الحديث النبوي بين الرواية والدراية

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
دراسات

الحديث النبوي بين الرواية والدراية

دراسة موضوعية منهجية لأحاديث

أربعين صحابياً

على ضوء

الكتاب، السنّة، العقل، اتفاق

الأمّة، والتاريخ

العلامة المحقّق

جعفر السبحاني


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى

قريبة إنشاء الله تعالى.




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي تواترت نعماوَه، واستفاضت آلاوَه، والصلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وخاتم النبيّين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، صلاة موصولة، لا مقطوعة، إلى يوم الدين.

إنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني للعقيدة والشريعة، ولذلك عكف المسلمون على جمع ما روي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قول أو فعل أو تقرير بنحو لا مثيل له في الاُمم السابقة، وقد استأثرت السنّة بأهمية بالغة عند المسلمين، حدت بهم إلى تأسيس علوم بُغية فهم كتاب اللّه وسنة نبيّه. هذا من جانب.

ومن جانب آخر قد دسّ فيها أحاديث كثيرة مكذوبة وموضوعة من قبل أصحاب الاَهواء ورجال العيث والفساد.

وقد صار ما ذكرنا سبباً لوضع ضوابط لتمييز الصحيح منها عن السقيم، وألّف الباحثون في ذلك المضمار مصنفات عديدة أثْرت المكتبة الاِسلامية. شكر اللّه مساعيهم الجميلة.

وقد نهجوا سبيل النقاش في مسانيد الحديث ورجاله، وخرجوا بنتائج باهرة، ففرزوا الموضوعات والمندسّات عن غيرهما، وصار التوفيق حليفاً لهم إلى حدّ.


ولكن ثمة طريق آخر فاتهم سلوكه، وهو عرض مفاد الحديث ومضمونه على ضوابط رصينة حتى يتميز بها الحق من الباطل والصحيح عن الزائف، وهذه الضوابط عبارة عن الاَمور التالية:

١. الكتاب العزيز.

٢. السنّة المتواترة أو المستفيضة.

٣. العقل الحصيف.

٤. ما اتفق عليه المسلمون.

٥. التاريخ الصحيح.

فيعرض الحديث على هذه الضوابط التي لا يستريب فيها أي مسلم واع، فإذا لم يخالفها نأخذ به إذا كان جامعاً لسائر الشرائط(١) وإذا خالفها نطرحه وإن كان سنده نقياً.

هذا هوالمقياس لتمييز الصحيح عن السقيم، وإن كان الاِمعان في الاَسانيد أيضاً طريقاً آخر لنيل تلك الغاية.

ولكن المحدّثين سلكوا النهج الاَوّل دون الثاني.

ونحن بفضل اللّه سبحانه و تعالى نسلك الطريق الثاني، ونتناول بالبحث روايات أربعين صحابياً على ضوء الضوابط السابقة، ليكون نموذجاً لما اخترناه بغية فتح الباب على مصراعيه في وجه الآخرين.

نعم نختار من كلّ صحابي قسماً من رواياته لا كلّها، كما نذكر قسماً من روائع رواياته التي رويت عنه.

____________________

١ نعم يكفي في حجية الحديث كونه غير مخالف للا َ مور القطعية ، كما سيوافيك بيانه.


وثمة نكتة جديرة بالاِشارة، وهي انّه لانحمِّل سُقم الروايات على عاتق الصحابي الذي رويت عنه أو التابعي الذي روى عنه، بل نركز على أنّالرواية سقيمة، وأمّا من تولّى كِبْره فهو أمر غير مطروح في هذا المقام إلاّ في موارد خاصّة.

وفي خاتمة المطاف أودُّ أن أُشير إلى أنّنا راعينا - في دراسة سيرة الصحابة والاَحاديث التي نقلت عنهم - ترتيب أسمائهم حسب وفياتهم.

وحيث إنّ طائفة كبيرة من الاَحاديث الضعيفة أو الموضوعة رُويت عن غير واحد منهم، فقد أوجب ذلك تكراراً في دراسة بعض الروايات، نظير:

نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا، الشوَم في المرأة، بول النبي قائماً، سلطان إبليس على النبي في حال صلاته، طواف النبي على نسائه في ليلة و احدة، وضع الربّ رجله في نار جهنم، أو انّه سبحانه ليس بأعور، إلى غير ذلك من الاَحاديث. ولذلك بسطنا الكلام في كلٍّ منها عند ترجمة واحد منهم، وأوجزنا الكلام عند ترجمة الآخرين.

ولا ندّعي انّنا استوفينا البحث في أكثر الروايات الموضوعة، فضلاً عن جميعها، وانّما قدّمنا للقارىَ الكريم أنموذجاً من تلك الروايات التي عزيت إلى أربعين صحابياً، عسى أن تكون فاتحة خير لمساهمات لاحقة من قبل الباحثين في هذا المضمار.

ولنذكر قبل الدخول في المقصود عدة أُمور تمهّد السبيل لفهم ما نصبو إليه. واللّه من وراء القصد.

جعفر السبحاني



١- مكانة السنّة النبوية

السنّة في اللّغة الطريقة، وفي الاصطلاح ما صدر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من: قول أو فعل أو تقرير. وهي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء أكان منقولاً باللفظ أم منقولاً بالمعنى، وقد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الاَمم، واهتمّ المسلمون بنقل ما أُثر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتحرّوا في نقله الدقة، وكفى في كونها من مصادر العقيدة والتشريع قوله سبحانه:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى ) (النجم/٣ - ٤) والآية وإن كانت ناظرة إلى الوحي القرآني لكن قوله:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ) غير قابل للتخصيص، فهي قاعدة كلية في كلّ ما يصدر منه ويصدق عليه أنّه مما نطق به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال سبحانه:( وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعلّمَكَ ما لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (النساء/١١٣) والمراد من الفضل العظيم، الذي أُشير إليه في ذيل الآية هو علم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشهادة قوله:( وَعلَّمك ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم ) .

إلى غير ذلك من الآيات التي تبعث المسلمين إلى اقتفاء أثر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


، مثل قوله سبحانه:( ما آتاكُمُ الرَّسُوُل فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر/٧) بناء على أنّ المراد من قوله (آتاكُم) - بقرينة (ما نَهاكُمْ عنه)- خلاف «ما نهاكم»، لا ما آتاكم من الغنائم.

إنّ السنّة هي المبيِّنة للقرآن الكريم، قال سبحانه:( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون ) (النحل/٤٤).

اتفقت الاُمّة الاِسلامية على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الثاني بعد الكتاب، بل ذهب أئمة أهل البيتعليهم‌السلام إلى أنّ جميع ما يحتاج إليه الناس موجود في الكتاب والسنّة.

قال الاِمام الباقرعليه‌السلام : «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً».(١)

وقال الاِمام الصادقعليه‌السلام : «ما من شيء إلاّ فيه كتاب أو سنّة».(٢)

إنّ السنّة النبوية تكون تارة ناظرة إلى القرآن الكريم فتُبيّن مجملاته كالزكاة والصلاة والصوم، أو تخصص عموماته، أو تقيّد مطلقاته، وأُخرى تكون ناظرة إلى بيان العقيدة والشريعة فحسب، وفي كلا القسمين تكون الصياغة والتعبير للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكن المحتوى والمضمون وحي من اللّه سبحانه ولذلك تُعدُّ السنّة عِدْلاً للقرآن الكريم، فالصلاة والزكاة والصوم والحجّ أُمور توقيفيّة لا تُعْلم إلاّ من قبل الرسولص، فهو المبيِّن لحقائقها، وشروطها وموانعها، وقد صلّ-ىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي» وبذلك رفع الاِجمال عن ماهية الصلاة المأمور بها، ومثلها باب الزكاة والحجّ وغيرها من أبواب الفقه.

____________________

١ الكليني: الكافي: ١/٩٥، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث ٢و٤.

٢ الكليني: الكافي: ١/٩٥، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث ٢و٤.


فالسنّة النبوية هي المصدر الاَصيل - كالقرآن - للتشريع ولا غنى لفقيه أو محدّث عنها، و من قال«حسبنا كتاب اللّه» فإنّما قاله بلسانه وأنكره بجنانه، إذ هو يعلم انّ كتاب اللّه وحده غير وافٍ بالتشريع، وقد أكد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على تفنيد هذه المزعمة بقوله في حديث الاَريكة الذي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد بصور مختلفة.

أخرج ابن ماجة بسنده عن المقدام أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يوشك الرجل متّكئاً على أريكته، يحدِّث بحديث من حديثي ، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه عزّوجلّ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه،وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه.

ألا، وإنّ ما حرّم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل ما حرّم اللّه».(١)

وقال ابن حزم: لو انّ امرأً قال: لا نأخذ إلاّ ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الاُمّة وقائل هذا: كافر مشرك حلال الدم والمال.(٢)

إلى غير ذلك من الكلمات التي أغنانا عن نقلها وضوح الموضوع واتفاق المسلمين عليه و إنّما اللازم طرح سائر ما يمتُّ إلى السنّة النبوية بصلة.

____________________

١ سنن ابن ماجة:١/٦ برقم ١٢، باب تعظيم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتغليظ على من عارضه؛ مسند أحمد:٤/١٣١؛ و سنن أبي داود:٤/٢٠٠ برقم ٤٦٠٤، باب في لزوم السنة، وفيه مكان «الرجل»: «رجل شبعان» ؛ و سنن الترمذي: ٥/٣٧ برقم ٢٦٦٣، الباب ١٠؛ إلى غير ذلك.

٢ الاحكام في أُصول الاحكام:١/٢٠٨.


٢- اهتمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتدوين الحديث

قد اشتهر بين المحدّثين أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن تدوين الحديث وكتابته لعلل سيوافيك شرحها وتحليلها. ولكن الشهرة في غير محلّها، وقد قيل: كم شهرة لا أصل لها، بل الصحيح هو انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر في غير مرّة بتدوين حديثه وكتابته، وإليك نماذج منها:

١. ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة انّخزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فركب راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل(شك أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّهوالموَمنين، ألا وانّها لم تحلّ لاَحد قبلي ولم تحلّ لاَحد بعدي - إلى أن قال - : فجاء رجل من أهل اليمن.

فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لاَبي فلان - إلى أن قال: - كتب له هذه الخطبة.(١)

٢. أخرج البخاري باسناده عن وهب بن منبه عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ما من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد أكثر حديثاً عنه مني إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو فانّه كان يكتب ولا أكتب.(٢)

____________________

١ صحيح البخاري: ١/٢٩-٣٠، باب كتابة العلم، الحديث ١١٢.

٢ المصدر نفسه: ١/٣٠، باب كتابة العلم، الحديث ١١٣.


٣. ما أخرجه البخاري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال:

لمّا اشتدّ بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه، قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».

قال عمر: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع.

فخرج ابن عباس، يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين كتابه.(١)

٤. أخرج أبو داود في سننه عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشر يتكلم في الغضب و الرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّ».(٢)

٥. أخرج الترمذي في سننه عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيسمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي ،فقال:يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني و لا أحفظه، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط.(٣)

٦. أخرج الخطيب البغدادي عن رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً، ونحن نتحدث، فقال: «ما تحدّثون؟».

____________________

١ صحيح البخاري: ١/٣٠، باب كتابة العلم.

٢ سنن أبي داود:٣/٣١٨ برقم ٣٦٤٦، باب في كتاب العلم؛ ومسند أحمد:٢/١٦٢؛ سنن الدارمي : ١/١٢٥، باب من رخّص في كتابة العلم.

٣ سنن الترمذي: ٥/٣٩ برقم ٢٦٦٦.


فقلنا: نتحدث عنك يا رسول اللّه.

قال: «تحدّثوا، وليتبوّأ من كذّب عليّ مقعداً من جهنم».

ومضىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحاجته، ونكس القوم روَوسهم...، فقال: «ما شأنكم؟ ألا تحدّثون؟».

قالوا: الذي سمعنا منك، يا رسول اللّه.

قال: «إنّي لم أرد ذلك، إنّما أردت من تعمد ذلك»، قال:فتحدثنا.

قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّا نسمع منك أشياء، فنكتبها.

قال: «اكتبوا ولا حرج».(١)

ثمّ إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرب عن موقفه حيال كتابة الحديث بفعله حيث كتب إلى عمّاله وغيرهم كُتباً تتعلق بالاُمور الدينية، وقد حفظها التاريخ في طياته وإليك الاِشارة إلى بعضها:

١. كتابه إلى عمرو بن حزم الاَنصاري عامله على اليمن.(٢)

٢. كتابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه في حضرموت.(٣)

٣. كتاب في الزكاة والديات وكان عند أبي بكر.(٤)

إلى غير ذلك من الكتب المتعلقة بالاُمور الدينية، مضافاً إلى كتاباته ومواثيقه وعهوده مع شيوخ القبائل كما سيوافيك بيانها.

ولعلّ هذا المقدار يفي بإثبات الاَهمية التي أولاها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكتابة حديثه.

____________________

١ تقييد العلم: ٧٢ و٧٣.

٢ دلائل النبوة للبيهقي:٥/٤١٣.

٣ طبقات ابن سعد: ١/٢٨٧.

٤ صحيح البخاري كما في فتح الباري: ٣/٣١٧ وفيه: انّ أبا بكر كتب له (لاَنس) هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول اللّه على المسلمين...»والظاهر انّ الكتاب كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد احتفظ به أبو بكر، فكتب عنه عندما بعث أنس بن مالك إلى البحرين.


وقد قام لفيف من الصحابة بكتابة الحديث في عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعده، نشير إلى طائفة منهم:

١. أنس بن مالك.

روى يزيد الرقاشي، قال: كنّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك القى إلينا بمخلاة أو أتانا بمخال، فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث كتبتها عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سمعتها من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكتبتها وعرضتها.(١)

٢. جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، له صحيفة مشهورة ذكرها ابن سعد.(٢)

وقد أورد مسلم شيئاً من تلك الصحيفة في كتاب الحج من صحيحه.(٣)

٣. معاذ بن جبل كان لديه كتاب يحتوى على أحاديث.(٤)

٤. حنظلة بن ربيع الكاتب.

قال الشيخ الطوسي: روى كتاباً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٥)

٥. أبو رافع المدني، كان يملي على ابن عباس الحديث فيكتبه(٦) وهو مصنف كتاب السنن والاَحكام والقضايا.(٧)

إلى غير هوَلاء من الشخصيات الاِسلامية المعدودة من الصحابة، فقد كتبوا كتباً ودوّنوا صحفاً واحتفظوا بها في عهد الرسولوبعده، وإن كانت تلك الصحف صحفاً غير مرتبة ولا منظمة، بل كانت أشبه بالمسانيد.

هذا كلّه من طرق أهل السنّة.

____________________

١ محاسن الاصطلاح: ٢٩٧، كما في تدوين السنة الشريفة: ٢١٠.

٢ الطبقات الكبرى:٥/٤٦٧.

٣ صحيح مسلم: ٤/٣٨-٤٣ باب حجّة النبي من كتاب الحجّ.

٤ حلية الاَولياء:١/٢٤٠.

٥ الفهرست: ٩١.

٦ تقييد العلم: ٩١-٩٢.

٧ رجال النجاشي: ٢.


وأمّا ما روي عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، فحدث عنه ولا حرج، فقد دلت الاَخبار على أنّ عليّاً كان من السبّاقين في تدوين السنّة النبوية في عصرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد كتب ما أملاه عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صحيفة عرفت بكتاب عليعليه‌السلام تارة، وبالجامعة أُخرى، وقد ورث هذه الصحيفة أبناوَه واحد تلو الآخر وكانوا يعتمدون عليها ويُفتون على ضوء ما يجدون فيها، وإليك بعض ما أثر عنهمعليهم‌السلام :

١. قال الاِمام الباقرعليه‌السلام لاَحد أصحابه - أعني حُمران بن أعين - وهو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ عليعليه‌السلام وإملاء رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لو وُلّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه لن نعدو ما فيها».

٢. قال الاِمام أبو جعفر الباقرعليه‌السلام لبعض أصحابه: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

٣. قال الاِمام الصادقعليه‌السلام عند ما سئل عن الجامعة: «فيها كلّما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّفيها حتى أرش الخدش».

٤. وقال الاِمام الصادقعليه‌السلام أيضاً، وهو يعرف كتاب علىٍّ: «طوله سبعون ذراعاً، إملاء رسول اللّه من فلق فيه، وخطّ علي بن أبي طالب «عليه‌السلام » بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، حتى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة.

٥. ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّهعليه‌السلام ، يقول: «إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخطّ عليّعليه‌السلام بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتى أرش الخدش».(١)

____________________

١ وقد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الاَثر حول صحيفة الاِمام عليّعليه‌السلام في موسوعته بحار الاَنوار:٢٦/١٨-٦٦، تحت عنوان باب «جهات علومهم وما عندهم من الكتب»، فلاحظ الحديث ١٢، ١، ١٠، ٣٠.


٣- المنع الشرعي عن كتابة الحديث؟!

قد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها وظهر مما تقدم أنّ الرسول أولى عناية فائقة بكتابة الحديث وقام بكتابته عن طريق كُتّابه، وتبعه لفيف من أصحابه فألّفوا صحائف ورسائل في حديثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن كانت مختصرة وغير منظمة، لكنّها شكلت اللبنات الا َُولى لتدوين الحديث في القرن الثاني.

وربما يُتَخيل انّه كان هناك منع شرعي عن كتابة الحديث استناداً إلى الاَحاديث التالية:

حديث أبي سعيد الخدري

١. أخرج أحمد، عن همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب شيئاً سوى القرآن فليمحه».(١)

٢. وأخرج أيضاً بهذا السند عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تكتبوا عني شيئاً، فمن كتب عني شيئاً فليمحه».(٢)

وقد رواه الخطيب بصور مختلفة(٣) كلّها تنتهي إلى زيد بن أسلم، عن

____________________

١ مسند أحمد: ٣/١٢ ولاحظ تقييد العلم: ٢٩و ٣٠.

٢ مسند أحمد: ٣/١٢ ولاحظ تقييد العلم: ٢٩و ٣٠.

٣ تقييد العلم:٢٩.


عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري. وهو يكشف عن أنّ الحديث مضطرب المتن لوجود الاختلاف في مضامينه وصوره.

وقد اقتصرنا على الصورتين الماضيتين اللّتين رواهما أحمد في مسنده.

ولا يُحتج بمثل هذا الحديث في مقابل الاَحاديث السابقة الدالة على رجحان الكتابة، مضافاً إلى ما رواه الذهبي في حقّ «زيد بن أسلم» قال: روي عن حماد بن زيد، قال: قدمت المدينة وهم يتكلّمون في زيد بن أسلم، فقال لي عبيد اللّه بن عمر: ما نعلم به بأساً إلاّ أنّه يفسّر القرآن برأيه.(١)

٣. وهناك حديث آخر لاَبي سعيد، أخرجه الخطيب عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: استأذنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي.(٢)

والحديث ضعيف بعبد الرحمان.

قال يحيى بن معين: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء.

وروى عثمان الدارمي عن يحيى: ضعيف.

وقال البخاري: عبد الرحمان ضعّفه عليّ جداً.

وقال النسائي: ضعيف. إلى آخر ما ذكر.(٣)

ورواه الدارمي عن نفس زيد بن أسلم.(٤)

وقد ورد سفيان بن عيينة في جميع أسانيد الحديث الاَخير ، وهو معروف

____________________

١ ميزان الاعتدال: ٢/٩٨ برقم ٢٩٨٩.

٢ تقييد العلم:٣٢.

٣ ميزان الاعتدال: ٢/٥٦٤ برقم ٤٨٦٨.

٤ سنن الدارمي:١/١١٩، باب من لم ير كتابة الحديث.


بالتدليس. وأمارة التدليس في المقام واضحة، لاَنّه رواه تارة عن زيد بن أسلم وأُخرى عن ابنه عبد الرحمان.

حديث أبي هريرة

١. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج علينا، فقال: «ما هذا تكتبون؟».

فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّه؟» فقلنا ما نسمع، فقال: «اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه؟ امحضوا كتاب اللّه أو خلصوه»، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار.

قلنا: أي رسول اللّه، أنتحدث عنك؟ قال: «نعم، تحدثوا عنّي ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار»، قال: فقلنا: يا رسول اللّه أنتحدث عن بني إسرائيل؟ قال: «نعم، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فانّكم لا تحدّثون عنهم بشيء إلاّوقد كان فيهم أعجب منه».(١)

٢. وأخرج الخطيب، عن عبد الرحمان بن زيد بنفس السند السابق، عن أبي هريرة، قال: خرج علينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن نكتب الاَحاديث، فقال: «ما هذا الذي تكتبون؟».

قلنا: أحاديث سمعناها منك.

قال: «أكتاباً غيركتاب اللّه تريدون، ما أضلَّ الاُمم من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب اللّه».

____________________

١ مسند أحمد:٣/١٢.


قال أبو هريرة فقلت: أنتحدث عنك يا رسول اللّه؟

قال:« نعم تحدثوا عني ولا حرج، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».(١)

٣. أخرج الخطيب بنفس السند عن أبي هريرة قال: بلغ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » انّ ناساً قد كتبوا حديثه، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: ما هذه الكتب التي بلغني أنّكم قد كتبتم إنّما أنا بشر، من كان عنده منها شيء فليأت به، فجمعناها «فأخرجت»[كذاج ، فقلنا: يا رسول اللّه نتحدث عنك؟ قال: تحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً، فليتبوّأ مقعده من النار.(٢)

وهذه الاَحاديث المنتهية إلى أبي هريرة لا يحتج بها.

أوّلاً: لوقوع «عبد الرحمان بن زيد بن أسلم» في جميع الاَسانيد وقد عرفت حاله.

ثانياً: وجود الاختلاف في المضامين كما هو واضح عند المقارنة.

ثالثاً: تعارضها بما سبق من الروايات المتضافرة الدالة على خلافها.

حديث زيد بن ثابت

أخرج الخطيب البغدادي باسناده إلى كثير ابن زيد عن المطلب بن عبد اللّه ابن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه، فمحاه.(٣)

وقد رواه الخطيب بسندين ينتهيان إلى كثير بن زيد.

قال الذهبي: قال أبو زرعة: صدوق، فيه لين.

وقال النسائي: ضعيف.

____________________

١ تقييد العلم: ٣٣، ٣٤، ٣٥.

٢ تقييد العلم: ٣٣، ٣٤، ٣٥.

٣ تقييد العلم: ٣٣، ٣٤، ٣٥.


وقال ابن المديني: صالح، وليس بقوي.(١)

وقد أخرج الخطيب روايات أُخرى لا تنتهي إلى الرسول وإنّما تحكي عمل بعض الصحابة والتابعين من محو الكتابة.

هذه هي المناقشات في سند الرواية ومضامينها، وهناك أمر آخر وهو انّ هذه الروايات لا يساعدها الذكر الحكيم أوّلاً ، وتخالف السنة القولية و الفعلية ثانياً، والتاريخ الصحيح ثالثاً.

أمّا عدم مساعدة الكتاب فلانّه سبحانه اهتم بكتابة الدين اهتماماً بالغاً، وقال:( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسمَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِوَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْيَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ ) ثمّ عاد وأكّد على الموَمنين أن لا يسأموا من الكتابة، فقال سبحانه:( وَلا تسأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجَلِهِ ) .

فإذا كان الدَّين بهذه المنزلة من الاَهمية، فكيف بأقوال النبيوأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجية وبرهاناً؟

وثمة كلمة قيمة للخطيب البغدادي نأتي بنصِّها، قال: «وقد أدّب اللّه سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين فقال عزّوجلّ:( وَلا تسأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذِلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا ) (٢)

فلما أمر اللّه تعالى بكتابة الدين حفظاً له واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدّين أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه(٣)

____________________

١ ميزان الاعتدال: ٣/٤٠٤ برقم ٦٩٣٨.

٢ البقرة: ٢٨٢.

٣ تقييد العلم: ٧٠ - ٧١ ولكلامه صلة: فراجع.


وأمّا مخالفتها للسنّة القولية والفعلية، فكما عرفت ممّا مضى من الروايات.

وأمّا مخالفتها للتاريخ الصحيح فلما ثبت من أنّ الخليفة لمّا حاول كتابة الحديث استشار أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلو كان هناك حظر من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ما في هذه الروايات لم يبق موضوع للاستشارة، ولما صحّ للاَصحاب أن يشيروا إلى الخليفة بالكتابة.

أخرج الخطيب البغدادي باسناده عن عروة بن الزبير : انّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا أُلبس كتاب اللّه بشيء أبداً.(١)

وأخرج أيضاً بالاسناد عن القاسم بن محمد: انّ عمر بن الخطاب بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس انّه قد بلغني انّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّأتاني به فأرى فيه رأيي.

قال: فظنوا انّه يريد ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب.(٢)

كل ذلك يدل على أنّالحظر الشرعي أُسطورة تاريخية صنعتها يد الجعل تبريراً لاَعمال الخلفاء حيث قاموا بوجه تدوين الحديث ونشره والتحدّث به كما سيوافيك بيانه، و مرّت الاِشارة إليه آنفاً.

____________________

١ تقييد العلم: ٤٩و ٥٢.

٢ تقييد العلم: ٤٩و ٥٢.


٤- العلل المزعومة لقلة الاهتمام بالتدوين

قد عرفت أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اهتمّ بكتابة حديثه ورغّب إليها، وانّ لفيفاً من الصحابة قاموا بتدوين صحف وكتب ورسائل حول حديثه وحفظوا بها سنّة الرسول في عصره وبعده، فصارت كالنواة لعصر التدوين.

كما أنّ أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم لم يعيروا أهمية لمنع كتابة الحديث، وقد دونوا كتباً ورسائل في عصر الرسول وبعده.

ولكن هنا نكتة جديرة بالاِشارة، وهي انّ المسلمين لم يبذلوا عناية كافية بتدوين الحديث، وكان المترقب منهم - بعد رحيل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - هو بذل المزيد من العناية بذلك في كلّعصر، وتشكيل حلقات الدراسة والمذاكرة في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخارجه كما شكّلوه في القرن الثاني.

وبذلك تعرّض تدوين الحديث لنكسة عرقلت خطاه.

فيقع الكلام في بيان ما هو السبب من وراء هذه النكسة؟ فقد ذكروا لها مبرّرات، وسنقوم بدراستها على وجه الاِيجاز.

الاَوّل: الاحتراز عن المضاهاة بكتاب اللّه تعالى

إنّ عدم الاهتمام بتدوين الحديث كان لغاية مقدسة وهي عدم اختلاط الحديث بالقرآن الكريم، فلذلك انصبَّ اهتمام المسلمين على تدوين القرآن ، دون تدوين الحديث وذلك لئلا يختلطا.


قال الخطيب: قد ثبت انّكراهة من كره الكتاب من الصدر الاَوّل إنّما هي لئلا يضاهىَ بكتاب اللّه تعالى غيره...ونُهي عن كتب العلم في صدر الاِسلام وجِدّته، لقلة الفقهاء في ذلك الوقت والمميزين بين الوحي وغيره، لاَنّ أكثر الاَعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُوَمن أن يُلْحِقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنّما اشتملت عليه كلام الرحمن.(١)

أقول: هذا الوجه مخدوش جداً وأشبه بدفع الفاسد بالاَفسد، وبالاعتذار الاَقبح، من الذنب القبيح، وذلك لاَنّ القرآن الكريم أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما بلغ غيره من الفصاحة بمكان، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم وهدم أُصوله من القواعد، قال سبحانه:( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَو كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (الاِسراء/٨٨).

ومعنى هذا الاعتذار انّ كلام الرسول كان بنحو ربما لا يُميّز عن كلام ربِّ العزة، فيتصوره العرب الاَقحاح - الذين يخاطبهم القرآن بالآية الكريمة - انّه من القرآن الكريم.

وبعبارة أُخرى: انّ المراد من المضاهاة - كما عبرّ بها الخطيب، أو الاختلاط بالقرآن كما عبّر به غيره(٢) - إمّا هي المضاهاة الصورية، أو المضاهاة الواقعية الجوهرية.

أمّا الاُولى فيكفي في دفعها أن يكتب كلٌ على حدة، فيكون لكلّ موضع خاص وهو أمر سهل.

____________________

١ تقييد العلم: ٥٧.

٢ وهو الظاهر من حديث أبي هريرة حيث روى: امحضوا كتاب اللّه. ومعناه المنع عن تدوين الحديث مع القرآن.


وأمّا الثانية فهي غيرممكنة وذلك لاَنّ للقرآن بلاغة تختص به ويتميز بها عن غيره مهما بلغ الغير من البلاغة والفصاحة بمكان، فلا تحصل المضاهاة مهما اختلطا.

على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتكلم بأُسلوب متعارف بين الناس في مقام التحديث، فلم يكن أيّ تشابه بين الحديث والقرآن حتى يحصل الاختلاط.

الثاني: عدم الاشتغال عن القرآن

وهذا هو العذر الثاني، وحاصله انّه لم يُدون الحديث النبوي لئلاّ يشتغل المسلمون عن القرآن بسواه أو «مخافة أن ينصرف الناس عن القرآن إلى سنته وسيرته وينظروا إليهما كما ينظرون إلى القرآن ، وعلى مرور الزمن تحلّ محله كما حلّت أقوال المسيح وسيرته محل الاِنجيل الذي أنزله اللّه عليه».(١)

ولعلّه إلى ذلك الوجه يشير قول عمر على ما أخرجه الخطيب بقوله: أراد عمر أن يكتب السنن، فاستخار اللّه شهراً، ثمّ أصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتاباً، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب اللّه.(٢)

أقول: إذا كان الاشتغال بالحديث سبباً للاِعراض عن القرآن فالاشتغال بسائر العلوم الطبيعية والرياضية والاَدبية أولى بأن تكون موجبة للاِعراض عنه، وذلك لاَنّ الصلة الموجودة بين القرآن والحديث ليست موجودة بينه وبين سائر العلوم، أفيصح لعالم واع أن يفتي بتحريم الاشتغال بمطلق العلوم بذريعة انّ الاشتغال بها موجب للاِعراض عن القرآن؟!

____________________

١ انظر تقييد العلم: ٥٧ ولاحظ علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح: ٢٠.

٢ هاشم معروف الحسني، الموضوعات في الآثار والاخبار : ١٩.ويظهر من كلامه انّه رضي بذلك العذر.


وأمّا قياس الاشتغال بالحديث باشتغال أهل الكتاب بغير كتاب اللّه تعالى فهو قياس مع الفارق، لاَنّ الاشتغال بحديث يُقيّد مطلقاته، ويبيّن مفاهيمه، ويوضح أسباب نزوله، إلى غير ذلك من الحقائق الكامنة في الحديث، اشتغال - في الواقع - بالقرآن، وهذا بخلاف اشتغال أهل الكتاب بغير التوراة والاِنجيل، فقد اشتغلوا بما كان على طرف النقيض ممّا نزل على أنبيائهم.

على أنّ التجربة أثبتت خلاف ذلك، لاَنّ المسلمين اشتغلوا منذ أوائل القرن الثاني بتدوين الحديث بجد ومثابرة، ولم يُشغلهم عن القرآن وحفظه أيّ شاغل.

الثالث: قلّة من يجيد القراءة والكتابة

وهذا الوجه يهدف إلى القول بأنّ الاَُمّية السائدة في الجزيرة العربية عاقتهم عن كتابة الحديث، وأعانهم على ذلك سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، وقد أشار إليه الخطيب.(١)

قال ابن قتيبة: كان الصحابة أُميين لا يكتب منهم إلاّالواحد والاثنان وإذا كتب لم يُتقن ولم يُصب التهجي.(٢)

أقول: إنّ ما ذكر من الفرض باطل جداً فإنّ الاَُمية لم تمنع من كتابة القرآن الكريم وتدوينه، فكيف تمنع عن كتابة الحديث؟ فهوَلاء الكُتّاب الذين بلغ عددهم نحواً من سبعة عشر كاتباً كان في وسعهم القيام بكتابة الحديث النبوي، وقد ثبت في التاريخ انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حريصاً على مكافحة الاُمية التي كانت متفشية بين العرب في مطلع فجر الاِسلام، وقد فرض

____________________

١ تقييد العلم: ٥٧؛ وعبّر عنه بقلّة الفقهاء، ولعلّ مراده ما ذكرناه.

٢ تأويل مختلف الحديث: ٢٨٧.


على كلّأسير كان يحسن القراءة والكتابة تعليم عشرة من الاَُميين كفدية له في مقابل الفدية النقدية التي فرضها يوم بدر على الاَسرى في حين انّه كان أحوج ما يكون إلى المال في تلك الفترة من تاريخ الاِسلام.(١)

ثمّ إنّ النهي عن كتابة الحديث دال على إمكانها وكثرة من يمارسها، وإلاّلعاد النهي لغواً والتأكيد على المنع عبثاً.

وبالجملة هذه فروض ذهنية لا تنطبق على الواقع، وهناك فرض رابع ربما يكون هو السبب الحقيقي من وراء عدم بذل العناية بكتابة الحديث، وقد أوضحناه في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل»(٢) ولنأت في المقام بصورة واضحة مقرونة بالشواهد.

الرابع: حظر التدوين لدافع سياسي

الظاهر انّ السبب الواقعي لعدم الاهتمام بالكتابة، هو نهي الخلفاء عنها لدافع سياسي، وقد حظي هذا الدافع من الاَهمية بمكان حتى انّ عمر ابن الخطاب، قال لقرظة بن كعب: جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣)

ولما نهض عمر بأعباء الخلافة نهى عن كتابة الحديث، وكتب إلى الآفاق: انّ من كتب حديثاً فليمحه(٤) ثمّ نهى عن التحدّث فتركت عدة من الصحابة الحديث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٥)

____________________

١ السيرة الحلبية:٢/١٩٣، دار احياء التراث العربي.

٢ بحوث في الملل والنحل:١/٦٨-٧٢.

٣ الحاكم النيسابوري: المستدرك:١/١٠٢.

٤ تقييد العلم:٥٣؛ و كنز العمال:١٠/٢٩٢ برقم ٢٩٤٧٦.

٥ راجع مستدرك الحاكم: ١/١٠٢.


وأغلب الظن انّ الوجه في منع تدوين الحديث ونشره ومدارسته ومذاكرته وكتابته بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو نفس الوجه الذي منع من كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته وبعدها لم تتغير، وقد مضى حديث ابن عباس في ذلك(١)

وثمة سوَال يطرح نفسه وهو ماذا كان يريد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة وصيته؟ فلو عُلم ذلك، لعُلم وجه المنع عن كتابة وصيته، كما عُلم أيضاً وجه المنع عن تدوين سنته بعد رحيله.

فنقول: لم يكن هدف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلاّ دعم موقفه من الوصية وتعيين الخليفة بعده، ويعلم هذا من مقارنة هذا الحديث الذي نقله ابن عباس مع حديث الثقلين المتفق عليه بين محدّثي السنّة والشيعة.

وذلك انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في شأن الكتاب الذي مُنع عن كتابته: إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده.

وقد جاءت هذه العبارة بعينها في حديث الثقلين، إذ يقول فيهص: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب اللّه وعترتي.

فالتشابه الموجود بين الحديثين يعرب عمّا كان يهدفه النبيمن وراء طلب الدواة والصحيفة، وكان الهدف دعم مفاد حديث الثقلين وتعزيز ولاية الاِمام عليعليه‌السلام وتعيين الخليفة، فقد وقف بعض الحاضرين في المجلس على أنّوصية النبيستشكّل خطراً على مصالحهم، فمنعوا عن كتابة الحديث لئلا يرد نصّمكتوب من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على خليفة واحد بعينه.

يقول: سفيان بن عيينة: أراد أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع

____________________

١ لاحظ ص ١٣.


بينهم الاختلاف(١)

وهذا الوجه نفسه صار سبباً لمنع تدوين الحديث بعد رحيله لما في أحاديث الرسول من التركيز على ولاية عليعليه‌السلام ، فإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ ان صدّع بالدعوة وأجهر بها، نص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتى، فقدعرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقولهص: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».

وفي يوم الاَحزاب بقولهص: «ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».

وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك عليّاً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي».

إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غدير خم، بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه».

إلى غير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثيرمن الصحابة فوعوها.

فكتابة حديث رسول اللّه بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ماأثر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّ أوّل الموَمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس ضبط ما أثر ، أمراً يلائم ذوق الذين منعوا عن الكتابة.

إنّ هذا الوجه هو الذي اخترناه في سالف الزمان، وقد ذكر المحقّق السيد محمد رضا الجلالي (حفظه اللّه) شواهد تاريخية تدعم الموضوع، وتثبت انّ هذا الوجه هو القول الفصل.

____________________

١ ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: ١/١٦٩.


ومن جملة تلك الشواهد التاريخية:

١. جاء علقمة بكتاب من مكة - أو اليمن - صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت، بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستأذنا على عبد اللّه[بن مسعود]، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة.

قال: فدعا الجارية، ثمّ دعا بطست فيها ماء.

فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان، أنظر فيها، فانّ فيها أحاديث حساناً، قال:فجعل يميثها فيها، ويقول: (نَحْنُ نقصُّ عليكَ أَحْسَنَ الْقصص بِما أَوحَيْنا إليكَ هذا القُرآن) القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه(١)

إنّ الصحيفة المعرضة للابادة ترتبط بأهل البيتعليهم‌السلام ، وكأنّ الراوي اعتنى بهذه النقطة، فاستعمل عطف البيان للتأكيد على المراد بأهل البيت، وليلفت نظر عبد اللّه بن مسعود إلى أنّهم أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولكن عبد اللّه لم يعر اهتماماً وأباد الصحيفة.

والتبريرات المذكورة لمنع التدوين لا يجري شيء منها هنا، فلا اختلاط لما في الصحيفة بالقرآن ولا الاشتغال بأحاديث في صحيفة، تلهي عن القرآن، و مع ذلك فانّ عبد اللّه بن مسعود أباد الصحيفة لما فيها ما يرجع إلى أهل البيت، بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وان برّر عمله بانّ الاشتغال بالحديث هو اشتغال بما سوى القرآن، ولكن هذا التبرير كان واجهة لما ارتكب، وفي الواقع كان المحتوى يسلب الشرعية عن السلطة الحاكمة وينافي سياستها القائمة، لاَنّ الاَحاديث النبوية الواردة في أهل البيتعليهم‌السلام إنّما تدل على فضلهم وتوَكد على خلافتهم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتجعلهم قرناء للقرآن ليكونوا هم وهو خليفتين له من بعده. وكان عبد اللّه بن مسعود من حماة

____________________

١ تقييد العلم: ٥٤ وقد رواه بأسانيد وصور مختلفة تشترك الجميع في غسل الصحيفة التي فيها أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


السلطة الحاكمة إلى عصر الخليفتين الاَوّلين(١) وإن تراجع عن موقفه في عصر الخليفة الثالث كما سيوافيك عند ترجمته وسيرته.

٢. أخرج ابن كثير عن عمر انّه قال: أقلّوا الرواية عن رسول اللّه إلاّفيما يعمل به.(٢)

فإذا كان التحديث بحديث رسول اللّه موجباً للاشتغال به عن القرآن أو غير ذلك، فلماذا جوز التحديث في الفرائض والاَحكام دون غيره؟ أو ليس ذلك قرينة على أنّ الحديث في الاَحكام لا يمس كيان السلطة، بخلاف التحديث في غيرها خصوصاً فيما يرجع إلى الفضائل والمناقب.

٣. ما روى من انّخالد القسري - أحد ولاة بني أُمية - طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة، فقال الكاتب: فانّه يمرّ بي الشيء من سير علي بن أبي طالب، فأذكره؟

فقال خالد: لا، إلاّأن تراه في قعر الجحيم.(٣)

فالحديث يكشف عن أنّ هذا هو السبب الرئيسي لمنع تدوين الحديث، فلم يكن تدوين الحديث منفكّاً عما ورد في عليٍّ وأهل بيته من الفضائل.

٤. روى الزبير بن بكار بسنده عن عبد الرحمان بن يزيد، قال: قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجاً، سنة ٨٢ ه- وهو ولي عهد، فمرّبالمدينة فدخل عليه الناس، فسلّموا عليه وركب إلى مشاهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي صلّ-ى فيها، وحيث أُصيب أصحابه بأُحد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وأبوبكر بن عبد اللّه، فأتوا به قُباء، ومسجد الفضيخ ومشربة أُمّإبراهيم،

____________________

١ انظر تدوين السنة: ٤١٢- ٤١٣.

٢ البداية والنهاية: ٨/١١٠.

٣ الاغاني: ٢٢/١٥.


وأُحد، وكل ذلك يسألهم؟ ويخبرونه عما كان.

ثمّ أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومغازيه.

فقال أبان: هي عندي قد أخذتها مصححة ممن أثق به.

فأمر بنسخها والقي فيها إلى عشرة من الكُتّاب، فكتبوها في رقٍّ فلما صارت إليه، نظر فإذا فيها ذكر الاَنصار في العقبتين،وذكر الاَنصار في بدر.

فقال: ما كنت أرى لهوَلاء القوم هذا الفضل، فأمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وأمّا أن يكونوا ليس هكذا.

فقال أبان بن عثمان: أيّها الاَمير لا يمنعنا ما صنعوا...أن نقول بالحقّ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.

قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لاَمير الموَمنين لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فخُرق، وقال: أسأل أمير الموَمنين إذا رجعت، فإن يوافقه فما أيسر نسخه.

فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان.

فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تُقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل؟ تُعرِّف أهل الشام أُموراً لا نريد أن يعرفوها.

قال سليمان: فلذلك - يا أمير الموَمنين - أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتى استطلع رأي أمير الموَمنين، فصوب رأيه.(١)

____________________

١ الموفقيات للزبير بن بكار : ٢٢٢- ٢٢٣.


قال المحقق السيد الجلالي: فإذا كانوا لا يتحملون ذكر فضل الاَنصار، فكيف يتحملون ذكر فضل أهل البيت، وسيدهم أمير الموَمنين «عليه‌السلام »؟!(١)

* * *

عدم التدوين ومضاعفاته

وعلى أية حال فسواء كانت العلة ما ذكرنا أو غيره، فقد استمر الحظر إلى عهد الخليفة الاَموي عمر بن عبد العزيز (٩٩-١٠١ه-) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة «انظر ما كان من حديث رسول اللّه فاكتبه، فانّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلاّ حديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فانّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.(٢)

ومع هذا الاِصرار الاَكيد من قبل الخليفة، ألا أنّ رواسب الحظر السابق حالت دون القيام بما أمر به، فلم يكتب شيء من أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّصحائف غير منظمة ولا مرتبة، إلى أن دالت دولة الاَمويين وقامت دولة العباسيين،وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدثون في سنة ١٤٣ه- بتدوين الحديث وفي ذلك، قال الذهبي:

«وفي سنة مائة وثلاث وأربعين شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ

____________________

١ محمد رضا الجلالي، تدوين السنة الشريفة: ٤٢٠.

٢ صحيح البخاري:١/٢٧ باب كيف يقبض العلم من كتاب العلم.


بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن،وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي إلى أن قال: وقبل هذا العصر كان الاَئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.(١)

إلى هنا اتضح انّالسنّة النبوية لم تستأثر بالاهتمام في عصر الخلفاء والاَمويين وأوائل العصر العباسي إلى خلافة المنصور حيث أمر بتدوين السنة وتبويبها، نعم قام المحدثون بالتدوين في منتصف القرن الثاني بعد ما بلغ السيل الزبى واندرس العلم وأبيد الصحابة ومعظم التابعين، فلم يبق منهم إلاّصبابة كصبابة الاِناء، فعند ذلك وقفوا على الرزية العظمى التي منوا بها، فعادوا يتداركونه ببذل جهود حثيثة في تقييد شوارد الحديث. يقول ابن الاَثير: لما انتشر الاِسلام ، واتسعت البلاد وتفرّقت الصحابة في الاَقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلَّ الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري انّها الاَصل، فانّ الخاطر يغفل والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى.(٢)

____________________

١ تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٦١.

٢ جامع الاُصول: ١/٤٠.


٥- تمحيص السنّة النبوية

قد تبيّنت منزلة السنّة النبويّة ومكانتها، فلابدّ من إلفات نظر القارىَ الكريم إلى أنّ تمتعها بهذه الدرجة من الاَهمية، مردّها إلى السنة الواقعية من قول النبي وفعله وتقريره لا كل ما نسب إليه وأثر عنه من دون العلم بصحّة تلك النسبة.

وربما يقال: إنّ السنة النبوية وحي إلهي، فما معنى تمحيص الوحي أوَ يصح لبشر خاطىَ أن يمحِّص الحقّ المحض؟!

ونحن نوافق هذا القائل في أنّ السنة النبوية الواقعية فوق التمحيص ، ولكن النقطة الجديرة بالذكر هي انّ السنّة الواردة، المتبلورة في الصحاح والمسانيد، هي بحاجة إلى التمحيص لفرز صحيحها عن سقيمها، وواقعها عن زائفها، فليس كلّ من ينقل عن لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بثقة، وعلى فرض كونه ثقة فليس بمصون عن الخطأ والنسيان.

فتمحيص السنة ليس لغاية التشكيك فيها، وإنّما يُطلب من وراء ذلك، إحقاق الحقّ وإبطال الباطل ولا ينبغي إضفاء طابع القداسة والصحة على كتاب غير كتاب اللّه سبحانه، وغيره - وإن بلغ من الاِتقان بمكان - خاضع للتمحيص والاِمعان والبحث في السند و المتن.

وثمة كلام قيم للاِمام أبي حنيفة بيّن فيه انّ تكذيب الحديث لا يلازم تكذيب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّما يراد به تكذيب الراوي، قال:


أُكذِّب هوَلاء ولا يكون تكذيبي لهوَلاء وردِّي عليهم تكذيباً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنّما يكون التكذيب لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول الرجل: أنا مكذب لقول نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأما إذا قال الرجل: أنا موَمن بكلّ شيء تكلّم به النبي ، غير انّ النبي لا يتكلم بالجور ولا يخالف القرآن، فانّهذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبي القرآن وتقوّل على اللّه بغير الحقّ، لم يدعه اللّه حتى يأخذه باليمين ويقطع منه الوتين.(١)

وبعبارة أُخرى: اتّفق المسلمون في الكبرى، وهي انّ السنّة النبوية حجّة بلا كلام، ولو كان ثمة نقاش فإنّما هو في الصغرى، أي أنّ هذا الحديث المنقول إلينا هل هو من كلام الرسول أو لا، فالتمحيص ناظر إلى السنة الحاكية التي تتداولها الاَلسن خلف عن سلف.

وأمّا السنّة الواقعية المحكية القائمة بنفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يتردد أيّ ذي مسكة في حجيتها، فالتشكيك فيها إلحاد وكفر بالرسالة بلا ريب، وموجب للخروج عن الدين وليس التمحيص بالمعنى الذي ذكرناه بأمر غريب فانّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي أخبر عن وجود الكذّابة في عصره كما سيوافيك.

التمحيص ، لماذا؟

إنّ هناك أسباباً كثيرة تبعث الباحث إلى التمحيص ونقد الحديث النبوي بالمعنى الذي مرّ، نشير إلى بعضها.

السبب الاَوّل: رواج الكذب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قد راج الكذب على لسان رسول اللّه في حياته وبعد رحيله، وقد تنبّأ به

____________________

١ الاِمام أبو حنيفة، العالم والمتعلم: ١٠٠.


في حديث متضافر أو متواتر وقال: «من تعمّد عليّكذباً فليتبوأ مقعده من النار».

وهذا ليس أمراً مستغرباً، فإذا استقرأ الباحث تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره يتضح له بسهولة وجود أرضية خصبة لجعل الحديث على لسان رسول الاِسلام ، وذلك لاَنّ حديثاً لم يهتمّ بكتابته طوال قرن ونصف، كيف يكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون كلّ غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول؟! نحن لا ننكر انّ العلماء والمحدثين قاموا بواجبهم الديني تجاه السنة النبوية وكابدوا وتحملوا المشاق في تمحيص السنة الواقعية عما ألصق بها، لكن التمحيص الحقيقي من أشق الاُمور بعد هذه الحيلولة الطويلة.

وكلما بعد الناس من عصر الرسول ازداد عدد الاَحاديث حتى أنّ الاِمام البخاري أخرج صحيحه عن ستمائة ألف حديث(١)

وانّ أبا داود قد أورد في سننه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من ٥٠٠ ألف حديث.(٢)

كما انّ مسلم أورد في صحيحه أربعة آلاف حديث مع حذف المكررات انتخبها من ٣٠٠ ألف حديث.(٣) ذكر الاِمام أحمد بن حنبل في مسنده قرابة ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث.(٤) ولاَجل ذلك نرى أنّ قمة هرم الاَحاديث تتصل بزمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخرة، فكلما قربنا من عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نجد قلة

____________________

١ إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: ١/٢٩.

٢ سنن أبي داود، قسم المقدمة:١٠.

٣ تذكرة الحفاظ للذهبي: ٢/٥٨٩.

٤ تذكرة الحفاظ:٢/٤٣١ برقم ٤٣٨.


الحديث عنه والعكس بالعكس، وهذا يعرب عن أنّالاَحاديث عالت حسب وضع الوضاعين وكذب الكذابين.

إنّ ظاهرة التمحيص لم تكن أمراً متأخراً عن عصر الصحابة بل نجد جذورها في عصرهم، مثلاً.

لقد شاع بعد رحيل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسألة إمكان روَية اللّه، وانّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رآه في معراجه حتى انّ مسروقاً، سأل عائشة عن هذه المسألة عند ما سمع قولها: ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ، فقد أعظم على اللّه الفرية.

قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أُمّ الموَمنين: انظريني ولا تعجليني، ألم يقل اللّه عزّ وجلّ:( وَلَقَدْرآهُ بِالاُفُقِ المُبين ) (التكوير/٢٣)،( ولَقد رآه نَزْلَة أُخرى ) (النجم/١٣) فقالت: أنا أوّل هذه الاُمّة سأل عن ذلك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: إنّما هو جبرئيل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء سادّاً عظمُ خلقه ما بين السماء إلى الاَرض.

فقالت: أو لم تسمع انّ اللّه يقول:( لا تُدْرِكُهُ الاَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير ) (الاَنعام/١٠٣) أو لم تسمع انّ اللّه يقول:( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمهُ اللّهُ إِلاّوَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فيُوحِىَ بإذنهِ ما يَشاءُ انّهُ عَليٌّ حَكيمٌ ) (الشورى/٥١)، قالت: و من زعم ان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتم شيئاًمن كتاب اللّه، فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول:( يا أَيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَوَإِنْ لَمْ تَفْعَلْفَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) (المائدة/٦٧) قالت: ومن زعم انّه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول:( قُل لا يعلم من في السماوات والاَرض الغيب إلاّ اللّه ) (النمل/٦٥).(١)

____________________

١ صحيح مسلم:١/١١٠، باب معنى قول اللّه عزّ وجلّ:( وَلَقَدْرَآهُ نَزْلَة أُخرى ) .وفي استنتاج نفي علم الغيب عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالآية تأمل واضح.


فالكذب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد الاَسباب للزوم إعمال التمحيص في السنّة الحاكية من دون أي نقاش وجدل في السنة المحكية، فانّ النقاش فيها كفر وإلحاد.

السبب الثاني: فسح المجال للاَحبار والرهبان

لقد مني الاِسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث و نشره بخسائر فادحة، حيث أوجد الحظر أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية وسخافات مسيحية وأساطير مجوسية من جانب علمائهم، فقد افتعلوا أحاديث كثيرة وبثّوها بين المسلمين كحقائق راهنة وتلقاها السُذَّج من المحدثين بالقبول.

يقول الشهرستاني: زادت المشبهة في الاَخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع.(١)

يقول ابن خلدون عند البحث في التفسير النقلي وانّه يشتمل على الغث والسمين والمردود: إنّ السبب في ذلك انّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والاَُمية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوق إليه النفوسُ البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم وهم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى مثل كعب الاَحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم فامتلاَت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملاَوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة .(٢)

____________________

١ الملل والنحل، للشهرستاني: ١/١٠٦.

٢ مقدمة ابن خلدون: ٤٣٩.


يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحماد بن سلمة، وقد دسَّ في كتب حماد بن سلمة.(١)

ولا عجب بعد ذلك إذا رأينا انّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حماد، عن قتادة، عن عكرمة ،عن ابن عباس مرفوعاً: «رأيت ربّي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء» و في رواية أُخرى:«انّمحمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد دون ستر ، من لوَلوَ قدميه أو رجليه في خضرة».(٢)

وهذه الاَساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة أمثال ابن أبي العوجاء، فقد دسّوها في كتب المحدثين.

قال ابن الجوزي: ولما لم يُمكَّن أحدٌ منهم أن يُدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وينقصون ويبدلون ويضعون عليه ما لم يقل(٣) .

السبب الثالث: التجارة بالحديث

إنّ في تاريخ الحديث الاِسلامي أُناساً عُرفوا بالوضع والكذب، وكانت الغاية من بث هذه الاَحاديث، هو الطمع بالدنيا والازدلاف إلى أهلها و الانتصار للاَهواء والعقائد المدخولة، وقد جمع العلاّمة الاَميني سبعمائة رجل من هذه الزمرة كانوا يكذبون على رسول اللّه لهذه الغاية أو لغايات أُخرى.(٤) وإليك بعض النماذج:

____________________

١ ابن الجوزي: الموضوعات: ١/٣٧، طبع بيروت.

٢ ميزان الاعتدال: ١/٥٩٣.

٣ ابن الجوزي: الموضوعات: ١/٣١.

٤ الغدير: ٥/٢٧٥.


١. أخرج الحافظ عبد الرحمان بن الجوزي عن أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول: قُدم على المهدي بعشرة محدثين فيهم «غياث بن إبراهيم» و كان المهدي يحب الحمام، فقال لغيات: حدّث أمير الموَمنين، فحدّثه بحديث أبي هريرة: «لا سبق إلاّفي خفّ أو حافر أونصل، وزاد فيه: أو جناح، فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم.

فلما قام ، قال المهدي: أشهد أنّ قفاك قفا كذّاب على رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ،وإنّما استجلبت ذلك أنا، وأمر بالحمام فذبحت.(١)

٢. نقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر: روي أنّمعاوية بذل لسمرة ابن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قُولُهُ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصام* وَاذا تَولّى سَعى فِي الاَرْضِ لِيُفسِدَ فِيها وَيُهلِكَ الحَرثَ وَالنَّسْلَ واللّهُ لا يُحِبُّ الفَساد ) ، وانّالآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى:( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه ) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل وروى ذلك.(٢)

أخرج ابن الجوزي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ انّه قال: لا يصح عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء.

وأخرج أيضاً عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل انّه قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثمّ قال: «إيش» أقول فيهما؟ انّ عليّاً «عليه‌السلام » كان كثير الاَعداء، ففتش أعداوَه له عيباً، فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد

____________________

١ الموضوعات:٣/٧٨، باب السبق بالحمام.

٢ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤/٧٣.


حاربه وقاتله فأطروه كياداً منهم له.(١)

أخرج مسلم في صحيحه، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه، قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.

قال ابن أبي عتّاب: فلقيت أنا محمّد بن يحيى بن سعيد القطّان فسألته عنه، فقال عن أبيه: لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث.

قال مسلم: يقول يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب.(٢)

وكم في ثنايا التاريخ والسير شواهد على المقام وقد اقتصرنا على ما ذكر، لاَنّ الغرض هو الايعاز، لا التبسّط، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانه.(٣)

السبب الرابع: وضع الحديث لنصرة المذهب

انتشرت ظاهرة الجعل بين طائفة عرفوا بالزهد و الورع، وصاروا يتقربون به إلى اللّه سبحانه إذا كان في الكذب نصرة للمذهب، وقد مرّ قول يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.(٤)

وقال القرطبي: لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الاَحاديث الكاذبة والاَخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الاَعمال وقد ارتكبها جماعة كثيرة فوضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الاَعمال، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد اللّه الجويباري وغيرهم، قيل لاَبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل

____________________

١ الموضوعات:٢/٢٤.

٢ صحيح مسلم: ١/١٣-١٤، المقدمة.

٣ انظر الغدير: ٥/٢٠٨- ٣٧٨ تجد في طياته شواهد.

٤ مرّ مصدره ولاحظ أيضاً تاريخ بغداد: ٢/٩٨.


سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إنّي رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة.(١)

وثمة أُناس افتعلوا أكاذيب على لسان رسول اللّه في مناقب أئمّتهم، فهناك مناقب حيكت في حق أبي حنيفة.(٢)

كما أنّ هناك جماعة حاكوا مناقب لاَئمّة آخرين، فذكروا في حقّ الاِمام الشافعي انّ رسول اللّه، قال: عالم قريش يملىَ طباق الاَرض علماً. وحملوه على محمد ابن إدريس امام الشافعية.(٣)

وأتت المالكية بروايات موضوعة على لسان رسول اللّه، قالوا: انّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » قال: يكاد الناس يضربون أكباد الاِبل، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة، وطبقوه على مالك بن أنس.(٤)

وللحنابلة هناك روايات حول إمامهم أخرجها ابن الجوزي في مناقب أحمد فلاحظ.(٥)

وكأنّالنبي تنبأ بأنّ الاُمّة الاِسلامية ستفترق إلى مذاهب أربعة فقهية في ثالث القرون وبعدها، فأخذ بتعريفهم وتبجيلهم، مع أنّ في الاُمّة الاِسلامية من هم، أعلم منهم وأبصر بالكتاب و السنّة.

وربما تدفع العصبية أصحابها إلى وضع حديث في حقّ إمام مذهبهم وإطرائه والحط من شأن إمام مذهب آخر، فروي عن أبي هريرة انّه قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يكون في أُمّتي رجل يقال له محمد بن إدريس (الاِمام الشافعي)أضرّ على أُمّتي من إبليس، ويكون في أُمّتي رجل يقال

____________________

١ القرطبي، التذكار: ١٥٥.

٢ انظر تاريخ بغداد: ٢/٢٨٩.

٣ ابن الحوت، أسنى المطالب: ١٤.

٤ ابن الحوت، أسنى المطالب: ١٤.

٥ مناقب أحمد: ٤٥٥.


له أبو حنيفة هو سراج أُمّتي، هو سراج أُمّتي.(١)

فلنختم المقال بنقل ما ذكره القاضي عياض حول أسباب الوضع :

أسباب أُخرى للوضع

أمّا أسباب الوضع فكثيرة، وقد ذكر قسماًمنها النووي في شرح صحيح مسلم نقله عن القاضي عياض، وإليك نصه:

الكذابون ضربان: أحدهما ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم أنواع:

منهم: من يضع عليه ما لم يقله أصلاً إمّا ترفعاً واستخفافاً كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج للدين وقاراً، وإمّا حسبة بزعمهم وتديناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الاَحاديث في الفضائل والرغائب، وامّا إغراباً وسمعة كفسقة المحدّثين، وإمّا تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، وإمّا اتّباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه. وقد تعيّن جماعة من كلّطبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال.

ومنهم: من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً.

ومنهم: من يقلب الاَسانيد أو يزيد فيها ويعتمد ذلك إمّا للاِعراب على غيره، وإمّا لرفع الجهالة عن نفسه.

ومنهم: من يكذب فيدّعي سماع مالم يسمع، ولقاء من لم يلق، ويحدّث بأحاديثهم الصحيحة عنهم.

ومنهم: من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحِكَم العرب والحكماء

____________________

١ الموضوعات:٢/٤٨.


فينسبها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

هذه الاَسباب الاَربعة وغيرها تبعث الباحث إلى إعمال التمحيص والنظر في كلّ ما روي عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعزي إليه، وعدم الاقتناع بتسمية كتاب صحيحاً والتقوّل بأنّه أصحّ الكتب بعد القرآن.

فلنقتصر على هذه الاَسباب ونترك سائر الاَسباب إلى مجال آخر.

٦- طرق التمحيص

إذا وقفت على ضرورة إعمال التمحيص في السنّة المنسوبة إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلندرس طرقه.

إنّ الطريق الواضح الدارج بين الباحثين في السنّة النبوية هي دراستها على ضوء أسانيد الحديث، فإذا صحّ السند وكان جامعاً للضوابط المقررة في علم الدراية استقبلوه برحابة صدر ويصفونه بالصحيح.

وقد اتّفق المحدّثون على أنّ الاِمام البخاري و مسلم ألّفا صحيحيهما على ذلك الغرار، فلم يخرجا إلاّ الحديث الصحيح على اختلاف طفيف بين البخاري ومسلم في الشروط التي قرّراها للصحّة، حكى ابن الجوزي عن الحاكم النيسابوري: انّ الاَحاديث على ستة أقسام: القسم الاَوّل: ما اتّفق على صحّته وكان أبو عبد اللّه البخاري أوّل من [خرّجج من الصحاح ثمّتبعه مسلم، وكان

____________________

١ شرح صحيح مسلم للنووي، نقله عن القاضي عياض كما في تاريخ التشريع الاِسلامي للشيخ محمد الخضري: ١٠٠، ١٠١.


مرادهما، الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول اللّه ولذلك الصحابي راويان ثقتان عنه، ثمّ يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان عنه،ثمّ يرويه عنه من أتباع التابعين، الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقاة، ثمّ يكون شيخ البخاري حافظاً متقناً، فهذه الدرجة العليا.(١)

ولكن الاقتصار في وصف الحديث بالصحّة على وثاقة الراوي وتعاصره مع المرويّ عنه وثبوت نقله عنه، لا يكفي في الركون إليه بل يُشترط فيه وراء عدالة الراوي واتصال السند وضبط الراوي أمر آخر وهو عدم الشذوذ، وإن شئت قلت عدم الاشتمال على العلة القادحة وإلاّفلا يسمن ولا يغني من جوع.

والعجب انّ أكثر المحدّثين التزموا بالشروط الثلاثة الاُولى ولم يلتزموا بالشرط الرابع مع أنّ الشذوذ والعلة في المضمون يوَدي إلى عدم الوثوق بالحديث وإن صحّ السند. وسيوافيك انّ المنهج الذي نهجناه في مجال التمحيص من شُعَب هذا الشرط، فتربّص حتى حين.

يقول الاِمام أحمد: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «إذا سمعتم الحديث عنّي، تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم قريب، فأنا أولاكم به؛ وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه.(٢)

فعلى الباحث رعاية جميع الشروط المقررة للصحّة في الحديث، إذ الاقتصار على عدالة الراوي وتعاصره وضبطه لا يورث الاطمئنان والوثوق بالحديث إذا كان المضمون شاذاً ومشتملاً على العلة.

يقول الحافظ الحاكم النيسابوري: وإنّما يُعلّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فانّ حديث المجروح ساقط واه، وعلّة الحديث، يكثر في

____________________

١ الموضوعات: ١/٣٢،وقد علّق محقق الكتاب على المنقول بشيء، فلاحظ.

٢ مسند أحمد: ٥/٤٢٥.


أحاديث الثقات ان يحدِّثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولاً، والحجّة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير...».(١)

وقال الحافظ ابن الجوزي في «دفع شبه التشبيه»: اعلم انّ للاَحاديث دقائق وآفات لا يعرفها إلاّ العلماء الفقهاء، تارة في نظمها وتارة في كشف معناها.(٢)

وعلى كلّ تقدير فقد دعت هذه الاَسباب ونظائرها كثيراً من المحقّقين إلى تمحيص السنة النبوية بطرق خاصة يجمعها دراسة السند إرسالاً واسناداً، صحة وضعفاً، وهناك ألوان للتأليف في هذا المضمار:

أ جمع الاَخبار الضعاف والموضوعات

قد قام غير واحد من الباحثين بالتأليف على هذا النمط نذكر منهم ما يلي:

١. «الموضوعات» لموَلفه أبي الفرج عبد الرحمان بن علي بن محمد الجوزي(٥١٠-٥٩٧ه-) طبع مرّتين في ثلاثة أجزاء.

قال ابن الحوزي: لما لم يتمكّن أحد أن يدخل في القرآن ما ليس منه، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّه، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ اللّه علماء يذبّون عن النقل، ويوضّحون الصحيح،ويفضحون القبيح، وما يخلي اللّه منهم عصراً من الاَعصار، غير انّ هذا الضرب قد قلّ في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب.

وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلاً

فقد صاروا أعزّ من القليل(٣)

٢. المقاصد الحسنة في كثير من الاَحاديث المشتهرة على الاَلسنة: للشيخ

____________________

١ الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث: ١١٢.

٢ ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: ١٤٣.

٣ لاحظ سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة:١/٦.


أبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمان السخاوي(المتوفّى سنة ٩٠٢ه-) رتّبه على حروف أوائل الاَحاديث.

٣. اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: للاِمام جلال الدين عبد الرحمان السيوطي(٨٤٨ - ٩١١ ه-) وقد طبع في جزءين.

يقول في مقدمته: إنّ من مهمات الدين التنبيه على ما وضع من الحديث واختلق على سيّد المرسلينص وصحابته أجمعين، إلى أن قال: ثمّ بدا لي في هذه السنة وهي سنة ٩٠٥ استئناف التعقبات على وجه مبسوط ،وإلحاق موضوعات كثيرة فاتت أبا الفرج فلم يذكرها.(١)

٤. تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث: لعبد الرحمان بن علي الشيباني الشافعي(٨٦٦ - ٩٤٤ه-) المعروف بالدِّيبع(بكسر الدال وسكون الياء و فتح الباء)ذكر انّه رأى المقاصد كتاباً حسناً لكنّه بالغ في تطويله فجرّده و تتبع في جميع ما ذكره من التصحيح والتمريض وترك من وراءه وجعله على الحروف أيضاً وزاد فيه زيادات مميزة، بقلت.

٥. سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة: تأليف محمد ناصر الدين الالباني المعاصر في خمسة أجزاء، كل جزء يشتمل على خمسمائة حديث تكلم على أسانيدها ويحكم عليها بالضعف أو النكارة أو الوضع أو البطلان، وأحاديث تلك الاَجزاء هي أحاديث الجامع الصغير للاِمام السيوطي قام بتغيير ترتيبها والكلام على أسانيدها ونقل كلام العلماء في ذلك، والعجب انّه قد تناقض في كلامه عليها.

وممّا يوَسف له أنّ الالباني ليس منصفاً في قضائه حيث يميل إلى القول بالتجسيم وإنكار فضائل أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ويظهر ذلك بوضوح من خلال كتابه هذا.

____________________

١ اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: ١/٢-٣، طبع دار المعرفة، بيروت.


ب. ضعاف السنن الاَربعة وصحاحها:

وهي عبارة عن ثمانية كتب بالنحو التالي:

١. صحيح سنن الترمذي(٣) مجلدات.

٢. ضعيف سنن الترمذي مجلد واحد.

٣. صحيح سنن النسائي(٣) مجلدات.

٤. ضعيف سنن النسائي مجلد واحد.

٥. صحيح سنن أبي داود(٣) مجلدات.

٦. ضعيف سنن أبي داود مجلد واحد.

٧. صحيح سنن ابن ماجة مجلدان.

٨. ضعيف سنن ابن ماجة مجلد واحد.

وعمل الالباني في هذه الكتب انّه جاء إلى كل كتاب من كتب السنن الاَربعة المشهورة وحصر الاَحاديث الصحيحة فيها فأخرجها في كتاب، كما حصر الاَحاديث الضعيفة بنظره وأخرجها في كتاب مستقل آخر. ونحن نوافقه أنّ في تلك الكتب أحاديث صحيحة وأُخرى ضعيفة، لكن لا نوافقه على تصحيح بعض الاَحاديث وتضعيف بعضها الآخر.

ج. تخريج أحاديث كتاب خاص

وثمة نمط آخر في التأليف في هذا المضمار، وهو تبيين حال الاَحاديث الواردة في كتاب فقهي أو كلامي أو أخلاقي نظير:

١. نص الراية لاَحاديث الهداية: للحافظ الذيلعي.

٢. المغني عن حمل الاَسفار في الاَسفار في تخريج ما في الاحياء من الاَخبار: للحافظ العراقي.


٣. تلخيص الخير في تحريم أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر العسقلاني.

٤. تخريج أحاديث الكشاف: للعسقلاني أيضاً.

لا شكّ انّ كلّ من وقف على ما بذله هوَلاء الاَقطاب من الجهود في تمحيص السنة النبوية من الموضوعات والمندسّات والمحرّمات يُثمِّن جهودهم ويقدِّر عملهم، ومع ذلك فلم يحقِّقوا الغاية المنشودة من وراء تلك التصانيف، وقد اشتملت الصحاح والمسانيد على روايات تخالف الكتاب العزيز، والسنة النبوية، والتاريخ الصحيح، والعقل الحصيف، وجعلوها في عداد الصحاح يُحتجُّ بها في مجالي العقيدة و الشريعة.

والذي عاقهم عن الوصول إلى تلك الغاية المنشودة أمران:

الاَوّل: انّهم اقتصروا في مقام التمحيص على دراسة الاَسانيد، فصحّحُوا الاَسانيد أو ضعّفوها، وخرجوا بنتائج باهرة ووصفوا كثيراً من الروايات بالضعف والوضع.

انّهم اقتصروا على مناقشة الاَسانيد ولم يهتموا بمناقشة المضامين وتطبيقها على الضوابط القطعية التي لا مناص لمسلم عن الاَخذ بها، فلو انّهم سلكوا ذلك الطريق منضمّاً إلى الطريق الآخر لنالوا الغاية المنشودة.

وهذا هو الطريق الذي سلكناه في هذا الكتاب كما سيوافيك شرحه.

الثاني: انّهم ناقشوا الاَسانيد إلى التابعين بجد وحماس، ولكنّهم جعلوا عدالة الصحابي هي الاَصل، سواء أكان معلوم الحال أم مجهولها، فأضفوا على جميع الصحابة هالة من القداسة وجعلوهم في منأى عن النقد بحيث لا يصحّ التعرض لهم وإن صدر عنهم ما صدر، ولا يتسرب الشكّ إليهم، ولا يتسع المجال لتجريحهم.


والعجب انّهم مع ادّعاء الاِجماع على قداسة الصحابة، وانّهم فوق مستوى الجرح والتعديل، رووا عشرات الاَحاديث التي اختارها أصحاب الصحاح حول ارتداد الصحابة عن الدين والتمرّد على أُصوله ومبادئه على نحو لا يدع مجالاً للريب في أنّهم كانوا كسائر الناس فيهم الصالح والطالح، والمنافق والموَمن، إلى غير ذلك من الاَصناف التي يقف عليها المتتبع لآيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية، وهذا أمر عجيب جداً.

وهذان الاَمران (الاقتصار على مناقشة الاَسانيد دون المضامين، وتحديدها إلى التابعين دون الصحابة) صارا سبباً لاِضفاء الصحّة على كثير من الاِسرائيليات التي تسرّبت إلى الصحاح عن طريق بعض الصحابة الذين كانوا عيالاً على مائدة كعب الاَحبار ومن كان على مشربه، بحجة انّكلّصحابي عادل، وانّهم لا يخضعون للجرح والتعديل، ولو انّهم سلكوا ذينك الطريقين مع ما بذلوا من الجهود في تصحيح الاَسانيد وتضعيفها والوقوف على ثقات الرجال وضعافهم، لاَصبحت السنّة النبوية بين المسلمين خالصة من كلّ شائبة ونقيّة عن كل شين.

ومن المغالاة في القول ما ذكره ابن الاَثير حيث قال: الصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فانّهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح، لاَنّ اللّه عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا يحتاج لذكره.(١)

أقول: إنّه سبحانه مدح لفيفاً من الصحابة في قسم من آياته وفي الوقت نفسه تحامل على قسم منهم، فقال سبحانه:( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات/٦) وليس الفاسق إلاّ أحد الصحابة، وهو الوليد بن عقبة أو صحابي آخر مثله، وقال سبحانه:( وَإِذا رَأَوا تِجارَةً أَوْلَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً ) (الجمعة/١١).

____________________

١ أُسد الغابة:١/٣.


وقال سبحانه:( وَمِنْ أَهْلِالْمَدِينَةِ مَردُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (التوبة/١٠١).

وهوَلاء المنافقون كانوا مندسين بين الصحابة لا يعرف المنافق من الموَمن، ومع ذلك فكيف يمكن الحكم بعدالة الجميع بحجّة انّه سبحانه مدح لفيفاً منهم في بيعة الرضوان قال سبحانه:( لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُوَمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة ) (الفتح/١٨)مع أنّه لم يكن يتجاوز عدد الحاضرين في بيعة الرضوان عن ألف وثمانمائة(١) ؟! فكيف يمكن الحكم على عدالة جميع من رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآمن به من أوّل البعثة إلى أن لقى ربّه، بحجة انّاللّه سبحانه قد رضي عن جمع منهم مع أنّ نسبتهم إلى جميع الصحابة نسبة الاثنين إلى المائة؟!

وأغرب ممّا ذكره ابن حجر، ما أسنده الخطيب إلى أبي زرعة الرازي، قال:

إذا رأيت الرجل ينقص أحداً من أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاعلم انّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهوَلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(٢)

أقول: يلاحظ عليه بأمرين:

الاَوّل: انّ الصحابة والتابعين فيما ذكره سواء والتابعون كالصحابة في أنّالكتاب والسنة قد وصلا إلينا عن طريقهما، فكيف يخضع التابعون للجرح والتعديل دون الصحابة؟!

الثاني: انّ الغاية من وراء الفحص عن عدالة الصحابة هي التعرف على الصالحين والطالحين والموَمنين والمنافقين والمتثبّتين في طريق الدين والمشرفين على الارتداد(٣) حتى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء والموَمنين

____________________

١ السيرة النبوية: ٢/٣٠٩؛ مجمع البيان:٢/٢٨٨.

٢ الاصابة:١/١٠.

٣ لاحظ آل عمران: ١٥٤.


والمتثبتين والتجنب عن غيرهم، فلو قام الرجل بعبء التحقيق لما كان عليه لوم فلو قال أبو زرعة مكان قوله الآنف الذكر:«إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه وتقواه حتى يأخذ دينه من الخِيَرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحققين في الدين» لكان أحسن وأولى.

ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبت في أُمور الدين والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة، وانّه يريد جرح شهود المسلمين لاِبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّالآلاف الموَلفة من أصحابهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين قائماً بهذا الصنف من المجروحين «ما هكذا تورد يا سعد الاِبل».

٧- منهجنا في تمحيص السنّة

قد عرفت أنّ منهج تلك الثلة من المحقّقين في الحكم على الاَحاديث بالصحة أو السقم هو الاُصول المسلمة في علم أُصول الحديث، ومصطلحه، يعتمدون غالباً على الاَسانيد دون المضامين وعلى تنصيص علماء الرجال كوثاقة الراوي وضعفه، وربما يتعرضون لنكارة المتن وغرابته ولا يخرجون عن تلك الضوابط والقواعد الرائجة في مختلف العصور.

لكنّ هناك منهجاً علمياً آخر قلّالالتفات إليه من قبل نقاد الحديث، وهو عبارة عن عرض الحديث على الكتاب أوّلاً، والسنة المتواترة أو المستفيضة التي تلقّاها الاعلام وجهابذة الحديث بالقبول ثانياً، والعقل الحصيف الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه وخلفاءه ثالثاً، والتاريخ الصحيح رابعاً، واتّفاق الاُمّة خامساً.


فلو وجدنا الحديث مخالفاً لواحد من تلك الحجج القطعية، لَحكمنا عليه بالوضع أو الدسّ أو الضعف حسب اختلاف مراتب المخالفة.

وممّا يجب إلفات الاَنظار إليه هو انّه لا يشترط في ثبوت الحديث كونه موافقاً لهذه الضوابط بل يشترط عدم مخالفته لها، فبالمخالفة يسقط الحديث عن الحجّية، ولاِيضاح الحال نذكر لكلّ من هذه الضوابط مثالاً أو مثالين:

الاَوّل: عرض الحديث على الكتاب

القرآن الكريم هو المرجع الاَوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد عرّف نفسه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال:( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (النحل/٨٩).

والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما ينسب إلى العقيدة والشريعة من طرق الروايات.

كما انّه سبحانه عرّّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب السماويّة( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه ) (المائدة/٤٨).

فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً على ما ينسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.

وعلى ضوء ذلك فالمعيار الاَوّل لتمييز الباطل عن الصحيح هو مخالفة الكتاب وعدمها، فإذا كان الخبر المروي بسند صحيح مخالفاً لنص القرآن يُضرب به عرض الجدار إلاّإذا كان ناسخاً للحكم الشرعي الوارد في القرآن، ومن المعلوم انّ النسخ محدّد بموارد خاصة ولا يقبل فيه إلاّ إذا كان الخبر متواتراً


حتى يُصبح ناسخاً للقرآن وإلاّفلا يترك الوحي القطعي بالخبر الواحد.

أخرج الرازي في تفسيره عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: إذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فأقبلوه، وإلاّفردّوه.(١)

وقد تضافر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمّة أهل البيت لزوم عرض الحديث على الكتاب عند الشكّ في الصحّة أو عند تعارض الخبرين.

روى الحرّ العاملي في وسائله باسناده عن السكوني قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ على كلّحق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه».

وروى أيوب بن الحرّ، قال: سمعت أبا عبد اللّهعليه‌السلام يقول: «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ شيء لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».(٢)

والمراد من عرض الحديث على الكتاب هو إحراز عدم المخالفة لا الموافقة، إذ ليست الثانية شرطاً في حجّية الحديث وإنّما المخالفة مسقطة له عن الحجّية، وعلى ذلك يكون الشرط عدم المخالفة للكتاب وليس المراد منها، هي المخالفة بنحو العموم والخصوص أو الاِطلاق والتقييد فانّ مثل هذه المخالفة أمر رائج في التشريع بل المراد المخالفة المطلقة كما يتضح ممّا نذكره من النموذجين:

١. تعذيب الميت ببكاء أهله

أخرج مسلم عن عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: الميت يُعذَّب في قبره بما نيح عليه.

____________________

١ التفسير الكبير : ٣/٢٥٩ ، طبع سنة ١٣٠٨ ه-.

٢ وسائل الشيعة:١٨/٧٨، كتاب القضاء، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث ١٠، و ١٤.


وأخرج أيضاً عن ابن عمر انّه لما طعن عمر أُغمي عليه فصيح عليه، فلمّ-ا أفاق، قال: أما علمتم انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّالميت ليعذب ببكاء الحي.(١)

هذه الرواية وإن رواها مسلم بطرق مختلفة لكنّها مرفوضة جداً لاَنّ-ها تخالف صريح القرآن.

قال سبحانه:( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) (الاَنعام/١٦٤).

وقال سبحانه:( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَو كانَ ذا قُربى ) (فاطر/١٨).

فكيف يمكن أن نقبل انّ الميت البريء، يُعذَّب بفعل الغير وهو شيء يرفضه العقل والفطرة وقيل:

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم

فكأنّن---ي سب-ابة المتن--دّم

ولاَجل ذلك ردّت السيدة عائشة هذه الرواية.

أخرج مسلم أيضاً: انّها قالت: لا واللّه ما قاله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قط، إنّ الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذاباً وانّ اللّه لهو أضحك و أبكى ( ولا تَزر وازرة وزر أُخرى...) إلى أن قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنّكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطىَ.(٢)

وهذه الرواية وإن دفعت بعض الاِشكال ولكنّها لم تقلعه، لاَنّ مقتضى الآية هو العموم وهو انّالاِنسان لا يعذب بفعل غيره سواء أكان مسلماً أو كافراً لعمومية العلة( لا تَزر وازرة وزر أُخرى ) مع سعة حكم العقل بقبح عقاب البريء بذنب الآخر.

والصحيح في ذلك ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه

____________________

١ صحيح مسلم:٣/٤١، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

٢ صحيح مسلم:٣/٤٣، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.


قال: ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه إنّما مرّت على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وانّه ليعذب.(١) أي يعذب بأعماله التي اقترفها في حال حياته.

٢. الاحتجاج بالقدر

أخرج البخاري في أبواب التهجد بالليل عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين انّ الحسين بن علي أخبره انّعلي بن أبي طالب قال: إنّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طرقه وفاطمة بنت النبيعليه‌السلام ، فقال لهم: ألا تصلون.

فقال علي: فقلت يا رسول اللّه: «أنفسنا بيد اللّه»فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئاً، ثمّ سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول:( وكانَ الاِنسانُ أكثرَ شيءٍ جَدَلاً ) (٢)

والحديث موضوع على لسان أئمّة أهل البيت وقد تولّى كبره أحد من ورد في الاسناد وذلك:

أوّلاً: انّ الاحتجاج بالقدر وتبرير العقائد الفاسدة والاَعمال السيئة به من سيرة المشركين، وقد نقل القرآن الكريم عنهم ذلك وقال:

( سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسنا قُلْهَلْعِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّالظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّتَخْرُصُونَ ) (الاَنعام/١٤٨).

____________________

١ صحيح مسلم:٣/٤٤، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

٢ صحيح البخاري:٩/١٠٦، باب قوله تعالى( وكان الانسان أكثر شيء جدلاً ) من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة. والآية ٥٤ من سورة الكهف.


وأشار إليها في آية أُخرى أيضاً قال سبحانه:( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِما لا تَعْلَمُونَ ) (الاَعراف/٢٨). وليس مرادهم من قولهم :( وَاللّهُ أَمَرَنا بِها ) سوى انّه سبحانه قدّر ذلك ولازمه الاَمر به فليس لنا المحيص عن السير وراء التقدير.

وقد كان عرب الجاهلية على تلك العقيدة وبقيت رواسبه إلى عهد الرسالة وبعده، روى عبد اللّه بن عمر انّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنى بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّر عليّ ثمّ يعذبني، قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(١)

لقد كان استغراب الرجل في محله إذا كان التقدير ملازماً لسلب الاختيار عن الاِنسان، لذلك قال: «فانّ اللّه قدر عليّثمّ يعذبني» و لما عجز الخليفة عن الاِجابة بمنطق الاستدلال توسل بمنطق القوة وانّه لو كان هنا رجل لاَمره أن يجأ أنفه.

لا شكّ انّ القضاء والقدر من تعاليم القرآن ومن العقائد الاِسلامية، لكن لا على وجه يسلب الاختيار عن الاِنسان ويجعله مكتوف الاَيدي على صعيد الحياة.

وما جاء في الرواية من الاجابة، إنّما يحتج به المشرك لا إمام المسلمين والذي تربى في احضان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ نعومة أظفاره.

ثانياً: لو افترضنا انّ الاِمام وزوجه فاتت عنهما صلاة الليل لغلبة النعاس عليهما، فعندما يطرق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بابهما تحنناً وتلطفاً، فمقتضى أدب أهل البيتعليهم‌السلام أن يواجها أباهما بالشكر والامتنان لا بمجادلة وكلمة لاذعة، ولا بإلقاء المسوَولية على عاتق مقدِّر الاَقدار.

____________________

١ تاريخ الخلفاء للسيوطي:٩٥.


ثالثاً: كيف ينقل الراوي حديث ترك التهجد والتنفل بنافلة الليل مع أنّ عليّاً كان أحد عبّاد زمانه، فمنه تعلّم الآخرون التهجد والتجافي عن المضاجع آناء الليل؟!

قال ابن أبي الحديد: وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الاَوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصّفين ليلة الهرير، فيصلّي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته! وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده.

وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وإجلاله،وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته، و الخشوع لعزته والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أيّقلب خرجت، وعلى أيّ لسان جرت!

وقيل لعلي بن الحسينعليهما‌السلام وكان أعبد أهل زمانه: أين عبادتك من عبادة جَدّك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدّي، كعبادة جدّي عند عبادة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

والحق ما رواه أنس «انّ النبيّ كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت( إنَّما يُريدُ اللّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُم الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا ) (٢)

____________________

١ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:١/٢٧.

٢ لاحظ في الوقوف على مصادر الرواية : تفسير الطبري: ٢٢/٥ - ٧ ، والدر المنثور: ٥/١٩٨- ١٩٩.


الثاني: عرض الحديث على السنّة المتواترة

إنّالسنّة المتواترة كالكتاب العزيز كلاهما قطعيان بَيدَ انّ الكتاب وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها لا بلفظها. فتكون معياراً لتميز الحقّ عن الباطل، وقد مرّ في حديث أيوب بن الحر عن الصادقعليه‌السلام انّه قال: كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة.

وفي رواية عمر بن حنظلة عن الاِمام الصادقعليه‌السلام في الخبرين المتعارضين انّه ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة فيوَخذ به.

وروى ابن أبي يعفور عن الاِمام الصادقعليه‌السلام : قال: سألته عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به.(١)

والمراد من عرض الحديث على السنة المتواترة ليس هو إحراز موافقته لها، بل إحراز عدم مخالفته لها لكون المخالفة مسقطة للحجية.

فالسنة المتواترة أو المستفيضة كالقرآن الكريم فلو ورد حديث يخالفها لا يوَخذ به بالملاك الذي ذكرناه في الكتاب.

نعم لا تشترط الموافقة، وإليك المثال:

أخرج أحمد في مسنده عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد يقول، حين صلّى قبل الخطبة ثمّ قام يخطب الناس:

[فيجيب على اعتراض الناس بتقديم الصلاة على الخطبتينج بقوله: كلاًّ

____________________

١ وسائل الشيعة:١٨، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث ١و١١.


سنّة اللّه وسنة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

فإنّ السنة المتواترة عند الفريقين هو تقديمهما عليها، ولم يرو عن أحد من أنّ الرسول قدَّم صلاة الجمعة عليهما.

الثالث: عرض الحديث على العقل الحصيف

لقد احتلّ العقل مكانة رفيعة في الاِسلام وليس المراد من العقل، الاَساليب والاستدلالات العقلية التي يختص فهمها بأصحاب الفكر والحكمة، وإنّما المراد ما اتّفق عليه جميع العقلاء إذا تجرّدوا عن كل النزعات والرواسب والخلفيات نظير حكم العقل بحاجة كل ظاهرة إلى علة، وامتناع الدور والتسلسل وحسن العدل وقبح الظلم، وعلى تلك الاَحكام العقلية يدور رحى العقيدة والشريعة فلو لم يعترف أحد بها لانسدّ باب اثبات الصانع على وجهه كما ينسد عليه إثبات الشرائع السماوية وانّها من جانب اللّه سبحانه.

قال سبحانه:( فَبَشِّر عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئكَ الّذينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الاَلْباب ) (الزمر/١٧- ١٨).

فالمراد من القول الاَحسن، الواجب الاتّباع هو ما يدركه الاِنسان من صميم ذاته ونداء ضميره ووجدانه، ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه يذكر في فواصل الآيات ويقول:( لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلُون ) (البقرة/١٦٤) ويقول:( أَفَلا تَعْقِلُون ) (البقرة/٤٤و٧٦) ويقول:( وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالِمُون ) (العنكبوت/٤٣) ويقول أيضاً:( إِنَّ في ذلِكَ لذِكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألقى السَّمعَ وهُوَ شَهِيد ) (ق/٣٧).

____________________

١ مسند أحمد بن حنبل: ٤/٤.


إنّ المتكلّمين من الاِمامية والمعتزلة وإن اختلفوا مع الاَشاعرة في مسألة تحسين العقل وتقبيحه، لكن مع غض النظر عن هذا الجدال العقيم، نرى أنّ القرآن العظيم يحتج بالعقل الصريح و يقول:( إِنَّ لِلْمُتَّقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعيمِ * أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فيهِ لَما تَخَيّرون ) (القلم/٣٤- ٣٨).

وفي آية أُخرى:( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْض أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّار ) (ص/٢٨).

قال سبحانه:( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاء ) (الاَعراف/٢٨).

وقال سبحانه حاكياً عن إبراهيم:( قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُون * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهمْ فَقالُوا إِنّكُمْ أَنْتُمُ الظالِمُون ) (الاَنبياء/٦٣ - ٦٤).

فهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّ منطق العقل حجّة قطعية بين اللّه سبحانه وعباده، وهو سبحانه يحتج به عليهم حتّى أنّ عبدة الاَوثان لما أُفحِمُوا أمام منطق إبراهيم المتين، أذعنوا بفشل رأيهم، ورجعوا إلى وجدانهم، ووصفوا أنفسهم بالظلم والتعدي.

فمنطق العقل القطعي يعد مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولتصحيح ما يعزى إلى منطق الوحي وما لا يعزى إليه.

وعلى ضوء ذلك فالروايات الصريحة في إثبات الجهة للّه تبارك وتعالى، وفي إثبات الجبر و سلب الحرية والاختيار عن الاِنسان فيما يناط به الاِيمان والكفر كلّها تخالف العقل الحصيف الذي به عُرف اللّه سبحانه وأنبياوَه ورسله.

فالاِنسان المسيّر غير مسوَول عن عمله وتصرفاته في قضاء العقل، مع أنّه مسوَول في كتاب اللّه تبارك وتعالى فلا يجتمعان.


كما أنّ الموجود في جهة، موجود محدود، والمحدود من آثار الاِمكان وهو سبحانه منزه عنه وعن آثاره.

وأظهر من ذلك ما رواه غير واحد من أصحاب الصحاح من أنّه سبحانه يُرى في الآخرة بنفس العين الحاسة مع أنّ هذه الروَية مستحيلة عقلاً، لاَنّ المرئي لا يرى إلاّ في جهة، وقد قلنا بامتناع الجهة له، كما المرئي منه سبحانه يوم القيامة لا يخلو إمّا أن يكون بعضه أو كله.

فالاَوّل يثبت له جزءاً والثاني يلازم كونه سبحانه محاطاً مع أنّه محيط.

والعجب انّ بعض المقتصرين على الضوابط المقررة في علم الحديث بغية تمييز الصحيح عن السقيم يتبجّح عند نقد روايات العقل، و يقول:

ومما يحسن التنبيه عليه انّ كلّ ما ورد في فضل العقل من الاَحاديث لا يصحّ منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه «العقل وفضله» فوجدتها كما ذكرت لا يصحّ منها شيء، ثمّ نقل عن ابن قيم الجوزيّة قوله أحاديث العقل كلّها كذب.

وأوّل حديث نقده ذلك البعض هو حديث «الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له».

وذكر في موضع آخر بأنّ رواية: «قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له» موضوعة.(١)

أقول: إنّ الغاية من وراء تضعيف أحاديث العقل(وإن كانت حجيته مستغنية عن هذه الاَحاديث، ويكفي فيها انّ الذكر الحكيم ذكره خمسين مرّة بصيغ مختلفة) هي التساهل أمام الروايات الدالة على أنّ الاِنسان مسيّر ، والقضاء

____________________

١ الالباني، سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة، ص ١٣ وص ٣٧٠.


والقدر حاكم على مصيره وتصرفاته، وليس له أي اختيار في انتخاب ما ينوط به الاِيمان والكفر.

أو التساهل أمام الروايات الهائلة المدسوسة في الاَحاديث الاِسلامية من قبل مستسلمة أهل الكتاب، الدالة على التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة.

إنّ المتبجحين برفض العقل كابن تيمية والذهبي وابن قيم الجوزية ومن حذا حذوهم كمحمد بن عبد الوهاب وأخيراً الشيخ الالباني، قد اتخذوا لاَنفسهم موقفاً مسبقاً في مجال أخذ الحديث ورفضه، فالمعيار عندهم هو اتّباع السلف ومخالفة الخلف أخذاً بقول الشاعر:

وكلّ خير في اتّباع من سلف

وكلّ شرّ في ابتداع من خلف(١)

وكلامهم هذا نظير ما حكاه سبحانه عن المشركين قال:( ... قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباوُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (البقرة/١٧٠).

فإذا كان هذا هو المعيار فأكثر المحدثين - المغترّين بروايات مستسلمة أهل الكتاب ككعب الاَحبار وتميم الداري ووهب بن منبه وغيرهم ممّن بثوا في الاَوساط الاِسلامية الاسرائيليات والمسيحيات - كانوا هم القائلين بالجبر والتجسيم والتشبيه، ومن كان هوَلاء أئمّته فأولى أن يتبجح برفض العقل.

____________________

١ المصدر السابق: ١١٧.


الرابع: عرض الحديث على التاريخ الصحيح

إنّ التاريخ الصحيح الّذي اتّفق عليه أعلامُالمسلمين وأهلُالسير والتاريخ أحد المعايير لتمييز الصحيح عن السقيم، ولنعرض نموذجين.

١. أخرج البخاري في باب تزويج الصغار من الكبار من كتاب النكاح عن عروة انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك. فقال: أنت أخي في دين اللّه و كتابه، وهي لي حلال.(١)

وأخرج أيضاً في باب الفضائل عن أبي سعيد الخدري (رض) قال: ...ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوَّة الاِسلام ومودّته لا يَبْقَين في المسجد باب إلاّ سدّ إلاّباب أبي بكر.(٢)

وأخرج أيضاً عن ابن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لو كنت متخذاً من أُمّتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخي و صاحبي.(٣)

إنّ التاريخ الصحيح يدل على سقم الرواية الاُولى، لاَنّه ماذا أراد أبو بكر من كلامه - عند ما خطب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة - وقال: «إنّما أنا أخوك» ؟

فإن أراد الاُخوة النّسبية فهي واضحة البطلان.

وإن أراد الاُخوة الاِسلامية المتجلية في قوله سبحانه:( إِنّما الموَمنونَ إِخْوَة ) (الحجرات/١٠) فهذه غير مانعة من النكاح، لاَنّ الاخوة الدينية العامة لا تمنع من التزويج، و إلاّ يلزم عدم صحّة نكاح المسلمين قاطبة كما هو واضح.

فانحصر المراد منها، بالاخوة الخاصة الواردة في الرواية الثالثة: «ولكن

____________________

١ صحيح البخاري: ٧/٥، باب تزويج الصغار والكبار، من كتاب النكاح.

٢ صحيح البخاري: ٥/٤، باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كنت متخذاً خليلاً.

٣ صحيح البخاري: ٥/٤، باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كنت متخذاً خليلاً.


أخي وصاحبي»، ومن الواضح انّها لم تتحقق إلاّ في المدينة المنورة بشهادة ذيل الحديث بأنّه «لا يبقين في المسجد باب إلاّ سدّ، إلاّ باب أبي بكر».

فإذاً كيف يخطب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عائشة في مكة المكرمة قبل الهجرة ويعتذر هو بالاخوة الخاصة المتحققة في المدينة، فالتاريخ يشهد على وضع الرواية الاُولى وكذبها، وليست هذه الرواية فريدة من نوعها، بل حيكت على منوالها رواية أُخرى أيضاً أخرجها ابن الجوزي في كتابه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال:

لما دخل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة مهاجراً من مكة أشعث أغبر أكثر عليه اليهود المسائل والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجيبهم جواباً متداركاً بإذن اللّه عزّ وجلّ، وكانت خديجة قد ماتت بمكة، فلما ان دخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة واستوطنها طلب التزويج، فقال لهم:

أنكحوني، فآتاه جبريلعليه‌السلام بخرقة من الجنة طولها ذراعين في عرض شبر، فيها صورة لم ير الراوَون أحسن منها، فنشرها جبريل، وقال: يا محمد إنّ اللّه تعالى يقول لك: أن تزوج على هذه الصورة، فقال له النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : أنا من أين لي مثل هذه الصورة يا جبريل؟

فقال له جبريل: إنّ اللّه يقول لك تزوج ابنة أبي بكر الصديق.

فمضى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى منزل أبي بكر فقرع الباب، ثمّ قال: يا أبا بكر إنّ اللّه أمرني أن أُصاهرك، وكان له ثلاث بنات فعرضهن على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه أمرني أن أتزوج بهذه الجارية، وهي عائشة، فتزوجها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال الخطيب: رجاله كلّهم ثقات غير محمد بن الحسن ونراه مما صنعت يداه.

وأعقبه ابن الجوزي بقوله: ما أبعد الذي وضعه عن العلم، فإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تزوج عائشة وهو بمكة ولم يكن لاَبي بكر حينئذٍ


ثلاث بنات، ما كان له غير أسماء وعائشة وإنّما جاءته بنت بعد وفاته يقال لها أُمّ كلثوم.(١)

٢. أخرج مسلم في صحيحه، في فضائل الصحابة، عن ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي: يا نبي اللّه ثلاث اعطنيهنّ؟

قال: نعم.

قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُمّحبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها؟

قال: نعم.

قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك؟

قال: نعم.

قال: وتوَمّرني حتى أُقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال: نعم.

قال أبو زميل: ولولا انّه طلب ذلك من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أعطاه ذلك، لاَنّه لم يكن يسأل شيئاً إلاّ قال: نعم.(٢)

أقول: لا يشك أي باحث متضلع في التاريخ الاِسلامي انّ الحديث موضوع من قبل سماسرة الاَهواء وأذناب البيت الاَموي الذين كانوا يحملون نزعات أموية، وذلك لاتّفاق المسلمين على أنّ النبيتزوج بأُمّ حبيبة قبل فتح مكة، وانّ أبا سفيان دخل المدينة بغية لقاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل إسلامه وكانت أُمّحبيبة زوجته، وإنّما استسلم أبو سفيان بعد ما اجتثت جذور الشرك في جزيرة العرب وفتحت معاقله.

حكى ابن هشام في ذكر الاَسباب التي دعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المسير نحو مكة في شهر رمضان سنة ٨ ه- وقال: ثمّ خرج أبو سفيان

____________________

١ ابن الجوزي، كتاب الموضوعات:٢/٨.

٢ صحيح مسلم: ٧/١٧١، باب فضائل أبي سفيان بن حرب.


حتى قدم على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة، فدخل على ابنته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللّه طوته عنه ، فقال: يا بُنيَّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟

قالت: بل هو فراش رسول اللّه وأنت رجل مشرك نجس ولم أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه.(١)

وقد اتّفق كُتّاب السير على أنّ أُمّ حبيبة أسلمت في مكة المكرمة قبل الهجرة، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، وذكرها ابن هشام من المهاجرات إلى الحبشة.

قال ابن هشام: ومن بني أُميّة عبيد اللّه بن جحش بن رئاب الاَسدي حليف بني أُميّة ابن عبد شمس معه امرأته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما قدم عبيد اللّه أرض الحبشة تنصّر بها وفارق الاِسلام ومات هناك نصرانياً، فخلف رسول اللّه على امرأته من بعده أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب.(٢)

ثمّ إنّ ابن حزم ممّن تنبه إلى الاشكال في الرواية وقال: والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل.

وأنكر الشيخ أبو عمرو بن صلاح على ابن حزم، فقال: لا نعلم أحداً من أئمّة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، ثمّ حاول أن يصحح مضمون الحديث بأنّ أبا سفيان سأل تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه، لاَنّه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنّه ظن ان إسلام الاَب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد.(٣)

____________________

١ سيرة ابن هشام:٢/٣٩٦، وغيرها من المصادر المتوفّرة.

٢ سيرة ابن هشام:٢/٣٦٢.

٣ شرح صحيح مسلم للنووي: ١٦/٢٩٦.


يلاحظ عليه : أنّ عكرمة بن عمار مختلف فيه، وقد ذكر الذهبي أقوال العلماء في حقّه.(١)

ولكن الكلام في التأويل الذي ارتكبه ابن الصلاح بغية تصحيح الرواية، ولو ارتكبه غيره لرُمي بالجهمية، وأين أبو سفيان من هذه الدرجة من التقوى التي يصوّرها لنا ابن الصلاح؟! وها نحن نذكر نبذة مختصرة عن سيرته في أُخريات حياته ليتضح مدى تمسكه بالاِسلام وإيمانه به.

قال أحمد بن عبد العزيز : وحدّثني المغيرة بن محمد المهلبيّ، انّ أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت! أنفق ولا تكن كأبي حجر، وتداولوها يا بني أُمية تداول الولدان الكرة، فواللّه ما من جنَّة ولا نار و كان الزبير حاضراً، فقال عثمان لاَبي سفيان: اعزب فقال: يا بنيَّ أهاهنا أحد؟! قال الزبير: نعم واللّه لا كتمتها عليك.(٢) ِ فمن كان منكراً للبعث بعد ما أسلم سنين، فهل يصحّ وصفه بما ذكره ابن الصلاح؟!

الخامس: عرض الحديث على اتّفاق الاُمّة

إنّ اتّفاق الاُمّة على حكم من الاَحكام دليل قطعي عليه دون فرق بين المنهج الشيعي أو السنّي.

وعلى ضوء ذلك فلو ورد حديث يخالف المتفق عليه بين الاُمّة فيحكم عليه بالدس والوضع، ولنضرب مثالاً:

أخرج الطحاوي في مشكل الآثار عن طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أنس، قال: مطرت السماء برداً، فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٧/١٣٤ برقم ٤٩.

٢ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:٢/٤٥.


يأكل وهو صائم وذلك في رمضان! فقلت: أتأكل وأنت صائم؟ فقال: إنّما هو برد نزل من السماء نطهَّر به بطوننا وانّه ليس بطعام ولا بشراب! فأتيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبرته بذلك.

فقال: خذها عن عمك.(١)

إنّ اتّفاق الاُمة على أنّ مطلق الاَكل والشرب مبطل للصوم يكفي في الحكم على هذا الحديث بالوضع والدس.

ولاَجل ذلك نرى أنّ السيوطي أورده في ذيل الاَحاديث الموضوعة، ص ١١٦. وضعفه الطحاوي في مشكل الآثار بوجود علي بن زيد في سنده وانّه ليس من أهل التثبيت(٢)

٨- لا كتاب صحيح سوى القرآن الكريم

ثمّ إنّ المشكلة تكمن في أنّ المحدّثين والباحثين وصفوا جامع البخاري ومسلم بالصحيحين وحكموا بصحّة كلّ ما جاء فيهما من الاَحاديث، فعاق ذلك كثيراً من المحقّقين عن الفحص والتنقيب بما جاء فيهما من الروايات المخالفة للكتاب والسنّة والعقل، ولاَجل ذلك بقي الكتابان في منأى عن التحقيق بخلاف السنن الاَربع الباقية من الاَُصول الستة، فقد تطرق إليها التحقيق منذ زمن بعيد.

كيف يحكم بأنّ كلّ ما في البخاري صحيح مع أنّه أورد فيه الاَحاديث

____________________

١ مشكل الآثار:٢/٢٣٨ برقم ١٩٨٣.

٢ المصدر نفسه.


المعلّقة، مرفوعة وموقوفة، وإن اعتذر عنه ابن حجر في مقدمة فتح الباري.(١)

وقد رُمي ثمانون رجلاً ممّن أخرج عنهم البخاري بالضعف، كما رُمي مائة وستون رجلاً ممن أخرج منهم مسلم به أيضاً.(٢)

نعم حاول ابن حجر عقد فصلاً خاصاً(٣) في الذبِّ عن ضعفهم، إلا أنّ محاولته باءت بالفشل.

والعجب انّ الاِمام البخاري، احتجّ بمثل مروان بن الحكم، وعمران بن حطّان وحريز بن عثمان الرحبي وغيرهم ولم يرو عن الاِمام الصادق «عليه‌السلام ».

أمّا الاَوّل فهو الوزغ ابن الوزغ، اللعين ابن اللعين على لسان رسول رب العالمين، وأمّا الثاني فهو الخارجي المعروف الذي أثنى على ابن ملجم بشعره لا بشعوره، وأمّا الثالث فكان ينتقص عليّاً وينال منه، و مع ذلك لم نجد في صحيح البخاري رواية عن الاِمام الصادق ونعم ما قال القائل:

قضية أشبه بالمرزئة

هذا البخاري إمام الفئة

بالصادق الصدّيق ما احتجّ في

صحيحه واحتجّ بالمرجئة

ومثل عمران بن حطان أو

مروان وابن المرأة المخطئة

مشكلة ذات عوار إلى

حيرة أرباب النهى ملجئة

انّ الاِمام الصادق المجتبى

بفضله الآي أتت منبئة

أجلّ من في عصره رتبة

لم يقترف في عمره سيّئة(٤)

____________________

١ هدية الساري مقدمة فتح الباري، ص ١٧، ط دار المعرفة.

٢ المصدر نفسه، ص ١١.

٣ المصدر نفسه، ص ٤٥٦ - ٤٦٤.

٤ السيد محمد بن عقيل: النصائح الكافية: ١١٩. ط بيروت.


وسيتضح مدى صحة قولهم: «كل ما في الصحيحين، صحيح».

نعم أوّل من تجرّأ من السنّة على التحقيق في الصحيحين هو الحافظ ابن الجوزي حيث ألّف كتاباً باسم مشكل الصحيحين أو مشكل الصحاح، و لم يزل مخطوطاً في أربعة أجزاء، فلو قام باحث موضوعي بنشر هذا السفر الجليل لخدم السنّة النبوية.

وحكى العلاّمة المحقّق الشيخ حسن السقاف انّ شيخه السيد الاِمام أبا الفضل الغماري صنف كتاباً في هذه المسألة وسماه «الفوائد المقصودة في الاَحاديث الشاذة المردودة».

وقد قام شيخ مشايخنا الشيخ فتح اللّه النمازي الاصفهاني - المشهور بشيخ الشريعة (١٢٦٦- ١٣٣٩ه-) بنقد الصحاح، فألف كتاباً باسم «القول الصراح في نقد الصحاح»(١) ، غير انّه لم يُوفّق لاِتمامه.

كما ألّف سيد الطائفة، شرف الدين العاملي (١٢٩٠- ١٣٧٧ه-) كتاباً باسم «أبو هريرة» بحث فيه عن سيرته ورواياته في الصحيحين وغيرهما بحثاً أضاء الطريق لمن بعده.

وأخيراً ألّف الشيخ المجاهد محمد الغزالي كتابه «الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم» وقد سلك في نقل الاَحاديث قريباً مما سلكناه في هذا الكتاب، وقد أثار ضجّة المتحجرين لما اعتادوه من العكوف على كلّحديث عكف عليه السلف.

كما قام غير واحد من علمائنا بتمحيص ما روي عن أئمّة أهل البيت من الاَحاديث نذكر منهم على سبيل المثال:

____________________

١ نحتفظ منه بنسخة مخطوطة في مكتبة موَسسة الاِمام الصادقعليه‌السلام عسى أن يقوم الباحثون بنشرها.


١.الاَخبار الدخيلة: تأليف المحقّق محمد تقي التستري (١٣٢٠- ١٤١٥ه-) وقد طبع وانتشر.

٢. الموضوعات في الآثار والاَخبار : تأليف المحقّق هاشم معروف الحسني.

ولسنا في هذا المقام بصدد دراسة أحد الصحاح والمسانيد، أو دراسة جميع روايات راو واحد فقط، بل بصدد دراسة أحاديث ثلة من الصحابة تربو على أربعين صحابياً، بعد ذكر نبذة مختصرة من سيرته، ونماذج من روائع حديثه.

ولا نعني بروائع الاَحاديث، كونها صحيحة سنداً بل ربما يكون سندها غير نقيّ لكن مضمون الحديث يدعمه الكتاب أو السنة والقرائن والمفاهيم العامة الاِسلامية.

كما لا تعني هذه الدراسة القدحَ بذلك الصحابي، بل تعني وجود الاِشكال والعلّة في الرواية سواء أكان منشوَها هو ذلك الصحابي أو الذين رووا عنه وعزوه إليه، والمطلوب هو نقد المضمون والمحتوى دون أن نحمِّل المسوَولية على عاتق أحد إلاّ في موارد شاذّة.

وهذه الدراسة هي خدمةمتواضعة للحديث النبوي، نرجو أن تنال القبول وأن ينتفع بها المعنيون وأن تكون فاتحة خير لمساهمات لاحقة، وندعو اللّه تعالى أن يهبنا السداد في القول، والتوفيق في العمل، ويهيّىَ لنا من أمرنا رشداً انّه نعم المولى و نعم النصير.

ونحن على ثقة بأنّ كلّ قارىَ واع ينبض قلبه حبّاً للاِسلام، سيُثمِّن الجهود التي بذلناها في سبيل تأليف هذا الكتاب، والعناء الذي تحمّلناه في هذا المضمار.

وما توفيقي إلاّ باللّه عليهِ توكلتُ وإليه أُنيب



١- معاذ بن جبل الصحابي

(٢٠ قبل الهجرة - ١٨ هجرية)

سيرته وأحاديثه الرائعة.

أحاديثه السقيمة:

١. التجسيم في حديثه.

٢. افشاء سرِّ النبي بلا إذنه.

٣. السذاجة في فهم الشريعة.

٤. عدم استجابة دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٥. دراسة تحليلية حول حديث اجتهاده في القضاء.

معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمان الاَنصاري الخزرجي المدنيّ البدريّ، ولد عام ٢٠ قبل الهجرة، شهد العقبة وهو شابّ، كما شهد بدراً والمشاهد، و روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث ناهزت ١٠٨، بعثه النبي للقضاء إلى اليمن بعد ما علّمه آداب القضاء، وتوفي في الشام عام ١٨ بعد الهجرة على أحد الاَقوال.

والسابر في طيات كتب الرجال يجد في حقّه كلمات تدل على مكانته


الرفيعة في القراءة ومعرفة الحلال و الحرام:

١. عن عبد اللّه بن عمر، قال: أربعة رهط لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول اللّه، قال: «خذوا القرآن من أربعة، من: ابن مسعود، و سالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كعب، و معاذ بن جبل».(١)

٢. عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعاً: وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، و يروى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرسلاً ومتصلاً: «يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة».

وعن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه: «معاذ بن جبل أعلم الناس بحلال اللّه وحرامه.(٢) إلى غير ما ذكر من كلمات الاِطراء والثناء في حقّه المروية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن الصحابة.

وقد نقل عنه أصحاب الصحاح والمسانيد انّه قال: لما بعثني النبي إلى اليمن، قال لي كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: قلت: أقضي بما في كتاب اللّه فإن لم يكن فبما قضى به رسول اللّه، قال: فإن لم يكن فبما قضى به الرسول؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب صدري، وقال: «الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه».(٣)

____________________

١ تهذيب التهذيب: ١٠/١٨٧ برقم ٣٤٧ ؛ سير أعلام النبلاء: ١/٤٤٥ برقم ٨٦ يقول المعلّق على الكتاب الاَخير: أخرجه البخاري (٤٩٩٩) في فضائل القرآن باب القرّاء من أصحاب النبي، ومسلم (٢٤٦٤ ) في الفضائل، والترمذي (٣٨١٢) في المناقب، وأبو نعيم في الحلية: ١/٢٢٩.

٢ تهذيب التهذيب: ١٠/١٨٧ برقم ٣٤٧ ؛ سير أعلام النبلاء: ١/٤٤٦ برقم ٨٦ .و نقل المعلق على كتاب سير اعلام النبلاء انّه أخرجه أحمد: ٣/١٨٤ و ٢٨١، والترمذي (٣٧٩٣) في المناقب، وابن ماجة (١٥٤) في المقدمة باب فضائل خباب، و أبو نعيم في الحلية: ١/٢٢٨.

٣ أخرجه من أصحاب المسانيد: أحمد في مسنده: ٥/٢٣٦، ٢٤٢؛ و من أصحاب السنن: أبو داود برقم ٣٥٩٢ و ٣٥٩٣ في الاَقضية، والترمذي (١٣٢٧) مثله (١٣٢٨) في الاَحكام باب ما جاء في القاضي كيف يقضي؟ و سيوافيك نقل أسناده مفصلاً.


هذه نبذة إجمالية عن سيرة معاذ بن جبل، والكلمة التي ذكرها النبي عند بعثه إلى اليمن للقضاء.

إنّ الوقوف على مكانة ذلك الصحابي رهن دراسة أمرين:

أ. دراسة الاَحاديث التي رواها عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ب. دراسة حديث الاجتهاد الذي بلغ من الشهرة بمكان حتى اتخذه أصحاب القياس سنداً لاِعماله في استنباط الاَحكام الشرعية. وقد فسر الاِمام الشافعي الاجتهاد الوارد فيه بالقياس، كما سيوافيك تفصيله.

أحاديثه الرائعة

روى أصحاب الصحاح والسنن و المسانيد روايات عنه في شتى الموضوعات، كالاِيمان و الطهارة والجنائز والصلاة و الزكاة والصيام والنكاح والعتق و الفرائض والحدود والديات والقضاء والطب والمرض والاَدب والذكر والدعاء و القرآن والعلم والجهاد والاَمارة و المناقب والزهد والفتن وأشراط الساعة والجنة، ويناهز مجموع ما نقل عنه من الاَحاديث قرابة ١٠٨، فهو تارة ينقل نص قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأُخرى فعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي الوقت نفسه فإنّ قسماً من تلك الروايات هي في الواقع رواية واحدة نقلت بصور مختلفة فعدُّوها روايات متعددة كأكثر ما رواه في باب الاِيمان مثلاً حديثه المعروف «ما حقّ اللّه على العباد» رويت بصور تسع مع أنّ-ها في الحقيقة رواية واحدة، وعلى هذا الغرار يقلُّ عدد أحاديثه عن العدد المذكور بكثير، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه:

١. عن ابن عباس انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال: إنّك تأتي قوماً أهل كتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و انّي رسول اللّه، فان هم أطاعوك لذلك فاعلمهم انّ اللّه افترض عليهم


خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أنّ اللّه افترض عليهم صدقة في أموالهم توَخذ من أغنيائهم وتردّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإيّاك و كرائم أموالهم، و اتق دعوة المظلوم فانّها ليس بينها و بين اللّه عزّ وجلّ حجاب.(١)

٢. قال: إنّ النبي قال سأنبئك بأبواب من الخير: الصوم جُنّة، والصدقة تطفىَ الخطيئة كما يطفىَ الماء النار، وقيام العبد من الليل ثمّ قرأ:( تَتَجافى جُنُوبهُمْ عَنِ المَضاجِعِ ) (٢)

٣. كان معاذ باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات، و ترك أخاً مسلماً، فقال معاذ: إنّي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:

«إنّ الاِسلام يزيد و لا ينقص» فورّثه.(٣)

٤. وقال: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «الجهاد عمود الاِسلام و ذروة سنامه».(٤)

إلى غير ذلك من روائع الاَحاديث التي يعلو هامتها نور النبوة و يشهد علو مضامينها على صدورها في بيت الوحي.

أحاديثه السقيمة

وقد روي عنه روايات شاذة لا تصح نسبتها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإليك دراسة قسم منها:

١.روَية اللّه في أحسن صورة

أخرج الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن طريق مالك بن يحامر

____________________

١ أخرجه الاِمام أحمد في مسنده:١/٢٣٣.

٢ أخرجه الاِمام أحمد:٥/٢٤٨ والآية ١٦ من سورة السجدة.

٣ مسند الاِمام أحمد: ٥/٢٣٠ و ٢٣٦.

٤ مسند الاِمام أحمد: ٥/٢٣٤.


السكسكيِّ، عن معاذ بن جبل (رض) قال: احتبس عنّا رسول اللّه ص ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين(١) الشمس، فخرج سريعاً فتثوّب بالصلاة، فصلّى رسول اللّهوتجوز في صلاته، فلمّا سلّم دعا بصوته، قال لنا: على مصافّكم كما أنتم، ثمّ انفتل(٢) إلينا، ثمّ قال: أما إنّي سأُحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إنّي قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قُدّر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت(٣) فإذا أنا بربي تبارك و تعالى في أحسن صورة. فقال: يا محمَّد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملاَ الاَعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثاً.

قال: فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ(٤) فتجلّى لي كل شيء و عرفت، فقال: يا محمد قلت: لبيك ربِّ قال: فيم يختصم الملاَ الاَعلى قلت: في الكفارات، قال: ما هنَّ، قلت: مشي الاَقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات(٥) .. الخ.

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. سألت محمد بن إسماعيل (يريد البخاري) عن هذا الحديث، قال: هذا حديث حسن صحيح.

ورواه الاِمام أحمد في مسنده في حديث معاذ.(٦)

وللنظر في هذه الرواية ساحة رحبة.

أوّلاً: انّ المتبادر من الحديث هو انّ الصحابة كانوا على انتظار بُغية مجيَ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليصلّوا معه، وما صلّوا حتى خرج إليهم رسول

____________________

١ في مسند أحمد: قرن الشمس.

٢ انفتل: أقبل.

٣ وفي مسند أحمد: استيقظت. والاَوّل هو الصحيح.

٤ وفي مسند أحمد: بين كتفيّ.

٥ سنن الترمذي: ٥/٣٦٨، كتاب تفسير القرآن برقم ٣٢٣٥.

٦ مسند الاِمام أحمد: ٥/٢٤٣ و بين المتنين اختلاف طفيف.


اللّه وقد تراءى عين الشمس، ومعنى ذلك انّ الصحابة تركوا الصلاة عمداً والنبي فاتت عنه الصلاة لغلبة النعاس عليه، ولو انّ الصحابة أدّوا الصلاة قبل خروج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم لجاء ذكره في الحديث فهذا ما لا نحتمله في حق الصحابة فضلاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثانياً: انّ «التثوّب بالصلاة» المشار إليه في الحديث عبارة عن قول الموَذن في أذان صلاة الصبح «الصلاة خير من النوم» و إنّما يذكر هذ الفصل من الاَذان عند إقامة الصلاة أداءً لا قضاءً، و المفروض انّ النبي أدّى صلاته قضاءً.

مضافاً إلى أنّه لم يثبت وجود التثوب بالاَذان في عهد رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، و إنّما أضيف إليه بعد رحيله، روى الاِمام مالك في موطّئه: انّالموَذن جاء إلى عمر بن الخطاب يأذنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمر عمر أن يجعلها في نداء الصبح.(١)

والكلام في التثوب ذو شجون، وقد استوفينا البحث عنه في كتابنا «الاعتصام بالكتاب والسنّة».(٢)

وثالثاً: انّه سبحانه أجلّ من أن يتجلّى لنبيه في النوم بأحسن صورة، و أن يكون له كف و أنامل لها برد، و أن يضعها بين كتفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

هب انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما ينقل ما رآه في المنام دون أن يحكي عن الواقع، و لكن هل من الصحيح أن يذكر ما رآه دون أن يعقبه بكلمة وهي: انّ ربّه أجّل من أن يوصف بتلك الاَوصاف، لئلاّ يقع السُّذَّج من الناس في ورطة التجسيم والتشبيه؟!

وأغلب الظن انّ الرواية من مجعولات مستسلمة أهل الكتاب الذين

____________________

١ الاِمام مالك، الموطأ، ص ٧٨ برقم ٨.

٢ الاعتصام بالكتاب والسنة، ص ٤٨- ٦٠.


روّجوا مسألة التشبيه و التجسيم و دسّوها في أحاديث المسلمين. و إن رآها الترمذي حديثاً حسناً صحيحاً، أو صحّحه البخاري حسب ما نقله الترمذي.

ثمّ إنّي وقفت - بعد ما حرّرت ذلك - على كلام للمحقّق السيد حسن السقاف حول الحديث، فنأتي به موجزاً:

يقول: إنّ متن الحديث يشتمل على ألفاظ منكرة توَكد وضعه :

١. إثبات الصورة للّه تعالى، وكذلك إثبات الكفّ له - سبحانه وتعالى عن ذلك - وإنّها بقدر ما بين كتفي سيدنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

«أجمع أهل السنة على استحالة الصورة على اللّه عزّ وجلّ، كما نقل ذلك الاِجماع الشيخ الاِمام عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص ٣٣٢).

وقال الشافعي : والاِجماع أكبر من الحديث المنفرد».(١)

أي إنّ الاِجماع إذا صادمه حديث آحاد أسقط الاحتجاج به، بل يدلّ ذلك على وضعه و انّه لا أصل له كما يقول الحافظ الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه(١/١٣٢).

٢. إثبات الكف هنا إثبات جارحة للّه تعالى ويبعد تأويلها بالقدرة، لاَنّ قدرة اللّه عزّ وجلّ شاملة لجسد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشريف، وإثبات أنّه وجد برد كفّ اللّه تعالى عن ذلك، بين ثدييهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبعّد التأويل بالقدرة، ويوَكد وضع الحديث، لا سيما أنّ الحفاظ كالذهبي قالوا عنه منكَر لاَجل هذه الاَلفاظ وأشباهها.

كما أنّ تأويل قوله: في أحسن صورة، أي أحسن صورة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيه تكلّف لا يخفى، والحديث موضوع لا يثبت.(٢)

____________________

١ سير اعلام النبلاء: ١٠/٢٠ و ٢١، والحلية:٩/١٠٥، وآداب الشافعي لابن أبي حاتم:٢٣١.

٢ ذيل دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: ٢٨٥- ٢٨٦.


هذا إذا نظرنا إلى الحديث من جانب المضمون والتطبيق على الاَُصول القطعية، وأمّا إذا أردنا دراسة الحديث من حيث السند، فهو إذن مثل المضمون مرفوض جداً وقد نصّ على ضعف السند أبطال الحديث، فقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/١٢٥)، والحافظ السيوطي في كتابه «اللآلي المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة» (١/٣١) وذكر انّ في سنده حماد بن سلمة، وقال الاِمام الحافظ البيهقي في كتابه «الاَسماء والصفات» (ص ٣٠٠): «وقد روي من وجه آخر وكلّها ضعيف».

فإن قال قائل قد حسّن الترمذي الحديث، بل قد صحّحه في بعض الروايات عنه.

قلنا: هذا لا ينفع، لاَنّ الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين مضافاً إلى معارضته بتضعيف الحفاظ الذين تعرفت على أسمائهم، فقد صرّحوا بأنّ الحديث منكر و موضوع، فهو مقدَّم على تحسين الترمذي أو تصحيحه.

ولو أردنا نقل كلمات الحفاظ حول الحديث لطال بنا الكلام وهو خارج عن موضوع الكتاب.(١)

٢. إفشاء سر النبي

أخرج الاِمام أحمد، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل، قال: كنت ردف النبي فقال: هل تدري ما حقّ اللّه عزّ وجلّ على عباده؟ قلت: اللّه و رسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال: هل تدري ما حقّالعباد على اللّه إذا فعلوا ذلك؟ أن يغفر لهم و لا يعذبهم.

____________________

١ لاحظ رسالة «أقوال الحفاظ المنثورة لبيان وضع حديث رأيت ربي في أحسن صورة» ، تأليف حسن السقاف المطبوع في ذيل دفع شبه التشبيه.


قال معمر في حديثه: قال: قلت يا رسول اللّه ألا أُبشرِّ الناس قال: دعهم يعملوا.(١)

ورواه البخاري بنفس ذلك النص إلاّ انّه قال: قلت يا رسول اللّه: أفلا أبشّر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتّكلوا.(٢)

ورواه مسلم بنفس المضمون في باب من لقي اللّه بالاِيمان و هو غير شاك فيه.(٣)

وللنظر في هذا الحديث كالحديث السابق مجال واسع، فإذا نهاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن البشارة به بقوله:« دعهم يعملوا» أو بقوله:« لا تبشرهم فيتكلوا» فلِمَ أفشى سرّ النبي؟

أضف إلى ذلك انّ ما جاء به النبي لم يكن أمراً مستوراً على المسلمين بل جاء في الذكر الحكيم في قوله سبحانه:( إِنَّ اللّهَ لا يغْفِرُ أَنْ يُشْركَ بِهِوَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء ) (النساء/٤٨).

نعم، انّ أنس بن مالك برّر إفشاء سرِّ النبي من قِبَلِ معاذ، بقوله: «وأخبر بها معاذاً عند موته تأثماً».(٤)

وقال ابن حجر العسقلاني في تفسير قوله تأثماً: هو بفتح الهمزة و تشديد

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٢٢٨.

٢ صحيح البخاري: ٤/٢٨ باب اسم الفرس و الحمار من كتاب فضل الجهاد والسير، و من الطريف انّ البخاري نقل الرواية في هذا الباب (باب اسم الفرس و الحمار) و كم للبخاري من هذه الطرائف و المتصفح في صحيحه يجد انّ طائفة كبيرة من الروايات أوردها تحت عناوين لا تمت لها بصلة، و أنت إذا قارنت بين صحيح البخاري مع الكافي للكليني لوجدت انّ الثاني قد بلغ الغاية في حسن التبويب.

٣ صحيح مسلم: ١/٤٣.

٤ صحيح البخاري: ١/٤٤، كتاب العلم.


المثلثة المضمومة، أي خشية الوقوع في الاِثم، والمراد بالاِثم الحاصل من كتمان العلم ودلّ صنيعُ معاذ على أنّه عرف انّ النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم وإلاّلما كان يخبر به أصلاً أو عرف انّ النهي مقيد بالاتكال فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك فإذا زال القيد زال المقيد، و الاَوّل أوجه لكونه أخّر ذلك إلى وقت موته.(١)

وما برَّر به أنس فعل معاذ تبرير غير تام، لاَنّ نهي النبي يدور أمره بين كونه تحريمياً أو تنزيهياً، فعلى الاَوّل يكون الاِظهار موجباً للاِثم دون الكتمان، وعلى الثاني يكون الاِظهار والكتمان على حدّ سواء لكن الكتمان كان أولى من الاِظهار فلم يكن هناك أي إثم حتى يبرِّر عمله هذا بالتأثم و يفسر بالاِثم الحاصل من كتمان العلم.

هذا ما يرجع إلى كلام أنس، وأمّا ما ذكره العسقلاني من أنّ النهي كان تنزيهياً لا تحريميّاً لا يلائمه ظاهر الحديث حيث إنّ الاتكال على الايمان القلبي دون العمل أمر محظور، فلذلك يكون ما يستلزمه - أي الاظهار - منهياً عنه بالنهي التحريمي لا التنزيهي.

وأضعف من ذلك تبريره الثاني حيث قال: إنّ النهي كان مقيداً بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك.

وجه الضعف انّ معاذاً كان واقفاً على أنّ السامع سوف يبثّه بين المسلمين وفيه من يُخشى عليه من الاتكال، فلِمَ أخبره به و لم يأخذ منه عهداً أن لا يخبر به أحداً إلاّ مثله.

فرفضُ الحديث وتنزيه مقام معاذ أولى من قبوله و تبريره بهذه المبررات التي لا تُسمن ولا تغني من جوع.

____________________

١ فتح الباري: ١/١٨٣، كتاب العلم.


٣. السذاجة في فهم الشريعة

أخرج الاِمام أحمد، عن أبي ظبيان، عن معاذ بن جبل انّه لما رجع من اليمن، قال: يا رسول اللّه رأيت رجالاً باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك؟ قال: لو كنت آمراً بشراً يسجد لبشر لاَمرت المرأة أن تسجد لزوجها.(١)

ويظهر ممّا رواه كشف الاَستار عن زوائد البزار، انّه بعد ما رجع من الشام سجد للنبيّ، و إليك نصّه:

عن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: انّه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لاَساقفتهم وبطارقتهم ورهبانهم، ورأى اليهود يسجدون لاَحبارهم وعلمائهم وفقهائهم، فقال: لاَي شيء تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الاَنبياء، قلنا: فنحن أحقّ أن نصنع بنبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا قدم على نبيِّ اللّه سجد له، فقال: ما هذا يا معاذ؟! فقال: إنّي أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لاَساقفتهم(٢) ...إلى آخر ما ذكر.

إنّ الوثوق بهذا الحديث أمر عسير، فلو صحّ لدلّ على سذاجة الرجل في فهم الشريعة، وذلك لاَنّ السجود و إن لم يساوق العبادة، إذ ربَّ سجود لا يعد عبادة كسجود الملائكة لآدم وسجود يعقوب وأولاده ليوسف، بيد انّ السجود في عهد النبي كان رمزاً للعبادة ومجسِّداً لها ومظهراً من مظاهرها، فكيف خفيت تلك الحقيقة على ذلك الصحابي و سجد للنبي، في حين انّ الناس يرونه عبادة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

إنّ هذا العمل يناسب شأن الاَعرابي البعيدعن الاِسلام وتعاليمه لا لمثل

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٢٢٧ و ٢٢٨ و نقله أيضاً على وجه التفصيل في ٤/٣٨١.

٢ المسند الجامع: ١٥/٢٣٥ برقم ١١٥٢٧، نقلاً عن كشف الاستار عن زوائد البزار: ٢/١٧٥ برقم ١٤٦١.


معاذ بن جبل الذي تربّى في أحضان الرسالة.

أخرج الدارمي عن ابن بريدة عن أبيه، قال:

جاء أعرابي إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه إئذن لي فلاَسجد لك، قال: لو كنت آمراً أحداً يسجد لاَحد لاَمرت المرأة تسجد لزوجها.(١)

ومن العجب انّ الدارمي نقل الحديث أيضاً عن قيس بن سعد انّه قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول اللّه أحقّ أن يُسجد له، فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: انّي أتيت الحيرة... إلى آخر ما ذكر.(٢)

أضف إلى ذلك كيف أخذ معاذ مثل ذلك الاَمر من النصارى حيث رآهم يسجدون للاَساقفة والرهبان والاَحبار على الرغم من انّه أعلم الاَُمة بالحلال و الحرام و اقرأ الناس للقرآن؟!

٤. عدم استجابة دعاء النبي

أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن شداد، عن معاذ بن جبل، قال: وجدت رسول اللّه قائماً يصلي، فقمت خلفه فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة، قال: قلت يا رسول اللّه لقد صليت صلاة طويلة؟ فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة: سألت اللّه عزّ وجلّ ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أُمّتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليّ.(٣)

____________________

١ سنن الدارمي:١/٣٤٢، باب النهي أن يسجد لاَحد.

٢ سنن الدارمي: ١/٣٤١، باب النهي أن يسجد لاَحد؛ وأخرجه أيضاً أبو داود برقم ٢١٤٠ وقد أسهب الثاني في نقل الحديث.

٣ مسند الاِمام أحمد: ٥/٢٤٠.


إنّ لاستجابة الدعاء شرائط خاصة ذكرت في كتب الاَدعية و الاَخلاق، ومن تلك الشرائط أن لا يكون الدعاء على خلاف السنن السائدة على الكون، مثلاً من دعا بالخلود لنفسه فلا تستجاب دعوته، وذلك لاَنّه سبحانه يقول:( وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد أَفَإِنْ مت فَهُمُ الخالِدُون ) (الاَنبياء/٣٤) وبما انّ الاختلاف في التفكير أمر ذاتي للبشر فلا يتسنّى للنبي أن يطلب من اللّه سبحانه عدم اختلاف أُمّته و وحدة كلمتهم قال سبحانه:( وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً واحدةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاَََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّة وَالنّاسِ أَجْمَعين ) (هود/١١٨- ١١٩).

فقد تعلقت مشيئته سبحانه في الاَزل باختلاف الناس في التفكير والعقيدة، وبما انّ الاختلاف أمر طبيعي لكافّة البشر، فبعث اللّه النبيين للقضاء بينهم، قال سبحانه:( كانَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ وَأنزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ ليَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيه وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدى اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا لمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم ) (البقرة/٢١٣).

كيف يطلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من اللّه سبحانه أن لا يجعل بأسهم بينهم، و هو القائل«افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و افترقت النصارى على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و تفترق أُمّتي على ثلاث و سبعين فرقة»؟

رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.(١)

هذا ما يرجع إلى الفقرة الثالثة التي رُدَّ فيها دعاء النبي، وأمّا الفقرة الثانية

____________________

١ المستدرك على الصحيحين: ١/١٢٨.


أعني قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «سألته أن لا يظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها» فاقرأها ثمّ تابع الحوادث والن-وازل التي أل-مَّت بالمسلمين عبر القرون، فقد تسلط عليهم الوثنيون المغول، و الصليبيون قرابة قرنين، وفعلوا ما فعلوا، و ليست الجرائم التي اقترفها الصهاينة ببعيدة عن القارىَ الكريم.

هذه دراسة إجمالية لبعض ما روي عن ذلك الصحابي الجليل، فانّ منافاة تلك الاَحاديث مع الاَُصول المسلمة تغني الباحث عن دراسة أسانيدها. ولا يصدنا عن النقد ورود الحديث في صحيح البخاري كما هو الحال في حديث إفشاء سر النبي، أو كونه مما صححه البخاري حسب نقل الترمذي كما هو الحال في حديث التجسيم.

فإذا كان معاذ يأتي أمام العلماء برتوة، أو كان أعلم الناس بحلال اللّه وحرامه، فهو أجلّ من أن يكون ناقلاً لتلك الروايات عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٥. دراسة تحليلية حول حديث اجتهاده

روى أصحاب السنن والمسانيد انّ رسول اللّه بعثه إلى اليمن للقضاء فسأله عن أُمور أجاب عنها معاذ، وقد احتجّ أصحاب القياس بهذا الحديث على حجّيته.

وهذا الحديث قابل للمناقشة من وجهين:

الاَوّل: دراسة أسانيده، و انّه هل ورد بسند قابل للاحتجاج به أو لا ؟

الثاني: على فرض صحّة سنده، فهل يمكن الاحتجاج به على حجّية القياس أو لا ؟


دراسة أسانيد حديث الاجتهاد

احتجّ غير واحد من أصحاب القياس بحديث معاذ بن جبل، والاحتجاج فرع إتقان الرواية سنداً ومتناً، وإليك بيانها:

عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص، عن معاذ:

إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟

قال: أقضي بما في كتاب اللّه.

قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟

قال: فبسنّة رسول اللّه.

قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه؟

قال: أجتهد رأيي، لا آلو.

