدمات من أضرار على ذهنية الأمة وحياتها الاجتماعية.

فالأمة التي تؤمن بخرافات المنجمين والسحرة والمشعوذين، وتربط مصيرها بهذه التماتم والأوراد والطلسمات التي يقدمها هؤلاء المشعوذون.. لا تستطيع أن تشق لنفسها طريقاً في الحياة، ولا تسطيع أن تغالب الأحداث والصعوبات التي تعرقل مسيِرة الإنسان في الحياة.

فالجهد المثمر، والعزم الصادق، والإيمان بالله، هي التي تقرر مصير الأُمم وليس الإيمان بنبوءات المنجمين، وتمتمات المشعوذين.

____________________

(١) المكاسب: ١ / ٢٣.

(٢) نفس المصدر.


والأُمة الناجحة هي التي تعرف كيف تسبق أقرانها في مجالات الحياة وفي العمل والجهد البناء والتصميم، وتعرف كيف تتغلب على العقبات... أما الأُمة التي تقبع في زاوية من زوايا الحياة لتنتظر - بفارغ الصبر - خروج العقرب عن القمر وتقابل النيِّرين، أو تتمتم على عود تحرقه في مجمرة! فهي أُمة لا تليق بالحياة ولا يحق لها أن تعيش... تلك وثنية في العقيدة، وعاجزة عن مواجهة مشاكل الحياة ومعالجتها.

ولذلك كله وقف الإسلام في وجه هذه الخرافات والأفكار الوثنية، ومنع من إشاعتها وقرنها بالجاهلية والوثنية والكفر.

وورد عن النبي (ص): «من صدق منجماً أو كافراً فقد كفر بما أنزل الله على محمد»(١) .

وورد عن الإمامعليه‌السلام «إن المنجم ملعون والكاهن ملعون والساحر ملعون»(٢) .

ولما أراد أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يسير إلى بعض أسفاره، قال بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين! إن سرت في هذا الوقت خشيت ألاّ تظفر بمرادك من طريق علم النجوم.

فقالعليه‌السلام له: «أتزعم أنك تهتدي إلى ساعة من سار فيها انصرفت عنه السوءة، وتخوِّف من الساعة التي من سار فيها

____________________

(١) المكاسب: ١ / ٢٥ - ووسائل الشيعة ٦ / ١٠٤ ط دار الاحياء.

(٢) المكاسب: ١ / ٢٥.


حاق به الضرر..؟ فمن صدقك بهذا القول كذب القرآن واستغنى عن الاستعانة بالله»(١) .

٧ - الغناء:

وهو ما يتعارف في مجالس اللهو، من ترجيعة الصوت بشكل يبعث على الطرب واللهو.

وقد منع الإسلام من تعاطي الغناء واستخدام المغنين والاستماع إليه.. نظراً لما يترتب على الغناة من مفاسد فردية واجتماعية.

وقد أكد الفقه الإسلامي في تحريم الغناء والموسيقى على جانب اللهو فيهما خاصة.

ويعني باللهو: الانشغال عن واقع الحياة وفقدان الشعور بالمسؤولية، وهو من أهم خصائص الغناء والموسيقى.. كما أنه من أسباب إقبال الناس عليهما.

والإسلام ينهج نهج الجدّ في الحياة، ويطلب من المسلم أن يواجه مسائل الحياة بجدّية وصرامة وقوة ولذلك فالتربية الإسلامية تعنى بجانب القوة والجدية والصرامة في شخصية الإنسان المسلم، وتعوّد المسلم على أن يأخذ مسائل الحياة مأخذ الجد، وأن يتجنب التميع والضعف.

____________________

(١) المكاسب: ١ / ٢٥.


فالحياة في نظر الإسلام عقيدة وجهاد، تتطلب الصمود والتضحية، بصورة مستمرة دائمة. ونظرة إلى الحياة من هذا القبيل... تتطلب من معتنقيها تربية صارمة جادّة تضع شخصية المسلم بهذا المستوى من الجدية والقوة.

والموسيقى والغناء، وكل لهو من هذا القبيل يفقد الإنسان هذه القوّة والجدية، ويبعث في نفس الإنسان التحلل والتميع والرخاوة.

وينشئ الإنسان نشأة رخوة متميعة، ويخدّر النفس، ويسلب الإنسان الشعور بالمسؤولية.

