الشيعة تجيب
سيد رضا حسيني نسب
ترجمة
حيدر المسجدي
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى
قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
«إنّ المراتب المعنوية للحجّ - والتي هي الذخيرة للحياة الأبديّة، وسبب قرب الإنسان إلى التوحيد والتنزيه - لا تحصل إلاّ باتّباع تعاليم الحجّ العباديّة بشكل صحيح ودقيق».
الإمام الخمينيقدسسره
الحجّ استعراض عظيم لنجاة الانسان الموحّد من جميع القيود سوى قيد العبوديّة لله سبحانه وتعالى، وساحة لجهاد النفس، ومظهر رائع للعشق والإيثار والمعرفة والاحساس بالمسؤوليّة، على صعيد الحياة الفرديّة والاجتماعيّة. فالحجّ تبلور لجميع القيم الإسلاميّة.
لكن مع ما نجده من معرفة قديمة من المؤمنين بهذه العبادة الإلهيّة، ووفودهم في كلّ عام لحجّ البيت، وجلاءِ صدأ قلوبهم بنور التوحيد، وتجديدِ العهد والميثاق مع الحبيب والمعبود، ومع ما نجده في تراثنا من ثروة غنيّة لبيان التعاليم التربويّة للحجّ، نجد أنّ أبعاداً كثيرة لهذه العبادة لا زالت مهجورة وغير معروفة.
وبانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران واستنارة أفكار الإمام الخمينيقدسسره الوضاءة، احتلّ الحجّ - كغيره من العبادات والأحكام الإسلامية - موقعه الحقيقي، وظهرت صورته الواقعيّة، وبرز غنيّ محتواه.
بيد أنّ الطريق طويلٌ بعدُ لمعرفة فلسفة الحجّ بأبعاده المختلفة، وآثاره وبركاته المتنوّعة، ليضع الحجّاج أقدامهم عن معرفة في تلك المواقف الكريمة، والمشاهد العظيمة، التي هي مهبط الملائكة المقرّبين، وموقف الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين.
فلأجل تحقيق هذا الهدف العظيم قامت ممثّليّة قائد الثورة الإسلامية السيّد علي الخامنة اي - مستنيرة بتعاليم محيي الحجّ الإبراهيمي الإمام الخمينيقدسسره ، وبالاستعانة بإرشادات قائد الثورة - بتأسيس معاونيّة التحقيق والتعليم ; كي تفتح سجلاًّ جديداً أمام علماء المسلمين، والراغبين في التعرّف على ثقافة الحجّ، والحجّاج والمتشرّفين لزيارة الحرمين الشريفين. ومن هنا فقد شرعت طريقها بالخوض في ساحة التأليف والتحقيق والترجمة للآثار المختلفة التي تحوم حول: ١- بيان معارف وحقائق الحجّ. ٢- التعريف بالأماكن المقدّسة. ٣- بيان تاريخ الشخصيّات الإسلاميّة البارزة. ٤- تحليل الحوادث المختلفة. ٥- ما يتعلّق ببيان الذكريات. ٦- بيان مسائل الحجّ وآدابه.
الذي بين يديك - أيّها القارئ العزيز - صفحة وضاءة من هذا السجلّ الميمون.
ولا ريب أنّ توجيه وإرشاد وتعاطف الخبراء يوجب الحدّ من نقاط الضعف الموجودة، ومن هنا فإنّ معاونيّة التحقيق والتعليم في بعثة قائد الثورة الإسلامية ترحّب بجميع من يرغب بالتعاون معها في هذا المجال. ومن الله التوفيق.
معاونيّة التحقيق والتعليم
في بعثة قائد الثورة الإسلامية
مقدّمة
المطّلع على الظروف الحاكمة على العالم الإسلامي يعلم جيّداً أنّ الاُمّة الإسلامية العزيزة - في يومنا هذا - تحوّلت إلى اُمم متعدّدة، و أخذت كلّ اُمّة منها تنحو نحواً وتسير سيرة خاصّة. وبهذا انتهت النتيجة إلى أن يتسلّط الآخرون - الذين سيادتهم رهينة بوجود الخلاف والفرقة - على زمام اُمور المسلمين، ولهذا فقد كرّسوا جهودهم في هذا المضمار، وعبّؤوا إمكاناتهم المختلفة للانتفاع بكلّ ما يوصلهم الى هذا الهدف.
الأمر الذي لا ريب فيه هو وجود خلافات بين الطوائف الإسلامية في جملة من المسائل، لكن جملة منها كلاميّة، والمؤسّس لها علماء الكلام، ولذا فإنّ عموم المسلمين لا علم لهم بتفاصيلها. وفي قبال هذه المسائل الخلافيّة توجد مجموعة محاور مشتركة تضمّ جميع المسلمين، بل هي أكثر من نقاط الاختلاف بينهم. بيد أنّ مشيعي الفُرقة يسلّطون الأضواء على نقاط الخلاف دوماً، ولا يتطرّقون للمحاور المشتركة بينهم في اُصول الدين وفروعه.
وفي أحد مؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلاميّة أُوكل إليّ بيان الآراء الفقهيّة المتعلّقة ب- (النكاح، والطلاق، والإرث، و...)، فقدّمت رسالة أثارت إعجاب المشاركين في المؤتمر، حيث أظهرت وبيّنت اتّفاق الشيعة والمذاهب الإسلامية الأربعة في أكثر مسائل هذه الأبواب الثلاث، في الوقت الذي كانت دعوى اتّفاقهم في هذه المسائل غير مقبولة قبل مطالعة هذه الرسالة.
فالذين يفرّقون بين المسلمين ويصفون الشيعة بالفرقة المقطوعة والمفصولة عن بقيّة الفرق الإسلاميّة، ويبثّون أقاويلهم في وسائل الإعلام المختلفة صباحاً ومساءً ضدّ هذه الفرقة المظلومة على مرّ العصور، لا يقدّمون خدمة إلاّ لعدوّنا المشترك.
و أنا - بدَوري - أنصح هؤلاء بإزالة أستار الغفلة وذلك بتقوية الروابط مع الشيعة، والاتّصال بعلمائهم ومفكّريهم، ومعاملتهم معاملة الإخوةِ، كي يطبّقوا ويحقّقوا مفاد الآية الكريمة:( إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (١) .
ومن الأساليب التي نهجها الاستعمار إلقاءُ الشُّبَه والإكثار من الإشكالات، كيما يضرّ ويؤثّر بذلك على الثورة الإسلاميّة المباركة، وهذا الاُسلوب له قدم تاريخي، لكنّه في القرون الأخيرة أخذ صوراً مختلفة في الشرق الأوسط والمناطق الاُخرى.
وفي موسم الحجّ يتعرّف الكثير من الحجّاج الأعزّاء على الثورة الإسلاميّة، وعند لقائهم بالحجّاج الإيرانيّين يطرحون أسئلة وشبهات ألقتها وسائل الإعلام المعادية ويطلبون الجواب عنها. فلأجل تلبية هذه الحاجة جمعت أكثر هذه الأسئلة - والتي تطفح عليها الصبغة الدينيّة والثقافيّة - في هذا الكتاب للإجابة عنها. وقد تحمّل فضيلة السيّد رضا حسيني نسب - وبإشرافي عليه - أعباء الجواب عن ذلك، فأوضح الأجوبة بما تسنح به الفرصة. ورعاية للاختصار اكتفى بالمقدار الضروري من ذلك، و أما التفصيل فموكول الى وقت آخر.
على أمل أن تكون هذه الخدمة اليسيرة مقبولة ومرضيّة عند إمام زماننا أرواحنا فداه.
قم - الحوزة العلميّة
جعفر السبحاني ١ / ٩ / ١٣٧٤
____________________
(١) الأنبياء: ٩٢.
السؤال الأوّل
أيّ نسختي حديث الثقلين صحيحة: «وعترتي» أم«وسنّتي» ؟
نقل المحدّثون حديثَ الثقلين - والذي يحظى بشهرة واسعة - باختلاف في فقرة منه على نحوين، و أوردوه في كتبهم الحديثيّة ; هما:
أ - «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»
ب - «كتاب الله وسنّتي»
فأيّ هذين النقلين هو الصحيح ؟
الجواب:
الحديث الصحيح والثابت عن النبيّصلىاللهعليهوآله هو «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، و أمّا النسخة التي ورد فيها: «كتاب الله وسنّتي» بدلاً من «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، فهي ضعيفة سنداً ومردودة، بخلاف نسخة «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، فإنها تتمتّع بسند صحيح.
سند نسخة «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»
روى هذا النصّ محدّثان كبيران هما: مسلم و الترمذي.
١- فروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم:
قام رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة فحمد الله و أثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال: ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربّي فاُجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل
بيتي اُذكّركم اللهَ في أهل بيتي اُذكّركم اللهَ في أهل بيتي اُذكّركم اللهَ في أهل بيتي(١)
ورواه أيضاً الدارمي في سننه(٢) . وينبغي أن يقال: إنّ سنديهما واضح لا غبار عليه ولا خدشة فيه.
٢- وروى الترمذي هذا الخبر بهذا الشكل:
إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما(٣)
فأكّد مسلم والترمذي - وهما من أصحاب الصحاح - على النص المتضمّن عبارة «أهل بيتي»، وهذا كاف لإثبات رأينا، مع أنّ سنديهما - كما تقدّم - في غاية الاعتبار والصحّة، فلا حاجة للبحث فيه.
السند الأول لنسخة «وسنّتي»
النسخة التي ورد فيها «وسنّتي» بدل «و أهل بيتي» مختلقة وموضوعة، وضعتها أيدي مرتبطة بالاُمويّين، مضافاً إلى ضعف سندها، وإليك متن الرواية بأسانيدها:
١ - روى الحاكم في مستدركه هذا المتن بالسند التالي:
عباس بن اُويس عن أبي اُويس عن ثور بن زيد الديلمي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله:
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٨٠٣ الرقم ٢٤٠٨ (طبعة عبد الباقي).
(٢) سنن الدارمي، ج ٢، ص ٤٣١ - ٤٣٢.
(٣) سنن الترمذي، ج ٥، ص ٦٦٣، الرقم ٣٧٧٨٨.
يا أيّها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً ; كتاب الله وسنّة نبيّه(١)
وفي سند هذه الرواية أبٌ وابن هما سبب ضعف الرواية وهما: «أبو اُويس» و «اسماعيل بن أبي اُويس»، فإنهما مضافاً إلى عدم توثيقهما متّهمان بالكذب واختلاق الأحاديث.
أقوال العلماء فيهما
نقل الحافظ المزّي في كتاب تهذيب الكمال عن علماء الفنّ في شأن الرجلين ما يلي:
قال يحيى بن معين - من كبار علماء الرجال -: «أبو اُويس وولده ضعيفان». كما نقل عن يحيى بن معين أيضاً قوله: «ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث». كما قال في حقّ الولد «لا يمكن الاعتماد عليه».
وقال النسائي: «ضعيف»
وقال أبو القاسم اللالكائي: «بالغ النسائي في الكلام عليه، إلى أن يؤدي إلى تركه».
وقال أبو أحمد بن عدي: «ابن أبي أويس هذا روى عن خاله مالك أحاديث غرائب، لا يتابعه أحد عليه»(٢) .
وقال ابن حجر في كتاب مقدمة فتح الباري: «لا يحتج بشيء من حديثه من أجل ما قدح فيه النسائي»(٣) .
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين ج ١، ص ٩٣.
(٢) تهذيب الكمال للحافظ المزي، ج ٣، ص ١٢٧.
(٣) مقدمة فتح الباري، ص ٣٨٨ (طبعة دار المعرفة).
وقال الحافظ أحمد بن الصديق المغربي في كتابه فتح الملك العلي: «وقال سلمة بن شبيب: سمعت اسماعيل بن أبي اويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم»(١) .
وعليه فاسماعيل بن أبي اُويس متّهم بوضع الحديث، ومن الكذابين كما قال يحيى بن معين. كلّ ذلك مضافاً الى أنّ حديثه لم يرو في صحيح مسلم وسنن الترمذي وغيرهما من كتب الصحاح.
ويكفينا في شأن أبي اُويس قول أبي حاتم الرازي في كتاب الجرح والتعديل حيث قال: «أبو اويس يكتب حديثه، ولا يحتجّ به، وليس بالقوي»(٢) .
كما نقل أبو حاتم عن يحيى بن معين: «أبو اُويس ليس بحجّة».
فالرواية التي في سندها هؤلاء الرجلين ليست بصحيحة، هذا إذا غضضنا الطرف عن مخالفتها للرواية الصحيحة الثابتة.
الأمر الجالب للانتباه هو أنّ الحاكم - الراوي للحديث - اعترف بضعف الرواية، ولذا لم يتعرّض لتصحيح سندها، بل حاول تصحيح مضمونها بإيراد شاهد يؤيده. لكن الشاهد الذي أورده ضعيف السند أيضاً، فلا يزيد هذه الرواية إلاّ ضعفاً وسقماً، وإليك هذا الشاهد:
السند الثاني لنسخة «وسنّتي»
روى الحاكم النيشابوري بسند سيأتي ذكره عن أبي هريرة قال:قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما ; كتاب الله وسنتي، ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض(٣)
____________________
(١) فتح الملك العلي، ص ١٥.
(٢) الجرح والتعديل للرازي ج ٥، ص ٩٢.
(٣) المستدرك على الصحيحين، ج ١، ص ٩٣.
وقد رواه الحاكم بالسند التالي:
«اخبرنا أبو بكر بن اسحاق الفقيه، أنبأنا محمد بن عيسى بن السكن الواسطي، حدثنا داود بن عمرو الضبّي، حدثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة».
وهذا النص مختلق كسابقه، وفي سنده «صالح بن موسى الطلحي»، الذي قال في حقّه كبار علماء الرجال ما يلي:
قال يحيى بن معين: «ليس بثقة».
وقال أبو حاتم الرازي: «ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، كثير المناكير عن الثقات».
وقال النسائي: «لا يكتب حديثه، ضعيف». وقال في موضع آخر: «متروك الحديث»(١) .
وقال ابن حجر في تهذيب الكمال: «قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، حتى يشهد المستمع لها أنّها معمولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به. وقال أبو نعيم: متروك، يروي المناكير»(٢) .
وقال أيضاً في تقريب التهذيب: «صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة التيمي الكوفي متروك»(٤) .
وقال الذهبي في الكاشف: «حديثه ضعيف»(٣) .
____________________
(١) تهذيب الكمال، ج ١٣، ص ٩٦.
(٢) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج ٤، ص ٣٥٥.
(٣) تقريب التهذيب لابن حجر، ج ١، ص ٤٣٣، الترجمة رقم ٢٨٩١.
(٤) الكاشف للذهبي، الترجمة رقم ٢٤٢١.
بل إنّ الذهبي في ميزان الاعتدال روى عنه النصّ المذكور وقال: من أحاديثه المنكرة(١) .
السند الثالث لنسخة «وسنّتي»
روى ابن عبد البر في كتاب التمهيد(٢) هذا النص بالسند التالي:
عبد الرحمن بن يحيى عن أحمد بن سعيد عن محمد بن ابراهيم الدبيلي عن علي بن زيد الفرائضي عن الحنيني عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه.
يقول الإمام الشافعي في حقّ كثير بن عبد الله: «ذاك أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب»(٣) . وسئل أبو داود عنه فقال: «كان أحد الكذابين»(٤) . وقال ابن حبان: «روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلاّ على جهة التعجب»(٥) .
وقال النسائي والدار قطني: «متروك الحديث»(). وقال أحمد: «منكر الحديث ليس بشيء»(٧) . وهو رأي ابن معين أيضاً.
والعجب كلّ العجب من ابن حجر في كتاب تقريب التهذيب في ترجمة كثير بن عبد الله، حيث وصفه بالضعف فقط، وقال: «أفرط من نسبه إلى
____________________
(١) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ج ٢، ص ٣٠٢.
(٢) التمهيد، ج ٢٤، ص ٣٣١.
(٣) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج ٨، ص ٣٧٧. تهذيب الكمال، ج ٢٤، ص ١٣٨.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المجروحين لابن حبان، ج ٢، ص ٢٢١.
(٦) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج ٨، ص ٣٧٧.
(٧) المصدر السابق.
الكذب»(١) ، مع أنّ مقدّمي علم الرجال وصفوه بالكذب والوضع، بل إنّ الذهبي وصف حديثه بانه ضعيف وواهي.
النقل الفاقد للسند لنسخة «وسنّتي»
روى مالك في الموطأ هذا النص بشكل مرسل ومن دون إسناد، والكلّ يعلم أن الحديث الفاقد للسند فاقد للاعتبار.
وبهذا التحقيق تبيّن أنّ النصّ الذي ورد فيه «وسنّتي» بدل «و أهل بيتي»، من أكاذيب الوضّاع والمرتبطين بالبلاط الاُموي، و أنّهم وضعوه في قبال الحديث الثابت عن النبي الكريمصلىاللهعليهوآله . وعليه فيجب على الخطباء و أصحاب المنابر أن يتركوا النصّ الذي لم يثبت عن النبيصلىاللهعليهوآله ، ويذكروا ويبيّنوا للناس النصّ الثابت عنهصلىاللهعليهوآله ، الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه بلفظ: «أهل بيتي»، والترمذي بلفظ: «عترتي أهل بيتي»، فعلى طالبي العلم والمهتمّين بتعلّم الحديث أن يميّزوا بين الحديث الصحيح والسقيم.
واُشير في الختام إلى أنّ المقصود من قولهصلىاللهعليهوآله : «أهل بيتي» هو ذرّيّته الطاهرة; كفاطمة الزهراء والحسن والحسين سلام الله عليهم أجمعين ; حيث روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبيصلىاللهعليهوآله قال:
نزلت هذه الآية على النبيصلىاللهعليهوآله :( إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٢) في بيت اُمّ سلمة، فدعا النبيصلىاللهعليهوآله فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء، وعليّ خلف ظهره فجلّله بكساء، ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل
____________________
(١) تقريب التهذيب لابن حجر، ج ٢، ص ٣٩.
(٢) الأحزاب: ٣٣.
بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت اُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله ؟ قال أنتِ على مكانك، وأنتِ إلى خير(١) .
معنى حديث الثقلين
جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله العترة الطاهرة قريناً للقرآن، ووصفهما معاً بالحجّة الالهيّة على الاُمّة، ومن هنا يمكن أن نستنتج هاتين النتيجتين:
١- انّ أقوال العترة النبويّة حجّة كالقرآن، فلابد من التمسّك بأقوالهم فيما يرجع الى الجهة الدينيّة من الحياة ; سواء في الجانب العقائدي أو الفقهي أو غيرهما، ومع وجود دليل من العترة لا يرجع الى غيرهم.
فالمسلمون وإن اختلفوا بعد رحيل النبيصلىاللهعليهوآله في أمر الخلافة واعتمد كلّ فريق منهم دليلاً ومنطقاً خاصاً، إلاّ أنه لا ينبغي الاختلاف في لزوم الرجوع الى أهل البيت بعد اتفاق الجميع على صحة حديث الثقلين واعتبار القرآن والعترة المرجعان في الأحكام والعقائد. ومن هنا فإنّ الاُمّة الإسلاميّة لو عملت بهذا الحديث الشريف فإن دائرة الخلاف بين المسلمين ستضيق وتتحدّد، ويسود الاتّفاق هذه الاُمة المرحومة.
٢ - لمّا كان القرآن الكريم مصوناً عن الخطأ والاشتباه بمقتضى قوله تعالى:( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد ) (٢) ، فعديل القرآن - وهو العترة - مصون من الخطأ أيضاً ; لأنّه لا يصح جعل المخطئ عديل المصون عن الخطأ وهو القرآن، بلا ريب.
وعليه فهذا الحديث دليل على عصمة أهل البيت من جميع أنواع الخطأ والانحراف. لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ العصمة تختلف عن النبوّة ولا تَلازم
____________________
(١) سنن الترمذي، ج ٥، ص ٣٢٨، ح ٣٨٧٥.
(٢) فصلت: ٤٢.
بينهما، فيمكن أن يكون الشخص معصوماً وليس نبياً، كمريمعليهاالسلام فانها معصومة من الذنوب كما في قوله تعالى:( يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) (١) ومع ذلك هي ليست نبيّة.
____________________
(١) آل عمران: ٤٢.
السؤال الثاني
ما المقصود من الشيعة ؟
الجواب:
الشيعة في اللغة العربيّة بمعنى: الأتباع، وفي الذكر الحكيم:( وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاِ بْراهِيمَ ) (١) ; أي أنّ من أتباع نوح إبراهيم.
والشيعة في اصطلاح المسلمين تطلق على فرقة إسلامية تعتقد أن النبيصلىاللهعليهوآله عيّن خليفة المسلمين قبل رحيله من هذا العالم، وقد بيّن ذلك في مواطن متعدّدة أحدها اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة من السنة العاشرة للهجرة والمعروف ب- «يوم الغدير» حيث صرّح بتعيينه خليفة أمام جمع عظيم من المسلمين و أنه المرجع السياسي والعلمي والديني بعدهصلىاللهعليهوآله .
توضيح ذلك: انّ المسلمين من المهاجرين والأنصار صاروا على طائفتين بعد النبيصلىاللهعليهوآله هما:
١ - الفرقة التي تعتقد أن النبيّصلىاللهعليهوآله لم يترك أمر الخلافة هكذا، بل عيّن خليفة ووليّاً يليه، وهو أوّل المؤمنين به عليّ بن أبي طالب.
وقد ضمّت هذه الفرقة طائفة من المهاجرين والأنصار، وعلى رأسهم وجوه بني هاشم وجماعة من كبار الصحابة ; كسلمان و أبي ذر والمقداد وخباب بن الأرت و أضرابهم، وقد ثبتوا على هذه العقيدة، وعرفوا ب- «شيعة علي». وهذا الاسم مستلهم من قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله عندما أشار لعلي وقال:
____________________
(١) الصافات: ٨٣.
أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنّا عند النبيصلىاللهعليهوآله فأقبل عليّ فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة»(١) .
وعلى هذا فالشيعة جماعة من مسلمي صدر الإسلام اعتقدوا أنّ الخلافة منصوصة، عرفوا بهذا الاسم، ولا يزالون إلى يومنا هذا على هذه العقيدة وعلى اتّباع أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله .
وبهذا البيان تتضح منزلة الشيعة، كما يتضح فساد قول بعض الوضّاعين أو الجهّال القائلين بأن التشيّع وليد العصور المتأخرة. ولأجل معرفة تأريخ الشيعة بنحو موسّع ومفصّل راجع الكتب التالية: أصل الشيعة واُصولها، المراجعات، أعيان الشيعة.
٢ - الفرقة التي تعتقد أن الخلافة تابعة للانتخابات وآراء المسلمين هي التي تحدّد الخليفة، ومن هنا عقدوا البيعة مع أبي بكر، وقد عرفوا بعد ذلك ب-«أهل السنّة».
والذي انتهت اليه الاُمة الإسلامية هو حصول هاتين الطائفتين، لاختلافهما في مسألة الخلافة، مع اشتراكهما في كثير من الاُصول والفروع، وقد اتضح أنّ أساسهما هو المهاجرون والأنصار.
____________________
(١) الدر المنثور لجلال الدين السيوطي، ج ٦، ص ٣٧٩ ذيل الآية:( إنَّ الّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اُولئِكَ هُم خَيرُ البَرِيَّةِ ) .
السؤال الثالث
لماذا تقولون إنّ عليّاًعليهالسلام وصيّ النبيّصلىاللهعليهوآله وخليفته ؟
الجواب:
أشرنا - في الجواب على السؤال السابق - إلى أنّ الشيعة تعتقد بوضوح أنّ الخلافة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله منصوصةٌ، وتعتقد أنّ الإمامة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله تساوق النبوّة من جهات عديدة، فكما أنّ تعيين النبيّصلىاللهعليهوآله من الله، كذلك تعيين وصيّه وخليفته يجب أن يكون من الله جلّ وعلا.
وتاريخ حياة نبيّناصلىاللهعليهوآله شاهد لما نقول ; حيث نراهصلىاللهعليهوآله عرّف عليّاً للناس في مواطن متعدّدة بعنوان الولي والخليفة من بعده، ونحن نكتفي بذكر ثلاث منها:
١ - في بدء البعثة المباركة، وعندما اُمر النبيّصلىاللهعليهوآله بدعوة عشيرته للتوحيد بقوله تعالى:( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ ) (١) ، خاطب الحاضرين بقوله:
إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟
____________________
(١) الشعراء: ٢١٤.
فأحجم القوم عنها جميعاً، إلاّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فعندها التفت رسول اللهصلىاللهعليهوآله الى الحاضرين وقال:
إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا(١)
٢ - قال النبيّصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام في غزوة تبوك:
أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ؟ !(٢)
يعني أنّه كما كان هارونعليهالسلام الوصيّ المباشر ومن دون فصل لموسىعليهالسلام ، كذلك أنت وصيّي وخليفتي.
٣ - في السنة العاشرة من الهجرة وعند رجوع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من حجّة الوداع وفي منطقة «غدير خم» و أمام حشود بشريّة عظيمة من المسلمين عرّف رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاً بعنوانه وليّاً للمسلمين، فقال:
«من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»
الأمر الجالب للانتباه هو قول النبيّصلىاللهعليهوآله قبل ذلك وفي أول خطبته حيث قال:
«ألَستُ أولى بكم من أنفسكم ؟»
فأجابه المسلمون أجمع بقولهم: بلى.
وينبغي القول بأن مراد النبيّصلىاللهعليهوآله من قوله: «مولاه» هو أولويّته بالمؤمنين وولايته عليهم و أنّه صاحب الاختيار التامّ فيهم. ويمكن أن
____________________
(١) تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٦٣. الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٤٠ - ٤١. مسند أحمد، ج ١، ص ١١١. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٣، ص ٢١٠ - ٢١٢.
(٢) سيرة النبي (ص) لابن هشام، ج ٤، ص ٩٤٧. السيرة النبوية لابن كثير، ج ٤، ص ١٢.
نستنتج أنّه أثبت بذلك لعليّعليهالسلام نفس الأولويّة الثابتة لهصلىاللهعليهوآله .
وفي هذا اليوم قال حسان بن ثابت أبياته التي ذكر فيها هذه الحادثة التاريخيّة المهمّة فقال:
يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالرسول مناديا
فقال فمن مولاكم ونبيكم؟ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت نبينا ولم تلق منّا في الولاية عاصيا فقال له قم يا عليّ فانّني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أتباع صدق مواليا هناك دعا اللّهمّ وال وليّه وكن للذي عادى عليّاً معاديا(١)
وحديث الغدير من الأحاديث المتواترة بين المسلمين وقد رواه علماؤنا وحدود ثلاثمئة وستون عالماً من علماء أهل السنّة(٢) ، وتنتهي أسانيدها الى مئة وعشر من الصحابة.
وقد كتب ستة وعشرون من كبار علماء المسلمين كتباً في أسناد وطريق حديث الثقلين. وقد جمع أبو جعفر الطبري - المؤرّخ المعروف - أسناد وطرق هذا الحديث في جزئين كبيرين. وللاطلاع على تفصيل أكثر في هذا المجال راجع كتاب الغدير.
____________________
(١) الغدير، ج ٢، ص ٣٤. المناقب للخوارزمي، ص ٨٠. تذكرة خواصّ الاُمة لسبط ابن الجوزي، ص ٢٠. كفاية الطالب، ص ١٧.
(٢) انظر - كنموذج لذلك - كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر (الطبعة الثانية، طبع مصر) الفصل ٢، ص ١٢٢.
السؤال الرابع
من هم الأئمّة ؟
الجواب:
صرّح النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله في حياته الشريفة أنّ الخلفاء بعده اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش، و أنّ عزة الإسلام في ظل خلافتهم، فروى جابر بن سمرة:
سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال ؟ فقال: كلّهم من قريش(١)
ولا نجد في تاريخ الإسلام اثني عشر خليفة حافظين لعزة الإسلام سوى الاثني عشر خليفة الذين يعتقد بهم الشيعة، وذلك أنّ هؤلاء الخلفاء الذين ذكرهم النبيّصلىاللهعليهوآله جاؤوا بعده مباشرة ومن دون فصل. ومن هنا فلابدّ من معرفتهم. وإذا لاحظنا الخلفاء - عدا الخلفاء الأربعة والذين يطلق عليهم عند أهل السنّة عنوان «الخلفاء الراشدون» - فلا نجدهم سبب عزّة للإسلام، وتاريخ حياة خلفاء بني اُميّة وبني العباس يشهد لما نقول.
و أمّا أئمّتنا الاثنا عشر فإنّهم جميعاً مظاهر الورع والتقوى في زمانهم وعصرهم، والحافظين لسنّة نبيّنا الكريمصلىاللهعليهوآله ، بل كانوا محطّ أنظار الصحابة والتابعين ومن تلاهم، بل قد شهد المؤرخون بعلمهم ووثاقتهم.
وهؤلاء الأئمة الاثنا عشر هم:
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٦، ص ٣.
١ - علي بن أبي طالب.
٢ - الحسن بن علي (المجتبى).
٣ - الحسين بن علي.
٤ - علي بن الحسين (زين العابدين).
٥ - محمد بن علي (الباقر).
٦ - جعفر بن محمد (الصادق).
٧ - موسى بن جعفر (الكاظم).
٨ - علي بن موسى (الرضا).
٩ - محمد بن علي (التقيّ).
١٠ - علي بن محمد (النقيّ).
١١ - الحسن بن علي (العسكري).
١٢ - الإمام المهدي (القائم)، والذي روى المحدّثون في شأنه روايات متواترة عن النبيّصلىاللهعليهوآله و أنّه (المهدي الموعود).
ولأجل التعرّف والاطلاع على حياة هؤلاء القادة العظماء - والذين وردت أسماؤهم على لسان النبيّصلىاللهعليهوآله - راجع الكتب التالية:
١ - تذكرة خواصّ الاُمّة.
٢ - كفاية الأثر.
٣ - وفيات الأعيان.
٤ - أعيان الشيعة (للسيّد محسن الأمين) وهو أجمع هذه الكتب.
السؤال الخامس
لِم تعطفوا الآل على اسم النبيّ عند الصلاة عليه ؟
الجواب:
إنّ من المسلّمات والقطعيّات هو أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله علّم المسلمين كيفيّة الصلاة عليه، فعندما نزلت الآية الكريمة:( إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (١) سأله المسلمون عن كيفيّة الصلاة عليه، فأجابهم:
«لا تُصلُّوا عليّ الصلاةَ البتراء»
فسألوه ثانياً: كيف نصلّي عليك يا رسول الله ؟ فقال: قولوا:
«اللّهمَّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد»(٢) .
ولآل الرسول منزلة ذكرها الشافعي في أبياته المعروفة حيث قال:
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له(٣)
____________________
(١) الأحزاب: ٥٦.
(٢) الصواعق المحرقة، الباب ١١، الفصل الأول، ص ١٤٦ (طبعة مكتبة القاهرة). وورد نظيره في الدر المنثور، ج ٥، ص ٢١٦، تفسير الآية ٥٦ من سورة الأحزاب نقلاً عن جملة من المحدّثين و أصحاب الصحاح كالبخاري ومسلم والترمذي و أبي داود والنسائي وابن ماجة و أحمد وعبد الرزاق وابن ابي شيبة وابن مردويه عن كعب بن عجرة عن النبيّصلىاللهعليهوآله . وفي خصائص الوحي المبين للحافظ ابن البطريق، ص ٢٠٧: (لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء. فقالوا: وما الصلاة البتراء ؟ قال: تقولون: «اللهم صلّ على محمد» وتمسكون، بل قولوا: «اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد»).
(٣) الصواعق المحرقة، الباب ١١، ص ١٤٨. الاتحاف (للشبراوي)، ص ٢٩. مشارق الأنوار (للحمزاوي المالكي)، ص ٨٨. المواهب (للزرقاني) و الاسعاف (للصبان)، ص ١١٩.
السؤال السادس
لِم تسمّون أئمّتكم بالمعصومين ؟
الجواب:
الأدلّة على عصمة أئمتنا - والذين هم جميعاً أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله - متعدّدة، نكتفي بذكر أحدها فقط.
روى علماء المسلمين - سنّة وشيعة - عن النبيّصلىاللهعليهوآله قوله في آخر أيام حياته الشريفة:
إني تارك فيكم الثقلين; كتابَ الله، وأهلَ بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتى يرِدا عليَّ الحوض(١)
ومما لا ريب فيه ولا شكّ يعتريه أنّ القرآن الكريم مصون عن التحريف والخطأ، إذ لا يمكن سريان الاشتباه والخطأ إلى الوحي الإلهيّ، مع أنّ الموحي هو الله جل وعلا، والحامل للوحي هو جبرئيلعليهالسلام ، والمتلقّي له نبيّنا الكريم عليه وآله صلوات المصلّين، فكيف يعقل وقوع الاشتباه والخطأ في مثله مع وضوح عصمة الجميع، بل عصمتهم أجلى من الشمس في رابعة النهار ؟! كما انّ عقيدة جميع المسلمين في النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه مصون من الاشتباه والخطأ في مقام تلقي الوحي وفي مقام تبليغه.
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين (للحاكم النيشابوري)، ج ٣، ص ١٤٨، الصواعق المحرقة، الباب ١١، الفصل الأول، ص ١٤٩. وورد هذا المضمون في مسند احمد بن حنبل، ج ٥، ص ١٨٢ و ١٨٩. كنزالعمال، ج ١، ص ١٨٦، ح ٩٤٤.
فلمّا كان للكتاب العزيز هذه الصيانة والعصمة فمن الواضح أنها ثابتة لأهل بيت النبيّ أيضاً; وذلك أنّ هذا الحديث الشريف جعلهم عِدلاً للقرآن وقريناً مساوياً له في مقام هداية الناس وقيادتهم، ومن لوازم هذه المقارنة والتساوي هو استواؤهما من ناحية العصمة وعدم الخطأ.
وبعبارة اُخرى: لا يصحّ جعل شخص أو أشخاص غير معصومين كِفئاً وقريناً لما لا يعتريه الخطأ والزلل.
ومن أوضح الأدلّة على عصمتهم قولهصلىاللهعليهوآله :
«وإنّهما لن يتفرّقا حتى يرِدا عليَّ الحوض»
فإذا أمكن وقوع الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام في الخطأ ووقعوا فيه، فإنّه يلزم افتراقهم عن الكتاب - الذي لا يعتريه الخطأ والزلل - وسيكون سبيلهم غير سبيل القرآن، مع أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نفى ذلك بشدّة.
نعم، المراد من «أهل البيت» في الحديث الشريف ليس هو جميع من انتسب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله نسباً أو سبباً; لوضوح عدم كون الجميع مصوناً عن الخطأ. وعلى هذا فالمتّصف بهذه الصفة والمتحلّي بهذا المقام إنّما هو جماعة خاصّة من عترته، وهم أئمّتناعليهمالسلام الذين هم مشاعل الهداية لاُمة جدّهمصلىاللهعليهوآله ، والحافظين لسنّته، والحامين لشريعته.