قال: فضرب رسول اللّه صدري، ثمّ قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه(١)

وقد استدلّ به الاِمام الشافعي، فقال بعدما أفاد - أنّ القياس حجّة فيما لم يكن في المورد نصّ كتاب أو سنّة -: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٢٣٠، وسنن الدارمي:١٧٠، وسنن أبي داود: برقم ٣٥٩٣، وسنن الترمذي: برقم ١٣٢٨، ينتهي سند الجميع إلى حارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.


مفترقان؟ثمّ أجاب: هما اسمان لمعنى واحد.(١)

وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لاَنّه إذا أمر النبي بالاجتهاد فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّبدلائل، والدلائل هي القياس.(٢)

وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة.(٣)

وثمّة كلمات مماثلة لما ذكرنا في تقريب الاستدلال به.

لكنّ الحديث ضعيف سنداً، وغير تام دلالة.

أمّا السند، ففيه الاُمور التالية:

١. إنّ أبا عون محمد بن عبيد اللّه الثقفي الوارد في السند، مجهول لم يعرف.

٢. إنّ الحارث بن عمرو، مجهول مثله، ولم يعرف سوى أنّه ابن أخي المغيرة بن شعبة.

٣. إنّ الحارث بن عمرو، ينقل عن أُناس من أهل حمص وهم مجهولون فتكون الرواية مرسلة. وبعد هذه الاُمور ، أفيصحّ الاستدلال بحديث يرويه مجهول عن مجهول عن مجاهيل؟!

قال ابن حزم: وأمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنّه لم يرو قطّ إلاّ من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو ، حدّثني أحمد بن محمد العذري، حدثنا أبو ذر الهروي، حدثنا زاهر بن أحمد

____________________

١ الشافعي: الرسالة: ٤٧٧ و٥٠٥، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.

٢ الشافعي: الرسالة: ٤٧٧ و٥٠٥، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.

٣ أبو الحسين البصري: المعتمد:٢/٢٢٢.


الفقيه، حدثنا زنجويه بن محمد النيسابوري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكر سند هذا الحديث، وقال: رفعه في اجتهاد الرأي.

قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصحّ. هذا نصّ كلام البخاري في تاريخه الاَوسط، ثمّ هو عن رجال من أهل حمص لا يُدرى من هم.(١)

وقال الذهبي: الحارث بن عمرو، عن رجال، عن معاذ بحديث الاجتهاد، قال البخاري: لا يصحّ حديثه.

قلت: تفرّد به أبو عون(محمد بن عبيد اللّه الثقفي) عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة وما روى عن الحارث، غير أبي عون و هو مجهول.

وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتّصل.(٢)

وقال السيد المرتضى: إنّ حديث معاذ خبر واحد، وبمثله لا تثبت الاَُصول المعلومة، ولو ثبتت بأخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لاَنّ رُواته مجهولون.وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ ولم يُذكَروا.(٣)

دراسة دلالة الحديث

وأمّا الدلالة، فهي مبنيّة على مساواة الاجتهاد مع القياس أو شموله له، وهو غير ثابت، قال المرتضى: ولا يُنكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه

____________________

١ ابن حزم: الاِحكام: ٥/٢٠٧.

٢ الذهبي: ميزان الاعتدال:١/٤٣٩ برقم ١٦٣٥.

٣ المرتضى: الذريعة إلى أُصول الشريعة: ٢/٧٧٣.


فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادّعاوَهم أنّ إلحاق الفروع بالاُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الذي عناه في الخبر ، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه.(١)

على أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في الاِفتاء، لاَنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الاِفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الاِفتاء، مبنيّ على صحّة القياس وهو دور واضح.

ثمّ إنّ ثمة نقطة جديرة بالذكر، وهي أنّ القضاء منصب خطير لا يشغله إلاّالعارف بالكتاب والسنّة والخبير في فصل الخصومات، فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي نصبه للقضاء لابدّ أن يعلِّمه الكتاب والسنّة أوّلاً، و يكون واقفاً على مدى إحاطته بهما ثانياً، ثم يبعثه إلى القضاء وفصل الخصومات، ومع المعرفة التامّة لحال القاضي يكون السوَال بقوله: «فكيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه» أمراً لغواً ، وهذا يعرب عن أنّ الحديث لم ينقل على الوجه الصحيح، وستوافيك الصور الاُخرى للرواية.

قال الفخر الرازي: إنّ الحديث يقتضي أنّه سأله عمّا به يقضي بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز لاَنّ جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنّما تثبت لو ثبت كونه عالماً بالشيء الذي يجب أن يقضي به، والشيء الذي لا يجب أن يقضي به.(٢)

على أنّ الظاهر من سيرة «معاذ» أنّه لم يكن يجتهد برأيه في الاَحكام و إنّما كان يتوقّف حتى يسأل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

١ الذريعة:٢/٧٧٦.

٢ الرازي: المحصول: ٢/٢٥٥.


روى يحيى بن الحكم أنّمعاذاً قال: بعثني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُصدِّق أهلَ اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ ثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الاَربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك.

فقدمتُ، فأخبرت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأمرني أن آخذ من كلّثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً.(١)

فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون و الاعتبارات؟

ثمّ إنّ المتمسّكين بالحديث لمّا رأوا ضعف الحديث سنداً ودلالة، حاولوا تصحيح التمسّك به بقولهم بأنّ خبر معاذ خبر مشهور ولو كان مرسلاً، لكنّ الاُمّة تلقّته بالقبول.(٢)

ولنا هاهنا وقفة قصيرة، وهي أنّ اشتهار الحديث نتيجة الاستدلال به على القياس ولولا كونه مصدراً لمقالة أهل القياس لما نال تلك الشهرة.

يقول السيد المرتضى: أمّا تلقّي الاُمّة له بالقبول، فغير معلوم، فقد بيّنا أنّ قبول الاُمّة لاَمثال هذه الاَخبار كقبولهم لمسّ الذكر ، و ما جرى مجراه ممّا لا يُقطع به ولا يُعلم صحّته.(٣)

إلى هنا تمّت مناقشة الحديث سنداً ودلالة، وتبيّن أنّ الحديث غير صالح للاحتجاج به.

____________________

١ مسند أحمد بن حنبل:٥/٢٤٠؛ المسند الجامع: ١٥/٢٣٠ برقم (١١٥١٨- ٤١).

٢ الاَرموي: التحصيل من المحصول: ٢/١٦٣.

٣ الذريعة إلى أُصول الشريعة: ٢/٧٧٤.


الصور الاُخرى للحديث

إنّ الحديث قد ورد بصور مختلفة وبينها اختلاف كثير في المضمون، وإليك هذه الصور:

الصورة الاُولى: ما رواه ابن حزم قال: حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي، قال حمام: حدثنا أبو محمد الباجي، حدثنا عبد اللّه بن يونس، قال: حدثنا بقي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.

وقال الطلمنكي: حدثنا ابن مفرج، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، ثمّ اتّفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير. حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي - أبو عون - قال: لمّا بعث رسول اللّه معاذ إلى اليمن، قال: يا معاذ بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون. قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولا قضى به الصالحون؟ قال: أومَّ الحقّ جهدي.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحمد للّه الذي جعل رسول رسول اللّه يقضي بما يُرضي به رسول اللّه.(١)

ترى أنّمعاذاً يقدّم ما قضى به الصالحون على كلّ شيء، بعد الكتاب والسنّة، ولعلّ مراده هي الاَعراف السائدة بين المجتمعات التي تكون مرجعاً للقضاء كما هو مقرّر في محله.

كما أنّ مراده أومّ الحقّ هو اعمال النظر والاستدلال في الاُصول والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.

____________________

١ ابن حزم: الاِحكام: ٥/٢٠٨.


أضف إلى ذلك أنّ الرواية مرسلة، لاَنّ أبا عون لا يروي عن «معاذ» مباشرة لتأخر طبقته في الحديث عن «معاذ» بطبقتين.

الصورة الثانية: عن عبد الرحمان بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: لمّا بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قال: لا تقضينّولا تفصِلنّ إلاّبما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبيّنه أو تكتب إليَّ فيه.(١)

وهي: متّصلة السند ، ولكن المتن غير ما جاء في الحديث، بل يغايره تماماً، وينفي مقالة أهل القياس.

الصورة الثالثة: وردت في الكتب الاَُصولية صورة ثالثة للرواية، ولعلّها منقولة بالمعنى.

قال أبو الحسين البصريّ : روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال لمعاذ وأبي موسى الاَشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن: بم تقضيان؟

قالا: إن لم نجد الحكم في السنّة، قسنا الاَمر بالاَمر، فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.(٢)

كما نقله الرازي في المحصول، وقال: روي أنّه أنفذ معاذاً وأبا موسى الاَشعري إلى اليمن فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهما: بم تقضيان؟ فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الاَمر بالاَمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أصبتما.(٣)

____________________

١ أخرجه ابن ماجة في سننه: ١/٢١ برقم ٥٥.

٢ أبو الحسين البصري: المعتمد:٢/٢٢٢.

٣ الفخر الرازي: المحصول: ٢/٢٥٤.


وتبعه الاَرموي في التحصيل من المحصول.(١)

والظاهر أنّ الحديث نقل بالمعنى حسب فهم الراوي، ولم نعثر على هذا النصّ في الصحاح والمسانيد.

نعم أخرج أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى أنّ رسول اللّهبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما الناس القرآن.(٢)

____________________

١ التحصيل من المحصول: ٢/١٦٣.

٢ مسند أحمد بن حنبل: ٤/٣٩٧.


٢- أُبيّ بن كعب الاَنصاري

( - ٣٠ ه- )

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١.طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها.

٢. جزاء من تعزَّى بالجاهلية.

٣. آيتان كانتا عند أُبيِّ بن كعب.

٤. نسيان ما نزل في أحد من الآية.

٥. أوّل من يصافحه الحقّ عمر.

أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن نجار، أبو منذر الاَنصاري النجاريّ المدنيّ، المقرىَ البدري، يكنّى أبا الطفيل.

شهد العقبة وبدراً، وجمع القرآن في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعرض عليه وحفظ عنه علماً.

روي عن أنس انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لاُبي بن كعب: إنّاللّه أمرني أن اقرأ عليك القرآن، وفي لفظ: أمرني أن اقرئك القرآن.


قال: اللّه سماني لك؟ قال: نعم، قال: وذُكرت عند ربّالعالمين؟ قال: نعم، فذرفت عيناه.

روى عنه: عبادة بن الصامت، و ابن عباس، وعبد اللّه بن خباب، و ابنه الطفيل ابن أُبي.

وكان أُبي يكتب في الجاهلية قبل الاِسلام، و كانت الكتابة في العرب نادرة، وكان يكتب في الاِسلام الوحي لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعهده إذا عاهد، وصلحه إذا صالح، ولاَُبي في الكتب الستة نيف و ستون حديثاً، وله في مسند «بَقيّ بن مَ-خْلَد» مائة و أربعة وستون حديثاً منها في البخاري ومسلم ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بسبعة.

وقد اختلفوا في تاريخ وفاته، فمن قائل بأنّه تُوفّي في خلافة عمر بن الخطاب عام ٢٢ ه-، ولما نُعي إلى عمر، قال: اليوم مات سيد المسلمين.

ومنهم من يقول: إنّه مات في خلافة عثمان سنة ٣٠ه-، ويرجحه ابن حجر، ويقول: هو أثبت الاَقاويل ،ويوَيده ما دار بينه و بين عثمان من الحوار في قوله سبحانه:( وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرهُمْ بِعَذابٍ أَليم ) (التوبة/٣٤) وكان عثمان يقرأه بلا واو «الذين» خلافاً لاَبي فكان يقرأه «والذين» فطال الحوار بينهما، فقال أُبي غاضباً: لتلحقنّها أو لاَضعنّ سيفي على عاتقي، وهو يريد بأنّه لابدّ من أن تعود الواو عاطفة إلى مكانها أو ليتوصل إلى ذلك بالقوة(١) .(٢)

و بلغت أحاديثه في المسند الجامع ٩٢ حديثاً.(٣)

ولنذكر من روائع رواياته شيئاً ثمّ نردفها بما لا يصحّ عزوه إليه.

____________________

١ الدر المنثور، في تفسير الآية.

٢ أُسد الغابة: ١/٤٩؛ الطبقات الكبرى: ٣/٤٩٨؛ سير اعلام النبلاء: ١/٣٨٩ برقم ٨٢.

٣ المسند الجامع: ١/١٧ برقم ٣.


روائع أحاديثه

١. أخرج عبد اللّه بن أحمد، عن ابن أبي الجوزاء ،عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مَهَل، ويقضي المتوضىَ حاجته في مهل.(١)

٢. أخرج ابن ماجة، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب: قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعاً وعشرين، أو خمساً وعشرين درجة.(٢)

٣. أخرج أحمد في مسنده، عن الحسن، انّ عمر أراد أن ينهى عن متعة الحجّ، فقال له أُبي: ليس ذلك لك، قد تمتعنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينهنا عن ذلك، فاضرب عن ذلك عمر ، و أراد أن ينهى عن حلل الحبرة لانّها تصبغ بالبول، فقال له أُبي: ليس ذلك لك قد لبسهنَّ النبي ولبسناهنَّ في عهده.(٣)

٤. أخرج ابن ماجة، عن أبي رافع، عن أُبي بن كعب، انّ النبيكان يعتكف العشر الاَواخر من رمضان، فسافر عاماً، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوماً.(٤)

٥. أخرج البخاري في صحيحه عن سويد بن غفلة، قال: لقيت أُبي بن كعب... فقال: وجدت صرّة على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها مائة دينار، فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: عرِّفها حولاً.

فعرَّفتها حولاً فلم أجد من يعرفها، ثمّ أتيته، فقال:عرِّفها حولاً، فعرَّفتها فلم

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٤٣.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٢٥٩ برقم ٧٩٠.

٣ مسند أحمد: ٥/١٤٣.

٤ سنن ابن ماجة: ١/٥٦٢ برقم ١٧٧٠.


أجد، ثمّ أتيته ثلاثاً، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلاّ فاستمتع بها ،فاستمتعت.

قال شعبة: فلقيته يعني سلمة بن كهيل بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً.(١)

وقد اتّفق أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام على أنّه يكفي تعريفها حولاً واحداً، ولعلّ أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتعريف ثلاثة أحوال للتأكد أو لكون اللقطة ذات قيمة مالية لا يستهان بها.

وإليك بعض رواياته السقيمة التي عزيت إليه:

١. طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها

أخرج مسلم في صحيحه، عن زرّ بن حبيش، قال: سمعت أُبي بن كعب، يقول: وقيل له: إنّ عبد اللّه بن مسعود، يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، فقال أُبي: واللّه الذي لا إله إلاّ هو انّها لفي رمضان، و واللّه انّي لاَعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا بها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقيامها، هي ليلة صبيحة ٢٧، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها.(٢)

أقول: ثمّة اشكالان على الحديث:

الاَوّل: انّ من جرّب طلوع الشمس في صبيحة يوم السابع والعشرين من رمضان يرى انّ-ها لا تختلف عن طلوعها في صبيحة اليوم السابق واللاحق، وما ذكره ليس له واقع ملموس.

____________________

١ صحيح البخاري: ٣/١٢٦، كتاب اللقطة، الحديث الاَوّل؛ صحيح مسلم: ٥/١٣٦، كتاب اللقطة.

٢ صحيح مسلم: ٢/١٧٨، باب الترغيب في قيام رمضان.


الثاني: جرت سنة اللّه تبارك وتعالى على كون الشمس ذات أشعة مستنيرة تبثها في الكون و يصل إلى الاَرض مقدار ضئيل جداً منها.

وأمّا روَيتها بلا شعاع، فهي تابعة للاَوضاع الجوية، فإذا كان الجو صحواً تُرى الشمس وهي ترسل بأشعتها، بخلاف ما إذا كان ملبداً لا سيما أوان الطلوع فتراها قرصاً محمّراً.

٢. جزاء من تعزّى بالجاهلية

أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عثمان، عن أُبي بن كعب: انّ رجلاً اعتزى، فأعضَّه أُبىُّ بهن أبيه، فقالوا: ما كنت فحّاشاً، قال: إنّا أمرنا بذلك.(١)

وأخرج أيضاً عن عُتيِّ بن ضمرة، عن أُبيّ بن كعب، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضّوه ولا تكنّوا.(٢)

أقول: إنّ غاية ما كان يجب على أُبي بن كعب أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر على النحو الذي أمر الكتاب به ، قال سبحانه:( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين ) (النحل/١٢٥) لا ما جاء في الرواية من مقابلة المنكر بمنكر أبشع منه.

ناهيك عمّ-ا روي من انّ سباب الموَمن فسوق.(٣)

وما روى عن أُسامة بن زيد حيث قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ اللّه لا يحب كلّفاحش متفحش.(٤)

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٣٣.

٢ مسند أحمد: ٥/١٣٦.

٣ صحيح مسلم:١/٥٨، باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.

٤ مسند أحمد: ٥/٢٠٢.


٣. آيتان كانتا عند أُبي بن كعب فقط

أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، انّهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون و يملي عليهم أُبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة( ثُمَّ انصَ-رفوا صَ-رَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأنّهُم قَومٌ لا يَفقَهون ) فظنوا أنّ هذا آخر ما أنزل من القرآن.

فقال لهم أُبي بن كعب: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقرأني بعدها آيتين( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُوَمِنينَ رَوُوفٌ رَحِيم ) إلى( وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الَعَظِيم ) .

ثمّ قال: هذا آخر ما أُنزل من القرآن.(١)

ونعلق على الحديث بالقول:

أوّلاً: قد ثبت فيما سبق انّ القرآن جمع على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف ينسب الجمع إلى عهد الخلافة، فهذه الرواية تعارض ما تضافر من أنّ القرآن جمع على عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثانياً: انّ معنى الرواية انّ بعض آيات الذكر الحكيم وصلت إلينا عن طريق الآحاد وهو أُبي بن كعب، فلولاه لم يكن لها أثر.

ثالثاً: ما ذكره يعارض ما روي عن زيد بن ثابت.

أخرج البخاري: انّ أبا بكر قال لزيد: أنت رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتتبع القرآن وأجمعه - إلى أن قال: قال زيد: فكنت أتتبع القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الاَنصاري لم أجدها مع أحد غيره( لقد جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنفسِكُمْ عزيز عَليهِ ما عنتّم ) حتى خاتمة براءة....(٢)

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٣٤ والآيات ١٢٧ - ١٢٩ من سورة التوبة.

٢ صحيح البخاري: ٦/١٨٣، باب جمع القرآن.


٤. نسيان ما نزل في أحد من الآية

أخرج أحمد في «مسنده»، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أنّه أُصيب يوم أُحد من الاَنصار أربعة وستون وأُصيب من المهاجرين ستة، فمثلوا بقتلاهم.

فقالت الاَنصار: لئن أصبنا منهم يوماً من الدهر لنربينَّ(١) عليهم. فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل من القوم لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فأنزل اللّه على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثلِ ما عُوقِبتُم بِهِ وَلئِن صَ-بَرتُمْ لَهُوَ خَيْ-رٌ للصّابِرين ) .

فقال نبي اللّه: كفّوا عن القوم(٢)

وفي رواية السيوطي: فقال رسول اللّه: نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة(٣) .

نعلق على الحديث، و نقول:

إنّ المفسرين اتّفقوا - تبعاً للروايات - على أنّ قوله سبحانه:( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا... ) نزل في أُحد. حيث إنّ المشركين مثلوا بحمزة وأراد المسلمون أن يمثلوا بسبعين من الكافرين إذا استولوا عليهم في قبال حمزة فنزلت الآية(٤)

وقد تلاها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمعها الصحابة و مع ذلك كيف يقول القائل يوم فتح مكة: لا قريش بعد اليوم، أو ليس ذلك اجتهاداً في مقابل النص؟

ولو افترضنا انّ القائل لم يسمع كلام اللّه سبحانه - و إن كان الاحتمال بعيداً جداً - فكيف يصحّ لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد نزول الآية

____________________

١ لنربين: لنزيدن في التمثيل بقتلاهم.

٢ مسند أحمد: ٥/١٣٥، سنن الترمذي: ٥/٢٩٩ برقم ٣١٢٩، والآية ١٢٦ من سورة النحل.

٣ السيوطي: الدر المنثور: ٥/١٧٩.

٤ الدر المنثور: ٥/١٧٩.


ثانياً في مكة المكرمة أن يقول: نصبر ولا نعاقب أو كفّوا عن القوم؟ أو ليس معنى ذلك انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان موافقاً لنداء المنادي ولكنّه عدل عن رأيه بعد نزول الآية؟ ومعنى ذلك انّ النبي نسي مضمون الآية وصمم على استئصال شأفة قريش حتى عدل عن رأيه بعد نزول الآية مرة أُخرى، وقال: نصبر ولا نعاقب وكأنّه لولا نزول الآية لما صبر و عاقب ولما كفّ عنهم.

والرواية على افتراض الصحة نقلت مضطربة خصوصاً بالنظر إلى سائر صورها.

٥. أوّل من يصافحه الحق عمر

أخرج ابن ماجة في سننه، عن سعيد بن المسيب، عن أُبي بن كعب، قال:

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أوّل من يصافحه الحقُّ عمر، وأوّل من يسلّم عليه، وأوّل من يأخذ بيده فيدخله الجنّة.(١)

الحديث ظاهر انّ اللّه سبحانه أوّل من يصافح عمر بن الخطاب وهو يلازم كونه سبحانه ذا يد يصافح بها غيره، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

وإن كان الحديث كناية عن نزول الرحمة عليه قبل كلّ أحد ففي الاُمّة من هو أفضل منه باتّفاق الفريقين فكيف يقدّم المفضول على الفاضل؟!

____________________

١ سنن ابن ماجة: ٢/٣٩ برقم ١٠٤، قال في الزوائد: اسناده ضعيف فيه داود بن عطاء المديني وقد اتّفقوا على ضعفه وباقي رجاله ثقات،وقال السيوطي: قال الحافظ عماد الدين بن كثير في جامع المسانيد، هذا الحديث منكر جداً، وما هو أبعد من أن يكون موضوعاً.


٣- العباس بن عبد المطلب الهاشمي

(٥٤ق ه- - ٣٢ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. اللّه فوق العرش.

٢. أبو طالب في النار.

هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم عمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين، وكان من أطول الرجال، وأحسنهم صورة، وأبهاهم، وأجهرهم صوتاً مع الحلم الوافر والسوَدد، وكان العباس في الجاهلية رئيساً في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه.

وكان بمكة يكتب إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبار المشركين وكان من بمكة من المسلمين يتقوون به وكان لهم عوناً على إسلامهم، وأراد الهجرة إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مقامك بمكة خير، فلذلك قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر: من لقي العباس فلا يقتله، فانّه أُخرج كرهاً، و مع ذلك أُخذ منه حين الاَسر عشرون أوقية ذهباً، وأُطلق سراحه.


فقال العباس: يا رسول اللّه: إنّي كنت مسلماً، فنزل قوله سبحانه:( يا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْديكُمْ مِنَ الاَسرى إِن يَعْلَمِ اللّهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُوْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) (الاَنفال/٧٠).

ثمّ إنّ العباس لما كثر ماله بعد إسلامه أخذ يتفاخر بهذه الآية، ويقول: أعطاني اللّه مكان العشرين أوقية في الاِسلام، عشرين عبداً كلّهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة اللّه.

وممّا يدل على أنّه أسلم قبل الهجرة هو انّه حضر بيعة العقبة في أسفلها، وقال لمن حضر فيها من أهل يثرب: يا معشر الخزرج، قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه، وهو من أعزّ الناس في عشيرته، يمنعه واللّه من كان منّا على قوله و من لم يكن، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب، واستقلال بعداوة العرب قاطبة، فانّها سترميكم عن قوس واحدة، فارتوَوا رأيكم وائتمروا أمركم، فانّ أحسن الحديث أصدقه.

توفي سنة ٣٢ من الهجرة وله ٨٦ سنة.

يقول الذهبي: وله قبة عظيمة شاهقة على قبره بالبقيع.(١)

وهو من المقلين في الرواية.

جُمِعَتْ أحاديثه في المسند الجامع، فبلغت ٢١ رواية.(٢)

____________________

١ ومن عجيب ما وقفت عليه في سير أعلام النبلاء انّه يقول: وقد صار الملك في ذرية العباس، واستمر ذلك وتداوله تسعة وثلاثون خليفة إلى وقتنا هذا، وذلك ستمائة عام، أوّلهم السفاح وخليفة زماننا، المستكفي له الاسم المنبري والعقد والحل بيد السلطان الملك الناصر أيدهم اللّه (سير اعلام النبلاء: ٢/٩٩-١٠٠).

وجه التعجب هو انّ الذهبي توفي عام ٧٤٨ ه- فكيف يقول (إلى وقتنا هذا و ذلك ستمائة عام) وليس في العبارة ما يفيد انّه ينقل ذلك عن غيره، وقد قضى الوثنيون من المغول على الخلافة العباسية قبل أن يولد الذهبي وذلك عام ٦٥٦ من الهجرة فلاحظ.

٢ المسند الجامع: ٨/١٢٢-١٣٧ برقم ٣٣٧، وقد راجعنا في ترجمة العباس سير أعلام النبلاء: ٢/٧٨ برقم ١١ ؛ أُسد الغابة:٣/١٠٩.


من روائع رواياته

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، أنّه سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «ذاق طعم الاِيمان من رضى باللّه ربّاً، وبالاِسلام ديناً و بمحمّد رسولاً ».(١)

٢. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت: يا رسول اللّه، علّمني شيئاً أسأله اللّه عزّ وجلّ؟

قال: سل اللّه العافية، فمكثت أياماً، ثمّجئت، فقلت: يا رسول اللّه: علمني شيئاً أسأله اللّه، فقال لي: يا عباس، يا عمّ رسول اللّه: سلوا اللّه العافية في الدنيا والآخرة.(٢)

هذا بعض ما روي عنه من روائع أحاديثه، وعزيت إليه أحاديث أُخرى لا تستقيم مع الضوابط السالفة الذكر.

١. اللّه فوق العرش

أخرج ابن ماجة في سننه، عن الاَحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال:كنت بالبطحاء في عصابة، وفيهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمرّت به سحابة فنظر إليها. فقال ما تسمون هذه؟

قالوا: السحاب، قال: والمزن، قالوا: «والمزن»: قال:«والعنان» قال أبو بكر: قالوا: والعنان، قال: كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري.

قال: فإنّ بينكم وبينها إمّا واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة، والسماء

____________________

١ صحيح مسلم:١/٤٦، باب من لقي اللّه بالاِيمان.

٢ سنن الترمذي: ٥/٥٣٤ برقم ٣٥١٤، الباب ٨٥.


فوقها كذلك حتى عدَّ سبع سماوات. ثمّ فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماءٍ. ثمَّ فوق ذلك ثمانية أوعال. بين أظلافهنّ ورُكَّبِهنَّ كما بين سماء إلى سماء، ثمّ على ظهورهنَّ العرش. بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء. ثمّاللّه فوق ذلك تبارك وتعالى.(١)

إنّ الحديث يخالف القرآن أوّلاً، والعقل الصريح ثانياً.

أمّا الاَوّل، انّ الذكر الحكيم يعرّفه سبحانه موجوداً منزهاً من أن يحويه زمان أو مكان قال سبحانه:( هُوَ الاَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيم ) إلى أن قال:( يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الاَرْض وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما ينزل مِنَ السَّماء وَ ما يَعرجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُم وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير ) (الحديد/٣- ٤).

وقال عزّ من قائل:( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمسةٍ إِلاّهُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ) (المجادلة/٧).

وما تلوناه عليك من الآيات وغيرها صريحة في أنّه سبحانه موجود فوق أن يحوطه زمان ومكان خاص بل الاَزمنة والاَمكنة إليه سواسية، فهو كائن في جميعها وهذه الكينونة لا تعني حلول ذاته في الاَمكنة و الاَزمنة تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، بل المراد حضوره في الكون لاَجل قيام الاَشياء به قيام المعلول بعلته والصورة الذهنية بالنفس بل أدق و ألطف من ذلك، ومعه كيف يصحّ ما في الرواية انّ اللّه فوق العرش؟!

وممّا لا ينقضي منه العجب انّ إمام الحنابلة صار يوَول هذه الآيات بأنّ المراد إحاطة علمه بالاَشياء لا إحاطة وجوده وإلاّ يلزم أن يكون وجوده في

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/٦٩ برقم ١٩٣. و «أوعال» جمع «وَعِل» وهو تيس الجبل وكأنّها كناية عن الملائكة بصورته، و «إظلاف» جمع «الظِلْف» للبقر والغنم، كالمحفر للفرس.


الاَمكنة غير النقية والنزيهة.(١)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره تأويل بلا دليل، ولو قام أحد من المعتزلة أو غيرهم بتفسير الآيات على النحو الذي ذكره إمام الحنابلة، لرُمي بالجهمية.

وأمّا الثاني فلاَنّه سبحانه هو الخالق للعرش، فأين كان قبل أن يخلق العرش؟ وإلاّيلزم قدم العرش كقدمه سبحانه و يلزم منه تعدد القديم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

٢. أبو طالب في النار

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، عن العباس ابن عبد المطلب، انّه قال: يا رسول اللّه، هل نفعتَ أبا طالب بشيء فانّه كان يحوطك ويغضب لك.

قال: نعم، هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الاَسفل من النار.(٢)

إنّ الحديث يخالف الكتاب والسنّة الثابتة، وذلك لاَنّه لو افترضنا انّ أبا طالب مات مشركاً لما قبلت شفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّه، والمفروض انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شفّع له فأخرجه من الدرك الاَسفل إلى ضحضاح من نار، مع أنّه سبحانه يقول:( كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَة* إِلاّ أَصْحابَ اليَمِين* في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمينَ* ما سَلَكَكُمْ في سَقَر ) إلى قوله سبحانه:( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعةُ الشّافِعين ) (المدثر / ٣٨ - ٤٨).

____________________

١ وعلى ذلك جرى الحنابلة و السطحيون من الاَشاعرة. لاحظ كتاب السنة لاَحمد ٤٧ ؛ و عون المعبود في سنن أبي داود:١٣/٣٤.

٢ صحيح مسلم: ١/١٣٤- ١٣٥، باب شفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاَبي طالب.


فشفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للموَمنين من أُمّته المذنبين منهم لا للمشركين، كيف وقال سبحانه:( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع ) (الاَنعام/٧٠).

فالحديث موضوع على لسان أخي أبي طالب ليُغرّ الناس به.

ويكفيك في كون الحديث موضوعاً انّه سبحانه حكى انّ آل فرعون يعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل القيامة وبعدها يُدخلون أشدّ العذاب، قال سبحانه:( النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ) (غافر/٤٦) و المفروض انّ أبا طالب انتقل إلى عالم البرزخ ولم تقم قيامته بعد، فكيف يدخله سبحانه في الدرك الاَسفل من النار ثمّ يخفف عنه بشفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويجعل في ضحضاح من نار؟! أوَ كان هو أكثر جرماً من فرعون وآله مع أنّه كان كفيلاً للنبي وناصره طيلة ٤٢ سنة وقد لاقى في سبيل المحافظة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لاقى من المصائب والمتاعب، التي حفظها التاريخ؟!

أضف إلى ذلك ما في السند حيث إنّ عبد الملك بن عمير اللخمي الكوفي الوارد في السند هو الذي طال عمره وساء حفظه. قال أبو حاتم: ليس بحافظ تغيّر حفظه. وقال أحمد: ضعيف يغلط. وقال ابن معين: مخلط. وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه. وذكر الكوسج عن أحمد انّه ضعفه جداً.(١) ثمّ إنّ الدلائل القاطعة تثبت إيمان أبي طالب، فالرواية كما هي مخالفة

____________________

١ ميزان الاعتدال: ٢/١٥١.


للكتاب والسنّة، تخالف أيضاً التاريخ الصحيح. يقول العلاّمة الاَميني في هذا الصدد: أمّا ما ناء به سيد الاَباطح أبو طالب سلام اللّه عليه من عمل بارّ وسعي مشكور في نصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكلاءته والذّب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الاَخير، فكلّها نصوص على إسلامه الصحيح وإيمانه الخالص وخضوعه للرسالة الاِلهية.(١) كما أنّ الظاهر من الحديث انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام بهذه الشفاعة وهو في الدنيا مع أنّ الظاهر من حديث آخر انّه سيقوم بها في الآخرة. أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر عنده عمّه أبو طالب، فقال: لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.(٢)

____________________

١ الغدير: ٧/٣٧٠ بتلخيص.

٢ صحيح مسلم: ١/١٣٥، باب شفاعة النبي لاَبي طالب.


٤- عبد اللّه بن مسعود

(حدود ٣٣ ق.ه- - ٣٣ ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. كل سيوجّه لما خلق له ٢. سبق الكتاب على الاختيار

٣. أُمرنا بالسب ٤. الجماع لا يبطل الصوم

٥. لا عبرة بأذان بلال ٦. لا عدوى ولا صفر

٧. النساء يخلين المجلس لكي... ٨. النساء أكثر أهل النار

عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمان الهذليّ المكيّ المهاجريّ البدريّ حليف بني زهرة، كان من السابقين الاَوّلين شهد بدراً وهاجر الهجرتين، حدَّث عنه أبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وجابر وأنس ولفيف من التابعين.

يذكر هو بدايات إسلامه، ويقول: قدمتُ مكة مع عمومة لي أو أناس من قومي، نبتاع منها متاعاً، وكان في بغيتنا شراء عطر، فأرشدونا على العباس فانتهينا إليه، وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا، أبيض تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف اذنيه، أشمّ، أقنى، أذلف


أدعج العينين، برّاق الثنايا، دقيق المسربة، شثن الكفين و القدمين، كثّ اللحية عليه ثوبان أبيضان، كأنّه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام حسن الوجه، مراهق أو محتلم، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر، فاستلم ثم استلم الغلام واستلمت المرأة ثمّ طاف بالبيت سبعاً، وهما يطوفان معه، ثمّ استقبل الركن، فرفع يده وكبّ-ر، وقام ثمّ ركع، ثمّ سجد ثمّ قام فرأينا شيئاً أنكرناه لم نكن نعرفه بمكة فأقبلنا على العباس، فقلنا: يا أبا الفضل! إنّهذا الدين حدَث فيكم أو أمر لم نكن نعرفه؟ قال: أجل واللّه ما تعرفون، هذا ابن أخي محمد ابن عبد اللّه والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته أما واللّه ما على وجه الاَرض أحد نعلمه يعبد اللّه بهذا الدين إلاّهوَلاء الثلاثة.(١)

كان ابن مسعود أوّل من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اجتمع يوماً أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: واللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطُّ فَمَنْ رجل يُسمعه، فقال عبد اللّه بن مسعود: أنا، فقالوا: إنّا نخشاهم عليك إنّما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني فانّ اللّه سيمنعني فغدا عبد اللّه حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتهاحتى قام عند المقام، فقال رافعاً صوته: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم( الرّحمنُ* عَلَّمَ القُرآنَ ) فاستقبلها فقرأ بها، فتأملوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن أُم عبد، ثمّ قالوا: إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ ثمّانصرف إلى أصحابه وقد أثّروا بوجهه، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء اللّه قط أهون عليَّ منهم الآن ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً، قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.(٢)

وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلّمهم أُمور دينهم وبعث عماراً أميراً وكتب

____________________

١ سير اعلام النبلاء: ١/٤٦٣ برقم ٨٧.

٢ أُسد الغابة: ٣/٢٥٧.


إليهم: انّهما من النجباء من أصحاب محمّد من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد اللّهبن مسعود على نفسي.(١)

وكان بينه و بين عثمان مشاحة لاَنّ عثمان عزل سعد بن أبي وقاص ونصب مكانه الوليد بن عقبة، وكان مفاتيح بيت المال بيد عبد اللّه بن مسعود، وكان لا يأتمر بما يأمره الوليد بن عقبة في التصرف في أموال بيت المال إلى أن اضطر إلى التخلي عن هذا المنصب، وألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة، وقال: من غيّر غيّر اللّه ما به، ومن بدَّل أسخط اللّه عليه، وما أرى صاحبكم إلاّوقد غيّر وبدَّل، أيُعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويُولّى الوليد وكان يتكلم بكلام لا يدعه وهو: انّ أصدق الحديث كتاب اللّه، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملّة إبراهيم، وأحسن السنن سنّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخير الهدى هدى الاَنبياء، وأشرف الحديث ذكر اللّه وخير القصص القرآن، وخير الاُمور عواقبها، وشر الاَمور محدثاتها - إلى أن قال: - وشر الندامة ندامة القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى.(٢)

اًفكتب الوليد إلى عثمان بذلك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه فاجتمع الناس، فقالوا:أقم، ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إنّها ستكون أُمور وفتن لا أحبُّ أن أكون أوّل من فتحها، فردّ الناس وخرج إلى عثمان.(٣)

وعلى أيّة حال لما مرض ابن مسعود أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان فدفن بالبقيع، وعثمان لا يعلم فلما علم غضب، وقال: سبقتموني به، فقال له عمار بن ياسر: إنّه أوصى أن لا تصلّي عليه، فتمثل الزبير:

____________________

١ الاستيعاب: ٢/٣١٥؛ الاِصابة: ٢/٣٦٠-٣٦٢ برقم ٤٩٥٤.

٢ حلية الاَولياء:١/١٣٤- ١٣٩ برقم ٢١.

٣ سير اعلام النبلاء:١/٤٨٩؛ الاِصابة: ٢/٣٦٠ - ٣٦١ برقم ٤٩٥٤.


لاَلفينّك بعد الموت تندبن--ي وفي حياتي ما زودتني زادا(١)

توفي سنة ثلاث وثلاثين وكان عمره يوم توفي بضعاً وستين سنة.

وأخيراً اتّفقا له في الصحيحين على ٦٤ حديثا،ً وانفرد له البخاري بإخراج٢١حديثاً، ومسلم بإخراج ٣٥ حديثاً. وله عند بَقيّ بالمكرر ٨٤٠ حديثاً.

وقد جُ-مِعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ٤٨٦ حديثاً.

فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه:

١. أخرج الاِمام أحمد في مسنده عن أبي الاَحوص عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه.(٢)

٢. أخرج مسلم في صحيحه عن سعد بن أياس أبي عمرو الشيباني عن عبد اللّه بن مسعود، قال: سألت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: برُّالوالدين، قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل اللّه فما تركت استزيده إلاّ إرعاءً عليه.(٣)

٣. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي الاَحوص، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الاَيدي ثلاثة فيد اللّه العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى.(٤) وفي مسند ابن خزيمة (هذه الزيادة) إلى يوم القيامة، فاستعفّ عن السوَال ما استطعت.(٥)

____________________

١ الغدير: ٩/٥؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد: ١/٢٣٦؛ المستدرك: ٣/٣١٣؛ الاستيعاب: ٢/٣١٦.

٢ مسند أحمد:١/٤٤٦؛ ورواه النسائي أيضاً في ٧/١٢١، باب قتال المسلم مختصراً إلى قوله وقتاله كفر.

٣ صحيح مسلم: ١/٦٣، باب بيان كون الاِيمان باللّه تعالى أفضل الاَعمال.

٤ مسند أحمد: ١/٤٤٦.

٥ لاحظ المسند الجامع: ١١/٥٨٦.


٤. أخرج ابن ماجة عن عمرو بن مرة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو على ناقته المخضرمة بعرفات، فقال: أتدرون أيّ يوم هذا، وأيّ شهر هذا، وأيّ بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، قال: ألا وإنّ أموالكم ودماءكم عليكم حرام كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا. ألا وإنّي فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الاَمم فلا تسوِّدوا وجهي، ألا وإنّي مُسْتَنْقِذٌ أناساً، ومُسْتَنْقَذٌ منِّي أناس، فأقول: يا ربِّ أُصيحابي؟ فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(١)

في الزوائد: اسناده صحيح.

وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أنّ صحبة الرسول لا تلازم العدالة، وانّه ليس كلّ صحابي عادلاً بل انّ بعضهم أحدثوا وابتدعوا على وجه مُنعوا من الدخول على الحوض مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس هذا نسيج وحده في هذا الموضوع، بل روى البخاري في كتاب الفتن نفس ذلك المضمون.

عن أبي وائل، قال: قال عبد اللّه، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا فرطكم على الحوض ليرفعنَّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربي أصحابي، يقول: لا تدري ماأحدثوا بعدك.

وروى أيضاً عن عبد الرحمان بن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد، يقول: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم.

قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدِّثهم هذا، فقال:

____________________

١ سنن ابن ماجة: ٢/١٠١٦ برقم ٣٠٥٧.


هكذا سمعتَ سهلاً، فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد عن أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي.(١)

٥. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي الاَحوص، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه عزّوجلّ جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلاّالصوم، والصوم لي، وأنا اجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك.(٢)

٦. أخرج أبو داود عن ابن لعبد اللّه بن مسعود، عن ابن مسعود، قال: لا رضاع إلاّما شدّ العظم وأنبت اللحم.(٣)

وروى الاِمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يحرم من الرضاع إلاّما أنبت اللحم وانشر العظم.(٤)

وهذا الحديث يشطب على كثير من الآراء التي تُصوِّر انّخمس رضعات أو عشر رضعات أو المص والمصتان ينشرن الحرمة، والتفصيل في محله.

٧. أخرج النسائي عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود عن رسول اللّه، قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر.(٥)

٨. أخرج الاِمام مسلم عن أبي و ائل عن عبد اللّه بن مسعود، قال: جاء

____________________

١ صحيح البخاري: ٩/٤٦ ، كتاب الفتن.

٢ مسند أحمد:١/٤٤٦.

٣ سنن أبي داود: ٢/٢٢٢ برقم ٢٠٥٩.

٤ مسند أحمد: ١/٤٣٢.

٥ سنن النسائي: ٦/١٨١، باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش.


رجل إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول اللّه، كيف ترى في رجل أحبَّ قوماً ولما يلحق بهم، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المرء مع من أحب.(١)

إنّ من أحبّشيئاً يتبعه ويجعله أُسوة، قال سبحانه «نقلاً عن أصحاب الجحيم» :( يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ) (الفرقان/٢٨) وقال سبحانه:( الاَخِلاّءُ يَومَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِين ) (الزخرف/٦٧).

٩. أخرج أبو داود، عن أبي وائل، عن عبد اللّه، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «الغناء ينبت النفاق في القلب».(٢)

١٠. أخرج ابن ماجة، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، عن أبيه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له».(٣)

١١. أخرج الترمذي، عن ربعي بن خراش، عن عبد اللّهبن مسعود قال: ثلاثة يحبهم اللّه: رجل قام من الليل يتلو كتاب اللّه، ورجل تصدَّق صدقة بيمينه يخفيها، أراه قال: من شماله، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدوَّ.(٤)

١٢. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي وائل، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الصدق برّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ العبد ليتحرّى الصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقاً؛ وإنّ الكذب فجور، وإنّالفجور يهدي إلى النار، وإنّالعبد ليتحرّى الكذب حتى يكتب كذاباً».(٥)

____________________

١ صحيح مسلم : ٨/٤٣، باب المرء مع من أحب، من كتاب البر والصلة والآداب.

٢ سنن أبي داود: ٤/٢٨٢ برقم ٤٩٢٧.

٣ سنن ابن ماجة: ٢/١٤٢٠ برقم ٤٢٥٠.

٤ سنن الترمذي: ٤/٦٩٧ برقم ٢٥٦٧.

٥ صحيح مسلم: ٨/٢٩، باب قبح الكذب وحسن الصدق، من كتاب البر والصلة والآداب.


وله - رضوان اللّه عليه - أحاديث أُخرى يعرب شموخ مضمونها عن صحّتها، نعم عُزِّي إليه أحاديث لا تخلو عن إشكال أوإشكالات ولابدّ من دراستها على ضوء الضوابط التي ألمعنا إليها في مقدمة الكتاب. وإليك البيان:

١. كلٌّ سيوجّه لما خلق له

أخرج الاِمام أحمد، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، قال: قال عبد اللّه، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تغير، فإذا مضت الاَربعون صارت علقة، ثمّمضغة كذلك، ثمّ عظاماً كذلك، فإذا أراد اللّه أن يسوِّي خلقه بعث إليها ملكاً، فيقول الملك الذي يليه أي ربّأذكر أم أُنثى، أشقي أم سعيد، أقصير أم طويل، أناقص أم زائد، قوته وأجله، أصحيح أم سقيم، قال: فيُكتب ذلك كلّه فقال رجل من القوم: ففيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه؟ قال: اعملوا فكلّسيوجه لما خلق له.(١)

إنّ مضمون الحديث لا يفترق عن الجبر قيد شعرة، ولاَجل ذلك لما سمع الحاضر كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، استغرب، وقال: «ففيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه» أي إذا كان كلّشيء مقدّراً تقديراً قطعيّاً لا يتغير ولا يتبدل، شاء الاِنسان أم لم يشأ، فما فائدة العمل والقيام بالفرائض والاجتناب عن المحرمات؟

وما أجيب به في الرواية عن السوَال، أعني قوله: «اعملوا فكلّسيوجه لما خلق له». جواب غير مقنع بل تقرير للاِشكال، فانّ محصّل الجواب انّ اللّه سبحانه قدَّر مصير كلّإنسان حيثما كان جنيناً، فكتب على جبين بعضهم السعادة، وعلى جبين الآخر الشقاء، وقد فرغ من التقدير فلا يبدل ولا يغيّر. وكل سيوجه لما خلق له.

____________________

١ مسند أحمد: ١/٣٧٤.


وأنت جد عليم بأنّه إذا فرغ سبحانه من التقدير، وكلّإنسان سيوجه لما خلق له شاء أم لم يشأ، فيكون العمل والطاعة لغواً، لاَنّ تقديره سبحانه لا يتغير ولا يبدّل ،فهو سينتهي إلى الجنة عمل أم لم يعمل، فما هو فائدة العمل كما سينتهي إلى النار، عصى أم لم يعص؟

٢. سبق الكتاب على الاختيار

أخرج مسلم في صحيحه، عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود، قال: حدّثنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الصادق المصدوق: إنّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمّه أربعين يوماً ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الرّوح ويوَمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيدٌ، فوالذي لا إله غيره انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وانّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها.(١)

قال الاِمام النووي عند شرحه لهذا الحديث:« إنّ المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه وانّتلك الدار ما بقي بينه و بين أن يصلها إلاّكمن بقي بينه و بين موضع من الاَرض ذراع.

ثمّأضاف: والمراد بهذا الحديث انّهذا قد يقع في نادر من الناس لا انّه غالب فيهم. ثمّإنّه من لطف اللّه تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة، وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي».

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/٤٤ باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.


ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أومعصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يخلد في النار و العاصي الذي مات موحداً لا يخلد فيها، وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر وانّ التوبة تهدم الذنوب قبلها، وانّمن مات على شيء حكم له به من خير أو شر إلاّ انّأصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة.(١)

أقول: لما كان الحديث بظاهره دالاً على الجبر، وانّالقدر حاكم على مصير الاِنسان شاء أم أبى، حاول النووي دفع الاِشكالات بالبيان السابق وإن لم يذكر شيئاً من الاِشكال، وما ذكره جواب غير ناجع، وإليك ما فيه من الاِشكالات:

١. انّالذراع كناية عن قرب الاِنسان من الموت، ففي هذا المجال كيف تكون التوبة أو الاِسلام ناجعاً وقد قال سبحانه:( وَلَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِئات حَتّى إِذا حَضَرَ أَحدَهُمُ المَوتُ قالَإِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَليماً ) (النساء/١٨).

٢. ذكر: انّ المراد بهذا الحديث قد يقع في نادر من الناس لا انّه غالب فيهم، وما ذكره اجتهاد من جانبه لم يقم عليه دليل في الرواية لو لم نقل انّ المتبادر هو الغالب، حيث يقول: إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة... الخ.

٣. انّ ظاهر الحديث انّ الاِنسان يكون على نهج ويريد أن يستمر على ذلك النهج إلى آخر عمره ولكن الكتاب (القدر) بما انّه الحاكم الحاسم في حياة الاِنسان يسبق على إرادته ومشيئته، وبالتالي يعمل عملاً إمّا يجره إلى الجنة أو النار، فالدور للتقدير، - فهو الذي يدفع الاِنسان إلى عمل الخير أو الشر - لا للاِنسان ولا لاِرادته واختياره، وعلى ذلك فلا صلة لما ذكره النووي من تفسيره بالتوبة وغيره من انقلاب الناس من الشر إلى الخير أو من الخير إلى الشر في ظل التوبة.

____________________

١ شرح صحيح مسلم للنووي: ١٦/٤٣٤ - ٤٣٥.


٤.إنّ من الغريب قوله: وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي» مع انّ الوارد في المصحف قوله:( رَبَّنا وَسعتَ كُلّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلماً ) (غافر/٧)، مع أنّ التعليل يصح في أحد الشطرين دون الشطر الآخر، إذ فيه يكون الاَمر على العكس ويغلب غضبه رحمته.

إنّهذا الحديث كأكثر ما ورد حول القدر والجبر أحاديث استوردها مستسلمة أهل الكتاب وبثوها في الاَوساط الاِسلامية وتلقاها السُذَّج حقائق راهنة وشوّهوا بها سمعة الاِسلام لدى الاَجانب والغرباء، ولاَجل ذلك ترى أنّكثيراً من المستشرقين يعتقدون انّ الاِسلام من دعاة القول بالجبر.

٥. انّ نبي الاِسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفصح من نطق بالضاد، وهو مالك أزمة الكلام فلوكان مراده ما يذكره النووي، فله أن يقول: إنّه سبحانه سيوفقه للتوبة وعمل الخير فيصير من أهل الجنة، أو إنّه يرتكب المعاصي فيصير من أهل النار.

٣. أمرنا بالسبّ

أخرج ابن خزيمة، عن أبي عثمان، قال: سمع ابن مسعود رجلاً ينشد ضالة في المسجد فغضب وسبّه، وقال له رجل: ما كنت فحاشاً يا ابن مسعود، قال: كنّا نوَمر بذلك.(١)

والحديث مكذوب على لسانه، وقد مضى انّه روى عن النبيأنّه قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر(٢) فكيف يسبّ موَمناً ينشد ضالته في المسجد وأقصى ما يمكن أن يكون عمله مكروهاً.

____________________

١ مسند ابن خزيمة: ١٣٠٣ كما في المسند الجامع: ١١/٥١٥ برقم ٩٠٠٩.

٢ صحيح مسلم:١/٥٨، باب قول النبي :سباب المسلم فسوق.


٤. الجماع لا يبطل الصوم

أخرج النسائي في الكبرى، عن علقمة، عن عبد اللّه، انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » خرج يوماً في رمضان ورأسه يقطر من جماع، فمضى في صومه ذلك اليوم.(١)

والرواية تخالف اتّفاق المسلمين على أنّ الجماع يبطل الصوم وتخالف بصراحة، القرآن الكريم، قال سبحانه:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَعَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالآن باشِرُوهُنَّ ) (البقرة/١٨٧).

أخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس، قال: كان الناس على عهد رسول اللّه إذا صلّوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة، فأختان رجل(٢) نفسه، فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد اللّه أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.

فقال: (علم اللّه أنَّكم كُنتُم تختانون أنفسكم ...) [الآيةج فرخص لهم ويسّر(٣) .

ومع ذلك كيف نقض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحكم وهو يندّد بغيره.وتفسير الجماع في الرواية بالاحتلام في النوم، خلاف الظاهر جدّاً، وإلاّ فما معنى قوله «فمضى في صومه ذلك اليوم»؟

٥. لا عبرة بأذان بلال

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: قال

____________________

١ المسند الجامع: ١١/٥٩٨ نقلاً عن النسائي في الكبرى عن الورقة (٤٠- ب).

٢ المراد هو عمر بن الخطاب بقرينة سائر الروايات.

٣ الدر المنثور: ١/٤٧٧.


رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يمنعنّأحداً منكم أذان بلال( أو قال: نداء بلال) من سحوره فانّه يوَذن ( أو قال: ينادي) بليل ليُرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، وقال: ليس أن يقول: هكذا وهكذا (وصوّب يده ورفعها) حتّى يقول هكذا (وفرَّج بين اصبعيه).(١)

يلاحظ عليه: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القائل بأنّ المرء إذا عمل شيئاً أتقنه كيف ينتخب إنساناً لاِعلام الفجر وسائر الاَوقات الشرعية، لكنّه يوَذّن قبل الوقت لغايات خاصّة ،وليس كلّأحد مطلعاً على نية بلال، وانّه يأذن لغاية إرجاع القائم وإيقاظ النائم، بل ربما يتصور دخول الفجر فيصلي قبل الوقت، ويصوم قبل الفجر، وربما يحرم من تناول السحور.

٦. لا عدوى ولا صفر

أخرج الترمذي في سننه، عن أبي زرعة، قال: حدّثنا صاحب لنا عن ابن مسعود، قال: قام فينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال:لا يعدي شيء شيئاً، فقال أعرابي: يا رسول اللّه البعير الجرب الحشفة بذنبه، فتجرب الاِبل كلّها، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فمن أجرب الاَوّل؟ لا عدوى، و لا صَفَرَ، خلق اللّهكلّنفس، وكتب حياتها، ورزقها، ومصائبها.(٢)

إنّ العدوى عبارة عن انتشار المرض من سقيم إلى سليم و«الصفر» داء يصفر منه الوجه وهو المعروف ب- «اليرقان».

إنّ انتشار المرض بواسطة الجراثيم سنة من سنن اللّه تبارك وتعالى وقد بنيت عليه حياة الكائنات الحية وليس القول به منافياً لكونه سبحانه هو الخالق المدبر ولا خالق ولا مدبر سواه، لاَنّ الاَسباب الكونية من جنوده سبحانه مسخَّرة

____________________

١ صحيح مسلم: ٣/١٢٩، باب بيان انّ الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، من كتاب الصيام.

٢ سنن الترمذي: ٤/٤٥٠ برقم ٢١٤٣.والحشفة: القرحة.


بمشيته، وعلى ذلك فالقول بالعدوى والصفر يرجع حقيقته إلى أنّه سبحانه خلق العالم على تلك السنن، فلو انتشر الجرب من بعير مريض إلى سالم فقد انتشر بأمره سبحانه، ولو أخضرَّت الحقول المكتظة بالاَشجار بالماء فقد أخضرّت بأمره ومشيته، لاَنّه سبحانه جعل الماء سبباً لنمو الاَشجار واخضرارها حتى أنّه سبحانه ربما يستدل بالسنن الكونية على توحيده.ويقول:( وَفِي الاَرْض قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغيْرُصِنْوانٍ يُسقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الاَكُلِ إِنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ ) (الرعد/٤).

فاللّه سبحانه يستدل باختلاف الاَشجار والاَثمار وتنوعها على الرغم من وحدة التراب والماء على أنّ ثمة قدرة قاهرة مدبرة للكون، وليست العلل الطبيعية هي السبب التام لتفتّح براعم الاَزهار واخضرار الاَشجار، وإلاّيجب أن لا يحتضن العالم إلاّ نوعاً واحداً من الشجر لوحدة التراب والماء، فهذه الروايات حيكت على منوال إنكار الاَسباب الطبيعية بزعم انّ القول بها ينافي التوحيد في الخالقية، أو الربوبية.ولعل المصدر لهذه الرواية هو أبو هريرة وقد نقلها كما نقل ضدها.

أخرج البخاري، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : لا عدوى ولا صَفَرَ(١) ولا هامة(٢) فقال أعرابي: يا رسول اللّه ما بال الاِبل تكون في الرَّمل كأنّها الظَّباء فيخالطها البعير الاَجرب فيجربّ-ها، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فمن أعدى الاَوّل.(٣)

____________________

١ ما يتوهم منه حصول الدواهي في شهر صفر.

٢ هامة (بتخفيف الميم) طائر كان أهل الجاهلية يزعمون انّ روح الميت تنقلب هامة، فأبطل الاِسلام هذه الخرافة ولعل المراد منه البوم الذي يضرب به المثل في الشوَم.

٣ صحيح البخاري:٧/١٣٨، باب لا هامة من كتاب الطب.


كما نقل ضد هذا الحديث فروى مسلم في صحيحه، عن أبي سلمة انّه سمع أبا هريرة فيما بعد يحدث فيقول: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يورد ممرض على مصحّ، قال أبو سلمة: يا أبا هريرة ألم تحدث انّه لا عدوى؟ قال: فأنكر حديثه الاَوّل ورطن بالحبشية.(١)

وقد تصرف البخاري في الحديث الثاني: لا توردوا الممرض على المصح، وحذف ذيل الحديث الذي رواه مسلم.

٧. النساء يخلين المجلس لكي...

أخرج الدارمي، عن عبد اللّه بن حلاّم، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: رأى رسول اللّه امرأة فأعجبته، فأتى سودة وهي تصنع طيباً وعندها نساء، فأخلينه، فقضى حاجته ثمّ قال: أيّما رجل رأى مرأة تعجبه فليقم إلى أهله، فإنّمعها مثل الذي معها.(٢)

إنّ الرواية مشتملة على حكمة عملية، وهي انّه إذا ثارت شهوة الرجل، فعليه أن يعالجها بحلال، وإلاّفربما ينتهي إلى الوقوع في الحرام، وقد ورد نظير ذلك على لسان الاِمام عليعليه‌السلام عندما كان واقفاً مع أصحابه فمرّت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ، فقالعليه‌السلام :

إنّأبصار هذه الفحول طوامح، وانّذلك سبب هَبَابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنّما هي امرأة كامرأته(٣) .

____________________

١ صحيح مسلم:٧/٣١، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة من كتاب السلام ؛ صحيح البخاري: ٧/١٣٨، باب لا عدوى من كتاب الطب.

٢ سنن الدارمي: ٢/١٤٦، باب الرجل يرى المرأة فيخاف على نفسه.

٣ نهج البلاغة، من كلماته القصار، برقم ٤٢٠.


ولكن الحديث الذي يرويه الدارمي يشتمل على شيء لا يصدر عن سُذَّج الناس، فضلاً عن النبي الاَعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي ملىَ بالحياء من الفرق إلى القدم، حيث قال: «فأخلينه فقضى حاجته» ، وهذا رهن أن يبوح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما في قلبه من الملامسة مع سودة، ويفهمهنَّ حتى يخلينّ المجلس له، وهذا شيء لا يليق بالموَمن فضلاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسيوافيك روايات كثيرة حول حياء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند دراسة أحاديث أنس.

٨. النساء أكثر أهل النار

أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن وائل بن مهانة، عن عبد اللّه بن مسعود: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: تصدقن يا معشر النساء ولو من حُليّكُنّ فانّكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة ليست من علية النساء، فقالت: لِمَ يا رسول اللّه؟ قال: لاَنّكنّ تكثرن اللعن وتكفرنّ العشير.(١)

يلاحظ على الحديث أنّ هذا لا يناسب ما نعلم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خلق عظيم، قال سبحانه:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ) (القلم/٤)، وقد ورد في الكتاب الكريم كيفية الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال عزّ من قائل:( ادْعُإِلى سَبِيلِرَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَأَحْسَن ) (النحل/١٢٥) فهذا يقتضي أن يكلمهنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنغمة ملائمة لا بقوله: فانّكن أكثر أهل النار.

ثمّ لو صحّ الحديث، وثبت انّ الرسول أخبر بأنّ أكثر أهل النار هم النساء، فهناك سوَال آخر وهو انّه كيف يكون النساء أكثر أهل النار مع أنّ الرجال أكثر

____________________

١ مسند أحمد: ١/٣٧٦. ورواه أحمد عن أبي هريرة أيضاً لاحظ ٢/٢٩٧.


اقترافاً للذنوب من النساء، لهيمنة الغصب والشهوة عليهم؟

ثمّ إنّ إكثار اللعن ليس إلاّ دعاء، إذا صدر في غير محلّه يكون أشبه بدعاء غير مستجاب، فكيف يكون سبباً لدخول النار و خلودها؟ كما انّ اكفار العشير ليس إلاّعدم الوقوف على حقّهم، وهو إن لم يكن مقروناً بأمر محرّم، لا يوجب الدخول في النار بل يكون أمراً قلبياً.

إنّ الحط من شأن النساء، وجعل أكثرهنّ من أهل النار لا يختص بهذا الحديث، بل ثمة مرويات حول هذا الموضوع تعكس فكرة الجاهلية في حقّ النساء، وإليك نموذجاً:

أخرج أحمد، عن عمارة بن خزيمة، قال: بينا نحن مع عمروبن العاص في حجّ أو عمرة، فقال:

بينما نحن مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الشعب إذ، قال:

انظروا هل ترون شيئاً؟ فقلنا: نرى غرباناً، فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين. فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يدخل الجنّة من النّساء إلاّ من كان منهنَّ مثل هذا الغراب في الغربان.(١)

والحديث كناية عن قلة عدد النساء في الجنة وانّه لا يدخل منهن إلاّ اليسير النادر، فكأنّه سبحانه خلق النساء للنار والرجال للجنة، تبارك وتعالى عن ذلك.

____________________

١ مسند أحمد:٤/١٩٧.


٥- أبو الدرداء الاَنصاري

( - ٣٣ ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. عدم منازعة ولاة الاَمر.

٢. إبليس يواجه النبي بشهاب من نار.

٣. الفراغ من التقدير.

٤. لا يدخل الجنة موَمن بسحر.

عويمر بن مالك بن زيد بن قيس الاَنصاري الخزرجي، أُمّه محبّة بنت واقد ابن عمرو، تأخر إسلامه قليلاً وكان آخر أهل داره إسلاماً وحسن إسلامه، وكان فقيهاً عاقلاً حكيماً، آخى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينه و بين سلمان الفارسي، شهد ما بعد أُحد من المشاهد وأوّل مشاهده الخندق.

ولي أبو الدرداء قضاء دمشق، وتوفي قبل أن يقتل عثمان بسنتين(١) أي سنة ٣٣.

____________________

١ أُسد الغابة:٥/١٨٥، وفي سير اعلام النبلاء انّه توفي قبل عثمان بثلاث سنين، ونقل ابن سعد انّه توفي في الشام سنة ٣١ه-.


روى عنه أنس بن مالك، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، وعبد اللّه بن عمر، وابن عباس، وأبو إدريس الخولاني، وجبير بن نفير، وابن المسيب وغيرهم.(١)

أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي الدرداء انّه كان إذا حدّث الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: اللّهمّ إن لم يكن هكذا فشبِهْهُ فشَكْله.(٢)

روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدّة أحاديث، وهو معدود ممن تلا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يبلغنا أبداً أنّه قرأ على غيره، وتصدر الاِقراء بدمشق في خلافة عثمان وقبل ذلك.

ويظهر ممّا ذكره أصحاب المعاجم في حقّه أنّه كان متقشفاً، غير متعمق في الدين. ويدلّ عليه أمران:

الاَوّل: نقل ابن سعد عن عمر بن مرّة: قال: سمعت شيخنا يحدّث عن أبي الدرداء، انّه قال: أُحبّ الفقر تواضعاً لربّ-ي، وأُحبّ الموت اشتياقاً إلى ربّ-ي، وأُحبّ المرض تكفيراً لخطيئتي.(٣)

وقد زعم ذلك الصحابي الجليل انّ ما كان يحبه ويرجّحه، أمر تلقاه الشرع بالقبول، ولكنّ أئمّة أهل البيت والعرفاء الشامخين يرضون بما قضى لهم اللّه سبحانه من الفقر والغنى، أو الموت والحياة، والمرض والصحّة، ويطلبون رضى اللّه في كلّحال، ويترنّمون بقول العارف الحكيم السبزواري:

و بهجة بما قضى اللّه رضا

وذو الرضا بما قضى ما اعترضا

قيل: للحسن بن عليعليهما‌السلام : إنّأبا ذر، يقول: الفقر أحب إليَّ من

____________________

١ أُسد الغابة: ٤/١٦٠.

٢ الطبقات الكبرى: ٧/٣٩٢.

٣ طبقات ابن سعد: ٧/٣٩٢.


الغنى، والسقم أحبُّ إليَّ من الصحّة. فقال: رحم اللّه أبا ذر. أمّا أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار اللّه له، لم يتمنَّ انّه في غير الحالة التي اختارها اللّه له.(١)

الثاني: دخل سلمان بيت أبي الدرداء فإذا أُم الدرداء متبذِّلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إنّأخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فجاء أبوالدرداء، فرحّب به وقرب إليه طعاماً، فقال له سلمان: كُل، فقال: إنّي صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرنّ فأكل معه ثمّ بات عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم فمنعه سلمان، فقال: إنّ لجسدك عليك حقّاً، ولربّك عليك حقّاً، ولاَهلك عليك حقّاً. صم وأفطر، وصلّ وائتِ أهلك وأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه.

فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت، فقاما، فتوضآ، ثمّ ركعا، ثمّ خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول اللّه بالذي أمره سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء، انّلجسدك عليك حقّاً، مثل ما قال لك سلمان.

وكانت له مواقف مشرقة، وهذا هو الاِمام أحمد يروي انّ أبا الدرداء لما سمع تسيير أبي ذر إلى الربذة استرجع قريباً من عشر مرات، ثمّ قال: ارتقبه واصطبر كما قيل لاَصحاب الناقة، اللّهمّ إن كذَّبوا أباذر، فانّي لا أُكذِّبه، اللّهمّ وإن اتهموه فانّي لا أتهمه، اللّهمّ وإن استغشوه، فإنّي لا استغشه.

فإنّ رسول اللّه كان يأتمنه حين لا يأتمن أحداً،ويسرّ إليه حين لا يسرّ إلى أحد.

أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو انّ أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:

ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.(٢)

____________________

١ تهذيب ابن عساكر:٤/٢٢٠؛ البداية والنهاية:٨/٣٩.

٢ مسند أحمد: ٥/١٩٧.


وعلى أية حال فيروى له مائة وتسعة وسبعون حديثاً واتفقا له على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية.(١)

وقدجُمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١١٣ رواية.

فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه، ثمّ نعرج إلى الاَحاديث السقيمة التي عزيت إليه.

روائع أحاديثه:

١. أخرج أبو داود في سننه، عن خليد العصري، عن أُمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خمس من جاء بهنَّ مع إيمان دخل الجنّة، من حافظ على الصّلوات الخمس على وضوئهنَّ وركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وصام رمضان، وحجّ البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيِّبة بها نفسه، وأدّى الاَمانة.

قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الاَمانة؟ قال: الغسل من الجنابة.(٢)

ولا غبار على مضمون الرواية، وقد ورد في غير واحد من الروايات وتدعمها المفاهيم العامة الواردة في الاِسلام، بيد انّتفسير الاَمانة بالغسل من الجنابة تفسير بالرأي، إلاّ أن يكون الرسول فسرها بهذا النحو، وإلاّ فأداء الاَمانة بمفهومها الكلي العام من علائم الاِيمان.

قال سبحانه:( إِنَّ اللّهَ يَأْمُركُمْ أَنْ تُوَدُّوا الاَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (النساء/٥٨).

وقال سبحانه:( وَالَّذِينَ هُمْ لاَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ) (الموَمنون/٨).

____________________

١ سير اعلام النبلاء: ٢/٣٤٢برقم٦٨.

٢ سنن أبي داود: ١/١١٦ برقم ٤٢٩.


وقال سبحانه:( فَإِنْ أَمِنَ بَعضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُوَدِّ الَّذي اوَتُمِنَ أَمانَتَه ) (البقرة/٢٨٣).

٢. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال: لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الاِيمان حتى يعلم انّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.(١)

إنّ ما يصيب الاِنسان أو يخطئه على قسمين، تارة يعد من أفعاله التي يناط بها الاِيمان والكفر والثواب والعقاب، وهذا القسم من الاَفعال غير خارج عن إختياره فلو أصابه أو اخطأه فإنّما أصاب أو أخطأ باختياره فلا يصحّ أن يقال انّما أصابه لم يمكن ليخطأه أو ما أخطأه لم يكن ليصيبه، إذ معنى ذلك انّ الاِيمان والكفر والطاعة والعصيان من الاَمور التي لم يكن للعبد فيها دور، فالموَمن لم يكن له بدّ من الاِيمان، والكافر لم يكن له بد من الكفر، والمطيع لم يكن له إلاّ الطاعة، والعاصي لم يكن له إلاّ العصيان فلم يكن في وسع المطيع، العصيانُ كما انّه لم يكن في وسع العاصي، الطاعةُ.

فالقول باللابدية في هذا النوع من الاَفعال عين الجبر وهو ينافي القرآن الكريم المنادي للاختيار والذي يخاطب المجتمع الاِنساني بقوله:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر ) (الكهف/٢٩).

نعم، ينطبق ما ورد في الحديث على الاَمور الخارجة عن مجال الاختيار، فالحوادث والنوازل أُمور يواجهها الاِنسان بلا اختيار وقد قدِّر، ولم يكن محيص من التقدير، قال سبحانه:( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّفِي كتابٍ مِنْ قَبْلِأَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِير ) (الحديد/٢٢).

____________________

١ مسند أحمد: ٦/٤٤١.


وقد ذكرنا غير مرّة انّ تعظيم القدر وتفخيم شأنه وجعل زمام حياة الاِنسان بيده من الاَفكار المستوردة.

٣. أخرج النسائي، عن عطاء بن يسار: انّ معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينهى عن مثل هذا إلاّمثلاً بمثل.(١)

وما رواه، من الاَحكام الضرورية في الفقه الاِسلامي، وقد روي عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، انّه قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّمثلاً بمثل.(٢)

والعجب انّ معاوية الذي ادّعى الخلافة عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جهل هذا الحكم الاِسلامي أو تجاهله فباع السقاية بأكثر من وزنها.

٤. أخرج أحمد في مسنده عن حمزة بن حبيب، عن أبي الدرداء،عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، انّه قال: «إنّ اللّه تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم».(٣)

٥. أخرج أبو داود، عن أُمّالدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه أنزل الداء والدواء، وجعل لكلّ داء دواء، فتَداوَوْا ولا تَداوَوْا بحرام.(٤)

٦. أخرج الترمذي، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فانّ فساد ذات البين هي الحالقة.(٥)

____________________

١ سنن النسائي: ٧/٢٧٩، باب بيع الذهب بالذهب.

٢ أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح والسنن.

٣ مسند أحمد: ٦/٤٤١.

٤ سنن أبي داود: ٤/٧ برقم ٣٨٧٤.

٥ سنن الترمذي: ٤ /٦٦٣ برقم ٢٥٠٩، ورواه أبو داود في سننه: ٤/٢٨٠ برقم ٤٩١٩ مع تفاوت يسير.


وما رواه أبو الدرداء قد رواه الاِمام أمير الموَمنين عليعليه‌السلام ، وقد ذكر في وصية لولديه الحسن والحسينعليهما‌السلام :« وصلاح ذات بينكم، فإنّي قد سمعت جدكماصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول إصلاح ذات البين أفضل من عامَّة الصَّلاةو الصِّيام».(١)

٧. أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فاحسنوا أسماءكم.(٢)

٨. أخرج أبو داود في سننه، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: «حبك الشيء يُعمي ويُصم».(٣)

ويوَيده قوله سبحانه:( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالاََخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) ( الكهف/١٠٣- ١٠٤).

وقال سبحانه:( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) (فاطر/٨).

٩. أخرج الترمذي في سننه، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: من ردَّ عن عرض أخيه، ردَّ اللّه عن وجهه النّار يوم القيامة.(٤)

١٠. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :من سمع من رجل حديثاً لا يشتهي أن يذكر عنه، فهو أمانة وإن لم يستكتمه.(٥)

ما نقلناه شيء من روائع أحاديثه استعرضناها كنماذج لما لم نأت به، وفي الوقت نفسه عزيت إليه روايات لا تدعمها الضوابط السالفة الذكر، ونشير إلى

____________________

١ نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم ٤٧.

٢ سنن أبي داود: ٤/٢٨٧ برقم ٤٩٤٨.

٣ سنن أبي داود: ٤/٣٣٤ برقم ٥١٣٠.

٤ سنن الترمذي: ٤/٣٢٧ برقم ١٩٣١.

٥ مسند أحمد: ٦/٤٤٥.


بعضها:

١. عدم منازعة ولاة الاَمر

أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتسع :لا تشرك باللّه شيئاً وإن قُطِّعت أو حُرِّقت، ولا تتركنَّ الصلاة المكتوبة متعمداً، ومن تركها متعمداً برئت منه الذمة، ولا تشربنّ الخمر فانّها مفتاح كلّ شر، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الاَمر(١)

أقول: لا شكّ انّ التوحيد هو الاَصل الموحد في الشرائع السماوية ولكن يجوز الاظهار بالشرك عند التقية حفاظاً على النفس والنفيس عند الاضطرار، قال سبحانه:( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمان ) (النحل/١٠٦) وقال سبحانه:( إِلاّأَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) (آل عمران/٢٨).

وليست هذه الفقرات من الوصية شيئاً يختص بأبي الدرداء، بل هو المخاطب ولكن المضمون يرجع إلى قاطبة المسلمين، ومن الواضح جواز التظاهر بالشرك لغايات نبيلة، وقضية عمار في ذلك معروفة، فما معنى قوله: «لا تشرك باللّه شيئاً وإن قُطّعت أوحُرّقت».

وتصور انّ المراد هو الاِشراك القلبي (بأنّه لا يجوز وإن قطع أو حرق)، فهو غير تام، لاَنّ الاَمر القلبي لا يخضع للاِكراه حتى يتعلق به النهي، بل يتعلق الاِكراه ثم النهي، بالاَمر الظاهري وقد عرفت انّ التظاهر بالشرك جائز لغاية مهمة.

____________________

١ البخاري: الاَدب المفرد، ص ٢٣ برقم ١٨؛ ورواه ابن ماجة في سننه :٢/١١٩ برقم ٣٣٧١، وقد اكتفى بالنهي عن شرب الخمر ،كما رواه في موضع آخر: ٢/١٣٣٩ برقم ٤٠٣٤، وليس فيه قوله: «ولا تنازعنّ ولاة الاَمر» «ولا اطاعة الوالدين».


وفي الرواية فقرة أُخرى وهي قوله: « لا تنازعنّ ولاة الاَمر» فما هو المراد؟ فهل المراد هم ولاة الاَمر العدول، فالنزاع معهم خروج عليهم وهو أمر محرم.

أو المراد ولاة الاَمر الجائرون، فالخروج عليهم جائز أو واجب حسب درجات ما يترتب على ولايتهم من المفاسد، فمنازعتهم من باب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على المسلم إذا كان جامعاً للشرائط، وقد حكى السبط الشهيد الحسين بن عليعليهما‌السلام عن جدّه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرُم اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالاِثم والعدوان، فلم يعيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله.(١)

وحصيلة الكلام انّ ما أوصى به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبا الدرداء، وصية لعامة المسلمين وتوافق روح الاِسلام و أُصوله إلاّالفقرتين الاَخيرتين ، الا َولى: «وإن قطعت وحرقت» ، والثانية: «لا تنازعنّ ولاة الاَمر».

٢. إبليس يواجه النبي بشهاب من نار

أخرج مسلم عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: قام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسمعناه، يقول: أعوذ باللّه منك، ثمّ قال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلمّا فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال : إنّ عدوّ اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرّات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة.(٢)

____________________

١ تاريخ الطبري: ٤/٣٠٤ حوادث سنة ٦١.

٢ صحيح مسلم:٢/٧٣، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة.


وثمة تساوَلات حول الرواية؟

الاُولى: انّ ما رواه أبو الدرداء هو نفس ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين الروايتين اختلاف شاسع، وسنذكر الرواية عند دراسة ما عزيت إليه من الروايات تحت عنوان سلطان إبليس على النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

روى أبو سعيد الخدري انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته، قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل.(١)

وأنت ترى انّ الرواة تصرّفوا في الرواية فقد نقلوها بصورتين مختلفين جداً. بل بصور مختلفة، فقد رواها مسلم عن أبي هريرة بوجه يخالف كلتا الصورتين كما سيوافيك في ترجمته، كلّ ذلك يسلب الاعتماد على تلك المروّيات، وتصوّر تعدّد الواقعة بعيد جداً.

الثانية: انّ غاية ما يثبته القرآن لاِبليس هو سلطان الوسوسة وهو في حقّ غير عباده الصالحين، قال سبحانه:( إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (النحل/٩٩).

ثمّ ليس له سلطان على بني آدم بالضرب والاِحراق فضلاً عن أن يكون له سلطان على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجعل شهاب من نار على وجهه.

الثالثة: انّ قوله : «أردت أخذه» يعرب عن كون الشيطان موجوداً عنصرياً قابلاً للاَخذ، ومثله لا يمكن أن يوسوس في صدور العالمين في زمان واحد.

____________________

١ مسند أحمد: ٣/٨٢.


الرابعة: انّه سبحانه يصرح بأنّ إبليس يرى الاِنسان وهو لا يراه، قال:( إنّهُ َيراكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَروْنَهُمْ ) (الاَعراف/٢٧) ، فما معنى قوله: «ولولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة» فانّ اللعب فرع الروَية.

الخامسة: يظهر من ذيل الرواية انّ سليمان أكثر قدرة من نبينا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يكن لاِبليس أي سلطان على سليمان «عليه‌السلام » بل كان مسخراً له، بخلاف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان بصدد وضع شهاب من نار في وجهه.

٣. الفراغ من التقدير

أخرج أحمد عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، قالوا: يا رسول اللّه : أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه، أم أمر نستأنفه قال، قال: بل أمر قد فرغ منه، قالوا: فكيف بالعمل يا رسول اللّه؟ قال: كل امرىَ مهيّأ لما خلق له.(١)

وأخرج أيضاً عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » :

إنّ اللّه عزّ وجلّ فرغ إلى كلِّ عبد، من خلقه، من خمس: من أجله، وعمله، ومضجعه، وأثره، ورزقه.(٢)

وفي رواية إسماعيل عن أُمّ الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فرغ اللّه إلى كلِّ عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، وشقيٍّ أم سعيد.(٣)

أقول: الفراغ من الاَمر يهدف إلى أنّ الاِنسان مسيَّر في حياته وليس بمخيّ-ر، وكلّ إنسان خلق لغاية خاصة أمّا النار أو الجنّة فهو مهيّأ لما خلق له، فلما كانت تلك الفكرة على طرف النقيض من بعثة الاَنبياء وإصلاح المصلحين عاد

____________________

١ مسند أحمد: ٦/٤٤١.

٢ مسند أحمد: ٥/١٩٧.

٣ مسند أحمد: ٥/١٩٧.


الحاضرون في مجلس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالوا : إذا كان هناك فراغ من العمل فما معنى العمل، فأُجيبوا بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كلّامرىَ مهيأ لما خلق له، ومن المعلوم انّالجواب لا يقلع الاِشكال، فإنّ تهيئة كلّإنسان لما خلق عبارة أُخرى عن الجبر لا الاختيار، فالكافر زُوِّد بأسباب توصله إلى النار فقط، والموَمن جهّز بأسباب أُخرى توصله إلى الجنة.

إنّ القول بالفراغ يضاد قوله سبحانه:( يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب ) (الرعد/٣٩) كما ينافي قوله سبحانه:( وَلَو أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاَرْض وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (الاَعراف/٩٦).

إنّ القول بالفراغ يبعث الخيبة والحرمان لدى عامة الناس لاَنّه إذا كان الاَمر قد فرغ منه، فنحن على كلّحال إمّا إلى الجنة أو إلى النار، فما فائدة القيام بالطاعة والانتهاء عن المعصية.

وقد كافح أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام تلك الفكرة بطرح البداء وانّ اللّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت وليس للاِنسان مصير واحد قطعي لا يتبدل ولا يتغير وإن كان علمه سبحانه لا يتبدل ولا يتغير.

وقد ألمح إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير واحد من الروايات التي رواها جلال الدين السيوطي في تفسير قوله:( يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) و من أراد التفصيل فليرجع إليه(١)

وبذلك يعلم انّ ما أخرجه أحمد عن أبي الدرداء أيضاً لا يقل في الوهن عمّا نقلناه عنه.

أخرج أحمد عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء عن النبيقال:خلق اللّه آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرِّية بيضاء كأنّهم الدّرّ، وضرب كتفه

____________________

١ السيوطي: الدر المنثور: ٥/تفسير سورة الرعد: الآية ٣٩.


اليسرى، فأخرج ذرِّية سوداء، كأنّهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنّة ولا أُبالي، وقال: للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أُبالي.(١)

٤. لا يدخل الجنّة موَمن بسحر

أخرج أحمد عن أبي إدريس عائذ اللّه، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا يدخل الجنة عاق، ولا موَمن بسحْر، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر.(٢)

والحديث قابل للنقاش من وجهين:

الاَوّل: ما هو المقصود من الاِيمان بالسحر في قوله: ولا موَمن بسحر؟ فإن أُريد انّ السحر والساحر لا يضران بالمسحور إلاّبإذن منه سبحانه، فهذا ممّا يجب الاِيمان به، فانّ تأثير كلّموَثر ومنه السحر بإذنه سبحانه، قال:( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرءِوَزَوجِهِ وَما هُمْ بِضارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّبِإِذْنِ اللّه ) (البقرة/١٠٢).

وإن أُريد انّالسحر والساحر إنّما يقومان بالاضرار على وجه الاستقلال فلا ريب انّ الاِيمان به شرك في الخالقية و التدبير ولكن لا يختص بتأثير السحر بل الاِيمان بإستقلال كلّ موَثر في التأثير شرك.

الثاني: احتلّت مسألة القدر في الاَحاديث المروية في الصحاح والسنن منزلة رفيعة وصارت ملاكاً للاِيمان والكفر، والمقدار اللازم هو الاِيمان بالقضاء والقدر بنحو لا يجعل الاِنسان مسيّراً في حياته، ولا يسلب الاختيار عنه، ولا يجعله كالريشة في مهبِّ الريح.

وأظن انّ اعطاء تلك المنزلة للقدر وغضّ النظر عن الاَصل الآخر وهو اختيار الاِنسان في فعله وتركه كان لاَجل تبرير عمل السلطات الجائرة من الاَمويين والعباسيين.

____________________

١ مسند أحمد: ٦/٤٤١ وقد سقطت جملة «لا موَمن بسحر» من المطبوع من مسند أحمد في ستة أجزاء ونقله موَلف المسند الجامع : ٢/ ١٣٣، وجامع المسانيد والسنن: ٥/١٠٨.

٢ مسند أحمد: ٦/٤٤١ وقد سقطت جملة «لا موَمن بسحر» من المطبوع من مسند أحمد في ستة أجزاء ونقله موَلف المسند الجامع : ٢/ ١٣٣، وجامع المسانيد والسنن: ٥/١٠٨.


٦- عُبادة بن الصامت

(٣٨ق.ه- - ٣٤ه-)

راوية أقضية النبي

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة

١. إفتاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ رجوعه عنه

٢. اللّه ليس بأعور

٣. إخراج الاَمة جميعاً من النار يوم القيامة

عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر الاَنصاري الخزرجي، أبو الوليد، وأُمّه: قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان، شهد العقبة الاُولى والثانية، وآخى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينه و بين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدراً وأُحد والمشاهد كلها مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستعمله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بعض الصدقات.

قال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمسة من الاَنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبي بن كعب، وأبو أيّوب، وأبو الدرداء.

وكان «عبادة» يُعلِّم أهل الصفَّة القرآنَ، و لما فتح المسلمون الشام أرسله


عمر ومعه معاذ بن جبل وأبو الدرداء ليعلِّموا الناس القرآن بالشام ويفقِّهوهم في الدين، وكان معاوية خالفه في شيء أنكره «عبادة» فأغلظ له معاوية في القول، فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبداً ورحل إلى المدينة.(١)

ويظهر ممّا رواه الذهبي عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة انّ عثمان استرحله، بعد ما كتب معاوية إليه: «انّعبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فاما أن تكفَّه إليك، وإما أن أُخلّي بينه و بين الشام».

فكتب إليه: ان رحّل «عبادة» حتى ترجعه إلى داره بالمدينة.

قال: فدخل على عثمان فلم يفجأه إلاّ به وهو معه في الدار، فالتفت إليه، فقال: يا عبادة مالك ولنا؟ فقام «عبادة»بين ظهراني الناس، فقال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: سيلي أُموركم بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، ولا تضلّوا بربِّكم.

إنّ عبادة بن الصامت من الرجال الغيارى الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يرضخون أمام جور الجائرين.

روى الذهبي، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه انّ عبادة بن الصامت مرّت عليه قطارة، وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: ما هذه، أزيت؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان! فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يذر فيها راوية إلاّ بقرها - وأبو هريرة إذ ذاك في الشام - فأرسل فلان - يعني معاوية - إلى أبي هريرة، فقال: ألا تمسك عنّا أخاك عبادة، أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأمّا بالعشيّ فيقعد في المسجد ليس له عمل إلاّ شتم أعراضنا وعيبنا!!

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/١٠٦.


قال: فأتاه أبو هريرة ، فقال: يا عبادة مالك ولمعاوية، ذَرْه وما حُمّل، فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع و الطاعة والاَمر بالمعروف و النهي عن المنكر وألا يأخذنا في اللّه لومة لائم، فسكت أبو هريرة وكتب فلان - معاوية - إلى عثمان: إنّعبادة قد أفسد عليّ الشام.(١)

أقول: هذا هو الفرق بين صحابي مكبّ على عتبة بلاط معاوية فيسكت امام منكراته، وحمل الخمر إلى قصوره، وبين صحابيّ جليل كعبادة بن الصامت بايع رسول اللّه على السمع و الطاعة والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يأخذه في اللّه لومة لائم.

والعجب انّالراوي لا يذكر اسم من يُحمل إليه الخمر ويقول يباع لفلان ويعني به معاوية بن أبي سفيان والشاهد على ذلك انّ أبا هريرة، قال: «يا عبادة مالك و لمعاوية، ذره وما حُمل » فلولا انّالخمر يحمل إلى قصوره فما معنى هذا الكلام؟

نعم حاول معاوية أن يستر فعله القبيح، وقال: يفسد على أهل الذمة متاجرهم ملْمِحاً بذلك إلى أنّ البائع والمشتري من أهل الذمة.

قال الذهبي: كان عبادة رجلاً طوالاً جسيماً جميلاً، مات بالرملة سنة ٣٤ه- و هو ابن ٧٢ سنة، ونقل انّه قُبِّ-ر ببيت المقدس.

ساق له «بقيّ» في مسنده ١٨١ حديثاً، وله في البخاري و مسلم ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين.(٢)

وله روايات رائعة نذكر منها شيئاً.

____________________

١ سير اعلام النبلاء: ٢/٩-١٠ برقم ١.

٢ سير اعلام النبلاء: ٢/١٠-١١ برقم ١.


روائع رواياته

١. أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن جنادة بن أبي أُمية، قال: سمعت عبادة بن الصامت، يقول:

إنّ رجلاً أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا نبي اللّه أي العمل أفضل؟ قال: الاِيمان باللّه، والتصديق به، وجهاد في سبيله، قال: أُريد أهون من ذلك يا رسول اللّه، قال: السماحة والصبر، قال: أُريد أهون من ذلك يا رسول اللّه، قال: لاتتهم اللّه تبارك وتعالى في شيء قضى لك به.(١)

٢. أخرج ابن ماجة، عن الصّنابحي، عن عبادة بن الصامت، انّه سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: ما من عبد يسجد للّه سجدة إلاّ كتب اللّه له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فاستكثروا من السجود.(٢)

٣.أخرج مسلم في صحيحه، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.(٣)

٤. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي الاَشعث، قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في اعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك.

فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال:إنّي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، و الملح بالملح، إلاّ سواء بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٣١٨- ٣١٩.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٤٥٧ برقم ١٤٢٤.

٣ صحيح مسلم: ٢/٩، باب وجوب قراءة الفاتحة.


ازداد فقد أربى، فردّ الناس ما أخذوا.

فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه.

فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثمّ قال: لنحدثنّ بما سمعنا من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و إن كره معاوية (أو قال و إن رغم) ما أُبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء.(١)

٥. أخرج أحمد عن عبادة بن نسيّ، عن عبادة بن الصامت، انّالنبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال: ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي يقاتل فيقتل في سبيل اللّه تعالى، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّشهداء أُمّتي إذاً لقليل، القتيل في سبيل اللّه تبارك و تعالى شهيد، والمطعون شهيد، والمبطون شهيد، و المرأة تموت بجمع شهيد - يعنى النفساء -(٢)

٦. أخرج أحمد في مسنده، عن المطلب، عن عبادة بن الصامت، انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: اضمنوا لي ستاً من أنفسكم، أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم.(٣)

٧. أخرج أحمد في مسنده عن أبي قبيل المعافريّ، عن عبادة بن الصامت، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ليس من أُمّتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه.(٤)

____________________

١ صحيح مسلم: ٥/٤٤، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً.

٢ مسند أحمد: ٥/٣١٥.

٣ مسند أحمد: ٥/٣٢٣.

٤ مسند أحمد: ٥/٣٢٣.


٨. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليكم بالجهاد في سبيل اللّه تبارك وتعالى، فإنّه باب من أبواب الجنة، يذهب اللّه به الهمَّ والغمَّ.(١)

٩.أخرج البخاري في صحيحه، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، قال:

بايعنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على السَّمع والطّاعة، في المنْشَط والمكره، أن لا ننازع الاَمر أهله، وأن نقول بالحقّ حيثما كنّا، لا نخاف في اللّه لومة لائم.(٢)

١٠. أخرج مسلم في صحيحه ،عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت، انّ نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال:

من أحبَّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره لقاءه.(٣)

أقول: إنّ عبادة بن الصامت راوية أقضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي من جلائل رواياته غير انّ ابن ماجة فرّقها في مواضع مختلفة من سننه ولم يذكرها جملة واحدة.

نعم ذكرها عبد اللّه بن أحمد في زيادته على مسند أبيه في مكان واحد.(٤)

ومن أقضيته المعروفة: أن لا ضرر ولا ضرار ، و انّه ليس لعرق ظالم حق.

اقتصرنا على هذا المقدار من روائع رواياته لطولها وضيق المجال.

وقد عزيت إليه روايات، لا تنسجم مع الضوابط الماضية.

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٣١٩.

٢ صحيح البخاري: ٩/٧٧، باب كيف يبايع الاِمام الناس.

٣ صحيح مسلم: ٨/٦٥، باب من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه.

٤ ابن ماجة تحت رقم ٢٢١٣ ،٢٣٤٠، ٢٤٨٣، ٢٤٨٨، ٢٦٤٣، ٢٦٧٥؛ مسند أحمد: ٥/٣٢٦.


١. إفتاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ رجوعه عنه

أخرج أبو داود، عن سلمة بن المحبق، عن عبادة بن الصامت، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ناس لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت، قد نزلت الحدود، لو انّك وجدت مع امراتك رجلاً، كيف كنت صانعاً ؟ قال: كنت ضاربهما بالسيف حتى يسكتا، أفأنا أذهب فأجمع أربعة شهداء؟! فإلى ذلك قد قضى الحاجة، فانطلقوا فاجتمعوا عند رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا رسول اللّه ألم تر إلى أبي ثابت، قال: كذا وكذا؟ فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كفى بالسيف شاهداً، ثمّ قال: لا، لا، أخاف أن يتتايع(١) فيها السكران والغيران.(٢)

وحاصل الحديث انّ أبا ثابت قال: إنّي لو شاهدت الواقعة لقتلت ولا أصبر إلى أن أذهب فأجمع أربعة شهداء لاَنّه يلازم قضاء الحاجة والفراغ من الزنا.

فلما عُرض كلام أبي ثابت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كفى بالسيف شاهداً، أي يوضع هذا السيف موضع الشهداء، ولا يحتاج إلى أن يذهب الزوج إلى جمع أربعة شهداء.

ثمّ إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بداله في إمضاء عمل أبي ثابت لاَنّ تجويز قتلهنّ، ربما تكون ذريعة لقتل النساء بلا جرم، وذلك إمّا لغيرة الزوج أو غضبه.

هذا هو مفاد الحديث ومعنى ذلك انّ النبي أفتى بشيء ثمّ رجع عنه، وهذا ينافي الاَُصول المسلمة من حيث إنّه لا ينطق إلاّ عن وحي. إلاّ أن يحمل كلامه الاَوّل على المزاح والهزل في القول، و هو كما ترى ليس على ذلك الحمل قرينة.

____________________

١ يتتايع على وزن يتتابع وزناً وهو التمادي والتهافت في الشر والفساد والمراد من «سكران»: صاحب الغيظ والغضب، يقال سكر فلان على فلان أي غضب واغتاظ، و«الغيران» بفتح العين المعجمة أي صاحب الغيرة.

٢ سنن ابن داود: ٤/١٤٤ برقم ٤٤١٧.


وكفى في ضعف الحديث انّ أبا داود صاحب السنن، قال: الفضل بن دلهم(الوارد في سند الحديث) ليس بالحفاظ كان قصاباً بواسط.(١)

٢. اللّه ليس بأعور

أخرج أبو داود عن جنادة بن أبي أُمية، عن عبادة بن الصامت، انّه قال: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّي قد حدثتكم عن الدّجال، حتى خشيت أن لا تعقلوا، وإنّ مسيح الدّجال رجل قصير أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليس بناتئة ولا حجراء، فإن ألبس عليكم فاعلموا انّ ربكم ليس بأعور.(٢)

فانّ معنى ذلك انّ لربنا عيناً مادية ليست بعوراء، وقد عزي هذا الحديث إلى غير واحد من الصحابة كما سيأتي.

٣.اخراج الاَمّة من النار يوم القيامة

أخرج أحمد في مسنده، عن روح بن زنباع، عن عبادة بن الصامت، قال:

فقد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة أصحابه، وكانوا إذا نزلوا أنزلوه أوسطهم، ففزعوا، وظنوا انّ اللّه تبارك و تعالى اختار له أصحاباً غيرهم، فإذا هم بخيال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكبَّروا حين رأوه، قالوا: يا رسول اللّه أشفقنا أن يكون اللّه تبارك و تعالى، اختار لك أصحاباً غيرنا، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا، بل أنتم أصحابي في الدنيا والآخرة انّ اللّه تعالى أيقظني، فقال: يا محمد إنّي لم أبعث نبياً ولا رسولاً إلاّوقد سألني مسألة أعطيتها إيّاه فاسأل يا محمّد تُعْطَ، فقلت: مسألتي شفاعة لاَمتي يوم القيامة، فقال أبوبكر: يا رسول اللّه، وما الشفاعة؟ قال: أقول: يا ربِّ، شفاعتي التي اختبأت عندك،

____________________

١ سنن أبي داود: ٤/١٤٤ برقم ٤٤١٧.

٢ سنن أبي داود: ٤/١١٦ برقم ٤٣٢٠.


فيقول الربّ تبارك و تعالى: نعم، فيُخرج ربي تبارك وتعالى بقية أُمتي من النار فينبذهم في الجنة.(١)

إنّ ظاهر الحديث انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشفع لقاطبة أُمّته يوم القيامة فيخرج المحكومون بالنار عنها وينبذون في الجنة وهذا ما لا يذعن به القرآن الكريم، وذلك لاَنّ أصنافاً من الاَمّة الاِسلامية محكومون بالخلود أو بالمكث في النار أحقاباً كالقاتل، قال سبحانه:( وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَالَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْذلِكَ يَلْقَ أثاماً* يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ) (الفرقان/٦٨- ٦٩).

فالخلود إمّا بمعنى المكث في النار دائماً أو كناية عن المكث فيها حقبة طويلة يصح أن يطلق عليها الخلود، ومع ذلك كيف يخرجون من النار في نفس يوم القيامة لا بعده؟

أضف إلى ذلك انّللشفاعة شروطاً أهمها وجود الصلة المعنويّة بين الشافع والمشفوع له، ومن الواضح انّ هذه الصلة ليست متوفرة في جميع الاُمّة، فمن أحبط عمله لا تشمله الشفاعة وإن كان مسلماً.

قال سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِبَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أن تَحْبَطَ أَعمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (الحجرات/٢).

ومثله المرابي الذي عدّه سبحانه محارباً للّه، وقال:

( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُوَوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُون ) (البقرة/٢٧٩).

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٣٢٥.


إنّ القول بالشفاعة بهذا المعنى يورث الجرأة في الاَمّة الاِسلامية فيتكلون عليها في نطاق العمل، بذريعة انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيشفع للاَمّة بأسرها حينها ستخرج من النار و تنبذ في الجنة.

أضف إلى ذلك انّ التعبير عن الدخول في الجنة بالنبذ فيها لا يخلو عن نوع تحقير للمشفوع له، وهو لا يناسب كرامته سبحانه، وكرامة نبيهص.


٧- طلحة بن عبيد اللّه التيمي

(٢٦ق. ه- - ٣٦ه- )

سيرته وأحاديث الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١.تأبير النخل لا يُغني عن شيء.

٢. عمروبن العاص من صلحاء قريش.

طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم القرشي التيمي، وأُمه الصعبة بنت عبد اللّهبن مالك، وهو من السابقين الاَوّلين إلى الاِسلام، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة آخى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين طلحة وبين أبي أيّوب الاَنصاري، وهو أحد أصحاب الشورى، ولم يشهد بدراً وشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أُحد بلاءً عظيماً، ووقى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه و اتّقى عنه النبل بيده.(١)

وقد اتفق أصحاب المعاجم انّه كان يملك ثروة عظيمة.

نقل الذهبي عن ابن سعد، قال: كان طلحة يغلّ بالعراق أربعمائة ألف،

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/٥٩- ٦٠.


ويغلُّ بالسراة عشرة آلاف دينار، أو أقل أو أكثر، وبالاَعراض(١) له غلات، وكان لا يدع أحداً من بني تيم عائلاً إلاّ كفاه و قضى دينه، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كلّ سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفاً. كما قضى عن عبد اللّه بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.

قال الحميدي: كانت غلة طلحة كلّ يوم ألف وافٍ.(٢)

ثمّ نقل عن الواقدي عن موسى بن طلحة انّ معاوية سأله، كم ترك أبو محمد (طلحة) من العين؟ قال: ترك الفي ألف درهم و مائتي ألف درهم و من الذهب مائتي ألف دينار.(٣)

هذه الثروة المكتنزة ملكها الرجل في عصر الخلفاء في حين انّأباذر كان يجود بنفسه جوعاً في ربذة.

وقد مات عليعليه‌السلام ولم يترك من البيضاء والصفراء إلاّ سبعمائة درهم.

وقال ابن سعد نقلاً عن بنت عوف، قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألفا ألف درهم، ومائتا ألف درهم، وقُوِّمت أُصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم.(٤)

ولو أراد الباحث أن يجمع روَوس ما كان يملكه طلحة فعليه الرجوع إلى كتب التاريخ،والحديث عن ثروته التي اقتناه بعد رحيل الرسول خارج عن نطاق البحث، وقد أشرنا إليها في المقام ليعلم ان نكث-ه لبيعة علي بن أبي طالب «عليه‌السلام » لم يكن إلاّ لعدم تحمّله لسيرة الاِمام في بيت المال، إذ هو القائل لمّا تصدى للخلافة.

____________________

١ اعراض المدينة قراها التي في أوديتها.

٢ الوافي درهم وأربعة دوانق.

٣ سير اعلام النبلاء: ١/٣٢-٣٣.

٤ طبقات ابن سعد: ٣/٢٢٢.


«واللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الاِماء لرددته، فانّ في العدل سعة و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق».(١)

إنّ الرجل نكث بيعته مع عليعليه‌السلام ، فقاد حرب الجمل على الاِمام المفترضة طاعته، امّا بنص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو الحقّ، أو باعتبار بيعة المهاجرين والاَنصار له، فندم قبل هلاكه - ولما ينفعه الن-دم - فقتل عام ٣٦ه- في جمادى الآخرة، ودفن قريباً من البصرة، وبذلك يعلم حال ما روي في حقّه من الفضائل.

وله في مسند «بَقيّ بن مَخْلَد» ثمانية وثلاثون حديثاً له حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث، وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت ٢٢ حديثاً(٢) وهو من المقلّين في حقل الحديث.

وله أحاديث رائعة و إن عزي إليه مالا تنطبق عليه الموازين السالفة الذكر.

روائع أحاديثه:

١. أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه انّه سمع طلحة بن عبد اللّه، يقول: جاء رجل إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دويّصوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاِسلام.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصيام رمضان، قال: هل عليّ غيره، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: وذكر له رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » الزكاة، قال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ نهج البلاغة: الخطبة رقم ١٣.

٢ المسند الجامع: ٧/٥٤٧ برقم ٣٢٠.


أفلح ان صدق.(١)

٢. أخرج أحمد، عن يحيى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد اللّه: انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا رأى الهلال، قال: اللهمّ أهلّه علينا باليمن والاِيمان، والسلامة والاِسلام، ربي وربك اللّه.(٢)

٣. أخرج أحمد، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال:

قلنا: يا رسول اللّه، كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد.(٣)

وقد رويت عنه روايات تخالف الضوابط المذكورة.

١. تأبير النخل لا يُغني عن شيء

أخرج مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال:

مررت مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوم على روَوس النخل، فقال: ما يصنع هوَلاء.

فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فيتلقح.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانّي إنّما ظننت ظنّاً فلا توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به فإنّي لن اكذب على اللّه عزّ وجلّ.(٤)

____________________

١ صحيح البخاري: ١/١٤، باب الزكاة من الاِسلام؛ صحيح مسلم: ١/٣٠، كتاب الاِيمان.

٢ مسند أحمد: ١/١٦٢.

٣ مسند أحمد: ١/١٦٢.

٤ صحيح مسلم: ٧/٩٥، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي.


وروى عن رافع بن خديج: قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون يلقِّحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه، فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر.(١)

والعجب انّمسلم النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب «أسماه» بوجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

نحن نعلق على الحديث تعليقاً مختصراً، ونحيل التفصيل إلى القارىَ.

أوّلاً: نفترض انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن نبيّاً، ولا أفضل الخليقة، ولم ينزل عليه الكتاب والحكمة، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز و عاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكلّ من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟ فيجيبونه انّهم «يلقحونه».

أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خافياً على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

ثانياً: كيف يمكن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النهي عن التلقيح الذي هو سنة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، قال سبحانه:( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت ِاللّهِ تَحْوِيلاً ) (فاطر/٤٣) ومع ذلك فكيف يقول: ما أظن يغني ذلك شيئاً.

ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، وأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّوجلّ»لاَنّ فيه

____________________

١ شرح النووي على صحيح مسلم: ١٥/١٢٥-١٢٦، الباب ٣٨، كتاب الفضائل.


تلميحاً إلى أنّه - و العياذ باللّه - يكذب في مواضع أُخر.

فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة فسيعقبها - العياذ باللّه - جهل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبسط السنن الجارية في الحياة فهل يصحّ التفوّه بذلك؟!

كيف يصحّ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعتذر عمّا قال، بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر، مع أنّهيقول في جواب عبد اللّه بن عمر (حيث نقل إليه اعتراض قريش عليه) «بأنّه يكتب كل شيء يسمعه من رسول اللّه، ورسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب والرضا». مومياً باصبعه إلى فيه: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حق.(١)

٢. عمرو بن العاص من صلحاء قريش

أخرج أحمد في مسنده عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: إنّ عمرو بن العاص من صالحي قريش.(٢)

ورواه الترمذي بالسند التالي: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو أُسامة عن نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد اللّه...الخ.

وقال الترمذي: هذا حديث إنّما نعرفه من حديث نافع بن عمر الجمحي، ونافع ثقة وليس اسناده بمتصل،وابن أبي مليكة لم يدرك طلحة.

إذا كان هذا حال السند، فيعرف به حال المضمون ولكن يكفي لنا دراسة إجمالية لسيرة عمرو بن العاص ليتبين انّه هل كان من الصالحين؟ بل الرواية

____________________

١ سنن أبي داود: ٣/٣١٨ برقم ٣٦٤٦.

٢ مسند أحمد: ١/١٦١، ونقله الترمذي برقم ٣٨٤٥.


تخالف ما هو الثابت في التاريخ الصحيح.

وإليك هذه الوثيقة التاريخية:

لما علم معاوية انّالاَمر لم يتم له ان لم يبايعه عمرو، فقال له: يا عمرو؟ اتَّبعْني، قال: لماذا؟للآخرة؟ فواللّه ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فواللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها.

قال: فأنت شريكي فيها، قال: فاكتب لي مصر وكورها.

فكتب له مصر وكورها وكتب في آخر الكتاب وعلى عمرو السمع والطاعة.

قال عمرو : واكتب: انّ السمع و الطاعة لا ينقصان من شرطه شيئاً.

قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا، قال عمرو: حتى تكتب.

قال: فكتب، واللّه ما يجد بُدّاً من كتابتها،... وعمرو يقول له، إنّما أُبايعك بها ديني.

وكتب عمرو إلى معاوية:

معاوي لا أُعطيك ديني ولم أنل

به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

وما الدين والدُّنيا سواءٌ وإنّني

لآخذ ما تُعطي ورأسي مقنَّع(١)

ومن أراد أن يقف على شخصيته من حيث نسبه وإسلامه ودهائه، فعليه أن يطالع كلمات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّه وكلمات الاِمام أمير الموَمنينعليه‌السلام وسائر الصحابة والتابعين ليقف على أنّه هل كان من الصلحاء أو أنّه كان بوَرة الفتن والفساد؟

وقد قام العلاّمة المحقّق عبد الحسين الاَميني بدراسة وافية لسيرته في كتابه الغدير.(٢)

____________________

١ العقد الفريد: ٥/٩٢، دار الكتب العلمية.

٢ الغدير:٢/١١٤- ١٧٦.


٨- حذيفة بن اليمان العبسي

( - ٣٦ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. نفاة القدر مجوس هذه الاُمة

٢.وجوب إطاعة الجائر

٣. الاقتداء بالشيخين

٤. غفران اللّه لمن أمر بحرق نفسه بالنار

٥. الدجال معه ماء ونار

٦. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة

هو حذيفة بن حسل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن غطفان، أبو عبد اللّه العبسي، و اليمان لقب حسل بن جابر، وإنّما قيل له ذلك، لاَنّه أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الاشهل من الاَنصار، فسماه قومه اليمان لاَنّه حالف الاَنصار وهم من اليمن.

روى عنه: ابنه أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، و زيد بن وهب وغيرهم، وهاجر إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخيّره بين الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، وشهد مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُحداً، وقتل أبوه بها(١) قال الواقدي: آخى رسول اللّه بين حذيفة وعمار.

____________________

١ أُسد الغابة: ١/٣٩٠- ٣٩١.


سئل عليّ عن حذيفة، فقال: «عَلِمَ المنافقين، وسئل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً» ولي حذيفة إمرة المدائن لعمر، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة. وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عنه الفتن الكائنة في الاَُمة، وقد ناشده عمر، أ أنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أُزكي أحداً بعدك.

قال ابن سيرين: بعث عمر حذيفة على المدائن، فَقُرِىَ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعام آكله ، وعلف حماري هذا - ما دمت فيكم - من تبن، فأقام فيهم ما شاء اللّه ثمّكتب إليه عمر: أقدم.

فلما بلغ عمر قدومه، كمن له على الطريق، فلما رآه على الحالة التي خرج عليها، أتاه فالتزمه، وقال أنت أخي وأنا أخوك.(١)

وقد وقف حذيفة بن اليمان على المنافقين وأسمائهم عندما كان يسوق ناقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقودها عمار بن ياسر عند الرجوع من غزوة تبوك، فبينا هم يسيرون إذ التفت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى خلفه، فرأى في ضوء ليلة مقمرة فرساناً متلثمين لحقوا به من وراء لينفّروا به ناقته، وهم يتخافتون، فغضب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وصاح بهم، وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم، قائلاً: إضرب وجوه رواحلهم.

فارعبهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصياحه بهم إرعاباً شديداً، وعرفوا بأنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علم بمكرهم وموَامرتهم، فاسرعوا تاركين العقبة حتى خالطوا الناس.

يقول حذيفة: فعرفتهم برواحلهم، وذكرتهم لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقلت: يا رسول اللّه الا تبعث إليهم لتقتلهم؟ فأجابه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في لحن ملوَه الحنان والعاطفة:

إنّ اللّه أمرني أن أعرض عنهم، وأكره أن يقول الناس: إنّه دعا أُناساً من

____________________

١ سير اعلام النبلاء: ٢/ ٣٦٣-٣٦٦.


قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له فقاتل بهم حتى ظهر على عدوه ثمّ أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فانّ اللّه لهم بالمرصاد.(١)

مات حذيفة بالمدائن سنة ٣٦ ه- وقد شاخ.

له في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم ١٧ حديثاً، وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١٤٠ حديثاً.

إنّ المترجَم صاحب السرّ وقد نقل عنه انّه قال: كان الناس يسألون رسول اللّه عن الخير وكنت أسأله الشر مخافة أن يدركني.(٢)

فلاَجل ذلك نرى في أحاديثه كثرة الاِخبار عن الفتنة، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه ثمّننقل بعض ما عزي إليه من الروايات السقيمة.

روائع أحاديثه:

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة في حديث قتيبة، قال: قال نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كل معروف صدقة.(٣)

٢. أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن حذيفة، قال: سأل رجل على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأمسك القوم، ثمّ إنّرجلاً أعطاه فأعطى القوم، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من سنّ خيراً فاستنّ به، كان له أجره ومن أُجور من اتبعه غير منتقص من أُجورهم شيئاً، و من سنّشراً فاستنّ به، كان عليه وزره ومن أوزار من يتبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً.(٤)

____________________

١ المغازي للواقدي: ٣/١٠٤٢- ١٠٤٥؛ مجمع البيان: ٣/٤٦؛ بحار الاَنوار: ٢١/٢٤٧.

٢ سير اعلام النبلاء: ٢/٣٦٥ نقلاً عن البخاري.

٣ صحيح مسلم: ٣/٨٢، باب انّ اسم الصدقة يقع على كلّنوع من المعروف.

٤ مسند أحمد: ٥/٣٨٧.


٣. أخرج أحمد في مسنده، عن عابس، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من شرط لاَخيه شرطاً لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير ذي منعة.(١)

٤. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي وائل، عن حذيفة، انّه بلغه انّرجلاً ينمّ الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: لا يدخل الجنة نمّام.(٢)

٥. أخرج أحمد في مسنده ،عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ مما أدرك الناس من أمر النبوة الاُولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.(٣)

٦. أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن سيرين، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السّفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار.(٤)

ولعلّ كونه في النار لاَجل ما يترتب على تلك الاَعمال من أُمور محرمة غير محمودة العواقب.

٧. أخرج أحمد في مسنده، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال:

إنّها ستكون أُمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّا ولست منهم، ولا يرد عليّ الحوض؛ ومن لم يصدِّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض.(٥)

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٤٠٤.

٢ صحيح مسلم: ١/٧٠، باب بيان غلظ تحريم النميمة.

٣ مسند أحمد: ٥/٣٨٣.

٤ سنن ابن ماجة: ١/٩٦ برقم ٢٥٩.

٥ مسند أحمد: ٥/٣٨٤.


٨. أخرج أحمد عن أبي وائل، عن حذيفة، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

ليردنّ عليَّ الحوض أقوام ليختلجون دوني فأقول ربّ أصحابي، ربّ أصحابي، فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(١)

ويوَيده قوله سبحانه:( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) (التوبة/١٠١).

ورواه مسلم بلفظ قريب منه، عن شقيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا فرطكم على الحوض، ولاَنازعنَّ أقواماً ثمّ لاَغلبنَّ عليهم، فأقول: يا ربّ، أصحابي، أصحابي، فيقال: أنت لا تدري ما أحدثوا بعدك».(٢)

٩. أخرج الترمذي في سننه، عن زر بن حبيش، عن حذيفة، في حديث... أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصليت معه المغرب، فصلّى حتى صلى العشاء ثمّ انفتل، فتبعته فسمع صوتي، فقال: من هذا، حذيفة؟ قلت: نعم؛ قال: ما حاجتك غفر اللّه لك ولاَمّك، قال: إنّهذا ملك لم ينزل الاَرض قط، قبل هذه الليلة، استأذن ربّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وانّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة.(٣)

١٠. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن عكيم، قال: كنّا مع حذيفة بالمدائن فاستسقى حذيفة، فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضّة فرماه به، وقال: إنّي اخبركم انّي قد أمرته أن لا يسقيني فيه، فانّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا تشربوا في إناء الذّهب والفضة، ولا تلبسوا الدّيباج والحرير،

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٣٨٨.

٢ صحيح مسلم: ٧/٦٨، باب إثبات حوض نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفاته.

٣ سنن الترمذي: ٥/٦٦٠- ٦٦١ برقم ٣٧٨١ وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده: ٥/٣٩٢.


فانّه لهم في الدنيا وهو لكم في الآخرة يوم القيامة.(١)

هذه بعض روائع أحاديثه، وثمة مرويات عزيت إليه ربّما لا توافق الموازين وإليك نقل بعضها:

١. نفاة القدر مجوس هذه الاَمّة

أخرج أبو داود في سننه، عن رجل من الاَنصار، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الاَمّة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحقّ على اللّه أن يلحقهم بالدجال.(٢)

لا شكّ انّ القضاء والقدر من العقائد الاِسلامية التي لا يخفى على إنسان له أدنى إلمام بالقرآن والسنة قال سبحانه:( إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِين* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم ) (الدخان/٣-٤).

والليلة المباركة هي ليلة القدر ، قال سبحانه:( إِنّا أَنْزلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْر ) وقد ورد في غير واحدة من الآيات انّ كل ما يصيب الاِنسان فقد قُدِّر من قبل أن يصيبه، قال سبحانه:( ما أَصابَمِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِير ) (الحديد/٢٢).

فمصير الاِنسان تابع لاَمرين، أحدهما: ما يصيبه من دون أن يكون له فيها دور أو إختيار، كالاُمور الخارجة عن اختياره من موته ومرضه إلى غير ذلك.

وثانيهما: الاَفعال التي تعد ملاكاً للثواب والعقاب والتحسين والتقبيح. فليس معنى التقدير هو سلب المسوَولية والاختيار عنه، بل تقديره سبحانه، هو

____________________

١ صحيح مسلم: ٦/١٣٦، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة من كتاب اللباس والزينة.

٢ سنن أبي داود: ٤/٢٢٢ برقم ٤٦٩١.


انّه خلق الاِنسان فاعلاً مختاراً وقدَّر أن يكون هو مصدراً للاَعمال عن اختيار.

أقول: إنّ القدر بالمعنى الذي جاء في هذه الرواية وغيرها من الاَفكار التي طرحت بعد رحيل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفرّق المسلمين إلى فرقتين.

إحداهما: فرقة تفسّر الكون وما يصدر من الاِنسان بتقديره سبحانه، و انّه لا موَثر ولا فاعل ولا سبب إلاّ اللّه سبحانه، و انّه ليس ثمة دور للفواعل الطبيعية كالنار والماء ولا لغيرهما من الفواعل العالمة والمريدة.

فالقدر بهذا المعنى هو الجبر المطلق، وقد بثتها اليهود في الاَوساط الاِسلامية، ولاَجل ذلك ذهبوا إلى أنّيد اللّه سبحانه مغلولة بعد التقدير لا يمكن له أن يبدل القدر ، قال سبحانه:( وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ) (المائدة/٦٤).

وقد اغترّ السُّذّج من المسلمين بهذه الاِسرائيليات، وحيكت العديد من الروايات لدعم فكرة القدر، وإعطائها حجماً أكبر ممّا تستحق، وانّها نافذة تطل على الكون والحياة الاِنسانية وما يصدر من الخير والشرّ، ومنها هذه الرواية.

ثانيهما: إثبات الاختيار للاِنسان وجعل المسوَولية على عاتقه في المجال الذي يناط به الاِيمان والكفر، والثواب والعقاب، والحسن والقبح، على وجه يجتمع مع القول بقضائه سبحانه وقدره بالبيان التالي:

إنّ تقديره سبحانه يشمل جميع العلل والفواعل، والجماد و الحيوان والاِنسان، ولكن تختلف كيفية التقدير حسب اختلاف ذوات الفواعل، فالتقدير في الفاعل الطبيعي هو أن يصدر منه الفعل جبراً بلا اختيار، ومثله ما يصدر من الحيوان، فانّه وإن كان فاعلاً شاعراً، ولكنّه فاعل غير مختار، فالتقدير فيه صدور الفعل عن شعور بلا اختيار.


ويقابلها الاِنسان فهو فاعل شاعر مختار، فتقديره سبحانه هو أن يكون مبدءاً لفعله عن شعور واختيار، مختاراً في فعله وتركه، غير مجبور على واحد من الطرفين، فاللازم الاحتفاظ بأصلين:

الاَوّل: شمولية التقدير لكلّ فاعل طبيعي وغير طبيعي، حتى لا يخرج شيء في عام الوجود عن مجال تقديره وقضائه.

الثاني: التحفظ على كون الاِنسان فاعلاً مختاراً يصدق في حقّه قوله سبحانه:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَفَلْيَكْفُر ) (الكهف/٢٩).

فأصحاب التقدير الذين يحتلّ عندهم القدر مقاماً شامخاً، يأخذون بالاَصل الاَوّل ويذرون الاَصل الثاني، ولكن الاِنسان الواعي يأخذ بكلا الاَصلين ولا يُبطل أحدهما بالآخر.

فمن أمعن في الروايات المروية حول القضاء والقدر يستنبط انّها تروّج فكرة جبرية يهودية، بزعم انّ التقدير يخرج الاَمر عن اختياره سبحانه، واختيار فاعله فردّ عليها سبحانه بقوله:( وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ) (المائدة/٤٦) وغيره مما ورد في تقرير كون الاِنسان فاعلاً مختاراً.

٢. وجوب إطاعة الجائر

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سلام، قال: قال حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول اللّه إنّا كنّا بشرّ فجاء اللّه بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم.

قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم، قلوب الشياطين في جثمان انس، قال: قلت: كيف


اصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للاَمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.(١)

والحديث محمول على ما إذا كان في النهوض ضدهم والتمردعليهم مفسدة كبرى، وإلاّ فالسكوت امام الظالم وإطاعة أمره تقوية شوكته ودعم لمبدأ الظلم.

وهذا يخالف القرآن الكريم:( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبِع هَواهُ وَكانَأَمْرُهُ فُرُطاً ) (الكهف/٢٨).

وقال سبحانه:( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثماً أَوْ كَفُوراً ) (الاِنسان/٢٤).

كما يخالف ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق أئمة أهل البيتعليهم‌السلام .

روى الطبري، عن الحسين بن عليعليهما‌السلام ، انّه خطب أصحابه وأصحاب الحر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّقال: أيّها الناس انّرسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه ، يعمل في عباد اللّه بالاِثم و العدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله.(٢)

وهذه النصوص الرائعة الموَيدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُميّة وبني العباس، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت أمام ظلم الظالمين ما هي إلاّمفتعلات وضعها علماء البلاط الحاكم ومرتزقتهم بغية تحقيق مآربهم.

____________________

١ صحيح مسلم: ٦/٢٠، باب الاَمر بلزوم الجماعة.

٢ تاريخ الطبري: ٤/٣٠٤ حوادث عام ٦١ه- وقد مرّ النص أيضاً فلاحظ.


٣. لزوم الاقتداء بالشيخين

أخرج الترمذي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر.

وأخرج عنه أيضاً، قال: كنّا جلوساً عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنّي لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللّذين من بعدي. وأشار إلى أبي بكر وعمر.(١)

وثمة تساوَلات وتأملات في هذه الرواية:

أوّلاً: انّ الرواية معارضة بنفس ما روي عن حذيفة في ذلك المجال، فقد أخرج الترمذي في سننه عن زاذان، عن حذيفة، قال: قالوا: يا رسول اللّه لو استخلفت، قال: إن أستخلف عليكم فعصيتموه عُذِّبتم، ولكن ما حدَّثكم حذيفة فصدِّقوه و ما أقراكم عبد اللّه فأقروَه.

قال الترمذي: هذا حديث حسن(٢)

ثانياً: لو كان النبي أمر بالاقتداء به في حال يتنبأ عن عدم بقائه كان على الشيخين والمهاجرين في السقيفة الاستدلال بالرواية مع أنّهما لم يحتجّا بها ولا غيرهما أيضاً، بل كان الجهد منصباً على أنّ المهاجرين من عشيرة النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » وعشيرته أولى بالخلافة من غيرهم.

ثالثاً: انّ الحديث الثاني أيضاً مكذوب على لسان رسول اللّه ،فانّه استخلف غير مرّة استخلافاً عاماً، فتجد استخلافه في الموارد التالية:

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٦٠٩- ٦١٠ برقم ٣٦٦٢؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة باللفظ الاَخير: ١/٣٧ برقم ٩٧.

٢ سنن الترمذي: ٥/٦٧٥ برقم ٣٨١٢.


أ. حديث بدء الدعوة

أخرج الطبري وغيره بسنده، عن علي بن أبي طالب، انّه لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِين ) دعا أربعين رجلاً فيهم أعمامه وعشيرته فتكلم بالكلام التالي، وقال:

يا بني عبد المطلب، إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم،قال: فأحجم القوم عنها جميعاً،وقلت: أنا يا نبي اللّه، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا.(١)

ب. حديث المنزلة

روى أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلف علي بن أبي طالبعليه‌السلام على أهله في المدينة عند توجهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي بن أبي طالبعليه‌السلام سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو نازل بالجرف، فقال: ما نشره المنافقون، فأجاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي.(٢)

____________________

١ تاريخ الطبري: ٢/٦٣-٦٤ وغيره من المصادر المتوفرة.

٢ صحيح البخاري: ٦/٣، غزوة تبوك؛ وصحيح مسلم : ٧/١٢٠، في فضائل علي؛ السيرة النبوية: ٢/٥١٩ ؛ إلى غير ذلك.


ودلالة الحديث على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفاض على عليعليه‌السلام بإذن من اللّه سبحانه الخلافة، واضحة لاَنّ كلمة «منزلة» اسم جنس أُضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم، فيدل على أنّ كلّمقام و منصب كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعليعليه‌السلام ، إلاّما استثناه، وهو النبوّة، وقد كان هارون خليفة لموسى بالضرورة.

ج. حديث الغدير

وهوحديث معروف متواتر، وحاصله انّ النبي عندما وصل إلى غدير خم من الجحفة عند منصرفه من حجّة الوداع، أمر بردّ من تقدّم من الحجاج، وحبس من تأخر عنهم، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الاِبل فقال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً عبده و رسوله، وانّ جنّته حقّ، وناره حقّ، وانّ الموت حقّ، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ اللّه يبعث من في القبور؟

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: اللّهمّ اشهد، ثمّ قال : أيّها الناس، ألا تسمعون؟

قالوا: نعم.

قال: فانّي فرط على الحوض، فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين.

فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول اللّه؟

قال: الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر عترتي، إنّاللطيف الخبير نبأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها، حتى رُوَي بياض آباطهما، وعرفه القوم


أجمعون، فقال: أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟

قالوا: اللّه ورسوله أعلم.

قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه، فعليّ مولاه - يقولها ثلاث مرّات - ثمّ قال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، الاّ فليبلغ الشاهد الغائب.

ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:

( الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي ) (المائدة/٣)، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي.(١)

٤. غفران اللّه لمن أمر بإحراق بدنه بعد الموت

أخرج البخاري، عن ربعي بن حراش، قال: قال عقبة لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: سمعته يقول: إنّ رجلاً حضره الموت لما آيس من الحياة أوصى أهله إذا متّ، فأجمعوا لي حطباً كثيراً، ثمّ أوْرُوا فيه ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي، فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليمِّ،في يوم حارٍ أو راح، فجمعه اللّه.

فقال له: لِ-مَ فعلت؟ قال: خَشْيَتَك، فغفر له.(٢)

____________________

١ الغدير: ١/٣٤- ٤٢ قد بسط الكلام في مصادر الحديث ورواته قرناً بعد قرن.

٢ صحيح البخاري: ٤/١٧٦، حديث الغار؛وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:٨/٩٨، باب في سعة رحمة اللّه تعالى.


أقول:رواها أبو هريرة بلفظ آخر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: كان رجلٌ يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثمّ أطحنوني، ثمّ ذروني في الريح، فواللّه لئن قدر عليّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً، فلما مات فعل به ذلك، فأمر اللّه الاَرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم.

فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا ربّخشيتك، فغفر له، وقال غيره: مخالفتك يا ربّ.(١)

وقد رواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ.

وعلى أيّة حال، فالرواية تنتهي تارة إلى حذيفة بن اليمان، وأُخرى إلى أبي هريرة، وثالثة إلى أبي سعيد الخدري.

وفي الرواية تساوَلات

أولاً: الظاهر انّ الموصي أوصى بما أوصى لئلا يُحشر ويعذب، وزعم انّه سبحانه لا يقدر على حشره إذا أحرق بدنه وذُرّ رماد بدنه في الريح، كما هو ظاهر قوله على ما نقل أبو هريرة «واللّه لئن قدر عليَّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً» وهذا اعتقاد بعجزه سبحانه من حشره، إذا حرق و ذُرّ.

وهذا النوع من العقيدة جهل بقدرته سبحانه( وَما قَدَرُوا اللّه حقّ قَدْرهِ ) (الاَنعام/٩١) وهو موجب للعقاب لا للغفران، ولما وقف ابن حجر على ذلك اعتذر بأنّ الرجل قال ذلك في حالة دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يوَاخذ بما يصدر منه.(٢)

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١٧٦، حديث الغار.

٢ فتح الباري: ٦/٥٢٣ شرح حديث ٣٤٨١.


وأنت خبير بأنّ تلك الوصية بالنحو الوارد في الرواية كاشفة عن أنّه أوصى بذلك وهو في سلامة عقله، فكيف يحمل على أنّه أوصى ذاهلاً وناسياً ؟

وانّه سبحانه وتعالى أعرف بالاِنسان من نفسه، فلماذا يأمر الاَرض بجمع رماده ثمّ يحييه ويسأله: لِ-مَ فعلت ذلك ؟

ثانياً: انّ ظاهر الآيات انّ الاِنسان إذا مات فلا يرجع إلى الدنيا إلاّ لغايات خاصة، كإحياء الموتى لغاية إثبات النبوة، أو إحياء أصحاب الكهف لغاية إثبات إمكان المعاد.

قال سبحانه:( وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ليعْلَمُوا أنّوَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَأنَّالسّاعَةَ لا رَيْبَفِيها ) (الكهف/٢١) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إحياء الموتى كإحياء عزير(١) لتلك الغاية أيضاً. وأمّا إذا لم تكن ثمة غاية كإتمام الحجّة فلا يرجع إلى الدنيا، ويترك حسابه إلى الآخرة، قال سبحانه:( حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوت قالَرَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِيُبْعَثُونَ ) (الموَمنون/٩٩-١٠٠).

فنخلص إلى القول: بأنّ الرواية تخالف الذكر الحكيم، مضافاً إلى أنّها أشبه بالاسرائيليات التي روّج لها مستسلمة أهل الكتاب، ثمّ نشرها السُّذّج في أوساط المسلمين دون وعي.

٥. الدجال معه ماء ونار

أخرج البخاري، عن عقبة بن عمر، عن حذيفة، انّه سأله وقال: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّي سمعته يقول: إنّ مع الدجال إذا خرج ماءً وناراً، فأمّا الذي يرى الناس انّها النار فماء بارد، وأمّا

____________________

١ البقرة: ٢٥٩.


الذي يرى الناس انّه ماء بارد، فنار تحرق، فمن أدرك منكم فليقع في الذي يرى انّها نار، فانّها عذب بارد.(١)

أقول: إنّ الرواية مهما صحّ سندها فهي من الاِسرائيليات، التي لا يقام لها وزن، حتى انّ البخاري ذكرها في باب تحت عنوان ما ذكر عن بني إسرائيل.(٢)

وان ذكرها في كتاب الفتن من الجزء التاسع بصورة موجزة.(٣)

وذلك أوّلاً: انّ تزويد الدجال بهذه المعاجز يوَدي إلى إضلال الناس، والغاية من خلقة الاِنسان هي الهداية لا الضلالة، وسيوافيك توضيحه عند دراستنا لاَحاديث المغيرة بن شعبة.

وثانياً: انّ اختلاف المرئي في نظر الرائي رهن كون الدجال ساحراً، ويُخيِّل الشيء بصورة عكسه، وهذا أيضاً من أسباب الضلال، فلماذا سلطه سبحانه على العباد.

وأمّا تفسير ابن حجر وقوله: يجعل اللّه باطن الجنّة التي يسخرها الدجال ناراً وباطن النار جنّة.(٤)

فهو تفسير بعيد لا يحمل عليه كلام أصحاب البلاغة، فالحقّ أنّ أكثر ما ورد حول الدجال إسرائيليات، لا يذعن بها العقل الحصيف، ولا يُظن لعاقل أن يصدقه، وإن كان أصل ظهور الدجال في آخر الزمان أمراً مسلّماً بين المسلمين.

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١٦٩، باب ما ذكر عن بني إسرائيل و٩/٦٠ باب ذكر الدجال؛ وأخرجه مسلم أيضاً في صحيحه: ٨/١٩٥، باب ذكر الدجال وصفته ومامعه.

٢ صحيح البخاري: ٤/١٦٩.

٣ صحيح البخاري: ٩/٦٠ ، باب ذكر الدجال من كتاب الفتن.

٤ فتح الباري: ١٣/٩٩.


٦. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة

أخرج أبو داود ،عن محمد، قال: قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلاّ أنا اخافها عليه إلاّمحمد بن مسلمة، فانّي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: لا تضرك الفتنة(١)

أقول: إنّ التاريخ الصحيح لا يصدق الرواية، فإنّ محمد بن مسلمة تخلّف عن بيعة أمير الموَمنين عليعليه‌السلام بعد أن تدافع إليها المسلمون و في طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار ، وقعد عن نصرة الاِمام في معارك الجمل و صفين والنهروان وبقي في المدينة، فالرجل سقط في الفتنة،( أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا ) (التوبة/٤٩).

وأغلب الظن انّ الرواية حيكت لاَجل إراءة انّ قيام الاِمام علي «عليه‌السلام » ضد الناكثين والقاسطين والمارقين كان فتنة، وقد دخل في هذه الفتنة وجوه المهاجرين والاَنصار، لاَنّهم لم يكونوا مصونين عنها، ولم يدخلها محمد بن مسلمة وجلس في بيته لاَنّه كان مصوناً عنها بنص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولعمر الحق، لو كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصدد انقاذ محمد بن مسلمة وغيره من أصحابه، كان عليه أن يحدد الفتنة موضوعاً ومحمولاً، والآثار الوخيمة المترتبة عليها، حتى يتبيّن الحق لطلابه، ولا يقع فيها جمهور المهاجرين والاَنصار عن عمد أو غفلة، والظاهر انّ هذه الرواية نظير ما رواه أبو موسى الاَشعري عندما اعتذر عن المشاركة في الاَحداث الواقعة بعد مقتل عثمان، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما بين أيديكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً ويمسي كافراً، ويمسي موَمناً ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي

____________________

١ سنن أبي داود: ٤/٢١٦ برقم ٤٦٦٣.


فيها خير من الساعي».

قالوا: فما تأمرنا، قال:« كونوا أحلاس بيوتكم».(١)

ومعنى ذلك انّ ما خاض فيه عليّعليه‌السلام من الحروب الطاحنة ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، كان فتنة، واللازم هو اجتنابها وهل يمكن لمسلم واع أن ينسب علياً إلى إثارة الفتنة مع انّعلياً بنص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الحق، والحقّ معه حيث ما دار؟!(٢)

____________________

١ سنن أبي داود: ٤/١٠١ برقم ٤٣٦٢؛ مسند أحمد: ٤/٤٠٨.

٢ تاريخ بغداد: ١٤/٣٢١؛ تفسير الرازي: ١/١١١ في تفسير البسملة وغيرها.


٩- عقبة بن عمرو

«أبو مسعود الاَنصاري»

(... - ٤٠ه- )

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس

٢. تعريف ٣٦ رجلاً من المنافقين

٣. حب الاَصحاب وبغضهم

هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أُسيرة بن عُسيرة الاَنصاري، شهد ليلة العقبة وهو صغير، ولم يشهد بدراً، وشهد أُحداً، ونزل الكوفة، فلما خرج عليعليه‌السلام إلى صفين استخلفه على الكوفة ثمّ عزله عنها، فرجع أبو مسعود إلى المدينة فمات بها في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقد انقرض عقبه فلم يبق منهم أحد.(١)

وهو من المقلِّين في الرواية، بلغت جميع رواياته في المسند الجامع إلى ٣٦ رواية.

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٢/٤٩٣ برقم ١٠٣؛ وقيل في نسبه غير ذلك لاحظ طبقات ابن سعد: ٦/١٦.


حدث عنه: ولده بشير، وأوس بن ضمعج، وعلقمة، وأبو وائل، وقيس بن أبي حازم، وربعي بن حراش، إلى غير ذلك.