وهو عامل هام في ذوبان الشخصية وتمييعها.

والذين يعتادون الاستماع الى البرامج الموسيقية والغنائية، يفقدون - في الغالب - صلابة الشخصية، وقوة الإرداة، والسيطرة على النفس، فتهتز أعطافهم مع أمواج الموسيقى الصارخة، التي تمغطس نفوسهم، وتفعل فيهم فعل السحر.

وطبيعي أن منهجاً جاداً في الحياة كالإسلام، يقع على طرف النقيض من هذا اللهو، ولا يرضى لمعتنقيه مثل هذا الإسفاف والتحلل بحال من الأحوال.

والذين يجدون في الغناء ترويحاً للنفس، وتلطيفاً لأجواء الحياة المتعبة المزدحمة بالمتاعب، وإنعاشاً للشعور والحس، ومتعة


تخلد إليها النفس... يخطأون كثيراً، ويضعون الأشياء في غير نصابها.

فكم من فرق بين أن يستريح الإنسان إلى شيء وينعم به، وينعش به حاسة الجمال والتذوق الفني في نفسه، وبين أن يخلد إلى لهو من اللهو لينسيه نفسه، ويغفله عن واقعه، ويبعث في نفسه التحلل والتميع.

وقد ذكرنا قريباً أن الإسلام يطلب من (الفن)، السلامة في الغاية والطريق معاً، ولا يكفي أن يكون الفن سليماً في أهدافه وغاياته فقط.


٣ - الشركات

بعد ما انتهينا عن «التداول الفردي» ننتقل إلى «الشركات». والشركة: هو الإشتراك في الملك وخلط السهام.

وقد يكون سببه «الإرث» كما إذا ورثا معاً شيئاً.

وقد يكون سببه «العقد».. كما إذا اشتريا بعقد واحد داراً.

وقد يكون سببه «الحيازة».. كما إذا حازا معاً أرضاً وأصلحاه.

وقد يكون سببه غير ذلك...

والشركة قد تتعلق ب «الأعيان».. كما إذا اشتركا في شراء بضاعة.

وقد تتعلق ب «المنافع».. كما إذا اشتركا في إيجار دار.

وقد يتعلق ب «الحقوق» كحق الخيار والشفعة وغيرهما.

شرعية الشركة:

أقر الإسلام الشركة وأجازها.

وقد روي: ان البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين


فاشتريا بنقد ونسيئة. فبلغ ذلك رسول الله (ص) فأمرهما بقوله: «إن ما كان نقداً فأجيزوه، وما كان نسيئة فردوه».

أقسام الشركة:

والمشروع من الشركة قسمان:

١ - شركة العنان.

٢ - شركة المقارضة (المضاربة).

١ - شركة العنان:

وهي شركة الأموال، نسبة إلى «العنان»، وهو اللجام الذي تمسك به الدابة، لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرف(١) .

ويساهم المشتركون فيها بالعمل وتجهيز الشركة بالرأسمال الذي يقوم بتسييرها، وليس لأحد أن يتصرف في المال من غير إذن الشركاء الآخرين. ويتساويان في الربح وتحمل الخسارة مع تساوي المال، أو يقتسمان الربح والخسارة على ما اتفقا عليه.

٢ - شركة المضاربة:

وهو أن يدفع مالاً إلى غيره ليعمل فيه بحصة معينة من

____________________

(١) شرح اللمعة: ١ / ٣٣٦.


الربح(١) .

أي يشترك اثنان أو أكثر.. بأن يقدم جانب منهما رأس المال، ويقوم الجانب الآخر بالعمل، ويقتسمان الربح بينهما حسبما يتفقان، وتقع الخسارة كلها على جانب رأس المال، ولا يتحمل العامل شيئاً من الخسارة.

والعامل أمين لا يضمن.

ذلك هو الشكل المشروع للشركة في الفقه الإسلامي، وأما ما عدا ذلك من شركات المفاوضة والوجوه والأبدان، فلا يجوز.

____________________

(١) شرح اللمعة: ١ / ٣٣٩.