السؤال السابع
لِم تشهدون بالولاية لعليّ في الأذان ؟
الجواب:
من الجدير مدّ النظر إلى الاُمور التالية قبل الجواب على هذا السؤال:
١- ذكر فقهاء الشيعة أجمع في كتبهم الفقهيّة - الاستدلاليّة وغيرها - أنّ الشهادة بالولاية لعليّعليهالسلام ليست جزءاً للأذان والإقامة، و أنّه لا يجوز ذكرها بعنوان الجزئيّة لهما.
٢- إنّ عليّاً في النظرة القرآنيّة أحد أولياء الله، بل صرّحت آية الولاية بولايته على المؤمنين، حيث تقول:
( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) (١) .
وقد صرّحت الروايات الصحيحة في كتب الفريقين بأنّ الآية الشريفة نزلت في حقّ عليّ عندما تصدّق بخاتمه على الفقير أثناء الركوع. وقد نظم الشاعر المعروف حسّان بن ثابت هذه الواقعة في أبيات له بعد نزول هذه الآية في شأن عليّ، فقال:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكلّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبين ضايعاً! وما المدح في ذات الإله بضايع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيد ويا خير شار ثمّ يا خير بايع
____________________
(١) المائدة: ٥٥.
فأنزل فيك الله خير ولاية وبيّنها في محكمات الشرايع(١)
٣ - قال النبيّصلىاللهعليهوآله :
«إنّما الأعمال بالنيّات»(٢)
أي أنّ حقيقة كلّ عمل رهينة بنيّة العامل.
وعلى هذا الأساس نقول: ما المانع من ذكر الشهادة بولاية عليعليهالسلام إلى جانب الشهادة بالرسالة إذا لم يُقصد بها الجزئيّة، مع وضوح أنّها أصل قرآني صرّح به الذكر الحكيم ؟!
بقي أمر ينبغي الإشارة إليه، وهو أنّ إضافة جملة إلى الأذان أو حذف جملة منه اذا لم يكن مستحسناً فما هو جوابكم على الأمرين التاليين:
١- يشهد التأريخ الصحيح بأنّ جملة «حيّ على خير العمل» كانت من مقاطع الأذان و أجزائه(٣) ، وفي زمان الخليفة الثاني رُفعت هذه الجملة بسبب تصوّر الخليفة أنّ الناس سيتخلفون عن الجهاد بسبب سماعهم هذه الجملة وفهمهم منها أفضلية الصلاة على الجهاد، فلئلاّ يتخلّف المسلمون عن الجهاد رُفعت هذه الفقرة وبقي الأذان على تلك الصورة إلى يومنا هذا.
____________________
(١) الغدير، ج ٢، ص ٥٨. المناقب للموفق الخوارزمي، ص ٢٦٥.
(٢) تهذيب الأحكام، ج ١، ص ٨٣، ح ٢١٨. صحيح البخاري، ج ١، ص ٢. سنن ابن ماجة، ج ٢، ص ١٤١٣، ح ٤٢٢٧.
(٣) كنز العمال، كتاب الصلاة، ج ٨، ص ٣٤٢ نقلاً عن الطبراني: «كان بلال يؤذن بالصبح فيقول: حيّ على خير العمل». سنن البيهقي، ج ١، ص ٤٢٤ و ٤٢٥. الموطأ لمالك، ج ١، ص ٩٣.
٢- لم تكن جملة «الصلاة خير من النوم» جزءاً من الأذان على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإنّما اُضيفت إليها فيما بعد(١) ، ولهذا قال الشافعي في كتاب الاُم:
«أكره في الأذان الصلاة خير من النوم; لأنّ أبا محذورة لم يذكره»(٢) .
____________________
(١) كنز العمال، كتاب الصلاة، ج ٨، ص ٣٥٧، ح ٢٣٢٥١ و ٢٣٢٥٢.
(٢) نقلاً عن دلائل الصدق، ج ٣، القسم الثاني، ص ٩٧.
السؤال الثامن
من هو المهدي ولماذا تنتظرونه ؟
الجواب:
ممّا اتّفقت عليه الشرائع السماوية هو مجيء المصلح العالمي في آخر الزمان، وهذا ما يعتقد به النصارى واليهود فضلاً عن المسلمين، والجميع في حال انتظار هذا العادل الذي سيملأ الأرض عدلاً. وبمراجعة كتب العهد القديم والعهد الجديد تتضح هذه الحقيقة بشكل أكثر(١) .
وفي هذا المضمار روى المحدثون عن النبيّصلىاللهعليهوآله قوله:
«لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً»(٢) .
فهذا المصلح الذي ينتظره الجميع مما اتّفقت عليه الأديان المختلفة - كما مرّت الإشارة إليه - كما وردت فيه روايات كثيرة من طرق الفريقين بل في صحاح ومسانيد أهل السنة روايات كثيرة في حقه، وقد حرر جملة من المؤلّفين والمحققين كتباً ورسائل كثيرة تعنى به(٣) .
____________________
(١) كتب العهد القديم هي: مزامير داودعليهالسلام ، المزمور ٩٦ و ٩٧، وكتاب النبيّ دانيالعليهالسلام ، الباب ١٢.
(٢) سنن أبي داود، ج ٢، ص ٣١٠، ح ٤٢٨٣. ينابيع المودة، ص ٤٣٢. نور الأبصار، الباب ٢، ص ١٥٤.
(٣) من هذه الكتب: البيان في أخبار صاحب الزمان، تأليف: محمد بن يوسف الكنجي الشافعي. والبرهان في علامات مهديّ آخر الزمان، تأليف: عليّ بن حسام الدين المعروف بالمتقي الهندي. والمهديّ والمهدوية، تأليف: أحمد أمين.
و أما علماء الشيعة فلهم تأليفات كثيرة في هذا المجال يعسر احصاؤها وعدّها، ككتاب الملاحم والفتن و...
وقد ذكرت هذه الروايات أوصافه بنحو بحيث تنطبق بدقّة على الثاني عشر من أئمة أهل البيت وهو المهدي ابن الإمام الحسن العسكريعليهماالسلام (١) ، ففي هذه الروايات أنّ اسمه كاسم النبيّصلىاللهعليهوآله ، و أنّه الوصي الثاني عشر، و أنّه من ذرّية الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهمالسلام .
هذا، وقد ولد المهديعليهالسلام في السنة ٢٥٥ بعد الهجرة، ولا زال حيّاً، يعيش بيننا لكننا لا نعرفه. علماً أنّ طول عمره بهذا المقدار لا ينافي شيئاً مما ثبت علمياً، ولا شيئاً مما ثبت بالنقل. بل يحاول العلم في يومنا هذا إطالة العمر الطبيعي للإنسان، ويرى أنّه ممكن إذا ما أمكن الحدّ من تأثير بعض العوامل الدخيلة في إلحاق الضرر بالانسان. ومن جانب آخر فقد ذكر التأريخ أسماء جملة من المعمّرين، بل إنّ القرآن الكريم صرّح بذلك حيث قال في شأن نوحعليهالسلام :
( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاّ خَمْسِينَ عامًا ) (٢) .
وقال في شأن يونسعليهالسلام :
( فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِين * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٣) .
كما أنّ الخضر وعيسىعليهماالسلام - من خلال الرؤية القرآنيّة - أحياء فعلاً، بل عليه اتّفاق جميع المسلمين.
____________________
(١) ينابيع المودة، الباب ٧٦، في المناقب المرويّة عن جابر بن عبد الله.
(٢) العنكبوت: ١٤.
(٣) الصافات: ١٤٣ - ١٤٤.
السؤال التاسع
إن كانت الشيعة على حقّ فلماذا هم أقلّية بين المسلمين ؟
الجواب:
لا يمكن معرفة الحق وتمييزه عن الباطل من خلال كثرة الاتباع وقلّتهم، فنسبة المسلمين إلى غيرهم في عصرنا الحاضر هي حدود الخمس أو السدس، كما تشكّل أكثرية الشرق الأقصى عَبَدة الأوثان وعَبَدة الأبقار وغيرهما من منكري ما وراء المادة.
كما أنّ نفوس الصين التي تجاوزت المليار نسمة تتشكّل من الشيوعيين الملحدين. وكذا فإنّ نفوس الهند التي هي حدود المليار نسمة تتشكّل من الهندوس وعَبَدة الأوثان.
كما لا تعدّ الأكثرية علامة للحق، بل إنّ القرآن الكريم ذمّ الأكثرية في أغلب الأحيان، ومدح الأقلّية في مواضع عديدة، وإليك نموذجاً من تلك الآيات:
١-( وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) (١) .
٢-( إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٢) (٣) .
٣-( وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) (٤) .
____________________
(١) الأعراف: ١٧.
(٢) الأنفال: ٣٤.
(٣) وغيرهما من الآيات الكثيرة والتي منها:( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (البقرة: ١٠٠) ،( وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) (آل عمران: ١١٠) ،( وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (المائدة: ١٠٣) ،( وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (الأنعام: ٣٧) ،( وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) (الأنعام: ١١١) ،( وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) (الأعراف: ١٠٢) ،( وَ أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) (التوبة: ٨) ،( وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الاَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ) (الأنعام: ١١٦) ،( فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (الذاريات: ٣٦).
(٤) سبأ: ١٣.
وعليه فينبغي للإنسان الطالب للحقّ أن لا يترك عقيدته لقلّة الأتباع، كما لا ينبغي أن يباهي الآخرين بكثرة الأتباع، وإنما اللازم عليه أن يستنير بنور عقله في معرفة الحقّ من الباطل.
ولهذا قال أمير المؤمنينعليهالسلام للحرث بن حوط الليثي عندما سأله عن كثرة مخالفيه في حرب الجمل، فقال: أترى أن طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل ؟ ! فقال عليعليهالسلام :
«يا حار، أنت ملبوس عليك، إنّ الحقّ والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، وبأعمال الظن، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله»(١) .
فيجب على المسلم أن يبحث المسألة بحثاً علمياً، ويحلّلها تحليلاً منطقياً، ويجعل مشعل هدايته قوله تعالى:
( وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (٢) .
ومع الغض عن ذلك كلّه فإن الشيعة وإن كانوا لا يساوون أهل السنّة عدداً، لكن إذا ما اُجريت إحصائية سكانية لنفوس المسلمين فإنّه سيتبين أنّ نسبتهم إلى جميع المسلمين هي الربع، و أنّهم يسكنون في أغلب المناطق التي يسكنها المسلمون في بقاع العالم المختلفة. وقد عاش - على مرّ العصور - جملة من العلماء والكتّاب المعروفين والذين لهم كتب معروفة بين الشيعة.
من الجدير بالذكر أنّ المؤسس لجملة من العلوم هم من الشيعة، ومنهم:
أبو الأسود الدؤلي (مؤسس علم النحو).
____________________
(١) انساب الاشراف للبلاذري، ص ٢٣٨. فيض القدير في شرح الجامع الصغير، ج ١، ص ٢٧٢ و ج ٤، ص ٢٣.
(٢) الإسراء: ٣٦.
الخليل بن أحمد الفراهيدي (مؤسس علم العروض).
معاذ بن مسلم بن أبي سارة (مؤسس علم الصرف).
أبو عبد الله محمد بن عمران الكاتب الخراساني (أحد المقدّمين في علم البلاغة).
وللاطلاع على التآليف الكثيرة لعلماء الشيعة والتي يعسر إحصاؤها راجع كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»، وللتعرّف على الشخصيات والوجوه الشيعية المعروفة راجع كتاب «أعيان الشيعة»، ولمعرفة تأريخ الشيعة الميمون راجع كتاب «تاريخ الشيعة».
السؤال العاشر
ما هي الرجعة، ولماذا تعتقدون بها ؟
الجواب:
في اللغة: «الرَّجْعة: الرجوع»، وفي الاصطلاح: «رجوع جمع من الناس بعد الموت وقبل يوم القيامة إلى الحياة الدنيا» وتحصل عند ظهور الإمام المهديّعليهالسلام ، وهذه الرجعة لا تنافي العقل ولا النقل. فنجد أنّ حقيقة الإنسان - في الرؤية الإسلامية والشرائع السماوية الاُخرى - هي روحه، والتي قد يعبّر عنها بالنفس أيضاً، ولا تفنى هذه الروح بفناء البدن، بل تبقى حيّة، وتدوم حياتها الخالدة.
ومن جانب آخر فإن الباري سبحانه وتعالى - وكما يصرح الكتاب العزيز - قادر مطلق، وليس لقدرته حدّ تنتهي إليه.
فتبيّن من خلال هاتين المقدّمتين أنّ الرجعة ممكنة عقلاً، وذلك أنّ العقل إذا تأمّل قليلاً أذعن أنّ الرجعة أسهل بكثير من أصل الخلقة، فالباري سبحانه الذي ابتدع وفطر الخلائق من العدم قادر على إرجاعهم بلا ريب.
و أما من اُفق النقل، فيمكن أن نرى نماذج من الرجعة في الاُمم السالفة، حيث يصرح القرآن الكريم في هذا المجال بقوله:
( وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (١) .
____________________
(١) البقرة: ٥٥ و ٥٦.
وقال في موضع آخر عن لسان عيسىعليهالسلام :
( وَ أُحْيِي الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ ) (١) .
بل إنّ القرآن الكريم مضافاً إلى تصريحه بإمكان الرجعة، يؤيد وقوعها في اُناس ماتوا، فذكر في آيتين رجوع أقوام إلى الدنيا بعد رحلتهم عنها وقبل يوم القيامة، والآيتان هما:
( وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دابَّةً مِنَ الاَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ * وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (٢) .
ولنذكر مقدمة ليتّضح الاستدلال بالآيتين الشريفتين على الرجعة قبل يوم القيامة، وهي من أمرين:
١- قال المفسّرون إنّ الآيتين الكريمتين تتحدّثان حول يوم القيامة، و أنّ الآية الاُولى تبيّن أحد العلائم التي تكون قبل يوم القيامة، كما يقول جلال الدين السيوطي في تفسيره «الدر المنثور»، حيث أخرج عن ابن أبي شيبة عن حذيفة قال:
«تخرج الدابة مرتين قبل يوم القيامة...»(٣) .
٢- لا ريب أنّه في يوم القيامة يحشر الناس جميعاً، لا طائفة معينة من كلّ اُمّة، ولهذا تقول الآية الكريمة:
( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ ) (٤) (٥) .
____________________
(١) آل عمران: ٤٩.
(٢) النمل: ٨٢ و ٨٣.
(٣) الدر المنثور، ج ٥، ص ١١٧.
(٤) هود: ١٠٣.
(٥) فسّر السيوطي اليوم ب- «يوم القيامة»، (انظر: الدر المنثور، ج ٣، ص ٣٤٩).
وقال في موضع آخر:
( وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الاَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) (١) .
وعليه فإن الناس جميعاً محشورون يوم القيامة، ولا يختصّ الحشر بقوم دون آخرين.
٣- إنّ الآية الثانية من الآيتين المذكورتين تصرّح بأنه يوجد حشرٌ لقوم معيّنين دون عموم الناس حيث تقول:
( وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) .
وهي صريحة في عدم حشر جميع الناس.
النتيجة:
اتضح جيداً من هذه المقدمات الثلاث أنّ حشر جمع خاصّ من الناس وهم المكذّبون بآيات الله - كما صرحت به الآية الكريمة - سيكون قبل يوم القيامة; وذلك أنّ الحشر في القيامة سيعمّ الجميع بلا ريب، ولا يختصّ بقوم دون آخرين.
وبهذا البيان اتّضح أنّه سترجع طائفة من الناس بعد الموت وقبل القيامة إلى هذه الحياة الدنيا، وهي الرجعة التي نقول بها.
ومن هنا نجد أنّ أهل البيتعليهمالسلام - والذين هم قرين القرآن الكريم والمفسّرين للكتاب العزيز - بيّنوا ذلك بوضوح. ورعاية للاختصار ننقل إليك نموذجين من كلماتهم في هذا المجال:
____________________
(١) الكهف: ٤٧.
«العطار، عن سعد، عن ابن يزيد، عن محمد بن الحسن الميثمي، عن مثنى الحناط قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول: أيام الله ثلاثة: يوم يقوم القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة»(١) .
وقال الصادقعليهالسلام :
«ليس منّا من لم يؤمن بكرّتنا»(٢) .
ومن المناسب للمقام ذكر الأمرين التاليين:
١- فلسفة الرجعة
عند التأمّل في أهداف الرجعة نجد أنّ من أهدافها ما يلي:
١- لبيان عظمة الإسلام الحقيقي، وإبراز خور الكفر.
٢- لجزاء المؤمنين والمحسنين، وعقوبة الكافرين والظالمين.
٢- الفرق الجوهري بين الرجعة و التناسخ
تجب الإشارة إلى أنّ الاعتقاد بالرجعة - في عقيدة الشيعة - لا يلازم الاعتقاد بالتناسخ ; وذلك أنّ أساس القول بالتناسخ مبنيّ على إنكار القيامة، و أنّ العالم في حالة تكرار مستمرّة، فكلّ جيل ينسخ الجيل السابق عليه، وهكذا. وعلى أساس هذا النظريّة ترجع الروح الانسانية بعد الموت إلى هذا العالم وتحلّ في بدن آخر، فإن كانت الروح روح صالح انتقلت إلى بدن يريحها بالسيرة والأعمال، وإن كانت الروح روح كافر انتقلت إلى بدن يؤذيها بالسيرة والأعمال، وهذا الرجوع بمنزلة الحساب لها.
____________________
(١) بحار الأنوار: ج ٧، ص ٦١، ح ١٣ نقلاً عن الخصال.
(٢) من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٤٥٨، ح ٤٥٨٣.
و أما القائلين بالرجعة فهم يعتقدون بوجود الحساب والقيامة ; تبعاً للشريعة المقدّسة. ومن جانب آخر فإنّهم يعتقدون باستحالة انتقال الروح المنفصلة عن بدن معيّن إلى بدن آخر. وإنما يعتقدون رجوع جمع من الناس إلى الحياة الدنيا بعد الموت وقبل يوم القيامة.
السؤال الحادي عشر
ما هي الشفاعة التي تعتقدون بها ؟
الجواب:
الشفاعة من الاُصول الإسلامية المسلّمة، والتي تلقّتها جميع الفرق الإسلامية بالقبول; تبعاً للوارد في الآيات الكريمة والروايات الشريفة. نعم اختلفوا في آثارها.
وحقيقة الشفاعة أن يطلب الإنسان الوجيه عند الله المغفرةَ للمذنب من الباري سبحانه، أو يطلب منه علوّ الدرجات لشخص آخر. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
«اُعطيت خمساً... واُعطيتُ الشفاعةَ فادّخرتُها لاُمَّتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً»(١) .
تقييد الشفاعة
الذي يرى الشفاعة من اُفق القرآن يجد أنّها بمعناها المطلق ومن دون أي قيد مردودةٌ، و أنّ الشفاعة المؤثرة هي ما كانت بالصفة التالية:
١- أن يكون الشفيع مأذوناً في الشفاعة من الله سبحانه، فلا يجدي القرب لوحده، وإنما يجب أن يكون مأذوناً في الشفاعة أيضاً، قال تعالى:
( يَوْمَئِذ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) (٢) .
____________________
(١) مسند احمد بن حنبل، ج ١، ص ٣٠١. صحيح البخاري، ج ١، ص ٩١ (طبع مصر).
(٢) طه: ١٠٩.
٢- أن يكون للمشفوع له استعداد لقبول الفيض الإلهيّ الوارد عليه بواسطة الشفيع ; بمعنى أن لا ينقطع ارتباطه الإيماني بالباري سبحانه، بل يبقى محفوظاً. وعليه فلا شفاعة للكافر، ولا لبعض المسلمين كتارك الصلاة وقاتل النفس المحترمة ظلماً ; وذلك أنّ هؤلاء قطعوا صِلتهم الروحية بالباري سبحانه، قال سبحانه في حقّ تاركي الصلاة والمنكرين ليوم الدين:
( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ ) (١) .
وقال في حق الظالمين:
( ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَ لا شَفِيع يُطاعُ ) (٢) .
فلسفة الشفاعة
الشفاعة كالتوبة، نافذة يدخل منها شعاع الأمل لقلوب المذنبين الذين أحسّوا باشتباههم أثناء السير والسلوك إلى الله، حيث تكون داعياً لترك المعاصي ; حيث أنّهم يعلمون أنّ الشفاعة باب مفتوح أمامهم ضمن شرائط خاصّة، لا مطلقاً، فيمكنهم ولوج هذا الباب والنجاة من العذاب إذا ما راعوا تلك الشرائط، فيحاولون أن لا يتجاوزوا تلك الحدود لئلاّ تفوتهم الشفاعة.
أثر الشفاعة
اختلف المفسرون في أثر الشفاعة ; وهل أنّها تفيد غفران الذنوب، أم رفع الدرجات؟ الذي يتراءى لنا من خلال قول النبيصلىاللهعليهوآله هو الرأي الأول لقولهصلىاللهعليهوآله :
____________________
(١) المدثر: ٤٨.
(٢) غافر: ١٨.
«إنّ شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من اُمّتي»(١) .
____________________
(١) سنن ابن ماجة، ج ٢، ص ١٤٤١، ح ٤٣١٠. سنن الترمذي، ج ٤، ص ٤٥. سنن أبي داود، ج ٢، ص ٥٣٧. مسند أحمد، ج ٣، ص ٢١٣.
السؤال الثاني عشر
هل طلب الشفاعة من الشفعاء شركٌ بالله ؟
توضيحه: قد يقال: إنّ الشفاعة من شؤون الباري جلّ وعلا المخصوصة به، لقوله عزّ اسمه:
( قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا ) (١) .
وعليه فالشفاعة طلبٌ لما هو مخصوص بالباري من غيره سبحانه وهم عبيده، والطلب الذي يتّسم بهذه السمة نوع عبادة لغير الله، وهو ينافي التوحيد في العبادة لله سبحانه وتعالى.
الجواب:
المقصود من الشرك هنا ليس هو الشرك في الذات، ولا الشرك في الخلق، ولا الشرك في التدبير، وإنما المقصود هو الشرك في العبادة. وعليه فبيان الجواب يعتمد على تفسير وفهم معنى العبادة بالدقّة.
ثم إنّ تفسير العبادة لا يرجع إلينا، كي نعتبر الخضوع لكلّ مخلوق أو الطلب منه عبادة.
هذا، والقرآن الكريم يصرّح بأنّ الملائكة سجدت لآدم، قال تعالى:
( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) (٢) .
____________________
(١) الزمر: ٤٤.
(٢) الحجر: ٢٩ - ٣٠.
فسجود الملائكة لآدمعليهالسلام بأمر الله سبحانه، ليس عبادة له ; وإلاّ لما أمر الباري سبحانه به.
كما سجد يعقوبعليهالسلام و أولاده ليوسفعليهالسلام ، على ما أفصح به الذكر الحكيم حيث قال:
( وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ) (١) .
فإذا كان هذا الخضوع عبادة ليوسفعليهالسلام لما فعله النبيّ يعقوبعليهالسلام ، والذي يتحلّى بالعصمة ! بل لو كان هذا الخضوع عبادة ليوسف لما ارتضاه من أولاده أيضاً. كلّ ذلك مع أنّنا لا نجد خضوعاً أشدّ من السجود.
فعلى هذا يجب التفريق بين مفهوم الخضوع والطلب من الآخرين وبين مفهوم العبادة، فحقيقة العبادة أن يعتقد الإنسان الالوهية لمخلوق معيّن، ويعبده، أو أن يعتقد أنّ الأفعال الإلهية - كتدبير العالم وغفران الذنوب - مفوّضة لمخلوق معيّن. و أما إذا كان الخضوع للمخلوق من دون أن نعتقد فيه الالوهية، ومن دون أن نعتقد تفويض الشؤون الإلهيّة إليه، فليس هذا عبادة، بل هو مجرّد احترام له ; نظير احترام الملائكة لآدم، واحترام يعقوب ليوسفعليهماالسلام .
وفي مقام الجواب عن السؤال نقول: إذا اعتقدنا أنّ الشفاعة مفوّضة للشفعاء، و أنّهم يشفعون لمن يريدون من دون أي قيد أو شرط، وهم السبب في مغفرة ذنوبهم، فهذا شرك ; لأنّنا طلبنا ما هو لله من غيره. و أمّا إذا اعتقدنا أنّ بعض عباد الله الصالحين مجازون بالشفاعة للمذنبين ضمن اطار وحدود معينة والتي من أهمها رضا الله سبحانه، فهذا لا يلازم الاعتقاد باُلوهية هذا الشافع الصالح كما هو واضح، كما لا يلازم تفويض شأن الهي إليه، بل هو طلب ممن هو أهل لذلك.
____________________
(١) يوسف: ١٠٠.
ولهذا نجد أنّ المذنبين على عهد الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله كانوا يأتون إليه لطلب المغفرة، ومع ذلك لم ينسبهم النبيّصلىاللهعليهوآله للشرك، ففي سنن ابن ماجة:
«أتدرون ما خيرني ربي الليلة ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّه خيّرني بين أن يدخل نصف اُمتي الجنّة، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة. قلنا: يا رسول الله ! ادع الله أن يجعلنا من أهلها. قال: هي لكل مسلم»(١) .
فالحديث صريح في طلب الصحابة المغفرة من الرسولصلىاللهعليهوآله بقولهم: «ادع الله». كما أنّ الكتاب العزيز يصدع بقوله:
( وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ) (٢) .
وقال في مقام آخر:
( قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ ) (٣) .
وقد أجابهم نبيّ الله يعقوب إلى ذلك ووعدهم أن يستغفر لهم بقوله:
( قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٤) .
____________________
(١) سنن ابن ماجة، ج ٢، ص ١٤٤٤ باب ذكر الشفاعة.
(٢) النساء: ٦٤.
(٣) يوسف: ٩٧.
(٤) يوسف: ٩٨.
السؤال الثالث عشر
هل الاستعانة بغير الله شرك ؟
الجواب:
جميع الناس وجميع الأشياء - في النظرة الاسلامية وبنظر العقل - محتاجة إلى الله في تأثيرها كحاجته إليه عند بدء الخلقة، يقول الباري في محكم كتابه:
( يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (١) .
وقال في موضع آخر:
( وَ مَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) (٢) .
وعلى هذا الأساس نكرر الآية التالية في كلّ صلاة:
( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) (٣) .
ولإيضاح الجواب عن السؤال المذكور نقول: الاستعانة بغير الله لها صورتان:
١- أن نستعين بغير الله مع اعتقاد أنّه مستقلّ عن الباري في أفعاله وغنيّ عنه في إعانته. فهذا الشكل من الاستعانة لا ريب في أنّه شرك بالله سبحانه، والقرآن الكريم يصف هذا النوع من التصور بفقدانه للأساس وبعده عن الصواب، حيث يقول:
( قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيرًا ) (٤) .
____________________
(١) فاطر: ١٥.
(٢) آل عمران: ١٢٦.
(٣) الفاتحة: ٥.
(٤) الأحزاب: ١٧.
٢- أن نستعين بغير الله مع اعتقاد أنّه لا استقلال له عن الحقّ جلّ وعلا، وإنّما هو محتاج إليه في أفعاله وتأثيراته، بل إنّ تأثيره في الأشياء إنما هو من جانب الله سبحانه أيضاً، وقد جعل الله له هذه القدرة والتأثير رفعاً لحاجة العباد.
وعلى أساس هذه النظرة تكون استعانتنا بهذا المخلوق استعانة به بما هو واسطة جعلها الله وسيلة لقضاء حوائج الآخرين. وهذه الاستعانة في حقيقتها استعانة بالله سبحانه ; فهو الذي أفاض عليه الوجود، و أفاض عليه قدرة التأثير لتأمين حوائج الآخرين، وذلك أنّ حياة البشر في النشأة الدنيا مبنية على أساس الاستعانة بالأسباب والمسببات، بحيث لو لم يستعينوا بها اختلّ نظام الحياة.
فإذا نظرنا إليها بما هي عوامل و أسباب لتأثير الباري في الموجودات، و أنها محتاجة في تأثيرها إلى الباري كحاجتها إليه في أصل وجودها. فهذه الاستعانة لا تنافي التوحيد أبداً.
فالفلاح الموحّد إذا استعان في زراعته بأسباب وعوامل طبيعية نظير التربة والماء والهواء والشمس لنموّ البذور حتى يجني منها محاصيله، هو في الحقيقة مستعين بالله سبحانه; لأنّه هو المعطي لها هذا الاستعداد والقابلية لإنماء الزرع. وهذه الاستعانة تنسجم تماماً مع التوحيد ولا تنافيه بالمرّة، بل إنّ القرآن الكريم يوصينا بالاستمداد ببعض الاُمور; كالصبر والصلاة، في قوله عزّ من قائل:
( وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ ) (١) .
ومن الواضح أنّ الصبر والصلاة من أفعال البشر، ونحن مأمورون بالاستعانة بهما. في الوقت الذي نجد الآية حصرت الاستعانة به سبحانه في قوله تعالى:
( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) (٢) .
ولا تنافي بينهما أصلاً.
____________________
(١) البقرة: ٤٥.
(٢) الفاتحة: ٥.
السؤال الرابع عشر
هل دعاء ونداء الآخرين من الشرك بالله ؟
الذي أثار هذا التساؤل هو ظاهر بعض الآيات والروايات الناهية عن ذلك، كقوله تعالى:
( وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَدًا ) (١) .
وقوله تعالى:
( وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ ) (٢) .
حيث تمسكت طائفة من الناس بظاهر هذه الآيات وقالوا: إنّ نداء أولياء الله والصالحين - بعد رحيلهم عن هذه الدنيا - عبادة لهم وشرك بالله العظيم.
الجواب:
لإيضاح الجواب عن السؤال المذكور ينبغي بيان معنى اللفظتين: «الدعاء» و «العبادة»، فنقول: لا شكّ أنّ لفظ «الدعاء» في اللغة العربية بمعنى النداء والدعوة. ولفظ «العبادة» بمعنى الخضوع الخاص مقابل الإله. ومن هنا فلا يمكن عدّهما مترادفين وبمعنى واحد ; أي لا يمكن القول بأن كلّ نداء ودعاء عبادةٌ ; لأنّه:
١- استعملت مادة «دعو» في القرآن الكريم في موارد لا يمكن القول بأن المراد منها هو العبادة، نظير:
( قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهارًا ) (٣) .
____________________
(١) الجن: ١٨.
(٢) يونس: ١٠٦.
(٣) نوح: ٥.
فهل يا ترى يمكن القول بأن مراد نبيّ الله نوحعليهالسلام أنّه كان يعبد قومه ليلاً ونهاراً!!
وعليه فلا يمكن القول بأن «الدعاء» و «العبادة» مترادفان، فإذا نادى شخص أحداً من الأولياء والصالحين فقد عبده ; وذلك أنّ النداء أعمّ من العبادة.
٢- المراد من الدعاء في مجموع هذه الآيات ليس هو مطلق النداء، بل هو الدعوة الخاصة التي يمكن ان تلازم العبادة ; وذلك أنّ جميع هذه الآيات واردة في شأن عبدة الأوثان الذين يعتقدون أنّ الأوثان آلهة صغار. ولا ريب أنّ دعاء واستغاثة هؤلاء بآلهتهم التي يعتقدون أنها المالكة للشفاعة والمغفرة و… وانها المتصرّف المستقلّ في اُمور الدنيا والآخرة. ومن الواضح أنّه في مثل هذه الظروف والشرائط يكون طلب ودعاء هؤلاء لهذه الموجودات عبادة.
ومن أوضح الشواهد على أنّ دعوة هؤلاء كانت مقرونة بعقيدة الاُلوهية هو هذه الآية الشريفة:
( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيْء ) (١) .
وعلى هذا فالآيات المبحوث عنها لا ربط لها بالبحث، فمحلّ البحث هو طلب عبد من آخر لا يعتقد الوهيته ولا يرى أنّه المالك والمتصرف المختار في شؤون الدنيا والآخرة، وإنما يرى أنّه عبد عزيز ومحترم من عبيد الله سبحانه، اجتباه الله رسولاً أو نبياً، ووعده قبول دعائه في حق العبيد بقوله:
( وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَ-هُمْ جاؤُوكَ فَاسْ-تَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْ-تَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُ-ولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ) (٢) .
____________________
(١) هود: ١٠١.
(٢) النساء: ٦٤.
٣ - الآيات المذكورة دليل واضح على أنّ المراد من الدعوة ليس هو مطلق طلب الحوائج، وإنما الدعوة للعبادة، وذلك للتعبير في نفس الآية بعد ذلك بلفظ العبادة، فالآية هي:
( وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ) (١) .
ففي أول الآية ورد لفظ «ادْعُونِي» وفي آخرها لفظ «عِبادَتِي»، وهذا دليل على أنّ المراد من الطلب أو الاستغاثة انما هو بالموجودات الاُخرى التي يعتقد أنها بالصفات الإلهية.
النتيجة:
نستنتج من المقدمات الثلاث المذكورة أنّ الهدف الرئيسي للقرآن من هذه الآيات هو النهي عن دعوة عَبَدة الأوثان الذين يرون أنّ الأوثان شريكة للباري سبحانه و أنها المدبّرة والشفيعة، فكل خضوع وتذلل واستعانة واستغاثة واستشفاع بهذه كان من خلال النظر إليها كآلهة صغار هي المتولية لشؤون الإله في الدنيا والآخرة، و أنّ الباري فوّض إليها شؤون الخلق. وليست لهذه الآيات علاقة بالتوسّل والاستغاثة بالأرواح الطاهرة والنفوس الزكية للأولياء الذين هم في نظر الداعي عبيد لله سبحانه وتعالى ولا يسمو مقامهم عن حد العبودية شيئاً أصلاً، وإنما هم عباد محبوبون لله جلّ وعلا. وإذا قالت الآية الكريمة:
( وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَدًا ) (٢) .
فالمراد هو دعوة عرب الجاهلية لمعبوداتهم من الأصنام أو الأجرام السماوية أو الملائكة أو الجنّ. فهذه الآية ونظائرها ناظرة لدعوة الشخص أو الشيء المقرونة باعتقاد الالوهية، ولا ريب أنّ دعاء هذه المخلوقات مع هذه العقيدة يعدّ عبادة
____________________
(١) غافر: ٦٠.
(٢) الجن: ١٨.
لها، لكن ما هي علاقة هذه الآيات بالدعاء والطلب من شخص مع عدم اعتقاد ربوبيته ؟ !
لكن يمكن أن يتصوّر أنّ الاستغاثة بالأولياء والصالحين جائز في زمان حياتهم فحسب، و أمّا بعد مماتهم فهو غير جائز، وشرك بالله العظيم.
وللجواب عن هذا التصور نقول:
١ - نحن إنما نستعين بأرواح الصالحين من عباد الله كنبيّنا و أئمّتنا صلوات الله عليهم أجمعين، الذين صرح القرآن الكريم بحياتهم، و أنّهم يعيشون في مقام أسمى من مقام الشهداء في عالم البرزخ، ولا نستعين بأبدانهم المودعة في لحود القبور، وإن كنا نستعين بهم عند قبورهم، فهو لأنّ هذه الحالة تقوّي حالة الارتباط بأرواحهم الطاهرة والتوجه إليها. مضافاً إلى أنّ مضاجعهم الطاهرة من مواضع استجابة الدعاء كما ورد في الروايات الشريفة.