ومن روائع رواياته:

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال أبو مسعود البدريّ: كنت أضرب غلاماً لي بالسّوط، فسمعت صوتاً من خلفي: إعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلمّا دنا منّي إذا هو رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، قال: فألقيت السّوط من يدي، فقال: اعلم أبا مسعود انّاللّه أقدر عليك منك على هذا الغلام.

قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً.(١)

٢. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الاَنصاري، قال:

جاء رجل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنّي أُبدع بي(٢) فاحملني، فقال: ما عندي، فقال رجل: يا رسول اللّه أنا أدُلّه على من يحمله.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله.(٣)

وإليك بعض ما عزي إليه ممّا لا يصح.

١. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس

أخرج النسائي، عن عامر بن سعد، قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي

____________________

١ صحيح مسلم:٥/٩١، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده.ووصفه بالبدريّ في سند الحديث محمول على المجاز لما عرفت أنّه لم يشهد بدراً.

٢ ابدع به: أهمله وخَذَلَه.

٣ مسند أحمد: ٥/٢٧٢.


مسعود الاَنصاري في عرس، وإذا جوارٍ يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن أهل بدر، يُفعل هذا عندكم؟! فقال: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، قد رُخِّص لنا في اللهو عند العرس.(١)

والظاهر انّ المرخص بزعمهما هو رسول اللّه، فعلى ذلك رخّص رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غناء الجواري في العرس للرجال، وهذا ما لا يصدقه الكتاب العزيز والسنّة النبوية.

أمّا الكتاب فهو يأمر نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) (النور/٣١).

وقال سبحانه:( فَلا تَخْضَعْنَ بالقَولِ فَيَطْمَعَ الّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ) (الاَحزاب/٣٢).

فإذا كان هذا أدب الاِسلام، فكيف يرخّص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للنساء أن يغنِّين لغيرهن؟! أو يُرَخِّص للرجال ما يثير الشهوة ويُميت القلب، ويحيي الغرائز الجامحة؟!

وأمّا السنة، فالرسول يفسّر الغناء: بأنّه من قبيل نفخ الشيطان في منخري المغنية.(٢)

ومع ذلك فكيف يسوغ لاَُمّته أن تستمع إلى نفخ الشيطان؟!

على أنّ تجويز اللهو في العرس، يخالف ما رواه عقبة بن عامر، من انحصار جواز اللهو في ثلاثة، حيث روى عبد اللّه بن زيد الاَزرق، عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: كلّ ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلاّرميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنّهنّ من الحقّ.(٣)

____________________

١ النسائي: السنن:٦/١٣٥، باب اللهو والغناء عند العرس.

٢ مسند أحمد:٣/٤٤٩.

٣ سنن ابن ماجة: ٢/٩٤٠ برقم ٢٨١١؛ سنن الترمذي: ٤/١٧٤ برقم ١٦٣٧.


٢. تعريف ٣٦ رجلاً من المنافقين

أخرج أحمد في مسنده، عن عياض، عن أبي مسعود، قال:

خطبنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطبة، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: إنّ فيكم منافقين، فمن سمَّيتُ فليقم، ثمّ قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى سمّى ستة وثلاثين رجلاً، ثمّ قال: إن فيكم أو منكم، فاتقوا اللّه.

قال: فمرّ عمر على رجل ممّن سُمّي، مقنَّع، قد كان يعرفه، قال: مالك؟

قال: فحدَّثه بما قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: بُعْداً لك سائر اليوم.(١)

نعلق على الحديث بالقول:

أوّلاً: انّ الظاهر من قوله سبحانه:( ومن أهل المدينةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) (التوبة/١٠١).

إنّ النبي لم يكن يعرف المنافقين المندسِّين بين أصحابه، وإنّما أخبره بهم اللّه سبحانه، ويظهر من قوله سبحانه:( وَلو نَشاء لاََرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أَعمالَكُمْ ) (محمد/٣٠). انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما كان يعرفهم في لحن القول.

نعم عرف لفيفاً منهم عندما حاولوا اغتياله عند رجوعه من تبوك، فعرّفهم لحذيفة بن اليمان(٢) وعلى هذا فكيف وقف النبي على أنّهوَلاء منافقون، إلاّأن يعرفهم من لحن القول فيعرّفهم.

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٢٧٣.

٢ مسند أحمد:٥/٤٥٣.


ثانياً: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتمتع بأخلاق عالية، حتى وصفه اللّه سبحانه:( وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ) كما وصفه بكونه رحمة للعالمين، أفيسوغ لمن يتمتع بالرأفة أن يعرّف ٣٦ رجلاً ممّن حوله بالنفاق ويقول: «إن فيكم أو منكم فاتقوا اللّه»؟ مضافاً إلى أنّه مخالف للسياسة الحكيمة، ولذلك لم يعرّف المحاولين لاغتياله عند رجوعه من «تبوك » إلاّ لشخص أو شخصين من أصحابه: حذيفة ابن اليمان و عمّار.

٣. حب الاَصحاب وبغضهم

أخرج الترمذي، عن عبد الرحمان بن زياد، عن عبد اللّه بن مغفل، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :اللّه اللّه في أصحابي، اللّه اللّه في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، و من آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فيوشك أن يأخذه.(١)

إنّ هنا سوَالين:

الاَوّل: انّ ظاهر مفاد الخطاب في قوله : «لا تتخذوهم غرضاً»، هو انّ الرسول خاطب رجالاً ليسوا من أصحابه فوصّى بأصحابه أن يحسن إليهم، مع أنّ الواقع لم يكن كذلك، بل هو كان يتكلّم بين أصحابه، ولا يوجد فيهم أحد سواهم، وكان الجميع بمرأى ومسمع منهص، وعندئذٍكيف يوصي أصحابه بالمخاطبين الذين هم أصحابه، وبالتالي يوصي أصحابه بأصحابه؟!

وواضع الحديث قد غفل عن هذه النكتة، لاَنّه كان في زمان متأخر عن زمان الصحابة.

الثاني: انّ الرواية تخلق للصحابة هالة من القداسة، وتمنح لهم وصف

____________________

١ سنن الترمذي:٥/٦٩٦ برقم ٣٨٦٢، باب ٥٩.


العدالة، بل العصمة، على وجه لا يجوز تجريح واحد منهم، فكأنّهم فوق مستوى عامة الناس لا يتسرب الشك إلى طهارتهم ونزاهتهم من كلّعيب وشين.

مع أنّ صحيح الروايات يحكم على قسم كبير منهم بالردة والرجوع على أعقابهم القهقرى، ونكتفي في ذلك بما جمعه ابن الاَثير في كتابه في هذا المضمار، فقد نقل شيئاً كثيراً، منها:

١. روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. أخرجه البخاري ومسلم.

٢. روى أنس بن مالك: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممّن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلاَقولنَّ: أي ربّ، أصحابي أصحابي، فليُقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

وفي رواية: ليردنّ عليّ الناس من أُمتي - الحديث - و في آخره، فأقول: «سحقاً لمن بدّل بعدي» أخرجه البخاري و مسلم.

٣. روى أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدِّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري: لسمعته يزيد، فيقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. أخرجه البخاري و مسلم.

وللبخاري: أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: بينا أنا قائم


على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار و اللّه.

فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال لهم: هلمّ ، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هِمْل النعم.

ولمسلم : انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ترد عليّأُمّتي الحَوض و أنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبيّاللّه تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيما ليست لاَحد غيركم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء، وليصدَّن عنّي طائفة منكم فلا يصلون.

فأقول: يا رب، هوَلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!

٥. روت عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه، يقول - و هو بين ظهراني أصحابه - : «إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليَّ منكم. فواللّه ليُقطعنّ دوني رجال، فلاَقولنَّ: أي ربِّ، منّي ومن أُمتي! فيقول: إنّك لا تدري ماعملوا بعدك. مازالوا يرجعون على أعقابهم أخرجه مسلم.

٦. روت أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي على الحوض، أنظر من يرد عليَّ و سيُوَخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أمتي - و في رواية، فأقول: أصحابي - فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم. أخرجه البخاري و مسلم.

٧. روت أُمّ سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلما كان يوماً من ذلك


والجارية تمشطني، سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أيّها الناس، فقلت للجارية، استأخري عنّي. قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت:إنّي من الناس. فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذبُّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً. أخرجه مسلم.

٨. روى سعيد بن المسيب انّه كان يحدّث عن أصحاب النبيقال: يرد عليّالحوض رجال من أصحابي ، فيحُلوَون عنه. فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنّك لاعلم لك بماأحدثوا بعدك. انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى أخرجه البخاري.

٩. روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والذي نفسي بيده، لاَذودنّ رجالاً عن حوضي. كما تذاد الغريبة من الاِبل عن الحوض. أخرجه البخاري ومسلم.

١٠. روى حذيفة بن اليمان: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّ حوضي لاَبعد من أيلة إلى عدن. والذي نفسي بيده: لاَذودنّ عنه الرجال، كما يذود الرجل الاِبل الغريبة عن حوضه. قالوا: يا رسول اللّه، وتعرفنا؟ قال: نعم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء ليست لاَحد غيركم. أخرجه مسلم.(١)

وهذه الاَحاديث تعرب عن موقف محدِّثي أهل السنة بالنسبة إلى الصحابة، مع أنّهم يتجاهلون هذه الروايات، وربّما ينسبون مفادها إلى الشيعة، فأيّهما أحقّ بهذه النسبة، أهوَلاء الذين رووا تلك الروايات ودوّنوها في صحاحهم وأسموها بأصحّ الكتب بعد كتاب اللّه؟ أم الشيعة الذين يأتمون بالاِمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام الذي يصف صحابة النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »

____________________

١ ابن الاَثير: جامع الاُصول: ١١/١١٩- ١٢٣ برقم ٧٩٦٩- ٧٩٧٩، كتاب القيامة، الفرع الاَوّل في صفة الحوض.


بقوله: اللّهمّ وأصحاب محمّد خاصّة الذين أحسنوا الصّحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه(١) وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته وفارقوا الاَزواج والاَولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نُبُوَّته.(٢)

والقول الحاسم في حقّ الصحابة هو ماذهبت إليه الشيعة، وهو انّهم كالتابعين ففيهم الصالح والطالح والعادل والفاسق.

فالشيعة لا تغالي في حقّالصحابة، ولا تقدس جميع من سُمِّي بالصحابة بمجرد انّهم رووا أو سمعوا حديثه، أو عاشروه ولو زمنا طويلاً، خصوصاً الذين مارسوا الفتن في حياته، وبعد وفاته وختموا حياتهم إلى جانب معاوية وغيره ممن تستروا بالاِسلام بعد أن عجزوا عن مقاومته وباعوا ضمائرهم للشيطان.

____________________

١ كانفوه: أعانوه.

٢ الصحيفة السجادية الجامعة:٤٣، الدعاء رقم١٤، تحقيق و نشر موَسسة الاِمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف.


١٠- تميم الداري

(...-٤٠ه-)

سيرته وأحاديثه

أحاديثه السقيمة:

١. النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدِّث عن تميم الداري

تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي الفلسطيني، و«الدار» بطن من لخم، ولخم: فخذ من يعرب بن قحطان.

وفد تميم الداري سنة تسع، كان نصرانيّاً فأسلم، فحدَّث عنه النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » على المنبر بقصة الجسّاسة في أمر الدجال.

ولتميم عدة أحاديث.

حدّث عنه: ابن موهب عبد اللّه، وأنس بن مالك، وكثير بن مرّة، وعطاء بن يزيد الليثي، وزرارة بن أوفى.

قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحول بعد قتل عثمان إلى الشام.

وروى الزّهريّ، عن السائب بن يزيد، قال: أوّل من قصَّ تميم الداري، استأذن عمر فأذن له، فقصَّ قائماً.

والعجب انّ الخليفة أذن لتميم الداري أن يقُصّ أساطير اليهود والنصارى،


في الوقت الذي مَنَعَ عن كتابة الحديث، ونهى عن إفشائه ومذاكرته، فما هو المبرّر من حرمان المسلمين عن سماع أحاديث نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والسماح للقصاصين في قص أساطيرهم وخرافاتهم؟!

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الاَمّة وأعلمهم، فكيف يحدِّث عن واحد من أفراد الاَمّة، كتميم الداري ولم ير في متون التاريخ رواية المعصوم عن غيره.

روى خالد بن عبداللّه، عن بيان، عن وبرة، قال: رأى عمر تميماً الداري يصلي بعد العصر، فضربه بدرّته على رأسه. فقال له تميم: يا عمر، تضربني على صلاة صليتها مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! قال: يا تميم، ليس كلّ الناس يعلم ما تعلم.

وأخرج ابن ماجة باسناد ضعيف، عن أبي سعد، قال: أوّل من أسرج في المساجد تميم الداري.

يقال: وجد على بلاطة قبر تميم الداري: مات سنة أربعين.

وحديثه يبلغ ثمانية عشر حديثاً، منها في صحيح مسلم حديث واحد.(١)

وجمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١١ حديثاً.(٢)

روائع أحاديثه

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: الدين النصيحة، قلنا: لمن، قال للّه،

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٢/٤٤٢- ٤٤٨ برقم ٨٦.

٢ المسند الجامع: ٣/٢٩٢ - ٢٩٨ برقم ٥٩.


ولكتابه، ولرسوله، ولاَئمة المسلمين، وعامتهم.(١)

٢. أخرج أحمد في مسنده، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن أكملها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أكملها، قال اللّه سبحانه لملائكته: انظروا، هل تجدون لعبدي من تطوع، فأكملوا بها ما ضيّع من فريضة، ثم الزكاة، ثمّ توَخذ الاَعمال على حسب ذلك.(٢)

وقد عزي إليه حديث لا يستقيم مع الضوابط المقررة.

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدّث عن تميم الداري

أخرج مسلم في صحيحه، عن عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان انّه سأل فاطمة بنت قيس أُخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الاَول[قال شراحيل لفاطمةج حدّثيني حديثاً سمعتيه من رسول اللّه لا تسنديه إلى أحد غيره.

فقالت: لئن شئت لاَفعلنّ - إلى أن قالت - سمعت نداء المنادي، منادي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينادي الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم.

فلما قضى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كل إنسان مصلاّه، ثمّ قال: أتدرون لِ-مَ جمعتكم؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم.

____________________

١ صحيح مسلم:١/٥٣، باب بيان انّه لا يدخل الجنة إلاّ الموَمنون و انّ محبة الموَمنين من الاِيمان من كتاب الاِيمان.

٢ مسند أحمد:٤/١٠٣.


قال: إنّي واللّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لاَنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أُحدّثكم عن مسيح الدجال.

حدثني انّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجُذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم ارفوَا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلبُ كثيرُ الشّعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر.

فقالوا: ويلك ما أنت؟

فقالت: أنا الجسّاسة.

قالوا: وما الجسّاسة؟

قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرّجل في الدّير، فانّه إلى خبركم بالاَشواق.

قال: لما سمّت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة.

قال: فانطلقنا سراعاً، حتى دخلنا الدّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطُّ خلقاً وأشدّه وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد.

قلنا: ويلك ما أنت؟

قال: قد قدرتم على خبري فاخبروني ما أنتم؟

قالوا: نحن أُناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهراً، ثمّ ارفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشَّعر لا يُدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر.

فقلنا: ويلك ما أنتِ؟


فقالت: أنا الجساسة.

قلنا: وما الجساسة؟

قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فانّه إلى خبركم بالاَشواق، فاقبلنا إليك سراعاً و فزعنا منها، ولم نأمن من أن تكون شيطانة.

فقال: أخبروني عن نخل بيسان.

قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟

قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟

قلنا له: نعم.

قال: أما إنّه يوشك أن لا تثمر.

قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.

قلنا : عن أي شأنها تستخبر؟

قال: هل فيها ماء؟

قالوا: هي كثيرة الماء.

قال: أما إنّ ماءها يوشك أن يذهب.

قال: أخبروني عن عين زُغر.

قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟

قال: هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟

قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها.

قال: أخبروني عن نبي الاُميّين ما فعل؟

قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.

قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم.


قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه انّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.

قال لهم: قد كان ذلك، قلنا: نعم، قال: أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإنّي مخبركم عني، انّي أنا المسيح، وانّي أوشك أن يوَذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الاَرض فلا أدع قرية إلاّهبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليَّ كلتاهما كلّما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدُّني عنها، وانّ على كلّنقب منها ملائكة يحرسونها.

قالت: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة يعني المدينة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك، فقال الناس: نعم، فانّه أعجبني حديث تميم انّه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة، إلاّانّه في بحر الشام أوبحر اليمن بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق.

قالت: فحفطت هذا من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .(١)

وفي الحديث أمارات كثيرة على الدّس و الوضع، ونحن نقتصر منها على أمرين:

الاَوّل: انّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعلم الاَمّة وأفضلهم ولا يدانيه أحد في ذلك، الذي قال عنه سبحانه:( وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (النساء/١١٣).

فإذا كان هو أعلم الاُمّة، فكتابه هو المهيمن على جميع الكتب السماوية،

____________________

١ صحيح مسلم:٨/٢٠٣- ٢٠٥، باب في خروج الدجال ومكثه في الاَرض من كتاب الفتن وأشراط الساعة.


كما قال سبحانه:( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) (المائدة/٤٨).

فإذا كان الاَمر كذلك، فما هي الحاجة للحصول على تأييد تميم الداري بصحة كلامه؟! وهذا يحط من شأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكتابه المنزل.

فتميم الداري أحوج إلى تأييد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

الثاني: انّهذه الجزيرة التي حدث عنها تميم الداري في أي مكان من الاَرض تقع؟ فعلماء الجغرافية قد مسحوا الاَرض مسحاً دقيقاً فلم يعثروا على مثل تلك الجزيرة.

مضافاً إلى مافي متن الحديث من أُمور خرافية لا يستحسنها إلاّ السُّذّج من الناس.


١١- أبو موسى الاَشعري

(...-٤٢ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. صحابي أعرف بالمصلحة من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢. أهل الكتاب لهم أجران.٣. التجسيم في أحاديثه

٤. الفداء في أحاديثه ٥. الميت يعذّب ببكاء الحيّ

٦. القعود خير من القيام ٧. الاِرجاء في حديثه

هو عبد اللّه بن قيس بن سليم، قحطاني، أسلم بمكة، ويقال هاجر إلى أرض الحبشة، ثمّ قدم مع أهل السفينتين ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخيبر؛ وربّما يقال قد أسلم بمكة قديماً ثمّ رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الاَشعريين على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة ووافقوا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخيبر.(١)

والثاني هو الصواب، فانّ ابن إسحاق والواقدي وغيرهما لم يذكراه من

____________________

١ ابن سعد: الطبقات الكبرى:٤/١٠٥.


مهاجرة الحبشة، وعلى أية حال، كان عامل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على زبيد وعدن، واستعمله عمر بن الخطاب على البصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة الجرّاح في الشام، ولما قُتل عمر كان أبو موسى على البصرة فأقرّه عثمان عليها ثمّ عزله، واستعمل بعده ابن عامر، فسار من البصرة إلى الكوفة فلم يزل بها حتى أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص وطلبوا من عثمان أن يستعمله عليهم، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان(١) فأقره الاِمام عليعليه‌السلام ثمّ عزله.

ولما نكثت طائفة بيعة الاِمام عليعليه‌السلام وعلى رأسهم طلحة والزبير وعائشة، وجعلوا البصرة قاعدة لجيشهم، سار الاِمام نحوهم ليُطفىَ نار الفتنة، وبعث بكتاب إلى أبي موسى الاَشعري ليقرأه على الناس ويستنفرهم إلى نصرته.

ذكر الطبري انّ الاِمام كتب إلى أبي موسى: انّي وجهت هاشم بن عتبة ليُنهض من قبلك من المسلمين إليّ، فأشخص الناس فإنّ-ي لم أوّلك الذي أنت به، إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ.

فدعا أبو موسى، السائب بن مالك الاَشعري، فقال له: ما ترى؟قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكنّي لا أرى ذلك، فكتب هاشم بن عُتبَة إلى عليعليه‌السلام : أنّه قد قدمتُ على رجل غالٍمشاقٍ ظاهر الغل و الشنآن.

وبعث بالكتاب مع المحل بن خليفة الطائي، ولمّا وصل الكتاب إلى الاِمام ووقف على تثبيطه عزائم الناس، بعث ابنه الحسن بن علي و عمار بن ياسر يستنفران له الناس، وبعث قرظة بن كعب الاَنصاري أميراً على الكوفة، وكتب معه إلى أبي موسى أمّا بعد: فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الاَمر الذي لم يجعل اللّه عزّ وجلّ لك منه نصيباً، سيمنعك مِنْ ردّ أمري، وقد بعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعثت قرظة بن كعب والياً على المصر،

____________________

١ الجزري: أُسد الغابة: ٣/٢٤٦.


فاعتزِل عملنا مذموماً مدحوراً.(١)

لقد واجه الاِمام بعد وقعة الجمل، واقعة صفين التي أشعل نائرتها القاسطون، وحمل رايتها معاوية بن أبي سفيان، فدارت بين علي والقاسطين حرب طاحنة كاد النصر أن يكون حليف علي وعساكره لولا الفتنة التي أثارها عمرو بن العاص، فرفعوا المصاحف على الاَسنَّة، ونادوا يا معشر العرب، اللّه اللّه في نسائكم وبناتكم، فمن للروم والاَتراك وأهل فارس غداً إذا فُنيتمُ، اللّه اللّه في دينكم هذا كتاب اللّه بيننا وبينكم.

وقد أثَّرت تلك المكيدة على همم كثير من قُوّاد جيش علي «عليه‌السلام » ، فألزموا علياً على إيقاف الحرب والخضوع إلى حكم القرآن.

فانتهى الاَمر إلى أن ينتخب كلّ من الطائفتين رجلاً، يتدارسا الموقف ويُحييا ما أحيا القرآن و يُميتا ما أمات القرآن، وقد قبل الاِمام التحكيم على مضض شديد لم يكن له بدّ من القبول، وقد بلغ القوم في قلة الحياء وشكاسة الخُلْق بمكان انّهم فرضوا التحكيم عليه وفرضوا أيضاً أن يكون الحَكَم من جانبه هو أبا موسى الاَشعري فامتنع الاِمام، وقال: إنّي لا أرضى بأبي موسى ولا أرى بأن أُولِّيه، فقال الاَشعث وزمرته: إنّا لا نرضى إلاّبه، فلم ير الاِمام بداً إلاّ النزول على رأيهم، فتم الاِتفاق عليه من جانبه، وعلى عمرو بن العاص من جانب معاوية غير انّ أبا موسى كما تنبأ به الاِمام عليعليه‌السلام انخدع بالمكيدة التي حاكها له عمرو بن العاص، فخلع عليّاً عن الخلافة على أن يخلع عمرو بن العاص معاوية عن الحكم، لكن عمرو بن العاص خالف الشرط المتّفق عليه بينهما، فقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبِّت صاحبي معاوية، فانّه وليُّ عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وأحقّ الناس بمقامه.

____________________

١ تاريخ الطبري:٣/٥١٢.


فقال أبو موسى لعمرو: مالك لا وفقك اللّه غدرت وفجرت، إنّما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.

قال عمرو: إنّ مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً.(١)

وبذلك تمت المكيدة لصالح معاوية.

هذه هي سيرة الرجل على وجه الاِجمال، ولم يُر بعد مسألة التحكيم له أيُّ نشاط يُذكر، وقد مات بمكة عام ٤٢ه- وقيل ٤٤ ه-. وقيل غير ذلك.

اتّفق أهل السير على أنّ أبا موسى كان رجلاً ساذجاً غير فطن، كان عليعليه‌السلام واقفاً على سذاجته، وقال لما بعثه عن كُره: «وكأنّي به وقد خُدع».

فقال رجل للاِمامعليه‌السلام :فلِمَ توجِّهه وأنت تعلم انّه مخدوع، فأجاب الاِمام: يا بُنيّ لو عمل اللّه في خلقه بعلمه، ما احتج عليهم بالرسل.(٢)

وربما يتصور انّ أبا موسى خلع عليّاً لانخداعه بمكر نظيره عمرو بن العاص، ولكن مع الاِذعان بذلك كان ثمة عامل آخر أثَّر في عقد الاتّفاق مع نظيره على عزل الاِمام ومعاوية عن الخلافة، وهو انّ الاِمام لمّا وقف على خذلانه وتثبيطه عزائم الناس عن الجهاد، عزله ونصب مكانه عاملاً آخر، فلم يزل أبو موسى في حرج من هذا الموقف الذي ترك مضاعفات سلبية في نفسه، فحفّزه على عزل الاِمام الذي اتّفق المهاجرون والاَنصار على إمامته وخلافته، إلاّنزراً يسيراً لا يتجاوز عددُهم عددَ الاَصابع.

لما بلغ علياً ما جرى بين الحكمين من الحكم على خلاف كتاب اللّه وسنّة رسوله، وغدر عمرو بن العاص، وانخداع أبي موسى، قام خطيباً، رافضاً ما

____________________

١ تاريخ الطبري: ٥/ ٣٨، طبعة موَسسة عز الدين.

٢ ابن شهر آشوب، المناقب: ٢/٢٦١، طبعة قم.


حكم به الحكمان الجائران، وقال:

«الحمد للّه، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، ليس معه إله غيره، وأنّ محمّداً عبده ورسولهص.

أمّا بعد؛ فإنّ معصية الناصح، الشفيق العالم، المجرِّب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمرٌ، فأبيتم عليَّ اباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتّى ارتاب الناصح بنصحه، وضنَّ الزنْد بقدْحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى

فلم تستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد(١)

صدق الاِمام، إنّ من الخطب الفادح، والحدث الجليل، خلع صدّيق الاَمّة، وأوّل من آمن برسالة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصدّق به، وبات في فراشه، دفعاً لريب المنون عنه، وجاهد في سبيل اللّه بنفسه ونفيسه، وشهد المعارك كلها إلاّ تبوك، بأمر النبي ، إلى غير ذلك من فضائل ومناقب ومآثر جمّة اعترف بها الصديق والعدو والقريب والبعيد.

إنّ من المصائب العظام نصب معاوية بن أبي سفيان الطليق ابن الطليق، ابن آكلة الاَكباد، للخلافة والزعامة الاِسلامية، وأنّى هو من الاِسلام، وهو ثمرة الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن، أو ليس هذا من أدهى الدواهي؟ ولاَجل ذلك نرى أنّ الاِمام يصف تلك الحادثة المريرة، بالخطب الفادح والحدث الجليل.

هذه سيرة الرجل على وجه الاِجمال، التي هي مقدمة لدراسة ما روي عنه وعزِّى إليه، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه التي تشهد الموازين على صحّتها.

____________________

١ نهج البلاغة، الخطبة ٣٥.


روائع أحاديثه

١. أخرج الشيخان، عن أبي بردة (ابن أبي موسى) عن أبي موسى، قال: قلت: يا رسول اللّه أيّ الاِسلام أفضل؟قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده.(١)

٢. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره.(٢)

٣. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبيه (أبو موسى)قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا نكاح إلاّ بولي.(٣)

٤. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الموَمن للموَمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً.(٤)

٥. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أطعموا الجائع، وفكُّوا العاني، وعوِّدوا المريض.(٥)

٦. أخرج الترمذي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كلّكم راع وكلّكم مسوَول عن رعيته.(٦)

٧. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أُعطيت خمساً: بعثت إلى الاَحمر والاَسود،

____________________

١ صحيح مسلم:١/٤٨، باب تفاضل الاِسلام؛ صحيح البخاري: ١/١٠، باب أي الاِسلام أفضل.

٢ مسند أحمد:٤/٣٩٤.

٣ مسند أحمد:٤/٣٩٤.

٤ مسند أحمد:٤/٤٠٤.

٥ مسند أحمد:٤/٣٩٤.

٦ سنن الترمذي: ٤/٢٠٨ برقم ١٧٠٥.


وجعلت لي الاَرض طهوراً ومسجداً، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحلّ لمن كان قبلي، ونُصرت بالرعب شهراً، وأُعطيت الشفاعة. وليس من نبي إلاّ وقد سأل شفاعة، وانّي أخبأت شفاعتي ثمّ جعلتها لمن مات من أُمّتي لمن لم يشرك باللّه شيئاً.(١)

هذه نماذج من روائع أحاديثه ذكرناها ليكون القارىَ على بصيرة من منزلة الرجل في نقله للحديث، وفي مقابلها روايات، رويت عنه، فيها شذوذ وعلل، لا يصحّ لباحث قبولها ونسبتها إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإليك بعضها:

١. صحابيّ أعرف بالمصلحة من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج أحمد، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: أتيت النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ومعي نفر من قومي، فقال:أبشروا وبشّروا من وراءكم انّه من شهد أن لا إله إلاّ اللّه صادقاً بها دخل الجنّة. فخرجنا من عند النبي نبشّر الناس، فاستقبلنا عمر بن الخطاب فرجع بنا إلى رسول اللّه، فقال عمر: يا رسول اللّه إذاً يتّكل الناس، قال: فسكت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢)

ولنا مع هذا الحديث وقفة قصيرة هي:

أوّلا: انّه معارض بما رواه معاذ بن جبل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول اللّه وسعديك، قال: لا يشهد عبد ان لا إله إلاّ اللّه ثمّ يموت على ذلك إلاّ دخل الجنّة، قال: أفلا أحدِّث الناس؟ قال: لا ، إنّي أخشى أن يتّكلوا عليه.(٣)

فالمعارضة بين الحديثين واضحة، فإنّ الاَوّل يدلّ على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بنشر الحديث، والثاني يدل على أنّه أمر بكتمه.

____________________

١ مسند أحمد:٤/٤١٦.

٢ مسند أحمد:٤/٤٠٢.

٣ مسند أحمد:٤/٢٣٠.


وثانياً: انّ الحديث الثاني، الذي رواه معاذ يدل على أنّ النبي كان واقفاً على العلة دون حاجة إلى أن يخبره أحد بذلك.

وثالثاً: انّ الحديث الاَوّل يدل على أنّ عمر كان أعرف بالمصلحة من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانّ هذا الحديث يترك أثراً سلبياً في قلوب الموَمنين، فلذلك لمّا أخبره عمر، سكت الرسول.

والحقّ انّ الحديثين لا يخلوان عن شذوذ وعلّة، وقد سبق الذكر الحكيم بالتصريح بذلك .قال سبحانه:( إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلك ) (النساء/١١٦) وقال:( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِعَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقاب ) (الرعد/٦).

٢. أهل الكتاب لهم أجران

أخرج البخاري، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه: ثلاثة لهم أجران، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بمحمد.(١)

إنّ الاِيمان بالرسل والنبي الخاتم ليس من خصائص من كان من أهل الكتاب ثمّ أسلم، بل كلّ من أسلم بلسانه وقلبه وآمن بالرسول، فقد آمن بمن قبله من الرسل، قال سبحانه:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُوَمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِه وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصِير ) (البقرة/٢٨٥).

نعم لو كان تعدد الاَجر لاَجل ترتّب أحد الاِيمانين على الآخر كان لما ذكر وجه، ولكن الاَجر على نفس الاِيمان وسعة متعلقه، لا على ترتّب أحدهما على الآخر. وإلاّ يلزم أن يكون لمن كان يهودياً فتنصّر ثمّ أسلم، أُجور ثلاثة.

____________________

١ صحيح البخاري: ١/٣٥، باب تعليم الرجل أمته وأهله.


٣. التجسيم في أحاديثه

ظهر التجسيم والتشبيه في المروّيات عنه نذكر منها ما يلي:

الحديث الاَوّل: أخرج مسلم، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: قام فينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخمس كلمات فقال: إنّاللّه عزّوجلّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي رواية أبي بكر:(حجابه) النار - لو كشفه لاَحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه.(١)

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: فالسُّبُحاتُ (بضم السين والباء ورفع التاء في آخره) جمع سُبحة، قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاوَه.

وأمّا الحجاب (الذي يشير إلى قوله: حجابه النور أو النار) فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنّما تكون للاَجسام المحدودة، واللّه تعالى منزّه عن الجسم والحد.والمراد هنا المانع من روَيته، وسمي ذلك المانع نوراً أو ناراً لاَنّهما يمنعان من الاِدراك في العادة لشعاعها.

والمراد من الوجه الذات، والمراد ب- «ما انتهى إليه بصره من خلقه» جميع المخلوقات، لاَنّ بصره سبحانه و تعالى محيط بجميع الكائنات. ولفظة «من» لبيان الجنس لا للتبعيض والتقدير لو أزال المانع من روَيته وهو الحجاب المسمى نوراً أو ناراً وتجلّ-ى لخلقه لاَحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته.(٢)

____________________

١ صحيح مسلم:١/١١١، باب في قولهعليه‌السلام : إنّ اللّه لا ينام و في قوله: حجابه النور لو كشفه لاَحرق سُبُحاتُ وجهه.

٢ النووي: شرح مسلم: ٣/١٧.


ولنا مع هذا الحديث وتفسيره وقفة:

أوّلاً: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يكلّم الناس على قدر عقولهم شأن كلّنبي، فهذه التأويلات التي ارتكبها الشارح مفاهيم لا يقف عليها إلاّ من توغّل في العلوم العقلية، وليس المخاطب إلاّ نظراء أبي موسى، فأين هوَلاء من هذه التأويلات؟!

ثانياً: انّ السُّبحة في اللغة تعني الدعاء، قال في اللسان : سميت الصلاة تسبيحاً، لاَنّ التسبيح تعظيم للّه وتنزيهه عن كلّ سوء(١) وتفسيره بنور اللّه ووجهه وبهائه شيء لا تدل عليها مادة الكلمة، وإنّما جرّهم إلى ذلك التفسير لاَجل جعل الرواية ذات مفهوم صحيح.

ونقل ابن الجوزي عن أبي عبيدة: لم نسمع السُّبُحات إلاّ في هذا الحديث.(٢)

ويظهر من المقاييس: انّه ليس لتلك المادة إلاّ معنيان، أحدهما جنس من العبادة والآخر جنس من السعي، فالاَوّل السُّبحة ومن هذا الباب التسبيح، وهو تنزيه اللّه جلّ ثناوَه عن كلّ سوء، وعلى ذلك فتفسير السبحة بالاَنوار لا دليل عليه في اللغة.(٣)

ثالثاً: انّ المتبادر من قوله من خلقه انّ «من» للتبعيض بشهادة قوله: «انتهى إليه بصره» فيكون خلقه أوسع من نور بصره.

وأنت إذا عرضت هذا الحديث على عربي صميم لم يشب ذهنه بهذه المعارف، لفسَّر الحديث على وجه يلازم التجسيم، وليس في الحديث قرينة على التأويل، وإلاّ لكان التأويل مقدماً على غيره.

____________________

١ لسان العرب:٢، مادة سبح.

٢ ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: ٢٠٢.

٣ المقاييس:٥/١٢٥.


الحديث الثاني: أخرج الاِمام أحمد، عن أبي موسى الاَشعري: قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يجمع اللّه عزّوجلّ الاُمم في صعيد يوم القيامة، فإذا بدا للّه عزّوجلّ أن يصدع بين خلقه مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يُقحمونهم النار، ثمّ يأتينا ربّنا عزّ وجلّ، ونحن على مكان رفيع فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون، فيقول ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربّنا عزّ وجلّ، قال: فيقول: وهل تعرفونه إنْ رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعم انّه لا عدل له، فيتجلّى لنا ضاحكاً، فيقول: أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً.(١)

ورواه مسلم في صحيحه، باب معرفة طريق الروَية، بغير هذا اللفظ عن أبي هريرة.(٢)

وهذا الحديث يثير تساوَلات كثيرة.

الاَوّل: إنّ لازم قوله: «مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتّى يقحمونهم النار ثمّ يأتينا ربّنا عزّوجلّ» عدم وجود أيّ موحد يوَمن باللّه الواحد وينكر عبادة الاَوثان في الاُمم السالفة، وهذا على خلاف الضرورة وصريح القرآن الكريم، فها هو يقول في حقّ نوح:( وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّقَلِيلٌ ) (هود/٤٠) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجود الصالحين في الاُمم السالفة.

الثاني: انّ قوله: «ثم يأتينا ربّنا ونحن على مكان رفيع» حاك عن ثبوت الحركة للّه سبحانه، بشهادة قوله: ونحن على مكان رفيع.

الثالث: انّ قوله: «من أنتم؟» أو قوله:«ما تنتظرون؟» أو قوله:«وهل تعرفونه ان رأيتموه؟» حاك عن تكلّمه سبحانه تكلّماً حسياً.

____________________

١ مسند أحمد:٤/٤٠٧ - ٤٠٨.

٢ صحيح مسلم:١/١١٢، باب معرفة طريق الروَية.


الرابع: انّه سبحانه يسألهم عن أنّهم هل يعرفون ربّهم، وهم يجيبون بقولهم: نعم، ثمّ يسألهم عن السمات التي يعرفون بها ربّهم، ويقول: «كيف تعرفونه ولم تروه؟» فيجيبون بسمة كلّية لا صلة لها بمعرفة الربّ معرفة شخصية، حيث يقولون«نعم انّه لا عدل له» فانّ وصفه بعدم العدل والندّ له، لا يكون علامة وسمة للمعرفة الشخصية.

الخامس: انّ قوله فيتجلّ-ى لنا ضاحكاً، صريح في الجسم والجسمانية، وانّ له سبحانه ضحكاً حسياً.

السادس: انّ قوله: «أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً، ينافي قوله سبحانه:( فَاليَوم لا يُوَخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا ) (الحديد/١٥) والآية وإن كانت تخاطب المنافقين والكافرين، ولكن المورد غير مخصص، فانّ عدم أخذ الفدية لاَجل انّه يخالف عدله سبحانه.

وبعبارة أُخرى: انّ اليهود والنصارى إن كانوا مستحقين للدخول في النار، فهم يدخلونها لاَعمالهم الشريرة، لا لاَن يحلّوا مكان المسلمين، وإن لم يكونوا مستحقين للدخول في النار فملء الجحيم بهم يستلزم أخذ البريء بجرم المذنب واللّه سبحانه يقول:( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) (الاَنعام/١٦٤).

وبمقارنة هذا الحديث مع ما رواه أبو هريرة في هذا المجال، يعلم مدى الاختلاف الفاحش بين الروايتين، والظاهر انّهما رواية واحدة نقلت بصورتين مختلفتين.

أخرج مسلم عن أبي هريرة انّه قال: كذلك يجمع اللّه الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من


كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الاُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّه تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم.(١)

فبالمقارنة بين الحديثين يعلم مدى التحريف الطارىَ على الرواية من أحد الجانبين، مثلاً انّ الرواية الاُولى: (رواية أبي موسى) تصرّح بأنّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين حيث قال: «فنقول نحن المسلمون» ويتجلى لهم، امّا الرواية الثانية (رواية أبي هريرة) فاللّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين مع ما فيهم من المنافقين ويتجلّى للجميع.

وعلى كلّ تقدير سواء أكانتا رواية واحدة، أو كانتا روايتين فكلتاهما من الروايات المدسوسةمن قِبل أهل الجعل والوضع و التحريف.

٤. الفداء في أحاديثه

إنّ مسألة الفداء، أي أخذ شخص محل شخص آخر يوم القيامة، فكرة يهودية ومسيحية تسرّبت إلى أحاديث أبي موسى الاَشعري، وقد اتضح ذلك من خلال استعراض الرواية السابقة، وثمة روايات أُخرى نقلها مسلم عنه نأتي بنصها:

١. روى مسلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : إذا كان يوم القيامة دفع اللّه عزّوجلّ إلى كلّ مسلم يهوديّاً

____________________

١ صحيح مسلم:١/١١٣، باب معرفة طريق الروَية.


أو نصرانيّاً، فيقول: هذا فكاكك من النار.(١)

٢. أخرج مسلم، عن عون وسعيد بن أبي بردة، انّهما شهدا أبا بردة يحدِّث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا يموت رجل مسلم إلاّ أدخل اللّه مكانه النار يهوديّاً أو نصرانيّاً، قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز باللّه الذي لا إله إلاّهو ثلاث مرّات أنّ أباه حدثه عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: فحلف له.(٢)

٣. أخرج مسلم، عن أبي بردة ،عن أبيه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: يجيىَ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها اللّه لهم ويضعها على اليهود والنصارى، فيما أحسب أنّه قال: أبو روح لا أدري ممن الشك، قال أبو بردة: فحدثت به عمر بن عبد العزيز، فقال: أبوك حدثك هذا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قلت: نعم.(٣)

يظهر من الرواية الاَخيرة انّ عمر بن عبد العزيز وغيره كانوا شاكين في صحّة هذا الحديث مهما صحّ سنده.

نعم تعجّب أبو روح «وقال: لا أدري ممن الشك» أقول منشأ الشك هو انّ هذه الروايات مخالفة للذكر الحكيم كما أوعزنا إليه ولاَنّ الناس يجزون بأعمالهم لا بأعمال غيرهم قال سبحانه:( وما تُجْزَوْنَ إلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون ) (الصافات/٣٩) قال سبحانه:( يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوماً لا يجزي والِدٌ عَنْ وَلَدِه وَ لا مَولُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ وَالِدِه شَيئاً ) (لقمان/٣٣).

وقال سبحانه:( فَالْيَومَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَونَ إِلاّما كُنْتُمْ تَعْمَلُون ) (يس/٥٤) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ كلّ إنسان مرهون بعمله.

____________________

١ صحيح مسلم:٨/١٠٤ - ١٠٥، باب قبول توبة القاتل.

٢ صحيح مسلم:٨/١٠٤ - ١٠٥، باب قبول توبة القاتل.

٣ صحيح مسلم:٨/١٠٤ - ١٠٥، باب قبول توبة القاتل.


٥. الميت يُعذب ببكاء الحي

أخرج أحمد، عن ابن أبي موسى الاَشعري ،عن أبيه: انّالنبيقال: الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: وا عضداه، وا ناصراه وا كاسباه، جُبذّ(١) الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها، أنت كاسبها، فقلت سبحان اللّه: يقول اللّه عزّ وجلّ:( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرْى ) ، فقال: ويحك أحدثك عن أبي موسى عن رسول اللّه، وتقول هذا، فأيّنا كذّب؟! فواللّه ما كذبت على أبي موسى ولا كذب أبو موسى على رسول اللّه.(٢)

وأخرجه الترمذي عن أبي موسى الاَشعري انّ رسول اللّه، قال: ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول واجبلاه، واسيداه، أو نحو ذلك، إلاّ وكّل به ملكان يلهزانه(٣) أهكذا كنت.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.(٤)

وأخرجه ابن ماجة في سننه.(٥)

وكفى في وهن الحديث وشذوذه انّ السامع أدرك بفطرته انّه يخالف نداء الذكر الحكيم، غير انّ الذي صدّه عن التكذيب هو كون الرواية منسوبة إلى أبي موسى، عن طريق ولده، ولكن لم يعرف انّ كتاب اللّه فوق كلّ شيء، و هو المعيار لتمييز الحقّ عن الباطل.

____________________

١ جبذ أي قطع.

٢ مسند أحمد:٤/٤١٤.

٣ يقال لهز فلاناً أي لكزه، وقيل ضربه بجمع كفه في اللهزمة والرقبة.

٤ سنن الترمذي:٣/٣٢٧ برقم ١٠٠٣.

٥ سنن ابن ماجة: ١/٥٠٨ برقم ١٥٩٤ وفيه مكان يلهز، يتعتع.


وقد مضى انّ السيدة عائشة كذَّبت الرواية، وقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه، إنّما مرّت على رسول اللّه جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وإنّه ليعذّب.(١)

٦. القعود خير من القيام

أخرج أبو داود، عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّبين أيديكم فتناً كقِطَع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً و يمسي كافراً و يمسي موَمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «كونوا أحلاس بيوتكم».(٢)

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز في تفسير الحديث: هذه الفتنة هي الفتن التي لا يظهر وجهها ولا يعلم طريق الحقّ فيها، بل هي ملتبسة فهذه يجتنبها الموَمن ويبتعد عنها بأيّ ملجأ و من هذا الباب قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غُنم يتبع بها شعف الجبال مواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن».(٣)

أقول: أين الفتنة الواردة في الرواية من الاقتداء بإمام أصفقت الصحابة من المهاجرين والاَنصار على بيعته، وقدّموه إماماً للمسلمين، فهل يتصور أن يكون القاعد فيها أفضل من القائم؟!

إنّ أبا موسى مما خذل علياً وثبّط عزيمة الناس عن المشاركة في قتال

____________________

١ صحيح مسلم: ٣/٤٤، باب البكاء على الميت.

٢ سنن أبي داود: ٤/١٠١ برقم ٤٢٦٢. وأخرجه أحمد في مسنده:٤/٤٠٨.

٣ أُمّ مالك الخالدي، بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة، ص ٢٣٥.


الناكثين، التي أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ الاِمام سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين(١) .وقد تمسك أبو موسى بهذا الحديث ولم يشارك مع عليعليه‌السلام في القتال، ولكنّه شارك مع عمرو بن العاص في عزل عليعليه‌السلام عملاً بهذا الحديث، لكن من أين علم انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد بكلامه حرب الناكثين، وقد قامت بعده فتن وحروب ولم يكن حرب الجمل أوّل حرب دارت بين المسلمين؟!

على أنّ قوله: «كونوا أحلاس بيوتكم»ينافي الذكر الحكيم فانّه يأمر بالاِصلاح قال سبحانه:( وَإِنْطائِفَتانِ مِنَ المُوْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحداهُما عَلى الاُخرى فَقاتِلُوا الَّتي تَبغي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّه فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْل وَأَقْسِطُوا إِن اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين ) (الحجرات/٩).

فاللّه سبحانه يأمربالاِصلاح أوّلاً ثمّ قتال الفئة الباغية، فكيف يأمر النبي بالانعزال والانزواء؟! فالتبرير الذي برّر به عمله غير مجدٍ.

٧. الاِرجاء في حديثه

أخرج أبو داود، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : أُمّتي هذه أُمّة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن و الزلازل والقتل.(٢)

أقول: إنّ فكرة الاِرجاء وإن ظهرت في أواخر القرن الاَوّل، فادّعت المرجئة أنّ الاِيمان عبارة عن الاِقرار بالقول واللسان وإن لم يكن مرافقاً للعمل، فأخذوا من الاِيمان جانب القول وتركوا جانب العمل، فكأنّهم قدّموا الاَوّل وأخّروا الثاني واشتهروا بمقولتهم «لا تضر مع الاِيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة».

____________________

١ تاريخ ابن عساكر:٥/٤١؛ تاريخ ابن كثير:٧/٣٠٦؛ كنز العمال:٦/٨٨؛ الغدير: ٣/١٩٢.

٢ سنن أبي داود: ٤/١٠٥ برقم ٤٢٧٨.


لكن الحديث يدعم تلك الفكرة فيبشِّ-ر الاُمّة المرحومة بالنجاة في الآخرة، وإن كان يصيبهم في الدنيا ببعض الجزاء، ولكن كتبت النجاة على الجميع، حتى الطواغيت والمجرمين والظالمين العتاة، ومن الواضح انّالحديث مخالف للقرآن الكريم والسنّة النبوية واتّفاق المسلمين، فأين قوله سبحانه:( وَمَنْ يَقْتُلْ مُوْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاوُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ) (النساء/٩٣) وقوله سبحانه:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَومَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لاَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) (التوبة/٣٤-٣٥) إلى غير ذلك من الآيات العامة لجميع الاَفراد خصوصاً الاُمّة المرحومة التي جاءهم نبيهم بهذه الآيات والاَحكام.


١٢- زيد بن ثابت الاَنصاري

(١١ق. ه- - ٤٥ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١.عذاب بلا ذنب.

٢. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد.

٣. حرمان بعض الورثة من الميراث.

٤. تحريف القرآن الكريم.

٥. عدم سجود النبي عند قراءة سورة النجم.

٦. العثور على آية عند خزيمة.

٧.نهي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كتابة الحديث.

٨.البداء المحال في الوحي.

٩. الملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام.

١٠. ضرورة اتخاذ الخليفة من المهاجرين.

هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الاَنصاري الخزرجي ثمّ النجّاري، أُمّه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن النجّار، كنيته أبو سعيد، وكان عمره لما قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة إحدى عشرة سنة، وكان يوم بعاث ابن ست سنين، وفيها قتل أبوه واستصغره رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر فردّه، وشهد أُحداً، وقيل: لم يشهدها، وإنّما شهد الخندق أوّل مشاهده، وكانت راية بني مالك بن النجار يوم تبوك بيد زيد بن ثابت.(١)

وقد أطراه أصحاب المعاجم بأُمور وربّما ذكروا ما يخالفها.

____________________

١ أُسد الغابة:٢/٢٢١- ٢٢٣.


١. هل كان زيدجامعاً للقرآن؟

إنّ أبا بكر قال له: أنت رجل شاب عاقل لانتَّهمُك قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتتبّعِ القرآن فاجمعه.

فقال زيد: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال: هو واللّه خير.

فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الاَنصاري لم أجدها مع أحد غيره( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه اللّه تعالى، ثمّ عند عمر حياته، ثمّعند حفصة بنت عمر.(١)

يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّ البخاري نقل انّ القرآن جمع في عصر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأحد الجامعين هو زيد بن ثابت، فروى عن أنس، قال: مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، و معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه(٢) ومعه كيف يكون جامعاً للقرآن أيضاً بعد رحيله؟!

ثانياً: لو صحّ ما في الخبر، و افترضنا أنّه لم يجمع القرآن في عهد الرسول، كان اللازم على الخليفة أبي بكر أن يترك جمع القرآن الكريم إلى عبد اللّه بن مسعود، الذي يروي البخاري عنه، انّه قال : واللّه الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب اللّه إلاّ أنا أعلم أين أُنزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب اللّه إلاّأنا أعلم فيم

____________________

١ صحيح البخاري: ٦/١٨٣، باب جمع القرآن.

٢ صحيح البخاري: ٦/١٨٧، باب القراء من أصحاب النبي.


أُنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم منّي بكتاب اللّه تبلغه الاِبل لركبت إليه.(١)

كما روى البخاري أيضاً عن مسروق: أنّه ذكر عبد اللّه بن عمرو، عبدَ اللّه بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: خذوا القرآن من أربعة من: عبد اللّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب.

كما روى أيضاً، انّه خطب عبد اللّه بن مسعود، وقال: واللّه لقد أخذت من في رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بضعاً وسبعين سورة، واللّه لقد علم أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّي من أعلمهم بكتاب اللّه وما أنا بخيرهم قال شقيق: فجلست في الحِلَق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادّاً يقول غير ذلك.(٢)

ومع هذه الروايات التي رواها البخاري في حق عبد اللّه بن مسعود، فمن البعيد أن يترك الخليفة ذلك المقرىَ الكبير ويلتجىَ إلى شاب أدرك من عصر الرسالة عشرة أعوام وهو بعدُ صبيّ لم يبلغ الحُلُم، ويترك عبد اللّه بن مسعود أحد السابقين في الاِسلام، أدرك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة.

كلّ ذلك يرشدنا إلى أنّجمع القرآن الكريم بعد رحيل الرسولبيد زيد ابن ثابت مزعمة لا يذعن لها العقل ولا النقل.

وأعجب منه انّقاطبة المسلمين لم يحفظوا آخر آية سورة التوبة حتى زيد بن ثابت نفسه، فأخذها من أبي خزيمة أحد الصحابة.

أو ليس معنى ذلك انّالمعجزة الكبرى والسند الوثيق للاِسلام، لم يصل إلى المسلمين بطريق متواتر، بل وجده الجامع عند واحد من الصحابة فأدرجه في القرآن، وهذا إنكار لتواتر القرآن وبالتالي إنكار تلك المعجزة الكبرى.

____________________

١ صحيح البخاري: ٦/١٨٧.

٢ المصدر السابق: ٦/١٨٦.


وثمة نكتة جديرة بالامعان وهي:

إنّ هذه الروايات مخالفة لحكم العقل، فانّ عظمة القرآن بنفسه، واهتمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحفظه وقراءته، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما تستوجب تلاوة القرآن من الثواب، كل ذلك يبعثنا إلى القول بأنّ القرآن جمع في عهد الرسالة، وينافي القول بجمعه على النحو المذكور في تلك الروايات.

إنّ العقل الصريح يحكم بأنّ قائداً كالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان واقفاً على أنّالقرآن دعامة دينه ومعجزة شريعته والمرجع الاَوّل للاَُمّة إلى يوم القيامة في العقيدة والشريعة، لا يمكن أن يترك القرآن في مهبّ الرياح مبعثراً بين الرقاع والاكتاف بين العسب وصدور الرجال، دون أن يجمعه في كتاب ويدونه كي يكون حجّة خالدة على مدى العصور. فمن زعم انّ الرسولمضى ولم يبذل عناية كافية في جمع القرآن وتدوينه وصيانته عن طروء الحوادث، فقد جعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير معنيّ بقوام شريعته وبرهان رسالته وشوَون أُمّته.أعاذنا اللّه وإيّاكم من تلك الفكرة الخاطئة.

هذا هو موجز البحث عن المفخرة الاُولى التي أثبتها أصحاب المعاجم لزيد بن ثابت وانّه الجامع للقرآن بعد رحيل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المعدّة لهذا الغرض.

٢. هل كان زيد أعلم بالفرائض؟

قد ذكر غير واحد من أصحاب المعاجم انّزيداً أفرض الصحابة وأعلمهم بالفرائض.

روى ابن سعد في طبقاته عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفرض أُمّتي زيد بن ثابت.


وروى أيضاً، انّ عمر وعثمان ما كانا يُقدِّمان على زيد بن ثابت أحداً في الفرائض، و الفتوى، والقراءة، والقضاء، كما روى عن عمر بن الخطاب، انّه قال: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت.(١)

ونقل الذهبي عن الشعبي، انّه قال: غلب زيد الناس على اثنين: الفرائض والقرآن.(٢)

أقول: ما نقله عن الشعبي فقد نقل عنه خلافه.

قال ابن شهر آشوب في بيان انّ علياً هو المرجع في جميع العلوم الاِسلامية، ما هذا لفظه: و منهم الفرضيون وهو أشهرهم فيها؛ ثمّ نقل عن فضائل الصحابة لاَحمد، عن طريق ابنه، انّه قال: إنّأعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، قال الشعبي: ما رأيت أفرض من عليعليه‌السلام ولا أحسب منه، وقد سئل عنه وهو على المنبر يخطب عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين، كم نصيب المرأة؟ فقال: صار ثمنها تسعاً، فلقّبت بالمسألة المنبرية.

شرح ذلك: للاَبوين السدسان، وللبنتين الثلثان، وللمرأة الثمن، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها، فلمّا صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً، فإنّ ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ويبقى أربعة وعشرون، للابنتين ستة عشر، وثمانية للاَبوين سواء، قال: هذا على الاستفهام، أو على قول القائلين بالعول، فلذا صار ثمنها تسعاً، أو سئل كيف يجيء الحكم على مذهب من يقول بالعول؟ فبيّن الجواب والحساب والقسمة والنسبة.

____________________

١ طبقات ابن سعد: ٢/٣٥٩؛ ولاحظ سير اعلام النبلاء:٢/٤٣١ برقم ٨٥، وقد ناقش المعلّق في اسناد بعض تلك الروايات.

٢ سير اعلام النبلاء: ٢/٤٣٢.


ومنه المسألة الديناريّة.(١)

وكان ابن عباس يردّ على زيد قوله بالعول في الفرائض، فمن ذلك قوله:

إنشاء، أو قال: من شاء باهلته، إنّالذي أحصى رمل عالج عدداً أعدل من أن يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، هذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟(٢)

وللاِمام الصادق ردٌّ على ما قضى به زيد بن ثابت في مسألة، وهي: إذا ماتت امرأة وتركت زوجها وإخوة، وأُمّها وأُختاً لاَبيها؛ فمن أراد التفصيل فليرجع إلى تهذيب الاَحكام.(٣)

٣. كان زيد عثمانيَّ الهوى

ذكر الجزري انّزيداً كان عثمانياً، ولم يشهد مع علي شيئاً من حروبه، وكان يظهر فضل عليّ وتعظيمه، وهو من الذين لم يبايعوا علياً عند ما بايعه وجوه المهاجرين والاَنصار، وعلى الرغم من ذلك لم يكن يكتم فضائل عليعليه‌السلام ومناقبه.

روى يعقوب بن سفيان بسنده، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي تارك فيكم خليفتي: كتاب اللّه عزّوجلّ، وعترتي أهل بيتي؛ وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.(٤)

وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة.(٥)

____________________

١ بحار الاَنوار: ٤٠/١٥٩ نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب، لاحظ المناقب: ١/٢٥٩.

٢ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢٠/٢٥- ٢٧.

٣ الطوسي: تهذيب الاَحكام: ٩/٢٩١- ٢٩٢.

٤ كتاب المعرفة والتاريخ: ١/٥٣٧.

٥ الغدير: ١/٣٧.


روائع أحاديثه

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، قال: احتجر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُصلي فيها. قال: فتتبّع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنهم، قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغضباً.

فقال لهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما زال بكم صنيعكم حتّى ظننت انّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانّخير صلاة المرء في بيته، إلاّ الصلاة المكتوبة.(١)

إنّ هذه الرواية تُعد من الاَدلة الواضحة على عدم جواز إقامة نوافل رمضان جماعة، وانّإقامتها كذلك بدعة حدثت بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد بسطنا الكلام عنها في كتابنا «البدعة».(٢)

٢. أخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي هبيرة الاَنصاري، عن أبيه ، عن زيد ابن ثابت، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نضَّر اللّه امرأً سمع مقالتي فبلّغها، فربَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

زاد فيه عليّبن محمد: «ثلاث لا يُغلُّ عليهنَّ قلب امرىَ مسلم: إخلاص العمل للّه، والنصح لاَئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم.(٣)

٣. أخرج أحمد، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول

____________________

١ صحيح مسلم: ٢/١٨٨. باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.

٢ البدعة، ص ١٥٤- ١٩٨.

٣ سنن ابن ماجة:١/٨٤ برقم ٢٣٠؛ مسند أحمد:٥/١٨٢.


اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي تارك فيكم خليفتي، كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والاَرض، أو ما بين السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض(١)

هذه بعض رواياته الرائعة استعرضناها، فلنعطف عنان الكلام إلى ما عُزِي إليه مما يخالف الموازين السالفة الذكر.

١. عذاب بلا ذنب:

أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن الديلمي، عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول اللّه، يقول: لو انّ اللّه عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم. ولو كان لك مثل أُحد ذهباً أو مثل جبل أُحد ذهباً تنفقه في سبيل اللّه ما قبله منك حتى توَمن بالقدر كله فتعلم انّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وانّك إن متَّ على غير هذا دخلت النار.(٢)

والحديث وإن نقل عن ثلة من الصحابة كأبي بن كعب، وعبد اللّه بن مسعود، وزيد بن ثابت، لكن يرده العقل الحصيف و الفطرة السليمة، إذ انّ هنا كلاماً مع غض النظر عن مسألة التحسين والتقبيح وهل هما عقليان أو شرعيان وهو:

إنّ الوجدان خير شاهد على قبح تعذيب البريء من أي فاعل صدر، سواء كان الفاعل هو الواجب أو الممكن، فلو لم يتمكن العقل من درك هذا المقدار من التحسين والتقبيح فلا يصحّ له القضاء في أيّ أمر يمتّ إليه بصلة.

نعم انّ السماوات والاَرض وما فيهما ملك للّه تبارك وتعالى لا ينازعه فيها أحد، فلو عذب أهلهما لا يمنعه منه شيء، ولكن هل يجوز له حسب

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٨١ - ١٨٢.

٢ سنن ابن ماجة:١/٣٠ برقم ٧٧.


حكمته وعدله أن يعذب البريء، ويدخل الطفل الرضيع النار بحجة انّه ملكه؟ كلاّ.لا، إذ عندئذٍ يكون ظالماً وجائراً ويكون مناقضاً لحكمته وعدله.

وقد احتكم سبحانه في غير واحد من المسائل إلى العقل والفطرة، فقال:( أَفَنَجْعَلُالمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ ) (القلم/٣٥) ويقول سبحانه:( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالمُفْسِدِينَ فِي الاَرْضِأَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجّار ) (ص/٢٨) أي لا نجعلهما على حد سواء لاَنّه قبيح.

انّ المتبادر من الآيات الآمرة بالعدل والناهية عن الظلم هو انّ الاِنسان إذا رجع إلى فطرته تتجلى له تلك الحقيقة ويتميّز عنده العدل عن الظلم دون أدنى ريب، يقول سبحانه:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِوَالاِحْسانِ وَإِيتاءِذِي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِوَالمُنْكَرِوَالبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (النحل/٩٠).

والدليل على ذلك انّ كلّ إنسان يدرك من صميم ذاته معنى العدل والظلم وغيرهما ممّا يرجع إلى محاسن الاَفعال ومساويها، ولا يصحّ الاَمر بالعدل ولا النهي عن الظلم إلاّ إذا كان الموضوع (العدل و الظلم) محدداً معروفاً للمكلّف مع قطع النظر عن التشريع، وإلاّ يلزم الخطاب بأمر لم يكن المخاطب واقفاً عليه.

فإذا شهد سبحانه على قيامه بالعدل والقسط أو شهد على نفسه بأنّه ليس بظالم ولا ظلام ولا يظلم الناس، فمعنى ذلك انّه سبحانه يصف نفسه بالعدل والظلم بالمعنى المعروف عند العقلاء قال سبحانه:( شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لا إِلهَ إِلاّهُوَ وَالْمَلائِكَة وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ ) (آل عمران/١٨)، وقال سبحانه:( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيد ) (آل عمران/١٨٢) وقال سبحانه:( إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (يونس/٤٤).

فاللّه عادل بنفس المعنى الذي ندركه عن العدل، و ليس بظالم بنفس ذلك المعنى الذي ندركه عن الظلم، و من المعلوم انّ تعذيب أهل الاَرض


والسماوات بلا جرم وإثم ظلم يقبحه العقل، ولا يُنسب إلى اللّه سبحانه لمنافاته العدل، فكيف يصحّ أن يقال: إنّ اللّه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم؟! بل يكون ظالماً قطعاً تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

إنّ إنكار إدراك العقل الاُمور البديهية في مجال الحسن والقبح إعدام للعقل وإطاحة به، ومع رفضه في مجال العقائد لا يمكن أن يثبت شيء من المعارف الاِلهية، فلو أنكرنا قضاء العقل بقبح الكذب أو قبح تزويد الكاذب بالكرامات لا يصح إثبات نبوّة أيّ أحد ولو جاء بمعاجز باهرة، لاحتمال الكذب عليه وعلى مرسله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

٢. اتخاذ اليهود قبور الاَنبياء مساجد

أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن ثوبان، عن زيد بن ثابت: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.(١)

إنّ ظاهر الرواية يعرب انّ قاطبة اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وما هذا إلاّبسبب التكريم والتبجيل، سواء اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يصلّون فيها أو تبركاً بهم أو يسجدون على قبورهم على نحو يكون القبر مسجوداً عليه أو يسجدون لهم بحيث يكون الركوع والسجود للاَنبياء.

وعلى جميع التقادير (وإن كان التقدير الاَخير بعيداً) فعملهم - لو صحّ - يعرب عن تكريمهم لاَنبيائهم وتبجيلهم لهم. هذا هو معنى الحديث.

ومن جانب آخر إنّتاريخ اليهود حافل بقتل الاَنبياء والرسل، فكيف يمكن الجمع بين مضمون الحديث والآيات الصريحة الدالة على تحقيرهم لاَنبيائهم؟!

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٨٤.


قال سبحانه:( أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لاتَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون ) (البقرة/٨٧) وقال سبحانه:( لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَولَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقتلَهُمُ الاَنْبياءَبِغَيْرِحَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَالحَرِيق ) (آل عمران/١٨١) إلى غير ذلك من الآيات المندِّدة بعمل اليهود.

إنّهذا الحديث الذي اتخذه ابن تيمية وابن قيم الجوزيّة ومن لفّ لفّهما ذريعة إلى تحريم الصلاة عند قبور الاَنبياء، حديث لا يعتمد عليه مهما صحّ سنده، لاَنّ المضمون يخالف صريح القرآن والسيرة الثابتة عند اليهود، فانّ اليهود لم يكونوا أهل تكريم وتبجيل لاَنبيائهم، أفمن المعقول عندئذ أن يتخذوا قبورهم مصلّ-ى؟!وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا «الوهابية في الميزان».

٣. حرمان بعض الورثة من الميراث

أخرج أحمد في مسنده عن راشد، عن زيد بن ثابت، انّه سئل عن زوج، وأُخت لام، وأب فأعطى الزوج النصف و الاُخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول اللّه قضى بذلك.(١)

أقول: لو قلنا بأنّ لفظ «وأب» معطوف على «أُخت» فالوارث في المسألة ثلاثة وهم: بين وارث ذي فرض، ووارث بالقرابة، أمّا الاَوّل فالزوج يرث النصف من المال، والاُخت لاُمّ ترث السدس، قال سبحانه في حقّ الزوج:( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَد ) (النساء/١٢).

وقال سبحانه في حقّالاُخت للاُمّ :( وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرأةٌ وَلَهُ أَخٌ أَو أُختٌ فَلِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُس ) (النساء/١٢).

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٨٨.


وأمّا الثاني كالاَب فلو كان المورّث ذا ولد ففرضه السدس، لكنَّه خلاف المفروض وإلاّفلا فرض له في الكتاب العزيز، قال سبحانه:( ولاَبَويْهِ لِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلاَمّهِ الثُلُث ) (النساء/١١) وهو يرث ما بقي بعد إخراج سهام ذوي الفروض وعلى ضوء ذلك ففي المسألة :

يرث الزوج النصف.

والاُخت السدس.

والباقي أي الثلث للاَب.

ومع ذلك فكيف ورّث أفرض الصحابة الزوج النصف والاَُخت النصف الآخر وحرم الاَب؟!

هذا إذا قلنا بأنّ الورثة كانوا ثلاثة، وأمّا لو قلنا بعطف لفظ الاَب على الا َُمّ وانّ المراد الا َُخت لاَب وأُم فالوارث اثنان وتقسيم التركة صحيح حسب الذكر الحكيم.

أمّا في جانب الزوج فقد عرفت، وأمّا في جانب الاُخت فلقوله سبحانه:( إنِ امروَا هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصفُ ما تَرَكَ ) (النساء/١٧٦) لكن يرد على الجواب بأنّ أفرض الصحابة غفل عن النص القرآني، وبرّر عمله بقضاء رسول اللّه بذلك.

٤. تحريف القرآن الكريم

أخرج أحمد في مسنده عن كثير بن الصلت، قال: كان ابن العاص، وزيد ابن ثابت يكتبان المصاحف، فمرّوا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة»

فقال عمر: لمّا أنزلت هذه أتيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت: اكتبنيها.


قال شعبة: فكأنّه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى انّ الشيخ إذا لم يحصن جلد وانّ الشّابّإذا زنى، وقد أحصن رجم.(١)

أقول: إنّ القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة الذي يتميز بأُسلوبه ومضمونه.

والعبارة المحكية عن الخليفة - بأنّه من القرآن الكريم - كلام حيك على نسق قوله سبحانه:( الزّانيةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مائةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأفَةٌ في دِينِ اللّهِ ) (النور/٢).

أو قوله سبحانه:( وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبَا نَكالاً مِنَ اللّه ) (المائدة/٣٨).

ولو افترضنا انّ زيداً سمع من رسول اللّه قوله: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا » فلا يكون ذلك دليلاً على أنّه من القرآن الكريم، بل هو كلام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألقاه لبيان حكم اللّه الشرعي.

ثمّ إنّ القول بالتحريف يخالف النصّ الصريح للذكر الحكيم، قال سبحانه:( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (الحجر/٩).

وقال سبحانه:( لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَمِيد ) (فصلت/٤٢) وأيُّ باطل أوضح من تطرّق الزيادة والنقيصة إلى تلك المعجزة الخالدة.

والعجب انّالذين يروون هذه الروايات الضعيفة يتهمون الشيعة بالتحريف، وفاتهم انّ العثور على رواية في هذا الصدد في كتبهم لاتكون دليلاً على العقيدة، وعلى فرض التسليم فكتب هوَلاء أيضاً تعجّ بالاَحاديث التي تدل على التحريف.

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٨٣؛ وانظر سنن الدارمي: ٢/١٧٩، باب في حد المحصنين بالزنا.


٥. عدم سجود النبي عند قراءة سورة النجم

أخرج أبو داود في سننه، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت، قال: قرأت على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النجم فلم يسجد فيها.(١)

إنّ الحديث يخالف ظاهر القرآن الكريم حيث ورد فيه السجود بصيغة الاَمر الظاهر في الوجوب، قال سبحانه:( أَفَمِنْ هذا الحَديثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَ * فاسجُدُوا للّهِ واعْبُدُوا ) (النجم/٥٩- ٦٢).

نعم لو ثبت فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكون قرينة على حمل الاَمر في الآية على استحباب السجود لكن الروايات المتضافرة دلّت على وجوبه.

أخرج البخاري، والترمذي وابن مردويه عن ابن عباس، قال: سجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والاِنس.

وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قرأ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكة (والنجم) فسجد وسجد من معه.

وأخرج سعيد بن منصور، عن سبرة، قال: صلّى بنا عمر بن الخطاب الفجر، فقرأ في الركعة الاُولى سورة يوسف، ثمّ قرأ في الثانية النجم، فسجد، ثمّ قام: فقرأ إذا زلزلت ثمّ ركع.(٢)

٦. العثور على آية عند خزيمة

أخرج البخاري في صحيحه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، انّ زيد بن

____________________

١ سنن أبي داود: ٢/٥٨ برقم ١٤٠٤.

٢ الدر المنثور: ٧/٦٦٨.


ثابت، قال: نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الاَحزاب كنت أسمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ بها، فلم أجدها إلاّمع خزيمة بن ثابت الاَنصاري الذي جعل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهادته شهادة رجلين، وهو قوله:( مِنَ المُوْمِنينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْه ) (١)

قد عرفت أنّ القرآن الكريم جمع في عصر الرسالة وانّ القول بجمعه بعد رحيله يخالف العقل والنقل.

والعجب انّ القرآن الكريم الذي كان يسمعه مئات الصحابة وهم يعدون في طليعة الحفّاظ كيف نسي الجميع هذه الآية على وجه لم يجدها زيد بن ثابت إلاّ عند خزيمة بن ثابت؟! ومعنى ذلك انتهاء القرآن الكريم إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخبر الواحد، وكون شهادة خزيمة تعادل شهادة رجلين لا يخرجها عن حدّ خبر الواحد.

على أنّ زيداً قد اعتمد في كتابة آخر آية من سورة البراءة على نفس ذلك الشخص، وفاته انّ تلك التشبثات لا تضفي على القرآن وصف التواتر.

٧. نهي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كتابة الحديث

أخرج أبو داود في سننه، عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه.(٢)

إنّ البحث في منع الرسول عن كتابة حديثه ذو شجون، وقد استوفينا الكلام فيه في مقدمة هذا الكتاب، فلو كان الرسول أمر بمحو ما كتب فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١٩، باب قول اللّه تعالى (من الموَمنين) ؛ سنن الترمذي: ٥/٢٨٤- ٢٨٥ برقم ٣١٠٤.

٢ سنن أبي داود: ٣/٣١٨- ٣١٩ برقم ٣٦٤٧.ورواه أحمد في مسنده:٣/١٢ عن أبي هريرة.


أُسوة، كما قال اللّه تبارك وتعالى:( لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة ) (الاَحزاب/٢١).فلنقتد جميعاً برسول اللّه ولنحرق جميع الصحاح والمسانيد والسنن، ولم يكن أمر الرسول أمراً موَقّتاً مقطعياً وإنّما كان أمراً شمولياً عبر الزمان، أفيصح ذلك في منطق العقل؟! كيف ولو انفصلنا عن السنة لخفي علينا معالم الدين والشريعة؟!

كيف يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمحو كتابة الحديث مع أنّه كتب إلى الاَساقفة وشيوخ القبائل والروَساء كتباً ورسائل اتّفق فيها معهم على أُمور؟ وهذه الكتب كانت موجودة في أيدي الناس ولم يأمر رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » بمحوها وإبطالها.

أمر القرآن الكريم بكتابة الدين مهما كان صغيراً أو كبيراً، أو ليس لكلامه - نعوذ باللّه - قيمة بمقدار الدين.

كلّذلك يعرب عن أنّ المنع عن كتابة الحديث كان منعاً سياسياً من جانب الخلفاء، ولم يكن له أصل دينيّ، ولذلك لما بلغ السيل الزبى، وتسرّبت كثير من الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات إلى أوساط المسلمين. وقف المسلمون وفي طليعتهم عمر بن عبد العزيز على الخسارة الفادحة التي منوا بها من جرّاء ذلك، فكتب إلى أبي بكر بن حزم بضبط الحديث وتدوينه من رأس، قائلاً: انظر ما كان من حديث رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.(١)

والذي يوَيد كون الحديث موضوعاً على لسان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما رواه ابن داود، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيءٍ

____________________

١ صحيح البخاري: ١/٢٧، باب الحرص على الحديث.


أسمعه من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّشيء تسمعه ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّحقّ.(١)

٨. البداء المحال في الوحي

أخرج البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد الساعدي، انّه قال: رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا انّ زيد بن ثابت أخبره انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أملى عليه:«لا يستوي القاعدون من الموَمنين والمجاهدون في سبيل اللّه».

قال: فجاءه ابن أُمّمكتوم وهو يمليها عليّ، فقال: يا رسول اللّه لو أستطيعُ الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على رسوله «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » وفخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتّى خفت ان ترضّ فخذي ثم سُرّيَ عنه، فأنزل اللّه عزّوجلّ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَر ) (النساء/٩٥).(٢)

أقول: إنّ فصل الخاص عن العام، والمقيد عن المطلق أمر جائز في التشريع الاِسلامي، لاَنّالسنة الاِلهية جرت على بيان الاَحكام الشرعية بالتدريج، وهذا مما لا مشاحة فيه إنّما الكلام في الآية المباركة التي ليست بصدد بيان الحكم الشرعي حتى يتماشى فيها الضابطة المذكورة، وإنّما هي بصدد بيان حقيقة وهي عدم استواء القاعد و المجاهد، فإذاً الموضوع امّا هو مطلق القاعد أو القاعد غير أُولي الضرر.

فلو كان الموضوع - في الواقع - هو مطلق القاعد، فلماذا أُضيف إليه قيد

____________________

١ سنن أبي داود: ٣/٣١٨ برقم ٣٦٤٦.

٢ صحيح البخاري: ٤/٢٤ و٢٥ باب قول اللّه تعالى: (لا يَسْتَوي القاعِدُونَ مِنَ الموَمِنينَ).


(غير أُولي الضرر) في المرّة الثانية، ولو كان الموضوع منذ أوّل الاَمر هو المقيد (أي لا يستوي القاعدون غير أُولي الضرر) فلماذا فصل عنه القيد في المرّة الاُولى وضمّ إليه ثانياً ؟ ومعنى ظاهر الرواية حدوث البداء على اللّه سبحانه، وظهور ما خفي عليه وهو أمر محال، فلم يعلم وجه هذا الفصل إلاّ أن تكون الغاية تكريم ابن أُمّ مكتوم وهذا أمر بعيد، فالحكم بوضع الرواية أحسن من هذا التوجيه.

وقد زعم أبو جعفر الطحاوي انّ الاِشكال يكمن في التسوية بين القاعدين لعذر وبغير عذر.

فأجاب انّه سبحانه لم يقصد من القاعدين في الآية القاعدين بالزمانة مع النية انّهم لو أطاقوا الجهاد لجاهدوا، ولكن ذهب ذلك عن ابن أُمّ مكتوم حتى قال ما قال(١)

أقول: خفي عليه موضع الاِشكال، فانّ محله هو انّه سبحانه إمّا أراد من القاعدين عمومهم، أو خصوص غير القاعدين بالزمانة، فعلى الاَوّل يلزم البداء بإنزال القيد، وعلى الثاني يلزم تأخير القيد المتصل عن الآية وهو كما ترى.

٩. الملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام

أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن شماسة، عن زيد بن ثابت، قال:

بينا نحن عند رسول اللّه نوَلّف القرآن من الرقاع، إذ قال: طوبى للشام، قيل: ولِ-مَ ذلك يا رسول اللّه؟ قال: لاَنّ ملائكة الرحمن باسطوا أجنحتها عليه.(٢)

____________________

١ مشكل الآثار: ٢/١٥٤.

٢ مسند أحمد: ٥/١٨٤.


إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفصح من نطق بالضاد، فهو لا يتكلم اقتضاباً إلاّ أن يكون في المقام أدنى مناسبة، فلو افترضنا انّ زيداً كان يوَلف القرآن من الرقاع، ولم يكن يتكلّم مع النبيفبأيِّ مناسبة ألقى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلامه وأظهر فضائل الشام؟ وأغلب الظن انّ الحديث وضع في أوائل العهد الاَموي لتثبيت أركان الجهاز الحاكم.

١٠. ضرورة اتخاذ الخليفة من المهاجرين

أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: لما توفي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام خطباء الاَنصار فجعل منهم من يقول: يا معشر المهاجرين إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منّا، فنرى أن يلي هذا الاَمر رجلان، أحدهما منكم، والآخر منّا، قال: فتتابعت خطباء الاَنصار على ذلك، قال: فقام زيد بن ثابت، فقال: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان من المهاجرين، وإنّما الاِمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنّا أنصار رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقام أبو بكر، فقال: جزاكم اللّه خيراً من حيٍّ يا معشر الاَنصار وثبّت قائلكم، ثمّقال: واللّه لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم.(١)

إنّ الخلافة كالرسالة فرع وجود موَهلات و صلاحيات توَهل الاِنسان لاَن يشغل منصَّة الخلافة ويقوم بنفس الوظائف المخوّلة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوى النبوّة، وعلى ضوء ذلك فليست العناوين الطارئة كعنوان الاَنصار أو المهاجرين من الموَهلات للقيام بأعباء الخلافة، ولذلك يقول سبحانه:( اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُرِسالَتَهُ ) (الاَنعام/١٢٤). فما صرح به زيد من أنّ الرسول كان من المهاجرين فليكن الاِمام منهم،من الوهن بمكان لعدم الدليل على الملازمة.

____________________

١ مسند أحمد:٥/١٨٥.


وتشهد على بطلانه هذه الوثيقة التاريخية:

لما عرّف الرسول نفسه على بني عامر الذين جاءوا إلى مكة المكرمة في موسم الحج ودعاهم إلى الاِسلام، قال له كبيرهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك أيكون لنا الاَمر من بعدك؟

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الاَمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء.(١)

فعلى ذلك فمنطق المهاجرين والاَنصار في مسألة الخلافة منطق غير سديد، إذ ليست الخلافة رهن عنوان المهاجرين والاَنصار، وإنّما هي رهن ملاكات وصلاحيات لا حصر لها، قال سبحانه:( إنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوت مَلِكاً قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُوْتَ سَعَةً مِنَ المالِقالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللّهُ يُوَْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة/٢٤٧) فقد انطلق بنو إسرائيل من مبدئية الثراء وكثرة المال، واللّه سبحانه ردّ عليهم وجعل المعيار هو كثرة العلم والقدرة الجسمانية، وأين هذا من منطق الحاضرين في سقيفة بني ساعدة؟!

____________________

١ ابن هشام السيرة النبوية:٢/٤٢٤.


١٣- المغيرة بن شعبة

(٢٠ق.ه - ٥٠ه-)

سيرته و أحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بال قائماً.

٢. يعذب الميت بما يُناح عليه.

٣. إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القيامة.

٤. الدجال معه جبل خبز.

المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، يُكنّى أبا عبد اللّه.

روى ابن إسحاق عن عامر بن وهب، قال: خرج المغيرة في ستة من بني مالك إلى مصر تجّاراً حتى إذا كانوا ببزاق(١) عدا عليهم فذبحهم واستاق العير وأسلم.

وروى الواقدي: انّه قدم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليه

____________________

١ موضع قريب من مكة.


ثياب سفره، وكان أبوبكر عنده فسأله، وقال: أمن مصر أقبلتم؟ قال: نعم، قال: ما فعل المالكيون؟ قال: قلت: قتلتهم وأخذت اسلابهم وجئت بها إلى رسول اللّه ليخمِّسها، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمّا إسلامك فنقبله، ولا آخذ من أموالهم شيئاً، لاَنّ هذا غدر ولا خير في الغدر، فأخذني ماقرب وما بعد، وقلت: إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي. وكان قتل منهم ثلاثة عشر فبلغ ثقيفاً بالطائف فتداعوا للقتال، ثمّ أصلحوا على أن يحمل عني عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.

وهذا يعرب انّه التجأ إلى الاِسلام كي يصون به نفسه عن سطوة ثقيف، وقد التقى في الحديبية مع عروة بن مسعود وهو مندوب قريش فلما عرفه عروة ، قال له: يا غدر، واللّه ما غُسِلتْ عني سوأتك إلاّ بالاَمس.

استأمره عمر على البحرين فكرهوه فعزله عمر، ثمّ ولاّه البصرة فبقي عليها ثلاث سنين واتّهم فيها بالزنا، فشهد عليه أبو بكرة ونافع ابنا الحارث وشبل بن معبد وزياد بن أبيه، لكن الاَخير عدل عن شهادته، وقال: لم أر ما قالوا لكن رأيت ريبة و سمعت نفساًعالياً. فكبّر عمر وضرب القوم إلاّ زياداً، ثمّ عزله من البصرة فولاّه الكوفة.

وقد عُدَّ من دهاة العرب الاَربعة، أعني: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه.

ومن نماذج دهائه انّه: دعا معاويةُ عمروَ بن العاص، فقال: أعنّي على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمل عليها ابنك عبد اللّه بن عمرو، قال: فنعم. فبيْناهم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة وكان معتزلاً بالطائف، فناجاه معاوية، فقال المغيرة: أتوَمِّر عمراً على الكوفة وابنه على مصر وتكون كالقاعد بين لحيي الاَسد؟


قال: فما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة، قال: فافعل.

فقال: معاوية لعمرو حين أصبح: إنّي قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلّك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستغن برأيه وقوّته عن المكيدة، واعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان فعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت.

فدخل عليه المغيرة، فقال: إنّي أمّرتك على الجند والاَرض ثمّ ذكرتُ سنّة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلتُ.

ومن دهائه أنّ عليّاً لما دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألقى المغيرة خاتمه في القبر حتى ينزل في القبر ويجعل ذلك ذريعة إلى الافتخار بأنّه آخر من عَهِدَ برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومَسَحَ كفنه، ولكن لم تنطلِ هذه الحيلة على الاِمامعليه‌السلام ، فقال له: لا يتحدث الناس انّك نزلت في قبر نبي اللّهولا يتحدثون انّ خاتمك في قبره، ونزل هوعليه‌السلام في القبر فناوله إياه.

كان المغيرة ينال في خطبته من عليعليه‌السلام وأقام خطباء ينالون منه.

قال الذهبي: مات أمير الكوفة المغيرة في سنة ٥٠ في شعبان وله سبعون سنة، وله في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وانفرد له البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. هذا بعض ما يمكن أن يذكر في سيرته، وليس الرجل صاحب صحيفة بيضاء، ولنقتصر على ذلك.(١)

وقد بلغ عدد رواياته في المسند الجامع ما يربو على ٥٨ حديثاً.(٢)

____________________

١ سير اعلام النبلاء: ٣/٢١-٣٢؛ أُسد الغابة: ٤/٤٠٦؛ تاريخ ابن عساكر:١٧/٤٢؛ طبقات ابن سعد: ٤/٢٨٤ وج ٦/٢٠؛ انساب الاشراف:٣/٦٨، إلى غير ذلك من المصادر.

٢ المسند الجامع: ١٥/٣٧٨ برقم ٦٤٧.


روائع أحاديثه

١. أخرج البخاري في صحيحه، عن الورّاد، كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلاّاللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كلّشيء قدير، اللّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت.(١) ويصدقه قوله سبحانه:( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم ) (يونس/١٠٧).

٢. أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة، قال: كسفت الشمس على عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم مات إبراهيم فقال الناس: كُسِفتِ الشمسُ لموت إبراهيم، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا اللّه.(٢)

٣. أخرج مسلم في صحيحه عن علي بن ربيعة الاَسدي، قال: أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة، قال: فقال المغيرة: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار(٣)

٤. أخرج أحمد في مسنده عن رجل من ولد المغيرة بن شعبة عنه، قال: نهى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المثلة.(٤)

٥. أخرج الترمذي في سننه، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن

____________________

١ صحيح البخاري: ١/١٦٤، باب الذكر بعد الصلاة.

٢ صحيح البخاري: ٢/٣٤، باب الصلاة في كسوف الشمس.

٣ صحيح مسلم: ١/٨، باب النهي عن الحديث بكلّما سمع.

٤ مسند أحمد: ٤/٢٤٦.


شعبة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من حدث عني حديثاً وهو يرى انّه كذب فهو أحد الكذّابين.(١)

هذا شيء من روائع أحاديثه، ولكن عزيت إليه أحاديث لا تصدقها الموازين السابقة، وإليك ما يلي :

١.النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بال قائماً

أخرج ابن ماجة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » أتى سباطة(٢) قوم،فبال قائماً.(٣)

والرواية لو صحت فإنّما تحمل على صورة الاضطرار، فإنّ البول قائماً ينافي ما ثبت منه خلافه.

قال ابن قدامة: ويُستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش عليه، قال ابن مسعود: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً، قالت عائشة: من حدثكم انّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلاّ قاعداً.

قال الترمذي: هذا أصحّ شيء في الباب، وقد رويت الرخصة فيه عن عليعليه‌السلام ، وعمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن سعد، وأنس، وأبي هريرة، وعروة ، ورواه البخاري وغيره ولعلّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعل ذلك لتبيين الجواز ولم يفعله إلاّمرّة واحدة، ويحتمل انّه في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه.(٤)

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٣٦ برقم ٢٦٦٢.

٢ سباطة: الكناسة.

٣ سنن ابن ماجة: ١/١١١ برقم ٣٠٦.

٤ المغني: ١/١٥٦.


وما نقله عن عائشة فقد رواه ابن ماجة، انّها قالت: من حدَّثك انّ رسول اللّه بال قائماً فلا تُصدِّقه، أنا رأيته يبول قاعداً.(١) وروى ابن ماجة في سننه عن عمر، انّه قال: رآني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبول قائماً. فقال: يا عمر: لا تبل قائماً، فما بلت قائماً، بَعْدُ.(٢)

وروى جابر بن عبد اللّه قال: نهى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبول قائماً.(٣) وما وجّه به ابن قدامة صدوره من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أنّه كان لتبيين الجواز وجه تافه، إذ بإمكانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبيّنه بكلامه دون حاجة إلى بيانه بالفعل الذي يعدّ من صفات غير المبالين بأحكام الشريعة، وأمّا نسبة ذلك إلى عليّ ، فالمروي عن أئمّة أهل البيت خلافه.(٤)

٢. يعذب الميت بمايُناح عليه

أخرج أحمد في مسنده، عن علي بن ربيعة الاَسدي، قال: مات رجل من الاَنصار يقال له قرظة بن كعب فنِيح عليه.

فخرج المغيرة بن شعبة فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: ما بال النوح في الاِسلام أما إنّي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من ينح عليه يعذّب بما يناح به عليه.(٥)

قد تناولنا البحث في البكاء على الميت والنياحة عليه عند دراسة أحاديث أبي موسى الاَشعري وذكرنا فيها انّ البكاء على الميت أمر فطري نابع من صميم العاطفة الاِنسانية، ومثله غير خاضع للنهي، وإنّما المنهي عنه هو التكلّم والدعاء

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/١١٢ برقم ٣٠٨- ٣٠٩.

٢ سنن ابن ماجة: ١/١١٢ برقم ٣٠٨- ٣٠٩.

٣ سنن ابن ماجة: ١/١١٢ برقم ٣٠٨- ٣٠٩.

٤ الوسائل: الجزء ١، الباب ١٦ من أحكام الخلوة، الحديث ١.

٥ مسند أحمد: ٤/٢٤٥.


بالويل والثبور وكل ما يُسخط الرب والاعتراض على قضائه وقدره.

أخرج ابن ماجة في سننه، عن مكحول والقاسم، عن أبي امامة: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن الخامشة وجهها، والشاقّة جيبها والداعية بالويل والثبور.(١)

ومعنى هذا، انّ المنهيّ عنه نظير هذه الاَعمال الخارجة عن أدب التسليم والرضا بقدره وقضائه.

وقد أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنياحة على حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، كما بكىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ولده إبراهيم وبكت معه الصحابة.

وما تضمنه الخبر من أنّالميت يعذب بما يناح عليه، يخالف القرآن الكريم، قال سبحانه:( وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى ) (الاَنعام/١٦٤) فهو من قبيل أخذ البريء بجرم المذنب، والعقل الحصيف يردّه.

٣.إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الحوادث إلى يوم القيامة

أخرج أحمد في مسنده، عن محمد بن كعب القرظي، عن المغيرة بن شعبة، انّه قال: قام فينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقاماً فأخبرنا بما يكون في أُمّته إلى يوم القيامة، وعاه من وعاه ونسيه من نسيه.(٢)

إنّ الاِخبار عن الحوادث التي تقع في حياة الاُمّة الاِسلامية محمول على وجه الاِجمال دون التفصيل وذكر روَوس الحوادث دون الخوض في تفاصيلها وإلاّ لاستغرق مدة مديدة ربّما لا يتسع لها عمر المتكلّم والسامع.

وعلى ذلك فهل وعى المغيرة بن شعبة من تلك الاَخبار شيئاً مفيداً لحال الاَمّة أو كان ممن نسي الجميع؟ فلو كان ممن وعاه، فلماذا لم يخبر الاُمّة بما سمعه ولم يُبيّ-ن جانباً من تلك الجوانب؟ ولو كان ممن نسيه، فهذا يعرب عن

____________________

١ سنن ابن ماجة:١/٥٠٥ برقم ١٥٨٥.

٢ مسند أحمد: ٤/٢٥٤.


ضعف ذاكرته، حيث لم يضبط شيئاً ممّا سمعه من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حول تلك الحوادث المهمة التي تتشوق النفس إلى معرفتها وحفظها، وعند ذاك لا يمكن الاعتماد والركون إلى جميع ما أخبر به عن النبي من أحاديث رواها عنه أصحاب الصحاح والمسانيد.

وقد نقل أيضاً عن حذيفة، انّّه قال: قام فينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقاماً فحدثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة، فحفظه من حفظه و نسيه من نسيه.

قال الذهبي بعد نقل الرواية في ترجمته: قلت: قد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرتّل كلامه ويفسّره، فلعلّه قال في مجلسه ذلك ما يكتب في جزء، فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر أكثر ما هو كائن في الوجود لما تهيّأ أن يقوله في سنة، بل ولا في أعوام، ففكّر في هذا.(١)

وهذا التوجيه لو تمّ فإنّما يتم على رواية المغيرة بن شعبة، دون رواية حذيفة ابن اليمان الآنفة الذكر حيث خصّص الاَوّل بيانهلما يقع في أُمّته دون الثاني حيث عمّم بيانه لما هو كائن إلى قيام الساعة.

٤. الدجال معه جبل خبز

أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة: ما سأل أحد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الدّجّال ما سألته، وانّه قال لي: ما يضرّك منه؟ قلت لاَنّهم يقولون: إنّه معه جبل خبز ونهر ماء، قال: هو أهون على اللّه من ذلك.(٢)

وروى مسلم عنه انّه قال: ما سأل رسول اللّه أحد عن الدجال أكثر ممّا سألته عنه، فقال لي: أي بُنيّوما ينصبك منه انّه لن يضرك؟ قال: قلت: إنّهم

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٢/٣٦٦ برقم ٧٦.

٢ صحيح البخاري: ٩/٥٩، باب ذكر الدجال.


يزعمون أنّ معه أنهار الماء وجبال الخبز، قال: هو أهون على اللّه من ذلك.(١)

لا شكّ انّاللّه سبحانه أقدرُ على ذلك وأهون عليه وانّكلّممكن بالنسبة إليه سواء فلا يتصور فيه اليسر ولا العسر إذا كان الشيء بذاته أمراً ممكناً غير ممتنع. وقال عليعليه‌السلام : «ما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء».(٢) ولكن الكلام في أنّه هل من الممكن عقلاً و منطقاً تزويد الدجال المضلّ بتلك الكرامات الكبيرة والمعجزات الباهرة التي هي خير ذريعة لاِضلال الناس؟

وبعبارة أُخرى: انّ تزويده بتلك القُدُرات الخارقة للعادة، يوجب التفاف الناس حوله وإيمانهم به وبدعوته، وهو غير جائز ببداهة العقل إذ معنى ذلك إنّه سبحانه مهد الطريق لاِضلال الناس، وحكمته سبحانه تصدّنا عن تجويزه عليه قال سبحانه:( وَلَو تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاَقاوِيل* لاَخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ) (الحاقة/٤٤-٤٧).

ومفاد الآية: انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما كان صاحب معاجز وكرامات باهرة فالناس بطبعهم يلتفون حوله ويرون ذلك دليلاً على اتصاله باللّه وكونه سفيراً من قبله، فلو تقوّل - والعياذ باللّه - على اللّه سبحانه والحال هذه، فمقتضى حكمته أن يأخذ منه باليمين ويقطع منه الوتين بلا تريّث وتردد.

ومع ذلك فكيف يزوّد دجال العصر الذي أخبر عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير واحد من أحاديثه بهذه القدرات الغيبية ويُمهله مدّة مديدة لاِضلال الناس ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين؟!

____________________

١ صحيح مسلم: ٦/١٧٧، باب جواز قوله لغيره يا بني.

٢ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.


١٤- جرير بن عبد اللّه البجلي

( - ٥١ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

روَية اللّه يوم القيامة

ابن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حشم بن عوف البجلي القسري، أبو عمرو، وقيل أبو عبد اللّه، من أعيان الصحابة.

حدّث عنه: أنس، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، والشعبي، وهمّام بن الحارث، وأولاده الاَربعة: المنذر، وعبيد اللّه، وإبراهيم، وأيوب، وشهر بن حوشب، وزياد بن علاقة، وحفيده أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة.

قال الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال: قدم جرير البجلي في رمضان سنة عشر ومعه من قومه خمسون ومائة، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا.

شهد حرب القادسية ثمّ نزل الكوفة، ولما قدم أمير الموَمنين عليعليه‌السلام


الكوفة بعد وقعة الجمل، كتب إلى جرير وكان عاملاً لعثمان على همدان يدعوه إلى البيعة، فكتب إليه جرير جواب كتابه بالطاعة ثمّ أقبل إلى الكوفة فبايعه، بعثه الاِمام عليعليه‌السلام رسولاً إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والاَنصار من طاعته.

قال ابن عساكر: سكن جرير الكوفة، ثمّ سكن قرقيسياء، وقدم رسولاً من عليّ إلى معاوية.

توفي جرير سنة إحدى وخمسين.

ومسند جرير نحو من مائة حديث بالمكرر، اتّفق له الشيخان على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة.(١)

عدّ من المقلِّين في الفتيا من الصحابة، وله في المسند الجامع ٥٧ حديثاً.(٢)

وقد عزيت إليه أحاديث رائعة وأُخرى سقيمة.

فمن روائع أحاديثه:

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن هلال العبسي، عن جرير بن عبد اللّه، قال:

جاء ناس من الاَعراب إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحثّالناس على الصّدقة فأبطأوا عنه حتّى روَي ذلك في وجهه. قال: ثمّ إنّ رجلاً من الاَنصار جاء بصُرّة من ورق

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٢/٥٣٠ برقم ١٠٨؛ أُسد الغابة:١/٢٧٩؛ الطبقات الكبرى لابن سعد: ٦/٢٢.

٢ المسند الجامع: ٤/٤٨٦ برقم ٨٩.


ثمّ جاء آخر، ثمّ تتابعوا حتى عرف السّرور في وجهه.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من سنَّ في الاِسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أُجورهم شيء؛ و من سنّ في الاِسلام سنّة سيئة فعُمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء.(١)

٢. أخرج الحميدي عن قيس بن أبي حازم، قال: قال لي جرير: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: مَنْ لا يَرْحم الناس لا يرحمه اللّه عزّوجلّ.(٢)

وعزي إليه حديث لا يستقيم مع الضوابط المقررة.

روَية اللّه يوم القيامة

أخرج الحميدي في مسنده، عن قيس، قال: قال لي جرير بن عبد اللّه:

كنّا عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر. فقال: أما إنّكم سترون ربّكم، كما ترون هذا، لا تضامُّون في روَيته، فمن استطاع منكم لا يغلب على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثمّ قال:( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها ) (طه/١٣٠).(٣)

قوله: «لا تضامّون » امّا بالتخفيف بمعنى لا يحصل لكم ضيم، وبالتشديد أي لا تزاحمون.

وحاصل الحديث: انّ ثمّة فرق بين روَية الهلال وإراءته للآخرين وبين

____________________

١ صحيح مسلم:٨/٦١، باب من سنّ سنة حسنة أو سيئة.

٢ مسند الحميدي: ٢/٣٥١برقم ٨٠٢.

٣ مسند الحميدي: ٢/٣٥٠ برقم ٧٩٩.


روَية البدر، فالاَوّل لاَجل ضآلة روَيته فهو بحاجة إلى مشاركة الناس بغية روَيته، بخلاف البدر فهو لاَجل وضوح روَيته لا يحتاج إلى تلك العناية، بل يراه كلّ الناس في محله وموضعه.

إنّ مسألة الروَية من المسائل المستوردة من اليهود الذين كانوا يصرّون على موسى أن يريهم الرب في ميقاتهم، فنزل عليهم ما نزل.

ولما كان عليّعليه‌السلام من المنكرين للروَية والقائلين بالتنزيه، عمد مخالفوه إلى نقل روايات حول الروَية عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقابلة له.

وقيس بن أبي حازم كان من مناوئي عليعليه‌السلام و مخالفيه.

يقول ابن حجر: وقد تكلّم أصحابنا فيه فمنهم من رفع قدره وعظّمه وجعل الحديث عنه من أصح الاسناد، ومنهم من حمل عليه، و قال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الاَحاديث على أنّها عندهم غير مناكير، وقالوا : هي غرائب. ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقالوا: كان يحمل على عليٍّ، والمشهور عنه انّه كان يقدّمُ عثمان ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه.(١)

أقول: ما قيمة رواية تخالف الذكر الحكيم حيث يقول:( لا تُدْرِكُهُ الاَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِير ) (الاَنعام/١٠٣) ويقول سبحانه مخاطباً لموسى :( لَنْ ترانِي ) (الاَعراف/١٤٣) ولفظة «لن» في لغة العرب للتأبيد، و قد تكلمنا حول الروَية في هذا الكتاب فلا نعيد.

وتخالف أيضاً العقل الصريح الذي به عرفنا اللّه سبحانه، والذي يحكم بامتناع روَيته لاستلزامها كونه جسماً أو جسمانياً، محاطاً واقعاً في جهة ومكان - تعالى عن ذلك علواً كبيراً -.

____________________

١ تهذيب التهذيب: ٨/٣٨٨.


١٥- عمران بن الحصين الخزاعي

(...- ٥٢ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. الميت يعذب ببكاء الحي.

٢. خير القرون قرني.

٣. أكثر أهل النار النساء.

٤. كل ميسر لما خلق له.

عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، يكنّى أبا نجيد، أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في سنة ٧ه-، وله عدّة أحاديث، وغزا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزوات، بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقِّه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة، واستقضاه عبد اللّه بن عامر على البصرة فأقام قاضياً يسيراً ثمّ استعفى فأعفاه.

روى عنه الحسن وابن سيرين.

وقال الذهبي: وكان ممّن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع علي «عليه‌السلام ».

أقول: ما ذكره الذهبي شنشنة أعرفها من كلّ من يكنّ العداء لاَهل البيتعليهم‌السلام وعلى رأسهم أمير الموَمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، كيف يصف الذهبي حروب علي مع الناكثين و القاسطين والمارقين فتنة، وقد


أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بها؟!! روى أبو أيّوب الاَنصاري، قال: أمرني رسول اللّه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع علي.(١)

روى أبو سعيد الخدري: أمرنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قلنا: يا رسول اللّه، أمرتنا بقتال هوَلاء، فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر.(٢)

روى عمّار بن ياسر، قال: أمرني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.(٣)

قال الخطيب في تاريخه عن خليد العصري، قال: سمعت أمير الموَمنين علياً يقول يوم النهروان: أمرني رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين.(٤)

والروايات المروية عنه تحكي عن تعاطفه مع عليعليه‌السلام ولعلّه لم يشارك في الحروب، لعذر كالمرض كما يظهر ممّا نقله العلاّمة المجلسي في البحار.

توفي عمران سنة ٥٢ في البصرة.

قال الذهبي: مسنده ١٨٠ حديثاً، اتّفق الشيخان له على تسعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بتسعة.(٥)

وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت ٩٨ حديثاً.(٦)

فلنذكر شيئاً من روائع رواياته، ثمّ نذكر ما عزي إليه وهي تخالف الاُصول الصحيحة.

____________________

١ الاستيعاب: ٣/٥٣.

٢ البداية و النهاية:٧/٣١٧.

٣ مجمع الزوائد: ٧/٢٣٨.

٤ تاريخ بغداد: ٨/٣٤٠؛ تاريخ ابن كثير: ٧/٣٠٥.

٥ سير أعلام النبلاء: ٢/٥١٢؛ أُسد الغابة: ٤/١٣٨.

٦ المسند الجامع: ١٤/٢٠٦- ٢٨١ برقم ٥٠٨.


روائع رواياته:

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن مطرّف، عن عمران بن حصين، قال: تمتّعنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينزل فيه القرآن، قال رجل برأيه ما شاء.(١)

وقد رواه مسلم أيضاً بطرق أُخرى عن عمران بن حصين، ومراده من «رجل» هو عمر بن الخطاب الذي نهى عنه كما رواه أحمد في مسنده.(٢)

٢. أخرج أحمد في مسنده عن أبي داود، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كان له على رجل حق، فمن أخر، كان له بكلّ يومٍ صدقة.(٣)

٣. أخرج أبو داود في سننه عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من حلف على يمين مصبورة(٤) كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار.(٥)

٤. أخرج النسائي في سننه، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة، قال: صحبت عمران بن حصين، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة اللّه فذلك للّه، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية اللّه فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين.(٦)

٥. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين: انّ امرأة من جهينة أتت نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبيّ اللّه أصبت

____________________

١ صحيح مسلم: ٤/٤٨،باب جواز التمتّع من كتاب الحج.

٢ مسند أحمد: ٤/٤٣٦.

٣ مسند أحمد: ٤/٤٤٢.

٤ المصبورة أي الزم بها وحبس عليها.

٥ سنن أبي داود: ٣/٢٢٠ برقم ٣٢٤٢؛ مسند أحمد:٤/٤٣٦.

٦ سنن النسائي: ٧/٢٨- ٢٩، باب كفارة النذر.


حدّاً فأقمه عليَّ، فدعا نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليّها، فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها، ففعل فأمر بها نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فشكَّت عليها ثيابها ثمّ أمر بها فرجمت ثمّ صلى عليها.

فقال له عمر: تصلّي عليها يا نبيّ اللّه وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للّه تعالى؟!(١)

٦. أخرج أحمد، عن أبي الرجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرَّف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعد، فقال: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من أنعم اللّه عزّ وجلّ عليه نعمة فانّ اللّه عزّوجلّ يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه، وقال الروح ببغداد... يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.(٢)

٧. أخرج الدارمي في سننه، عن الحسن، عن عمران بن حصين، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: مقام الرجل في الصف في سبيل اللّه أفضل من عبادة الرجل ستين سنة.(٣)

٨. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي مراية، عن عمران بن حصين، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا طاعة في معصية اللّه تبارك و تعالى.(٤)

٩. أخرج الترمذي في سننه، عن مطرِّف بن عبد اللّه عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جيشاً، واستعمل عليهم علي بن أبي طالبعليه‌السلام فمضى في السّريّة، فأصاب جارية،

____________________

١ صحيح مسلم:٥/١٣٠، باب من اعترف على نفسه بالزنا.

٢ مسندأحمد: ٤/٤٣٨.

٣ سنن الدارمي: ٢/٢٠٢، باب في مقام الرجل في سبيل اللّه.

٤ مسند أحمد: ٤/٤٢٦.


فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: إذا لقين-ا رس-ول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبرناه بما صنع عليّ، وكان المسلمون إذا رجعوا من السّفر بدأوا برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسلّموا عليه، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم، فلمّا قدمتِ السّريّةُ، سلّم-وا على النبيفقام أحد الاَربع-ة، فق-ال: يا رسول اللّه، ألم تر انّ علي بن أبي طالب صنع كذا و كذا، فأعرض عنه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قام الثاني فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثمّقام الثالث فقال مثل مقالته: فأعرض عنه، ثمّ قام الرابع فقال مثل ما قالوا. فأقبل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والغضب يعرف في وجهه، فقال: ما تريدون من عليّ، ما تريدون من عليّ، ما تريدون من عليّ؟! إنّ عليّاً منّي، وأنا منه، وهو وليُّ كلّ موَمن بعدي.(١)

١٠. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم بن مهران، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه يحبُّعبده الموَمن، الفقير، المتعفف، أبا العيال.(٢)

ويوَيده قوله سبحانه:( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّه لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرباً فِي الاَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أَغْنياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ الناسَ إِلحافاً وَما تُنفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم ) (البقرة/٢٧٣).

هذه شيء من روائع رواياته وكم لها من نظير، وقد عزي إليه ما لا ينطبق عليه الموازين التي استعرضناها في صدر الكتاب فلنذكر منها شيئاً

١. الميت يعذب ببكاء الحي

أخرج أحمد في مسنده عن محمد بن سيرين، قالوا: ذكروا عند عمران بن حصين «الميت يعذب ببكاء الحي»، فقالوا: كيف يعذب الميت ببكاء الحي؟

____________________

١ سنن الترمذي:٥/٦٣٢ برقم٣٧١٢؛ و مسند أحمد : ٤/٤٣٧.

٢ سنن ابن ماجة: ٢/١٣٨٠ برقم ٤١٢١.


فقال عمران قد قاله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .(١)

إنّ تعجّب الحاضرين أوضح دليل على أنّ الرواية مخالفة للفطرة الاِنسانية التي بني عليها الدين، وقد أثارت حفيظتهم ودفعتهم إلى القول بأنّه «كيف يعذب الميت ببكاء الحي؟»وقد ذكرنا ما هو الصحيح غير مرّة.

٢. خير القرون قرني

أخرج مسلم في صحيحه، عن زهدم بن مُضرّب، سمعت عمران بن حصين يحدث انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّ خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّالذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أقال رسول اللّه صبعد قرنه مرّتين أو ثلاثة، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون،ويخونون ولا يُوَتمنون، ويَنذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السِّمن.(٢)

التاريخ الصحيح لا يذعن بما جاء في الرواية، فلنضرب عن عصر الخلفاء الراشدين صفحاً، ونستعرض العهد الاُموي الذي تسلم فيه الاُمويون منصة الخلافة ابتداءً من معاوية بن أبي سفيان فيزيد بن معاوية فمروان بن الحكم ثم أبناوَه الاَربعة، فهل يمكن أن نعدَّ هذه الحقبة من التاريخ خير القرون، وقد قتل فيها سبط النبيالحسين بن عليعليهما‌السلام ، وأُبيحت دماء أهل المدينة وأعراض نسائهم، وحوصرت مكة وهتكت حركتها بيد الحجاج بن يوسف الثقفي، واستعبد أبناء المهاجرين والاَنصار، ونُقش على أيديهم كما ينقش على أيدي غلمان الروم؟! إلى غير ذلك من الجرائم البشعة التي يندى لها جبين الاِنسانية.

وأنت إذا أمعنت في كتب التواريخ وجدت النصف الثاني من القرن الاَوّل

____________________

١ مسند أحمد: ٤/٤٣٧.

٢ صحيح مسلم: ٧/١٨٥- ١٨٦، باب فضل الصحابة ، ثمّ الذين يلونهم ثمّالذين يلونهم.


من أشرِّ القرون لا خير فيه، ولا في خلفائه وأُمرائه، والناس بأُمرائهم أشبه منهم بآبائهم.

٣. أكثر أهل النار النساء

أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء.(١)

أقول: لو ثبت الحديث وانّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اطّلع من عالم الغيب على أنّ أكثر أهل النار من النساء، لاَخذنا به ، لكنّه لم يثبت، و الواقع المشهود في تاريخ البشر هو انّ نسبة وقوع المعاصي من قِبل الرجال أكثر منه عند النساء، فثمة معاصي موبقة لا يقوم بها غالباً إلاّ الرجال كاللواط والسرقة والقتل وغيرها.

أمّا النساء فيلازمن المنازل غالباً ويقمنَ بالوظائف البيتية أو العمل في المزارع والمعامل.

أضف إلى ذلك انّ المعاناة التي تلاقيها المرأة أيّام الحمل والوضع بمثابة مطهر لها من الذنوب ولو ماتت في هذا السبيل ماتت شهيدة.

روى النسائي عن عقبة بن عامر انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «والنفساء في سبيل اللّه شهيد».(٢)

ومن لاحظ الروايات الواردة في هذا المجال رأى فيها قسوة ظاهرة في حقّ النساء.

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١١٧، باب ماجاء في صفة الجنة.

٢ سنن النسائي: ٦/٣٧.


روى مسلم، عن عمران بن حصين، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: إنّ أقل ساكني الجنة النساء.(١)

وروى أيضاً عن أُسامة بن زيد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كنت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلاّ أصحاب النار فقد أُمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء.

والقضية في كلا الجانبين قابلة للنقاش، ومعنى ذلك انّه لا يدخل غني الجنة ولا يدخل رجل النار.

وروى مسلم أيضاً عن أُسامة بن زيد بن حارثة، وسعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل انّهما حدثا عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء.(٢)

إنّ القرآن الكريم يذكر الاَموال والاَولاد من أسباب الفتنة، ويقول:( إِنّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم ) (التغابن/١٥).

ولا يذكر النساء من أسبابها وإنّما يصفهنّ بقوله:( إنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَولادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) (التغابن/١٤).

فضرر النساء على الرجال أقل بكثير من ضرر حبّ الرئاسة والجاه والمال.

٤. كل ميسّر لما خلق له

أخرج البخاري في صحيحه، عن عمران بن حصين، قال: قال رجل: يا رسول اللّه، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/٨٨، باب أكثر أهل الجنة الفقراء.

٢ المصدر نفسه.


قال: كلّ يعمل لما خلق له، أو لما يسّ-ر له.(١)

أقول: لما كان مضمون الحديث يعادل الجبر، سأل السائل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال: إذا كان كلّإنسان مسيّر إما إلى الجنة أو إلى النار فلماذا يعمل أهل الجنة مع أنّمصيرهم إليها، (فلِمَ يعمل العاملون)؟

والسوَال جيد جداً، وأمّا الجواب فليس بمقنع ولا قالع للاشكال لولم نقل انّه دعم للاشكال، حيث جاء فيه: كلّ ميسر لما خلق له ، فأهل الجنة خلقوا للجنة فيعملون لها، وأهل النار خلقوا للنار فيعملون لها.

فعنذئذٍ تثار تساوَلات:

الاَوّل: إذا كان أهل الجنّة خلقوا للجنة فهم يدخلون الجنة شاءوا أم أبوا، فما معنى التكليف والعمل؟

الثاني: إذا كان أهل النار خلقوا للنار شاءوا أم أبوا، فما هو ذنبهم في دخلوهم النار؟

وقد حاول الشارحون دفع الاِشكال فلم يأتوا بشيء مقنع.

قال ابن حجر في شرحه للحديث: وفيه قصة لاَبي الاَسود الدوَلي مع عمران، وفيه قوله له: أ يكون ذلك ظلماً ؟ فقال: لا، كلّ شيء خَلْقُ اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل.

قال عياض: أورد عمران على أبي الاَسود شبهة القدرية من تحكمهم على اللّه ودخولهم بآرائهم في حكمه، فلما أجابه بما دلّعلى ثباته في الدين قواه بذكر الآية وهي حدّ لاَهل السنة، وقوله :«كلّ شيء خلق اللّه وملكه» يشير إلى أنّ المالك الاَعلى الخالق الآمر لا يُعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما يشاء، وإنّما

____________________

١ صحيح البخاري: ٧/١٢٢، باب في القدر.


يعترض على المخلوق المأمور.(١)

ما نقله ابن حجر عن عياض مخالف للفطرة الاِنسانية التي بني عليها الدين، إذ لا شكّ انّه سبحانه هو الخالق وله التصرّف في ملكه كيفما يشاء هذا من جانب.

ومن جانب آخر انّه حكيم وحكمته تصدّه عن أن يختار الجانب الذي فيه تعذيب البريء والرضيع إلى غير ذلك من الاَعمال التي تعد ظلماً عند العقل وقبيحاً عند الجميع.

فهوَلاء ينظرون إلى سعة قدرته ويغضّون البصر عن حكمته ورأفته وعدله.

وما نقله من مناظرة أبي الاَسود الدوَلي مع عمران بن الحصين نقله الاِمام أحمد في مسنده وإليك نصه:

أخرج أحمد في مسنده عن أبي الاَسود الدوَلي، قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم و مضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم،وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت : بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً. وقلت: كلّ شيء خلق اللّه وملك يده، فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، فقال لي : يرحمك اللّه. إنيّ لم أرد بما سألتك إلاّ لاَحرز عقلك.

إنّ رجلين من مزينة أتيا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالا: يا رسول اللّه، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم و مضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل

____________________

١ فتح الباري: ١١/٤٩٣.


شيء قضى عليهم و مضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب اللّه عزّ وجلّ:( وَنَفْسٍ وَما سَوّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) .(١)

إنّ أبا الاَسود الدوَلي عالم من علماء الاُمّة تخرّج على يدي علي بن أبي طالب وله الفضل في تدوين علم النحو برعاية الاِمامعليه‌السلام .

وعمران بن الحصين صحابي جليل نهل من نمير علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد دارت المناظرة بين تابعي وصحابي، ولكن الغلبة كانت حليف أبي الاَسود الدوَلي لاَنّه إذا كان مصير كلّ إنسان محتوماً عليه ومقضيّاً به ولم يكن للاِنسان دور فيه، فما معنى حمل مسوَوليته على عاتقه. قال سبحانه:( انَّ السَّمعَ والبَصَرَ وَالفُوَادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْوَولاً ) (الاِسراء/٣٦). وقال سبحانه:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسوُولون ) (الصافات/٢٤) وقال تعالى:( وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْوَولاً ) (الاَحزاب/١٥).

ولاَجل ذلك اعترض أبو الاَسود الدوَلي على عمران، بأنّ إنكار دور الاِنسان في مصيره يلازم كون العقاب عليه ظلماً.

فما أجاب به عمران بن الحصين: من أنّ كلّشيء خلق اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ،جواب غير مقنع، إذ لا شكّ انّ اللّه سبحانه مالك للملك والملكوت، ولا يملك إنسان شيئاً إلاّ بإذنه، ولكنّ حكمته سبحانه وعدله يصدّه عن أن يظلم عباده، وكون الدنيا وما فيها ملكاً له لا يبرّر التصرف في ملكه على خلاف العدل. أي أخذ البريء بلا جرم.

وخلاصة الكلام: انّ هنا أصلين كونه مالكاً وكونه حكيماً، فلا يتصرف في ملكه إلاّ في إطار الحكمة مع كونه قادراً على التصرف على خلافها، واللّه

____________________

١ مسند أحمد: ٤/٤٣٨.


سبحانه لا يسأل عما يفعل، لاَنّه حكيم لا يفعل على خلاف حكمته، ويعود السوَال عنه سوَالاً لغواً غير مجدٍ.

ثمّ إنّ الصحابي الجليل استند - حسب الرواية - إلى قصة رجلين من مزينة وهو أيضاً غير مقنع، إذ يرد عليه ما أورد على جواب المناظر.

فرفض أمثال هذه الروايات أفضل من أخذها وتأويلها.


١٦- اسامة بن زيد بن حارثة

( - ٥٤ ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد.

٢. النساء أضرّ شيء على الرجال.

ابن حارثة بن شراحيل بن عبد العزّى بن امرىَ القيس، أبو زيد، ويقال: أبو حارثة.

استعمله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على جيش لغزو الشام، وفي الجيش، عمر و كبار الصحابة، وهو ابن حاضنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُم أيمن.

أمّر رسول اللّه أُسامة فطعنوا في إمارته، فقال: إنْ يطعنوا في إمارته فقد طعنُوا في إمارة أبيه، وأيم اللّه انّه كان خليقاً بالاِمارة.

ينقل الذهبي عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، قال: رأيت أُسامة يصلّي عند قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمرّ به مروان، فقال: أتصلّي عند قبر؟! وقال له قولاً قبيحاً.

فقال: يا مروان، إنّك فاحش متفحّش، وإنّي سمعت رسول اللّه، يقول: إنّ


اللّه يُبغض الفاحش المتفحّش.

حدّث عنه: أبو هريرة، وابن عباس، وأبو وائل، وأبو عثمان الهندي، وعروة ابن الزبير، وأبو سلمة وأبو سعيد المقبري، وعامر بن سعد، وأبو ظبيان، وعطاء بن أبي رباح، وابناه حسن و محمد.

وله في «مسند بَقيّ» مائة وثمانية عشر حديثاً منها في البخاري و مسلم خمسة عشر، وفي البخاري حديث و في مسلم حديثان.

قال الزهري: مات أُسامة بالجرف(١) في آخر خلافة معاوية سنة أربع وخمسين(٢) ضل وبلغت أحاديثه في المسند الجامع ٧٥ حديثاً.(٣)

وقد رويت عنه روايات رائعة كما عزيت إليه أُخرى سقيمة.

روائع رواياته

١. أخرج أحمد في مسنده، عن الزبرقان،عن أُسامة بن زيد:

«انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّي الظهر بالهجير ولا يكون وراءه إلاّالصف والصفان و الناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل اللّه تعالى:( حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى وَقُومُوا للّهِ قانِتين ) .

قال: فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لينتهينّ رجال أو لاَحرقنّ بيوتهم.(٤)

ومعنى ذلك انّ الصحابة كان يشغلهم الصفق في الاَسواق عن الحضور

____________________

١ الجرف موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.

٢ أُسد الغابة: ١/٦٤؛ طبقات ابن سعد:٤/٦١-٧٢؛ سير اعلام النبلاء:٢/٤٩٦.

٣ المسند الجامع: ١/٩٩-١٤١.

٤ مسند أحمد:٥/٢٠٦ والآية ٢٣٨ من سورة البقرة.


في صلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويدل عليه قوله سبحانه:( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها ) (الجمعة/١١).

٢. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، قال:

كنّا عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أنَّ صبّياً لها، أو ابناً لها في الموت.

فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أنّ للّه ما أخذ وله ما أعطى، و كلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها فلتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول، فقال: إنّها قد أقسمت لتأتينّها.

قال: فقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وانطلقتُ معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنّها في شنَّة ففاضت عيناه.

فقال له سعد: ما هذا يا رسول اللّه؟

قال: هذه رحمة جعلها اللّه في قلوب عباده، وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء.(١)

٣. أخرج النسائي، عن أبي سعيد المقبري، قال: حدّثني أُسامة بن زيد، قال:

قلت: يا رسول اللّه، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب و رمضان، وهو شهر ترفع فيه الاَعمال إلى ربّ العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.(٢)

____________________

١ صحيح مسلم:٣/٣٩، باب البكاء على الميت.

٢ سنن النسائي: ٤/٢٠١، صوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


٤. أخرج الترمذي في سننه عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك اللّه خيراً. فقد أبلغ في الثناء.(١)

وإليك ما عزيت إليه من الاَحاديث السقيمة.

١. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد

أخرج أحمد في مسنده، عن أُسامة بن زيد قال: قال لي رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : أدْخل عليَّ أصحابي، فدخلوا عليه فكشف القناع، ثمّ قال: لعن اللّه اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد.(٢)

نعلق على الحديث، ونقول:

أوّلاً: إنّ اليهود هم الذين كانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق وقد اشتهروا بتلك الوَصْمة، قال سبحانه:( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُوْمِنينَ ) (البقرة/٩١) فمن كانت شيمته قتل الاَنبياء لا يتخذُ قبورهم مساجد سواء أكانت الصلاة لاَجل التبرك بهم أو لاتخاذ قبورهم قبلة.

ثانياً: لم يكن للنصارى أنبياء حتى يقتلوهم ويتخذون قبورهم مساجد. وأمّا السيد المسيح فهو عندهم إله متجسّد وليس بنبيّ حيث قالوا: بالاَقانيم الثلاثة: إله الاَب، إله الابن ، روح القدس.

وأمّا غير المسيح لدى النصارى فليسوا بأنبياء وإنّما هم آباء التبليغ والتبشير، إلاّ أن يراد مطلق أنبياء بني إسرائيل وهو خلاف الظاهر.

____________________

١ سنن الترمذي: ٤/٣٨٠ برقم ٢٠٣٥.

٢ مسند أحمد:٥/٢٠٣.


٢. النساء أضرّ شيء على الرجال

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

ما تركت بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء.(١)

لا يشك عاقل انّ من أسباب الفتنة هي النساء، قال سبحانه:( إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَولادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) (التغابن/١٤).

وأمّا كونهنّ أضرّ شيء على الرجال من حبّالجاه والمال والاَولاد فليس بثابت لو لم يثبت خلافه، ولذا نرى انّه سبحانه يقول:( وَاعْلَمُوا أَنَّما َأَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم ) (الاَنفال/٢٨) ويقول أيضاً:( إِنّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم ) (التغابن/١٥) فيذكر الاَموال والاَولاد ولا يعطف عليها النساء وهذا دليل على أنّ ضرر الاَوّلين على الرجال أكثر من ضررهنَ.

نعم : لا ننكر بأنّ الرجال ربما يُفْتنون بالنساء فيتوغلون في الفساد من أجل كسب رضاهنَ، ولكن ليس إضرارهنَ عند المقايسة بأشد من إضرار الآخرين كما هو واضح.

وأنت إذا تفحصت فيما روي عن لفيف من الصحابة حول النساء تجد انّ الروايات تتضمن تحقير النساء وأنهنَّ محط الفتنة والضلال، وكأنّ الرواة لم يطرق أسماعهم قوله سبحانه:( إنّ المسلمينَ والمسلماتِ والموَمنينَ والموَمناتِ والقانتينَ والقانتاتِ ) (الاَحزاب / ٣٥).

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/٨٩، باب أكثر أهل الجنّة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء؛ صحيح البخاري:٧/٨، باب ما يتقى من شوَم المرأة.


١٧- ثوبان مولى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

(...- ٥٤ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة

١. ضرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يد بنت هبيرة.

٢. دعاء النبي غير المستجاب.

٣. خروج رايات سود من المشرق.

وهو ثوبان بن بجدد، وقيل: ثوبان بن حجدر، يُكنّى أبا عبد اللّه، وهو من حمير من اليمن، أصابه سباء فاشتراه رسول اللّهفأعتقه، وقال له: إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون منّا، فثبت على ولاء رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، ولم يزل معه سفراً وحضراً إلى أن توفي رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فخرج إلى الشام فنزل إلى الرملة وابتنى بها داراً وابتنى بمصر داراً وبحمص داراً، وتوفي بها سنة ٥٤ ه- وشهد فتح مصر.

روى عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث، روى عنه: شدّاد بن أوس، وجبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وأبو سلام ممطور الحبشي، ومعدان بن طلحة، وأبو الاَشعث الصنعاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو الخير اليزنيّ، وغيرهم.(١)

____________________

١ أُسد الغابة: ١/٢٤٩؛ سير أعلام النبلاء:٣/١٥ برقم ٥.


وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت ٦٤ رواية.(١)

كما نقلت عنه روايات رائعة و عزيت إليه أُخرى سقيمة.

روائع أحاديثه

١. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن ميسرة، عن ثوبان، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: استقيموا تفلحوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلاّ موَمن.(٢)

٣. أخرج أحمد في مسنده، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قيل لثوبان: حدثنا عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: لتكذبون عليّ سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: ما من مسلم يسجد للّه سجدة إلاّ رفعه اللّه بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة.(٣)

٣. أخرج أحمد عن أبي زرعة، عن ثوبان، قال: لعن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الراشي، والمرتشي، والرائش. (يعني الذي يمشي بينهما).(٤)

٤. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عبد اللّه بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يزيد في العمر إلاّ البرّ، ولا يردّ القدر إلاّ الدّعاء، وانّ الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها.(٥)

والرواية من دلائل القول بالبداء، وهو تغيير المصير بصالح الاَعمال.

٥. أخرج الترمذي، عن أبي سلمة، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

____________________

١ المسند الجامع: ٣/٣١٥- ٣٥٣.

٢ مسند أحمد: ٥/٢٨٠.

٣ مسند أحمد: ٥/٢٨٣.

٤ مسند أحمد: ٥/٢٧٩.

٥ سنن ابن ماجة: ١/٣٥ برقم ٩٠.


من قال حين يمسي: «رضيت باللّه ربّاً وبالاِسلام ديناً، و بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيّاً» كان حقاً على اللّه أن يرضيه.(١)

٦. أخرج الترمذي في سننه، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما أخاف على أُمّتي الاَئمّة المضلّين، قال: وقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا تزال طائفة من أُمّتي على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من يخذلهم حتى يأتي أمر اللّه.(٢)

هذه ثلّة من رواياته الرائعة ،وقد عزيت إليه طائفة أُخرى من الروايات ممّا لا تخلو من إشكال:

١. ضرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدَ بنت هبيرة

أخرج النسائي في سننه، عن أبي أسماء الرحبي، انّ ثوبان مولى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حدَّثه، قال:

جاءت بنت هبيرة إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي يدها فتخ(فقال كذا في كتاب أبي، أي خواتيم ضخام) فجعل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تشكو إليها الذي صنع بها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن، فدخل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والسلسلة في يدها، فقال يا فاطمة أيغرُّك أنْ يقول الناس: ابنة رسول اللّه وفي يدها سلسلة من نار، ثمّ خرج ولم يقعد.

فأرسلت فاطمةعليها‌السلام بالسلسلة إلى السوق ، فباعتها، واشترت بثمنها غلاماً، وقال مرّة عبداً - و ذكر كلمة معناها - فأعتقته، فحُدِّث بذلك.

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٤٦٥ برقم ٣٣٨٩.

٢ سنن الترمذي: ٤/٥٠٤ برقم ٢٢٢٩.


فقال: الحمد للّه الذي أنجى فاطمة من النار.(١)

أقول: ثمة تساوَلات:

أوّلاً: انّ الخواتيم التي كانت في يد بنت هبيرة - سواء أكانت من فضة أم من ذهب - لم يكن التزيّن بها محظوراً على المرأة، فكيف يعاتبها النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » لا سيما إذا كان اقتناوَها لها مشروعاً كما هو المفروض؟

وثانياً: الظاهر انّ بنت هبيرة كانت بالغة بشهادة انّها كانت تتختم بخواتيم ضخام، ودخلت على فاطمة تشكو إليها ما صنع بها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،فكيف يصحّ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مس يدها بالضرب مع أنّها أجنبية؟! والظاهر انّ الضرب كان بالمباشرة لا بالآلة.

ثالثاً: لو افترضنا جواز الضرب، لكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ من أن يضرب يد بنت هبيرة تأدباً وترهباً، بل كان اللازم أن يأمرها بالمعروف بأُسلوب لائق.

رابعاً: انّ الحديث يدل على أنّه لما دخلت بنت هبيرة على فاطمة واشتكت عمّا صنع بها رسول اللّه، انتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن ، مستظهرة بأنّ التزين بالذهب أمر حلال للمرأة وليس لاَحد الاعتراض عليك.

ومن الواضح انّ فاطمة من أهل البيت الذين طهّرهم اللّه تطهيراً، وهي أجلّ من أن تعترض على أبيها بانتزاع ما في عنقها من الذهب.

خامساً: ثمّ إنّ الحديث يتضمن انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل عليها والسلسلة في يدها، فقال: «يا فاطمة أيغرّك أن يقول الناس ابنة رسول اللّه وفي يدها سلسلة من نار».

____________________

١ سنن النسائي: ٨/١٥٨.


ثمّ خرج ولم يقعد....

وعندئذٍ يثار السوَال التالي.

إنّ السلسلة التي كانت في يدها لا تخلو عن حالتين، إمّا أن تكون ملكاً للغير غير راض بالتصرف فيها، أو ملكاً لفاطمة.

والاَوّل لا يليق أن ينسب إلى بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي يدور على رضاها وغضبها رضى رسول اللّهوغضبه.

وعلى الثاني كيف يفسّر ما ورد في الحديث«وفي يدها سلسلة من نار»وليس ما تتزيّن به المرأة من أقسام الكنز حتى تكون سلسلة من نار؟!

وأغلب الظن انّ الحديث من الموضوعات التي اختلقها الجهاز الاَموي الحاكم للحطِّ من شأن فاطمة الزهراء وبعلها .فسلام اللّه عليهما يوم ولدا ويوم استشهدا، ويوم يبعثان حيّين.

٢. دعاء النبي غير المستجاب

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

زوي لي الاَرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وانّ أُمّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، و أُعطيت الكنزين الاَحمر والاَبيض، وانّي سألت ربّي لاُمّتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وانّ ربّي، قال: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء فانّه لا يرد وانّي أعطيتك لاَُمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا اسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال: من بين أقطارها حتى يكون


بعضهم يُهلك بعضاً ويُسبي بعضهم بعضاً.(١)

أقول: وقد رواه الاِمام أحمد بلفظ آخر، عن عبد اللّه بن شداد، عن معاذ بن جبل، وقد ذكرناه في ترجمة معاذ بن جبل.

ومن الواضح انّالحوادث والنوازل التي ألمّت بالمسلمين عبر التاريخ خير شاهد على أنّه سبحانه سلّط عليهم عدواً من غير أنفسهم نتيجة أعمالهم وانحرافهم، فقد بسط الوثنيون المغول نفوذهم على معظم البلاد الاِسلامية واستولوا على حاضرتها بغداد وأبادوا الحرث والنسل.

فكيف يدّعي الحديث بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُعطي سوَله؟!

٣. خروج رايات سود من المشرق

أخرج أحمد في مسنده، عن أبي قلابة، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

وإذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان، فأتوها فانّ فيها خليفة اللّه المهدي.(٢)

ونظير ذلك ما أخرجه ابن ماجة عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق ويقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم - ثمّ ذكر شيئاً لا أحفظه - فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فانّه خليفة اللّه المهدي.(٣)

قال في الزوائد: هذا اسناد صحيح، رجاله ثقات، ورواه الحاكم في

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/١٧١، باب هلاك هذه الا َُمّة بعضهم ببعض من كتاب الفتن.

٢ مسند أحمد: ٥/٢٧٧.

٣ سنن ابن ماجة: ٢/١٣٧٦ برقم ٤٠٨٤.


المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

إنّ أمثال هذه الروايات - وإن رويت باسناد صحيح - وضعت حينما قامت الدولة العباسية التي وليها أبو العباس السفاح (١٠٨- ١٣٦ه-) - و هو أوّل خليفة عباسي يتولّى زمام الاُمور - فكيف يبشِّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا الخليفة المهدي الذي خضَّب الاَرض بدماء المسلمين حتى لُقّب بالسفاح؟!

قال السيوطي: وكان السفاح سريعاً إلى سفك الدماء، فأطمعه في ذلك عُمّاله في المشرق والمغرب، ومن أراد الاِلمام بسيرته فليقرأ ما ذكره ابن الاَثير في تاريخه.(١)

وقد أسرف تجار الحديث وعلماء البلاط العباسي في وضع الحديث في فضل العباس وأولاده ممّا حدا بابن الجوزي أن يذكر قسماً وافراً منها في كتابه «الموضوعات» تحت العناوين التالية:

١. باب في فضل العباس وأولاده.

٢. باب في عدد خلفاء بني العباس.

٣. باب في زيادة ولاية بني العباس على ولاية بني أُمية.

وجاء من يحمل نزعة أموية فوضعوا روايات في غمض بني العباس، نقلها ابن الجوزي تحت ذلك العنوان، وقال في آخره: وقد روي ضد هذا. فنقل باسناده عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا أقبلت الرايات السود من خراسان فأتوها فإنّ فيها خليفة اللّه المهدي.

وقال هذا حديث لا أصل له، ولا نعلم أنّ الحسن (الوارد في سند الحديث) سمع من عبيدة ولا ابن عمر سمع من الحسن، قال يحيى: عمر لا شيء(٢) .

____________________

١ الكامل في التاريخ، لابن الاَثير: ٥/٤٠٨.