الغايات والنتائج الرئيسية لنظام التداول

مما تقدم من شرح عن التخطيط الإسلامي لنظام التداول، يجد الباحث أن هذا التخطيط، تخطيط هادف يؤدي إلى تحقيق غايات ونتائج كبيرة في حقل الانتاج والتوزيع والاستهلاك والقضايا الإنسانية الأُخرى.

ولا يتسع هذا البحث لاستعراض هذه النتائج بصورة موسعة وبشكل واف، إلاّ إننا نحاول أن نلمح إلى أهم هذه النتائج بصورة موجزة، في حدود ما يسمح به حجم هذا البحث.

١ - سرعة التداول:

لا ريب أن «السرعة في التداول» مما يطلبه الإسلام في الثروات على نحو الإجمال، ويمنع من تجميد الثروة وحبسها عن التداول والحركة في الاسواق، في البضاعة والنقد على نحو سواء.

فالثروة، في النظرية الإسلامية، لابد أن تتصف بصفة الحركة والسيولة الدائمة في الأسواق حتى تؤدي دورها في تنشيط الحركة الاقتصادية، وإشباع حاجات المستهلكين، ومتى تتوقف الثروة عن الحركة والتداول في السوق، وتفقد صفة السيولة


لا تستطيع أن تفي بدورها في تنشيط الأسواق وإشباع الحاجات الاستهلاكية المختلفة القائمة بأنواع الثروات المختلفة.

فحين يتداول الناس ثروة في الأسواق وتنتقل في الأيدي، وتتضافر عليها الجهود، تؤدي هذه الحركة إلى نمو عام في ثروة البلاد وواردها، ونشاط وحركة قوية في الأسواق، وإشباع الحاجات المختلفة. وبالعكس تماماً تضمير ثروة البلاد عندما تركد، وتتوقف عن الحركة والتقلب في الأسواق في وجوه النشاط المالي، كما تضطرب حياة الناس وتختل عندما لا تستطيع الأسواق أن تفي بحاجات الناس الاستهلاكية المختلفة.

ولذلك فقد أكد الإسلام على سرعة تداول الثروة في الأسواق بشكل عام.

فمنع من كنز النقدين - الذهب والفضة - وحبسهما من الحركة والجري في الأسواق، وأمر بتوظيفهما في مجاري النشاط المالي وإنفاقهما في سبيل الله.

فقال تعالى:

( وَ الَّذِينَ يَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‌ ) (١) .

وبذلك فقد أكد الإسلام على ضرورة توفير عنصر السيولة

____________________

(١) سورة التوبة: ٣٤.


والحركة في النقدين، وشجع على توظيفهما في الأسواق وإنفاقهما في سبيل الله.

هذا في النقد، وأما في البضاعة... فقد حرم الإسلام احتكار البضاعة التي يحتاج إليها المسلمون في معاشهم ومأكلهم.

فعن رسول الله (ص):

«ولئن يلقى الله العبد سارقاً أحب إليّ من أن يلقاه قد احتكر طعاماً أربعين يوماً»(١) .

ومما يجدر الانتباه اليه هذه المقارنة في الرواية بين السرقة والاحتكار، فان الاحتكار لون من السرقة لأرزاق الناس ومعاشهم، ويزيد المحتكر على السارق أنه يغتصب أرزاق المجتمع ومعاشه، بينما السارق لا يزيد على اغتصاب مال فرد أو أفراد معدودين.

فالثروة المحتكرة، وإن كانت ملكاً لصاحبها، ولكن من وجه آخر ملك للمجتمع أو حق له بحيث لا يجوز لصاحبه أن يمنع المجتمع من ابتياع هذه الثروة وصرفها في مصارفها، فاذا شاء صاحبها أن يمنع المجتمع من هذه الثروة ويحبسها عن السوق فهو «سارق» يحرم المجتمع حقه في هذه الثروة.

ومن هنا كان الاحتكار أشد في نظر الإسلام من السرقة.

وقال... (ص): «أيّما رجل اشترى طعاماً فكبسه

____________________

(١) سفينة البحار: ١ / ٢٩١ - وسائل الشيعة: ٦ / ٣١٤.


أربعين صباحاً، يريد به غلاء المسلمين، ثمّ باعه فتصدق بثمنه... لم يكن كفارة لما صنع به»(١) .

وكأنه تصدق بمال مسروق، ومن الطبيعي أن الصدقة لا تكون كفارة للسرقة.