٢ - لا يمكن جعل الحياة والممات معياراً للشرك والتوحيد، مع أنّ كلامنا هنا عن المعيار في ذلك، لا في مقام قبول هذه الأدعية والاستغاثات وعدمه. مع أننا بينّا هذه الجهة في محلّها أيضا.
السؤال الخامس عشر
ما هو البداء ولماذا تعتقدون به ؟
البداء لغة: هو الظهور والجلاء. وفي اصطلاح علماء الشيعة: تغيّر المسير الطبيعي لمصير الإنسان على أثر سلوكه وعمله الصالح.
والبداء من المسائل العقائديّة السامية في المذهب الشيعي، وهي مستوحاة من العقل والنقل. فالإنسان في الرؤية القرآنية ليس محدوداً ومقيداً بمصير معين، بل له الرجوع عن جادة الضلال وتغيير مصيره من الشقاء إلى السعادة، وستكون أعماله الصالحة سبباً لتغيير مصيره. ومن هنا يبين القرآن الكريم هذه الحقيقة كأصل ثابت وشامل، فيقول:
( إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .
وقال في موضع آخر:
( وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَ الاَرْضِ ) (٢) .
وقال في شأن النبيّ يونسعليهالسلام وتغيير مصيره:
( فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٣) .
____________________
(١) الرعد: ١١.
(٢) الأعراف: ٩٦.
(٣) الصافات: ١٤٣ و ١٤٤.
والذي يبدو من الآية الأخيرة هو أنّ مقتضى الحال كان يوجب بقاء يونس في هذا السجن إلى يوم القيامة، لكن عمله الصالح - وهو التسبيح - غيّر مصيره و أنجاه مما كان فيه.
كما أنّ الروايات الشريفة أيدت هذه الحقيقة، حيث يقول نبيناصلىاللهعليهوآله :
«إنّ الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يردّ القدرَ إلاّ الدعاء، ولا يزيد في العمر إلاّ البرّ»(١) .
فيستفاد من هذه الرواية و أمثالها أنّ الإنسان يحرم من الرزق بسسبب المعاصي، ولكنه بالعمل الصالح كالدعاء يمكنه تغيير المقدّر له، وبالإحسان يزيد في عمره.
النتيجة:
المستفاد من آي الذكر الحكيم و السنّة الشريفة أنّ الإنسان - وفقاً لنظام الأسباب والمسببات - قد يكون محكوماً بمصير مظلم نتيجة لسوء أعماله، بل قد يخبره أحد الأولياء أو الأنبياءعليهمالسلام بسوء منقلبه وعاقبته، ومعنى هذا الإخبار هو أنّ نتيجة هذا السلوك والتصرف إذا ما استمرّ هو هذه النتيجة المشؤومة. وأما إذا حصل تغيّر وتحوّل في سلوكه فإن مآله و مصيره سينقلب و يتغيّر.
فهذه الحقيقة النابعة من الوحي الإلهي والروايات الشريفة والعقل هي المسماة عند علماء الشيعة ب- «البداء».
____________________
(١) مسند احمد بن حنبل، ج ٥، ص ٢٧٧. المستدرك على الصحيحين، ج ١، ص ٤٩٣، وج ٣، ص ٤٨١.
الجدير بالذكر أنّ اصطلاح «البداء» ليس من التعابير المختصة بالشيعة، وإنما نجده في كتب أهل السنة أيضاً، بل نجد أساسه في أحاديث نبينا الكريمصلىاللهعليهوآله ، ونحن ننقل على سبيل المثال حديثاً واحداً استعمل فيه النبيّصلىاللهعليهوآله لفظ البداء، وهو:
وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى «بدا للّهِ عزّوجلّ أن يبتليهم»(١) .
نعم، البداء لا يعني حصول التغيير في ساحة العلم الإلهي الأقدس ; لإن الباري عزّوجلّ عالم بسلوك الناس وسيرتهم الطبيعية، وعالم بالعوامل المؤثرة في تغيير هذه المسيرة والحركة نحو اتجاه آخر التي هي السبب في حصول البداء، وهذا ما صرح به الذكر الحكيم بقوله:
( يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) (٢) .
فعلى هذا الأساس يكون معنى البداء لله سبحانه هو أن تظهر لنا الحقيقة المخفيّة علينا والمعلومة له سبحانه من الأزل. ولهذا يقول إمامنا الصادقعليهالسلام :
«ما بَدا لِلهِ في شيء إلاّ كان في عِلمِه قبلَ أن يَبدوَ لَهُ»(٣) .
فلسفة البداء:
لا شك ولا ريب أنّ الإنسان إذا علم أنّ بإمكانه تغيير مصيره فإنّه سيندفع نحو تحقيق مستقبل أفضل، وسيتحرك إلى ذلك بحافز أقوى وجدّية أكثر. وبعبارة اُخرى وبيان آخر: كما أنّ التوبة والشفاعة لهما الأثر في إيجاد النشاط والحيوية في الحياة والحيلولة دون اليأس والقنوط، فكذا البداء ; فإنّه باعث على الحيويّة والأمل في الحياة، ويبعث على الثقة بمستقبل زاهر ; لأنّه يعلم أنّ القضاء الإلهي فسح له المجال لتغيير مستقبله ومصيره ومآله نحو الأفضل.
____________________
(١) النهاية في غريب الحديث لابن الاثير، ج ١، ص ١٠٩.
(٢) الرعد: ٣٩.
(٣) الكافي، ج ١، ص ١٤٨، ح ٩.
السؤال السادس عشر
هل تعتقد الشيعة بتحريف القرآن ؟
المشهور بين علماء الشيعة هو أنّ القرآن الكريم مصون عن التحريف، وأنّه لم يتطرّق إليه التصحيف أصلاً، وأنّ القرآن الموجود بأيدينا اليوم هو عين القرآن النازل على نبيّناصلىاللهعليهوآله من دون زيادة ونقصان، ولأجل إيضاح ما قلناه نذكر بعض الأدلّة على ذلك:
١ - إنّ الباري سبحانه وتعالى ضمن لنا حفظ كتابه العزيز، حيث قال:
( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (١) .
وبما أنّ الشيعة يعتبرون القرآن منهجاً فكرياً وعملياً لهم فهم يعظمون هذه الآية ويؤمنون بما تنادي به من حفظ وصيانة الكتاب العزيز.
٢ - إن قائد الشيعة الأعظم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي كان مرافقاً للنبيصلىاللهعليهوآله دوماً، وكان من كتّاب الوحي، كان يوصي الناس - وفي مناسبات مختلفة - بالرجوع إلى القرآن، وإليك بعض كلماته النيّرة:
«واعلَموا أنّ هذا القرآنَ هو الناصِحُ الذي لا يَغِشُّ، والهادي الذي لا يَضِلُّ، والمُحدِّثُ الذي لا يَكذِبُ»(٢) .
وقال:
____________________
(١) الحجر: ٩.
(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١٧٦.
«وإنّ اللهَ سبحانَه لم يَعِظ أحَداً بمِثلِ هذا القُرآنِ، فإنّه حبلُ اللهِ المتينُ، وسَبَبُه الأمينُ»(١) .
وقال:
«ثمّ أنزلَ عليهِ الكِتابَ نوراً لا تُطفأُ مصابيحُه، وسِراجاً لا يَخبو تَوقُّدُه، وبَحراً لا يُدرَكُ قَعرُه، ومِنهاجاً لا يَضِلُّ نَهجُه، وشُعاعاً لا يُظلمُ ضَوؤُهُ، وفُرقاناً لا يَخمَدُ بُرهانُه»(٢) .
فكلام سيد الأوصياء يوضح أنّ القرآن مصباح هداية لمن استضاء به، لا يطفأ نوره إلى الأبد، فكلّ تغيّر يوجب إطفاء هذا النور، أو يسبّب الضلالة، فهو غير ممكن فيه.
٣- اتفق علماء الشيعة على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال:
«إنّي تاركٌ فيكُم الثَّقَلينِ ما إن تَمَسَّكتُم بهما لن تَضِلّوا ; كِتابَ اللهِ وعِترتي، وإنّهما لَن يَفتَرِقا حتَّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ»(٣) .
وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة بين المسلمين، فرواه السنّة والشيعة. ومنه يعلم بوضوح أنّ القرآن الكريم - في نظر الشيعة - لا يتسرّب إليه التحريف والتغيير، لأنّه إذا نفذ التحريف إلى الكتاب العزيز فلا يكون التمسّك به موجباً للهداية، وهذه النتيجة تخالف النص المتواتر.
٤- صرّحت روايات أئمتنا المعصومين والتي رواها علماؤنا وفقهاؤنا أنّ القرآن ميزان لتمييز الحقّ من الباطل، والصحيح من غيره، وهذا بمعنى أنّ الكلام الوارد علينا باسم الحديث يجب عرضه على القرآن ; فما وافقه فهو حقّ وصحيح، وما
____________________
(١) نهج البلاغة: الخطبة ١٧٦.
(٢) نهج البلاغة: الخطبة ١٧٦.
(٣) المعجم الصغير للطبراني، ج ١، ص ١٣٥.
خالفه فهو باطل. والروايات الواردة في هذا المجال كثيرة، مروية في كتب الحديث والفقه، نذكر منها رواية واحدة:
روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام :
«ما لم يُوافِق مِن الحديثِ القُرآنَ فهو زُخرُفٌ»(١) .
فيستفاد من هذه الرواية أيضاً أنّ التغيّر والتحريف لا مجال له في القرآن الكريم، ومن هنا فإنّ القرآن معيار لمعرفة الحقّ من الباطل إلى الأبد.
٥- صرّح كبار علماء الشيعة والذين لهم قدم السبق في الثقافة الشيعية بأن القرآن لا يعتريه التحريف والتغيير. وبما أنّه يعسر إحصاء أسماء هؤلاء الأجلاّء جميعاً، نذكر جملة منهم:
١- قال أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي، المعروف بالشيخ الصدوق (المتوفّى سنة ٣٨١ ه-): «اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس»(٢)
٢- وقال السيد المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي العلوي، المعروف بعلم الهدى (المتوفّى سنة ٤٣٦ ه-): «وإنّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، واُبي بن كعب، وغيرهما، ختموا القرآن على النبيصلىاللهعليهوآله عدّة ختمات، وكلّ ذلك يدل بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث»(٣) .
٣- وقال أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المعروف بالشيخ الطوسي (المتوفّى سنة ٤٦٠ ه-): «وأما الكلام في زيادته
____________________
(١) الكافي، ج ١، ص ٦٩، ح ٤.
(٢) الاعتقادات: ص ٩٣.
(٣) تفسير مجمع البيان، ج ١، ص ٤٣.
ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمعٌ على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضىرحمهالله ، وهو الظاهر من الروايات. غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها»(١) .
٤- وقال أبو علي الطبرسي صاحب التفسير المعروف «مجمع البيان»: «ومن ذلك: الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنه لا يليق بالتفسير; فأمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانه. وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه»(٢) .
٥- وقال عليّ بن طاووس الحلّي المعروف بالسيد ابن طاووس (المتوفّى سنة ٦٦٤ ه-): «في نظر الشيعة أنّ القرآن لا يتطرق إليه التحريف»(٣) .
٦- وقال زين الدين العاملي (المتوفّى سنة ٨٧٧ ه-) في تفسير الآية:( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (٤) : «يعني أنّنا نصون القرآن ونحافظ عليه من كلّ تغيير وتحريف»(٥) .
____________________
(١) التبيان للشيخ الطوسي، ج ١، ص ٣.
(٢) تفسير مجمع البيان، ج ١، ص ٤٢.
(٣) سعد السعود: ص ١٤٤.
(٤) الحجر: ٩.
(٥) اظهار الحق: ج ٢، ص ١٣٠.
٧- وقال القاضي السيد نور الدين التستري صاحب كتاب «إحقاق الحقّ» (المتوفّى سنة ١٠١٩ ه-): «ما نسبه البعض إلى الشيعة الإمامية من القول بتحريف القرآن، ليس هو قول الشيعة أجمع، وإنّما قال به قليل منهم، ولا يعتنى بهم»(١) .
٨- وقال محمد بن حسين المعروف ببهاء الدين العاملي (المتوفّى سنة ١٠٣٠ ه-): «الصحيح أنّ القرآن العظيم مصون عن كلّ زيادة ونقصان، وما يقال من أنّه "حذف اسم أمير المؤمنينعليهالسلام من القرآن" فهو غير مرضي عند العلماء، وكلّ من يسبر التاريخ والروايات يعلم أنّ القرآن - لتواتره ونقل آلاف الصحابة له - ثابت، وأنّه جمع على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(٢) .
٩- وقال الفيض الكاشاني صاحب كتاب الوافي (المتوفّى سنة ١٠٩١ ه-): «فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير، وأيضا قد استفاض عن النبيصلىاللهعليهوآله والأئمةعليهمالسلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله»(٣) .
١٠- وقال الشيخ الحرّ العاملي (المتوفّى سنة ١١٠٤ ه-): «كلّ من يسبر التاريخ والروايات يعلم أنّ القرآن - لتواتره ونقل آلاف
____________________
(١) الاء الرحمن، ص ٢٥.
(٢) الاء الرحمن، ص ٢٥.
(٣) التفسير الصافي، ج ١، ص ٥١.
الصحابة له - ثابت، وأنّه جمع ورتِّب على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(١) .
١١- وقال المحقق الجليل الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتابه المعروف (كشف الغطاء):«لا ريب في أنّه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان، كما دلّ عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر»(٢) .
١٢- وقال قائد الثورة الإسلامية الإمام الخمينيقدسسره : «إنّ الواقف على عناية المسلمين على جمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة، يقف علي بطلان تلك المزعمة، وأنّه لا ينبغي أن يركن إليه ذو مسكة. وما وردت فيه من الأخبار، بين ضعيف لا يُستدلّ به، إلى مجعول يلوح منها أمارات الجعل، إلى غريب يقضى منه العجب، إلى صحيح يدلّ على أن مضمونه تأويل الكتاب وتفسيره، إلى غير ذلك من الأقسام التي يحتاج بيان المراد منها إلى تأليف كتاب حافل، ولولا خوف الخروج عن طور الكتاب لأرخينا عنان البيان إلى بيان تأريخ القرآن، وما جرى عليه طيلة تلك القرون، وأوضحنا لك أن الكتاب هو عين ما بين الدفّتين. والاختلاف الناشئ بين القرّاء ليس إلاّ أمراً حديثاً، لا ربط له بما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين»(٣) .
____________________
(١) آلاء الرحمن، ص ٢٥.
(٢) كشف الغطاء، ج ٢، ص ٢٩٩.
(٣) تهذيب الأصول (تقرير بحث السيد الخميني)، ج ٢، ص ٩٦.
النتيجة:
بهذا يتضح أنّ جمهور المسلمين سنّة وشيعة يعتقدون أنّ القرآن الموجود بأيدينا هو القرآن النازل على النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأنّه مصون عن التغيير والتحريف سواء كان زيادة أو نقصاً.
كما يتضح بذلك وهن ما نسب إلى الشيعة من القول بالتحريف، وإن كانت النسبة إليهم بسبب وجود روايات ضعيفة في ذلك، فنقول إن وجود الروايات الضعيفة لا يختص بطائفة يسيرة من الشيعة بل روى جملة من المفسرين السنّة روايات في ذلك أيضاً، نشير إلى بعضها:
١- روى أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره عن أبي بكر الأنباري عن اُبي بن كعب:
«كانت هذه السورة تعدل سورة البقرة، وكانت فيها آية الرجم: (الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارجموهما ألبتَّةَ نَكالاً من اللهِ واللهُ عزيزٌ حكيمٌ)»(١) .
وروى فيه أيضاً عن عائشة أنها قالت:
«كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله مئتي آية، فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن»(٢) .
٢- وقال السيوطي في كتاب الإتقان:
____________________
(١) تفسير القرطبي، ج ١٤، ص ١١٣.
(٢) تفسير القرطبي، ج ١٤، ص ١١٣.
«وفي مصحف ابن مسعود مئة واثنتا عشرة سورة ; لأنه لم يكتب المعوّذتين. وفي مصحف اُبي مئة وست عشرة لأنّه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع»(١) .
مع أنّ الجميع يعلم أنّ عدد سور القرآن مئة وأربع عشر سورة، ولا نجد أثراً لسورتي الحفد والخلع.
٣- وروى هبة الله بن سلامة في كتاب «الناسخ والمنسوخ» عن أنس بن مالك أنّه قال:
«كنا نقرأ سورة تعدل سورة التوبة ما أحفظ منها إلاّ هذه الآية: (لو كان لابنِ آدمَ واديانِ من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولو أنّ له ثالثاً لابتغى إليه رابعاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب)(٢) .
والحال أنّنا لا نجد آية في المصحف بهذا النص أو المضمون، مع عدم انسجامها مع بلاغة القرآن.
٤ - وروى جلال الدين السيوطي في تفسيره «الدر المنثور» عن حذيفة قال:
«قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثنتين أو ثلاثاً وسبعين. قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم»(٣) .
وعليه فنفر قليل من السنة والشيعة روت روايات ضعيفة في وقوع التحريف والتغيير في القرآن الكريم، وهذه الروايات الضعيفة غير مقبولة عند أكثر المسلمين سنّة وشيعة، بل تردها آيات الكتاب العزيز، والروايات الصحيحة والمتواترة
____________________
(١) الإتقان في علوم القرآن، ج ١، ص ٦٧. الدر المنثور للسيوطي، ج ٦، ص ٤٢٠.
(٢) الناسخ والمنسوخ لابن حزم، ص ٩.
(٣) الدر المنثور، ج ٥، ص ١٨٠.
السؤال السابع عشر
ما هو رأي الشيعة في الصحابة ؟
ينقسم من تشرف بلقاء النبيّصلىاللهعليهوآله في نظر الشيعة إلى أقسام، ونرى من المناسب أولاً وقبل ذكر الأقسام أن نذكر تعريف الصحابي إجمالاً، فنقول:
توجد تعريفات عديدة لصحابة النبيّ، نشير إلى بعضها فيما يلي:
١- يقول سعيد بن المسيب:
«لا يعد الصحابي إلاّ من أقام مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين»(١) .
٢- وقال الواقدي:
«رأيت أهل العلم يقولون: كلّ من رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحب النبيّصلىاللهعليهوآله ولو ساعة من نهار»(٢) .
٣- وقال محمد بن إسماعيل البخاري:
«من صحب النبيصلىاللهعليهوآله أو رآه من المسلمين فهو صحابي»(٣) .
٤ - وقال أحمد بن حنبل:
____________________
(١) اُسد الغابة، ج ١، ص ١١ و ١٢، طبع مصر).
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
«كلّ من صحب النبيّصلىاللهعليهوآله شهراً أو ساعة أو رأى النبيّصلىاللهعليهوآله فهو صحابي»(١) .
وهنا نشير إلى أنّ أحد الاُمور المسلّمة بين علماء السنّة هو القول بعدالة الصحابة، بمعنى أنّ من أدرك صحبة النبيّصلىاللهعليهوآله فهو عادل(٢) .
ولنذكر الآن تحقيق هذا المقال تبعاً للوارد في الآيات الكريمة، ثمّ نعقّبه بذكر رأي الشيعة - النابع من مفاد الكتاب والسنة - في المسألة.
ذكر التأريخ أسماء وأوصاف أكثر من اثني عشر ألف شخصاً بعنوان «صحابة النبيّصلىاللهعليهوآله »، نجد فيما بينهم وجوهاً مختلفة. ولا شك أنّ صحبة الرسول الكريم فخر عظيم ما ناله إلاّ طائفة من المسلمين. والاُمة الإسلامية تنظر إليهم دوماً بعين الإجلال والتعظيم ; فهم السابقون للإسلام، وهم الذين هزّوا راية الإسلام المنصورة لأول مرة. بل إنّ القرآن الكريم مجّد بهم أيضاً فقال:
( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا ) (٣) .
لكن يجب القول أيضاً أنّ صحبة النبيّصلىاللهعليهوآله لم تكن إكسيراً يقلب ويغيّر حقائق المسلمين، بل ليست ضماناً للصحابي يضمن له الاستقامة مدى حياته.
ولإيضاح المسألة أكثر يجدر بنا الرجوع للقرآن الكريم والذي عليه اتفاق جميع المسلمين ; لننظر ما يرشدنا إليه في هذا المجال.
____________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الاستيعاب في أسماء الأصحاب، ج ١، ص ٢، اسد الغابة، ج ١، ص ٣ نقلاً عن ابن الأثير.
(٣) الحديد: ١٠.
الصحابي في الرؤية القرآنية:
ينقسم من تشرّف بلقاء وصحبة النبيّصلىاللهعليهوآله في النظرة القرآنية إلى قسمين:
القسم الأول:
هم الذين أطرتهم الآيات الخالدة للكتاب العزيز، ووصفتهم بمؤسسي كيان الإسلام الشامخ العزيز، ونحن ننقل إليك بعض المقاطع النورانية من آي الذكر الحكيم المتعلقة بهذا القسم:
١ - السابقون الأولون:
( وَ السّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الاَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْرِي تَحْتَهَا الاَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١) .
( لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (٢) .
٢ - المهاجرون:
( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانًا وَ يَنْصُرُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ) (٣) .
____________________
(١) التوبة: ١٠٠.
(٢) الفتح: ١٨.
(٣) الحشر: ٨.
٣- أصحاب الفتح:
( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (١) .
القسم الثاني:
القسم الثاني ممّن صحب النبيّصلىاللهعليهوآله هم المنافقون أصحاب الوجوه المتعددة، وأصحاب القلوب المريضة، وقد فضحهم الذكر الحكيم، وأبان حقيقتهم للنبيّ الكريم عليه وآله صلوات المصلّين، وإليك بعض الآيات المتعلقة بهذا القسم:
١- المنافقون المعروفون:
( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) (٢) .
٢- المنافقون المجهولون:
( وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الاَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذاب عَظِيم ) (٣) .
٣- أصحاب القلوب المريضة:
____________________
(١) الفتح: ٢٩.
(٢) المنافقون: ١.
(٣) التوبة: ١٠١.
( وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا ) (١) .
٤- المذنبون:
( وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحًا وَ آخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٢) .
مضافاً إلى الآيات المذكورة الذامّة لهؤلاء الصحابة، وردت بعض الروايات عن النبيّصلىاللهعليهوآله في ذمّ بعض الصحابة، وإليك نموذجان منها:
١- روى أبو حازم سهل بن سعد قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:
«أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردنّ عليّ الحوضَ أقوامٌ أعرفُهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم»
قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا اُحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقولُ ؟ قال: فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول:
إنّهم من اُمتي ! فيقالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقاً سُحقاً لمن بدّل بعدي»(٣) .
فيعرف من قولهصلىاللهعليهوآله «أقوامٌ أعرفُهم ويعرفونني»، ومن قوله: «سُحقاً لمن بدّل بعدي»، أنّ المراد من هؤلاء أصحابه الذين عاشوا معه مدة.
____________________
(١) الأحزاب: ١٢.
(٢) التوبة: ١٠٢.
(٣) جامع الاُصول لابن الأثير: ج ١١، ص ١٢٠، ح ٧٩٧٢. ورواه البخاري ومسلم.
٢- روى البخاري ومسلم عن النبيّ أنّه قال:
«يرد عليّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيجلون(١) عن الحوض، فأقول يا ربّ أصحابي ! فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى»(٢) .
النتيجة:
المستفاد من آيات الكتاب والسنّة الشريفة أنّ الذين نالوا شرف صحبة النبيّصلىاللهعليهوآله ليسوا بمرتبة واحدة، وإنما هم على مراتب متعددة، فبعضهم في أعلى درجات الكمال والرفعة، حتى كان السبب في نمو شجرة الإسلام اليانعة. وبعضهم مريض القلب، منافق، له وجهان. وبعضهم مذنب.
وبهذا يتضح نظر الشيعة في الصحابة، وهو عين النظرة القرآنية والنبوية لهم.
____________________
(١) في نسخة «فيحلؤون عنه».
(٢) صحيح البخاري، ج ٧، ص ٢٠٨.
السؤال الثامن عشر
ما المراد من نكاح المتعة ولماذا يحكم الشيعة بحلّيته ؟
الجواب:
حقيقة النكاح هي نوع علاقة وارتباط شرعيّ يحصل بين الرجل والمرأة، غاية الأمر أنّ هذه العلاقة بين الزوجين قد يكون لها أمد معين تنتهي إليه، وقد لا يكون لها أمد وزمان مشخص في العقد بل هي علاقة دائمية بين الزوجين. فكلا النحوين نكاح شرعي وإنما الفرق بينهما هو في المدّة فأحدهما دائم والآخر مؤقّت وله مدّة معيّنة، والنكاحان متشابهان في كثير من الخصوصيات.
وأما الشروط المعتبرة في نكاح المتعة فهي نظير الشروط المعتبرة في النكاح الدائم، وهي:
١- أن لا يمنع من زواجهما مانع شرعي، سببياً كان المانع، أو نسبياً، أو غيرهما، فإن منع مانعٌ كان عقدهما باطل.
٢- أن يذكر المهر المتفق عليه بين الزوجين في صيغة العقد.
٣- أن تعيّن مدة الزواج.
٤- إجراء صيغة العقد بين الزوجين.
٥- الطفل المولود من الزوجين بهذا النكاح طفلهما شرعاً، كالطفل المولود من النكاح الدائم، من دون أيّ فرق بينهما، فيجب أن يمنح جنسية كما يمنح المولود من النكاح الدائم.
٦- نفقة الأولاد المولودين بهذا النكاح على الأب، كالنكاح الدائم. ويرث الأولاد أبويهما.
٧- إذا انقضت مدة نكاح المتعة وجبت العدّة على الزوجة إن لم تكن يائساً، فإن تبيّن خلال العدّة أنها حامل فلا يحق لها التزويج حتى تنقضي العدة.
وهكذا يجب رعاية بقيّة أحكام النكاح الدائم في نكاح المتعة سوى أمرين هما ;
أ- بما أنّ الهدف من تشريع نكاح المتعة هو رفع الضرورة فلا يجب على الزوج النفقة على الزوجة، بل نفقة الزوجة من مالها.
ب - ليس للزوجة إرث في هذا الزواج إن لم تشترطه في متن العقد.
ومن الواضح أنّ كلا الأمرين خارجان عن حقيقة النكاح. والجميع يعتقد أنّ الشريعة الإسلاميّة شريعة خالدة، وهي خاتمة الشرائع الإلهيّة، وهي الشريعة المتكاملة التي تلبّي حوائج البشرية أجمع.
وهنا نقول: إنّ الشابّ الذي يعيش الغربة - سواء في مدينة اُخرى أو في بلد آخر - من أجل إكمال دراسته الجامعية مثلاً هو بحاجة إلى ما يسدّ غريزته الجنسية من جانب، والظروف التي يعيشها - من الناحية المادية وغيرها - لا تساعده على الزواج الدائم من جانب آخر، فهذا الشاب يرى أمامه ثلاث طرق لابدّ له من اختيار أحدها، هي:
أ- أن يبقى على هذه الحال والمعاناة من حالة العزوبة.
ب - أن ينجرف في أمواج الفساد والفحشاء.
ج- أن يتكيّف مع هذه الشرائط الحاكمة عليه فيلبّي حاجته ضمن الإطار الشرعي ; وذلك بالزواج بامرأة - ليس لها مانع شرعي من التزويج به - لمدّة معينة.
أما الطريق الأول فهو طريق فاشل غالباً ; وإن كان عدد قليل من الشباب ينجح في صبره ومقاومته وتحمّله، ولكن هذا الطريق لا يمكن تطبيقه على الجميع بلا ريب.
وأما الطريق الثاني فعاقبة سالكه هي الضلال المبين، وهو طريق محرّم ; فهو عمل حرام شرعاً كما لا يخفى. كما أنّ تجويزه بحجّة الضرورة نوعٌ من الضلال والانحراف الفكري أيضاً.
وعليه فلا يبقى سوى الطريق الثالث الذي أبداه واقترحه لنا الشرع الإسلامي المقدّس، والذي عمل به المسلمون في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله ، وإنّما وقع الخلاف فيه بعدهصلىاللهعليهوآله .
ولابدّ من التنبيه على أمر هو: إنّ الذين يتخوّفون من نكاح المتعة، ويعتقدون أنّه نكاح غير مشروع عليهم أن يلتفتوا إلى أن فقهاء المسلمين أجمع يرون صحّة نظيره في العقد الدائم وذلك إذا نوى الزوجان عند العقد إيقاع الطلاق بعد سنة مثلاً فإن هذا العقد وإن كان دائماً صورة لكنه مؤقت حقيقة ومع ذلك يراه الفقهاء صحيحاً. نعم الفرق بين هذا العقد الدائم والمؤقت هو أنّ هذا العقد ظاهره دائم وباطنه مؤقت، وعقد المتعة ظاهره وباطنه مؤقت.
فمن يرى صحة أمثال هذا العقد الدائم - والذي يحكم بصحته جميع فقهاء المسلمين - كيف يفسح لنفسه المجال للتخوّف من تجويز المتعة !
وبهذا اتّضحت حقيقة عقد المتعة، بقي الكلام في أدلّة مشروعيتها، ومن المناسب أن نطرح هذا البحث ضمن مرحلتين، هما:
١- مشروعية نكاح المتعة.
٢- عدم نسخ المتعة في زمان النبيّصلىاللهعليهوآله .
أما أدلّة مشروعيتها، فمن أوضح الأدلّة عليها قوله تعالى:
( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (١) .
ومن الواضح أنّ هذه الآية واردة في النكاح المؤقّت ; فإنها:
أولاً: ان الآية استعملت لفظ: «اسْتَمْتَعْتُمْ»، وهذا اللفظ ظاهر في نكاح المتعة، ولو اُريد العقد الدائم منه للزم نصب قرينة عليه، ولا قرينة في الآية.
ثانياً: ان الآية استعملت لفظ: «أُجُورَهُنَّ»، وهو قرينة واضحة على إرادة نكاح المتعة، لإنها لو أرادت العقد الدائم لعبّرت ب- «مهورهنّ» أو ب- «صداقهنّ» ونحو ذلك من التعابير الدالة على المهر.
ثالثاً: صرح المفسرون - سنة وشيعة - بأن الآية نزلت في نكاح المتعة. فنقل جلال الدين السيوطي في تفسيره المعروف «الدر المنثور» عن ابن جرير والسدّي أنّ الآية نزلت في نكاح المتعة.
كما روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن السدّي ومجاهد وابن عباس أنّ الآية في النكاح المؤقت.
____________________
(١) النساء: ٢٤.
رابعاً: هذا الأمر مما سلّم به أصحاب الصحاح والمسانيد وأصحاب الجوامع الحديثية، وعلى سبيل المثال ننقل إليك ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا:
«خرج علينا منادي رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد أذن لكم ان تستمتعوا، يعني متعة النساء»(١) .
والروايات المسندة والصحيحة لا يَسَعها المقام، وعليه فأصل تشريع المتعة في صدر الإسلام وفي عصر النبيّصلىاللهعليهوآله ثابت لدى العلماء والمفسرين(٢) .
بقي الكلام في أنّ آية المتعة هل هي منسوخة أم لا ؟ حيث أنك قلّما تجد من ينكر مشروعية المتعة في زمان النبيّصلىاللهعليهوآله إنما الكلام في نسخ الآية وعدمه.
الروايات الشريفة والتاريخ يثبت أنّ المتعة كانت معمولاً بها في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله وبعده إلى زمان خلافة الخليفة الثاني، وقد منعها الخليفة الثاني ونهى عنها لمصالح خاصة; فروى مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال:
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٣٠.
(٢) على نحو المثال نشير إلى بعض مصادرها:
(أ) مسند أحمد، ج ٤، ص ٤٣٦، و ج ٣ ص ٣٥٦. (ب) الموطأ لمالك، ج ٢، ص ٣٠. (ج) سنن البيهقي، ج ٧، ص ٣٠٦. (د) تفسير الطبري ج ٥، ص ٩. (ه-) النهاية لابن الأثير، ج ٢، ص ٢٤٩. (و) تفسير الرازي، ج ٣، ص ٢٠١. (ز) تاريخ ابن خلكان، ج ١، ص ٣٥٩. (ح) أحكام القرآن للجصاص، ج ٢، ص ١٧٨. (ط) المحاضرات للراغب، ج ٢، ص ٩٤. (الجامع الكبير للسيوطي، ج ٨، ص ٢٩٣. (ي) فتح الباري لابن حجر، ج ٩، ص ١٤١.
«كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: إنّ ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما»(١) .
وقال السيوطي في تفسيره «الدر المنثور»:
أخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم أنّه سئل عن هذه الآية أمنسوخة ؟ قال: لا. وقال عليّ: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ»(٢)
وروى القوشجي في شرح التجريد عن عمر أنّه قال على المنبر:
«أيّها الناس، ثلاث كنّ على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنا أنهى عنهنّ، واُحرّمهنّ، واُعاقب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل»(٣) .
وتنبغي الإشارة إلى أنّ الروايات الواردة في المقام أكثر مما يسَعها المقام.
كما ينبغي التنبيه على أنّ المتعة من أقسام النكاح، اذ ينقسم النكاح إلى دائم ومؤقت، والمرأة التي يُعقد عليها بعقد المتعة هي زوجة للإنسان، وكذا فإن الرجل يكون زوجاً لها، وعليه فالآيات الواردة في الزواج تكون شاملة له أيضاً، فإذا قال القرآن:
( وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (٤) .
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٤، ص ٥٩، وأيضاً: ص ١٣١. السنن الكبرى للبيهقي، ج ٧، ص ٢٠٦.
(٢) الدر المنثور للسيوطي، ج ٢، ص ١٤٠.
(٣) شرح التجريد للقوشجي، ص ٤٨٤.
(٤) المؤمنون: ٥ و ٦.
فالمرأة التي دخلت في زوجيّة الرجل بعقد مؤقت - ضمن الشرائط السالفة - داخلة في قوله تعالى:( إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ ) وليست خارجة عن نطاق الآية الشريفة، بمعنى أنّ هذه المرأة - التي دخلت في حبالة الرجل بعقد المتعة - زوجة لهذا الرجل ويشملها عنوان( أَزْواجِهِمْ ) الوارد في الآية.
واذا كانت الآيات المذكورة تجيز العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لطائفتين فحسب، هما: الزوجات والإماء، فالمرأة المتمتّع بها تكون داخلة في القسم الأول وهو الزوجات.