٢ الموضوعات: ٢/٣٠ - ٣٩.


١٨- سعد بن أبي وقاص

(٢٨ق.ه- - ٥٤ه-)

سيرته و أحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. إثبات الجهة للّه سبحانه ٢. الطواف أكثر من سبعة أشواط

٣. الرمي بست حصيّات ٤. الطيرة في المرأة والفرس والدار

٥. التنديد بالشعر ٦. لم يسلم أحد قبل سعد

٧. دخول الامة قاطبة الجنة بشفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٨. عمر أفظ و أغلظ من رسول اللّه ٩. سوَال النبي من اللّه ثلاثاً

١٠. اللّه ليس بأعور ١١. عبد اللّه بن سلام من أصحاب الجنة

هو سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، يكنّى أبا إسحاق، وأُمّه: حمنة بنت سفيان بن أُمية بن عبد شمس، وقيل حمنة بنت أبي سفيان بن أُمّية أسلم بعد ستة، و قيل بعد أربعة، وكان عمره عندما أسلم ١٧ سنة.

أحد السابقين الاَوّلين، وأحد ستة أهل الشورى، شهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبلى يوم


أحد بلاءً عظيماً، و هو أوّل من أراق دماً في سبيل اللّه، وأوّل من رمى بسهم في سبيله.

استعمله عمر بن الخطاب على الجيوش الذين سيّرهم لقتال الفرس، وكان أميرَ الجيش في معركة القادسية وجلولاء، وهو الذي فتح مدائن كسرى بالعراق، وبنى الكوفة وولي العراق ثمّ عزله، فلمّا حضرت عمرَ الوفاةُ جعله أحد أصحاب الشورى، ثمّ استعمله عثمان فولاّه الكوفة ثمّ عزله، و لما قتل عثمان لزم بيته ولم يبايع عليّاً، فلما اعتزل طمع فيه معاوية فكتب إليه يدعوه إلى أن يعينه على الطلب بدم عثمان فأجابه بالاَبيات التالية:

معاوي داوَك الداء العيّاء

وليس لما تجيَ به دواء

أيدعوني أبوحسن عليّ

فلم أردد عليه ما يشاء

وقلت له اعطني سيفاً قصيراً

تميز به العداوة والولاء

أتطمع في الذي أعيا عليّاً

على ما قد طمعت به العفاء

ليوم منه خير منك حيّاً

وميتاً أنت للمرء الفداء(١)

وما حضر سعد وقعة الجمل ولا صفين ولا التحكيم في دومة الجندل.(٢)

يقول ابن مزاحم: وكان سعد بن أبي وقاص قد اعتزل عليّاً ومعاوية، فنزل على ماء لبني سليم بأرض البادية يتشوّف الاَخبار، وكان رجلاً له بأس ورأي في قريش، ولم يكن له في عليٍّ ولا معاوية هوى، فأقبل راكب يُوضِعُ من بعيد فإذا هو بابنه عمر بن سعد فقال له أبوه: مَهْيَمْ.(٣)

____________________

١ أُسد الغابة: ٢/٢٩٠- ٢٩٢.

٢ سير اعلام النبلاء: ١/١٢٢.

٣ مَهْيَمْ: كلمةيمانية معناها ما أمرك وما شأنك.


فقال: يا أبي ! التقى الناس بصفين و كان بينهم ما قد بلغك حتى تفانوا، ثمّ حكّموا الحكمين: عبد اللّه بن قيس، و عمرو بن العاص، وقد حضر ناس من قريش عندهما، وأنت من أصحاب رسول اللّه و من أهل الشورى ولم تدخل في شيء ممّا تكره هذه الاُمّة، فاحضر دومة الجندل فانّك صاحبها غداً.

فقال: هذا أمر لم أشهد أوّله فلا أشهد آخره، ولو كنت غامساً يدي في هذا الاَمر لغمستها مع عليٍّ، إلى أن قال: فلما جنّه الليل رفع صوته ليسمع ابنه:

دعوت أباك اليوم واللّه للّذي

دعاني إليه القوم والاَمر مقبل

فقلت لهم للموت أهون جرعة

من النّار فاستبقوا أخاكم أو اقتلوا

إلى أن قال:

لو كنت يوماً لا محالة وافداً

تبعت علياً والهوى حيث يجعل(١)

وليس ما جاء في بيته الاَخير أوّل مرة ولا آخرها باح فيها بفضل الاِمام أمير الموَمنين، بل نرى نظائر هذه الكلمات في أحاديثه، حيث ينقل فضائل الاِمام بصدر رحب.

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي. قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر، فقال: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع اصبعيه على أُذنيه فقال: نعم، وإلاّفاستكتا.(٢)

ولما كانت الرواية من الدلائل الساطعة على خلافة الاِمام عليعليه‌السلام

____________________

١ وقعة صفين، ابن مزاحم: ٦١٩- ٦٢٠.

٢ صحيح مسلم: ٧/١٢٠، باب من فضائل علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه .


بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حاول بعض المعلِّقين على صحيح مسلم أن يشكِّك في دلالتها على الخلافة وقال: والمستدل بهذا الحديث على أنّ الخلافة له بعد رسول اللّه زائغ عن منهج الصواب، فإنّ الخلافة في الاَهل في حياته لا تقتضي الخلافة في الاُمّة بعد مماته.(١)

وقد عزب عن المعلِّق انّه لو كان المراد خصوص الخلافة في الاَهل لما احتاج إلى استثناء مقام النبوّة بقوله: «إلاّأنّه لا نبي بعدي» فانّ الاستثناء دليل على ثبوت ما كان لهارون من مقامات و مناصب لعلي إلاّالنبوة، وقد جاء في الذكر الحكيم انّه كان وزيراً لموسى وفي الوقت نفسه نبيّاً مثله.

قال سبحانه:( وَاجْعَلْلِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارونَ أَخِي ) (طه/٣٠) وقال سبحانه:( وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارونَ نَبيّاً ) (مريم/٥٣) إلى غير ذلك من الآيات التي تشير بوضوح إلى مناصب هارون العامة في بني إسرائيل، والحديث المروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يسمى «بحديث المنزلة» يُثبت لعلي كلّ ما كان لهارون من مناصب إلاّ النبوة، فيكون الاِمام خليفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووزيره.

٢. أخرج الاِمام أحمد، عن عبد اللّه بن الرقيم الكناني، قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل، فلقينا سعد بن مالك بها، فقال: أمر رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » بسدّ الاَبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي «عليه‌السلام »(٢)

٣. أخرج مسلم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التراب؟

فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلن أسُبّه لاَن تكون لي واحدة منهنّأحبُّ إليَّ من حمر النعم: سمعت رسول اللّه

____________________

١ هامش صحيح مسلم: مطبعة محمد علي صبيح، القاهرة.

٢ مسند أحمد: ١/١٧٥.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول اللّه خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبوة بعدي.

وسمعته يقول يوم خيبر: لاَُعطينَّ الراية رجلاً يحبُّاللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.

ولما نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ) دعا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً و فاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللّهمّ هوَلاء أهلي.(١)

ورغم علمه بمواقف عليعليه‌السلام وفضائله لم يمدَّ يد البيعة إليه، نقل الطبري: انّه جيَ بسعد إلى المسجد حتى يبايع علياً فلم يبايع، وقال : لا أُبايع حتى يبايع الناس، واللّه ما عليك مني بأس، قال عليعليه‌السلام : خلُّو سبيله.(٢)

والعجب انّه بعد ما سمع ما ذكره الرسول في حقّ عليعليه‌السلام يصف بيعة الناس لعليٍّ وجهاده مع الناكثين والقاسطين والمارقين، فتنة.

أخرج الاِمام أحمد، عن بسر بن سعيد انّ سعد بن أبي وقاص قال عند قتل عثمان بن عفان: أشهد انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي وبسط يده إليَّ ليقتلني، قال: كن كابن آدم(٣) (٤)

ارتحل الرسول إلى الرفيق الاَعلى وجابه المسلمون حوادث مرّة مروراً

____________________

١ صحيح مسلم: ٧/١٢٠، باب فضائل علي بن أبي طالب. والآية ٦١ من سورة آل عمران.

٢ تاريخ الطبري: ٣/٤٥١.

٣ أي لا تقتله بل قل: لئن بسطت إليَّ يدك... الخ.

٤ سنن الترمذي: ٤/٤٨٦ برقم ٢١٩٤؛ مسند أحمد: ١/١٨٥.


بالسقيفة إلى حوادث الردة إلى قتل عثمان، ورغم كل هذه الحوادث فما وجه تخصيص الحديث ببيعة الاِمام عليعليه‌السلام - الذي بايعه معظم الاَنصار والمهاجرين وتمت الحجة على الغائب - دون سائر الحوادث؟

فإذا ثبتت خلافة الخليفتين ببيعة عدّة من المهاجرين والاَنصار وخلافة الخليفة الثالث ببيعة نفر قليل من أعضاء الشورى الستة، فلماذا لا تثبت خلافة الاِمام عليعليه‌السلام ببيعة جماهير الاَنصار والمهاجرين ولم يتخلف إلاّنفر يسير من أصحاب الاَهواء والمصالح؟(١) الرواية على فرض صحتها تنبىَ عن ظهور فتنة على نحو كلي دون أن تحددها، بحدث خاص، لكن ابن أبي وقّاص طبّقها على قتل عثمان وعلى الاَحداث التي تلته، ولذلك لم يبايع علياً «عليه‌السلام » ولم يشارك في الحروب التي خاضها الاِمام مع الناكثين وغيرهم.

ويظهر انّه كان حريصاً على الدنيا ومكباً عليها.

روى ابن سعد قال: انبأنا محمد بن عمر، حدثنا فروة بن زبيد، عن عائشة بنت سعد قالت: أرسل أبي إلى مروان بزكاة خمسة آلاف، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألفاً.

وقال الزبير بن بكار: كان سعد قد اعتزل في آخر عمره في قصر بناه بطرف حمراء الاَسد.

روى نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد: انّ سعداً مات وهو ابن ٨٢ سنة في سنة ٥٦ه-، وقيل سنة ٥٧ه-، وقال المدائني: توفي سنة ٥٥ وعلى قول سنة ٥٤.(٢)

____________________

١ لاحظ تاريخ الطبري : ٣/٤٥٢، وقد ذكر وجه إعراض قليل من الصحابة عن بيعة علي «عليه‌السلام ».

٢ سيرة أعلام النبلاء: ١/١٢٢، وحمراء الاَسد موضع على ثمانية أميال من المدينة على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، وإليها انتهى رسول اللّه في مطاردة المشركين يوم أُحد.


قال الذهبي: روى جملة صالحة من الحديث، وله في الصحيحين ١٥ حديثاً، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم ١٨ حديثاً، وقال أيضاً: وقع له في مسند «بَقي بن مخلد» ٢٧٠ حديثاً فمن ذاك في الصحيح ٣٨ حديثاً.(١)

وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١٤٤ رواية(٢)

وعلى أية حال فهو صحابي، وله ما لسائر الصحابة من الفضل والكمال، ولا يعني ذلك براءته من كلِّ رين وشين، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه

١. أخرج ابن ماجة في سننه، عن محمد بن سعد، عن سعد قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.(٣)

٢. أخرج الترمذي في سننه، عن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل انّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس، وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي.

فقال الضحاك بن قيس: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك.

فقال سعد: قد صنعها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصنعنا معه.(٤)

وهذه الرواية حجّة على من يقلد الخليفة في إفتائه بحرمة المتعتين، متعة الحج ومتعة النساء.

وقد روى الاِمام البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن عبد اللّه بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي انّه مسح على الخفين.

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ١/٩٣و١٢٤.

٢ المسند الجامع: ٦/٦٣ برقم ٢٣٩.

٣ سنن ابن ماجة: ٢/١٣٠٠ برقم ٣٩٤١.

٤ سنن الترمذي: ٣/١٨٥ برقم ٨٢٣.


وانّ عبد اللّه بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم إذاحدثك شيئاً سعدُ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا تسأل عنه غيره.(١)

وعلى ذلك فقد حدّث سعد عن حلية المتعتين فيجب على الخليفة وغيره اتّباعه.

٣. أخرج الدارمي في سننه، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان ممّن ترك النساء، بعث إليه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا عثمان: إنّي لم أوَمر بالرهبانية، أرغبتَ عن سنتي؟

قال: لا، يا رسول اللّه، قالص: إنّ من سنتي ان أُصلِّ-ي وأنام، وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان إنّ لاَهلك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً.

قال سعد: فواللّه لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن هو أقرّ عثمان على ما هو عليه، ان نختصي فنتبتل.(٢)

٤. أخرج مسلم في صحيحه ،عن خالد ،عن أبي عثمان قال: لمّا ادُّعي زياد لقيت أبا بكرة فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ انّي سمعت سعد بن أبي وقاص، يقول: سَمِعَ أُذناي من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول: من ادّعى أباً في الاِسلام غير أبيه يعلم انّه غير أبيه فالجنّة عليه حرام.(٣)

٥. أخرج الترمذي في مسنده، عن صالح بن أبي حسان، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إنّ اللّه طيّب، يحب الطيّب، نظيف يحبُّ النّظافة، كريم

____________________

١ صحيح البخاري: ١/٤٧، باب المسح على الخفين؛ مسند أحمد: ١/١٥.

٢ سنن الدارمي: ٢/١٣٣، باب النهي عن التبتل.

٣ صحيح مسلم: ١/٥٧، باب بيان من رغب عن أبيه وهو يعلم من كتاب الاِيمان.


يحبُّ الكرم، جواد يحبُّ الجود، فنظِّفوا - أُراهُ - قال: أفنيتكم ولاتشبَّهوا باليهود.(١)

٦. أخرج ابن ماجة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خياركم من تعلَّم القرآن وعلمه، قال: وأخذ بيدي فأقعدني مقعدي هذا، أُقرىُ.(٢)

٧. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي بكر بن حفص: قال سعد: إنّي سمعت رسول اللّه، يقول: نعم الميتة، أنْ يموت الرجل دون حقّه.(٣)

٨. أخرج النسائي في سننه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنّه ظن انّ له فضلاً على من دونه من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما ينصر اللّه هذه الاُمّة بضعيفها بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم.(٤)

٩. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول:

إنّ الاِيمان بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى يومئذٍ للغرباء إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده، ليأرزنَّ الاِيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها.(٥)

١٠. أخرج أحمد في مسنده، عن عمر بن سعد عن أبيه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

عجبت للموَمن إذا أصابه خير حمد اللّه وشكر، وإن أصابته مصيبة، حمد اللّه وصبر، فالموَمن يوَجر في كلِّ أمره حتّى يوَجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته.(٦)

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/١١١ برقم ٢٧٩٩. قوله «أراه» صيغة متكلم مجهول وهو قول الراوي: أي الذي فهمت من كلامه أنّه قال.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٧٧ برقم ٢١٣.

٣ مسند أحمد: ١/١٨٤.

٤ سنن النسائي: ٦/٤٥.

٥ مسند أحمد: ١/١٨٤.

٦ مسند أحمد: ١/١٧٣.


إلى غير ذلك من روائع أحاديثه، وقد عزّيت إليه أحاديث سقيمة نشير إلى بعضها:

١. إثبات الجهة للّه سبحانه

أخرج عبد حميد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسي، و أن يقسم أموالهم وذراريهم، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«لقد حكم فيهم اليوم بحكم اللّه عزّوجلَّ، الذي حكم فوق سبع سماوات».(١)

هذه الرواية بظاهرها تثبت الجهة للّه سبحانه وانّه فوق سبع سماوات، وما هذا شأنه فله جهة ومكان متحيّز فيه، وهو يلازم التجسيم - نعوذ باللّه - في حين انّه سبحانه يعرف نفسه على خلاف ما في هذه الرواية ويقول سبحانه:( هُوَ الاَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الاَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الاَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير ) (الحديد/٣ و ٤).

ويقول سبحانه:( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّهُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَة إِلاّهُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوم القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ) (المجادلة/٧)

فعلى ضوء هذه الآيات فاللّه سبحانه هو الموجود المحيط بجميع

____________________

١ مسند حميد برقم ١٤٩؛ فضائل الصحابة للنسائي برقم ١١٩.


الممكنات وهو الذي معنا أينما كنّا وما من نجوى إلاّهو مع من يناجيه، ومثله لا يكون متحيزاً فوق سبع سماوات.

نعم كونه معنا أو في كلّمكان ليس بمعنى حلوله فينا، أو في الاَشياء بل المراد إحاطته القيومية بما سواه وكونه قائماً به، وهو غير الحلول في الاَشياء.

والعجب انّ السلفية المغرورة بأمثال هذه الرواية يأوّلون هذه الآيات بأنّ المراد علمه سبحانه بالظاهر والباطن أو علمه بما يجري في مجلس النجوى وهذا هو التأويل الذي لو قام به مسلم لرُمي بالجهمية.

٢. الطواف أكثر من سبعة أشواط

أخرج أحمد، عن مجاهد، عن سعد بن مالك قال: طفنا مع رسول اللّه، فمنّا من طاف سبعاً، و منّا من طاف ثمانياً، و منّا من طاف أكثر من ذلك، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :لا حرج(١)

إنّ الحجّ عبادة جماعية شرعها اللّه سبحانه منذ عهد إبراهيم وقد حرِّفت بمرور الزمان إلى أن بعث نبي الاِسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعلّم الناس معالم الحج في العام العاشر من الهجرة ولم يحج بعد الهجرة إلاّمرّة واحدة وان اعتمر غير مرّة وقد جاءت صفة حجّ النبي في رواية جابر بن عبد اللّه (رض) ورواه مسلم على تفصيله وفيها قال جابر: لسنا ننوي إلاّ الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمّل ثلاثاً و مشى أربعاً ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيمعليه‌السلام فقرأ:( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّى ) (٢)

فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رمّل ثلاثاً أي أسرع في مشيه وهزَّ منكبيه من الاَشواط الثلاثة الاُول ومشى على عادته في الاَربعة الاَخيرة، وصار

____________________

١ مسند أحمد: ١/١٨٤.

٢ صحيح مسلم: ٣/٣٩، باب حجّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


المجموع سبعة أشواط.

فإذا كان هذا طواف النبي والمسلمون وراءه، فكيف يمكن أن يطوف واحد سبعة، وآخر ثمانية، وثالث أكثر من ذلك، وكان النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » بصدد تعليم آداب الحج و المسلمون بصدد التعلّم؟!

فالحديث مع تضمّنه جواز الزيادة في العبادة، بعيد عن موقف المسلمين يومذاك الذين كانوا وراء النبي في اعمال الحج كما هو صريح الرواية حيث يقول: «طفنا مع رسول اللّه فمنّا من طاف سبعاً».

٣. الرمي بست حصيات

أخرج النسائي في سننه، عن ابن أبي نُجيح قال: قال مجاهد: قال سعد: رجعنا في الحجة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعضنا يقول رميت بسبع حصيات وبعضنا يقول رميت بست فلم يعب بعضهم على بعض.

ثمّ روى عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز يقول: سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار، فقال: ما أدري رماها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بست أو بسبع.(١)

روى مسلم في صحيحه، عن جابر في باب صفة حجّ النبي، قال: ثمّ سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة منها، كلّحصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي.(٢)

وقد تقدم انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان بصدد تعليم آداب

____________________

١ سنن النسائي: ٥/٢٧٥، باب عدد الحصى التي يرمى بها الجمار.

٢ صحيح مسلم: ٣/٤٢، باب حجّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


الحج وفرائضه ومحظوراته وقد حرص المسلمون على التعلم، فكيف يصح انّه رمى بعضهم بسبع، وبعضهم الآخر بست، ولا يعيب بعضهم على بعض؟

وما رواه النسائي عن ابن عباس انّه قال: ما أدري رماها رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » بست أو سبع يخالف ما رواه في الباب التالي عن ابن عباس عن طريق أخيه الفضل بن العباس، قال: كنت ردف النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فلم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة فرماهابسبع حصيات يكبر مع كلّ حصاة.(١)

٤. الطيرة في المرأة والفرس والدار

أخرج أبو داود، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار.(٢)

وأخرج أحمد في مسنده، عن سعيد بن المسيب قال: سألت سعد بن أبي وقاص، عن الطيرة؟ فانتهرني، وقال: من حدَّثك؟ فكرهت أن أحدثه من حدثني، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«لا عدوى ولا طيرة ولا هام، إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار، وإذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تَهبطوا، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه.(٣)

وأخرج أيضاً، عن سعد بن أبي وقاص، انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » قال: إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، و إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه.(٤)

____________________

١ سنن النسائي: ٥/٢٧٥، باب التكبير مع كلّحصاة.

٢ سنن أبي داود: ٣/١٩ برقم ٣٩٢١.

٣ مسند أحمد: ١/١٨٠و١٨٦.

٤ مسند أحمد: ١/١٨٠و١٨٦.


وثمة شكوك تحوم حول تلك الروايات:

أوّلاً: انّ الرواية الاُولى تنفي العدوى، وهي انتقال المرض من سقيم إلى سليم، فلو صحّ النفي، فلماذا يروي سعدعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في روايته الثانية والثالثة انّه أمر بأن لا يُهبط بأرض فيها الطاعون، وإذا هُبط فيها فلا يُخرج منها ؟ فانّ ذلك صريح في الاعتراف بمبدأ العدوى.لاَنّه إذا كان في أرض ليس فيها طاعون وأُخبر بوجوده في أرض أُخرى فلا يهبط فيها خوفاً من الابتلاء، كما انّه إذا كان في أرض فيها طاعون فلا يخرج منها لئلا ينقل المرض معه إلى أرض أُخرى، وهو نفس القول بالعدوى.

وبالتالي فقد عزي إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق سعد قولين متناقضين.

ثانياً: انّ الذكر الحكيم يصف العالم بالحسن والجمال وانّه سبحانه ما خلق شيئاً إلاّ حسناً وجميلاً قال سبحانه:( رَبُّنَا الّذي أَعطَى كُلَّ شيءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (طه/٥٠) وقال سبحانه:( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدأَ خَلق الاِنْسان مِنْ طين ) (السجدة/٧) وقال سبحانه:( وَصَوّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبات ) (غافر/٦٤) فهذه الآيات تصف فعل اللّه سبحانه وكلّ ما خلقه بالجمال، فكيف يحلّ الشوَم في المرأة والفرس والدار ؟!

إنّالشوَم والطيرة إنّما هو وليد عمل الاِنسان، فهو بفعله يجعل اليوم سعداً أو نحساً، وإلاّ فاليوم هو اليوم، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، يجريان بأمر اللّه سبحانه:( قالُوا إِنّا تَطَيّرنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرجُمَنَّكُمْ وَلَيَمسّنّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ ) (يس/١٨- ١٩).

يعني: قال أصحاب القرية لرسلهم انّا تشاءمنا بكم، فوافاهم الجواب بأنّ طائركم معكم، وانّ الذي ينبغي أن تتشاءموا به هو معكم، وهو حالة اعراضكم عن الحق وإقبالكم على الباطل.


وعلى كلّ تقدير، فالشرّ الذي يصيب الاِنسان في داره وبعد زواجه، له سبب واقعي، لا صلة له بالدار والزوجة التي تخدم الزوج وأولاده بجدٍّ ومثابرة.

كيف يكون الشوَم في المرأة مع أنّها إحدى الثلاث التي اختارهنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الدنيا ؟ قال:

حُبّب إليَّ من الدنيا :النساء، والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة.(١)

أخرج مسلم عن عبد اللّه بن عمر ، انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » قال: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة.(٢)

هذا هو الاِمام أبو الحسن علي الهاديعليه‌السلام يخاطب أحد أصحابه الذي كان يقول: «كفاني اللّه شرك من يوم فما أيشمك» بقوله: ترمي بذنبك من لا ذنب له، ما ذنب الاَيام حتى صرتم تتشأمون بها إذا جُوزيتم بأعمالكم فيها، ثمّ قال: إنّ اللّه هو المثيب والمعاقب، والمجازي بالاَعمال عاجلاً وآجلاً، لا تعد ولا تجعل للاَيام صنعاً في حكم اللّه.(٣)

٥. التنديد بالشعر

أخرج مسلم، عن محمد بن سعد، عن سعد، عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال: لا ََن يمتلىَ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلىَ شعراً.(٤)

إنّ الشعر على نمطين:

____________________

١ مسند أحمد: ٣/١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥.

٢ صحيح مسلم: ٤/١٨٧، باب استحباب نكاح البكر.

٣ الحراني، تحف العقول: ٤٨٢- ٤٨٣ بتلخيص.وسنوافيك عند دراسة أحاديث أبي هريرة انّ عائشة كذبت أمثال هذه الرواية ، لاحظ ص ٣٠٨.

٤ صحيح مسلم: ٧/٥٠، باب كتاب الشعر؛ سنن الترمذي: ٥/١٤١ برقم ٢٨٥٢ ؛ مسند أحمد: ١/١٧٥ وفيه (حتى يريه) بدل يريه.


نمط منه لا يهدف إلاّ إلى نشر الفساد والدعارة ودعم الظلم وتوطيد أركانه إلى غير ذلك من غايات ساقطة، فصاحبه هو الذي نزل في حقّه قوله سبحانه:( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وادٍيَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ) (الشعراء/٢٢٤- ٢٢٦) فأصحاب هذا النوع من الشعر هم سماسرة الاَهواء يتبعون الهوى، و يبرمون أمراً، اليوم وينقضونه غداً، فليس لهم مآرب في الحياة إلاّ إشباع رغباتهم وميولهم الفاسدة.

ونمط آخر منه يهدف إلى بثّ الاَخلاق الحميدة وإنهاض الهمم، لبسط العدل ونشره، وكبح جماح الظلم، والدعوة إلى الحقّ بأُسلوب بديع، يمازج الاَرواح ويخالط الاَدمغة، فهذا النوع من الشعر بغية العالم، ومقصد الحكيم، ومأرب الاَخلاقي، وطلبة الاَديب، وأمنية العالم الاجتماعي، فأصحاب هذا النوع من الشعر هم الذين استثناهم اللّه سبحانه بقوله:( إِلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات وَذَكَرُوا اللّهَ كَثِيراً وَانْتَصِرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (الشعراء/٢٢٧).

إنّ التقدير الوافر لهذا النمط من الشعر وتكريم قائله عملٌ قام به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانّه أوّل فاتح لهذا الباب على مصراعيه مدحاً وهجاءً باصاخته للشعراء المادحين له ولا َُسرته الكريمة، وكان يَنشد الشعر ويستنشده، ويجيز عليه ويرتاح له، ويكرم الشاعر مهما وجد في شعره هذه الغاية الوحيدة، كإرتياحه لشعر عمِّه شيخ الاَباطح أبي طالبعليه‌السلام لمّا استسقى فسُقي، قال: للّه درّ أبي طالب لو كان حياً لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام عليعليه‌السلام قال: كأنّك أردت يا رسول اللّه قوله:

وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للاَرامل

تلوذ به الهُلاّك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل


وكإرتياحهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لشعر كعب بن زهير لما أنشده في مسجده الشريف لاميته التي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيّم إثرها لم يفد مكبول

فكساه النبي صبردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين.(١)

روى الحاكم النيسابوري: لما أنشد كعب قصيدته وبلغ قوله:

انّ الرسول لسيف يستضاء به

وصارم من سيوف اللّه مسلول

أشارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه.

ويروى انّ كعباً أنشد من سيوف الهند، فقال النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » من سيوف اللّه(٢) إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التي قدّر فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشعر و الشعراء، وبذلك أثبت انّ الشعر المذموم غير الشعر الممدوح، وانّه سبحانه إنّما يذم النمط الاَوّل ولو جاء في حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما نقله «سعد» فإنّما يرمي إلى الصنف الاَوّل وإلاّ فالشعر في العصور الاُولى كان سهماً في أكباد أعداء اللّه ، وخير دعاية إلى الاِسلام في كلّصقع وناحية، ولذلك كان أئمّة الدين يبذلون من مال اللّه للشعراء ما يغنيهم عن التكسب والاشتغال بغير هذه المهنة.

ولما نصب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياًعليه‌السلام للخلافة والاِمامة يوم الغدير استجاز حسان ابن ثابت أن يصبّ كلامه في قالب الشعر، فلما قرأ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تزال يا حسّان موَيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.(٣)

____________________

١ الشعر والشعراء، ابن قتيبة، ص ٦٢ كما في الغدير: ٢/٤.

٢ مستدرك الحاكم:٣/٥٨٢.

٣ الفصول المختارة: ٢٣٦.


٦. لم يسلم أحد قبل سعد

أخرج البخاري في باب مناقب سعد، قال: عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص قال: ما أسلم أحد إلاّ في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإنّي لثُلُثُ الاِسلام.(١)

إنّ معنى الرواية كما ذكره ابن حجر هو انّه لم يسلم أحد قبله، ولما وقف ابن حجر على بطلانه، عاد يوَوِّل المرويّ عن سعد، ويقول: والسبب فيه انّ من كان أسلم في ابتداء الاَمر كان يخفي إسلامه، ثمّ أوضح معنى قوله وانّي لثلث الاِسلام بأنّه أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي وأبا بكر وقد كانت خديجة أسلمت قطعاً ولعلّه خصَّ الرجال.

وعلى أيّة حال فلم يكن سعد أوّل من أسلم لا خفاءً ولا علانية، وقد تضافرت الروايات على أنّ أوّل من أسلم هو علي بن أبي طالب، و إليك بعض ما أثر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الصدد.

١. أخرج الحاكم في مستدركه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: أوّلكم وارداً - وروداً - على الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب.(٢)

كيف يكون هو أوّل من أسلم مع أنّ حديث بدء الدعوة يشهد بوضوح انّعليّاًعليه‌السلام هو أوّل من أسلم.

روى الطبري في تاريخه: انّه لما نزل قوله سبحانه:( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبينَ ) دعا النبي عليّاًعليه‌السلام فقال له : يا علي إنّاللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الاَقربين، إلى أن قال: فلما جاء القوم خاطبهم بقوله: يا بني عبد المطلب

____________________

١ صحيح البخاري: ٥/٢٢، باب مناقب سعد.

٢ الحاكم، المستدرك: ٣/١٣٦ وصححه تاريخ بغداد: ٢/٨١.


إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً، فقام عليعليه‌السلام ، وقال: أنا يا نبيّ اللّه فأخذ برقبته، وقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا.(١)

٢. قال الحاكم النيسابوري: ولا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ انّ علي ابن أبي طالب (رض) أوّلهم إسلاماً.(٢)

٣. وقال ابن عبد البر: اتّفقوا على أنّ خديجة أوّل من آمن باللّه ورسوله وصدقه فيما جاء به ثمّ علي بعدها.(٣)

٤. وقال المقريزي: وأمّا علي بن أبي طالب فلم يشرك باللّه قط، وذلك انّ اللّه تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد، فعندما أتى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوحي وأخبر خديجة وصدّقت كانت هي، وعلي بن أبي طالب وزيد ابن حارثة يصلون معه... إلى أن قال: فلم يحتج عليّ(رض) أن يُدعى ولا كان مشركاً حتى يوحّد فيقال أسلم، بل كان عمره عندما أوحى اللّه إلى رسوله ثماني سنين وقيل سبع سنين، وقيل: إحدى عشر سنة، وكان مع رسول اللّه في منزله بين أهله كأحد أولاده يتبعه في جميع أحواله.(٤)

روى ابن الاَثير عن أبي يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه عفيف، قال: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أُريد أنْ ابتاع لاَهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العباس بن عبد المطلب، وكان رجلاً تاجراً، فأنا عنده جالس حيث انظر إلى

____________________

١ تاريخ الطبري: ٢/٢١٦ وللحديث مصادر كثيرة اكتفينا بما ذكر.

٢ المعرفة:٢٢.

٣ الاستيعاب: ٢/٤٥٧.

٤ الامتاع: ٤٢.


الكعبة وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثمّ قام مستقبل الكعبة، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاء غلام فقام على يمينه، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة، فقلت: يا عباس أمر عظيم، قال العباس: أمر عظيم تدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد اللّه ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي بن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته، انّابن أخي هذا أخبرني انّ ربّه ربّالسماء والاَرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه ولا واللّه ما على الاَرض كلّها أحد على هذا الدين غير هوَلاء الثلاثة.(١)

٧. دخول الاُمّة قاطبة الجنة بشفاعة النبيّ

أخرج أبو داود، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنّا قريباً من عَزْوَرا نزل ثمّ رفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه ساعة ثمّ خرّ ساجداً.

ذكره أحمد ثلاثاً: قال: «إنّي سألت ربي وشفعت لاَُمتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً شكراً لربي، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربّي لاَُمّتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربي لاَُمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجداً لربي.(٢)

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/٤١٤- ٤١٥؛ ورواه النسائي في خصائصه: ٣؛ ولاحظ الاستيعاب: ٢/٥٥٩. وكان النبي يصلّي إلى الكعبة قبل الهجرة و إنّما صلّى إلى بيت المقدس في المدينة بعدها إلى سبعة عشر شهراً.

٢ سنن أبي داود: ٣/٩٠ برقم ٢٧٧٥.


إنّ الامعان في الآيات الواردة حول الشفاعة تثبت بأنّها حقّ خاص باللّه سبحانه يأذن لعدّة خاصّة من عباده المقربين، ولا يأذن لهم أن يشفعوا إلاّ في حقّ عدّة معينة، فقد وضع القرآن حدوداً وقيوداً في الشافع والمشفوع له.

إنّ الشفاعة في حقّ من قطعوا صلتهم باللّه سبحانه فلم يوَمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته ، منتفية قطعاً لا تنالهم شفاعة الاَنبياء.

قال سبحانه:( يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَد جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُردُّ فَنَعْمَلَ غَيرَ الّذي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) (الاَعراف/٥٣) وقال سبحانه:( وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّين * حَتّى أَتانا اليَقينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعين ) (المدثر/٤٦ - ٤٨).

وثمة روايات متضافرة تحدد شفاعة الاَنبياء، ومع ذلك فكيف ورد في هذه الرواية انّ الاُمّة بقاطبتها عادلها وظالمها، تقيّها وفاجرها، صالحها وطالحها على حدّ سواء في الشفاعة، واللّه سبحانه يقبل شفاعة نبيّه في حقّهم؟!

ولا يراد من الاُمّة في الرواية إلاّ من آمن باللّه ورسوله وإن فسق وفجر وخضب الاَرض بإراقة دماء الاَبرياء.

٨. عمر أفظّ وأغلظ من رسول اللّه

أخرج البخاري في صحيحه، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده نسوة من قريش يكلّمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمنَ فبادرن الحجاب، فأذن له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخل عمر ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضحك.

فقال عمر: أضحك اللّه سنَّك يا رسول اللّه، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :


عجبت من هوَلاء اللاتي كنَّ عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: فأنت أحقّ أن يهبن يا رسول اللّه، ثمّ قال عمر: يا عدوّات أنفسهنّ أتهبنني ولا تهبنَ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظ من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اِيهاً يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قطّ إلاّ سلك فجّاً غير فجِّك».(١)

وثمة شكوك تحوم حول تلك الرواية:

أوّلاً: انّ ظاهر الرواية انّ النبي اجتمع مع نسوة من قريش وهنّ أجنبيات من دون أن يضرب ساتر بينهما، وهذا لا يليق بأن ينسب إلى موَمن فضلاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعلم ذلك من خلال بيان أمرين:

الاَمر الاَوّل: انّ التعبير بقوله: «وعنده نسوة من قريش» يعرب انّفيهنّ أجنبيات عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلاّ فلو كان المراد زوجاته لكان اللازم التعبير بالزوجات لا بنسوة من قريش.

على أنّ بعض زوجاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكنَّ من قريش فمثل ميمونة بنت حُييّ بن أخطب كانت يهودية فأسلمت، ومارية القبطية أهديت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنجبت له إبراهيم.

وقوله يستكثرنه بمعنى انّهنّ يكثرن الكلام عنده لا أنّهن يطلبن نفقة كثيرة.

الاَمر الثاني: انّ الاجتماع كان بعد نزول آية الحجاب، بشهادة انهن ابتدرن للحجاب عندما أقبل عليهنّ عمر بن الخطاب.

ولازم هذين الاَمرين أن يجتمع النبي مع نساء أجنبيات دون أن يضرب ساتر بينهما.

____________________

١ صحيح البخاري: ٥/١١، باب مناقب عمر.ونقله مسلم في صحيحه:٧/١١٥ باب فضائل عمر.


ثانياً: انّ لازم صحّة الخبر أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - والعياذ باللّه - فظاً غليظ القلب وإن كان أقلّ من فظاظة عمر، مع أنّه سبحانه ينفي عنه هذه التهمة، قال سبحانه:( وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران/١٥٩) إلاّ أن يحمل على جهل النسوة بحال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأفته.

ثالثاً: انّ ظاهر قوله: إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قط إلاّسلك فجّاً غير فجّك» يدل على عصمته وكونه من المخلَصين ودخوله في قوله سبحانه:( ولاُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاّعِبادكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ ) (الحجر/٣٩-٤٠).فالشيطان عندما يلتقي مع الاَنبياء لا يسلك فجّاً غير فجّهم بل يقابلهم فيوسوس إليهم: قال سبحانه :( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطان قالَ يا آدَمُ ) (طه/١٢٠) ولكنّه عندما يلتقي مع عمر، يسلك فجّاً آخر، فهل يصحّ ذلك يا تُرى؟!

وثمّة رواية أُخرى عن جابر رواها مسلم ربما تكون قرينة على تفسير الحديث السابق.

روى مسلم، عن جابر بن عبد اللّه، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوجد الناس جلوساً ببابه لم يوَذن لاَحد منهم، قال: فأذن لاَبي بكر ودخل، ثمّ أقبل عمر فأستأذن فأذن له فوجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حوله نساوَه واجماً ساكتاً، قال: لاَقولنّ شيئاً أُضحك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا رسول اللّه لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة : يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألنّرسول اللّه ما ليس عنده فقلن: واللّه لا نسأل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهنَّ شهراً أو تسعاً وعشرين ثمّ نزلت إليه هذه الآية:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاَزْواجِكَ - حتى بلغ -لِلْمُحْسناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ) (الاَحزاب/٢٨- ٢٩).


فبدأ بعائشة وقال: يا عائشة إنّي أُريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول اللّه؟فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول اللّه استشير أبويّ؟ بل أختار اللّه و رسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهنّ إلاّأخبرتها، انّاللّه لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسِّراً.(١)

وعلى ضوء هذا الحديث يكون المراد من نساء قريش هو زوجاته ونساوَه، ولا يكون اجتماعه اجتماعاً مع أجنبيات، ولكنّه وإن رفع الاِشكال الاَوّل لكنّه زاد في الطين بلّة، لاَنّه يصرح بأنّ كلاً من الشيخين قاما ليجآ ويضربا بنتيهما (زوجتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) مع أنّهما كانتا تطلبان النفقة الواجبة التي عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشهادة قولهما: (فقلن واللّه لا نسأل رسول اللّه شيئاً أبداً ليس عنده) فعند ذلك كان سوَالهما سوَالاً شرعياً، وطعن الشيخين وضربهما أمراً غير مشروع بالمرة، إلاّ أن يكون تكلمهما وضربهما لاِيجاد السرور ورفع الحزن عن قلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمّ إنّه ليس فيما رواه مسلم من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر: إيهاً يا ابن الخطاب «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً... الخ » عين ولا أثر ولا أظن أحداً من المحدثين يتمسّك في المقام لاِثبات صحّة ما سقط في حديث مسلم بقاعدة «تقدم النقيصة على الزيادة وانّ القول بسقوط الزيادة عن رواية مسلم أولى من القول بأنّ الراوي أضاف من نفسه بلا وعي» فانّ تلك القاعدة إنّما تتمشى إذا لم تكن قرينة على العكس، فانّه من البعيد أن يقوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمدح عمر بن الخطاب وينساه الراوي، أو يمدحه وعنده من هو أفضل منه وأقدم منه إسلاماً، فانّ ذلك يعد نوع إهانة لاَبي بكر.

____________________

١ صحيح مسلم: ٤/١٨٧، باب تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلاّ بالنية.


وعلى أيّة حال فالروايتان - على الرغم من رواية مسلم والبخاري لهما - لا يخلوان من إشكالات وتساوَلات، والنفس لا تسكن لما جاء فيهما.

٩. سوَال النبي من اللّه ثلاثاً

أخرج مسلم، عن عامر بن سعد، عن أبيه: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربّه طويلاً، ثمّ انصرف إلينا، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربّي أن لا يهلك أُمتي بالسَّنَةِ فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أُمّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.(١)

هذا ما رواه مسلم عن سعد، ولكن روى الاِمام أحمد، عن معاذ بن جبل نفس الرواية بنحو آخر، قال: وجدت رسول اللّه قائماً يصلي، فقمت خلفه، فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة قال: قلت يا رسول اللّه لقد صليتَ صلاة طويلة؟ فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت اللّه عزّ وجلّثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أُمّتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليَّ.(٢)

فالنبي حسب رواية سعد سأل اللّه سبحانه الثلاثة التالية:

١. أن لا يهلك أُمّته بالسّنة، والمراد بها المجاعة العامّة التي تعم الجميع، لا أن تصيب ناحية دون أُخرى.

٢. أن لا يهلكهم بالغرق.

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/١٧١-١٧٢، باب هلاك هذه الاُمّة بعضهم ببعض.

٢ مسند أحمد: ٦/٣١٧.


٣. أن لا يجعل بأسهم بينهم.

ولكن الثلاثة التي سألها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رواية معاذ بن جبل(١) ، عبارة عن الاُمور التالية:

١. أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم.

٢. أن لا يهلك أُمّته غرقاً.

٣. أن لا يجعل بأسهم بينهم.

فالحديثان يشتركان في الثاني والثالث دون الاَوّل.

وقد رواه مسلم أيضاً عن ثوبان بنحو آخر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي سألت ربّي لاَُمّتي أن لا يهلكها بسَنَةٍ بعامّةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وانّ ربي قال: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يرد وإنّي أعطيتك لاَُمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضاً و يسبي بعضهم بعضاً.(٢)

فقد جاء في هذا الحديث السوَالان المقضيان دون الثالث، كلّ ذلك يعرب عن اضطراب الحديث في النقل ولا يصحّ الاعتماد عليه.

ثمّ إنّ ثمة تساوَلات وهي:

١. انّ النبي سأل أن لا يهلك أُمّته، فما هو المراد من هذا السوَال؟ أسأل أن لا يكون غلاء في صقع معين من نواحي الاَمصار الاِسلامية، أو المراد هو المجاعة العامة التي تُهلك الاُمة من رأس؟

____________________

١ لاحظ ص ٨٦.

٢ صحيح مسلم: ٨/١٧١، باب هلاك هذه الاُمّة بعضهم ببعض.


أمّا الاَوّل فلم يستجب دعاوَه، فما أكثر الغلاء في الاَقطار الاِسلامية لا سيما في العصر الحاضر.

وأمّا الثاني فالدعاء كان أمراً لغواً لاَنّه سبحانه وعد في الذكر الحكيم بقاء الاُمّة الاِسلامية إلى يوم القيامة، قال سبحانه:( أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُون ) (الاَنبياء/١٠٥) وقال سبحانه:( هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة/٣٣) وقال سبحانه:( وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَر بَعْدَذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ) (النور/٥٥).

٢. انّ السوَال الاَخير أي «لا يجعل بأسهم بينهم» من الاَدعية التي لا تستجاب أبداً، لاَنّه على خلاف السنن السائدة في الكون، و الاختلاف أمر طبيعي لكافة أبناء البشر، فكيف يطلب النبي من اللّه سبحانه أن لا يجعل بأسهم بينهم وهو القائل: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة؟

رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.(١)

١٠. اللّه ليس بأعور

أخرج أحمد في مسنده، عن داود بن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه،

____________________

١ المستدرك على الصحيحين: ١/١٢٨، وقد أشبعنا الكلام في هذا الموضوع عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل، فلاحظ.


عن جدّه سعد انّه قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه لم يكن نبي إلاّ وصف الدجال لاَُمّته، ولاَصفنّه صفة لم يصفها أحد قبلي، انّه أعور و انّ اللّه عزّ وجلّ ليس بأعور.(١)

هذا الحديث يثبت العضو للّه سبحانه، وانّ للّه عيناً، لكنّه ليس أعور، واللّه سبحانه أجلّ من التجسيم. وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل.

١١. عبد اللّه بن سلام من أصحاب الجنّة

أخرج مسلم عن عامر بن سعد، قال سمعت أبي يقول: ما سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لحيٍّ يمشي انّه في الجنّة إلاّلعبد اللّه بن سلام.(٢)

إنّ أثر الوهن باد على هذا الخبر بوضوح لانطوائه على تناقض سافر للحديث التالي.

أخرج أبو داود في سننه، عن عبد الرحمان بن الاَخنس، انّه كان في المسجد فذكر رجل عليّاًعليه‌السلام فقام سعيد بن زيد، فقال: «أشهد على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّي سمعته وهو يقول عشرة في الجنّة: النبيّفي الجنة، وأبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعلي في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير بن العوام في الجنّة، وسعد بن مالك في الجنّة ، و عبد الرحمان بن عوف في الجنّة ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت: قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد.(٣)

____________________

١ مسند أحمد: ١/١٧٦.

٢ صحيح مسلم : ٧/١٦٠، باب فضائل عبد اللّه بن سلام؛ و أخرجه أيضاً البخاري: ٥/٣٧، باب مناقب عبد اللّه بن سلام.

٣ سنن أبي داود: ٤/٢١١ برقم ٤٦٤٩.


وهذا التناقض بين الحديثين يجرّنا إلى القول بوضع أحد الحديثين أو كليهما، ومن البعيد أن لا يسمع سعد ما سمعه سعيد بن زيد من النبيّ في حقّ العشرة المبشرة بالجنة مع أنّه هو منهم.

أضف إلى ذلك أنّ لازم صحّة الخبر الاَوّل أن يصل عبد اللّه بن سلام اليهودي - الذي أسلم وبث طائفة كبيرة من الاِسرائيليات في أوساط المسلمين - مرتبة يتفوّق فيها على أكابر الصحابة وأعيانهم الذين ضحوا بنفسهم ونفيسهم في سبيل إعلاء كلمة اللّه.

ثمّ إنّ الذي يسيء الظن بصحة الحديث الثاني انّالناقل هو سعيد بن زيد وهو أحد تلك العشرة المبشرة.

وما أحسن ما يقال: «بأبي زوجة تمدحها أُمّها» وأقول: «بأبي راوٍ ينقل عن النبي انّه من أهل الجنّة».

إنّ طبيعة الحال تقتضي أن يدلي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله في حشد كبير، يحضره أكثر العشرة المبشرة بالجنة، لا أن يدلي بكلامه هذا أمام أحدهم خاصّة، ولا يبوح هو أيضاً بما سمعه إلاّ عندما رأى نيل الناس من عليٍّعليه‌السلام وذكره بالسوء.


١٩- أبو هريرة

(٢١ق.ه- ٥٧ه-)

سيرته و أحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة

١. محاولة عفريت من الجن قطع صلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢. الشيطان إذا سمع الاَذان ولى....

٣. وجوب الجهاد تحت راية كلّ بر و فاجر.

٤. قبول التوبة مع عدم الندم.

٥. النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمنع من كتابة الحديث.

٦. من هو خالق اللّه؟ ٧. انّ اللّه خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً.

٨. سليمان يطوف على ستين امرأة في ليلة واحدة.

٩. موسى يفقأ عين ملك الموت. ١٠. روَية اللّه بالعين الباصرة.

١١. لا تملاَ النار حتى يضع الرب رجله فيها.

١٢. نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا.

١٣. نقض سليمان حكم أبيه داود.

١٤. ظهور موسى عرياناً أمام الملاَ.

١٥. اتهام أُولو العزم من الاَنبياء بالعصيان.

١٦. شك الاَنبياء وتفضيل يوسف على نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١٧. نبي من الاَنبياء يحرق قرية النمل. ١٨. أيوب يحثي رجل جراد من ذهب في ثوبه.

١٩. النبي يوَذي ويجلد ويسب ويلعن من لا يستحق.

٢٠. التلاعب بحديث بدء الدعوة. ٢١. إيقاع الفعل في وقت لا يسعه.

٢٢. امة مسخت فأراً.

٢٣. أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت

٢٤. أبو هريرة ينسب ما سمعه عن الفضل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢٥. إبراهيم يخاصم ربّه. ٢٦. دخول امرأة في النار بسبب هرّة.

٢٧. في إحدى جناحي الذبابة داء وشفاء.


إنّ أبا هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، اختلف الناس في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، وقد نقل الذهبي أقوالاً عشرة في اسمه ورجّح انّ اسمه عبد الرحمان بن صخر، كما نقل الاَقوال في اسم أبيه، ولا يهمُّنا التحقيق في اسمهما فقد سرد هشام [بن محمدج بن الكلبي نسب أبيه، بقوله:هو عمير بن عامر بن ذي الشرى بن طريف بن عيّان بن أبي صعب بن هُنيَّة بن سعد بن ثعلبة إلى أن ينتهي إلى نصر بن الاَزد.(١)

ويكنّى أبا هريرة لهرّة صغيرة كان مغرماً بها.

قال ابن قتيبة: إنّ أبا هريرة كان يقول: وكُنِّيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها.(٢)

وأخرج ابن سعد في ترجمة أبي هريرة في الطبقات بالاسناد إليه، قال: كنت أرعى غنماً، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت إذا كان الليل وضعتها في شجرة، وإذا أصبحت أخذتها فلعبت بها فكنّوني أبا هريرة.(٣) إسلامه

اتّفقوا على أنّه أسلم بعد فتح خيبر، يقول أبو هريرة:

خرج النبي إلى خيبر وقدمت المدينة مهاجراً ،فصلّيت الصبح خلف سِباع ابن عُرفُطة - كان استخلفه - فقرأ في السجدة الاُولى [كذاج بسورة مريم، وفي الآخرة( ويلٌ للمُطفِفين ) .

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٢/٥٧٨ برقم ١٢٦.

٢ ابن قتيبة: المعارف:١٥٨.

٣ الطبقات الكبرى لابن سعد:٤/٣٢٩. وقد جرت سنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على تبديل الاَسماء والكُنى غير الحسنة، إلى الحسنة منهما ولكنّهص أبقى كنية أبي هريرة على حالها و لم يُغيّرها ، فما هو السرّ في ذلك؟!


فقلت: ويل لاَبي، قلّ رجل كان بأرض الاَزد، إلاّ وكان له مكيالان، مكيال لنفسه، و آخر يبخس به الناس.(١)

وعلى ذلك فقد أدرك من عهد الرسالة أربع سنين، إذا صحّ وقوع غزوة خيبر في شهر محرم الحرام، وهو بعدُ محل خلاف بين كُتّاب السيرة النبويّة. ولكن ، قال ابن أبي خالد: حدثنا قيس بن أبي حازم، قال لنا أبو هريرة: صحبت رسول اللّه ثلاث سنين.(٢)

والجمع بين القولين هو انّ النبي أمّر العلاء بن الحضرمي في البحرين وبعث معه أبا هريرة موَذِّناً له، فلو لبث فيها سنة واحدة، فقد صحب النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ثلاث سنين، و إن أدرك من عهد الرسالة أربع.

ويظهر مما وَصف به أرض الاَزد وما دعا به على والده بقوله: «ويل لاَبي» أنّ منبَته لم يكن منبَت خير، و قد روى هو أيضاً: انّه قال لي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ممن أنت؟ قلت: من دوس، قال: ماكنت أرى انّ في دوس أحداً فيه خير(٣) .

كثرة أحاديثه

يصفه الذهبي بقوله: الاِمام، الفقيه، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول اللّه، أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحُفاظ الاَثبات، حمل عن النبي علماً كثيراً طيّباً مباركاً - لم يُلْحق في كثرته - و عن أُبيّ و أبي بكر و عمر و أُسامة وعائشة والفضل وبُصرة بن أبي بُصرة، وكعب الحبر.

حدَّث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، فقيل بلغ عدد أصحابه

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٢/٥٨٩.

٢ مسند أحمد:٢/٤٧٥و مختصر تاريخ ابن عساكر:٢٩/١٨٢.

٣ مختصر تاريخ ابن عساكر:٢٩/١٨١.


ثمانمائة، ثمّ نقل عن صاحب التهذيب أسماء من له رواية عنه في كتب الاَئمّة الستة.(١)

وبلغ مسنده ٥٣٧٤ حديثاً، المتّفق في البخاري و مسلم منها ٣٢٦، وانفرد البخاري ب- ٩٣ حديثاً، ومسلم ب- ٩٨ حديثاً.(٢)

ولم يتفق لاَحد من الصحابة ذلك الحجم الهائل من الروايات عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى الرغم من أنّه لم يكن يكتب الحديث ولكنّه حفظ هذا العدد الهائل من الروايات عن ظهر قلب.

وقد روى سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن وهب بن منبه، عن أخيه همام، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ما أحد من أصحاب رسول اللّه أكثر حديثاً عنه منّي، إلاّما كان من عبد اللّه بن عمرو، فانّه كان يكتب و كنت لا أكتب.(٣)

وعلى ضوء ذلك فيلزم أن يكونا متكافئين في نقل الحديث مع أنّ المروي عن عبد اللّه بن عمرو أقل بكثير عمّا روي عن أبي هريرة.

فإذا كان المروي عن أبي هريرة ٥٣٧٤ حديثاً، فلازمه أن يكون المروي عن عبد اللّه بن عمرو مثل هذا أو أكثر، مع أنّ المروي عنه سبعمائة حديث، فتكون النسبة بينهما هي السُّبْع، وهذا إن دلّعلى شيء فإنّما يدل على ضعف الاعتماد على مروياته.

وقد اعتذر المعلِّق على سير أعلام النبلاء عن هذا الفارق الشاسع بين الراويتين بوجوه ضعيفة لا يُركن إليها. فمن جملة ما اعتذر به: «انّ عبد اللّه كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلّت الرواية عنه»(٤) وفي الوقت

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٢/٥٧٨ برقم ١٢٦.

٢ سير أعلام النبلاء:٢/٥٧٨ برقم ١٢٦.

٣ مختصر تاريخ ابن عساكر: ٢٩/١٩١.

٤ سير أعلام النبلاء: ٢/٥٩٩.


نفسه يذكر في الوجه الرابع ما يخالف ذلك و يقول: «إنّ عبد اللّه كان قد ظفر بالشام بحِمْل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدِّث منها، فتجنّب الاَخذ عنه لذلك كثير من أئمّة التابعين».

إنّ عناية عبد اللّه بكُتب أهل الكتاب والنظر فيها والتحديث منها يعرب عن اشتغاله بالتعليم أكثر من العبادة، أو مثلها ولو كان أبو هريرة يحسن القراءة والكتابة أو يمارسها لنقل من حِمْل ذلك الجمل ما شاء.

وعلى أية حال فقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت ٢٧٤٠ حديثاً.(١) ضولكن الموجود في مسند أبي هريرة تأ عمر علوش أكثر من ذلك حيث بلغ عدد أحاديثه من المسند والموقوف والمعلّق إلى ٦٤٢٨، وقد جمع ما روي عنه في ثلاثة أجزاء أسماه «التمام الحسن» وهو تتمة جامع المسانيد والسنن تأليف عماد الدين ابن كثير القرشي، طبع في دار الفكر، بيروت.

ملامح من شخصيته

يظهر ممّا روي عنه من الاَقوال والاَفعال انّه كان كثير الهزل، يمارس على كبر سنّه ما يمارسه الاَطفال من الاَفعال.

يقول ابن قتيبة نقلاً عن أبي رافع: كان مروان ربّما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير فيلقى الرجل، فيقول: الطريق قد جاء الاَمير.

وربّما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون

____________________

١ انظر المسند الجامع:١٦ و١٧و١٨، ولكن المسند الجامع ليس بجامع لا في هذا المورد، ولا في موارد أُخر، وقد وقفنا على روايات لاَبي هريرة في الصحيحين والسنن لم تُذكر في الجامع.


بشيءحتى يلقي نفسه بينهم و يضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرُّون.

وربّما دعاني إلى عشائه بالليل، فيقول: دع العراق للاَمير، فانظر فإذا هو ثريدة بزيت.(١)

ونقل عن سعد بن أبي مالك القرظي، قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للاَمير.(٢)

حبّه للثروة

يدل ما أثر عنه من فعل وقول انّه كان رجلاً محبّاً للمال وذاخراً له، فلنأت ببعض النماذج الدالة على ذلك:

فعن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، وإذا أمسك عنه تكلّم.(٣)

روى إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: انّعمر قال لاَبي هريرة: كيف وجدت الاَمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، و نزعتني وقد أحببتها.وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين.

فقال: ما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً.

قال: من أين أصبتها ؟ قال: كنت أتّجر، قال: أنظر إلى رأس مالك و رزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال.(٤)

صلته بالبيت الاَموي

وممّا لا يمكن إنكاره انّه كان له صلة وثيقة بالبيت الاَموي، ولذلك كان

____________________

١ ابن قتيبة، المعارف، ص ١٥٨.

٢ أبو نعيم، حلية الاَولياء:١/٣٨٤.

٣ سير أعلام النبلاء:٢/٦١٥.

٤ المصدر السابق:٢/٦١٧- ٦١٨.


ينوب مروان بن الحكم في المدينة.

يقول ثابت بن مشحل: قال: كتب الوليد إلى معاوية بموت أبي هريرة، فكتب إليه: أنظر من ترك فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم وافعل إليهم معروفاً فانّه كان ممن نصر عثمان و كان معه في الدار.(١)

روى عاصم بن محمد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة فيقبض على رمانتي المنبر قائماً ويقول: حدثنا أبو القاسم الصادق المصدوق، فلا يزال يحدِّث حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الاِمام للصلاة جلس.(٢)

هذا وغيره يدل على أنّه كان عثمانيّ الهوى، أمويّ النزعة وإن كان لا يتجاهر به إلاّ انّه يعلم من أحواله، ومع ذلك ففي أحاديثه ما يظهر منه التعاطف مع الحسنينعليهما‌السلام .

دراسة الاِطراءات الواردة في حقّه

قد رويت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إطراءات عديدة في حقّ أبي هريرة، تشير إلى أنّه كان موضع اهتمام من قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعلّمه من العلوم النبوية ما لم يُعلّم غيره، ودعا له أن لا ينسى ما تعلمه، فلو ثبتت تلك الروايات، فهو كما قال الذهبي: سيد الحفاظ الاَثبات، ولكن تلك الاِطراءات لم تنقل عن غير طريق أبي هريرة إلاّ القليل، فلنذكر بعض ما رواه هو:

١. روى انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ قلت: أسألك أن تعلمني ممّا علّمك اللّه، فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأنّي أنظر إلى النمل يدبّ

____________________

١ الحاكم النيسابوري، المستدرك:٣/٥٠٨و٥١٢.

٢ الحاكم النيسابوري، المستدرك:٣/٥٠٨و٥١٢.


عليها فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه.

قال: أجمعها فصرها إليك، فأصبحت لا أسقط حرفاً ممّا حدثني.

٢. و قال يوماً: إنّكم تقولون انّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللّه، وتقولون ما للمهاجرين والاَنصار لا يحدّثون مثله، و إنّ إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاَسواق، وكان إخواني من الاَنصار يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرىًَ مسكيناً من مساكين الصفّة، ألزم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ملء بطني، فأحضُر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال رسول اللّهفي حديث يحدِّثه يوماً:

انّه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثمّ يجمع إليه ثوبه الاّ وعى ما أقول، فبسطت نمرة عليَّ، حتى إذا قضى مقالته، جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك من شيء.

٣. روى الزهري، عن الاَعرج، عن أبي هريرة ،قال: قال أتزعمون انّي أكثر الرواية عن رسول اللّه - واللّه الموعد - انّي كنت امرأً مسكيناً أصحب رسول اللّه على ملءِ بطني وإنّه حدَّثنا يوماً، وقال: من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي، ثمّ قبضه إليه(١) لم ينس شيئاً سمع مني، ففعلت. فوالذي سمعته منه.(٢)

وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر الاسنادين: والاسنادان جميعاً محفوظان صححهما الشيخان.(٣)

____________________

١ كذا في المصدر الصحيح ثمّ يقبضه إليه.

٢ سير أعلام النبلاء: ٢/٥٩٥.

٣ فتح الباري: ١/١٠٤.


وهاهنا سوَالان:

الاَوّل: لماذا خصّص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الكرامة بأبي هريرة دون سواه من أصحاب الصفة، ولا أظنُّ انّه لم يكن يوجد بينهم من هو عدل لاَبي هريرة في النيل بهذه الكرامة؟

والثاني: ما معنى انّه بسط ثوبه وأفضى النبي جميع مقالته في ثوبه ثمّهو قبضه إلى صدره فصار ما ألقاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عجيناً مع روحه ونفسه فلم ينس ما سمعه أبداً؟

فلو كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد أن يُخصِّص هذه الكرامة بأبي هريرة لكان له أن يضع يده على صدره ويدعو له كما فعل ذلك مع غيره نظير، الاِمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام كلّهذه النصوص المنتهية إليه تجعل الاِنسان في حيرة من أمر هذا الرجل.

أبو هريرة متهم في روايته

يظهر ممّا نقله الذهبي وغيره انّ الرجل كان متهماً في روايته بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عهد الخلافة وبعدها، وإليك بعض ما نقله في ذلك المقام.

١. أخرج غير واحد من الموَرّخين والمحدّثين، عن السائب بن يزيد انّه سمع عمر يقول لاَبي هريرة: لتتركنّالحديث عن رسول اللّه وإلاّ لاَلحقنّك بأرض الدوس.(١)

وقال لكعب: لتتركنّ الحديث أو لاَلحقنَّك بأرض القردة.(٢)

لم يكن الخليفة مانعاً عن التحديث بقلة، ولذلك كان يقول: «أقلّوا الرواية

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠١.

٢ سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠١.


عن رسول اللّه »وإنّما خالف أبا هريرة في تكثيره.

٢. روى ابن عجلان أنّ أبا هريرة، كان يقول: إنّي لاَحدِّث أحاديث لو تكلّمت بها في زمن عمر ، لشجّ رأسي.

٣. روى الشعبي قال: حدث أبو هريرة فسرد عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام حتى ارتجَّت الاَبواب.

٤. روى إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكثرت يا أبا هريرة عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: أي واللّه يا أُمّاه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المِكْحَلةُ، ولا الدهن، قالت: لعلّه.

٥. لما أرادوا أن يدفنوا الحسن في الحجرة النبوية وقع خصام.

قال الوليد بن رباح: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: واللّه ما أنت وال،وانّ الوالي لغيرك، فدعه - يعني حين أرادوا دفن الحسنعليه‌السلام مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ولكنّك تدخل فيما لا يعنيك، إنّما تريد إرضاء من هو غائب عنك - يعني معاوية -.

فأقبل عليه مروان مغضباً، وقال: يا أبا هريرة، إنّ الناس قد قالوا أكثر أبو هريرة الحديث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّما قدم قبل وفاته بيسير.(١)

٦.أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبو هريرة، قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفضل الصدقة ماترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.

ويقول العبد: اطعمني واستعملني.

ويقول الابن: اطعمني إلى من تدعني؟

فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠٥.


قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.(١)

ورواه الاِمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.(٢)

انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الرواية إلى النبيبضرس قاطع، ولكنّه عندما سُئل عن سماع الحديث من رسول اللّهعدل عمّا ذكره أولاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.

وبعد هذا فهل يصح توثيقه؟!

هذه النصوص تعرب عن أنّ الرجل كان متهماً في عصره، وإن كان هو يبرّر عمله بأنّ الآخرين كانوا منشغلين بالصفق في الاَسواق أو بالمرآة والمكحلة والدهن، ولكن كان في القوم من لم يكن له ذلك الشأن كعلي بن أبي طالبعليه‌السلام وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأُبيّ بن كعب وأبي أيوب الاَنصاري وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرو، إلى غير ذلك من أقطاب الحديث، الذين كان لهم شغف بنقل الحديث وضبطه وتحديثه، ومع ذلك لم يبلغ حديث أكثرهم معشار ما نقله أبو هريرة.

كان أبو هريرة يجلس إلى حجرة عائشة فيحدِّث، ثمّ يقول: يا صاحب الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئاً؟

فلما قضت صلاتها، لم تُنكر ما رواه، لكن قالت: لم يكن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسرد الحديث سردكم.

وكذلك قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدِّث به أبو هريرة شيئاً ؟ فقال: لا، ولكنّه اجترأ، وجبُنّا.

____________________

١ صحيح البخاري:٧/٦٢، ٦٣، باب وجوب النفقة على الاَهل والعيال من كتاب النفقات.

٢ مسند أحمد: ٢/٢٥٢.


فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا.(١)

قال ابن عساكر: إنّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا لها: إنّ أبا هريرة يقول: إنّ الطيرة في الدار والمرأة والفرس، فقالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قاله إنّما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك.

وعن عائشة انّها قالت لاَبي هريرة: إنّك تحدّث عن رسول اللّه أشياء ما سمعتها منه؟! فقال لها مجيبا: إنّه كان يشغلك عن تلك الاَحاديث، المرآة والمُكْحُلة.(٢)

هذه النصوص توقفك على حقيقة الحال وانّ الرجل كان متّهماً في روايته في عصره، ولكن القول بعدالة الصحابة حال بين المحققين والتحقيق في رواياته ومروياته، ولولا ذلك لما أخذوا بكثير ممّا عزاه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

التحديث بنصف ما معه

يظهر ممّا رواه أبو هريرة انّه إنّما حدَّث بنصف ما وعاه عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » وحبس النصف الآخر لاَنّ الظروف لم تساعد لبثّه.

روى البخاري، عن المقبُري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول اللّه وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.(٣)

التدليس في الحديث

قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة، يقول: كان أبو هريرة يدلّس.

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠٧.

٢ مختصر تاريخ ابن عساكر:٢٩/١٩٥- ١٩٦.

٣ صحيح البخاري: ١/٣١، باب حفظ العلم من كتاب الايمان.


وذكره ابن عساكر في تاريخه والحافظ ابن كثير في البداية.(١)

ولما كانت شهادة شعبة تحطُّ من مكانة أبي هريرة عاد الذهبي ناقضاً للقاعدة، فقال:

قلت: تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه، فانّ تدليسهم عن صاحبٍ أكبر منهم، والصحابةكلّهم عدول.

وأنت خبير بأنّ التدليس من أسباب الضعف، فكيف صار هناك من أسباب الفخر، حيث قال: إنّتدليسهم عن صاحب أكبر منهم.

وقد أشار الحافظ ابن كثير في البداية إلى تفسير كلام شعبة، بقوله: وكان شعبة يشير بهذا إلى حديث: «من أصبح جنباً فلا صيام له» فانّه لما عوتب عليه، قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وسيوافيك عند دراسة أحاديثه انّه نسب هذا الحديث إلى الرسولص، فلمّا شهد غير واحد من الصحابيات على خلافه، قال: أخبرني به الفضل بن العباس.

وأيّ تدليس كان أعظم من ذلك؟ بل كان ينسب ما سمعه من كعب الاَحبار إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو من أسوأ التدليسات، وها نحن نوقفك على نموذج من هذا النوع من التدليس الذي كان يرتكبه أبو هريرة.

روى الطبري عن أبي نعيم، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر.

قال: وكان متكئاً فاحتفز، ثمّقال: وما ذاك؟ قال: زعم انّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كانّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم.

____________________

١ انظر سير أعلام النبلاء:٢/٦٠٨ قسم التعليقة.


قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووضعت أُخرى غضباً ، ثمّ قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الاِسلام، اللّه أجل وأكرم من أن يعذِّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك و تعالى( وَسخّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائبَيْن ) إنّما يعني دوَوبهما في الطاعة فكيف يعذِّب عبدين يُثني عليهما انّهما دائبان في طاعته؟! قاتل اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجرأه على اللّه وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين للّه.

قال: ثمّ استرجع مراراً وأخذ عُوَيداً من الاَرض فجعل ينكته في الاَرض، فظلّ كذلك ما شاء اللّه، ثمّ إنّه رفع رأسه ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعت من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما فقلنا: بلى رحمك اللّه....(١)

وهذا النسج الخرافي للقصة التي حاكتها مخيّلة كعب وأضرابه، رواها أبو هريرة مباشرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

روى ابن كثير في تفسير سورة التكوير:

حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد اللّه الداناج، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمان بن خالد بن عبد اللّه القسري في هذا المسجد، مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه، فحدث، قال: حدثنا أبو هريرة: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة، فقال الحسن: وما ذنبهما؟

فقال: أحدثك عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتقول أحسبه، قال: وما ذنبهما.(٢)

ترى أنّ حديثاً واحداً يرويه رجل عن كعب، وفي الوقت نفسه يرويه أبو هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبما انّ كعباً لم يدرك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ تاريخ الطبري: ١/٤٤.

٢ تفسير ابن كثير: ٧/٢٢١، تفسير سورة التكوير.


لم يستطع أن ينسبه إليه وبما انّ أبا هريرة أدرك عصر الرسالة أخذ بالتدليس فنسب ما سمعه عن كعب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .وأيّ تدليس أسوأ من ذلك؟ وليس هذا إلاّ من مقولة الكذب المنافي للعدالة.

ومما يقضى منه العجب ما ذكره أبو جعفر الطحاوي لتصحيح هذا الاَثر حيث قال: إنّ الشمس والقمر كالملائكة الموكلين لاَهل النار، معذِّبان لاَهل النار لا معذَبان فيها، إذ لا ذنوب لهما(١)

يلاحظ عليه: أنّ التفسير خلاف ما فهمه المخاطبون بهذا الحديث، مضافاً إلى أنّه لا يناسب قوله «عقيران» وما العقر إلاّ لتعذيبهما.

وحيث إنّ أهل السنة ذهبوا إلى عدالة الصحابة بأجمعهم أخذوا بروايات أبي هريرة وأمثاله دون أدنى تحقيق، و إذا فتشوا عن اسناد الرواية فإنّما يفتشون عمّن ورد اسمه قبل الصحابة، فإذا وصل الكلام إليهم يكسر القلم ويُضبط اللسان فلا كلام فيهم و إن صدر عنهم ما صدر.

إنّ تقديس جميع من أسموهم بالصحابة لمجرد أنّهم رأوا الرسولص أو سمعوا حديثه أو صاحبوه ولو زمناً قصيراً ممّا لا يمكن تصديقه، لاَنّ مجرد الصحبة لا يُضفي على المصاحب ثوب القداسة ولا يخلق حوله هالة من التقديس بعد ما شهد القرآن والسنّة على كون لفيف منهم مصدراً للفتنة والفساد، وهذا هو الذكر الحكيم يصرّح ويقول:

( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلى النِفاقِ لا تعلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (التوبة/١٠١).

وهوَلاء الذين مردوا على النفاق كانوا مندسّين بين الصحابة، ولم يكن عددهم قليلاً، وإلاّ لما استأثروا باهتمام بالغ من قبل القرآن الكريم في غير واحد من سوره وآياته.

____________________

١ مشكل الآثار: ١/٤٨.


إنّه سبحانه يصف بعض الصحابة بالفسق ويقول:( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فتَبَيَّنُوا ) (الحجرات/٦).

فمن هذا الفاسق الذي أخبر القرآن عنه بين صحابته؟ و ما هو إلاّ الوليد ابن عقبة الذي صاحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعواماً عديدة.

وليس الوليد نسيج وحده في هذا المضمار، بل انّ كثيراً من الصحابة تركوا النبي قائماً حينما كان يخطب للجمعة وخرجوا من المسجد طلباً لحطام الدنيا، فنزل قوله سبحانه:( فَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَ-هْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرّازِقين ) (الجمعة/١١).

أترى أنّ من يرجح اللهو وحطام الدنيا على صلاة الجمعة يكون من القدِّيسين و من العدول الذين تنبض قلوبهم بذكر اللّه ويخافون يوماً قمطريراً ؟!

ويكفي من السنة ما وردت حول ارتداد الصحابة عقب وفاة النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » وقد رواها البخاري في كتاب الفتن.(١)

وقد جمعها ابن الاَثير في جامعه فبلغت عشرين حديثاً فلاحظ.(٢)

وفاته

توفي أبو هريرة سنة ٥٧ وقيل ٥٨ وهو ابن ٧٨، قيل مات بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و كان أميراً على المدينة لعمِّه معاوية بن أبي سفيان.(٣)

وقد مضى الرجل وعزّي إليه أحاديث كثيرة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي بين صحيحةتعلو على هامّاتها سمات الصحة والاتقان، وسقيمة مخالفة لكتاب اللّه والسنّة الثابتة والعقل الحصيف، فمن أراد تنزيه السنة النبوية

____________________

١ صحيح البخاري: ٩/٤٢، كتاب الفتن.

٢ جامع الاَُصول:١٠/٤٦٨-٤٧٣، باب صفة الحوض من كتاب القيامة.

٣ ابن الاَثير: أُسد الغابة:٥/٣١٧، قسم الكنى.


وتمحيصها، فعليه بدراسة روايات هذا الصحابي، وكفانا موَونة ذلك ما ألّفه العالمان الكبيران أحدهما شيعي والآخر سني، فالاَوّل هو العلم المفرد المجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي فقد فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الاُمّة ونشر كتابه المعروف ب-«أبو هريرة».

وأمّا الثاني فهو الكاتب المجاهد محمود أبو رية موَلف كتاب «أبو هريرة شيخ المضيرة» فقد بلغا الغاية في دراسة رواياته.ولقد صدرنا في بعض ما ذكرناه في المقام عمّا أفاده العلمان لا سيما ما أفاده العلاّمة شرف الدين العاملي «طيب اللّه رمسه».

ولنذكر شيئاً من روائع أحاديثه

١. أخرج مسلم، عن سعيد بن المسيب انّ أبا هريرة أخبره انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّاللّه، فمن قال: لا إله إلاّاللّه عصم منّي ماله ونفسه إلاّبحقه وحسابه على اللّه.

وفي لفظ آخر عن أبي هريرة، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّاللّه، ويوَمنوا بي، و بما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّبحقها، وحسابهم على اللّه.(١)

وهذه الرواية نقلت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متضافرة، نقلها غير واحد من الصحابة.

٢. أخرج مسلم، عن أبي سهيل، عن أبيه ،عن أبي هريرة انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان.(٢)

٣. أخرج أحمد ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: للصائم فرحتان: فرحة في الدنيا عند إفطاره، وفرحة في الآخرة.(٣)

____________________

١ صحيح مسلم:١/٣٩، باب الاَمر بقتال الناس.

٢ صحيح مسلم: ١/٥٦، باب خصال المنافق.

٣ مسند أحمد:٢/٣٤٥.


٤. أخرج أحمد، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رُبّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظه من قيامه السهر.(١)

٥. أخرج ابن ماجة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أعان على قتل موَمن بشطر كلمة لقي اللّه عزّ وجلّ: مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللّه(٢)

٦. أخرج الترمذي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » قال:المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والموَمن من أمنه النّاس على دمائهم وأموالهم.(٣)

٧. أخرج أحمد، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » :من سنّ سنّة ضلال اتّبع عليها، كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، و من سنّ سنّة هدى فاتّبع عليها كان له مثل أُجورهم من غير أن ينقص من أُجورهم شيء.(٤)

٨. أخرج الترمذي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال: إنّ الدين النصيحة، إنّالدين النصيحة، إنّالدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولاَئمّة المسلمين وعامتهم.(٥)

٩. أخرج الترمذي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:

سئل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أي الاَعمال أفضل،

____________________

١ مسند أحمد:٢/٣٧٣.

٢ سنن ابن ماجة: ٢/٨٧٤ برقم ٢٦٢٠.

٣ سنن الترمذي: ٥/١٧ برقم ٢٦٢٧.

٤ مسند أحمد:٢/٥٠٤- ٥٠٥.

٥ سنن الترمذي: ٤/٣٢٤ برقم ١٩٢٦.


وأيّالاَعمال خير؟ قال: إيمان باللّه ورسوله، قيل: ثمّ أيّ شيء؟ قال: الجهاد سنام العمل، قيل : ثمّ أيّ شيء يا رسول اللّه؟ قال: ثمّ حجّ مبرور.(١)

١٠. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

«إيّاكم والظلم، فانّ الظلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، فانّ اللّه لا يحب الفاحش المتفحش، وإيّاكم والشحّ، فانّه دعا مَنْ كان قبلكم، فقطعوا أرحامهم، ودعاهم فاستحلوا محارمهم.(٢)

هذه طائفة من روائع رواياته، ولكن عزيت إليه روايات سقيمة لا يصحّ عزوها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمخالفتها للمعايير العامة لصحّة الحديث التي استوفينا الكلام حولها في صدر الكتاب وإليك نزراً منها.

١. محاولة عفريت من الجن قطع صلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج مسلم في صحيحه، عن ابن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّعفريتاً من الجنّ جعل يفتك(٣) عليَّ البارحة ليقطع عليَّ الصلاة، و انّ اللّه أمكنني منه فذعته،(٤) فلقد هممت أن أربطه إلى جانب سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم، ثمّ ذكرت قول أخي سليمان:( رَبِّ اغفِرَ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنبَغِي لاَحَدٍ مِن بَعْدِي ) فردّه اللّه خاسئاً.(٥)

____________________

١ سنن الترمذي: ٤/١٨٥ برقم ١٦٥٨.

٢ البخاري: الاَدب المفرد، ص ١٧٠ برقم ٤٨٧.

٣ العفريت: العاتي المارد من الجن: الفتك: هو الاَخذ في غفلة وخديعة.

٤ خنقته ، وفي نقل فدعته: دفعته دفعاً شديداً.

٥ صحيح مسلم: ٢/٧٢، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والآية ٣٥ من سورة ص.


وفي الحديث تساوَلات:

أوّلاً: انّ المنقول عن أبي هريرة يختلف مضمونه مع ما نقل عن أبي سعيد الخدري، حيث نقل عنه الاِمام أحمد:«انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام فصلّى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي فمازلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام والتي تليها،ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية، من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل.(١)

كما انّ مضمونه يختلف عمّا رواه نفس مسلم، عن أبي الدرداء، في ذلك المقام قال: قام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسمعناه يقول: أعوذ باللّه منك، ثمّقال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، و رأيناك بسطت يدك؟ قال: إنّ عدو اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة.(٢)

والظاهر وحدة الواقعة، والاختلاف في المضمون بيّن غني عن البيان، كلّذلك يسلب الاعتماد على هذه النقول مع وحدة الواقعة.

وثانياً: انّ الرواية تعرب عن أنّ لاِبليس وجنوده سلطة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ مسند أحمد:٣/٨٢.

٢ صحيح مسلم:٢/٧٣، باب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة.


حيث أخذه في غفلة وخديعة، كما يشهد عليه قوله «يفتك»، وهذا ما يكذبه الكتاب العزيز ويقول:( إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُون ) (النحل/٩٩)وحمل السلطة على خصوص الاِغواء خلاف الاِطلاق.

وثالثاً: انّ الرواية تدل على مشاهدة الناس للجن، ولذلك صمَّم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أن يربط ذلك العفريت العاتي المارد من الجن، على سارية من سواري المسجد حتى يصبح الناس وينظروا إليه، مع أنّه خلاف القرآن الكريم، حيث يقول:( إِنَّهُ يَراكُم هُوَ وَقَبيلُهُ مِنْحَيْثُ لا تَرَونَهُمْ ) (الاَعراف/٢٧).

وحمله على غالب الناس خلاف الظاهر، وعلى فرض الصحّة فأهل المدينة من تلك الاَغلبية الذين لا يستطيعون روَية الجن.

ورابعاً: الرواية تدل على أنّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انصرف عن عمله، لاَنّه ذكر قول أخيه سليمان:( ربِّ اغْفِر لي وَهَبْلي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لاَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) فلاَجل ذلك ردَّ اللّه ذلك الجن خاسئاً ذليلاً صاغراً مطروداً.

ولكن الآية لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافهص، وذلك لاَنّها لا تدل على أنّ ربط الجن العاتي من خصائص سليمان، فما هو من خصائصه هو الملك المبني على قدرة قاهرة واستخدام الجن والاِنس والطير إلى غير ذلك مما جاء في الذكر الحكيم من الجنود، وأين هذا من ربط الجن العاتي بسارية من سواري المسجد في مورد واحد؟

فنفس الرواية حاكية على أنّها مندسة بين الروايات ، فنجلّ ساحة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستدل بآية على أمر ليس فيها دلالة عليه.

٢. الشيطان إذا سمع الاَذان ولّى

أخرج أحمد، عن عبد الرحمان بن يعقوب، عن أبي هريرة، قال: قال


رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا سمع الشيطان الاَذان ولّى وله ضراط حتى لا يسمع الصوت.(١)

أقول: نحن لا نعلِّق على هذا الحديث شيئاً، ولكن هل للشيطان قدرة على هذا العمل الذي هو من شوَون الموجود المادي؟!

ثمّ على فرض صحته، فالاَذان ظاهرة مستمرة بين المسلمين حسب اختلاف الآفاق، والشيطان له إحاطة بالبشر فهو يواجه في كلّحين أذاناً في البلدان المختلفة، فهل يقوم بذلك العمل حسب استمرار الاَذان في بلدان المسلمين ليلاً ونهاراً ؟ لا أدري ولا المنجم يدري ولا القراء يدرون!!

إضافة إلى أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إنساناً حَييّاً حسب ما ورد في الروايات، فمن البعيد أن يتفوّه بتلك الكلمة.

٣. وجوب الجهاد تحت راية كلّ برّ وفاجر

أخرج أبو داود في سننه، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كلّمسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر.(٢)

أقول: الجهاد لا ينفك عن التصرف في الاَنفس والاَعراض والاَموال، فكيف يجب مع أمير فاجر، مع أنّه ربما يدعو إلى العيث والفساد والعصيان وقتل الاَبرياء وهتك الاَعراض وغصب الاَموال؟

____________________

١ مسند أحمد:٢/٤١١.

٢ سنن أبي داود: ٣/١٨ برقم ٢٥٣٣.


ولقائل أن يحمل الرواية على ما إذا دعا الاَمير الفاجر إلى البرّ والاِحسان، ولكنّه في غير محله، لاَنّ معرفة ذلك في ميادين الجهاد أمر صعب جداً لو لم يكن بمتعذر.

فمن مارس الجهاد في ساحات الوغى ، يعلم انّه لا يمكن لمجاهد أن يتفحص في الاُمور المشتبهة ويأخذ بالبر ويترك خلافه. فالحقّانّ الجهاد إنّما هو مع إمام عادل لا الاَعم من البرّ والفاجر، والرواية من صنائع يد السياسة التي تبغي من وراء ذلك إضفاء المشروعية على الجهاد تحت لواء الطلقاء وأبناء البيت الاَموي.

ولكن المروي عن أئمّة أهل البيت خلاف ذلك.

قال الاِمام الرضاعليه‌السلام :والجهاد واجب مع الاِمام العادل.(١)

وقال الاِمام الصادقعليه‌السلام : إنّ القتال مع غير الاِمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.(٢)

إلى غير ذلك من الروايات.

٤. قبول التوبة مع عدم الندم

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يحكي عن ربّه عزّوجلّ، قال: ذنب عبد ذنباً، فقال: اللّهمّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذّنب، ثمّ عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي

____________________

١ الوسائل: ١١، كتاب الجهاد، الباب ١، الحديث ٢٤، من أبواب جهاد العدو.

٢ المصدر نفسه، الباب ١٢، الحديث ١، من أبواب جهاد العدو.


ذنبي، فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذّنب، ثمّعاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك.(١)

يلاحظ عليه : أنّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على المعصية والعزم على ترك المعاودة في المستقبل، وإلاّفلو لم يعزم على ترك المعاودة فهو دليل على عدم ندمه.

فإذا كان هذا حقيقة التوبة التي يصبح التائب معه كمن لا ذنب له، فلم تكن متحققة في توبة الرجل فكيف قُبلتْ توبته؟

وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على ما فعل من المعصية، والعزم على ترك المعاودة إليها في المستقبل، وهذا هو الذي دعا إليه الذكر الحكيم بقوله:( يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوبَةً نَصُوحاً ) (التحريم/٨).

قال الراغب: التوبة النصوح: ما يصرف صاحبه عن العودة إلى المعصية، أو ما يخلص العبد للرجوع عن الذنب فلا يرجع إلى ما تاب منها.(٢)

وعلى ذلك ففي الرواية ملاحظتان:

الاُولى: انّالظاهر من الرواية انّ التوبة لم تكن جامعة للشرائط ومنها الندم على ما مضى، بل كان يذنب رجاء غفران الرب له من دون الندم، وهذه الفكرة من الوهن بمكان، لاَنّ الربّ إنّما يغفر الذنوب إذا تاب العاصي توبة نصوح،

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/٩٩، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب؛ صحيح البخاري:٩/١٤٥، باب قول اللّه تعالى(يريدون أن يبدّلوا كلام اللّه).

٢ وقد تضافرت الروايات عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أنّ المراد من التوبة النصوح هو أن يتوب الرجل من العمل السيّء ثمّ لا يعود إليه أبداً، أخرجه السيوطي عن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن مسعود وابن عباس، ومجاهد، وقتادة (الدر المنثور:٨/٢٢٧).


نابعة من الندم، على ما مضى فكيف قبلت توبته في كلّمرّة؟

الثانية: انّ قوله سبحانه: «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» هو في الواقع رخصة في ارتكاب الآثام والمعاصي دون أي وازع، وحاشا للّه أن يرخّص للعبد في ارتكاب المعاصي إلى ما شاء بمجرد انّه غفار للذنوب وإن عصى وتاب إلى ما شاء اللّه.

٥. النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمنع من كتابة الحديث

أخرج أحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال:

كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟

فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب اللّه؟ فقلنا: ما نسمع، فقال: اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه أو خلّصوه، قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار.

قلنا: أي رسول اللّه، أنتحدَّث عنك؟ قال: نعم، تحدَّثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعده من النار. قال: فقلنا: يا رسول اللّه أنتحدَّث عن بني إسرائيل؟ قال: نعم. تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فانّكم لا تحدَّثون عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه.(١)

وفي الحديث ملاحظات:

الاُولى: انّ هذا الحديث يعارض مع كثير ممّا يدل عن أنّ النبيرخّص في الكتابة، ونحن نذكر موجزاً ممّا وقفنا عليه، وقد مرّ أيضاً في المقدمة.

____________________

١ مسند أحمد:٣/١٢.


١. ما رواه البخاري، عن أبي هريرة انّخزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فركب راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل (شك أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّهوالموَمنين. ألا وإنّها لم تحلَّ لاَحد قبلي ولم تحلَّ لاَحد بعدي - إلى أن قال - : فجاء رجل من أهل اليمن،فقال: اكتب لي يا رسول اللّه فقال: اكتبوا لاَبي فلان - إلى أن قال: - كتب له هذه الخطبة.(١)

٢. روى البخاري، عن أبي هريرة، يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو فانّه كان يكتب ولا أكتب.(٢)

٣. ما رواه البخاري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغَّط، قال: قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس، يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين كتابه.(٣)

٤. عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء

____________________

١ صحيح البخاري: ١/٢٩- ٣٠، باب كتابة العلم، الحديث ١١٢.

٢ المصدر نفسه: ١/٣٠، باب كتابة العلم، الحديث ١١٣.

٣ صحيح البخاري: ١/٣٠، باب كتابة العلم.


سمعته من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حق.(١) ٥. ما رواه نفس أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : استعن بيمينك وأومأ بيده للخط.(٢) إلى غير ذلك من الروايات الحاثة على كتابة السنة قولاً وتقريراً التي هي فوق المال الذي هو زينة الحياة الدنيا، وقد أمر سبحانه أن يكتب الدين وقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ - إلى أن قال: -وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ) (البقرة/٢٨٢). الثانية: انّ أبا هريرة كان أُمياً لا يجيد القراءة والكتابة كما مرّفي حديث وهب بن منبه عن أخيه همام(٣) فكيف يقول كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟ ولاَجل ذلك سأل رسول اللّه أن يدعو له بعدم النسيان. قال: قلت: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه، قال: ابسط رداءك فبسطته فغرف بيديه، ثمّ قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئاً بعده.(٤) الثالثة: انّ الرواية تصرح بأنّ أبا هريرة ومن كان معه من الجماعة الذين

____________________

١ سنن أبي داود:٣/٣١٨برقم ٣٦٤٦، باب في كتاب العلم؛ مسند أحمد:٢/١٦٢؛ سنن الدارمي:١/١٢٥، باب من رخَّص في كتابة العلم.

٢ سنن الترمذي:٥/٣٩برقم ٢٦٦٦.

٣ لاحظ ص ٣٠٠ من هذا الكتاب.

٤ صحيح البخاري: ١/٣١، باب حفظ العلم.


كانوا يكتبون الحديث جمعوا ما كتبوا ثمّ أحرقوه بالنار، وهو معارض لما تضافر عن الخليفة الثاني من انّه أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً.(١) فلو كان هناك حظر عن تدوين الحديث إلى حد فهم أبو هريرة وأضرابه انّه يجب اعدام ما كُتِب بالاحراق، لما شاور عمر بن الخطاب أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتابة الحديث، بل منع عنها بلا تشاور، فاستخارته شهراً يدل على عدم صدور نهي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الرابعة: انّ ظاهر قوله: «قلنا أي رسول اللّه أنتحدث عنك؟ قال: نعم تحدثوا عني ولا حرج» لا يلائم مع منعهم عن كتابة الحديث إذ أيّ فرق بين صيانة الحديث بالكتابة أو صيانته بالتحدّث، فما هو الوجه من التفريق بين الكتابة والتحديث؟ وتصور انّ كتابة الحديث يوجب اختلاطه بالقرآن فهو اعتذار بوجه أسوأ، فانّ القرآن معجزة بلفظه و معناه لا يشابهه غيره ولا يخالطه شيء، وقد مرّ تفنيده في مقدّمة الكتاب فلاحظ. والعجب مما نقله عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه أجاز التحدّث عن بني إسرائيل، قال: تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. كيف يجوّز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التحدّث عن بني إسرائيل مع أنّهم كانوا يحرّفون التوراة والاِنجيل، وكانوا يتاجرون بكتبهم المحرفة؟ قال

____________________

١ تقييد العلم، ص ٤٩.


سبحانه:( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ ) (البقرة/٧٩). لا أدري ماذا يستفيد المجتمع الاِسلامي من الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات التي لعب بها الدهر والزمان، وكانت النقلة طيلة الزمان يتاجرون بما جاء فيها ويروون ما يوافق أهواء الجهاز الحاكم؟ والحديث وُضع لجواز التحديث عن بني إسرائيل، وقد حدَّث أبو هريرة عن طريق كعب الاَحبار عنهم - أعاذنا اللّه من شرورهم - وأكثر ما يرويه أبو هريرة من القصص عن بني إسرائيل منتهية إلى أُستاذه كعب الاَحبار - الذي قال في حقه: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة(١) وإن صبّها في قالب الحديث عن الرسول الاَعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٦. من هو خالق اللّه؟ روى مسلم عن يزيد بن الاَصمّ قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليسألنّكم الناس عن كلّشيء حتى يقولوا: اللّه خلق كلّشيء، فمن خلقه؟!(٢) وأخرج أيضاً عنه، قال: قال لي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا هذا اللّه، فمن خلق اللّه؟ قال: فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الاَعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللّه فمن خلق اللّه؟! فأخذ حصىً بكفه فرماهم، قال: قوموا صدق خليلي.(٣) والحديث يعرب انّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يُعلِّم أبا هريرة

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٢/٦٠٠.

٢ صحيح مسلم:١/٨٤ -٨٥، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.

٣ صحيح مسلم:١/٨٤ -٨٥، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.


جواب السوَال، ولذلك لما سأله الاَعراب أخذ حصىً بكفّه فرماهم وأمرهم بالقيام. مع أنّ هذا بعيد عن أدب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّ السوَال لائق بالبحث، لاَنّه يخطر هذا السوَال في ذهن كثير من الناس، فالمترقب من الرسول الاَعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا تنبأ عن مستقبل أبي هريرة أن يُعلّمه الجواب. والحديث إمّا مكذوب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى فرض الصحّة فهو يعرب عن عدم استعداده لتلقي الجواب. مع أنّ الاِمام أحمد نقل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه علم الاُمّة جواب هذا السوَال، فقال: قال: قال جعفر: بلغني انّ النبيقال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان قبل كلّ شيء، واللّه خلق كلّ شيء، و اللّه كائن بعد كلّ شيء.(١) ولعلّ مراده من جعفر هو جعفر بن بُر الذي روى عنه مسلم، الحديث المتقدّم في صحيحه. والجواب في غاية المتانة، لاَنّه سبحانه ليس ظاهرة مسبوقة بالعدم، حتى يُسأل عن علّة الاِيجاد، فإذا كان واجبَ الوجود، كان موجوداً في الاَزل والاَبد، ولا يتصور له العدم حتى يُسأل عن علّة الوجود، والتفصيل في محلّه.٧. انّاللّه خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً أخرج البخاري في صحيحه، عن همام، عن أبي هريرة ،عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال: خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ( وزاد أحمد من طريق سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعاً: في سبعة أذرع عرضاً) فلمّا خلقه، قال:

____________________

١ مسند أحمد:٢/٥٣٩.


اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيُّونك فانّها تحيتك وتحيَّة ذريتك. فقال : السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللّه فزادوه «ورحمة اللّه» فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعدُ حتّى الآن.(١) وفي الحديث عدّة إشكالات تسقطه عن الاعتبار وتجعله في عداد الموضوعات: الاَوّل: انّ الظاهر انّ الضمير على صورته يرجع إلى اللّه تبارك وتعالى وهو نفس القول بالتجسيم ولا يرجع إلى آدم، إذ يكون مفاد الحديث عندئذٍ أشبه بتوضيح الواضحات، لاَنّ كلّشيء مخلوق على صورته لا على صورة غيره، وإنّما يفيد معنى جديداً وهو الاِخبار بكرامة آدم وانّه مخلوق على صورة اللّه سبحانه، إذا عاد الضمير إلى اللّه سبحانه، وعلى هذا يلزم أن يكون للّه صورة طولها ستون ذراعاً. والذي يدل على أنّ الضمير يرجع إلى اللّه سبحانه هو ما روى نفس أبي هريرة في غير مورد. فقد روى هذا الحديث بصور مختلفة فتارة رواه كما سمعت وأُخرى بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فانّ اللّه خلق آدم على صورته.(٢) وثالثة بأنّه إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل قبح اللّه وجهك ووجه من أشبه وجهك، فانّ اللّه خلق آدم على صورته.(٣) وربما يوَوَّل الحديث بإرجاع ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى اللّه تبارك وتعالى بمعنى انّ اللّه عزّوجلّ خلقه في الجنة على صورته التي كان عليها

____________________

١ صحيح البخاري: ٨/٥٠، كتاب الاستئذان ، باب بدو السلام؛ صحيح مسلم:٨/١٤٩، باب يدخل الجنة أقوام افئدتهم مثل أفئدة الطير من كتاب الجنة، ولاحظ ارشاد الساري:٥/٣١٩ في باب خلق آدم وذرّيته من كتاب بدء الخلق، فقد جاء فيه: في سبعة أذرع عرضاً

٢ صحيح مسلم : ٨/٣٢، باب النهى عن ضرب الوجه من كتاب البر والصلة والآداب.

٣ البخاري: الاَدب المفرد، ص٧٣و٧٤ برقم ١٧٣و١٧٤.


بعد هبوطه منها، إذ أنشأه تاماً مستوياً طوله ستون ذراعاً وعرضه سبعة أذرع لم يتغير من حال إلى حال ولم يكن مثل ذريته حتى تكون نطفة ثمّ علقة إلى أن يكون رجلاً سوياً بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآها عليها بنوه في الاَرض. ولكن التأويل باطل جداً لمخالفته ما نقلناه عنه، كما يخالف ما روي عنه مرفوعاً: خلق آدم على صورة الرحمن.(١) كما يخالف ما روي عنه انّ موسى ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر فقال: اشربوا يا حمير، فأوحى اللّه إليه عمدت إلى خلق خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير.(٢) كلّ هذه الاَحاديث تدل على أنّ الرواية لا تقبل التأويل. الثاني: انّه إذا كان طول آدم ستين ذراعاً فلازم تناسب أعضائه أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعاً وسُبع الذراع، وإذا كان عرضه سبعة أذرع يجب أن يكون طوله أربعة وعشرين ذراعاً ونصف الذراع، لاَنّ عرض الاِنسان مع استواء خلقه، بقدر سبعي طوله، فما بال أبي هريرة يقول طوله

٦٠ ذراعاً في سبعة أذرع عرضاً؟! فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوَّهاً في تركيبه؟! الثالث: انّ تحية السلام إنّما شرعت في دين الاِسلام وقد قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما حسدكم اليهود على شيء كما حسدوكم على السلام، فلولا اختصاصه بهذه الاُمّة ما اختصوهم بالحسد عليه، فما بال أبي هريرة يقول في هذا الحديث: «فلما خلق اللّه آدم، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك فانّها تحيتك وتحية ذريتك». وعلى أية حال فما رأي أُولي النظر في هذا الخبر؟ وماذا يقولون في قول أبي هريرة: ولم يزل الخلق ينقص بعده حتّى الآن ؟(٣)

____________________

١ إرشاد الساري: ٥/٣١٩.

٢ كتاب تأويل مختلف الحديث، ص ١٨٠.

٣ عبد الحسين شرف الدين: أبو هريرة: ٦٣- ٦٦.


نظر أئمّة أهل البيت في الحديث

ذهب أئمة أهل البيت إلى أنّ الرواية محرّفة وقد نقلت بغير وجهها.

روى الصدوق باسناده عن أبي الورد بن ثمامة، عن عليعليه‌السلام قال: سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلاً يقول لرجل: قبّح اللّه وجهك ووجه من يشبهك فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مه، لا تقل هذا فإنّ اللّه خلق آدم على صورته.

قال الصدوق: تركت المشبّهة من هذا الحديث أوّله، وقالوا: إنّ اللّه خلق آدم على صورته فضلّوا في معناه وأضلّوا.

وروى أيضاً الحسين بن خالد، عن الاِمام الرضاعليه‌السلام ، قال: قلت للرضاعليه‌السلام : يابن رسول اللّه انّ الناس يروون أنّ رسول اللّه، قال: «إنّ اللّه خلق آدم على صورته» فقالعليه‌السلام : قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث، انّ رسول اللّه مرّبرجلين يتسابّان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبّح اللّه وجهك ووجه من يشبهك. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عبد اللّه لا تقل هذا لاَخيك، فانّ اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته.(١)

وبهذا صانت أئمة أهل البيت الاَحاديث النبويّة من التحريف، و كم لمثل هذا المورد من نظير ، بمعنى أنّه يظهر الحق، إذا رجعنا إلى رواياتهم. كما في مورد «نزوله سبحانه كلّ ليلة إلى سماء الدنيا» كما سيوافيك.

٨. سليمان يطوف على ستين امرأة في ليلة واحدة

أخرج البخاري في صحيحه، عن محمد ، عن أبي هريرة، قال:

إنّ نبي اللّه سليمانعليه‌السلام كان له ستون امرأة، فقال: لاَطوفنّ الليلة على نسائي فلتحمِلْن كلّ امرأة ولتلِدْن فارساً يُقاتِل في سبيل اللّه، فطاف على

____________________

١ الصدوق، التوحيد:١٥٢-١٥٣.


نسائه، فما ولدت منهنّ إلاّ امرأة وَلدت شقَّ غلام.

قال نبي اللّه: لو كان سليمان استثنى لحملت كلّ امرأة منهنّ فولدت فارساً يقاتل في سبيل اللّه.(١)

وفي الحديث عدة تساوَلات:

١. انّ اللّه سبحانه أدّب أنبياءه فأحسن أدبهم، وهم أكثر حياءً من سائر الناس ليكونوا أسوة لغيرهم في الحياة، فهل يصح لنبي حَييٍّ أن يصرِّح أمام الملاَ العام بأنّه سيطوف علىنسائه في هذه الليلة؟!

٢. انّ الذكر الحكيم يصف سليمان في آياته الكريمة بما يلي:

( وَإنّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفَى وحُسنَ مَآب ) (ص/٤٠).

( وَلَقَدْ آتَيْنا داودَ وَسُلَيمانَ عِلماً وَقالا الحَمْدُ للّهِ الَّذِي فَضّلَنا عَلى كَثِيرٍمِنْ عِبادِهِ المُوَمِنينَ ) (النمل/١٥).

( وَوَرِثَ سُليمانُ داودَ وَقالَ يا أَيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنّ هذا لَهُوَالفَضْلُالمُبين ) (النمل/١٦).

( فَفَهّمناها سُليمانَ وَكُلاًّ آتَينا حُكْماً وَعِلماً ) (الاَنبياء/٧٩).

( وَوَهَبْنا لِداودَ سُليمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنّهُ أَوّاب ) (ص/٣٠).

أفيصح لنبيّ قد أطراه الذكر الحكيم بما تلوناه عليك، أن يخبر بأنّ نساءه سيلدنَّ ستين فارساً؟!

فإن علم به من طريق الغيب، فلماذا تخلّف الخبر عن المطابقة؟! وإن لم يعلم به كذلك، فكيف تفوّه بذلك بضرس قاطع؟!

____________________

١ صحيح البخاري:٩/١٣٨، باب قول اللّه إنّما قولنا لشيء من كتاب التوحيد ؛ صحيح مسلم:٥/٨٧، باب الاستثناء.


٣. هل في استطاعة الاِنسان أن يطوف على ستين امرأة في ليلة واحدة كي يلدن له ستين فارساً؟ انّ هذا وإن كان في واقع الاَمر أمراً غير محال إلاّانّه بعيد جداً، وليست عظمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقرونة بالقدرة الجنسية كي نتصور انّها مفخرة له.

نعم كانت تُعدّ مفخرة في العصر الجاهلي فانعكست في رواية أبي هريرة الذي تأثر بها ونسج الحديث على وفق مايعدّ فضيلة في تلك البيئات.

٩. موسى يفقأ عين ملك الموت

أخرج مسلم في صحيحه، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال:

أُرسل ملك الموت إلى موسىعليه‌السلام فلما جاءه صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فردَّاللّه إليه عينه، وقال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور ، فله بما غطَّت يده بكلِّ شعرة سنة، قال: أي ربِّ ثمّ مه؟ قال: ثمّ الموت، قال: فالآن، فسأل اللّه أن يدنيه من الاَرض المقدسة رميةً بحجرٍ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلو كنت ثمّلاَريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الاَحمر.(١)

أقول: ورواه البخاري في صحيحه تارة في باب من أحبّالدفن في الاَرض من كتاب الجنائز.(٢)

وأُخرى في باب وفاة موسى من كتاب بدء الخلق.(٣)

و قد سقط من نسخة البخاري ما نقله مسلم من قوله «ففقأ عينه» ولكن

____________________

١ صحيح مسلم:٧/٩٩-١٠٠، باب من فضائل موسى.

٢ صحيح البخاري: ٢/٩٠.

٣ صحيح البخاري: ٤/١٥٧.


ذيله يدل على سقوطه حيث قال : «فردّاللّه عليه عينه» إذ لو لم يُحدث موسى شيئاً من فقء العين أو نظيره لماكان لقوله: فردّ اللّه عليه عينه، وجه.

وفي الحديث دلالات متعددة على كونه موضوعاً على لسان النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

أمّا أوّلاً: فلاَنّه يصوّر النبي موسىعليه‌السلام كأنّه أحد الجبارين يبطش ويصكُّ ويَفْقأ العين، ويوقع بأسه حتى في ملائكة اللّه المقربين.

فلو كان الكليم - و العياذ باللّه - على هذه الدرجة الساقطة، فكيف اصطفاه اللّه من عباده وآثره بمناجاته وكتابه؟!

وثانياً: هل كان موسىعليه‌السلام يحب الدنيا على وجه، خاصَمَ ملكَ ربه، وليس هذا إلاّ من سمات أهل الدنيا خصوصاً اليهود الذين يكرهون الموت لا من صفات الاَنبياء، فانّ رغبتهم إلى لقاء اللّه أشد من رغبتهم في البقاء في الدنيا؟

قال سبحانه:( يا أَيُّهَا الّذينَ هادُوا إِنْزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَولياءُ للّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَوا المَوت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلا يَتَمَنَّونَهُ أَبداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين ) (الجمعة/٦-٧).

وهذا هو الاِمام أمير الموَمنين يصف المتقين بقوله: «فلولا الاَجل الذي كتب اللّه عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين».(١)

وثالثاً: انّ الحديث يصوِّر انّموسى كان أقوى من ملك الموت ولذلك تمكّن موسى من الوقيعة به ولم يتمكن الملك من دفع العادية، وهذا عجيب جدّاً !! لاَنّه كان مأموراً بإزهاق روحه ولازم ذلك أن تفوق قوته، قوة الضارب فصار الاَمر على العكس.

ورابعاً: انّ لازم ما جاء في التوراة من( أَنَّ النفسَ بِالنَّفْسِوَالعَيْنَ بِالعَيْنِ

____________________

١ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.


وَال اَنْفَ بِ الاَنْفِ وَالاُذُنَ بِالاُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوجَ قِصاصٌ ) (المائدة/٤٥)، أن يقتص الملك من الكليمعليه‌السلام تحقيقاً للتشريع الذي جاء به موسىعليه‌السلام ، لكن صار الاَمر على العكس فاللّه سبحانه أكرمه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور....

وخامساً: هل ملك الموت عنصر مادي له عين مادية تُفقأ بالصك عليها ؟! هذا هو ما لا أعرفه أنا ولا الراوي يعرفه ولا القارىَ يعرفه. وكم لهذا الراوية من هذه السقطات التي جلّها حصيلة الاِسرائيليات التي بثّها بين المسلمين ويا ليت انّه لم يبث ذلك الوعاء بل يعقد عليه كما عقد على الوعاء الآخر على ما مضى في ترجمته(١) .

١٠. روَية اللّه بالعين الباصرة

أخرج البخاري في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، انّ أبا هريرة أخبرهما انّ الناس قالوا: يا رسول اللّه هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، يا رسول اللّه، قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فانّكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر و منهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الاُمّة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه فيقول أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أوّل من يجوز من الرسل بأُمّته....

____________________

١ لاحظ ص ٣٠٨.


هذا ما أخرجه في باب فضل السجود من كتاب الصلاة.(١)

وأخرجه أيضاً في باب «الصراط جسر جهنم» من كتاب ما جاء في الرقاق وان لا عيش إلاّ عيش الآخرة، ويختلف لفظه مع السابق وجاء فيه:

...وتبقى هذه الاُمة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب جسر جهنم.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فأكون أوّل من يجيز.(٢)

ورواه أيضاً مسلم عن أبي هريرة في باب معرفة طريق الروَية من كتاب الاِيمان ونذكر موضع الحاجة... فيتبع من كان يعبد الشمسَ، الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرَ، القمرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الاُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّه تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا و أُمّتي أوّل من يجيز.(٣)

وقد نقله مسلم عن أبي سعيد الخدري بصورة أكثر شناعة، ومماجاء فيه: انّ ناساً في زمن رسول اللّه قالوا: يا رسول اللّه، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نعم، قال: هل تضارّون في روَية

____________________

١ صحيح البخاري: ١/١٥٦.

٢ صحيح البخاري: ٨/١١٨.

٣ صحيح مسلم:١/١١٣.


الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟ وهل تضارّون في روَية القمر ليلة البدر ليس فيها سحاب؟... إلى أن قال: حتى إذا لم يبق إلاّ من كان يعبد اللّه تعالى من برٍّ وفاجرٍ أتاهم ربّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كلّأُمّة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، لا نشرك باللّه شيئاً، مرّتين أو ثلاثاً حتى انّبعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه، إلاّ أذن اللّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلاّ جعل اللّه ظهره طبقة واحدة، كلّما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه... الحديث.(١)

وفي الحديث بعامّة صوره أمارات على الدسّ والوضع.

الاَوّل: وجود الاختلاف الفاحش بين صور الحديث، فما نقله البخاري في باب «فضل السجود» يختلف عمّا نقله هو في باب «الصراط جسر جهنم» وهو واضح لمن قابل النصين، فقد جاء في النص الثاني قوله: «فيأتيهم اللّه في غير الصورة التي يعرفون...» في حين انّ النص الاَوّل خالٍ عن هذه الاِضافة إلى غير ذلك من الاختلافات.

كما انّ ما نقله البخاري في باب «فضل السجود» يختلف مع ما نقله مسلم في صحيحه في باب «معرفة طريق الروَية».

كما انّما نقله مسلم عن أبي سعيد الخدري يختلف مع ما نقله الشيخان عن أبي هريرة إذ ليس في حديثه قوله: «ويكشف عن ساق».

وهذا الاختلاف يسلب الاعتماد على الحديث لا سيما إذا كان الراوي ممن لا يجيد القراءة والكتابة فيضع لفظاً مكان لفظ آخر.

____________________

١ صحيح مسلم:١/١١٥، باب معرفة طريق الروَية.


الثاني: انّ مجموع الصور تثبت الروَية بالعين الباصرة وانّ الموَمنين يرونه سبحانه كروَية أحدنا للآخر مع أنّه يستلزم أن يكون سبحانه جسماً وله جهة وآثار مادية وذلك انّ الروَية قائمة بأُمور ثمانية:

١. سلامة الحاسة، ٢. المقابلة أو حكمها كما في روَية الصور المنطبعة في المرآة، ٣. عدم القرب المفرط، ٤. عدم البعد كذلك، ٥. عدم الحجاب بين الرائي والمرئي، ٦. عدم الشفافية فانّ ما لا لون له كالهواء لا يُرى، ٧. قصد الروَية، ٨. وقوع الضوء على المرئي وانعكاسه منه إلى العين.

فلو قلنا بأنّ هذه الشرائط ليست إلزامية بل هي تابعة لظروف خاصة، ولكن قسماً منها يعدّ مقوماً للروَية بالاَبصار، وهو كون المرئي في حيز خاص، وتحقق نوع مقابلة بين الرائي والمرئي، وعند ذلك كيف يمكن أن تتحقق الروَية من دون بعض هذه الشرائط؟ ومع تحقق هذه، يلزم أن يكون المرئيّ جسماً أو جسمانياً، تعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.

الثالث: ماذا يريد الراوي من قوله: فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم اللّه فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فمن أين يعرفون انّ الجائي هو اللّه سبحانه، وما هي أمارته وعلامته؟

وأسوأ من هذا ما في النقل الثاني: فيأتيهم اللّه في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا أتانا ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه في الصورة التي يعرفون.

فهل للّه تبارك وتعالى صور متعددة تعرف بعضها وينكر البعض الآخر؟ فكيف يعرفون انّ بعضاً منها صورته دون البعض الآخر؟ فهل شاهدوا تلك الصور في الدنيا أو في البرزخ؟

الرابع: انّما نقله مسلم عن أبي سعيد الخدري أسوأ حالاً من سابقيه، فماذا


يريد الراوي من قوله: «فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه...»؟ فانّ معناه انّ الموَمنين والمنافقين يعرفونه سبحانه بساقه، فكانت هي الآية الدالة عليه. فهل للّه سبحانه ساق، يكشف يوم القيامة عنها؟

الخامس: كفى في ضعف الحديث ما علق عليه العلاّمة السيد شرف الدين ص حيث قال : إنّ الحديث ظاهر في أنّ للّه تعالى جسماً، ذا صورة مركبة تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير، وانّه سبحانه ذو حركة و انتقال، يأتي هذه الاُمّة يوم حشرها، وفيها موَمنوها ومنافقوها، فيرونه بأجمعهم ماثلاً لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل، فيقول لهم: أنا ربّكم، فينكرونه متعوذين باللّه منه، ثمّ يأتيهم مرّة ثانية في الصورة التي يعرفون، فيقول لهم: أنا ربّكم، فيقول الموَمنون والمنافقون جميعاً:

نعم، أنت ربنا و إنّما عرفوه بالساق إذ كشف لهم عنها، فكانت هي آيته الدالة عليه، فيتسنّى حينئذٍ السجود للموَمنين منهم دون المنافقين وحين يرفعون روَوسهم يرون اللّه ماثلاً بصورته التي يعرفون لا يمارون فيه، كما كانوا في الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر، ماثلين فوقهم بجرميهما النيرّين ليس دونهما سحاب.(١)

١١. لا تملاَ النار حتى يضع الربُّ رجله فيها

أخرج مسلم في صحيحه، عن الاَعرج، عن أبي هريرة ،عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » قال:تحاجت النّار والجنّة، فقالت النار: أُوثرتُ بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلاّ ضعفاء النّاس وسقطهم

____________________

١ كلمة حول الروَية، لشرف الدين العاملي، ص٦٥.


وعجزهم، فقال اللّه للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة منكم ملوَها، فأمّاالنّار فلا تمتلىَ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط فهنالك تمتلىَ ويزوى بعضها إلى بعض.(١)

وفي الحديث ملاحظات ربما تجعله في مدحرة البطلان:

الاُولى: أي فضل في المتكبرين والمتجبرين حتى تفتخر بهم النار، ثُمّ ومن أين علمت الجنة بأنّ الفائزين بها من عجزة الناس مع أنّه سبحانه أعدّها للنبيين والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين؟!

الثانية: ثمّ هل للجنة والنار عقل ومعرفة بمن حلّ فيهما من متجبر ومتكبر أو ضعيف وساقط من الناس؟

الثالثة: انّه سبحانه قد أخبر بأنّه يملاَ جهنم بالجِنّة والناس لا برجله تعالى كما قال سبحانه:( لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعين ) (ص/٨٥)، وقال:( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعين ) (هود/١١٩).

وعلى ذلك فالموعود هو امتلاء جهنم بهما، وما هو المتحقق فإنّما هو امتلاء النار بإدخال رجل الرب فيها، فما وُعد لم يتحقق، وما تَحقق لم يُعْد.

رابعاً: هل للّه سبحانه رجل أكبر وأوسع حتى تمتلىَ بها نار جهنم بحد يضيق الظرف عن المظروف فينادي بقوله: قط قط.

فالحديث أشبه بالاسُسطورة وقد صاغها الراوي في ثوب الحديث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجنى به على الرسول وحديثه وسوّد صحائف كتب الحديث وصحيفة عمره - أعاذنا اللّه من الجهل المطبق، والهوى المغري -.

____________________

١ صحيح مسلم:٨/١٥١، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ؛ وصحيح البخاري:٦/١٣٨، تفسير سورة ق.


١٢. نزول الرب كلّليلة إلى السماء الدنيا

أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي عبد اللّه الاَغر وأبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة:

إنّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له.(١)

وفي الحديث تساوَلات

أوّلاً: انّ ربّنا هو الغفور الرحيم وهو القائل عزّ من قائل:( فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم ) (المائدة/٣٩).

والقائل تبارك وتعالى:( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحيم ) (المائدة/٧٤).

والقائل سبحانه:( قُلْ ياعِباديَ الَّذِينَ أَسْ-رَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ جَميعاً ) (الزمر/٥٣).إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم مغفرته.

كما انّه سبحانه وعد عباده بأنّه يستجيب دعاء من دعاه ويقول:( ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر/٦٠) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والاِجابة من اللّه سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه الكريم إلى سماء الدنيا وندائه بقوله: « من يدعوني فاستجيب له».

____________________

١ صحيح البخاري:٨/٧١، باب الدعاء نصف الليل من كتاب الدعوات؛ وأخرجه مسلم في صحيحه:٢/١٧٥، باب الترغيب في الدعاء من كتاب الصلاة عن أبي عبد اللّه الاَغر وعن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن أبي هريرة.


ثانياً: تعالى ربّنا عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال وسائر العوارض والحوادث، وقد صار هذا الحديث سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم والسلفية إلى التشبيه، وإن كنت في شكّ فاستمع لكلام من أحيى تلك الطريقة بعد اندثارها وانطماسها، يقول الرّحالة ابن بطوطة في رحلته:

وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في فنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظّمونه أشدّالتعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرّة بأمر أنكره الفقهاء...ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي، وقال: «إنّهذا الرجل قال كذا وكذا» وعدّد ما أُنكر على ابن تيمية، وأُحضر الشهود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.

قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّاللّه، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً وصنف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه ب- «البحر المحيط».

ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّاللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا،ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزاهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالاَيدي والنعال ضرباً كثيراً.(١) سيوافيك في ترجمة جبير بن مُطْعِم، حديث الاِمام الطاهر موسى بن جعفرعليهما‌السلام حول نزول الربّ فانتظر.

____________________

١ ابن بطوطة، الرحلة، ص ١١٢ طبع دار الكتب العلمية.


١٣. نقض سليمان حكم أبيه داود

أخرج البخاري، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمان، حدّثه انّه سمع أبا هريرة انّه سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:... كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنّما ذهب بابنك وقالت الاَخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داودعليهما‌السلام فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك اللّه هو ابنها فقضى به للصغرى، قال أبو هريرة: واللّه إن سمعت بالسكين إلاّ يومئذٍ وما كنا نقول إلاّالمدية.(١)

وفي الحديث تساوَلات:

الاَوّل: انّه سبحانه تبارك وتعالى يصف داود بقوله:( يا داودُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْ-نَ النّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ) (ص/٢٦).

فهوعليه‌السلام لا يحكم إلاّ بالحقّ ولا يحكم بالباطل وإلاّ فيكون ضالاً عن سبيل اللّه، وقد بيّن سبحانه حكم الضال عن سبيله في ذيل الآية، وقال:( إِنَّ الّذينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَومَ الحِساب ) (ص/٢٦).

فحكمهعليه‌السلام بأنّ الولد للكبرى لم يكن يخلو من أحد وجهين: إمّا كان حقّاً أو كان باطلاً، فلو كان حقّاً فليس لسليمان أن ينقضه ويحكم على خلافه، ولو كان باطلاً فإمّا يكون عن عمد أو عن سهو.

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١٦٢، باب قول اللّه(وَوهبنا لداود سليمان)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه:٥/١٣٣ عن أبي زنّاد عن الاَعرج عن أبي هريرة، في باب اختلاف المجتهدين من كتاب الاَقضية.


فعلى الاَوّل: يكون ضالاً محكوماً بما جاء في الآية - نعوذ باللّه - و على الثاني فيلزم أن لا يحكم بالحقّ مع أنّه سبحانه أمره بالحكم بالحقّ، ومن أمره به فيجهّزه بما يوصله إليه.إلاّ أن تُفسّ-ر الآية: بما رآه حقّاً، وإن كان في الواقع باطلاً، وهو كما ترى.

الثاني: انّحكم داود بأنّ الولد للكبرى إمّا أن يكون مستنداً إلى بيّنة شرعية فليس للقاضي الآخر نقض حكمه إذا كان المستند صالحاً للقضاء، وإن كان غير مستند إليه بل مستنداً إلى علمه غير الخاطىَ فهو غير قابل للنقض أيضاً لاستحالة تخلف علمه عن الواقع لعصمته.

الثالث: ما في ذيل الرواية من أنّ أبا هريرة لم يسمع بالسكين إلاّفي هذه الواقعة يعرب عن إعراضه عن الذكر الحكيم، فقد جاء فيه قوله:( وَآتَتْ كُلَّ واحدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ) (يوسف/٣١) و السورة مكّية نزلت قبل إسلامه بأعوام.

كيف وقد روى هو نفسه عن الرسول الرواية التالية:

أخرج أحمد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين.(١)

ولعل أبا هريرة قد نسج هذه القصة الخيالية لتفسير قوله سبحانه:

( وَداوُدَوَسُليمانَإِذْيَحْكُمان في الحَرثِ إِذْ نَفشَت فيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين* فَفَهَّمْناها سُلَيمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ) (الاَنبياء/٧٨-٧٩).

وما ذكره من القصة الخيالية لا تنطبق على الآية فانّه سبحانه يصف كلا الحكمين صدقاً وصواباً ويقول:( وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلماً ) ، فلابدّأن يكون للآية سبب نزول آخر ينطبق عليه وقد ورد على لسان أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام

____________________

١ مسند أحمد:٢/٢٣٠.


سبب نزولها وانّكلاً من الرأيين كان حقاً غير مخالف للواقع.

وحاصله: انّ على صاحب الحرث أن يحفظه بالنهار وليس على صاحب الماشية حفظها بالنهار إنّما رعيها بالنهار وإرزاقها، فما أفسدت فليس عليها.وعلى صاحب الماشية حفظ الماشية بالليل عن حرث الناس فما أفسدت بالليل فقد ضمنوا وهو النفش، ثمّ إنّداود حكم للذي أصاب زرعه رقاب الغنم. وحكم سليمانعليه‌السلام بأنّ له اللبن والصوم في ذلك العام.(١)

ولعلّ القيمة السوقية لهما في ذلك اليوم كانت متساوية، فلذلك يكون كلّمن القضائين خروجاً عن الغرامة التي يجب على صاحب الماشية دفعها إلى صاحب الحرث.

١٤. ظهور موسى عرياناً أمام الملاَ

أخرج البخاري في صحيحه، عن الحسن، ومحمد، وخلاس، عن أبي هريرة، قال:

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ موسى كان رجلاً حييّاً سِتّيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلاّ من عيب بجلده امّا برص، وامّا أدْرَة، وامّا آفة، وانّاللّه أراد أن يُبرئه ممّا قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثمّاغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وانّ الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى ملاَ من بني إسرائيل فرأوه عرياناًأحسن ما خلق اللّه، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباًبعصاه، فواللّه إنّ بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو

____________________

١ البرهان في تفسير القرآن: ٣/٦٦ في تفسير قوله: وداود وسليمان نقلاً عن الكليني.


خمساً، فذلك قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً ) (الاَحزاب/٦٩).(١)

وفي الحديث عدّة تساوَلات:

الاَوّل: إذا أراد سبحانه أن يبرّىَ موسى من العيب الملصق به فله أساليب أُخرى أكثر معقولية من هذا الاَسلوب الذي انتهى فيه إلى وقوف موسى أمام الناس وهم ينظرون إليه عرياناً مكشوف العورة.

الثاني: لو افترضنا انّالحجر ذهب بثوبه، فكان عليه الوقوف في مكانه وطلب الثوب كي يُوَتى بثيابه أو بساتر غيره كما هو الحال فيمن ابتلى بهذه القصة، لا أن يخرج من مكانه ويتابع الحجر فلا يصل إليه إلاّ عندما وجد نفسه عرياناً بين الناس.

الثالث: انّ حركة الحجر وذهابه بالثوب كان أمراً من اللّه سبحانه فلماذا غضب عليه موسى؟!

ثمّ أيّ أثر لغضبه حيث جعل يضرب الحجر كما هو حال المجانين وفاقدي الشعور؟!

الرابع: انّ الابتلاء بالاَدْرة ليس عيباًمنفّراً للطبائع، خصوصاً فيمن طعن في السن، وإنّما المستحيل ابتلاء الاَنبياء بالعيوب المنفِّرة، أو ما يورد النقص في مشاعرهم ومداركهم.

فأيّ حاجة لاظهار براءة موسى من هذا النقص غير المنفِّر بهذه الكيفية الّتي انتقصت من شخصيته؟

والعجب انّالشيخين أخرجا هذا الحديث في باب فضائل موسى، وأيّ

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١٥٦، باب حدثني إسحاق بن نصر بعد حديث الخضر مع موسى «عليه‌السلام » ؛ وأخرجه مسلم في صحيحه: ٧/٩٩ في باب فضائل موسى، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة.


منقبة في إبداء العورتين للناظرين، بل يكفي لموسى ما صدع به الذكر الحكيم من معجزاته ومواقفه المحمودة امام الكفر والشرك وصبره في السّراء والضراء.

١٥. اتهام أُولي العزم من الاَنبياء بالعصيان

أخرج البخاري في صحيحه، في تفسير سورة الاسراء في تفسير قوله:( ذُرّيةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍإنّهُ كانَ عَبداً شَكُوراً ) أخرج فيه عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة في حديث طويل نذكر خلاصته:

وهو انّ اللّه سبحانه يجمع الناس الاَوّلين والآخرين في صعيد واحد، فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدمعليه‌السلام فيقولون: أنت أبو البشر خلقك اللّه بيده، اشفع لنا إلى ربّك، فيقول آدم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وانّه نهاني عن الشجرة فعصيته، اذهبوا إلى نوح.

فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح إنّك أوّل الرسل إلى أهل الاَرض، اشفع لنا إلى ربّك فيقول: إنّ ربّي عزّوجلّ غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتون إبراهيم فيسألونه مثل ما سألا آدم ونوحاً، وهو يجيب انّي قد كنت كذبت ثلاث كذبات اذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى فيسألونه مثل ما سألوا السابقين وهو يردّهم بقوله: إنّ ربّي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وانّي قد قتلت نفساً لم أُوَمر بقتلها اذهبوا إلى عيسى.

فيأتون عيسى فيسألونه الشفاعة كما سألوا السابقين وهو يجيبهم بقوله: إنّ ربّي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله اذهبوا إلى


محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيأتونه فيشفع لهم عند اللّه(١) الخ.

وفي الحديث نظر

أوّلاً: انّ الاَنبياء لا سيما أُولو العزم منهم معصومون عن العصيان قبل البعثة وبعدها ، فما معنى ما جاء فيه «انّه سبحانه غضب على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»؟!

ثانياً: انّ آدم وإن خالف نهيَه سبحانه عن أكل ثمر الشجرة، ولكن النهي لم يكن نهياً مولوياً مورِثاً للعقاب، بل كان نهياً إرشادياً إلى ما يترتب على المخالفة من المضاعفات كالخروج من الجنة، كما هو ظاهر من قوله سبحانه:( فقُلنا يا آدَمُ إِنّ هذا عَدُوٌ لَكَ وَ لِزَوجِكَ فَلا يُخْرجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقى* إِنّ لَكَ أَلاّتَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى* وَأَنَّكَ لا تَظْمَوَُا فيها وَلا تَضْحى ) (طه/١١٧- ١١٩).

فالآيات صريحة في أنّالنهي عن الاَكل كان نهياًنُصحياً إرشادياً إلى ما يترتب على المخالفة من الشقاء، المفسَّر في الآية بالابتلاء بالعُري والظمأ والجوع، ولو افترضنا انّ النهي كان مولوياً تلازم مخالفتُه العصيان، فقد تاب اللّه عليه، في الحياة الدنيا حيث قال:( فَتَلَقى آدمُ مِنْ رَبّهِ كَلماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيم ) (البقرة/٣٧) فصار كمن لا ذنب له، فما وجه الغضب عليه؟ ونظيره كليم اللّه، فقد غفر اللّه له، قال سبحانه:( قالَ رَبِّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِر لي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيم ) (القصص/١٦) أفيصح بعد ذلك غضب اللّه عليه وعلى أبيه آدم يوم القيامة؟

____________________

١ صحيح البخاري: ٦/٨٤- ٨٥ في تفسير سورة بني إسرائيل ذكرنا موضع اللزوم من الرواية، و من أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى نفس المصدر؛ صحيح مسلم: ١/ ١٢٧- ١٢٨، باب أدنى أهل الجنّة منزلة من كتاب الاِيمان.


ثالثاً: ثمّإنّه لم يذكر الذنب الذي صدر من شيخ الاَنبياء نوح والمسيح ابن مريم مع أنّه أشار في حقّغيرهما إلى العثرة التي ابتلوا بها.

رابعاً: انّ الكذبات الثلاث التي كذب بها إبراهيم لم تكن - في الواقع - كذباً، وسنحيل توضيحه إلى دراسة أحاديث أبي سعيد الخدري.

إنّ الرواية تحط من شأن الاَنبياء العظام الذين هم في الذروة والسنام من الفضائل والمكارم، وقد وصفهم سبحانه بقوله :( غَيْ-رِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّين ) فكيف يغضب عليهم الربّ؟

خامساً: ثمّ كيف يتسنى لاَهل المحشر أن يأتمروا ويتفحصوا عن الاَنبياء واحداً تلو الآخر على الترتيب المذكور في الرواية، مع أنّ هول المحشر يمنع عن الائتمار والاستشارة؟ وهذا هو الذكر الحكيم يصفه بقوله:( يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُكُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُكُلُّذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَسُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللّهِ شَدِيدٌ ) (الحج/٢).

سادساً: إنّ هوَلاء الذين رجعوا إلى أنبيائه سبحانه: امّا أن يكونوا من أُمّتهم أو من أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن كانوا من أُمّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما الذي دعاهم إلى أن يسألوا آدم فنوحاً فإبراهيم فموسى فعيسى فمحمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

وإن كانوا من غيرهم، فلماذا خيّبهم سبحانه من شفاعة نبينا إذا كانت فيهم قابلية للشفاعة؟ كما هو الظاهر من آخر الرواية بانّه لا يشفع إلاّ لاَُمّته، حيث يخاطبه سبحانه بقوله: يا محمد ارفع رأسك سل تُعْطَه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أُمّتي يا ربّ، أُمّتي يا ربّ، فيقول: يا محمّد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الايمن من أبواب الجنّة وهم شركاء الناس... الخ.


١٦. شك الاَنبياء وتفضيل يوسف على نبيّنا

أخرج البخاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة انّ رسول اللّه، قال:

نحن أحقّ من إبراهيم، إذ قال:( ربّي أَرِني كَيْفَ تُحْيي المَوتَى قالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِن قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) .

ويرحم اللّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد.

ولو لبثتُ في السجن طول لبث يوسف لاَجبتُ الداعي.(١)

أقول: الحديث يتضمن أُموراً ثلاثة:

الاَوّل: نسبة الشك إلى إبراهيم في إمكان إحياء الموتى، وانّه إذا شكّ إبراهيم فعامة الاَنبياء ومنهم النبي أولى منه بالشك.

الثاني: التنديد بلوط مع طلب الرحمة له، لاَنّه كان يأوي إلى ركن شديد.

الثالث: تفضيل يوسف على جميع الاَنبياء حتى نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث إنّ يوسف لما طولب بالخروج من السجن لم يسرع إلى الاِجابة وانّما قدّم طلب البراءة فخرج بعد ثبوت براءته بخلاف غيرهم، فانّهم لو كانوا بمكانه يلبُّون الداعي إلى الخروج قبل ثبوت براءتهم.

والجميع من الوهن بمكان.

أمّا الاَوّل: فلم يشك إبراهيم طرفة عين أبداً وربما طلب زيادة اليقين، فإنّ لليقين مراتب ودرجات مختلفة.

فيقيننا بأنّ نور القمر مستفاد من نور الشمس ليس مثل يقيننا بأنّ النار

____________________

١ البخاري، الصحيح:٥/١٤٧، باب قوله عزّ وجلّ:( وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِإِبْراهيم ) ، صحيح مسلم١/٩٢، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الاَدلة من كتاب الاِيمان.


حارة، ولكن القضيتين كلتيهما من القضايا اليقينية، والشاهد على ذلك انّه سبحانه لما خاطبه بقوله :( أَوَلم تُوَمِن ) ، أجاب بقوله:( قالَ بلى ولكِن ليَطْمَئِنّ قَلْبي ) فحاول تحصيل اليقين الآكد المعبّر عنه بقوله:( ليطمئنّ قلبي ) .

وعلى ذلك فنسبة الشكّ إلى إبراهيم أوّلاً ثمّ الاَنبياء ثانياً والنبيثالثاً كذب محض لا يتفوّه به من له عرفان بالاَنبياء والرسل.

وأمّا الثاني: فلم يصدر من لوط أمر مكروه حتى يُندَّد به، ثمّ تُطلب له الرحمة فانّه لما بوغتَ بمجيَ الضيوف ضاق بمجيئهم ذرعاً، ولما كان عالماً من أنّ قومه يسارعون إلى أمثالهم بالفاحشة خاطب قومه أوّلاً بقوله:( يا قَومِ هوَلاءِ بَناتي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيفي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيد ) .

فلمّا أجيب بقولهم:( لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيد ) .

وقف على أنّهم لا يقبلون الموعظة وتأسّف على فقده المكنة من دفعهم بوجهين:

أ. قال: لو انّ لي بكم قوة، أي منعة وقدرة أتقوى بها عليكم، فأدفعكم عن ضيوفي.

ب. أو آوى إلى ركن شديد وعشيرة منيعة تنصرني لدفعكم عما تريدون.

فأي عمل صدر من لوط لا يليق بمنزلته وليس الاستنصار بالعشيرة والقبيلة ملازماً لقلّة الثقة باللّه وإنّما هو توصل بالاَسباب الظاهرية التي أمر بها سبحانه فهذا هو ذو القرنين يستنصر بمن حوله من الناس، و يقول:( فَأَعِينُوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ) (الكهف/٩٥).

وأمّا الثالث: فهو ظاهر في تفضيل يوسف على النبي الخاتم حيث إنّ


يوسف ما خرج من السجن حتى تجلت براءته ولكن رسول اللّه لو كان مكانه لما صبر وأجاب الداعي بمجرد الدعوة إلى الخروج.

فهذا محض افتراء على أفضل الخليقة فانّ رسول اللّه في الصبر و الاَناة والحلم والحزم أُسوة للعالمين حتى وصفه سبحانه بقوله:( وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ) (القلم/٤) وقوله:( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ ) (آل عمران/١٥٩).