وقال... (ص): «المحتكر ملعون»(٢) .

وعهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام إلى واليه على مصر مالك الأشتر -رحمه‌الله - من أن «امنع الاحتكار، فان رسول الله (ص) منع منه، فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه، فنكل به (ص) وعاقبه في غير إسراف»(٣) .

وكذلك يجد الباحث من دراسة مجموعة النصوص الإسلامية في هذه المسألة، أن الإسلام يطلب سرعة تداول الثروة، ويمنع من تجميد الثروة وحبسها عن التحرك في السوق، بضاعة كانت الثروة أو نقداً، ويعتبر السيولة والتحرك شيئاً من طبيعة الثروة، وحبس الثروة عن الحركة يعتبر تحريفاً للثروة عن أداء دورها الذي خلقها الله تعالى له.

٢ - تحديد الثروة الفردية:

ومما يلاحظ في نظام التداول في الإسلام، أن الفقه الإسلامي

____________________

(١) سفينة البحار: ١ / ٢٩١ ووسائل الشيعة ٦ / ٣١٤.

(٢) سفينة البحار: ١ / ٢٩١ ووسائل الشيعة ٦ / ٣١٥.

(٣) نفس المصدر.


يحول دون تورم الثروة الفردية بصورة غير طبيعية.

وسلك في ذلك مسلكين؛ يندرج أحدهما في إطار «نظام التداول»، الذي هو موضع حديثنا، ويندرج الآخر في اطار «نظام المال» الذي سبق الحديث عنه في هذه الرسالة.

أحدهما يحول دون تورم الثروة من داخل أعمال الانتاج والتداول، ويحول الآخر دون تورم الثروة من الخارج.

ففي المسلك الأول يلغي الإسلام شرعية المعاملات والأساليب الانتاجية التي تؤدي الى التضخم المالي في حقل الملكية الفردية، ويعتبرها أساليب غير مشروعة في الانتاج والتداول كالربا والغش والمقامرة والرشوة.

( وأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ، وَحَرَّمَ الرِّبا ) (١) .

( وَلا تَأكُلوا أَمْوالَكُم بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ، وَتُدْلوا بِها إلىَ الْحُكّامِ، لِتأكُلوا فَرِيقاً مِن أَمْوالِ النّاسِ بِالاِثمِ، وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٢) .

في هذه المرحلة يضع الفقه الإسلامي قيوداً وحدوداً على أعمال الانتاج والتداول، تؤدي إلى تقليص الوارد الفردي - إلى حد ما - والحيلولة دون تورم الملكية الفردية.

فان تورم الملكية الفردية ينشأ غالباً عن عدم تخطيط تشريعي

____________________

(١) سورة البقرة: ٢٧٥.

(٢) سورة البقرة: ١٨٨.


صحيح لعملية الانتاج والتداول في مرحلة انتاج الثروة. وبهذه العملية يحول الفقه الإسلامي دون تضخم الثروة الفردية في هذه المرحلة.

وفي المسلك الثاني، يحيط الفقه الإسلامي الثروة الفردية بسلسلة من التشريعات من الخارج، بعد إنتهاء مرحلة الانتاج، لتحديد الثروة الفردية، وإعادة الفائض منها إلى الفئات الفقيرة والحاجات والمرافق الاجتماعية.

وهذه التشريعات، هي الضرائب المالية التي يفرضها الفقه الإسلامي على الثروة بعد إنجاز إنتاجها.

وقد سبق أن استعرضنا هذه الضرائب بتفصيل في البحث عن النظام المالي، في القسم الاول من هذه الرسالة.

ووجدنا هناك أن الغاية من التشريعات الضريبية في الفقه الإسلامي، هي تقليص الوارد الفردي عن الحد المعقول في المجتمع وصرف الفائض منها في حاجات المجتمع، وتعديل توزيع الثروة:

( كَيْ لا تَكُونَ دَوُلةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ) (١) .

فالفقه الإسلامي اذن، كي يحول دون تورم الثروة، يحيط الثروة بسلسلة من التخطيطات والتشريعات الدقيقة في مرحلتين:

في مرحلة الانتاج، ومرحلة التوزيع، وفي كل من حقل

____________________

(١) سورة الحشر: ٨.


«تداول الثروة» و«نظام المال».