والعجب من قول البعض حيث قال: ان الآيات من سورة «المؤمنون» ناسخة لآية المتعة الواردة في سورة النساء، مع وضوح أنّ نزول إلآية الناسخة يجب أن يكون بعد نزول المنسوخة، مع أنّ المقام ليس كذلك ; فآية المتعة متأخرة نزولاً عن الآيات في سورة «المؤمنون»، فسورة «المؤمنون» مكّية (أي أنها نزلت على النبيّصلىاللهعليهوآله في مكة قبل هجرته للمدينة)، وسورة النساء مدنيّة (أي أنّها نزلت على النبيّصلىاللهعليهوآله في المدينة المنورة بعد هجرته إليها)، وآية المتعة وردت فيها. فكيف يمكن أن تكون الآية المكّية ناسخة لآية مدنية ؟!
والدليل الآخر على عدم نسخ آية المتعة هو الروايات الكثيرة المصرحة بعدم نسخها في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله ، نظير الرواية التي نقلناها عن السيوطي في تفسيره «الدر المنثور»(١) ، وتقدم توضيحها.
وفي ختام المطاف نشير إلى أنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام والذين هم الهداة للاُمة والقرين الذي لا ينفكّ للقرآن - بمقتضى حديث الثقلين - صرّحوا بعدم نسخ زواج المتعة(٢) .
____________________
(١) الدر المنثور، ج ٢، ص ١٤٠ و ١٤١، ذيل آية المتعة.
(٢) انظر: وسائل الشيعة، ج ١٤، ص ٤٣٦، كتاب النكاح، الباب الأول من أبواب المتعة.
ويمكن تأييد حلّية النكاح المؤقت مع رعاية شرائطه المذكورة بأنّ الشريعة الإسلامية المقدّسة قادرة على حلّ المشاكل والمعضلات التي تواجه المجتمعات البشرية في جميع العصور، فانّ أحد الأساليب لنجاة الشباب من الانجراف في سيول الانحراف والضلال هو النكاح المذكور بشرائطه السالفة.
السؤال التاسع عشر
لماذا يسجد الشيعة على التربة ؟
يعتقد طائفة من الناس أنّ السجود على التربة أو السجود على تربة الشهداء هو نوع عبادة للتربة وهو من الشرك بالله العظيم.
الجواب:
للإجابة على هذا السؤال لابدّ من التنبيه على وجود فرق واضح بين عبارتي «السجود لله» و «السجود على الأرض»، وأساس الشبهة في السؤال المذكور هو الخلط بين العبارتين وعدم الفرق بينهما.
من المتسالم عليه أنّ مفاد عبارة «السجود لله» هو أن يكون السجود لله، مع أنّ مفاد جملة «السجود على الأرض» أنّ السجود يكون على الأرض. وبعبارة اُخرى أننا في سجودنا على الأرض نسجد لله سبحانه وتعالى. وأساساً فإن سجود المسلمين أجمع لابدّ ان يقع على شيء ما، والحال أنّ سجودهم لله سبحانه، وجميع الحجاج يسجدون على أرض وأحجار المسجد الحرام مع أنّهم لا يريدون بسجودهم أحداً غير الله.
وبهذا البيان اتضح أنّ السجود على الأرض والنبات ليس عبادة لها، وإنما هو خضوع وعبادة لله بالخضوع له إلى حد السجود على التراب. كما اتضح أنّ السجود على التربة غير السجود للتربة. فمن جانب نجد القرآن يقول:
( وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الاَرْضِ ) (١) .
ومن جانب آخر يقول نبيناصلىاللهعليهوآله :
____________________
(١) الرعد: ١٥.
«جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(١) .
وعليه فالسجود لله لا ينافي السجود على الأرض أو على التربة، وإنما بينهما تمام الانسجام والملاءمة ; فالسجود على التراب والنبات رمز لشدة الخضوع والتذلل لله الواحد القهار.
ولأجل ايضاح ما تقول به الشيعة في المقام لا بأس بالإشارة إلى مقطع من كلام إمامنا ورئيس مذهبنا الصادق المصدّق جعفر بن محمدعليهالسلام :
قال هشام بن الحكم لأبي عبد اللهعليهالسلام : أخبرني عما يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز ! قال: السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما اُكل أو لُبس. فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك ؟ قال: لأن السجود خضوع لله عزّوجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل أو يلبس لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزّوجلّ فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها، والسجود على الأرض أفضل لأنه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزّوجلّ»(٢) .
فهذا الكلام النوراني واضح في أنّ علة السجود على التراب هو انسجامه مع شدة الخضوع لله سبحانه وتعالى.
____________________
(١) صحيح البخاري ج ١، ص ٩١ كتاب الصلاة.
(٢) من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٢٧٢، ح ٨٤٣. بحار الأنوار، ج ٨٥، ص ١٤٧ نقلاً عن علل الشرائع.
وهنا سؤال آخر يُطرح في المقام وهو: لماذا يرى الشيعة أنفسهم مقيّدون بالسجود على التراب والنباتات ولا يسجدون على كلّ شيء ؟
وفي الجواب عليه نقول:كما أنّ أصل العبادة يجب أن تصل إلينا من الشارع المقدس، فكذا كيفيتها وشرائطها لابدّ أن تصل إلينا منه ; من قول النبيّصلىاللهعليهوآله أو فعله أو تقريره ; فان النبيّ اُسوة للناس أجمع بصريح القرآن الكريم.
وإليك بعض المختارات من الأحاديث الإسلاميّة التي تبين سيرة النبيّصلىاللهعليهوآله ، والتي هي أجمع تبين أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان يسجد على التراب أو على ما أنبتت الأرض كالحصير، على النحو الذي يعتقد به الشيعة:
١- روى جملة من المحدثين في صحاحهم ومسانيدهم قول النبيّصلىاللهعليهوآله الذي يبين فيه للناس أنّ الأرض مسجد لهصلىاللهعليهوآله وذلك قوله:
«جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(١) .
فكلمة «جعلت» في الحديث للتشريع والتقنين، فتفيد أنها حكم إلهي للمسلمين، فيثبت به مشروعية السجود على التراب والأحجار والصخور ومطلق وجه الأرض.
٢- دلت مجموعة من الروايات على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان يأمر المسلمين بالسجود على التراب كما روت لنا اُم سلمة عنهصلىاللهعليهوآله : «ترِّب وجهك لله تعالى»(٢) .
____________________
(١) صحيح البخاري ج ١، ص ٩١ كتاب الصلاة. سنن البيهقي، ج ١، ص ٢١٢ باب التيمم بالصعيد الطيب.
(٢) كنز العمال، ج ٧، ص ٤٦٥، ح ١٩٨٠٩. مسند احمد بن حنبل، ج ٦، ص ٣٢٣.
فانّ صيغة «ترّب» تفيد أمرين ; أحدهما: أنّ الإنسان عند سجوده يجب عليه أن يضع جبهته على التراب. والثاني: أنّ هذا أمر يجب العمل به ; لأنّ صيغة «ترّب» فعل أمر من مادة التراب، وصيغة الأمر تدل على الوجوب.
٣ - فعل النبيّصلىاللهعليهوآله وسيرته دليل واضح للمسلمين، فروى وائل بن حجر:
«رأيت النبيّصلىاللهعليهوآله إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض»(١) .
وروى أنس بن مالك وابن عبّاس وبعض نساء النبيّصلىاللهعليهوآله كاُم سلمة وعائشة وعدد من المحدثين:
«كان النبيّصلىاللهعليهوآله يصلى على الخمرة(٢) »(٣) .
وروي عن الصحابي أبي سعيد الخدري:
«أنّه دخل على النبيّصلىاللهعليهوآله - قال: - فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه»(٤) .
٤- أقوال وأفعال الصحابة كاشف آخر عن سنة النبيّصلىاللهعليهوآله ، فيقول جابر بن عبد الله الأنصاري:
____________________
(١) أحكام القرآن للجصاص، ج ٣، ص ٢٠٩ (طبع بيروت)، باب السجود على الوجه.
(٢) الخُمْرَةُ: حصيرة أَو سَجَّادَةٌ صغيرة تنسج من سَعَفِ النخل و تُرَمَّلُ بالخيوط، و قيل: حصيرة أَصغر من المُصَلَّى، و قيل: الخُمْرَة الحصير الصغير الذي يسجد عليه. و في الحديث: «أَن النبيّصلىاللهعليهوآله كان يسجد على الخُمْرَةِ» ; وهو حصير صغير قدر ما يسجد عليه ينسج من السَّعَفِ (لسان العرب: ٤ / ٣٨٦ / خمر).
(٣) صحيح البخاري، ج ١، ص ١٠١، باب الصلاة على الخمرة. سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٣٢٨، ح ١٠٢٨، باب الصلاة على الخمرة. مسند احمد بن حنبل، ج ١، ص ٢٦٩، و ج ٣، ص ٥٢.
(٤) صحيح مسلم، ج ٢، ص ٦٢. مسند احمد بن حنبل، ج ٣، ص ٥٢.
«كنت أصلّي الظهر مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفى أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر»(١) .
قال البيهقي:
«ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصا في الكف ووضعها للسجود عليها وبالله التوفيق»(٢) .
وروى ابن سعد (المتوفى سنة ٢٠٩ ه- ق) في كتابه المعروف «الطبقات»:
«كان مسروق إذا خرج يخرج بلبنة يسجد عليها في السفينة»(٣) .
الجدير بالذكر أنّ مسروق بن الأجدع من التابعين ومن أصحاب ابن مسعود، وقد عده صاحب الطبقات من الطبقة الاُولى من أهل الكوفة، وفي عداد من روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليعليهالسلام وعبد الله بن مسعود.
فهذا الكلام يوضح لنا وهن وبطلان قول من يدعي أنّ السجود على التربة شرك وبدعة، حيث انه يثبت لنا أنّ المسلمين في العصر الأول كانوا يفعلون ذلك(٤) .
ويقول نافع:
«إنّ ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض»(٥) .
____________________
(١) سنن أبي داود، ج ١، ص ١٠٠. المستدرك على الصحيحين، ج ١، ص ١٩٥. السنن الكبرى للبيهقي ج ١، ص ٤٣٩.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ج ٢، ص ١٠٥.
(٣) الطبقات الكبرى، ج ٦، ص ٧٩.
(٤) ولمزيد الاطلاع على الشواهد التاريخية الاُخرى راجع كتاب «سيرتنا» تأليف العلاّمة الأمينيرحمهالله .
(٥) السنن الكبرى للبيهقي، ج ٢، ص ١٠٥.
كما يقول رزين مولى ابن عبّاس:
«كتب إلي علي بن عبد الله بن عباسرضياللهعنه أن إبعث اليّ بلوح من أحجار المروة أسجد عليه»(١) .
٥- روى المحدثون الإسلاميون روايات تدل على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن وضع طرف العمامة بين الجبهة والأرض عند السجود. يقول صالح بن حيوان السبائي:
«ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته، فحسر رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن جبهته»(٢) .
وروى عياض بن عبد الله القرشي:
«رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجلا يسجد على كور عمامته، فأومأ بيده: ارفع عمامتك، واومأ إلى جبهته»(٣) .
فهذه الروايات تدلّ بوضوح على أنّ السجود على الأرض كان أمراً مسلّماً بين المسلمين في عهد النبيّصلىاللهعليهوآله بحيث لو وضع أحد المسلمين طرف ثوبه أو عمامته على الأرض ليسجد عليه لنهاه النبيّصلىاللهعليهوآله .
٦- صرّح به أئمّتنا المعصومون الذين هم قرين القرآن على ما صرّح به حديث الثقلين، ومن جانب آخر فهم أهل بيت نبيّنا الكريمصلىاللهعليهوآله ، فعن إمامنا الصادق جعفر بن محمدعليهالسلام :
«السجود على الأرض فريضة وعلى الخمرة سنّة»(٤) .
____________________
(١) أخبار مكة للازرقي، ج ٣، ص ١٥١.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي، ج ٢، ص ١٠٥.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي، ج ٢، ص ١٠٥.
(٤) الكافي، ج ٣، ص ٣٣١، ح ٨. وسائل الشيعة، ج ٣، ص ٥٩٣، ح ٧، كتاب الصلاة، أبواب ما يسجد عليه.
وقالعليهالسلام أيضاً:
«السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما اُكل أو لُبس»(١) .
النتيجة:
تبيّن بوضوح من خلال عرضنا للأحاديث والأدلّة المختلفة أنّ السجود على الأرض وما أنبتت - إلاّ ما اُكل أو لبس - لا يختصّ بروايات أهل البيتعليهمالسلام ، بل هو ثابت في سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسيرة الصحابة والتابعين.
أضف إلى ذلك كلّه أنّ السجود على الأرض وما أنبتت - دون المأكول والملبوس - مما لا ريب ولا خلاف في جوازه، وأما غيره ففيه الخلاف والترديد، والاحتياط - الذي هو سبيل النجاة - يقتضي الاكتفاء بها وعدم السجود على غيرها كما هو واضح.
وفي الختام نشير إلى أنّ هذه مسألة فقهية، والخلاف فيها - كغيرها من الفروع - بين فقهاء الإسلام طبيعي، فلا ينبغي أن يكون مثاراً للتوتر بين المسلمين، فنحن نجد الخلاف في المسائل الفقهية الكثيرة بين الفرق الأربعة لأهل السنة أيضاً، فمثلاً يرى المالكية استحباب وضع الأنف عند السجود على ما
____________________
(١) من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٢٧٢، ح ٨٤٣. بحار الأنوار، ج ٨٥، ص ١٤٧ نقلاً عن علل الشرائع. وسائل الشيعة، ج ٣، ص ٥٩١، ح ١، كتاب الصلاة، أبواب ما يسجد عليه.
يسجد عليه، ويرى الحنابلة وجوب ذلك، بل جعلوا تركه موجبا لبطلان السجود(١) .
____________________
(١) انظر الفقه على المذاهب الأربعة، ج ١، ص ١٦١ (طبع مصر)، كتاب الصلاة، بحث السجود.
السؤال العشرون
لماذا يتبرّك الشيعة بأبواب وجدران المشاهد عند زيارتهم لها ؟
الجواب:
التبرك بآثار الأولياء ليس أمراً جديداً حصل اليوم عند فرقة إسلامية، بل له جذور قديمة في التاريخ ترجع إلى حياة نبيناصلىاللهعليهوآله وأصحابه الكرام، بل إلى الأنبياء السابقين أيضاً. وإليك أدلّة مشروعية التبرك بآثار أولياء الله في نظر الكتاب والسنة:
١- نقرأ في الذكر الحكيم في قصة يوسفعليهالسلام أنّه عندما عرّف نفسه الشريفة لاخوته واستغفر لهم قال لهم:
( اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) .
ثمّ يقول تعالى:
( فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ) (٢) .
فهذا الكلام القرآني الواضح صريح في أنّ نبي الله يعقوبعليهالسلام تبرّك بقميص ولده نبي الله يوسفعليهالسلام ، وأنّ القميص كان سببا لرجوع بصر يعقوبعليهالسلام . فهل يمكن القول بأن فعل هذين النبيين كان خارجاً عن اطار التوحيد ؟ !
____________________
(١) يوسف: ٩٣.
(٢) يوسف: ٩٦.
٢- لا شك ولا ريب أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان يطوف بالبيت الحرام، ويستلم الحجر، ويقبّله. فروى البخاري في صحيحه عن الزبير بن عربي قال سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال:
«رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يستلمه ويقبله»(١) .
فاذا كان لمس الحجر وتقبيله شرك لما فعله رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي يدعو الناس للتوحيد !
٣- نجد في مطاوي الروايات الكثيرة والتي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد أنّ الصحابة كانوا يتبركون بآثار النبيّصلىاللهعليهوآله ; من لباسه، وفضالة ماء وضوئه، وإنائه، و... فعند مراجعة هذه الأخبار لا يبقى مجال للشك في حسنه ومشروعيته.
وبما أنّ الكتاب لا يسع لنقل جميع هذه الروايات واستقصائها، ننقل إليك نماذج منها، هي:
أ- روى البخاري في صحيحه رواية طويلة في بيان بعض خصوصيات النبيّصلىاللهعليهوآله وأصحابه، جاء فيها:
«وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه»(٢) .
ب - روى مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبيّصلىاللهعليهوآله :
«إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يؤتى بالصبيان فيبرّك عليهم ويحنّكهم»(٣) .
____________________
(١) صحيح البخاري، ج ٢، ص ١٦٢.
(٢) صحيح البخاري، ج ٣، ص ١٨٠.
(٣) صحيح مسلم، ج ١، ص ١٦٤ و ج ٦، ص ١٧٦. الإصابة، ج ١، ص ٧، خطبة الكتاب.
ج - وروى الترمذي في سننه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت:
«دخل علَيَّ رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله فشربَ من في قربة معلّقة قائماً، فقمتُ إلى فيها فقطعتُه»(١) .
وقال محمد طاهر المكي:
«رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال شارح الحديث في كتاب رياض الصالحين: وقطع اُم ثابت لفم القربة لتحفظ موضعاً أصابه فم رسول اللهصلىاللهعليهوآله للتبرّك به والاستشفاء، فكان الصحابة يحاولون الشرب من الموضع الذي شرب منه رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(٢) .
د- روى مسلم في صحيحه عن انس بن مالك قال:
«كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا صلّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلاّ غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها»(٣) .
وبهذا اتّضحت أدلّة جواز التبرّك بآثار الصالحين والأولياء، وعُلم بذلك أنّ الذين يتّهمون الشيعة بالشرك - بسبب تبرّكهم بآثار الأولياء - لم يفهموا معنى التوحيد والشرك فهماً صحيحاً، فالمعنى الصحيح للشرك هو أن يُعتقد اُلوهية موجود وعبادته إلى جانب عبادة الله سبحانه وتعالى، أو نسبة الأفعال الإلهية لذلك الموجود بنحو يُنسب أصل الوجود أو أثره - بنحو الاستقلال عن الله سبحانه وتعالى - إلى هذا الموجود. مع أنّ الشيعة يعتقدون أنّ أولياء الله وآثارهم مخلوقون
____________________
(١) سنن الترمذي، ج ٣، ص ٢٠٤، ح ١٩٥٤.
(٢) تبرك الصحابة، الفصل الأول، ص ٢٩. شرح مسلم للنووي، ج ٣١، ص ١٩٤.
(٣) صحيح مسلم، ج ٧، ص ٧٩.
له سبحانه، فهم في أصل وجودهم وفي آثارهم محتاجون للباري سبحانه وتعالى ولا غنى لهم عنه.
وإنما يتبرّك الشيعة بآثار الأولياء احتراماً لهم ; باعتبارهم القدوة الصالحة، ولأجل إبراز محبتهم لهم. فإذا قبّل الشيعة ضريح رسول اللهصلىاللهعليهوآله أو ضريح أحد من أهل بيته عند زيارته، أو طافوا حوله وتمسّحوا به، فهو بسبب حبّهم للنبيّصلىاللهعليهوآله وأهل بيتهعليهمالسلام ، وهذا أمر عاطفي في وجود الإنسان، ولهذا يقول الشاعر:
أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى اُقبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شَغَفنَ قلبي ولكن حبُّ من سَكنَ الديارا
السؤال الحادي والعشرون
هل الدين مفصول عن السياسة في نظر الإسلام ؟
الجواب:
من المناسب واللائق ان نبيّن معنى السياسة أولاً وعلى ضوئها تتّضح الرابطة بين الدين والسياسة، وعليه فنقول: للسياسة هنا معنيان أو احتمالان، هما:
١- أن يكون المراد منها هو استعمال الحِيَل والخُدَع للوصول إلى الهدف، وبعبارة اُخرى: الغاية تبرر الوسيلة.
ومن الواضح جداً أنّ السياسة بهذا المعنى ليست سياسة واقعية، بل هي مجرد تمويه وتضليل وخداع الآخرين، وهي بهذا المعنى لا تنسجم مع الدين أصلاً.
٢- أن يكون المراد منها هو تدبير الاُمور والشؤون المختلفة في حياة المجتمع، وذلك باتّباع الاُصول الإسلامية الصحيحة على مختلف الأصعدة والمستويات.
والسياسة بهذا المعنى تعني إدارة المسلمين والاهتمام بشؤونهم المختلفة على ضوء القرآن والسنّة الشريفة، وهذه السياسة جزء لا ينفكّ عن الدين.
وإليك بعض أدلّة انسجام الدين مع السياسة، وضرورة إقامة حكومة إسلاميّة:
فمن أوضح الأدلّة على ما ذكرناه هو سيرة نبيّنا الكريمصلىاللهعليهوآله في أيام البعثة الشريفة، فإن المُراجع لحياته الميمونة وكلماته الوضّاءة يجد بوضوح أنّهصلىاللهعليهوآله كان - منذ أوائل البعثة - بصدد إنشاء وتأسيس حكومة إسلاميّة مقتدرة وقويّة تعتمد على أساس الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ولها القدرة على تنفيذ أهداف الإسلام العزيز.
ومن المناسب أن نذكر هنا بعض الشواهد التاريخيّة على عزم النبيّ على ذلك:
النبيّصلىاللهعليهوآله هو المؤسّس للحكومة الإسلاميّة
١- عندما جاء الأمر الإلهي بإعلان الدعوة للإسلام حاول النبيّصلىاللهعليهوآله بشتى الوسائل تأسيس نواة الهداية ومواجهة الباطل وحاول جمع المسلمين فيها، وفي هذا المجال التقى بالجماعات الوافدة من قريب وبعيد لزيارة وحج بيت الله الحرام ودعاهم للإسلام، فكان ممن التقى بهم في خلال ذلك جماعتين من أهل المدينة التقى بهم في منطقة يقال لها: «العقبة»، فاتفقوا وتعاهدوا على ان يدعوه إلى مدينتهم ويدافعوا عنه ويحموه(١) . وبهذا كانت أول نواة زرعها وأول خطوات خطاها رسول اللهصلىاللهعليهوآله لتأسيس حكومة إسلاميّة.
٢- أسّس رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد هجرته إلى المدينة المنورة جيشاً قوياً، ذلك الجيش الذي شارك أثناء فترة تبليغ الرسالة في اثنين وثمانين معركة فحاز على النصر في الكثير منها، وبذلك رفع المانع عن تشكيل الحكومة الإسلاميّة.
٣- بعد قيام الدولة الإسلاميّة في المدينة وتشييد أركانها واستقرارها، أخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ببعث السفراء والرسائل والكتب إلى ملوك ورؤساء الدول في عصره، وعقد مع كثير من رؤساء القبائل العهود والاتّفاقيّات الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة.
وقد ذكر لنا التاريخ خصوصيات رسائل النبيّصلىاللهعليهوآله إلى بعض الاُمراء، كرسالته إلى «كسرى» ملك الفرس، و«قيصر» ملك الروم
____________________
(١) انظر: السيرة النبوية لابن هشام، ج ١، ص ٤٣١ (طبعة مصر).
و«مقوقس» أمير مصر، و «النجاشي» أمير الحبشة. وقد جمع بعض المحققين هذه الرسائل في كتاب مستقلّ.
٤- لتقوية أركان الدولة والوصول إلى أهداف الاسلام الرفيعة عيّن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ممثّلين له واُمراء لكثير من القبائل والمدن، ونحن ننقل إليك مثالاً من ذلك:
عيّن النبيّصلىاللهعليهوآله رفاعة بن قيس سفيراً وممثلاً عنه في قبيلته، وكتب إلى قومه كتاباً فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فمن أقبل ففي حزب الله ورسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين»(١) .
فمع أخذ هذه الأفعال وأمثالها بنظر الاعتبار لا يبقى شك في أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله منذ أوائل البعثة كان بصدد تشكيل حكومة قوية كي ينشر تحت ظلّها الإسلام في أرجاء العالم وليدخل الإسلام في المجالات المختلفة من حياة البشر.
فأفعال النبيّصلىاللهعليهوآله المذكورة من تعيين الاُمراء والسفراء والممثلين، وعقد العهود والمواثيق مع القبائل، وتأسيس جيش قوي، وتحذير الملوك والاُمراء في الممالك المختلفة ومكاتبتهم، هل هي إلاّ السياسة بمعناها الثاني ; أعني تدبير اُمور المسلمين وإدارة المجتمع الإسلامي!!
كما أنّ سيرة الخلفاء الراشدين وخصوصاً أمير المؤمنينعليهالسلام - مع المسلمين سنّة وشيعة أيام خلافته - تشهد للتوفيق بين الدين والسياسة.
____________________
(١) المعجم الكبير للطبراني، ج ٥، ص ٥٢. مكاتيب الرسول، ج ٢، ص ٤٦٨.
مع أنّ علماء المسلمين من كلا الفريقين أقاموا الأدلّة من الكتاب والسنّة على لزوم إدارة اُمور المسلمين وحكومتهم، ونحن ننقل إليك بعض الأدلّة التي أقاموها على ذلك على سبيل المثال:
قال أبو الحسن الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانيّة»:
«الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة، في حراسة الدين، وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الاُمّة واجب بالإجماع»(١) .
وهذا العالم المسلم - الذي هو أحد علماء أهل السنة المشهورين - يتمسّك في مقام إثبات هذا المعنى بدليلين هما:
١- الدليل العقلي.
٢- الدليل النقلي.
ويقول في مقام بيان الدليل العقلي:
«ذهب قوم إلى أنّ وجوبها ثابت بالعقل، لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم عند التنازع والتخاصم، ولولا ذلك لكانوا فوضى مهملين، وهمجاً مضاعين»(٢) .
وذكر في مقام بيان الدليل العقلي:
«ولكن جاء الشارع بتفويض الأُمور إلى وليّه في الدين، قال الله عزّوجلّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي
____________________
(١) الأحكام السلطانيّة: الباب الأول ص ٥، (الطبعة الاولى / مصر).
(٢) المصدر السابق.
الاَمْرِ ) ففرض علينا طاعة اُولي الأمر فينا وهم الأئمة المتأمرون علينا»(١) .
وروى الشيخ الصدوق عن الفضل بن شاذان النيشابوري رواية طويلة منسوبة للإمام عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام جاء في بعض مقاطعها بيان أهمّيّة تشكيل الحكومة لإدارة شؤون المسلمين، وإليك بعض فقراتها:
«أنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس; لما لابدّ لهم من أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق لما يعلم أنه لابد لهم منه ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوّهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم»(٢) .
وذكر جميع الروايات الدالة على ذلك، وأقوال الفقهاء في المسألة، وتحليلها ليس من شأن هذا الكتاب ; فإنّه بحاجة إلى تفصيل لا يناسب وضع كتابنا هذا، بل هو بحاجة إلى كتاب آخر مفصّل.
كما أنّه يتبين من خلال المراجعة الدقيقة والشاملة لأبواب الفقه الإسلامي أنّ جملة كثيرة من القوانين والأحكام الشرعيّة لا يمكن تطبيقها في المجتمع إلاّ من خلال إقامة حكومة قويّة ; فالإسلام أمرنا بالجهاد، والدفاع، والوقوف بوجه الظالم، والدفاع عن المظلوم، وإقامة الحدود والتعزيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ضمن نطاق واسع -، وإجراء وتطبيق القوانين الماليّة والاقتصادية، والاهتمام بوحدة المجتمع الإسلامي، فهذه المذكورات لا يمكن تطبيقها والعمل بها من دون وجود حكومة قوية ; فالدفاع عن الإسلام والشريعة المقدّسة بحاجة إلى
____________________
(١) المصدر السابق.
(٢) علل الشرائع: الباب ١٨٢، ص ٢٥٣.
جيش عسكري مدرّب منظّم، ولا يمكن تشكيل هكذا جيش إلاّ من خلال حكومة قوية تعتمد على اُسس الإسلام ومبانيه الرصينة.
وكذا إقامة الحدود والتعزيرات من أجل الحفاظ على الفرائض والواجبات، والمنع عن المعاصي والمحرّمات، والانتصار للمظلوم من الظالم، وسائر ما ذكرناه يتوقّف على وجود حكومة قويّة ونظام منسجم يسود المجتمع، وإلاّ فإنّه يلزم الاختلال والهرج والمرج في المجتمع.
وعلى الرغم من عدم انحصار أدلّة إقامة الحكومة الإسلاميّة فيما ذكرناه، لكن تبيّن بوضوح من خلال ما ذكرناه من الأدلّة عدم انفصال الدين عن السياسة من جانب، وأنّ إقامة حكومة تعتمد الإسلام أساساً لها أمر ضروري لا مفرّ منه، وواجب شرعي على كلّ المسلمين في أنحاء العالم.
السؤال الثاني والعشرون
لماذا يقول الشيعة إنّ «الحسن» و «الحسين» أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
الجواب:
يتضح من خلال مراجعة الروايات وكتب التفسير والتأريخ أنّ نسبة الحسنينعليهماالسلام لجدّهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليس من منفردات الشيعة، بل هي مما يقول به أغلب المحقّقين الإسلاميين، بل يمكن القول بأنّها من موارد الاتّفاق بينهم.
والآن نستعرض لك بعض الأدلّة على المسألة من خلال القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وأقوال العلماء والمفسرين. وينبغي ان يعلم أنّ القرآن الكريم يعدّ مَن كان من صلب الإنسان أو من ذراريه أولاداً له، سواء كان ذكراً أو اُنثى. علماً أنّه توجد شواهد كثيرة من الكتاب والسنّة على ما نقول، وإليك بعضها:
١- عدّ القرآن الكريم نبيّ الله عيسىعليهالسلام من أولاد إبراهيم الخليلعليهالسلام مع أنّه ابن مريم العذراء، وهو ينتسب لإبراهيم من خلال اُمّه، وذلك في الآية التالية:
( وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَ نُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَ زَكَرِيّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ ) (١) .
حيث يرى العلماء أنّ الآية الشريفة دليل على أنّ الحسنينعليهماالسلام أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله . وإليك ما قاله جلال الدين السيوطي فروى في ذيل الآية الشريفة عن ابن أبي حاتم عن حرب بن أبي الأسود، قال:
«أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أنّ الحسن والحسين من ذريّة النبيصلىاللهعليهوآله ، تجده في كتاب الله ؟ ! وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده ! قال: ألست تقرأ سورة الأنعام( وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ ) حتى بلغ( وَ يَحْيى وَ عِيسى ) قال: بلى. قال: أليس عيسى من ذريّة إبراهيم وليس له أبٌ ؟ قال: صدقت»(٢) .
فالآية الشريفة وكلمات المفسرين تدلّ على أنّ تمام العلماء يقولون بأن الحسن والحسينعليهماالسلام أولاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذريته.
٢- ومن الآيات الدالّة بوضوح على صحة هذه النسبة هي آية المباهلة، وإليك نصّ الآية وكلام المفسرين في تفسير الآية:
( فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (٣) .
يقول المفسّرون إن الآية المذكورة - والمعروفة بآية المباهلة - هي في واقعة مباهلة النبيّصلىاللهعليهوآله مع عظماء نصارى نجران، فلمّا لم يذعنوا للحقّ
____________________
(١) الأنعام: ٨٤ و ٨٥.
(٢) الدر المنثور، ج ٣، ص ٢٨ (ذيل الآية).
(٣) آل عمران: ٦١.
نزلت الآية المذكورة تأمر النبيّ بمباهلتهم مع عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، فلما توجّه النبيّ وأهل بيته للمباهلة خاف نصارى نجران على أنفسهم من نزول العذاب والغضب الإلهي، فطلبوا من النبيّ ترك المباهلة والدعاء عليهم، فاستجاب النبيّ لهم وترك المباهلة، وانتهت القضيّة بعقد عهد وميثاق.
ولاتفاق المسلمين من كلا الفريقين على أنّ الذين خرجوا للمباهلة مع النبيّصلىاللهعليهوآله هم أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين، فمن الواضح أنّ المراد من( أَبْناءَنا ) هو الحسن والحسين، وبهذا يتّضح أنّ القرآن الكريم عدّ الحسنين أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
هذا وقد ذكر المفسّرون في تفسيرهم للآية المذكورة روايات كثيرة تدلّ على صحّة ما استفدناه وفهمناه من الآية وعلى سبيل المثال نذكر بعضها فيما يلي:
أ- قال السيوطي: «أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال قدم على النبيّصلىاللهعليهوآله ... قال جابر: أنفسنا وأنفسكم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليّ، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة»(١) .
فالمقصود من) أَنْفُسَنا (هو عليّ بن أبي طالب، والمراد من) أَبْناءَنا (هو الحسن والحسين، والمراد من( نِساءَنا ) هو فاطمة.
ب - قال فخر الدين الرازي بعد ايراده الرواية في تفسيره الكبير: «واعلم أنّ هذه الرواية كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث»(٢) .
____________________
(١) الدر المنثور، ج ٢، ص ٣٨.
(٢) مفاتيح الغيب، ج ٢، ص ٤٨٨ (طبع مصر سنة ١٣٠٨).
ثم قال:
«هذه الآية دالّة على أنّ الحسن والحسينعليهماالسلام كانا ابني رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعد أن يدعو أبناءه فدعا الحسن والحسين فوجب أن يكونا ابنيه»(١) .
ج - وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره أيضاً:
«وفيه ] يعني قوله: أَبْناءَنا [ دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء»(٢) .
٣- أقوال رسول اللهصلىاللهعليهوآله خير شاهد على أنّ الحسن والحسينعليهماالسلام ولداه، وإليك اُنموذجان من كلماته النورانيّة:
أ- قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الحسنينعليهماالسلام :
«عن ابن مسعود قال رأيت النبيّصلىاللهعليهوآله أخذ بيد الحسن والحسين ويقول: هذان ابناي فمن أحبّهما فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني»(٣) .
ب - قال النبيّصلىاللهعليهوآله في الحسن والحسينعليهماالسلام أيضاً:
«إنّ ابنيّ هذَين ريحانَتيَّ من الدنيا»(٤)
____________________
(١) المصدر السابق.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ج ٤، ص ١٠٤ (طبع بيروت).
(٣) تاريخ مدينة دمشق، ج ٤١، ص ١٥١.
(٤) تاريخ مدينة دمشق، ج ٣١، ص ٢٠٢.
السؤال الثالث والعشرون
لماذا تعتقد الشيعة أنّ الخلافة بالنصّ ؟
الجواب:
الدين الإسلامي الحنيف خاتم الأديان وهو دين خالد ولتمام البشرية، ومن الواضح أنّ المتولّي لقيادة الاُمّة الإسلاميّة في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله هو نفس النبيّ، وبعد رحيله إلى الملأ الأعلى يجب أن تلقى هذه المسؤوليّة الخطيرة في عهدة خير الناس وأفضل الاُمّة.
السؤال المطروح هو: هل مقام الخلافة وقيادة الاُمة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله بأمر إلهيٍّ وتصريح نبويٍّ، أم أنها بالانتخابات ؟ تعتقد الشيعة أنّه منصب إلهي يحتاج إلى نصّ وتعيين من الله سبحانه بواسطة نبيّه الكريمصلىاللهعليهوآله ، ويعتقد أهل السنّة أنّها بالانتخاب واختيار الاُمّة فرداً يقودها.