ولقد وقف ابن حجر العسقلاني على ما في الرواية من الاشكال فالتجأ إلى عذر غير مقبول، قائلاً: بأنّه قالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تواضعاً والتواضع لا يحطُّ مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالة.(١)

أقول: إنّ لسان الحديث آب عن التواضع وإنّما يريد تفضيل يوسف وانّه كان أصبر من غيره وعلى فرض صحّته فالاِشكالان الاَوّلان باقيان بحالهما.

١٧. نبي من الاَنبياء يحرق قرية النمل

أخرج البخاري في صحيحه، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة انّ أبا هريرة قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: قرصت نملة نبيّاً من الاَنبياء فأمر بقرية النّمل فأحرقت، فأوحى اللّه إليه أن قرصتْك نملة أحرقت أُمّة من الامم تُسبّح.(٢)

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّ نملة قرصت نبياً من

____________________

١ فتح الباري: ٦/٤١٣ باب قول اللّه عزّوجلّ( وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِإِبْراهيم ) .

٢ صحيح البخاري:٤/٦٢، باب حدثنا يحيى بن بكير من كتاب الجهادو السير ؛ سنن أبي داود: ٤/٣٦٧ برقم ٥٢٦٦.


الاَنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى اللّه إليه أفي أنْ قرصتْك نملة أهلكتَ أُمّة من الا َمم تسبح.(١)

إنّ هذا النبي سواء أكان من أُولي العزم أو من غيرهم، إنسان معصوم لا يأخذ البريء بذنب المجرم، فلو افترضنا انّ النملة كانت مجرمة - مع أنّها ليست كذلك لاَنّعملها عمل غريزي - فما هو ذنب سائر النمل؟

إنّ المحرِّق كان أقل شعوراً ورأفة من جنود سليمان فانّهم ما كانوا يحطّمون النمل عن شعور و لو كانوا يحطمون فانّما يفعلون ذلك دون أي شعور ، قال سبحانه:( حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (النمل/١٨).

وهذا النبي المزعوم كان أقلّ رأفة وعطفاً من جنود سليمان حيث أحرق وادي النمل عن علم وشعور، بجرم نملة واحدة وقد عرفت انّ عملها لم يكن جناية.

إنّ عليّاًعليه‌السلام لم يكن نبيّاً بل كان وصياً ولكنّه يقول: واللّه لو أُعطيت الاَقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت وانّدنياكم عندي لاَهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليّ ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى.(٢)

أضف إلى ذلك انّ النبي قد نهى عن قتل أربعة من الدواب: النملة - النحلة - الهدهد - الصُّرد.(٣)

____________________

١ صحيح مسلم: ٧/٤٣، باب النهي عن قتل النمل من كتاب قتل الحيات وغيرها.

٢ نهج البلاغة، الخطبة٢٢٤.

٣ سنن أبي داود:٤/٣٦٧ برقم ٥٢٧٦.


١٨. أيوب يَحْثي رجل جراد من ذهب في ثوبه

أخرج البخاري في صحيحه، عن معمر، عن حمام، عن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

بينما أيوب يغتسل عرياناً خرّعليه رجل(١) جراد من ذهب فجعل يحثي(٢) في ثوبه، فنادى ربّه «يا أيوب لم أكن أغنيت عما ترى، قال : بلى يا رب ولكن لاغنى لي عن بركتك».(٣)

أوّلاً: جرت سنة اللّه تبارك و تعالى على خلق الجراد على النحو المعلوم ولا تبديل لسنته، إلاّإذا كان هناك داع إليه، كإثبات نبوة نبي أو وصاية وصي إلى غير ذلك، فعندئذٍ يسأل، فما هو السبب للعدول عن السنّة الاِلهية إلى خلق الجراد من ذهب مع أنّه لم يكن هناك أيّ حاجة إلى ذلك؟ فخلقها من الذهب عبث وجزاف ولم يكن امتحان أيّوب واستظهار مدى ثقته بما أغناه اللّه، متوقفاً على العدول عن السنة الاِلهية.

ثانياً: لو افترضنا انّ أيّوب خرّعلى جمعه في ثوب فليس ذلك بمعنى عدم الثقة باللّه تبارك وتعالى أو الانكباب على الدنيا بل لاَجل أن يستعين في أمر دنياه وأُخراه وينفقه في سبيله وابتغاء مرضاته وانّما الاَعمال بالنيات فلا عتب على عمله.

والباحث في روايات أبي هريرة يقف على أنّه كان يحطُّ من مقام الاَنبياء بنقل هذه الاَساطير الخرافية التي سمعها من كعب الاَحبار وغيره كما هو معلوم من حاله، وقد عرفت أنّه كان يدلِّس في نقل الروايات.

____________________

١ رجل جراد أي جماعة جراد.

٢ يحثي - بالمثلثة - أي يأخذ بيديه جميعاً فكأنّ أيوب ينشر طرف ثوبه ليأخذ الجراد.

٣ صحيح البخاري: ٤/١٥١، باب قول اللّه تعالى :(وأيوب إذ نادى ربّه) من كتاب بدء الخلق.


١٩. النبي يوَذي ويجلد ويسبّ ويلعن من لا يستحق

أخرج البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة انّه سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فأي موَمن سببُته فاجعل ذلك قربة إليك يوم القيامة.(١)

وأخرج مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » :

اللّهمّ إنّما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أولعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة.

وفي رواية أُخرى: فإنّما أنا بشر فأيّ الموَمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة.(٢)

وقد أخرجها مسلم بطرق كثيرة.

كما أخرجها أيضاً في صحيحه عن أبي سفيان عن جابر.(٣)

وموردها لا يخلو عن صورتين:

الاُولى: أن يصدر السب واللعن والجلد من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مبرّر شرعي كما إذا قامت البينة على استحقاق شخص للّعن والسبّ والجلد ولكن كانت البينة كاذبة فعند ذلك يرجع التقصير إلى البينة لا إلى النبي الاَعظم حتى يسأل الرب بجعله له زكاة - مضافاً - إلى أنّ هذه الصورة لا تناسب صدر الرواية على بعض صورها، لاَنّه يقول : اللّهمّ إنّما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، ومعناه انّه ربما يستفزّه الغضب إلى جلد من لا يستحق الجلد، بلا مبرّر شرعي، وهكذا الحال في اللعن والسب.

الثانية: أن يصدر كلّ ذلك بلا مبرّر شرعي كما هو الظاهر من قوله: «إنّما

____________________

١ صحيح البخاري: ٨/٧٧، باب قول النبي من آذيته فاجعله له زكاة رحمة من كتاب الدعوات.

٢ صحيح مسلم:٨/٢٥، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك.

٣ صحيح مسلم:٨/٢٥، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه.


محمد بشر يغضب» فتعرَّف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه إنسان عادي ربما يغضب بلا مبرّر ويلعن ويسب كذلك، وعندئذ تكون الرواية مردودة لوجوه:

١. لو صحّ الفرض يكون النبي عندئذٍ عاصياً في فعله غير معصوم من الذنب في هذه الحالة، ومرتكباً (العياذ باللّه) للقبيح وخارجاً عن طاعة اللّه سبحانه، فهل يجوز لمسلم أن ينسب إليه تلك الفرية الشائنة؟

كيف وهو أفضل الخليقة وأشرف أنبياء اللّه ورسله الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله:( غَيْرِ المَغْضُوبِعَلَيْهِمْ وَلا الضّالّين ) ،( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ والصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) (النساء/٦٩).

٢. كيف تصف الرواية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه بشر يغضب كما يغضب البشر مع أنّ المروي عن طريق عبد اللّه بن عمرو خلافه.

روى عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا:

أتكتب كلّ شيء تسمعه، ورسول اللّه يتكلم في الرضا والغضب، فأمسكت عن الكتابة، وذكرت ذلك لرسول اللّه، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج عنه إلاّ حقّ.

وفي رواية أُخرى: قلت: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كلّه إلاّحقّاً.(١)

٣. كيف يسبّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو يلعن أو يجلد أو يوَذي، وقد قال سبحانه:( وَالَّذِينَ يُوَذُونَ المُوَمِنينَ وَالمُوَمِناتِ بِغَيْر مَااكْتَسَبُوا فَقَد

____________________

١ مختصر جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، باب الرخصة من كتاب العلم، ص ٣٦.


احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) (الاَحزاب/٥٨).

كيف يمكن وصف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما جاء في هذه الرواية من أنّه ربما يشتم ويسبَّ وهو القائل: «سباب الموَمن فسوق».(١)

والروايات في ذم السب و اللعن بغير مبرر كثيرة.

ولعلّ السبب من وضع هذا الحديث هو التقرب إلى آل أبي عاص و سائر بني أُمية حتى يتدارك بذلك ما ثبت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من لعنهم وسبّهم كما في قوله تعالى:( وَما جَعَلْنَا الرُوَيَا الّتِي أَرَيْناكَ إِلاّفِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّطُغْياناً كَبِيراً ) (الاسراء/٦٠).

والشجرة الملعونة هي الاَُسرة الاَموية أخبره اللّه تعالى بتقلبهم على الحكم وقتلهم ذريته، وعيثهم في أُمته، فما روَي النبيمستجمعاً ضاحكاً حتى توفي كما رواه الحاكم في مستدركه.(٢)

فعند ذلك صار بنو أمية وبنو العاص كلّهم ملعونين إلاّمن ثبت إيمانه وقد أخرج الحاكم انّ الحكم بن أبي العاص استأذن عليه مرّة فعرفصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوته وكلامه، وقال: ائذنوا له، عليه لعنة اللّه وعلى من يخرج من صلبه إلاّ الموَمن منهم.(٣)

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا بلغ بنو أُمية أربعين، اتخذوا عباد اللّه خولاً، و مال اللّه نحلاً، وكتاب اللّه دغلاً.(٤)

وكان لا يولد لاَحد مولود إلاّ أُوتي به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فدعا له، فأُدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون.(٥)

____________________

١ صحيح مسلم: ١/٥٨، باب قول النبي :سباب المسلم فسوق.

٢ المستدرك:٤/٤٨٠، كتاب الفتن والملاحم.

٣ الحاكم، المستدرك:٤/٤٨١، كتاب الفتن والملاحم.

٤ الحاكم، المستدرك:٤/٤٧٩، كتاب الفتن والملاحم.

٥ الحاكم، المستدرك:٤/٤٧٩، كتاب الفتن والملاحم.


إلى غير ذلك من الروايات الصادرة في العهد النبوي عنهص حيث يلعن فيها النبي طائفة ، فأراد أبو هريرة بوضع هذا الحديث التقرب إليهم.

٢٠. التلاعب بحديث بدء الدعوة

أخرج البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، انّ أبا هريرة قال:

قام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أنزل اللّه عزّ وجلّ:( وَأَنْذِرْ عَشيرَتَكَ الاَقْرَبِين ) (الشعراء/٢١٤) ، قال: يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أُغني عنكم من اللّه شيئاً، يا بني عبد مناف لا أُغني عنكم من اللّه شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئاً، ويا عمة رسول اللّه لا أغني عنك من اللّه شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مال لا أغني عنك من اللّه شيئاً.(١)

نلفت نظر القارىَ الكريم إلى أُمور:

الاَوّل: انّ الآية نزلت في السّنة الثالثة من البعثة في مكة المكرمة أي قبل ١٧ عاماً من إسلام أبي هريرة.

فكيف هو يقول: قام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أنزل اللّه عزّ وجلّ:( وَأَنْذِرْ عَشيرتَكَ الاَقْربين ) وهل هذا إلاّ تدليس حيث يشهد على الروَية والسماع ولم يكن واحد منهما ؟ ولذلك قالوا: إنّأبا هريرة كان يدلس.

الثاني: الظاهر ممّا رواه الطبري وغيره انّ المدعوين كانوا رجال البيت الهاشمي ولم يشارك فيها أحد من النساء، فقد بلغ عدد القوم إلى ٤٥ رجلاً، فكيف يخاطب النبي عمته صفية وبنته فاطمةعليها‌السلام ؟!

الثالث: انّالمشهور انّ فاطمةعليها‌السلام قد ولدت في العام الخامس

____________________

١ صحيح البخاري:٤/٦و٧ باب هل يدخل النساء والولد في الاَقارب من كتاب الوصايا.


من البعثة وقد كان بدء الدعوة في العام الثالث في مكة المكرمة فكيف يخاطب اِبنته التي لم تولد. ولو افترضنا أنّها ولدت قبل ذلك العام فلم تكن في بدء الدعوة على مبلغ النساء الكبار حتى تخاطب بما جاء في الرواية،وقد تزوجت بعليّعليه‌السلام في العام الثاني للهجرة أي بعد اثنتي عشرة سنة من قصة بدء الدعوة، فكيف تكون آنذاك على مبلغ النساء الكبار صالحة له لتلقي الخطاب الوارد فيه؟!

الرابع: انّالخطاب المناسب لبدء الدعوة هو الدعوة إلى توحيده سبحانه ورسالته وإلى الاعتقاد بيوم المعاد ليدخلهم في حضيرة الاِيمان، والقوم بعدُ غير موَمنين بتوحيده وجزائه، فكيف يخاطب واحداً بعد واحد بأنّي لا أغني عنكم من اللّه شيئاً؟ فإنّ هذا الخطاب يناسب دعوة الموَمنين الذين آمنوا باللّه ورسله.

الخامس: انّ أبا هريرة تصرف بالرواية فلم يذكر ما هو الواقع المهمّ في تلك الحادثة، وقد نقل المحدّثون والموَرخون ما خطبه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الحشد العظيم الذي كان يشكِّل معظم رجال بني هاشم، فقال: مخاطباً إياهم بقوله: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، واللّه الذي لا إله إلاّهو انّي رسول اللّه إليكم خاصة وإلى الناس عامة، واللّه لتموتُنَّ كما تنامون، و لتبعثُنَّ كما تستيقظون، ولتحاسبُنَّ بما تعملون، وانّها الجنَّة أبداً والنار أبداً».

ثمّ قال:

«يا بني عبد المطلب انّي واللّهما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، انّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَمن بي ويوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟

ولما بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى هذه - أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم إذ كان واحد منهم يفكِّر في ما يوَول إليه هذا الاَمر العظيم، وما


يكتنفه من أخطار - قام عليعليه‌السلام فجأة وهو آنذاك في الثالثة أو الخامسة عشرة من عمره، وقال وهو يكسر بكلماته الشجاعة جدار الصمت والذهول:

أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه.

فقال له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اجلس، ثمّكرّر دعوته ثانية وثالثة، وفي كلّمرّة يحجم القوم عن تلبية مطلبه، ويقوم علي و يُعلن عن استعداده لموَازرة النبي، ويأمره رسول اللّه بالجلوس، حتى إذا كان في المرة الثالثة أخذ رسول اللّه بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الاَقربين وقال:«إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم (أو عليكم) فاسمعوا له، وأطيعوا».

فقام القوم يضحكون، ويقولون لاَبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع وجعله عليك أميراً.(١)

ترى أنّ أبا هريرة أسقط ما هو المهم في تلك الواقعة من إضافة الوصاية والوزارة لعلي في بدء الدعوة، وقد أعرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ الاِمامة والنبوة توأمان لا يتخلفان بمعنى أنّ لكل نبي خليفة.

٢١. إيقاع الفعل في وقت لا يسعه

أخرج البخاري عن همام، عن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال:

خُفِّفَ على داود القراءة، فكان يأمر بدابته لتُسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني القرآن.(٢)

وفي الحديث إشكالان واضحان:

____________________

١ تاريخ الطبري: ٢/٦٢ و٦٣؛ تاريخ الكامل:٢/٤٠ و٤١؛ مسند أحمد:١/١١١ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:١٣/٢١٠ و٢١١؛ وغيرها من المصادر المتوفرة.

٢ صحيح البخاري:٦/٨٥، باب تفسير سورة الاِسراء من كتاب التفسير.


الاَوّل:إنّما نزل الزبور على داود والقرآن على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال سبحانه:( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) (الاِسراء/٥٥) وقال سبحانه:( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا القُرآن لاَنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ ) (الاَنعام/١٩).

فكيف يقرأ داود ما لم ينزل عليه؟ اللّهم إلاّإذا أُريد من القرآن زبوره، لكنّه على خلاف الظاهر.

والثاني: كيف يمكن قراءة القرآن أو الزبور في وقت لا يسعه؟ فانّ إمكان إيقاع الفعل في زمان يسعه شرط عقلي لا مناص عنه، فكما يمتنع وضع الدنيا في البيضة، فهكذا يمتنع قراءة ما يستغرق زمناً طويلاً في مدة قصيرة مهما عجّل في القراءة.

٢٢. أُمّة مُسخت فأراً

أخرج مسلم في صحيحه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

فُقدت أُمّة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلت ولا أراها إلاّ الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الاِبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته.

قال أبو هريرة فحدثت هذا الحديث كعباً، فقال: أنت سمعته من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قلت: نعم، قال: ذلك مراراً.

قلتُ: أ فأقرأ التوراة، قال إسحاق في روايته لا ندري ما فعلتْ.(١)

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/٢٢٦، باب في الفار و انّه مسخ؛ وأخرجه أيضاً البخاري في ٤/١٢٨، في باب، خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال من كتاب بدء الخلق والاستفهام في قوله: أفأقرأ التوراة، استفهام انكار أي لا علم عندي إلاّما سمعت من النبيعليه‌السلام .


أقول: إنّ نبي العظمة لا يتكلم إلاّعن وحي فما جاء في الرواية من الاستدلال يخالف ذلك الاَصل بالكلية، وذلك لاَنّ حصيلة الاستدلال هو انّ تلك الاُمّة المفقودة مُسخت فأراً بشهادة اشتراك الفأر مع الاِنسان في خصيصة، وهي إذا وضع بين يدي الفأر لبن الشاة فتشربه وإذا وضع بين يديها لبن الاِبل فلا تشربه.

وهذا النوع من الاستدلال لا يركن إليه إلاّ الاِنسان المغفّل.

أوّلاً: انّ لازم ذلك انّه لم يكن للفأر أي وجود قبل مسخ هذه الاُمّة وإنّما خلقه سبحانه حينما مسخت تلك الاُمّة، ولو قيل بوجودها قبله لبطل الاستدلال من رأس.

وثانياً: انّه لا مانع من أن يكون بين الاِنسان وبعض أصناف الحيوان وجه اشتراك في بعض الاُمور، فلا يدل ذلك على اشتقاق أحدهما من الآخر.

ولعمري انّ الجبين يندى من هذه الخرافة التي تسرّبت إلى كتب الحديث.

٢٣. أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت

أخرج مسلم عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الاَشجعي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمه:

قل لا إله إلاّاللّه أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تُعيِّرني قريش، يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع لاَقررت بها عينك، فأنزل اللّه:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاء ) (القصص/٥٦).

وأخرج أيضاً عن يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمِّه عند الموت:


قل لا إله إلاّاللّه أشهد لك بها يوم القيامة، فأبى فأنزل اللّه:( إنّك لا تَهدي مَنْ أَحْبَبْت ) (١)

أقول: إنّ ذلك الحديث ممّا تكذّبه القرائن الكثيرة الدالة على إسلام أبي طالب ويمكن أن نلخصها في ثلاثة طرق:

١. دراسة ما خلّف من الآثار العلمية و الاَدبية.

٢. الاَسلوب العملي الذي نهجه في المجتمع.

٣. آراء أقربائه وأصحابه.

ونحن نستطيع إثبات إيمان أبي طالب من خلال هذه الطرق.

فإنّ الاَشعار(٢) والخطب التي خلّفها أبو طالب تدل بجلاء لا لبس فيه على إيمانه وإخلاصه.

كما انّسيرته العملية وسلوكه المتميز في السنين العشر الاَخيرة من عمره خير شاهد على إيمانه العميق وصلته الوثيقة باللّه سبحانه.

وكم له من المواقف الجليلة مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

فانّإيمانه بابن أخيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عميقاً إلى درجة انّه أخذه إلى المصلّى واستسقى به، مُقسماً به على اللّه تعالى أن يكشف العذاب عن قومه، ويرسل رحمته عليهم فاستجاب اللّه دعاءه وأنزل عليهم غيثاً وافراً ممرعاً، بقيت قصته في ذاكرة التاريخ.

وأيضاً كان إيمان أبي طالب برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راسخاً بمكان انّه جازف بحياة أبنائه للحيلولة دون تعرض رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ صحيح مسلم:١/٤١، باب أوّل الاِيمان قوله لا إله إلاّاللّه من كتاب الاِيمان.

٢ انظر ديوان أبي طالب : ٣٢.


لخطر القتل والاغتيال ولئلا يمسّه أعداءه بسوء، فكان يضجع ولده علياً في فراشه كي لا يصيب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيُّ مكروه.

ورغم ذلك كلّه، فقدأوصى أولاده حين وفاته قائلاً:

«أُوصيكم بمحمد خيراً فإنّه الاَمين في قريش، وهو الجامع لكلّمن أُوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنئان، وأيم اللّه لكأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البرّ في الاَطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاوَها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه، أحوجُهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده».(١)

وأخيراً فيجدر بنا أن نسأل أقاربه المقربين حول إيمانه، لاَنّ أهل البيت أدرى بما في البيت.

لما مات أبو طالب جاء عليعليه‌السلام إلى رسول اللّهفآذنه بموته، فتوجع توجعاً عظيماًوحزن حزناً شديداً، ثمّ قال له امض فتولّغسله، فإذا رفعته على سريره فاعلمني، ففعل فاعترضه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو محمول على روَوس الرجال، قال: «وصلتْك رحم يا عم، وجزيت خيراً! فلقد ربّيت وكفّلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً».

ثمّ تبعه إلى حفرته، فوقف عليه مخاطباً إياه، قائلاً:

«أما واللّه لاستغفرنَّ لك، ولاَشفعنَّ فيك شفاعة يعجب لها الثقلان».(٢)

وفي الختام انظر إلى صلافة الرجل كيف يحكي القصة، فكأنّه كان حاضراً في المجلس، فعرض النبي الشهادة على عمه فأبى، مع أنّ أبا طالب التحق بالرفيق الاَعلى سنة ١٠ للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين، في حين أسلم أبو هريرة

____________________

١ السيرة الحلبية:١/٣٥١- ٣٥٢.

٢ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:١٤/٧٦.


في العام السابع من الهجرة، وبذلك يتحقق ما ذكرناه من أنّ أبا هريرة كان يدلس.

ولا شكّ انّ ما رواه من الموضوعات لصالح الجهاز الاَموي الحاكم للحطّ من شأن الاِمام أمير الموَمنين عليعليه‌السلام برمي أبيه بالكفر حين وفاته.

٢٤. أبو هريرة ينسب ما سمعه عن الفضل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي بكر، قال: سمعت أبا هريرة يقصّ يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم.

فذكرت ذلك لعبد الرحمان بن الحارث(لاَبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمان وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأُمّ سلمة -رضي‌الله‌عنه ما - فسألهما عبد الرحمان عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصبح جنباً من غير حلم(١) ثمّ يصوم.

قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمان، فقال مروان: عزمت عليك إلاّما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول.(٢)

قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كلّه، قال: فذكر له عبد الرحمان.

فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك، قال: نعم، قال: هما أعلم ثمَّ ردّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

____________________

١ أي مدركاً الفجر متيمماً وطاهراً بالطهارة الترابية.

٢ يريد بذلك الاِشفاق على أبي هريرة حتى لا يتسع خطأه حيث ألزمهما بالذهاب إلى أبي هريرة وإعلامهما ما ذكرا حتى يتدارك الرجل خطأه.


قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان، قال: كذلك كان يصبح جنباً من غير حلم ثمّ يصوم.(١)

وعلى هذا لا يبقى أي اعتماد بأحاديثه إذ ينسب ما سمعه من كعب إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما سمعه من الفضل إليه أيضاً، فبهذه التدليسات الواضحة يخرج عن كونه ثقة في الحديث، أُسوة في الرواية.

٢٥. إبراهيم يخاصم ربّه

أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب انّك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول اللّه: إنّي حرّمت الجنة على الكافرين.(٢)

وفي الحديث تساوَلات وتأملات يجعلها في عداد الموضوعات:

الاَوّل: يتضمن الحديث انّ إبراهيم كان يتصور بأنّ عذاب أبيه يوم القيامة يعود عليه بالخزي، وذلك مما لا يتخيّله مسلم واع فكيف بإبراهيم خليل الرحمن، لاَنّه سبحانه أعلن منذ بدء الخليقة انّه خلق الجنة للموَمنين والنار للكافرين.

الثاني: انّه سبحانه : يحكي انّإبراهيم تبرّأ من أبيه بعد ما تبين انّه عدو للّه قال سبحانه:( ما كانَ للنّبي والّذينَ آمَنُوا أَنْيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَو كانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصحابُ الجَحيم* وَ ما كان اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لاَبيهِ إِلاّ عَنْ مَوعِدِةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَ-رّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبراهيمَ لاَوّاهٌ حَليم ) (التوبة/١١٣- ١١٤).

____________________

١ صحيح مسلم:٣/١٣٧، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب من كتاب الصوم.

٢ صحيح البخاري:٦/١١١، باب تفسير سورة الشعراء من كتاب التفسير.


وسياق الآية يكشف عن أنّ التبري كان في الحياة الدنيا، ومع ذلك فكيف يطلب له النجاة يوم القيامة ويشتكي إلى اللّه تبارك وتعالى؟!

وللعسقلاني كلام نذكره بنصه: اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه فقيل: كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات آزر مشركاً، وهذا أخرجه الطبري من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس و اسناده صحيح، وفي رواية: «فلما مات لم يستغفر له»، و من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، قال: «استغفر له ما كان حياً فلما مات أمسك» و أورده أيضاً من طريق مجاهد وقتادة و عمرو بن دينار نحو ذلك، وقيل إنّما تبرأ منه يوم القيامة لما يئس منه حين مسخ على ما صرح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها.(١)

وضعف الوجه الثاني واضح، لاَنّه على خلاف سياق الآية، والآية بصدد تعليم أصحاب الرسول من أنّه ليس لهم الاستغفار للمشركين اقتداء بإبراهيم حيث إنّه بعد ما تبيّن انّ أباه عدو للّه تبرأ منه ولم يستغفر إلى آخر حياته فيجب أن يقتدوا به، فجعل ظرف التبري يوم القيامة مخالف لسياق الآية.

قال الرازي في تفسيره في وصف إبراهيمعليه‌السلام بالاَواه والحليم ما لفظه:

اعلم انّه تعالى إنّما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام، لاَنّه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل، ومن كان كذلك فانّه تعظم رقته على أبيه وأولاده، فبيّن تعالى انّه مع هذه العادة، تبرّأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له إصراره على الكفر فأنتم بهذا المعنى، أولى ولذلك وصفه أيضاً بأنّه حليم، لاَنّ أحد أسباب الحلم رقة القلب وشدة العطف لاَنّ المرء إذا كان حاله هكذا، اشتد حلمه عند الغضب.(٢)

____________________

١ فتح الباري: ٨/٥٠٠- ٥٠١.

٢ مفاتيح الغيب:١٦/٢١١، في تفسير الآية ١١٤ من سورة التوبة.


وربما يقال انّاللّه إذا أدخل أباه النار فقد أخزاه لقوله سبحانه:( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَفَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمينَ مِنْ أَنْصار ) (آل عمران/١٩٢).

وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد.(١)

وما ذكره أخيراً توهم باطل، لاَنّه سبحانه قطع الصلة بين الكافر و المسلم قال سبحانه:( وَنادىنُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْ-حَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِح ) (هود/٤٥-٤٦).فلا يعود خزي الوالد إلى الولد، بعد انقطاع الصلة، كما لا يعود خزي أبي لهب إلى النبي الاَعظمص.

٢٦. دخول امرأة في النار بسبب هرّة

أخرج البخاري في صحيحه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الاَرض.(٢)

وأخرج مسلم أيضاً في صحيحه، عن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

عُذِّبت امرأة في هرة لم تُطعمها ولم تُسقها ولم تتركها تأكل من خشاش الاَرض.(٣)

____________________

١ فتح الباري: ٨/٥٠١، نقلاً عن الكرماني في شرحه على صحيح البخاري.

٢ صحيح البخاري: ٤/١٣٠، باب خمس من الدواب فواسق يقتلنّفي الحرم من كتاب بدء الخلق.

٣ صحيح مسلم:٧/٤٤، باب تحريم قتل الهرة من كتاب قتل الحيات وغيرها.


أقول: إنّ قوله: في هرّة بمعنى بسبب هرة.

وقد استشهد الاَدباء بهذا الحديث على أنّ «في» تأتي بمعنى «اللام» وعلى هذا فيجب أن تكون المرأة مسلمة موَمنة حتى يكون الحبس هو السبب الوحيد لدخولها في النار ولا يصحّ حملها على الكافرة، لاَنّها تدخل النار سواء حبست أم لا، وعلى ذلك فكيف يُدخل سبحانه عبداً موَمناً النار بسبب قتل هرّة؟

أخرج أحمد في مسنده، عن الشعبي، عن علقمة، قال: كنّا عند عائشة فدخل أبو هريرة فقالت: أنت الذي تحدث انّ امرأة عذبت في هرّة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها ؟ فقال: سمعته منه، يعني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال عبد اللّه بن أحمد: كذا قال أبي.

فقالت: هل تدري ما كانت المرأة؟ انّ المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، و انّ الموَمن أكرم على اللّه عزّ وجلّ من أن يعذبه في هرّة، فإذا حدثتَ عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فانظر كيف تحدّث.(١)

وكلام السيدة عائشة لا يخلو عن نقاش، فانّ ظاهر الحديث انّ سبب الدخول هو الحبس لا الكفر ، فلو كانت كافرة فهي تدخل النار على كل حال سواء حبست الهرة أم لم تحبسها، فالحديث رواية مصطنعة اختلقتها يد الدّس لا سيما انّ أبا هريرة كان له شغف كبير بالهرة حيث كان يلعب بها، فلما وقف انّ امرأة قامت بهذا العمل عزَّ عليه قتل الهرة فصنع ذلك الحديث.

٢٧. في جناحي الذبابة داء وشفاء

أخرج البخاري في صحيحه عن عبيد بن حنين، قال: سمعت أبا هريرة ،

____________________

١ مسند أحمد:٢/٥١٩.


يقول: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثمّ لينزعه، فانّ في إحدى جناحيه داءً والاَخرى شفاءً.(١)

ومعنى الحديث: فليغمسه كلّه حتى يغسل كلا الجناحين بالماء ويقابل الداء بالدواء، وقوله: ثمّ لينزعه إشارة إلى انّالماء سيشرب و المرق يوَكل بعد طرحها.

وعلى ذلك فأحد جناحي الذباب داء وفي الجناح الآخر دواء فيزول ذلك الداء بفضل الدواء عند غمس كلا جناحيه.

هذا هوالمفهوم من الرواية.

والاعتقاد بصحّة الحديث مشكل جدّاً وقد كشف العلم من أنّ الذباب يحمل في جناحيه الجراثيم المهلكة والمضرة، ولم أر أحداً من العقلاء، يتفوّه بهذه المقالة.

مضافاً إلى أنّ الذباب قذر تتنفر القلوب من روَيته، فكيف يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغمسه إذا سقط في الماء الذي فيه طعام أو شراب، ثمّ أكل أو شرب ما في ذلك الاِناء؟!

هذه إلمامة عابرة بروايات أبي هريرة التي تركت مضاعفات خطيرة على الحديث النبوي.

ومن تفحص ما رواه في الجنة والنار و ما يقصه من بني إسرائيل لوقف على أنّ أبا هريرة كان قصّاصّاً ذا خيال واسع يخلق أساطير في أبواب مختلفة ويسوقها في قالب الحديث، فمن أراد التفصيل فليدرس رواياته في الصحيحين.

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١٣٠، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإنّ في إحدى جناحيه داء وفي الاَُخرى شفاء من كتاب بدء الخلق.


٢٠- عقبة بن عامر الجُهَني

(... - ٥٨ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. النبي يلعن المحلِّل والمحلَّل له

٢. النبي يلبس الحرير

٣. كلّ ميت يختم على عمله إلاّ المرابط

٤. أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص

٥. حقّ الضيافة يوَخذ عنوة

عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني، يكنى أبا حماد، روى عنه أبو عشّانة، انّه قال: قدم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا في غنم لي أرعاها فتركتها ثمّذهبت إليه، فقلت: تبايعني يا رسول اللّه، قال: فمن أنت، فأخبرته، فقال: أيّما أحبّ إليك، تبايعني بيعة أعرابية، أو بيعة هجرة؟

قلت: بيعة هجرة، فبايعني.

وكان من أصحاب معاوية بن أبي سفيان، وولي مصر وسكنها، وتوفي بها سنة ٥٨ ه-، وروى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو أيّوب، وأبو امامة وغيرهم.


ومن التابعين: أبو الخير، وعلي بن رباح، وأبو قبيل، وسعيد بن المسيب وغيرهم، وشهد صفين مع معاوية، وشهد فتوح الشام، وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق، وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن.

قال الذهبي: له في مسند بَقيّ خمسة وخمسون حديثاً(١) ولكن جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١١٢ حديثاً(٢)

نذكر من روائع رواياته التي يدل سمو معانيها على صحّة مضمونها شيئاً ثم نعرج إلى أحاديثه السقيمة.

روائع أحاديثه:

١. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عُشّانة، انّه سمع عقبة بن عامر، يقول: لا أقول اليوم على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مالم يقل. سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:

من كذب قال ما لم أقل فليتبوّأ بيتاً من جهنَّم.(٣)

٢. أخرج مسلم في صحيحه، عن مرثد بن عبد اللّه اليزنيّ، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ أحقّ الشّرط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج.(٤)

٣. أخرج أحمد في مسنده، عن الحسن، عن عقبة بن عامر انّ نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: إذا أنكح وليان فهو للاَوّل منهما، وإذا باع من رجلين فهو للاَوّل منهما.(٥)

٤. أخرج أحمد في مسنده، عن قيس الجذاميّ، عن عقبة بن عامر

____________________

١ طبقات ابن سعد: ٤/٣٤٣؛ أُسد الغابة: ٣/٤١٧؛ سير أعلام النبلاء: ٢/٤٦٧ برقم ٩٠.

٢ المسند الجامع: ١٥/٨٣.

٣ مسند أحمد: ٤/١٥٩.

٤ صحيح مسلم: ٤/١٤٠، باب الوفاء بالشروط في النكاح.

٥ مسند أحمد: ٤/١٤٩.


الجهنيّ، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: من أعتق رقبة مسلمة فهي فداوَه من النّار.(١)

٥. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن شماسة انّه سمع عقبة بن عامر على المنبر، يقول: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: الموَمن أخو الموَمن، فلا يحلّ للموَمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتّى يذر.(٢)

٦.أخرج ابن ماجة، عن عبد الرحمان بن شماسة، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: المسلم أخو المسلم، ولا يحلّ لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب، إلاّبيّنه له.(٣)

٧. أخرج ابن ماجة، عن أبي سعيد الرعينيّ أنّ عبد اللّه بن مالك اليحصبي أنّ عقبة بن عامر أخبره: انّ أُخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة، وأنّه ذكر ذلك لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: مُرها فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيّام.(٤)

٨. أخرج النسائي، عن ابن مجيرة، عن عقبة بن عامر: انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال: خمس من قبض في شيء منهنّ فهو شهيد: المقتول في سبيل اللّه شهيد، والغرق في سبيل اللّه شهيد، و المبطون في سبيل اللّه شهيد، و المطعون في سبيل اللّه شهيد، والنفساء في سبيل اللّه شهيد.(٥)

٩.أخرج أحمد في مسنده، عن فروة بن مجاهد اللخني، عن عقبة بن عامر، قال: لقيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: لي: يا عقبة بن عامر، صل من قطعك، واعط من حَرَمك، واعفو عمن ظلمك.(٦)

____________________

١ مسند أحمد: ٤/١٤٧.

٢ صحيح مسلم: ٤/١٣٩، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه.

٣ سنن ابن ماجة: ٢/٧٥٥ برقم ٢٢٤٦.

٤ سنن ابن ماجة: ١/٦٨٩ برقم ٢١٣٤.

٥ سنن النسائي: ٦/٣٧.

٦ مسند أحمد: ٤/١٥٨.


١٠. أخرج مسلم في صحيحه عن مرثد، عن عقبة بن عامر، قامعلى قتلى أُحد، ثمّ صعد المنبر كالمودّع للاَحياء والاَموات، فقال: إنّي فرطكم على الحوض وانّ عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، إنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم، قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر.(١)

هذا شيء من روائع رواياته، وإليك نزراً من رواياته السقيمة التي تعزى إليه ولا تمتلك الضوابط التي أومأنا إليها في صدر الكتاب، وإليك بيانها.

١. النبي يلعن المحلِّل والمحلّل له

أخرج ابن ماجة في سننه عن أبي مصعب مشرح بن هاعان، قال: قال عقبة بن عامر: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: هو المحلِّل، لعن اللّه المحلِّل والمحلَّل له.(٢)

وروى عكرمة، عن ابن عباس: قال: لعن رسول اللّه المحلل والمحلل له.

أقول: ورد النصّ في القرآن الكريم على أنّ من طلّق زوجته ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، قال سبحانه:( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْ-رَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ ) (البقرة/٢٣٠).

وعلى ضوء ذلك فمن تزوج مطلقة ثلاثاً لم يرتكب أمراً محرّماً ولا مكروهاً، غاية الاَمر لو طلّقها يجوز للزوج المطلِّق نكاحها من بعد طلاق المحلِّل وإلاّ فتبقى الزوجة في حبالته.

____________________

١ صحيح مسلم: ٧/٦٨.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٦٢٢ برقم ١٩٣٦.


وإذاً فما هو المبرّر للعن المحلّل؟! وأوضح منه لعن المحلَّل له، فانّاللعن رهن ارتكاب أمر محرم أو مبغوض من قبل الشارع.

نعم لو شرطت الزوجة طلاقها في العقد الثاني بعد المسّ فالنكاح باطل إذا قلنا بأنّ الشرط الفاسد مفسد، أو الشرط باطل والنكاح صحيح، فلا يحلّللزوج الثاني إلاّ إذا ذاق الزوج الثاني عُسيلتها، وذاقت الزوجة عُسيلته فلو طلق عن رضا واختيار فتحل للزوج الاَوّل فما هو وجه اللّعن؟

وتعليل اللعن بارتكاب فعل مكروه ممنوع موضوعاً وحكماً.

٢. النبي يلبس الحرير

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، انّه قال: أهدي لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرّوج(١) حرير فلبسه، ثمّصلى فيه، ثمّ انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثمّ قال: لا ينبغي هذا للمتقين.(٢)

إنّ لبسهص الفرّوج، إمّا كان قبل تحريم الحرير على الرجال أو بعده، فالثاني لا يصحّ أن ينسب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاَنّه ينافي عصمتهص.

وأمّا الاَوّل فلبسه وصلاته كانت جائزة وعندئذ فما هو وجه التعبير عن ذلك العمل الحلال بقوله: «ثمّ انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثمّ قال: لا ينبغي هذا للمتقين»؟! فانّه لا يناسب مكانة العمل الحلال، ويحتمل أن يكون ذيل الحديث من تصورات الراوي.

ويوَيده ما رواه مسلم، عن جابر بن عبد اللّه، انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبس يوماً قباءً من ديباج أُهدي له ثمّ أوشك أنْ نزعه، فأرسل به إلى عمر

____________________

١ الفروج هو قباء له شق من خلفه.

٢ صحيح مسلم: ٦/١٤٣، باب إباحة لبس الحرير للرجل إذ كان به حكة أو نحوها.


بن الخطاب، فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول اللّه؟ فقال: نهاني عنه جبرئيل، فجاءه عمر يبكي، فقال: يا رسول اللّه كرهت أمراً واعطيتنيه فمالي؟ قال: إنّي لم أعطكه لتلبسه انّما أعطيتكه تبيعه، فباعه بألفي درهم.(١)

والظاهر وحدة الواقعة ولكن ليس في الحديث الثاني ما في الحديث الاَوّل من أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزعه نزعاً شديداً كالكاره له.

٣. كلّ ميت يختم على عمله إلاّالمرابط

أخرج الدارمي عن مشرح، قال: سمعت عقبة بن عامر، يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: كلّ ميت يختم على عمله إلاّالمرابط في سبيل اللّه فانّه يجزى له عمله حتى يبعث.(٢)

الحديث ظاهر في الحصر، و لكنّه يخالف ما نقل عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أنّه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّمن ثلاث.

أخرج ابن ماجة، عن عبد اللّه بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خير ما يخلِّف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعملُ به من بعده.(٣)

والحديث يدل على أنّ غير المرابط أيضاً لا يختم على عمله.

نعم لو حاولنا الجمع بين الروايتين فلا محيص من حمل الحصر الاَوّل على الحصر الاِضافي لا الحقيقي، وإن كان الحمل على خلاف الظاهر.

____________________

١ صحيح مسلم:٦/١٤١.

٢ سنن الدارمي: ٢/٢١١، باب فضل من مات مرابطاً؛ وأخرجه أحمد في مسنده:٤/١٥٠.

٣ سنن ابن ماجة: ١/٨٨ برقم ٢٤١ باختلاف يسير في اللفظ.


٤. أسلم الناس و آمن عمرو بن العاص

أخرج الترمذي، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص.(١)

قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث أبي لهيعة عن مشرح بن هاعان وليس اسناده بقوي.

أقول: تشير الرواية إلى أنّ عمرو بن العاص آمن بلسانه وقلبه و الآخرون أسلموا بلسانهم لا بقلبهم، وهذا ممّا يخالف الواقع، إذ قد آمن قبله أُناس من المهاجرين الذين اتّفق المسلمون على إيمانهم وتصديقهم، كعلي بن أبي طالب وعبد اللّه بن مسعود وجندب بن جنادة(أبي ذر) وجعفر الطيار، وحمزة بن عبد المطلب، ولفيف من الاَنصار كأُبي بن كعب وأسعد بن زرارة وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وعندئذٍ فلو صحت الرواية فلابدّ أن يحمل الناس على طائفة خاصة من قريش وغيرهم الذين آمنوا مع عمرو بن العاص، فهوَلاء أسلموا - إسلام الاَعراب - و عمرو بن العاص آمن، فلاحظ.

٥. حقّالضيافة يوَخذ عنوة

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، انّه قال: قلنا يا رسول اللّه انّك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضيف الذي ينبغي لهم.(٢)

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٦٨٧ برقم ٣٨٤٤.

٢ صحيح مسلم: ٥/١٣٨، باب الضيافة ونحوها من كتاب اللقطة.


أقول: الضيافة سيرة عقلائية قامت على أساس تكريم الضيف الوارد وتبجيله واحترامه عن طيب نفس.

وأمّا إذا لم تكن مصحوبة بطيب النفس فتفقد الضيافة معناها، وتزيد في الطين بلّة إذا قام الضيف بأخذ حقّه من المضيِّف جبراً وعنفاً فهذا ينبت العداوة والبغضاء بينهما، فلا يصلح للاِسلام الداعي إلى الاَخاء والتسامح أن يأمر الضيف بأخذ حقّه من المضيف.

ولما كانت الرواية على خلاف الاَصل الثابت في الاِسلام، أعني قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحلّ مال امرىَ مسلم إلاّبطيب نفسه» أو قوله: «الناس مسلّطون على أموالهم»، ذهب شرّاح الحديث إلى تأويله بتأويلات مجانفة عن الحق.

من حمله على المضطرين، أو تأويله بأنّ المراد من أخذ الحقّ هو الاَخذ من أعراضهم بالاَلسنة وذكر لوَمهم وبخلهم للناس والعيب عليهم وذمهم إلى غير ذلك من الوجوه الموَوِّلة.

والتأويل الاَوّل وإن كان لا بأس به في ذاته، لكنّه يخالف ظاهر الحديث، وأمّا الثاني فبعيدعن روح الاِسلام وهو أن يسوِّغ للضيف ذكر أخيه باللوَم، والاَخذ من عرضه بحجّة انّه لم يضيّفه، وقد ذكر الاِمام النووي تأويلات أُخرى.(١)

أضف إلى ذلك انّه يخالف ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي شريح العدوي، قال: سمعت أُذناي وأبصرت عيناي حين تكلّم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: من كان يوَمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته يا رسول اللّه؟ قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام، قال: قال: فما وراء ذلك فهو صدقة عليه.

____________________

١ شرح صحيح مسلم، للنووي: ١٢/٢٧٥.


وقال: من كان يوَمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.(١)

ومعنى الحديث انّه ليس وراء ذينك الاَمرين شيء آخر وهو أخذ حقّ الضيافة من المضيِّف.

____________________

١ صحيح مسلم: ٥/١٣٨، باب الضيافة ونحوها من كتاب اللقطة.


٢١- جبير بن مُطعِم

( - ٥٩ه-)

سيرته و أحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. لعرشه سبحانه اطيط كاطيط رحل الاِبل

٢. نزول اللّه في كلّليلة إلى السماء الدنيا

ابن عَدِّيّ بن نوفَل بن عبد مناف بن قصيّ، شيخ قريش في زمانه، أبو محمد، ويقال أبو عدي القرشي النوفلي، ابن عمِّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

من الطلقاء الذين حَسُن إسلامُهم،وقد قدم المدينة في فداء الاَسارى من قومه.

وكان أبوه هو الذي قام في نقض صحيفة القطيعة،وكان يحنو على أهل الشِّعب ويصلْهم في السرّ، ولذلك يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر:

«لو كان مُطْعِم بن عديّ حيّاً وكلّمني في هوَلاء النّتنى لتركتهم له» وهو الذي أجار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين رجع من الطائف حتى طاف بعمرة.

روى عنه: ولداه محمد ونافع، وسليمان بن صرد، وسعيد بن المسيب،


وأبو سلمة بن عبد الرحمان،وعبد الرحمان بن أزهر، وعبد اللّه بن باباه، ويحيى بن عبد الرحمان بن حاطب، و إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف.

توفي جبير بن مطعم سنة تسع و خمسين.(١)

وقدجمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ثلاثين حديثاً.(٢) عزيت إليه روايات رائعة وأُخرى سقيمة.

فمن روائع رواياته

أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن أبي سليمان، عن جبير بن مطعم، أنّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

«ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية».(٣)

وقد رويت عنه ما لا تستقيم مع الضوابط التي تلوناها في صدر الكتاب.

١. للعرش اطيط كاطيط الرحل

أخرج أبو داود، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدّه، قال: أتى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرابي، فقال: يا رسول اللّه، جهدت الاَنفس،وضاعت العيال، ونهكتِالاَموال، وهلكت الاَنعام فاستسق اللّه لنا، فإنّا نستشفع بك على اللّه، ونستشفع باللّه عليك.

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٣/٩٥ برقم ١٨.

٢ المسند الجامع: ٤/٤٦١ برقم ٨٥.

٣ سنن أبي داود: ٤/٢٣٢ برقم ٥١٢١.


قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويحك، أتدري ما تقول؟ وسبَّح رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمازال يسبِّح حتى عُرفَ ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال: ويحك، انّه لا يستشفع باللّه، على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللّه؟ إنّعرشه على سماواته لهكذا - و قال باصابعه: مثلَ القبَّة عليه، و إنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب.(١)

قال الطيبي في عون المعبود:

١. «لهكذا» بفتح اللام الابتدائية دخلت على خبر «إنّ » تأكيداً للحكم.

٢. «قال بأصابعه» أي أشار بها.

٣..«مثل القبّة عليه» قال القارىَ: حال من العرش أي مماثلاً لها على ما في جوفها.

قال الطيّبي: هو حال من المشار به، و«في قال» معنى الاِشارة، أي أشار بأصابعه إلى مشابهة هذه الهيئة وهي الهيئة الحاصلة للاَصابع الموضوعة على الكف، مثل حالة الاِشارة.

٤. و«انّه» أي العرش.

٥. «ليئطُّ» بكسر الهمزة وتشديد المهملة أي يُصوِّت.

٦. «به»أي باللّه تعالى.

٧. «أطيط الرحل» أي كصوته، والرحل كور الناقة.

٨. «بالراكب» أي الثقيل.

وفي النهاية: أي انّالعرش ليعجز عن حمله وعظمته، إذ كان معلوماً ان

____________________

١ سنن أبي داود: ٤/٢٣٢ برقم ٤٧٢٦.


أطيط الرحل بالراكب إنّما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله.(١) ووصفه سبحانه بهذا النحو لاَجل افهام الاَعرابي بأنّه من له هذه العظمة لا يكون شفيعاً، لدى الغير.

هذا هو مفاد الحديث وهو كما ترى نص في التجسيم وذلك:

أوّلاً: أثبت للّه مكاناً، وهو العرش وأخلى العالم كلّه من وجوده المحيط القيوم.

ثانياً: أثبت انّ اللّه مماس للعرش مماسّة الراكب بالرحل.

ثالثاً: أثبت له الثقل الذي هو من خصائص المادة، وانّ العرش يئنّ من حمله، كما يئنّ الرحل من ثقل الراكب.

هذا هو التجسيم الواضح الذي عليه اليهود و الوثنيون تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

وقد انقسم المحدثون وغيرهم في تفسير هذه الرواية ونظائرها التي يعبّر عنها في علم الكلام بالصفات الخبريّة إلى طوائف.

الاُولى: المشبهة:وهم الذين يجرون هذه الصفات على اللّه سبحانه بنفس المعاني المرتكزة في أذهان الناس دون أيّ تصرف، ولذلك قالوا: إنّ للّه يدين ورجلين وعينين مثل الاِنسان.

ويعرفهم الشهرستاني في ملله و نحله بقوله:

أمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء، والوجه واليدين والجنب، والمجيء والاِتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند إطلاق هذه الاَلفاظ على الاَجسام، وكذلك ما ورد في الاَخبار من الصورة وغيرها في

____________________

١ عون المعبود في شرح سنن أبي داود: ١٣/١٤.


قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق آدم على صورة الرّحمن» و قوله: «حتى يضع الجبار قدمه في النار» و قوله: «قلبُ الموَمن بين أصبعين من أصابع الرّحمن» وقوله: «خَمَّر طينةَ آدم بيده أربعين صباحاً» وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي» وقوله:«حتى وجدتُ بردَ أنامله على كتفي» إلى غير ذلك، أجروها على ما يتعارف في صفات الاَجسام، وزادوا في الاَخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فانّ التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه (اللّه) فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، و انّ العرش ليئط من تحته كاطيط الرحل الجديد، و انّه ليفضل من كلّ جانب، أربع أصابع، وروى المشبهة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لقيني ربّي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله».(١)

ولا أظن لمسلم أن يعتنق التشبيه والتجسيم فانّه كفر وضّاح مخالف للذكر الحكيم، لاَنّه سبحانه ليس كمثله شيء.

الثانية: المفوضة: وهم طائفة من الاَشاعرة اختاروا مسلك التفويض، وحاصله: الاِيمان بكلّ ما جاء من القرآن والسنة من الصفات التي وصف اللّه سبحانه نفسه بها إجمالاً، وتفويض ما يراد منها إليه، وربّما يظهر ذلك من الرازي، حيث يقول: إنّ هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّه منها غير ظاهري، كما يجب تفويض معناها إلى اللّه ولا يجوز الخوض في تفسيرها.(٢)

يلاحظ عليه: انّ معنى التفويض تعطيل العقول عن التفكير في المعارف والاَصول، فكأنّ القرآن الغاز نزلت على قلب النبيوليس كتاب هداية وتعليم وإرشاد، قال تعالى:( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلٍّ شَيءٍ ) (النحل / ٨٩) فإذا كان

____________________

١ الملل والنحل:١/١٠٥- ١٠٦.

٢ أساس التقديم، ص ٢٢٣ كما في علاقة الاثبات، ص ١٠٢.


تبياناً لكلّشيء، فلماذا لا يكون تبياناً لنفسه أيضاً ؟

وكيف يكون الواجب، الاعتقاد من دون فهم معناه؟ وما فائدة ذلك الاعتقاد إذا لم يعلم واقع المعتَقَد ومفهومه؟

ومذهب التفويض يلازم ترك البحث في قسم من الآيات الواردة في القرآن الكريم فكأنّها وردت للقراءة والتلاوة لا للفهم والدراية ولا للتدبّر والتفكر.

قال سبحانه:( أَفَلا يَتَدبَّرُونَ القرآنَ أَمْ عَلى قُلوبٍ أَقْفالُها ) (محمد/٢٤).

الثالثة: المثبتة للصفات بلا تكيف: انّ هذه الطائفة تجري الصفات الخبرية على اللّه سبحانه بالمعنى المتبادر منها، لكن مع التنزيه عن التشبيه والتجنب عن التكييف.

قال الاِمام الاَشعري في الاِبانة: «وانّ اللّه استوى على عرشه»، كما قال:( الرّحمنُ على العرشِ استوى ) (١) انّ له وجهاً بلا كيف، كما قال:( وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والاِكْرام ) (٢) وانّ له يدين بلا كيف، كما قال:( خَلقْتُ بِيَدَيّ ) (٣) وكما قال:( بَلْيَداهُ مَبْسُوطَتان ) (٤) وانّ له عيناً بلا كيف، كما قال:( تَجرِي بِأَعْيُنِنا ) (٥) .(٦)

يلاحظ عليه: أنّ هذا المذهب جَمع بين الضدين أو النقيضين، فمن جانب يحاول أن يجري الصفات بالمعنى المتبادر منها في العرف، ومن جانب آخر ينفي الكيفية، ومن المعلوم انّ الجمع بينهما جمع بين الوجود والعدم، و ذلك لاَنّ واقع اليد بالمعنى العرفي و هكذا العين بالمعنى اللغوي، يتقوّم بالكيفية فنفيها في مورده سبحانه نفي لهذه الصفات بمعانيها العرفية، فكيف يُثبتها بمالها من المعاني العرفية مع نفي الكيفية، لاَنّاليد مثلاً حقيقة في اليد بما لها من

____________________

١ طه: ٥.

٢ الرحمن: ٢٧.

٣ ص: ٧٥.

٤ المائدة: ٦٤.

٥ القمر: ١٤.


الكيفية فنفي الكيفية في الحقيقة نفي للاَمر المقوّم بمالها من المفهوم العرفي.

وبعبارة أُخرى انّإجراء هذه الصفات على اللّه سبحانه بنفس معانيها العرفية لا ينفك عن إثبات الكيفية والسمات البشرية لها، لاَنّ المفروض انّها وضعت لمعان بكيفيات خاصة، فإثبات العين بالمعنى العرفي، و نفي الكيفية إثبات للشيء حين نفيه، و بذلك يظهر انّ عقيدة الاَشعري أعني الاِثبات بلا كيف يلازم التعقيد و الاِبهام في العقيدة.

ولو صحّ إثبات هذه المعاني على اللّه بقيد نفي الكيف، فليصح أن يقال: إنّ اللّه جسم لا كالاَجسام، عرض لا كسائر الاَعراض.

وبطلانه من الوضوح بمكان.

الرابعة: الموَوّلة

المراد من الموَولة من يحملون هذه الصفات على المعاني الكنائية، مثلاً يفسرون اليد بالنعمة، والقدرة، والاستواء على العرش بالاستيلاء، وإظهار القدرة، وهوَلاء هم المعتزلة، وربّما يوجد بين المحدثين من يعتقد بذلك.

قال الخطابي في تفسير الحديث الذي نحن بصدده:

هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن اللّه تعالى وعن صفاته منفية، فعُقِل ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنّما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة اللّه وجلاله جلّ جلاله، وإنّما قصد به افهام السائل بقدر فهمه إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام و ما لطف منه عن إدراك الافهام.(١)

____________________

١ عون المعبود: ١٣/١٥.


أقول: إذا أريد من التأويل: هو صرف ظاهر القرآن والسنة عن معناه الجُمْلي والمضمون التصديقي لاَجل كونه مخالفاً للعقل، فهو أمر غير صحيح وذلك لاَنّ الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة منزّهان عمّا يخالف صريح العقل ولا أظن انّ مسلماً واعياً يتفوه بذلك.فالتأويل بغية رفع التعارض بين العقل و النقل، أمر مرفوض لامتناع وجود التعارض بين النقل القطعي والعقل الصريح حتى نعالجه بالتأويل، فأحد الاَمرين باطل، امّا النقل، وامّا العقل.

وأمّا إذا أريد من التأويل: هو صرف الكلام عن معناه التصوري والمضمون الابتدائي والتأكّد من معناه التصديقي والجُمْلي، فهذا أمر معقول جدّاً عملاً بما دعا إليه القرآن الكريم بالتدبّر في آياته وليس هذا تأويلاً في الحقيقة.

وعليه فتفسير آية الاستواء واليد والعين بما ذكر في الكلام السابق إنّما هو تأويل بالنسبة إلى الظهور الابتدائي الاِفرادي لكلّ من العين و اليد و الاستواء، بأفرادها.

وأمّا بالنسبة إلى الظهور التصديقي والمضمون الجملي لهذه الآيات فليس تأويلاً، وإنّما هو حمل على المعنى العرفي لا على خلافه.

مثلاً قولنا: زيد كثير الرماد، له ظهور تصوري وهو انّ لزيد رماداً كثيراً وظهور تصديقي وهو انّه جواد، فلو صحّ التأويل فإنّما هو بالنسبة إلى المعنى الاِفرادي لكلّ من لفظي الرماد و الكثير وأمّا بالنسبة إلى المعنى الجملي فليس تأويلاً بل من قبيل حمل اللفظ على ظاهره.

وهذا هو الحقّ القراح في تفسير الصفات الخبرية الواردة في القرآن الكريم، وانّه يجب على المفسر التفتيش عن الظهور الابتدائي أو الاِفرادي، ثمّ الظهور النهائي و الجُمْلي، بالامعان في القرائن الموجودة في نفس الآيات امّا قبلها أو بعدها، فتفسيرها اعتماداً عليها، ليس تأويلاً، ولو أطلق عليه فإنّما هو


باعتبار ظهوره البدائي لا النهائي. نعم ما ذكرنا إنّما يتمشّى في آيات الذكر الحكيم لا في مثل الرواية فانّه نصّ في التجسيم غير قابل للتأويل المقبول عند العقلاء، وإنّما يصلح الكلام له إذا كان المعنى الثاني ملازماً للمعنى الاَوّل في نظر العرف كالجود في كثير الرماد، والمراقبة في العين، والتدبير في الاستواء على العرش، لا في مثل الرواية فهي ساقطة من رأس.

والعجب انّ القوم طرقوا في تفسير الرواية كلّ باب ولم يطرقوا باب القرآن والعقل.

وهذا هو مصنّف عون المعبود قد بسط الكلام في نقل الحديث واسناده وما ذكره المحدثون حول سنده فانتهى إلى تسويد عشرين صفحة في هذا المورد وغفل عن أنّ مفتاح حلّ تلك المعضلة بيد القرآن والعقل، لا في الرجوع إلى كلمات المحدثين ولا المناقشة في الاسناد.

ثمّ إنّ البيهقي - من الاَشاعرة التي تميل إلى التنزيه - ناقش في سند الحديث، وقال: هذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق بن يسار ،عن يعقوب بن عتبة. وصاحبا الصحيح لم يحتجا به، وإنّما استشهد مسلم بن الحجاج بمحمد بن إسحاق في أحاديث معدودة اظنهنّ خمسة قد رواهنّ غيره إلى آخر ما ذكر.(١)

٢. نزول اللّه في كلّليلة إلى السماء الدنيا

أخرج أحمد في مسنده، عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبيقال: ينزل اللّه عزّ وجلّ في كلّليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ حتى يطلع الفجر.(٢)

____________________

١ عون المعبود: ١٣/٩، ولاحظ الاَسماء و الصفات للبيهقي.

٢ مسند أحمد:٤/٨١.


ويكفي في كون الحديث مندسّاً في الاَحاديث الاِسلامية انّه يثبت النقلة والحركة للّه تبارك و تعالى أوّلاً، كما يثبت له مكاناً ثابتاً مستقراً فيه ثانياً، ونداءً ثالثاً.

و من الواضح انّ كلّ ذلك من صفات الممكن لا الواجب، فليس له سبحانه مكان خاص حتى ينتقل منه إلى السماء الدنيا وليس له صوت و نداء، ومع غض النظر عن ذلك، فما هي فائدة هذا النزول إلى السماء الدنيا ؟ إذ في وسعه أن يغفر لكلّ المستغفرين من دون أن يتحمل أعباء الحركة. وما فائدة هذا النداء الذي لا يسمعه أحد من العباد؟

كلّذلك يجعل الحديث في عداد الموضوعات التي تسرّبت إلى الاَحاديث الاِسلامية.

نعم ربّما يوَول الحديث بأنّه كناية عن نزول رحمته في الليل إلى طلوع الفجر، ولكنه تأويل باطل لا يصار إليه بلا قرينة، فإنّ الكناية بلفظ عن معنى إنّما يصحّ إذا كانت بين المعنيين ملازمة عرفية، بحيث ينتقل العرف من المعنى الاَوّل إلى المعنى الثاني كقولنا: زيد طويل النجاد، الملازم لكونه شجاعاً، لا ما إذا لم يكن كذلك، فلا يكنّى بالنزول إلى السماء الدنيا، عن نزول رحمته ولم يلتزم القائل بهذا المعنى إلاّ لرفع التعارض بين النقل و العقل.

وللاِمام الطاهر موسى بن جعفر الكاظمعليهما‌السلام كلام حول هذه الرواية: روى يعقوب بن جعفر الجعفري عنهعليه‌السلام قال: ذكر عنده قوم يزعمون انّ اللّه تبارك و تعالى ينزل إلى السماء الدّنيا، فقال: إنّ اللّه تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد،ولم يحتج بل يحتاج إليه، وهو ذو الطول، لا إله إلاّهو العزيز الحكيم، أمّا قول الواصفين: إنّه تبارك وتعالى ينزل فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلُّ متحرك محتاج إلى من يحركه أو


يتحرك به، فظن باللّه الظنون فهلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدٍّ تحدّوه بنقص أو زيادة أو تحرّك أو زوال أو نهوض أو قعود، فانّ اللّه جلّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهم المتوهمين، وتوكّل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين.(١)

____________________

١ الصدوق، التوحيد،١٨٣، باب نفي المكان برقم ١٨.


٢٢- سمرة بن جندب

( - ٥٩ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. الميت يعذب بالنياحة عليه.

٢. لا عبرة بأذان بلال.

٣. خلق المرأة من ضلع.

٤. جواز حلب الماشية بغير إذن أصحابها.

٥. الاِذن في شرب النبيذ بعد ما نهي عنه.

٦. الدجال يبرىَ الاَكمه و الاَبرص.

٧. وحي الشيطان إلى حواء.

هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري.

يعرِّفه الذهبي في تاريخه و يقول: له صحبة و رواية وشرف، ولي إمرة الكوفة و البصرة خلافة لزياد، و كان شديداً على الخوارج وقَتَلَ منهم جماعة، فكان الحسن وابن سيرين يثنيان عليه.(١)

وقال أيضاً في سير اعلام النبلاء: انّه من علماء الصحابة، نزل البصرة، له أحاديث صالحة، روى عنه: ابنه سليمان، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة.

____________________

١ الذهبي: تاريخ الاِسلام، في الجزء المختص بحوادث عهد معاوية، ص ٢٣١.


هذا ما يذكره الذهبي في بدء ترجمته و يصرّح بأنّه من علماء الصحابة، والصحابة عنده كلّهم عدول، و لكنّه يذكر في حقّه ما يدلّ على فسقه حيث يقول: عن أنس بن حكيم، قال: كنت أمرّ بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشيءحتى يسألني عن سمرة، فإذا أخبرته بحياته فرح، فقال: إنّا كنّا عشرة في بيت فنظر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجوهنا ثمّ قال: «آخركم موتاً في النار» فقد مات منّا ثمانية فليس شيء أحبّ إليّ من الموت».

وروى أيضاً عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لاَبي محذورة في ذلك، فقال: إنّي كنت أنا و هو وأبو هريرة في بيت فجاء النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة ثمّ مات أبو محذورة.

وروي عن ابن طاووس وغيره قال النبي لاَبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر: «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.

ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر ، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الاَرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه - يعنون دار الاَمارة - قُتِلَ بها سبعون ألفاً فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل و قطيع، قيل من فعل ذلك؟ فقال: «زياد و ابنه وسمرة».

ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي انّه قال: نرجو له بصحبته.(١)

وذكر ابن الاَثير ما نقلناه عن الذهبي و قال: سكن البصرة و كان زياد يستخلفه عليها إذا صار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا صار إلى البصرة فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر إلى آخر ما ذكر.(٢)

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٣/١٨٣-١٨٥.

٢ الجزري، أُسد الغابة: ٢/٣٥٤.


روى الطبري في حوادث سنة ٥٠، قال: عن محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً ؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.

وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(١)

ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر انّه قال: و قد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالبعليه‌السلام :( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الخِصامِ* وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الاَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ) (البقرة/٢٠٤-٢٠٥).

وانّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم. وهي قوله تعالى :( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه ) (البقرة/٢٠٧) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك.(٢)

هذه الروايات التي يعضد بعضها بعضاً، تعرب عن عدم صلاحه وفلاحه على خلاف ما ذكره الذهبي، و ذلك لا َمور :

أوّلاً: انّ الرجل كان خليفة زياد بن أبيه السفّاح الذي ارتكب جرائم كثيرة

____________________

١ تاريخ الطبري: ٣/١٧٦.

٢ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ٤/٧٣.


في حقّ المسلمين وقتل الاَبرياء منهم بلا ذنب اقترفوه، أمثال حجر بن عدي وأصحابه فكيف يكون خليفته رجلاً صالحاً ؟!

ولا نريد هاهنا تعريفك بزياد بن عبيد، و يكفي في حقّه انّه ولد على فراش عُبيد، وكان أبو سفيان قد أتى الطائف قبل ذلك فسكر وطلب بغيّاً فواقع سمّية وكانت مزوجة بعُبيد فولدت زياداً من جماعة، فلما رآه معاوية استلحقه بأنّه أخوه، وكانت سمّية مولاة للحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب.

فهو ابن زانية ولد على فراش عُبيد، وانّ معاوية ألحقه بأبي سفيان، مع أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر.(١)

وكفى في كونه سفّاكاً قول جابر بن زيد: كان زياد أقتل لاَهل دينه ممن يخالف هواه من الحجاج، و كان الحجاج أعلم بالقتل.

وقال ابن شوذب: بلغ ابن عمر انّ زياداً كتب إلى معاوية انّي قد ضبطت العراق بيميني، و شمالي فارغة، وسأله أن يولّيه الحجاز، فقال ابن عمر: اللّهمّ انّك إنْ تجعل في القتل كفارة فموتاً لابن سميّة لا قتلاً.

فخرج في إصبعه طاعون، فمات.

وقال الحسن البصري: بلغ الحسن بن علي انّ زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم، فدعا عليه.

وروى ابن الكلبي: أنّ زياداً جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من علي، فخرج خارج من القصر فقال: أمّا الاَمير فمشغول، فانصرفوا، فإذا الطاعون قد ضربه سنة ثلاث و خمسين ومات على أثرها.(٢)

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٣/٤٩٤ برقم ١١٢.

٢ تاريخ الاِسلام للذهبي، في الجزء المختص بعهد معاوية، ص ٢٠٩.


ثانياً: انّ سمرة كان سفّاكاً، وقد بلغ سفكه الدماء بمكان انّه بعد ما قتل ثمانية آلاف من أهل البصرة لما خشي أن يقتل مثلهم أيضاً كما مرّفي حديث أنس ابن سيرين.

وثالثاً: انّ سمرة ردّ طلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمره و خالفه حتى أسماه النبي بأنّه رجل مضار ، وإليك الحديث:

أخرج أبو داود عن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمد بن عليعليهما‌السلام يحدِّث عن سمرة، انّه كانت لسمرة عضد من نخل في حائط رجل من الاَنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: فهبه له ولك كذا و كذا أمراً رغبة فيه، فأبى، فقال: أنت مضار، فقال رسول اللّهللاَنصاري: اذهب فاقلع نخله.(١)

وعلى ضوء ذلك فالرجل فاسق و لم تصدُّه صحبته عن اقتراف الجرائم والآثام ولو كان مجرد الصحبة منقذاً، لما كان مصير امرأتي نوح و لوط هو النار كما قال سبحانه:( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صَالِحَينِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا مِنَ اللّهِ شَيئاً ) .

والعجب انّه روى عنه أصحاب الصحاح والمسانيد، و مع غض النظر عن مناقشة السند نذكر بعض أحاديثه الرائعة التي لها عبق من أنوار النبوة ثمّنأتي ببعض رواياته السقيمة التي لا تصحّ نسبتها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمخالفتها للاَصول المسلمة التي أشرنا إليها في مقدمة الكتاب.

____________________

١ سنن أبي داود:٣/٣١٥ برقم ٣٦٣٦، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.


روائع أحاديثه

١. أخرج أبو داود، عن الهياج بن عمران، انّعمران أبق له غلام فجعل للّه عليه لئن قدر عليه ليقطعنّ يده، فأرسلني لاَسأل له: فأتيت سمرة بن جندب فسألته، فقال: كان نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحثّنا على الصدقة و ينهانا عن المثلة.(١)

٢. أخرج الترمذي عن الحسن، عن سمرة بن جندب: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أيّ امرأة زوّجها وليّان، فهي للاَوّل منهما، و من باع بيعاً من رجلين فهو للاَوّل منهما.(٢)

٣. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة بن جندب انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: البيّعان بالخيار مالم يفترقا.(٣)

٤. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة انّ رسول اللّهنهى أنْ يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبتاع على بيعه.(٤)

٥. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : الرجل أحقّ بعين ماله إذا وجده و يتبع البائع من باعه.(٥)

٦. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من أحاط حائطاً على أرض فهي له.(٦)

____________________

١ سنن أبي داود:٣/٥٤ برقم ٢٦٦٧؛ مسند أحمد: ٤/٤٢٨.

٢ سنن الترمذي: ٣/٤١٨ برقم ١١١٠، وأخرجه أبو داود في سننه برقم ٢٠٨٨.

٣ مسند أحمد: ٥/٢٢.

٤ مسند أحمد: ٥/١١.

٥ مسند أحمد: ٥/١٣.

٦ مسند أحمد: ٥/١٢؛ سنن أبي داود:٣/١٧٩ برقم ٣٠٧٧.


٧. أخرج أبو داود، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي قال: على اليد ما أخذت حتّى توَدي.(١)

٨. أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن سمرة بن جندب انّ رسول اللّه قال: من حدّث عني حديثاً يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين.(٢)

٩. أخرج ابن ماجة، عن ابن سمرة بن جندب، عن أبيه،قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من قتل فله السّلب.(٣)

١٠. أخرج ابن ماجة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحسب المال، والكرم التقوى.(٤)

هذه جملة من أحاديثه التي يوَيد مضامينها الكتاب والسنة و اتّفاق المسلمين والعقل الحصيف، استعرضناها في مقابل ما نستعرضه من رواياته السقيمة وما أكثرها ونقتصر على قسم منها.

١. الميت يعذب بالنياحة عليه

أخرج أحمد، عن قتادة ،عن الحسن، عن سمرة ،عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: الميت يعذّب بما نيح عليه.(٥)

هذه الرواية رواها غيره أيضاً ، و قد سبق منّا انّها تخالف الكتاب العزيز

____________________

١ سنن أبي داود: ٣/٢٩٦ برقم ٣٥٦١؛ مسند أحمد:٥/٨.

٢ صحيح مسلم:١/٧، باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكاذبين.

٣ سنن ابن ماجة: ٢/٩٤٧ برقم ٢٨٣٨.

٤ سنن ابن ماجة: ٢/١٤١٠ برقم ٤٢١٩؛ مسند أحمد: ٥/١٠.

٥ مسند أحمد:٥/١٠.


والعقل الحصيف، وذكرنا انّ الرواية لم تنقل على وجه صحيح، وذكرنا كلام السيدة عائشة في هذا المضمار وما فيه من الاِشكال.

٢. لا عبرة بأذان بلال

أخرج الترمذي، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال و لا الفجر المستطيل و لكن الفجر المستطير(١) في الاُفق.(٢)

وأخرج أحمد في مسنده، عن سمرة قال: لا يغرّنكم أذان بلال و لا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير.(٣)

أقول: لولا انّ الرواية تضمنت حكماً صحيحاً، و هو عدم الاعتداد بعمود الصبح، وإنّما العبرة باعتراض البياض كان في وسع الباحث أن يتردد في صحّة الرواية، ويقول إذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي نصب بلالاً للاَذان وكان بلال يوَذّن قبل الوقت، فلماذا نصب إنساناً لانجاز عمل غير عارف به؟

أضف إلى ذلك انّه إذا كان بلال يوَذّن قبل الوقت في أغلب الاَحيان على وجه يفسد عبادات الناس و صلواتهم كان على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إرشاده.

٣. خلق المرأة من ضلع

أخرج أحمد في مسنده، عن عون قال: و حدّثني رجل، قال : سمعت سمرة يخطب على منبر البصرة و هويقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ

____________________

١ يريد من المستطير الذي ينتشر ضووَه ويعترض في الاَُفق ويقابله المستطيل.

٢ سنن الترمذي: ٣/٨٦ برقم ٧٠٦؛ وأخرجه الاِمام أحمد في مسنده: ٥/٩.

٣ مسند أحمد: ٥/١٣.


المرأة خلقت من ضلع وانّك إنْ ترد إقامة الضلع تكسرها فدارها تعش بها.(١)

إنّ الحديث - مع إرساله - من الاِسرائيليات المندسّة في أحاديث المسلمين وهو موجود في التوراة المحرّف في سفر التكوين.قال:و بنى الرب الاِله الضلع التي أخذها من آدم، امرأة واحضرها إلى آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي....(٢)

إنّ مضمون الحديث يخالف القرآن الكريم حيث يرى للمرأة خلقاً مستقلاً مماثلاً مع خلق الرجل، قال سبحانه:( يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهما رِجالاً كثِيراً ونِساءً ) (النساء/١).

والمراد من قوله :( وخَلَقَ مِنْها زَوجَها ) أي خلق من جنسها زوجها فالذكر و الاَُنثى من جنس واحد و إن كانا يختلفان صنفاً.

ولفظة «من» في «منها» لبيان الجنسية كقولك: خاتم من فضة.

٤. جواز حلب الماشية بغير إذن صاحبها

أخرج أبو داود، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب انّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحلب وليشرب، فإن لم يكن فيها فليصوِّت ثلاثاً، فإن أجابه فليستأذنه، وإلاّفليحتلب و ليشرب ولا يحمل.(٣)

ورواه الترمذي في باب ما جاء في احتلاب المواشي بغير إذن مالكها، ثمّ قال: حديث سمرة حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٨٥.

٢ التوراة، سفر التكوين، الاصحاح الثاني برقم ٢٣-٢٤.

٣ سنن أبي داود: ٣/٣٩ برقم ٢٦١٩.


العلم، و به يقول أحمد و إسحاق.(١)

ولنا معه وقفة قصيرة وذلك انّه مخالف لما اتّفق عليه المسلمون من أنّه لا يجوز التصرف في مال الغير دون إذنه، ورووا عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: لا يحلّمال امرىَ مسلم إلاّبطيب نفس منه.(٢)

وقال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته المعروفة في حجّة الوداع: «إنّ اللّه قد حرّم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا».(٣) و الحديث وإن كان يحتمل أن يكون مخصصاً للعموم لكن لسان العموم آبٍ عن التخصيص ولذلك يكون المضمون منكراً غير مطابق للاَُصول.

٥. الاِذن في شرب النبيذ بعدما نُهي عنه

أخرج الاِمام أحمد، عن منذر أبي حسان، عن سمرة بن جندب انّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أذن في النبيذ بعدما نهى عنه.(٤)

أقول: اجتمعت الاُمّة الاِسلامية على تحريم الخمر، وهي عصير العنب الذي اشتد وأسكر، وأمّا غيرها المتخذ من الزبيب أو التمر أو الشعير أو الذّرة ففيها اختلاف وتفصيله لا يسع المقام.

والذي يمكن أن يقال: إنّكلّ شراب كان بجنسه مسكراً فهو حرام، سواء صار سبباً للاِسكار أو لا، و يدلّ على ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة، قالت:

____________________

١ سنن الترمذي: ٣/٥٩٠ برقم ١٢٩٦.

٢ مسند أحمد:٥/٧٢.

٣ السيرة النبوية لابن هشام:٤/٢٥٢.

٤ مسند أحمد:٥/١٢.


سئل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام.(١)

وفي رواية أُخرى عنها: سئل رسول اللّه عن البتع و هو نبيذ العسل و كان أهل اليمن يشربونه، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كل شراب أسكر فهو حرام.(٢)

والمراد من قوله: أسكر، أي ما كان بجنسه مسكراً لا ما يكون مسكراً لنفس الشارب، و إلاّ يلزم أن يكون حراماً لشخص إذا أسكره و غير حرام لشخص آخر إذا لم يسكره لوجود الاختلاف في الاَمزجة و غيرها.

وعلى ضوء ذلك فما رواه سمرة من نهي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن النبيذ ثمّ تجويزه يجب أن يتوارد المنع والجواز على موضوع واحد، فلا يخلو إمّا أن يكون الموضوع هو النبيذ المسكر أو غيره، أمّا الثاني فيبعد ورود النهي عليه ثمّ رفعه، و قد كان أهل المدينة ينبذون تمراً في المياه المعدّة للشرب في أوّل الليل لاِذهاب مرّها ثمّ يشربونها صباحاً، فلا وجه لورود المنع والاِباحة على مثله، فينحصر الموضوع بالمسكر منه، وهذا يعني انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عنه ثمّرخص فيه مع أنّه مناف لما رواه البخاري عن السيدة عائشة انّه حرم كلّمسكر.

مضافاً إلى أنّه كيف يمكن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يرخص ما يزيل العقل ويسكره؟!

وللكلام صلة، فمن أراد فليرجع إلى الخلاف للشيخ الطوسي.(٣)

٦. الدجال يبرىَ الاَكمه والاَبرص

أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة بن جندب انّ نبي اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كان يقول: إنّ الدجال خارج و هو أعور عين الشمال، عليها

____________________

١ البخاري، الصحيح: ٧/١٠٥، كتاب الاَشربة.

٢ البخاري، الصحيح: ٧/١٠٥، كتاب الاَشربة.

٣ الخلاف: ٥/٤٧٣- ٤٨٨.


ضفرة غليظة، و انّه يبرىَ الاَكمه و الاَبرص ويحيي الموتى، ويقول للناس: أنا ربّكم، فمن قال: أنت ربّي فقد فتن، و من قال: ربّي اللّه حتى يموت فقد عصم من فتنته ولا فتنة بعده عليه ولا عذاب، فيلبث في الاَرض ما شاء اللّه، ثمّ يجيىَ عيسى ابن مريمعليهما‌السلام من قبل المغرب مصدقاً بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى ملته فيقتل الدجال، ثمّ إنّما هو قيام الساعة.(١)

أقول: إنّ مضمون الحديث يخالف العقل و النقل.

أمّا العقل فلاَنّه يستقل بقبح منح القدرة الخارجة عن العادة للكذابين الموجب لافتتان الناس، والظاهر من الرواية أعني قوله: «فيلبث في الاَرض ما شاء اللّه» انّه يعيش في الاُمّة الاِسلامية سنين متمادية، و يقوم بما يقوم به المسيح من إبراء الاَكمه والاَبرص و إحياء الموتى، فيضلُّ الناس بمعاجزه وكراماته التي أعطاها اللّه سبحانه له هذا من جانب و من جانب آخر انّ الناس بطبيعتهم مفتونون بمن يصدر عنه المعاجز حيث يجعلون قدرته على أُمور خارقة للعادة دليلاً على صدق مدّعاه أعني قوله: «أنا ربّكم» فيَضلّون واحد بعد آخر، وعندئذٍ فما ذنبهم إذا آمنوا به مع وجود أرضية خصبة للاِيمان به؟!

وأمّا النقل، فإنّه سبحانه يقول:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاَقاوِيل * لاَخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحدٍ عَنْهُ حاجِزِين ) (الحاقة/٤٤ - ٤٧).

يستدل سبحانه على صدق كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه لو تقوَّل علينا هذا الرسول (الذي زوّدناه بمعاجز من أهمها القرآن الكريم) و نسب إلينا ما لم نقله لانتقمنا منه بشدة وقتلناه، فما منكم من أحد عنه حاجزين، و ما ذلك إلاّ لاَنّ تسليط الاِنسان الكاذب المفتري، على قوّة خارقة يوجب افتتان الناس به، و يصير سبباً لاِضلالهم، فمقتضى حكمته أن لا يمهله بل يأخذه باليمين.

____________________

١ مسند أحمد: ٥/١٣.


وعلى ضوء ذلك فالدجال إذا قام بما يقوم به المسيحعليه‌السلام من الاِبراء والاِحياء مع تقوّله بأنّه «ربّكم» يكون ذلك سبباً لاِضلال الناس، فمقتضى الحكمة عدم تزويده بهذه القدرة منذ أوّل الاَمر إذا كان متقوّلاً به، أو عدم إمهاله إذا صار سبباً لاِضلالهم.

٧. وحي الشيطان إلى حواء

أخرج الترمذي، عن الحسن، عن سمرة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لما حملت حواء طاف بها إبليس و كان لا يعيش لها ولد، فقال: سمّيه عبد الحارث، فسمّته بعبد الحارث، فعاش ذلك، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره.(١)

وثمة تساوَلات:

أوّلاً: انّه سبحانه يصف إبليس بأنّه عدو لآدم و زوجه، يقول سبحانه:( فَقُلنا يا آدَمُ إِنّ هذا عَدُوٌ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرجَنّكُما مِنَالجَنَّةِ فَتَشْقى ) (طه/١١٧) ومع ذلك كيف أسدى لها النصح، وقال: لها سمّيه عبد الحارث فسمّته به، فصار سبباً لحياته، وهذا أشبه بكلام الناصح لا العدو؟!

ثانياً: انّ معنى الحديث انّ تسمية حواء ابنها بعبد الحارث - الذي فيه شائبة الشرك والوثنية- كانت موَثرة في بقاء طفلها، وهل يصح ذلك؟ إذ معناه أنّ التسمية لو تغيرت إلى عبد اللّه لما أثّر في بقاء الطفل.

ثالثاً: لم يذكر في التاريخ أبداً انّه كان لحواء ابن اسمه عبد الحارث، سوى ولدين ذكرين: قابيل و هابيل، فمن أين هذا الولد مع اسمه؟!

____________________

١ سنن الترمذي:٥/٢٦٧ برقم ٣٠٧٧؛ ورواه الاِمام أحمد في مسنده: ٥/١١.


٢٣- عبد اللّه بن مُغفَّل المزني

( - ٦٠ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. المرأة والكلب والحمارتقطع الصلاة

٢. ترك البسملة في الصلاة

ابن عبد نهم بن عفيف المزني، يكنّى أبا سعيد وقيل أبا عبد الرحمان. سكن المدينة ثمّالبصرة، وله عدّة أحاديث.

حدّث عنه: الحسن البصري، ومطرّف بن الشّخّير، وابن بريدة، وسعيد بن جبير، ومعاوية بن قرّة، وحميد بن هلال، وثابت البناني،وغيرهم.

وكان أبوه من الصحابة، فتوفي عام الفتح في الطريق.

وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أوّل من دخل من باب مدينة «تستر» لما فتحها المسلمون.

توفي عبد اللّه بن مغفل بالبصرة سنة ستين للهجرة أيام أمارة ابن زياد بالبصرة، وصلّى عليه أبو برزة الاَسلمي بوصية منه.(١)

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/٢٦٤؛ سير أعلام النبلاء: ٢/٤٨٣ برقم ٩٩.


وهو من المقلّين في الرواية، وقد أُحصيت رواياته في المسند الجامع فبلغت ٢٦.(١)

من روائع رواياته:

١. أخرج مسلم في صحيحه، عن مطرف، عن عبد اللّه بن مغفل، قال:

أمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل الكلاب، قال: ما بالهم وبال الكلاب، قال: ورخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الاِناء فاغسلوه سبعة مرات وعفِّروا الثامنة بالتراب.(٢)

٢. أخرج أبو داود، عن الحسن، عن عبد اللّه بن مغفل، عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال:

إنّ اللّه رفيق يحب الرفق و يرضاه، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف.(٣)

وقد عزِّي إليه بعض مالا يصلح، نذكر منها ما يلي:

١. المرأة والكلب والحمار تقطع الصلاة:

أخرج ابن ماجة، عن الحسن، عن عبد اللّه بن مغفل، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال:

«يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار».(٤)

إنّ التتبع في الاَحاديث المنسوبة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرشدنا إلى ظاهرة «الحط من شأن المرأة» فتارة تعرِّف المرأة بأنّها مما يتطير بها،

____________________

١ المسند الجامع:١٢/٢٥٠ برقم ٣٩٨.

٢ صحيح مسلم: ١/١٦٢، باب حكم ولوغ الكلب.

٣ سنن أبي داود:٤/٢٥٤ برقم ٤٨٠٧.

٤ سنن ابن ماجة: ١/٣٠٦ برقم ٩٥١.


فقد روي عن سعد بن مالك انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: و إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس و المرأة والدار.(١)

وأُخرى بمنعها من التصرف في مالها، فروى أبو داود في سننه، عن عمرو ابن شعيب، عن جده انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا يجوز لامرأة أمر في مالها، إذا ملك زوجُها عصمتَها.(٢)

وثالثة بكونها ممنوعة التصرف في ما لها بالعطية، كما جاء في رواية أُخرى انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا يجوز لامرأة عطية إلاّبإذن زوجها.(٣)

ورابعة بأنّها أكثر أهل النار، أخرج الاِمام أحمد، عن عبد اللّه بن مسعود، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: تصدقنَّ يا معشر النساء ولو من حليكنَّ فانّكنّ أكثر أهل النار.(٤)

وخامسة بأنّها تشارك الكلب والحمار في قطع الصلاة أثناء المرور بين يدي المصلي كما في هذه الرواية.

وأين هذا من قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :«حبّب إليَّ من الدنيا: النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة»؟(٥)

وتتكرس ظاهرة الحط من شأن المرأة أكثر إذا علمنا انّ بعض الروايات تجوّز قتال المارّ بين يدي المصلي.

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه،

____________________

١ سنن أبي داود: ٣/١٩ برقم ٣٩٢١.

٢ سنن أبي داود: ٣/٢٩٢ برقم ٣٥٤٦.

٣ نفس المصدر: برقم ٣٥٤٧.

٤ مسند أحمد:١/٣٧٦.

٥ مسند أحمد:٣/١٢٨.


وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان.(١)

وعلى ذلك فيجوز قتل المرأة بلا محاباة كقتل الكلب و الحمار.

كلّ ذلك يجعل الرواية من الموضوعات المندسة في الروايات الاِسلامية، وقد أوضحنا مفاد المنع من عبور المار بين يدي المصلّي عند دراسة روايات أبي سعيد الخدري، فلاحظ.

٢. ترك البسملة في الصلاة

أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عبد اللّه بن مغفل يزيد بن عبد اللّه، قال:

سمعني أبي وأنا أقول:بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فقال: أي بنيَّ إيّاك، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أبغض إليه حدثاً في الاِسلام منه، فانّي قد صليت مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع أبي بكر و عمر و مع عثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت قرأت فقل: «الحمد للّه ربّ العالمين».(٢)

والرواية لا تخلو من إشكالات:

الاَوّل: انّها تخالف الذكر الحكيم ، يقول سبحانه:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِي وَالقُرآنَ العَظِيم ) (الحجر/٨٧).

والمراد من السبع المثاني هو فاتحة الكتاب، وآياته سبع إذا عُدَّت البسملة آية مستقلة وإلاّ تعود ست، قال سبحانه:( بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم* اَلْحَمْدُ للّهِ رَبِّ العالَمينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَومِ الدِّين* إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ* اهْدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالين ) .

____________________

١ صحيح مسلم: ٢/٥٧، باب منع المار بين يدي المصلي، من كتاب الصلاة.

٢ مسند أحمد:٤/٨٥.


الثاني: انّه يخالف ما روي عن أنس بن مالك، قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لاَُمّ القرآن، ولم يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، فلما سلّم، ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والاَنصار من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للسورة التي بعد أُمّ القرآن.(١)

وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد كالاِمام الشافعي في مسنده.(٢)

ورُوي أيضاً عن أنس من طريق آخر قال: سمعت رسول اللّه يجهر بالصلاة ببسم اللّه الرحمن الرحيم.(٣)

وهناك روايات تدل على أنّ البسملة جزء من الفاتحة.

١. ما أخرجه الحاكم، عن ابن جريج ،عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْناك سَبْعاً مِنَ المَثاني) قال: فاتحة الكتاب، ثمّ قال: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم*الحَمْدُ للّهِ رَبِّ العالَمين) وقرأ السورة، قال ابن جريج: فقلت لاَبي: لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس انّه قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية؟ قال: نعم.

وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، كما أورده الذهبي في تلخيصه وصححه.(٤)

٢. ما صحّ عن ابن عباس أيضاً، قال: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا جاء جبرائيل فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علم أنّها سورة.

____________________

١ الحاكم، المستدرك:١/٢٣٣.

٢ لاحظ مسند الشافعي:٤٧.

٣ الحاكم، المستدرك:١/٢٣٣، وقال: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات.

٤ المستدرك: ٢/٢٥٧، تفسير سورة الفاتحة.


وقال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه.(١)

٣. ما صحّ عن ابن عباس أيضاً، قال: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يعلم ختم السورة حتى نزل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وقد صرح الحاكم والذهبي في تلخيص المستدرك بصحته.(٢)

٤. ما صحّ عنه أيضاً قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة، حتى تنزل: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فإذا نزلت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علموا أنّ السورة قد انقضت.(٣)

قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين،وقد أقرّه الذهبي في تلخيصه.

٥. ما صحّ عن أُم سلمة، قالت: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ( بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم*الحَمْدُ للّهِ رَبِّ العالَمين ) يقطعها حرفاً حرفاً(٤) وقد صرّح بصحّته على شرط الشيخين.

٦. وعن أُم سلمةأيضاً من طريق آخر قالت: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ في الصلاة: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم) فعدّها آية،( الحَمْدُ للّهِ رَبِّ العالَمين ) آيتين،( الرّحمن الرَّحيم ) ثلاث آيات ،( مالكِ يَومِ الدّين ) أربع آيات،( إِيّاكَ نَعْبُدُوَإِيّاكَ نَسْتَعين ) وجمع خمس أصابعه.(٥)

٧. ما صحّ عن نعيم المجمر، قال: كنت وراء أبي هريرة فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثمّ قرأ بأُمّ القرآن حتى بلغ (ولا الضّالين) قال: آمين، وقال الناس: آمين ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده انّي لاَشبهكم صلاة برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٦)

٨. وعن أبي هريرة أيضاً، قال: كان رسول اللّه يجهر في الصلاة ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.(٧)

____________________

١ المستدرك: ١/٢٣١.

٢ المستدرك: ١/٢٣١.

٣ المستدرك: ١/٢٣٢.

٤ المستدرك: ١/٢٣٢.

٥ المستدرك: ١/٢٣٢.

٦ المستدرك: ١/٢٣٢.

٧ المستدرك:١/٢٣٢-٢٣٣.


٩. ما صحّ عن أنس من طريق آخر، قال: سمعت رسول اللّه يجهر في الصلاة ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.(١)

١٠. ما صحّ عن محمد بن السري العسقلاني، قال: صليت خلف المعتمر ابن سليمان ما لا أُحصي، صلاة الصبح و المغرب فكان يجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها و سمعت المعتمر ، يقول: ما آلو أن اقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن اقتدي بصلاة أنس بن مالك، و قال أنس: ما آلو أن اقتدي بصلاة رسول اللّه(٢)

هذه عشرة كاملة من الروايات الدالة على أنّ البسملة جزء من أُمّ الكتاب، بل من سائر السور أيضاً، وقد نقلها الحاكم أبو عبد اللّه في المستدرك.

وقد نقل الرازي في تفسيره الكبير انّ البيهقي روى الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم في سننه عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر ، و ابن الزبير ، ثمّ قال الرازي ما هذا لفظه:

وأمّا انّ علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه كان يجهر بالبسملة فقد ثبت بالتواتر، و من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، قال والدليل عليه: قول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «اللّهمّ أدر الحق معه حيث دار».(٣)

ثمّ إنّه أورد حجج المخالفين و قال: والجواب عنها من وجوه:

الاَوّل: قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني:روى عن أنس في هذا الباب ست روايات:

امّا الحنفية، فقد رووا عنه ثلاث روايات:

إحداها: قوله: صليت خلف رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد للّه ربّ العالمين.

____________________

١ المستدرك:١/٢٣٣، باب الحمد بالبسملة.

٢ المستدرك: ١/٢٣٤.

٣ الرازي، مفاتيح الغيب:١/٢٠٥.


وثانيتها قوله : إنّهم ما كانوا يذكرون بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.

وثالثتها قوله: لم أسمع أحداً منهم قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.

فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية - قال - :وثلاث أُخرى تناقض قولهم.

إحداها: ذكر انّ أنساً روى أنّ معاوية لما ترك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والاَنصار، و قد بيّنا انّ هذا يدل على أنّ الجهر بالبسملة كان كالاَمر المتواتر عندهم المسلم فيما بينهم.

وثانيتها: روى أبو قلابة عن أنس انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبا بكر و عمر كانوا يجهرون ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.

وثالثتها: انّه سئل عن الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم والاسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة - قال -: فثبت انّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل(١)

وأيضاً ففيها تهمة أُخرى، وهي انّ عليّاًعليه‌السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما تسلم بنو أُمية زمام الحكم بالغوا في المنع من الجهر بها سعياً في إبطال آثار عليّعليه‌السلام - قال - : فلعل أنس خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله - ونحن مهما شككنا في شيء فلا نشك في أنّه إذا وقع التعارض بين قول أمثال أنس و ابن المغفل و بين قول علي بن أبي طالب «عليه‌السلام » الذي بقي عليه طول عمره فإنّ الاَخذ بقول عليّأولى (قال) فهذا جواب قاطع في المسألة إلى أن قال: و من اتخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه و نفسه إلى آخر كلامه.(٢)

وبذلك تعلم قيمة خبر عبد اللّه بن مغفل، وقد أورده ابن رشد عند التكلم في البسملة ونقل عن ابن عبد البرّ انّ ابن مغفل رجل مجهول.(٣)

____________________

١ إلى هنا انتهى ما نقله عن أبي حامد الاسفرائيني.

٢ مفاتيح الغيب:١/٢٠٦- ٢٠٧، وقد اقتصرنا في نقل أجوبته على وجه واحد.

٣ بداية المجتهد:١/١٢٤.


٢٤- بريدة بن الحصيب الاَسلمي

( -٦٢ أو ٦٣ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١.خمس لا يعلمهن إلاّ اللّه

٢. القضاة ثلاثة

٣. الملك لا يدخل بيتاً فيه كلب

٤. غزا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسع عشرة غزوة

٥. تحرك الجبل والاَمر بثباته

٦. ضرب الدف عند رأس الرسولص

٧. خير القرون قرني

٨. سبق بلال النبي إلى الجنة

بريدة بن الحصيب بن عبد اللّه بن الحارث بن عامر الاَسلمي، يُكنّى أبا حصيب، و«أسلم» فيمن انخزع من بطون خزاعة، قيل: لما هاجر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مكّة إلى المدينة فانتهى إلى الغميم أتاه بريدة بن الحصيب فدعاه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الاِسلام فأسلم هو ومن معه، و كانوا زهاء ثمانين بيتاً، فصلّى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العشاء الآخرة فصلّوا خلفه. وأقام بأرض قومه ثمّ قدم على رسول اللّهبعد أُحد فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية، وبيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من ساكني المدينة ثمّتحوّل إلى البصرة وابتنى بها داراً، ثمّ خرج منها غازياً إلى خراسان فأقام بمرو حتى مات و دفن بها وبقي ولده بها.(١)

____________________

١ طبقات ابن سعد: ٤/٢٤١- ٢٤٢؛ أُسد الغابة:١/١٧٥.


روى عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: بعث رسول اللّه عليّاً إلى خالد بن الوليد ليقسِّم الخمس، وقال روح مرّة ليقبض الخمس، قال: وأصبح علي ورأسه يقطر، قال: فقال خالد لبريدة: ألا ترى إلى ما يصنع هذا ؟قال: فلما رجعتُ إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبرته بما صنع عليّعليه‌السلام ، قال: و كنت أبغض عليّاً، فقال يا بريدة: أتبغض عليّاً ؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه، وقال «روح » مرّة: فأحبه فانّ له في الخمس أكثر من ذلك. أخرجه الثلاثة.(١)

أقول: لو صحّ الحديث فقد استأثر عليّعليه‌السلام بما استأثره من باب انّ خمس الغنائم للّه سبحانه وللرسول ولذي القربى وعليعليه‌السلام منهم، فلم يكن استئثاراً بمال المسلمين، فأعظم ذنب اقترفه«بريدة»، هو بغضه لصدّيق الاُمة وأوّل من آمن باللّه ورسوله في الاُمّة وجاهد بنفسه ونفيسه إلى أن لقي اللّه سبحانه وتعالى في محراب عبادته.

هذا هو الذنب العظيم الذي اقترفه بريدة، لا ما ينقله الذهبي عنه، حيث قال: شهدت خيبر و كنت فيمن صعد الثلمة فقاتلت حتى رُئي مكاني وعليَّ ثوب أحمر، فما أعلم انّي ركبت في الاِسلام ذنباً أعظم عليَّ منه - أي الشهرة -.(٢)

إنّ ما يحكيه الرجل عن مكانه في خيبر لا يعدُّ ذنباً إذا كانت النيّة صادقة، وأمّا إذا كانت النيّة غير صادقة فلا يترتب عليها ثواب لا انّه يعدّذنباً، وهذا يكشف عن قلّة فهمه للدين آنذاك.

وعلى أية حال فقد توفي بريدة سنة ٦٢ أو ٦٣ ه- ، و روي لبريدة نحواً من ١٥٠ حديثاً.(٣)

____________________

١ أُسد الغابة: ١/١٧٦.و«روح» من رواة الحديث واقع في اسناده.

٢ سير أعلام النبلاء: ٢/٤٧٠.

٣ المصدر السابق.


وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت مائة حديث(١) .وله روايات يحكي سمّوها عن صحّة نسبتها إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وله روايات شاذة عن القواعد الصحيحة، وإليك نزراً من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه:

١. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : العهد الّذي بيننا و بينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر.(٢)

الظاهر انّالضمير في «بينهم» يرجع إلى العباد بقرينة رواية جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :بين العبد و بين الكفر ترك الصلاة، وروى أنس بن مالك عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: ليس بين العبد والشرك إلاّ ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك.(٣)

ثمّ لو كان ترك الصلاة دليلاً على إنكار وجوبها، فالتارك كافر كفرَ جحود، وأمّا لو كان التركُ، تركَ تساهل وتسامح، فالكفر كفر النعمة، مثل قوله سبحانه:( وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاًوَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين ) (آل عمران/٩٧). فقد فُسِّر الكفر فيها بكفر النعمة بترك الحج تساهلاً، لا عناداً وإنكاراً.

٢. أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: خطبنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأقبل الحسن والحسينرضي‌الله‌عنه ما ، عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر،

____________________

١ المسند الجامع: ٣/١٨٦-٢٤٦.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٣٤٢ برقم ١٠٧٩.

٣ المصدر السابق: برقم ١٠٧٨و١٠٨٠.


ثمّ قال: صدق اللّه( إِنّما إِموالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَة ) رأيت هذين فلم أصبر. ثمّ أخذ في الخطبة.(١)

٣. أخرج النسائي في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: خطب أبو بكر وعمر، فاطمةَ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّها صغيرة فخطبها عليٌّ فزوّجها منه.(٢)

نعم كانت فاطمةعليها‌السلام صغيرة ومع ذلك كان تزويجها بعليٍّ ثمة مرجحات وموَهّلات توَهلها للزواج منهعليه‌السلام .

٤. أخرج الترمذي في سننه عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: يا عليّ لا تتبع النَّظرة، النَّظرة، فإنّ لك الاُولى وليست لك الآخرة.(٣)

والخطاب في قوله: لا تتبع من قبيل قوله: إيّاك أعني و اسمعي يا جارة، قال سبحانه مخاطباً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرين ) (الزمر/٦٥).

٥. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عباس، عن بريدة، قال: غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمت على رسول اللّهذكرت عليّاً فتنقصته، فرأيت وجه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتغير، فقال: يا بريدة ألست أولى بالموَمنين من أنفسهم، قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه.(٤)

هذا هو و اقع الحديث، وقد لعب البخاري به وذكره بنحو آخر يخلو من الفقرة الاَخيرة،أعني قوله: «ألست أولى...» حيث قال: عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً إلى خالد ليقبض الخمس،

____________________

١ سنن أبي داود: ١/٢٩٠ برقم ١١٠٩؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه: ٢/١١٩٠ برقم ٣٦٠٠.

٢ سنن النسائي: ٦/٦٢ باب تزوج المرأة مثلها في السن.

٣ سنن الترمذي: ٥/١٠١ برقم ٢٧٧٧.

٤ مسند أحمد بن حنبل: ٥/٣٤٧.


وكنت أبغض عليّاً وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا، فلمّا قدمنا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكرت ذلك له، فقال: يا بريدة أتبغض عليّاً، فقلت: نعم، فقال: لا تبغضه فانّ له في الخمس أكثر من ذلك.(١)

٦. أخرج الترمذي عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّاللّه أمرني بحبِّ أربعة، وأخبرني انّه يحبُّهم، قيل: يا رسول اللّه سمِّهم لنا، قال: عليٌّ منهم ، يقول ذلك ثلاثاً، وأبو ذرّ، والمقداد وسلمان، أمرني بحبِّهم، وأخبرني انّه يحبُّهم.(٢)

٧. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثمّ أخذه من الغد فخرج فرجع ولم يفتح له وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّي دافع اللواء غداً إلى رجل يحبّه اللّه ورسوله ويحب اللّه ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له، فبتنا طيبة أنفسنا انّ الفتح غداً، فلما ان أصبح رسول اللّه صلّى الغداة، ثمّ قام قائماً فدعا باللواء و الناس على مصافّهم، فدعا عليّاً وهو أرمد فتفل في عينيه، ودفع إليه اللواء وفتح له.

قال بريدة: وأنا فيمن تطاول لها.(٣)

ولعلّ الفاعل في قوله:«ثم أخذه من الغد» هو عمر دون أبي بكر أي أخذ عمر الراية من الغد بشهادة انّ الاِمام أحمد نقله أيضاً عن بريدة في موضع آخر بهذا النحو.

أخرج أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: لما نزل

____________________

١ صحيح البخاري: ٥/١٦٣، باب بعث علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن.

٢ سنن الترمذي: ٥/٦٣٦ برقم ٣٧١٨؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه: ١/٥٣ برقم ١٤٩.

٣ مسند أحمد بن حنبل: ٥/٣٥٤.


رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحصن أهل خيبر أعطى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللواء عمر بن الخطاب ونهض معه من نهض من المسلمين فلقوا أهل خيبر، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لاَعطينّاللواء غداً...».(١)

هذه نخبة من روائع أحاديثه تلوناها لتكون نموذجاً لما لم نذكر.

نعم عزيت إليه روايات لا تستقيم مع الضوابط و الموازين التي حررناها في صدر الكتاب.

١. خمس لا يعلمهنّ إلاّ اللّه

أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن عبيد اللّه بن بريدة، عن أبيه، يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: خمس لا يعلمهنّ إلاّاللّه، إنّ اللّه عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الاَرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت انّاللّه عليم خبير».(٢)

لا شكّ انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أخبر بأنّ ثمة أُموراً خمسة لا يعلمها إلاّ اللّه يحتم علينا القبول لاَنّه خبر صادق مصدق.

إنّما الكلام إذا حاولنا استخراج هذا الخبر الغيبي من الآية الواردة في آخر سورة لقمان، فالظاهر انّ الآية لا تدل على الانحصار إلاّفي موارد ثلاثة.

أ. علم الساعة:( إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعةِ ) .

ب. العلم بما يكسبه الاِنسان في غده:( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً ) .

____________________

١ مسند أحمد بن حنبل: ٥/٣٥٨.

٢ مسند أحمد بن حنبل: ٥/٣٥٣.


ج. العلم بالاَرض التي تموت فيها:( وَما تَدْري نفس بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوت ) هذه الاُمور الثلاثة مما استأثر اللّه سبحانه علمها لنفسه، وأمّا الاَمران الباقيان فلا دلالة في الآية على الاستئثار.

أمّا الاَوّل أعني قوله:( وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ ) فهو اخبار عن كونه سبحانه منزلَ الغيث، ولا دلالة في قوله على استثار علم النزول بنفسه، ويشهد لذلك تغيير الصيغة بين المعطوف عليه و المعطوف.

فالمعطوف عليه جملة اسمية أعني قوله: (عنده علم الساعة).

والمعطوف جملة فعلية أعني قوله: (وينزّل الغيث) فلو كانت الجملة الثانية هادفة لبيان الانحصار كان الاَنسب أن يقول: «ونزول الغيث»، فتكون الآية بالشكل التالي: انّاللّه عنده علم الساعة ونزول الغيث.

وأمّا الثاني: أعني قوله «ويعلم ما في الاَرحام» فهو بصدد إثبات العلم للّه سبحانه لا بصدد النفي عن غيره، واستفادة النفي منه يحتاج إلى دليل قاطع.

٢. القضاة ثلاثة

أخرج الترمذي، عن ابن بريدة، عن أبيه، انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحقّ فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار ، وقاض قضى بالحقّ فذلك في الجنة.(١)

والوارد عن أئمّة أهل البيت انّ القضاة أربعة:

أخرج الكليني عن أحمد، عن أبيه(٢) رفعه عن أبي عبد اللّه، قال: القضاة

____________________

١ سنن الترمذي: ٣/٦١٣ برقم ١٣٢٢.

٢ المراد، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ووالده هو محمد بن خالد.


أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم(١) غاً فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة.(٢)

٣. الملك لا يدخل بيتاً فيه كلب

أخرج أحمد في مسنده،عن عبد اللّه بن بريدة ، عن أبيه، قال:

احتبس جبريلعليه‌السلام على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له: ما حبسك؟ قال: انّا لا ندخل بيتاً فيه كلب.(٣)

والحديث من دلائل القول باحتباس الوحي على رسول اللّهوقد ذكر المفسرون تبعاً لاَصحاب الحديث، احتباس الوحي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تفسير قوله سبحانه:( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى ) (الضحى/٣) وقد اختلفوا في مدّة الاحتباس وسببه اختلافاً كثيراً، يعرب عن كون الحديث منقولاً على غير الوجه الصحيح، أو موضوعاً على لسان النبي ونقل القرطبي(٤)

والطبرسي(٥) ما نشير إليه من الاختلافات.

أمّا مدّة الاحتباس فقيل: كان اثني عشر يوماً.

قال ابن عباس: خمسة عشر يوماً.

وقيل: خمساً وعشرين يوماً.

____________________

١ وهذا القسم سقط من الحديث النبوي.

٢ الوسائل: ١٨، الباب الرابع، من أبواب صفات القاضي، الحديث ٦.

٣ مسند أحمد: ٥/٣٥٣.

٤ تفسير القرطبي: ٢٠/٩٢-٩٤.

٥ مجمع البيان: ١٠/٧٦٤.


وقال مقاتل: أربعين يوماً.

فقال المشركون: إنّ محمّداً ودّعه ربُّه وقلاه، ولو كان أمره من اللّه لتاب عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الاَنبياء.

وفي البخاري عن جندب بن سفيان، قال: اشتكى رسول اللّهفلم يقم ليلتين أو ثلاث فجاءت امرأة (زوج أبي لهب) فقالت: يا محمد إنّي لاَرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل اللّه عزّوجلّ:( وَالضُّحى* واللَّيلِ إِذا سَجَى* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) .

وأمّا سبب الاحتباس ففيه الاَقوال التالية:

١. انّ جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيتي؟ ما لجبرئيل لا يأتيني؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي اللّه ترعد لَحِيْاه وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة: دثريني، فأنزل اللّه هذه السورة، ولما نزل جبرئيل سأله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن التأخر، فقال: أما علمت أنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.

٢. سألته اليهود عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سأخبركم غداً ولم يقل إن شاء اللّه فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبرئيل عليه بقوله:( وَلا تَقُولَنَّ لِشيءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غداً* إِلاّأَن يَشاءَ اللّهُ ) (الكهف٢٣ - ٢٤). فأخبره بما سأل عنه وفي هذه القصة نزلت (ما ودّعك ربّك وما قَلى).

٣. انّ المسلمين قالوا: يا رسول اللّه ما لك لا ينزل عليك الوحي؟

فقال: وكيف ينزل عليَّ وأنتم لا تنقون رواجبكم.


ولا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم، فنزل جبرئيل بهذه السورة، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما جئت حتى اشتقت إليك، فقال جبرئيل: وأنا كنت أشدّ إليك شوقاً ولكنّي عبد مأمور.

٤. عن جندب البجلي قال: كنت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غار فدميت اصبعه، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «هل أنت إلا اصبع دميت، وفي سبيل اللّه ما لقيت» وابطأ عليه جبرئيل، فقال المشركون قد ودع محمد، فأنزل اللّه تبارك و تعالى :( ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) .

هذا ما رواه المحدثون وتبعهم المفسرون في تفسير الآية، وفي الجميع تأملات:

الاَوّل: انّالاختلاف في المدة والسبب خير دليل على أنّ الحديث موضوع على لسان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلو كان السبب موت الجرو تحت السرير فيرجع زمان الاحتباس إلى أوائل البعثة. ولو كان السبب هو عدم الاستثناء، فيرجع زمنه إلى السنة السابعة أو الثامنة من البعثة.

الثاني: كيف يمكن أن نتصور انّ الجرو مات ومكثت جيفته تحت السرير دون أن يشعر بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا أهل بيته، مع انّطبيعة الحال تقتضي أن تكون منتنة في هذه المدّة، فيشعر بها كلّ من مرّ على البيت فضلاً عمن يقطن فيه لا سيما في أجواء حارة كأجواء الجزيرة العربية التي سرعان ما يفسد فيها كلّشيء؟!

الثالث: كيف يكون عدم قصِّ الاَظفار وأخذ الشوارب سبباً لاحتباس الوحي، وهل هذا إلاّ أخذ البريء بذنب المجرم؟! قال سبحانه:( وَلا تَزِرُ وازرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) (الاَنعام/١٦٤).

فعلى ضوء ذلك يجب أن لا ينزل الوحي على أيِّ نبيّ طيلة عمره، لاَنّ


الاَنبياء والمرسلين كانوا على مقربة من المشركين والعصاة الذين لم يكونوا يقصُّون أظفارهم ولا يأخذون شواربهم بل يقترفون أشدّ المعاصي.

والحقّ انّه لم يكن هناك أيّ احتباس، بل تعلقت مشيئته تبارك و تعالى بإنزال الوحي بالتدرج حسب طروء الاَسباب والحوادث التي تقتضي نزوله.

قال سبحانه:( وَقالَالَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآن جُمْلَةً واحِدةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ) (الفرقان/٣٢).

وقد أشارت الآية إلى سبب من أسباب نزول الوحي تدريجاً وهو تثبيت فوَاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،لاَنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مهما كان إنساناً مثالياً، فهو بحاجة ماسّة إلى إمدادات غيبية من قبل اللّه سبحانه و تعالى في خضمّ الحياة المليئة بالطوارىَ، والحوادث العصيبة، فاتصاله بعالم الغيب تدريجاً يخلق في روحه نشاطاً دوَوباً للعمل، يزيح عنها غبار التعب والهموم وبذلك يثبت قلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصلته بعالم الوحي.

وهذا الاَثر الاِيجابي رهن نزول الوحي تدريجاً، وأمّا نزوله دفعة واحدة وإقفال بابه إلى آخر عمره فهو يخلو عن ذلك الاَثر.(١)

هذا، ولنزول الوحي تدريجاً آثار ايجابية أُخرى، أشار إليها الذكر الحكيم في بعض آياته، ولنقتصر على هذا المقدار.

وعلى ضوء ما ذكرنا فلم يكن أيّ احتباس وانقطاع للوحي، وإن زعم المشركون خلافه. وبالتالي لم يكن هناك سبب غير ما ذكرنا وبذلك يظهر وهن الرواية وعدم صحتها.

____________________

١ ما ذكرناه في تفسير الآية( وَقالَ الَّذِينَ كفروا... ) هو الاَولى بالاَخذ، وقد ذكر السيد الطباطبائي وجهاً آخر ومثله السيد قطب، فراجع الميزان:١٥/٢١٠- ٢١١؛ وفي ظلال القرآن :١٩/٣٤- ٣٥ في تفسير سورة الفرقان.


٤. غزا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسع عشرة غزوة

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: غزا رسول اللّه تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمانٍ منهنّ.(١)

أقول: إنّ غزوات الرسول أكثر ممّا ذكره، فقد بسط الواقدي الكلام في مغازي النبي وسراياه في الجزء الاَوّل ثمّ استنتج ممّا ذكره ما يلي:

فكانت مغازي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي غزا بنفسه تسعاً وعشرين غزوة، وكان ما قاتل فيها تسعاً: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف.

وكانت السرايا سبعاً وأربعين سريّة، واعتمر ثلاث عُمَر، ويقال: قد قاتل في بني النضير ولكن اللّه جعلها له نفلاً خاصّة، وقاتل في غزوة وادي القرى في منصرفه عن خيبر وقتل بعض أصحابه، وقاتل في الغابة حتى قتل محرز بن نظلة، وقتل من العدو ستة.(٢)

وقد سرد الواقدي أسماء غزواتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتاب المغازي:

١. غزوة الاَبواء٢. غزوة بواط٣. غزوة بدر الكبرى ٤. غزوة ذات العُشير٥. غزوة القينقاع ٦. غزوة السويق ٧. غزوة قرارة الكُدر٨. غزوة غطفان٩. غزوة بني سليم ١٠. غزوة أُحد ١١. غزوة حمراء الاَسد١٢. غزوة بئر معونة ١٣. غزوة الرجيع١٤. غزوة بني النضير١٥.غزوة بني الموعد ١٦. غزوة ذات الرقاع١٧. غزوة دومةالجندل١٨. غزوة المريسيع

____________________

١ صحيح مسلم: ٥/٢٠٠. باب عدد غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتاب الجهاد والسير.

٢ الواقدي، المغازي: ١/٧.


١٩. غزوة الخندق٢٠. غزوة بني قريظة ٢١. غزوة القرطاء ٢٢. غزوة بني لحيان ٢٣. غزوة الغابة٢٤. غزوة الحديبية ٢٥.غزوة خيبر ٢٦. غزوة القضية٢٧. غزوة موَتة ٢٨. غزوتة ذات السلاسل ٢٩. غزوةالفتح.

وقد ذكر ابن هشام قصيدة حسّان الذي عد فيها المغازي، ومطلعها:

ألست خير معد كلّها نفراً

ومعشراً ان هم عموا وإن حصلوا

قوم هم شهدوا بدراً بأجمعهم

مع الرسول فما آلوا وما خذلوا(١)

كلّ ذلك يعرب عن أنّ غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر من تسع عشرة غزوة ويُحتمل أن يكون المراد الغزوات التي شارك فيها بريدة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهي عبارة عن تسع عشرة غزوة.

ولكنّه احتمال ضعيف، لاَنّه روي عن بريدة في موضع آخر من صحيح مسلم، أنّه قال:

غزا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ست عشرة غزوة(٢)

وعلى كلّتقدير فالرواية مضطربة.

٥. تحرك الجبل والاَمر بثباته

أخرج أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، انّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالساً على حراء ومعه أبو بكر وعمر و عثمان، فتحرك الجبل، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أثبت حراء، فانّه ليس عليك إلاّنبي وصديق وشهيد.(٣)

____________________

١ سيرة ابن هشام: ٢/٢٠٠.

٢ مسند أحمد: ٥/٣٤٦.

٣ صحيح مسلم: ٥/٢٠٠ باب عدد غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتاب الجهاد والسير.


لا شكّ انّ الاَنبياء والاَولياء يمتلكون قدرة خارقة للعادة يتصرّفون في الكون بإذنه ومشيئته سبحانه ولا غرو في ذلك، فقد قال سبحانه مخاطباً عيسى ابن مريم:( وَإِذْتَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر بَإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طِيراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىُ الاَكْمَهَ وَالاَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ المَوتى بِإِذْنِ-ي ) (المائدة/١١٠).

ولكنّهم لا يقومون بخوارق العادات إلاّ لغايات خاصة استدعت الضرورة ذلك، وهي إثبات نبوّتهم واتصالهم بالغيب، وعند ذلك تطرح الاستفسارات التالية، فأي غاية كانت في تثبيت جبل حراء؟

فهل كان ثمة شاك في نبوة النبي وأرادصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا العمل أن يزيل الشك عن قلبه؟!

أو كان وراء حركة الجبل خسف وزلزال مهلك لمن كان عليه؟!

ثمّهل كانت الحركة مختصة بالجبل دون سائر الجبال والاَراضي المتاخمة؟

وبما انّ «حراء» كان جبلاً من جبال مكة وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأوي إليه في أشهر معدودات قبل البعثة فهل كان هوَلاء الثلاثة موحدين يومذاك حتى يكونوا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الجبل؟

ولو افترضنا انّ النبي يأوي إليها بعد البعثة، فقد أسلم عمر بن الخطاب في السنة السادسة من البعثة، فهل كان هناك اجتماع في هذه السنة أو بعدها؟

وأسلم بريدة عند مسير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة، فكيف ينقل تلك الحادثة وهي ترتبط بما قبل إسلامه؟!

كلّهذه الاستفسارات تزيد الشك في صحّة الرواية وتجعلها من الموضوعات، وقد لعبت العاطفة الدينية دورها في جعل هذه الرواية.

كما وأخرجها مسلم عن أبي هريرة بنحو آخر، قال: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اهدأ، فما عليك إلاّ نبي أو صديق أو شهيد.(١)

وتنتهي الرواية إلى أبي هريرة مع أنّه أسلم بعد الهجرة عام سبع، وقد اضيف فيها علي وطلحة والزبير، وابدل الجبل بالصخرة، كما رواه أيضاً الترمذي عن أبي هريرة في باب مناقب عثمان.(٢)

٦. ضرب الدفّ عند رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج الترمذي في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، قال: سمعت بريدة، يقول: خرج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول اللّه، إنّي كنت نذرت إن ردّك اللّه صالحاً ان أضرب بين يديك بالدّفّ وأتغنّى.

فقال لها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن كنت نذرت فاضربي، وإلاّفلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثمّ دخل عليّوهي تضرب، ثمّدخل عثمان وهي تضرب، ثمّ دخل عمر فألقت الدفَّ تحت إستها، ثمّ قعدت عليه، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّالشَّيطان ليخاف منك يا عمر، إنّي كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثمّ دخل عليّوهي تضرب، ثمّ دخل عثمان وهي تضرب، فلمّا دخلتَ أنت يا عمر ألقتْ الدف.(٣)

وقد نقله أحمد على اختلاف.

____________________

١ صحيح مسلم:٧/١٢٨، باب فضائل طلحة والزبير.

٢ سنن الترمذي:٥/٦٢٤ برقم ٣٦٩٦.

٣ سنن الترمذي: ٥/٦٢٠- ٦٢١ برقم ٣٦٩٠.


فتارة نقل دفَّ الجارية على رأس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقط دون أن يذكر شيئاً من دخول أبي بكر وعمر و عثمان عليه.(١) وأُخرى نقل دف الجارية مع دخول أبي بكر ثمّعمر دون أن يذكر دخول عليعليه‌السلام وعثمان.(٢)

وعلى أيّة حال فقد اتّفق الفقهاء على لزوم كون المنذور أمراً راجحاً لا محرماً ولا مكروهاً، فلا ينعقد النذر إذا كان المنذور مكروهاً فضلاً عن كونه حراماً.

والضرب بالدف امّا مكروه أو حرام، فكيف أجازها النبيالضرب بالدفِّ عند رأسه؟! وقد أخرج أحمد عن أبي أمامة، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قال تبيت طائفة من أُمّتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثمّيصبحون قردة وخنازير ، فيُبعث على أحياء من احيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الخمور وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات.(٣)

على أنّالظاهر من الحديث انّ الضرب بالدفّ كان أمراً قبيحاً ولذلك لما دخل عمر ألقت الجارية الدفَّ تحت إستها ثمّ قعدت عليه لتخفيه عن عمر، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بأن ينهاها عن ذلك الاَمر القبيح ولا يسمح لها بالدفِّ على رأسه.

ثمّإنّ ظاهر الرواية انّعثمان دخل وهي تضرب وجلس دون أن تمسك الجارية، وهي تخالف ما رواه ابن أبي أوفى، قال: استأذن أبو بكر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجارية تضرب الدف فدخل، ثمّ استأذن عمر فدخل، ثمّ استأذن عثمان فامسكت، قال: فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ عثمان رجل حييّ.(٤)

ومن البعيد أن تكون الواقعة متعددة.

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٣٥٦.

٢ مسند أحمد: ٥/٣٥٨.

٣ مسند أحمد: ٥/٢٥٩.وأخرجه مسلم عن أبي هريرة ج٧/١٨٥، باب فضل الصحابة.

٤ مسند أحمد: ٤/٣٥٣.


ولعمر القارىَ انّهذه الروايات تشوّه سمعة الاِسلام والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومعناها جلوس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغية استماع ضرب الجارية للدف وغنائها.

٧. خير القرون قرني

أخرج أحمد، عن عبد اللّه بن مولة، قال: كنت أسير مع بريدة الاَسلمي، فقال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «خير هذه الاُمّة القرن الذي بعثت أنا فيهم، ثمّالذين يلونهم، ثمّالذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّيكون قوم تسبق شهادتُهم ايمانَهم، وايمانهم شهادَتهم.(١)

القرن في اللغة عبارة عن الفترة من الزمان وإطلاقه على مائة سنة، إطلاق حادث لا تحمل عليه الرواية، وعلى ضوء ذلك فالقرن الذي بعث فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خير القرون من الاَزمنة باعتبار نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقط، فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نوراً انبعث في الظلمة حيث تقوضت به دعائم الشرك والوثنية، وأُشيد دعائم التوحيد والحنفية.

هذا يرجع إلى نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا غيره فالظاهر من الرواية انّها تصنِّف الناس حسب التفضيل بالنحو التالي:

الصحابة (القرن الذي بعثت فيه).

التابعون(ثمّ الذين يلونهم).

تابعو التابعين (ثمّ الذين يلونهم) و هكذا.

فكلّمن قرب زمنه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو أفضل ممن بعد عنه.

هذا ما تفيده الرواية، وللاَسف الشديد انّالواقع الملموس يثبت خلاف

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٣٥٧، ولاحظ ص ٣٥٠.


ذلك، لا سيما من تصفح في التاريخ والحديث.

فهذا هو الاِمام البخاري يروي في حقّ الصحابة.

أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة، قال: قالت أسماء عن النبيقال: أنا على حوضي أنتظر من يرد عليّ، فيوَخذ بناس من دوني فأقول أُمّتي، فيقول: لا تدري مشوا على القهقرى. قال ابن أبي مليكة: اللّهمّ إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.

وأخرج أيضاً عن أبي وائل، قال: قال عبد اللّه، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا فرطكم على الحوض، ليرفعنَّ إليّرجال منكم حتى إذا أهويت لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّأصحابي، يقول: لا تدري ماأحدثوا بعدك.(١)

والرواية الثانية دليل على أنّ المراد من قوله : «بناس» في الرواية الاُولى هم الصحابة.

أضف إلى ذلك انّ قوله: هم الذين يلونهم: يهدف إلى التابعين، وفيهم الاَمويون، فهل يمكن أن نعد عصر الاَمويين خير القرون وقد خضّبوا وجه الاَرض بدماء الاَبرياء وقتلوا سبط النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كربلاء عطشاناً وذبحوا أولاده وأصحابه وهتكوا حرمة الكعبة؟!

وهذا هو الحجاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم البشعة ما يقشعر لها جبين الاِنسانية، ولا أطيل الكلام في ذلك والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث لتطهير الجهاز الاَموي الحاكم ممّا ارتكبه. وقد مضى الكلام حول الحديث عند دراسة أحاديث عمران بن الحصين(٢) .

____________________

١ صحيح البخاري: ٩/٤٦، كتاب الفتن.

٢ لاحظ ص ٢٤٩.


٨. سبق بلال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الجنة

أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن بريدة، قال حدثني أبي بريدة، قال: أصبح رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدعا بلالاً، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلاّ سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنّة فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مربّع مشرّف من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلت: أنا قرشيّ، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أُمّة محمّد، قلت: أنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب. فقال بلال: يا رسول اللّه ما اذّنت قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، وما أصابني حدث قطّ إلاّ توضأت عندها ورأيت انّ للّه عليّ ركعتين، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بهما.(١)

إنّ أبا أمامة الباهلي نقل نظير هذه الرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأضاف بعد عمر، عبد الرحمن بن عوف الثريّ المعروف(٢) وبين الروايتين من حيث المضمون اختلاف فاحش، فحلّ فيها محل القصر وضع الميزان وترجيح كفة كلّمن النبي صوعمر وأبي بكر على جميع الاُمّة، ونذكر الرواية عند دراسة رواياته.

والمقارنة بين الروايتين تعرب انّ يد الدس تصرفت في الرواية سواء أصحت أم لم تصح.

وبعد ذلك فكيف سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خشخشة بلال وهو حيّ يُرزَق في المدينة؟!

ثمّ إنّ جواب المجيب لسوَال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّ القصر

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٦٢٠ برقم ٣٦٨٩.

٢ مسند أحمد:٥/٢٥٩.


لرجل من العرب ثمّ الاِجابة ثانياً - بعد سوَال النبي - بأنّه لعربي قرشي يعرب عن غلبة روح الطائفية و العنصرية على صانع الحديث، فانّ معيار الفضل عنده سبحانه هو التقوى والعمل الصالح، وسيوافيك بعض ما في الرواية من الاِشكالات عند دراسة أحاديث أبي أمامة الباهلي.

ودراسة هذه الروايات دراسة مقارنة تعرب عن أنّ يد الوضع والتحريف قد نالت من هذه الروايات بغية رفع منزلة الخلفاء لدى المسلمين عبر القرون.

هذه دراسة ما عزي إلى أبي بريدة الاَسلمي من الروايات ولا تُحْمل مسوَولية هذه الروايات على بريدة وإنّما عهدة ذلك على الرواة الذين نقلوا عنه أمثال هذه الروايات، ومع ذلك لا نبرّىَ ساحة بريدة عنها، والمهم في المقام هي دراسة ما روي عن النبيدراسة منزهة عن كلّرأي مسبق.


٢٥- عبد اللّه بن عمرو بن العاص

(٨ق. ه- - ٦٥ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. الفراغ من الاَمر: الجبر

٢. منع المرأة من التصرّف في مالها

٣. عدم توارث ملتين

٤.وجوب الوفاء بنذر المعصية

٥. لا يركب البحر إلاّ ثلاث

٦. الفرقة الناجية أنا وأصحابي

٧. قلوب بني آدم بين اصبعين

٨. عدم اضرار الخطيئة مع الايمان

هو ابن وائل بن هاشم بن سعيد بن سعد بن عمرو، يكنّى أبا محمد، وقيل أبا عبد الرحمان.

أُمّه هي رائطة بنت الحجاج بن منبِّه السَّهمية.

وقد أسلم قبل أبيه، ويقال كان اسمه العاص، وسمي في الاِسلام بعبد اللّه.(١)

وهو ممن كتب حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يُعر أهمية

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٣/٧٩ برقم ١٧.


للحظر الذي فرضه الخليفة الثاني على تدوين الحديث، روى ابن سعد في طبقاته عن عبد اللّه بن عمرو: قال: استأذنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتاب ما سمعت منه، قال: فأذن لي فكتبته، فكان عبد اللّه يسمى صحيفته تلك «الصادقة».

وروى أيضاً عن مجاهد، قال: رأيت عند عبد اللّه بن عمرو بن العاص صحيفة وسألت عنها، فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ليس بيني و بينه فيها أحد.(١)

ويظهر ممّا نقله ابن سعد في طبقاته انّه كان في حياة الرسول كثير الصوم فينقل هو ويقول: قال لي رسول اللّه: ألم اُنبأ انّك تقوم الليل وتصوم النهار ؟ قال: قلت إنّي أقوى، قال: فانّك إذا فعلت ذلك هجمت العينُ وتنفه النفسُ، صم من كلّ شهر، ثلاثة أيام فذلك صوم الدهر.(٢)

وهذا يعرب عن أنّه لم يكن متزناً في سلوكه، يروي طاووس قال: رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عبد اللّه بن عمرو ثوبين معصفرين، فقال: أُمّك أمرتك بهذا؟ فقال: أغسلهما يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه: حرّقهما.

وروى ابن سعد أيضاً عن رشدين بن كريب، قال: رأيت عبد اللّه بن عمرو يعتم بعمامة حرقانيّة ويُرخيها شبراً.

وروى أيضاً عن العريان بن الهيثم، قال: وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية، فجاء رجل طوال أحمر عظيم البطن فسلّم ثمّ جلس، فقال أبي: من هذا؟ فقيل: عبد اللّه بن عمرو.(٣)

والرجل وإن كان راوية الحديث، ولكن لم يكن واعية له وذا بصيرة في

____________________

١ طبقات ابن سعد: ٢/٣٧٣.

٢ طبقات ابن سعد: ٤/٢٦٢.

٣ المصدر السابق: ٤/٢٦٥-٢٦٦.


الدين، فقد زلّت قدمه في حياة الاِمام أمير الموَمنينعليه‌السلام حيث شارك في قتاله وحمل الراية ضده.

قال الجزري: وشهد مع أبيه فتح الشام، وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك، وشهد معه أيضاً صفين وكان على الميمنة، قال له أبوه: يا عبد اللّه : أخرج فقاتل، فقال: يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأُقاتل وقد سمعتَ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعهد إليَّ ما عهد؟! قال: أنشدك اللّه يا عبد اللّه، ألم يكن آخر ما عهد إليك رسول اللّه أن أخذ بيدك فوضعها في يدي، وقال: أطع أباك؟ قال: اللهم بلى. قال: فانّي أعزم عليك أن تخرج فتقاتل، فخرج فقاتل وتقلّد بسيفين، وندم بعد ذلك فكان يقول: مالي ولصفين، مالي و لقتال المسلمين لوددت انّي متّ قبله بعشرين سنة.

وقيل انّه شهدها بأمر أبيه له ولم يقاتل، قال ابن أبي مليكة: قال عبد اللّه بن عمرو: «أما واللّه ما طعنتُ برمح ولا ضربتُ بسيف ولا رميت بسهم، وما كان رجل أجهد منّي من رجل لم يفعل شيئاً من ذلك».(١)

أقول: لو افترضنا صحة عهد الرسول بلزوم إطاعة أبيه، فلا يرمي الحديث إلاّ إلى إطاعته في الاُمور المباحة، كيف! وقد روى هو عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية اللّه عزّ وجلّ.(٢)

فالاحتجاج بقول رسول اللّه «أطع أباك» كأنّه واجهة لما ارتكب من الموبقات حيث شارك في حرب إمام تعد حربه حرباً لرسول اللّه وسلمه سلماً لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حيث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي: أنا حرب لمن حاربتم و سلم لمن سالمتم.(٣)

____________________

١ أُسد الغابة:٣/٢٣٤.

٢ مسند أحمد: ٢/٢١٢.

٣ كفاية الطالب ، ص ٢٩٥؛ سنن الترمذي :٢/٣١٩؛ مستدرك الصحيحين : ٣/١٤٩؛ أُسد الغابة :٥/٥٢٣؛ كنز العمال:٦/٢١٦.


ولكنّه أظهر الندم فيما لا ينفع الندم فيه.

كيف استجاب عبد اللّه بن عمرو لدعوة أبيه، وهو يعلم أنّ الخليفة الذي أصفق المهاجرون والاَنصار على خلافته وإمامته قد صار واجب الطاعة، والخروج عليه معصية وإثم مبين؟ قال سبحانه:( وإن جاهدَاكَ على أن تُشْ-رِكَ بِ-ي ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهما ) (لقمان /١٥) ولا خصوصية للشرك في هذه الآية بل الملاك معصية اللّه سبحانه.

وعلى كلّ تقدير فقد توفي عبد اللّه بن عمرو في الشام سنة ٦٥، وهو يومئذ ابن ٧٢ سنة.(١)

وقال ابن حجر نقلاً عن أبي عمر الكندي في تاريخه انّه توفي في نصف جمادى الآخرة سنة ٦٥ بمصر، فلم يستطع أن يخرج بجنازته لشغب الجند على مروان فدفن في داره.(٢)

وهذا يعرب عن تعاطفه مع الاَُمويين إلى نهاية عمره.