كل ذلك دون أن يمس الفقه الإسلامي أصل الملكية الفردية، فهي في نظر الفقه الإسلامي، حاجة أصيلة ذات جذور بعيدة في حياة الفرد والمجتمع، لا يجوز الغاؤها بحال من الأحوال، وانما يجب تحديدها بصورة دقيقة، لا تؤدي الى تعطيل الأجهزة الاقتصادية العامة في المجتع من القطاع الخاص.

٣ - رعاية المصالح الإنسانية:

وهذه غاية أخرى من الغايات التي ينطوي عليها التخطيط الإسلامي في تداول الثروة.

فان الفقه الإسلامي، لا يخطط لنظام التداول في المجتمع الإسلامي بمعزل عن ملاحظة المصالح الإنسانية المرتبطة بجهاز الانتاج والتداول، وانما يعتبر هذه الاجهزة والمصالح مرتبطة بعضها ببعض، ومتشابكة، ولا بد من لحاظها جميعاً في التشريع كلاً لا يتجزأ.

ومن هذا المنطلق، نجد أن الفقه الإسلامي يعالج مسألة التداول بشكل مرتبط بالمصالح الإنسانية، فيلغي من المعاملات وأساليب التداول والانتاج ما يضر بهذه المصالح والشؤون الإنسانية، فيحرم إنتاج آلات اللهو واخراج الافلام الخليعة، وتصدير الكتب الضالة والمجلات الضارة، وبيع الاسلحة للعدو وانتاج وتداول البضائع التي تسبب اضراراً للمجتمع كالخمر وآلات


القمار وما يتصل بذلك.

وهذا التماسك التشريعي، يلحظ في كل جوانب الفقه الإسلامي ويجد الباحث أن هذا الفقه في كل مسائله وأبوابه وحدة مترابطة لا يمكن تجزيئه وتفكيكه.

وهذا التماسك والترابط والتوازن في التخطيط والتشريع من خصائص «التشريع الإلهي».

«والقانون الوضعي» مهما كان، لا يمكن أن ينطوي على هذه الوحدة الكلية في التخطيط، فان العقل والعلم البشري لا يمكن أن يتسعا لمثل هذه الكلية الإنسانية، التي تحتضن كل المسائل الإنسانية بشكل مترابط متماسك(١) .

وبعد، فهذا عرض موجز للتخطيط الإسلامي لتداول الثروة، حاولنا فيه تبسيط التخطيط الفقهي وعرضه بصورة واضحة ومختصرة.

ولله الحمد وله الشكر...

محمد مهدي الآصفي

____________________

(١) للتوسع يراجع في هذه المسألة كتاب «المدخل الى التشريع الإسلامي» للمؤلف.


الفهرس

مقدمة الطبعة الثالثة ٥

مقدمة الطبعة الثانية١١

النِّظام المَالي في الإسِلام١٥

موارد الدولة١٧

موارد الدولة المالية٢١

١ - الضرائب المالية٢٣

أقسام الضرائب المالية٢٥

٢ - الدومين العقاري ٣٤

عقارات الدولة٣٧

٣ - مشاريع الإنتاج والزراعة الحكومية٤٤

٤ - القرض ٥٠

٥ - شؤون الولاية العامة٥٣

نفقات الدولة٥٧

عرض لنفقات الدولة٦١

آية الزكاة٦١

(أ) النفقات الشخصية٦٢

(ب) الجهات والمرافق العامة «وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله» ٧٢

آية الخمس ٧٧

مراجع البحث ٨١

تَدَاول الثَّروة في الإسلام٨٥

أهمية تداول الثروة٨٥


أطراف التداول ٨٨

١ - المعوَّض ٩٠

٢ - العوض أو (النقد)٩٢

النظام المصرفي الحديث ١٠١

الشكل المشروع للنظام المصرفي في المجتمع الإسلامي ١١٢

أنحاء التداول في الفقه١٢٣

١ - البيع ١٢٥

٢ - الإجارة١٣٠

٣ - الشركات ١٤١

الغايات والنتائج الرئيسية لنظام التداول ١٤٤

الفهرس ١٥٢


النظام المالي وتداول الثروة في الإسلام

النظام المالي وتداول الثروة في الإسلام

مؤلف: محمد مهدي الآصفي
تصنيف: دراسات
الصفحات: 153