دلالة الشرائط الاجتماعيّة على أنّ الخلافة بالنصّ
ذكر علماء الشيعة في كتبهم الكلاميّة والعقائديّة أدلّة كثيرة على لزوم كون الخلافة بالنصّ، لكن الذي يناسب المقام بيانه هو تحليل الشرائط الحاكمة على عصر الرسالة، وبه يتضح صحة ما يعتقده الشيعة.
السياسة الداخليّة والخارجيّة للإسلام في ذلك العصر تقتضي وتفرض تعيين الخليفة بنصّ إلهي عن طريق الوحي إلى النبيّصلىاللهعليهوآله ; وذلك أنّ مثلث الخطر - وهو الخطر الناشئ من امبراطورية الروم، ومن مملكة الفرس، ومن المنافقين - كان محيطاً بالاُمّة الإسلاميّة ويهدّدها بالفشل والزوال.
كما أنّ مصلحة الاُمّة الإسلاميّة كانت تقتضي وتوجب ان يعيّن النبيّصلىاللهعليهوآله قائداً سياسيّاً للاُمّة ; كي تظهر الاُمّة متّحدة أمام الأعداء والأجانب، فلا يبقى مجال لنفوذ العدو للتسلّط على زمام الاُمور وإشاعة الخلافات الداخليّة والانشقاقات.
توضيح المطلب
الامبراطوريّة الروميّة - والتي هي أحد أضلاع مثلث الخطر المحدق بالمسلمين - تقع في شمال شبه الجزيرة العربيّة، وقد شغل خطرها تفكير النبيّصلىاللهعليهوآله طيلة أيامه إلى آخر لحظات حياته الشريفة.
كانت أول مواجهة بين المسلمين وبين الجيش الصليبي القادم من الروم في السنة الثامنة من الهجرة في فلسطين، وما انتهت المعركة إلاّ بشهادة ثلاث من قادة المسلمين ; هم: جعفر الطيار، و زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وبالتالي فشل المسلمين في تلك الحرب.
إنّ هزيمة المسلمين أمام جيش الكفر الصليبي أحدث جرأة عند الجيش الرومي، مما بعث الخوف في نفوس المسلمين من هجومه على بلادهم في أي لحظة. ومن هنا تحرّك النبيّصلىاللهعليهوآله بجيش ضخم باتجاه الشام في السنة التاسعة من الهجرة كي يقود المواجهة العسكرية المحتملة بنفسه، وبهذا السفر الشاقّ أعاد المسلمون حيثيتهم السابقة، وجددوا قدرتهم السياسيّة.
لكن النبيّصلىاللهعليهوآله لم يقتنع بهذا النصر النسبي، فأرسل جيشاً إلى الشام بقيادة «اُسامة» ليكون قريباً من الميدان فيما لو حصل شيء يحذر منه.
وأما الضلع الثاني لمثلث الخطر وهو مملكة إيران، فانّ الملك الإيراني آنذاك وهو «خسروبرويز» كان قد غضب على النبيّصلىاللهعليهوآله بسبب الرسالة التي
وجهها إليه النبيّ، بل لشدة غضبه مزّق الرسالة وأهان رسوله وطرده، وكتب إلى عامله على اليمن - والتي كانت مستعمرة للفرس مدة طويلة - بأن يقبض على النبيّ فان امتنع قتله.
وعلى الرغم من موت «خسروبرويز» في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله ، لكن استقلال اليمن لم يُمحَ من طموحات ملوك الفرس، فلم تكن تسمح لهم أنَفَتُهم وجَبروتهم بتحمّل وجود قدرة كقدرة النبيّصلىاللهعليهوآله إلى جانبهم.
وأما الضلع الثالث لمثلث الخطر وهو خطر المنافقين الموجودين بين المسلمين أنفسهم فهو الطابور الخامس الذي يعمل دوماً في بثّ الفتنة بين المسلمين، والإفساد، وأعمال الشغب، حتى أنّهم قصدوا اغتيال النبيّصلىاللهعليهوآله في طريقه من تبوك إلى المدينة، وكان جملة منهم يقولون في أنفسهم: إن الإسلام سينتهي بموت النبيّ، وبهذا يرتاح الجميع(١) .
فهل من المعقول أن يترك النبيّصلىاللهعليهوآله الاُمّة الإسلاميّة الناشئة من دون خليفة مع وجود هكذا أعداء أقوياء يتربّصون بالإسلام والمسلمين الدوائر !!
بملاحظة الظروف الاجتماعيّة الحاكمة على الاُمّة الإسلاميّة آنذاك كان تعيين الخليفة أمراً حتمياً على النبيّ لئلاّ يحدث الخلاف وتنشأ الفرقة بعده، وبهذا يؤسّس للاُمة ساتراً دفاعياً حصيناً كي يحفظ وحدتها، ويسد أبواب الفتن المحتملة بعد رحيلهصلىاللهعليهوآله بأن تقول كلّ فرقة وجماعة: «لابدّ ان يكون الأمير والخليفة منّا»، فهذا كله لا يتسنّى للنبيّصلىاللهعليهوآله إلاّ بتعيين الخليفة والقائد للاُمة بعده رسمياً.
____________________
(١) اقتباس من كتاب «فروغ ابديت» للاُستاذ الشيخ جعفر السبحاني.
فملاحظة ما ذكرناه من الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة الحاكمة على الاُمّة الإسلاميّة يؤيّد صحّة وقوام نظريّة أنّ الخلافة بالتعيين ونصّ النبيّصلىاللهعليهوآله .
النصوص النبويّة وما تدلّ عليه
بملاحظة تلك الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة الحاكمة على المجتمع الإسلامي، ورعاية لجهات اُخرى أيضاً حاول النبيّصلىاللهعليهوآله من أول أيام البعثة إلى آخر ساعات حياته الشريفة أن يلقي مفهوم الخلافة ويرسّخه في أذهان المسلمين، فصرّح بذلك في أوائل أيام البعثة عند إعلان نبوّته لأهله وعشيرته، وأعلن بها في آخر أيامه عند رجوعه من حجة الوداع في غدير خم، وبين هذين الموقفين في طيلة أيام حياته في المناسبات المختلفة، وقد ذكرنا - في جوابنا على السؤال الثاني - ثلاث نماذج من هذه الأحاديث المعتمدة والتي رواها علماء المسلمين ومحدّثوهم مع ذكر أسانيدها ومصادرها.
فبملاحظة الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة السائدة على المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام من جانب، وملاحظة النصوص النبوية المختلفة في تعيين ونصب القائد والخليفة لهصلىاللهعليهوآله ، يظهر بوضوح أنّ النصّ على الخليفة أمر لا مفرّ منه، وأنّ الخليفة منصوص عليه من النبيّصلىاللهعليهوآله .
السؤال الرابع والعشرون
هل القَسَم بغير الله شركٌ ؟
الجواب:
لابدّ من تفسير عنواني «التوحيد» و «الشرك» على ضوء الكتاب والسنّة الشريفة ; فإنّهما خير معيار لمعرفة الحق من الباطل والتوحيد من الشرك.
وعليه فمن الحريّ بنا أن نعرض كلّ الأفكار والأفعال على هذا المقياس القويم أعني مقياس الوحي وسيرة النبيّصلىاللهعليهوآله لنميز السليم القويم من المعيب والمعوج.
وإليك أدلّتنا الواضحة - من خلال الكتاب والسنّة - على جواز الحلف بغير الله:
١- أقسم الباري سبحانه وتعالى في آيات كثيرة بمخلوقات نظير: «حياة النبيّ» و «نفس الإنسان» و «القلم» الذي هو مظهر للكتابة و «الشمس» و «القمر» و «النجم» و «النهار» و «الليل» و «السماء» و «الأرض» و «الزمان» و «الجبال» و «البحار»، وإليك بعض هذه الآيات:
أ-( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (١) .
ب-( وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها * وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها * وَ النَّهارِ إِذا جَلاّها * وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها * وَ السَّماءِ وَ ما بَناها * وَ الاَرْضِ وَ ما طَحاها * وَ نَفْس وَ ما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها ) (٢) .
____________________
(١) الحجر: ٧٢.
(٢) الشمس: ١ - ٨.
ج –( وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ) (١) .
د –( ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ) (٢) .
ه-( وَ الْعَصْرِ * إِنَّ الاِنْسانَ لَفِي خُسْر ) (٣) .
و –( وَ الْفَجْرِ * وَ لَيال عَشْر ) (٤) .
ز –( وَ الطُّورِ * وَ كِتاب مَسْطُور * فِي رَقّ مَنْشُور * وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) (٥) .
كما نراه سبحانه أقسم بمخلوقات مختلفة في السور التالية: «النازعات» و «المرسلات» و «البروج» و «الطارق» و «البلد» و «التين» و «الضحى».
فلا شك ولا ريب أنّ القسم بغير الله لو كان شِركاً بالله سبحانه لما بادر القرآن الكريم - الذي هو رمز التوحيد الخالد - للقَسَم بشيء من المذكورات، وإذا كان القَسَم من خصائص الباري سبحانه لبيّنته الآيات الكريمة لئلاّ يقع الناس في الاشتباه.
٢- يرى جميع المسلمين أنّ النبيّ اُسوة لهم، ويرون سيرته في حياته ميزاناً قويماً لتقييم الأعمال صحيحها من فاسدها. مع أننا نجد علماء المسلمين ومحدّثيهم رووا في صحاحهم ومسانيدهم موارد كثيرة أقسم النبيّصلىاللهعليهوآله بغير الباري سبحانه وتعالى.
فروى أحمد بن حنبل - رئيس المذهب الحنبلي - في مسنده:
____________________
(١) النجم: ١.
(٢) القلم: ١.
(٣) العصر: ١ و ٢.
(٤) الفجر: ١ و ٢.
(٥) الطور: ١ - ٦.
«إنّ بشيراً سأل النبيّصلىاللهعليهوآله أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحداً فقال النبيّصلىاللهعليهوآله لا تصم يوم الجمعة إلاّ في أيام هو أحدها أو في شهر وأما أن لا تكلم أحداً فلعمري لأن تكلّم بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت»(١) .
وروى مسلم في صحيحه:
«جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً فقال: أما وأبيك لتنبأنّه أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء...»(٢) .
فالذين يتّهمون جمعاً كثيراً من المسلمين بالشرك بسبب اعتقادهم جواز القَسَم بغير الله كيف يوجّهون أمثال هذه الروايات ؟ !
٣- نحن نجد أنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله والمقرّبين إليه - مضافاً إلى ما نجده في كتاب الله وسيرة رسوله - كانوا يحلفون بغير الله سبحانه، فهذا وصيّه وصهره عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يُقسم في مواطن كثيرة بنفسه الشريفة وذلك في قوله:
«ولعمري ليضعفن لكم التيه من بعدي أضعافا»(٣) .
وقوله:
«ولعمري لئن لم تنزع عن غيّك وشقاقك لتعرفنّهم عن قليل يطلبونك»(٤) .
____________________
(١) مسند احمد: ج ٥، ص ٢٢٥. المعجم الكبير للطبراني: ج ٢، ص ٤٤. السنن الكبرى للبيهقي: ج ١٠، ص ٧٦
(٢) صحيح مسلم، ج ٣، ص ٩٣. صحيح البخاري، ج ٢، ص ١١٥.
(٣) نهج البلاغة، الخطبة ١٦٦.
(٤) نهج البلاغة، الكتاب ٩.
ومن الواضح أنّه لا مجال للاجتهاد والاستحسان مع كثرة النصوص الواردة، ولا يوجد دليل يمكن أن يخطّئ الكتاب العزيز وسيرة نبيّنا الكريم وأصحابه المقرّبين كأمير المؤمنين ويسقطها عن الحجّيّة ويتهمها بالشرك.
النتيجة:
يتبيّن من الأدلّة المذكورة بوضوح أنّ القَسَم بغير الله سبحانه جائز شرعاً في نظر الكتاب العزيز وسنّة النبيّصلىاللهعليهوآله وسيرة المؤمنين، بل هو من الاُصول المسلّمة عندهم، وأنّه لا ينافي التوحيد أصلاً.
وعلى هذا الأساس إذا ورد في شيء من الروايات ما ينافي بظاهره جواز القَسَم بغير الله فلابدّ من الإعراض عن ظاهره وتوجيهه وتأويله بما يوافق صريح الكتاب والسنّة الثابتة.
وإليك فيما يلي نصّ رواية مبهمة، والجواب عنها:
روى البخاري عن ابن عمر:
«أنّه ادرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه، فناداهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ألا إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله، وإلاّ فليصمت»(١) .
فهذه الرواية لا يمكنها أن تقوم مقابل الكتاب العزيز والسنّة الشريفة، ومع ذلك فإنّ وجه الجمع بينها وبين الأدلّة المذكورة سابقاً هو أنّ آباء عمر لم يكونوا موحّدين، بل كانوا من عبَدة الأوثان، وعابد الوثن لا يستحقّ أن يقسَم به، فنهي الرواية عن القسَم بالآباء لعدم أهليّتهم لذلك.
____________________
وللاطّلاع على نماذج ومصاديق اُخرى راجع الخُطب: ١٦٨ و ١٨٢ و ١٨٧ والكتب: ٦ و ٥٤.
(١) صحيح البخاري، ج ٧، ص ٩٨. صحيح مسلم، ج ٥، ص ٨١. سنن أبي داود، ج ٢، ص ٩١. السنن الكبرى، ج ١٠، ص ٢٨.
السؤال الخامس والعشرون
هل التوسّل بأولياء الله شركٌ وبدعة ؟
الجواب:
التوسّل: هو جعل شيء ذا قيمة وسيلةً بين العبد وبين ربّه لأجل الوصول إلى القرب الإلهيّ. يقول ابن منظور في لسان العرب في بيان معنى الكلمة:
«توَسَّل إِليه بكذا: تقرَّب إِليه بحُرْمَةِ آصِرة تُعْطفه عليه»(١) .
ويقول تعالى في محكم كتابه:
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٢) .
وعرّف الجوهري في كتابه «صحاح اللغة» الوسيلة بقوله:
«الوَسِيلةُ ما يُتَقَرَّبُ به إِلى الغَيْر».
وعليه فقد يكون ما نتوسّل به ونجعله وسيلة بيننا وبينه جلّ وعلا عملاً ذا قيمة وعبادةً خالصةً لله سبحانه والتي تعدّ وسيلة قوية تقربنا إلى الله عزّوجلّ، وقد يكون ما نتوسّل به إنساناً وجيهاً عند الباري وذا مقام جليل وله منزلة عند الحقّ تعالى.
____________________
(١) لسان العرب: ج ١١، ص ٧٢٤.
(٢) المائدة: ٣٥.
أقسام التوسّل
يمكن تقسيم التوسّل إلى ثلاثة أقسام هي:
١- التوسّل إلى الله بالأعمال الصالحة، فروى السيوطي في ذيل الآية الشريفة:( وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) الرواية التالية عن قتادة:
«تقرّبوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه»(١) .
٢- التوسّل إلى الله بدعاء عباده الصالحين، كما قال تعالى حكاية لقول إخوة النبي يوسفعليهالسلام حيث قال:
( قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ * قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٢) .
فالآية الكريمة صريحة وواضحة في أنّ أولاد النبي يعقوب توسّلوا بدعاء واستغفار أبيهم، واعتقدوا أنّه سبب للعفو عنهم وغفران ذنوبهم، مع أنّ نبيّ الله يعقوبعليهالسلام لم يعترض عليهم في ذلك، بل إنّه وعدهم بالاستغفار، واستغفر لهم فعلاً.
٣- التوسّل بالشخصيّات الوجيهة عند الله والتي لها مقام سام ومنزلة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى للحصول والوصول إلى القرب الإلهي. وهذا النوع من التوسّل كان موجوداً في صدر الإسلام، وعليه سيرة الصحابة وامضائهم.
وإليك فيما يلي أدلّة المسألة على ضوء الأحاديث وسيرة صحابة النبيّصلىاللهعليهوآله وأجلاّء المسلمين:
١- روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عثمان بن حنيف:
____________________
(١) الدر المنثور، ج ٢، ص ٢٨٠.
(٢) يوسف: ٩٧ و ٩٨.
«أن رجلاً ضرير البصر أتى النبيّصلىاللهعليهوآله فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرت ذاك فهو خير. فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلّي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللّهمّ إني أسألك وأتوجّه اليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي توجّهتُ بك إلى ربّي في حاجتي هذه لتقضى(١) لي، اللّهم شفّعه فيَّ»(٢) .
وقد اتّفق المحدّثون على هذه الرواية حتى أنّ الحاكم النيسابوري قال في مستدركه على الصحيحين بعد نقل الحديث بسندين:
«هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرّجاه، وإنّما قدّمت حديث عون بن عمارة لأنّ من رسمنا أن نقدّم العالي من الأسانيد»(٣) .
وقال ابن ماجة بعد ذكر الحديث:
«قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح»(٤) .
كما أيّد الترمذي صحة الحديث بعد نقله(٥) .
وقال محمد نسيب الرفاعي في كتابه «التوصّل إلى حقيقة التوسّل»:
____________________
(١) في المصدر: «فتقضى» والصحيح ما أثبتناه طبقاً لما في سنن ابن ماجة.
(٢) مسند أحمد بن حنبل، ج ٤، ص ١٣٨. سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٤٤١.
(٣) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، ج ١، ص ٥٢٦ و ٥٢٧ وفي ذيل أولهما تتمّة هي: «فدعا بهذا الدعاء، فقام وقد أبصر» وفي ذيل الثاني: «قال عثمان: فوالله ما تفرّقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنّه لم يكن به ضرّ قط».
(٤) سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٤٤٢.
(٥) انظر: ج ٥، ص ٢٢٩.
«لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور، وقد ثبت فيه بلا شكّ ولا ريب ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله له»(١) .
فيظهر من هذه الرواية بوضوح أنّ التوسّل بالنبيّصلىاللهعليهوآله لأجل نيل الحوائج جائز شرعاً، بل إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمر الأعمى بالدعاء بهذه الكيفيّة، وبأن يجعل النبيّ شفيعاً بينه وبين الباري تعالى، وهذا هو معنى التوسّل بأولياء الله والمقربين لديه.
٢- روى البخاري في صحيحه عن أنس:
«أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّناصلىاللهعليهوآله فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا. قال: فيُسقَون»(٢) .
٢- كان التوسّل بأولياء الله أمراً رائجاً ومتعارفاً إلى حدّ كبير بحيث أنّ المسلمين في صدر الإسلام ضمنوا أشعارهم التوسّل بالنبيّصلىاللهعليهوآله بل عرّفوه فيها بكونه الواسطة بين الخلق وبين الباري سبحانه.
فأنشد سواد بن قارب النبيَّ قصيدة جاء في بعض أبياتها:
وأشهد أنّ الله لا ربّ غيره وانّك مأمون على كلّ غائب
وأنّك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يابن الأكرمين الأطائب(٣)
فعندما سمعه النبيّصلىاللهعليهوآله لم يستنكر عليه ما قاله ولم يتّهمه بالشرك.
كما أشار الشافعي إلى هذا الأمر في أبيات له هي:
____________________
(١) التوصّل إلى حقيقة التوسّل: ص ١٥٨ (طبع بيروت).
(٢) صحيح البخاري، ج ٢، ص ١٦.
(٣) المعجم الكبير للطبراني، ج ٧، ص ٩٤. المستدرك على الصحيحين، ج ٣، ص ٦١٠.
آل النبيّ ذريعتي وهم إليه وسيلتي أرجو بهم اُعطى غداً بيدي اليمين صحيفتي(١)
والروايات الواردة في جواز التوسّل بأولياء الله كثيرة، لكن على ضوء ما ذكرناه منها يتضح جوازه، بل حسنه ومطلوبيّته في منظار السنّة الشريفة وسيرة الصحابة وكبار علماء المسلمين، فلا نجد حاجة لإطالة الكلام فيه أكثر.
وبهذا البيان اتّضح وهن قول من يدعي أنّ التوسّل بأولياء الله وأحبّائه شرك وبدعة.
____________________
(١) الصواعق المحرقة، ص ١٧٨. ينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي، ج ٢، ص ٤٦٨.
السؤال السادس والعشرون
هل إحياء ذكرى ولادة أولياء الله شركٌ وبدعة ؟
الجواب:
إحياء ذكرى أولياء الله المخلصين وعباده المقرّبين نظير إقامة حفلات البهجة والسرور بمناسبة ذكريات ولاداتهم، وإن كانت مسألة واضحة عند العلماء والحكماء، لكنّا نذكر فيما يلي أدلّة جوازها ; رفعاً للشبهة عن الأذهان.
١- إبراز المحبّة لهم
حثّ القرآن الكريم المسلمين على حبّ النبيّصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام بقوله عزّ من قائل:
( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (١) .
ولا شكّ ولا ريب أنّ إحياء ذكريات أهل البيتعليهمالسلام مظهر من مظاهر إبراز المحبّة لهم، وهذا الأمر مرضيّ ومقبول في النظرة القرآنيّة.
٢- تعظيم رسول اللهصلىاللهعليهوآله
عدّ القرآن الكريم نصرة النبيّصلىاللهعليهوآله وتعظيمه ميزاناً ومعياراً للسعادة والفوز، وذلك في قوله تعالى:
( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٢) .
____________________
(١) الشورى: ٢٣.
(٢) الأعراف: ١٥٧.
فيستفاد من الآية المذكورة بوضوح أنّ تعظيم النبيّصلىاللهعليهوآله أمر مطلوب وحسن في النظرة الإسلاميّة، فإقامة الاحتفالات التي تحيي ذكر النبيّ في القلوب وتعظّمه مما يرضي الربّ تبارك وتعالى، فإن الآية ذكرت أربع صفات للفائزين هي:
أ- الإيمان به، في قوله:( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ).
ب - اتّباع النور الذي معه، في قوله:( وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) .
ج - نصرته، في قوله:( وَ نَصَرُوهُ ) .
د - تعظيمه وتبجيله، في قوله:( وَ عَزَّرُوهُ ) .
وعليه فاحترام النبيّ وتعظيمه وتبجيله - مضافاً إلى الإيمان به ونصرته واتّباعه - أمر ضروري، والاحتفال بذكرى النبيّصلىاللهعليهوآله امتثال لقوله تعالى:( وَ عَزَّرُوهُ ) .
٣- إحياء ذكرى النبيّ اتّباع وتأسٍّ بالله تعالى
قال تعالى في محكم كتابه الكريم معظِّماً للنبيّصلىاللهعليهوآله :
( وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) (١) .
فعلى ضوء هذه الآية يريد سبحانه وتعالى أن يرفع ويُعظّم ذكر النبيّصلىاللهعليهوآله في أرجاء العالم، بل إنّ الله سبحانه يعظّم نبيّه خلال آيات عديدة من القرآن الكريم.
فنحن تبعاً للكتاب العزيز نعظّم نبيّنا ونبجّله من خلال الاحتفالات والمناسبات المختلفة، والتي نبيّن فيها فضله، ومقامه السامي، وبهذا نتأسّى ونتّبع ما جاء عن ربّنا تبارك وتعالى.
____________________
(١) الشرح: ٤.
ومن الواضح أنّ هدف المسلمين من إحياء ذكرى النبيّصلىاللهعليهوآله في الاحتفالات والمناسبات المختلفة ليس إلاّ رفع ذكره وإعلاء شأنهصلىاللهعليهوآله .
٤- نزول الوحي ليس بأقلّ من نزول المائدة من السماء
قال تعالى في محكم كتابه حكاية عن لسان نبيّه عيسىعليهالسلام :
( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لاَِوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ) (١) .
فطلب عيسىعليهالسلام من الله سبحانه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأمر عيسى قومه أن يتخذوا يوم نزولها يوم عيد.
والآن نطرح السؤال التالي: إذا كان نبيّ مكرّم يتّخذ يوم نزول المائدة - والتي فيها لذّة النفس - يوم عيد، فإذا اتّخذ المسلمون يوم ولادة النبيّصلىاللهعليهوآله - وهو منجي البشريّة أجمع وسبب حياتهم الحقيقيّة - أو يوم مبعثه يوم عيد، فهل هو شرك وبدعة ؟ !
٥- سيرة المسلمين
يقيم المسلمون منذ قديم الأيام احتفالات بمناسبة ولادة النبيّصلىاللهعليهوآله لأجل إحياء ذكراه وتعظيمه.
يقول حسين بن محمد الديار بكري في كتابه «تاريخ الخميس»:
«لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور
____________________
(١) المائدة: ١١٤.
ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عظيم»(١) .
وبهذا البيان اتّضح جواز وحسن إقامة الاحتفالات لإحياء ذكرى أولياء الله من خلال القرآن الكريم وسيرة المسلمين من القديم. وبه يتّضح وهن من يزعم أنّ الاحتفال بذكرى أولياء الله بدعة ; فإنّ البدعة ما حكم بجوازه مطلقاً أو في ظرف معين مع عدم وجود دليل على جوازه من الكتاب والسنّة، مع أنّ حكم المسألة مستفاد من الكتاب ومن سيرة المسلمين المستمرّة من القديم إلى يومنا هذا.
مع أنّ إقامة هذه الاحتفالات والشعائر إنّما هو لإبراز الاحترام لأولياء الله، مع الاعتقاد بأنهم عبيد محتاجون لله.
وعلى هذا فما يفعله الشيعة من الاحتفالات وإحياء ذكرى أولياء الله لا ينافي التوحيد بل هو منسجم معه تماماً.
وبه يتّضح بطلان ووهن زعم من يزعم أنّ الاحتفال بذكرى أولياء الله بدعة وشرك.
____________________
(١) تاريخ الخميس، ج ١ ص ٢٢٣ (طبع بيروت).
السؤال السابع والعشرون
لماذا يصلّي الشيعة الصلوات الخمس في ثلاثة أوقات ؟
الجواب:
قبل الدخول في البحث لا بأس بذكر آراء الفقهاء في المسألة، فنقول:
١- اتفق الفقهاء من جميع الفرق الإسلاميّة على جواز أداء صلاتي الظهر والعصر في وقت واحد ومن دون فاصل في عرفات، كما اتفقوا على جواز الجمع بين العشاءين في المزدلفة والاتيان بهما في وقت العشاء.
٢- يقول أتباع المذهب الحنفي أنّ الجمع بين الظهرين والعشاءين مخصوص بالموردين المذكورين ولا يجوز في غيرهما.
٣- يقول أتباع المذهب المالكي والشافعي بجواز الجمع بين الظهرين والعشاءين في السفر فضلاً عن الموردين المذكورين. كما يقول بعضهم بجواز الجمع في حالات الاضطرار ; كالمرض والخوف من العدوّ ونزول المطر.(١)
٤- يقول الشيعة أنّ لكل من الصلوات المذكورة وقتاً خاصاً ووقتاً مشتركاً:
أ - يبدأ الوقت المختصّ بالظهر من الزوال إلى مضي زمان يكفي لأداء صلاة الظهر، ففي هذا الوقت لا يجوز الاتيان إلاّ بصلاة الظهر.
ب - يبدأ الوقت المختصّ بصلاة العصر قبل آخر الوقت بمقدار يكفي لأداء صلاة العصر، ففي هذا الوقت لا يجوز الاتيان إلاّ بصلاة العصر.
____________________
(١) اقتباس من كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة»، كتاب الصلاة، الجمع بين الصلاتين تقديماً وتأخيراً.
ج - الوقت المشترك بين صلاتي الظهر والعصر هو الزمان الواقع بين الوقت المختصّ بصلاة الظهر والوقت المختصّ بصلاة العصر.
فالذي تقول به الشيعة هو جواز الاتيان بصلاتي الظهر والعصر في الوقت المشترك من دون فاصل بينهما، ويقول أهل السنّة أنّ الوقت المختصّ بالظهر هو من حين الزوال إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء بحجمه ومقداره، فلا يجوز الاتيان بصلاة العصر فيه. وما بعده إلى الغروب هو الزمان المختصّ بصلاة العصر، ولا يجوز الاتيان بصلاة الظهر فيه.
د - يبدأ الوقت المختصّ بصلاة المغرب من حين الغروب الشرعي إلى مضي زمان يكفي لأداء ثلاث ركعات، فلا يجوز في هذا الوقت الاتيان إلاّ بصلاة المغرب.
ه- - يبدأ الوقت المختصّ بصلاة العشاء قبل منتصف الليل (آخر وقت العشاء) بمقدار يكفي لأداء الصلاة، ففي هذا الوقت لا يجوز الاتيان إلاّ بصلاة العشاء.
و- الوقت المشترك بين صلاتي المغرب والعشاء هو الزمان الواقع بين الوقتين المختصّين بهما.
والذي تقول به الشيعة هو جواز الاتيان بصلاتي المغرب والعشاء في الوقت المشترك من دون فاصل بينهما، ويقول أهل السنّة أنّ الوقت المختصّ بالمغرب هو من حين الغروب إلى أن يزول الشفق الأحمر من جهة المغرب، فلا يجوز الاتيان بصلاة العشاء فيه. وما بعده إلى منتصف الليل زمان مختصّ بصلاة العشاء، ولا يجوز الاتيان بصلاة المغرب فيه.
زبدة المخاض: بناء على ما يتبنّاه الشيعة يمكن الاتيان بصلاة الظهر عند حصول الزوال الشرعي (وقت صلاة الظهر)، ويمكن الاتيان بعدها مباشرة بصلاة العصر. كما يمكن الاتيان بصلاة الظهر قبل دخول الوقت المختصّ بصلاة العصر بشرط أن يكون قبلها بزمان كاف لأداء الظهر، ثمّ الاتيان بعدها مباشرة بصلاة العصر، وبهذا الشكل يتم الجمع بين صلاتي الظهر والعصر.
نعم من المستحبّ الاتيان بصلاة الظهر عند أول الزوال، والاتيان بصلاة العصر بعد مضيّ فترة من الزوال بحيث يصير ظلّ كلّ شيء بحجمه.
وكذا الكلام في صلاتي المغرب والعشاء ; حيث يمكن الاتيان بصلاة المغرب عند الغروب الشرعي للشمس (وقت صلاة المغرب)، ويمكن الاتيان بعدها مباشرة بصلاة العشاء. كما يمكن الاتيان بصلاة المغرب قبل دخول الوقت المختصّ بصلاة العشاء بشرط أن يكون قبلها بزمان يكفي لأداء المغرب، ثمّ الاتيان بعدها مباشرة بصلاة العشاء، وبهذا الشكل يتم الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء. وإن كان المستحبّ هو الاتيان بصلاة المغرب في أول وقتها (عند الغروب الشرعي)، والاتيان بصلاة العشاء عند ذهاب وزوال الحمرة من جهة المغرب.
وأما أهل السنّة فيقولون: لا يجوز الجمع بين الظهرين والعشاءين - بالنحو الذي ذكرناه - في جميع الأماكن والأوقات.
وعلى هذا فنقطة الخلاف ومحلّ البحث هو الجمع بين الصلاتين مطلقاً (في جميع الأحوال والأوقات والأماكن) بحيث تؤدّى كلا الصلاتين في وقت إحداهما، نظير الجمع بينهما في عرفات والمزدلفة.
٥- اتّفق جميع المسلمين على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جمع بين صلاتيه، ولكن وقع الخلاف في تفسير الرواية على قولين:
أ- يقول الشيعة انّ المراد منها هو أنّ الجمع بين الصلاتين جائز في جميع الأحوال والأوقات، ولا يختصّ بزمان دون آخر، ولا بحال دون حال، بل يمكن الاتيان بصلاة العصر في أول الوقت وبعد أداء الظهر، والاتيان بصلاة العشاء في أول الوقت وبعد أداء صلاة المغرب.
ب - يقول أهل السنّة إنّ المراد من الجمع فيها هو الاتيان بصلاة الظهر في آخر الوقت، وبالعصر في أول الوقت، والاتيان بصلاة المغرب في آخر الوقت، وبالعشاء في أول الوقت، وبه يحصل الجمع بين الصلاتين.
ولإيضاح المسألة بنحو تامّ نتعرّض للروايات الواردة في المسألة ونبيّن دلالتها ; ليتّضح الحال، وبه يتبين أنّ المقصود منها هو ما ذكره الشيعة من جواز الجمع بين الصلاتين في جميع الأحوال، لا ما ذكره أهل السنّة من أنّ المراد هو الاتيان بالظهر آخر الوقت والعصر في أوله، أو المغرب في آخر الوقت والعشاء في أوله. والروايات هي:
١- روى زعيم المذهب الحنبلي أحمد بن حنبل في مسنده عن عمرو قال:«أخبرني جابر بن زيد أنه سمع ابن عباس يقول: صليت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. قال: قلت له: يا أبا الشعثاء أظنه آخر الظهر وعجّل العصر، وآخر المغرب وعجّل العشاء ! قال: وأنا أظنّ ذلك»(١) .
____________________
(١) مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ٢٢١.
فهذه الرواية تدلّ بوضوح على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان يجمع بين الظهرين، والمعبّر عنه في الرواية ب- «ثمان»، وبين العشاءين، والمعبّر عنه في الرواية ب- «سبع»، فكان يصلّيها من دون فاصل بينها.
٢- كما روى أحمد بن حنبل في مسنده أيضاً عن عبد الله بن شقيق قال:
«خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وعلق الناس ينادونه الصلاة، وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة، الصلاة، قال: فغضب، قال: أتعلّمني بالسنّة ! شهدت رسول اللهصلىاللهعليهوآله جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله: فوجدت في نفسي من ذلك شيئاً، فلقيت أبا هريرة، فسألته فوافقه».(١)
ففي هذه الرواية أذعن بهذه الحقيقة اثنان من الصحابة هما: «ابن عبّاس» و «أبو هريرة»، وقالا إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وقد تأسّى ابن عبّاس بسيرة النبيّصلىاللهعليهوآله .
٣- روى زعيم المذهب المالكي الإمام مالك بن أنس في الموطأ عن عبد الله بن عباس، أنه قال:
«صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر».(٢)
٤- وروى مالك أيضاً عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره:
____________________
(١) مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ٢٥١.
(٢) كتاب الموطأ، ج ١، ص ١٤٤، ح ٤.
«أنّهم خرجوا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله عام تبوك، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء».(١) ٥- وروى مالك أيضاً عن نافع، أن عبد الله بن عمر، قال:
«كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا عجل به السير، يجمع بين المغرب والعشاء».(٢)
٦- كما روى أيضاً عن أبي هريرة:
«أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يجمع بين الظهر والعصر، في سفره إلى تبوك».(٣)
٧- وروى أيضاً عن نافع:
«أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الاُمراء بين المغرب والعشاء في المطر، جمع معهم».(٤)
٨- كما كتب مالك نقلاً عن علي بن الحسين أنه كان يقول:
«كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر، وإذا أراد أن يسير ليله جمع المغرب والعشاء».(٥)
٩- وروى الزرقاني في شرحه على الموطأ عن أبي الشعثاء:
«ان ابن عباس صلّى في البصرة الظهر والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء»(٦)
____________________
(١) كتاب الموطأ، ج ١، ص ١٤٣، ح ٢.
(٢) كتاب الموطأ، ج ١، ص ١٤٤، ح ٣.