وعلى أية حال فقد بلغ ما اسند إليه سبعمائة حديث اتفقا له على سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين(٣) وقد بلغت رواياته في المسند الجامع أربعمائة وتسع وخمسين حديثاً(٤)

فلنذكر من روائع أحاديثه نماذج.

____________________

١ الطبقات الكبرى: ٤/٢٦٨.

٢ تهذيب التهذيب: ٥/٣٣٧ برقم ٥٧٥.

٣ سير أعلام النبلاء:٣/٧٩ برقم ١٧.

٤ المسند الجامع: ١١/٥ برقم٣٨٧.


روائع أحاديثه

١. أخرج البخاري في صحيحه، عن الشعبي، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:

«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه».(١)

٢. أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن عمرو بن شعيب، عن جدّه عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مُروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً وفرِّقوا بينهم في المضاجع.(٢)

٣. أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن شعيب، عن جدّه عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من بنى للّه مسجداً، بُني له بيت أوسع منه في الجنة.(٣)

٤. أخرج الترمذي عن ريحان بن يزيد، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: «لا تحل الصدقة لغنيٍّ ولا ذي مرّة سويٍّ».(٤)

٥. أخرج أحمد عن مسروق، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبيقال:أربع من كن فيه كان منافقاً، أو كانت فيه خصلة من الاَربع، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.(٥)

٦. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عبد الرحمان الحُبليّ، عن عبد اللّه بن عمرو انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة.(٦)

____________________

١ البخاري، الصحيح: ١/٧، كتاب الاِيمان؛ مسند أحمد: ٢/٢٠٥.

٢ مسند أحمد:٢/١٨٠.

٣ مسند أحمد:٢/٢٢١.

٤ سنن الترمذي: ٣/٤٢ برقم ٦٥٢.

٥ مسند أحمد:٢/١٨٩.

٦ صحيح مسلم: ٤/١٧٨، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة.


٧. أخرج ابن ماجة، عن مسروق، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خياركم، خياركم لنسائهم.(١)

٨. أخرج أبو داود في سننه، عن عمرو بن شعيب، عن جدّه عبد اللّه بن عمرو انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لا طلاق إلاّ فيما تملك، ولا عتق إلاّ فيما تملك، ولا بيع إلاّ فيما تملك«زاد ابن الصباح» ولا نذر إلاّ فيما تملك».(٢)

٩. أخرج ابن ماجة عن عمرو بن شعيب، عن جدّه عبد اللّه بن عمرو انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام.(٣)

١٠. أخرج أبو داود في سننه، عن الوليد بن عبدة، عن عبد اللّه بن عمرو، إنّ نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن الخمر والميسر والكوبة(٤)

والغُبيراء(٥) ، وقال: كلُّ مسكرٍ حرام.(٦)

١١. أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن عمرو بن شعيب، عن جدّه عبد اللّه ابن عمرو انّه سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ فسكت القوم، فأعادها مرتين أو ثلاثاً، قال: القوم: نعم يا رسول اللّه، قال: أحسنكم خلقاً.(٧)

١٢. أخرج البخاري في الاَدب المفرد ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص يبلغ به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقّ كبيرنا فليس منّا.(٨)

١٣. أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن أبي قلابة، عن عبد اللّه بن عمرو،

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/٦٣٦ برقم ١٩٧٨.

٢ سنن أبي داود: ٢/١٥٨ برقم ٢١٩٠.

٣ سنن ابن ماجة: ٢/١١٢٤ برقم ٣٣٩٤.

٤ الكوبة بضم الكاف، قيل: النرد، وقيل: الطبل الصغير، وقيل: البربط.

٥ الغُبيراء: ضرب من الشراب يتخذه الاَحباش من الذرة.

٦ سنن أبي داود: ٣/٣٢٨ برقم ٣٦٨٥.

٧ مسند أحمد: ٢/١٨٥.

٨ البخاري: الاَدب المفرد، ص ١٣٠ برقم ٣٥٦.


عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من قتل دون ماله مظلوماً فهو شهيد.(١)

هذه نماذج من روائع أحاديثه، وكم لها من نظير، وإليك ما أسند إليه من الاَحاديث السقيمة، وقبل عرض نماذج منها، نسلط الاضواء على أحاديثه.

يظهر من غير واحد من الروايات انّ الرجل كان معجباً بالعهدين وغيرهما فيروى عنهما كثيراً، ويشهد على ذلك الاُمور التالية:

١. روى الاِمام أحمد عن أبي سعد، قال: جاء رجل إلى عبد اللّه بن عمرو، فقال: إنّما أسألك عمّا سمعت من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا أسألك عن التوراة، فقال: سمعت من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده...(٢) ولولا انّه كان يروي عن العهدين بكثرة، وبنحو يشتبه مصدر الرواية على السامع لما قال له: «أسألك عمّا سمعت من رسول اللّه ولا أسألك عن التوراة».

٢. روى واهب بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عمرو، انّه قال: رأيت فيما يرى النائم لكأنّ في إحدى اصبعيّ سمناً وفي الاُخرى عسلاً فأنا ألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: تقرأ الكتابين التوراة والفرقان فكان يقروَهما.(٣)

ولذلك لا تعجب إذا وقفت على أنّه كان يروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج....(٤)

وقد فسر أبو جعفر الطحاوي التحديث عن بني اسرائيل بنقل ما جرى عليهم من العقوبات لينتفع به المسلمون، وأضاف أنّ التحديث عنهم إختياري وليس بإيجابي(٥)

أقول: لو كان المراد ما ذكره فقد سبق الكتاب العزيز إلى نقله فلم يكن

____________________

١ مسند أحمد: ٢/٢٢١ و ٢٠٢ و ٢٢٢.

٢ مسند أحمد: ٢/٢٢١ و ٢٠٢ و ٢٢٢.

٣ مسند أحمد: ٢/٢٢١ و ٢٠٢ و ٢٢٢.

٤ صحيح البخاري: ٤/١٧٠، باب ما ذكر عن بني اسرائيل من كتاب الاَنبياء.

٥ مشكل الآثار : ١/٣٠.


مجهول الحكم حتى يبين الرسول حكمه، على أنّ كون النقل غير إيجابي لا يدفع الاِشكال، فإنّه يكمن في فسح المجال لهذه النقول سواء أكان إختيارياً أم إيجابياً.

وقد جاءت الاَخبار بأنّ عبد اللّه بن عمرو أصاب يوم اليرموك زاملتين من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الاِسرائيليات، وقد قال فيهما الحافظ ابن كثير: إنّ منها المعروف و المشهور والمنكور والمردود.(١)

وعلى ضوء ذلك فلا عجب أن يروى عنه مالا يفارق عقيدة اليهود من الجبر والتشبيه، وإليك نماذج من رواياته السقيمة.

١. الفراغ من الاَمر: الجبر

أ. روى الاِمام أحمد عن شفيَّ الاصبحي، عن عبد اللّه بن عمرو، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: خرج علينا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي يده كتابان ، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا، إلاّ أن تخبرنا يا رسول اللّه. قال - للذي في يده اليمنى -: هذا كتاب من ربّ العالمين تبارك و تعالى بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثمّ أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، ثمّ قال - للذي في يسار -: هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمّ أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً.

فقال أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلاَي شيء إذاً نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه؟ قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سدودا وقاربوا، فانّ صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وان عمل أيَّ عمل، وانّ صاحب النار ليختم له بعمل أهل النار وان عمل أيّ عمل، ثمّ قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم عزّ وجلّ من العباد، ثمّ قال باليمنى: فنبذ بها، فقال: فريق في الجنة ونبذ باليسرى، فقال: فريق في السعير.(٢)

____________________

١ أضواء على السنة المحمدية، ص ١٥٥.

٢ مسند أحمد: ٢/١٦٧.


ب. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن الديلمي، قال:سمعت عبد اللّه بن عمرو يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ اللّه خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأ ضلّ، فلذلك أقول: جفّالقلم على علم اللّه.(١)

ج. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عبد الرحمان الحبليّ، عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: كتب اللّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والاَرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء.(٢)

هذه الاَحاديث التي رواها عبد اللّه بن عمرو بن العاص لا تفارق الجبر قيدَ شعرة، وتعرب عن أنّه تمّ القضاء على الناس منذ الاَزل وجعلهم صنفين فكل ميسَّر لما خلق له، لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسّرون للاَعمال الصالحة فحسب، وأهل الشقاء ميسّرون للاَعمال الطالحة فحسب.

هذه المرويات الّتي تكتظ بها الصحاح والمسانيد ، تناقض الاُصول العقلية والنقلية المسلّمة، وحاشا رسول اللّه وخيرة أصحابه أن ينبسوا بها ببنت شفة، وإنّما حيكت على منوال عقيدة الجهاز الاَمويّ الحاكم، ولذلك لا تعجب عمّا يقوله إمام الحنابلة في رسائله:

والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه ،ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوّله وآخره من اللّه. قضاء قضاه، وقدر قدره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة اللّه ولا يجاوز قضاءَه، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له واقفون فيما قدر عليهم لاَفعاله وهو عدل منه عزّ ربّنا

____________________

١ الترمذي : السنن: ٥/٢٦ رقم الحديث ٢٦٤٢.

٢ صحيح مسلم: ٨/٥١، باب حجاج آدم و موسىعليهما‌السلام .


وجلّ. والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللّه والمعاصي كلّها بقضاء وقدر.(١)

أقول: لا يكتب هذا القدر الجاف الجافي على الانسان المسكين إلاّ متعنّت حنق، قاس، حقود بلا سبب ولا مبرّر، وبذلك ابتلي الكفار والعصاة بشقاء أبدي، ولا مجال - بعد ذلك - لرأفته ورحمته وإحسانه بل قدّر كلّ ذلك لآخرين بلا جهة ولا سبب، كما يقول اللّه تعالى - في زعمهم - في بعض رواياتهم: خلقت هوَلاء للجنة ولا أبالي وخلقت هوَلاء للنار ولا أبالي.(٢)

أخرج مسلم في صحيحه، عن جابر قال: سراقة بن مالك بن جُعشم قال: يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم؟ أفيما جفّت به الاَقلام وجرت به المقادير ، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفّت به الاَقلام وجرت به المقادير قال: ففيم العمل؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اعملوا فكلّ ميسّر.(٣)

إنّ قول الرسول في الرواية الاُولى، أعني: «هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبداً» أثار سوَالاً لبعض الصحابة، حيث قال: وفيم العملُ يا رسول اللّه إن كان أمر قد فرغ منه؟ فأجاب رسول اللّهبقوله: سدِّدوا وقاربوا.

ولكنّ الجواب لا صلة له بالسوَال، فانّ السائل يقول: إذا قُضي على أحد بالجنة فمصيره لا محالة إلى الجنة بصورة قضية ضرورية، فعند ذلك يصير تكليفه لغواً والعمل باطلاً بلا حاجة إلى التسديد والتقارب اللذين ركز عليهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: «سددوا وقاربوا» خصوصاً بالنظر إلى ما

____________________

١ طبقات الحنابلة:١/٢٥.

٢ بحوث مع أهل السنة والسلفية، ص ٤٧.

٣ صحيح مسلم: ٨/٤٨. باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.


بعده، حيث قال: «فانّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ عمل، وانّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل».

فعلى هذا تكون الهداية في آخر لحظات العمر مدعاة للفوز بالجنة مع أنّه سبحانه يخطِّىَ تلك الفكرة، ويردّ على تلك المزعمة بأنّ فرعون حينما أظهر الاِيمان في آخر لحظات حياته وقال:( آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمينَ ) ، فردَّ عليه سبحانه بقوله:( الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ ) (يونس/٩٠-٩١).

إنّ الحديث الثاني الذي رواه الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو من أنّه سبحانه «خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضلّ»، يثير سوَالاً و هو ما هو المراد من خلق الناس في ظلمة مع انّه سبحانه، يقول: خلق الناس على فطرة التوحيد قال سبحانه:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَالنّاسَ عَلَيْها ) (الروم/٣٠) فهل يصحّ أن نعبر عن فطرة التوحيد بالظلمة؟

ثمّ ما هو ذنب من لم يسطع النور على قلبه فمكث في ظلمته وصار شقياً؟!

فعلى ضوء تلك الاَحاديث لا يقدر الاِنسان على اضلال نفسه وهدايتها كما لا يقدر على إدخال نفسه في الجنّة أو النار، فكلما أراد من شيء يكون الكتاب السابق حائلاً بينه و بين إرادته.

ثمّ إنّ الكتاب الذي سبق، حاكم على الاِنسان فلا يزيد ولا ينقص، وهو يخالف النصوص الثابتة من القرآن والسنّة من تغيير المصير بالاَعمال الصالحة أو الطالحة كما انّ القول بأنّه جفّ القلم على ما كان لا يتغير ولا يتبدل فكرة يهودية كشف عنها القرآن حيث نقل عنهم قولهم( يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء ) (المائدة/٦٤).


بقيت هنا كلمتان:

الاُولى: وهي انّ المسلمين تبعاً للقرآن الكريم متفقون على التقدير في أفعال العباد إلاّ انّه لابدّ أن يفسر بنحو لا يعارض اختيار الاِنسان فيجعله مكتوف اليدين وتكون بعثة الاَنبياء أمراً لغواً شبيهاً بقول القائل:

ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له

إيّاك إيّ--اك أن تبت----لَّ بالم-اء

الثانية : دلت الآيات والاَحاديث الصحيحة على أنّ الاِنسان قادر على تغيير مصيره بحسن أفعاله وصلاح أعماله وتهذيب أخلاقه بمثل الصدقة والاِحسان وصلة الاَرحام وبرِّ الوالدين، والاستغفار والتوبة، وشكر النعمة إلى غير ذلك من الاُمور المغيّرة للمصير، الموجبة لتبدّل القضاء السيء إلى القضاء الحسن، كما انّه قادر على تغيير مصيره الحسن، إلى المصير السيّء بالاَعمال التي تقابلها، فليس الاِنسان محكوماً بمصير واحد ومقدّر غير قابل للتغيير، ولا انّه يصيبه ما قدر له، شاء أم لم يشأ، بل المصير والمقدر يتغير ويتبدل بالاَعمال الصالحة أو الطالحة بشكر النعم أو كفرانها، وبالتقوى أو المعصية إلى غير ذلك من الاُمور.

تغيير المصير بالاَعمال الصالحة أو الطالحة

١. قال اللّه سبحانه حاكياً عن شيخ الاَنبياء نوح، قوله:( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَعَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْلَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) (نوح/١٠-١٢).

فانّك ترى أنّهعليه‌السلام يجعل الاستغفار سبباً موَثراً في نزول المطر، وكثرة الاَموال، وجريان الاَنهار إلى غير ذلك من الآثار.

وأمّا كيفيّة تأثير العمل الاِنساني كالاستغفار في الكائنات فبيانه خارج عن


إطار بحثنا هذا، وإنكار التأثير يُشبه بكلمات الملاحدة وموقفهم، فهذا الوحي الاِلهي يدل على تأثير الدعاء والاستغفار في الكائنات، والعلل الطبيعية، وقد تواتر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام انّ الدعاء وما شابهه من الاَعمال ممّا يرد به القضاء.

٢. وقال تعالى:( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد/١١).

٣.وقال عزَّ وجلَّ:( ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَومٍ حَتّى يُغَيّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) (الاَنفال/٥٣).

٤. وقال سبحانه:( وَلَو أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (الاَعراف/٩٦).

٥. وقال سبحانه:( وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب ) (الطلاق/٢-٣).

٦. وقال سبحانه:( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزيدَنَّكُمْ وَلئِنْ كَفَرتُمْ إِنَّ عَذابي لَشَديد ) (إبراهيم/٧).

٧. وقال سبحانه:( وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيم ) (الاَنبياء/٧٦).

٨. وقال سبحانه:( وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبّهُ إِنِّي مَسَّنِي الضُّ-رُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمينَ* فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْضُ-رٍّ ) (الاَنبياء/٨٣- ٨٤).

٩. وقال سبحانه:( وَما كانَ اللّهُليُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَ ماكانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الاَنفال/٣٣).

١٠. وقال سبحانه:( فَلَولا انَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِين* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوم يُبْعَثُون * فَنَبَذْناهُبِالعَراءِ وَهُوَ سَقِيم* وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرةً مِنْ


يَقْطِين ) (الصافات/١٤٣-١٤٦).

١١. وقال تعالى:( فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي المُوَمِنينَ ) (الاَنبياء/٨٨).

١٢. وقال تعالى:( فَلَولا كانَتْ قَريةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوم يُونُس لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِين ) (يونس/٩٨).

هذه طائفة من الآيات القرآنية التي تحكي عن ترتّب آثار معيّنة على الدعاء والاستغفار والاِيمان والعمل الصالح مما يكشف عن تأثير هذه الاَعمال في الكائنات والحوادث الطبيعية.

ومع هذه الآيات و البراهين الواضحة، لا يقام وزن ولا قيمة لما نسب إلى عبد اللّه بن عمرو، من الروايتين الدالّتين على خلافها.

٢. منع المرأة من التصرّف في مالها

أخرج أبو داود في سننه، عن عمرو بن شعيب، عن جدّه، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها.(١)

وفي رواية أُخرى انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلاّ بإذن زوجها».(٢)

لقد سبق منّا القول في المقدمة انّ من شرائط حجّية الخبر الواحد أن لا يكون مبايناً للقرآن الكريم، وأمّا المخالفة بصورة العام والخاص وإن كانت

____________________

١ سنن أبي داود: ٣/٢٩٢ برقم ٣٥٤٦- ٣٥٤٧؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة في سننه ٢/٧٩٨ برقم ٢٣٨٨ ؛وأحمد في مسنده:٢/٢٢١.

٢ سنن أبي داود: ٣/٢٩٢ برقم ٣٥٤٦- ٣٥٤٧؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة في سننه ٢/٧٩٨ برقم ٢٣٨٨ ؛وأحمد في مسنده:٢/٢٢١.


جائزة لشيوع تلك المخالفة في التقنين حيث يذكر العام بلا خاص ثمّ يعقبه الخاص بعد فاصل زمني، إلاّ أنّه لا يمكن تخصيص الذكر الحكيم بخبر الواحد إلاّإذا ورّث الاطمئنان بصحته بنحو يقدّم على الذكر الحكيم.

وبعبارة أُخرى المخالفة الكليّة ممنوعة مطلقاً يرفض الخبر ويأخذ بالكتاب، وأمّا المخالفة بنحو العموم والخصوص أو المطلق و المقيد وإن كانت جائزة بأن يكون مخصِّصاً أو مقيِّداً، لكن ليس كلّخبر صالحاً لذلك حتى و إن كان المخبر ثقة، بل إذا احتفّ بالقرائن المفيدة للعلم أو أفاد اطمئناناً تسكن إليه النفس.

وعلى ضوء ذلك فلنتناول الآيات الواردة في استقلال المرأة في أموالها بالبحث ثمّ نعرج إلى الروايتين المذكورتين ونبيّن نسبتهما إليه.

إنّ القرآن الكريم منح للمرأة استقلالاً مالياً في أموالها إذا بلغت وأُونس منها الرشد على الرغم من انّه جعل الرجال قوامين على النساء، وإليك بعض الآيات:

قال سبحانه:( وابتَلُوا اليَتامى حتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فإنْ ءانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً فادفَعُوا إليهم أَموالَهُم ) (النساء/٦).

فالجارية اليتيمة إذا بلغت وأُونس منها الرشد تدخل تحت تلك الآية وتكون من مصاديقها ويجب على الولي دفع مالها إليها، وهو يلازم استقلالها في التصرف في الاَموال، وإلاّ لكان الدفع بلا نتيجة أو أثر.

وقال سبحانه:( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ) (النساء/٣٢).

والمراد من الاكتساب في الآية ما يُكتسب عن طريق الحِرَف والمِهَن وغيرها من أسباب الاكتساب، وهو يدل على نفوذ تصرّف المرأة بعد البلوغ


وإيناس الرشد، وانّه لا يصحّ منعها بعد هذا الاستقلال.

فعلى ضوء هاتين الآيتين فالمرأة البالغة الرشيدة رفع عنها الحجر، فتنفذ تصرّفاتها في أموالها دون فرق بين الاكتساب وغيره قبل الزواج و بعده، فالحكم بالحجر عليها بعد تلك المرحلة بحاجة إلى دليل معتبر يخصص عموم الكتاب أو يقيّد إطلاقه.والحكم بالحجر عليها لا يخلو من صورتين:

الاُولى: الحكم بالحجر عليها قبل زواجها فهو يخالف الذكر الحكيم، وإن حكي الحجر عن الاِمام أحمد حيث روي عنه «لا يدفع إلى الجارية ما لها بعد بلوغها حتى تتزوج وتلد أو يمضي عليها سنة في بيت الزوج».

كما حكي أيضاً عن الاِمام مالك « بأنّه لا يدفع إليها مالها حتى تتزوج ويدخل عليها زوجها، لاَنّ كلّحالة جاز للاَب تزويجها من غير إذنها لم ينفك عنها الحجر كالصغيرة».(١)

يلاحظ عليه:أوّلاً : المنع من جواز تزويجها بلا إذنها، كيف و قد تضافر الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: البكر تستأمر.(٢)

وثانياً: لو افترضنا بقاء ولاية الاَب على الجارية في مورد التزويج، فلا يكون دليلاً على حجرها في كلّشيء مع أنّ القرآن يصرح باستقلالها وخروجها عن الحجر ويأمر الاَولياء بدفع المال إليها.

وما روي عن شريح انّه قال: عهد إليَّ عمر بن الخطاب أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولاً أو تلد ولداً.(٣) على فرض الصحة حكم ولائي يختص بمورده و زمنه، ولا يكون دليلاً على حجر المرأة على وجه

____________________

١ المغني:٤/٥١٧.

٢ بلوغ المرام: برقم ١٠١٢.

٣ المغني: ٤/٥١٧.


الاِطلاق قبل التزويج، فالقول بالحجر في هذه الصورة لا يخلو عن تعسف.

الثانية: الحكم بالحجر عليها بعد زواجها مطلقاً كما هو مفاد الرواية الاُولى المنقولة عن عمرو بن شعيب، أو في خصوص عطيتها كما هو مقتضى الرواية الثانية.

فالمروي عن أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر جواز تصرفها في مالها بالتبرع والمعاوضة، والمنقول عن أحمد في إحدى الروايتين. انّه ليس لها أن تتصرف في مالها لزيادة على الثلث بغير عوض إلاّبإذن زوجها، واستدل على هذا القول بما روي انّ امرأة كعب بن مالك أتت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحليٍّ لها، فقال لها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن زوجها، فهل استأذنت كعباً؟ فقالت: نعم، فبعث رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى كعب، فقال: هل أذنت لها أن تتصدق بحليّها؟، قال: نعم، فقبله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

يلاحظ عليه: أنّه من المحتمل أن تكون الحُليّ ملكاً لزوجها وقد دفع إليها لتتزين بها، فلا يعد دليلاً على عدم الجواز فيما كان ملكاً لها، والرواية إنّما وردت في واقعة شخصية لا يمكن استفادة العموم منها.

فلم يبق دليل سوى رواية عبد اللّه بن عمرو، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن المحتمل أن يكون المراد انّه لا يجوز عطيتها من ماله من غير إذنه.

فإن قلت:نعم، ما ذكرنا من التأويل والحمل إنّما يجري في روايته الثانية أعني قوله: «لا يجوز لامرأة عطية إلاّ بإذن زوجها» فيحتمل أن يكون المال المعطى من مال زوجها.

____________________

١ سنن ابن ماجة:٢/٧٩٨ برقم ٢٣٨٩.


وأمّا الحديث الاَوّل فلا يصحّ فيه ذلك التأويل لقوله: «لا يجوز لامرأة أمر في مالها» الظاهر في كون المال مالها.

قلت: إنّ الحديثين - في الواقع - حديث واحد فلا نعلم ما هو الصادر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خصوصاً انّ الاَحاديث منقولة بالمعنى فلذلك يصعب الاعتماد على قوله «في مالها» و قد صرح العلماء انّ الصحابة كانوا يسمعون الاَحاديث ولا يكتبونها ولا يكررون عليها، ثمّ يروونها بعد السنين الكثيرة. فلذلك اختلفت عبارات الحديث الواحد.

ثمّ إنّ الاَمر دائر بين الجواز وعدمه، فالتحديد بالثلث تحكّم جداً، وقياسها على المريض الذي لا يجوز له التصرف في أزيد من ثلث ماله قياس مع الفارق.

وعلى أيّ حال فالمرجع هو الآية، ولا يمكن الاستناد بهاتين الروايتين حتى يخصص الذكر الحكيم أو يقيّد بهما.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ المرأة في الاِسلام ذات شخصية تساوي شخصية الرجل في حرية الانتخاب والتصرف في الاَموال دون أيّ فرق إلاّفيما يقتضيه كيانها الروحي والنفسي الجيّاش بالعاطفة والاِحساس.

٣. عدم توارث ملتين

أخرج ابن ماجة، عن عمرو بن شعيب، عن جدّه انّ رسول اللّهقال:لا يتوارث أهل ملتين.(١)

والرواية بحاجة إلى تفسير وتوضيح، إذ انّ أكثر أهل السنّة حملوها على عدم وراثة كلّ ملة عن ملة أُخرى مع أنّالمقصود نفي التوارث بينهما، و يكفي

____________________

١ سنن ابن ماجة: ٢/٩١٢ برقم ٢٧٣١.


في صدقه عدم الوراثة من جانب دون جانب آخر. فهناك مسألتان:

الاُولى: في أنّه لا يرث الكافر المسلم. هذه المسألة ممّا اتفقت عليه كلمة المسلمين.

قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لا يرث المسلم.(١)

الثانية: في وراثة المسلم الكافر. وهذه المسألة ممّا وقع فيها الاختلاف.

فقد قال عليعليه‌السلام ، و معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة، ومسروق، وسعيد وعبد اللّه بن معقل و محمد بن الحنفية و محمد بن علي الباقر وإسحاق بن راهويه من التابعين، بأنّه يرث المسلم الكافر، لاَنّ الاِسلام لم يزده إلاّ عزّاً وكرامةً، فلو افترضنا انّ الاَب والولد كانا كافرين فلو مات الوالد والحال هذه يرثه الولد، فكيف لا يرثه إذا أسلم قبل وفاة والده؟ وإلاّيلزم أن يكون الاِسلام سبباً لنقصان حظه و زوال عزِّه.

ومع ذلك فقد قال جمهور الصحابة و التابعين: لا يرث المسلم الكافر، يروى هذا عن: أبي بكر و عمر و عثمان، وعلي، و أُسامة بن زيد، وجابر بن عبد اللّه، و به قال: عمرو بن عثمان، و عروة، والزهري، وعطار، وطاووس، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينا ر، والثوري، و أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والشافعي، وعامة الفقهاء.

والحق الحرمان في الصورة الاُولى، وعدمه في الصورة الثانية، تبعاً لاِطلاقات القرآن، أعني قوله سبحانه:( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْن ) وقوله سبحانه:( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ ) (النساء/١١-١٢) وقوله تعالى:( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالاَقْرَبُون ) (النساء/٧).

____________________

١ ابن قدامة، المغني: ٦/٣٤٠.


فانّ إطلاقها يعم ما إذا كان المورّث كافراً والوارث مسلماً خرج منها عكس المسألة بالاتفاق.

وفي روايات أئمّة أهل البيت إلماعات إلى ردّ من زعم انّ المسلم لا يرث الكافر، مثل قولهمعليهم‌السلام : «نحن نرثهم ولا يرثونا، انّ اللّه عزّ وجلّ لم يزدنا بالاِسلام إلاّعزّاً».(١)

وفي رواية أُخرى: «نرثهم ولا يرثونا انّ الاِسلام لم يزده في ميراثه إلاّشدّة».(٢)

ومعنى نفي التوارث هو أن يرث كلّمن الآخر، فهذا هو الذي تنفيه لسان الرواية، وهو صادق على ما إذا كانت الوراثة من جانب دون آخر فلا يرث الكافرُ المسلم ويرث المسلمُ الكافر ، فيصدق انّه لا توارث بينهما.

وبهذا المعنى فسّر الاِمام أبو جعفرعليه‌السلام الرواية، روى عبد الرحمان بن أعين، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «لا يتوارث أهل ملتين نحن نرثهم ولا يرثونا، انّ اللّه عزّ وجلَّ لم يزدنا بالاِسلام إلاّ عزّاً».(٣)

وفي صحيحة جميل وهشام، عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام انّه قال: فيما روى الناس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: «لا يتوارث أهل ملتين» قال: «نرثهم ولا يرثونا انّ الاِسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة».(٤)

وروى أبو العباس قال: سمعت أبا عبد اللّهعليه‌السلام يقول: «لا يتوارث أهل ملتين، يرث هذا هذا ويرث هذا هذا، إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر ، والكافر لا يرث المسلم».(٥)

____________________

١ الوسائل: ١٧، الباب ١ من أبواب موانع الاِرث، الحديث ٦و١٧.

٢ الوسائل: ١٧، الباب ١ من أبواب موانع الاِرث، الحديث ٦و١٧.

٣ الوسائل: ١٧، الباب ١ من أبواب موانع الاِرث، الحديث ٦و ١٤و ١٥.

٤ الوسائل: ١٧، الباب ١ من أبواب موانع الاِرث، الحديث ٦و ١٤و ١٥.

٥ الوسائل: ١٧، الباب ١ من أبواب موانع الاِرث، الحديث ٦و ١٤و ١٥.


٤. وجوب الوفاء بنذر المعصية

أخرج أبو داود في سننه، عن عمرو بن شعيب، عن جدّه انّ امرأة أتت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت: يا رسول اللّه، انّي نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: أوفي بنذرك قالت: إنّي نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال: «لصنم؟» قالت: كلا، قال:« لوثن؟» قالت: كلا، قال: «أوفي بنذرك».(١)

يلاحظ على الحديث:

إنّ الضرب بالدف إمّا حرام أو أمر مرجوح أو مباح، قال الشيخ الطوسي: إنّ الضرب بالدف في الاَعراس والختان مكروه، وقال الشافعي: ضرب الدفِّ في الختان و الاَعراس مباح.(٢) وعلى جميع التقادير لا يصح ابتغاء وجه اللّه به، وقد روى عبد اللّه بن عمرو، انّ رسول اللّه أدرك رجلين وهما مقترنان يمشيان إلى البيت، فقال رسول اللّه: ما بال القِران، قالا: يا رسول اللّه نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس هذا نذراً فقطع قرانهما، وقال: إنّما النذر ما ابتغى به وجه اللّه عزّوجلّ(٣)

وفي رواية أُخرى عنه، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه نظر إلى أعرابي قائماً في الشمس وهو يخطب فقال: ما شأنك؟ قال: نذرت يا رسول اللّه أن لا أزال في الشمس حتى تفرغ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس هذا نذراً، إنّما النذر ما ابتغي وجه اللّه عزّ وجلّ(٤)

وعلى ضوء ذلك فالرواية مندسّة في الروايات النبويّة ونجلّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يسوّغ لمرأة أجنبية أن تضرب على رأسه بالدفّ وقد مضى الكلام فه أيضاً(٥)

____________________

١ سنن أبي داود: ٣/٢٣٧- ٢٣٨ برقم ٣٣١٢.

٢ الخلاف:٦، كتاب الشهادات، المسألة ٥٥.

٣ مسند أحمد: ٢/١٨٣.

٤ سنن أبي دواد: ٣/٢٣٤ ،باب ما جاء في النذر في المعصية برقم ٣٣٠٠ باختلاف يسير في اللفظ.

٥ لاحظ ترجمة بريدة بن الحصيب: ٤٢٤.


٥. لا يركب البحر إلاّ ثلاث

أخرج أبو داود، عن بشير بن مسلم، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يركب البحر إلاّ حاج أو معتمر أو غاز في سبيل اللّه، فانّ تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً.(١)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية إمّا بصدد الاِخبار عن الواقع، أو بصدد انشاء النهي، فعلى الاَوّل يلزم الكذب فانّه يركب البحر التاجر والسائس والسائح إلى غير ذلك من الطوائف، وعلى الثاني يلزم حرمة أو كراهة السفر البحري لغير هوَلاء الثلاثة، وهل يصحّ الحكم بحرمته أو كراهته؟

قال ناصر الدين الاَلباني: «ولا يخفى ما في هذا الحديث من المنع من ركوب البحر في سبيل طلب العلم و التجارة ونحو ذلك من المصالح التي لا يعقل أن يصدّ الشارع الحكيم، الناس عن تحصيلها بسبب مظنون إلاّ وهو الغرق في البحر، كيف واللّه يمنّ على عباده بأنّه خلق لهم السفن وسهل لهم ركوب البحر بها ؟ فقال:

( وآيَةٌ لَهُم أَنّا حَمَلنا ذُرِّيَّتَهُم فِي الفُلْكِ الْمَشْحُون* وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُون ) (يس /٤١- ٤٢).

ففي هذا دليل على ضعف هذا الحديث وكونه منكراً واللّه أعلم.(٢)

أقول: ما ذكره في صدر كلامه متين، وأمّا الاستدلال بالآية على نكارة الحديث فليس بتام، لاَنّها بصدد بيان نعم اللّه سبحانه على عباده، لا في مقام بيان كيفية الاستفادة وشروطها حتى يتمسك بالاِطلاق على جواز الاستفادة في

____________________

١ سنن أبي داود: ٣/٦ برقم ٢٤٨٩.

٢ سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة:١/٤٩.


جميع الظروف والحالات.

والاستدلال بالآية على حلية ركوب السفينة لغايات شتى، كالاستدلال بقوله سبحانه:( وَالاَرضَ وَضَعَها لِلاَنام ) (الرحمن/١٠) على جواز التصرف في أرض الغير التي أحياها، أو التمسك بمثل قوله: «الغنم حلال»على حلية الغنم المغصوب وهذا أصل بيّنه الاُصوليون في باب المطلق و المقيد. والكاتب محدَّث وليس بفقيه.

أضف إلى ذلك انّه ما المراد من النار تحت البحر ، والبحر تحت النار؟ ولماذا لم يكتشف أحد ممّن سبر أغوار البحار ذلك؟ إلاّ أن يكون الحديث كناية عن الاَخطار المحدقة بركّاب البحر.

٦. الفرقة الناجية أنا و أصحابي

أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن يزيد، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إنْ كان منهم من أتى أُمّه علانية، لكان في أُمّتي من يصنع ذلك، وانّ بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملةكلّهم في النار، إلاّ ملّة واحدة، قالوا: و من هي يا رسول اللّه؟ قال: ما أنا عليه و أصحابي.(١)

البحث حول هذا الحديث الذي رواه الفريقان في كتبهم ذو شجون، وقد أشبعنا الحديث عنه في كتابنا « بحوث في الملل والنحل».(٢) غير انّنا نعلّق على الحديث وهو: انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عرف الفرقة الناجية بقوله: «ما أنا عليه وأصحابي» وهذا لا يخلو من غموض.

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٢٦ برقم ٢٦٤١.

٢ بحوث في الملل والنحل:١/٢٣-٣٢.


أوّلاً: انّ هذه الزيادة غير موجودة في بعض نصوص الرواية، ولا يصحّ أن يقال انّ الراوي ترك نقلها لعدم الاَهمية.

وثانياً: انّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة إلاّ بقدر اقتدائهم برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلاّفلو تخلفوا عنه قليلاً أو كثيراً لا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة، وعلى ذلك فعطف أصحابي على النبي عطف زائد لا حاجة إليه.

وثالثاً: انّ المراد امّا صحابته كلّهم، أو الاَكثرية الساحقة، فالاَوّل مفروض العدم لاختلاف الصحابة في مسائلهم ومشاربهم السياسية والدينية بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأدل دليل على ذلك ما وقع من الخلاف في السقيفة وبعدها. والثاني ممّا لا يلتزم به أهل السنّة فانّ الاَكثرية الساحقة من الصحابة خالفوا الخليفة الثالث، وقد قتله المصريون والكوفيون في مرأى ومسمع من بقية الصحابة، الذين كانوا بين موَلّب أو مهاجم أو ساكت.

على أنّ حمل أصحابي على الاَكثرية خلاف الظاهر، ويظن انّ هذه الزيادة من رواة الحديث لدعم موقف الصحابة، وجعلهم المحور الوحيد الذي يدور عليه فلك الهداية بعد النبي الاَعظم، والمتوقع من رسول الهداية هو أن يحدد الفرقة الناجية بسمات واضحة تستفيد منها الاَجيال اللاحقة، فانّ كلّ الفرق يدّعون انّهم على ما عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا

كيف تكون صحابته ملاكاً للحق والباطل مع أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتنبأ في حياته عن ارتداد صحابته بعده؟

١. أخرج البخاري، عن أبي وائل قال: قال عبد اللّه: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :


أنا فَرَطَكُم على الحوض، ليرفعنَّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لاَُناولهم اختلجوا دوني، فأقول أي ربِّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.

٢.أخرج البخاري، عن يعقوب بن عبد الرحمان، عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أنا فرطكم على الحوض من ورده شرب منه، و من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يُحالُ بيني و بينهم.

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: إنّهم مني، فيُقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي.(١)

أفهل يمكن أن يكون أهل البدع كما يحكي عنه قوله: «ما أحدثوا بعدك» والمبدلّون دين اللّه كما يحكي عنه قوله «وما بدلوا بعدك» أو من دعا عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: «سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي» ملاكاً للحق والباطل ومعياراً لمعرفة الفئة الناجية عن غيرها ؟!

لا شكّ انّه كان بين الصحابة أشخاص يستدرّ بهم الغمام، ويضرب بهم الاَمثال في التقوى ومكارم الاَخلاق، ولكن أين هذا من أن يكون كلّ صحابي محوراً للحقّ والباطل ؟

وبذلك تعرف انّ أوّل من كفّر بعض الصحابة هم الذين يروون هذه الروايات في صحاحهم لا سيما صحيح البخاري الذي هو أصحّ الكتب عندهم بعد القرآن الكريم، ومع ذلك يرمون غيرهم بتلك الفرية مع أنّهم منه بُراء براءة يوسف من الذنب الذي أُلصق به.

____________________

١ صحيح البخاري: ٩/٤٦،كتاب الفتن.


وثمة نكتة جديرة بالبحث وهي انّه إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد أنّ أصحابهم أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة، إلاّ أنّ-هم لم يفردوا باباً في مثالبهم، بل أقحموا ما يرجع إلى تلك الناحية في أبواب أُخر، ستراً لمثالبهم وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحاحه في باب الفتن، وأدرجها ابن الاَثير في جامعه في أبواب القيامة عند سرد روايات الحوض، والترتيب المنهجي لجمع الاَحاديث وترتيبها، كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب إلى جنب المناقب حتى يطلع القارىَ على قضاء السنة حول صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والعجب انّ ابن حجر في شرحه على البخاري مرّ على هذه الروايات مرور الكرام مع أنّها تخالف ما عليه السنّة من عدالة الصحابة برمّتهم، بل جاء بكلمة أذعن فيها بأنّ الاَمر دائر بين ارتداد بعض الصحابة أو معصيتهم حيث قال: وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين انّهم إن كانوا ممن ارتد عن الاِسلام فلا إشكال في تبري النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم وإبعادهم، وإن كانوا ممن لم يرتد لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب، فقد أجاب بعضهم بأنّه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعاً لاَمر اللّه فيهم يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لاَهل الكبائر من أُمّته فيخرجون عند اخراج الموحدين من النار.(١)

٧. قلوب بني آدم بين اصبعين

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عبد الرحمان الحبليّ، انّه سمع عبد اللّه بن عمرو بن العاص، يقول: إنّه سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ قلوب بني آدم كلّها بين اصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد

____________________

١ فتح الباري: ١٣/٥، كتاب الفتن.


يصرّفه حيث يشاء، ثمّ قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك.(١)

هذه الرواية من الروايات التي يفوح منها التجسيم حيث أثبت للّه سبحانه أصابع أوّلاً، ثمّ أثبت انّ قلوب بني آدم بين اصبعين من أصابعه، فلو أخذنا بظاهره فهو تجسيم وكفر وإلحاد، ولو أوّلناه لصرنا جهميين مطرودين عند السلف.

يقول النووي: هذا من أحاديث الصفات وفيها القولان السابقان قريباً أحدهما: الاِيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى بل يوَمن بأنّها حقّ وانّ ظاهرها غير مراد، قال اللّه تعالى:(ليس كمثله شيء).

والثاني: يُتأول بحسب ما يليق بها فعلى هذا المراد، المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي لا يراد به أنّه حالّ في كفه بل المراد تحت قدرتي، و يقال: فلان بين اصبعيّ أقلّبه كيف شئت، أي انّه منّي على قهره و التصرف فيه كيف شئت فمعنى الحديث: انّه سبحانه و تعالى متصرّف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع عليه منها شيء ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الاِنسان ما كان بين اصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه و مثّله بالمعاني الحسية تأكيداً له في نفوسهم.(٢)

يلاحظ عليه: أنّالتعبير الرائج في اللغة العربية عن القدرة القاهرة هي القبضة واليمين، قال سبحانه:( وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَومَ القِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ) (الزمر/٦٧) فالاَرض بسعتها في قبضته سبحانه أي قدرته القاهرة عليها كما انّالسماوات بسعتها تنطوي بقدرته.

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/٥١، باب تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء.

٢ شرح النووي على صحيح مسلم:١٦/٤٤٣ برقم ٢٦٥٤ باب تصريف اللّهتعالى القلوب كيف شاء.


وأمّا التعبير عن القدرة القاهرة بأنّها بين الاصبعين فليس برائج، نعم ربما يقال أرفعه باصبعي.

وعلى أية حال فهذه الروايات هي التي روّجت نزعة التجسيم بين أوساط المسلمين.

٨. عدم إضرار الخطيئة مع الاِيمان

أخرج أحمد عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه هذا في حديث أبي أحمد الزبيري، قال: نزل رجل على مسروق، فقال: سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص، يقول: سمعت رسول اللّه، يقول:

من لقى اللّه وهو لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ولن تضرَّه معه خطيئة، كما لو لقيه وهو مشرك به دخل النار، ولم ينفعه معه حسنة.(١)

أقول: احتدم النقاش في معنى الاِيمان منذ منتصف القرن الاَوّل، فذهبت طائفة بأنّه عبارة عن مجرد الاعتقاد بالجنان والاقرار باللسان وإن لم يكن مصاحباً مع العمل، فأخذوا من الاِيمان جانب القول والاعتقاد، وطردوا جانب العمل والقيام بالاَركان، فقيل لهم«المُرْجئة» أي «الموَخّرة» لاَنّهم قدّموا الاَولين وأخرّوا العمل، وا شتهروا بقولهم: «لا تضر مع الاِيمان المعصية، كما لا تنفع مع الكفر الطاعة»، وهو قريب ممّا روي عن عبد اللّه بن عمرو.

وفي مقابلهم من يجعل العمل جزءاً من الاِيمان، فمنهم من كفّر مرتكب الكبيرة كالخوارج أو جعله في منزلة بين المنزلتين فهو عندهم لا موَمن ولا كافر كالمعتزلة.

وأمّا جمهور المسلمين فإنّما يعتبرونه موَمناً فاسقاً، أمّا كونه موَمناً فلكونه

____________________

١ مسند أحمد:٢/١٧٠.


معتقداً بما يجري على لسانه من الشهادتين وليس الاِيمان إلاّ الاِذعان بهما وامّا كونه فاسقاً فلخروجه عن طاعة اللّه، فبما انّ الاِيمان ذو مراتب فقد تحقق فيه الاِيمان بأدنى درجاته، وحَرُم لاَجله دمه وعرضه وماله، وبما انّه خرج عن طاعة اللّه، فقد افتقد الدرجة العليا التي انيطت بها النجاة في الآخرة فهو مع كونه موَمناً يُعذَّب حسب ما قدر له من العذاب.

هذه هي أقوال المفكرين من متكلمي الاِسلام، إنّما المهم هو الوقوف على ما هو العامل الموَثر لظهور فكرة الارجاء في الساحة الاِسلامية؟ والسبب الموَثّر لرفض العمل وفق الاِيمان و الاقتصار على القول فقط أو مع ضميمة الاعتقاد؟ يبدو أنّ أحد أسبابه هو تبرئة عثمان من الاَحداث المنسوبة إليه من نفي صلحاء الصحابة من ديارهم وضربهم و شتمهم، وتأسيس حكومة أموية، وصرف بيت المال على أقاربه والمنتمين إليه، إلى غير ذلك من الاُمور الموبقة، فقالوا: إنّ المهم هو القول والاِذعان، ولا تضر الخطيئة معه.

ومن الاَسباب الباعثة إلى تفشي فكرة الارجاء هو تنزيه الناكثين وأُمّهات الموَمنين عن نقض البيعة والخروج على الاِمام المفترض الطاعة.

وكان للجهاز الحاكم دور في تنمية الفكرة و إرسائها، وبذلك حال بين الاُمّة والخوض في البحوث الخطيرة، والمعارك المدلهمّة مما نقم به على عثمان، و أصحاب الفتن من الجمل وصفين، وبذلك عُذِّر كلّ من خالف الشريعة.

إنّ تجريد الاِيمان عن العمل في عامّة مراتبه تقود المجتمع - لا سيما الشباب - إلى الخلاعة والانحلال الخلقي وترك القيم، بذريعة انّ المهم هو الاِقرار باللسان و الاِذعان بالقلب، ولا يضرّ معه، ترك الفرائض واقتراف المحرّمات، ولو سادت تلك الفكرة لم يبق من الاِسلام إلاّ اسمه، و من الدين إلاّرسمه، ويكون المتظاهر بذلك كافراً ملحداً واقعاً اتخذ تلك الفكرة ستاراً لما يكنّ في ضميره.


ولقد وقف أئمّة أهل البيت فحذّروا شيعتهم منهم وقالوا:«بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم المرجئة».(١)

وبذلك تقف على قيمة ما روي عن عبد اللّه بن عمرو، فهو نص في الاِرجاء، و انّ الاِيمان باللّه و عدم إشراك أحد معه، يكفي في النجاة ولا تضرّ معه الخطيئة وإن زنا و سرق، أو قتل وأحرق، لاَنّه أقر بلسانه و استكمل إيمانه و إن فعل ما فعل.

فالرواية مكذوبة على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا يتفوّه بها مَنْ نزل على قلبه قوله سبحانه:( إنّما المُوْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا باللّهِ وَرَسُولهِ ثُمَّ لَمْ يَرتابُوا وجاهَدُوا بِأَموالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ) (الحجرات/١٥) وقوله:

( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الاِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ *إِلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات... ) (العصر/١-٣). إلى غير ذلك من الآيات المتعددة، لمن ترك العمل بالفرائض وارتكب الموبقات.

فقد حيكت الرواية ووضعت دعماً للاِرجاء، ولسان الرواية وصياغتها، يشهد على أنّها من كلمات العلماء والمناظرين في مسألة حدّ الاِيمان والكفر.

ولما اتخذت المرجئة الرواية سنداً لمذهبهم، جاء الخوارج ومن لفَّ لفَّهم - من القائلين بدخول العمل بالشريعة في واقع الاِيمان في عامة درجاته - فاتخذوا، رواية أُخرى سنداً لمذهبهم، فكأنّ النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن له عمل سوى دعم كلّ مسلك سيظهر بعده بدليل.

وقد تمسّك الآخرون برواية تنافي الحديث السابق.

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ الكافي: ٦/٤٧.


قال: لا يزني حين يزني وهو موَمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو موَمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو موَمن.(١)

والحديث أيضاً كالحديث السابق يدعم فكرة الخوارج والمعتزلة، وقد سئل أبو حنيفة عن مدى صدق الحديث فأجاب بعدم صحته، وإليك السوَال والجواب.

قال المتعلم:

فما قولك في أُناس رووا انّ الموَمن إذا زنا خلع الاِيمان من رأسه كما يخلع القميص ، ثمّ إذا تاب أُعيد إليه إيمانه أتشكُّ في قولهم أو تصديقهم؟

فإن صدَّقت قولهم دخلت في قول الخوارج، وإن شككت في قولهم، شككت في قول الخوارج، ورجعت عن العدل الذي وصفت، وإن كذَّبت قولهم، قالوا: أنت تكذب بقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فانّهم رووا ذلك عن رجال حتى ينتهي إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢)

فأجاب العالم (أبو حنيفة): أُكذِّبُ هوَلاء، ولا يكون تكذيبي لهوَلاء وردّي عليهم تكذيباً للنبيعليه‌السلام ، إنّما يكون التكذيب لقول النبي «عليه‌السلام » : أن يقول الرجل أنا مكذب لقول نبي اللّهعليه‌السلام ، فأما إذا قال الرجل: أنا موَمن بكلّشيء تكلّم به النبي، غير انّ النبي لا يتكلم بالجور، ولم يخالف القرآن، فانّ هذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن،وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبيُّ القرآنَ وتقوَّل على اللّه غير الحقّ، لم يدعه اللّه حتى يأخذه باليمين، ويقطع منه الوتين، كما قال اللّه عزّوجلّ:

____________________

١ صحيح البخاري: ٧/١٠٤، كتا ب الاَشربة.

٢ يريد بذلك ما روى أنّه لا يشرب الخمر حين يشربها و هو موَمن ولا يزني حين يزني وهو موَمن.


( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاَقاويل* لاَخَذْنا مِنْهُ باليَمينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتينَ* فَما مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ) (الحاقة/٤٤-٤٧) ونبي اللّه لا يخالف كتاب اللّه تعالى، ومخالف كتاب اللّه لا يكون نبي اللّه، وهذا الذي رووه خلاف القرآن، لاَنّه قال اللّه تعالى في القرآن في الزانية والزاني:( واللّذانِ يأتيانِها مِنكُم ) (النساء/١٦) فقوله: (منكم) لم يعن به اليهود و لا النصارى، إنّما عني به المسلمون، فردُّ كلّرجل يحدث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخلاف القرآن، ليس رداً على النبيعليه‌السلام ولا تكذيباً له، ولكن ردٌّ على من يحدِّث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالباطل، والتهمة دخلت عليه، ليس على نبيِّ اللّهعليه‌السلام وكذلك، كلّشيء تكلم به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمعنا به أو لم نسمعه فعلى الرأس والعين، قد آمنا به، ونشهد أنّه كما قال نبي اللّهعليه‌السلام ، ونشهد أيضاً على النبيعليه‌السلام أنّه لم يأمر بشيء نهى اللّه عنه، ولم يقطع شيئاً وصّله اللّه، ولا وصف أمراً وصف اللّه ذلك الاَمر بغير ما وصف به النبي، و نشهد انّه كان موافقاًللّه في جميع الاُمور، لم يبتدع ولم يتقوَّل على اللّه غير ما قال اللّه عزّوجلّ.ولا كان من المتكلّفين، ولذلك قال اللّه تعالى:( مَنْ يُطعِ الرسُّولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّه ) (النساء/٨٠).(١)

____________________

١ العالم والمتعلم، ص ١٠٠- ١٠٣.


٢٦- ابن عباس

(٣ق. ه- - ٦٨ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة

١.جواز التيمم مع إمكان العثور على الماء

٢. لعن زائرات القبور

٣. معاوية أوّل من نهى عن التمتع في الحج

٤. تزوج النبي و هو محرم

٥. رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه مرّتين

٦. ثلاثة اقتراحات لاَبي سفيان

٧. خويلد يزوج خديجة ثملاً

٨. تردد ابن عباس في جملة انّها من القرآن

٩. الروافض على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

١٠. أخذ الاُجرة على تعليم كتاب اللّه

حبر الاُمّة وفقيه العصر وإمام التفسير تلميذ الاِمام أمير الموَمنين عليعليه‌السلام ، أبو العباس عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، ولد في شعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، صحب النبي نحواً من ثلاثين شهراً وحدّث عنه وعن: عليعليهما‌السلام ، ومعاذ، و عبد الرحمان بن عوف، و أبي ذر، وأُبيّ بن كعب، إلى غير ذلك.

قرأ عليه: مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة.

روى عنه خلق كثير، منهم: ابنه علي، و مواليه عكرمة، ومقصم، و كريب،


وأبو معبد نافذ، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو امامة بن سهل، وأخوه كثير ابن العباس، وعروة بن الزبير، وعبيد اللّه بن عبد اللّه و....

انتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح وقد أسلم قبل ذلك.

وكان فقيهاً مفتياً محدِّثاً عالماً بالتفسير، وهو أوّل من أملى في تفسير القرآن ناقلاً عن الاِمام عليعليه‌السلام ، وكان يسمّى البحر والحبْر لغزارة علمه.

روي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسح رأسه و دعا له بالحكمة، كما روي انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا في حقّه، وقال: اللّهمّ علّمه تأويل القرآن.

تُوفي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وله من العمر خمس عشرة سنة، أو ثلاث عشرة سنة.

عُدّ من المكثرين في الفتيا من الصحابة.

مسنده ألف وستمائة وستون حديثاً، له من ذلك في الصحيحين ٧٥، وتفرّد البخاري بمائة وعشرين حديثاً، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث.

وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١١٨٥ حديثاً.(١)

وشهد ابن عباس مع الاِمام عليعليه‌السلام حروبه كلّها: الجمل وصفين والنهروان، وولاّه أمير الموَمنين البصرةَ بعد ظفره بأصحاب الجمل، وكان يُعدّه لمهام الاُمور.

وكان بين ابن عباس، ومعاوية وابن الزبير منافرات شديدة، رواها الموَرّخون في كتبهم، ولما دعا ابن الزبير لنفسه بالخلافة، أبى ابن عباس أن يبايعه، فأخرجه من مكة إلى الطائف فتوفي بها سنة ثمان و ستين، ولما دفن قال محمد بن الحنفية: اليوم مات ربّانيّ هذه الاُمّة.(٢)

____________________

١ انظر المسند الجامع:ج٨ وج٩.

٢ انظر أُسد الغابة: ٣/٢٩٠؛ طبقات ابن سعد: ٢/٣٦٥؛ سير أعلام النبلاء: ٣/٣٣١ برقم ٥١.


روائع أحاديثه

١. أخرج البخاري في صحيحه، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «أبغض الناس إلى اللّه ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الاِسلام سنّة الجاهليّة، ومطَّلب دم امرىَ بغير حقٍّ ليهريق دمه».(١)

٢. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن عبد اللّه بن المساور، قال: سمعت ابن عباس يخبر ابن الزبير، يقول: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:

«ليس الموَمن الذي يشبع وجاره جائع».(٢)

٣. أخرج الترمذي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية اللّه، وعين باتت تحرس في سبيل اللّه».(٣)

٤. أخرج الترمذي، عن علي بن عبد اللّه بن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :«احبُّوا اللّه لما يغذوكم من نعمه، واحبّوني بحبِّ اللّه، وأحبّوا أهل بيتي لحبِّي».(٤)

٥. أخرج الترمذي في سننه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:

كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حامل الحسن بن علي على عاتقه، فقال رجل: نعم المركب ركبتَ يا غلام، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ونعم الرّاكب هو».(٥)

٦. أخرج عبد بن حميد في مسنده، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:

قيل لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أي جلسائنا خير؟ قال: «من

____________________

١ صحيح البخاري: ٩/٦٧، باب من طلب دم امرىَ بغير حق.

٢ الاَدب المفرد: ٥٤ برقم ١١٢.

٣ سنن الترمذي: ٤/١٧٥برقم ١٦٢٩.

٤ سنن الترمذي: ٥/٦٦٤ برقم ٣٧٨٩.

٥ سنن الترمذي: ٥/٦٦١ برقم ٣٧٨٤.


ذكَّركم باللّه روَيته، وزاد في علمكم منطقُه، وذكَّركم بالآخرة عملُه».(١)

٧. أخرج ابن ماجة في سننه، عن محمد بن كعب القُرظيّ، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ لكلّدين خُلقاً، وإنّ خلق الاِسلام الحياء.(٢)

٨. أخرج أحمد في مسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال:

«اتّقوا الحديث عنّي إلاّما علمتم، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبّوأ مقعده من النار، و من قال في القرآن برأيه فليتبّوأ مقعده من النار».(٣)

٩. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«الدّين النصيحة»، قالوا: لمن؟ قال: «للّه ولرسوله ولاَئمّة الموَمنين».(٤)

١٠. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال:

لما حُضِ-رَ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هلمّ، اكتب لكم كتاباً، لا تضلّون بعده، فقال عمر: إنّ رسول اللّه صقد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا... فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع.

فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّالرزيّة ما حال بين رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(٥)

____________________

١ مسند عبد بن حميد: برقم ٦٣١.

٢ سنن ابن ماجة: ٢/١٣٩٩ برقم ٤١٨٢.

٣ مسند أحمد بن حنبل: ١/٢٣٣.

٤ مسند أحمد:١/٣٥١.

٥ صحيح مسلم: ٥/٧٦، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، من كتاب الوصية.


وقد عزيت إليه أحاديث سقيمة لا تستقيم مع الضوابط التي ذكرناها في صدر الكتاب.

١. جواز التيمم مع إمكان العثور على الماء

أخرج أحمد، عن حنش، عن ابن عباس

انّ رسول اللّه كان يخرج و يهريق الماء و يتمسّح بالتراب، فأقول: يا رسول اللّه إنّالماء منك قريب، فيقول: فما يدريني لعلّي لا أبلغه.(١)

وفي الحديث تساوَل وهو:

إنّ الفقهاء اتفقوا على أنّ فاقد الماء إذا تمكّن من تحصيله بلا مشقة أو تغرير بالنفس يجب عليه تحصيله، قال في المغني:

إذا وجد بئراً وقدر على التوصل إلى مائه من غير ضرر أو الاغتراف بدلو أو ثوب يبلّه ثمّ يعصره لزم ذلك.(٢)

ولكن الظاهر من الحديث عدم وجوب تحصيل الماء مع التمكّن العرفي منه، بحجة انّه لا يدري لعله لا يبلغ إلى الماء، ومن المعلوم انّ مثل هذا الاحتمال مخالف لما عليه العقلاء من استصحاب الصحة وبقاء التمكن.

٢. لعن النبيّ زائرات القبور

أخرج أبو داود في سننه، عن أبي صالح يحدّث عن ابن عباس، قال: لعن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زائرات القبور، والمتّخذين عليها المساجد و السُّروج.(٣)

____________________

١ مسند أحمد:١/٢٨٨ و٣٠٣.

٢ المغني: ١/٢٤٠.

٣ سنن أبي داود: ٣/٢١٨ برقم ٣٢٣٦.


إنّ الحديث تضمن أحكاماً ثلاثة:

الاَوّل: منع النساء عن زيارة القبور.

الثاني: منع اتخاذ القبور مساجد.

الثالث: منع إضاءة القبور بالسروج.

أمّا الاَوّل: فلو افترضنا صحّته فانّه منسوخ بما قام به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أُخريات حياته، فقد زار البقيع مع زوجته عائشة، حيث روت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قالص: إنّ جبرئيل أتاه، فقال له: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قال: قلت: كيف أقول لهم يا رسول اللّه؟ قال: قولي : السَّلام على أهل الديار من الموَمنين والمسلمين ويرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون.(١)

وأمّا الثاني: فهو يخالف القرآن الكريم حيث إنّ التأمل في قصة أصحاب الكهف يكشف لنا انّ بناء المسجد بجوار القبر كان سنة متبعة عند الاُمم وفي الشرائع السماوية السابقة، وقد أشار إليها القرآن من دون أي ردّ أو نقد، بل ربّما يظهر منه الاِمضاء وذلك انّ أصحاب الكهف عندما انكشف خبرهم بعد ثلاثمائة وتسع سنين، اختلف الناس في كيفية تكريمهم إلى طائفتين، فقالت طائفة: ( ابنوا علَيهِم بُنياناً) تخليداً لذكراهم.

وقالت أُخرى:(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) حتى يكون محلاً لعبادة اللّه تعالى بجوار قبور هوَلاء الذين رفضوا عبادة غير اللّه، وخرجوا من ديارهم هاربين من الكفر إلى طاعة اللّه.

وقد أجمع المفسرون على أنّالاقتراح الاَوّل كان من المشركين، والاقتراح

____________________

١ صحيح مسلم: ٣/٦٤، باب ما يقال عند دخول القبور.


الثاني من الموَمنين الموحّدين، فعندئذٍ يثار هذا السوَال.

إذا كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها أمراً محرماً في الشريعة الاِسلامية، وكان المباشر للعمل مستحقاً للعن، فلماذا ذكر القرآن اقتراحهم من دون أيِّ نقد أو ردع؟ أليس ذلك دليلاً على الجواز ؟ بل يدل على أنّسيرة الموَمنين الموحّدين كانت جارية على هذا الاَمر و كانت بمثابة التبرّك بصاحب القبر.

هذا وانّ مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحتضن القبر الشريف للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمسلمون يصلّون فيه طيلة ١٤ قرناً ولم يخطر ببال أحد منهم انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن المتخذين على القبور المساجد.

إذ لو صحّ الحديث فهو محمول على ما إذا كانت القبور قبلة المصلّين أو مسجودة لهم.

وأمّا الثالث: فلا يعلم له وجه إذا كان الاِسراج لغاية عقلائية كالصلاة وقراءة الدعاء والقرآن أو غير ذلك ممّا لا يعدّ إسرافاً ولا عبادة لصاحب القبر.

٣. معاوية أوّل من نهى عن التمتع في الحجّ

أخرج الترمذي، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: تمتع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو بكر وعمر و عثمان، وأوّل من نهى عنها معاوية.(١)

والحديث مخالف لما اتّفق عليه قاطبة المسلمين من أنّ أوّل من نهى عن التمتع في الحج هو عمر بن الخطاب، ووضوح الاَمر يغنينا عن ذكر المصدر.

أضف إلى ذلك ما رواه نفس الترمذي عقيب هذا الحديث عن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل انّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس

____________________

١ سنن الترمذي: ٣/١٨٥ برقم ٨٢٢. ولاحظ أيضاً رقم ٨٢٤.


وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحجّ، فقال الضحاك بن قيس: لا يَصنع ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه.

فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي.

فقال الضحاك بن قيس: فانّعمربن الخطاب قد نهى عن ذلك.

فقال سعد: قد صنعها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصنعناها معه.

ثمّ قال الترمذي: وهذا حديث صحيح.(١)

٤. تزوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو محرم

أخرج البخاري، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تزوَّج ميمونة وهو محرم.(٢)

وفي الحديث عدّة احتمالات:

الاَوّل: أن يكون المراد من التزويج هو الجماع ويكون عندئذٍ مخالفاً لصريح القرآن الكريم، يقول سبحانه:( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَوَلا جِدالَفي الحَجّ ) (البقرة/١٩٧) ومعنى الآية انّمن ألزم نفسه بالشروع في الحجّ بالنية قصداً باطناً، وبالاِحرام فعلاً ظاهراً، وبالتلبية نطقاً مسموعاً، يحرم عليه الجماع.

قال القرطبي: قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن و عكرمة و الزهري ومجاهد ومالك: الرفث الجماع، أي فلا جماع لاَنّه يفسده.(٣)

____________________

١ المصدر السابق برقم ٨٢٣.

٢ صحيح البخاري: ٣/١٥، باب تزويج المحرم ؛ مسند أحمد: ١/٢٨٥؛ سنن النسائي: ٥/١٩١ الرخصة في النكاح للمحرم.

٣ تفسير القرطبي: ٢/٤٠٧، تفسير آية ١٩٧ من سورة البقرة.


الثاني: أن يكون المراد منه إجراء صيغة العقد، وهذا ما ينافي ما رواه عثمان، يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يَنكحُ المحرِمُ ولا يُنكَح ولا يُخطَب.

قال البيهقي : رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى عن مالك.(١)

وقال الشيخ الطوسي في الخلاف: إذا كان الولي أو وكيله أو الزوج أو وكيله في القبول، أو المرأة محرمين أو واحد منهم محرماً، فالنكاح باطل، وبه قال في الصحابة عليعليه‌السلام وعمر وابن عمر وزيد بن ثابت ولا مخالف لهم في الصحابة.

وإليه ذهب في التابعين سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري، وفي الفقهاء مالك والشافعي والاَوزاعي وأحمد وإسحاق.(٢)

وقال ابن حجر: اختلف العلماء في هذه المسألة(أي عقد المحرم).

فالجمهور على المنع لحديث عثمان لا ينكح المحرم ولا ينكح أخرجه مسلم.

وأجابوا عن حديث ميمونة بأنّه اختلف في الواقعة كيف كانت، ولا تقوم بها الحجّة، ولاَنّها تحتمل الخصوصية فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يوَخذ به.(٣)

أضف إلى ذلك انّ الحجّ هو الوفود إلى اللّه سبحانه بترك العلائق الدنيوية ونسيانها والخروج إليه سبحانه بقلب طاهر ، والحاجّ الوافد إليه سبحانه يمثَّل بلبس ثوبي الاِحرام انّه لا يملك من الدنيا إلاّ الثوب، ففي هذه الحالة إذا حرم الطيب على المحرم، فأولى أن يكون التزويج، محرماً عليه.

فالرواية إمّا موضوعة أو محمولة على مورد خاصّ.

____________________

١ السنن الكبرى للبيهقي: ٥/٦٥.

٢ الطوسي، الخلاف: ٢/٣١٥.

٣ فتح الباري: ٤/٥٢.


أضف إلى ذلك ما أخرجه غير واحد من المحدّثين انّ النبيتزوج ميمونة وهو حلال.

أخرج الترمذي عن سليمان بن يسار عن أبي رافع قال: تزوج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ميمونة وهو حلال، و بنى بها و هو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما.(١)

٥. رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربَّه مرّتين

أخرج الترمذي، عن عكرمة ،عن ابن عباس، قال: رأى محمدٌ ربّه.

قلت: أو ليس اللّه يقول:( لا تُدْرِكُهُ الاَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصارَ ) ؟

قال: ويحك، ذاك إذاتجلّى بنوره الذي هو نوره، وقال: أُرَيه مرّتين.(٢)

نُعلّق على الحديث بالقول:

إنّ الروَية من مستوردات الاَحبار، وقد وردت في العهد القديم، وإليك مقتطفات منها:

١. رأيتُ السيد جالساً على كرسي عال...، فقلت: ويل لي لاَنّعينيّ قد رأتا الملك ربّ الجنود(اشعيا:٦/١/٦) والمقصود من السيد هو اللّه جلّذكره.

٢. كنت أرى انّه وضعت عروش وجلس القديم الاَيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار.(دانيال:٧/٩).

٣. أما أنا فبالبرّ أنظر وجهك.(مزامير داود:١٧/١٥).

وما جاء في الرواية انّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى ربّه مرّتين مخالف للقرآن أوّلاً، والعقل الصريح ثانياً.

____________________

١ سنن الترمذي: ٣/٢٠٠ برقم ٨٤١.

٢ سنن الترمذي: ٥/٣٩٥ برقم ٣٢٧٩.


أمّا القرآن، فقال سبحانه:( لا تُدْرِكُهُ الاَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُالخَبير ) (الاَنعام/١٠٣) والآية صريحة في أنّه ليس للاَبصار أن تدركه فهو فوق الاِدراك، وتفسير الادراك في الآية بالاِحاطة لاَجل تصحيح العقيدة، مهزلة لا توافقه اللغة.

وما نقل عن ابن عباس في تخصيص مفاد الآية بما إذا تجلّى بنوره، فهو تفسير بالرأي ولو قام به غيره لرمي بالجهمية.

والذي يوقفك على جليّة الحال انّه سبحانه كلما ذكر موضوع روَيته ذكره بتنديد واستنكار، قال سبحانه:( وَإِذْقُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُوْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) (البقرة/٥٥).

وقال سبحانه:( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَ-رَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) (النساء/١٥٣).

كلّذلك يدفع الاِنسان إلى أنّ روَية اللّه من الاُمور المنكرة لدى الوحي.

وثمّة كلمة قيّمة للاِمام الطاهر أبي الحسن علي بن موسى الرضا «عليهما‌السلام » - كلّم بها أبا قرّة أحد المحدّثين في عصره - قال أبو قرّة: إنّا رُوِينا انّ اللّه عزّوجلّ قسّم الروَية والكلام بين اثنين،فقسّم لموسىعليه‌السلام الكلام، ولمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الروَية؟

فقال أبو الحسنعليه‌السلام : فمن المبلِّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين: الجنّ والاِنس:( لا تُدْرِكُهُ الاَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصار ) (الاَنعام / ١٠٣) و( وَلا يُحِيطُونَ بِه عِلْماً ) (طه / ١١٠) و( ليسَ كَمِثْلِهِشَيء ) (الشورى / ١١) أليس محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: بلى، قال: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم انّه جاء من عند اللّه، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول:( لا تُدْرِكُهُ الاَبْصار وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصار ) و( وَلا يُحِيطُونَ بِه عِلماً ) و( ليسَ كَمِثْلِهِشَيء ) ثمّ


يقول : أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر؟ أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.(١)

وأمّا العقل، فانّ روَية اللّه مستحيلة عقلاً لوجوه:

الاَوّل: انّ الروَية البصرية لا تقع إلاّ أن يكون للمرئيّ جهة ومكان وأن يكون المرئيّ مقابلاً لعين الرائي، وكلّذلك ممتنع على اللّه سبحانه، والقول بحصول الروَية الحسيّة بلا هذه الشرائط أشبه بالجمع بين الفرضين المتضادين،والروَية بلا كيف، نفي للروَية الحسية التي تحكي عنها الرواية، والروَية القلبية خارجة عن مدلولها.

الثاني: انّ الروَية إمّا أن تقع على اللّه كلّه فيكون مركباً محدوداً متناهياً محصوراً، وإمّا أن تقع على بعضه فيكون مبعّضاً مركّباً، وكلّ ذلك ممّا لا يلتزم به أهل التنزيه.

الثالث: انّ كلّمرئيّ بجارحة العين يشار إليه بحدقتها، وأهل التنزيه كالاَشاعرة وغيرهم ينزّهونه سبحانه عن الاِشارة إليه باصبع أو غيره.

الرابع: انّ الروَية بالعين الباصرة لا تتحقق إلاّبوقوع النور على المرئي وانعكاسه منه إلى العين، واللّه سبحانه منزّه عن كلّذلك.

وعلى ذلك فالرواية من الموضوعات، حتى انّ السيدة عائشة قد كذَّبت روَية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربّه في غير واحد من رواياتها، وقد أدخله الوضاعون في الحديث النبوي عن طريق حبر الاُمّة ووضعوا للحديث سنداً.

إنّ مسألة التجسيم وبالاَخص روَية اللّه تبارك و تعالى حازت على أهمية

____________________

١ التوحيد للصدوق:١١٠-١١١، الحديث ٩.


بالغة في الاَحاديث المنسوبة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو قام الباحث بجمع ما جاء من الروايات حول هذا الموضوع ربّما ألّف رسالة، وإليك نماذج:

١.ما أخرجه الدارمي في سننه عن خالد بن اللجلاج، وسأله مكحول أن يحدّثه، قال: سمعت عبد الرحمان بن عائش، يقول: سمعت رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » يقول:

رأيت ربي في أحسن صورة، قال: فيم يختصم الملاَ الاَعلى؟

فقلت: أنت أعلم يا رب، قال: فوضع كفّه بين كتفيّ فوجدت بردها بين ثدييَّ، فعلمت ما في السماوات والاَرض، و تلا( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالاَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنين ) (الاَنعام/٧٥).(١)

٢.أخرج ابن ماجة، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: قلت يا رسول اللّه:

نرى اللّه يوم القيامة؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخلياً به؟

قال: قلت: بلى. قال: فاللّه أعظم و ذلك آية في خلقه.(٢)

٣. أخرج ابن ماجة، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ضحك ربُّنا من قنوط عباده و قرب غِيَرِهِ، قال: قلت: يا رسول اللّه أو يضحك الربّ؟ قال: نعم، قلت: لن نَعْدِم من ربٍّ يضحك خيراً.(٣)

٦. ثلاثة اقتراحات لاَبي سفيان

أخرج مسلم عن أبي زميل قال: حدثني ابن عباس، قال:

كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

____________________

١ سنن الدارمي:٢/١٢٦، باب في روَية الرب تعالى في النوم برقم ٢١٥٥.

٢ سنن ابن ماجة:١/٦٤ برقم ١٨٠.

٣ سنن ابن ماجة: ١/٦٤ برقم ١٨١.


يا نبيّ اللّه ثلاث أُعطينهنّ، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: نعم.

قال: و معاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم.

قال: وتوَمرني حتى أُقاتل الكفار كما كنت أُقاتل المسلمين ، قال: نعم.

قال أبو زميل: ولولا انّه طلب ذلك من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أعطاه ذلك لاَنّه لم يكن يُسأل شيئاً إلاّقال: نعم.(١)

وقد بيّنا حال الحديث في مقدمة الكتاب وأوضحنا انّ التاريخ الصحيح يشهد على كذب الرواية وانّ أُم حبيبة أسلمت مع زوجها في مكة المكرمة وهاجرت معه إلى الحبشة، وتزوّج بها النبيّ قبل الفتح بعد مجيئها منها إلى المدينة وقد مات زوجها، فكيف يطلب أبو سفيان من النبي تزويجها منه بعد فتح مكة عام ٨ ه- ؟!

٧. خويلد يُزوج خديجة ثملاً

أخرج أحمد في مسنده، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس:

انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر خديجة وكان أبوها يرغب أن يزوجها، فصنعت طعاماً وشراباً، فدعت أباها وزُمراً من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة لاَبيها : إنّمحمّد بن عبد اللّه يخطبني، فزوِّجني إيّاه، فزوَّجها إيّاه، فخلعته وألبسته حلّةً، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء فلمّا سُرِّي عنه سكره، نظر، فإذا هو مخلَّق وعليه حلّة، فقال: ما شأني،ما هذا؟ قالت: زوَّجتني محمد بن عبد اللّه، قال: أنا أزوِّج يتيم أبي طالب؟ ! لا لعمري. فقالت خديجة: أما تستحي؟ تريد أن تسفِّه نفسك عند قريش. تخبر النّاس أنّك

____________________

١ صحيح مسلم: ٧/١٧١، باب فضائل أبي سفيان بن حرب.


كنت سكران؟ فلم تزل به حتّى رضي.(١)

لا يخفى انّ الحديث عليل من جهات:

الاُولى: انّ صدر الحديث يشعر برغبة والدها في التزويج،ولذلك قامت خديجة فصنعت شراباً وطعاماً ودعت أباها وزمراً من قريش.

ولكن ذيل الحديث يعرب انّه ما كان راضياً بالتزويج منذ بدء الاَمر، لاَنّه يعلل عدم رضاه بقوله: «أنا أُزوج يتيم أبي طالب؟ لا لعمري».

الثانية: انّه لوأخذنا بذيل الحديث يلزم أن نرمي السيدة خديجة بإعمال الحيلة بغية الزواج من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث صنعت طعاماً و شراباً لاَبيها و زمراً من قريش وأثملتهم كي تتوصل بذلك إلى رضا أبيها بالزواج مخاطبة إياه، وهو ثمل بقولها: إنّ محمد بن عبد اللّه يخطبني فزوجني إيّاه، فزوجها إياه فخلعته وألبسته الحلة.

والسيدة خديجة من أعفِّ النساء و من سيدات نساء الجنة .روى مسلم عن عبد اللّه بن جعفر يقول: سمعت علياً بالكوفة يقول: سمعت رسول اللّه يقول: خير نسائها مريم بنت عمران و خير نسائها خديجة بنت خويلد ، قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والاَرض.(٢) فهي أجل من أن تتوصل إلى مطلوبها بهذه الحيلة الشيطانية.

الثالثة: انّ غير واحد من أصحاب السير ذكروا انّ أبا طالب ولفيفاً من أعمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حضروا المجلس وتقدم أبو طالب بإيراد الخطبة بقوله: ثمّ إنّ ابن أخي محمد بن عبد اللّه لا يوزن به رجل إلاّرجح به شرفا

____________________

١ مسند أحمد:١/٣١٢.

٢ صحيح مسلم: ٧/١٣٢، باب فضائل خديجة.


ونبلاً وفضلاً وعقلاً، وإن كان في المال، فانّ المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة، له في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، و محمد من قد عرفتم قرابته. فأجاب ورقة بن نوفل بن أسد الذي كان من أقارب خديجة بقوله: لا تُنكر العشيرة فضلَكم، ولا يرد أحد فخركم وشرفكم،وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم. ثمّ أجري عقد النكاح ومهرها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعمائة دينار وقيل أصدقها عشرين بكرة.(١) هذه الاُمور تعرب عن أنّالمجلس كان مجلسَ عقل و وعي وصلاح و فلاح، وانّ التزويج كان على ملاك الشرف و الفضل وعن رغبة ورضاً. وأين هذا مما جاء في الرواية من أنّ السيدة خديجة تُقدِّم كوَوس الشراب إلى أبيها وزمراً من قريش إلى آخر ما جاء في الرواية؟! وقد روي عن ابن عباس في تاريخ الخميس ما يخالف المروي هنا فقد جاء فيه: قالت خديجة لاَبيها: إنّ محمد بن عبد اللّه يخطبني، فزوجها إيّاه، فخلعته وألبسته حلّة، وكذلك كانوا يصنعون إذا زوّجوا نساءهم.(٢)

٨. تردّد ابن عباس في جملة أنّها من القرآن أخرج مسلم في صحيحه، عن عطاء، يقول: سمعت ابن عباس، يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول:لو انّ لابن آدم ملء وادٍمالاً، لاَحبَّ أن يكون إليه

____________________

١ تاريخ الخميس:١/٢٦٤؛ السيرة الحلبية:١/١٣٩؛ مناقب آل أبي طالب: ١/٣٠.

٢ الديار بكري، تاريخ الخميس:١/٢٦٤.


مثله ولا يملاَ نفس ابن آدم إلاّ التراب،واللّه يتوب على من تاب. قال ابن عباس: فلا أدري أمن القرآن هو أم لا ؟(١) إنّ هذا الحديث يحطّ من شأن القرآن الكريم كما يحطّ من مقام حبر الاُمّة، فقد بلغ القرآن من الفصاحة والبلاغة بمكان جعله متميزاً بجوهره عمّا سواه فلا يشتبه القرآن بغيره، وإلاّلزم بطلان الاحتجاج به. كما أنّ حبر الاُمّة وإمامها أجل من أن لا يُميِّز حديث الرسول عن القرآن، فلو صحّ فإنّما يصحّ صدر الحديث لا ذيله، إلاّ إذا اريدت منه المبالغة في علوّ المضمون.٩. الروافض على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخرج عبد بن حميد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يكون في آخر الزمان قوم ينبزون: الرافضة يرفضون الاِسلام و يلفظونه، اقتلوهم فانّهم مشركون.(٢) إنّ الحديث موضوع على لسان ابن عباس، والغاية من الوضع التنديد بشيعة آل البيت من أبناء الرسول، ولكن الواضع غفل عن أنّ الرافضة في عهد الرسول وبعده إلى قرن لم يكن يستعمل إلاّ في من يرفض الحكومات السائدة، لا في الموالين لعلي وأهل بيتهعليهم‌السلام ولذلك أطلق اصطلاح الرافضة على طلحة والزبير ومروان بن الحكم ممّن قاموا في وجه عليعليه‌السلام وحكومته.

____________________

١ صحيح مسلم:٣/١٠٠، باب لو ان لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً ؛صحيح البخاري: ٨/٩٢ باب ما يتقى من فتنة المال، نقله باسنادين يشتمل النقل الثاني على قوله قال ابن عباس: «فلا أدري من القرآن هو أم لا».

٢ مسند عبد بن حميد برقم ٦٩٨، رواه في المسند الجامع: ٩/٥٩٦ برقم ١١٧٦.


هذا وقد كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وهو في البِيَع. أمّا بعد: فانّه كان من أمر عليّوطلحة والزبير ما قد بلغك،وقد سقط إلينا(١) قى مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة....(٢) ويوَيد ذلك انّ ابن منظور يفسر الروافض بجنود تركوا قائدهم وانصرفوا، وقال: فكلّطائفة منهم رافضة والنسبة إليهم رافضيّون. فلم يكن في عهد الرسول ولا في عهد الخلفاء أيّ اصطلاح خاص في لفظ الرافضة، سوى ما ذكرناه، أعني: من يخالف السلطة الحاكمة، من غير فرق بين شيعيّ وسنّي، علويّ أو أموي.١٠. أخذ الاَُجرة على تعليم كتاب اللّه أخرج البخاري في صحيحه، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أنّ نفراً من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّوا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ إنّ في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب اللّه أجراً،حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول اللّه أخذ على كتاب اللّه أجراً، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّأحقّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه.(٣) قال ابن الجوزي: قال ابن عدي : روى عمر بن المحرم البصري، عن ثابت الحفار عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: سألت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

____________________

١ سقط إلينا أي نزل إلينا.

٢ وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري، ص ٣٩.

٣ صحيح البخاري:٧/١٣٢، باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم من كتاب الطب، ورواه أيضاً:٣/٩٣، باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب، من كتاب الاجارة.


عن كسب المعلمين فقال: إنّ أحقّ ما أخذ عليه الاَجر كتاب اللّه. قال ابن عدي: لعمرو أحاديث مناكير، وثابت لا يعرف والحديث منكر.(١) قال ابن حجر: وقال الحنفية: لا يجوز أخذ الاَُجرة في تعليم الكتاب وأجازوه في الرقى كالدواء، قالوا: لاَنّ تعليم القرآن عبادة والاَجر فيه على اللّه. وادّعى بعضهم نسخه بالاَحاديث الواردة في الوليد على أخذ الاُجرة على تعليم القرآن وقد رواها أبو داود وغيره.(٢) وعلى أيّة حال فأخذ الاُجرة على تعليم كتاب اللّه أمر مرغوب عنه، ولو جاز فليس قطعاً من أحقّ ما يوَخذ عليه الاَجر، فالرواية ضعيفة جداً أو مكذوبة.

____________________

١ الموضوعات:١/٢٢٩، باب أخذ الاُجرة على التعليم.

٢ فتح الباري: ٤/٣٤٥٣؛ وانظر كتاب الموضوعات لابن الجوزي:١/٢٢٨، فقد نقل الاَحاديث المجوزه والناهية.


٢٧- زيد بن أرقم الاَنصاري

( - ٦٨ ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

حديثه السقيم:

سحر اليهود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

هو ابن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الحارث بن الخزرج.

قال ابن سعد: يكنّى أبا سعد، وقيل: أبا أنيس، أوّل مشاهده مع النبي، المريسيع، ونزل الكوفة وابتنى بها داراً في كندة وتوفي بها أيّام المختار سنة ٦٨.(١)

قال الجزري: روى عنه: ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو إسحاق السبيعي، وابن أبي ليلى ، ويزيد بن حبان، شهد مع رسول اللّه سبع عشرة غزوة، واستصغر يوم أُحد وكان يتيماً في حجر عبد اللّه بن رواحة وسار معه إلى موَتة، وشهد مع عليٍّ صفين، وهو معدود في خاصّة أصحابه، روى حديثاً كثيراً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخرجه الثلاثة.(٢)

يذكر المفسرون في تفسير قوله سبحانه:( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا على

____________________

١ طبقات ابن سعد:٦/١٨.

٢ أُسد الغابة: ٢/٢١٩.


مَنْ عِنْدَ رَسُولِاللّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ) (المنافقون/٧) قصة ملخصها مايلي:

قال كنت مع عمّي فسمعت عبد اللّه بن أبي بن سلّول يقول لاَصحابه: لا تنفقوا على مَنْ عند رسول اللّه حتى ينفضّوا ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الاَعزّ منها الاَذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمّي لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فدعاني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحدّثته، فأرسل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عبد اللّه وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول اللّهوصدّقهم، فأصابني شيء لم يصبني قط مثله، فجلست في البيت، فقال عمّي: ما أردت إلى ان كذّبك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومقتك، فأنزل اللّه تعالى:( إِذا جاءك المُنافِقُون ) ، فبعث إليَّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرأها عليَّ، ثمّ قال: إنّ اللّه قد صدّقك.(١)

وقيل انّه توفي بعد قتل الحسين بقليل، وقد ترجمه ابن عساكر ترجمة مفصلة.(٢)

وجمعت أحاديثه في المسند الجامع فناهزت ٥٢ حديثاً(٣) ولكن هذا العدد بالنسبة إلى ما ذكره الجزري قليل، لاَنّه قال: روى حديثاً كثيراً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وإليك شيئاً من روائع أحاديثه وما أكثرها.

روائع أحاديثه:

١. أخرج أحمد في مسنده، عن العزيز بن حكيم، قال: صليت خلف زيد ابن أرقم على جنازة فكبّر خمساً، ثمّ التفت، فقال: هكذا كبّر رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » أو نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤)

____________________

١ أُسد الغابة: ٢/٢١٩.

٢ انظرتاريخ ابن عساكر:٦/٢٦٨- ٢٧٨.

٣ المسند الجامع: ٥/٤٧٩ برقم ٢١٤.

٤ مسند أحمد: ٤/٣٧١.


وهذا هو المروي أيضاً عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام من أنّ التكبيرة على الجنازة هي الخمس.

نعم روى مسلم، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: كان زيد يكبّر على جنائزنا أربعاً وانّه كبَّر على جنازة خمساً، فسألته، فقال: كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكبّرها.(١)

أقول: الرواية الثانية لا يمكن تصديقها، لاَنّه لو كان الاقتصار بالتكبيرات الاَربع جائزاً، فالمصلّي يخرج من الفريضة بالتكبيرة الرابعة وتكون الخامسة ذكراً زائداً على الصلاة لا تمت لها بصلة فلا يصحّ القول بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تارة يكبّر أربعاً وأُخرى خمساً.

نعم يعارض الاُولى ما رواه أحمد عن أبي سليمان الموَذن، قال: توفي أبو سريح فصلى عليه زيد بن أرقم، فكبر عليه أربعاً وقال: كذا فعل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢)

فالرواية الاُولى تفرض الخمس، والثانية تخير بين الاَربع والخمس، والثالثة تفرض الاَربع.

والعجب انّ الصحابة لم يحتفظوا بسنة نبيّهم في مسألة بسيطة كانت محلاً للابتلاء.

٢. أخرج النسائي ،عن الشعبي، عن عبد اللّه بن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم، قال: كنت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليٌّ(رض) يومئذ باليمن، فأتاه رجل، فقال: شهدت عليّاً أُتي في ثلاثة نفر ادّعوا ولد امرأة، فقال عليّ لاَحدهم: تدعه لهذا؟ فأبى، وقال لهذا :تدعه لهذا ؟ فأبى، وقال لهذا: تدعه لهذا ؟فأبى.

____________________

١ صحيح مسلم: ٣/٥٦، باب القيام للجنازة.

٢ مسند أحمد: ٤/٣٧٠.


قال علي (رض) أنتم شركاء متشاكسون، وسأقرع بينكم فأيكم أصابته القرعة فهو له وعليه ثلثا الدية، فضحك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى بدت نواجذه.(١)

ولا غرو فانّعليّاً باب علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد وصفه النّبيّ بقوله: أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها.(٢)

٣. أخرج أحمد في مسنده عن قطبة بن مالك، قال: سبَّ أمير من الاَُمراء عليّاً (رض)، فقام زيد بن أرقم، فقال:

أما علمت أنّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن سبّ الموتى فَلِمَ تسبُّ عليّاً، وقد مات؟!(٣)

كان في وسع الصحابي الجليل زيد بن أرقم أن يحتج على الاَمير السابّ بما روى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير واحد من الصحابة من أنّ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فالاَمير بسبه هذا قد فسق سواء أكان المسبوب حياً أم ميتاً، ولكن الظروف العصيبة حالت دون أن يحتج«زيد» عليه بهذا الحديث، ولذلك التجأ إلى الاحتجاج عليه بأُسلوب آخر.

٤. أخرج الترمذي في سننه، عن أبي عثمان، عن زيد بن أرقم، قال: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكسل والعجز والبخل.(٤)

٥. أخرج مسلم في صحيحه،عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلمّا جلسنا إليه، قال له حصين، لقد

____________________

١ سنن النسائي: ١/١٨٣، باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه.

٢ أخرجه غير واحد من الحفاظ ناهز ١٤٢ محدثاً وعالماً، وقد جاء في كتاب الغدير مصادر الحديث مفصلاً، راجع الغدير: ٦/١٦١- ١٧٧.

٣ مسند أحمد: ٤/٣٦٩.

٤ سنن الترمذي: ٥/٥٦٦ برقم ٣٥٧٢.


لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدِّثنا يا زيد، ما سمعت من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال: يا ابن أخي واللّه لقد كبرت سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما حدثتكم فأقبلوا، وما لا، فلا تكلّفونيه، ثمّ قال: قام رسول اللّهيوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثمّ قال: أمّا بعد: ألا يا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به فحثّ على كتاب اللّه ورغَّب فيه.

ثمّقال: وأهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، فقال له حصين: ومَنْ أهل بيته يا زيد؟ أليس نساوَه من أهل بيته؟ قال: نساوَه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال ومن هم؟ قال: هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هوَلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.(١)

هذا ما أخرجه مسلم و من الواضح انّه لم ينقل على وجه دقيق وذلك لوجهين:

الاَوّل: انّ مقتضى قوله : أوّلهما، أن يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،ثانيهما أهل بيتي مع أنّه لم يذكر كلمة ثانيهما.

وقد رواها الاِمام أحمد بصورة أفضل مما سبق كما رواه النسائي في فضائل الصحابة كذلك.

أخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، عن زيد بن الاَرقم، قال: لما رجع

____________________

١ صحيح مسلم: ٧/١٢٢، باب فضائل عليعليه‌السلام .


رسول اللّه عن حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: كأنّي قد دُعيت فأُجبت: إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.

ثمّ قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا ولي كلّموَمن، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: من كنت وليه فهذا وليه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه.(١)

الثاني: فسر أهل البيت في الحديث بالبيوت الاَربعة: آل علي، آل عقيل، آل جعفر، آل عباس، وجعل حديث الغدير هادفاً إلى تكريم أهل بيته، ومن المعلوم انّه خلاف المراد، لاَنّ النبي جعل أهل بيته عدلاً لكتاب اللّه عز وجلّ، فيجب أن يُفسر ببيت يكون عدلاً للقرآن وملجأً للمسلمين بعد كتاب اللّه، وهل لهذه البيوت الثلاثة: آل عباس، آل عقيل، آل جعفر هذه المنزلة والمرتبة؟

نعم إذا تفحصنا سائر مصادر الحديث نقف على أنّ الرواة لعبوا بالحديث، وتصرّفوا فيما نقله ذلك الصحابي الجليل، وإليك بعض ما روي في هذا المضمار عن زيد.

روى الاِمام أحمد، عن ميمون أبي عبد اللّه، قال: قال زيد بن أرقم، وأنا أسمع: نزلنا مع رسول اللّه بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها «بهجير» ثمّقال: فخطبنا، وظلّل لرسول اللّه بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألستم تعلمون، أولستم تشهدون، انّي أولى بكلّموَمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فانّ علياً مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه.(٢)

وأخرج أيضاً في فضائل الصحابة شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت

____________________

١ المسند الجامع: ٥/٥٠٥ برقم ٣٨٢٨، نقلاً عن مسند أحمد: ١/١١٨.

٢ مسند أحمد: ٤/٣٧٢؛ و فضائل الصحابة: ٢/٥٩٧، الحديث ١٠١٧.


أبا الطفيل يحدّث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم - شك شعبة - عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

قال سعد بن جبير وأنا سمعت مثل هذا عن ابن عباس، قال محمد: أظنه قال وكتمته.(١)

كلّ ذلك يدل على أنّ الرواة كانوا ينقلون الحديث مع الخوف والوجل، ولاَجل ذلك لم تنقل الخطبة في الروايتين الاَخيرتين، ولكن نقل نص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ولاية عليّعليه‌السلام عكس ما رواه مسلم حيث نقل الخطبة دون التنصيص على الولاية.

هذه نزر من روائع رواياته، وقد عزي إلى ذلك الصحابي مالا يصح وفقاً للموازين المذكورة.

سحر اليهود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج النسائي، عن يزيد بن حيّان، عن زيد بن أرقم، قال:

سحر النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيّاماً، فأتاه جبريلعليه‌السلام ، فقال: إنّ رجلاً من اليهود سحرك عقد لك عُقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول اللّهفاستخرجوها فجيء بها ،فقام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كأنّما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لذلك اليهوديّ ولا رآه في وجهه قطُّ.(٢)

أقول: إنّ السحر حسب ما جاء في الذكر الحكيم لا يضرّ إلاّ بإذن اللّه تبارك و تعالى، قال سبحانه:( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّبِإِذْنِ اللّهِ ) (البقرة/١٠٢).

إنّ سحر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس كسحر الآخرين، إذ ربّما

____________________

١ فضائل الصحابة: ٢/٥٦٩، الحديث ٩٥٩.

٢ سنن النسائي : ٧/١١٢- ١١٣، باب سحرة أهل الكتاب.


يكون الساحر قادراً على أن يسحر إنساناً عاديّاً ويضرّ به بإذن اللّه سبحانه، ولكن لا سبيل له إلى سحر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإلاّ لوجب تسلّطه وهيمنته عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولربّما يسفر عن تزلزل عقيدة الناس الذين آمنوا به، فحكمته سبحانه تصدّه عن أن يأذن لاَحد بالهيمنة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

انّه سبحانه يحكي عن موسى مخاطباً سحرة فرعون، بقوله:( ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ ) (يونس/٨١).

فإذا كان هذا حال موسى، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى به منه، فبإمكانه أن يبطل السحر في أوّل لحظاته،لا أن يتأثر به أيّاماً ويتخلص منه بعد معونة جبرئيل له، كل ذلك يعرب عن وهن الحديث وضعفه بل كذبه على لسان زيد بن أرقم -رضي‌الله‌عنه -.


٢٨- البراء بن عازب الاَنصاري

(١٠ق.ه- - ٧٢ه-)

سيرته و أحاديثه الرائعة

حديثه السقيم:

نزول الوحي عند رغبة ابن أُمّ مكتوم

البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة الاَنصاري الاَوسي الحارثي، يُكنّى أبا عمارة، ردّه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن بدر استصغره، وأوّل مشاهده أحد، وقيل: الخندق، وغزا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربع عشرة، غزوة وهو الذي افتتح الري سنة ٢٤ه-، كما شهد فتح «تستر».

وشهد البراء مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهروان هو وأخوه عبيد ابن عازب، و نزل الكوفة وابتنى بها داراً ومات أيام مصعب بن الزبير.(١)

قال الذهبي: البراء بن عازب الاَنصاري نزيل الكوفة من أعيان الصحابة روى حديثاً كثيراً، حدَّث عنه: عبد اللّه بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة السوائي، وعدي بن ثابت، وسعد بن عبيدة، وأبو عمر زاذان، وأبوإسحاق السّبيعي.

____________________

١ أُسد الغابة: ١/١٧١.


مسنده ثلاثمائة وخمسة أحاديث، له في الصحيحين اثنان وعشرون حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر حديثاً ومسلم بستة.(١)

وهو أحد رواة حديث غدير خم من الصحابة، رواه عنه غير واحد من التابعين مفصلاً.(٢)

قال الخطيب البغدادي: وكان رسول عليّ بن أبي طالب إلى الخوارج بالنهروان يدعوهم إلى الطاعة وترك المشاقة، ثمّروى بسنده عن أبي الجهم، قال: بعث عليٌّ البراء بن عازب إلى أهل النهروان يدعوهم ثلاثة أيام فلما أبوا سار إليهم.(٣)

وقد بلغت أحاديثه في المسند الجامع ١٣٦ حديثاً(٤) وإليك شيئاً من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه

١. أخرج الترمذي في سننه، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : حقّعلى المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمسّ أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب.(٥)

٢. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: خرج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، قال: فاحرمنا بالحجّ فلمّا قدمنا مكة، قال: اجعلوا حجَّكم عمرة، قال: فقال الناس يا رسول اللّه قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عمرة؟قال: انظروا، ما آمركم به فافعلوا، فردّوا عليه القول، فغضب ثمّ انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه،

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٣/١٩٤ برقم ٣٩.

٢ الغدير: ١/٢٩٤.

٣ تاريخ بغداد: ١/١٧٧.

٤ المسند الجامع: ٣/١٨٥.

٥ سنن الترمذي: ٢/٤٠٧ برقم ٥٢٨.


فقالت من أغضبك أغضبه اللّه؟ قال: ومالي لا أغضب وأنا آمر بالاَمر فلا اتّبع.(١)

وفي الحديث دلالة واضحة على أنّ لفيفاً من أصحابه ربما كانوا يخالفونه ويغضبونه ويوَذونه، قال سبحانه:( وَالَّذِينَ يُوْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (التوبة/٦١). وقال سبحانه:( إِنَّ الَّذِينَ يُوَذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ في الدُّنيا وَالآخرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) (الاَحزاب/٥٧).

ويظهر من غير واحد من التواريخ انّ العرب لم تكن تجمع بين العمرة والحج وإنّما يأتون بالعمرة في غير أشهر الحجّ، ولما كان أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مخالفاً لما كانوا عليه في العصر الجاهلي استغربوه، وقالوا: كيف نجعلها عمرة وقد أحرمنا للحج؟

وعلى أيّة حال فهوَلاء هم الذين يصفهم اللّه سبحانه في سورة الحجرات بقوله:( يا أَيُّ-ها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْ-نَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ ) (الحجرات/١).

٢. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: أقبلنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجته التي حجّ، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليّ، فقال: «ألست أولى بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «ألست أولى بكلّموَمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال:فهذا وليّ من أنا مولاه، اللّهمّ وال من والاه، اللّهمّ عاد من عاداه.(٢)

٣. أخرج الترمذي عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جيشين وأمّر على أحدهما عليَّ بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، وقال: إذا كان القتال فعليّ، قال: فافتتح عليّحصناً،

____________________

١ مسند أحمد: ٤/٢٨٦.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٤٣برقم ١١٦.


فأخذ منه جارية، فكتب معي خالد كتاباً إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشي به، قال: فقدمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقرأ الكتاب فتغيّر لونه، ثمّ قال: ما ترى في رجل يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله؟ قال: قلت: أعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسوله، وإنّما أنا رسول، فسكت.(١)

٤. أخرج البخاري في صحيحه ،عن شعبة، قال أخبرني عديّ، قال: سمعت البراء، قال: رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحسن على عاتقه يقول: اللّهمّ إنّي أُحبُه، فأحبَّه.(٢)

٥. أخرج البخاري في صحيحه عن المسيب بن رافع، قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك، صحبت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، انّك لا تدري ما أحدثنا بعده.(٣)

ويوَيّده ما رواه البخاري في كتاب الفتن من إحداث لفيف من أصحابه بِدَعاًً وتبديلهم لدينه سبحانه، أخرج البخاري عن أبي وائل، قال: قال عبد اللّه: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا فَرَطُكم على الحوض ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويتُ لاَناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.

أخرج البخاري عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أنا فَرَطُكم على الحوض، من ورد شرب منه، و من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يُحال بيني و بينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت: نعم، قال: وأنا اشهد على أبي سعيد

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٦٣٨ برقم ٣٧٢٥.

٢ صحيح البخاري: ٥/٢٦، باب مناقب الحسن والحسينعليهما‌السلام .

٣ صحيح البخاري: ٥/١٢٥، باب غزوة الحديبية.


الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي.(١)

أخرج مسلم عن الاَعمش، عن شفيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا فرطكم على الحوض ولاُنازعنّ أقواماً ثم لاَغلبن عليهم، فأقول: يا ربّ أصحابي، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(٢)

والعجب انّ الذين يروون هذه الاَحاديث من الصحيحين - اللّذين يُعدان عندهم من أصحّ الكتب بعد كت-اب اللّه - يحكمون بلزوم الاقتداء بكلّ صحابي وأخذ الحديث منه، ولا يجوّزون رمي واحد منهم بالجرح مع أنّ بينهم من بدّل دين اللّه وغيّره وأحدث وقال في حقّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سحقاً، سحقاً.

هذه طائفة من روائع أحاديثه، وإليك هذا الحديث المنسوب إليه والذي يخالف القواعد السالفة الذكر.

نزول الوحي عند رغبة ابن امّ مكتوم

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي إسحاق، أنّه سمع البراء يقول في هذه الآية: «لا يستوي القاعدون من الموَمنين والمجاهدون في سبيل اللّه» فأمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زيداً فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أُمّمكتوم ضرارته، فنزلت:( لا يَسْتَوي القاعِدونَ مِنَ المُوْمنينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَر ) .(٣)

ومعنى ذلك انّ الوحي نزل لرغبة ابن أُمّ مكتوم ولولا شكايته لكان الوحي مثل ما نزل أوّلاً، وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث زيد بن ثابت.

____________________

١ صحيح البخاري: ٩/٤٦، كتاب الفتن.

٢ صحيح مسلم:٧/٦٨، باب إثبات حوض نبيّنا.

٣ صحيح مسلم: ٦/٤٢، باب سقوط فرض الجهاد على المعذورين؛ صحيح البخاري: ٤/٢٤- ٢٥، باب قوله تعالى:( لا يستوي القاعدون ) (النساء/٩٥).


٢٩- عبد اللّه بن الزبير

(٢- ٧٣ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. تقديم صلاة الجمعة على الخطبتين

٢. خطبة علي بنت أبي جهل

عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الاَسدي، كنيته أبو بكر، وأُمّه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو أوّل مولود ولد في الاِسلام بعد الهجرة للمهاجرين.

ولد بالمدينة على رأس سنتين من الهجرة، أحضره أبوه الزبير عند رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليبايعه وعمره سبع سنين.

وروى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث، روى عنه: أخوه «عروة» وابناه «عامر» و«عباد»، وعبيدة السلماني، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وغيرهم.

شهد الجمل مع أبيه الزبير مقاتلاً لعليٍّ، فكان عليعليه‌السلام يقول: مازال الزبير منّا أهلَ البيت حتى نشأ له عبد اللّه، وامتنع من بيعة يزيد بن معاوية بعد موت معاوية فأرسل إليه يزيد، مسلم بن عقبة «المُرّي»، فحصر المدينة


وأوقع بأهلها وقعة الحرة المشهورة، ثمّسار إلى مكة ليقاتل ابن الزبير فمات في الطريق، ثمّ استخلف الحصين بن نمير السكوني وحاصر ابن الزبير بمكة، ودام الحصر إلى أن مات يزيد، وبويع عبد اللّهبن الزبير بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان.(١)

كان ابن الزبير يسوس الحجاز والعراق وفيهما عمّاله إلى ان استولى عبد الملك على العراق عام إحدى وسبعين من الهجرة وانحصرت امارة ابن الزبير بالحجاز ، وعند ذاك وجّه عبد الملك، الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش كثيف من أهل الشام لقتال عبد اللّه بن الزبير، وقدم مكة وحصر ابن الزبير، والتجأ هو وأصحابه إلى المسجد الحرام، ونصب الحجاج المنجنيق على «جبل أبي قبيس» ورمى به الكعبة إلى ان خرج أصحابه إلى الحجاج بالاَمان، وقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة عام ثلاث و سبعين من الهجرة.(٢)

قال الذهبي: مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثاً، اتفقا له على حديث واحد، وانفرد البخاري بستة أحاديث ومسلم بحديثين.

وقبل ان نتناول أحاديثه بالبحث والتمحيص نذكر لمحة خاطفة عن سيرته والدور الذي لعبه في حرب الجمل.

التاريخ يصرح بأنّه هو الذي أشعل نائرة الحرب بين عليعليه‌السلام وأبيه، وكان أبوه على عتبة الندم والرجوع إلى المدينة وترك الحرب، ولكن ابنه عبد اللّه حال دون ذلك والجأ أباه إلى الاستمرار في موقفه المتصلِّب ضد عليّعليه‌السلام الذي كانت تربطه به أواصر القرابة، فقد كان عليعليه‌السلام ابن خاله وكان الزبير ابن عمة عليعليه‌السلام ، وكانت الاَواصر الودية مستوثقة إلى ان شبّ ابنه عبد اللّه فتعكّر صفو تلك الروابط.

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/١٦١.

٢ الطبري، التاريخ: ٥/٢٤؛ الكامل لابن الاَثير: ٤/٣٤٩- ٣٥٦.


قال الطبري: فلما تواقفوا خرج عليّعلى فرسه، فدعا الزبير، فتواقفا، فقال علي للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الاَمر أهلاً، ولا أولى به منّا.

فقال عليعليه‌السلام : لست له أهلاً بعد عثمان! قد كنا نعدُّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك، وعظّم عليه أشياء، فذكر انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّعليهما، فقال لعليّ: «ما يقول ابن عمتك؟ ليقاتلنك وهو لك ظالم».

فانصرف عنه الزبير، وقال: فإنّي لا أُقاتلك. فرجع إلى ابنه عبد اللّه، فقال: مالي في هذه الحرب بصيرة.

فقال له ابنه: إنّك قد خرجت على بصيرة، ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب، وعرفت انّ تحتها الموت، فجبُنتَ، فأحفظه حتى أرعد وغضب.

وقال: ويحك ! إنّ-ي قد حلفت له ألاّأقاتله.

فقال له ابنه: كفّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فأعتقه وقام في الصف معهم.

وكان علي قال للزبير: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته؟! سلط اللّه على أشدِّنا عليه اليوم ما يكره.(١)

وعلى هذا فقد شبّ الرجل وشاب على عداء عليٍّ وحمل الضغن عليه.

ومما يكشف عن عدائه المتأصل ما نقله ابن الاَثير ما هذا لفظه بتلخيص: انّ ابن الزبير دعا محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته وسبعة عشر رجلاً من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة الذي له صحبة ليبايعوه. فامتنعوا، وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الاَُمة، فأكثر الوقيعة بابن الحنفية

____________________

١ تاريخ الطبري: ٣/٤١، حوادث سنة ٣٦، ونقله أيضاً ابن الاَثير في الكامل، لاحظ ٣/٢٣٩.


وذمّه، فأخبروا ابن الحنفية بما كان منهم، فأمرهم بالصبر، ولم يلحّ عليهم ابن الزبير.

فلما استولى المختار على الكوفة وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفية، خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا به، فألحّ عليه وعلى أصحابه في البيعة له، فحبسهم بزمزم وتوعدهم بالقتل والاِحراق، وإعطاء اللّه عهداً إن لم يبايعوه أن ينفِّذ ما توعَّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً.

ولما اطّلع المختار على حقيقة الاَمر بعث ظبيان بن عُمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة وبعث معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم، فساروا نحو مكة حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الرايات وهم ينادون: يا لثاراث الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعدَّ ابن الزبير الحطب ليُحرقهم وكان قد بقي من الاَجل يومان، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا: خلِّ بيننا وبين عدو اللّه ابن الزبير.

فقال لهم: إنّي لا أستحل القتال في الحرم إلى آخر ما ذكره.(١)

فإذا كان هذه هي شيمة الرجل و سيرته مع آل علي، فهل يصحّ أن يعتمد على ما يرويه في حقّهم كما سيوافيك؟!

وعلى أية حال فهو من المقلِّين في نقل الحديث، ومن روائع رواياته ما يلي:

روائع أحاديثه:

١. أخرج أحمد في مسنده، عن عطاء، عن عبد اللّه بن الزبير، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلاّ

____________________

١ الكامل في التاريخ: ٤/٢٤٩- ٢٥١.


المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا.(١)

٢. أخرج النسائي في سننه، عن يوسف بن الزبير، عن عبد اللّه بن الزبير، قال:

جاء رجل من خثعم إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: إنّ أبي شيخ كبير، لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة اللّه في الحج، فهل يجزي أن أحج عنه؟

قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرايت لو كان عليه دين، أكنت تقضيه؟ قال: نعم. قال: فحج عنه.(٢)

ثمّ إنّ هنا روايات رويت عنه، تخالف الضوابط المذكورة في صدر الكتاب.

١. تقديم صلاة الجمعة على الخطبتين

أخرج أحمد في مسنده، عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال:

سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد، يقول، حين صلّى قبل الخطبة، ثمّ قام يخطب النّاس: يا أيّها النّاس، كلاًّ سنّة اللّه وسنّة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣)

الظاهر انّ الرواية موقوفة، لاَنّ ابن الزبير ولد في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وله ثمان سنين.

فيبدو انّه لم ير واقعة تقديم الصلاة على الخطبتين من قبل النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فتكون الرواية موقوفة وليست بحجّة.

على أنّ الظاهر من كلمات الفقهاء شرطية تقدّم الخطبة.

قال في المغني: الرابع من الشروط أن يتقدمها خطبتان من شرط

____________________

١ مسند أحمد : ٤/٥.

٢ سنن النسائي: ٥/١١٧، تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين.

٣ مسند أحمد:٤/٤.


صحتهما، وقد كان عمل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على تقديم الخطبة بينهما فصل من جلوس، و قد قال: صلوا كما رأيتموني أُصلي، فالعكس يحتاج إلى الدليل.(١) وقال العلاّمة الحلّي: الثاني من الشروط تقديمهما على الصلاة لاَنّهما شرط فيها، والشرط مقدم ولانّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم داوم على ذلك، وقال: صلّوا كما رأيتموني أُصلي، ولقول الباقرعليه‌السلام وقد سئل عن خطبة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الصلاة أو بعدها، قال: قبل الصلاة ثمّ يصلي(٢) وأغلب الظن انّ المصلحة الشخصية دفعته إلى تقديم الصلاة على الخطبتين فلما اعترض عليه، اضطر إلى عزو ذلك إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليخرج من هذا المأزق.

٢. خِطْبَةُ عليّ بنت أبي جهل

أخرج الترمذي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد اللّه بن الزبير؛ انّ عليّاً ذكر بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنّما فاطمة بضعة منّي، يوَذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها.(٣)

ولكن البخاري نقله في غير واحد من الاَبواب عن مِسْوَر بن مَخْرمة، وإليك صور ما نقله:

١. ما نقله في «باب ما ذكر من درع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » بسند ينتهي إلى ابن شهاب انّ علي بن الحسينعليهما‌السلام حدثه أنّ-هم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية،بعد مقتل الحسين بن علي «عليهما‌السلام » ، لقيه المسور بن مخرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها ؟ فقلت له: لا، فقال له: فهل أنت مُعطِيَّ سيف رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فانّي أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم اللّه لئن أعطيتنيه لا يُخلص إليهم أبداً، حتى تبلغ نفسي.

____________________

١ المغني، ابن قدامة ومعه الشرح الكبير: ٢/١٨١.

٢ التذكرة: ٤/٦٩.

٣ سنن الترمذي: ٥/٦٩٩ برقم ٣٨٦٩؛ ورواه أحمد في مسنده: ٤/٥.


انّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام خطب ابنة أبي جهل على فاطمةعليها‌السلام ،فسمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها، ثمّ ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه.

قال: حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أُحرِّم حلالاً ولا أحلُّ حراماً، ولكن واللّه لا تجتمع بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبنت عدو اللّه أبداً.(١)

٢. ما أخرجه عن الزهري، قال: حدثني علي بن الحسينعليهما‌السلام : انّ المسور ابن مخرمة، قال: إنّعليّاً خطب بنت أبي جهل، فسمعتْ بذلك فاطمة، فأتت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالت: يزعم قومك انّك لاتغضب لبناتك، وهذا عليّناكح بنت أبي جهل.

فقام رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسمعتُه حين تشهد، يقول: أمّا بعد، أنكحتُ أبا العاص بن الربيع فحدَّثني وصدقني، وإنّ فاطمة بضعة منّي وإنّي أكره أن يسوأها، واللّه لا تجتمع بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبنت عدو اللّه عند رجل واحد. فترك عليّ الخطبة و زاد محمد بن عمرو بن حلحلة، عن ابن شهاب، عن علي، عن مسور : سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن.قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي.(٢) ٣. ما نقله أيضاً مرسلاً وقال: قال المسور: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر صهراً له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي.(٣)

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/٨٣، باب ما ذكر من درع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢ صحيح البخاري: ٥/٢٢-٢٣، باب ذكر اصهار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٣ صحيح البخاري: ٧/٢٠، باب الشروط في النكاح.


٤. مانقله أيضاً في باب الغيرة، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول و هو على المنبر :إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما هي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويوَذيني ما آذاها.(١) هذه هي صور أربع لرواية واحدة، وأنت ترى انّ البخاري كيف يلعب بالرواية سنداً و متناً، فتارة يذكره مسنداً إلى مخرمة، وأُخرى ينقله مرسلاً، وثالثة يضم إلى قصة الخطبة قصة أُخرى وهي طلب المسور سيف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأُخرى يجردها عنها. وأمّا الاختلاف في اللفظ فحدّث عنه ولا حرج، ومع ذلك فالرواية مكذوبة وموضوعة على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وضعها الاَمويون في عهدهم للحطّ من شأن عليّعليه‌السلام ، وإليك بيانها. أمّا ما رواه الترمذي و أحمد مسنداً إلى ابن أبي مليكة، عن عبد اللّه بن الزبير فلا يصحّ الاحتجاج به لما عرفت من أنّالرجل كان من أعداء عليّ «عليه‌السلام » ، فلا يمكن الاعتماد على قوله، وقد عرفت شيئاً من عدائه. وأمّا ما أخرجه البخاري عن المِسْوَر، ففيه وجوه من الاشكال: الاَوّل: انّ الصلة بين القصتين في الصورة الاُولى مقطوعة، حيث إنّ ابن مخرمة يطلب سيف رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولما يواجه امتناع علي بن الحسين يتبعه بقصة أُخرى ويقول: إنّ علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل، فأيُّ صلة بين القصتين؟ وان

____________________

١ صحيح البخاري: ٧/٣٧، باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والانصاف من كتاب النكاح.


أتعب ابن حجر نفسه في شرحه على البخاري حتى يوّضح الصلة بينهما.(١) الثاني : انّ المسور بن مخرمة ولد بمكة بعد الهجرة بعامين وله من العمر عند وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمان سنين، فكيف يقول في الصورة الاُولى ممّا نقلها البخاري: فسمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره، وانا يومئذٍ محتلم. ولا يطلق على من له ثمان سنين انّه محتلم، بل ولا كالمحتلم؟ فما ذكره الذهبي انّ المسور كان كبيراً محتلماً يوم ذاك فهو غفلة عن سنة مولده، وقد أرّخ هو ميلاده بما ذكرنا.(٢) الثالث : كيف ينقل علي بن الحسينعليهما‌السلام - حينما قفل راجعاً من كربلاء إلى المدينة المنورة وقلبه مثقّل بالهموم والمصائب - تلك القصة الموهنة التي تحطّ من شخصية جدّهعليه‌السلام ، للزهريّ فهل يقوم بذلك إنسان عادي فضلاً عن علي بن الحسينعليهما‌السلام ؟ حتى ولو افترضنا انّه سمعه من المِسْور بن مخرمة. الرابع: انّ جميع صور الرواية الّتي رواها البخاريّ تنتهي إلى المسور بن مخرمة، الّذي كان منحرفاً عن عليّ، ويشهد على ذلك ما نقله الذهبي. قال: قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ بمعاوية. وقال أيضاً: كانت الخوارج تغشاه وينتحلونه. وقال أيضاً: قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلاّ صلّى عليه. وذكر انّ ابن الزبير لا يقطع أمراً دون المسور بمكة.(٣) كلّ ذلك يشهد على أنّه قد نصب العداء لاَمير الموَمنينعليه‌السلام

____________________

١ لاحظ فتح الباري: ٦/٢١٤ فذكر انّ الصلة هي انّ رسول اللّه كان يحب رفاهية فاطمة فأنا أيضاً احب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها فعاطني السيف حتى أحفظه لك. وهو كما ترى.

٢ سير أعلام النبلاء: ٣/٣٩٣ برقم ٦٠.

٣ سير أعلام النبلاء:٣/٣٩٠- ٣٩٤ برقم ٦٠.


واتخذ عداءه بطانة له حتى بلغ به الاَمر إلى انّه لا يذكر معاوية إلاّصلى عليه، و ان الزبير لا يقطع أمراً دونه.كلمة لاَبي جعفر الاسكافي حول الرواية وثمةكلمة قيمة لاَبي جعفر الاسكافي، لا بأس بنقلها هنا نقلها ابن أبي الحديد عنه: قال: إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليعليه‌السلام ، تقتضي الطعنَ فيه والبراءة منه؛ وجعل لهم على ذلك جُعلاً يُرْغَبُ في مثله؛ فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير. روى الزهريّ أنّعروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أقبل العباس وعليّ، فقال: يا عائشة، إنّهذين يموتان على غير ملّتي، أو قال: غير ديني. وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهريّ حديثان، عن عُروة، عن عائشة في عليّعليه‌السلام ؛ فسألتُه عنهما يوماً؟ فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما! اللّه أعلم بهما؛ إنّي لاَتهمهما في بني هاشم. قال: فأمّا الحديث الاَوّل؛ فقد ذكرناه؛ وأمّا الحديث الثاني فهو أنّعُروة زعم أنّعائشة حدثته، قالت: كنت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أقبل العباس وعلي، فقال: «يا عائشة؛ إن سرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا»، فنظرت، فإذا العباس وعلي بن أبي طالب. وأمّا عمرو بن العاص، فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


يقول: «إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما وليّي اللّه وصالح الموَمنين». وأمّا أبو هريرة، فروي عنه الحديث الذي معناه أنّ علياًعليه‌السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال: لاها اللّه! لا تجتمع ابنة وليّ اللّه وابنة عدو اللّه أبي جهل! إنّفاطمة بضعة منّي يوَذيني ما يوَذيها؛ فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد، أو كلاماً هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي. قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المِسْوَر ابن مخرَمة الزهريّ؛ وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى «تَنزيه الاَنبياء و الاَئمّة»، وذكر أنّه رواية حسين الكرابيسيّ، وأنّه مشهور بالانحراف عن أهل البيتعليهم‌السلام ، وعداوتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايته. ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمةعليهم‌السلام ويُنحي عليهم، ويذمّهم، وقد بالغ حين ذمّعلياًعليه‌السلام ونال منه، وأوّلها:سَلامٌ على جُمْلٍ، وهَيْهاتَ من جملِ * ويا حبّذا جملٌ وإن صَرَمَتْ حَبْلي يقول فيها:عليّ أبوكم كان أفضلَ منكمُ * أباه ذوُو الشورى وكانوا ذَوِي الفَضْلِ وساء رسول اللّه إذ ساء بنته * بخِطْبته بنتَ اللعين أبي جهل فذمَّ رسول اللّه صهر أبيكم * على مِنْبَرٍ بالمنطق الصادع الفصلِ وحكّم فيها حاكمين أبوكُم * هما خلعاه خَلْعَ ذِي النَّعْل للنعلِ وقد باعها من بعده الحسنُ ابنُه * فقد أبطلت دعواكمُ الرثةُ الحبلِ وخلّيتُموها وهي في غير أهلها * وطالبتُموها حين صارت إلى أهلِ


وقد رُوي هذا الخبر على وجوه مختلفة، وفيه زيادات متفاوتة؛ فمن الناس من يروي فيه: «مهما ذممنا من صهر فإنّا لم نذمّ صهر أبي العاص بن الربيع»، ومن الناس من يروي فيه: «ألا إنّ بني المغيرة أرسلوا إلى علىٍّ ليزوجوه كريمتهم»؛ وغير ذلك.(١) وفي الختام نقول: إنّ قصارى ما بذله ابن حجر في كتابه فتح الباري(٢) في غير واحد من أجزاء كتابه، لا يخرج عن تبرير عمل عليعليه‌السلام و انّه لم تكن خطبته مخالفة للاِسلام و انّه انتهى عن العمل بعدما وقف على أنّ الزواج ببنت أبي جهل سينتهي إلى إيذاء بضعة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان عليه أن يبذل جهوده في تقييم الرواية وعرضها على التاريخ الصحيح في سيرة عليّعليه‌السلام وقربه من النبي وانّه كان يتبعه اتباع الظل لذي الظل وكان واقفاً على ما يبغض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو يرضيه، فهل يتصور منهعليه‌السلام أن يخطب بنت أبي جهل - الذي هو من ألد أعداء الاِسلام - على فاطمة الزهراء من دون استئذان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! نعم لا نقول إنّتزويج بنت أبي جهل المسلمة كان حراماً، ولكن ليس كل حلال يعمل به، خصوصاً مثل عليعليه‌السلام بالنسبة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبضعته. ولعل في هذا البحث غنى وكفاية. فقد بان من هذا انّ عليّاًعليه‌السلام لم يُغضب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وها أنا أعرّف لك من أغضب الرسول و آذاه. فهذا هو رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فاطمة بضعة مني

____________________

١ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٤/٦٣ - ٦٥

٢ فتح الباري:٦/٢١٤؛ ٧/٨٥؛٩/٣٢٧.


فمن أغضبها أغضبي.(١) ومن جانب آخر يروي البخاري انّ فاطمةعليها‌السلام ابنة رسول اللّه سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبوبكر: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: لا نُورث ما تركناه صدقة. فغضبت فاطمةعليها‌السلام بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل بها هاجرته حتى توفيت.(٢) وروى البخاري أيضاً انّ فاطمةعليها‌السلام بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه مما أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما يبقى من خمس خيبر - إلى ان قال: - فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرتْه، فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يوَذن بها أبا بكر، وصلّى عليها.(٣) وروى البخاري أيضاً: انّ فاطمةعليها‌السلام والعباسعليه‌السلام أتيا أبا بكر يلتمسان من ميراثهما من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك و سهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول اللّه يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال. قال أبو بكر: واللّه لا أدع أمراً رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصنعه فيه إلاّ صنعته قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتّى ماتت.(٤) ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ ) ( ق/٣٧).

____________________

١ صحيح البخاري: ٥/٥١ في كتاب مناقب قرابة الرسولص.

٢ صحيح البخاري: ٤/٧٩، باب فرض الخمس.

٣ صحيح البخاري: ٥/١٣٩، باب غزوة خيبر ؛ وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه :٥/١٥٣، كتاب الجهاد، باب قول النبي لا نورث ما تركناه صدقة؛ وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: ١/٩.

٤ صحيح البخاري: ٨/١٤٩، كتاب الفرائض.


٣٠- أبو سعيد الخدري

(١٠ ق.ه- - ٧٤ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. ثلاثمائة وخمس عشرة شريعة

٢. نزول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند رغبة عمر

٣. احتجاج آدم على موسى بالقدر

٤. قتال المارّ بين يدي المصلي

٥. النبي يغفل عن صلاته

٦. الوقوع على السبايا قبل الاستبراء

٧. الصوم في السفر

٨. سلطان إبليس على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٩. كذب إبراهيم ثلاث مرّات

١٠. التحدث عن بني إسرائيل.

هو سعد بن مالك بن سنان الخزرجي وأخوه لاَُمّه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين، استشهد أبوه «مالك» يوم أُحد، و شهد أبو سعيد الخندقَ وبيعة الرضوان.

قال أبو سعيد: عُرضتُ يوم أحد وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي و يقول: يا رسول اللّه إنّه عَبْلَ العظام، و جعل نبيّ اللّه يصعِّد في النظر ويصوِّبه ثمّ قال: رُدّه فردّني.

قال الذهبي: مسند أبي سعيد ١١٧٠ حديثاً، ففي البخاري و مسلم ٤٣ وانفرد البخاري ب- ١٦ حديثاً و مسلم ب-٥٢ حديثاً.(١)

ولكن الموجود من أحاديثه في الصحاح و المسانيد لا يبلغ هذا المقدار

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٣/١٦٨ برقم ١٨.


بل ينقص عنه بكثير، و قد جمعت في المسند الجامع رواياته فبلغت ٦٢٥ حديثاً(١) . ولعلّه لم يستوفها كما هو دأبه في غير مورد.

يقول ابن الاَثير : أبو سعيد الاَنصاري الخدري و هو مشهور بكنيته من مشهوري الصحابة و فضلائهم و هو من المكثرين من الرواية عنه، وأوّل مشاهده الخندق، و غزا مع رسول اللّه اثنتي عشرة غزوة، وروى عنه من الصحابة: جابر وزيد بن ثابت وابن عباس و أنس و ابن عمر وابن الزبير؛ ومن التابعين: سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة و عطاء بن يسار و أبو أمامة بن سهل بن حنيف و غيرهم، توفي سنة ٧٤ه- يوم الجمعة و دفن بالبقيع، وهو ممّن له عقب من الصحابة، و كان يحفي شاربه و يصفر لحيته.(٢)

وقال في قسم الكنى: و كان من الحفاظ لحديث رسول اللّهالمكثرين ومن العلماء الفضلاء العقلاء.(٣)

وقال ابن عبد البر: وكان ممّن حفظ عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنناً كثيرة وروى عنه علماً جماً، و كان من نجباء الاَنصار و علمائهم وفضلائهم.(٤)

وروى السيد نور الدين السمهودي في «جواهر العقدين» نقلاً عن الحافظ أبي نعيم الاصبهاني في حلية الاَولياء عن أبي الطفيل، قال: إنّ عليّاً «عليه‌السلام » قام فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أنشد اللّه من شهد يوم غدير خم إلاّ قام، ولا يقوم رجل يقول: إنّي نُبئت أو بلغني، إلاّ رجل سمعتْ أُذناه و وعاه قلبه.

____________________

١ المسند الجامع: ٦/٥٧٥.

٢ أُسد الغابة: ٢/٢٨٩.

٣ المصدر نفسه: ٥/٢١١.

٤ الاستيعاب: ٢/٦٠٢ تحقيق علي محمد البجاوي.


فقام سبعة عشر رجلاً منهم أبو سعيد الخدري.(١)

وقال ابن قتيبة - عند سرده لوقعة الحرّة لما أراد أهل الشام نهبَ المدينة وقتلَ رجالها الذين خلعوا بيعة يزيد عن أعناقهم - قال: ولزم أبو سعيد الخدري في بيته فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقال: أيّها الشيخ من أنت؟ فقال: أنا أبو سعيد صاحب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالوا: مازلنا نسمع عنك فبحظك أخذت في تركك قتالنا و كفك عنّا ولزوم بيتك، ولكن أخرج إلينا ما عندك، قال: واللّه ما عندي مال فنتفوا لحيته و ضربوه ضربات، ثمّ أخذوا كلّما وجدوه في بيته حتّى الثوم و حتى زوج حمام كان له.(٢)

تعاطفه مع أهل البيتعليهم‌السلام

إنّ أبا سعيد الخدري من أجلاّء الصحابة الذين كانت لهم مواقف مشرِّفة مع أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، و قد عرفتَ أنّه أحد من شهد لعلي «عليه‌السلام » بالولاية يوم الغدير، وأخرج الاِمام أحمد عنه، انّه قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.(٣)

وقد أخرج هذا الحديث الترمذي في سننه، عن جابر بن عبد اللّه، قال: رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجته يوم عرفة و هو على ناقته القصواء يخطب فسمعته، يقول: ياأيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن

____________________

١ الغدير: ١/١٧٦.

٢ ابن قتيبة، الاِمامة والسياسة، ص ١٩٥.

٣ مسند أحمد: ٣/١٤.


أخذتم به لن تضلّوا؛ كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي.(١)

هذه إلمامة عابرة بترجمة ذلك الصحابي العظيم، و إليك استعراض ما روي عنه من روائع الاَحاديث.

روائع أحاديثه

١. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: «اللهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، و أسألك بحقّممشاي هذا فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك و ابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي انّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت». أقبل اللّه عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك.(٢)

وبالرغم من أنّ المعلق على سنن ابن ماجة ضعّف الحديث لمكان عطية العوفي، لكنّه رجل ثقة، وما نقموا منه إلاّ تشيّعه وحبّه لاَهل البيت «عليهم‌السلام ».

٢. أخرج ابن ماجة، عن جابر بن عبد اللّه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته نصيباً، فانّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً.(٣)

ولاَجل ذلك كان النبي يوَدِّي نوافل رمضان في بيته فرادى، و قلّما يتفق أن يصليها في المسجد، و ما هذا إلاّ لاَنّ للبيت نصيباً من الصلاة، و بذلك يعلم

____________________

١ سنن الترمذي:٥/٦٦٢ برقم ٣٧٨٦.

٢ سنن ابن ماجة:١/٢٥٦ برقم ٧٧٨؛ مسند أحمد: ٣/٢١، قوله «أقبل اللّه عليه بوجهه» خلاف قوله «صرف اللّه وجهه عنه» وكلاهما كنايتان عن شمول الرحمة وخلافه.

٣ سنن ابن ماجة: ١/٤٣٨ برقم ١٣٧٦ ؛ مسند أحمد: ٣/١٥.


انّ إقامة صلاة التراويح جماعة، إخلاء للبيت من إقامة الصلاة فيه، و قد أخرج ابن ماجة عن عبد اللّه بن سعد، قال: سألت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيما أفضل، الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي؟ ما أقربه من المسجد! فلئن أصلّي في بيتي أحبُّ إليّمن أن أُصلّي في المسجد إلاّأن تكون صلاة مكتوبة.(١)

ونقل المعلق عن الزوائد انّ اسناده صحيح و رجاله ثقات.

٣. أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ما استخلف خليفة إلاّ له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، و المعصوم من عصم اللّه.(٢)

٤. أخرج الترمذي عن عطية ،عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اتقوا فراسة الموَمن فانّه ينظر بنور اللّه، ثمّ قرأ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِين ) (٣)

٥.أخرج أبو داود في سننه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر.(٤)

٦. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من رأى منكم منكراً فليغيّ-ره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الاِيمان.(٥)

٧. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عيسى الاَسواري، عن أبي سعيد

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/٤٣٩ برقم ١٣٧٨.

٢ صحيح البخاري: ٨/١٢٥، باب المعصوم من عصم اللّه.

٣ سنن الترمذي: ٥/٢٩٨ برقم ٣١٢٧ والآية ٧٥ من سورة الحجر.

٤ سنن أبي داود: ٤/١٢٤ برقم ٤٣٤٤.

٥ صحيح مسلم: ١/٥٠، باب كون النهي عن المنكر من الاِيمان.


الخدري، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: عوِّدوا المريض، واتّبعوا الجنائز تذكِّركم الآخرة.(١)

٨. أخرج الاِمام مسلم في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري: انّ ناساً من الاَنصار سألوا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعطاهم، ثمّ سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده، قال: مايكن عندي من خير فلن أدّخره عنكم، و من يستعفف يعِفّه اللّه و من يستغن يُغنه اللّه و من يصبر يصبِّ-ره اللّه، و ما أُعطي أحد من عطاء خيراً وأوسع من الصبر.(٢)

٩. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، وأحمد في مسنده، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من لا يرحم الناس لا يرحمه اللّه.(٣)

١٠. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن غالب الحرّاني، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خصلتان لا تجتمعان في قومي: البخل وسوء الخلق.(٤)

١١. أخرج الترمذي، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه.(٥)

هذه جملة من روائع أحاديثه اقتصرنا عليها، لاَنّ المقصود عرض نماذج من أحاديثه التي علا هامتَها نورُ النبوّة، و إليك شيئاً ممّا نسب إليه والذي لا يوافق المعايير المذكورة في صدر الكتاب.

____________________

١ مسند أحمد: ٣/٢٢٣.

٢ صحيح مسلم: ٣/١٠٢، باب فضل التعفف والصبر.

٣ البخاري: الاَدب المفرد، ص ٩٥؛ مسند أحمد:٣/٤٠.

٤ سنن الترمذي: ٤/٣٤٣ برقم ١٩٦٢.

٥ سنن الترمذي: ٤/٣٣٩ برقم ١٩٥٥.


١. ثلاثمائة و خمس عشرة شريعة

أخرج عبد بن حميد، عن عبد اللّه بن راشد مولى لعثمان بن عفان، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إنّ بين يدي الرحمن تبارك وتعالى لوحاً فيه ثلاثمائة و خمس عشرة شريعة، يقول الرحمن: وعزتي وجلالي لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئاً فيه واحدة، وإحدى منكنّ إلاّ أدخلته الجنة.(١)

تتضمن الرواية انّه سبحانه و تعالى أنزل شرائع كثيرة تربو على ٣١٥ شريعة ولكن الظاهر من الذكر الحكيم انحصار شرائعه في خمس، قال سبحانه:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّين ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهيمَوَ مُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) (الشورى/١٣) فلو كان هناك شريعة قبل نوح أو شريعة في ثنايا شرائع السابقين لاَشار إليها.

وقال سبحانه:( وَإِذْأَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابنِ مَرْيمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) (الاَحزاب/٧).

فالمتبادر من الآيتين انّ هوَلاء هم أصحاب الشرائع وانّ الباقين كانوا من الدعاة إلى شرائعهم، يقول ابن كثير في تفسير الآية الاُولى: «فذكر أوّل الرسل بعد آدم و هو (نوحعليه‌السلام ) وآخرهم و هو (محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) ثمّ ذكر من بين ذلك من أُولي العزم: إبراهيم وموسى و عيسى بن مريم، وهذه الآية تضمنت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الاَحزاب عليهم في قوله تبارك وتعالى:( وَإِذْأَخَذْنا مِنَ النَّبِيينَ مِيثاقهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابنِ مَرْيم ) (٢)

____________________

١ المسند الجامع: ٦/١٥٨- ١٥٩، قال أخرجه عبد بن حميد برقم ٩٦٨.