(٣) كتاب الموطأ، ج ١، ص ١٤٣، ح ١.
(٤) كتاب الموطأ، ج ١، ص ١٤٥، ح ٥.
(٥) كتاب الموطأ، ج ١، ص ١٤٥.
(٦) شرح الزرقاني على الموطأ: ج ١، ص ٢٩٤، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر.
١٠- وروى الزرقاني في شرحه على الموطأ أيضاً نقلاً عن الطبراني عن ابن مسعود:
«جمع النبيّصلىاللهعليهوآله بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت هذا لئلاّ تحرج اُمتي»(١) .
١١- وروى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال:
«صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر»(٢) .
قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك ؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج احداً من اُمّته.(٣)
١٢- وروى مسلم في صحيحه أيضاً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
«جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر».(٤)
قال ] سعيد بن جبير [ : قلت لابن عباس: لم فعل ذلك ؟ قال: كي لا يحرج اُمّته.(٥)
١٣- عقد البخاري باباً تحت عنوان «باب تأخير الظهر إلى العصر»(٦) ، وهذا العنوان خير دليل على جواز تأخير الظهر إلى وقت العصر، والاتيان بها
____________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٩٤.
(٢) صحيح مسلم، ج ٢، ص ١٥١.
(٣) المصدر السابق، ذيل الحديث.
(٤) صحيح مسلم، ج ٢، ص ١٥٢.
(٥) المصدر السابق، ذيل الحديث.
(٦) انظر صحيح البخاري ج ١، ص ١١٠، كتاب الصلاة.
وبصلاة العصر في وقت واحد، وروى في هذا الباب الرواية التالية عن جابر بن زيد عن ابن عباس:
«ان النبيّصلىاللهعليهوآله صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء»(١) .
فهذه الرواية تدلّ بوضوح على أنّه يجوز تأخير الظهر إلى وقت العصر والاتيان بهما معاً، بل سياق الرواية يدلّ على أنّه يجوز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ; تبعاً لفعل النبيّصلىاللهعليهوآله .
١٤- ولهذا قال البخاري في موضع آخر:
«وقال ابن عمر وابو ايوب وابن عباس: صلّى النبيّصلىاللهعليهوآله المغرب والعشاء»(٢) .
١٥- وروى مسلم في صحيحه:
«قال رجل لابن عباس: الصلاة. فسكت، ثمّ قال: الصلاة. فسكت. ثم قال: الصلاة. فسكت. ثمّ قال: لا اُمّ لك، أتعلّمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله !»(٣)
١٦- وروى مسلم في صحيحه أيضاً عن ابن عبّاس:
«ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عبّاس: ما حمله على ذلك ؟ قال: أراد أن لا يحرج اُمّته»(٤) .
____________________
(١) صحيح البخاري، ج ١، ص ١٣٧.
(٢) صحيح البخاري، ج ١، ص ١٤١.
(٣) صحيح مسلم، ج ٢، ص ١٥٣.
(٤) صحيح مسلم، ج ٢، ص ١٥١.
١٧- كما روى أيضاً عن أبي الطفيل عامر عن معاذ قال:
«خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في غزوة تبوك، فكان يصلّي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً»(١) .
١٨- وروى مالك في الموطأ عن ابن شهاب:
«أنه سأل سالم بن عبد الله: هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر ؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة ؟»(٢) .
ومما ينبغي ذكره أنّ المسلمين جميعاً يرون جواز الجمع بين الظهرين في عرفات والاتيان بهما في وقت الظهر من دون فصل بينهما، وهنا يقول: سالم بن عبد الله: كما يجمع بين الظهر والعصر في عرفة يجمع بينهما في غير عرفة أيضاً.
١٩- وروى المتقي الهندي في كنز العمال عن عمرو بن شعيب قال:
قال عبد الله: جمع لنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال رجل لابن عمر: لِمَ ترى النبيّصلىاللهعليهوآله فعل ذلك ؟ قال: لأن لا يحرج اُمّته إن جمع رجل».(٣)
٢٠- وروى المتقي الهندي في كنز العمال عن جابر:
«أن النبيّصلىاللهعليهوآله جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين»(٤) .
٢١- وروى المتقي الهندي في كنز العمال عن جابر أيضاً:
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٢، ص ١٥٢.
(٢) كتاب الموطأ، ج ١، ص ١٤٥.
(٣) كنز العمال، ج ٨، ص ٢٤٦، ح ٢٢٧٦٤.
(٤) كنز العمال، ج ٨، ص ٢٤٧، ح ٢٢٧٧١.
«أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله غربت له الشمس بمكة فجمع بينهما بسرف».(١)
٢٢- في كنز العمال عن صالح مولى التؤمة أنه سمع ابن عباس يقول:
«جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير سفر ولا مطر. قال: قلت لابن عباس: لِم تراه فعل ذلك ؟ قال: أراد التوسعة على اُمّته»(٢) .
النتيجة:
ولنبيّن على ضوء الروايات المذكورة وجه الجمع بينها بأدلة واضحة والذي سيسفر عن صحّة ما قاله الشيعة في المسألة:
١- الجمع بين الصلاتين للتسهيل على الاُمّة والحيلولة دون وقوعها في الحرج:
دلّت مجموعة من الروايات المذكورة على هذه الحقيقة وأنّه إذا لم يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فإنّه يوجب الوقوع في الحرج والأذى، ولهذا فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أجاز الجمع بين الصلاتين في وقت واحد لأجل التوسعة على المسلمين والتسهيل عليهم في أعمالهم، ويدلّ على ما ذكرناه الأحاديث (١٠ و ١٦ و ١٩ و ٢٢) من الأحاديث السالفة.
ومن الواضح أنّه إذا كان المقصود من الروايات المذكورة هو أنّه يمكن تأخير الظهر إلى فترة بحيث يصير ظلّ كلّ شيء مثله - والذي هو أول وقت العصر عند أهل السنّة - والاتيان بصلاة العصر في أول وقتها بحيث يجمع بين الصلاتين من جانب، وتؤدى كلّ صلاة في وقتها، فهذا ليس من عدم التسهيل فحسب، بل
____________________
(١) كنز العمال، ج ٨، ص ٢٤٧، ح ٢٢٧٦٩.
(٢) كنز العمال، ج ٨، ص ٢٤٨، ح ٢٢٧٧٧.
فيه نوع مشقّة أكثر كما هو واضح، مع أنّ الهدف الرئيسي من الجمع في الروايات المذكورة هو التسهيل على الاُمّة.
وبهذا البيان اتّضح أنّ المقصود من الروايات الماضية هو إمكان الاتيان بالصلاتين والجمع بينهما في سائر الوقت المشترك بينهما نظير أول الوقت وآخره، وليس المقصود هو أن يؤتى بالاُولى في آخر وقتها وبالثانية في أول وقتها.
٢- الجمع بين الصلاتين يوم عرفة لبيان كيفيّة الجمع:
اتّفق جمع المسلمين على جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر يوم عرفة(١) . ومن جانب آخر دلّت بعض الروايات - التي تقدم ذكرها - على جواز ذلك أيضاً، وأنّ الجمع بين الصلاتين في غير عرفة نظير الجمع بينهما يوم عرفة، فمن هذه الجهة لا فرق بين يوم عرفة وغيره ولا بين أرض عرفات وغيرها، انظر في ذلك الحديث الثامن عشر.
وعليه فيمكن الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت الظهر من غير عرفة نظير الجمع بينهما في يوم عرفة المتفق عليه بين المسلمين.
٣- طريقة الجمع بين الصلاتين تبيّن كيفيّة الجمع:
نجد أنّ فقهاء الحنابلة والمالكيّة والشافعيّة يفتون بجواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وفي قبال ذلك نجد أنّ الروايات الشريفة تدلّ بصراحة على عدم الفرق بين السفر والحضر في جواز الجمع بين الصلاتين، وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جمع بين الصلاتين في السفر وفي الحضر، راجع في ذلك الروايات (٣ و ١١ و ١٩ و ٢٢).
____________________
(١) الفقه على المذاهب الأربعة، كتاب الصلاة، الجمع بين الصلاتين تقديماً وتأخيراً.
وعلى هذا الأساس فكما يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر يجوز في الحضر أيضاً، وفقاً لما ذكره الشيعة.
٤- كيفيّة الجمع بين الصلاتين في حال الاضطرار تبيّن كيفيّة الجمع في حال الاختيار:
دلت الروايات الصحيحة الكثيرة على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله وأصحابه كانوا يجمعون بين الصلاتين - بالنحو الذي يقول به الشيعة - في المواطن المختلفة ; نظير حال المرض وعند نزول المطر وعند خوف العدوّ، ولهذا أفتى الكثير من الفقهاء بجواز الجمع بين الصلاتين في حالات الاضطرار، مع أنّ الروايات لم تميّز بين حال الاضطرار وغيرها، بل إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله جمع بين صلاتيه في غير الحالات المذكورة أيضاً، راجع في ذلك الروايات (٣ و ١١ و ٢٣).
٥- سيرة الصحابة تبيّن كيفيّة الجمع:
نجد في الروايات المذكورة آنفاً أنّ كثيراً من الصحابة كانوا يجمعون بين الصلاتين في وقت واحد، كما فعل ابن عبّاس حيث أخّر صلاة المغرب حتى اظلمّت السماء وتشابكت النجوم، وكلما نادوه «الصلاة»، «الصلاة»، لم يعتنِ بما قالوا، فلما مضى شطر من الليل صلّى المغرب والعشاء في وقت واحد، فلما اعترضوا عليه، أجابهم بقوله:
«أتعلّمني بالسنّة ! شهدت رسول اللهصلىاللهعليهوآله جمع بين الظهر والعصر ،والمغرب والعشاء».
وأيّد أبو هريرة كلام ابن عبّاس. راجع في ذلك الروايات (٢ و ٧ و ٩ و ١٥).
وعلى ضوء الروايات المذكورة لا يبقى شك أو ترديد في أنّ ما فعله ابن عبّاس من الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما هو نفس ما عليه الشيعة.
٦- سيرة النبيّصلىاللهعليهوآله تبيّن كيفيّة الجمع:
يدلّ الحديث الحادي والعشرون على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان في مكّة فلم يصلّ المغرب بل أخّرها إلى «سرف» التي تبعد عن مكة حوالي تسعة أميال فصلى المغرب والعشاء في وقت واحد، مع أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله إذا كان في مكّة عند الغروب وسار منها إلى سرف فبملاحظة وسائط النقل البطيئة آنذاك والمسافة التي تفصلها عن مكة، لا يمكن أنّ يصل إليها إلاّ بعد مضي شطر من الليل، ولهذا فإن النبيّصلىاللهعليهوآله صلّى المغرب والعشاء في وقت العشاء.
فتبيّن من مجموع الروايات التي ذكرناها والتي نقلناها جميعاً من صحاح ومسانيد أهل السنّة صحّة ما يقوله ويفتي به الشيعة من جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت واحد، وصلاتي المغرب والعشاء في وقت واحد.
كما اتّضح من الروايات المذكورة بضميمة ما ذكرناه من التوضيحات لها أنّ الجمع بين الصلاتين شامل لجميع الأماكن والأوقات والأحوال.
السؤال الثامن والعشرون
ما هي مصادر الفقه الشيعي ؟
الجواب:
تستنبط الشيعة أحكامها الشرعيّة - تبعاً لكتاب الله وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآله - مما يلي:
١- القرآن الكريم.
٢- السنّة الشريفة.
٣- الإجماع.
٤- العقل.
ويعدّ القرآن الكريم والسنّة الشريفة أهمّ مصدرين للفقه الشيعي، ولهذا سنتكلّم عنهما باختصار فيما يلي:
القرآن الكريم
يعتبر أبناء مدرسة الفقه الشيعي كتاب الله العزيز أهمّ مصدر لأحكامهم الفقهيّة التي يستنبطونها، والميزان الذي تعرف به أحكام الباري عزّوجلّ، فانّ أئمتهم وقادتهم قالوا: إنّ القرآن أرفع وأفضل مصدر لمعرفة أحكام الله عزّوجلّ، ولهذا يجب عرض كلّ نظرية على القرآن فما وافقه قُبِل، وما خالفه طُرِح وتُرك.
يقول الإمام السادس للشيعة جعفر بن محمدعليهالسلام في هذا المضمار:
«كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف».(١)
____________________
(١) الكافي، ج ١، ص ٦٩، ح ٣.
وروى عن جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال:
«خطب النبيّصلىاللهعليهوآله بمنى فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلتُه، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقُله».(١)
فمن خلال هذين الحديثين الشريفين يتضح أنّ منزلة القرآن الكريم عند أئمتنا في مجال استنباط الأحكام الشرعيّة هي أرفع منزلة.
السنّة الشريفة
السنّة - وهي أقوال وأفعال وإمضاءات النبيّصلىاللهعليهوآله - العين الثانية التي ينهل منها الفقه الشيعي أحكامه الشرعيّة. والأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام يروون لنا سنّة جدّهم وخزانة علومهصلىاللهعليهوآله . نعم إن وصلت إلينا سنّة النبيّصلىاللهعليهوآله بطريق معتبر غير طريق أهل البيتعليهمالسلام فإنّه يجب الأخذ به - عند الشيعة - أيضاً.
ومن اللائق أن نبحث الموضوع من جانبين:
أدلّة التمسّك بسنّة النبيّصلىاللهعليهوآله
أوصى أئمّة أهل البيتعليهمالسلام أتباعهم وأشياعهم باتّباع سنّة النبيّصلىاللهعليهوآله إلى جانب وصاياهم لهم بالقرآن، وقد مدحوا القرآن والسنّة إذا كانا متقارنين، فمن ذلك قول الإمام الصادقعليهالسلام :
«إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به»(٢) .
____________________
(١) الكافي، ج ١، ص ٦٩، ح ٥.
(٢) الكافي، ج ١، ص ٦٩، ح ٢.
كما عدّ الإمام الباقرعليهالسلام التمسّكَ بالسنّة شرطاً رئيسياً لفقاهة الفقيه الجامع للشرائط، وذلك في قولهعليهالسلام :
«إنّ الفقيه حقّ الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسّك بسنّة النبيّصلىاللهعليهوآله »(١) .
بل إنّ أئمتناعليهمالسلام عدّوا مخالفة الكتاب والسنّة كفراً بالله العظيم، فهذا الإمام الصادق جعفر بن محمّدعليهالسلام يقول:
«من خالف كتاب الله وسنة محمّدصلىاللهعليهوآله فقد كفر»(٢) .
فاتّضح بهذا البيان المختصر أنّ الشيعة تحترم السنّة النبويّة الشريفة أكثر من غيرها من الفرق الإسلاميّة، وبه يتّضح وهن وبطلان دعوى من يقول: إنّ الشيعة أجنبيّون بالمرّة عن سنّة النبيّصلىاللهعليهوآله .
أدلّة التمسّك بأحاديث أهل البيتعليهمالسلام
لأجل بيان عقيدة الشيعة بالنسبة لأحاديث أهل بيت الرسولصلىاللهعليهوآله لابدّ من البحث ضمن محورين، هما:
أ- حقيقة أحاديث أئمتنا المعصومينعليهمالسلام .
ب - أدلّة لزوم التمسّك بأهل البيتعليهمالسلام .
حقيقة أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
لا ترى المدرسة الشيعيّة حقاً في التشريع والتقنين لأحد قط سوى الباري عزّوجلّ، سواء كان التشريع والتقنين في نطاق الفرد أو المجتمع، وهذه القوانين
____________________
(١) الكافي، ج ١، ص ٧٠، ح ٨.
(٢) الكافي، ج ١، ص ٧٠، ح ٦.
والأحكام الشرعيّة تبيّن للناس بواسطة النبيّصلىاللهعليهوآله باعتباره الوسيلة الوحيدة للارتباط بالله من خلال الوحي.
وبهذا يتّضح أنّ اعتماد الشيعة على أحاديث أهل البيتعليهمالسلام باعتبارها موضحة ومفسّرة لسنّة النبيّصلىاللهعليهوآله ، لا باعتبارها دليلاً في مقابل السنّة النبوية.
وعليه فكلام أهل البيتعليهمالسلام في الحقيقة هو ما ورد في السنّة النبوية. ولأجل إثبات ذلك نذكر بعض الروايات الواردة في هذا المجال:
١- قال الإمام الصادقعليهالسلام في جواب رجل سأله عن مسألة:
«مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لسنا نقول برأينا من شيء»(١) .
٢- وقال الإمام الصادقعليهالسلام أيضاً:
«حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنينعليهالسلام ، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وحديث رسول الله قول الله عزّوجلّ»(٢) .
٣- وقال الإمام الباقر لجابر حين قال له: إذا حدَّثتَني بحديث فأسنده لي، فقالعليهالسلام :
«حدَّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن جبرئيل، عن الله تبارك وتعالى، وكلّما اُحدِّثُك بهذا الإسناد»(٣) .
____________________
(١) بصائر الدرجات، ص ٣٢٠.
(٢) الكافي، ج ١، ص ٥٣، ح ١٤.
(٣) وسائل الشيعة، ج ٨١، ص ٦٩، ح ٦٧.
فعلى ضوء هذه الأحاديث تتضح حقيقة أحاديث أهل البيتعليهمالسلام وأنّها عين ما ورد في سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
أدلّة لزوم التمسّك بأهل البيتعليهمالسلام
اتّفق المسلمون من كلا الفريقين على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله خلّف بعده ثقلين عظيمين، ودعا المسلمين إلى اتّباعهما، وقال إنّ الهداية مقرونة بالتمسّك بهما، وهذان الثقلان هما: كتاب الله وعترته أهل بيته.
ونذكر فيما يلي بعض هذه الروايات من باب المثال:
١- روى الترمذي في صحيحه عن جابر بن عبد الله:
«رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: يا أيّها الناس إني تركت فيكم من ] ما [ إن أخذتم به لن تضلّوا ; كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(١) .
٢- وروى الترمذي في صحيحه أيضاً عن زيد بن أرقم قال:
«قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر ; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتى يرِدا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(٢) .
٣- وروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم:
«قام رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوما فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثمّ قال: أمّا بعد، ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فاُجيب
____________________
(١) سنن الترمذي، ج ٥، ص ٣٢٨، ح ٣٨٧٤.
(٢) سنن الترمذي، ج ٥، ص ٣٢٩، ٣٨٧٦.
وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي»(١) .
٤- روى جملة من المحدثين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال:
«إنّي تارك فيكم الثقلين ; كتاب الله وأهل بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتى يرِدا عليّ الحوض»(٢) .
وينبغي الإشارة إلى أنّ الأحاديث الواردة بهذا المضمون أكثر من أن يسعها هذا السِّفر الصغير، وقد ذكر المحقق الجليل السيد مير حامد حسين في كتابه «عبقات الأنوار» أسانيد هذا الحديث.
فيعلم من خلال هذا الحديث الشريف أنّ التمسّك بأهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله واتّباعهم إلى جانب كتاب الله وسنّة نبيّه هو من ضروريّات الإسلام، وأنّ ترك كلام أهل البيت يوجب الضلال والغواية.
وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: من هم العترة التي أمر النبيّصلىاللهعليهوآله الاُمّة باتّباعهم ؟
لأجل الجواب على هذا السؤال نذكر الروايات التي بيّنت معنى عترة النبيّصلىاللهعليهوآله .
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٧، ص ١٢٢.
(٢) المستدرك على الصحيحين، ج ٣، ص ١٤٨. الصواعق المحرقة، ص ١٤٩، الباب ١١، الفصل الأول.
وروي هذا المضمون في كتب اُخرى منها: مسند ابن حنبل، ج ٥، ص ١٨٢ و ١٨٩. كنز العمال، ج ١، ص ٤٤، باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.
من هم أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله ؟
اتّضح من الروايات المذكورة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله حثّ المسلمين ودعاهم لاتّباع عترته، وجعل الهداية رهينة بالتمسك بها وبالقرآن معاً، وجعلهما المرجع للاُمّة بعده، وصرّح بعدم انفصال أحدهما عن الآخر بقوله:
«وإنّهما لن يتفرّقا حتى يرِدا عليّ الحوض»
فبما أنّ الرسولصلىاللهعليهوآله جعل العترة قرينة للقرآن أبداً ونفى انفصالهما للأبد بقوله: «وإنّهما لن يتفرّقا حتى يرِدا عليّ الحوض»، فلابدّ أن يكونوا معصومين من الخطأ ومنزّهين عن الزلل، وأن يكونوا ممن تغذّى من زلال عين المعارف الإلهيّة الحقّة. ولولا ذلك كله فانهم سينفصلون عن القرآن الكريم، والحال أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله صرّح بعدم انفصالهما أبداً.
وبهذا يعرف المقصود من العترة وأهل البيت في الحديث الشريف ; فإن هذه الصفات لا تنطبق على أحد سوى ذرّيته الذين هم عترته وأهل بيته، وهم أئمة الشيعة عليهم وعلى جدهم آلاف التحيّة والسلام.
وإليك فيما يلي وعلى ضوء الروايات أدلّة ما ذكرناه:
١- روى مسلم في صحيحه حديث الثقلين عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم، وذكر فيه أنّ يزيد بن حيان سأل زيد بن أرقم فقال:
«من أهل بيته ؟ نساؤه ؟! قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثمّ يطلّقها، فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده»(١) .
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٧، ص ١٢٣.
فصريح هذه الرواية أنّ عترة النبيّصلىاللهعليهوآله الذين يجب التمسّك بهم ليسوا نساءه، وإنّما هم منتسبون إليه مادّياً ومعنوياً، ولهم خصوصيات تميّزهم عن غيرهم بحيث تجعلهم - إلى جانب القرآن - مؤهّلين لهداية وقيادة الاُمّة الإسلاميّة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله .
٢- لم يكتفِ النبيّصلىاللهعليهوآله ببيان أوصاف أهل بيته، وإنما ذكر عددهم وهو «إثنا عشر»، فروى مسلم في صحيحه عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول:
«سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى إثني عشر خليفة. ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت: لأبي ما قال ؟ فقال: كلّهم من قريش»(١) .
كما روى مسلم في صحيحه أيضاً ما يلي:
«لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثنا عشر رجلاً»(٢) .
فهاتان الروايتان دليل واضح على ما يقول به ويعتقده الشيعة من أنّ الأئمة الإثنا عشر من ذريّة النبيّصلىاللهعليهوآله هم الخلفاء وقادة الاُمّة بعدهصلىاللهعليهوآله ; فإنّه لا يوجد مصداق للخلفاء الإثني عشر - الذين هم سبب لعزّة المسلمين من جانب، ولهم أهليّة قيادة الاُمّة من الناحية العلميّة من جانب آخر، وأن يكونوا بعد رحلة النبيّصلىاللهعليهوآله مباشرة من جانب ثالث - سوى الأئمة الإثنا عشر من أهل البيت، فإنّنا إذا غضضنا الطرف عن الخلفاء الراشدين ولاحظنا الخلفاء الذين تولّوا اُمور المسلمين من بعدهم - سواء من بني اُميّة أو من بني العباس - فإنّنا نجدهم ارتكبوا قبيح الأفعال، فصاروا عاراً
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ٦، ص ٣.
(٢) صحيح مسلم، ج ٦، ص ٣.
على الإسلام والمسلمين، ولم يكونوا سبباً لعزّتهما. وبهذا يتّضح أنّ المقصود من «أهل البيت» و «العترة» في الحديث المذكور - والذين هم قرين القرآن والذين هم خلفاء النبيّصلىاللهعليهوآله على اُمّته - هو الأئمة الإثنا عشر من أهل البيتعليهمالسلام الحافظين لسنّة الرسول والحاملين لعلمهصلىاللهعليهوآله .
٣- ذكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام أيضاً أنّ الأئمّة وخلفاء المسلمين هم من بني هاشم، وهذا دليل آخر على صحة ما يقول به الشيعة، وذلك قوله:
«إن الأئمّة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم»(١) .
النتيجة
الروايات المذكورة تسفر عن أمرين:
١- أنّ التمسّك بأهل البيتعليهمالسلام واتّباعهم إلى جانب التمسّك بالقرآن واجب.
٢- أنّ أهل بيت الرسولصلىاللهعليهوآله باعتبارهم قرين القرآن ومرجع الاُمّة الإسلاميّة بعد النبيّ كما قال هوصلىاللهعليهوآله ، يتمتّعون بصفات وخصائص هي:
أ- هم جميعاً من قريش ومن بني هاشم.
ب - تربطهم جميعاً قرابة برسول اللهصلىاللهعليهوآله تجعل الصدقة عليهم حراماً.
____________________
(١) نهج البلاغة، الخطبة ١٤٤.
ج - يتمتعون جميعاً بالعصمة، وإلاّ فإنّهم سينفصلون ويفترقون عن القرآن عملاً، مع أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: «إنّهما لن يتفرّقا حتى يرِدا عليّ الحوض».
د - عددهم إثنا عشر، يأتون بعد النبيّصلىاللهعليهوآله ، ويلون أمر المسلمين واحداً بعد واحد.
ه- إنّهم سبب لعزّة الإسلام والمسلمين ولقوّة شوكتهم.
فمع أخذ هذه الأوصاف بنظر الاعتبار يتّضح أنّ المراد من قولهصلىاللهعليهوآله : «عترتي أهل بيتي» في الحديث المذكور - والذي أوصى المسلمين فيه باتباعهم - هو الأئمة الإثنا عشر المعصومون، الذين يفتخر الشيعة باتّباعهم، وأخذ الأحكام الفقهيّة عنهم.
السؤال التاسع والعشرون
هل مات أبو طالب على الإيمان حتى تذهبوا لزيارته ؟
الجواب:
أبو طالب ابن عبد المطّلب، ووالد أمير المؤمنينعليهالسلام ، وعمّ النبيّصلىاللهعليهوآله ، هو من المؤمنين برسول اللهصلىاللهعليهوآله ورسالته الخالدة، وكان عوناً له في جميع الشدائد والمشاكل والمعضلات التي واجهته في صدر الإسلام.
عائلة أبي طالب
ولد أبو طالب في بيت البطل المحامي عن التوحيد الإبراهيمي عبد المطّلبرضياللهعنه . وبأدنى تحقيق في تأريخ الجزيرة العربيّة يرى المتتبّع أنّ عبد المطّلب حامى عن التوحيد الإبراهيمي في أشدّ الظروف، وأصعب الأيام، وأخطر المواقف، فعندما توجّه أبرهة بجيشه العظيم وفِيَلته نحو مكّة المعظمة قاصداً هدم الكعبة، أغار في طريقه على إبل لعبد المطّلب وأخذها، فلما بلغ ذلك عبد المطلب، أتاه واستأذن عليه، وسأله إطلاق إبله، فتعجّب أبرهة من طلب عبد المطّلب وقال: «هذا رئيس قوم وزعيمهم جئت إلى بيته الذي يعبده لأهدمه، وهو يسألني إطلاق إبله ! أما لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت، ردّوا عليه إبله». فقال عبد المطلب لترجمانه: ما قال لك الملك ؟ فأخبره، فقال عبد المطلب: «أنا ربّ الإبل، ولهذا البيت ربّ يمنعه»(١) ، وانصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأخذ بحلقة الباب قائلاً:
____________________
(١) الكامل لابن الأثير، ج ١، ص ٢٦١.
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا يا ربّ فامنع منهم حماكا إنّ عدوّ البيت من عاداكا إمنعهم ان يخربوا فناكا(١)
فهذه الكلمات وأمثالها دليل واضح على توحيده لله سبحانه وتعالى، وإيمانه به تقدّست أسماؤه، وثباته عليه، ولهذا يقول اليعقوبي في تأريخه في شأن عبد المطّلب:
«رفض عبادة الأصنام، ووحّد الله عزّوجلّ»(٢) .
ولنلاحظ الآن ما كان يجول في ذهن هذا الأب حول ابنه أبي طالب:
أبو طالب في نظرة عبد المطّلب
يعلم بوضوح من خلال مراجعة طيّات كتب التاريخ أنّ بعض المتنبّئين أخبر عبد المطّلب بمستقبل حفيده محمّدصلىاللهعليهوآله الزاهر، كما أخبروه بنبوّته.
فعندما استولى «سيف بن ذي يزن» على حكومة الحبشة
وذلك بعد مولد النبيّصلىاللهعليهوآله بسنتين أتاه وفد العرب وأشرافها وشعراؤها بالتهنئة والمدح وذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، فأتاه وفد من قريش ومعهم عبد المطلب بن هاشم واناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء، فاستأذنوا عليه، فأذن لهم، فلما دخلوا عليه دنا عبد المطلب منه وتكلّم بكلام بليغ، فبشّره أمير الحبشة بأنه سيبعث قريباً نبيٌّ عظيمُ الشأن من أهلك وعشيرتك، وأنّه سينشأ في بيتك، ثمّ شرع في بيان صفاته وأوصافه فقال:
«اسمه محمد، يموت أبوه واُمّه، ويكفله جدّه وعمّه»(٣) .
____________________
(١) المصدر السابق.
(٢) تأريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٧ (طبع النجف).
(٣) السيرة الحلبيّة، ج ١، ص ١٣٦ و ١٣٧ (طبع مصر).
إلى أن يقول في بيان صفات النبيّصلىاللهعليهوآله :
«يعبد الرحمن، ويدحض الشيطان، ويخمد النيران، ويكسر الأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله»(١) .
ثم قال لعبد المطّلب:
«إنّك لجدّه يا عبد المطّلب غير كذب»(٢) .
فلمّا سمع عبد المطّلب هذه البشارة في حق حفيده سجد لله شكراً، وقال في بيان حال هذا الولد الميمون:
«نعم أيّها الملك، إنّه كان لي ابن، وكنت به معجباً، وعليه رقيقاً، فزوّجته كريمة من كرائم قومي ; آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام سمّيته محمداً، مات أبوه واُمه، وكفلته أنا وعمّه، بين كتفيه شامة، وفيه كلّ ما ذكرت من علامة»(٣) .
فمن خلال هذا الكلام يتضح أنّ عبد المطّلب كان مطّلعاً على مستقبل ابنه وحفيده، ولهذا لم يتركه بعد وفاته هكذا، بل تصدّى لتعيين كفيل له يكفله ويربّيه بعد مماته، فكفّله خير أولاده أبا طالب.
____________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
فمن خلال هذا تتبيّن منزلة أبي طالب عند أبيه الموحّد عبد المطّلب، وأنّه كان ينظر لولده أبي طالب نظرة إجلال، وأنّه بمرتبة من الإيمان والصلاح بحيث كان لائقاً لكفالة نبيّ كريم(١) .
وإليك فيما يلي الأدلّة الواضحة على إيمان أبي طالب:
أدلّة إيمان أبي طالب
١- الآثار العلميّة والأدبيّة لأبي طالب
نقل العلماء والمؤرّخون الإسلاميون قصائد رائعة عن أبي طالب، يمكن أن يُتوصَّل من خلالها ومما حَوَته في ثناياها إلى إيمان أبي طالب، ونحن نكتفي بذكر بعضها:
ليعلم خيار الناس أنّ محمداً نبيّ كموسى والمسيح ابن مريم أتانا بهدي مثل ما قد أتانا به فكلّ بأمر الله يهدي ويعصم(٢)
وقال أيضاً:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً رسولاً كموسى خط في أول الكتب وأنّ عليه في العباد محبّة ولا حيف فيمن خصّه الله بالحبّ(٣)
وقال أيضاً:
لقد أكرم الله النبيّ محمداً فأكرم خلق الله في الناس أحمد
____________________
(١) لتفصيل وإيضاح ما ذكرناه بشكل أكثر راجع السيرة الحلبيّة، ج ١، ص ١٣٤ (طبع مصر). والسيرة النبوية لابن هشام، ج ١، ص ١٨٩. وكتاب «أبو طالب مؤمن قريش» ص ١٠٩ (طبع بيروت). والطبقات الكبرى ج ١، ص ١١٧ (طبع بيروت).
(٢) الحجة، ص ٥٧. ونحوه في المستدرك على الصحيحين، ج ٢، ص ٦٢٣.
(٣) تأريخ ابن كثير، ج ١، ص ٤٢. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٧٢.
وشقّ له من اسمه ليُجلّه فذو العرش محمودٌ وهذا محمّد(١)
وقال أيضاً:
والله لن يصلوا اليك بجمعهم حتّى اُوسّد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقرّ منك عيونا ودعوتني وعلمت أنّك ناصحي و لقد دعوت وكنت ثَمّ أمينا ولقد علمت بأن دين محمّد من خير أديان البريّة دينا(٢)
وقال أيضاً:
يا شاهد الله عليّ فاشهد أنّي على دين النبيّ أحمد
من شكّ في الله فإنى مهتد
وقال في آخر أيامه موصياً وجوه قريش بالدفاع عن النبيّصلىاللهعليهوآله :
اُوصي بنصر نبيّ الخير أربعة إبني علياً وشيخ القوم عباسا وحمزة الأسد الحامي حقيقته وجعفراً أن تذودا دونه الناسا كونوا فداء لكم اُمي وما ولدت في نصر أحمد دون الناس أتراسا(٣)
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٧٨. تاريخ ابن عساكر، ج ١، ص ٢٧٥، تاريخ ابن كثير، ج ١، ص ٢٦٦. تاريخ الخميس، ج ١، ص ٢٥٤.
(٢) خزانة الأدب، ج ١، ص ٢٦١. تاريخ ابن كثير، ج ٣، ص ٤٢. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٥٥. فتح الباري، ج ٧، ص ١٥٣ - ١٥٥. الإصابة، ج ١٤، ص ١١٦. ديوان أبي طالب، ص١٢.
(٣) متشابهات القرآن (ذيل تفسير الآية)) وَ لَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) . الغدير، ج ٧ ص ٣٤٢.
فكلّ منصف إذا ما شاهد هذه الآثار والأبيات الشعرية التي تفصح عن عقيدة قائلها بصراحة تامّة، يتبيّن له صحّة ما تعتقد به الشيعة من إيمان أبي طالب، ويتأسف ويتألّم للتُّهم الباطلة والعارية عن الأساس التي وجّهها بعض الكتّاب بدوافع سياسيّة لمؤمن قريش وعم النبيّصلىاللهعليهوآله الذي نصره أوائل البعثة في أشدّ الأحوال، وعند قلّة الناصر والمعين.
٢- سيرة ومعاملة أبي طالب مع النبيّصلىاللهعليهوآله دليل على إيمانه نقل جميع المؤرخين الإسلاميين مواقف دفاع أبي طالب عن النبيّصلىاللهعليهوآله والتي لا نرى لها نظيراً في التاريخ الإسلامي، وهي أدلّة واضحة على رسوخ عقيدته الصحيحة في النبيّصلىاللهعليهوآله . فتحمّل أبو طالب عناء المحاصرة والتشريد والعيش في شعب أبي طالب مدة ثلاث سنين، ورجح العيش إلى جانب النبيّصلىاللهعليهوآله في ذلك الشعب على رئاسة قريش، وبقي مع المسلمين في ذلك الشعب وتحمّل عناء تلك المصاعب إلى أن تمّت المحاصرة الاقتصادية(١) .
مضافاً إلى ما ذكر فإنّ أبا طالب حثّ ابنه عليّاًعليهالسلام على أن يتابع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأن يلازمه في تمام تلك الأوقات والحالات الشديدة التي كانت تواجه النبيّصلىاللهعليهوآله في صدر الإسلام.
فروى ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على نهج البلاغة أنّ أبا طالب قال لعليّعليهالسلام :
«يا بني، إلزمه، فإنّه لن يدعوك إلاّ إلى خير»(٢) .
____________________
(١) للاطلاع أكثر راجع المصادر التالية: السيرة الحلبيّة، ج ١، ص ١٣٤. تاريخ الخميس، ج ١، ص ٢٥٣ - ٢٥٤. السيرة النبويّة لابن هشام، ج ١، ص ١٨٩. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٥٢. تاريخ اليعقوبي، ج ٢. الإصابة، ج ٤، ص ١١٥. الطبقات الكبرى، ج ١، ص ١١٩.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٣، ص ٢٧٢.
فمن الواضح أنّ هذه الخدمات الجليلة من أبي طالب للنبيّصلىاللهعليهوآله وتضحياته من أجله ومن أجل الإسلام أبرز دليل على إيمانه.
ومن هنا أنشأ ابن أبي الحديد في بيان الدور المهم لأبي طالب في الذبّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قوله:
ولو لا أبو طالب وابنه لما مثل الدين شخصاً فقاما فذاك بمكة آوى وحامى وهذا بيثرب جسّ الحماما تكفل عبد مناف بأمر وأودى فكان علي تماما فقل في ثبير مضى بعدما قضى ما قضاه وأبقى شماما فللّه ذا فاتحاً للهدى ولله ذا للمعالي ختاما وما ضرّ مجد أبي طالب جهول لغا أو بصير تعامى كما لا يضرّ إياب الصبا ح من ظن ضوء النهار الظلاما(١)
٣ - وصيّة أبي طالب دليل على إيمانه
نقل المؤرخون المسلمون كالحلبي الشافعي في سيرته، ومحمّد الدياربكري في تأريخ الخميس، وغيرهما وصيّة أبي طالب، فعن الكلبي قال:
«لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم، فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب... وإنّي اُوصيكم بمحمّد خيراً; فإنّه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب... دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلاّ رشد، ولا
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٨٤.
يأخذ أحد بهديه إلاّ سعد، ولو كان لنفسي مدّة وفي أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي»(١) .
٤ - حبّ النبيّصلىاللهعليهوآله لأبي طالب شاهد على إيمانه
جلّل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عمّه أبا طالب في مواقف عديدة ومشاهد مختلفة، أسفر فيها عن حبّه لعمّه، إليك فيما يلي نموذجان منها:
أ - روى بعض المؤرخين أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال لعقيل بن أبي طالب:
«أنا اُحبّك يا عقيل حبّين ; حبّاً لك وحبّاً لأبي طالب لأنه كان يحبّك»(٢) .
ب - روى الحلبي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال في عمّه أبا طالب:
«ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب».(٣)
ومن الواضح أنّ حبّ النبيّصلىاللهعليهوآله لأبي طالب وتجليله إياه دليل واضح على إيمانه، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا يحبّ إلاّ المؤمنين، وأما الكفّار فهو غليظ شديد عليهم كما صرّح بذلك الذكر الحكيم بقوله عزّ من قائل:
( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) (٤) .
____________________
(١) تاريخ الخميس، ج ١، ص ٣٠٠. السيرة الحلبيّة، ج ١، ص ٣٩١. روضة الواعظين للفتال النيسابوري، ص ١٤٠.
(٢) تاريخ الخميس، ج ١، ١٦٣. الاستيعاب، ج ٢، ص ٥٠٩.
(٣) السيرة الحلبيّة، ج ١، ٣٩١. الأعلام للزركلي ج ٤، ص ١٦٦. سبل الهدى والرشاد، ج ٢، ص ٤٣٥
(٤) الفتح: ٢٩.
وقال في موضع آخر:
( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الاْخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمانَ ) (١) .
فمع الأخذ بنظر الاعتبار الآيات المذكورة وقرنها إلى حب النبيّصلىاللهعليهوآله لإبي طالب لا يبقى مجال للترديد والشك في أنّ أبا طالب كان في مرتبة عالية من الإيمان.
٥ - شهادة صحابة النبيّصلىاللهعليهوآله
شهد بإيمان أبي طالب جملة من الصحابة نذكر بعضهم فيما يلي:
أ - روي أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان جالساً في الرحبة والناس حوله، فقام إليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين إنك بالمكان الذي أنزلك الله فيه وأبوك معذّب في النار ! فقال له:
«مه، فضّ الله فاك، والذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً، لو شفع أبي في كلّ مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله تعالى فيهم»(٢) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام في موضع آخر:
«كان والله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطّلب مؤمناً مسلماً يكتم إيمانه، مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش»(٣) .
فكلام الإمام هذا يدلّ على أنّ أبا طالب كان في درجة عالية من الإيمان، بل كان من الأولياء الذين لهم الشفاعة للمذنبين.
____________________
(١) المجادلة: ٢٢.
(٢) الحجة، ص ٢٤. مئة منقبة لمحمد بن أحمد القمي، ص ١٧٤.
(٣) وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٤٨١. الحجة، ص ٢٤.
ب - يقول الصحابي الجليل أبو ذر الغفاريرضياللهعنه في حق أبي طالب:
«والله الذي لا إله إلاّ هو ما مات أبو طالب حتى أسلم»(١) .
ب - روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطّلب وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة:
«انّ أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله»(٢) .
٦ - أبو طالب في نظرة أهل البيتعليهمالسلام
صرّح جميع أئمة أهل البيتعليهمالسلام بإيمان أبي طالب الراسخ، ودافعوا في المناسبات المختلفة عن هذا المحامي الناصر لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ونحن نكتفي بذكر مثالين منها، هما:
أ - قال الإمام محمّد الباقرعليهالسلام :
«لو وضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفّة الاُخرى لرجح إيمانه»(٣) .
ب - روى إمامنا الصادق جعفر بن محمّد عن جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال:
«إنّ اصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرّتين»(٤) .
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٧١. شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي، ج ٢، ص ٢٩٨.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٧١. بحار الأنوار، ج ٣٥، ص ١٥٨.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٤، ص ٦٨.
(٤) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١٤، ص ٧٠. الكافي، ج ١، ص ٤٤٨، ح ٢٨ وفيه: «إنّ مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف ; أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرّتين».
فاتّضح من خلال الأدلّة المذكورة أنّ أبا طالب يتمتع بالمقامات التالية:
١- إيمان قوي وراسخ بالله ورسولهصلىاللهعليهوآله .
٢- المؤازرة والنصرة للرسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، والدفاع عنه في سبيل الإسلام.
٣- حبّ النبيّصلىاللهعليهوآله إياه.
٤- له حقّ الشفاعة عند الله يوم القيامة.
وبهذا اتّضح وهن وبطلان التُّهم الموجّهة لأبي طالب من جانب. كما تنجلي الأستار والحجب عن الحقيقتين التاليتين:
١- أنّ إيمان أبي طالب كان مرضياً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعند أمير المؤمنينعليهالسلام وأهل البيت، بل وصحابة رسول الله.
٢- أنّ الاتّهامات الموجّهة لأبي طالب عارية عن الصحة، فاقدة للأساس، وأنّ السبب الرئيسي في وجودها هو الأهداف السياسيّة، وبتحريك من اُمراء الدولتين الاُموية والعباسيّة، حيث كانوا يجهرون بالعداء لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام وذريته الطاهرةعليهمالسلام .
وفي هذا المقام نستعرض لك أبرز مصداق استُعمل في هذا المجال بتسقيط شخصيّة هذا المحامي للرسول أبي طالب، والمعروف والمشهور بحديث الضحضاح، ليتبيّن لك بعد التحليل الذي نجريه عليه - وفقاً لما ورد في القرآن الكريم والمسلّم من السنّة النبوية الشريفة، والأدلّة العقليّة الواضحة - بطلانه وفقدانه للأساس.
تحليل حديث الضحضاح
نقل بعض الكتّاب والمؤلّفين - كالبخاري ومسلم - روايتان عن مثل «سفيان بن سعيد الثوري»، و «عبد الملك بن عمير»، و «عبد العزيز بن محمّد الدراوردي» و «ليث بن سعد»، فنسبوها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والروايتان هما:
أ - فروى مسلم في صحيحه:
«سمعت العباس يقول قلت: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك ؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح»(١) .
ب - وروى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن أبي حازم والدراوردي عن يزيد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري أنّه سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذكر عنده عمّه أبو طالب فقال:
«لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه اُمّ دماغه»(٢) .
فهذا الحديث المفترى وإن كان واضح البطلان ; لما تقدّم من الأدلّة الدالّة على إيمان أبي طالب، لكنّنا مع ذلك سنتعرض للبحث عن هذا الحديث، وسنبحث ذلك ضمن نقطتين:
أ - ضعف أسانيده.
ب - مخالفته للكتاب العزيز والسنّة النبويّة الشريفة.
ضعف أسانيد حديث الضحضاح
كما اتّضح مما سبق أنّ رواة حديث الضحضاح هم:
____________________
(١) صحيح مسلم، ج ١، ص ١٣٥. المستدرك على الصحيحين، ج ٤، ص ٥٨١.
(٢) صحيح البخاري، ج ٧، ص ٢٠٢.
«سفيان بن سعيد الثوري»، و «عبد الملك بن عمير»، و «عبد العزيز بن محمّد الدراوردي» و «ليث بن سعد».
وسنبحث أحوال هؤلاء الرواة وأقوال الرجاليين من أهل السنّة فيهم، كي يتبين لك حالهم.
أ - سفيان بن سعيد الثوري:
قال الرجالي المعروف بين أهل السنّة أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي:
«كان يدلّس عن الضعفاء»(١) .
فهذا الكلام دليل واضح على وجود التدليس في روايات سفيان، مما يسقط أحاديثه عن الاعتبار.
ب - عبد الملك بن عمير:
قال الذهبي في شأنه:
؟ ؟ «طال عمره، وساء حفظه. قال أبو حاتم: ليس بحافظ، تغيّر حفظه. وقال أحمد: ضعيف، يخلّط. وقال ابن معين: مخلّط. وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه. وذكر الكوسج عن أحمد: أنّه ضعّفه جدّاً»(٢) .
فمن مجموع هذا الكلام يستفاد أنّ عبد الملك بن عمير كان متّصفاً بالصفات التالية:
أ - عدم الحفظ والنسيان.
____________________
(١) ميزان الاعتدال، ج ٢، ص ١٦٩.
(٢) ميزان الاعتدال، ج ٢، ص ٦٦٠.
ب - ضعيف (وهو - في علم الرجال - من لا يمكن الاعتماد على روايته).
ج - كثير الخطأ.
د - مخلّط (وهو من يخلط الحديث الصحيح بغيره).
ومن الواضح أنّ كل صفة من هذه الصفات كافية لتضعيف أحاديث هذا الرجل، مع أنّه اجتمعت فيه تمام هذه الصفات.
عبد العزيز بن محمد الدراوردي:
وصفه علماء الرجال من أهل السنّة بعدم الحفظ، والنسيان، وبعدم إمكان الاحتجاج برواياته ; قال أحمد بن حنبل:
«إذا حدث من حفظه جاء ببواطيل»(١) .
وقال أبو حاتم:
«لا يحتجّ به»(٢) .
وقال أبو زرعة:
«سيّئ الحفظ»(٣) .
د - الليث بن سعد:
من خلال مراجعة كتب الرجال لعلماء أهل السنّة يعلم أنّ جميع من اسمه «ليث» من الرواة فهو مجهول أو ضعيف فلا يمكن الاعتماد والاستدلال بأحاديثهم.
____________________
(١) ميزان الاعتدال، ج ٢، ص ٦٣٣.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
وليث بن سعد هو أحد الضعفاء والمتساهلين في الشيوخ وفي سماع الحديث، قال يحيى بن معين:
«كان يتساهل في الشيوخ والسماع»(١) .
واعتبره النباتي أيضاً من الضعفاء ; حيث ذكره في تذييله على الكامل والذي يختصّ بذكر الضعفاء(٢) .
فيعلم مما ذكرناه أنّ رواة حديث الضحضاح في غاية الضعف، ولا يمكن الاعتماد على روايتهم.
عدم موافقة حديث الضحضاح للكتاب والسنّة في هذا الحديث نسب إلى الرسولصلىاللهعليهوآله أنّه قال إن أبا طالب «في غمرات من النار» «في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه»، أو رجا بلوغ شفاعته له بقوله: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة »، والحال أنّ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة خصّت الشفاعة بالمؤمنين والمسلمين، فإذا كان أبو طالب كافراً فكيف يرجو رسول اللهصلىاللهعليهوآله بلوغ شفاعته إليه وتخفيف عذابه !
وبهذا يتبيّن وهن محتوى هذا الحديث بناء على قول من يرى كفر أبي طالب.
والآن نستعرض لك الأدلة الدالة على عدم الشفاعة للكافر سواء من الكتاب أو من السنة، وهي:
أ - قال تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم:
( وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور ) (٣) .
____________________
(١) ميزان الاعتدال، ج ٣، ص ٤٢٣.
(٢) ميزان الاعتدال، ج ٣، ٤٢٣.
(٣) المصنف لابن أبي شيبة، ج ٧، ص ٤٣٢، ح ١٠٤. كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم، ص ٣٥٩، ح ٨٠٣.
ب - نفت السنّة النبوية الشفاعة للكفار، فروى ابن أبي شيبة في «المصنّف»، وعمرو بن أبي عاصم في كتاب «السنّة» عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال:
( اُعطيت الشفاعة، وهي نائلة من لم يشرك بالله شيئاً ) (١) .
فعلى هذا الأساس يكون حديث الضحضاح - بناء على قول من يعتقد كفر أبي طالب - عارياً عن الصحّة ومخالفاً لكتاب الله وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآله .
النتيجة:
على ضوء ما مر تبين أنّ حديث الضحضاح فاقد للاعتبار سنداً ومتناً، فلا يمكن الاستدلال به. وبهذا ينهار أقوى دليل يعتمد عليه من يخدش بشخصيّة أبي طالب، ويشرق بذلك وجه مؤمن قريش أبي طالب ليقشع ظلام الافتراء والفتنة.
____________________
(١) فاطر: ٣٦.
السؤال الثلاثون
هل يعتقد الشيعة خيانة جبرئيل في إبلاغ الرسالة رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله بدل عليٍّعليهالسلام ؟
الجواب:
قبل الدخول في بيان وهن هذه التهمة الشنيعة والتي نسبها إلى الشيعة بعض الجهّال أو المغرضين، لا بأس ببيان أصلها وجذرها، فنقول:
أصل التهمة وجذرها
ذكرت الآيات الكريمة والروايات المفسّرة لها أنّ اليهود كانوا يتّهمون جبرئيلعليهالسلام بالخيانة في إبلاغ الرسالة ; فإنّ الله أمره أن يجعل النبوّة في ذرّية يعقوب إسرائيل الله، فجعلها في ذرّية إسماعيل. وعلى هذا الأساس اعتبر اليهود جبرئيلعليهالسلام عدوّاً لهم(١) ، وجعلوا عبارة «خان الأمين» شعاراً لهم. ولهذا فإنّ القرآن الكريم في مقام الردّ على دعوى اليهود وصف جبرئيلعليهالسلام بالأمين، في قوله عزّ من قائل:
( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) (٢) .
وقال في موضع آخر:
( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ ) (٣) .
____________________
(١) انظر تفسير الفخر الرازي، ج ١، ص ٤٣٦ و ٤٣٧ (طبعة مصر).
(٢) الشعراء: ١٩٤.
(٣) البقرة: ٩٧.
فمن الآيات الشريفة المذكورة ومما جاء في تفسيرها يعلم بوضوح أنّ اليهود كانوا يعادون جبرئيلعليهالسلام ، ويسمّونه «ملك العذاب»، ويتّهمونه بالخيانة في إبلاغ الرسالة.
فأساس شعار «خان الأمين» من خرافات اليهود وإبداعاتهم، فبعض الكتّاب الجهّال الذين لهم عداوة قديمة وأحقاد دفينة ضدّ الشيعة يشربون من هذا المنبع الكدر، والماء الاُجاج، فيتّهمون الشيعة بهذه التهمة الشنيعة.
النبوّة في نظر الشيعة
يعتقد الشيعة تبعاً للكتاب العزيز والروايات الشريفة الواردة عن النبيّصلىاللهعليهوآله وأهل بيتهعليهمالسلام أنّ محمّد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله نبيّ مرسل مبعوث من الله سبحانه، بل هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضلهم وأرفعهم رتبة، وهو المبعوث بأفضل دين للعالمين. يقول سيدنا ومقتدانا أمير المؤمنين وسيّد الوصيين في خطبة له عندما بويع بعد مقتل عثمان:
«أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم النبيّين، وحجّة الله على العالمين»(١) .
وقال الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام :
«لم يبعث الله عزّوجلّ من العرب إلاّ خمسة أنبياء: هوداً، وصالحاً، وإسماعيل، وشعيباً، ومحمداً خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآله »(٢) .
فهذا الحديث الشريف يثبت بطلان ما اتُّهم به الشيعة، فإنّ إمامنا الصادقعليهالسلام بيّن أنّ النبيّ محمّداًصلىاللهعليهوآله خاتم النبيّين.
____________________
(١) الكافي، ج ٨، ص ٦٧. بحار الأنوار، ج ٩٢، ص ٥٨٤. نهج السعادة، ج ١، ص ١٨٨.
(٢) بحار الأنوار، ج ١١، ص ٤٢.
وعليه فالشيعة يعتقدون أنّ جبرئيل الأمينعليهالسلام لم يخُن في إبلاغ الرسالة، وأنّ محمّد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله نبيّ بالحقّ، وخاتم الأنبياء والمرسلين، ويعتقدون أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وصيّه وخليفته بالحق.
ونرى من المناسب هنا أن نذكر الحديث التالي والذي رواه كلا الفريقين في كتبهم المعتبرة، وهو الحديث المعروف بحديث المنزلة، حيث إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله بيّن فيه أنّ رسالته آخر رسالة سماوية، وأنّ وصيّه وخليفته عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، حيث يخاطب النبيّصلىاللهعليهوآله عليّاً بقوله:
«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».(١)
فهذه الرواية من الناحية السنديّة محلّ اعتماد كبار المحدّثين الإسلاميين سنّة وشيعة، وهي دليل واضح على صحة ما يقول به الشيعة في أمرين هما:
١ - أنّ محمّد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله خاتم الأنبياء وأفضلهم، وأنّ الله اجتباه واختاره من بين خلقه لهذه الرسالة الخالدة، وأنّه لا نبيّ بعده.
٢ - أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخليفته من بعده.
____________________
(١) هذا الحديث له مصادر كثيرة نشير إلى بعضها فيما يلي:
صحيح البخاري، ج ٦، ص ٣، باب غزوة تبوك. صحيح مسلم، ج ٧ ص ١٢٠، باب فضائل عليّ بن أبي طالب. سنن ابن ماجة، ج ١، ص ٥٥، باب فضائل أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله . سنن الترمذي، ج ٥، ص ٣٠٢. و ص ٣٠٤. الكافي، ج ٨، ص ١٠٧، ح ٨٠. علل الشرائع، ج ٢، ص ٤٧٤. معاني الأخبار، ص ٧٤.
السؤال الحادي والثلاثون
ما هو الملاك والمعيار في التقيّة ؟
الجواب:
التقيّة: ستر الاعتقاد وكتمان الإيمان عن المخالفين للوقاية من التعرّض للضرر المادّي والمعنوي الدينيّ والدنيويّ، وهي أحد التكاليف الشرعيّة على كل مسلم، وجذور التقيّة في القرآن الكريم.
التقيّة في النظرة القرآنيّة
نجد في القرآن الكريم والذكر الحكيم آيات عديدة في هذا المعنى، نذكر بعضها فيما يلي:
أ –( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْء إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ) (١) .
فهذه الآية شاهد للحقيقة التي ذكرناها، وأنّه لا يجوز إبراز المحبّة للكفّار إلاّ من أجل حفظ النفس وتوقّي الأخطار، ففي هذه الحال يجوز إبراز المحبّة لهم.
ب –( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَ-رَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .
____________________
(١) آل عمران: ٢٨.
(٢) النحل: ١٠٦.
فيقول المفسّرون في شأن نزول هذه الآية الشريفة أنّ عمار بن ياسر وأباه واُمّه ابتُلوا بالكفّار والمشركين، فعرضوا عليهم أن يكفروا وأن يتركوا دين الإسلام ويرجعوا إلى دينهم الأوّل، فشهد من كان مع عمّار بالوحدانيّة لله سبحانه وبنبوّة النبيّ محمّدصلىاللهعليهوآله ، فاستشهد بعضٌ وعُذّب بعضٌ، وأما عمّار فقد ابرز خلاف ما يعتقد تقيّة، وقال بلسانه ما يرضي الكفّار. فلما ذهب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان في قلق وعدم ارتياح مما صدر منه، فهدّأه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وسكّن عليه، فنزلت الآية المذكورة(١) .
فيتّضح من هذه الآية ومن أقوال المفسّرين أنّ التقيّة - التي هي كتمان العقيدة لحفظ النفس وللوقاية من التعرّض للضرر المادّي والمعنوي - كانت على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد أقرّها دين الإسلام العزيز.
التقيّة في النظرة الشيعيّة
لما كانت الحكومات الظالمة لبني اُميّة وبني العباس ومن تلاهما في مختلف العصور قد شنّت حرباً شعواء ضدّ الشيعة، فحاولت قتلهم، استخدم الشيعة اُسلوب التقيّة القرآني للحفاظ على أرواحهم وأرواح إخوانهم خلال تلك الظروف القاسية.
ومن الواضح أنّه في مثل هذه الأجواء التي خيّم عليها الاستبداد والظلم لا يوجد سبيل آخر للشيعة للنجاة من هذه المحنة ومن هذا الظلم الذي هدّد كيان الشيعة بالفناء. ولهذا فلو لم يسلك حكّام الجور وأتباعهم سبيل قتل وتعذيب وإقصاء الشيعة لما كان مبرّر للشيعة في استخدام التقيّة.
____________________
(١) راجع تفسير الدر المنثور، ج ٤، ص ١٣١، وغيره ذيل الآية.
الجدير بالذكر أنّ التقيّة لا تختصّ بالشيعة، بل إنّ بقيّة المسلمين يقولون بها أيضاً تجاه العدوّ الفاجر الذي يخالف جميع المذاهب ; كالخوارج، والحكومات الظالمة التي لا تتحرّج من سفك الدماء ومن كلّ حرام، ففي صورة عدم إمكان مواجهتهم يلتجئون إلى درع التقيّة، فيسترون عقيدتهم لحفظ دمائهم.
وعليه فإذا عاش المسلمون جميعاً في أجواء تسودها الاُلفة والتفاهم والوحدة فسوف لا يبقى مجال للتقيّة.
النتيجة:
نستنتج مما مرّ الاُمور التالية:
١ - إنّ للتقيّة جذوراً قرآنيّة، واستخدام الصحابة لها وتأييد الرسول الأكرم لها دليل واضح على جوازها وتحقّقها والعمل بها في صدر الإسلام.
٢ - إنّ الحافز لاستخدام الشيعة للتقيّة هو التوقّي عمّا كانوا يعيشونه من الظلم والقتل الذريع، والذي كان يهدّد الكيان الشيعي بالزوال والفناء.
٣ - عدم اختصاص التقيّة بالشيعة بل هي موجودة عند غيرهم من المسلمين أيضاً.
٤ - إنّ التقيّة لا تختصّ بالتقيّة من الكفّار والمشركين وذلك بكتمان العقائد الإسلاميّة عنهم، بل الملاك في التقيّة وكتمان العقائد هو حفظ النفس من العدوّ الذي لا يتحرّج من سفك الدماء، ولا يمكن مقاومته، أو أنّ الشرائط الحاكمة غير مناسبة لمواجهته.
٥ - إذا عاش المسلمون جميعاً في أجواء تسودها الاُلفة والتفاهم والوحدة فسوف لا يبقى مجال للتقيّة.
السؤال الثاني والثلاثون
لماذا اعتبر القانون الأساسي للجمهوريّة الإسلاميّة المذهب الجعفري المذهب الرسمي؟
الجواب:
لا شكّ ولا ريب في أنّ جميع المذاهب الإسلاميّة محترمة في نظر القانون الأساسي للجمهوريّة الإسلاميّة. كما لا ريب في وجود الاختلاف بين المذاهب الإسلاميّة - من الجعفريّة والشافعيّة والمالكيّة والحنفيّة والحنبليّة - في تعيين الوظائف الشرعيّة.
ومن جانب آخر ينبغي رعاية الاتّساق والانسجام بين القوانين والمقرّرات الحقوقيّة للمجتمع حين تدوينها، ومن هنا فلابدّ من رعاية مذهب واحد من المذاهب الإسلاميّة لوضع القوانين المختلفة، وإلاّ فإنّه مع تعدد المنابع التي تنهل منها القوانين لا يمكن أن توضع قوانين منسجمة ومتناسقة.
وعلى هذا فمن المناسب اختيار مذهب واحد من بين المذاهب الإسلاميّة المختلفة بعنوانه أساساً لتدوين القوانين للحيلولة دون حصول الخلل والتبعثر وعدم الانسجام في قوانين الدولة، وتسهيل الطريق لسَنِّ قوانين متّفقة ومتّسقة في مختلف المجالات الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة وغيرها.
الأساس والملاك في تعيين المذهب الجعفري
وهنا يطرح سؤال آخر وهو: على أيّ أساس تمّ اختيار المذهب الجعفري من بين المذاهب الإسلاميّة المتعدّدة وجعله محوراً لقوانين الدولة ؟
وجوابه: إنّ الأغلبيّة الساحقة من سكّان الجمهوريّة الإسلاميّة هم من المسلمين ومن أتباع المذهب الجعفري، فهم يعيّنون وظائفهم الفرديّة والاجتماعيّة من خلال هذا المذهب لا غير. وعليه فمن الطبيعي جدّاً أن يكون المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الجعفري، وهذا لا ينافي شيئاً من الموازين المنطقيّة والحقوقيّة.
احترام المذاهب الإسلاميّة الاُخرى
القانون الأساسي للجمهوريّة الإسلاميّة وإن كان وفقاً للمذهب الجعفري، لكن لوحظ فيه احترام جميع المذاهب الإسلاميّة الاُخرى من الشافعيّة والمالكيّة والحنفيّة والحنبليّة والزيدية وغيرها، بل روعيت فيه حقوق أتباع المذاهب الاُخرى في أداء ما يلي وفقاً لمذاهبهم وفقههم:
١- أداء الشعائر الدينيّة والمذهبيّة.
٢- التعليم والتربية الدينية.
٣- أداء الأفعال الفرديّة.
٤- الأحكام المذهبيّة الخاصّة ; كالزواج، والطلاق، والإرث، والوصيّة، وغيرها.
مضافاً إلى ذلك كلّه فإنّ المدن التي غالبيّة سكّانها من أحد المذاهب الاُخرى تعطى بعض الصلاحيّات لمسؤوليها وفقاً للمذهب الغالب في تلك المدينة، ضمن إطار صلاحيّات الهيئة المشرفة على البلديّة، في نفس الوقت الذي تحفظ فيه حقوق المذاهب الاُخرى.
ولأجل رفع الإبهام وإيضاح المسألة بنحو أكثر نذكر الأصل الثاني عشر من الفصل الأوّل من فصول القانون الأساسي للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة:
«الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب هو المذهب الجعفري الإثني عشري، وهذا الأصل لا يقبل التغيير إلى الأبد. وأما المذاهب الإسلاميّة الاُخرى من الحنفيّة والشافعيّة والمالكيّة والحنبليّة والزيدية فإنّ لها الاحترام الكامل، ولأتباع هذه المذاهب الحرّية التامّة في أداء شعائرهم الدينيّة والمذهبيّة طبقاً لمذاهبهم وفقههم، وفي التعليم والتربية الدينيّة، والأحوال الشخصيّة (كالزواج، والطلاق، والإرث، والوصيّة)، والدعاوى المتعلّقة بها في المحاكم لها صفة رسميّة. وتكون القوانين المحليّة - ضمن إطار صلاحيّات الهيئة المشرفة على البلديّة - في كلّ مدينة غالبيّة سكّانها من أحد المذاهب الاُخرى وفقاً لذلك المذهب مع حفظ حقوق المذاهب الاُخرى».
فعلى ضوء هذا الأصل تتّضح مكانة ومنزلة المذاهب الاُخرى ومدى احترامها في نظر القانون الأساسي للجمهوريّة الإسلاميّة.
السؤال الثالث والثلاثون
هل يعتقد الشيعة وجوب صلاة الوتر ؟
الجواب:
صلاة الوتر إحدى النوافل والصلوات الليليّة التي يرى المسلمون وأتباع النبيّصلىاللهعليهوآله استحبابها. لكن تبعاً للروايات الشريفة ذكر فقهاء الشيعة بعض الاُمور بعنوان أنّها «خصائص النبيّصلىاللهعليهوآله »، ومنها وجوب صلاة الوتر عليهصلىاللهعليهوآله .
فذكر العلاّمة الحلّيقدسسره في كتابه «تذكرة الفقهاء» حوالي سبعين خصّيصة للنبيصلىاللهعليهوآله ، فقال في أوّل كلامه:
«لا شكّ أنّ الله تعالى شرّف رسوله محمّداً عليه ] وآله [ أفضل الصلاة والسلام، وميّزه عن سائر خلقه بأن خصّه بأشياء فرضها عليه دون خلقه... فأما الواجبات عليه دون غيره من اُمّته اُمور:
(أ) السواك.
(ب) الوتر.
(ج) الاُضحية.
روي عنهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: «ثلاث كتبت عليّ ولم تكتب عليكم; السواك، والوتر، والاُضحية...»(١) .
____________________
(١) تذكرة الفقهاء، ج ٢، ص ٥٦٥ كتاب النكاح، المقدمة الرابعة.
فعلى هذا يعتقد الشيعة وجوب صلاة الوتر على النبيّصلىاللهعليهوآله واستحبابها للمسلمين عامّة.
السؤال الرابع والثلاثون
هل الاعتقاد بقدرة أولياء الله الغيبيّة توجب الشرك ؟
الجواب:
من الواضح أنّ كلّ إنسان حينما يطلب شيئاً من آخر فهو يعتقد أنّه قادر على الإتيان به، وهذه القدرة على نوعين:
أ - أن تكون قدرته على الإتيان بالشيء قدرة مادّية ; نظير طلبنا من شخص الإتيان بقدح من الماء.
ب - أن تكون قدرته على الإتيان بالشيء قدرة غيبيّة وخارجة عن نطاق المادّة ; نظير اعتقادنا بأنّ عبداً مخلصاً لله كعيسى بن مريم له القدرة على علاج ما يعجز عنه الأطبّاء، فبِنَفَسه المبارك يداوي المرضى.
فمن الواضح أنّ هذه القدرة الغيبيّة التي نعتقد بها إذا كانت معتمدة على قدرة الله سبحانه وإرادته فلا تنافي التوحيد بل هي نظير الاعتقاد بالقدرة المادّية، فكلاهما موهبة من الله سبحانه، فكما أعطى سبحانه الناس هذه القدرة المادّية، كذلك أعطى هذه القدرة الغيبيّة لبعض عباده المخلصين.
ولتوضيح الجواب نقول: الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لأولياء الله سبحانه يمكن أن تتصوّر على نحوين:
أ - الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لشخص مع اعتقاد استقلاله في القدرة، بحيث ننسب الفعل الإلهي إليه مستقلاًّ.
فلا شكّ ولا ريب أنّ الاعتقاد بالقدرة الاستقلاليّة عن قدرة الله سبحانه بهذا النحو شركٌ بالله ; وذلك أنّه يجعل غير الله منشأً للقدرة بالأصالة والاستقلال، وينسب الفعل الإلهي إليه، مع أنّ الباري عزّ اسمه هو القادر وهو المنشئ لجميع أنواع القدرة.
ب - الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لبعض أولياء الله المخلصين مع الاعتقاد بأنّها نابعة من قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنّ أفعال أولياء الله هذه بإذنه سبحانه، وأنّهم ليسوا إلاّ وسائط لظهور هذه القدرة وتجلّيها، وليس لهم قدرة مستقلّة عن قدرته عزّوجلّ، بل هم معتمدون في وجودهم وفي قدرتهم على فعل هذه الأفعال على الباري سبحانه وتعالى.
ومن الواضح أنّ مثل هذا الاعتقاد لا يوجب شركاً، فاعتقاد هذا النحو من القدرة ليس اعتقاداً بالوهيّة هؤلاء الأولياء، وليس فيه نسبة الأفعال الإلهيّة لهم، فإنّ هؤلاء الأولياء الصالحين فعلوا هذه الأفعال بقدرتهم الغيبيّة التي وهبها الله لهم، وقد فعلوها بإذنه تعالى وبإرادته التي لا تتخلّف.
قال تعالى في كتابه الكريم والذكر الحكيم:
( وَ ما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ ) (١) .
وبهذا البيان المختصر اتّضح أنّ هذه العقيدة لا توجب الشرك، بل هي منسجمة تماماً مع التوحيد.
____________________
(١) الرعد: ٣٨.
القدرة الغيبيّة لأولياء الله في نظر القرآن
ذكر الكتاب العزيز صراحة أسماء جملة من أولياء الله المخلصين الذين كانوا يتمتّعون بهذه القدرة الغيبيّة بإذن الله سبحانه، وإليك فيما يلي بعض الفقرات من الذكر الحكيم في هذا المجال:
١ - القدرة الغيبيّة لموسىعليهالسلام
أمر الباري سبحانه نبيّه موسىعليهالسلام أن يضرب الصخرة بعصاه لتتفجّر منها عيون الماء الزلال، وذلك قوله:
( وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا ) (١) .
٢ - القدرة الغيبيّة لعيسىعليهالسلام
ذكرت القدرة الغيبيّة لعيسىعليهالسلام في القرآن الكريم في مواضع عديدة، نشير إلى نموذج منها:
( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَ أُبْرِئُ الاَكْمَهَ وَ الاَبْرَصَ وَ أُحْيِي الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ... ) (٢) .
٣ - القدرة الغيبيّة لسليمانعليهالسلام
يبيّن القرآن الكريم القدرات الغيبيّة التي وهبها الله لنبيّه سليمانعليهالسلام بقوله:
( وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) (٣) .
____________________
(١) البقرة: ٦٠.
(٢) آل عمران: ٤٩.
(٣) النمل: ١٦.