٢ مختصر تفسير ابن كثير: ٣/٢٧٢.


وقال جلال الدين السيوطي في تفسير آية الشورى الماضية: وأخرج ابن المنذر عن زيد بن رفيع، بقية أهل الجزيرة، قال: بعث اللّه نوحاًعليه‌السلام وشرع له الدين فكان الناس في شريعة نوحعليه‌السلام ما كانوا، فما اطفأها إلاّ الزندقة، ثمّبعث اللّه موسىعليه‌السلام وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة من بعد موسى، ما كانوا، فما اطفأها إلاّ الزندقة، ثمّ بعث اللّه عيسى «عليه‌السلام » وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة عيسىعليه‌السلام ما كانوا فما أطفأها إلاّالزندقة، قال: ولا يخاف على هلاك هذا الدين إلاّ الزندقة».(١)

يقول العلاّمة الطباطبائي:يستفاد من الآية (آية الشورى) أُمور (نذكر ممّا ذكره أمرين):

الاَوّل: انّ الشرائع الاِلهية المنتسبة إلى الوحي إنّما هي شريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى و محمدعليهم‌السلام ، إذ لو كان هناك غيرها لذكر قضاء لحقّ الجامعية المذكورة، و لازم ذلك أوّلاً : ان لا شريعة قبل نوح «عليه‌السلام » بمعنى القوانين الحاكمة في المجتمع الاِنساني الرافعة للاختلافات الاجتماعية.و ثانياً: انّ الاَنبياء المبعوثين بعد نوح كانوا على شريعته إلى بعثة إبراهيم وبعدها على شريعة إبراهيم إلى بعثة موسى و هكذا.

الثاني: انّ الاَنبياء أصحاب الشرائع وأُولي العزم هم هوَلاء الخمسة المذكورون في الآية إذ لو كان معهم غيرهم لذكر فهوَلاء سادة الاَنبياء، ويدل على تقدمهم أيضاً قوله:( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابنِ مَرْيَم ) (الاَحزاب/٧).(٢)

نعم ليس كل نبي ذا شريعة، ولاَجل ذلك يربو عدد الاَنبياء على الاُلوف

____________________

١ الدر المنثور: ٧/٣٤٠.هكذا في المصدر و قد سقط من الرواية ذكر شريعة إبراهيم.

٢ الطباطبائي، الميزان: ١٨/٢٩.


مع أنّ الشريعة لا تتجاوز الخمس.

ولو فرض إطلاق صاحب الشريعة على كلّ نبي باعتبار انّه مروّجها ومبينها فلا تنحصر الشريعة في العدد المذكور في الرواية بل يزيد عددهم بكثير.

ثمّ أين هذه الشرائع الكثيرة التي تحكي عنها الرواية، ولا أثر لها في الكتب السماوية الموجودة؟

٢. نزول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند رغبة عمر

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول اللّه لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنّا.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : افعلوا.

قال فجاء عمر، فقال: يا رسول اللّه إن فعلت قلّ الظّهر ولكن ادعهم بفضل ازوادهم. ثمّ ادع اللّه لهم عليها بالبركة لعلّ اللّه أن يجعل في ذلك.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نعم.(١)

أقول: إنّه سبحانه يصف نبيَّه بقوله:( وَعلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (النساء/١١٣).

والمراد من الفضل هو علمه ومن وصف سبحانه علمه بالعظمة، فهل من المعقول أن يكون غير واقف على ما جاء في هذه الرواية وكان بعض أتباعه أعلم منه؟!

إنّ الحنكة السياسية والعسكرية تفرض على القائد أن يكون واقفاً على

____________________

١ صحيح مسلم: ١/٤٢، باب من لقي اللّه بالاِيمان وهو غير شاك فيه، من كتاب الاِيمان.


المصالح والمفاسد التي تحدق بعسكره، فإذا كان عمر قد اطّلع على ذلك فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى بالاطّلاع منه فكيف وقف الاَوّل عليها دون أفضل الخليقة؟!

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي انّ ما جاء في تلك الرواية ليس فريداً من نوعه بل تكرر ذلك في موارد أُخرى بنحو تُصوِّر انّ عمر كان أعلم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا النوع من الروايات نابع عن الاِفراط في العاطفة تجاه الخليفة، فلنذكر بعض الموارد.

المورد الاَوّل: قتل الاَسرى

أخرج الاِمام أحمد عن أنس (رض) قال: استشار النبي الناس في الاَُسارى يوم بدر، فقال: إنّ اللّه أمكنكم منهم.

فقام عمر بن الخطاب (رض) فقال: يا رسول اللّه، اضرب أعناقهم؟فأعرض عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا أيّها الناس إنّ اللّه قد أمكنكم منهم و إنّما هم إخوانكم بالاَمس. فقام عمر، فقال: يا رسول اللّه اضرب أعناقهم؟

فأعرض عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ عاد فقال مثل ذلك. فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول اللّه نرى أن تعفو عنهم و ان تقبل منهم الفداء. فعفا عنهم و قبل منهم الفداء، فنزل( لَولا كتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) الآية.(١)

يلاحظ عليه أوّلاً: انّ هناك موضوعات عرفية ربما يستشير فيها النبي أصحابه لا لاَجل الوقوف على ما هو الاَصلح بل لاَجل منحهم الشخصية، يقول سبحانه:( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاَمْر ) (آل عمران / ١٥٩). وربما تكون في المشاورة مصالح أُخرى كتعليم أصحابه كيفية معالجة المشاكل

____________________

١ الدر المنثور: ٤/١٠٤ والآية ٦٨ من سورة الاَنفال.


كما شاورصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزوة أُحد والاَحزاب.

وأمّا الاَحكام الشرعية التي يختص تشريعها باللّه سبحانه وأُمِرَ النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإبلاغها دون أيّ تصرف، فهي أُمور لا تخضع للمشاورة بل على النبي أن يمكث حتى يوافيه الوحي بها، وقد تكرر ذلك فسُئل النبي عن أشياء، فمكث حتى وافاه الوحي.

ومسألة الاُسارى من المسائل الشائكة المهمة في الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين فللّه سبحانه فيها تشريع كتشريعه في سائر الموضوعات ولا يسع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المبلِّغ عن اللّه أحكامه، أن يشاور هذا أو ذاك حتّى يشير أحدهم بالقسوة والآخر بالرأفة.

وعلى ذلك فليس هناك أيُ مسوغ للنبي للمشاورة حسب الموازين الشرعية.

ثانياً: كيف يكون الرسول غير واقف على الحكم الاَصلح في حقّ الاَُسارى ويكون غيره واقفاًعليه، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكرم الخليقة و أفضل من أبينا آدم الذي علَّمه سبحانه الاَسماء كلّها وصار بذلك خليفة للّه ومعلّماً للملائكة.

ثالثاً: انّ ظاهر الحديث يعرب عن كون الخطاب في قوله: (لمسّكم فيه عذاب عظيم) - نعوذ باللّه - عاماً شاملاً للنبيّ، لاَنّه - صلوات اللّه عليه - اختار الاَخذ و الفداء دون ضرب الاَعناق، فيدخل - صلوات اللّه عليه - تحت قوله (لولا كتاب من اللّه سبق...) وفي الوقت نفسه ليس شاملاً لعمر، وهذا على طرف النقيض من القول بعصمته بعد البعثة التي اتفقت عليه عامة المسلمين. مع أنّ سياق الآية وما قبلها يشهد على خروج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مصب الخطاب، لاَنّه سبحانه يذكره بصيغة الغائب، و يقول:( ما كانَ لِنَبِىٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى... ) (الاَنفال / ٦٧) وعندما يندد بهذا العمل يخص المجاهدين بالخطاب، ويقول: (ولولا كتاب من اللّه سبق لمسّكم...) والتغاير في التعبير آية عدم الشمول.


المورد الثاني : عدم إقامة الصلاة على المنافقين

أخرج البخاري في تفسير قوله سبحانه:( اسْتَغْفِرْ لَهُمْأَوْ لا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِين ) (التوبة/٨٠).

قال: لما توفي عبد اللّه (ابن أُبي) جاء ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يُكفّن فيه أباه فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه فقام رسول اللّه ليصلّ-ي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال :يا رسول اللّه تصلي عليه و قد نهاك ربّك أن تصلي عليه؟ فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما خيّ-رني اللّه فقال: ( استغفر لهم أو لاتستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة)، وسأزيده على السبعين، قال: إنّه منافق، قال: فصلّى عليه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنزل اللّه( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ) (البقرة/٨٤).(١)

وفي الحديث تأملات وتساوَلات:

أوّلاً: المتبادر من الآية عند الناطقين بالضاد هو أنّ عدد السبعين فيها كناية عن الكثرة بمعنى انّ الاستغفار لا يجدي لهم مهما بلغ عددها سواء أكان أقل من السبعين أو أزيد منه و هذا ما يفهمه العربيّ الصميم من الآية، ويوَيد ذلك انّه سبحانه علّل عدم الجدوى بقوله: ( بأنّهم كفروا باللّه ورسوله) والكافر مادام كافراً لا يستحق الغفران أبداً، وإن استغفر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقّه مائة مرة.

ولكن الظاهر من الرواية انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهم من الآية انّلعدد السبعين خصوصية وانّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما أقدم على الصلاة على عبد اللّه بن أُبي(وهو رأس المنافقين) إلاّ لاَجل أن يستغفر له أزيد من السبعين الذي ربما تكون الزيادة نافعة لحاله ولا خفاء في أنّه على خلاف ما

____________________

١ البخاري: الصحيح: ٦/٦٧، قسم التفسير.


يفهمه العربي الصميم من الآية فكيف بنبيّ الاِسلام وهو أفصح من نطق بالضاد؟!

وثانياً: انّ المتبادر من لفظة «أو» في الآية من قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) أنّ-ها للتسوية أي الاستغفار وعدمه سيان، لاَنّ المحل غير قابل للاستفاضة ولكن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسب الرواية حملها على التخيير حيث قال: إنّما خيّ-رني اللّه وقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)فكيف خفي على النبي مفاد الآية؟!

نعم نقل ابن حجر في فتح الباري لفظة: «اخبرني» مكان «خيرني» و لكنه يخالف ما هو المتضافر من نسخ البخاري على أنّه روى هذه الرواية بصورة أُخرى وهي: «اخّر عني يا عمر فلما أكثرت عليه، قال: إنّما خُيّرت فاخترت لو أعلم انّي زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها».(١)

وثالثاً: كيف قام النبي بالصلاة على المنافق، وهو يشتمل على الاستغفار مع أنّ المروي في الصحاح انّه سبحانه نهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الاستغفار للمشركين، وهو في مكّة المكرّمة وقال:( ما كانَ للنَّبيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَ لَوكانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِما تَبَيّ-نَ لَهُمْأَنَّ-هُمْ أصحابُ الْجَحِيم ) (التوبة/١١٣).

قال ابن حجر: نزلت الآية في قصة أبي طالب حين قالص : لاستغفرنّلك ما لم أنه عنك، فنزلت الآية وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتّفاقاً(٢) وقصة عبد اللّه بن أُبي كانت في السنة التاسعة من الهجرة فكيف يجوز للنبيّ مع النهي المتقدم الاستغفار للمنافق مع الجزم بكفره؟!(٣)

____________________

١ فتح الباري: ٨/٣٣٨.

٢ توفي سيد الاَباطح أبو طالب موَمن قريش في العام العاشر من البعثة، وقد ثبت في محله إيمان أبي طالب ببراهين ساطعة وقد نزلت الآية في حقّ غيره.

٣ فتح الباري: ٨/٣٣٩.


ورابعاً: انّه سبحانه نهى النبي عن الاستغفار في سورة المنافقين، وقد نزلت في غزوة بني المصطلق وغزاهم النبي في العام السادس من الهجرة ، قال سبحانه:( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدي القَوْمَ الفاسِقينَ ) (المنافقون/٦).

ومع هذا البيان الصريح كيف أقدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الصلاة على المنافق والتي لم تكن إلاّ عملاً لغواً غير مفيد؟

وما ربما يتوهم من أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدم على الصلاة استمالة لقلوب عشيرته فهو كما ترى، لاَنّ القرآن يخبر بصراحة انّ الصلاة والاستغفار لا تفيد بحاله، أفيكون عمل النبي بعد هذا التصريح سبباً للاستمالة.

وخامساً: انّمعنى الحديث انّ الخليفة كان أعلم من رسول اللّه بحكم اللّه تعالى بشهادة انّ الوحي وافاه وصدّق قول الخليفة وخطّأ قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالملازمة، وما هذا إلاّ قول عازب و رأي كاذب صدر عن عاطفة انجر القائل معها إلى ترجيح التابع على المتبوع «ما هكذا تورد يا سعدُ الابل».

وأخيراً انّ الحديث بلغ من الشناعة بمكان أنكره جمع غفير من المحقّقين لا سيما أبو بكر الباقلاني، حيث قال في التقريب: هذا الحديث من أخبار الآحاد لا يعلم ثبوته، وقال إمام الحرمين في مختصره: هذا الحديث غير مخرج في الصحيح، وقال أيضاً في البرهان: لا يصححه أهل الحديث.

وقال الغزالي في المستصفى: الاَظهر انّ هذا الخبر غير صحيح.

وقال الداوودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ.

إلى غير ذلك من كلمات أعلام السُّنَّة حول الحديث.(١)

____________________

١ انظر فتح الباري: ٨/٣٣٨.


المورد الثالث: آية الحجاب

روى البخاري في تفسير سورة الاَحزاب عن أنس قال: قال عمر: قلت يا رسول اللّه يدخل عليك البرّ و الفاجر، فلو أمرت أُمّهات الموَمنين بالحجاب، فأنزل اللّه آية الحجاب.(١)

وهذا أحد الموارد الثلاثة التي نزل الوحي على وفق ما اقترحه الخليفة، ولكن في الحديث عدة تساوَلات.

أوّلاً: يخالفه ما رواه نفس أنس، في سبب نزول قوله:( فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجاب ) قال أنس: أنا أعلم الناس بهذه الآية: آية الحجاب، لمّا اهديت زينب إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت معه في البيت صنعت طعاماً ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج ثمّيرجع و هم قعود يتحدثون، فأنزل اللّه تعالى:( يا أَيّها الّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيّ إِلاّأن يُوَذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَير ناظِرِينَ... مِنْ وراءِ حِجاب ) فضرب الحجاب و قام القوم.(٢)

ثانياً: يخالفه ما رواه السيوطي في الدر المنثور قال: وأخرج ابن جرير عن مجاهد انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يطعم و معه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك النبي، فنزلت آية الحجاب.(٣)

ثالثاً: انّ لازم تلك الرواية وما تقدمها أن يكون الخليفة أعلم وأكثر غيرة من

____________________

١ البخاري: الصحيح: ٦/١١٨، تفسير سورة الاَحزاب. من هذا الفاجر الذي كان يدخل على بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فهل كان من المسلمين (الصحابة) «وهم عدول» أو من غيرهم، فإذا كان من غيرهم فكيف يدخل بيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و ليس بمسلم ؟!

٢ المصدر السابق: ٦/١١٩. والآية ٥٣ من سورة الاَحزاب.

٣ الدر المنثور: ٦/٦٤١.


رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذا ما أنكره الخليفة مصرِّحاً في مواطن عديدة بأنّ كلّ الناس أفقه من عمر.

فعن مسروق بن أجدع - التابعي العظيم - قال ركب عمر بن الخطاب منبر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال: «يا أيّها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول اللّهوأصحابه، والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك ولو كان الاِكثار في ذلك تقوى عند اللّه أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرف ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال: ثمّ نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير الموَمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن؟ قال: واي ذلك؟ فقالت: أما سمعت اللّه يقول:( وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ) الآية؟ قال: فقال: اللهمّ غفراً، كلّ الناس أفقه من عمر. ثمّرجع فركب المنبر، فقال: أيّها الناس إنّي كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. وقال اسناده جيد قوي.(١)

ورواه السيوطي في الدر المنثور عن عبد اللّه بن مصعب، قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد القيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك لك، قال: و لِمَ؟

قالت: لاَنّاللّه يقول:( وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ) الآية.

فقال عمر: امرأة أصابت و رجل أخطأ.(٢)

____________________

١ تفسير ابن كثير: ٢/٢٣٠. والآية ٢٠ من سورة النساء.

٢ الدر المنثور: ٢/٤٦٦.


المورد الرابع و الخامس: أخذ المصلي من مقام إبراهيم و...

أخرج السيوطي في الدر المنثور عن البيهقي، وغيره عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت :( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى... ) واجتمع على رسول اللّه نساوَه في الغيرة، فقلت لهنَّ: عسى ربّه أن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنَّ، فنزلت كذلك.(١) هذه الاُمور الخمسة نماذج ممّا ادّعي فيها انّ الوحي وافق رغبة عمر، وقد عرفت انّ كثيراً منها لا يوافق الكتاب. والتشريع أجلّ من أن يكون خاضعاً لرغبة إنسان غير معصوم.٣. احتجاج آدم على موسى بالقدر عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : احتج آدم و موسىعليهما‌السلام : فقال موسى: أنت خليفة اللّه، بيده أسكنك جنته، واسجد لك ملائكته، فأخرجت ذريتك من الجنة، وأشقيتهم. فقال آدمعليه‌السلام : أنت موسى الذي اصطفاك اللّه بكلامه ورسالته، تلومني في شيء وجدته قد قدّر عليَّ قبل أن أخلق؟ قال: فحجَّ آدم موسى.(٢) هذا الحديث رواه البخاري أيضاً، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنّة. فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك اللّه

____________________

١ الدر المنثور:١/٢٩٠. والآية ١٢٥ من سورة البقرة.

٢ المسند الجامع: ٦/١٦٥ برقم ٤١٨٤ نقلاً عن عبد بن حميد برقم ٩٤٩.


برسالاته وبكلامه ثمّ تلومني على أمر قدر عليَّ قبل أن أخلق. فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فحجَّ آدم موسى مرتين.(١) أقول: إنّ الاحتجاج بالقدر في تبرير المعاصي فكرة جاهلية قد أشار إليها سبحانه في كتابه الكريم، فقال:( سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوَُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْهَلْعِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ان تَتَّبِعُونَ إِلاّالظنَّوَإِنْأَنْتُمْ إِلاّتَخْرُصُونَ ) (الاَنعام/١٤٨). وقال سبحانه:( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون ) (الاَعراف/٢٨) فالآيتان تشيران إلى الفكرة الرائجة في العصر الجاهلي فانّهم كانوا يبررّون شركهم، وشرك ابائهم وتحريمهم الحلال واقترافهم الآثام بتقديره سبحانه و علمه بأفعالهم وهي نفس الفكرة التي طرحتها الرواية حيث احتجّ آدم على موسى وأفحمه بأنّه وجده قد قدّر عليه قبل أن يخلق، و التقدير ليست إلاّ مشيته سبحانه و تعالى الواردة في الآية الاُولى: (لَوْ شاءَ اللّه ما أَشْرَكْنا) أو أمره سبحانه الوارد في الآية الثانية «واللّه أمرنا بها». حتّى انّ الفكرة لم تجتثَّ من أُصولها بعد مجيء الاِسلام، وهذا هو السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر انّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر ؟ قال: نعم: قال: فانّ اللّه قدره عليَّ ثمّيعذبني ؟! قال: نعم، يا ابن اللخناء أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(٢)

____________________

١ صحيح البخاري: ٤/١٥٨، باب وفاة موسى.

٢ السيوطي: تاريخ الخلفاء: ٩٥.


إنّ القضاء والقدر من المعارف الاِلهية والتي لا يمكن لمسلم إنكارهما، غير انّ تفسير القضاء والقدر بمثل ما جاء في الرواية أو أشير إليه في الآية السابقة يجعل الاِنسان مكتوف اليدين لاحيلة له أمام الحوادث التي تعصف به، وهو مما ترغب عنه الفطرة السليمة، وينافي دعوة الاَنبياء والمصلحين التي قامت أُسسها على حرية الاِنسان في اختيار مصيره. أظن انّ هذه الاَحاديث قد نسجت وفق العقائد التي روّجها الجهاز الحاكم آنذاك حتى يُبرِّر فكرة انّ الوضع الاجتماعي لا يمكن تغييره أبداً بأي أُسلوب من الاَساليب، فالقوي يبقى قوياً، والضعيف يبقى ضعيفاً، وهكذا الحال في الظالم والمظلوم لكونه مسبوقاً في علم اللّه. ثمّإنّ شرّاح الحديث مالوا يميناً وشمالاً حتى يجدوا له معنى صحيحاً يفارق الجبر، وأنّى لهم ذلك، فانّه يساوي الجبر ، وإلاّ لم يصح احتجاج آدم على موسى، ولم يغلب عليه في مقام المحاجّة حيث اقنعه بقوله بأنّه (ليس علي اللوم وإنّما سبق الكتاب على عملي)، وقد رواه البخاري أيضاً في كتاب القدر عن أبي هريرة(١) باختلاف طفيف. ونقل ابن حجر، عن ابن عبد البر ، انّه قال: هذا الحديث أصل جسيم لاَهل الحق في إثبات القدر وانّ اللّه طوى أعمال العباد، فكلّ أحد يصير لما قُدِّر له بما سبق في علم اللّه، قال: و ليس فيه حجة للجبرية و إن كان في بادىَ الرأي ساعدهم. وقال الخطابي في «معالم السنن» يحسب كثير من الناس انّ معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر وقهر العبد و يتوهم انّ غلبة آدم (على موسى) كانت من

____________________

١ البخاري: ٨/١٢٦، باب في القدر.


هذا الوجه وليس كذلك، وإنّما معناه الاِخبار عن إثبات علم اللّه بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن تقدير سابق منه.(١) يلاحظ عليه: انّ النزاع ليس في تقدم علمه سبحانه على ما يجري في العالم من حوادث وكوارث، إنّما الكلام في احتجاج آدم على موسى ورد اعتراضه، وعندئذٍ إمّا أن يكون علمه السابق سبباً للجبر والسير وراء العلم على وجه القطع أو لا، فعلى الاَوّل يصحّ الجواب ولكن يستلزم الجبر. وعلى الثاني: لا يصحّ الجواب لافتراض انّ علمه سبحانه لا يسلب الاختيار عن آدم و يمكن للاِنسان السير على خلافه فيبقى اعتراض موسى بلا جواب إذ كان بامكان أبينا آدم أن يخالف ما قُدِّر ولم يفعل.٤. قتال المارّ بين يدي المصلي أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان.(٢) والحديث مطلق يدل على جواز دفع المارّ سواء كان بين المصلي والمارّ سترة أو لا، ولكن الرواية الاَُخرى تقيّد القتال بصورة وجود السترة. روى مسلم عنه انّه قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان.

____________________

١ فتح الباري: ١١/٥٠٩.

٢ صحيح مسلم: ٢/٥٧، باب منع المارّ بين يدي المصلي من كتاب الصلاة.


وقد روي عن الاِمام الصادقعليه‌السلام انّه قال: كان طول رحل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذراعاً فإذا كان صلّى وضعه بين يديه يستتر به بين يديه.(١) وفي رواية أُخرى عنهعليه‌السلام قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا صلّى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل موَخرة الرحل، فإن لم يجد فحجراً، فإن لم يجد فسهماً، وإن لم يجد فليخط في الاَرض بين يديه.(٢) وبهذه الروايات يعلم انّ المنع مختص بما إذا استتر المصلي بشيء من المارّ كالرحل والحجر والخط والعصاء. روى الاِمام الصادقعليه‌السلام قال: كان لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنزة في أسفلها عكاز يتوكأ عليها ويخرجها في العيدين يصلى إليها.(٣) وعلى ذلك فلو صلى المصلي من دون أن يجعل بينه و بين المار شيئاً يُعلِمَ به منع المرور فليس له الدفع. نعم ربما يكون مرور المار مكروهاً مطلقاً وإن لم يكن بينه و بين المصلي حائل وساتر. هذا كلّه ممّا اتّفقت عليه المذاهب الفقهية إجمالاً، إنّما الكلام في جواز المقاتلة في ردع المارّ عن العبور كما أشارت إليه رواية أبي سعيد، فالمذكور في رواية أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام هو درأ المارّ على القدر المستطاع. روى ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل هل يقطع صلاته شيء ممّا يمر بين يديه ؟ فقال: لا يقطع صلاة الموَمن شيء، ولكن ادرأوا ما

____________________

١ الوسائل: ٣/٤٣٧، الباب ١٢ من أبواب مكان المصلي، الحديث ٢

٢ الوسائل: ٣/٤٣٧، الباب ١٢ من أبواب مكان المصلي، الحديث ٤و ٧.

٣ الوسائل: ٣/٤٣٧، الباب ١٢ من أبواب مكان المصلي، الحديث ٤و ٧.


استطعتم.(١) وممّا لا شكّ فيه انّ الدرء بالقدر المستطاع عبارة عمّا يمكن للمصلي من ردع المارّ في حال الصلاة كالاشارة باليد أو شيء آخر لا أن تصل إلى المقاتلة، فما تضمّنته رواية أبي سعيد من جواز المقاتلة أمر ينكره الشرع والعقل. امّا الشرع فلما عرفت من انّ الوارد عن طريق أئمّة أهل البيت هو الدرء على القدر المستطاع، وقد نقل عن عليعليه‌السلام انّه قال: إنّالصلاة لا يقطعها شيء، و لكن إدرأوا ما استطعتم هي أعظم من ذلك(٢) وأين هو من المقاتلة؟ وأمّا العقل فهل يجوز إراقة دم مسلم بمجرد مروره امام المصلي مع أنّه لا يبطل صلاته أبداً؟ واحترام دم المسلم أعظم من ذلك فلا يُقتل إذا زنى أو أكل الربا أو ترك الصلاة، فكيف يجوز قتله بمجرد المرور ؟! وأظن انّ الحديث نقل على غير وجهه الصحيح، لكن شراح الحديث تلقوه حقيقة راهنة فجوزوا القتل. قال النووي في تفسير قوله: «فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان» هذا الاَمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنّه مندوب غير واجب. قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يوَدي إلى هلاكه، فان دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم يكون هدراً ؟ فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك. والذي قاله أصحابنا : إنّ المصلي يرده إذا أراد المرور بينه و بين سترته بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدها وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه، وقد أباح له الشرع مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها.(٣)

____________________

١ الوسائل: ٣/٤٣٥، الباب ١١ من أبواب مكان المصلي، الحديث ٨و ٩.

٢ الوسائل: ٣/٤٣٥، الباب ١١ من أبواب مكان المصلي، الحديث ٨و ٩.

٣ شرح مسلم للنووي: ٤/٤٧٠- ٤٧١، باب منع المار.


وفي روايات أئمّة أهل البيت تصريح بالاِغماض عنه. روى أبو بصير المرادي عن الاِمام الصادقعليه‌السلام : لا يقطع الصلاة شيء لا كلب ولا حمار ولا امرأة ولكن استتروا بشيء و إن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الاَرض فقد استترت والفضل في هذا أن تستتر بشيء بين يديك ما تتقي به المارّ، فإن لم تفعل فليس به بأس لاَنّ الذي يصلّي له المصلِّي أقرب إليه ممّن يمرّ بين يديه ولكن ذلك أدب الصلاة وتوقيرها.(١) فقولهعليه‌السلام : «لا يقطع الصلاة شيء لا كلب و... » ورد لردّ الفكرة السائدة يوم ذاك وإلاّ فهو أجل من أن يجمع بين المرأةو الكلب والحمار. فتدبّر. ونحن نحيل القضاء في تمييز ما صدر عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى القارىَ الكريم، فهل الصحيح هو ما روي عن أئمّة أهل البيت «عليهم‌السلام » ، أو ما ورد في صحيح مسلم من تسويغ إراقة دم مسلم لاَجل إصراره على المرور امام المصلي الذي لا يبطل صلاته؟٥. النبي يغفل عن صلاته أخرج الاِمام أحمد ، عن عبد الرحمان بن سعيد الخدري، عن أبيه، قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل اللّه عزّ وجلّ:( وَكَفى اللّهُ المُوَمِنينَ القِتال ) (الاَحزاب / ٢٥) فأمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلالاً ، فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثمّ أقام للعصر، فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثمّأذّن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها.(٢)

____________________

١ وسائل الشيعة:٣/٤٣٥، الباب ١١، الحديث ١٠.

٢ مسند أحمد:٣/٢٥.ومراده من قوله«وذلك قبل أن تنزل»... آية صلاة الخوف.


يلاحظ على مضمون الحديث انّ في الفقه الاِسلامي صلاة باسم صلاة الخوف والمطاردة وقد ورد فيها الذكر الحكيم والسنة الشريفة. أمّا القرآن فقد ورد قوله سبحانه:( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْتَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا ) (النساء/١٠١) وقوله سبحانه:( فَإِنْخِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون ) (البقرة /٢٣٩). أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله:( فَإِنْخِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً ) قال:يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه. وأخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللّه: إذا كانت المسايفة فليوم برأسه حيث كان وجهه فذلك قوله:( فَرِجالاً أَوْ رُكباناً ) . وأخرج ابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : ( فرجالاً): قال: مشاة أو ركباناً، قال: لاَصحاب محمد على الخيل في القتال إذا وقع الخوف فليصل الرجل إلى كلّ جهة قائماً أو راكباً أو ما قدر على أن يومىَ ايماء برأسه أو يتكلم بلسانه.(١) وهذه الاَحاديث التي نقلناها و التي لم ننقلها تعيّن موقف المجاهد في ميدان القتال وانّه ليس له ترك الصلاة بل له أن يومىَ برأسه ما استطاع، و قد روي عن الاِمام الصادقعليه‌السلام هذا المضمون نفسه، وانّه قال: إن خاف من سبع أو لصٍّ كيف يصلي؟ قال: يكبّ-ر ويومىَ برأسه ايماءً.(٢) وعلى ضوء ذلك فما رواه أبو سعيد الخدري: حبسنا يوم الخندق على الصلوات حتى كان بعد المغرب.ناظر إلى غزوة الخندق في العام السادس،

____________________

١ السيوطي، الدر المنثور:١/٧٣٦.

٢ الوسائل: ٥/٤٨٢، الباب ٣ من أبواب صلاة الخوف، الحديث١، وانظر ما ورد في هذا المجال في ذلك الباب.


والآيات الواردة حول صلاة الخوف و المطاردة جاءت في سورة النساء، والمشهور انّها أوّل سورة نزلت في المدينة(١) كما تحكي عنها مضامينها فكيف ترك النبي الصلاة بتاتاً؟ إلاّ أن يقال بنزول غالب آياتها في السنة الاُولى و استثناء ما دلّ على حكم صلاة الخوف. نعم على ما رواه أبو خالد الاَحمر عن ابن أبي ذئب من أنّ ذلك كان قبل نزول قوله سبحانه:( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً ) يلزم نزول آية صلاة الخوف بعد غزوة الاَحزاب وقد عرفت انّه خلاف المشهور. وروى جلال الدين السيوطي ما رويناه عن أبي سعيد مذيلاً بما في رواية ابن أبي ذئب، و قال: كنا مع رسول اللّه يوم الخندق فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا وذلك قوله:( وَكَفى اللّه الموَمِنينَ القِتال ) فأمر رسول اللّه بلالاً فأقام لكلّ صلاة إقامة وذلك قبل أن ينزل عليه( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً ) .(٢) ٦. الوقوع على السبايا قبل الاستبراء أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » في غزوة بني المصطلق وأصبنا سبياً من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدّت علينا العزبة، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل و رسول اللّه بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلاّ وهي كائنة.(٣)

____________________

١ الدر المنثور: ١/٤٦.

٢ الدر المنثور: ١/٧٣٧.

٣ صحيح البخاري:٥/١١٥، باب غزوة بني المصطلق؛ ورواه أحمد في مسنده:٣/٨٢


ويثار حول الحديث سوَالان: الاَوّل: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يوجب عليهم العزل و معنى ذلك انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوغ لهم المجامعة بعد السبي قبل استبرائهنَّ وهو سبب لاختلاط الاَنساب، وقد روي عن نفس أبي سعيد الخدري عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: «لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة».(١) وروي أيضاً عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: «لا يحل لامرىَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» يعني إتيان الحبالى «ولا يحل لامرىَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها».(٢) ر الثاني: انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن العزل واحتج بذلك بأنّها «ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلاّوهي كائنة» ومعنى ذلك انّه قد تعلقت مشيئته سبحانه بوجود الكائن الحي في الرحم ثمّ في الخارج، فالعزل يخالف التقدير. وعند ذلك يتوجه السوَال إذا تعلقت مشيئته بوجود الكائن فأمّا أن يكون التعلق قطعياً أو على تقدير عدم العزل. فعلى الاَوّل يحرم العزل لاَنّه بعزله يتحكّم على تقديره. وعلى الثاني: لا ينسجم تعليل المنع عن العزل بتعلق المشيئة، لاَنّها وإن تعلقت بوجود النسمة الكائنة ولكن تعلقاً مشروطاً بعدم عزل الاِنسان، فإذا همَّ الاِنسان بالعزل فليس هناك مشيئة متعلقة بوجود النسمة الكائنة حتى تكون مانعة عن العزل.

____________________

١ سنن أبي داود: ٢/٢٤٨ برقم ٢١٥٧.

٢ سنن أبي داود: ٢/٢٤٨ برقم ٢١٥٨.


٧. الصوم في السفر

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد اللّه (رض) قالا:سافرنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيصوم الصائم و يفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض.(١)

وسيوافيك الكلام في هذه الرواية عند التطرق إلى روايات أنس بن مالك، ويظهر فيها انّ الصحابة تبعاً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ندّدوا بمن صاموا و عابوا عليهم حتى انّ رسول اللّه سماهم عصاة. إلاّأن ترجع الواقعة إلى الفترة التي لم يُحرّم الصوم فيها.

٨. سلطان إبليس على النبي

أخرج الاِمام أحمد، عن أبي سعيد انّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته، قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الاِبها م والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل.(٢)

وهذا الحديث لا يخلو عن نقاش.

الاَوّل: هل يعرض السهو على النبي أو لا ؟ وهل النبي بما انّه إنسان تلتبس عليه القراءة أو لا ؟ وهذا خارج عن موضوع الحديث.

____________________

١ صحيح مسلم: ٣/١٤٣، باب جواز الصوم والفطر من شهر رمضان.

٢ مسندأحمد:٣/٨٢.ورواه أيضاً عن جابر بن سمرة في:٥/١٠٤ لكن بتفاوت في اللفظ والمعنى؛ ورواه مسلم عن أبي هريرة في :٢/٧٢. وقد مرّت دراسة رواية الاَخير في محلها.


الثاني: هل يكون لابليس (لعنه اللّه) سلطان على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنحو تلتبس عليه القراءة؟ وهذا أمر يرفضه القرآن الكريم:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطانٌ إِلاّمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِين ) (الحجر/٤٢). وقال سبحانه:( إِنهُ لَيْسَ لَهُ سُلطانٌ على الّذينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون ) (النحل/٩٩). وقال تعالى:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَوَكِيلاً ) (الاِسراء/٦٥).

مضافاً إلى أنّ الرواية تشير إلى أنّإبليس موجود عنصري وله حلق و عنق ولعاب وانّ النبي أمسك عنقه فخنقه فوجد برد لعابه بين اصبعيه، وهذه كلّها أُمور لا تخلو من تأمل وإشكال.

الثالث: انّ مفاد الرواية كون الشيطان موجوداً عنصرياً وله من الصفات ما للموجود المادي من كونه متحيزاً في مكان، و معه كيف يمكن له أن يوسوس الناس مع تشتتهم في الاَمصار ، قال سبحانه:( الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُور الناسِ * مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاس ) (الناس/٥- ٦).وكيف يمكن لمتحيّز في مكان معين، أن يحصل له الحضور في أمكنة غير محصورة فيوسوس في صدور الناس.

الرابع: انّه سبحانه يصرّح بأنّ الشيطان يرى الناس وهوَلاء لا يرونه، قال سبحانه:( انّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَروْنَهُمْ ) (الاَعراف/٢٧) وعندئذٍ كيف يصح قوله: «يتلاعب به الصبيان»؟ و هل اللعب إلاّ فرع الروَية؟

إلى غير ذلك من التأملات وقد مضى الكلام في أمثال هذه الرواية عند دراسة روايات أبي هريرة، فلاحظ.

٩. كَذِبَ إبراهيمُ ثلاثَ مرّات

أخرج الترمذي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلاّ تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الاَرض ولا


فخر، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبونا آدم فاشفع لنا إلى ربّك فيقول: إنّي أذنبت ذنباً أُهبطت عنه إلى الاَرض ولكن ائتوا نوحاً، فيأتون نوحاً فيقول: إنّي دعوت على أهل الاَرض دعوة فأُهلكوا ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقول: إنّي كذبت ثلاث كذبات - ثمّ قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما منها كذبة إلاّما حلَّ بها عن دين اللّه - ولكن ائتوا موسى، فيأتون موسى، فيقول: إنّي قد قتلت نفساً ولكن ائتوا عيسى، فيأتوا عيسى، فيقول: إنّي عبدت من دون اللّه ولكن ائتوا محمّداً قال: فيأتونني فانطلق معهم، قال ابن جدعان: قال أنس: فكأنّي انظر إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: فآخذ بحلقة باب الجنة فأُقعقعها(١) فيقال: من هذا؟ فيقال محمد، فيفتحون لي و يرحبون فيقولون مرحباً.(٢)

وأخرجه الاِمام أحمد، عن ابن عباس على وجه التفصيل وبيّن المواضع التي كذب فيها إبراهيم، وقال: فيقول إنّي لست هنا، كم انّي كذبت في الاِسلام ثلاث كذبات واللّه إن حاول(كذا في المصدر) بهنَّ إلاّعن دين اللّه: قوله: (إِنّي سَقيم)(٣) وقوله :( بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِنْكانُوا يَنْطِقُون ) (٤) وقوله لامرأته حين أتى على الملك «اختي»(٥) و انّه لا يهمني إلاّنفسي.(٦)

وأخرجه الاِمام أحمد عن أبي سعيد أيضاً وليس فيه حديث كذب إبراهيم: قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من تنشق عنه الاَرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل شافع يوم القيامة ولا فخر».(٧)

____________________

١ فأُقعقعها: أي أحركها وأصلها حكاية صوت الشيء يسمع له صوت.

٢ سنن الترمذي:٥/٣٠٨ برقم ٣١٤٨.

٣ الصافات:٨٩.

٤ الاَنبياء: ٦٣.

٥ التوراة ، سفر التكوين١٢و١٣، الاصحاح الثاني عشر.

٦ مسندأحمد: ١/٢٨١.

٧ مسند أحمد:٣/٢.


كما أخرجه في الجزء الثاني في مسنده عن أبي هريرة ملخصاً، قال: أنا سيد ولد آدم، وأوّل من تنشق عنه الاَرض، وأوّل شافع، وأوّل مشفع.(١)

وأخرجه ابن ماجة في باب ذكر الشفاعة مثل ما أخرجه أحمد في الجزءين الاَخيرين.(٢)

وأخرجه الاِمام البخاري في باب قول اللّه تعالى:( وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْراهيمَ خَليلاً ) .(٣)

وفي الحديث إشكالات واضحة تسقطها عن الاعتبار.

أوّلاً: انّ الذكر الحكيم يصف إبراهيم بصفات لم يصف بها أحداً من أنبيائه العظام، فقد وصفه بالصفات التالية: حنيفاً(٤) خليلاً(٥) أوّاهاً مُنيباً(٦) أُمّة قانتاً للّه(٧) ،صديقاً نَبياً(٨)

أفيمكن أن يكون الموصوف بهذه الصفات يكذب في دين اللّه وإن كان للغاية المذكورة في الحديث؟

ثانياً: انّه لا دليل على أنّه كذب في الموارد الثلاثة المعروفة.

____________________

١ مسند أحمد:٢/٥٤٠.

٢ سنن ابن ماجة: ٢/١٤٤٠ برقم ٤٣٠٨.

٣ صحيح البخاري:٤/١٤٠، باب قول اللّه تعالى:( واتخَذ اللّه إِبراهيم خليلاً ) (النساء/١٢٥).

٤ آل عمران: ٦٧.

٥ النساء: ١٢٥.

٦ هود: ٧٥.

٧ النحل: ١٢٠.

٨ مريم: ٤١.


أمّا الاَوّل: أعني قوله:( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُوم* فَقالَ إِنّي سَقيم ) (الصافات / ٨٨ - ٨٩) فلا دليل لنا انّه لم يكن حين ذاك سقيماً، وقد أخبر القرآن بإخباره بأنّه سقيم، وذكر سبحانه قبل ذلك انّه جاء ربّه بقلب سليم.

فلا يصحّ عليه كذب ولا لغو في القول.

وأمّا ما هي الصلة بين قوله ( فنظر نظرةً في النجوم) وقوله: (انّي سقيم)؟فخارج عن موضوع بحثنا، ولو لم يظهر لنا وجه الصلة، فلا مسوغ لنا على حمل قوله على الكذب.

وأمّا الثاني أعني: قوله:( قالَبَلْفَعَلهُ كَبِيرُهُمْ هذا فاسئَلُوهُمْ إِنْكانُوا يَنْطِقُون ) (الاَنبياء / ٦٣) فليس بكذب قطعاً فانّ الصدق والكذب من صفات الكلام الصادر عن جدٍّ. وأمّا الكلام الصادر لغاية أُخرى كالهزل والاستهزاء الحق، فلا يوصف بالكذب وممّا لا شك فيه انّإبراهيم تكلّم بما تكلّم و نسب كسر الاَصنام إلى كبيرهم بغية الاستخفاف بعقول القوم حتى يهيّىَ الاَرضية اللازمة لاَن يقولوا له:( لَقَدْ عَلِمْتَ ما هوَلاءِ يَنْطِقُون ) (الاَنبياء / ٦٥) فتتهيأ عندئذٍ أرضية مناسبة لاِفحامهم و تفنيد مزاعمهم بأُلوهية تلك التماثيل، بقوله:( أَفَتَعبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه ما لا يَنْفَعُكُمُ شيئاً وَلا يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه ِ أَفَلا تَعْقِلُون ) (الاَنبياء/ ٦٦-٦٧).

فالكلام الملقى لتسكيت الخصم و إفحامه لا يوصف بالكذب إذا كان هناك قرينة واضحة على أنّه لم يصدر لغاية الجد، بل صدر لتكون مقدمة لاستنطاق الخصم واعترافه بعدم قابلية الاَصنام على التكلم حتى يتابعه إبراهيم بالبرهان الدامغ والتنديد بعقيدتهم الساذجة بما عرفت.

وأمّا الثالث فليس له مصدر إلاّ التوراة المحرفة، فقد جاء فيها:

فحدث لما دخل ابرام إلى مصر أنّ المصريين رأوا المرأة انّ-ها حسنة جداً


ورآها روَساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى ابرام خيراً بسببها وصار له غنم و بقر وحمير و عبيد وإماء وأُتن وجمال فضرب الربُّ فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة ابرام.

فدعا فرعون أبرام و قال: ما هذا الذي صنعت بي، لماذا لم تخبرني انّها امرأتك لماذا قلت هي أُختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي، والآن هو ذا امرأتك خذها واذهب فأوصى عليه فرعون رجالاً فشيعوه وامرأته وكلّ ما كان له.(١)

وثالثاً: نفترض انّه كذب في هذه المواضع الثلاثة، ولكنّه ما كذب إلاّتقية وصيانة لنفسه عن تعرض العدو الماكر، فقد امتثل واجبه، قال سبحانه:( إِلاّأن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاة ) (آل عمران/٢٨) وقال سبحانه:( إِلاّمَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمان ) (النحل/١٠٦).

وعندئذ فما معنى قوله: ما منها كذبة إلاّما حلّبها عن دين اللّه؟ أي خرج بها عن دين اللّه، يقال: حلَّ الرجل أي خرج من إحرامه.

وربما يجعل فعلاً من ماحل يماحل أي دافع، يدافع بمعنى انّه دافع عن دين اللّه ولكنّه لا يناسب سياق الكلام، فانّه إذا دافع بهذه الكذبات عن دين اللّه فقد امتثل المعروف فلِمَ لا تقبل شفاعته، مع أنّ مثل هذا الكذب أفضل من صدق يترتب عليه مفسدة كبيرة.

ورابعاًً: انّ المسيح يعتذر بقوله: «إنّي عُبدت من دون اللّه» وأي ذنب للمسيح إذا عبده غيره؟ قال سبحانه :( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى ) (الاَنعام/١٦٤) وقال سبحانه:( وإِذْ قالَ اللّهُ يا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُوني وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الغُيُوبِ ) ،

____________________

١ التوراة، سفر التكوين١٢و١٣، الاصحاح الثاني عشر.


إلى أن قال سبحانه:( قالَ اللّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِها الاَنْهارُ خالِدينَ فِيها أَبَداً رضي‌ الله‌ عنهمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ هُوَ الْفَوزُ العَظِيمُ ) (المائدة/١١٦- ١١٩) فالمسيح هو من الصادقين الذين ينفعهم صدقهم، فله الجنات التي تجري من تحتها الاَنهار، فلماذا لا تقبل شفاعتهم؟

والعجب انّالترمذي بعدما نقل الحديث قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أبي نضرة عن ابن عباس الحديث بطوله.

١٠. جواز التحدّث عن بني إسرائيل

أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن أبي سعيد الخدري انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: حدّثوا عنّي ولا تكذبوا عليَّ، ومن كذّب عليَّ متعمداً فقد تبوّأ مقعده من النار وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.(١)

وهذا الحديث يكتنفه كثير من الغموض وذلك لا َُمور :

أوّلاً: انّ الاِمام أحمد أخرجه عن أبي سعيد الخدري بلا زيادة قوله: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» فقال: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا تكتبوا عني شيئاً إلاّ القرآن، فمن كتب عنّي شيئاً فليمحه، وقال: حدّثوا عني و من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.(٢)

وثانياً: قد أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري بلا هذه الزيادة وقال: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليَّ - قال همام: احسبه قال متعمداً - فليتبوّأ مقعده من النار.(٣)

____________________

١ مسند أحمد:٣/٤٦.

٢ المصدر السابق:٣/٣٩.

٣ مسلم: الصحيح:٨/٢٢٩، باب التثبت في الحديث.


نعم أخرج البخاري عن عبد اللّه بن عمرو انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار.(١)

وفي سند البخاري أبي كبشة السلولي، قال ابن حجر: و ليس له في البخاري سوى هذين الحديثين.(٢)

والذي يسيء الظن بصحة ما رواه البخاري هو انّ الراوي هو عبد اللّه بن عمرو بن العاص الذي أكثر الرواية عن كتب بني إسرائيل والذي عثر على زاملتين من كتب أهل الكتاب فحدّث عنهما كثيراً.

ثمّ إنّ هنا رواية أُخرى أخرجها البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لاَهل الاِسلام ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم.(٣)

وظاهرها يعرب عن أنّ أبا هريرة شاهد الواقعة و رأى انّ أهل الكتاب كانوا يقرأون بالعبرانية ويفسرون بالعربية، وعند ذلك قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال مع أنّه أسلم بعد فتح خيبر و قد أُجليت اليهود من الجزيرة العربية كبني قينقاع و بني النضير، واجتث جذورهم، فكيف شاهد هذه الواقعة؟ ولعلّه سمعها من غيره ولم يذكر اسمه، وقد مرّ في ترجمة أبي هريرة انّه كان يُدلّس في الاسناد.

وثالثاً: انّ الاِنسان لا يقتنع مهما أحسن الظن برواة الصحاح و المسانيد، إذ كيف يأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتحدث عنهم مع أنّ كتابه يصفهم بأنّهم اقترفوا الكذب والتحريف والوضع في الكتب التي أنزلت على أنبياء بني

____________________

١ البخاري: الصحيح: ٤/١٧٠، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.

٢ فتح الباري: ٦/٤٩٨، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.

٣ البخاري: الصحيح:٩/١١١، باب قول النبي.


إسرائيل.

إنّ الاعتماد على هذه الاَحاديث وأمثالها جرّ الويلات على المسلمين حيث حشُّوا كتبهم بخرافات وأقاصيص بني إسرائيل لا يصدّقها العقل والنقل.

ثمّ إنّ التمسك بجواز النقل عن أهل الحديث بعمل الصحابة كما ترى، فإنّ الحجة هي قول المعصوم وفعله وتقريره لا قول الصحابي، فهم معذورون في نقل هذه الاَحاديث.

قال ابن حجر في تفسير الحديث المروي في صحيح البخاري:« إنّ عمر أتى النبي بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه، فغضب، وقال: لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقّ فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو انّ موسى كان حياً ما وسعه إلاّ أن يتبعني»: إنّ رجاله موثقون إلاّ أنّ في مجالد ضعفاً وأخرج البزار أيضاً من طريق عبد اللّه بن ثابت الاَنصاري انّعمر نسخ صحيفة من التوراة، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء و في سنده جابر الجعفي وهو ضعيف.(١)

وعلى أية حال فما روي عن بني إسرائيل في كتبنا بحاجة إلى تمحيص علمي كي يميز المخالف للكتاب عن موافقه، و ما لا يصدقه العقل عمّا يصدقه، وما يخالف اتفاق المسلمين عمّا يوافقه.

وقد بلغ اعتماد الصحابة على مستسلمة الاَحبار والرهبان بمكان أنّهم كانوا يسندون ما سمعوه من كعب الاَحبار إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظناً منهم بصدق الخبر، وانّ الخبر ينتهي إلى الوحي السماوي، وقد وضعنا أمامك نموذجاً واضحاً على ذلك عند دراسة روايات أبي هريرة، فلاحظ.

هذه دراسة إجمالية لبعض ما أسند إلى ذلك الصحابي الجليل أبي سعيد الخدريّ، من الاَخبار السقيمة، والاَقاصيص الباطلة.

____________________

١ فتح الباري: ١٣/٣٣٤، باب قول النبي لا تسألوا أهل الكتاب.


٣١- عبد اللّه بن عمر

(١٠ق.ه- - ٧٤ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. ليس الاَمر بيد الاِنسان

٢. النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمنع البكاء على حمزة

٣. طلب العلم لغير اللّه

٤. أفضل الناس بعد النبي ثلاثة

٥. أصحابي كالنجوم

٦. أوّل من تنشق عنه الاَرض

٧. الحط من منزلة بعض الصحابة

٨. عدم وقوفه على أبسط المسائل

٩. نفي العدوى

١٠. النبي يأكل ممّا ذبح على الانصاب

هو عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، أسلم بمكة ولم يكن بلغ يومئذ، وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وكان يكنّى أبا عبد الرحمان.

عرض نفسه يوم بدر و أُحد للمشاركة في الجهاد فلم يقبل رسول اللّه، وعرضها في غزوة الخندق و له من العمر ١٥ سنة، فقبله.(١)

موقفه من نقل السنة النبوية

قال ابن حزم في كتاب الاِحكام في الباب الثامن والعشرين: المكثرون من

____________________

١ طبقات ابن سعد:٤/١٤٢.


الفتيا من الصحابة: عمر، وابنه عبد اللّه، علي، عائشة، ابن مسعود، ابن عباس، زيد بن ثابت فهم سبعة.

ولابن عمر في «مسند بَقيّ» ألفان وستمائة وثلاثون حديثاً بالمكرر، واتّفقا له على مائة وثمانية وستين حديثاً، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثاً، ومسلم بأحد وثلاثين حديثاً.(١)

وقد جُمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت١١٤٥ حديثاً في مختلف الاَبواب(٢) ونقل ابن سعد في طبقاته عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام انّه قال: لم يكن من أصحاب رسول اللّهأحد أحذر إذا سمع من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً ألاّ يزيد فيه ولا ينقص منه ولا ولا من عبد اللّه بن عمر.(٣)

ويدل على شدّة تمسكه بالسنّة شواهد:

منها: انّه كان يشترط على من صحبه في السفر الفطر والاَذان والذبيحة، وكان يقول: و لئن أُفطِرَ في السفر فآخذَ برخصة اللّه أحبّ إليَّ من أن أصوم.

ونقل نافع انّعبد اللّه بن عمر لم يكن يصوم في السفر.(٤) ولقد أثبتنا في محلّه(٥) انّ السنّة هي الاِفطار في السفر و انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمّى الصائم في السفر عاصياً.

ومنها: ما أخرجه الترمذي في سننه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، انّ سالم بن عبد اللّه حدثه انّه سمع رجلاً من أهل الشام، وهو يسأل عبد اللّه بن

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٣/٢٣٧.

٢ المسند الجامع، الجزء العاشر ،وقد خصص هذا الجزء لرواياته.

٣ طبقات ابن سعد: ٤/١٤٤.

٤ طبقات ابن سعد: ٤/١٤٨.

٥ البدعة على ضوء الكتاب والسنة: ٢٦٤- ٢٩٦.


عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج.

فقال عبد اللّه بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال عبد اللّه بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها و صنعها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أ أمرَ أبي نتبع، أم أمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: لقد صنعها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

ومنها: ما رواه نافع انّ ابن عمر كان يتبع آثار رسول اللّه كلّ مكان صلّى فيه حتى انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، ويصبُّ في أصلها الماء لكي لا تيبس.(٢)

وكان إذا قدم بسفر بدأ بقبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعمر، فيقول: السّلام عليك يا رسول اللّه. السّلام عليك يا أبا بكر. السلام عليك يا أبتاه.(٣)

والعجب انّه مع زهده و تقشفه كان يتسامح مع الخلفاء الظالمين.

روى الثوري، عن عبد اللّه بن دينار ، قال: لما اجتمعوا على عبد الملك كتب إليه ابن عمر، أمّا بعد: فانّ-ي قد بايعت لعبد اللّه عبد الملك أمير الموَمنين بالسمع والطاعة على سنة اللّه وسنة رسوله فيما استطعت وانّ بنيّ قد أقرّوا بذلك.(٤)

كما نقل عن زيد بن أسلم انّ ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلاّ صلّى خلفه وأدى إليه زكاة ماله، ثمّ نقل عن سيف المازني، قال: كان ابن عمر، يقول: لا أُقاتل في الفتنة وأُصلّي وراء من غلب.(٥)

____________________

١ سنن الترمذي: ٣/١٨٦ برقم ٨٢٤.

٢ سير أعلام النبلاء:٣/٢١٣.

٣ طبقات ابن سعد:٤/١٥٦.

٤ سير أعلام النبلاء: ٣/٢٣١؛ ورواه ابن سعد في طبقاته: ٤/١٥٢.

٥ طبقات ابن سعد: ٤/١٤٢- ١٤٩.


ولهذه الشخصية مواقف متناقضة فتارة يتعاطف مع أئمة أهل البيت ويشهد على ذلك أُمور:

١. يقول في سوَال السائل عن رأيه في عثمان وعلي: أمّا عثمان فقد عفا اللّه عنه و كرهتم أن يعفو اللّه عنه.

وأمّا علي: فابن عمّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وختنه وأشار بيده هذا بيته حيث ترون.(١)

٢. نقل البخاري عن محمد بن أبي يعقوب، سمعت ابن أبي نُعْم سمعت عبد اللّه بن عمرو سأله عن المُحْرِم - قال شعبة - أحسبه يقتل الذباب فقال: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن ابنة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هما ريحانتاي من الدنيا.(٢)

٣. أخرج ابن ماجة عن نافع، عن ابن عمر ، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة وأبوهما خير منهما.(٣)

إلى غير ذلك من الاَحاديث التي تكشف النقاب عن تعاطفه مع أهل البيتعليهم‌السلام في حين انّه كانت له مواقف أُخرى كعدم مبايعته لعليٍّ عند بيعة المهاجرين والاَنصار له.

يقول الطبري: جاءوا بعبد اللّه بن عمر حتى يبايع علياً، فقال: بايع، قال: لا أُبايع حتى يبايع الناس، قال علي: دعوه، انّه لسيّء الخلق صغيراً وكبيراً.(٤)

وقال أيضاً لما قتل عثمان: بايعت الاَنصار علياً إلاّ نُفَيراً يسيراً، منهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري،

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٣/٢٢٩.

٢ صحيح البخاري: ٥/٢٧.

٣ سنن ابن ماجة:١/٤٤ برقم ١١٨.

٤ تاريخ الطبري: ٣/٤٥١.


ومحمد ابن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، كانوا عثمانية.

فقال رجل لعبد اللّه بن حسن: كيف أبى هوَلاء بيعة علي، و كانوا عثمانية؟ قال: أمّا حسّان فكان شاعراً لا يبالي ما يصنع، وأمّا زيد بن ثابت فولاّه عثمان الديوان و بيت المال،... فامّا كعب بن مالك فاستعمله على صدقة «مزينة» وترك ما أخذ منهم له... الخ.(١) هذا يكشف عن أنّ الامتناع عن البيعة كان لغايات دنيوية.

هذا بعض ما يمكن أن يذكر في ترجمته، وقد ترجمه بإسهاب ابن سعد في طبقاته، وابن الاَثير في أُسد الغابة، والذهبي في سير أعلام النبلاء إلى غير ذلك.

وقبل كلّ شيءنذكر أوّلاً نماذج من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه

١. أخرج الترمذي في سننه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بُني الاِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وانّ محمّداً رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت.(٢)

٢.أخرج البخاري، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدّث عن ابن عمر ، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أُمرت أن أُقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه، وانّمحمّداً رسول اللّه، ويقيموا الصلاة، ويوَتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الاِسلام وحسابهم على اللّه.(٣)

____________________

١ تاريخ الطبري:٣/٤٥٢.

٢ سنن الترمذي: ٥/٥ برقم ٢٦٠٩.

٣ صحيح البخاري: ١/١٠، باب «فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم» من كتاب الاِيمان.


٣. أخرج ابن ماجة في سننه، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يُلدغ الموَمن من جُحْر مرتين.(١)

٤. أخرج الترمذي عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاثة على كثبان المسك - أراه قال يوم القيامة - : عبد أدّى حقّاللّه وحقّمواليه ، ورجل أمَّ قوماً و هم به راضون، ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كلّيوم و ليلة.(٢)

٥. أخرج ابن خزيمة، عن نافع، عن ابن عمر: انّالشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فظنّ الناس انّها كسفت لموته، فقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: «أيّها الناس إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا يُكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى الصلاة ، وإلى ذكر اللّه و ادعوا وتصدَّقوا».(٣)

٦.أخرج ابن ماجة في سننه، عن محارب بن دثار، عن عبد اللّه بن عمر ، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق.(٤)

٧. أخرج ابن ماجة في سننه عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : التاجر الاَمين الصدوق المسلم، مع الشهداء يوم القيامة.(٥)

٨. أخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي شجرة كثير بن مرّة، عن ابن عمر ، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إقامة حدٍّ من حدود اللّه خير من مطر أربعين ليلة في بلاد اللّه عزّوجلّ.(٦)

____________________

١ سنن ابن ماجة: ٢/١٣١٨ برقم ٣٩٨٣.

٢ سنن الترمذي: ٤/٣٥٥ برقم ١٩٨٦.

٣ المسند الجامع: ١٠/١٧٧ برقم ٧٣٩١.

٤ سنن ابن ماجة: ١/٦٥٠ برقم ٢٠١٨.

٥ سنن ابن ماجة: ٢/٢٧٤ برقم ٢١٣٩.

٦ سنن ابن ماجة: ٢/٨٤٨ برقم ٢٥٤٧.


٩. أخرج البخاري في صحيحه، عن عمر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت انّه سيورِّثه.(١)

١٠. أخرج أحمد في مسنده، عن خالد بن أبي عمران، عن نافع، عن ابن عمر: انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله. ويقول: والذي نفس محمّد بيده ما توادّ اثنان ففُرِّق بينهما إلاّ بذنب يحدثه أحدهما.

وكان يقول: للمرء المسلم على أخيه من المعروف ست: يسمِّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، و يُنصحه إذا غاب، ويشهده و يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويتبعه إذا مات، و نهى عن هجرة المسلم أخاه فوق ثلاث.(٢)

١١. أخرج مسلم في صحيحه، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، انّه قال: ألا كلّكم راع و كلّكم مسوَول عن رعيته، فالاَمير الذي على الناس راع وهومسوَول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسوَول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسوَولة عنهم، و العبد راع على مال سيده وهو مسوَول عنه، ألا فكلكم راع و كلّكم مسوَول عن رعيته.(٣)

١٢. أخرج أحمد في مسنده، عن محارب بن دثار ،عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيها الناس اتقوا الظلم فانّه ظلمات يوم القيامة.(٤) هذه نماذج من روائع أحاديثه، وإليك بعض ما عُزيت إليه من الروايات السقيمة التي لا يذعن بها الكتاب ولا السنة ولا العقل الحصيف.

____________________

١ صحيح البخاري: ٨/١٠ ، باب الوصاة بالجار من كتاب البر والصلة.

٢ مسند أحمد: ٢/٦٨.

٣ صحيح مسلم: ٦/٨، باب فضيلة الاِمام العادل.

٤ مسند أحمد: ٢/٩٢.


١.ليس الاَمر بيد الاِنسان أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن يحيى بن يعمر، قلت لابن عمر: إنّ عندنا رجالاً يزعمون انّ الاَمر بأيديهم فإن شاءوا عملوا و إن شاءوا لم يعملوا، فقال: أخبرهم إنّي منهم بريء وإنّهم مني بُرآء. ثمّ قال: جاء جبرئيل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا محمد ما الاِسلام؟ فقال: تعبد اللّه لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة، إلى أن قال: فما الاِيمان؟ قال: توَمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله و البعث من بعد الموت والجنّة والنار والقدر كلّه، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا موَمن؟ قال: نعم، قال: صدقت.(١) إنّ المروي موَلف من كلام ابن عمر وكلام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالكلام في صحّة ما استنبطه هو من كلام الرسول. لا يشكّ أيّ مسلم و موَمن في أنّ للّه سبحانه تقديراً في عالم التكوين والتشريع وتدلّ عليه طائفة من الآيات والروايات. قال سبحانه:( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاَرْضِوَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّفي كِتابٍمِنْ قَبل أَنْ نَبْرَأَها انّذلِكَ على اللّه يَسِير ) (الحديد/٢٢). وقال سبحانه:( انّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكة إِنّا كُنْا مُنْذِرينَ* فِيها يُفرقُ كُل أمرٍ حَكيمٍ ) (الدخان/٣و٤). كما لا شكّ انّ هناك أُموراً ليس للاِنسان فيها دور شاء أم لم يشاء، فقد كتب على كلّ إنسان عدم الخلود، قال سبحانه:( وَما جَعَلْنا لِبَشَ-رٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ ) (الاَنبياء/٣٤).

____________________

١ مسند أحمد:٢/١٠٧.


إلى غير ذلك من الحوادث والنوازل التي تنهب نفس الاِنسان ونفيسه ومن حسن الحظ انّ تلك الاُمور الخارجة عن إطار الاختيار ليست ملاكاً للثواب والعقاب ولا للحسن والقبح، فليس لمشيئة الاِنسان أيّ دور فيها. إنّما الكلام فيما يقوم به الاِنسان من الاَعمال التي عليها يدور رحى الاِيمان والكفر ، والثواب والعقاب، وقد سئل ابن عمر عن هذا القسم من الاُمور، حيث قال السائل: « إنّ عندنا رجالاً يزعمون انّ الاَمر بأيديهم فإن شاءوا عملوا و إن شاءوا لم يعملوا» و لا شكّ انّ هذا القسم من الاَفعال بيد الاِنسان ومشيئته فعلاً وتركاً فهو بحول اللّه وقوته يقوم بهذا الاَمر أو يتركه في ضوء الاختيار الذي فطر اللّه الاِنسان عليه، فإنكار المشيئة في هذا النوع من الاَفعال يلازم الجبر المطلق ويعارض الهدف الذي بعث لاَجله الاَنبياء.وبالتالي يكون الاِنسان مكتوف اليدين في مسرح الحياة فما استنتجه ابن عمر من حديث الرسول فرض على الحديث وليس الحديث ناظراً إلى سلب الاختيار، بل تقديره سبحانه في حقّ الاِنسان هو أن يكون إنساناً مختاراً، يعمل بما شاء وفق مشيئته واختياره. وبعبارة أُخرى لا مانع أن يكون هذا القسم من الاَفعال مقدراً من جانبه سبحانه، وفي نفس الوقت يكون فعله وتركه بيد الاِنسان ، وذلك لاَنّ المقدر فيه هو كون الاِنسان مختاراً، وأن يكون الفعل والترك باختياره، فالقول بالاختيار لا يخالف التقدير. فكما انّ أصل الفعل مقدّر من جانبه سبحانه، كذلك وصفه أي صدوره عن فاعل مختار باختياره أيضاً مقدّر ، فلو أنكرنا مشيئتهم ودورهم في أفعالهم فقد أنكرنا تقدير اللّه سبحانه في أفعال الاِنسان.


٢. النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمنع من البكاء على حمزة أخرج ابن ماجة في مسنده، عن نافع، عن ابن عمر: انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » مرَّ بنساء عبد الاَشهل يبكين هلكاهنَّ يوم أُحد، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لكنَّ حمزة لا بواكي له. فجاء نساء الاَنصار يبكينَ حمزة، فاستيقظ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: «ويحهنَّ ما انقلبنَ بعدُ؟ مروهنَّ فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم».(١) والحديث لا يخلو عن إشكالات: الاَوّل: انّ الاِسلام دين الفطرة، وتشريعاته تطابق ما جُبل عليه الاِنسان ولا شكّ انّ الاِنسان عند فقدان الاَحبّة يلوع قلبه وتدمع عينه ويعلو صوته بالبكاء، فالنهي عن مثل هذا الاَمر، نهي عن مقتضى الفطرة والتي عليها بُني الدين، قال سبحانه:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاس عَلَيْها ) (الروم/٣٠). لما أُصيب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوفاة ولده إبراهيم، ذرفت عيناهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، و يحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا انّه وعد صادق وموعود جامع فإنّ الآخر منا يتبع الاَوّل وجدنا عليك يا إبراهيم وجداً شديداً أشد من هذا، وانّا بك يا إبراهيم لمحزونون.(٢) فإذا كان كذلك فالنهي عنه أمر غير معقول إلاّ إذا تكلم بما فيه سخط الرب والاِطاحة بتقديره سبحانه وقضائه، وأمّا إظهار حزنه بذرف الدموع على

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/٥٠٧ برقم ١٥٩١.

٢ السيرة الحلبية:٣/٣١٠؛ سنن ابن ماجة:١/٥٠٦ برقم ١٥٨٩ ولاحظ بحار الاَنوار: ٢٢/١٥٧ إلى غير ذلك من المصادر المتوفرة.


صفحات الوجه، وإظهار اللوعة بالنوح فهذا ممّا لا شبهة في جوازه. وعلى ضوء ذلك رغّب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالبكاء على حمزة لما دخل المدينة بعد غزوة أُحد ورأى النساء يبكين على قتلاهنّ، بكى، وقال: أمّا حمزة فلا بواكي له.(١) وبذلك حرّض النساء على البكاء على حمزة. لما استشهد جعفر في موَتة دخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيت جعفر ليعزي أسماء بنت عميس، فلمّا أراد أن يخرج قال:على مثل جعفر فلتبكي البواكي.(٢) أخرج الحاكم بسنده، عن أبي هريرة، قال: خرج النبي على جنازة ومعه عمر ابن الخطاب فسمع نساءً يبكين، فضربهنَّ عمر، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عمر دعهنَّ، فانّ العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب.(٣) كلّ ذلك يعرب عن موقف الاِسلام من البكاء على الميت وانّه لم ينه من البكاء وإنّما نهى عن الكلمات التي تُسخط الرب. الثاني: انّ ذيل الحديث يناقض صدره فانّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: «لكن حمزة لا بواكي له» يحرِّض النساء على البكاء على حمزة، وعلى ذلك فقد اجتمعت النساء للبكاء عليه بأمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فما معنى لما جاء في ذيل الحديث «فاستيقظ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: ويحهنَّ ما انقلبن بعدُ، مروهنّ فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم» ؟! الثالث: استشهد حمزة في غزوة أُحد و هو في السنة الثانية من الهجرة مع أنّ الرسول بكى بعده مرات، حيث بكى على ابنه الذي توفي في العام العاشر من الهجرة، كما بكى عند قبر أُمّه.

____________________

١ مسند أحمد: ٢/٤٠؛ والاستيعاب بهامش الاِصابة: ١/٢٧٥؛ إلى غير ذلك من المصادر.

٢ أنساب الاَشراف:٢/ ٤٣.

٣ الحاكم ، المستدرك: ١/٣٨١، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين؛ ولاحظ سنن النسائي: ٤/١٩٠، إلى غير ذلك من المصادر.


روى الحاكم في المستدرك بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: زار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبر أُمّه في ألف مقنع فلم ير باكياً أكثر من يومئذ. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.(١) وأمّا ما أثر عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في فضيلة البكاء على الحسينعليه‌السلام وغيره من الاَئمة المعصومينعليهم‌السلام فحدِّث عنه ولا حرج.

٣. طلب العلم لغير اللّه أخرج ابن ماجة في مسنده، عن خالد بن درْيك، عن ابن عمر ، انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من طلب العلم لغير اللّه، أو أراد به غير اللّه، فليتبوّأ مقعده من النار.(٢) يلاحظ عليه: أنّ مفاد الحديث هو انّ طلب العلم فريضة عبادية لا تطلب إلاّ لوجه اللّه فلو طلب لغيره، فقد ترك الفريضة. توضيحه: انّ الواجب على قسمين: تعبدي و توصلي، ويراد من الاَوّل ما يوَتى به لوجه اللّه تبارك و تعالى و امتثال أمره بحيث لو قصد به غيره لبطل العمل، كما إذا صلّى رياءً وسمعة. ويراد من الثاني ما يكون المطلوب نفس العمل سواء أتى به لوجه اللّه أو لغيره، وهذا كما في تطهير الثوب للصلاة فلو طهّره لا للصلاة بل لغاية أُخرى صحّ تطهيره وصحّت إقامة الصلاة فيه. وعلى ضوء هذا نقول: إنّ طلب العلم يوصف بالوجوب تارة والندب أُخرى والاِباحة ثالثاً والكراهة رابعاً والحرمة خامساً.

____________________

١ الحاكم، المستدرك:١/٣٧٥.

٢ سنن ابن ماجة:١/٩٥ برقم ٢٥٨؛ سنن الترمذي: ٥/٢٣ برقم ٢٦٥٥.


فطلب علم الشريعة وأحكامها واجب توصلي لا تعبدي، فلو طلبه لغايات دنيوية فقد امتثل الواجب غاية الاَمر لا يترتب عليه ثواب إذا لم يقصد به وجه اللّه لا انّه يوعد بالنّار كما في الحديث. كما أنّ طلب العلم إذا كان مستحباً فهو مطلوب توصلي يقصد به أن يقف الطالب على ما دعا إليه الشارع والغاية حاصلة وان طلبها لاَجل أُمور أُخرى ولا يحكم عليه بالفسق والعصيان. وأمّا ما في الرواية فمعناه انّ طلب العلم فيما يرتبط بالواجبات والمستحبات يجب أن يقصد به وجه اللّه، فمن ترك الشرط وطلبه لغير اللّه فلم يأت بالفريضة، وهذا أمر لا يوافق عليه أحد هذا حكم الواجب أو المستحب من طلب العلم وأمّا طلب العلم المباح وغيره فلا أظن أحداً يشترط فيه وجه اللّه على نحو لو طلب العلوم الرياضية أو الفيزياوية لرفاه حاله وحال عياله فقد ارتكب معصية موبقة يتبوّأ مقعده من النار. ولعلّ المراد من العلم هو علم الشريعة والاِيعاد بالنار يختص بما إذا كانت الغاية من تعلّمه، أمراً حراماً، فعندئذٍ عليه أن يتبوّأ مقعده من النار، فتدبّر.٤. أفضل الناس بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثة أخرج البخاري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا نخيّر بين الناس في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنخير أبا بكر ثمّ عمر بن الخطاب ثمّ عثمان بن عفان.(١) أخرج أحمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر ، قال: كنّا

____________________

١ صحيح البخاري: ٥/٤، باب فضل أبي بكر.


نعدّ ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّ وأصحابه متوافرون أبو بكر وعمر و عثمان ثمّ نسكت.(١) أخرج أبو داود، عن سالم بن عبد اللّه، عن ابن عمر، قال: كنّا نقول و رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيّ: أفضل أُمّة النبيبعده أبو بكر ثمّ عمر ثم عثمانرضي‌ الله ‌عنه م أجمعين.(٢) أخرج أبو داود عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنّا نقول في زمن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : لا نعدل بأبي بكر أحداً ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ نترك أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا نفاضل بينهم.(٣) يستفاد من الحديث أمران: الاَوّل : أفضلية الثلاثة على غيرهم من الناس. الثاني: الناس بعد الثلاثة كلّهم في الفضل سواء فيقع الكلام في مقامين:الاَوّل: أفضلية الثلاثة على غيرهم: إنّ ما عُزِي إلى ابن عمر إنّما هو استنباط شخصي يعود إليه، و لم يعرج المستنبط فيه على دليل واضح وبرهان ساطع إنّ تفضيل الثلاثة على غيرهم فرع وجود ملاكات توفرت فيهم دون غيرهم وعلى أساسها فُضِّلوا بها على غيرهم. إنّ هذه الملاكات لا تخرج عن أحد أمرين:

____________________

١ مسند أحمد: ٢/١٤.

٢ سنن أبي داود: ٤/٢٠٦ برقم ٤٦٢٨.

٣ سنن أبي داود:٤/٢٠٦ برقم ٤٦٢٧.


أ. ملاكات روحية وفضائل نفسانية. ب. ملاكات عملية وسلوكية. وإليك الكلام في كلا الملاكين: أ. الملاكات الروحية والفضائل النفسانية لا شكّ انّ الملاكات الروحية كالسبق إلى الاِسلام والاِيمان باللّه والخشوع امامه و العلم الغزير الذي يفيد الناس تعد سبباً للتقدّم، ولكن لا أظن سبق الخلفاء الثلاثة على غيرهم في هذا المضمار وفي الاُمّة مثل علي بن أبي طالب «عليه‌السلام » أوّل الناس إسلاماً وأتقاهم وأزهدهم وأقضاهم وأعلمهم. ويكفي في ذلك، الاِمعان فيما نزل في حقّه في سورة الاِنسان ، فقد اتّفقت الاُمّة على نزولها في حقّه وزوجته وأولاده، قال سبحانه:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُريدُمِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً * إِنّا نَخافُمِنْ رَبِّنا يَوماً عَبُوساً قَمْطَريراً * فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ اليَومِ وَلَقّاهُمْ نَضْرةً وَسُروراً ) (الاِنسان/ ٨ - ١١). وقد ضحّى بنفسه عندما نام على فراش النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنزلت في حقّه الآية التالية:( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللّهِ وَاللّهُ رَوَوفٌ بِالعِباد ) (البقرة/٢٠٧) وهذا غاية الزهد في الدنيا والتجافي عنها. وقد بلغ من الاِيمان بمكان عُدّ تأمينه لدعاء النبي موجباً لنزول العذاب حيث شارك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المباهلة مع زوجته وولديه، ونزل قوله سبحانه:( فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُل تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلى الكاذِبينَ ) (آل عمران/٦١).


فهذه الآيات وما ورد حولها من الكلمات تعرب عن وجود فضائل و مناقب فائقة لعليعليه‌السلام أدّت إلى تفضيله على غيره، فكيف يقول ابن عمر: «كنّا نعدّ ورسول اللّه حيّ وأصحابه متوافرون أبو بكر وعمر و عثمان ثمّ نسكت». وقد بلغ في العلم بالعقيدة والشريعة مقاماً كان يربو بعلمه على جميع الصحابة وكانوا يرجعون إليه في القضايا والمشكلات دون غيره وانّ أوّل من صرح له بالاَعلمية نبي الاِسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله لفاطمة «عليها‌السلام »: أما ترضين انّي زوّجتك أوّل المسلمين إسلاماً، وأعلمهم علماً.(١) وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها: زوجتك خير أُمّتي، أعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأوّلهم سلماً.(٢) وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها: إنّه لاَوّل أصحابي إسلاماً، وأقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً.(٣) وقد اعترف ثلة من الصحابة والصحابيات بفضيلته وهذه عائشة تقول: عليّ أعلم الناس بالسنة.(٤) ويقول عمر: علي أقضانا.(٥) وقد اشتهر قول عمر: لولا علي لهلك عمر اشتهاراً لا حاجة به إلى تخريج سنده.(٦)

____________________

١ كنز العمال: ١١/٦٠٥ برقم ٣٢٩٢٤ - ٣٢٩٢٥.

٢ أخرجه الخطيب في المتفق والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه :٦/٣٩٨.

٣ مسند أحمد:٥/٢٦.

٤ الاستيعاب: ٣/٤٠ هامش الاصابة، طبعة عام ١٣٥٨ه-.

٥ حلية الاَولياء: ١/٦٥.

٦ صحيح مسلم: ٧/١٢٠، باب فضائل علي بن أبي طالبعليه‌السلام .


ب. الملاكات العملية والسلوكية

ثمة ملاكات عملية يقوَّم بها الموَمن حال حياته وأفضلها الجهاد في سبيل اللّه قال سبحانه:( فَضَّلَ اللّهُ المُجاهِدينَ عَلى القاعِدينَ أَجْراً عَظِيماً ) (النساء/٩٥).

ولا شكّ انّ عليّاًعليه‌السلام أكثر الناس جهاداً وقد شارك في جميع الغزوات إلاّ غزوة تبوك فخلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمدينة بأمره.

والعجب انّ عبد اللّه بن عمر صاحب هذا الاجتهاد، استنتج خلاف ما جاء في هذا الحديث، في حديث آخر أخرجه عنه الاِمام أحمد في مسنده عن عمر بن أسيد، عن ابن عمر ، قال: كنّا نقول في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسول اللّه خير الناس ثمّ أبو بكر ثمّ عمر ولقد أُتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لاَن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليَّ من حُمر النعم زوّجه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ابنته وولدت له، وسدّ الاَبواب إلاّ بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر.(١)

ترى فيه تراجعاً عن رأيه في حقّ الشيخين، فمع انّه يعترف في صدر الحديث بأفضليتهما، ولكن يستدرك بأنّ ابن أبي طالب أُتي ثلاث خصال ليس له فيها نظير.

وأظن انّ ابن عمر اقتبس ما استنبطه في حقّ عليعليه‌السلام من كلام سعد بن أبي وقاص على ما أخرجه مسلم في صحيحه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، قال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب، فقال: امّا ما ذكرت ثلاثاً، قالهنّ له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلن أسبَّه، لاَن تكون لي واحدة منهنّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم، سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول اللّه خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي.

____________________

١ مسند أحمد: ٢/٢٦.


وسمعته يقول يوم خيبر: لاَعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياًعليه‌السلام ، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.

ولما نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبناءَكُمْ ) دعا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناًعليهم‌السلام فقال: اللهمّ هوَلاء أهلي.(١)

إنّ ما استنتجه عبد اللّه بن عمر إنّما يصحّ إذا لم يكن بين الصحابة من هو أفضل منهم، وهل يتصور أن يكون الثلاثة أفضل من أبي ذر الذي عرّفه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى»؟(٢)

لقد كان بين الصحابة من ملىَ إيماناً إلى مشاشه و ما عرض عليه أمران إلاّ اختار الاَرشد منهما و انّرسول اللّه أمر بحبه.

أخرج ابن ماجة، عن علي بن أبي طالب، قال: كنت جالساً عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستأذن عمّار بن ياسر ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ائذنوا له مرحباً بالطيب المطيب.(٣)

وروي أيضاً انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ملىَ عماراً إيماناً إلى مشاشه.(٤)

وروي عن عائشة قالت: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

____________________

١ صحيح مسلم: ٧/١٢٠-١٢١ باب فضائل علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

٢ وقد أخرجه غير واحد من الحفاظ وأهل الحديث نذكر منهم مسند أحمد:٢/١٦٣؛ مستدرك الحاكم: ٣/٣٤٤ صحّحه وأقره الذهبي ؛ سنن ابن ماجة: ١/٥٥ برقم ١٥٦؛ سنن الترمذي: ٥/٦٦٩ برقم ٣٨٠١- ٣٨٠٢.

٣ ابن ماجة: السنن: ١/٥٢ برقم ١٤٦؛ الترمذي، السنن: ٥/٦٦٨ برقم ٣٧٩٨.

٤ ابن ماجة: السنن: ١/٥٢ برقم ١٤٧.


عمار ما عرض عليه أمران إلاّ اختار الاَرشد منهما.(١)

وروي عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّ اللّه أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنّه يحبهم قيل: يا رسول اللّه من هم؟ قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثاً، و أبو ذر و سلمان والمقداد.(٢)

الثاني: كلّ الناس بعد الثلاثة في الفضل سواء:

إنّ الحديث كما كان يتضمن أفضلية الثلاثة من جميع الناس، يتضمن أيضاً انّ سائر الناس في الفضل سواسية، وهذا أيضاً مخالف لاِجماع المسلمين على أفضلية علي عن غير الثلاثة من الصحابة كما هو واضح، و لذلك نرى انّ ابن عبد البر أنكر صحّة الحديث، ويقول:

قال أبو عمرو : من قال بحديث ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبو بكر، ثمّ، ثمّ، ثمّ عثمان، ثم نسكت - يعني فلا نفاضل - و هو الذي أنكر ابن معين وتكلم فيه بكلام غليظ، لاَنّ القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه و الاَثر: انّ علياً أفضل الناس بعد عثمان، وهذا ممّا لم يختلفوا فيه و إنّما اختلفوا في تفضيل عليّوعثمان.(٣)

٥. أصحابي كالنجوم

أخرج ابن حميد عن نافع، عن ابن عمر ، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: مثل أصحابي مثل النجوم يهتدي به، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم.(٤)

____________________

١ ابن ماجة: السنن: ١/٥٢ برقم ١٤٨؛ الترمذي، السنن: ٥/٦٦٨ برقم ٣٧٩٩.

٢ ابن ماجة: السنن: ١/٥٣ برقم ١٤٩.

٣ الاستيعاب:٣/٥٢.

٤ المسند الجامع: ١٠/٧٨٢ برقم ٨٢١٩ نقله عن مسند عبد بن حميد.


يلاحظ عليه : أنّ متن الحديث يكذب صدوره إذ ليس كلّنجم هادياً في البرّ و البحر بل هناك نجوم خاصة للاهتداء، ولاَجل ذلك قال سبحانه:( وَعَلاماتٌ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون ) (النحل/١٦).

وأمّا قوله سبحانه:( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَومٍ يَعْلَمُونَ ) (الاَنعام/٩٧) فاللام في النجوم للعهد، أي النجوم المعهودة التي كانت العرب يومذاك يهتدون بها في البر والبحر وليست للاستغراق.

ولا يتمشى ذلك الحمل في الحديث، لاَنّ الغاية فيها التبسيط والتعميم لكلّ صحابي كما هو صريح قوله: «فأيّهم أخذتم بقوله اقتديتم» فلا محيص من حمل «كالنجوم» على الاستغراق والمفروض انّ كلّ نجم ليس هادياً.

ولو افترضنا الاهتداء بكلّ نجم في السماء، أفهل يمكن أن يكون كلّ صحابي نجماً لامعاً هادياً للاَُمّة؟ فهذا قدامة بن مظعون، صحابي بدري يعد من السابقين الاَوّلين ومن المهاجرين هجرتين، شرب الخمر وأقام عليه عمر الحدّ، كما أنّ المشهور انّ عبد الرحمان الاَصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.(١)

كما انّ بعض الصحابة خضّب وجه الاَرض بالدماء فمن استقصى تاريخ حياة بسر بن أرطأة يجد انّه اقترف جرائم كثيرة، حتّى قتل طفلين لعبيد اللّه بن عباس، و كم بين الصحابة رجال قد احتفل التاريخ بضبط مساوئهم، أفبعد هذه البيّنات يصحّ لاَحد أن يتقوّل بأنّهم جميعاً - بلا استثناء - كالنجوم يهتدى بهم؟!

يقول أبو جعفر النقيب: إنّهذا الحديث من موضوعات متعصبة الاَموية، فإنّ منهم من ينصرهم بلسانه و بوضعه الاَحاديث إذا عجز عن نصرهم

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/٣١٢.


بالسيف.(١)

ولعل القارىَ الكريم يتصور انّ أباجعفر النقيب ممن ينفرد في شأن هذه الرواية و ليس الاَمر كذلك ، بل حكم بوضعه كثير من محقّقي السنّة، وقد رويت بصور مختلفة:

أ. أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم

رواه ابن عبد البر في جامع العلم (٢/٩١) ،و ابن حزم في الاحكام (٦/٨٣) من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الاَعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً به، وقال ابن عبد البر:«هذا إسناد لا تقوم به حجّة، لاَنّ الحارث بن غصين مجهول».

وقال ابن حزم:«هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الاَحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك».(٢)

ب. مهما اوتيتم من كتاب اللّه فالعمل به ، لا عذر لاَحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللّه، فسنّة منّي ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيّها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.

أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الدراية ، ص ٤٨، وكذا أبو العباس العصم وابن عساكر (٧/٣١٥/٢) من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعاً.

وهذا اسناد ضعيف جداً، سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم

____________________

١ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: ٢٠/١٢.

٢ لاحظ سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة: ١/٧٨.


(٢/١/١٣٨) عن أبيه «ضعيف الحديث».

وجويبر هو ابن سعيد الاَزدي متروك كما قال الدار قطني، والنسائي وغيرهما، والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس.(١)

ج. سألت ربّي فيما اختلف فيه أصحابي من بعد فأوحى اللّه إليّ: يا محمد: انّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه فهو عندي على هدى.

رواه ابن بطّة في الابانة(٤/١١/٢) والخطيب أيضاً، نظام الملك في الاَمالي(١٣/٢) والضياء في المنتقى عن مسموعاته بمرو(١١٦/٢) وكذا ابن عساكر (٦/٣٠٣/١) من طريق نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.

وهذا السند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف، قال الحافظ: يخطأ كثيراً. وعبد الرحيم بن زيد العمي كذاب فهو آفة.(٢)

هذا قليل من كثير ممّا ذكره الشيخ الالباني المعاصر في كتابه، و من أراد التفصيل فليرجع إلى نفس الكتاب.

وقد أضاف في آخر تحقيقه، وقال: لو صحّ هذا الخبر يكون المراد إنّ ما قالوه برأيهم يجب العمل به، وهذا دليل آخر على أنّالحديث موضوع، وليس من كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ كيف يسوغ لنا أن نتصور انّ النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » يبرر لنا أن نقتدي بكل رجل من الصحابة مع أنّ فيهم العالم والمتوسط في العلم،ومن هو دون ذلك وكان فيهم مثلاً من يرى انّ البردة لا يفطر الصائم بأكله.(٣)

____________________

١ المصدر نفسه.

٢ المصدر نفسه.

٣ سلسلة الاَحاديث الضعيفة و الموضوعة، وحديث البرد أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، لاحظ ٢/٣٤٠، وهوحديث غريب يضاد القرآن والسنة وإجماع المسلمين، كما مرّ في مقدّمة الكتاب.


روى أنس قال:

مطرت السماء برداً، فقال لناأبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل يأكل وهو صائم وذلك في رمضان، فقلت: أتأكل وأنت صائم؟فقال: إنّما هو برد نزل من السماء فطهر به بطوننا، وإنّه ليس بطعام ولا بشراب، فأتيتُ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فأخبرته بذلك، فقال: خذها عن عمِّك(١)

٦. أوّل من تنشق عنه الاَرض

أخرج الترمذي في مسنده، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر ، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا أوّل من تنشق عنه الاَرض، ثمّ أبو بكر، ثمّعمر، ثمّ آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثمّ أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين.(٢)

يلاحظ عليه: أنّ الهدف من وراء هذا الترتيب هو بيان الاَفضلية فالاَفضل والاَفضل تنشق عنه الاَرض حتى تصل النوبة إلى غيره، وعلى ضوء هذا الحديث انّ أهل البقيع يحشرون في الدرجة الثالثة ويعقبهم أهل مكة في الدرجة الرابعة ومعنى ذلك انّ هوَلاء أفضل من وطئوا الاَرض فيقدمون في الحشر ، وتصبح النتيجة انّ غيرهم يتأخرون فضيلة عنهم كعلي بن أبي طالب و الحسن بن علي ونظائرهما الذين لهم أضرحة خارج مكة والمدينة وهل الاَمر كذلك؟!لا أدري..

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة، هي انّ هذا الحديث يشير إلى أنّ الحشر يوم القيامة أمر تدريجي، فالناس يحشرون و يخرجون من أجداثهم تدريجاً مع أنّه يخالف ما عليه ظاهر القرآن من وقوع البعث بغتة وحشر الناس دفعة واحدة.قال سبحانه:( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الاََجْداثِ إِلى رَبِّهِمْيَنْسِلُونَ ) (يس/٥١)وقال

____________________

١ الطحاوي، مشكل الآثار : ٢/٢٣٨ برقم ١٩٨٣.

٢ سنن الترمذي: ٥/٦٢٢ برقم ٣٦٩٢.


تعالى :( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُون ) (الزمر/٦٨) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في وقوع القيامة فجأة وحشر الناس جميعهم دفعة لا تدريجاً، و هذا على خلاف ما جاء في الرواية «ثم انتظر أهل مكة ...».

٧. الحط من منزلة بعض الصحابة

أخرج مسلم في صحيحه، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمر بقتل الكلاب إلاّ كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية، فقيل لابن عمر: إنّ أبا هريرة يقول: أو «كلب زرع» فقال ابن عمر: إنّ لاَبي هريرة زرعاً.(١)

يشير ابن عمر إلى ما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من اتخذ كلباً إلاّ كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كلّ يوم قيراط، قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة ، فقال: يرحم اللّه أبا هريرة كان صاحب زرع.(٢)

وكان ابن عمر يشير بقوله: إنّ لاَبي هريرة زرعاً، انّه أضاف هذا الاستثناء لاَجل امتلاكه زرعاً وحرثاً ولولاه لما أضاف، ومعنى ذلك انّ أبا هريرة زاد على الحديث من جانبه.

ويوَيد ذلك أمران:

أ. انّه نُقل الحديث عن أبي هريرة مرّة بلا هذه الزيادة، أخرج مسلم، عن أبي رزين، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من اتخذ كلباً ليس بكلب صيد ولا غنم نقص من عمله كلّيوم قيراط.(٣)

ب. انّه لما ذكر لابن عمر قول أبي هريرة، أجابه بقوله: يرحم اللّه أبا هريرة

____________________

١ صحيح مسلم: ٥/٣٦ ، باب الاَمر بقتل الكلاب؛ سنن الترمذي: ٤/٧٩ برقم ١٤٨٨.

٢ صحيح مسلم: ٥/٣٨، باب الاَمر بقتل الكلاب.

٣ المصدر نفسه.


كان صاحب زرع، فانّه يشير باسترحامه عليه إلى زلّته في ذلك النقل.

هذا هو المفهوم من الرواية، ولكن النووي حمل الرواية على غير ما هو المفهوم عرفاً، وقال نقلاً عن العلماء:ليس هذا توهيناً لرواية أبي هريرة ولا شكاً فيها، بل معناه انّه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة انّ المبتلي بشيء يُتقنه ما لا يتقنه غيره ويتعرض من أحكامه ما لا يعرفه غيره.(١)

أقول: لم يكن الحديث حديثاً مفصلاً حتى يصعب على ابن عمر حفظه فلو سمع من رسول اللّه لنقله بلا نقيصة، فالرسول حدّث حديثاً واحداً سمعه كلّ من حضره من ابن عمر و أبي هريرة، ولكن نقل الثاني مع الزيادة دون الاَوّل وابن عمر يدّعي انّه ما خانته ذاكرته، بل زاد أبو هريرة من عنده. واللّه العالم.

٨. عدم وقوفه على أبسط المسائل

أخرج البخاري في صحيحه، عن سالم انّ عبد اللّه بن عمر – رضي ‌الله‌ عنهما - أخبره انّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتغيظ فيه رسول اللّه، ثمّ قال: ليراجعها، ثمّيمسكها حتى تطهر ثمّ تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدّة.(٢)

أخرج أبو داود عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، انّه سمع عبد الرحمان بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع، قال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟ قال: طلق عبد اللّه بن عمر امرأته وهي حائض على عهد

____________________

١ شرح النووي: ١٠/٤٩٧.

٢ صحيح البخاري: ٦/١٥٥، في تفسير سورة الطلاق.


رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأل عمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد اللّه: فردَّها عليَّ ولم يرها شيئاً، وقال: «إذا طهرت فليطلق أو ليمسك».

قال ابن عمر: وقرأ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( يا أَيُّهَا النَبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَطَلِّقُوهُنَّ ) في قُبُلِ عدّتهنّ.(١)

إنّ غضب رسول اللّه على فعل ابن عمر كما في الرواية الاُولى وقراءته الآية كما في الرواية الثانية تعرب عن أنّ البيان والتشريع كان قد تم في عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانّه بلّغ ما يجب عليه إبلاغه وذلك بنزول سورة الطلاق التي جاء في مطلعها قوله:( يا أَيُّها النّبيّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) .

وهذا يدل على عدم وقوف عبد اللّه بن عمر على أبسط المسائل وأوضحها وأكثرها ابتلاءً في أوساط المسلمين، ولم يكن والده أيضاً أكثر اطلاعاً منه.

٩. نفي العدوى

أخرج ابن ماجة، عن يحيى بن أبي حية، عن أبيه، عن ابن عمر ، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، فقام إليه رجل أعرابي فقال: يا رسول اللّه : أرأيت البعير يكون به الجرب فيُجرب الاِبل كلّها، قال: ذلكم القدر، فمن أجرب الاَوّل؟!(٢)

وثمة تساوَلات:

١. «العدوى» عبارة عن انتقال المرض من مريض إلى سليم وهذا أمر واضح لا يشوبه شكٌّ ومن سنن اللّه تبارك و تعالى خلق الجراثيم التي تنقل الاَمراض، ولا ينافي ذلك تقدير اللّه سبحانه فإنّ عمل الجراثيم من تقديره سبحانه، فلا منافاة بين العلل الطبيعية التي هي مظاهر سننه وتقاديره، والقول

____________________

١ سنن أبي داود:٢/٢٥٦ برقم ٢١٨٥ والآية ١ من سورة الطلاق.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٣٤ برقم ٨٦.


بالقضاء والقدر، لاَنّ تأثير الاَسباب الطبيعية بإذن اللّه سبحانه ، و تأثيره من تقديراته ، قال سبحانه:( وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرج بِهِ مِنَ الثَّمرات رِزقاً لَكُمْ ) (البقرة/٢٢) أي أخرج بسبب الماء. إلى غير ذلك من الآيات الناصّة على تأثير الاَسباب الطبيعية بإذن اللّه. فلما نفى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - حسب ما جاء فيها - العدوى بنحو مطلق بدت على وجه الاعرابي علائم الاستغراب، و أدرك انّ ما سمعه من النبي يخالف الملموس في حياته فسأله وقال: أرأيت البعير يكون به الجرب فيُجرب الاِبل كلّها، فكيف تنفي العدوى وانتقال المرض من حيّ إلى آخر؟!

فما ورد في الرواية من الجواب لا يقنعه ولا يزيل استغرابه، فانّ الجواب فيها عبارة عن قوله:«ذلكم التقدير» أي انّ الانتقال بتقديره سبحانه لا بالعدوى مع انّه لا تنافي بين الاَمرين، وذلك لاَنّ انتقال المرض من مريض إلى صحيح، سنة من سنن اللّه سبحانه، سنّها وقدّرها كما قدّر سائر السنن الكونية، فلا مانع من أن يكون هناك تقدير وفي الوقت نفسه عدوى.

٢. انّ المجيب في الرواية لم يقتصر بقوله: «ذلكم التقدير» بل ضمّ إليه جواباً آخر وهو انّه لو صحّ «العدوى» فمن جرّب البعير الاَوّل إذ لم يكن هناك إلاّ بعير واحد ابتلي بالمرض حتى يكون هو السبب للجرب.

مع أنّ هذا الجواب لا يصلح للردّ أبداً إذ يمكن أن يكون للمرض عاملان أحدهما: «العدوى»، وثانيهما: «تأثير العوامل الطبيعية الاُخرى».

٣. كيف تنفي الرواية العدوى مع أنّ سعد بن أبي وقاص نقل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال:

«وإذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تهبطوا، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه»(١)

____________________

١ مسند أحمد: ١/١٧٤؛ سنن أبي داود برقم ٣٩٢١.


فانّ الحديث صريح في الاعتراف بسنّة العدوى في الطاعون، ولاَجل ذلك منع المُصحَّ أن يهبط على أرض كان فيها طاعون، كما منع من الخروج من الاَرض التي فيها الطاعون لئلا يبتلى الآخرون به. وقد مضى الكلام فيه أيضاً عند دراسة روايات أبي هريرة.

١٠. النبي يأكل ممّا ذُبح على الاَنصاب

أخرج البخاري عن موسى بن عقبة، قال: أخبرني سالم انّه سمع عبد اللّه يحدِّث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه لقي زيد بن عمرو بن نُفَيل بأسفل «بَلْدح» وذاك قبل أن ينزل على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوحي، فقدّم إليه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها.

ثمّ قال: إنّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ممّا ذكر اسم اللّه عليه.(١)

إنّ هذه الرواية تحط من شأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوجهين:

الاَوّل: إنّ مفاد الحديث أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأكل مما ذبح على الاَنصاب، والشاهد على ذلك انّه قدّم إلى زيد بن عمرو سفرة ولا معنى لتقديمه إليه سفرة غيره بل الظاهر انّه قدّم إليه نفس السفرة التي كان يأكل منها وهذا طعن عظيم على سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما لا يخفى.

ويوَيد مضمون الرواية ما أخرجه أحمد، عن هشام بن سعيد، عن أبيه سعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: كان رسول اللّهبمكة، هو وزيد بن حارثة، فمرَّ بهما زيد بن عمرو بن نفيل، فدعوه إلى سفرة لهما. فقال: يا ابن أخي، إنّي لا

____________________

١ صحيح البخاري:٧/٩١، باب ما ذبح على النصب و الاَصنام.


آكل مما ذبح على النّصب، قال: فما روَي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ذلك أكل شيئاً ممّا ذبح على النّصب. قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّأبي كان كما قد رأيت وبلغك، ولو أدركك لآمن بك و اتّبعك فأستغفر له؟ قال: نعم فاستغفر له. فانّه يبعث يوم القيامة أُمّة واحدة.(١)

الثاني: انّ الحديث يتضمن انّ زيد بن عمرو كان أعرف بالحنفية البيضاء من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث أبى من أكله دونهص هذا ممّا لا يمكن احتماله في حقّه عليه الصلاة والسلام.

نعم أخرجه البخاري في كتاب المناقب بصورة أُخرى ربما تكون نزيهة عن الاِشكال، ولكن الرواية فاقدة للانسجام العام، وهي تشهد على أنّ الراوي تصرف في الرواية لدفع الطعن، وإليك نصها:

أخرج البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عمر :

إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقي زيد بن عمرو بن نُفيل بأسفل «بلدح» قبل أن ينزل على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوحي فقُّدمِتْ إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها. ثمّ قال زيد: إنّي لستُ آكل ممّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم اللّه عليه. انّ زيد ابن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها اللّه، وأنزل لها من السماء الماء ، وأنبت لها من الاَرض، ثمّ تذبحونها على غير اسم اللّه، إنكاراً لذلك وإعظاماً له.(٢)

أقول: إنّ الرواية لا تخلو عن تأملات :

أ. قوله :« فقُدِّمَتْ إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرة» بصيغة

____________________

١ مسند أحمد:١/١٨٩.

٢ صحيح البخاري:٥/٤٠، كتاب مناقب الاَنصار، الباب ٢٤.


المجهول فمن المقدِّم لها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟فلماذا لم يذكر؟ وهذا دليل على أنّ الاَصل ما ورد في الصورة الاُولى «فقدم إليه رسول اللّه سفرة» وإنّما حرّفه الراوي لدفع الاِشكال.

ب. انّ الضمير في قوله: «فأبى» يرجع إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا أبى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأكل منها فالاَولى أن يقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد إبائه: «إنّي لست آكل» ولكن الوارد في الصورة الثانية انّه بعدما أبى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تكلم زيد بن عمرو، وقال:«إنّي لست آكل».

ج. لو افترضنا صحّة قول زيد بعد عمل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالصحيح عندئذٍ أن يقول زيد: أنا أيضاً لا آكل ممّا تذبحون، ليكون تصديقاً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسب ظاهر الرواية.

د. الظاهر انّ الخطاب في كلام زيد«انّي لست آكل مما تذبحون» إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمفروض في الصورة الثانية انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعيب ذلك على قريش و يمتنع من أكله، فكيف يخاطبه زيد بن عمرو؟! و هذا يدل على أنّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - حسب الرواية - كان يوافق قريشاً ذبحاً وأكلاً.

كلّ ذلك يعرب عن سقم الرواية وعدم نقلها على الوجه الصحيح، والمنقول صحيحاً هو ما رواه في باب الذبائح، و من المعلوم انّه يتضمن أشدّالطعن على أفضل الخليقة، فالحديث مكذوب.

ثمّ إنّ ابن حجر رجح الحديث الاَوّل على الثاني، فقال في شرح الحديث الثاني:

«فقدِّمتْ بضم القاف إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كذا للاَكثر، وفي رواية الجرجاني:فقدَّم إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سفرة (إشارة إلى النقل الاَوّل).

قال عياض: الصواب الاَوّل.


وقال ابن بطال: كانت السفرة لقريش قدموها للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأبى أن يأكل منها، فقدّمها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطباً لقريش: الذين قدموها أوّلاً«إنّا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم».

وما قاله محتمل لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك؟ فأنّي لم أقف عليه في رواية أحد وقد تبعه ابن المنير في ذلك وفيه ما فيه.(١)

* * *

ثم إنّ الحديثين المذكورين تحت رقم ٧ و ٨ وإن لم يكونا من أحاديثه السقيمة إلاّ أنّ الغاية من نقلهما إلفات نظر القارىَ إلى ما في مضمونهما من الحقائق.

____________________

١ فتح الباري: ٧/١٤٣، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل.


٣٢- جابر بن سمرة

( - ٧٦ه- )

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

سلطان إبليس على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ابن جنادة بن جندب، له صحبة مشهورة وراوية أحاديث سكن الكوفة، حدّث عنه الشعبي وتميم بن طرفة، و ابن خاله عامر بن سعد بن أبي وقاص شهد فتح المدائن وخلف من الاَولاد خالداً وطلحة وسالماً.

قال ابن سعد: توفي جابر بن سمرة في ولاية بشر بن مروان على العراق.

وقال خليفة: توفي سنة ٧٦ه- وقيل سنة ٦٦ه-.

وعلى كلّ حال مات قبل جابر بن عبد اللّه.(١)

وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ٥٨ حديثاً.(٢)

وعزيت إليه روايات صحيحة وأُخرى سقيمة ولنذكر نماذج.

____________________

١ أُسد الغابة: ١/٢٥٤؛ سير أعلام النبلاء: ٣/١٨٦ برقم ٣٦.

٢ المسند الجامع: ٣/٣٥٨ برقم ٧٢.


روائع أحاديثه

١. أخرج أحمد، عن علي بن عمارة، عن جابر بن سمرة، قال: كنت في مجلس فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: وأبي سمرة جالس أمامي، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إنّ الفحش والتفحّش ليسا من الاِسلام، وإنّ أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً.(١)

٢. أخرج الترمذي، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لاَن يوَدب الرجل ولده خير من أن يتصدّق بصاع.(٢)

٣. أخرج مسلم في صحيحه ، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر عن سمرة، يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: لا يزال الاِسلام عزيزاً إلى اثني عشرة خليفة، ثمّ قال كلمة لم أفهمها.

قال: قلت لاَبي: ما قال؟ فقال: كلّهم من قريش.(٣)

وقد أخرج مسلم هذه الرواية بأسانيد مختلفة، و للقارىَ الكريم أن يتدبر في معنى الرواية حتى يظهر له المراد من هوَلاء الخلفاء الاثني عشر الذين أُنيطت بهم عزة الاِسلام، وقد جاءوا واحداً تلو الآخر عبْر الزمان، وهو لا ينطبق إلاّ على الاَئمّة الاثني عشر الذين أوّلهم علي بن أبي طالب و آخرهم القائم المهدي - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف - والكلام في ذلك ذو شجون.(٤)

وقد عزي إليه ما لا يستقيم مع الضوابط المذكورة.

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٨٩.

٢ سنن الترمذي: ٤/٣٣٧ برقم ١٩٥١.

٣ صحيح مسلم: ٦/٣، باب الناس تبع لقريش.

٤ انظر كتاب الاِلهيات الجزء الثالث للموَلف.


سلطان إبليس على النبي

أخرج أحمد، عن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة، يقول:

صلّى بنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلاة الصبح، فجعل ينتهر شيئاً قدّامه، فلما انصرف سألناه، فقال: ذلك الشيطان ألقى على قدميّ شرراً من نار ليفتنني عن الصلاة، قال: وقد انتهرته، ولو أخذته لينط إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة.(١)

أقول: إنّ هذا الحديث روي بمضامين مختلفة عزّي إلى أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وقد عرفت ضعفه عند التطرق إلى حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري حيث جاء في حديث الخدري: انّ رسول اللّه صلّى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ، فلبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته، قال: لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام وماتليه، ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة.(٢)

وعلى ضوء هاتين الروايتين كان للشيطان سلطان على النبيفتارة يخنقه النبي فيجد برد لعابه بين اصبعيه، و أُخرى ينهره و هو يلقي على قدميه شراراً من ناره و المضمونان يضادان القرآن الكريم ، قال سبحانه:( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون ) (النحل/٩٩).

وقد أوضحنا حال الرواية غير مرة فلاحظ.(٣)

____________________

١ مسند أحمد:٥/١٠٤.

٢ مسند أحمد: ٦/٨٢.

٣ لاحظ سيرة أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.


٣٣- عبد الرحمان بن غنم الاَشعري

( - ٧٨ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

حديثه السقيم

يهدى إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راوية خمر كل عام

أسلم عبد الرحمان بن غنم الاَشعري على عهد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يره ولم يفد إليه ولزم معاذ بن جبل منذ بعثه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليمن إلى أن مات [معاذ] في خلافة عمر، يعرف بصاحب معاذ لملازمته، وكان أفقه أهل الشام وهو الذي فقّه عامة التابعين بالشام وكانت له جلالة وقدر، وهو الذي عاتب أبا الدرداء وأبا هريرة بحمص إذ انصرفا من عند علي «عليه‌السلام » رسولين لمعاوية وكان فيما قال لهما: «عجباً منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به، تدعوانِعلياً أن يجعلها شورى وقد علمتما انّه بايعه المهاجرون والاَنصار وأهل الحجاز والعراق، وانّ من رضيه خير ممن كرهه، ومن بايعه خير ممن لم يبايعه، وأيّمدخل لمعاوية في الشورى» ويذمهما على مسيرهما. فتابا منه بين يديه.

توفي عبد الرحمان سنة ٧٨ه-.

روى عنه أبو إدريس الخولاني وجماعة من أهل الشام.(١)

____________________

١ أُسد الغابة:٣/٣١٨.


قال الذهبي: روى له أحمد بن حنبل في مسنده أحاديث لكنّها مرسلة ويحتمل أن يكون له صحبة.(١) وهو من المقلِّين في الرواية وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت عشرة.(٢) روائع رواياته ١. أخرج أحمد في مسنده، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: والذي نفس محمد بيده ليبيتنّ ناس من أُمّتي على أشر، وبطر، ولعب، ولهو ، فيُصبحوا قِرَدة وخنازير باستحلالهم المحارم والقينات وشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير.(٣) ولعلّ المراد من صيرورتهم قردة وخنازير كونهم كذلك نفساً وروحاً، لا جسماً وصورة. وله حديث لا يمكن عزوه إلى ذلك الصحابي الجليل.يُهدى إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راوية خمر كلّعام أخرج أحمد في مسنده، عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمان بن غنم، انّ الدّاريّ كان يهدي لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّعام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت، فجاء براوية، فلما نظر إليه نبي اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ضحك. قال: هل شعرت أنّها قد حرمت بعدك؟ قال: يا رسول اللّه، أفلا أبيعها

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٤/٤٥ برقم ١٠.

٢ المسند الجامع: ١٢/٣٥٦-٣٦٠.

٣ مسند أحمد: ٥/٣٢٩.


فانفع بثمنها؟ فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لعن اللّه اليهود، انطلقوا إلى ما حُرِّم عليهم من شحوم البقر والغنم فأذابوه، فجعلوه ثمناً له، فباعوا به ما يأكلون، وانّ الخمر حرام وثمنها حرام، وانّ الخمر حرام وثمنها حرام، وانّ الخمر حرام وثمنها حرام.(١) أقول: إنّ ذيل الرواية يصدّنا عن القول بكونها موضوعة، لاَنّ أكثر الروايات تدعمه، إنّما الكلام في صدر الرواية، وانّه كيف يقبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّعام راوية من خمر قبل تحريمه، فما ذا كان يصنع بها؟! فهل كان يخلّلها أو انّه يشربها - والعياذ باللّه - و الثاني قطعي الانتفاء والاَوّل بعيد جداً. مضافاً إلى أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ بعث، اشتهر بأنّه يحرّم الخمر نقل ابن هشام انّ أعشى بن قيس خرج إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد الاِسلام فقال يمدح رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قصيدة مطلعها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبتَّ كما بات السَّلي-مُ مسَّهدا فلما كان بمكة أو قريباً منها اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره انّه جاء يريد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليُسلم، فقال له: يا أبا بصير: إنّه يحرّم الزنا. فقال الاَعشى: واللّه انّ ذلك لاَمر مالي فيه من أرب. فقال له: يا أبا بصير، فانّه يحرم الخمر، فقال الاَعشى: أمّا هذه فواللّه إنّ في النفس منها لعُلالات، ولكني منصرف فأتروّى منها عامي هذا، ثمّ آتيه فأُسلم، فانصرف فمات في عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢)

____________________

١ مسند أحمد: ٤/٢٢٧.

٢ السيرة النبوية لابن هشام: ١/٣٨٦- ٣٨٨.


روى الكليني عن الاِمام الصادقعليه‌السلام ، قال: «ما بعث اللّه نبياً قط، إلاّ وقد علم اللّه انّه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراماً».(١) وقال الاِمام أبو الحسن الرضاعليه‌السلام : «ما بعث اللّه نبياً قط إلاّ بتحريم الخمر».(٢) ومع هذه القرائن كيف يمكن أن نُصدِّق بأنّه كان يهدى إلى النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كلّ عام راوية من الخمر وهو يقبلها؟!

____________________

١ الكليني، الكافي: ٦/٣٩٥، باب انّ الخمر لم تزل محرمة.

٢ الكليني، الكافي: ٢/١٤٨، الحديث ١٥.


٣٤- جابر بن عبد اللّه الاَنصاري

(١٦ق.ه- - ٧٨ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. افتاء النبي بقتل السارق ثمّ العدول عنه

٢. سبّ النبي و لعنه وجلده زكاة

٣. محمد بن مسلمة قاتل مرحب

٤. طلحة شهيد يمشي على وجه الاَرض

٥. اللّه ليس بأعور

جابر بن عبد اللّه بن رئاب بن النعمان الاَنصاري السلمي.

يصفه الذهبي بقوله: الاِمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول اللّه، الاَنصاري، الخزرجي، السلمي، المدني، الفقيه، من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتاً.

روى علماً كثيراً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحدّث عنه: ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن أبي جعد، والحسن البصري، إلى غير ذلك.

وكان مفتي المدينة في زمانه عاش بعد أن عمّر أعواماً مديدة وتفرد، شهد


ليلة العقبة مع والده وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أُحد.(١)

قال ابن سعد في طبقاته: ويجعل جابر في الستة نفر الذين أسلموا من الاَنصار، أوّل من أسلم منهم بمكة وشهد جابر بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد روى عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديثه وتوفي وليس له عقب.(٢)

روى الاِمام أحمد، عن أبي الزبير، عن جابر، انّه قال: غزوت مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدراً ولا أُحداً منعني أبي، قال: فلما قتل عبد اللّه يوم أُحد لم أتخلف عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزوة قط.(٣)

قال الذهبي: مات جابر بن عبد اللّه سنة ٧٨ وهو ابن ٩٤ سنة وكان قد ذهب بصره.

مسنده بلغ ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، اتّفق له الشيخان على ٥٨ حديثاً، وانفرد له البخاري ب- ٢٦ حديثاً، ومسلم ب- ١٢٦ حديثاً.

والعجب انّ ابن سعد وغيره لم يترجموا له ترجمة وافية بحقه، مع أنّهم ربما أطنبوا الكلام فيمن لا يصل إلى منزلة جابر، وأمّا ما هو السبب من وراء ذلك فنحيل دراسته إلى القارىَ الكريم.

فلنذكر شيئاً من روائع رواياته ثمّ نعرج إلى السقيمة منها.

روائع رواياته

١. أخرج أحمد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:

____________________

١ سير أعلام النبلاء: ٣/١٨٩ برقم ٣٨، نقل بتصرف.

٢ طبقات ابن سعد: ٣/٥٧٤.

٣ مسند أحمد: ٣/٣١٩.


سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى.(١)

٢. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها.

قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه، فقال: على يديّ دار الحديث، تمتّعنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلما قام عمر، قال: إنّ اللّه يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتمو الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه.

وأبتّوا نكاح هذه النساء فلن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة.(٢)

أقول: الرواية ناظرة إلى متعتين:

الاُولى: متعة الحجّ، وإليه يشير قول جابر: «تمتعنا مع رسول اللّه».

الثانية: متعة النساء وإليه يشير قول الخليفة «وابتوا نكاح هذه النساء...».

وربما يلتبس على البعض معنى «المتعتين» نقوم بتوضيحها فنقول:

أمّا الاُولى فهي عبارة عن الاِتيان بالعمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ، من عامه بفصل العمرة عن الحج بالتمتع بينهما. وقد كان عمر بن الخطاب يرغب عن التمتع بين العمرة والحج.

فعن أبي موسى الاَشعري انّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فانّك لا تدري ما أحدث أمير الموَمنين في النسك بعدك، حتى لقيه(أبو موسى) بعدُ فسأله عن ذلك.

____________________

١ مسند أحمد: ٣/٣٣٠.

٢ صحيح مسلم: ٤/٣٨، باب في المتعة بالحج والعمرة.


فقال عمر: قد علمت انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد فعله هو وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلّوا بهنَّ معرِّسين في الاَراك ثمّ يروحون بالحجّ تقطر روَوسهم.(١)

وعن أبي موسى من طريق آخر، انّ عمر قال: هي سنّة رسول اللّه - يعني المتعة - و لكنّي أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاَراك ثمّ يروحوا بهنّحجاجاً.(٢)

وقد جاء في مصادر الشيعة أوضح من ذلك روى الشيخ المفيد (٣٣٦-٤١٣ ه- ) في إرشاده صورة ما دار ما بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و عمر من الحوار.

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من لم يَسُق منكم هدياً فليحلّ وليجعلها عمرة (أي فليقصر أي يأخذ من شعره وظفره فيحل له ما حرم له بالاِحرام) و من ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه».

فالتفت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عمر، وكان ممن بقي على إحرامه ، وقال: ما لي أراك يا عمر محرماً أسُقْتَ هدياً؟

قال عمر: لم أسُق.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلم لا تُحل، وقد أمرتُ من لم يسق الهدي بالاِحلال؟

قال عمر: واللّه يا رسول اللّه لا أحللت وأنت محرم.

وكان عمر يستغرب الاِحلال ويقول: كيف تقطر روَوسنا من الغسل و نحن زوار البيت.(٣)

وأمّا استدلال الخليفة على الوصل بين العمرة والحجّ. بقوله سبحانه:( وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ ) (البقرة / ١٩٦) فغير تامّ و الآية أجنبية عمّا يرومه،

____________________

١ مسند أحمد :١/٥٠.

٢ مسند أحمد : ١/٤٩.

٣ الارشاد،ص٩٣.


وذلك لاَنّها بصدد بيان إكمال كلّ من الفريضتين للّه سبحانه، والاِتيان بهما على وجه قربي، وأين هو من وصل إحداهما بالآخر؟

هذا ما يرجع إلى الاَوّل من الرواية.

وأمّا الثانية وهي قوله: «ابتّوا نكاح هذه النساء فلن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّرجمته بالحجارة» فهو راجع إلى متعة النساء التي ورد فيها قوله سبحانه:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (النساء/٢٤).

وقد اشتهر من الخليفة قوله: يا أيّها الناس ثلاث كنَّ على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهنَّ وأُحرمهنَّ وأُعاقب عليهنَّ: متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيّ على خير العمل.(١)

وبما ذكرنا يظهر الخلل فيما جاء به النووي في شرح صحيح مسلم عند تفسير الرواية حيث ذكر في تفسيره وجهين: ١. فسخ الحج إلى العمرة، ٢. العمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ من عامه.(٢)

والثاني هو المتعين لكن بإضافة «والتمتع بين العمرة والحجّ بالتحلل من محرماتها».

٣. أخرج ابن خزيمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاثة لا يقبل اللّه لهم صلاة، ولا يصعد لهم حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، و السكران حتى يصحو.(٣)

____________________

١ مفاتيح الغيب: ١٠/٥٢- ٥٣؛ القوشجي، شرح التجريد: ٤٨٤ طبع إيران.

٢ لاحظ شرح صحيح مسلم للنووي: ٨/٤١٨، الباب ١٨ ، باب في المتعة.

٣ مسند ابن خزيمة: ٢/٦٩ برقم ٩٤٠.


٤. أخرج مسلم في صحيحه، عن عمرو بن دينار، انّه سمع جابر بن عبد اللّه، يقول: نهى رسول اللّه عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه.(١)

٥. أخرج النسائي في سننه، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قضى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالشفعة في كلّ شركة لم تُقْسم رَبْعَة، وحائط لا يحل له أن يبيعه حتى يوَذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك وإن باع ولم يوَذنه فهو أحقّ به.(٢)

٦. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي الزبير، عن جابر: انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، قال: من أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة.(٣)

٧. أخرج ابن ماجة، عن عمر بن دينار، عن جابر بن عبد اللّه، انّ امرأة أتت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت: إنّ أُمّي تُوفّيت وعليها نذر صيام، فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال لها رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليصم عنها الولي.(٤)

٨. أخرج أحمد عن سليمان بن موسى، قال: قال جابر: قال النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : لا وفاء لنذر في معصية اللّه.(٥)

٩. أخرج مسلم عن الاَمير، عن جابر: انّامرأة من بني مخزوم سرقت، فأُتي بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعاذت بأُمّ سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : واللّه لو كانت فاطمة لقطعت يدها، فقطعت.(٦)

١٠. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي الزبير، عن جابر عن رسول اللّه

____________________

١ صحيح مسلم: ٥/١٢، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها من كتاب البيوع.

٢ سنن النسائي: ٧/٣٢٠.

٣ مسند أحمد: ٣/٣٥٦.

٤ سنن ابن ماجة: ١/٦٨٩ برقم ٢١٣٣.

٥ مسند أحمد: ٣/٢٩٧.

٦ صحيح مسلم: ٥/١١٥، باب قطع السارق الشريف من كتاب الحدود.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّه قال : لكلّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن اللّه عزّ وجلّ.(١)

١١. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي الزبير، عن جابر، قال: اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين، وغلام من الاَنصار.

فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الاَنصاري: يا للاَنصار.

فخرج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: ما هذا دعوى أهل الجاهلية؟!

قالوا: لا، يا رسول اللّه إلاّ أنّ غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، قال: فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه فانّه له نصر، وإن كان مظلوماً فلينصره.(٢)

١٢. أخرج الترمذي عن أبي بكر المنكدر ، عن جابر، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاث من كنّ فيه ستر اللّه عليه كنفه، وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك.(٣)

هذه نخبة من روائع أحاديثه، وما أكثرها، وعزيت إليه روايات لا تصح نسبتها إلى ذلك الصحابي الجليل، وإليك دراستها.

١. إفتاء النبي بقتل السارق ثمّ العدول عنه إلى القطع

أخرج النسائي في سننه، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: جيء بسارق إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، قال: اقطعوه، فقطع.

____________________

١ مسند أحمد: ٣/٣٣٥.

٢ صحيح مسلم: ٨/١٩، باب نصر الاَخ ظالماً أو مظلوماً من كتاب البر والصلة والآداب.

٣ سنن الترمذي: ٤/٦٥٦ برقم ٢٤٩٤.


ثمّ جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، قال: اقطعوه، فقطع.

فأتي به الثالثة، فقال: اقتلوه، قالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، فقال: اقطعوه ثمّ أتى به الرابعة، فقال: اقتلوه، قالوا: يا رسول اللّه إنّما سرق، قال: اقطعوه فأتى به الخامسة، قال: اقتلوه.

قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النعم وحملناه فاستلقى على ظهره ثمّ كشر بيديه ورجليه فانصدعت الاِبل، ثمْ حملوا عليه الثانية، ففعل مثل ذلك، ثمّ حملوا عليه الثالثة فرميناه بالحجارة فقتلناه، ثمّ ألقيناه في بئر ثمّ رمينا عليه بالحجارة.(١)

وهناك إشكال واضح يوجب سقوط الحديث عن الحجّية مضافاً إلى ما في كيفية القتل من القساوة التي لا يرضى بها نبيّ الرحمة، وهو انّ النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » - حسب الرواية - أفتى بقتل السارق أربع مرات وفي الوقت نفسه لما أُخبر بأنّه سرق أفتى بالقطع، وعندئذٍ يُطرح السوَال التالي وهو انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أفتى بالقتل أربع مرّات، فهل ثبت عنده ما يوجب القتل بشهادة الشهود العدول أو لا ؟

فعلى الاَوّل لماذا عدل عن الحكم بالقتل إلى القطع، وعلى الثاني يلزم الاِفتاء بالقتل قبل التثبت وهو أمر لا يليق أن ينسب إلى القاضي العادل فضلاً عن النبي المعصوم.

فإن قيل قد أفتى بالقتل بعد الثبوت ولكن تبين فسق الشهود وزيف شهادتهم، فلذلك عدل بالقتل بعد ثبوت سببه.

يلاحظ عليه: - مضافاً إلى بُعد تبين فسق الشهود متتابعاً - أنّهلماذا لم يعزّر

____________________

١ سنن النسائي: ٧/٩٠، باب قطع اليدين والرجلين من السارق؛ وسنن أبي داود: ٤/١٢٤ برقم ٤٤١٠.


الشهود أوّلاً ؟ وأخذ بقولهم في المراتب اللاحقة أيضاً كلّ ذلك يوَدي إلى سقوط الرواية عن الحجّية وانّه لا يليق بساحة النبي المعصوم ولا القاضي العادل.

ولحن الحديث أشبه بكلام قاض متساهل لا يقيم لدم الاِنسان قدراً وقيمة، فيحكم بالقتل قبل السوَال والتريث، ولما الفت نظره إلى فقدان سبب القتل ووجود سبب القطع، حكم بالثاني.

هذا هو الاِشكال الواضح في الرواية.

والعجب انّ شرّاح الحديث لم يلتفتوا إلى ذلك وإنّما ركزوا البحث على الخامسة بتصور انّه لا يباح دم السارق وإن تتكررت منه السرقة و ربما يوجه بأنّ الحديث مخرج على مذهب مالك وهو أن يكون السارق الوارد فيها من المفسدين في الاَرض فانّ للاِمام أن يجتهد في عقوبته و إن زاد على مقدار الحد، وإن رأى أن يقتل قتل، وربما يوجه بوجه آخر وهو إن قتله في الرابعة ليس حداً وإنّما هو تعزير بحسب المصلحة وعلى هذا يتخرج حديث الاَمر بقتل السارق.(١)

وهناك وجه آخر وهو انّ السارق في المرتبة الرابعة إذا سرق في السجن يقتل، وهو المروي عن الاِمام الصادقعليه‌السلام ، قال: إذا أخذ السارق قُطعت يده من وسط الكف، فإن عاد قطعت رجله من وسط القدم فإن عاد استودع السجن، فإن سرق في السجن قتل.(٢)

والمهم هو الاِشكال الاَوّل.

____________________

١ عون المعبود في شرح سنن أبي داود: ١٢/٩٧ برقم ٤٣٨٧.

٢ وسائل الشيعة: ٨/٩٣، الباب الخامس من أبواب حدّ السّرقة، الحديث ٤.


٢. سبُّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولعنه وجلده زكاة للمسبوب و...

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبيقال:

اللّهمّ إنّما أنا بشر، فأيّما رجل من المسلمين سببتُه، أو لعنتُه أو جلدُته فاجعلها له زكاة وأجراً.(١)

أقول: كيف تصح نسبة السبّ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّه قال: «سباب المسلم فسوق» و هو أرفع من أن يكون سبّاباً، وأدبه يأبى ذلك؟!

و مع غض النظر عن ذلك نقول: إنّ صدور السبّ واللعن والجلد لا يخلو عن حالتين:

الاُولى : أن يكون المسبوب والمجلود والملعون مستحقاً لذلك الفعل فالقيام بمثل ذلك العمل فريضة إلهية جعلت على عاتق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى القائم مقامه بعده، ومثل هذا - لو جاز - لا يحتاج إلى الاعتذار كما هو ظاهر الحديث، ولا يحتاج إلى أن يقول إنّما أنا بشر.

مثلها ما إذا لم يكن مستحقاً لذلك عند اللّه وفي واقع الاَمر ولكن قامت الاَمارة الشرعية على الاستحقاق في الظاهر ، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مأمور بالحكم بالظاهر واللّه يتولّى السرائر ، فعندئذٍ الذي يتولّى كبره هو شاهد الزور، لا القاضي فلا وجه للاعتذار.

الثانية: ما إذا لم يكن هناك مسوغ لهذه الاَعمال لا واقعاً ولا ظاهراً، وإنّما قام الفاعل بذلك متأثراً عن قوى حيوانية وهذا هو المتبادر من الرواية بشهادة قوله «إنّما أنا بشر» ولازم ذلك أن يكون النبي فاحشاً ولعّاناً وسبّاباً و مع أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منزَّه عن هذه العيوب.

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/٢٥، باب من لعنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو سبّه أو دعا عليه.


أخرج البخاري بسنده عن أنس، قال: لم يكن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاحشاً ولا لعاناً ولا سبّاباً ، إلى غير ذلك من الروايات.(١)

وقد ذُكر احتمال آخر لتصحيح الرواية وهو انّ المراد من سبّه ودعائه ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نيّة كقوله: «تربت يمينك و عقري حلقي»، وفي هذا الحديث «لا كبرت سنك» وفي حديث معاوية «لا أشبع بطنه» ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخافصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصادف شيء من ذلك أجابة فسأل ربّه سبحانه وتعالى ورغّب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهوراً وأجراً.(٢)

يلاحظ عليه: أنّه على خلاف الظاهر أوّلاً، والنبيّ المعصوم أجلّ شأناً من أن يحوم حول اللغو العبث ثانياً وعلى فرض كونه المراد فاللّه سبحانه حكيم لا يوَاخذ من دعا عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا جدٍ و نية حتى يسأله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل دعائه عليهم زكاة وأجراً.

ولعلّّ مصدر الرواية هو أبو هريرة ومنه انتشرت الرواية.

روى مسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

إنّما أنا بشر فأيّما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعل له زكاة و رحمة.(٣)

وقد تقدم عند دراسة أحاديث أبي هريرة انّ الحديث موضوع لغاية ابراء مروان بن الحكم وأبيه وبنيهما الملعونين على لسان رسول اللّه. فلاحظ.

____________________

١ البخاري: الاَدب المفرد: ١٥٤ برقم ٤٣٠.

٢ شرح صحيح مسلم: ١٦/٣٨٩-٣٩٠.

٣ صحيح مسلم: ٨/٢٥، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه.


٣. محمد بن مَسْلَمة قاتل مرحب

أخرج الاِمام أحمد، عن عبد اللّه بن سهل بن عبد الرحمان بن سهل أخي بني حارثة، عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: خرج مرحب اليهودي من حصنهم، قد جمع سلاحه يرتجز ويقول:

قد علمت خيبر انّي مرحب

شاكي السلاح بطل مجرب

أطعن أحياناً وحيناً أضرب

إذ الليوث أقبلت تلهب

كان حماي لحمى لا يقرب

وهو يقول: هل من مبارز؟ فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول اللّه، وأنا واللّه المأثور الثائر، قتلوا أخي بالاَمس، قال: فقم إليه، اللّهمّ أعنه عليه، فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع بسيفه ما دونه، حتى برز كلّواحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن، ثمّ حمل مرحب على محمد فضربه، فاتقى بالدَّرقة فوقع سيفه فيها، فعضّت به، فأمسكه وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله.(١)

إنّ الرواية لا تتفق مع التاريخ الصحيح الذي اتّفق عليه علماء كلا الفريقين كابن هشام في سيرته(٢) والطبري في تاريخه(٣) ابن الاَثير في كامله(٤) والواقدي في مغازيه.(٥)

____________________

١ مسند أحمد: ٣/٣٨٥.

٢ السيرة النبوية لابن هشام: ٣/٣٤٩.

٣ تاريخ الطبري: ٢/٢٣٣.

٤ ابن الاَثير: الكامل في التاريخ: ٢/٢٢٠-٢٢٢.

٥ الواقدي، المغازي: ٢/٦٥٣.


أخرج مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً، قالهنَّ له رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلن أسبَّه، لئن تكون لي واحدة منهنّأحبّ إليَّ من حمر النِّعم.

ثمّذكر من هذه الثلاثة قوله:

وسمعته يقول يوم خيبر: لاَعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعو لي علياً فأُوتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح اللّه عليه.(١)

إنّ القول بأنّ ابن مَسْلمة هو الذي قتل مرحباً من الوهن بمكان لا يقاوم ما اشتهر في التاريخ الاِسلامي، لاَنّ محمد بن مسلمة لم يكن ذلك الرجل الشجاع، والبطل الصنديد الذي توَهله شجاعته لاَن يكون فاتح خيبر وقاتل بطلها الاَكبر، فانّالتاريخ لا يذكر له موقفاً بارزاً من بطولته وشجاعته.

فقد كُلّف في السنة الثالثة من قبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يغتال كعب بن الاَشرف الذي حرّك المشركين واليهود ضد الاِسلام عقب معركة بدر الكبرى.

وقد بقي ثلاثة أيام بلياليها لا يطعم شيئاً خوفاً، فأنكر عليه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خوفه و سأله عن سبب ذلك، فقال: يا رسول اللّه قلت لك قولاً لا أدري هل أفي-نَّ به أم لا ؟

فلمّا رأى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه ذلك أرسل معه أربعة رجال ليعينوه على هذه المهمة ويتخلّصوا من كعب.

فخرجوا إليه في منتصف الليل وقتلوا عدو اللّه كعباً وفق خطة مدروسة،

____________________

١ صحيح مسلم: ٧/١٢٠، باب مناقب علي بن أبي طالبعليه‌السلام .


ولكن محمد بن مسلمة جَرح أحدَ رفاقه من شدة الخوف والوحشة التي أصابته.

نقل ابن هشام في سيرته عن محمد بن مسلمة انّه قال:

وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجرح في رأسه أو في رجله، أصابه بعض أسيافنا.(١)

ولا شكّ انّ مثل هذا الشخص لا يمكنه أن يبارز صناديد «خيبر» المعروفين وينازلهم.

على أنّ فاتح خيبر لم يقاتل مرحباً وحده بل قاتل بعد مصرع مرحب من كانوا معه من شجعان اليهود، وإليك أسماء الذين قاتلهم عليّعليه‌السلام بعد قتل مرحب:

١. داود بن قابوس، ٢. ربيع بن أبي الحُقيق، ٣. أبو البائت، ٤. مرّة بن مروان، ٥. ياسر الخيبري، ٦. ضحيج الخيبري.

وكلّ هوَلاء قاتلهم علي خارج حصن خيبر، فكيف يمكن أن ينفرد محمد بن مسلمة بقتل مرحب، ويترك نزال الآخرين لعليعليه‌السلام ؟ إذ لا يمكن لشجاع أن يرجع إلى معسكره إلاّ بعد أن يخضِّب سيفه بدماء الاَبطال واحداً تلو الآخر.

هذا وانّ أبناء الدنيا حاولوا أن يسلبوا تلك المنقبة الثابتة لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام ، ولكنّه سبحانه جرت سنته تعالى على ابطال تلك الخطط الشيطانية، ولذلك ملاَت الخافقين فضائله ومناقبه بعدما منع نقلها ونشرها أحقاب متتالية، و من خططهم الشيطانية ، نقل هذه الرواية على لسان جابر بن عبد اللّه، المعروف بالولاء لعلي وأهل بيتهعليهم‌السلام وإلى اللّه المشتكى.

____________________

١ السيرة النبوية لابن هشام: ٣/٥٦.


٤. طلحة شهيد يمشي على وجه الاَرض

أخرج الترمذي في سننه، عن أبي نضرة، قال: قال جابر بن عبد اللّه: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الاَرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللّه.(١)

أقول: ما هو الملاك في تسمية طلحة شهيداً يمشي على وجه الاَرض أكان جهاده في سبيل اللّه؟ فلم يكن هذا سمة خاصة به وقد شاركه فيها علي بن أبي طالب والزبير وسعد بن أبي وقاص وأبو دجانة وغيرهم من الاَنصار.

أو كان الملاك انّه وقى بيده رسول اللّه يوم أُحد فصارت شلاء؟

روى ابن ماجة عن قيس، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى به رسول اللّه يوم أُحد.(٢)

ومعنى ذلك أن يصحّ تسمية كلّمن نقص منه عضو في سبيل حفظ الرسول بالشهيد، وهذا ممّا لا يقبله الذوق السليم.

وعلى كلّتقدير فهذه الرواية لا تضفي على الرجل ثوب العصمة والعدالة ولا تجعله في عداد الشهداء بعدما حارب الاِمام المفترضة طاعته.

والعجب انّ بعض هذه الروايات تنتهي إلى معاوية بن أبي سفيان.

أخرج ابن ماجة عنه، قال: نظر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى طلحة، فقال: هذا ممّن قضى نحبه.(٣)

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٦٤٤ برقم ٣٧٣٩؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة في سننه: ١/٤٦ برقم ١٢٥.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٤٦ برقم ١٢٨.

٣ سنن ابن ماجة: ١/٤٦ برقم ١٢٧.


٥. اللّه ليس بأعور

أخرج أحمد في مسنده، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما كانت فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أكبر من فتنة الدجال ولا من نبي إلاّ وقد حذَّر أُمّته، ولاخبرنّكم بشيء ما أخبره نبيّ أُمّته قبلي، ثمّ وضع يده على عينه، ثمّ قال: اشهد انّ اللّه عزّوجلّ ليس بأعور.(١)

وقد تكلمنا حول هذا الموضوع في عدّة مواضع فلاحظ.

____________________

١ مسند أحمد: ٣/٢٩٢.


٣٥- أبو أمامة الباهلي

(...- ٨١ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. مجيَ الاُمّة يوم القيامة غرّاً محجلين.٢. ملك الموت لا يقبض شهيد البحر.

٣. مشاهدات النبي في الجنّة. ٤. لا وصية لوارث.

٥. النهي عن السياحة.

صُدي بن عجلان بن الحارث، أبو أمامة الباهلي السهمي، غلبت عليه كنيته سكن «حمص» من الشام، روى عنه : سليمان بن عامر الجنائزي، والقاسم أبو عبد الرحمان، وأبو غالب خرورَّ، وشرحبيل بن مسلم، ومحمد بن زياد الالهاني وغيرهم.

روى سليمان بن حبيب المحاربي، قال: دخلت مسجد «حمص» فإذا مكحول وابن أبي زكريا جالسان، فقال مكحول: لو قمنا إلى أبي امامة صاحب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأدّينا من حقّه وسمعنا منه، قال: فقمنا جميعاً حتى أتيناه فسلّمنا عليه فردّالسلام، ثمّ قال: إنّ دخولكم عليَّ رحمة لكم وحجّة عليكم ولم أر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شيء أشدّ خوفاً على هذه الاُمّة من الكذب والعصبية، ألا وإيّاكم والكذب والعصبية، ألا وانّه أُمرنا أن نبلغكم ذلك


عنه، ألا وقد فعلنا فأبلغوا عنّا ما قد بلغناكم.(١)

وقال ابن الاَثير في فصل الكنى: أخبر فضال بن جبير، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي، يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: اكفلوا لي ست، أكفل لكم بالجنة، إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتُمن فلا يخن، وإذا وَعد فلا يُخلف، غضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديكم، واحفظُوا فروجكم. وهو آخر من مات بالشام من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قول بعضهم.(٢)

وفي قول آخر: آخرهم موتاً بالشام عبد اللّه بن بشر.

قال ابن سعد: قال أبو امامة: شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون مولِّياً، ولا يسلبون قتيلاً.

ونقل انّه توفي بالشام سنة ٨٦ في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو ابن احدى وستين.(٣)

وما ذكره محرّف قطعاً فقد روى الذهبي عن سليم بن عامر، قال: سمعت أبا امامة يقول: سمعت النبي يقول في حجَّة الوداع. قلت لاَبي امامة: مثْل من أنت يومئذٍ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة.(٤)

ولو قلنا انّه توفي في سنة ٨١ه- يكون حينئذٍ هو ابن ١٠١ ، ولو قلنا بالقول الآخر يكون ١٠٦ سنين لا إحدى و ستين. وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١٦١ حديثاً(٥) وإليك شيئاً من محاسن رواياته.

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/١٦.

٢ أُسد الغابة: ٥/١٣٨.

٣ طبقات ابن سعد: ٧/٤١١- ٤١٢.

٤ سير أعلام النبلاء: ٣/٣٦٠.

٥ المسند الجامع: ٧/٤٨١.


روائع أحاديثه

١. أخرج أحمد في مسنده، عن زيد بن سلام، عن جدّه، قال: سمعت أبا أُمامة، يقول: سأل رجل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: ما الاِثم؟ فقال: إذا حكّ في نفسك شيء فدعْه، قال: فما الاِيمان؟ قال: إذا ساءتك سيّئتك، وسرّتك حسنتك، فأنت موَمن.(١)

ويوَيده قوله سبحانه:( إنّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطان تَذَكّروا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُون ) (الاَعراف/٢٠١).

٢. أخرج أبو داود في سننه، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، انّه قال: «من أحبّ للّه وأبغض للّه وأعطى للّه ومنع للّه فقد استكمل الاِيمان».(٢)

٣. أخرج ابن خزيمة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: عليكم بقيام الليل، فانّه دأبُ الصّالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربّكم،ومكفِّرة للسّيّئات، ومنهاة عن الاِثم.(٣)

ويوَيده قوله سبحانه:( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) (المزمل/٦). ٤. أخرج مسلم في صحيحه، عن عكرمة بن عمار، حدّثنا شداد، قال: سمعت أبا أمامة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا ابن آدم، انّك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السُّفلى.(٤)

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٢٥١.

٢ سنن أبي داود: ٤/٢٢٠ برقم ٤٦٨١.

٣ المسند الجامع: ٧/٤٠٧ برقم ٥٢٤٩.

٤ صحيح مسلم: ٣/٩٤، باب النهي عن المسألة من كتاب الزكاة.


٥. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم، عن أبي امامة، عن النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » ، أنّه كان يقول: ما استفاد الموَمن بعد تقوى اللّه خير له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله.(١) ٦. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عبيد اللّه الافريقي، عن أبي أمامة، قال: نهى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن بيع المغنِّيات وعن شرائهنّ وعن كسبهنَّ وعن أكل أثمانهنّ.(٢) ٧. أخرج أحمد في مسنده، عن القاسم، عن أبي أمامة، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلاّ للّه، كان له بكلّ شعرة مرّت عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وفرَّق بين اصبعيه السبّاحة والوسطى.(٣) ٨. أخرج أحمد في مسنده عن محمد بن زياد الالهاني، قال: سمعت أبا أمامة، يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوصي بالجار حتى ظننت انّه سيورّثه.(٤) ٩. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن القاسم بن عبد الرحمان، عن أبي أمامة، انّ رسول اللّه، قال: من لم يرحم صغيرنا ويُجلّ كبيرنا، فليس منّا.(٥) ١٠. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم، عن أبي أمامة: انّ رجلاً، قال: يا رسول اللّه، ما حقُّ الوالدين على ولدهما؟ قال: هما جنَّتك ونارك.(٦)

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/٥٩٦ برقم ١٨٥٧.

٢ سنن ابن ماجة: ٢/٧٣٣ برقم ٢١٦٨.

٣ مسند أحمد: ٥/٢٥٠.

٤ مسند أحمد: ٥/٢٦٧.

٥ الاَدب المفرد: ١٣٠ برقم ٣٥٨.

٦ سنن ابن ماجة: ٢/١٢٠٨ برقم ٣٦٦٢.


١١. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم، عن أبي امامة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :... العالم والمتعلم شريكان في الاَجر ولا خير في سائر الناس.(١) ١٢. أخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: عرض لرسول اللّه رجل عند الجمرة الاُولى، فقال: يا رسول اللّه: أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رأى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول اللّه، قال: كلمة حقّ عند ذي سلطان جائر.(٢) ١٣. أخرج أحمد في مسنده، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، قال: إن فتى شابّاً أتى النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول اللّه: ائذن لي بالزّنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه، مه، فقال: ادنه، فدنا منه قريباً، قال: فجلس قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :أتحبه لاَُمّك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا النّاس يحبونه لاَُمهاتهم، قال : أفتحبُّه لابنتك؟ قال: لا واللّه، يا رسول اللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لاَُختك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لاَخواتهم ، قال: أفتحبّه لعمتّك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبُّونه لعمّاتهم، قال: أفتحبّه لخالتك؟ قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك، قال: ولا الناس يحبّونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللّهمّ اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.(٣) هذه نماذج من روائع أحاديثه التي يشهد شموخ مضامينها على صحتها

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/٨٣ برقم ٢٢٨.

٢ سنن ابن ماجة: ٢/١٣٣٠ برقم ٤٠١٢.

٣ مسند أحمد:٥/٢٥٦.


ومع ذلك فقد عزيت إليه روايات سقيمة لا تخلو عن إشكال ووهن لكونها مخالفة للكتاب والسنّة أو الموازين الاَُخرى التي أوعزنا إليها في صدر الكتاب وإليك بعض ما وقفنا عليه:١. مجيء الاُمّة يوم القيامة غرّاً محجّلين أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عتبة الكندي، عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من أُمّتي أحد إلاّوأنا أعرفه يوم القيامة، قالوا: يا رسول اللّه، من رأيت ومن لم تر ؟ قال: من رأيت ومن لم أر غرّاً محجّلين من أثر الطهور.(١) إنّ قوله: «ما من أُمّتي أحد إلاّوأعرفه» من الصيغ التي تفيد العموم أوّلاً، والحصر ثانياً، وعلى ضوء ذلك يدل الحديث على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرف جميع أُمّته، وآية عرفانه كونهم غرّاً محجلين من أثر الطهور مع أنّ تلك العلامة، ليست عامة، بل تختصّ بطائفة من الاُمّة وهم المتطهرون المصلون، فكيف يعرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جميع الا َُمّة بعلامة في جبين طائفة منهم. ولا محيص في تصحيح الرواية عن حمل الفقرة الاُولى من الحديث على المصلّين المتطهّرين، فيكون معنى قوله: «ما من أُمتي»، أي ما من أُمّتي الذين يتطهرون ويصلون أحد إلاّ وأنا أعرفه، وهو خلاف الظاهر ، ولعلّ الحديث لم ينقل صحيحاً.٢. ملك الموت لا يقبض شهيد البحر أخرج ابن ماجة في سننه، عن سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة، يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: شهيد البحر مثل شهيدي

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٢٦١.


البرِّ.و المائد في البحر كالمتشحِّط في دمه في البرِّ، وما بين الموجتين كقاطع الدُّنيا في طاعة اللّه، وانّ اللّه عزّ وجلّ وكّل ملك الموت بقبض الاَرواح إلاّ شهيد البحر، فانّه يتولّى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البرِّ الذنوب كلّها إلاّالدَّيْن، ولشهيد البحر الذُّنوب والدَّين.(١) يلاحظ عليه: كيف أنّه سبحانه يتولّ-ى قبض أرواحهم، مع أنّه سبحانه يقول:( قُلْ يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (السجدة/١١). يقول سبحانه:( الَّذِينَ تَتَوفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمي أَنْفُسِهِمْ ) (النحل/٢٨). وقال سبحانه:( الَّذِينَ تَتَوفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) (النحل/٣٢) ، إلى غير ذلك من الآيات التي تصرِّح بأنّالملائكة هم الموكَّلون بقبض الاَرواح دون فرق بين شهيد البرِّ وشهيد البحر ، ولما كانت الملائكة هم المباشرون لقبض الروح بأمر منه سبحانه صحّ نسبة التوفّي إليهم، كما في الآيات السالفة الذكر، وإلى اللّه سبحانه أيضاً، قال:( اللّهُيَتَوفّى الاَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالّتِي لَمْ تَمُت فِي مَنامِها ) (الزمر/٤٢). وقال سبحانه:( هُوَ الَّذِي يَتَوفاكُمْ باللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهار ) (الاَنعام/٦٠)، وقال عزّ من قائل:( وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَن يردّ إِلى أَرذَلِ الْعُمُر ) (النحل/٧٠)، وعلى ضوء ذلك فعالم الاحياء والاماتة عالم الاسباب والمسببات وإليه سبحانه ينتهي تأثير الاَسباب و القوى الغيبيّة فتصح نسبة الفعل إلى المباشر والمسبب. وربما يتخيل انّ قيامه سبحانه بقبض روح شهيد البحر تخصيص للآيات السابقة فلا مانع من أن يكون قبض الاَرواح بيد الملائكة إلاّ شهيد البحر، لكنّه

____________________

١ سنن ابن ماجة: ٢/٩٢٨ برقم ٢٧٧٨.


توهم باطل لاَنّ التخصيص والتقييد والنسخ إنّما هو في الاَحكام التشريعية لا في عالم التكوين وعينية الاَسباب والمسببات. كما انّ ذيل الحديث «يغفر لشهيد البرِّ الذنوب كلّها إلاّالدّين،ولشهيد البحر الذنوب والدين» قابل للنقاش، لاَنّ الدّين حقّ مالي متعلق بالمديون وليس حقاً للّه تبارك وتعالى ، والدائن و دَيْنه و إن كانا مملوكين للّه تبارك و تعالى لكن جرت مشيئته على أن لا يغفر للمديون إلاّ برضى صاحب الدين، فيُغفر ذنب كلا الشهيدين إذا رضي الدائن وإلاّ فلا يغفر ذنبهما، فما وجه هذا التخصيص؟!٣. مشاهدات النبي في الجنّة أخرج أحمد في مسنده، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة بين يدي، فقلت: ما هذا؟ قال: بلال، قال: فمضيت فإذا أكثر أهل الجنّة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر أحداً أقلّ من الاَغنياء والنساء، قيل لي: أمّا الاَغنياء فهم هاهنا بالباب يحاسبون ويمحّصون، وأمّا النساء فألهاهنَّ الاحمران، الذَّهب والحرير، قال: ثمّ خرجنا من أحد أبواب الجنّة الثمانية، فلمّا كنت عند الباب أتيت بكفّة فوضعت فيها، ووضعت أُمّتي في كفّة فرجحت بها، ثمّ أتي بأبي بكر فوضع في كفة، وجيء بجميع أُمّتي في كفة فوضعوا، فرجح أبوبكر، وجيء بعمر فوضع في كفّة، وجيء بجميع أُمّتي فوضعوا، فرجح عمر، وعرضت أُمّتي رجلاً رجلاً فجعلوا يمرّون، فاستبطأت عبد الرحمان بن عوف ثمّ جاء بعد الاياس، فقلت: عبد الرحمان؟!، فقال: بأبي وأُمّي يا رسول اللّه، والذي بعثك بالحقِّ ما خلصت إليك حتى ظننت أنِّي لا أنظر إليك أبداً إلاّ بعد المشيبات، قال: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي، أُحاسب وأمحَّص.(١)

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٢٥٩.وأخرج الترمذي نظيره عن بريدة الاَسلمي مع اختلاف في المضمون لاحظ: السنن:٥/٦٢٠ برقم ٣٦٨٩، وقد مضى الكلام في الحديث عند ترجمته.


وفي الحديث تأملات وإشكالات واضحة لا تنطبق على الضوابط التي أشرنا إليها في صدر الكتاب. أوّلاً: انّ الجنة دار الخلود فمن دخلها كان خالداً فيها، قال سبحانه:( أُولئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُون ) (هود/٢٣). فكيف دخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخرج منها وهل هذا إلاّتخصيص للسنة الاِلهية؟ ثانياً: انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمع خشفة بين يديه، والخشفة هي الصوت الخفي، فقال: ما هذا؟ قال: بلال. وهل كان بلال دخل الجنّة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّه كان في المدينةحيّاً يرزق؟ ثالثاً: ثمّ إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج من أحد أبواب الجنّة الثمانية، فإذا وضعت أُمّته في كفة، ووضع أبو بكر في كفة أُخرى، رُجّحت كفة أبي بكر، ومثله عمر، والمراد من التمثيل انّحسنات الاُمّة كانت أقلّ من حسنات كلّ واحد من الشيخين، وفي الاُمّة من هو أسبق منهما إسلاماً وجهاداً وأكثر علماً وتقوى. ثمّ لما شاهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استبطاء عبد الرحمان بن عوف، فسأله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سبب التأخير، فقال: ما استبطأت إلاّمن كثرة مالي، أحاسب وأمحّص. إنّ ذيل الحديث لا يوافق مع ما نعلم من حياة وسيرة عبد الرحمن بن عوف، فقد جاء في ذيل الحديث انّه حُوسب ومُحِصَّ ودخل الجنة وشافه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال له: «والذي بعثك بالحقّ ما خلصت إليك حتى ظننت انّي لا أنظر إليك أبداً إلاّ بعد المشيبات، قال: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي أُحاسب وأمحص» وإليك صورة إجمالية عما تركه عبد الرحمن، فهل مثله يحاسب ويمحص وفي المدينة وما والاها بطون غرثى، وأكباد حرّى لا عهد لهم بالشّبع؟! قال ابن سعد: ترك عبد الرحمان ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع، ومائة


فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجُرُف على عشرين ناضحاً وكان يدخل قوت أهله من ذلك سنة، وكان فيما ترك ذهب، قُطِعَ بالفوَوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفاً. وعن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمان، قال: أصاب تَماضرَ بنت الاَصبغ رُبعُ الثمن، فأخرجت بمائة ألف، وهي إحدى الاَربع.(١) وقال المسعودي: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربضه ١٠٠ فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته ثمن ماله ٨٤ ألفاً.(٢) ٤. لا وصية لوارث أخرج الترمذي في سننه، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في خطبته عام حجّة الوداع: إنّ اللّه قد أعطى لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيّة لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على اللّه، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة اللّه التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلاّ بإذن زوجها، قيل: يا رسول اللّه، ولا الطّعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا، ثمّ قال: العارية موَدّاة، والمنحة مردودة، والدَّين مقضيّ والزَّعيم غارم.(٣) وهذا الجزء من الحديث(لا وصية لوارث) يخالف الكتاب إذ يكفي في جواز الوصية للوارث قوله سبحانه:( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَأَحَدَكُمُ المَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَينِ وَالاَقْرَبينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى المُتَّقِينَ ) (البقرة/١٨٠)،

____________________

١ طبقات ابن سعد: ٣/١٣٦- ١٣٧، فصل ذكر وصية عبد الرحمان بن عوف.

٢ مروج الذهب: ٢/٣٣٣، طبع دار الاندلس.

٣ سنن الترمذي: ٤/٤٣٣ برقم ٢١٢٠.


والآية تأمر بالايصاء بالمعروف ، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوصِ بالمعروف، والآية صريحة في الوصية للوالدين ولا وارث أقرب للاِنسان من والديه، وقد خصهما بالذكر لاَولويّتهما بالوصية، ثمّ عمّم الموضوع، وقال: والاَقربين ليعم كلّقريب وارثاً كان أم لا. ولا يمكن القول بنسخ القرآن العظيم بخبر الواحد مع إمكان الجمع بينهما، وهو حمل الخبر على ما إذا زاد عن الثلث، حتى أنّالدار قطني أخرجه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا القيد، وقال: خطبنا رسول اللّه بمنى، وقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد قسم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.(١) وقد بسطنا الكلام حوله في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.(٢) ٥. النهي عن السياحة أخرج ابن داود في سننه، عن القاسم، عن أبي أمامة انّرجلاً، قال: يا رسول اللّه، ائذن لي في السياحة، قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ سياحة أُمّتي الجهاد في سبيل اللّه تعالى».(٣) انّ حصر السياحة في الجهاد لا يساعده الكتاب ولا سيرة المسلمين، أمّا الكتاب فقد ذكر من أوصاف الموَمنين،وقال:( التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِوَالحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبشِّرِ المُوَمِنينَ ) (التوبة/١١٢) وقد فُسِّر السائحون بطلبة العلم الذين يسيحون في الاَرض ويطلبونه في مظانه.(٤)

____________________

١ الدار قطني، السنن:٤/١٥٢، الوصايا، الحديث ١٢-١٣.

٢ الاعتصام بالكتاب والسنة، ص ٢٣٧- ٢٦٠.

٣ سنن أبي داود:٣/٥ برقم ٢٤٨٦.

٤ الكشاف: ٢/١٧٤؛ الدر المنثور:٤/٢٩٨.


قال سبحانه:( فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين ) (التوبة/١٢٢) ولو غُضَّ النظر عن هذه الآية، فقد دلت الآيات الاَخرى على استحباب السير في الاَرض، قال سبحانه:( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَعاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَمِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوّةً وَآثاراً فِي الاَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (غافر/٨٢). وأمّا سيرة المسلمين فالسياحة في الاَرض سنة سائرة بينهم، ولو جعلنا السفر من أقسام السياحة، فقد ندب إليها في الشرع وذكر لها فوائد جمة. ولا محيص في تصحيح الحديث من حمله على الترغيب إلى الجهاد والتأكيد عليه، فكأنّه لا سياحة في الاِسلام إلاّ السير إلى الجهاد.


٣٦- عبد اللّه بن أبي أوفى

(١٤ قبل الهجرة - ٨٦ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. معاذ يسجد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢. النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستمع لضرب الدف.

٣. النهي عن المراثي.

عبد اللّه بن أبي أوفى (علقمة) بن خالد بن الحارث بن هوازن بن أسلم الاَسلمي، يكنّى أبا معاوية، وقيل أبا إبراهيم، وقيل أبا محمد، شهد الحديبية وبايع بيعة الرضوان وشهد خيبر ومابعدها من المشاهد، ولم يزل بالمدينةحتى قُبض رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّتحول إلى الكوفة وهو آخر من بقي في الكوفة من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

روى أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: رأيت على ساعد عبد اللّه بن أبي أوفى ضربة، فقلت: ما هذه؟ قال: ضُرِبتُها يوم حنين، وقلت: أشهدتَ معه حنيناً، قال: نعم، وقيل: غير ذلك.


روى عنه عمرو بن مرّة، انّه قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وأربعمائة، وكانت «أسلم» ثُمنَ المهاجرين يومئذٍ، روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد والشعبي وعبد الملك بن عمير وأبوإسحاق الشيباني والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وغيرهم.

وروى عنه سالم بن أبي النضر وكان كاتَبه، قال: كتب إليه عبد اللّه بن أبي أوفى إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «اعلم أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف» توفي عبد اللّه بن أبي أوفى بالكوفة سنة ٨٦ ه- ، وقيل ٨٨ بعدما كُفَّ بصره.(١)

وقال الذهبي: من أهل بيعة الرضوان وخاتمة من مات بالكوفة من الصحابة، وكان أبوه صحابياً أيضاً، وقد توفي سنة ٨٨ ه- وقد قارب مائة سنة.(٢)

ونقل ابن سعد عن أبي يعقوب، عن ابن أبي أوفى، قال: غزوت مع رسول اللّه سبع غزوات، ونَقَلَ أيضاً عن محمد بن أعين أبو العلانية المرئيّ، قال: كنت بالكوفة فرأيت عبد اللّه بن أبي أوفى أحرم من الكوفة من مسجد الرمادة وجعل يلبّي.(٣)

وله في المسند الجامع ٥١ حديثاً.(٤)

وهو صحابي وابن صحابي، وله روايات في أبواب مختلفة نذكر من روائع رواياته شيئاً.

____________________

١ أُسد الغابة: ٣/١٢١-١٢٢.

٢ سير أعلام النبلاء: ٣/٤٢٨ برقم ٧٦.

٣ طبقات ابن سعد: ٤/٣٠١- ٣٠٢، وترجمه أيضاً في ٦/٢١.

٤ المسند الجامع:٨/١٩٠.


روائع أحاديثه

١. أخرج ابن ماجة في مسنده عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :إنّ اللّه مع القاضي مالم يَجُر، فإذا جار وكّله إلى نفسه.(١)

٢. أخرج البخاري في الاَدب المفرد عن سليمان أبي آدم، قال: سمعت عبد اللّه بن أبي أوفى يقول عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: إنّ الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم.(٢)

والمراد انّ وجود قاطع الرحم بين قوم، يحول دون نزول الرحمة عليهم، وليس بغريب قال سبحانه:( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصّة ) (الاَنفال/٢٥).

٣. أخرج الاِمام أحمد عن مدرك عن عبد اللّه بن أبي أوفى، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يدعو، ويقول: اللّهمّ طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللّهمّ طهّر قلبي من الخطايا ، كما طهرت الثوب الاَبيض من الدنس، وباعد بيني وبين ذنوبي كما باعدت بين المشرق والمغرب؛ اللّهمّ انّي أعوذ بك من قلب لا يخشع، ونفس لا تَشبع، ودعاء لا يُسمع، وعلم لا ينفع، اللّهم إنّي أعوذ بك من هوَلاء الاَربع. اللّهمّ إنّي أسألك عيشة تقية، وميتة سوية، ومردّاً غيرمخزي.(٣)

٤. أخرج مسلم في صحيحه عن عمر بن عبد اللّه، انّه كتب إليه عبد اللّه بن أبي أوفى يخبره انّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كان في بعض أيّامه التي لقى فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: يا أيّها

____________________

١ سنن ابن ماجة: ٢/٧٧٥ برقم ٢٣١٢.

٢ البخاري: ، الاَدب المفرد،ص٣٨ برقم ٦٣، باب لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم.

٣ مسند أحمد: ٤/٣٨١.


الناس لاتتمنوا لقاء العدو، واسألوا اللّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا انّالجنّة تحت ظلال السيوف.(١)

٥. أخرج مسلم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: دعا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الاَحزاب، وقال: اللّهمّ منزّل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الاَحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم.(٢)

٦. أخرج النسائي عن يحيى بن عقيل، قال:سمعت عبد اللّه بن أبي أوفى، يقول: كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكثر الذكر ويقلّ اللغو ويطيل الصلاة ويُقصر الخطبة ولا يأنف أن يمشي مع الاَرملة والمسكين فيقضي له الحاجة.(٣)

والمراد من اللغو هو «الدعابة» لا اللغو الذي يعد تركه من علائم الاِيمان قال سبحانه:( وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون ) (الموَمنون/٣).

٧. أخرج مسلم عن محمد بن بشر العبديّ عن إسماعيل، قال: قلت لعبد اللّه بن أبي أوفى: أكان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشَّر خديجة ببيت في الجنّة؟ قال: نعم بشّرها ببيت في الجنَّة من قصب لا صخب(٤) فيه ولا نصب.(٥)

ولا غرو فيه فانّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد. قال أبوكريب: وأشار وكيع إلى السماء والاَرض.(٦)

وقد حكى الذكر الحكيم عن آسية انّ-ها طلبت من ربّها أن يبني لها بيتاً في

____________________

١ صحيح مسلم: ٥/١٤٣، باب كراهة تمني لقاء العدو، وباب استجابة الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.

٢ صحيح مسلم: ٥/١٤٣، باب كراهة تمني لقاء العدو، وباب استجابة الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.

٣ سنن النسائي: ٣/١٠٩، باب ما يستحب من تقصير الخطبة.

٤ الصخب: الصياح.

٥ صحيح مسلم: ٧/١٣٣، باب فضائل خديجة.

٦ صحيح مسلم: ٧/١٣٢، باب فضائل خديجة.


الجنّة، قال عزّ من قائل:( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ آمَنُوا امْراةَ فِرْعَونَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابنِ لي عِنْدَكَ بِيتاً فِي الجَنّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِوَنَجِّني مِنَ القَومِ الظّالِمين ) (التحريم/١١).

٨. أخرج عبد بن حميد، عن فائد أبي الورقاء، عن عبد اللّه بن أبي أوفى الاَسلمي، قال:

خرجت فإذا رسول اللّه وأبوبكر وعمر قعوداً وإذا غلام صغير يبكي، فقال رسول اللّه لعمر: ضُمَّ الصَّبيَّ إليك فانّه ضالّ، فضَمّه عمر إليه، فبينا نحن قعود إذ أمٌّ له تُوَلْوِلُ، أظنه قال: وتقول: وابنيَّاه وتبكي، فقال رسول اللّه لعمر: نادِي المرأة فانّها أُمّ الصَّبيّ وهي كاشفة عن رأسها ليس على رأسها خمار جزعاً على ابنها، فجاءت حتّى قَبَضتْ الصبي من حُجْر عمر وهي تبكي و الصّبيُّ في حجرها، فالتفتت فلمّا رأت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت: واحرباه، ألا أرى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟فقال: رسول اللّه عند ذلك: أترون هذه رحيمة بولدها ؟ فقال أصحابه: بلى يا رسول اللّه، كفى بهذه رحمة، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والذي نفس محمد بيده، اللّه أرحم بالموَمن من هذه بولدها.(،١)

إلى غير ذلك من روائع أحاديثه المبثوثة في المسانيد والصحاح، وفي مقابل ذلك عزيت إليه روايات لا يمكن الركون إليها لتخلفها عن الموازين التي استعرضناها في صدر الكتاب:

١. معاذ يسجد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج ابن ماجة عن القاسم الشيباني، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: ما هذا يا معاذ؟!


قال: أتيت الشّام فوافقتهم يسجدون لاَساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك.

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلا تفعلوا، فانّي لوكنت آمراً أحداً أن يسجد لغير اللّه، لاَمرت المرأة أن تسجُد لزوجها، والّذي نفس محمّد بيده! لا توَدِّي المرأة حقّ ربّها حتّى توَدّي حقّ زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه.(١)

والحديث لوصحّ لدلّ على سذاجة معاذ بن جبل في فهم الدين، وقد أوضحنا حاله عند دراسة أحاديثه، فراجع.

٢. النبي يستمع لضرب الدف

أخرج أحمد في مسنده عن شيخ من بجيلة، قال: سمعت ابن أبي أوفى، يقول: استأذن أبو بكر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجارية تضرب بالدف فدخل، ثمّ استأذن عمر فدخل، ثمّ استأذن عثمان فأمسكت، قال: فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ عثمان رجل حييّ.(٢)

انّ معنى الحديث انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد استمع لجارية كانت تضرب الدف (وربما تُغنِّي) فهل من المعقول أن يستمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لدفّها مع أنّه سبحانه يقول:( ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) (النور/٣١) ويقول سبحانه:( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) (الاَحزاب/٣٢). وليس المراد من الجارية إحدى نسائه وإلاّ لكان التعبير بها هو المتعين.

ثمّ العجب انّ عثمان أشدّ حياءً من الرسول!!!!، فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والشيخان يستمعان لضرب الدفّ ولكن عثمان أنف عن ذلك مما حدا بالجارية ان تمسك عن الضرب بالدف!!!!

____________________

١ المسند الجامع: ٨/١٨٦- ١٨٧، نقلاً عن مسند عبد بن حميد:٥٣٠.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٥٩٥ برقم ١٨٥٣؛رواه أحمد في مسنده: ٤/٣٨١و ٥/٢٢٧.


كيف يجوز للنبي أن يصغي لضرب الدفّ وقد نهى عنه؟!

أخرج أحمد في مسنده عن عاصم بن عمرو البجلي، عن أبي امامة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: تبيت طائفة من أُمّتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثمّ يُصبحون قردة وخنازير فيبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الخمور وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات.(١)

أخرج البخاري معلقاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، انّه قال: ليكوننَّ من أُمّتي أقوام يستحلون الحُرَّ والحرير و الخمر و المعازف.(٢)

٣. النهي عن المراثي

أخرج أحمد في مسنده عن إبراهيم الهجري، عن عبد اللّه بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة فماتت ابنة له وكان يتبع جنازتها على بغلة خلفها، فجعل النساء يبكين، فقال: لا ترثين، فانّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن المراثي فتفيض احداكنَّ من عبرتها ما شاءت(٣) .

قد تقدّم منّا الكلام حول الرثاء على الميت عند دراسة روايات أبي موسى الاَشعري وعبد اللّه بن عمر وقلنا بأنّ الممنوع منه هو التكلم بما فيه غضب الرب وليس فيه رضاه وأمّا البكاء - سواء كان بصوت عال أو خافت - فهو أمر فطري نابع من صميم العاطفة الاِنسانيةلا محظور فيه، فنهي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المراثي إنّما لاَجل القسْمِ المحرّم منه.

____________________

١ مسند أحمد: ٤/٣٥٣.

٢ مسند أحمد: ٥/٢٥٩.

٣ صحيح البخاري: ٧/١٠٦ ، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه من كتاب الاَشربة.


أخرج ابن ماجة عن مكحول والقاسم، عن أبي أُمامة: انّ رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها والدّاعية بالويل والثّبور(١) .

قال في الزوائد: اسناده صحيح.

____________________

١ مسند أحمد: ٤/٣٥٦؛سنن ابن ماجة: ١/٥٠٧ برقم ١٥٩٢.


٣٧- سهل بن سعد الساعدي

(٥ ق. ه- ٩١ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. بال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائماً.

٢. نزول الآية ناقصة.

٣. وضع اليد اليمنى على اليسرى.

٤. الشوَم في المرأة.

سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة، أبو العباس الخزرجي الاَنصاري الساعدي.

وكان أبوه من الصحابة الذين توفُّوا في حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتُوفي الرسول وسهل له من العمر خمس عشرة سنة، وعاش و طال عمره حتى أدرك الحجاج بن يوسف و امتحن معه، أرسل الحجاج سنة ٧٤ه- إلى سهل بن سعد (رض)، قال: ما منعك من نصر أمير الموَمنين عثمان؟ قال: قد نصرته، قال: كذبت، ثم أمر به فختم في عنقه، وختم أيضاً في عنق أنس بن مالك. و ختم في يد جابر بن عبد اللّه. يريد إذلالهم بذلك و أن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا فيهم.

وشهد سهل قضاء رسول اللّه في المتلاعنين وانّه فرق بينهما وكان اسمه حزناً فسماه رسول اللّه سهلاً.


يروي عنه ابنه عباس، وأبو حازم الاَعرج، وغيرهم، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة و كان من أبناء المائة.

ذكر عدد كبير وفاته في إحدى وتسعين، وقال أبو نعيم وتلميذه البخاري سنة ٨٨.(١)

كما بلغ عدد رواياته في المسند الجامع نحواً من ٨٧ رواية(٢)

وقد نسبت إليه روايات تعدّ من روائع رواياته يوَيدها الكتاب والسنة والعقل، وربما يوجد شذوذ فيما عزي إليه، وإليك بيان كلا القسمين.

روائع أحاديثه

١. أخرج ابن ماجة عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليبشر المشاوَون في الظُّلَم بنورٍ تامٍّ يوم القيامة.(٣)

٢. أخرج أبو داود، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي: انّ رجلاً أتاه فأقر عنده أنّه زنى بامرأة سمّاها، فبعث رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد وتركها.(٤)

٣. أخرج الترمذي، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا و كافل اليتيم في الجنّة كهاتين وأشار باصبعيه يعني السّبّابة والوسطى.(٥)

____________________

١ سنن ابن ماجة: ١/٥٠٥ برقم ١٥٨٥.

٢ أُسد الغابة: ٢/٣٦٦ وسير أعلام النبلاء:٣/٤٢٢- ٤٢٤.

٣ المسند الجامع: ٧/٣٢١.

٤ سنن ابن ماجة: ١/٢٥٦ برقم ٧٨٠.

٥ سنن أبي داود: ٤/١٥٠-١٥١ برقم ٤٤٣٧.


٤. أخرج البخاري عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد، يقول: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني و بينهم.

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً ؟ فقلتُ: نعم، قال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: إنّهم منّي، فيقال أنت لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً ، سحقاً لمن بدّل بعدي.(١)

ويوَيد ذلك مضافاً إلى ما ورد في هذا الباب في صحيح البخاري وصحيح مسلم، قوله سبحانه:( وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئاً وسَيَجْزِى اللّهُ الشّاكرينَ ) (آل عمران/١٤٤)، و الآية تخبر عن وقوع الانقلاب على الاَعقاب بعد رحيل الرسول والتاريخ حافل بنماذج كثيرة من هذا الارتداد.

٥.أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي حازم عن سهل: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال يوم خيبر: لاَعطينّ هذه الراية رجلاً يفتح اللّه على يديه، يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يُعطاها، قال: فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول اللّه يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتى به فبصق رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية.

فقال علي: يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ثمّادعهم إلى الاِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللّه فيه فو اللّه لئن يهدي اللّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون

____________________

١ سنن الترمذي: ٤/٣٢١ برقم ١٩١٨.


لك حمر النّعم.(١)

٦. أخرج أحمد عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إيّاكم ومحقّرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضَجوا خبزتهم، وإنّ محقّرات الذّنوب متى يُوَخذ بها صاحبها تهلكه.(٢)

وقد رويت عنه روايات لا تخلو عن تساوَلات و ربما لا تنطبق مع ما ذكرنا من الموازين السالفة الذكر:

١. بال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائماً

أخرج ابن خزيمة عن أبي حازم قال: رأيت سهل بن سعد يبول قائماً، فانّه تحدث ذلك عليه، وقال: قد رأيت من هو خير منّي فعله.(٣)

ولعلّه أراد الرسول من قوله : هو خير منّي، فقد نسب إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه بال قائماً.

أخرج البخاري عن حذيفة، قال: لقد رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو قال: لقد أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سباطة قوم فبال قائماً.(٤)

وقد ذكرنا ما في هذه الروايات من الضعف عند دراسة روايات حذيفة، فلاحظ.

____________________

١ صحيح البخاري: ٩/٤٦، كتاب الفتن.

٢ صحيح مسلم: ٧/١٢١-١٢٢، باب فضائل علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، ورواه البخاري في الصحيح: ٤/٥٣، باب ما قيل في لواء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عن سلمة بن أكوع؛ ورواه أيضاً في ٥/١٨ باب مناقب علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

٣ مسند أحمد: ٥/٣٣١.

٤ المسند الجامع:٧/٢٥٨، نقلاً عن مسند ابن خزيمة.


٢. نزول الآية ناقصة

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال: أنزلت( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَالخَيطِ الاَسْود ) ولم ينزل (من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الاَبيض والخيط الاَسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له روَيتهما، فأنزل اللّه بعد (من الفجر)فعلموا انّه إنّما يعني الليل و النهار.(١)

وقد روى نظير ذلك عن عدي بن حاتم، قال: لما نزلت( حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الاََبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِالاَسْوَد ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكرت له ذلك، فقال: إنّما ذلك سواد الليل وبياض النّهار.(٢)

إنّ القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين يفهمه كلّعربي صميم، قال سبحانه:( وَلَقَدْيَسَّرْنا القُرآنَ لِلذِّكْرِفَهَلْ مِنْمُدَّكِر ) (القمر/١٧).

وقال سبحانه:( فَإِنَّما يَسَّرناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَرُونَ ) (الدخان/٥٨).

فإذا كان القرآن كتاب الهداية والاِنذار وكان في مقام بيان الحكم الشرعي لعامة الناس يجب أن يكون بلغة فصيحة يعرفها أهل اللغة.

وعلى ضوء ذلك فلا يعقل انّ عدي بن حاتم ذلك العربي الصميم لم يفهم المراد من الخيط الاَبيض والخيط الاَسود فعمد إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلهما تحت وسادته فجعل ينظر إليهما في الليل، ولا يستبين له فيرجع

____________________

١ صحيح البخاري:٣/١٣٥، باب الوقوف والبول عند سباطة قوم.

٢ صحيح البخاري: ٣/٢٨، باب قول اللّه تعالى:( وَكُلُوا واشربُوا ) .


إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويبين حاله، فانّ هذا شأن من لم يكن من أهل اللسان أو كان بعيداً عن التراكيب الفصيحة.

وأسوأ منه ما عزي إلى سهل بن سعد الساعدي من نزول كلمة (من الفجر ) بعد فترة من نزول الآية فانّ لفظ الآية إمّا أن يكون كافياً في إفادة المعنى المقصود أو لا ، فعلى الاَوّل لا حاجة إلى قوله: من الفجر، وعلى الثاني كان الفصل بين الآية وقيدها أمراً غير صحيح، ولا يقاس ذلك بفصل الخاص على العام أو المقيد على المطلق.

٣.وضع اليد اليمنى على اليسرى

أخرج البخاري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يُوَمَرون أن يضع الرجل اليدَ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.

قال أبوحازم: لا أعلمه إلاّ يَنمِي ذلك إلى النبي، وقال إسماعيل (شيخ البخاري) يُنمى ذلك ولم يقل ينمي.(١)

تعد هذه الرواية من أدلة استحباب وضع اليمنى على اليسرى كما فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكن الاستدلال مخدوش بوجوه:

الاَوّل: انّ ظاهر قوله: «كان الناس يُوَمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» انّ الآمر غير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو كان هو الآمر لما أخلَّ التصريحَ به وهذا يوَيد انّ القبض حدث في عصر الخلفاء ومن أعقبهم من الاَمويين.

الثاني: انّ أبا حازم راوي الحديث عن سهل، قال: «لا أعلمه إلاّ ينمي ذلك

____________________

١ المصدر نفسه.


إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » فقد قرأه لفيف من المحدّثين بصيغة المعلوم يعني انّسهل بن سعد كان ينسبه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكن شيخ البخاري، يقول: الصحيح قراءته بصيغة المجهول أي «ينمى ذلك» من دون أن يصرح للناسب.

كلّذلك يعرب عن وجود اضطراب في نفس النقل، قال ابن حجر: و من اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي ينميه، فمراده يرفع ذلك إلى النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١)

الثالث: روى البيهقي في سننه كيفية صلاة النبي عن أبي حميد الساعدي ولم يأت فيه بشيء من القبض.

فقال أبوحميد الساعدي: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة؟ قال: بلى، قالوا: فأعرض علينا، فقال: كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثمّ يكبر حتى يقرّ كلّعضو منه في موضعه معتدلاً، ثمّ يقرأ ثمّ يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثمّ يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثمّ يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع، ثمّ يرفع رأسه، فيقول: سمع اللّه لمن حمده، ثمّ يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يعود كلّ عظم منه إلى موضعه معتدلاً، ثمّيقول: اللّه أكبر، ثمّ يهوي إلى الاَرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثمّ يرفع رأسه فيثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذاسجد ثمّ يعود ثمّ يرفع، فيقول: اللّه أكبر ثمّ يثني برجله فيقعد عليها معتدلاً حتى يرجع أو يقر كلّ عظم موضعه معتدلاً، ثمّ يصنع في الركعة الاُخرى مثل ذلك، ثمّ إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل أو كبّر عند افتتاح صلاته، ثمّ يصنع مثل ذلك في بقية صلاته حتى إذا كان في السجدة التي فيها

____________________

١ صحيح البخاري: ١/١٤٤، باب وضع اليمنى على اليسرى.


التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الاَيسر، فقالوا جميعاً: صدق هكذا كان يصلّي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١)

٤.الشوَم في المرأة والفرس والمسكن

أخرج أحمد في مسنده، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إن كان في شيء، ففي المرأة والفرس والمسكن. يعني الشّوَم.(٢)

وقدتعرضنا إلى نقد هذا الحديث عند التطرق إلى أحاديث سعد بن أبي وقاص تحت عنوان التطير بالمرأة والفرس والدار، فلاحظ.

____________________

١ فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ٢/٢٢٤.

٢ البيهقي، السنن: ٢/٧٢، ٧٣، ١٠١، ١٠٢؛ سنن أبي داود:١/١٩٤.


٣٨- أنس بن مالك الصحابي

(١٠قبل الهجرة - ٩٣ هجرية)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

١. طواف النبي على نسائه في ليلة واحدة.

٢. أبو النبي صفي النار.

٣. نسيان السورة من أعظم الذنوب.

٤. اجتهاد النبي في الاَحكام.

٥. الصيام في السفر.

٦. مجبوب متهم بالزنا.

٧. برغوث يوقظ نبيّاً للصلاة.

٨. موسى يصلّي في القبر.

٩. التجسيم في أحاديثه.

١٠. رقص أهل الحبشة أمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١١. سيدا كهول أهل الجنة.

١٢. أُمّتي على خمس طبقات.

١٣. صلاة النبي بلا بسملة.

١٤. ردّ دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١٥. النهي عن باء الاقراء.

١٦. فضل عائشة.

١٧. نوم النبي على فراش أُم سليم.

١٨. مدة خدمته.

١٩. إسراء النبي قبل أن يوحى له.

٢٠. نزول آية الصلح في عبد اللّه بن أُبي.

أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الخزرجي النجاري، كنيته أبو حمزة، قدم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة وهو ابن عشر سنين فأهدته أُمّه لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كي يخدمه،


وانتقل من المدينة بعد ان مُصِّرت البصرة أيام عمر بن الخطاب وسكنها.(١)

أمّا أبوه فهو مالك بن النضر فلا يذكرون عنه شيئاً سوى انّه غضب على أُمّ سليم و خرج إلى الشام فمات كافراً هناك.

وأمّا أُمّه فهي أُمّ سُليم بنت مِلْحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجّار الاَنصارية الخزرجية النجّارية، فقد خطبها أبو طلحة بعد ما مات زوجها مالك، وهو مشرك، فقالت: أمّا انّ لي فيك رغبة وما مثلك يُرد، ولكنك كافر وأنا امرأة مسلمة فان تسلم فلك مهري و لا أسألك غيره، فأسلم وتزوّجها.

و كان لاُمّ سُليم مواقف في بعض الغزوات لا سيما يوم أُحد.(٢)

وقد وصف أنس بالاَوصاف التالية:

المفتي، المقرىَ، المحدِّث، راوية الاِسلام، خادم رسول اللّه، وهو آخر أصحابه موتاً وحيث إنّه ولد قبل الهجرة بعشر سنين وأشهر الاَقوال في وفاته انّه توفي عام ٩٣ فيكون عمره على هذا مائة وثلاثة سنين.

يقول الذهبي: قال الاَنصاري اختلف علينا في سنّ أنس، فقال بعضهم: بلغ ١٠٣ سنين، وقال بعضهم: ١٠٧ سنين.

وقال أيضاً: مسنده ألفان ومائتان وستة وثمانون، اتّفق له البخاري ومسلم على ١٨٠ حديثاً، وانفرد البخاري بثمانين حديثاً، ومسلم بتسعين.(٣)

وقد أحصيتْ أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١٤٧٢(٤) وهو يقل

____________________

١ مسند أحمد: ٥/٣٣٥.

٢ مشاهير علماء الاَمصار واعلام فقهاء الاَقطار: ٦٥ برقم ٢١٥، وسيوافيك الاختلاف في مدة خدمته.

٣ سير أعلام النبلاء: ٢/٣٠٤ برقم ٥٥.

٤ الذهبي، سير أعلام النبلاء: ٣/٤٠٦ برقم ٦٢.


بكثير عمّا ذكره الذهبي والحقّ انّ المسند الجامع ليس بجامع.

وكان أنس يقول: قدم رسول اللّه المدينة وأنا ابن عشر و مات وأنا ابن عشرين، وكن أُمّهاتي تحثّني على خدمته.(١)

وعلى ذلك فما يرويه من الروايات عن النبي مباشرة - وهو الاَغلب - إنّما أخذه في هذه السنين وهو بعدُ لم يزل صبياً، مراهقاً.

يروي عن: النبي، وعن: أبي بكر وعمر و عثمان ومعاذ وأسيد بن الحضير وأبي طلحة وأُمّه أُمّ سُليم وفاطمة الزهراء وغيرهم.(٢)

كما أخذ عنه خلق كثير ، منهم: الحسن البصري، وابن سيرين، و الشعبي، وأبو قلابة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، إلى غير ذلك ممّن يروي عنه.(٣)

وقد شارك في بعض الغزوات وجاء في حديثه مشاركته في غزوة خيبر كما سيوافيك وهو الراوية الثاني للحديث النبوي بعد أبي هريرة، فهما من المكثرين للرواية عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومن أبرز سماته انّه يروي في أغلب الاَحيان أفعال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما هو واضح لمن استقصى أحاديثه فالقول والفعل كلاهما سنّة.

وقد خدم البيت النبوي مدّة مديدة لمس خلالها مدى الحب والعناية التي كان النبي يوليها لبنته فاطمة الزهراء وابنيها الحسن والحسينعليهم‌السلام ، فانعكس كل ذلك على اخباره.

روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال: حسبك من نساء

____________________

١ المسند الجامع: ٣/٦٩.

٢ مسند أحمد: ٣/١١٠.

٣ سير أعلام النبلاء:٣/٣٩٦؛ تهذيب التهذيب: ١/٣٧٦ برقم ٦٩٠.


العالمين: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، وآسية امرأة فرعون.(١)

وروي أيضاً: جاء جبرئيل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده خديجة، فقال: إنّ اللّه يقرىَ خديجة السلام، فقالت: إنّ اللّه هو السلام وعلى جبرئيل السلام وعليك السّلام ورحمة اللّه.(٢)

وروى أيضاً انّ رسول اللّه كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل البيت( إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٣)

وروى الترمذي عن أنس بن مالك: سئل رسول اللّه أي أهل بيتك أحبّ إليك، قال: الحسن الحسين، وكان يقول لفاطمة: إدعي ابنيّ فيشمُّهما ويضمُّهما إليه.(٤)

أخرج الترمذي عن السدّيّ،عن أنس بن مالك، قال: كان عند النبي طير، فقال: اللّهمّ إئتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه.(٥)

أخرج الاِمام أحمد عن عبد الصمد وعفان، قالا: حدّثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر الصديق (رض) فلما بلغ ذا الحليفة، قال عفان: لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي فبعث بها مع عليعليه‌السلام (٦)

كلّ ذلك يعرب عن تعاطفه مع أهل البيتعليهم‌السلام .

____________________

١ سير أعلام النبلاء:٣/٣٩٦.

٢ مسند أحمد:٣/١٣٥؛ والترمذي: السنن: برقم٣٨٧٨.

٣ سنن النسائي، في باب عمل اليوم و الليلة برقم ٣٧٤، وأخرجه في فضائل الصحابة برقم ٢٥٤.

٤ مسند أحمد: ٣/٢٥٩- ٢٨٥.

٥ الترمذي: السنن: ٥/٦٥٧ برقم ٣٧٧٢.

٦ الترمذي: السنن:٥/٦٣٦ برقم ٣٧٢١، كتاب المناقب.


روائع أحاديثه

نذكر في المقام شيئاً من روائع أحاديثه ليكون انموذجاً لما لم نذكر.

١. عن حميد عن أنس انّ رسول اللّه، قال:

انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل يا رسول اللّه: هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم.(١)

٢. عن أبي عبد اللّه الاَسدي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.(٢)

٣. عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

( قل هو اللّه) تعدل ثلث القرآن.(٣)

٤. عن سليمان التيمي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النار.(٤)

٥. عن أبي حفص انّه سمع أنس بن مالك يقول: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّمثل العلماء في الاَرض كمثل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة.(٥)

٦. عن خلف أبي الربيع قال: حدّثنا أنس، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّهذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق.(٦)

____________________

١ مسند أحمد:٣/٢١٢.

٢ مسند أحمد:٣/٢٠١.

٣ مسند أحمد:٣/١٥٣.

٤ سنن ابن ماجة برقم ٣٧٨٨.

٥ مسند أحمد:٣/١١٦.

٦ مسند أحمد:٣/١٥٧.


٧. عن أبي التّياح انّه سمع أنس بن مالك، قال:قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : البركة في نواصي الخيل.(١)

هذه مقتطفات من روائع أحاديثه التي يعلو عليها نور النبوة ويدل سموُّ مضمونها على صدق مقاله، فالاُمّة قاطبة تنهل من النمير العذب لتلك الاَحاديث بلا تريّث، ولكن مع الاعتراف بذلك ففي الروايات المروية عنه شذوذ وشطحات تصدّنا عن الاَخذ بها.

١. طواف النبي على نسائه في ليلة واحدة

روى البخاري عن قتادة، انّأنس بن مالك حدَّثهم: انّ نبي اللّه كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله أيضاً تسع نسوة.(٢)

وقد تضافر نقل هذا الحديث عن أنس انّالنبي كان يطوف على نسائه في غسل واحد.(٣)

وعن قتادة، قال حدثنا أنس بن مالك، قال: كان النبي يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهنّ إحدى عشرة، قال: قلت لاَنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث انّه أُعطي قوّة ثلاثين.(٤)

هذا وإذا أردنا أن نستقصي أسانيد هذه الرواية من كتب الحديث لطال بنا الكلام فقد نقلها عنه غير واحد من أصحاب السنن والمسانيد.

____________________

١ مسند أحمد:٣/١٩٩.

٢ مسند أحمد:٣/١١٤.

٣ صحيح البخاري: ١/٧٩، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، ولاحظ ٧/٤ باب كثرة النساء.

٤ مسند أحمد:٣/١٦١؛ وصحيح البخاري: ٧/٣٤، باب من طاف على نسائه في غسل واحد من كتاب النكاح.


إنّ الحسن والقبح العقليين وإن صارا معرضاً للنقاش بين العدلية والاَشاعرة ولكن الحسن والقبح العرفيين أمر لا يمكن أن ينكر، فالاَكل في الطريق وإن كان أمراً مباحاً ولكن تستنفره طبائع الناس، فعلى النبي تنزيه ساحته عن كلّ ما يوجب انفضاض الناس عنه، ولا يقلّ عن هذا العمل، الطوافُ على النساء التسع على رواية أو الاِحدى عشرة على رواية أُخرى في ليلة واحدة أمام شاب مراهق كأنس.

فلو كان الحافز لذلك العمل هو بيان الحكم الشرعي وانّه يجوز الاقتصار على غسل واحد لجنابات متعددة فما أيسر بيانَه في ثنايا كلماته ومواعظه كسائر ما أفاده من الاَحكام والسنن.

وهل كان الجمع بين النساء في الدخول في ليلة واحدة أمراً مفروضاً عليه مع انّ أصل وطء الزوجة أمر مختلف فيه في فقه أهل السنّة، فالحنابلة على أنّه يجب على الزوج وطء زوجته في كلّ أربعة أشهر مرّة واحدة إن لم يكن له عذر، والحنفية على أنّه ليس لها حق المطالبة به في العمر إلاّ مرّة واحدة، والشافعية على أنّه ليس للمرأة الحقّ في مطالبة الرجل بالوطء لاَنّ عقد النكاح واقع على أن يستمتع الرجل بها فالمعقود عليها هي المرأة لا الرجل فعلى هذا فالوطء حقّه.(١)

وعليه لا يتصور وجوب الوطء إلاّ على مذهب الحنابلة دون غيرهم، كما لا يجب الوطء في ليلة واحدة بل لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أداء حقّهن ضمن ليالي.

ثمّ إنّ ما برّر به أنس إمكان عمل النبي بعد ما سئل عن إطاقة النبي فأجاب: كنّا نتحدث انّه أُعطي قوة ثلاثين رجلاً.(٢) أمر مشكل، فإن أوقفه النبي على ذلك فلماذا لم ينسبه إليه؟ وإن أخذه من غيره فمن أوقفه على ذلك؟ ومن أين عرف انّنبي الاِسلام أُعطي قوة ثلاثين رجلاً ؟

____________________

١ مسند أحمد:٣/٢٩١.

٢ لاحظ الفقه على المذاهب الاَربعة:٤/٢٤٠-٢٤١.


نعم دلّ العقل والشرع على لزوم بلوغ الاَنبياء في العقل والوعي والاَخلاق الحميدة والفضائل الحسنة مرتبة سامية تجعلهم في مستوى عال يتفوقون بها على سائر البشر، وأمّا ما سوى ذلك ممّا لا يعد محْمَدة في العمل ولا كرامة في الاَخلاق فلم يدل دليل على تفوّقهم على الناس بشيء فضلاً عن إعطائهم قوة ثلاثين رجلاً فيما يرجع إلى الغرائز السافلة.

كلّ ذلك يعرب عن وهن الحديث مضموناً وعدم مطابقته للاُصول المسلمة عند المسلمين.

ثمّ إنّ القيام بهذا العمل أمام شاب مراهق - كما قلنا - أمر قبيح عرفاً، ينفّر الناس عن النبي إذا سمعوا به، و هذا هو البخاري يحدثنا انّ أنساً لحق بالنبي قُبيل غزوة خيبر التي وقعت في محرم سنة ٧ من الهجرة(١)

أخرج البخاري عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد اللّه بن حنطب انّه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاَبي طلحة: التمس غلاماً من غلمانكم يخدمني، فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول اللّه كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: «اللّهمّ انّي أعوذ بك من الهم والحَزَنِ والعجز والكسل والبخل والجبن وضَلَع الدَّين، وغلبة الرجال»، فلم أزل أخدمه حتى أقبلنا من خيبر.(٢)

فهذا يعرب عن أنّه لحق بالنبي في سنة ٧ للهجرة وله من العمر ١٧ أو ١٨ عاماً أفيمكن أن يقوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمام شاب مراهق في عنفوان شبابه و ثوران شهواته بالطواف على زوجاته في ليلة واحدة؟!

كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنساناً حيِيّاً عفيفاً، و هذا هو القاضي

____________________

١ مسند أحمد:٣/٢٩١.

٢ سيرة ابن هشام:٣/٣٢٨.


عياض، يعرّفه بقوله: وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشدّالناس حياءً، وأكثرهم عن العورات اغضاءً.

قال اللّه تعالى:( إِنّ ذلِكُم كانَ يوَذي النَّبِيَّ فيَسْتَحي مِنْكُمْ وَاللّهُ لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقّ ) (الاَحزاب/٥٣).

وعن أبي سعيد الخدري (رض): كان رسول اللّه أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه، وكان لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافه أحداً بما يكرهه حياءً وكرم نفس.

وعن عائشة: كان النبي إذا بلغه عن أحد يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا، ولكن يقول: ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا.

وروى عنه: انّه كان من حيائه لا يُثبت بصره في وجه أحد و انّه كان يُكنِّي عما اضطره الكلام إليه ممّا يكره.

وعن عائشة: ما رأيت فرج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قط.(١)

فإذا كان هذا حياءَه وعفتَه، فهل يتصوّر أن يطوف في ليلة واحدة على تسع أو إحدى عشرة من زوجاته واحدة تلو الاُخرى، ونساءه مطلعات على ذلك مضافاً إلى غلامه الذي بلغ سن المراهقة وهو في شره غريزته؟

إنّعمل كلّ إنسان يعكس نفسياته وملكاته، فهذا النوع من العمل يكشف عن نفسيّة غارقة في حب الشهوات، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجل من هذه التهمة الرخيصة، ومن قرأ حياته وهو في شرخ شبابه إلى ان ذرّف العقد السادس من عمره الشريف يقف، على أنّه كان بعيداً عن أيّعمل يمت إلى ذلك بصلة.

«فهو قد تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره وهو في شرخ الصبا، وريعان الفتوة، ووسامة الطلعة، وجمال القسمات وكمال الرجولية، ومع

____________________

١ صحيح البخاري: ٧/٧٦، باب الحيس من كتاب الاَطعمة.


ذلك ظلَّت خديجة وحدها زوجه ثماني وعشرين سنة حتى تخطّى الخمسين،هذا على حين كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً بين العرب في ذلك العهد و على حين كان لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مندوحة في التزويج على خديجة أن لم يعش له منها ذَكَر، في وقت كان تُوأد فيه البنات، وكان الذكور وحدهم هم الذين يعتبرون خلفاً وقد ظل النبي مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده وهو لا يفكر قط في أن يُشرك معها غيرها في فراشه، ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل زواجه منها، انّه كان ممن تغريهم مَفاتن النساء، في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب بل كانت النساء يتبرجنَّ فيه و يبدينّ من زينتهنّ ما حرّم الاِسلام من بعد».(١)

فمن غير الطبيعي ان تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب الذي تصوره تلك الرواية.

وأمّا تعدد زوجاته ونسائه، فمن قرأ صفحات تاريخه يقف على أنّه كان لاَجل غايات سياسية أو اجتماعية أو ما يشبههما.

مثلاً انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يشرك مع خديجة أحداً مدى ٢٨ سنة، فلمّا قبضها اللّه إليه تزوج سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس، ولم يرو راو انّ سودة كانت من الجمال أو من الثروة أو من المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثراً في زواجه بها، إنّما كانت سودة زوجاً لرجل من السابقين إلى الاِسلام الذين احتملوا في سبيله الاَذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد ان أمرهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالهجرة وراء البحر إليها، وقد أسلمت سودة وهاجرت معه وعانت من المشاق ما عانى، ولقيت من الاَذى مالقي، فإذا تزوّجها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أُمومة الموَمنين، فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجلَّ الحمد.(٢)

____________________

١ القاضي عياض الاَندلسي: الشفاء، بتعريف حقوق المصطفى:١/٢٤١- ٢٤٣.ولاحظ مسند أحمد:٣/٧١.

٢ محمد حسين هيكل، حياة محمد، ص ٣١٨- ٣١٩ الطبعة الثالثة عشرة.


هذه إلمامه إجمالية لتعدّد زوجاته، ومن أراد التفصيل، فليتصفّح صفحات التاريخ حتى يقف على الحوافز التي دفعته إلى الزواج بهنّ.

وممّا يعرب عن ضعف الرواية ما رواه نفس أنس في حقّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: وكان النبي شديد الحياء(١)

ويروى أيضاً: في قضية تزويج النبي بزينب وإقامة وليمة ويقول: فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وبقي طائفة منهم، فأطالوا عليه الحديث، فجعل النبي يستحيي منهم أن يقول لهم شيئاً.(٢)

ما رواه حول زواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصفية

انّ ما رواه أنس حول صفية، ممّا يشوِّه سمعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يوافق الاَُصول المسلمة المستفادة من الكتاب والسنّة.

أخرج مسلم في صحيحه عن ثابت، قال: حدّثنا أنس، قال: صارت صفية لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول اللّهقال: ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد، ثمّ دفعها إلى أُمي، فقال: أصلحيها، ثمّخرج رسول اللّهمن خيبر حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثمّ ضرب عليها القبّة.(٣)

أخرج البخاري عن مولى المطّلب، عن أنس بن مالك في رواية... فلمّا فتح اللّه عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قُتل زوجها فكانت عروساً فاصطفاها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنفسه، فخرج بها

____________________

١ محمد حسين هيكل، حياة محمد، ص ٣١٨- ٣١٩ الطبعة الثالثة عشرة.

٢ صحيح البخاري: ٦/١١٩، تفسير سورة الاَحزاب، باب زواج زينب بنت جحش من كتاب النكاح.

٣ مسند أحمد:٣/١٦٣؛ صحيح مسلم:٤/١٥٢.


حتى بلغنا سد الصهباء حلّت، فبنى بها ثمّ صنع حيساً في نطع صغير، ثمّ قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : آذن من حولك، فكانت تلك وليمة رسول اللّه على صفية، ثمّخرجنا إلى المدينة.(١)

ثمة تأملات حول الروايتين:

أوّلاً: وجود التهافت بينهما حيث إنّ الرواية الاُولى تصرّح بأنّصفية صارت لدحية في مقسمه، فلمّا سمع النبي مدح الناس إيّاها وقولهم: «ما رأينا في السبي مثلها» بعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد، ثمّ أخذها منه و دفعها إلى أُم أنس كي تصلحها، ولكن الظاهر من الثانية هو انّ النبي اختارها لنفسه من أوّل الاَمر بعد أن ذكر له جمال صفية ومحاسنها.

وثانياً: انّ الفقه الاِسلامي يصرّح بأنّ صفايا الغنائم للنبي والخليفة بعده، ولكن لا يصلح لمسلم الدخول بالاَمة المسبية إلاّ بعد استبراء رحمها، فكيف بنى بها النبي في الطريق قبل الاستبراء على كلتا الروايتين؟ كما هو صريح قوله: «وقد قتل زوجها وكانت عروساً، فخرج بها حتى بلغنا سدَّ الصهباء حلّت فبنى بها».

وقد روى أبو سعيد الخدري: «انّه لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة واحدة» وروى رويفع بن ثابت الاَنصاري عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال يوم حنين:«لا يحل لامرىٍَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني إتيان الحبالى - ولا يحل لامرىٍَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها».(٢)

وقد صرح بلزوم استبراء الاَمة فقهاء المذاهب قاطبة من غير فرق بين سبب دون سبب، ففي المبسوط: لو ملكها بهبة أو صدقة أو ميراث أو جناية وجبت عليه، أو جعل كتابة أو خلع فعليه الاستبراء فيها.

____________________

١ صحيح مسلم: ٤/١٤٨ ؛ مسند أحمد: ٣/١٩٥.

٢ صحيح البخاري:٥/١٣٥، باب غزوة خيبر.


وهذا كما ترى يذهب إلى الاستبراء بصورة عامة.

ومنهم من صرّح بما إذا كان السبب هو الغنيمة فحسب.

فقد جاء في كشف القناع: يجب الاستبراء بملك اليمين من قنّ و مكاتبة وأُمّ ولد ومدبرة عند حدوث الملك بشراء أو هبة أو إرث أو وصية أو غنيمة أو غير ذلك.(١)

وثالثاً: انّ مكارم الاَخلاق التي تمتع بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تصدّه عن البناء بها في الطريق تحت القبة وفي معرض أنظار المسلمين، ولا يقوم بذلك من له أدنى حظ من العفة.

ولعمري انّ تلك الروايات وأمثالها التي رواها أنس بن مالك أو رووا عنه تُشوِّه سمعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان في منتهى الخلق الكريم والاَدب الرفيع، وقد اقتصرنا على هاتين الروايتين، وإلاّفالروايات التي تمس كرامة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موجودة بوفرة في روايات أنس أو في من رووا عنه، و وزر ذلك على من دسّ تلك الروايات في الاَحاديث النبوية فأخذها السُّذَّج من الناس حقائق ثمّ حاولوا أن يبرروها بوجوه غير مقبولة.

٢. أبو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في النار

أخرج مسلم عن ثابت، عن أنس انّرجلاً قال: يا رسول اللّه أين أبي؟ قال في النار ، فلما قفّى، دعاه فقال: إنّ أبي وأباك في النار.(٢)

وروى أحمد بهذا الطريق قال، قال رجل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ أبو داود، السنن: ٢/٢٤٨، برقم ٢١٥٧ و٢١٥٨.

٢ لاحظ في الوقوف على نصوص المذاهب في لازم الاستبراء ، موسوعة الفقه الاِسلامي: ٥/١٨٣ - ١٨٧.


أين أبي؟ قال: في النار، قال: فلمّا رأى ما في وجهه قال: إنّأبي و أباك في النار.(١)

وثمة تساوَلات نطرحها وهي:

أ. انّالمعروف عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو العطف والحنان في معاشرته مع الناس وعلى ضوء ذلك، فهل كان من واجب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يجيب على سوَاله و يصرّح انّ مكانه في النار، و لمّا شاهد انزعاجه من جوابه اضطرّ إلى تسليته بأنّأباه مثل أبيه كلاهما في النار، ومثل هذا السوَال والجواب لا يصدر ممّن وصفه سبحانه بالخلق والفضل العظيم.

قال الاِمام النووي في شرح الحديث: قوله :«إنّ أبي وأباك في النار» هو من حسن العشرة بالتسلية بالاشتراك في المصيبة.(٢) نعم من حسن العشرة لكن من غير مبرِّر لكسر قلبه ببيان مصير أبيه ثمّ تسليته.

ب. إنّ الذين عاشوا بعد المسيح إلى حين بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على طائفتين، فمنهم من تمت عليه الحجّة فلا شكّ انّه في نار الجحيم، وأمّا من لم تتم عليه الحجّة فهو ممّن قال سبحانه في حقّه:( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكيم ) (التوبة/١٠٦) فليس كلّ من عاش بين الفترتين في النار قطعاً، فهل كان والد السائل ممن تمت عليه الحجة ؟

ج. إنّ الرواية تخالف ما عليه الاِمامية والزيدية وجملة من محققي أهل السنّة من أنّوالدي النبي كانوا موحدين وشذَّ من قال إنّ النبي مع كثرة ما أنعم اللّه عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إحسان والديه، فإنّ هذه الكلمة صدرت من غير تحقيق، فانّ التاريخ لم يضبط من سيرتهما إلاّ شيئاً يسيراً، و فيما ضبط إيعاز لو لم نقل دلالة على إيمان والديه، فقد نقل التاريخ عن والد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

____________________

١ مسلم، الصحيح:١/١٣٢- ١٣٣، باب انّمن مات على الكفر فهو في النار. من كتاب الاِيمان.

٢ مسند أحمد:٣/١١٩.


انّه عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه، فقال: رداً عليها:

أمّا الحرام فالممات دونه

والحلّ لا حلّفاستبينه

يحمي الكريمُ عرضَه ودينَه

فكيف بالاَمر الذي تبغينه(١)

أضف إلى ذلك تضافر الروايات حول طهارة ولادة النبي التي جمعها الحافظ أبو الفداء ابن كثير في تاريخه، قال :وخطب النبي وقال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب...و ما افترق الناس فرقتين إلاّ جعلني اللّه في خيرها، فأخرجت من بين أبويَّ، فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأُمّي فأنا خيركم نفساً و خيركم أباً.(٢)

إلى غير ذلك من الاَحاديث والروايات وكلمات المحقّقين التي استقصيناها في كتابنا مفاهيم القرآن.(٣)

قال القاضي عياض الاَندلسي: فانّه نخبة بني هاشم وسلالة قريش وصميمها وأشرف العرب وأعزهم نفراً من قبل أبيه وأُمّه.

وعن العباس (رض) قال: قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه خلق الخلق فجعلني من خيرهم و من خير قرنهم، ثمّتخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثمّ تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً...إلى أن قال:

وعن ابن عباس: قال رسول اللّه : فاهبطني اللّه إلى الاَرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح وقذف بي في صلب إبراهيم، ثمّلم يزل اللّه تعالى ينقلني من الاَصلاب الكريمة والاَرحام الطاهرة حتى أخرجني من أبويّ.(٤)

____________________

١ شرح صحيح مسلم للاِمام النووي:٣/٧٩.

٢ السيرة الحلبية: ١/٤٦.

٣ البداية والنهاية: ٢/٢٥٥.

٤ مفاهيم القرآن: ٥/١٤٨-١٥٠.


فهذا النور الذي قدّر في علمه سبحانه أن يضيَ العالم بجماله، ويغيِّ-ر مصير التاريخ برسالته لا يحتضنه إلاّ أصلاب شامخة وأرحام مطهرة كنوح وإبراهيم ومن بعده كلّهم موحدون منزّهون عن عبادة الاَوثان ورذائل الاَعمال ومساوىَ الاَخلاق.

وبما ذكرنا يعلم عدم صحّة ما أخرجه أحمد عن وكيع بن حدس، عن أبي رزين عمّه، قال: قلت يا رسول اللّه: أين أُمّي؟ قال: أُمّك في النار، قال: قلت: فأين من مضى من أهلك؟ قال: أما ترضى أن تكون أُمّك مع أُمّي.(١)

٣. نسيان السورة من أعظم الذنوب

أخرج أبو داود(٢) و الترمذي(٣) عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه: عرضت عليَّ أجور أُمّتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أُمّتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثمّ نسيها.

أقول: لم يدل دليل على وجوب حفظ القرآن، ولا على حرمة نسيانه بعد حفظه، ومع غض النظر عن ذلك كيف يكون نسيان آية من المحرمات الموبقة المهلكة وفي عداد أكل الربا الذي يعد آكله محارباً للّه ولرسوله ؟ قال سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْكُنْتُمْ مُوْمِنينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) (البقرة/٢٧٨-٢٧٩).

أو في عداد من يحارب اللّه ورسوله؟ قال سبحانه:( إِنَّما جَزاوُا الّذِينَ

____________________

١ القاضي عياض، الشفاء بتعريف حقوق المصطفى:١/١٨٠- ١٨٣.

٢ مسند أحمد:٤/١١.

٣ سنن أبي داود : ١/١٢٦ برقم ٤٦١.


يُحارِبُونَ اللّهَوَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاْرض فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الاَرْضِ... ) (المائدة/٣٣).

فعلى ضوء هذا الحديث يكون نسيان آية من آيات القرآن أعظم من أكل الربا والسعي للفساد في الاَرض، و الزنا بالمحارم في الاَماكن المتبركة، وقتل النفس المحترمة، ونهب الاَموال.

ولما كان الحديث من الوهن بمكان، عاد الترمذي يستغربه ويقول: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.

قال: وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه واستغربه.

٤. اجتهاد النبي في الاَحكام

أخرج الاِمام أحمد عن عبد الوارث مولى أنس بن مالك، و عمرو بن عامر عن أنس، قال:

نهى رسول اللّه عن زيارة القبور، وعن لحوم الاَضاحي بعد ثلاث، وعن النبيذ في الدّباء(١) والنقير(٢) والحنتم(٣) والمزفت(٤)

قال: ثمّ قال رسول اللّه بعد ذلك: ألا إنّي قد نهيتكم عن ثلاث ثمّ بدالي فيهنّ: نهيتكم عن زيارة القبور، ثمّبدا لي انّها ترقّ القلب وتُدمِعُ العينَ وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجراً، ونهيتكم عن لحوم الاَضاحي فوق ثلاث ليال ثمّ بدا لي انّ الناس يتحفون ضيفهم ويخبئون لغائبهم فامسكوا ما شئتم، ونهيتكم

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/١٧٨ برقم ٢٩١٦.

٢ الدباء: القرع وأحدها دُبّاءة كانوا ينتبذون فيها فتُسرع الشدّة في الشراب.(النهاية:٢/٩٦).

٣ النقير: أصل خشبة ينقر فينبذ فيه فيشتد نبيذه.

٤ الحنتم واحدتهاحنتمة، نهي عن الانتباذ فيها لاَنّهاتسرع الشدة فيها لاَجل دهنها.(النهاية:١/٤٤٨).


عن النبيذ في هذه الاَوعية فاشربوا بما شئتم ولا تشربوا مسكراً فمن شاء أوكأ سقاءه على إثم.(١)

هنا تساوَلات نطرحها:

أ. الحديث - مع قطع النظر عن سنده - مبني على أنّه يصحّ للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاجتهاد في الاَحكام الشرعية وانّه كسائر المجتهدين يخطىَ ويصيب، ولكن هذا الزعم يخالف الذكر الحكيم، قال سبحانه:( وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّأنفُسَهُم وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَل اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (النساء/١١٣).

وقد ذكر المفسرون أسباب نزول متعددة لهذه الآية تجمعها انّها رفعت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واقعة كان الحقّفيها غير واضح، فأراه اللّه سبحانه حقيقة الواقع الذي تخاصم فيها المتحاكمان وعلّله بقوله:( وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ) .

ففضل اللّه ورحمته صدّاه عن الحكم بالباطل، وهل كان فضله سبحانه ورحمته مختصين بهذه الواقعة أو انّهما خيّما عليهطيلة عمره الشريف؟ مقتضى قوله سبحانه في ذيل الآية: (وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عليكَ عَظيماً) هو انّه حظي بهما طيلة عمره الشريف. فهو في كلّالحوادث والوقائع يحكم بمرّ الحق ونفس الواقع موَيّداً من قبل اللّه، و من اختص بهذه المنزلة الكبيرة فقد استغنى عن الاجتهاد المصيب تارة والمخطىَ أُخرى.

ب. انّه سبحانه يخاطب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:( ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الاََمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُون ) (الجاثية/١٨).

____________________

١ المزفت: هو الاِناء الذي طلي بالزفت وهو نوع من القار، ثمّ انتبذ فيه.(النهاية:٢/٣٠٤).


والشريعة هي طريق ورود الماء، والاَمر، أمر الدين و معنى الآية انّه سبحانه تبارك وتعالى أورد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطريق الموصل إلى الدين قطعاً، ومن حظي بتلك المنزلة، فما يصدر عنه إنّما يصدر عن واقع الدين لا عن الدين المظنون الذي يُخطىَ ويصيب، وليست تلك الخصيصة من خصائصهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقط بل قد حظي بها معظم الاَنبياء، قال سبحانه:( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنهاجاً ) (المائدة/٤٨).

ج. انّ طبيعة الاجتهاد خاضعة للنقاش والنقد، فلو اجتهد النبيفي بعض الاَحكام فنظره كغيره قابل للنقد والنقاش، ومعه كيف يكون حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً إلى يوم القيامة؟ وكيف تكون شريعته خاتمة الشرائع؟ فهذه الضابطة ثابتة إلاّ فيما ثبت فيه النسخ.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ نسبة الاجتهاد إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعيدة عن الصواب، وإنّما يتفوّه بها من ليس له أدنى إلمام بمقامات الاَنبياء، لا سيما خاتم النبيين أفضل الخليقة.

ما ذكرناه من الوجوه ترجع إلى الحكم الكلي، أعني: جواز اجتهاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيان الاَحكام وقد عرفت انّه مرفوض بنص الكتاب، وعلى فرض تسويغ الاجتهاد للنبيفهو في المقام أمر غريب، لاَنّ مفاده انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان غافلاً عن حكمة زيارة القبور وهي انّها ترقّ القلوب و تذكّر الآخرة، ولكنّه انتقل إليها بعد حين من الدهر غير انّتلك الحكمة ليست من الاُمور التي يغفل عنها السُّذَّج من الناس، فكيف بالنبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » الذي وصف اللّه علمه بالعظمة؟ ومثله نهيه عن أكل لحوم الاَضاحي ثمّتسويغه، لاَنّ الناس ربما يحتاجون إليها لاَجل اتحاف ضيفهم أو قدوم غائبهم.

فالرواية إمّا مدسوسة أو منقولة على غير وجهها.


٥. جواز الصوم في السفر

أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد اللّه بن مسلمة، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كنّا نسافر مع النبي، فلم يُعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.(١)

وأخرجه مسلم بسنده إلى حُميد، قال: سئل أنس (رض) عن صوم رمضان في السفر فقال: سافرنا مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.(٢)

إنّ الرواية وإن لم تنقل حكم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حول الصيام في السفر، لكنّها تتضمّن اتّفاق الصحابة على صحة الصوم في السفر، لاَجل أنّه لم يُعِب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.

ولكن ثمة تساوَلات حول الروايتين:

أ. انّ الذكر الحكيم فرض الاِفطار عند السفر وجعل الواجب على المسافر هو الصيام في أيام أُخر، قال سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعلَّكُمْ تَتَّقُون* أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر ) (البقرة/١٨٣-١٨٤).

إنّ الآية الكريمة بصدد تشريع الحكم وبيان وظيفة المسلمين، وعلى ذلك يكون مفاد الآية انّ المشروع في حقّ السالم والحاضر هو الصيام في نفس الاَيّام المعدودات(أي شهر رمضان).

كما انّ المشروع في حقّ غيرهما - أعني المريض والمسافر - هو الصيام

____________________

١ مسند أحمد:٣/٢٣٧ برقم ١٣٠٧٥.

٢ البخاري، الصحيح: ٣/٣٤، باب لم يعب أصحاب النبي بعضهم بعضاً.


في غير تلك الاَيام، وهذا هو المتبادر من الآية بقرينة انّها في مقام التشريع و بيان الوظائف.

وعلى ذلك فيكون مفاد قوله:( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر ) هو أنّ المكتوب عليهم، الصيام في أيّام أُخر لا الصيام في شهر رمضان، فينتج عدم مشروعية الصوم لهاتين الطائفتين في شهر رمضان لكون المكتوب عليهم هو الصيام في غير هذا الشهر.

وعلى هذا فالآية بدلالتها المطابقية تدل على أنّ الاِفطار عزيمة وانّ المكتوب عليهما من أوّل الاَمر هو الصيام في غير هذا الشهر وتسميته قضاءً لا باعتبار كون الصيام عليهما واجباً في ذلك الشهر، بل باعتبار فوات المصلحة والملاك ووجود المقتضي للصيام فيه لولا المانع من المرض والسفر.

ب. إنّ القائلين بالرخصة لما رأوا انّ ظاهر الآية يدل على أنّ المكتوب منذ أوّل الاَمر هو الصيام في غير شهر رمضان حاولوا تأويل الآية على ما يتبنّونه من الرخصة، فقدّروا لفظة «فافطر»، وقالوا إنّ معنى الآية: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر (فأفطَرَ) فعليه عدّة من أيّام أُخر ولو لم يفطر فلا.

ولا يخفى عليك انّه تلاعب بالآية وفرض عليها بما لا تدل عليه.

وربّما يتوهم ممّا جاء في ذيل الآية، أعني قوله سبحانه:( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون ) دلالته على وجود الرخصة للمسافر في الصيام، ولكن الاِمعان في الآيتين (١٨٣- ١٨٤) يثبت انّ الجملة ناظرة إلى صدر الآية لا إلى المستثنى أعني الطائفتين.

حيث إنّه سبحانه قال:( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام ) .

ثمّ حدّده بقوله: (أَيّاماً معدودات).

ثمّ عاد يوَكد ما أفاده في صدر الآية بقوله:( وأَن تَصُومُوا خيرٌ لَكُمْ ) دون نظر


إلى ما جاء في ثنايا الآية من استثناء الطائفتين والدليل على أنّه لا يرجع إلى المستثنى هو انّ الصوم ليس لصالح المريض مطلقاً حتى يعود إليه قوله سبحانه:( وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) كما انّه ليس لصالح المسافر في أكثر الاَحيان.

هذا كلّه في عرض ما حُكي من عمل الاَصحاب على الذكر الحكيم فلا يمكن أن يكون عملهم على خلاف القرآن.

ج. وهناك أمر آخر يرجع إلى ما تضمنه الحديث من سكوت كلّ من الطائفتين أمام الاَُخرى فانّه مخالف لما رواه البخاري وغيره، و إليك بعض النصوص.

١. أخرج البخاري عن جابر بن عبد اللّه(رض) قال: كان رسول اللّه في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه فقال ما هذا؟قال: صائم فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر.(١)

ومن الواضح انّ البرّ يقابل الاِثم قال سبحانه:( وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالعُدْوان ) (المائدة/٢).

الرواية وإن وردت في مسافر صائم وقع في حرج شديد لكن المورد غير مخصص والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرب قاعدة كلية وحكم بأنّ مطلق الصيام في السفر ليس ببر والحجّة هي القاعدة والمورد من أحد مصاديقها، وكان التنديد لاَجل صيامه في السفر وانتهائه إلى حرج شديد.

٢. أخرج أحمد، بسنده عن كعب بن عاصم الاَشعري، قال: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ليس من البر الصيام في السفر.(٢)

____________________

١ صحيح مسلم: ٣/١٤٣. باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر من كتاب الصيام.

٢ البخاري، الصحيح: ٣/٣٤. باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحرّ «ليس من البر الصوم في السفر » من كتاب الصوم.


٣. أخرج ابن ماجة، مثل ذلك عن ابن عمر،وقال في الزوائد: إسناد حديث ابن عمر صحيح، لاَنّ محمد بن المصفى، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثّقه مسلمة والذهبي في الكاشف، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح وباقي رجال الاسناد على شرط الشيخين.(١)

٤. أخرج مسلم عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عباس انّه أخبره انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثمّ أفطر، قال: وكان صحابة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره.

٥. وأخرج أيضاً عن ابن شهاب بهذا الاسناد، قال: فكانوا يتبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم.(٢)

يستفاد من هذين الحديثين انّ النبي كان يصوم في السفر ثم نسخ ذلك فأمر بالاِفطار، فالاَمر بالاِفطار صار ناسخاً محكّماً ولا يجوز لنا اتباع المنسوخ بعد مجيَ الناسخ.

٦. أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه (رض) انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: أُولئك العصاة، أولئك العصاة.(٣)

وهذا الحديث صريح في أنّ المفطر عاب الصائم، فكيف روي عن أنس انّه لم يعب أحدهما على الآخر؟!

٧. أخرج ابن ماجة عن عبد الرحمان بن عوف، قال: قال رسول اللّه

____________________

١ أحمد بن حنبل، المسند: ٥/٤٣٤؛ سنن ابن ماجة: ١/٥٣٢، الحديث ١٦٦٤.

٢ سنن ابن ماجة: ١/٥٣٢، الحديث ١٦٦٥ لاحظ تعليقة المحقق.

٣ صحيح مسلم: ٣/١٤٠-١٤١ باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر من كتاب الصيام.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر.(١)

إلى غير ذلك من الاَحاديث التي تدل على أمرين:

الاَوّل: انّ الاِفطار في السفر عزيمة لا رخصة.

الثاني: احتدام النقاش بين الصحابة بعد ورود الحظر عن الصيام في السفر، حيث إنّ رهطاً منهم تابعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأفطروا، ورهطاً آخر صاموا، فأطلق رسول اللّه اسم «العصاة» عليهم، والحديث يحكي عن أنّرهطاً من الصحابة كانوا يقدِّمون رأيهم على الوحي المنزل على قلب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحجج واهية، وقد ورد النهي عن ذلك في قوله سبحانه:( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم ) (الحجرات/١).

٦. مجبوب متهم بالزنا

أخرج الاِمام أحمد في مسنده(٢) ومسلم في صحيحه(٣) عن ثابت، عن أنس: انّ رجلاً كان يُتَّهم بأُم ولد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال رسول اللّه لعلي «عليه‌السلام » : إذهب فاضرب عنقه، فأتاه عليعليه‌السلام ، فإذا هو في ركيّ(٤) يتبرّد فيها، فقال له علي: أُخرج، فناوله يده، فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكفّ عليّ عنه، ثمّ أتى النبي فقال: يا رسول اللّه، انّه لمجبوب ما له ذكر.

والحديث نقله مسلم في باب براءة حرم النبي من الريبة، وحاصل الحديث انّ رجلاً كان يتهم بأُمّ ولدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولعلها مارية

____________________

١ صحيح مسلم: ٣/١٤١ -١٤٢ باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر من كتاب الصيام.

٢ ابن ماجة: السنن: ١/٥٣٢، الحديث ١٦٦٦.

٣ مسند أحمد:٣/٢٨١.

٤ صحيح مسلم: ٨/١١٩، باب براءة حرم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الريبة من كتاب التوبة.


القبطية التي أنجبت له إبراهيم، فأمر عليّاً بضرب عنقه، فلما رآه علي «عليه‌السلام » مجبوباً تركه.

وفي الحديث إشكال وهو :

هل كان قضاء النبي قائماً على البيّنة أو على علمه الشخصي؟

فعلى الاَوّل فلماذا لم يُعزِّر البيّنة الكاذبة مع أنّ شاهد الزور يُعزر؟

وعلى الثاني: كيف تخلف علمه عن الواقع مع أنّه سبحانه يصف علمه بقوله:( وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (النساء/١١٣).

وقد ذكر شراح الحديث وجهين لتصحيحه:

١. انّهعليه‌السلام كان يعلم انّه مجبوب، وأمر عليّاً بقتله، لينكشف أمره وترتفع تهمته.(١)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الرجل بريئاً لا مجرماً، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على علم بأنّه مجبوب كان عليه ابراوَه عن التهمة بأُسلوب عقلائي قبل أن يتوصل بالطريق الآخر وكان الناس أكثر تسليماً للنبي في قوله.

٢. ما ذكره الاِمام النووي: لعلّه كان منافقاً ومستحقاً للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركاً لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا، وكفّ عنه علي (رض) اعتماداً على أنّالقتل بالزنا وقد علم انتفاء الزنا.(٢)

يلاحظ عليه: انّه لا يصحّ للنبي أن يعطل إجراء الحدود، فإذا كان الرجل واجب القتل كان عليه قتله بأي نحو اتّفق، فلمَ ترك قتله بعد مالم تنجح الطريقة الاُولى؟

وأخيراً كيف نظر الاِمامعليه‌السلام إلى عورته مع أنّه أعف من ذلك

____________________

١ الركيّ: البئر، جمع الركيّة.

٢ هامش صحيح مسلم:٨/١١٩.


وشديد الحياء حتى أنّه لم ينظر إلى عورة عدوه (عمرو بن العاص) بعد ما كشف عنها لدفع الردى عن نفسه، كما هو مشهور في التاريخ.

ولعمر القارىَ رفض الخبر أفضل من التمسك بتلك الوجوه الواهية.

٧. برغوث يوقظ نبيّاً للصلاة

أخرج البخاري عن قتادة، عن أنس بن مالك انّ رجلاً لعن برغوثاً عند النبي، فقال: لا تلعنه فانّه أيقظ نبياً من الاَنبياء للصلاة.(١)

يلاحظ عليه: أنّالبرغوث آية من آيات اللّه وخلق من مخلوقاته ليس لاَحد لعنه، ولو لعنه لا يضره لاَنّه سبحانه عادل لا يعاقب الموجود الذي ليس فعله باختياره، فانّعمل البرغوث عمل غريزي وبه حياته.

أضف إلى ذلك انّ البرغوث الذي لدغ النبيعليه‌السلام وأيقظه للصلاة لا يستحق ثواباً لعدم صدوره عنه لغاية الاِيقاظ، وإنّما حاول به مصّ الدم بغية التغذية.

ومع غض النظر عن ما ذكر فأي صلة بين برغوث قام بعمل حسن وسائر البراغيث التي لم تزل توَذي البشر في تمام الاَحوال؟

وقد قيل: اقتلوا الموذي قبل أن يوذي.

٨. موسى يصلّي في القبر

أخرج النسائي في باب ذكر صلاة نبي اللّه موسىعليه‌السلام عن ثابت عن أنس: انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال أتيت ليلة أُسري بي على

____________________

١ الاِمام النووي، شرح صحيح مسلم: ١٧/١٢٣.


موسىعليه‌السلام عند الكثيب(١) الاَحمر وهو قائم يصلّي في قبره.(٢)

لا شكّ انّ الاَنبياء، أنبياء الشهداء وهم كنفس الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون ،وهذا أمر اتّفقت عليه الاُمّة الاِسلامية لكن حياتهم حياة برزخية لا مادّية في القبر.

قال سبحانه:( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَانَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْر المُوْمِنين ) (آل عمران/١٦٩-١٧١).

والحياة البرزخية ترمي إلى حياة خاصة لا إلى الحياة بين التراب والجنادل.

ثمّ إنّ التكليف ينقطع بالموت ولا تكليف بعده. قال سبحانه:( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقين ) (الحجر/٩٩).

والمراد من اليقين هو الموت بشهادة قوله سبحانه:( وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ* حَتّى أَتانَا الْيَقِين ) (المدثر/٤٦-٤٧).وعلى ذلك فما معنى صلاة موسى في القبر؟

٩. التجسيم في أحاديثه

قد ورد التجسيم في غير واحد من الروايات المعزوّة إلى أنس بن مالك، نذكر منها ما يلي:

١. أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك (رض) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العزة تبارك و تعالى قدمه، فتقول: قط، قط وعزّتك ويُزوى بعضها إلى بعض.(٣)

____________________

١ البخاري، الاَدب المفرد، ص ٤١٠، باب لا تسبّوا البرغوث، برقم ١٢٤٢.

٢ الكثيب هو ما ارتفع من الرمل كالتل الصغير.

٣ النسائي ، السنن:٣/٢١٥. باب ذكر صلاة نبي اللّه موسىعليه‌السلام .


إنّ هذا الحديث بظاهره يثبت للّه أعضاءً وانّه يضع قدمه في الجحيم حتى تسكت النار، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعنى ذلك انّ بعض أجزاء جسمه تحل في خلقه، لاَنّ النار بعض خلقه كما يثبت للّه نقلة وحركة. تعالى اللّه عن ذلك.

ثمّ إنّ الذين يأخذون بحرفية الصحيحين صاروا بصدد تأويل الحديث تأويلاً لو صحّ لدلّ على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في مقام الاِلغاز لا في مقام التعليم والتفهيم.

على أنّه سبحانه لو كان بصدد الحدّ من نار جهنم أو إملاءها حتى يتحقق قوله:( لاملاَنَّ جهنم ) (هود /١١٩) لما كان له حاجة إلى وضع قدمه بل كفى أمره بهما كما أمر بالنار في حقّ إبراهيم، قال سبحانه:( قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلى إِبْراهِيم ) (الاَنبياء/٦٩).

إنّ اللّه سبحانه يبطل أُلوهية غيره بورودهم للجحيم.

قال سبحانه:( إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُون* لَو كانَ هوَلاءِ آلهة ما وَرَدُوها وَكلٌّ فِيها خالِدُون ) (الاَنبياء/٩٨- ٩٩).

ومع ذلك فكيف يدخلها ربّالعالمين ويردها ويضع قدمه فيها، ويجعل نفسه من مصاديق ما أُشير إليهم في الآية؟ وقد مرّت مناقشة الحديث، عند دراسة أحاديث أبي هريرة.

إنّ هذا الحديث وما سيوافيك من سائر الاَحاديث الدالة على التجسيم والتشبيه موضوعة على لسان أنس، و إن اغترّ صاحبا الصحيحين فأورداها في صحيحيهما ظناً منهما بأنّ صحّة السند كافية في النقل والرواية والقبول مع أنّه ثمة شروط أُخرى لابدّ من الالتزام بها في صحّة الحديث، و هي أن لا تكون الرواية مخالفة للقرآن والعقل الصريح واتّفاق المسلمين كما أوعزنا إليها في المقدمة، وأيّ شيء أوضح من أنّه سبحانه ليس بجسم وليس له عضو وحركة ونقل.


٢. روى عبد اللّه، عن أبيه، أحمد، عن معاذ بن معاذ العنبري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله تعالى:( فَلَمّا تَجلّى رَبّه لِلْجَبَل ) ، قال: قال: هكذا، يعني انّه أخرج طرف الخنصر قال أبي: أرانا معاذ، قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تقول أنت ما تريد إليه؟!(١)

وأخرجه الترمذي عن طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ هذه الآية:( فَلَمّا تَجلّى رَبّه لِلْجَبَل جَعَله دَكّاً ) قال حماد: هكذا، وأمسك سليمان بطرف ابهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ(٢) الجبل وخرَّ موسى صعقاً.

قال أبو عيسى (الترمذي): هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلاّ من حديث حماد بن سلمة.(٣)

إنّ آفة هذا الحديث هي حماد بن سلمة يحدِّثنا عنه ابن الجوزي، ويقول: هذا الحديث تكلم فيه علماء الحديث، وقالوا: لم يروه عن ثابت غير حماد بن سلمة، وكان ابن أبي العوجاء الزنديق قد أدخل على حماد أشياء فرواها في آخر عمره ولذلك تجافى أصحاب الصحيح عن الاخراج عنه.

ثمّعاد ابن الجوزي بتأويل الحديث بما هو أشبه باللغز، وقال: ومخْرَج الحديث سهل، و ذلك انّ النبي كان يقرب إلى الافهام بذكر الحسيّات فوضع يده على خنصره إشارة إلى أنّاللّه تعالى أظهر اليسير من آياته.(٤)

____________________

١ صحيح مسلم: ٨/١٥٢، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء من كتاب الجنة، ونقله بطرق مختلفة ؛ وصحيح البخاري: ٦/١٣٨، تفسير سورة ق.

٢ مسند أحمد: ٣/١٢٥.

٣ ساخ الجبل أي غاص في الاَرض و غاب فيها.

٤ الترمذي، السنن:/٢٦٥، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الاَعراف، برقم ٣٠٧٤.


٣. أخرج مسلم في صحيحه عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من نبي إلاّوقد أنذر أُمّته الاَعور الكذاب، إلاّ انّه أعور وانّ ربّكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه ك ف ر.(١)

انّمعنى الحديث انّللّه سبحانه عيناً ولكنها ليست بعوراء و هو نفس إثبات العضو له سبحانه: ولا يقاس ذلك بقوله سبحانه:( وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ) أو قوله :( فَإِنّكَ بأَعيُنِنا ) أو قوله:( واصْنَعِ الفُلكَبِأَعْيُنِنا ) أو قوله:( تَجْري بِأَعْيُنِنا ) .(٢)

فإنّ العين في هذه الآيات كناية عن الحفظ والكلاءة وشيخ الاَنبياء كان بحاجة إلى تثبيت فوَاده وقلبه بهذه البشارة، وأمّا الحديث فليس فيه هذه النكتة بل هو في مقام مقايسة عينه سبحانه بعين الدجال، فحكم على إحداهما بالاَعورية دون الاَُخرى وهذا يقتضي اشتراكهما في نفس العضو واختلافهما في العِوَر.

وربما يتصور بأنّ نفي الاَعورية كنفي الولد عنه في القرآن، وهذا أيضاً قياس مع الفارق، فانّ القول بالولد عقيدة معروفة للنصارى، قال سبحانه:( وقالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبحانَه ) (البقرة/١١٦) فلم يكن هناك محيص إلاّنفي الولد عنه وهذا بخلاف الاَعورية فلم يكن هناك قول بكونه سبحانه أعور حتى ينفيه الرسول.

وبذلك يظهر انّ محاولة ابن الجوزي لتصحيح الرواية محاولة عقيمة، حيث قال: إنّما نفى عنه العور من حيث نفي النقائص كأنّه قال: ربّكم ليس بذي جوارح تتسلط عليه النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه، لاَنّه يستحيل عليه التجزوَ(٣)

____________________

١ دفع شبه التشبيه بألّف التنزيه:٢١٥.

٢ صحيح مسلم: ٨/١٩٥، باب ذكر الدجال وصفته وما معه من كتاب الفتن الحديث الثاني.

٣ لاحظ السور التالية : طه: ٣٩؛ الطور: ٤٨؛ هود: ٣٧؛ القمر: ١٤.


١٠. رقص أهل الحبشة أمام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج الاِمام أحمد عن حماد، عن ثابت، عن أنس، قال: كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول اللّه ويرقصون و يقولون: محمد عبد صالح، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :ما يقولون؟ قالوا: يقولون محمد عبد صالح.(١)

يعرب ظاهر الحديث انّهم كانوا يأتون إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويرقصون أمامه وهو ينظر إليهم، ثمّ يسألهم أو غيرهم عمّ-ا يقولون ولكن نبي العظمةعليه‌السلام أجلّمن أن يشتغل باللهو واللعب، وقد أُوحي إليه :( وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون ) (الموَمنون/٣) وقال سبحانه:( وَإِذا سَمِعُوا اللَغْوَ أَعرضُوا عَنْهُ ) (القصص/٥٥) وطبقاً لهذا الحديث فانّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقبل عليهم مكانَ الاِعراض عنهم.

أخرج ابن ماجة عن ثمامة بن عبد اللّه، عن أنس بن مالك، انّ النبي مرّببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:

نحن جوار من بني النجار

يا حبذا محمد من جار

فقال النبي: اللّه يعلم انّي لاُحبكنّ.(٢)

وبالرغم من صحّة اسناده ووثاقة رجاله لانصدّق انّ النبياستمع غناء الجواري ورغبّهن في عملهن، وقد جاءت شريعته المقدسة بتحريم الغناء في الكتاب والسنّة، قال سبحانه:( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِين ) (لقمان/٦).(٣)

____________________

١ دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه، ص ٢٦٤.

٢ مسند أحمد:٣/١٥٢.

٣ سنن ابن ماجة:١/٦١٢ برقم ١٨٩٩، كتاب النكاح، وفي الزوائد اسناده صحيح ورجاله ثقات.


وعن عبد الرحمن بن عوف انّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ومزامير الشيطان.(١)

أخرج البخاري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس( وَمِنَ النّاس من يشتري لهو الحديث ) ، قال: الغناء وأشباهه.(٢)

١١. سيدا كهول أهل الجنّة

أخرج الترمذي عن أنس، انّه قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاَبي بكر و عمر: هذان سيِّدا كهول أهل الجنّة من الاَوّلين والآخرين إلاّالنّبيِّين والمرسلين.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.(٣)

أقول: يعارضه ما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أهل الجنّة جرد مرد كُحلٌ، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم.(٤)

ومعنى هذا الحديث انّه ليس هناك كهل حتى يتفاضل أحدهما على الآخر.

ولعلّ الحديث موضوع في مقابل ما ورد في الحسن والحسين وأنّهما سيدا شباب أهل الجنّة.(٥)

١٢. أُمَّتي على خمس طبقات

أخرج ابن ماجة عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك عن رسول اللّه

____________________

١ وقد فسر لهو الحديث بالغناء في أكثر التفاسير وكتب الحديث، راجع تفسير الطبري: ٢١/٣٩.

٢ الدر المنثور:٥/١٦٠.

٣ البخاري، الاَدب المفرد، ص ٢٦٦ برقم ٧٨٧.

٤ الترمذي: السنن:٥/ ٦١٠ برقم ٣٦٦٤.

٥ الترمذي: السنن: ٤/٦٧٩ برقم ٢٥٣٩.


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: أُمّتي على خمس طبقات: فأربعون سنة أهل برّ وتقوى، ثمّ الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل، ثمّ الذين يلونهم إلى ستين ومائة سنة أهل تدابر وتقاطع، ثمّالهرج الهرج، النجا النجا.(١)

وأخرج أيضاً عن أبي معن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » : أُمّتي على خمس طبقات كلّ طبقة أربعون عاماً، فأمّا طبقتي وطبقة أصحابي، فأهل علم وإيمان، وأمّا الطبقة الثانية ما بين الاَربعين إلى الثمانين فأهل برٍّ وتقوى.(٢)

ولنا تعليقة قصيرة على الحديث: كيف تكون الطبقة الاُولى أهل برّ وتقوى وقد سفكت دماء كثيرة في حياتهم وحارب الاِمام أمير الموَمنينعليه‌السلام فيها البغاة من الناكثين والقاسطين والمارقين، فلو كانوا أهل برٍّ وتقوى فلماذا خرجوا على الاِمام الذي بايعه وجوه المهاجرين والاَنصار و لم يشذّ عن بيعته إلاّعدد ضئيل لا يتجاوز عدد الاَصابع؟

وأمّا الطبقة الثانية فكيف كانوا أهل تراحم وتواصل؟ فقد قطعوا رحم النبي وأولاده، فقد سُمّ الحسن سيد شباب أهل الجنّة على يد معاوية، وقتل الحسينعليه‌السلام وأهل بيته في مجزرة كربلاء على يد يزيد بن معاوية وحمل رأسه إلى الشام، وأباح مسلم بن عقبة دماء أهل المدينة وعرضهم ثلاثاً، فقتل خلق كثير من الصحابة ونُهبت المدينة واُفتض في هذه الواقعة ألف عذراء، إلى غير ذلك من الكواره والكوارث، و هذا هو الوليد بن يزيد من هذه الطبقة الخمّير السكّير أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه، ففتح المصحف فخرج قوله:( وَاستَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيد ) (إبراهيم/١٥) فألقاه ورماه بالسهم وقال:

____________________

١ الترمذي: السنن: ٥/٦٥٦ برقم ٣٧٦٨.

٢ ابن ماجة: السنن: ٢/١٣٤٩ برقم ٤٠٥٨، كتاب الفتن.


تهددني بجبار عنيد

فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر

فقل يار بِّ مزقني الوليد(١)

هذه الوقائع المرّة التي لم نذكر منها إلاّ شيئاً يسيراً تُشطب بقلم عريض على هذا الحديث.

مضافاً إلى ضعف اسناده فانّ يزيد بن أبان الرقاشي ضعيف.

والعجب انّأحمد أخرج خلاف هذا الحديث عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مثل أُمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أو آخره.(٢)

١٣. صلاة النبي بلا بسملة

أخرج البخاري عن قتادة عن أنس: انّ النبي وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة ب-( الحمدُ للّهِ ربِّ العالَمِين ) .(٣)

ومعنى ذلك انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحذف البسملة في قراءة الحمد مع أنّها جزء منها قطعاً وإن اختلفت كلمتهم في كونها جزءاً في سائر السور.

قال سبحانه:( وَلَقَدْآتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِي وَالقُرآنَ العَظِيم ) (الحجر/٨٧) ولا تكون سبعاً إلاّ أن تكون البسملة جزءاً من السورة وإلاّلكان ستاً من المثاني، وربمايطلق عليها المثاني لاَنّها نزلت مرّتين.

وقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب. نفترض انّه لا يجب قراءة الفاتحة بأجمعها، ولكن ما هو الوجه في الاستمرار على ترك قراءة البسملة كما يوحي إليه قوله:«كانوا يفتتحون...».

____________________

١ ابن ماجة: السنن: ٢/١٣٤٩ برقم ٤٠٥٨.

٢ منتخب الاَثر : ١٩. راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٥١ في ترجمة الوليد.

٣ مسند أحمد:٣/١٣٠ و ١٤٣؛ سنن الترمذي: ٥/١٥٢ برقم ٢٨٦٩، كتاب الاَمثال، الباب السادس.


مضافاً إلى ذلك، انّ المرويات عن أنس قد اضطربت في هذا المجال. فربما نقل عنه انّه لم يسمع البسملة منهم.

أخرج أحمد عن قتادة، عن أنس، قال: صليت مع رسول اللّه وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع منهم من يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم.

وفي رواية أُخرى: انّهم لم يجهروا بالبسملة.

أخرج أحمد عن ثابت، عن أنس، قال: صليت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومع أبي بكر وعمر فلم يجهروا ببسم اللّه الرحمن الرحيم.

وأيضاً أخرج أحمد عن أبي نعامة الحنفي، عن أنس، كان رسول اللّه وأبو بكر و عمر لا يقرأون يعني لا يجهرون.(١)

١٤. ردّ دعاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

أخرج أحمد في مسنده، عن الضحاك بن عبد اللّه القرشي، عن أنس بن مالك، انّه قال:

رأيت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفر صلّى سبحة الضحى ثمان ركعات فلما انصرف قال: إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربّي عزّ وجلّ ثلاثاً، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت أن لا يبتلي أُمّتي بالسنين ففعل، وسألت أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً، فأبى عليَّ.(٢)

إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجل من أن يسأل ربّه ما لا يوافق سنة ربّه، فالناس بطبائعهم يختلفون منهجاً وفكراً وعقيدة والاختلاف أمر طبيعي من سنن الحياة، قال سبحانه:( كانَ النّاسُ أُمّةً واحِدةً فَبَعثَ اللّهُ النَبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزلَ مَعَهُمُ الكِتاب بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا

____________________

١ مسند أحمد: ٣/١١١.

٢ مسند أحمد:٣/٢١٦.


اخْتَلَفَ فيهِ إِلاّالّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم ) (البقرة/٢١٣).

وقال سبحانه:( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفينَ* إِلاّمَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُم ) (هود/١١٨- ١١٩) وقد أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تفرق أُمّته إلى ثلاث و سبعين فرقة، ومعه كيف يطلب من اللّه سبحانه أن لا يختلفوا ولا يتفرقوا؟

كيف استجاب اللّه دعاءه الثاني وهو عدم تسلط عدو على أُمّته.

في حين انّ التاريخ حافل بأنباء غزو المغول والصليبيين للمسلمين في عقر دارهم.

١٥. النهي عن باب الاَُمراء

أخرج أبو داود عن موسى الحناط، عن أنس: انّرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له: يا أنس إنّ الناس يُمصّرون أمصاراً، وإنّمصراً منها يقال له البصرة أو البُصيرة، فإن أنت مررت بها، أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أُمرائها ، وعليك بضواحيها، فانّه يكون بها خسف وقذف ورجف وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير.(١)

ترى أنّ رسول اللّه نهاه عن باب الاَُمراء إلاّ أنّ المواقف التي اتخذها طيلة حياته تدل على عدم انتهائه، وإليك هذه الشواهد:

١. أخرج الترمذي عن حفصة بنت سيرين قالت: حدثني أنس بن مالك، قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين، فجعل يضرب بقضيب له في أنفه و يقول: ما رأيت مثل هذا حسناً، قال: قلت: أما إنّه كان من أشبههم برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢)

____________________

١ مسند أحمد:٣/١٤٦.

٢ سنن أبي داود: ٤/١١٣ برقم ٤٣٠٧.


ولعلّ قائلاً يقول إنّه ذهب إلى مجلس ابن زياد لاَجل نهي الاَمير عن المنكر مع أنّه لم يصدر منه شيء كهذا يدل على تقبيح جريمة ابن زياد، بل صدّقه في قوله: ما رأيت مثل ذلك حسناً، حيث قال: إنّه كان من أشبههم برسول اللّه، وكان في وسعه أن يقول: ما حدّث به في غير هذا الموضع كما مرّ في تعاطفه مع أهل البيت.

٢. أخرج البخاري عن خالد بن دينار أبي خلدة، قال: سمعت أنس بن مالك وهو مع الحَكَم أمير بالبصرة على السرير، يقول: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) فكيف عمل بما وعظ به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

١٦. فضل عائشة...

أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد اللّه بن عبد الرحمان انّه سمع أنس بن مالك (رض) يقول: سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام.(٢)

إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آية في الفصاحة والبلاغة وكلماته القصار وخطبه الطوال ورسائله إلى الروَساء والقبائل كلها تعرب عن قوّة بيانه وفصاحته وبلاغته، فلا يمكن لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتفوّه بهذا التشبيه الفارغ.

١٧. نوم النبي على فراش أُم سليم

أخرج مسلم في صحيحه، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، عن أنس، قال: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدخل بيت أُم سُليم فينام على فراشها، وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأُتِيَت، فقيل لها: هذا

____________________

١ سنن الترمذي: ٥/٦٥٩ برقم ٣٧٧٨.

٢ البخاري: الاَدب المفرد، ص ٣٨٦ برقم ١١٦٦.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، قال: ففتحت عتيدها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: ما تصنعين يا أُم سُليم؟ فقالت: يا رسول اللّه نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبتِ.(١)

أخرج مسلم عن إسحاق بن عبد اللّه، عن أنس، قال: كان النبي لا يدخل على أحد من النساء إلاّ على أزواجه إلاّأُمّ سُليم فانّه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك فقال: إنّي أرحمها، قتل أخوها معي.(٢)

إنّ معنى هذا الحديث انّ النبي كان يخلو بالاَجنبية ولا شكّ في كونه أمراً محرماً، وقد حاول شراح الحديث، أن يزيلوا الاِشكال، فقال النووي: قد قدمنا في كتاب الجهاد عند ذكر أُم حرام أُخت أُمّ سليم أنّهما كانتا خالتين لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم محرمين إمّا من الرضاع أو من النسب فتحل له الخلوة بهما.(٣)

وقال أيضاً في مكان آخر: اتفق العلماء على أنّها كانت محرماً لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة لاَبيه أو لجدّه، لاَنّ عبد المطلب كانت أُمّه من بني النجار.(٤)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّأنس يبرر الاَمر نقلاً عن النبي بأنّه قال: «إنّي أرحمها، قتل أخوها معي»، ولو كانت خالة له لكان التعليل بها أفضل.

____________________

١ صحيح البخاري: ٥/٣٦؛ صحيح مسلم: ٧/١٣٣؛ مسند أحمد:٣/١٥٦.

٢ صحيح مسلم: ٧/٨١. باب طيب عرق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتبرك به من كتاب الفضائل.

٣ صحيح مسلم:٧/١٤٥، باب فضائل أُمّ سليم.

٤ النووي: شرح مسلم: ١٦/١٠، كتاب فضائل أُمّ سليم.


وثانياً: أنّ أُمّ سليم ليست خالة النبي شرعاً وبصورة مباشرة بمعنى انّها أُخت أُمّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،وإنّما كانت من بني النجار، و بنو النجار أخوال النبي خوَولة اعتبارية من جهة انّ هاشم بن عبد مناف قد تزوج سلمى النجارية فولدت له عبد المطلب جدّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبنو النجار أخوال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا المعنى، وهذا لا يوجب أن تكون كلّامرأة من بني النجار محرماً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الجهة الشرعية.

ولما كان هذا الاَمر لا ينبغي أن يخفى على المحقّقين، لذلك جعلوا الخبر حول دخول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أُمّسليم بسبب الرضاعة، و هذا أيضاً لا يصحّ، لاَنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير مسترضع في بني النجار، وعليه يكون أصل الخبر حول دخول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليها موضع شك، بل هو مردود لا صحة له.

١٨. مدّة خدمته

اختلفت الروايات في مدّة خدمته للنبي بين كونها أربع سنين إلى تسع سنين إلى عشر سنين، فعلى ما رواه البخاري فقد خدم النبي من السنة السابعة قُبيل غزوة خيبر.

أخرج البخاري، عن مولى المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، انّه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لاَبي طلحة: التمس غلاماً من غلمانكم يخدمني فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول اللّه كلّما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: اللهمّ ، إنّي أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلَع الدين وغلبة الرجال، فلم أزل أخدمه حتى أقبلنا من خيبر وأقبل بصفية بنت حيي قد حازها(١) .. الخ.

ويظهر ممّا أخرجه أحمد عن حميد، عن أنس انّه خدمه تسع سنين، قال:

____________________

١ النووي: شرح مسلم:١٣/٦١ - ٦٢ برقم ١٦٠،كتاب الاَمارة، باب فضل الغزو.قد جاء ترجمتها في أُسد الغابة:٥/٥٩١؛ وسير أعلام النبلاء: ٢/٣٠٤ وليست فيهما أيّة إشارة إلى أمر الخوالة.


أخذت أُم سليم بيدي مقدم النبي المدينة، فأتت بي رسول اللّه فقالت: يا رسول اللّه، هذا ابني وهو غلام كاتب، قال: فخدمه تسع سنين.(١)

ويظهر من قول آخر معزو إليه انّه خدم عشر سنين.

أخرج أحمد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس، قال: خدمت النبي عشر سنين...الخ.(٢)

وأظن انّ ما أخرجه البخاري هو المعتمد، لاَنّ الطفل الذي لا يتجاوز عمره عشر سنين هو أكثر حاجة إلى خادم - يخدمه - من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان في العقد السادس من عمره.

وعلى ضوء ذلك فيتسرّب الشكّ إلى أغلب ما روي عن أنس ممّا يرجع إلى حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل خيبر، فانّ أكثر رواياته تتمحور حول أفعال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي شاهدها بأُم عينيه.

١٩. إسراء النبي قبل أن يوحى إليه

أخرج مسلم في صحيحه، عن شريك بن عبد اللّه بن أبي نَمِر، انّه قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أُسري برسول اللّهمن مسجد الكعبة انّه جاءه ثلاثة نفر - قبل أن يوحى إليه - و هو نائم في المسجد الحرام.

أضاف مسلم وقال: وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني وقدّم فيه شيئاً و أخر و زاد و نقص.(٣)

نقل مسلم حديث ثابت البناني قبل هذا في نفس الباب، ولذلك اقتصر

____________________

١ صحيح البخاري:٧/٧٦، باب الحيس من كتاب الاَطعمة.

٢ مسند أحمد:٣/١٢٤ و٢٠٠.

٣ مسند أحمد:٣/٢٦٥؛ ولاحظ أيضاً ٣/١٩٥ و٢٣١.


بهذا المقدار وترك التفصيل الوارد في حديث البناني.

أقول: الرواية غير صحيحة وهي مخالفة لاتّفاق المسلمين في أنّ الاسراء كان بعد الوحي، فكيف يقول: وكان ذلك «قبل أن يوحى إليه» وقد جاء في ليلة الاسراء بحكم الصلوات الخمس فهذا دليل على أنّه أُسري به بعد ما أُوحي إليه.

وقد اعتذر عنه النووي في شرحه، وقال: وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك بقوله: فقدم وأخّر وزاد ونقص.

منها قوله: «قبل أن يوحى إليه» وهو غلط لم يوافق عليه، فإنّ الاِسراء أقل ما قيل فيه انّه كان بعد مبعثه بخمسة عشر سنة.

وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة.

وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين.

وقال ابن إسحاق: اسري بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد فشا الاِسلام بمكة والقبائل، وأشبه هذه الاَقوال قول الزهري، وابن إسحاق إذ لم يختلفوا انّ خديجة (رض) صلت معه بعد فرض الصلوات عليه، ولا خلاف انّها توفيت قبل الهجرة بمدّة قيل لثلاث سنين، وقيل بخمس.

ومنها انّ العلماء مجمعون على أنّ فرض الصلوات كان ليلة الاِسراء، فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه؟(١)

وما ذكره النووي وإن كان حقاً لكن ليس في عبارة مسلم دلالة على أنّه رد قول أنس: «قبل أن يوحى إليه» لعدم دلالة قوله: «فقدم فيه شيئاً وأخّر أو زاد ونقص» على وجود الغلط في حديث البناني.

____________________

١ صحيح مسلم:١/١٠٢، باب الاِسراء برسول اللّه، من كتاب الاِيمان.


٢٠. نزول آية الصلح في عبد اللّه بن أُبي

أخرج البخاري، عن معتمر، قال: سمعت أبي، انّأنساً (رض)، قال: قيل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

لوأتيت عبد اللّه بن أبي، فانطلق إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وركب حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه و هي أرض سبخة ،فلما أتاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: إليك عني، واللّه لقد آذاني نتن حمارك.

فقال رجل من الاَنصار منهم: واللّه لحمار رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد اللّه رجل من قومه فشتما، فغضب لكلّواحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد و الاَيدي والنعال فبلغنا أنّها أنزلت( وَإِنْطائِفَتانِ مِنَ المُوَمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) .(١)

وأخرج البخاري أيضاً، عن عروة بن الزبير ، انّ أُسامة بن زيد أخبره انّ رسول اللّه ركب على حمار على قطيفة فدكيّة وأردف أُسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرّ بمجلس فيه عبد اللّه بن أُبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أُبي فإذا في المجلس اخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الاَوثان واليهود والمسلمين وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة، فلما غشيت المجلسَ عجاجةُ الدابة، خمّر عبد اللّه بن أُبي أنفه بردائه ثمّ قال: لا تُغبّ-روا علينا، فسلّم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم، ثمّ وقف، فنزل فدعاهم إلى اللّه وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد اللّه بن أُبي ابن سلول: أيّها المرْء انّه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً، فلا توَذينا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

____________________

١ شرح صحيح مسلم للنووي: ٢/٥٦٧- ٥٦٨.


فقال عبد اللّه بن رواحة: بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا، فانّا نحبّ ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي يُخفضُهُم حتى سكنوا، ثمّ ركب النبيدابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة....(١)

أقول: لو صحّ الحديثان فهما واقعتان مختلفتان فما يرويه أُسامة بن زيد كان قبل غزوة بدر كما هو صريح الرواية ولا غبار عليه و لم يرد فيه نزول آية الصلح في حقّ عبد اللّه، إنّما الكلام فيما يرويه أنس حيث إنّ المخاصمة وقعت بين من كان مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أصحابه وبين أصحاب عبد اللّه بن أبي وكانوا إذ ذاك كفاراً كما يدل عليه قوله : «فغضب لعبد اللّه رجل من قومه...»فكيف ينزل فيهم قوله:( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ المُوَمِنينَ اقْتَتَلُوا ) ولا سيما إذا كانت قصة أنس و أُسامة متحدة فانّفي رواية أُسامة «فاستبَّ المسلمون والمشركون».

عثرة لا تقال

إنّ أنس بن مالك مثل كلّ صحابي رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشاهد النور عن كثب وخدمه سنين وارتوى من نمير علمه وروى روائع أحاديثه وجمله، وعلى الرغم من ذلك فنجد انّله زلَّة في حياته عندما قام الوصي علي بن أبي طالبعليه‌السلام يناشد الصحابة ممن سمع النبي «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه.

روى البلاذري، قال عليعليه‌السلام على المنبر: نشدت اللّه رجلاً سمع رسول اللّه يقول يوم غدير خم: اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه إلاّ قام وشهد، و تحت المنبر أنس بن مالك و البراء بن عازب وجرير بن عبد اللّه البجلي، فأعادها فلم يجبه أحد منهم، فقال: اللّهمّ من كتم هذه الشهادة وهو

____________________

١ صحيح البخاري:٣/١٨٣، كتاب الصلح.


يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها، قال أبو وائل: فبرص أنس وعمي البراء و رجع جرير أعرابياً بعد هجرته(١) الخ.

وروى ابن قتيبة، قال: أنس بن مالك كان بوجهه برص، ذكر قوم انّعليّاً (رض) سأله عن قول رسول اللّه: اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، فقال: كبرتُ سني ونسيتُ، فقال علي: إن كنت كاذباً فضربك اللّه بيضاء لا تواريها العمامة.(٢)

وقال ابن أبي الحديد: ناشد عليعليه‌السلام الناس في رحبة القصر - أو قال رحبة الجامع بالكوفة - : أيّكم سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»؟ فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا بها، وأنس بن مالك في القوم لم يقم، فقال له: يا أنس، ما يمنعك أن تقوم فتشهد، ولقد حضرتها؟ فقال: يا أمير الموَمنين، كبرت ونسيت، فقال: اللّهمّ إن كان كاذباً فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة قال طلحة ابن عمير: فواللّه لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه.(٣)

لم تكن واقعة غدير خم، حادثة صغيرة يبليها مرُّ الليالي و الاَيام بل كانت واقعة تاريخية حضرها آلاف من الصحابة في منصرفهم عن حجّة الوداع، وقد صعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المنبر وناشدهم بأُمور وأخذ منهم الاعتراف ثمّ قال: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه» أفتُنسى مثل هذه الحادثة مع أنّه - عند المناشدة - كان في العقد الرابع من عمره، مع أنّ أنساً هو المصدر الاَوّل لاَفعال النبي، صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها ؟

____________________

١ صحيح البخاري: ٦/٣٩ - ٤٠ تفسير سورة آل عمران.

٢ البلاذري: انساب الاَشراف:٢/١٥٦- ١٥٧.

٣ ابن قتيبة: المعارف: ٢٠١- ٢٥١، طبعة مصر.


٣٩- السائب بن يزيد الكندي

(٣ - ٩٤ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

أحاديثه السقيمة:

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأذن لقينة في الغناء لعائشة

هو السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي المدني، وكان جدّه سعيد حليف بني عبد شمس.

قال السائب: حجّ بي أبي مع النبي وأنا ابن سبع سنين.

وقال: رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل قتل عبد اللّه بن خطل يوم الفتح، أخرجوه من تحت الاَستار ، فضرب عنقه بين زمزم والمقام.

كان له نصيب من صحبة ورواية وكان من المقلِّين في الحديث.(١)

وقد جُمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١٥ رواية.(٢)

ونكتفي هنا بروايتين إحداهما من روائع رواياته والاُخرى من رواياته السقيمة.

____________________

١ شرح نهج البلاغة: ٤/٧٤.

٢ سير أعلام النبلاء: ٣/٤٣٧ برقم ٨٠؛ أُسد الغابة: ١/٣٢٢.


أخرج أحمد عن الزهري، عن السائب بن يزيد:

انّه لم يكن يُقَصُّ على عهد رسول اللّه ولا أبي بكر و كان أوّل من قصّ تميم الداريّ استأذن عمر بن الخطاب أن يقص على الناس قائماً فأذن له عمر.(١)

والحديث يعرب عن حقيقة مرّة وهي انّ الجهاز الحاكم - آنذاك - قد حظر نقل الحديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومذاكرته وتدوينه وكتابته إلاّشيئاً يسيراً؛ في حين انّه رخّص لتميم الداريّ أن يقصّ وهو كان نصرانياً قدم المدينة فأسلم في سنة ٩ه-، فصار قصّاصاً في المدينة يوم لم يكن يعارضه و يكافئه، وبما انّ الرجل كان قد قضى شطراً من عمره بين الاَحبار والرهبان، فمن الطبيعي أن يقصّ كلّما تعلمه من أساتذته من الاِسرائيليات والاَساطير المسيحية ويبثها بين المسلمين وهم يأخذونها منه زاعمين انّها حقائق راهنة، وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة روايات «تميم الداري».

وإليك رواية سقيمة منه:

النبي يأذن لقينة في الغناء لعائشة

أخرج أحمد عن يزيد بن حصيفة، عن السائب بن يزيد الكندي:

إنّ امرأة جاءت إلى رسول اللّه، فقال: يا عائشة أتعرفين هذه؟ قالت: لا يا نبي اللّه، فقال: هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنِّيك؟ قالت: نعم، فأعطاها طبقاً فغنَّتها، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد نفخ الشيطان في منخريها.(٢)

إنّ الرواية تشتمل على عدّة إشكالات تجعلها في عداد الموضوعات:

____________________

١ المسند الجامع: ٦/١٩ برقم ٢٢٧.

٢ مسند أحمد: ٣/٤٤٩.


١. الحديث يعرب انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرف المغنّيات في المدينة المنورة، فعاد يعرّف قينة بني فلان، لزوجته وانّها تغني.

٢. إذا كان الغناء حراماً والمغنِّي لا يغني إلاّ والشيطان ينفخ في منخريه، فكيف يقترح على عائشة زوجته أن تصغي له؟!

٣. ثمّ هل كانت عائشة بالغة يومذاك وعالمة بحرمة الغناء ومع ذلك قبلت اقتراح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصبحت تصغي لغنائها؟

٤. إذا كان عمل القينة عملاً شيطانياً، فكيف يسمح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها بالغناء، (بل و يأمر به )ولعائشة بالاستماع والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ من أن يحوم حول تلك الاُمور ؟

ولا تعجب من هذا الحديث، فانّ له في كتب الحديث نظائر، وقد حكم عليها بالوضع.

روى ابن الجوزي باسناده عن عكرمة، عن ابن عباس، انّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ بحسان بن ثابت وقد رشَّ فناء أطمه.

وجلس أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سماطين وجارية له يقال له (كذا في المصدر) «سيرين»، معها «مزهرها» تختلف به القوم وهي تغنيهم. فلمّ-ا مرّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأمرهم ولم ينههم، فانتهى إليها وهي تقول في غنائها«هل عليَّ ويحكم ان لهوت من حرج» فضحك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا حرج إن شاء اللّه.(١)

____________________

١ مسند أحمد: ٣/٤٤٩.


٤٠- عامر بن واثلة

(٢- ١٠٧ه-)

سيرته وأحاديثه الرائعة

حديثه السقيم:

النبي يكشف عن عورته

عامر بن واثلة بن عبد اللّه بن عمرو الليثي الكناني الحجازي الشيعي.

كان من شيعة الاِمام عليعليه‌السلام مولده بعد الهجرة، وكان يقول: ولدت عام أحد، وهو آخر من رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاة.

حدث عنه: حبيب بن أبي ثابت، والزهري، وأبو الزبير المكي، وعلي بن زيد ابن جدعان، وعبد اللّه بن عثمان بن خثيم، ومعروف بن خرّبوذ، وسعيد الجريري، وفطر بن خليفة، وخلق سواهم. قال عبد الرحمان الهمداني: قال: دخل أبو الطفيل على معاوية، فقال: ما أبقى لك الدهر من ثكلك عليّاً؟ قال: ثكل العجوز المقلات، والشيخ الرّقوب، قال: فكيف حبك له؟ قال: حبّ أُمّ موسى لموسى، وإلى اللّه أشكو التقصير وقيل: إنّ أبا الطفيل كان حامل راية المختار لما ظهر بالعراق وحارب قتلة


الحسين، وكان أبو الطفيل ثقة فيما ينقله، صادقاً، عالماً، شاعراً، فارساً، عمّر دهراً طويلاً وشهد مع علي حروبه. قال خليفة: وأقام بمكة حتى مات سنة مائة أو نحوها، وقال: سنة سبع ومائة.(١) وهو من المقلّين في الحديث، وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ١٢ حديثاً.(٢) روائع أحاديثه أخرج البخاري في الاَدب المفرد عن عمارة بن ثوبان، قال: حدثني أبو الطفيل قال: رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقسم لحماً بالجعرَّانة، وأنا يومئذٍ غلام، أحمل عضو البعير، فأتته امرأة فبسط لها رداءها، قلت: من هذه؟ قيل: هذه أُمّه التي أرضعته.(٣) كما عزيت إليه رواية لا تنسجم مع الضوابط التي أوعزنا إليها غير مرّة. النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكشف عن عورته أخرج أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، قال: لمّا بني البيت، كان الناس ينقلون الحجارة، والنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينقل معهم فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه فنودي: لا تكشف عورتك، فألقى الحجر ولبس ثوبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤)

____________________

١ ابن الجوزى، الموضوعات:٣/١١٦.

٢ سير أعلام النبلاء: ٣/٤٦٧ برقم ٩٧وج ٤/٤٦٧ برقم ١٧٧.

٣ المسند الجامع: ٨/٣٢- ٤٠.

٤ البخاري: الاَدب المفرد، برقم ١٣٠٠.


ومعنى الرواية انّالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يرتدي ثوباً واحداً يستر بدنه، فلما أخذ بأطرافه ووضعها على عاتقه انكشف سوأته سهواً وغفلة، وهذا ما لا يغفل عنه الاِنسان العادي فكيف بنبي العصمة؟!!

* * *

إلى هنا تمّ ما أردناه من دراسة الحديث النبوي على ضوء الاَُصول والضوابط العلمية وقد غفل عنها أكثر المحدّثين الذين اكتفوا بدراسة الاسناد، أي كون الراوي ثقة أو غير ثقة، والسند موصولاً أو مقطوعاً إلى غير ذلك ممّا يعرض الحديث من جانب الاسناد، و أمّا دراسة المتن دراسة علمية موضوعية يميز بها الصحيح عن السقيم فلم يتطرق إليه شراح الصحاح و المسانيد إلاّ في مواضع نادرة. وما ذكرناه يرجع إلى دراسة روايات لفيف من الصحابة على وجه الاِيجاز، وأمّا دراسة روايات كلّ الصحابة أو الصحابيات فتطلب لنفسها مجالاً آخر خصوصاً ما روي عن نساء النبي في حقول مختلفة، فلنترك البحث فيها إلى مجال آخر.

نحمده سبحانه ونستهديه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّهفرغنا من تحريره ظهيرة الثالث من جمادى الاُولىمن شهور عام ١٤١٩ ه- في مدينة قم المحميّةوآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّالعالمينجعفر السبحاني قم المشرفة موَسسة الاِمام الصادقعليه‌السلام للبحوث والدراسات العليا


الفهرس

١- مكانة السنّة النبوية ٩

٢- اهتمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتدوين الحديث ١٢

٣- المنع الشرعي عن كتابة الحديث؟! ١٧

٤- العلل المزعومة لقلة الاهتمام بالتدوين ٢٣

٥- تمحيص السنّة النبوية ٣٥

٦- طرق التمحيص ٤٥

٧- منهجنا في تمحيص السنّة ٥٣

٨- لا كتاب صحيح سوى القرآن الكريم ٧٠

١- معاذ بن جبل الصحابي ٧٥

٢- أُبيّ بن كعب الاَنصاري ٩٧

٣- العباس بن عبد المطلب الهاشمي ١٠٥

٤- عبد اللّه بن مسعود ١١٢

٥- أبو الدرداء الاَنصاري ١٢٩

٦- عُبادة بن الصامت ١٤٢

٧- طلحة بن عبيد اللّه التيمي ١٥٢

٨- حذيفة بن اليمان العبسي ١٥٩

٩- عقبة بن عمرو ١٧٧

١٠- تميم الداري ١٨٦

١١- أبو موسى الاَشعري ١٩٣

١٢- زيد بن ثابت الاَنصاري ٢١١


١٣- المغيرة بن شعبة ٢٣١

١٤- جرير بن عبد اللّه البجلي ٢٤٠

١٥- عمران بن الحصين الخزاعي ٢٤٤

١٦- اسامة بن زيد بن حارثة ٢٥٦

١٧- ثوبان مولى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٢٦١

١٨- سعد بن أبي وقاص ٢٦٨

١٩- أبو هريرة ٢٩٧

٢٠- عقبة بن عامر الجُهَني ٣٦٩

٢١- جبير بن مُطعِم ٣٧٨

٢٢- سمرة بن جندب ٣٨٩

٢٣- عبد اللّه بن مُغفَّل المزني ٤٠٢

٢٤- بريدة بن الحصيب الاَسلمي ٤١٠

٢٥- عبد اللّه بن عمرو بن العاص ٤٣٠

٢٦- ابن عباس ٤٦٢

٢٧- زيد بن أرقم الاَنصاري ٤٨١

٢٨- البراء بن عازب الاَنصاري ٤٨٩

٢٩- عبد اللّه بن الزبير ٤٩٤

٣٠- أبو سعيد الخدري ٥٠٧

٣١- عبد اللّه بن عمر ٥٤٢

٣٢- جابر بن سمرة ٥٧٣

٣٣- عبد الرحمان بن غنم الاَشعري ٥٧٦

٣٤- جابر بن عبد اللّه الاَنصاري ٥٨٠

٣٥- أبو أمامة الباهلي ٥٩٦

٣٦- عبد اللّه بن أبي أوفى ٦٠٨


٣٧- سهل بن سعد الساعدي ٦١٦

٣٨- أنس بن مالك الصحابي ٦٢٤

٣٩- السائب بن يزيد الكندي ٦٦٨

٤٠- عامر بن واثلة ٦٧١

الفهرس ٦٧٤


الحديث النبوي بين الرواية والدراية

الحديث النبوي بين الرواية والدراية

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
تصنيف: دراسات
الصفحات: 676