فلا ريب أنّ ما صدر عن موسىعليهالسلام من تفجير عيون الماء من الصخرة الصلدة بسبب ضربها بعصاه الخفيفة، وما صدر عن عيسىعليهالسلام من خلق الطير من الطين، ومعالجة المرضى الذين عجز الأطبّاء عن علاجهم، وإحياء الموتى، وما صدر عن سليمانعليهالسلام من فهم منطق الطير، كلّها اُمور خارقة للعادة، وخارجة عن المجرى الطبيعي للاُمور، وهي نوع من تنفيذ القدرة الغيبيّة.
فهل يعدّ اعتقادنا بقدرة أولياء الله الغيبيّة شركاً وبدعة في الدين، والحال أنّ القرآن الكريم يصرّح ويصدع بهذه الآيات البيّنة لبيان قدرتهم الغيبيّة ؟ !
وبهذا يتّضح جيداً أنّ الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لأولياء الله الصالحين لا تعني الاعتقاد بالوهيّتهم، ولا تعني نسبة الأفعال الإلهيّة إليهم، وإلاّ فإنّه يلزم منه القول بأنّ موسى وعيسى وسليمانعليهمالسلام وغيرهم آلهة بحسب النظرة القرآنيّة، مع أنّ جميع المسلمين يعلم بأن القرآن يعدّ الأنبياء عبيداً مخلصين لله سبحانه وتعالى.
وبهذا اتّضح إلى هنا أنّ الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لأولياء الله المخلصين إذا كانت مستندة إلى قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنّ أولياء الله وسائط لظهور هذه القدرة وتجلّيها، فلا توجب شركاً، بل هي منسجمة مع التوحيد تماماً، فإنّ المعيار في التوحيد هو أن ننسب جميع ما في الكون من القدرة لله سبحانه وتعالى، وأن نعتقد أنّه تعالى المنشئ والمفيض لأنواع القدرة والحركة على المخلوقات.
السؤال الخامس والثلاثون
لماذا تقولون أنّ مقام الإمامة أرفع من مقام النبوّة ؟
الجواب:
للإجابة على هذا السؤال لابدّ من بيان المعنى الدقيق للعناوين التالية لورودها في القرآن الكريم والروايات الشريفة: «النبوّة»، «الرسالة»، «الإمامة»، ليتضح سبب رفعة مقام الإمامة على النبوة والرسالة.
١- مقام النبوّة
لفظ «النبيّ» مشتقّ من مادّة «نبأ»(١) ، والنبأ هو الخبر المهمّ، وعليه فمعنى «النبيّ» هو الحامل للخبر المهم أو المخبر به. ويطلق النبيّ في الاصطلاح القرآني على الإنسان الذي يتلقّى الوحي عن الله عزّوجلّ، فيخبر الناس عن الله من دون واسطة اُخرى من البشر، ولهذا فقد عرّف العلماء النبيّ بما يلي:
«هو الذي يؤدّي عن الله تعالى بلا واسطة من البشر»(٢)
فعلى هذا الأساس تكون وظيفة النبيّ مشخّصة ومحدّدة في هذا الإطار ; وهو تلقّي الوحي من السماء، وإبلاغ الناس ما اُوحي إليه، ولهذا فإن القرآن الكريم يقول في هذا المضمار:
( فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ ) .
____________________
(١) قال الجوهري: النَبِيءُ: المُخْبِر عن اللّه عزّوجلّ، مَكِّيَّةٌ، لأَنه أَنْبَأَ عنه، وهو فَعِيلٌ بمعنى فاعِل. وفي النهاية: فَعِيل بمعنى فاعِل للمبالغة من النَّبَإِ ; الخَبَر، لأَنه أَنْبَأَ عن الله ; أَي أَخْبَرَ. قال: ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه (لسان العرب: ١ / ١٦٢ / نبأ).
(٢) التبيان للشيخ الطوسي، ج ٤، ص ٤٧٤. النكت الإعتقادية للشيخ المفيد، ص ٣٤. روضة الواعظين، ص ٤٩.
٢ - مقام الرسالة
يطلق مصطلح الرسول في قاموس الوحي على النبيّ الذي عليه مسؤوليّتان ; تلقّي الوحي من السماء وإبلاغ الناس به، ومسؤوليّة تبليغ الرسالة الإلهيّة الملقاة على عاتقه إلى الناس. يقول القرآن الكريم في هذا المضمار:
( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (١) .
وبهذا يتّضح أنّ مقام الرسول غير مقام النبيّ، وأنّ الرسالة مقام يمنح للنبيّ. وبعبارة اُخرى: أنّ النبوّة والرسالة عنوانان يشيران إلى خصوصيّات الأنبياء، فالنبوّة باعتبار أنّ النبيّ حامل للأنباء والأخبار عن الله عزّوجلّ، والرسالة باعتبار أنّ النبيّ مبلّغ للرسالة الإلهيّة.
فنستنتج من مجموع ما ذكر أنّ مهمّة الأنبياء والمرسلين هي بيان الأحكام من الحلال والحرام وهداية الناس إلى طريق السعادة، وليس لهم مهمّة غير إخبار الناس وإبلاغ الرسالة.
٣ - مقام الإمامة
مقام الإمامة في النظرة القرآنيّة غير مقامي النبوّة والرسالة، ومقام الإمامة يلازم منح الصلاحيّات الكثيرة للإمام لأجل قيادة وإدارة الاُمّة.
وإليك فيما يلي الأدلّة الواضحة على ما ذكرناه من خلال الآيات الشريفة:
١- ذكر القرآن الكريم في شأن منح إبراهيم الخليلعليهالسلام مقام الإمامة:
( وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٢) .
____________________
(١) البقرة: ٢١٣.
(٢) المائدة: ٩٢.
فالآية الكريمة تبيّن أمرين:
أ - تدلّ الآية بوضوح على مغايرة الإمامة لمفهومي النبوّة والرسالة ; وذلك أنّ إبراهيمعليهالسلام كان نبيّاً قبل جعله إماماً بسنين كثيرة، ومرّ بامتحانات عسيرة، منها عزمه على ذبح ولده إسماعيلعليهالسلام . والدليل على أنّ إبراهيمعليهالسلام كان نبيّاً قبل جعله إماماً هو:
إنّنا نعلم أنّ إبراهيمعليهالسلام لم يكن له ولد، وإنّما رزق إسماعيل وإسحاقعليهماالسلام في سنّ الكهولة من عمره، فالقرآن الكريم يقول عن لسان إبراهيم:
( اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ ) (١) .
فمن هنا يعلم أنّ امتحان إبراهيمعليهالسلام بذبح إسماعيلعليهالسلام - والذي كان بعد مروره بامتحانات عسيرة اُخرى - هو الذي هيّأه لمقام الإمامة، وقد نال مقام الإمامة في أواخر أيام حياتهعليهالسلام ، مع أنّه كان نبيّاً قبل ذلك بسنين متطاولة ; حيث اُوحي إليه قبل أن يرزق ذرّية، والوحي علامة النبوّة(٢) .
ب - يستفاد من قوله تعالى:( وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا ) أنّ مقام الإمامة الإلهيّة وقيادة الاُمّة في مرتبة أعلى وأرفع من مرتبة النبوّة والرسالة ; فإنّ القرآن الكريم يصرّح بأن إبراهيمعليهالسلام نال هذا المقام بعد أن كان رسولاً
____________________
(١) البقرة: ١٢٤.
(٢) إبراهيم: ٣٩.
نبيّاً وبعد أن ابتُلي ببلايا شديدة وامتحانات صعبة، وخرج منها مرفوع الرأس، مُنح له مقام الإمامة، وسبب ذلك واضح وهو أنّ مقام الإمامة أرفع من مقام النبوّة والرسالة ; فإنّ من وظائف مقام الإمامة مضافاً إلى تلقّي الوحي وتبليغ الرسالة هو قيادة الاُمّة، وإدارة شؤونهم بنحو صحيح في طريق الهداية لأجل إيصالهم إلى الكمال والسعادة، ومن الواضح أنّ هذا المقام مقام جليل رفيع، ولا يناله أحد إلاّ بعد المرور بامتحانات عسيرة ومتتالية.
٢ - يتّضح من الآية المتقدّمة أنّ إبراهيمعليهالسلام بعد أن نال مقام الإمامة الإلهيّة وقيادة الاُمّة بعد تلك الامتحانات طلب من الله عزّوجلّ أن يجعل هذا المقام والمنصب في ذرّيته. ومن الآيات الاُخرى الواردة في الكتاب الحكيم يتبيّن أنّ الله قد استجاب دعاء وطلب إبراهيمعليهالسلام ، وأنّه جعل الإمامة في صالحي نسله وذرّيته، فقال تعالى:
( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) (١) .
فيستفاد من الآية أنّ مقام الإمامة وقيادة الاُمّة غير مقام النبوّة والرسالة، وأنّ الله منح هذا المقام خليله إبراهيمعليهالسلام بعد ابتلائه بامتحانات عسيرة، فعندها طلب خليل الرحمن من ربّ العزّة أن يبقي الإمامة وقيادة الاُمّة في ذرّيته، فأبقى الله هذا المقام في صالحي ذرّيته، فأعطاهم) الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ (وهو رمز النبوّة والرسالة ،) وَ آتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (وهو مقام الإمامة وقيادة الاُمّة وزعامة الناس، وبهذا فقد لبّى طلب إبراهيمعليهالسلام ، ولهذا نجد أنّ بعض ذرّيته - كيوسف، وداود، وسليمان - كانوا قادة للاُمّة وأئمّة مضافاً إلى كونهم أنبياء.
____________________
(١) النساء: ٥٤.
وبهذا يتّضح أنّ مقام الإمامة غير مقام النبوّة والرسالة. ولأهمّيّة مقام الإمامة وسعة الصلاحيّات المعطاة للإمام فإن مقام الإمامة أرفع من مقام النبوّة.
رفعة منزلة الإمامة
اتّضح من البيانات السابقة أنّ مهمّة النبيّ والرسول - باعتبارهم أنبياء ورسل - هي إيضاح طريق الحقّ والهداية للناس، ومتى ما نال النبيّ أو الرسول مقام الإمامة تحمّل عبء مسؤوليّة أكبر، وبالتالي تحمّل أعباء مسؤوليّة تحقيق الأهداف السماوية، وتطبيق الأحكام الشرعيّة، لتحقيق مجتمع سعيد ومثالي، ويقود الاُمّة في طريق يضمن لها فيه سعادة الدارين ; الدنيا والآخرة.
ومن الواضح أنّ تحمّل مسؤوليّة خطيرة كهذه بحاجة إلى مؤهّلات خاصّة، وقدرة معنوية فائقة، واستعداد على مستوى رفيع، فإن القيام بهذه المهمّة الصعبة يلازم مواجهة المشاكل الكثيرة، ويحتاج إلى مقاومة الأهواء، والصبر على الأذى في سبيل الله سبحانه، ولا يمكن تحقّقها من دون وجود المحبّة الإلهيّة في القلب، والفناء في ساحة رضاه تقدّست أسماؤه.
ومن هنا فإنّ الله سبحانه لم يمنح إبراهيمعليهالسلام هذا المقام إلاّ بعد امتحانه الشديد، وابتلائه المتتالي، وفي آخر سنين عمره الشريف. ولهذا فلم يتزيّن بهذا المقام إلاّ عباد الله المخلصين، كنبيّنا الأكرمصلىاللهعليهوآله ، ولم تودع قيادة الاُمّة إلاّ إلى هؤلاء.
هل يوجد تلازم بين النبوّة والإمامة ؟
يطرح السؤال التالي نفسه وهو أنّ النبيّ الذي وصل إلى مقام النبوّة هل يجب أن يكون إماماً ؟ والإمام الذي وصل إلى مقام الإمامة هل يجب أن يكون نبيّاً ؟
وجواب هذا السؤال بكلا شطريه هو النفي. وإليك فيما يلي توضيح الجواب من خلال آيات الكتاب العزيز.
فيتّضح من الآيات النازلة في بيان قتال طالوت وجالوت أنّ الله سبحانه وتعالى جعل النبوّة بعد موسىعليهالسلام في رجل اسمه «اشموئيل»، مع أنّ مقام الإمامة وقيادة الاُمّة كانت في عاتق طالوت، وإليك تفصيل الكلام:
بعد رحيل النبيّ موسىصلىاللهعليهوآله قال طائفة من بني إسرائيل لنبيّ زمانهم:
( ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) (١) .
فقال لهم نبيّهم:
( وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (٢) .
فيستفاد من الآية المذكورة ما يلي:
١ - من الممكن أن توجب المصلحة انفكاك النبوّة عن الإمامة وقيادة الاُمّة، فتكون النبوّة في شخص، والإمامة وقيادة الاُمّة في شخص آخر، وكلاهما في زمان واحد، وكلّ منهما يليق بمنصبه. ولم يعترض بنو إسرائيل على تفكيك أحد هذين المنصبين عن الآخر ; بأن يقولوا: أيّها النبيّ أنت أولى وأليق بمقام الإمامة وقيادة الاُمّة. وإنما قالوا في مقام الاعتراض: نحن أولى وأليق منه بمقام القيادة.
____________________
(١) البقرة: ٢٤٦.
(٢) البقرة: ٢٤٧.
٢- إنّ المقام الذي حازه طالوت كان من عند الله وبفضل الله سبحانه، وذلك قوله:
( إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا ) .
وقال أيضاً:
( إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ ) .
٣- إنّ منصب ومقام طالوت لم يكن منحصراً في قيادة الجيش، بل كان قائداً لبني اسرائيل، وذلك بشهادة قوله تعالى:) مَلِكًا (، وإن كان الهدف الرئيسي من قيادة بني إسرائيل هو قيادتهم للجهاد في سبيل الله، ولكن منصبه الإلهي كان يسمح ويجيز له أن يتصرّف بما يليق بالحكومة بشهادة آخر الآية وهو قوله تعالى:
( وَ اللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ )
٤- إنّ أهم شرط من شرائط الإمامة والقيادة هو العلم الواسع، والقدرة في الجسم، والمؤهلات المعنوية. وخصوصاً للقادة في ذلك الزمان الذين كانوا يقودون الجيوش، ويجاهدون معهم.(١)
فاستبان مما مرّ أنّه لا تلازم بين النبوّة والإمامة، وأنّه يمكن انفصالهما فتكون النبوّة في شخص ولا يكون إماماً وقائداً للاُمّة، أو أن تكون الإمامة الإلهيّة وقيادة الاُمّة في شخص ولا يكون نبياً. ويمكن أن يجتمع المقامان في شخص واحد له أهليّة كلا المقامين، كما يقول تعالى:
( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ) (٢) .
____________________
(١) اقتباس من كتاب «منشور جاويدان» للشيخ السبحاني.
(٢) البقرة: ٢٥١.
السؤال السادس والثلاثون
ما هو المعيار في معرفة التوحيد من الشرك ؟
الجواب:
من أهم المسائل المطروحة في مباحث التوحيد والشرك هو معرفة المعيار فيهما، وما دام هذا السؤال باقياً من دون إجابة فلا يمكن الإجابة عن بعض الأسئلة الاُخرى المبنيّة عليه أيضاً، فالإجابة عن هذا السؤال بمنزلة الأساس لغيره من الأجوبة أيضاً. ومن هنا سنطرح فيما يلي مسائل التوحيد والشرك بصورة مختصرة:
١- التوحيد في الذات
التوحيد في الذات يطرح بشكلين، هما:
أ- إنّ الله واحد، وليس له مثيل أو نظير، وهو التوحيد الذي ذكره الباري في كتابه العزيز بصور مختلفة، كقوله تعالى:
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (١) .
وقوله في موضع آخر:
( وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (٢) .
لكن قد يفسّر هذا التوحيد الوارد في الآية بتفسير ساذج ينسجم مع أذهان عوامّ الناس، فيأخذ صبغة التوحيد العددي ; وهو أن يقال: إنّ الله واحد لا إثنان.
____________________
(١) الشورى: ١١.
(٢) التوحيد: ٤.
ومن الواضح أنّ التوحيد العددي لا يناسب مقام العظمة الإلهيّة.
ب - أنّ الذات الإلهيّة بسيطة لا تركيب فيها، فإنّ التركيب في الموجود دليل على حاجته، سواء كان التركيب في الأجزاء أو كان التركيب ذهنيّاً ; لأنّ التركيب في موجود معيّن دليل على حاجته إلى أجزائه، والحاجة علامة الإمكان، والإمكان يلازم الحاجة إلى العلّة، وكلّ ذلك ينافي وجوب الوجود.
٢- التوحيد في الخالقيّة
التوحيد في الخالقيّة هو أحد مراتب التوحيد، وقد أيّده العقل والنقل. فدلّ العقل على أنّ كلّ ما في عالم الإمكان من الموجودات فهو عار عن كلّ جمال وكمال، وأنّ كلّ جمال وكمال في الوجود فهو من منبع الفيض، أعني الغني بالذات، واجب الوجود. فكلّ ما نشاهده من الجمال والكمال فهو جماله وكماله تقدّست أسماؤه.
وأمّا النقل فقد دلّت الآيات الكثيرة بصراحة على هذا النوع من التوحيد، نظير قوله تعالى:
( قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ ) (١) .
فعلى هذا لا يمكن أن يتصوّر خلاف في أصل التوحيد في الخالقيّة.
نعم، يوجد تفسيران للتوحيد في الخالقيّة، هما:
أ - إنّ كلّ ما في الوجود من نظام العلّيّة والمعلوليّة أو الأسباب والمسبّبات بين الموجودات فلابدّ أن ينتهي إلى علّة أصيلة هي علّة العلل، ومسبّبة الأسباب، هو الخالق المستقلّ والأصيل لتمام
____________________
(١) الرعد: ١٦. ونظير الآية ١٠٢ من سورة الأنعام:( ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء ) .
المخلوقات، وهو الله سبحانه وتعالى، وتأثير ما عداه في معلولاته تأثير بالتبع وبإذن الله ومشيئته.
فالأساس الذي اعتمدته هذه النظريّة هو نظام العلّيّة والمعلوليّة في الوجود، الذي توصّل إليه العلم أيضاً. وفي نفس الوقت اعترفت هذه النظريّة بأن جميع الكون متعلّق بنحو من الأنحاء بالله سبحانه، فهو الذي أبدع هذا النظام وهذا العالم، وهو الذي أفاض السببيّة على الأسباب، والعلّيّة على العلل والتأثير على المؤثّرات.
ب - إنّه لا يوجد في الوجود إلاّ خالق واحد وهو الله سبحانه وتعالى، ولا تأثير في الوجود لشيء على شيء، وإنّما التأثير منحصر في الباري جلّ وعلا، فهو المؤثّر في جميع الأشياء من دون واسطة، فجميع الظواهر الطبيعيّة من آثاره سبحانه بلا واسطة شيء آخر، حتى إنّ قدرة البشر في الأفعال لا تأثير لها أيضاً.
وعلى هذا فليس في الوجود إلاّ علّة واحدة هي الله سبحانه وتعالى، بل إنّ الله سبحانه هو القائم مقام جميع العلل الطبيعيّة التي توصّل إليها العلم.
لكن هذا التفسير للتوحيد في الخالقيّة إنّما يقول به بعض علماء الأشاعرة، وأنكره آخرون منهم ; نظير إمام الحرمين(١) ، والشيخ محمّد عبده في رسالته في التوحيد، حيث وافقوا التفسير الأوّل للتوحيد.
٣- التوحيد في التدبير
____________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني، ج ١.
لما كان الخلق منحصراً في الباري جلّ وعلا، كان تدبير نظام الوجود منحصراً فيه أيضاً، ففي الوجود لا مدبّر إلاّ الله سبحانه وتعالى.
والدليل العقلي الذي يثبت التوحيد في الخالقيّة بنفسه يُثبت التوحيد في التدبير أيضاً.
وأما الدليل النقلي، فقد دلّ القرآن الكريم في آيات عديدة على أنّ المدبّر الوحيد في العالم هو الله سبحانه وتعالى، كقوله تعالى:
( قُلْ أَ غَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْء ) (١) .
ويجري نفس التفسيرين اللذين ذكرناهما للتوحيد في الخالقيّة هنا، ففي نظرنا أنّ المراد من التوحيد في التدبير هو انحصار التدبير الاستقلالي به سبحانه وتعالى. وعليه فالتدبير بين الموجودات المختلفة في العالم كلّها تدبيرات بالتبع، وكلّها بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله:
( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا ) (٢) .
٤- التوحيد في الحاكميّة
التوحيد في الحاكميّة تعني أنّ الحكومة كحقّ ثابت لا يمكن إزالته مختصّة بالله سبحانه وتعالى، فهو الوحيد الذي له الحكم على الأفراد، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم بقوله:
( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ ) (٣) .
____________________
(١) الأنعام: ١٦٤.
(٢) النازعات: ٥.
(٣) يوسف ٤٠، والأنعام: ٥٧.
وعلى هذا الأساس يجب أن تكون حكومة الآخرين بمشيئته وإرادته سبحانه، كي يقود الصالحون الناسَ إلى الهداية، ويوصلوهم إلى شاطئ السلام، وينزلوهم منازل السعادة والكمال، كما يقول تعالى:
( يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ ) (١) .
٥- التوحيد في الطاعة
التوحيد في الطاعة يعني أنّ من تجب طاعته ويلزم اتّباعه بالذات هو الله سبحانه وتعالى. وعليه فطاعة غيره من نبيّ، أو إمام، أو فقيه، أو والد ووالدة، أو...كلّها بأمره وإرادته سبحانه وتعالى.
٦- التوحيد في التقنين والتشريع
التوحيد في التقنين يعني أنّ حقّ التشريع ووضع الأحكام والقوانين مختصّ به سبحانه. ومن هنا فإن القرآن الكريم يصف الحكم الذي يخرج عن إطار التشريع الإلهي بأنه سبب للكفر تارة، وللفسق اُخرى، وللظلم ثالثة، وذلك حين يقول:
( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) (٢) .
( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٣) .
( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) (٤) .
____________________
(١) ص: ٢٦.
(٢) المائدة: ٤٤.
(٣) المائدة: ٤٧.
(٤) المائدة: ٤٥.
٧ - التوحيد في العبادة
أهم بحث في هذا النوع من التوحيد هو تحديد معنى العبادة ; فإن جميع المسلمين متفقون على اختصاص العبادة بالله، ولا يجوز عبادة غيره، وهو ما أكّده القرآن الكريم بقوله:
( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) (١) .
ويستفاد من الآيات الكريمة وجود أصل تشترك فيه دعوة جميع الأنبياء، وتمام سفراء الله سبحانه الذين بعثهم لتبليغ الأديان، فالقرآن الكريم يصرّح بقوله:
( وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ ) (٢) .
فهذه الآية تبيّن وجود أصل متّفق عليه بين الرسل وهو أنّ العبادة مختصّة بالله سبحانه، ولا يجوز عبادة غيره. وعليه فلا كلام في هذه الجهة ; لعدم الخلاف فيها.
إنّما الكلام في المعيار الذي نشخّص به العبادة عن غيرها. فمثلاً تقبيل يد المعلّم، أو يد العالم، أو يد أحد الوالدين، أو أمثالهم من ذوي الحقوق، هل يعدّ عبادة لهم ؟ أم أنّ معنى العبادة ليس هو مطلق الخضوع والتذلّل، وإنّما يجب أن يتوفّر في الخضوع عنصر آخر كي يكون عبادة، وما لم يتوفّر هذا العنصر في حقيقة العمل فلا يعدّ عبادة، حتى لو كان الخضوع في حد السجود.
والآن يجب معرفة هذا العنصر الذي به يكون الخضوع عبادة، وهذه المسألة مهمّة للغاية.
____________________
(١) الفاتحة: ٥.
(٢) النحل: ٣٦.
الفهم الخاطئ للعبادة
عرّف بعض الكتّاب العبادة بأنها «الخضوع»، أو «الخضوع الشديد». فواجهوا مشكلة في تفسير جملة من الآيات الكريمة، حيث صرّح القرآن الكريم بأننا أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، وذلك قوله تعالى:
( وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاِدَمَ ) (١) .
فالسجود لآدمعليهالسلام كان بنفس الطريقة والهيئة التي كانوا يسجدون فيها لله سبحانه، والحال أنّ السجود الذي سجدوه لآدم كان لإظهار وإبراز التواضع، بخلاف سجودهم لله فإنّه عبادة.
فيقع السؤال التالي: لماذا اختلفت حقيقة هذين السجودين مع اتّحادهما في الهيئة ؟
ويبيّن الباري في موضع آخر من الذكر الحكيم أثناء سرده قصّة يوسفعليهالسلام أنّ يعقوبعليهالسلام سجد لولده، حيث يقول:
( وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ) (٢) .
والمراد من الرؤيا في الآية هو ما رآه يوسفعليهالسلام قبل ذلك في المنام حيث رأى أحد عشر كوكباً و الشمس و القمر له ساجدين، والذي ذكره الباري عن لسان يوسف بقوله:
____________________
(١) البقرة: ٣٤.
(٢) يوسف: ١٠٠.
( يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (١) .
فمن تفسير يوسفعليهالسلام وتأويله سجود أبيه وأهله له بما رآه سابقاً في المنام، يتّضح أنّ المراد من( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ) هو إخوته الأحد عشر والمراد من( الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ ) هو والديه.
وبهذا يتّضح أنّه لم يكن السجود ليوسف من قبل إخوته فقط، وإنّما سجد له أبوه يعقوبعليهالسلام أيضاً وهو نبيّ معصوم.
فهنا يقع السؤال التالي: لماذا لم يكن هذا السجود - والذي فيه تمام الخضوع - عبادة ؟
عذرٌ هو أقبح من الفعل
تحيّر الكتّاب المشار إليهم سابقاً في الجواب عن هذا السؤال، فقالوا: لمّا كان هذا الخضوع بأمر الله سبحانه وتعالى لم يكن شركاً.
لكنّ هذا الجواب ليس بناضج كما هو واضح ; فإنّ الله لا يأمر بالعمل إذا كانت حقيقته شركاً. فالقرآن الكريم يقول:
( قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٢) .
وأساساً فإن أمر الله بالشيء لا يغيّر حقيقة الشيء، فإذا كانت حقيقة الخضوع لإنسان عبادةٌ له، ومع ذلك فقد أمر به الباري سبحانه، فنتيجته هو الأمر بعبادته.
جواب الإشكال وبيان المعنى الحقيقي للعبادة
____________________
(١) يوسف: ٤.
(٢) الأعراف: ٢٨.
اتّضح لحدّ الآن أنّ حرمة عبادة غير الله من موارد اتّفاق جميع المسلمين، وجميع الموحّدين لله سبحانه. كما اتّضح أنّ سجود الملائكة لآدمعليهالسلام ، وسجود يعقوبعليهالسلام وأولاده ليوسفعليهالسلام لم يكن عبادة لهما.
والآن لنتأمّل في السبب الحقيقي الذي جعل فعلاً واحداً له نفس الخصوصيّات عبادة تارة، وخارجاً عن نطاق العبادة اُخرى.
بمراجعة الآيات الكريمة يتّضح لنا أنّ العبادة هي الخضوع أمام موجود معيّن مقترناً مع اعتقاد اُلوهيّته، أو نسبة الأفعال الإلهيّة إليه. ومن خلال هذا البيان يتّضح أنّ العنصر الرئيسي الذي يجعل الخضوع عبادة تارة ويخرجه عن حيّز العبادة اُخرى هو اعتقاد اُلوهيّة ذلك الذي يخضع له، أو أن ينسب الأفعال الإلهيّة إليه، فإذا اقترن الخضوع بهذا الاعتقاد اكتسب صبغة العبادة.
فكان مشركو العالم - سواء من كان منهم في شبه الجزيرة العربيّة أو غيرها - يخضعون لأصنام وموجودات يعتقدون أنّها مخلوقة لله، لكنّهم مع ذلك يعتقدون أنّ بعض الأفعال الإلهيّة - كغفران الذنوب والشفاعة - موكلة إليهم.
كما كان بعض مشركي بابل يعبدون أجراماً سماويّة يعتقدون أنّها أرباب لهم - لا أنّها خالقة لهم - وإنّما يعتقدون أنّها المدبّرة لشؤونهم، والمسيّرة لهذا العالم، وأنّ أمر الناس موكل إليهم، ولهذا فإنّ مناظرة نبيّ الله إبراهيم الخليلعليهالسلام مع مشركي بابل كانت على هذا الأساس ; فإنّه لم يكن من عقيدة مشركي بابل أنّ الشمس والقمر والنجوم آلهة خالقة لهم، وإنّما كان من عقيدتهم أنّ الشمس والقمر والنجوم مخلوقات قادرة، اُوكل لها إدارة الكون وتدبير الاُمور.
والآيات الكريمة التي ذكرت وبيّنت مناظرة نبيّ الله إبراهيم الخليلعليهالسلام مع مشركي بابل اعتمدت واتّكأت على لفظة «الربّ»، وهي تعني «الصاحب» و «المدبّر للمملوكات». فالعرب يسمّون صاحب البيت «ربّ البيت»
وصاحب المزرعة «ربّ المزرعة»، لأنّ تدبير اُمور البيت على عهدة صاحبه وتدبير اُمور المزرعة على عهدة صاحبها.
فالقرآن الكريم يصدع بأن الله سبحانه هو المدبّر الوحيد للكون، وبهذا فقد نهض الباري جلّ وعلا لمبارزة المشركين، ودعاهم إلى عبادة الله وحده بقوله عزّ من قائل:
( إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) (١) .
وقال في موضع آخر:
( ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْء وَكِيلٌ ) (٢) .
وقال في موضع ثالث:
( لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الاَوَّلِينَ ) (٣) .
وقال حاكياً عن لسان عيسىعليهالسلام :
( وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) (٤) .
فيعلم مما مضى بوضوح أنّه لا يمكن عدّ الخضوع الذي لا يقارنه اعتقاد الاُلوهيّة عبادة، حتى لو كان في أعلى درجات الخضوع والتذلّل. وكذا نسبة الأفعال الإلهيّة إلى مخلوق معيّن لا يمكن عدّها عبادة ما لم تقترن باعتقاد الاُلوهيّة.
فعلى هذا الأساس لا يكون خضوع الولد أمام أبيه واُمّه، وخضوع الاُمّة أمام النبيّصلىاللهعليهوآله عبادة ; لفقدانه القيد المذكور.
____________________
(١) آل عمران: ٥١.
(٢) الأنعام: ١٠٢.
(٣) الدخان: ٨.
(٤) المائدة: ٧٢.
وبهذا يتّضح الحال في كثير من المسائل نظير: التبرّك بآثار أولياء الله سبحانه، وتقبيل أضرحة وأبواب مشاهد الأئمّة والأولياء والصالحين، والتوسّل بأولياء الله وأحبّائه، ونداؤهم، وإحياء ذكريات ولاداتهم ووفياتهم، و... التي عدّها بعض الجهّال من الشرك، مع أنّه اتّضح بما ذكرناه أنّه ليس لها بالشرك صلة.
الفهرس
مقدّمة ٨
السؤال الأوّل أيّ نسختي حديث الثقلين صحيحة: «وعترتي» أم«وسنّتي» ؟ ١٠
السؤال الثاني ما المقصود من الشيعة ؟ ١٩
السؤال الثالث لماذا تقولون إنّ عليّاً عليهالسلام وصيّ النبيّ صلىاللهعليهوآله وخليفته ؟ ٢١
السؤال الرابع من هم الأئمّة ؟ ٢٤
السؤال الخامس لِم تعطفوا الآل على اسم النبيّ عند الصلاة عليه ؟ ٢٦
السؤال السادس لِم تسمّون أئمّتكم بالمعصومين ؟ ٢٧
السؤال السابع لِم تشهدون بالولاية لعليّ في الأذان ؟ ٢٩
السؤال الثامن من هو المهدي ولماذا تنتظرونه ؟ ٣٢
السؤال التاسع إن كانت الشيعة على حقّ فلماذا هم أقلّية بين المسلمين ؟ ٣٤
السؤال العاشر ما هي الرجعة، ولماذا تعتقدون بها ؟ ٣٧
السؤال الحادي عشر ما هي الشفاعة التي تعتقدون بها ؟ ٤٢
السؤال الثاني عشر هل طلب الشفاعة من الشفعاء شركٌ بالله ؟ ٤٥
السؤال الثالث عشر هل الاستعانة بغير الله شرك ؟ ٤٨
السؤال الرابع عشر هل دعاء ونداء الآخرين من الشرك بالله ؟ ٥٠
السؤال الخامس عشر ما هو البداء ولماذا تعتقدون به ؟ ٥٤
السؤال السادس عشر هل تعتقد الشيعة بتحريف القرآن ؟ ٥٧
السؤال السابع عشر ما هو رأي الشيعة في الصحابة ؟ ٦٥
السؤال الثامن عشر ما المراد من نكاح المتعة ولماذا يحكم الشيعة بحلّيته ؟ ٧١
السؤال التاسع عشر لماذا يسجد الشيعة على التربة ؟ ٧٩
السؤال العشرون لماذا يتبرّك الشيعة بأبواب وجدران المشاهد عند زيارتهم لها ؟ ٨٧
السؤال الحادي والعشرون هل الدين مفصول عن السياسة في نظر الإسلام ؟ ٩١
السؤال الثاني والعشرون لماذا يقول الشيعة إنّ «الحسن» و «الحسين» أولاد رسول الله صلىاللهعليهوآله ؟ ٩٧
السؤال الثالث والعشرون لماذا تعتقد الشيعة أنّ الخلافة بالنصّ ؟ ١٠١
السؤال الرابع والعشرون هل القَسَم بغير الله شركٌ ؟ ١٠٥
السؤال الخامس والعشرون هل التوسّل بأولياء الله شركٌ وبدعة ؟ ١٠٩
السؤال السادس والعشرون هل إحياء ذكرى ولادة أولياء الله شركٌ وبدعة ؟ ١١٤
السؤال السابع والعشرون لماذا يصلّي الشيعة الصلوات الخمس في ثلاثة أوقات ؟ ١١٨
السؤال الثامن والعشرون ما هي مصادر الفقه الشيعي ؟ ١٣١
السؤال التاسع والعشرون هل مات أبو طالب على الإيمان حتى تذهبوا لزيارته ؟ ١٤١
السؤال الثلاثون هل يعتقد الشيعة خيانة جبرئيل في إبلاغ الرسالة رسولَ الله صلىاللهعليهوآله بدل عليٍّ عليهالسلام ؟ ١٥٧
السؤال الحادي والثلاثون ما هو الملاك والمعيار في التقيّة ؟ ١٦٠
السؤال الثاني والثلاثون لماذا اعتبر القانون الأساسي للجمهوريّة الإسلاميّة المذهب الجعفري المذهب الرسمي؟ ١٦٣
السؤال الثالث والثلاثون هل يعتقد الشيعة وجوب صلاة الوتر ؟ ١٦٦
السؤال الرابع والثلاثون هل الاعتقاد بقدرة أولياء الله الغيبيّة توجب الشرك ؟ ١٦٨
السؤال الخامس والثلاثون لماذا تقولون أنّ مقام الإمامة أرفع من مقام النبوّة ؟ ١٧٢
السؤال السادس والثلاثون ما هو المعيار في معرفة التوحيد من الشرك ؟ ١٧٩
الفهرس ١٩٠